موسوعة الإمام الخوئی جلد 11

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

پسرشناسه : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

عنوان و نام پديدآور : المستند في شرح‌العروة‌الوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسوی‌الخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامام‌الخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسوعه‌الامام‌الخوئی.

شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :

وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری

يادداشت : عربی.

يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروه‌الوثقی" به چاپ رسیده است.

يادداشت : فهرست‌نویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.

يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).

يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).

يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).

يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).

يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).

يادداشت : عنوان عطف: شرح عروه‌الوثقی.

یادداشت : کتابنامه.

مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.

عنوان عطف : شرح عروه‌الوثقی.

عنوان دیگر : العروه‌الوثقی. شرح.

عنوان دیگر : شرح‌العروه‌الوثقی.

موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه‌الوثقی -- نقد و تفسیر

موضوع : فقه جعفری -- قرن 14

شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظم‌بن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.

شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.

شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)

رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف

رده بندی دیویی : 297/342

شماره کتابشناسی ملی : م‌79-21167

اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اطلاعات رکورد کتابشناسی : فهرست قبلی

المؤلف: الشيخ مرتضى البروجردي

الناشر: عصر الظهور

الطبعة: 3

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 1421 ه.ق

ISBN (ردمك): 964-6812-43-0

المكتبة الإسلامية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ

وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ

مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ

اشارة

الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی

الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی

تقرير الإبحاث

الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره

«1317 - 1413 ه»

الصلاة

تأليف: آية اللّه الشهيد الشيخ مرتضی البروجردي قدس سره

طبعة منقحة

مؤسسة الخوئي الإسلامية

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية

الجزء الحادي عشر

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+

تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م

المطبعة: نينوي

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

0 - 43 - 6812 - 964 : ISBN

Email:info@alkhoei.net

www.alkhoei.com

www.alkhoei.net

الصورة

-7-11

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ترجمة مقتضبة ونبذة مختصرة من حياة

اشارة

آية اللّه العظمى الشهيد الحاج الشيخ مرتضى البروجردي (قدس سره الشريف)

والده المعظم المرحوم آية اللّه العظمى الحاج الشيخ علي محمد البروجردي قدس سره (1315 - 1395ه) فقد كان من مراجع التقليد في زمانه.

دراسته:

اما الشهيد البروجردي فقد شرع بطلب العلم على يد والده وذلك في السادسة من عمره الشريف فقرأ المقدمات وانهى السطوح وحضر دروس البحث الخارج لكبار العلماء الحوزة العلمية في النجف الأشرف وأساتذتها من قبيل المرحوم آية اللّه الشيخ حسين الحلي وآية اللّه العظمى السيد محسن الحكيم غير أن اكثر دراسته كانت على يد استاذه الكبير استاذ الفقهاء والمجتهدين آية اللّه العظمى السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي فقد استفاد كثيراً من دروسه ومحاضراته سنين متطاولة حتى بلغ درجة الاجتهاد وحظى باعتماد استاذه عليه ورعايته الخاصة له. وقد اشتهر بين الفضلاء بحسن تلقيه لمطالب استاذه ودقة

ضبطه لها ولأجله وفق لتدوين تقريرات درس استاذه في حقلي الفقه والاصول مما يربوا على اربعين مجلداً وقد تم طباعة 16 مجلداً منها والتي تمثل تقريرات استاذه في الفقه تحت عنوان (مستند العروة الوثق) وبقيت الاجزاء الاخرى خطيه، فاصبحت هذه المجلدات محوراً تدور حولها رحى كثير من بحوث الفقه في

الحوزات العلمية وينتفع بها الفضلاء والاساتذة وقد شهد الكثير من الاكابر لاسيما استاذه بان ما كتبه حسن التعبير وافٍ كافٍ خالٍ من التطويل الممل والاختصار المخل وكان يظهر منه الولع الشديد في فهم المطالب العلمية اذا لم يكتف بما يطرح في مجلس البحث بل كان يحاور استاذه ويناقشه ويستمر النقاش احياناً لمدة طويله كما اشاره الى ذلك فى بداية كتاب الخمس حيث قال: (وقد حرت هذه المجموعة زيادة على ما افاده دام ظله في مجلس الدرس، ما استفدته منه بعد المذاكرة معه خارج الدرس). وقد نوّه به استاذه في عدة مواضع واشاد به كمفخرة من مفاخر الحوزة العلمية في النجف الاشرف وذلك في الوقت الذي كان يحتشد فيه درس هذا الاستاذ المتبحر بفضلاء الحوزه وعلمائها الذين قد وصل عددهم الى المئات وبعد ان قضى السنوات الطويلة في هذا الجو العلمي ونال فيه درجة الاجتهاد قرّر أن يكتفي بهذا المقدار من حضور درس استاذه، غير انه كان يواجه الرفض وعدم الرضا من قبل استاذه في كل مدة يصمم فيها على ترك الحضور وهذا يكشف عن وثاقة العلاقة والصلة العلمية بينهما ويبرز في نفس الوقت احترامه وخضوعه التام لرغبة استاذه ومن الخصائص البارزة لشهيدنا الكبير حين إلقاء دروسه ان كان يجمع بين دقة ومتانة المعنى وسهولة العبارة في وقت واحد اذ كان يتحاشى استخدام العبارات الصعبة المعقدة وبهذا يجعل المطالب العلمية الدقيقة سهلة التناول لتلامذته كان درسه الخارج في الفقه

والاصول من افضف دروس الحوزة العملية في النجف الاشرف في السنوات الاخيرة وقد كتب بعض فضلاء تلامذته تقریرات درسه. وبعد وفاة المرجع الكبير آية اللّه العظمى السيد الخوئي قدس سره كان اسمه مطروحاً للمرجعية وكان الطلب يتكرر عليه لنشر رسالته العملية ولكنه يصر على الامتناع حتى اذا ما اراد النزول عند رغبة الطالبين لم يمهله الظالمون فأردوه صريعاً يتشحط بدم الشهادة في السبعين من عمره المبارك. وقد سافر الى ايران سنة 1398 ه لزيارة مرقد ثامن الحجج الامام الرضا عليه السلام وكذلك زيارة قبر والده وطباعة بعض كتبه، فاستقبله أهالى بروجرد استقبالاً قل نظيره وكان يطلب احباؤه في الحوزات العلمية في كل من (قم) و(مشهد) و (طهران) و (بروجرد) البقاء فيها ولكنه كان يرفض ذلك اذ كان يرى وجوب المحافظة على كيان الحوزة العلمية في النجف الأشرف وعدم تضعيفها فقرر العودة إلى تلك الديار المقدسة وكان دائما يشعر بالمسؤولية في حفظ هذه الحوزة العلمية على الرغم من المشاكل العديدة والصعوبات الجمة وكان يرى بقاءه في النجف الاشرف للتدريس والبحث وإعداد وتخريج العلماء في حوزتها من الواجبات الملقاة على عاتقه وكان يُعدّ من العلماء المعدودين الذين رجحوا البقاء هناك وتحمل المشاكل والصعاب لا لشيء سوى الحفاظ على الحوزة المقدسة التي مر عليها اكثر من الف عام ولكي تبقى مصابيح العلم والفقاهة فيها كما في السابق مضيئة وهاجة، وقد كانت جميع وسائل هجرته إلى ايران مهيأة ولكنه كان لا يرى لنفسه مجوزاً في الهجرة وكان يقول: ان حفظ الحوزة المقدسة وبقاءها واستمرارها امانة في ايدي افراد معدودين أنا اقلهم.

ومن خصائصه: عدم اعتنائه بالدنيا وزخارفها وكان يحتاط غاية الاحتياط

في صرف الحقوق الشرعية فيدفعها حقوقاً شهرية الى طلاب الحوزة ويصرف لنفسه من الهدايا والنذورات التي كانت تقدم اليه مع رعاية الاقتصار الشديد ويوزع ما بقي منها بين الفقراء والمحتاجين. وكان الاهتمام بالمحرومين والمعدمين وخدمتهم وتقديم يد العون والمساعدة اليهم في ذلك الجو البائس وفي ظروف الفقر والحرمان من الأمور الذاتية له والتي لا تنفك عن شخصية هذا العالم الرباني مما جعل الجميع يبكي حزناً على فراقة. وكان له دور مهم في متابعة شؤون واحتياجات عوائل المسجونين والمعتقلين في زنزانات العراق لتأمين حاجاتهم الاساسية.

وأما ما يخص حبه وشدة ولائه لأهل بيت النبوة والعترة الطاهرة صلوات اللّه وسلامه عليهم اجمعين لاسيما سيد الشهداء عليه السلام فيكفي أن نذكر التزامه بزيارة عاشوراء يومياً بين الطلوعين داخل حرم امير المؤمنين عليه السلام منذ بدايات شبابه قبل اكثر من خمسين عاماً وحتى أواخر عمره الشريف وكذلك بالنسبة إلى زيارة الامام أبي عبداللّه الحسين عليه السلام وأخيه ابي الفضل العباس عليه السلام في ليالي الجمعة منذ اوائل شبابه إلى آخر عمره الشريف وعلى الرغم من مشاغله العلمية فانه لم يتركها وحتى في أواخر عمره لم يمنعه تقدمه في السن ولا الصعوبات التي يسببها الزحام من الاستمرار عليه وكان يصرح بأنه لا يرغب في ترك زيارة الامام ابی عبد اللّه الحسين عليه السلام الى آخر عمره، وهكذا كان رحمه اللّه وكان الناس هناك يظهرون حبهم له ويُسرعون إلى تقبيل يديه حتى كان احياناً يقع في الحرج نتيجة لشدة الزحام عليه، وينقل احد المقربين منه بأنه كان يراه في مثل هذه المواقف مشغولاً بالذكر وعيناه تذرفان الدموع فسأله مرة عن نوع ذلك الذرك فقال له: (اللّهم اغفر لي ما لا يعلمون) وكنت بهذا الذكر اناجي ربي وأقول في نفسي إلهي انظر إليّ

بما ينظر الناس به إلي فكما سترت عيوبي عن الناس فجعلتهم ينظرون إلى هذه النظرة ويظهرون لي هذا الحب الكبير فغضَّ يا رب عن معايبي نظرك واغفرلي يا رب العالمين... لم تفوته صلاة الليل ولأكثر من 50 عاماً وكان تهجده في الليل في الاغلب في غرفة مظلمة تماماً وكان يسدّ منافذها التي ينفذ منها النور أثناء تهجده وعبادته وعندما كان يُسأل عن ذلك يجيب بأنه يريد أن يتذكر ظلمة القبر... وهناك كان يخاطب معبوده ويناجي ربه، ورأينا كيف أجاب ربه تلبيته واكرمه بالشهادة في سبيله والفوز بلقائه. وقبل شهادته كان قد تعرض الى ثلاث محاولات للاغتيال وذلك بالبيان التالي كان الشهيد السعيد ومنذ عشرات السنوات يصلّي الفرائض اليومية في أول وقتها داخل الحرم العلوي المطهر (على مشرفه آلاف التحية والثناء) وكانت إحدى امنياته أن يتمكن من الاستمرار على تلك السُّنَّة الحسنة إلى آخر عمره الشريف وهكذا كان ايضاً وبناء على طلب المؤمنين كان يقيم صلاة الجماعة هناك وقبل ثلاث سنوات من استشهاده تعرّض لاعتداء من قبل أحد الاشخاص في شهر رمضان أثناء طريقه الى الحرم المطهر العلوي وتكرر الاعتداء مرة اخرى بعد عدة ايام وقت السحر وفي طريقه ايضاً إلى المرقد الملكوتي الطاهر من قبل عدة اشخاص ملثمين، وبما ان ذلك كله لم يكن ليمنعه من الاستمرار على طريقته اذ كان يرى الاستمرار عليها فرضاً واجباً عليه

فبعد ما يقارب السنة وفي شهر رمضان المبارك ايضاً عندما كان صائماً وهو في طريقه إلى حرم امير المؤمنين عليه السلام لاقامة صلاة الفجر جماعة فاذا بقنبلة تلق امامه فيصاب بجروح شديده وينقل إلى المستشفى ويبقى مدة تحت العلاج وقد بقيت بعض شظاياها في رجله إلى آخر عمره الشريف حيث كان يعاني من آلامها واصبح جليس الدار مدة من الزمن تأسياً بامامه وكان فراق الحرم الشريف

لمولى الموحدين عليه السلام صعباً عليه واحياناً يُرى مهموماً حزينا والدمع يسيل من عينيه وهو يقول: أخشى أن يكون هذا البعد من باب المطرودية لا المأمورية. وبعد أن حصل له الاطمئنان بعدم تكرارها وارتفاع الخطر ومن خلال احساسه بالتكليف الشرعي في الاستمرار على هذا النهج إذ كان بعتبره من شؤون حفظ الدين وترويج الاحكام الذي هو فرضُ على أمثاله من العلماء، بالاضافة الى ان بعض العلماء والأفاضل كانوا يرون ترك هذا النهج بمثابة اخلاء لاحد خنادق العلم ومعاقل الاحكام وأشبه بتقديم مكافئة للمخالفين وأن المصلحة تكمن في استمرار واحياء هذه الفريضة الإلهية قرر قدس سره التوجُجه إلى كعبة العشاق وعاد يقيم جميع فرائضه اليومية جماعة داخل الحرم الشريف كما في السابق، وكان قدس سره كالجبل الراسخ لا يتخلى عما يراه وظيفته الشرعية ولا يخشى غير اللّه، وفي نفس الوقت كان يرى الشهادة فوزاً عظياً وسعادة ابدية وكم كان يرى أنه يسأل الباري تعالى متضرعاً أن يرزقه هذه المنزلة الرفيعة.

شهادته ومدفنه:

كان قدست نفسه في شهوره وأسابيعه الأخيره من عمره يردد هذه الكلمات وهو يناجي بها معبوده حيث يقول: (اللّهم بارك لى في الموت واجعل الراحة عند الموت والعفو عند الحساب). وفي ليلة الاربعاء 24 ذي الحجة المصادف لذكرى تصدق امير المؤمنين عليه السلام بالخاتم و ذكرى ليلة المباهلة، وبعد اقامة صلاة الجماعة داخل الحرم المطهر وفي اثناء رجوعه من ذلك المكان المقدس حيث كان يرافقه - وكالعادة - مؤذنه وعدد من الطلبة والفضلاء وبعد دخولهم في الزقاق المؤدى الى منزله يقوم رجل مسلح بالهجوم عليه باطلاق مجموعة من العيارات النارية عليه

فيرتفع صوت الشهيد بنداء (اللّه اكبر) و يسقط الى الارض مقابل باب المسجد وفي نفس الوقت يودع الدنيا ليسرع إلى لقاء اللّه تعالى، إلى لقاء معشوقه ومعبوده... والمسجد المذكور واقع بين منزله و مدرسة السيد اليزدي قدس سره وكان الشهيد يقيم فيه صلاة الجماعة سابقاً. لقد اصابت 7 إطلاقات مواضع مختلفة من جسده الشريف في رأسه و رقبته و صدره و قد اصابت ايضاً القرآن المجيد الذي كان يحمله دائماً ويدافع عنه و ينطق به. وفي اليوم التالي تم تشييع جسده الطاهر من مسجد الشيخ الطوسي رحمه اللّه بمشاركة جمع غفير من ذوي القلوب المفجوعة المحزونة التي تجمّعت في داخل المسجد وخارجه ليحملوا الجثمان الطاهر لهذا العالم الرباني الى الحرم المطهر فيودع الجسد مولاه و يستقبل المولى الروح الزكية لهذا العالم الشهيد و قد ورد في وصيته ان يدفن في وادى السلام بجوار النبيين هود وصالح عليهم السلام وهكذا دفن طبقاً لوصيته والعيون باكية فإنا لله وإنا اليه راجعون. نعم كان الظالمون لا يتحملون وجود عالم زاهد شجاع مثله لا سيما وقد كان يذيع صيته تدريجاً ويعلو نجمه و تتسع خدماته الدينية ويبرز مقامه العلمي الشامخ وقضوا على حياته الكريمة واطفأوا نوره الوهاج، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). وسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً. (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)

نجله المفجوع

محمد مهدى البروجردي

10 رجب المرجب 1420ه

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كتاب الصلاة

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و‌صلي اللّه علي نبيّنا محمّد وآله الطاهرين ولعنة اللّه علي أعدائهم أجمعين إلي قيام يوم الدين.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كتاب الصلاة

مقدمة : في فضل الصلاة اليومية وأنها أفضل الأعمال الدينية

اعلم أن الصلاة أحب الأعمال إلى اللّه تعالى ، وهي آخر وصايا الأنبياء عليهم‌السلام (1)، وهي عمود الدين ، إذا قُبلت قُبل ما سواها ، وإن رُدّت رُدّ ما سواها (2)، وهي أوّل ما ينظر فيه من عمل ابن آدم ، فان صحّت نظر في عمله ، وإن لم تصح لم ينظر في بقيّة عمله (3)، ومَثَلها كمثَل النهر الجاري فكما أنّ من اغتسل فيه في كل يوم خمس مرات لم يبق في بدنه شي‌ء من الدرن ، كذلك كلّما صلى صلاة كفّر ما بينهما من الذنوب (4)، وليس ما بين المسلم وبين أن يكفر إلا أن يترك الصلاة (5)، وإذا كان يوم القيامة يدعى بالعبد فأوّل شي‌ء


1) الوسائل 4 : 38 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 10 ح 2.

2) ورد هذا المضمون في نصوص كثيرة منها : الوسائل 4 : 34 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 8 ح 10.

3) الوسائل 4 : 34 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 8 ح 13.

4) الوسائل 4 : 12 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 2 ح 3.

5) الوسائل 4 : 42 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 11 ح 6.

يسأل عنه الصلاة ، فإذا جاء بها تامّة ، وإلا زخّ في النار (1)، وفي الصحيح « قال مولانا الصادق عليه‌السلام : ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة ، ألا ترى أنّ العبد الصالح عيسى بن مريم عليه‌السلام قال : وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً » (2)وروى الشيخ في حديث عنه عليه‌السلام « قال : وصلاة فريضة تعدّ عند اللّه ألف حجة وألف عمرة مبرورات متقبّلات » (3)، وقد استفاضت الروايات في الحث على المحافظة عليها في أوائل الأوقات (4)، وإن من استخف بها كان في حكم التارك لها ، قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : « ليس منّي من استخف بصلاته » (5)، وقال : « لا ينال شفاعتي من استخف بصلاته » (6)، وقال : « لا تضيّعوا صلاتكم ، فانّ من ضيّع صلاته حُشر مع قارون وهامان وكان حقاً على اللّه أن يدخله النار مع المنافقين » (7)، وورد : « بينا رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلّي فلم يتمّ ركوعه ولا سجوده ، فقال صلی اللّه عليه وآله : نقر كنقر الغراب ، لئن مات هذا وهكذا صلاته ليموتنّ على غير ديني » (8)، وعن أبي بصير قال : « دخلت على أُم حميدة أُعزّيها بأبي عبد اللّه عليه‌السلام فبكت وبكيت لبكائها ، ثم قالت : يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عند الموت لرأيت عجباً ، فتح عينيه ثم قال : اجمعوا كل


1) الوسائل 4 : 29 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 7 ح 6.

2) الوسائل 4 : 38 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 10 ح 1.

3) الوسائل 1 : 27 / أبواب مقدمة العبادات ب 1 ح 34 ، أمالي الطوسي : 694 / 1478.

4) الوسائل 4 : 107 / أبواب المواقيت ب 1 ، 3 وغيرهما.

5) الوسائل 4 : 23 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 6 ح 1 ، 5 ، 7 ، 8.

6) الوسائل 4 : 26 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 6 ح 10.

7) الوسائل 4 : 30 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 7 ح 7.

8) الوسائل 4 : 31 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 8 ح 2.

مَن بيني وبينه قرابة ، قالت : فما تركنا أحداً إلا جمعناه ، فنظر إليهم ثم قال : إن شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة » (1).

وبالجملة : ما ورد من النصوص في فضلها أكثر من أن يحصى. ولله درّ صاحب الدرّة حيث قال :

تنهى عن المنكر والفحشاء *** أقصر فذاك منتهى الثناء (2)


1) الوسائل 4 : 26 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 6 ح 11.

2) الدرّة النجفية : 82.

فصل في أعداد الفرائض ونوافلها

الصلوات الواجبة ستة : اليومية ومنها الجمعة ، والآيات ، والطواف الواجب ، والملتزم بنذر أو عهد أو يمين أو إجارة ، وصلاة الوالدين (1)على الولد الأكبر ، وصلاة الأموات.

أما اليومية فخمس فرائض : الظهر أربع ركعات ، والعصر كذلك ، والمغرب ثلاث ركعات ، والعشاء أربع ركعات ، والصبح ركعتان ، وتسقط في السفر من الرباعيات ركعتان ، كما أن صلاة الجمعة أيضاً ركعتان (1).


(1) اختلفت كلمات الأصحاب ( قدّس اللّه أسرارهم ) في تعداد الفرائض ، فأنهاها بعضهم إلى التسع ، وآخر إلى السبع ، واقتصر بعض على الخمس ، وقيل غير ذلك ، والظاهر أنّ هذا مجرد اختلاف منهم في التعبير حسب اختلاف أنظارهم في إدراج بعضها في بعضٍ أو إفرادها بالذكر ، وإلا فلا خلاف بينهم فيما هو الواجب منها وإن اختلفوا في خصوصياته. فالبحث عن كيفية العدّ من حيث الإدراج والإخراج لفظي محض لا يهمّنا التعرض له بعد الاتفاق على أصل الوجوب والأمر سهل.

ثم إن المراد بالفرائض مطلق ما أوجبه اللّه تعالى من الصلوات في الشريعة


1) (*) بل خصوص الوالد دون الام.

المقدسة سواء نص عليه في الكتاب العزيز أم بيّنه بلسان نبيّه الأعظم صلی اللّه عليه وآله‌وسلم في قبال النوافل ، وهي منحصرة فيما يلي :

فمنها : صلاة الأموات التي نطقت بوجوبها النصوص المستفيضة بل المتواترة. وقد تقدم الكلام فيها في كتاب الطهارة.

ومنها : صلاة الآيات ، أعني صلاة الكسوف والخسوف والزلزلة التي صرّح بها في غير واحد من النصوص ، وأما غيرها من سائر الآيات كالريح السوداء ونحوها فلم ينص على وجوبها في الأخبار إلا من باب المثال لمطلق الآيات السماوية. وكيف كان فيأتي البحث عنها في صلاة الآيات إن شاء اللّه تعالى.

ومنها : صلاة الطواف الواجب ، وقد دلت على وجوبها جملة من النصوص التي منها ما اشتمل على التعليل لاشتراط الطهارة في الطواف بقوله عليه‌السلام لأن فيه صلاة ، الظاهر في مفروغية وجوبها فيه. نعم لا يجب في الطواف المستحب. والكلام في ذلك موكول الى كتاب الحج (1).

ومنها : الصلاة الملتزَمة بنذر أو عهد أو يمين أو إجارة أو شرط في ضمن عقد. ويدلُّ على الوجوب في الثلاثة الأُول إطلاق أدلة العناوين من الكتاب والسنة ، وفي الأخيرين عموم وجوب الوفاء بالعقد ، مضافاً إلى عموم « المؤمنون عند شروطهم » (2)في الأخير خاصة.

ومنها : صلاة القضاء عن الوالدين الواجبة على الولد الأكبر ، لكن الثابت وجوبه ، صلاة الوالد على الولد دون الوالدة. وسيأتي البحث عن ذلك في صلاة القضاء إن شاء اللّه تعالى.

ومنها : صلاة العيدين المختص وجوبها بزمن الحضور ، ولعله لذلك أهملها في المتن والأمر سهل ، وقد دل على وجوبها مضافاً إلى الروايات قوله تعالى :


1) راجع شرح المناسك 29 : 100.

2) التهذيب 7 : 371 / 1503 ، الإستبصار 3 : 232 / 835.

( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) (1)، وقوله تعالى ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى ) (2)المفسّرين بهما ، وسيأتي الكلام عليها في محلّها إن شاء اللّه تعالى.

فهذه الصلوات بين ما تقدّم وما يأتي.

ومنها : الصلوات اليومية وهي التي يقع البحث عنها في المقام ، ويدخل فيها صلاة الاحتياط فإنها من توابع تلك الصلوات ، لا سيما على القول بكونها جزءاً من العمل ظرفه بعد الفراغ منه لا أنها عمل مستقل يتدارك به النقص فإنها حينئذ عينها حقيقة.

ويدخل فيها أيضاً صلاة القضاء عن المكلف نفسه ، فإنها اليومية بعينها ، غايته أنها تقع خارج الوقت ، فلا فرق إلا من حيث الأداء والقضاء.

وهي خمس فرائض : الصبح ركعتان ، والظهر والعصر كل منهما أربع ركعات ، والمغرب ثلاث ركعات ، والعشاء أربع ركعات ، وتسقط في السفر عن كل من الرباعيات ركعتان.

ولا خلاف في وجوب هذه الفرائض على النهج المذكور بين أحدٍ من المسلمين ، بل هي من ضروريات الدين التي يندرج منكرها في سلك الكافرين. وقد نطق به الكتاب العزيز بضميمة ما ورد من التفسير ، قال ( عزّ من قائل ) ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ .. ) الآية (3). تعرّض تعالى كما ورد في تفسيرها لأربع صلوات تقع ما بين الزوال ومنتصف الليل ، وهي الظهران والعشاءان ، وأشار إلى صلاة الفجر بقوله تعالى ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) وقال ( عزّ اسمه ) ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى ) (4). فسّر


1) الكوثر 108 : 2.

2) الأعلى 87 : 14 و 15.

3) الإسراء 17 : 78.

4) طه 20 : 130.

التسبيح قبل طلوع الشمس بصلاة الفجر ، وقبل الغروب بصلاة العصر ، وآناء الليل بالعشاءين ، وأطراف النهار بصلاة الظهر ، فانّ وقتها الزوال وهو طرف النهار.

وقال تعالى ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ ... ) الآية (1)فسّر طرفا النهار بصلاة الفجر والمغرب ، وزلفاً من الليل بالعشاء الآخرة. وقيل غير ذلك بحيث يعم جميع الصلوات.

وقال عز وجل ( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ ) (2)فسّرت الصلاة الوسطى بصلاة الظهر كما هو المشهور ، لأن وقتها وسط النهار ، أو لتوسّطها بين فريضتي النهار وهما العصر والغداة ، وقيل هي العصر.

وبالجملة : فالآيات الدالة على وجوب الفرائض كثيرة.

وأما الروايات فهي متواترة ، بل فوق حدّ الاستقصاء ، وقد ورد الحث البليغ والاهتمام الأكيد بشأنها ، وأنها أصل الإسلام وعمود الدين ، إذا قُبلت قُبل ما سواها ، وإن رُدّت ردّ ما سواها ، وليس ما بين المسلم وبين أن يكفر إلا أن يترك الصلاة ، وأنها لا تُترك بحال ، إلى غير ذلك مما دل على شدّة العناية بها والمحافظة عليها بالسنة مختلفة (3).

ولا خلاف من أحد في وجوب هذه الفرائض وأعدادها ، بل عليه إجماع المسلمين كافة كما عرفت.

غير أنه وقع الخلاف في صلاة الظهر خاصة في يوم الجمعة في زمن الغيبة وأن الواجب في هذا اليوم هل هو صلاة الظهر أو صلاة الجمعة؟.


1) هود 11 : 114.

2) البقرة 2 : 238.

3) تقدّم ذكر مصادرها في ص 7.

فينبغي عطف عنان الكلام إلى التعرض لهذه المسألة التي هي معركة الآراء بين الأعلام والخوض فيها قبل التعرض للفرائض اليومية.

فنقول والعون منه تعالى مأمول المحتملات بل الأقوال في المسألة ثلاثة : وجوب صلاة الظهر يوم الجمعة تعيينا ، ووجوب صلاة الجمعة كذلك ، والتخيير بين الأمرين ، وهذا الخلاف بين الأصحاب قدس‌سرهم إنما هو بعد الاتفاق منهم على وجوب صلاة الجمعة في الجملة ، أعني في زمن الحضور مع الامام عليه‌السلام أو نائبه الخاص المنصوب من قبله ، فان هذا مما لم يختلف فيه اثنان ، بل هو من ضروريات الدين وعليه إجماع المسلمين ، وإنما الخلاف في اشتراط وجوبها أو مشروعيتها بحضور الامام عليه‌السلام فلا تجب تعييناً أو لا تشرع في زمن الغيبة ، وعدم الاشتراط.

فالمشهور بل المجمع عليه بين قدماء الأصحاب عدم الوجوب تعييناً ، وقد ادعى الإجماع على ذلك غير واحد من الأعلام بعد اختيارهم هذا القول كالشيخ في الخلاف (1)والحلي في السرائر (2)وابن زهرة في الغنية (3)والمحقق في المعتبر (4)والعلامة في التحرير (5)والمنتهى (6)والتذكرة (7)والشهيد في الذكرى (8)والمحقق الثاني في جامع المقاصد (9)وغيرهم كما لا يخفى على من تصفّح كلماتهم.

وذهب الشهيد الثاني في رسالته التي ألّفها في هذه المسألة إلى نفي الاشتراط


1) الخلاف 1 : 626 مسألة 397.

2) السرائر 1 : 290 و 303.

3) الغنية : 90.

4) المعتبر 2 : 279.

5) تحرير الأحكام 1 : 43 السطر 34.

6) المنتهي 1 : 317 السطر 2.

7) التذكرة 4 : 27.

8) الذكرى 4 : 104.

9) جامع المقاصد 2 : 375.

ووجوبها تعييناً (1)وهو أوّل من ذهب إلى هذا القول وتبعه على ذلك جملة من المتأخرين كصاحب المدارك (2)وغيره ، واحتمل في الجواهر صدور هذه الرسالة منه في صغره لما فيها من الطعن والتشنيع على أساطين المذهب وحفّاظ الشريعة بما لا يليق به ولا ينبغي عن مثله ، وقد عدل عنه في باقي كتبه (3).

ثم إن المنكرين للوجوب التعييني اختلفوا ، فمنهم من أنكر المشروعية رأساً في زمن الغيبة كابن إدريس وسلار (4)وغيرهما ، بل ربما نسب ذلك إلى الشيخ أيضاً (5)ومنهم من أثبت المشروعية والاجتزاء بها عن الظهر الراجع إلى الوجوب التخييري. وهذا هو الأشهر بل المشهور وهو الأقوى.

فلنا في المقام دعويان : نفي الوجوب التعييني وإثبات المشروعية ، وبذلك يثبت الوجوب التخييري ، فيقع الكلام في مقامين :

أما المقام الأول : فيظهر الحال فيه من ذكر أدلة القائلين بالوجوب التعييني وتزييفها ، وقد استدلوا لذلك بالكتاب والسنّة.

أما الكتاب : فقوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ .. ) إلخ (6)بتقريب أن المنصرف من الكلام بعد ملاحظة تخصيص الجمعة من بين الأيام ، إرادة صلاة الجمعة من ذكر اللّه ، فيجب السعي إليها لظهور الأمر في الوجوب ، لا سيما الأوامر القرآنية على ما ذكره صاحب الحدائق (7)وإن لم نعرف وجهاً للتخصيص وهذا


1) رسائل الشهيد : 51.

2) المدارك 4 : 8.

3) الجواهر 11 : 174.

4) الحلي في السرائر 1 : 303 وحكاه عن السّلار في الرياض 4 : 72 ، لا حظ المراسم : 77.

5) الجمل والعقود : 190.

6) الجمعة 62 : 9.

7) الحدائق 9 : 398.

خطاب عام يشمل جميع المكلفين في كل جيل وحين.

وفيه أوّلاً : أنّ غاية ما يستفاد من الآية المباركة بعد ملاحظة كون القضية شرطية إنّما هو وجوب السعي على تقدير تحقق النداء وإقامة الجمعة وانعقادها ، ولعلنا نلتزم بالوجوب في هذا الظرف ، وسيأتي الكلام عليه إن شاء اللّه تعالى ، وأما وجوب إقامتها ابتداءً والنداء إليها تعييناً فلا يكاد يستفاد من الآية بوجه كما لا يخفى.

ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك ( وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً ) (1)حيث يظهر منها أن الذمّ إنما هو على تركهم الصلاة بعد فرض قيام النبي صلی اللّه عليه وآله لها ، واتصاف الجمعة بالانعقاد والإقامة ، فيتركونه قائماً ويشتغلون باللّهو والتجارة ، وأما مع عدم القيام فلا ذمّ على الترك.

وبالجملة : وجوب السعي معلّق على النداء فينتفي بانتفائه بمقتضى المفهوم ، ولا دلالة في الآية على وجوب السعي نحو المعلّق عليه كي تجب الإقامة ابتداءً.

وثانياً : أن الاستدلال بها مبني على إرادة الصلاة من ذكر اللّه وهو في حيّز المنع ، ومن الجائز أن يراد به الخطبة كما عن بعض المفسرين بل لعله المتعين ، فإن السعي هو السير السريع ، ومقتضى التفريع على النداء وجوب المسارعة إلى ذكر اللّه بمجرد النداء ، ومعه يتعين إرادة الخطبة ، إذ لا ريب في عدم وجوب التسرّع إلى الصلاة نفسها ، لجواز التأخير والالتحاق بالإمام قبل رفع رأسه من الركوع بلا إشكال ، وحيث إن الحضور والإنصات للخطبة غير واجب إجماعاً فيكشف ذلك عن كون الأمر للاستحباب.

ويؤيده قوله تعالى ( ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (2)وقوله


1) الجمعة 62 : 11.

2) الجمعة 62 : 9.

تعالى ( قُلْ ما عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ مِنَ اللّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ ) (1)فإن التعبير بالخير يناسب الاستحباب والندب ، وإلا فلو أُريد الوجوب كان الأنسب التحذير عن الترك بالوعيد والعذاب الأليم ، نعم لا نضايق من استعمال هذه الكلمة في موارد الوجوب في القرآن الكريم كقوله تعالى ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) (2)ونحو ذلك ، لكن الوجوب في أمثالها قد ثبت من الخارج بدليل مفقود في المقام ، وإلا فهذه الكلمة في حدّ نفسها الظاهرة في المفاضلة والترجيح لا تقتضي إلا الندب والرجحان كما هو المتبادر منها ومن مرادفها من سائر اللغات في الاستعمالات الدارجة في عصرنا ، فانّ المراد بالخير لا سيما إذا كان متعدياً ب- ( من ) كما في الآية الثانية ، ليس ما يقابل الشر ، بل ما يكون أحسن من غيره ، فكأنه تعالى أشار إلى أنّ الصلاة لمكان اشتمالها على المنافع الأُخروية ، فالإقدام إليها أفضل وأرجح من الاشتغال بالتجارة التي غايتها الربح الدنيوي الزائل ، وقد وقع نظير ذلك في القرآن كثيراً كما في قوله تعالى ( وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ) (3)إذ ليس المراد ما يقابل الشر قطعاً ، ونحوها غيرها كما لا يخفى على الملاحظ.

ومما ذكرنا يعلم أنّ الأمر في الآية المباركة محمول على الاستحباب ، حتى لو أُريد بالذكر الصلاة دون الخطبة ، لمكان التذييل بتلك القرينة الظاهرة في الندب.

فالإنصاف أنّ الاستدلال بهذه الآية للوجوب التعييني ضعيف.

وأضعف منه الاستدلال بقوله تعالى ( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) (4)بتقريب أن المراد بالصلاة الوسطى هي صلاة الظهر في غير يوم


1) الجمعة 62 : 11.

2) البقرة 2 : 184.

3) الضحى 93 : 4.

4) البقرة 2 : 238.

الجمعة ، وصلاة الجمعة في يومها. بل إن الاستدلال بها عجيب جدّاً ، ومن هنا لم يتعرض المحقق الهمداني قدس‌سره للجواب إلا بقوله فيه ما لا يخفى (1).

إذ يرد عليه أوّلاً : أن الصلاة الوسطى إما أن يراد بها صلاة الظهر كما هو المشهور أو العصر كما قيل ، وأما الجمعة فلم يفسّرها بها أحد ولا قائل بذلك ولا وردت به رواية ، نعم أرسل الطبرسي عن علي عليه‌السلام أن المراد بها الظهر في سائر الأيام والجمعة في يومها (2)وهي رواية مرسلة لا يعتمد عليها.

وثانياً : مع التسليم ، فالأمر بالمحافظة إرشادي نظير الأمر بالإطاعة فلا يتضمن بنفسه حكماً تكليفياً مستقلا ، بل مفاد الأمر حينئذ الإرشاد إلى التحفظ على الصلوات ، ومنها صلاة الجمعة الثابت وجوبها من الخارج على ما هي عليها وعلى النهج المقرر في الشريعة المقدسة ، بما لها من الكيفية والقيود المعتبرة فيها ، فلا بد من تعيين تلك الكيفية من الخارج ، من اشتراط العدد والحرية والذكورية ونحوها ، ومنها الاختصاص بزمن الحضور وعدمه ، فكما لا تعرّض في الآية لتلك الجهات نفياً وإثباتاً ولا يمكن استعلام حالها منها ، فكذا هذه الجهة كما هو واضح جدّاً.

وأما السنة : فبطائفة من الروايات ، ولا يخفى أن هذه الروايات كثيرة جدّاً ، بل قد أنهاها بعضهم إلى المائتين ، ولا يبعد فيها دعوى التواتر ، بل لا ينبغي الإشكال في تواترها إجمالاً بمعنى الجزم بصدور بعضها عن المعصوم عليه‌السلام ، على أن جملة معتداً بها منها صحاح أو موثقات ، وفيها مع قطع النظر عن غيرها غنى وكفاية ، فلا مجال للتشكيك في السند ، ونحن نُورد في المقام جملة منها ونوكل الباقي إلى المتتبع.

فمنها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : إنما فرض اللّه


1) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 440 السطر 1.

2) مجمع البيان 1 : 599.

( عز وجل ) على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسة وثلاثين صلاةً ، منها صلاة واحدة فرضها اللّه ( عز وجل ) في جماعة وهي الجمعة ، ووضعها عن تسعة : عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والأعمى ، ومَن كان على رأس فرسخين » (1).

ونوقش في دلالتها بعدم كونها في مقام البيان إلا من ناحية العدد ، وأن الواجب من الصلوات خلال الأُسبوع خمسة وثلاثون ، بضرب الفرائض الخمس اليومية في السبعة ، غير أن واحدةً منها يشترط فيها الجماعة ، ولا نظر فيها إلى كيفيتها والقيود المعتبرة فيها.

ولا ريب في أصل وجوب صلاة الجمعة وكونها من تلك الفرائض في الجملة ، بل هو من ضروريات الدين كما مرّ ، وإنما الكلام في أنه هل يعتبر في تلك الجماعة أن يكون أحدهم الإمام عليه‌السلام أو المنصوب من قبله كما يعتبر فيها عدالة الإمام وإقامة الخطبة ، وعدم كون العدد أقل من السبعة أو الخمسة ، كي يسقط الوجوب عند تعذر الشرط أم لا؟ وليست الرواية في مقام البيان من هذه الجهة كي يتمسك بإطلاقها لدفع ما يشك في دخله فيها ، كما لا يتمسك بها لدفع غيره مما يشك في شرطيته أو جزئيته لها.

ومن ثم لا يصح التمسك بها قطعاً لنفي ما يشك في شرطيته أو جزئيته لغيرها من سائر الفرائض الخمس والثلاثين ، والسرّ هو ما عرفت من عدم كونها مسوقة إلا لبيان الوجوب على سبيل الإجمال ، فلا إطلاق لها كي يستند إليه.

ويندفع : بأن الشك على نحوين : فتارة يشك فيما هو الواجب والكيفية المعتبرة فيه من حيث الأجزاء والشرائط ، وفي هذه المرحلة الحق كما أفاده قدس‌سره فلا يصح التمسك بها لنفي المشكوك فيه ، إذ لا نظر فيها إلى متعلق التكليف كي ينعقد الإطلاق ، وهذا واضح جدّاً.


1) الوسائل 7 : 295 / أبواب صلاة الجمعة ب 1 ح 1.

واخرى يشك في أصل الوجوب من حيث السعة والضيق ، وأنه هل يختص بطائفة خاصة أو يعمّ جميع المكلفين في كل جيل وحين كما في المقام ، ضرورة أن الشك ليس في متعلق الأمر ، بل في أصل التكليف ، وأنه هل يشترط في تعلّق الوجوب أن تكون الصلاة بأمر الإمام عليه‌السلام أو نائبه المنصوب كي يختص بزمن الحضور ، فتسقط عمن لم يدرك ذاك العصر لتعذر المشروط بتعذر الشرط ، أو لا يشترط بل الحكم ثابت لآحاد المكلفين في جميع الأعصار والأمصار على الإطلاق ، من دون تعليق على شي‌ء فيشترك فيه الموجودون في عصري الغيبة والحضور ، ولا ينبغي الشك في صحة التمسك بالصحيحة لدفع هذا النوع من الشك ، بداهة أن دلالتها على الشمول والسريان لجميع الأفراد إنما هو بالعموم الوضعي وهو الجمع المحلّى باللام في قوله « على الناس » دون الإطلاق المتوقف على جريان مقدمات الحكمة كي يتطرق احتمال عدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة.

ويؤيد العموم : الاقتصار في الاستثناء على الطوائف التسع المذكورين فيها ، فلو كان هناك شرط آخر للوجوب زائداً على ذلك وهو الكون في زمن الحضور والإقامة بأمر الإمام عليه‌السلام لزم التنبيه عليه والتعرض له ، وكان المستثنى عن هذا الحكم حينئذ عشر طوائف لا تسعاً.

ويؤيده أيضاً : التصريح ببقاء هذا الحكم إلى يوم القيامة في صحيحة زرارة الآتية.

فالإنصاف أنّ دلالة الصحيحة على إطلاق الوجوب وعدم الاشتراط بزمن الحضور قوية جدّاً ، والمناقشة المذكورة في غير محلها ، كما أنّ السند أيضاً صحيح لصحة طريق الصدوق إلى زرارة.

ومنها : صحيحة أبي بصير ومحمد بن مسلم جميعاً عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إن اللّه ( عز وجل ) فرض في كل سبعة أيام خمساً وثلاثين صلاة ،

منها صلاة واجبة على كل مسلم أن يشهدها إلا خمسة : المريض والمملوك والمسافر والمرأة والصبي » (1)وهي كسابقتها تدل بالعموم الوضعي على شمول الوجوب لجميع الأفراد ، والسند أيضاً صحيح ، فإن أحمد بن محمد الواقع في الطريق المراد به أحمد بن محمد بن عيسى وهو موثق على الأقوى كما مرَّ سابقاً.

ومنها : صحيحة محمد بن مسلم وزرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : تجب الجمعة على كل من كان منها على فرسخين » (2)ودلالتها ظاهرة كسندها.

ومنها : صحيحة زرارة قال : « قال أبو جعفر عليه‌السلام : الجمعة واجبة على مَن إن صلى الغداة في أهله أدرك الجمعة ، وكان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله إنما يصلي العصر في وقت الظهر في سائر الأيام كي إذا قضوا الصلاة مع رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله رجعوا إلى رحالهم قبل الليل ، وذلك سنّة إلى يوم القيامة » (3)وهذه هي الرواية التي أشرنا إليها آنفاً ، ودلالتها كسندها ظاهرة.

ومنها : صحيحة أبي بصير ومحمد بن مسلم قالا : « سمعنا أبا جعفر محمد بن علي عليه‌السلام يقول : من ترك الجمعة ثلاثاً متواليات بغير علة طبع اللّه على قلبه » (4)في الطريق محمد بن عيسى بن عبيد وهو وإن استثناه ابن الوليد لكن عرفت توثيقه سابقاً. ودلالتها على الوجوب ظاهرة ، فان الطبع على القلب من أوصاف المنافقين ، فهو كناية عن العصيان والنفاق كما أُشير إليه في القرآن (5)وتومئ إليه الرواية الآتية.


1) الوسائل 7 : 299 / أبواب صلاة الجمعة ب 1 ح 14.

2) الوسائل 7 : 309 / أبواب صلاة الجمعة ب 4 ح 5.

3) الوسائل 7 : 307 / أبواب صلاة الجمعة ب 4 ح 1.

4) الوسائل 7 : 298 / أبواب صلاة الجمعة ب 1 ح 11.

5) التوبة 9 : 87 ، محمد 47 : 16.

ومنها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : صلاة الجمعة فريضة والاجتماع إليها فريضة مع الإمام ، فإن ترك رجل من غير علة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض ، ولا يدع ثلاث فرائض من غير علة إلا منافق » (1)السند صحيح والدلالة ظاهرة كما مرّ.

إلى غير ذلك من الروايات التي لا يسعنا التعرض لجميعها وهي لا تخفى على المراجع.

ولا يخفى أن هذه الروايات الكثيرة العدد وإن كانت قوية السند واضحة الدلالة على الوجوب كما عرفت ، ولا مجال للتشكيك في شي‌ء منها ، غير أنها برمّتها لا تدل على الوجوب التعييني بخصوصه إلا بالإطلاق ، وإلا فلا صراحة في شي‌ء منها في ذلك ، وإنما الصراحة والظهور في أصل الوجوب الجامع بينه وبين التخييري ، والإطلاق وإن كان حجة يعوّل عليه في تعيين الأول كلّما دار الأمر بينهما كما ذكر في محله (2)إلا أنه مقيّد بعدم قيام القرينة على التقييد ، وفي المقام شواهد وقرائن تمنع من إرادة الوجوب التعييني ، فلا مناص من الحمل على التخييري.

أما أوّلاً : القرينة العامة التي تمسكنا بها في كثير من المقامات وأسميناها بالدليل الخامس ، وهي أن الوجوب التعييني لو كان ثابتاً في مثل هذه المسألة الكثيرة الدوران لظهر وبان وشاع وذاع ، وكان كالنار على المنار كسائر الفرائض الخمس اليومية ، ولم يختلف فيه اثنان كما لم يختلف فيها ، مع أنك عرفت (3)التسالم وقيام الإجماع على نفي الوجوب التعييني من قدماء الأصحاب ، بل أنكر بعضهم المشروعية رأساً كابن إدريس وسلار ، وإنما حدث الخلاف من زمن الشهيد الثاني ومن تأخر عنه ، فلو كان الوجوب ثابتاً


1) الوسائل 7 : 297 / أبواب صلاة الجمعة ب 1 ح 8.

2) مصباح الأُصول 2 : 449 وما بعدها.

3) في ص 14.

تعييناً فكيف أنكره الأصحاب ، وهذه الأخبار بمرأى منهم ومسمع ، وكتبهم الحديثية وغيرها مشحونة بهاتيك الأحاديث بحيث لا يحتمل غفلتهم عنها وعدم ظفرهم بها على كثرتها ، وهل يحتمل في حقهم مع جلالتهم وعظمتهم ، وهم أساطين المذهب وحفّاظ الشريعة ، وحملة الدين المبين وأُمناء اللّه في أرضه ترك فريضة من فرائض اللّه وإنكار وجوبها ، حاش لله إن هذا إلا بهتان مبين.

وثانياً : استقرار سيرة أصحاب الأئمة عليهم‌السلام لا سيما الصادق عليه‌السلام على كثرتهم ، على عدم إقامة هذه الصلاة ، مع أنهم هم الرواة لهذه الأحاديث ونقلة تلك الأخبار ، فلو كان واجباً تعييناً كيف أهملوها ولم يعتنوا بشأنها ، مع علوّ مرتبتهم وارتفاع منزلتهم ، وهم من أركان الدين وأعمدة المذهب وحملة الفقه الجعفري ، لا سيما زرارة الذي هو الراوي لأكثر تلك الأخبار ، وهو على ما هو عليه من عظم الشأن وعلوّ المقام ، فلو كان واجباً حتمياً لكانوا هم أحق بفهمه منها فكيف أهملوها ولم يهتمّوا بها ، وهل هناك فسق أعظم من التجاهر بترك فريضة مثل الصلاة التي هي عماد الدين ومن أهمّ الفرائض التي يمتاز بها المسلم عن الكافرين.

ويكشف عما ذكرناه من تركهم لهذه الصلاة مضافاً إلى أنهم لو أقاموها لظهر وبان ، ونُقل إلينا بطبيعة الحال ، ولَمّا ينقل عن أحدهم قط أنه يستفاد ذلك من بعض الأخبار :

منها : صحيحة زرارة قال : « حثّنا أبو عبد اللّه عليه‌السلام على صلاة الجمعة حتى ظننت أنه يريد أن نأتيه ، فقلت : نغدوا عليك ، فقال : لا إنما عنيت عندكم » (1)فانّ الحثّ والترغيب على إقامة الجمعة من الصادق عليه‌السلام لمثل زرارة الذي هو الراوي لأغلب تلك الأخبار كما عرفت يكشف عن عدم التزامه بها ، بل إهماله لها ، بل هو يدل على الاستحباب ، بمعنى كونها أفضل


1) الوسائل 7 : 309 / أبواب صلاة الجمعة ب 5 ح 1.

عِدلي الواجب التخييري ، وإلا فلا معنى للحث بالإضافة إلى الواجبات التعيينية كما لا يخفى.

ومنها : موثقة عبد الملك أخي زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « قال : مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها اللّه ، قال قلت : كيف أصنع؟ قال : صلوا جماعة ، يعني صلاة الجمعة » (1). وهذه أظهر من سابقتها ، لظهورها في عدم مباشرة عبد الملك مع جلالته لهذه الصلاة طيلة حياته قط ، حتى أن الامام عليه‌السلام يوبّخه بأنّ مثله كيف يموت ولم يأت بهذه الصلاة في عمره ولا مرّة ، ومن هنا فزع فقال : « كيف أصنع ».

وبالجملة : هؤلاء الأساطين كانوا لا يزالون مستمرين في الترك ومواظبين عليه كما تفصح عنه هاتان الصحيحتان.

ودعوى : أن من الجائز أنهم كانوا يقيمونها مع المخالفين تقية فيكون الحث في تلك الرواية والتوبيخ في هذه على الإتيان بالوظيفة الواقعية عارية عن التقية.

مندفعة : بعدم تأتّي التقية في مثل هذه الصلاة لبطلان الصلاة معهم ، فلا تنعقد الجماعة التي هي من مقوّماتها. نعم في سائر الصلوات يشاركهم في صورة الجماعة تقية ، فيأتي بها فرادى ويقرأ في نفسه متابعاً لهم في الصلاة إراءة للاقتداء بهم. وأما في المقام فبعد فرض بطلان جمعتهم ، لا بد من قصد الظهر المخالف لصلاة الجمعة في عدد الركعات ، ولا بدّ من ضم ركعتين أُخريين ولو بنحو يتخيل لهم أنها النافلة إذ لا موجب لتركهما. فلم يكن المأتي به صلاة جمعة تقية وإنما هي صلاة الظهر منفرداً.

وثالثاً : طوائف من الأخبار تشهد بعدم الوجوب التعييني وتنافيه :

منها : الأخبار المتظافرة الدالة على سقوط الصلاة عمن زاد على رأس


1) الوسائل 7 : 310 / أبواب صلاة الجمعة ب 5 ح 2.

فرسخين ، كصحيحة زرارة الأُولى المتقدمة (1)وصحيحة محمد بن مسلم وزرارة المتقدمة أيضاً (2)، وصحيحة محمد بن مسلم قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الجمعة؟ فقال : تجب على كل من كان منها على رأس فرسخين ، فان زاد على ذلك فليس عليه شي‌ء » (3)فإنه لو كان واجباً تعيينياً على كل أحد ولم يكن مشروطاً بإمام خاص ، لم يكن وجه لسقوط الصلاة عن البعيدين عن محل الانعقاد ، بل كان عليهم الاجتماع والانعقاد في أماكنهم ، فكيف ينفى عنهم الوجوب مصرحاً في الصحيحة الأخيرة بأنه ليس عليه شي‌ء.

وحملها على عدم تحقق شرط الانعقاد ، لعدم استكمال أقل العدد ، أو عدم وجود من يخطب كما ترى ، فإنه فرض نادر التحقق جدّاً ، إذ الغالب وجود نفر من المسلمين في تلك الأماكن وما حولها إلى الفرسخين بحيث تنعقد بهم الجمعة كما لا يخفى.

ومنها : الأخبار النافية لوجوبها على أهل القرى إذا لم يكن لهم من يخطب بهم كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليه‌السلام قال : « سألته عن أُناس في قرية هل يصلّون الجمعة جماعة؟ قال : نعم ، ويصلّون أربعاً إذا لم يكن من يخطب » (4).

وصحيحة الفضل بن عبد الملك قال : « سمعت أبا عبد اللّه عليه‌السلام يقول : إذا كان القوم في قرية صلّوا الجمعة أربع ركعات ، فان كان لهم من يخطب لهم جمعوا .. » إلخ (5).

وموثقة سماعة عن الصادق عليه‌السلام قال فيها : « فان لم يكن إمام


1) في ص 18.

2) في ص 21.

3) الوسائل 7 : 309 / أبواب صلاة الجمعة ب 4 ح 6.

4) الوسائل 7 : 306 / أبواب صلاة الجمعة ب 3 ح 1 ، 2.

5) الوسائل 7 : 306 / أبواب صلاة الجمعة ب 3 ح 1 ، 2.

يخطب فهي أربع ركعات وإن صلّوا جماعة » (1).

وموثقة ابن بكير قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن قوم في قرية ليس لهم من يجمع بهم ، أيصلّون الظهر يوم الجمعة في جماعة؟ قال : نعم إذا لم يخافوا » (2).

فان المراد بمن يخطب في هذه الأخبار الّذي علّق على وجوده وجوب الجمعة ، وعلى عدمه وجوب الظهر ، ليس هو مجرد من يتمكن من إقامة الخطبة شأناً وإن لم يكن قادراً عليها فعلاً ، إذ مضافاً إلى أن ذلك خلاف الظاهر من سياق الكلام جدّاً كما لا يخفى ، أنه فرض نادر التحقق ، بل لا يكاد يتحقق خارجاً من لا يقدر على أداء الخطبة فعلاً كي يُعلّق عليه نفي الجمعة حتى المسمى منها ، وأقل الواجب الذي هو التحميد والثناء ، وقراءة سورة ولا أقلّ من الحمد الذي يعرفها كل أحد ، والوعظ المتحقق بقوله : أيها الناس اتقوا اللّه ، لا سيما بعد ملاحظة كون الرجل ممن يتمكن من إمامة الجماعة كما هو المفروض في تلك الأخبار ، حيث أمرهم الإمام عليه‌السلام حينئذ بالإتيان بأربع ركعات جماعة.

فلا مناص من أن يراد بمن يخطب الفعلية كما هو المتبادر منها ، وحاصل المعنى حينئذ : أنه إن كان هناك من يقدم لإقامة الخطبة فعلاً ومتهيئاً لذلك وجبت الجمعة ، وإن لم يقدم بالفعل مع قدرته عليها كما عرفت سقطت وصلّوا الظهر جماعة. وهذا كما ترى لا يلائم الوجوب التعييني ، إذ عليه يجب الاقدام والتصدي للخطبة تعييناً وتركها موجب للفسق ، فكيف يصح الائتمام به كما هو صريح الأخبار ، بل يصح الاستدلال بها للمطلوب حتى لو أُريد بها الشأنية دون الفعلية ، ضرورة أنها لو كانت واجبة تعييناً لزم التصدي لتعلم الخطبة ولو كفاية ، كي لا يؤدي إلى ترك هذه الفريضة التعيينية ، لوجوب


1) الوسائل 7 : 310 / أبواب صلاة الجمعة ب 5 ح 3.

2) الوسائل 7 : 327 / أبواب صلاة الجمعة ب 12 ح 1.

تحصيل المقدمات التي يفوت بتركها الواجب في ظرفه عقلاً ، فعدم التصدي والإهمال في ذلك المستوجب لترك الواجب فسق وعصيان ، وبه يسقط صاحبه عن صلاحية الاقتداء به ، فكيف أمر بالائتمام به في تلك الأخبار.

والمتحصل من جميع ما قدمناه لحدّ الآن : أن الروايات التي استدل بها الخصم وإن كانت ظاهرة في الوجوب التعييني بالظهور الإطلاقي ، إلا أنه لا يسعنا الأخذ بهذا الظهور لأجل تلكم القرائن والشواهد التي منها بعض نفس تلك الأخبار كما عرفت فلا مناص من حملها على الوجوب التخييري.

بقي في المقام روايات أُخر استدل بها على الوجوب التعييني ، وفي بعضها ما لا يقبل الحمل على الوجوب التخييري.

منها : الروايات التي أُنيط الوجوب فيها على مجرد اجتماع سبعة من المسلمين من دون تعليق على شرط آخر ، وهي كثيرة وبعضها قوية السند ، كصحيحة زرارة قال : « قلت لأبي جعفر عليه‌السلام على من تجب الجمعة؟ قال : تجب على سبعة نفر من المسلمين ، ولا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين أحدهم الإمام ، فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمّهم بعضهم وخطبهم » (1)ونحوها غيرها ، فان المستفاد من ذيلها أنه مهما اجتمعت السبعة وجبت الجمعة من دون فرق بين زمني الحضور والغيبة بمقتضى الإطلاق.

والجواب : أن الرواية إن كانت ناظرة إلى بيان شرط الواجب وما يعتبر في صحة الجمعة وانعقادها ، فهي حينئذ أجنبية عن محل الكلام بالكلية كما لا يخفى.

وإن كانت ناظرة إلى بيان شرط الوجوب وأنه معلّق على مجرد وجود السبعة كما عليه مبنى الاستدلال ، وهو الظاهر منها بقرينة السؤال الذي هو عن نفس الوجوب ، إذ الإعراض عنه والتعرض لبيان حكم آخر كما هو مبنى الاحتمال الأول خلاف الظاهر بعيد عن سياق الكلام.


1) الوسائل 7 : 304 / أبواب صلاة الجمعة ب 2 ح 4.

إلا أنه يتوجه عليها : أن تعليق الوجوب على الشرط بهذا المعنى أعني إناطته بوجود السبع مستدرك لحصوله دائماً فتلزم اللغوية ، إذ بعد ملاحظة اختصاص الحكم بالحاضرين لسقوط الوجوب التعييني عن المسافر جزماً كما نص على استثنائه في غير واحد من الأخبار ، فما من بلد بل ولا قرية إلا ويوجد فيها وما حولها إلى ما دون أربع فراسخ من كل جانب الذي هو حدّ السفر الشرعي آلاف من النفوس فضلاً عن سبع نفر من المسلمين ، ففرض مكان يسكن فيه مكلف غير مسافر ولم يبلغ السبعة من الجوانب الأربعة البالغ مساحةً ستة عشر فرسخاً نادر التحقق ، بل لا يكاد يتفق خارجاً إلا بالإضافة إلى القاطنين في المناطق الجبلية والمرتفعات الشاهقة من الرهبان ونحوهم ممن يعيش منعزلاً عن المجتمعات البشرية ، ولا يحتمل أن يكون التقييد في هذه الروايات احترازاً عن مثل هذه الأفراد كما لا يخفى.

وعليه فيلزم من تعليق الحكم على مثل هذا الشرط الحاصل في كل زمان ومكان ما ذكرناه من اللغوية.

فلا مناص من أن يكون المراد بالشرط اجتماع العدد المزبور بصفة الانضمام وعلى سبيل الهيئة الاتصالية المعتبرة في إقامة الجمعة ، احترازاً عما إذا كانوا متفرقين غير قاصدين لإقامتها فلا تجب حينئذ على أحد منهم ، ولازم ذلك عدم ثبوت الوجوب التعييني قبل الإقامة.

نعم ، مقتضى الرواية أنه لو اتفق الاجتماع المزبور وجبت عليهم إقامتها حينئذ تعييناً لحصول الشرط ، لكن الوجوب محمول على التخييري بقرينة سائر الأخبار. وإن شئت قل : تتقيد الرواية بوجود مَن يخطب ، جمعاً بينها وبين الروايات المتقدمة التي أُنيط الوجوب فيها بوجود مَن يخطب فعلاً ، فيكون حاصل المعنى حينئذ : أنه إذا اجتمع سبعة من المسلمين أَمَّهم بعضهم وخطبهم إذا كان هناك من يقدم بالفعل لأداء الخطبة ، وإلا فلا تجب. وهذا بحسب النتيجة يؤول إلى الوجوب التخييري بل هو عينه كما لا يخفى.

ومنها : صحيحة منصور عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث « قال : الجمعة واجبة على كل أحد ، لا يعذر الناس فيها إلا خمسة : المرأة والمملوك والمسافر والمريض والصبي » (1)وهذه هي الرواية التي أشرنا إلى إبائها عن الحمل على الوجوب التخييري ، فإن التعبير بعدم المعذورية إنما يصح بالإضافة إلى الواجبات التعيينية ، وإلا فمن اختار أحد عدلي الواجب التخييري فهو معذور في ترك الآخر ، فلا يصح في حقه مثل هذا التعبير الذي هو كالنص في الوجوب التعييني كما عرفت.

والجواب : أن الاستدلال بها موقوف على أن يكون متعلق الوجوب في قوله « الجمعة واجبة .. » إلخ هي الإقامة نفسها دون الحضور والسعي إليها بعد فرض الانعقاد وتحقق الإقامة خارجاً ، والظاهر من الصحيحة بل المتعين هو الثاني بقرينة استثناء المسافر ، إذ الساقط عنه إنما هو الحضور دون المشروعية وأصل الوجوب ، وإلا فهي مشروعة منه لو أحب الحضور ورغب فيه ، بل هي أفضل من اختيار الظهر ، وثوابها أعظم من الجمعة التي يقيمها المقيم كما أُشير إليه في بعض الأخبار (2)فلا يصح الاستثناء (3)لو كان النظر إلى أصل الإقامة دون الحضور لثبوتها في حقه كالحاضر ، كما لا يصح استثناء مَن كان على رأس فرسخين الوارد في غير واحد من الأخبار وقد تقدّم بعضها ، إذ هو إنما يتجه لو كان الواجب هو الحضور في البلد الذي تقام فيه الجمعة فيرفع الحكم عنهم إرفاقاً كي لا يتحملوا مشقة الحضور من مساكنهم ، وإلا فلو كانت الإقامة بنفسها واجبة تعييناً كان اللازم على البعيدين عقدها في أماكنهم مع اجتماع


1) الوسائل 7 : 300 / أبواب صلاة الجمعة ب 1 ح 16.

2) الوسائل 7 : 339 / أبواب صلاة الجمعة ب 19 ح 2.

3) بل يصح على التقديرين ، فان وجوب الإقامة شي‌ء والمشروعية شي‌ء آخر ، ولا مانع من أن تكون الصلاة مشروعة في حق المسافر ومع ذلك لم تجب عليه الإقامة ولا الحضور بعدها.

الشرائط ، إذ لا فرق في الوجوب التعييني بين القريب والبعيد فلم يكن مجال لاستثنائهم.

وكذا الحال في الاستثناء حال نزول المطر كما ورد به النص الصحيح (1)فإنه إنما يتجه لو كان الواجب هو الحضور بعد الانعقاد ، وإلا فوجوب العقد والإقامة تعييناً لا يكاد يسقط بمثل هذه الأحوال والعوارض كما في سائر الفرائض.

ويؤيده : استثناء المرأة والمملوك في هذه الصحيحة وغيرها ، فان المشروعية (2)ثابتة في حقهما أيضاً لو رغبا في الحضور كالمسافر على ما نطقت به بعض الأخبار (3)وإن كان سندها لا يخلو عن خدش ، وإنما الساقط عنهما وجوب الحضور.

وبالجملة : سياق الرواية بمقتضى القرائن الداخلية والخارجية يشهد بأنها في مقام بيان وجوب الحضور بعد العقد والنظر في عدم المعذورية إلى ذلك ، ولا خفاء في دلالتها على الوجوب التعييني في هذه المرحلة ، لا إلى الإقامة ابتداءً كي تدل على وجوب العقد تعييناً.

ومن هنا يتجه التفصيل بين العقد والانعقاد ، فلا يجب في الأول ويجب الحضور تعييناً في الثاني.

ومما ذكرنا يظهر الجواب عن صحيحة أبي بصير ومحمد بن مسلم : « من ترك الجمعة ثلاثاً متواليات بغير علة طبع اللّه على قلبه » ونحوها صحيحة زرارة المتقدمتين (4)فان المراد بقرينة الصحيحة المتقدمة آنفاً وغيرها إنما هو ترك الحضور بعد فرض الانعقاد لا ترك العقد والإقامة ابتداءً.


1) الوسائل 7 : 341 / أبواب صلاة الجمعة ب 23 ح 1.

2) قد عرفت أن المشروعية غير وجوب الإقامة.

3) الوسائل 7 : 337 / أبواب صلاة الجمعة ب 18 ح 1.

4) في ص 21 ، 22.

ومن جميع ما قدّمناه يظهر سقوط القول بالوجوب التعييني ، وأن المستفاد من الأدلة إنما هو الوجوب التخييري.

ومنه يظهر الحال في المقام الثاني ، أعني أصل المشروعية في قبال القائل بالحرمة ، إذ بعد ثبوت الوجوب التخييري بالأدلة المتقدمة لا يبقى مجال للتشكيك في المشروعية ، فالقول بحرمتها في زمن الغيبة ساقط جدّاً وسيأتي تفصيل الكلام فيه.

وفذلكة الكلام في المقام : أن صلاة الجمعة لا تجب تعييناً بدون الإمام أو المنصوب الخاص ، وقد تسالم عليه الأصحاب وقام عليه إجماعهم ، وإنما هي واجبة تخييراً ، هذا في العقد الابتدائي ، وأما الحضور بعد العقد فوجوبه التعييني وإن لم يكن بعيداً ، بل هو الأقوى بالنظر إلى الأدلة ، لكن الأصحاب حيث لم يلتزموا بذلك فالجزم به مشكل ، ومن هنا كان مقتضى الاحتياط الوجوبي رعاية ذلك واللّه العالم.

المقام الثاني : في إثبات أصل المشروعية قبال من ينكرها رأساً ويدّعي الحرمة في زمن الغيبة ، والحال فيه وإن كان قد ظهر مما مرّ إجمالاً كما أشرنا إليه ، لكن من الجدير التعرض لما استدل لذلك وتزييفه تفصيلاً استقصاءً للبحث.

فنقول : استدل المنكرون وهم القليل من الأصحاب كابن إدريس (1)وسلاّر (2)ومن تبعهما بأنّ إقامة الجمعة من المناصب المختصة بالإمام عليه‌السلام ومن شؤونه ومزاياه فلا يجوز عقدها بدونه ، أو المنصوب من قبله بالخصوص ، وحيث لا يتيسّر الوصول إليه عليه‌السلام في عصر الغيبة ولا الاستئذان الخاص ، فلا محالة يسقط الوجوب من أصله ، لانتفاء المشروط


1) السرائر 1 : 303.

2) المراسم : 77.

بانتفاء شرطه ، فتختص المشروعية بزمن الحضور فحسب.

والجواب : أنه إن أُريد بذلك نفي الوجوب التعييني فهو وإن كان صواباً كما عرفت ، لكنّا في غنى عن إقامة الدليل عليه ، إذ يكفي في نفيه عدم قيام الدليل على الوجوب ، وقد علم مما مرّ عند إبطال أدلة القائلين بالتعيين ، فلا حاجة إلى إقامة الدليل على العدم بعد أن كان هو مقتضى الأصل.

وإن أُريد به نفي المشروعية وإنكار الوجوب من أصله ، الجامع بين التعييني والتخييري ، لمكان الاشتراط المزبور ، فتدفعه إطلاقات الأدلة من الكتاب والسنّة ، إذ ليس في شي‌ء منها إيعاز بهذا الشرط كي تتقيد به المطلقات. فلا بد في التقييد من إقامة الدليل عليه. وقد استدلّ له بأُمور :

الأول : الإجماع على عدم المشروعية ما لم يقمها إمام الأصل أو المنصوب من قِبَله بالخصوص.

وفيه : أن الإجماع إنما قام على عدم الوجوب التعييني كما قدّمناه في صدر المبحث ، وأما نفي المشروعية رأساً فليس معقداً للإجماع ، بل ولا مورداً للشهرة ، فان الأشهر بل المشهور إنما هو الوجوب التخييري ، والمنكرون للمشروعية جماعة قليلون كما نبّهنا عليه فيما تقدم. فدعوى الإجماع في المقام لا تخلو عن المجازفة.

الثاني : دعوى استقرار سيرة النبي صلی اللّه عليه وآله والأئمة المعصومين من بعده على نصب أشخاص معيّنين لإقامة الجمعات ، فكان لا يقيمها إلا من هو منصوب من قبلهم عليهم‌السلام بالخصوص ، فيكشف ذلك عن اشتراط العقد بالاذن الخاص ، فلا تشرع بدونه.

وهذه الدعوى كما ترى ، بل هي من الغرابة بمكان ، أما عصر النبي صلی اللّه عليه وآله فلا سبيل لنا إلى العلم بإقامة الجمعة في غير بلده صلی اللّه عليه وآله من سائر القرى والبلدان ، إذ لم ينقله التاريخ ولم يرد به النص ، وعلى

تقدير الإقامة فلم يعلم اشتراطها بالاذن ونصب شخص لها بالخصوص ، فلا طريق لنا إلى استكشاف الحال واستعلام الوضع في ذلك العصر.

وأما زمن مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام فهو وإن كان ينصب الولاة والقضاة في أقطار البلاد ، وبطبيعة الحال كانوا هم المقيمين للجمعات إلا أنهم كانوا منصوبين لعامة الأُمور وكافة الشؤون ، وكان تصدّيهم للجمعة من مقتضيات مقامهم حسب ما يقتضيه التعارف الخارجي ، لا أنهم كانوا منصوبين بالخصوص لهذا الشأن ، وبين الأمرين بون بعيد.

وأما في عصر سائر المعصومين عليهم‌السلام فلم يثبت منهم النصب رأساً ولا في مورد واحد ، بل قد ثبت منهم الإذن على سبيل الإطلاق من دون تعيين شخص خاص كما تفصح عنه الأخبار المرخّصة لإقامتها في القرى إذا كان فيهم من يخطب لهم وغيرها (1)فدعوى استقرار السيرة مع عدم ثبوت النصب حتى في مورد واحد من غرائب الكلام.

الثالث : الأخبار الدالة على سقوط الصلاة عمّن بَعُد عن محل إقامتها بأزيد من فرسخين التي تقدمت الإشارة إليها (2)فان المراد بها بيان حكم سكنة القرى والبلدان البعيدة عن البلد الذي تقام فيه الجمعة ، دون المسافرين وعابري السبيل ، للمقابلة بين العنوانين في تلك الأخبار وغيرها كما لا يخفى.

ومن الواضح أنه لا وجه لسقوط الوجوب المساوق لعدم المشروعية إلا اشتراط كون المقيم لها هو إمام الأصل أو نائبه الخاص غير المتحقق في تلك المحالّ ، وإلا فلولا هذا الاشتراط وكانت مشروعة على الإطلاق كان عليهم الاجتماع وإقامتها في أماكنهم ، إذ الغالب حصول سائر الشرائط من العدد ووجود مَن يخطب لهم ، ولا أقل من أداء مسمى الخطبة وأقل الواجب منها


1) الوسائل 7 : 306 / أبواب صلاة الجمعة ب 3.

2) في ص 25.

المتيسر لكل أحد ، لا سيما من يتمكن من إقامة الجماعة ، فمن عدم إيجابها عليهم عندئذ رأساً يستكشف اشتراط الاذن وعدم المشروعية بدونه.

والجواب : أنّ هذه الروايات المفصّلة بين من كان على رأس فرسخين ومن زاد عنهما ناظرة إلى وجوب الحضور وعدمه دون أصل الإقامة ، فيجب على الأوّلين السعي والحضور إلى المحلّ الذي تقام فيه الجمعة تعييناً أو تخييراً فيما إذا لم تجتمع شرائط العقد لدى مَن بَعُد عنها بثلاثة أميال كما هو مقتضى الجمع بين الأخبار.

وأما غيرهم فلا يجب عليهم ذلك ، لا أنها ساقطة عنهم رأساً وغير مشروعة منهم ، فلا نظر فيها إلى أصل وجوب الإقامة وعدمها كما نبّهنا عليه سابقاً ، بل مقتضى الإطلاق في بقية الأخبار شمول الوجوب لهم مع اجتماع الشرائط ، غايته تخييراً لا تعييناً كما تقدم.

الرابع : أن إيجاب مثل هذا الحكم في زمن الغيبة مثار للفتنة وموجب للهرج والمرج فلا يظن بالشارع الحكيم تشريعه ، فإن الإلزام باقتداء الكل خلف شخص واحد وإيكال تعيينه إليهم ، مع تأبّي النفوس عن الائتمام خلف من يراه مثله أو دونه في الأهلية ، وميل الطباع لاشغال ذاك المنصب وحيازته ، معرض للافتتان ، بل موجب لاختلال النظام ، لتشاحّ النفوس في طلب الرئاسة والتصدي لمقام الإمامة ، فربما يؤدي إلى التشاجر والنزاع بين المسلمين ، لانتصار أهل كل محلة لإمامها ، وقد ينجرّ إلى القتل كما اتفق في عصرنا الحاضر في بعض البلاد ، فلا بد وأن يكون التعيين بنظر الشارع وإذنه الخاص كي تنحسم به مادة النزاع.

وفيه أوّلاً : أن هذا التقرير على تسليمه فإنما يجدي لنفي التعيين لا أصل المشروعية ولو تخييراً ، فانّ الوجوب التخييري حيث لا إلزام فيه على سبيل الحتم والبتّ لوجود المندوحة ، فلا يتضمن الفتنة ، لإمكان التخلص منها باختيار العدل الآخر وهو صلاة الظهر.

وثانياً : أن الفتنة ممنوعة من أصلها حتى على القول بالوجوب التعييني ، فإنّ من قدّم للإمامة إما أن يرى غيره أهليته لها لاستجماعه الشرائط أو لا ، فعلى الأول يجب عليه الائتمام ولا حزازة فيه ، وإن كان دونه في المقام فقد حثّ الشارع على التواضع ومجاهدة النفس ، وحذّر عن الأنانية والكِبَر ، وقد شاهدنا بعض زهّاد العصر يأتم خلفه جمّ غفير من الجهابذة والأساطين وهم أفقه منه وأعظم شأناً بمراتب غير قليلة.

وعلى الثاني : الجماعة باطلة بنظره ، فلم تنعقد جمعة صحيحة كي يجب السعي إليها والحضور فيها. هذا بناء على المختار احتياطاً من عدم الوجوب إلا بعد الانعقاد ، وكذا على القول بوجوب العقد ، فإنه يسقط عندئذ بناء على ما هو الأظهر من عدم جواز عقد جمعتين في بلد واحد حتى مع العلم ببطلان إحداهما ، فلم يكن هناك موجب للافتتان وباعث على الجدال والنزاع من ناحية إيجاب الجمعة في حدّ نفسه ، وأما البواعث الأُخر فهي أجنبية عن هذا التشريع كما لا يخفى ، فتدبر جيداً.

الوجه الخامس : ما رواه الصدوق في العيون (1)والعلل (2)بسنده عن الفضل ابن شاذان عن الرضا عليه‌السلام في وجه صيرورة صلاة الجمعة ركعتين دون أربع ، وقد اشتمل الحديث على بيان علل شتى قد استشهد للمطلوب بفقرتين منها :

إحداهما : قوله عليه‌السلام : « لأن الصلاة مع الإمام أتم وأكمل ، لعلمه وفقهه وفضله وعدله » (3)حيث يظهر منها أن الامام المقيم للجمعة يمتاز عنه في بقية الجماعات ، لاعتبار كونه عالماً فقيهاً فاضلاً عادلاً ، ولا شك في عدم اعتبار شي‌ء من هذه الصفات في أئمة الجماعات ما عدا الأخير ، فيعلم من ذلك عدم


1) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام 2 : 111 / 1.

2) علل الشرائع : 264 / 9.

3) الوسائل 7 : 312 / أبواب صلاة الجمعة ب 6 ح 3.

صلاحية كل أحد لإقامة الجمعة إلا من كان حاوياً لهذه الخصال ولا يكون إلا الإمام أو المنصوب الخاص.

ثانيتهما : قوله عليه‌السلام : « إنما جعلت الخطبة يوم الجمعة لأنّ الجمعة مشهد عام ، فأراد أن يكون للأمير كما عن العلل (1)للإمام كما عن العيون ، سبب إلى موعظتهم ، وترغيبهم في الطاعة وترهيبهم عن المعصية ، وتوقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم ودنياهم ، ويخبرهم بما ورد عليهم من الآفاق ومن الأهوال التي لهم فيها المضرة والمنفعة ، ولا يكون الصابر في الصلاة منفصلاً وليس بفاعل غيره ممن يؤم الناس في غير يوم الجمعة .. » إلخ (2)والجملة الأخيرة أعني قوله : « وليس بفاعل ... » إلخ غير مذكورة في العيون كما نبّه عليه في الوسائل.

وكيف كان ، فالمستفاد من هذه الفقرة من الحديث أيضاً امتياز إمام الجمعة عن غيرها وعدم أهلية كل شخص لها ، بل يعتبر أن يكون المقيم من له خبرة بالأُمور واطلاع بأحوال البلاد ، وما يجري فيها من الحوادث ، كي يعلن للناس ما يرد عليه من الآفاق ، ويرشدهم إلى ما فيه صلاحهم وفسادهم ، ويوقفهم على ما يمسّهم من المضارّ والمنافع ، ويعظهم ويمنّيهم ويرغّبهم ويرهبهم ، ومَن هذا شأنه لا بد وأن تكون له السيطرة على الأُمور والتسلط على كافة الشؤون ، وليس هو إلا الإمام ( عليه الإمام ) أو المنصوب الخاص ، فليس لغيره التصدّي لهذا المقام.

والجواب : أن الامتياز المزبور مما لا مساغ لإنكاره ، غير أنه ليس لأجل اعتبار هذه الأُمور في إمام الجمعة شرعاً بحيث لا تنعقد مع الفاقد لها ، بل لأن طبع الحال يقتضي ذلك ، إذ بعد كون الجمعة مشهداً عظيماً يشترك فيه جميع المسلمين ، لانحصار عقدها في البلد ونواحيها إلى ما دون الفرسخين من كل


1) [ بل الموجود في العلل للإمام ].

2) الوسائل 7 : 344 / أبواب صلاة الجمعة ب 25 ح 6.

جانب في جمعة واحدة ، فلا محالة يتقدم الأصلح منهم ، الأفقه الأفضل الأعدل ، الخبير بأحوال المسلمين والبصير بشؤونهم ، كي يتمكن من أداء خطبة ينتفع منها جميع الحاضرين ، دون غير الأصلح المقتصر على مسمى الخطبة أو ما لا تتضمن مصالحهم ، فاتصاف الامام بهذه الصفات في مثل هذه الصلاة التي تمتاز عن صلاة بقية الأيام بما ذكر ، مما تقتضيه طبيعة الحال والجري الخارجي المتعارف بين المسلمين ، فهو اعتبار عرفي لا شرط شرعي ، وبين الأمرين بون بعيد.

هذا كله مع أن الرواية ضعيفة السند ، لضعف طريق الصدوق إلى الفضل بن شاذان ، فان في الطريق علي بن محمد بن قتيبة ولم يوثّق ، وعبد الواحد بن عبدوس النيشابوري العطار الذي هو شيخ الصدوق ولم يوثق أيضاً. نعم قد ترضّى عليه الصدوق عند ذكره فقال : رضي‌اللّه‌عنه (1)، لكنه غير كاف في التوثيق كما لا يخفى.

السادس : موثقة سماعة قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الصلاة يوم الجمعة ، فقال : أما مع الامام فركعتان ، وأما لمن صلى وحده فهي أربع ركعات وإن صلوا جماعة » (2)هكذا رواها الشيخ (3)والصدوق (4)غير أنها في طريق الثاني خالية عن القيد الأخير أعني قوله « وإن صلوا جماعة ».

وكيف كان ، فهي كالنص في تغاير إمام الجمعة مع أئمة بقية الجماعات ، للتصريح بأنه مع فقد الإمام فهي أربع وإن صلّوا جماعة. فيظهر أن إمام الجماعة في بقية الصلوات غير مَن هو الإمام في صلاة الجمعة ، وأن من يقيمها ليس هو


1) الفقيه 4 ( المشيخة ) : 54.

2) الوسائل 7 : 314 / أبواب صلاة الجمعة ب 6 ح 8.

3) [ بل رواها مطابقة لمتن رواية الكليني الآتية ، لاحظ التهذيب 3 : 19 / 70 ].

4) الفقيه 1 : 269 / 1230.

مطلق مَن يصلي بالناس جماعة ، وإنما هو شخص معيّن وليس إلا الإمام عليه‌السلام أو المنصوب بالخصوص.

والجواب عن ذلك يظهر من رواية الكليني (1)هذه بعين السند ، بحيث لا يحتمل تعدد الروايتين مع اختلاف يسير في المتن يكشف القناع عن هذا الإجمال ، قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الصلاة يوم الجمعة ، فقال : أما مع الامام فركعتان ، وأما مَن يصلي وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر ، يعني إذا كان إمام يخطب ، فان لم يكن إمام يخطب فهي أربع ركعات وإن صلوا جماعة ». والظاهر أن التفسير من الراوي.

وعليه فالمراد بالإمام هو مَن يخطب ، أي يكون متهيئاً بالفعل لأداء الخطبة التي يتمكن من مسمّاها وأقل الواجب منها كل أحد كما مرّ غير مرة ، فلا دلالة فيها على اعتبار إمام خاص.

السابع : عدة روايات دلت على أن الجمعة من مناصب الامام عليه‌السلام كالخبر المروي عن دعائم الإسلام عن علي عليه‌السلام أنه « قال : لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة إلا للإمام أو من يقيمه الامام عليه‌السلام » (2).

والمروي عن كتاب الأشعثيات مرسلاً « أن الجمعة والحكومة لإمام المسلمين » (3).

والمرسل الآخر عنهم عليهم‌السلام : « إن الجمعة لنا والجماعة لشيعتنا » (4)ونحوها غيرها.


1) الوسائل 7 : 310 / أبواب صلاة الجمعة ب 5 ح 3 ، الكافي 3 : 421 / 4.

2) دعائم الإسلام 1 : 182 وفيه : « لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة إلاّ بإمام ».

3) الموجود في النص هو « لا يصح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة إلا بإمام » المستدرك 6 : 13 / أبواب صلاة الجمعة وآدابها ب 5 ح 2 ، الأشعثيّات : 43.

4) أورده في الجواهر 11 : 158 نقلا عن رسالة ابن عصفور.

والجواب : مضافاً إلى ضعف أسانيد الجميع بالإرسال ، أنّ غاية ما يستفاد منها كون الجمعة حقاً للإمام عليه‌السلام ومِن مناصبه بحسب الجعل الأوّلي ، فلا ينافي ذلك إذنهم عليهم‌السلام للشيعة وترخيصهم في إقامتها على سبيل الإطلاق كما ثبت في الحكم ونحوه ، وقد ثبت الاذن العام عنهم عليهم‌السلام في المقام بمقتضى الأخبار المتقدّمة الدالة على الوجوب التخييري التي منها ما دلت على الوجوب إذا كان هناك إمام يخطب.

ومن ذلك يظهر الجواب عما استدلوا به من قوله عليه‌السلام في الصحيفة السجادية في دعاء يوم الجمعة والأضحى : « اللّهم إنّ هذا المقام لخلفائك وأصفيائك ومواضع أُمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزوها وأنت المقدّر لذلك إلى قوله عليه‌السلام حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدّلاً وكتابك منبوذاً .. » إلخ (1). فإن غايته أن هذا المقام أي إقامة الجمعة حق مختص بهم عليهم‌السلام فلا ينافي تفويضه لشيعتهم وترخيصهم في إقامتها من دون تعيين شخص خاص كما عرفت.

الثامن : الأخبار الواردة فيما إذا اجتمع عيد وجمعة المتضمنة لإذن الإمام عليه‌السلام في خطبة العيد للنائين بالرجوع إلى أماكنهم إن شاؤوا وعدم حضور الجمعة الكاشفة عن كون الإقامة حقاً مختصاً به عليه‌السلام وإلا فكيف يسوغ له الترخيص في ترك فريضة عينية إلهية ، وهل ذاك إلا كترخيصه في ترك صلاة الغداة مثلاً.

فمنها : صحيحة الحلبي « أنه سأل أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الفطر والأضحى إذا اجتمعا في يوم الجمعة ، فقال : اجتمعا في زمان علي عليه‌السلام ، فقال : من شاء أن يأتي إلى الجمعة فليأت ، ومن قعد فلا يضرّه


1) الصحيفة السجادية : 351 / 150.

وليصلّ الظهر ، وخطب خطبتين جمع فيهما خطبة العيد وخطبة الجمعة » (1).

وخبر سلمة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : اجتمع عيدان على عهد أمير المؤمنين عليه‌السلام فخطب الناس فقال : هذا يوم اجتمع فيه عيدان فمن أحب أن يجمع معنا فليفعل ، ومن لم يفعل فانّ له رخصة ، يعني من كان متنحياً » (2).

ورواية إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه عليه‌السلام « أن علي بن أبي طالب عليه‌السلام كان يقول : إذا اجتمع عيدان للناس في يوم واحد فإنه ينبغي للإمام أن يقول للناس في خطبته الاولى : إنه قد اجتمع لكم عيدان فأنا أُصليهما جميعاً ، فمن كان مكانه قاصياً فأحبّ أن ينصرف عن الآخر فقد أذنت له » (3).

والجواب : أن شيئاً من هذه الروايات لا دلالة لها على المطلوب.

أما الصحيحة ، فلأنها بيان للحكم المجعول في الشريعة المقدسة على سبيل القضية الحقيقية ، وأنه مهما اجتمع عيدان فالمكلفون مخيّرون بين حضور الجمعة وتركها بترخيص ثابت من قبل الشارع الأقدس كما في سائر الاحكام ، لا أنه حق مختص بالإمام عليه‌السلام كي يكون الاذن المزبور مستنداً إليه كما لعلّه ظاهر.

وأما خبر سلمة ، فمخدوش لضعف السند أوّلاً ، فانّ في الطريق معلى بن محمد ولم يوثّق ، وكذا الحسين بن محمد ، وإن كان الظاهر أن المراد به الحسين بن محمد بن عامر بن عمران الثقة بقرينة روايته عن معلى بن محمد. وكيف كان فيكفي الأول في قدح السند لولا وقوعه في إسناد كامل الزيارات (4).


1) الوسائل 7 : 447 / أبواب صلاة العيد ب 15 ح 1 ، 2.

2) الوسائل 7 : 447 / أبواب صلاة العيد ب 15 ح 1 ، 2.

3) الوسائل 7 : 448 / أبواب صلاة العيد ب 15 ح 3.

4) وقد عدل ( قده ) عن ذلك أخيراً.

وثانياً : بقصور الدلالة بنحو ما مرّ في الصحيحة ، فإن قوله عليه‌السلام : « فان له رخصة » بيان للترخيص الثابت من قِبل اللّه تعالى الذي هو حكم من الأحكام ، لا أنه إعمال لحقه المختص به عليه‌السلام.

وأما رواية إسحاق ، فمضافاً إلى ضعف سندها بمحمد بن حمزة بن اليسع ومحمد بن الفضيل حسب نقل صاحب الوسائل ، لترددهما بين الموثق وغيره ، قاصرة الدلالة أيضاً ، فإنّ ظاهر الإسناد في قوله : « فقد أذنت له » وإن كان إلى الامام إلا أنه ليس بما هو إمام بل بما هو مبيّن للحكم الإلهي ويفرغ عن لسان الشارع المقدّس ، نظير ما يقوله المجتهد للمستفتي : أذنت لك في كذا ، أو لا آذن أن تفعل كذا ، فان الجميع بيان عن الحكم الثابت في الشريعة المقدّسة ، ولا خصوصية للإمام أو المجتهد بما هو كي يكشف عن الحق والاختصاص.

وقد تلخّص من جميع ما تقدّم عدم اشتراط إقامة الجمعة بالإذن الخاص ، لضعف مستند القائلين بالاشتراط ، فلا فرق في مشروعيتها بين عصري الحضور والغيبة عملاً بإطلاق الأدلة ، كما أنها غير واجبة تعييناً ، لقيام الدليل على العدم كما مرّ مستقصى. ونتيجة ذلك هو الوجوب التخييري على التفصيل الذي تقدم ، هذا كله بحسب ما تقتضيه الأدلة الاجتهادية.

وأمّا بالنظر إلى الأصل العملي فنقول : لو أغضينا النظر عن كل ما ورد في صلاة الجمعة من دليل يقتضي الوجوب تعييناً أو تخييراً أو الحرمة وفرضناها كأن لم تكن ، فتخرّجنا من المسألة ولمّا نجزم بشي‌ء ، فالمرجع حينئذ هي العمومات أو الإطلاقات الدالة على وجوب سبع عشرة ركعة على كل مكلف في كل يوم ، ونتيجة ذلك تعين الظهر يوم الجمعة كسائر الأيام.

ولو فرضنا التشكيك في ذلك ، لعدم ثبوت عموم أو إطلاق في تلك الأدلة فلا محالة ينتهي الأمر إلى الأصل العملي ، وصور الشك حينئذ أربع :

الاولى : أن يتردد الأمر بين وجوب الجمعة تعييناً أو تخييراً بعد الجزم بأصل

المشروعية ، والمرجع حينئذ أصالة البراءة عن تعيّن الجمعة ، لاندراج المقام في كبرى الدوران بين التعيين والتخيير ، والمختار فيها الرجوع إلى البراءة العقلية والنقلية ، للعلم بجامع الوجوب والشك في خصوصية زائدة مدفوعة بالأصل كما حرّر في الأُصول (1).

الثانية : أن تتردد بين الحرمة والوجوب مع القطع بعدم التعيين على تقدير الوجوب ، فيكون الدوران بين الحرمة والوجوب التخييري ، والحال فيه كما مرّ ، إذ احتمال الحرمة مساوق لاحتمال تعيّن الظهر ، فيدور الأمر بين وجوبها التعييني والتخييري ، والمرجع هي البراءة عن التعييني كما عرفت.

الثالثة : أن يدور الأمر بين كل من الحرمة والوجوب التعييني والتخييري ، وهذه الصورة أيضاً كسابقتيها في الاندراج تحت تلك الكبرى ، لدوران الأمر حينئذ بين تعيّن كل من الظهر أو الجمعة والتخيير بينهما ، فيرجع إلى البراءة عن التعييني ، غايته من الطرفين ، ونتيجة ذلك هو الوجوب التخييري أيضاً.

الرابعة : أن تتردد الجمعة بعد القطع بعدم الوجوب التخييري بين الحرمة والوجوب التعييني ، والمرجع حينئذ قاعدة الاشتغال ، للعلم الإجمالي بالتكليف والشك في المكلف به ، فيجب الجمع بين الظهر والجمعة تحصيلاً للقطع بالفراغ عن التكليف المعلوم.

هذا فيما إذا لم يتيقن بوجوب الجمعة في زمن الحضور تعييناً ، وأما مع اليقين به واحتمال انقلابه إلى التخيير أو الحرمة في زمن الغيبة ، فالمرجع هو الاستصحاب بناءً على ما هو المشهور من جريانه في الشبهات الحكمية ، وأما على ما هو التحقيق من المنع فالاستصحاب ساقط في المقام ، والمرجع هو ما ذكرناه على التفصيل الذي عرفت.

هذا تمام الكلام في صلاة الجمعة.


1) مصباح الأصول 2 : 456.

وأما النوافل فكثيرة ، آكدها الرواتب اليومية ، وهي في غير يوم الجمعة أربع وثلاثون ركعة ثمان ركعات قبل الظهر ، وثمان ركعات قبل العصر ، وأربع ركعات بعد المغرب ، وركعتان بعد العشاء من جلوس تعدّان بركعة (1).


(1) قد ورد الحثّ الأكيد والاهتمام البليغ بشأن الرواتب اليومية والمحافظة عليها في تضاعيف الأخبار (1)، وأنها مكمّلة للفرائض ومن علامات المؤمن ، بل في بعضها : أنّ ترك البعض منها معصية ، أو فعلها واجب ونحو ذلك مما لم يرد في بقية النوافل ، ولأجله كانت هي أفضل وآكد ، مضافاً إلى ظهور الإجماع والتسالم عليه.

وأما عددها : فهي في غير يوم الجمعة أربع وثلاثون ركعة : ثمان ركعات قبل الظهر ، وثمان قبل العصر ، وأربع بعد المغرب ، وركعتان بعد العشاء من جلوس تعدّان بركعة ، وركعتان قبل صلاة الفجر ، وإحدى عشرة ركعة صلاة الليل ، فيكون المجموع بضميمة الفرائض إحدى وخمسين ركعة. وقد استفاضت النصوص بل تواترت بذلك (2).

والظاهر اتفاق الأصحاب عليه وإن اختلفت كلماتهم كالنصوص في التعبير عنها بالخمسين تارة ، وباحدى وخمسين اخرى ، لكن ذلك مجرد اختلاف في التعبير وفي كيفية العدّ والاحتساب بعد التسالم على الحكم ، فان القصر على الخمسين مبني على عدم كون الوتيرة أعني نافلة العشاء من الرواتب بحسب الجعل الأوّلي وبلحاظ أصل التشريع ، إما لما في بعض الأخبار من أنها بدل عن الوتر (3)فلم يجمع بين البدل والمبدل منه في العدّ ، أو لما في بعضها الآخر (4)من


1) الوسائل 4 : 70 / أبواب أعداد الفرائض ب 17 وما بعده من الأبواب.

2) الوسائل 4 : 45 / أبواب أعداد الفرائض ب 13.

3) الوسائل 4 : 45 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 2 وب 29 ح 8.

4) الوسائل 4 : 95 / أبواب أعداد الفرائض ب 29 ح 3.

أنها إنما شرّعت لاستكمال العدد كي يكون عدد النوافل ضعف الفرائض ، فكأنها لم تكن مجعولة بالذات ولذا لم تحسب منها.

وكيف كان ، فلا ينبغي الإشكال في الحكم نصاً وفتوى. نعم قد يتراءى من بعض الأخبار ما يوهم خلاف ذلك كصحيح زرارة الدال على أن المجموع أربع وأربعون ركعة بإسقاط ركعتين من نافلة المغرب ، وأربع ركعات من نافلة العصر ، قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : ما جرت به السنة في الصلاة؟ فقال : ثمان ركعات الزوال ، وركعتان بعد الظهر ، وركعتان قبل العصر ، وركعتان بعد المغرب ، وثلاث عشرة ركعة من آخر الليل منها الوتر وركعتا الفجر ، قلت : فهذا جميع ما جرت به السنة؟ قال : نعم » الحديث (1)لكنها لأجل مخالفتها مع تلكم النصوص المستفيضة كما عرفت لا بد من التصرف فيها ، إما بالحمل على اختلاف مراتب الفضل وأن هذه الست ركعات ليست بمثابة الباقي في الفضيلة ، فيكون المراد بما جرت به السنة هو الذي استمرت عليه سيرة النبي صلی اللّه عليه وآله بحيث لم يكن يأتي بأقل منها اهتماماً بشأنها ، أو أنها تحمل على التقية.

وربما يوجد في بعض الأخبار ما يوهم غير ذلك ، وهي أيضاً محمولة على اختلاف مراتب الفضل وليست من تعارض الأخبار كما لا يخفى.

ثم إن نافلة العصر لا إشكال في كونها ثمان ركعات قبل فريضة العصر كما عرفت وإن اختلف التعبير عن ذلك في لسان الأخبار ، ففي بعضها عبّر بمثل ذلك كما في رواية الفضل بن شاذان (2).

وفي بعضها : أنها أربع بعد الظهر وأربع قبل العصر كما في رواية البزنطي (3).

وفي ثالث : أنها ثمانية بعد الظهر كما في رواية الحارث بن المغيرة


1) الوسائل 4 : 59 / أبواب أعداد الفرائض ب 14 ح 3.

2) الوسائل 4 : 54 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 23.

3) الوسائل 4 : 47 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 7.

ويجوز فيهما القيام (1)بل هو الأفضل (1) وإن كان الجلوس أحوط ، وتسمى بالوتيرة ، وركعتان قبل صلاة الفجر ، وإحدى عشرة ركعة صلاة الليل وهي ثمان ركعات ، والشفع ركعتان ، والوتر ركعة واحدة.


النضري (2). والموجود في الوسائل النصري بالصاد ، والصحيح ما ذكرناه.

وفي رابع : أنها ست ركعات بعد الظهر ، وركعتان قبل العصر كما في موثقة سليمان بن خالد (3).

وبالجملة : فالمراد من الجميع شي‌ء واحد وإنما الاختلاف في مجرد التعبير.

ثم إن ما في بعض الأخبار من أن النبي صلی اللّه عليه وآله كان يأوي بعد العشاء الآخرة إلى فراشه ولم يكن يأتي بالوتيرة (4)، لا ينافي استحبابها وكونها من الرواتب ، إذ من الجائز أنّ ذلك من جهة أنها بدل عن نافلة الليل فيحتسب عنها فيما إذا لم يوفّق المكلف لها كما نص عليه في جملة من الأخبار ، وحيث أن نافلة الليل كانت واجبة عليه صلی اللّه عليه وآله ولم يكن هناك احتمال الفوت فلا موضوع للبدل بعد الجزم بإتيان المبدل منه.

(1) كما صرّح به وبأفضليته غير واحد على ما هو الشأن في سائر النوافل ، ويستدل له بروايتين ، إحداهما : موثقة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : ... وركعتان بعد العشاء الآخرة يقرأ فيهما مائة آية قائماً أو قاعداً ، والقيام أفضل ، ولا تعدّهما من الخمسين » (5).

ثانيتهما : معتبرة الحارث بن المغيرة « ... وركعتان بعد العشاء الآخرة كان أبي يصليهما وهو قاعد وأنا أُصليهما وأنا قائم ... » إلخ (6)فإنّهما صريحتان في


1) (*) فيه إشكال ، بل الأظهر عدم جوازه.

2) الوسائل 4 : 48 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 9.

3) الوسائل 4 : 51 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 16.

4) الوسائل 4 : 61 / أبواب أعداد الفرائض ب 14 ح 6.

5) الوسائل 4 : 51 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 16 ، 9.

6) الوسائل 4 : 51 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 16 ، 9.

الجواز ، كما أن الاولى ناطقة بالأفضلية والثانية ظاهرة فيها ، نظراً إلى أن الاختلاف بين الصادق وأبيه عليهما‌السلام في الكيفية مستند إلى صعوبة القيام الناشئة من كبر السن وعظم جثته الشريفة كما أُشير إليه في رواية حنان بن سدير عن أبيه قال : « قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : أتصلي النوافل وأنت قاعد؟ فقال : ما أُصليها إلا وأنا قاعد منذ حملت هذا اللحم وما بلغت هذا السن » (1). وأما الصادق عليه‌السلام فحيث لم يكن كذلك اختار القيام لأفضليته.

ولكن الظاهر عدم المشروعية فضلاً عن الأفضلية ، وأن الجلوس معتبر في حقيقة الوتيرة لتقييد دليل التشريع بذلك ، فان النصوص برمّتها قد تضمنت ذلك ، وفي بعضها (2)التصريح بأنهما تحسبان بركعة واحدة تكملة لعدد النوافل لكي تكون ضعف الفرائض ، وفي بعضها (3)أن الرضا عليه‌السلام كان يصليهما عن جلوس مع أنه عليه‌السلام لم يكن بديناً ، فلولا أنهما مقيدتان بالجلوس لم يكن وجه لاختياره وترك ما يدعى أنه الأفضل ، كما لم يكن وجه للتكميل المزبور ، لتقوّمه باحتسابهما ركعة واحدة ، فلو ساغ فيهما القيام لأصبحتا ركعتين وزاد عدد الفرائض عن ضعف الفرائض بركعة واحدة ولم تتحقق التكملة.

وأما الروايتان المزبورتان فالظاهر أنهما ناظرتان إلى صلاة أُخرى تستحب بعد العشاء غير الوتيرة ، ولا تحسبان من النوافل المرتّبة ولا تعدّان منها كما صرّح بذلك في ذيل موثقة سليمان بن خالد (4)وهما اللتان يستحب فيهما القيام


1) الوسائل 5 : 491 / أبواب القيام ب 4 ح 1.

2) الوسائل 4 : 95 / أبواب أعداد الفرائض ب 29 ح 3 ، 6.

3) الوسائل 4 : 47 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 7.

4) الوسائل 4 : 51 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 16.

وأما يوم الجمعة فيزاد على الست عشرة أربع ركعات ، فعدد الفرائض سبع عشرة ركعة ، وعدد النوافل ضعفها بعد عدّ الوتيرة ركعة ، وعدد مجموع الفرائض والنوافل إحدى وخمسون ، هذا (1).


وقراءة مائة آية ، فلا ربط لهما بما نحن بصدده من صلاة الوتيرة المعدودة من النوافل المرتبة ، هذا.

وأن صحيحة الحجّال صريحة فيما ذكرناه قال : « كان أبو عبد اللّه عليه‌السلام يصلي ركعتين بعد العشاء يقرأ فيهما بمائة آية ولا يحتسب بهما ، وركعتين وهو جالس يقرأ فيهما بقل هو اللّه أحد ، وقل يا أيها الكافرون .. » إلخ (1).

ونحوها صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : « سمعت أبا عبد اللّه عليه‌السلام يقول : لا تصل أقل من أربع وأربعين ركعة ، قال : ورأيته يصلي بعد العتمة أربع ركعات » (2).

فما عن المحقق الهمداني عند تعرضه لهذه الصحيحة من أنه لم يعرف وجه هذه الأربع ركعات ولعلها صلاة جعفر عليه‌السلام (3)في غير محله ، لما عرفت من دلالة الصحيحة المتقدمة على استحباب ركعتين أُخريين بعد العشاء غير الوتيرة يكون المجموع أربع ركعات ، وهما اللتان يكون القيام فيهما أفضل دون الوتيرة.

وظنّي أن من أفتى بأفضلية القيام فيها لم يعثر على هذه الصحيحة التي هي كالصريحة في أن مورد الأفضلية صلاة أُخرى غير الوتيرة فلاحظ.

(1) لا ريب في اختلاف نوافل يوم الجمعة عن غيرها عدداً وترتيباً كما تضمنه غير واحد من الأخبار ، بيد أنها مختلفة المفاد ، ففي بعضها أن الزائد أربع


1) الوسائل 4 : 253 / أبواب المواقيت ب 44 ح 15.

2) الوسائل 4 : 60 / أبواب أعداد الفرائض ب 14 ح 4.

3) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 5 السطر 7.

ويسقط في السفر نوافل الظهرين (1).


ركعات كما في المتن فيكون المجموع عشرين ركعة كما في صحيحة البزنطي قال : « سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن التطوع يوم الجمعة ، قال : ست ركعات في صدر النهار ، وست ركعات قبل الزوال ، وركعتان إذا زالت ، وست ركعات بعد الجمعة ، فذلك عشرون ركعة سوى الفريضة » (1).

وفي بعضها الآخر أنه ست ركعات فيكون المجموع اثنتين وعشرين ركعة كما في صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام قال : « سألته عن الصلاة يوم الجمعة كم ركعة هي قبل الزوال؟ قال : ست ركعات بكرة وست بعد ذلك ، اثنتا عشرة ركعة ، وست ركعات بعد ذلك ، ثماني عشرة ركعة ، وركعتان بعد الزوال ، فهذه عشرون ركعة ، وركعتان بعد العصر فهذه ثنتان وعشرون ركعة » (2).

وفي بعضها أنها كسائر الأيام عدداً ، وإن زاد فهو خير ، وإن اختلف معها في الترتيب كما في صحيحة سعيد الأعرج (3)وحيث إن الاختلاف في هذه الأخبار محمول على اختلاف مراتب الفضل فلا مانع من العمل بكل منها ، والغرض منها إنما هو الإيعاز إلى ما لهذا اليوم من الفضيلة واهتماماً بشأن هذه الفريضة وما تستحقه من التجليل والتعظيم من غير إلزام في البين ، ومن ثم ساغ الاقتصار على عدد سائر الأيام كما سمعته من النص.

فما عن الصدوقين من أن يوم الجمعة كسائر الأيام من غير فارق (4)إن أرادا به نفي الإلزام فنعم الوفاق وإلا فالفارق النص الذي لا سبيل للاجتهاد في مقابلته.

(1) بلا خلاف ولا إشكال ، بل إجماعاً كما ادعاه غير واحد ، بل عن المدارك


1) الوسائل 7 : 323 / أبواب صلاة الجمعة ب 11 ح 6 ، 5 ، 7.

2) الوسائل 7 : 323 / أبواب صلاة الجمعة ب 11 ح 6 ، 5 ، 7.

3) الوسائل 7 : 323 / أبواب صلاة الجمعة ب 11 ح 6 ، 5 ، 7.

4) لاحظ الفقيه 1 : 267 ، المقنع : 146.

والوتيرة على الأقوى (1)(1).


نسبته إلى قطع الأصحاب (2).

وتدل عليه جملة وافرة من النصوص التي منها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما‌السلام قال : « سألته عن الصلاة تطوّعاً في السفر ، قال : لا تصلّ قبل الركعتين ولا بعدهما شيئاً نهاراً » (3)ونحوها غيرها مما يظهر منه أنّ السقوط على سبيل العزيمة كما يفصح عنه ما في ذيل رواية الحنّاط من قوله عليه‌السلام : « يا بني لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة » (4).

كما لا إشكال أيضاً في عدم سقوط نوافل ما لا تقصير فيه كالفجر والمغرب وكذا نافلة الليل ، ويدلُّ عليه مضافاً إلى إطلاق أدلتها الشامل للحضر والسفر بعض النصوص الخاصة ، كما ورد في نافلة المغرب من قوله : « لا تدعهنّ في سفر ولا حضر » (5).

وفي موثقة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : كان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ، منها الوتر وركعتا الفجر في السفر والحضر » (6).

وصحيحة محمد بن مسلم قال : « قال لي أبو جعفر عليه‌السلام : صلّ صلاة الليل والوتر وركعتين في المحمل » (7)ونحوها غيرها.

وإنما الإشكال في سقوط الوتيرة ، أعني نافلة العشاء في السفر ، وستعرف الحال فيها.

(1) على المشهور ، بل نسب إلى ظاهر العلماء ، بل عن ابن إدريس دعوى


1) (*) فيه إشكال والأحوط الإتيان بها رجاء.

2) المدارك 3 : 26.

3) الوسائل 4 : 81 / أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 1.

4) الوسائل 4 : 82 / أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 4.

5) الوسائل 4 : 83 / أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 7.

6) الوسائل 4 : 91 / أبواب أعداد الفرائض ب 25 ح 6 ، 2.

7) الوسائل 4 : 91 / أبواب أعداد الفرائض ب 25 ح 6 ، 2.

الإجماع عليه (1)استناداً إلى إطلاق جملة من النصوص الواردة في سقوط نوافل الرباعية التي منها صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شي‌ء إلا المغرب ثلاث » (2)وقد سمعت ما في رواية الحناط : « لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة ».

ولكن جماعة منهم الشيخ في النهاية (3)ذهبوا إلى عدم السقوط ، ومال إليه غير واحد من المتأخرين منهم المحقق الهمداني قدس‌سره لولا انعقاد الإجماع على خلافه (4)ويستدل له بوجوه :

أحدها : ما رواه الصدوق بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه‌السلام في حديث « قال : وإنما صارت العتمة مقصورة وليس تترك ركعتاها ( ركعتيها ) لأن الركعتين ليستا من الخمسين ، وإنما هي زيادة في الخمسين تطوعاً ليتمّ بهما بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع » (5).

دلت بوضوح على عدم السقوط ، لعدم احتساب الوتيرة من النوافل المرتّبة في أصل التشريع ، وإنما زيدت لمكان التكميل ، فلا ينافي ما دل على سقوط نوافل المقصورة.

ومنه يظهر عدم سقوط الركعتين اللتين قلنا باستحبابهما بعد العشاء الآخرة مستقلا ، لعدم كونهما أيضاً من تلك النوافل كما تقدم.

وبالجملة فلا إشكال في الدلالة ، وإنما الكلام في السند.

فقد ناقش فيه صاحب المدارك باشتمال طريق الصدوق إلى الفضل بن


1) السرائر 1 : 194.

2) الوسائل 4 : 82 / أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 3.

3) النهاية : 57.

4) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 12 السطر 30.

5) الوسائل 4 : 95 / أبواب الفرائض ب 29 ح 3 ، علل الشرائع : 267.

شاذان على عبد الواحد بن عبدوس ، وعلي بن محمد بن قتيبة ولم يرد فيهما توثيق (1).

وأجاب عنه غير واحد بأنه يكفي في وثاقه الأول كونه من مشايخ الصدوق ، ولا سيما وقد ترضّى عليه كثيراً (2)فإنه لا يقصر عن التوثيق الصريح.

وأضاف المحقق الهمداني بما لفظه : لا شبهة في أن قول بعض المزكّين بأنّ فلاناً ثقة أو غير ذلك من الألفاظ التي اكتفوا بها في تعديل الرواة لا يؤثّر في الوثوق أزيد مما يحصل من إخبارهم بكونه من مشايخ الإجازة (3).

وأما الثاني فقد اعتمد عليه أبو عمرو الكشي في رجاله على ما حكاه النجاشي (4)، فهو من مشايخه واعتماده عليه لا يقل عن توثيقه له.

أضف إلى ذلك : أن العلامة قد صحح الطريق المشتمل على الرجلين ، حيث إنه روى حديث الإفطار على المحرّم ولم يتأمل في صحته إلا من ناحية ابن عبدوس (5)، وأخيراً حكم بوثاقته وصحح الحديث (6). وهذا يدل طبعاً على توثيقه لعلي بن محمد بن قتيبة أيضاً.

أقول : قد ذكرنا في محلّه (7)أن مجرد الشيخوخة لا يكفي في الوثاقة ، ولا سيما في مثل الصدوق الذي يروي عن كل من سمع منه الحديث ، حتى أنّ في مشايخه من هو في أعلى مراتب النصب كالضبي حيث قال في حقه : إنّي لم أر أنصب منه فقد كان يقول : اللّهم صل على محمد منفرداً (8).


1) المدارك 3 : 27.

2) التوحيد : 242 / 4 ، عيون أخبار الرضا عليه‌السلام 2 : 121 / 1.

3) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 12 السطر 14.

4) رجال النجاشي : 259 / 678.

5) المختلف 3 : 314.

6) خلاصة الأقوال : 296 / 1103.

7) معجم رجال الحديث 1 : 73.

8) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام 2 : 279.

نعم ، من كان ملتزماً بأن لا يروي بلا واسطة إلا عن الثقة كما يظهر ذلك من النجاشي فلا ريب أن روايته عنه توثيق له ، لكن من الواضح أنّ الصدوق وكذلك الكشي لم يكونا كذلك.

كما أن الترضّي أو الترحم لا يكشفان عن التوثيق ، بل غايته صدور عمل حسن استوجب ذلك ، ولا ريب أنّ التشيع نفسه خير عمل يستوجبهما ، وقد جرت عادة الصدوق على الترضّي على كل إمامي من مشايخه ، كما أن الأئمة عليهم‌السلام كانوا يترحمون على شيعتهم كافة وعلى زوار الحسين عليهم‌السلام خاصة وفيهم البرّ والفاجر ، فترضّيه على أحد لا يكشف إلا عن تشيعه ، وترحمه لا يزيد على ترحمهم عليهم‌السلام ولا يكاد يكشف عن التوثيق بوجه.

وأما اعتماد الكشي على ابن قتيبة فلم يتضح وإن حكاه النجاشي ، فإنا لم نجد بعد التتبع التام ما عدا روايته عنه في مواضع عديدة دون ما يشهد على اعتماده عليه (1)وقد عرفت أنّ مجرد الشيخوخة لا يكشف عن الوثاقة.

وأما تصحيح العلامة للحديث أو توثيقه للراوي فالظاهر أنه لا يعوّل على شي‌ء منهما.

أما الأوّل : فلبنائه على تصحيح رواية كل إمامي لم يرد فيه قدح ، وتضعيفها من غير الإمامي وإن ورد فيه توثيق فضلاً عن المدح ، إلا من قام الإجماع على قبول روايته ، ويتضح ذلك بملاحظة عدّة مواضع من كتابه.

فمن الأوّل : ما ذكره في ترجمة إبراهيم بن هاشم حيث قال : لم أقف لأحد من أصحابنا على قول في القدح فيه ، ولا على تعديل بالتنصيص ، والروايات


1) غير خفي أن الواصل إلينا من رجال الكشي هو خصوص ما اختاره الشيخ الطوسي وقد كان تمامه موجوداً عند النجاشي ومعه كيف يسعنا إنكار ما يحكيه من الاعتماد ، والعمدة في الجواب ما صرّح به سيدُنا الأُستاذ قدس‌سره ، في المعجم 13 : 171 من أنه يروي عن الضعفاء كثيرا ، كما صرّح به النجاشي في ترجمته فلا يكشف اعتماده عن التوثيق.

عنه كثيرة ، والأرجح قبول قوله (1).

وما ذكره في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن سمكة حيث قال ما لفظه : لم ينص علماؤنا عليه بتعديل ، ولم يرد فيه جرح ، فالأقوى قبول روايته مع سلامتها عن المعارض (2).

ونحوهما غيرهما مما يجده المتتبع. راجع القسم الأول من الخلاصة في ترجمة من يعتمد على روايته.

ومن الثاني موارد : منها : ما ذكره في ترجمة إسماعيل بن أبي سمّال وقيل سماك بالكاف حيث قال : قال النجاشي : إنه ثقة واقفي فلا أعتمد حينئذ على روايته (3)، ونحوه ما ذكره في ترجمة أخيه إبراهيم (4)فرفض الأخذ بروايتهما لمجرد كونهما من الواقفة وإن وثقهما النجاشي.

ومنها : ما ذكره في ترجمة إسحاق بن عمّار حيث قال : كان شيخاً من أصحابنا ثقة روى عن الصادق والكاظم عليهما‌السلام وكان فطحياً ، قال الشيخ إلا أنّه ثقة واصلة معتمد عليه ، وكذا قال النجاشي ، والأولى عندي التوقف فيما ينفرد به (5).

ومنها : ما ذكره في أبان بن عثمان في جواب ابنه فخر المحققين على ما نقله الميرزا والسيد التفريشي (6)قال : سألت والدي عنه ، فقال : الأقرب عدم قبول روايته ، لقوله تعالى ( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ .. ) (7)إلخ ، ولا فسق أعظم من عدم الايمان ، إلى غير ذلك مما يجده المتتبع.


1) خلاصة الأقوال : 49 / 9.

2) خلاصة الأقوال : 66 / 86.

3) خلاصة الأقوال : 315 / 1236.

4) خلاصة الأقوال : 314 / 1230.

5) خلاصة الأقوال : 317 / 1244.

6) منهج المقال : 17 ، نقد الرجال 1 : 46.

7) الحجرات 49 : 6.

وعلى الجملة : فتصحيح العلامة مبني على أصالة العدالة ومن ثم يصحح رواية كل شيعي لم يظهر منه فسق ، ولا يعتمد على رواية غيره وإن كان ثقة ثقة.

وبما أن الراوي في محل الكلام أعني علي بن محمد بن قتيبة وكذلك ابن عبدوس شيعيّان ولم يظهر منهما فسق فمن ثمّ صحّح حديثهما ، ومن البديهي أن مثل هذا التصحيح لا يجدي من لا يرى هذا المبنى ويعتبر وثاقة الراوي كما هو الأصح عندنا.

وأما الثاني : أعني توثيقه لابن عبدوس فهو أيضاً لا يركن إليه ، إذ مع الغض عما عرفت من ابتناء توثيقاته على أصالة العدالة ، أنها مبنية على الاجتهاد والحدس ، لعدم احتمال استنادها إلى الحس مع بُعد العهد والفصل الطويل بين عصره وعصر الرواة ، واحتمال استناد التوثيق إلى السماع ممّن رآه وهو ممن سمعه ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى عصر الراوي الذي يوثقه ، فيكون التوثيق مستنداً إلى السماع من ثقة عن ثقة بعيد غايته ، بل لا يكاد يحتمل عادة ولا سيما بعد ملاحظة ما ذكره الشهيد الثاني في الدراية من أن العلماء بعد عصر الشيخ إلى مدة مديدة كانوا يتّبعون آراءه وأقواله حتى سمّوا بالمقلّدة (1). فلا جرم كانت توثيقاته بل وتوثيقات غيره من معاصريه فضلا عمّن تأخر عنه كالمجلسي وابن طاوس وابن داود وأضرابهم شهادات حدسيّة واجتهادات وقتية. ومن البيّن عدم حجية اجتهاد فقيه على مثله وعدم اعتبار الشهادة ما لم تستند إلى الحس ، وإلا فلا شبهة في أن توثيق هؤلاء الإعلام لا يقصر عن توثيق الرجاليين كالنجاشي وغيره.

والمتحصل : أنّ توثيقات العلامة كتصحيحاته ، وكذا توثيقات المتأخرين لا سبيل للاعتماد على شي‌ء منها. إذن فالرواية ضعيفة السند لجهالة الرجلين ومناقشة صاحب المدارك في محلها.


1) الدراية : 28.

ثانيها : صحيحة الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام : هل قبل العشاء الآخرة وبعدها شي‌ء؟ قال : لا ، غير أنّي أُصلي بعدها ركعتين ولست أحسبهما من صلاة الليل » (1).

فان المحقق الهمداني قدس‌سره بعد أن استدل برواية الفضل المتقدمة بناء منه على اعتبارها أيّد المطلوب بهذه الصحيحة ، بتقريب أن المستفاد منها أن الركعتين بعد العشاء مستحبتان في نفسهما وليستا نافلة لها لتشملها النصوص المتقدّمة الناطقة بسقوط نوافل الرباعية في السفر (2).

ويندفع : بتوقفه على أن يكون المراد من الركعتين هو الوتيرة ، ومن الجائز أن يراد بهما الركعتان اللتان يأتي بهما عن قيام ويقرأ فيهما مائة آية ، وعرفت أنهما صلاة أُخرى غير الوتيرة يستحب الإتيان بهما مستقلا بعد العشاء الآخرة زائدة على النوافل المرتبة.

بل إن هذا هو الظاهر منها بقرينة قوله : « ولست أحسبهما من صلاة الليل » فان ما يتوهم احتسابه منها هي هذه الصلاة ، دون الوتيرة التي تصلى جالساً وتعدّ بركعة ، فإنه لا مجال لتوهم كونها من صلاة الليل بوجه ، كيف والراوي هو الحلبي الذي هو من أعاظم الرواة ، وجلالته تأبى عن أن تخفى عليه الوتيرة ويكون جاهلاً بها ليسأل عنها. نعم لما كانت الركعتان المزبورتان غير معروفتين كان السؤال عنهما في محله.

ثالثها : ما استدل به هو قدس‌سره أيضاً من أن الأخبار المتقدمة الدالة على السقوط معارضة في الوتيرة بنصوص وردت فيها بالخصوص تضمنت أن من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر ، المراد بها الوتيرة ، كما في ذيل رواية أبي بصير « قلت : تعني الركعتين بعد العشاء الآخرة؟ قال : نعم إنّهما بركعة » (3).


1) الوسائل 4 : 93 / أبواب أعداد الفرائض ب 27 ح 1.

2) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 12 السطر 19.

3) الوسائل 4 : 96 / أبواب أعداد الفرائض ب 29 ح 8.

والنسبة بينهما عموم من وجه ، لاختصاص تلك الأخبار بالسفر وإطلاقها لنافلة العشاء على العكس من هذه ، وليس الإطلاق في تلك أقوى منه في هذه لو لم يكن الأمر بالعكس لتضمن لسانها نوعا من التأكيد في الإطلاق ، حيث دلت على أن الإتيان بها ينبعث عن الايمان بالمبدإ والمعاد غير المختص بوقت دون وقت.

بل يمكن القول بأنّ لها نوع حكومة على تلك الأخبار ، حيث يفهم منها أن الوتيرة مربوطة بصلاة الليل ، وأن الإتيان بها بعد العشاء لأجل وقوعها قبل المبيت لا لارتباطها بالعشاء. وكيف ما كان فبعد التساقط في مادة الاجتماع يرجع إلى إطلاق دليل المشروعية في الوتيرة الذي مقتضاه عدم السقوط في السفر (1).

ويردّه أوّلاً : أن الوتر غير الوتيرة ، والموضوع في النصوص المزبورة هو الأوّل ، كما أن معنى البيتوتة إنهاء الليل إلى طلوع الفجر ، ويكون محصّل النصوص أن من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر لا يطلع عليه الفجر إلا بوتر ، والأخبار الواردة في الاهتمام بصلاة الليل بما فيها من الوتر كثيرة جدّاً ليكن هذا منها.

وأما نافلة العشاء فلم يطلق عليها لا الوتر ولا الوتيرة في شي‌ء من الأخبار ، وإن تداول على ألسنة الفقهاء التعبير عنها بالوتيرة. إذن فلا سبيل للاستدلال بهذه الروايات على استحبابها فضلا عن عدم سقوطها في السفر. نعم فسّرت الوتر بها رواية أبي بصير المتقدمة كما سمعت.

ومن هنا جعلها في الحدائق شارحة لإجمال تلك الأخبار (2)، ولكنها ضعيفة السند ، لأنّ أكثر رواتها بين مهمل أو مجهول فلا يعوّل عليها. إذن فالروايات


1) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 12 السطر 22.

2) الحدائق 6 : 47.

الدالة على السقوط سليمة عن المعارض.

وثانياً : سلّمنا إرادة الوتيرة من الوتر إلا أنه لا يبعد القول بحكومة نصوص السقوط على الثبوت ، نظراً إلى أن الثانية مسوقة لبيان أصل المشروعية ، وأن الوتيرة من المستحبات الأكيدة ، أما الأُولى النافية للمشروعية والناطقة بأنه لا شي‌ء قبل المقصورة ولا بعدها مؤيدة بما دل على أنه لو صلحت النافلة في السفر لتمت الفريضة ، فهي مسوقة لبيان حكمها في السفر فارغاً عن أصل المشروعية ، فهي ناظرة إليها وما يضاهيها من النوافل المرتّبة وشارحة للمراد منها ، وأنها خاصة بغير السفر ، فلسانها لسان الشرح والتفسير ، فلا جرم تتقدّم عليها تقدّم الحاكم على المحكوم من دون أيّ تعارض في البين.

رابعها : رواية رجاء بن أبي الضحاك المتضمنة أن الرضا عليه‌السلام لم يترك الوتيرة في السفر.

وفيه : أنه إن أُريد بها ما هو الموجود في العيون وقد نقلها صاحب الوسائل عنه عن الرضا عليه‌السلام أنه كان في السفر يصلي فرائضه ركعتين ركعتين إلا المغرب فإنه كان يصليها ثلاثاً ، ولا يدع نافلتها ، ولا يدع صلاة الليل والشفع والوتر وركعتي الفجر في سفر ولا حضر ، وكان لا يصلي من نوافل النهار في السفر شيئاً (1). فهي مضافاً إلى ضعف سندها على خلاف المطلوب أدل ، لخلوها عن التعرض للوتيرة فلو كانت ثابتة لأشير إليها كما أُشير إلى صلاة الليل وغيرها من النوافل ، وإن أُريد بها غيرها فلم نعثر عليها ، بل الظاهر أنه لا وجود لها لا في العيون ولا في غيره كما اعترف به في الجواهر (2).

والمتحصل مما تقدم لحد الآن : أنّ ما استدل به لعدم السقوط منظور فيه ، ومع ذلك كله فيمكن الاستدلال له بوجهين :


1) الوسائل 4 : 83 / أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 8 ، عيون أخبار الرضا عليه‌السلام 2 : 182 / 5.

2) الجواهر 7 : 50.

أحدهما : أنّ الوتيرة خارجة عن موضوع دليل السقوط ، إذ لم يثبت كونها نافلة للعشاء (1)ليشملها ما دل على سقوط نوافل المقصورة في السفر ، وإنما هي صلاة مستحبة شرّعت بدلاً عن الوتر مخافة فوتها في ظرفها ، كما تدل عليه صحيحة فضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث « ... منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر .. » إلخ (2)ولعلّه لأجل ذلك عددت النوافل والفرائض في جملة من النصوص بخمسين ركعة. إذن فلا معارض لما دل على استحبابها المطلق الشامل للسفر والحضر.

ثانيهما : صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليه‌السلام قال : « سألته عن الصلاة تطوعاً في السفر ، قال : لا تصل قبل الركعتين ولا بعدهما شيئاً نهاراً » (3).

فإن السؤال عن مطلق التطوع في السفر ، فتخصيص النفي بالجواب بالنوافل النهارية يدل بمقتضى مفهوم الوصف على عدم تعلق الحكم بالطبيعي المطلق ، بل بحصّة خاصة منها ، وإلا لأصبح القيد لغواً على التفصيل الذي حققناه في الأُصول (4)، وربما يعضده حصر مقصورة الليل في العشاء الآخرة ، ضرورة عدم التقصير في المغرب والفجر. إذن فالتقييد بالنهارية في الصحيحة كأنه ناظر إليها خاصة إيعازاً إلى أنها غير ساقطة.

وعلى الجملة : فلا يبعد القول بعدم السقوط لهذين الوجهين ، ولكن المشهور حيث ذهبوا إلى السقوط كان الأحوط الإتيان بها بعنوان الرجاء حذراً عن مخالفتهم.


1) لا حاجة إلى إثبات ذلك بعد إطلاق دليل السقوط الشامل للنافلة وغيرها ، إذ لا شك أن الوتيرة مستحبة بعد العشاء بهذا العنوان فيشملها قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان « ليس قبلهما ولا بعدهما شي‌ء » ودعوى الانصراف إلى النافلة كما ترى.

2) الوسائل 4 : 45 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 2.

3) الوسائل 4 : 81 / أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 1.

4) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 133.

[1176] مسألة 1 : يجب الإتيان بالنوافل ركعتين ركعتين (1).


(1) المشهور اعتبار التسليم بين كل ركعتين من النوافل ، فلا يجوز الإتيان بها ركعة واحدة إلا الوتر ولا أكثر من ركعتين ما عدا صلاة الأعرابي التي هي أربع ركعات بتسليمة واحدة ، فيعتبر في غيرهما الإتيان بالنوافل مطلقاً ركعتين ركعتين.

وقد ادعي الإجماع على ذلك ، واستشكل في ذلك المقدّس الأردبيلي فأنكر الاشتراط المزبور عملاً بإطلاق الأدلة (1).

وغير خفي أنّ دعوى الإجماع في مثل المقام مع الاطمئنان أو الظن ولا أقل من احتمال استناد المجمعين إلى أمارة أو أصل كما سيجي‌ء موهونة جدّاً ، إذ معه لا يبقى وثوق بكونه إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم عليه‌السلام الذي هو المناط في حجيته.

وكيف كان فيستدل للمشهور بطائفة من الروايات :

الأُولى : رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه‌السلام قال : « سألته عن الرجل يصلي النافلة أيصلح له أن يصلي أربع ركعات لا يسلّم بينهنّ؟ قال : لا إلا أن يسلّم بين كل ركعتين » (2).

ونوقش فيها سنداً تارة : بأن في الطريق عبد اللّه بن الحسن ولم يوثق ، ودلالة أُخرى : بأن غاية ما يستفاد منها عدم جواز الإتيان بأكثر من ركعتين قبال ما زعمه السائل من جواز الأربع ، ولا دلالة فيها على نفي الركعة.

أقول : المناقشة الاولى في محلها ، فان عبد اللّه بن الحسن مع كونه ذا نسب شريف وحسب أصيل مجهول لم يتعرض له في كتب الرجال كما أشرنا إليه سابقاً ، ولأجله لم نعتمد على كتاب الأشعثيات لوقوعه في الطريق.


1) مجمع الفائدة والبرهان 3 : 42.

2) الوسائل 4 : 63 / أبواب أعداد الفرائض ب 15 ح 2.

وأما المناقشة الثانية : فيمكن الذبّ عنها بأن المستثنى منه في قوله عليه‌السلام « لا إلا أن يسلّم .. » إلخ لا يمكن أن يراد به خصوص الأربع الواقع في السؤال ، لامتناع استثناء الفرد عن الفرد ، فلا مناص من أن يراد به مطلق الكيفية التي يمكن إيقاع النافلة عليها من الركعة والثنتين والثلاث وهكذا ، كي يصح الاستثناء ، فيتجه الاستدلال حينئذ كما لا يخفى ، فالإنصاف عدم قصورها إلا من حيث السند كما عرفت.

الثانية : ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً عن كتاب حريز بن عبد اللّه عن أبي بصير قال : « قال أبو جعفر عليه‌السلام في حديث : وافصل بين كل ركعتين من نوافلك بالتسليم » (1).

ونوقش في سندها بجهالة طريق ابن إدريس إلى كتاب حريز ، إذ لم يدركه بنفسه كي يحتمل نقله عنه بلا واسطة ، وحيث إن تلك الواسطة مجهولة فهي في حكم المرسل.

ويندفع : بأن ابن إدريس ممن لا يعمل بأخبار الآحاد. وعليه فلا يحتمل أن تكون الواسطة شخصاً واحداً مجهولاً كي تكون الرواية في حكم المرسل ، بل طريقه إلى الكتاب إما ثابت بالتواتر أو أنه محفوف بالقرائن القطعية الموجبة للجزم بصحة الطريق لدى كل من اطلع عليها. وبذلك تخرج الرواية عن الإرسال كما لا يخفى (2).

نعم ، لو كان الراوي غير ابن إدريس ممن يعمل بأخبار الآحاد اتجه الاشكال.

وبالجملة : بعد ملاحظة مسلكه قدس‌سره في حجية الأخبار لا وقع للمناقشة في سند الرواية.


1) الوسائل 4 : 63 / أبواب أعداد الفرائض ب 15 ح 3 ، السرائر ( المستطرفات ) 3 : 585.

2) ولكنه ( طاب ثراه ) عدل عن هذا المبنى أخيراً كما أوعزنا إليه في مطاوي هذا الشرح.

نعم ، يرد على دلالتها أوّلاً : أن غايتها نفي مشروعية الزائد على الركعتين ولا دلالة لها على نفي الركعة الواحدة.

وثانيها : أنها لا تصلح لتقييد المطلقات التي استند إليها المقدّس الأردبيلي في جواز الإتيان بالنوافل ركعة أو أكثر من ركعتين ، لاختصاص صناعة الإطلاق والتقييد بباب الواجبات ، وأما المستحبات فالقيد فيها محمول على أفضل الأفراد لبناء الأصحاب على الالتزام فيها بتعدد المطلوب كما تسالموا عليه في الأُصول ، وعليه فلا دلالة للرواية على عدم مشروعية الزائد على الركعتين أو الناقص عنهما ، لابتنائه على التقييد المزبور الممنوع في أمثال المقام ، بل غايته كون الركعتين أفضل من غيرهما.

الثالثة : رواية الصدوق بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه‌السلام « قال : الصلاة ركعتان ركعتان ، فلذلك جعل الأذان مثنى مثنى » (1).

وفيه : مضافاً إلى ضعف السند من جهة عبد الواحد بن عبدوس وعلي بن محمد القتيبي الواقعين في طريق الصدوق إلى الفضل كما مرّ الكلام فيهما مستقصى (2)، أنها قاصرة الدلالة أيضاً ، لانصرافها عن النوافل التي هي محل الكلام ، بقرينة ذكر الأذان المختص بالفرائض اليومية ، فلا يناسب التعليل إلا لتلك الصلوات التي كانت في أصل التشريع ركعتين ركعتين وقد زيدت الأخيرتان بعد ذلك ، فكان كل واحد من فصول الأذان التي هي مثنى بإزاء ركعة من الفرائض.

وعليه فالرواية أجنبية عن النوافل غير المشروع لها الأذان رأساً.

فتحصل : أن شيئاً من الروايات لا دلالة لها على مسلك المشهور ، لقصورها سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو.


1) الوسائل 4 : 64 / أبواب أعداد الفرائض ب 15 ح 5 ، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2 : 105.

2) في ص 51.

وأما المطلقات التي استند إليها الأردبيلي فيما مال إليه من جواز الإتيان بأقل من الركعتين أو الأكثر ، وهي إطلاق ما دل على استحباب صلاة إحدى وخمسين ، أو استحباب التنفل للظهر ثمان ركعات وهكذا.

فيرد عليه : أن تلك الروايات ليست في مقام البيان إلا من ناحية العدد والكمية المعتبرة في النوافل ، ولا نظر فيها إلى كيفياتها حتى ينعقد الإطلاق ، ومن هنا لا يصح التمسك بها لنفي سائر الجهات كما لعلّه واضح جدّاً.

فاتضح أنّ شيئاً من القولين لا يمكن الاستدلال له بالأدلة الاجتهادية.

فيقع الكلام حينئذ فيما يقتضيه الأصل العملي في المقام فنقول :

ذكر صاحب الحدائق أن مقتضى الأصل حينئذ هو الاشتغال ، لأنّ العبادة توقيفية ، فتحتاج كيفية المشروعية كأصلها إلى الإذن ، والمتيقن منه هما الركعتان ، ولم يثبت إذن بالأقل أو الأكثر إلا في مورد معيّن ، فلا يسوغ التعدي بعد عدم شمول الإذن لغيره ، بل مقتضى القاعدة الاحتياط ، للشك في مشروعية غير الكيفية المعهودة ما لم يتحقق الإذن (1).

واعترض عليه المحقق الهمداني قدس‌سره بأن المقام مجرى للبراءة دون الاشتغال ، إذ الشك في اعتبار التسليم في الركعة الثانية أو قدحه في الركعة الأُولى راجع إلى الشك في الشرطية أو المانعية في الأقل والأكثر الارتباطي ، ومثله مورد للبراءة كما حقّق في الأُصول.

نعم ، هذا فيما إذا شك في الكيفية بعد الفراغ عن أصل المشروعية كما في الرواتب اليومية.

