موسوعة الإمام الخوئی جلد 7

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

عنوان قراردادی : عروه‌الوثقی . شرح

عنوان و نام پديدآور : التنقیح في شرح‌العروة الوثقی/ [محمدکاظم‌بن عبدالعظیم یزدی]؛ تقریرا لابحاث ابوالقاسم الموسوی الخوئی؛ تالیف علی الغروی.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثار‌الامام‌الخوئی (قدس‌سره)؛ [بی‌جا]: التوحید للنشر، 1418ق.= 1998م.= 1377 -

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسوعه الامام الخوئی.

شابک : ج.1 964-6084-03-6 : ؛ ج. 2، چاپ دوم 964-6084-10-9 : ؛ ج.٬3چاپ سوم 964-6084-05-2 : ؛ ج.٬4 چاپ سوم ‌964-6084-04-4 : ؛ ج. 5، چاپ سوم 964-6084-08- 7 : ؛ ج.6 964-6084-17-6 : ؛ ج.7 964-6084-19-2 : ؛ ج.8 964-6084-18-4 : ؛ ج.9 964-6084-21-4 : ؛ ج.10 964-6084-20-6 :

يادداشت : عربی.

يادداشت : ج.1 - 10(چاپ سوم: 1428ق.= 2007م.= 1386 ).

يادداشت : ج. 1، 7 ، 9 ، 10 کتاب حاضر توسط موسسه احیاء آثار‌الامام‌الخوئی (قدس‌سره) منتشر شده است.

یادداشت : کتابنامه..

مندرجات : ج. 1. التقلید.- ج. 2، 4 ، 6 ، 7 و 9. الطهاره

موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه‌الوثقی -- نقد و تفسیر

موضوع : فقه جعفری -- قرن 14

شناسه افزوده : غروی، علی، 1280 - 1376.

شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمد کاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه‌الوثقی. شرح

شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)

رده بندی کنگره : BP183/5/ی‌4ع‌4021373 1377

رده بندی دیویی : 297/342

شماره کتابشناسی ملی : م‌78-8589

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اطلاعات رکورد کتابشناسی : فهرست قبلی

المؤلف: الشيخ علي الغروي

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه

المطبعة: توحيد

الطبعة: 0

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 0 ه.ق

ISBN (ردمك): 964-6084-19-2

المكتبة الإسلامية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ

وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ

مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ

اشارة

التَّنْقِيحُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی

التَّنْقِيحُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی

تقرير الإبحاث

الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره

«1317 - 1413 ه»

الطهارة

تأليف آية اللّه الشهيد الشيخ ميرزا علي الغروي قدس سره

طبعة منقحة

مؤسسة الخوئي الإسلامية

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية

الجزء السابع

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+

تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م

المطبعة: نينوي

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

2 - 19 - 6084 - 964 : ISBN

Email:info@alkhoei.net

www.alkhoei.com

www.alkhoei.net

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسّلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

أما بعد، فهذا هو الجزء السادس من كتابنا «التنقيح» في شرح العروة الوثقى وقد مكننا اللّه تعالى من إعداده للطبع ونرجو من فضله العميم أن يوفقنا لإتمام بقية أجزاء الكتاب، إنه خير موفق ومعين.

فصل في مستحبّات غسل الجنابة

اشارة

فصل في مستحبّات غسل الجنابة

وهي أُمور :

أحدها : الاستبراء من المني بالبول قبل الغسل.

الثّاني : غَسل اليدين ثلاثاً إلى المرفقين أو إلى نصف الذراع أو إلى الزَّندين من غير فرق بين الارتماس والتّرتيب.

الثّالث : المضمضة والاستنشاق بعد غَسل اليدين ثلاث مرّات ، ويكفي مرّة أيضاً.

الرّابع : أن يكون ماؤه في التّرتيبي بمقدار صاع ، وهو ستمائة وأربعة عشر مثقالاً وربع مثقال.

الخامس : إمرار اليد على الأعضاء لزيادة الاستظهار.

السّادس : تخليل الحاجب غير المانع لزيادة الاستظهار.

السّابع : غسل كلّ من الأعضاء الثّلاثة ثلاثاً.


فصل : في مستحبّات غسل الجنابة

قد تعرّض قدس‌سره لجملة من الأُمور الّتي قالوا باستحبابها في غسل الجنابة إلاّ أنّ بعضها لم يرد فيه رواية ، وإنما أفتى بعض الأصحاب باستحبابه ، وهو يبتني على

الثّامن : التّسمية ، بأن يقول « بسم اللّه » والأولى أن يقول « بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ».

التّاسع : الدُّعاء المأثور في حال الاشتغال ، وهو : « اللّهمّ طهِّر قلبي ، وتقبَّل سعيي ، واجعل ما عندك خيراً لي ، اللّهمّ اجعلني من التّوّابين ، واجعلني من المتطهِّرين » ، أو يقول : « اللّهمّ طهِّر قلبي ، واشرَح صدري ، وأجرِ على لساني مِدحتك والثّناء عليك ، اللّهمّ اجعله لي طَهوراً وشِفاءً ونوراً ، إنّك على كلّ شي‌ء قدير » ، ولو قرأ هذا الدُّعاء بعد الفراغ أيضاً كان أولى.

العاشر : الموالاة والابتداء بالأعلى في كلّ من الأعضاء في التّرتيبي.

[684] مسألة 1 : يكره الاستعانة بالغير في المقدّمات القريبة على ما مرّ في الوضوء (1).


تماميّة قاعدة التّسامح في أدلّة السنن في نفسها ثمّ تعديتها إلى فتوى الفقيه ، ومن ثمّ لا يهمّنا التعرّض لها في المقام. ثمّ تعرّض لعدّة مسائل :

(1) لم ترد رواية في كراهة الاستعانة بالغير في المقدّمات في الغسل ، وإنّما ذكروا ذلك في الوضوء وادّعوا دلالة بعض الأخبار (1)عليها معلّلاً بأنّ اللّه أمر أن لا يشرك في عبادته. وقد قدّمنا هناك (2)أنّ الظّاهر من تعليل الرّواية أنّ المنهي عنه هو الاستعانة بالغير في النيّة ، بأن يأتي بالوضوء لغير اللّه ، فإنّ العبادة لا بدّ أن يؤتى بها مستقلّة لله ، ولا يصحّ إتيانها للغير مستقلا أو بالانضمام ، ولا دلالة لها على كراهة الاستعانة بالمقدّمات ، بل لا يتحقق الوضوء من غير الاستعانة بالغير في المقدّمات إلاّ على وجه الندرة والشذوذ ، لاحتياجه إليها ولو من حيث المكان والماء وغيرها.


1) الوسائل 1 : 476 / أبواب الوضوء ب 47 ح 1 ، 2 ، 3 ، 4.

2) ذيل القسم الثّاني قبل المسألة [561].

[685] مسألة 2 : الاستبراء بالبول قبل الغسل ليس شرطاً في صحّته (1) وإنّما فائدته عدم وجوب الغسل إذا خرج منه رطوبة مشتبهة بالمني ، فلو لم يستبرئ واغتسل وصلّى ثمّ خرج منه المني أو الرطوبة المشتبهة لا تبطل صلاته ويجب عليه الغسل لما سيأتي.


عدم اشتراط الاستبراء في صحّة الغسل

(1) وذلك لعدم دلالة الدليل على الاشتراط ، فمقتضى إطلاق الأخبار الواردة في كيفية الغسل الآمرة بغسل الرأس والبدن بل وغسل الفرج (1)وسكوتها عن بيان اعتبار البول في صحّته مع كونها واردة في مقام البيان عدم اشتراطه به.

نعم ، قد يستدلّ على اشتراط الغسل بالبول قبله بصحيحة محمّد بن مسلم « عن الرّجل يخرج من إحليله بعد ما اغتسل شي‌ء ، قال يغتسل ويعيد الصّلاة ، إلاّ أن يكون بال قبل أن يغتسل ، فإنه لا يعيد غسله » (2)، نظراً إلى أنه لا وجه للأمر بإعادة الصّلاة والاغتسال إلاّ بطلان الغسل قبل البول بخروج البلل من إحليله ، فهذا يدل على اشتراط الغسل بالبول قبله.

وفيه : أنّ راوي هذا الحديث وهو محمّد بن مسلم قد روى متّصلاً بهذا الحديث وقال « قال أبو جعفر عليه‌السلام من اغتسل وهو جنب قبل أن يبول ، ثمّ وجد بللا فقد انتقض غسله ، وإن كان بال ثمّ اغتسل ثمّ وجد بللا فليس ينقض غسله ولكن عليه الوضوء ، لأنّ البول لم يدع شيئاً » (3)، فإن التّعبير بالانتقاض كالصريح في أنّ غسله قبل أن يبول قد وقع صحيحاً ، إلاّ أنّه انتقض بحدوث الجنابة الجديدة أعني البلل المشتبه ، وبهذا نحمل الأمر بإعادة الصّلاة فيها على ما إذا صلّى بعد خروج البلل المشتبه.


1) الوسائل 2 : 229 / أبواب الجنابة ب 26.

2) الوسائل 2 : 251 / أبواب الجنابة ب 36 ح 6.

3) الوسائل 2 : 251 / أبواب الجنابة ب 36 ح 7.

وقد يتوهّم : أنّ الأمر بإعادة الغسل على تقدير عدم البول قبل الاغتسال وخروج البلل المشتبه بعده كما في صحيحة الحلبي (1)وموثقة سماعة (2)وغيرهما (3)بل وكذا في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة حيث دلّت على أنّه إذا بال قبل أن يغتسل لا يعيد غسله يدل على بطلان الغسل الواقع من غير بول ، إذ لو كان الغسل قبل أن يبول صحيحاً وكانت الرطوبة المشتبهة جنابة جديدة لم يصح التعبير بإعادة الغسل حينئذ لأنّ السبب الجديد يستدعي الإتيان بالعمل ابتداء ، ولا يصح أن يقال إنّه يوجب إعادة العمل. مثلاً زوال الشّمس سبب في الأمر بصلاة الظّهر ، فلا يصح معه أن يقال إذا زالت الشّمس أعد صلاة الظّهر ، لأنّها حينئذ ليست إعادة للمأتي به ، بل هو مأمور به بالأمر الثّاني مستقلا ابتدائيّاً ، فالأمر بالإعادة يكشف عن عدم كون البلل المشتبه الخارج بعد الغسل وقبل البول سبباً جديداً ، وإنما هو كاشف عن فساد الغسل الواقع قبل البول.

ويدفعه : أنّ الكبرى المشار إليها وإن كانت صحيحة ، فإنّ السبب الجديد يستدعي إيجاد المأمور به ابتداء ، لا أنّه يوجب إعادته ، فالتعبير بالإعادة غير صحيح عند حدوثه ، إلاّ أنّ تلك الكبرى غير منطبقة على المقام ، حيث إنّ الغسل ليس واجباً نفسيّاً ، وإنّما هو شرط مقارن للصلاة ، وإنّما يؤتى به قبلها من جهة عدم تمكّن المكلّف من أن يأتي به مقارناً للمأمور به ، فإذا أتى به قبل الصّلاة فإنّما يأتيه بداعي أن يصلِّي مع الطّهارة ، فإذا اغتسل ولم يحصل به غرضه الدّاعي إلى إتيانه ، أي لم يأت بالصلاة بعده لتخلّل جنابة جديدة بينهما واحتاج إلى إتيان الغسل ثانياً تحصيلاً لثمرته وغرضه صحّ أن يقال أعد غسلك ، لا لأنّ الغسل الواقع قبل الجنابة وقع باطلاً ، بل لأنّه لم يحصل غرضه ولم يترتّب عليه ثمرته وكان في حكم الفاسد من حيث عدم إمكان الإتيان بالصلاة معه.


1) الوسائل 2 : 250 / أبواب الجنابة ب 36 ح 1 ، 5.

2) الوسائل 2 : 251 / أبواب الجنابة ب 36 ح 8.

3) كموثقة سليمان بن خالد ورواية معاوية بن ميسرة ، نفس المصدر ح 10 ، 9.

والّذي يدلّنا على ذلك الأخبار المستفيضة الآمرة بإعادة الوضوء إذا غلب النوم العقل أو تحقّق بعده غيره من نواقض الوضوء (1)وما ورد من أنّ الوضوء لا يعاد من الرعاف ونحوه (2)، إذ لا يتوهّم أنّ عدم النوم شرط في صحّة الوضوء ، فالأمر بإعادته حينئذ ليس بكاشف عن وقوعه فاسداً ، وإنّما هو من جهة عدم ترتب الغرض المقصود منه عليه ، فكان الإتيان به صحيحاً كالإتيان به فاسداً من حيث عدم ترتب الواجب عليه فليراجع. فالصحيح عدم دلالة شي‌ء من ذلك على اشتراط الغسل بالبول قبله.

نعم ، موثقة أحمد بن هلال كالصريح في الاشتراط حيث قال « سألته عن رجل اغتسل قبل أن يبول ، فكتب : إنّ الغسل بعد البول إلاّ أن يكون ناسياً فلا يعيد منه الغسل » (3)، لأنّ قوله « إنّ الغسل بعد البول » كالصريح في أنّه إذا وقع قبل البول فسد.

إلاّ أنّها ضعيفة الدلالة على المدّعى ، وذلك لعدم تعرّضها لخروج البلل المشتبه بعد الغسل ، وبطلان الغسل قبل البول إذا لم يخرج منه البلل المشتبه ممّا لا يلتزمون به فإنّما يقول من قال به على نحو الشرط المتأخّر ، وأنّه إذا خرجت منه الرّطوبة المشتبهة يكشف ذلك عن عدم صحّة الغسل الواقع قبل البول ، وأمّا إذا اغتسل ولم يبل ولم يخرج منه بلل بعد ذلك فلا يحكمون ببطلان غسله بوجه.


1) الوسائل 1 : 248 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 9 ، ب 3 ح 2 ، ب 5 ح 5 ، ب 7 ح 9 ، ب 9 ح 9 ، 10.

2) الوسائل 1 : 265 / أبواب نواقض الوضوء ب 7 ح 5 و 8 و 11 ، ب 7 ح 9 ، ب 6 ح 1 ، ب 9 ح 8 ، ب 10 ح 2 ، ب 14 ح 1 ، ب 16 ح 3.

3) الوسائل 2 : 252 / أبواب الجنابة ب 36 ح 12.

[686] مسألة 3 : إذا اغتسل بعد الجنابة بالإنزال ثمّ خرج منه رطوبة مشتبهة بين البول والمني فمع عدم الاستبراء قبل الغسل بالبول يحكم عليها بأنها مني ، فيجب الغسل ، ومع الاستبراء بالبول وعدم الاستبراء بالخرطات بعده يحكم بأنّه بول فيوجب الوضوء ، ومع عدم الأمرين (1)(2)) يجب الاحتياط بالجمع () بين الغسل والوضوء إن لم يحتمل غيرهما ، وإن احتمل كونها مذياً مثلاً بأن يدور الأمر بين البول والمني والمذي فلا يجب عليه شي‌ء ، وكذا حال الرّطوبة الخارجة بدواً من غير سبق جنابة ، فإنّها مع دورانها بين المني والبول يجب الاحتياط بالوضوء والغسل ، ومع دورانها بين الثّلاثة أو بين كونها منيّاً أو مذياً ، أو بولاً أو مذياً لا شي‌ء عليه (1).


البلل المشتبه وصوره

(1) الصور ثلاث لأنّه عند خروج البلل بعد الاغتسال قد لا يستبرئ بالبول قبله ، وقد يستبرئ بالبول قبل الاغتسال إلاّ أنّه لا يستبرئ بعد البول بالخرطات وثالثة يستبرئ بالبول قبل الاغتسال كما أنّه يستبرئ بالخرطات بعد البول.

الكلام في الصورة الاولى : أعني ما إذا اغتسل من غير أن يبول قبله ، وفيه جهات للكلام :

الجهة الأُولى : أنّه لا إشكال حينئذ في أنّ البلل المشتبه الخارج بعد الغسل في حكم المني ، ويجب معه الاغتسال ، وذلك للأخبار المعتبرة الّتي فيها صحيحة


1) (*) لعلّه أراد بالأمرين عدم الاستبراء بالبول وعدم الاستبراء بالخرطات ، وإلاّ كانت كلمة « عدم » من سهو القلم.

2) () هذا إذا كان متطهِّراً قبل خروج الرّطوبة المشتبهة كما لعلّه المفروض ، وأمّا إذا كان محدثاً بالأصغر فالأظهر كفاية الاقتصار على الوضوء ، ومنه يظهر الحال فيما إذا خرجت الرّطوبة من غير سبق الجنابة.

وموثقة (1)، حيث دلّت على أنّه كالمني ولا بدّ معه من الاغتسال ، وهذا هو المعروف المشهور بينهم.

وقد نسب إلى الصدوق القول باستحباب الغسل حينئذ (2)، تمسكاً بما رواه من أنّه إن كان قد رأى بللاً ولم يكن بال فليتوضأ ولا يغتسل ، إنّما ذلك من الحبائل (3)، فإذا ضمّ ذلك إلى الأخبار الآمرة بالغسل حينئذ فتكون النتيجة هي استحباب الغسل عند خروج البلل المشتبه فيما إذا اغتسل ولم يكن قد بال.

ويدفعه : أن الرّواية قاصرة السند والدلالة ، أمّا بحسب السند فلأنها مرسلة ولا اعتبار بالمراسيل ، وأمّا من حيث الدلالة فلأن البلل الخارج حينئذ إذا كان من الحبائل كالمذي فلما ذا وجب معه الوضوء ، فالصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من وجوب الغسل حينئذ.

نعم ، ورد في رواية زيد الشحّام عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال « سألته عن رجل أجنب ثمّ اغتسل قبل أن يبول ثمّ رأى شيئاً ، قال : لا يعيد الغسل ، ليس ذلك الّذي رأى شيئاً » (4)، وفي رواية عبد اللّه بن هلال قال « سألت أبا عبد اللّه عن الرّجل يجامع أهله ثمّ يغتسل قبل أن يبول ثمّ يخرج منه شي‌ء بعد الغسل ، قال : لا شي‌ء عليه ، إنّ ذلك ممّا وضعه اللّه عنه » (5). وهما تدلاّن على عدم وجوب الغسل حينئذ.

إلاّ أنّهما ليستا قابلتين للمعارضة مع الأخبار الدالّة على وجوب الاغتسال لضعفهما بحسب السند ، أمّا الأُولى فبأبي جميلة المفضّل بن الصالح ، وأمّا الثّانية فبعبد اللّه بن هلال. بل يمكن المناقشة في دلالتهما أيضاً ، حيث إنّ الجماع غير مستلزم للإنزال دائماً حتّى يجب البول بعده ، وكذا الجنابة المطلقة ، فإنّ البحث إنّما هو في الجنابة


1) الوسائل 2 : 250 / أبواب الجنابة ب 36.

2) نسبه إليه في المستمسك 3 : 119 ، وراجع الفقيه 1 : 48 / باب صفة غسل الجنابة ، ذيل ح 188.

3) الوسائل 2 : 250 / أبواب الجنابة ب 36 ح 2 ومع اختلاف يسير ح 4.

4) الوسائل 2 : 253 / أبواب الجنابة ب 36 ح 14.

5) الوسائل 2 : 252 / أبواب الجنابة ب 36 ح 13.

بالإنزال ، وهو غير مذكور فيهما ، إلاّ أنّ العمدة في المناقشة هي ضعف سنديهما.

الجهة الثّانية : هل يجب الغسل عند خروج البلل المشتبه بعد الغسل وقبل البول مطلقاً ، أو أنّه يختص بما إذا ترك البول مع التمكّن منه قبل الاغتسال ، وأمّا إذا تركه لعدم تمكّنه من البول حينئذ فلا يجب عليه الاغتسال؟

الصحيح وجوب الغسل في كلتا الصورتين ، لإطلاق رواياته حيث لم يقم على التفصيل بين الصّورتين دليل ولو رواية ضعيفة.

وهل يجب الغسل مطلقاً أو يختص بما إذا ترك البول قبل الغسل متعمداً ، وأمّا إذا تركه نسياناً فلا يحكم عليه بوجوب الغسل؟

نسب التفصيل بين الناسي والعامد إلى الشيخ (1)، والمشهور عدم الفرق بين الصورتين وهو الصّحيح وذلك لعدم تماميّة ما استدلّ به على هذا التفصيل ، وهو رواية جميل بن درّاج قال « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الرّجل تصيبه الجنابة ، فينسى أن يبول حتّى يغتسل ثمّ يرى بعد الغسل شيئاً ، أيغتسل أيضاً؟ قال : لا ، قد تعصّرت ونزل من الحبائل » (2)، وهي ضعيفة السند بعلي بن السندي حيث لم تثبت وثاقته ومعه إطلاقات الأخبار الآمرة بالغسل حينئذ محكمة.

الجهة الثّالثة : أنّ مورد الأخبار الآمرة بالغسل عند خروج البلل المشتبه ما إذا احتمل أن تكون الرطوبة منيّاً ، ولا إطلاق لها يشمل صورة العلم بعدم كونها منيّاً كما إذا علمنا بأنّها بول أو مذي مثلاً ، وذلك لقوله عليه‌السلام « لأنّ البول لم يدع شيئاً » (3)، فإنّ ظاهره أنّه إنّما يغتسل إذا لم يبل من جهة احتمال أن يكون البلل منيّاً


1) نسبه إليه في الحدائق 3 : 31 وراجع الاستبصار 1 : 120 / باب وجوب الاستبراء من الجنابة ذيل الحديث 8 ، 9 ، التهذيب 1 : 145 / ب 6 ذيل الحديث 100 ، 101.

2) الوسائل 2 : 252 / أبواب الجنابة ب 36 ح 11.

3) الوسائل 2 : 251 / أبواب الجنابة ب 36 ح 7.

فلا يشمل صورة العلم بعدم كونها من المني ، هذا.

مع أنّا لو سلمنا أنّها مطلقة وإطلاقها يشمل ما إذا لم يحتمل كونها منيّاً فمقتضى الأخبار (1)الدالّة على حصر وجوب الغسل بالماء الأكبر عدم وجوب الغسل من غيره ، كالرطوبة المردّدة بين البول والمذي مثلاً ، فيختص الغسل بما إذا احتمل كون الرّطوبة منيّاً ، لأنّ احتماله منجّز حينئذ.

الجهة الرّابعة : أنّ الأخبار الآمرة بالغسل عند خروج البلل المشتبه بعد الغسل قبل أن يبول مقتضى إطلاقها وجوب الغسل سواء استبرأ بالخرطات أم لم يستبرئ فهي كما تشمل غير موارد العلم الإجمالي بالناقض ، كما إذا تردّدت الرّطوبة بين أن تكون منيّاً أو بولاً أو مذياً ، كذلك تشمل موارد العلم الإجمالي بوجوده ، كما إذا دارت بين كونها بولاً أو منيّاً ، إلاّ أنّ مقتضى إطلاقها تعيّن الوظيفة حينئذ في الغسل وانحلال العلم الإجمالي بذلك هذا كلّه في الصّورة الأُولى ، وهي ما إذا اغتسل من غير أن يستبرئ بالبول قبله.

وأمّا الصّورة الثّانية : وهي ما إذا استبرأ بالبول قبل غسله ولكنّه لم يستبرئ بعد البول بالخرطات ، فمقتضى الأخبار الواردة في المقام كموثقة سماعة : « فإن كان بال قبل أن يغتسل فلا يعيد غسله ولكن يتوضأ ويستنجي » (2)، وما رواه معاوية بن ميسرة : « إن كان بال بعد جماعه قبل الغسل فليتوضأ » (3)وكذا الأخبار (4)المطلقة الواردة في الاستبراء الآمرة بالوضوء بعد خروج مطلق الرطوبة بعد البول وإن لم يكن مسبوقاً بالجنابة وجوب الوضوء حينئذ ، بل مقتضى الموثقة نجاسة البلل أيضاً ، حيث دلّت على وجوب الاستنجاء معه ، نعم ذكر شيخنا الأنصاري في رسائله (5)أنّ الأخبار إنما


1) الوسائل 2 : 187 و 188 / أبواب الجنابة ب 7 ح 6 و 11 ، 196 و 197 / ب 9 ح 1 ، 2 ، 3.

2) الوسائل 2 : 251 / أبواب الجنابة ب 36 ح 8.

3) الوسائل 2 : 252 / أبواب الجنابة ب 36 ح 9.

4) الوسائل 1 : 282 / أبواب نواقض الوضوء ب 13.

5) الفرائد 2 : 423 صرّح الشيخ بنجاسة البلل من غير طريق الاستدلال بالموثّقة فراجع وتأمّل.

تدل على وجوب الوضوء مع البلل ولا دلالة لها على نجاسته ، إلاّ أنّ الموثقة حجّة عليه ، هذه جهة.

الجهة الثّانية في المقام : أنّ الأخبار الآمرة بالوضوء حينئذ موردها ما إذا احتملنا أن تكون الرّطوبة بولاً ، وأمّا إذا دار أمرها بين أن تكون منيّاً أو مذياً فلا يجب عليه الوضوء ، لأنّ الظّاهر من الأخبار أنّه من جهة احتمال خروج البول حينئذ.

على أنّا لو سلمنا إطلاق الأخبار وعدم اختصاصها بصورة احتمال كون الرّطوبة المشتبهة بولاً فالأخبار الحاصرة لانتقاض الوضوء بالبول والغائط والرّيح والنّوم (1)تقتضي تقييد المطلقات بصورة احتمال كون الرّطوبة بولاً لا محالة ، فإنّ دلالة الأخبار على انحصار النواقض بما ذكر دلالة وضعية لكلمة إنّما ونحوها ، والدّلالة الوضعيّة متقدّمة على الدلالة بالإطلاق ومقدّمات الحكمة كما لا يخفى ، وعليه فلو فرضنا أنّ الرّطوبة دارت بين المني والمذي لا يجب عليه الغسل ، لأنّه بال والبول لم يدع شيئاً من المني ، ولا يجب عليه الوضوء أيضاً ، لأنّها ليست ببول على الفرض.

بقي الكلام في الصّورة الثّالثة

وهي ما إذا بال قبل الاغتسال واستبرأ بالخرطات بعد البول ، وهي المراد بقول الماتن « ومع عدم الأمرين يجب الاحتياط » ، فإنّ الأمرين السابقين هما الغسل مع عدم الاستبراء بالبول أو مع عدم الاستبراء بالخرطات على تقدير الاستبراء بالبول وعدمهما يكون عبارة عن الغسل مع الاستبراء بكلّ من البول والخرطات. وهذه الصّورة تنقسم إلى صور :

الصورة الأُولى : ما إذا بال واستبرأ بالخرطات ثمّ اغتسل وخرجت منه رطوبة مشتبهة مردّدة بين المني وغير البول للقطع بعدم كونها بولاً ، فلا يجب عليه حينئذ شي‌ء من الغسل والوضوء ، أمّا عدم وجوب الغسل فلاستبرائه بالبول وهو لم يدع


1) الوسائل 1 : 245 و 246 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 2 ، 3 ، 248 / ب 2.

شيئاً ، وأمّا عدم وجوب الوضوء فللقطع بعدم كون الرّطوبة بولاً على الفرض.

الصورة الثّانية : الصورة مع تردّد الرّطوبة بين أن تكون بولاً أو غير مني أو بين البول والمني والمذي ، وفي هذه الصّورة أيضاً لا يجب عليه الغسل ، وذلك لأنّه استبرأ بالبول وهو لم يدع شيئاً ، وهل يجب عليه الوضوء حينئذ؟

فقد يتوهّم وجوبه تمسّكاً بإطلاق الأخبار الآمرة بالوضوء فيما إذا بال واغتسل وخرجت منه رطوبة مشتبهة ، لعدم تقييدها بصورة عدم الاستبراء بالخرطات ومقتضى إطلاقها حينئذ وجوب الوضوء (1).

ويندفع بأن الأخبار الآمرة بالوضوء (2)وإن كانت مطلقة ، إلاّ أنها معارضة في المقام بالأخبار الواردة في الاستبراء الدالّة على أنّه إذا بال واستبرأ بالخرطات وخرجت منه رطوبة مشتبهة لا يجب عليه الوضوء ، لأنّها من الحبائل (3)، والنسبة بينهما عموم من وجه ، لأنّ أخبار المقام تدل على أن من بال واغتسل وخرجت منه الرّطوبة المشتبهة يجب عليه الوضوء ، سواء استبرأ بالخرطات أم لم يستبرئ ومقتضى تلك الرّوايات الواردة في الاستبراء أنّه إذا بال واستبرأ بالخرطات ثمّ خرجت رطوبة مشتبهة لا يجب عليه الوضوء ، سواء أكان اغتسل قبل ذلك أم لم يكن قد اغتسل ، فيتعارضان في من اغتسل وقد استبرأ قبله بالبول والخرطات وخرجت منه رطوبة مشتبهة ، فمقتضى الاولى وجوب الوضوء كما أنّ مقتضى الثّانية عدم وجوبه. إلاّ أنّ الطائفة الثّانية تتقدّم على الطائفة الأُولى ، لقوّة دلالتها من حيث اشتمالها على التعليل بأنّها من الحبائل حينئذ ، وعليه فلا يجب عليه الوضوء كما لا يجب عليه الغسل ، هذا.


1) أورد نظير هذا التوهم مع جوابه في المستمسك 3 : 121.

2) الوسائل 2 : 250 و 251 و 252 / أبواب الجنابة ب 36 ح 1 و 7 و 8 و 9.

3) الوسائل 1 : 320 / أبواب أحكام الخلوة ب 11 ح 2 ، ص 282 و 283 و 286 / أبواب نواقض الوضوء ب 13 ح 2 و 3 و 10.

على أنّا لو سلمنا تكافؤهما فحيث إنّ تعارضهما بالإطلاق فلا مناص من تساقطهما ، وحيث إنّ الشبهة موضوعيّة فلا بدّ من الرّجوع فيها إلى الاستصحاب فترجع إلى استصحاب عدم وجوب الوضوء وعدم خروج البول منه ، وبما أنّ دلالة أدلّة الاستصحاب على عدم جواز نقض اليقين بالشكّ بالعموم ، لقوله في صحيحة زرارة « ولا ينقض اليقين بالشكّ أبداً » (1)، وكلمة أبداً تفيد العموم ، فلا محالة تتقدّم على المطلقات الواردة في المقام المقتضية لوجوب الوضوء في مفروض الكلام ، فبعموم أدلّة الاستصحاب نحكم بعدم وجوب الوضوء عليه.

وعلى الجملة إنّ النسبة بين أدلّة الاستصحاب والأخبار الواردة في المقام عموم من وجه ، حيث إنّها تدل على وجوب الوضوء فيما إذا بال قبل الغسل ، سواء أكان ذلك في موارد العلم الإجمالي كدوران الأمر بين البول والمني أم كان في غيرها كدوران الأمر بين المني والمذي أو بينهما وبين البول ، وهذا بخلاف الاستصحاب حيث إنّه لا يشمل موارد العلم الإجمالي بوجه ، فهو أخص من الأخبار من تلك الجهة. كما أنّ الأخبار أخص من الاستصحاب من جهة أُخرى ، لأنّها دلّت على وجوب الوضوء بعد الغسل ، والاستصحاب غير مقيّد بالغسل وعدمه ، فالأخبار أخص من الاستصحاب من هذه الجهة ، فتتعارض فيما إذا بال المكلّف بعد الإنزال واغتسل ثمّ خرجت رطوبة مردّدة بين البول والمني والمذي ، فإنّ الأخبار تقتضي وجوب الوضوء والاستصحاب يقتضي عدمه. وبما أنّ دلالة أدلّة الاستصحاب بالعموم ، ودلالة الأخبار بالإطلاق فيتقدّم الاستصحاب على الأخبار في مورد المعارضة ، لاشتماله على قوله « ولا ينقض اليقين بالشكّ أبداً » ، وعليه لا يجب عليه الوضوء في مفروض المسألة.

وأمّا الأخبار الواردة في الاستبراء بالخرطات وأنّ من بال واستبرأ فلا يبالي بما خرج منه بعد ذلك من الرّطوبات المشتبهة ، فقد يقال إنّها أجنبيّة عن المقام بالمرّة لأنّ موضوعها من بال واستبرأ بالخرطات ، وموضوع الأخبار الآمرة بالوضوء من


1) الوسائل 1 : 245 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1 ، 3 : 477 / أبواب النجاسات ب 41 ح 1.

أجنب وبال واغتسل ثمّ خرجت منه رطوبة مشتبهة ، فهما موضوعان متغايران.

إلاّ أنّه يندفع بأنّ إطلاق روايات الاستبراء يشمل صورة سبق الاغتسال أيضاً ، كما إذا أجنب ثمّ بال ثمّ اغتسل ثمّ خرجت رطوبة ، لأنّها غير مقيّدة بما إذا لم يغتسل بعد البول ، وعليه فهما متعارضان ، والنسبة بينهما أيضاً عموم من وجه ، لأنّ أخبار الاستبراء مقيّدة بما إذا استبرأ بالخرطات سواء أكان معه الغسل أم لم يكن ، وأخبار المقام مقيّدة بالغسل سواء أكان استبرأ بالخرطات أم لم يستبرئ ، فيتعارضان فيما إذا أجنب ثمّ بال واغتسل مع الاستبراء بالخرطات ، فإنّ الأخبار الواردة في المقام تقتضي وجوب الوضوء حينئذ ، لدلالتها على أنّ الرّطوبة المشتبهة ليس من المني ، لأنّ البول لم يدع شيئاً ، وتلك الأخبار تنفي وجوب الوضوء ، لدلالتها على أنّها ليست ببول لأنّه قد استبرأ بالخرطات ، فيتعارضان ويتساقطان ويبقى الاستصحاب سليماً عن المعارض ، وهو يقتضي عدم وجوب الوضوء كما مرّ.

واحتمال أنّ الاستصحاب بنفسه مورد المعارضة مع الأخبار الواردة في المقام مندفع بما مرّ ، من أنّه لا يشمل موارد العلم الإجمالي الّتي تشملها الأخبار الواردة في المقام وإنما يجري في غيرها ، وهو في غيرها أخص مطلق من الأخبار فيتقدّم عليها ، ومع ملاحظة جميع مواردها النسبة عموم من وجه أيضاً يتقدّم الاستصحاب لعموم أدلّته بخلاف الأخبار كما لا يخفى.

وأمّا ما أشرنا إليه من أنّ أخبار الاستبراء أقوى دلالة من أخبار المقام ، لاشتمالها على التعليل بأنّها من الحبائل فهو ليس كما ذكرناه ، إذ ليست الأخبار الواردة في الاستبراء بالخرطات مشتملة على هذا التعليل وإنما يشتمل عليه ما لم يذكر فيه الاستبراء بالخرطات.

والوجه في جعل الاستصحاب معارضاً مع الأخبار الواردة في المقام هو أنّ موضوع تلك الأخبار أيضاً هو الشكّ في خروج البول وعدمه ، فحكمها حكم الأصل. وأماريّة البول إنّما تقتضي عدم كون الخارج منيّاً ، وأمّا أنّه بول فلا ، لأنّ البحث في دوران الأمر بين الاحتمالات الثّلاثة المني والبول والمذي ، فمن المحتمل أنّه

مذي ، فلا يُقال إنّ في المقام أمارة على البوليّة ، فما معنى استصحاب عدم خروج البول ، لكنّك عرفت أنّ الاستصحاب ليس بنفسه مورداً للمعارضة مع الرّوايات الواردة في المقام ، لأنّه لا يشمل موارد العلم الإجمالي والأخبار تشملها ، وفي غير تلك الموارد يجري الاستصحاب ولكنه فيها أخص مطلق من الأخبار ، فيتقدّم عليها لا محالة.

ويبقى دفع توهّم نجاسة تلك الرّطوبة حينئذ ، فإن موثقة سماعة (1)الآمرة بالوضوء والاستنجاء الشاملة للمقام بإطلاقها تقتضي الحكم بنجاسة الرّطوبة المردّدة أيضاً ولكنه يندفع بعموم قوله « كلّ شي‌ء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر » (2)، لعدم العلم بقذارة الرّطوبة فيحكم بطهارتها ، لأنّه عام لمكان قوله « كلّ شي‌ء » يتقدّم على المطلقات فالمتحصل إلى هنا عدم وجوب شي‌ء من الغسل والوضوء في هذه الصّورة أيضاً.

الصورة الثّالثة : الصورة مع دوران أمر الرّطوبة بين البول والمني ، أعني موارد العلم الإجمالي بأنّه إمّا مكلّف بالغسل وإمّا مكلّف بالوضوء ، ولهذه الصّورة صور :

الاولى : ما إذا كان المكلّف متطهراً قبل خروج الرّطوبة المشتبهة ، كما لعله مفروض كلام الماتن قدس‌سره ، حيث لم يفرض بين الغسل وخروج الرّطوبة شيئاً ممّا يوجب الوضوء من بول أو نوم ونحوهما ، بل فرض أنّه بال واستبرأ واغتسل ثمّ خرجت منه رطوبة مشتبهة ، فهو متطهّر من الحدث الأكبر لغسله ، ومن الأصغر لعدم بوله أو نومه ونحوهما.

والمتعيّن في هذه الصّورة هو الجمع بين الغسل والوضوء ، للعلم الإجمالي بوجوب أحدهما ومعارضة استصحاب عدم خروج البول باستصحاب عدم خروج المني ، ومع تساقطهما لا بدّ من الجمع بينهما بقاعدة الاشتغال حتّى يقطع بالفراغ.


1) الوسائل 2 : 251 / أبواب الجنابة ب 36 ح 8.

2) الوسائل 3 : 467 / أبواب النجاسات ب 37 ح 4.

الثّانية : ما إذا جهل حاله ولم يدر أنّه كان متطهراً أم محدثاً ، والحال فيها كسابقتها لمعارضة الاستصحابين وقاعدة الاشتغال.

الثّالثة : ما إذا كان عالماً بحدثه قبل خروج الرّطوبة المشتبهة ، لأنّه بال أو نام بعد غسله ، واللاّزم حينئذ هو الوضوء ولا يجب عليه الغسل حينئذ ، والعلم بخروج البول أو المني غير مؤثر في شي‌ء ، إذ لا أثر لخروج البول حينئذ ، لأنّه كان مكلّفاً بالوضوء قبل خروج الرّطوبة أيضاً ، وكان مكلّفاً بغسل الموضع مرّة واحدة فحسب بناءً على ما هو المشهور من كفاية الغسل مرّة واحدة في جميع النجاسات ، وعليه فالخارج سواء أكان بولاً أم كان منيّاً لا يوجب إلاّ الغسل مرّة واحدة ، فهو عالم بوجوب الغسل مرّة على كلّ تقدير ، فلا أثر زائد على خروج البول حينئذ ، إلاّ أن يقال بلزوم تعدّد الغسل في البول دون المني فمقتضى استصحاب عدم خروج المني عدم كونه مكلّفاً بالغسل ، لأنّ مقتضى قوله تعالى : ( ... إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ... ) (1)أنّ الوضوء وظيفة من لم يكن جنباً ، فإذا نفينا جنابته بالأصل فهو مكلّف ليس بجنب فلا محالة يجب عليه الوضوء ، ولا يعارضه استصحاب عدم خروج البول ، إذ لا أثر لخروجه وعدمه.

وتوهّم أنّ استصحاب كلّي الحدث يقضي بوجوب الغسل والوضوء حينئذ حتّى يقطع بارتفاعه.