وأما إذا شك في مشروعية نافلة من رأسها كصلاة أربع ركعات بتسليمة واحدة في يوم الغدير الواردة في خبر ضعيف ونحو ذلك ، بحيث كان الشك في أصل الاستحباب النفسي لا في الجزئية أو الشرطية أو المانعية للمركب


1) الحدائق 6 : 76.

الارتباطي ، كان المرجع حينئذ هو الاشتغال ، لتوقيفية العبادة وعدم ثبوت الترخيص كما ذكر (1).

وأُورد عليه بعدم جريان البراءة في باب المستحبات ، أما العقلية فواضح لعدم احتمال العقاب ، وأما الشرعية فلاختصاص حديث الرفع بمورد الامتنان ولا منّة في رفع المستحب ، إذ لا كلفة في وضعه كي ترفع. مضافاً إلى أنها لا تثبت مشروعية الركعة أو الزائد على الركعتين إلا بالملازمة العقلية.

ومنه يظهر عدم جريان الاستصحاب أيضاً ، أعني أصالة عدم شرطية التسليم في الثانية ، أو عدم مانعيته في الركعة الأُولى ، لكونه من الأصل المثبت كما عرفت.

أقول : أما الاستصحاب فلا مجرى له في المقام ، لا من جهة الإثبات ، بل للابتلاء بالمعارض ، إذ أصالة عدم اعتبار تقيد الركعة الأُولى بكونها موصولة بالثانية المنتج لجواز إتيانها ركعة ركعة ، معارض بأصالة عدم تشريع الركعة على سبيل الإطلاق من حيث الوصل والفصل ، فإن الإطلاق والتقييد متقابلان بتقابل التضاد في عالم الثبوت ، ولا ثالث لهما لاستحالة الإهمال في الواقعيات ، فلا بد للشارع الحكيم من ملاحظة أحد العنوانين في مقام الجعل والتشريع ، فاستصحاب عدم رعاية أحدهما معارض باستصحاب عدم الآخر.

وبعبارة اخرى : الإطلاق والتقييد وصفان وجوديان وكلاهما حادثان مسبوقان بالعدم ، فقبل صدور التشريع لا وجود لشي‌ء منهما ، وبعده يشك في حدوث كل منهما بعد العلم بثبوت أحدهما إجمالاً كما عرفت. وعليه فاستصحاب عدم التقييد معارض باستصحاب عدم الإطلاق لا محالة.

وهذه المعارضة غير المعارضة الثابتة في كافة الاستصحابات الحكمية التي من أجلها نمنع عن حجية الاستصحاب فيها ، إذ تلك معارضة بين مقامي الجعل والمجعول ، وهذه معارضة في مقام الجعل نفسه كما لا يخفى.


1) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 13 السطر 30.

وأما البراءة ، فقد ذكرنا في بحث الأُصول (1)أنّ في جريانها في باب المستحبات تفصيلاً ، وملخّصه : الفرق بين المستحبات النفسية وبين خصوصياتها من الجزئية أو الشرطية أو المانعية ، فتجري البراءة في الثاني دون الأول ، فإن الشك إن كان في استحباب عمل في حدّ نفسه كصلاة يوم الغدير مثلاً لا معنى لرفعه بحديث الرفع ، إذ المرفوع بهذا الحديث ليس هو الحكم الواقعي ، ضرورة اشتراكه بين العالمين والجاهلين ، بل الرفع ظاهري ليس إلاّ ، ومرجعه في الحقيقة إلى رفع إيجاب الاحتياط ، بمعنى أن الشارع إرفاقاً على الأُمة ومنّة عليهم لم يوجب التحفظ على الواقع في مرحلة الظاهر ، فَجَعَلهم في سعةٍ مما لا يعلمون ، هذا في الواجبات ، وعلى ضوء ذلك يكون المرفوع في المستحبات بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع هو استحباب الاحتياط دون وجوبه ، إذ المفروض أن أصل الحكم استحبابي ، فكيف يكون الاحتياط فيه وجوبياً ، ولا شك في ثبوت الاستحباب وعدم ارتفاعه ، وأن الاحتياط حسن عقلاً وشرعاً على كل حال ، فلا يمكن شمول حديث الرفع للمستحبات المستلزم لرفع حسن الاحتياط ونفى استحبابه.

وأما إذا كان الشك في جزئية شي‌ء للمستحب أو شرطيته أو مانعيته بعد الفراغ عن أصل الاستحباب ، فلا مانع حينئذ من الرجوع إلى أصالة البراءة لنفي المشكوك فيه ، إذ لا ريب أن القيود المعتبرة في المركب من الجزئية أو الشرطية أو المانعية واجبة بالوجوب الشرطي ، ولا بد من مراعاتها وإن كان أصل العمل مستحباً ، ولا منافاة بين الأمرين كما لا يخفى ، فصلاة الليل مثلاً وإن كانت مستحبة في نفسها ويجوز تركها من رأسها لكنه على تقدير الإتيان بها يجب إيقاعها مع الطهارة وإلى القبلة ومع الركوع والسجود وغير ذلك من سائر ما يعتبر في الصلاة ، ولا يجوز إتيانها على خلاف ذلك فإنه تشريع محرّم ، ولازم ذلك وجوب الاحتياط في كل ما يحتمل دخله في المركب وعدم جواز الإتيان


1) مصباح الأُصول 2 : 270.

بالفاقد للشرط بداعي الأمر ، وعليه فيرتفع هذا الوجوب بحديث الرفع كما يرتفع في الواجبات ، ولا فرق بينها وبين المستحبات من هذه الجهة أصلاً.

ومما ذكرنا يظهر أن إجراء البراءة لنفي ما يحتمل دخله في المستحب موافق للامتنان ، لتضمنه التوسعة والتسهيل لو أراد الإتيان به ، فإن الإنسان ربما لا يقدم على إتيان المستحب لو كان مشروطاً بشرط ، كالغسل بالنسبة للزيارة مثلاً لتكلفه عليه ولزوم المشقة ، ويقدم لو لم يكن مشروطاً به ، وعليه فرفع التقييد في ظرف الشك منّة على العباد ، لتضمّنه التسهيل بالإضافة إلى من يرغب في الامتثال ، وإن كان الحكم في نفسه مبنياً على السعة لجواز ترك المستحب من أصله ، ولا منافاة بين الأمرين كما لعله ظاهر جدّاً.

فتحصل : أن الرجوع إلى أصالة البراءة في المستحبات لنفي التقييد لا مانع منه ، ولا يعارض به البراءة عن الإطلاق لعدم جريانها فيه ، إذ جعل الحكم على سبيل الإطلاق بنفسه توسعة وإرفاق وتسهيل وامتنان ، فرفعه بحديث الرفع على خلاف الامتنان ، فإشكال التعارض الذي أوردناه آنفاً على الرجوع إلى الاستصحاب غير جارٍ في المقام ، لوضوح الفرق بين البراءة والاستصحاب في ابتناء الأول على الامتنان دون الثاني.

نعم ، يبقى الاشكال المتقدم من أن البراءة عن تقيد الركعة بكونها موصولة بالأُخرى مثلاً لا يثبت الإطلاق وتعلق الأمر بالركعة المفصولة كي ينتج مشروعية الإتيان بها وحدها إلا من باب الأصل المثبت.

والجواب : أنّ أصل مشروعية الركعة الواحدة في حدّ ذاتها مقطوعة بالوجدان ، للعلم الإجمالي بتعلق الأمر بها إما مطلقاً أو بشرط الاتصال ، فاذا نفينا الشرط بالبراءة عن التقييد ، ينتج أن الركعة الواحدة مشروعة من غير تقييد بشي‌ء بعد ضم الوجدان إلى الأصل وهو معنى الإطلاق ، إذ لا نعني به في المقام أكثر من ذلك ، فالمستند في إثبات مشروعية الركعة الواحدة مطلقة ليس هو البراءة عن التقييد كي تكون مثبتاً بالنسبة إليه ، بل هو القطع الوجداني بضميمة الأصل المنقّحين لجزأي الموضوع كما عرفت.

إلا الوتر فإنها ركعة (1).


ولولا ما ذكرناه لانسدّ باب الرجوع إلى البراءة في الأقل والأكثر الارتباطيين بمصراعيه حتى في باب الواجبات ، لعدم الفرق بينها وبين المستحبات من هذه الجهة ، فلو شك في وجوب السورة مثلاً وأُجري البراءة عنها كيف تثبت بعد ذلك مشروعية الباقي وتعلق الأمر به ، فما هو الجواب هناك هو الجواب في المقام ، وليس هو إلا ما عرفت الذي يجاب به في المقامين بملاك واحد. فهذا الإشكال أيضاً لا يرجع إلى محصل.

نعم ، هناك إشكال آخر هو العمدة في المنع عن جريان البراءة في المقام ، وهو أنّ تغيير الكيفية المعهودة والإتيان بالنافلة أقل من ركعتين أو أكثر مخالف لما هو المرتكز في أذهان عامة المتشرعة خلفاً عن سلف حتى النساء والصبيان المميزين ، بمثابة يعدّ لديهم من الغرائب ويرون أن تقوّمها بالركعتين من الواضحات الجلية التي لا تعتريها مرية ، ولأجله يكون الأصل في المقام هو عدم المشروعية إلا فيما خرج بالدليل كما في مفردة الوتر وصلاة الأعرابي دون البراءة. ولعلّ السرّ في هذا الارتكاز ابتناء تشريع الصلوات بأسرها حتى الفرائض على الركعتين ، ومن ثم كان الواجب في كل يوم وليلة عشر ركعات كما جاء في النص ثم زيد عليها في جملة من الفرائض من قبل النبي الأعظم (1)صلی اللّه عليه وآله لا أنها كانت كذلك في أصل التشريع.

وعليه ففي كل مورد ثبتت الزيادة أو النقيصة عن الركعتين بدليل خاص فهو المتبع ، وإلا كان اللازم الاقتصار عليهما أخذاً بالارتكاز المزبور المانع عن الرجوع إلى أصالة البراءة.

(1) على المشهور من لزوم الإتيان بها مفصولة عن الشفع ، وذهب بعضهم إلى التخيير بينها وبين الإتيان بها موصولة ، ومنشأ الخلاف اختلاف الأخبار فإنها على طوائف ثلاث :


1) الوسائل 4 : 45 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 2 ، 12 ، 14 ، 19.

الاولى : ما دل على أنها ركعة واحدة مفصولة عن ركعتي الشفع بالتسليم كصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : الوتر ثلاث ركعات تفصل بينهن وتقرأ فيهنّ جميعاً بقل هو اللّه أحد » (1). وما رواه الشيخ بإسناده عن أبي بصير عنه عليه‌السلام « قال : الوتر ثلاث ركعات ثنتين مفصولة وواحدة » (2)بل في بعضها التصريح بجواز الفصل بالشرب والتكلم والحدث بل النكاح ، وهي عدة روايات فيها الصحيحة وغيرها كما يظهر بمراجعة نصوص الباب (3).

الثانية : ما دل على أنها ثلاث ركعات موصولات بتسليمة واحدة كصلاة المغرب ، وهي رواية كردويه الهمداني قال : « سألت العبد الصالح عليه‌السلام عن الوتر ، قال : صِلة » (4)ولكنها ضعيفة السند لعدم توثيقٍ لكردويه ، فيدور الأمر بين الطائفة الأُولى وبين :

الطائفة الثالثة : وهي ما دل على جواز كل من الوصل والفصل وهي صحيحتان :

الأُولى : صحيحة يعقوب بن شعيب قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن التسليم في ركعتي الوتر ، فقال : إن شئت سلّمت وإن شئت لم تسلّم » (5).

الثانية : صحيحة معاوية بن عمّار قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام في ركعتي الوتر ، فقال : إن شئت سلّمت وإن شئت لم تسلّم » (6).

ومقتضى الجمع بينهما هو التخيير ، وإن كان الفصل أفضل للأمر به في الطائفة الأُولى ، ولا مانع من الالتزام بذلك كما قوّاه في المدارك (7)وإن كان على خلاف المشهور.


1) الوسائل 4 : 64 / أبواب أعداد الفرائض ب 15 ح 9 ، التهذيب 2 : 127 / 484.

2) الوسائل 4 : 64 / أبواب أعداد الفرائض ب 15 ح 10 ، التهذيب 2 : 127 / 485.

3) الوسائل 4 : 62 / أبواب أعداد الفرائض ب 15.

4) الوسائل 4 : 66 / أبواب أعداد الفرائض ب 15 ح 18 ، 16 ، 17.

5) الوسائل 4 : 66 / أبواب أعداد الفرائض ب 15 ح 18 ، 16 ، 17.

6) الوسائل 4 : 66 / أبواب أعداد الفرائض ب 15 ح 18 ، 16 ، 17.

7) المدارك 3 : 18.

ويستحب في جميعها القنوت (1) حتى الشفع على الأقوى في الركعة الثانية ، وكذا يستحب في مفردة الوتر.


(1) وهو المعروف المشهور بين الأصحاب ، وخالفهم شيخنا البهائي (1)وصاحب المدارك (2)والذخيرة (3)فمنعوا عن استحبابه في الشفع استناداً إلى صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : القنوت في المغرب في الركعة الثانية ، وفي العشاء والغداة مثل ذلك ، وفي الوتر في الركعة الثالثة » (4).

حيث إنها ظاهرة في حصر التشريع في مواضع لم يكن الشفع منها ، وبها تقيّد المطلقات الدالة على استحباب القنوت في الركعة الثانية من كل صلاة.

والصحيح ما عليه المشهور ، فان النصوص الواردة في القنوت مختلفة ، ففي بعضها أنه في العشاءين والفجر والوتر كالصحيحة المزبورة ، وفي بعضها زيادة الجمعة (5)، وفي بعضها أنه في الصلوات الجهرية (6)، وفي بعضها غير ذلك ، إلا أن موثقة أبي بصير صريحة في ثبوت الاستحباب في تمام الفرائض الخمس ، قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن القنوت ، فقال : فيما يجهر فيه بالقراءة ، قال فقلت له : إني سألت أباك عن ذلك ، فقال : في الخمس كلها ، فقال رحم اللّه أبي إن أصحاب أبي أتوه فسألوه فأخبرهم بالحق ، ثم أتوني شكاكاً فأفتيتهم بالتقية » (7)وهي خير شاهد على أن التخصيص ببعض الصلوات في سائر


1) حكاه عنه في الحدائق 6 : 39 ، وراجع مفتاح الفلاح : 681.

2) المدارك 3 : 18 ، 19.

3) الذخيرة : 184 السطر 36.

4) الوسائل 6 : 267 / أبواب القنوت ب 3 ح 2.

5) الوسائل 6 : 265 / أبواب القنوت ب 2 ح 2 ، 1.

6) الوسائل 6 : 265 / أبواب القنوت ب 2 ح 2 ، 1.

7) الوسائل 6 : 263 / أبواب القنوت ب 1 ح 10.

الروايات التي منها صحيحة ابن سنان المزبورة محمول على التقية ، حيث إن العامة لا يرون مشروعيته إلا في بعضها.

أضف إلى ذلك : ورود روايات نطقت بثبوت القنوت في كافة الصلوات :

ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام أنه « قال : القنوت في كل الصلوات » (1).

وفي صحيح ابن الحجاج عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سألته عن القنوت ، فقال : في كل صلاة فريضة ونافلة » (2).

وفيما رواه الصدوق بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام أنه « قال : القنوت في كل ركعتين في التطوع والفريضة » (3).

وما رواه في الخصال بإسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمد عليه‌السلام في حديث شرائع الدين ، « قال : والقنوت في جميع الصلوات سنّة واجبة في الركعة الثانية قبل الركوع وبعد القراءة » (4)ونحوها غيرها.

ومقتضى الجمع بينها وبين ما تقدم إما الحمل على اختلاف مراتب الفضل أو على التقية حسبما عرفت.

ثم إن استفادة الحصر المزبور من صحيحة ابن سنان موقوفة على أن يكون قوله عليه‌السلام « في المغرب » وكذا ما بعده قيداً للقنوت الذي هو المبتدأ ليكون الخبر قوله عليه‌السلام « في الركعة الثانية » حتى يقال إن مقتضى حصر المبتدأ في الخبر المستفاد من تعريفه باللام هو اختصاص القنوت في الوتر بالركعة الثالثة.

ولكنه غير واضح ، كيف ولو أُريد ذلك ، بأن كان عليه‌السلام بصدد بيان


1) الوسائل 6 : 261 / أبواب القنوت ب 1 ح 1 ، 8.

2) الوسائل 6 : 261 / أبواب القنوت ب 1 ح 1 ، 8.

3) الوسائل 6 : 261 / أبواب القنوت ب 1 ح 2 ، الفقيه 1 : 207 / 934.

4) الوسائل 6 : 262 / أبواب القنوت ب 1 ح 6 ، الخصال : 604 / 9.

حصر موضع القنوت من الركعات لأمكن بيانه بتعبير أنسب وألخص ، كأن يقول : القنوت في الصلوات في الركعة الثانية ، وفي الوتر في الثالثة ، بل الظاهر أنه عليه‌السلام بصدد بيان موضع استحبابه من الصلوات وأنه منحصر في الجهرية الذي عرفت أنه مبني على التقية مع بيان موضع القنوت (1)فيها ، فقوله عليه‌السلام « في المغرب » خبر للمبتدإ ، لا أنه قيد فيه ليدل على نفيه عن ثانية الشفع فلاحظ. إذن فالعمومات أو الإطلاقات الدالة على استحبابه في كل ركعتين سليمة عما يصلح للتقييد.

ثم إن صاحب الحدائق استدل على عدم مشروعية القنوت في الشفع بما ورد في غير واحد من الأخبار من الأدعية المأثورة في قنوت الوتر ، بتقريب أنّ منصرف هذا اللفظ في لسان الروايات إنما هو الركعات الثلاث ، إذ لم يطلق فيها على الركعة الواحدة المفصولة إلا في رواية ضعيفة وهي رواية رجاء بن أبي الضحاك غير الناهضة للمعارضة مع تلك الأخبار المتكاثرة ، فلو كان فيهما قنوتان أحدهما للشفع وثانيهما للركعة الثالثة للزم تقييد تلك الأدعية بالقنوت الثاني ، ولم يحسن معه هذا الإطلاق ، وهذا خير شاهد على أن الركعات الثلاث لا تتضمن إلا قنوتاً واحداً (2).

ولكنك خبير بأن هذه الدعوى من متضلع مثله في الحديث والأخبار من غرائب الكلام ، ضرورة أن إطلاق الوتر على خصوص الركعة المفصولة في لسان الروايات كثير ولا ينحصر في تلك الرواية الضعيفة ، وإليك بعضها :

فمنها : ما رواه الفضل بن شاذان عن الرضا عليه‌السلام وفيها : « ...


1) غير خفي أن الموضع المبين قيد للمحصور فيه ، فيدخل طبعاً في حيز الحصر وينتج انحصار القنوت في ثالثة الوتر ، على أنه عليه‌السلام لو كان بصدد بيان الانحصار في الجهرية لاكتفى بقوله : « القنوت في الصلوات الجهرية والوتر » ، الذي هو أنسب وألخص.

2) الحدائق 6 : 42.

والشفع والوتر ثلاث ركعات تسلّم بعد الركعتين ... » إلخ (1).

ومنها : ما رواه الصدوق في الخصال بإسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمد عليه‌السلام وفيها : « ... والشفع ركعتان والوتر ركعة ... » إلخ (2).

ومنها : رواية الفقه الرضوي وفيها : « ... وتقرأ في ركعتي الشفع ... وفي الوتر قل هو اللّه أحد » (3).

ومنها : ما رواه في تفسير القمي عند قوله تعالى ( وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ .. ) إلخ ، الشفع ركعتان والوتر ركعة (4).

أضف إلى ذلك : الروايات الواردة في الوتيرة الناطقة بأنها بدل الوتر التي منها صحيحة الفضيل بن يسار وفيها « ... والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة ، منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر » (5)، فإنّ البدلية المزبورة إنما تتجه لو أُريد من الوتر الركعة الواحدة ، إذ لو أُريد الثلاث لكانت الركعتان عن جلوس بدلاً عن ثلاث ركعات عن قيام وهو كما ترى.

وأما في كلمات الفقهاء فهو منصرف إلى خصوص الركعة المفصولة ولا ريب أنه مقتبس من لسان الأخبار ، لوضوح أنه ليس لهم في ذلك اصطلاح جديد ، بل لا يبعد القول بأن إطلاقه في لسان الروايات على مجموع الركعات الثلاث إنما هو لأجل المماشاة مع العامة ، حيث إنهم لا يعتبرون الانفصال أو يرون الاتصال ، فيسمون الثلاث الموصولة باسم الوتر ، وإلا فالمراد به حيثما أُطلق هو الركعة الثالثة المفصولة ، وعليها نزّل إطلاق الأدعية المأثورة في قنوت الوتر ، فلا إطلاق فيها ليحتاج إلى التقييد كما أُفيد ، بل هو منصرف إليها.


1) الوسائل 4 : 54 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 23.

2) الوسائل 4 : 57 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 25 ، الخصال : 603 / 9.

3) فقه الرضا : 138.

4) تفسير القمي 2 : 419.

5) الوسائل 4 : 45 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 2.

ثم إنه حكي عن المحقق في المعتبر (1)وجملة من الأصحاب الذهاب إلى استحباب قنوت ثان في مفردة الوتر بعد الركوع ، استناداً إلى ما رواه الكليني عن علي بن محمد عن سهل عن أحمد بن عبد العزيز قال : « حدثني بعض أصحابنا قال : كان أبو الحسن الأول عليه‌السلام إذا رفع رأسه من آخر ركعة الوتر قال : هذا مقام مَن حسناته نعمة منك وشكره ضعيف وذنبه عظيم ... » إلخ (2).

وفيه أوّلاً : أنها ضعيفة السند بالإرسال وبسهل وبابن عبد العزيز فإنه مجهول.

وأما علي بن محمد الذي هو من مشايخ الكليني ، فهو وإن كان مردداً بين ابن عبد اللّه القمي الذي لم يوثق وبين ابن بندار الموثق ، لاتحاده مع علي بن محمد بن أبي القاسم الثقة ، إلا أنه متى أُطلق يراد به الثاني كما صرح قدس‌سره بذلك كله في المعجم (3). فلا نقاش من هذه الجهة.

وثانياً : أنها قاصرة الدلالة ، بداهة أن الدعاء أعم من القنوت المصطلح بين المتشرعة الذي يختص به الشيعة (4).

وثالثاً : أنها معارضة (5)بصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : ما أعرف قنوتاً إلا قبل الركوع » (6).


1) المعتبر 2 : 241.

2) الكافي 3 : 325 / 16.

3) معجم رجال الحديث 13 : 135 / 8398.

4) على أن الظاهر من آخر الركعة هو ما بعد رفع الرأس من السجدة الثانية دون الركوع فإنه أثناؤها لا آخرها ، وتفسيرها به لا ينسجم مع كلمة « آخر » كما لا يخفى فتكون أجنبية عما نحن فيه بالمرّة.

5) ولكن النسبة بينهما عموم مطلق كما لا يخفى.

6) الوسائل 6 : 268 / أبواب القنوت ب 3 ح 6.

[1177] مسألة 2 : الأقوى استحباب (1)الغفيلة وهي ركعتان بين المغرب والعشاء ، ولكنها ليست من الرواتب ، يقرأ فيها في الركعة الأُولى بعد الحمد ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) [ الأنبياء 21 : 87 ] وفي الثانية بعد الحمد ( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) [ الأنعام 6 : 59 ] (1).


(1) روى الصدوق في الفقيه مرسلاً وفي جملة من كتبه مسنداً عن رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله أنه « قال : تنفّلوا في ساعة الغفلة ولو بركعتين خفيفتين فإنهما تورثان دار الكرامة » قال : وفي خبر آخر « دار السلام وهي الجنة وساعة الغفلة ما بين المغرب والعشاء الآخرة » (2).

ولعلّ التسمية بساعة الغفلة لأجل انشغال الناس بعد انصرافهم عن صلاة المغرب وقبل قدومهم إلى المسجد لفريضة العشاء ، بالأكل والشرب ونحوهما من ملاذ العيش وموجبات الغفلة.

وكيف ما كان ، فالسند بين مرسل وضعيف فلا يصلح للتعويل. على أن الدلالة قاصرة ، إذ لم يظهر منها أنها صلاة أُخرى مغايرة للنافلة ولعلها هي ، ويكون التعبير بالخفة إشارة إلى الاكتفاء بالمرتبة النازلة وهي العارية عن غير الفاتحة كما أُشير إليه في بعض الروايات من تفسير الخفيفتين بقوله : « يقرأ فيهما الحمد وحدها » (3).


1) (*) فيه إشكال ، والأولى الإتيان بها بعنوان نافلة المغرب ، وكذا الحال في صلاة الوصيّة.

2) الوسائل 8 : 120 / أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ب 20 ح 1 ، الفقيه 1 : 357 / 1564.

3) فلاح السائل : 434 / 301 ، مستدرك الوسائل 6 : 302 / أبواب بقية الصلوات المندوبة ب 15 ح 2.

ويؤيده : ما حكي عنهم عليهم‌السلام من أنهم لم يصلوا بعد المغرب أزيد من أربع ركعات نافلتها (1).

وبالجملة : فالركعتان قابلتان للانطباق على نافلة المغرب ، ومعه لا وثوق بإرادة غيرها. فلا يسعنا رفع اليد عن العمومات الناهية عن التطوع في وقت الفريضة بمثل ذلك.

نعم روى الشيخ في المصباح ما يظهر منه المغايرة وأنها صلاة مستقلة ذات كيفية خاصة ، عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : من صلى بين العشاءين ركعتين يقرأ في الأُولى الحمد ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً ) إلى قوله ( وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) ، وفي الثانية الحمد وقوله ( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ ) إلى آخر الآية فاذا فرغ من القراءة رفع يديه وقال : اللّهم إني أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا أنت أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا وكذا ، اللّهم أنت وليّ نعمتي والقادر على طلبتي تعلم حاجتي فأسألك بحق محمد وآله لمّا قضيتها لي ، وسأل اللّه حاجته أعطاه اللّه ما سأل » (2).

ولكنها ضعيفة أيضاً بالإرسال فلا تصلح للاستدلال.

والتصدي للتصحيح بأن طريق الشيخ إلى كتاب هشام صحيح في الفهرست (3)، مدفوع باختصاصه بما يرويه عن كتابه كما يرويه عنه في التهذيبين ، حيث ذكر في المشيخة أنه يروي فيهما عن أصل أو كتاب المبدو به في السند (4)، وأما روايات المصباح فلم يحرز أنها كذلك ، ومن الجائز أنه رواها عن غير كتاب هشام ، والمفروض حينئذ جهالة الطريق.


1) الوسائل 4 : 47 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 6 ، 7 ، 15.

2) الوسائل 8 : 121 / أبواب بقية الصلوات المندوبة ب 20 ح 2 ، مصباح المتهجد : 106.

3) الفهرست : 174 / 760.

4) التهذيب 10 ( المشيخة ) : 4.

ثم إن ابن طاوس روى هذه الرواية في كتاب فلاح السائل بطريقه عن هشام بن سالم (1)إلا أن السند أيضاً ضعيف ، لأجل محمد بن الحسين الأشتر فإنه مجهول ، وأما عباد بن يعقوب فلا نناقش من جهته ، لوقوعه في أسناد كامل الزيارات (2).

أضف إلى ذلك : أن ابن طاوس رواها عن علي بن محمد بن يوسف ، عن أحمد بن محمد بن سليمان الزراري وما في فلاح السائل من ذكر الرازي غلط ، إذ لا وجود له في الرواة ، وصحيحه ما عرفت المطابق للبحار (3)والفصل بينه أي بين ابن طاوس وبين علي بن محمد أكثر من ثلاثمائة سنة فبينهما واسطة لا محالة. وحيث أنها مجهولة فتصبح الرواية مرسلة. هذا بناء على نسخة فلاح السائل.

وأما بناء على نسخة البحار من أن ابن طاوس رواها عن علي بن يوسف لا عن علي بن محمد بن يوسف فإن أُريد به من هو من مشايخ ابن طاوس فهو مجهول. على أن الفصل بينه وبين الزراري المزبور طويل أيضاً ، ولم يكونا في طبقة واحدة ليروي عنه بلا واسطة. وإن أُريد به من يروي عن الزراري فالفصل بينه وبين ابن طاوس كثير. فعلى جميع التقادير تصبح الرواية مرسلة.

ثم إنا لو سلّمنا وبنينا على صحة الرواية فهل يمكن الاستدلال بها على استحباب صلاة الغفيلة بعنوانها زيادة على الأربع ركعات نافلة المغرب لتكون خارجة عنها؟

الصحيح هو التفصيل بين ما لو أتى بها قبل الأربع ، وما إذا أتى بها بعدها.

ففي الصورة الأُولى ، بما أن أدلّة النافلة مطلقة وغير مقيدة بكيفية خاصة


1) فلاح السائل : 430 / 295.

2) وقد عدل قدس‌سره عنه.

3) لاحظ بحار الأنوار 84 : 96.

ويستحب أيضاً بين المغرب والعشاء صلاة الوصية ، وهي أيضاً ركعتان يقرأ في أُولاهما بعد الحمد ثلاث عشرة مرّة سورة إذا زلزلت الأرض ، وفي الثّانية بعد الحمد سورة التوحيد خمس عشرة مرّة (1).


فهي طبعاً قابلة للانطباق على ما اشتمل على خصوصية معيّنة ، لوضوح تحقق المطلق في ضمن المقيد ، فلا جرم تقع مصداقاً لها ومسقطاً لأمرها ، فيكون المأتي به مصداقاً لكلا الأمرين ومحققاً للامتثالين معاً.

وأما في الصورة الثانية ، فلا مناص من عدّها صلاة مستقلة ، لسقوط أمر النافلة بالأربع المأتية ، ومعه لا موضوع للانطباق ، فيبقى الأمر بالغفيلة على حاله ، بداهة عدم سقوط الأمر المتعلق بالمقيد بالإتيان بفرد من المطلق فاقداً لذلك القيد ، ومقتضى إطلاق دليل استحباب الغفيلة ثبوته حتى بعد الإتيان بنافلة المغرب. وعليه فيكون عدد الركعات المستحبة بعد صلاة المغرب في هذه الصورة ستة ، هذا.

ولكن سبيل الاحتياط درجها في نافلة المغرب وعدم تأخيرها عنها ، حذراً عن احتمال كونها من التطوع في وقت الفريضة الممنوع تحريماً أو تنزيهاً بعد أن لم يثبت الاستحباب بدليل قاطع صالح للخروج به عن عموم المنع المزبور ، وإن كان الأظهر أنه على سبيل التنزيه دون التحريم حسبما بيّناه في محله.

(1) الكلام فيها هو الكلام فيما تقدم في صلاة الغفيلة ، حيث لم يثبت استحباب هذه الصلاة بدليل معتبر ، لانحصار المستند فيما رواه الشيخ في المصباح مرسلاً عن الصادق عليه‌السلام عن أبيه عن آبائه عن رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله أنه « قال : أُوصيكم بركعتين بين العشاءين يقرأ في الأُولى الحمد وإذا زلزلت الأرض ثلاث عشرة مرّة ، وفي الثانية الحمد مرّة وقل هو اللّه أحد خمس عشرة مرة ، فإن فعل ذلك في كل شهر كان من المؤمنين ، فإن فعل ذلك في كل سنة كان من المحسنين ، فان فعل ذلك في كل جمعة مرّة كان من

[1178] مسألة 3 : الظاهر أنّ الصلاة الوسطى التي تتأكد المحافظة عليها هي الظهر (1) فلو نذر أن يأتي بالصلاة الوسطى في المسجد أو في أوّل وقتها مثلاً أتى بالظهر.


المخلصين ، فان فعل ذلك كل ليلة زاحمني في الجنة ولم يحص ثوابه إلا اللّه تعالى » (1)ولا بأس بالإتيان بها بعنوان الرجاء.

ولكن الأحوط الأولى هنا أيضاً درجها في نافلة المغرب واحتسابها منها فلا تؤخر عنها ، حذراً عمّا عرفت من احتمال التطوع في وقت الفريضة ، فتقع امتثالاً للأمرين على تقدير استحبابها واقعاً ، وإلا فلخصوص النافلة بعد انطباقها عليها.

(1) على المشهور بل كالمتسالم عليه بين الأصحاب في غير يوم الجمعة ، أما فيه فصلاة الجمعة. وغير خفي أن البحث علمي بَحت ولا يترتب عليه أثر مهم إلا في النذر.

ويستدل للمشهور بروايات : منها صحيحة زرارة التي رواها المشايخ الثلاثة عن أبي جعفر عليه‌السلام في حديث « قال : وقال تعالى ( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) (2)، وهي صلاة الظهر » (3).

ومنها : صحيحة أبي بصير يعني المرادي قال : « سمعت أبا عبد اللّه عليه‌السلام يقول : صلاة الوسطى صلاة الظهر ، وهي أوّل صلاة أنزل اللّه على نبيه صلی اللّه عليه وآله » (4)ونحوهما غيرهما.


1) الوسائل 8 : 118 / أبواب بقية الصلوات المندوبة ب 17 ح 1 ، مصباح المتهجد : 107.

2) البقرة 2 : 238.

3) الوسائل 4 : 22 / أبواب أعداد الفرائض ب 5 ح 1 ، الكافي 3 : 271 / 1 ، التهذيب 2 : 241 / 954 ، الفقيه 1 : 124 / 600.

4) الوسائل 4 : 22 / أبواب أعداد الفرائض ب 5 ح 2.

وخالفهم السيد المرتضى قدس‌سره حيث فسّرها بصلاة العصر مدعياً عليه الإجماع (1)، ولا يخلو من غرابة في مسألة لم يظهر قائل بها سواه. أجل يعضده الفقه الرضوي فقد ورد فيه : قال العالم : « الصلاة الوسطى العصر » (2).

وقد ورد في ذيل صحيحة زرارة المتقدمة ما لفظه : « وفي بعض القراءة ( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ ، وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) ، صلاة العصر ، ( وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ ) (3).

وروى الصدوق في الفقيه بإسناده عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام أنه « قال : جاء نفر من اليهود إلى النبي صلی اللّه عليه وآله إلى أن قال : وأما صلاة العصر فهي الساعة التي أكل آدم فيها من الشجرة .. إلى أن قال : فهي مِن أحب الصلوات إلى اللّه عز وجل ، وأوصاني أن أحفظها من بين الصلوات » (4). والظاهر انه صلی اللّه عليه وآله يشير بذلك إلى قوله تعالى ( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) (5).

والكل كما ترى ، أما الرضوي فحاله معلوم ، وأما ذيل الصحيحة فلا سبيل للاعتماد عليه بعد مخالفته لصدرها الصريح في أنها صلاة الظهر ، ولعل المراد ببعض القراءة قراءة العامة ، فيكون ما أُفيد في الصدر هو الصحيح.

على أن التهذيب رواها مع العاطف فنقلها هكذا « ... وصلاة العصر » (6)فتخرج حينئذ عن كونها تفسيراً للصلاة الوسطى ، لوضوح واو العطف في المغايرة ، وإن كانت العصر أيضاً مورداً للاهتمام والمحافظة.

وأما رواية الصدوق فلأجل اشتمال سندها على عدّة من المجاهيل غير صالحة للتعويل.


1) رسائل الشريف المرتضى 1 : 275.

2) لم نجده في فقه الرضا راجع بحار الأنوار 76 : 288.

3) الوسائل 4 : 10 / أبواب أعداد الفرائض ب 2 ح 1.

4) الوسائل 4 : 14 / أبواب أعداد الفرائض ب 2 ح 7 ، الفقيه 1 : 137 / 643.

5) البقرة 2 : 238.

6) التهذيب 2 : 241 / 954 والموجود في التهذيب بلا واو.

[1179] مسألة 4 : النوافل المرتّبة وغيرها يجوز إتيانها جالساً ولو في حال الاختيار (1).


والمتحصل : أنه ليس بإزاء الصحاح المتقدّمة المفسّرة لها بصلاة الظهر ما يكون ناهضاً للمقاومة ، فما ذكره السيد لا يمكن المساعدة عليه بوجه.

وهناك أقوال أُخر للعامة حول تفسير الوسطى ، لعل المعروف بينهم أنها صلاة العصر كما عن المغني لابن قدامة (1)ولعله إليه أُشير في ذيل الصحيحة المتقدمة بقوله عليه‌السلام : « وفي بعض القراءة » وعن آخر : أنها المغرب ، وعن ثالث : أنها العشاء ، ورابع : أنها الصبح ، وخامس : أنها الجمعة ، وسادس : أنها مجموع الصلوات الخمس ، وقيل إنها الصلاة على محمد وآله ، وكل هذه الأقوال كما ترى لا دليل عليها أصلاً ، والصحيح ما عليه المشهور. واللّه العالم بحقائق الأمور.

(1) على المشهور بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه. وتدل عليه جملة من النصوص التي منها صحيحة سهل بن اليسع أنه سأل أبا الحسن الأوّل عليه‌السلام « عن الرجل يصلي النافلة قاعداً وليست به علة في سفر أو حضر ، فقال : لا بأس » (2).

وموثقة [ حَنان بن ] سدير عن أبيه قال : « قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : أتصلي النوافل وأنت قاعد؟ فقال : ما أُصليها إلا وأنا قاعد منذ حملت هذا اللحم وما بلغت هذا السن » (3)ونحوهما غيرهما.

ومقتضى الإطلاق ، بل وصراحة بعضها شمول الحكم حتى لحال الاختيار ، خلافاً لابن إدريس حيث خص الجواز بالوتيرة وعلى الراحلة (4)، وهو


1) المغني 1 : 421.

2) الوسائل 5 : 491 / أبواب القيام ب 4 ح 2 ، 1.

3) الوسائل 5 : 491 / أبواب القيام ب 4 ح 2 ، 1.

4) السرائر 1 : 309.

والأولى حينئذ عدّ كل ركعتين بركعة (1) فيأتي بنافلة الظهر مثلاً ست عشرة ركعة ، وهكذا في نافلة العصر ، وعلى هذا يأتي بالوتر مرّتين كل مرّة ركعة.


محجوج بالنصوص المتقدمة.

(1) لجملة من النصوص التي منها صحيحة علي بن جعفر « عن المريض إذا كان لا يستطيع القيام كيف يصلي؟ قال : يصلي النافلة وهو جالس ويحسب كل ركعتين بركعة » إلخ (1).

ورواية محمد بن مسلم قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن رجل يكسل أو يضعف فيصلي التطوع جالساً ، قال : يضعف ركعتين بركعة » (2)وغيرهما.


1) الوسائل 5 : 493 / أبواب القيام ب 5 ح 5 ، 3.

2) الوسائل 5 : 493 / أبواب القيام ب 5 ح 5 ، 3.

فصل في أوقات اليومية ونوافلها

اشارة

وقت الظهرين ما بين الزوال والمغرب (1)(1) ،


(1) على المشهور المعروف بين الأصحاب ، ويقع الكلام تارة من حيث المبدأ واخرى من ناحية المنتهي ، فهنا مقامان :

أما المقام الأول : فلا خلاف بين العلماء في أنّ مبدأه الزوال فلا يجوز التقديم عليه ، بل عليه إجماع المسلمين قاطبة فضلاً عن الخاصة. نعم ربما ينسب إلى بعض العامة جواز التقديم عليه قليلاً بالنسبة إلى المسافر (2)، لكنه شاذ جدّاً لا يعبأ به.

وكيف كان فيدل على الحكم الكتاب والسنة.

أما الكتاب : فقوله تعالى ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) (3)فان الدلوك عبارة عن الزوال ، أي ميل الشمس عن المشرق إلى المغرب ، كما فسّر بذلك في جملة من الأخبار التي منها صحيحة زرارة المتقدمة


1) (*) الأحوط إن لم يكن أقوى عدم جواز تأخير الظهرين عن سقوط القُرص.

2) المغني 1 : 441.

3) الإسراء 17 : 78.

آنفاً في الصلاة الوسطى ، قال : « سألت أبا جعفر عليه‌السلام عمّا فرض اللّه عز وجل من الصلاة؟ فقال : خمس صلوات في الليل والنهار ، فقلت : هل سمّاهن اللّه وبيّنهنّ في كتابه؟ قال : نعم ، قال اللّه تعالى لنبيه صلی اللّه عليه وآله ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) ودلوكها زوالها .. » إلخ (1).

وعن جماعة من اللغويين التصريح بذلك (2). نعم فسّر الدلوك في اللغة أيضاً باصفرار الشمس وميلها إلى الغروب (3)، لكنه بهذا المعنى غير مراد من الآية قطعاً ، لعدم كونه مبدءاً لشي‌ء من الصلوات بالضرورة ، فيتعين الأول.

وأما السنة : فالأخبار الواردة في ذلك كثيرة جدّاً لا يبعد بلوغها حدّ التواتر ، وجملة منها صحاح وموثقات كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر والعصر .. » إلخ (4).

ورواية عبيد بن زرارة قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن وقت الظهر والعصر فقال : إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر جميعاً إلا أنّ هذه قبل هذه ، ثم أنت في وقتٍ منهما جميعاً حتى تغيب الشمس » (5).

ورواية سفيان بن السمط عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين » (6)إلى غير ذلك مما أفاد هذا المضمون بالسنة مختلفة.

وبإزاء هذه كلها روايات اخرى قد يتراءى منها التنافي لما سبق ، بل بعضها ظاهرة في خلاف ذلك كصحيحة إسماعيل بن عبد الخالق قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن وقت الظهر ، فقال : بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلا


1) الوسائل 4 : 10 / أبواب أعداد الفرائض ب 2 ح 1.

2) مجمل اللغة 1 : 334 ، الصحاح 4 : 1584.

3) لسان العرب 10 : 427.

4) الوسائل 4 : 125 / أبواب المواقيت ب 4 ح 1 ، 5 ، 9.

5) الوسائل 4 : 125 / أبواب المواقيت ب 4 ح 1 ، 5 ، 9.

6) الوسائل 4 : 125 / أبواب المواقيت ب 4 ح 1 ، 5 ، 9.

في يوم الجمعة أو في السفر فانّ وقتها حين تزول » (1)ونحوها رواية سعيد الأعرج (2).

وبالجملة : مقتضى عدّة من الأخبار تأخّر وقت الظهرين عن الزوال ، إما بمقدار بلوغ الفي‌ء حدّ القدم للظهر والقدمين للعصر كهذه الصحيحة وغيرها ، أو القدمين وأربعة أقدام كصحيحة الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما‌السلام أنّهما « قالا : وقت الظهر بعد الزوال قدمان ، ووقت العصر بعد ذلك قدمان » (3)ونحوها غيرها.

أو الذراع والذراعين الراجع إلى ما قبله ، فان القدم يعادل الشبر الذي هو نصف الذراع ، فالذراع يساوي القدمين ، والذراعان أربعة أقدام ، كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « سألته عن وقت الظهر ، فقال : ذراع من زوال الشمس ، ووقت العصر ذراعان من وقت الظهر فذاك أربعة أقدام من زوال الشمس .. » إلخ (4)ونحوها غيرها ، وهي كثيرة كما لا يخفى.

أو القامة أو القامتين وصيرورة ظل الإنسان مثله أو مثلية ، وهي أيضاً كثيرة (5)وغيرها.

فلا بد أوّلاً من ملاحظة الجمع بين هذه الروايات وبين الطائفة الأُولى التي جعل المدار فيها على مجرد الزوال ، ثم ملاحظة الجمع بين هذه الروايات بعضها مع بعض ، حيث إنها في حدّ أنفسها متعارضة كما عرفت.

فنقول : أما الجمع بين هذه الأخبار بأسرها وبين الطائفة الأُولى فبحمل تلك الطائفة على وقت الفريضة في حدّ ذاتها وبحسب الجعل الأوّلي ، وحمل هذه الروايات على الوقت المجعول لها ثانيا وبالعرض رعاية للنوافل التي تترتب الفريضة عليها ، فكأن الشارع بحسب الجعل الثانوي اقتطع قطعة من وقت


1) الوسائل 4 : 144 / أبواب المواقيت ب 8 ح 11 ، 17 ، 1.

2) الوسائل 4 : 144 / أبواب المواقيت ب 8 ح 11 ، 17 ، 1.

3) الوسائل 4 : 144 / أبواب المواقيت ب 8 ح 11 ، 17 ، 1.

4) الوسائل 4 : 141 / أبواب المواقيت ب 8 ح 3.

5) الوسائل 4 : 143 / أبواب المواقيت ب 8 ح 9 ، 13 ، 29.

الفريضة وخصّها بالنافلة كي لا يكون هناك تطوّع في وقت الفريضة مراعاة لمن رغب في الإتيان بها مع صلاحية الوقت في حدّ ذاته لإيقاع الفريضة بحيث لو لم يرد التنفل أو لم يكن مشروعاً في حقّه كالمسافر وكما في يوم الجمعة فصلى أوّل الزوال فقد أتى بها في وقتها ، فالتحديد بالقدم أو القدمين أو الذراع والذراعين أو القامة ونحوها كل ذلك لا موضوعية لها بالإضافة إلى وقت الفريضة في حدّ نفسها بحيث لو لم يرد التنفل أو فرغ منه قبل بلوغ الفي‌ء إلى القدم مثلاً لزمه الانتظار لأن يبلغه. كيف وقد ورد الحثّ على المسارعة إلى الصلوات والتعجيل إلى الخير والاستباق إليه في الكتاب والسنة ، وإنما هي تحديدات تقريبية رعاية للنوافل اليومية التي هي في شدّة الاهتمام والمحافظة عليها بمثابة لا تقل عن الفرائض ، ولذلك لوحظ أوقاتها في بيان أوقات الفرائض في هذه الأخبار.

والذي يكشف عمّا ذكرناه : روايات كثيرة قد نطقت بأنّ التحديد المزبور إنما هو لمكان النافلة ، وأن العبرة بالفراغ منها قصرت أم طالت ولا خصوصية للقدم ولا لغيره ، التي منها رواية عمر بن حنظلة قال : « كنت أقيس الشمس عند أبي عبد اللّه عليه‌السلام فقال : يا عمر ألا أُنبئك بأبين من هذا؟ قال قلت : بلى جعلت فداك ، قال : إذا زالت الشمس فقد وقع وقت الظهر إلا أنّ بين يديها سبحة ، وذلك إليك ، فإن أنت خففت فحين تفرغ من سبحتك ، وإن طوّلت فحين تفرغ من سبحتك » (1).

وأصرح رواية منها تدل على ذلك هي : موثقة محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري قال : « كتب بعض أصحابنا إلى أبي الحسن عليه‌السلام روي عن آبائك القدم والقدمين والأربع والقامة والقامتين ، وظلّ مثلك والذراع والذراعين ، فكتب عليه‌السلام : لا القدم ولا القدمين ، إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين ، وبين يديها سبحة وهي ثماني ركعات ، فإن شئت طوّلت


1) الوسائل 4 : 133 / أبواب المواقيت ب 5 ح 9.

وإن شئت قصّرت ثم صل الظهر فاذا فرغت كان بين الظهر والعصر سبحة وهي ثماني ركعات إن شئت طوّلت وإن شئت قصّرت ثم صل العصر » (1).

وتؤيده : موثقة ذريح المحاربي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سأل أبا عبد اللّه عليه‌السلام أُناس وأنا حاضر إلى أن قال فقال بعض القوم : إنا نصلي الأُولى إذا كانت على قدمين والعصر على أربعة أقدام ، فقال أبو عبد اللّه عليه‌السلام النصف من ذلك أحبّ إليّ » (2)دلت على أولوية التقصير في النافلة والتخفيف فيها كي يفرغ منها على النصف وهو القدم حتى لا تتأخر الفريضة عن وقتها بأكثر مما يجزي من التنفل.

ويؤيده أيضاً : التصريح في روايتي إسماعيل بن عبد الخالق وسعيد الأعرج المتقدّمتين بأن الوقت هو الزوال في يوم الجمعة وعند السفر ، حيث يظهر منهما أن المانع من المبادرة لدى الزوال إنما هي النافلة الساقطة في هذين الموردين ، ولذا يكون الوقت فيهما هو الزوال الذي هو وقت الفريضة بحسب طبعها لارتفاع المانع حينئذ.

وتؤيده أيضاً : موثقة زرارة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : صلى رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علة ، وصلى بهم المغرب والعشاء الآخرة قبل سقوط الشفق من غير علة في جماعة. وإنما فعل ذلك رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله ليتّسع الوقت على أُمته » (3)حيث يظهر من فعله صلی اللّه عليه وآله أن الزوال وقت يصلح فيه الظهران في حدّ ذاته اتساعاً على الأُمة وامتناناً عليهم ، وأن التأخير في هاتيك الأخبار إنما هو لجهة عارضية وهي رعاية النوافل كما عرفت.

وأما ملاحظة الجمع بين نفس هذه الأخبار فقد عرفت أن الذراع


1) الوسائل 4 : 134 / أبواب المواقيت ب 5 ح 13.

2) الوسائل 4 : 146 / أبواب المواقيت ب 8 ح 22.

3) الوسائل 4 : 138 / أبواب المواقيت ب 7 ح 6.

والذراعين يرجع إلى التحديد بالقدمين والأربع ، ووجه الجمع بين هذه الأخبار وبين التحديد بالقدم هو الحمل على اختلاف مراتب الفضل ، فالأفضل المسارعة إلى التنفل عند الزوال كي يفرغ منه والفي‌ء على القدم حتى يشرع في الفريضة في هذه الساعة ، وبعد الفراغ منها يشرع في نافلة العصر ثم يأتي بفريضة العصر والفي‌ء على القدمين.

ودون ذلك في الفضل تأخير نافلة الظهر إلى أن يفرغ منها والفي‌ء على القدمين ثم يشرع في الظهر ، وقدمان بعد ذلك لنافلة العصر كي يشرع في فريضته والفي‌ء على أربعة أقدام من مبدأ الزوال. فكأنه عليه‌السلام أراد التوسعة في بيان وقت الفضيلة مع اختلاف مراتب الفضل على النحو الذي عرفت.

ويشهد لذلك قوله عليه‌السلام في صحيح زرارة : « فإذا بلغ فيؤك ذراعاً من الزوال بدأت بالفريضة وتركت النافلة ، وإذا بلغ فيؤك ذراعين بدأت بالفريضة وتركت النافلة » (1)حيث يظهر منها أن بلوغ الذراع أي القدمين هو آخر وقت فضيلة الظهر ، إذ لا يشرع التنفل بعد ذلك ، بل لا بد من البدأة بالفريضة وقضاء النافلة ، وكذا الذراعان بالإضافة إلى العصر كما هو ظاهر.

وأما التحديد بالقامة والقامتين وصيرورة ظل الإنسان مثله أو مثلية ، فالأخبار الواردة فيه بعضها أجنبية عن محل البحث ، لكون النظر فيها إلى التحديد من ناحية المنتهي التي سيجي‌ء الكلام فيها إن شاء اللّه تعالى ، فانّ البحث فعلاً متمحض من ناحية المبدأ ، كرواية أحمد بن عمر عن أبي الحسن عليه‌السلام قال : « سألته عن وقت الظهر والعصر ، فقال : وقت الظهر إذا زاغت الشمس إلى أن يذهب الظل قامة ، ووقت العصر قامة ونصف إلى قامتين » (2)ونحوها غيرها.

والبعض الآخر ناظر إلى المبدأ وهي موثقة زرارة قال : « سألت أبا عبد اللّه


1) السائل 4 : 141 / أبواب المواقيت ب 8 ح 3 ، 9.

2) السائل 4 : 141 / أبواب المواقيت ب 8 ح 3 ، 9.

( عليه‌السلام ) عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم يجبني ، فلما أن كان بعد ذلك قال لعمر بن سعيد بن هلال : إن زرارة سألني عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم أُخبره فخرجت فحرجت كما هو الصحيح على ما نبّه عليه المعلّق من ذلك فاقرأه منّي السلام وقل له : إذا كان ظلك مثلك فصل الظهر ، وإذا كان ظلك مثيلك فصل العصر » (1).

ووجه الجمع بينها وبين روايات القدم والقدمين الالتزام بالتخصيص ، حيث إن السؤال عن وقت الظهر في القيظ ، ومن الجائز أن يكون الأفضل في شدّة الحرّ التأخير إلى حدّ القامة كي تنكسر سودة الحرّ ويعتدل الهواء ، حتى يصلي فارغ البال ومع حضور القلب واطمئنان النفس ، ولا يستعجل في صلاته فراراً عن شدّة الحرّ ، كما يؤيده ما روي عن النبي صلی اللّه عليه وآله أنه « قال : إذا اشتدّ الحرّ فأبردوا بالصلاة ، فإن الحرّ من فيح جهنم » (2)فيكون التأخير في خصوص القيظ هو الأرجح لمصلحة التبريد ، وأما في غيره فالأفضل القدم أو القدمان.

نعم ، ينافي ذلك رواية محمد بن حكيم المصرّحة بعدم الفرق في هذا الحدّ بين الشتاء والصيف ، قال : « سمعت العبد الصالح عليه‌السلام وهو يقول : إنّ أوّل وقت الظهر زوال الشمس وآخر وقتها قامة من الزوال ، وأول وقت العصر قامة ، وآخر وقتها قامتان ، قلت : في الشتاء والصيف سواء؟ قال : نعم » (3)حيث جعل فيها مبدأ العصر قامة مصرّحاً بتساوي الفصلين في ذلك.

وعليه فلا بد إما من طرحها وردّ علمها إلى أهله ، لضعف سندها بمحمد بن حكيم فإنه لم يوثق ، مضافاً إلى عدم مقاومتها حتى لو صحّ السند مع تلكم الروايات الكثيرة المتقدّمة المستفيضة ، بل المتواترة التي دلّت بأجمعها على


1) الوسائل 4 : 144 / أبواب المواقيت ب 8 ح 13.

2) الوسائل 4 : 142 / أبواب المواقيت ب 8 ح 6.

3) الوسائل 4 : 148 / أبواب المواقيت ب 8 ح 29.

دخول الوقت قبل القامة ، إما بمجرد الزوال أو عند القدم أو القدمين ، فهذه تنافي تلك الأخبار بأسرها فتطرح.

أو حمل القامة فيها على الذراع كما صنعه صاحب الحدائق مستشهداً برواية علي بن حنظلة قال : « قال لي أبو عبد اللّه عليه‌السلام : القامة والقامتان الذراع والذراعان في كتاب علي عليه‌السلام » (1)وإن كان هذا الحمل بعيداً جدّاً ولا شهادة فيما ذكره ، فانّ كون القامة في كتاب علي عليه‌السلام بمعنى الذراع لا يقتضي كونها بمعناه في هذه الرواية التي هي عن الامام موسى بن جعفر عليه‌السلام.

وكيف كان ، فالأمر هيّن بعد ما عرفت من ضعف سند الخبر.

ثم إن المراد بالقدم والذراع الموضوعين للحكم في تلكم الأخبار ملاحظتهما بالقياس إلى الشاخص الذي يكون ارتفاعه بمقدار القامة دون الأكثر من ذلك أو الأقل ، وإلا لم ينضبط الحدّ لاختلاف ارتفاع الأجسام من حيث القصر والطول وكلما ازداد الجسم طولاً ازداد الظل بعداً لا محالة. وقد صرّح بذلك في موثقة إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : كان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله إذا كان في‌ء الجدار ذراعاً صلى الظهر ، وإذا كان ذراعين صلى العصر قال قلت : إن الجدار يختلف ، بعضها قصير وبعضها طويل ، فقال : كان جدار مسجد رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله يومئذ قامة » (2).

وعليه فاذا كان الجدار أطول من القامة أو أقصر لا بد في ملاحظة فيئه من رعاية النسبة بين القدم والقامة التي هي السبع ، كما أن نسبة الذراع إليها السبعان.

وعلى هذا فالمدار في كل شاخص على بلوغ فيئه بمقدار السبع أو السبعين


1) الوسائل 4 : 144 / أبواب المواقيت ب 8 ح 14.

2) الوسائل 4 : 143 / أبواب المواقيت ب 8 ح 10.

من ذلك الشاخص المنطبق على القدم والذراع من القامة فينضبط الحد دائماً كما هو ظاهر.

ثم ليعلم أن مبدأ احتساب القدم أو الذراع أو القامة ونحوها هو زمان أخذ الفي‌ء في الازدياد بعد بلوغ الظل منتهى قصره ، سواء انعدم لدى الزوال أم لا ، إذ لا يعتبر انعدامه بالكلية لعدم اطراده في جميع البلدان والأزمان ، ضرورة اختلافها من حيث القرب إلى خط الاستواء وبعدها كاختلافها من حيث الفصول ، فما يكون قريبا من خط الاستواء كمكة وصنعاء ونحوهما ينعدم الظل من أصله في بعض أيام السنة التي تكون الشمس فيها مسامتة للشاخص عند بلوغها دائرة نصف النهار ، دون سائر الأيام من تلك البلدان ، ودون سائر البلدان البعيدة عن خط الاستواء بأكثر من 5 ر 23 درجة ، فإن الظل موجود فيها دائماً ولا يكاد ينعدم ، وربما يكون لدى الزوال بمقدار الشاخص أو أكثر ، فالعبرة حينئذ بزمان أخذ الظل في الرجوع بعد منتهى قصره المعبّر عنه بالفي‌ء ، من فاء إذا رجع.

فان الشمس بعد شروقها تحدث ظلا للشاخص في ناحية المغرب ، وكلما ارتفعت يقل الظلّ إلى أن ينعدم في منتصف النهار في البلاد المقارنة لخط الاستواء في يومين من أيام سنتها ، وبعد ميلها عن المشرق إلى المغرب تحدث ظلا آخر في ناحية الشرق ، وأما البلدان البعيدة عنه فلا ينعدم الظل ، بل بعد بلوغه منتهى القصر يأخذ الفي‌ء في الازدياد في ناحية الجنوب بالنسبة إلى البلدان الواقعة شمال خط الاستواء ، وفي ناحية الشمال بالنسبة إلى الواقعة جنوبه ، فهذا الأخذ في الازدياد هو مبدأ احتساب القدم والذراع ونحوهما حسبما عرفت.

المقام الثاني : في التحديد من ناحية المنتهي : لا إشكال كما لا خلاف في استمرار وقت الظهرين واستدامته إلى الغروب بحيث لو أتى بالصلاة في أيّ جزء متخلل بين الحدين فهي أداء.

وتدل عليه صريحاً صحيحة الحلبي في حديث قال : « سألته عن رجل نسي الاولى والعصر جميعاً ثم ذكر ذلك عند غروب الشمس ، فقال : إن كان في وقت لا يخاف فوت إحداهما فليصلّ الظهر ثم يصلّ العصر ، وإن هو خاف أن تفوته فليبدأ بالعصر ولا يؤخرها فتفوته فيكون قد فاتتاه جميعاً ، ولكن يصلّي العصر فيما قد بقي من وقتها ثم ليصلي الأُولى بعد ذلك على أثرها » (1)ودلالتها على المطلوب في غاية الظهور.

كما لا إشكال ولا خلاف أيضاً في أن لكل من الصلاتين وقتين يبتدئ الوقت الثاني مما بعد الذراعين أو القامة أو غيرهما على الخلاف المتقدم ، وقد نطقت بذلك أخبار كثيرة تقدم بعضها ، فهذا كله مما لا شبهة فيه من أحد ، بل كاد أن يكون إجماعاً.

وإنما النزاع في أن الوقتين هل الأول منهما وقت فضيلة ، والثاني وقت إجزاء ، فيجوز لكل أحد تأخير الصلاة إلى الوقت الثاني اختياراً وإرجائها إلى ما قبل الغروب عمداً ومن غير علة وإن كان الأفضل إتيانها في الوقت الأول ، أو أن الوقت الأول للمختار ، والثاني للمضطرين وذوي الأعذار ، فلا يجوز التأخير إلى الوقت الثاني عن عمد واختيار ، ولو فعل أثم وعصى وإن كانت الصلاة أداءً على كل حال كما عرفت؟.

فالمشهور هو الأول وهو الأقوى. وذهب جمع من المتأخرين ومنهم صاحب الحدائق قدس‌سره إلى الثاني (2).

ويدلُّ على المشهور أوّلاً : الكتاب العزيز قال اللّه تعالى ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ... ) إلخ (3)بضميمة ما ورد في تفسيرها من أن ما بين الحدّين أعني الزوال ومنتصف الليل أربع صلوات : الظهران


1) الوسائل 4 : 129 / أبواب المواقيت ب 4 ح 18 [ وسيأتي في ص 111 ضعف سندها ].

2) الحدائق 6 : 90.

3) الإسراء 17 : 78.

والعشاءان ، فمقتضى إطلاق الآية أن كلّ جزء من هذه الأزمنة المتخللة صالح لإيقاع الصلاة فيه حتى اختياراً ، غير أنه ثبت من الخارج عدم جواز تأخير الظهرين إلى ما بعد الغروب كعدم جواز تقديم العشاءين عليه فيبقى الباقي تحت الإطلاق ، ولعل في إفراد صلاة الفجر بالذكر بقوله تعالى ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ .. ) إلخ (1)إيماءً إلى ذلك ، وأنّ هذه الصلاة تمتاز عن غيرها في انقطاع وقتها عما عداها من حيث المبدأ والمنتهى بخلاف غيرها من باقي الصلوات فإنّ أوقاتها متصلة والأزمنة مشتركة كما عرفت.

وثانياً : ما ورد عن الصادق عليه‌السلام من قوله « إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر جميعاً إلا أنّ هذه قبل هذه ، ثم أنت في وقت منهما جميعاً حتى تغيب الشمس » ، وهذا المضمون قد ورد في عدة من الروايات بطرق مختلفة ، غير أنّ أسانيدها لا تخلو عن خدش باعتبار وقوع القاسم بن عروة في طريق أكثرها ، إلا أن طريق الصدوق إلى عبيد بن زرارة خال عن هذا الرجل (2). نعم في طريقه إليه حكم بن مسكين ، وهو وإن لم يوثق في كتب الرجال لكنه وقع في طريق كتاب كامل الزيارات وقد التزم مؤلفه جعفر بن محمد بن قولويه أنه لا يروي في كتابه إلا عن الثقات ، فروايته عنه توثيق له (3)وهو لا يقلّ عن توثيق النجاشي ونحوه ، فيحكم بوثاقة الرجل من هذه الجهة ، وهناك روايات أُخر تدل على القول المشهور سنتعرض لها في مطاوي الأبحاث الآتية.

هذا وقد استدل صاحب الحدائق قدس‌سره لمذهبه بطائفة من الروايات لا دلالة في شي‌ء منها على ذلك ، لقصورها سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو ،


1) نفس المصدر.

2) الوسائل 4 : 126 / أبواب المواقيت ب 4 ح 5. الفقيه 1 : 139 / 647.

3) لكن في خصوص من يروي عنه بلا واسطة حسب نظره الأخير قدس‌سره فلا ينفع في توثيق الرجل لعدم كونه منهم.

ولا بد من نقل تلك الروايات واحدة بعد اخرى ، وبيان ما فيها من النقض والإبرام توضيحاً للمرام.

فمنها : صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سمعته يقول : لكل صلاةٍ وقتان ، وأوّل الوقت أفضله ، وليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين وقتاً إلا في عذر من غير علة » (1). قال في الوافي قوله : « من غير علة » بدل من قوله « إلا في عذر » (2).

تقريب الاستدلال : أنّ المستفاد من الصحيحة أن لكل صلاة وقتين ، وأنّ الأوّل من كل منهما أي المبدأ من كل وقت أفضل من منتهاه. وقد دلت صريحاً على المنع عن اتخاذ الوقت الثاني إلا في حال الاضطرار. فالمتحصل منها أنّ الوقت الأوّل للمختار والثاني للمضطر وإن كان الأول من كل من الوقتين أفضل من آخره.

والجواب : أنّ حمل قوله عليه‌السلام : « وأوّل الوقت أفضله » على ما ذكر غير صحيح ، كيف والوقت الأول ليس مبدؤه وهو الزوال أفضل مما بعده ، بل الأفضل التأخير بمقدار القدم أو الذراع رعاية للنوافل ، للأخبار المتقدمة الدالة على أن بين يديها سبحة كما مرّ ، بل المراد أنّ الوقت الأوّل أفضل من الوقت الثاني.

وعلى هذا فالصحيحة على خلاف المطلوب أدلّ ، لدلالتها على اشتراك الوقتين في الفضيلة غير أنّ أوّلهما أفضل.

ويؤيده قوله عليه‌السلام في الصحيحة الأُخرى لعبد اللّه بن سنان التي لا يبعد اتحادها مع هذه الصحيحة « وأوّل الوقتين أفضلهما » (3)بدل وأوّل الوقت.

وعليه فيكون ذلك قرينة على أن المراد بقوله عليه‌السلام : « ليس لأحد


1) الوسائل 4 : 122 / أبواب المواقيت ب 3 ح 13.

2) الوافي 7 : 205.

3) الوسائل 4 : 119 / أبواب المواقيت ب 3 ح 4.

أن يجعل ... » إلخ المبالغة في شدّة الاهتمام بشأن الصلاة ومزيد العناية بالمحافظة عليها في أوقاتها وعدم تأجيلها إلى الوقت الثاني من غير عذر ، إذ هي عمود الدين والمائز بين المسلمين والكافرين ، فلا ينبغي التساهل والتسامح بالتأخير عن الوقت الأول ، لا أنه عصيان وإثم كي يختص الوقت بالمختار ، وإنما هو أفضل من الوقت الثاني كما عرفت.

ومنها : ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلاً قال : « قال الصادق عليه‌السلام أوّله رضوان اللّه وآخره عفو اللّه ، والعفو لا يكون إلا عن ذنب » (1).

وفيه : مضافاً إلى ضعف السند بالإرسال ، أنّ من المظنون قويّاً أن يكون الذيل أعني قوله : والعفو لا يكون ... إلخ من كلام الصدوق (2)لا من تتمة الخبر كما يتفق ذلك كثيراً في كلماته.

وعليه فالمستفاد من الخبر مع قطع النظر عن الذيل ، أن الصلاة أوّل الوقت نتيجتها الرضوان من اللّه الذي أُشير إليه في قوله تعالى ( وَرِضْوانٌ مِنَ اللّهِ أَكْبَرُ ) (3)فالربح المترتب عليها أكثر ، بخلاف الصلاة في آخره ، فإن غاية ما يترتب عليها هو العفو عن السيئات وغفران الذنوب ، فمتعلق العفو هو سائر السيئات لا تأخير الصلاة كي يكون ذنباً.

ومنها : ما رواه الشيخ في التهذيب عن ربعي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إنّا لنقدّم ونؤخّر ، وليس كما يقال : من أخطأ وقت الصلاة فقد هلك ، وإنما الرخصة للناسي والمريض والمدنف والمسافر والنائم في تأخيرها » (4).

وفيه أوّلاً : أنها ضعيفة السند بإسماعيل بن سهل فإنه لم يوثق.


1) الوسائل 4 : 123 / أبواب المواقيت ب 3 ح 16 ، الفقيه 1 : 140 / 651.

2) ولكن يبعّده ورود مضمونه في مرسلة الدعائم عن الصادق (عليه السلام) « والعفو لا يكون إلا عن تقصير » [ دعائم الإسلام 1 : 137 ].

3) التوبة 9 : 72.

4) الوسائل 4 : 139 / أبواب المواقيت ب 7 ح 7. التهذيب 2 : 41 / 132.

وثانياً : أنّ الاستدلال موقوف على أن يكون مقول القول في قوله عليه‌السلام « وليس كما يقال » أمراً معهوداً بين الراوي والإمام ولم يذكر في الرواية ، وأنّ قوله : « من أخطأ وقت الصلاة ... » إلخ جملة مستقلة منقطعة عما قبلها.

إلا أنّ هذا المعنى خلاف الظاهر من الرواية جدّاً ، بل المتبادر منها أن مقول القول هو قوله : « من أخطأ وقت الصلاة » إلى آخر الرواية ، ويشهد له قوله في صدر الحديث : « إنّا لنقدّم ونؤخّر ».

فحاصل المعنى حينئذ : أنّ ما يقال من أنّ من أخطأ وقت الصلاة فقد هلك وأنه إنما الرخصة للناسي والمريض ... إلخ ليس بصحيح ، فانا نقدّم ونؤخّر فنصلّي أوّل الوقت وآخره من دون شي‌ء من هذه الأعذار.

وعليه فالرواية لولا ضعف سندها على مسلك المشهور أدلّ كما لا يخفى.

ومنها : صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : لكل صلاة وقتان ، وأوّل الوقتين أفضلهما ، ووقت صلاة الفجر حين ينشق الفجر إلى أن يتجلل الصبح السماء ، ولا ينبغي تأخير ذلك عمداً ، ولكنه وقت من شغل أو نسي أو سها أو نام ، ووقت المغرب حين تجب الشمس إلى أن تشتبك النجوم ، وليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين وقتاً إلا من عذر أو من علة » (1).

وفيه : أنّ قوله عليه‌السلام : « وأول الوقتين أفضلهما » صريح في اشتراك الوقتين في الفضيلة ، غايته أنّ أوّلهما أفضل ، فيكون ذلك قرينة على إرادة المرجوحية ، والحزازة من كلمة « لا ينبغي » وإن كانت في حدّ نفسها ظاهرة في التحريم والمنع على الأصح كما قدمناه سابقاً ، وكذا قوله : « وليس لأحد ... » إلخ ، فالصحيحة في حدّ نفسها مع قطع النظر عن الصدر وإن كانت ظاهرة في الحرمة إلا أنه يرفع اليد عنها وتحمل على الكراهة بتلك القرينة. وعليه فهي دليل للمشهور لا عليهم.


1) الوسائل 4 : 208 / أبواب المواقيت ب 26 ح 5.

وقد يقال بعدم دلالتها على التحريم في محل الكلام حتى مع قطع النظر عن الصدر ، لظهور الذيل في أنّ مورد المنع هو اتخاذ آخر الوقتين وقتاً دائمياً ويستمر على ذلك ، ولا ريب في الحرمة في هذا الفرض ، لما فيه من الإعراض عن السنّة وعدم الاعتناء بها ، المتضمن لنوعٍ من الاستهانة والتخفيف بالشريعة المقدسة ، دون مَن يؤخّرها أحياناً أو لاعتقاد التوسعة من دون رغبة عن السنة وإعراض عنها الذي هو محل الكلام.

وهذا الاستظهار وإن كان قابلاً للمناقشة لكنه لا بأس به من باب التأييد.

ومنها : رواية إبراهيم الكرخي قال : « سألت أبا الحسن موسى عليه‌السلام متى يدخل وقت الظهر إلى أن قال فمتى يخرج وقت العصر؟ فقال : وقت العصر إلى أن تغرب الشمس وذلك من علة وهو تضييع ، فقلت له : لو أنّ رجلاً صلى الظهر بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام ، أكان عندك غير مؤد لها؟ فقال : إن كان تعمّد ذلك ليخالف السنّة والوقت لم يقبل منه ، كما لو أنّ رجلاً أخّر العصر إلى قرب أن تغرب الشمس متعمداً من غير علة لم يقبل منه ، إنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله قد وقّت للصلوات المفروضات أوقاتاً وحدّ لها حدوداً في سنته للناس ، فمن رغب عن سنّة من سننه الموجبات كان مثل من رغب عن فرائض اللّه » (1).

وفيه : مضافاً إلى ضعف السند بإبراهيم الكرخي فإنه لم يوثق ، أنّها ظاهرة في أنّ مورد المنع إنما هو الاعراض عن السنة باتخاذ الوقت الثاني وقتاً دائمياً وسيرة يستمر عليها رغبة عما سنّه رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله ولا ريب في حرمة التأخير بهذا العنوان الذي هو أجنبي عن محل الكلام كما عرفت آنفاً.

ومنها : صحيحة داود بن فرقد المروية في الكافي قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام قوله تعالى ( إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً )


1) الوسائل 4 : 149 / أبواب المواقيت ب 8 ح 32.

قال : كتاباً ثابتاً ، وليس إن عجّلت قليلاً أو أخّرت قليلاً بالذي يضرّك ما لم تضيّع تلك الإضاعة ، فإن اللّه عز وجل يقول لقوم ( أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) » (1).

وهذه الرواية صحيحة السند كما لا يخفى ، فعدم توصيف صاحب الحدائق إيّاها بالصحة مع أنّ دابة التعرض لذلك غير ظاهر الوجه.

لكنها قاصرة الدلالة فإن قوله عليه‌السلام : « ما لم تضيّع تلك الإضاعة .. » إلخ حمله صاحب الحدائق على الوقت الثاني ، وهذا اجتهاد وتأويل منه ، بل الظاهر أنّ المراد من تلك الإضاعة كان معنى معهوداً بين الراوي والإمام عليه‌السلام وهو لا يخلو عن أحد أمرين : إما الصلاة خارج الوقت أي بعد مغيب الشمس ، أو تأخيرها إلى أوان اصفرارها بحيث يكون ذلك عادة له ووقتاً دائمياً يستمر عليه إعراضاً عن السنة ورغبة عنها ، والحرمة في كلا الفرضين ظاهرة ، وهما أجنبيان عن محل البحث كما عرفت.

ومنها : موثقة أبي بصير المروية في التهذيب قال : « قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام إنّ الموتور أهله وماله من ضيّع صلاة العصر ، قلت : وما الموتور؟ قال : لا يكون له أهل ولا مال في الجنة ، قلت : وما تضييعها؟ قال : يدعها حتى تصفرّ أو تغيب » (2)هكذا نقلها في الحدائق عن التهذيب عاطفاً « تغيب » على « تصفر » بأو (3)لكن الموجود في الوسائل نقلاً عنه هو العطف بالواو.

والصحيح هو العطف بالواو ، لمسبوقية الغيبوبة بالاصفرار دائماً ، فلا معنى لجعل الغاية كلا منهما برأسه كما يقتضيه العطف بأو ، بل العبرة بأحدهما لا محالة ويكون ذكر الآخر مستدركاً ، أما إذا كان بالواو فالغاية إنما هي الاصفرار الذي


1) الوسائل 4 : 29 / أبواب أعداد الفرائض ب 7 ح 4. الكافي 3 : 270 / 13.

2) الوسائل 4 : 152 / أبواب المواقيت ب 9 ح 1. التهذيب 2 : 256 / 1018.

3) الحدائق 6 : 92.

يصح إطلاق الغيبوبة عليه أيضاً بنحو من التجوّز والعناية من باب المجاز بالمشارفة ، لقرب اصفرار الشمس من غيبتها. هذا مع أن المفروض في الموثق على ما يستفاد من قوله عليه‌السلام : « يدعها حتى .. » إلخ وكذا ما قبله ، عدم ترك الصلاة في الوقت رأساً ، بل يصليها فيه غير أنّه يضيّعها من جهة المسامحة والتأخير ، وهذا لا يناسب العطف بأو المستلزم لتركها فيه وإيقاعها خارج الوقت كما لا يخفى.

وكيف ما كان ، فهذه الموثقة على خلاف المطلوب أدلّ ، لدلالتها على استحقاق المصلي آخر الوقت الجنة غير أنّ مقامه فيها وضيع ، حيث إنه موتور لا مال ولا أهل له ، بل هو كَلٌّ وضيف على غيره الذي لا ريب في اشتماله على نوع من الخفة والمهانة ، فليس عمله هذا إلا أنه مرجوح وترك للأفضل قبال من يصليها أول الوقت المترتب عليه ذلك الثواب العظيم لا أنه عمل محرّم ، كيف ولازمه العقاب وترتب العذاب دون الجنة ، وإن كانت في أدنى مراتبها كما هو ظاهر جدّاً.

ومنها : رواية الفقه الرضوي (1)وحيث إن هذا الكتاب لم يثبت كونه رواية فضلاً عن أن تكون معتبرة تركنا نقلها والتكلم في سندها أو دلالتها خوف الإطالة.

ومنها : صحيحة أبان بن تغلب عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : يا أبان الصلوات الخمس المفروضات من أقام حدودهنّ وحافظ على مواقيتهنّ لقي اللّه يوم القيامة وله عنده عهد يدخله به الجنة ، ومن لم يقم حدودهنّ ولم يحافظ على مواقيتهنّ لقي اللّه ولا عهد له إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له » (2).

وهذه الرواية قد رواها الكليني بطريقين : أحدهما صحيح والآخر في سنده


1) المستدرك 3 : 109 / أبواب المواقيت ب 6 ح 8. فقه الرضا : 71.

2) الوسائل 4 : 107 / أبواب المواقيت ب 1 ح 1.

محمد بن عيسى العبيدي (1)الذي هو موثق على الأقوى ورواها الصدوق أيضاً بطريق آخر صحيح (2)، فالرواية مروية بثلاث طرق كلها معتبرة.

غير أن دلالتها على مطلب صاحب الحدائق قاصرة ، فان غايتها أنّ من حافظ على مواقيت الصلوات له عند اللّه عهد أن يدخله الجنة المساوق لغفران معاصيه ، وأما من لم يحافظ فليس هو مورداً لذلك العهد ، ولم يكن دخوله الجنة حتمياً ، بل إن شاء غفر له وأدخله الجنة ، وإن شاء عذّبه على سائر معاصيه ولم يغفرها له ، لا أنه يعذّبه على عدم المحافظة كي تكون معصية وحراماً. فهذه الصحيحة يقرب مضمونها من مرسلة الصدوق المتقدمة (3)المتضمنة أن الصلاة أوّل الوقت رضوان اللّه ، وآخره عفو اللّه ، بالبيان الّذي قدمناه هناك فلاحظ.

ونحو هذه الصحيحة مرسلة الصدوق (4)المتحدة مع هذه في المضمون ، فإنه مضافاً إلى ضعف سندها بالإرسال يرد على دلالتها ما عرفت.

ومنها : موثقة معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام الواردة في قضية نزول جبرئيل لبيان تعيين الأوقات من أنه أتاه حين زالت الشمس فأمره فصلى الظهر ، ثم أتاه حين زاد الظل قامة فأمره فصلى العصر إلى أن قال : ثم أتاه من الغد حين زاد في الظل قامة فأمره فصلى الظهر ، ثم أتاه حين زاد في الظل قامتان فأمره فصلى العصر إلى أن قال : ما بينهما وقت » (5)، ونحوها غيرها إلا أنه حدّد في بعضها بالقدمين والأربع ، وفي البعض الآخر بالذراع والذراعين ومآلهما إلى شي‌ء واحد كما لا يخفى.

وأما القامة التي في هذه الرواية فاما أن يراد بها الذراع أيضاً ، لما روي ذلك


1) الكافي 3 : 267 / 1 ، 2.

2) ثواب الأعمال : 48 / 1.

3) في ص 93.

4) الوسائل 4 : 110 / أبواب المواقيت ب 1 ح 10 ، الفقيه 1 : 134 / 625. [ ولكن رواها في ثواب الأعمال مسندة ].

5) الوسائل 4 : 157 / أبواب المواقيت ب 10 ح 5.

عن كتاب علي عليه‌السلام ، أو يتحفظ على ظاهرها ، ويحمل الاختلاف على اختلاف مراتب الفضيلة ، فإنه كلّما كان أقرب إلى الزوال كان أفضل كما مرّ.

وكيف كان فهذه الرواية أيضاً لا دلالة لها على مدعاه ، فإنه لا بد من حملها على وقت الفضيلة ، وذلك لدلالة نفس هذه الرواية على أنه صلی اللّه عليه وآله صلى في اليوم الثاني الظهر بعد القامة ، مع أنه لو كان بين الزوال والقامة حدّا للظهر للمختار لما جاز التأخير عنه.

مضافاً إلى أن الرواية حددت وقت العصر بما زاد على القامة إلى ما زاد على القامتين ، مع أنه لا إشكال كما لا خلاف حتى من صاحب الحدائق نفسه في جواز تقديم العصر على ذلك ، فإنه يجوز له أن يصليها بعد أن يصلي الظهر بعد الزوال إلا أنّ بين يديه سبحة ونوافل على ما ورد ذلك في الروايات الكثيرة.

والحاصل : أنه لو كان المراد كما ذكره صاحب الحدائق لكان معارضاً لتلك الروايات الكثيرة ، فلا بد من حملها على وقت الفضيلة دون وقت المختار.

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إذا صليت في السفر شيئاً من الصلوات في غير وقتها فلا يضرك » (1).

وجه الاستدلال بتوضيح منا : أنه لا إشكال في أنه ليس المراد منها جواز تأخير الصلوات إلى خارج أوقاتها كما لو صلى الظهرين بعد المغرب فانّ هذا غير جائز لا في السفر ولا في الحضر بالضرورة ، بل المراد جواز تأخير الصلوات عن وقتها الأوّل في السفر ، فيكون مفهومها عدم جواز تأخير الصلاة إلى غير وقتها الأول في غير السفر وهو المدعى.

لكن هذه الرواية أيضاً قاصرة الدلالة على المطلوب ، وذلك لأنه فرق واضح بين قولنا : لا يضر تأخير الصلاة في السفر إلى غير وقتها ، وبين قولنا : لا يضر إيقاع الصلاة في السفر في غير وقتها ، فإن الثاني الذي هو مفاد الصحيحة يشمل التقديم والتأخير معاً ، بخلاف الأول ، وحيث إن هذا من


1) الوسائل 4 : 168 / أبواب المواقيت ب 13 ح 9.

خواص النوافل حيث إن نبذاً منها يجوز تقديمها على الوقت للمسافر كصلاة الليل ، فلتكن الصحيحة محمولة عليها ولا سيما وأنها بمقتضى تنكير شيئاً في سياق الإثبات لا تدل على الحكم إلا على سبيل الموجبة الجزئية ولا تفيد العموم لجميع الصلوات لتشمل الفرائض.

على أنا لو سلّمنا عمومها بل صراحتها في أنّ تأخير الفرائض عن الوقت الأول لا يضر في السفر فلا تكاد تدل على أنه يضر في الحضر ، إذ القضية الشرطية لا مفهوم لها في مثل المقام مما يكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع ، بداهة أن مفهومها أنه إذا لم تصلّ في السفر شيئاً من الصلوات في غير وقتها فهو يضرك ولا محصّل له ، فإنه لا موضوع رأساً كي يضر أو لا يضر.

نعم ، بناء على ثبوت المفهوم للوصف بالمعنى الذي نرتأيه أعني عدم تعلق الحكم بالطبيعي المطلق ودخالة الوصف حذراً عن اللغوية فلا جرم تدل الصحيحة على أنّ للسفر مدخلية في الحكم بعدم الضرر ، ولكنه يكفي فيه الالتزام بوجود نوع من الحزازة والمنقصة في الإتيان في غير الوقت الأوّل في الحضر وانتفائه في السفر. وهذا كما ترى لا يقتضي إلا أفضلية الوقت الأوّل لا تعيّنه كما هو المدعى.

ومنها : موثقة أبي بصير عن أبي جعفر عليه‌السلام في حديث : « إن الصلاة إذا ارتفعت في أول وقتها رجعت إلى صاحبها وهي بيضاء مشرقة تقول حفظتني حفظك اللّه ، وإذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت إلى صاحبها وهي سوداء مظلمة تقول ضيّعتني ضيّعك اللّه » (1).

هكذا رواها في الوسائل والكافي (2)، وأما في التهذيب (3)والحدائق (4)فهي


1) الوسائل 4 : 108 / أبواب المواقيت ب 1 ح 2.

2) الكافي 3 : 268 / 4.

3) التهذيب 2 : 239 / 946.

4) الحدائق 6 : 93.

خالية عن كلمة « أول » وحيث أن الكافي أضبط فيقدّم.

وعليه فلا دلالة لها على المدعى بوجه ، ضرورة عدم وجوب إيقاع الصلاة في أوّل الوقت الأوّل ، ولم يلتزم به حتى صاحب الحدائق نفسه قدس‌سره إذن فلا مناص من حمل الرواية على معنى آخر كما ستعرف.

نعم ، بناء على رواية التهذيب فللاستدلال بها مجال ، إلا أنّ للمناقشة فيه أيضاً مجالاً واسعاً ، نظراً إلى ما تضمنته من التقييد بغير الحدود ، فانّ معنى الرواية حينئذ بناءً على إرادة الوقت الأول أن الصلاة في غير الوقت المزبور من دون مراعاة الحدود المقررة والشرائط المعينة تكون باطلة ورجعت سوداء مظلمة ، وهو خارج عن محل الكلام من افتراض الإخلال بالوقت فحسب لا بسائر الحدود والشرائط فلاحظ.

ومنها : ما عبّر عنه في الحدائق (1)بالموثق عن عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : من صلى الصلوات المفروضات في أول وقتها وأقام حدودها رفعها الملك إلى السماء بيضاء نقية وهي تهتف به تقول : حفظك اللّه كما حفظتني وأستودعك اللّه كما استودعتني ملكاً كريماً ، ومن صلاها بعد وقتها من غير علّة ولم يقم حدودها رفعها الملك سوداء مظلمة وهي تهتف به : ضيّعتني ضيّعك اللّه كما ضيّعتني ، ولا رعاك اللّه كما لم ترعني » الحديث (2).

وهي متحدة مضموناً مع الرواية السابقة ، والجواب هو الجواب ، وإنما الكلام في السند حيث وصفها في الحدائق بالموثقة كما سمعت وليست كذلك ، إذ الصدوق (3)يرويها عن شيخه الحسين بن إبراهيم بن تاتانة ( ناتانة ) ولم يوثق ، ومجرّد الشيخوخة لا يكفي في الوثاقة ، كيف وفيهم البرّ والفاجر ، بل الناصب


1) الحدائق 6 : 97.

2) الوسائل 4 : 123 / أبواب المواقيت ب 3 ح 17.

3) أمالي الصدوق : 328 / 11.

كالضبي ، ولم يلتزم بما التزم به النجاشي من عدم الرواية إلا عن الثقة (1)فتوصيفها بها ولا سيما من خبير بفن الحديث مثله لا يخلو عن غرابة.

ومنها : ما رواه الحسن بن محمد الطوسي في المجالس ، وكذلك الشريف الرضي في نهج البلاغة فيما كتبه أمير المؤمنين عليه‌السلام لمحمد بن أبي بكر لمّا ولاّه مصر وفيه : « .. ثم ارتقب وقت الصلاة فصلّها لوقتها ، ولا تعجّل بها قبله لفراغ ولا تؤخّرها عنه لشغل ، فانّ رجلاً سأل رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله عن أوقات الصلاة ، فقال : أتاني جبرئيل عليه‌السلام فأراني وقت الظهر ( الصلاة ) حين زالت الشمس فكانت على حاجبه الأيمن ، ثم أراني وقت العصر وكان ظل كلّ شي‌ء مثله ، ثم صلّى المغرب إلى أن قال فصلّ لهذه الأوقات والزم السنّة المعروفة والطريق الواضح ... » إلخ (2).

وفيه : مضافاً إلى ضعف السند (3)لاشتماله على عدّة من المجاهيل ، وإلى اشتمالها على ما لم يقل به أحد من لزوم الإتيان بالظهر حين الزوال ، مع أن وقت الفضيلة يمتد إلى بلوغ الظل مثله ، بل ينبغي التأخير إلى ما بعد القدم ، ومن أنّ وقت العصر صيرورة ظل كل شي‌ء مثله مع جواز الإتيان بها قبل ذلك اتفاقاً ، أنها قاصرة الدلالة ، لأنّ ظاهر النهي عن التأخير بقرينة المقابلة مع التقديم هو التأخير عن أصل الوقت لا عن الوقت الأول ، فغايتها الدلالة على الحث والترغيب في الإتيان بها في وقت الفضيلة لا لزومه وتعينه كما هو المدعى.

بقيت في المقام روايتان ربما يتوهم الاستدلال بهما على مقالة صاحب الحدائق.

إحداهما : معتبرة معمّر بن عمر قال : « سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن


1) راجع معجم الرجال 1 : 50.

2) الوسائل 4 : 161 / أبواب المواقيت ب 10 ح 12 ، أمالي الطوسي : 29 / 31 ، نهج البلاغة : 384 / 27.

3) والسند مذكور في الوسائل 1 : 397 / أبواب الوضوء ب 15 ح 19.

الحائض تطهر عند العصر تصلي الاولى؟ قال : لا ، إنما تصلي الصلاة التي تطهر عندها » (1).

ثانيتهما : موثقة الفضل بن يونس قال : « سألت أبا الحسن الأول عليه‌السلام قلت : المرأة ترى الطهر قبل غروب الشمس كيف تصنع بالصلاة؟ قال : إذا رأت الطهر بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام فلا تصلي إلا العصر ، لأن وقت الظهر دخل عليها وهي في الدم ، وخرج عنها الوقت وهي في الدم فلم يجب عليها أن تصلي الظهر ، وما طرح اللّه عنها من الصلاة وهي في الدم أكثر » (2).

وفيه : أن الروايتين لا عامل بهما منّا ، ولم يكن بُدّ من حملهما على التقية ، لموافقتهما للعامة (3)ومعارضتهما مع النصوص الكثيرة الدالة على امتداد وقت الظهرين إلى الغروب ، بل ومعارضتهما مع النصوص الواردة في خصوص المقام التي منها ما رواه الشيخ بإسناده عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصلّ الظهر والعصر ، وإن طهرت من آخر الليل فلتصلّ المغرب والعشاء » (4).

نعم ، إن هذه الروايات بأجمعها ضعاف ، لأنّ الشيخ يرويها بإسناده عن علي ابن الحسن بن فضال وطريقه إليه ضعيف (5)والعمدة هي الطائفة المتقدمة.

أضف إلى ذلك أن مورد الروايتين هو الاضطرار ، فان الحيض من أعظم الأعذار ، ولا شبهة أنها تسوّغ التأخير إلى الوقت الثاني حتى عند صاحب الحدائق ، فهو أيضاً لم يعمل بهما في موردهما.


1) الوسائل 2 : 362 / أبواب الحيض ب 49 ح 3.

2) الوسائل 2 : 361 / أبواب الحيض ب 49 ح 2.

3) المغني 1 : 441.

4) الوسائل 2 : 364 / أبواب الحيض ب 49 ح 10 ، التهذيب 1 : 390 / 1204.

5) ولكنه قدس‌سره صحح الطريق أخيراً فلا تغفل.

ويختص الظهر بأوّله مقدار أدائها بحسب حاله ويختص العصر بآخره كذلك (1)


والمتحصل من جميع ما تقدّم : أنه لا سبيل للمصير إلى ما اختاره صاحب الحدائق وغيره من أن الوقت الأول للمختار ، والثاني للمضطر ، بل الصحيح ما عليه المشهور من أنهما للفضيلة والإجزاء حسبما عرفت.

(1) المشهور أن الظهر يختص بأول الوقت مقدار أدائها بحسب حاله ، وكذا العصر يختص بآخره كذلك ، ونسب إلى الصدوقين (1)وبعض المتأخرين أنّ الوقت مشترك بينهما من أوله إلى آخره من دون أيّ اختصاص ، غايته أنه لا بدّ من رعاية الترتيب بينهما بإيقاع الظهر قبل العصر.

فإن أراد القائل بالاختصاص أن شرطية الترتيب تقتضي اختصاص الظهر بأوّله مقدار أدائها بالفعل فهو حق ، وإن أراد أنّ الوقت غير صالح لإيقاع العصر فيه وأنه يكون بمثابة إيقاعه قبل الزوال حتى فيما إذا سقطت شرطية الترتيب كما في النسيان ونحوه ، فلا دليل عليه.

وكيف ما كان ، يقع الكلام في هذه المسألة تارة بملاحظة أول الوقت ، وأُخرى باعتبار آخره.

أما بالنظر إلى أوّل الوقت ، فقد استدل القائلون بالاختصاص بوجوه :

الأوّل : ما عن المدارك من أنّه لا معنى لوقت الفريضة إلا ما جاز إيقاعها فيه ولو على بعض الوجوه ، ولا ريب أن إيقاع العصر عند الزوال على سبيل العمد ممتنع ، لاستلزامه عدم رعاية شرطية الترتيب ، وكذا مع النسيان ، لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه وهو كونه متأخراً عن الظهر ، وانتفاء ما يدل على الصحة مع المخالفة ، إذ لا دليل على إجزاء فاقد الشرط ولو مع النسيان عن


1) [ لم يصرّح الصدوق بذلك إلا أنه نقل الأخبار الدالة على الاشتراك ولم ينقل ما يخالفها ، راجع الفقيه 1 : 139 ، حكاه عنهما في الرياض 3 : 35 ، وراجع المقنع : 91 ].

الواقع ، وإذا امتنع وقوع العصر عند الزوال مطلقاً انتفى كون ذلك وقتاً ، ولا نعني بالاختصاص إلا هذا (1).

وهذا الاستدلال منه قدس‌سره عجيب.

أما أوّلاً : فلمنع قوله : وانتفاء ما يدل على الصحة مع المخالفة ، فإن الدليل موجود ، فإنه لو لم يكن هنالك دليل آخر من رواية وغيرها على الاختصاص كان مقتضى قاعدة لا تعاد هو الصحة والاجتزاء بهذه الصلاة ، لعدم كون الترتيب المشروط رعايته من جملة المستثنيات المذكورة فيها.

وثانياً : سلّمنا أنه مع النسيان أيضاً لا دليل على الصحة مع المخالفة إلا أنّ إتيان العصر أوّل الزوال غير منحصر في خصوص فرض العمد والنسيان المستلزمين للإخلال بشرطية الترتيب ، بل هناك فرض ثالث غير مستتبع لذلك ، وهو ما إذا اعتقد بعد التحري والاجتهاد دخول الوقت فصلى الظهر وقد تبيّن أنه واقع خارج الوقت غير أنه أدرك بعضه ولو كان لحظة منه ، فان المشهور على أن هذه الصلاة باعتبار وقوع جزء منها في الوقت تكون صحيحة ، وحينئذ فما المانع من إتيان صلاة العصر بعدها بلا فصل ، والحال أن المفروض رعاية شرطية الترتيب ، مع أن القائلين بالاختصاص يلزمهم القول بلزوم الانتظار والصبر إلى أن يمضي مقدار أربع ركعات من الزوال ثم يصلي العصر ، وهذا الدليل لا يدل على ذلك في مثل الفرض ، بل لا مانع من الالتزام بصحة وقوع العصر في أوّل الوقت كما عرفت.

الثاني : ما عن المختلف من أن القول بالاشتراك مستلزم لأحد المحذورين ، إما التكليف بما لا يطاق أو خرق الإجماع ، وذلك لأن التكليف عند الزوال إما أن يتعلق بالصلاتين معاً ، بأن يأتي بهما معاً في وقت واحد وهو محال ، أو بأحدهما لا بعينه وهو خرق للإجماع ، أو بخصوص العصر وهو كذلك. على أنه مناف


1) المدارك 3 : 36.

للاشتراك ، أو بخصوص الظهر وهو المطلوب (1).

وهذا الاستدلال كما ترى من مثله قدس‌سره عجيب جدّاً ، إذ غاية ما يترتب عليه تعين إتيان الظهر أول الوقت عند الذكر ، وهذا مما لا خلاف فيه ولا إشكال ، وإنما الكلام في مثل النسيان ونحوه كالفرض المتقدم ، فإنه على القول بالاختصاص وعدم صلاحية ذاك الوقت إلا لخصوص الظهر تكون العصر فيه باطلة ، بخلافه على القول بالاشتراك ، وهذا الدليل أجنبي عن ذلك ، فهذا الوجه أيضاً غير وجيه.

الثالث وهو العمدة : الروايات ، وهي منحصرة في مرسلة داود بن فرقد عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات ، فاذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر والعصر حتى يبقى من الشمس مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات ، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر وبقي وقت العصر حتى تغيب الشمس » (2).

وعنه أيضاً بهذا المضمون في العشاء (3).

وهذه الرواية وإن كانت ظاهرة في مذهب المشهور إلا أنها مرسلة غير قابلة للاستدلال بها. وما يقال من انجبارها بعمل المشهور فيه منع صغرى وكبرى كما عرفت مراراً.

ومن العجيب ما ذكره شيخنا الأنصاري قدس‌سره في أول صلاته (4)ما معناه : أن هذه الرواية وإن كانت مرسلة إلا أن إرسالها غير قادح فيها ، وذلك لأن في سندها الحسن بن علي بن فضال ، وقد ورد في بني فضال عنه


1) المختلف 2 : 34.

2) الوسائل 4 : 127 / أبواب المواقيت ب 4 ح 7.

3) الوسائل 4 : 184 / أبواب المواقيت ب 17 ح 4.

4) كتاب الصلاة 1 : 36.

( عليه‌السلام ) : « خذوا ما رووا وذروا ما رأوا » فإن مقتضاه الأخذ برواياتهم التي منها هذه الرواية.

وفيه أوّلاً : أن بني فضال لا يزيدون على أمثال زرارة ومحمد بن مسلم وغيرهما من العدول المستقيمين ، وهؤلاء لا يؤخذ برواياتهم إلا إذا كان الرواة في أنفسهم معتبرين فكيف يؤخذ بروايات أُولئك ، بل هم أيضاً لم يكن يؤخذ برواياتهم قبل انحرافهم فكيف صار توقفهم موجباً للعمل برواياتهم ، أفهل ترى أنهم بسبب انحرافهم ازدادت وثاقتهم وارتفعت منزلتهم حتى بلغوا مرتبة لا يسعنا رفض رواياتهم وإن أسندوها إلى ضعيف أو رووها عن مجهول. إذن فمعنى الرواية على تقدير صدورها أنّ هؤلاء بما أنهم موثّقون في كلامهم فانحرافهم في العقيدة لا يمنع من العمل برواياتهم من ناحيتهم ، وأما الرواة السابقون أو اللاحقون لهم فلا بدّ من النظر في حالهم وتشخيص هوياتهم.

وثانياً : أنه لم يثبت ورود مثل هذه الرواية في شأن بني فضّال ، فانّ سند هذه الرواية هو ما رواه الشيخ الطوسي عن الطاطري (1)عن أبى الحسين عن عبد اللّه الكوفي خادم الحسين بن روح عنه أنه قال : إني أقول في كتب الشلمغاني ما قاله العسكري في كتب بني فضال : « خذوا ما رووا وذروا ما رأوا » (2)وعبد اللّه الكوفي وكذا أبو الحسين لم يوثقا ، هذا.

ولو أغمضنا عن السند وفرضنا صحة هذه الرواية أعني رواية داود بن فرقد المتقدمة لم تكن معارضة بينها وبين غيرها من الروايات ، بل يكون جميعها في مقام بيان اعتبار الترتيب بينهما ، وذلك لأن الظاهر من مضي أربع ركعات ليدخل وقت العصر ولو بضميمة تلك الروايات الدالة على أنه إذا زالت الشمس دخل الوقتان إلا أنّ هذه قبل هذه ، هو مضي أربع ركعات بالفعل بأن


1) [ الظاهر أنّ الطاطري من سهو القلم ].

2) الوسائل 27 : 102 ، أبواب صفات القاضي ب 8 ح 79 ، الغيبة : 389 / 355.

صلاها المكلف فعلاً ، ليدخل وقت العصر على نحو الإطلاق ومن دون مزاحم واشتراط وفرض وتقدير في قبال ما قبل مضي أربع ركعات بالفعل ، فانّ دخول الوقت بالنسبة إلى العصر حينئذ إنما هو على تقدير وفرض مضي زمان يسع لأربع ركعات.

ومما يدل على ما ذكرناه : أنه لو كان المراد هو الزمان التقديري فهذا الزمان غير منضبط في نفسه ، فلا بد وأن يكون المراد منه أحد أمرين : إما الزمان المتعارف بالنسبة إلى الناس فإنهم مختلفون بين مقلّ ومكثر ومتوسط والأخير هو المتعارف أو يكون كل شخص بالنسبة إلى حاله.

أما الأوّل : فمقتضاه عدم جواز الشروع في العصر لو فرغ عن الظهر قبل الوقت المتعارف ، فلو فرضنا أنّ المتعارف لصلاة الظهر يستوعب ثمان دقائق من الوقت وقد صلى في أربع دقائق لم يجز له الدخول في العصر قبل مضي الثمان ، بل لا بدّ له من الانتظار والصبر إلى أن يمضي أربع دقائق أُخر ، وهذا كما ترى مخالف لصريح النصوص والفتاوى القاضية بجواز الشروع في العصر بمجرد الفراغ من الظهر حيثما اتفق.

وأما الثاني : فمع كونه خلاف الظاهر كما لا يخفى ، بل بعيد في نفسه ، إذ لازمه اختلاف وقت العصر باختلاف المصلين فيكون داخلاً بالنسبة إلى مكلف غير داخل بالنسبة إلى الآخر وهو كما ترى ، بل ومنافٍ لقاعدة الاشتراك في الأحكام ، أنه لا يخلو الحال إما أن يكون المراد هو المتعارف بالنسبة إلى حاله ، فيرد عليه ما أوردناه على الأول آنفاً ، وإما أن يكون المقصود هو الاقتصار على أقلّ الواجبات فهذا خلاف الظاهر جدّاً ، فلا جرم يكون المراد هو الزمان الفعلي (1)كما استظهرناه لا التقديري.


1) لكن هذا ايضاً مخدوش ، إذ مضافاً إلى عدم انسجامه مع قوله في الذيل « حتى يبقى من الشمس مقدار .. » إلخ ضرورة أن المراد هنا إنما هو الزمان التقديري لا الفعلي فيكون كذلك في الصدر بمقتضى اتحاد السياق ، أنه لا يناسبه قوله « فاذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر والعصر » بل كان اللازم أن يقال بدلا عن ذلك : فقد دخل وقت العصر ، بداهة أنه بعد فرض الإتيان بصلاة الظهر خارجاً لا معنى للقول بدخول وقتها ، وعليه فتصبح الرواية مجملة لعدم خلو دلالتها عن الاشكال على أيّ حال.

هذا ومع الغض عن جميع ذلك فتصبح هذه الرواية معارضة مع تلك الروايات الكثيرة الدالة على أنه إذا زالت الشمس دخل الوقتان جميعاً ، فإنها صريحة في دخول كلا الوقتين بمجرد الزوال.

ثم إنه ربما يستدل لوقت الاختصاص بما في ذيل جملة من الأخبار من قوله عليه‌السلام : « إلا أن هذه قبل هذه » (1)بدعوى أن المنسبق من هذا التعبير أنّ وقت هذه قبل هذه.

ولكنه كما ترى للتصريح في صدرها بدخول الوقتين معاً بمجرد الزوال فكيف ينسجم ذلك مع الدعوى المزبورة ، بل لا ينبغي التأمل في أن النظر في تلك العبارة معطوف إلى حيثية الترتيب لا غير ، ولزوم مراعاته بين الصلاتين. إذن فالقبلية ملحوظة بين نفس الصلاتين لا بين وقتيهما.

والمتحصل من جميع ما تقدم : أن القول بالاختصاص بالمعنى المنسوب إلى المشهور لا أساس له ، وربّ شهرة لا أصل لها. هذا كله من حيث مبدأ الوقت وأوّله.

وأما من حيث آخره : فإن أُريد من اختصاص مقدار أربع ركعات من منتهى الوقت بالعصر أنّ من لم يكن آتياً بالظهرين يتعين عليه حينئذ صرف الوقت في العصر ، فحق لا محيص عنه وسيأتي الكلام عليه إن شاء اللّه تعالى.

وإن أُريد به عدم صلاحية الوقت لوقوع الظهر فيه حتى لو كانت الذمة فارغة عن صلاة العصر لتقديمها نسياناً أو خطأً ، بل لو صلاها حينئذ كانت قضاء لخروج وقتها ، فهذه الدعوى لا سبيل إلى إثباتها بوجه ، بل إن مقتضى


1) الوسائل 4 : 126 / أبواب المواقيت ب 4 ح 5 ، 20 ، 21.

حديث لا تعاد هو الحكم بالصحة وإن وقعت الظهر بعد العصر ، إذ لا خلل حينئذ إلا من ناحية الترتيب المنفي اعتباره بالحديث.

أجل قد نطقت صحيحة زرارة بأن العصر المقدّم نسياناً يحسب ظهراً ويأتي بالعصر بعد ذلك ، لأنها أربع مكان أربع (1)إلا أنّ ذاك بحث آخر سنتكلم حوله في محلّه إن شاء اللّه تعالى.

والكلام الآن متمحض فيما تقتضيه القاعدة مع الغض عن النصوص الخاصة ، وقد عرفت أنّ مقتضاها بعد ملاحظة الروايات الدالة على اشتراك الوقت بين الصلاتين من البدو إلى الختم بضميمة حديث لا تعاد هو الحكم بصحة الظهر الواقعة في هذا الوقت ، كما وعرفت ضعف مرسلة داود بن فرقد وعدم صحة التعويل عليها ، هذا.

وربما يستدل للقول بالاختصاص بما رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن ابن سنان عن ابن مسكان عن الحلبي في حديث قال : « سألته عن رجل نسي الأُولى والعصر جميعاً ثم ذكر ذلك عند غروب الشمس ، فقال : إن كان في وقت لا يخاف فوت إحداهما فليصلّ الظهر ثم ليصلّ العصر ، وإن هو خاف أن تفوته فليبدأ بالعصر ولا يؤخرها فتفوته فيكون قد فاتتاه جميعا ، ولكن يصلي العصر فيما قد بقي من وقتها ثم ليصلّ الاولى بعد ذلك على أثرها » (2).

فان المستفاد من قوله : « ولا يؤخرها .. » إلخ أنه لو أتى بالظهر في هذا الوقت وأخّر العصر فقد فاتته الصلاتان معا ، أما العصر فواضح ، وأما الظهر فلأجل إيقاعها في الوقت المختص بالعصر الذي هو بمثابة الوقوع في خارج الوقت.


1) الوسائل 4 : 290 / أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

2) الوسائل 4 : 129 / أبواب المواقيت ب 4 ح 18.

وفيه : أن الدلالة وإن كانت تامة لكن السند ضعيف وإن عبّر عنها في بعض الكلمات بالصحيحة ، إذ المراد بابن سنان الواقع في السند بقرينة الراوي والمروي عنه هو محمد ، فإنه الذي يروي عنه الحسين بن سعيد وهو يروي عن ابن مسكان غالباً لا عبد اللّه ، ولا أقل من الشك في ذلك المسقط لها عن درجة الاعتبار.

ثم إنك عرفت صحة القول بوقت الاختصاص بالمعنى الآخر أعني لزوم صرف الوقت في صلاة العصر في من لم يأت بهما إلى أن بقي مقدار أربع ركعات ، وذلك لا لقصورٍ في الوقت نفسه لوقوع الظهر فيه ، كيف وما بين الحدين وقت لكلتا الصلاتين ، وكل جزء منه صالح لوقوع أيّ منهما فيه بمقتضى قوله عليه‌السلام في جملة من الأخبار : « إذا زالت الشمس فقد دخل الوقتان ». ومن ثم لو قدّم العصر نسياناً أو باعتقاد الإتيان بالظهر ساغ له الإتيان بصلاة الظهر حينئذ كما تقدم.

بل لأجل أنّ ذلك هو مقتضى الترتيب المستفاد من قوله عليه‌السلام في ذيل تلك الأخبار : « إلا أنّ هذه قبل هذه » فان مقتضى اعتبار القبلية أنّ الظهر لا تزاحم العصر في هذا الوقت ، بل يسقط أمرها ويتعين صرف الوقت في صلاة العصر فحسب.

وبعبارة اخرى : لا يعقل بقاء الأمر بالصلاتين معاً في هذا الوقت لعدم سعته ، وحينئذ فإما أن يكون مأموراً بصلاة العصر فقط أو بالظهر فقط ، أو بهما معاً على البدل وعلى سبيل التخيير بعد وضوح عدم سقوط الصلاة عنه رأساً.

لكن الأخيرين ساقطان قطعاً ، إذ مضافاً إلى تسالم الأصحاب على عدم وجوب الظهر حينئذ لا تعييناً ولا تخييراً ، لا يمكن الالتزام به في نفسه ، فان كل جزء من الوقت وإن كان صالحاً في حدّ ذاته لكل واحدة من الصلاتين ، ولا تزاحم الشريكة صاحبتها في شي‌ء منه كما سبق إلا أنهما لمّا كانتا منبسطتين على مجموع الوقت على صفة الترتيب فاختصاص الأربع الأخيرة بصلاة

وما بين المغرب ونصف الليل وقت للمغرب (1).


العصر هو لازم الانبساط والتقسيط المزبور ومن مقتضياته بطبيعة الحال ، فلا جرم ينتهي بذلك وقت الظهر ويتعين صرف الوقت في العصر. وتعضده النصوص الواردة في الحائض الناطقة بأنّها تصلي العصر إذا طهرت عنده كما تقدم.

(1) لا إشكال كما لا خلاف في أن مبدأ وقت صلاة المغرب هو الغروب على الخلاف في تفسيره باستتار القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية كما سيأتي تحقيقه إن شاء اللّه تعالى (1)وتدل عليه جملة وافرة من الأخبار التي منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام : « ... وإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة » (2).

والكلام في اختصاص أوّله بمقدار ثلاث ركعات للمغرب ، وآخره بمقدار أربع ركعات للعشاء هو الكلام المتقدم في الظهرين ، وسيأتي البحث عنه مستوفى عند تعرض الماتن له.

وكيف ما كان ، فوقت المغرب من حيث المبدأ لا كلام لنا فيه ، وإنما الكلام في منتهاه ، فالمعروف والمشهور امتداده إلى نصف الليل.

وعن بعض علمائنا كما في محكي المبسوط (3)إلى طلوع الفجر وإن حرم التأخير عن النصف.

وعن المحقق في المعتبر اختصاص الامتداد المزبور بالمضطر (4)وهو أول من ذهب إلى هذا القول كما صرح به في الحدائق قال : وتبعه صاحب المدارك


1) في ص 165.

2) الوسائل 4 : 183 / أبواب المواقيت ب 17 ح 1.

3) المبسوط 1 : 75.

4) المعتبر 2 : 40.

وشيّده (1)وقد تبعه في هذا القول جملة ممن تأخر عنه كما هي عادتهم غالباً انتهى (2).

وعن الشيخ في الخلاف (3)وابن البراج (4): أنه غيبوبة الشفق مطلقاً.

وعن ابي الصلاح (5)وابن حمزة (6)ان ذلك للمختار ، أما المضطر فيمتد إلى ربع الليل.

وعن المفيد (7)وابن بابويه (8)اختيار هذا التفصيل ، لكن بالإضافة إلى الحاضر والمسافر بدلاً عن المختار والمضطر.

والصحيح ما عليه المشهور. ويدلنا عليه قوله تعالى ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) (9)بضميمة صحيح زرارة الوارد في تفسيره من أن أربع صلوات فيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل ، أي منتصفه (10)، وبعد القطع الخارجي بعدم جواز تأخير الظهرين عن الغروب ، ولا تقديم العشاءين عليه يعلم بأنّ منتهى وقتهما هو منتصف الليل ، وبما أن الخطاب متوجه إلى النبي صلی اللّه عليه وآله كوظيفة مقررة على جميع المسلمين وطبيعي المكلفين من غير اختصاص بطائفة دون اخرى ، فلا سبيل لحملة على خصوص المعذورين والمضطرين.


1) المدارك 3 : 54.

2) الحدائق 6 : 176.

3) الخلاف 1 : 261.

4) شرح جمل العلم والعمل : 66.

5) الكافي في الفقه : 137.

6) الوسيلة : 83.

7) المقنعة : 93 ، 95.

8) الفقيه 1 : 141.

9) الإسراء 17 : 78.

10) الوسائل 4 : 10 / أبواب أعداد الفرائض ب 2 ح 1.

وعليه ، فلو وردت رواية تامة السند والدلالة وقد دلت على امتداد الوقت إلى ذهاب الشفق أو غيره من التحديدات الواردة في المقام لم يكن بدّ من حملها على الأفضلية كما صنعنا مثل ذلك في النصوص الواردة في تحديد وقت الظهرين بمقدار القدم والقدمين وما شاكل ذلك لا أن يحمل على خروج الوقت بذلك ، أو أن التأخير يحرم وإن لم يخرج الوقت ، أو يحمل على طائفة دون اخرى ، بل يلتزم بالاختلاف في مراتب الفضل ، فالأفضل الإتيان ما بين الغروب إلى غيبوبة الشفق ، ودونه في الفضيلة إلى ربع الليل ، ودونه إلى ثلثه ، وما بعده إلى منتصف الليل هو وقت الاجزاء.

ويعتضد ذلك بما ورد من أنه « لكل صلاة وقتان وأول الوقت أفضلهما » (1)وما ورد من « إنا لنقدم ونؤخر وليس كما يقال : من أخطأ وقت الصلاة فقد هلك ، وإنما الرخصة للناسي والمريض والمدنف والمسافر والنائم في تأخيرها » (2)وما ورد عنهم عليهم‌السلام من أنهم ربما كانوا يؤخرون الصلاة ويرخّصون في تأخيرها بأدنى عذر (3).

وأما مقالة الشيخ في الخلاف وابن البراج من امتداد الوقت إلى ذهاب الشفق فيستدل له بصحيحة زرارة والفضيل قالا : « قال أبو جعفر عليه‌السلام : إن لكل صلاة وقتين غير المغرب فان وقتها واحد ، ووقتها وجوبها ، ووقت فوتها سقوط الشفق » (4).

وتقريب الاستدلال بها من وجهين :

أحدهما : من ناحية الصدر وهو قوله عليه‌السلام : « فان وقتها واحد » بدعوى دلالته على أن صلاة المغرب لم تكن كبقية الصلوات بحيث يكون لها


1) الوسائل 4 : 121 / أبواب المواقيت ب 3 ح 11.

2) الوسائل 4 : 139 / أبواب المواقيت ب 7 ح 7.

3) الوسائل 4 : 193 / أبواب المواقيت ب 19.

4) الوسائل 4 : 187 / أبواب المواقيت ب 18 ح 2.

وقتان اختياري واضطراري ، بل لها وقت واحد وهو وقت وجوبها ، فيجب الإتيان بها فيه ، ولا يجوز تأخيرها عن ذهاب الشفق.

وفيه : ما لا يخفى ، إذ لا نظر في هذه الجملة إلى منتهى الوقت لتدل على انتهائه بذهاب الشفق ، وإنما النظر معطوف إلى ناحية المبدأ باعتبار امتياز المغرب عن بقية الصلوات في أنّها بأسرها مسبوقة بالسبحة والنافلة ، أما الظهران والفجر فواضح ، وأما العشاء فلكونها مسبوقة بنوافل المغرب ، فمن ثم كان لها وقتان ، وكان الوقت الثاني المتأخر عن النوافل المأتية أفضل بطبيعة الحال ، إلا إذا تركها فيكون الأول أفضل. وأما صلاة المغرب فحيث لا نافلة قبلها فلا جرم لم يكن لها إلا وقت واحد.

ونحوها صلاة الجمعة إذ لا نافلة قبلها أيضاً ، ومن ثم ورد في صحيحة زرارة أن « صلاة الجمعة من الأمر المضيق إنما لها وقت واحد حين تزول » (1).

ويشهد لما ذكرناه : موثقة معاوية بن وهب المشتملة على نزول جبرئيل وإتيانه بوقتين في يومين لكل من الفرائض ما عدا المغرب (2)، حيث يظهر منها أن الوجه في التفكيك هو مراعاة النوافل وعدم سبق المغرب بها ، ومن ثم كان لها وقتان وللمغرب وقت واحد ، ولعل ما ذكرناه في تفسير الصحيحة هو أحسن وجوه الحمل التي ذكروها في المقام.

ثانيهما : من ناحية الذيل وهو قوله عليه‌السلام : « ووقت فوتها سقوط الشفق » فإنّه الصريح في انتهاء الوقت بسقوط الشفق ، وتوافقه على ذلك جملة من الأخبار.

منها : صحيحة بكر بن محمد عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « أنه سأله سائل عن وقت المغرب ، فقال : إن اللّه يقول في كتابه لإبراهيم : ( فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ


1) الوسائل 7 : 316 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 3.

2) الوسائل 4 : 157 / أبواب المواقيت ب 10 ح 5.

رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي ) وهذا أوّل الوقت ، وآخر ذلك غيبوبة الشفق » (1).

ومنها : موثقة إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سألته عن وقت المغرب ، قال : ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق » (2). وغير خفي أن للشيخ إلى الحسن بن محمد بن سماعة الواقع في السند طريقين : أحدهما ضعيف بأبي طالب الأنباري ، لكن الطريق الآخر صحيح ، إذ الظاهر أن المراد بالحسين بن سفيان الواقع في الطريق هو الحسين بن علي بن سفيان بن خالد بن سفيان البزوفري ، وقد وثقه النجاشي صريحاً (3).

ومنها : رواية إسماعيل بن مهران (4)غير أنها ضعيفة السند بسهل بن زياد.

وعلى أيّ حال فهذه الأخبار تفرغ بلسان واحد عن انتهاء وقت صلاة المغرب بسقوط الشفق.

ولكنه مع ذلك لم يكن بدّ من رفع اليد عن ظاهرها وحملها على الأفضلية ، جمعاً بينها وبين النصوص الكثيرة الناطقة بجواز التأخير إلى ربع الليل أو ثلثه كما سنتعرض إليها ، وقبل ذلك كله الآية المباركة الصريحة في امتداد الوقت إلى الغسق المفسر كما سبق بمنتصف الليل. ونتيجة ذلك هو الالتزام باختلاف مراتب الفضل حسبما تقدم.

وأما القولان الآخران : أعني ما ذهب إليه المفيد من انتهاء الوقت للحاضر بذهاب الشفق وللمسافر بحلول ربع الليل ، وما ذهب إليه أبو الصلاح ، بل الشيخ في أكثر كتبه من نفس التفصيل لكن بتبديل الحاضر بالمختار والمسافر بالمعذور ، فإن أُريد بذلك نفس هذين العنوانين ، فدليل كل من القولين من


1) الوسائل 4 : 174 / أبواب المواقيت ب 16 ح 6.

2) الوسائل 4 : 190 / أبواب المواقيت ب 18 ح 14.

3) رجال النجاشي : 68 / 162.

4) الوسائل 4 : 188 / أبواب المواقيت ب 18 ح 4.

الروايات المستدل بها يبطل بإطلاقه القول الآخر كما لا يخفى ، فيتعارضان ولا يمكن التعويل على شي‌ء منهما.

وإن أُريد من السفر مطلق الاضطرار ، ومن الحضر حال الاختيار وإنما ذكر ذلك من باب المثال ليرجع القولان إلى قول واحد ، فتدل عليه حينئذ كلتا الطائفتين من الأخبار ولكنه مع ذلك لا يمكن الالتزام به لوجوه :

أحدها : أنّ صحيحة عمر بن يزيد صريحة في جواز تأخير المسافر إلى ثلث الليل قال : قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام : « وقت المغرب في السفر إلى ثلث الليل » (1)فلا وجه لتحديده بالربع الذي هو أقل منه.

وثانيها : أن الآية الشريفة صريحة في امتداد وقت العشاءين إلى منتصف الليل بعد تفسير الغسق بذلك كما تقدم ، وقد عرفت ظهورها في المختار.

ثالثها : أن طائفة من الأخبار قد نطقت بجواز تأخير المغرب عن الشفق من غير افتراض الاضطرار ولا السفر ، بل في بعضها إلى ربع الليل.

منها : صحيحة أُخرى لعمر بن يزيد قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : أكون مع هؤلاء وأنصرف من عندهم عند المغرب فأمرّ بالمساجد فأُقيمت الصلاة فإن أنا نزلت أُصلي معهم لم استمكن ( أتمكن ) من الأذان والإقامة وافتتاح الصلاة ، فقال : ائت منزلك وانزع ثيابك وإن أردت أن تتوضأ فتوضأ وصلّ فإنك في وقت إلى ربع الليل » (2)، ولا يقدح اشتمال السند على القاسم بن محمد الجوهري بعد وقوعه في أسناد كامل الزيارات (3).

ومنها : صحيحة ثالثة له قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : أكون في جانب المصر فتحضر المغرب وأنا أُريد المنزل ، فإن أخّرت الصلاة حتى أُصلي


1) الوسائل 4 : 193 / أبواب المواقيت ب 19 ح 1.

2) الوسائل 4 : 196 / أبواب المواقيت ب 19 ح 11.

3) ولكنه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة.

في المنزل كان أمكن لي وأدركني المساء أفأُصلي في بعض المساجد؟ فقال : صلّ في منزلك » (1).

ومنها : موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سألته عن صلاة المغرب إذا حضرت هل يجوز أن تؤخر ساعة؟ قال : لا بأس إن كان صائماً أفطر ثم صلى وإن كانت له حاجة قضاها ثم صلى » (2).

فان هذه الأخبار تدلنا بوضوح على جواز التأخير عن سقوط الشفق لأدنى مرجح وإن لم يكن بالغاً حدّ الاضطرار ، بل يظهر من ذيل الأخيرة أن العبرة بقضاء الحاجة العرفية وإن زاد على الساعة بل الساعتين لوضوح اختلاف الحوائج ، فلو كان التأخير المزبور محرّماً لم تسوغه الحاجة العرفية المباحة كما هو ظاهر.

ومنها : صحيحة إسماعيل بن همام قال : « رأيت الرضا عليه‌السلام وكنا عنده لم يصل المغرب حتى ظهرت النجوم ، ثم قام فصلى بنا على باب دار ابن أبي محمود » (3).

ومنها : صحيحة داود الصرمي قال : « كنت عند أبي الحسن الثالث عليه‌السلام يوماً فجلس يحدّث حتى غابت الشمس ، ثم دعا بشمع وهو جالس يتحدّث فلما خرجت من البيت نظرت فقد غاب الشفق قبل أن يصلي المغرب ، ثم دعا بالماء فتوضأ وصلى » (4). والصرمي من رجال الكامل (5)وإن لم يرد فيه توثيق صريح.

وهذه الصحيحة كسابقتها ظاهرة في جواز التأخير حتى اختياراً ، فان


1) الوسائل 4 : 197 / أبواب المواقيت ب 19 ح 14.

2) الوسائل 4 : 196 / أبواب المواقيت ب 19 ح 12.

3) الوسائل 4 : 195 / أبواب المواقيت ب 19 ح 9.

4) الوسائل 4 : 196 / أبواب المواقيت ب 19 ح 10.

5) ولكنه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة.

فرض كونه عليه‌السلام وجميع من معه معذورين في التأخير بعيد غايته ، نعم التأخير عن أول الوقت الذي لا ريب في أفضليته لا بد وأن يكون لمرجح ، ولعله عليه‌السلام كان متشاغلاً ببيان الأحكام ، أو أنه عليه‌السلام أراد بذلك بيان جواز التأخير عن سقوط الشفق.

وكيف ما كان ، فمقتضى الجمع بين مختلف هذه النصوص هو الحمل على اختلاف مراتب الفضل كما سبق.

ومما ذكرنا يظهر ضعف ما عن صاحب الحدائق من أن للمغرب أوقاتاً ثلاثة : من غروب الشمس إلى مغيب الشفق ، ثم إلى ربع الليل أو ثلثه ، ثم إلى منتصف الليل ، وأن مقتضى الجمع بين الأخبار هو حمل الأول على حال الاختيار ، والثاني على الاضطرار ، والثالث على الأشدّ ضرورة من نوم أو حيض ونحوهما (1).

وجه الضعف : ما عرفت من لزوم الحمل على اختلاف مراتب الفضل ، لإباء ما دل على جواز التأخير إلى منتصف الليل عن حمله على صورة الاضطرار جدّاً كما تقدم.

وأما القول بامتداد الوقت إلى طلوع الفجر فسيأتي البحث عنه عند تعرض الماتن له.

وملخص الكلام في المقام : أن صلاة المغرب يجوز تأخيرها عن سقوط الشفق بل عن ربع الليل إلى منتصفه في حال الاختيار ومن دون علّة أو اضطرار ، وعمدة الدليل عليه هو قوله تعالى ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) (2)، بعد تفسير الغسق في النص الصحيح بمنتصف الليل (3)وهو المطابق للّغة ، فإنه لغة هو شدة الظلام (4)، ومن البيّن أن منتهى شدّة الظلمة في


1) الحدائق 6 : 180.

2) الإسراء 17 : 78.

3) الوسائل 4 : 10 / أبواب أعداد الفرائض ب 2 ح 1.

4) مجمع البحرين 5 : 222.

والعشاء (1).


الليل هو نصفه ، لأنه غاية الابتعاد عن الشمس التي بها تستنير الأرض ، فإنه الوقت الذي تبلغ فيه الشمس في مسيرها تحت الأرض إلى النقطة المقابلة لنقطة الزوال لدى مسيرها فوق الأرض نهاراً والتي هي غاية ضيائها ، إذن فغسق الليل هو نصفه ، وهو منتهى الوقت ، فالآية المباركة بمجردها كافية لإثبات المدعى ووافية.

ويعضدها ما عرفت من النصوص المتقدمة التي منها صحيحة عبد اللّه بن سنان : « لكل صلاة وقتان وأوّل الوقتين أفضلهما .. » إلخ (1)فان التعبير بالأفضلية قرينة واضحة على أن الوقتين للفضيلة والإجزاء لا للاختيار والاضطرار (2). وقد عرفت عدم التنافي بينها وبين ما في جملة من الأخبار من أن لكل صلاة وقتين غير المغرب ، لأنها ناظرة إلى مبدإ الوقت لا منتهاه الذي هو محل الكلام.

وتؤيده مرسلة داود بن فرقد (3)ورواية عبيد بن زرارة (4).

وقد عرفت أيضاً أن مقتضى الجمع بينها وبين ما بإزائها من الروايات هو الحمل على اختلاف مراتب الفضل ، فالأفضل أن يؤتى بها قبل سقوط الشفق ، ودونه في الفضل إلى ربع الليل ، ودونه إلى ثلثه ، ويكون أداءً ووقتاً للإجزاء إلى منتصف الليل.

(1) يقع الكلام فيها تارة من ناحية المبدأ ، وأُخرى من حيث المنتهي فهنا جهتان :

أما الجهة الأُولى : فالمعروف والمشهور أن مبدأ الوقت هو الغروب شريطة


1) الوسائل 4 : 119 / أبواب المواقيت ب 3 ح 4.

2) لعلّ ذيل الصحيحة ينافي هذا الحمل فليلاحظ.

3) الوسائل 4 : 184 / أبواب المواقيت ب 17 ح 4.

4) الوسائل 4 : 157 / أبواب المواقيت ب 10 ح 4.

الترتب على صلاة المغرب بالمعنى المتقدم في الظهرين.

خلافاً لجمع من أصحابنا الأقدمين كالشيخين (1)وابن أبي عقيل (2)وسلار (3)والمرتضى (4)في أحد قوليه حيث ذهبوا إلى أن مبدأه هو سقوط الشفق.

والصحيح ما عليه المشهور ، ويستدل له بقوله تعالى ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) بضميمة رواية عبيد بن زرارة الواردة في تفسيره : « ... إن اللّه افترض أربع صلوات إلى أن قال ومنها صلاتان أول وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل ... » إلخ (5)ولكنها ضعيفة السند بالضحاك ، سواء أكان هو ابن يزيد كما لعله الأظهر أو ابن زيد ، لخلوه عن التوثيق على التقديرين (6).

والعمدة الروايات المعتبرة الواردة في المقام :

فمنها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر والعصر ، فاذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة » (7).

ومنها : موثقته عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : صلى رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله بالناس المغرب والعشاء الآخرة قبل الشفق من غير علة في جماعة ، وإنما فعل ذلك ليتسع الوقت على أُمته » (8).


1) المفيد في المقنعة : 93 ، الطوسي في النهاية : 59.

2) حكاه عنه في المختلف 2 : 47 / المسألة 7.

3) المراسم : 62.

4) المسائل الناصرية : 193. المسألة 74.

5) الوسائل 4 : 157 / أبواب المواقيت ب 10 ح 4.

6) وأما صحيحة زرارة الواردة في تفسيرها فلا دلالة لها على المطلوب كما لا يخفى.

7) الوسائل 4 : 125 / أبواب المواقيت ب 4 ح 1.

8) الوسائل 4 : 202 / أبواب المواقيت ب 22 ح 2.

ومنها : موثقته الأُخرى قال : « سألت أبا جعفر وأبا عبد اللّه عليهما‌السلام عن الرجل يصلي العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق ، فقال : لا بأس به » (1).

ومنها : موثقة عبيد اللّه وعمران ابني علي الحلبيين قالا : « كنّا نختصم في الطريق في الصلاة ، صلاة العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق ، وكان منّا من يضيق بذلك صدره ، فدخلنا على أبي عبد اللّه عليه‌السلام فسألناه عن صلاة العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق ، فقال : لا بأس بذلك ، قلنا : وأي شي‌ء الشفق؟ فقال : الحمرة » (2). المؤيّدة برواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إذا غربت الشمس دخل وقت الصلاتين إلا أنّ هذه قبل هذه » (3).

وهذه الروايات كما ترى صريحة الدلالة في جواز الإتيان بصلاة العشاء قبل سقوط الشفق ، بل في بعضها التصريح بأنّ مبدأها غروب الشمس. وبذلك ترفع اليد عمّا دلّ بظاهره على أنّ مبدأه هو غيبوبة الشفق كصحيحة عمران بن علي الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام متى تجب العتمة؟ قال : إذا غاب الشفق » (4)وغيرها ، وتحمل على الأفضلية.

وأما الجهة الثانية : فالمعروف والمشهور أن منتهى وقت العشاء هو منتصف الليل.

وعن الشيخ المفيد (5)وغيره أنه ثلث الليل ، وعن صاحب الحدائق التفصيل فجعل النصف منتهى الوقت للمضطر والمعذور ، والثلث للمختار (6).

والصحيح ما عليه المشهور ، وتدلنا عليه مضافاً إلى الآية الشريفة


1) الوسائل 4 : 203 / أبواب المواقيت ب 22 ح 5.

2) الوسائل 4 : 203 / أبواب المواقيت ب 22 ح 6.

3) الوسائل 4 : 186 / أبواب المواقيت ب 17 ح 11.

4) الوسائل 4 : 204 / أبواب المواقيت ب 23 ح 1.

5) المقنعة : 93.

6) الحدائق 6 : 194.

بضميمة النصوص المفسرة لها كصحيحة زرارة : « ... وفيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات سماهن اللّه وبيّنهنّ ووقتهنّ ، وغسق الليل هو انتصافه ... » إلخ (1)طائفة من الأخبار :

منها : صحيحة بكر بن محمد عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « أنه سأله سائل عن وقت المغرب ، فقال : إن اللّه يقول في كتابه لإبراهيم ( فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي ) وهذا أول الوقت وآخر ذلك غيبوبة الشفق ، وأول وقت العشاء الآخرة ذهاب الحمرة ، وآخر وقتها إلى غسق الليل ، يعني نصف الليل » (2).

ومنها : موثقة أبي بصير عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : لولا أني أخاف أن أشق على أُمتي لأخّرت العتمة إلى ثلث الليل وأنت في رخصة إلى نصف الليل وهو غسق الليل ، فاذا مضى الغسق نادى ملكان من رقد عن صلاة المكتوبة بعد نصف الليل فلا رقدت عيناه » (3).

ومنها : موثقة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : العتمة إلى ثلث الليل أو إلى نصف الليل وذلك التضييع » (4).

ومنها : رواية عبيد بن زرارة الواردة في تفسير الآية المباركة (5)وقد تقدم ضعفها بالضحاك بن زيد أو يزيد.

ومنها : روايته الأُخرى عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلى نصف الليل إلا أنّ هذه قبل هذه ... » إلخ (6)وهي أيضاً ضعيفة السند بالقاسم مولى أبي أيوب الذي هو القاسم بن عروة ، والعمدة ما عرفت ، ونحوها غيرها.


1) الوسائل 4 : 10 / أبواب أعداد الفرائض ب 2 ح 1.

2) الوسائل 4 : 174 / أبواب المواقيت ب 16 ح 6.

3) الوسائل 4 : 185 / أبواب المواقيت ب 17 ح 7 ، 9.

4) الوسائل 4 : 185 / أبواب المواقيت ب 17 ح 7 ، 9.

5) الوسائل 4 : 157 / أبواب المواقيت ب 10 ح 4.

6) الوسائل 4 : 181 / أبواب المواقيت ب 16 ح 24.

وهذه الروايات كما ترى صريحة في امتداد الوقت إلى منتصف الليل من غير تقييد بحالة دون أُخرى. فإن أراد من حدّده بثلث الليل كالشيخ المفيد وغيره انتهاء الوقت بذلك بحيث تقع الفريضة بعد ذلك في غير وقتها ، فهذه الأخبار وقبلها الآية المباركة حجة عليهم.

وإن أراد انتهاء الوقت للمختار وإن امتد للمعذور إلى النصف كما استظهره في الحدائق حاكيا له عن الشيخ في عدّة من كتبه زاعماً أن ذلك هو مقتضى الجمع بين النصوص ، فيدفعه : أن ذلك خلاف ظواهرها ولا سيما الآية المباركة جدّاً ، لما عرفت فيما سبق من أنها خطاب للنبي صلی اللّه عليه وآله في مقام التشريع لعامة المكلفين وطبيعي المصلين لبيان ما هو وظيفتهم في حدّ أنفسهم ، لا بلحاظ الحالات العارضة والعناوين الطارئة ، فظاهرها أنه حكم لصورة الاختيار دون الاضطرار ، فالتفصيل بينهما بعيد عن مساقها وخلاف ظاهر الآية وإطلاقها ، وهكذا إطلاق سائر الأخبار المتقدمة. إذن فالتفصيل المزبور في غاية السقوط.

أجل ، هناك جملة من الأخبار تضمنت التحديد بالثلث ، بل في الفقه الرضوي تحديده بالربع لغير العليل والمسافر قال : « ووقت العشاء الآخرة الفراغ من المغرب ثم إلى ربع الليل ، وقد رخّص للعليل والمسافر فيهما إلى انتصاف الليل وللمضطر إلى قبل طلوع الفجر » (1).

لكن [ الفقه ] الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلاً عن اعتبارها كما تقدم مراراً.

وأما نصوص الثلث فهي غير نقية السند ما عدا روايتين منها :

إحداهما : صحيحة معاوية بن عمار في رواية « إن وقت العشاء الآخرة إلى ثلث الليل » (2).


1) فقه الرضا : 103.

2) الوسائل 4 : 200 / أبواب المواقيت ب 21 ح 4.

ثانيتهما : موثقة معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : أتى جبرئيل رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله بمواقيت الصلاة إلى أن قال عليه‌السلام ثم أتاه حين سقط الشفق فأمره فصلى العشاء إلى أن قال ثم أتاه حين ذهب ثلث الليل فأمره فصلى العشاء إلى أن قال ثم قال : ما بينهما وقت » (1).

ومقتضى الجمع بينهما وبين ما سبق حملهما على أن الأفضل أن يؤتى بالعشاء إلى ما قبل الثلث ، لا أن الوقت ينتهي بذلك ، كيف وفي الموثقة دلالة واضحة على أنه صلی اللّه عليه وآله صلاها بعد الثلث لا قبله لقوله فيها : « ثم أتاه حين ذهب ثلث الليل فأمره فصلى .. » إلخ ، فإنه صريح في وقوع الصلاة بعد ذهاب الثلث.

ومما يشهد لهذا الجمع : موثقة الحلبي المتقدمة (2)حيث عبّر فيها عن تأخير العشاء إلى نصف الليل بالتضييع الكاشف عن أنه أمر مرجوح وأنّ خلافه هو الأفضل كما لا يخفى.

بقي هنا شي‌ء : وهو أنه قد ورد في غير واحد من الأخبار أنه : لولا أن أشق على أُمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل.

منها : موثقة أبي بصير عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله لولا أني أخاف أن أشق على أُمتي لأخّرت العشاء إلى ثلث الليل » (3).

ومنها : موثقته الأُخرى عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : لولا نوم الصبي وغلبة الضعيف لأخّرت العتمة إلى ثلث الليل » (4).


1) الوسائل 4 : 157 / أبواب المواقيت ب 10 ح 5.

2) في ص 123.

3) الوسائل 4 : 200 / أبواب المواقيت ب 21 ح 2.

4) الوسائل 4 : 201 / أبواب المواقيت ب 21 ح 6 وفي نسخة « وعلّة الضعيف ».

ومنها : موثقة ذريح عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث : « أن رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله قال : لولا أني أكره أن أشق على أُمتي لأخّرتها ، يعني العتمة إلى ثلث الليل » (1)ومنها غيرها.

فربما يتراءى منها أفضلية التأخير إلى ثلث الليل ، لظهورها في اشتماله على مصلحة بالغة الأهمية بمثابة يستوجب الأمر لولا مخافة المشقة فكيف ينسجم هذا مع الجمع الذي قدّمناه من أفضلية التقديم ولا سيما عند سقوط الشفق وانتهاء وقت الفضيلة ببلوغ الثلث.

والجواب : أن أقصى ما يستفاد من هذه الأخبار هو وجود المقتضي لتشريع التأخير إلى الثلث رعاية لانتظام توزيع الفرائض على الأوقات الخمسة وتفريقها على مجموع الليل والنهار لتقع كل فريضة في وقت منفصل عن الأُخرى بنسبة معينة ، لكن المشقة على الأُمة كانت مانعةً عن هذا الجعل ، فانّ من الواضح الجليّ أن محقق المشقّة لم يكن هو التأخير العملي ، كيف ولا تترتب أيّ مشقة على الأُمة بتأخيره صلی اللّه عليه وآله صلاة نفسه ، وإنما المشقة كامنة في التشريع والأمر بالتأخير ، فغايته وجود المصلحة في هذا الأمر ، لكنه لمكان الاقتران بالمانع لم يصل إلى مرحلة الفعلية.

وبالجملة : ليس المراد من قوله صلی اللّه عليه وآله : « لأخرت العتمة » هو التأخير عملاً ، لما عرفت من أن تأخيره صلی اللّه عليه وآله بمجرده لا يستوجب المشقة على الأُمة ، بل المراد التأخير بحسب الجعل والتشريع الذي لم يبلغ مرتبة الفعلية رعاية لما عرفت من المانع. ولأجله جعل الأفضل الإتيان بها بعد ذهاب الحمرة المشرقية إلى الثلث. إذن فلا تنافي بين هذه الروايات وبين النصوص المتقدمة التي حملناها على أفضلية التقديم ، لأنها بصدد بيان وجود المقتضي للتأخير فحسب ، حسبما عرفت فلاحظ.


1) الوسائل 4 : 185 / أبواب المواقيت ب 17 ح 10.

ويختص المغرب بأوّله بمقدار أدائه والعشاء بآخره كذلك (1).


(1) الكلام في هذه المسألة هو الكلام بعينه في الظهرين فان المسألتين من وادٍ واحد ، وقد ظهر مما مرّ أنّ ما يمكن أن يستدل به لخصوص المقام ليس إلا رواية واحدة وهي مرسلة داود بن فرقد (1)لكنها من جهة الإرسال غير صالحة للاستدلال ، وتصحيحها باعتبار وقوع الحسن بن علي بن فضال في الطريق ، وقد أُمرنا بالأخذ بما رووا بنوا فضال وترك ما رأوا كما عن الشيخ قد عرفت ما فيه (2).

فالصحيح في المقام أن يقال على ضوء ما قدمناه في الظهرين : إن المستفاد من قوله عليه‌السلام : « إلا أنّ هذه قبل هذه » الوارد في رواية المسألتين الدال على اعتبار الترتيب بين الصلاتين ، أنّ مقدار سبع ركعات من أول الوقت ظرف لهما ، بمعنى أنّ الثلاث ركعات الأُول يختص بالمغرب والباقي للعشاء ويستمر ذلك بهذا المنوال إلى نهاية الوقت ، وبطبيعة الحال تختص السبع ركعات من آخر الوقت بهما ، بمعنى أنّ الأربع ركعات الباقية تختص بالعشاء والثلاثة التي قبلها بالمغرب رعاية للترتيب. ونتيجة ذلك أنّ كل جزء من أوّل الوقت إلى منتهاه صالح بحسب ذاته لإيقاع كل من الصلاتين فيه ، وإنما يمنع عن إيقاع العشاء في الأول والمغرب في الآخر لأجل الابتلاء بالمزاحم وهي الشريكة ، قضية لرعاية الترتيب ، وإلا فلولا هذا المانع بأن لم تكن الذمة مشغولة بالشريكة ، كما لو دخل في المغرب بزعم دخول الوقت فدخل قبل الفراغ من الصلاة بناء على كفاية ذلك في صحتها أو أتى بالعشاء بزعم الإتيان بالمغرب فتذكّر ولم يبق من الوقت إلا مقدار ثلاث ركعات ، جاز الإتيان بالعشاء أول الوقت وبالمغرب آخره ، لصلاحية الوقت لكل منهما في حدّ ذاته كما عرفت ،


1) الوسائل 4 : 184 / أبواب المواقيت ب 17 ح 4.

2) في ص 107.

هذا للمختار ، وأمّا المضطر لنوم أو نسيان أو حيض أو نحو ذلك من أحوال الاضطرار فيمتد وقتهما إلى طلوع الفجر ، ويختص العشاء من آخره بمقدار أدائها دون المغرب من أوّله ، أي ما بعد نصف الليل ، والأقوى أن العامد في التأخير إلى نصف الليل أيضاً كذلك ، أي يمتدّ وقته (1)إلى الفجر وإن كان آثماً بالتأخير ، لكن الأحوط أن لا ينوي الأداء والقضاء ، بل الأولى ذلك في المضطر أيضاً (1).


وإنما المانع عن إيقاع الشريكة رعاية الترتيب المختص بحال الذكر ، فان كان مراد القائل بالاختصاص المنع عن إيقاع الشريكة في وقت صاحبتها عمداً وفي حال الذكر فهو وجيه ، وإلا بأن أنكر صلاحية الوقت في حدّ ذاته للأُخرى فلا دليل عليه.

(1) ذكر قدس‌سره أن منتصف الليل وقت للمختار ، وأما بالنسبة إلى المضطر فيمتد الوقت إلى طلوع الفجر ، بل ذكر قدس‌سره أن الحال كذلك حتى بالنسبة إلى المختار وإن كان آثماً في التأخير عن نصف الليل.

أقول : لا ينبغي الإشكال في تحقق العصيان في صورة العمد ، لصريح قوله تعالى ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) والغسق هو غاية الظلام المنطبق على منتصف الليل كما ورد في التفسير ، فلو جاز التأخير عن هذا الحدّ لم يكن وجه للتحديد به. مضافاً إلى الذم الوارد على ذلك في بعض الأخبار كقوله عليه‌السلام في رواية (2)أبي بصير : « فاذا مضى الغسق نادى ملكان من رقد عن صلاة المكتوبة بعد نصف الليل فلا رقدت عيناه » (3).


1) (*) فيه منر. والأحوط أن لا ينوي الأداء أو القضاء.

2) [ الصحيح : موثقة أبي بصير كما عبّر بها في ص 123 ].

3) الوسائل 4 : 200 / أبواب المواقيت ب 21 ح 2.

وأما نفس الوقت فهل يمتد إلى طلوع الفجر كي يجب الإتيان بهما قبله بعنوان الأداء ولازمه أيضاً اختصاص العشاء من آخره بمقدار أدائها ، أو أنّ الوقت ينتهي عند منتصف الليل والصلاة بعده قضاء فلا تجب المبادرة إليها بناء على ما هو الصحيح تبعاً للمشهور من التوسعة في القضاء وعدم فوريته؟

يقع الكلام تارة في المضطر ، وأُخرى في المختار :

أما في المضطر فالأقوى وفاقاً لجمع من الأعلام امتداد الوقت إلى طلوع الفجر ، ويدلُّ عليه صريحاً صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إن نام رجل ولم يصل صلاة المغرب والعشاء أو نسي ، فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما ، وإن خشي أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة » (1)، وهذه الرواية وإن عبّر عنها بالموثقة في بعض الكلمات لكن الظاهر أنها صحيحة ، فإن الشيخ يرويها عن الحسين بن سعيد عن حماد ابن عيسى ، عن شعيب عن أبي بصير (2)، والمراد بشعيب هذا هو شعيب العقرقوفي من أصحاب الصادق والكاظم عليهما‌السلام وهو ثقة عين كما في الخلاصة والنجاشي (3). وكيف كان فهي قوية السند ودلالتها على المطلوب ظاهرة فلا مانع من العمل بها ، فيتقيد بها إطلاق الآية والروايات الدالة على انتهاء الوقت بانتصاف الليل وتحمل تلك على الوقت الاختياري وهذه على الاضطراري.

وهناك روايات اخرى تدل على المطلوب غير أنّ في أسانيدها ضعفاً فلا تصلح إلا للتأييد دون الاستدلال كرواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر والعصر ، وإن طهرت من آخر الليل فلتصل المغرب والعشاء » (4).


1) الوسائل 4 : 288 / أبواب المواقيت ب 62 ح 3.

2) التهذيب 2 : 270 / 1077.

3) خلاصة الأقوال : 167 / 488 ، رجال النجاشي : 195 / 520.

4) الوسائل 2 : 364 / أبواب الحيض ب 49 ح 10.

ورواية داود الزجاجي عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : إذا كانت المرأة حائضاً فطهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر ، وإن طهرت من آخر الليل صلت المغرب والعشاء الآخرة » (1).

ورواية عمر بن حنظلة عن الشيخ عليه‌السلام « قال : إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء ، وإن طهرت قبل أن تغيب الشمس صلت الظهر والعصر » (2).

ووجه ضعفها : أنّ هذه بأجمعها مروية عن الشيخ بإسناده عن علي بن الحسن بن فضال (3)، وقد ذكرنا غير مرّة أن طريقه إليه ضعيف (4)مضافاً إلى ضعف الثانية بخصوصها من جهة الزجاجي فإنه مجهول ولم يترجم في كتب الرجال ، فما في بعض الكلمات من التعبير عن رواية عبد اللّه بن سنان بالصحيحة في غير محله ، وكأنّ المصحح اقتصر في ملاحظة السند على عبد اللّه والراوي الذي قبله أعني عبد الرحمن بن أبي نجران اللذين هما موثقان بلا كلام ، ولم يلاحظ ما قبلهما أعني علي بن الحسن بن فضال ، وضعف طريق الشيخ إليه. وكيف كان فلا تنهض هذه الروايات إلا للتأييد والعمدة هي صحيحة أبي بصير.

وهل يختص الحكم بمورد الصحيحة وهو النائم والناسي ، أو يعم مطلق المضطر؟ الظاهر أنه لا ينبغي الإشكال في التعميم ، فان العرف لا يستفيد من تخصيص النائم والناسي بالذكر إلا أنهما ذكرا من باب المثال ، لكونهما من أظهر أفراد المعذور ، فان الغالب أن العذر إما أن يكون عدم اليقظة أو النسيان وإلا فموضوع الحكم بحسب الفهم العرفي هو مطلق الاضطرار فيعمّ مثل النفساء والحائض ومن أخّر الصلاة من أجل خوف أو دهشة ونحو ذلك كما لعلّه ظاهر.

وأما في المختار : فقد ذكر الماتن قدس‌سره إلحاقه بالمضطر لكنه لا دليل


1) الوسائل 2 : 364 / أبواب الحيض ب 49 ح 11 ، 12.

2) الوسائل 2 : 364 / أبواب الحيض ب 49 ح 11 ، 12.

3) التهذيب 1 / 390 ، 391.

4) وإن أمكن تصحيحه بملاحظة طريق النجاشي كما تعرض له الأُستاذ في غير موضع.

عليه ، فانّ ما يمكن أن يستدل به لذلك أحد أمرين :

الأول : صحيحة أبي بصير المتقدمة بدعوى إلغاء خصوصية المعذور الذي هو مورد النص وأنه غير دخيل في الحكم ، وأن المستفاد منها امتداد الوقت بحسب طبعه إلى طلوع الفجر ، ولا فرق بين العامد والمعذور إلا في العصيان وعدمه.

وهذه الدعوى كما ترى بعيدة عن ظاهر الصحيحة جدّاً ، بل المتبادر من سياقها تقوّم الموضوع بالعذر فلا وجه للتعدي إلى غير المعذور بعد كون مقتضى الآية المباركة وكذا الروايات الكثيرة التي لا يبعد بلوغها حدّ التواتر انتهاء الوقت بانتصاف الليل للمختار الذي هو المنصرف منها سيما في مثل الآية المباركة التي هي خطاب للنبي صلی اللّه عليه وآله.

الثاني : رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : لا تفوت الصلاة من أراد الصلاة ، لا تفوت صلاة النهار حتى تغيب الشمس ، ولا صلاة الليل حتى يطلع الفجر ، ولا صلاة الفجر حتى تطلع الشمس » (1).

ولا يبعد أن يكون هذا هو مستند السيد الماتن في الحكم بالإلحاق ، لظهورها في امتداد وقت صلاة الليل وعدم فوتها إلا عند طلوع الفجر ، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الاختيار والاضطرار.

ولا تعارضها صحيحة أبي بصير المتقدمة ، لعدم التنافي بينهما بعد كونهما مثبتين فلا يتقيد إطلاق الرواية بها ، نعم لو كان التقييد بالنوم والنسيان في الصحيحة دالاّ على المفهوم حصل التنافي ولزم حينئذ تقييد الإطلاق بها ، لكن الصحيحة لا مفهوم لها كما هو ظاهر.

هذا ولكن الرواية ضعيفة بعلي بن يعقوب الهاشمي الواقع في السند فإنه لم يوثق ، فلا يمكن الاعتماد عليها.


1) الوسائل 4 : 159 / أبواب المواقيت ب 10 ح 9.

وما بين طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس وقت الصبح (1).


ويؤيده : أن الصدوق روى هذه الرواية بعين ألفاظها تقريباً مرسلة مع زيادة قوله : « وذلك للمضطر والعليل والناسي » (1).

فيظهر أنّ الحكم المزبور مختص بالمعذور ولا يعم المختار ، إلا أنّ الرواية مرسلة ولذا ذكرناها بعنوان التأييد.

فيظهر أنّ الأقوى اختصاص الحكم بالمضطر ، وعدم إلحاق المختار به لعدم الدليل عليه.

(1) لا إشكال كما لا خلاف نصاً وفتوى في أن مبدأ صلاة الغداة إنما هو طلوع الفجر ، ويدلُّ عليه قبل الإجماع والنصوص المستفيضة قوله تعالى ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) (2)المفسّر بصلاة الصبح ، وهل المراد به طلوع الفجر المستطيل في السماء المسمى بالفجر الكاذب ، أو المعترض في الأُفق المعبّر عنه بالفجر الصادق؟ فيه كلام سيأتي إن شاء اللّه تعالى عند تعرض الماتن له.

إنما الكلام في التحديد من ناحية المنتهي ، فالمشهور بين المتقدمين والمتأخرين أنّ آخره طلوع الشمس.

وخالف في ذلك ابن أبي عقيل (3)وابن حمزة (4)والشيخ في بعض كتبه (5)، فذهبوا إلى التفصيل بين المختار والمضطر ، وأنّ آخر الوقت للأوّل هو طلوع الحمرة المشرقية وللثاني طلوع الشمس ، والقائل بالتفصيل المزبور في المقام أقل مما تقدم في الظهرين والعشاءين ، فانّ جمعاً كثيراً من الأعلام ذهبوا إلى التفصيل هناك بين الوقت الاختياري والاضطراري دون المقام.


1) الوسائل 4 : 125 / أبواب المواقيت ب 4 ح 3 ، الفقيه 1 : 232 / 1030.

2) الإسراء 17 : 78.

3) المختلف 2 : 52 / مسألة 9.

4) الوسيلة : 83.

5) الخلاف 1 : 267 ، النهاية : 60.

وكيف كان ، فيستدل للمشهور برواية زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : وقت صلاة الغداة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس » ، ورواية عبيد ابن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : لا تفوت صلاة الفجر حتى تطلع الشمس » (1)لكنهما ضعيفتا السند ، الاولى بموسى بن بكر (2)والثانية بعلي بن يعقوب الهاشمي فلا يعتمد عليهما.

واستدل الآخرون بعدة روايات :

منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : وقت الفجر حين ينشق الفجر إلى أن يتجلل الصبح السماء ولا ينبغي تأخير ذلك عمداً ، ولكنه وقت لمن شغل أو نسي أو نام » (3)فانّ كلمة « لا ينبغي » ظاهرة في المنع كما مرّ غير مرة. وعليه فالصحيحة كالصريحة في التفصيل بين المختار والمضطر ، لكن يجب حملها على وقت الفضيلة والإجزاء بقرينة ما سيأتي من الأخبار.

ومنها : رواية يزيد بن خليفة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : وقت الفجر حين يبدو حتى يضي‌ء » (4)وهي ضعيفة لعدم توثيق يزيد بن خليفة.

ومنها : صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : لكل صلاة وقتان وأوّل الوقتين أفضلهما ، ووقت صلاة الفجر حين ينشقّ الفجر إلى أن يتجلل الصبح السماء ، ولا ينبغي تأخير ذلك عمداً ولكنه وقت من شغل أو نسي أو سها أو نام ، ووقت المغرب حين تجب الشمس إلى أن تشتبك النجوم ، وليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين وقتاً إلا من عذر أو من علة » (5)، وقد تقدمت هذه الصحيحة سابقاً (6)وقلنا إن كلمة « لا ينبغي » وكذا « ليس لأحد »


1) الوسائل 4 : 208 / أبواب المواقيت ب 26 ح 6 ، 8.

2) ولكنه قدس‌سره بنى في المعجم 20 : 33 / 12767 على وثاقته.

3) الوسائل 4 : 207 / أبواب المواقيت ب 26 ح 1 ، 3.

4) الوسائل 4 : 207 / أبواب المواقيت ب 26 ح 1 ، 3.

5) الوسائل 4 : 208 / أبواب المواقيت ب 26 ح 5.

6) في ص 94.

وإن كانت ظاهرةً في حد نفسها في الحرمة ، لكن يرفع اليد عنها وتحمل على الكراهة بقرينة قوله عليه‌السلام في الصدر : « أول الوقتين أفضلهما » لظهوره في اشتراك الوقتين في أصل الفضيلة ، غير أنّ الأول راجح ، والثاني مرجوح. فتدل الصحيحة على أن الوقتين وقتا الفضيلة والإجزاء دون الاختيار والاضطرار ، فهي من أدلة المشهور وليست دليلا عليهم ، وهذه الصحيحة هي العمدة في مذهب المشهور ، وإلا فقد عرفت ضعف الروايتين المستدل بهما لهم.

ومنها : موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « في الرجل إذا غلبته عينه أو عاقه أمر أن يصلي المكتوبة من الفجر ما بين أن يطلع الفجر إلى أن تطلع الشمس وذلك في المكتوبة خاصة ... » إلخ (1)فان قوله عليه‌السلام إذا عاقه أمر يدل على أن الامتداد لطلوع الشمس خاص بالمضطر.

وفيه : أن الموثقة على خلاف المطلوب أدل ، لإطلاق الأمر في قوله : « إذا عاقه أمر » الشامل لكل ما يراه الإنسان عائقاً وإن كان أمراً دنيوياً لا ضرورة فيه ، فيجوز التأخير العمدي لمجرد ما يراه الإنسان مزاحماً لصلاته وإن لم يكن مضطراً إليه ، ولو كانت ناظرة إلى الوقت الاضطراري لما جاز ذلك ، فهي أيضاً من أدلة المشهور.

ومنها : صحيحة أبي بصير قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام فقلت : متى يحرم الطعام والشراب على الصائم ، وتحل الصلاة صلاة الفجر؟ فقال : إذا اعترض الفجر فكان كالقبطية البيضاء فثم يحرم الطعام على الصائم وتحل الصلاة صلاة الفجر ، قلت : أفلسنا في وقت إلى أن يطلع شعاع الشمس؟ قال : هيهات أين يذهب بك تلك صلاة الصبيان » (2)ونحوها صحيحته الأُخرى (3).

ولا يخفى أن هذه الصحيحة صالحة للاستدلال بها لكل من القولين فيستدل


1) الوسائل 4 : 208 / أبواب المواقيت ب 26 ح 7.

2) الوسائل 4 : 209 / أبواب المواقيت ب 27 ح 1.

3) الوسائل 4 : 213 / أبواب المواقيت ب 28 ح 2.

بها تارة للمشهور بأن الوقت في نفسه ممتد إلى طلوع الشمس ، لكن التأخير إلى ذلك الوقت مرجوح فإنه من شأن الصبيان ولا يليق بالمؤمن المهتم بأمر الصلاة أن يسامح فيها ، فيأتيها في الوقت الذي يصلي فيه الصبيان ، وأُخرى للقول الآخر بأن يقال : إن المستفاد منها أن الامتداد إلى الطلوع وقت للصبيان خاصة ، وأما البالغون فوقتهم دون ذلك ، ولعل الأقرب هو الأول. وكيف كان فقد عرفت أن الأقوى ما عليه المشهور.

بقي شي‌ء : وهو أن الفقهاء ذكروا أن الوقت الاختياري أو وقت الفضيلة على الخلاف ينتهي بطلوع الحمرة المشرقية ، مع أن هذا التعبير لم يوجد في شي‌ء من الأخبار ، بل الموجود فيها : « تجلل الصبح السماء » أو ما يقرب من ذلك الذي هو دون طلوع الحمرة بمقدار غير يسير. ولعل في نفس هذا التعبير شهادة على إرادة الفضيلة من الوقت الأول وإلا فلو أُريد به الوقت الاختياري الذي لا يجوز التأخير عنه عمداً كان اللازم انضباط الحد وكونه معيناً مشخصاً يعرفه كل أحد كنصف الليل وطلوع الشمس أو غروبها ونحو ذلك ، مع أن تجلل الصبح وبدوّ الضياء ونحو ذلك مما وقع في لسان الأخبار أمر قابل للتشكيك وليس بمبيّن معيّن بحيث لا يقبل الترديد كما في سائر الحدود لاختلاف مراتب الصدق ، فليس هناك وقت مشخص يحكم عليه بحصول التجلل في هذا الوقت دون ما قبله.

نعم ، ورد التعبير بالحمرة في كلام الراوي في صحيحة علي بن يقطين قال : « سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن الرجل لا يصلي الغداة حتى يسفر وتظهر الحمرة ، ولم يركع ركعتي الفجر أيركعهما أو يؤخّرهما؟ قال : يؤخّرهما » (1).

وهذه أيضاً فيها إشعار بأنّ الوقت الأول للفضيلة دون الاختيار ، فان مقتضى إطلاق السؤال اعتقاد الراوي جواز الإتيان بركعتي الفجر أي النافلة حتى فيما إذا لم يبق إلى طلوع الحمرة إلا مقدار ركعتين بحيث لو صلاهنّ لزم


1) الوسائل 4 : 266 / أبواب المواقيت ب 51 ح 1.

ووقت الجمعة من الزوال إلى أن يصير الظل مثل الشاخص فإن أخّرها عن ذلك مضى وقته ، ووجب عليه الإتيان بالظهر (1).


إيقاع صلاة الغداة بعد الطلوع ، فكأنّ المغروس في ذهنه امتداد الوقت إلى طلوع الشمس وقد أقرّه الإمام عليه‌السلام على هذا الاعتقاد ، غير أنّه سأل عن أن الأفضل البدأة بالنافلة في مثل هذا الوقت أم بالفريضة ، فأجاب عليه‌السلام بالثاني ، وإلا فلو كان الوقت للاختيار دون الفضيلة لم يكن موقع لهذا السؤال كما لا يخفى فتدبّر.

وكيف كان ، فقد عرفت أنّ الأولى التحديد بتجلل الصبح كما وقع في الأخبار دون طلوع الحمرة ، لعدم وروده في شي‌ء من النصوص ، وقد عرفت الفرق بين الحدين.

(1) اختلفت الأنظار في تعيين وقت صلاة الجمعة على أقوال :

فالمنسوب إلى أبي الصلاح (1)وابن زهرة (2)تضييق الوقت وعدم زيادته على نفس العمل ، فوقت الصلاة من حين الزوال إلى أن يمضي مقدار أدائها مع الخطبتين والأذان ، ولا يتسع الوقت أكثر من ذلك ، فاذا مضى هذا المقدار ولم يؤدها سقطت الجمعة وانتقل الفرض إلى الظهر ، بل ادعى في الغنية قيام الإجماع عليه.

وبإزاء هذا القول من أفرط فجعل وقتها وقت صلاة الظهر فيمتد إلى الغروب ، نسب ذلك إلى ابن إدريس (3)، واختاره الشهيد قدس‌سره في الدروس (4)والبيان (5).


1) الكافي في الفقه : 153.

2) غنية النزوع : 90.

3) السرائر 1 : 301.

4) الدروس 1 : 188.

5) البيان : 186.

وذهب المشهور إلى امتداد الوقت إلى أن يصير ظل كل شي‌ء مثله ، وعن المنتهي دعوى الإجماع عليه (1).

وحكي عن الجعفي أنّ وقتها ساعة من النهار ، أي يمتد من الزوال بمقدار ساعة (2).

وعن المجلسيين (3)وتبعهما صاحب الحدائق (4): تحديد الوقت من الزوال إلى أن يبلغ الظل الحادث مقدار الذراع وهو القدمان.

هذه هي الأقوال في المسألة ، وقد اعترف غير واحد بأن القول المشهور لا شاهد عليه في شي‌ء من النصوص ، لخلو الأخبار عن التحديد بذلك رأساً ، وإنما المستند في هذا القول مجرد الشهرة الفتوائية بين الأصحاب قديماً وحديثاً.

وكيف كان ، فقد استدل للقول الأول بجملة من النصوص وفيها الصحيح والموثق.

منها : صحيحة ربعي وفضيل عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : إن من الأشياء أشياء موسّعة وأشياء مضيّقة ، فالصلاة مما وسّع فيه ، تقدّم مرّة وتؤخّر اخرى ، والجمعة مما ضيّق فيها ، فانّ وقتها يوم الجمعة ساعة تزول ، ووقت العصر فيها وقت الظهر في غيرها » (5)وبمضمونها صحيحة زرارة (6).

ومنها : صحيحة ابن مسكان أو ابن سنان أي عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : وقت صلاة الجمعة عند الزوال ، ووقت العصر يوم الجمعة وقت صلاة الظهر في غير يوم الجمعة ... » (7).


1) المنتهي 1 : 318 ، السطر 20.

2) حكاه عنه في الحدائق 10 : 134.

3) روضة المتقين 2 : 74 ، بحار الأنوار 86 : 173.

4) الحدائق 10 : 138.

5) الوسائل 7 : 315 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 1.

6) الوسائل 7 : 316 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 3.

7) الوسائل 7 : 317 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 5.

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام أنه « قال : وقت الجمعة زوال الشمس ... » إلخ (1)ونحوها غيرها كما لا يخفى على من لاحظ أخبار الباب.

هذا ولكن الاستدلال بهذه الروايات لا يتم.

أما أوّلاً : فلأن التضييق المذكور فيها إن أُريد الحقيقي كما هو الظاهر منها فهو لا يمكن الالتزام به ، لامتناع إيقاع العمل عادة في زمان يقارن مبدؤه الزوال التحقيقي بحيث لا يتقدم ولا يتأخر عنه آناً ما ، فان هذا إنما يتيسر لمثل النبي صلی اللّه عليه وآله باخبار جبرئيل كما ورد في بعض الأخبار أنه صلی اللّه عليه وآله كان يخطب فيقول جبرئيل : يا محمد قد زالت الشمس فانزل فصل (2)، وأما بالنسبة إلى عامة الناس فلا شك أنه تكليف متعسر بل متعذر لعدم العلم غالباً بدخول الزوال إلا بعد مضيّ دقيقة أو دقيقتين من الأوحدي الممارس على الأوقات الذي هو أقل القليل من المكلفين. فتشريع وجوب غير قابل للامتثال بالإضافة إلى عامة الناس قبيح على الشارع الحكيم.

ولا يقاس المقام بالتضييق في مثل الصوم الذي يتحد فيه الوقت مع العمل من حيث المبدأ والمنتهى ، فان الواجب هناك هو الإمساك والكفّ عن المفطرات والمطلوب هو الترك ، فيمكن الإمساك قبل طلوع الفجر بدقائق أو أكثر من باب المقدمة العلمية. وأما في المقام فالمطلوب هو الفعل والواجب أمر وجودي والمفروض عدم جواز تقديمه على الوقت ولا تأخيره حتى آناً ما فيرد حينئذ ما عرفت من المحذور.

وإن أُريد به الضيق العرفي غير المنافي للتأخير بالمقدار المزبور ، فهو خلاف الظاهر (3)من هذه الروايات جدّاً ، فان المتبادر منها إنما هو التضييق الحقيقي كما


1) الوسائل 7 : 318 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 11.

2) الوسائل 7 : 316 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 4.

3) لعل امتناع إرادة التضييق الحقيقي كما اعترف قدس‌سره به قرينة واضحة على إرادة التضييق العرفي ومعه كيف يكون هذا المعنى خلاف الظاهر.

لا يخفى على من تأمّلها.

هذا مضافاً إلى أن المستفاد من بعض الأخبار جواز التأخير بمقدار ينافي التضييق مطلقاً.

ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : كان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله يصلي الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك .. » إلخ (1)فإن التأخير عن الزوال بمقدار شراك النعل المساوق لعرض الإصبع تقريباً لا يجامع الضيق.

وفي رواية محمد بن أبي عمر ( عمير ) قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الصلاة يوم الجمعة ، فقال : نزل بها جبرئيل مضيّفة ، إذا زالت الشمس فصلّها ، قال قلت : إذا زالت الشمس صليت ركعتين ثم صلّيتها؟ فقال أبو عبد اللّه عليه‌السلام : أما أنا فإذا زالت الشمس لم أبدأ بشي‌ء قبل المكتوبة (2)دلت على جواز التأخير بمقدار أداء الركعتين ، وإن كان الأفضل عدمه ، ولذا لم يبدأ هو عليه‌السلام بشي‌ء قبل المكتوبة.

وثانياً : أن مثل هذا التعبير أعني التوقيت بالزوال الواقع في تلك الأخبار قد ورد في غيرها بالإضافة إلى صلاة الظهر يوم الجمعة ، وفي بعضها بعنوان مطلق المكتوبة يوم الجمعة الأعم من صلاتي الجمعة والظهر ، ولا شك في عدم التضييق في صلاة الظهر مطلقاً ، فيكون ذلك قرينة على عدم إرادته بالنسبة إلى صلاة الجمعة أيضاً وأن المراد بالتضييق في مجموع هذه الأخبار معنى آخر كما ستعرف.

ففي موثقة سماعة قال : « قال وقت الظهر يوم الجمعة حين تزول الشمس » (3).

وفي رواية الكليني عن محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان عن حماد بن


1) الوسائل 7 : 316 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 4.

2) الوسائل 7 : 319 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 16.

3) الوسائل 7 : 317 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 8.

عيسى عن ربعي بن عبد اللّه ، وعن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن عثمان بن عيسى عن سماعة جميعاً عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : وقت الظهر يوم الجمعة حين تزول الشمس » (1).

وقد رواها الكليني بطريقين كما عرفت ينتهي أحدهما إلى ربعي والآخر إلى سماعة ، والأول صحيح ، والثاني موثق ، نعم في محمد بن إسماعيل كلام وأن المراد به هل هو الموثّق أو الذي لم يوثق؟ بل قد وقع البحث في كل رواية يرويها الكليني عن محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان وأن محمداً هذا من يراد به؟

فقيل إنه محمد بن إسماعيل بن بزيع. وفيه : ما لا يخفى لاختلاف الطبقة ، وقيل غير ذلك ، بل قد أفردوا في ذلك رسالة مستقلة بل رسائل ، لكنا في غنية عن ذلك كله ، فان هذا السند بعينه مذكور في طريق كتاب كامل الزيارات فلا حاجة بعدئذ إلى تحقيق حال الرجل وتشخيص المراد به ، فإنه أياً من كان فهو موثق بتوثيق ابن قولويه مؤلف الكتاب ، لما ذكرناه غير مرّة من أنه لا يروي إلا عن الثقة على ما التزم به في كتابه ، فروايته عن الرجل توثيق له منه ، وهو لا يقل عن توثيق النجاشي وغيره (2).

وكيف كان ، فقد دلت الروايتان على اختصاص وقت الظهر يوم الجمعة بالزوال كما دلت تلك الأخبار على اختصاص الجمعة بها.

وأما ما دل على التوقيت بعنوان مطلق المكتوبة فهي صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : « قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام : إذا زالت الشمس يوم الجمعة فابدأ بالمكتوبة » (3). فإن المكتوبة مطلقة تشمل الظهر والجمعة.

ونحوها رواية محمد بن أبي عمر ( عمير ) المتقدمة ، فإن السؤال فيها عن الصلاة يوم الجمعة لا عن صلاة الجمعة ، وبينهما فرق واضح ، فإن الأول يعمّ


1) الوسائل 7 : 318 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 14 ، الكافي 3 : 420 / 1.

2) ولكنه قدس‌سره قد عدل عن هذا المبنى أخيراً.

3) الوسائل 7 : 319 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 15.

الظهر ، وقد ذكر عليه‌السلام في ذيل الحديث : أنه لم يبدأ بشي‌ء قبل المكتوبة ، الشاملة لكل منهما.

وفي صحيحة حريز قال : « سمعته يقول أما أنا إذا زالت الشمس يوم الجمعة بدأت بالفريضة .. » إلخ (1)والفريضة شاملة لهما.

فالصحيح حينئذ أن يقال : إن التضييق والتوقيت في هذه الروايات بأجمعها ناظر إلى وقت الفضيلة دون الإجزاء ، والمراد تحديد الوقت من ناحية المبدأ ، وأن يوم الجمعة بما هو سواء أكانت الفريضة فيه هي الجمعة أم الظهر يمتاز عن بقية الأيام ، لا أن صلاة الجمعة تمتاز عن بقية الصلوات ، وذلك فان وقت الفضيلة في بقية الأيام يتسع رعاية للنوافل المتقدمة على الفريضة ، وللمكلف تأخير الفريضة عن أول الزوال بمقدار القدم أو القدمين والابتداء بالنوافل ، كما أن له تركها والبدأة بالفريضة لدى الزوال فلا تضييق في وقت الفضيلة ، بل يتسع مبدؤه كما عرفت رعاية لشأن النوافل.

وأما في يوم الجمعة فحيث إن النوافل ساقطة لتقدمها على الزوال - (2)فيتضيق وقت الفضيلة لا محالة ، ويكون مبدؤه هو الزوال لعدم الموجب للتأخير كي يتسع الوقت على حذو سائر الأيام ، وهذا كما ترى من خصوصيات يوم الجمعة بما هو ، لانتفاء المزاحم في هذا اليوم سواء أكان الفرض هو الظهر أم الجمعة (3).


1) الوسائل 7 : 320 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 20.

2) بل يستحب الإتيان بركعتين منها عند الزوال كما عليه النص والفتوى فلاحظ.

3) قد يختلج بالبال عدم حسم مادة الإشكال الوارد على الضيق الحقيقي الذي هو الظاهر من الأخبار كما تقدم بالالتزام بوقت الفضيلة ، لعدم الفرق بين الوجوب والاستحباب فيما هو المناط في الاشكال من قبح تشريع حكم لا يقبل الامتثال بالإضافة إلى عامة الناس ، وقد عرضت ذلك على سيدنا الأُستاذ قدس‌سره فأفاد بأن الحكم الاستحبابي حيث لا إلزام فيه فيكفي في تشريعه مجرد إمكان الامتثال ولو من بعض الأفراد في بعض الأحيان ، وأيّده قدس‌سره بأنه لا ريب في استحباب المبادرة لكل صلاة فريضة أم نافلة في أول وقتها الحقيقي ولو من باب استحباب المسارعة والاستباق إلى الخير بحيث لو اتفق وقوعها في أول الوقت تحقيقاً كان مجزئاً بل مصداقاً للفرد ، فلولا إمكان التضييق في وقت الفضيلة لم يتحقق الاستحباب في الفرض.

وبالجملة : فهذه الروايات لا دلالة فيها على التضييق في وقت صلاة الجمعة بحيث ينقضي الوقت بعد مضي مقدار أدائها كما زعمه أبو الصلاح وابن زهرة (1)بوجه ، بل الضيق فيها باعتبار السعة في غيرها لا بمعنى لزوم وقوعها في الأول التحقيقي من الزوال.

هذا وقد استدل للجعفي بمرسلة الصدوق قال : « وقال أبو جعفر عليه‌السلام أول وقت الجمعة ساعة تزول الشمس إلى أن تمضي ساعة فحافظ عليها ، فان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله قال : لا يسأل اللّه عبد فيها خيراً إلا أعطاه » (2).

وقد رواها الشيخ في مصباح المتهجد عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام بعين هذا المتن (3). ومن هنا قد يطمأن بل يقطع باتحاد الروايتين ، لاتفاقهما في ألفاظ الرواية زائداً على المعنى.

وكيف كان ، فلا يمكن الاستدلال بالرواية لهذا القول ، لا لضعف السند بدعوى الإرسال في الأُولى وجهالة طريق الشيخ إلى حريز في الثانية فتكون كالمرسل أيضاً كما قيل ،

إذ فيه : أن طريقه إليه مبيّن في الفهرست (4)، وقد ذكر له طرقاً ثلاثة كلها صحيحة ، ومن الواضح أن الطرق المذكورة في الفهرست إلى الرواة لا تختص بما يرويه عنهم في كتاب دون كتاب ، بل قد صرح بالإطلاق في المقام بقوله :


1) تقدّم ذكر المصدر في ص : 136.

2) الوسائل 7 : 318 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 13 ، الفقيه 1 : 267 / 1223.

3) الوسائل 7 : 320 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 19 ، مصباح المتهجد : 364.

4) الفهرست : 62 / 239.

أخبرنا بجميع كتبه ورواياته فلان عن فلان ، فلا يقاس بالطرق المذكورة في مشيخة التهذيب المختصة بالروايات المذكورة في كتاب التهذيب غير النافعة بالإضافة إلى الرواية المبحوث عنها في المقام ، لكونها مذكورة في كتاب المصباح دون التهذيب كما لا يخفى ، فالنقاش من حيث السند في غير محله (1).

بل الوجه في عدم صلاحية الاستدلال قصور الدلالة.

أما أوّلاً : فلأن الساعة المذكورة في الرواية لا يراد بها معناها المصطلح الحادث في العصر الحاضر ، أعني ستين دقيقة التي هي جزء من أربعة وعشرين جزءاً من الليل والنهار بالضرورة ، فإنّ هذا الإطلاق لم يكن معهوداً في الأزمنة السابقة قطعاً ، بل هي بمعناها اللغوي ، وهي في اللغة تطلق على معنيين :

الأول : نفس الوقت والزمان ، ومنه إطلاقها في صدر هذه الرواية أعني قوله عليه‌السلام « ساعة تزول الشمس » أي وقت زوالها.

الثاني : الجزء من الزمان ومقدار منه دون أن يحدّد بحدّ مضبوط يقال : صليت مع زيد ساعة ، أي برهة من الزمن ، سواء أكان مقدارها نصف ساعة بالمعنى المصطلح أم ساعتين. والساعة المذكورة في ذيل الرواية أعني قوله عليه‌السلام : « إلى أن تمضي ساعة » إنما هي بهذا المعنى كما لا يخفى.

وعليه فالتحديد المذكور في هذه الرواية قابل للانطباق على مذهب المشهور ، أعني بلوغ الظل مثل الشاخص ، إذ يصدق على هذا المقدار أيضاً أنه ساعة بعد الزوال ، فلا دلالة في الرواية على التحديد بأقل من ذلك كي يكون قولاً آخر مقابل قول المشهور.

وثانياً : لو سلّم أن المراد بالساعة في الرواية أقل من ذلك أو أنه المعنى


1) بل في محله ، إذ لم يعلم أن الشيخ أخذ هذه الرواية من كتاب حريز حتى يكون طريقه في الفهرست إلى الكتاب مجدياً ، وقد تقدم منه قدس‌سره نظير هذا الإشكال في صلاة الغفيلة فراجع [ ص 74 ] ولاحظ.

المصطلح ، فلا دلالة فيها على مضي الوقت من أصله بعد انقضاء هذا المقدار من الزمان كي ينتقل إلى الظهر كما يدعيه هذا القائل ، ضرورة أن التحديد فيها إنما هو لأول الوقت لا لأصله ، لقوله عليه‌السلام فيها « أول وقت الجمعة ... » حيث إن لكل صلاة وقتين كما نطقت به جملة من الأخبار وقد تقدم بعضها ، وهذا تحديد لأول الوقت ، أي للوقت الأول من حيث المبدأ والمنتهى ، وأنه يبتدئ من الزوال وينتهي بعد ساعة ، ثم يدخل الوقت الثاني ، وإن كان مفضولاً بالإضافة إلى الأول ، فلا دلالة فيها على انقضاء الوقت من أصله بعد انقضاء الساعة كما هو المدعى.

ويؤيده : قوله عليه‌السلام بعد ذلك : « فان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله ... » إلخ المشعر بأنّ هذه الخاصية من آثار وقت الفضيلة ولذا ينبغي الاهتمام بها والمحافظة عليها.

وبالجملة : فلا نظر في الرواية إلى التحديد بالإضافة إلى أصل الوقت.

وأما مقالة المجلسيين من التحديد بالقدمين فيستدل لها بأحد وجهين :

الأول : ما تضمنته جملة من روايات الباب (1)وقد تقدم بعضها وغيرها من أنّ وقت العصر في يوم الجمعة وقت الظهر في سائر الأيام بضميمة ما هو المعلوم من الخارج من أن وقت الظهر في سائر الأيام إنما هو ما بعد القدمين ، فإنه يدل بالالتزام على انتهاء وقت الجمعة عند القدمين كي يدخل حينئذ وقت العصر رعاية للترتيب المعتبر بينهما.

والجواب عن هذا ظاهر جدّاً ، فان المستفاد من تلك الأخبار بمقتضى الإطلاق أنّ وقت العصر يوم الجمعة هو ما ذكر ، سواء أكانت وظيفته هي الجمعة أم الظهر ، كما لو كان مسافراً وغيره ممن كان معذوراً عن إقامة الجمعة ، فيظهر من ذلك أنّ هذا من خصوصيات يوم الجمعة دون صلاتها ، وإلا لاختص الحكم بمن يؤدي فريضة الجمعة وهو منافٍ للإطلاق كما عرفت ، ولا


1) الوسائل 7 : 315 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 1 ، 3 ، 5.

ريب في امتداد وقت الظهر في هذا اليوم كغيره إلى الغروب.

فالسر في هذه الخصوصية الموجبة لامتياز هذا اليوم عن سائر الأيام ليس هو التضيق في وقت صلاة الجمعة أو الظهر بالضرورة ، بل هو تقدم النوافل على الزوال في هذا اليوم ، فيرتفع المزاحم الذي كان هو الموجب للتأخير في سائر الأيام بمقدار أربعة أقدام ، ونتيجة ذلك عدم المقتضي لتأخير صلاة العصر في يوم الجمعة إلا بمقدار أداء الظهر أو الجمعة غير المستوعب من الوقت إلا بمقدار القدمين.

وبالجملة : إنما يتأخر وقت فضيلة الظهرين عن الزوال بمقدار الذراع أو الذراعين رعاية للنوافل المتقدمة عليهما كما سبق وأما مع سقوط النوافل كما في السفر ، أو تقدمها على الزوال كما في يوم الجمعة فحيث لا مزاحم في البين فلا موجب للتأخير ، بل يكون مبدأ الظهر أو الجمعة هو الزوال ، ومبدأ العصر هو الفراغ عن الفريضة السابقة ، فلا محالة يصادف وقت العصر في يوم الجمعة وقت فضيلة الظهر في سائر الأيام وهو القدمان كما عرفت.

الثاني : أن مقتضى العمومات وجوب صلاة الظهر على كل مكلف في كل يوم من الزوال إلى الغروب ، وقد ثبت في يوم الجمعة قيام الخطبتين مقام الركعتين الأُوليين ، أي بدلية الجمعة عن الظهر ، فيكون ذلك بمنزلة المخصص لعموم العام ، والمتيقن من البدلية ما لو أتى بالجمعة قبل بلوغ الفي‌ء إلى القدمين ، وأما في الزائد على ذلك فحيث يشك في البدلية فيندرج المقام حينئذ في كبرى الدوران بين التمسك بعموم العام أو استصحاب حكم المخصص ، وحيث إن المختار في تلك المسألة هو الأول فيجب الإتيان بالظهر تمسكاً بعموم الدليل ، فلا تجزئ الجمعة بعد التجاوز عن القدمين.

وفيه : أن المقام أجنبي عن ذلك البحث ، فان الموضوع في تلك المسألة ما إذا لم يكن لدليل المخصص إطلاق يثبت به عموم التخصيص بحيث انتهى الأمر إلى الأصل العملي وهو الاستصحاب ، فيكون عموم العام مقدّماً عليه حينئذ كما أُفيد.

وأما مع ثبوت الإطلاق فلا ريب في أنه هو المتّبع ، ومعه لا يبقى مجال للترديد المزبور ، ومن الواضح ثبوت الإطلاق في المقام ، فان قوله عليه‌السلام في بعض تلك الأخبار : « تجب الجمعة إذا كان لهم من يخطب بهم » غير قاصر الشمول بالإضافة إلى ما بعد القدمين ، بل مقتضى الإطلاق عموم البدلية من الزوال إلى الغروب ، لعدم التحديد بوقت معيّن في شي‌ء من الأخبار ، فيكون وقتها هو وقت الظهر فضيلة وإجزاءً.

ومن هنا كان الأوجه في النظر ابتداءً هو ما اختاره الحليّ والشهيد من استمرار الوقت إلى الغروب كالظهر وأن وقتيهما واحد ، عملاً بإطلاق دليل البدلية.

إلا أنه يمنع عن الأخذ بهذا الإطلاق أمران :

الأول : عدم فتوى المشهور بذلك ، بل تسالم الأصحاب على خلافه تقريباً ، وقد تقدم من العلامة (1)دعوى الإجماع على انتهاء الوقت عند صيرورة الظل مثل الشاخص ، فكأنه لم يعتن بخلاف الحليّ والشهيد فادعى الإجماع غير مكترث بخلافهما ، بل لعل عدم الامتداد إلى الغروب من مرتكزات المتشرعة والمغروس في أذهانهم كما لا يخفى.

الثاني : عدم معهودية وقوعها قبل الغروب ولو بساعة أو ساعتين أو أكثر لا في زمن النبي صلی اللّه عليه وآله ولا في زمن الأئمة عليهم‌السلام ولا من بعدهم مع كثرة الطوارئ والعوارض الموجبة للتأخير كما في غيرها من سائر الصلوات من السفر والمرض ونحوهما ، فلو جاز التأخير لاتفق ولو في مورد واحد ، ولنقل إلينا بطبيعة الحال ولو في رواية واحدة مع عدم الإشارة إلى ذلك في شي‌ء من الأخبار لا قولاً ولا فعلاً ، فيقطع من ذلك بعدم اتحاد الوقتين ، وأنّ وقت الجمعة أقل من الظهر تحقيقاً.

وعليه فلا بد من رفع اليد عن الإطلاق المزبور بالمقدار اللازم وما تقتضيه


1) في ص : 137.

ووقت فضيلة الظهر من الزوال إلى بلوغ الظل الحادث بعد الانعدام أو بعد الانتهاء مثل الشاخص ، ووقت فضيلة العصر من المثل إلى المثلين على المشهور ، ولكن لا يبعد أن يكون من الزوال إليهما (1).


الضرورة اقتصاراً على المقدار المتيقن من التقييد وهو بلوغ الظل مثل الشاخص ، فيحكم بعدم جواز التأخير عن هذا الحد لقيام الشهرة بل الإجماع كما عرفت.

وأما ما عدا ذلك ، أعني التأخير عن الزوال إلى هذا الحد فيشمله الإطلاق ، لعدم الموجب لرفع اليد عنه أكثر من المقدار المعلوم. ومن ذلك تعرف مستند القول المشهور ، وأنّ هذا هو الأقوى وإن لم يرد التحديد بذلك صريحاً في شي‌ء من الأخبار كما تقدم.

(1) بعد الفراغ عن امتداد وقت إجزاء الظهرين من الزوال إلى الغروب كما تقدم ، يقع الكلام في وقت الفضيلة ، فالمشهور أن وقت فضيلة الظهر من الزوال إلى بلوغ الظل الحادث بعد الانعدام أو الانتهاء كما تقدم توضيحه مثل الشاخص ، فهذا هو الوقت الفضلي الاختصاصي للظهر. وأما العصر فيبتدئ وقته من المثل وينتهي إلى المثلين. وذهب السيد الماتن قدس‌سره إلى ابتداء وقتيهما من الزوال ، فما بين الزوال إلى المثل وقت فضلي مشترك بينهما إلا أن هذه قبل هذه رعاية للترتيب ، وإلا ففضيلة الوقت في حدّ ذاته صالح لكل منهما ، وما بين المثل إلى المثلين وقت اختصاص لفضيلة العصر.

هذا بحسب الفتوى ، وأما بالنظر إلى الروايات الواردة في المقام فالكلام فيها يقع تارة في التحديد من حيث المبدأ وأُخرى من ناحية المنتهي.

أما من حيث المبدأ : فالأخبار الواردة في ذلك على طوائف ثلاث :

الاولى : ما تضمن التحديد بالقدم والقدمين فدلت على أن الوقت إنما يدخل بعد مضي قدم للظهر وقدمين للعصر.

فمنها : صحيحة إسماعيل بن عبد الخالق قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن وقت الظهر ، فقال : بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلا في يوم الجمعة أو في السفر فان وقتها حين تزول » (1).

ومنها : موثقة سعيد الأعرج عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سألته عن وقت الظهر أهو إذا زالت الشمس؟ فقال : بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلا في السفر أو يوم الجمعة ، فإنّ وقتها إذا زالت » (2)وقد تقدّم أن طريق الشيخ إلى الحسن بن محمد بن سماعة موثق.

ومنها : موثقة ذريح المحاربي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سأل أبا عبد اللّه عليه‌السلام أُناس وأنا حاضر إلى أن قال فقال بعض القوم : إنّا نصلي الأُولى إذا كانت على قدمين والعصر على أربعة أقدام ، فقال أبو عبد اللّه عليه‌السلام النصف من ذلك أحبّ إلى » (3)، فان النصف من ذلك هو القدم والقدمان.

الطائفة الثانية : ما تضمن التحديد بالقدمين والأربعة أقدام قدمان للظهر وأربعة أقدام للعصر المساوق للذراع والذراعين ، وهي كثيرة لا يبعد فيها دعوى التواتر الإجمالي وأكثرها صحاح.

فمنها : صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما‌السلام أنهما « قالا : وقت الظهر بعد الزوال قدمان ، ووقت العصر بعد ذلك قدمان » (4).

وقد يتوهم أنّ النظر في الصحيحة إنما هو إلى التحديد من ناحية المنتهي ، وأن الوقت ينتهي بالقدمين والأربعة أقدام ، لا أنّ ذلك مبدأ للوقت فهو نظير قولنا : إن وقت صلاة الغداة ما بين الطلوعين ونحو ذلك ممّا يكون النظر فيه إلى الانتهاء.


1) الوسائل 4 : 144 / أبواب المواقيت ب 8 ح 11.

2) الوسائل 4 : 145 / أبواب المواقيت ب 8 ح 17.

3) الوسائل 4 : 146 / أبواب المواقيت ب 8 ح 22.

4) الوسائل 4 : 140 / أبواب المواقيت ب 8 ح 1 ، 2.

وفيه : مضافاً إلى أنّ ذلك بعيد عن سياق الكلام في حدّ نفسه وخلاف الظاهر جدّاً ، ضرورة أن المتبادر من مثل قوله عليه‌السلام : « وقت الظهر بعد الزوال قدمان .. » إلخ أن المبدأ هو القدمان والأربع دون المنتهي ، أن الشيخ قدس‌سره روى هذه الرواية بعينها عن الجماعة المذكورين ، وزاد قوله : وهذا أول وقت إلى أن تمضي أربعة أقدام للعصر (1)، فهذا الذيل قرينة ظاهرة على ما ذكرناه ، ومن المظنون قوياً اتحاد الروايتين لبعد كونها رواية أُخرى غير الاولى كما لا يخفى.

وأصرح من ذلك : صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « سألته عن وقت الظهر ، فقال : ذراع من زوال الشمس ، ووقت العصر ذراعان من وقت الظهر ، فذاك أربعة أقدام من زوال الشمس ، ثم قال : إن حائط مسجد رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله كان قامة ، وكان إذا مضى منه ذراع صلى الظهر ، وإذا مضى منه ذراعان صلى العصر .. » إلخ (2). فان قوله عليه‌السلام في الذيل : « وكان إذا مضى .. » إلخ صريح فيما ذكرناه من كون التحديد ناظراً إلى المبدأ.

ونحوها في الدلالة صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث « قال : كان حائط مسجد رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله قبل أن يظلل قامة ، وكان إذا كان الفي‌ء ذراعاً وهو قدر مربض عنز صلى الظهر ، فاذا كان ضعف ذلك صلى العصر » (3).

وهذه الرواية مروية بطريقين ، والعبرة بالطريق الثاني ، وأما الأول فهو ضعيف ، لمكان سهل بن زياد فلاحظ.

ونحوها أيضاً صحيحة إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال :


1) التهذيب 2 : 255 / 1012.

2) الوسائل 4 : 141 / أبواب المواقيت ب 8 ح 3 ، 4.

3) الوسائل 4 : 142 / أبواب المواقيت ب 8 ح 7.

كان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله إذا كان في‌ء الجدار ذراعاً صلى الظهر ، وإذا كان ذراعين صلى العصر ... » إلخ (1)فان الظاهر أن المراد بإسماعيل الجعفي هو إسماعيل بن جابر الجعفي وقد وثقه النجاشي صريحاً (2). نعم ذكره الشيخ في رجاله (3)في طيّ أصحاب الباقر عليه‌السلام بعنوان الخثعمي بدل الجعفي ووثقه ، وذكره أيضاً بهذا العنوان في باب أصحاب الصادق عليه‌السلام ساكتاً عن توثيقه ، كما أنه في باب أصحاب الكاظم عليه‌السلام ، وكذا في الفهرست (4)تعرض لهذا الاسم دون أن يذكر شيئاً من اللقبين ودون أن يوثقه ، والظاهر أن الخثعمي سهو من قلمه الشريف أو من النساخ ، والصحيح هو الجعفي ، فان الخثعمي لم يوجد ذكر له في كتب الرجال أصلاً ، ويشهد له أن العلامة في الخلاصة (5)ذكره بعين عبارة الشيخ بعنوان الجعفي ووثقه ، فالرجل موثق بتوثيق النجاشي والشيخ والعلامة.

وكيف كان ، فهذا الاسم ، أعني إسماعيل الجعفي ، مردد بين إسماعيل بن جابر وإسماعيل بن عبد الرحمن ، وإسماعيل بن عبد الخالق ، والكل موثقون ، فالرواية صحيحة على كل حال.

وهناك روايات أُخرى كثيرة أعرضنا عن ذكرها ، وقد عرفت أنه لا يبعد بلوغها حدّ التواتر ولو إجمالاً فلاحظ.

الطائفة الثالثة : ما تضمن التحديد بالمثل والمثلين الذي ذهب إليه المشهور وهي عدة روايات استندوا إليها ، وأكثرها مخدوشة سنداً أو دلالة.

فمنها : رواية يزيد بن خليفة قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : إن


1) الوسائل 4 : 143 / أبواب المواقيت ب 8 ح 10.

2) رجال النجاشي : 32 / 71.

3) رجال الطوسي : 124 / 1246 ، 160 / 1789 ، 331 / 4934.

4) الفهرست : 15 / 49.

5) خلاصة الأقوال : 54 / 30.

عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت ، قال : إذن لا يكذب علينا ، قلت : ذكر أنك قلت : إن أول صلاة افترضها اللّه تعالى على نبيه صلی اللّه عليه وآله الظهر ، وهو قول اللّه عز وجل ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) فاذا زالت الشمس لم يمنعك إلا سبحتك ثم لا تزال في وقت إلى أن يصير الظل قامة وهو آخر الوقت ، فاذا صار الظل قامة دخل وقت العصر فلم تزل في وقت العصر حتى يصير الظل قامتين وذلك المساء ، قال : صدق » (1)ودلالتها على المطلوب ظاهرة ، فان المتبادر من القامة هي قامة الإنسان ، فيراد حينئذ بالتحديد صيرورة الظل مثل الشاخص.

واحتمال إرادة الذراع من القامة كي تكون العبرة بالذراع والذراعين ، يدفعه مضافاً إلى بعده في نفسه ، وعدم شاهد عليه ، أنه غير محتمل في خصوص المقام لقوله عليه‌السلام في ذيل الرواية : « وذلك المساء » لعدم صدق المساء بعد مضي الذراعين من الزوال بالضرورة ، فلو سلّم إمكان إرادته منها في بقية الروايات فهو غير محتمل في خصوص هذه الرواية لهذه القرينة. فالدلالة تامة غير أن السند ضعيف بيزيد بن خليفة فإنه لم يوثق.

ومنها : رواية محمد بن حكيم قال : سمعت العبد الصالح عليه‌السلام وهو « يقول : إن أول وقت الظهر زوال الشمس ، وآخر وقتها قامة من الزوال ، وأول وقت العصر قامة ، وآخر وقتها قامتان ، قلت : في الشتاء والصيف سواء؟ قال : نعم » (2).

وقد عرفت أن المتبادر من القامة هي قامة الإنسان ، وحملها على الذراع خلاف الظاهر جدّاً.

نعم ورد في بعض الأخبار أن المراد بها في كتاب علي عليه‌السلام أو


1) الوسائل 4 : 156 / أبواب المواقيت ب 10 ح 1.

2) الوسائل 4 : 148 / أبواب المواقيت ب 8 ح 29.

مطلقاً هو الذراع ، لكن تلك الأخبار ضعيفة السند (1)فلا يعتمد عليها. فالرواية قوية الدلالة غير أنها كسابقتها ضعيفة السند بمحمد بن الحكيم فإنه لم يوثق.

ومنها : رواية الحسن بن محمد الطوسي في المجالس بإسناد تقدم في كيفية الوضوء قال : « لما ولّى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام محمد بن أبي بكر مصر وأعمالها كتب له كتاباً إلى أن قال عليه‌السلام : فانّ رجلاً سأل رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله عن أوقات الصلاة ، فقال : أتاني جبرئيل عليه‌السلام فأراني وقت الظهر ( الصلاة ) حين زالت الشمس ، فكانت على حاجبه الأيمن ، ثم أراني وقت العصر وكان ظل كل شي‌ء مثله » (2)وهذه أصرح من سابقتها للتصريح فيها بصيرورة الظل مثله وعدم التعبير بالقامة كي يتطرق فيها الاحتمال المتقدم ، غير أنها ضعيفة السند بعدة من المجاهيل ، والسند قد ذكره صاحب الوسائل (3).

ومنها : صحيحة البزنطي قال : « سألته عن وقت صلاة الظهر والعصر ، فكتب : قامة للظهر وقامة للعصر » (4).

وفيه : أنها ناظرة إلى التحديد من ناحية المنتهي دون المبدإ الذي هو محل الكلام ، فكأنّ المبدأ مفروغ عنه وأنه الزوال ، وليس ذلك مورداً للسؤال ، إذ هو مضافاً إلى بعده عن سياق الرواية مخالف لظاهرها جدّاً كما لا يخفى ، لبعد خفائه على مثل البزنطي كي يسأل عنه. فالنظر مقصور على بيان غاية الحد ومنتهاه وهو أجنبي عن محل البحث ، فلا دلالة فيها على كون مبدأ العصر هو المثل


1) ولكن الظاهر أنّ رواية علي بن حنظلة [ المروية في الوسائل 4 : 147 / أبواب المواقيت ب 8 ح 26 ] معتبرة السند فلاحظ.

2) الوسائل 4 : 161 / أبواب المواقيت ب 10 ح 12 ، أمالي الطوسي : 29 ، 31.

3) الوسائل 1 : 397 / أبواب الوضوء ب 15 ح 19.

4) الوسائل 4 : 144 / أبواب المواقيت ب 8 ح 12.

دون الزوال كما يدعيه المشهور فيكون وزانها وزان صحيحة أحمد بن عمر عن أبي الحسن عليه‌السلام قال : « سألته عن وقت الظهر والعصر ، فقال : وقت الظهر إذا زاغت الشمس إلى أن يذهب الظل قامة ، ووقت العصر قامة ونصف إلى قامتين » (1)التي هي صريحة في التحديد من حيث المنتهي.

ويشهد له مضافاً إلى وضوحه في نفسه قوله عليه‌السلام : « قامة ونصف إلى قامتين » ، فان القامة والنصف لا قائل بكونها مبدءاً للعصر ، بل المبدأ إما الزوال أو القامة ، أي المثل كما عليه المشهور. فهذه الرواية أيضاً كالصحيحة لا دلالة لشي‌ء منهما على مسلك المشهور.

وقد يستدل لهم بموثقة زرارة قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم يجبني ، فلما أن كان بعد ذلك قال لعمرو بن سعيد ابن هلال : إن زرارة سألني عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم أخبره فحرجت من ذلك فاقرأه منّي السلام وقل له : إذا كان ظلك مثلك فصل الظهر ، وإذا كان ظلك مثليك فصل العصر » (2).

وأنت خبير بأنّ ما جعله المشهور غاية للوقت وهو المثل والمثلان قد جعل في هذه الموثقة مبدءاً له فلا ينطبق على مذهبهم بوجه ، بل هي على خلاف مطلوبهم أدلّ.

والصحيح في توجيه الموثقة أن يلتزم باختصاصها بموردها وهو القيظ ، ويكون ذلك بمنزلة التخصيص في دليل وقت الفضيلة وأن مبدأه هو الزوال بمقتضى سائر الأخبار إلا في القيظ فيتسع الوقت ويتأخر بمقدار المثل والمثلين لأجل الحر إرفاقاً على الأُمة كي يصلّوا مطمئنين مع التوجه وحضور القلب.

ويشهد له ما في بعض الأخبار من الأمر بالإبراد في الصلاة معلّلاً بأن الحر من قيح جهنم (3).


1) الوسائل 4 : 143 / أبواب المواقيت ب 8 ح 9.

2) الوسائل 4 : 144 / أبواب المواقيت ب 8 ح 13.

3) الوسائل 4 : 142 / أبواب المواقيت ب 8 ح 5 ، 6.

فتحصّل إلى هنا : أن شيئاً من الروايات المتقدمة لا تصلح للاستدلال بها لمذهب المشهور ، لضعفها من جهة السند أو الدلالة.

ولم يبق في البين إلا رواية واحدة هي العمدة في المقام ، وهي موثقة معاوية ابن وهب عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : أتى جبرئيل رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله بمواقيت الصلاة فأتاه حين زالت الشمس فأمره فصلى الظهر ، ثم أتاه حين زاد الظل قامة فأمره فصلى العصر إلى أن قال : ثم أتاه من الغد حين زاد في الظل قامة فأمره فصلى الظهر ، ثم أتاه حين زاد في الظل قامتان فأمره فصلى العصر إلى أن قال : ثم قال : ما بينهما وقت » (1).

ولا يعارضها ما في بعض الأخبار الحاكية لقصة نزول جبرئيل بعين ما مرّ غير أنه ذكر فيها بدل القامة والقامتين الذراع والذراعان كما في رواية معاوية ابن ميسرة (2)أو القدمان والأربعة أقدام كما في رواية مفضل بن عمر (3)لضعف سند الروايتين بمعاوية ومفضل ، فلا يستند إليهما كي تعارض الموثقة بهما.

وبالجملة : فهذه الموثقة قوية السند ظاهرة الدلالة ، وهي عمدة مستند المشهور كما عرفت.

إلا أنه لا يمكن العمل بها لمعارضتها بالروايات الكثيرة المتقدمة الدالة على أنّ وقت الفضيلة دون ذلك وأنه القدمان والأربعة أقدام ، أو الذراع والذراعان على اختلاف التعبير الراجعان إلى معنى واحد كما مر التي لا يبعد فيها دعوى التواتر ولو إجمالاً ولا أقل أن فيها الصحاح والموثقات الكثيرة بحيث تعدّ من الروايات الواضحة المشهورة ، بل من السنّة القطعية ، وتكون هذه الموثقة في قبالها من الشاذ النادر فتطرح لكون الترجيح مع تلك الأخبار.

على أن هذه الموثقة موافقة للعامة ، وتلك مخالفة لهم ، فتكون هناك جهة أُخرى لترجيح تلك الأخبار على الموثقة.


1) الوسائل 4 : 157 / أبواب المواقيت ب 10 ح 5.

2) الوسائل 4 : 158 / أبواب المواقيت ب 10 ح 6 ، 7.

3) الوسائل 4 : 158 / أبواب المواقيت ب 10 ح 6 ، 7.

وإن أبيت إلا عن الأخذ بها وعدم طرحها فيمكن حملها ولو بعيداً على إرادة الذراع من القامة دون الشاخص ، باعتبار أن قامة رحل رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله كانت ذراعاً كما في رواية أبي بصير (1)فتدبر جيداً.

بقي الكلام في الجمع بين الطائفتين الأولتين ، أعني ما دلّ على كون العبرة بالقدم والقدمين ، وما دلّ على كون الاعتبار بالقدمين والأربعة أقدام.

والصحيح في وجه الجمع هو الحمل على اختلاف مراتب الفضل ، فالأفضل هو القدم والقدمان ، ودون ذلك في الفضيلة القدمان والأربعة أقدام.

ويشهد له ما ورد في غير واحد من الأخبار من الحث على التعجيل في وقت الفريضة والتخفيف في النافلة كي يبادر إلى الفريضة معجّلاً.

وبالجملة : فهذان وقتان للفضيلة مع اختلاف في مرتبتهما ، فالأفضل الإتيان بالظهر عند القدم ، وبالعصر عند القدمين بعد ما فرغ من النافلة قبلهما ، ودون ذلك عند القدمين والأربعة ، فلو فات كلا الوقتين ترك النافلة وبدأ بالفريضة.

وأصرح رواية تشهد لما ذكرناه من الجمع هي : موثقة ذريح المحاربي المصرّحة بأن النصف أعني القدم والقدمين أحبّ (2)فتدل على أن هذا الوقت أفضل من القدمين والأربعة أقدام مع اشتراكهما في أصل الفضيلة.

فإن قلت : كيف يكون القدم والقدمان أفضل مع التصريح في بعض الأخبار كصحيحة زرارة المتقدمة (3)وغيرها بأن النبي صلی اللّه عليه وآله كان يصلي الظهر عند الذراع والعصر عند الذراعين ، الظاهر في أنه صلی اللّه عليه وآله كان لا يزال يستمر على ذلك فكيف كان يداوم على غير الأفضل؟

قلت : ما ذكرنا إنما كان بلحاظ مصلحة نفس الوقت ، والملاك الذي يشتمل عليه في حدّ نفسه ولا ينافي ذلك طروء عنوان آخر يتضمن ملاكاً أقوى


1) الوسائل 4 : 145 / أبواب المواقيت ب 8 ح 16.

2) الوسائل 4 : 146 / أبواب المواقيت ب 8 ح 22.

3) في ص 149.

يقتضي أفضلية التأخير إلى الذراع والذراعين في بعض الأحيان ، وهو اجتماع الناس والانتظار لذلك توسعة لهم وإرفاقاً عليهم.

وبالجملة : فالوقت الأفضل بحسب العنوان الأولي هو القدم والقدمان ، وبحسب العنوان الثانوي هو الذراع والذراعان ، ولا تنافي بين العنوانين كما هو ظاهر.

بل يمكن أن يقال : إن وقت الفضيلة ليس له مبدأ معيّن ، بل العبرة بالفراغ عن النافلة كي يرتفع المانع المزاحم عن التعجيل ، فان التحديد بالقدم والقدمين ونحوهما إنما هو لمكان السبحة ومراعاة للنافلة ، ولذا يكون الأفضل في السفر ويوم الجمعة المبادرة أول الزوال حيث لا نافلة فيهما يزاحم الوقت.

ويشهد له صريحاً : موثقة محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري : « لا القدم ولا القدمين ، إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين وبين يديها سبحة ، وهي ثمان ركعات ، فإن شئت طوّلت وإن شئت قصّرت .. » إلخ (1).

وعليه فالأحسن أن يقال : إن مبدأ وقت الفضيلة هو الزوال ، وبعد الفراغ عن النافلة فقد يكون بمقدار القدم ، وقد يكون أقل ، وقد يكون أكثر حسب اختلاف أمد النافلة قصراً وطولاً.

والمتحصل من جميع ما قدمناه : أنّ ما عليه المشهور من تحديد مبدأ العصر بالمثل الظاهر في اختصاص ما بينه وبين الزوال بالظهر لا شاهد عليه ، بل الحق ما عليه الماتن قدس‌سره من كون مبدئهما معاً هو الزوال ، وأنّ الوقت مشترك بينهما ، هذا كله من حيث المبدأ.

وأما من ناحية المنتهي : فالصحيح ما عليه المشهور ومنهم الماتن من انتهاء وقت فضيلة الظهر بالمثل ، والعصر بالمثلين.

ويدلُّ عليه جملة من النصوص المتقدمة :


1) الوسائل 4 : 134 / أبواب المواقيت ب 5 ح 13.

منها : موثقة معاوية بن وهب ، وعدم العمل بها من ناحية المبدأ لمكان المعارضة كما تقدم لا ينافي الأخذ بها من ناحية المنتهي كما لا يخفى.

ومنها : صحيحة البزنطي ، وقد مرّ (1)أن التحديد فيها ناظر إلى المنتهي دون المبدأ ولا المجموع منهما.

ومنها : صحيحة أحمد بن عمر ، وقد عرفت ظهورها في التحديد من ناحية الغاية لا سيما بملاحظة قوله عليه‌السلام : « قامة ونصف » إذ لا قائل بكونها مبدأ للعصر أصلاً ، فيكون ذلك هو الأفضل ، ودونه في الفضل التأخير إلى القامتين.

وبالجملة : فهذه الروايات تدل على التحديد المزبور.

وقد عرفت سابقاً أن ليس المراد بالمثل والمثلين بلوغ الظل هذا الحدّ كيف ما اتفق ، إذ قد يكون ذلك مقارناً لأول الزوال ، لاختلاف عرض البلاد من حيث القرب إلى خط الاستواء والبعد عنه كاختلافها حسب الفصول أيضاً ، بل العبرة ببلوغ الفي‌ء هذا الحد ، إما بعد انعدام الظل رأساً أو بعد الانتهاء والأخذ في الازدياد بالميل من جهة الغرب إلى الشرق ، فالمدار على الظل الحادث بعد الانعدام أو الانتهاء.

هذا وقد يجعل منتهى وقت فضيلة العصر ثمانية أقدام ، أي مثل الشاخص بإضافة سبعة ، فإن قامة كل شخص تساوي سبعة أقدامه ، أو فقل سبعة أشبار من أشباره ، فان شبر كل شخص يعادل قدمه.

ويستدل له بصحيحة الفضلاء على رواية الشيخ عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما‌السلام أنهما « قالا : وقت الظهر بعد الزوال قدمان ، ووقت العصر بعد ذلك قدمان ، وهذا أول وقت إلى أن تمضي أربعة أقدام للعصر » (2).


1) في ص 152.

2) الوسائل 4 : 140 / أبواب المواقيت ب 8 ح 2.

بدعوى : أن المشار إليه في قوله عليه‌السلام « وهذا أول وقت ... » إلخ هو وقت صلاة العصر الذي أُشير إليه بقوله : « ووقت العصر بعد ذلك قدمان » أعني الأربعة أقدام ، ويكون حاصل المعنى : أنّ أوّل وقت صلاة العصر هو أربعة أقدام بعد الزوال ويستمر ذلك بمقدار أربعة أقدام اخرى لصلاة العصر ، وعليه فيكون منتهى وقت العصر ثمانية أقدام بعد الزوال.

ولا يخفى أن هذا الاستظهار لو تم فهو لا ينافي ما دلت عليه الروايات المتقدمة من التحديد بالمثلين ، لإمكان الجمع بينهما بالحمل على اختلاف مراتب الفضل كما تقدم نظيره في المبدأ ، فيلتزم بأن الأفضل الإتيان بها قبل ثمانية أقدام فيفرغ منها قبل المثل وسبعه ، ودونه في الفضل الإتيان بها قبل المثلين ، لكن الاستظهار غير تام ، فإنه بعيد عن سياق الكلام ، بل ظاهر الإشارة رجوعها إلى وقت صلاة الظهر ، أي القدمان بعد الزوال وإن مضيّ أربعة أقدام مقدّمة لدخول العصر بعد ذلك ، لا أنه بنفسه ظرف للعصر ليكون المراد بالأربعة الأربعة الثانية كما كان كذلك على الاحتمال الأول ، ويكون حاصل المعنى حينئذ أن القدمين بعد الزوال أول وقت فضيلة الظهر ويستمر هذا الوقت بمقدار قدمين آخرين إلى أن تمضي أربعة أقدام من الزوال كي يدخل بعد ذلك وقت صلاة العصر.

وبعبارة اخرى : فرق واضح بين أن يقال : أن تمضي أربعة أقدام العصر ، وبين أن يقال : أن تمضي أربعة أقدام للعصر ، فإن العبارة الثانية كالصريح في أنّ مضيّ الأربعة مقدمة لدخول وقت العصر ، لا أنها بنفسها وقته كما هو ظاهر العبارة الأُولى.

وما ذكرناه لو لم يكن ظاهراً فلا أقل من الاحتمال المورث للإجمال المسقط للصحيحة عن الاستدلال.

هذا وتؤيد المشهور رواية يزيد بن خليفة (1)فإنها صريحة في ذلك ، لا سيما


1) الوسائل 4 : 156 / أبواب المواقيت ب 10 ح 1.

ووقت فضيلة المغرب من المغرب إلى ذهاب الشفق أي الحمرة المغربيّة ووقت فضيلة العشاء من ذهاب الشفق إلى ثلث الليل ، فيكون لها وقتا إجزاء : قبل ذهاب الشفق وبعد الثلث إلى النصف (1).


مع ذكر المساء الذي لا يتطرق معه احتمال إرادة الذراع من القامة كما تقدّم ، غير أنّ الرواية ضعيفة كما مرّ. ومن هنا لا تصلح إلا للتأييد.

فتحصل من جميع ما مرّ : أنّ وقت فضيلة الظهرين يبتدئ معاً من الزوال وينتهي الظهر بالمثل والعصر بالمثلين كما أفاده في المتن.

(1) لا إشكال نصاً وفتوى في أنّ وقت المغرب يبتدئ بدخول المغرب ، وهل المراد به سقوط القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية عن قمة الرأس؟ فيه كلام سيجي‌ء قريباً إن شاء اللّه تعالى.

وينتهي بذهاب الشفق أي الحمرة المغربية كما أنّ وقت العشاء يدخل بذهاب الشفق وينتهي إلى ثلث الليل ، وقد اتفقت الروايات وتظافرت على ذلك كموثقة معاوية بن وهب وصحيحة ذريح وغيرهما (1)، وهل هذا وقت فضيلة وما بعده إلى نصف الليل وقت الإجزاء ، أو أنّ الأول وقت اختياري ، والثاني اضطراري؟ فيه كلام قد تقدم (2)وقد عرفت أن الأقوى وفاقاً للمشهور هو الأول.

ومن جملة تلك الروايات هي رواية موسى بن بكر عن زرارة (3)غير أنها ضعيفة السند بموسى بن بكر فإنه لم يوثق (4). نعم ذكر الكشي (5)روايتين تشتملان على مدحه إلا أن الراوي لهما هو موسى بن بكر بنفسه فلا يعتمد


1) الوسائل 4 : 157 / أبواب المواقيت ب 10 ح 5 ، 8.

2) في ص 112.

3) الوسائل 4 : 156 / أبواب المواقيت ب 10 ح 3.

4) ولكنه قدس‌سره بنى في المعجم 20 : 31 / 12767 على وثاقته.

5) رجال الكشي : 438 / 825 ، 826.

ووقت فضيلة الصبح من طلوع الفجر إلى حدوث الحمرة في المشرق (1)


عليهما ، ومن هنا تكون الرواية مؤيّدة للمطلوب.

وكيف كان ، فقد علم مما مرّ أنّ لصلاة العشاء وقت فضيلة وهو من سقوط الشفق إلى ثلث الليل ووقتا إجزاء ، أحدهما : من المغرب إلى الشفق ، والثاني : من ثلث الليل إلى نصفه أو آخره على كلام تقدم. نعم قد ورد في بعض الأخبار كما مرّ سابقاً أن منتهى الوقت للحاضر إنما هو ربع الليل ، ولا بأس بالحمل على اختلاف مراتب الفضل جمعاً.

(1) هكذا عبّر المشهور وإن وقع البحث في أن ما بعد الحمرة إلى طلوع الشمس هل هو وقت الإجزاء كي يكون الوقت الأول للفضيلة ، أو أنّ الثاني اضطراري والأول اختياري على حدّ ما تقدم في بقية الصلوات؟ وقد مرّ الكلام فيه سابقاً.

وكيف كان ، فهذا العنوان أعني التحديد بالحمرة المشرقية لم يذكر في شي‌ء من الأخبار ، بل الوارد في لسان النصوص أحد هذه العناوين :

الأول : الإضاءة كما في رواية يزيد بن خليفة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : وقت الفجر حين يبدو حتى يضي‌ء » (1)، والمراد بالإضاءة فيها إضاءة تمام الفضاء وجميع أُفق السماء بحيث لا تبقى نقطة ظلماء المساوق للأسفار والتنوير ، كما أن المراد بها في رواية موسى بن بكر عن زرارة : « فإذا طلع الفجر وأضاء صلّى الغداة » (2)إضاءة الأُفق من ناحية المشرق خاصة المقارن لطلوع الفجر ، فلا تنافي بين الروايتين ، فإن الأُولى ناظرة إلى منتهى وقت الفضيلة ، والثانية إلى مبدئها ، هذا مع الغض عن سندهما ، وإلا فكلتاهما ضعيفتان كما تقدم.

الثاني : التنوير كما في موثقة معاوية بن وهب : « ثم أتاه حين نوّر الصبح


1) الوسائل 4 : 207 / أبواب المواقيت ب 26 ح 3.

2) الوسائل 4 : 156 / أبواب المواقيت ب 10 ح 3.

فأمره فصلى الصبح ، ثم قال : ما بينهما وقت » (1)الدالة على أن الحد ما بين طلوع الفجر وتنوير الصبح.

الثالث : الإسفار كما في صحيح ذريح : « صلّ الفجر حين ينشق الفجر إلى أن قال : ثم أتاه من الغد فقال : اسفر بالفجر فأسفر إلى أن قال : ما بين هذين الوقتين وقت » (2).

الرابع : تجلل الصبح السماء كما في صحيحة الحلبي : « وقت الفجر حين ينشق الفجر إلى أن يتجلل الصبح السماء » (3).

وصحيحة عبد اللّه بن سنان : « ووقت صلاة الفجر حين ينشق الفجر إلى أن يتجلل الصبح » (4).

والظاهر أن المراد بجميع هذه العناوين هو معنى واحد وكل منها عبارة أُخرى عن الآخر وهو ظهور الضياء في جميع أطراف الأُفق إلى عنان السماء وتنوير العالم بحيث لا توجد ظلمه في شي‌ء من النواحي ، ويتمكن الإنسان من رؤية الشبح على بُعده وتمييزه عن غيره ، فان كان هذا المعنى ملازماً لطلوع الحمرة المشرقية فلا كلام ، وإن كان أعم منها لحصوله قبلها بمقدار يسير كما هو الصحيح على ما جرّبناه فالعبرة به وهو الغاية للحدّ والموضوع للحكم ، فلا وجه للتحديد بالحمرة والتعبير بها كما في كلمات المشهور ، لعدم ورودها في شي‌ء من النصوص ، عدا الفقه الرضوي (5)ودعائم الإسلام (6)، وشي‌ء منهما غير قابل للاعتماد ، إذ الثاني بأجمعه مراسيل ، ولم يثبت كون الأول رواية فضلاً عن


1) الوسائل 4 : 157 / أبواب المواقيت ب 10 ح 5.

2) الوسائل 4 : 158 / أبواب المواقيت ب 10 ح 8.

3) الوسائل 4 : 207 / أبواب المواقيت ب 26 ح 1.

4) الوسائل 4 : 208 / أبواب المواقيت ب 26 ح 5.

5) فقه الرضا : 74.

6) دعائم الإسلام 1 : 139.

كونها معتبرة. مع أنّ المذكور فيهما بدوّ الحمرة في أُفق المغرب المقارن لآخر وقت الإجزاء دون المشرق الذي هو محل الكلام.

نعم ، ورد التعبير بذلك في صحيحة علي بن يقطين قال : « سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن الرجل لا يصلي الغداة حتى يسفر وتظهر الحمرة ، ولم يركع ركعتي الفجر أيركعهما أو يؤخّرهما؟ قال : يؤخّرهما » (1)، لكنها لا تدل على تحديد وقت الفريضة فضيلة أو أجزاءً ولا النافلة بذلك ، لعدم وقوع التعبير المزبور إلا في كلام السائل دون الامام عليه‌السلام.

نعم ، فيها إشعار بكون الحمرة غاية لوقت النافلة ، حيث يظهر منها اعتقاد السائل تقديم النافلة لو كان ذلك قبل طلوع الحمرة وانقضاء الوقت بعده ، ومن هنا سأل عن جواز التقديم بعده أيضاً وعدمه ، وقد أقرّه الإمام عليه‌السلام على هذا الاعتقاد.

لكنها مع ذلك لا تدل على انتهاء وقت فضيلة الفريضة بطلوع الحمرة ، إذ مقتضى إطلاق السؤال بضميمة التقرير المزبور أنه لو لم يبق إلى الحمرة إلا مقدار ركعتين جاز حينئذ تقديم النافلة على الفريضة ، مع أن الحمرة لو كانت غاية لوقت الفضيلة تعيّن الإتيان بالفريضة حينئذ كما هو المستفاد من بقية الأخبار من عدم مزاحمة النافلة مع فضيلة الوقت ، وأنه إنما جعل القدم والقدمان أو الذراع والذراعان لمكان النافلة كما في بعض الأخبار ، أو لمكان الفريضة كما في بعضها الآخر ، أو لئلا يكون تطوع في وقت الفريضة كما في ثالث. فيعلم من جميع ذلك مراعاة فضيلة الوقت عند المزاحمة مع النافلة ، وأن الأفضل تقديم الفريضة على النافلة ، فلا بد وأن لا تكون الحمرة منتهى وقت الفضيلة كي لا يلزم المحذور ، وإنما الغاية هي الأسفار الذي هو مغاير مع الحمرة.

ويشهد أيضاً للمغايرة : قوله « حتى يسفر وتظهر الحمرة » فإن كونه من


1) الوسائل 4 : 266 / أبواب المواقيت ب 51 ح 1.

[1180] مسألة 1 : يعرف الزوال بحدوث ظل الشاخص المنصوب معتدلاً في أرض مسطّحة بعد انعدامه كما في البلدان التي تمرّ الشمس على سمت الرأس كمكة في بعض الأوقات ، أو زيادته بعد انتهاء نقصانه كما في غالب البلدان ومكة في غالب الأوقات (1).


عطف التفسير بعيد ، بل الظاهر أنه من عطف الخاص على العام ، فتدل على ما ذكرناه من حصول الإسفار قبل طلوع الحمرة.

(1) لا إشكال في أنّ مبدأ الظهرين هو الزوال كما نطق به الكتاب العزيز ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ .. ) (1)إلخ ، المفسر بالزوال ، وقد وردت به الروايات الكثيرة بل المتواترة كقوله عليه‌السلام : « إذا زالت الشمس فقد وجب الصلاة والطهور » وغير ذلك كما تقدّمت في محلها (2).

والمراد به ميل الشمس وانحرافها عن دائرة نصف النهار من الشرق إلى الغرب ، فإنها حين تطلع عن أُفق المشرق تأخذ في التصاعد شيئاً فشيئاً حتى تبلغ منتهى الارتفاع حسب اختلاف مدارها ، وبعد الانتهاء عن قوس الصعود ينحرف مسيرها فتزول عن مقرّها وتشرع في قوس الهبوط من ناحية الغرب تدريجاً إلى أن تغيب في الأُفق ، والزوال هو أول الميل والانحناء إلى جهة المغرب بعد منتهى الصعود.

وهذا كله لا إشكال فيه ، إنما الكلام في معرفة ذلك وطريق إحرازه ، حيث إن الانحراف والميل عن دائرة نصف النهار ليس أمراً مبيّناً محسوساً كطلوع الشمس وغروبها ، لعدم السبيل إلى إحساسه بالبصر ومشاهدته بالنظر ، ومن ثم ذكروا لذلك علائم وأمارات وبيّنوا لمعرفته طرقاً ثلاثة أشار إليها في المتن.

أحدها : حدوث الظل بعد الانعدام أو الانتهاء ، فان الشمس حينما تشرق


1) الإسراء 17 : 78.

2) في ص 81.

عن الأُفق تحدث على كل جسم مرتفع عن سطح الأرض ظلا طويلاً غايته ، وكلما كان الجسم أطول كان الظل أكثر ، ويمتد إلى ناحية الغرب ، ثم تأخذ الشمس في التصاعد والارتفاع ، وبتبعه يشرع الظل في النقصان ، وكلما ازدادت علوّاً ازداد الظل نقصاناً إلى أن تبلغ الشمس أقصى مراحل الارتفاع في كبد السماء ، وحينئذ إذا كان الشاخص مسامتاً لها انعدم الظل بالكلية ، كما لو كان على خط الاستواء أو ما حولها إلى نهاية الميل الأعظم في بعض الأحيان ، وإن لم يسامتها بأن كان أقصى من ذلك لم ينعدم بالمرّة بل يبقى لا محالة ظلّ ما ، وبعد ميل الشمس إلى ناحية الغرب يحدث ظل في الأول ويأخذ الظل الباقي في الازدياد في الثاني إلى ناحية الشرق ، وهذا الحدوث أو الأخذ في الازدياد كاشف قطعي عن الزوال.

وتوضيحه : أنا إذا لاحظنا نقطتي المشرق والمغرب ، فالخط الوهمي المتصل بينهما القاسم للكرة الأرضية إلى ناحيتين متساويتين شمالية وجنوبية هو خط الاستواء ، كما أن الخط الموهوم الواصل بين نقطتي الشمال والجنوب المار بخط الاستواء الذي يحصل من تقاطعهما أربعة أقسام متساوية هو خط نصف النهار.

ثم إن الشمس عند طلوعها من أيّة نقطة من المشرق تغرب في النقطة المقابلة لها من المغرب ، فاذا طلعت في أول فصل الربيع تمرّ على خط الاستواء وتغيب في نقطة المغرب ، ولأجله يعتدل الليل والنهار في هذا اليوم ، ثم في اليوم الثاني والثالث تميل في شروقها وغروبها عن خط الاستواء إلى ناحية الشمال شيئاً فشيئاً إلى نهاية فصل الربيع ، وهو تسعون يوماً ، فتبتعد يومئذ عن خط الاستواء بمقدار ثلاثة وعشرين درجة ، وهو نهاية الميل الأعظم الشمالي ، فيستوعب كل درجة من عرض البلاد أربعة أيام تقريباً ، ثم تعود في أول الصيف إلى أن تبلغ خط الاستواء في نهاية هذا الفصل كما كانت كذلك في أول الربيع ، ثم تميل إلى ناحية الجنوب لمدة ثلاثة أشهر وهي أشهر الخريف إلى أن تبلغ الميل الأعظم من هذه الناحية ، ثم تعود ثلاثة أشهر أُخرى وهي الشتاء إلى أن ترجع إلى خط الاستواء.

ويعرف أيضاً بميل الشمس إلى الحاجب الأيمن (1)


فهذه هي مدارات الشمس في طول السنة ، وقد عرفت أن نهاية بعدها عن خط الاستواء في كل من ناحيتي الجنوب والشمال ثلاثة وعشرون درجة ونصف.

وعليه ، فالبلدان الواقعة في مدارات الشمس وأكثرها واقعة في ناحية الشمال ينعدم عنها الظل عند بلوغها دائرة نصف النهار في كل سنة مرتين ، مرّة في مسير الشمس إلى نهاية الميل الأعظم ، ومرّة في رجوعها عنه ، كما أن الواقعة على رأس الميل الأعظم من كل من الجانبين لا ينعدم عنها الظل في السنة إلا مرّة واحدة ، وهو اليوم الذي تصل فيه الشمس إلى نهاية البعد ، وهو أول السرطان في الميل الأعظم الشمالي وأول الجدي في الميل الأعظم الجنوبي ، لعدم حصول التكرار في هذا المدار. وأما البلدان الخارجة عن هذه المدارات أي المنحرفة عن البعد الأعظم في طرفي الجنوب أو الشمال فلا يكاد ينعدم عنها الظل أصلاً ، بل يبقى شي‌ء منه ولو يسيراً إلى ناحية الشمال في البلاد الشمالية ، أو الجنوب في الجنوبية فيأخذ الظل عند الزوال في الازدياد نحو المشرق فلا حدوث بعد الانعدام وإنما هو ازدياد بعد النقصان.

وعليه ، فحدوث الظل إلى طرف المشرق بعد انعدامه أو أخذه في الازدياد بعد استكمال نقصه كاشف قطعي عن تجاوز الشمس عن دائرة نصف النهار كشف العلة من معلولها.

(1) ثانيها : ميل الشمس إلى الحاجب الأيمن عند مواجهة نقطة الجنوب وذلك لأن هذه المواجهة تستلزم أن يكون الخط الموهوم المارّ من نقطة الشمال إلى الجنوب الذي هو خط نصف النهار واقعاً على قمة الرأس ، فإذا كانت الشمس بين العينين والحاجبين فهي على دائرة نصف النهار تماماً ، وعليه فاذا مالت إلى الحاجب الأيمن فقد زالت عن الدائرة بطبيعة الحال.

لمن واجه نقطة الجنوب (1) وهذا التحديد تقريبي كما لا يخفى (2). ويعرف أيضاً بالدائرة الهندية وهي أضبط وأمتن (3).


(1) وهذا هو الصحيح ، لا ما صنعه المحقق من جعل العبرة بمواجهة القبلة (1)لوضوح عدم استقامته على إطلاقه ، وإنما يتجه فيما إذا اتحدت القبلة مع نقطة الجنوب ، وأما إذا انحرفت عنه يمنة أو يسرة كما في العراق وما والاها ، أو لبنان وما ضاحاها ، فالزوال يتحقق قبل الميل المزبور أو بعده ، ولعله بكثير ، ولو كانت واقعة على نقطتي المشرق أو المغرب كجدّة ونحوها فلا ميل أصلاً.

(2) لعدم ابتناء المواجهة المزبورة على التدقيق عادة بحيث لو خرج خط مستقيم من الجبهة لوصل إلى تلك النقطة من غير أيّ انحراف ، فان هذا الفرض لعله لا تحقق له.

أضف إلى ذلك : أن إحراز الميل إلى الحاجب في أول زمان تحققه صعب جدّاً والغالب إحساسه بعد مضي زمان ولو قليلاً ، ومن ثم كان التحديد مبنياً على التقريب دون التحقيق.

(3) ثالثها : ما هو المعروف بالدائرة الهندية التي يستكشف بها الزوال على سبيل البت والجزم ، ومن هنا كانت أضبط وأمتن كما في المتن.

وطريقة معرفتها : أن تسوى الأرض أوّلاً تسوية دقيقة خالية عن أيّ انخفاض أو ارتفاع ، ثم ترسم عليها دائرة كلما كانت أوسع كانت المعرفة أسهل ، ثم ينصب في مركزها شاخص محدّد الرأس بحيث تكون نسبته إلى محيط الدائرة متساوية من كل جانب ، ولا يلزم أن يكون مخروطي الشكل وإن ذكره بعضهم ، وإنما المهم أن يكون محدّد الرأس كما سمعت ، كما لا يلزم أن يكون ارتفاعه بمقدار ربع قطر الدائرة ، وإن ذكره بعضهم أيضاً ، بل العبرة بكونه مقداراً يدخل ظله في الدائرة قبل الزوال.


1) الشرائع 1 : 72.

ويعرف المغرب بذهاب الحمرة (1)المشرقية عن سمت الرأس والأحوط زوالها من تمام ربع الفلك من طرف المشرق (1).


وكيف ما كان ، فعند طلوع الشمس يحدث ظل طويل للشاخص إلى جانب المغرب ، وكلّما تأخذ الشمس في الارتفاع يأخذ الظل في النقصان بطبيعة الحال إلى أن يصيب الدائرة ويريد الدخول فيها ، فيعلّم حينئذ نقطة الإصابة بعلامة معيّنة ، ثم يترصد موقع الخروج عن نقطة أُخرى من المحيط فيعلّم أيضاً بعلامة أُخرى ، ثم يوصل خط مستقيم بين النقطتين وبعدئذ ينصّف ذلك الخط ويوصل ما بين مركز الدائرة ومنتصف الخط بخط آخر وهذا هو خط نصف النهار ، فمتى وقع ظل الشاخص على هذا الخط في الأيام الآتية كشف عن بلوغ الشمس كبد السماء ووسط النهار تحقيقاً ، ومتى تجاوز عن هذا الخط ومال رأس الظل إلى طرف المشرق كشف كشفاً قطعياً عن تحقق الزوال والتجاوز عن دائرة نصف النهار ، وهو كما ترى من العلائم القطعية غير المختصة بوقت دون وقت.

والظاهر أنّ شيخنا البهائي قدس‌سره بنى الضلع الشرقي من حائط الصحن الشريف العلوي على هذا الخط ، ومن ثم ترى أن الظل متى بلغ هذا الحائط وانعدم وحدث من الحائط الغربي ، تحقق الزوال في تمام الفصول الأربعة على ما جرّبناه مراراً ، فكأنه قدس‌سره راعى الدائرة الهندية عند تأسيس الصحن الشريف ، اهتماماً منه بشأن الوقت وإن استوجب نوعاً من الإخلال بالاستقبال لولا البناء على الاكتفاء بالمواجهة في سبع الدائرة على ما سيجي‌ء في محله إن شاء اللّه تعالى (2).

(1) غير خفي أنّ المستفاد من إطلاق قوله تعالى : ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ


1) (*) بل بسقوط القرص بالنسبة إلى الظهرين ، وإن كان الأحوط لزوماً مراعاة زوال الحمرة بالنسبة إلى صلاة المغرب.

2) في ص 431.

الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) (1)أن كل جزء من الآنات الواقعة بين الحدين صالح لإيقاع الصلاة فيه ، غير أنّ الروايات المفسرة قيّدت هذا الإطلاق وبيّنت أنّ وقت الظهرين من الزوال إلى الغروب ، والعشاءين منه إلى منتصف الليل ، فمقتضى الآية المباركة بعد ملاحظة هذا التفسير جواز إيقاع المغرب لدى الغروب ، فلو كنّا نحن وهذا المقدار من الدليل لم يكن في البين إبهام ولا ترديد ، لوضوح مفهوم الغروب عرفاً وعدم إجمال فيه ، فإنه عبارة عن استتار القرص في الأُفق الحسي وغيبوبته عن النظر من دون حاجب وحائل في قبال طلوع الشمس ، أي خروج العين عن الأُفق الشرقي.

فلا إبهام في شي‌ء من المفهومين في حدّ أنفسهما ، غير أن الروايات الخاصة الواردة في المقام أورثت الاختلاف في تحديد مفهوم الغروب بين الأعلام.

والأقوال في المسألة ثلاثة :

الأول : أن الغروب يتحقق باستتار القرص وغيبوبته عن النظر كما مرّ ذهب إلى هذا القول جمع من الأعلام ، وقد أفتى به في المدارك صريحاً (2)، بل لا يبعد أن يكون هذا هو المشهور بين الأصحاب ، وإن كان القول الآتي أشهر والقائل به أكثر كما تفصح عنه عبارة المحقق في الشرائع حيث إنه بعد اختيار هذا القول قال : وقيل بذهاب الحمرة من المشرق وهو الأشهر (3)فإن التعبير بالأشهر ظاهر في كون القول الآخر مشهوراً معروفاً بين الفقهاء. والحاصل أن هذا القول ليس شاذاً نادراً كما قد يتوهم.

الثاني : أن العبرة بذهاب الحمرة المشرقية عن قمة الرأس ، فلا يكتفى بمجرد الاستتار عن الأُفق الحسّي ، بل اللازم بلوغ الشمس تحت الأُفق إلى درجة


1) الإسراء 17 : 78.

2) مدارك الأحكام 3 : 53.

3) الشرائع 1 : 72.

معينة يكشف عنها ذهاب الحمرة المشرقية عن سمت الرأس. وهذا هو أشهر الأقوال كما عرفت.

الثالث : تحديد الوقت بذهاب الحمرة المشرقية عن تمام ربع الفلك أعني عن نقطة الشرق إلى دائرة نصف النهار بتمام نواحيها وجوانبها من الجنوب إلى الشمال الذي يتأخر ذلك عن الذهاب عن خصوص القمة ببضع دقائق ، والقائل بذلك قليل جدّاً ، بل لم نعثر على قائل به صريحاً ، فالمعروف إنما هما القولان الأوّلان.

وكيف ما كان ، فقد عرفت أن منشأ الاختلاف اختلاف الروايات الواردة في المقام فلا بد من ذكرها والنظر فيها حتى يتضح الحال. وستعرف إن شاء اللّه تعالى أن الأقوى هو القول الأول.

فيقع الكلام في الروايات التي استدل بها للقول الأشهر ، وهي وإن كثرت لكن شيئاً منها لا تدل على مطلوبهم ، لضعفها سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو.

فمنها : رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : إذا غابت الحمرة من هذا الجانب يعني من المشرق فقد غابت الشمس من شرق الأرض وغربها » (1)رواها الكليني بطريقين (2)، وفي كليهما القاسم بن عروة ولم يوثق ، فالرواية ضعيفة سنداً ، وكذا دلالة ، فإن غاية ما يقال في تقريبها : أن غيبوبة الشمس التي هي معنى الغروب إنما تتحقق بزوال الحمرة من ناحية المشرق وهو ملازم لزوالها عن قمة الرأس.

وفيه : أن المراد من المشرق الوارد (3)فيها على ما يقتضيه ظاهر اللفظ هو


1) الوسائل 4 : 172 / أبواب المواقيت ب 16 ح 1.

2) الكافي 3 : 278 / 2 ، الكافي 4 : 100 / 2.

3) لو كان التفسير من الراوي أمكن تطبيق الجانب على ما لا ينافي مذهب الأشهر ، نظراً إلى أن جانب المشرق غير خاص بمطلع الشمس ونقطة الشروق ، بل يشمل الأعالي أيضاً كما لا يخفى.

خصوص موضع طلوع الشمس وشروقها ، في مقابل المغرب الذي يراد به النقطة التي تغرب فيها وتدخل تحت الأُفق ، كما يفصح عنه التعبير عنه بمطلع الشمس في رواية عمار الساباطي (1)لا جميع جهة المشرق وناحيته من قطب الجنوب إلى الشمال كما هو مبنى الاستدلال ، وحيث إن المشرق مطلّ على المغرب بمقتضى كرؤية الأرض وقد صرح به في رواية ابن أشيم الآتية ، فارتفاع الحمرة عن نقطة المشرق يدل على استتار القرص ودخوله تحت الأُفق بطبيعة الحال. فهذا هو مفاد الرواية ولا دلالة لها بوجه على كاشفية ذهاب الحمرة عن تمام ناحية الشرق أو عن قمة الرأس عن الغروب كما توهمه المستدل.

وبالجملة : فرض كرؤية الأرض والتقابل بين نقطتي المشرق والمغرب يستدعي وجود الحمرة في المشرق قبيل الاستتار وما دام القرص باقياً ، وبعد استتاره ودخوله تحت الأُفق ترتفع الحمرة شيئاً فشيئاً إلى أن تزول ، فيكون هذا الارتفاع الممكن مشاهدته لكل أحد كاشفاً عن ذلك الاستتار الذي هو المدار في تعلق الأحكام من وجوب الصلاة وانتهاء الصيام ، ولا تتيسر معرفته غالباً لمكان الجبال والأطلال ونحوهما من الموانع والحواجب التي لا تخلو عنها أقطار الأرض ، فجعل الارتفاع المزبور دليلاً عليه وأمارة كاشفة عنه. إذن فلا ارتباط للرواية بذهاب الحمرة من ناحية المشرق وتجاوزها عن قمة الرأس بوجه ، بل هي على خلاف المطلوب أدلّ وتعدّ من أدلة القول المشهور دون الأشهر ، فتكون الرواية قاصرة الدلالة لهذه العلة.

وأما تضعيف دلالتها بعدم كون الجزاء معلولاً لشرطها ، بداهة عدم كون استتار القرص معلولاً لذهاب الحمرة ، بل هما متلازمان ومعلولان لعلة ثالثة.

فيندفع بعدم اعتبار المعلولية في صحة القضية الشرطية ، وإنما العبرة بقصد الملازمة سواء أتسببت عن العلية والمعلولية ، أم عن جهة أُخرى كما لا يخفى.


1) الوسائل 4 : 175 / أبواب المواقيت ب 16 ح 10.

كما أنّ تضعيفها أيضاً بأن ترتب الجزاء على الشرط في الرواية لم يكن بلحاظ الوجود الخارجي بل الوجود العلمي ، ومن البيّن أن ترتب الجزاء على الشرط علماً لا يقتضي تقارنهما حدوثاً ، بل من الجائز سبق حدوث الجزاء ، كما في مثل قولك إذا استطعمك زيد فهو جائع.

مدفوع بظهور القضية في الاقتران ما لم تقم قرينة على الخلاف كما في المثال ، فالعمدة في المناقشة ما عرفت.

هذا كله على تقدير أن يكون متن الرواية ما سمعت المطابق للكافي وأحد طريقي الشيخ (1)، وأما على طريقه الآخر حيث رواها هكذا : « إذا غابت الحمرة من هذا الجانب يعني ناحية المشرق فقد غربت الشمس في شرق الأرض » (2). فهي حينئذ تدل على ما نسب إلى بعض الأصحاب من اعتبار زوال الحمرة من تمام ربع الفلك ، فان الظاهر من « ناحية المشرق » هو ذلك (3)ولا ارتباط لها أيضاً بالقول الأشهر ، فالاستدلال بها لهذا القول لا يتم على التقديرين.

ومنها : ما رواه علي بن أحمد بن أشيم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : سمعته يقول : وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق وتدري كيف ذلك؟ قلت : لا ، فقال : لأن المشرق مطل على المغرب هكذا ، ورفع يمينه فوق يساره فاذا غابت هاهنا ذهبت الحمرة من هاهنا » (4).

وهي مضافاً إلى ضعف سندها لا بعلي بن أحمد نفسه فإنه من رجال كامل الزيارات ، بل بالإرسال فلا تصلح للاستدلال قاصرة الدلالة كما يظهر مما قدمناه حول الرواية السابقة ، حيث عرفت أنّ المراد من المشرق خصوص مطلع الشمس لا ناحيته وجهته ، وأنّ زوال الحمرة عن تلك النقطة من علائم


1) التهذيب 2 : 257 / 1021.

2) التهذيب 2 : 29 / 85.

3) بل الظاهر أن الناحية والجانب مترادفان ، وقد عرفت الحال في الثاني فالأول مثله.

4) الوسائل 4 : 173 / أبواب المواقيت ب 16 ح 3.

الغيبوبة ولوازم استتار القرص ، بل إن هذه أصرح من سابقتها ، لما فيها من الإيعاز إلى كرؤية الأرض بقوله : « إن المشرق مطلّ » إلخ مع التصدي بيده للترسيم مبالغة في التفهيم ، فان مقتضى ذلك أن غيبوبة الشمس تتعقبها ظلمة تدريجية تبتدئ من النقطة المقابلة لسقوط القرص ثم ترتفع شيئاً فشيئاً إلى أن تستوعب ناحية المشرق ، أعني ربع الفلك. إذن فالملازمة بين استتار القرص وبين ارتفاع الحمرة من تلك النقطة لمكان الكروية واضحة جلية ، ومعه لا دلالة لها على القول الأشهر بوجه.

ومنها : ما رواه الكليني عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن محمد بن عيسى عن ابن أبي عمير ، عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : وقت سقوط القرص ووجوب الإفطار من الصيام أن تقوم بحذاء القبلة وتتفقّد الحمرة التي ترتفع من المشرق ، فاذا جازت قمّة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الإفطار وسقط القرص » (1)وهي أصرح رواية يستدل بها على القول الأشهر ، بيد أنها ضعيفة السند بسهل بن زياد أوّلاً وبالإرسال ثانياً ، ولا يصغي إلى دعوى إلحاق مراسيل ابن أبي عمير بمسانيده ، أو أن الأمر في سهلٍ سهلٌ كما تكررت الإشارة إليه في مطاوي هذا الشرح.

على أنه يمكن القول بعدم كونها مرسلة لابن أبي عمير نفسه (2)، بل للراوي الذي ينقلها عن ابن أبي عمير فهو ذكره ، لكن الراوي عنه لم يذكره لغاية هو أدرى بها.

أضف إلى ذلك : إمكان تطرق الخدش في الدلالة أيضاً :

أوّلاً : بعدم تطابق مضمونها مع ما هو المشاهد بالعيان ، فان الناظر إلى جانب المشرق من الأُفق لدى الغروب يرى أن الحمرة ترتفع شيئاً فشيئاً إلى


1) الوسائل 4 : 173 / أبواب المواقيت ب 16 ح 4 ، الكافي 3 : 279 / 4.

2) فيه : ما لا يخفى ، فان مبنى حجّية مراسيل ابن ابي عمير دعوى أنه لا يروي ولا يرسل إلا عن الثقة ، إذن فالمروي عنه أياً من كان فهو ثقة بشهادة ابن ابي عمير ، سواء أكان مذكوراً أم لا. فحذف شخص آخر اسمه لا يكاد يضر بحجية روايته بوجه.

أن تزول ثم تحدث حمرة أُخرى من ناحية المغرب ، لا أن تلك الحمرة تبقى وتتعدى عن قمة الرأس إلى ناحيته كما هو صريح الرواية ، فليس شأنها شأن الشمس لدى الزوال ، حيث عرفت أنها ترتفع وتعلو حتى تتجاوز دائرة نصف النهار وبه يتحقق الزوال ، والتجربة خير دليل وأكبر برهان.

وثانياً : أنه إن أُريد من السقوط في قوله : « ... وسقط القرص » سقوطه عن النظر ، ودخوله تحت الأُفق الحسي ، فمن الواضح جدّاً تحقق ذلك قبل ذهاب الحمرة عن قمة الرأس بأكثر من عشر دقائق ، وإن أُريد به معنى آخر كدخوله تحت الأُفق الحقيقي فهو أمر مبهم غير بيّن ولا مبيّن وإحالة إلى أمر مجهول (1)كما لا يخفى.

ومنها : ما رواه الكليني بإسناده عن أبان بن تغلب قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : أيّ ساعة كان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله يوتر؟ فقال : على مثل مغيب الشمس إلى صلاة المغرب » (2).

بتقريب دلالتها على أن ما بين غيبوبة الشمس إلى وقت صلاة المغرب فاصل زماني كان النبي صلی اللّه عليه وآله يوتر في مقدار هذا الفصل مما قبل طلوع الفجر ، ومن البيّن أنه لا نظر في ذاك الفاصل إلا إلى تجاوز الحمرة عن قمة الرأس.

وفيه : مضافاً إلى ضعف السند بإسماعيل بن أبي سارة فإنه لم يوثق ، أنّ الدلالة إنما تستقيم لو كان التعبير هكذا : إلى وقت صلاة المغرب ، بدلاً عما هو المذكور فيها من « صلاة المغرب » ومن الواضح أنّ نفس الصلاة تتأخر عادة عن أول الوقت لأجل بعض المقدمات ، ولا أقل من الأذان والإقامة ، ولا سيما في انعقاد الجماعات لانتظار المأمومين (3)فلا دلالة فيها على أن الوقت بنفسه


1) لا جهالة فيه بعد أن جعل زوال الحمرة في الرواية طريقاً وكاشفاً عنه.

2) الوسائل 4 : 174 / أبواب المواقيت ب 16 ح 5 ، الكافي 3 : 448 / 24.

3) هذا المقدار من التأخير يشمل عامة الصلوات ولا يختص بالمغرب ، فما هو وجه التخصيص بالذكر لولا ما ذكره المستدل من تأخير نفس الوقت عن استتار القرص. على أن التأخير المذكور أمر غير منضبط ، لاختلاف مقداره حسب اختلاف الموارد ، فالإحالة إليه إحالة إلى أمر مجهول.

متأخر عن الاستتار.

ومنها : صحيحة بكر بن محمد عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « أنه سأله سائل عن وقت المغرب ، فقال : إن اللّه يقول في كتابه لإبراهيم ( فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي ) وهذا أول الوقت .. » إلخ (1).

بتقريب (2)أن الكوكب لا يرى عادة إلا عند حلول الليل الملازم لذهاب الحمرة ولا يمكن رؤيته بمجرد الاستتار والغيبوبة.

فيندفع : بمنع الملازمة ، لقضاء الوجدان بمشاهدة بعض الكواكب النيرة ذات الأجرام الكبيرة قبل ذهاب الحمرة ، بل عند الغروب والسقوط ، بل قد يرى قبل السقوط أيضاً ولا أقل من كوكب واحد وهو الوارد في الآية المباركة. إذن فالرواية على خلاف المطلوب أدل وفي قول المشهور أظهر.

ومنها : رواية بريد بن معاوية العجلي في أحد طريقي الشيخ قال : « سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول : إذا غابت الحمرة من هذا الجانب ، يعني ناحية المشرق ، فقد غابت الشمس من شرق الأرض ومن غربها » (3).

وقد تقدم البحث حول هذه الرواية (4)وعرفت دلالتها (5)على اعتبار زوال


1) الوسائل 4 : 174 / أبواب المواقيت ب 16 ح 6.

2) بل بتقريب آخر يسلم عما أُورد عليه في المتن وهو : أن الصحيحة ناظرة إلى وقت جن الليل عليه وفي اللغة إن جن الليل على الشي‌ء هو ستره له ، ولا ستر إلا مع الظلمة المتأخرة عن الاستتار بكثير أقله زوال الحمرة المشرقية عن قمة الرأس ، فالعبرة برؤية الكوكب في هذه الحالة لا غير.

3) الوسائل 4 : 175 / أبواب المواقيت ب 16 / ح 7 ، التهذيب 2 : 29 / 84.

4) في ص 169 ، 171 مع اختلاف يسير في الألفاظ.

5) وقد عرفت المناقشة فيها [ راجع ص 169 ].

الحمرة عن تمام ربع الفلك من القطب الجنوبي إلى القطب الشمالي من ناحية المشرق ، ومن البيّن أنّ أرباب القول الأشهر لا يعتبرون ذلك بل يكتفون بذهابها عن قمة الرأس. فهذه الرواية على تقدير تماميتها والغض عمّا في سندها من الضعف بالقاسم بن عروة تدل على ثالث الأقوال في المسألة ولا ربط لها بالقول الأشهر.

ومنها : ما رواه محمد بن علي قال : « صحبت الرضا عليه‌السلام في السفر فرأيته يصلي المغرب إذا أقبلت الفحمة من المشرق يعني السواد » (1)فإن الفحمة إنما تقبل بتجاوز الحمرة عن قمة الرأس.

وفيه : مضافاً إلى ضعف السند إذ لا توثيق لمحمد بن علي ، وإلى أن فعله عليه‌السلام لا يدل على التحديد لاحتمال التأخير لغاية أُخرى ولو من باب استحباب التمسية بالمغرب قليلاً كما ستعرف ، أن الدلالة قاصرة إذ الفحمة إنما تقبل (2)عند سقوط القرص واستتاره كاقبال البياضة عند الطلوع ، فلدى غروب الشمس ترتفع الحمرة من نقطة المشرق تدريجاً ويتبعها السواد مباشرة كما يقضي به الحسّ والتجربة. إذن فالملازمة إنما هي بين إقبال الفحمة وبين الاستتار لا بينه وبين الزوال عن قمة الرأس كي تدل على القول الأشهر ، بل هي في الدلالة على القول المشهور أظهر حسبما عرفت.

ومنها : رواية شهاب بن عبد ربّه قال : « قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام : يا شهاب إني أُحب إذا صليت المغرب أن أرى في السماء كوكباً » (3).

وفيه : مضافاً إلى ضعف سندها بمحمد بن حكيم (4)وإلى أنّ المحبوبية تجتمع


1) الوسائل 4 : 175 / أبواب المواقيت ب 16 ح 8.

2) يمكن ان يقال : إن الإقبال هو مجي‌ء الشي‌ء نحو الإنسان واقترابه منه ، واقتراب الفحمة إنما هو بصيرورتها فوق الرأس كما لا يخفى ، وعليه فالدلالة تامة.

3) الوسائل 4 : 175 / أبواب المواقيت ب 16 ح 9.

4) ولكنه قدس‌سره ذكر في المعجم 17 : 36 / 10647 أنّه ممدوح.

مع الأفضلية فلا تدل على اللزوم ، أن الكوكب يرى (1)لدى سقوط القرص أيضاً كما تقدم. فهي إذن ظاهرة في مذهب المشهور لا الأشهر.

ومنها : ما رواه عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إنما أمرت أبا الخطاب أن يصلّي المغرب حين زالت الحمرة من مطلع الشمس ، فجعل هو الحمرة التي من قبل المغرب وكان يصلي حين يغيب الشفق » (2)، دلت على أنّ العبرة بزوال الحمرة المشرقية فلا يكفي مجرد الاستتار.

وفيه : مضافاً إلى ضعف السند بعلي بن يعقوب الهاشمي ، أن الدلالة قاصرة ، إذ المراد من مطلع الشمس كما سبق هو مكان طلوعها ونقطة خروجها ، لا الشرق كله ، وقد عرفت أنّ زوال الحمرة من تلك النقطة إنما يتحقق عند الاستتار وأول الغروب ، فهي إذن على خلاف المطلوب أدل.

ومنها : رواية محمد بن شريح عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سألته عن وقت المغرب ، فقال : إذا تغيّرت الحمرة في الأُفق وذهبت الصفرة ، وقبل أن تشتبك النجوم » (3)بتقريب أن تغيّر الحمرة كذهاب الصفرة لا يكونان إلا عند الزوال عن قمة الرأس.

وفيه أوّلاً : أن السند ضعيف بعلي بن الحارث وبكار بن بكر ، فإن الأول مجهول ، والثاني لم يوثق.

وثانياً : أن الدلالة قاصرة بشهادة التجربة ، فانّ تغيير الحمرة إنما يكون في أول الغروب ومنذ استتار الشمس في الأُفق وهو زمان ذهاب الصفرة أيضاً ، وكل ذلك قبل اشتباك النجوم (4)فهذه أيضاً على خلاف المطلوب أدل.

ومنها : صحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « قال


1) لكن الرؤية لم تكن دائمية وفي جميع الفصول.

2) الوسائل 4 : 175 / أبواب المواقيت ب 16 ح 10.

3) الوسائل 4 : 176 / أبواب المواقيت ب 16 ح 12.

4) لكن اشتباك النجوم إنما يكون بعد زوال الحمرة عن قمة الرأس بزمان معتد به فقبله ينطبق عليه.

لي مسّوا بالمغرب قليلاً ، فان الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب من عندنا » (1).

ويندفع : بأن مقتضى كرؤية الأرض اختلاف الطلوع والغروب حسب اختلاف البلاد والأصقاع ، فتغرب الشمس في بلد في ساعة ثم في آخر في ساعة أُخرى وهكذا ، بل هي لا تزال في طلوع وغروب ، ومن الضروري أن العبرة في كل بلد بطلوعه وغروبه ، سواء أتحقّق في بلد آخر أم لا. ومن ثم ورد : « وإنما عليك مشرقك ومغربك .. » (2).

وعليه ، فلم يتضح وجه صحيح للأمر بالتأخير في هذه الصحيحة إلا الحمل بعد فرض اتحاد أُفق البلدين على غيبوبة الشمس في بلد الراوي واستتارها عن الأنظار قبل دخولها تحت الأُفق لمكان الجبال والأطلال ، فأمره عليه‌السلام بالتأخير رعاية للاحتياط الناشئ من احتمال عدم تحقق الغروب واقعاً ، لا أنه قد تحقق ومع ذلك يأمر بالتأخير لمكان تجاوز الحمرة عن قمة الرأس كما هو المدعى ، هذا أوّلاً.

وثانياً : سلّمنا أن الأمر بالتأخير كان بعد تحقق الغروب ، لكن المأمور به لما كان هو التمسية قليلاً المحقق طبعاً قبل التجاوز عن قمة الرأس ، فهو محمول على الاستحباب بقرينة ما دل على دخول الوقت باستتار القرص وبرؤية الكوكب كما تقدم المتحققين قبل ذلك. على أن التمسية القليلة أمر متعارف لجريان العادة على الصلاة بعد المغرب بشي‌ء ، إذ لا تؤدى الفريضة عند سقوط القرص غالباً (3).

ومنها : رواية عبد اللّه بن وضاح قال : « كتبت إلى العبد الصالح عليه‌السلام يتوارى القرص ويقبل الليل ثم يزيد الليل ارتفاعاً وتستتر عنا الشمس وترتفع فوق الجبل حمرة ويؤذّن عندنا المؤذّنون أفأُصلي حينئذ وأفطر إن كنت صائماً


1) الوسائل 4 : 176 / أبواب المواقيت ب 16 ح 13.

2) الوسائل 4 : 198 / أبواب المواقيت ب 20 ح 2.

3) لكن هذا لا يختص ببلدهم دون بلده عليه‌السلام وقد فرّق بينهما في الرواية.

أو انتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الجبل؟ فكتب إلى : أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة وتأخذ بالحائطة لدينك » (1)دلت على عدم كفاية الاستتار المفروض في السؤال ولزوم الانتظار حتى تزول الحمرة ، غير أنه عليه‌السلام علله بالاحتياط لمراعاة التقية.

وفيه : أنه لم يفرض في السؤال تيقّن الراوي (2)باستتار القرص ومواراته تحت الأُفق ، وإنما المفروض مواراته عن النظر ، ولعله يكون خلف الجبل ، بل إن قوله « وترتفع فوق الجبل حمرة » يكشف عن كونه شاكاً في ذلك كما لا يخفى.

وعليه ، فلا وجه لحمل التعليل على الاحتياط في الشبهة الحكمية ليلزم حمله على التقية من أجل امتناع إرادته من الامام العالم بالأحكام الواقعية ، بل هو ناظر إلى الاحتياط في الشبهة الموضوعية من أجل شك السائل في تحقق الغروب وعدمه كسائر الأوامر الاحتياطية الواردة في الشبهات الموضوعية. إذن فالرواية أظهر دلالة على المسلك المشهور من دلالتها على المسلك الأشهر.

وأما الطعن في السند باشتماله على سليمان بن داود المنقري الذي تعارض فيه توثيق النجاشي (3)مع تضعيف ابن الغضائري (4)، فيردّه : عدم قدح التضعيف المزبور لعدم ثبوت الكتاب المنسوب إليه ، ومعه كان التوثيق سليماً عن المعارض ، فلا نقاش في السند ، والعمدة ضعف الدلالة كما عرفت.

ومنها : رواية جارود قال : « قال لي أبو عبد اللّه عليه‌السلام : يا جارود ينصحون فلا يقبلون ، وإذا سمعوا بشي‌ء نادوا به ، أو حدّثوا بشي‌ء أذاعوه ، قلت


1) الوسائل 4 : 176 / أبواب المواقيت ب 16 ح 14.

2) كيف لم يكن متيقناً وأمامه حجة شرعية وهي أذان المؤذنين العارفين بالوقت على مذهبهم. مضافاً إلى الحمرة المشرقية المرفوعة فوق الجبل الملازمة للاستتار ، ولا سيما مع التعبير بإقبال الليل مؤكداً ذلك بازدياده ارتفاعاً ، وبضميمة كون التعليل بالاحتياط للتقية تتم دلالة الرواية.

3) رجال النجاشي : 184 / 488.

4) خلاصة الأقوال : 352 / 1388.

لهم : مسّوا بالمغرب قليلاً فتركوها حتى اشتبكت النجوم فأنا الآن أُصليها إذا سقط القرص » (1)، فان قوله عليه‌السلام : « مسّوا » أي صلوا مساءً وأخّروها يدل على وجوب التأخير عن سقوط القرص الملازم لذهاب الحمرة عن قمة الرأس ، وإنما لم يفعل هو عليه‌السلام لمراعاة التقية بعد ما فعلوه من إذاعة السر.

ويندفع : بأن التمسية القليلة المأمور بها غير ملازمة لذهاب الحمرة ، لعدم افتراضه في الرواية ، فهو طبعاً محمول على الفضل ، وحيث إنه بعد الإذاعة أصبح خلاف التقية تركه واختار الفرد المفضول ، لا أنه عليه‌السلام صلى قبل الوقت تقية ليدل على القول الأشهر ، بل هي في الدلالة على القول المشهور أظهر حسبما عرفت.

أضف إلى ذلك : أن السند غير نقي ، لاحتمال اشتماله على إسماعيل بن أبي سماك ولم تثبت وثاقته ، فان توثيق النجاشي راجع إلى أخيه إبراهيم لا إليه نفسه فلاحظ (2).

والمتحصل من جميع ما تقدم : أن النصوص المستدل بها للقول الأشهر غير صالحة للاستدلال بها ، لضعفها سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو (3).

ثم إنه ربما يستدل لهذا القول بأن تحديد الوقت بذهاب الحمرة عن قمة الرأس أمر شائع ذائع عند الإمامية ، وهو من مختصاتهم ومتفرداتهم بحيث أصبح شعاراً لهم ورمزاً وبه يمتازون عن غيرهم ، حتى أن المصلي عند سقوط القرص يتهم بالخلاف ، وقد كان هذا معهوداً منذ زمن المعصومين عليهم‌السلام كما يفصح عنه ما رواه في المجالس بإسناده عن الربيع بن سليمان وأبان ابن أرقم وغيرهم قالوا : « أقبلنا من مكة حتى إذا كنا بوادي الأخضر إذا نحن برجل يصلي ونحن ننظر إلى شعاع الشمس فوجدنا في أنفسنا ، فجعل يصلي


1) الوسائل 4 : 177 / أبواب المواقيت ب 16 ح 15.

2) رجال النجاشي : 21 / 30.

3) بل قد تقدم قوة بعضها سنداً ودلالة ومعه لم يكن بدّ من حمل معارضها على التقية.

ونحن ندعو عليه حتى صلى ركعة ونحن ندعو عليه ، ونقول هذا شباب من شباب أهل المدينة ، فلما أتيناه إذا هو أبو عبد اللّه جعفر بن محمد عليه‌السلام فنزلنا فصلينا معه وقد فاتتنا ركعة ، فلما قضينا الصلاة قمنا إليه فقلنا : جعلنا فداك هذه الساعة تصلي ، فقال : إذا غابت الشمس فقد دخل الوقت » (1).

فإنها خير شاهد على أن إناطة الوقت بذهاب الحمرة عن قمة الرأس كان من الواضحات عند الإمامية وأمراً مفروغاً عنه بينهم مركوزاً في أذهانهم ، وإلا فكيف غضبوا من فعل المصلي قبل أن يعرفوا أنه الصادق عليه‌السلام حيث قالوا فوجدنا في أنفسنا أي غضبنا.

والجواب : أن كون ذلك شعاراً لهم ورمزاً وإن لم يكن مساغ لإنكاره ، إلا أنه مع ذلك لا دلالة له بوجه على لزوم التأخير ، إذ من الجائز أن يكون ذلك من سنخ الشعائر القائمة على نبذ مما التزموا به عملاً مع اعترافهم باستحبابه من غير نكير كالقنوت ، فإنك لا تكاد ترى إماميّاً يتركه في صلاته من غير عذر مع أنه لا يرى وجوبه. فلا ملازمة بين البناء العملي على شي‌ء وبين وجوبه فليكن المقام من هذا القبيل ، ولا سيما بعد ملاحظة أن الروايات الواردة في جواز ترك القنوت قد ورد مثلها في المقام أيضاً. ومنه تعرف الحال في الرواية ، فإن غاية ما يستفاد منها أن تأخير الصلاة عن استتار القرص أمر مرغوب فيه عند الإمامية ، وأما وجوبه فكلاّ. مضافاً إلى ضعف سندها بعدّة من المجاهيل.

وقد استبان لك من جميع ما قدمناه لحدّ الآن أن القول المنسوب إلى الأشهر أو الأكثر لا يسعنا الالتزام به ، إذ لا سبيل إلى إتمامه بدليل تركن إليه النفس ، بل الدليل قائم على خلافه ، ومقتضى الصناعة هو المصير إلى القول المشهور من دخول الوقت بسقوط القرص واستتار الشمس تحت الأُفق الذي اختاره جماعة من المحققين. منهم المحقق (2)وصاحب المدارك (3)وغيرهما ، فقد دلت


1) الوسائل 4 : 180 / أبواب المواقيت ب 16 ح 23 ، أمالي الصدوق : 140 / 143.

2) الشرائع 1 : 72.

3) المدارك 3 : 53.

عليه جملة وافرة من النصوص المعتبرة فيها الصحاح والموثقات ، أما غير المعتبرة فكثيرة.

فمن جملة الروايات المعتبرة صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : سمعته يقول : « وقت المغرب إذا غربت الشمس فغاب قرصها » (1).

ومنها : صحيحة زرارة قال : « قال أبو جعفر عليه‌السلام : وقت المغرب إذا غاب القرص فإن رأيت بعد ذلك وقد صليت أعدت الصلاة ومضى صومك وتكف عن الطعام إن كنت أصبت منه شيئاً » (2).

ومنها : صحيحته الأُخرى عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر والعصر ، وإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة » (3).

ومنها : موثقة إسماعيل بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : كان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله يصلي المغرب حين تغيب الشمس حيث تغيب حاجبها » (4).

وهذه أصرح روايات الباب في الدلالة على دخول الوقت بمجرد الاستتار ، فان التعبير بالحاجب لمشابهة آخر القرص به عند الغروب.

نعم ، لا يراد من ذلك وقوع أول جزء من الصلاة مقارناً لغروب آخر جزء من الحاجب على سبيل التدقيق ، بل المراد إيقاع الصلاة حينئذ على النهج المتعارف من الإتيان بالمقدمات كالأذان والإقامة ونحوهما بعد دخول الوقت ، لا أنه صلی اللّه عليه وآله كان يقدّم هذه الأُمور كلها على الوقت ليصلي حين تغيب حتى يلتجئ إلى حمل الرواية على النسخ كما صنعه (5)صاحب الوسائل.


1) الوسائل 4 : 178 / أبواب المواقيت ب 16 ح 16 ، 17.

2) الوسائل 4 : 178 / أبواب المواقيت ب 16 ح 16 ، 17.

3) الوسائل 4 : 183 / أبواب المواقيت ب 17 ح 1.

4) الوسائل 4 : 182 / أبواب المواقيت ب 16 ح 27.

5) الذي دعاه إلى ما صنع هو علاج المعارضة وتقديم نصوص زوال الحمرة ، لا ما ذكر فلاحظ.

ومنها : موثقة إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سألته عن وقت المغرب ، قال : ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق » (1).

ومنها : صحيحة صفوان بن مهران الجمال قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : إن معي شبه الكرش المنشور فأُؤخر صلاة المغرب حتى عند غيبوبة الشفق ثم أُصليهما جميعاً يكون ذلك أرفق بي ، فقال : إذا غاب القرص فصل المغرب فإنما أنت ومالك لله » (2).

ومنها : موثقة سماعة بن مهران قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام في المغرب : إنّا ربما صلينا ونحن نخاف أن تكون الشمس خلف الجبل أو قد سترنا منها الجبل ، قال فقال : ليس عليك صعود الجبل » (3).

ونوقش في السند باشتماله على أحمد بن هلال المرفوض حديثه عند القوم ، بل قيل في حقه إنه لا دين له ، لانتسابه إلى الغلو مرّة وإلى النصب اخرى ، ولكنا بنينا أخيراً على وثاقته وأن ما قيل في حقه إما لا أساس له ، أو لا ينافي وثاقته. على أنه مذكور في طريق الشيخ ، وأما طريق الصدوق فهو خال عنه وليس فيه من يغمز فيه ما عدا عثمان بن عيسى ، وقد عدّه الكشي من أصحاب الإجماع (4)، مع أنه من رجال كامل الزيارات. إذن فالرواية نقية السند.

كما أنها واضحة الدلالة ، ضرورة أن خوف كون الشمس خلف الجبل إنما يستقيم لو كان الاعتبار بالاستتار ، أما لو كان بالذهاب عن القمّة فلا موضوع له ، بداهة عدم الذهاب عنها قبل سقوط القرص ، فلو ذهبت الحمرة كما هو مقتضى فرض الدخول في الصلاة فقد تحقق السقوط جزماً. فأيّ معنى للشك بعد هذا ليجيب عليه‌السلام : « بأنه ليس عليك صعود الجبل ».


1) الوسائل 4 : 182 / أبواب المواقيت ب 16 ح 29.

2) الوسائل 4 : 193 / أبواب المواقيت ب 18 ح 24.

3) الوسائل 4 : 198 / أبواب المواقيت ب 20 ح 1.

4) رجال الكشي : 556 / 1050.

وعلى الجملة : الغروب بهذا المعنى لا يتصور فيه شك يزول بالصعود على الجبل ، وإنما يزول بالفحص عن تجاوز الحمرة عن قمة الرأس صعد أم لم يصعد وإنما ينفع الصعود لو كان الغروب بمعنى استتار القرص ، لاحتمال كونه خلف الجبل فيصعد ليفحص عن الأُفق فيصح النهي عنه على هذا التقدير.

ثم إن الرواية لمّا كانت بظاهرها مخالفة للقواعد ، إذ مع الشك في الغروب كان المرجع أصالة عدمه ، ومعه لا يسوغ الإفطار ولا الدخول في الصلاة ، ولذا قال في الحدائق إنها لا تنطبق على شي‌ء من القولين في الغروب. فمن ثم حملها جمع من الأصحاب ومنهم صاحب الحدائق على التقية (1).

أقول : لا يبعد حمل الرواية على صورة وجود أمارة معتبرة على الغروب كارتفاع الحمرة عن نقطة المشرق ومطلع الشمس ، حيث عرفت أنه ملازم لسقوط القرص واستتاره في الأُفق ، فيحتمل أن سماعة قد دخل في الصلاة اعتماداً على تلك الأمارة ، وبعد أن دخل غفل عن الملازمة فعرضه الشك ، وقد نهاه عليه‌السلام عن الصعود اكتفاءً بتلك الأمارة. إذن فلا مقتضي للحمل على التقية بعد انطباق الرواية على القول المشهور من تحقق الغروب بغيبوبة الشمس.

نعم ، هناك رواية أُخرى نظير هذه ولا تصلح للاستدلال ، وهي رواية أبي أُسامة أو غيره قال : « صعدت مرّة جبل أبي قبيس والناس يصلون المغرب فرأيت الشمس لم تغب إنما توارت خلف الجبل عن الناس ، فلقيت أبا عبد اللّه عليه‌السلام فأخبرته بذلك ، فقال لي : ولِم فعلت ذلك؟ بئس ما صنعت إنما تصليها إذا لم ترها خلف جبل غابت أو غارت ما لم يتجللها سحاب أو ظلمة تظلها ، وإنما عليك مشرقك ومغربك ، وليس على الناس أن يبحثوا » (2)فان مقتضاها تحقق الغروب بمجرد غيبوبة القرص عن النظر ، سواء أغابت في الأُفق


1) الحدائق 6 : 168.

2) الوسائل 4 : 198 / أبواب المواقيت ب 20 ح 2.