مندفع : بأنّه إنّما يجري فيما إذا لم يكن هناك أصل موضوعي حاكم عليه ، وفي المقام مقتضى استصحاب عدم خروج المني أو استصحاب بقاء حدثه الأصغر بحاله تعيين الرّطوبة المشتبهة في البول ، وأنّ حدثه كان هو الأصغر فقط ، هذا كلّه فيما إذا كان المكلّف جنباً واغتسل.

ومنه يظهر الحال في غير موارد الجنابة ، فإنّ غير الجنب إذا خرجت منه رطوبة مشتبهة أيضاً يأتي فيه ما قدّمناه ، لأنّه إذا كان بال ولم يستبرئ بالخرطات يتعيّن عليه


1) المائدة 5 : 6.

[687] مسألة 4 : إذا خرجت منه رطوبة مشتبهة بعد الغسل وشكّ في أنّه استبرأ بالبول أم لا ، بنى على عدمه فيجب عليه الغسل (1) والأحوط ضمّ الوضوء أيضاً (2).


الوضوء ، وأمّا إذا كان متطهّراً ودار أمر الرّطوبة بين البول والمني فلا بدّ من الجمع بين الغسل والوضوء كما قدّمناه (1).

إذا شكّ في الاستبراء بالبول

(1) وذلك لأنّ الموضوع للحكم بوجوب الغسل حينئذ مركّب من أمرين على ما دلّت عليه رواياته : أحدهما أن يكون جنباً اغتسل وخرجت منه رطوبة مردّدة وثانيهما عدم البول قبله ، حيث قال إذا اغتسل ولم يبل (2)، وكونه جنباً اغتسل وخرجت منه رطوبة مشتبهة محرز بالوجدان ، وعدم بوله يثبت بالاستصحاب ، فبضمّ الوجدان إلى الأصل نحرز أنّه اغتسل ولم يبل وخرجت منه رطوبة مشتبهة ، فيجب عليه الغسل.

(2) هذا يختص ببعض الصور المتقدّمة ، وهو ما إذا احتمل أن تكون الرّطوبة بولاً دون ما إذا علم بعدم كونها كذلك ، فإنّ احتمال كون الرّطوبة موجبة للوضوء مع العلم بعدم كونها بولاً مندفع بأخبار حصر النواقض كما مرّ (3).


1) راجع المسألة [458].

2) هذه العبارة مضمون روايات أوردها في الوسائل 2 : 250 / أبواب الجنابة ب 36.

3) تقدّم في ص 10.

[688] مسألة 5 : لا فرق في جريان حكم الرّطوبة المشتبهة بين أن يكون الاشتباه بعد الفحص والاختبار أو لأجل عدم إمكان الاختبار من جهة العمى أو الظلمة أو نحو ذلك (1).

[689] مسألة 6 : الرّطوبة المشتبهة الخارجة من المرأة لا حكم لها (2) وإن كانت قبل استبرائها ، فيحكم عليها بعدم الناقضيّة وعدم النجاسة ، إلاّ إذا علم أنّها إمّا بول أو مني.


عدم الفرق بين الفحص وعدمه

(1) لأنّ الأخبار الآمرة بالغسل فيما إذا خرجت الرّطوبة المشتبهة بعد الاغتسال من غير بول أو بعد البول من غير الاستبراء بالخرطات مطلقة تشمل ما إذا لم يتمكن المكلّف من الفحص وما إذا كان متمكناً من الفحص إلاّ أنّه فحص ولم يتمكن من التمييز.

لا حكم للرطوبة المشتبهة من المرأة

(2) لأنّ مورد الأخبار الواردة في أنّ الرّطوبة مني وموجبة للاغتسال ، أو بول وموجبة للوضوء فيما إذا اغتسل من غير بول أو من غير استبراء بالخرطات ، هو الرّجل وأنّه يخرج من إحليله كذا ، ولا يمكننا الحكم باشتراك المرأة معه ، لاحتمال أن يكون للرجل خصوصيّة في ذلك ، حيث إن خلقته غير خلقة النِّساء ، ولعل مخرج البول فيهن بحيث لا يتخلّف فيه بقايا البول أو المني ، ومعه استصحاب عدم خروج المني منها هو المحكّم في حقِّها وإن لم تستبرئ بشي‌ء ، فلا يجب عليها الغسل عند دوران أمر الرّطوبة بين كونها منيّاً أو غير مني ، كما لا يجب عليها الوضوء عند دوران أمرها بين كونها بولاً أو غير بول ، لاستصحاب عدم خروج البول منها.

نعم ، إذا دار أمرها بين المني والبول وجب عليها الجمع بين الغسل والوضوء فيما إذا

[690] مسألة 7 : لا فرق في ناقضيّة الرّطوبة المشتبهة الخارجة قبل البول بين أن يكون مستبرئاً بالخرطات أم لا ، وربما يقال : إذا لم يمكنه البول تقوم الخرطات مقامه ، وهو ضعيف (1).


كانت متطهّرة ، ويجب عليها الوضوء فقط فيما إذا كانت محدثة بالأصغر قبل خروج الرّطوبة.

وأمّا الاستدلال على عدم وجوب الغسل على المرأة بخروج البلل المشتبه بصحيحة منصور وسليمان بن خالد المرويتين بعدّة طرق عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « عن رجل أجنب فاغتسل قبل أن يبول فخرج منه شي‌ء ، قال عليه‌السلام : يعيد الغسل ، قلت : فالمرأة يخرج منها شي‌ء بعد الغسل؟ قال : لا تعيد ، قلت : فما الفرق بينهما؟ قال : لأنّ ما يخرج من المرأة إنما هو من ماء الرّجل » (1)ونحوه الصحيحة الأُخرى.

فيدفعه : أنّهما خارجتان عن محل الكلام ، وذلك لأنّ موردهما بقرينة التعليل ما إذا علمت المرأة أنّ الرّطوبة الخارجة منها مني إلاّ أنّها متردّدة في أنّها منها أو من الرّجل ، لما بيّنا سابقاً أنّ المرأة تحتلم كالرّجل (2)، وقد حكم فيها الإمام بأنّها من الرّجل ولو لأجل غلبة ذلك ، ومحل الكلام ما إذا لم تعلم أنّ الرّطوبة مني منها أو غير مني ، ولا دلالة للرواية على أنّ المرأة عند احتمالها لكون الرّطوبة منيّاً أو مذياً لا يجب عليها الاغتسال.

لا فرق بين الاستبراء بالخرطات وعدمه

(1) قدّمنا الكلام على ذلك (3)وقلنا إن التفصيل في المقام بين المتمكِّن من البول


1) الوسائل 2 : 201 / أبواب الجنابة ب 13 ح 1 ، 2.

2) تقدّم في فصل غسل الجنابة قبل المسألة [641].

3) في ص 8.

[691] مسألة 8 : إذا أحدث بالأصغر في أثناء غسل الجنابة (1) الأقوى عدم بطلانه (1)، نعم يجب عليه الوضوء بعده ، لكن الأحوط إعادة الغسل بعد إتمامه والوضوء بعده ، أو الاستئناف والوضوء بعده


وغير المتمكِّن منه ممّا لم يقم عليه دليل ، ولم يرد في رواية ولو ضعيفة ، فالمطلقات الآمرة بالغسل عند ترك البول قبل الاغتسال محكّمة.

وأمّا ما في صحيحة البزنطي « وتبول إن قدرت على البول » (2)فلا دلالة له على التفصيل بين المتمكن من البول وغيره ، وذلك لأنّها إنما تنهض حجّة على القول باشتراط الغسل بالبول قبله ، حيث تدل على صحّة الغسل ولو من غير بول ، وإلاّ لم يكن وجه لصحّته ممّن لا يقدر على البول.

وأمّا إذا قلنا بعدم الاشتراط وأنّ البول قبل الغسل فائدته عدم وجوب الغسل بعد خروج الرّطوبة المشتبهة فمن أين يستفاد منها أنّه إن لم يتمكن من البول لم يجب عليه الغسل ، وإن كان متمكناً وجب؟

فالصحيح أن يقال إنّ الصّحيحة إنّما وردت للدلالة على استحباب البول قبل الغسل في نفسه ، وأنّه إذا بال لم يجب عليه الغسل على تقدير خروج البلل المشتبه بعده ، فالتفصيل بين صورتي التمكّن وعدمه ممّا لا دليل عليه.

الإحداث بالأصغر في أثناء الغسل

(1) كما إذا اغتسل ترتيباً أو قلنا بمشروعيّة الغسل الارتماسي متدرجاً كما بنى عليه الماتن (3)قدس‌سره ، وفي المسألة أقوال :


1) (*) بل الظاهر بطلانه ووجوب استئنافه وإن كان الاحتياط لا ينبغي تركه ، نعم إذا أعاد الغسل ارتماساً كان الاحتياط ضعيفاً جدّاً.

2) الوسائل 2 : 247 / أبواب الجنابة ب 34 ح 3.

3) في المسألة [665].

الأوّل : عدم بطلان الغسل بذلك ، بل يتمّه ويضمّ إليه الوضوء في أثنائه أو بعده ذهب إلى ذلك جماعة منهم المحقّق (1)قدس‌سره ، واختاره في المتن.

الثّاني : عدم بطلانه وإتمام الغسل من غير وجوب الوضوء معه ، وهذا القول أيضاً اختاره جماعة منهم المحقّق الثّاني (2)قدس‌سره.

الثّالث : بطلان الغسل بالحدث في الأثناء ووجوب استئنافه من غير حاجة إلى ضمّ الوضوء إليه ، ذهب إليه الشيخ (3)والصّدوق (4)والعلاّمة (5)والشّهيد (6)قدس‌سرهم ، ونسبه بعضهم إلى المشهور (7).

أمّا القول الأوّل فالوجه فيه أنّ الحدث في أثناء الغسل لم يدل دليل على كونه ناقضاً للغسل في الأجزاء السابقة منه ، فإنّ الأخبار الواردة في كيفيّة الغسل (8)مع ورودها في مقام البيان ساكتة من بيان اعتبار عدم حدوث الحدث في أثنائه.

ودعوى أنّ الحدث كالبول بعد الغسل يبطل الغسل السابق ، فكيف لا يبطله فيما إذا وقع في أثنائه ، غير مسموعة لأنّ البول بعد الغسل لا يبطل الغسل ، وإنّما يمنع عن الدّخول في الصّلاة معه ، إلاّ أنّه وقع صحيحاً والجنابة قد ارتفعت به ، فلا يبطل به الغسل في الأجزاء السابقة منه ، ومع صحّتها يضمّ إليه غسل الأعضاء الباقية ، فهو غسل صحيح إلاّ أنّه يجب عليه الوضوء حينئذ للمطلقات الدالّة على أنّ الحدث سبب للوضوء وناقض للطّهارة ، وذلك في مثل قوله إن بلت فتوضّأ ، وإن نمت


1) الشرائع 1 : 32 / الفصل الأوّل في الجنابة ، المعتبر 1 : 196 / أحكام الجنب.

2) رسائل المحقّق الكركي 1 : 90 / الفصل الرّابع : الغسل.

3) النّهاية : 22 ، المبسوط 1 : 30.

4) الفقيه 1 : 49 / آخر باب صفة غسل الجنابة ، الهداية : 21.

5) منتهى المطلب 2 : 254 ، نهاية الإحكام 1 : 114 / في لواحق الغسل ، تذكرة الفقهاء 1 : 246.

6) غاية المراد 1 : 43 / المقصد الأوّل في الجنابة.

7) نسبه إلى المشهور ، الوحيد في حاشية المدارك على ما نقله في المستمسك 3 : 127.

8) الوسائل 2 : 229 / أبواب الجنابة ب 26.

فتوضأ (1)، وإنّما خرجنا عنها في مورد واحد وهو الحدث قبل غسل الجنابة ، لأنّه ممّا علمنا بعدم كونه سبباً للوضوء ، فإنّ غسل الجنابة ليس معه وضوء ، بمعنى أنّ ما ورد من أنّ غسل الجنابة ليس قبله ولا بعده وضوء (2)مختص بما إذا وقع الحدث قبل تمام الغسل لا قبل إتمامه أي في الأثناء ، وقد قدّمنا أنّ الأوامر الواردة في الوضوء ليست أوامر مولويّة ، وإنّما هي أوامر إرشاديّة إلى شرطيّة الوضوء للصلاة ، فمقتضى المطلقات أنّ الحدث مطلقاً يجب معه الوضوء ، أي أنّ الوضوء شرط للصلاة سواء تحقّق الحدث قبل الغسل أم في أثنائه أم بعده. نعم خرجنا عن ذلك في الحدث قبل الغسل إذ لا يشترط معه الوضوء في الصّلاة ، للأدلّة الدالّة على أنّ غسل الجنابة ليس قبله ولا بعده وضوء ، ومع كون الأوامر إرشاديّة لا يأتي فيها بحث التداخل بوجه.

وأمّا القول الثّاني فهو مشترك الوجه مع القول السّابق في الحكم بصحّة الغسل ، إذ لم يقم دليل على بطلان الغسل في الأعضاء السابقة بالحدث ، وإنّما يمتاز عنه في عدم إيجابه الوضوء معه ، ووجهه أنّ المطلقات الدالّة على أنّ البول أو غيره سبب للوضوء غير تامّة عند هذا القائل ، لتقييدها بما ورد من أن غسل الجنابة ليس قبله ولا بعده وضوء ، فإذا حكمنا بصحّة الغسل فهو غسل جنابة ليس معه وضوء صدر الحدث قبله أم في أثنائه.

وأمّا القول الثّالث فمدركه أنّ حدوث الحدث في أثناء الغسل يبطله ويجعله كالعدم ومعه لا مناص من استئنافه من غير حاجة إلى ضمّ الوضوء إليه ، وهذا القول الأخير هو الأقوى.

والوجه فيه قوله سبحانه ( ... إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ... ) (3)حيث دلّ على أنّ المكلّف الّذي قام إلى الصّلاة من النّوم أو من مطلق الحدث على قسمين جنب وغير جنب ، ووظيفة الجنب


1) الوسائل 1 : 245 - 256 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ، 2 ، 3.

2) الوسائل 2 : 246 / أبواب الجنابة ب 34.

3) المائدة 5 : 6.

الاغتسال ووظيفة غير الجنب الوضوء ، وحيث إنّ المكلّف في مفروض المسألة جنب لعدم تمام غسله ومن هنا لا يسوغ له المحرمات في حقّ الجنب وقد قام من الحدث فوظيفته الغسل ، ولا مناص له من أن يشرع فيه من الابتداء ، لأنّ ظاهر الأمر بالغسل إيجاده بتمامه لا إتمامه ، وهذا معنى كون الحدث ناقضاً للغسل في الأعضاء السابقة ، ومعه لا يجب عليه الوضوء أيضاً ، لأنّه وظيفة غير الجنب ووظيفة الجنب الاغتسال.

نعم ، الأحوط أن يأتي بالغسل في الأعضاء السابقة رجاءً لا بقصد الإتمام أو التمام لاحتمال عدم كون الحدث في أثناء الغسل مبطلاً له في الأعضاء المتقدّمة ، ويضمّ إليه الوضوء أيضاً بداعي احتمال اختصاص كفاية الغسل عن الوضوء بما إذا وقع الحدث قبل تمامه لا قبل إتمامه ، وبهذا يجمع بين جميع المحتملات ، إلاّ أنّه يختص بما إذا استأنف غسله الترتيبي بالغسل الترتيبي.

وأمّا إذا استأنف الترتيبي بالارتماسي فاحتمال صحّة الغسل في الأعضاء السابقة كاحتمال الحاجة إلى الوضوء يضعف غايته ، وذلك لأنّ احتمال صحّة الغسل في الأعضاء السابقة إنما هو فيما إذا أتى بالأجزاء الباقية وضمّها إليها ، وأمّا إذا رفع يده عن تلك الأجزاء المتقدّمة والشارع أيضاً رخص له في ترك إتمامه غسله الترتيبي فلا يحتمل صحّته ، لأنّه مركب ارتباطي ، ومع عدم ضمّ الأجزاء الباقية إلى سابقتها يبطل لا محالة ، والمفروض أنّ الشّارع رخّص له في رفع اليد عمّا أتى به ترتيباً حتّى مع القطع بصحّته فضلاً عما إذا شكّ فيها ، لجواز العدول من الترتيبي إلى الارتماسي ، بمعنى أنّ التخيير بينهما ليس تخييراً بدوياً بل استمراري ، وله أن يرفع يده عن غسله الترتيبي ويرتمس في الماء ، وبه نقطع بفساد الغسل في الأجزاء المتقدّمة ، ويكون ما عدل به من الغسل الارتماسي مأموراً به قطعاً ، ويأتي به بنيّة التمام ، ولا حاجة معه إلى نيّة الرّجاء في الأعضاء السابقة ، كما لا يحتاج إلى ضمّ الوضوء إليه ، لصحّة غسله الارتماسي ومعه لا يحتاج إلى الوضوء ، إذ لم يقع الحدث في أثنائه ، والأجزاء المأتي بها سابقاً بطل فيها الغسل على الفرض.

وكذا إذا أحدث في سائر الأغسال (1)(1).


الإحداث بالأصغر بين بقيّة الأغسال

(1) كغسل الحيض ومسّ الميت وغيرهما ، وتوضيح الكلام في هذه المسألة أنّ فيها بحثين تختلف النتيجة باختلافهما.

أحدهما : أنّ المكلّف إذا كان متطهراً فمس الميت مثلاً أو حدث عليه غيره من أسباب الأحداث الكبيرة ، فهل يكون مس الميت أو غيره من الأحداث الكبيرة ناقضاً لطهارته كما في البول والرّيح والمني ، أو لا تكون ناقضة لطهارته؟

ثانيهما : أنّ المكلّف إذا كان محدثاً فأحدث بغير الجنابة من الأحداث الكبيرة ، فهل يكون الاغتسال منها مغنياً عن الوضوء أو لا يكون ، بل لا بدّ معها من أن يتوضأ بعد الغسل أو قبله؟

أمّا البحث الأوّل فقد تقدّم الكلام فيه في بحث الوضوء (2)وقلنا إنّ مقتضى حصر النواقض بما تخرج من الطرفين والنوم أعني الرّيح والغائط والبول والمني عدم انتقاض الطّهارة بالأحداث الكبيرة في غير الاستحاضة المتوسطة لما يأتي من أنّها ناقضة للطهارة كالجنابة (3).

وأمّا البحث الثّاني فالصحيح فيه أنّ كلّ غسل وجوبي أو استحبابي يغني عن الوضوء إذ أيّ وضوء أنقى من الغسل غير غسل الاستحاضة المتوسطة ، وتفصيل الكلام في ذلك يأتي بعد التكلّم في الأغسال إن شاء اللّه تعالى (4).


1) (*) لا يبعد جواز رفع اليد عمّا بيده والإتيان بغسل ارتماسي ، وسيأتي أنّه يكفي عن الوضوء في غير غسل الاستحاضة المتوسطة.

2) تقدّم قبل المسألة [462].

3) يأتي في المسألة [787].

4) يأتي التفصيل في ص 402 ، وتأتي الإشارة في المسألة [820] ، [1055].

وعليه لو قلنا إنّ الأحداث الكبيرة ناقضة للوضوء وكان المكلّف قد أحدث بالأصغر في أثناء غسل مس الميت أو الحيض أو غيرهما فلا يترتّب على حدثه ذلك أثر ولا يجب عليه بذلك الحدث الوضوء بعد الغسل ، لأنّه سواء أحدث في الأثناء أم لم يحدث يجب عليه الوضوء بحدثه الأكبر ، لأنّ المفروض أنّه ناقض للطهارة كالبول.

ودعوى : أنّ أثر الحدث الأصغر في أثناء الغسل بطلان الغسل في الأعضاء السابقة وعدم كفاية ضمّ الغسل في الأعضاء الباقية إليه فلا مناص من استئنافه.

مندفعة بأنا إنّما التزمنا بذلك في غسل الجنابة لأجل الآية المباركة كما مرّ (1)، وأمّا في غيره من الأغسال فلم يدل دليل على أنّ الحدث الأصغر في الأثناء موجب لبطلان الغسل في الأعضاء السابقة ، بل حاله في الأثناء حال الحدث بعد الغسل ، فكما أنّه لا يوجب بطلان الغسل السابق كذلك الحدث الواقع في أثنائه ، وعليه فلا بدّ من إتمام غسله والوضوء بعده أو قبله.

فإن قلت : إنّ الغسل وإن لم يبطل بالحدث في أثنائه إلاّ أنّه لا إشكال في أنّ الحدث الأصغر في نفسه سبب مستقل للوضوء ، وبما أنّ الحدث الأكبر أيضاً سبب له على الفرض ، لأنّه يوجب انتقاض الطّهارة كالبول وإن كان سبباً للغسل أيضاً ، فهناك سببان مستقلان للوضوء ، والأصل عدم التداخل ، ومعه لا بدّ من إتمام غسله وضمّ وضوءين إليه.

قلت : لو تمّ هذا المدعى وجب الغسل مع الوضوءين مطلقاً ، بلا فرق في ذلك بين الحدث الأصغر في أثناء الغسل والحدث الأصغر قبله أم بعده ، لأنّه سبب مستقل على كلّ حال ، كما أنّ الحدث الأكبر سبب ، والأصل عدم التّداخل ، ولا يمكن الالتزام بوجوب الغسل مع الوضوءين بوجه.

وحلّ ذلك أنّ أصالة عدم التّداخل إنّما هي فيما إذا كان الأمران تكليفيين مولويين كما إذا ورد إن ظاهرت فكفّر ، وإن أفطرت فكفّر ، فيقال في مثله إنّ المكلّف إذا ظاهر


1) مرّ في الصفحة 21.

وأفطر وجبت عليه كفّارتان ، لأنّ الأصل عدم التّداخل ، وأمّا في الأوامر الإرشاديّة إلى الشرطيّة فحسب كما هو الحال في المقام لأنّ معنى الأمر بالوضوء على تقدير البول أو مسّ الميت ونحوهما عدم جواز الدّخول في الصّلاة حينئذ من غير وضوء ، فلا مجال فيه لأصالة عدم التّداخل كما مرّ تحقيقه غير مرّة (1)، بل مقتضى إطلاق الدّليل في مثله التداخل ، لعدم تقييد الوضوء بفرد دون فرد ، ومن هنا لا يجب عليه غير وضوء واحد فيما إذا بال مرّتين أو نام وبال ، هذا إذا كان المكلّف متطهّراً.

وأمّا إذا كان محدثاً فاغتسل وأحدث في أثنائه وبنينا على أنّ غير غسل الجنابة لا يغني عن الوضوء فأيضاً الأمر كما قدّمناه ، فإنّ الوضوء واجب في حقّه سواء أحدث في أثناء غسله أم لم يحدث ، وقد مرّ أنّه لا دليل على بطلان غسله بالحدث الأصغر في أثنائه ، وعليه فيجب عليه إتمام الغسل مع الوضوء.

وأمّا إذا قلنا إنّ كلّ غسل يغني عن الوضوء كما هو الصّحيح غير غسل الاستحاضة المتوسطة فأيضاً لا كلام في صحّة غسله ، لما مرّ من أنّ الحدث الأصغر لا دليل على كونه موجباً لبطلان الغسل في الأجزاء السابقة ، إلاّ أنّ الصّحيح حينئذ وجوب الوضوء بعده أو في أثنائه ، لأنّ بقيّة الغسل ليست بغسل حتّى يكون أنقى من الوضوء ، وإنّما الدّليل دلّ على أنّ الغسل يغني عن الوضوء ، وليس غير الغسل التامّ بغسل ، فإطلاقات أدلّة وجوب الوضوء بعد البول محكّمة ، فلا مناص من أن يتمّ غسله ويضمّ إليه الوضوء أيضاً.

اللّهمّ إلاّ أن يعدل عن التّرتيبي إلى الارتماسي ، بأن يرفع يده عن غسله في الأجزاء السابقة ، لأنّه أمر سائغ له على الفرض ، وهو مخيّر بينهما في أثناء الغسل كما كان مخيراً بينهما قبله ، فلا يجب الوضوء حينئذ ، لأنّ ارتماسه غسل صحيح ، لقوله عليه‌السلام « إذا ارتمس ارتماسة واحدة أجزأه ذلك » (2)، ومع الغسل الصّحيح التام لا يجب الوضوء ، لأنّ الغسل أنقى من الوضوء ، هذا.


1) مرّ في المسألة [237] ، وسيأتي في الصفحة 43.

2) الوسائل 2 : 230 / أبواب الجنابة ب 26 ح 5 ، 12 ، 13 ، 15 كلّها بمضمونه.

ولا فرق بين أن يكون الغسل ترتيبيّاً أو ارتماسيّاً (1) إذا كان على وجه التّدريج (1)


وربما يستدلّ على بطلان الغسل في الأعضاء السابقة بالحدث الأصغر الواقع في أثنائه بمرسلة الصدوق عن الصّادق عليه‌السلام حيث قال فيها « إذا أردت ذلك فإن أحدثت حدثاً من بول أو غائط أو ريح أو منيّ بعد ما غسلت رأسك من قبل أن تغسل جسدك فأعد الغسل من أوّله » (2)، وبرواية الفقه الرضوي (3)الّتي هي أيضاً بمضمون المرسلة.

إلاّ أنّ المرسلة ضعيفة بإرسالها ، والفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلاً عن اعتبارها ، نعم على تقدير كونهما معتبرتين لدلّتا بإطلاقهما على بطلان غير غسل الجنابة أيضاً بالحدث الأصغر في أثنائه.

عدم الفرق بين التّرتيبي والارتماسي في المسألة

(1) يأتي فيه ما قدّمناه في التّرتيبي بعينه ، ففي غسل الجنابة لا بدّ وأن يستأنف غسله ، بخلاف غسل غير الجنابة ، إذ لا دليل على بطلان غيره من الأغسال بالحدث الأصغر في أثنائه ، إلاّ أنّه يضم إليه الوضوء من جهة الحدث الأصغر. اللّهمّ إلاّ أن يعدل عما بيده إلى الارتماسي [ الدفعي ] فإنّه يصح ويغني عن الوضوء في غسل الجنابة وغيره ، بناءً على أنّ كلّ غسل يغني عن الوضوء في غير غسل الاستحاضة المتوسطة.


1) (*) تقدّم أنّه يعتبر في صحّة الارتماسي التدريجي الدفعة العرفيّة ، وعليه يجوز للمغتسل رفع اليد عن المقدار المتحقّق ولو بخروجه من الماء ثمّ الاغتسال ارتماساً أو ترتيباً ، ومعه لا حاجة إلى الوضوء في غسل الجنابة قطعاً.

2) الوسائل 2 : 238 / أبواب الجنابة ب 29 ح 4.

3) المستدرك 1 : 474 / أبواب الجنابة ب 21.

وأمّا إذا كان على وجه الآنيّة (1) فلا يتصور فيه حدوث الحدث في أثنائه.


تقارن الحدث الأصغر مع الارتماسي

(1) كما هو الصّحيح ، حيث قدّمنا أنّه أمر آنيّ عقلي غير قابل للتجزية (1)، وعليه فلا معنى لوقوع الحدث الأصغر في أثنائه ، إذ لا أثناء له حتّى يقع الحدث في أثنائه. نعم يمكن أن يقارنه الحدث الأصغر ، بأن يتحقّق الحادثان مقترنين ، وهذا لا ينافي عدم إمكان وقوع أحدهما في أثناء الآخر لبساطته ، إذ لا مانع من أن يكون البسيط مقارناً لأمر آخر بحسب الزّمان ، وهل يكون هذا موجباً لبطلان غسل الجنابة كما كان هو الحال في الغسل التّرتيبي أو الارتماسي التّدريجي أو لا يكون؟

التحقيق صحّة الغسل حينئذ وعدم بطلانه بمقارنة الحدث الأصغر معه ، وذلك لأنّ نسبة الغسل إلى ارتفاع الجنابة كنسبة العلّة إلى معلولها ونسبة الحكم إلى موضوعه ومن البديهي أنّ التقدّم في العلّة ومعلولها وكذا في الحكم وموضوعه طبعي رتبي ، وأمّا بحسب الزّمان فهما متقارنان ، لاستحالة تخلّف المعلول عن علّته والحكم عن موضوعه ، وعليه فالمكلّف حينما يغتسل محكوم بارتفاع جنابته ، وبما أنّ الحدث الأصغر مقترن مع الغسل فهو مقترن مع ارتفاع الحدث والجنابة لا محالة ، فالحكم بكونه محدثاً بالحدث الأصغر إنما هو في زمان الحكم بعدم جنابته ، ومن الواضح أنّ وظيفة المحدث بالحدث الأصغر غير الجنب هو التوضؤ دون الاغتسال ، كما قدّمنا تقريبه عند الاستدلال بالآية المباركة (2).

نعم ، لو قلنا باعتبار المرسلة ورواية الفقه الرّضوي وتعدّينا عن موردهما الّذي هو الغسل التّرتيبي إلى المقام لأمكن الحكم ببطلان غسل الجنابة حينئذ ، إلاّ أنّك عرفت عدم تماميّة شي‌ء منهما.


1) تقدّم في المسألة [665].

2) تقدّم في الصفحة 21.

[692] مسألة 9 : إذا أحدث بالأكبر في أثناء الغسل فإن كان مماثلاً للحدث السّابق كالجنابة في أثناء غسلها أو المس في أثناء غسله فلا إشكال في وجوب الاستئناف ، وإن كان مخالفاً له فالأقوى عدم بطلانه ، فيتمّه ويأتي بالآخر ، ويجوز الاستئناف بغسل (1)واحد لهما ويجب الوضوء بعده (2)إن كانا غير الجنابة أو كان السابق هو الجنابة (3)حتّى لو استأنف وجمعهما بنيّة واحدة على الأحوط ، وإن كان اللاّحق جنابة فلا حاجة إلى الوضوء ، سواء أتمّه وأتى للجنابة بعده أم استأنف وجمعهما بنيّة واحدة (1).


وقوع الحدث الأكبر في أثناء الغسل وصوره

(1) للمسألة صور : فإنّ الحدث الأكبر الواقع في أثناء الغسل إمّا أن يكون متماثلاً مع الحدث السابق ، كما إذا خرج منه المني في أثناء غسله من الجنابة ، أو مسّ الميت في أثناء غسله من المس وهكذا ، وإمّا أن يكون مخالفاً له ، وعليه فقد يكون المتقدّم هو الجنابة وما وقع في الأثناء غير الجنابة ، وقد يكون المتقدّم غير الجنابة والمتأخر هو الجنابة ، وثالثة يكون المتقدِّم والمتأخِّر كلاهما غير الجنابة.

أمّا إذا كان المتأخر والمتقدّم متماثلين فلا ينبغي الإشكال في أنّ المتأخر موضوع مستقل للحكم بوجوب الاغتسال ، وظاهر الأمر بالغسل حينئذ إيجاده من الابتداء فلا يكفي تتميم الغسل السابق في ارتفاع حدثه ، فيجب عليه حينئذ أن يستأنف غسله ، ففي غسل الجنابة لا يجب عليه الوضوء حينئذ ، لأنّه مغن عنه ، وأمّا في غيره فيبتني على القول بأنّه يغني عن الوضوء أو لا يغني ، وحال المكلّف حينئذ من هذه الجهة حال ما إذا لم يكن له إلاّ حدث واحد ولم يطرأ عليه الحدث الثّاني في أثناء غسله.


1) () ارتماساً ، وأمّا التّرتيبي فيقصد به رفع الحدث الموجود على النحو المأمور به في الواقع.

2) () على الأحوط ، ولا يبعد عدم وجوبه في غير غسل الاستحاضة المتوسطة كما سيأتي.

3) () إذا كان الاستئناف بغسل ارتماسي كان الاحتياط في هذا الفرض ضعيفاً.

وأمّا إذا كان المتقدّم والمتأخر متخالفين فقد تقدّم أنّ له صوراً ثلاثاً ، ولا إشكال في جميع تلك الصور في عدم بطلان الغسل في الأعضاء السابقة بالحدث الأكبر الواقع في أثنائه ، لأنّه لا دليل عليه ، وإنّما الكلام في أنّه هل يوجب الوضوء أو لا يوجبه؟

أمّا الصورة الأُولى ووقوع الحدث غير الجنابة في أثناء غسل الجنابة ، كما إذا مسّ الميت في أثناء غسل الجنابة ، فإن قلنا إنّ الأحداث الكبيرة غير الجنابة أيضاً من نواقض الوضوء فهي في أنفسها توجب الوضوء ولا رافع له ، لأنّ غسل الجنابة إنّما يغني عن الوضوء فيما إذا وقع بتمامه بعد الحدث ، وأمّا إذا وقع بعضه بعد الحدث فلا يوجب رفعه ، ومعه لا بدّ من أن يتمّ غسله ثمّ يغتسل لمسّ الميت ويضمّ إليه الوضوء أيضاً ، نعم له أن يرفع يده عن غسله ويعدل إلى الارتماس فإنّه حينئذ يكفي عن كلا الحدثين كما يغني عن الوضوء أيضاً.

وأمّا إذا لم نقل بكونها من النواقض ، فسواء قلنا بكونها مغنية أم لم نقل لا يجب عليه الوضوء في مفروض المسألة ، لأنّ غسل الجنابة ليس قبله ولا بعده وضوء ، ولم يحدث سبب يقتضي الوضوء ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون المكلّف محدثاً بالأصغر قبل حدثه الأوّل أم كان متطهراً منه.

وأمّا الصّورة الثّانية أعني ما إذا كان الحدث الواقع في الأثناء هو الجنابة والحدث الأوّل غير الجنابة ، كما إذا أجنب في أثناء غسل مسّ الميت ، فلا إشكال في عدم وجوب الوضوء عليه ، لأنّه لا بدّ من أن يغتسل للجنابة في أثناء غسله أم بعده وغسل الجنابة يغني عن الوضوء.

وله في هذه الصّورة أيضاً أن يرفع يده عن غسله ويأتي بغسل الجنابة بعد ذلك لأنّه يرفع جميع الأحداث الطارية عليه سواء قصدها أم لم ينوها ، لما يأتي من أنّ غسل الجنابة يرفع ما تقدّم عليه من الأحداث ، وهذه الصّورة أيضاً لا يفرق فيها بين ما إذا كان المكلّف متطهراً قبل حدثه الأوّل أم كان محدثاً.

وأمّا الصّورة الثّالثة بأن يكون الحدثان كلاهما غير الجنابة ، كما إذا مسّت المرأة ميتاً في أثناء اغتسالها من النّفاس ، فإن كان المكلّف متطهراً قبل حدثه السابق وقلنا

إنّ الحدث الأكبر غير الجنابة ليس من نواقض الوضوء ولا يوجبه كما هو الصّحيح فلا موجب لتوهم وجوب الوضوء عليه ، لأنّه كان متطهراً على الفرض ، وما وقع من الحدثين غير ناقض ولا موجب للوضوء ، فطهارته باقية بحالها.

وأمّا إذا كان محدثاً قبل حدثه السّابق وقلنا أنّ الحدثين غير ناقضين ولا موجبين للطهارة فلا مناص من أن يتوضأ ، لأنّه محدث بالأصغر ولم يطرأ ما يرفعه.

وأمّا إذا قلنا إنّ الأحداث الكبيرة غير الجنابة موجبة للطهارة ومغنية عن الوضوء فأيضاً لا يجب عليه الوضوء ، لاغتساله من الحدثين ، وهما يغنيان عن الوضوء ، وإن قلنا بالتفصيل في ذلك بين الأحداث ولم نقل بإغناء بعضها عن الوضوء ، كغسل الاستحاضة المتوسطة مثلاً ، فلا بدّ من التفكيك في المقام والحكم بعدم وجوب الوضوء في غسل الاستحاضة المذكورة والحكم بوجوبه فيه.

بقي الكلام في شي‌ء وإن ظهر حكمه ممّا تقدّم ، وهو ما إذا أحدث بالحدث الأكبر في أثناء الوضوء ، فهل يجب عليه إتمامه أو لا بدّ من استئنافه الوضوء؟

إذا كان الحدث الطارئ هو الجنابة فلا إشكال في بطلان وضوئه ، لأنّ المني من جملة النواقض ، وليس له إتمامه لأنّه محدث وهو جنب ، والمحدث الجنب يجب عليه الغسل بمقتضى الآية المباركة (1)دون الوضوء.

وأمّا إذا كان غير الجنابة فإن قلنا إنّها من النواقض كالبول والغائط فأيضاً لا كلام في بطلان الوضوء بها ، ويجب عليه استئنافه كما يجب عليه أن يغتسل من الحدث الطارئ في الأثناء ، وأمّا إذا لم نقل بكونها من النواقض كما لا نقول به لأدلّة حصر النواقض فلا وجه لبطلان وضوئه ، بل له أن يتمّه ويغتسل من حدثه ، نعم إذا قلنا بإغناء كلّ غسل عن الوضوء لا يجب عليه التوضؤ فيما إذا اغتسل من حدثه الطارئ في أثناء وضوئه ، لأنّه يغني عن الوضوء.


1) المائدة 5 : 6.

[693] مسألة 10 : الحدث الأصغر في أثناء الأغسال المستحبّة أيضاً لا يكون مبطلاً لها (1) ، نعم في الأغسال المستحبّة لإتيان فعل (2) كغسل الزّيارة والإحرام لا يبعد البطلان ، كما أنّ حدوثه بعده وقبل الإتيان بذلك الفعل كذلك كما سيأتي.


وقوع الحدث الأصغر في أثناء الغسل المستحب

(1) لأنّ الحال فيها هو الحال في الأغسال الواجبة من تلك الجهة ، نعم يجب عليه التوضؤ بعد إتمام غسله أو في أثنائه ، لفرض أنّه قد أحدث بالبول ونحوه ، ولا يرفعه إتمام غسله الاستحبابي ، لأنّا لو قلنا بإغناء كلّ غسل عن الوضوء فإنّما هو فيما إذا وقع الغسل بعد الحدث ولو كان غسلاً ندبيّاً ، دون ما إذا وقع الحدث في أثنائه ، اللّهمّ إلاّ أن يعدل عن التّرتيبي إلى الارتماسي ، فإنّه يغني عن الوضوء حينئذ بناءً على ما هو الحق من إغناء كلّ غسل عن الوضوء.

(2) بأن اعتبر فيه طهارة خاصّة وهو الطّهارة الحاصلة من الغسل ، أو اعتبر فيه بقاء غسله بأن يكون على غسل ، فلا يكفي فيه الطّهارة الحاصلة بالوضوء ، ومن هنا لو اغتسل له ثمّ بعد ذلك بال أو نام لم يحصل به شرط ذلك العمل وإن توضأ بعد ذلك لأنّ شرطه الطّهارة الحاصلة بالغسل لا مطلق الطّهارة ، وحينئذ إذا وقع الحدث الأصغر في أثناء غسله للإحرام أو للزيارة أو غيرهما من الأفعال والجامع هو الأغسال الفعليّة فهل يبطل بذلك غسله فليس له أن يدخل في ذلك العمل بإتمامه أو له ذلك إذا أتمّه؟

لم يستبعد البطلان في المتن ، وهو الصّحيح بل هو الأظهر ، وذلك لأنّا وإن التزمنا بأنّ الغسل يغني عن الوضوء إلاّ أنّه فيما إذا وقع الغسل بعد الحدث ، وأمّا ما وقع منه في أثنائه فإتمام الغسل فيه لا يوجب ارتفاعه ، وحيث إنّه بال في أثناء غسله والغسل لم يرفع حدثه ، ومن هنا لم يجز له الدّخول في الصّلاة بعد غسله هذا ، فهو حينئذ أي إذا أتمّ غسله فلا محالة يقع صحيحاً ، لأنّ الحدث الأصغر الواقع في أثنائه لا يبطله

[694] مسألة 11 : إذا شكّ في غسل عضو من الأعضاء الثّلاثة أو في شرطه قبل الدّخول في العضو الآخرة رجع (1)وأتى به (1)


ومن هنا له أن يكتفي به في الأغسال الزمانيّة كغسل يوم الجمعة أو ليلة كذا ، إلاّ أنّه محدث لا محالة ، فلو دخل في الإحرام أو غيره من الأعمال المشترطة بالطّهارة الحاصلة من الغسل فقد دخل فيه محدثاً وغير واجد لشرطه ، وإن توضأ ارتفع حدثه بذلك ، إلاّ أنّه طهارة وضوئيّة وشرط العمل هو الطّهارة الحاصلة من الغسل دون الوضوء ، فلا مناص له إلاّ أن يستأنف غسله حتّى يحصل له الطّهارة الغسليّة ، فلو استأنفه بنحو العدول من التّرتيب إلى الارتماس كان أحوط.