أم لا ، وأن من لم يرها حلّ الوقت بالإضافة إليه وإن لم تغب في الأُفق ، بل ولو مع العلم بذلك وكونها موجودة خلف الجبل. وهذا مما لم يقل به أحد من الأصحاب ومخالف لجميع نصوص الباب التي لا يبعد فيها دعوى التواتر الإجمالي فهي مطروحة لا محالة.

والذي يسهّل الخطب أنها ضعيفة السند للإرسال على طريق الشيخ ، حيث رواها عن أبي أُسامة أو غيره (1). وأما الصدوق (2)فهو وإن رواها عن أبي أُسامة زيد الشحام وقد وثقه الشيخ (3)إلا أن طريقه إليه ضعيف بأبي جميلة مفضل بن صالح ، فلا يعوّل عليها على التقديرين.

هذا كله في الروايات المعتبرة الدالة على القول المشهور. وأما غير المعتبرة المؤيدة لها فقد عرفت أنها كثيرة جدّاً كمرسلة الصدوق ورواية جابر ومرسلة علي بن الحكم (4)وغيرها ، ولا يبعد بلوغ المجموع من الطرفين حدّ التواتر الإجمالي ، فهي على تقدير تواترها قطعية ولا أقل من أن شطراً وافراً منها معتبرة صحيحة أو موثقه ، فهي قوية السند واضحة الدلالة.

وأما نصوص القول الأشهر فقد عرفت أنها ضعيفة السند أو الدلالة على سبيل منع الخلو فلا تنهض لمقاومتها. مضافاً إلى أنها بين ما هو ظاهر في القول المشهور وما هو مجمل لا يدل على شي‌ء من القولين ، وليس فيها ما يدل على هذا القول صريحاً عدا مرسلة ابن ابي عمير غير القابلة للاعتماد لمكان الإرسال وغير الناهضة لمقاومة النصوص المزبورة.

إذن لم يكن بد من الالتزام بما عليه المشهور من دخول الوقت بمجرد الاستتار وسقوط القرص.


1) التهذيب 2 : 264 / 1053.

2) الفقيه 1 : 142 / 661.

3) الفهرست : 71 / 288.

4) الوسائل 4 : 179 / أبواب المواقيت ب 16 ح 18 ، 20 ، 25.

وينبغي التنبيه على أُمور :

الأول : أن صاحب الوسائل بعد أن تعرّض لنصوص القول الأشهر حكم بترجيحها على نصوص القول الآخر بوجوه ، منها أنها أقرب إلى الاحتياط (1).

وفيه : ما لا يخفى ، فان المستفاد من الآية المباركة ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) (2)بضميمة ما ورد في تفسيرها ، هو أنّ كل جزء مما بين الحدين وقت لإحدى الصلوات الأربع ، فمن الدلوك إلى المغرب للظهرين ، ومنه إلى الغسق للعشاءين.

إذن فأول وقت المغرب هو آخر وقت الظهرين مقارناً مبدؤه لمنتهاه ومتصلاً به من غير فترة فاصلة. والظاهر أن هذا مما لا خلاف فيه ، بل في الرياض دعوى الإجماع عليه (3).

وعليه فلو فسّرنا المغرب بزوال الحمرة عن قمة الرأس فنسأل عن أن الفترة المتخللة بينه وبين سقوط القرص الذي تستوعب أكثر من عشر دقائق هل يجوز إيقاع الظهرين فيها أو لا يجوز ، بل يكون حالها كما بين طلوع الشمس وزوالها الذي لا يكون وقتاً لشي‌ء من الصلوات؟ فان قيل بالثاني كان ذلك مخالفاً لما عرفت من الاتصال ، وأن أحد الوقتين عقيب انتهاء الآخر بلا فصل ، وإن قيل بالأول فالخطب أفضع ، وكيف يصح القول بجواز إتيانهما في هذه الحالة والنصوص تنادي بانتهاء وقتهما بسقوط القرص وغيبوبة الشمس ، بل كيف يصح التوصيف بصلاة الظهر وقد دخل الليل وانتهى النهار بكامله.

وعلى الجملة : لازم القول الأشهر بعد ملاحظة الاتصال المزبور المفروغ عنه بينهم كما عرفت ، جواز إيقاع الظهرين بعد الغروب ، وهو مخالف للاحتياط جدّاً لو لم يكن مقطوع العدم ، فيكف يدعى أنه موافق له.


1) الوسائل 4 : 177.

2) الإسراء 17 : 78.

3) الرياض 3 : 34.

وهذا بخلاف ما لو فسّرناه بسقوط القرص ، فإنه لا بشاعة في الالتزام بلازمه من جواز الإتيان بصلاة المغرب حينئذ مباشرة ، بل قد نطقت به جملة من النصوص كما سمعت.

نعم ، الأحوط عملاً التأخير حذراً عن مخالفة القول الأشهر وهو أمر آخر.

الأمر الثاني : أنّ ما أسلفناك من توصيف القول باعتبار ذهاب الحمرة المشرقية عن قمّة الرأس بالأشهر والقول الآخر بالمشهور إنما هو لمتابعة المحقق حيث عبّر عن القولين بمثل ذلك.

وبعد ملاحظة الكلمات يظهر أن المصرحين بزوال الحمرة عن قمة الرأس قليلون ، والوارد في عبائر الأكثرين هكذا : ذهاب الحمرة عن المشرق أو زوال الحمرة المشرقية. وهذه العبارة كما ترى غير ظاهرة في ذلك لو لم تكن ظاهرة في زوالها عن نقطة المشرق ومطلع الشمس الملازم لغيبوبة القرص تحت الأُفق ، والذي عرفت ظهور جملة من الأخبار فيه ، أو حملها عليه. إذن فمن الجائز حمل كلماتهم كالنصوص على هذا المعنى. وعليه فينقلب الأمر ويكون الأشهر هو القول باستتار القرص ، والذهاب عن القمة قولاً نادراً في المسألة.

الأمر الثالث : بناءً على تفسير الغروب باستتار القرص كما هو المختار فالأمر في الطلوع واضح ، فإنه يراد به صيرورة الشمس فوق الأُفق في مقابل الغروب المراد به صيرورتها تحته وهذا ظاهر.

وأما بناءً على تفسيره بذهاب الحمرة عن قمة الرأس فربما يقال إن مقتضى المقابلة الالتزام بمثله في الطلوع أيضاً ، وأنه يتحقق قبل الطلوع الحسي ، أي قبل ظهور الشمس فوق الأُفق بمقدار تأخر زوال الحمرة عن استتار القرص تحت الأُفق ، أي ما يعادل عشر دقائق تقريباً وإن لم نشاهدها حساً كما كان هو الحال في الغروب ، حيث عرفت أن أرباب هذا القول يزعمون أن الشمس موجودة قبل ذهاب الحمرة فوق الأُفق وإن لم تكن مرئية. وعليه فينتهي وقت صلاة الصبح عند ظهور الحمرة ، أي قبل عشر دقائق تقريباً من طلوع الشمس حساً.

ويعرف نصف الليل بالنجوم (1)الطالعة أول الغروب إذا مالت عن دائرة نصف النهار إلى طرف المغرب ، وعلى هذا فيكون المناط نصف ما بين غروب الشمس وطلوعها لكنه لا يخلو عن إشكال (2)(1) ،


ولكنه بمراحل عن الواقع ، بداهة أن مفهوم الطلوع المجعول غاية لوقت صلاة الفجر كمفهوم الغروب أمر بيّن لدى العرف يعرفه كل أحد من غير شائبة الإجمال ولا تردد في فهم المراد ، فإنه عبارة عن ظهور الشمس حساً فوق الأُفق أو استتارها كذلك تحته ، ما لم يكن حاجب من الجبال والأطلال ونحوهما. فالمفهوم العرفي لكل منهما واضح لا غبار عليه ، غاية الأمر ورود روايات ظاهرة أو صريحة كما يزعمون في أنّ الغروب إنما يتحقق بزوال الحمرة ، وأن الغروب الشرعي مغاير مع الغروب العرفي. وهذا لا يستلزم بوجه الالتزام بمثله في الطلوع ، والتصرف في ظاهره بعد عرائه عن مثل تلك النصوص.

وبعبارة اخرى : الخروج عن المفهوم العرفي في الغروب لأجل الروايات الخاصة القاضية بذلك لا يستدعي الخروج عنه في الطلوع وارتكاب خلاف الظاهر فيه أيضاً من غير ضرورة تقتضيه ولا ملزم يدعو إليه ولا سيما بعد ورود روايات في الطلوع خالية عن الإيعاز إلى ذلك وهي واردة في مقام البيان. إذن لا ينبغي التشكيك في امتداد وقت فريضة الفجر إلى أن تبرز الشمس عن الأُفق بروزاً حسياً تحفظاً على إبقاء اللفظ على ما هو عليه من معناه العرفي سواء أقلنا بذلك في الغروب أم لا.

(1) هل المراد من منتصف الليل المجعول غاية للعشاءين ومبدءاً لصلاة الليل هو نصف ما بين غروب الشمس وطلوعها ، أو ما بينه وبين طلوع الفجر ،


1) (*) هذا إنّما يتم فيما إذا كان مدار النجم متحداً مع مدار الشمس.

2) (**) الظاهر أنّه لا إشكال فيه ، ورعاية الاحتياط أولى.

وحيث إن ما بين الطلوعين يعادل ساعة ونصف الساعة تقريباً ، فالتفاوت بين القولين يكون حوالي ثلاثة أرباع الساعة.

لعل المعروف هو الثاني حيث لم ينسب الأول إلا إلى نفر يسير ، ولكنه مع ذلك هو الأقوى ، لأجل التعبير بالغسق في قوله تعالى ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) (1)بضميمة الروايات المفسّرة له بمنتصف الليل.

وتوضيحه : أن الغسق وإن فسّر في اللغة بظلمة أول الليل تارة وبشدة ظلام الليل اخرى (2)، لكن النصوص الواردة في تفسير الآية المباركة تعيّن المعنى الثاني.

ففي صحيحة زرارة « ... وغسق الليل هو انتصافه .. » إلخ (3).

وفي صحيحة بكر بن محمد : « ... وآخر وقتها إلى غسق الليل يعني نصف الليل » (4)وذلك لأن اشتداد ظلمة الليل ونهايتها إنما هو في المنتصف مما بين غروب الشمس وطلوعها.

توضيح المقام : أن تنوّر أيّ نقطة من الكرة الأرضية أو ظلامها يستند إلى الاقتراب من الشمس أو الابتعاد عنها ، كما أن شدّتهما وضعفهما يستندان إلى كمية الاقتراب أو الابتعاد ، فعند أوان الفجر يبدو ضياء خفيف في الأُفق ثم يزداد شيئاً فشيئاً حتى تطلع الشمس ، ثم يأخذ في الاشتداد تدريجاً نتيجة اقتراب الشمس حتى تبلغ دائرة نصف النهار فيصل النور حينئذ إلى قمته ومنتهاه ، لأنها نهاية اقتراب الشمس من الأرض في قوس النهار.

وبعد الميل والانحدار عن تلك الدائرة تأخذ في الابتعاد ، ولأجله يضعف الضياء وينتقص النور شيئاً فشيئاً إلى أن تصل الشمس نقطة الغروب فيظلم


1) الإسراء 17 : 78.

2) مجمع البحرين 5 : 222.

3) الوسائل 4 : 10 / أبواب أعداد الفرائض ب 2 ح 1.

4) الوسائل 4 : 174 / أبواب المواقيت ب 16 ح 6.

الجو حينئذ بمقدار ضئيل ، وكلما أخذت الشمس في الابتعاد أخذت الظلمة في الاشتداد إلى أن تصل النقطة المسامتة لدائرة نصف النهار ، ولنعبّر عنها بدائرة نصف الليل ، فان هذه النقطة هي غاية ابتعاد الشمس ، وبطبيعة الحال هي غاية اشتداد الظلام ، ثم ترجع بعدئذ وتأخذ في سبيل الاقتراب الموجب للاضاءة والإنارة إلى أن يطلع الفجر حسبما عرفت.

ومنه يظهر أن شدّة الظلام ومنتهاه هو عند ما تصل الشمس إلى ما يقابل دائرة نصف النهار من قوس الليل ، فهو عبارة عن منتصف ما بين غروب الشمس وطلوعها ، إذ في النصف ما بينه وبين طلوع الفجر الذي يكون حوالي ثلاثة أرباع الساعة قبل هذا الوقت لم تتحقق بعد غاية الظلام (1)ولا نهاية البعد ، فلم يكن هذا الحين مصداقاً للغسق ليتصف بمنتصف الليل ، ونتيجة ذلك انطباق نصف الليل على النقطة المتوسطة ما بين غروب الشمس وطلوعها.

ويعضده : أن المتفاهم العرفي من هذه اللفظة عند الإطلاق هو ذلك ، لأن النهار عندهم هو ما بين طلوع الشمس وغروبها ، فنصف النهار هو الساعة الثانية عشرة ، ومقتضى المقابلة أن يكون نصف الليل هو الساعة الثانية عشرة أيضاً التي هي منتصف ما بين غروب الشمس وطلوعها.

ويتأيد ذلك بروايتين لولا ضعفهما لكانتا دليلين على المطلوب :

إحداهما : رواية عمر بن حنظلة « أنه سأل أبا عبد اللّه عليه‌السلام فقال له : زوال الشمس نعرفه بالنهار فكيف لنا بالليل؟ فقال : للّيل زوال كزوال الشمس ، قال : فبأيّ شي‌ء نعرفه؟ قال : بالنجوم إذا انحدرت » (2)حيث يستفاد منها أنه كما أن انحدار الشمس بعد ارتفاعها ونهاية صعودها يدل على الزوال وحلول نصف النهار ، فكذلك انحدار النجوم الطالعة عند الغروب ، فإنه يدل


1) لعل هذا خلاف ما هو المحسوس بالوجدان من عدم اختلاف الساعات المتوسطة من الليل في شدّة الظلام.

2) الوسائل 4 : 273 / أبواب المواقيت ب 55 ح 1.

على انتصاف الليل ، أي النصف من غروب الشمس إلى طلوعها على غرار نصف النهار.

بيد أن عمر بن حنظلة لم يوثق فلا تصلح إلا للتأييد.

ولا يخفى أن كون الانحدار المزبور علامة على الانتصاف موقوف على أمرين :

أحدهما : إرادة النجوم الطالعة أول الليل وعند الغروب.

ثانيهما : إرادة النجوم الدائرة في مدار الشمس والمتحدة معها في مداراتها ضرورة أنها مختلفة ، ومن ثم قد يكون الليل أطول من النهار ، وقد يكون أقصر وربما يتساويان أي المدارات.

فإنه لو انتفى الأمر الأول فكانت النجوم طالعة قبل الغروب بأمتار أو بعده بزمان ، فلا جرم تنحدر قبل الانتصاف في الأول وبعده في الثاني ، فلا يكون انحدارها دليلاً على الانتصاف ، كما أنه لو انتفى الأمر الثاني فاختلف المدار وكان مسير الشمس ومدارها ليلاً أربع عشرة ساعة مثلاً وسير النجوم أقل من ذلك أو بالعكس ، فإنها تنحدر قبل الانتصاف أو بعده بطبيعة الحال وإن اتحدت معها في الطلوع.

نعم ، مع الاتحاد من كلتا الناحيتين كان انحدارها علامة على الانتصاف ، شريطة اللحاظ من الغروب إلى طلوع الشمس كما عرفت. وأما لو لوحظ الانتصاف منه إلى طلوع الفجر فكلاّ ، ضرورة تحقق الانتصاف حينئذ قبل الانحدار.

ثانيتهما : رواية أبي بصير عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : دلوك الشمس زوالها ، وغسق الليل بمنزلة الزوال من النهار » (1)فإنها ظاهرة الدلالة على تحقق الانتصاف عند ما تزول الشمس عن دائرة نصف الليل المحاذية لدائرة نصف


1) الوسائل 4 : 273 / أبواب المواقيت ب 55 ح 2.

لاحتمال أن يكون نصف ما بين الغروب وطلوع الفجر كما عليه جماعة (1) والأحوط مراعاة الاحتياط هنا وفي صلاة الليل التي أوّل وقتها بعد نصف الليل.


النهار ، غير أن السند ضعيف بأحمد بن عبد اللّه القروي مضافاً إلى جهالة طريق (1)السرائر إلى كتاب محمد بن علي بن محبوب ، فلا تصلح إلا للتأييد.

(1) بل هو المشهور كما تقدم ، فان القول الآخر الذي عرفت أنه الصواب لم ينسب إلا إلى جماعة قليلين.

وكيف ما كان ، فهذا القول مبني إما على دعوى أن ما بين الطلوعين ملحق بالنهار وأن الليل إنما هو من الغروب إلى طلوع الفجر كما هو المشهور بين الأصحاب على ما يظهر من الجواهر حيث قال ما لفظه : سواء قلنا بأن ساعة الفجر من النهار واليوم كما هو المعروف ... إلخ. وقال أيضاً : لكن لا ينبغي أن يستريب عارف بلسان الشرع والعرف واللغة أن المنساق من إطلاق اليوم والنهار والليل في الصوم والصلاة ومواقف الحج ، والقسم بين الزوجات ، وأيام الاعتكاف وجميع الأبواب ، أن المراد بالأولين من طلوع الفجر الثاني إلى الغروب ، ومنه إلى طلوعه بالثالث ، كما قد نص عليه غير واحد من الفقهاء والمفسرين واللغويين فيما حكي عنهم ... إلخ (2).

أو على دعوى أنه بحياله زمان مستقل لا من الليل ولا من النهار.

لكن الدعوى الثانية مضافاً إلى شذوذ قائلها موهونة في نفسها ، لضعف مستندها فإنه روايتان :

إحداهما : رواية أبي هاشم الخادم قال : « قلت لأبي الحسن الماضي ( عليه


1) بل هو صحيح ، لوصول الكتاب إليه بخط الشيخ الطوسي ، وطريقه إليه صحيح كما نبّه عليه الأُستاذ قدس‌سره غير مرّة.

2) الجواهر 7 : 219 ، 220.

السلام ) لِمَ جعلت صلاة الفريضة والسنة خمسين ركعة لا يزاد فيها ولا ينقص منها؟ قال : لأن ساعات الليل اثنتا عشرة ساعة ، وفيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ساعة ، وساعات النهار اثنتا عشرة ساعة ، فجعل اللّه لكل ساعة ركعتين ، وما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق غسق فجعل للغسق ركعة » (1)وهي ضعيفة السند بعدة من المجاهيل. مضافاً إلى أن مقتضاها أن ما بين المغرب وسقوط الشفق أيضاً ساعة مستقلة لم تكن من الليل والنهار ، ولم يقل به أحد.

ثانيتهما : رواية عمر بن أبان الثقفي قال : « سأل النصراني الشامي الباقر عليه‌السلام عن ساعة ما هي من الليل ولا هي من النهار ، أيّ ساعة هي؟ قال أبو جعفر عليه‌السلام : ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. قال النصراني : إذا لم يكن من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فمن أيّ ساعات هي؟ فقال أبو جعفر عليه‌السلام : من ساعات الجنة وفيها تفيق مرضانا ، فقال النصراني : أصبت » (2). ورواها في الجواهر عن أبان الثقفي (3)، والصواب ما عرفت. وكيف ما كان فهي أيضاً ضعيفة السند.

والعمدة إنما هي الدعوى الاولى ، ويستدل لها بالكتاب والسنة : أما الكتاب فقد استدل في الجواهر (4)بعدة آيات قاصرة (5)الدلالة عمدتها قوله تعالى :


1) الوسائل 4 : 52 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 20.

2) المستدرك 3 : 165 / أبواب المواقيت ب 49 ح 5. [ والموجود في المصدر تفسير القمي 1 : 98 إسماعيل بن أبان عن عمر ( عمير ) بن عبد اللّه الثقفي ، والرواية معتبرة على مبناه قدس‌سره من توثيق رجال القمي ].

3) الجواهر 7 : 227.

4) الجواهر 7 : 221 225.

5) لا قصور في جملة منها كقوله تعالى في سورة القدر ( سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) [ القدر 97 : 5 ] بناء على ظهور « حتى » في أن ما بعده غاية للموضوع لا أنه مقيد له بإخراج بعض الليل ، بل في الجواهر أنه مما لا ينبغي الإصغاء إليه ، وآيات الصوم ، والآيات التي قوبل فيها بين الليل والصبح ، أو بين البيات والنهار ، وناهيك قوله سبحانه ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ) [ ق 50 : 39 40 ] لظهوره بمقتضى المقابلة في أن التسبيح قبل الطلوع المراد به صلاة الفجر واقع في غير الليل ، إلى غير ذلك مما هو مذكور في الجواهر وغيره ولا سيما في البحار 80 : 74 حيث أسهب المجلسي في الموضوع وأعطى البحث حقه فليلاحظ.

( وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ ) (1)بدعوى أن المراد بالطرفين الغداة والمغرب كما فسّرت بذلك في صحيحة زرارة (2)وحيث إنّ طرف الشي‌ء داخل فيه فيكون الغداة داخلاً في النهار.

وفيه : أن طرف الشي‌ء كما يطلق على ما هو داخل فيه كالجزء الأول والأخير ، كذلك يطلق على ما هو خارج عنه متصل به كحدّ له ، ولا شبهة أن المراد من أحد الطرفين في الآية المباركة هو المعنى الثاني كما سمعت من تفسيره بالمغرب الذي هو خارج عن النهار قطعاً ، فلا بد بمقتضى المقابلة واتحاد السياق (3)أن يكون الطرف الآخر أيضاً كذلك. إذن فالآية المباركة على خلاف المطلوب أدلّ.

وأما السنّة فروايات : منها :

النصوص الواردة في استحباب الغلس بصلاة الفجر ، أي الإتيان بها عند طلوع الفجر وأول ما يبدو قبل استعراض البياض ، وأن الصادق عليه‌السلام كان يفعل كذلك ، ويقول : إن ملائكة الليل تصعد وملائكة النهار تنزل عند


1) هود 11 : 114.

2) الوسائل 4 : 10 / أبواب أعداد الفرائض ب 2 ح 1.

3) لا قرينيّة لاتحاد السياق عند السيد الأُستاذ ( طاب ثراه ) وأما الصحيحة فهي معارضة بنصوص أُخر وردت في تحديد الطرفين كما يظهر للمراجع هذا ، والطرف في اللغة [ لسان العرب 9 : 216 ] هو منتهى الشي‌ء وحرفه ، ومنه أطراف الإنسان وطرف الثوب فهو جزء منه وداخل فيه واستعماله في الخارج مجاز.

طلوع الفجر فأنا أُحب أن تشهد ملائكة الليل وملائكة النهار صلاتي (1).

وفي موثقة إسحاق بن عمار : « ... فاذا صلى العبد صلاة الصبح مع طلوع الفجر أُثبتت له مرتين ، تثبته ملائكة الليل وملائكة النهار » (2). فإنها لو لم تكن من الصلوات النهارية لم تشهدها ملائكة النهار.

ويندفع : بأن المشهدية المزبورة منوطة بوقوع الفريضة لدى طلوع الفجر مباشرة كي تتلقاها الطائفتان ، ومن الضروري أن الوقوع في نفس ذاك الآن تحقيقاً مما لا يتيسر عادة ، لعدم العلم به من غير المعصوم عليه‌السلام ، بل لا بد من التأخير شيئاً ما ولو من باب المقدمة العلمية. على أن نوعاً من التأخير مما لا بدّ منه لأجل تحصيل المقدمات ولا أقل من الأذان والإقامة.

وعليه فتتوقف المشهدية إما على تقديم ملائكة النهار هبوطاً لو كان مبدؤه طلوع الشمس ، أو تأخير ملائكة الليل صعوداً لو كان المبدأ طلوع الفجر حتى تشهدها الطائفتان من الملائكة ، فارتكاب أحد التأويلين مما لا مناص منه بعد امتناع الجمود على ظاهر النص ، ولا ترجيح (3)لأحدهما على الآخر ، ومعه تصبح الرواية من هذه الجهة مجملة ، لقصورها عن الدلالة. على أن فريضة الفجر من الصلوات النهارية أو الليلية.

ومنها : ما رواه الصدوق في الفقيه بإسناده عن يحيى بن أكثم القاضي « أنه سأل أبا الحسن الأول عن صلاة الفجر لِمَ يجهر فيها بالقراءة وهي من صلوات


1) الوسائل 4 : 213 / أبواب المواقيت ب 28 ح 3.

2) الوسائل 4 : 212 / أبواب المواقيت ب 28 ح 1.

3) لا يبعد ترجيح الثاني ، إذ لا يستلزم إلا التأخير بضع دقائق. أما الأول فيستلزم تقديم ساعة ونصف تقريباً ، بل إن ذلك هو المتعين بقرينة القضية الشرطية الواردة في الموثقة ، حيث إن مفهومها أنه لو لم يصلها كذلك بل أخّرها إلى وسط الوقت أو ما قبل طلوع الشمس لم تثبت مرتين ، لأن ملائكة الليل حينئذ صاعدة والمفروض أن ملائكة النهار منذ الفجر هابطة ، ولعمري أنها لقرينة واضحة على أن المبدأ هو طلوع الفجر فلاحظ.

النهار وإنما يجهر في صلاة الليل؟ فقال : لأن النبي صلی اللّه عليه وآله كان يغلس بها فقرّبها من الليل » (1)ورواها في العلل بسند آخر (2)دلت على إمضاء ما اعتقده السائل من أن فريضة الفجر من الصلوات النهارية.

وفيه : أن السند ضعيف في كلا الطرفين بعدة من المجاهيل فلا يعوّل عليها وإن كانت الدلالة تامة.

ثم إنه مما يرشدك إلى القول الآخر الذي عرفت أنه المختار أعني دخول ما بين الطلوعين في الليل زيادة على ما تقدم ، النصوص المتضمنة لإطلاق نصف النهار على الزوال ، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « أنه سأل عن الرجل يخرج من بيته وهو يريد السفر وهو صائم ، قال فقال : إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم ، وإن خرج بعد الزوال فليتم يومه » (3).

وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم ويعتدّ به من شهر رمضان » (4).

وفي صحيحة زرارة : « ... وقال تعالى ( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) وهي صلاة الظهر ، وهي أول صلاة صلاها رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وهي وسط النهار ... » إلخ (5).

فانّ من الواضح الجلي أن توصيف الزوال بنصف النهار كما في الأُوليين أو بوسطه كما في الأخيرة إنما يستقيم بناءً على كون مبدئه طلوع الشمس ، إذ لو كان طلوع الفجر لتحقق الانتصاف قبل الزوال بثلاثة أرباع الساعة تقريباً.


1) الوسائل 6 : 84 / أبواب القراءة ب 25 ح 3. الفقيه 1 : 203 / 926.

2) علل الشرائع : 323.

3) الوسائل 10 : 185 / أبواب من يصح منه الصوم ب 5 ح 2 ، 1.

4) الوسائل 10 : 185 / أبواب من يصح منه الصوم ب 5 ح 2 ، 1.

5) الوسائل 4 : 10 / أبواب أعداد الفرائض ب 2 ح 1.

ويعرف طلوع الفجر باعتراض البياض الحادث في الأُفق المتصاعد في السماء الذي يشابه ذنب السرحان ويسمّى بالفجر الكاذب وانتشاره على الأُفق وصيرورته كالقبطية البيضاء وكنهر سوراء بحيث كلّما زدته نظراً أصدقك بزيادة حسنه. وبعبارة اخرى انتشار البياض على الأُفق بعد كونه متصاعداً في السماء (1).


نعم ، ورد في الأخيرة بعد ذلك قوله : « ووسط صلاتين بالنهار صلاة الغداة وصلاة العصر » حيث دل على أن صلاة الغداة من النهار ، فيكون مبدؤه طلوع الفجر. مع أن مقتضى ما عرفت أن مبدأه طلوع الشمس ، فيتراءى من ذلك نوع تهافت بين الصدر والذيل.

ويمكن دفعه بابتناء الإطلاق المزبور على ضرب من التوسع والتجوز (1)بعلاقة المجاورة والمشارفة ، نظراً إلى امتداد الوقت إلى طلوع الشمس وجواز الإتيان بها قبيل ذلك ، بل لعله هو الغالب لعامة الناس ، فمن ثم صح إطلاق صلاة النهار عليها وإن لم تكن منها حقيقة.

ويؤيد المطلوب ما اصطلح عليه أهل الهيئة والنجوم من تقسيم الدائرة الوهمية المحيطة بالكرة الأرضية إلى قوسي الليل والنهار ، يعنون بالأول ما بين غروب الشمس إلى طلوعها ، وبالثاني ما بين طلوعها إلى غروبها ، ومن ثم يطلقون اليوم ويريدون به ما بين طلوع الشمس إلى الغروب. إذن فلا مناص من الالتزام بأنّ المراد من منتصف الليل هو ما بين غروب الشمس وطلوعها حسبما عرفت.

(1) بلا خلاف فيه بين الإمامية ، بل عليه أكثر العامة ، بل هو مختار المذاهب


1) هذا ليس بأولى من ابتناء التعبير بوسط النهار أو نصفه على التوسع والتجوز ، بل إن الأخير هو المتعيّن ، لكثرة المسامحة في استعمالات لفظ الوسط والاكتفاء بالوسطية التقريبية وكذلك النصف العرفي ، وهذا بخلاف لفظ النهار ، إذ كيف يصح إطلاق النهار على جزء من الليل باعتبار قربه من النهار وإلا كانت صلاة المغرب أيضاً في النهار وهو كما ترى.

الأربعة على ما في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة (1)، والمخالف شاذ لا يعبأ به. فالمسألة كأنها مورد لاتفاق الفريقين ، وأن طلوع الفجر الصادق الذي هو مبدأ لوجوب الصلاة والصيام هو البياض المعترض في الأُفق الحادث بعد الفجر الكاذب ، وهو البياض المستطيل المتصاعد في السماء الذي شبّه في الأخبار بذنب السرحان (2)والسرطان (3)وبعد زوال هذا البياض ببضع دقائق يحدث البياض المعترض في الأُفق الذي شبّه في الروايات بالقبطية البيضاء ، أو ببياض نهر سوراء أو نباضه بتقديم النون ثم الباء الموحدة كما في الوافي وحبل المتين (4)، من نبض الماء إذا سال ، وإنما سمي الأول بالكاذب لتعقبه بالظلمة فلم يكن كاشفاً عن الصبح. فالعبرة بالبياض المعترض الحادث بعد ذلك الذي ينبسط في عرض الأُفق ، ويستدل لذلك بجملة من الأخبار.

منها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : كان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله يصلي ركعتي الصبح وهي الفجر إذا اعترض الفجر وأضاء حسناً » (5).

وفيه : أن الفعل المحكي عن المعصوم وإن كان مبنياً على الاستمرار كما قد يستفاد من كلمة « كان » مجمل لا لسان له ليدل على التحديد ، ولعل المواظبة مستندة إلى الأفضلية وإن ساغ التقديم ، فالدلالة قاصرة وإن صح السند.

ومنها : مرسلة الصدوق قال : « وروى أن وقت الغداة إذا اعترض الفجر فأضاء حسناً ، وأما الفجر الذي يشبه ذنب السرحان فذلك الفجر الكاذب ، والفجر الصادق هو المعترض كالقباطي » (6). والقباطي واحِدها قبطي ثياب


1) الفقه على المذاهب الأربعة 1 : 185.

2) بكسر السين وسكون الراء وهو الذئب [ تهذيب اللغة 4 : 301 ].

3) حيوان عشاري ذو ذنب طويل [ مجمع البحرين 4 : 252 ].

4) الوافي 7 : 302 ، الحبل المتين : 144.

5) الوسائل 4 : 211 / أبواب المواقيت ب 27 ح 5.

6) الوسائل 4 : 210 / أبواب المواقيت ب 27 ح 3 ، الفقيه 1 : 317 / 1441.

بيض رقيقة تجلب من مصر ، وهي وإن كانت واضحة الدلالة لكنها لمكان الإرسال غير صالحة للاستدلال.

ومنها : ما رواه الكليني بإسناده عن علي بن مهزيار قال : « كتب أبو الحسن بن الحصين إلى ابي جعفر الثاني عليه‌السلام معي : جعلت فداك قد اختلف موالوك ( مواليك ) في صلاة الفجر ، فمنهم من يصلي إذا طلع الفجر الأول المستطيل في السماء ، ومنهم من يصلي إذا اعترض في أسفل الأُفق واستبان ولست أعرف أفضل الوقتين فأُصلي فيه ، فان رأيت أن تعلمني أفضل الوقتين وتحدّه لي وكيف أصنع مع القمر والفجر لا يتبين ( تبين ) معه حتى يحمر ويصبح ، وكيف أصنع مع الغيم ، وما حدّ ذلك في السفر والحضر ، فعلت إن شاء اللّه ، فكتب عليه‌السلام بخطه وقرأته : الفجر يرحمك اللّه هو الخيط الأبيض المعترض ، وليس هو الأبيض صعداً فلا تصلّ في سفر ولا حضر حتى تتبينه ... » إلخ (1). ورواها الشيخ أيضاً بإسناده عن الحصين ( ابن أبي الحصين ) قال : كتبت إلى أبي جعفر عليه‌السلام وذكر مثله (2).

وفيه : أنها ضعيفة السند بطريقيها ، أما الأول فبسهل بن زياد. وأما الثاني فبالحصين (3)لعدم توثيقهما فلا يعوّل عليها.

ومنها : رواية هشام بن الهذيل عن أبي الحسن الماضي عليه‌السلام قال : « سألته عن وقت صلاة الفجر ، فقال : حين يعترض الفجر فتراه مثل نهر سوراء » (4).


1) الوسائل 4 : 210 / أبواب المواقيت ب 27 ح 4. الكافي 3 : 282 / 1.

2) التهذيب 2 : 36 / 115.

3) بل قد وثقه الشيخ [ رجال الطوسي : 379 / 5623 ] ولعله محرّف أبو الحصين بن الحصين ، لاحظ المعجم 22 : 139 / 14203 فالرواية إذن معتبرة.

4) الوسائل 4 : 212 / أبواب المواقيت ب 27 ح 6.

وفيه : أنها أيضاً ضعيفة السند بهشام بن الهذيل.

فالنصوص المذكورة لحد الآن غير صالحة للاستدلال لقصورها سنداً أو دلالة ، نعم هناك روايتان تدلان على المطلوب لتماميتهما من حيث السند والدلالة :

إحداهما : صحيحة أبي بصير ليث المرادي قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام فقلت : متى يحرم الطعام والشراب على الصائم وتحل الصلاة صلاة الفجر؟ فقال : إذا اعترض الفجر فكان كالقبطية البيضاء فثم يحرم الطعام على الصائم ، وتحل الصلاة صلاة الفجر ، قلت : أفلسنا في وقت إلى أن يطلع شعاع الشمس؟ قال : هيهات أين يذهب بك ، تلك صلاة الصبيان » (1).

وهي كما ترى صحيحة السند صريحة الدلالة ، بيد أنه حكى في الحدائق (2)عن صاحب المنتقى أنه ناقش في سندها بتردد الراوي بين أبي بصير المكفوف كما في رواية الشيخ (3)، وبين ليث المرادي كما في رواية الصدوق (4)، وأما الكليني فقد روى وأطلق ولم يقيده بأحدهما (5)، فحيث إن الراوي مردد بين المرادي الثقة وبين المكفوف الضعيف لأجل اختلاف المشايخ الثلاثة في تعابيرهم فلا وثوق إذن بصحة الرواية.

نعم ، رجح الأول في الحدائق بقرينة الراوي عنه وهو عاصم بن حميد حيث إنه لا يروي إلا عن المرادي.


1) الوسائل 4 : 209 / أبواب المواقيت ب 27 ح 1.

2) الحدائق 6 : 209.

3) التهذيب 4 : 185 / 514. [ رواية الشيخ في التهذيب أيضاً خالية عن التقييد بالمكفوف ، وإنّما المقيّد به رواية أُخرى متحدة المضمون معها رواها في التهذيب 2 : 39 ح 122، والاستبصار 1 : 276 ح 1002 ، ورواها في الوسائل 4 : 213 / أبواب المواقيت ب 28 ح 2 ].

4) الفقيه 2 : 81 / 361.

5) الكافي 4 : 99 / 5.

أقول : القرينة وإن صحت لكنا في غنى عن ذلك ، لما ذكرناه في محله (1)من وثاقة المكفوف أيضاً ، فالرجل موثق والرواية معتبرة على التقديرين ، ومن ثم لم نناقش لحدّ الآن في الروايات الواردة عن أبي بصير بصورة الإطلاق ولم نتصد لتعيين المراد.

على أنها مروية بسند آخر ، وهو ما رواه الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم كما أشار إليه صاحب الوسائل في ذيل الصحيحة الآتية ، فلا ينبغي النقاش فيها بوجه.

ثانيتهما : صحيحة علي بن عطية عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام أنه « قال : الصبح ( الفجر ) هو الذي إذا رأيته كان معترضاً كأنه بياض نهر سوراء » (2).

ونوقش في سندها أيضاً باشتمال طريق الصدوق إلى ابن عطية على علي بن حسان المردد بين الواسطي الثقة والهاشمي الضعيف ، لتأليفه تفسيراً باطنياً لم يوجد فيه من الإسلام شي‌ء.

ويندفع : بأن المراد هو الواسطي لا غير كما صرح به الصدوق في بعض الروايات التي يرويها عن علي بن عطية ، وأما الهاشمي فهو لا يروي إلا عن عمّه عبد الرحمن بن كثير في تفسيره ولم تعهد له رواية عن ابن عطية ولا عن غيره. على أن كلا من الكليني والشيخ (3)رواها بطريق صحيح. فالمسألة لا إشكال فيها.

بقي شي‌ء : وهو أن ظاهر تعليق الإمساك على التبين في قوله تعالى ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) (4)إن للتبين موضوعية في تعلق الحكم وتحقق الفجر ، فما دام لم ير البياض المنتشر في


1) معجم رجال الحديث 21 : 89 / 13599.

2) الوسائل 4 : 210 / أبواب المواقيت ب 27 ح 2.

3) الكافي 3 : 283 / 3 ، التهذيب 2 : 37 / 118.

4) البقرة 2 : 187.

الأُفق ولم يتميز عن الخيط الأسود ولم يتبين النور المنبسط في ناحية المشرق لم يحكم بوجوب الإمساك ولا بجواز الصلاة ، فتحقق البياض في نفسه لا أثر له ، وإنما الموضوع للأثر هو المتبين منه.

نعم ، لا شبهة في أن عدم التبين إذا كان مستنداً إلى مانع خارجي من وجود غيم أو ضباب أو عجاج أو عمى ونحو ذلك من موانع الرؤية لم يقدح ، إذ القصور حينئذ إنما هو في الرائي لا المرئي ، فان الفجر متبيّن في نفسه ومتحقق من غير قصور فيه ، وهذا واضح لا غبار عليه.

وإنما الكلام فيما إذا استند عدم استبانة البياض إلى ضياء القمر القاهر على ضوء الفجر والمانع عن رؤيته وتبينه ، فقد يقال بعدم تحقق الطلوع حينئذ ، لعدم تبين البياض وإن اقتضته الموازين العلمية كالساعة الدقيقة ، وقد عرفت أن للتبين موضوعية في تحقق الطلوع وما هو الموضوع للأثر ، فالعبرة بالتبين الحسي ولا يكفي التقديري.

اختار ذلك المحقق الهمداني في مصباح الفقيه وقال ما لفظه : مقتضى ظاهر الكتاب والسنة وكذا فتاوى الأصحاب اعتبار اعتراض الفجر وتبينه في الأُفق بالفعل ، فلا يكفي التقدير مع القمر لو أثر في تأخر تبين البياض المعترض في الأُفق ، ولا يقاس ذلك بالغيم ونحوه ، فانّ ضوء القمر مانع عن تحقق البياض ما لم يقهره ضوء الفجر ، والغيم مانع عن الرؤية لا عن التحقق. وقد تقدم في مسألة التغير التقديري في مبحث المياه من كتاب الطهارة ما له نفع للمقام فراجع (1).

ولكن الظاهر عدم الفرق بين ضوء القمر وبين غيره من موانع الرؤية فإنه أيضاً مانع عن التبين الذي أُخذ في الموضوع طريقاً لاستعلام الفجر وكاشفاً عن تحققه ، ضرورة عدم الفرق في أصل تكوين البياض بين الليالي المقمرة وبين


1) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 25 ، السطر 18.

[1181] مسألة 2 : المراد باختصاص أوّل الوقت بالظهر وآخره بالعصر وهكذا في المغرب والعشاء عدم صحة الشريكة في ذلك الوقت مع عدم أداء صاحبته (1) فلا مانع من إتيان غير الشريكة فيه ،


غيرها ، والقاهرية المدعاة إنما تمنع عن فعلية الرؤية لا عن تحقق المرئي ، كما يرشدك إليه بوضوح فرض الانخساف في هذه الحالة ، فإن البياض الموجود يستبين وقتئذ بنفسه لا محالة ، فإذا علم به من أيّ سبيل كان ولو من غير طريق الرؤية ترتب عليه الحكم بطبيعة الحال.

وبالجملة : حال ضياء القمر حال الأنوار الكهربائية في الأعصار المتأخرة ولا سيما ذوات الأشعة القوية ، لاشتراك الكل في القاهرية ، غاية الأمر أنّ منطقة الأول أوسع ودائرته أشمل من غير أن يستوجب ذلك فرقاً في مناط القهر كما هو واضح ، فالقصور في جميع هذه الفروض إنما هو في ناحية الرائي دون المرئي.

وأما قياس المقام بالتغيّر التقديري فهو مع الفارق الظاهر ، إذ المستفاد من الأدلة أن الموضوع للنجاسة هو التغير الفعلي الحسي ، فله موضوعية في تعلق الحكم ولا يكاد يترتب ما لم يتحقق التغير ولم يكن فعلياً في الخارج ، ولا يكفي الفرض والتقدير.

وأما في المقام فالأثر مترتب على نفس البياض ، والتبين طريق إلى إحرازه وسبيل إلى عرفانه ، والمفروض تحققه في نفسه ، غير أنّ ضوء القمر مانع عن رؤيته ، فالتقدير في الرؤية لا في المرئي ، فإنه فعلي بشهادة ما عرفت من افتراض الانخساف ، فاذا علم المكلف بتحققه حسب الموازين العلمية المساوق للعلم بطلوع الفجر كيف يسوغ له الأكل في شهر رمضان أو يمنع من الدخول في الصلاة بزعم عدم تحقق الرؤية ، فإن هذه الدعوى غير قابلة للإصغاء كما لا يخفى.

(1) قد تقدّم هذا التفسير في مطاوي المباحث السابقة ، وعرفت أنه ليس

كما إذا أتى بقضاء الصبح أو غيره من الفوائت في أول الزوال أو في آخر الوقت ، وكذا لا مانع من إتيان الشريكة إذا أدّى صاحبة الوقت ، فلو صلى الظهر قبل الزوال بظن دخول الوقت فدخل الوقت في أثنائها ولو قبل السلام حيث إن صلاته صحيحة (1)لا مانع من إتيان العصر أوّل الزوال ، وكذا إذا قدّم العصر على الظهر سهواً أو بقي من الوقت مقدار أربع ركعات ، لا مانع من إتيان الظهر في ذلك الوقت ولا تكون قضاءً ، وإن كان الأحوط عدم التعرض للأداء والقضاء ، بل عدم التعرض لكون ما يأتي به ظهراً أو عصراً ، لاحتمال احتساب العصر المقدّم ظهراً وكون هذه الصلاة عصراً.


معنى الاختصاص عدم صلاحية الوقت في حدّ ذاته للشريكة أو لصلاة أُخرى ، بل المراد أن ذات الوقت لا تزاحمها صلاة أُخرى لدى الدوران ، فاذا لم تكن ثمة مزاحمة كما لو صلى العصر قبل الظهر سهواً أو باعتقاد الإتيان وتذكر في وقت الاختصاص بالعصر ، أو صلى الظهر قبل الوقت معتقداً دخوله ودخل الوقت في الأثناء ولو قبل التسليم وقلنا بصحة الصلاة حينئذ ، على كلام فيه سيوافيك في محله إن شاء اللّه تعالى ساغ الإتيان بالظهر في الأول وبالعصر في الثاني فتصح الشريكة وكذا غيرها ، كقضاء الفوائت في ذينك الوقتين ، وإن كانا اختصاصيين ، لفرض سلامة صاحبة الوقت عن المزاحم ، وإنما لا تصح في صورة التزاحم لا غير حسبما عرفت.


1) (*) في الصحة إشكال كما يأتي.

[1182] مسألة 3 : يجب تأخير العصر عن الظهر والعشاء عن المغرب ، فلو قدّم إحداهما على سابقتها عمداً بطلت (1) سواء كان في الوقت المختص أو المشترك ، ولو قدّم سهوا فالمشهور على أنه إن كان في الوقت المختص بطلت ، وإن كان في الوقت المشترك ، فان كان التذكر بعد الفراغ صحّت ، وإن كان في الأثناء عدل بنيته إلى السابقة إذا بقي محل العدول ، وإلا كما إذا دخل في ركوع الركعة الرابعة من العشاء بطلت ، وإن كان الأحوط الإتمام والإعادة بعد الإتيان بالمغرب ، وعندي فيما ذكروه إشكال ، بل الأظهر في العصر المقدّم على الظهر سهواً صحتها واحتسابها ظهراً إن كان التذكر بعد الفراغ ، لقوله (عليه السلام) : « إنما هي أربع مكان أربع » في النص الصحيح ، لكن الأحوط الإتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمة من دون تعيين أنها ظهر أو عصر ، وإن كان في الأثناء عدل ، من غير فرق في الصورتين بين كونه في الوقت المشترك أو المختص ، وكذا في العشاء إن كان بعد الفراغ صحّت ، وإن كان في الأثناء عدل مع بقاء محل العدول على ما ذكروه لكن من غير فرق بين الوقت المختص والمشترك أيضاً (2).


(1) لأنّ ذلك هو مقتضى الترتيب المعتبر بينهما المستفاد من قوله : « إلا أنّ هذه قبل هذه » (1)كما تقدم البحث عنه مستوفى (2).

(2) تفصيل الكلام في المقام أنّ تقديم اللاحقة سهواً قد يكون في الوقت المشترك ، وأُخرى في الوقت المختص ، وعلى التقديرين فقد يكون التذكر بعد الفراغ من الصلاة ، وقد يكون في الأثناء ، وعلى الثاني فقد يكون محل التدارك باقياً ، وقد لا يكون ، فصور المسألة ستة :

الأُولى : ما إذا كان في الوقت المشترك وكان التذكر بعد الفراغ ، ولا إشكال


1) الوسائل 4 : 126 / أبواب المواقيت ب 4 ح 5 ، 20 ، 21.

2) في ص 104 110.

حينئذ في صحة اللاحقة ، فيأتي بعدها بالسابقة ، إذ لا خلل حينئذ إلا من ناحية الترتيب الذي هو شرط ذكرى بمقتضى الأخبار الخاصة. مضافاً إلى حديث لا تعاد ، فلو تذكر بعد العشاء عدم الإتيان بصلاة المغرب أتى بها ولا شي‌ء عليه ، وكذا لو تذكر بعد العصر عدم الإتيان بالظهر فانّ ما أتى به يحسب عصراً كما نوى ويأتي بالظهر بعد ذلك على المشهور.

نعم ، هناك قول آخر اختاره في المتن ، وهو أن يعدل بنيته إلى السابقة فيجعلها ظهراً ويأتي بالعصر بعد ذلك. وهذا القول وإن كان شاذاً إلا أنه تدل عليه صحيحتان :

إحداهما : صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام « ... وقال : إذا نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ، ثم صل العصر ، فإنما هي أربع مكان أربع » (1).

ثانيتهما : صحيحة الحلبي قال : « سألته عن رجل نسي أن يصلي الاولى حتى صلى العصر ، قال : فليجعل صلاته التي صلى الاولى ثم ليستأنف العصر » (2).

فإنهما كما ترى صريحتان في هذا القول ، بيد أنّ المشهور أعرضوا عنهما حيث لم يعملوا بهما ، وهما بمرأى منهم ومسمع ، فان بنينا على سقوط الصحيح بالاعراض عن درجة الاعتبار فالمتجه حينئذ هو القول المشهور ، وإن أنكرنا ذلك كما هو الأصح ، لعدم كون الاعراض موهناً ولا العمل جابراً على ما حققناه في الأصول (3)لم يكن بُدّ من العمل بهما. ومنه تعرف أنّ ما اختاره في المتن هو الصحيح ، غير أنّ سبيل الاحتياط الذي هو طريق النجاة يقتضي الإتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمة من دون تعيين أنها ظهر أو عصر.

الصورة الثانية : أن يكون ذلك في الوقت المشترك أيضاً ويكون التذكر في


1) الوسائل 4 : 290 / أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

2) الوسائل 4 : 292 / أبواب المواقيت ب 63 ح 4. [ لكنه ناقش في السند في ص 111 ].

3) مصباح الأصول 2 : 201 ، 203.

الأثناء مع بقاء محل العدول ، كما لو تذكر قبل التسليم من صلاة العصر عدم الإتيان بالظهر ، أو قبل الدخول في ركوع الركعة الرابعة من صلاة العشاء عدم الإتيان بالمغرب ، وحكمه لزوم العدول إلى السابقة فيتم ما بيده ظهراً أو مغرباً ثم يأتي باللاحقة من عصر أو عشاء.

وتشهد له صحيحة زرارة المتقدمة حيث جاء فيها : « ... وقال : إذا نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثم صل العصر ... إلى أن قال - : وإن ذكرت أنك لم تصل الاولى وأنت في صلاة العصر وقد صليت منها ركعتين فانوها الاولى ثم صل الركعتين الباقيتين وقم فصل العصر إلى أن قال - : وإن كنت ذكرتها أي المغرب وقد صليت من العشاء الآخرة ركعتين ، أو قمت في الثالثة فانوها المغرب ثم سلّم ثم قم فصلّ العشاء الآخرة ... » إلخ (1)وهي كما ترى صريحة في عدم الفرق في ذلك بين الظهرين والعشاءين.

ولكنه يظهر من رواية الصيقل التفصيل بينهما قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن رجل نسي الأُولى حتى صلى ركعتين من العصر ، قال : فليجعلها الاولى وليستأنف العصر ، قلت : فإنه نسي المغرب حتى صلى ركعتين من العشاء ثم ذكر ، قال : فليتم صلاته ، ثم ليقض بعد المغرب ، قال : قلت له جعلت فداك قلتَ حين نسي الظهر ثم ذكر وهو في العصر يجعلها الاولى ثم يستأنف ، وقلتَ لهذا يتمّ صلاته بعد المغرب فقال : ليس هذا مثل هذا ، إن العصر ليس بعدها صلاة والعشاء بعدها صلاة » (2).

حيث دلت على اختصاص العدول بالظهرين ، نظراً إلى أنه لو لم يعدل لزمه الإتيان بالظهر بعد العصر ، والمفروض أنه لا صلاة بعدها ، بخلاف العشاء فان


1) الوسائل 4 : 290 / أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

2) الوسائل 4 : 293 / أبواب المواقيت ب 63 ح 5.

بعدها صلاة وهي الوتيرة وصلاة الليل ، فلا مانع من أن لا يعدل ويأتي بالمغرب بعدها ، هذا.

ولكن الرواية لأجل ضعف سندها بالصيقل غير ناهضة للمقاومة مع صحيحة زرارة وغيرها مما دل على لزوم العدول إلى السابقة مطلقاً.

وأما ما صنعه في الوسائل من الحمل على وقت الاختصاص للعشاء دون العصر فهو وإن أمكن الاستشهاد له بالتعبير بالقضاء في قوله : « ثم ليقض بعد المغرب » بناءً على إرادة المعنى الاصطلاحي من خروج وقت المغرب وصيرورته قضاءً ، الملازم لكون العشاء مأتياً بها في وقتها الاختصاصي ، إلا أنه مع ذلك بعيد جدّاً ، إذ لو أُريد ذلك لكان الأحرى تعليل التفكيك بافتراض الضيق في إحداهما دون الأُخرى ، وأن العصر أيضاً لو كانت مضيقة لكانت كذلك ، لا بما ذكره من التعليل الذي فيه ما فيه. والعمدة ما عرفت من ضعف السند.

الصورة الثالثة : عين السابقة مع التجاوز عن محل العدول ، كما لو كان التذكر بعد الدخول في ركوع الركعة الرابعة من صلاة العشاء فهل يتمها عشاءً ثم يأتي بالمغرب ، أو أنها محكومة بالفساد ولا بد من إعادتها بعد الإتيان بصلاة المغرب؟.

المشهور هو الثاني ، ونسب الأول إلى كاشف اللثام (1)واختاره شيخنا الأُستاذ وتبعه بعض من تأخر عنه استناداً إلى حديث لا تعاد ، بدعوى أنه كما يجري بعد العمل يجري أثناءه أيضاً ، وحيث لا خلل في المقام إلا من ناحية الترتيب الذي هو من غير الخمسة المستثناة فهو مشمول للحديث.

ولكن الصحيح ما عليه المشهور ، فان الحديث وإن لم يكن قاصر الشمول للأثناء ، ومن ثم لو تذكّر فقد ما يعتبر فيما تقدم من الأجزاء كستر العورة مع كونه متستراً حال الذكر شمله الحديث ، لوضوح صدق الإعادة مع رفع اليد عن


1) كشف اللثام 3 : 86.

العمل واستئنافه ، ولا يختص ذلك بما بعد الفراغ منه ، وقد ورد في الأخبار أن من تكلم في صلاته متعمداً فعليه الإعادة (1)، فالحديث متكفل لتصحيح كل نقص في العمل المتقدم مما عدا الخمس سواء أكان في تمام العمل أم في بعضه ، إلا أن في المقام خصوصية من أجلها يمنع من الجريان ، وهي أن المستفاد من أدلة الترتيب لزوم رعايته في تمام أجزاء اللاحقة ، فالعشاء بتمام أجزائها مترتبة على المغرب ، وكذلك العصر على الظهر ، كما هو ظاهر قوله عليه‌السلام : « إلا أن هذه قبل هذه » (2)لا أنه مقصور على الشروع وملحوظ في المجموع (3)فحسب.

وعليه ، فكما أن الأجزاء الصادرة قبل التذكر يعتبر فيها الترتيب فكذلك الأجزاء اللاحقة ، ومن البيّن أن الحديث إنما يتكفل لتصحيح الأجزاء السابقة فإنها التي خلت عن الترتيب سهواً دون اللاحقة للإخلال به فيها عامداً فكيف يشملها الحديث ، فإن شأنه تصحيح ما أتى به من العمل الناقص لا تجويز الإتيان بالعمل الناقص وكم بينهما من فرق.

ونظير المقام : ما لو التفت في الأثناء إلى عدم كونه متستراً للعورة في الأجزاء السابقة مع عدم كونه متستراً لها بالفعل أيضاً ، فإن الأجزاء المتقدمة هب إنا صححناها بالحديث ، أما اللاحقة التي يخل به فيها عامداً فلا مبرر لها ، إذن فلا مناص من رفع اليد واستئناف الصلاة.

الصورة الرابعة : ما إذا كان في الوقت المختص وكان التذكر بعد الفراغ ، كما لو صلى العصر في الآن الأول من الزوال غافلاً عن الظهر أو معتقداً أنه أتى بها أو شرع في العشاء قبل دخول وقت المغرب وبعد الإتيان بركعة منها دخل الوقت بحيث وقع ثلاث ركعات منها في الوقت المختص بالمغرب ، فعلى المسلك المشهور في تفسير وقت الاختصاص من عدم صلاحيته لغير صاحبة الوقت ،


1) الوسائل 7 : 281 / أبواب قواطع الصلاة ب 25.

2) الوسائل 4 : 126 / أبواب المواقيت ب 4 ح 5 ، 20 ، 21.

3) [ هذا عطف تفسيري لا يخلو عن مسامحة ، والصحيح هو التعبير الأوّل ، راجع تعليقنا في الصفحة 400 ].

لا مناص من الحكم بالبطلان ، لا لأجل الإخلال بالترتيب فإنه كما عرفت شرط ذُكري ، بل للإخلال بالوقت الذي هو من الخمسة المستثناة في حديث لا تعاد.

وأما على المختار من تفسيره بعدم مزاحمة الشريكة لصاحبة الوقت رعاية للترتيب المختص طبعاً بحال العمد والالتفات مع صلاحية كل جزء مما بين الحدين لكل واحدة من الصلاتين فلا مقتضي للبطلان ، بل حال الوقت المختص حينئذ حال الوقت المشترك في الحكم بالصحة ، إذ لا خلل إلا من ناحية الترتيب المنفي بحديث لا تعاد كما سبق.

الصورة الخامسة : ما إذا كان في الوقت المختص أيضاً وكان التذكر في الأثناء مع بقاء محل العدول ، كما لو كان في العصر مطلقاً أو في العشاء ولم يركع الرابعة ، والمشهور هو البطلان أيضاً ، إذ بعد تفسيرهم لوقت الاختصاص بما عرفت فهذه الصلاة لكونها فاقدة للوقت فاسدة في نفسها ولا عدول إلا في الصلاة الصحيحة من غير ناحية الترتيب ، ومنه تعرف أنه على المختار في تفسيره لا مانع من التصحيح بالعدول.

غير أن المحقق في الشرائع (1)مع موافقته مع المشهور في التفسير المزبور التزم بالصحة في محل الكلام ، حيث إنه خصّ التفصيل بين الوقت المختص والوقت المشترك بالبطلان في الأول دون الثاني بما إذا كان التذكر بعد الفراغ ، وأما لو كان في الأثناء فقد حكم بالصحة وأطلق ، الظاهر في عدم الفرق.

وهذا هو الصحيح ، لأن ما دل على العدول غير قاصر الشمول للمقام ، إذ هو مطلق يعم ما إذا كان التذكر أثناء الصلاة الواقعة في الوقت المشترك أو المختص.

ودعوى عدم صحة العدول إلا في الصلاة الصحيحة في نفسها ، مدفوعة باختصاص هذه الدعوى بالصلاة الفاسدة من غير ناحية الوقت ، كما لو كانت


1) الشرائع 1 : 76.

وعلى ما ذكرنا يظهر فائدة الاختصاص فيما إذا مضى من أوّل الوقت مقدار أربع ركعات فحاضت المرأة ، فإن اللازم حينئذ قضاء خصوص الظهر (1).


فاقدة لجزء أو شرط من طهور أو ركوع ونحوهما ، فإنها التي لا تقبل للتصحيح عدل أم لم يعدل.

أما المستند فسادها إلى الوقت فحسب كما في المقام فيمكن تصحيحها بنفس أدلة العدول ، إذ بعد أن أمكن قلب عنوان العصر إلى الظهر بتعبد من الشرع فهذا النقص بنفسه يرتفع وكأنه أتى بها ابتداءً بعنوان الظهر ، فانّ هذا هو مقتضى نصوص العدول ومفادها.

ومن هنا يظهر الفرق بين هذا الفرض وبين ما إذا كان التذكر بعد الفراغ ، حيث إن دليل العدول هناك لما كان معرضاً عنه عند الأصحاب كما سبق وساقطاً لديهم عن درجة الاعتبار ، فلأجله حكموا بالفساد ، وإلا لحكموا بالصحة في الموردين بمناط واحد.

الصورة السادسة : نفس الفرض مع كون التذكر بعد التجاوز عن محل العدول ، وحكمها هو البطلان كما يظهر مما قدمناه في الصورة الثالثة ، لاشتراك الصورتين في مناط البحث من غير فارق فلاحظ ولا نعيد.

(1) أما بناءً على تفسير وقت الاختصاص بالمعنى المشهور ، فلوضوح عروض الحيض قبل دخول وقت الصلاة للعصر ، فلا مقتضي لقضائها بعد عدم تعلق الأمر بأدائها ، وإنما يجب عليها قضاء ما كانت مأمورة به وهو الظهر فقط.

وأما على تفسيره بالمعنى المختار ، فلأن الوقت وإن كان في حدّ ذاته صالحاً لكل منهما ، إلا أن صلاة العصر لما كانت مقيدة بخصوصية تعجز عن تحصيلها وهي الترتب على الظهر ، ولم تكن الظهر كذلك حيث لم تتقيد بوقوع العصر بعدها ، إذن فهي لم تكن مأمورة إلا بما يمكنها إتيانه وهو صلاة الظهر ، فلا جرم لا يجب إلا قضاؤها فحسب.

وكذا إذا طهرت من الحيض ولم يبق من الوقت إلا مقدار أربع ركعات فان اللازم حينئذ إتيان العصر فقط (1).


ويمكن تقرير هذا بوجه آخر وهو : أن المرأة في مفروض المسألة إما أن تكون مأمورة بكلتا الصلاتين أو بإحداهما معيناً أو مخيراً ، أو لم تكن مأمورة بشي‌ء أصلاً.

أما الأول ، فواضح البطلان ، لامتناع التكليف بما لا يطاق كالأخير فإنه خلاف الإجماع بل الضرورة ، وحيث إن كلا من التخيير وتعيين العصر مخالف لدليل الترتيب فلا جرم يتعين الظهر خاصة.

(1) أما على المشهور في تفسير وقت الاختصاص فظاهر ، لانقضاء وقت صلاة الظهر قبل الطهر فلا تكليف إلا بصلاة العصر.

وأما على التفسير المختار ، فلأن ما بين الحدين وإن كان صالحاً لكل من الصلاتين إلا أن مقتضى الترتيب الملحوظ بينهما أنه وقت لثمان ركعات على سبيل الانبساط والتقسيط (1)فاذا لم يبق إلا مقدار أربع ركعات فقد انقضى وقت أربع منها وبقي وقت الأربع الثانية ، إذن فلم يجب عليها إلا الأربع اللاحقة دون السابقة.

ويمكن تقريره على ضوء ما سبق بأن كونها مكلفة بالصلاتين معاً تكليف بما لا يطاق فلا يحتمل ، كما لا يحتمل عدم تكليفها بشي‌ء ، والتخيير كتعيين الظهر مناف لحديث الترتيب ، فلا جرم يتعين العصر.

أضف إلى ذلك : ورود نصوص خاصة دلت على تعين الظهر في الصورة


1) يمكن أن يقال : إن الانبساط والتقسيط من شؤون اعتبار الترتيب ومقتضياته ، وهو إنما يتم فيما إذا بقي الوقت لثمان ركعات ، أما إذا لم يبق فلا انبساط ولا ترتيب لانتفاء موضوعه ، وحيث إن المفروض صلوح الوقت لكل منهما في حد ذاته ولا ترجيح للعصر بعد سقوط الترتيب فمقتضى القاعدة هو التخيير كما هو الشأن في كافة موارد المزاحمة الفاقدة للترجيح فلاحظ.

وأما إذا فرضنا عدم زيادة الوقت المشترك عن أربع ركعات فلا يختص بإحداهما (1)بل يمكن أن يقال بالتخيير بينهما ، كما إذا أفاق المجنون الأدواري في الوقت المشترك مقدار أربع ركعات ، أو بلغ الصبي في الوقت المشترك ثم جنّ أو مات بعد مضي مقدار أربع ركعات ونحو ذلك (1).


السابقة كتعيين العصر في هذه الصورة فلاحظ (2).

ومما ذكرناه يظهر الحال في جملة من الفروع المشاركة مع الحيض في مناط البحث ، كما لو بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو أسلم الكافر ولم يبق من الوقت إلا مقدار أربع ركعات ، فان المتعين صرف الوقت في صلاة العصر.

وهل يجب قضاء الظهر في هذه الفروض ، أو العصر في الصورة السابقة؟.

الظاهر لا ، بل لا ينبغي التأمل فيه ، لتبعية القضاء لفوت الواجب أو ملاكه على سبيل منع الخلو ولم يفت شي‌ء منهما في المقام.

أما الأول : فلفرض سقوط التكليف لأجل الحيض أو الجنون أو الصغر ونحوها.

وأما الثاني : لعدم كشفه إلا من ناحية الأمر المفروض سقوطه ، بل إن دليل عدم القضاء على هؤلاء خير كاشف عن عدم الملاك كما لا يخفى.

هذا كله فيما لو فرض مقدار الأربع ركعات في الوقت المختص ، وأما لو فرض في الوقت المشترك ، كما لو طهرت أثناء الوقت بمقدار أربع ركعات ثم ماتت أو بلغت الصبية أو أفاقت المجنونة ثم حاضت ، أو بلغ الصبي ثم مات فستعرف حكمه في التعليق الآتي.

(1) محتملات المسألة ثلاثة : تعين الظهر خاصة ، تعين العصر كذلك ، التخيير بينهما.


1) (*) بل يختص بالأُولى.

2) الوسائل 2 : 359 ، 361 / أبواب الحيض ب 48 ، 49.

أما الأخير : فمستنده دعوى المزاحمة بين الصلاتين بعد اشتراكهما في الوقت وصلاحيته لكل منهما ، وحيث لا ترجيح في البين فلا جرم يستقل العقل بالتخيير بينهما ، وإليه ذهب السيد الماتن قدس‌سره.

وأما الثاني : فيستدل له باندراج المقام في الوقت الاختصاصي لصلاة العصر ، إذ هو آخر وقت يتمكن المكلف فيه من الصلاة ، وقد مرّ أن آخر الوقت يختص بالعصر ، فكما أن في الضيق الحقيقي يتعيّن العصر فكذا في الضيق لأجل العجز ، لاشتراكهما في عدم التمكن من الصلاة بعد ذلك.

لكن الثاني مردود ببطلان القياس ، لأنا إنما التزمنا بالاختصاص لدى الضيق الحقيقي من أجل أنّ ما بين الحدين وقت لثمان ركعات ، فاذا ضاق ولم يبق إلا مقدار الأربع اختص بالأخير ، لذهاب وقت الأربع الأُولى حسبما تقدم.

وهذا كما ترى لا يجري في المقام لعدم ذهاب وقت الأربع الأُولى ، غاية الأمر أنّ المكلف لا يتمكن إلا من الأربع في الوقت المشترك ، وهذا لا يستوجب التعيين في العصر بوجه.

وأمّا حديث المزاحمة المبني عليه التخيير فمرفوض ، بأنّ مورد التزاحم ما إذا كان هناك عملان صحيحان كل منهما مقدور للمكلف في نفسه غير أنه عاجز عن الجمع ، وليس المقام كذلك ، بداهة أنّ صلاة العصر مقيدة بالوقوع عقيب الظهر رعاية للترتيب (1)ولا عكس ، إذ لا يشترط في صحة الظهر التعقيب بالعصر ، فإحداهما مطلقة والأُخرى مقيدة ، والمكلف عاجز عن الثانية قادر على الاولى ، فلا جرم يتعين صرف الوقت في صلاة الظهر.

ومنه تعرف أن المتعين إنما هو الاحتمال الأول.

ثم لا يخفى أنّ ما في المتن من افتراض كون الوقت المشترك بمقدار أربع ركعات مبني على التمثيل ، وإلا فالتخيير على مبناه وتعين الظهر على ما نراه


1) قد عرفت سقوط اعتبار الترتيب في مثل المقام لانتفاء موضوعه.

[1183] مسألة 4 : إذا بقي مقدار خمس ركعات إلى الغروب قدّم الظهر (1) وإذا بقي أربع ركعات أو أقل قدّم العصر (2).

وفي السفر إذا بقي ثلاث ركعات قدّم الظهر ، وإذا بقي ركعتان قدّم العصر ، وإذا بقي إلى نصف الليل خمس ركعات قدّم المغرب ، وإذا بقي أربع أو أقلّ قدّم العشاء (3).


يجري حتى لو وسع الوقت بمقدار سبع ركعات ، فلو أفاقت المجنونة في الوقت المشترك وعلمت أنها تحيض بعد مضي مقدار السبع لا تجب عليها إلا صلاة واحدة.

وهذا بخلاف ما لو طهرت في آخر الوقت ولم يبق إلا مقدار خمس ركعات أو أكثر ، فإنها مأمورة حينئذ بالصلاتين معاً ، وذلك لقاعدة من أدرك ، غير الجارية في المقام كما هو واضح.

(1) فان مقدار ثلاث ركعات منها وإن وقعت في الوقت المختص بصلاة العصر وبهذا المقدار من هذه الصلاة في خارج الوقت ، إلا أن اتساع الوقت المستفاد من حديث من أدرك يوجب افتراض المصلي كالمدرك لتمام الثمان ، وعليه (1)يتعين تقديم الظهر ، وتؤيده رواية (2)الحلبي (3).

(2) أما مع بقاء مقدار الأربع فلاختصاصه بصلاة العصر ، وأما مع الأقل فلحديث من أدرك ، ثم تقضي الظهر بعد ذلك. ومنه تعرف حكم السفر المذكور بعده.

(3) لما عرفته في الظهرين فلاحظ ولا نعيد.

ودعوى أنه مع بقاء الأربع يمكن تقديم المغرب وتصحيح العشاء بحديث من


1) [ في الأصل : ومنعه ، والصحيح ما أثبتناه ].

2) [ عبّر عنها بالصحيحة في ص 205 ].

3) الوسائل 4 : 129 / أبواب المواقيت ب 4 ح 18.

وفي السفر إذا بقي أربع ركعات قدّم المغرب (1) وإذا بقي أقل قدّم العشاء (2).


أدرك ، بناءً على المختار في تفسير معنى الاختصاص حسبما مرّ ، مدفوعة بقصور الحديث عن الشمول لصورة التعجيز الاختياري.

(1) فان ركعتين من صلاة المغرب وإن وقعت حينئذ في الوقت المختص بصلاة العشاء ولا سيما بالمعنى المشهور ، كما أن ركعة منها تقع خارج الوقت ، إلا أنه يمكن تصحيحها بقاعدة من أدرك كما عرفت.

(2) لأن تقديم المغرب فيما بقي من الوقت مقدار ثلاث ركعات مثلا مفوّت للعشاء من غير مسوّغ ، بخلاف العكس لصرف الركعة الباقية حينئذ في صلاة المغرب وتتميمها في خارج الوقت بحديث من أدرك.

فإن قلت : تقديم العشاء أيضاً مفوّت للمغرب ، لوقوع الركعة المدركة في وقت الاختصاص للعشاء ، فمشكلة التفويت مشتركة بين الصورتين ، فما هو الوجه في تقديم العشاء؟.

قلت : يمكن الجواب تارة : على المختار في تفسير وقت الاختصاص من صلاحية الوقت في حدّ ذاته لكل من المترتبتين ، غاية الأمر أنّ المتأخرة لا تزاحم بالمتقدمة رعاية للترتيب المعتبر بينهما.

وأُخرى : على المسلك المشهور من خروج الوقت وعدم صلاحيته إلا للأخيرة وصيرورته قضاءً للمتقدمة.

أما على الأول : فلا شبهة أن المغرب في مفروض المسألة أداء ، غاية الأمر أنّ الأمر يدور بين تقديمها وإيقاع العشاء بتمامها خارج الوقت رعاية للترتيب ، وبين تقديم العشاء ودرك ركعة من المغرب حقيقة والباقي تنزيلاً بقاعدة من أدرك ، ولا ينبغي التأمل في ترجيح الثاني ، لوضوح حكومة دليل الوقت على أدلة بقية الأجزاء والشرائط التي منها الترتيب. فحيث إن التحفظ عليه يستلزم

وتجب المبادرة إلى المغرب بعد تقديم العشاء إذا بقي بعدها ركعة أو أزيد (1)


تجويز ترك العشاء في الوقت المساوق لسقوطها وهي لا تسقط بحال فلا جرم يتعين تقديمها.

أضف إلى ذلك : أن الوقت ركن تعاد من أجله الصلاة ، فلا يقاومه مثل الترتيب.

بل يمكن أن يقال : إن دليل اعتبار الترتيب قاصر الشمول لمثل المقام ، فان قوله عليه‌السلام : « إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر جميعاً إلا أن هذه قبل هذه » (1)ناظر إلى اعتبار الترتيب في الوقت ، فلا يشمل ما لو استلزم رعايته فوات الوقت.

وأما على الثاني : فربما يتخيل أن تقديم العشاء أيضاً يستوجب صيرورة المغرب قضاءً كعكسه فيختل الوقت على التقديرين ، ومعه لا موجب للتقديم ، فإنه ترجيح بلا مرجح.

ولكن الأصح أنه مع المرجح ، إذ مع تقديم العشاء تقع الصلاة بتمامها في وقتها الاختياري الأولي ، وأما لو قدّمنا المغرب فلا تقع منها في الوقت إلا ركعة واحدة فيحتاج التتميم الى التنزيل المستفاد من حديث من أدرك.

ولا ينبغي التأمل في أنه كلما دار الأمر بين مراعاة الوقت الاختياري لصلاةٍ أو الاضطراري للأُخرى ، كان الأول أحرى وأولى كما لا يخفى.

وبالجملة : فما في المتن من تقديم العشاء هو المتعين على كلا المسلكين.

نعم يفترقان في وجوب المبادرة إلى المغرب بعد تقديم العشاء ، فإنه إنما يتجه على المسلك المختار الذي يرتضيه السيد الماتن قدس‌سره أيضاً لتقع أداءً ، وأما على المسلك المشهور فهي قضاء حسب الفرض ولا موجب للبدار إلى صلاة القضاء.

(1) قد عرفت آنفاً أن هذا إنما يستقيم على المسلك المختار في تفسير وقت


1) الوسائل 4 : 126 / أبواب المواقيت ب 4 ح 5.

والظاهر أنها حينئذ أداء ، وإن كان الأحوط عدم نية الأداء والقضاء (1).


الاختصاص لا على المسلك المشهور فلاحظ.

(1) ربما يورد عليه : بأن مقتضى هذا الاحتياط التردد في أن المغرب أداء أو قضاء ، وهو لا يجتمع مع الجزم بوجوب المبادرة إليها.

ولكنه كما ترى ، بل لا يخلو عن الغرابة ، فإنه قدس‌سره قد أفتى صريحاً بأنها أداء بموجب الحكم الظاهري ، ولا تنافي بينه وبين الترديد في الحكم الواقعي المستوجب للاحتياط الاستحبابي لمجرد إدراك الواقع ، وكم له نظائر في عبائر الفقهاء ، فتراهم يفتون ولا تزال فتاواهم مسبوقة أو ملحوقة بالاحتياط لرجاء درك الواقع الذي هو حسن على كل حال.

ثم إنه قد يحتمل في المسألة جواز الإتيان بركعة من المغرب ، ثم تركها والاشتغال بصلاة العشاء ثم تتميم المغرب ، بدعوى أنّ فيه جمعاً بين الحقين من رعاية الترتيب والوقت في كلتا الصلاتين.

وهذا مبني على جواز إقحام الصلاة في الصلاة الذي اختاره جماعة منهم شيخنا الأُستاذ قدس‌سره وورد به النص في صلاة الآيات.

ولكنا ذكرنا في محلّه : أن الإقحام مخالف للقاعدة ، لما فيه من الزيادات القادحة ، ولا سيما التسليم المانع عن التتميم لكونه مخرجاً ، فلا بد من الاقتصار على مورد قيام النص وعدم التعدي عنه (1).

على أن الترتيب المعتبر ملحوظ بين تمام أجزاء المترتبتين على ما هو ظاهر الدليل ، والاقحام المزبور لا يستوجب إلا رعايته في بعضها كما لا يخفى.

فهذا الاحتمال ساقط ، والمتعين ما عرفت من لزوم تقديم العشاء كما ذكره في المتن.


1) راجع شرح المسألة [1764].

[1184] مسألة 5 : لا يجوز العدول من السابقة إلى اللاحقة (1) ، ويجوز العكس ، فلو دخل في الصلاة بنيّة الظهر ثم تبيّن له في الأثناء أنه صلاّها ، لا يجوز له العدول إلى العصر ، بل يقطع ويشرع في العصر ، بخلاف ما إذا تخيّل أنه صلى الظهر فدخل في العصر ثم تذكّر أنه ما صلى الظهر فإنه يعدل إليها (2).

[1185] مسألة 6 : إذا كان مسافراً وقد بقي من الوقت أربع ركعات فدخل في الظهر بنيّة القصر ثم بدا له الإقامة فنوى الإقامة بطلت صلاته (3) ولا يجوز له العدول إلى العصر فيقطعها ويصلي العصر.


(1) فان الصلوات بأسرها حقائق متباينة وطبائع متغايرة وإن اشتركت صورة ، بل في تمام الجهات أحياناً كالظهرين فإنهما تمتازان بالعنوان المقوّم لهما من الظهرية والعصرية ، كما يكشف عنه بوضوح قوله عليه‌السلام : « إلا أنّ هذه قبل هذه » (1)إذ لولا التغاير المزبور لم يكن لذاك معنى معقول. إذن فلا بد في تحقّق الامتثال من تعلق القصد بكل منها على سبيل الاستقلال لتمتاز عن غيرها.

وعليه فالعدول من صلاةٍ إلى أُخرى والاجتزاء بنية الثانية عن الاولى حكم مخالف للقاعدة يحتاج الى نهوض دليل عليه بالخصوص وقد نهض في العدول من اللاحقة إلى السابقة ، ولم ينهض في عكسه ، فلا جرم يبقى تحت القاعدة المقتضية لعدم الجواز حسبما عرفت.

(2) وكذلك في العشاء مع بقاء محل العدول ، وقد نطقت بذلك جملة من النصوص كصحيحة زرارة وغيرها (2).

(3) إذ الوظيفة بعد البناء على الإقامة تبدلت من القصر إلى التمام ، وحيث


1) الوسائل 4 : 126 / أبواب المواقيت ب 4 ح 5 ، 20 ، 21.

2) الوسائل 4 : 290 / أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

وإذا كان في الفرض ناوياً للإقامة فشرع بنية العصر لوجوب تقديمها حينئذ ثم بدا له فعزم على عدم الإقامة فالظاهر أنه يعدل بها (1)إلى الظهر قصراً (1).

[1186] مسألة 7 : يستحب التفريق (2)بين الصلاتين المشتركتين في الوقت كالظهرين والعشاءين ويكفي مسمّاه (2).


إن الوقت حينئذ مختص بالعصر ولا يمكن تصحيح ما بيده ، لما تقدم من امتناع العدول من السابقة إلى اللاحقة ، فلا جرم يبطل فيرفع اليد ويصلي العصر.

(1) نظراً إلى أنه بعد أن عدل عن نية الإقامة تبدلت الوظيفة إلى الإتيان بالظهرين قصراً ، والمفروض سعة الوقت لهما وجواز العدول إلى السابقة فيعدل إلى الظهر رعاية للترتيب ثم يصلي العصر.

ولكنه محل تأمل بل منع كما أشرنا إليه في التعليقة فإنّ مورد العدول ما إذا كان المصلي مأموراً بالسابقة واقعاً غير أنه لأجل النسيان أو اعتقاد الإتيان شرع في اللاحقة بحيث لو كان ملتفتاً لم يشرع ، وليس المقام كذلك ، ضرورة أنه حينما أتى باللاحقة كان مأموراً بها حتى واقعاً ، بحيث لو أتى وقتئذ بالسابقة كان باطلاً ، وإنما تغير الحكم لأجل تبدل الموضوع الموجب لانقلاب الوظيفة ، ومثله غير مشمول لأدلة العدول.

وعليه فلا مناص من الحكم ببطلان ما بيده ، فيرفع اليد ويأتي بالظهر ثم بالعصر إن وسع الوقت لهما كما هو المفروض ولو ببركة حديث من أدرك.

(2) ينبغي التكلم تارة : في الجمع بين الصلاتين وقتاً ، بأن يؤتى بإحداهما في وقت فضيلة الأُخرى ، وأُخرى : في الجمع بينهما خارجاً وتكويناً وإن تغايرا من حيث الوقت ، فانّ بينهما عموماً من وجه.


1) (*) بل الظاهر أنه يقطعها ويأتي بالصلاتين قصراً إذا أدرك صلاة العصر أيضاً ولو بركعة ، وإلا أتمّ ما بيده قصرا ، وليس هذا من موارد العدول كما يظهر وجهه بالتأمل.

2) (**) في استحبابه إشكال.

فقد يتحقق الأول دون الثاني ، كما لو أخّر المغرب عن الشفق ، أو قدّم العشاء عليه فأتى بإحداهما في وقت فضيلة الأُخرى مع فاصل زماني بينهما.

وقد ينعكس كما لو أتى بالمغرب قبيل سقوط الشفق ، وبالعشاء بعده من غير فاصل زماني ، وربما يجتمعان كما لو كان بلا فاصل في الفرض الأوّل (1)فهنا مقامان :

أما المقام الأوّل : فلا إشكال في مرجوحية الجمع المذكور ، ضرورة أنّ الأفضل لكل صلاة الإتيان بها في وقت فضيلتها ، فالتقديم أو التأخير خلاف ما هو الأفضل ، وهذا في المغرب والعشاء واضح ، وكذا في الظهر ، إذ الأفضل الإتيان بها قبل القدم أو القدمين ، أو صيرورة الظل مثل الشاخص حسب اختلاف الأخبار المحمول على اختلاف مراتب الفضل كما تقدم في محله ، فالتأخير عن هذا الحدّ مرجوح.

وأما العصر فقد سبق (2)أن الأفضل الإتيان بها بعد الفراغ عن فريضة الظهر ونافلتها ، إذ ليس بعد صلاة الظهر إلا سبحتك كما جاء في النص (3)ولا يتوقف الرجحان على التأخير عن القدم أو القدمين أو الذراع والذراعين ، وإنما الاعتبار بالفراغ المزبور ، فلو لم يكن مأموراً بالنافلة كما في يوم الجمعة أو حال السفر ، أو لم يرد الإتيان بها ، كان الأفضل الإتيان بالعصر بعد صلاة الظهر مباشرة ، لاستحباب المسارعة إلى المغفرة والاستباق إلى الخير. ومعه لا موجب للتفريق. إذن فالمرجوح هو الجمع بين الظهرين في وقت فضيلة العصر دون العكس.

وأما المقام الثاني : فالمشهور وإن كان هو استحباب التفريق وباحثوا


1) [ في الأصل : كما لو كان مع الفاصل في الفرض المزبور ، والصحيح ما أثبتناه ، لأنّ الغرض بيان مادّة الاجتماع لا انتفاء كليهما ].

2) في ص 156.

3) الوسائل 4 : 134 / أبواب المواقيت ب 5 ح 13.

حول تحققه بمجرد فعل النافلة وعدمه كما ستعرف ، إلا أنّ الأظهر أن الشهرة المدعاة مما لا أساس لها ، لضعف مستندها من الأخبار المستدل بها لذلك ، إما سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو ، وإليك عرض النصوص :

فمنها : ما رواه الشهيد في الذكرى عن كتاب عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام : « أن رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله كان في السفر يجمع بين المغرب والعشاء والظهر والعصر ، إنما يفعل ذلك إذا كان مستعجلاً ، قال : وقال عليه‌السلام وتفريقهما أفضل » (1).

وهي بقرينة ذكر الظهرين ظاهرة في استحباب التفرقة من حيث الاتصال الخارجي ، نظراً إلى سقوط النافلة في السفر ودخول وقت فضيلة العصر بمجرد الفراغ من الظهر ، فلا يحتمل أن يكون المراد مرجوحية الجمع من حيث الوقت ، وإن تطرق احتماله لولا هذه القرينة كما لا يخفى. إذن فالدلالة تامة.

لكن السند ضعيف ، لجهالة طريق الشهيد إلى كتاب ابن سنان. مضافاً إلى الاطمئنان بأن الكتاب المشتمل على تلك الرواية لا وجود له وإلا لنقلها عنه المتقدمون عليه كالكليني والشيخ والصدوق وغيرهم ، فكيف لم ينقلها عنه غير الشهيد (2).

ومنها : موثقة زرارة قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : أصوم فلا أُقيل حتى تزول الشمس ، فاذا زالت الشمس صليت نوافلي ثم صليت الظهر ، ثم صليت نوافلي ثم صليت العصر ، ثم نمت وذلك قبل أن يصلي الناس ، فقال : يا زرارة إذا زالت الشمس فقد دخل الوقت ولكني أكره لك أن تتخذه وقتاً دائماً » (3).


1) الوسائل 4 : 220 / أبواب المواقيت ب 31 ح 7 ، الذكرى 2 : 334.

2) يمكن النقض بكتاب مسائل علي بن جعفر ، حيث ينقل عنها صاحب الوسائل والبحار عشرات الروايات ويعتمد عليها الأُستاذ ( طاب ثراه ) مع أنها غير موجودة في الكتب المعروفة.

3) الوسائل 4 : 134 / أبواب المواقيت ب 5 ح 10.

وهي من حيث السند خالية عن الخدش فان الكاهلي ممدوح ، وباعتبار وقوعه في أسناد كامل الزيارات موثوق ، كما أنها من حيث الدلالة ظاهرة ، بل لعلها أحسن رواية دلت على التفريق ، بل وعدم كفاية الفصل بالنافلة.

بيد أنها معارضة بنصوص معتبرة تضمنت نفي البأس عن الجمع وأنه لا تمنعك إلا سبحتك ، فاذا تنفّل للعصر كما هو مفروض الرواية لم تكن ثمة أيّ مرجوحية ، وقد تقدم (1)أن التحديد بالقدم أو القدمين أو الذراع والذراعين إنما هو لأجل النافلة ، ولولاها لكان الإتيان بصلاة العصر بعد الظهر مباشرة هو الأفضل كما في يوم الجمعة أو حال السفر ، وقد ورد أنّ وقت صلاة العصر يوم الجمعة هو وقت الظهر في سائر الأيام (2).

هذا مع إمكان الخدش في دلالة الروايَة على استحباب الفصل أو كراهة الجمع ، لابتنائها على ورودها لبيان الحكم الشرعي الكلي وليس كذلك ، فان ظاهر قوله : « ولكن أكره لك ... » إلخ اختصاص الكراهة بشخص زرارة ، ولعله من أجل شدة اختصاصه بالإمام وكونه من أكابر أصحابه ، بل من خواصه وبطانته ، فإنه لو اتخذ ذلك وقتاً لنفسه المستلزم طبعاً لغيابه عن حضور جماعة القوم لعرفوا تخلفه عنهم وربما استتبع اللوم والعتاب ، بل وإساءة الأدب حتى إلى ساحة الإمام عليه‌السلام فرعاية للتقية نهاه عن الإدامة ، فلا تدل على الكراهة إلا على سبيل الدوام فضلاً عن الكراهة لجميع الأنام. والعمدة ما عرفت من المعارضة.

ومنها : رواية معاوية ( معبد ) بن ميسرة قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام إذا زالت الشمس في طول النهار للرجل أن يصلي الظهر والعصر ، قال : نعم ، وما أُحب أن يفعل ذلك كل يوم » (3).


1) في ص 156.

2) الوسائل 7 : 316 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 3.

3) الوسائل 4 : 128 / أبواب المواقيت ب 4 ح 15.

وفيه : أنها ضعيفة السند ، إذ لا توثيق لأحمد بن أبي بشير ولا لمعاوية بن ميسرة ، وأما معبد بن ميسرة كما في بعض النسخ فهو مهمل.

على أنها قاصرة الدلالة ، لظهورها في الإتيان بالظهرين متعاقبين من دون تنفل بينهما ، ولا ريب أن المواظبة على ترك النافلة والالتزام به أمر مرجوح ، فلا تدل على استناد الكراهة إلى مجرد الجمع ولو من دون التزام به كما يدعيه القائل بها.

ومنها : رواية عبد اللّه بن سنان قال : « شهدت صلاة المغرب ليلة مطيرة في مسجد رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله فحين كان قريباً من الشفق نادوا وأقاموا الصلاة فصلوا المغرب ، ثم أمهلوا الناس حتى صلوا ركعتين ، ثم قام المنادي في مكانه في المسجد فأقام الصلاة فصلوا العشاء ، ثم انصرف الناس إلى منازلهم ، فسألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن ذلك؟ فقال : نعم ، قد كان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله عمل بهذا » (1).

دلت على مركوزية استبشاع الجمع في أذهان أصحاب الأئمة ومرجوحيته بحيث استغرب منه ابن سنان ، وربما احتمل عدم الجواز ومن ثم راجع الامام وسأله عما شاهده ، وقد أقره عليه‌السلام على هذا الارتكاز ولم يردعه عنه ، غايته أنه نبّه على جوازه وعدم حرمته ، فالجمع بين هذا التجويز وذاك الارتكاز ينتج الكراهة لا محالة.

وفيه : مضافاً إلى ضعف الرواية بسهل بن زياد ، أنها قاصرة الدلالة على ما هو محل البحث من مجرد الجمع والاتصال الخارجي ، إذ الظاهر أنّ منشأ الاستغراب إنما هو الجمع بحسب الوقت بتأخير المغرب وتقديم العشاء على ذهاب الشفق ، أعني الجمع بينهما في منتهى وقت فضيلة المغرب ، وهذا مما لا شبهة في مرجوحيته كما سبق ، وهو خارج عن محل الكلام.


1) الوسائل 4 : 218 / أبواب المواقيت ب 31 ح 1.

ومنها : رواية صفوان الجمال قال : « صلى بنا أبو عبد اللّه عليه‌السلام الظهر والعصر عند ما زالت الشمس بأذان وإقامتين ، وقال : إني على حاجة فتنفلوا » (1).

دلت على مرجوحية الجمع في حال الاختيار ، وإنما فعله عليه‌السلام لحاجة دعته إليه.

وفيه : مضافاً إلى ضعف السند بالوليد بن أبان وغيره ممن وقع فيه ، أنها أيضاً قاصرة الدلالة ، لجواز أن يكون الوجه في المرجوحية هو ترك التنفل الذي أمرهم به بعد الصلاتين لا مجرد الجمع والاتصال الخارجي.

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : كان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله إذا كان في سفر أو عجّلت به حاجة يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء الآخرة ، قال : وقال أبو عبد اللّه عليه‌السلام : لا بأس أن يعجّل العشاء الآخرة في السفر قبل أن يغيب الشفق » (2).

دلت على اختصاص الجمع بصورة العجلة والحاجة فلا جمع في حال الاختيار.

وفيه : أنها ناظرة إلى الجمع بحسب الوقت بتأخير إحداهما وتقديم الأُخرى عن وقت الفضيلة كالاتيان بالعشاء قبل غيبوبة الشفق ، ولا شبهة في مرجوحيته في غير حال السفر والحاجة ، ولا نظر فيها إلى الجمع الاتصالي الذي هو محل الكلام.

ثم إنه ربما يستدل لهذا القول بجملة أُخرى من النصوص وفيها الصحاح وأكثرها حاكية عن فعل النبي صلی اللّه عليه وآله وأنه جمع بين الصلاتين من غير علة ولا سبب ، معللاً في بعضها بإرادة التوسعة على الأُمة ، أوردها في الوسائل في باب مستقل عنونه بباب جواز الجمع بين الصلاتين لغير عذر ، وهو


1) الوسائل 4 : 219 / أبواب المواقيت ب 31 ح 2 ، 3.

2) الوسائل 4 : 219 / أبواب المواقيت ب 31 ح 2 ، 3.

وفي الاكتفاء به بمجرد فعل النافلة وجه إلا أنه لا يخلو عن إشكال (1).


الباب الثاني والثلاثين من أبواب المواقيت (1)فان التعليل بالتوسيع يدل على المرجوحية وأنه لولا هذه العلة لم يجمع فيكون التفريق طبعاً هو الأفضل.

ولكن الظاهر أنها بأجمعها ناظرة إلى الجمع بين الصلاتين بحسب الوقت بتقديم إحداهما وتأخير الأُخرى عن وقت الفضيلة كما تشهد به صريحاً موثقة زرارة الواردة في هذا الباب (2)وأجنبية عن الجمع الاتصالي الذي هو محل الكلام فالاستدلال بها في غير محله.

والمتحصل من جميع ما ذكرناه لحدّ الآن : أنه لم ينهض لدينا أيّ دليل يمكن الركون إليه يدل على مرجوحية الجمع بين الصلاتين ، بمعنى مجرد الاتصال بينهما خارجاً ، وإن كان استحباب التفرقة هو المشهور بين الأصحاب ، فإنه مما لا أساس له ، وإنما الثابت كراهة الجمع بينهما في وقت الفضيلة للأُخرى كما مرّ وهو أمر آخر.

(1) لو بنينا على كراهة الجمع الاتصالي أو استحباب التفرقة كما عليه المشهور ، فهل ترتفع الكراهة وتحصل التفرقة بمجرد فعل النافلة والتطوع بين الصلاتين بركعتين مثلاً؟.

قد يقال بالكفاية ويستدل له بروايتين :

إحداهما : ما رواه محمد بن حكيم عن أبي الحسن عليه‌السلام قال : « سمعته يقول : إذا جمعت بين صلاتين فلا تطوع بينهما » (3).

وثانيتهما : روايته الأُخرى قال : « سمعت أبا الحسن عليه‌السلام يقول : الجمع بين الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوع ، فاذا كان بينهما تطوع فلا جمع » (4).


1) الوسائل 4 : 220 / أبواب المواقيت ب 32.

2) الوسائل 4 : 222 / أبواب المواقيت ب 32 ح 8.

3) الوسائل 4 : 224 / أبواب المواقيت ب 33 ح 2 ، 3.

4) الوسائل 4 : 224 / أبواب المواقيت ب 33 ح 2 ، 3.

ولا يبعد أنهما رواية واحدة وردت بطريقين ، لاتحاد الراوي ومن يروي عنه والمروي عنه والمضمون.

وكيف ما كان ، فهي ضعيفة السند ، فان محمد بن حكيم لا توثيق له ، أجل روى الكشي (1)انه كان جيّد المناظرة ومن أرباب علم الكلام ومن أصحاب الكاظم عليه‌السلام وقد أظهر الرضا عنه إلا أن ذلك لا يدل على التوثيق بوجه » (2)كما هو ظاهر.

على أنّ في أحد السندين محمد بن موسى وهو ضعيف وعلي بن عيسى وهو مجهول. نعم في بعض النسخ محمد بن عيسى بدل علي بن عيسى وهو ابن عبيد الثقة.

كما أن في السند الآخر سلمة بن الخطاب وقد ضعفه النجاشي (3)فلا ينفع وقوعه في أسناد الكامل ، وبالجملة فلا شك في ضعف السند.

مضافاً الى إمكان تطرق النقاش في الدلالة أيضاً ، نظراً إلى أنها ناظرة إلى مقام التشريع ، وأن المورد الذي يشرع فيه الجمع ولو استحباباً هو المورد الذي لم يشرع فيه النافلة كالمسافر وكالحاج ليلة المزدلفة ، إذ لو كانت مشروعة كما في غير السفر وغير المفيض من عرفة لما أمر بالجمع ، بل كان الأفضل الإتيان بكل صلاة في وقت فضيلتها نظير ما ورد من أنه « لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة » (4)لا أنه لو تركت النافلة تحقق الجمع المرجوح ، ولو أتى بها ارتفعت المرجوحية وتحققت التفرقة ، فإن هذا أمر آخر لا تدل الرواية عليه ، وما ذكرناه إما هو الظاهر منها ، أو لا أقل من احتماله ، فتصبح مجملة وتسقط عن صلاحية الاستدلال بها.


1) رجال الكشي : 449 / 844.

2) ولكنه ممدوح كما اعترف قدس‌سره به في المعجم 17 : 36 / 10647.

3) رجال النجاشي : 187 / 498.

4) الوسائل 4 : 82 / أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 4.

[1187] مسألة 8 : قد عرفت أن للعشاء وقت فضيلة وهو من ذهاب الشفق إلى ثلث الليل ، ووقتا إجزاء من الطرفين (1) ، وذكروا أن العصر أيضاً كذلك ، فله وقت فضيلة وهو من المِثل إلى المِثلين ، ووقتا إجزاء من الطرفين (2) ، لكن عرفت نفي البعد في كون ابتداء وقت فضيلته هو الزوال ، نعم الأحوط (1)في إدراك الفضيلة الصبر إلى المِثل (3).


(1) أحدهما : قبل ذهاب الشفق ، والآخر : بعد ثلث الليل إلى نصفه.

(2) أحدهما : قبل المثل والآخر : بعد المثلين إلى الغروب.

(3) هذا في حيّز المنع ، بل مقتضى النصوص الآمرة بالتخفيف في النافلة والاستعجال في الإتيان بالفريضة وأنّ أول الوقت أفضل كما ستعرفها في المسألة الآتية ، هو المبادرة إلى صلاة العصر بعد الفراغ من صلاة الظهر ونافلتها وإن كان ذلك قبل بلوغ المثل ، فإنه من التعجيل في الخير والاستباق إلى المغفرة ، وقد تقدم (2)أن التحديد بالقدم أو القدمين أو الذراع أو المثل إنما هو لمراعاة النافلة ، ومن ثم ورد أنّ « وقت العصر يوم الجمعة هو وقت الظهر في سائر الأيام » (3).

وبعد هذه الأخبار كيف يكون الاحتياط في درك الفضيلة الصبر إلى المثل ، بل في موثقة سليمان بن خالد : « العصر على ذراعين ، فمن تركها حتى تصير على ستة أقدام فذلك المضيّع » (4)فإن الستة أقدام تقرب من المثل ، ومقتضى ما ذكره أن يكون الاحتياط في التضييع ، وهو كما ترى ، فالصحيح ما عرفت من أنّ الأفضل المبادرة إليها بعد النافلة من غير حالة منتظرة.


1) (*) فيه إشكال بل منع.

2) في ص 156.

3) الوسائل 7 : 316 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 3.

4) الوسائل 4 : 152 / أبواب المواقيت ب 9 ح 2.

[1188] مسألة 9 : يستحب التعجيل في الصلاة في وقت الفضيلة وفي وقت الإجزاء (1) بل كلما هو أقرب إلى الأوّل يكون أفضل. إلا إذا كان هناك معارض كانتظار الجماعة أو نحوه (2).


(1) للنصوص الآمرة بالتعجيل التي مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين الوقتين ، فإنه من التعجيل والاستباق الممدوحين في الكتاب والسنة ، وقد عقد لذلك باباً في الوسائل أورد فيها جملة من الأخبار.

فمنها : صحيحة زرارة قال : « قال أبو جعفر عليه‌السلام : اعلم أن أول الوقت أبداً أفضل فعجّل الخير ما استطعت ... » (1).

ومنها : صحيحته الأُخرى قال : « قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : أصلحك اللّه وقت كل صلاة أول الوقت أفضل أو وسطه أو آخره؟ قال : أوّله ، إنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله قال : إنّ اللّه عز وجل يحبّ من الخير ما يعجّل » (2).

ومنها : صحيحة معاوية بن عمار أو ابن وهب قال : « قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام لكل صلاة وقتان ، وأوّل الوقت أفضلهما » (3)ونحوها غيرها.

(2) سيتعرض الماتن لهذا الاستثناء مرة أُخرى في المسألة الثالثة عشرة من الفصل الآتي المنعقدة لموارد الاستثناء من استحباب التعجيل ، ونذكر في المقام شطراً من الكلام ونحيل الباقي إلى ما سيأتي فنقول :

المستند في المسألة ما رواه الصدوق بإسناده عن جميل بن صالح « أنه سأل أبا عبد اللّه عليه‌السلام أيّهما أفضل يصلي الرجل لنفسه في أول الوقت أو يؤخّرها قليلاً ويصلّي بأهل مسجده إذا كان إمامهم؟ قال : يؤخّر ويصلي بأهل مسجده إذا كان الإمام » (4).


1) الوسائل 4 : 121 / أبواب المواقيت ب 3 ح 10.

2) الوسائل 4 : 122 / أبواب المواقيت ب 3 ح 12 ، 11.

3) الوسائل 4 : 122 / أبواب المواقيت ب 3 ح 12 ، 11.

4) الوسائل 8 : 308 / أبواب صلاة الجماعة ب 9 ح 1.

ولكنها مخدوشة سنداً لجهالة طريق الصدوق إلى جميل المزبور (1)، فإنه غير مذكور في المشيخة ، ودلالة لأنها أخص من المدعى لاختصاص موردها بالإمام ، بل مقتضى مفهوم القضية الشرطية المذكورة في كلام الامام عليه‌السلام نفي الاستحباب عن المأموم ، وبذلك يرتكب التقييد لو صح السند فيما لو دل دليل بإطلاقه على استحباب التأخير لانتظار الجماعة بالرغم من عدم جريان صناعة الإطلاق والتقييد في باب المستحبات كما لا يخفى.

فالأحرى الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة ، ومقتضاها التفصيل بين التأخير عن أول وقت الفضيلة ، وبين التأخير عن أصل وقتها بانتظار خروجه ودخول وقت الإجزاء.

ففي الصورة الأُولى : ينبغي الصبر والانتظار ، فان فيه جمعاً بين درك فضيلتي الوقت والجماعة ، بل قد جرت عليه السيرة القطعية المستمرة من زمن المعصومين عليهم‌السلام ، فإنها قائمة على التأخير شيئاً ما عن أول وقت الفضيلة لحضور الامام واجتماع المأمومين ، فإن طبيعة الحال تستوجب هذا المقدار من الانتظار رعاية لحال العموم.

ولا ينافيه الاهتمام البليغ والحث الأكيد الوارد في التعجيل والتسريع في إقامة الصلاة أول وقتها ، إذ ليس هو بأكثر مما ورد من الاهتمام بإقامة الجماعة ولا سيما مع التعبير في بعضها عن تاركها بالفاسق ، ولعل السيرة المزبورة خير شاهد على ترجيح الثاني لدى المزاحمة.

ومنه تعرف ترجيح الجماعة ولو استلزم نوعاً من التأخير على المبادرة إلى الفرادى أول وقت الإجزاء لاتحاد المناط.

وأما في الصورة الثانية : فالأمر بالعكس ، فترجح فضيلة الوقت على فضيلة الجماعة ، لما ورد من الاهتمام الكثير في رعايتها ، بل التعبير بالتضييع عن


1) ولكن يمكن استكشافه باعتبار أن الشيخ روى كتابه بطريق صحيح وفي الطريق ابن الوليد. والصدوق يروي جميع مرويات ابن الوليد عنه كما يظهر من ترجمة ابن الوليد في الفهرست [ راجع معجم رجال الحديث 16 : 219 / 10490 ].

[1189] مسألة 10 : يستحب الغلس بصلاة الصبح أي الإتيان بها قبل الإسفار في حال الظلمة (1).


التأخير عن وقت الفضيلة في جملة من الأخبار ، حتى أنّ من أجلها ذهب جمع من أصحابنا الأبرار إلى عدم الجواز إلا للمضطر كما مرّ.

على أن السيرة القطعية قائمة على عدم الانتظار ، فإن المتشرعة لا يؤخرون الفريضة عن تمام وقت الفضيلة حتى لإدراك الجماعة ، بل لا يزالون يقيمونها أول هذا الوقت أو أثناءه إن جماعة أو فرادى ، عملاً بالنصوص الآمرة بالتعجيل وعدم التأخير.

وعلى الجملة : فالصورتان متعاكستان في الرجحان ، فان الاهتمام البليغ الوارد في لسان الأخبار على الإتيان بالفريضة في وقتها ينافي التأخير عن وقت الفضيلة بحيث لا يقاومها الحث والترغيب إلى صلاة الجماعة في صورة المزاحمة لما ذكر ، بخلاف التأخير عن أوله إلى وسطه أو آخره كما في الصورة الأُولى حسبما عرفت.

(1) ويستدل له مضافاً إلى المطلقات المتقدمة الناطقة بأنّ أوّل الوقت أفضل وأنه تعجيل إلى الخير ، بأخبار أكثرها ضعيفة ، مثل رواية يحيى بن أكثم القاضي « أنه سأل أبا الحسن الأول عن صلاة الفجر لم يجهر فيها بالقراءة وهي من صلوات النهار وإنما يجهر في صلاة الليل؟ فقال : لأن النبي صلی اللّه عليه وآله كان يغلس بها فقرّبها من الليل » (1)لجهالة طريق الصدوق إلى يحيى كنفسه.

والعمدة في المقام : موثقة إسحاق بن عمار قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام أخبرني عن أفضل المواقيت في صلاة الفجر ، قال : مع طلوع الفجر ، إنّ اللّه تعالى يقول ( إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) يعني صلاة الفجر تشهده


1) الوسائل 6 : 84 / أبواب القراءة ب 25 ح 3.

ملائكة الليل وملائكة النهار ، فاذا صلى العبد صلاة الصبح مع طلوع الفجر أُثبتت له مرتين ، تثبته ملائكة الليل وملائكة النهار » (1).

وهي كما ترى صريحة الدلالة قوية السند ، إذ لا نقاش فيه عدا ما يتخيل من أن إسحاق بن عمار فطحي المذهب ، فبناءً على اعتبار عدالة الراوي كما يراه صاحب المدارك (2)لا يمكن التعويل عليها ، ولكن المبنى غير تام ، ويكفي في الحجية مجرد وثاقة الراوي وإن لم يكن عدلاً إمامياً كما هو موضح في محله.

وربما يقال : إن الفطحي هو إسحاق بن عمار الساباطي دون الصيرفي فإنه من الثقات الأجلاء ولم يكن فطحياً.

ولكن الصحيح أنهما شخص واحد ينسب تارة إلى بلده وأُخرى إلى شغله ، كما يفصح عنه أن النجاشي (3)تعرّض للصيرفي ووثقه ولم يتعرض للساباطي على العكس من الشيخ حيث إنه تعرض في فهرسته للساباطي وقال : له أصل يعتمد عليه وكان فطحياً (4)، ولم يتعرض للصيرفي ، وتعرض له في رجاله تارة في أصحاب الصادق مقيّداً بالصيرفي ، وأُخرى في أصحاب الكاظم وأطلق ولم يقيده بشي‌ء ، فقال : إسحاق بن عمار ثقة له كتاب (5).

إذن فلو كانا شخصين لم يكن وجه لعدم تعرض النجاشي للساباطي مع أنه متأخر عن الشيخ في التأليف ، وهو ناظر إليه ، ولا لعدم تعرض الشيخ للصيرفي في فهرسته مع تصريحه في رجاله كما سمعت بأن له كتاباً وقد أعد فهرسته لذكر أرباب الكتب والمصنّفين ، فمن إهمال أحدهما لمن تعرّض له الآخر يستكشف طبعاً أنهما رجل واحد ينسب تارة إلى شغله فيعبّر عنه بالصيرفي ،


1) الوسائل 4 : 212 / أبواب المواقيت ب 28 ح 1.

2) [ لم نعثر عليه ].

3) رجال النجاشي : 71 / 169.

4) الفهرست : 15 / 52.

5) رجال الطوسي : 162 / 1831 ، 331 / 4924.

[1190] مسألة 11 : كل صلاة أُدرك من وقتها في آخره مقدار ركعة فهو أداء ويجب الإتيان به ، فانّ من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت لكن لا يجوز التعمد في التأخير إلى ذلك (1).


وأُخرى إلى بلده فيوصف بالساباطي ، وقد عرفت أنه ثقة وإن كان فطحي المذهب. إذن فالرواية موثقة ، ولكن على طريق الصدوق في ثواب الأعمال (1)لا في العلل (2)، ولا على طريق الكليني والشيخ (3)، لضعف الجميع بعبد الرحمن ابن سالم ، مضافاً إلى سهل بن زياد في طريق الكليني.

(1) لا ريب في وجوب الإتيان بالصلاة في هذه الحالة وليس للمكلف تركها بتوهم أنها قضاء والقضاء موسع ، فإنهم وإن اختلفوا في أنها أداء أو قضاء أو ملفقة منهما ، إلا أنها حتى على القول بالقضاء يجب البدار إليها في خصوص المقام بلا كلام ، استناداً إلى ما اشتهر بينهم بقاعدة من أدرك.

ويستدل لها بروايات خمس كلها ضعيفة ما عدا رواية واحدة.

أولاها : مرسلة الذكرى قال : « روي عن النبي صلی اللّه عليه وآله أنه قال : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة » (4).

ثانيتها : مرسلته الأُخرى قال : « وعنه صلی اللّه عليه وآله من أدرك ركعة من العصر قبل أن يغرب الشمس فقد أدرك الشمس » (5).

ثالثتها : رواية الأصبغ بن نباتة قال : « قال أمير المؤمنين عليه‌السلام من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الغداة تامة » (6).


1) ثواب الأعمال : 57.

2) علل الشرائع : 336 / الباب 34 ح 1.

3) الكافي 3 : 282 / 2 ، التهذيب 2 : 37 / 116.

4) الوسائل 4 : 218 / أبواب المواقيت ب 30 ح 4 ، 5 ، لاحظ الذكرى 2 : 352.

5) الوسائل 4 : 218 / أبواب المواقيت ب 30 ح 4 ، 5 ، لاحظ الذكرى 2 : 352.

6) الوسائل 4 : 217 / أبواب المواقيت ب 30 ح 2.

وهي أيضاً ضعيفة بأبي جميلة المفضل بن صالح ، وقيل إن له رواية أُخرى في المقام ولا أساس له.

رابعتها : رواية عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث « قال : فان صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم الصلاة وقد جازت صلاته ، وإن طلعت الشمس قبل أن يصلي ركعة فليقطع الصلاة ولا يصلي حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها » (1).

وهي أيضاً ضعيفة السند بعلي بن خالد.

والعمدة هي الرواية الخامسة ، وهي ما رواه الشيخ بإسناده عن عمار بن موسى عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث « قال : فان صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم وقد جازت صلاته » (2).

وهي من حيث السند موثقة ومن ناحية الدلالة واضحة ، غير أنه نوقش في الاستدلال بها من وجهين.

أحدهما : أن موردها صلاة الغداة ، ولا دليل على التعدي إلى سائر الصلوات ، نعم ورد في العصر أيضاً ولكنه ضعيف السند كما تقدم.

وفيه : أن الدليل عليه إما هو عدم القول بالفصل والقطع بعدم الفرق ، إذ لا خصوصية لصلاة الغداة في هذا الحكم يقيناً.

أو أنه الأولوية العرفية ، نظراً إلى أنّ ما بعد طلوع الشمس من الأوقات التي يكره فيها الصلاة ، بل قد ورد فيه النهي عن النبي صلی اللّه عليه وآله في حديث المناهي (3)وغيره ، فاذا ساغ الإتيان بجزء منها فيه وثبت الحكم في هذا الوقت وهو معرض للكراهة بل لتوهم الحرمة ، ففي غيره مما لا حزازة فيه أصلاً بطريق أولى كما لا يخفى. ولعل تخصيص صلاة الغداة بالذكر في الرواية


1) الوسائل 4 : 217 / أبواب المواقيت ب 30 ح 3.

2) الوسائل 4 : 217 / أبواب المواقيت ب 30 ح 1 ، التهذيب 2 : 38 / 120.

3) الوسائل 4 : 236 / أبواب المواقيت ب 38 ح 6.

للتنبيه على هذه النكتة ورفع ما يتوهم من الحزازة من دون خصوصية لها في الحكم المزبور بوجه.

ثانيهما : أن المذكور في كلمات الفقهاء هو عنوان من أدرك ركعة من الوقت ، وهو بإطلاقه يشمل ما لو علم منذ الشروع في الصلاة بعدم درك ما عدا الركعة ، وهكذا بقية الأخبار مما تضمن كلمة « أدرك » غير أنها ضعيفة السند ، وأما الموثقة فهي خالية عن هذه اللفظة ، وظاهرها الاختصاص بما إذا كان جاهلاً أو معتقداً لدرك التمام فاتفق عدم درك ما عدا الركعة ، ولا تشمل صورة العلم من الأول بعدم درك الأكثر فلا تنطبق الموثقة على مورد فتوى الأصحاب.

ويندفع : بأن ظاهر القضية الشرطية ضرب الحكم بنحو الكبرى الكلية والقضية الحقيقية الشاملة بإطلاقها لكلتا الصورتين ، إذ لم ترد لبيان قضية شخصية خارجية في واقعة خاصة كما لو كان ثمة من يصلي وقد طلعت الشمس في الأثناء وسئل عليه‌السلام عن حكمه ليتوهم فيه الاختصاص المزبور.

وبالجملة : لا فرق بين الموثقة وغيرها في أن مفادها بحسب النتيجة أنّ العبرة بدرك الركعة كيف ما اتفق ، وأن المدرك لها بمثابة المدرك لتمامها ، فكأنّ الصلاة وقعت بكاملها في الوقت.

ومنه تعرف أنها بتمامها أداء كما يفصح عنه التعبير بقوله « وقد جازت صلاته » لظهوره في أنّ تلك الصلاة الأدائية المأمور بها في ظرفها قد تحققت وجازت بما صنع وارتكب. إذن فالقول بأنها قضاء أو تلفيق عارٍ عن الدليل ولا سبيل للمصير إليه بوجه ، ولا ثمرة عملية لهذا البحث إلا على القول بلزوم قصد الأداء والقضاء في صحة العبادة ، ولا نقول به إلا فيما إذا توقف التمييز عليه كما تقدم في محله (1).


1) العروة الوثقى 1 : 449 / 1415.

بقي شي‌ء : وهو أنه لا ريب في أن المكلف إذا كان متطهراً بالطهارة المائية ولم يبق من الوقت إلا مقدار ركعة صلى وأجزأه إدراكها حسبما عرفت.

كما لا ريب أيضاً في أن من كانت وظيفته التيمم لفقد الماء أو العجز عن استعماله فأخّر إلى أن بقي مقدار الركعة تيمم وصلى لإطلاق قوله عليه‌السلام « وقد جازت صلاته » في الموثقة ، وشموله للصلاة الواجبة بالطهارة المائية أو الترابية.

كما لا ريب أيضاً في أن الوظيفة هي التيمم فيما لو لم يبق من الوقت إلا مقدار أربع ركعات مع التيمم بحيث لو توضأ لم يدرك أكثر من الركعة ، ولا سبيل لإجراء القاعدة لعدم شمولها لموارد التعجيز الاختياري.

وإنما الكلام في من كانت وظيفته الطهارة المائية فأخّر حتى لم يبق من الوقت إلا مقدار ركعة مع التيمم بحيث لو توضأ لم يدرك حتى الركعة ، فهل يشرع له التيمم وقتئذ أو أنّ عليه القضاء نظراً إلى أنّ المتيقّن مما دل على مشروعية التيمم لضيق الوقت صورة التمكن من الإتيان بتمام الصلاة فيه ، أما الركعة منها فلا دليل على مشروعيته لها ، والموثقة لا تفي بالمشروعية ، إذ هي لا تدل على أكثر من أنّ من صلّى حسب وظيفته الفعلية وأدرك منها ركعة فقد جازت صلاته ، وأما أنّ الوظيفة أيّ شي‌ءٍ فلا نظر فيها إليه بوجه.

وربما يدعى ابتناء المسألة على أنّ التنزيل المستفاد من الموثقة هل هو بلحاظ الوقت أو أنّه بلحاظ الركعة؟

فعلى الأول ، تجب الصلاة مع التيمم ، لأنّ وقت الركعة الواحدة لمّا نزّل منزلة وقت الأربع ، فهو طبعاً يسع للصلاة مع الطهارة الترابية ببركة هذا التنزيل ، فلا جرم يكون التيمم مشروعاً.

وأما على الثاني ، فيشكل مشروعيته ، نظراً إلى أنّ تنزيل الركعة منزلة الأربع موقوف على مشروعية التيمم لها ، إذ الركعة الفاقدة للطهارة غير

صالحة للتنزيل ولا تكاد تقوم مقام الأربع ، أعني الصلاة التامة بوجه ، والمفروض أنّ مشروعية التيمم موقوفة على هذا التنزيل ، بداهة أنّ الركعة المجردة لا يسوغ التيمم لها لوحدها ، لعدم الأمر بها ما لم تكن نازلة منزلة الأربع فيدور.

وإن شئت قلت : إن مشروعية التيمم موقوفة على الأمر بالصلاة ، وهو موقوف على تمامية التنزيل ، إذ لا أمر بالركعة الواحدة ، وتماميته موقوفة على مشروعية التيمم. وهذا كما ترى دور صريح.

ويندفع : بأن التنزيل المزبور وإن كان موقوفاً على مشروعية التيمم كما أُفيد ، لكن مشروعيته لا تتوقف عليه ولا تكون منوطة به ، وإنما استفيدت من آية التيمم حيث دلت على أن من لم يتمكن من الصلاة مع الطهارة المائية إلى أن ضاق الوقت ولم يبق منه إلا مقدار أربع ركعات ، فإن الوظيفة حينئذ تنقلب من الطهارة المائية إلى الترابية على ما عرفت فيما سبق من دلالتها على أنّ ضيق الوقت من مسوّغات التيمم ، فقد كان مأموراً بالتيمم منذ هذا الحين ، وهذه الوظيفة باقية إلى أوان بقاء مقدار الركعة ، إذ لم يطرأ ما يوجب ارتفاعها ، أو انقلابها إلى وظيفة أُخرى ، فلو لم يبق من الوقت إلا مقدار خمس دقائق ، دقيقة للتيمم وأربع دقائق للصلاة ، فهو حالئذ فاقد يشرع في حقه التيمم ، ويبقى هذا العنوان إلى ما لو أخّر وبقي مقدار دقيقتين ، دقيقة للتيمم واخرى للركعة الواحدة ، فإنّ مشروعية التيمم باقية لبقاء العلة وانطباق العنوان من دون توقف على التنزيل المزبور ليدور.

وبالجملة : دعوى أنّ الموثقة غير شاملة لتوقفها على المشروعية ، مدفوعة بأنها قد ثبتت قبل هذا الحين ومنذ تضيق الوقت ، وهو حال تبدل الوظيفة إلى الطهارة الترابية حسبما سمعت ، كما أنها باقية إلى الآن لعدم الموجب لارتفاعها. إذن فلا مانع من شمول الموثقة للمقام حتى بناءً على أنّ التنزيل بلحاظ نفس

الركعة دون الوقت كما لعله الأظهر فإذا كانت المشروعية ثابتة فبدليل التنزيل يتسع الوقت وتصح الصلاة.

هذا مضافاً إلى إمكان الاستدلال بما دل على عدم سقوط الصلاة بحال ، فان هذا حال من الأحوال ، وبما أنها متقوّمة بالطهور بمقتضى حديث التثليث ولا طهور في هذه الحالة غير الترابية ، فلا جرم يستكشف مشروعيتها خروجاً عن عهدة الامتثال. وبذلك يصدق أنه صلى ركعة في الوقت ثم طلعت الشمس ، فتشمله الموثقة ويحكم بالصحة ، وإن كان الأحوط ضمّ القضاء مع الطهارة المائية خارج الوقت.

فصل في أوقات الرواتب

[1191] مسألة 1 : وقت نافلة الظهر من الزوال إلى الذراع ، والعصر إلى الذراعين (1) أي سُبعي الشاخص وأربعة أسباعه ، بل إلى آخر وقت إجزاء الفريضتين على الأقوى ، وإن كان الأولى بعد الذراع تقديم الظهر ، وبعد الذراعين تقديم العصر والإتيان بالنافلتين بعد الفريضتين ، فالحدّان الأوّلان للأفضلية ، ومع ذلك الأحوط بعد الذراع والذراعين عدم التعرض لنيّة الأداء والقضاء في النافلتين (1).


(1) الأقوال في المسألة ثلاثة :

أحدها : ما نسب إلى المشهور تارة وإلى الأشهر أُخرى من أن وقت نافلة الظهر من الزوال إلى الذراع ، ونافلة العصر إلى الذراعين ، فبعدهما يترك النافلة ويبدأ بالفريضة.

ثانيها : امتداد الوقتين إلى المثل والمثلين ، ذهب إليه الشيخ في الخلاف (1)، والمحقق في المعتبر (2)، والعلامة في بعض كتبه (3)، والشهيد (4)وغيرهم.

ثالثها : امتداد وقت النافلتين بامتداد وقت الإجزاء للفريضتين ، أعني إلى


1) حكاه عنه في المدارك 3 : 68.

2) المعتبر 2 : 48.

3) التذكرة 2 : 316 مسألة 37.

4) البيان : 109 ، الدروس 1 : 140.

الغروب مع مراعاة الترتيب ، ذهب إليه صاحب المستند بعد نسبته إلى جماعة واستظهاره من آخرين (1)، واختاره السيد في المتن.

والأقوى ما عليه المشهور ، وتدل عليه جملة من الروايات المعتبرة ، بل البالغة حدّ الاستفاضة.

منها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « سألته عن وقت الظهر إلى أن قال ثم قال : أتدري لِمَ جعل الذراع والذراعان؟ قلت : لِمَ جعل ذلك؟ فقال : لمكان النافلة ، لك أن تتنفّل من زوال الشمس إلى أن يمضي ذراع ، فاذا بلغ فيؤك ذراعاً من الزوال بدأت بالفريضة وتركت النافلة ، وإذا بلغ فيؤك ذراعين بدأت بالفريضة وتركت النافلة » (2).

ومنها : موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث « ... فان مضى قدمان قبل أن يصلي ركعة بدأ بالأُولى ولم يصل الزوال إلا بعد ذلك ، وللرجل أن يصلي من نوافل الاولى ( العصر ) ما بين الاولى إلى أن تمضي أربعة أقدام ، فإن مضت الأربعة أقدام ولم يصل من النوافل شيئاً فلا يصلي النوافل » (3).

ومنها : موثقة زرارة بالحسن بن محمد بن سماعة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « أتدري لِمَ جعل الذراع والذراعان؟ قلت : لِمَ؟ قال : لمكان الفريضة ، لك أن تتنفّل من زوال الشمس إلى أن تبلغ ذراعاً ، فاذا بلغت ذراعاً بدأت بالفريضة وتركت النافلة » (4)ونحوها غيرها ممن وقع الرجل في سندها وغير ذلك ممّا هو صريح في هذا القول.

ويستدل للقول الثاني بأُمور :

أحدها : أن المراد بالذراع والذراعين في النصوص المتقدمة هو المثل


1) مستند الشيعة 4 : 55.

2) الوسائل 4 : 141 / أبواب المواقيت ب 8 ح 3.

3) الوسائل 4 : 245 / أبواب المواقيت ب 40 ح 1.

4) الوسائل 4 : 146 / أبواب المواقيت ب 8 ح 20.

والمثلان ، لما ورد في صدر صحيحة زرارة المتقدمة من أن حائط مسجد رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله كان قامة ، وكان إذا مضى منه ذراع صلى الظهر ، وإذا مضى منه ذراعان صلى العصر ... إلخ فإن المراد من القامة هو الذراع كما فسرت به في جملة من الروايات ذكرها صاحب الوسائل في الباب الثامن من أبواب المواقيت.

وقد تضمنت الصحيحة أنه عليه‌السلام كان يصلي الظهر بعد مضي الذراع ، وهو كما ترى مساوق لمعنى المثل ، ضرورة أنّ الحائط إذا كان ارتفاعه ذراعاً فعند بلوغ الفي‌ء ذراعاً يبلغ حينئذ في‌ء كل شي‌ء مثله ، فلا جرم كانت العبرة في وقت النافلة بالمثل والمثلين ، هكذا ذكره المحقق في المعتبر (1).

وفيه أولاً : أن حمل الذراع على المثل كحمل القامة على الذراع كل ذلك خلاف الظاهر جدّاً لا يصار إليه ما لم يقم شاهد عليه ، وقد تقدم سابقاً أن النصوص المفسرة للقامة بالذراع ضعيفة السند (2)وما تم سنده قاصرة الدلالة فلا تصلح للاستشهاد.

وثانياً : أن حمل القامة في الصحيحة على الذراع لعله مقطوع العدم ، وذلك لأجل كلمة من التبعيضية في قوله : « وكان إذا مضى منه ذراع .. » إلخ فإنه كالصريح في أنّ الذراع بعض الحائط لا نفسه ، وأنه مقابل له وجزء من القامة لا جميعه ، وهذا واضح.

وثالثاً : أن المذكور في ذيل الصحيحة هكذا : « فاذا بلغ فيؤك ذراعاً ... » إلخ وهو كما ترى صريح في أن المراد من القامة هو قامة الإنسان ، وقد لوحظ الذراع بالنسبة الى هذا المقدار وقوبل به ، ومعه كيف يمكن حمله على المثل.

ثانيها : ما عن الشهيد الثاني في روض الجنان (3)من أن المحكي عن فعل


1) المعتبر 2 : 48.

2) تقدم [ في ص 152 ] أن فيها ما هو تام السند والدلالة.

3) [ لم نعثر عليه والظاهر أنه خطأ ، والصحيح الروضة كما في الجواهر في بحث نافلة الظهرين ، راجع الروضة البهية 1 : 181 ].

النبي صلی اللّه عليه وآله والأئمة عليهم‌السلام أنهم كانوا يصلّون الظهرين عند المثل والمثلين ، وبعد ضم ذلك إلى ما هو المحكي عنهم عليهم‌السلام أيضاً من أنهم كانوا يوصلون النافلة بالفريضة ينتج اتساع الوقت وامتداده إلى المثل والمثلين تحفظاً على ما بينهما من التواصل.

وفيه أوّلاً : أن المواصلة المدعاة غير ثابتة ، ومن الجائز أنه صلی اللّه عليه وآله كان يصلي النافلة في داره عند الذراع أو الذراعين ثم يخرج إلى الفريضة عند المثل أو المثلين ، فالدعوى المزبورة غير بينة ولا مبينة.

وثانياً : أن المستفاد من جملة من الروايات التي منها نفس الصحيحة المتقدمة أنه صلی اللّه عليه وآله كان يصلي عند الذراع والذراعين بدلاً عن المثل والمثلين. إذن فلم يثبت شي‌ء من الدعويين المبني عليهما الاستدلال.

ثالثها : الإطلاقات المتضمنة للأمر بالنافلة من غير تقييد بالذراع أو الذراعين وهي على طائفتين.

إحداهما : ما تضمن تعدادها وأنها ثمان ركعات للظهر ، وثمان للعصر ، أو أنها أربع ركعات بعد الظهر ، وأربع قبل العصر حسب اختلاف ألسنتها.

ثانيتهما : النصوص المتضمنة أنه لا حدّ للنافلة إن شاء طوّل وإن شاء قصّر كصحيحة منصور وغيره « إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر إلا أن بين يديها سبحة وذلك إليك إن شئت طوّلت وإن شئت قصّرت » (1)ونحوها غيرها مما عقد لها في الوسائل باباً. فان مقتضى إطلاق الطائفتين امتداد الوقتين إلى المثل والمثلين.

وفيه أوّلاً : أنّ النصوص المزبورة بطائفتيها لم تكن بصدد البيان من ناحية الوقت بوجه لينعقد لها الإطلاق ، بل هي إما وردت لبيان تعداد النوافل أو لبيان وقت الفرائض ، وأنه بمجرد الزوال يدخل وقت الظهرين وأنه لا مانع من


1) الوسائل 4 : 131 / أبواب المواقيت ب 5 ح 1.

الشروع في الثانية إلا السبحة طالت أم قصرت ، وأما أنّ هذه السبحة متى ينتهي وقتها وأنه هل هو الذراع أو المثل أو غيرهما فلا نظر فيها إليه بوجه. ومعه كيف يمكن التمسك بالإطلاق في الجهة التي لم تكن الروايات بصدد البيان من تلك الجهة.

وثانياً : لو سلّم انعقاد الإطلاق كان مقتضاه اختيار القول الأخير ، أعني الامتداد إلى الغروب ، إذ هي كما لم تقيد بالذراع لم تقيد بالمثل أيضاً ، فما هو وجه التخصيص بالثاني لتكون دليلاً على القول الثاني.

وثالثاً : مع الغض عن كل ذلك فاللازم تقييد المطلقات بما ورد في جملة من الروايات من تحديد وقت النافلة بالذراع والذراعين كما في صحيحة زرارة المتقدمة حيث ورد فيها « ... فإذا بلغ فيؤك ذراعاً من الزوال ، بدأت بالفريضة وتركت النافلة ، وإذا بلغ فيؤك ذراعين بدأت بالفريضة وتركت النافلة » (1)عملاً بصناعة الإطلاق والتقييد ، فإن هذا القانون وإن لم يكن مطرداً في باب المستحبات ، بل يحمل القيد على أفضل الأفراد ، إلا أنا ذكرنا في محله أنه يستثني من ذلك مورد واحد ، وهو ما إذا كانا متخالفين من حيث النفي والإثبات كما في المقام ، حيث ورد الأمر بالنافلة وورد النهي عنها بعد الذراع والذراعين لقوله : « وتركت النافلة .. » إلخ ، فإن اللازم حينئذ حمل المطلق على المقيد كما بيناه في محله في الأُصول ، هذا.

ومما ذكرناه يظهر لك بطلان القول الثالث الذي هو خيرة المتن من امتداد الوقت الى الغروب ، حيث إنّ مستنده إما إطلاق النصوص على حذو ما تقدم في القول الثاني ، وقد عرفت ما فيه من عدم كونها بصدد البيان من هذه الجهة فلم ينعقد لها الإطلاق ، وعلى تقديره فهو مقيد بنصوص الذراع والذراعين.

وإما الروايات الناطقة بأن النافلة بمنزلة الهدية متى ما اتي بها قبلت سواء قدّمتها أم أخّرتها ، التي منها ما رواه الكليني بإسناده عن عمر بن يزيد عن


1) تقدم المصدر في ص 239.

[1192] مسألة 2 : المشهور عدم جواز تقديم نافلتي الظهر والعصر في غير يوم الجمعة على الزوال وإن علم بعدم التمكن من إتيانهما بعده ، لكن الأقوى جوازه فيهما خصوصاً في الصورة المذكورة (1)(1).


أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال « قال : اعلم أن النافلة بمنزلة الهدية متى ما اتي بها قبلت » (2).

وفيه : مضافاً إلى ضعف سند جملة منها كدلالة بعض ما صح سنده كما سيأتي في المسألة الآتية ، أن مقتضاها الالتزام بعدم التوقيت في النوافل وأنها موسعة ليس لها وقت مقرر في الشريعة المقدسة ، فيجوز الإتيان بها قبل الزوال مثلاً حتى اختياراً ، وهذا شي‌ء لا يمكن الالتزام به إلا أن يراد بذلك جواز الإتيان بها قبل الوقت المقرر وبعده لأنها هدية ، وهذا أمر آخر غير التوسعة في الوقت كما لا يخفى. فهذا القول يتلو سابقه في الضعف.

إذن فما هو الأشهر أو المشهور من التحديد بالذراع أو الذراعين هو الصحيح الحقيق بالقبول (3).

ويؤيده وضوحاً بل يدل عليه صريحاً : موثقة إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : أتدري لِمَ جعل الذراع والذراعان؟ قال : قلت : لِمَ؟ قال لمكان الفريضة لئلا يؤخذ من وقت هذه ويدخل في وقت هذه » (4)حيث دلت بوضوح على عدم امتداد وقت النافلتين إلى ما بعد الذراع والذراعين فضلاً عن المثل والمثلين وأنّ ما بعدهما مختص بالفريضة ، فجعل التحديد المزبور كي لا يؤخذ من وقت هذه ويدخل في تلك ، وهو كما ترى صريح في المطلوب.

(1) لا ينبغي التأمل في جواز تأخير نوافل الظهرين عن أوقاتها المعينة ،


1) (*) الأقوى اختصاص الجواز بهذه الصورة.

2) الوسائل 4 : 232 / أبواب المواقيت ب 37 ح 3 ، الكافي 3 : 454 / 14.

3) ولكنه قدس‌سره في تعليقته الشريفة وافق الماتن وكذا في المنهاج.

4) الوسائل 4 : 146 / أبواب المواقيت ب 8 ح 21.

للنصوص الخاصة الناطقة بجواز قضاء النوافل كالفرائض ، غايته أنه في الثانية واجب وفي الاولى مندوب كنفس الأداء ، بل قد فسّرت الآية الشريفة بذلك في موثقة عنبسة العابد ، قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن قول اللّه عز وجل ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً ) قال : قضاء صلاة الليل بالنهار وصلاة النهار بالليل » (1)ولا شبهة في اتصافها بالقضاء بعد الغروب ، والظاهر أنها كذلك بعد الذراع والذراعين أيضاً.

وعلى أيّ حال فلا ينبغي الإشكال في المشروعية ولو في الجملة مع الغض عن إمكان انطباق عنوان آخر كالتطوع في وقت الفريضة فيما لو اتي بها بعد الذراعين قبل صلاة العصر بناءً على عدم جوازه في الصلاة ، كما لا يجوز في الصيام بلا كلام ، فان ذلك بحث آخر سوف يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى.

وأما تقديمها على أوقاتها في غير يوم الجمعة فالمشهور كما في المتن عدم الجواز ، وذهب الشيخ إلى الجواز فيما لو علم من حاله بانشغاله بما يمنعه عن الإتيان بها في أوقاتها ، ومال جمع من متأخري المتأخرين إلى الجواز مطلقاً ، وإن كان التأخير أفضل ، ومنشأ الخلاف اختلاف الأخبار الواردة في المقام.

فقد دلت جملة منها وبعضها صحاح وإن كان أكثرها ضعيف السند على جواز التقديم على سبيل الإطلاق ، كصحيحة محمد بن عذافر قال : « قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام : صلاة التطوع بمنزلة الهدية متى ما اتي بها قبلت ، فقدّم منها ما شئت وأخّر منها ما شئت » (2)المؤيدة برواية القاسم بن الوليد الغساني ، ومرسلة علي بن الحكم ، ورواية عبد الأعلى وغيرها (3).

ولكن الإطلاق في هذه الأخبار مقيد بصورة الاشتغال المانع عن الامتثال لدى الزوال بمقتضى صحيحة إسماعيل بن جابر قال : « قلت لأبي عبد اللّه ( عليه


1) الوسائل 4 : 275 / أبواب المواقيت ب 57 ح 2.

2) الوسائل 4 : 233 / أبواب المواقيت ب 37 ح 8.

3) الوسائل 4 : 233 / أبواب المواقيت ب 37 ح 5 ، 6 ، 7.

السلام ) : إني أشتغل ، قال : فاصنع كما تصنع ، صلّ ست ركعات إذا كانت الشمس في مثل موضعها من صلاة العصر ، يعني ارتفاع الضحى الأكبر ، واعتدّ بها من الزوال » (1).

حيث إن الظاهر أنّ قوله « فاصنع ... » إلخ بقرينة التصدير بالفاء جزاء لجملة شرطية مطوية في الكلام تقديرها : إنك إذا كنت كما وصفت من الاشتغال فاصنع ... إلخ فتدل طبعاً بمقتضى المفهوم على عدم جواز التقديم في فرض عدم الاشتغال بما يمنعه عن الإتيان بالنافلة في وقتها.

وتؤيد الصحيحة رواية ابن ضمرة الليثي عن محمد بن مسلم قال : « سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن الرجل يشتغل عن الزوال أيعجّل من أول النهار؟ قال : نعم إذا علم أنه يشتغل فيعجلها في صدر النهار كلّها » (2)فإنها صريحة في المطلوب ، غير أنّ جهالة الراوي تمنع عن الاستدلال بها.

ويؤكدها ما هو المعلوم المبيّن من أن المعصومين عليهم‌السلام لم يكونوا يصلّون شيئاً من النوافل قبل الزوال ، فلو كان سائغاً لصدر منهم ولو مرّة واحدة. وهذا مضافاً إلى معلوميته في نفسه تدل عليه بعض الأخبار أيضاً :

منها : صحيحة عمر بن أُذينة عن عدة أنهم سمعوا أبا جعفر عليه‌السلام « يقول : كان أمير المؤمنين عليه‌السلام لا يصلي من النهار شيئاً حتى تزول الشمس ولا من الليل بعد ما يصلي العشاء الآخرة حتى ينتصف الليل » (3).

ولا يخفى أنّ ظاهر عبارة الوسائل أنّ هذه الرواية مروية عن محمد بن يحيى لرجوع الضمير في قوله : « وعنه ... » إلخ إليه ، وليس كذلك بل يرجع إلى علي ابن إبراهيم المذكور قبل ذلك ، وفي عبارته تقديم وتأخير جزماً قد صدر سهواً


1) الوسائل 4 : 232 / أبواب المواقيت ب 37 ح 4.

2) الوسائل 4 : 231 / أبواب المواقيت ب 37 ح 1.

3) الوسائل 4 : 230 / أبواب المواقيت ب 36 ح 5.

[1193] مسألة 3 : نافلة يوم الجمعة عشرون ركعة ، والأولى تفريقها بأن يأتي ستاً عند انبساط الشمس ، وستاً عند ارتفاعها ، وستاً قبل الزوال (1) ،


كما يتضح بمراجعة الكافي (1)والتهذيب (2).

ومنها : موثقة زرارة قال : « سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول : كان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله لا يصلي من النهار شيئاً حتى تزول الشمس ، فاذا زال النهار قدر نصف إصبع صلى ثماني ركعات ... » (3)الحديث.

وهي معتبرة السند وإن اشتمل على موسى بن بكر إذ هو ثقة على الأظهر لشهادة صفوان بأنّ كتابه مما لا يختلف فيه أصحابنا ، مضافاً إلى وقوعه في أسناد تفسير القمي كما نبّه عليه سيدنا الأُستاذ قدس‌سره في المعجم (4).

والمتحصل من جميع ما تقدم : أنّ الأصح ما اختاره الشيخ من التفصيل بين من له شغل مانع فيجوز له التقديم ، وبين غيره فلا يجوز.

(1) تقدم الكلام حول نوافل يوم الجمعة في صدر الكتاب في فصل أعداد الفرائض والنوافل وعرفت أنّ نصوص المقام مختلفة ، ففي بعضها أنها عشرون ركعة ، وفي بعضها أنها اثنان وعشرون ، وفي بعضها أنها كسائر الأيام مع الاختلاف في كيفية الإتيان ، فهي مختلفة كماً وكيفاً ، وحيث إنّ أكثرها معتبر السند فيجوز الأخذ بكل منها.

وتحمل على الاختلاف في مراتب الفضل ، وبطبيعة الحال يكون اختيار الأكثر أفضل.


1) الكافي 3 : 289 / 7.

2) التهذيب 2 : 266 / 1060.

3) الوسائل 4 : 231 / أبواب المواقيت ب 36 ح 7.

4) معجم رجال الحديث 20 : 31 / 12767.

وركعتين عنده (1).

[1194] مسألة 4 : وقت نافلة المغرب من حين الفراغ من الفريضة إلى زوال الحمرة (1)المغربية (2).


(1) أي عند الوقت الذي يترقب فيه الزوال من دون العلم بتحققه وإلا فتتقدم الفريضة عندئذ ، ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : « قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام : إذا زالت الشمس يوم الجمعة فابدأ بالمكتوبة » (2).

وفي صحيحة حريز (3)قال : سمعته يقول : « أما أنا إذا زالت الشمس يوم الجمعة بدأت بالفريضة وأخّرت الركعتين إذا لم أكن صليتهما » (4).

(2) اتفقت كلمات الأصحاب على أنّ مبدأ وقت نافلة المغرب هو بعد فريضته ، وإنما الكلام في منتهى الوقت.

فالمشهور أنه زوال الحمرة المغربية الذي هو مبدأ وقت الفضيلة لفريضة العشاء ، بل ادعى بعضهم الإجماع عليه.

ولكن جماعة منهم الشهيد في الذكرى (5)وصاحب المدارك (6)، وكاشف اللثام (7)ذهبوا إلى امتداد الوقت بامتداد وقت الفريضة ، نظراً إلى أنه لم يرد في المقام ما يدل على التحديد بذهاب الحمرة كما ورد في الظهرين من التحديد


1) (*) لا يبعد امتداد وقتها بامتداد وقت الفريضة ، والأولى الإتيان بها بعد زوال الحُمرة من دون تعرّض للأداء والقضاء.

2) الوسائل 7 : 319 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 15.

3) الوسائل 7 : 320 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 20.

4) ولكنهما معارضتان بصحيحي الأشعري وابن أبي نصر وغيرهما ، ففي الأُولى « وركعتان بعد الزوال » ، وفي الثانية « وركعتان إذا زالت » الوسائل 7 : 323 / أبواب صلاة الجمعة ب 11 ح 5 ، 6.

5) الذكرى 2 : 367.

6) المدارك 3 : 74.

7) كشف اللثام 3 : 57.

بالذراع أو بالذراعين حسبما تقدم ، وعليه فيكون المتبع هو الإطلاقات بعد سلامتها عن التقييد ، هذا.

ويستدل للمشهور كما في الجواهر (1)بوجوه :

أحدها : أن ذلك هو المعهود من فعل النبي صلی اللّه عليه وآله والمعصومين عليهم‌السلام.

ويردّه : أنه إن أُريد من المعهودية الالتزام بذلك في مقام العمل فهو أعم من التحديد على وجه يكون قضاءً بعد ذلك ، ولعله لأجل اختيار ما هو الأفضل فلا ينهض لتقييد المطلقات ، وإن أُريد بذلك أنهم متى فاتتهم النافلة قبل ذهاب الحمرة كانوا يأتون بها قضاءً ، فهو قول بلا دليل لعدم السبيل إلى إثباته بوجه.

ثانيها : أن ذلك هو مقتضى الانسباق والانصراف من النصوص الآمرة بالإتيان بالنافلة بعد صلاة المغرب.

وفيه : أن دعوى الانصراف بمثابة يمنع عن التمسك بالمطلقات بعد زوال الحمرة ، ولا سيما مع اهتمام الشارع بالإتيان بها بقوله عليه‌السلام : « لا تدعهن في حضر ولا سفر » (2)كما ترى فإنها عارية عن كل شاهد كما لا يخفى.

ثالثها : أن وقت المغرب مضيق ينتهي بذهاب الحمرة كما نطق به بعض النصوص ، فاذا كانت الفريضة مضيّقة فنافلتها أحرى بذلك وأولى.

وفيه أوّلاً : أنه إن أُريد من الضيق في تلك النصوص الضيق الحقيقي بمعنى فوات المغرب بذهاب الحمرة وصيرورتها قضاءً فلا يلتزم به لا صاحب الجواهر ولا غيره ، ولا ينبغي الالتزام به ، فان الضيق المزبور محمول على الأفضلية بلا ريب كما تقدم سابقاً.

وإن أُريد منه الضيق التنزيلي الادعائي بمعنى أن التأخير حيث يستوجب فوات الفضيلة الثابتة أول الوقت فهو بمثابة فوات أصل الصلاة مبالغة في


1) الجواهر 7 : 186.

2) الوسائل 4 : 86 / أبواب أعداد الفرائض ب 24 ح 1.

مرجوحيته وأفضلية التقديم ، فلا مانع إذن من الالتزام بمثله في النافلة أيضاً بمناط واحد ، ولا يلزم من ذلك التحديد المدعى كي لا يجوز الإتيان بها بعد ذهاب الحمرة.

وثانياً : قد تقدم سابقاً توجيه الضيق في هذه الروايات وأنها ناظرة إلى الضيق بلحاظ أول الوقت حيث لا نافلة قبل صلاة المغرب ، بخلاف سائر الفرائض فتكون طبعاً مضيقة من ناحية المبدأ وهو خارج عما هو محل الكلام من التحديد من ناحية المنتهي.

وثالثاً : لو تنازلنا وسلمنا دلالتها على الضيق الحقيقي من ناحية المنتهي فليت شعري أيّ تلازم بين الضيق في وقت الفريضة وبينه في وقت النافلة ، ومن الجائز أنّ الفريضة لمكان أهميتها ورفعة شأنها لوحظ فيها التضييق ، ولم تكن النافلة بهذه المثابة لتستوجب العناية ، ومن ثم ساغ تأخيرها عملاً بإطلاق أدلتها الكاشف عن التوسع في التطوع.

رابعها : ما ذكره المحقق قدس‌سره (1)ولعله أحسن ما قيل في المقام : من أن التأخير عن ذهاب الحمرة يستوجب التطوع في وقت الفريضة وهي صلاة العشاء ، حيث إنّ وقتها وإن دخل منذ الغروب مترتباً على صلاة المغرب كما في الظهرين ، لكن أفضلية التأخير إلى ذهاب الحمرة تسوّغ الاشتغال بالتطوع في في هذه الفترة من غير أيّة حزازة ، فلا مانع من الإتيان بالنافلة في هذه الحالة. أما بعد ذلك فلأجل أنه مأمور فعلاً بفريضة العشاء لفعلية أمرها من جميع الجهات حتى من ناحية وقت الفضيلة ، فالتلبس بالنافلة عندئذ تطوع في وقت الفريضة ، وهو منهي عنه في الروايات الكثيرة ، فالتحفظ عن الوقوع في هذا المحذور يستلزم المصير الى التحديد المزبور الذي عليه المشهور.

أقول : يرد عليه أوّلاً : أنه مبني على القول بحرمة التطوع في وقت الفريضة ، وأما بناءً على جوازه وإن كان مكروهاً كما هو الأصح فغايته مرجوحية


1) المعتبر 2 : 53.

الإتيان بالنافلة بعد ذهاب الحمرة لا محدودية الوقت بذلك وتقييد الإطلاقات كما هو المدعى.

وثانياً : أنه لا يتم حتى على القول بالحرمة أو البناء على ارتكاب التقييد في الإطلاقات وإن قلنا بالكراهة ، وذلك لأن محل الكلام هو تحديد الوقت في حدّ ذاته وبعنوانه الأولي ، وأما المنع بالعنوان الثانوي العارضي فهو أمر آخر لا ربط له بمحل البحث ، ضرورة وضوح الفرق بين انقضاء الوقت بسقوط الحمرة وبين عدم جواز النافلة لمكان المزاحمة.

وتظهر الثمرة فيما لو استحب تأخير الفريضة عن أول وقت الفضيلة إما لانتظار الجماعة أو لاستكمال الأذان أو لأمر آخر ، فاذا كان الفصل بين ذهاب الحمرة وبين انعقاد الجماعة مثلا الذي مبدؤه قول المقيم : قد قامت الصلاة ، بمقدار يسع للإتيان بالنافلة ، ساغ بعنوان الأداء على الثاني دون الأول.

خامسها : أن جملة من النصوص قد نطقت بأن المفيض من عرفات إذا صلى المغرب بالمزدلفة أخّر النافلة إلى ما بعد العشاء (1)، بدعوى أنّ الوجه في هذا التأخير إنما هو انقضاء الوقت ، إذ لو كان ممتداً لوقعت في وقتها على التقديرين فما هو الموجب للتأخير.

ويندفع : بمنع ذلك ، ومن الجائز أن يكون الوجه في التأخير المزبور التحفظ عن التطوع في وقت الفريضة ، حيث إن الغالب وصول المفيض إلى المزدلفة بعد ذهاب الحمرة المغربية ، إذ المسافة بينها وبين عرفات ما يقارب الفرسخين فتستوعب من الوقت هذا المقدار بطبيعة الحال ، فلا جرم تقع النافلة في وقت فريضة العشاء لو قدّمها عليها.

ويكشف عما ذكرناه بوضوح : صحيحة أبان بن تغلب قال : « صليت خلف أبي عبد اللّه عليه‌السلام المغرب بالمزدلفة فقام فصلى المغرب ثم صلى العشاء الآخرة ولم يركع فيما بينهما ، ثم صليت خلفه بعد ذلك سنة فلما صلى المغرب قام


1) الوسائل 14 : 14 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 6.

[1195] مسألة 5 : وقت نافلة العشاء وهي الوتيرة يمتد بامتداد وقتها (1).


فتنفّل بأربع ركعات » (1).

فإنها كما ترى صريحة في عدم فوات النافلة بذهاب الحمرة ، ومن ثم أتى بها قبل العشاء في السنة القادمة.

نعم ، ينبغي حمل ذلك على ما إذا كان ثمة مانع عن المبادرة إلى الفريضة كانتظار الجماعة ونحوه كي لا يكون من التطوع في وقت الفريضة.

والمتحصل : أنّ ما ذهب إليه المشهور من التحديد بما بعد ذهاب الحمرة لم ينهض عليه دليل يعوّل عليه بحيث يمنع عن التمسك بالإطلاقات المقتضية للامتداد إلى آخر وقت الفريضة ، فالعمل بها متعين.

(1) لا شبهة في أن مبدأ وقت الوتيرة هو ما بعد الفراغ من فريضة العشاء ، للنصوص الناطقة بذلك وأنها ركعتان بعد العتمة أو بعد العشاء الآخرة حسب اختلاف ألسنتها (2).

وإنما الكلام في منتهى الوقت ، فالمعروف امتداده بامتداد وقت الفريضة من التحديد بمنتصف الليل أو طلوع الفجر على الخلاف في ذلك ، بل ظاهر المعتبر (3)وصريح غيره دعوى الإجماع عليه ، استناداً إلى إطلاق البعدية الواردة في نصوص الباب.

ولكنه يظهر من صاحب الجواهر اعتبار البعدية العرفية قال ما لفظه : لكن قد يقال باعتبار البعدية العرفية ، لأنه المنساق بل والمعهود فلا يجوز صلاة العشاء مثلاً في أول الوقت وتأخير الوتيرة من غير اشتغال بالنافلة إلى النصف مثلاً أو إلى طلوع الفجر بناءً على امتداد الوقت إليه ... (4).


1) الوسائل 14 : 15 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 6 ح 5.

2) راجع الوسائل 4 : 45 / أبواب أعداد الفرائض ب 13.

3) المعتبر 2 : 54.

4) الجواهر 7 : 191.

وفيه : أنّ دعوى الانسباق والانصراف وإن لم تكن بعيدة بالنسبة إلى النصوص المشتملة على التحديد بالبعدية إلاّ أنّ هناك نصوصاً أُخر مطلقة من هذه الجهة ، جعل العبرة فيها بالبيتوتة كصحيحة زرارة قال : « قال أبو جعفر عليه‌السلام : من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يبيتنّ إلا بوتر » (1)بعد تفسير الوتر بالوتيرة في النصوص الأُخر ، فإنه لا سبيل لدعوى الانصراف في هذه الأخبار كما هو واضح ، ومقتضى إطلاقها هو القول بالامتداد كما عليه المشهور.

نعم ، لا يبعد القول بانتهاء الوقت بانتصاف الليل وإن بنينا على امتداد وقت الفريضة إلى الطلوع و[ يدل على ] ذلك :

أوّلاً : التعبير بالبيتوتة في هذه الأخبار ، حيث إن المتعارف بين عامة الناس المنام (2)قبل انتصاف الليل ، ومن البيّن أنّ استحباب البيتوتة بالوتر منزّل على ما هو الغالب المتعارف من الإتيان قبل هذا الوقت ، فلو ترك ونام قبل الانتصاف ثم استيقظ بعده فقد صدق أنه بات بغير وتر.

وثانياً : النصوص الواردة في المبيت بمنى في ليالي التشريق المتضمنة لتحديده بمنتصف الليل ، حيث يستفاد منها أن هذا هو حد البيتوتة (3)من غير اختصاص بمورد دون مورد. إذن فلا بد من الإتيان بالوتيرة قبل الانتصاف كي لا يصدق أنه بات من غير وتر.


1) الوسائل 4 : 94 / أبواب أعداد الفرائض ب 29 ح 1.

2) لا دخل للمنام في صدق البيتوتة ، فان معناها الكون في الليل وإن لم ينم أصلاً. قال في أقرب الموارد [ 1 : 69 ] بات في المكان نزل وقضى الليل فيه ، وفي موضع آخر : أدركه الليل نام أم لم ينم قال ومن قال بات فلان إذا نام فقد أخطأ.

3) لكن صحيحة معاوية بن عمار صريحة في التعبير عما بعد النصف بالبيتوتة قال عليه‌السلام : « ... وإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرّك أن تبيت في غير منى » الوسائل 14 : 251 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 1. ومنه يظهر سعة الإطلاق وعدم التحديد بالنصف في صدق المفهوم وإن كان بعض الأحكام مختصاً به.

والأولى كونها عقيبها من غير فصل معتد به (1) وإذا أراد فعل بعض الصلوات الموظّفة في بعض الليالي بعد العشاء جعل الوتيرة خاتمتها (2).


وثالثاً : النصوص الناطقة بأنّ الوتيرة بدل الوتر ، وأن هذه الصلاة إنما شرعت مخافة غلبة النوم وفوات صلاة الليل ، فجعل هذه بدلاً عن احتمال فواتها ، وكأنّ الآتي بها آتٍ بصلاة الوتر في وقتها ومن ثم سميت بالوتيرة ، وحيث إن من الواضح أنّ مبدأ صلاة الليل هو ما بعد الانتصاف لغير المعذور فلا جرم يكون غاية لوقت الوتيرة أيضاً حذراً عن الجمع بين البدل والمبدل منه ، فإنه مع التمكن من صلاة الوتر نفسها لا تصل النوبة إلى بدلها ، فقضية البدلية تستوجب التحديد بالانتصاف بطبيعة الحال فلاحظ.

(1) رعاية للبعدية العرفية التي مرّ الكلام عليها.

(2) هذا التأخير وإن ذكره جماعة من الأصحاب لكنه عارٍ عن الدليل ، إذ يستدل له تارة بما في ذيل صحيحة زرارة : « ... وليكن آخر صلاتك وتر ليلتك » (1).

ويردّه : أنها مسوقة لبيان تأخر صلاة الوتر عن نوافل الليل والشفع كما يكشف عنه إضافة الوتر إلى الليل ، فانّ وتر الليل هي وتر صلاته ولا ربط لها بالوتيرة التي هي محل الكلام.

واخرى : بأنّ المنساق مما ورد في النصوص الكثيرة من قوله عليه‌السلام « ... فلا يبيتنّ إلا بوتر » (2)أنّ ظرف الوتيرة إنما هو قبيل المنام والإيواء إلى الفراش ، فلا جرم تكون خاتمة الصلوات.

وفيه : أنّ التعبير المزبور نظير قوله : « لا صلاة إلا بطهور » لا يدل على أكثر من اعتبار المسبوقية ، ولا إشعار فيها فضلاً عن الدلالة على اعتبار الموصولية ،


1) الوسائل 8 : 166 / أبواب بقية الصلوات المندوبة ب 42 ح 5.

2) الوسائل 4 : 94 / أبواب أعداد الفرائض ب 29 ح 1.

[1196] مسألة 6 : وقت نافلة الصبح بين الفجر الأول وطلوع الحمرة المشرقية (1).


فلو أتى بالفريضة أول وقتها وعقّبها بالوتيرة ثم نام (1)حوالي منتصف الليل صدق أنه بات مع الوتيرة بالضرورة وإن تحقق بينهما الفصل الطويل.

وبالجملة : فالمقالة المزبورة عارية عن الدليل ، وإن كان الأولى رعايتها ولو لأجل فتوى هؤلاء الإعلام بها.

(1) ينبغي التكلم في وقت نافلة الفجر تارة من حيث المبدأ وأُخرى من ناحية المنتهي ، فهنا مقامان :

أما المقام الأول : فلا ينبغي الإشكال في جواز الإتيان بها قبل طلوع الفجر على سبيل الدسّ في صلاة الليل ، للتصريح بذلك في جملة من النصوص التي منها صحيح البزنطي قال : « قلت لأبي الحسن عليه‌السلام : ركعتي الفجر أُصلّيهما قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال : قال أبو جعفر عليه‌السلام : احشُ بهما صلاة الليل وصلّهما قبل الفجر » (2).

وصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر ، فقال : قبل الفجر إنهما من صلاة الليل ، ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل » (3)ونحوهما غيرهما.

كما لا ينبغي الإشكال في جواز الإتيان بها بعد طلوع الفجر إلى ما قبل طلوع الحمرة المشرقية ، لجملة أُخرى من النصوص التي منها صحيحة علي بن يقطين قال : « سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن الرجل لا يصلي الغداة حتى يسفر وتظهر الحمرة ولم يركع ركعتي الفجر ، أيركعهما أو يؤخرهما؟ قال :


1) قد عرفت عدم أخذ النوم في مفهوم البيتوتة.

2) الوسائل 4 : 265 / أبواب المواقيت ب 50 / ح 6.

3) الوسائل 4 : 264 / أبواب المواقيت ب 50 ح 3.

يؤخرهما » (1)لدلالتها على مركوزية جواز الإتيان بها قبل ظهور الحمرة في ذهن السائل وكونه أمراً مفروغاً عنه ، ومن ثم خص السؤال بما بعد الظهور ، وقد أقرّ الإمام عليه‌السلام ما كان مرتكزاً ومغروساً عنده ، وسوف يأتي مزيد بحث حول هاتين الصورتين عند تعرض الماتن لهما.

وإنما الكلام في صورة ثالثة وهي الإتيان بها قبل طلوع الفجر من غير الاتصاف بعنوان الدسّ ، بأن يقتصر عليها خالية عن الاقتران بصلاة الليل ، سواء لم يأت بها أصلاً ، أو أتى بها مع فصل طويل مانع عن الصدق المزبور.

ظاهر التحديد بطلوع الفجر في كلمات من حدد الوقت به ، عدم الجواز لكونه من الصلاة قبل الوقت ، خرجنا عنه في صورة الدس بالنص ولا سبيل للتعدي عنه.

غير أنّ بعضهم ومنهم صاحب الوسائل صرّح بالجواز حيث أخذه في عنوان بابه فقال في الباب الخمسين من أبواب المواقيت ما لفظه : باب استحباب تقديم ركعتي الفجر على طلوعه بعد صلاة الليل بل مطلقاً (2).

والذي ينبغي أن يقال : إن الإتيان بها قبل طلوع الفجر بفاصل كثير مانع عن إضافتها إليه لم ينهض أيّ دليل على مشروعيته ، إذ المأتي به بعد منتصف الليل أو في الثلث الأخير منه كيف تتصف بنافلة الفجر وتعنون بهذا الاسم ، بل تسميتها حينئذ بنافلة الليل أحرى وأولى كما لا يخفى ، فنفس هذه التسمية كافية في الدلالة على عدم المشروعية ، ولزوم الإتيان بها في زمان صالح للإضافة وقابل لتلك التسمية ، بأن يؤتى بها مقارناً للطلوع أو بعده أو قبيله بشي‌ء قليل. وتؤيده رواية محمد بن مسلم قال : « سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن أول وقت ركعتي الفجر ، فقال : سدس الليل الباقي » (3)فان السدس الباقي


1) الوسائل 4 : 266 / أبواب المواقيت ب 51 ح 1.

2) الوسائل 4 : 263 / أبواب المواقيت ب 50.

3) الوسائل 4 : 265 / أبواب المواقيت ب 50 ح 5.

ينطبق على ما بين الطلوعين مع شي‌ء قليل قبله ، بناءً على ما هو الصواب من أنّ الليل اسم لما بين غروب الشمس وطلوعها. نعم إن الرواية ضعيفة السند بمحمد بن حمزة بن بيض فلا تصلح إلا للتأييد.

وأما الإتيان بها قبل الطلوع بشي‌ء يسير وفي زمان قريب فالظاهر جوازه ، لدلالة جملة من النصوص عليه التي منها صحيحة زرارة قال : « قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : الركعتان اللتان قبل الغداة أين موضعهما؟ فقال : قبل طلوع الفجر ، فاذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة » (1)، بل لعل ظاهر هذه أفضلية التقديم حذراً عن التطوع في وقت الفريضة.

ولكن بإزائها صحيحتان تضمنتا الأمر بالإتيان بعد طلوع الفجر.

إحداهما : صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال : « قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام صلّهما بعد ما يطلع الفجر » (2).

وثانيتهما : صحيحة يعقوب بن سالم البزاز قال : « قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام صلّهما بعد الفجر ، واقرأ فيهما في الأُولى قل يا أيها الكافرون ، وفي الثانية قل هو اللّه أحد » (3).

فربما يتوهم أنهما تعارضان ما سبق ، وليس كذلك.

أما أوّلاً : فلعدم وضوح ورودهما في نافلة الفجر ، إذ لم يذكر مرجع الضمير ، والرجوع إليها غير بيّن ولا مبين ، ولم يقم عليه أيّ دليل ما عدا فهم الشيخ (4)وغيره من أرباب الحديث والتأليف حيث فهموا ذلك ، ومن ثم أدرجوها في باب النافلة ، ومن الجائز أن تكون ناظرة إلى الفريضة نفسها. ومعه لا تعارض بينهما بوجه.

وثانياً : سلّمنا ورودهما في النافلة ، لكن صحيحة زرارة صريحة الدلالة في


1) الوسائل 4 : 265 / أبواب المواقيت ب 50 ح 7.

2) الوسائل 4 : 267 / أبواب المواقيت ب 51 ح 5 ، 6.

3) الوسائل 4 : 267 / أبواب المواقيت ب 51 ح 5 ، 6.

4) التهذيب 2 : 134 / 523 ، 521.

جواز التقديم ، بل أفضليته كما سمعت ، والصحيحتان ظاهرتان في التحديد ، ومقتضى الصناعة رفع اليد عن هذا الظهور بتلك الصراحة والحمل على بيان مجرد الترخيص كما هو الشأن في مقام الجمع (1)بين الظاهر والنص.

وثالثاً : مع الغض وتسليم استقرار المعارضة فلا مناص من ترجيح الصحيحة ، لأجل مخالفتها للعامة حيث إنهم يرون تحديد الوقت بما بعد الفجر ولا يجوّزون التقديم عليه ، فتحمل الصحيحتان على التقية.

وتؤيده رواية أبي بصير قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : متى أُصلي ركعتي الفجر؟ قال فقال لي : بعد طلوع الفجر ، قلت له : إن أبا جعفر عليه‌السلام أمرني أن أُصلّيهما قبل طلوع الفجر ، فقال : يا أبا محمد إن الشيعة أتوا أبي مسترشدين فأفتاهم بمرّ الحقّ ، وأتوني شكاكاً فأفتيتهم بالتقية » (2).

فإنها صريحة في أنّ الصحيحتين الصادرتين عن الصادق عليه‌السلام محمولتان على التقية ، وأن صحيحة زرارة الصادرة عن الباقر عليه‌السلام هي المسوقة لبيان الحكم الواقعي. لكنها ضعيفة السند لمكان علي بن أبي حمزة البطائني فإنه ضعيف على الأظهر ، وإن كان المتراءى من عبارة الشيخ في العُدّة وثاقته (3)، فإنه لا أصل له (4)كما بيّناه في محله ، ومن ثم لا تصلح إلا للتأييد ، هذا.

ومما يدل على جواز التقديم جملة من الصحاح دلت على جواز الإتيان بها


1) مناط الجمع العرفي على ما تكرر منه قدس‌سره في غير موضع إمكان الجمع بين الدليلين في كلام واحد من غير تهافت ، وهذا الضابط غير منطبق على المقام ، بداهة التنافي بين الصدر والذيل في نظر العرف لو عرضت عليهم مثل هذه العبارة « موضعهما قبل الفجر » و « صلهما بعد الفجر » وإنما يتجه الحمل على مجرد الترخيص الذي أُفيد في المتن فيما إذا كان الثاني بلسان لا بأس ، أو وارداً موقع توهم الحظر ، فهذا الجواب غير واضح.

2) الوسائل 4 : 264 / أبواب المواقيت ب 50 ح 2.

3) العدة 1 : 56 السطر 18.

4) بل له أصل كما اعترف به في المعجم 12 : 246 / 7846 ولكنّه معارض بتضعيف ابن فضال.

قبل الفجر وبعده وعنده ، وقد عقد لها في الوسائل باباً مستقلا ، كصحيحة محمد ابن مسلم قال : « سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول : صلّ ركعتي الفجر قبل الفجر وبعده وعنده ». ونحوها صحيحته الأُخرى ، وصحيحة ابن ابي يعفور (1)وغيرها.

نعم ، لا إطلاق للقبلية بحيث يعم الفصل الطويل ، لمنافاته مع المحافظة على الإضافة اللازم رعايتها ، فهي ناظرة إلى ما قبل الفجر بمقدار يسير بحيث يصدق معه عنوان التسمية بنافلة الفجر كما سبق.

وأما المقام الثاني : فالمشهور انتهاء الوقت بظهور الحمرة المشرقية فلا يؤتى بها بعد ذلك ، بل تؤخّر عن الفريضة كما نطقت به صريحاً صحيحة علي بن يقطين قال : « سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن الرجل لا يصلي الغداة حتى يسفر وتظهر الحمرة ولم يركع ركعتي الفجر ، أيركعهما أو يؤخرهما؟ قال : يؤخرهما » (2).

وما ذكروه هو الصحيح ، لما أسلفناك من أن نفس إضافة الركعتين إلى الفجر يستدعي الإتيان بهما في وقت تتحفظ فيه الإضافة وتتحقق التسمية ، بأن يؤتى بهما عند الفجر أو قبيله أو بعيدة ، من غير فصل طويل في أيّ من الطرفين ، غايته أنا استفدنا من الصحيحة المزبورة بمقتضى تقرير الارتكاز جواز الإتيان إلى ما قبل ظهور الحمرة ، حيث كان ذاك مركوزاً في ذهن السائل كما سبق ، وأما الزائد على ذلك فلا دليل على مشروعيته ، بل إن نفس الصحيحة تدل على عدمها بمقتضى النهي المستفاد من قوله عليه‌السلام : « يؤخرهما » الكاشف عن انقطاع الأمر عند بلوغ هذا الحد بحيث لو كانت ثمة رواية دلت بإطلاقها على بقاء الأمر إلى حين طلوع الشمس يجب تقييدها بهذه الصحيحة.


1) الوسائل 4 : 268 / أبواب المواقيت ب 52 ح 1 ، 3 ، 2.

2) الوسائل 4 : 266 / أبواب المواقيت ب 51 ح 1.

والحاصل : أن الدليل على عدم المشروعية بعد ظهور الحمرة قصور المقتضي أوّلاً ، لما عرفت من انقطاع الإضافة. وصحيحة ابن يقطين ثانياً ، فما عليه المشهور هو المتعين.

أجل ، قد يتوهم معارضتها بصحيحة الحسين بن أبي العلاء قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : الرجل يقوم وقد نوّر بالغداة ، قال : فليصلّ السجدتين اللتين قبل الغداة ، ثم ليصل الغداة » (1)، نظراً إلى أنّ تنوّر الغداة ملازم لظهور الحمرة ، وقد دلت هذه على تقديم الركعتين وتلك على التأخير فيتعارضان.

ويندفع : بعدم الملازمة ، بل التنوير أعم ، لكونه أسبق من الظهور المزبور فيتحقق النور ولا حمرة ، إذن فمقتضى الصناعة تقييد الثانية بالأُولى والالتزام بأنه لدى تنوّر الغداة تتقدم النافلة ما لم تظهر الحمرة وإلا تتأخر ، فلا معارضة بينهما بوجه.

وأما المناقشة في سند الأخيرة باشتماله على القاسم بن محمد الجوهري ولا توثيق له ، فمدفوعة بوجوده في أسناد كامل الزيارات (2).

كما أنّ توهم معارضتها في موردها بما رواه إسحاق بن عمار عمّن أخبره عنه عليه‌السلام قال : « صلّ الركعتين ما بينك وبين أن يكون الضوء حذاء رأسك ، فإن كان بعد ذلك فابدأ بالفجر » (3)حيث إن كون الضوء حذاء الرأس مساوق لتنوير الغداة لو لم يكن أسبق منه ، وقد دلت هذه على البدأة حينئذ بالفريضة وتلك بالنافلة.

مدفوع : بضعفها سنداً للإرسال ، ولاشتمال السند على محمد بن سنان فلا تنهض للمعارضة.


1) الوسائل 4 : 267 / أبواب المواقيت ب 51 ح 4 ، 7.

2) حسب الرأي السابق المعدول عنه.

3) الوسائل 4 : 267 / أبواب المواقيت ب 51 ح 4 ، 7.

ثم إنه حكي عن الشهيد في الذكرى (1)الاستدلال على امتداد الوقت إلى طلوع الشمس بصحيحة سليمان بن خالد قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الركعتين قبل الفجر ، قال : تركعهما حين تنزل ( تترك ) الغداة أنهما قبل الغداة » (2).

وفيه : أن الصحيحة مضطربة ، فان متنها قد نقل بوجوه عديدة.

1 « تركعهما حين تنزل الغداة ». 2 « تركعهما حين تترك الغداة ». 3 « تتركهما حين تترك الغداة ». 4 « تركعهما حين تنوّر الغداة ». 5 « تركعهما حين تركع الغداة » إلى غير ذلك من النسخ المحكية. والاستدلال المزبور إنما يستقيم بناءً على النسخة الأخيرة أو الثالثة ، لدلالتها حينئذ على اتحاد الوقتين فيستمر وقت النافلة باستمرار وقت الفريضة الممتد إلى طلوع الشمس ، كما أن وقت تركها هو وقت ترك الفريضة ، وأما على بقية النسخ فلا دلالة لها على ذلك بوجه كما هو واضح ، وحيث إنّ شيئاً من تينك النسختين لم يثبت فلا مجال للاستدلال بها.

ثم لا يخفى أنّ المستفاد من تخصيص مورد السؤال في صحيحة علي بن يقطين بمن لم يصل حتى أسفر واحمرّ ، مغروسية جواز التقديم لو صلى قبل ذلك ، فتدل بمقتضى التقرير على الجواز حتى في صورة مزاحمة النافلة لوقت فضيلة الفريضة وتقديمها عليها لدى الدوران ، كما لو لم يبق إلى ظهور الحمرة التي هي منتهى وقت الفضيلة لصلاة الغداة إلا مقدار ركعتين ، بحيث لو صرفهما في النافلة يفوت عنه وقت الفضيلة ، فإنّ مقتضى إطلاق الصحيحة جواز ذلك ولا بدع في ذلك ، كما لا وقع لاستيحاش بعضهم من ذلك بعد مساعدة الدليل ، غاية الأمر ارتكاب التقييد في إطلاق ما دل على أن النافلة لا تزاحم فضيلة الفريضة الذي ليس هو بعزيز في الفقه ، فانا نتابع [ في ] استنباط الأحكام مدى دلالة


1) الذكرى 2 : 379.

2) الوسائل 4 : 266 / أبواب المواقيت ب 51 ح 2.

ويجوز دسّها (1)في صلاة الليل قبل الفجر ولو عند النصف بل ولو قبله إذا قدّم صلاة الليل عليه (1).


الأدلة الشرعية ونميل حيث تميل ، وقد عرفت دلالة الصحيحة عليه ، مضافاً إلى مطابقته لفتوى المشهور.

(1) أشرنا في صدر المسألة إلى جواز تقديم النافلة على سبيل الدسّ في صلاة الليل والحشو فيها ، لصحيحتي علي بن يقطين وزرارة وغيرهما.

ومقتضى الإطلاق فيها جوازه حتى فيما لو أتى بصلاة الليل في أول وقتها ، أعني عند الانتصاف ، بل قد صرّح بذلك في موثقة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : إنما على أحدكم إذا انتصف الليل أن يقوم فيصلي صلاته جملة واحدة ثلاث عشرة ركعة ، ثم إن شاء جلس فدعا وإن شاء نام وإن شاء ذهب حيث شاء » (2).

وهل يجوز ذلك فيما لو قدّمها على منتصفه لعذر من الأعذار المسوّغة للتقديم من مرض أو سفر أو شباب مانع عن الانتباه؟

مقتضى إطلاق النصوص هو الجواز ولا سيما ما كان منها بلسان الحكومة ، كصحيحة زرارة المتقدمة الناطقة بأنها ثلاث عشرة ركعة ، فإن مقتضى ذلك مشاركتها معها في جميع الأحكام التي منها جواز التقديم على الانتصاف.

وربما يستدل له برواية أبي جرير بن إدريس عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه‌السلام قال : « قال : صلّ صلاة الليل في السفر من أول الليل في المحمل والوتر وركعتي الفجر » (3).

فإنها صريحة في المدعى ، غير أنها ضعيفة السند ولا تصلح إلا للتأييد ، لأنّ


1) (*) لا يبعد جوازها في السدس الأخير من الليل بلا دسّ أيضاً.

2) الوسائل 6 : 495 / أبواب التعقيب ب 35 ح 2.

3) الوسائل 4 : 251 / أبواب المواقيت ب 44 ح 6.

إلا أنّ الأفضل (1)إعادتها في وقتها (1).

[1197] مسألة 7 : إذا صلى نافلة الفجر في وقتها أو قبله ونام بعدها يستحب إعادتها (2).


أبا جرير لا توثيق له (2)مضافاً إلى أن في طريق الصدوق إليه شيخه محمد بن علي ماجيلويه ولا توثيق له أيضاً ، ومجرد الشيخوخة لا يكفي في الوثاقة.

وأما ما في الوسائل وتبعه غيره من ضبط الكلمة بالحاء المهملة والزاء المعجمة أي بصورة أبي حريز فهو تصحيف يقيناً ، إذ ليس للصدوق طريق إليه ، وإنما ذكر في المشيخة طريقه إلى أبي جرير بن إدريس الذي هو لقب زكريا ابن إدريس القمي (3)وقد عرفت حاله ، فالصواب ما ذكرناه.

وكيف ما كان ففي الإطلاقات غنى وكفاية.

(1) هذا على إطلاقه لا دليل عليه ما عدا فتوى المشهور باستحباب الإعادة مطلقاً ، لاختصاص ما سيأتي من النص بما إذا نام ثم انتبه قبل الطلوع أو عنده ، ولا دليل على التعدي سوى فهم الأصحاب وهو كما ترى.

(2) لصحيحة حماد بن عثمان قال : « قال لي أبو عبد اللّه عليه‌السلام ربما صليتهما وعليّ ليل فان قمت ولم يطلع الفجر أعدتهما » (4).

وموثقة زرارة قال : « سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول : إني لأُصلّي صلاة الليل وأفرغ من صلاتي وأُصلي الركعتين فأنام ما شاء اللّه قبل أن يطلع الفجر فان استيقظت عند الفجر أعدتهما » (5).


1) (*) تختصّ الأفضلية بما إذا نام المصلي بعدها واستيقظ قبل الفجر أو عنده.

2) ولكنه قدس‌سره ذكر في المعجم 22 : 86 / 14039 أنه ثقة.

3) الفقيه 4 ( المشيخة ) : 70.

4) الوسائل 4 : 267 / أبواب المواقيت ب 51 ح 8.

5) الوسائل 4 : 267 / أبواب المواقيت ب 51 ح 9.

[1198] مسألة 8 : وقت نافلة الليل ما بين نصفه والفجر الثاني (1).


ويظهر منهما كما أشرنا إليه آنفاً اختصاص الاستحباب بالمنام أوّلاً ، وبالانتباه قبل الطلوع أو عنده ثانياً ، فلا دليل على المشروعية لدى فقد أحد القيدين عدا إطلاق فتوى الأصحاب بالاستحباب ، وقد عرفت ما فيه ، إلا بناءً على قاعدة التسامح وشمولها لفتوى المشهور.

(1) يقع الكلام تارة من حيث المبدأ واخرى من ناحية المنتهي ، فهنا مقامان :

أما المقام الأوّل : فالمعروف أنه انتصاف الليل ، وقيل أوّله ، ويستدل للمشهور بوجوه :

أحدها : الإجماع.

وفيه : أنه إن أُريد به الإجماع على جواز الإتيان بها لدى الانتصاف ، فهذا مسلّم لا غبار عليه.

وإن أُريد به قيامه على اتصافه بالأوّلية كي يترتب عليه لازمه وهو عدم جواز الإتيان بها قبل ذلك ، فهذا أوّل الكلام ، بل لا نظن كونه مقصوداً ومنظوراً لهم لو لم يظن بالعدم ، ولا أقل من الشك ، فهذا الاستدلال ساقط.

ثانيها : مرسلة الصدوق قال : « قال أبو جعفر عليه‌السلام : وقت صلاة الليل ما بين نصف الليل إلى آخره » (1).

وهي كما ترى صريحة في المدعى ، غير أنّ إرسالها مانع عن الاستدلال بها.

ثالثها : الأخبار الناطقة بأنّ النبي والوصي عليهما‌السلام كانا ملتزمين بالإتيان بها بعد النصف ، فلو ساغ قبله لصدر منهما ولو مرّة.

ويدفعه : أنّ حكاية الفعل لا تدل على التوقيت ، ولعله كان من أجل اختيار الفرد الأفضل ، ألا ترى أنه لم يحك عن أحدٍ من المعصومين ( عليهم‌السلام )


1) الوسائل 4 : 248 / أبواب المواقيت ب 43 ح 2. الفقيه 1 : 302 / 1379.

الإتيان بالظهرين قبل الغروب بساعة ، بل كانوا ملتزمين بوقت الفضيلة ، مع ضرورة امتداد الوقت إلى الغروب ، فلا مجال للاستدلال بعملهم الخارجي على التوقيت الشرعي بوجه.

رابعها : الروايات الكثيرة الدالة على جواز التقديم على النصف للمعذور كالمريض والمسافر والشاب وخائف الجنابة وغيرهم ، فإنه لو كان التقديم سائغاً في طبعه والوقت واسعاً في نفسه فما هو الموجب لهذا التخصيص وذكر هؤلاء بالتنصيص ، بل هو سائغ لهم ولغيرهم بمناط واحد.

والجواب : أنّه يمكن أن يكون امتيازهم عن غيرهم مع فرض سعة الوقت في نفسه مرجوحية التقديم في حال الاختيار وارتفاعها عن المعذور فيكون الأفضل التأخير عن النصف إلا لهؤلاء المعذورين.

خامسها : ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن مسلم قال : « سألته عن الرجل لا يستيقظ من آخر الليل حتى يمضي لذلك العشر والخمس عشرة ، فيصلي أوّل الليل أحب إليك أم يقضي؟ قال : بل يقضي أحبّ إليّ ، إني أكره أن يتخذ ذلك خُلقا ، وكان زرارة يقول : كيف تقضى صلاة لم يدخل وقتها ، إنما وقتها بعد نصف الليل » (1).

وفيه : مضافاً إلى ضعف السند بمحمد بن سنان ، أنّ محل الاستشهاد وهو الذيل وإن كان صريحاً في المطلوب ، لكنه قول زرارة نفسه دون الامام عليه‌السلام ، ولعله رأيه وفتواه ، ولا اعتداد به ما لم ينسبه إليه عليه‌السلام.

والمتحصل لحدّ الآن : أنّ هذه الوجوه لا يتم الاستدلال بشي‌ء منها للقول المشهور. والصواب أن يستدل له بوجهين آخرين :

أحدهما : موثقة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « إنما على أحدكم


1) الوسائل 4 : 256 / أبواب المواقيت ب 45 ح 7. التهذيب 2 : 119 / 448.

إذا انتصف الليل أن يقوم فيصلّي صلاته جملة واحدة ثلاث عشر ركعة .. » إلخ (1).

دلت بمقتضى المفهوم على أنه ليس لأحد أن يقوم قبل انتصاف الليل ولم أرَ من استدل بها في المقام وبذلك تقيد المطلقات. ومن المعلوم أنه لا مجال لحمل التقييد على أفضل الأفراد حتى في باب المستحبات بعد أن كانا متخالفين في النفي والإثبات كما نبهنا عليه في الأُصول (2).

ثانيهما : الروايات الدالة على تقديم القضاء لدى الدوران بينه وبين الإتيان بها في أول الليل التي منها صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام أنه قال : « قلت له : إن رجلاً من مواليك من صلحائهم شكى إليّ ما يلقى من النوم إلى أن قال - : ولم يرخص في النوافل ( الصلاة ) أول الليل ، وقال القضاء بالنهار أفضل » (3)ونحوها غيرها.

فإنها خير دليل على أنّ مبدأ الوقت إنما هو الانتصاف ، إذ لو كان هو أول الليل كان التقديم إتياناً لها في وقتها وتتصف حينئذ بالأداء بطبيعة الحال فكيف يفضّل عليه التأخير والإتيان في خارج الوقت ، فانّ مرجعه إلى تفضيل القضاء على الأداء وترجيحه عليه ، وهو كما ترى منافٍ لحكمة التوقيت وتشريع الأجل ، هذا.

ويستدل للقول الآخر أعني امتداد الوقت منذ أوّل الليل بوجوه :

أحدها : المطلقات المتضمّنة لاستحباب صلاة الليل على اختلاف ألسنتها ، من أنها ثمان ركعات ، أو إحدى عشرة ، أو ثلاث عشرة ركعة في الليل ، ولعل منها : قوله تعالى ( يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً


1) الوسائل 6 : 495 / أبواب التعقيب ب 35 ح 2.

2) لاحظ محاضرات في أُصول الفقه 5 : 383.

3) الوسائل 4 : 255 / أبواب المواقيت ب 45 ح 1.

نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ... ) إلخ (1)فان مقتضى إطلاقها عدم الفرق في الاستحباب وقيام الليل المأمور به بين الانتصاف وما قبله وما بعده.

وفيه : أنّ مقتضى الجمع بين هذه المطلقات وبين مثل موثقة زرارة ونحوها مما دل على التحديد بالنصف ارتكاب التقييد ، عملاً بصناعة الإطلاق والتقييد المطّردة في أبواب الفقه ، هذا إذا كانت واردة في مقام البيان من ناحية التوقيت وإلا فلا إطلاق من أصله.

وثانيها : موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : لا بأس بصلاة الليل فيما بين أوّله إلى آخره ، إلا أن أفضل ذلك بعد انتصاف الليل » (2).

ثالثها : معتبرة محمد بن عيسى قال : « كتبت إليه أسأله : يا سيدي روي عن جدّك أنه قال : لا بأس بأن يصلي الرجل صلاة الليل في أول الليل ، فكتب في أيّ وقت صلى فهو جائز إن شاء اللّه » (3).

وهي كسابقتها صريحة في التعميم ، كما أنها إما صحيحة السند باعتبار وقوع محمد بن عيسى والد أحمد بن محمد بن عيسى في أسناد كامل الزيارات ، أو لا أقل من أنها حسنة لما قيل في حقه من أنه شيخ القميين ووجه الأشاعرة.

والظاهر أن المروي عنه هو الرضا عليه‌السلام لأن أكثر رواياته عنه ، وإن كان يروي عن الجواد عليه‌السلام أيضاً. ولعل نظره في قوله : « روي عن جدك إلى موثقة سماعة المتقدمة آنفاً المروية عن الصادق عليه‌السلام الذي هو جدّ الرضا عليه‌السلام.

وكيف ما كان ، فهي معتبرة وصريحة في التوسعة كالموثقة ، غايته أن النصف أفضل.

ويندفع : بأنّ الأمر وإن كان كذلك ، لكنهما مطلقتان بالنسبة إلى ذوي


1) المزّمل 73 : 1 4.

2) الوسائل 4 : 252 / أبواب المواقيت ب 44 ح 9.

3) الوسائل 4 : 253 / أبواب المواقيت ب 44 ح 14.

الأعذار وغيرهم ، ومقتضى الجمع بينهما وبين موثقة زرارة ونحوها مما دلّ على التحديد بالنصف ، حملهما على صورة العذر بشهادة النصوص المصرحة بالتقديم لخصوص المعذورين.

رابعها : رواية الحسين بن علي بن بلال قال : « كتبت إليه في وقت صلاة الليل ، فكتب عند زوال الليل وهو نصفه أفضل ، فإن فات فأوّله وآخره جائز » (1).

وهي صريحة في أفضلية النصف دون التوقيت به ، بل الوقت واسع من أول الليل.

وفيه : أنها ضعيفة السند ، فان ابن بلال لم يوثّق في كتب الرجال. نعم الراوي عنه وهو إبراهيم بن مهزيار من رجال كامل الزيارات فلا نقاش من ناحيته (2).

خامسها : ما ذكره المحقق الهمداني قدس‌سره من الاستدلال بما دلّ على جواز التقديم لخائف الجنابة كصحيحة يعقوب بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سألته عن الرجل يخاف الجنابة في السفر أو البرد أيعجّل صلاة الليل والوتر في أول الليل؟ قال : نعم » (3)بتقريب أن خوف الجنابة لا يسوّغ التقديم على الوقت ، بل غايته الانتقال إلى التيمم ، ألا ترى أن من يخافها لا يجوز له تقديم الظهرين على الزوال ، بل يكتفي بالطهارة الترابية بلا إشكال ، لوضوح ترجيح الوقت على الطهارة المائية لدى الدوران ، ولا يكون العجز عنها مسوّغاً للصلاة قبل الوقت بالضرورة.

وعليه فتسويغ التقديم في محل الكلام خير دليل على توسعة الوقت في حد


1) الوسائل 4 : 253 / أبواب المواقيت ب 44 ح 13.

2) حسب الرأي السابق المعدول عنه.

3) الوسائل 4 : 252 / أبواب المواقيت ب 44 ح 10.

ذاته ، فيجوز الإتيان بها من أوّل الليل حتى اختياراً ، لا أن التوسعة ناشئة من الضرورة فإنها لا تقتضيها كما سمعت (1).

ويندفع : بأنّ ما دل على التحديد بالنصف ممّا تقدم قابل للتخصيص بغير خائف الجنابة ، وليس مما يأبى ويمتنع عنه إذا ساعده الدليل ، وقد دل الدليل على ثبوت التوسعة له ولغيره من المعذورين ، ومقتضى الصناعة ارتكاب التقييد الذي ليس هو بعزيز في الفقه فيلتزم به ولا ضير فيه.

ولا يقاس ذلك بالظهرين وغيرهما من الفرائض ، لعدم نهوض أيّ دليل ثمة على التقديم لأيّ أحد ، ولو قام لالتزمنا به أيضاً كالمقام وارتكبنا التقييد بمناط واحد.

وعلى الجملة : لا يثبت بالدليل المزبور إلا التوسعة لخائف الجنابة لا لعامة المكلفين ليدل على جواز التقديم حتى في حال الاختيار كما لعله واضح.

فتحصل : أنّ الأصح ما عليه المشهور من التوقيت بمنتصف الليل للمختار وإن كان واسعاً منذ أوّل الليل بالنسبة إلى المعذور.

وأما المقام الثاني : فالمشهور بل لعله المتسالم عليه امتداد الوقت إلى طلوع الفجر الصادق ، ونسب إلى السيد المرتضى قدس‌سره انتهاؤه بطلوع الفجر الكاذب (2).

ولكنه لا دليل عليه ، بل إن الأدلة الناطقة بالتعجيل في صلاة الليل لمن خاف مفاجاة الصبح وطلوعه ، وأنه يكتفي حينئذ بقراءة الحمد ، أو أنه يبدأ بالوتر كما في الروايات الآتية ، حجة عليه ، ضرورة أنّ الخوف المزبور إنما يكون بعد الفجر الأول الكاذب إذ لو كان قبله لم يكن وجه للبدأة بالوتر ، فإن الأفضل إيقاعها ما بين الفجرين.


1) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 50 السطر 16.

2) حكاه عنه في المختلف 2 : 56.

إلا أن يريد قدس‌سره بذلك انتهاء وقت فضيلة صلاة الليل أو هي مع الشفع بانتهاء الفجر الأول حتى يكون ما بين الفجرين مختصاً بصلاة الوتر ، لما في غير واحد من الأخبار من استحباب الإتيان في هذا الوقت ، فما عليه المشهور هو المتعيّن.

وكيف ما كان ، فالتحديد المزبور بناءً على ما هو المشهور من انتهاء الليل بطلوع الفجر وأنه اسم لما بينه وبين غروب الشمس ، وأنّ ما بين الطلوعين ملحق بالنهار أو أنّه لا من الليل ولا من النهار ، واضح لا غبار عليه ، ولا يحتاج إلى تجشم الاستدلال ، ضرورة انتفاء الموضوع بانتهاء الليل ، فلا مجال لتوهم أنّ ما بعده وقت لصلاة الليل.

وأما بناءً على ما هو الصواب من إلحاقه بالليل وأنه اسم لما بين غروب الشمس وطلوعها على ما سبق في محله فالحكم بانتهاء الوقت بطلوع الفجر يحتاج إلى إقامة الدليل ، لفرض بقاء الليل إلى طلوع الشمس.

ويدلنا عليه مضافاً إلى التسالم ، والإجماع القطعي حيث لم ينقل عن أحد امتداد الوقت إلى طلوع الشمس : جملة من الروايات التي نطقت بانتهاء الوقت وصيرورتها قضاء بعد طلوع الفجر ، عمدتها صحيحة جميل بن دراج قال : « سألت أبا الحسن الأول عليه‌السلام عن قضاء صلاة الليل بعد الفجر إلى طلوع الشمس ، فقال : نعم وبعد العصر إلى الليل فهو من سرّ آل محمد المخزون » (1).

حيث قرّر عليه‌السلام ما كان مركوزاً في ذهن السائل من القضاء بعد طلوع الفجر ، وبما أنّ المخالفين لا يرون ذلك ، وَصّفَه بأنّه من سرّ آل محمد المخزون ، فالدلالة تامة كالسند ، إذ المراد بإبراهيم الواقع فيه هو إبراهيم بن هاشم ، بقرينة الراوي والمروي عنه ، وهو ثقة على الأظهر لوقوعه في أسناد


1) الوسائل 4 : 273 / أبواب المواقيت ب 56 ح 1.

كامل الزيارات (1)، بل ادعى ابن طاوس (2)الاتفاق على وثاقة جماعة هو أحدهم ، ولا أقل من أنه ممدوح ، كما أنّ محمد بن عمرو الزيات الذي يروي عنه إبراهيم قد وثقه النجاشي (3)، وما في نسخة الوسائل من ذكر ( عمر ) بدل ( عمرو ) غلط ، فان محمد بن عمر الزيات لا وجود له في الروايات والصواب ما عرفت.

وتؤكدها جملة من الروايات :

منها : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « سألته عن الرجل يقوم من آخر الليل وهو يخشى أن يفاجأه الصبح يبدأ بالوتر أو يصلي الصلاة على وجهها حتى يكون الوتر آخر ذلك؟ قال : بل يبدأ بالوتر ، وقال : أنا كنت فاعلاً ذلك » (4).

فإن أمره عليه‌السلام بالاقتصار على الوتر وترك صلاة الليل خوفاً من مفاجاة الصبح خير دليل على انتهاء الوقت بطلوع الفجر.

ومنها : صحيحة معاوية بن وهب قال : « سمعت أبا عبد اللّه عليه‌السلام يقول : أما يرضى أحدكم أن يقوم قبل الصبح ويوتر ويصلي ركعتي الفجر ويكتب له بصلاة الليل » (5)فان الوقت لو كان ممتداً إلى طلوع الشمس لم يكن وجه للاقتصار على الوتر ، وترك صلاة الليل.

ومنها : ما تضمن التعجيل في صلاة الليل بالاكتفاء بقراءة الحمد لدى خوف مفاجاة الصبح ، وهو ما رواه إسماعيل بن جابر أو عبد اللّه بن سنان قال : « قلت


1) حسب الرأي السابق.

2) فلاح السائل : 284.

3) رجال النجاشي : 369 / 1001.

4) الوسائل 4 : 257 / أبواب المواقيت ب 46 ح 2.

5) الوسائل 4 : 258 / أبواب المواقيت ب 46 ح 3.

والأفضل إتيانها في وقت السحر وهو الثلث الأخير من الليل ، وأفضله القريب من الفجر (1).


لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : إنّي أقوم آخر الليل وأخاف الصبح ، قال : اقرأ الحمد واعجل واعجل » (1)فإنه لولا الانتهاء لم يكن أيّ مقتض للتعجيل.

ومنها : ما دل على أنّ من قام من النوم ، فان كان شاكاً في طلوع الفجر صلى صلاة الليل وإلا بدأ بالفريضة ، كمعتبرة المفضل بن عمر قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : أقوم وأنا أشك في الفجر ، فقال : صلّ على شكك ، فاذا طلع الفجر فأوتر وصلّ الركعتين ، وإذا أنت قمت وقد طلع الفجر فابدأ بالفريضة ولا تصلّ غيرها ، فاذا فرغت فاقض ما فاتك » (2)وهي صريحة في المطلوب.

(1) فالقريب أفضل الأفضل ، ومن ثم قيل إنها كلما كانت أقرب إلى الفجر كانت أفضل ، إلا أنّ هذا لا دليل عليه ، لخلوّه عن النص كما اعترف به غير واحد ، وإنما الوارد في لسان الروايات أفضلية الإتيان بها في الثلث الأخير أو في السحر أو في آخر الليل.

فمن الأول : صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري قال : « سألت أبا الحسن الرضا عليه‌السلام عن ساعات الوتر ، قال : أحبّها إليّ الفجر الأول ، وسألته عن أفضل ساعات الليل ، قال : الثلث الباقي ... » الحديث (3)فإنها وإن لم تصرح بأفضلية الإتيان بصلاة الليل في الثلث الباقي إلا أنه يستفاد منها ذلك بقرينة سبق السؤال عن ساعة الوتر كما لا يخفى.


1) الوسائل 4 : 257 / أبواب المواقيت ب 46 ح 1.

2) الوسائل 4 : 262 / أبواب المواقيت ب 48 ح 4.

3) الوسائل 4 : 272 / أبواب المواقيت ب 54 ، ح 4.

ومن الثاني : صحيحة أبي بصير قال : « سالت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن التطوع بالليل والنهار ، فقال : الذي يستحب ... إلى أن قال - : ومن ( في ) السحر ثمان ركعات ... » إلخ (1)والسند صحيح ، فان المراد من شعيب الواقع في الطريق هو العقرقوفي الثقة بقرينة رواية حماد بن عيسى عنه ، ولعله إليه يشير قوله تعالى ( وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (2)وقوله تعالى ( وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ ) (3). وتؤيد الصحيحة نصوص أُخر ضعيفة السند.

ومن الثالث : ذيل الصحيحة المزبورة ، وموثقة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « صلاة النافلة إلى أن قال : ... وثمان ركعات من آخر الليل ... » إلخ (4).

فان عثمان بن عيسى الواقع في السند وإن كان شيخ الواقفية وورد فيه من الطعن ما ورد ، إلا أنّ الكشي (5)حكى عن بعضهم أنّه عدّه من أصحاب الإجماع مكان فضالة بن أيوب. مضافاً إلى وقوعه في أسناد كامل الزيارات (6).

وموثقة ابن بكير عن زرارة قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : ما جرت به السنة في الصلاة؟ فقال : ثمان ركعات الزوال إلى أن قال - : وثلاث عشرة ركعة من آخر الليل ... » إلخ (7).

وموثقته الأُخرى قال : قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام : ما كان يحمد ( يجهد )


1) الوسائل 4 : 59 / أبواب أعداد الفرائض ب 14 ح 2.

2) الذاريات 51 : 18.

3) آل عمران 3 : 17.

4) الوسائل 4 : 51 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 16.

5) رجال الكشي : 556 / 1050.

6) حسب الرأي السابق المعدول عنه.

7) الوسائل 4 : 59 / أبواب أعداد الفرائض ب 14 ح 3.

الرجل أن يقوم من آخر الليل فيصلي صلاته ضربة واحدة ثم ينام ويذهب » (1).

وموثقة مرازم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « قلت له : متى أُصلّي صلاة الليل؟ قال : صلّها في آخر الليل » (2)فانّ علي بن الحكم الواقع في السند ثقة على الأظهر ، وكذلك هارون ، فإنه ابن خارجة الثقة على ما تقتضيه رعاية الطبقة وملاحظة الراوي والمروي عنه ، ونحوها غيرها.

وعلى الجملة : فمورد النصوص إنما هو هذه العناوين الثلاثة ، هذا.

ولا تنافي بين الأولين ، بل يمكن إرجاعهما إلى أمر واحد ، نظراً إلى أنّ السحر وإن فسّر في كلمات بعض الفقهاء واللغويين (3)بالسدس الأخير أو قبيل الصبح ، أو آخر الليل ، إلا أنّ المراد من الثلث الباقي هو السدس الأخير ، بضميمة ما بين الطلوعين المعادل لهذا المقدار تقريباً ، بناءً على المختار من كونه من الليل ، فيكون مجموع السدسين متحداً مع الثلث ومنطبقاً عليه مع اختلاف يسير لا يعبأ به.

وبعبارة اخرى : مبدأ السدس الأخير من الليل الذي ينتهي بطلوع الفجر هو مبدأ الثلث الباقي منه إلى طلوع الشمس ، فالتعبير الأول مبني على الغض عما بين الطلوعين باعتبار انتهاء وقت صلاة الليل بذلك ، والتعبير الثاني مبني على رعايته ، فلا اختلاف إلا بمقدار لا يعتنى به كما سمعت ، فيكون المراد به ما قبل طلوع الفجر بمقدار ساعة ونصف إلى ساعتين تقريباً حسب اختلاف فصول السنة من حيث قصر الليل وطوله.

وأما الثالث : أعني آخر الليل ، فإن أُريد به الثلث الباقي فلا منافاة ، وإن أُريد به الأقل من ذلك كما لعله الأظهر فيمكن الجمع تارة : بحمل ما دل


1) الوسائل 4 : 271 / أبواب المواقيت ب 53 ح 5.

2) الوسائل 4 : 272 / أبواب المواقيت ب 54 ح 3.

3) تهذيب اللغة 4 : 293 ، لسان العرب 4 : 350.

على الثلث على إرادة من يراعي جميع السنن والآداب ، فإنه لا مناص له من التقديم ليتسع الوقت للجميع ، وما دل على آخر الليل على من يقتصر على النافلة ، فيختلف ذلك باختلاف المصلّين من حيث التطويل والتقصير.

واخرى : بالحمل على اختلاف مراتب الفضل ، فوقت النافلة يدخل عند الانتصاف ، والأفضل التأخير إلى الثلث الباقي ، وأفضل منه التأخير إلى آخر الليل ، وبذلك يرتفع التنافي المراءى بين الأخبار.

ويعضده الجمع بين السحر الذي عرفت اتحاده مع الثلث الباقي وبين آخر الليل في صحيحة أبي بصير المتقدمة (1)، والتصريح بأن الثاني أحب ، الكاشف طبعاً عن المغايرة وعن الأفضلية حسبما ذكرناه ، وأما أنه كلما كان أقرب إلى الفجر كان أفضل فلا دليل على هذه الكلية كما أسلفناك.

بقي شي‌ء : وهو أنه يستفاد من جملة من الروايات أن النبي صلی اللّه عليه وآله كان يقوم إلى صلاة الليل بعد ثلثه أو نصفه ، ويأتي بها متفرقة ، ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إن رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله كان إذا صلى العشاء الآخرة أمر بوضوئه وسواكه فوضع عند رأسه مخمراً فيرقد ما شاء اللّه ، ثم يقوم فيستاك ويتوضأ ويصلي أربع ركعات ، ثم يرقد ثم يقوم فيستاك ويتوضأ ويصلي أربع ركعات ، ثم يرقد حتى إذا كان في وجه الصبح قام فأوتر ثم صلى الركعتين ، ثم قال : لقد كان لكم في رسول اللّه أُسوة حسنة ، قلت : متى كان يقوم؟ قال : بعد ثلث الليل » (2)، قال الكليني وقال في حديث آخر : « بعد نصف الليل » (3).

فكيف ينسجم ذلك مع أفضلية التأخير إلى الثلث الباقي أو إلى آخر الليل وكيف جرت عادته صلی اللّه عليه وآله على ترك ما هو الأفضل.


1) في ص 272.

2) الوسائل 4 : 270 / أبواب المواقيت ب 53 ح 2.

3) المصدر المتقدم ح 3 ، الكافي 3 : 445 / 13.

[1199] مسألة 9 : يجوز للمسافر والشاب الذي يصعب عليه نافلة الليل في وقتها تقديمها على النصف ، وكذا كل ذي عذر كالشيخ وخائف البرد أو الاحتلام والمريض (1) وينبغي لهم نية التعجيل لا الأداء.


ودعوى جواز كون ذلك من خصائصه كأصل وجوب صلاة الليل ، مدفوعة بعدم ذكر ذلك في ضمن ما ضبطوه من خصائصه صلی اللّه عليه وآله.

على أنه مناف للتصريح في ذيل الصحيحة بقوله ( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) .

والأولى في وجه الجمع ما قيل من الالتزام بالتفصيل بين الجمع والتفريق ، فمن شاء التفريق بين ركعات النافلة فالأفضل له الشروع بعد الثلث الأول أو النصف أُسوة به صلی اللّه عليه وآله ، ومن شاء الإتيان بها جملة واحدة كان الأفضل له التأخير إلى الثلث الأخير ، أو إلى آخر الليل كما تشير إليه موثقة ابن بكير المتقدمة (1)حيث ورد فيها « .. أن يقوم من آخر الليل فيصلي صلاته ضربة واحدة ... » (2)فليتأمل.

(1) على المعروف والمشهور ، بل عن الخلاف دعوى الإجماع عليه ، وتشهد به جملة وافرة من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة المشار إليها في المتن كما ستقف عليها.

ونسب الخلاف إلى ابن إدريس فمنع عن التقديم مطلقاً (3)ولم يعرف له وجه صحيح عدا ما يرتأيه من عدم الاعتماد على أخبار الآحاد ، ولكن المبنى كما ترى ، لا سيما وأن الأخبار الواردة في المقام مستفيضة ومتظافرة لا سبيل


1) في ص 272.

2) الوسائل 4 : 271 / أبواب المواقيت ب 53 ح 5.

3) السرائر 1 : 203.

لرفضها وعدم العمل بها كما لا يخفى.

كما نسب الخلاف أيضاً إلى زرارة لما في رواية محمد بن مسلم قال : « سألته عن الرجل لا يستيقظ من آخر الليل حتى يمضي لذلك العشر والخمس عشرة فيصلي أول الليل أحب إليك أم يقضي؟ قال : لا ، بل يقضي أحبّ إليّ ، إنّي أكره أن يتخذ ذلك خُلقاً ، وكان زرارة يقول : كيف تقضى صلاة لم يدخل وقتها ، إنما وقتها بعد نصف الليل » (1).

وربما يستظهر أن ذلك رأي تلقاه زرارة من المعصوم عليه‌السلام لا أنه من تلقاء نفسه لاستبعاد استبداده بالرأي تجاههم.

لكن الرواية ضعيفة السند بمحمد بن سنان على أن موردها لم يكن هو المعذور الذي هو محل الكلام لعدم ورودها فيه ، ومن المعلوم أن التقديم لغيره غير سائغ كما يرتأيه زرارة وغيره ، فهي أجنبية عن المقام.

ونسب إلى ابن أبي عقيل عدم جواز التقديم لغير المسافر (2)، وربما يظهر من الصدوق موافقته له حيث قال : كلما روي من الإطلاق في صلاة الليل من أول الليل فإنما هو في السفر ، لأن المفسر من الأخبار يحكم على المجمل (3).

فكأنه قدس‌سره حمل نصوص الباب بأسرها على المسافر زعماً منه أنها مطلقة أو مجملة ، وما ورد في المسافر مبيّن ومفصّل ، فيحمل المطلق على المفصل والمجمل على المبيّن.

ولكن الأمر ليس كذلك ، بل مورد النصوص عناوين مستقلة وموضوعات متباينة لا إجمال فيها ولا موقع لحمل بعضها على بعض ، فلا بد إذن من النظر حول كل واحد منها بحياله.


1) الوسائل 4 : 256 / أبواب المواقيت ب 45 ح 7.

2) حكاه عنه في المختلف 2 : 70.

3) الفقيه 1 : 303 ذيل ح 1384.

فمنها : عنوان المسافر وقد دلت على جواز التقديم فيه جملة من الروايات :

كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إن خشيت أن لا تقوم في آخر الليل أو كانت بك علة أو أصابك برد فصلّ وأوتر في أول الليل في السفر » (1).

وصحيحة عبد الرحمن بن أبي نجران في حديث قال : « سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن الصلاة بالليل في السفر في أول الليل ، فقال : إذا خفت الفوت في آخره » (2).

وصحيحة محمد بن حمران عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سألته عن صلاة الليل أُصليها أول الليل؟ قال : نعم ، إنّي لأفعل ذلك ، فإذا أعجلني الجمّال صليتها في المحمل » (3)، فان السفر وإن لم يذكر في هذه الصحيحة صريحاً لكنه يستفاد من الذيل.

وموثقة سماعة بن مهران « أنه سأل أبا الحسن الأول عليه‌السلام عن وقت صلاة الليل في السفر ، فقال : من حين تصلي العتمة إلى أن ينفجر الصبح » (4).

المؤيدة بجملة من الروايات الضعاف التي منها ما رواه الشهيد في الذكرى نقلاً من كتاب محمد بن أبي قرّة بإسناده عن إبراهيم بن سيابة قال : « كتب بعض أهل بيتي إلى أبي محمد عليه‌السلام في صلاة المسافر أول الليل صلاة الليل ، فكتب فضل صلاة المسافر من أول الليل كفضل صلاة المقيم في الحضر من آخر الليل » (5). فإنها وإن كانت صريحة الدلالة ، لكنها ضعيفة السند من جهات شتى ،


1) الوسائل 4 : 250 / أبواب المواقيت ب 44 ح 2.

2) الوسائل 4 : 251 / أبواب المواقيت ب 44 ح 7.

3) الوسائل 4 : 252 / أبواب المواقيت ب 44 ح 11.

4) الوسائل 4 : 251 / أبواب المواقيت ب 44 ح 5.

5) الوسائل 4 : 254 / أبواب المواقيت ب 44 ح 19. الذكرى 2 : 371.

لجهالة طريق الشهيد إلى كتاب ابن أبي قرّة كجهالة طريق الرجل إلى ابن سيابة ، مضافاً إلى ضعف كل من الرجلين في نفسه.

وكيف ما كان ، فلا ريب في جواز التقديم للمسافر في الجملة ، وإنما الكلام في أمرين :

أحدهما : في أنّ الترخيص في التقديم المزبور هل هو ثابت على سبيل الإطلاق ، أو أنه مقيّد بخوف الفوات في آخر الليل؟

ثانيهما : في أنه هل هو على سبيل الاتساع في الوقت فتقع الصلاة في وقتها وتتصف بالأداء ، أو أنها من باب التعجيل فيؤتى بها في غير وقتها المقرر لها بترخيص من الشارع كالقضاء ، غاية الأمر أن القضاء صلاة بعد الوقت ، والتقديم صلاة قبله ، نظير تقديم نافلتي الظهرين على الزوال يوم الجمعة ، فلا بد وأن يؤتى بها بنية التعجيل والتقديم دون الأداء.

أما الأمر الأول : فالروايات المزبورة وإن كان بعضها مطلقة ، ولكن صحيحتي الحلبي وابن أبي نجران مقيدتان بالخوف على سبيل القضية الشرطية التي مقتضى مفهومها نفي التشريع مع فقد الخوف ، فهما مع المطلقات متخالفان من حيث النفي والإثبات ولو بمعونة الدلالة الالتزامية المفهومية ، ومعه لم يكن بدّ من إعمال صناعة الإطلاق والتقييد ، فإنها وإن لم تكن جارية في باب المستحبات ، بل يحمل المقيد فيها على أفضل الأفراد ، إلا أن ذلك مختص بالمثبتين كالأمر بقراءة القرآن والأمر بقراءته متطهراً ، ولا يشمل المتخالفين كالمقام على ما هو محرّر في محله ، إذن فلا يسوغ التقديم إلا مع خوف الفوات أو صعوبة النهوض بعد الانتصاف لعلة أو برد ونحوهما.

وأما الأمر الثاني : فالسيد الماتن وإن ذكر أنه ينبغي نيّة التعجيل لا الأداء ، لكنه غير واضح ، فان ظاهر موثقة سماعة المتقدمة بل صريحها اتساع الوقت وأنه يبتدئ مما بعد العتمة إلى أن ينفجر الصبح. إذن فالأصح الإتيان بها بنية الأداء.

ومنها : من يصلّي في الليالي القصار كالصيف.

وقد دلت على جواز التقديم حينئذ صحيحة ليث المرادي قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الصلاة في الصيف في الليالي القصار ، صلاة الليل في أول الليل ، فقال : نَعَم ، نِعم ما رأيت ، ونِعم ما صنعت يعني في السفر .. » إلخ (1).

وهي من حيث الدلالة واضحة كالسند ، لولا تذييلها بقوله : « يعني في السفر » فإنه بعد وضوح عدم كونه من كلام الامام عليه‌السلام نفسه وإلا لعبّر بقوله : أعني بدل « يعني » مردد بين أن يكون من كلام الراوي أعني المرادي فينقل لنا أن مراد الامام عليه‌السلام هو ذلك كما نقل بقية الرواية ، فيكون الحكم حينئذ مقيداً بالسفر لا محالة ، وبين أن يكون من كلام الصدوق نفسه ومن اجتهاده ورائه حيث قد جرت عادته على تفسير بعض ألفاظ الرواية أو التعليق عليها بمثابة يتخيل أنه جزء منها.

ولعلّ الأظهر هو الثاني ولا سيما بملاحظة ما يرتأيه من اختصاص الحكم بالمسافر فقيّد الرواية حسب اجتهاده واستفادته من الروايات الأُخر.

وعليه فالمتبع إطلاق الرواية ، ولا عبرة بتفسير الصدوق واجتهاده.

نعم ، مع التردد وعدم ترجيح أحد الاحتمالين فلا جرم تصبح الرواية مجملة ، لاحتفافها بما يصلح للقرينية فلا يمكن التمسك بها ، إلا أن هذا الإجمال خاص برواية الصدوق ولا يكاد يسري إلى رواية الشيخ الخالية عن هذا الذيل ، فلا مانع من الاستدلال بها.

وقد روى صاحب الوسائل هذه الرواية عنه بإسناده عن صفوان عن ابن مسكان عن ليث (2)والمراد به هو صفوان بن يحيى الثقة ، فإنه الراوي عن ابن مسكان وطريق الشيخ إليه صحيح دون صفوان بن مهران الجمال ، بل الظاهر


1) الوسائل 4 : 249 / أبواب المواقيت ب 44 ح 1.

2) الوسائل 4 : 253 / أبواب المواقيت ب 44 ح 16. التهذيب 2 : 168 / 668.

صحة الرواية حتى لو أُريد به ذلك ، فإنه وإن وقع في طريق الشيخ إليه ابن ابي جيد ولم يوثق صريحاً في كتب الرجال ، إلا أنه موثوق لكونه من مشايخ النجاشي ، وقد وثق كل من روى عنه من مشايخه (1).

أضف إلى ذلك : أن الشيخ رواها بطريق آخر عن ابن مسكان من دون وساطة صفوان (2)، وقد أشار إليها في الوسائل في ذيل رواية الصدوق المتقدمة ، وطريقه إليه صحيح.

وما عن الأردبيلي من ضعفه في المشيخة وإن صح في الفهرست (3)سهو من قلمه الشريف ، فان الشيخ أهمل طريقه إليه في المشيخة ولم يذكره أبداً ليعرف أنه صحيح أو ضعيف.

وكيف ما كان ، فالسند صحيح على كل تقدير ، كما أن الدلالة واضحة بعد الخلو عن ذاك الذيل الموجب لاحتمال الإجمال.

ثم إنه يظهر من صاحب الوسائل أن الصدوق نقل الرواية بكيفيتين : فتارة مع الذيل وهي التي عرفت ، وأُخرى بدونه حيث قال في ذيل الرواية السابقة للشيخ ما لفظه : ورواه الصدوق بإسناده عن عبد اللّه بن مسكان مثله (4).

مع أن الصدوق لم ينقل هذه الرواية المطلقة ، وإنما رواها مرّة واحدة مشتملة على الذيل ومقيدة بالسفر حسبما عرفت.

وهل يتقيد الحكم في المقام أيضاً بخوف الفوات أو صعوبة القيام آخر الليل؟

مقتضى إطلاق النص هو العدم لعدم التقييد به ، إلا أنه لا يبعد الاختصاص نظراً إلى أنّ ذلك هو مقتضى مناسبة الحكم والموضوع حيث يفهم عرفاً أن الترخيص في التقديم إنما شرع من أجل قصر الليل المانع عن الانتباه غالباً


1) معجم رجال الحديث 1 : 50.

2) التهذيب 2 : 118 / 446.

3) جامع الرواة 2 : 502. [ ولكن فيه أنّه مجهول أي مهمل ].

4) الوسائل 4 : 254 / أبواب المواقيت ب 44 ح 16.

والموجب لأحد الأمرين المزبورين من خوف الفوت أو صعوبة النهوض. إذن فالتقديم بقول مطلق مشكل جدّاً ، هذا.

وظاهر الصحيحة أن التقديم إنما هو من باب التوسعة في الوقت ، إذ المستفاد من قوله عليه‌السلام : « نِعم ما رأيت ونِعم ما صنعت » أن التقديم أفضل من القضاء ، ومن ثمّ استوجب المدح والترغيب ، وهذا يكشف عن أن الصلاة أداء وواقعة في محلها كما لا يخفى.

ومنها : خائف الجنابة ، وقد دلت عليه ذيل صحيحة ليث المرادي المتقدمة حيث قال : « وسألته عن الرجل يخاف الجنابة في السفر أو في البرد فيعجّل صلاة الليل والوتر في أول الليل ، فقال : نعم » (1).

وصحيحة يعقوب بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سألته عن الرجل يخاف الجنابة في السفر أو البرد أيعجّل صلاة الليل والوتر في أول الليل؟ قال : نعم » (2).

وقد عرفت صحة سند الاولى ، وهكذا الثانية ، فإن المراد من علي بن رباط الواقع في السند هو علي بن الحسن بن رباط الثقة الذي هو من أصحاب الرضا عليه‌السلام فإنه المعروف دون علي بن رباط الضعيف الذي هو من أصحاب الباقر عليه‌السلام وعم علي بن الحسن المزبور ، ولا مانع من إسناد الرجل إلى جدّه بعد أن كان هو المعروف والمشهور عند الإطلاق.

ويعضده : أن الشيخ لما عنونه في الفهرست (3)بعنوان علي بن الحسن بن رباط وعدّ كتبه وذكر طريقه إليه عبّر عنه في منتهى الطريق بعلي بن رباط ، وهذا خير شاهد على أن المراد به عند الإطلاق هو ذاك ، فلا خلل في سند


1) الوسائل 4 : 250 / أبواب المواقيت ب 44 ح 1.

2) الوسائل 4 : 252 / أبواب المواقيت ب 44 ح 10.

3) الفهرست : 90 / 377 [ ورد علي بن رباط في بعض نسخ الفهرست كنسخة الأردبيلي في جامع الرواة ].

الروايتين ، كما لا تأمل في الدلالة ، فلا إشكال في المسألة.

وهل التقديم هنا على سبيل التعجيل كما عبّر به في الصحيحتين أو أنه أداء ومن باب التوسعة في الوقت؟ الظاهر هو الثاني ، إذ المقام من مصاديق الدوران بين مراعاة الوقت وبين مراعاة الطهارة المائية ، ولا شبهة في لزوم تقديم الأول والانتقال في الثاني إلى البدل ، بل إن العلم بالإخلال بالثاني لا يسوَّغ الإخلال بالأول فضلاً عن خوفه.

وبالجملة : لا يجوز تفويت الوقت الذي هو من الأركان لأجل درك الطهارة المائية مع التمكن من بدلها وهو الطهارة الترابية ، فبهذه القرينة القاطعة يعلم أن التقديم لخائف الجنابة إنما هو من باب التوسعة فتقع الصلاة في وقتها ، لا أنها تعجيل وإيقاع لها قبل الوقت ليتنافى مع ما عرفت.

والمتحصل : أن التقديم في الموارد الثلاثة المتقدمة إنما هو من باب التوسعة في الوقت ، كما أنه مقيد بخوف الفوات أو صعوبة القيام بعد الانتصاف.

ومنها : المريض ، ولا مستند له عدا ما رواه الصدوق قدس‌سره عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه‌السلام في حديث قال : « إنما جاز للمسافر والمريض أن يصليا صلاة الليل في أول الليل لاشتغاله وضعفه ، وليحرز صلاته فيستريح المريض في وقت راحته ، وليشتغل المسافر باشتغاله وارتحاله وسفره » (1)ولكنها لضعف سندها من أجل ضعف طريق الصدوق إلى ابن شاذان لا يمكن الاعتماد عليها.

ومنها : الشيخ ، وقد ورد ذلك فيما رواه الكليني عن محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان عن صفوان بن يحيى ، عن منصور بن حازم ، عن أبان بن تغلب قال : « خرجت مع أبي عبد اللّه عليه‌السلام فيما بين مكة والمدينة فكان


1) الوسائل 4 : 250 / أبواب المواقيت ب 44 ح 3. الفقيه 1 : 290 / 1320.

يقول : أما أنتم فشباب تؤخرون ، وأما أنا فشيخ اعجّل ، فكان يصلي صلاة الليل أول الليل » (1).

أما من حيث السند فليس فيه من يغمز فيه ما عدا محمد بن إسماعيل الذي يروي عنه الكليني ، وهو يروي عن الفضل بن شاذان حيث إنه مردد بين النيسابوري الخالي عن التوثيق والتضعيف ، وبين البرمكي الذي وثقه النجاشي (2)وإن ضعّفه ابن الغضائري (3)أيضاً ، إذ لا عبرة بتضعيفه كما مرّ غير مرّة ، وأما احتمال كونه ابن بزيع فضعيف جدّاً ، لبعد العهد بينه وبين الكليني.

وكيف ما كان ، فقد ذكروا وجوهاً للتمييز والترجيح ولكنا في غنى عنه والبحث حوله قليل الجدوى ، لوقوع الرجل بعين هذا السند أعني : محمد بن يعقوب عن محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان في أسناد كامل الزيارات ، فهو أيّاً من كان موثق بتوثيق ابن قولويه (4).

ودعوى معارضته بتضعيف ابن الغضائري لو أُريد به البرمكي قد عرفت الجواب عنها آنفاً ، وأن الرجل أعني ابن الغضائري وإن كان من الأجلاء وقد اعتمد عليه الشيخ والنجاشي وغيرهما إلا أن الكتاب المنسوب إليه الحاوي لتوثيقاته وتضعيفاته لم تثبت صحة نسبته إليه ، فلا يصح التعويل عليه ، إذن فتوثيق ابن قولويه سليم عن المعارض.

على أن الأظهر أنّ الرجل هو النيسابوري ، لأنه تلميذ الفضل بن شاذان الذي يروي عنه ، وقد تصدى لترجمته وبيان حالاته ، ولأن الكليني لا يروي عن البرمكي بلا واسطة ، فلا مجال للنقاش في السند بوجه.

غير أن الدلالة قاصرة ، نظراً إلى أنّ موردها السفر ، وقد عرفت فيما سبق


1) الوسائل 4 : 254 / أبواب المواقيت ب 44 ح 18. الكافي 3 : 440 / 6.

2) رجال النجاشي : 341 / 915.

3) الخلاصة : 258 / 887.

4) حسب الرأي السابق المعدول عنه.

تقييد هذا العنوان بخوف الفوات أو صعوبة القيام ، فمن الجائز أن تكون الشيخوخة من أحد أسباب الصعوبة أو خوف الفوت ، فلا تدل الصحيحة على أن الشيخوخة بعنوانها ولو في غير حال السفر من مسوّغات التقديم.

ومنها : الجارية التي يغلبها النوم وتضعف عن القضاء ، وتدل عليه ذيل صحيحة معاوية بن وهب على رواية الكليني والشيخ « ... قلت : فانّ من نسائنا أبكاراً ، الجارية تحب الخير وأهله وتحرص على الصلاة فيغلبها النوم حتى ربما قضت وربما ضعفت عن قضائه وهي تقوى عليه أول الليل ، فرخص لهنّ في الصلاة أول الليل إذا ضعفن وضيّعن القضاء » (1)والظاهر أنّ الجواز في حقها من باب التعجيل لا التوسعة ، لأن تعليق الترخيص على الضعف عن القضاء يكشف عن أفضليته ، ومع اتساع الوقت لا محصّل لها ، إذ مرجعه إلى أفضلية القضاء من الأداء وهو كما ترى ، فلا جرم يكون التقديم من باب التعجيل.

ومنها : خشية فوات النافلة في وقتها لمطلق العذر وإن لم يكن مما سبق ، ويستدل له بصحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إذا خشيت أن لا تقوم آخر الليل أو كانت بك علة أو أصابك برد فصلّ صلاتك وأوتر من أول الليل » (2)دلت على جواز التقديم لمطلق الخشية وعن أيّ عذر ، وذكر العلة والبرد من باب المثال ومن قبيل عطف الخاص على العام من دون خصوصية فيهما.

ولكن الظاهر عدم صحة الاستدلال بها :

أما أوّلاً : فلأجل أنّ هذه الرواية قد رواها الصدوق عن الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام بعين ألفاظها مع اختلاف يسير غير مخلّ بالمعنى


1) الوسائل 4 : 255 / أبواب المواقيت ب 45 ح 2 ، الكافي 3 : 447 / 20 ، التهذيب 2 : 119 / 447.

2) الوسائل 4 : 252 / أبواب المواقيت ب 44 ح 12.

بزيادة التقييد بالسفر وإليك نصّها : « قال : إن خشيت أن لا تقوم في آخر الليل أو كانت بك علة أو أصابك برد فصلّ وأوتر في أول الليل في السفر » (1)ومن المستبعد جدّاً صدور الرواية عن الصادق عليه‌السلام مرتين : مطلقة تارةً ومقيدة اخرى ، بل الظاهر أنهما رواية واحدة رواها الحلبي مقيّدة بالسفر ، وأبو بصير مطلقة ، وحيث لم يعلم الصادر منهما فلم تثبت الرواية المطلقة ليستدل بها.

وأما ثانياً : سلّمنا أنهما روايتان وقد صدرتا مرتين ، إلا أنه لا بد حينئذ من ارتكاب صناعة التقييد بحمل المطلق منهما على المقيد ، لما ذكرناه في الأُصول (2)من أن الوصف وإن لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح فلا يدل على العلية المنحصرة على حذو القضية الشرطية ، ومن ثم لا مانع من ثبوت الحكم في مورد قيد آخر أيضاً إذا ساعده الدليل ، إلا أنه لم يكن بدّ من الالتزام بكشفه عن عدم كون موضوع الحكم هي الطبيعة المجردة على إطلاقها وسريانها ، وإلا لأصبح ذكر القيد في نفس الرواية أو في رواية أُخرى منفصلة من اللغو الواضح الذي يصان عنه كلام الحكيم ، فلا جرم يحمل المطلق منهما على المقيد.

ودعوى عدم جريان هذا الحمل في باب المستحبات مدفوعة باختصاصه بما إذا ورد التقييد على متعلق الحكم كالأمر بقراءة القرآن في دليل والأمر بقراءته مع الطهارة أو إلى القبلة في دليل آخر ، فإنه حيث لا إلزام في البين ولم يكونا متنافيين يحمل على أفضل الأفراد على خلاف باب الواجبات لحصول التنافي فيها كما لا يخفى.

وأما إذا ورد التقييد على الحكم نفسه فتعلق بالهيئة لا بالمادة كما في المقام حيث إن نفس الترخيص في التقديم مقيّد بالسفر فلا مناص حينئذ من


1) الوسائل 4 : 250 / أبواب المواقيت ب 44 ح 2. الفقيه 1 : 289 / 1315.

2) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 133.

ارتكاب التقييد بعد البناء على ثبوت المفهوم بالمعنى المزبور ، من غير فرق بين الأحكام الإلزامية وغيرها ، لوحدة المناط وهو ما عرفت من لزوم اللغوية وحصول التنافي بينهما بالنفي والإثبات ، وتمام الكلام في محله.

ثم إنا لو تنازلنا وسلمنا عدم التقييد وبنينا على ثبوت الحكم لمطلق المعذور وإن لم يكن مسافراً فهل ذاك من باب التوسعة أو من باب التعجيل؟

لا دلالة في صحيحة أبي بصير المتقدمة على شي‌ء من الأمرين ، ولكن المستفاد من النصوص الدالة على أفضلية القضاء من التقديم بنطاق عام كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليه‌السلام قال : « قلت : الرجل من أمره القيام بالليل تمضي عليه الليلة والليلتان والثلاث لا يقوم ، فيقضي أحبّ إليك أم يعجّل الوتر أول الليل؟ قال : لا ، بل يقضي وإن كان ثلاثين ليلة » (1).

وصحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام حيث ورد في ذيلها « ... وقال : القضاء بالنهار أفضل » (2)، أنه في المقام من باب التعجيل ، ضرورة أنه لو كان من باب التوسعة لكان مقتضاها أنّ القضاء أفضل من الأداء ، وهو كما ترى.

بل يمكن الاستدلال بنفس هذه الروايات على جواز التقديم في المقام أيضاً ، إذ الأفضلية لدى الدوران بين القضاء والتقديم بنفسها تقتضي ذلك ، وإلا لكان القضاء هو المتعيّن لا أنه أفضل.

ودعوى : أنّ هذه الروايات ناظرة إلى الموارد الخاصة التي قام الدليل فيها على جواز التقديم كالمسافر وخائف الجنابة والجارية والليالي القصار فلا يمكن الاستدلال بها على جواز التقديم لمطلق المعذور.

مدفوعة : بأن التقديم في تلك الموارد ما عدا الجارية إنما هو من باب


1) الوسائل 4 : 256 / أبواب المواقيت ب 45 ح 5.

2) الوسائل 4 : 255 / أبواب المواقيت ب 45 ح 1.

التوسعة كما سبق ، فلو كانت ناظرة إليها لكان مفادها أفضلية القضاء من الأداء التي عرفت ما فيها.

والمتحصل مما تقدّم : أنّ التقديم في الموارد المذكورة لم يكن على نهج واحد ، بل في بعضها من باب التوسعة وفي بعضها الآخر من باب التعجيل حسبما عرفت.

بقي شي‌ء : وهو أن مبدأ التقديم سواء كان على سبيل التوسعة أم التعجيل هل هو من أوّل الليل أو بعد الإتيان بفريضة العشاء؟ ظاهر الروايات المتضمنة للتعبير بأوّل الليل كصحاح الحلبي والمرادي وابن ابي نجران ومحمد بن حمران وغيرها هو الأوّل ، هذا مع الغض عن المزاحمة لوقت الفريضة والجمود على ظواهر النصوص.

وأما بملاحظتها ، فان بنينا على حرمة التطوع في وقت الفريضة فلا مناص من ارتكاب التقييد والالتزام بعدم جواز الإتيان بالنافلة قبل الفراغ من العشاءين جمعاً بين الدليلين ، وإن كان الوقت في حد ذاته صالحاً لها.

وإن بنينا على الجواز مع الكراهة ساغ الإتيان بها قبل ذلك وإن كان التأخير أرجح ، هذا.

ولكن المحقق الهمداني قدس‌سره ذهب إلى أنّ الوقت إنما هو بعد العتمة على التقديرين ، استناداً إلى موثقة سماعة بن مهران « أنه سأل أبا الحسن الأوّل عليه‌السلام عن وقت صلاة الليل في السفر ، فقال : من حين تصلي العتمة إلى أن ينفجر الصبح » (1)وقد ادعى قدس‌سره أن ذلك هو المنساق من سائر الأخبار أيضاً كالفتاوى ، وعلى تقدير الإطلاق فلتحمل على الموثقة جمعاً (2).

وفيه : أنّ وقت العتمة لا انضباط له ، بل يختلف باختلاف حالات المكلفين ، بل اختلاف الأحوال في شخص واحد ، فربما يقدّم كما في الجماعات وربما يؤخّر


1) الوسائل 4 : 251 / أبواب المواقيت ب 44 ح 5.

2) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 51 السطر 12.

قليلاً أو كثيراً ، وربما لا يأتي بها أصلاً نسياناً أو عصياناً ، ومقتضى التحديد المزبور اختلاف الوقت وعدم انضباطه ، بل عدم دخوله لدى تركها العمدي أو السهوي ، وهذا شي‌ء لا يمكن الالتزام به كما لا يخفى ، فلا جرم تحمل الموثقة على الأفضلية حذراً عن التطوع في وقت الفريضة.

وإن شئت قلت : إن الموثقة تشير إلى ما تقتضيه طبيعة المصلي من تقديم الفريضة على النافلة لا إلى تحديد الوقت كي تدل على عدم الجواز قبل العتمة ، لما عرفته من عدم الانضباط.

هذا بناء على قراءة قوله : « من حين تُصلّي العتمة » بصيغة المبني للمعلوم ليكون خطاباً لسماعة.

وأما بناءً على أن تكون بصيغة المبني للمجهول ، فالأمر أوضح ، لدلالتها حينئذ على دخول وقت النافلة من حين دخول الوقت المقرر للعتمة في الشريعة المقدسة لا الوقت الذي يؤتى بها خارجاً المنطبق طبعاً على أوّل الليل ، فيتحد مفادها حينئذ مع سائر النصوص ، ولا يكون ثمة أيّ تناف لنحتاج إلى ارتكاب التقييد كما أُفيد.

نعم ، في رواية علي بن جعفر قال : « سألته عن الرجل يتخوّف أن لا يقوم من الليل ، أيصلي صلاة الليل إذا انصرف من العشاء الآخرة ، وهل يجزيه ذلك أم عليه قضاء؟ قال : لا صلاة حتى يذهب الثلث الأول من الليل ، والقضاء بالنهار أفضل من تلك الساعة » (1)، حيث إن ظاهرها عدم مشروعية التقديم قبل الثلث ، بل ظاهر « لا » النافية للجنس في قوله : « لا صلاة » نفي الحقيقة المساوق للفساد.

وفيه : مضافاً إلى ضعف سندها بعبد اللّه بن الحسن ، أنّ الاستدلال مبني على أن تكون الإشارة في قوله : « تلك الساعة » ناظرة إلى ما بعد الثلث ، ليكون ظهور الجملة الاولى في نفي الحقيقة قبل الثلث باقياً على حاله.


1) الوسائل 4 : 257 / أبواب المواقيت ب 45 ح 8.

وأما إذا كانت ناظرة إلى ما قبله فهذا الظهور ملغى بطبيعة الحال ، وتكون تلك الجملة محمولة على نفي الكمال ، ضرورة أنّ ذلك هو مقتضى التعبير بأفضلية القضاء بالنهار الكاشف عن اشتراكهما في أصل الفضيلة ، غير أنّ القضاء أفضل ، وحيث إنّ الاحتمالين من المتكافئين ولا ترجيح في البين فلا جرم يعرضها الإجمال ولا تصلح للاستدلال. إذن فيكون ظهور النصوص المتقدمة في كون المبدإ أوّل الليل سليماً عن المعارض.

ثم إنك قد عرفت فيما سبق عند التكلم حول منتهى الوقت أنّ آخره طلوع الفجر الثاني ، لنصوص دلت عليه وقد تقدمت ، ومقتضى ذلك أنّ الإتيان بنافلة الليل بعد الطلوع قضاء ، كما وأنه قبل البدأة بالفريضة مرجوح أو ممنوع حسب الخلاف في حكم التطوع في وقت الفريضة من الحرمة أو الكراهة كما سيأتي.

وعليه ، فالأفضل البدأة بالفريضة والتصدي لصاحبة الوقت ، حذراً عن التطوع المزبور الذي هو مرجوح على أقل تقدير.

غير أنه قد وردت في المقام نصوص تضمنت البدأة بالنافلة قبل فريضة الفجر إلى أن يتضيق وقتها :

منها : صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سألته عن صلاة الليل والوتر بعد طلوع الفجر ، فقال : صلها بعد الفجر حتى يكون في وقت تصلي الغداة في آخر وقتها ، ولا تعمّد ذلك في كل ليلة ، وقال : أوتر أيضاً بعد فراغك منها » (1).

ومنها : صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري في حديث قال : « سألت أبا الحسن الرضا عليه‌السلام عن الوتر بعد الصبح ، قال : نعم قد كان أبي ربما أوتر بعد ما انفجر الصبح » (2).

ومنها : صحيحة جميل بن دراج قال : « سألت أبا الحسن الأول ( عليه


1) الوسائل 4 : 261 / أبواب المواقيت ب 48 ح 1 ، 2.

2) الوسائل 4 : 261 / أبواب المواقيت ب 48 ح 1 ، 2.

السلام ) عن قضاء (1)صلاة الليل بعد الفجر إلى طلوع الشمس ، فقال : نعم وبعد العصر إلى الليل فهو من سرّ آل محمد المخزون » (2).

إلا أنها معارضة بطائفة أُخرى دلت على عدم الجواز :

منها : صحيحة إسماعيل بن جابر قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : أوتر بعد ما يطلع الفجر؟ قال : لا » (3).

ومنها : صحيحة سعد بن سعد عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام قال : « سألته عن الرجل يكون في بيته وهو يصلي وهو يرى أن عليه ليلاً ثم يدخل عليه الآخر من الباب فقال : قد أصبحت ، هل يصلي الوتر أم لا ، أو يعيد شيئاً من صلاته؟ قال : يعيد إن صلاها مصبحاً » (4).

وهاتان الطائفتان كما ترى متعارضتان بالإطلاق ، إلا أن هناك طائفة ثالثة وردت في من انتبه من النوم وقد طلع الفجر ، وتضمنت البدأة بالنافلة في هذه الصورة.

كصحيحة سليمان بن خالد قال : « قال لي أبو عبد اللّه عليه‌السلام : ربما قمت وقد طلع الفجر فأُصلي صلاة الليل والوتر والركعتين قبل الفجر ثم أُصلي الفجر ، قال : قلت أفعل أنا ذا؟ قال : نعم ، ولا يكون منك عادة » (5).

وصحيحة عمر بن يزيد قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : أقوم وقد طلع الفجر ، فإن أنا بدأت بالفجر صليتها في أول وقتها وإن بدأت بصلاة الليل والوتر صليت الفجر في وقت هؤلاء ، فقال : ابدأ بصلاة الليل والوتر ولا تجعل ذلك عادة » (6)، ونحوها غيرها.


1) هذه الرواية ظاهرة في حكم القضاء ولا سيما مع تذييلها بقوله عليه‌السلام « وبعد العصر إلى الليل ». ولا دلالة لها على البدأة بها قبل الفريضة التي هي محل الكلام.

2) الوسائل 4 : 273 / أبواب المواقيت ب 56 ح 1.

3) الوسائل 4 : 259 / أبواب المواقيت ب 46 ح 6 ، 7.

4) الوسائل 4 : 259 / أبواب المواقيت ب 46 ح 6 ، 7.

5) الوسائل 4 : 261 / أبواب المواقيت ب 48 ح 3.

6) الوسائل 4 : 262 / أبواب المواقيت ب 48 ح 5.

فيمكن الجمع بين الطائفتين الأولتين بحمل المجوّزة على صورة الانتباه بعد طلوع الفجر ، والمانعة على من انتبه قبله ، وتجعل الطائفة الثالثة شاهدة لهذا الجمع.

وإن شئت قلت : إن الطائفة الثالثة تخصص الثانية المانعة ويكون مفادها بعد التخصيص عدم جواز البدأة بالنافلة فيما لو انتبه قبل الفجر ، وحينئذ تنقلب النسبة بينها وبين الطائفة الأُولى المجوّزة من التباين إلى العموم والخصوص المطلق ، فتخصصها وتحمل الاولى على من انتبه بعد طلوع الفجر ، ويكون المقام من صغريات انقلاب النسبة من التباين إلى العموم المطلق ، وبذلك يجمع بين الأخبار ويلتزم بتقديم النافلة في خصوص من انتبه بعد طلوع الفجر. وهذا التقرير يجري بعينه في صلاة الوتر ، فإنها أيضاً مورد لطوائف ثلاث من الأخبار ، لاحظ صحيحة إسماعيل بن سعد (1)، وصحيحة إسماعيل بن جابر (2)، وصحيحة سليمان بن خالد المتقدمة فيجري فيها ما مرّ حرفاً بحرف ، هذا.

وقد يقال : إنّ الطائفة الثالثة الشاهدة للجمع بنفسها مبتلاة بالمعارض في موردها وهو روايتان :

إحداهما : ما رواه الشيخ بإسناده عن المفضل بن عمر قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : أقوم وأنا أشك إلى أن قال وإذا أنت قمت وقد طلع الفجر فابدأ بالفريضة ولا تصل غيرها ... » إلخ (3)حيث تضمنت النهي عن النافلة في من انتبه من النوم بعد طلوع الفجر.

وفيه أوّلاً : أنها ضعيفة السند ، لا لأجل علي بن الحكم الواقع فيه بدعوى تردده بين الموثق وغيره ، لما ذكرناه في محله (4)من اتحاد المسمّين بهذا الاسم من


1) الوسائل 4 : 261 / أبواب المواقيت ب 48 ح 2.

2) الوسائل 4 : 259 / أبواب المواقيت ب 46 ح 6.

3) الوسائل 4 : 262 / أبواب المواقيت ب 48 ح 4.

4) معجم رجال الحديث 12 : 425.

المعروفين وأنه شخص واحد موثّق.

بل لأجل المفضل بن عمر ، فإنه وإن وثقه الشيخ المفيد (1)وعدّه من شيوخ أصحاب الصادق عليه‌السلام وخاصته وبطانته وثقاته ، ولكنه معارض بتضعيف النجاشي (2)وابن الغضائري (3)فلا وثوق بوثاقته (4)بل يمكن ترجيح تضعيف النجاشي لكونه أضبط من المفيد حيث يوجد في بعض كلماته نوع تضاد لا يشاهد مثله في كلام النجاشي ، فقد وثق محمد بن سنان في مورد قائلاً إنه من خاصة الامام عليه‌السلام وثقاته وأهل الورع والعلم والفقه ، ثم عارضه في مورد آخر بقوله : مطعون فيه ، لا تختلف العصابة في تهمته وضعفه.

وكيف ما كان ، فالرواية لأجل ضعف سندها غير صالحة للاستدلال بها لتنهض للمعارضة.

وثانياً : بإمكان النقاش في دلالتها أيضاً ، نظراً إلى عدم كونها صريحة في القيام من النوم ، ومن الجائز إرادة القيام من الجلوس ، إذ القيام أعم ، ولا تدل الرواية على إرادته إلا بالإطلاق ، فتندرج في الطائفة الدالة على المنع بقول مطلق ، وتقيّد بما دلّ على الجواز في من انتبه وقام من النوم.

لكن الإنصاف أن المناقشة ضعيفة ، وهذا التعبير على حدّ التعبير في سائر الروايات الواردة في جواز الإتيان بصلاة الليل إذا قام بعد طلوع الفجر التي لا ينبغي الشك في ظهورها في إرادة القيام من النوم كما في قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ) (5)المفسّر بذلك ، والعمدة ما عرفت من ضعف السند.

ثانيتهما : صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : « سمعت أبا عبد اللّه ( عليه‌السلام )


1) الإرشاد 2 : 216.

2) رجال النجاشي : 416 / 1112.

3) مجمع الرجال 6 : 131.

4) ولكنه قدس‌سره اختار في المعجم 19 : 330 / 12615 أنه جليل ثقة.

5) المائدة 5 : 6.

[1200] مسألة 10 : إذا دار الأمر بين تقديم صلاة الليل على وقتها أو قضائها فالأرجح القضاء (1).


يقول : إذا قمت وقد طلع الفجر فابدأ بالوتر ثم صل الركعتين ثم صلّ الرّكعات إذا أصبحت » (1).

حيث دلت على الإتيان بالركعتين ، أعني فريضة الفجر قبل ركعات صلاة الليل ، ومن الواضح أنّ المراد من الإصباح هو تنوّر السماء واستضاءتها ، أي الإصباح العرفي ، لا طلوع الفجر ، كيف وقد فرض تحققه وأنه قام وقد طلع الفجر.

وفيه : أنّ مقتضى الجمع بين هذه الصحيحة وبين ما جعلناه شاهداً للجمع هو الالتزام بالتخيير والمصير إلى أنّ المكلف متى قام بعد طلوع الفجر يتخير بين الإتيان بصلاة الليل بتمام ركعاتها قبل الفريضة ما لم يتضيق وقتها وبين الاكتفاء بتقديم الوتر ثم يصلي فريضة الفجر ، ثم يأتي بركعات الليل بعدها ، فيرفع اليد عن ظهور كل منهما بصريح الآخر من دون أيّ تعارض في البين.

وملخص الكلام في المقام : أنّ مقتضى الصناعة حمل النصوص المانعة على من قام قبل طلوع الفجر ، والمجوّزة على من انتبه بعده بشهادة الطائفة الثالثة السليمة عن المعارضة ، ولم أرَ من تعرّض للجمع بهذه الكيفية. أجل قد يبدو ذلك من صاحب الوسائل حيث عنون الباب الثامن والأربعين بقوله : باب استحباب صلاة الليل والوتر مخففة قبل صلاة الصبح لمن انتبه بعد الفجر ما لم يتضيق الوقت ، وكراهة اعتياد ذلك (2)، ولعله التفت إلى المعارضة بين الأخبار وجعل ذلك وجهاً للجمع بينها حسبما ذكرناه.

(1) قد اتضح مما مرّ أنّ هذا على إطلاقه لا يستقيم ، بل ينبغي التفصيل بين ما كان التقديم فيه من باب التعجيل وبين ما كان من باب التوسعة في الوقت ،


1) الوسائل 4 : 259 / أبواب المواقيت ب 46 ح 9.

2) الوسائل 4 : 261.

[1201] مسألة 11 : إذا قدّمها ثم انتبه في وقتها ليس عليه الإعادة (1).

[1202] مسألة 12 : إذا طلع الفجر وقد صلى من صلاة الليل أربع ركعات أو أزيد أتمها (2)


حيث قد عرفت اختلاف الموارد في ذلك ، وما في المتن إنما يتجه في القسم الأوّل دون الثاني ، لوضوح رجوعه حينئذ إلى أفضلية القضاء من الأداء ، ولا محصّل له.

(1) لظهور الأخبار في حصول الامتثال المستلزم لسقوط الأمر ، سواء أكان من باب التوسعة في الوقت أم الاستعجال الراجع إلى التوسعة أيضاً ، غايته في مرحلة الامتثال بالترخيص في التقديم على الوقت المقرر له ، ومن المعلوم أنه لا معنى للامتثال عقيب الامتثال.

(2) هذا وإن كان مشهوراً ، بل ادعي عليه الإجماع في غير واحد من الكلمات ، لكن شيئاً منهما لا حجية له ، بل حتى لو كان الإجماع محصلاً فضلاً عن المنقول ، للاطمئنان ولا أقل من احتمال استناد المجمعين كلا أو بعضاً إلى روايات المقام على ما هي عليه من الضعف ، لاستقرار بناء الأصحاب غالباً على التسامح في أدلة السنن.

وكيف ما كان ، فالمستند في المقام روايتان :

إحداهما : ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي جعفر الأحول محمد بن النعمان قال : « قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام : إذا كنت أنت صليت أربع ركعات من صلاة الليل قبل طلوع الفجر فأتم الصلاة طلع أو لم يطلع » (1).

ثانيتهما : الفقه الرضوي فقد ورد فيه : « وإن كنت صليت من صلاة الليل أربع ركعات قبل طلوع الفجر فأتم الصلاة طلع الفجر أو لم يطلع » (2).


1) الوسائل 4 : 260 / أبواب المواقيت ب 47 ح 1 ، التهذيب 2 : 125 / 475.

2) المستدرك 3 : 154 / أبواب المواقيت ب 38 ح 1 ، فقه الرضا : 139.

مخففة (1)


لكن ضعف الثانية ظاهر ، بل لم يثبت كونها رواية فضلاً عن اعتبارها ، وكذلك الاولى لجهالة النحوي الراوي عن الأحول.

على أنها معارضة بما هي مثلها في الضعف ، وهي رواية يعقوب البزاز قال : « قلت له : أقوم قبل طلوع الفجر بقليل فأُصلي أربع ركعات ثم أتخوف أن ينفجر الفجر أبدأ بالوتر أو أتم الركعات؟ قال : لا ، بل أوتر وأخّر الركعات حتى تقضيها في صدر النهار » (1). فإنها ضعيفة بالبزاز وبمحمد بن سنان.

إذن فلا مستند في المسألة عدا قاعدة التسامح على القول بها ، وحيث إنها لا تتم عندنا فلا يسعنا الحكم باستحباب الإتمام في المقام إلا من باب الانقياد ، بل لا سبيل إلى ذلك أيضاً بعد ورود النصوص الناهية عن التطوع في وقت الفريضة إما تحريماً أو لا أقل تنزيهاً ، إذ لم يثبت الاستحباب بدليل شرعي ليلتزم بالتخصيص في تلك النصوص ، وقاعدة التسامح لا أثر لها في رفع المرجوحية كما لا يخفى.

والمتحصل : عدم الدليل على التفصيل بين المتلبس بالأربع ركعات وبين غير المتلبس ، وأنه محكوم بالبدأة بالفريضة على التقديرين بعد كونه قائماً قبل طلوع الفجر كما هو المفروض ، وإنما تقدم النافلة فيما لو انتبه بعد طلوع الفجر حسب التفصيل الذي عرفته فيما سبق.

(1) هذا لا دليل عليه لخلوّ النص عن التقييد بذلك ، وظاهر الأمر هو الإتمام على النهج المتعارف ، إلا أن يستأنس لذلك بمناسبة الحكم والموضوع ، حيث إنّ التطوع في وقت الفريضة مرجوح على الأقل ، فإذا ساغت النافلة تخصيصاً في تلك الأدلة فالمناسب رعاية التخفيف ، حذراً عن المزاحمة أكثر من المقدار اللازم.


1) الوسائل 4 : 260 / أبواب المواقيت ب 47 ح 2.

وإن لم يتلبس بها قدّم ركعتي الفجر ثم فريضته (1) وقضاها.

ولو اشتغل بها أتم ما في يده (2) ثم أتى بركعتي الفجر وفريضته وقضى البقية بعد ذلك.

[1203] مسألة 13 : قد مرّ أن الأفضل في كل صلاة تعجيلها (3) فنقول يستثني من ذلك موارد (4).


(1) على ما سبق.

(2) لا لحديث من أدرك ليفصّل حينئذ بين ما إذا طلع الفجر قبل إتمام الركعة أو بعده ، ويخصص الاستحباب بالفرض الثاني ، وذلك لاختصاص مستند الحديث من الروايات المعتبرة بصلاة الغداة ، وقد ألحقنا بها سائر الفرائض اليومية لمكان القطع بعدم الفرق ، وأما التعدي إلى غيرها فضلاً عن النوافل فيحتاج إلى دليل وهو مفقود.

بل لأجل انصراف دليل المنع عن التنفل بعد الفجر إلى الشروع والإقدام ، ولا يعمّ صورة الإتمام كما في المقام. ففي صحيحة إسماعيل بن جابر المتقدمة قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : أوتر بعد ما يطلع الفجر؟ قال : لا » (1)فإنها كالصريح في البدأة كما لا يخفى ، فاذا كان هذا شأن الوتر وهي أهم إجزاء صلاة الليل ففي غيرها بطريق أولى ، وبعد أن لم يكن الإتمام مشمولاً لدليل المنع شملته إطلاقات استحباب صلاة الليل لسلامتها وقتئذ عن المزاحم.

(3) وقد مرّ مستنده في محله (2).

(4) لا يخفى أن الاستثناء في هذه الموارد لم يكن على نسق واحد بل هو على قسمين ، ففي بعضها يكون الاستثناء حقيقياً ومن باب التخصيص في دليل استحباب التعجيل ، فهو بوصفه العنواني مرجوح ومفضول ، وهذا كالمتيمم


1) الوسائل 4 : 259 / أبواب المواقيت ب 46 ح 6.

2) في ص 228.

الأوّل : الظهر والعصر لمن أراد الإتيان بنافلتهما (1) وكذا الفجر إذا لم يقدّم نافلتها قبل دخول الوقت.


المحتمل لارتفاع العذر قبل انتهاء الوقت ، فإن التأخير له أفضل بناءً على جواز البدار وإلا تعين فلو قدّم فقد أتى بها في غير الوقت الأفضل.

وفي بعضها يكون الاستثناء بمناط المزاحمة مع مستحب آخر أهم ، فلو خالف وقدّم فقد أتى بالفريضة في الوقت الأفضل بالذات غير أنّه فوّت على نفسه ما هو أهم منه ، وهذا كما ترى ليس من الاستثناء الحقيقي في شي‌ء ، وإنما هو لمراعاة درك ما هو أفضل من التعجيل ، وهذا كصلاة الظهرين لمن أراد نافلتهما ، كما يكشف عنه قوله عليه‌السلام في بعض نصوص الباب : « أو تدري لِمَ جعل الذراع والذراعان؟ قلت : لم جعل ذلك؟ قال عليه‌السلام : لمكان النافلة » (1).

(1) تحكيماً للنصوص الناطقة باستحباب النافلة الكاشفة طبعاً عن أهمية فضليتها عن فضيلة أول الوقت ، إلا إذا لم تكن مشروعة كما في السفر ، أو كان المكلف آتياً بها قبل الزوال كما في يوم الجمعة ، أو لم يكن مريداً للإتيان بها.

ومنه تعرف أن التأخير إنما هو لمكان المزاحمة ، فحيث إن التقديم يستوجب تفويت النافلة وهي أهم التزم بالاستثناء ، فلو غضّ النظر عنها لشي‌ء مما عرفت كان الإتيان أول الوقت هو الأفضل.

وقد تقدم التصريح في بعض النصوص بأن تحديد الوقت بالذراع والذراعين أو المثل والمثلين إنما هو لمكان النافلة من دون خصوصية في ذلك ، بل في بعضها الأمر بتخفيف النافلة لدرك فضيلة الوقت مهما أمكن.

وعلى الجملة : فالاستثناء مبني على أساس المزاحمة ورعاية الأهم ، ويمكن


1) الوسائل 4 : 141 / أبواب المواقيت ب 8 ح 3.

الثاني : مطلق الحاضرة لمن عليه فائتة وأراد إتيانها (1).


أن يتعدى إلى كل أهم زاحم فضيلة الوقت كقضاء حاجة المؤمن أو إعانته ونحوهما لاتحاد المناط.

(1) هذا مبني على القول بالمواسعة في قضاء الفوائت ، وأما على المضائقة فيتعيّن تقديم الفائتة ، ولا مجال للبحث عن الأفضلية ، وسيوافيك تحقيق ذلك في مبحث القضاء إن شاء اللّه تعالى.

فعلى هذا المبنى وقع الكلام في أن الأفضل هل هو تقديم الفائتة على الحاضرة ما لم يتضيق وقتها أو أن الأمر بالعكس؟

مقتضى جملة من النصوص التي منها صحيحة زرارة هو الأول ، فقد روى عن أبي جعفر عليه‌السلام في حديث « قال : إذا دخل وقت صلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي قد حضرت ، وهذه أحق بوقتها فليصلها ، وإذا قضاها فليصل ما فاته مما قد مضى » (1).

ولكنها قد تعارض بصحيحتين ظاهرتين في الثاني :

إحداهما : صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إن نام رجل ولم يصل صلاة المغرب والعشاء أو نسي فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما ، وإن خشي أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة ، وإن استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصل الفجر ثم المغرب ثم العشاء الآخرة ... » إلخ (2).

ثانيتهما : صحيحة ابن مسكان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إن نام رجل أو نسي أن يصلي المغرب والعشاء الآخرة فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما ، وإن خاف أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة ،


1) الوسائل 4 : 287 / أبواب المواقيت ب 62 ح 1.

2) الوسائل 4 : 288 / أبواب المواقيت ب 62 ح 3.

الثالث : في المتيمم مع احتمال زوال (1)العذر أو رجائه (1).


وإن استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس » (2).

ولكن الظاهر أنه لا معارضة بين الطائفتين.

أما أوّلاً : فلأجل أن الاولى مطلقة والثانية واردة في خصوص فريضة الفجر فالنسبة بينهما نسبة العام والخاص ، وغايته ارتكاب التخصيص والالتزام بتقديم الحاضرة في خصوص صلاة الغداة ولا ضير فيه.

وأما ثانياً : فبإمكان الجمع بحمل الطائفة الأُولى على صورة عدم خوف فوات الحاضرة ، والثانية على صورة الخوف (3)بشهادة صحيحة أُخرى لزرارة مصرحة بهذا التفصيل حيث ورد فيها : « ... وإن كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعاً فابدأ بهما قبل أن تصلّي الغداة ، ابدأ بالمغرب ثم العشاء ، فان خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بهما فابدأ بالمغرب ثم صلّ الغداة ثم صلّ العشاء ، وإن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب فصلّ الغداة ثم صلّ المغرب والعشاء ، ابدأ بأولهما ... » إلخ (4).

إذن فلا تصل النوبة إلى التخصيص فضلاً عن المعارضة ، وتكون النتيجة أن الأفضل البدأة بالفائتة ما لم يتضيق وقت الحاضرة وإلا قدّمت الحاضرة.

(1) بناءً على جواز البدار في المقام فإن الأفضل حينئذ هو التأخير عسى أن يتمكن من الطهارة الاختيارية.


1) (*) مرّ الكلام فيه [ في المسألة 1141 ] وأما غير المتيمم من ذوي الأعذار فالأقوى فيه جواز البدار ، لكنّه إذا ارتفع العذر في الأثناء وجبت الإعادة.

2) الوسائل 4 : 288 / أبواب المواقيت ب 62 ح 4.

3) لا يخفى أن الموضوع في الثانية الاستيقاظ بعد الفجر ، والحمل على خوف فوت الحاضرة في هذه الحالة كما ترى ، وإنما يتجه لو عبّر بالاستيقاظ قبل طلوع الشمس.

4) الوسائل 4 : 290 / أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

وأما في غيره من الأعذار فالأقوى وجوب التأخير وعدم جواز البدار (1).


ولكنا قدّمنا في محله أنّ جواز البدار وإن كان مطابقاً لمقتضى القاعدة في كافة الأعذار ولكنه غير سائغ في خصوص هذا المورد ، أعني العاجز عن الماء المحتمل لزوال العذر للنصوص الخاصة الناطقة بلزوم الانتظار ، وقد تقدمت في مبحث التيمم من كتاب الطهارة (1)وعليه فالتأخير هو المتعيّن لا أنه أفضل.

(1) نظراً إلى أن المسوّغ للانتقال إلى الصلاة الاضطرارية إنما هو العذر المستوعب لتمام الوقت ، إذ المأمور به في الصلاة الاختيارية هو الطبيعي الجامع المحدود فيما بين المبدأ والمنتهى ، فمع القدرة على فرد من الأفراد الطولية والعرضية من ذاك الجامع لا ينتقل إلى البدل ، وإنما ينتقل مع إحراز العجز عن الكل ، إذن فمع الشك ورجاء الزوال لم يحرز العجز عن الطبيعي ، فلا جرم يجب الانتظار لاستعلام الحال وإحراز موضوع الانتقال ، فان زال العذر أتى بالصلاة الاختيارية وإلا فبالعذرية ، وإنما ساغ البدار في المتيمم لما يراه قدس‌سره من دلالة النص عليه.

ولكنه يندفع : بأن هذا التقرير إنما يتجه بلحاظ الحكم الواقعي ، وأما في مرحلة الظاهر فلا مانع من إحراز الاستيعاب باستصحاب استمرار العذر إلى آخر الوقت ، بناءً على ما هو الصواب من جريانه في الأُمور الاستقبالية كالحالية فيسوغ له البدار استناداً إلى هذا الأصل ، غاية الأمر أنه لما كان حكماً ظاهرياً والأحكام الظاهرية بأسرها يكون الإجزاء فيها منوطاً بعدم انكشاف الخلاف ، فان استبان له ارتفاع العذر أعاد ، وإلا كان ما أتى به مجزئاً وذاك أمر آخر.

ومنه تعرف أنّ مقتضى القاعدة جواز البدار في كافة الأعذار ما عدا التيمم على العكس مما أفاده قدس‌سره فان النص قد دل فيه على عدمه لا على جوازه كما زعمه ، وتمام الكلام في محله.


1) شرح العروة : 10 : 324.

الرابع : لمدافعة الأخبثين ونحوهما فيؤخر لدفعهما (1).


(1) هذا من الاستثناء الحقيقي ، فلو صلى مع المدافعة أتى بها في الوقت غير الأفضل ، ويستدل له بروايتين :

إحداهما : صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : لا صلاة لحاقن ولا لحاقنة ، وهو بمنزلة من هو في ثوبه » (1).

فان الحاقن هو حابس البول في مقابل الحاقب الذي هو حابس الغائط ، وطاهرها بمقتضى « لا » النافية للجنس نفي الحقيقة المساوق لنفي الصحة لولا القطع بها من الأدلة الأُخر ، فلا جرم تحمل على نفي الكمال ، فتدل على أنّ الأفضل هو التأخير.

نعم ، يختص موردها بالحاقن لورودها في المصادر من التهذيب (2)والوسائل والمحاسن (3)كذلك ، وإن لم تتكرر أداة النفي في الأخير ، فيحتاج التعدي إلى الحاقب إلى دعوى عدم الفصل والقطع باتحاد الملاك كما لا يبعد.

بيد أن المحدث الكاشاني احتمل التصحيف بتبديل الحاقب بالحاقنة وأنها كانت هكذا : « لا صلاة لحاقن ولا لحاقب » (4)ولكنه كما ترى مجرد احتمال لا يركن إليه بعد نقل الرواية في جميع المصادر بالصورة التي عرفتها ، وقد اعترف بذلك صاحب الحدائق أيضاً (5)وإن نقلها في موضع آخر بالصورة الأُخرى (6).

نعم ، ورد الحاقب في روايات أُخر إما بهذه اللفظة أو ما يؤديها ، ولكنها


1) الوسائل 7 : 251 / أبواب قواطع الصلاة ب 8 ح 2.

2) التهذيب 2 : 333 / 1372.

3) المحاسن 1 : 163 / 236.

4) الوافي 8 : 864 / 7261.

5) الحدائق 9 : 61.

6) الحدائق 6 : 328.

بأجمعها ضعاف السند (1)لا يعوّل على شي‌ء منها. فلا مناص في التعدي إلى ما عرفت من دعوى القطع بعدم الفرق.

ثم إن مرجع الضمير المنفصل في قوله : « من هو في ثوبه » هو النجس المستفاد من كلمة الحاقن ، أعني البول إيعازاً إلى شدة الكراهة وكأنّه يصلي في النجس ، ولكن المحكي عن [ بعض نسخ ] المحاسن هكذا : « وهو بمنزلة من هو في نومه » (2)والمرجع حينئذ هو المصلي ، ولعل هذه النسخة أنسب بالمعنى وأوفق بالاعتبار ، حيث إنّ المتشاغل بمدافعة الأخبثين فاقد للتوجه وفارغ عن الإقبال فلا يدري ما يقول ، فهو بمثابة النائم المسلوب عنه الشعور. وكيف ما كان فلا دخل لهذه الفقرة بمحل الاستشهاد.

ثانيتهما : ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي بكر الحضرمي عن أبيه عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إن رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله قال : لا تصلّ وأنت تجد شيئاً من الأخبثين » (3).

والدلالة ظاهرة غير أن السند ضعيف من جهة تردد والد أبي بكر بين الثقة والمهمل ، فان أبا بكر الحضرمي إن كان هو محمد بن شريح فأبوه مهمل ، وإن كان هو عبد اللّه بن محمد فهو أي محمد ثقة إن أُريد به محمد بن شريح أبو عبد اللّه ، وإن أُريد به غيره فهو أيضاً مهمل ، وأما غيره ممن وقع في السند فلا بأس بهم ، فان علي بن الحكم موثق ، وكذلك الحضرمي نفسه لوقوعه في أسناد كامل الزيارات (4).


1) لا يخفى أنّ موثقة إسحاق بن عمار [ المروية في الوسائل 7 : 252 / أبواب قواطع الصلاة ب 8 ح 5 ] مشتملة على الحاقب ولا غمز في سندها بوجه.

2) المحاسن 1 : 163 / 236.

3) الوسائل 7 : 252 / أبواب قواطع الصلاة ب 8 ح 3. التهذيب 2 : 326 / 1333.

4) حسب الرأي السابق المعدول عنه ، والعمدة أنه ممدوح بعنوانه مضافاً إلى وقوعه في تفسير القمي كما أُشير إليه في المعجم 22 : 72 / 14008.

الخامس : إذا لم يكن له إقبال فيؤخّر إلى حصوله (1).

السادس : لانتظار الجماعة (1)إذا لم يفض إلى الإفراط في التأخير (2).


(1) لصحيحة عمر بن يزيد قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام أكون في جانب المصر فتحضر المغرب وأنا أُريد المنزل فإن أخّرت الصلاة حتى أُصلي في المنزل كان أمكن لي وأدركني المساء أفأُصلي في بعض المساجد؟ ففال : صلّ في منزلك » (2)دلت على أنّ تأخير الصلاة مع التمكين والإقبال أفضل من تقديمها مع تشويش البال.

(2) تقدم شطر من الكلام حول هذا الاستثناء الذي هو من باب المزاحمة لا التخصيص الحقيقي في المسألة التاسعة من الفصل السابق (3)ونعيده هنا إجمالاً تبعاً للماتن مع الإيعاز إلى ما لم تسبق الإشارة إليه فنقول :

المستند في المسألة ما رواه جميل بن صالح « أنه سأل أبا عبد اللّه عليه‌السلام أيهما أفضل يصلي الرجل لنفسه في أول الوقت أو يؤخرها قليلاً ويصلي بأهل مسجده إذا كان إمامهم؟ قال : يؤخر ويصلّي بأهل مسجده إذا كان الإمام » (4).

وقد ذكر صاحب الوسائل هذه الرواية في بابين (5)بعد أن كرّر عنوان الباب ساهياً.

وكيف ما كان ، فالظاهر أنها غير صالحة للاستدلال ، إذ مضافاً إلى ضعف سندها من أجل جهالة طريق الصدوق إلى جميل بن صالح وإن كان هو في نفسه ثقة لوقوعه في أسناد كامل الزيارات (6)فلا يمكن الاستدلال بها حتى في


1) (*) هذا إذا لم يؤدّ التأخير إلى فوات وقت الفضيلة ، وكذا التأخير لأجل تحصيل كمالٍ آخر.

2) الوسائل 4 : 197 / أبواب المواقيت ب 19 ح 14.

3) في ص 228.

4) الوسائل 8 : 308 / أبواب صلاة الجماعة ب 9 ح 1.

5) الوسائل 8 : 308 / أبواب صلاة الجماعة ب 9 و 429 / أبواب صلاة الجماعة ب 74.

6) حسب الرأي السابق المعدول عنه ، والعمدة أنه موثق بتوثيق النجاشي [ رجال النجاشي : 127 / 329 ] كما في المعجم 5 : 132 / 2374. ومعه لا حاجة إلى التشبث بالكامل.

موردها ، أنها أخص من المدعى حيث تضمنت قيدين :

أحدهما : أن تكون الصلاة في المسجد.

ثانيهما : اختصاص الحكم بالإمام ، فلا دلالة لها على ثبوته للمأموم ولا في غير المسجد. إذن فلا بد من التكلم على مقتضى القواعد بعد كون المقام من صغريات المزاحمة بين فضيلة أول الوقت وبين فضيلة الجماعة.

ولا ينبغي التأمل في أنّ مقتضاها التفصيل بين التأخير عن أول وقت الفضيلة إلى وسطه أو منتهاه ، وبين التأخير إلى وقت الإجزاء ، فيكون الأفضل هو التأخير في الصورة الأُولى ، لما فيه من الجمع بين الفضيلتين ، فان البدار إلى أول وقتها وإن كان أفضل بل يستحب الإتيان بها فوراً ففوراً ، إلا أن ذلك لا يقاوم فضيلة الجماعة كما لا يخفى. وتدل عليه السيرة القطعية المتصلة بزمن المعصومين عليهم‌السلام حيث إنها استقرت على انتظار حضور الامام واجتماع المأمومين ، ولعل هذا هو مراد الماتن حيث قيّده بما إذا لم يفض إلى الإفراط في التأخير.

وأما في الصورة الثانية ، فالأفضل التعجيل والإتيان بها فرادى ، وعدم انتظار الجماعة ، لما في التأخير إلى وقت الاجزاء من التخفيف والاستهانة بأمر الصلاة بمثابةٍ أُطلق عليه التضييع في لسان الأخبار ، ففي موثقة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : العصر على ذراعين ، فمن تركها حتى تصير على ستة أقدام فذلك المضيّع » (1)ونحوها غيرها.

ومن البيّن أنّ فضيلة الجماعة مهما بلغت لا تكاد تكون جابرة للتضييع الذي هو بمثابة الترك ، وهل يمكن القول بأنّ تضييع الصلاة أفضل لمكان درك الجماعة.

وبعبارة اخرى : يدور الأمر بين إدراك فضيلة الجماعة مع فوات فضيلة الوقت بحيث يعدّ مضيّعاً للصلاة ، وبين درك ما لا تضييع معه وإن فاتته فضيلة


1) الوسائل 4 : 152 / أبواب المواقيت ب 9 ح 2.

وكذا لتحصيل كمال آخر كحضور المسجد (1).


الجماعة ، ولا شبهة في تقديم الثاني ، ضرورة أنّ ثواب الجماعة وإن بلغ من الكثرة ما بلغ لا يكاد يقاوم فضيلة الوقت ، تلك الفضيلة التي يكون فواتها مساوقاً للتضييع وفي حكم العدم وإن سقط معه التكليف في مقام الامتثال ، فلا جرم تتقدم فضيلة الوقت على فضيلة الجماعة في هذه الصورة فلاحظ.

(1) ويستدل له بما رواه الشيخ في المجالس بإسناده عن زريق كما في الوسائل والفهرست (1)أو رزيق كما عن النجاشي والشيخ في رجالهما (2)قال : « سمعت أبا عبد اللّه يقول : من صلى في بيته جماعة رغبة عن المسجد فلا صلاة له ولا لمن صلى معه إلا من علّة تمنع من المسجد » (3)حيث دلت على أن الصلاة في المسجد منفرداً أفضل منها في غيره جماعة ، وبعد ضمها إلى ما سبق من أفضلية انتظار الجماعة عن المبادرة إلى وقت الفضيلة ، يستفاد منها أفضلية الصلاة في المسجد من درك أول الوقت لدى الدوران بينهما بطريق أولى كما لا يخفى.

وفيه أوّلاً : أنّ السند ضعيف لعدم ثبوت وثاقة الراوي على كل من التقديرين المزبورين ، وأما اشتمال طريق صاحب الوسائل إلى كتاب المجالس على محمد بن خالد الطيالسي وخلوّه عن التوثيق الصريح فلا ضير فيه بعد وقوعه في أسناد كامل الزيارات (4).

وثانياً : أنّ الدلالة قاصرة ، فإنها ناظرة إلى مَن صلى في بيته إعراضاً ورغبة


1) الفهرست : 74.

2) رجال النجاشي : 168 ، رجال الطوسي : 205.

3) الوسائل 5 : 196 / أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 10 ، أمالي الطوسي : 696 / 1486.

4) حسب الرأي السابق المعدول عنه.

أو كثرة المقتدين (1) أو نحو ذلك.

السابع : تأخير الفجر عند مزاحمة صلاة الليل إذا صلّى منها أربع ركعات (2).


عن المسجد ، كما يحكى ذلك عن بعض فرق المتصوفة معللين بأنه محل استشهاد أمير المؤمنين ، وأنّ فرط علاقتهم به عليه‌السلام تمنعهم عن مشاهدة محل شهادته ، فلا تشمل من صلى في بيته لا لمكان الاعراض ، بل لغاية صحيحة وعذر مقبول. وعلى أيّ حال فالرواية غير صالحة للاستدلال.

فالأحرى أن يقال على حذو ما تقدم (1)في انتظار الجماعة : من أن المقام من باب المزاحمة فيجري التفصيل المتقدم بين وقتي الفضيلة والإجزاء ، وأن التأخير لدرك فضيلة المسجد إن كان مع المحافظة على وقت الفضيلة فتؤخر عن أولها إلى آخرها مثلاً ، فهو الأفضل لما فيه من الجمع بين الفضيلتين.

وأما إن كان بدونها فاستلزم التأخير عن وقت الفضيلة إلى وقت الاجزاء فحيث إنه مستلزم للتضييع فالأفضل حينئذ هو التعجيل ، لعدم انجبار فضيلة الوقت بفضيلة المسجد ، بل لا فضيلة مع التضييع حسبما عرفت.

(1) هذا وجيه لو أثّرت الكثرة في تضاعف الثواب ، وهو وإن ساعده الذوق إلا أن الأخبار خالية عن التعرض لذلك فيما لو زاد العدد على العشر بحيث يكون ثواب العشرين مثلاً أكثر من العشر.

نعم لو ثبت ذلك جرى فيه التفصيل المتقدم بمناط واحد ، وإلا فلا يستحب التأخير حتى مع المحافظة على وقت الفضيلة.

(2) بناءً على استحباب إتمام صلاة الليل حينئذ ، فيلتزم بالتخصيص في دليل استحباب المبادرة إلى الفريضة أوّل وقتها كدليل المنع عن التطوع في وقت


1) في ص 228.