الشكّ في غسل عضو من أعضاء الغسل

(1) لا إشكال ولا خلاف في أنّ الشكّ في صحّة العمل وفساده بعد الفراغ عنه مورد لقاعدة الفراغ ، كما أنّ الشكّ في وجود شي‌ء بعد الدّخول في الغير المرتّب عليه مورد لقاعدة التّجاوز ، فيعتبر في قاعدة الفراغ أن يكون الشكّ في فساد العمل وصحّته ، إذ يعتبر فيها إحراز المضي ، وهو لا يتحقق مع الشكّ في أصل الوجود ، كما يعتبر في قاعدة التّجاوز الشكّ في وجود الشي‌ء وعدمه بعد الدّخول في الغير المرتب عليه ، أي بعد التّجاوز عن محل المشكوك فيه.

فعلى هذا إذا فرغ عن غسله وشكّ في صحّة ما أتى به أو فساده لاحتماله الإخلال بجزء أو بشرط لا يعتني بشكّه ذلك ، بل يبني على صحّته لقاعدة الفراغ ، وأمّا إذا شكّ في أصل وجوده وأنّه أتى به أم لم يأت به فلا بدّ من أن يعتني بشكّه ذلك ، لاستصحاب عدم إتيانه بالغسل ، وليس المورد من موارد قاعدة التّجاوز ، لعدم التّجاوز عن محل المشكوك فيه ، إذ لا محل شرعي للغسل المأمور به حتّى إذا اعتاد


1) (*) لا يبعد عدم وجوب الرّجوع إذا كان المشكوك فيه هو الشّرط.

وإن كان بعد الدّخول فيه لم يعتن به ويبني على الإتيان على الأقوى ، وإن كان الأحوط الاعتناء ما دام في الأثناء ولم يفرغ من الغسل ، كما في الوضوء. نعم ، لو شكّ في غسل الأيسر (1)أتى به وإن طال الزّمان ، لعدم تحقّق الفراغ حينئذ ، لعدم اعتبار الموالاة فيه ، وإن كان يحتمل عدم الاعتناء إذا كان معتاد الموالاة.


الغسل في محل ، كما إذا كان من عادته الاغتسال بعد الجنابة بلا فصل لكراهة البقاء على الجنابة في النّوم مثلاً وقد شكّ في الإتيان به بعد قيامه من النّوم ، وذلك لأنّه حينئذ وإن كان قد تجاوز عن المحل الاعتيادي للاغتسال ، إلاّ أنّا ذكرنا في الأُصول أنّ التّجاوز عن المحل الاعتيادي ممّا لا أثر له ، والمعتبر هو التّجاوز عن المحل المقرّر الشرعي (2)، وبما أنّ الغسل لا محل له فلو شكّ في وجوده لا بدّ من أن يعتني بشكّه هذا كلّه إذا شكّ بعد الفراغ عن العمل.

وأمّا إذا شكّ وهو في أثنائه في أنّه أتى بجزء من أجزائه أم تركه ، فإن كان دخل في الجزء المترتب عليه لم يعتن بشكّه لقاعدة التّجاوز ، وأمّا إذا كان في المحل ولم يدخل في جزء مترتب عليه فلا مناص من أن يعتني بشكّه ويأتي بالمشكوك فيه ، للاستصحاب أو قاعدة الاشتغال بل لنفس أدلّة قاعدة التّجاوز ، حيث دلّت على أنّ الشكّ إنّما هو في شي‌ء لم تجزه (3)، هذا إذا كان شكّه في الجزء.

وأمّا إذا شكّ في شرط من شروط الجزء أو العمل فعلى ما قدّمناه في محله من عدم اختصاص قاعدة الفراغ بالمركبات وإتيانها في الأجزاء (4)أيضاً لا يعتني بشكّه ذلك بل يبني على صحّة ما أتى به لقاعدة الفراغ ، وذلك لعموم أدلّتها وأنّ « كلّ ما شككت


1) (*) بناءً على عدم اعتبار التّرتيب بين الجانبين يكون حكم الشكّ في غسل الأيمن حكم الشكّ في غسل الأيسر بعينه ، واحتمال عدم الاعتناء بالشكّ لمعتاد المبالاة ضعيف جدّاً.

2) مصباح الأُصول 3 : 315.

3) الوسائل 1 : 469 / أبواب الوضوء ب 42 ح 2.

4) مصباح الأُصول 3 : 273 ، 277.

فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو » (1)نعم بناءً على اختصاصها بالمركب كما بنى عليه شيخنا الأُستاد قدس‌سره (2)لا تجري القاعدة في المقام ، ولا بدّ من الاعتناء بشكّه.

ومن لم يقل بجريان قاعدة التّجاوز عند تجاوز المحل والدّخول في الجزء الآخر المترتب عليه إنّما استند إلى أنّ المأمور به في الوضوء إنّما هو الطّهارة ، وهي أمر بسيط لا معنى للشك فيه في أثنائه ، إذ ليس له أجزاء ليعقل الشكّ في جزء منه بعد الدّخول في جزئه الآخر ، وإنّما هي أمر واحد بسيط إمّا أن يوجد وإمّا أن ينعدم ، فما دلّ (3)على عدم جريان القاعدة في الوضوء على طبق القاعدة ، وكذلك الحال في الغسل والتّيمم ، لوحدة المناط في الجميع. وهذا هو الّذي ذهب إليه شيخنا الأنصاري قدس‌سره (4).

وقد أجبنا عنه في محله بأن الوضوء والغسل والتيمم هي الطّهارة بعينها ، لأنّها اسم لتلك الأفعال الصّادرة في الخارج من المسحات والغسلات ، وهي أُمور مركّبة لا مانع من الشكّ في جزء منها بعد الدّخول في جزء آخر ، بل الأمر كذلك حتّى إذا قلنا أنّ الطّهارة أمر بسيط وتلك الأفعال أسباب لها ، وذلك لأنّها أسباب شرعيّة تعبديّة لا مانع من إجراء قاعدة التّجاوز فيها عند الشكّ في أجزائها ، فما دلّ على عدم جريان القاعدة في الوضوء على خلاف القاعدة ، فلا بدّ من الاقتصار فيه على مورده وهو الوضوء دون الغسل والتّيمم (5).

وقد ذكر شيخنا الأُستاذ قدس‌سره وجهاً آخر ، وهو أنّ أدلّة اعتبار قاعدة التّجاوز مختصّة بالصّلاة ، فعدم جريانها في الوضوء والغسل والتّيمم على القاعدة لقصور الدّليل (6).


1) الوسائل 8 : 237 / أبواب الخلل الواقع في الصّلاة ب 23 ح 3.

2) أجود التقريرات 2 : 467 / الرّابع من وجوه تغاير قاعدة الفراغ والتّجاوز.

3) الوسائل 1 : 470 / أبواب الوضوء ب 42 ح 3.

4) كتاب الطّهارة : 161 السطر 25 ، فرائد الأُصول 2 : 713.

5) مصباح الأُصول 3 : 288.

6) أجود التقريرات 2 : 468.

وقد دفعنا هذا أيضاً (1)بأنّ أدلّة القاعدة عامّة للصلاة وغيرها ، لقوله عليه‌السلام « كلّ شي‌ء شكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه » (2)، وإنّما طبّقه الإمام عليه‌السلام على الشكّ في السّجود بعد ما قام أو على الشك في الأذان وقد دخل في الإقامة ، كما في رواية أُخرى (3). وعليه فلا قصور في أدلّة اعتبارها ، وإنّما لا نلتزم بجريانها في الوضوء للنص (4)، وأمّا الغسل والتّيمم فلا محذور في جريانها فيهما.

بقي هناك بحث صغروي : وهو أنّه إذا شكّ في غسل الأيمن وقد دخل في غسل الجانب الأيسر هل تجري فيه قاعدة التّجاوز ولا يعتني بشكّه ، أو لا بدّ من الاعتناء به؟

يبتني هذا على أنّ التّرتيب معتبر في غسل الجانبين أو غير معتبر ، فعلى الأوّل تجري القاعدة ، للتجاوز عن محل المشكوك فيه بالدخول في الجزء المترتب عليه ، وأمّا بناءً على عدم اعتبار التّرتيب بينهما كما هو الصّحيح فلا ، لعدم التّجاوز عن المحل. هذا كلّه إذا شكّ في غير الجزء الأخير وهو في أثناء العمل.

وأمّا إذا شكّ في غير الجزء الأخير بعد الفراغ عن العمل فهو أيضاً مورد لقاعدة التّجاوز ، لأنّها كانت تقتضي الحكم بإتيانه وصحّته عند الشكّ في الأثناء ، فما ظنّك بما إذا شكّ فيه بعد الفراغ.

وأمّا إذا شكّ في الإتيان بالجزء الأخير من الغسل كالإتيان بغسل الجانب الأيسر بناءً على اعتبار التّرتيب بينه وبين غسل الجانب الأيمن ، أو الإتيان بغسل الجسد بناءً على عدم اعتبار التّرتيب بين الجانبين ، وهو مشتغل بالكتابة أو بأمر آخر مثلاً فهل تجري قاعدة الفراغ ويحكم بصحّة العمل ، أو قاعدة التّجاوز ويحكم بإتيان


1) في مصباح الأُصول 3 : 280. وراجع المسألة [586].

2) الوسائل 6 : 317 / أبواب الرّكوع ب 13 ح 4 صحيحة إسماعيل بن جابر.

3) الوسائل 8 : 237 / أبواب الخلل الواقع في الصّلاة ب 23 ح 1 صحيحة زرارة.

4) الوسائل 1 : 470 / أبواب الوضوء ب 42 ح 3.

الجزء الأخير أو لا تجري القاعدة؟

قد يقال بجريان قاعدة الفراغ نظراً إلى أنّ المضي المعتبر في جريان القاعدة ليس هو المضي الحقيقي ، وإلاّ لم يعقل الشكّ في صحّة العمل وفساده ، للعلم بمضيّه وتحقّقه فالمراد بالمضي هو المضي البنائي والاعتقادي ، وهو متحقّق في المقام ، لأنّه اعتقد وبنى على إتمام العمل ، ومن هنا اشتغل بشي‌ء من الأفعال الأُخر وإن شكّ بعد ذلك في صحّة اعتقاده وعدمه ، فلا مانع من إجراء قاعدة الفراغ في المقام.

ويدفعه : أنّ المعتبر في جريان القاعدة هو المضي الحقيقي على ما اشتملت عليه أخبارها ، وحمله على المضي بحسب البناء والخيال يحتاج إلى مئونة زائدة ولا دليل عليه ، ودعوى أنّه مع اعتبار المضي الحقيقي لا مجال للشكّ في صحّة العمل وفساده إنّما يتمّ إذا اعتبر في جريان القاعدة مضي العمل الصّحيح ، وأمّا إذا اعتبر مضي الجامع بين الصّحيح والفاسد لا تتوجّه عليه هذه المناقشة ، لأنّه ممّا يمكن إحرازه مع الشكّ في صحّة العمل ، فكلّ ما أحرزنا مضي الجامع بين صحيح العمل وفاسده يحكم بصحّته ، وهذا كما إذا شككنا بعد الإتيان بالجزء الأخير في صحّة العمل وفساده من جهة الشك في أنّه أتى بأحد أجزائه أو شرائطه غير الجزء الأخير ، أو من جهة الشكّ في الجزء الأخير أيضاً فيما إذا أخل بالموالاة ، لعلمه حينئذ بمضي العمل المحتمل صحّته وفساده فيحكم بصحّته ، وأمّا في المقام الّذي يشكّ فيه في الجزء الأخير من دون أن يعتبر فيه الموالاة ، لعدم اعتبارها في الغسل فلا يحرز مضي الجامع بين الصّحيح والفاسد ، إذ يحتمل أن يكون بعد في أثناء العمل ، لاحتمال أنّه لم يأت بعد بالجزء الأخير ، ولم تعتبر فيه الموالاة حتّى يقطع بمضيه عند فوات الموالاة.

فتحصل أنّ المورد ليس من موارد قاعدة الفراغ ، كما أنّه ليس من موارد قاعدة التّجاوز ، كما إذا كانت عادته جارية على عدم الاشتغال بشي‌ء من الأفعال الأُخر قبل إتمام غسله ، بأن اعتاد الموالاة في غسله ، فإنه إذا رأى نفسه مشتغلاً بشي‌ء من الكتابة والمطالعة فلا محالة يعلم بتجاوز المحل العادي للجزء الأخير ، لأنّ محله إنّما هو قبل الشّروع في بقيّة الأفعال وقبل فوات الموالاة.

والوجه في عدم جريانها ما تقدّم من أنّ التّجاوز عن المحل الاعتيادي لا اعتبار به (1)فإنّ المعتبر هو التّجاوز عن المحل المقرّر الشرعي ، وهو غير متحقّق في المقام فالمتحصل إلى هنا أنّ الشكّ في الجزء الأخير ليس بمورد لشي‌ء من القاعدتين.

نعم ، نلتزم بعدم الاعتبار بالشكّ في الجزء الأخير من غسله فيما إذا دخل في الصّلاة ، وهذا لا لعموم أدلّة قاعدة التّجاوز أو إطلاقاتها ، وذلك لما مرّ من عدم جريان القاعدة حينئذ ، ومن هنا لو شكّ في أصل طهارته وهو في أثناء الصّلاة قلنا بعدم جريان قاعدة التّجاوز في وضوئه وغسله ، لأنّ الطّهارة من الشّرائط المقارنة للصلاة وليس محلّها قبل الصّلاة ، بل الوجه فيما ذكرنا هو الصّحيحة الواردة في « رجل ترك بعض ذراعه أو بعض جسده من غسل الجنابة ، فقال : إذا شكّ وكانت به بلة وهو في صلاته مسح بها عليه إلى أن قال فإن دخله الشكّ وقد دخل في صلاته فليمض في صلاته ولا شي‌ء عليه » (2).

وعليه فلو شكّ في أنّه غسل جانبه الأيسر أم لم يغسله وهو في الصّلاة لم يعتن بشكّه ، لهذه الصّحيحة ، إلاّ أنّها لمّا كانت على خلاف القاعدة لم يكن مناص من الالتزام بأمرين :

أحدهما : تخصيص الحكم بموردها ، وهو ما إذا كان داخلاً في صلاته ، فلو دخل في غيرها من الأفعال لم يحكم بصحّة غسله ، نعم ورد في رواية الكافي « وقد دخل في حال أُخرى » (3)، بدلاً عن قوله « وقد دخل في صلاته » إلاّ أنّ الترجيح مع رواية الشيخ المشتملة على قوله « وقد دخل في صلاته » وإن كان الكليني أضبط ، وذلك لأنّ ذيلها قرينة على أنّ المذكور هو الدّخول في صلاته ، حيث قال « فليمض في صلاته » إذ لو كان الوارد هو قوله « وقد دخل في حال اخرى » لم يكن معنى لقوله « فليمض في صلاته » ، بل كان الصّحيح أن يقول فليدخل في صلاة أو غيرها ممّا يشترط فيه الطّهارة.


1) تقدّم في ص 33.

2) الوسائل 2 : 260 / أبواب الجنابة ب 41 ح 2.

3) الكافي 3 : 33 / 2 باب الشكّ في الوضوء.

[695] مسألة 12 : إذا ارتمس في الماء بعنوان الغسل ثمّ شكّ في أنّه كان ناوياً للغسل الارتماسي حتّى يكون فارغاً ، أو لغسل الرأس والرقبة في التّرتيبي حتّى يكون في الأثناء ويجب عليه الإتيان بالطرفين ، يجب عليه الاستئناف. نعم يكفيه غسل الطرفين بقصد التّرتيبي ، لأنّه إن كان بارتماسه قاصداً للغسل الارتماسي فقد فرغ ، وإن كان قاصداً للرأس والرّقبة فبإتيان غسل الطرفين يتمّ الغسل التّرتيبي (1).


وثانيهما : تخصيصه بما إذا كان الشكّ في غسل بعض جسده ، وأمّا إذا شكّ في غسل تمام جسده كما إذا علم بأنّه غسل رأسه وشكّ في أنّه هل شرع في غسل جسده أم لم يغسله أصلاً فلا يجري فيه ما تقدّم ، لاختصاص الصّحيحة بما إذا كان الشكّ في غسل بعض الجسد ، وأمّا في غيره فمقتضى القاعدة هو الاعتناء بالشكّ ، هذا في الغسل.

وأمّا في الوضوء فنحكم بصحّته حتّى فيما إذا دخل في غير الصّلاة ، لاشتمال الصّحيحة الواردة في الوضوء الّتي هي كهذه الصّحيحة من حيث الرواة ، وكذا غيرها من الرّوايات على قوله « ودخلت في حالة اخرى من صلاة أو غيرها » (1)وأمّا في التّيمم فلا نلتزم بصحّته عند الشكّ في جزئه الأخير مطلقاً دخل في الصّلاة أو في غيرها ، لاختصاص الصحيحتين بالغسل والوضوء ، ومقتضى القاعدة في التّيمم هو الاعتناء ، كما أنّ ما التزمنا به في الوضوء والغسل إنّما كان بمقتضى الوقوف مع النص وإلاّ فمقتضى القاعدة الاعتناء بالشكّ كما مرّ.

إذا شكّ في نيّة الارتماسي بعد الارتماس

(1) مقتضى استصحاب عدم الإتيان بغسل البدن بعنوان غسل الجنابة كفاية غسل طرفي بدنه قاصداً به الغسل ، إلاّ أنّه مخيّر بينه وبين العدول عمّا بيده إلى الغسل


1) الوسائل 1 : 469 / أبواب الوضوء ب 42 ح 1.

[696] مسألة 13 : إذا انغمس في الماء بقصد الغسل الارتماسي ثمّ تبيّن له بقاء جزء من بدنه غير منغسل يجب عليه الإعادة ترتيباً أو ارتماساً ، (1) ولا يكفيه جعل ذلك الارتماس للرّأس والرّقبة (1)إن كان الجزء غير المنغسل في الطّرفين فيأتي بالطّرفين الآخرين ، لأنّه قصد به تمام الغسل ارتماساً لا خصوص الرّأس والرقبة ، ولا تكفي نيّتهما في ضمن المجموع.


الارتماسي ، فلو أراد قدس‌سره من الاستئناف ذلك ، أي العدول إلى الارتماسي فهو وإلاّ فلو أراد به ما هو ظاهره من إعادة غسله من الابتداء فيدفعه أنّه لا أمر له بالغسل في رأسه ورقبته للقطع بغسلهما من باب الاغتسال ، لأنّه إمّا ارتمس فلا أمر له بغسل الجنابة أصلاً وإمّا إنّه اغتسل ترتيباً فقد غسل رأسه ورقبته ، فلا أمر له بغسلهما ، ومع سقوط الأمر كيف يمكنه الإتيان بالغسل فيهما.

إذا تبيّن بقاء جزء غير منغسل بعد الانغماس

(1) هذا مبني على أنّ الغسل التّرتيبي والارتماسي طبيعتان متغايرتان وأنّ إحداهما غير الأُخرى ، فحينئذ يتمّ ما أفاده قدس‌سره ولا يكفي حينئذ جعل ما أتى به من الغسل غسلاً لرأسه ورقبته ويأتي بغسل بدنه بعد ذلك فيما إذا كان موضع غير منغسل في بدنه ، وذلك لأنّ ما وقع من الغسل التّرتيبي لم يقصد ، وما قصده من الغسل الارتماسي لم يقع لعدم وصول الماء إلى تمام بدنه.

وأمّا إذا بنينا على أنّهما طبيعة واحدة ، لأنّ الغسل عبارة عن وصول الماء بصبه أو بالدخول في الماء من القرن إلى القدم ، وهذا قد يتحقّق بالتّرتيب وقد يتحقّق بالارتماس.

نعم ، إذا حصل ذلك على نحو التّدريج يشترط فيه التّرتيب بين الرّأس والبدن ولا يشترط فيه ذلك إذا وقع على نحو الدفعة كما في الارتماس ، لأنّه أمر آني كما مرّ


1) (*) لا تبعد كفايته.

[697] مسألة 14 : إذا صلّى ثمّ شكّ في أنّه اغتسل للجنابة أم لا ، يبني على صحّة صلاته ، ولكن يجب عليه الغسل (1)للأعمال الآتية (1)


وهذا نظير صلاة الفرادى والجماعة حيث إنّهما طبيعة واحدة ولكن يشترط فيها القراءة وعدم زيادة الأركان إذا أوجدها فرادى ، ولا يشترط فيها ذلك إذا صلّى جماعة ، فلا تجب القراءة حينئذ وإذا زاد ركناً كالرّكوع أو غيره للمتابعة مع الإمام لم تبطل صلاته ، فلا مانع من أن يجعل ذلك الارتماس غسلاً لرأسه ورقبته ، لأنّه قد قصد تلك الطّبيعة الواحدة على الفرض وتحقّق الغسل بالإضافة إلى رأسه ورقبته ولم يتحقق بالإضافة إلى جسده بتمامه ، فله أن يتمّ غسله بغسل بدنه ، كما أنّ له أن يرفع يده عن غسله بالعدول إلى الارتماس.

إذا شكّ في الاغتسال بعد الصّلاة

(1) هذا إنّما يتمّ فيما إذا شكّ بعد الصّلاة في أنّه اغتسل عن الجنابة قبلها أم لم يغتسل من دون أن يحدث بعد صلاته بالحدث الأصغر ، لأنّ مقتضى استصحاب بقاء الجنابة وجوب الاغتسال عليه بالإضافة إلى صلواته الآتية ، وأمّا صلاته السابقة فهي محكومة بالصحّة بقاعدة الفراغ ، وهي مخصّصة أو كالمخصّص للاستصحاب.

إلاّ أنّ قاعدة الفراغ إنّما تقتضي صحّة العمل المشكوك فيه فقط ولا تثبت لوازم صحّته ، فإذا شكّ في صحّة وضوئه بعد الفراغ عنه يبني على صحّته ويرتب عليه جميع آثار صحّة الوضوء ، فله أن يدخل به في كلّ عمل مشروط بالوضوء ، وكذا إذا شكّ في صحّة صلاته يبني على صحّتها فحسب ، وأمّا أنّه قد اغتسل من الجنابة وهو ليس بمحدث حتّى لا يجب عليه الغسل بالإضافة إلى الصلوات الآتية فلا ، بلا فرق في ذلك بين القول بأنّ القاعدة من الأمارات والقول بأنّها من الأُصول.


1) (*) هذا إذا لم يصدر منه الحدث الأصغر بعد الصّلاة وإلاّ وجب عليه الجمع بين الوضوء والغسل بل وجبت عليه إعادة الصّلاة أيضاً إذا كان الشكّ في الوقت.

وأمّا إذا أحدث بعد صلاته بالحدث الأصغر فله صور.

صور ما إذا شكّ في الاغتسال وقد أحدث بالأصغر

الصّورة الاولى : أن تكون الصّلاتان مترتّبتين ، كما في صلاتي الظّهر والعصر والمغرب والعشاء ، فلا يجوز في مثلهما الدّخول في الثّانية بالغسل بعد أُولاهما ، وذلك للعلم الإجمالي بأنّه إمّا مكلّف بالغسل لو كان لم يغتسل قبل صلاة الظّهر ووقعت هي مع الجنابة ، وإمّا إنّه مكلّف بالوضوء كما إذا كان اغتسل من الجنابة قبل صلاة الظّهر.

كما أنّ له علماً إجمالياً ثانياً وهو أنّه إمّا أن تجب عليه إعادة ما أتى به من الصّلاة كما لو كان لم يغتسل من الجنابة قبل الظّهر ، وإمّا أن يجب عليه الوضوء لصلاته الآتية كما إذا كان قد اغتسل منها قبله إلاّ أنّه لمّا أحدث بالأصغر فقد وجب عليه الوضوء لصلاة العصر مثلاً ، فالوضوء طرف لعلمين إجماليين ، فإذا صلّى العصر بالاغتسال من دون الوضوء فيحصل العلم التفصيلي ببطلانها ، وذلك للقطع بفقدان شرطها ، لأنّه إمّا أن كان اغتسل من الجنابة قبل الظّهر فهو محدث بالأصغر وقد صلّى العصر من غير وضوء ، وإمّا أنّه لم يغتسل منها قبل الظّهر فهو وإن كان مكلّفاً بالغسل حينئذ وغسله صحيح ، إلاّ أنّ صلاته عصراً باطلة ، لبطلان الظّهر وترتبها عليها لوقوعها مع الجنابة على الفرض.

فالجمع بين قاعدة الفراغ في الظّهر واستصحاب بقاء الجنابة إلى صلاة العصر أعني الحكم بصحّة الظّهر بقاعدة الفراغ وصحّة العصر بغسل الجنابة غير ممكن ، لأنّه على خلاف القطع الوجداني ، ومعه يجب الجمع بين الغسل والوضوء بالإضافة إلى صلاة العصر ، عملاً بالعلم الإجمالي بوجوب أحدهما. وأمّا العلم الإجمالي الثّاني أعني وجوب إعادة الظّهر أو الوضوء لصلاة العصر فهو ليس علماً إجمالياً على حدته ، وإنّما هو لازم للعلم الإجمالي بوجوب الغسل أو الوضوء ، لأنّه لو كان مكلّفاً بالغسل لا محالة تجب عليه إعادة الظّهر. نعم ، لا مناص من إعادة صلاة الظّهر أيضاً لا لذلك العلم الإجمالي ، بل لأنّ الموجب للحكم بصحّتها إنّما هو قاعدة الفراغ ، فإذا لم تجر

القاعدة لمعارضتها باستصحاب بقاء الجنابة من جهة أنّهما على خلاف القطع الوجداني لم يبق هناك ما يوجب صحّتها ، فلا بدّ حينئذ من إعادة الظّهر والجمع بين الغسل والوضوء.

الصّورة الثّانية : أن تكون الصّلاتان غير مترتّبتين ، كما إذا أتى بصلاة قضاء ثمّ شكّ في أنّه اغتسل عن الجنابة قبلها أم لم يغتسل وأراد بعدها أن يدخل في صلاة الظّهر مثلاً ، والكلام فيها هو الكلام في سابقتها ، ولا فرق بينهما إلاّ في أنّ هذه الصّورة لا يحصل فيها العلم التفصيلي ببطلان الصّلاة الثّانية ، بل يعلم إجمالاً بأنّه بعد صلاة القضاء إمّا مكلّف بالغسل وإمّا مكلّف بالوضوء ، ويلزمه العلم إجمالاً ببطلان ما أتى به ووجوب إعادته أو بوجوب الوضوء ، فلا بدّ من الجمع بينهما كما لا بدّ من إعادة ما أتى به ، لعدم جريان قاعدة الفراغ فيها للعلم الإجمالي.

الصّورة الثّالثة : أن يكون شكّه هذا بعد انقضاء وقت الصّلاة الّتي أتى بها ، كما إذا أتى بصلاة العصر ولما خرج وقتها وأراد الدّخول في صلاة المغرب شكّ في أنّه هل اغتسل من الجنابة قبل العصر أم لم يغتسل ، وفي هذه الصّورة أيضاً يجب عليه الجمع بين الغسل والوضوء ، وذلك للعلم الإجمالي بوجوب أحدهما في حقّه ، وأيضاً تتعارض فيها قاعدة الفراغ في الصّلاة السابقة مع استصحاب بقاء الجنابة إلى الصّلاة الثّانية ، للعلم بأنّه إمّا كان في حال الصّلاة الأُولى جنباً فالاستصحاب مطابق للواقع وقاعدة الفراغ على خلاف الواقع ، وإمّا إنّه قد اغتسل عنها قبل تلك الصّلاة فالقاعدة مطابقة للواقع والاستصحاب على خلاف الواقع ، إلاّ أنّه لا يجب عليه قضاء تلك الصّلاة ، وذلك للقطع بسقوط أمرها إمّا لامتثاله كما إذا كان اغتسل عن الجنابة قبلها وإمّا لتعذر امتثاله لخروج وقتها. والقضاء لو ثبت فإنّما هو بأمر جديد ، وموضوعه فوت الواجب في وقته ، وهو غير محرز في المقام لاحتمال أنّه قد اغتسل من الجنابة قبل تلك الصّلاة ، ومع عدم إحراز موضوع الأمر بالقضاء أصالة البراءة العقليّة محكّمة ، لقبح العقاب من دون بيان ، وهو قاعدة عقليّة غير قابلة للتخصيص ، فالقضاء غير واجب حينئذ ، نعم لا بدّ من أن يجمع بين الغسل والوضوء بمقتضى العلم الإجمالي كما مرّ.

ولو كان الشكّ في أثناء الصّلاة بطلت (1) لكن الأحوط إتمامها ثمّ الإعادة.

[698] مسألة 15 : إذا اجتمع عليه أغسال متعدِّدة فإمّا أن يكون جميعها واجباً أو يكون جميعها مستحبّاً أو يكون بعضها واجباً وبعضها مستحبّاً ، ثمّ إمّا أن ينوي الجميع أو البعض ، فإن نوى الجميع بغسل واحد صحّ في الجميع (2)


(1) لأنّ الطّهارة من الشّروط المقارنة لأجزاء الصّلاة وأكوانها المتخللة بين أجزائها ، ومعه لا يمكن إحراز شرط الآن أو الجزء الّذي يشكّ فيه في الطّهارة بقاعدة التّجاوز أو الفراغ ، فلا محالة يحكم ببطلان الصّلاة.

حكم اجتماع الأغسال المتعدِّدة على المكلّف

(2) الكلام في ذلك من جهتين :

الاولى : من جهة القاعدة وأنها تقتضي التّداخل أو تقتضي عدمه.

الثّانية : من جهة النص الوارد في المقام.

أمّا الجهة الأُولى فقد قرّرنا في مبحث مفهوم الشرط أنّ الطّبيعة الواحدة إذا كانت متعلّقة للأمر بها مرّتين أو أكثر ، كما إذا ورد إن ظاهرت فكفّر وإن أفطرت فكفّر فمقتضى القاعدة عدم التداخل ، لأنّ الطبيعة الواحدة يستحيل أن يبعث نحوها ببعثين ويؤمر بها مرّتين ، وإن كان مقتضى إطلاق الأمر في كلّ واحد من الشّرطين ذلك ، إلاّ أنّه لمكان استحالته لا بدّ من تقييد متعلّق كلّ منهما بوجود مغاير للوجود الآخر الّذي تعلّق به الآخر ، فيقال إن ظاهرت فأوجد وجوداً من طبيعة التكفير ، وإن أفطرت أوجد وجوداً منها ، وهو معنى عدم التداخل كما عرفت.

وقد استثنينا من ذلك مورداً واحداً وهو ما إذا كانت النسبة بين المتعلّقين عموماً من وجه ، كما إذا ورد أكرم العالم وورد أيضاً أكرم الهاشمي ، فإن إكرام مورد التصادق حينئذ وهو العالم الهاشمي يجزئ عن كلا الأمرين ، لأنّه مقتضى إطلاقهما ، والقاعدة في

مثله التداخل ، حيث إنّ كلّ واحد من المأمور بهما أمر مغاير للآخر في نفسه ، وليس أمراً واحداً ليستحيل البعث نحوه ببعثين ، ومعه لا مانع من التداخل في مورد التصادق حسب إطلاقهما. هذا ما قدّمناه في بحث المفاهيم (1).

إلاّ أنّه فيما إذا كان الأمران نفسيين مولويين ، وأمّا في الأوامر الإرشاديّة كما في الوضوء والغسل حيث إنهما غير واجبين في نفسهما وإنما أُمر بهما مقدّمة للصلاة ، كما في قوله تعالى : ( ... إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ) إلى قوله ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ... ) (2)، وهكذا الحال في بقيّة الأغسال الواجبة حيث أُمر بها في السنّة مقدّمة وشرطاً للصلاة ، فالأمر بها أمر إرشادي لا محالة فالأمر بالعكس والقاعدة تقتضي فيها التداخل لإطلاقهما ، ولا مانع من أن يكون للشرط الواحد أسباب متعدّدة ، بأن يكون لاشتراط الصّلاة بالغسل والطّهارة أسباب من الجنابة والحيض ونحوهما ، كما هو الحال في الوضوء لتعدّد أسبابه من البول والغائط.

وحيث إنّ المأمور به في الجميع أمر واحد ، وهو طبيعة الغسل لا الغسل المقيّد بالجنابة أو بالحيض أو بغيرهما ، لأنّهما أسباب الأمر بالطبيعة ، فالمأمور به شي‌ء واحد في الجميع ، فلو أتى به للجنابة مثلاً غافلاً عن بقيّة الأسباب أيضاً حصل به الامتثال وسقط عنه الجميع ، نعم علمنا خارجاً أنّ الغسل عبادي ويشترط في صحّته قصد التقرّب ، إلاّ أنّه يكفي في التّقرب به أن يؤتى به لأجل أنّه مقدّمة للصلاة أو للصوم أو لغيرهما من الواجبات ، فإنّ الإتيان بهذا الدّاعي من أحد طرق التقرّب على ما حرّرناه في محله. ومعه إذا أتى بالغسل لأجل كونه مقدّمة للصلاة كفى هذا عن الجميع ، ولو مع كونه غافلاً عن غير الجنابة أو مسّ الميت أو نحوهما ، لأنّ الطبيعة قد تحقّقت في الخارج وأتى بها بقصد القربة وحصل به الامتثال ، فحال الغسل حينئذ حال الوضوء ، فكما أنّه إذا نام وبال ثمّ توضأ مقدّمة للصلاة مع الغفلة عن نومه كفى


1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 109.

2) المائدة 5 : 6.

هذا عن الجميع ، ولا يتوهّم وجوب الوضوء حينئذ ثانياً من جهة النوم ، كذلك الحال في المقام ، هذا كلّه في الأغسال الواجبة.

اجتماع الأغسال المتعدّدة المستحبّة

وأمّا الأغسال المستحبّة الّتي منها غسل الجنابة ، حيث قدّمنا أنّه مستحب نفسي وإن كان مقدّمة للصلاة أيضاً وواجباً بالوجوب العقلي فقد تكون النسبة بين الغسلين المستحبين عموماً من وجه ، وهذا كما في غسل الجمعة وغسل الإحرام ، فإنّه يمكن الاغتسال للجمعة دون الإحرام ، كما إذا كان اليوم جمعة ولم يكن المكلّف قاصداً للإحرام أو لم يكن هناك موقع للإحرام ، وقد يمكن الاغتسال للإحرام دون الجمعة ، كما إذا أحرم ولم يكن اليوم جمعة ، وثالثة يتمكن من كليهما كما إذا أحرم يوم الجمعة ، وحيث إنّ المتعلقين متغايران في أنفسهما فلا مانع من تعدّد الأمر والطلب ، والقاعدة حينئذ تقتضي التداخل في مورد اجتماعهما ، لإطلاق كلّ من الأمرين ، فلو اغتسل للجمعة أو للإحرام كفى عن كليهما حتّى مع الغفلة عن الآخر.

وقد تكون النسبة عموماً مطلقاً ، كغسل الجمعة وغسل الجنابة أو مسّ الميت أو غيرهما ، لأنّ المأمور به في غسل الجنابة مثلاً طبيعي الغسل كما عرفت ، وفي غسل الجمعة هو الغسل المقيّد بكونه في يوم الجمعة ، فالنسبة عموم مطلقاً ، والقاعدة تقتضي عدم التداخل حينئذ ، لاستحالة البعث نحو الشي‌ء الواحد ببعثين ولو استحبابيّين ، فلا مناص حينئذ من تقيّد متعلّق كلّ منهما بفرد دون الفرد المقيّد به متعلّق الأمر الآخر.

وكذلك الحال فيما إذا كان أحد الغسلين مقيّداً بقيد دون الآخر ، كما ورد في أنّ من شرب الخمر ونام يستحب أن يغتسل من الجنابة ، لأنّه يمسي عروساً للشيطان (1)وكان الغسل الآخر مطلقاً أو كانت النسبة بين الغسلين هو التّساوي كما في الغسل


1) المستدرك 1 : 488 / أبواب الجنابة ب 37 ح 11. وإليك نصّه : جامع الأخبار : قال رسول اللّه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم : ما من أحد يبيت سكراناً إلاّ كان للشّيطان عروساً إلى الصّباح ، فإذا أصبح وجب عليه أن يغتسل كما يغتسل من الجنابة ، فإن لم يغتسل لم يقبل منه صرف ولا عدل.

للزيارة أو الغسل لرؤية المصلوب أو الغسل لمسّ الميت بعد تغسيله أو غسل الجنابة فإنّ الطبيعة فيها واحدة ، والقاعدة في هذه الموارد هي عدم التداخل ، لعدم إمكان البعث نحو الشي‌ء الواحد ببعثين إلاّ أن يقيّد متعلّق كلّ منهما بفرد غير الفرد المقيّد به متعلّق الآخر ، هذا كلّه فيما تقتضيه القاعدة في نفسها.

وممّا ذكرنا في المقام ظهر الحال في الغسل الواجب والمستحب ، كما في غسل الجنابة أو مسّ الميت مع غسل الزّيارة أو غيره من المستحبات ، فإنّ القاعدة تقتضي فيه التداخل ، لأنّ الأمر في الغسل الواجب إرشاد إلى شرطيّته للصلاة ، ولا مانع من اجتماع مثله مع الطلب الاستحبابي المولوي ، فلو أتى بغسل واحد كفى عنهما.

وأمّا الجهة الثّانية فالروايات الواردة في المقام إنّما وردت في موارد خاصّة (1)، ولا يمكننا التعدِّي عنها إلى غيرها ، والرّواية الدالّة على كفاية الاغتسال مرّة واحدة لعدّة أغسال رواية واحدة ، وهي رواية زرارة وقد نقلت بعدّة طرق :

منها : ما رواه الكليني بسند صحيح عن حريز عن زرارة ، قال « إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة والحجامة وعرفة والنحر والحلق والذبح والزّيارة ، فإذا اجتمعت عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد » الحديث (2)، وهي أجمع رواية في المقام ، وهذه الرّواية لو كنّا نحن وصدرها لم يكن لها أيّ ظهور في الإضمار ، لاحتمال أن تكون كلّها قول زرارة نفسه ، لكن جملة « قال ثمّ قال » الواقعة في ذيلها ظاهرة في أنّ زرارة يرويها عن شخص آخر ، وبما أنّ المضمر هو زرارة فلا بدّ وأن يكون ذلك الشخص هو الإمام عليه‌السلام ، كما صرّح به في سائر الرّوايات.

ومنها : ما رواه الشيخ عن محمّد بن علي بن محبوب عن علي بن السندي عن حماد عن حريز عن زرارة عن أحدهما عليهما‌السلام (3)، وهي مشتملة على عين الرّواية المتقدِّمة بتبديل الحجامة بالجمعة ، ولعله الصّحيح إذ لم يعهد غسل للحجامة وإن


1) الوسائل 2 : 261 / أبواب الجنابة ب 43.