الثامن : المسافر المستعجل (1).

التاسع : المربيّة للصبي تؤخّر الظهرين لتجمعهما مع العشاءين بغسل واحد لثوبها (2).


الفريضة ، ولكنك عرفت فيما سبق (1)عدم ثبوته لضعف مستنده ، وإنما الثابت استحباب تأخير صلاة الفجر عن صلاة الليل فيما إذا قعد عن النوم بعد طلوع الفجر فينبغي تبديل ما في المتن بهذا النحو.

(1) ويستدل له بالروايات الكثيرة الناطقة بأنّ للمسافر أن يؤخّر المغرب إلى ربع الليل أو ثلثه ، أو خمسة أميال أو ستة بعد غروب الشمس حسب اختلاف لسان الروايات (2)، ولأجل ذلك يلتزم بالتخصيص فيما دل على أفضلية الإتيان بالصلاة في أوّل الوقت.

ولكنك خبير بأنّ مورد هذه الروايات برمّتها هو صلاة المغرب ولا دليل على التعدي إلى غيرها ، فهي أخص من المدعى ، هذا أوّلاً.

وثانياً : أنّ موردها مطلق المسافر من غير اختصاص بالمستعجل ، فالتقييد به لا وجه له.

وثالثاً : أنّ مفادها إنما هو التوسعة في وقت الفضيلة للمسافر في مقابل الحاضر لا التأخير عن وقتها ليستوجب التخصيص والاستثناء كما هو المدعى.

وإن شئت قلت : إن مرجعها إلى التخصيص فيما دل على التضييق في وقت فضيلة المغرب وأنه لا ضيق في حق المسافر ، لا إلى التخصيص فيما دل على أفضلية المبادرة إلى وقت الفضيلة الذي هو محل الكلام. فهذا الاستثناء لا موقع له.

(2) تقدّم البحث حول هذا الموضوع عند التكلم في أحكام النجاسات من


1) في ص 294.

2) الوسائل 4 : 193 / أبواب المواقيت ب 19.

كتاب الطهارة (1)وذكرنا أنّ المشهور استثنوا ثوب المربية مما دل على اعتبار الطهارة في لباس المصلي استناداً إلى رواية أبي حفص عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سئل عن امرأة ليس لها إلا قميص واحد ، ولها مولود فيبول عليها كيف تصنع؟ قال : تغسل القميص في اليوم مرّة » (2)حيث دلت على كفاية الغسل في كل يوم مرّة واحدة ، فيكتفى بإيقاع صلاة واحدة من الصلوات الخمس مع الطهارة ، ولا تقدح النجاسة فيما عدا ذلك ، وإن كان الأفضل لها أن تغسله بعد الزوال فتصلي به الظهرين ، وأفضل من ذلك أن تغسله في آخر النهار لتجمع بين الظهرين والعشاءين.

لكنك عرفت في محله أن الرواية ضعيفة السند من أجل محمد بن يحيى المعاذي ، حيث إنّ ابن الوليد استثناه من رجال النوادر وتبعه الصدوق وابن نوح ، ويظهر من الشيخ والنجاشي تقريره. أضف إلى ذلك : أن محمد بن خالد الواقع في السند مردد بين الثقة والضعيف ، وكذلك أبو حفص فلا ينبغي الشك في ضعف السند ، إلا أن يدعى انجبار الضعف بعمل المشهور ولا نقول به. إذن فلا يمكن التعويل عليها في الخروج عما دل على اشتراط الطهارة في لباس المصلي ، ومعه لا مناص من العمل على ما تقتضيه القواعد.

ولا ريب أنّ مقتضى قاعدة نفي الحرج الاقتصار على غسل قميصها في اليوم مرّة واحدة فيما إذا كان الزائد حرجاً عليها ، ولكن يجب عليها حينئذ الجمع بين الصلاتين ، إذ لا موجب لرفع اليد عن دليل شرطية الطهارة مع التمكن من مراعاتها في هذه الصورة من دون حرج والضرورات تقدّر بقدرها ، والأفضل لها حينئذ تأخير الظهر إلى منتهى وقت الفضيلة وتقديم العصر لتجمع بين وقت الفضيلتين.

ومنه تعرف أنها لو تمكّنت من مراعاة الطهارة في الصلوات الأربع بتأخير


1) شرح العروة 3 : 443.

2) الوسائل 3 : 399 / أبواب النجاسات ب 4 ح 1.

العاشر : المستحاضة الكبرى تؤخّر الظهر والمغرب إلى آخر وقت فضيلتهما لتجمع بين الاولى والعصر ، وبين الثانية والعشاء بغسل واحد (1).


الظهرين للجمع بينهما وبين العشاءين تعيّن ذلك بعين الملاك المزبور. فالتأخير إذن هو المتعيّن لا أنه أفضل.

نعم ، لو كان الغسل حتى مرّة واحدة حرجاً عليها سقط وجوبه وكان الأفضل الإتيان بكل من الصلوات في أوقات فضيلتها ، كما أنها لو تحمّلت العسر وغسلت ثوبها مرّة للظهرين ومرّة اخرى للعشاءين أتت بجميعها في وقت فضيلتها أيضاً.

ثم إنا لو بنينا على صحة الرواية ولو لأجل اختيار مسلك الانجبار ، لم يكن حينئذ وجه لاستثناء المربية عن أفضلية التعجيل ، إذ مقتضى إطلاقها أنّ المربية بغسل قميصها مرّة واحدة تستطيع من الإتيان بالصلوات الخمس في أوقات فضيلتها على حذو ما يأتي به غيرها من سائر المكلفين ، فلا يكون الجمع لها بين الظهرين أفضل فضلاً عن الجمع بينهما وبين العشاءين ، وإن كان هذا هو الأولى ولو لأجل فتوى المشهور بذلك.

(1) لا يخفى أنّ هذا لم يكن من الاستثناء المبحوث عنه في المقام ، فإن المستحاضة الكبرى لو شاءت الإتيان بكل فريضة

في وقت فضيلتها ساغ لها ذلك ، غاية الأمر أنّ عليها حينئذ تكرار الغسل لكل صلاة فتقع في ضيق وكلفة ، لا أنها لو تحمّلته وقعت صلاتها في غير الوقت الأفضل كما هو قضية الاستثناء ، والنصوص الواردة في المقام لم تكن بهذا الصدد ، وإنما هي بصدد التخفيف وبيان طريقة سهلة تتمكن معها من رعاية وقت الفضيلة في كل من الظهرين والعشاءين بالاكتفاء بغسلين فقط ، فإن عمدة ما يستدل به على أفضلية التأخير روايتان :

الأُولى : صحيحة معاوية بن عمار « ... اغتسلت للظهر والعصر تؤخر هذه

وتعجّل هذه ، وللمغرب والعشاء غسلاً تؤخر هذه وتعجّل هذه ... » إلخ (1).

فإنها معتبرة وإن اشتمل السند على محمد بن إسماعيل فإنه ثقة على الأظهر ، وقد تضمنت الأمر بالتأخير ، لكنك عرفت عدم ظهوره في الأفضلية ، وجواز كونها مسوقة للإرشاد إلى الطريق الأسهل ، وهذا واضح بالإضافة إلى العشاءين فإنها تؤخر المغرب إلى قرب سقوط الشفق الذي هو منتهى وقت فضيلتها ثم تصلي العشاء بعد ذلك ، فتكون قد جمعت بذلك بين فضيلتي العشاءين بغسل واحد.

وأما بالنسبة إلى الظهرين ففيها احتمالان :

أحدهما : أن يراد من تأخير الظهر الإتيان بها بعد نافلتها ، ومن تعجيل العصر الإتيان بها بغير الفصل بالنافلة وإلا لوجب عليها غسل آخر فتغتسل ثم تتنفل للظهر وتجمع بين الصلاتين.

وربما يعضده ما تقدّم في محلّه (2)من أن العبرة في دخول وقت الفضيلة بالإتيان بالنافلة ولا عبرة بالذراع ولا بالمثل ، وأنه ليس في البين إلا سبحتك كما جاء في النص (3).

ثانيهما : أن يكون الواو في قوله : « وتعجّل هذه » بمعنى أو ، والمراد أنها إما أن تؤخر الظهر إلى آخر وقت الفضيلة ، أو تقدم العصر على وقت فضيلتها لكي تجمع بينهما.

وعلى التقديرين فلا دلالة لها على أن هذا النحو من الجمع والتأخير أفضل من التفريق والإتيان بكل فريضة في أول وقت فضيلتها ليتجه الاستثناء.

الثانية : صحيحة إسماعيل بن عبد الخالق قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن المستحاضة كيف تصنع؟ قال : إذا مضى وقت طهرها الذي كانت


1) الوسائل 2 : 371 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 1.

2) ص 155 ، 228.

3) الوسائل 4 : 131 / أبواب المواقيت ب 5.

الحادي عشر : العشاء تؤخّر إلى وقت فضيلتها وهو بعد ذهاب الشفق (1) بل الأولى تأخير العصر إلى المِثل (1)وإن كان ابتداء وقت فضيلتها من الزوال.


تطهر فيه فلتؤخر الظهر إلى آخر وقتها ثم تغتسل ثم تصلي الظهر والعصر .. » إلخ (2)ولا يقدح (3)اشتمال السند على محمد بن خالد الطيالسي العاري عن التوثيق الصريح بعد وقوعه في أسناد كامل الزيارات ، والتقريب كما سبق فلاحظ ولا نعيد.

والمتحصّل : أنه لم ينهض دليل على أفضلية التأخير للمستحاضة عن أول وقت الفضيلة بالإضافة إلى الظهر أو المغرب ، بل التقديم هو الأفضل فيما لو تحمّلت المشقة وأتت بالأغسال الأربعة للصلوات الأربع ، فإن النصوص الواردة غير ناهضة لتخصيص ما دل على أفضلية الإتيان بالصلوات في أول وقت فضيلتها ، بحيث لو صنعت كذلك لأتت بها في غير الوقت الأفضل ، وإنما هي بصدد التسهيل وبيان الطريق الأخف حسبما سمعت.

(1) لجملة من النصوص المعتبرة الناطقة بذلك ، وقد تقدمت عند التكلم حول وقت العشاء ، وبها يثبت التخصيص فيما دل على أفضلية الإتيان بالفريضة في أول وقتها.

(2) تقدّم في محله أن نصوص المثل والمثلين والذراع والذراعين محمولة على اختلاف مراتب وقت الفضيلة بعد أن كان مبدؤه هو الزوال ، وعرفت أيضاً أنه لا خصوصية لهذه التحديدات ، وإنما العبرة بالفراغ من النافلة ، وأنه لا شي‌ء إلا سبحتك كما في الخبر ، أذن فالأفضل المبادرة إلى صلاة العصر بمجرد الفراغ من نافلتها من دون انتظار لحلول المثل ، فلو كان آتياً بها قبل ذلك كما في يوم


1) (*) بل إلى الفراغ من النافلة من دون تحديد بوقت.

2) الوسائل 2 : 377 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 15.

3) بل يقدح ، لعدم كونه من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة.

الثاني عشر : المغرب والعشاء لمن أفاض من عرفات إلى المشعر فإنه يؤخّرهما ولو إلى ربع الليل بل ولو إلى ثلثه (1).


الجمعة أو كانت ساقطة كما في السفر أو لم يكن بانياً على الإتيان بها ، كان الأفضل المبادرة إليها بمجرد الفراغ من صلاة الظهر ، وتقدم أيضاً أن ما دل على أفضلية التأخير إلى المثل كموثقة معاوية بن وهب مطروحة أو محمولة على التقية ، لعدم مقاومتها مع النصوص الكثيرة الناطقة بخلاف ذلك ، فما أفاده في المتن غير واضح.

(1) فان هذه الأفضلية وهي من موارد التخصيص نتيجة الجمع بين طائفتين من الأخبار تضمنت إحداهما جواز الإتيان بالعشاءين أول الوقت في عرفات.

كصحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : لا بأس بأن يصلي الرجل المغرب إذا أمسى بعرفة » (1).

وموثقة محمد بن سماعة بن مهران قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : الرجل يصلي المغرب والعتمة في الموقف ، فقال : قد فعله رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله صلاهما في الشعب » (2).

وتضمنت الطائفة الأُخرى النهي عنه ولزوم التأخير إلى المشعر ، كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليه‌السلام « قال : لا تصل المغرب حتى تأتي جمعاً وإن ذهب ثلث الليل » (3).

وموثقة سماعة قال : « سألته عن الجمع بين المغرب والعشاء بجمع ، فقال : لا تصلهما حتى تنتهي إلى جمع وإن مضى من الليل ما مضى ... » الحديث (4).

فترفع اليد عن ظهور الثانية بصراحة الاولى في جواز التقديم وتكون


1) الوسائل 14 : 12 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 5 ح 3 ، 1 ، 2.

2) الوسائل 14 : 13 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 5 ح 5.

3) الوسائل 14 : 12 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 5 ح 3 ، 1 ، 2.

4) الوسائل 14 : 12 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 5 ح 3 ، 1 ، 2.

الثالث عشر : من خشي الحر يؤخّر الظهر إلى المثل ليبرد بها (1).


النتيجة هي أفضلية التأخير كما سمعت. هذا ومقتضى إطلاق الثانية ولا سيما الموثقة وإن كان هو التأخير بلغ ما بلغ ، لكنه يقيد بما دل على انتهاء الوقت بانتصاف الليل كما هو ظاهر.

(1) يستدل له تارة بصحيحة معاوية بن وهب المروية في الفقيه عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام أنه « قال : كان المؤذن يأتي النبي صلی اللّه عليه وآله في الحرّ في صلاة الظهر فيقول له رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : أبرد أبرد » (1)بدعوى ظهورها في التأخير إلى أن يبرد الهواء.

وفيه : مضافاً إلى أنّ مقتضاها التأخير إلى أن يحصل الإبراد ، فلا وجه للتحديد بالمثل كما في المتن أن الصدوق فسّر الإبراد بالإسراع أخذاً له من البريد الحاوي لنوع من التعجيل للنيل إلى المقصد دون التبريد ، ومع تطرّق هذا الاحتمال تسقط الرواية عن صلاحية الاستدلال.

وأُخرى : بما رواه في العلل بإسناده عن أبي هريرة قال : « قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : إذا اشتدّ الحرّ فأبردوا بالصلاة ، فإن الحرّ من قيح جهنم ... » الحديث (2)وضعفها ظاهر.

والأولى أن يستدل له بموثقة زرارة قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم يجبني فلمّا أن كان بعد ذلك قال لعمر بن سعيد بن هلال : إن زرارة سألني عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم أُخبره فخرجت ( فحرجت ) من ذلك فاقرأه مني السلام وقل له : إذا كان ظلك مثلك فصل الظهر ، وإذا كان ظلك مثليك فصل العصر » (3).


1) الوسائل 4 : 142 / أبواب المواقيت ب 8 ح 5 ، الفقيه 1 : 144 / 671.

2) الوسائل 4 : 142 / أبواب المواقيت ب 8 ح 6 ، علل الشرائع : 247 / 1.

3) الوسائل 4 : 144 / أبواب المواقيت ب 8 ح 13.

الرابع عشر : صلاة المغرب في حق من تتوق نفسه إلى الإفطار أو ينتظره أحد (1).


والظاهر أنّ هذه الرواية هي مستند الماتن وإن كان التعبير بالإبراد يشعر بإرادة إحدى الأُوليين ، ولعل هذا التعبير للإشعار إلى أنّ التأخير المزبور يستوجب نوع تخفيض في درجة الحرارة فليتأمل. وكيف ما كان ، فلأجل هذه الموثقة يلتزم بالتخصيص فيما دل على أفضلية المبادرة إلى أول الوقت ، وسرّه ظاهر ، فإن شدة القيظ سالبة للخشوع وحضور القلب فتؤخر الصلاة رعاية لحصولهما بعد تلطيف الجو نوعاً ما.

(1) أما أفضلية التأخير في صورة الانتظار فتدل عليه صحيحة الحلبي التي رواها المشايخ الثلاثة عنه عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « أنه سئل عن الإفطار أقبل الصلاة أو بعدها؟ قال فقال : إن كان معه قوم يخشى أن يحبسهم عن عشائهم فليفطر معهم ، وإن كان غير ذلك فليصلّ ثم ليفطر » (1).

وأما التأخير لمجرد التتوق إلى الإفطار من غير الانتظار فلا دليل عليه بالخصوص عدا مرسلة المفيد في المقنعة قال : وروى أيضاً في ذلك « إنك إذا كنت تتمكن من الصلاة وتعقلها وتأتي على جميع حدودها قبل أن تفطر فالأفضل أن تصلي قبل الإفطار ، وإن كنت ممن تنازعك نفسك للإفطار وتشغلك شهوتك عن الصلاة فابدأ بالإفطار ليذهب عنك وسواس النفس اللوامة ، غير أنّ ذلك مشروط بأنه لا يشتغل بالإفطار قبل الصلاة إلى أن يخرج وقت الصلاة » (2).

والظاهر أنّ الذيل أعني قوله : « غير أنّ ذلك مشروط » إلخ ، من كلام المفيد نفسه.


1) الوسائل 10 : 149 / أبواب آداب الصائم ب 7 ح 1.

2) الوسائل 10 : 151 / أبواب آداب الصائم ب 7 ح 5 ، المقنعة : 318.

[1204] مسألة 14 : يستحب التعجيل في قضاء الفرائض (1) وتقديمها على الحواضر (2) وكذا يستحب التعجيل في قضاء النوافل إذا فاتت في أوقاتها الموظّفة ، والأفضل قضاء الليلية في الليل ، والنهارية في النهار (3).


كما أنّ المراد من الوقت فيه هو وقت الفضيلة دون الإجزاء ، بل هو غير محتمل كما لا يخفى. وكيف ما كان فهي لمكان الإرسال غير صالحة للاستدلال.

نعم ، يمكن عدّ المقام من موارد التأخير لتحصيل الإقبال ، فيندرج بذلك فيما تقدم من المورد الخامس لكونه من مصاديق تلك الكبرى ، ويستدل له حينئذ بما عرفته ثمة من صحيحة عمر بن يزيد ، فلا يكون استثناءً آخر وعنواناً مستقلا برأسه.

(1) لا شبهة في وجوب التعجيل بناء على القول بالمضايقة ، وأما على المواسعة كما هو الصحيح فتدل على استحبابه جملة من النصوص التي منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام « أنه سئل عن رجل صلى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلها أو نام عنها فقال : يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار ... » الحديث (1)المحمولة على الاستحباب جمعاً بينها وبين طائفة أُخرى من النصوص الدالة على المواسعة ، وسيوافيك البحث عنها عند التكلم حول المواسعة والمضايقة من مباحث قضاء الصلاة إن شاء اللّه تعالى.

(2) كما تقدم البحث عن ذلك في المورد الثاني من موارد الاستثناء (2).

(3) إن أراد قدس‌سره بذلك استحباب قضاء النوافل الفائتة من الليل في نهاره ومن النهار في الليل المتصل به من غير فاصل زماني ، فهذا وإن نطقت به جملة من النصوص كرواية عنبسة العابد قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن قول اللّه عز وجل ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ


1) الوسائل 4 : 274 / أبواب المواقيت ب 57 ح 1.

2) في ص 298.

[1205] مسألة 15 : يجب تأخير الصلاة (1)عن أوّل وقتها لذوي الأعذار مع رجاء زوالها أو احتماله في آخر الوقت ما عدا التيمم كما مرّ هنا وفي بابه (1).


أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً ) قال : قضاء صلاة الليل بالنهار وصلاة النهار بالليل » (2)ونحوها مرسلة الصدوق (3)وغيرها. إلا أنها بأجمعها ضعاف السند.

على أنها معارضة بجملة أُخرى تضمنت قضاء ما فات من الليل في الليل ، وما فات من النهار في النهار كصحيحة معاوية بن عمار قال : « قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام : اقض ما فاتك من صلاة النهار بالنهار وما فاتك من صلاة الليل بالليل ، قلت : أقضي وترين في ليلة ، قال : نعم اقض وتراً أبداً » (4).

وموثقة إسماعيل الجعفي قال : « قال أبو جعفر عليه‌السلام أفضل قضاء النوافل قضاء صلاة الليل بالليل وصلاة النهار بالنهار ، قلت : ويكون وتران في ليلة؟ قال : لا ، وقلت : ولم تأمرني أن أُوتر وترين في ليلة؟ فقال : أحدهما قضاء » (5)وهي المستند للأفضلية المشار إليها في ذيل عبارة الماتن.

وإن أراد به استحباب البدار بالإتيان بما فات من نوافل النهار في النهار الذي بعده ، وكذا فوائت الليل وعدم التأخير والتهاون في ذلك ، فلم يرد فيه أيّ دليل بالخصوص حتى رواية ضعيفة.

نعم ، لا شبهة في رجحانه من باب استحباب المسارعة والاستباق إلى مطلق الخير بنطاق عام ، فإن الصلاة من أبرز أفراده ومصاديقه.

(1) بعد الفراغ عن ذكر الموارد التي تستثني عن أفضلية الصلاة في أول وقتها والمحكومة بالتأخير استحباباً أو جوازاً حسبما تقدم ، تعرض قدس‌سره للموارد المستثناة على سبيل الوجوب ، وذكر أنّ من جملتها أرباب الأعذار مع


1) (*) مرّ الكلام فيه [ في المسألة 1203 ].

2) الوسائل 4 : 275 / أبواب المواقيت ب 57 ح 2 ، 4 ، الفقيه 1 : 315 / 1428.

3) الوسائل 4 : 275 / أبواب المواقيت ب 57 ح 2 ، 4 ، الفقيه 1 : 315 / 1428.

4) الوسائل 4 : 276 / أبواب المواقيت ب 57 ح 6 ، 7.

5) الوسائل 4 : 276 / أبواب المواقيت ب 57 ح 6 ، 7.

وكذا يجب (1) التأخير لتحصيل المقدّمات غير الحاصلة كالطهارة والستر وغيرهما ، وكذا لتعلم أجزاء الصلاة وشرائطها (2).


رجاء الزوال فإنه يجب عليهم التأخير ما عدا التيمم.

ولكنا أسلفناك فيما مضى هنا إجمالاً (1)وفي باب التيمم (2)تفصيلاً أن الأمر بالعكس ، وأنه يجوز البدار لذوي الأعذار على الإطلاق ما عدا المأمور بالتيمم فإنه يجب عليه التأخير ، استناداً إلى الاستصحاب في الأول ، بناءً على ما هو الصواب من جريانه في الأُمور الاستقبالية كالحالية ، وإن وجبت عليه الإعادة لدى انكشاف الخلاف شأن كل حكم ظاهري استبان خلافه ، وإلى الأخبار في الثاني حيث دلت على لزوم تأخير التيمم لدى احتمال زوال العذر السليمة عن المعارضة بما دل على جواز التقديم ، لكون تلك الأخبار ناظرة إلى صورة العلم باستمرار العذر واليأس عن زواله كما تقدم في محله فلاحظ ولا نعيد.

(1) هذا الوجوب عقلي بمناط امتناع تحصيل المشروط بدون شرطه ، وليس حكماً شرعياً مولوياً تستوجب مخالفته العقاب ، ضرورة أنّ توجه مثل هذا التكليف مشروط بالقدرة ، وحيث لا قدرة على التقديم لفرض فقدان الشرط فلا قدرة على التأخير أيضاً ، لأن نسبتها إلى الفعل والترك على حد سواء ، ومعه يمتنع تعلق التكليف الشرعي به.

وبعبارة اخرى : يستقل العقل بلزوم تحصيل المقدمات التي يتوقف الواجب عليها ، وبما أنّ تحصيلها لمن يتصدى للامتثال يحتاج إلى مضي زمان بطبيعة الحال ، فلا جرم يكون التأخير أمراً ضرورياً لا محيص عنه ، فالوجوب عقلي بَحت كما عرفت.

(2) قد يكون التعلم دخيلاً في القدرة على الواجب وتحقق الامتثال كتعلم


1) في ص 300.

2) شرح العروة 10 : 324 ، 6 : 206.

بل وكذا لتعلّم أحكام الطوارئ من الشك والسهو ونحوهما مع غلبة الاتفاق ، بل قد يقال مطلقاً لكن لا وجه له (1).


ذات القراءة والتشهد وغيرهما من الأذكار ، وقد يكون دخيلاً في إحراز الامتثال كما إذا كان جاهلاً باعتبار القراءة في الصلاة مع علمه بذاتها ، أو كان جاهلاً بوجوب القصر أو التمام ونحو ذلك مما يعتبر فيها.

أما الصورة الأُولى : فهي من مصاديق الفرع السابق ، أعني لزوم التأخير لتحصيل المقدمات الوجودية ، وقد عرفت أن الوجوب حينئذ عقلي لا شرعي.

وأما في الصورة الثانية : فإن بنينا على اعتبار الجزم بالنية في تحقق العبادة لزم التأخير أيضاً ، ليتعلم الصلاة حتى يتمكن من الإتيان بها عن نية جزمية.

وإن أنكرنا ذلك وبنينا كما هو الصحيح على كفاية الإتيان بالواجب عن نية قربية وإن لم تكن جزمية ، وتحقق العبادة بمجرد ذلك ، لم يكن أيّ ملزم حينئذ للتأخير ، بل له البدار مع الاحتياط وإن استلزم التكرار أو أن يأخذ بأحد الطرفين المحتملين رجاءً ثم يسأل فإن أصاب وإلا أتى بالطرف الآخر. فما في المتن لا يستقيم إطلاقه.

(1) غير خفي أن مبنى هذه المسألة أعني لزوم تعلم مسائل الشك والسهو حسبما أشرنا إليه في مباحث الاجتهاد والتقليد (1)هو حرمة قطع الفريضة وعدم جواز رفع اليد عنها بعد الشروع فيها ، فإنه عليه يجب التأخير في المقام لتعلّم تلك الأحكام ، إذ لو بادر قبل التعلّم وهو في معرض الابتلاء بها فضلاً عن العلم به فعرضه الشك في الأثناء ، فإن قطع الصلاة ارتكب المحرم ، وإن استرسل بالبناء على أحد طرفي الشك فمن الجائز عدم إصابة الواقع المستلزم


1) شرح العروة 1 : 250.

لكونه مصداقاً للقطع القهري وإن لم يعلم به ، وحيث إن القطع في هذا التقدير يكون مستنداً إلى عدم التعلم فهو غير معذور فيه ومعاقب عليه بمقتضى قوله عليه‌السلام في الصحيح : « ... أفلا تعلّمت حتى تعمل » (1).

وبالجملة فهذا الاحتمال متنجّز عليه بعد الاستناد المزبور من غير دافع فيجب عليه عقلاً التأخير والتعلم دفعاً للضرر المحتمل إلا إذا كان مطمئناً بعدمه ، حيث إنّ الاطمئنان حجة عقلائية ولا يعتنى باحتمال خلافه.

ومنه تعرف أنه لا وجه لما صنعه في المتن من التقييد بغلبة الاتفاق ، بل يكفي مجرد احتمال الابتلاء وإن كان فاقداً للمعرضية ولم يكن مورداً للغلبة كالشك بين الثنتين والست ، لوحدة المناط وهو ما عرفته من الاستناد على تقدير التحقق إلى ترك التعلم وعدم كونه معذوراً فيه.

والتصدي لتوجيه ما في المتن بالتمسك باستصحاب عدم الابتلاء ، مدفوع بأن هذا الاستصحاب محكوم بأدلة وجوب التعلم التي لا قصور في شمول إطلاقها للفرض ، وإلا لجرى الاستصحاب حتى مع غلبة الاتفاق أيضاً وهو كما ترى.

وبالجملة : أدلة التعلم حاكمة على الاستصحاب المزبور مطلقاً ، ولا مجال معها للرجوع إليه كما لا يخفى ، هذا.

ولكنا ذكرنا في محله (2)أنّ حرمة قطع الفريضة لا دليل عليها ما عدا الإجماع المدعى في كلمات غير واحد من الأعلام ، وحيث إنّ المحصّل منه غير حاصل ومنقوله غير مقبول ، إذن فمقتضى الصناعة جواز القطع والاستئناف ، ومعه لا يجب التأخير في المقام لتعلم الأحكام فلاحظ.


1) بحار الأنوار 2 : 29 ، 180.

2) العروة الوثقى 1 : 540 / فصل في حكم قطع الصلاة قبل المسألة [1748].

وإذا دخل في الصلاة مع عدم تعلمها بطلت (1) إذا كان متزلزلاً (1)وإن لم يتفق ،


(1) لا وجه له إن أراد به البطلان الواقعي ، لوضوح أنّ التزلزل لا ينافي قصد التقرب رجاءً ، وقد بنى قدس‌سره وهو الصحيح على عدم اعتبار الجزم بالنية وكفاية العبادة الرجائية لدى إصابتها للواقع.

وعليه فلو اتي بذات العبادة مع إضافتها إلى المولى ولو بعنوان الرجاء واستبان مطابقتها للواقع من غير أيّ خلل فيها فما هو الموجب وقتئذ للبطلان.

والظاهر أنّ مراده قدس‌سره بذلك هو البطلان الظاهري ، حيث إنه مع احتمال الابتلاء وفرض عدم التعلم لا جزم بالصحة ، لجواز كون المأمور به غير ما أتى به فلا يسوغ الاجتزاء به عقلاً في مرحلة الظاهر ما لم يتبين مطابقته للواقع.

ويعضده أمران :

أحدهما : قوله بعد ذلك : « نعم إذا اتفق شك أو سهو لا يعلم حكمه بطلت صلاته ، لكن له أن يبني على أحد الوجهين ... » إلخ إذ ليت شعري كيف يجتمع البطلان الواقعي مع صحة البناء على أحد الوجهين ، بعد وضوح عدم الفرق في صحة البناء المزبور بين عروض الشك في الأثناء وبين احتمال عروضه قبل الشروع لوحدة المناط ، فان هذا لا يستقيم إلا مع إرادة البطلان الظاهري كما لا يخفى.

ثانيهما : ما ذكره في المسألة السابعة من مسائل التقليد من قوله : « عمل العامي بلا تقليد ولا احتياط باطل » (2)ثم تعقيبه في المسألة السادسة عشرة (3)


1) (*) لا يضرّ التزلزل بصحة الصلاة مع تحقق قصد القربة ولو رجاء وكون العمل واجداً لتمام الأجزاء والشرائط ، كما هو الحال فيما إذا عرض الشك في الأثناء.

2) العروة الوثقى 1 : 18 المسألة [7].

3) العروة الوثقى 1 : 19 المسألة [16].

وأما مع عدم التزلزل بحيث تحقق منه قصد الصلاة وقصد امتثال أمر اللّه فالأقوى الصحة (1).

نعم إذا اتفق شك أو سهو لا يعلم حكمه بطلت صلاته ، لكن له أن يبني على أحد الوجهين ، أو الوجوه بقصد السؤال بعد الفراغ والإعادة إذا خالف الواقع (2) وأيضاً يجب تأخير الصلاة إذا زاحمها واجب آخر مضيّق كإزالة النجاسة عن المسجد ، أو أداء الدين المطالب به مع القدرة على أدائه ، أو حفظ النفس المحترمة أو نحو ذلك (3) وإذا خالف واشتغل بالصلاة عصى في ترك ذلك الواجب (4) لكن صلاته صحيحة على الأقوى (5) وإن كان الأحوط الإعادة.


من صحة عمل الجاهل إذا تمشى منه قصد القربة وانكشفت مطابقته للواقع ، فإنه يظهر منه بوضوح أن المراد من البطلان هناك وفي المقام هو البطلان في مرحلة الظاهر وعدم جواز الاجتزاء به ما لم تنكشف الصحة فلاحظ.

(1) بل قد عرفت الصحة حتى في فرض التزلزل أيضاً فلاحظ.

(2) لوضوح أنه لا خلل حينئذ في العبادة إلا من جهة عدم الجزم بالنية والمفروض عدم اعتبارها وكفاية العبادة الرجائية.

(3) فان وجوب الإزالة وكذا أداء الدين فوري فلا يزاحم الصلاة المفروض سعة وقتها.

وأما حفظ النفس المحترمة كإنقاذ الغريق ونحوه فهو مقدّم على الصلاة حتى في الضيق ، لأهميته منها كما هو واضح.

(4) لمخالفته للواجب الفعلي الأهم.

(5) لا بداعي الملاك لانحصار كاشفة في الأمر ، ولا أمر فعلي بالضدين حسب الفرض ، ولا من ناحية الترتب لاختصاصه بالواجبين المضيقين والمفروض في المقام سعة أحدهما ، بل لأجل عدم المزاحمة بين نفس الواجبين ،

[1206] مسألة 16 : يجوز الإتيان بالنافلة ولو المبتدأة في وقت الفريضة ما لم يتضيق (1).


أعني طبيعي الصلاة والواجب الآخر المضيق ، وإنما التزاحم بين الفرد منه وبين ذلك الواجب ، والفرد بخصوصه لم يكن مورداً للأمر وإن كان الطبيعي منطبقاً عليه (1)قهراً ، فما هو الواجب لم يكن مزاحماً ، وما كان مزاحماً لم يكن واجباً ، فالصلاة في مفروض المسألة محكومة بالصحة من غير حاجة إلى الترتب ، إلا إذا قلنا بأن الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن ضده الخاص ، ولكنه خلاف التحقيق وتمام الكلام في الأُصول (2).

(1) اختلفت كلمات الأصحاب ( قدس اللّه أسرارهم ) في جواز التطوع بالصلاة في وقت الفريضة أو ممن عليه الفريضة ، بعد الاتفاق منهم ظاهراً على عدم الجواز في الصوم ، فلا يتطوع به من كان عليه صوم واجب أداءً أو قضاءً.

فعن الشيخين (3)والعلامة (4)في جملة من كتبه وغير واحد من القدماء والمتأخرين عدم الجواز ، بل صرّح المحقق في المعتبر أنه مذهب علمائنا (5)كما صرح الشهيد الثاني في الروض بأنه المشهور بين المتأخرين (6).

وذهب جماعة آخرون ومنهم الشهيدان (7)إلى الجواز ، بل عن الدروس أنه


1) معنى انطباقه عليه كونه أحد أفراده الواجبة بالتخيير العقلي ، ولا يعقل كونه أحد أفراده كذلك مع مزاحمته للواجب المضيق ، ضرورة أنّ ما لا اقتضاء فيه لا يزاحم ما فيه الاقتضاء ، فلا جرم يخرج عقلاً عن كونه طرف التخيير. إذن فلا مصحح له إلا الخطاب الترتبي ، وتمام الكلام في محله.

2) محاضرات في أُصول الفقه 3 : 8.

3) المفيد في المقنعة : 212 ، الطوسي في المبسوط 1 : 128.

4) نهاية الاحكام 1 : 325.

5) المعتبر 2 : 60.

6) روض الجنان : 183 السطر 17.

7) الشهيد الأول في الدروس 1 : 142 ، الشهيد الثاني في روض الجنان : 184.

الأشهر (1)ولعل مراده أنه أشهر بين المتأخرين ، لعدم انسجامه مع دعوى الإجماع على عدم الجواز الصادرة من المحقق حسبما سمعت ، لو أراد به ما يشمل المتقدمين. وكيف ما كان فلا ينبغي التأمل في أنّ القائل من كل من الطرفين جماعة كثيرون ممن يعتدّ بهم شخصاً وعدداً.

ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات الواردة في المقام وكيفية الاستفادة منها.

وينبغي التكلم تارة : في حكم التطوع بعد دخول الوقت ، واشتغال الذمة بالوظيفة الأدائية ، وأُخرى : في حكمه ممن ذمته مشغولة بالفريضة القضائية ، فهنا مقامان :

أما المقام الأوّل : فالكلام فيه يقع تارة من ناحية المقتضي لعدم الجواز وأُخرى من ناحية المانع عنه بعد تمامية المقتضي.

أما الجهة الأُولى : فيستدل لعدم الجواز بجملة من الروايات :

منها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال : قبل الفجر إنهما من صلاة الليل ، ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل ، أتريد أن تقايس ، لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تطوّع ، إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة » (2).

فإن الأمر بالبدأة بالفريضة بعد دخول وقتها كالصريح في النهي عن التطوع في وقت الفريضة.

وفيه : أنها وإن كانت ظاهرة في المنع إلا أن موردها خصوص نافلة الفجر لا مطلق التطوع ، وحيث قد دلت نصوص أُخر على جواز الإتيان بها بعد طلوع الفجر حسبما تقدم في محله فلا جرم يحمل النهي فيها على الكراهة ومجرد المرجوحية ، جمعاً بين النصوص. إذن فلا يمكن الاستدلال بها على المنع حتى في موردها فضلاً عن التعدي إلى سائر الموارد ، هذا.


1) الدروس 1 : 142.

2) الوسائل 4 : 264 / أبواب المواقيت ب 50 ح 3.

ولا يبعد أن يكون قوله عليه‌السلام : « أتريد أن تقايس .. » إلخ مسوقاً لتعليم زرارة كيفية الجدل والمناظرة مع خصومه من أبناء العامة الذين يرون جواز الإتيان بالنافلة بعد طلوع الفجر ، مع التزامهم بحجية القياس وبما هو الصواب من عدم جواز التطوع بالصوم ممن عليه فريضته ، بالنقض عليهم بالصوم جرياً على مسلكهم ، لا أنه بصدد الاستدلال بالقياس المعلوم عدم كونه من مذهبنا ، فإنه لا سبيل للاستدلال بما هو واضح البطلان في الشريعة المقدسة.

ومنها : صحيحة أُخرى لزرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام « أنه سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلها أو نام عنها ، قال : يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها إلى أن قال : ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها » (1).

فان موردها وإن كان هو القضاء إلا أنها تدل على النهي عن التطوع ممن عليه فريضة أدائية بطريق أولى.

ويندفع أوّلاً : بأن النهي في قوله عليه‌السلام : « ولا يتطوع ... » إلخ لم يكن حكماً جديداً ابتدائياً ، وإنما هو متفرع على الأمر بالقضاء المذكور في صدر الحديث ، فان متن الرواية هكذا : « فقال : يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار ، فاذا دخل وقت الصلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي قد حضرت ، وهذه أحق بوقتها فليصلها ، فاذا قضاها فليصل ما فاته مما قد مضى ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها » (2).

فإنه عليه‌السلام لما أمر أوّلاً بالقضاء بقوله : « يقضيها إذا ذكرها .. » إلخ فرّع عليه قوله : « فاذا دخل وقت الصلاة ... » إلخ ثم عطف على هذا التفريع قوله : « ولا يتطوع ... » إلخ ، إذن فالنهي المزبور تفريع على الأمر بالقضاء ،


1) الوسائل 4 : 284 / أبواب المواقيت ب 61 ح 3.

2) الوسائل 8 : 256 / أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 3.

ومقتضى التفريع أن النهي عن التطوع تابع لكيفية الأمر بالقضاء في كونه على سبيل الإلزام وعدمه ، فان بنينا على كونه حكماً إلزامياً ، للبناء على المضايقة في قضاء الفوائت ، كان النهي إلزامياً أيضاً ، وإن بنينا على عدمه لأجل الالتزام بالمواسعة في قضائها كان النهي طبعاً تنزيهياً ، وحيث إن الصواب هو الثاني كما هو موضح في محله ، فلا جرم لا يستفاد الإلزام من النهي المزبور بوجه.

وثانياً : أن مورد الصحيحة هو الفريضة القضائية ، ومحل كلامنا فعلاً هو التطوع ممن عليه الفريضة الأدائية ، ولا ملازمة بينهما لعدم الدليل عليها ، والأولوية المدعاة ممنوعة ولا سيما على القول بالمضايقة ، حيث إن القضاء حينئذ فوري ، فلا مجال معه للتطوع ، وهذا بخلاف الحاضرة فالتعدي إليها في غير محله.

ومنها : ما رواه الشهيد في الذكرى بسنده الصحيح حسبما عبّر به في الوسائل عن زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة ... » الحديث (1).

وهي كما ترى واضحة بل صريحة الدلالة ، غير أن السند ضعيف ، حيث لم توجد في كتب الحديث ولم يصل إلينا سندها لننظر فيه ، وإن وصفه الشهيد بالصحة ، إذ لا ملازمة بين الصحة عنده وبينها عندنا ، لاحتمال استنادها إلى اجتهاده وحدسه بحيث لو وصلنا لناقشنا فيه ، فهي بالإضافة إلينا في حكم المرسل.

ومنها : ما رواه الشهيد الثاني في الروض عن زرارة في الصحيح قال : « قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : أُصلي نافلة وعليّ فريضة أو في وقت فريضة ، قال : لا ، إنه لا تصلى نافلة في وقت فريضة ، أرأيت لو كان عليك (2)من شهر


1) الوسائل 4 : 285 / أبواب المواقيت ب 61 ح 6 ، الذكرى 2 : 422 ..

2) [ أُضيف في هامش الروض : صوم ].

رمضان أكان لك أن تتطوع حتى تقضيه؟ قال : قلت لا ، قال : فكذلك الصلاة ، قال : فقايسني وما كان يقايسني » (1).

قال صاحب الحدائق عند نقل الرواية ما لفظه : نقلها شيخنا الشهيد الثاني في الروض والسيد السند في المدارك ، وشيخنا البهائي في كتاب حبل المتين ، ولم أقف عليها بعد التتبع في كتاب الوافي الذي جمع فيه الكتب الأربعة ، ولا كتاب الوسائل الذي زاد فيه على ما في الكتب الأربعة ، ولكن كفى بالناقلين المذكورين حجة ، والظاهر أنّ من تأخر عن الشهيد الثاني إنما أخذها عنه. انتهى (2).

أقول : الرواية موجودة في الوافي (3)في باب كراهة التطوع في وقت الفريضة نقلاً عن حبل المتين كما أوعز إليه معلّق الحدائق ، كما أنها مذكورة بعين ألفاظها في الذكرى (4)ما عدا اختلاف يسير لعله من النسّاخ ، فالأصل في الرواية هو الشهيد الأول وهي مأخوذة منه دون الشهيد الثاني.

وكيف ما كان فلا حجية لها ، لعدم ثبوت سندها عندنا بعد عدم وصول طريقها إلينا ، فهي بالإضافة إلينا في حكم المرسل كما عرفته في الرواية السابقة ، فلا يمكن التعويل عليها بالرغم من صراحة مفادها.

ومنها : ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلاً من كتاب حريز بن عبد اللّه عن زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : لا تصلّ من النافلة شيئاً في وقت الفريضة ، فإنه لا تقضى نافلة في وقت فريضة ، فإذا دخل وقت الفريضة فابدأ بالفريضة » (5).


1) روض الجنان : 184 السطر 11.

2) الحدائق 6 : 256.

3) الوافي 7 : 365.

4) في المسألة الثانية من الفصل الرابع من أحكام المواقيت ، الذكرى 2 : 424.

5) الوسائل 4 : 228 / أبواب المواقيت ب 35 ح 8 ، السرائر ( المستطرفات ) 3 : 586.

ويندفع أوّلاً : بضعف السند ، لجهالة طريق ابن إدريس إلى كتاب حريز بعد وضوح أنه من أصحاب الصادق عليه‌السلام وبينه وبين ابن إدريس مئات السنين فكيف يمكن نقله عنه بلا واسطة ، وحيث أنها مجهولة فلا جرم تسقط الرواية بالنسبة إلينا عن درجة الاعتبار ، وإن أمكن اتصافها عنده بالصحة لقرائن حدسية عوّل عليها وهو أدرى بها.

ودعوى : أنه لمّا لم يكن عاملاً بأخبار الآحاد فاعتماده عليها كاشف عن وصولها إليه بطريق متواتر أو بما هو كالمتواتر في كونه مورثاً للقطع بالصدور ، ومعه كان إخباره بمثابة الإخبار عن الحس ، فتكون رواياته عن حريز وأضرابه في حكم المسانيد لا المراسيل.

مدفوعة : بأنّ أقصى ما يترتب على هذه الدعوى هو أن ابن إدريس كان معتقداً اعتقاداً باتاً بأنّ ما وصل إليه باسم كتاب حريز كان هو كتابه حقاً ، لكن من الواضح أنّ اعتقاده حجّة له بخصوصه ولا ينفع غيره ممن لا يحمل تلك العقيدة فهو المأمور بالعمل به لا غير ، ومن الضروري أنّ مجرد قطعه بذلك الناشئ عن القرائن الحدسية الاجتهادية لا يستوجب عدّ خبره من الإخبار عن الحس لتشمله أدلة حجية الخبر. إذن فلا مجال للاعتماد على شي‌ء مما يرويه ابن إدريس عن الرواة الذين لا نعلم الوسائط بينه وبينهم.

أجل ، خصوص ما يرويه عن كتاب محمد بن علي بن محبوب لم يكن بدّ من الالتزام باعتباره ، نظراً إلى تصريحه بوصول الكتاب إليه بخط الشيخ الطوسي قدس‌سره (1)، وحيث إنّ العهد بينه وبين الشيخ قريب وهو من أكابر العلماء وأعاظم المشاهير ، بل هو شيخ الطائفة حقاً ، فلا جرم كان خطه الشريف معروفاً ومشهوراً بين الناس ، بحيث لا مساغ لإنكاره أو التشكيك فيه.

وبذلك يوثق بل يطمأن بأنّ الكتاب قد وصل إليه بخط الشيخ ( قدس‌سره )


1) السرائر ( المستطرفات ) 3 : 601.

وحيث إنّ طريقه أي طريق الشيخ إلى محمد بن علي بن محبوب صحيح أيضاً في الفهرست (1)، فلأجله يحكم بصحة رواياته عنه بطبيعة الحال.

وعلى أيّ حال فروايتنا هذه ضعيفة السند كما عرفت.

وثانياً : أنها قاصرة الدلالة ، لابتنائها على أن يكون المراد من الوقت المذكور فيها هو مطلق الوقت ، وليس كذلك ، بل المراد خصوص وقت الفضيلة ، فهي أخص من المدعى ، وذلك لأجل أن المنصرف من النافلة الواردة فيها هي النوافل المرتّبة ، بل هي القدر المتيقن منها ، ولا شبهة في جواز الإتيان بها في مطلق وقت الفريضة الشامل لوقت الإجزاء ، ومن ثم ترى أن نوافل الظهرين يؤتى بها قبلهما ، كما أنّ نوافل المغرب يؤتى بها قبل العشاء مع دخول وقت الظهرين والعشاءين بمجرد الزوال والغروب ، وهذا يكشف عن أنّ المراد خصوص وقت الفضيلة.

ويعضده ما في غير واحد من الروايات الواردة في مقام بيان وقت الفريضة والنافلة الناطقة بأنّ الذراع والذراعين إنما جعلت لمكان النافلة كما في صحيحة زرارة ، أو لمكان الفريضة كما في موثقته ، أو لئلا يؤخذ من وقت هذه ويدخل في وقت هذه كما في موثقة إسماعيل الجعفي (2)ونحوها غيرها مما يظهر منه أنّ وقت الفضيلة إنما قرّر وشرّع كي لا تقع النافلة في هذا الوقت ، بل في رواية العلل حتى لا يكون تطوع في وقت مكتوبة (3)فإنها خير شاهد على أنّ المراد من الوقت في هذه الرواية هو وقت الفضيلة فهي لو تم سندها أخص من المدعى حسبما عرفت.

ومنها : موثقة زياد بن أبي غياث عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال :


1) الفهرست : 145 / 613.

2) الوسائل 4 : 141 / أبواب المواقيت ب 8 ح 3 ، 20 ، 21.

3) الوسائل 4 : 229 / أبواب المواقيت ب 35 ح 11 ، علل الشرائع : 349.

سمعته يقول : إذا حضرت المكتوبة فابدأ بها فلا تضرّك أن تترك ما قبلها من النافلة » (1).

وفيه : أنه لا إشعار فيها فضلاً عن الدلالة على المنع عن التطوع في وقت الفريضة لو لم تكن ظاهرة في المشروعية ، فإن مفادها أنّ ترك النافلة قبل الفريضة غير قادح في الصحة ، وأنّه لا يستوجب خللاً ولا ضرراً. وهذا اللسان كما ترى لسان المشروعية والجواز لا المنع ، فالاستدلال بها على الجواز أحرى من أن يستدل بها على المنع كما لا يخفى.

وأما سند الرواية فالمذكور في الوسائل والحدائق (2)وعن بعض نسخ التهذيب زياد أبي عتاب ، وهو مهمل في كتب الرجال ، ومن ثم وصفها في الحدائق بالرواية وهو في محله.

ولكنّ الصواب أنه زياد بن أبي غياث كما ذكرناه (3)وهو ثقة كما نص عليه النجاشي (4). وذلك لأجل أنّ الراوي عن زياد بن أبي غياث هو ثابت بن شريح ، كما أنّ الراوي عن ثابت هو عبيس بن هشام كما صرح به الشيخ والنجاشي (5)، وحيث إن رواة هذا السند كذلك ، فيطمأن أنه هو الصحيح وهو المطابق للإستبصار وكذلك التهذيب (6)، وإن ذكر معه غيره بعنوان النسخة. إذن فما في الوسائل والحدائق وعن بعض نسخ التهذيب والفهرست من ذكر زياد أبي عتاب الظاهر أن كلّه محرّف فلا نقاش من ناحية السند ، غير أن الدلالة قاصرة حسبما عرفت.


1) الوسائل 4 : 227 / أبواب المواقيت ب 35 ح 4.

2) الحدائق 6 : 257. [ ولكن فيه : زياد بن أبي عتاب ].

3) معجم رجال الحديث 8 : 314 / 4777.

4) رجال النجاشي : 171 / 452.

5) رجال الطوسي : 418 / 6035 ، رجال النجاشي : 116 / 297.

6) الاستبصار 1 : 253 / 907 ، التهذيب 2 : 247 / 984.

ومنها : رواية بخية قال : « قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : تدركني الصلاة ويدخل وقتها فأبدأ بالنافلة؟ قال : فقال أبو جعفر عليه‌السلام : لا ، ولكن ابدأ بالمكتوبة واقض النافلة » (1).

وفيه أوّلاً : أنها ضعيفة السند ، فان صاحب الوسائل وإن رواها عن الشيخ عن الحسن بن محمد بن سماعة ، عن محمد بن سكين عن معاوية بن عمار عن نجية ، وهذا السند معتبر إذ لا غمز فيه إلا من ناحية الأخير ، وقد اختلف في ضبطه ففي الوسائل بخية ، وفي التهذيب نجية وفي الكشي (2)وهامش رجال التفريشي (3)نجبة ، والظاهر أنه رجل واحد ولا توثيق له ، غير أنّ الكشي حكى عن حمدويه عن محمد بن عيسى أنه شيخٌ صادق كوفي صديق علي بن يقطين ، وفيه مدح يكفي في حسنه والاعتماد عليه.

إلا أن الظاهر أن ما في الوسائل سهو من قلمه الشريف ، فان الشيخ لم يروها في التهذيب عن الحسن بن محمد بن سماعة ، وإنما رواها عن الطاطري (4)وطريقه إليه ضعيف ، فالرواية غير صالحة للاعتماد عليها.

وثانياً : أنها قاصرة الدلالة ، بل هي على خلاف المطلوب أدلّ ، لمكان الأمر بقضاء النافلة ، لوضوح كشفه عن الأمر بها أداءً قبل الفريضة ومشروعيتها في وقتها ، ومن المعلوم أنّ المراد بها النوافل المرتّبة ، إذ لا قضاء لغيرها ، فهي محمولة على ما إذا انقضى الوقت المحدود للنافلة من الذراع أو الذراعين ونحوها ومن ثمّ أمر بقضائها ، فتكون كالصريح في مشروعية الإتيان بها في وقت الفريضة.


1) الوسائل 4 : 227 / أبواب المواقيت ب 35 ح 5.

2) رجال الكشي : 452 / 852.

3) نقد الرجال 5 : 7.

4) التهذيب 2 : 167 / 662.

ومنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي بكر الحضرمي عن جعفر بن محمد عليه‌السلام « قال : إذا دخل وقت صلاة فريضة فلا تطوع » (1).

وفيه : أن السند وإن كان معتبراً عندنا إذ لا غمز فيه إلا من ناحية الحضرمي وهو من رجال كامل الزيارات (2).

إلا أن الدلالة قاصرة ، لما تقدّم (3)من أن المراد من التطوع المنهي عنه في وقت الفريضة هو التنفل في وقت فضيلتها لا الأعم منها ومن وقت الإجزاء ، إذ المتيقن أو المنصرف من التطوع في مثل هذه الأخبار هو النوافل المرتّبة ، وهي مما يقطع بجواز الإتيان بها بعد دخول وقت الفريضة وقبل الإتيان بها ، فهي إذن أخص من المدعى ، ولا يتم الاستدلال بها.

ومنها : موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : قال لي رجل من أهل المدينة يا أبا جعفر مالي لا أراك تتطوع بين الأذان والإقامة كما يصنع الناس؟ فقلت : إنا إذا أردنا أن نتطوّع كان تطوّعنا في غير وقت فريضة ، فإذا دخلت الفريضة فلا تطوع » (4).

فان الشيخ (5)رواها بطريقين : أحدهما بإسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة ، وهو معتبر وإن كان الطريق الآخر وهو إسناده عن الطاطري ضعيفاً.

وفيه : أنها قاصرة الدلالة ، لكونها ناظرة إلى خصوص التطوع ما بين الأذان والإقامة ، فهي أخص من المدعى ، بل على خلاف المطلوب أدلّ ، لظهورها في أنّ التطوع قبل الأذان أو حاله كان معهوداً منه عليه‌السلام ومعلوماً لدى السائل ، ولأجله خصّ السؤال بما بين الأذان والإقامة فسأل عن


1) الوسائل 4 : 228 / أبواب المواقيت ب 35 ح 7 ، التهذيب 2 : 167 / 660.

2) ولكنه لا ينفع حسب الرأي الأخير.

3) في ص 330.

4) الوسائل 4 : 227 / أبواب المواقيت ب 35 ح 3.

5) التهذيب 2 : 247 / 982 و 167 / 661.

سرّه وسببه ، ولعله لكراهته في هذه الحالة أو حرمته ، ولسنا الآن بصدده. وفي بعض النصوص (1)أنّ حدّ الوقت الممنوع فيه التطوع هو ما إذا أخذ المقيم في الإقامة. وعلى أي حال فلا يستفاد منها عدم مشروعية التطوع في وقت الإجزاء للفريضة بنطاق عام الذي هو محل الكلام.

والمتحصل من جميع ما تقدم : أن المقتضي للمنع عن التطوع في وقت الفريضة قاصر في حدّ نفسه ، لضعف مستنده سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو.

وملخص الكلام في المقام : أنّ النصوص المتقدمة على طائفتين :

إحداهما : ما وردت في من عليه الفريضة القضائية ، وهي أجنبية عن محل الكلام.

وثانيتهما : ما وردت في من عليه الفريضة الأدائية ، وهي بين ما كانت ناظرة إلى المنع عن التطوع في وقت فضيلة الفريضة ، وما كانت خاصة بما بين الأذان والإقامة ، وعلى التقديرين فهي أخص من المدعى ، لما سبق من أنّ المنسبق أو المتيقن من النافلة الممنوعة في هذه النصوص هي الرواتب ، وفي وقت فضيلة الفرائض دون غيرها ، أو في وقت الإجزاء ، فلا تدل على المنع عن الإتيان بغير الراتبة في أوّل الزوال مثلاً قبل دخول وقت الفريضة. فلا مجال إذن لدعوى أن مقتضى الإطلاق فيها عدم جواز التطوع في وقت [ فضيلة ] الفريضة مطلقاً إلا ما خرج بالدليل كالنوافل المرتبة.

نعم ، قد يتوهم وجود الدليل المطلق وهو ما أثبته الفقهاء في كتبهم من قوله صلی اللّه عليه وآله : « لا صلاة لمن عليه صلاة » (2)خرج ما خرج من الرواتب اليومية ويبقى الباقي ، فتصلح هذه الرواية سنداً للقول المشهور من المنع عن التطوع في وقت الفريضة.


1) الوسائل 4 : 228 / أبواب المواقيت ب 35 ح 9.

2) المستدرك 3 : 160 / أبواب المواقيت ب 46 ح 2.

ولكن يندفع بأنها رواية نبوية أرسلها المفيد (1)ولم ترد في كتب الحديث ، فلا يمكن التعويل عليها كما لا يحتمل استناد المشهور إليها.

وأما الجهة الثانية : وهي أنّه على تقدير تمامية المقتضي وتسليم دلالة النصوص المتقدمة على المنع عن التطوع فلا مناص من رفع اليد عنها وحملها على الكراهة بالمعنى المناسب للعبادة ، أعني أقلّية الثواب ، أو على الإرشاد إلى ما هو الأفضل من درك فضيلة الوقت ، وأهمية مصلحته من مصلحة التنفل من غير نقص في ثوابه ، فيكون النهي إرشادياً عرضيا لا ذاتياً ، وذلك جمعاً بينها وبين نصوص أُخر دلت على الجواز :

منها : موثقة سماعة قال : « سألته ( سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام ) عن الرجل يأتي المسجد وقد صلى أهله ، أيبتدئ بالمكتوبة أو يتطوع؟ فقال : إن كان في وقت حسن فلا بأس بالتطوع قبل الفريضة ، وإن كان خاف الفوت من أجل ما مضى من الوقت فليبدأ بالفريضة وهو حق اللّه ثم ليتطوع ما شاء ألا هو ( الأمر ) موسّع أن يصلي الإنسان في أول دخول وقت الفريضة النوافل إلا أن يخاف فوت الفريضة ، والفضل إذا صلى الإنسان وحده أن يبدأ بالفريضة إذا دخل وقتها ليكون فضل أول الوقت للفريضة ، وليس بمحظور عليه أن يصلي النوافل من أول الوقت إلى قريب من آخر الوقت » (2).

فإن إتيان المسجد إنما هو لإدراك الجماعة ، والمتعارف انعقادها في أول الوقت ، وعليه فقوله : « وإن كان خاف الفوت ... » إلخ ناظر إلى خوف فوات وقت الفضيلة ، وإلا فوقت الإجزاء لا يخاف فوته عند فراغ أهل المسجد عن الجماعة. إذن فهي صريحة في جواز التطوع في وقت فضيلة الفريضة ما لم يخف فواته.


1) المستدرك 3 : 160 / أبواب المواقيت ب 46 ح 2 ، رسالة في عدم سهو النبي : 28.

2) الوسائل 4 : 226 / أبواب المواقيت ب 35 ح 1.

ودعوى أن الصدوق (1)رواها إلى قوله : « ثم ليتطوع ما شاء » وهذا قد يورث الظن بأن الباقي زيادة من الكليني نفسه ولم يكن جزءاً من الرواية ، فلا تصلح للاستدلال.

مدفوعة بأن التصرف في الحديث بضم ما ليس منه من غير نصب قرينة تدل عليه خيانة في النقل تجلّ عنها ساحة شيخنا الكليني المقدسة ، بل من دونه في الورع والأمانة ، ولا شهادة في اقتصار الصدوق على ما ذكر ، لجواز كون الواصل إليه أقل ، بعد مغايرة طريقه مع طريق الكليني وكثرة التقطيع في الأخبار ، فهذا الاحتمال ساقط جزماً.

أضف إلى ذلك : أن الشيخ (2)رواها مع هذا الذيل باختلاف يسير عن شيخ الكليني محمد بن يحيى ، ومعه كيف يحتمل أن يكون ذلك من كلام الكليني نفسه ، فلا ينبغي التأمل في كونه جزءاً من الحديث.

وعلى الجملة : دلّت الموثقة على جواز التنفل في أوقات الفرائض ، أي في نفس الوقت الذي يصح الإتيان فيه بالفريضة ، فإنّ المراد من الوقت في قوله : « الأمر موسّع أن يصلي الإنسان في أول دخول وقت الفريضة النوافل .. » إلخ هو المراد منه في قوله : « أن يبدأ بالفريضة إذا دخل وقتها » فهي صريحة في أنه لا تحديد في وقت النافلة وأن المكلف موسّع في الإتيان بها من أول الوقت إلى قريب من آخره من غير فرق بين وقت الفضيلة وغيره ، غير أن الأفضل أن يؤتى بالفريضة أوّل وقتها كي يكون فضل أول الوقت لها ، إلا ما خرج بالنص كتقديم نوافل الظهرين.

ومع ذلك فقد ناقش فيها صاحب الحدائق واستظهر منها خلاف ذلك ، ففسّر الوقت في العبارة الأُولى وكذلك في قوله في آخر الموثقة : « من أول الوقت إلى قريب من آخره » بالوقت المحدود للنافلة قبل دخول وقت الفريضة ،


1) الفقيه 1 : 257 / 1165 ، الكافي 3 : 288 / 3.

2) التهذيب 2 : 264 / 1051.

ففرّق بين الوقتين وشوّش بذلك معنى الرواية ، ليستنتج ما زعمه من منع دلالتها على جواز التطوع في وقت الفريضة ، وبذلك خرج عن أُسلوب الكلام وأخلّ بنظم العبارة مع ظهورها فيما قرّبناه حسبما عرفت ، فراجع تمام كلامه (1)لتقف على مدى ضعفه وصدق ما ادعيناه.

وعليه فلو ضممنا هذه الموثقة مع النصوص المتقدمة المانعة عن التطوع في وقت الفريضة ، كان مقتضى الجمع العرفي الحمل على الكراهة ، أو الإرشاد إلى ما هو الأفضل من غير حزازة في التنفل نفسه ، برفع اليد عن ظهور إحداهما بصراحة الأُخرى كما سبق.

وما عن صاحب الحدائق من إنكار هذا الجمع وعدم كونه عرفياً ، نظراً إلى أن الأمر حقيقة في الوجوب مجاز في غيره ، كما أن النهي حقيقة في التحريم مجاز في غيره فلا سبيل لحملهما على غيرهما.

كما ترى ، فان باب المجاز على تقدير تسليمه واسع مع نصب القرينة ، والعبرة بظهور الكلام ، ومقتضاه بعد ضم أحد الدليلين إلى الآخر ما عرفت ، وهو من أجلى مصاديق الجمع العرفي المقبول كما لا يخفى.

ومنها : صحيحة محمد بن مسلم قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : إذا دخل وقت الفريضة أتنفّل أو أبدأ بالفريضة؟ قال : إن الفضل أن تبدأ بالفريضة وإنما أخّرت الظهر ذراعاً من عند الزوال من أجل صلاة الأوّابين » (2).

فإنها صريحة في جواز التطوع في وقت الفريضة ، بيد أنّ البدأة بالفريضة أفضل ، إلا في الظهرين فان المتعيّن فيهما تقديم النافلة بذراع أو ذراعين حسبما تقدم في محلّه (3).

وما عن صاحب الحدائق من تفسير الفضل بالمشروعية ، وأنّ تخصيصه


1) الحدائق 6 : 263.

2) الوسائل 4 : 230 / أبواب المواقيت ب 36 ح 2 ، 3.

3) في ص 238.

بالفريضة يكشف عن عدم مشروعية النافلة ، قال : ومتى كانت لا فضل فيها ، فلا يشرع الإتيان بها لأنها عبادة ، فإذا انتفى الفضل فيها دلّ على عدم صحتها (1).

غير قابل للإصغاء ، لعدم مساعدة العرف ولا اللغة على هذا التفسير ، بل الفضل بمعنى الزيادة ، ومن ثم لا يطلق الفاضل على الذات المقدسة ، لأنّ صفاته عين ذاته ، ويستحيل أن يكون معرضاً لصفة زائدة. إذن فمعنى قوله عليه‌السلام : « إن الفضل أن تبدأ بالفريضة » أنّ البدأة بالفريضة تستوجب زيادة المثوبة ، فعكسها ينفي الزيادة ، لا أنه ينفي المشروعية كما لعله واضح جدّاً.

فهذه الصحيحة أيضاً خير شاهد على حمل النصوص المتقدمة الناهية عن التطوع في وقت الفريضة على الكراهة والمرجوحية ، أو على ما سبقت الإشارة إليه من الإرشاد إلى اختيار الفرد الأفضل من غير حزازة ولا منقصة في التنفل نفسه ، وأن الوقت في حد ذاته صالح لكل من التطوع والفريضة ، غير أنهما لمّا كانا متزاحمين وكانت مصلحة فضيلة أول الوقت أهم وأقوى من مصلحة التنفل ، فمن ثمّ تعلّق النهي به إرشاداً إلى اختيار أفضل المتزاحمين ، فالنهي عرضي إرشادي نشأ عن المزاحمة المزبورة ولم يكن ذاتياً.

ومما يؤكد ذلك ويؤيده : ما ورد من الترخيص في التنفل بعد دخول وقت الفريضة لمن ينتظر الجماعة كموثقة إسحاق بن عمار قال « قلت : أُصلي في وقت فريضة نافلة ، قال : نعم في أول الوقت إذا كنت مع إمام تقتدي به ، فاذا كنت وحدك فابدأ بالمكتوبة » (2)حيث يستفاد من التفصيل بين المنفرد والمقتدي صلوح الوقت للتطوع كالفريضة مع أفضلية البدأة بها ، لكن انتظار الجماعة لما اشتمل على مصلحة راجحة على مصلحة الوقت ارتفعت المزاحمة عن الاشتغال بالنافلة في هذه الحالة ، وإنما جعلناها مؤيدة لاحتمال اختصاص الحكم بمريد


1) الحدائق 6 : 262.

2) الوسائل 4 : 226 / أبواب المواقيت ب 35 ح 2.

ولمن عليه فائتة على الأقوى (1).


الجماعة ، فهو الذي يجوز له التنفل في وقت الفريضة دون غيره ، فانّ هذا الاحتمال مما يتطرق بالوجدان ، وإن كان الأظهر خلافه حسبما عرفت ، هذا.

وورد في صحيحة عمر بن يزيد « أنه سأل أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الرواية التي يروون أنه لا يتطوّع في وقت فريضة ، ما حدّ هذا الوقت؟ قال : إذا أخذ المقيم في الإقامة ، فقال له : إن الناس يختلفون في الإقامة ، فقال : المقيم الذي يصلي معه » (1).

وغير خفي أنّ هذه الصحيحة حاكمة على جميع نصوص الباب ، حيث تضمنت تفسير الوقت الممنوع فيه التطوع وأنه الوقت الذي يأخذ المقيم في الإقامة مع مزيد توضيحه بإرادة المقيم الذي يصلي معه ، فقبله لا منع بتاتاً ، ولكنه أيضاً خاص بمريد الجماعة ، وأما المنفرد فالأفضل في حقه تقديم الفريضة حسبما تقدم.

(1) وأما في المقام الثاني : أعني التطوع ممن عليه فريضة قضائية ، فالكلام فيه أيضاً يقع تارة في المقتضي للمنع ، وأُخرى في المانع عنه.

أما الموضع الأول : فالمشهور على ما في الحدائق (2)هو المنع كما هو الحال في الصيام بلا كلام ، ويستدل له بوجوه :

أحدها : النبوي المتقدم الذي أرسله المفيد : « لا صلاة لمن عليه صلاة » (3).

وفيه : أن الدلالة وإن كانت تامة لظهور « لا » النافية للجنس في نفي المشروعية المساوق لعدم الصحة. والحمل على نفي الكمال خلاف الظاهر لا يصار إليه من غير قرينة تدل عليه كما في : « لا صلاة لجار المسجد إلا في


1) الوسائل 4 : 228 / أبواب المواقيت ب 35 ح 9.

2) الحدائق 6 : 268.

3) المستدرك 3 : 160 / أبواب المواقيت ب 46 ح 2 ، رسالة في عدم سهو النبي : 28.

المسجد » (1)غير أن السند ضعيف كما عرفت ، فلا يمكن التعويل عليه.

ثانيها : ما استدل به في الحدائق (2)من النصوص الدالة على ترتب الحاضرة على الفائتة ، ووجوب تأخير الحاضرة ما لم يتضيق وقتها ، الكاشف عن أنّ فراغ الذمة عن القضاء معتبر في صحة الأداء ، فإذا تمّ الترتيب في صاحبة الوقت تمّ في نافلتها التي هي من توابعها وملحقاتها بطريق أولى ، وأولى من ذلك النوافل المبتدأة ، لوضوح أن تلك أهم منها ، فالترتب فيها يستلزم الترتب في هذه بالأولوية القطعية.

ولكنك خبير بما في هذا الاستدلال ، بل هو من مثله ممن لا يعتمد على غير الكتاب والسنة ، ولا يعتني بما يشبه الأقيسة والاستحسانات الظنية من الغرابة بمكان ، إذ ليت شعري أيّ ملازمة بين تقديم الفائتة على الحاضرة وبين تقديمها على نافلتها ، فان التقديم على القول به يستند إلى ما يراه القائل من قيام الدليل على اعتبار الترتيب بين الفريضتين ، كقيامه على اعتباره بين الظهرين أو ما بين العشاءين ، فكيف يتعدى منها إلى النافلة التي هي صلاة أُخرى مستقلة ، وما هو الدليل على إسراء ما يعتبر في إحداهما إلى الأُخرى وهل هذا إلا قياس محض ، بل مع الفارق الظاهر ، لوضوح ابتناء النوافل على التخفيف والتسهيل ومن ثم لا يعتبر فيها كثير مما يعتبر في الفرائض من القيام والاستقبال والاستقرار وما شاكل ذلك. فليكن المقام من هذا القبيل.

أجل ، لو كان المستند في اعتبار الترتيب أهمية الفائتة من الحاضرة ، صحت حينئذ دعوى الأولوية ، بداهة أن صاحبة الوقت أهم من نافلتها فضلاً عن غيرها ، فتقديم الفائتة بذاك المناط يستلزم تقديمها على النوافل المرتّبة فضلاً عن المبتدأة بالأولوية القطعية ، لكن المبنى بمراحل عن الواقع كما هو ظاهر.


1) الوسائل 5 : 194 / أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 1.

2) الحدائق 6 : 268.

ثالثها : النصوص الدالة على المضايقة ولزوم المبادرة إلى القضاء فوراً ، فان مقتضاها عدم جواز التطوع لمنافاته مع التضييق المزبور ، فلا بد إذن من تقديمه على النافلة.

وفيه أوّلاً : ضعف المبنى ، والصواب هو القول بالمواسعة كما سيوافيك تحقيقه في محله (1)إن شاء اللّه تعالى.

وثانياً : مع التسليم فالمراد إنما هو المضايقة العرفية بحيث لا يعدّ متوانياً ومتسامحاً في القضاء ، لا الدقية بحيث يلزمه الاقتصار على الأُمور الضرورية ، فإن هذا مما لا دليل عليه بوجه ، ومن البديهي أنه لا ينافيها الإتيان ببعض المباحات فضلاً عن النوافل.

وثالثاً : مع التسليم أيضاً فغايته أن يكون عاصياً في التأخير لا الحكم ببطلان النافلة ، ضرورة إمكان تصحيحها بالترتب بعد اندراج المقام في كبرى المزاحمة بين الأهم والمهم ، وكون هذا التصحيح مطابقاً لمقتضى القاعدة حسبما فصلنا القول فيه في الأُصول (2).

ورابعاً : مع التسليم أيضاً فالدليل أخص من المدعى ، إذ قد لا يستطيع المكلف من التصدي للقضاء فعلاً ، لانتفاء بعض الشرائط ككونه فاقداً للماء ، أو عاجزاً عن القيام أو الاستقرار ، مع العلم بزوال هذه الأعذار بعد حين ، فإنه يجب عليه تأخير القضاء إلى أن يتمكن من الإتيان به على وجهه ، وحينئذ فأيّ مانع من الاشتغال في هذه الفترة بالنافلة بعد وضوح صحتها منه في هذه الحالات بأن يتنفل متيمماً أو جالساً أو ماشياً وإن علم بزوال العذر فيما بعد.

وعلى الجملة : فالقول بالمضايقة لا يستوجب بطلان النافلة حتى مع الغض عن جميع ما ذكر إلا بنحو الموجبة الجزئية لا بقول مطلق كما هو المدعى.

رابعها : صحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال :


1) العروة الوثقى 1 : 554 / 1803.

2) محاضرات في أُصول الفقه 3 : 94.

« سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس أيصلي حين يستيقظ أو ينتظر حتى تنبسط الشمس؟ فقال : يصلي حين يستيقظ ، قلت : يوتر أو يصلي الركعتين؟ قال : بل يبدأ بالفريضة » (1).

فإن الأمر بالبدأة بالفريضة ظاهر في عدم مشروعية النافلة ممن عليه الفريضة القضائية.

ويندفع أوّلاً : بمعارضتها في موردها بموثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سألته عن رجل نام عن الغداة حتى طلعت الشمس ، فقال : يصلي ركعتين ثم يصلي الغداة » (2).

ومقتضى الجمع العرفي بينهما حمل الصحيحة على المرجوحية ، لكون الموثقة نصاً في جواز البدأة بالنافلة فيرفع اليد عن الظاهر بالنص.

وإن أبيت عن هذا الجمع فغايته التساقط بعد التعارض ، فلا يصح الاستدلال بها لا على المشروعية ولا على عدمها.

وثانياً : أنّ موردها مع الغض عن المعارضة إنما هو صلاة الغداة ، والتعدي عنها إلى غيرها بعد احتمال الاختصاص بها يحتاج إلى الدليل وإذ لا دليل فلا سبيل للاستدلال بها على عدم المشروعية بقول مطلق كما هو المدعى ، هذا.

وعن الشيخ حمل الموثقة على صورة انتظار الجماعة فجمع بينها وبين الصحيحة بحمل الثانية على صورة الانفراد وعالج المعارضة بذلك (3)، ولكنه كما ترى جمع تبرعي عارٍ عن كل شاهد ولا يمكن المصير إلى مثله بوجه.

نعم ، لا بأس بهذا الحمل في الروايات الناطقة بأن النبي صلی اللّه عليه وآله رقد فغلبته عيناه ولم يستيقظ إلا بعد ما طلعت الشمس ، وركع ركعتين ثم


1) الوسائل 4 : 284 / أبواب المواقيت ب 61 ح 4 ، 2.

2) الوسائل 4 : 284 / أبواب المواقيت ب 61 ح 4 ، 2.

3) التهذيب 2 : 265.

قام فصلى بهم الصبح (1)لأنّ موردها الجماعة ، وقد استدل بها بعضهم على جواز التنفل ممّن عليه القضاء.

ولكن هذه الأخبار بالرغم من صحة أسانيد جملة منها غير قابلة للتصديق ، لمخالفتها مع أُصول المذهب كما لا يخفى.

وتوجيهها كما عن بعضهم بعدم منافاتها للعصمة ومقام النبوة ، لجواز استناد غلبة النوم إليه سبحانه مراعاة للمصلحة النوعية وهي التسهيل على الأُمة كي لا يقع من ينام عن الفريضة مورداً للعتاب والتشنيع والسقوط عن الأنظار ، ولا سيما إذا كان من الأعاظم والأكابر وذوي المناصب العالية ، فإنّ له تأسياً بالمعصوم صلی اللّه عليه وآله.

يدفعه : أنه نِعم التوجيه لولا منافاته مع ما في بعض تلكم النصوص من استناده إلى الشيطان ، ففي صحيح ابن سنان : « نمتم بوادي الشيطان » وفي صحيح زرارة (2): « قوموا فتحوّلوا عن مكانكم الذي أصابكم فيه الغفلة » (3).

وفي رواية دعائم الإسلام : « فقال صلی اللّه عليه وآله : تنحوا من هذا الوادي الذي أصابتكم فيه هذه الغفلة فإنكم بتّم بوادي الشيطان » (4).

أضف إلى ذلك : أنه لو كان مستنداً إليه سبحانه فلما ذا كره المقام في ذلك المكان حسبما تضمنته صحيحة ابن سنان الآنفة الذكر.

فالإنصاف أنها غير صالحة للاستدلال ، ولا يكاد ينقضي العجب مما ذكره بعضهم من تصديقها في الدلالة على جواز التنفل ممن عليه الفريضة وإن كانت مرفوضة من حيث الدلالة على نومه صلی اللّه عليه وآله عن الصلاة ، إذ ليت


1) الوسائل 4 : 283 / أبواب المواقيت ب 61. المستدرك 3 : 160 / أبواب المواقيت ب 46 ح 1.

2) [ سبق أن ضعّفه في ص 326 ].

3) الوسائل 4 : 283 / أبواب المواقيت ب 61 ح 1 ، 6.

4) المستدرك 3 : 160 / أبواب المواقيت ب 46 ح 1.

شعري بعد الرفض المزبور وإنكار تعلق القضاء به صلی اللّه عليه وآله فهل يبقى بعدئذ موضوع لعنوان التطوع ممن عليه الفريضة حتى يصح الاستدلال بها ، وهل ذلك إلا سالبة بانتفاء الموضوع وقد ذكرنا في الأُصول (1)أنّ الدلالة الالتزامية تابعة للمطابقية في الوجود والحجية ، فإذا سقطت المطابقية لمنافاتها للعصمة كما هو المفروض تبعتها الالتزامية في السقوط بطبيعة الحال ، فكيف يمكن الاستدلال بها.

خامسها : ما تقدم (2)نقله عن الشهيد الأول في الذكرى مرسلاً وعن الشهيد الثاني في الروض واصفاً لها بالصحة عن زرارة قال : « قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : أُصلي نافلة وعليّ فريضة أو في وقت فريضة قال : لا ، إنه لا يصلى نافلة في وقت فريضة ، أرأيت لو كان عليك من شهر رمضان أكان لك أن تتطوع حتى تقضيه؟ قال : قلت لا ، قال : فكذلك الصلاة ».

ولكنك عرفت فيما سبق ضعف سند الرواية ، لعدم وصول طريق الشهيد إلينا لننظر في سنده. وتوصيفه له بالصحة لا يجدي بالإضافة إلينا ، لجواز أن يكون ذلك اجتهاداً منه ، وربما لا نوافقه لو لاحظنا السند ، فانّ نظره لا يكون حجة في حقنا ، ومن ثم لا نرى حجية جميع الأخبار الواردة في الكافي ما لم نلاحظ سند كل واحد بخصوصه ، وإن وصف الكليني جميعها بالاعتبار والحجية ، هذا.

ومع الغض والتسليم فهي معارضة بما رواه الشهيد عن زرارة من التفصيل بين الفريضة القضائية والأدائية بجواز التطوع ممّن عليه الاولى دون الثانية ، قال في الوسائل : روى الشهيد في الذكرى بسنده الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة. قال : فقدمت الكوفة ، فأخبرت الحكم بن عتيبة وأصحابه فقبلوا ذلك مني إلى أن قال : -


1) مصباح الأصول 3 : 368.

2) في ص 325.

فصلى رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله ركعتي الفجر وأمر أصحابه فصلّوا ركعتي الفجر ، ثم قال : فصلى بهم الصبح إلى أن قال : فحملت الحديث إلى الحكم وأصحابه فقالوا : نقضت حديثك الأول ، فقدمت إلى أبي جعفر عليه‌السلام فأخبرته بما قال القوم ، فقال : يا زرارة إلا أخبرتهم أنه قد فات الوقتان جميعاً وأن ذلك كان قضاءً من رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله » (1).

ومقتضى الجمع العرفي بعد صراحة هذه في الجواز حمل النهي في الأُولى على الكراهة أو الإرشاد حسبما تقدم.

سادسها : وهو أحسن ما استدل به في المقام ، صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام « أنه سئل عن رجل صلى بغير طهور ، أو نسي صلاة لم يصلها ، أو نام عنها فقال : يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار ، فاذا دخل وقت الصلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي قد حضرت وهذه أحق بوقتها فليصلها ، فاذا قضاها فليصلّ ما فاته مما قد مضى ، ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها » (2)فإنها صريحة في النهي عن التطوع ممن عليه القضاء كما أنها صحيحة السند.

ولكنك عرفت فيما سبق المناقشة في دلالتها ، نظراً إلى أن النهي عن التطوع لم يكن حكماً مستقلا جديداً وإنما هو متفرع على الأمر بالقضاء وثبوت التضييق فيه ، فان من شؤونه وتوابعه المنع عن التطوع ، فاذا كان الأمر المزبور محمولاً على الاستحباب كما هو مقتضى القول بالمواسعة وهو الصواب فلا جرم كان النهي المذكور محمولاً على التنزيه فتصح النافلة وإن كانت مكروهة.

بل الأمر كذلك حتى على القول بالمضايقة ، إذ لا يكاد يستفاد من الصحيحة شرطية الفراغ عن القضاء في صحة النافلة بوجه ، بل غايته المزاحمة بينهما ولزوم تقديم القضاء ، فلو خالف وقدّم النافلة أمكن تصحيحها بالترتب وإن


1) الوسائل 4 : 285 / أبواب المواقيت ب 61 ح 6 ، الذكرى 2 : 422.

2) الوسائل 8 : 256 / أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 3.

كان عاصياً في التأخير ، فهي إذن مشروعة ومحكومة بالصحة على كل تقدير.

والمتحصل من جميع ما تقدم : أنّ المقتضي للمنع عن التطوع ممن عليه القضاء قاصر في حدّ نفسه ، لعدم نهوض شي‌ء مما استدل به المانعون لإثباته.

وأما الموضع الثاني : أعني المانع على تقدير ثبوت المقتضي الذي هو بمثابة المعارض له ، فقد اتضح مما سبق أنه موجود وهو موثق سماعة وصحيح محمد ابن مسلم المتقدمان (1)في المسألة السابقة ، حيث عرفت دلالتهما صريحاً على جواز التطوع ممن عليه الأداء ، فإنهما تدلان عليه في القضاء أيضاً بطريق أولى ، إذ لم يقل أحد بجواز النافلة ممن عليه الحاضرة وعدمه ممن عليه الفائتة بخلاف العكس ، حيث ذهب إليه بعضهم استناداً إلى ما رواه الشهيد عن زرارة الحاكية لتعريس النبي صلی اللّه عليه وآله والمتضمنة للتفصيل بين الأداء والقضاء بالمنع في الأول دون الثاني وقد تقدمت.

إذن فالقول بالجواز ممن عليه الحاضرة كما تضمنته الموثقة والصحيحة يستلزم الجواز ممن عليه الفائتة بالأولوية القطعية ، ويتأيد ذلك بروايتين :

إحداهما : موثقة أبي بصير المتقدمة (2)سابقاً عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سألته عن رجل نام عن الغداة حتى طلعت الشمس ، فقال : يصلي ركعتين ثم يصلي الغداة » (3).

وهي كما ترى صريحة الدلالة ، وإنما جعلناها مؤيّدة لأن موردها قضاء صلاة الغداة ، ومن الجائز على بُعد اختصاص الحكم بها ، وعدم الدليل على التعدي عنها فتكون أخص من المدعى.

ثانيتهما : ما رواه علي بن موسى بن طاوس في كتاب غياث سلطان الورى عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « قلت له : رجل عليه دين من صلاة قام يقضيه فخاف أن يدركه الصبح ولم يصل صلاة ليلته تلك ،


1) في ص 333 ، 335.

2) في ص 340.

3) الوسائل 4 : 284 / أبواب المواقيت ب 61 ح 2.

والأحوط الترك بمعنى تقديم الفريضة وقضائها (1).

[1207] مسألة 17 : إذا نذر النافلة لا مانع من إتيانها في وقت الفريضة ولو على القول بالمنع (2).


قال : يؤخر القضاء ويصلي صلاة ليلته تلك » (1).

وهي أيضاً صريحة في المطلوب ، غير أن السند ضعيف ، لجهالة طريق ابن طاوس إلى حريز فلا تصلح إلا للتأييد.

والمتحصل من جميع ما قدّمناه لحد الآن : جواز التطوع ممن ذمته مشغولة بالفريضة سواء كانت أدائية أم قضائية ، وأنّ ما ورد من النهي عنه محمول على الكراهة أو على الإرشاد إلى ما هو الأهم والأفضل ، لا أن تكون صحّة النافلة مشروطة بفراغ الذمة عن الفريضة بوجه حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.

(1) هذا الاحتياط إنما يتجه لو كانت الحرمة المحتملة ذاتية ، فتؤخر النافلة حذراً عن الوقوع في الحرام الواقعي ، وليس كذلك قطعاً ، بل هي على تقدير ثبوتها تشريعية محضة ، إذ لا يستفاد من الأدلة الناهية أكثر من عدم الأمر بها ما دامت الذمة مشغولة بالفريضة كما لا يخفى.

وعليه فسبيل الاحتياط ترك النافلة عن نية جزمية والإتيان بها بعنوان الرجاء واحتمال الأمر ، فإن أصاب وإلا فلا ضير فيه (2).

(2) لا شبهة في صحة نذر النافلة كصحة الإتيان بالمنذور في وقت الفريضة ، بناءً على ما هو المختار من مشروعية التطوع في وقت الفريضة ، بل تصح حتى إذا كان المنذور هو التطوع في هذا الوقت خاصة ، فضلاً عما إذا كان مطلقاً أو مقيداً بوقت أوسع منه كما هو واضح.


1) الوسائل 4 : 286 / أبواب المواقيت ب 61 ح 9.

2) هذا الاحتياط وإن كان حسناً من حيث الاجتناب عن ارتكاب الحرام ، لكنه لا يفي بأداء وظيفة النافلة ، والاحتياط الحاوي لكلتا الجهتين هو ما ذكره في المتن.

وأما بناءً على المشهور من عدم المشروعية ، فتارة يكون متعلق النذر مطلقاً وأُخرى مقيداً بوقت الفريضة.

أما في الصورة الاولى : فلا ينبغي الإشكال في صحة النذر أيضاً ، لأن متعلقها وهو طبيعي النافلة راجح ومقدور للناذر عقلاً وشرعاً ولا مانع بعد هذا من الإتيان بها في وقت الفريضة ، إذ هي بالنذر تتصف بالوجوب وتخرج عما كانت عليه من عنوان التطوع الذي هو بمعنى الإتيان عن طوع ورغبة ، فإنه ملزم بها بمقتضى نذره ، فلا تشملها الروايات الناهية عن التطوع في وقت الفريضة.

ودعوى أن الإتيان بها في وقت الفريضة مرجوح فلا يكون مشمولاً للنذر كما ترى ، ضرورة أن المتعلق هو الطبيعي المطلق والجامع الشامل له ولغيره على الفرض ، وقد ذكرنا في الأُصول (1)أنّ معنى الإطلاق رفض القيود لا أخذها ولحاظها بأسرها. إذن فما هو المتعلق للنذر غير مرجوح ، وما هو المرجوح لم يكن متعلقاً للنذر.

وما قد يقال من أن الجامع بين المرجوح وغيره مرجوح ، كلام صوري لا أساس له من الصحة ، بداهة أن المرجوحية من عوارض الفرد نشأت من اقترانه ببعض الملابسات ولم تكن ملحوظة في صقع الذات ونفس الجامع بوجه ، فان متعلق النذر هو طبيعي الصلاة التي هي خير موضوع ، فكيف يكون مرجوحاً.

إلا أن يقال : إن المقصود من التطوع الممنوع في لسان الأدلة هو ما كان تطوعاً ومستحباً في حدّ ذاته مع الغض عن العوارض الطارئة.

ولكنه بمراحل عن الواقع ، لظهور الأدلة في العناوين الفعلية وما هو تطوع بالحمل الشائع وبوصفه العنواني بحيث يكون صدوره خارجاً بداعي التطوع


1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 346.

هذا إذا أطلق نذره ، وأما إذا قيّده بوقت الفريضة فإشكال على القول بالمنع وإن أمكن القول بالصحة ، لأن المانع إنما هو وصف النفل وبالنذر يخرج عن هذا الوصف ويرتفع المانع ، ولا يرد أنّ متعلق النذر لا بد أن يكون راجحاً ، وعلى القول بالمنع لا رجحان فيه فلا ينعقد نذره ، وذلك لأن الصلاة من حيث هي راجحة ، ومرجوحيتها مقيّدة بقيد يرتفع بنفس النذر ، ولا يعتبر (1)في متعلق النذر الرجحان قبله ومع قطع النظر عنه حتى يقال بعدم تحققه في المقام (1).


ومتصفاً بالاستحباب في ظرف العمل ، ولا شبهة في زوال هذا العنوان بعد تعلق النذر حسبما عرفت.

(1) وأما في الصورة الثانية : فغير خفي أن التقييد يتصور على نحوين :

أحدهما : أن يكون الوقت الذي قيّد به المنذور أوسع من وقت الفريضة ، بحيث يتمكن من الإتيان به في زمان تكون الذمة فارغة عنها ، كما لو نذر الإتيان بصلاة جعفر عليه‌السلام يوم الجمعة وعليه فريضة قضائية أو أدائية يمكنه تفريغ الذمة عنها ، ثم التصدي للنافلة.

وقد علم حكم هذه الصورة مما مرّ ، فان مثل هذه النافلة مشروعة ومقدورة ، فلا مانع من أن تكون منذورة وبعد انعقاد النذر والحكم بصحته ساغ الإتيان بها حتى قبل تفريغ الذمة عن الفريضة ، فإنها بعد زوال عنوان التطوع بعروض النذر وصيرورتها واجبة كان الإتيان بها من الفريضة قبل الفريضة لا من التطوع قبلها كما لا يخفى ، وهذا واضح.

ثانيهما : أن يكون المنذور مقيّداً بالوقت المجعول للفريضة بحيث لا يسعه [ إلاّ ] الإتيان به قبل تفريغ الذمة عنها ، كما لو نذر الإتيان بصلاة جعفر بعد الغروب أو عند الزوال مباشرة ، فهل ينعقد مثل هذا النذر؟ فيه خلاف شديد


1) (*) في البيان قصور ظاهر ، وإن كان ما اختاره هو الصحيح.

بين الأعيان ، وفي المسألة قولان معروفان ، ذهب إلى كل منهما جماعة كثيرون ، فاختار فريق ومنهم المحقق الهمداني (1)قدس‌سره الفساد وعدم الانعقاد نظراً إلى اعتبار الرجحان في متعلق النذر ، والتطوع في وقت الفريضة أمر مرجوح بل غير مشروع حسب الفرض ، ومن المعلوم أن غير المشروع لا ينقلب بالنذر إلى المشروع فكيف يحكم بصحته وانعقاده.

وذهب آخرون ومنهم السيد الماتن قدس‌سره إلى الصحة وذكر قدس‌سره في وجهها ما ملخصه : أنه يكفي في الرجحان المعتبر في متعلق النذر حصوله ولو من قِبل نفس النذر ولا يلزم أن يكون راجحاً قَبله ، وبما أن الصلاة المنذورة في مفروض المسألة بما لها من الخصوصية تصبح راجحة بعد تعلق النذر بها ، فلا مانع من انعقاده ووجوب الوفاء به.

ولكنك خبير بأن هذا الكلام بظاهره لا يمكن المساعدة عليه ، بل غير قابل للتصديق ، إذ ليت شِعري ما هو الكاشف عن حدوث الرجحان بالنذر ، ومن أيّ طريق يحرز تأثيره فيه ما لم يقم عليه دليل بالخصوص ، كما في نذر الإحرام قبل الميقات والصيام في السفر ، حيث علمنا من دليل صحة النذر في هذين الموردين وهما محرّمان حدوث الرجحان به ، ولم يرد مثله في المقام ، ومن الواضح عدم إمكان الإذعان بحدوث الرجحان من قبل النذر بقول مطلق ، لما فيه ما فيه مما لا يخفى على ذي مسكة.

وبالجملة : بعد الاعتراف بالمرجوحية قبل تعلق النذر ما هو الدليل على انقلابها الى الرجحان بسببه ، ولا سيما بعد أن كان مقتضى إطلاق دليلها شمولها لما بعد النذر أيضاً كما لا يخفى ، هذا.

ولكن الظاهر أنّ السيد الماتن قدس‌سره يريد من كلامه هذا شيئاً آخر هو الصواب قد أُشير إليه في مطاوي عبارته وإن كانت قاصرة نوعاً ما عن إفادته ، وهو أن الصلاة لا شبهة في رجحانها في حدّ ذاتها ، فإنها عبادة بل خير


1) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 64 السطر 30.

موضوع من شاء استقل ومن شاء استكثر ، والمرجوحية المفروضة إنما نشأت من أجل تعنونها بعنوان التطوع في وقت الفريضة ، وبما أن هذا العنوان متقوم بالإتيان بما لا إلزام فيه ، وإنما يأتي به المكلف عن طوعه ورغبته ، والمفروض انقلابه بسبب النذر إلى الإلزام المزيل لذاك العنوان ، فلا مانع بعد ارتفاع المانع من الالتزام بصحة النذر وكونه مشمولاً لإطلاقات أدلة الوفاء به.

وبالجملة : المقصود من نذر التطوع نذر ما هو تطوع في حدّ ذاته لا حتى بعد النذر ، لامتناع امتثاله بوصفه العنواني بعد انعقاده كما هو واضح ، فاذا كان المتعلق هو الذات وهي مشروعة مقدورة راجحة وعمّها دليل الصحة ، خرجت بقاءً عن تحت عنوان التطوع خروجاً وجدانياً تكوينياً غير مستند إلى التشريع ليحتاج إلى الدليل ، إذ ليس هو من باب التخصيص ، بل من باب ارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه ، بداهة انقلاب عنوان التطوع إلى الفرض بسبب النذر واندراجه تحت عنوان الفريضة قبل الفريضة بدلاً عن التطوع قبلها ، وليس مراده قدس‌سره أن النذر محقق ومولّد للرجحان ليطالب بالدليل والبرهان وإن كان ربما يوهمه ظاهر عبارته قدس‌سره.

ومما ذكرنا تعرف أنّ النقض على المصنف بنذر المحرمات بدعوى أنه لو كان موجباً للرجحان فهلاّ يكون كذلك فيها أيضاً ، ساقط جدّاً ، لما عرفت من أن الصلاة راجحة في حد ذاتها وقبل تعلق النذر بها ، غير أنها مكتنفة بخصوصية موجبة للحزازة مرفوعة بنفس النذر تكويناً لا أنه يحدث الرجحان فيها ، فلا تقاس بفاقد المزية فضلاً عن المحرمات الشرعية.

كما أن الإيراد عليه بأن الصلاة المقترنة بتلك الخصوصية غير مقدورة ، لأنها تطوع في وقت الفريضة الممنوع في الشريعة ، ولا يتعلق النذر إلا بالأمر المقدور.

مدفوع بكفاية القدرة حين العمل وبعد انعقاد النذر ، ولا تعتبر القدرة قبله.

وقد ذكرنا في الأُصول (1)أنه لا عبرة بالقدرة حال الخطاب وزمان الإيجاب ، بل المدار في الاعتبار هو ظرف الامتثال ووقت الإتيان بالعمل خارجاً ، والمفروض حصول القدرة في هذه الحالة ، بل يمكن القول بحصولها حتى قبلها ، إذ المقدور مع الواسطة مقدور ، فهو قادر قبل النذر على الإتيان بصلاة جعفر يوم الجمعة عند الزوال وقبل الإتيان بفريضة الظهر ، بالقدرة على النذر المستوجب لانقلاب الموضوع حسبما عرفت.

والنتيجة : أنّ ما أفاده الماتن قدس‌سره من صحة النذر في مفروض المسألة هو الصحيح ، وإن كانت العبارة قاصرة ، حيث يوهم ظاهرها نشوء الرجحان من النذر ، وليس كذلك ، وإنما الناشئ منه هو القدرة شرعاً على العمل بالنذر حيث يزول به المانع الشرعي تكويناً ، فلو أُبدل الرجحان الواقع في كلامه بالقدرة وقال هكذا : ولا تعتبر في متعلق النذر القدرة عليه قبله ، لسلم عن الاشكال.

وقد استبان بما حققناه الفرق الواضح بين المقام وبين مثل نذر الصوم في السفر ، حيث إن موضوع هذا النذر وهو كون الصوم في السفر لا يرتفع بالنذر ، بل هو شي‌ء واحد قبله وبعده ، فمن ثم احتاج نفوذ النذر إلى الدليل بعد أن كان متعلقه محرّماً في نفسه ، بخلاف المقام حيث إن العنوان المحرّم وهو التطوع قبل الفريضة يزول بنفس النذر تكويناً ويتبدل بالفريضة قبل مثلها ، ومن ثم كانت الصحة مطابقة للقاعدة من غير حاجة إلى التماس دليل خاص ، هذا.

ولمزيد توضيح المقام بما يزيل غشاوة الإبهام نقول : إن المأخوذ في لسان الروايات الناهية هو عنوان التطوع أو النافلة. والمحتمل بدواً في هذا الأخذ أن يكون على أحد أنحاء ثلاثة :

الأول : أن يكون على سبيل الطريقية ومحض المعرّفية من غير دخالة له في


1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 354.

متعلق النهي ، فيكون المنهي عنه في الحقيقة هو ذات الصلاة ، والتطوع أو التنفل ملحوظ على نحو العنوان المشير إلى ما هو المتعلق.

فعليه يكون النذر في المقام باطلاً من أصله ، لأن المفروض أن ذات المتعلق منهي عنه وحرام إما ذاتاً أو تشريعاً ، وإن كان الأول بعيداً جدّاً كما تقدم ، وكيف ما كان فمجرد الحرمة ولو كانت تشريعية كافية في عدم انعقاد النذر كما هو واضح.

ولكن هذا النحو من الأخذ خلاف ظواهر النصوص الناهية عن التطوع في وقت الفريضة ، لأن ظاهرها أن لعنوان التطوع مدخلاً في تعلق النهي كما لا يخفى.

الثاني : أن يكون للتطوع بما له من العنوان الواقعي دخل في تعلق النهي ، فيكون المنهي عنه عنوان ما هو تطوع وتنفّل بالفعل ، أي ذات الصلاة مع اتصافها فعلاً بكونها تطوعاً واقعاً.

وهذا الاحتمال كما ترى فاسد جزماً ، بل غير معقول في نفسه ، ضرورة أن فرض الاتصاف بالتنفل فعلاً مساوق لافتراض الرجحان والمحبوبية الفعلية ، فكيف يمكن أن يقع مع هذا الوصف العنواني مورداً للنهي الشرعي حتى بناءً على جواز اجتماع الأمر والنهي ، فان ما هو محبوب للمولى لا يمكن أن يكون منهياً عنه ، بداهة أن النهي عن المحبوب بما هو محبوب غير معقول ، فلا جرم يتعين الاحتمال [ الثالث ].

الثالث : وهو أن يكون المنهي عنه قصد عنوان التطوع ، لا ذات الصلاة ولا المركّب منها ومن التطوع الواقعي ، بل الحرام ما قصد به التطوع والتنفّل ، والعمل الذي يؤتى به خارجاً بهذا العنوان ، فيكون مفاد الروايات الناهية المنع عن الصلاة التي قصد بها التطوع في وقت الفريضة ، وهذا أمر ممكن في نفسه ولا ضير فيه ، بل هو الظاهر من قوله عليه‌السلام : « فلا تطوع » ، الوارد في نصوص الباب ، وبه يستكشف عدم تعلق الأمر بهذا العنوان.

[1208] مسألة 18 : النافلة تنقسم إلى مرتّبة وغيرها ، والأُولى : هي النوافل اليومية التي مرّ بيان أوقاتها. والثانية : إمّا ذات السبب كصلاة الزيارة والاستخارة ، والصلوات المستحبة في الأيام والليالي المخصوصة ، وإما غير ذات السبب وتسمى بالمبتدئة. لا إشكال في عدم كراهة المرتّبة في أوقاتها وإن كان بعد صلاة العصر أو الصبح ، وكذا لا إشكال في عدم كراهة قضائها في وقت من الأوقات ، وكذا في الصلوات ذوات الأسباب (1)وأما النوافل المبتدأة التي لم يرد فيها نص بالخصوص ، وإنما يستحب الإتيان بها لأن الصلاة خير موضوع ، وقربان كل تقي ، ومعراج المؤمن ، فذكر جماعة أنه يكره الشروع فيها في خمسة أوقات (1) أحدها : بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس. الثاني : بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس. الثالث : عند طلوع الشمس حتى تنبسط. الرابع : عند قيام الشمس حتى تزول. الخامس : عند غروب الشمس أي قبيل الغروب.


إذن فالمنقصة والحزازة مستندة إلى قصد هذا العنوان ، أما ذات الصلاة فهي باقية على ما هي عليه من الرجحان فإنها خير موضوع كما سبق ، فلا مانع من تعلق النذر بها بعد كونها مقدورة عقلاً وشرعاً ، فاذا تعلق وانعقد خرجت تكويناً لا تخصيصاً عن عنوان التطوع وانقلبت إلى الفريضة بقاءً ، وأصبحت خارجة عن موضوع تلك النصوص بطبيعة الحال ، فإنه تعلق بما لولاه كان تطوعاً لا بالصلاة المتصفة به بالفعل ، وقد عرفت أنّ هذا هو مراد الماتن قدس‌سره وإن كانت العبارة قاصرة وغير خالية عن سوء التأدية فلاحظ.

(1) بل نسب ذلك إلى المشهور ، بل ادعي عليه الإجماع ، وظاهر الأكثر عدم الفرق في النوافل بين المرتّبة وذوات الأسباب والمبتدأة.


1) (*) لا يبعد عدم الفرق بينها وبين غيرها.

ولكن المحكي عن بعضهم تخصيص الكراهة بالأخيرة ، والسيد الماتن أنكر الكراهة في غيرها واستشكل فيها كما ستعرف.

ثم إن التحديد والتوقيت في الموارد الخمسة المذكورة في المتن يرجع تارة : إلى الفعل أعني الصلاة وهما الأولان ، ويختلف امتداد الكراهة حينئذ باختلاف المقدار الفاصل بين الصلاة المأتي بها وبين طلوع الشمس أو غروبها.

وأُخرى : إلى الزمان وهي الثلاثة الأخيرة ، فالكلام يقع في مقامين :

أما المقام الأول : أعني كراهة الصلاة بعد صلاتي الصبح والعصر ، فيستدل لها بجملة من الروايات.

الاولى : ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس فان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله قال : إن الشمس تطلع بين قرني الشيطان ... ، وقال : لا صلاة بعد العصر حتى تصلى المغرب » (1).

الثانية : ما رواه أيضاً بإسناده عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : لا صلاة بعد العصر حتى تصلى المغرب ، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس » (2). فإنّهما وإن كانتا ظاهرتين في عدم المشروعية ، لكنهما تحملان على الكراهة جمعاً بينهما وبين النصوص المجوّزة.

وفيه : أنّ سندهما ضعيف وإن عبّر في الحدائق (3)عن أُولاهما بالموثق ، لضعف طريق الشيخ إلى الطاطري بعلي بن محمد بن الزبير القرشي ، وأحمد بن عمرو بن كيسبة الهندي ، وأما محمد بن أبي حمزة الواقع في السند فهو ثقة على الأظهر وإن ضعّفه الشهيد الثاني (4).


1) الوسائل 4 : 234 / أبواب المواقيت ب 38 ح 1.

2) الوسائل 4 : 235 / أبواب المواقيت ب 38 ح 2.

3) الحدائق 6 : 305.

4) [ لم نعثر عليه ].

أضف إلى ذلك : أن التعليل الذي تضمنته الرواية الأُولى فيه ما لا يخفى.

الثالثة : ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً من جامع البزنطي عن علي بن سلمان عن محمد بن عبد اللّه بن زرارة ، عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه‌السلام في حديث : « أنه صلى المغرب ليلةً فوق سطح من السطوح فقيل له : إن فلاناً كان يفتي عن آبائك عليهم‌السلام أنه لا بأس بالصلاة بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وبعد العصر إلى أن تغيب الشمس ، فقال : كذب ( لعنه اللّه ) على أبي أو قال : على آبائي » (1).

وفيه أولاً : أن السند ضعيف ، لجهالة طريق ابن إدريس إلى جامع البزنطي. ودعوى أن الطريق قد وصل إليه إما بالتواتر أو بخبر محفوف بقرينة قطعية ، لأنه لا يعمل بأخبار الآحاد قد تقدم (2)ما فيها.

أضف إلى ذلك : أن البزنطي يرويها عن علي بن سلمان وأخيراً عن محمد بن الفضيل ، والأول مهمل والثاني ضعيف.

ولا يجدي في توثيق الأول رواية البزنطي عنه الذي هو من أصحاب الإجماع ، بل قيل إنه لا يروي إلا عن ثقة ، كما مرّ غير مرّة ، هذا.

وقد رواها في الحدائق (3)بتغيير يسير غير مضر في المتن وتبديل في السند فذكر بدل سلمان « سليمان » ، ووصف محمد بن الفضيل بالبصري ، وكلاهما مجهول إلا إذا أُريد بالثاني محمد بن القاسم بن الفضيل البصري فإنه ثقة ، ولكنه لم يثبت.

وكيف ما كان فلا ينبغي الريب في ضعف السند حسبما عرفت.

وثانياً : أن الدلالة قابلة للمناقشة ، نظراً إلى أن ذكر صلاة المغرب في الصدر ربما تكون قرينة ولو بمناسبة الحكم والموضوع ، على أنها ناظرة سؤالاً وجواباً


1) الوسائل 4 : 239 / أبواب المواقيت ب 38 ح 14 ، السرائر ( المستطرفات ) 3 : 580.

2) في ص 327.

3) الحدائق 6 : 306. [ والموجود فيه مطابق لما في السرائر المطبوع ].

إلى الفريضة دون النافلة ، وأن الفرية المزعومة المردودة أشدّ الرد كانت حول توسعة وقت صلاتي الفجر والعصر ، بدعوى أن وقتهما ممتد إلى طلوع الشمس وغروبها مع تساوي أجزاء الوقت في مرتبة الفضل ، ومن ثمّ وقعت مورداً لأشد الطعن واللعن ، لما ورد عنهم من الحث البليغ والتأكيد الشديد في المبادرة إلى الفريضة أول وقتها ، وأن التأخير تضييع ، بل معدود من صلاة الصبيان كما جاء في الأخبار (1).

وربما يعضده أن السؤال في الرواية إنما هو عن الصلاة بعد طلوع الفجر لا بعد صلاة الفجر ، فعلى هذا تكون الرواية أجنبية عن محل الكلام بالكلية.

الرابعة : مكاتبة علي بن بلال قال : « كتبت إليه في قضاء النافلة من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، ومن بعد العصر إلى أن تغيب الشمس ، فكتب : لا يجوز ذلك إلا للمقتضي ، فأما لغيره فلا » (2).

وهذه الرواية موردها قضاء النافلة ، ولا تكون شاملة لمطلق النوافل كما في سوابقها ، وعلى أيّ حال فهي معتبرة السند سواء أُريد بالراوي علي بن بلال بن أبي معاوية ، أم البغدادي الذي هو من أصحاب الجواد أو الهادي عليهما‌السلام ، إذ الأول وثقه النجاشي (3)، والثاني وثقه الشيخ (4)، وإن كان الثاني هو المتعين بقرينة رواية محمد بن عيسى عنه ، إذ الأول من مشايخ المفيد وابن عبدون فلا يمكن رواية محمد بن عيسى عمن هو متأخر عنه في الطبقة.

وقد اشتبه الأمر على ابن داود (5)حيث وثق الثاني دون الأول مع أنّه موثق لتوثيق النجاشي كما سمعت ، وكم له من هذه الاشتباهات.


1) الوسائل 4 : 209 / أبواب المواقيت ب 27 ح 1 و 213 ب 28 ح 2.

2) الوسائل 4 : 235 / أبواب المواقيت ب 38 ح 3.

3) رجال النجاشي : 265 / 690.

4) رجال الطوسي : 377 / 5578.

5) رجال ابن داود : 135.

وكيف ما كان ، فلا ينبغي الشك في صحة السند وإن رمي بالضعف.

إلا أن الشأن في الدلالة فإنها قاصرة ، بل مجملة لعدم وضوح المراد من قوله : « إلا للمقتضي » فإنه إن أُريد به القاضي فهو لغو محض ، ضرورة أن السؤال إنما هو عن القاضي فلا معنى للإجابة بالنفي ثم استثناء القاضي ، بل ينبغي الإجابة حينئذ بمثل قوله عليه‌السلام : « نعم ».

على أن إطلاق المقتضي على القاضي غير معهود في الاستعمالات ، بل لعله من الأغلاط.

وإن أُريد به الموجب والسبب في مقابل النوافل المبتدأة ليرجع الجواب إلى التفصيل بينها وبين النوافل ذوات الأسباب كصلاة الزيارة ونحوها.

ففيه : أنّ هذا وإن كان ممكناً في حد نفسه إلا أنه لا يساعده التعبير ، للزوم التنكير حينئذ ، إذ لا موقع للام التعريف في قوله : « للمقتضي » بل ينبغي تبديله بقوله : « لمقتضٍ » ، كما لا يخفى ، فهو نظير قولنا : لا ينبغي الأمر الفلاني إلا لسبب ، ولا يقال إلا للسبب ، فالرواية مشوّشة ولعل فيها تحريفاً ، ولا تصلح للاستدلال بوجه.

والمتحصل مما تقدم : عدم ثبوت الكراهة في هذا القسم لعدم المقتضي لها ، إذ الأخبار المستدل بها عليها ضعيفة سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلوّ ، إلا بناءً على قاعدة التسامح وتعميمها للكراهة ، ولكنا لا نقول بها في المستحبات فضلاً عن غيرها ، ومعه لا تصل النوبة إلى البحث عن المانع ، أعني ما يعارضها من الروايات.

ثم إنه مع الغض عما ذكر وتسليم جواز الاستدلال بهاتيك الأخبار على ثبوت الكراهة ، فلا شبهة في أن القدر المتيقن منها إنما هي النوافل المبتدأة ، وهل هي عامة لكافة النوافل من المرتّبة وقضائها وذوات الأسباب ، فلو زار أحد المشاهد المشرّفة أو طاف بالبيت طواف النافلة بعد صلاتي الفجر أو

العصر وأراد أن يأتي بصلاة الزيارة أو الطواف فهل تكون أيضاً محكومة بالكراهة؟

أما ذوات الأسباب فلا ينبغي التأمل في كونها مشمولة لها ، وإن ذهب جماعة ومنهم السيد الماتن قدس‌سره إلى عدم شمولها أو استثنائها عنها ، إذ لم يتضح له أيّ وجه ، فان نسبة تلك النصوص التي منها قوله في رواية الحلبي : « لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس .. » إلخ إلى الأدلة الدالة على مشروعية النوافل بالأسر نسبة الخاص إلى العام ، بل الحاكم إلى المحكوم ، حيث إنها ناظرة إليها ، ونافية للحكم بلسان نفي الموضوع ، وأن النافلة المشروعة محدودة بغير هذين الوقتين. إذن فلا قصور في شمولها لذوات الأسباب بوجه ، ونتيجة ذلك مرجوحية صلاة الزيارة أو صلاة الشكر ونحوهما في الوقتين المزبورين من دون فرق بينها وبين المبتدأة.

وأما قضاء النوافل المرتّبة فالظاهر عدم شمول الحكم لها ، وذلك لروايات ناطقة بالجواز ، وهي على طوائف ثلاث : إحداها مخدوشة سنداً ، والأُخرى دلالة ، والثالثة تامة من كلتا الجهتين ، وينبغي استعراض نبذ من كل منها.

فمن الطائفة الأُولى : رواية محمد بن يحيى بن ( عن ) حبيب قال : « كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه‌السلام تكون عليّ الصلوات النافلة متى أقضيها؟ فكتب عليه‌السلام : في أيّ ساعة شئت من ليل أو نهار » (1).

وهي كما ترى صريحة الدلالة ، غير أنّ السند ضعيف لتردد الراوي الأخير بين حبيب وبين محمد بن يحيى بن حبيب لأجل اختلاف النسخ ، فان كان الأصح هو الأول فهو مهمل ، وإن كان الثاني وهو المطابق لما في الحدائق (2)فهو مجهول.

ومنها : رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « في قضاء صلاة


1) الوسائل 4 : 240 / أبواب المواقيت ب 39 ح 3.

2) الحدائق 6 : 309.

الليل والوتر تفوت الرجل ، أيقضيها بعد صلاة الفجر وبعد العصر؟ فقال : لا بأس بذلك » (1).

وهي صريحة الدلالة ، غير أنّ في سندها عبد اللّه بن عون الشامي وهو مجهول.

ومنها : رواية سليمان بن هارون قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن قضاء الصلاة بعد العصر ، قال : إنما هي النوافل فاقضها متى ما شئت » (2). فان سليمان بن هارون مجهول.

ومنها : رواية نجية قال : « قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : تدركني الصلاة ويدخل وقتها فأبدأ بالنافلة؟ قال فقال أبو جعفر عليه‌السلام : لا ، ولكن ابدأ بالمكتوبة واقض النافلة » (3)، فان معنى البدأة بالمكتوبة الإتيان بالنافلة بعدها بلا فصل معتد به ، ومقتضى الإطلاق وترك الاستفصال جواز الإتيان بالنافلة بعد صلاتي الصبح والعصر أيضاً ، فالدلالة ظاهرة ، لكن السند ضعيف لضعف طريق الشيخ إلى الطاطري كما تقدم.

ومن الطائفة الثانية : صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام « أنه قال : أربع صلوات يصليها الرجل في كل ساعة : صلاة فاتتك فمتى ما ذكرتها أدّيتها ، وصلاة ركعتي طواف الفريضة ، وصلاة الكسوف ، والصلاة على الميت ، هذه يصلّيهنّ الرجل في الساعات كلها » (4).

فإنها بالرغم من صحة سندها قاصرة الدلالة ، إذ هي ظاهرة في الفرائض وغير ناظرة إلى النوافل التي هي محل الكلام ، والمقصود منها تقسيم الصلوات الواجبة إلى نوعين : فقسم منها لها وقت محدود معيّن كالفرائض اليومية ، حيث


1) الوسائل 4 : 242 / أبواب المواقيت ب 39 ح 10.

2) الوسائل 4 : 243 / أبواب المواقيت ب 39 ح 11.

3) الوسائل 4 : 227 / أبواب المواقيت ب 35 ح 5.

4) الوسائل 4 : 240 / أبواب المواقيت ب 39 ح 1.

إنها لا يؤتى بها إلا في أوقاتها المقررة ، والقسم الآخر ليس لها وقت خاص معيّن ، بل يؤتى بها في جميع الساعات لدى تحقق أسبابها ، وهي الصلوات الأربع المشار إليها في الصحيحة ، فلا ربط ولا علاقة لها بالنوافل المبحوث عنها في المقام بوجه.

ومن الطائفة الثالثة : موثقة سماعة قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الرجل يأتي المسجد وقد صلى أهله ، أيبتدئ بالمكتوبة أو يتطوع؟ فقال : إن كان في وقت حسن فلا بأس بالتطوع قبل الفريضة ، وإن كان خاف الفوت من أجل ما مضى من الوقت فليبدأ بالفريضة وهو حق اللّه ، ثم ليتطوع ما شاء إلى أن قال : وليس بمحظور عليه أن يصلي النوافل من أول الوقت إلى قريب من آخر الوقت » (1).

وقد دلت صدراً وذيلاً على جواز الإتيان بالنافلة أدائية كانت أم قضائية بمقتضى الإطلاق بعد الفريضة.

ومقتضى إطلاقها الناشئ من ترك الاستفصال شمول الحكم لما بعد صلاتي الفجر والعصر أيضاً إلى طلوع الشمس أو غروبها.

ومنها : صحيحة حسان بن مهران قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن قضاء النوافل ، قال : ما بين طلوع الشمس إلى غروبها » (2).

أما السند فصحيح ، فان حساناً هذا هو أخو صفوان بن مهران وقد وثقه النجاشي (3)، بل رجحه على أخيه صفوان على ما هو عليه من الجلالة والشأن ، حيث قال : ثقة ثقة أصح من صفوان وأوجه.

كما أن الدلالة ظاهرة ، لتصريحها بتعميم الوقت وتوسعته إلى الغروب الشامل طبعاً لما بعد صلاة العصر.


1) الوسائل 4 : 226 / أبواب المواقيت ب 35 ح 1.

2) الوسائل 4 : 242 / أبواب المواقيت ب 39 ح 9.

3) رجال النجاشي : 147 / 381.

ومنها : صحيحة الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : اقض صلاة النهار أيّ ساعةٍ شئت من ليل أو نهار ، كل ذلك سواء » (1).

فإن الدلالة ظاهرة بل صريحة في التسوية بين جميع الساعات بصيغة العموم ، كما أن السند صحيح ، إذ الحسين بن أبي العلاء وإن لم يصرّح بوثاقته في كتب الرجال ، إلا أنه يستفاد ذلك مضافاً إلى وقوعه في أسناد كامل الزيارات ، مما ذكره النجاشي في ترجمته حيث قال ما لفظه : وأخواه علي وعبد الحميد ... روى الجميع عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام وكان الحسين أوجههم (2).. إلخ. وقد صرح في ترجمة عبد الحميد بأنه ثقة (3)، فإن الظاهر من الأوجه المذكور بعد قوله : روى الجميع ، هو الأوجهية في مقام الرواية. إذن فيكون توثيق أخيه (4)عبد الحميد مستلزماً لتوثيقه بطريق أولى.

ومنها : صحيحة جميل بن دراج قال : « سألت أبا الحسن الأول عليه‌السلام عن قضاء صلاة الليل بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، قال : نعم ، وبعد العصر إلى الليل فهو من سرّ آل محمد المخزون » (5).

والتعبير بالسرّ لعله من أجل استنكار العامة التنفل في هذين الوقتين.

وكيف ما كان فهي صريحة الدلالة ، كما أنها صحيحة السند أو حسنته ، فان المراد بإبراهيم الواقع فيه بقرينة الراوي والمروي عنه هو إبراهيم بن هاشم ، وما في الوسائل من ذكر محمد بن عمر تحريف ، وصوابه محمد بن عمرو ، فإنه الذي يروي عنه إبراهيم ويروي هو عن جميل بن دراج دون الأول.

ومنها : موثقة ابن أبي يعفور قال : « سمعت أبا عبد اللّه عليه‌السلام يقول :


1) الوسائل 4 : 243 / أبواب المواقيت ب 39 ح 13.

2) رجال النجاشي : 52 / 117.

3) رجال النجاشي : 246 / 647.

4) ولكنه ( طاب ثراه ) ذكر في ترجمته في المعجم 6 : 200 / 3276 أنّه لم يكن أخاه وإنّما هو رجل آخر.

5) الوسائل 4 : 243 / أبواب المواقيت ب 39 ح 14.

صلاة النهار يجوز قضاؤها أيّ ساعة شئت من ليل أو نهار » (1). وهي إما ظاهرة في النوافل أو أنها مطلقة شاملة لها ولغيرها.

والمتحصل من جميع ما تقدم : أن الكراهة غير ثابتة في هذا القسم لقصور المقتضي ، ومع التسليم فهي غير شاملة لقضاء النوافل ، لوجود المانع وهي الأخبار المجوّزة الموجبة لتقييد الإطلاقات الناهية بغير قضاء النوافل المرتبة وبالطريق الأولى أدائها كما لا يخفى ، بل يستفاد التعميم من موثقة سماعة المتقدمة (2)حسبما عرفت.

وأما المقام الثاني : أعني الكراهة في الأوقات الثلاثة الأخيرة ، فيستدل لها أيضاً بجملة من الروايات :

منها : صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : لا صلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة » (3).

وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : يصلى على الجنازة في كل ساعة ، إنها ليست بصلاة ركوع وسجود ، وإنما يكره الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها التي فيها الخشوع والركوع والسجود ، لأنها تغرب بين قرني شيطان وتطلع بين قرني شيطان » (4).

فان المستفاد من هاتين الصحيحتين بعد ضم إحداهما إلى الأُخرى ، كراهة الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة لصراحة الثانية فيها ، وحمل نفي المشروعية في الأُولى عليها بقرينة الروايات المجوّزة ، ومقتضى الإطلاق فيهما عدم الفرق بين الفريضة والنافلة أدائية كانت أم قضائية.

ولكن الظاهر عدم تمامية الاستدلال بهما.


1) الوسائل 4 : 243 / أبواب المواقيت ب 39 ح 12.

2) في ص 359.

3) الوسائل 7 : 317 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 6.

4) الوسائل 3 : 108 / أبواب صلاة الجنازة ب 20 ح 2.

أما الصحيحة الأُولى : فالظاهر أنها ناظرة إلى الفريضة خاصة وبصدد التفرقة في صلاة الظهر بين يوم الجمعة وغيره ، وأنها تؤخر عن نصف النهار وأول الزوال في غير يوم الجمعة رعاية للنافلة ، كما تنبئ عنه نصوص القدم والقدمين والذراع والذراعين ، معللاً بأنها إنما جعلت للنافلة ، وأما في يوم الجمعة فبما أنّ النافلة تقدّم على الزوال فلا مانع من تقديم الفريضة والإتيان بها أول دلوك الشمس.

ويعضده ما في جملة من النصوص (1)من أن الفريضة يوم الجمعة ساعة تزول الشمس. إذن فهذه الصحيحة أجنبية عن محل الكلام بالمرّة.

ويؤيد ما ذكرناه : ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي بصير قال : « قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام : إن فاتك شي‌ء من تطوع الليل والنهار فاقضه عند زوال الشمس وبعد الظهر عند العصر وبعد المغرب وبعد العتمة ومن آخر السحر » (2).

فإنها كما ترى صريحة في جواز قضاء النافلة عند الزوال ، فتكون خير شاهد على ما استظهرناه من صحيحة ابن سنان من كونها ناظرة إلى الفريضة خاصة ، إلا أن يقال إن الجواز المستفاد من هذه الرواية لا ينافي الكراهة المدعى استفادتها من الصحيحة ، ومن هنا ذكرناها بعنوان التأييد.

وكيف ما كان ، فالرواية المزبورة معتبرة ، إذ المراد بالحسن الواقع في السند إما أنه الحسن بن سعيد الأهوازي المذكور في الوسائل قبيل هذه الرواية ، وهو أخو الحسين بن سعيد ، أو أنه الحسن بن فضال ، وهو موثق على التقديرين.

وأما الصحيحة الثانية : فيمكن النقاش فيها من وجوه :

أوّلاً : أنها في نفسها غير قابلة للتصديق ، لما فيها من التعليل بأن الشمس تطلع وتغرب بين قرني الشيطان ، فان هذا مما لا تساعده الأذهان ولا يصدّقه الوجدان ولا البرهان ، فلا سبيل إلى الإذعان به ، ضرورة أنه إنما يكون معقولاً


1) الوسائل 7 : 317 / أبواب صلاة الجمعة ب 8 ح 7 ، 14 ، 15.

2) الوسائل 4 : 277 / أبواب المواقيت ب 57 ح 10 ، التهذيب 2 : 163 / 642.

فيما إذا كان للشمس طلوع وغروب معيّن ، وليس كذلك قطعاً ، بل هي لا تزال في طلوع وغروب وزوال في مختلف الأقطار ونقاط الأرض بمقتضى كرؤيتها ، ومقتضى ذلك الالتزام بكراهة النافلة في جميع الأوقات والساعات ، وهو كما ترى. فهذا التعليل أشبه بمجعولات المخالفين ومفتعلاتهم المستنكرين للصلاة في هذه الأوقات ، فعلّلوا ما يرتأونه من الكراهة بهذا التعليل العليل. ولأجله لم يكن بدّ من حمل الصحيحة وما بمعناها على التقية ، فلا موقع للاستدلال بها بوجه.

وثانياً : مع التسليم فالتعليل المزبور لا يكون مانعاً عن الصلاة في ذينك الوقتين ، بل هو مؤكد ومؤيد ، لأنها أحسن شي‌ء يوجب إرغام أنف الشيطان في هذه الحالة كما يشير إلى هذا المعنى ما رواه الصدوق في إكمال الدين وإتمام النعمة عن مشايخه الأربعة وهم : محمد بن أحمد السناني ، وعلي بن أحمد بن محمد الدقاق ، والحسين بن إبراهيم المؤدب ، وعلي بن عبد اللّه الوراق ، عن أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي أنه ورد عليه فيما ورد عليه من جواب مسائله عن محمد بن عثمان العمري ( قدس اللّه روحه ) : « وأما ما سألت عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها فلئن كان كما يقول الناس إن الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان ، فما أرغم أنف الشيطان بشي‌ء أفضل من الصلاة فصلّها وأرغم أنف الشيطان » (1).

وهذه الرواية وإن لم تعد من الصحاح حسب الاصطلاح ، إذ لم يوثق أيّ أحد من المشايخ الأربعة المذكورين ، الا أن رواية كل واحد منهم ما يرويه الآخر بعد عدم احتمال المواطاة على الجعل يورث الاطمئنان القوي بصحة النقل ، فيتعاضد بعضها ببعض ، وهي كالصريح في أن الصحيحة السابقة المشتملة على التعليل وكذا غيرها مما يجري مجراها قد صدرت تقية ، وأنه لا أساس لتلك الدعوى الكاذبة ، ومن ثم رجّحها الصدوق عليها.


1) الوسائل 4 : 236 / أبواب المواقيت ب 38 ح 8 ، إكمال الدين 2 : 520 / 49.

وثالثاً : أنها معارضة بجملة من الأخبار الناطقة بالتوسعة في قضاء النافلة وأنه يجوز الإتيان بها في أيّ ساعة شاءها المكلف من ليل أو نهار ، وبعد التساقط لم يبق دليل على الكراهة في ذينك الوقتين.

لا يقال : إن تلك الأخبار وردت في خصوص القضاء ومورد الصحيحة الأعم منها ومن الأداء ، ومقتضى الصناعة ارتكاب التقييد ، ونتيجة ذلك اختصاص الكراهة بالنافلة الأدائية.

فإنه يقال : مضافاً إلى أن لسان التعليل آب عن التخصيص ، لأنه بمثابة التنصيص على شمول الحكم لجميع أفراد الصلوات التي تشتمل على الركوع والسجود من غير فرق بين الأداء والقضاء لاتحاد المناط ، أن النسبة عموم من وجه لا المطلق ، إذ تلك الأخبار أيضاً لها جهة عموم من حيث شمولها لجميع ساعات الليل والنهار ، لا خصوص الوقتين المذكورين في صحيحة ابن مسلم فيتعارضان في مادة الاجتماع ، وهي القضاء في الوقتين.

ورابعاً : أنها معارضة في موردها بصحيحة حماد بن عثمان « أنه سأل أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن رجل فاته شي‌ء من الصلوات فذكر عند طلوع الشمس أو عند غروبها ، قال : فليصلّ حين يذكر » (1)ونحوها رواية نعمان الرازي قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن رجل فاته شي‌ء من الصلوات فذكر عند طلوع الشمس وعند غروبها ، قال : فليصلّ حين ذكره » (2)حيث تضمّنت الأمر بالقضاء متى تذكّر وإن كان عند الوقتين.

نعم ، الرواية ضعيفة السند ، لعدم توثيق الرازي مضافاً إلى ضعف طريق الشيخ إلى الطاطري ، والعمدة هي الصحيحة.

ومنها : ما رواه الصدوق بإسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم‌السلام في حديث المناهي « قال : ونهى


1) الوسائل 4 : 240 / أبواب المواقيت ب 39 ح 2.

2) الوسائل 4 : 244 / أبواب المواقيت ب 39 ح 16.

رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند استوائها » (1).

وفيه : أنها ضعيفة السند بشعيب بن واقد ، حيث إنه لم يوثق بل لم نعثر له على رواية غير هذه.

قال في الحدائق عند نقل الرواية ما لفظه : وروى الصدوق في الفقيه عن الحسين بن زيد في حديث المناهي .. إلخ (2).

وظاهره أنه روى عنه من دون توسيط شعيب بن واقد ، وبما أن طريقه إليه معتمد عليه عند بعضهم فيتوهم من العبارة صحة الرواية عند ذلك البعض ، مع أن الأمر ليس كذلك ، وإنما رواها عنه مع التوسيط المزبور ولم يوثّق الرجل حسبما عرفت.

ومنها : ما رواه الصدوق بإسناده عن سليمان بن جعفر الجعفري قال : « سمعت الرضا عليه‌السلام يقول : لا ينبغي لأحد أن يصلي إذا طلعت الشمس ، لأنها تطلع بقرني شيطان ، فاذا ارتفعت وضفت فارقها ، فتستحب الصلاة ذلك الوقت والقضاء وغير ذلك ، فاذا انتصف النهار قارنها ، فلا ينبغي لأحد أن يصلي في ذلك الوقت ، لأن أبواب السماء قد غلقت فاذا زالت الشمس وهبت الريح فارقها » (3).

وفيه أوّلاً : أنها ضعيفة السند ، لاشتماله على محمد بن علي ماجيلويه شيخ الصدوق ولم يوثق ، فما في الحدائق (4)من توصيف السند بالقوي ليس على ما ينبغي.

وثانياً : أنها قاصرة الدلالة ، إذ يرد عليها جميع ما أوردناه على صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (5)فلاحظ ولا نعيد.


1) الوسائل 4 : 236 / أبواب المواقيت ب 38 ح 6 ، الفقيه 4 : 5 / 1.

2) في ص 361.

3) الوسائل 4 : 237 / أبواب المواقيت ب 38 ح 9 ، علل الشرائع : 343.

4) الحدائق 6 : 306.

5) في ص 361.

ومنه يظهر الحال في مرسلة الصدوق قال : « وقد روي ونهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ، لأن الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان » (1). إذ فيها مضافاً إلى الإرسال ما عرفته آنفاً.

والمتحصل من جميع ما تقدم : أنه لم تثبت كراهة التنفل بشتى أنواعه من المبتدأة والمرتّبة وذات السبب أداءً أو قضاءً في شي‌ء من الأوقات الخمسة ، وإن نسب ذلك إلى المشهور ، لقصور المقتضي وضعف ما استدل به لها. مضافاً إلى وجود المانع في بعضها ، ولا عبرة بالإجماع المدعى في المقام ولا بالشهرة الفتوائية ، فما ذكره في المتن من قوله : وعندي في ثبوت الكراهة في المذكورات إشكال ، هو الصحيح.

نعم ، قد يتخيل كراهة الإتيان بقضاء الفريضة لدى طلوع الشمس استناداً إلى صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إن نام رجل ولم يصلّ صلاة المغرب والعشاء أو نسي ، فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما ، وإن خشي أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة ، وإن استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصلّ الفجر ثم المغرب ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس ، فان خاف أن تطلع الشمس فتفوته إحدى الصلاتين فليصلّ المغرب ويدع العشاء الآخرة حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها ثم ليصلها » (2).

ولكنها معارضة بصحيحة حماد بن عثمان المؤيدة برواية نعمان المتقدمتين قريباً والصريحتين في الأمر بقضاء الفائتة متى تذكر حتى إذا كان عند طلوع الشمس ، وحيث إنها موافقة لمذهب العامة (3)فلا جرم تكون محمولة على التقية.


1) الوسائل 4 : 236 / أبواب المواقيت ب 38 ح 7 ، الفقيه 1 : 315 / 1430.

2) الوسائل 4 : 288 / أبواب المواقيت ب 62 ح 3.

3) المغني 1 : 789 ، الفقه على المذاهب الأربعة 1 : 185.

وأما إذا شرع فيها قبل ذلك فدخل أحد هذه الأوقات وهو فيها فلا يكره إتمامها ، وعندي في ثبوت الكراهة في المذكورات إشكال (1).


(1) قد عرفت أن الكراهة غير ثابتة من أصلها لا حدوثاً ولا بقاءً ، فلا كراهة لا في الشروع ولا في الإتمام.

وأما بناءً على الالتزام بثبوتها ، فهل تختص بحالة الشروع فلا كراهة في الإتمام فيما لو دخل أحد هذه الأوقات في الأثناء؟

يظهر من الماتن ذلك وليس له وجه ظاهر ، بل مقتضى التعليل الوارد في صحيح ابن مسلم المتقدم (1)هو التعميم ، لاتحاد المناط وهو مرجوحية الخشوع والخضوع والركوع والسجود عند ما تكون الشمس بين قرني الشيطان ، فانّ هذه العلة مشتركة ، فإن عملنا بالصحيحة لم يكن بدّ من الالتزام بالكراهة في كلتا الصورتين ، وإن حملناها على التقية لا موجب للالتزام بها في شي‌ء منهما ، فالتفكيك بينهما بلا موجب.

وهكذا الحال في صحيحة عبد اللّه بن سنان النافية للصلاة عند انتصاف النهار وحلول الزوال فيما عدا يوم الجمعة المحمولة على نفي الكمال كما سبق (2)، فان مقتضى إطلاقها أيضاً عدم الفرق بين الاحداث والإتمام ، فان عملنا بها عمّمناها لهما ، وإلا فلا يستفاد منها الكراهة في شي‌ء منهما ، فما صنعه في المتن تبعاً لبعض من تقدمه من التفكيك بينهما غير ظاهر الوجه ، واللّه سبحانه أعلم.

هذا آخر ما أردنا إيراده في هذا القسم والحمد لله رب العالمين وصلى اللّه على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين ، ويليه القسم الثاني مبتدءاً ب- ( فصل في أحكام الأوقات ) إن شاء اللّه تعالى.


1) في ص 361.

2) في ص 361.

فصل في أحكام الأوقات

[1209] مسألة 1 : لا يجوز الصلاة قبل دخول الوقت فلو صلى بطلت (1) ،


(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال ، ويدلُّ عليه مضافاً إلى أنه مقتضى أدلة التحديد والتوقيت بالأوقات الخاصة من الكتاب والسنة الكاشفة طبعاً عن الشرطية ، وإلى حديث لا تعاد بعد كون الوقت من أحد الخمسة المستثناة نصوص خاصة.

منها : موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : من صلى في غير وقت فلا صلاة له » (1).

وصحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث « قال : إنه ليس لأحد أن يصلي صلاة إلا لوقتها ، وكذلك الزكاة إلى أن قال - : وكل فريضة إنما تؤدى إذا حلت » (2).

نعم ، ربما يظهر من صحيحة الحلبي جواز الصلاة لغير وقتها في السفر ، عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إذا صليت في السفر شيئاً من الصلوات في غير وقتها فلا يضرك » (3).


1) الوسائل 4 : 168 / أبواب المواقيت ب 13 ح 7 ، 9.

2) الوسائل 4 : 166 / أبواب المواقيت ب 13 ح 1.