2) الوسائل 2 : 261 / أبواب الجنابة ب 43 ح 1.

3) التهذيب 1 : 107 / 279.

أمكن استحبابه لها في الواقع ، إلاّ أنّ هذا الطّريق ضعيف بعلي بن السندي وغير قابل للاعتماد عليه.

ومنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن علي بن محبوب عن حريز عن زرارة ، هكذا نقلها صاحب الوسائل (1)، وهذا الطريق مضافاً إلى إرساله فإنّ محمّد بن علي ابن محبوب لا يمكن أن يروي عن حريز بلا واسطة لم نجده في كتابي الشيخ.

ومنها : ما رواه ابن إدريس عن كتاب محمّد بن علي بن محبوب عن علي بن السندي عن حماد عن حريز عن زرارة عن أحدهما عليه‌السلام (2)، وهذا الطّريق أيضاً ضعيف بعلي بن السندي.

ومنها : ما رواه ابن إدريس أيضاً عن كتاب حريز بن عبد اللّه عن زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام (3)، وهذا الطريق أيضاً ضعيف لجهالة طريق ابن إدريس إلى كتاب حريز ، فإنّه وإن ذكر ابن إدريس في آخر الرّوايات الّتي رواها عن كتاب حريز : أنّ كتابه أصل معتمد ومعوّل عليه (4)، وكذلك جعل الصدوق قدس‌سره في ديباجة الفقيه كتاب حريز من الكتب المشهورة الّتي عليها المعوّل وإليها المرجع (5)إلاّ أنّ القدر المتيقن من هذه العبارات أنّ أصل كتاب حريز إجمالاً كان مشهوراً ومعمولاً به ، وأمّا اعتبار كلّ نسخة نسخة منه فلا.

والحاصل أنّ الطّريق الأوّل صحيح ، وهو الّذي نعتمد عليه في المقام ، فالرواية من حيث السند ممّا لا إشكال فيه.

وإنّما الكلام في دلالتها ، فهل تقتضي التداخل في خصوص ما إذا كانت الأغسال المجتمعة واجبة ، أو تقتضي التداخل مطلقاً ولو إذا كانت مستحبّة أو كان بعضها مستحبّاً وبعضها واجباً؟


1) الوسائل 2 : 261 / أبواب الجنابة ب 43 ح 1.

2) نفس المصدر.

3) نفس المصدر.

4) السّرائر 3 : 589.

5) الفقيه 1 : 3.

المورد المتيقّن من الصّحيحة هو ما إذا كانت الأغسال بأجمعها واجبة ، حيث إنّه مورد التسالم بين الأصحاب ، ولم يستشكلوا في أنّ الغسل الواحد يجزئ عن الجميع حينئذ.

وأمّا إذا كان بعضها واجباً وبعضها مستحبّاً فقد يناقش في التداخل حينئذ باستحالة أن يكون شي‌ء واحد مصداقاً للواجب والمستحب بناءً على استحالة اجتماع الأمر والنّهي ، حيث إنّه من باب المثال ، إذ الأحكام الخمسة بأسرها متضادّة ، فكما أنّ الواجب يضاده الحرام كذلك يضاده الاستحباب والإباحة ، ويضادهما الكراهة والحرمة ، فكيف يعقل مع ذلك أن يكون المستحب واجباً وبالعكس ، فيكون شي‌ء واحد مصداقاً لهما معاً. وأمّا كونه مصداقاً لأحدهما ومسقطاً عن الآخر فهو أمر آخر يأتي فيه الكلام. وبما أنّ البرهان العقلي قام على استحالة كون الغسل الواحد مصداقاً للواجب والمستحب فلا مناص من رفع اليد عن ظهور الصحيحة في جوازه ، لأنّ الظّهور لا يصادم البرهان.

وتندفع هذه المناقشة بأنّه لا مانع من أن يكون شي‌ء واحد مصداقاً للطبيعة الواجبة والمستحبّة وإن قلنا باستحالة اجتماع الأمر والنهي ، بل قد يكون ذلك على طبق القاعدة ، كما إذا كانت النسبة بين المتعلقين عموماً من وجه كالأمر بإكرام العالم والأمر بإكرام الهاشمي ، لأنّ إطلاق كلّ منهما يقتضي جواز الاكتفاء بإكرام العالم الهاشمي ، حيث دلّ أحدهما على وجوب إكرام العالم سواء كان هاشمياً أم لم يكن ، ودلّ الآخر على وجوب (1)إكرام الهاشمي سواء كان عالماً أم لم يكن ، ومعه إذا أكرم العالم الهاشمي حصل بذلك امتثال كلا الأمرين ، وهو على طبق القاعدة ولا استحالة في ذلك عقلاً حتّى يتصرّف بذلك في ظاهر الصّحيحة المقتضية للتداخل عند كون بعض الأغسال واجباً وبعضها مستحبّاً.

والغرض من هذا الجواب أنّ ما ورد في بعض الكلمات من استحالة اجتماع الوجوب والندب في مورد ، ولكنّا نرفع اليد عن ذلك بصحيحة زرارة الدالّة على


1) الأنسب أن يُقال : استحباب إكرام الهاشمي ....

جواز اجتماعهما ممّا لا وجه له ، لوضوح أنّ اجتماعهما لو كان أمراً مستحيلاً عقلاً لاستلزم ذلك رفع اليد عن ظهور الصّحيحة في الجواز ، لأنّ الظّهور لا يصادم البرهان ، إذن فالصحيح أن يُقال إنّ اجتماعهما أمر غير ممتنع لدى العقل كما صنعناه.

نعم ، يبقى هناك سؤال الفرق بين الحرمة والوجوب فيما إذا كانت النسبة بينهما عموماً من وجه ، كما في مثل الصلاة والغضب ، حيث قلنا باستحالة اجتماعهما في شي‌ء واحد ، وبين الوجوب والاستحباب أو الوجوبين أو الاستحبابين ، حيث قلنا بجواز اجتماعهما وإمكان أن يكون شي‌ء واحد مصداقاً للواجب والمستحب مع أنّ الأحكام بأسرها متضادّة.

والجواب عن هذا السؤال أنّ الأمر في المستحبّات والواجبات إنّما يتعلّق بالطبائع على نحو صرف الوجود المعبّر عنه بناقض العدم ، ولا يتعلّق بها على نحو مطلق الوجود المنحل إلى جميع أفرادها ، لعدم قدرة المكلّف على إتيان جميع أفراد الطبيعة وعليه فالفرد مصداق لذات الطّبيعة المأمور بها لا للطبيعة بوصف كونها واجبة ، نظير ما ذكروه في المعقولات الثانية كالنوع ، حيث إنّ الإنسان نوع وزيد مصداق للإنسان مع أنّه ليس بنوع ، وذلك لأنّ النوع كالوجوب والاستحباب إنّما هو وصف للطبيعة الملغى عنها الخصوصيات ، وزيد وإن كان مصداقاً للطبيعة إلاّ أنّه ليس مصداقاً للطبيعة الملغى عنها الخصوصيات أي للطبيعة المتّصفة بالنوع ، وعليه فالفرد ليس بواجب ولا بمستحب ، ومن هنا لو أتى بالصلاة في أوّل وقتها كانت مصداقاً للصلاة إلاّ أنّه إذا لم يأت بها وأتى بفرد آخر لا يكون عاصياً وتاركاً للواجب.

وعلى الجملة الفرد ليس بواجب ولا بمستحب وإنّما هو مصداق لهما ، وأيّ مانع من أن ينطبق على شي‌ء واحد طبائع مختلفة من دون أن يكون مجمعاً للوجوب والاستحباب.

وهذا بخلاف الحرمة ، لأنّها تسري إلى كلّ واحد من الأفراد لأنّها انحلاليّة لا محالة ، فحرمة الكذب مثلاً تنحل إلى كلّ واحد من أفراده بحيث لو أوجد فردين منها

ارتكب محرمين ، ومع حرمة الفرد ومبغوضيّته لا يرخّص المكلّف في تطبيق الطّبيعة الواجبة على ذلك الفرد ، لأنّ الأمر بالطبيعة يقتضي الترخيص في تطبيقها على أيّ فرد من أفرادها شاء المكلّف ، ومع حرمة الفرد ومبغوضيّته ليس للمكلّف ترخيص في تطبيق الطبيعة المأمور بها عليه ، ومن هنا قلنا بعدم إمكان اجتماع الحرمة والوجوب بخلاف الوجوب والاستحباب.

فالمتحصل أنّه لا مانع من الالتزام بالتداخل في جميع الأقسام ، وبما أنّ الصّحيحة دلّت على التداخل في الجميع ولا مانع عنه عقلاً فالحكم هو التداخل مطلقاً ، ولم يقم برهان عقلي على عدم التداخل في الواجب والمستحب حتّى يرفع اليد به عن الصّحيحة ، نعم لو قام برهان على استحالته للزم رفع اليد عن ظاهر الصّحيحة لا محالة ، فلا فرق في الأغسال بين كونها واجبة بأجمعها وما إذا كان بعضها واجباً وبعضها الآخر مستحبّاً.

وأمّا إذا كانت بأجمعها مستحبّة فقد يتوهّم أنّ ظاهر كلمة الحقوق في الصّحيحة هي الأغسال الواجبة دون المستحبّة ، ولكنه توهّم في بادئ النّظر ، لأنّ الحق بمعنى الثبوت ، وكون الثابت على نحو الوجوب أو الاستحباب أمر آخر ، فالحقوق تشمل الواجب والمستحب.

على أنّا لو أغمضنا عن ذلك وقلنا إنّ ظاهر الحقوق في نفسها هو الأغسال الواجبة فقط ففي الصّحيحة قرينة قطعيّة على أنّ المراد بها أعمّ من الواجب والمستحب ، حيث طبّقها الإمام على غسل العيد والزّيارة بل الجمعة وغيرها من المستحبّات ، فلا فرق في التداخل بين كون الأغسال واجبة بأجمعها وكونها مستحبّة كذلك وكون بعضها واجباً وبعضها الآخر مستحبّاً ، فإنّ ظاهر الصّحيحة وإن كان تعدّد الأغسال وتغاير بعضها عن بعض حيث عبّر بالحقوق ، إلاّ أنّه لا مانع من أن ينطبق على عمل واحد عناوين متعدّدة ، وهو يوجب الإجزاء عن بقيّة الأغسال.

وحصل امتثال أمر الجميع (1) ، وكذا إن نوى رفع الحدث أو الاستباحة إذا كان جميعها أو بعضها لرفع الحدث والاستباحة ، وكذا لو نوى القربة ،


حصول امتثال جميع الأغسال بغسل واحد

(1) وذلك لأنّه قصد كلّ واحد منها على نحو التفصيل ، فلا محالة يكون ما أتى به امتثالاً للجميع كما أنّه مجزئ عن الجميع ، وأمّا إذا قصد الجميع على نحو الإجمال ، كما إذا أتى بالغسل الواحد بقصد القربة المطلقة ، فإنّه أيضاً يكون امتثالاً للجميع ، حيث إنّ كلّ واحد من الأغسال قربي ، وهو قد قصد مطلق القربة ولم يخصص القربة ببعض دون بعض ، وكذلك الحال فيما إذا قصد رفع الحدث وكانت الأغسال بأجمعها رافعة له أو قصد الاستباحة وكانت بأجمعها مبيحة ، لأنّه قصد إجمالي للجميع وهو امتثال للجميع.

وأمّا إذا كان بعضها رافعاً للحدث وبعضها مبيحاً وقد قصد رفع الحدث أو قصد الاستباحة فذكر الماتن أنّه أيضاً يكون امتثالاً للجميع ، وغاية ما يمكن أن يقال في تقريب هذا المدّعى أنّ الغسل الرّافع غير مقيّد بعدم كونه مبيحاً ، كما أنّ الغسل المبيح غير مقيّد بأن لا يكون رافعاً ، لأنّهما حكمان شرعيّان طارئان عليهما لا أنّهما قيدان لهما ، وهما غسلان مطلقان ، ومعه إذا قصد الغسل الرافع مثلاً فهو امتثال للغسل الرّافع بلا كلام ، كما أنّه امتثال للغسل المبيح ، لأنّه بقصده الغسل المقيّد بالرّفع قصد الغسل المطلق لا محالة ، فإنّ قصد المقيّد قصد ضمني للمطلق ، وقصد الخاص قصد ضمني للعام والكلّي ، وهكذا إذا قصد الغسل المبيح لأنّه امتثال للغسل المبيح وقصد تفصيلي له ، كما أنّه قصد إجمالي ضمني للغسل المطلق وهو الغسل الرّافع ، وبهذا يحصل الامتثال للجميع.

ولكن تعميم هذا المدّعى أمر مشكل ، وذلك لمّا قدّمناه سابقاً وقلنا إنّ النسبة بين المتعلّقين إذا كانت هي العموم المطلق فمقتضى القاعدة عدم التداخل في مثله ، فلا يمكن أن يتعلّق الأمر بالمطلق والعام ويتعلّق أمر آخر بالمقيّد والخاص ، وعليه فالإتيان بالغسل الواحد غير مجزئ عن كليهما فضلاً عن أن يكون امتثالاً لهما.

وحينئذ فإن كان فيها غسل الجنابة لا حاجة إلى الوضوء بعده أو قبله (1) ،


ثمّ لو بنينا فيه بالاجتزاء والتداخل للصحيحة المتقدّمة فإن لم نبن على أنّ قصد أحد الغسلين يجزئ عن الغسل الآخر فيما إذا لم يقصده لغفلته ، كما إذا اغتسل للجنابة وغفل عن أنّ اليوم جمعة أيضاً فلا وجه للقول بالإجزاء فيما إذا قصد الغسل المبيح ولم يقصد الغسل الرّافع ، وأمّا إذا بنينا على الإجزاء حينئذ كما هو الصّحيح وأنّه إذا قصد أحد الأغسال الثّابتة عليه أجزأه عن جميع أغساله وإن لم يلتفت إليه ، فأيضاً لا يمكننا الالتزام بحصول الامتثال للجميع في المقام ، نعم نلتزم بالإجزاء كما عرفت ، إلاّ أنّه لا موجب ولا سبب لتحقق امتثال الغسل الرّافع عند قصد المبيح مع عدم قصد الرّافع بوجه.

لا يشرع الوضوء مع غسل الجنابة

(1) وذلك لعدم المقتضي للوضوء حينئذ ولوجود المانع عنه.

أمّا عدم المقتضي فلقوله تعالى ( ... إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ... ) (1)، لأنّه دلّ بصدره على أنّ كلّ محدث بالنوم أو بغيره يتوضأ إذا قام إلى الصّلاة ، ثمّ حكم في حقّ المجنب بالاغتسال ، وحيث إنّ التفصيل قاطع للشركة فتدل الآية المباركة على أنّ الوضوء وظيفة المحدث غير الجنب ، وأمّا وظيفة المحدث المجنب فهي الاغتسال ، وقد صرّح بذلك في قوله عزّ من قائل ( ... لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ... وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ... ) (2)، وبما أنّ المكلّف مجنب على الفرض فليست وظيفته الوضوء ، سواء قلنا بأنّ مثل مسّ الميت والحيض ونحوهما أسباب للوضوء وناقض له أيضاً أو قلنا بأنّها ليست بأسباب له ، فعلى جميع التقادير لا مقتضي للوضوء حينئذ.


1) المائدة 5 : 6.

2) النِّساء 3 : 43.

وإلاّ وجب الوضوء (1)(1) ، وإن نوى واحداً منها وكان واجباً كفى عن الجميع أيضاً على الأقوى وإن كان ذلك الواجب غير غسل الجنابة وكان من جملتها ، لكن على هذا يكون امتثالاً بالنسبة إلى ما نوى (2).


وأمّا وجود المانع عنه فلأن الرّوايات صرحت على أنّه ليس قبل غسل الجنابة ولا بعده وضوء ، وظاهر كلمة « ليس » نفي مشروعيّة الوضوء مع غسل الجنابة ومقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين أن يكون الغسل متمحضاً في الجنابة وبين أن يكون معه غسل آخر ، فما عن بعضهم من المناقشة في عدم وجوب الوضوء حينئذ (2)في غير محله.

هذا إذا لم نبن على أنّ كلّ غسل يغني عن الوضوء ، وأمّا إذا بنينا على ذلك كما يأتي في محله عند تعرّض الماتن قدس‌سره بعد الأغسال في أنّ غسل الحيض والنّفاس والاستحاضة يغني عن الوضوء أو لا يغني عنه ، ونبيّن أنّها تغني عن الوضوء مطلقاً غير غسل الاستحاضة المتوسطة حيث إنّه لا يغني عن الوضوء فلا وقع للاستشكال في عدم وجوب الوضوء حينئذ ، لأنّه قد اغتسل قطعاً ومعه لا موجب للوضوء وهو ظاهر.

(1) أي إذا لم يكن بينها غسل الجنابة وجب الوضوء ، وهو كما أفاد على مسلكه من أنّ غير غسل الجنابة لا يغني عن الوضوء ، وأمّا على مسلكنا فلا يجب عليه الوضوء في هذه الصّورة أيضاً.

إذا نوى واحداً من الأغسال وغفل عن غيره

(2) الكلام في ذلك يقع في مقامين :


1) (*) على الأحوط الأولى.

2) راجع المستمسك 3 : 141.

أحدهما : ما إذا نوى الجنابة وكان عليه أغسال واجبة اخرى وغفل عنها حين الاغتسال ، فهل يكون اغتساله من الجنابة مسقطاً عن غيره من الأغسال الواجبة أو لا يكون مسقطاً عنها؟

وثانيهما : في أنّه إذا اغتسل من غسل واجب غير الجنابة كغسل مسّ الميت أو الحيض وكان عليه أغسال واجبة أُخرى من الجنابة أو غيرها ، فهل يكون غسله ذلك مسقطاً عن غيره من الأغسال الواجبة فيما إذا غفل ولم ينوها أو لا يكون مسقطاً عنها؟

أمّا المقام الأوّل فالظاهر تسالمهم على أنّ غسل الجنابة مسقط عن الأغسال الواجبة وإن لم ينوها حال الاغتسال ، بل قد نقل الإجماع على كفايته وإسقاطه لبقيّة الأغسال الواجبة على المكلّف.

والوجه في تسالمهم هذا أنّ غسل الجنابة وكفايته عن غيره من الأغسال هو القدر المتيقن من صحيحة زرارة المتقدّمة (1)، لأنّ موردها الجنب ، وإلاّ لم يكن معنى لكون غسله مجزئاً عن الجنابة كما هو مفروض الصّحيحة ، ومن الطّبيعي أنّ الجنب يغتسل عن الجنابة أي يغتسل ناوياً لجنابته ، وفي هذا المورد حكم عليه‌السلام بإجزاء ذلك الغسل عن غيره.

وأمّا أنّه مجزئ عن غيره حتّى فيما إذا لم ينو غير غسل الجنابة من الأغسال الواجبة أو أنّه إنّما يجزئ فيما إذا نوى الجميع فهو مبني على استظهار أنّ قوله « للجنابة ... » في صدر الصّحيحة الّذي هو جارّ ومجرور متعلّق بأيّ شي‌ء ، فهل هو متعلّق بالغسل في قوله « أجزأك غسلك ذلك للجنابة » ، وعليه تدلّ الصّحيحة على إجزاء غسل الجنابة عن بقيّة الأغسال فيما إذا أتى بالغسل بعنوان الجنابة وغيرها ممّا في ذمّته من الأغسال ، ولا يجزئ فيما إذا لم ينو غير الجنابة ، لأنّ معناها حينئذ أنّ غسلك للجنابة وللزيارة ولعرفة مجزئ عنها ، فلا مناص من قصد عناوين الأغسال حال الاغتسال ، وإلاّ لم يكن الغسل للزيارة أو للجنابة أو لغيرهما.


1) تقدّمت في الصفحة 46.

أو أنّه متعلّق بالإجزاء ، أي غسلك أجزأك للجنابة ولغيرها ، وحينئذ تدل الصّحيحة على أنّه إذا أتى بغسل الجنابة أجزأه ذلك عن كلّ ما في ذمّته من الأغسال وإن لم ينو عناوينها حال الاغتسال ، لدلالتها على أنّ غسله من غير تقيّده بشي‌ء يجزي للجنابة وعرفة وغيرها.

والظّاهر هو الثّاني ، لأنّه الفعل المذكور قبله ، والجارّ ومجروره يتعلّقان بالفعل المذكور في الكلام ، لا بكل ما يصلح ويمكن أن يتعلقا به ، فإذا ورد أكرم كلّ عالم في البلد ظاهره أنّ في البلد متعلّق بالإكرام ، فيجب الإكرام في البلد لكلّ عالم ، لا أنّه متعلِّق بالعالم حتى يدلّ على كفاية الإكرام لعلماء البلد ولو كان الإكرام في غير ذلك البلد ، وعليه فالصحيحة تدلّنا على أنّ الإتيان بغسل الجنابة مجزئ عن غيره من الأغسال وإن لم ينوها حال الاغتسال ، هذا أوّلاً.

على أنّا لو سلّمنا عدم ظهور الجملة في كون الجار والمجرور متعلّقين بالإجزاء وكانت الجملة مجملة من هذه الجهة فيكفينا ذيل الصّحيحة أعني قوله « إذا اجتمعت عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد » ، حيث إنّه مطلق وليس قوله « غسل واحد » محلّى باللاّم ليحمل على كونه إشارة إلى الغسل المذكور في صدر الصحيحة الّذي بنينا على إجماله ، وإنّما هو نكرة ومقتضى إطلاقه كفاية غسل الجنابة عن بقيّة الأغسال الواجبة نواها حال الاغتسال أم لم ينوها.

ويدلُّ على ما ذكرناه مرسلة جَميل بن دَرّاج عن بعض أصحابنا عن أحدهما عليهما‌السلام « أنّه قال : إذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر أجزأ عنه ذلك الغسل من كلّ غسل يلزمه في ذلك اليوم » (1)، بل هي صريحة في ما هو محل الكلام في المقام أعني إجزاء غسل الجنابة عن غيره ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين نيّة البقيّة وعدمها ، إلاّ أنّها لإرسالها لم يستدلّوا بها في المقام ، هذا كلّه في المقام الأوّل.

وأمّا المقام الثّاني أعني ما إذا اغتسل غسلاً واجباً غير الجنابة ولم ينو غيره ، فهل


1) الوسائل 2 : 263 / أبواب الجنابة ب 43 ح 2.

هذا يجزئ عن الأغسال الواجبة عليه كالجنابة ومسّ الميت عند الاغتسال من الحيض مثلاً؟

الصحيح أنّه أيضاً مجزئ عن الأغسال الواجبة عليه وإن لم ينوها حال الاغتسال كما ذهب إليه الماتن وغيره ، وذلك لإطلاق صحيحة زرارة « إذا اجتمعت عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد » (1)، فلو اغتسل من الحيض غافلاً عن جنابته أو مسّه الميت أجزأه ذلك بمقتضى إطلاق الصحيحة ، لأنّا وإن بنينا على أنّ المتيقن من صدر الصّحيحة هو الجنب وكفاية غسله من الجنابة عن غيرها ، إلاّ أنّه عليه‌السلام بعد بيان هذا المورد بالخصوص أدرجه تحت ضابط كلِّي وحكم في ذيلها على أنّ الغسل الواحد يجزئ عن الحقوق المجتمعة على المكلّف مطلقاً ، كان غسله هذا من الجنابة أو من غيرها ، هذا.

وقد استدلّ على عدم كفاية غير غسل الجنابة من الأغسال الواجبة عن غسل الجنابة وغيره بما ورد في الحائض من أنّها تجعل غسل الجنابة والحيض واحداً وتغتسل عنهما ، وما دلّ على أنّ الحائض جنب ويجب عليها الغسل للجنابة ، إذ لو كان غسل الحيض مسقطاً لغيره من الأغسال الواجبة الّتي منها الجنابة فما معنى أنّها تجعل الغسلين واحداً وأنّ غسل الجنابة واجب عليها ، وإليك بعض النّصوص.

منها : موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال « سئل عن رجل أصاب من امرأة ثمّ حاضت قبل أن تغتسل ، قال : تجعله غسلاً واحداً » (2).

ومنها : موثقة حجّاج الخشاب قال « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن رجل وقع على امرأته فطمثت بعد ما فرغ ، أتجعله غسلاً واحداً إذا طهرت أو تغتسل مرّتين؟ قال : تجعله غسلاً واحداً عند طهرها » (3).


1) الوسائل 2 : 262 / أبواب الجنابة ب 43 ح 1.

2) الوسائل 2 : 263 / أبواب الجنابة ب 43 ح 5.

3) الوسائل 2 : 264 / أبواب الجنابة ب 43 ح 6.

ومنها : موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال « سألته عن المرأة يواقعها زوجها ثمّ تحيض قبل أن تغتسل ، قال : إن شاءت أن تغتسل فعلت ، وإن لم تفعل فليس عليها شي‌ء ، فإذا طهرت اغتسلت غسلاً واحداً للحيض والجنابة » (1)إلى غير ذلك من الأخبار.

ولكن الصّحيح عدم دلالتها على المدعى ، وذلك لأنّها إنما وردت في أنّ الحائض المجنبة هل يجب عليها أن تقدّم غسلها من الجنابة أو لها أن تؤخره إلى نقائها من الحيض حتّى تغتسل عنهما غسلاً واحداً ، وقد دلّت على عدم وجوب تقديمه عليها وأنّها مخيّرة بين تقديم غسل الجنابة وتأخيره ، وعند تأخيره لها أن تغتسل غسلاً واحداً ناوية لهما ، ولا إشكال في ذلك إلاّ أنّها لم تدل على أنّها إذا أخرت الجنابة واغتسلت من الحيض غافلة عن جنابتها لا يكون غسل الحيض مسقطاً للجنابة وهذا هو محل البحث والكلام ، فهذه الأخبار غير وافية للمدعى.

والعمدة موثقة سَماعة بن مِهران عن أبي عبد اللّه وأبي الحسن عليهما‌السلام « قالا : في الرّجل يجامع المرأة فتحيض قبل أن تغتسل من الجنابة ، قال : غسل الجنابة عليها واجب » (2)، حيث إنّ اغتسالها من الحيض لو كان يكفي عن جنابتها فما معنى وجوب غسل الجنابة عليها؟

إلاّ أنّ التّحقيق أنّها أيضاً ملحقة بالأخبار المتقدّمة ولا دلالة لها على عدم كفاية غسل الحيض عن الجنابة ، وذلك لأنّها ناظرة إلى أن طروء حدث الحيض هل يرفع حدث الجنابة المتحقّق قبله أو أنّ المرأة مع كونها محدثة بالجنابة تتصف بحدث الحيض فلا يكون الثّاني رافعاً له حتّى لا تجب عليها غير غسل الحيض فلها حدثان لا بدّ من رفعهما. وقد استفدنا من الأخبار المتقدّمة أنّ لها رفع حدث الجنابة متقدِّماً باستقلاله كما لها أن تصبر وترفعهما بغسل واحد للحيض والجنابة ، وأمّا أنّها إذا


1) الوسائل 2 : 264 / أبواب الجنابة ب 43 ح 7.

2) الوسائل 2 : 264 / أبواب الجنابة ب 43 ح 8.

اغتسلت للحيض بعد نقائها ولم تنو الجنابة لا يكون هذا مسقطاً لوجوب غسل الجنابة فلا دلالة للموثقة على ذلك فإطلاق صحيحة زرارة غير معارض بشي‌ء.

نعم ، يبقى الكلام في أنّ غسل الحيض إذا كان كافياً ورافعاً للجنابة حتّى فيما إذا لم تنوها فما ثمرة إيجاب غسل الجنابة على الحائض؟

والجواب عن ذلك أن المستفاد من الأخبار المتقدّمة أنّ الحائض مخيّرة بين رفعها الجنابة مستقلّة وبين تأخيرها إلى أن ينقطع حيضها وتغتسل عنهما بغسل واحد ، وثمرة تشريع غسل الجنابة وإيجابه عليها تظهر فيما إذا أرادت الحائض بعد انقطاع دمها وقبل اغتسالها أن تصوم قضاء لصوم شهر رمضان ، حيث إنّ صوم شهر رمضان يعتبر في صحّته عدم تعمد البقاء على الجنابة وعلى الحيض ، فلو بقي عليهما متعمداً بطل صومه ، وأمّا قضاء صوم رمضان فهو إنّما يشترط فيه عدم تعمد البقاء على الجنابة فحسب ، ولا يعتبر في صحّته عدم تعمد البقاء على حدث الحيض ، فلو انقطع حيضها ولم تغتسل منه قبل الفجر إلاّ أنها اغتسلت من الجنابة قبله صحّ قضاؤها ، فلو لم يجب عليها غسل الجنابة حتّى ترفع به حدث الجنابة قبل أن تغتسل من الحيض لم تتمكن من قضاء صوم رمضان فيما إذا تركت الاغتسال من الحيض قبل الفجر.

فالإنصاف أنّه لا شبهة في أنّ الأغسال الواجبة تكفي عن غيرها وإن لم تنو تلك الأغسال حال الاغتسال ، هذا.

على أنا لو سلمنا تماميّة دلالة الأخبار المتقدِّمة على أنّ الاغتسال من الحيض لا يسقط وجوب غسل الجنابة فيما إذا لم تنوه فلنقتصر على ذلك للأخبار ونحكم بأن غسل الحيض لا يكفي عن غسل الجنابة ، وأمّا أن غيره من الأغسال الواجبة لا يكفي عن غيره كغسل مسّ الميت مثلاً بالإضافة إلى الجنابة فلا دلالة في الأخبار السابقة عليه ، وإطلاق صحيحة زرارة سليم عن المعارض.

وأداءً بالنسبة إلى البقيّة (1) ، ولا حاجة إلى الوضوء إذا كان فيها الجنابة (2) وإن كان الأحوط مع كون أحدها الجنابة أن ينوي غسل الجنابة ، وإن نوى بعض


(1) لا امتثالاً لها ، لعدم قصدها على الفرض.

لا يجب الوضوء إذا اغتسل لغير الجنابة مع كونها عليه

(2) إذا اغتسل لغير الجنابة كما إذا اغتسل لمس الميت مثلاً وكانت عليه جنابة وقلنا بكفاية ذلك عن غسل الجنابة وإن لم ينوه حال الاغتسال فهل يجب عليه أن يتوضّأ معه أو لا يجب عليه الوضوء؟

إذا قلنا بأن كلّ غسل يغني عن الوضوء فلا إشكال في عدم وجوب الوضوء حينئذ ، لأنّه قد اغتسل لمس الميت ونواه وهو يغني عن الوضوء ، نظير ما إذا اغتسل للجنابة فحسب.

وأمّا إذا لم نقل بإغناء كلّ غسل عن الوضوء أو كان الغسل غسل الاستحاضة المتوسطة الّذي قلنا إنّه لا يرفع الحدث الأصغر أي لا يغني عن الوضوء. فقد يقال بوجوب الوضوء حينئذ ، لأنّ غسله لمس الميت أو للاستحاضة ونحوهما وإن كان يكفي عن غسل الجنابة إلاّ أنّ مقتضى الصّحيحة (1)الدالّة على الإجزاء والكفاية أنّ الغسل الواجب يسقط الأمر بغسل الجنابة ، حيث عبّر بالإجزاء فلا يجب عليه بعد ذلك الغسل للجنابة ، ولم يدل على أنّ غسل مس الميت مثلاً منزّل منزلة غسل الجنابة ، وبينهما فرق واضح ، حيث إنّ غسل المس لو كان منزّلاً منزلة غسل الجنابة لترتبت عليه جميع الآثار المترتبة على غسل الجنابة الّتي منها إغناؤه عن الوضوء لأنّ البدل في حكم المبدل لا محالة ، وأمّا إذا لم يدل الدليل إلاّ على أنّ ذلك الغسل يوجب سقوط الأمر بغسل الجنابة فإنّه لا يقتضي ترتب جميع آثار غسل الجنابة


1) الوسائل 2 : 261 / أبواب الجنابة ب 43 ح 1.

المستحبّات كفى أيضاً عن غيره من المستحبّات ، وأمّا كفايته عن الواجب ففيه إشكال وإن كان غير بعيد ، لكن لا يترك الاحتياط (1).


عليه ، بل لا يترتب عليه غير أنّه ليس بجنب بعد الاغتسال ، وأمّا أنّه لا يجب الوضوء عليه فلا.

والأخبار الواردة في أنّه لا وضوء قبل غسل الجنابة ولا بعده (1)تختص بما إذا أتى بغسل الجنابة أو بما هو منزّل منزلته ، ولا دلالة لها على أنّه لا وضوء قبل الغسل المسقط للأمر بغسل الجنابة ولا بعده ، ومعه يجب عليه الوضوء لا محالة ، هذا.

ولكن الصّحيح وفاقاً للماتن قدس‌سره عدم وجوب الوضوء في المسألة ، وهذا لا للأخبار النافية للوضوء قبل غسل الجنابة وبعده ، بل لما قدّمناه من أنّ مقتضى الآية المباركة ( ... إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ... ) (2)أنّ المكلّف المحدث على قسمين : محدث غير جنب فوظيفته الوضوء ، ومحدث جنب ووظيفته الاغتسال ، وحيث إنّ المكلّف محدث بالجنابة في مفروض المسألة فلا مقتضى في حقّه للوضوء ، وإنّما وظيفته الاغتسال وقد حقّقه غسله من المسّ أو غيره ، فعدم وجوب الوضوء في المقام مستند إلى عدم المقتضي له ، هذا كلّه في إغناء الغسل الواجب عن غسل واجب آخر.

نيّة بعض الأغسال المندوبة تكفي عن غيره

(1) إذا اغتسل للجمعة أو لغيرها من المستحبّات ولم ينو غسل الجنابة أو المس أو غسلاً مستحبّاً آخر فهل يكفي ذلك عمّا في ذمّته من الأغسال الواجبة أو المستحبّة أو الواجب بعضها والمستحب بعضها الآخر أو لا يكفي؟

التحقيق إغناء الغسل الاستحبابي عن جميع الأغسال الواجبة والمستحبّة ، وذلك


1) الوسائل 2 : 246 / أبواب الجنابة ب 34.

2) المائدة 5 : 6.

لإطلاق صحيحة زرارة « إذا اجتمعت عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد » (1)والغسل الواحد مطلق يعمّ الواجب والمستحب ، كما أنّ الحقوق تعمّ الواجب والمستحب كما قدّمناه ، وعليه فلو اغتسل للجمعة غافلاً عن أنّ عليه جنابة يكفي ذلك في رفع جنابته.

ويؤيده رواية الصّدوق من « أن من جامع في أوّل شهر رمضان ثمّ نسي الغسل حتّى خرج شهر رمضان ، أنّ عليه أن يغتسل ويقضي صلاته وصومه ، إلاّ أن يكون قد اغتسل للجمعة فإنّه يقضي صلاته وصيامه إلى ذلك اليوم ولا يقضي ما بعد ذلك » (2)، أمّا قضاؤه الصّلاة فهو على طبق القاعدة ، لأنّ الصّلاة مشروطة بالطّهارة من الحدث ، فإذا نسي الغسل ثمّ تبيّن أنّها وقعت مع الجنابة فيجب قضاؤها لاستكشاف بطلانها.

وأمّا قضاؤه الصّيام فهو على خلاف القاعدة ، لأنّ الصّوم مشروط بعدم تعمد البقاء على الجنابة ، والناسي ليس متعمداً في بقائه على الجنابة ، فالقاعدة تقتضي صحّة صومه وعدم وجوب القضاء عليه ، إلاّ أنّ الأخبار المعتبرة دلّت على أنّ ناسي غسل الجنابة كالعالم والمتعمد (3)، فلا بدّ من أن يقضي صومه وليس حاله حال الجاهل بجنابته ، وهذه الرّواية دلّت على أنه إنّما يقضيهما إلى أن يغتسل للجمعة لأنّه يرفع الجنابة فيصح صومه وصلاته ، إلاّ أنّها ضعيفة ومن هنا جعلناها مؤيّدة للمدعى.

وأمّا عدم الحاجة مع ذلك الغسل الندبي إلى الوضوء فالكلام فيه هو الكلام في عدم الحاجة إليه مع الغسل الواجب كما مرّ ، لأنّ الغسل المستحب كالواجب في إغنائه عن الوضوء كما أنّ المكلّف لجنابته لا مقتضي في حقّه للوضوء.


1) الوسائل 2 : 261 / أبواب الجنابة ب 43 ح 1.

2) الوسائل 10 : 238 / أبواب من يصحّ منه الصّوم ب 30 ح 2.

3) الوسائل 10 : 237 / أبواب من يصحّ منه الصّوم ب 30.

[699] مسألة 16 : الأقوى صحّة غسل الجمعة من الجنب والحائض ، بل لا يبعد إجزاؤه عن غسل الجنابة بل عن غسل الحيض إذا كان بعد انقطاع الدّم (1).

[700] مسألة 17 : إذا كان يعلم إجمالاً أنّ عليه أغسالاً لكن لا يعلم بعضها بعينه يكفيه أن يقصد جميع ما عليه كما يكفيه أن يقصد البعض المعيّن ويكفي عن غير المعيّن ، بل إذا نوى غسلاً معيّناً ولا يعلم ولو إجمالاً غيره وكان عليه في الواقع كفى عنه أيضاً وإن لم يحصل امتثال أمره (2). نعم إذا نوى بعض الأغسال ونوى عدم تحقّق الآخر (3) ففي كفايته عنه إشكال بل صحّته أيضاً لا تخلو عن إشكال (1)بعد كون حقيقة الأغسال واحدة ، ومن هذا يشكل البناء على عدم التداخل بأن يأتي بأغسال متعدّدة كلّ واحد بنيّة واحد منها ، لكن لا إشكال إذا أتى فيما عدا الأوّل برجاء الصحّة والمطلوبيّة.


(1) هذه المسألة من صغريات الكبرى المتقدّمة من أنّ الغسل المستحب يغني عن الأغسال الواجبة والمستحبّة مطلقاً وإن لم ينوها ولم تكن حاجة إلى التّكرار ، ولعلّه إنّما تعرّض لها بخصوصها لورود النص فيها وهو رواية الصدوق المتقدِّمة (2).

(2) علم تفصيل هذه المسألة ممّا قدّمناه في الفروع المتقدّمة فلا حاجة إلى إعادته.

إذا نوى البعض ونوى عدم الآخر

(3) كما إذا اغتسل لمس الميت قاصداً أن لا يرتفع به جنابته ، لأنّه يريد أن يغتسل لها مستقلا ، فهل هذا الغسل صحيح في نفسه أو باطل؟ وعلى فرض صحّته فهل يغني عن غيره وإن كان المكلّف قد قصد عدمه أو لا يغني؟


1) (*) والأظهر هي الصحّة والكفاية ، فإنّ الأغسال حقائق متعدّدة والإجزاء حكم تعبّدي لا دخل لقصد المغتسل وعدمه فيه.

2) تقدّمت في الصفحة السابقة.

فيه كلام وقد تقدّم نظيره في الوضوء فيما إذا بال ونام وتوضّأ بقصد حدثه النومي دون البولي قاصداً لرفعه بوضوء آخر (1)، وقد استشكل الماتن قدس‌سره في صحّته وإغنائه عما في ذمّته ، نظراً إلى أنّ الأغسال طبيعة واحدة ومتى تحقّق فرد منها ارتفع الجميع ، فلا انفكاك بين الفرد والطّبيعة ، لأنّه متى ما تحقّق تحققت الطّبيعة وارتفعت الأغسال بأجمعها ، ومعه يشكل الحكم بصحّة الغسل فيما إذا أتى به ناوياً عدم تحقّق الأغسال الأُخر ، وعليه أن يأتي بالغسل الآخر برجاء المطلوبيّة وقصد ما في الذمّة ، حيث يقطع بذلك بالامتثال ، لأنّه إمّا وقع غسله الأوّل صحيحاً وارتفع به الأغسال كلّها ، أو أنّه لو كان باطلاً فالغسل الثّاني وقع صحيحاً وبه ارتفعت الأغسال بأجمعها ، هذا.