3) الوسائل 4 : 168 / أبواب المواقيت ب 13 ح 7 ، 9.

وإن كان جزء منها قبل الوقت (1) ويجب العلم بدخوله حين الشروع فيها (2) ولا يكفي الظن لغير ذوي الأعذار (3).


وقد حملها الشيخ على صلاة القضاء (1).

وفيه : مضافاً إلى بُعده في نفسه كما لا يخفى ، أنّ ذلك لا يختص بالسفر فلا وجه للتقييد به في كلام الإمام عليه‌السلام.

فالصواب أنها ناظرة إلى وقت الفضيلة دون الإجزاء ، وأنه يتسع في السفر فلا مانع من الإتيان في غير وقت فضيلة الحضر ، فيكون في سياق النصوص الدالة على امتداد وقت فضيلة المغرب في السفر إلى ربع الليل أو ثلثه ، وأنّ مبدأ الظهرين هو الزوال ، مع أن الأفضل في الحضر التأخير إلى ما بعد القدم أو القدمين ، وهكذا ، فهي إذن أجنبية عما نحن فيه.

(1) فان مقتضى إطلاق النصوص المتقدمة عدم الفرق بين الكل والجزء.

(2) فلا يجوز الشروع مع الشك ، وتدل عليه مضافاً إلى قاعدة الاشتغال القاضية بلزوم تحصيل الجزم بالفراغ عن التكليف المقطوع ، بل الاستصحاب الموجب للعلم التعبدي بعدم دخول الوقت نصوص خاصة نطقت بلزوم تحصيل اليقين وستعرفها بعد حين.

(3) على المشهور شهرة عظيمة ، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه ، وهو المطابق لأصالة عدم حجية الظن الثابتة بالأدلة الأربعة كما هو موضّح في محله.

أجل ، استظهر صاحب الحدائق (2)جواز التعويل عليه من عبارة الشيخين في المقنعة والنهاية ، ونسبه إلى الفاضل الخراساني في الذخيرة ، واستدل له بعد أن اختاره بوجهين.


1) الاستبصار 1 : 244 / 869.

2) الحدائق 6 : 295.

أحدهما : ما رواه المشايخ الثلاثة بإسنادهم عن إسماعيل بن رياح عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إذا صلّيت وأنت ترى أنك في وقت ولم يدخل الوقت فدخل الوقت وأنت في الصلاة فقد أجزأت عنك » (1)بعد تفسير الرؤية بالظن وإطلاقها من حيث التمكن من تحصيل العلم وعدمه.

ولكنه مخدوش بضعف السند أوّلاً ، وذلك بجهالة ابن رياح.

وربما يتصدى للتوثيق تارة : بأنه من أصحاب الصادق عليه‌السلام وقد صرح الشيخ المفيد قدس‌سره في الإرشاد (2)بوثاقتهم بأجمعهم بعد أن أنهى عددهم إلى أربعة آلاف رجل ، وتبعه على ذلك الشيخ الحر في أمل الآمل (3)والمحدث النوري (4)، فكان هذا منه نظير توثيق العامة لجميع الصحابة.

ولكنه غير قابل للتصديق ، فان الشيخ الطوسي (5)قد أتعب نفسه الزكية في إحصائهم دون أن يقتصر على الثقات ، بل ذكر حتى المنصور الدوانيقي وأبا حنيفة ونحوهما ممن أدرك الإمام وصحبه أيّاً من كان فلم يبلغ ذاك العدد ، بل لا يزيد على ثلاثة آلاف إلاّ بقليل ، ومن البين أن مجرد الصحبة لا تستلزم الوثاقة وإن ادعي ذلك في حق الصحابة ، فإذا كان المجموع بمن فيهم غير الثقة دون ذاك الحد الذي ادعاه المفيد فكيف يمكن تصديق مقالته.

على أنا لو سلمنا هذه الدعوى بحملها على خلاف ظاهرها ، وأنّ المراد أنّ أصحاب الصادق عليه‌السلام جماعة كثيرون غير أن أربعة آلاف منهم


1) الوسائل 4 : 206 / أبواب المواقيت ب 25 ح 1 ، التهذيب 2 : 35 / 110 ، الكافي 3 : 286 / 11 ، الفقيه 1 : 143 / 666.

2) الإرشاد 2 : 179.

3) أمل الآمل 1 : 83.

4) خاتمة مستدرك الوسائل 7 : 71.

5) رجال الشيخ الطوسي : 155.

ثقاة ، فهذه الدعوى وإن كانت في نفسها قابلة للتصديق إلا أنها غير نافعة إلا إذا ثبت أنّ الرجل أعني إسماعيل بن رياح من قسم الموثوقين ، وأنّى لنا بذلك.

وأُخرى : بأن الراوي عنه ابن أبي عمير ، وهو لا يروي إلا عن ثقة ، لكنا أشرنا مراراً في مطاوي هذا الشرح إلى ضعف هذه الدعوى التي هي اجتهاد من الشيخ ذكرها في العدة (1)مستندة إلى الحدس دون الحس ، فلا يكون حجة علينا سيما بعد ما عثرنا على روايته عن غير الثقة في غير مورد.

وقصور الدلالة ثانياً ، فإن إطلاق الرؤية على الظن غير مأنوس ، بل لم يعهد استعمالها فيه في المضارع إلا بصيغة المجهول غير المربوط بما نحن فيه ، ولو تحقق أحياناً فإنما هو بمعونة قرينة مفقودة في المقام ، بل المراد منها بعد تعذر إرادة المعنى الحقيقي أعني المشاهدة والرؤية بالعين هو العلم واليقين ، غاية الأمر الأعم من الوجداني والتعبدي. فالتفسير المزبور من المحدّث المذكور مع تضلعه في اللغة لا يخلو عن غرابة.

على أنا لو سلّمنا هذا التفسير بل فرضنا التصريح بالظن بدلاً عن الرؤية لم يتم الاستدلال بالرواية للمطلوب أعني كفاية مطلق الظن ، لعدم كونها بصدد البيان من هذه الجهة ، وإنما وردت لبيان حكم آخر وهو الصحة لو صلى مع الظن ثم انكشف الخلاف وقد دخل الوقت في الأثناء ، ولعل المراد به الظن المعتبر في بعض فروضه ككون السماء غيماً ونحو ذلك ، لما عرفت من عدم كونه عليه‌السلام بصدد البيان من هذه الجهة لينعقد الإطلاق.

ومع التسليم وفرض انعقاده لم يكن بدّ من تقييده بالظن المعتبر أو بصورة العجز عن تحصيل العلم ، جمعاً بينها وبين النصوص المتقدمة الدالة على لزوم تحصيله والتعويل عليه.


1) عدة الأُصول 1 : 58 السطر 8.

ثانيهما : النصوص المستفيضة الناطقة بجواز التعويل على أذان المؤذنين وإن كانوا من المخالفين ، فان من الواضح الجلي أن غاية ما يفيده الأذان هو الظن ، وإن اختلفت مراتبه شدة وضعفاً من أجل اختلاف المؤذنين من حيث الضبط والتدقيق في معرفة الوقت وعدمه.

وفيه : أوّلاً : ما ستعرف من أنّ الاعتماد على الأذان إنّما هو من جهة إخبار الثقة ، والنصوص ناظرة إلى ذلك ، فليست العبرة بحصول العلم أو الظن ، بل من أجل حجية خبر الثقة وإن لم يفد شيئاً منهما.

وثانياً : مع التسليم فغايته حجية الظن الناشئ من الأذان بالدليل الخاص ، فالتعدي إلى الناشئ من غيره قياس لا نقول به.

والمتحصل : أنه لا دليل على كفاية الظن لضعف الوجهين المزبورين ، بل الدليل قد قام على العدم ، وهو ما عرفت من أصالة عدم الحجية المعتضدة بالآيات والروايات الناهية عن اتباع الظن ، مضافاً إلى نصوص معتبرة قد وردت في خصوص المقام.

فمنها : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه‌السلام : « في الرجل يسمع الأذان فيصلي الفجر ولا يدري طلع أم لا ، غير أنه يظن لمكان الأذان أنه طلع ، قال : لا يجزيه حتى يعلم أنه قد طلع » (1)ودلالتها على عدم اعتبار الظن في باب الأوقات ظاهرة ، غير أن صاحب الحدائق (2)زعم معارضتها بالنصوص الناطقة باعتبار الأذان ، وحيث إنها أكثر عدداً وأوضح سنداً فيتعين ارتكاب التأويل في هذه الرواية.

ولكنك خبير بعدم المعارضة ، لما ستعرف من اختصاص تلك النصوص باعتبار أذان الثقة العارف بالوقت ، وهذه مطلقة من حيث حصول الوثوق


1) الوسائل 4 : 280 / أبواب المواقيت ب 58 ح 4.

2) الحدائق 6 : 298.

وعدمه (1)، ومقتضى صناعة الإطلاق والتقييد حملها على أذان غير الثقة ، فالظن بمجرده لا عبرة به.

بل الاعتبار بالعلم الوجداني أو التعبدي الذي من أفراده أذان الثقة العارف إذن فالصحيحة تامة الدلالة على المدعى من غير معارض.

ومنها : رواية عبد اللّه بن عجلان قال : « قال أبو جعفر عليه‌السلام : إذا كنت شاكاً في الزوال فصل ركعتين ، فاذا استيقنت أنها قد زالت بدأت بالفريضة » (2).

وقد ناقش صاحب الحدائق (3)أيضاً في دلالتها بأنها ناظرة إلى حكم الشك واليقين وأنه يعتبر الثاني دون الأول ، من غير تعرض لحكم الظن بوجه.

وهذه المناقشة مبنية على أمرين : أحدهما إنكار مفهوم الشرط ، والآخر دعوى اختصاص الشك بما تساوى طرفاه ، وكلاهما في حيّز المنع ، فان المفهوم المزبور قد ثبت اعتباره في الأُصول (4)، ومقتضاه أنه إذا لم يستيقن بالزوال لم يبدأ بالفريضة سواء حصل له الظن أم لا. كما أن الشك لغة خلاف اليقين (5)فيشمل الظن ، وجعله قسيماً لهما اصطلاح مستحدث. إذن فالرواية بصدرها وذيلها تدل على المطلوب ، غير أن السند ضعيف ، لجهالة طريق ابن إدريس إلى نوادر البزنطي ، ومن المعلوم أن صحته عنده لا تجدي بالإضافة إلينا.

ومنها : ما رواه الكليني بإسناده عن علي بن مهزيار قال : « كتب أبو الحسن بن الحصين إلى أبي جعفر الثاني عليه‌السلام معي : جعلت فداك -


1) [ المناسب أن يقال : وهذه مطلقة من حيث وثاقة الراوي وعدمها ].

2) الوسائل 4 : 279 / أبواب المواقيت ب 58 ح 1.

3) الحدائق 6 : 299.

4) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 59.

5) لسان العرب 10 : 451.

نعم يجوز الاعتماد على شهادة العدلين على الأقوى (1) وكذا أذان العارف العدل (2).


إلى أن قال - : فكتب عليه‌السلام بخطه وقرأته : الفجر يرحمك اللّه هو الخيط الأبيض المعترض وليس هو الأبيض صعداً ، فلا تصلّ في سفر ولا حضر حتى تبينه ... » إلخ ، ورواها الشيخ بإسناده عن الحصين ( ابن أبي الحصين ) قال : كتبت إلى أبي جعفر عليه‌السلام وذكر مثله (1).

وهي واضحة الدلالة ، غير أنها ضعيفة السند بطريقيها. أما الأول فبسهل ابن زياد ، وأما الثاني فبالحصين فإنه لم يوثق (2)فلا تصلح إلا للتأييد ، والعمدة ما تقدم ، وفيه غنى وكفاية.

(1) لما دل على حجية البينة بنطاق عام ومنه المقام ، فلا يختص بمورد دون مورد إلاّ ما قام الدليل على اعتبار شي‌ء زائد كشهادة الأربعة في الزنا وضم اليمين في الشهادة على الميت ونحو ذلك ، نعم يختص بما استند إلى الحس فلا يشمل الاستناد إلى الحدس والاجتهاد. وقد تقدم البحث حول حجيتها مستوفى في كتاب الطهارة عند البحث عما تثبت به النجاسة فلاحظ (3).

(2) لم يظهر وجه للتقييد بالعدل ، فان المستند في حجية الأذان إن كان اندراجه في شهادة العدل الواحد في الموضوعات ، فالمفروض أن السيد الماتن قدس‌سره يستشكل فيه في المقام وفي غيره ، وإن كان المستند الأخبار الخاصة فهي عارية عن التقييد بالعدالة سيما وأن مورد بعضها أذان


1) الوسائل 4 : 210 / أبواب المواقيت ب 27 ح 4 ، الكافي 3 : 282 / 1 ، التهذيب 2 : 36 / 115.

2) بل قد وثقه الشيخ كما تقدم [ في هامش ص 198 ].

3) شرح العروة الوثقى 2 : 260.

العامة ، بل غايتها اعتبار الوثاقة.

اللّهم إلا أن يريد قدس‌سره من العدالة معناها اللغوي أعني مجرد الاستقامة في العمل (1)، بأن يكون مواظباً على الوقت بعد كونه عارفاً به وملتزماً بإيقاع الأذان في وقته التزاماً تاماً ، وإن لم يكن ملتزماً في سائر أحكام الدين ، فالاستقامة في الأذان أوجب إطلاق العدل عليه ، ولكنه بعيد عن ظاهر العبارة كما لا يخفى.

وكيف ما كان ، فقد وقع الخلاف في اعتبار أذان الثقة العارف فأثبته جماعة وأنكره آخرون.

ويستدل للاعتبار بطائفة من الأخبار وهي كثيرة ، والمعتبرة منها روايتان اشتملتا على التقييد بالثقة ، وإن كان غيرهما مطلقة من هذه الجهة بحيث لو صح أسنادها لزم ارتكاب التقييد وحملها على أذان الثقة جمعاً.

إحداهما : صحيحة ذريح المحاربي قال : « قال لي أبو عبد اللّه عليه‌السلام : صلّ الجمعة بأذان هؤلاء فإنهم أشدّ شي‌ء مواظبة على الوقت » (2)حيث يظهر من التعليل أن الاعتماد على أذانهم إنما هو من أجل حصول الوثوق بدخول الوقت ، لمكان مواظبتهم عليه وإخبارهم عنه بالدلالة الالتزامية كما لو أخبروا عنه بالمطابقة. إذن فيعتمد على أذان كل من كان ثقة مواظباً على الوقت.

والتقييد بالجمعة إنما هو من أجل امتيازها بالشروع في الصلاة بمجرد دخول الوقت بخلاف سائر الأيام ، حيث يستحب التأخير لمكان النوافل ، فلا خصوصية لها ولا فرق بينهما في كاشفية الأذان عن دخول الوقت بالضرورة.

ثانيتهما : صحيحة الحلبي التي رواها الكليني بطريقين معتبرين عن أبي


1) لسان العرب 11 : 430.

2) الوسائل 5 : 378 / أبواب الأذان والإقامة ب 3 ح 1.

عبد اللّه عليه‌السلام قال : « كان بلال يؤذن للنبي صلی اللّه عليه وآله وابن أُم مكتوم وكان أعمى يؤّذن بليل ويؤذن بلال حين يطلع الفجر ».

وقد أوردها في الوسائل بهذا المقدار في أبواب الأذان (1)وأخرجها بتمامها في كتاب الصوم بزيادة هذا الذيل : « فقال النبي صلی اللّه عليه وآله : إذا سمعتم صوت بلال فدعوا الطعام والشراب فقد أصبحتم » (2)وهي واضحة الدلالة على اعتبار أذان العارف الثقة.

وربما يستدل بروايات أُخر :

منها : ما عبّر عنه بصحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث « قال : فقال النبي صلی اللّه عليه وآله : إن ابن أُم مكتوم يؤذن بليل ، فاذا سمعتم أذانه فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان بلال ... » إلخ (3)بعد وضوح أن موردها أعني الصوم لا خصوصية له ، وأنها تدل على حجية قول الثقة كبلال وكشفه عن دخول الوقت مطلقاً.

وفيه : أن الدلالة وإن كانت ظاهرة لكن السند ضعيف ، فان التعبير المزبور مبنيّ على أن يكون ما في ذيل الرواية أعني قوله : قال ... إلخ من كلام الراوي ليرجع الضمير إلى الصادق عليه‌السلام ويكون من متممات الرواية ، وليس كذلك ، بل هو من كلام صاحب الوسائل ، ومرجع الضمير هو الصدوق ، وهذه رواية أُخرى مستقلة ، ومن مراسيل الصدوق ، ولم تكن جزءاً من رواية معاوية وإلا لاحتاج إلى ذكر العاطف ، بأن يقول : وقال بدل « قال » كما لا يخفى.

وقد تفطّن المتصدي للطبعة الجديدة من الوسائل لذلك فأفرد للذيل رقماً مستقلا في مقابل الصدر ، ويكشف عنه بوضوح أنهما ذكرا في الفقيه في


1) الوسائل 5 : 389 / أبواب الأذان والإقامة ب 8 ح 3 ، الكافي 4 : 98 / 3.

2) الوسائل 10 : 111 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 42 ح 1.

3) الوسائل 5 : 389 / أبواب الأذان والإقامة ب 8 ح 2.

موضعين أحدهما ج 1 ص 185 والآخر ج 1 ص 194.

وبالجملة فهما روايتان إحداهما مسندة والأُخرى مرسلة ، وليستا برواية واحدة كما توهم ، ومحل الاستشهاد هي الثانية الساقطة عن صلاحية الاستدلال ، نعم روى الكليني (1)مضمونها بطريق آخر لكن السند ضعيف بموسى بن بكر (2).

ومنها : ما عبر عنه أيضاً بصحيح حماد بن عثمان عن محمد بن خالد القسري قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : أخاف أن نصلي يوم الجمعة قبل أن تزول الشمس ، فقال : إنما ذلك على المؤذنين » (3).

وفيه : أن السند ضعيف بالقسري فإنه مهمل ، وحينئذ فإن أُريد من التعبير المزبور أن السند صحيح إلى حماد فهو حق ولكنه لا ينفع في تصحيح الرواية ، وإن أُريد أنها صحيحة نظراً إلى أن حمّاداً من أصحاب الإجماع ففيه ما مرّ غير مرة ولا نعيد.

ومنها : ما رواه العياشي في تفسيره عن سعيد الأعرج قال : « دخلت على أبي عبد اللّه عليه‌السلام وهو مغضب وعنده جماعة من أصحابنا وهو يقول : تصلون قبل أن تزول الشمس ، قال وهم سكوت ، قال فقلت : أصلحك اللّه ما نصلي حتى يؤذن مؤذن مكة ، قال : فلا بأس أما إنّه إذا أذن فقد زالت الشمس » إلخ (4).

قال في الحدائق (5)ما لفظه : الخبر صحيح كما ترى بالاصطلاح القديم ، لكون الكتاب من الأُصول المعتمدة.


1) الوسائل 5 : 389 / أبواب الأذان والإقامة ب 8 ح 4 ، الكافي 4 : 98 / 1.

2) تقدم [ في ص 246 ] أنّ الرجل موثق عند السيد الأستاذ ( قده ).

3) الوسائل 5 : 379 / أبواب الأذان والإقامة ب 3 ح 3.

4) الوسائل 5 : 380 / أبواب الأذان والإقامة ب 3 ح 9 ، تفسير العياشي 2 : 309.

5) الحدائق 6 : 296.

وأما كفاية شهادة العدل الواحد فمحل إشكال (1)(1) ، وإذا صلى مع عدم اليقين بدخوله ولا شهادة العدلين أو أذان العدل بطلت (2) إلا إذا تبين بعد ذلك كونها بتمامها في الوقت مع فرض حصول قصد القربة منه.


أقول : لا شبهة أن الكتاب من الأُصول المعتمدة وأن مؤلفه جليل القدر ، لكن المستنسخ سامحه اللّه أسقط الإسناد ما عدا الراوي الأخير روماً للاختصار ، زعماً منه أنه خدمة في هذا المضمار ، وبذلك ألحقها بالمراسيل وأسقطها عن درجة الاعتبار من حيث لا يشعر ، إذن فالسند ضعيف ولا يمكن التعويل عليه ، فالعمدة من الأخبار ما عرفت ، وفيها غنى وكفاية ، وما عداها مما ذكر ولم يذكر روايات ضعيفة لا تصلح إلا للتأييد.

(1) أظهره الكفاية ، بل كفاية إخبار مطلق الثقة في الموضوعات وإن لم يكن عدلاً ، لقيام السيرة العقلائية على ذلك حسبما باحثنا حوله في محله مستوفى (2)، بل يمكن استفادته من نصوص المقام أيضاً ، فإن الأذان إخبار عن دخول الوقت بالدلالة الالتزامية ، فإذا كان حجة كان الإخبار عنه بالدلالة المطابقية أولى وأحرى كما لا يخفى فليتأمل.

(2) الداخل في الصلاة شاكاً في حصول الوقت من غير استناد إلى حجة معتبرة يتصور على وجوه أربعة : فتارة يستبين له وقوعها بتمامها قبل الوقت ، وأُخرى بتمامها بعده ، وثالثة : بعضها فيه دون بعض ، ورابعة : لا يستبين الحال ، بل لا يزال باقياً على شكه حتى ما بعد الفراغ من الصلاة.

أما في الصورة الاولى : فلا إشكال في فساد الصلاة ، لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه ، ولا سيما الوقت الذي هو من الأركان. وإجزاء الفاقد عن


1) (*) لا يبعد القول بكفايتها ، بل بشهادة مطلق الثقة.

2) أشار إلى ذلك في مصباح الأُصول 2 : 172.

الواجد يحتاج إلى الدليل ولا دليل ، بل الدليل قائم على العدم ، وهو اندراجه في عقد الاستثناء من حديث لا تعاد.

وأما في الصورة الثانية : فلا ينبغي الشك في الصحة بعد افتراض حصول قصد القربة أما للإتيان برجاء المطلوبية بناء على كفايته حتى مع التمكن من الامتثال الجزمي كما هو الصحيح أو لاعتقاده الصحة مع الشك في دخول الوقت بحيث تمشّى منه القصد المزبور ، فإنه لا خلل في العبادة في هذه الصورة بوجه.

وأما في الصورة الثالثة : فمقتضى القاعدة بطلان العبادة ، نظراً إلى أن الوقت شرط في تمام الأجزاء بالأسر ، ففساد البعض من أجل فقد الشرط يسري طبعاً إلى الجميع بمقتضى افتراض الارتباطية الملحوظة بينها ، وليس في البين ما يستوجب الخروج عنها بعد وضوح قصور خبر إسماعيل بن رياح المتقدم (1)لو صح سنده عن الشمول للمقام ، لاختصاص موردها بمن يرى دخول الوقت ، فلا ينطبق على الشاك الذي هو محل الكلام.

وأما الصورة الرابعة : فهي على نحوين : إذ تارة يستمر في شكه حتى في هذه الحالة ، وأُخرى يزول الشك فيعلم حينئذ بدخول الوقت ولكنه لا يدري أنه هل كان داخلاً منذ شروعه في الصلاة أيضاً أو لا.

أما في الأول : فلا ينبغي الشك في الفساد ، ولا سبيل للتصحيح بقاعدة الفراغ ، لما سيأتي من أنها لا تجري في من صلى مع اعتقاد الدخول ثم عرضه الشك بعد الفراغ بنحو الشك الساري ، فإنها إذا لم تجر مع الاعتقاد فمع الشك بطريق أولى.

وأما في الثاني : فكذلك ، لاختصاص مورد القاعدة بالشك الحادث بعد الفراغ ، والمفروض في المقام عروضه قبل الدخول في الصلاة ، فكانت هي


1) في ص 370.

[1210] مسألة 2 : إذا كان غافلاً عن وجوب تحصيل اليقين أو ما بحكمه فصلى ثم تبين وقوعها في الوقت بتمامها صحت ، كما أنه لو تبين وقوعها قبل الوقت بتمامها بطلت ، وكذا لو لم يتبين الحال ، وأما لو تبين دخول الوقت في أثنائها ففي الصحة إشكال فلا يترك الاحتياط بالإعادة (1)(1).


محكومة بالفساد منذ الشروع فيها إما شرعاً لاستصحاب عدم دخول الوقت أو عقلاً لقاعدة الاشتغال ، وما هذا شأنه غير صالح للتصحيح بقاعدة الفراغ بوجه.

والمتحصل : أن الصلاة محكومة بالفساد في جميع الصور ما عدا صورة واحدة ، وهي الواقعة بتمامها في الوقت شريطة حصول قصد القربة.

(1) الصور المتقدمة في المسألة السابقة تجري هنا أيضاً ، والحكم كما تقدم من البطلان إلا في صورة واحدة ، وهي ما لو وقعت الصلاة بتمامها في الوقت ، بل إن الصحة هنا أوضح ، بداهة تمشّي قصد القربة من الغافل ، وأما الشك فيحتاج إلى عناية كما تقدم.

وقد علم وجه الفساد في سائر الصور ، أعني ما لو استبان وقوع الصلاة بتمامها أو بعضها قبل الوقت وإن استشكل الماتن هنا في الأخير ، ولعله لاحتمال اندراجه في خبر ابن رياح المتقدم (2)، ولكنه ضعيف لما عرفت من اختصاصه بمن يرى أي يعتقد دخول الوقت ، فلا يشمل الغافل كما لا يشمل الشاك.

وأما لو لم يتبين الحال فقد عرفت أنه قد يفرض مع استمرار الشك وأُخرى مع زواله.

أما في الأول فلا تجري قاعدة الفراغ حتى في المعتقد دخول الوقت فضلاً


1) (*) بل وجوبها هو الأقوى.

2) في ص 370.

[1211] مسألة 3 : إذا تيقن دخول الوقت فصلى أو عمل بالظن المعتبر كشهادة العدلين وأذان العدل العارف ، فان تبين وقوع الصلاة بتمامها قبل الوقت بطلت ووجب الإعادة ، وإن تبين دخول الوقت في أثنائها ولو قبل السلام صحت (1)(1)


عن الغافل أو الشاك ببيان سيأتي.

وأما في الثاني فيبتني جريان القاعدة على القول بشمولها حتى لصورة العلم بالغفلة واستناد الصحة المحتملة إلى مجرد الصدفة ، ولكنه خلاف التحقيق ، بل الصواب اختصاصها بمقتضى التعليل بالأذكرية والأقربية في نصوص الباب بصورة احتمال الالتفات حين العمل ، وحيث إنه مفقود في المقام لفرض كونه غافلاً عن وجوب تحصيل اليقين فلا مناص من الحكم بالبطلان.

(1) إذا صلى عن يقين وجداني أو تعبدي بدخول الوقت فان لم ينكشف الخلاف فلا إشكال ، وإن تبدل بالشك الساري فسيأتي حكمه. وأما لو انكشف فقد عرفت البطلان فيما لو تبين وقوع المجموع قبل الوقت ، فإنه مضافاً إلى أنّ ذلك هو مقتضى القاعدة ، بل وحديث لا تعاد ، قد دلت عليه نصوص خاصة منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام : « في رجل صلى الغداة بليل غرّه من ذلك القمر ونام حتى طلعت الشمس فأخبر أنه صلى بليل ، قال : يعيد صلاته » (2)ونحوها صحيحته الأُخرى (3).

وأما لو تبيّن وقوع البعض قبل الوقت فحلّ أثناء الصلاة فقد حكم الماتن تبعاً للمشهور بالصحة ، استناداً إلى رواية إسماعيل بن رياح المتقدمة عن


1) (*) في الصحة إشكال ، والأحوط لزوماً إعادتها.

2) الوسائل 4 : 281 / أبواب المواقيت ب 59 ح 1.

3) الوسائل 4 : 178 / أبواب المواقيت ب 16 ح 17.

أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إذا صليت وأنت ترى أنك في وقت ولم يدخل الوقت فدخل الوقت وأنت في الصلاة فقد أجزأت عنك » (1)ولكنك عرفت المناقشة في سندها ، حيث إن إسماعيل لم يرد فيه توثيق.

والمحاولة للتصحيح تارة بأنه من أصحاب الصادق عليه‌السلام وكلهم ثقات كما شهد به الشيخ المفيد. وأُخرى بأن الراوي عنه ابن أبي عمير وهو لا يروي إلا عن الثقة. وثالثة بأن عمل المشهور جابر للضعف ، ورابعة بأن الخبر مروي في الكتب الثلاثة ، وفي بعض الأسانيد من هو معروف بكثرة التثبت ، مضافاً إلى اشتمال جميع الأسناد على الأعيان والأجلاء ، كلها كما ترى ، فإن الأخير فيه ما لا يخفى ، ولا نقول بالجبر ، وحديث ابن أبي عمير لا أساس له ، وما عن المفيد قد تقدم (2)ما فيه ، ومن ثم ذهب جمع من الأعاظم كالعماني (3)والسيد المرتضى (4)والعلامة (5)والأردبيلي (6)وغيرهم إلى البطلان ، إما لضعف النص أو للتوقف فيه المتحد معه بحسب النتيجة بمقتضى قاعدة الاشتغال.

نعم ، على تقدير صحة السند فلا ينبغي التأمل في عدم اختصاص الرؤية الواردة في الرواية بالظن المعتبر ، كيف ولازمه أن يكون القطع أسوأ حالاً منه ، بل المراد مطلق الاعتقاد الأعم من الوجداني والتعبدي كما لا يخفى.

فما عن غير واحد منهم صاحب الحدائق (7)من تفسيرها بالظن بظاهره


1) الوسائل 4 : 206 / أبواب المواقيت ب 25 ح 1.

2) في ص 370.

3) حكاه عنه في المختلف 2 : 68 مسألة 18.

4) المسائل الرسيات ( رسائل الشريف المرتضى 2 ) : 350.

5) المختلف 2 : 68 مسألة 18.

6) مجمع الفائدة والبرهان 2 : 53.

7) الحدائق 6 : 296.

غير مستقيم كما مرت الإشارة إليه سابقاً (1).

كما أن ما عن المحقق الهمداني قدس‌سره (2)من شمولها للظن الذي يكون معتبراً بنظره وإن لم يكن معتبراً في الواقع غير واضح وإن ادعى وضوحه ، فان الموضوع للإجزاء في الخبر رؤية دخول الوقت وجداناً أو تعبّداً ، وكلاهما منفي ، غاية الأمر أنه يرى اعتبار ظنه ، لا أنه يرى دخول الوقت بظن معتبر ، وكم فرق بينهما.

وبعبارة اخرى لو كان موضوع الحكم من يعتقد أنه يرى دخول الوقت لصح ما أُفيد ، وليس كذلك ، بل الموضوع نفس رؤية الدخول ولو تعبداً ، وهو منفي في مورد الفرض فتأمل جيداً.

ثم إن صاحب الجواهر (3)استدل للصحة في من عوّل على الظن المعتبر فبان الخلاف في الأثناء تارة بأصالة البراءة عن الاستئناف ، للشك في تعلق الأمر به بعد ما كان موظفاً بالعمل بالظن ، وأُخرى بقاعدة الإجزاء المستفادة من الأمر بالعمل بالظن هنا نصاً وفتوى خرج منها ما لو انكشف وقوع الصلاة بتمامها قبل الوقت بالإجماع وبقي الباقي.

وفي كليهما ما لا يخفى :

أما الأول فلوضوح عدم كون الشك في التكليف فإنه مقطوع به ، بل في حصول الامتثال بما صنع والاكتفاء بما وقع ، ولا شبهة في لزوم إحراز الامتثال ، فالمورد من موارد الاشتغال دون البراءة.

وأما الثاني فلتعلق التكليف الواقعي بإيقاع الصلاة لدى الزوال ، والظن المزبور بمقتضى دليل اعتباره طريق إلى إحرازه وتطبيق الواقع على مؤداه ،


1) في ص 369.

2) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 74 ، السطر 9.

3) الجواهر 7 : 276.

وأما لو عمل بالظن غير المعتبر فلا تصح وإن دخل الوقت في أثنائها (1). وكذا إذا كان غافلاً على الأحوط كما مر (1)(2) ولا فرق في الصحة في الصورة الأُولى بين أن يتبين دخول الوقت في الأثناء بعد الفراغ أو في الأثناء (3). لكن بشرط أن يكون الوقت داخلاً حين التبين وأما إذا تبين أن الوقت سيدخل قبل تمام الصلاة فلا ينفع شيئاً (4).


فلا جرم كان حكماً ظاهرياً مغيا بعدم انكشاف الخلاف على ما هو الشأن في جميع الأحكام الظاهرية ، بناءً على ما هو الصواب من حجية الأمارات من باب الطريقية. نعم على القول بالسببية كان بنفسه موضوعاً للحكم ومناطاً للامتثال ، إذ لا واقع سواه ، ولكنه خلاف التحقيق حسبما هو موضح في محله (2).

(1) فإنه ملحق بالشك بعد فقد ما يدل على تنزيله منزلة العلم ، سواء علم بعدم اعتبار ظنه أم اعتقد اشتباهاً اعتباره ، خلافاً للمحقق الهمداني قدس‌سره كما سبق آنفاً ، حيث عرفت أن الاعتقاد المزبور لا يدرجه في من يرى دخول الوقت ليشمله النص ، بل هو ممن يرى اعتبار ظنه ، وكم فرق بينهما ، وقد عرفت أن العبرة بالأول دون الثاني.

(2) في المسألة السابقة ، وقد عرفت أنه الأقوى.

(3) فإن جملة « وأنت في الصلاة » الواردة في رواية ابن رياح في موضع الحال لدخول الوقت لا لتبين الدخول. إذن فلا فرق بين حصول التبين في هذه الحالة أيضاً أو بعد الفراغ بمقتضى الإطلاق.

(4) إذ لا يصدق معه في حالة التبين ما أُخذ في موضوع النص من قوله : « وأنت ترى أنك في وقت » فإنه لا يرى وقتئذ ذلك ، نعم يرى أن الوقت


1) (*) بل الأقوى كما مر.

2) مصباح الأُصول 2 : 97.

[1212] مسألة 4 : إذا لم يتمكن من تحصيل العلم أو ما بحكمه ، لمانع في السماء من غيم أو غبار أو لمانع في نفسه (1)من عمى أو حبس أو نحو ذلك فلا يبعد كفاية الظن (1) لكن الأحوط التأخير حتى يحصل اليقين بل لا يترك هذا الاحتياط.


سيدخل بعد ذلك وقبل الفراغ من الصلاة ، لكنه لم يؤخذ موضوعاً للحكم ، فما هو الموضوع لم يتحقق ، وما تحقق لم يكن موضوعاً للأثر ، ولكن هذا كله على تقدير صحة الرواية والعمل بها وقد عرفت ضعفها. فالأقوى بطلان الصلاة في جميع الصور المذكورة في هذه المسألة.

(1) مطلقاً كما عليه المشهور ، بل ادعي عليه الإجماع في غير واحد من الكلمات ، وقيل بعدم حجيته مطلقاً ، نسب ذلك إلى ابن الجنيد (2)، ومال إليه صاحب المدارك (3)، وقيل بالتفصيل بين الموانع النوعية من الغيم والغبار ونحوهما وبين الموانع الشخصية كالعمى والحبس ونحوهما فيكون حجة في الأول دون الثاني. فالأقوال في المسألة ثلاثة وأقواها أخيرها.

ويستدل للمشهور بوجوه :

أحدها : موثقة سماعة قال : « سألته عن الصلاة بالليل والنهار إذا لم ير الشمس ولا القمر ولا النجوم ، قال : اجتهد رأيك وتعمد القبلة جهدك » (4).

وقد رواها في الوسائل عن المشايخ الثلاثة (5)، غير أنه في طريق الصدوق


1) (*) الأظهر أنّ جواز الاكتفاء بالظن يختصّ بالموانع النوعيّة ، ولا بأس بترك الاحتياط بالتأخير في مواردها.

2) حكاه عنه في المختلف 2 : 66 مسألة 18.

3) المدارك 3 : 99.

4) الوسائل 4 : 308 / أبواب القبلة ب 6 ح 2.

5) الكافي 3 : 284 / 1 ، التهذيب 2 : 46 / 147 ، الفقيه 1 : 143 / 667.

أسندها إلى سماعة عن مهران ( حديث 3 من الباب المزبور ) وهو سهو من قلمه الشريف أو من النساخ ، فان الموجود في الفقيه ج 1 ص 143 هكذا : ( سماعة بن مهران ) لا ( سماعة عن مهران ).

وكيف ما كان ، فقد نوقش في الرواية سنداً تارة ودلالة اخرى.

أما السند فلأجل اشتماله على عثمان بن عيسى وهو واقفي لم يرد فيه توثيق ، بل قد كان شيخ الواقفة ووجهها.

ويندفع : مضافاً إلى وقوعه في أسناد كامل الزيارات (1)وتفسير القمي بما حكاه الكشي (2)عن جماعة من أنهم عدّوه من أصحاب الإجماع الكاشف عن المفروغية عن وثاقته وجلالته ، وإلا لم يكن مجال لتوهم إلحاقه بهؤلاء الأعاظم ، ولو كان الكشي بنفسه متردداً في الوثاقة فضلاً عن اعتقاده العدم لزمه التعليق على تلك الحكاية أو رفضها ، فسكوته خير شاهد على المفروغية المزبورة ، ولا يضرها القول بالوقف أو إنكار إمامة الرضا عليه‌السلام فضلاً عن غصب مقدار من أمواله عليه‌السلام فإن شيئاً من ذلك لا يقدح في الوثاقة كما لا يخفى.

على أنه قد صرح الشيخ في كتاب العدة بعمل الطائفة برواياته لأجل كونه موثوقاً به ومتحرجاً عن الكذب.

أضف إلى ذلك أن الشيخ رواها بسند آخر معتبر خال عن هذا الرجل ، وهو ما رواه عن الحسين بن سعيد عن الحسن عن زرعة عن سماعة كما أُشير إليه في الوسائل (3)إذن فلا ينبغي التشكيك في صحة السند.

وأما الدلالة فقد ناقش فيها في الحدائق (4)بأنها ناظرة إلى الاجتهاد في


1) ولكنه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة.

2) رجال الكشي : 556 / 1050.

3) الوسائل 4 : 308 ، الاستبصار 1 : 295 / 1089.

4) الحدائق 6 : 301.

القبلة بشهادة الذيل ، فيكون العطف تفسيرياً ، ولا تكون الرواية من مسألتنا في شي‌ء.

أقول : لا ينبغي التأمّل في أن الرواية ناظرة إلى الوقت ، إما وحده أو مع القبلة ، دون الثاني خاصة.

وتوضيحه : أنه لا صلة بين السؤال عن الصلاة بالليل والنهار وبين عدم رؤية الشمس وسائر الكواكب إلا من أجل دخالة هذه الأُمور في معرفة الأوقات المشروطة بها الصلوات من الزوال والاستتار ونحوهما ، فيسأل عما هي الوظيفة في تشخيص الأوقات لدى استتارها بالغيوم فأمره عليه‌السلام باعمال الجهد في تحصيل الطرق الظنية المؤدية إلى استعلامها التي منها الوقوف إلى جانب القبلة المشار إليه بقوله : « وتعمد القبلة » نظراً إلى أن الشمس تكون غالباً في طرف الجنوب عند الشتاء والخريف اللذين تكثر فيهما الغيوم ، فلعله يجد الشمس ولو جرمها أو شيئاً من نورها من تحتها فيستبين منها الوقت.

ويمكن أن يكون السؤال ناظراً زيادة على ذلك إلى القبلة أيضاً وأنه لدى الاستتار والاحتجاب بالغيوم ماذا يصنع المصلي بالوقت والقبلة ، ويكون الجواب هو العمل بالظن في كلا الموردين ، بجعل قوله عليه‌السلام : « اجتهد رأيك » جواباً عن الأول ، وقوله : « وتعمد القبلة جهدك » جواباً عن الثاني.

وأما احتمال الاختصاص بالثاني فبعيد غايته ، للزوم الحمل على الفرد النادر ، إذ الغالب في البلاد بل القرى معرفة القبلة من طرق أُخر كمحاريب المساجد ونحوها وعدم الاقتصار في استعلامها من الشمس ونحوها ، ولو كان فمرة واحدة بخلاف الوقت المحتاج إليه في كل يوم ، نعم تمس الحاجة لمن كان في الصحراء والبيداء الذي هو فرض نادر يبعد جدّاً حمل الرواية عليه.

إذن فلا قصور في الرواية لا من حيث السند ولا الدلالة.

ثم إن صاحب الوسائل روى في الباب الرابع عشر من أبواب المواقيت عن الشيخ بإسناده عن عثمان بن عيسى عن سماعة قال : « سألته عن الصلاة بالليل والنهار إذا لم تر الشمس ولا القمر ، فقال : تعرف هذه الطيور التي عندكم بالعراق يقال لها الديكة ، قال : نعم ، قال : إذا ارتفعت أصواتها وتجاوبت فقد زالت الشمس ، أو قال : فصله ، وهي لمكان اتحادها سؤالاً مع الرواية السابقة تؤيد ما استظهرناه من كونها ناظرة إلى الوقت.

إلا أنه لا وجود لها لا في التهذيب ولا الاستبصار ، ولا الوافي ، بل ولا في أي مصدر آخر ، ومن الجائز أن تكون النسخة الموجودة عنده كانت مشتملة عليها ولا يبعد أن تكون ملفقة من رواية سماعة المتقدمة (1)وحديث الفرّاء (2)فزاغ بصره عند النقل فأخذ قطعة من تلك وقطعة من هذه كما أشار إليه معلق الوسائل.

وكيف ما كان ، فقد عرفت أن موثقة سماعة المتقدمة غير قاصرة الدلالة على حجية الظن في باب الأوقات ، ولكنه لا إطلاق لها من حيث الموانع النوعية والشخصية وإن ادعاه المشهور ، بل المتيقن هو الأول الذي هو موردها ، فلا بد من الاقتصار عليه والرجوع في الثاني إلى الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال.

ثانيها : النصوص الواردة في جواز تعويل الصائم لدى عدم تمكنه من معرفة استتار القرص لغيم ونحوه على الظن والإفطار معه كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام في حديث « أنه قال لرجل ظن أن الشمس قد غابت فأفطر ثم أبصر الشمس بعد ذلك ، قال : ليس عليه قضاء » (3)ونحوها غيرها.


1) في ص 386.

2) الوسائل 4 : 171 / أبواب المواقيت ب 14 ح 5.

3) الوسائل 10 : 123 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 51 ح 2.

بتقريب أن هذه الأخبار إما أنها مخصصة لدليل وجوب الإمساك إلى الليل فيجوز الإفطار قبل الاستتار حتى واقعاً فيما إذا ظن به ، وإما أنه لا تخصيص بل مفادها حجية الظن وكونه طريقاً إلى الواقع لدى العجز عن تحصيل العلم وما بحكمه من بينة ونحوها.

لكن لا سبيل إلى الأول ، فإن لسان هذه النصوص تفرغ عن محض الطريقية من غير تصرف في الواقع ، كما أنّ لسان ما دل على وجوب الإمساك إلى الليل كقوله تعالى ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) (1)في قوة الاستمرار بحيث يكاد يأبى عن التخصيص ، فلا يحتمل جواز الإفطار قبل الغروب في مورد ما ليستوجب ارتكابه كما لا يخفى ، إذن فيتعين الثاني ، ومقتضاه حجية الظن وإحراز الواقع به شرعاً وثبوت الوقت تعبداً ، فاذا ثبت ترتبت عليه جميع آثاره الشرعية من الإفطار وجواز الدخول في الصلاة وغيرهما من غير خصوصية للأول وإن كان هو مورد النص ، فلا ندعي التعدي عنه قياساً للصلاة على الصوم ، ولا من باب عدم القول بالفصل ليورد على الأول بأنه ليس من مذهبنا ، وعلى الثاني بأن المسألة متفق عليها في الصوم مختلف فيها في الصلاة ، فالفصل موجود ومعه لا موقع لدعوى عدم القول به ، بل ندعي استظهار حجية الظن من هاتيك النصوص بمناط الطريقية والكشف التعبدي عن الواقع في باب الأوقات ، فإذا ثبت الوقت شرعاً ترتبت عليه الآثار برمتها.

نعم يختص موردها بالموانع النوعية من غيم ونحوه ، فلا يكون حجة في الموانع الشخصية لعدم الدليل ، والمرجع حينئذ أصالة عدم الحجية. فينبغي التفصيل بينهما حسبما عرفت.

ثالثها : ما رواه السيد المرتضى نقلاً عن تفسير النعماني بإسناده عن


1) البقرة 2 : 187.

إسماعيل بن جابر عن الصادق عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه‌السلام في حديث طويل : « إن اللّه تعالى إذا حجب عن عباده عين الشمس التي جعلها دليلاً على أوقات الصلاة فموسع عليهم تأخير الصلوات ليتبين لهم الوقت بظهورها ويستيقنوا أنها قد زالت » (1).

فان تجويز التأخير لتحصيل اليقين يكشف عن جواز التقديم تعويلاً على الظن وإلا لكان التأخير لازماً لا جائزاً وموسعاً عليهم فالدلالة واضحة ، غير أن السند ضعيف بأحمد بن محمد بن يونس الجعفي ومن يروي عنه الواقعين في الطريق فلا تصلح إلا للتأييد.

رابعها : النصوص الواردة في صياح الديك وجواز التعويل عليه مع أنه لا يفيد إلا الظن بدخول الوقت ، فإن إسناد بعضها معتبر.

مثل ما رواه الصدوق بإسناده عن الحسين بن المختار قال : « قلت للصادق عليه‌السلام إني مؤذن فإذا كان يوم غيم لم أعرف الوقت ، فقال : إذا صاح الديك ثلاثة أصوات ولاءً فقد زالت الشمس ودخل وقت الصلاة » (2)فان الطريق صحيح ، وهو بنفسه قد وثقه الشيخ المفيد في الإرشاد (3)، مع أنه من رجال كامل الزيارات. فلا نقاش في السند ، غير أن الدلالة غير واضحة لجواز أن يكون للظن الحاصل من صياح الديك خصوصية في جواز التعويل ، فلا يمكن التعدي إلى مطلق الظن بدخول الوقت ولا تصلح إلا للتأييد.

خامسها : موثقة بكير بن أعين عن أبى عبد اللّه عليه‌السلام قال « قلت له : إني صليت الظهر في يوم غيم فانجلت فوجدتني صليت حين زال النهار ، قال فقال : لا تُعد ولا تَعد » (4).


1) الوسائل 4 : 279 / أبواب المواقيت ب 58 ح 2 ، رسالة المحكم والمتشابه : 21.

2) الوسائل 4 : 170 / أبواب المواقيت ب 14 ح 1 ، الفقيه 1 : 144 / 669.

3) الإرشاد 2 : 248.

4) الوسائل 4 : 129 / أبواب المواقيت ب 4 ح 16.

فإن النهي عن الإعادة خير شاهد على الصحة وعلى جواز ما صنعه من التعويل على الظن ، وأما النهي عن العود إلى مثله فمحمول على ضرب من التنزه ، وأن الأولى الاستناد في معرفة الأوقات إلى اليقين أو ما بحكمه.

وقد يقال بأنها على خلاف المطلوب أدل ، فيستدل بها على عدم جواز التعويل على الظن لمكان النهي عن العود ، وأما عدم الإعادة فهو من أجل انكشاف وقوعها بتمامها في الوقت فلا مقتضي لها لا من أجل الاعتماد على الظن.

ولكن الظاهر فساد الاستدلال من الطرفين وعدم جواز الاستناد إليها لشي‌ء من القولين ، إذ لم يفرض في الرواية تعويل الراوي على الظن غير المعتبر حينما دخل في الصلاة لتكون مرتبطة بما نحن فيه نفياً أو إثباتاً. إذن فالمحتمل فيها بدواً أمران :

أحدهما : التعويل في يوم غيم على العلم الوجداني أو حجة شرعية من البينة أو أذان العارف ونحوهما.

ثانيهما : أنه اقتحم في الصلاة لمجرد احتمال دخول الوقت ورجائه من غير استناد إلى أي حجة بتاتاً ، ثم استبان الدخول منذ الشروع فيسأل عن صحة مثل هذه الصلاة وفسادها.

لكن الاحتمال الأول بعيد غايته ، إذ بعد الاستناد إلى الحجة الشرعية واستبانة إصابتها مع الواقع فما هو الموجب لتوهم الفساد والباعث لتطرق احتماله ليحتاج إلى السؤال ، فإن صدور مثله بعيد عن الأشخاص العاديين فضلاً عن مثل بكير بن أعين الذي هو من الفقهاء الأجلاء ، بل فضّله بعضهم على أخيه زرارة ، فلا جرم يتعين الاحتمال الثاني ، ويكون محصل الجواب صحة الصلاة المنكشف وقوعها بتمامها في الوقت فلا يعيدها إلا أنه لا يعود إلى مثل هذا العمل ، بل اللازم على المصلي إحراز دخول الوقت بعلم وجداني أو تعبدي. وكيف ما كان ، فهي أجنبية عما نحن بصدده.

[1213] مسألة 5 : إذا اعتقد دخول الوقت فشرع وفي أثناء الصلاة تبدل يقينه بالشك (1) لا يكفي في الحكم بالصحة إلا إذا كان حين الشك عالماً بدخول الوقت ، إذ لا أقل (1)من أنه يدخل تحت المسألة المتقدمة من الصحة مع دخول الوقت في الأثناء.


وبالجملة : غاية ما تدل عليه الموثقة المنع عن الدخول في الصلاة من دون حجة عليه ، وأما تعيين تلك الحجة والتعرض للصغرى وأن الظن المطلق لدى العجز عن العلم حجة أو لا فلا نظر إليه فيها بوجه.

ومع التنزل وتسليم دلالتها بالإطلاق على عدم حجيته فيقيد بما دل على اعتبار الظن في خصوص المقام مما تقدم شريطة استناد العجز إلى الموانع النوعية دون الشخصية حسبما عرفت.

والمتحصل من جميع ما تقدم : أن المستفاد من نصوص الباب اعتبار الظن بالوقت للعاجز عن تحصيل العلم مع رعاية التفصيل المزبور.

(1) فتارة لا يعلم بدخول الوقت حالة عروض الشك الساري ، وأُخرى يعلم به حينئذ.

أما في الصورة الاولى : فلا ينبغي الشك في البطلان حتى بناء على العمل برواية إسماعيل بن رياح المتقدمة (2)كما عليه المشهور ، إذ الموضوع فيها من صلى وهو يرى دخول الوقت ، الظاهر في استمرار الاعتقاد إلى زمان الفراغ ، فلا يشمل من تبدل يقينه في الأثناء بالشك بحيث لم يكن محرزاً لدخول الوقت حتى في الأجزاء اللاحقة فضلاً عن السابقة. ولا سبيل للتصحيح بقاعدة التجاوز ، لعدم جريانها في أمثال المقام كما ستعرف ، على أنها لو جرت فلا تكاد تنفع بالإضافة إلى الأجزاء اللاحقة كما هو ظاهر.


1) (*) لا لأجل ذلك ، بل لجريان قاعدة الفراغ بالإضافة إلى ما مضى.

2) في ص 370.

[1214] مسألة 6 : إذا شك بعد الدخول في الصلاة في أنه راعى الوقت وأحرز دخوله أم لا ، فان كان حين شكه عالماً بالدخول فلا يبعد الحكم بالصحة (1) ، وإلا وجبت الإعادة بعد الإحراز (2).

[1215] مسألة 7 : إذا شك بعد الفراغ من الصلاة في أنها وقعت في الوقت أو لا ، فان علم عدم الالتفات إلى الوقت حين الشروع وجبت الإعادة (3) ،


وأما في الصورة الثانية : فإن عملنا برواية ابن رياح في موردها عملنا بها في المقام بطريق أولى ، إذ مقتضاها الحكم بالصحة حتى مع العلم بعدم وقوع الأجزاء السابقة في الوقت ، فما ظنك بما إذا احتمل ذلك كما فيما نحن فيه. وإن لم نعمل لضعف سندها وهو الصحيح كما تقدم (1)فالأجزاء السابقة محكومة بالصحة بقاعدة التجاوز ، واللاحقة بالقطع الوجداني ، فبضم التعبد إلى الوجدان يحرز وقوع مجموع الصلاة في الوقت. فما في المتن من الحكم بالصحة في هذه الصورة صحيح لكن لا لما ذكره من الدرج في المسألة المتقدمة ، بل لقاعدة التجاوز حسبما عرفت.

(1) لقاعدة الفراغ الجارية في أبعاض العمل كتمامه بمقتضى إطلاق الدليل.

(2) فإن القاعدة لا تجري حينئذ كما ستعرف ، مضافاً إلى أنها لو جرت فغايتها تصحيح الأجزاء السابقة دون اللاحقة ، فلا مناص من الإعادة بعد الإحراز عملاً بقاعدة الاشتغال ، بل الاستصحاب.

(3) لقاعدة الاشتغال بناء على ما هو الصواب من عدم جريان قاعدة الفراغ في موارد العلم بعدم الالتفات وإحراز الغفلة وعدم استناد احتمال الصحة إلا إلى مجرد الصدفة وإصابة الواقع من باب الاتفاق ، دون التصدي


1) في ص 370.

وإن علم أنه كان ملتفتاً ومراعياً له ومع ذلك شك في أنه كان داخلاً أم لا بنى على الصحة (1). وكذا إن كان شاكّاً في أنّه كان ملتفتاً أم لا ، هذا كلّه إذا كان حين الشك عالماً بالدخول وإلا لا يحكم بالصحة مطلقاً ولا تجري قاعدة الفراغ لأنه لا يجوز (1)له حين الشك الشروع في الصلاة فكيف يحكم بصحة ما مضى مع هذه الحالة (2).


للامتثال المنوط باحتمال الالتفات على ما بيناه في الأُصول (2).

(1) لقاعدة الفراغ الجارية هنا وفي الصورة الآتية بمناط واحد ، وهو احتمال الالتفات الموجب لعموم الدليل لهما.

(2) هذا التعليل بظاهره عليل ، لعدم التنافي بين الحكم بصحة ما مضى لو تمت القاعدة في نفسها وبين عدم جواز الشروع في الصلاة كمن شك في الطهارة بعد الفراغ فإنه يبني على صحة ما صلى ومع ذلك لا يجوز له الشروع في صلاة أُخرى ، لعدم إحراز الطهارة لها.

ولكن الظاهر أنه قدس‌سره يريد بذلك معنى آخر وإن كانت العبارة قاصرة ، وهو عدم جريان قاعدة الفراغ أو التجاوز في أمثال المقام في حد نفسها ، نظراً إلى أن موردها الشك في الانطباق بعد الفراغ عن وجود الأمر وتحققه ، لأن شأنها تصحيح العمل وتطبيق المأمور به عليه ، ولا يكون ذلك إلا بعد إحراز الأمر ، وهو غير محرز في المقام من أجل الشك فعلاً في دخول الوقت ، ومن ثم لا يجوز له الشروع في الصلاة مع هذه الحالة ، فإذا لم يجز الشروع لم يجز تصحيح ما مضى منها أيضاً بمناط واحد ، وهو عدم إحراز الأمر المانع هنا من إجراء القاعدة.

ومنه تعرف أنه لا مانع من جريانها في الصورة السابقة ، أعني ما إذا كان حين الشك عالماً بدخول الوقت ، لأنه محرز فعلاً للأمر ، فشكه فيما مضى


1) (*) في البيان قصور يظهر وجهه بالتأمل.

2) مصباح الأُصول 3 : 306.

[1216] مسألة 8 : يجب الترتيب بين الظهرين بتقديم الظهر وبين العشاءين بتقديم المغرب فلو عكس عمداً بطل ، وكذا لو كان جاهلاً (1)بالحكم ، وأما لو شرع في الثانية قبل الاولى غافلاً أو معتقداً لاتيانها عدل بعد التذكر ان كان محل العدول باقياً وإن كان في الوقت المختص بالأُولى على الأقوى كما مر لكن الأحوط الإعادة في هذه الصورة ، وإن تذكر بعد الفراغ صح وبنى على أنها الاولى في متساوي العدد كالظهرين تماماً أو قصراً وإن كان في الوقت المختص على الأقوى ، وقد مرّ أن الأحوط أن يأتي بأربع ركعات أو ركعتين بقصد ما في الذمة ، وأما في غير المتساوي كما إذا أتى بالعشاء قبل المغرب وتذكر بعد الفراغ فيحكم بالصحة ويأتي بالأولى ، وإن وقع العشاء في الوقت المختص بالمغرب لكن الأحوط في هذه الصورة الإعادة (1).


شك في انطباق المأمور به على المأتي به ، بخلاف هذه الصورة ، إذ مع الشك في الدخول لا علم بالأمر فلا تجري القاعدة ، فالفرق بينهما واضح ولا موقع لقياس إحداهما على الأُخرى كما توهم.

ومما ذكرنا تعرف الوجه في عدم جريان القاعدة في عدة فروع تقدمت في مطاوي المسائل السابقة وأوكلنا بيانه إلى ما سيأتي ، فلاحظ ولا نعيد.

(1) تقدم (2)شطر من الكلام حول هذه المسألة المنعقدة لبيان صور الإخلال بالترتيب المعتبر بين الظهرين والعشاءين في مبحث الأوقات.

وتفصيله : أنّ الإخلال تارة يكون عن علم وعمد ، وأُخرى عن جهل بالحكم أو بالموضوع ، وثالثة عن غفلة أو نسيان أو اعتقاد الإتيان.

أما مع العمد فهو المتيقن من البطلان ، لمخالفة دليل اشتراط الترتيب ، فينتفي المشروط بانتفاء شرطه ، وهذا ظاهر.


1) (*) هذا إذا كان مقصّراً ، وإلا فالأظهر هو الحكم بالصحة.

2) في ص 204.

وأما مع الجهل فالغالب فيه ما أشار إليه في المتن من الجهل بالحكم ، وأما بالنسبة إلى الموضوع فهو نادر التحقق ، وعلى فرض وقوعه كما لو استيقظ من النوم مثلاً فتخيل أن الوقت لم يسع أكثر من أربع ركعات فصلى العصر ، ثم انكشف سعة الوقت للظهر أيضاً فأخل بالترتيب لمكان جهله بالموضوع وهو الوقت ، فلا ريب في صحة الصلاة حينئذ ، لعموم حديث لا تعاد المسقط لشرطية الترتيب في هذا الظرف.

كما أن الغالب في الجهل بالحكم هو الجهل المستند إلى التقصير ، وأما الجهل عن قصور الموجب للعذر فهو أيضاً قليل الاتفاق ، لملازمة العلم بالترتيب بين الفرائض مع العلم بأصل وجوب الصلاة ، فالتفكيك بأن يعلم الثاني ولم يقرع سمعه الأول لعله لا يكاد يتحقق خارجاً ، وليست مسألة الترتيب من نظريات مسائل الفقه كي يفرض تأدي الاجتهاد إلى عدم وجوبه حتى يكون المجتهد معذوراً في تركه فيكون جاهلاً قاصراً.

نعم ، قد يكون الجهل عن التقصير موجباً للغفلة حين العمل عن وجوب الترتيب فيكون معذوراً عن توجه التكليف إليه (1)لامتناع خطاب الغافل ، إلا أن هذا الامتناع حيث إنه مستند إلى الاختيار ، والممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار فهو غير معذور واقعاً في هذا الإخلال ، فيكون طبعاً في حكم الجاهل المقصر.

وبالجملة : لا ينبغي الإشكال في أن مراد الماتن من الجاهل بالحكم ما هو الغالب منه في المقام وهو الجاهل المقصر كما عرفت ، ولا ريب في إلحاقه بالعامد في عدم شمول حديث لا تعاد ، لمكان تنجز التكليف عليه بمقتضى العلم الإجمالي الباعث له على الفحص عن الشرط وهو الترتيب.

نعم ، لو فرض الجهل القصوري في مثل المقام أحياناً كما لو كان أول يوم


1) [ الصحيح : فلا يتوجه التكليف إليه ].

من بلوغه فعلم بأصل وجوب الصلاة ولم يعلم بالترتيب فإنه يحكم حينئذ بصحة صلاته لحديث لا تعاد ، لكنه خارج عن محط كلام الماتن.

وأما لو كان الإخلال عن غفلة أو نسيان ، فان كان التذكر في الأثناء فسيأتي حكمه في المسألة الآتية إن شاء اللّه تعالى. وإن كان بعد الفراغ فلا إشكال في الصحة إن كان في الوقت المشترك سواء أكانا متساويين في العدد كالظهرين تماماً أو قصراً أم مختلفين كالعشاءين ، لحديث لا تعاد الحاكم على دليل شرطية الترتيب والموجب لاختصاصها بحال الذكر.

نعم ، في صورة التساوي هل يكون المأتي به عصراً مقدّماً فيجب عليه الإتيان بالظهر بعد ذلك كما عليه المشهور ، أو أنه يحسب ظهراً فيعدل بنيته إليها ثم يأتي بالعصر بعد ذلك كما اختاره الماتن في مبحث الأوقات (1)وورد به النص الصحيح؟ فيه خلاف قد تقدم (2)مبني على سقوط الرواية الصحيحة بإعراض الأصحاب عن الحجية وعدمه ، وقد عرفت أن الأقوى عدم السقوط كعدم الجبر بالعمل.

وكيف ما كان ، فطريقة الاحتياط غير خفية ، فيعدل بنيته إلى الظهر ثم يأتي بأربع ركعات بقصد ما في الذمة كما أشار إليه السيد الأُستاذ في تعليقته الشريفة.

وأما إن كان في الوقت المختص بالأُولى فتبتني الصحة وعدمها على ثبوت وقت الاختصاص بالمعنى المعروف ، أعني عدم صلاحية الوقت في حد ذاته لإيقاع الشريكة فيه وعدمه.

فعلى الأول يحكم بالبطلان ، للإخلال بالوقت الذي هو من مستثنيات حديث لا تعاد ، فهو كما لو أوقع الظهر بتمامها قبل الزوال نسياناً الذي لا إشكال في بطلانه.


1) العروة الوثقى 1 : 375 / 1182.

2) في ص 204.

[1217] مسألة 9 : إذا ترك المغرب ودخل في العشاء غفلة أو نسياناً أو معتقداً لاتيانها فتذكر في الأثناء عدل إلا إذا دخل في ركوع الركعة الرابعة فإن الأحوط حينئذ إتمامها (1)عشاءً ثم إعادتها بعد الإتيان بالمغرب (1).


وعلى الثاني كما هو الصحيح فحيث إن الوقت في حد ذاته صالح لكل من الظهر والعصر كما يفصح عنه قوله عليه‌السلام : « إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلا أن هذه قبل هذه » (2)غير أن مقدار أربع ركعات من أول الوقت يختص بالظهر ، بمعنى عدم جواز مزاحمة الشريكة معها اختياراً رعاية للترتيب ، فلو أخل به نسياناً فحيث لا مزاحمة حينئذ فالصلاة محكومة بالصحة ، لوقوعها في وقتها الصالح لها ، فلا نقص فيها من ناحية الوقت ، وإنما النقص من حيث فقد شرط الترتيب الساقط بحديث لا تعاد.

هذا كله فيما إذا وقعت الثانية بتمامها في وقت الاختصاص ، وأما إذا وقع مقدار منها في وقت الاشتراك ، كما لو وقع العشاء في الوقت المختص بالمغرب حيث إن الركعة الأخيرة تقع في الوقت المشترك لا محالة ، فينبغي الجزم حينئذ بالصحة حتى على القول بثبوت وقت الاختصاص ، بناءً على العمل برواية إسماعيل بن رياح المتقدمة (3)كما يراه الماتن تبعاً للمشهور ، إذ لا يزيد الفرض على ما لو شرع في الظهر قبل الزوال باعتقاد دخول الوقت فدخل في الأثناء بحيث وقع جزء منها بعد الزوال ، المحكومة بالصحة بمقتضى الرواية المزبورة فما ذكره في المتن من الاحتياط بالإعادة في هذه الصورة غير ظاهر الوجه.

(1) إذا أخل في الترتيب فيما يعتبر فيه كالظهرين والعشاءين غفلة أو


1) (*) والأظهر جواز قطعها والإتيان بها بعد المغرب.

2) الوسائل 4 : 130 / أبواب المواقيت ب 4 ح 21.

3) في ص 370.

نسياناً أو معتقداً للإتيان وتذكر في الأثناء فإمّا أن يكون ذلك قبل التجاوز عن الحد المشترك بين الصلاتين ، بأن لم يأت بعدُ بجزء زائد على الفريضة السابقة أصلاً كما لو كان التذكر في صلاة العصر أو في العشاء قبل القيام إلى الركعة الرابعة أو يكون بعده ، وعلى الثاني فإمّا أن يكون قبل الدخول في الركن أو يكون بعده كما لو تذكر بعد الدخول في ركوع الركعة الرابعة ، فالصور ثلاث :

أما في الصورة الاولى : فلا إشكال في الصحة وأنه يعدل عما بيده إلى الفريضة السابقة ، وقد ورد به النص الصحيح ، قال عليه‌السلام في صحيحة زرارة : « وإن ذكرت أنك لم تصل الاولى وأنت في صلاة العصر وقد صليت منها ركعتين فانوها الاولى ثم صل الركعتين الباقيتين وقم فصل العصر » (1).

وأما في الصورة الثانية : فالمشهور هو الصحة أيضاً والعدول إلى السابقة ، لكن الشأن في مستنده ، فإن الصحيحة المزبورة قاصرة الشمول لهذه الصورة ، لاختصاص موردها بعدم التجاوز عن الحد المشترك.

ورواية عبد الرحمن : « إذا نسي الصلاة أو نام عنها صلى حين يذكرها ، فاذا ذكرها وهو في صلاة بدأ بالتي نسي .. » إلخ (2)وإن كانت بإطلاقها شاملة للمقام ، فان قوله : « بدأ بالتي نسي » الظاهر في إرادة العدول يشمل صورتي التجاوز القدر المشترك وعدمه ، لكنها ضعيفة السند ب- ( معلى بن محمد ) وقد حاول شيخنا النوري قدس‌سره (3)توثيقه بذكر أُمور لا يعبأ بشي‌ء منها بعد تصريح النجاشي (4)بضعفه في حديثه ومذهبه ، ومنه تعرف أنه لا ينفع وجوده في أسناد كامل الزيارات. وكذا تفسير القمي بعد معارضته بالتضعيف المزبور (5).


1) الوسائل 4 : 290 / أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

2) الوسائل 4 : 291 / أبواب المواقيت ب 63 ح 2.

3) خاتمة المستدرك 5 : 323 / 318.

4) رجال النجاشي : 418 / 1117.

5) لكنه اختار دام ظله في المعجم وثاقته لاحظ المجلد 19 : 280 / 12536.

نعم ، يمكن الاستدلال للصحة بل وتطبيقها على القاعدة بأن محتملات المسألة ثلاثة : إما البطلان أو الإتمام عشاء ، أو العدول بها إلى المغرب ، ولا رابع.

لكن الأول مدفوع بحديث لا تعاد ، إذ لا موجب لتوهم البطلان ما عدا الإخلال بالترتيب ، المنفي بالحديث بعد اندراجه في عقد المستثنى منه.

والثاني يستوجب الإخلال بالترتيب عامداً في الركعة الأخيرة بناءً على ما هو الصواب من أنه شرط في تمام الأجزاء بالأسر لا في خصوص المجموع (1)، إذ عليه وإن كان الإخلال بالإضافة إلى الأجزاء السابقة مستنداً إلى الغفلة لكنه بالنسبة إلى اللاحقة صادر عن علم وعمد ، فالإتمام عشاء إخلال عمدي للترتيب بقاءً ، فهذا الاحتمال يتلو سابقه في الضعف ، فلا جرم يتعين الاحتمال الثالث. إذن فالعدول وإن كان في حد نفسه مخالفاً للقاعدة ومحتاجاً إلى دليل خاص ، لكنه في خصوص المقام مطابق للقاعدة الثانوية بالبيان المتقدم. فما عليه المشهور هو الصحيح.

وأما في الصورة الثالثة : أعني ما لو كان التذكر بعد الدخول في ركوع الرابعة فقد احتاط في المتن وجوباً بالإتمام عشاءً ثم إعادتها بعد المغرب ، ولكنه مخالف لما اختاره في المسألة الثالثة من مبحث الأوقات (2)من الفتوى بالبطلان ، وهو الأقوى ، فيجوز قطعها والإتيان بها بعد المغرب ، إذ لا سبيل للتصحيح لا عشاء لما عرفت من استلزامه الإخلال بالترتيب عامداً بالإضافة إلى الأجزاء اللاحقة ، ولا بالعدول إلى المغرب لفوات محله بالدخول بالركن


1) [ لعل الصحيح التعبير بالشروع بدل المجموع ، لأن اعتبار الترتيب في المجموع المراد به العام المجموعي معناه اعتباره في خصوص ما إذا كان ملتفتاً إليه من أول الصلاة إلى آخرها ، فاذا غفل عنه في جزء منها سقط اعتباره. ولازمه صحة الصلاة فيما إذا دخل فيها مخلاًّ بالترتيب عمداً مع زوال التفاته فيما بعد لحظة ، وهذا لا يمكن الالتزام به. فلعل منشأ التعبير بالمجموع هو الغفلة عن هذا اللازم وتخيل اتحاد التعبيرين في المعنى ].

2) العروة الوثقى 1 : 374 / مسألة 3 / 1182.

[1218] مسألة 10 : يجوز العدول في قضاء الفوائت أيضاً من اللاحقة إلى السابقة (1) بشرط أن يكون فوت المعدول عنه معلوماً ،


المستوجب للزيادة القادحة.

ودعوى عدم قدح مثل هذه الزيادة نظراً إلى أن الركوع الصادر منه كان مأموراً به في ظرفه ، ومن ثم لو استمرت الغفلة إلى ما بعد الفراغ صحت الصلاة بلا إشكال ، فلم يكن متصفاً بالزيادة حين الإتيان به وقبل تحقق العدول فكذلك بعده ، إذ الدليل على قادحية الزيادة هو الإجماع ، والقدر المتيقن منه ما كان متصفاً بها ابتداءً ومن لدن وقوعه كما لو زاد الركوع بقصد الصلاة الخارج هو عنها لا مطلقاً ، فلا يشمل المقام.

مدفوعة بعدم انحصار الدليل في الإجماع ليؤخذ بالمتيقن منه ، بل الأدلة اللفظية المطلقة كافية ووافية التي منها عقد الاستثناء في حديث لا تعاد ، بناءً على ما هو الصواب من شموله لمطلق الإخلال ، سواء أكان من ناحية النقص أو الزيادة. إذن فزيادة الركوع المزبورة مشمولة للحديث وإن كان الاتصاف بها بعد العدول ولم يكن زائداً من حين وقوعه بمقتضى الإطلاق.

وعلى الجملة : فلا ينبغي التأمل في قادحية الزيادة المزبورة ، كيف ولو لم تقدح هذه الزيادة وساغ العدول في مفروض المسألة لساغ في من عدل عن قصد الإقامة بعد ما دخل في ركوع الركعة الثالثة من الصلاة الرباعية وصح منه العدول إلى صلاة القصر بهدم ما بيده من الركعة والإتمام على الثنتين ، بدعوى أن الركوع الزائد الصادر منه كان مأموراً به في ظرفه وواقعاً في محله فلا يكون قادحاً ، وهو كما ترى لم يقل به أحد ، ولا ينبغي القول به من أحد ، فلا مناص من الحكم بالبطلان حسبما عرفت.

(1) قال في الجواهر (1): بلا خلاف أجده فيه ، بل عن المحقق الثاني (2)


1) الجواهر 13 : 106.

2) حكاه عنه في مفتاح الكرامة 2 : 47.

وأما إذا كان احتياطاً فلا يكفي العدول في البراءة من السابقة وإن كانت احتياطية أيضاً ، لاحتمال اشتغال الذمة واقعاً بالسابقة (1)دون اللاحقة فلم يتحقق العدول من صلاة إلى أُخرى (1) وكذا الكلام في العدول من حاضرة إلى سابقتها فان اللازم ان لا يكون الإتيان باللاحقة من باب الاحتياط وإلا لم يحصل اليقين بالبراءة من السابقة بالعدول لما مرّ.

[1219] مسألة 11 : لا يجوز العدول من السابقة إلى اللاحقة (2)


دعوى الإجماع عليه. إنما الكلام في مستنده بعد خلو النصوص عن التعرض إلا للعدول من الحاضرة إلى مثلها أو منها إلى الفائتة ، لا من الفائتة إلى مثلها.

والاستدلال له بالأولوية أو بعدم القول بالفصل أو بتبعية القضاء للأداء في الأحكام أو بإلغاء خصوصية المورد لا يرجع شي‌ء منها إلى محصل كما لا يخفى.

بل الأولى الاستدلال له بعد الإجماع بما عرفت من القاعدة الثانوية ، حيث إن الإتمام بعنوان اللاحقة من العصر أو العشاء إخلال عمدي للترتيب بالإضافة إلى الأجزاء اللاحقة ، والبطلان منفي بحديث لا تعاد ، فلا مناص من الحكم بالعدول ، فإنه نتيجة الجمع بين الدليلين المزبورين.

(1) بل من عمل لغوٍ إلى صلاة واجبة ، ولا عدول إلا من صلاة إلى مثلها. نعم يختص ذلك بما إذا تعدد منشأ الاحتياط في الصلاتين ، وأما لو اتحد كما في موارد الاحتياط بالجمع بين القصر والتمام فتذكر حين الإتيان باللاحقة قصراً مثلاً أنه لم يأت بالسابقة قصراً ساغ له العدول إليها ، إذ الواجب الواقعي إن كان هو القصر فقد عدل من صلاة إلى مثلها ، وإلا فقد عدل من لغو إلى مثله ولا ضير فيه.

(2) فان ما دل على عدم جواز الإتيان باللاحقة قبل السابقة حدوثاً يدل


1) (*) هذا فيما إذا لم يكن منشأ الاحتياط فيهما واحداً ، وأما فيه فيجوز العدول من اللاحقة إلى السابقة.

في الحواضر ولا في الفوائت ، ولا يجوز من الفائتة إلى الحاضرة ، وكذا من النافلة إلى الفريضة ولا من الفريضة إلى النافلة إلا في مسألة إدراك الجماعة (1)(1)


على عدم جوازه بقاءً ، فكما لا يجوز الشروع لا يجوز العدول بمناط واحد وهو لزوم مراعاة الترتيب المعتبر بينهما ، هذا فيما إذا كانت الذمة مشغولة بالسابقة ، أما إذا كانت فارغة كما لو تبيّن له أثناء الظهر أنه قد صلاها فلأجل أن قلب ما وقع من نية إلى أُخرى ومن عنوان إلى آخر والاجتزاء به في مقام الامتثال مخالف للقاعدة ، إلا إذا قام عليه دليل مخرج عنها ، وقد ثبت في موارد خاصة لم يكن المقام منها.

ومنه تعرف الوجه في عدم جواز العدول من الفائتة إلى الحاضرة ، فإنه ملحق بالصورة الاولى إن قلنا باعتبار الترتيب بينهما وإلا كما هو الأقوى فبالصورة الثانية ، كالعدول من النافلة إلى الفريضة وعكسه.

وملخص الكلام : أن العدول من صلاة إلى أُخرى فائتة كانت أم حاضرة ، نافلة كانت أم فريضة ، كان بينهما ترتيب أم لا كصلاة الآيات واليومية غير سائغ بمقتضى القاعدة الأولية ، لعدم جواز قلب ما وقع من عنوان إلى آخر إلا إذا قام عليه دليل بالخصوص أو كان ذلك مقتضى قاعدة ثانوية مستنبطة من الجمع بين دليلي الترتيب وحديث لا تعاد حسبما تقدم.

(1) لجملة من النصوص التي منها صحيحة سليمان بن خالد قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة فبينما هو قائم يصلي إذ أذن المؤذن وأقام الصلاة ، قال : فليصل ركعتين ، ثم ليستأنف الصلاة مع الإمام ، وليكن الركعتان تطوعاً » (2).


1) (*) وإلا في من أراد قراءة سورة الجمعة في صلاة الظهر من يوم الجمعة فقرأ سورة أُخرى حتى تجاوز نصفها ، فإنه يجوز له أن يعدل إلى النافلة ثم يعيد صلاة الظهر مع سورة الجمعة.

2) الوسائل 8 : 404 / أبواب صلاة الجماعة ب 56 ح 1.

وكذا من فريضة إلى أُخرى إذا لم يكن بينهما ترتيب (1). ويجوز من الحاضرة إلى الفائتة (2) بل يستحب في سعة وقت الحاضرة.

[1220] مسألة 12 : إذا اعتقد في أثناء العصر أنه ترك الظهر فعدل إليها ثم تبين أنه كان آتياً بها فالظاهر جواز العدول منها إلى العصر ثانياً ، لكن لا يخلو عن إشكال ، فالأحوط (1)بعد الإتمام الإعادة أيضاً (3).


ويضاف إلى ذلك مورد آخر وهو من أراد قراءة سورة الجمعة في صلاة الظهر من يوم الجمعة فقرأ سورة أُخرى حتى تجاوز نصفها ، فإنه يجوز له العدول إلى النافلة ثم إعادة الظهر مع سورة الجمعة ، وذلك لمعتبرة صباح بن صبيح قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : رجل أراد أن يصلي الجمعة فقرأ بقل هو اللّه أحد ، قال : يتم ركعتين ثم يستأنف » (2).

(1) كالعدول من صلاة الآيات إلى الفريضة اليومية أو بالعكس ، فإنه لا يجوز بمقتضى القاعدة الأولية حسبما عرفت ، بعد وضوح عدم كونه مورداً لتطبيق القاعدة الثانوية.

(2) سواء أقلنا باعتبار الترتيب بينهما أم لا ، لورود النص الخاص وهو قوله عليه‌السلام في صحيح زرارة : « ... وإن كنت قد صليت من المغرب ركعتين ثم ذكرت العصر فانوها العصر ثم قم فأتمها ركعتين ثم تسلم ، ثم تصلي المغرب » (3)، مضافاً إلى أنه على الأول مطابق للقاعدة الثانوية المتحصلة من الجمع بين دليل الترتيب وحديث لا تعاد كما مر غير مرة.

(3) صور المسألة ثلاث : إذ تارة لم يصدر ما بين العدولين أي جزء


1) (*) هذا الاحتياط لا يترك فيما إذا أتى بركن بعد العدول ، وأما إذا أتى بجزء غير ركني فاللازم الإتيان به ثانياً فلا حاجة إلى الإعادة ، وأما مع عدم الإتيان بشي‌ء فلا إشكال فيه.

2) الوسائل 6 : 159 / أبواب القراءة في الصلاة ب 72 ح 2.

3) الوسائل 4 : 290 / أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

صلاتي لقصر الفترة المتخللة بينهما ، وأُخرى يصدر جزء غير ركني ، وثالثة جزء ركني.

لا ينبغي الشك في الصحة في الصورة الاولى ، لا لجواز العدول من السابقة إلى اللاحقة في المقام ، إذ قد عرفت منعه بنطاق عام ، وعلى تقدير تسليمه فمورده العدول من صلاة إلى أُخرى ، لا من عمل عبث تخيل أنه منها كما في محل الكلام ، بل الوجه فيها أنه لدى التحليل لم يكن من العدول في شي‌ء ، إذ قد أتى بجميع أجزاء العصر بنيتها ، غايته أنه تخيل في الأثناء ترك الظهر فعدل وعاد من غير أن يترتب عليه أي أثر خارجاً ، ولا دليل على قدح مجرد هذه النية الزائلة وإخلالها بالاستدامة الحكمية المعتبرة بعد صدور تمام أجزاء العصر عن نيتها ، وهذا واضح.

وأما في الصورة الثانية فالظاهر الصحة أيضاً شريطة تدارك ما أتى به بنية الظهر وإعادته بقصد العصر ، إذ لا خلل ثمة ما عدا زيادة جزء غير ركني سهواً ولا ضير فيه بمقتضى حديث لا تعاد.

نعم ، لا سبيل للعدول في الصورة الثالثة ، للزوم زيادة الركن إن تدارك ونقيصته من صلاة العصر إن لم يتدارك ، ومعه لا مناص من الحكم بالبطلان ، إذ لا وجه للصحة عدا ما يتخيل من استفادتها من جملة من النصوص.

منها : صحيحة عبد اللّه بن المغيرة قال : في كتاب حريز أنه قال : « إني نسيت أني في صلاة فريضة حتى ركعت ، وأنا أنويها تطوعاً ، قال فقال عليه‌السلام : هي التي قمت فيها ، إذا كنت قمت وأنت تنوي فريضة ثم دخلك الشك فأنت في الفريضة ، وإن كنت دخلت في نافلة فنويتها فريضة فأنت في النافلة ، وإن كنت دخلت في فريضة ثم ذكرت نافلة كانت عليك مضيت في الفريضة » (1).

ومنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن العياشي وهو بإسناده عن معاوية قال :


1) الوسائل 6 : 6 / أبواب النية ب 2 ح 1.

[1221] مسألة 13 : المراد بالعدول أن ينوي كون ما بيده هي الصلاة السابقة بالنسبة إلى ما مضى منها وما سيأتي (1).


« سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن رجل قام في الصلاة المكتوبة فسها فظن أنها نافلة ، أو قام في النافلة فظن أنها مكتوبة ، قال : هي على ما افتتح الصلاة عليه » (1).

ومنها : ما رواه عنه أيضاً بإسناده عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سألته عن رجل قام في صلاة فريضة فصلى ركعة وهو ينوي أنها نافلة ، فقال : هي التي قمت فيها ولها إلى أن قال : وإنما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أول صلاته » (2). حيث دلت على أن الصلاة على ما افتتحت وعلى ما قام إليها ، ولا تضره نية الخلاف.

لكن الأخيرتين ضعيفتان سنداً فلا تصلحان للاستدلال ، لضعف طريق الشيخ (3)إلى العياشي ب- ( أبي المفضل ) و ( جعفر بن محمد ) فإن الأول ضعيف والثاني لم يوثق.

وأما الاولى فالدلالة قاصرة وإن صح السند ، لأن موردها النسيان لا الالتفات والعدول عن نية إلى أُخرى كما في المقام ، ولعل الحكم بالصحة في مورد الصحيحة مطابق للقاعدة ، نظراً إلى أن الناسي المزبور ناوٍ بقاءً لما نواه أوّلاً غير أنه اشتبه في التطبيق فتخيل أن هذا هو ذاك ، وبعد رفع الشبهة يستمر على النية السابقة ، وأين هذا من العدول عن النية السابقة ثم الرجوع إليها كما في المقام فلاحظ.

(1) فإنه الظاهر من قوله في صحيحة الحلبي : « فليجعلها الأُولى » (4)ومن


1) الوسائل 6 : 6 / أبواب النية ب 2 ح 2 ، التهذيب 2 : 197 / 776.

2) الوسائل 6 : 7 / أبواب النية ب 2 ح 3 ، التهذيب 2 : 343 / 1420.

3) الفهرست : 139 / 593.

4) الوسائل 4 : 292 / أبواب المواقيت ب 63 ح 3.

[1222] مسألة 14 : إذا مضى من أول الوقت مقدار أداء الصلاة بحسب حاله في ذلك الوقت من السفر والحضر والتيمم والوضوء والمرض والصحة ونحو ذلك ، ثم حصل أحد الأعذار المانعة من التكليف بالصلاة كالجنون والحيض والإغماء وجب عليه القضاء ، وإلا لم يجب ، وإن علم بحدوث العذر قبله وكان له هذا المقدار وجبت المبادرة إلى الصلاة ، وعلى ما ذكرنا فان كان تمام المقدمات حاصلة في أول الوقت يكفى مضي مقدار أربع ركعات للظهر وثمانية للظهرين. وفي السفر يكفي مضيّ مقدار ركعتين للظهر وأربعة للظهرين ، وهكذا بالنسبة إلى المغرب والعشاء ، وإن لم تكن المقدمات أو بعضها حاصلة لا بد من مضي مقدار الصلاة وتحصيل تلك المقدمات. وذهب بعضهم إلى كفاية مضيّ مقدار الطهارة والصلاة في الوجوب وإن لم يكن سائر المقدمات حاصلة ، والأقوى الأول (1)وإن كان هذا القول أحوط (1).


قوله في صحيحة زرارة (2): « فانوها الاولى » وقوله : « فانوها العصر » ونحو ذلك من التعابير.

(1) هل الاعتبار في وجوب القضاء على من عرض عليه أثناء الوقت أحد الأعذار المانعة من تعلق التكليف من الجنون والحيض والإغماء ونحوها بمضي مقدار من أول الوقت يتمكن فيه من أداء الصلاة مع الطهارة بما لها من المقدمات حسب حالته الفعلية ، فلو تحقق هذا المقدار ولم يصلّ وجب القضاء وإلا فلا ، أو أن الاعتبار بمضي مقدار الطهارة والصلاة ولا عبرة بسائر


1) (*) بل الأقوى كفاية التمكن من نفس الصلاة في الوقت في وجوب القضاء وإن لم يتمكن فيه من شي‌ء من مقدماتها ، لصدق الفوت حينئذ مع التمكن من تحصيل الشرائط قبل الوقت ، نعم يعتبر في وجوب القضاء على الحائض تمكّنها من الصلاة والطهارة أيضاً كما مرّ.

2) الوسائل 4 : 290 / أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

[1223] مسألة 15 : إذا ارتفع العذر المانع من التكليف في آخر الوقت (1) ، فان وسع للصلاتين وجبتا ، وإن وسع لصلاة واحدة أتى بها ، وإن لم يبق إلا مقدار ركعة وجبت الثانية فقط ، وإن زاد على الثانية بمقدار ركعة وجبتا معاً ، كما إذا بقي إلى الغروب في الحضر مقدار خمس ركعات وفي السفر مقدار ثلاث ركعات أو إلى نصف الليل مقدار خمس ركعات في الحضر وأربع ركعات في السفر ، ومنتهى الركعة تمام الذكر الواجب من السجدة الثانية (2) ، وإذا كان ذات الوقت واحدة كما في الفجر يكفي بقاء مقدار ركعة.


المقدمات ، أو أنه يكفي التمكن من نفس الصلاة في الوقت وإن لم يتمكن من تحصيل الطهارة فيه فضلاً عن سائر المقدمات؟ فيه وجوه ، بل أقوال.

والأصح هو القول الأخير ، إذ الموضوع للقضاء في لسان الأدلة هو عنوان فوت الفريضة ، وهو صادق مع التمكن من تحصيل الشرائط قبل الوقت ، فلا يلزم سعة الوقت لشي‌ء منها.

نعم يعتبر في وجوب القضاء على خصوص الحائض تمكنها من الطهارة أيضاً كما تقدم التعرّض لذلك ، بل ولتفصيل المسألة بنطاق واسع في المسألة الحادية والثلاثين من فصل أحكام الحائض فلاحظ (1).

(1) تقدم البحث حول هذه المسألة في فصل الأوقات في مطاوي المسألة الثالثة والرابعة والحادية عشرة فلاحظ (2)، ولا نعيد.

(2) كما تقدم البحث عنه في المسألة الثانية والثلاثين من فصل أحكام الحائض (3).


1) شرح العروة 7 : 433.

2) ص 204 ، 214 ، 232.

3) راجع شرح العروة 7 : 242.

[1224] مسألة 16 : إذا ارتفع العذر في أثناء الوقت المشترك بمقدار صلاة واحدة ثم حدث ثانياً كما في الإغماء والجنون الأدواري فهل يجب الإتيان بالأولى أو الثانية أو يتخير وجوه (1)(1).


(1) تقدم التعرض لهذه المسألة في مطاوي المسألة الثالثة من فصل الأوقات (2)، وقد اختار قدس‌سره ثمة ترجيح الأخير ، وذكرنا في توجيهه أن الوقت حيث لم يسع إلا لأربع ركعات القابلة لتطبيقها على كل من الصلاتين من غير ترجيح في البين ، إذ الترتيب إنما يعتبر لدى التمكن من الإتيان بهما معاً المتعذر حسب الفرض ، فلا جرم تقع المزاحمة بينهما ونتيجته التخيير.

ويندفع بما تقدم من توقف المزاحمة على كون الواجبين متكافئين وعلى صعيد واحد ، وليسا في المقام كذلك ، فان وجوب الاولى مطلق ، أما الثانية فهي مشروطة بالتأخر عنها بمقتضى قوله عليه‌السلام : « إلا أن هذه قبل هذه » (3)وحيث لا يتيسر الإتيان بالثانية مع شرطها فلا جرم تتعين الأُولى العارية عن الشرط ، فلا مزاحمة في البين ، ومن ثم ذكرنا هناك أن الأقوى هو الاحتمال الأول.

وأما وجه تعين الثاني فهو دعوى إلحاق المقام بوقت الاختصاص للعصر بعد تفسيره بآخر وقت يمكن إيقاعها فيه ويمتنع تأخيرها عنه ، وهو منطبق على المقام.

ويندفع مضافاً إلى إمكان معارضته بإلحاقه بوقت الاختصاص للظهر بعد تفسيره بأول وقت يمكن إيقاعها فيه ولا يمكن تقدمها عليه ، بأن الوقت في


1) (*) مرّ أنّ الأقوى هو الوجه الأوّل.

2) في ص 212.

3) الوسائل 4 : 130 / أبواب المواقيت ب 4 ح 21.

[1225] مسألة 17 : إذا بلغ الصبي في أثناء الوقت وجب عليه الصلاة إذا أدرك مقدار ركعة أو أزيد (1). ولو صلى قبل البلوغ ثم بلغ في أثناء الوقت فالأقوى كفايتها (2) وعدم وجوب إعادتها وإن كان أحوط ، وكذا الحال لو بلغ في أثناء الصلاة.


حد ذاته صالح للعملين ومشترك بين الصلاتين وفاقد لأيّ من الاختصاصين ، ولا دليل على الإلحاق المزبور بوجه بعد أن كان المراد به حسبما يستفاد من الأدلة آخر الوقت الحقيقي كأوله أعني مقدار أربع ركعات ما قبل غروب الشمس أو ما بعد زوالها.

والمتحصل : أن الواجب عليه صرف الوقت المزبور في صلاة الظهر خاصة ، وإن فاتته وجب عليه قضاؤها لا قضاء العصر تعييناً ولا تخييراً.

(1) فإنه نتيجة الجمع بين عموم وجوب الصلاة على البالغين وعموم حديث من أدرك (1).

(2) فان الحق أن عبادات الصبي شرعية ، لا لإطلاقات الأدلة الأولية بعد رفع الإلزام بحديثه ، فان فيه ما لا يخفى ، بل لأجل أمر الأولياء بأمر صبيانهم بالصلاة والصيام بعد وضوح أن الأمر بالأمر بالشي‌ء أمر بذلك الشي‌ء ، فالطبيعة بنفسها متعلق للأمر الشرعي الاستحبابي ، ولا شبهة أن متعلق هذا الأمر هو نفس الطبيعة التي أُمر بها البالغون فكانت حاوية لتمام الملاك المشتمل عليه ما يصدر عنهم ، ولا ميز إلا من ناحية الإلزام وعدمه ، كما لا شبهة في أن متعلق الأمر هو صرف الوجود فلا يؤمر الآتي بالإتيان به ثانياً.

إذن فالتكليف بالصلاة المتوجه نحو البالغين منصرف عمن أتى بها حال صباه ، لسقوط الأمر وحصول الغرض ، ومعه لا مجال للامتثال ثانياً. ومنه


1) الوسائل 4 : 218 / أبواب المواقيت ب 30 ح 4.

[1226] مسألة 18 : يجب في ضيق الوقت الاقتصار على أقل الواجب إذا استلزم الإتيان بالمستحبات وقوع بعض الصلاة خارج الوقت فلو أتى بالمستحبات مع العلم بذلك يشكل صحة صلاته بل تبطل على الأقوى (1).


يظهر الحال فيما لو بلغ أثناء الصلاة ، لوحدة المناط.

ومما ذكرنا تعرف الجواب عما قيل في المقام من عدم الدليل على إجزاء المأمور به بالأمر الاستحبابي عن الأمر الوجوبي ، فان المتعلق كما عرفت ملحوظ على سبيل صرف الوجود ، والطبيعة واحدة ، فتعلق الأمر الجديد بعد حدوث البلوغ يكاد يكون من تحصيل الحاصل كما لا يخفى. فلا مناص من الاجتزاء.

(1) لا لأجل أن الزائد على أقل الواجب منهي عنه ، والنهي في العبادة موجب للفساد ، إذ فيه :

أوّلاً : أن الأمر بالشي‌ء لا يقتضي النهي عن ضده ، بل غايته عدم الأمر به ، فيمكن التصحيح حينئذ على سبيل الترتب.

وثانياً : أن النهي المزبور غيري ، ومثله لا يستوجب الفساد.

وثالثاً : لو سلم فغايته فساد ذاك الزائد لا أصل الصلاة.

ولا لأجل حصول الزيادة في أجزاء العبادة في هذه الحالة ، لما تكرر من إنكار الجزء الاستحبابي.

ولا لأجل التشريع باعتبار عدم استحباب ما يفوت به الوقت ، فالإتيان بقصد العبادة تشريع محرم. إذ فيه أنه لا يستوجب الإبطال كما لا يخفى.

ولا لأجل أنه مصداق للكلام المبطل عامداً. إذ فيه مع اختصاصه بالمستحب الكلامي ، والمدعى أوسع منه لشموله حتى للفعل المستحب كجلسة الاستراحة ، أن المبطل منه منحصر في كلام الآدمي ، فلا يشمل الأذكار والأدعية حتى لو كانت محرّمة.

[1227] مسألة 19 : إذا أدرك من الوقت ركعة أو أزيد يجب ترك المستحبات محافظة على الوقت بقدر الإمكان (1) ، نعم في المقدار الذي لا بد من وقوعه خارج الوقت لا بأس بإتيان المستحبات.

[1228] مسألة 20 : إذا شك في أثناء العصر في أنه أتى بالظهر أم لا بنى على عدم الإتيان وعدل إليها إن كان في الوقت المشترك ولا تجري قاعدة التجاوز (2) نعم لو كان في الوقت المختص بالعصر يمكن البناء على الإتيان باعتبار كونه من الشك بعد الوقت.


بل الصواب في وجه البطلان أنه لم يكن من أجل الإتيان بتلك المستحبات في حدّ ذواتها ليتوهم استناده إلى أحد الوجوه المزبورة ، بل من أجل استلزامها لتفويت الوقت على الأجزاء الواجبة عامداً وتضييعه اختياراً ، فهو كمن أتى ببعض صلاته خارج الوقت عن تعمد وقصد ، حيث لا يمكن تصحيحه بحديث من أدرك ، لعدم شموله لموارد التعجيز الاختياري والتأخير العمدي ، فلا تكون أداءً كما لا تكون قضاءً ، ولا عبادة ملفقة بينهما فلا جرم يحكم عليها بالفساد.

(1) لما عرفت آنفاً من عدم جواز تفويت الوقت وتضييعه اختياراً ، فلأجل المحافظة عليه لم يكن بدّ بحكم العقل من الاقتصار على أقل الواجب وترك ما يكون مفوتاً له ، نعم له الخيار فيما يقع خارج الوقت من بقية الصلاة كما هو واضح.

(2) قد يقال بجريانها في كلا الفرضين أعني الوقت المشترك والمختص ، نظراً إلى أن الظهر لما كان لها موضع معين ومحل مخصوص فلا جرم يصدق التجاوز عنها بمجرد التعدي عن موضعها والشروع في العصر ، فان العبرة في جريان القاعدة لدى الشك في الوجود أو في الصحة بالدخول في غيره مما هو بعده ومترتب عليه ، وهذا الضابط منطبق على المقام بكلا فرضيه.

ويندفع : بأن المناط في صدق التجاوز أو المضي المأخوذين في لسان الروايات هو أحد أمرين : إما التجاوز عن نفس الشي‌ء حقيقة فيما إذا كان الشك في صحة الموجود كما في مورد قاعدة الفراغ ، أو بالتجاوز عن محله لمكان الشك في أصل وجوده كما في مورد قاعدة التجاوز ، وشي‌ء منهما لا ينطبق على المقام.

أما الأول فواضح ، إذ الشك هنا في الوجود لا في صحة الموجود. وكذلك الثاني ، لعدم حصول التجاوز عن محل الظهر ، فان ظرف الشك هو بعينه ظرف للإتيان بها ومحل لها ، كما يكشف عنه بوضوح أن المصلي لو استبان له في هذه الحالة أنه لم يأت بالظهر فهذه التي بيده تحسب منها ويعتبر هو في محلها وغير متجاوز عنها فيتمها ظهراً بالعدول إليها ، فلو كان التجاوز متحققاً كيف ساغ له ذلك؟ فلا يقاس ذلك بما لو طرأ الشك في الوقت المختص بالعصر ، إذ ليس له العدول حينئذ إلى الظهر حتى لو علم بعدم الإتيان فضلاً عن الشك ، فالتجاوز حاصل في الثاني ، ومن ثم تجري القاعدة فيه دون الأول.

وبالجملة : لا سبيل لإحراز التجاوز في الفرض الأول ، لكونه في نفس المحل لو لم يكن آتياً بالظهر واقعاً ، فلا مناص من العدول بمقتضى قاعدة الاشتغال بعد أن لم يمكن إحراز الصحة بالقاعدة المزبورة. وتمام الكلام في مباحث الخلل إن شاء اللّه تعالى.

فصل في القبلة

وهي المكان الذي وقع فيه البيت شرّفه اللّه تعالى من تخوم الأرض إلى عنان السماء (1)للناس كافة القريب والبعيد ، لا خصوص البنية (1).


(1) لا ريب في كون القبلة هي الكعبة المكرمة في الجملة لكافة المسلمين من القريبين والنائين ، بضرورة الدين وتصريح الكتاب المبين والروايات المستفيضة التي سنشير إليها ، كما لا ريب في عدم كون المراد بها البنيان والحيطان المشتملة على تلك الأحجار الكريمة بل الفضاء والمكان المشغول بتلك البنية وإلا لزالت القبلة بزوال تلك الأبنية عند خرابها وانهدامها لا سامح اللّه وهو مقطوع العدم ، بل اللازم حينئذ استقبال نفس المكان بلا كلام.

إنما الإشكال في أنّ القبلة هل هي خصوص ذلك الفضاء المشغول بذاك البناء وما يعلوه بمقدار يلحق به عرفاً ، أو أنها من تخوم الأرض إلى عنان السماء؟ المشهور هو الثاني بل ادعي عليه الإجماع في بعض الكلمات ، بل قد صرح بعضهم بسراية الحكم إلى مطلق المساجد ، بل مطلق الأملاك فرتب آثار المسجدية والملكية من تخوم الأرض إلى عنان السماء.

والذي دعاهم إلى الالتزام بذلك في المقام تصحيح صلاة من يصلي في مكان أرفع من البيت كقلل الأجبال أو أخفض كالسراديب والآبار ، زعماً منهم توقف الصحة على هذا المبنى وكونها ثمرة مترتبة عليه ، وإلا فاستقبال


1) (*) لا أصل لذلك.

نفس البناء أو الفضاء المشغول به لا يكاد يتحقق في هذين الموردين ، وقد استشهدوا لذلك بطائفة من الروايات.

لكن الظاهر أنّ هذا الكلام وإن اشتهر وشاع ، بل حكي عليه الإجماع إلا أنه لا أصل له.

أما أوّلاً : فلبعده في حد نفسه ، لاستلزامه تبدل (1)

وبعبارة اخرى : عمود القبلة المفروض امتداده إلى السماء ثابت كنفس البنيان ، إذ ليس المراد به الفضاء المحيط بكرة الأرض ، بل عمود فرضي كميلة ثابتة في الكعبة ممتدة إلى السماء ومنها إلى تخوم الأرض قطرها مساوٍ لقطر الكعبة ، وهذه الميلة ثابتة لا تغير فيها أبداً ، نعم تتحرك كنفس الكعبة تبعاً لحركة الأرض وهي غير قادحة بالضرورة.

القبلة آناً فآناً وعدم كونها ذات ثبات وقرار ، وهذا بناءً على حركة الأرض حول الشمس وضعية أو انتقالية كما هو المعروف والصحيح ظاهر ، لوضوح أن الفضاء الممتد إلى السماء مما فوق الكعبة يتحول من مقرّه تدريجاً ويتحرّك بحركة الأرض فلا يكون شيئاً معيناً ونقطة ثابتة.

وكذا بناءً على مسلك القدماء من ثبات الأرض وحركة الشمس حولها ، فان النقطة المسامتة للكعبة الممتدة إلى الفضاء لم تستقر (2)في مكان واحد ، بل تنتقل من جزء إلى جزء بتبع حركة الشمس.

وبالجملة : لازم هذا القول عدم استقرار القبلة على كل من المسلكين وأنها تتبدل في كل آن ، وهذا لو لم يكن مقطوع العدم فلا ريب في كونه خلاف


1) هذا التبدل سارٍ في القبلة المركزية أيضاً ، فإن مكان البنية المشرفة وفضائها يتبدل على ضوء ما ذكر بحركة الأرض. فالإشكال لو تم لعمّ ولم يكن مختصاً بعنان السماء ، ولكنه لا يتم ولا تبدل على كل حال ، فان نسبة القبلة أياً كانت إلى فضاء أجزاء الأرض محفوظة دائماً ، ولا ضير في تغيير نسبتها إلى سائر الأجرام الكونية.

2) الذي لم يستقر إنما هو النقطة المسامتة كالنجمة الواقعة فوق الكعبة ، لا العمود المفروض فوقها الممتد إلى عنان السماء ، فإنه ثابت بتبع ثبات مركزه وهي الكعبة المشرفة حسب الفرض.

المتراءى من ظواهر الأدلة ، حيث إن المستفاد منها أن القبلة مهما كانت فهي شي‌ء معين مشخص ثابت مستقر كما لا يخفى.

على أنّ الالتزام بهذا المبنى لا يكاد يجدي في ترتب تلك الثمرة ، أعني تحقق الاستقبال لو كان المصلي في مكان أرفع من البيت أو أخفض ، فإنهم ذكروا أنّ الاتجاه إلى القبلة يتحقق حينئذ من جميع النقاط ، بحيث لو فرض خط موهوم متصل من جبهة المصلي فهو لدى الاستقبال ينتهي لا محالة إلى الكعبة إما بنفسها أو ما فوقها أو ما تحتها من تخوم الأرض إلى عنان السماء ، بخلاف ما لو كانت القبلة مختصة بالفضاء المشغول بالبيت ، فان الاتصال حينئذ لا يكاد يتحقق إلا بالنسبة إلى الأمكنة المساوية سطحها مع سطح البيت دون العالية أو المنخفضة.

وفيه : أن هذا لا يتم على إطلاقه ، بل يختص بالأمكنة التي يكون بعدها عن الكعبة أقل من تسعين درجة ، وأما الواقعة على رأس التسعين فضلاً عما زاد فلا يكاد يتحقق فيها الاتصال.

وبيانه : أنّه بعد البناء على كرؤية الأرض كما هو المحقق في محله فاذا فرضنا وقوع الكعبة في قطب الجنوب من الكرة الأرضية وفرضنا اتساع القبلة بخط عمودي مركزه الكعبة ممتد من تخوم الأرض إلى عنان السماء ، فالبلدان النائية الواقعة فيما بينها وبين نقطتي المشرق والمغرب أعني خط الاستواء التي يقل بعدها عن تسعين درجة لا محالة بما أنها منحنية نحو القطب على ما تقتضيه كرؤية الأرض ، فالخط الممتد من مقاديم من يصلي فيها بعد توجهه نحو البيت ينتهي ويتصل بالأخرة إلى الخط العمودي الموهوم المفروض نصبه من الكعبة إلى عنان السماء ولو بَعُد مئات الفراسخ ، لكون الخط المزبور منحنياً ومائلاً نحو القطب بحسب الطبع كما عرفت ، فيتحقق الاتصال بينه وبين ذاك الخط العمودي لا محالة ولو بفصل مسافة بعيدة ومدة مديدة ، ويحصل بذلك الاستقبال كما ذكر.

وأما البلدان الواقعة في نفس نقطتي المشرق والمغرب أي على رأس

تسعين درجة فحيث إنها لا ميلان ولا انحناء لها نحو الجنوب بل يتشكل من الخط الممتد منهما إلى مركز الأرض زاوية قائمة ، فمن يصلي في هذا المكان لو اتجه نحو الكعبة ورسم خطاً من مقاديمه فلا يكاد يصل هذا الخط إلى الخط العمودي المفروض نصبه فوق الكعبة إلى عنان السماء ، لأن الخطين حينئذ متوازيان ويستحيل في مثلهما الاتصال وإن بلغا إلى الغاية وامتدا إلى ما ليس له نهاية.

وأوضح حالاً من ذلك : البلدان الواقعة فيما بين خط الاستواء والقطب الشمالي التي يزيد بُعدها عن القطب الجنوبي بأكثر من تسعين درجة ، فإن الخطين حينئذ يزداد بعدهما مهما طالا ، بل قد يكونان في جهتين متقابلتين فكيف يتحقق الاتصال الذي هو مناط الاستقبال على الفرض؟

وكأن الذي دعاهم إلى الالتزام بذلك تخيل أن الاستقبال نحو الشي‌ء يتوقف على أن يكون المستقبل والمستقبل إليه في سطح واحد وعلى صعيد فأرد فوقعوا فيما وقعوا فيه ، وهذا وهم ظاهر ، بل المناط في الاستقبال أن يكون الاتجاه نحو المستقبل إليه بحيث لو أُزيل المانع وارتفع الحاجب كان يشاهده ويراه ، ولا يعتبر في مفهومه العرفي أكثر من ذلك. أترى أن الواقف على سطح الدار لو أراد استقبال من هو في ساحة الدار أو الواقف في الصحن الشريف لو أراد استقبال الواقف على المنارة يتوقف على النزول إلى الساحة أو الصعود على المنارة؟ كلا ، بل مجرد الاتجاه في الموضعين على نحو يصدق عرفاً أنه أمامه وقدامه كافٍ في تحقق الاستقبال جزماً ، فلا يعتبر اتحاد الصعيد وتساوي السطحين في الصدق المزبور بالضرورة.

وعلى هذا يندفع الإشكال في المقام بحذافيره ، فان من يقف على رأس جبل أو في سرداب أو بئر متجهاً نحو الكعبة فهو مستقبل إليها ، أي يكون على نحو لو لم يكن هناك حاجب وزال الارتفاع والانخفاض فهو يشاهد الكعبة ويراها ، وكذا من يكون في نقطتي المشرق أو المغرب متجهاً نحو البيت فإنه مستقبل إليه ، أي يكون بحيث لو قطع ربع الأرض وارتفعت الحواجب

من الأطلال والأجبال ونحوها كان يرى الكعبة ويشاهدها ، ونحوه من يكون البعد بينه وبين البيت أزيد من تسعين درجة ، أي كان فيما بين المشرق أو المغرب والشمال فان الحال فيه هو الحال.

نعم ، يتجه الإشكال في من يقف في النقطة المسامتة لنقطة الجنوب تحقيقاً أي يكون بعده عن الكعبة على رأس مائة وثمانين درجة وهي نقطة الشمال ، فان الاتجاه إلى القبلة حينئذ متحد من جميع الأطراف لتساوي النسبة واتحاد البعد من جميع الجوانب والنواحي إلى الكعبة بنسبة واحدة على الفرض من دون امتياز لجانب على آخر ، والظاهر حينئذ جواز الصلاة إلى أيّ جانب شاء ، وحيث ما توجه فهو متوجه إلى القبلة لتساوي النسب (1)كما عرفت ، فيكون حاله حال من يصلي في جوف البيت الذي تكون قبلته جميع الأطراف على حدّ سواء.

وأما ثانياً : فلأن الروايات التي استدل بها لهذا القول غير صالحة للاستدلال لضعفها سنداً أو دلالة ، وهي روايات ثلاث :

إحداها : صحيحة خالد بن أبي إسماعيل قال « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : الرجل يصلي على أبي قبيس مستقبل القبلة ، فقال : لا بأس » (2)وهذه الرواية كما ترى لا دلالة فيها على أكثر من جواز الصلاة على جبل أبي قبيس ، ولا إشعار فيها فضلاً عن الدلالة على امتداد القبلة إلى عنان السماء ، فيمكن الانطباق على ما ذكرناه من اختصاص القبلة بالفضاء المشغول بالبيت وما يعلوه بالمقدار الذي يتبعه عرفاً ، ويكون الاستقبال بالاتجاه نحوه على


1) تساوي النسب لو أوجب صدق الاستقبال لأوجب صدق الاستدبار أيضاً بمناط واحد ، وهو كما ترى ، لامتناع اجتماع المتضادين في محل واحد ، ومنه تعرف سقوط اعتبار الاستقبال حالئذ لمكان التعذر. ولا يقاس بالمصلي في جوف الكعبة ، ضرورة أنه مستقبل لبعض أجزائها ولا استقبال في المقام لشي‌ء منها فلاحظ.

2) الوسائل 4 : 339 / أبواب القبلة ب 18 ح 2.

النحو الذي عرفت ، فهي قاصرة الدلالة على المطلوب بالكلية وإن كانت صحيحة من حيث السند.

الثانية : ما رواه الشيخ بإسناده عن الطاطري عن محمد بن أبي حمزة عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سأله رجل قال : صليت فوق أبى قبيس العصر فهل يجزئ ذلك والكعبة تحتي؟ قال : نعم ، إنها قبلة من موضعها إلى السماء » (1)وهذه وإن كانت ظاهرة الدلالة على المطلوب لكنها ضعيفة السند ، لأن في طريق الشيخ إلى الطاطري ، علي بن محمد بن الزبير القرشي (2)ولم يوثق ، وتعبير صاحب الحدائق (3)عنها بالموثق في غير محله ، وكأنه اقتصر في ملاحظة السند على الرجال المذكورين فيه الذين كلهم ثقات ، ولم يمعن النظر في طريق الشيخ إلى الطاطري المشتمل على الضعيف كما عرفت.

الثالثة : مرسلة الصدوق قال « قال الصادق عليه‌السلام : أساس البيت من الأرض السابعة السفلى إلى الأرض السابعة العليا » (4)وهي في الدلالة كسابقتها. والتعبير عن السماء السابعة بالأرض كأنه من جهة عدّ كل سماء أرضاً بالإضافة إلى ما فوقها. وكيف كان ، فهي أيضاً ضعيفة السند بالإرسال فلا يعتمد عليها.

وبالجملة : فما عليه المشهور من اتساع القبلة من تخوم الأرض إلى عنان السماء لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، بل الظاهر اختصاصها بفضاء البيت وما يتبعه عرفاً حسبما عرفت ، بل هذا هو الحال في جميع الأوقاف والأملاك من المساجد وغيرها ، فلا يتعدى الوقف والملك من ناحية السفل والعلو إلا


1) الوسائل 4 : 339 / أبواب القبلة ب 18 ح 1.

2) التهذيب 10 ( المشيخة ) : 76.

3) الحدائق 6 : 377.

4) الوسائل 4 : 339 / أبواب القبلة ب 18 ح 3 ، الفقيه 2 : 160 / 690.

ولا يدخل فيه شي‌ء من حجر إسماعيل وإن وجب إدخاله في الطواف (1).


بالمقدار الذي يعد من توابعه ولواحقه عرفاً دون الزائد على ذلك.

وتظهر الثمرة بين القولين في الاجتياز عن السطح العالي للبيت أو المسجد أو الملك علوّاً فاحشاً بطائرة ونحوها ، فعلى المشهور لا يجوز ذلك للجنب في الأولين وبدون إذن المالك في الأخير. وعلى المختار يجوز ، لخروج ذاك الفضاء عن البيت والمسجد والملك.

(1) قد نص أكثر الأصحاب بخروج الحجر عن البيت وعدم دخول شي‌ء منه فيه ، فلا يجزئ استقباله عن استقبال البيت ، بل هذا هو المشهور بينهم شهرة عظيمة ، وقد نطقت بذلك جملة من النصوص.

منها : صحيحة معاوية بن عمار قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الحجر أمن البيت هو أو فيه شي‌ء من البيت؟ فقال : لا ، ولا قلامة ظفر ، ولكن إسماعيل دفن فيه أمه فكره أن يوطأ فجعل عليه حجراً وفيه قبور أنبياء » (1).

وموثقة يونس بن يعقوب قال « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : إني كنت أُصلي في الحجر فقال لي رجل : لا تصل المكتوبة في هذا الموضع فان في الحجر من البيت ، فقال : كذب ، صلّ فيه حيث شئت » (2).

وموثقة زرارة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سألته عن الحجر هل فيه شي‌ء من البيت؟ فقال : لا ، ولا قلامة ظفر » (3).

نعم ، لا ريب في وجوب إدخاله في الطواف ، لما تضمنته جملة من النصوص (4)من كونه مدفن إسماعيل أو امه أو عذارى بناته أو جمع من الأنبياء على اختلاف ألسنتها ، فأُدخل في المطاف كي لا توطأ قبورهم فتهتك


1) الوسائل 13 : 353 / أبواب الطواف ب 30 ح 1.

2) الوسائل 5 : 276 / أبواب أحكام المساجد ب 54 ح 1 ، 2.

3) الوسائل 5 : 276 / أبواب أحكام المساجد ب 54 ح 1 ، 2.

4) الوسائل 13 : 353 / أبواب الطواف ب 30.

ويجب استقبال عينها لا المسجد أو الحرم ولو للبعيد (1).


حرمتهم. إلا أن ذلك لا يستلزم كون الحجر من البيت ، لعدم الملازمة بين الأمرين كما هو ظاهر.

هذا ولكن العلامة في النهاية والتذكرة (1)، وكذا الشهيد في الذكرى (2)قد صرّحا بكون الحجر من البيت فيجوز استقباله ، ناسبين ذلك إلى الأصحاب. قال الأول : يجوز استقباله أي الحجر لأنه عندنا من الكعبة. وقال في الذكرى : إن ظاهر الأصحاب أن الحجر من الكعبة بأسره ، ثم استشهد لذلك بالنقل المتضمن أنه كان منها في زمن إبراهيم وإسماعيل إلى أن بنت قريش الكعبة فأعوزتهم الآلات فاختصروها بحذفه ، وكذلك كان في عهد النبي صلی اللّه عليه وآله ونقل عنه صلی اللّه عليه وآله الاهتمام بإدخاله في بناء الكعبة ، وبذلك احتج ابن الزبير حيث أدخله فيها ، ثم أخرجه الحجاج بعده ورده إلى ما كان.

وما أفاداه من نسبة ذلك إلى الأصحاب مع عدم وجود القول به صريحاً من أحد منهم ، بل قد عرفت تصريح الأكثر بالخلاف غريب جدّاً. وأغرب من ذلك الاستشهاد بالنقل مع أنه لم يرد ذلك من طرقنا ولا في رواية ضعيفة كما اعترف به غير واحد من الأعلام ، وإنما هو منقول في كتب العامة ومرويّ بطرقهم. وليت شعري كيف خفي عليهما ذلك مع أنهما من أساطين الفن ومهرته وأركان العلم وحملته.

(1) المعروف والمشهور بين الأصحاب أن القبلة هي الكعبة بعينها للقريب والبعيد ، وصرّح غير واحد بل نسب إلى الأكثر أنها عيناً قبلة للقريب وجهة للبعيد ، وسيأتي الكلام حول اعتبار الجهة والمراد منها.


1) نهاية الإحكام 1 : 392 ، لاحظ التذكرة 8 : 91 وحكاه عنه في المستند 4 : 161.

2) الذكرى 3 : 169.

وعلى أي حال فالمشهور أن الكعبة بنفسها إما عيناً أو جهة هي القبلة لكافة المسلمين في جميع الأقطار من القريبين والبعيدين ، وقد نطقت بذلك جملة وافرة من الأخبار المتضمنة لقصة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة وغيرها المذكورة في الوسائل في الباب الثاني من أبواب القبلة فراجع (1).

وحكي عن الشيخين (2)وجماعة من القدماء التفصيل بلحاظ الأمكنة من حيث القرب والبعد ، فالكعبة قبلة لمن كان في المسجد ، والمسجد لمن كان في الحرم ، والحرم لمن خرج عنه ، فليست القبلة منحصرة في الكعبة ، بل تختلف حسب مراتب البعد ، واختاره المحقق في الشرائع (3)صريحاً ، بل في الذكرى (4)نسبته إلى أكثر الأصحاب ، وعن الخلاف (5)دعوى الإجماع عليه ، وقد استشهدوا لذلك بجملة من النصوص.

أقول : إن أراد هؤلاء من التفصيل المزبور أن القبلة متعددة واقعاً وأنها في حدّ ذاتها غير منحصرة في الكعبة ، بحيث إن من كان خارجاً عن المسجد يجوز له الاتجاه نحو ضلع من أضلاعه حتى مع القطع بانحرافه عن البيت ، ومن كان خارجاً عن الحرم يكفيه استقبال جزء منه وإن لم يستقبل المسجد ولا البيت ، فالوظيفة المقررة في هذه الموارد مختلفة حتى واقعاً. فلا ريب أن هذا مقطوع العدم ، بل هو مخالف لضرورة الدين ومنافٍ لإجماع المسلمين ، بداهة أن كون الكعبة هي القبلة وانحصارها فيها للقريب والنائي من الوضوح لدى المسلمين بمثابة النار على المنار ، يعرفه العوام فضلاً عن الخواص ، بل


1) الوسائل 4 : 297 / أبواب القبلة ب 2.

2) المفيد في المقنعة : 95 ، الطوسي في المبسوط 1 : 77.

3) الشرائع 1 : 77.

4) الذكرى 3 : 159.

5) الخلاف 1 : 295 مسألة 41.

يعرفه كما في الجواهر (1)الخارج عن الإسلام فضلاً عن أهله ، وفي حاشية المدارك (2)أن ذلك من ضروريات الدين والمذهب حتى أن الإقرار به يلقّن الأموات فضلاً عن الأحياء كالإقرار باللّه تعالى.

وقد عرفت آنفاً أن الروايات الدالة على ذلك كثيرة جدّاً بحيث لو فرض ورود رواية على خلافها وكانت صحيحة السند صريحة الدلالة لم تنهض لمقاومة تلكم الأخبار ولم تصلح لمعارضتها ، بل وجب تأويلها أو طرحها ورد علمها إلى أهله. كيف والروايات المخالفة كلها ضعيفة السند كما ستعرف.

وإن أرادوا بذلك الاتساع في القبلة بالإضافة إلى البعيدين مع كونها منحصرة بحسب الواقع في شي‌ء واحد وهي الكعبة في حق الجميع غير أن الاتجاه نحوها يختلف بحسب القرب والبعد ، فمن في المسجد يتوجه إلى الكعبة بعينها ، وأما من في خارج المسجد فالاتجاه إلى الكعبة بالنسبة إليه يتحقق بالتوجه إلى جزء من المسجد ، كما أن من هو في خارج الحرم يكون اتجاهه إلى الكعبة بالتوجه إلى الحرم وهذا من شؤون البعد ، وإلا فقبلة الجميع هي الكعبة ليس إلا. فهذا يرجع في الحقيقة إلى القول الأول وليس قولاً آخر في قباله ، إذ لا يدعي المفصل المزبور الاجتزاء بالاتجاه إلى جزء من المسجد حتى مع العلم بالانحراف عن البيت ، بل يجعل ذلك طريقاً لاستعلام الاستقبال إلى الكعبة ، وكذا من هو في خارج الحرم ، وعليه فيصبح النزاع لفظياً محضاً كما لا يخفى.

وأما ما استشهد به لهذا القول من الروايات فقد عرفت أنها لا تكاد تقاوم تلك الأخبار الدالة بظاهرها على انحصار القبلة في الكعبة حتى لو كانت صحيحة السند ، والذي يهوّن الخطب أن أسانيدها بأجمعها ضعيفة.


1) الجواهر 7 : 322.

2) حاشية المدارك : 151.

فمنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن الحسن بن الحسين ، عن عبد اللّه بن محمد الحجال عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام : « إن اللّه تعالى جعل الكعبة قبلة لأهل المسجد ، وجعل المسجد قبلة لأهل الحرم ، وجعل الحرم قبلة لأهل الدنيا » (1).

فان الحسن بن الحسين اللؤلؤي وإن وثقه النجاشي (2)لكن ضعّفه شيخ الصدوق محمد بن الحسن بن الوليد (3)، حيث إنه استثنى من روايات محمد ابن أحمد بن يحيى ما ينفرد به الحسن بن الحسين. كما أن عبد اللّه بن محمد الحجال مهمل في كتب الرجال ، نعم هو موجود في كتاب كامل الزيارات. فلو اكتفينا في توثيق الرجل بذلك واعتمدنا على توثيق النجاشي في سابقه وقدّمناه على تضعيف ابن الوليد لم يكن ذلك أيضاً مجدياً في تصحيح السند ، إذ الرواية بعد مرسلة فلا يمكن الاعتماد عليها.

ومنها : ما رواه أيضاً بإسناده عن أبي العباس بن عقدة عن الحسين بن محمد بن حازم ، عن تغلب بن الضحاك ، عن بشر بن جعفر الجعفي ، عن جعفر بن محمد عليه‌السلام قال : « سمعته يقول : البيت قبلة لأهل المسجد ، والمسجد قبلة لأهل الحرم ، والحرم قبلة للناس جميعاً » (4)ورجال السند بأجمعهم بين مجهول ومهمل كما لا يخفى ، وقد أشار الشيخ إلى بعضهم في رجاله من دون تعرض لحالهم.

ومنها : مرسلة الصدوق قال « قال الصادق عليه‌السلام : إن اللّه تبارك وتعالى جعل الكعبة قبلة لأهل المسجد ، وجعل المسجد قبلة لأهل الحرم ، وجعل الحرم قبلة لأهل الدنيا » (5)وبما أن ألفاظ هذه الرواية متحدة مع الاولى


1) الوسائل 4 : 303 / أبواب القبلة ب 3 ح 1.

2) رجال النجاشي : 40 / 83.

3) رجال النجاشي : 348 / 939.

4) الوسائل 4 : 304 / أبواب القبلة ب 3 ح 2.

5) الوسائل 4 : 304 / أبواب القبلة ب 3 ح 3. الفقيه 1 : 177 / 841.

ولا يعتبر اتصال الخط من موقف كل مصل بها بل المحاذاة العرفية كافية (1)، غاية الأمر ان المحاذاة تتسع مع البعد ، وكلما ازداد بعداً ازدادت سعة المحاذاة كما يعلم ذلك بملاحظة الأجرام البعيدة كالأنجم ونحوها ، فلا يقدح زيادة عرض الصف المستطيل عن الكعبة في صدق محاذاتها (2)كما نشاهد ذلك بالنسبة إلى الأجرام البعيدة ، والقول بأن القبلة للبعيد سمت الكعبة وجهتها راجع في الحقيقة الى ما ذكرنا ، وإن كان مرادهم الجهة العرفية المسامحية فلا وجه له (1).


فضلاً عن المعنى فيطمأن عادة لو لم يقطع أنها هي بعينها ، فيجري فيها ما مرّ من وجه الضعف ، وعلى تقدير التعدد فيكفي إرسالها في الضعف.

ومنها : ما في العلل عن محمد بن الحسن عن الصفار عن العباس بن معروف عن علي بن مهزيار عن الحسن بن سعيد عن إبراهيم بن أبي البلاد ، عن أبي غرة قال « قال لي أبو عبد اللّه عليه‌السلام : البيت قبلة المسجد ، والمسجد قبلة مكة ، ومكة قبلة الحرم ، والحرم قبلة الدنيا » (3)ورجال السند كلهم موثقون ما عدا الراوي الأخير فإنه مجهول ، على أن الرواية مشتملة على زيادة لم تذكر في غيرها ولم يوجد قائل بها ، وهي كون مكة قبلة الحرم ، وهذه تزيدها وهناً.

وكيف كان ، فهذه الروايات كلها ساقطة ، فالتفصيل باطل.

(1) قد أشرنا إلى تصريح غير واحد من الأعلام بأن قبلة البعيد هي جهة


1) (*) هذا عند عدم التمكن من إحراز محاذاة نفس العين ، وإلا فتجب محاذاة نفسها لحدبة الوجه التي تكون نسبتها إلى دائرة الرأس بالسبع تقريباً ، فاذا وقع البيت بين القوس الواقع على أُفق المصلي المحاذي للقوس الصغير الواقع على الحدبة فالمحاذاة حقيقيّة.

2) (**) مرّ اعتبار المحاذاة الحقيقيّة.

3) الوسائل 4 : 304 / أبواب القبلة ب 3 ح 4 ، علل الشرائع : 318 / 2.

الكعبة لا عينها ، ولا يخفى أن هذا التعبير لم يرد في شي‌ء من النصوص ، وإنما التزم بها من التزم وعدل عن جعل الكعبة بعينها قبلة على الإطلاق الذي هو مقتضى ظواهر النصوص لوجهين :

الأول : بطلان صلاة المأموم إذا كان البعد بينه وبين الإمام أكثر من طول الكعبة البالغ عشرين ذراعاً تقريباً ، فاذا كان الفصل بينهما ثلاثين ذراعاً مثلاً فالمأموم يعلم حينئذ ببطلان صلاته تفصيلاً ، إما لانحرافه عن الكعبة بنفسه أو لانحراف الإمام ، وهذا بخلاف الاكتفاء بالجهة ، فإن الصف حينئذ مهما طال والجماعة مهما اتسعت فالكل متوجهون إلى الكعبة ومستقبلون سمتها.

الثاني : ما ذكره المحقق الأردبيلي (1)فيما حكي عنه ، قال ما لفظه : عدم اعتبار التدقيق في أمر القبلة وأنه أوسع من ذلك ، وما حاله إلا كأمر السيد عبده باستقبال بلد من البلدان النائية ، الذي لا ريب في امتثاله بمجرد التوجه إلى جهة تلك البلد من غير حاجة إلى رصد وعلامات وغيرها مما يختص بمعرفته أهل الهيئة المستبعد أو الممتنع تكليف عامة الناس من النساء والرجال خصوصاً السواد منهم بما عند أهل الهيئة الذي لا يعرفه إلا الأوحدي منهم ، واختلاف هذه العلامات التي نصبوها وخلوّ النصوص عن التصريح بشي‌ء من ذلك سؤالاً وجواباً عدا ما ستعرفه مما ورد في الجدي من الأمر تارة بجعله بين الكتفين وأُخرى بجعله على اليمين مما هو مع اختلافه وضعف سنده وإرساله خاص بالعراقي ، مع شدة الحاجة لمعرفة القبلة في أُمور كثيرة خصوصاً في مثل الصلاة التي هي عمود الأعمال ، وتركها كفر ، ولعل فسادها ولو بترك الاستقبال كذلك أيضاً ، وتوجّه أهل مسجد قبا في أثناء الصلاة لما بلغهم انحراف النبي صلی اللّه عليه وآله وغير ذلك مما لا يخفى على العارف بأحكام هذه الملّة السهلة السمحة أكبر شاهد على شدّة التوسعة في أمر القبلة وعدم وجوب شي‌ء مما ذكره هؤلاء المدققون.


1) مجمع الفائدة والبرهان 2 : 58. ( نقل بالمضمون ).

وكيف كان ، فقد اختلفت كلماتهم في تفسير الجهة وبيان المراد منها ، فذكر بعضهم كالمحقق في المعتبر : أنها السمت الذي فيه الكعبة (1). والإشكال عليه ظاهر ، فإنه إحالة إلى أمر مجهول ، لإبهام السمت ، إذ هو مفهوم تشكيكي قابل للانطباق في الخارج على أُمور كثيرة وجهات عديدة ، فانا إذا لاحظنا دائرة الأُفق وقسمناها نصفين ، فالنصف الذي فيه الكعبة يعدّ بأجمعه سمتاً لها ، ولو لاحظنا ثلث الدائرة المشتمل عليها كان السمت هو الثلث وصار أضيق من الأول ، ولو لاحظنا الربع المتضمن لها اختص السمت به ، وكذا الخمس والسدس وهكذا ، فليس للسمت حدّ منضبط ومصداق معيّن في الخارج ، بل يختلف باختلاف لحاظ أجزاء الدائرة المشتملة على الكعبة سعة وضيقاً حسبما عرفت.

وعن بعضهم أنها القدر الذي يجوز على كل جزء منه كون الكعبة فيه ، ويقطع بعدم خروجها عنه. وعن آخرين أنها السمت الذي يظن كون الكعبة فيه.

والإشكال عليهما أظهر ، لوضوح عدم دخل الظن والاحتمال في مفهوم الجهة أصلاً ، فإن ما هي جهة الكعبة واقعاً هي الجهة سواء ظن أو احتمل كون الكعبة فيها أم لا ، كما أنّ ما لا يكون جهة الكعبة ليس جهتها وإن ظن أو احتمل كون الكعبة فيها. نعم يمكن أن يكون لهما دخل في مقام الإحراز وتشخيص الجهة الظاهرية ، لكن الكلام فعلاً في مرحلة الثبوت وبيان ما هو جهة الكعبة واقعاً لا في مقام الإثبات كما هو ظاهر.

وعن الفاضل المقداد أن جهة الكعبة التي هي القبلة للنائي خط مستقيم يخرج من المشرق إلى المغرب الاعتداليين ويمرّ بسطح الكعبة ، فالمصلي حينئذ يفرض من نظره خطاً يخرج إلى ذلك الخط فان وقع على زاوية قائمة


1) المعتبر 2 : 66.

فذلك هو الاستقبال ، وإن كان على حادة أو منفرجة فهو إلى ما بين المشرق والمغرب (1).

توضيح كلامه : أنا إذا لاحظنا نقطتي المشرق والمغرب الاعتداليين أي في الوقت الذي يعتدل فيه الليل والنهار ويتساويان وفرضنا خطاً مستقيماً متصلاً بينهما على نحو يمرّ بسطح الكعبة فهذا الخط هي جهة الكعبة ، وحينئذ فالمصلي النائي لو اتجه نحو هذا الخط فان كان اتجاهه بحيث لو فرض خروج خط مستقيم من نظره متصل إلى ذاك الخط يتشكل منهما زاويتان قائمتان أي يكون كل منهما بمقدار تسعين درجة فذاك استقبال للجهة ، وإن كان الخط المزبور متمايلاً نحو الشرق أو الغرب بحيث يحصل من تقاطعه مع الخط الأول زاوية حادة وأُخرى منفرجة فذاك من التوجه إلى ما بين المشرق والمغرب ، الذي يحكم فيه أيضاً بصحة الصلاة عند العجز عن استقبال الكعبة وجهتها.

ولا يخفى أن هذا الذي أفاده قدس‌سره في تفسير الجهة أمر معقول في حد نفسه ولا غرابة فيه.

والإيراد عليه بامتناع مرور الخط الخارج ما بين المشرق والمغرب الاعتداليين بسطح الكعبة لانحرافها عنه إلى الشمال في غير محله ، فإنه خلط بين الخط المزبور وبين خط الاستواء ، والممتنع مروره عليه إنما هو الخط الثاني الذي طرفاه نقطتا المشرق والمغرب الحقيقيين القاسم لكرة الأرض إلى قسمين متساويين ، والحاصل من تقاطعه مع خط نصف النهار الذي طرفاه القطب الشمالي والجنوبي أربعة أقسام متساوية لكرة الأرض ، فإن مثل هذا الخط يمتنع مروره بسطح الكعبة لانحراف مكة عن خط الاستواء بمقدار إحدى وعشرين ونصف درجة إلى ناحية الشمال كما أُفيد.


1) التنقيح الرائع 1 : 178.

وأما الخط الاعتدالي المفروض في كلامه قدس‌سره فهو مغاير لخط الاستواء (1)ويتخلف عنه وينحرف إلى الجنوب أو الشمال حسب اختلاف مدارات الشمس ومثل هذا الخط يمر بسطح الكعبة لا محالة فإن لكل بلد مشرقاً ومغرباً اعتدالياً يغاير البلد الآخر.

ولتوضيح ذلك : خذ كرة وضع يديك على جانبيها من اليمين واليسار ، وافرض هاتين النقطتين ثابتتين وأوصل بينهما بخط هو خط الاستواء ، ثم حرّك الكرة نحو الجنوب يسيراً ، فلا محالة يتنازل القطب الجنوبي ويتصاعد القطب الشمالي ، ثم لاحظ نقطتي المشرق والمغرب الاعتداليين اللذين هما في القطب الشمالي وأوصل بينهما بخيط ونحوه ، ثم حرّك الكرة شيئاً فشيئاً إلى أن تنتهي إلى مكة فأوقفها وضع الخيط عليها ، فهذا هو الخط الاعتدالي المار على سطح الكعبة ، فإذا وقف المصلي نحو هذا الخط بحيث تتشكل زوايا قوائم فهو مستقبل لجهة الكعبة كما مر.

كما أن الإيراد عليه ثانياً بأن لازم ذلك أن يكون جميع البلاد الشمالية بالإضافة إلى مكة قبلتها نقطة الجنوب ، حيث إن الخط الخارج من موقف المصلي إلى الخط المذكور المقاطع له على زوايا قوائم هو خط نصف النهار المفروض ما بين نقطتي الجنوب والشمال في غير محله أيضاً (2)، فان موقف المصلي عند توجهه نحو الخط الاعتدالي المزبور لا يلزم أن يكون نقطة الشمال ، بل يمكن أن يقف ما بين الشمال والشرق ، أو بينه وبين الغرب أي


1) نعم هو مغاير إلا أنه موازٍ له ، ولا يكاد ينحرف عنه حسب الفرض من كونه اعتدالياً ، فإنّه مفروض في السماء مسامتاً لخط الاستواء المفروض في الأرض ، ومثله لا تغير ولا انحراف فيه أبداً. وما أُفيد في المتن إنما ينطبق على المشرق والمغرب غير الاعتداليين لا الاعتدالي المفروض في كلام الفاضل المقداد والذي هو محط البحث معه.

2) بل هو في محله ، لأن تشكيل زاوية قائمة بالإضافة إلى من لا يكون في شمال مكة بل كان منحرفاً منها إلى المشرق أو المغرب يوجب الانحراف منها إلى نقطة الجنوب لا محالة.