ولكن الظّاهر صحّة ما أتى به من الغسل وإغنائه عن البقيّة ، بلا فرق في ذلك بين القول بوحدة طبائع الأغسال والقول بتعددها وتغايرها ، لأنّا إن قلنا بأن طبائع الأغسال طبيعة واحدة كما هو ظاهر المتن فلا إشكال في ما أتى به المكلّف من الغسل حيث أتى به قاصداً به القربة أمّا بقصده في نفسه لأنّه محبوب نفسي كما في غسل الجنابة أو بداعي أنّه واقع في سلسلة وجود الواجب النفسي ، ومع الإتيان بالطبيعة بقصد القربة لا موجب لبطلان ما أتى به من الغسل.

وأمّا إغناؤه عن بقيّة الأغسال وعدمه فهما حكمان شرعيّان خارجان عن اختيار المكلّف ، فقصده لأحدهما وقصد عدم تحقّق الآخر أو عدمه على حد سواء ، وحيث إنّ الشّارع حكم بإغناء الغسل الواحد عن الجميع فلا محالة تسقط به الأغسال الأُخر.

اللّهمّ إلاّ أن ينوي بما أتى به الغسل الرّافع لما قصده وغير الرّافع لبقيّة الأغسال شرعاً ، لأنّه حينئذ تشريع محرّم ، ولم يجعل في الشّريعة المقدّسة غسل غير رافع عن بقيّة الأغسال ، فيحكم ببطلانه من جهة التّشريع ، وهو أمر آخر خارج عن محل


1) تقدّم في المسألة [489].

الكلام ، لأنّ البحث فيما إذا أتى بفرد من الأغسال ناوياً عدم ارتفاع غيره به ، وأمّا إسناد عدم الرّفع إلى الشّارع فهو أمر آخر.

وأمّا إذا قلنا بأن الأغسال طبائع مختلفة بحسب حكم الشّارع واعتباره وإن كنّا لو خلّينا وأنفسنا لحكمنا بوحدة طبائعها ، لأنّ الغسل والماء في جميعها واحد ، كما أنّ الكيفيّة كذلك لأنّه إمّا على نحو الارتماس وإمّا على نحو الترتيب ، كما هو الحال في صلاتي الظّهر والعصر أو القضاء والأداء ، لأنّهما طبيعة واحدة ولا اختلاف بينهما بوجه ، إلاّ أنّ قوله عليه‌السلام « إلاّ أنّ هذه قبل هذه » (1)يدلّنا على تعدّد طبيعة الظّهر والعصر عند الشّارع وأنّ المشار إليه بكلمة هذه الاولى غير المشار إليه بكلمة هذه الثّانية ، وإلاّ لا معنى للإشارة بهما ، كما استفدنا تعدّد الطّبيعة في القضاء والأداء من استحباب تقديم القضاء على الأداء أو وجوبه ، وأنّه لو تذكر في أثناء الأداء أنّ عليه قضاء يعدل إلى القضاء ، لأنّه يدل على أنّهما طبيعتان ، وإلاّ لا

معنى لتقديم الشي‌ء على نفسه استحباباً أو وجوباً. وفي المقام أيضاً استفدنا تعدّد الطّبائع من قوله عليه‌السلام « إذا اجتمعت عليك حقوق » (2)، ولا يعبر عن الحقيقة الواحدة بالحقوق كما هو ظاهر فأيضاً إذا أتى بطبيعة من تلك الطّبائع قاصداً به القربة على أحد النحوين المتقدّمين فلا وجه للحكم ببطلانه ، وحيث إنّ الشّارع حكم بإغناء ذلك عن بقيّة الطبائع فيحكم بسقوط الجميع ، لأنّه حكم شرعي وغير موكول إلى اختيار المكلّف حتّى يقصد عدم سقوط البقيّة.

اللّهمّ إلاّ أن يشرع في عمله بأن يقصد فرداً من الطّبيعة الّتي حكم الشّارع بعدم إغنائها عن بقيّة الأغسال ، لأنّه موجب للحكم ببطلان غسله من جهة التّشريع ، إلاّ أنّه خارج عن مورد الكلام ولا يوجب الحكم بالبطلان عند ما إذا أتى بها جاهلاً بالتداخل أو معتقداً عدم التداخل شرعاً.


1) الوسائل 4 : 126 و 130 / أبواب المواقيت ب 4 ح 5 و 20 و 21 و 22.

2) الوسائل 2 : 261 / أبواب الجنابة ب 43 ح 1.

فصل في الحيض

اشارة

وهو دم خلقه اللّه تعالى في الرّحم لمصالح ، وفي الغالب أسود أو أحمر غليظ طريّ حارّ يخرج بقوّة وحرقة ، كما أنّ دم الاستحاضة بعكس ذلك ،


فصل في الحيض

الظّاهر أنّ الحيض معنى حدثي ، ومن هنا يشتق منه ويقال : حاضت ، تحيض حائض وحيّض ، إذ لو كان من الجوامد لم يمكن منه الاشتقاق إلاّ على وجه التأويل كما في اللاّبن والتّامر والحدّاد.

ولكن قد أُطلق في غير واحد من الأخبار على نفس الدّم :

منها : صحيحة حَفص بن البَختَري ، قال « دخلت على أبي عبد اللّه عليه‌السلام امرأة ، فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري حيض هو أو غيره ... » (1)، حيث أُطلق الحيض على نفس الدّم. ومنها : ما ورد في رواية يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال في حديث « وكل ما رأت المرأة في أيّام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض ... » (2)، وكذلك في غيرها من الأخبار (3)حيث إنّ الظّاهر أنّ كلمة « من » للجنس ، ولا معنى لأنّ تكون نشوية ، لأنّ الدم لا ينشأ عن الحيض. ومنها : ما سأل فيه سلمان رحمه‌اللّه عليّاً عليه‌السلام « عن رزق الولد في بطن امّه ، فقال : إنّ اللّه تبارك وتعالى حبس عليه الحيضة فجعلها رزقه في بطن امّه » (4)، حيث أُطلق الحيضة على نفس الدّم. ومنها غير ذلك من الأخبار ، ولعلّه من


1) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3 ح 2.

2) الوسائل 2 : 279 / أبواب الحيض ب 4 ح 3.

3) الوسائل 2 : 280 و 281 / أبواب الحيض ب 4 ح 5 و 6 و 9.

4) الوسائل 2 : 333 / أبواب الحيض ب 30 ح 13.

هنا فسّر الأصحاب قدس‌سرهم الحيض بالدّم ، حيث قالوا إنّه دم أسود عبيط ...

ثمّ إنّ معنى الحيض هو السيلان ، فيقال : حيّض الماء أي سيّله كما في القاموس وهذا أيضاً يدل على أنّ الحيض معنى حدثي ، حيث اشتق منه وليس من الجوامد ، هذا كلّه في معنى الحيض ومادّته.

أوصاف الحيض

وأمّا أوصافه فالّذي يدلّ عليه الرّوايات ويستفاد من إخبارات النِّساء أنّ دم الحيض يمتاز عن بقيّة الدّماء ، ويخرج بدفع وقوّة وحرارة ، وأنّه طريّ على خلاف المتعارف في الدم الباقي المحتبس حيث تذهب طراوته وهو المعبر عنه في الأخبار بالعبيط (1)، وأنّه أسود ، والظّاهر أنّ المراد به كثرة الحمرة ، وإلاّ فلم يُر دم بلون السواد كالفحم.

وذكر في المتن كما ذكر غيره أنّه غليظ ، وهو وإن لم يذكر في الأخبار ولكنّه أمر محتمل الوجود في الحيض ، ويأتي ما يتعيّن به دم الحيض عند الاشتباه من غير حاجة إلى اعتبار الغلظة.

السنّ الّذي يخرج فيه الحيض

وأمّا السنّ الّذي يخرج فيه الحيض فقد أشار إليه الماتن بقوله « ويشترط أن يكون بعد البلوغ إلخ » أي إكمال تسع سنين كما في صحيحة ابن الحجاج عن الصّادق عليه‌السلام « ثلاث يتزوجن على كلّ حال وعد منها الّتي لم تحض ومثلها لا تحيض قال : قلت : وما حدّها؟ قال : إذا أتى لها أقل من تسع سنين » (2)، هكذا


1) كما في صحيحة حفص ، الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3 ح 2.

2) الوسائل 22 : 183 / أبواب العدد ب 2 ح 4 ، وهذه رواية الكافي ، والّتي هي رواية الشيخ وفي سندها ابن الزّبير هي الرّواية المذكورة في : أبواب العدد ب 3 ح 5. وسيأتي ذكر كليهما في الصفحة 68 و 69.

ويشترط أن يكون بعد البلوغ وقبل اليأس ، فما كان قبل البلوغ أو بعد اليأس ليس بحيض وإن كان بصفاته ، والبلوغ يحصل بإكمال تسع سنين ، واليأس ببلوغ ستّين سنة في القرشيّة (1)وخمسين في غيرها (1) ،


قيل (2)، والصّحيح أن يقال إنّ رواية ابن الحجاج ضعيفة ، لأنّ في سند الشيخ إليه ابن عُبدون وعلي بن محمّد بن الزُّبير وهما لم يوثقا في الرّجال. نعم ابن عُبدون من مشايخ النجاشي ، فلا بأس به من هذه الجهة ، بخلاف ابن الزُّبير كما يأتي قريباً إن شاء اللّه تعالى (3)، والأولى أن يستدل بموثقة عبد اللّه بن سنان « إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة وكتبت عليه السيِّئة وعوقب ، وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك وذلك أنّها تحيض لتسع سنين » (4).

على أنّ اعتبار ذلك أمر متسالَم عليه ، بل قالوا إنّه ضروري عند المسلمين حتّى المخالفين. ويأتي أن أقلّه ثلاثة أيّام ، فإذا وقع بعض الثّلاثة قبل إكمال التسع لم يحكم بحيضية الدم ، وعليه فلا وقع للتكلّم في أنّها إذا رأت الدم في آن إكمال التسع هل هو حيض أو ليس بحيض ، وذلك إذ يعتبر في الحيض أن يكون ثلاثة أيّام على الأقل ، فلو وقع بعض من الثّلاثة قبل إكمال التسع بحيث صدق عرفاً أنّ الثّلاثة قبل الإكمال لم يحكم بالحيضيّة بوجه ، وأمّا منتهى رؤية الحيض فقد أشار إليه بقوله « وقبل اليأس ».

منتهى رؤية الحيض

(1) ذهب بعض العامّة إلى أنّ حدّ اليأس هو سبعون سنة ، وحدّده بعض آخر


1) (*) فيما ذكر إشكال والأحوط للقرشيّة وغيرها الجمع بين تروك الحائض وأفعال المستحاضة فيما بين الحدّين.

2) القائل هو السيِّد الحكيم في المستمسك 3 : 152.

3) يأتي في الصفحة 70 ، وتأتي هناك قاعدة نافعة.

4) الوسائل 19 : 365 / كتاب الوصايا ب 44 ح 12.

بخمسين أو بخمسة وخمسين ، إلى غير ذلك من التفاصيل ، وقال بعضهم إنّ الحيض لا منتهى له ، فكلّ دم تراه المرأة بعد بلوغها يحكم بحيضيّته عند استجماعه الأوصاف والشّرائط.

وأمّا أصحابنا فقد ذهب جملة منهم كالشيخ في نهايته (1)وجمله (2)وصاحب السّرائر (3)والمحقّق (4)في كتاب الطلاق إلى أن حدّه خمسون سنة بلا فرق في ذلك بين القرشيّة وغيرها.

وفي قبال هذا قولان آخران :

أحدهما : أنّ حدّ انقطاع الحيض ستّون سنة في القرشية وغيرها ، وهو قول المحقّق في كتاب الطّهارة (5)، ونسب إلى العلاّمة في المنتهي والمختلف (6)، ونسب إلى الأردبيلي الميل إليه (7).

وثانيهما : أن حدّه في القرشية ستّون سنة وفي غيرها خمسون ، وهذا هو المعروف بين أصحابنا.

ومنشأ الخلاف هو اختلاف الأخبار ، حيث ورد في روايتي عبد الرّحمن بن الحجاج اللتين رواهما صفوان عنه عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام أنّ حدّه خمسون ، ففي إحداهما قال « قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام ثلاث يتزوّجن على كلّ حال إلى أن قال والّتي قد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض ، قلت : وما حدّها؟ قال : إذا كان


1) النّهاية : 516.

2) لم نعثر عليه في الجمل لكن نسبه إليه في الحدائق 3 : 171 كتاب الحيض.

3) السّرائر 2 : 688.

4) الشّرائع 3 : 30 / الفصل الثّالث في ذات الشهور.

5) الشّرائع 1 : 33 / الفصل الثّاني في الحيض.

6) نسبه إلى العلاّمة في المستمسك 3 : 154 وراجع المنتهي 2 : 272 والمختلف 7 : 463 / الفصل السّادس في العدد لكن قال بالستّين في خصوص القرشيّة والنبطيّة.

7) نسب القول بالخمسين لا بالستّين إلى الأردبيلي في المستمسك 3 : 154 وراجع مجمع الفائدة والبرهان 1 : 143.

لها خمسون سنة (1)، وهذه ضعيفة بسهل بن زياد الواقع في سندها ، وفي ثانيتهما عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : حدّ الّتي قد يئست من المحيض خمسون سنة » (2)وهي صحيحة.

وهناك روايتان تدلاّن على أنّ حدّ اليأس ستّون سنة ، إحداهما : مرسلة الكليني وروى ستّون سنة أيضاً (3).

وثانيتهما : رواية الشيخ قدس‌سره بإسناده عن علي بن الحسن بن فَضّال عن ابن أبي الخطاب عن صفوان عن عبد الرّحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث « قال قلت : الّتي قد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض؟ قال : إذا بلغت ستين سنة فقد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض » (4).

وهاتان الطائفتان متعارضتان ، لأنّ الطائفة الأُولى تدل بإطلاقها على أنّ حدّ اليأس خمسون سنة في القرشية وغيرها ، والثّانية تدل بإطلاقها على أنّ الحدّ فيهما ستّون سنة.

وهناك مرسلتان مفصلتان بين القرشيّة وغيرها ، إحداهما : مرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة ، إلاّ أن تكون امرأة من قريش » (5). وثانيتهما : مرسلة الصدوق ، قال « قال الصّادق عليه‌السلام : المرأة إذا بلغت خمسين سنة لم تر حمرة ، إلاّ أن تكون امرأة من قريش ، وهو حدّ المرأة الّتي تيأس من الحيض » (6). هذه هي روايات المسألة.

نعم ، روى المفيد مرسلاً « أنّ القرشية من النِّساء والنبطيّة تريان الدم إلى ستّين سنة » (7)


1) الوسائل 2 : 336 / أبواب الحيض ب 31 ح 6 ، 22 : 179 / أبواب العدد ب 2 ح 4.

2) الوسائل 2 : 335 / أبواب الحيض ب 31 ح 1.

3) الوسائل 2 : 336 / أبواب الحيض ب 31 ح 4.

4) الوسائل 2 : 337 / أبواب الحيض ب 31 ح 8 ، 22 : 183 / أبواب العدد ب 3 ح 5.

5) الوسائل 2 : 335 / أبواب الحيض ب 31 ح 2.

6) الوسائل 2 : 336 / أبواب الحيض ب 31 ح 7.

7) الوسائل 2 : 337 / أبواب الحيض ب 31 ح 9.

حيث ألحق النبطيّة بالقرشيّة ، إلاّ أنّه ممّا لم يظهر القائل به ، حتّى أنّ راوي الحديث الّذي هو المفيد قدس‌سره لم يذهب إلى إلحاقها بالقرشيّة.

وبما أنّ الطائفتين الأوليين متعارضتان فتجعل الطائفة المفصلة شاهد جمع بين الطائفتين ، وبها تحمل الطائفة الأُولى على غير القرشية ، والثّانية على القرشية.

أو يقال إنّ الطائفة الثّالثة تخصّص الطائفة الأُولى بغير القرشيّة ، لأنّ إطلاقها وإن كان يشمل القرشيّة أيضاً إلاّ أنّ الطائفة الثّالثة تخصصها بالمرأة غير القرشيّة ، وبهذا تنقلب النسبة بينها وبين الطائفة الثّانية وتكون النسبة بينهما عموماً مطلقاً ، لأنّ الثانية مطلقة وتدل بإطلاقها على أنّ حدّ اليأس ستّون سنة في القرشيّة وغيرها ، والطائفة الاولى بعد تقييدها بغير القرشيّة تدل على أنّ حدّ اليأس في غير القرشيّة خمسون سنة ، فهي أخصّ مطلقاً من تلك الطائفة ، فتخصصها بالقرشيّة لا محالة. هذا غاية ما يمكن أن يقرب به المسلك المشهور.

وربّما يناقش في ذلك بأنّها ضعيفة سنداً ، حيث إنّ الشيخ يرويها عن علي بن الحسن بن فَضّال ، وطريقه إليه ضعيف ، لأنّ فيه أحمد بن عُبدون عن علي بن محمّد بن الزُّبير ، ولم يثبت توثيقها.

ولكن الصّحيح أنّ أحمد بن عبدون ثقة ، لأنّه من مشايخ النجاشي ومشايخه كلّهم ثقات ، وطريق الشيخ إلى ابن فضال وإن كان ضعيفاً بعلي بن محمّد بن الزُّبير إلاّ أنّ ذلك الكتاب بعينه هو الّذي للنجاشي إليه طريق صحيح ، وعليه فلا أثر لضعف طريق الشيخ بعد وحدة الكتاب. وأمّا ما ورد في كلام النجاشي : وكان يعني أحمد ابن عبدون قد لقي أبا الحسن علي بن محمّد القرشي المعروف بابن الزُّبير ، وكان علواً في الوقت (1)، فهو يدلّ على أنّ الرّجل في ذلك الوقت كان من الأكابر وعالي المقام ولا يستفاد منها الوثاقة بوجه.

على أنّا لو أغمضنا عن ذلك وبنينا على أنّ الجملة المذكورة تفيد التوثيق ، فكلام


1) رجال النجاشي : 87 ، الرّقم [211].

النجاشي مجمل ولم يعلم أنّ الضّمير في قوله « وكان علواً » يرجع إلى ابن عبدون أو إلى ابن الزُّبير ، وعلى كلّ حال فهو يرجع إلى أحدهما لا محالة.

ومن الغريب ما في بعض الكلمات من إرجاع الضّمير إلى ابن عبدون والاستدلال به على وثاقته (1)، وإرجاعه إلى ابن الزُّبير والاستدلال به على وثاقته (2)، فليراجع هذا كلّه في رواية الشيخ.

وأمّا مرسلة الكليني فيدفعها ضعف سندها بالإرسال.

وأمّا المرسلتان المستدل بهما على القول المشهور من التفصيل بين القرشيّة وغيرها فلا يمكن الاستدلال بهما لإرسالهما ، وقد مرّ غير مرّة أنّا لا نعتمد على المراسيل ولو كان مرسلها ابن أبي عمير ، للعلم بأنّه يروي عن الضعفاء ، ومعه نحتمل أن يكون الواسطة المحذوفة من الضّعفاء الّذين قد يروي عنهم ابن أبي عمير.

تحقيق المسألة

والصّحيح أن يقال إنّ روايتي ابن الحجاج غير قابلتين للاعتماد عليهما في نفسيهما وذلك لأنّ الرّاوي عن ابن الحجاج في كلتا الرّوايتين شخص واحد وهو صفوان ، وقد روى هو إحداهما لشخص والثّانية لراو آخر ، فلو كان كلّ من الرّوايتين صادراً عنه عليه‌السلام لم يكن أيّ وجه لما صنعه صفوان ، حيث نقل إحداهما لراوٍ والآخر لراو آخر ولم ينقل له كلتيهما ، نعم في نقل الرّواية الأُولى يمكن أن نفرضه فيما قبل سماعه الرّواية الثّانية من ابن الحجّاج ، فلذا لم ينقل للراوي الأوّل إلاّ ما سمعه وهو إحداهما ، ولكنّه بعد ما سمع الرّواية الثّانية ليس له أن ينقل للراوي إحداهما دون الأُخرى ، لعلمه بأنّ في المسألة روايتين ، فلو اكتفى بنقل إحداهما كانت هذه خيانة واضحة وتأبى ذلك منزلته ووثاقته ، فبهذا نجزم أنّ إحداهما غير صادرة عنه عليه‌السلام ، وهذا كما ترى لا اختصاص له بإحداهما المعيّنة ، فإنّه كما نحتمل أن تكون


1) تنقيح المقال 1 : 66 السطر 37.

2) تنقيح المقال 2 : 304 السطر 25.

والقرشيّة من انتسب إلى نضر بن كنانة (1) ،


رواية الستين غير صادرة عنه عليه‌السلام ، كذلك نحتمل أن تكون رواية الخمسين كذلك ، فالروايتان من باب اشتباه الحجّة باللاحجة وغير صالحتين للاعتماد عليهما في الاستدلال.

إذن نحن ومقتضى القاعدة في المقام ، ولا ينبغي الإشكال في أنّ الدّم الّذي تراه المرأة بعد الستّين ليس بحيض ، كما أنّ ما تراه قبل الخمسين محكوم بالحيضيّة على التفصيل الآتي في محله ، وأمّا ما تراه بين الستّين والخمسين فمقتضى الإطلاقات الدالّة على أنّ كلّ دم واجد لأوصاف الحيض حيض (1)، أو أنّ ما تراه المرأة في أيّام عادتها حيض (2)، هو الحكم بالحيضيّة ، إلاّ أنّ المشهور حيث لم يلتزموا بالحيضيّة بين الحدّين في غير القرشيّة فلا بدّ فيه من الاحتياط بالجمع بين تروك الحائض وأفعال المستحاضة ، هذا.

ثمّ لو تنزّلنا عن ذلك وبنينا على أنّهما روايتان مستقلّتان قد صدرتا من الإمام عليه‌السلام فهما متعارضتان لا محالة ، ولا مرجّح لما دلّ على التحديد بالخمسين لو لم نقل بوجود المرجح لما دلّ على التحديد بالستّين ، لوجود القائل بالخمسين من العامّة بخلاف التحديد بالستّين ، إذن يتعيّن الحكم بالتساقط والعمل بالاحتياط لعين الوجه المتقدِّم آنفاً.

تعريف القرشيّة

(1) على تقدير التفصيل بين القرشيّة وغيرها يقع الكلام في معرفة القرشيّة ، فقد يقال إنّ قريش اسم لنضر بن كنانة ، وهو أحد أجداد النّبيّ صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم وقيل إنّه اسم لفهر بن مالك بن نضر ، فأولاد أخي فهر لا تنتسب إلى قريش


1) راجع الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3.

2) راجع الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3 وب 4.

ومن شكّ في كونها قرشيّة يلحقها حكم غيرها (1) ،


وإن كانت من أولاد مالك بن نضر ، وحيث إنّ المخصص منفصل أعني ما دلّ على أنّ القرشيّة تحيض إلى الستّين ، وهو الّذي خصّص ما دلّ على أنّ المرأة تحيض إلى الخمسين ودار أمره بين الأقل والأكثر فلا مناص من الاكتفاء في تخصيص العموم بالمقدار المتيقن وهو الأقل ، وعليه فيقتصر في الحكم بحيضيّة الدم الّذي تراه المرأة بعد الخمسين على المرأة المنتسبة إلى فهر بن مالك ، ولا نتعدّى عنها إلى المنتسبة إلى نضر ابن كنانة بغير واسطة فهر.

والّذي يوهن الخطب أنّ القرشيّة لا وجود لها غير أولاد عبّاس وعلي عليه‌السلام ، إذ لم يعلم لأولاد مالك غير فهر أولاد حتّى يتكلّم في أنّه قرشي أو غير قرشي ، فمحل الابتلاء معلوم القرشيّة على كلّ حال وغيره خارج عن محل الابتلاء.

(1) وذلك للاستصحاب ، وتوضيحه : أنّ الياء في القرشي والقرشيّة نسبيّة ، ومعناها الرّجل المنتسب إلى قريش أو المرأة المنتسبة إليه ، وهذا العنوان الوجودي هو المستثنى عن العام ، والمستثنى منه معنون بعنوان عدمي ، أعني المرأة غير المنتسبة إلى قريش ، ومعه إذا شككنا في أنّ امرأة قرشيّة أو غيرها فنستصحب عدم تحقّق الانتساب بينها وبين قريش ، فإنّ المرأة وإن كانت موجودة بالوجدان إلاّ أنّ انتسابها إلى قريش مشكوك فيه ، وهو عنوان وجودي مسبوق بالعدم والأصل عدم تحقّقه ، فبهذا يثبت الموضوع للحكم بعدم الحيض بعد خمسين ، حيث إنّ موضوعه مركّب من أمرين أحدهما ذات المرأة وثانيهما عدم انتسابها إلى قريش ، فبضمّ الوجدان إلى الأصل نحرز الموضوع للعموم.

ولا يعارضه أصالة عدم انتسابها إلى غير قريش من المضريّة والكلابيّة وغيرها إذ لا أثر لكون المرأة منتسبة إلى غير قريش ، وإنّما الأثر مرتّب على انتسابها إلى قريش ، فإذا نفيناه بالاستصحاب فلا محالة تدخل المرأة المشكوك حالها في موضوع العموم ، وهذا الأصل أمر متسالَم عليه ، ولعلّه ممّا لا خلاف فيه.

ومن هنا ترى الأصحاب في مسائل الإرث والدّيات والزّواج يتمسكون بذلك من غير نكير ، مثلاً إذا شكّ في أنّ زيداً من أولاد الميت حتّى يرثه أو أنّه ليس من أولاده لا يعطونه من إرثه ، لاستصحاب عدم تحقّق الانتساب بينهما ، لأنّ الإرث مترتب على من انتسب إلى الميت بالتولد أو بغيره ، ومقتضى الأصل عدمه ، وكذا إذا شكّ في أنّ من يريد تزوّج امرأة كانت امرأة زيد في زمان هل هو ابن زيد ليحرم عليه تزوّج المرأة ، لحرمة منكوحة الأب على ابنه وهي منكوحة لزيد فتحرم على ولده أو أنّه ليس من أولاده ، جاز تزوّج تلك المرأة باستصحاب عدم تحقّق الانتساب بينه وبين زيد بالتولّد.

أو إذا قتل أحد أحداً وشككنا في أنّ المقتول ولد للقاتل حتّى لا يقتل لأنّ الأب لا يقتل بقتل ابنه ولو متعمداً ، وهو من مستثنيات القصاص في القتل العمدي أو أنّه أجنبي عنه وليس ولده حتّى يقتل قصاصاً ، يحكم بقتله لاستصحاب عدم تحقّق الانتساب بينه وبين المقتول بالتوالد ، وهكذا ، فالأصل الجاري في المقام أمر متسالم عليه في أبواب الفقه عندهم.

ولعلّه لذا لم يستشكل شيخنا الأُستاذ قدس‌سره في تعليقته على المتن في هذه المسألة ، حيث لم يخالف الماتن وأمضى حكمه بإلحاق من شكّ في قرشيتها بغيرها ، مع أنّه قدس‌سره منع عن الأصل في الأعدام الأزليّة في الأُصول ، ولو لا كونه إجماعيّاً ومورداً لتسالمهم كان من حقّه الاستشكال في المسألة والحكم إمّا بالاحتياط أو بالحيضيّة تمسكاً بعموم ما دلّ على أنّ الدم المشتمل على أوصاف الحيض حيض (1)أو ما دلّ على أنّ ما يمكن أن يكون حيضاً حيض (2)، إلاّ أنّه لم يخالف الماتن اعتماداً على إجماعهم وتسالمهم.

إلاّ أنّا لو كنّا لم نقل باستصحاب العدم الأزلي في محله لم يمكننا موافقة المتن في


1) راجع الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3.

2) ستأتي أخبار قاعدة الإمكان في الصفحة 197 وما بعدها.

والمشكوك البلوغ محكوم بعدمه ، (1) ، والمشكوك يأسها كذلك (2).

[701] مسألة 1 : إذا خرج ممن شكّ في بلوغها دم وكان بصفات الحيض يحكم بكونه حيضاً (1)ويجعل علامة على البلوغ ، بخلاف ما إذا كان بصفات الحيض وخرج ممّن علم عدم بلوغها ، فإنّه لا يحكم بحيضيّته وهذا هو المراد من شرطيّة البلوغ (3).


المسألة ، إذ لم يعلم أنّ إجماعهم تعبّدي ، ومن المحتمل أن يكون مدرك البعض لولا كلّهم هو جواز جريان الأصل في الأعدام الأزليّة ، ومع هذا الاحتمال لا يمكن الاعتماد على الإجماع أبداً.

(1) للاستصحاب ، وهو من الأصل النعتي وغير مبتنٍ على جريان الأصل في الأعدام الأزليّة.

(2) أيضاً للاستصحاب النعتي ، لأنّ الأصل عدم بلوغ المرأة خمسين سنة ، فلا مانع من الرّجوع إلى الاستصحاب في هذين الفرعين ، لأنّهما من الشبهات الموضوعيّة والأصل فيهما نعتي.

الدم الخارج من مشكوك البلوغ

(3) الكلام في الدم الخارج من الصبيّة قبل إكمالها تسع سنين أو مع الشكّ في بلوغها تسعاً وعدمه إذا كان بصفة دم الحيض يقع في مقامين :

أحدهما : في مقام الثبوت وأن الدم الخارج قبل إكمال تسع سنين هل يمكن أن يكون حيضاً أو لا يمكن؟

وثانيهما : في مقام الإثبات وأنّه إذا شكّ في بلوغ الصبيّة تسعاً وخرج منها دم متّصف بأوصاف الحيض فهو أمارة على الحيضيّة والبلوغ أو لا ، لا يحكم به على كون الدم حيضاً وعلى الصبيّة بالبلوغ؟


1) (*) فيه إشكال ولعلّ عدمه أظهر.

أمّا المقام الأوّل : فمقتضى الأخبار المحددة للحيض الواردة في أنّ الصبيّة لا ترى حيضاً قبل إكمالها تسع سنين كما في صحيحة عبد الرّحمن بن الحجّاج المتقدِّمة (1)وغيرها (2)عدم تحقّق الحيض قبل إكمال الصبيّة تسع سنين ولو كان متّصفاً بأوصاف الحيض.

ودعوى أنّ ذلك محمول على الغلبة ، وإلاّ فالحيض أمر واقعي يخرج من عرق خاص ولو قبل إكمال الصبيّة تسعاً فلا مانع من خروج الحيض قبله.

مندفعة : بأنّ ذلك على خلاف ظواهر الأخبار المحدّدة الدالّة على عدم رؤية الصبيّة الحيض قبل إكمال تسع سنين ، على أنّ الغلبة كما هي متحقّقة قبل إكمال التسع كذلك متحقّقة بعد إكماله ، حيث إنّ المتعارف أنّ الصبيّة لا ترى الحيض قبل إكمال ثلاث عشرة سنة ، وعليه فما فائدة التحديد بالتسع؟ ومعه تقع الأخبار المحدّدة للحيض ببلوغ تسع سنين لغواً ظاهراً ، ولا مناص معه من أن يكون الحيض محدوداً ببلوغ التسع وعدم تحقّقه قبله حقيقة أو بالحكومة لو قلنا بأنّه أمر واقعي وله عرق مخصوص يمكن أن يخرج قبله ، لدلالة الأخبار المذكورة على اشتراط الحيض بالبلوغ.

وأمّا توهّم أنّ الأوصاف الموجودة في الدم أمارة على الحيضيّة ولا مانع من التعبد بها ، لقيام الأمارة عليها على الفرض.

فيدفعه : ما تقدّم من أنّ الأخبار المشتملة على تلك الأوصاف (3)إمّا أنّ عنوان المرأة قد أُخذ في موضوعها وأنّ الدم الخارج من المرأة إذا كان حارّاً وخارجاً بدفع وقوّة وكان أسود فهو حيض ، وإمّا أنّها مطلقة ولكن التعبد بالحيضيّة إنّما يتصوّر في مورد قابل ، وهو على ما دلّت عليه الأخبار عبارة عن الصبيّة المكملة تسعاً ، ومع عدم بلوغها التسع لا يمكن أن يحكم بكون الدم الخارج منها حيضاً ، كما لا يحكم بذلك


1) في الصفحة 66 ، 68 ، 69.

2) الوسائل 19 : 365 / كتاب الوصايا ب 44 ح 12.

3) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3.

إذا خرج من غير الموضع المعهود ولو كان بصفات دم الحيض ، هذا كلّه في المقام الأوّل.

وأمّا المقام الثّاني فقد ذهب جمع منهم الماتن قدس‌سره إلى أنّ الدّم الخارج من الصبيّة المشكوك بلوغها تسعاً إذا كان بصفة دم الحيض محكوم بالحيضيّة ولعل هذا هو المعروف بينهم ، فتجعل الصفات أمارة على الحيضيّة والبلوغ تسعاً.

إلاّ أنّ الظّاهر أنّ ذلك أيضاً ملحق بسابقه في الفساد ، وذلك لأنّ الحكم بالحيضيّة والبلوغ بالأمارة إمّا أن يكون مع الشكّ في حيضيّة الدم وإمّا أن يكون مع العلم بكونه حيضاً. أمّا إذا شكّ في أنّه حيض أو ليس بحيض فلا يمكن الحكم بكونه حيضاً ، لاشتراطه بالبلوغ تسعاً ومع الشكّ في تحقّق شرطه بل التعبّد بعدم تحقّقه لاستصحاب عدم البلوغ كيف يمكن الحكم بحيضيّته وبالبلوغ؟

وأمّا مع العلم بكونه حيضاً فأيضاً لا معنى للأمارة والتعبّد بها بالبلوغ ، إذ العلم بالحيضيّة يساوق العلم ببلوغ الصبيّة تسعاً ، لأنّه لازم اشتراط الحيض بالبلوغ تسعاً ومع عدم العلم بتحقّقه كيف يعلم أنّ الدم حيض ، ومع العلم بهما لا معنى للأماريّة أبداً ، فما ذهبوا إليه من أنّ الصفات حينئذ أمارة على الحيضيّة والبلوغ ممّا لا وجه له.

نعم ، ورد في جملة من الرّوايات أنّ وجوب الصّوم والصّلاة ووجوب الخمار في الصّلاة إنّما هو مترتب على الحيض ، وهذا كما في مرسلة الصدوق « على الصبي إذا احتلم الصّيام ، وعلى المرأة إذا حاضت الصّيام » (1).

وموثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال سألته عن الغلام متى تجب عليه الصّلاة؟ قال : إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة ، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصّلاة وجرى عليه القلم ، والجارية مثل ذلك ، إن أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصّلاة وجرى عليها القلم » (2).


1) الوسائل 1 : 45 / أبواب مقدّمة العبادات ب 4 ح 10.

2) الوسائل 1 : 45 / أبواب مقدّمة العبادات ب 4 ح 12.

ورواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « أنّه قال : على الصّبي إذا احتلم الصّيام ، وعلى الجارية إذا حاضت الصيام والخمار » (1).

وصحيحة يونس بن يعقوب « أنّه سأل أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الرّجل إلى أن قال قلت فالمرأة؟ قال : لا ، ولا يصلح للحرّة إذا حاضت إلاّ الخمار إلاّ أن لا تجده » (2).

ومنها غير ذلك من الأخبار ، حيث دلّت على أنّ وجوب الصّيام والصّلاة والاختمار فيها على الصبيّة مترتبة على أحد أمرين : إمّا أن يأتي عليها ثلاث عشرة سنة وإمّا أن تحيض ، ومعه فالمدار على حيض الصبيّة دون بلوغها تسعاً ، فلو أخذنا بتلك الرّوايات أصبحت الأخبار الدالّة على اشتراط الحيض ببلوغ التسع لغواً ظاهراً ، فصوناً لتلك الأخبار عن اللغويّة لا مناص من جعل أوصاف الحيض في الدم أمارة تعبّديّة على حيضيّة الدم وعلى بلوغ الصبيّة تسعاً ، ولا محذور في التعبّد بالأمارة مع الشكّ في البلوغ وعدمه.

ويندفع هذا أيضاً بأنّ الأخبار الدالّة على ترتب الأحكام المذكورة على الحيض فحسب أو على بلوغ ثلاث عشرة سنة أجنبيّة عما نحن فيه ، لأنّ الكلام فيما إذا شككنا في بلوغ الصبيّة تسعاً وعدمه وخرج منها دم متصف بأوصاف الحيض وشككنا في حيضيّته للشك في شرطها وهو بلوغها تسعاً فهل يحكم بكونه حيضاً أو لا يحكم؟

والأخبار المذكورة إنّما دلّت على أنّ الدم إذا فرغنا عن كونه حيضاً يترتب عليه الأحكام المذكورة ، وأمّا أنّ الحيض متى يكون ومشروط بأي شي‌ء فلا دلالة لها على ذلك بوجه ، فمقتضى الأخبار الدالّة على اشتراطه بالبلوغ هو الحكم بعدم كونه حيضاً ، للشكّ في شرطه بل للتعبّد بعدم تحقّقه لاستصحاب عدم البلوغ.


1) الوسائل 4 : 409 / أبواب لباس المصلّي ب 29 ح 3 ، 10 : 236 / أبواب من يصحّ منه الصّوم ب 29 ح 7.

2) الوسائل 4 : 405 / أبواب لباس المصلّي ب 28 ح 4.

[702] مسألة 2 : لا فرق في كون اليأس بالستّين أو الخمسين بين الحرّة والأمة ، وحارّ المزاج وبارده ، وأهل مكان ومكان (1).

[703] مسألة 3 : لا إشكال في أنّ الحيض يجتمع مع الإرضاع (2)


على أنّ تلك الأخبار أكثرها ضعيفة السند ومعارضة في موردها بما دلّ على ترتب الأحكام المذكورة من حين البلوغ تسعاً ، فلو تمّت من حيث السند والمعارض لم يكن أي مانع من الالتزام بمداليلها والحكم بأنّ الأحكام المذكورة مترتبة على أحد الأمرين من بلوغ ثلاث عشرة سنة أو الحيض ، أو أنّ فيها تفصيلاً بين الصّوم فلا يجب إلاّ بعد إكمال ثلاث عشرة سنة وبين وجوب الصّلاة وغيرها فإنّما يترتب على رؤيتها الحيض أو البلوغ تسعاً ، كما فصّل بينهما القاساني في مفاتيحه (1)على ما ببالي والفرض أنّ الأخبار أجنبيّة عن المقام وأنّ مفادها أمر والمقام أمر آخر.

فالمتحصل : أنّه لم يرد نص ولو ضعيفاً في أنّ الدم المتصف بأوصاف الحيض مع الشكّ في بلوغ الصبيّة تسعاً محكوم بالحيضيّة ، بل لا بدّ من الحكم بعدم حيضيّته بمقتضى استصحاب عدم بلوغها تسعاً.

(1) وهذا كلّه للإطلاق.

اجتماع الحيض مع الإرضاع والحمل

(2) وذلك للإطلاقات الدالّة على أنّ كلّ دم واجد لصفات الحيض حيض (2)أو أنّ ما تراه المرأة أيّام عادتها فهو حيض (3)، على أنّ المسألة متسالم عليها وقد عدّ بعضهم إمكان اجتماع الحيض مع الإرضاع من الضّروريات.


1) مفاتيح الشّرائع 1 : 14 / فيما يتحقّق به التكليف.

2) راجع الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3.

3) راجع الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3 ، 4.

وفي اجتماعه مع الحمل قولان الأقوى أنّه يجتمع معه ، سواء كان قبل الاستبانة أو بعدها ، وسواء كان في العادة أو قبلها أو بعدها ، نعم فيما كان بعد العادة بعشرين يوماً الأحوط الجمع (1)بين تروك الحائض وأعمال المستحاضة (1).


(1) فهل الحيض يجتمع مع الحمل مطلقاً أو لا يجتمع معه كذلك أو أنّ فيه تفصيلاً وجوه.

المشهور أنّ الحيض يجتمع مع الحمل ، وذهب جماعة إلى عدم جواز اجتماعهما كما عن المفيد (2)وابن الجنيد (3)والحلي (4)والمحقّق في الشّرائع (5)، ونسبه في النافع (6)إلى أشهر الرّوايات ، وهذا منه قدس‌سره عجيب ، حيث إنّ الأخبار المستدل بها على عدم جواز الاجتماع قليلة ، ولا يكاد يخفى عدم كثرتها فضلاً عن كونها أشهر على المحقّق قدس‌سره ، ولعله أراد من ذلك أمراً آخر كما ستقف عليه.

والكلام الآن في إثبات إمكان اجتماع الحيض مع الحمل في الجملة ، فقد دلّت الرّوايات الكثيرة الّتي فيها الصّحاح وغيرها على أنّ الحبلى قد تقذف بالدم (7)، ولا إشكال في سندها ولا في دلالتها.

وفي قبالها روايات اخرى استدل بها على عدم اجتماع الحيض مع الحمل.


1) (*) مورد الاحتياط ما إذا رأت الدم بعد مضيّ عشرين يوماً من أوّل عادتها وكان الدم بصفة الحيض ، وأمّا في غيره فحال الحامل حال غيرها.

2) رسالة أحكام النِّساء 9 : 24 / باب الحيض.

3) نقله عنه في المختلف 1 : 195 / أحكام الحيض ، المسألة 141.

4) السرائر 1 : 150 / أحكام الدّماء الثّلاثة.

5) الشرائع 1 : 37 / الفصل الثّالث في الاستحاضة.

6) المختصر النافع 1 : 9 / الثّاني : غسل الحيض.

7) الوسائل 2 : 329 / أبواب الحيض ب 30.

الرّوايات المستدل بها على عدم الاجتماع

منها : ما رواه النَّوفَلي عن السكوني عن جعفر عن أبيه عليه‌السلام « أنّه قال : قال النّبيّ صلى‌اللّه‌عليه‌وآله ما كان اللّه ليجعل حيضاً مع حبل ، يعني إذا رأت الدم وهي حامل لا تدع الصّلاة إلاّ أن ترى على رأس الولد إذا ضربها الطَّلق ورأت الدم تركت الصّلاة » (1).

وهي وإن كانت واضحة الدلالة على عدم اجتماع الحيض مع الحمل إلاّ أنّها لا تقاوم الأخبار الصّحيحة الكثيرة الدالّة على جواز اجتماعهما ، وذلك لأنّها وإن كانت موثقة بحسب السند غير أنّها موافقة للعامّة ، والرّاوي عن الإمام عليه‌السلام هو السكوني وهو عامّي ، فتحمل الرّواية على التقيّة لا محالة.

ومنها : رواية مُقَرِّن عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : سأل سلمان عليّاً عليه‌السلام عن رزق الولد في بطن امِّه ، فقال : إنّ اللّه تبارك وتعالى حبس عليه الحيضة فجعلها رزقه في بطن امِّه » (2).

وهذه الرّواية لا دلالة لها على المدعى ، لأنّه لا تنافي بين أن تكون الحيضة رزقاً للولد في بطن امّه وبين أن تقذفها المرأة فيما إذا كثرت وزادت على رزق الولد ، ويدلّ على ذلك صريحاً صحيحة سليمان بن خالد قال « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام جعلت فداك الحبلى ربما طمثت؟ قال : نعم ، وذلك أنّ الولد في بطن امّه غذاؤه الدم فربّما كثر ففضل عنه ، فإذا فضل دفقته ، فإذا دفقته حرمت عليها الصّلاة » (3).

ومنها : صحيحة حُمَيد بن المُثنّى « قال سألت أبا الحسن الأوّل عليه‌السلام عن الحبلى ترى الدفقة والدفقتين من الدم في الأيّام وفي الشّهر والشّهرين ، فقال : تلك الهراقة ليس تمسك هذه عن الصّلاة » (4).


1) الوسائل 2 : 333 / أبواب الحيض ب 30 ح 12.

2) الوسائل 2 : 333 / أبواب الحيض ب 30 ح 13.

3) الوسائل 2 : 333 / أبواب الحيض ب 30 ح 14.

4) الوسائل 2 : 332 / أبواب الحيض ب 30 ح 8.

والجواب عنها أنّ الدفقة والدفقتين لا تحسب حيضاً حتّى في غير الحبلى لأنّ أقلّه ثلاثة أيّام ، ويدلّ على ذلك أنّ هذا الراوي بعينه ، يعني حُميد بن المثنّى المكنّى بأبي المَغراء ، روى عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال « سألته عن الحبلى قد استبان ذلك منها ترى كما ترى الحائض من الدّم ، قال : تلك الهراقة إن كان دماً كثيراً فلا تصلِّين وإن كان قليلاً فلتغتسل عند كلّ صلاتين » (1). حيث فصّلت بين القليل والكثير ونفت كونه حيضاً عند قلّته ، وهذا لا ينافي كونه حيضاً فيما إذا كان بصفة الحيض من حيث المدّة وسائر الشرائط ، كما دلّت عليه تلك الرّواية.

فتحصل أنّ هذه الأخبار لا يمكن الاستدلال بها على عدم اجتماع الحيض مع الحمل.

سائر الوجوه المستدلّ بها على عدم الاجتماع

وأمّا غير الأخبار من الوجوه الّتي استدل بها على عدم جواز اجتماعها.

فمنها : ما استدلّ به الحلّي قدس‌سره (2)من أنّ الأخبار قد استفاضت بل تواترت على وجوب استبراء الأمة بحيضة واحدة ، كما في الجواري المسبيّة والأمة المشتراة أو المحلّلة أو المنتقلة إلى شخص آخر بغير البيع كالإرث ونحوه (3)بل المرأة المزني بها ولو كانت حرّة حيث تستبرأ بحيضة واحدة إذا عقد عليها أحد (4).

ولا يبعد تواتر تلك الرّوايات ولو على نحو الإجمال ، فلو أمكن اجتماع الحمل مع الحيض لم يكن أيّ وجه وفائدة للاستبراء بحيضة واحدة ، إذ لا يستكشف بها نقاء رحمها ، لاحتمال أن تكون حبلى كما هو الحال قبل استبرائها.


1) الوسائل 2 : 331 / أبواب الحيض ب 30 ح 5.

2) السرائر 1 : 150.

3) الوسائل 21 : 83 و 95 / أبواب نكاح العبيد والإماء ب 3 و 10 و 17 و 18.

4) الوسائل 20 : 434 / أبواب ما يحرم بالمصاهرة ب 11 ح 4 ، 22 : 265 / أبواب العدد ب 44.

ولعلّ المحقِّق قدس‌سره نظر إلى تلك الرّوايات حيث نسب عدم جواز اجتماع الحيض مع الحبل إلى أشهر الرّوايات على ما قدّمنا الإشارة إليه آنفاً.

والجواب عن ذلك : النقض بأن الحمل إذا قلنا بعدم اجتماعه مع الحيض فما فائدة وجوب الاعتداد على المطلقة وغيرها ثلاثة قروء ، لأنّ الحيضة الواحدة تكشف عن عدم حملها لا محالة ، فلا حاجة ولا ثمرة في ضمّ حيضتين أخيرتين إليها.

وحلّه : أنّ العدّة ثلاثة قروء والاستبراء بحيضة واحدة حكم تعبّدي ، واستكشاف نقاء الرّحم بذلك من قبيل الحكمة ومن أحد فوائدها ، لا أنّه علّة للحكم ، وقد تتخلّف الحكمة عن الحكم.

والوجه في اكتفاء الشّارع بحيضة واحدة هو الغلبة حيث إنّ الغالب عدم اجتماع الحمل مع الحيض ، ومعه يكون الحيض أمارة ظنيّة على النقاء وعدم الولد ، والشارع اكتفى بالأمارة الظنيّة ، كما هو الحال في بقيّة الأمارات كالبيّنة ، لأنّها غالبة المصادفة مع الواقع وقد تخطئ وتشتبه.

ولا تتوهّم أنّه لا حاجة إلى جعل الأمارة الظنيّة في المقام ، لإمكان كون الحيضة أمارة قطعيّة على عدم الحمل ، وذلك كما إذا بنينا على عدم اجتماع الحيض مع الحمل.

والوجه في عدم صحّة هذا التوهّم أنّ النتيجة تابعة لأخس المقدّمتين ، فهب أنّا بنينا على عدم اجتماع الحيض مع الحمل وقطعنا في المقام بأن الحيضة لا تجتمع مع الحبل ، إلاّ أنّ هذه كبرى القياس ، وصغراها أنّ ما رأته المرأة حيض ، وهذا أمر غير مقطوع به ، لأنّا إنّما نستكشف دم الحيض بالصفات والأمارات ككونه في أيّام عادتها وهي أمارات ظنيّة ومعه تكون النتيجة ظنيّة لا محالة.

ومنها : ما استدلّ به الحلّي قدس‌سره ثانياً من أنّ طلاق الحبلى جائز للأخبار لأنّها من الخمس الّتي يجوز طلاقها على كلّ حال (1)، وطلاق الحائض غير جائز للنصوص ، ونتيجة هذين الأمرين أنّ الحيض لا يجتمع مع الحمل. إذ يقال حينئذ إنّ


1) الوسائل 22 : 59 / أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه ب 27 ح 3.

كلّ حائض لا يجوز طلاقها ، فمن جاز طلاقها فليست بحائض ، وقد فرضنا أنّ الحبلى يجوز طلاقها ، فهي ليست بحائض. أو يقال إنّ كل حبلى يجوز طلاقها ، فمن لم يجز طلاقها ليست بحبلى ، وقد فرضنا أنّ الحائض لا يجوز طلاقها ، فهي ليست بحبلى.

والجواب عن ذلك : أنّ عدم جواز طلاق الحائض ليس من القواعد العقليّة غير القابلة للتخصيص ، وإنّما هو حكم شرعي قابل للتخصيص لا محالة ، كما قد خصّص في الحائض الغائب عنها زوجها ، حيث يجوز طلاقها ولو كان مصادفاً لأيّام حيضها وهي من إحدى الخمس الّتي يجوز طلاقها على كلّ حال ، وعليه فلا مانع من الالتزام بالتخصيص أيضاً في المقام ونقول : إنّ الحبلى يجوز أن تكون حائضاً وأيضاً يجوز طلاقها ولو كانت حائضاً ، تخصيصاً فيما دلّ على عدم جواز طلاق الحائض ، وقد دلّت الأخبار المتقدّمة على أنّ الحبلى يجوز أن تكون حائضاً.

ومنها : ما استدلّ به العلاّمة وذكره وجهاً لما ذهب إليه ابن الجنيد من عدم اجتماع الحيض مع الحبل ، وهو أنّ اليائسة لا ترى الحيض ، ولا وجه له إلاّ الغلبة وهي موجودة في الحبلى أيضاً ، فالحبلى أيضاً لا ترى الحيض للغلبة (1).

ويدفعه أوّلاً : أنّ هذا قياس ، ولا نقول بالقياس.

وثانياً : أنّه مع الفارق ، والفارق النصوص المحدّدة للحيض بسن اليأس ، لأنّ مقتضاها أنّ اليائسة لا ترى الحيض دائماً أبداً لا غالباً ، وهذا بخلاف المقام لأنّ الحبلى قد ترى الحيض ، ولم يقم دليل على عدم رؤيتها الحيض دائماً ، وهذا وجه غير قابل للتعرّض إليه إلاّ أنّا تعرّضنا له تتميماً للوجوه ، فإلى هنا تحصل أنّ الحبلى ترى الحيض في الجملة.

تفصيل المسألة

وأمّا تفصيل المسألة ففيها تفاصيل :


1) المختلف 1 : 196 / في غسل الحيض مسألة 141.

أحدها : ما عن الشيخ في الخلاف (1)وعن السّرائر (2)والإصباح (3)من التفرقة بين الدم الّذي تراه الحبلى بعد استبانة حملها فليس بحيض وبين ما تراه قبل الاستبانة فهو حيض ، وادّعى الشيخ قدس‌سره عليه الإجماع (4)، إلاّ أنّ ذلك لم يعهد من غيرهم فضلاً عن أن يكون مورداً لإجماعهم وتسالمهم ، وعليه فيقع الكلام في أنّهم استفادوا هذا التفصيل من أيّ شي‌ء.

والظاهر أنّهم اعتمدوا في ذلك على ما ورد في بعض الرّوايات من أنّ الحيض حبسه اللّه سبحانه في الرّحم غذاء للولد (5)، وعليه فلو كان الولد متحركاً ومستبيناً في بطن امّه على نحو كان قابلاً للأكل ، فلا يخرج الحيض من امّه لأنّه غذاء للولد ، وأمّا إذا لم يستبن ولم يكن قابلاً للأكل فلا مانع من خروجه ، فيحكم عليه بالحيض حينئذ.

ويدفعه : ما قدّمناه من أنّ الحيض وإن كان غذاءً للولد إلاّ أنّه قد يكثر ويخرج عن المرأة على وجه غير غالب ، فهذا التفصيل لا وجه له ، بل ورد في صحيحة أبي المَغراء : أنّ الحبلى بعد ما استبان حملها إذا رأت ما تراه المرأة من الدّم وكان كثيراً فلا تصلِّين وأنّه حيض (6)فليراجع.

الثّاني : ما ذهب إليه الشيخ قدس‌سره في نهايته (7)وكتابيه (8)في الأخبار من التفصيل بين ما تراه المرأة بعد العادة بعشرين يوماً أي بعد أوّل عادتها ومضي العشرين من أوّلها فهو ليس بحيض ، وما تراه المرأة في عادتها أو قبل مضي عشرين يوماً من عادتها فهو حيض ، وقد مال إليه صاحب المدارك قدس‌سره وإن قال إنّ


1) حكاه وما بعده في الجواهر 3 : 262 ، وراجع الخلاف 1 : 239 / المسألة 205.

2) السرائر 1 : 150 / باب أحكام الدّماء الثّلاثة.

3) إصباح الشيعة : 34 / الفصل السّابع.

4) الخلاف 1 : 247 / المسألة 218.

5) راجع الوسائل 2 : 333 / أبواب الحيض ب 30 ح 13 و 14.

6) راجع الوسائل 2 : 331 / أبواب الحيض ب 30 ح 5.

7) النهاية : 24 / باب حكم الحائض.

8) التهذيب 1 : 388 / باب الحيض ، الإستبصار 1 : 140 / باب الحبلى ترى الدّم.

مسلك المشهور لا يخلو عن قرب (1).

ويدلّ على هذا التفصيل مصححة أو صحيحة الحسين بن نُعَيم الصحّاف ، قال « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : إنّ أُمّ ولدي ترى الدم وهي حامل ، كيف تصنع بالصلاة؟ قال فقال لي : إذا رأت الحامل الدم بعد ما يمضي عشرون يوماً من الوقت الّذي كانت ترى فيه الدم من الشهر الّذي كانت تقعد فيه فإنّ ذلك ليس من الرّحم ولا من الطمث فلتتوضأ وتحتشي بكُرسُف وتصلّي ، وإذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الّذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فإنّه من الحيضة فلتمسك عن الصّلاة عدد أيّامها الّتي كانت تقعد في حيضها ، فإن انقطع عنها الدم قبل ذلك فلتغتسل ولتصلّ ... » الحديث (2).

أقسام الدم الخارج من الحبلى

وعلى هذه الصحيحة ينقسم الدم الخارج من الحبلى أقساماً ثلاثة :

أحدها : ما خرج في أيّام عادتها ، وهو محكوم بالحيضيّة مطلقاً ، سواء أكان واجداً لأوصاف الحيض من الحرارة والحرقة وغيرهما أم لم يكن ، وذلك لإطلاق الصحيحة والأخبار الدالّة على أنّ ما خرج من المرأة أيّام عادتها فهو حيض مطلقاً ولو كان صفرة (3).

ثانيها : ما خرج من الحبلى بعد مضيّ عشرين يوماً من عادتها ، فهو محكوم بعدم الحيضيّة مطلقاً كان واجداً لأوصاف الحيض أم لم يكن للصحيحة ، وبها يقيّد الإطلاقات الواردة في أنّ ما رأته المرأة من الدم وكان واجداً لأوصاف الحيض فهو حيض (4)، فتختص المطلقات بغير الحبلى لا محالة.


1) المدارك 2 : 10 / الفصل الثّالث في الاستحاضة.

2) الوسائل 2 : 330 / أبواب الحيض ب 30 ح 3.

3) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4.

4) الوسائل 2 : 270 / أبواب الحيض ب 2 ، 3 ، 4 و ....

فما عن صاحب الجواهر (1)وشيخنا الأنصاري (2)قدس‌سرهما وغيرهما من استبعاد تقييد المطلقات المذكورة بهذه الصحيحة في غير محلّه ، وكم من مورد في الفقه قيّدنا إطلاق الأخبار الكثيرة بمقيّد واحد.

كما لا يمكن تقييد الصحيحة بتلك الأخبار ، بأن يختص الحكم بعدم الحيضيّة بعد مضيّ عشرين يوماً من أوّل عادتها بما إذا كان الدم أصفر ولم يكن على صفات الحيض ، وذلك لاستلزامه أن يكون التقييد بمضيّ عشرين يوماً في الحكم بعدم الحيضيّة لغواً ظاهراً ، لأنّ ما لم يكن بصفات الحيض ليس بحيض حتّى قبل عشرين يوماً ، فما فائدة التقييد بمضي عشرين.

وأمّا ما عن المحقّق الهمداني (3)قدس‌سره من أنّ الحكم بأنّ ما تراه الحبلى بعد عشرين يوماً من عادتها ليس بحيض ، كالحكم بأنّ ما رأته في العادة حيض ليس إلاّ بياناً لتكليفها الظاهري في مقام العمل جرياً على ما تقتضيه العادات والأمارات ، لا أنّ ما تراه بعد عادتها بعشرين يوماً يمتنع أن يكون حيضاً في الواقع ولو كان واجداً للصفات وكان دماً كثيراً يصلح أن يكون حيضاً.

فمندفع : بأنّ الصحيحة أو المصححة إنّما وردت مفصلة بين الأمرين ، وظاهرها أنّ ما تراه الحبلى في أيّام عادتها حيض حقيقة أو حكماً ، وما تراه بعد العادة بعشرين يوماً ليس بحيض أيضاً حقيقة أو حكماً ، فما احتمله قدس‌سره على خلاف ظاهر الصحيحة وممّا لا وجه له.

وثالثها : ما تراه الحبلى بعد انقضاء أيّام عادتها كعشرة أيّام من أوّل الشهر مثلاً وقبل مضي عشرين يوماً ، كما إذا رأته في العقد المتوسط من الشهر ، ولا تعرض في الصحيحة إلى أنّه حيض أو ليس بحيض ، فلا بدّ فيه من الرّجوع إلى بقيّة الأخبار


1) الجواهر 3 : 265 / الفصل الثّالث في الاستحاضة.

2) كتاب الطّهارة : 246 السطر 6 / المقصد الثّالث في الاستحاضة.

3) مصباح الفقيه ( الطّهارة ) : 299 ، السطر 17.

وهي قد دلّت على التفصيل بين ما إذا لم يكن الدم الّذي تراه المرأة في غير أيّام عادتها متصفاً بصفات الحيض كما إذا خرج أصفر مثلاً فهو ليس بحيض.

ويؤيّده موثقة إسحاق بن عمّار وإنّما جعلناها مؤيّدة لأنّ فيها إشكالاً يأتي قال « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين ، قال عليه‌السلام : إن كان دماً عبيطاً فلا تصلِّي ذينك اليومين وإن كان صفرة فلتغتسل عند كلّ صلاتين » (1).

ومرسلة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليه‌السلام قال « سألته عن الحبلى قد استبان حبلها ترى ما ترى الحائض من الدم ، قال : تلك الهراقة من الدم إن كان دماً أحمر كثيراً فلا تصلِّي ... » الحديث (2).

وبين ما إذا كان الدم متصفاً بأوصاف الحيض ، فمقتضى الإطلاقات الدالّة على أنّ الدم الخارج من المرأة إذا كان واجداً لأوصاف الحيض فهو حيض أن يحكم بكونه حيضاً ، بل يمكن استفادة ذلك من نفس الصحيحة ، وذلك لأنّها قيّدت الحكم بعدم حيضيّة الدم الّذي تراه الحبلى بمضي عشرين يوماً من عادتها ، وقد ذكرنا في محلِّه أنّ القيد ذو مفهوم ويدلُّ على أنّ الحكم لم يترتب على الطبيعي ، وإلاّ كان الإتيان بالقيد لغواً في الكلام ، فمنه يستفاد أنّ الحكم بعدم الحيضيّة مقيّد بمضي عشرين يوماً ، إذ لو لم يكن حيضاً حتّى قبل مضي العشرين فما فائدة التقييد بمضي عشرين يوماً حينئذ.

وعلى الجملة إلى هنا تحصل أنّ الدم الّذي تراه الحبلى له أقسام ثلاثة :

أحدها : ما تراه في أيّام عادتها ، فهو حيض مطلقاً.

وثانيها : ما تراه بعد مضي عشرين يوماً ، فهو ليس بحيض مطلقاً.

وثالثها : ما تراه بعد انقضاء عادتها وقبل مضي عشرين يوماً ، ويرجع فيه إلى الصفات ، فإن كانت موجودة فهو حيض ، وإن لم يكن الدم متصفاً بها فلا ، ولا مانع


1) الوسائل 2 : 331 / أبواب الحيض ب 30 ح 6.

2) الوسائل 2 : 334 / أبواب الحيض ب 30 ح 16.

من الالتزام بذلك ، وهذا بخلاف غير الحبلى لأنّ الدم الخارج من غير الحبلى على قسمين : حيث إنّه إمّا أن يكون في أيّام عادتها فهو حيض مطلقاً ، وإمّا أن يكون في غير أيّام عادتها فيرجع فيه إلى الصفات.

نعم ، الاحتياط في المقام فيما إذا رأت الحبلى الدم بعد عشرين يوماً وكان على صفات دم الحيض في محلّه ولو لقلّة القائل بهذا القول ، حيث لم يوافق الشيخ وصاحبيه (1)إلاّ بعض المتأخرين ، لاحتمال أن يكون إعراضهم عن الصحيحة موجباً لإسقاطها عن الاعتبار ، وهذا بخلاف ما إذا لم يكن متصفاً بصفات الحيض ، لأنّه ليس بمورد للاحتياط وإن لم يتعرّض إليه في المتن.

التفصيل الثّالث : ما مال إليه صاحب الحدائق (2)قدس‌سره وذكره وجهاً واحتمالاً ، حيث ذكر أنّ مقتضى الجمع بين الأخبار هو ذلك أو غيره كما ذكره في الحدائق فراجع ، ونسبه إلى الصدوق (3)قدس‌سره من الحكم بأن ما تراه الحبلى من الدم إذا كان بصفة دم الحيض فهو حيض ، كان ذلك في أيّام عادتها أم في غيرها والحكم بعدم الحيضيّة إذا لم يكن بصفة دم الحيض بلا فرق في ذلك بين أيّام العادة وغيرها ، فالحبلى تمتاز عن غيرها حيث إنّ غير الحبلى إذا رأت الدم في أيّام عادتها يحكم بكونه حيضاً وإن لم يكن بصفات الحيض ، وهذا بخلاف الحبلى لأنّه إذا رأت الدم ولم يكن بصفة الحيض لا يحكم بكونه حيضاً سواء كان في أيّام عادتها أم لم يكن.

وذلك لجملة من الأخبار الواردة في أن الحبلى إذا رأت الدم وكان كثيراً فلا تصلّي


1) لم يتقدّم صاحبان للشيخ ، وإنّما تقدّم في الصفحة 85 « الشيخ في نهايته وكتابيه » ، نعم حكي ميل المعتبر إلى قول الشيخ. أو لعلّه أُريد من صاحبي الشيخ ، صاحب السرائر والإصباح ، ولكنّهما وافقا الشيخ في التفصيل الأوّل.

2) الحدائق 3 : 181 و 182 / في غسل الحيض.

3) الفقيه 1 : 51 / باب غسل الحيض.

وإن كان قليلاً فليس عليها إلاّ الوضوء (1)، أو لا تصلّي إذا كان الدم أحمر أو عبيطاً دون ما إذا كان أصفر (2)، فإنّها ظاهرة الدلالة على التفصيل في الحكم بحيضيّة ما تراه الحبلى من الدم بين كونه بصفات الحيض وما إذا لم يكن ، بلا تفرقة في ذلك بين كونه في أيّام عادتها أو في غيرها ، هذا.

ولكن الصحيح أن الحبلى كغيرها ، فلا مناص من الحكم بحيضيّة ما تراه في أيّام عادتها وإن لم يكن بصفات الحيض ، وذلك لأنّ ما استند إليه صاحب الحدائق من الأخبار الدالّة على التفصيل بين ما تراه المرأة الحبلى من الدم بصفات الحيض وما إذا لم يكن بلا فرق بين أيّام عادتها وغيرها ، معارضة بما دلّ على أنّ ما تراه الحبلى في أيّام عادتها حيض مطلقاً ، سواء أكان متصفاً بصفات الحيض أم لم يكن (3)، والنسبة بينهما عموم من وجه ، لأنّ ما استند إليه صاحب الحدائق قدس‌سره خاصّةٌ من جهة اعتبارها اشتمال الدم على صفات دم الحيض ، ومطلقة من جهة كونه في أيّام العادة أو في غيرها ، وهذه الأخبار خاصّة من جهة اعتبارها كون الدم في أيّام العادة ومطلقة من جهة كونه مشتملاً على صفات الحيض أم لم يكن ، فتتعارضان فيما تراه الحبلى في أيّام عادتها من الدم غير المتصف بأوصاف الحيض كما إذا كان أصفر ، فإنّ الأخبار المستند إليها في كلام صاحب الحدائق قدس‌سره تقتضي عدم كونه حيضاً ، وهذه الأخبار تقتضي الحكم بحيضيّته ، وحيث إنّ التعارض بينهما بالإطلاق فيتساقطان ويرجع إلى العموم أو الإطلاق الفوق ، وهو ما دلّ على أنّ الحبلى إذا رأت الدم تركت الصّلاة أو تدعها (4)، ومقتضاه الحكم بحيضية ما تراه الحبلى من الدم في أيّام عادتها وإن لم يكن بصفات دم الحيض ، هذا.


1) راجع الوسائل 2 : 331 و 334 / أبواب الحيض ب 30 ح 5 و 16.

2) راجع الوسائل 2 : 231 / أبواب الحيض ب 30 ح 6.

3) الوسائل 2 : 330 / أبواب الحيض ب 30 ح 3 و 11 و 2 و 7.

4) الوسائل 2 : 329 / أبواب الحيض ب 30 ح 1 و 4 و 9 و 10.

[704] مسألة 4 : إذا انصبّ الدّم من الرّحم إلى فضاء الفرج وخرج منه شي‌ء في الخارج ولو بمقدار رأس إبرة لا إشكال في جريان أحكام الحيض (1) ، وأمّا إذا انصبّ ولم يخرج بعد وإن كان يمكن إخراجه بإدخال قطنة أو إصبع ففي جريان أحكام الحيض إشكال (1)(2) ، فلا يترك الاحتياط بالجمع بين أحكام الطّاهر والحائض ولا فرق بين أن يخرج من المخرج الأصلي أو العارضي.


ومع الإغماض عن هذه المطلقات فليتمسك بما دلّ على أنّ المرأة إذا رأت الدم في أيّام عادتها فهي حائض أو أن الدم حيض وإن لم يكن بصفات الحيض (2)، فهذا التفصيل أيضاً غير صحيح.

(1) لأنّه حيض وإن كان قليلاً ، فتشمله الأخبار والمطلقات ، بل هو المقدار المتيقن منها في قبال الدم المنصب من الرّحم غير الخارج من المخرج والمحل أي الفرج.

الدم الّذي لم يخرج إلى خارج الفرج

(2) الظاهر الحكم بعدم كونه حيضاً خلافاً لبعضهم حيث جزم بحيضيّته ، وذلك لأنّ المستفاد من الأخبار الواردة في دم الحيض أنّ الموضوع للأحكام الواردة فيها هو الدم الخارج من المرأة والطمث أو رؤية الدم ، ولا يصدق شي‌ء من هذه العناوين عند انصباب الدم من الرّحم وعدم خروجه إلى خارج الفرج وإن كان بحيث تتمكّن المرأة من إخراجه بإصبعها أو القطن أو تتمكن من أن تمنع خروجه ، ولا سيما عنوان الرؤية حيث لا يصدق أنّ المرأة رأت الدم ، وبالأخص فيما إذا بنينا على أنّ الحيض اسم لنفس الدم ، حيث إنّ الحائض لا يصدق حينئذ إلاّ على امرأة خرج منها الدم ، ومع عدم خروجه لا يصدق أنّها حائض ، هذا أوّلاً.


1) (*) الظاهر أنّه لا تجري عليه أحكام الحيض ما لم يخرج.

2) الوسائل 2 : 276 / أبواب الحيض ب 3 ح 4 ، وص 278 ب 4.

ولا وجه للتشبث بما دلّ على أنّ الحيض إنّما يحكم بانقطاعه فيما إذا انقطع من الرّحم ولم يبق فيه أو في المخرج دم (1).

وذلك للفرق بين الحدوث والبقاء ، فإنّ الحيض بعد حدوثه ووجوده لا يحكم بارتفاعه وانقطاعه إلاّ بانقطاعه من مادّته ، نظير العيون الخارجيّة حيث لا يقال إنّها جفّت إلاّ إذا لم ينبع الماء في مادّتها ، وأمّا مع وجوده في المادّة والمنبع ويبوسة الخارج أو المجرى فلا يصدق الجفاف واليبوسة ، وهكذا الأمر في الحيض فلا يقال إنّه انقطع إلاّ أن ينقطع من الرّحم ولا يكون فيه أو في المخرج شي‌ء ، وأمّا بحسب الحدوث فليس الأمر كذلك ، لأنّ الحيض لا يصدق إلاّ بالخروج إلى الخارج كما مرّ.

ثمّ لو سلّمنا عدم ظهور الأخبار فيما ذكرناه وشككنا في أنّ مثله من الحيض أو من غيره فلا محالة أن نرجع إلى العمومات والمطلقات ، وهي تقتضي وجوب الصّلاة والصّيام على المرأة حينئذ.

وتوضيح ذلك : أنّ العمومات والمطلقات دلّت على أنّ المكلّف مأمور بالصلاة وغيرها من الأحكام ، وإنّما خرج عنها الحائض بتلك الأخبار الواردة في أنّ الحائض تترك الصّلاة وحيث أنّها مجملة وقد قلنا في محله أنّ إجمال المخصص المنفصل لا يسري إلى العام فتكون العمومات حجّة في غير المقدار المتيقن من المخصص المجمل وهو الدم المنصب من الرّحم غير الخارج إلى خارج الفرج فيحكم على المرأة حينئذ بوجوب الصّلاة والصّيام ولا يعامل معها معاملة الحائض ، نعم لا يمكننا المصير إلى الاستصحاب حينئذ لأنّ الشبهة حكميّة.


1) الوسائل 2 : 308 / أبواب الحيض ب 17.

[705] مسألة 5 : إذا شكّت في أنّ الخارج دم أو غير دم ، أو رأت دماً في ثوبها وشكّت في أنّه من الرّحم أو من غيره لا تجري أحكام الحيض (1) ، وإن علمت بكونه دماً واشتبه عليها فإمّا أن يشتبه بدم الاستحاضة أو بدم البَكارة أو بدم القرحة ، فإن اشتبه بدم الاستحاضة يرجع إلى الصفات (1)فإن كان بصفة الحيض يحكم بأنّه حيض ، وإلاّ فإن كان في أيّام العادة فكذلك ، وإلاّ فيحكم بأنّه استحاضة (2).


إذا شكّت في حيضيّة الدّم

(1) لاستصحاب عدم خروج دم الحيض واستصحاب عدم كونها حائضاً.

(2) وهذا للأخبار المتقدّمة والآتية في محلها من أنّ ما تراه المرأة في أيّام عادتها حيض وإن كان صفرة وغير متصف بأوصاف الحيض ، وأمّا في غير عادتها فإن كان متصفاً بأوصاف الحيض فحيض ، وإلاّ فاستحاضة.

وما أفاده قدس‌سره في المقام وإن لم يكن كذلك في جميع المقامات ، لأنّ المرأة إذا رأت الدم بعد عادتها كخمسة أيّام مثلاً وقبل انقضاء عشرة أيّام من عادتها يحكم بكونه حيضاً وإن لم يكن بصفات الحيض كما يأتي في محلّه ، وكذا إذا رأته بيوم أو يومين قبل عادتها واستمرّ إلى العادة ، فإنّه حيض أيضاً وإن لم يكن بصفاته ، كما أنّه إذا رأت الدم بعد عشرة أيّام من أوّل عادتها وقبل تخلّل أقل طهر كامل أعني عشرة أيّام بينه وبين حيضها لا يحكم بكونه حيضاً ولو كان بصفات الحيض ، إذ لا بدّ من تخلّل الطّهر بين الحيضتين ، وكذلك الحال في المضطربة والمبتدئة فإنهما ترجعان إلى نسائهما عند تجاوز الدم العشرة وعدم كونه بصفات الحيض ولا يحكم بعدم كونه حيضاً ، إلاّ أنّ غرضه قدس‌سره الإشارة إلى إجمال التفرقة والمميز بين دم الحيض والاستحاضة ، وأمّا تفصيلها فيأتي في محله إن شاء اللّه تعالى.


1) (*) فيه تفصيل سيأتي.

وإن اشتبه بدم البكارة يختبر بإدخال القطنة في الفرج (1)


ثمّ إنّ الدّم إذا خرج في أيّام العادة أو بعدها ولكن كان متّصفاً بصفات الحيض فيحكم بكونه حيضاً ، وأمّا إذا علمنا بعدم كونه حيضاً لعدم استمراره ثلاثة أيّام مثلاً فهل يحكم بأنّه استحاضة بمعنى أنّ كلّ دم لم يكن حيضاً فهو استحاضة أو ليس كذلك فهو أمر موكول إلى بحث الاستحاضة ، ولا بدّ من التعرّض هناك لما هو المميز للاستحاضة ، فإنّ الكلام في المقام إنّما هو فيما يتميّز به دم الحيض.

تردّد الدم واشتباهه بدم البكارة

(1) لصحيحة خلف بن حمّاد الكوفي في حديث قال « دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر عليه‌السلام بمنى فقلت له : إنّ رجلاً من مواليك تزوّج جارية معصراً لم تطمث ، فلمّا افتضّها سال الدم فمكث سائلاً لا ينقطع نحواً من عشرة أيّام ، وإنّ القوابل اختلفن في ذلك ، فقال بعضهنّ : دم الحيض ، وقال بعضهنّ : دم العذرة ، فما ينبغي لها أن تصنع؟ قال عليه‌السلام فلتتّق اللّه تعالى ، فإن كان من دم الحيض فلتمسك عن الصّلاة حتّى ترى الطّهر وليمسك عنها بعلها ، وإن كان من العذرة فلتتّق اللّه ولتتوضّأ ولتصلّ ويأتيها بعلها إن أحبّ ذلك ، فقلت له : وكيف لهم أن يعلموا ما هو حتّى يفعلوا ما ينبغي؟ قال : فالتفت يميناً وشمالاً في الفسطاط مخافة أن يسمع كلامه أحد ، قال : ثمّ نهد إليّ فقال : يا خلف سرّ اللّه سرّ اللّه فلا تُذيعوه ولا تُعلّموا هذا الخلق أُصول دين اللّه ، بل ارضوا لهم ما رضي اللّه لهم من ضلال ، قال ثمّ عقد بيده اليسرى تسعين ، ثمّ قال : تستدخل القطنة ثمّ تدعها مليّاً ثمّ تخرجها إخراجاً رفيقاً ، فإن كان الدم مطوّقاً في القطنة فهو من العُذرة ، وإن كان مستنقعاً في القطنة فهو من الحيض ... » الحديث (1).

وصحيحة زياد بن سوقة قال « سئل أبو جعفر عليه‌السلام عن رجل افتضّ


1) الوسائل 2 : 272 / أبواب الحيض ب 2 ح 1.

امرأته أو أمته فرأت دماً كثيراً لا ينقطع عنها يوماً ، كيف تصنع بالصلاة؟ قال عليه‌السلام : تمسك الكُرسُف ، فإن خرجت القطنة مطوّقة بالدم فإنّه من العُذرة ، تغتسل وتمسك معها قطنة وتصلّي ، فإن خرج الكرسف منغمساً بالدم فهو من الطمث تقعد عن الصّلاة أيّام الحيض » (1).

بل الظاهر أنّ المسألة غير خلافيّة ، ولا يعتبر في الاختبار بذلك أيّة كيفيّة ، وما عن الشهيد الثّاني في روضه (2)من أنّها تستلقي وترفع رجلها وتستدخل القطنة فهو كما نبّه عليه المحقّق الهمداني (3)وغيره مبني على الاشتباه ، لأنّ تلك الكيفيّة إنّما وردت عند اشتباه دم الحيض بدم القروح ، وأمّا عند التردّد بين دم البكارة والحيض فلم ترد كيفية خاصّة في الرّوايات.

ثمّ إنّ مورد الصحيحتين هو ما إذا علم بزوال البكارة وتردّد الدم الخارج بين دم البكارة والحيض من الابتداء ، وأمّا إذا لم يعلم بزوال البكارة وشكّ في أنّ الدم دم العُذرة ، والبكارة زالت ، أو أنّه دم الحيض ، والبكارة باقية ، أو علم بأنّ المرأة حائض وافتضها زوجها وهي حائض وخرج الدم وشكّ في أنّه حيض أو بكارة ، أو أنّ الدّم خرج قليلاً بحيث لم يحتمل كونه حيضاً ابتداءً بأن كان دم بكارة ثمّ كثر على نحو اشتبه لأجله أنّه حيض بقاءً أو دم العذرة أيضاً ، فهل يرجع إلى الاستصحاب حينئذ أعني استصحاب عدم كونها حائضاً فيما إذا لم تكن مسبوقة بالحيض ، أو استصحاب كونها حائضاً عند كونها مسبوقة به ، أو لا بدّ فيها من الاختبار بإدخال القطنة كما مرّ؟

الظاهر وجوب الاختبار حتّى في هذه الموارد وإن كانت خارجة عن مورد الصحيحتين ، وذلك لأنّه عليه‌السلام أمرها بالتقوى بقوله « فلتتّق اللّه ولتتوضّأ ولتصلّ » ، وظاهر ذلك أنّه لا بدّ من الاختبار في كلّ مورد اشتبه فيه الحيض بالبكارة


1) الوسائل 2 : 273 / أبواب الحيض ب 2 ح 2.

2) روض الجنان : 60 السطر 5 / المقصد الثّاني في الحيض.

3) مصباح الفقيه ( الطّهارة ) : 260 السطر 6.