في خطوط طولية على غرار خط نصف النهار ، ومع ذلك يحصل من تقاطع الخط الخارج منه مع الخط الاعتدالي زوايا قوائم كما لا يخفى ، غايته أنّ بعض الزوايا يكون ضلعاها حينئذ أكبر من الأُخرى ، فلا ينحصر حصول الزاوية القائمة بما فرضه المعترض كي تكون القبلة نقطة الجنوب دائماً ، وهذا ظاهر.

نعم يتوجه عليه أولاً : أن تفسير الجهة بما ذكره لا دليل عليه ، فالاجتزاء في تحقق الاستقبال بالاتجاه نحو أي نقطة من نقاط الخط الاعتدالي على نحو تتشكل منه زاوية قائمة لم يثبت بدليل شرعي ، وهي دعوى بلا برهان ، وعلى مدعيها الإثبات.

وثانياً : أن الاتجاه نحو الخط الاعتدالي بنحو الزاوية القائمة قد يستوجب الانحراف عن الكعبة بدرجات كثيرة ، بحيث لو كانت الزاوية حادة أو منفرجة كان الاتجاه إلى الكعبة أقرب مما لو كانت قائمة ، ولا سيما في البلدان الواقعة في شرقي مكة أو غربها كجدة ونحوها التي تكون قبلتها نقطة المشرق أو المغرب تحقيقاً ، فلا يطّرد الضابط المزبور على سبيل الإطلاق كما لا يخفى.

فتحصل : أن شيئاً من هذه الوجوه التي ذكروها لتفسير الجهة لا يرجع إلى محصل ولا يمكن المساعدة عليها.

وأما الإشكال المتقدم الذي من أجله التزموا بكون القبلة للنائي هي الجهة دون العين ، أعني بطلان صلاة المأموم لو كان البعد بينه وبين الإمام أكثر من طول الكعبة كما تقدمت الإشارة إليه (1)فهو مبني على تخيّل موازاة الخطوط الخارجة من موقف المصلين إلى الكعبة وأن البعد بينها على حدّ سواء. وعليه يتجه الإشكال ، لكنك ستعرف أن الخطوط لا بد وأن تكون غير متوازية على ما يقتضيه طبع البُعد بعد فرض كرؤيّة الأرض فللخطوط ميلان وانحراف غير


1) في ص 426.

محسوس لا محالة ، والكل تتصل بنفس الكعبة كما سنوضحه إن شاء اللّه تعالى ، فيندفع الإشكال من أصله.

وأما مقالة المحقق الأردبيلي المتقدمة (1)من عدم ابتناء أمر القبلة على التدقيق فهي في غاية الجودة والمتانة ، لكنها لا تقتضي الالتزام بالجهة والاستناد إلى المسامحة العرفية ، بل القبلة بالإضافة إلى الجميع هي نفس الكعبة تحقيقاً ، ومع ذلك لا تبتني على التدقيق ولا تتوقف على رصد وعلامات كما ذكره قدس‌سره بل هي بمثابة يعرفها كل أحد ويسهل تناولها للجميع.

والوجه في ذلك ما ذكره شيخنا الأُستاذ قدس‌سره في المقام (2). وتوضيحه : أنا إذا رسمنا دائرة صغيرة ورسمنا دائرة اخرى حولها أكبر منها بحيث يتحد مركز الدائرتين فلا محالة يكون كل جز من محيط الدائرة الصغرى محاذياً لما يسامتها من محيط الدائرة الكبرى بنسبة واحدة ، فالنصف من الصغرى محاذٍ للنصف من الكبرى المحيط بها ، والثلث للثلث والربع للربع ، وكذا الخمس للخمس وهكذا ، بحيث لو رسمنا خطوطاً كثيرة من ربع محيط الكبرى مثلاً فهي بأجمعها تنتهي إلى ربع محيط الصغرى في الجانب المحاذي لها ، وكلما ازداد بعد الكبرى عن الصغرى كانت جهة المحاذاة أوسع وقوس الاستقبال أكثر.

وعليه فاذا طبقنا هاتين الدائرتين على موقف المصلي ومسجد جبهته فرسمنا حول موقفه دائرة بمقدار قطر دائرة الرأس التي هي كرؤية بالطبع ، ورسمنا دائرة اخرى حوله يمر محيطها بمسجد الجبهة عند السجود فجميع دائرة الرأس محاطة بجميع الدائرة الثانية كل جزء بجزء بنسبة واحدة كما


1) في ص 426.

2) كتاب الصلاة 1 : 140.

عرفت ، وبما أن نسبة قوس الجبهة التي هي المناط في تحقق الاستقبال والاتجاه نحو الشي‌ء عرفاً إلى مجموع دائرة الرأس هي السبع تقريباً ، حيث إن عرض الجبهة المتعارفة أربع أصابع ومجموع دائرة الرأس المتعارف ثمان وعشرون إصبعاً تقريباً ، فتكون النسبة هي السبع ، فسبع دائرة الرأس مواجه لسبع الدائرة الثانية المارة بمسجد الجبهة بحيث لو رسمنا خطاً من أي جزء من أجزاء هذا السبع فهو يصل إلى ناحية من قوس الجبهة لا محالة ، فلو فرضنا اتساع الدائرة الثانية إلى أن انتهت إلى دائرة الأُفق فالنسبة هي النسبة بعينها ، أي أن قوس الاستقبال من دائرة الأُفق نسبته إليها هي السبع الذي كان نسبة قوس الجبهة إلى مجموع دائرة الرأس ، غايته أن البعد اقتضى اتساع دائرة المحاذاة ، وعليه فقوس الجبهة مواجه حقيقة لتمام سبع الدائرة من الأُفق. ومن هنا لو اتجه المصلي نحو هذا السبع من الدائرة المتضمن للكعبة ففي أي جزء من أجزائه وقعت الكعبة كان متوجهاً إليها حقيقة ومستقبلاً لعينها تحقيقاً ، من دون أية عناية ومسامحة ، لما عرفت من مواجهة جميع أجزاء السبع مع الجبهة لدى المقابلة ، غاية الأمر أن الكعبة لو كانت في وسط السبع كانت المواجهة مع وسط قوس الجبهة ، ولو كانت في يمين السبع أو يساره كان الاتجاه مع يمين الجبهة أو يسارها حسب اختلاف الدرجات.

ومنه يظهر أن الانحراف بدرجات يسيرة كالعشرة والعشرين بل ستة وعشرين غير قادح في تحقق الاستقبال ما لم يخرج عن حدّ السبع الذي يزيد حينئذ عن ستة وعشرين درجة كما لا يخفى.

فتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ الكعبة بعينها قبلة لعامة الناس ، سواء فيه القريب والبعيد كما تقتضيه ظواهر النصوص من الآيات والروايات. وهذا على النحو الذي بيناه أمر يسهل تناوله للجميع من دون ابتنائه على التحقيق والتدقيق ، فلا وجه للعدول عن مقتضى ظواهر النصوص إلى الجهة العرفية أو المسامحية التي لم يتضح المراد منها ولا الدليل عليها ، فلم نتعقل معنى

ويعتبر العلم بالمحاذاة مع الإمكان (1) ، ومع عدمه يرجع إلى العلامات والأمارات المفيدة للظن (2).


محصلاً لشي‌ء من ذلك وراء ما ذكرناه كما عرفت بما لا مزيد عليه.

ومما ذكرنا يظهر أن الصفوف المتمادية مهما طالت فالكل متوجهون لعين الكعبة ، لعدم تجاوزهم حدّ السبع ، وقد عرفت أن الانحراف اليسير لا ضير فيه.

(1) قضاءً للفراغ اليقيني الذي يقتضيه الاشتغال اليقيني.

(2) لم يرد في شي‌ء من روايات الباب التعرض لأمارة بالخصوص لاستعلام القبلة لدى العجز عن تحصيل العلم ما عدا الجدي ، حيث ورد الأمر بجعله في القفا أو على اليمين أو بين الكتفين على اختلاف ألسنة الأخبار ، لكن من الضروري عدم اطراد هذه العلامة في جميع الآفاق وعلى سبيل الإطلاق ، بل هي مختصة بالعراق وما والاه مما تكون قبلته نقطة الجنوب أو ما يقرب منها ، وإلا فقد يكون الجدي في يمين المصلي أو يساره أو قبال وجهه حسب اختلاف مناطق البلاد من كونها في شرق مكة أو غربها أو جنوبها كما يظهر ذلك بوضوح لمن يصلي في المسجد الحرام ، فإنه لو اتجه نحو الجنوب عند استقبال الكعبة فالجدي على قفاه أو نحو الشمال فهو قبال وجهه ، أو نحو المشرق فعلى يساره ، أو نحو المغرب فعلى يمينه ، وبهذا المنوال يلاحظ البلدان الواقعة في طول هذه الجهات الأربع ، فإن حكمها حكم المصلي في نفس المسجد.

وبالجملة ، فلا كلية لهذه الأمارة ، مضافاً إلى ضعف هذه الروايات بأجمعها كما ستعرف إن شاء اللّه تعالى.

على أنّ هذه الأمارة في مورد اعتبارها من الأمارات المفيدة للقطع ، إذ الجدي واقع في طرف الشمال ، ففي البلدان التي تكون شمالي مكة التي

وفي كفاية شهادة العدلين مع إمكان تحصيل العلم إشكال (1)(1).


تكون قبلتها طبعاً نقطة الجنوب متى جعل الجدي فيها على الكيفية الخاصة أورث القطع بالاستقبال بطبيعة الحال ، من غير حاجة إلى النص ، وعليه فلا تكون هذه العلامة في طول العلم بحيث لا يعوّل عليها إلا لدى تعذره ، بل هي من موجبات حصوله وتحققه.

نعم ، الظن الحاصل بالاجتهاد حجة في ظرف عدم التمكن من تحصيل العلم أو العلمي خاصة ، لاختصاص دليل حجيته وهو صحيح زرارة : « يجزئ التحري أبداً إذا لم يعلم أين وجه القبلة » (2)بذلك ، فان المراد من عدم العلم الذي علّق عليه التحري وهو الأخذ بالاحتمال الأحرى الذي هو الظن هو عدم التمكن منه على ما هو الظاهر من هذا التركيب عند أهل العرف لا عدم العلم الفعلي كما لا يخفى.

كما أن سائر الظنون الحاصلة من محاريب المساجد أو من مقابر المسلمين وما شاكلهما أيضاً كذلك ، لأن الدليل على اعتبارها هو السيرة ، ولأجل أنها دليل لبّي يقتصر على المتيقن منها وهو صورة عدم التمكن من تحصيل العلم.

(1) لا ينبغي الاستشكال في كفايتها ، لإطلاق دليل حجيتها بنطاق عام إلا ما خرج بالدليل كما في الشهادة على الزنا الموقوفة على شهود أربعة ، وكما في الدعوى على الميت المفتقرة إلى ضم اليمين ، بل وكفاية خبر العدل الواحد ، بل مطلق الثقة بناءً على ما هو الصواب من اعتباره في مطلق الموضوعات كالأحكام.

لكن ذلك كله إنما يعتبر في المقام كغيره فيما إذا كان الإخبار مستنداً


1) (*) أظهره كفاية شهادة العدلين ، بل لا تبعد كفاية شهادة العدل الواحد بل مطلق الثقة أيضاً.

2) الوسائل 4 : 307 / أبواب القبلة ب 6 ح 1.

ومع عدمه لا بأس بالتعويل عليها (1)


إلى الحس كما لو قامت البينة أو أخبر العادل أو الثقة بأن الجدي في الموضع الفلاني بحيث يقطع معه بجهة القبلة قطعاً لا يقل عن الحس ، دون ما إذا استند إلى المبادئ الحدسية من الأمارات الظنية ونحوها ، لقصور دليل الحجية عن الشمول لهذه الصورة كما تقرر في محله.

ودعوى أن المقام من الموارد التي لا سبيل فيها لغير الحدس والاجتهاد كما في إخبار المقوّم والطبيب ومن شاكلهما ، حيث قامت السيرة العقلائية الممضاة شرعاً بعدم الردع على حجية قولهم من باب كونهم من أهل الخبرة لا من باب حجية البينة ، مدفوعة بإمكان إحراز القبلة بالحس حسب القواعد المقررة لتشخيصها على سبيل القطع والبت حسبما عرفت.

وعلى الجملة : عند قيام الأمارة المعتبرة وهي المستندة إلى الحس من شهادة العدلين أو العدل الواحد أو مطلق الثقة يعوّل عليها سواء أفادت الظن الشخصي أم لا ، بل وإن كان الظن الشخصي على خلافها ، فإنها بعد شمول دليل الحجية علم تعبدي ، وهو بمثابة العلم الوجداني في مناط الاعتبار ، من غير فرق في ذلك بين المتمكن من تحصيل العلم الوجداني وعدمه كما في سائر المقامات ، لإطلاق دليل الحجية وعدم اشتراطه بالعجز عن تحصيل العلم ، بل هما في عرض واحد.

وأما إذا كانت الأمارة غير معتبرة وهي المستندة إلى الحدس فلا يعوّل عليها حتى مع العجز عن تحصيل العلم ، إلا إذا أفادت الظن فتكون حجة حينئذ من باب التحري ، لحجية الظن في باب القبلة بالخصوص.

(1) بل قد عرفت عدم البأس حتى مع إمكان تحصيل العلم فيما إذا كانت الشهادة مستندة إلى الحس ، نعم في المستندة إلى الحدس لا اعتبار بها إلا من باب التحري المنوط بالعجز عن تحصيل العلم ، لكن صدق التحري موقوف

إن لم يكن اجتهاده على خلافها. وإلا فالأحوط تكرار الصلاة (1)، ومع عدم إمكان تحصيل الظن يصلي إلى أربع جهات (2).


على أن لا يكون اجتهاده على خلافها ، وإلا كان هو الأقرب بنظره إلى الواقع فكان هو الأحرى لا ما أدّت إليه البينة المزبورة.

(1) وقد ظهر مما مرّ أنه لا حاجة إليه ، بل يكفي العمل بالبينة إن استندت إلى الحس ، وإلا فليعمل على طبق اجتهاده فلاحظ.

(2) على المشهور شهرة عظيمة ، بل عن المعتبر (3)وغيره نسبته إلى علمائنا ، بل عن الغنية (4)دعوى الإجماع عليه.

ونسب إلى الشيخين (5)إنكار العمل بالظن لدى فقد الأمارات السماوية ، وأنه يصلي حينئذ إلى أربع جهات إن أمكن ، وإلا فالى جهة واحدة. ولكنه محجوج بإطلاق صحيحة زرارة المتقدمة (6)الصريحة في التحري ولزوم الأخذ بالظن إذا لم يعلم وجه القبلة.

وكيف ما كان ، فقد خالف المشهور جماعة من المتأخرين ، منهم المحقق الأردبيلي (7)وبعض القدماء فذهبوا إلى كفاية الصلاة إلى جهة واحدة.

ويستدل للمشهور : تارة بقاعدة الاشتغال ، نظراً إلى عدم حصول اليقين بالفراغ إلا بالصلاة إلى أربع جهات.

وفيه : أنّا تارة نبني على لزوم استقبال عين الكعبة مطلقاً ، وأُخرى نختار


1) (*) والأظهر كفاية العمل بالبيّنة.

2) (**) على الأحوط ، ولا تبعد كفاية الصلاة إلى جهة واحدة.

3) المعتبر 2 : 70.

4) الغنية : 69.

5) المفيد في المقنعة : 96 ، الطوسي في النهاية : 63.

6) في ص 434.

7) مجمع الفائدة والبرهان 2 : 67.

كفاية الصلاة إلى ما بين المشرق والمغرب لدى الجهل بها استناداً إلى ما دل على أن ما بينهما قبلة للجاهل.

أما على الأول : فلا مناص من الصلاة إلى جهات سبع ، لما تقدم (1)من أن نسبة الجبهة إلى دائرة الرأس نسبة السبع تقريباً ، فكل سبع من هذه الدائرة الصغيرة مواجهة لسبع الدائرة الكبيرة المفروضة حول الأُفق ، وبذلك تتحقق المواجهة لعين الكعبة إذا كانت واقعة في أي جزء من أجزاء السبع. إذن فلا بدّ من تقسيم الأُفق سبعة أقسام وإيقاع الصلاة في كل سبع منها ، وبذلك يحصل اليقين باتجاه عين الكعبة حقيقة ببيان مشبع مقنع حققه شيخنا الأُستاذ قدس‌سره وقد تقدم (2).

وأما على الثاني : فتكفي الصلاة إلى ثلاث جهات بتقسيم قوس الأُفق إلى ثلاثة أقسام متساوية وإيقاع الصلاة في وسط كل قوس ، فإنه بذلك تتحقق الصلاة إلى ما بين المشرق والمغرب جزماً كما هو ظاهر.

وأُخرى : بجملة من الأخبار :

منها : مرسلة الصدوق في الفقيه قال : « روي في من لا يهتدي إلى القبلة في مفازة أنه يصلي إلى أربعة جوانب » (3).

ومنها : مرسلة الكليني قال : « وروى أيضاً أنه يصلي إلى أربع جوانب » (4).

ومنها : مرسلة خراش ( أو خداش ) عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال « قلت : جعلت فداك إن هؤلاء المخالفين علينا يقولون : إذا أطبقت علينا أو أظلمت فلم نعرف السماء كنا وأنتم سواء في الاجتهاد ، فقال : ليس كما يقولون ، إذا كان ذلك فليصل لأربع وجوه » (5).


1) في ص 431.

2) في ص 431.

3) الوسائل 4 : 310 / أبواب القبلة ب 8 ح 1 ، الفقيه 1 : 180 / 854.

4) الوسائل 4 : 311 / أبواب القبلة ب 8 ح 4 ، الكافي 3 : 286 / 10.

5) الوسائل 4 : 311 / أبواب القبلة ب 8 ح 5.

ولكنها بأجمعها مراسيل لا يعوّل عليها ، مع احتمال كون الأُوليين رواية واحدة. على أن الأخيرة ضعيفة السند بخراش أيضاً ، فإنه لم يوثق ، بل وقاصرة الدلالة ، إذ مفادها وجوب الصلاة إلى الجوانب الأربعة حتى مع التمكن من الاجتهاد وتحصيل الظن ، وهو خلاف المذهب المشهور ، بل الظاهر أنّه لا قائل به.

وبكلمة واضحة : مفاد الرواية عدم جواز العمل بالظن ، ووجوب الصلاة إلى الجهات الأربع ، وهو خلاف ما يراه المشهور من اختصاص ذلك بمورد العجز عن تحصيل الظن ، بل وخلاف صريح صحيح زرارة الدال على جواز العمل به لدى حصوله.

ودعوى انجبار ضعف هذه الأخبار بعمل الأصحاب ، مدفوعة بمنع الكبرى بل وكذلك الصغرى ، لعدم ثبوت استنادهم إليها ، ولعلهم اعتمدوا على ما عرفت من قاعدة الاشتغال.

والمتحصل : أنّ ما عليه المشهور عارٍ عن دليل يصح التعويل عليه.

فالأقوى إذن الاكتفاء بصلاة واحدة كما دلت عليه صريحاً صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام « أنه قال : يجزئ المتحير أبداً أينما توجه إذا لم يعلم أين وجه القبلة » (1).

ولا مجال للنقاش فيها تارة سنداً بجهالة طريق الصدوق إلى زرارة ومحمد ابن مسلم مجتمعين. وأُخرى متناً نظراً إلى أن الوارد في بعض نسخ الفقيه « التحري » بدل « المتحير » فتكون الرواية حينئذ من أدلة حجية الظن بالقبلة لدى العجز عن تحصيل العلم ، ولا دلالة لها على اكتفاء المتحيّر بالصلاة إلى إحدى الجهات.

لاندفاع الأول بأن الاقتصار على صورة الانفراد يكشف عن الاتحاد وأن طريقه إليهما مجتمعين هو بنفسه الطريق إليهما منفردين كما لا يخفى. وحيث


1) الوسائل 4 : 311 / أبواب القبلة ب 8 ح 2.

إن طريقه إلى زرارة صحيح (1)وإن كان إلى ابن مسلم ضعيفاً فلا جرم تصبح الرواية معتبرة.

واندفاع الثاني بأن الشائع من نسخ الفقيه هو الأول بحيث يطمأن بالتصحيف في تلك النسخة ، على أنّها لا تنسجم مع قوله : « أينما توجه » وإنّما يتناسب ذلك مع النسخة المشهورة كما لعله ظاهر.

وتدل عليه أيضاً صحيحة معاوية بن عمار : « أنه سأل الصادق عليه‌السلام عن الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى أنه قد انحرف عن القبلة يميناً أو شمالاً ، فقال له : قد مضت صلاته ، وما بين المشرق والمغرب قبلة ، ونزلت هذه الآية في قبلة المتحير ( وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ) » (2)وهي بمعونة الذيل صريحة في المطلوب.

بيد أن جملة من المحققين طعنوا على الاستدلال بها باحتمال كون الذيل من كلام الصدوق نفسه ، ولكنه كما ترى في غاية البعد (3)فان إدراج الاجتهاد وإلحاقه بالحديث من غير نصب قرينة أو ذكر فاصل بمثل انتهى أو أقول نوع خيانة في النقل ، تجلّ ساحة الصدوق المقدسة عما دونها بكثير ، فلا ينبغي الإشكال في صحة الاستدلال بها كالأُولى.

وتؤيدهما مرسلة ابن أبي عمير عن زرارة قال : « سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن قبلة المتحير ، فقال : يصلّي حيث يشاء » (4).


1) الفقيه 4 ( المشيخة ) : 9.

2) الوسائل 4 : 314 / أبواب القبلة ب 10 ح 1 ، الفقيه 1 : 179 / 846.

3) بل هو قريب كما يكشف عنه مضافاً إلى خلوّ التهذيبين [ التهذيب 2 : 48 / 157 ، الاستبصار 1 : 297 / 1095 ] عن هذا الذيل عدم انسجامه مع الصدر كما لا يخفى. والتصدي له بما ذكره في المستمسك [ 5 : 186 ] غير واضح ، ولعل المتتبع يرى نظائر ذلك في الفقيه بكثير ، فكأن عادته جرت على الإلحاق المزبور ، فلا تعدّ من الخيانة في شي‌ء فلاحظ.

4) الوسائل 4 : 311 / أبواب القبلة ب 8 ح 3.

[1229] مسألة 1 : الأمارات المحصّلة للظن التي يجب الرجوع إليها عند عدم إمكان العلم كما هو الغالب بالنسبة إلى البعيد كثيرة منها الجدي (1) الذي هو المنصوص في الجملة (2) بجعله في أواسط العراق كالكوفة والنجف وبغداد ونحوها خلف المنكب الأيمن ، والأحوط أن يكون ذلك في غاية ارتفاعه أو انخفاضه. والمنكب ما بين الكتف والعنق ، والأولى وضعه خلف الاذن (1)وفي البصرة وغيرها من البلاد الشرقية في الاذن اليمنى ، وفي موصل ونحوها من البلاد الغربية بين الكتفين وفي الشام خلف الكتف الأيسر ، وفي عدن بين العينين ، وفي صنعاء على الاذن اليمنى ، وفي الحبشة والنوبة صفحة الخد الأيسر.

ومنها : سهيل ، وهو عكس الجدي.

ومنها : الشمس لأهل العراق إذا زالت عن الأنف إلى الحاجب الأيمن عند مواجهتهم نقطة الجنوب.


(1) وهو كوكب معروف ، وقد ذكروا في ضبط الكلمة وجهين :

أحدهما : مكبّراً بفتح الجيم وسكون الدال المهملة.

ثانيهما : مصغّراً بضم الجيم وفتح الدال ، للتفرقة بينه وبين البرج المسمّى بهذا الاسم.

(2) فقد ورد ذلك في جملة من الروايات :

منها : مرسلة الصدوق قال « قال رجل للصادق عليه‌السلام : إني أكون في السفر ولا أهتدي إلى القبلة بالليل ، فقال : أتعرف الكوكب الذي يقال له جدي؟ قلت : نعم ، قال : اجعله على يمينك ، وإذا كنت في طريق الحج فاجعله بين كتفيك » (2).


1) (*) في أولويته إشكال بل منع.

2) الوسائل 4 : 306 / أبواب القبلة ب 5 ح 2 ، الفقيه 1 : 181 / 860.

ومنها : ما رواه العياشي في تفسيره عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم‌السلام « قال قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله ( وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) قال : الجدي ، لأنه نجم لا يزول ، وعليه بناء القبلة ، وبه يهتدي أهل البر والبحر » (1).

ومنها : ما رواه أيضاً عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « في قوله ( وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) قال : ظاهر وباطن ، الجدي عليه تبنى القبلة ، وبه يهتدي أهل البر والبحر ، لأنه نجم لا يزول » (2).

وهذه الروايات الثلاث كلها ضعيفة السند بالإرسال ، ولا تصلح للاستدلال. أما الأُولى فواضح ، وكذا الأخيرتان ، لجهالة طريق العياشي بعد أن حذف المستنسخ سامحه اللّه إسناد الأخبار روماً للاختصار ، زعماً منه أنه خدمة للعلم وأهله ، فأخرجها عن المسانيد إلى المراسيل ، وليته لم يفعل.

والعمدة هي الرواية الرابعة ، وهي ما رواه الشيخ بإسناده عن الطاطري عن جعفر بن سماعة عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما‌السلام قال : « سألته عن القبلة ، فقال : ضع الجدي في قفاك وصلّ » (3).

والكلام فيها يقع تارة من حيث الدلالة ، وأُخرى من ناحية السند فهنا جهتان :

أما الجهة الأُولى : فقد نوقش في دلالتها من وجوه :

أحدها : أنها مجملة ، للقطع بعدم إرادة الإطلاق لجميع الأصقاع ، فإن هذه الأمارة تختص بالبلاد الواقعة شمالي مكة بحيث تكون قبلتها نقطة الجنوب كبعض مناطق العراق ، وأما في غيرها فربما تستوجب استدبار القبلة تماماً كالبلاد الواقعة جنوبها مثل عدن ، وربما تستوجب الانحراف الشاسع كالواقعة


1) الوسائل 4 : 307 / أبواب القبلة ب 5 ح 3 ، تفسير العياشي 2 : 256 / 12.

2) الوسائل 4 : 307 / أبواب القبلة ب 5 ح 4 ، تفسير العياشي 2 : 256 / 13.

3) الوسائل 4 : 306 / أبواب القبلة ب 5 ح 1 ، التهذيب 2 : 45 / 143.

شرقيها أو غربيها كما يتضح ذلك جلياً لمن يصلي في المسجد الحرام ، فإنه لو اتجه عند استقبال الكعبة نحو الجنوب فالجدي على قفاه ، أو الشمال فقبال وجهه ، أو المشرق فعلى يساره ، أو المغرب فعلى يمينه ، وهكذا الحال بالإضافة إلى جميع البلدان الواقعة خلفه المنتشرة في أصقاع العالم في تمام الجوانب الأربعة.

وبالجملة : فارادة الإطلاق ممتنعة ، ولا قرينة على الاختصاص بصقع معيّن ، ومجرد كون السائل كوفياً لا يستوجبه. ونتيجة ذلك ما عرفت من إجمال الرواية.

ويندفع : بأن كون السائل وهو محمد بن مسلم كوفياً وإن لم يستوجبه كما ذكر إلا أنّه لا مناص من أن يكون بلده هو القدر المتيقن من مورد العلامة ، لعدم احتمال اختصاصها بغيره لاستلزامه تخصيص المورد المستهجن كما لا يخفى. واحتمال إرادة بلد السؤال وإن كان مخالفاً لبلد السائل كما ترى ، وإذا كانت الرواية مشتملة على القدر المتيقن فقد خرجت بذلك عن الإجمال.

ثانيها : أن هذه العلامة لا تنطبق حتى على الكوفة نفسها ، لما ذكره المحققون من مهرة الفن من انحراف قبلتها عن نقطة الجنوب إلى المغرب على اختلاف الأقوال أقلها اثنتا عشرة درجة وأكثرها إحدى وعشرون درجة ، فهي إذن باقية على إجمالها.

ويندفع بما تقدم (1)من تحقق الاتجاه الحقيقي نحو الكعبة فيما إذا كانت واقعة خلال سبع الدائرة ، نظراً إلى أن عرض الجبهة التي هي المناط في المواجهة تعادل أربع أصابع تقريباً التي نسبتها إلى مجموع دائرة الرأس وهي ثمان وعشرون إصبعاً تقريباً هي السبع ، وبما أن تمام الدائرة ثلاثمائة وستون درجة فسبعها يكون اثنتين وخمسين درجة. وعليه فعند الاتجاه إن كانت


1) في ص 431.

الكعبة موازية لوسط الجبهة فهو ، وكذا لو كانت منحرفة إلى أحد الجانبين ، أي بمقدار ست وعشرين درجة من كل جانب ، فان الانحراف بهذا المقدار غير قادح في صدق الاستقبال الحقيقي كما تقدم ، وإنما القادح هو الأكثر من ذلك ، والمفروض أنّ انحراف الكوفة لا يبلغ هذا الحد فلا يقدح.

ثالثها : أن قبلة الكوفة وهي من أعظم الأمصار الإسلامية الحاوية على مساجد عديدة ، ومنها المسجد الأعظم الذي صلى فيه جملة من الأنبياء والمعصومين عليهم‌السلام معروفة مشهورة ومعلومة لدى العوام فضلاً عن الخواص فكيف يمكن افتراض الجهل بها ولا سيما من مثل محمد بن مسلم على ما هو عليه من جلالة القدر ، فلا يحتمل اختصاص العلامة بها ، وقد عرفت امتناع الأخذ بالإطلاق ، فلا محالة تصبح الرواية مجملة.

ويندفع : بأنّ ذلك لا يمنع عن تعلق السؤال بالكوفة بلحاظ خارج البلدة وضواحيها ، حيث لا مسجد ولا محراب ولا علامة يهتدي بها من شمس أو قمر ونحوهما لوجود الظلام وحلول الليل كما قد يرشد إليه الجواب من الإحالة إلى الجدي.

وعلى الجملة : فالظاهر أنّ دلالة الرواية تامة ولا مجال للخدش فيها بشي‌ء مما ذكر.

وأما الجهة الثانية : فالظاهر أنّ السند ضعيف بالرغم من التعبير عنها بالموثقة في كثير من الكلمات وكون رجال السند بأجمعهم ثقات ، وذلك لضعف طريق الشيخ إلى علي بن الحسن الطاطري بعلي بن محمد بن الزبير القرشي (1)فإنه لم يوثق ، وكأن التعبير المزبور مبني على الغفلة عن إمعان النظر في الطريق. وكيف ما كان فينبغي النقاش في الرواية من حيث السند لا الدلالة.


1) التهذيب 10 ( المشيخة ) : 76.

فتحصل : أنه لم ينهض أي دليل شرعي على أمارية الجدي ولو في الجملة ، لضعف اسناد الروايات بأجمعها ، ولكنه مع ذلك لا ينبغي التأمل في أماريتها إجمالاً كما أسلفناك من ملاحظة الواقف في المسجد الحرام متجهاً نحو الكعبة من الجوانب الأربعة ، حيث يكون الجدي بالنسبة إليه وإلى البلدان الواقعة خلفه على قفاه تارة وقبال وجهه اخرى ، وعن يمينه أو شماله حسبما تقدم (1)، كما أن البلدان الواقعة فيما بين هذه الجهات تنحرف قبلتها نحو الجهة الأُخرى بدرجات حسب اختلاف طول البلد وعرضه. فلا بد إذن من الرجوع إلى القواعد المقررة لمعرفة ذلك.

ولا بأس بالإشارة إليه إجمالاً ، وقبل التعرض لها ينبغي التعرّف على بعض المصطلحات مما ذكره أهل الفن.

فمنها : خطّ الاستواء ، وهو الخط الموهوم المرسوم بين نقطتي المشرق والمغرب الاعتداليين ، والموجب لتقسيم الكرة الأرضية إلى نصف شمالي ونصف جنوبي.

ومنها : خط نصف النهار ، وهو المرسوم بين نقطتي الشمال والجنوب القاسم للأُفق إلى نصف شرقي ونصف غربي والقاطع لخط الاستواء المزبور ويسمى بخط الطول أيضاً.

ومنها : عرض البلد ، ويعنون به مقدار بعده عن خط الاستواء الذي هو أكبر دائرة وهمية حول الأرض قاسمة لها إلى ما عرفت من نصفي الشمال والجنوب على بعدين متساويين من القطبين ، لا يزيد أحدهما على الآخر ، فالدوائر الوهمية المنتشرة على سطح الأرض الموازية لهذه الدائرة التي عددها تسعون درجة شمالاً وتسعون درجة جنوباً ولا تزال تصغر إلى أن تتلاشى عند القطبين هي المسماة بخطوط العرض.


1) في ص 441.

وبالجملة : فاختلاف البلدان في العرض ينشأ من اختلاف مقدار بعدها عن الخط المزبور ، كما أن اتحادها فيه عبارة عن عدم تفاوتها في كمية البعد عنه وكونها في مقدار الابتعاد على حد سواء بحيث كان خط المشرق والمغرب المار بأحدهما ماراً بالآخر.

ومنها : طول البلد ويراد به مقدار بعده عن جزيرة ( فرّو ) ويقال لها ( هرّو ) أيضاً ، التي هي من الجزائر الخالدات الواقعة في جانب المغرب على ساحل البحر ، التي كانت تعتبر عند القدماء آخر الربع المسكون من الأرض ، فالمقياس في الاختلاف في الطول هو مقدار القرب والبعد من الجزائر المزبورة. أما في زماننا فيعتبر مبدأ الطول من قرية يقال لها ( گرينويچ ) واقعة في الجنوب الشرقي من لندن عاصمة بريطانيا ، هذا.

وقد صرح أرباب هذا الفن كما في الحدائق (1)بأن الأقاليم السبعة المسكونة وما فيها من البلدان كلها في النصف الشمالي من الأرض ، أما النصف الجنوبي فغير مسكون ، لاستيلاء الحرارة والماء عليه ، كما أن المعمور من النصف الشمالي إنما هو نصفه المتصل بخط الاستواء ، وهو الذي فيه الأقاليم السبعة ، والنصف الآخر خراب لشدة البرد ، ومن ثم كان المسكون من الكرة الأرضية هو ربعها لا غير.

هذا ولكن العلوم الحديثة والاكتشافات الأخيرة لا تساعد على هذه الدعوى كما لا يخفى.

إذا عرفت هذا فنقول : تنحرف مكة المكرمة عن خط الاستواء إلى طرف الشمال بمقدار إحدى وعشرين درجة وبضع دقائق فهذا هو عرضها ، كما أن طولها أي بعدها عن نقطة گرينويچ 39 درجة وخمسون دقيقة ، وعليه :

فان كانت البلدة متحدة مع مكة طولاً فكان خط نصف النهار المار على


1) الحدائق 6 : 390.

إحداهما ماراً على الأُخرى مختلفة معها عرضا ، فان كان بعدها من خط الاستواء أكثر من بعد مكة أي زادت عليها عرضاً فكانت طبعاً شماليها فقبلتها نقطة الجنوب ، وإن كان أقل فنقصت عرضا أو كانت البلدة واقعة في طرف الجنوب من خط الاستواء فكانت طبعاً بالإضافة إلى مكة جنوبية فقبلتها نقطة الشمال ، هذا فيما إذا اتفقت البلدة مع مكة طولاً واختلفتا عرضاً.

وأما لو انعكس الأمر فاتفقتا عرضاً ، أي في مقدار البعد عن الاستواء فكان خط المشرق والمغرب المار بإحداهما ماراً بالأُخرى ولكن اختلفتا طولاً ، فان كانت شرقي مكة فقبلتها نقطة المغرب ، وإن كانت غربيها فنقطة المشرق. وإن شئت فقل : إن زادت طولا فكانت أبعد من مكة إلى الجزائر الخالدات فقبلتها نقطة المغرب ، وإن نقصت فنقطة المشرق.

وأما إذا اختلفتا في الطول والعرض معاً فان كانت البلدة واقعة ما بين المغرب والجنوب فنقصت عن مكة طولاً وعرضاً فقبلتها ما بين المشرق والشمال ، وإن كانت واقعة ما بين الشمال والمشرق فزادت عليها طولا وعرضاً فقبلتها ما بين الجنوب والمغرب فكان انحراف البلدة عن نقطة الشمال إلى المشرق موجباً لانحراف القبلة عن الجنوب إلى المغرب ، وإن زاد طول مكة ونقص عرضها فالقبلة ما بين الجنوب والمشرق ، وإن انعكس فما بين المغرب والشمال.

والحاصل : أن قبلة البلاد تعيّن على هذا الأساس. ويتضح ذلك برسم دائرة بعد تسوية الأرض وتقسيمها أقواساً أربعة متساوية ذات أربع زوايا حادة كل زاوية تسعون درجة ليكون مجموع الدائرة ثلاثمائة وستين درجة ، ثم وضع البلدة في موضعها من الدائرة بنسبة الطول والعرض ، ثم رسم خط منها إلى مكة بعد افتراضها في مركز الدائرة ومنها إلى المحيط ، ثم ملاحظة مقدار التفاوت بين موضع التقاطع وبين أحد الجوانب الأربعة فذلك المقدار هو مقدار الانحراف ، وبذلك تعرف قبلة البلدة على سبيل التحقيق.

والمتحصل مما تقدم : أن للقبلة ثمان جهات :

1 نقطة الشمال إن كان طول البلد متحداً مع مكة وعرضه أقل.

2 نقطة الجنوب إن اتحدا طولاً وعرض البلد أكثر.

3 نقطة المشرق إن اتحدا عرضاً وطول البلد أقل كجدة.

4 نقطة المغرب إن اتحدا عرضاً وطول البلد أكثر.

5 بين الجنوب والمغرب إذا زاد البلد طولاً وعرضاً.

6 بين الشمال والمشرق إذا نقص البلد طولاً وعرضاً.

7 بين الشمال والمغرب إذا كان طول البلد أكثر وعرضه أقل.

8 بين الجنوب والمشرق إذا كان طوله أقل وعرضه أكثر.

ثم إنه يمكن استعلام القبلة من النيرين الأعظمين الشمس والقمر.

أما الشمس فباستقبال قرصها عند زوالها في مكة في اليوم الذي ينعدم ظلها لأجل إشراقها على رؤوس أهلها عمودياً ، وهو يومان في مجموع السنة.

وتوضيحه : أنك قد عرفت أن مكة المشرفة تقع في عرض إحدى وعشرين درجة من خط الاستواء ، وقد ذكروا أن غاية ميل الشمس عن هذا الخط إنما هو ثلاث وعشرون درجة تقريباً ، ويسمى ذلك عندهم بالميل الأعظم ، مبدؤه أول يوم من برج الحمل حيث تكون الشمس شمالية فإنها تدور خلال سنة واحدة في فلك يسمى عند أهل الهيئة بمنطقة البروج ، وهي دائرة محيطة بالأرض كالمنطقة مشتملة على اثني عشر برجاً تحدث من هذا الدوران الفصول الأربعة وهي في مدارها في ستة من هذه البروج ، وهي برج الحمل والثور والجوزاء وهي أشهر الربيع والسرطان والأسد والسنبلة وهي أشهر الصيف شمالية ، وفي الستة الأُخرى وهي الميزان والعقرب والقوس وهي أشهر الخريف والجدي

والدلو والحوت وهي أشهر الشتاء جنوبية ، فهي تسير من خط الاستواء إلى الميل الأعظم في تسعين يوماً ، وترجع في تسعين شمالاً ، وهكذا من ناحية الجنوب.

إذن فكل بلدة واقعة بين الخط والميل المزبورين ومنها مكة المكرمة ، لأنها دون ثلاث وعشرين درجة كما عرفت تسامت الشمس على رؤوس أهلها وينعدم ظلها مرتين في طول السنة ، مرة صاعدة وهي في الثامن من الجوزاء المطابق للسابع من خرداد من أشهر الفرس ، ومرة اخرى هابطة وهي في الثالث والعشرين من السرطان الموافق للثالث والعشرين من ( تير ماه ). وأما البلاد الواقعة على نفس الميل الأعظم فلا ينعدم الظل فيها في السنة إلاّ مرة واحدة ، كما أن الواقعة في الخارج عن هذا الحد لا ينعدم الظل فيها أصلاً.

وعليه فاذا استقبلنا قرص الشمس في أحد هذين اليومين ساعة زوالها في مكة المتيسر ضبطها جدّاً في هذه الأعصار من طريق الإذاعة فقد استقبلنا مكة واستكشفنا القبلة على سبيل الدقة.

وأما القمر فهو يسير في الفلك المزبور ويقطعه في شهر واحد في كل برج يومين وثلث اليوم بخلاف الشمس التي كانت تقطعه في سنة كاملة حسبما عرفت. وعليه فهو يكون مسامتاً لمكة في منتصف الليل في الشهر مرتين ، كما كانت الشمس مسامتة لها في السنة كذلك ، فاذا شخّص زمان المسامتة بالدقة وشخص منتصف الليل لمكة كان استقبال القمر في بلادنا ونحوها في الوقت المذكور استقبالاً لمكة ولخط القبلة تحقيقاً.

ثم إن السيد الأُستاذ ( دام ظله ) طوى البحث عن جملة مما ذكر في المتن ولم يتعرض إليها إيكالاً إلى وضوحها مما سبق أو قلة الجدوى فلاحظ.

ومنها : جعل المشرق على اليمين (1)والمغرب على الشمال (1) لأهل العراق أيضاً في مواضع يوضع الجدي بين الكتفين كالموصل (2).

ومنها : الثريا والعيوق لأهل المغرب يضعون الأول عند طلوعه على الأيمن والثاني على الأيسر.

ومنها : محراب صلى فيه معصوم فان علم أنه صلى فيه من غير تيامن ولا تياسر كان مفيداً للعلم (3) ، وإلاّ فيفيد الظن.

ومنها : قبر المعصوم ، فاذا علم عدم تغيره وأن ظاهره مطابق لوضع الجسد أفاد العلم ، وإلاّ فيفيد الظن.

ومنها : قبلة المسلمين في صلاتهم وقبورهم ومحاريبهم إذا لم يعلم بناؤها على الغلط إلى غير ذلك كقواعد الهيئة وقول أهل خبرتها.


(1) من الواضح جدّاً أن هذا سهو (2)إما من قلمه الشريف أو من النساخ ، وأن الصحيح عكسه.

(2) وكذا سنجار ونحوه من البلاد التي قبلتها نقطة الجنوب ، بل هي علامة لأوساط العراق أيضاً كالكوفة وبغداد وحلة وما والاها بناء على ما هو الصواب من اغتفار الانحراف بمقدار ست وعشرين درجة حتى عامداً كما سبق ، ووضوح عدم بلوغ درجات الانحراف في هذه البلاد إلى هذا الحد.

(3) لا يخفى أن حصول العلم من هذا ونحوه كقبر المعصوم عليه‌السلام المعلوم مطابقة ظاهره مع موضع الجسد ، بل حتى الصلاة خلفه عليه‌السلام مباشرة مشكل.

أما أوّلاً : فلاحتمال الانحراف اليسير منا ولو بمقدار غير محسوس فلا يتلاقى الخط الخارج من وسط جبهتنا مع الخط الخارج من وسط جبهة


1) (*) هذا من سهو القلم ، والصحيح عكسه.

2) هذا السهو موجود في بعض النسخ ولا يطّرد في جميعها فلاحظ.

[1230] مسألة 2 : عند عدم إمكان تحصيل العلم بالقبلة يجب الاجتهاد في تحصيل الظن (1)(1)


المعصوم المفروض تلاقيه مع عين الكعبة ، ضرورة أن الانحراف في مبدأ الخطوط المتوازية وإن كان يسيراً جدّاً وقد بلغ من القلة ما بلغ إلا أنه يزداد شيئاً فشيئاً ، ويبدو كثيراً في المنتهي سيما مع بعد المسافة ، فلا يكون خطنا ملاصقاً للكعبة بل ينحرف طبعاً يمنة أو يسرة بعد وضوح اختلاف الجبهات في مقدار السعة ، فإنه كلما بعد يتسع الانحراف بطبيعة الحال.

وثانياً : لم يتضح إعمال المعصوم عليه‌السلام علمه الخاص في أمثال هذه الموارد ، ومن الجائز أن يواسي غيره من سائر المكلفين في الأخذ بظواهر الشرع والعمل بالظنون والأمارات في تشخيص الموضوعات ، فلا يختلف عنا في عدم التجاوز عن حدود الظن في تشخيص القبلة والاستناد إلى الأمارات المعتبرة كما أشار إليه المحقق الهمداني قدس‌سره (2).

نعم ، بناءً على المختار من كفاية الاستقبال بمقدار سبع الدائرة يحصل العلم لا محالة في غالب الأمارات المتقدمة ، لعدم خروج الكعبة عن هذا الحد غالباً ، إذن فيفصّل بين القول المشهور من اعتبار خروج الخط من وسط جبهة المصلي وإصابته للكعبة وبين القول بالاتساع والاكتفاء بسبع الدائرة ، فيتعذر العلم على الأول ، ويتيسر غالباً على الثاني فلاحظ.

(1) لما تقدم (3)من النصوص الدالة على التحري لدى الجهل بالقبلة التي منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام : « يجزئ التحري أبداً


1) (*) أو الاحتياط بتكرار الصلاة إلى الأطراف المحتملة ، بل يجوز التكرار مع إمكان تحصيل العلم أيضاً.

2) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 94 السطر 27.

3) في ص 434.

ولا يجوز الاكتفاء بالظن الضعيف مع إمكان القوي (1) كما لا يجوز الاكتفاء به مع إمكان الأقوى ، ولا فرق بين أسباب حصول الظن (2) فالمدار على الأقوى فالأقوى ، سواء حصل من الأمارات المذكورة أو من غيرها ولو من قول فاسق بل ولو كافر.

فلو أخبر عدل ولم يحصل الظن بقوله وأخبر فاسق أو كافر بخلافه وحصل منه الظن من جهة كونه من أهل الخبرة يعمل به (1).


إذا لم يعلم أين وجه القبلة » (2)، هذا.

وظاهر كلامه قدس‌سره تعين ذلك ، وليس كذلك ، بل هو مخير بينه وبين الاحتياط بالصلاة إلى سبع جهات أو ثلاث كما تقدم بيانه (3)، وقد ذكرنا في الأُصول في مباحث الاجتهاد والتقليد (4)أن الامتثال الإجمالي في عرض التفصيلي فيمكنه العمل بالاحتياط حتى مع التمكن من إحراز الامتثال التفصيلي بالعلم الوجداني ، فإذا ساغ ذلك ساغ مع العجز عنه بطريق أولى.

(1) لكونه على خلاف التحري المأمور به في النص ، ومنه يظهر الحال فيما بعده.

(2) لإطلاق النص المتقدم الشامل للحاصل حتى من قول الكافر.

(3) هذا على إطلاقه ممنوع ، وإنما يتجه فيما إذا كان إخبار العادل مستنداً إلى الحدس بحيث يكون ساقطاً عن الاعتبار في حد نفسه ، وأما إذا استند إلى الحس وبنينا على حجيته في الموضوعات من غير إناطة بإفادة الظن كما هو الأصح على ما سبق فاللازم تقديمه ، لأنه حجة شرعية وعلم تعبدي ، ومعه لا تصل النوبة إلى التحري والتعويل على الظن الحاصل من قول


1) (*) إذا كان خبر العدل حسيّا فلا يبعد تقدّمه على الظن ، والاحتياط لا ينبغي تركه.

2) الوسائل 4 : 307 / أبواب القبلة ب 6 ح 1.

3) في ص 436.

4) شرح العروة 1 : 51 ، مصباح الأصول 2 : 77.

[1231] مسألة 3 : لا فرق في وجوب الاجتهاد بين الأعمى والبصير (1) غاية الأمر أن اجتهاد الأعمى هو الرجوع إلى الغير (1)في بيان الأمارات أو في تعيين القبلة.

[1232] مسألة 4 : لا يعتبر إخبار صاحب المنزل إذا لم يفد الظن (2).


الفاسق أو الكافر كما هو ظاهر.

(1) لإطلاق دليل التحري الشامل للأعمى كالبصير ، غاية الأمر أنه لما كان فاقداً لحاسة البصر احتاج إلى الاستهداء من الغير في مقدمات الاجتهاد من بيان الأمارات أو تعيين الجهات ، وبعد اطّلاعه عليها يجتهد بنفسه إن لم يحصل له الظن بالقبلة من قوله وإلا كان بنفسه مصداقاً للتحري ، بل ربما يكون أبصر من البصير لتضلعه في علم الهيئة ومعرفته بطول البلاد وعرضها ومقادير انحرافها ومواقع النجوم وحركاتها ، فاذا ساعده البصير في مقدماتها بذل جهده وأعطى الاجتهاد حقه ، بل ربما لا يحتاج إليه بتاتاً كما لو دخل المسجد واستعلم المحراب مباشرة عن طريق المسّ ، وكذا في مقابر المسلمين.

وبالجملة : لا قصور في إطلاق الدليل للشمول لهما بمناط واحد وإن اختلفا غالباً في سنخ الاجتهاد حسبما عرفت ، وليس ذلك من رجوع الجاهل إلى العالم ليدخل في باب التقليد كي يناقش بعدم مساعدة الدليل عليه في المقام. فما حكي عن بعض من سقوط التحري عنه ولزوم الصلاة إلى أربع جهات في غير محله.

(2) لعدم الدليل على اعتبار قوله بعد وضوح عدم كونه مصداقاً للتحري ما لم يفد الظن ، نعم قام الدليل على اعتباره من باب إخبار ذي اليد في مواضع خاصة مما يتعلق بأحكام ما في اليد من الطهارة أو النجاسة أو الملكية حسبما


1) (*) هذا بحسب الغالب وإلا فيمكن اجتهاده بغيره أيضاً.

ولا يكتفى بالظن الحاصل من قوله إذا أمكن تحصيل الأقوى (1).

[1233] مسألة 5 : إذا كان اجتهاده مخالفاً لقبلة بلد المسلمين في محاريبهم ومذابحهم وقبورهم فالأحوط تكرار الصلاة (1)(2) إلا إذا علم بكونها مبنية على الغلط.

[1234] مسألة 6 : إذا حصر القبلة في جهتين بأن علم أنها لا تخرج عن إحداهما وجب عليه تكرار الصلاة (3) إلا إذا كانت إحداهما مظنونة والأُخرى موهومة فيكتفى بالأولى (4) ، وإذا حصر فيهما ظنا فكذلك يكرر فيهما (5) لكن الأحوط إجراء حكم المتحير فيه بتكرارها إلى أربع جهات.


سبق الكلام حولها في كتاب الطهارة (2)ومن البيّن عدم كون المقام منها.

وعليه فأخبار صاحب الدار وغيره على حد سواء في أنه إن أفاد الظن أُخذ به من باب التحري ما لم يكن ظن أقوى على خلافه ، وإلا فان كان عدلاً بل ثقة واستند إلى الحس كان حجة وإلا فلا.

(1) لوضوح أن الأقوى هو المصداق للتحري حينئذ لا غير.

(2) لا حاجة إليه ، لما أسلفناك من أن هذه الأُمور لم تكن من العلامات القطعية ولا الأمارات الشرعية ، إذ لم ينهض عليها دليل ما عدا السيرة ، والمتيقن منها ما إذا لم يكن ظن على خلافها ، أما مع وجوده وكونه أقوى من الظن الحاصل منها كما هو المفروض فهو المتبع ، عملاً بإطلاق دليل التحري. إذن فالأقوى جواز الاكتفاء بظنه الاجتهادي ولا حاجة إلى التكرار.

(3) رعاية لتنجيز العلم الإجمالي الموجب لتحصيل الفراغ اليقيني.

(4) لكونها حينئذ مصداقاً للتحري المأمور به.

(5) لحصول التحري بذلك. وقد يقال بتوقفه على حجية الظن في هذا


1) (*) جواز الاكتفاء بظنّه الاجتهادي لا يخلو من قوّة.

2) شرح العروة 2 : 266.

[1235] مسألة 7 : إذا اجتهد لصلاة وحصل له الظن لا يجب تجديد الاجتهاد لصلاة أُخرى ما دام الظن باقياً (1).

[1236] مسألة 8 : إذا ظن بعد الاجتهاد أنها في جهة فصلى الظهر مثلاً إليها ثم تبدل ظنه إلى جهة أُخرى ، وجب عليه إتيان العصر الى الجهة الثانية (2). وهل يجب اعادة الظهر أو لا (3)؟ الأقوى وجوبها إذا كان مقتضى ظنه الثاني وقوع الاولى مستدبراً أو إلى اليمين أو اليسار ، وإذا كان مقتضاه وقوعها ما بين اليمين واليسار لا تجب الإعادة.


الباب مطلقاً ولا دليل عليه ، وإنما الثابت حجية الظن التفصيلي الذي به يحصل التحري دون الإجمالي فبدونه يرجع إلى وظيفة المتحير من الصلاة إلى أربع جهات ، ولأجله احتاط الماتن في ذلك.

ويندفع بعدم الفرق بين الظن الإجمالي والتفصيلي في كون كل منهما مصداقاً للتحري ، أي الأخذ بالاحتمال الأحرى وهو الأرجح ، غاية الأمر أنه يتحقق تارة بعمل واحد ، واخرى بعملين ، ولا يستوجب ذلك فرقاً في البين ، إذ لا شبهة أن احتمال القبلة في ذينك الطرفين المظنونين إجمالاً أرجح من سائر الأطراف فيكونان طبعاً مصداقاً للأحرى. إذن فلا ينبغي الشك في شمول دليل التحري لهما معاً بمناط واحد.

(1) الظاهر أن مراده من العبارة ما إذا لم يتبدل نظره في مقدمات الاجتهاد الأول فلم يحتمل تجدد الاجتهاد المخالف ، فإنه لا موقع حينئذ للتجديد ، إذ المقصود من الاجتهاد تحصيل الظن وقد حصل ، وأما إذا تبدل واحتمل التجدد فلا ينبغي التأمل في لزوم الاجتهاد ثانياً ، لعدم صدق التحري حينئذ على الاجتهاد الأول بقاء كما لا يخفى.

(2) لأنه مقتضى التحري الفعلي بعد زوال ما تحراه سابقاً فلا بد من العمل على طبقه ، وهذا ظاهر.

(3) يبتني ذلك على كيفية استفادة الحكم واستظهاره من دليل التحري ،

أعني صحيح زرارة وموثق سماعة المتقدمين (1)، فان المحتمل فيه وجوه ثلاثة :

أحدها : استفادة الموضوعية للتحري ، بأن تكون قبلة المتحير حتى في صقع الواقع هو ما تحراه وتعلق به ظنه سواء أصاب أم أخطأ. وعلى هذا الاحتمال لم يكن أي موجب للإعادة ، لأنه قد أتى بما هي وظيفته الواقعية آن ذاك من غير أي خلل فيها.

ولكنه كما ترى خلاف الظاهر جدّاً ، بل بمكان من السقوط ، لعدم احتمال تعدد القبلة باختلاف حالات المكلفين ، بل القبلة الواقعية يشترك فيها الكل من غير تغيير ولا تبديل.

ثانيها : استفادة الطريقية المحضة ، فالعبرة بنفس القبلة لا بمظنونها ، وإنما الظن طريق إليها يترتب عليه جميع آثار الواقع ما دام باقياً من جواز الصلاة ودفن الموتى وتذكية الذبائح وما شاكلها مما يعتبر فيه الاستقبال ، كما هو الحال في سائر الطرق والأمارات كالبينة ونحوها.

ومن جملة تلك الآثار إعادة ما صلاه بمقتضى الاجتهاد الأوّل ، لانكشاف خطئه بمقتضى الاجتهاد الثاني. وقد استظهر الماتن هذا الاحتمال ، ومن ثم حكم بوجوب الإعادة.

ثالثها : لا هذا ولا ذاك ، وإنما هو من باب الاكتفاء بالامتثال الظني من غير نظر إلى اللوازم الأُخر ليقتضي فساد ما صدر بموجب الاجتهاد الأول ، فهو طريق في مقام الامتثال وتطبيق العمل عليه فحسب.

وقد يقال بفساده ولزوم إعادة الاولى على هذا المبنى أيضاً ، نظراً إلى العلم الإجمالي ببطلان إحدى الصلاتين ، بل التفصيلي ببطلان


1) تقدمت صحيحة زرارة في ص 434. وأما موثقة سماعة فمروية في الوسائل 4 : 308 / أبواب القبلة ب 6 ح 2.

وإذا كان مقتضاه وقوعها بين اليمين واليسار لا تجب الإعادة (1).

[1237] مسألة 9 : إذا انقلب ظنه في أثنا الصلاة إلى جهة أُخرى انقلب إلى ما ظنه إلا إذا كان الأول إلى الاستدبار أو اليمين واليسار بمقتضى ظنه الثاني فيعيد (2).


الثانية في المترتبتين ، إما لفقد الاستقبال أو لعدم رعاية الترتيب ، فلا مناص من إعادة الاولى فراراً عن مخالفة العلم المذكور ، فإنها مدلول التزامي لما دل على وجوب الاجتهاد وإن لم يكن من لوازم نفس الاجتهاد.

وفيه : أنه لو صح ذلك كان مقتضاه إعادة الثانية أيضاً إلى الجهة التي اجتهد فيها أوّلاً ، لعين المناط الذي من أجله أعاد الاولى ، أعني العلم الإجمالي المزبور الذي مرجعه لدى التحليل إلى العلم إجمالاً ببطلان أحد الاجتهادين ، فلا بد من إيقاع كل من الصلاتين بكل من الطرفين تحصيلا للفراغ اليقيني ، ولا تكفي إعادة الاولى بمجردها كما لا يخفى.

لكن الذي يهوّن الخطب أن الاحتمال الأخير بعيد عن ظاهر الدليل بحسب المتفاهم العرفي جدّاً ، بل المنسبق منه إنما هو الاحتمال الثاني ، أعني الطريقية المحضة كسائر الطرق المعتبرة المستلزمة لترتيب جميع الآثار التي منها إعادة الاولى حسبما عرفت.

(1) لصحتها حينئذ حتى واقعاً ، والاجتزاء بها بمقتضى ما دل على أن ما بين المشرق والمغرب قبلة كما ستعرف.

(2) لما عرفت في المسألة المتقدمة من بطلان الأجزاء السابقة بمقتضى الاجتهاد الثاني ، فلا مناص من رفع اليد واستئناف الصلاة إلى الجهة التي انقلب ظنه إليها ما لم يكن الانحراف دون اليمين واليسار ، لثبوت الاغتفار وقتئذ كما سبق.

[1238] مسألة 10 : يجوز لأحد المجتهدين المختلفين في الاجتهاد الاقتداء بالآخر إذا كان اختلافهما يسيراً (1) بحيث لا يضر بهيئة الجماعة (2) ولا يكون بحد الاستدبار (3) أو اليمين أو اليسار.

[1239] مسألة 11 : إذا لم يقدر على الاجتهاد أو لم يحصل له الظن بكونها في جهة وكانت الجهات متساوية ، صلى إلى أربع جهات (1)إن وسع الوقت وإلا فبقدر ما وسع (4)


(1) لصحة صلاة كل من الإمام والمأموم حتى بنظر الآخر ، ومعه لا مانع من صحة الاقتداء.

(2) أما إذا أضرّ بالهيئة كما إذا كان الاختلاف بما دون تسعين درجة فصلاة كل منهما وإن كانت صحيحة أيضاً في حد نفسها كما عرفت ، إلا أن الإخلال بالهيئة يمنع عن صدق عنوان الجماعة فتفسد بطبيعة الحال.

(3) للعلم الإجمالي ببطلان إحدى الصلاتين المانع عن انعقاد الجماعة ، بل لعلم المأموم تفصيلاً ببطلان صلاته ، إما لكونها لغير القبلة أو لبطلان صلاة الإمام ، ومعه لا يصح الائتمام كما هو ظاهر.

(4) قد عرفت سابقاً (2)أن من لم يتمكن من استعلام القبلة لا بعلم ولا بعلمي ولم يقدر على تحصيل الظن بالاجتهاد والتحري فكان متحيراً بحتاً سقطت عنه شرطية القبلة حينئذ فتجزئة الصلاة إلى جهة واحدة حيث شاء على الأقوى ، لقوله عليه‌السلام في صحيح زرارة ومحمد بن مسلم : « يجزئ المتحير أبداً أينما توجه إذا لم يعلم أين وجه القبلة » (3)خلافاً للمشهور حيث التزموا حينئذ بوجوب الصلاة إلى جهات أربع كما تقدم (4).


1) (*) على الأحوط كما مرّ آنفاً.

2) في ص 438.

3) الوسائل 4 : 311 / أبواب القبلة ب 8 ح 2.

4) في ص 436.

فعلى المختار لا إشكال في الاجتزاء بصلاة واحدة لدى العجز عن التكرار إلى الجوانب الأربع إما لضيق الوقت أو لمانع آخر ، فان الاكتفاء بالواحدة مع الاختيار والسعة يستوجب الاكتفاء بها مع الاضطرار والضيق بطريق أولى.

وأما على المسلك المشهور فهل يجب رعاية بقية المحتملات والإتيان بالمقدار المتمكن من الصلوات عند العجز عن الصلاة إلى تمام الجهات الأربع أم يجزئه حينئذ صلاة واحدة حيثما توجه؟ المشهور هو الأول ، وذهب بعضهم إلى الثاني.

وهذه المسألة مبنية على كبرى أُصولية والكبرى منقحة في الأُصول (1)وهي أن الاضطرار إلى ترك بعض أطراف الشبهة المحصورة في الشبهة الوجوبية هل يوجب سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز فلا مقتضي لرعاية الاحتياط في بقية الأطراف أم لا؟ بل هو بعدُ باق على التنجيز بالإضافة إلى غير مورد الاضطرار؟

ذهب صاحب الكفاية (2)قدس‌سره إلى السقوط بدعوى أن الشرط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون المعلوم بالإجمال ذا أثر على كل تقدير بحيث يكون متعلق العلم تكليفاً فعلياً على أي حال ، وبما أن الاضطرار رافع للتكليف واقعاً ، ومن الجائز أن يكون المعلوم بالإجمال بنفسه مورداً للاضطرار المستلزم لسقوط التكليف حينئذ فلم يكن العلم الإجمالي متعلقاً بحكم فعلي على كل تقدير ، إذ لا أثر له على هذا التقدير وإن كان له الأثر على التقدير الآخر. ففي المقام الصلاة إلى الجوانب الأربعة إنما تجب للعلم الإجمالي بوقوع القبلة في أحدها أو بعد فرض الاضطرار إلى ترك إحدى الجهات أو ثنتين منها لمكان الضيق أو لمانع آخر ، واحتمال أن يكون


1) مصباح الأُصول 2 : 380.

2) كفاية الأُصول : 360.

المضطر إلى تركه هي الصلاة إلى القبلة بنفسها فلا علم بالتكليف الفعلي على كل تقدير ، فلا يكون مثل هذا العلم منجزاً ، ونتيجة ذلك سقوط شرطية القبلة حينئذ وجواز الاجتزاء بصلاة واحدة. ولعل هذا هو وجه القول بكفاية صلاة واحدة المخالف للمشهور الذي أشرنا إليه آنفاً ، هذا.

ولكن الظاهر عدم السقوط وبقاء العلم الإجمالي على صفة التنجيز فتجب رعاية الاحتياط في بقية المحتملات. والوجه في ذلك : أن الاضطرار إنما يوجب ارتفاع الحكم وسقوط التكليف إذا كان الحكم الشرعي بنفسه مورداً للاضطرار لا غيره ، أو الجامع بينه وبين غيره ، فلا بد من اتحاد المتعلقين بحيث يكون الاضطرار متعلقاً بعين ما تعلق به التكليف ، ولا شك أن الصلاة إلى القبلة الواقعية المردّدة بين الجهات الأربع لا اضطرار إلى تركها بخصوصها وفي حدّ ذاتها ، ولذا لو انكشف الحال وارتفع الإجمال وتعينت القبلة في جهة خاصة كان متمكناً من الصلاة إليها على الفرض ، وإنما الاضطرار قائم بالجمع بين المحتملات ، فمتعلقه هو الجامع بين الصلاة إلى القبلة الواقعية وبين غيرها دون الاولى بخصوصها ، ومن الضروري أن مثل هذا الاضطرار لا يرتفع به التكليف.

وعليه فوجوب الصلاة إلى القبلة المعلومة بالإجمال باق على حاله ، وحيث إن كلا من الأطراف يحتمل انطباق المعلوم بالإجمال عليه فلا يسوّغ العقل مخالفته ، لاحتمال أن يكون ذلك مخالفة للتكليف الواصل ، فلا مؤمّن من احتمال العقاب فيجب بحكم العقل رعاية الاحتياط فيه دفعاً للضرر المحتمل ، فيأتي بالممكن من الأطراف ويصلي إلى ما يتيسر من الجهات إلى أن ينتهي إلى الطرف غير الممكن المضطر إلى تركه فيقطع حينئذ بالأمن من العقاب في ترك هذه الجهة ، لأن القبلة إن كانت في غيرها فقد صلى إليها ، وإن كانت فيها فهو مضطر في ترك الصلاة إليها فيسقط لمكان العجز ، فهو عالم بسقوط الأمر إما بالامتثال أو بالعجز.

وبالجملة : ما هو المناط في رعاية الاحتياط لدى التمكن من تمام الجهات وهو احتمال أن يكون تركه مخالفة للتكليف الواصل من دون مؤمّن بعينه هو المناط عند العجز عن بعض تلك الجهات ، غايته أن الاحتياط هناك تام وفي المقام ناقص ، وهذا لا يوجب فرقاً بين المقامين كما هو ظاهر.

ثم إنه لو صلى إلى الجهات الممكنة وترك الجهة الأُخرى المتعذرة فهل يجب قضاء الصلاة إلى الجهة المتروكة؟

أما على المختار من عدم وجوب أكثر من صلاة واحدة حتى في سعة الوقت كما مر فلا موضوع لهذا البحث ، إذ لا تجب رعاية الجهات في الوقت فضلاً عن خارجه ، وهذا واضح.

وأما على المبنى المشهور من وجوب الصلاة إلى الجهات الأربع فالمحتملات في المقام ثلاثة ، ولعلّ لكل منها قائلاً.

الأول : عدم وجوب القضاء ، لأنه قد أتى بوظيفته المقررة له في الوقت ، وعمل بالواجب حسب قدرته وطاقته فلم يفت عنه شي‌ء كي يقضي.

الثاني : وجوب القضاء ، للشك في وقوع الصلاة إلى القبلة الواقعية ، والأصل العدم ، فلا بد من الإتيان بالجهة الأُخرى المكملة للجهات كي يحرز الامتثال.

الثالث : التفصيل بين ما لو انكشف الخلاف وتبين أن الجهات المأتي بها كانت إلى غير القبلة فيجب دون ما إذا لم ينكشف ، وهذا هو الصحيح.

أما الوجوب في فرض الانكشاف فلأن القبلة من الأركان التي تبطل الصلاة بفقدها ، ولأجله كانت أحد المستثنيات في حديث لا تعاد ، وعليه فالصلاة الصحيحة قد فاتته في الوقت فيجب القضاء خارجه.

وأما عدم الوجوب عند عدم الانكشاف فلأن القضاء بأمر جديد ، وموضوعه الفوت ، وهو غير محرز لا بالوجدان كما هو ظاهر ولا بالأصل ،

فإنه عنوان وجودي منتزع من عدم الإتيان في مجموع الوقت ، ولا حالة سابقة له كي تستصحب ، نعم يجري الاستصحاب في منشأ الانتزاع ، لأن ذات الصلاة قد أتى بها ، وأما إيقاعها إلى القبلة فمشكوك فيستصحب عدم الإتيان بالصلاة إلى القبلة ، لكن إثبات عنوان الفوت الملازم لذلك الذي هو الموضوع للحكم بمثل هذا الاستصحاب من أظهر أنحاء الأصل المثبت ، فهذا التفصيل هو الوجيه ، ومنه يظهر فساد الاحتمالين الأولين.

بقي في المقام شي‌ء وهو أنه لا إشكال في أن الانحراف جهلاً إلى اليمين أو الشمال فضلاً عن الاستدبار موجب للإعادة لو كان الانكشاف في الوقت ، كما لا إشكال في أن الاستدبار موجب للقضاء لو كان في خارجه. وهل الانحراف إلى اليمين أو الشمال موجب للقضاء أم لا؟ فيه خلاف ، والأقوى عدم الوجوب. وسيجي‌ء التعرض لكل ذلك في بحث الخلل إن شاء اللّه تعالى.

وعلى المختار من عدم وجوب القضاء لو كان الانحراف إلى اليمين أو الشمال لا يكاد يتصور انكشاف الخلاف في المقام ، أما لو كانت الجهات الممكنة التي صلى إليها ثلاثاً فظاهر ، لأنه لو صلى إلى الشمال والمشرق والمغرب مثلاً فتبين بعد الوقت أن القبلة كانت في نقطة الجنوب فالقبلة واقعة في يمين المصلي أو يساره ، إذ لم يكن البعد بينه وبينها أكثر من تسعين درجة قطعاً ، والمفروض أن الانحراف إليهما لا يوجب القضاء وإنما الموجب الاستدبار وهو غير متحقق كي ينكشف خلافه. وكذا الحال لو كانت الجهات الممكنة ثنتين ، فلنفرض الجهتين المشرق والمغرب ، فإن القبلة لو كانت في نقطتي الجنوب أو الشمال كانت في يمين المصلي أو يساره اللذين لا يوجب الانحراف إليهما القضاء على الفرض ، ولو كانت بينهما وبين المشرق أو المغرب فالأمر أوضح ، لوقوعها حينئذ فيما بين المشرق والمغرب.

وبالجملة : الموجب للقضاء على هذا المبنى إنما هو الاستدبار ، ولا

ويشترط أن يكون التكرار على وجه يحصل معه اليقين بالاستقبال (1) في إحداها أو على وجه لا يبلغ الانحراف إلى حد اليمين واليسار ، والأولى أن يكون على خطوط متقابلات (2).


يتصور في مثله كشف الخلاف إلا إذا كان قد صلى إلى جهة واحدة لعدم سعة الوقت ثم استبان كونها خلف القبلة.

(1) فإن تكرار الصلاة إلى الجوانب الأربعة المذكورة في مرسلة خراش التي هي مستند المشهور كما تقدم (1)لا موضوعية له وإنما هو طريق لإحراز الاستقبال واليقين بوقوع الصلاة إلى القبلة ، فلا بد من إيقاعها على وجه يحصل معه اليقين المزبور ، أو تكون على نحو يعلم بعدم بلوغ الانحراف إلى حد اليمين أو اليسار.

(2) بأن تفرض الجهات في خطين متقاطعين بحيث يتشكّل منهما زوايا قوائم ، يكون البعد بين كل منها تسعين درجة.

وجه الأولوية : أن غاية الانحراف عن القبلة حينئذ إنما هو خمس وأربعون درجة ولا يحتمل أن يكون أكثر من ذلك ، لأن القبلة إن كانت في نفس إحدى الجهات فهو ، وإن كانت فيما بينها فان كانت أقرب إلى إحدى الجهتين من الجهة الأُخرى فالانحراف عنها بمقدار يسير يقل عن خمس وأربعين درجة قطعاً ، وإن كانت النسبة من كل من الطرفين متساوية بأن وقعت في النصف الحقيقي من ربع الدائرة المتشكل منه زاوية قائمة فبما أن الربع تسعون درجة ونصفه خمس وأربعون فالانحراف لا يزيد على هذا المقدار ، ومن هنا كان اختيار هذا النحو أولى ، لكن الأولوية غير لزومية (2)


1) في ص 437.

2) يمكن أن يقال إنها لزومية ، فان ظاهر الأمر بالصلاة إلى أربع جهات هو تساوي بُعدها وكونها في خطين متقاطعين على نحو الزوايا القائمة كما سيعترف السيد الأستاذ ( دام ظله ) بهذا الظهور والتبادر في مطاوي المسألة الثالثة عشرة الآتية [ في الصفحة 469 ] ، ويكون هذا الظهور تخصيصاً تعبدياً في أدلة « ما بين المشرق والمغرب قبلة » بالنسبة إلى هذا المورد بالخصوص. ويشهد بذلك أنه لولا ذلك للزم الاكتفاء بثلاث صلوات إلى ثلاث جهات في روايات المشهور ، فكما أن الالتزام بالأربع تعبد محض كما اعترف به الأُستاذ في المقام فكذلك الالتزام بالتخصيص المزبور.

[1240] مسألة 12 : لو كان عليه صلاتان فالأحوط أن تكون الثانية على جهات الاولى (1).


فيجوز أن يصلي على خطوط غير متقابلة ، فيأتي بالأربع كيف ما اتفق مع رعاية الشرط المزبور ، أعني عدم بلوغ الانحراف إلى حدّ اليمين واليسار بأن يكون انحرافه عن القبلة أقل من تسعين درجة ، وذلك لأن المستفاد من الأدلة ومنها نفس الدليل الدال على جواز الصلاة إلى الجوانب الأربعة أن ما بين المشرق والمغرب قبلة للمتحير ، ولازمه اغتفار الانحراف بما دون تسعين درجة الذي هو ربع دائرة المحيط ، ومقتضى ذلك وإن كان جواز الاكتفاء بثلاث صلوات إلى زوايا مثلث مفروض في دائرة الأُفق ، إذ البعد بين كل زاويتين منها مائة وعشرون درجة ، فغاية الانحراف حينئذ ستون درجة ، لكن النص قد دل على لزوم الأربع فيؤخذ بهذا العدد تعبداً.

وبالجملة : فبعد البناء على أن ما بين المشرق والمغرب قبلة فالصلاة إلى الجهات الأربع في خطين متقاطعين وإن تشكل منهما زوايا حادة ومنفرجة يوجب القطع بأن الانحراف عن القبلة دون تسعين درجة ، وقد عرفت اغتفار الانحراف بهذا المقدار لكن اختيار النحو الأول أولى ، لكون انحرافه أقل ، فإن غايته خمس وأربعون درجة كما عرفت.

(1) لأنه لو صلى إلى جهات أُخرى مفروضة في أوساط الجهات الاولى


1) (*) لا بأس بتركه.

يعلم إجمالاً ببطلان إحدى الصلاتين ، لأن القبلة إن كانت في جهات الاولى فالثانية لم تقع إلى القبلة ، وإن كانت في جهات الثانية فالأُولى فاقدة للاستقبال ، بل لو كانتا مترتبتين كالظهرين والعشاءين يعلم تفصيلاً ببطلان الثانية ، لفقدها إما شرط الترتيب لو كانت القبلة في الثانية أو الاستقبال لو كانت في الأُولى. هكذا ذكروا في وجه الاحتياط.

ويظهر الخدش فيه مما مرّ آنفاً ، إذ بعد البناء على التوسعة في أمر القبلة بالنسبة إلى المتحير وأن ما بين المشرق والمغرب قبلة في حقه كما يفصح عنه نفس دليل الاجتزاء بالجهات الأربع ضرورة احتمال عدم وقوع شي‌ء من الصلوات إلى جهة القبلة وكونها واقعة فيما بين تلك الجهات فلا علم ببطلان شي‌ء من الصلاتين لا الاولى ولا الثانية لا إجمالاً ولا تفصيلاً ، بل كلتاهما محكومة بالصحة وأنها واجدة لشرط الاستقبال ، لأن الانحراف في كل منهما إلى ما دون اليمين والشمال ، وعلى كل حال فلا وجه لرعاية الاحتياط المزبور.

ويؤيد ما ذكرناه : أن الجمع بين المترتبتين كالظهرين والعشاءين وإن كان جائزاً عند الخاصة كما نطقت به الأخبار وعليه عملهم في الأعصار المتأخرة حتى اليوم ، لكنه لم يكن متداولاً في الأزمنة السابقة وفي عصر المعصومين عليهم‌السلام بل كان عملهم على التفريق إما لكونه أفضل أو مماشاةً مع العامة وعدم إظهار المخالفة ، حيث إنهم يرون وجوبه ، وبما أن التحير في أمر القبلة قلّما يتفق في البلدان لوجود الأمارات والعلامات غالباً لا أقل من محاريب المسلمين ، ففرض الاشتباه مع العجز عن التحري والاجتهاد لا يكاد يتحقق إلا في مثل الصحاري والبراري عند الأسفار مع كون السماء مغيمة أو في الليل المظلم ، بحيث لا يتمكن من تشخيص جهات الأُفق ولا يتميز المشرق عن المغرب ولا يرى الشمس والقمر ، وبطبيعة الحال من صلى الظهر مثلاً إلى جهات أربع والحال هذه وهو على جناح

[1241] مسألة 13 : من كانت وظيفته تكرار الصلاة إلى أربع جهات أو أقل وكان عليه صلاتان ، يجوز له أن يتمّم جهات الاولى ثم يشرع في الثانية ، ويجوز أن يأتي بالثانية في كل جهة صلى إليها الاولى إلى أن تتم ، والأحوط اختيار الاولى ، ولا يجوز أن يصلي الثانية إلى غير الجهة التي صلى إليها الأُولى ، نعم ، إذا اختار الوجه الأول لا يجب أن يأتي بالثانية على ترتيب الاولى (1).


السفر وبناؤه على التفريق بينه وبين العصر المستلزم لإيقاع صلاة العصر بعد مدّة أُخرى في مكان آخر ، فهو لا يتمكن عادة من تشخيص الجهات التي صلى إليها الاولى وإحرازها كي يصلي الثانية إلى نفس تلك الجهات ، مع أنه مأمور بإيقاع الصلاة الثانية أيضاً إلى الجهات الأربع ما دامت الحيرة باقية. وهذا أقوى شاهد على عدم لزوم رعاية اتحاد الجهات ، بل إن هذا هو مقتضى إطلاق الأدلة أيضاً ، فلا موجب لرفع اليد عن الإطلاق من دون دليل على التقييد فضلاً عن قيام الدليل على العدم كما عرفت.

(1) الوجوه المتصورة في كيفية الإتيان بالصلاتين المترتبتين إلى الجهات الأربع أو الأقل ثلاثة :

الأول : أن يتمم جهات الاولى ثم يشرع في الثانية. وهذا لا إشكال في صحته ، سواء شرع في الثانية على النحو الذي شرع في الأُولى أم بخلافها كما لو بدأ بالعصر إلى الجهة التي فرغ فيها عن الظهر ، لأن الثلاثة الأُخر من باب المقدمة العلمية والواجب إنما هي صلاة واحدة ، فهو يعلم بوقوع عصر مترتبة على الظهر كل منهما إلى القبلة على كل حال كما هو ظاهر.

الثاني : وهو بإزاء الوجه الأول ، أن يصلي الثانية إلى غير الجهة التي صلى إليها الأُولى ، كما لو صلى الظهر إلى الشمال مثلاً والعصر إلى المغرب أو الجنوب ، وقد حكم في المتن ببطلان هذا الوجه ، للعلم بفساد الثانية حينئذ ،

إما لفقد الاستقبال لو كانت القبلة في الجهة الأُولى ، أو لفقد الترتيب لو كانت في الثانية.

وهذا الذي أفاده قدس‌سره وجيه في الجملة لا على سبيل الإطلاق ، لما عرفت في المسألة السابقة من أنّ الانحراف بما دون تسعين درجة غير ضائر ، لأن ما بين المشرق والمغرب قبلة للمتحير.

وعليه فان صلى الثانية إلى جهة مقابلة للجهة الأُولى كأن صلاهما إلى نقطتي الشمال والجنوب أو المشرق والمغرب تم ما أفاده قدس‌سره لأنّ البعد بين النقطتين حينئذ مائة وثمانون درجة ، فيعلم لا محالة بالانحراف في إحدى الصلاتين بمقدار تسعين درجة أو أكثر ، فتكون فاقدة لشرط الاستقبال لعدم وقوعها ما بين المشرق والمغرب ، فيعلم إجمالاً ببطلان إحدى الصلاتين ، بل تفصيلاً ببطلان الثانية ، لفقدها الاستقبال أو الترتيب كما أُفيد.

وأما إذا صلى الثانية إلى جهة غير متقابلة مع الجهة التي صلى إليها الأُولى فكان البعد أقل مما ذكر كما لو صلى الاولى إلى الشمال مثلاً ، والثانية إلى المشرق أو المغرب فلا علم بالبطلان في شي‌ء منهما ، لعدم العلم بالانحراف بمقدار تسعين درجة ، بل لو كانت القبلة فيما بين الجهتين فغاية الانحراف حينئذ خمس وأربعون درجة ، فتكون كلتاهما محكومة بالصحة لوقوعهما فيما بين اليمين واليسار كما عرفت. فالظاهر صحة الإتيان بالمترتبتين على هذا الوجه أيضا ، هذا.

ولكن سيدنا الأُستاذ ( دام ظله ) عدل بعد ذلك عما أفاده في المقام فحكم بالبطلان في هذه الصورة تبعاً للمتن ، وأفاد ( دام ظله ) في وجهه : أنّ العصر إذا لم تقع في الجهة التي صلى إليها الظهر ، بل كان منحرفاً ولو بمقدار يسير كعشر درجات أو أقل فضلاً عن خمس وأربعين لم يحرز ترتب العصر على الظهر الصحيحة ، لاحتمال أن تكون العصر منحرفة عن القبلة بمقدار تسع وثمانين درجة مثلاً ، بحيث يكون الانحراف عن هذا الحد إلى الجانب الذي صلى الظهر ولو بدرجة واحدة موجباً للانحراف عن القبلة بتسعين درجة ، فحيث

يحتمل انحراف الظهر عن القبلة بتسعين أو أكثر فلم يحرز صحتها ، ومعه لا يمكن الدخول في العصر ، لعدم إحراز شرط الترتيب بعد احتمال بطلان الظهر لكونها إلى غير القبلة ، وهكذا الحال في الصلاة إلى بقية الجهات (1)فلا بد من وقوع العصر إلى نفس الجهة التي صلى إليها الظهر فتأمل جيداً.

الثالث : أن يأتي بالثانية في كل جهة صلى إليها الاولى إلى أن تتم ، فيصلي الظهر إلى الشمال مثلاً وبعدها العصر ، ثم يصلي الظهر إلى الشرق وبعدها العصر ، وهكذا إلى أن تتم الجهات.

وقد يناقش في ذلك من وجهين :

أحدهما : عدم إحراز شرط الترتيب المعتبر في صلاة العصر حين الإتيان بها ، لاحتمال أن تكون الجهة غير القبلة ، وما لم يحرز الترتيب لا يشرع الدخول فيها.

ويدفعه : أنّ الجهة التي صلى إليها الظهر إن كانت هي القبلة. فالعصر مترتبة عليها ، وإلا فكلتا الصلاتين باطلة ، فهو محرز للترتيب على تقدير الصحة. وبعبارة اخرى : إنما يعتبر الترتيب في صلاة عصر صحيحة مأمور بها دون ما لم يتعلق به الأمر ، وإنما جي‌ء به من باب المقدمة العلمية ، الأجنبية عن ذات المأمور به بالكلية ، فصلاة العصر إن كانت صحيحة مأموراً بها لكونها إلى القبلة فقد وقعت الظهر إليها أيضاً ، فهو محرز للترتيب قطعاً لوقوعهما في جهة واحدة على الفرض ، وإلا فليست هي من حقيقة الصلاة في شي‌ء لكون القبلة من الأركان ، وهذا عمل عبث ولغو بصورة الصلاة ، ولا دليل على اعتبار الترتيب في غير الصلاة المأمور بها كما هو ظاهر جدّاً.

ثانيهما : عدم الجزم بالنية عند الشروع في العصر فلا يتمشى منه قصد


1) نعم ، ولكنه بعد الفراغ من الجهات يعلم إجمالاً بوقوع ظهرين صحيحتين ومترتبتين في إحداها كما لا يخفى.

القربة بعد احتمال البطلان وعدم تعلق الأمر به ، الناشئ من احتمال فقد شرط الترتيب.

وفيه : أنّ الجزم بالنية غير حاصل حتى مع إحراز الفراغ من الظهر باستكمال جهاتها والشروع في العصر بعد ذلك كما في الصورة الأُولى ، لاحتمال كون القبلة في غير الجهة التي شرع فيها ، غايته أنّ عدم الجزم هناك لاحتمال فقد الاستقبال الذي لا يكون معه الأمر حينئذٍ ، وفي المقام لهذه الجهة ولاحتمال فقد الترتيب ، ولا فرق في عدم الجزم بين أن ينشأ من جهة أو من جهتين بالضرورة ، مع أنه لا ريب في الصحة في تلك الصورة كما تقدم ، هذا نقضاً.

وأما الحلّ : فهو أنه لا دليل على اعتبار الجزم بالنية في صحة العبادة ، بل يكفي مجرد الإضافة إلى المولى ولو لاحتمال الأمر والإتيان بقصد الرجاء ، فيصلي العصر في كلتا الصورتين برجاء المحبوبية وباحتمال الأمر. وأما الترتيب فهو وإن لم يحرز في المقام عند الشروع في العصر لاحتمال كون الذمة مشغولة بعدُ بالظهر ، لكنه بعد استكمال الجهات في كلتا الصلاتين يقطع بحصوله وترتب عصر صحيحة بعد ظهر كذلك ، وإن لم يميزهما من بين الجهات ، إذ لا دليل على اعتبار التمييز ولا الجزم بالنية كما قرر في محله (1).

وفذلكة الكلام في المقام : أنه بناءً على ما ذكرناه سابقاً (2)من إمكان تحصيل العلم بالقبلة عيناً بالتوجّه إلى سبع دائرة الأُفق المتضمن للكعبة ، لا بدّ في تحصيل الجزم بالاستقبال لدى الاشتباه من تكرار الصلاة إلى جهات سبع بتقسيم دائرة الأُفق إلى أقواس سبعة والصلاة إلى كل قوس منها.

كما أنه بناء على الاجتزاء عند الاشتباه بالصلاة إلى ما بين اليمين واليسار الراجع إلى اغتفار الانحراف بما دون تسعين درجة ، يجزئه التكرار إلى ثلاث


1) شرح العروة 1 : 50.

2) في ص 431.

جوانب ، فيقسم دائرة الأُفق إلى ثلاثة أقواس ويصلي في كل قوس ، إذ البعد بين كل قوس حينئذ مائة وعشرون درجة ، فغاية الانحراف ستون درجة الذي هو أقل من التسعين.

وأما إذا بنينا على وجوب التكرار إلى جهات أربع استناداً إلى مرسلة خراش المتقدمة (1)كما عليه المشهور ، فحيث إنّ المتبادر منها أن تكون الجهات متقابلة فيستفاد منها أنّ غاية الانحراف المغتفر لدى الاشتباه إنما هو بمقدار خمس وأربعين درجة ، ضرورة أنّ التكرار لدى تقابل الجهات يوجب القطع بعدم الانحراف عن القبلة أكثر من هذا المقدار ، إذ البعد بين كل جهة وأُخرى تسعون درجة الذي هو ربع دائرة الأُفق فنصفه خمس وأربعون ، فان كانت القبلة أقرب إلى جهة منها إلى الأُخرى كان الانحراف أقل من خمس وأربعين بالضرورة ، وإلاّ بأن كانت في الوسط الحقيقي بين الجهتين فكانت النسبة متساوية من الجانبين ، كان الانحراف خمساً وأربعين درجة لا أكثر كما هو ظاهر.

وهذه الوجوه المذكورة في هذه المسألة كلها مبنية على هذا المبنى الأخير ، أي لزوم عدم الانحراف عن القبلة أكثر من خمس وأربعين الذي هو لازم مسلك المشهور كما عرفت.

وحينئذ نقول : المتعين من بين الوجوه الثلاثة المتقدمة (2)إنما هو الوجه الأول والأخير ، بأن يشرع في الثانية بعد استكمال جهات الاولى ، سواء صلى إلى نفس تلك الجهات أو إلى جهات اخرى متقابلات كما أشرنا إلى هذا التعميم في المسألة السابقة ، أو أن يصلي الثانية في كل جهة صلى إليها الاولى.

وأما الوجه الثاني ، وهو الإتيان بالثانية في غير الجهة التي صلى إليها


1) في ص 437.

2) في ص 465.

الاولى الذي هو ثالث الوجوه في المتن فغير جائز كما عليه الماتن مطلقاً وإن كان انحراف كل جهة عن الأُخرى يسيراً جدّاً ، للعلم ببطلان العصر في بعض الصور ، وعدم الجزم بحصول الترتيب في البعض الآخر حتى بعد استكمال الجهات.

وبيانه : أنه إذا صلى العصر إلى جهة تبعد عن الجهة التي صلى إليها الظهر أكثر من تسعين درجة في جميع الأطراف مع حفظ تقابل الجهات الذي هو محل الكلام ، بأن صلى الظهر إلى نقطة الشمال مثلاً ثم صلى العصر بعد ذلك إلى ما بين الجنوب والمغرب ثم صلى الظهر الثانية إلى المغرب ، والعصر إلى ما بين الجنوب والمشرق ، والظهر الثالثة إلى الجنوب والعصر إلى ما بين المشرق والشمال ، والظهر الرابعة إلى المشرق والعصر إلى ما بين الشمال والمغرب ، فإنه يعلم حينئذ تفصيلاً ببطلان العصر الاولى إما لعدم الاستقبال أو لفقد الترتيب ، إذ المفروض أن البعد بين الجهتين أكثر من تسعين درجة ، وقد بنينا على عدم اغتفار الانحراف عن القبلة أكثر من خمس وأربعين درجة ، وحينئذ فان كانت الظهر الاولى إلى القبلة بالمعنى المتقدم أي لم يكن البعد عنها أكثر من خمس وأربعين كانت العصر إلى غير القبلة قطعاً ، لامتناع أن لا تكون بعيدة عنها حينئذ أكثر من هذا المقدار كما هو ظاهر فتبطل لفقد الاستقبال ، وإن كانت العصر إلى القبلة كانت الظهر إلى غيرها ، لعين ما ذكر فتبطل وبتبعه تبطل العصر أيضاً لفقد الترتيب ، فالعصر باطلة على كل حال لفقدها أحد الشرطين من الاستقبال أو الترتيب.

وكذا الحال في العصر الثانية بعين البيان المتقدم.

وأما العصر الثالثة الواقعة ما بين المشرق والشمال فتحتمل فيها الصحة ، لاحتمال كون القبلة ما بين الشمال والمشرق فتكون هذه العصر مع الظهر الاولى إلى القبلة ، وقد حصل الترتيب بينهما.

وكذا العصر الواقعة ما بين الشمال والمغرب ، لاحتمال كون القبلة بينهما فتكون هي مع الظهر الاولى بل الثانية أيضاً إلى القبلة ، إذ لا يزيد انحراف كل

منهما عن القبلة على خمس وأربعين درجة ، والترتيب حاصل بينهما ، لكن ذلك مجرد احتمال لا جزم معه بالامتثال ، لاحتمال كون القبلة في نقطة الجنوب مثلاً فلم يحرز الترتيب ووقوع عصر بعد ظهر كلاهما إلى القبلة.

وأما إذا صلى العصر إلى جهة تبعد عن الظهر بمقدار تسعين درجة تحقيقاً كما لو صلى الظهر إلى الشمال والعصر إلى المغرب ، والظهر الثانية إلى المغرب والعصر إلى الجنوب ، والثالثة إلى الجنوب والعصر إلى المشرق ، والرابعة إلى المشرق ، والعصر إلى الشمال ، فلا جزم بالبطلان حينئذ في شي‌ء من الصلوات ، لاحتمال كون القبلة في أوساط الجهات تحقيقاً فيكون بُعدُ الجهتين اللتين صلى إليهما الظهر والعصر عنها خمساً وأربعين درجة ، وهو مغتفر على الفرض لكنه لا جزم بالصحة أيضاً ، لاحتمال أن تكون القبلة منحرفة عن الشمال إلى المغرب مثلاً بأكثر من خمس وأربعين درجة ، بأن كانت على رأس خمسين درجة مثلاً ، فان الظهر الاولى تبطل حينئذٍ لفقد الاستقبال وبتبعه تبطل العصر الاولى لفقد الترتيب. وأما الظهر الثانية فهي وإن كانت صحيحة لأن انحرافها عن القبلة أربعون درجة لكنه لا تأتي بعد ذلك عصر صحيحة أبداً ، لكونها منحرفة عن القبلة أكثر من خمس وأربعين درجة قطعاً فلاحظ.

ومن ذلك يظهر أنه لو صلى العصر إلى غير الجهة التي صلى إليها الظهر فكان منحرفاً عن تلك الجهة ولو بمقدار عشر درجات فضلاً عن الأكثر من ذلك ، لا يمكن معه إحراز صحة العصر في شي‌ء من الجهات ، فلو صلى الظهر إلى الشمال والعصر منحرفاً عنه إلى المغرب بعشر درجات ثم صلى الظهر الثانية إلى المغرب والعصر منحرفاً إلى الجنوب بعشر درجات وكذا الظهر الثالثة والرابعة إلى الجنوب والمشرق مع تأخر العصر بعشر درجات لا يمكن الجزم بصحّة العصر ، لاحتمال أن تكون القبلة منحرفة عن الشمال إلى المغرب بمقدار خمسين درجة ، فإن الظهر الاولى تبطل حينئذ ، لكون الانحراف أكثر من خمس وأربعين درجة ، وبتبعه تبطل العصر الاولى لفقد

[1242] مسألة 14 : من عليه صلاتان كالظهرين مثلاً مع كون وظيفته التكرار إلى أربع إذا لم يكن له من الوقت مقدار ثمان صلوات بل كان مقدار خمسة أو ستة أو سبعة ، فهل يجب إتمام جهات الاولى وصرف بقية الوقت في الثانية أو يجب إتمام جهات الثانية وإيراد النقص على الاولى؟ الأظهر الوجه الأول ويحتمل وجه ثالث وهو التخيير ، وإن لم يكن له إلا مقدار أربعة أو ثلاثة ، فقد يقال بتعين الإتيان بجهات الثانية وبكون الاولى قضاءً ، لكن الأظهر وجوب الإتيان بالصلاتين وإيراد النقص على الثانية كما في الفرض الأول ، وكذا الحال في العشاءين (1).


الترتيب ، وإن كانت هي صحيحة من حيث الاستقبال لكون الانحراف حينئذ أربعين درجة. وأما الظهر الثانية فهي وإن صحّت لكون انحرافها عن القبلة أربعين درجة لكن العصر الثانية باطلة ، لأن انحرافها خمسون درجة ، وأما العصر الثالثة والرابعة فانحرافهما أزيد بكثير فلم يترتب على الظهر الثانية عصر صحيحة ، والعصر السابقة عليها وإن صحت من حيث القبلة لكنها فاقدة للترتيب كما عرفت.

فظهر من جميع ما ذكرناه أنه لا يكاد يحصل الجزم بالامتثال إلا بأن يصلي العصر إلى عين الجهة التي صلى إليها الظهر ، أو أن يشرع فيها بعد استكمال جهات الظهر كما كان في الوجه الأول ، ولا يجوز الإتيان بالثانية إلى غير الجهة التي صلى إليها الاولى ، للقطع ببطلان العصر حينئذ في بعض التقادير ، وعدم الجزم بصحتها في التقادير الأُخر كما أوضحناه بما لا مزيد عليه.

هذا غاية ما بنى عليه سيدنا الأُستاذ ( دام ظله ) أخيراً عند تخرجه عن المسألة بعد أن أطال المقام وعدل كرة بعد أُخرى.

(1) إذا اشتبهت القبلة في جهات أربع وقلنا بوجوب التكرار إليها كما عليه المشهور ، وكان عليه صلاتان مترتبتان كالظهرين ، فاما أن يتمكن من تحصيل

الموافقة القطعية بالإضافة إلى كلتا الصلاتين كما لو بقي من الوقت مقدار ثمان صلوات أو أكثر ، أو يتمكن من تحصيلها بالإضافة إلى إحدى الصلاتين دون الأُخرى كما لو لم يسع الوقت لثمان ، بل كان مقدار سبع صلوات أو ست أو خمس ، أو لم يتمكن من تحصيل الموافقة القطعية لشي‌ء منهما بل كانت الموافقة في كلتيهما احتمالية كما لو بقي مقدار أربع صلوات أو أقل ، فصور المسألة ثلاث (1):

أما الصورة الاولى فلا إشكال في وجوب تحصيل الموافقة القطعية لكل منهما بعد فرض سعة الوقت والتمكن من ذلك. وفي كيفية الامتثال وجوه تقدمت في المسألة السابقة ، وقد عرفت أنّ المتعين منها وجهان : الشروع في الثانية بعد استكمال جهات الاولى ، أو الإتيان بهما معاً في كل جهة. وأما الإتيان بالثانية في غير الجهة التي صلى إليها الاولى فغير جائز كما مر.

وأما الصورة الثانية أعني ما إذا لم يتمكن من تحصيل الموافقة القطعية إلا في إحداهما دون الأُخرى ، كما لو بقي من الوقت مقدار خمس صلوات أو أزيد دون الثمان فلا إشكال حينئذ في وجوب صرف ما عدا الأربع الأخيرة وهي الاولى لو كانت خمساً ، وهي مع الثانية لو كانت ستاً ، وهما مع الثالثة لو كانت سبعاً في الظهر ، لفعلية أمرها وعدم جواز تقديم العصر عليها اختياراً كما هو ظاهر.

كما لا إشكال في وجوب صرف الصلاة الأخيرة في العصر للقطع بسقوط الأمر بالظهر حينئذ ، إما بالامتثال لو كانت القبلة في الجهات التي صلى إليها الظهر ، أو لخروج وقتها لو لم تكن فيها ، فان مقدار أربع ركعات من آخر الوقت مختص بصلاة العصر قطعاً.

إنما الكلام في الثلاث المتوسطة المتخللة بين الأخيرة من الصلوات وما


1) [ تنحلّ الصورة الثانية إلى صورتين كما يأتي في ص 478 ، فالصور أربع ].

تقدمها ، وأنها هل تصرف في الظهر بمقدار تحصل معه الموافقة القطعية بالنسبة إليها فيورد النقص على العصر ويقتصر فيها على الموافقة الاحتمالية كما اختاره في المتن ، أو يعكس فتصرف في العصر ويورد النقص على الظهر فتكون الموافقة فيها احتمالية وفي العصر قطعية ، أو يتخير بين الأمرين لعدم ترجيح في البين كما احتمله في المتن؟ وجوه.

قد يقال كما عن الشهيد (1)بتقديم العصر ، بدعوى أنّ المراد بوقت الاختصاص الوقت الذي تؤتى فيه الفريضة بمقدماتها العلمية ، فمصداق الوقت المزبور يختلف حسب حالات المكلف ، فعند تبين القبلة مقدار أربع ركعات ، وعند الاشتباه ستة عشرة ركعة من أول الوقت للظهر ومن آخره للعصر.

وهذه الدعوى ساقطة قطعاً ، ضرورة انصراف وقت الاختصاص بل ظهور دليله في إرادة ذات الفريضة أو هي مع مقدماتها الوجودية على كلام ، من غير فرق بين صورتي العلم والجهل ، وأما المقدمات العلمية الأجنبية عن ذات المأمور به بالكلية إنّما يؤتى بها تحصيلاً للقطع بالفراغ فلا مساس لها بوقت الاختصاص كما هو ظاهر جدّاً.

وقد يقال بتقديم الظهر من أجل كونها مقدمة على العصر بحسب الرتبة.

وهذا أيضاً يتلو سابقه في الضعف ، إذ فيه بعد الغض عن أن التقدم الرتبي لا محصل له في المقام كما لا يخفى أن تقدم ذات الظهر على العصر خارجاً لا يستوجب تقديم امتثال إحداهما على الأُخرى بعد كون وجوبيهما فعليين عرضيين وفي مرتبة واحدة من دون ترجيح لأحدهما على الآخر.

فمن هنا قد يقوى في النظر بدواً القول بالتخيير كما هو الشأن في كل واجبين متزاحمين لم يتمكن المكلف من امتثالهما أو لم يتمكن من تحصيل


1) [ لم نعثر عليه للشهيد الأول ولعله الشهيد الثاني ، راجع روض الجنان : 194 السطر 14 ].

الموافقة القطعية إلا في أحدهما ، بعد فرض تساوي الوجوبين في الملاك وعدم احتمال أهمية أحدهما بالنسبة إلى الآخر ، فان المكلف مضطر حينئذ إلى ترك واحد منهما لا محالة فيتخير في اختيار أيّ منهما شاء.

هذا ، ولكن التأمل يقضي بخلاف ذلك والذهاب إلى التفصيل بتقديم جانب الظهر في تقدير ، والحكم بالتخيير في تقدير آخر ، فان الكبرى المزبورة وإن كانت مسلّمة لكنها غير منطبقة على المقام بنحو الإطلاق ، وذلك لأن صلاة العصر تمتاز عن الظهر باعتبار الترتيب فيها دونها ، ولا شك أن هذا حكم واقعي محفوظ في صورتي العلم بالقبلة والجهل بها ، فتجب رعايته في الوقت المشترك مهما أمكن ، بحيث لو بقي من الوقت مقدار صلاتين فضلاً عن الأكثر لا يجوز الإخلال به عمداً ، بل يجب الإتيان بالعصر على نحو لو صحّت فهي واجدة للترتيب.

وعليه فاذا كان الباقي من الوقت مقدار خمس صلوات أو ست فهو وإن كان متمكناً من تحصيل الموافقة القطعية بالإضافة إلى الظهر بالصلاة إلى الجهات الأربع ، لكنه لا يتمكن منها بالنسبة إلى العصر ، إذ لو صلى الظهر إلى الجهة أو الجهتين وخص الأربع الأخيرة بالعصر لم يحرز سقوط الأمر به ، لاحتمال كون القبلة في غير الجهة التي صلى إليها الظهر فتبطل ، ويوجب فساد العصر أيضاً لفقد الترتيب ، فلا جزم بحصول الترتيب المعتبر في صحة العصر فلا قطع بالامتثال.

وبالجملة : إنما يجوز الإتيان بمحتملات العصر فيما إذا علم عند الشروع فيها أنه لم يخل بالترتيب عمداً وأنه لو أتى بالعصر إلى القبلة فهو مترتب على الظهر ، وهذا لا يتحقق فيما لو صرف الجهة أو الجهتين في الظهر وصرف الباقي في العصر ، لاحتمال أن لا تكون تلك الجهة إلى القبلة فيكون مكلفاً واقعاً بإتيان الظهر ، لأن الوقت المشترك باق بعدُ والوقت يسع لهما مترتبتين ، فالأمر الواقعي برعاية الترتيب منجّز في حقه كما عرفت ، فلو صرف الوقت

في العصر يحتمل أن يكون مخلًّا بالترتيب عمداً فلا تحصل بذلك الموافقة القطعية لصلاة العصر بالضرورة ، فلا مناص له حينئذ إما من صرف الأربعة الاولى في الظهر والباقي في العصر ، فتحصل بذلك الموافقة القطعية للظهر والاحتمالية للعصر ، أو يصرف بعضها في الظهر وبعضها في العصر بأن يصلي الظهر والعصر إلى جهة ثم يصليهما إلى جهة ثانية ، ثم يصلي العصر إلى جهة ثالثة لو كانت الصلوات خمساً أو هي مع الظهر لو كانت ستاً فتحصل الموافقة الاحتمالية في كل منهما. ولا ريب أنه كلّما دار الأمر بين تحصيل الموافقة القطعية لتكليف والاحتمالية لآخر ، وبين الموافقة الاحتمالية لكل منهما ، كان الأول أولى في نظر العقل. وعليه فيتعين الصرف في الظهر وإيراد النقص على العصر.

نعم لو كان الباقي من الوقت مقدار سبع صلوات يمكن حينئذ تحصيل الموافقة القطعية لإحدى الصلاتين على البدل ، أما بالنسبة إلى الظهر فظاهر ، وأما بالإضافة إلى العصر فبأن يصلي الظهر والعصر معاً في جهات ثلاث ، ثم يصلي العصر في الجهة الرابعة ، أو يصلي الظهر أوّلاً إلى ثلاث جهات ، ثم يصلي العصر في الجهات الأربع مخيراً في الابتداء بأي منهما شاء ما عدا الجهة الأخيرة التي لم يصل إليها الظهر ، إذ لو بدأ بها لم يحرز رعاية الترتيب ، لاحتمال كون القبلة في نفس هذه النقطة ، والمفروض عدم وقوع الظهر إليها فيكون مخلًّا بالترتيب مع بقاء الوقت المشترك وتنجز الحكم الواقعي المحفوظ في صورتي العلم والجهل كما مرّ ، فلا يكون مثله محققاً للاحتياط ومحصلاً للموافقة القطعية ، فاللازم إبقاء هذه الجهة إلى الصلاة الأخيرة فيصرف رابعة العصر فيها ، فإنه يقطع حينئذ بعدم الإخلال بالترتيب ، لأن القبلة إن كانت في غيرها فقد صلى الظهر والعصر إليها مترتبتين ، وإن كانت فيها فبما أن هذا وقت الاختصاص فالترتيب ساقط جزماً ، فلا يكون مخلًّا بالترتيب على أي حال.

وإن شئت فقل : إنّا نقطع بسقوط الأمر بالظهر في هذا الحين ، إما بالامتثال لو كانت القبلة في الجهات السابقة ، أو بخروج الوقت لو لم تكن فيها ، فانّ مقدار أربع ركعات من آخر الوقت مختص بصلاة العصر ، فلا يكون هناك إخلال بالترتيب من ناحية المكلف قطعاً.

وبالجملة : فيمكن تحصيل الموافقة القطعية لإحدى الصلاتين لا بعينها في هذه الصورة ، أعني فيما لو بقي من الوقت مقدار سبع صلوات عند مراعاة الشرط المزبور دون الصورة السابقة وهي ما لو بقي مقدار ست صلوات أو خمس فتنطبق الكبرى المتقدمة حينئذ ويحكم بالتخيير ، لكون الوجوبين عرضيين من دون ترجيح في البين وعدم احتمال أهمية إحدى الصلاتين من الأُخرى.

وما يقال : من لزوم تقديم الظهر في هذه الصورة أيضاً بدعوى أنه وإن لم تحرز أهمية إحدى الصلاتين من الأُخرى ، إلا أن الظهر لما كانت شرطاً في صحة العصر بمقتضى الترتيب المعتبر بينهما ، فالأمر بالعصر يدعو إلى فعل الظهر كما يدعو إلى فعل العصر ، فقد تعلق بالظهر أمران أمر بها بنفسها وأمر آخر ينشأ من قبل الأمر بالعصر لكونها مقدمة لها ، فالإتيان بالظهر امتثال لأمرها ولأمر العصر معاً. وعليه فلا يجوّز العقل فعل العصر وترك الظهر ، إذ ليس في فعلها الا امتثال وجوبها لا غير ، وهذا المقدار كاف في الترجيح.

مدفوع أوّلاً : بعدم اتصاف المقدمة بالوجوب الغيري كما حقق في الأُصول (1)، فلم يتعلق بالظهر إلا أمر واحد كالعصر.

وثانياً : لو سلم فالتحقيق أنّ الواجب إنما هي المقدمة الموصلة دون غيرها ، ولا علم بالإيصال في المقام ، بل قد تكون المقدمة مفوّتة لذيها لا موصلة إليها ، كما لو استكمل جهات الظهر الأربع وصلى العصر بعد ذلك إلى جهات ثلاث وكانت القبلة واقعاً في الجهة الرابعة التي لم يصل إليها


1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 436.

العصر ، فإن الإتيان بالظهر في هذه الجهة مفوّت لإتيان العصر إليها ، إذ المفروض عدم سعة الوقت لأكثر من سبع صلوات ، فالإتيان بالمقدمة ربما يؤدي إلى انهدام ذي المقدمة وتفويته رأساً فضلاً عن أن توصل إليه.

وكيف ما كان ، فقد عرفت أنّ الأقوى في هذه الصورة التخيير ، وفي الصورة السابقة ترجيح الظهر على العصر.

ومحصل الكلام : أن صور المسألة أربع :

الأُولى : ما إذا تمكن من تحصيل الموافقة القطعية لكلتا الصلاتين ، كما لو بقي من الوقت مقدار ثمان صلوات أو أكثر ، وحكمها ظاهر كما مر.

الثانية : ما إذا تمكن من تحصيل الموافقة القطعية لإحدى الصلاتين لا بعينها ، وهذا فيما إذا بقي من الوقت مقدار سبع صلوات. والحكم هنا التخيير ، لتزاحم الواجبين العرضيين من دون ترجيح في البين ، كما هو الشأن في كل تكليفين كذلك كما عرفت.

الثالثة : ما إذا تمكن من تحصيل الموافقة القطعية لخصوص الظهر ، وأما العصر فاحتمالية ، كما لو بقي من الوقت مقدار ست صلوات أو خمس واللازم حينئذ تقديم الظهر وإيراد النقص على العصر ، لدوران الأمر بين الموافقة القطعية لأحد التكليفين والاحتمالية للآخر ، وبين الموافقة الاحتمالية لكل منهما ، ولا شك أنّ الأول أولى كما تقدم.

وأما عكس هذه الصورة فلا يكاد يتصور كما لا يخفى.

الصورة الرابعة : ما إذا لم يتمكن من تحصيل الموافقة القطعية في شي‌ء منهما ، بل كانت في كل منهما احتمالية كما لو بقي من الوقت مقدار أربع صلوات فما دون.

أما إذا كان الباقي مقدار صلاتين فلا ينبغي الإشكال في تعين صرف الأول في الظهر ، والثاني في العصر ، لأن مقدار الوقت المشترك بعدُ باقٍ ، فالأمر الواقعي بالترتيب المحفوظ في صورتي العلم بالقبلة والجهل بها كما تقدم غير ساقط ، فلا يجوز صرف الأول في العصر ، للقطع بالإخلال بالترتيب

حينئذ. كما لا يجوز صرف الثاني في الظهر ، لكونه وقتاً مختصاً بالعصر كما مرّ.

ودعوى لزوم صرفهما في العصر ، لأن المراد بوقت الاختصاص فعل الفريضة بمحتملاتها من الأربع فما دون كما عن الشهيد قدس‌سره قد عرفت فسادها.

وبالجملة : لا مجال لصرفهما في العصر لاستلزامه الإخلال بالترتيب ، كما لا مجال لصرفهما في الظهر لمنافاته لوقت الاختصاص ، فيتعين التوزيع بصرف الأول في الظهر والثاني في العصر ، فتحصل بذلك الموافقة الاحتمالية لكل منهما. ولا فرق في ذلك بين الإتيان بهما في جهة واحدة أو جهتين ، لسقوط الترتيب (1)

وبعبارة اخرى : إن صلى العصر إلى نفس جهة الظهر احتمل تحقق الترتيب ، وإن صلى إلى غيرها قطع بعدمه ، ولا ريب في أن الأول أولى. ومنه تعرف أن اختيار الجهة الواحدة لكلتا الصلاتين إن لم يكن أقوى فلا ريب أنه أحوط.

عند الشروع في الثاني الذي هو وقت مختص بالعصر ، فلا يحتمل الإخلال به وإن تعددت الجهة كما لا يخفى.

وأما إذا كان الباقي مقدار ثلاث صلوات فلا إشكال في لزوم صرف الأول في الظهر والأخير في العصر كما علم مما مرّ آنفاً ، إنما الكلام في المتخلل بينهما فهل يصرف في الظهر ويورد النقص على العصر كما اختاره في المتن ، أم يعكس ، أم يتخير؟

الأقوى هو الأخير ، إذ لا يتيسّر للمكلف أكثر من الموافقة الاحتمالية في كل منهما على الفرض وبما أنّ الوجوبين عرضيان وفي حدّ سواء من دون ترجيح في البين ، ولا احتمال لأهمية إحدى الصلاتين ، فاللازم هو التخيير


1) لم يظهر وجه لسقوط الترتيب في وقت الاختصاص مطلقاً ، وإنما يسقط إذا لم يأت بالظهر رأساً دون ما إذا أتى ببعض محتملاتها كما في المقام. وعليه فبما أن الظهر المأتي بها يحتمل صحتها ووقوعها إلى القبلة ويمكنه رعاية الترتيب في هذا التقدير بأن يصلي العصر إلى نفس جهة الظهر لم يكن معذوراً في تعمد الإخلال به بالإتيان بها إلى جهة أُخرى.

في إيراد النقص على أي منهما شاء ، فله أن يصلي الظهر أوّلاً إلى جهة ، ثم ثانياً إلى جهة أُخرى ، ثم يصلي العصر حيث شاء فيورد النقص عليها ، كما له إيراد النقص على الظهر فيصلّيها إلى جهة ثم يأتي بعصرين إلى جهتين ، لكن اللازم حينئذ أن يأتي بالعصر الاولى إلى الجهة التي صلى إليها الظهر ، إذ لو صلاها إلى جهة أُخرى لم يكن محرزاً للترتيب اللازم رعايته بعد بقاء الوقت المشترك كما مرّ ، لاحتمال كون القبلة في نفس هذه النقطة التي صلى إليها العصر فتكون الظهر الأُولى فاسدة ومفسدة للعصر أيضاً لفوات الترتيب.

نعم ، لا جزم بالبطلان ، لاحتمال كون القبلة في الوسط الحقيقي بين الجهتين فتكون العصر الاولى مع الظهر السابقة كلاهما إلى القبلة ، لعدم كون الانحراف في شي‌ء منهما أكثر من خمس وأربعين درجة ، فيحصل بذلك الترتيب أيضاً ، إلا أنّ هذا مجرد احتمال معارض باحتمال الخلاف ، ولا بد من الإتيان بعصر يحرز معه الترتيب لو كان إلى القبلة ، ولا يكون ذلك إلا بالإتيان في نفس الجهة التي صلى إليها الظهر. وأما العصر الثانية فحيث إن الترتيب ساقط فيها لأجل وقت الاختصاص كما مرّ غير مرة ، فله الإتيان بها في أي جهة شاء.

ومما ذكرنا يظهر الحال فيما لو بقي من الوقت مقدار أربع صلوات فإن الأول والأخير مختص بالظهر والعصر ، وفي الثنتين المتخللتين مخير بين الأمرين ، فله الصرف في الظهر فيأتي بالظهر إلى ثلاث جهات ثم بالعصر حيث شاء ، وله الصرف في العصر فيصلي الظهر والعصر إلى جهة ثم يأتي بعصرين في جهتين ، وليس له الإتيان بالعصر الاولى في غير الجهة التي صلى إليها الظهر كما علم وجهه مما مرّ آنفاً. وله التوزيع بصرف ثنتين في الظهر وثنتين في العصر ، بأن يصلي الظهر والعصر إلى جهة ، ثم يصليهما معاً إلى جهة أُخرى ، أو يصلي الظهر أوّلاً إلى جهة ثم ثانياً إلى جهة أُخرى ، ثم يأتي بعصرين ، لكن في هذه الصورة وإن كان مخيراً بالإتيان بالعصر الثانية حيث شاء ، إلا أن العصر الاولى لا يؤتى بها في غير الجهتين اللتين صلى إليهما

ولكن في الظهرين يمكن الاحتياط (1) بأن يأتي بما يمكن من الصلوات بقصد ما في الذمة (1)فعلاً ، بخلاف العشاءين لاختلافهما في عدد الركعات.

[1243] مسألة 15 : من وظيفته التكرار الى الجهات إذا علم أو ظن بعد الصلاة إلى جهة أنها القبلة لا يجب عليه الإعادة (2) ولا إتيان البقية (3)


الظهر ، لما عرفت آنفاً فلاحظ وتدبّر.

(1) يريد به الاحتياط في موارد الخلاف في تقديم الأُولى أو الثانية ، أو إيراد النقص على الاولى أو الثانية ، ففيما إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار أربع صلوات أو أقل يصلي الأربع مثلاً إلى أربع جهات بقصد ما في الذمة المردد بين الظهر والعصر رعاية للقولين الموجودين في المسألة ، وفيما إذا كان الباقي أزيد من الأربع وأقل من الثمان يأتي بما هو مكمل للأُولى بالقصد المزبور حذراً عن الخلاف المذكور ، أما في غير المكمّل فلا مقتضي لقصد ما في الذمة كما هو واضح.

وبالجملة : فهذا الاحتياط إنما هو من أجل الخروج عن شبهة الخلاف ، لا لإدراك الواقع وتحصيل الموافقة القطعية لكل من الصلاتين كما لا يخفى.

ثم إن مورد هذا الاحتياط إنما هو ما عدا الصلاة الأخيرة ، أما هي فالمتعين فيها إتيانها عصراً ، لعدم احتمال الظهر فيها ، للقطع بسقوط أمرها إما للامتثال أو لخروج الوقت فلاحظ.

(2) لانكشاف وقوع الصلاة إلى جهة القبلة بعلم أو علمي وهو التحري المقرر في ظرف الجهل فيسقط الأمر لا محالة ، ومعه لا موضوع للإعادة التي لو أرادها فالى نفس تلك الجهة ، فإنها بلا إفادة ، ولا معنى للامتثال عقيب الامتثال.

(3) إذ لا مقتضي له بعد حصول الغرض وسقوط الأمر.


1) (*) هذا في غير الصلاة الأخيرة ، والمتعيّن فيها إتيانها عصراً.

ولو علم أو ظن بعد الصلاة الى جهتين أو ثلاث أنّ كلها إلى غير القبلة ، فإن كان فيها ما هو ما بين اليمين واليسار كفى وإلا وجبت الإعادة (1).


(1) يقع الكلام تارة في بيان الصغرى وأُخرى في حكم الكبرى.

أما الصغرى : فقد أسلفناك سابقاً أنه بناءً على أن ما بين المشرق والمغرب قبلة للجاهل تكفي الصلاة إلى ثلاث جهات بتقسيم الأُفق إلى ثلاث نقاط متساوية وإيقاع الصلاة نحو كل نقطة ، فلو فعل هكذا أو بنينا على لزوم الصلاة إلى أربع جهات ولكنه صلى ثلاثاً منها على هذا النمط نظراً إلى كفاية الخطوط المتقاطعة وعدم اعتبار كونها متقابلة كما هو خيرة الماتن وهو الأظهر على ما مر (1)فحينئذ قد صلى إلى ما بين اليمين واليسار يقيناً لو لم تكن إلى نفس القبلة ، ضرورة أن الفصل بين كل نقطة مع الأُخرى مائة وعشرون درجة ، وهي أقل من مقدار الانحراف ما بين اليمين واليسار البالغ مائة وثمانين درجة.

وإن شئت فقل : إن غاية الانحراف حينئذ ستون درجة ، وهي أقل مما دون التسعين المغتفرة ما بين اليمين واليسار. إذن فافتراض عدم وقوع شي‌ء مما صلاه نحو الجهات الثلاث لا إلى القبلة ولا إلى ما بين اليمين واليسار ممتنع على هذا التقدير ، ولا صغرى له بتاتاً.

وإنما تتحقق الصغرى فيما لو قلنا بلزوم الصلاة إلى أربع جهات متقابلة بحيث تتشكل منها زوايا قوائم أربع متساوية بفاصل تسعين درجة بين كل زاوية مع أُختها ، فإنه على هذا لو صلى إلى ثلاث من تلك الجهات كالمشرق والمغرب والشمال وانكشف وقوع القبلة على نقطة الجنوب فإن الصلاة حينئذ لم تقع لا إلى القبلة ولا إلى ما بين اليمين واليسار. ولو كان قد صلى إلى جهتين فقط فالأمر أوضح.


1) في ص 462.

[1244] مسألة 16 : الظاهر جريان حكم العمل بالظن مع عدم إمكان العلم والتكرار (1)إلى الجهات مع عدم إمكان الظن في سائر الصلوات غير اليومية بل غيرها (1) ، مما يمكن فيه التكرار (2) كصلاة الآيات (3) وصلاة الأموات ، وقضاء الأجزاء المنسية وسجدتي السهو (2)وإن قيل في صلاة الأموات بكفاية الواحدة عند عدم الظن مخيراً بين الجهات أو التعيين بالقرعة ، وأما فيما لا يمكن فيه التكرار كحال الاحتضار والدفن والذبح والنحر ، فمع عدم الظن يتخيّر ، والأحوط القرعة.


وأما الكبرى : وهي أن القائل بوجوب الصلاة إلى أربع جهات هل يمكنه القول باغتفار الانحراف بمقدار لا يبلغ حد اليمين واليسار فالظاهر أنه لا سبيل إلى ذلك ، فإنّ أساس الالتزام بهذا القول هو عدم اغتفار الانحراف بأكثر من خمس وأربعين درجة التي هي ثمن الدائرة ، إذ لولا ذلك لم يكن ثمة أيّ مقتضٍ للالتزام بالصلاة إلى أربع جهات ، بل تكفي الثلاث بتقسيم الأُفق إلى أقسام متساوية حسبما عرفت آنفاً من أنّ الانحراف حينئذ أقل من مائة وثمانين درجة التي هي مقدار الانحراف ما بين اليمين واليسار.

والمتحصل : أنّ من يرى وجوب الصلاة إلى أربع جهات لا يمكنه الالتزام كبروياً باغتفار الانحراف بما لا يصل إلى اليمين واليسار ، بل يختص بما دون خمس وأربعين درجة فلاحظ.

(1) أي غير الصلوات.

(2) كقضاء الأجزاء المنسية.

(3) تمثيل لسائر الصلوات.


1) (*) مرّ عدم لزوم التكرار حتى في الصلوات اليوميّة.

2) (**) هذا مبني على اعتبار الاستقبال فيهما.

والذي ينبغي أن يقال في المقام : إن غير الصلوات اليومية مما يعتبر فيه الاستقبال سواء أكانت صلاة أيضاً كصلاتي الآيات والأموات أم لا ، كقضاء الأجزاء المنسية وسجدتي السهو على القول باعتبار الاستقبال فيهما ، والذبح والدفن ونحوها تارة يفرض حصول الظن في موردها وأُخرى لا.

أما في الأول فلا مانع من العمل بالظن أخذاً بإطلاق صحيح زرارة : « يجزئ التحري أبداً إذا لم يعلم أين وجه القبلة » (1)، إذ لا قصور في شمول إطلاقه لها كما لا يخفى.

وأما في الثاني فينبغي التفصيل بين ما كان المعتبر فيه هو التوجه نحو القبلة كصلاة الآيات والأموات وقضاء الأجزاء المنسية ونحوها وبين ما كان المعتبر فيه التوجيه نحوها لا التوجه كحال الاحتضار والدفن والذبح ، حيث إن اللازم توجيه المحتضر والميت والحيوان نحو القبلة.

أما في القسم الأول فالظاهر أنه لا مجال للتكرار إلى أربع جهات حتى لو سلمنا ذلك في الصلوات اليومية ولا نسلمه كما تقدم (2)إذ المستند لهذا القول إنما هو مرسل خراش (3)، ولا ينبغي الشك في أن منصرفه الصلوات اليومية ، ومع الغض فلا أقل أن مورده الصلاة ، فلا وجه للتعدي إلى غيرها.

ودعوى أن ذكر ذلك من باب المثال كما ترى ، فإنها غير بينة ولا مبينة. إذن فلا إطلاق له ليصح التمسك به. ومعه لا مانع من القول بكفاية التوجه إلى جهة واحدة أخذاً بإطلاق قوله عليه‌السلام في صحيح زرارة ومحمد بن مسلم : « يجزئ المتحير أبداً أينما توجه إذا لم يعلم أين وجه القبلة » (4)بعد وضوح أن إطلاقه غير قاصر الشمول لغير الصلوات اليومية أيضاً مما تعتبر فيه القبلة.


1) الوسائل 4 : 307 / أبواب القبلة ب 6 ح 1.

2) في ص 436.

3) المتقدم في ص 437.

4) الوسائل 4 : 311 / أبواب القبلة ب 8 ح 2.

[1245] مسألة 17 : إذا صلى من دون الفحص عن القبلة إلى جهة غفلة أو مسامحة يجب إعادتها إلا إذا تبين كونها القبلة (1)(1) مع حصول قصد القربة منه.


وأما في القسم الثاني فان لم يمكن التأخير إلى زمان إحراز القبلة بعلم أو علمي كما في حالة الاحتضار أو الدفن كان مقتضى القاعدة حينئذ الاكتفاء بجهة واحدة لا للصحيح المتقدم ، لاختصاصه بالتوجه دون التوجيه المبحوث فيه ، بل لحكومة العقل بلزوم التنزل إلى الموافقة الاحتمالية بعد تعذر القطعية.

وإن أمكن كما في الذبح أو النحر من دون ضرورة تدعو إلى التعجيل فالذي يبدو في بادئ النظر وإن كان هو لزوم التأخير إلى زمان التمكن من تحصيل القبلة تحفظاً على رعاية الشرط مهما أمكن ، إلا أنه لا يبعد القول بكفاية التوجيه إلى ما يحتمل كونه قبلة ، نظراً إلى ما يستفاد من بعض النصوص من اختصاص المنع بتعمد الذبح إلى غير القبلة ، وأنه لا مانع من الأكل في غير صورة العمد ، ففي صحيح ابن مسلم قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن ذبيحة ذبحت لغير القبلة ، فقال : كل ، ولا بأس بذلك ما لم يتعمده » (2)ونحوها غيرها. وبذلك يرتكب التقييد في إطلاق النصوص الأُخر الدالة على اعتبار الاستقبال على الإطلاق.

وأما احتمال الرجوع إلى القرعة فغير سديد ، لعدم الدليل على حجيتها بقول مطلق بحيث يتناول المقام ، وإنما الثابت اعتبارها في الجملة وبنحو الموجبة الجزئية كما في الأموال المشتبهة ونحوها مما قام عليه الدليل حسبما هو محرّر في محله.

(1) أو ما بين المشرق والمغرب كما سيأتي التعرض لذلك في أحكام


1) (*) بل لو تبيّن وقوعها إلى ما بين المشرق والمغرب صحّت أيضاً.

2) الوسائل 24 : 28 / أبواب الذبائح ب 14 ح 4.

الخلل إن شاء اللّه تعالى ، نعم مورد المسامحة غير مشمول لذاك الدليل كما لا يخفى ، ومقتضى القاعدة حينئذ هو الحكم بالبطلان ما لم تنكشف المطابقة مع الواقع فلاحظ.

هذا تمام الكلام حول فصل القبلة ويقع الكلام بعد ذلك في فصل ( فيما يستقبل له ) والحمد لله رب العالمين.

فهرس الموضوعات

فهرس الموضوعات

الصلاة

مقدمة : في فضل الصلاة اليومية... 7

فصل في أعداد الفراض ونوافلها... 10

اختلاف الأصحاب في عدد الفرائض... 10

الآيات الدالة على وجوب الصلوات اليومية... 12

صلاة الجمعة... 13

الأقوال في وجوب صلاة الجمعة... 14

الآيات المستدل بها على وجوب الجمعة تعيينا... 15

الروايات المستدل بها على وجوب الجمعة تعيينا... 18

ذكر قرائن تدل على عدم وجوب الجمعة تعيينا... 22

الأخبار الدالة على عدم وجوب الجمعة تعيينا... 24

روايات أخر استدل بها على الوجوب التعييني... 27

التفصيل بين وجوب عقد الجمعة وبين الحضور بعد انعقادها... 30

أدلة النافين لمشروعية صلاة الجمعة... 31

الكلام في الأصل العملي الجاري في المقام... 41

فضل الرواتب اليومية وعددها... 43

القيام في صلاة الوتيرة... 45

نوافل يوم الجمعة... 47

الكلام في سقوط نوافل الظهرين في السفر... 48

الكلام في سقوط الوتيرة في السفر... 49

تحقيق رشيق في توثيقات العلامة... 52

الإتيان بالنوافل ركعتين ركعتين... 59

الروايات الدالة على ذلك ونقدها... 59

مقتضى الأصل العملي في المقام... 62

تحقيق في جريان البراءة في المستحبات... 64

الخلاف في وصل الوتر بالشفع... 66

شهرة استحباب القنوت في النوافل والخلاف في الشفع... 68

الكلام في استحباب الغفيلة... 73

صلاة الوصية... 76

المراد من الصلاة الوسطى... 77

التنفل جالسا... 79

فصل في أوقات اليومية ونوافلها... 81

وقت الظهرين... 81

ابتداء وقت الظهر من الزوال خلافا لبعض العامة... 81

معنى الدلوك... 81

الجمع بين روايات مبدأ وقت الظهرين... 83

استمرار وقت الظهرين إلى الغروب... 89

نقد مختار الحدائق من أن الوقت الأول للمختار والثاني للمضطر... 91

نقد اختصاص أول الوقت بالظهر... 104

نقد اختصاص آخر الوقت بالعصر... 109

وقت العشاءين... 112

مبدأ وقت المغرب ومنتهاه... 112

الأقوال في منتهى وقت المغرب ومناقشتها... 112

مبدأ وقت العشاء ومنتهاه... 120

نقد الأخبار الدالة على أفضلية تأخير العشاء إلى ثلث الليل... 125

نقد القول بالوقت الاختصاصي للعشاءين... 127

امتداد الوقت للمضطر إلى طلوع الفجر... 128

امتداد الوقت للعامد في التأخير إلى طلوع الفجر... 130

وقت صلاة الصبح... 132

مبدأ وقت صلاة الصبح ومنتهاه... 132

وقت صلاة الجمعة... 136

أوقات الفضيلة... 147

وقت فضيلة الظهرين... 147

الأخبار الدالة على أن مبدأ الفضيلة هو القدم والقدمان... 147

الأخبار الدالة على أن مبدأ الفضيلة هو القدمان وأربعة أقدام... 148

الأخبار الدالة على أن مبدأ الفضيلة هو المثل والمثلان... 150

منتهى وقت فضيلة الظهرين... 156

وقت فضيلة العشاءين... 159

وقت فضيلة صلاة الصبح... 160

طرق معرفة الزوال... 163

1 - حدوث الظل بعد انعدامه... 163

2 - ميل الشمس إلى الحاجب الأيمن... 165

الدائرة الهندية... 166

ما يعرف به الغروب... 167

الأقوال في المسألة ثلاثة... 168

ما يعرف به انتصاف الليل... 187

الليالي المقمرة... 200

المراد بالوقت الاختصاصي... 202

صور تقديم اللاحقة على السابقة... 204

ما يترتب على القول بالوقت الاختصاصي... 210

حكم العدول من إحدى المترتبتين إلى الأخرى... 218

مرجوحية الجمع بين الصلاتين في وقت فضيلة إحداهما... 219

شهرة استحباب التفريق بين الصلاتين المترتبتين... 220

الاكتفاء بفعل النافلة في رفع كراهة الجمع بين الصلاتين... 225

للعصر والعشاء وقت فضيلة ووقتا إجزاء... 227

استحباب التعجيل في الصلاة إلا لانتظار الجماعة... 228

استحباب الغلس بصلاة الصبح... 230

قاعدة من أدرك... 232

فصل في أوقات الرواتب... 238

وقت نافلة الظهرين... 238

تقديم نافلة الظهرين على الزوال... 243

وقت نافلة يوم الجمعة... 246

وقت نافلة المغرب... 247

وقت نافلة العشاء... 251

وقت نافلة الصبح... 254

دس نافلة الفجر في صلاة الليل... 261

مبدأ وقت نافلة الليل... 263

منتهى وقت نافلة الليل... 268

موارد وقت نافلة الليل... 268

موارد تقديم صلاة الليل... 275

قضاء صلاة الليل... 289

دوران الأمر بين تقديم صلاة الليل أو قضائها... 293

طلوع الفجر أثناء صلاة الليل... 294

الموارد المستثناة من استحباب تعجيل الصلاة... 296

استحباب التعجيل في قضاء الفرائض والنوافل... 315

موارد وجوب تأخير الصلاة... 316

الدخول في الصلاة مع عدم تعلم المسائل... 320

التطوع في وقت الفريضة الأدائية... 322

التطوع ممن عليه القضاء... 337

نذر التنفل وقت الفريضة... 345

الأوقات التي تكره فيها النافلة... 352

فصل في أحكام الأوقات... 368

بطلان الصلاة قبل دخول الوقت... 368

شهرة عدم كفاية الظن بدخول الوقت حين الشروع في الصلاة... 369

جواز الاعتماد على أذان العارف بالوقت... 374

جواز الاعتماد على خبر الثقة بدخول الوقت... 378

حكم التداخل في الصلاة مع الشك في دخول الوقت... 378

حكم التداخل في الصلاة مع الغفلة عن دخول الوقت... 380

حكم من دخل في الصلاة تعويلا على اليقين أو الظن بدخول الوقت... 381

كفاية الظن لغير المتمكن من تحصيل الحجة على دخول الوقت... 385

إذا دخل في الصلاة باعتقاد دخول الوقت ثم شك في الأثناء شكا ساريا... 392

إذا شك بعد الدخول في الصلاة في أنه راعى الوقت أم لا... 393

إذا شك بعد الفراغ من الصلاة في أنه راعى الوقت أم لا... 393

الاخلال بالترتيب المعتبر بين المترتبتين... 395

أحكام العدول من اللاحقة إلى السابقة وبالعكس... 401

وجوب القضاء على من عرض عليه عذر أثناء الوقت... 407

ارتفاع العذر في أثناء الوقت المشترك... 409

إذا بلغ الصبي أثناء الوقت أو أثناء الصلاة... 410

حكم من أتى بالمستحبات عند ضيق وقت الواجب... 411

إذا شك أثناء العصر أنه أتى بالظهر أم لا... 412

فصل في القبلة... 414

شهرة القول بأن القبلة من تخوم الأرض إلى عنان السماء... 414

خروج حجر إسماعيل عن البيت بالنسبة إلى الاستقبال... 420

الكلام في أن القبلة هي خصوص الكعبة أو مع المسجد والحرم... 421

كون القبلة للبعيد جهة الكعبة لا عينها... 425

كفاية شهادة العدلين بالقبلة مع إمكان تحصيل العلم بها... 434

حكم تعذر تحصيل القبلة... 436

علامات القبلة... 440

وجوب التحري مع الجهل بالقبلة... 450

إخبار صاحب المنزل بالقبلة... 452

إذا خالف اجتهاده لقبلة بلد المسلمين... 453

فروع في المقام... 453

حكم العاجز عن تكرار الصلاة إلى الجهات الأربع... 457

حكم الانحراف جهلا إلى اليمين أو الشمال... 461

كيفية الصلاة إلى الجهات الأربع... 472

صور تعذر تكرار الصلاة إلى جميع الجهات... 472

جريان حكم تكرار الصلاة في غير الصلوات اليومية... 483

الصلاة من غير فحص عن القبلة... 485

الصورة

497-11

الصورة

498-11