حيث إنّ لهما أحكاماً خاصّة لا بدّ من مراعاتها ، ومن البعيد جدّاً اختصاص الأمر بالتقوى بخصوص ما إذا دار الأمر بينهما من الابتداء ، هذا ، ثمّ على تقدير عدم ظهور الصحيحتين في ذلك فلا أقل من أنّ الاختبار في هذه الموارد أحوط.

ثمّ إنّ خروج القطنة مطوّقة بالدم أمارة على أنّ الدم من العذرة حسب دلالة هاتين الصحيحتين ، وهل إنّ خروجها منغمسة أمارة أنّه حيض بحيث لو تردّد الدم بين دم الحيض والبكارة والاستحاضة أو غيرها حكم بكونه حيضاً عند خروجها منغمسة؟

لا كلام في أنّ خروج القطنة منغمسة بالدم أمارة أنّ الدم ليس بدم البكارة ، فلا محالة يكون أمارة على كونه دم حيض فيما إذا كان أمره مردّداً بين دم العذرة والحيض ، حيث لا يحتمل غير الحيضيّة بعد عدم كونه دم العذرة ، وهل خروج القطنة منغمسة بالدم أمارة الحيضيّة مطلقاً حتّى إذا احتمل مع الاحتمالين المذكورين أمر ثالث ، كما إذا احتملنا أنّه دم العذرة أو الحيض أو الاستحاضة ، فيحكم بأنّه دم الحيض إذا خرجت القطنة منغمسة بالدم أو أنّ أماريّة الانغماس للحيضيّة مختصّة بما إذا دار أمر الدم بين دم العذرة والحيض؟

فقد وقع ذلك مورد الكلام حيث إنّ ظاهر جملة منهم المحقّق في الشرائع (1)والنافع (2)، والعلاّمة في القواعد (3)التوقف في الحكم بأماريّة الانغماس على الحيضيّة مطلقاً.

واعترض على ذلك بأنّهم كيف يتوقفون في الحكم بالحيضيّة مع الانغماس مع أنّه ظاهر النصوص والفتاوى. ومن هنا حمل ذلك شيخنا الأنصاري (4)قدس‌سره على صورة احتمال غير الحيض ، كما إذا احتمل الاستحاضة أو القرحة أيضاً.


1) الشرائع 1 : 32 / الفصل الثّاني في الحيض.

2) المختصر النافع : 9 / الثّاني غسل الحيض.

3) لاحظ القواعد : 212.

4) كتاب الطّهارة : 186 السطر 1 / المقصد الثّاني في الحيض.

والصحيح هو ما ذكره شيخنا الأنصاري قدس‌سره فلا يحكم بكون الانغماس أمارة على الحيضيّة مطلقاً ، وإنّما تختص أماريّته بما إذا دار أمر الدم بين الحيض والعُذرة ، نظراً إلى أنّ خروجه مع الانغماس أمارة على عدم كونه دم العذرة ، ومعه يتعيّن أن يكون الدم حيضاً إذ لا ثالث هناك.

وأمّا مع احتمال كونه استحاضة أو غيرها فلا دلالة في الانغماس على كونه حيضاً أبداً ، وذلك لأنّ الانغماس لازم أعم للحيضيّة ، وإنّما هو لازم لكثرة الدم سواء كان حيضاً أم استحاضة أو غيرهما ، ولا أماريّة للازم الأعم على الملزوم الأخص ، والّذي يؤكّد ذلك بل يدلّ عليه أنّه لم يرد الاختبار بالانغماس في موارد اشتباه الحيض بالاستحاضة في شي‌ء من الرّوايات ، وإنّما ميّزوا الحيض بالأوصاف ، فلو كان الانغماس أيضاً من جملة الأمارات لكان عليهم عليهم‌السلام التنبيه على ذلك ، نعم الانغماس يدل على عدم كون الدم دم عذرة ، هذا.

مضافاً إلى أنّ المقتضي لكون الانغماس أمارة الحيضيّة حتّى في موارد احتمال غير الحيض والبكارة قاصر من أصله ، فإنّ الصحيحتين المتقدّمتين إنّما تدلاّن على أماريّة الانغماس للحيضيّة فيما إذا دار أمر الدم بين كونه حيضاً أو دم عذرة ، ولا دلالة لهما على أماريّته عند احتمال دم ثالث.

وذلك أمّا في صحيحة خلف فظاهر ، وذلك لأنّه عليه‌السلام أمرها بالتقوى بالإمساك عن الصّلاة وإمساك بعلها عنها إن كان الدم دم حيض ، وبالصلاة والاغتسال إن كان دم البكارة ، ولم يبيّن وظيفة غيرهما ، فلو كانت احتملت دماً ثالثاً لكان عليه عليه‌السلام أن يبيِّن وظيفتها على تقدير كونه استحاضة مثلاً ، لأنّ لها أحكاماً خاصّة وحيث لم يبيّن غيرهما فيستفاد منه أنّ الدم كان مردّداً بين دم البكارة والحيض ولو من جهة اختلاف القوابل ودعوى بعضهن الحيض وبعضهن البكارة وقد جعل عليه‌السلام الانغماس أمارة على الحيضيّة حينئذ ، ولا دلالة لها على أماريّته مطلقاً حتّى إذا احتمل دم ثالث كالاستحاضة.

والصّبر قليلاً (1) ثمّ إخراجها ، فإن كانت مطوّقة بالدم فهو بكارة ، وإن كانت


وأمّا صحيحة زياد بن سوقة فلأنها وإن لم تشتمل على ما اشتملت عليه الصحيحة المتقدِّمة إلاّ أنّ الضمائر في قوله عليه‌السلام « تمسك الكرسف وتغتسل وتمسك معها قطنة وتصلّي » كلّها راجعة إلى المرأة الواردة في كلام السائل ، وغير راجعة إلى المرأة الكليّة الّتي رأت دماً ، والمرأة المسئول عنها في كلام السائل يدور أمرها بين أن يكون الدم الخارج منها دم بكارة أو دم حيض ، وذلك لأنّه سأل عن امرأة افتضها زوجها أو سيِّدها ، والافتضاض بنفسه موجب لخروج الدم الكثير وعدم انقطاعه عنها يوماً. وقوله « كيف تصنع بالصلاة » قرينة قطعيّة على أنّ الدم يحتمل أن يكون حيضاً ، لأنّ الحائض هي الّتي تترك الصّلاة ، وأمّا غيرها فلا وجه للسؤال عن أنّه كيف تصنع بالصلاة ، لوضوح أنّ غير الحائض تأتي بها مع تطهير نجاسة الثوب والبدن إن أمكن وإلاّ فمعها ، وعليه فالسائل سأل عن امرأة دار أمر دمها بين دم البكارة ودم الحيض فحسب ، وفي مثلها حكم عليه‌السلام بترك الصّلاة وحرمة وطئها إذا خرج الكرسف منغمساً بالدم وبوجوب الصّلاة وجواز وطئها إن كان خرج مطوّقاً به.

فلم يجعل الانغماس أمارة على الحيضيّة في مطلق المرأة الّتي رأت الدم ولو كان يحتمل استحاضته ، وعليه فلو احتمل معهما دم ثالث يسقط الانغماس عن كونه أمارة على الحيض ، بل لا بدّ من الرّجوع إلى الصفات والتمييز بها إن كان واجداً لها ، وإلاّ فيحكم بكونه استحاضة.

وأمّا قاعدة الإمكان والحكم بالحيضيّة لأجلها فيأتي الكلام عليها إن شاء اللّه تعالى.

(1) أي في أقل مدّة يمكن الاختبار فيها ويصل الدم إلى جوف القطنة وينغمس فيها على تقدير كونه دم الحيض أو يطوّقها على تقدير كونه دم العذرة ، فكون المدّة أقل إنّما هو بالإضافة إلى جميع المدّة الّتي يخرج فيها الدم ، ولا يجب عليها أن تصبر مدّة خروج الدم ، وإنّما تصبر أقلّ مدّة يحصل فيها الاختبار.

منغمسة به فهو حيض ، والاختبار المذكور واجب (1)، فلو صلّت بدونه بطلت وإن تبيّن بعد ذلك عدم كونه حيضاً ، إلاّ إذا حصل منها قصد القربة بأن كانت جاهلة أو عالمة أيضاً إذا فرض حصول قصد القربة مع العلم أيضاً (1).


وهذا أيضاً هو المراد بالمليّ الوارد في صحيحة خلف حيث قال : « وتدعها مليّاً » فإن الملي بحسب اللّغة وإن كان بمعنى الكثير ، ومنه قولهم « فأطرق مليّاً » أي مدّة من الزّمان ، إلاّ أنّ المراد به في الصحيحة هو المدّة الّتي يمكن فيها اختبار الدم كما ذكرناه ولم يرد به تمام مدّة خروج الدم ، وذلك لأنّ صبرها زائداً على المدّة الّتي تتمكن فيه المرأة من الاختبار لغو لا أثر له ، وعليه فالمراد بالقليل في كلام الماتن ، والمليّ في الصحيحة شي‌ء واحد ، وإنّما عبّر عنه بالقليل لأنّه أمر إضافي أي بالإضافة إلى تمام مدّة خروج الدم ، نعم إن كان الماتن عبّر بالمليّ لكان أحسن.

هل الاختبار واجب شرطي؟

(1) لا شبهة في أنّ الاختبار ليس من الواجبات النفسيّة في الشريعة المقدّسة حيث إنّ الدليل على وجوبه هو الصحيحتان المتقدّمتان ، وهو إنّما ذكر فيهما مقدّمة للصلاة ، حيث سئل في إحداهما عن أنّها كيف تصنع بالصلاة ، وهو يدلّنا على أنّ الاختبار إنّما هو لأجل الصّلاة ، على أنّ وجوبه النفسي غير محتمل في نفسه ، فأمرها بالاختبار في هذه الصحيحة لأجل الصّلاة ، كما أنّه أمرها بذلك في صحيحة خلف من جهة التّقوى وعدم تركها الصّلاة على تقدير كون الدم دم العُذرة وتركها لها على تقدير كونه دم الحيض ، فهو إنّما يجب شرطاً للصلاة لا أنّه واجب نفسي.

وإنّما الكلام في أنّه واجب شرطي لصلاة المرأة المذكورة مطلقاً بحيث لو صلّت ولم تختبر أصلاً أو اختبرت بعد الصّلاة ولم تكن حائضاً واقعاً حكم بفساد صلاتها


1) (*) في وجوبه إشكال ، والقدر المتيقّن أنّه لا تصحّ صلاتها قبله بقصد الأمر جزماً.

لفقدانها الشرط الّذي هو الاختبار ، أو أنّه شرط لصحّة صلاة المرأة الّتي خرج عنها الدم المردّد بين الحيض والعذرة فيما إذا أرادت أن تصلّي بنيّة الجزم بمعنى أنّ الاختبار إنّما هو طريق إلى استكشاف حال الدم ، لا أنّه شرط في صحّة الصّلاة حيث لا تتمكن من الجزم بالنيّة في صلاتها إلاّ بالفحص والاختبار حتّى تعلم أنّ الدم الخارج دم العذرة دون الحيض ، وإلاّ فلو أتت بها جزماً لكانت تشريعاً محرّماً وتفسد صلاتها لا محالة ، فإنّ استصحاب عدم كونها حائضاً غير جارٍ في حقّها للصحيحتين وإن كان المورد مورداً له في نفسه ، لأنّهما وردتا في امرأة بكر افتضّها زوجها أو سيِّدها ، فهي مسبوقة بالطهر وعدم الحيض في نفسها ، ومقتضى استصحاب بقاء المرأة على ما كانت عليه الحكم بعدم كونها حائضاً ، إلاّ أنّه غير جارٍ لهاتين الصحيحتين الدالّتين على لزوم الاختبار حينئذ وإن كانت الشبهة موضوعيّة وغير واجبة الفحص ولكنّهما مخصّصتان لأدلّة الاستصحاب وتدلاّن على لزوم اختبارها ، ومع عدم جريان الاستصحاب لا تتمكن من الجزم بالنيّة إلاّ بالاختبار ، فالاختبار شرط لصحّة صلاة المرأة في مورد الكلام عند إرادتها الصلاة عن جزم بالنيّة ، دون ما إذا أتت بها رجاء كونها غير حائض ولاحتمال وجوبها في حقّها ، فإنّها صحيحة فيما إذا لم تكن حائضاً واقعاً وإن لم تختبر قبلها ، المقدار المتيقّن من اشتراط الاختبار اشتراطه في صلاتها مع الجزم بالنيّة لعدم جريان الاستصحاب في حقّها كما مرّ ، وأمّا اشتراطه في صلاتها مطلقاً حتّى فيما إذا صلّت رجاء كونها مأمورة بالصلاة فهو يبتني على أحد أُمور :

الأوّل : أن يقال إنّ الصّلاة في حقّ الحائض محرّمة بالذات نظير بقيّة المحرّمات الذاتيّة ، وعليه فأمر صلاة المرأة في مفروض الكلام يدور بين الحرمة والوجوب ، ومع احتمال الحرمة لا يتمشّى منها قصد القربة ، فتفسد صلاتها إلاّ أن تختبر دمها وتجزم بعدم كونه دم حيض.

الثّاني : أن يقال بوجوب تحصيل الجزم في نيّة العبادات مع التمكن منه ، وبما أنّ المرأة في مفروض الكلام متمكنة من تحصيله بالاختبار فلو أتت بصلاتها رجاءً يحكم ببطلانها ، لفقدانها الشرط المعتبر في صحّتها وهو الجزم بالنيّة مع التمكّن منه.

الثّالث : أن يقال إنّ تحصيل الجزم بالنيّة وإن لم يكن معتبراً في جميع الواجبات إلاّ أنّه معتبر في خصوص صلاة المرأة الخارج منها الدم المردّد بين دم الحيض ودم البكارة بمقتضى هاتين الصحيحتين ، حيث دلّتا على وجوب الاختبار بالإضافة إليها فلو صلّت لا مع الجزم بالنيّة فسدت.

وهذه الوجوه برمّتها فاسدة لا يمكن المساعدة على شي‌ء منها.

أمّا احتمال حرمة الصّلاة على الحائض ذاتاً فيدفعه أنّه أمر لم يقم عليه دليل ، لأنّ نهيها عن الصّلاة في هاتين الصحيحتين أو إحداهما بقوله فلتتّق اللّه وتمسك عن الصّلاة إذا كان الدم دم حيض ، وفيما ورد من قوله عليه‌السلام « دعي الصّلاة أيّام أقرائك » (1)إرشاد إلى فساد صلاة الحائض لعدم الأمر بها ، وأمّا أنّها من المحرّمات الإلهيّة الذاتيّة في الشريعة المقدّسة فمما لا نحتمله ولا دليل عليه.

وأمّا دعوى اشتراط الجزم بالنيّة في العبادات فيدفعه ما ذكرناه في غير مورد من أنّ العبادة يعتبر إضافتها إلى المولى نحو إضافة ، وأمّا اعتبار الإتيان بها مع الجزم بالنيّة وغيره فهو أمر زائد يحتاج اعتباره فيها إلى دلالة الدليل ، ولا دليل على اعتباره في المقام.

وإنّما الكلام في الوجه الثّالث ، حيث قد يتوهّم أنّ الصحيحتين دلّتا على نهي المرأة عن الصّلاة إلاّ مع الاختبار ، فلو جازت الصّلاة في حقّها مع الرّجاء ولم يعتبر في صحّتها الجزم بالنيّة لم يكن لاشتراطه مطلقاً وجه صحيح.

ولكنّه يندفع بأنّهما دلّتا على نهي المرأة عن أن تصلّي حينئذ كما كانت تصلّي لولا هذا الدم ، حيث إنّها كانت تصلّي مع الجزم بالنيّة على ما هو الطبع والعادة في الامتثال فقد دلّتا على أنّها لا تتمكّن من الصّلاة مع الجزم حينئذ ، لأنّه تشريع محرّم والاستصحاب منقطع في حقّها ، وأمّا أنّها لا تتمكّن من أن تصلِّي رجاء عدم كونها حائضاً فلا دلالة عليه في شي‌ء من الصحيحتين.


1) الوسائل 2 : 287 / أبواب الحيض ب 7 ح 2.

نعم قد يصل إلى النظر أن المسألة في الرّوايتين كانت قد عُرضت على فقهاء العامّة قبل أن يسألوا عنها الإمام عليه‌السلام ، وأجابوا بأن تصلّي المرأة رجاءً ، لأنّها إن لم تكن حائضاً واقعاً فقد أدّت واجبها ، وإن كانت حائضاً فقد أتت بشي‌ء لغو لا يضرّها ، والإمام عليه‌السلام لم يرتض ذلك ولم ينفذ أجوبتهم وآراءهم ، فلو كان الإتيان بها رجاءً صحيحاً من دون اختبارها لم يكن لإعراض الإمام عليه‌السلام عن ذلك وأمره بالاختبار وجه صحيح ، فمن هذا يستكشف أنّ الاختبار شرط في صحّة صلاة المرأة في مفروض البحث مطلقاً حتّى فيما إذا صلّت رجاء.

ويدفع ذلك أنّ المسألة وإن كانت قد عرضت على فقهاء العامّة إلاّ أنّ حكمهم بصحّة صلاتها مع الرّجاء لم يذكر للإمام عليه‌السلام حتّى ينفذه أو يردع عنه ، وإنّما سأله الرّاوي عن حكم المرأة المذكورة ابتداءً وأجابه عليه‌السلام بالاختبار ، فلا دلالة في شي‌ء من الصحيحتين على بطلان صلاة المرأة عند الإتيان بها رجاءً فيما إذا لم تكن حائضاً واقعاً.

فالصحيح أنّ الصحيحتين إنّما تدلاّن على انقطاع الاستصحاب في حقّ المرأة واشتراط الاختبار في صحّة صلاتها إذا أرادت الصّلاة مع الجزم بالنيّة ، ولا دلالة لهما على الاشتراط مطلقاً ، نعم إذا أرادت الصّلاة مع الجزم بالنيّة لم تتمكن إلاّ بالاختبار وإلاّ كان تشريعاً محرّماً ، وهذا بخلاف ما إذا صلّت رجاء عدم كونها حائضاً ، لأنّها إذا لم تكن حائضاً واقعاً يحكم بصحّة صلاتها لإتيانها بالصلاة متقربة ، فلا تجب إعادتها أو قضاؤها ، والاختبار إنّما أوجب طريقاً إلى استكشاف حال الدم لا أنّه شرط في صحّة الصّلاة.

ويترتّب على ذلك أنّها إذا غفلت عن حالها وصلّت مع الجزم بالنيّة ولم تكن حائضاً واقعاً فإنّ صلاتها بناءً على ما قدّمناه صحيحة ، لأنّها أتت بالصلاة مع التقرّب بها إلى اللّه ، ولا بأس بجزمها لمكان غفلتها ، ولا يتحقّق معها التشريع كما مرّ فيحكم بصحّة صلاتها ، وهذا بخلاف ما إذا قلنا باشتراط صلاتها بالاختبار مطلقاً حيث يحكم ببطلان صلاتها حينئذ لفقدها الاختبار الّذي هو شرط في صحّتها على

وإذا تعذّر الاختبار ترجع إلى الحالة السابقة من طهر أو حيض ، وإلاّ فتبني على الطّهارة ، لكن مراعاة الاحتياط أولى (1).


الفرض.

إلاّ أنّ ذلك إنّما هو على ما تقتضيه القاعدة ، وأمّا بالنظر إلى حديث « لا تعاد الصّلاة إلاّ من خمسة » (1)فلا تجب إعادتها حتّى على القول بأنّ الاختبار شرط مطلقاً ، لعدم كون الاختبار من الخمسة المعادة منها الصّلاة ، وعليه فلا فرق بين القولين في النتيجة ، وإنّما تظهر الثمرة فيما تقتضيه القاعدة فحسب.

حكم تعذّر الاختبار

(1) وإذا تعذّر الاختبار لفوران الدم أو لعدم القطنة وما يقوم مقامها فعلى ما قدّمناه من عدم دلالة الصحيحتين إلاّ على انقطاع الاستصحاب في حقّ المرأة حالئذ من دون أن يكون الاختبار شرطاً لصحّة صلاتها مطلقاً فلا بدّ من الرّجوع إلى استصحاب حالتها السابقة ، وذلك لأنّ الصحيحتين إنّما دلّتا على عدم رجوعها إلى استصحاب الحالة السابقة ووجوب تمييز الدم بالاختبار في حقّها فيما إذا تمكّنت من الاختبار ، لأنّه الظّاهر المستفاد منهما كما لا يخفى ، فلا ترفع اليد عن الاستصحاب إلاّ بهذا المقدار فقط.

وأمّا إذا لم تتمكّن من الاختبار فلا تشملها الأخبار ، ومعه لا مانع من الرّجوع إلى الاستصحاب ، فإن كانت حالتها السابقة هي الطّهارة تجب عليها الصّلاة والصّيام وغيرهما من وظائف غير الحائض ، كما أنّها إذا كانت هي الحيض تستصحبه ، فيحكم بحرمة دخولها المسجد وسقوط الصّلاة عنها وغير ذلك من الوظائف المقرّرة في حقّ


1) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8 ، 6 : 91 / أبواب القراءة في الصّلاة ب 29 ح 5 ، 313 / أبواب الرّكوع ب 10 ح 5 ، 389 / أبواب السجود ب 28 ح 1 ، 401 / أبواب التشهّد ب 7 ح 1.

الحائض ، وأمّا إذا اشتبهت الحالة السابقة ولم تكن لها حالة سابقة معيّنة فيأتي الكلام عليها عن قريب.

وأمّا إذا قلنا باشتراط صلاة المرأة في محل الكلام بالاختبار فمقتضى القاعدة حينئذ الحكم بعدم وجوب الصّلاة في حقّها ، لأنّها إمّا حائض فهي ساقطة عنها لا محالة وإمّا غير حائض ولكنها غير مكلّفة بالصلاة لتعذرها بتعذر شرطها ، إلاّ أن يتشبث بذيل قوله عليه‌السلام إنّها « لا تدع الصّلاة على حال » (1)حيث يدلّ على أنّ المرأة في مفروض الكلام على تقدير عدم كونها حائضاً بحسب الواقع لم تسقط عنها الصّلاة.

بل يمكن استفادة ذلك من نفس الصحيحتين أيضاً ، حيث ورد في إحداهما أنّها تتّقي اللّه وتصلّي إذا خرجت القطنة مطوّقة بالدم ، لأنّها واضحة الدلالة على أنّ المرأة على تقدير عدم كونها حائضاً مكلّفة بالصلاة ، وكذلك الصحيحة الأُخرى حيث أوجبت الصّلاة في حقّها على تقدير عدم خروج القطنة منغمسة بالدم ، فيدور الأمر بين سقوط أصل الصّلاة عنها كما إذا كانت حائضاً وبين سقوط شرطيّة الاختبار كما إذا لم تكن حائضاً واقعاً.

ومعه لا بدّ من الرّجوع إلى الاستصحاب بعد عدم شمول الصحيحتين للمقام ، لاختصاصهما بصورة التمكن من الاختبار ، فإن كانت حالتها السابقة هي الطّهارة فمقتضى استصحابها وجوب الصّلاة في حقّها ، كما أنّها إذا كانت هي الحيض فمقتضاه عدم وجوبها في حقّها.

فتحصّل أنّه لا فرق في الرّجوع إلى استصحاب الحالة السابقة بين القول باشتراط صلاة المرأة بالاختبار مطلقاً وبين القول باختصاص شرطيّته بصورة الإتيان بالصلاة مع الجزم بالنيّة ، هذا كلّه إذا كانت الحالة السابقة معيّنة.

وأمّا إذا جهلت الحالة السابقة لكونها حائضاً في زمان ومتطهرة في زمان آخر


1) الوسائل 2 : 373 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.

واشتبه المتقدّم منهما بالمتأخر فلم تدرِ كانت طاهرة فخرج منها الدم المردّد أم كانت حائضاً فلا يمكن التمسّك بالاستصحاب حينئذ ، إمّا للمعارضة كما هو الصحيح وإمّا لقصور المقتضي وعدم جريان الاستصحاب في نفسه كما بنى عليه صاحب الكفاية قدس‌سره.

وحينئذ قد يقال بأنّ الواجب هو الاحتياط بالجمع بين وظائف الطاهرة والحائض بأن تصلّي وتصوم ولا تدخل المسجد ولا تمكّن زوجها من نفسها بالوقاع ، وذلك لأنّ الحيض موضوع لجملة من الأحكام الإلزاميّة كحرمة الدخول في المساجد وحرمة تمكين الزّوج من نفسها بالجماع ، كما أنّ الطّهارة من الحيض موضوع لجملة من الأحكام الإلزاميّة كوجوب الصّلاة والصّيام وغيرهما ، وحيث إنّها مردّدة بين كونها طاهرة وحائضاً فلها علم إجمالي بتوجّه أحد التكليفين الإلزاميين نحوها ومقتضاه وجوب الاحتياط كما ذكرناه.

إلاّ أنّ الصحيح أنّ المرأة حينئذ غير محكومة بالحيض شرعاً ويجوز لها محرمات الحائض ، كما هو ظاهر جملة من الأعاظم والأعلام ، وذلك لأنّ المستفاد من الأخبار أنّ دم الحيض دم يمتاز عن بقيّة الدّماء ، وله أوصاف يمتاز بها عن غيره (1)، فإنّه يخرج من الرّحم ، ودم الاستحاضة يخرج من عرق آخر ، كما أنّ دم البَكارة يخرج من نفس الموضع دون الرّحم. وكيف كان فدم الحيض ممتاز عن بقيّة الدّماء ، وهو عنوان وجودي وله أحكام خاصّة ، وقد تقدّم أنّ الحيض اسم لنفس الدم ، كما أنّ التكليف بالصّلاة والصيام والحكم بجواز الدّخول في المسجد متوجّه إلى عامّة المكلّفين ، وإنّما خرج عنها ذلك العنوان الوجودي ، حيث إنّه موضوع للحكم بحرمة الدخول في المساجد وعدم وجوب الصّلاة وهكذا.

فإذا شكّكنا في مورد أنّ هذا العنوان الوجودي هل تحقّق أم لم يتحقّق فالأصل عدم تحقّقه وعدم اتّصاف الدم بكونه حيضاً ، لجريان الأصل في الأعدام الأزليّة كما مرّ غير مرّة ، وبه ننفي الأحكام المترتبة على نفس عنوان دم الحيض ، ككونه مانعاً عن


1) راجع الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3.

ولا يلحق بالبَكارة في الحكم المذكور غيرها كالقَرحة المحيطة بأطراف الفرج (1). وإن اشتبه بدم القرحة فالمشهور أنّ الدم إن كان يخرج من الطرف الأيسر فحيض وإلاّ فمن القرحة (2) ، إلاّ أن يعلم أنّ القرحة في الطرف الأيسر ، لكن الحكم المذكور مشكل فلا يترك الاحتياط بالجمع بين أعمال الطّاهرة والحائض (1).


الصّلاة ولو كان أقل من درهم على ما هو المعروف بينهم ، كما ننفي الأحكام المترتبة على من خرج منها هذا الدم ونحكم عليها بوجوب الصّلاة والصّيام ، لانتفاء الحيض الّذي هو اسم لنفس الدم ، وعدم كون المرأة حائضاً ، أي عدم خروج الدم المتصف بالحيض منها ، ومعه يجوز لها ارتكاب المحرّمات في حقّ الحائض وإن كان تركها أحوط.

القَرحة لا تلحق بالبكارة

(1) لاختصاص أدلّة الاختبار بما إذا دار الدم بين دم الحيض ودم البكارة ، وهو على خلاف القاعدة ، ومعه لا مسوغ لاسرائه إلى صورة دورانه بين دم الحيض ودم القرحة أو غيرها ، لأنّه قياس.

دوران الدم بين الحيض والقَرحة

(2) إذا دار الدم بين دم الحيض ودم القرحة فقد ذكروا أنّ الحال فيه حال دورانه بين دم الحيض ودم البكارة في وجوب الاختبار ، إلاّ أنّ كيفيّته مختلفة ، فإنّه عند دورانه بين دم الحيض والقرحة إنّما يختبر باستلقاء المرأة على ظهرها ورفع رجليها ثمّ إدخال إصبعها في فرجها ، فإن خرج الدم من الجانب الأيسر فهو حيض ، وإن كان خارجاً من الطرف الأيمن فهو دم القرحة ، هذا هو المشهور بينهم ، ونسبه إلى المشهور غير واحد من الأصحاب.


1) (*) لا يبعد جريان أحكام الطاهرة عليها إلاّ إذا كانت مسبوقة بالحيض.

وفي قبال ذلك قولان آخران :

أحدهما : ما ذهب إليه الشهيد في الدروس (1)والذكرى (2)ولكن حكي رجوعه عن ذلك في البيان (3)الّذي هو متأخِّر عن سائر كتبه في التأليف وحكي عن الكاتب وابن طاوس (4)، من أنّه إن كان خارجاً من الطرف الأيمن فهو حيض ، وإن كان خارجاً من الطرف الأيسر فهو دم القرحة ، على عكس مسلك المشهور.

ثانيهما : ما مال إليه المحقّق (5)، بل هو ظاهر الشرائع (6)حيث نسب الاختبار بما ذهب إليه المشهور إلى القيل ، لأنّه لو كان ثابتاً عنده لذكره على وجه الجزم ، كما في الاختبار عند اشتباه الحيض بدم البكارة ، وحكي عن الأردبيلي وتلميذه المقدّس الكاظمي كما في مفتاح الكرامة (7)، والشهيد الثّاني في المسالك (8)، من عدم ثبوت الاختبار حينئذ وعدم كون الخروج من الطرف الأيسر أو الأيمن أمارة على الحيض بل حاله حال بقيّة الدماء المشتبهة بالحيض غير الاستحاضة ، ولا بدّ معه من الرّجوع إلى مقتضى الأُصول كما يأتي.

أمّا مستند المشهور فهو رواية الشيخ قدس‌سره في التهذيب عن محمّد بن يحيى مرفوعاً عن أبان بن تَغلب قال « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام فتاة منّا بها قرحة في جوفها والدم سائل لا تدري من دم الحيض أو من دم القرحة ، فقال عليه‌السلام : مُرْها فلتستلق على ظهرها ثمّ ترفع رجليها وتستدخل إصبعها الوسطى


1) الدروس 1 : 97 / درس 6.

2) الذكرى : 28 س 14 / المقام الثّاني في الحيض.

3) حكاه في الحدائق 3 : 156 / في غسل الحيض ، وراجع البيان : 16 السطر 11.

4) حكاه في الذكرى : 28 السطر 15 و 16 / المقام الثّاني في الحيض ، وحكاه عن الكاتب ( وهو ابن الجنيد ) في المختلف 1 : 194 / في الحيض ، المسألة 140.

5) المعتبر 1 : 199 / الثّاني في غسل الحيض.

6) الشرائع 1 : 33 / الفصل الثّاني في الحيض.

7) حكاه عنهما في مفتاح الكرامة 1 : 338 / المقصد السادس في الحيض.

8) المسالك 1 : 57 / الفصل الثّاني في الحيض.

فإن خرج الدم من الجانب الأيسر فهو من الحيض ، وإن خرج من الجانب الأيمن فهو من القرحة » (1).

ومستند الشهيد قدس‌سره رواية الكليني قدس‌سره عن محمّد بن يحيى أيضاً مرفوعاً عن أبان قال « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : فتاة منّا بها قرحة وساق الرّواية كما نقلناها عن الشيخ إلى أن قال فإن خرج الدم من الجانب الأيمن فهو من الحيض ، وإن خرج من الجانب الأيسر فهو من القرحة » (2)على عكس رواية الشيخ وعن الشهيد قدس‌سره أنّ كثيراً من نسخ التهذيب مطابق لرواية الكليني قدس‌سره هذا.

أمّا ما اعتمد عليه الشهيد قدس‌سره فيتوجه عليه أنّ الرّواية ضعيفة ، لأنّها حكيت مرفوعة وغير منجبرة بعمل الأصحاب ، لأنّ المشهور بينهم عكس ذلك كما مرّ ، على أنّها لو كانت معمولاً بها بينهم أيضاً لم نكن نعتمد عليها ، لأنّ ضعف الرّواية لا ينجبر بعملهم ، فلا وقع لما ذهب إليه قدس‌سره في المسألة.

وأمّا مستند المشهور فهو أيضاً كمستند الشهيد في الضعف ، وذلك لأنّه لم تثبت رواية الشيخ في نفسها ، وذلك لا لما ادّعاه الشهيد من أنّ كثيراً من نسخ التهذيب موافقة لنسخة الكليني ، لأنّه ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، حيث إنّ الشيخ في كتبه أفتى على طبق مسلك المشهور وجعل خروج الدم من الجانب الأيسر أمارة على الحيض ، فلو كانت نسخة التهذيب مطابقة لنسخة الكليني فبأيّ شي‌ء اعتمد قدس‌سره في فتياه؟ وكذلك غيره من الأعلام ممّن ذهب مذهب المشهور ، حيث لو لم تكن رواية الشيخ كما نقلناها ، بأن كانت موافقة لنسخة الكافي لم يكن وجه لفتياهم بكون الخروج من الجانب الأيسر أمارة على الحيض.

بل الوجه في عدم ثبوتها في نفسها أنّ الشيخ إنّما يرويها عن كتاب محمّد بن يحيى


1) الوسائل 2 : 307 / أبواب الحيض ب 16 ح 2.

2) الوسائل 2 : 307 / أبواب الحيض ب 16 ح 1.

العطّار ، إنّه يروي الرّوايات عن كتب الرواة ثمّ يذكر أسانيدها وطرقه إلى مؤلّفيها لتخرج الرّوايات بذلك عن الإرسال إلى الاسناد على ما ذكره في تهذيبه (1)، وبينه وبين الشيخ مدّة من الزّمان وإن أمكن أن يروي عن غير كتبهم في بعض الموارد أيضاً ، والكليني يروي عن نفس محمّد بن يحيى ، لأنّه من مشايخه وأساتذته ، وحيث إنّا نقطع أنّ محمّد بن يحيى لم يرو روايتين متعاكستين ، وإنّما الرّواية واحدة فلا محالة نقطع بأنّ رواية محمّد بن يحيى إنّما هي إحدى الرّوايتين أعني رواية التهذيب ورواية الكافي وحيث أنّ الكليني يروي عن نفس محمّد بن يحيى ، والشيخ يروي عن كتابه مع الواسطة ، وهو أضبط بخلاف روايات الشيخ في تهذيبه حيث وقع فيها الاشتباه على ما ذكروا موارده ، فلا محالة نجزم أو نطمئن بأنّ رواية محمّد بن يحيى هي الّتي يرويها الكليني قدس‌سره لبُعد أن تكون رواية محمّد بن يحيى ما عثر عليه الشيخ في كتابه ولو مع الواسطة ، دون ما ينقله عنه الكليني من نفسه بدون واسطة وأنّه وقع اشتباه في رواية الشيخ بتبديل الأيسر بالأيمن إمّا في كتاب محمّد بن يحيى وإمّا في رواية الشيخ.

لكن الظاهر أنّ الاشتباه ممن تقدّم على الشيخ ، حيث إنّه يجري على طبق رواياته في كتبه ويفتي على طبقها. وعليه فرواية الشيخ الّتي هي مستند المشهور غير ثابتة وهو من اشتباه الرّواية بغيرها ، حيث لا ندري أنّ رواية محمّد بن يحيى هي الّتي رواها الشيخ أو غيره ، ومعه لا يمكن الاعتماد عليها. وحاصل ما ذكرناه في المقام هو استبعاد أن تكون رواية محمّد بن يحيى هي الّتي عثر عليها الشيخ في كتابه ولو مع الواسطة دون ما روى عنه الكليني من نفسه بلا واسطة هذا.

ولكن قد ظهر بعد المراجعة أنّ الشيخ قدس‌سره يروي روايات محمّد بن يحيى العطار بطريقين : بطريق أحمد بن محمّد بن يحيى ، وبطريق الكليني نفسه ، فكلّما روى عنه الشيخ إنّما يرويه بواسطتهما ، ومع عدم نقل الكليني الرّواية كما ينقلها الشيخ


1) التهذيب 10 ( المشيخة ) : 5.

( قدس‌سره ) عنه ينكشف أنّ الشيخ عثر على ما يرويه عنه في بعض نسخ الكافي لا محالة ، وعليه فلا يعلم أنّ رواية محمّد بن يحيى الّتي يرويها الكليني من دون واسطة ويرويها الشيخ بواسطة الكليني هي الموجودة في الكافي أو الموجودة في التهذيب ، وهو من اشتباه الرّواية بغيرها ، فلا يثبت شي‌ء من الرّوايتين ، لعدم العلم بأن الرّواية هي المروية في نسخة الكافي الموجودة عندنا أو أنّها مروية في النسخة الّتي عثر عليها الشيخ ، ومعه لا يحكم بثبوت شي‌ء من الرّوايتين.

وهذا بلا فرق بين تضعيف أحمد بن محمّد بن يحيى وعدمه ، لأنّ الشيخ كلّ ما يرويه عن العطّار يرويه بطريقين ، فلا بدّ في رواية الشيخ عنه أن تكون الرّواية موجودة في الكافي لا محالة ، ومع تعدّد النسخ لا تثبت الرّواية كما ذكرناه (1).

ولا وجه لدعوى انجبار ضعفها بعمل المشهور ، حيث لم تثبت رواية حتّى تنجبر بعملهم ، على أنّا لو سلّمنا أنّ رواية الشيخ ثابتة فلا وجه لانجبار ضعفها بعملهم على ما مرّ منّا غير مرّة ، فإنّهم لو كانوا عثروا على قرينة تدلّهم على أنّ الواسطة بين محمّد ابن يحيى وأبان موثقة لنبّهوا على ذلك في كتبهم وذكروا تلكم القرينة مع أنّه لا أثر منها في كلماتهم.

هذا مضافاً إلى ضعف مضمونها ، فإنّ جعل خروج الدم من الجانب الأيسر أمارة على الحيض إمّا من جهة أنّ دم الحيض يخرج من الجانب الأيسر غالباً ، والشارع جعل الغلبة أمارة على الحيضيّة حينئذ ، وإمّا من جهة أنّ القرحة إنّما تتكوّن في الجانب الأيمن ، فيكون خروج الدم من ذلك الجانب أمارة على أنّه دم القرحة. وهاتان الجهتان خلاف الوجدان.

أمّا الجهة الاولى : فلأنّ دم الحيض إنّما يخرج من الرّحم ، وكلا الجانبين بالنسبة إليه على حدّ سواء ، فلا وجه لخروجه من جانب دون جانب ، على أنّه دم بَحراني أي


1) راجع معجم رجال الحديث 19 : 43 / ترجمة محمّد بن يحيى العطّار.

كثير كما في الأخبار (1)ومن ثمة جعلت الكثرة أمارة الحيض في الحبلى كما مرّ وخروج الدم الكثير لا يمكن إسناده إلى جانب دون جانب ، لأنّه يستوعب المجرى لا محالة.

كما (2)أن تكوّن القرحة في الجانب الأيمن على خلاف الوجدان ، لأنّها قد تتكوّن في الطرف الأيسر وقد تتكوّن في الطرف الأيمن ، فما ذهب إليه المشهور ممّا لا يمكن المساعدة عليه.

إذن ما ذهب إليه المحقّق والمحقّق الأردبيلي والشهيد الثّاني والكاظمي من عدم ثبوت التمييز والاختبار عند اشتباه الحيض بدم القرحة هو الصحيح ، فهو حينئذ دم مردّد بين الحيض وبين غير الاستحاضة ، ولا بدّ في مثله من الرّجوع إلى الأصل إلاّ عند دورانه بين الحيض والعُذرة كما مرّ.

فإن كانت حالتها السابقة هي الطّهارة فتستصحب طهارتها وتجب عليها الصّلاة وإن كانت حالتها السابقة هي الحيض تستصحب حيضها ، وأمّا إذا جهلت الحالة السابقة فمقتضى العلم الإجمالي وإن كان هو الاحتياط إلاّ أنّه غير واجب لاستصحاب عدم كون الدم متصفاً بالحيضيّة ، وهو يقتضي ترتب آثار الطاهرة على المرأة كما مرّ.

نعم ، الاحتياط بالجمع بين أعمال الطّاهرة وتروك الحائض في محلّه ، إلاّ أنّه عند خروج الدم من الجانب الأيسر ، لأنّه الّذي دلّت الرّواية على كونه حيضاً وناقشنا فيها ، دون ما إذا خرج من الجانب الأيمن ، لأنّه محكوم بعدم الحيضيّة حتّى بناءً على ثبوت الرّواية ، حيث تدلّ الرّواية على أنّه دم القرحة ، فما أفاده الماتن من الأمر بالاحتياط بعد الاستشكال في الحكم المشهور لا يتمّ على إطلاقه ، بل لا بدّ من تخصيصه بما إذا كان الدم خارجاً من الجانب الأيسر كما مرّ.


1) الوسائل 2 : 276 / أبواب الحيض ب 3 ح 4 ، وورد التعبير بالكثير أيضاً في ص 331 و 334 / أبواب الحيض ب 30 ح 5 و 16.

2) هذه هي الجهة الثّانية.

ولو اشتبه بدم آخر حكم عليه بعدم الحيضيّة إلاّ أن تكون الحالة السابقة هي الحيضيّة (1).

[706] مسألة 6 : أقل الحيض ثلاثة أيّام (2) ،


دوران الدم بين الحيض وغير دم القرحة

(1) إذا لم يعلم أنّ الدم يخرج من الرّحم أو من عرق آخر فإن كانت حالتها السابقة هي الطّهارة وعدم كونها حائضاً فتستصحب طهارتها ، وإذا كانت هي الحيض وكانت حائضاً فتستصحب كونها كذلك ، وبالاستصحاب يثبت كونها حائضاً أو طاهرة ، لانحلال العلم الإجمالي بجريان الأصل المثبت في طرف والأصل النافي في طرف آخر ، كاستصحاب بقاء حيضها مع استصحاب عدم طهارتها أو بالعكس.

وأمّا إذا جهلت الحالة السابقة ولم تعلم أنّ الحالة المتصلة بخروج الدم هي الطّهر أو الحيض فلا يمكن استصحاب كون المرأة حائضاً أو طاهرة ، لتعارض استصحاب طهارتها باستصحاب كونها حائضاً ، أو لعدم جريانهما في نفسهما كما بنى عليه صاحب الكفاية قدس‌سره ، وحينئذ فمقتضى العلم الإجمالي بتوجه تكليف إلزامي عليها حيث إنّ لكلّ من الحيض والطّهر أحكاماً إلزاميّة هو الاحتياط ، إلاّ أنّ مقتضى الأصل الجاري في نفس الدم وعدم خروجه من الرّحم وعدم اتصافه بالحيضيّة أعني استصحاب العدم الأزلي عدم ترتيب آثار الحيضيّة من أحكام نفس الحيض أو أحكام من يخرج عنه ، وهذا الاستصحاب لا معارض له كما هو ظاهر.

أقل مدّة الحيض

(2) هذا هو المتسالم عليه بين أصحابنا قدس اللّه أرواحهم ، بل ادعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد منهم على ما في مفتاح الكرامة (1)، وقد نقل فيه أنّ أبا يوسف


1) مفتاح الكرامة 1 : 341 / المقصد السادس في الحيض.

وأبا حنيفة أيضاً ذهبا إلى ذلك ، وأمّا مالك والشّافعي وابن حنبل فقد ذهبوا إلى أنّ أقلّه أقل من ثلاثة أيّام ، على تفصيل في ذلك فليراجع.

ويدلُّ على ذلك جملة من الأخبار فيها صحاح وموثقة وغيرها ، بل لا يبعد تواترها إجمالاً.

منها : صحيحة معاوية بن عَمّار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : أقل ما يكون الحيض ثلاثة أيّام ، وأكثر ما يكون عشرة أيّام » (1).

ومنها : صحيحة صفوان بن يحيى قال : « سألت أبا الحسن الرّضا عليه‌السلام عن أدنى ما يكون من الحيض ، قال : أدناه ثلاثة وأبعده عشرة » (2)إلى غير ذلك من الأخبار (3).

وبإزاء هذه الرّوايات موثقتان :

إحداهما : موثقة إسحاق بن عَمّار قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن المرأة الحُبلى ترى الدم اليوم واليومين ، قال إن كان الدم عبيطاً فلا تصلّ دينك اليومين ، وإن كان صُفرة فلتغتسل عند كلّ صلاتين » (4).

وثانيتهما : موثقة سَماعة بن مِهران قال « سألته عن الجارية البكر أوّل ما تحيض فتقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة أيّام يختلف عليها لا يكون طمثها في الشهر عدّة أيّام سواء ، قال : فلها أن تجلس وتدع الصّلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة ، فإذا اتفق شهران عدّة أيّام سواء فتلك أيّامها » (5).

قد يقال بكونهما معارضتين للأخبار المتقدّمة ، لدلالتهما على أنّ أقل الحيض أقل من ثلاثة أيّام ، فلا بدّ من طرحهما أو حملهما على خلاف ظاهرهما ، بل عن المحقّق


1) الوسائل 2 : 293 / أبواب الحيض ب 10 ح 1.

2) الوسائل 2 : 294 / أبواب الحيض ب 10 ح 2.

3) الوسائل 2 : 293 و 299 / أبواب الحيض ب 10 و 12 و ...

4) الوسائل 2 : 296 / أبواب الحيض ب 10 ح 13.

5) الوسائل 2 : 304 / أبواب الحيض ب 14 ح 1.

الهمداني (1)قدس‌سره العمل بهما في موردهما ، أعني المرأة الحبلى والمبتدئة الّتي ترى الدم في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة أيّام ، تخصيصاً لما دلّ على أنّ أقلّ الحيض ثلاثة أيّام بالإضافة إلى مورد الرّوايتين.

ولكن الصحيح عدم معارضتهما للأخبار المتقدّمة بوجه ، وذلك لأنّ الموثقة الأُولى لم تدل على أنّها لا تصلّي بعد ذينك اليومين ، وإنّما دلّت على ترتيب آثار الحيض من حين ترى الدم في اليوم واليومين ومقارناً لخروجه ، حيث قال عليه‌السلام « فلا تصلّ ذينك اليومين » لا أنّها لا تصلّي بعدهما ، كما لا دلالة لها على أنّ وظيفتها أيّ شي‌ء إذا انكشف انقطاع الدم قبل ثلاثة أيّام ، وعليه فالرواية بصدد بيان الحكم الظّاهري وأنّ المرأة بمجرّد رؤيتها الدم ترتّب آثار الحيض على نفسها ، ثمّ إنّه إذا انكشف انقطاعه قبل ثلاثة أيّام فيعلم عدم كونه حيضاً بمقتضى الأخبار المتقدّمة الّتي دلّت على أنّ أقلّ الحيض ثلاثة أيّام.

فالموثقة مسوقة لبيان الحكم الظّاهري والأخبار المتقدّمة مبيّنة للحكم الواقعي ، ولا تعارض بين الحكم الظّاهري والواقعي. نعم لو كانت الموثقة دلّت على أنّ المرأة بعد انقطاع الدم قبل ثلاثة أيّام ترتب أحكام الحائض على نفسها لكانت معارضة مع الأخبار المتقدّمة ، لدلالتها حينئذ على أنّ أقلّ الحيض أقلّ من ثلاثة أيّام ، ولكن لا دلالة لها على ذلك كما عرفت.

وكذلك الحال في الموثقة الثانية الواردة في وظيفة المبتدئة ، أي الّتي لم تر الحيض قبل ذلك ، حيث دلّت على أنّها ترتب آثار الحيض من حين ترى الدم وهو حكم ظاهري ، ولا دلالة لها على أنّ الدم إذا انقطع قبل ثلاثة أيّام أيضاً تبنى على كونها حائضاً ، حيث إنّها سيقت لبيان أن رؤية الدم شهرين على وجه التساوي يوجب تحقّق العادة للمرأة ، وليس لها نظر إلى وظيفة المرأة عند انقطاع دمها قبل الثلاثة ، وأمّا أنّها تبنى على كونها حائضاً أو لا تبنى عند انقطاع الدم قبل الثلاثة فلا دلالة لها على


1) مصباح الفقيه ( الطّهارة ) : 262 السطر 31.

شي‌ء منه.

فالموثقة سيقت لبيان الوظيفة الظاهريّة للمبتدئة ، فإذا انقطع الدم قبل ثلاثة أيّام انكشف عدم كون الدم حيضاً بمقتضى الرّوايات المتقدّمة ، فلا معارضة بينها وبين الأخبار المتقدّمة ، لأنّ الموثقة بصدد بيان الحكم الظاهري والأخبار المتقدّمة تدل على الحكم الواقعي ، ولا تنافي بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة حتّى تطرح الموثقتان أو تحملا على خلاف ظاهرهما ، أو يعمل بهما في موردهما فقط ، أعني المرأة الحبلى أو المبتدئة الّتي ترى الدم في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة.

ثمّ إنّ هذا التحديد حقيقي كسائر التحديدات الشرعيّة ، كتحديد الكرّ بالوزن أو بالمقدار ، وتحديد السفر الموجب للقصر بثمانية فراسخ ، أو وجوب التمام عليه بالتردّد ثلاثين يوماً وهكذا ، فكما أنّها تحديدات حقيقيّة شرعيّة بحيث لو نقص الماء أو المسافة عنهما ولو بأقل قليل لم يترتب عليه الحكم بالكرية ووجوب القصر كذلك الأمر في المقام ، فلو رأت المرأة الدم ثلاثة أيّام إلاّ قليلاً فلا يحكم عليه بالحيض بمقتضى ظهور الأخبار الواردة في تحديد الحيض بأن لا يكون أقل من ثلاثة أيّام.

نعم هناك بحث آخر وهو أنّ الثّلاثة يعتبر فيها التوالي والاستمرار أو لو رأت الدم ثلاثة أيّام متفرقة أيضاً بأن تراه يوماً وانقطع حتّى تراه بعد أيّام يوماً وهكذا إلى ثلاث أيّام يكتفى به في الحكم بالحيضيّة؟ وهذا بحث آخر أجنبي عمّا نحن بصدده يأتي التعرّض إليه عند تعرّض الماتن له (1)، فلا وجه لابتناء المسألة على استفادة اعتبار التوالي من الأدلّة الدالّة على أنّ أقل الحيض ثلاثة أيّام ، والقول بأن الحكم المذكور واضح بناءً على استفادة اعتبار التوالي من ظهور الأدلّة المشار إليها.

وذلك لأنّا إنّما نعتمد في الحكم بعدم حيضيّة الدم الأقل من ثلاثة أيّام ولو بقليل على ظواهر الأخبار ، لكونها ظاهرة في التحديد الحقيقي ، سواء قلنا باعتبار التوالي في


1) يأتي في الصفحة 121.

الثلاثة أم لم نقل ، فإنّ الثلاثة لا بدّ من أن تتحقّق في الحكم بالحيضيّة متوالية أو متفرِّقة.

ثمّ إنّ ذلك التحديد تحديد شرعي ، والمناط فيه صدق رؤية الدم ثلاثة أيّام ، ولا يدور الحكم بالحيضيّة مدار كثرة الدم أو قلته بحسب السّاعات ، بل المدار على صدق الثّلاثة ، وهي تختلف باختلاف الأزمنة وحالات النِّساء ، فقد تكثر ساعاتها وقد تقلّ ، وذلك لأنّ الظّاهر من كلمة يوم في الأخبار الواردة في المقام هو مقابل اللّيل كما هو الحال في جميع الموارد ، إلاّ أن تقوم قرينة على إرادة الأعم من ليلته ، فاليوم بمعنى بياض النّهار.

فلو رأت المرأة الدم قبل طلوع الشّمس بقليل أو قبل طلوع الفجر بناءً على أنّه أوّل الصبح وإن كان الأوّل أصحّ حتّى مضت عليها ثلاثة أيّام فلا محالة يحكم عليه بالحيضيّة لكونه ثلاثة أيّام ، وليس الأمر كذلك فيما إذا رأت الدم من أوّل اللّيل إلى نصف اليوم الثّالث ، حيث لا يحكم عليه بالحيضيّة ، لعدم رؤيتها الدم ثلاثة أيّام بل يومين ونصف يوم ، مع أنّه بحسب الساعات أكثر من الصورة الأُولى ، حيث إنّها في الصّورة الأُولى رأت الدم ثلاثة أيّام وليلتين بينهما فالمجموع ستّون ساعة ، وأمّا في الصّورة الثّانية فقد ترى الدم ستّاً وستّين ساعة إلاّ أنّه لا يحكم عليه بالحيضيّة ، لعدم صدق رؤية الدم ثلاثة أيّام بل يومين ونصف يوم.

وكذا إذا رأت الدم وهي في أيّام الشتاء أوّل النّهار أعني طلوع الشمس أو الفجر إلى ثلاثة أيّام فإنّه محكوم بكونه حيضاً ، وأمّا إذا رأت الدم بعد أوّل النّهار بساعتين وهي في أيّام الصيف إلى آخر اليوم الثّالث فإنّه غير محكوم بالحيضيّة ، لعدم صدق أنّها رأت الدم ثلاثة أيّام بل ثلاثة أيّام إلاّ ساعتين ، مع أنّ رؤيتها الدم بحسب السّاعات أكثر في الصّورة الثّانية من الاولى ، وذلك لأنّ اليوم في الشتاء قصير فلنفرضه عشرة ساعات ، وحيث إنّها رأته ثلاثة أيّام وليلتين فقد ترى الدم ثماني وخمسين ساعة ، وأمّا اليوم في الصيف فطويل فلنفرضه أربع عشرة أو خمس عشرة ساعة الترديد باعتبار أنّ ما بين الطلوعين من اللّيل أو من النهار وبما أنّها ترى

وأكثره عشرة (1) ، فإذا رأت الدم يوماً أو يومين أو ثلاثة إلاّ ساعة مثلاً لا يكون حيضاً.


الدم ليلتين وثلاثة أيّام إلاّ ساعتين فقد تراه ستين ساعة أو واحدة وستّين ساعة ، إلاّ أنّه لمّا لم يصدق عليه عنوان رؤية الدم ثلاثة أيّام لأنّها رأته ثلاثة أيّام إلاّ ساعتين لم يحكم عليه بالحيضيّة.

وحال المقام حال قصد إقامة العشرة في الحكم بوجوب التمام ، لأنّ المدار فيه أيضاً على صدق قصد المقام عشرة أيّام ، قلّت ساعاتها أم كثرت ، مثلاً إذا قصد المقام في مكان في أيّام الشتاء من أوّل النّهار أعني طلوع الشّمس أو الفجر إلى مضي تسعة أيّام بعد ذلك اليوم فقد تحقّق قصد إقامة العشرة ، ومعه يجب عليه إتمام الصّلاة. وأمّا إذا قصد المقام كذلك بعد ساعة أو ساعتين من النّهار في أيّام الصيف إلى مضي تسعة أيّام بعد ذلك اليوم لم يجب عليه إتمام الصّلاة ، لعدم قصده إقامة عشرة أيّام بل عشرة أيّام إلاّ ساعتين ، وإن كانت إقامته في الصّورة الثانية أكثر بحسب السّاعات من إقامته في الصّورة الأُولى.

فالمتحصل : أنّ المدار على صدق رؤية الدم ثلاثة أيّام وهو تحديد شرعي كما عرفت ، وهذا وإن لم نر من تعرض له إلاّ أنّه لا بدّ من التعرّض له والتنبيه عليه.

أكثر مدّة الحيض

(1) للروايات المتضافرة (1)الّتي لا يبعد تواترها إجمالاً ، وقد دلّت على أنّ أكثر الحيض عشرة أيّام ، مضافاً إلى تسالمهم في المسألة.

ولتلك الرّوايات دلالتان ، حيث تدل بالمدلول المطابقي على أنّ أكثر أيّام الحيض عشرة ، وتدل بالمدلول الالتزامي على أنّه لا يكون أكثر من العشرة ، وإن شئت قلت


1) الوسائل 2 : 293 / أبواب الحيض ب 10 و ...

إنّ لها عقدين عقد إيجابي وعقد سلبي ، وهي في العقد الإيجابي أعني مدلولها المطابقي معارضة بصحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إنّ أكثر ما يكون من الحيض ثمان ، وأدنى ما يكون منه ثلاثة » (1)حيث دلّت على أنّ أكثر الحيض ثمانية.

إلاّ أنّه لا بدّ من طرحها لمعارضتها للأخبار المتضافرة بل المتواترة إجمالاً ، مضافاً إلى تسالمهم على أنّ أكثر الحيض عشرة أيّام ، أو تؤوّل على نحو لا تعارض الأخبار المتقدّمة ، بأن تحمل على عدم تحقّق الحيض زائداً على ثمانية أيّام عادة ، لأنّه قيل وإن كان لا بدّ من تحقيقه إنّ المرأة لا يكثر حيضها عن ثمانية أيّام ، وعليه فتحمل الأخبار المتقدّمة على تحديد الحيض من حيث الكثرة شرعاً ، وتحمل هذه الرّواية على تحديد كثرة الحيض بحسب العادة والتحقّق الخارجي ، وهذا تأويل لا بأس به. هذا كلّه بحسب العقد الإيجابي.

وأمّا بحسب العقد السلبي فقد قيل إنّها معارضة بمرسلة يونس الطويلة الّتي رواها عن غير واحد عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام ، حيث ورد فيها « وكذلك لو كان حيضها أكثر من سبع وكانت أيّامها عشراً أو أكثر » (2)أي كذا يلزم أن يكون النّبيّ صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم أمرها بالصلاة بعد السبع وهي حائض فيما إذا كانت أيّامها عشرة أو أكثر ، وقد ادّعي دلالتها على أنّ الحيض يزيد على العشرة.

ويدفعه : عدم دلالتها على إمكان تحقّق الحيض زائداً على العشرة ، وإنّما هي بصدد بيان ترتّب اللاّزم الفاسد على قوله صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم على تقدير زيادة الحيض عن عشرة أيّام ، وأمّا أنّه يتحقّق في الخارج فلا ، وذلك لأنّ كلمة « لو » للامتناع ، وتدل على امتناع تحقّقه في الخارج زائداً على العشرة ، نعم على فرض تحقّقه


1) الوسائل 2 : 297 / أبواب الحيض ب 10 ح 14.

2) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 3 ، والتعبير بالمرسلة على اصطلاح المشهور ، وإلاّ فعند السيِّد الأُستاذ فهي معتبرة ، ويأتي التعرّض لسندها مفصلاً عن قريب إن شاء اللّه في الصفحة 149.

كما أنّ أقلّ الطّهر عشرة أيّام (1) وليس لأكثره حدّ ، ويكفي الثّلاثة الملفّقة


يلزمه اللاّزم الفاسد من أمر النّبيّ صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم للحائض بالصلاة ، وعليه فلا معارض للأخبار المتقدِّمة.

أقلّ الطّهر عشرة

(1) وتدل عليه جملة من الأخبار كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام « لا يكون القرء في أقلّ من عشرة أيّام فما زاد ... » (1)وفي مرسلة يونس « ولا يكون الطّهر أقل من عشرة أيّام » (2)وغيرهما (3)، على أنّ المسألة غير خلافيّة ، وعليه يعتبر بين الحيضتين أن يتخلّل عشرة أيّام ولا تتحقّق الحيضة الثّانية قبل التخلّل بعشرة أيّام ، وهو أي الطّهر موضوع لجملة من الأحكام كوجوب الصّلاة وعدّة الطلاق حيث يعتبر فيها ثلاثة قروء أو قرءان كما في الأمة.

نعم ذهب صاحب الحدائق قدس‌سره إلى إمكان تخلّل أقل من عشرة أيّام بين حيضة واحدة (4)، إلاّ أنّه أمر آخر يأتي التعرّض إليه إن شاء اللّه (5)، وهو خارج عن محل الكلام ، لأنّ البحث إنّما هو في الطّهر الواقع بين حيضتين ، وقد عرفت أنّه لا يمكن أن يكون بأقل من عشرة أيّام ، وهذا بخلاف الطّهر المتخلّل في أثناء الحيضة الواحدة.

نعم قد ورد في روايتين أنّ المرأة ترى الحيض خمسة أيّام أو أقل ، ثمّ ترى الطّهر مثل ذلك ، ثمّ ترى الحيض ثلاثة أيّام أو أربعة أو أكثر ، ثمّ ينقطع وهكذا إلى آخر الشهر ، وحكم عليه‌السلام بوجوب الصّلاة عليها عند طهرها ، وبإمساكها عنها


1) الوسائل 2 : 297 / أبواب الحيض ب 11 ح 1.

2) الوسائل 2 : 298 / أبواب الحيض ب 11 ح 2.

3) الوسائل 2 : 298 / أبواب الحيض ب 11 ح 3 و 5.

4) في المسألة الآتية.

5) الحدائق 3 : 160 / في غسل الحيض.

حينما ترى الدم (1).

وهما معارضتان مع الأخبار الدالّة على أنّ أقل الطّهر عشرة أيّام ، ولكن الجزم باعتبار تخلّل أقلّ الطّهر بين الحيضتين يوجب التصرّف في الرّوايتين ، ومن هنا حملهما المحقّق (2)قدس‌سره على المرأة المتغيّرة عادتها بحيث لم يتميّز أيّام حيضها عن غيرها ، فالإمام عليه‌السلام حكم بوجوب الصّلاة عند نقائها ، وبالإمساك عن الصّلاة عند رؤيتها الدم من باب الاحتياط هذا.

ولكن الصحيح حملهما على المرأة المبتدئة الّتي لم تستقر لها عادة ، حيث لم يفرض فيهما سبق عادة على المرأة ، فإن المبتدئة يجب عليها ترتيب آثار الحائض عند رؤيتها الدم المتصف بأوصاف الحيض ، وبما أنّه متّصف بأوصافه فأمرها عليه‌السلام بالإمساك عن الصّلاة عند رؤيتها للدم إلى أن ينتهي الشهر ، فإن استقرّت لها العادة فهو ، وإلاّ فهي مستمرة الدم ومحكومة بأحكام المستحاضة.

وعليه فهو حكم ظاهري تقطع المرأة بعد انقضاء الشهر أنّ بعضاً من الأيّام الّتي كانت ترى فيها الدم لم تكن حائضاً وكان عملها مخالفاً للواقع ، ولا دلالة لها على أنّ الدّم الّذي تراه حيض ، كيف فإنّه مستلزم لكون الحيض أكثر من عشرة أيّام كما إذا رأت الدم أربعة أيّام فانقطع ثمّ رأته أربعة أيّام وانقطع وهكذا إلى أربع مرّات ، فإن مجموعة حينئذ يبلغ ستّة عشر يوماً مع أنّ الحيض لا يكون أكثر من عشرة ، وكيف كان فالحكم الظاهري لا ينافي الأخبار المتقدّمة الدالّة على أنّ أقل الطّهر لا يكون أقل من عشرة أيّام.


1) الوسائل 2 : 285 و 286 / أبواب الحيض ب 6 ح 2 و 3.

2) المعتبر 1 : 207 / فروع غسل الحيض.

فإذا رأت في وسط اليوم الأوّل واستمرّ إلى وسط اليوم الرّابع يكفي في الحكم بكونه حيضاً (1) ، والمشهور اعتبروا التوالي (1)في الأيّام الثلاثة (2)


كفاية التلفيق في الثّلاثة

(1) كما هو الحال في قصد إقامة العشرة ، وذلك لأنّ اليوم كما مرّ وإن كان ظاهره ما يقابل اللّيلة فالمراد به بياض النّهار واللّيالي خارجة عن مفهومه وإنّما يحكم بدخولها في الحكم بالاستمرار لما يأتي بيانه عند التكلّم على اعتبار التوالي في الأيّام الثّلاثة إلاّ أنّه يحمل على مقداره في المقامين للقرينة الخارجيّة ، وهي الغلبة بحسب الوجود الخارجي ، حيث إنّه قلّما يتّفق أن يرد المسافر بلدة في أوّل طلوع الفجر أو طلوع الشّمس ، وإنّما يردها في أواسطه ، وكذلك الحال في المقام ، لأنّ المرأة إنّما ترى الدم في أواسط اللّيل أو النّهار وقلّ أن تتحيض عند طلوع الفجر أو طلوع الشّمس فإذا قصد الإقامة من نصف يوم إلى نصف اليوم الحادي عشر صدق حقيقة أنّه قصد إقامة عشرة أيّام ، بل لو قال إنِّي قصدت الإقامة تسعة أيّام ونصفين من اليوم كان من المضحك لدى العرف ، وكذلك الحال في المقام ، ومن هنا يحمل الأيّام على مقاديرها فلو رأت الدم من أوّل الزوال إلى زوال اليوم الرّابع صدق أنّها رأت الدم ثلاثة أيّام حقيقة ، ويحكم على الدم بكونه حيضاً.

اعتبار التوالي في الثلاثة أيّام

(2) المعروف بينهم ( قدس اللّه أسرارهم ) اعتبار التوالي والاستمرار في الثّلاثة الأُول من الحيض ، وأمّا اعتبارهما بعد الثّلاثة وعدمه فهو أمر آخر يأتي عليه الكلام بعد ذلك.


1) (*) ما ذهب إليه المشهور هو الأظهر.

وقد خالف في ذلك صاحب الحدائق قدس‌سره (1)وذهب إلى كفاية الثّلاثة المتفرقة ، ونقله عن بعض علماء البحرين أيضاً ، كما نسب ذلك إلى الشيخ قدس‌سره في نهايته واستبصاره وذهب إليه المحقّق الأردبيلي قدس‌سره (2).

وما ذهب إليه المشهور هو الصّحيح ، والثّلاثة المتفرّقة غير كافية في الحكم بحيضيّة الدم ، فلو رأت الدم يوماً وانقطع بعده يومين ثمّ رأت يوماً واحداً وانقطع كذلك إلى أن ترى الدم ثلاثة أيّام متفرّقات لم يحكم بكونه حيضاً.

وعلى ما ذهب إليه صاحب الحدائق قدس‌سره وموافقوه يمكن أن تستمر حيضة واحدة واحداً وتسعين يوماً كما ذكره المحقّق الهمداني قدس‌سره (3)، كما إذا رأت الدم يوماً وانقطع إلى تسعة أيّام ، ورأت الدم يوم الحادي عشر وانقطع إلى تسعة أيّام ، ثمّ تراه يوم الحادي والعشرين وانقطع إلى تسعة أيّام ، ورأته يوم الحادي والثّلاثين وهكذا إلى اليوم الواحد والتسعين ، حتّى تكون الأيّام الّتي رأت فيها الدم عشرة أيّام مع عدم تخلّل طهر واحد بين الأيّام المذكورة ، وإن تخلّل أقل من الطّهر كتسعة أيّام مثلاً فهو غير مانع من الحكم بكون الدم حيضاً ، لأنّ اعتبار تخلّل أقلّ الطّهر إنّما يختص بحيضتين ، وأمّا الحيضة الواحدة فلا يعتبر أن يتخلّل في أثنائها أقل الطهر.

هذا بل لو اكتفى صاحب الحدائق قدس‌سره بكفاية التلفيق لأمكن استمرار الحيضة الواحدة إلى مائة واثنين وثمانين يوماً ، كما إذا رأت الدم نصف يوم وانقطع تسعة أيّام ، ورأته نصف يوم من اليوم الحادي عشر وانقطع حتّى رأته نصف يوم من اليوم الحادي والعشرين وهكذا ، فإنّه يكون ضعف الواحد والتسعين ، هذا.

ولكن ملاحظة ذيل كلام صاحب الحدائق قدس‌سره تعطي أنّه لا يلتزم بعدم اعتبار التوالي مطلقاً ، حيث تعرّض في نهاية كلامه إلى رواية الفقه الرّضوي الدالّة


1) الحدائق 3 : 159 / في غسل الحيض.

2) مجمع الفائدة والبرهان 1 : 143 / المقصد الثّاني في الحيض.

3) مصباح الفقيه ( الطّهارة ) : 263 السطر 6.

نعم بعد توالي الثّلاثة في الأُول لا يلزم التوالي في البقيّة ، فلو رأت ثلاثة متفرّقة في ضمن العشرة لا يكفي ، وهو محل إشكال ، فلا يترك الاحتياط بالجمع بين أعمال المستحاضة وتروك الحائض فيها.


على اعتبار التوالي في الثّلاثة (1)، وحيث إنّه يرى اعتبارها جمع بينها وبين رواية يونس (2)بحمل رواية الفقه الرّضوي وما بمعناها على غير أيّام العادة ، وحمل رواية يونس على أيّام العادة جمعاً بينهما (3)، أذن فهو لا يرى اعتبار التوالي في الثّلاثة في أيّام العادة لا مطلقاً.

وعلى ذلك لا يرد على صاحب الحدائق قدس‌سره أنّ الحيضة الواحدة قد تطول ستّة أشهر أو سنة بل أزيد إذا فرضنا أنّها رأت ساعة في كلّ يوم ، فإنّه قدس‌سره يرى اعتبار التوالي في الثّلاثة بالإضافة إلى غير أيّام العادة ، نعم لا يعتبره في أيّام العادة إلاّ أنّها ترى الحيض في كلّ شهر مرّة واحدة ، فلا تطول الحيضة الواحدة إلى سنة أو أقل أو أكثر.

وتفصيل الكلام في هذه المسألة يقع في مراحل ثلاث :

الاولى : في إمكان استفادة اعتبار التوالي من الأدلّة الاجتهاديّة الواردة في المقام وعدمه.

الثانية : فيما تقتضيه القاعدة من العمومات والإطلاقات مع قطع النظر عما تدلّ عليه الأخبار الواردة في المقام.

الثالثة : فيما تقتضيه الأُصول العمليّة عند عدم توالي رؤية الدم في الأيّام الثلاثة على تقدير عدم دلالة الأدلّة الاجتهاديّة على اعتباره وعدم اقتضاء العمومات والقاعدة ذلك.


1) مستدرك الوسائل 2 : 12 / أبواب الحيض ب 10 ح 1.

2) الوسائل 2 : 299 / أبواب الحيض ب 12 ح 2.

3) الحدائق 3 : 168 ، التنبيه الثّاني.

أمّا المرحلة الاولى : فالصحيح أنّ الأخبار المحدّدة لأقل الحيض بثلاثة أيّام كأكثره بعشرة أيّام تدل على اعتبار الاستمرار والتوالي في الأيّام الثلاثة ، واستفادة ذلك من الأخبار يتوقف على أُمور ، إذ لم يرد بهذا المضمون رواية.

الأمر الأوّل : أنّ الأخبار المحدّدة لأقل الحيض بثلاثة وأكثره بعشرة إنّما هي ناظرة إلى الحيضة الواحدة دون المتعدّدة ، لوضوح أنّه لا وجه لتحديد أكثر الحيضة المتعدّدة بعشرة أيّام ، فإنّ المرأة في عمرها لعلّها ترى الحيض أكثر من سنة ، فالروايات تحدّد أقل الحيضة الواحدة بثلاثة أيّام وتدل على أنّ الأقل من الثّلاثة ليس بحيض ، كما أنّ الأكثر من العشرة كذلك.

الأمر الثّاني : أنّ الحيض اسم لنفس الدم كما قدّمناه وقلنا إنّه اسم لنفسه أو لسيلانه ، وإطلاقه على المرأة بعد نَقائها مبني على المسامحة والعناية ، فهذه الرّوايات إنّما تدل على أنّ الدم المسمّى بالحيض لا يقصُر عن الثّلاثة ولا يزيد على العشرة ، وليس اسماً لحدث الحيض ، ويكشف عن ذلك تقابل الحيض بالطهر والنقاء من الدم في قوله تعالى : ( ... فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ... حَتّى يَطْهُرْنَ ... ) (1)فالطهارة أي انقطاع الدم والحيض متقابلان ، فلو كان الحيض بمعنى الحدث لم يكن وجه لتقابلهما ، لبقاء الحدث عند طهارتها أي نقائها من الدم ، وكذا ما ورد في الرّوايات من قولهم « إذا طهرت تغتسل » (2)حيث جعل الطّهر في قبال الحيض ، ولا وجه له إلاّ إذا كان بمعنى نفس الدم ، وإلاّ فالحدث باق إلى أن تغتسل.

الأمر الثالث : أنّ الاتصال مساوق للوحدة ، فمع اتصال الدم في الثّلاثة فهو حيض واحد ، وأمّا إذا انقطع فرأته يومين فلا يصدق عليه الحيضة الواحدة للانفصال.

فهذه الأُمور تجعل الأخبار الواردة في تحديد الحيض ظاهرة في إرادة التوالي والاستمرار في الثّلاثة ، لأنّه مع الانقطاع يخرج الدم عن كونه واحداً ، فهما دمان كلّ


1) البقرة 2 : 222.

2) الوسائل 2 : 309 / أبواب الحيض ب 17 ح 2 ، ص 312 ب 21 ح 1 و 3 ، ص 325 ب 27 ح 4 و 5 و 6 ، وغيرها.

واحد منهما أقلّ من الثّلاثة فليس بحيض.

ومن هذا ظهر أنّ ما ذكره الأردبيلي (1)قدس‌سره من أنّ ما ذهب إليه المشهور من اعتبار التوالي والاستمرار في الثّلاثة أمر لا دليل عليه ، بل يكفي رؤيته ثلاثة أيّام متفرّقات لإطلاق الأخبار ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، إذ لا إطلاق في الأخبار كما عرفت حيث إنّها إنّما تحدّد الحيضة الواحدة دون المتعدّدة ، ومع الانقطاع ترتفع الوحدة كما مرّ ، وقد ذكرنا أنّ الأخبار بمعونة الأُمور الثلاثة تدل على اعتبار التوالي والاستمرار ، فما كان أقل من الثّلاثة ليس بحيض كان واحداً أو متعدِّداً.

نعم بعد رؤية الدم ثلاثة أيّام إذا انقطع ثمّ رأت الدم يوماً أو يومين قبل انقضاء العشرة كما في اليوم التاسع أو الثامن أو السابع يحكم بكونه حيضاً للأخبار (2)، وهي مخصّصة لما دلّ على أنّ الحيض لا يكون أقل من ثلاثة ، ولكن بعد رؤيتها ثلاثة أيّام وقبل العشرة ، وهذا بلحاظ ضمّه إلى الثلاثة واعتبار مجموعهما حيضاً واحداً ، ومن هنا عبّر في الرّوايات بأنّه من الحيض أي من ثلاثة أيّام.

هذا وقد استدل على مسلك غير المشهور برواية يونس القصيرة « وإن انقطع الدم بعد ما رأته يوماً أو يومين اغتسلت وصلّت وانتظرت من يوم رأت الدم إلى عشرة أيّام ، فإن رأت في تلك العشرة أيّام من يوم رأت الدم يوماً أو يومين حتّى يتمّ لها ثلاثة أيّام فذلك الدم الّذي رأته في أوّل الأمر مع هذا الّذي رأته بعد ذلك في العشرة فهو من الحيض ، وإن مرّ بها من يوم رأت الدم عشرة أيّام ولم تر الدم فذلك اليوم واليومان الّذي رأته لم يكن من الحيض ، إنّما كان من علّة ... » (3)فتقضي صلاتها الفائتة في تلك الأيّام. وهي على تقدير تماميتها صريحة في عدم اعتبار التوالي في الثّلاثة الأُول ، وتكون حينئذ حاكمة على ظهور الأخبار المتقدّمة في التوالي والاستمرار.


1) مجمع الفائدة والبرهان 1 : 143 / المقصد الثّاني في المحيض.

2) الوسائل 2 : 299 / أبواب الحيض ب 12 ح 1 ، 2.

3) الوسائل 2 : 299 / أبواب الحيض ب 12 ح 2.

إلاّ أنّها غير تامّة لإرسالها حيث رواها يونس عن بعض رجاله ولا ندري أنّه أيّ شخص ولعله من الضعاف ، فتسقط الرّواية بذلك عن الاعتبار ، نعم يبقى هناك ما ادّعاه الكشي (1)من الإجماع على تصحيح ما يصح عن جماعة كابن أبي عمير وزرارة وغيرهم ومنهم يونس هذا ، إلاّ أنّ ذلك الإجماع غير قابل للاعتماد عليه.

أمّا أوّلاً : فلإجمال المراد به ، فهل أُريد بالإجماع على تصحيح ما يصح عن جماعة أنّ السند إذا كان معتبراً إلى تلك الجماعة فلا ينظر إلى من وقع بعدهم من الرّواة في سلسلة السند ، بل يحكم باعتبار الرّواية وإن كان الرّاوي بعدهم غير معلوم الحال لنا حتّى يوجب اعتبار الرّواية في أمثال المقام ، أو أنّ المراد به توثيق هؤلاء الجماعة في أنفسهم وأنّهم ثقات أو عدول وإن لم يرد توثيق في حقّ بعضهم غير هذا ، أو كان واقفياً أو فطحياً مثلاً ، ليكون معناه أنّ السند إذا تمّ من غير ناحيتهم فهو تام من جهتهم أيضاً لأنّهم ثقات أو عدول ، وأمّا من وقع قبلهم أو بعدهم فلا يستفاد من هذا توثيقه ، وبما أنّ الثّاني محتمل في نفسه فيصبح معقد الإجماع مجملاً ولا يمكننا الاعتماد عليه.

وأمّا ثانياً : مع قطع النّظر عن المناقشة الاولى فلأن هذا الإجماع ليس بأزيد من إجماع منقول بخبر الواحد ، وهو ممّا لا نعتمد عليه ، والمحصل منه غير حاصل لنا ، فلا يمكن تصحيح الرّواية من هذه الجهة.

كما أنّ احتمال الانجبار بعمل مثل الشيخ غير تام ، لعدم كون عمله ومن تبعه موجباً للانجبار ، على أنّه عدل عنه في كتب فتاواه كالمبسوط على ما حكي (2).

وأمّا المناقشة في الرّواية من جهة اشتمال سندها على إسماعيل بن مَرّار لعدم توثيقه فيمكن دفعها بأنّه وإن لم يرد توثيق في حقّه بشخصه إلاّ أنّ محمّد بن الحسن بن الوليد قد صحّح كتب يونس ورواياته عن رجاله بأجمعها ، ولم يستثن منها إلاّ محمّد بن


1) رجال الكشي 556 / الرّقم 1050.

2) حكاه في المستمسك 3 : 197 ، وراجع المبسوط 1 : 42 / فصل في ذكر الحيض.

عيسى العبيدي ، وهو توثيق إجمالي لرجال يونس الّذين منهم إسماعيل بن مرار ، ولا يعتبر في التوثيق أن يكون شخصيّاً أو تفصيليّاً ، على أنّ الرّجل ممن وقع في أسانيد تفسير علي بن إبراهيم القمي ، وقد بنينا على وثاقة كلّ من وقع في تلك الأسانيد ويؤكّده أنّ القميين عملوا بروايات نوادر الحكمة ولم يستثنوا منها إلاّ ما تفرّد به محمّد ابن عيسى العبيدي مع أنّ في سندها إسماعيل بن مَرّار ، فلا وجه للمناقشة في الرّواية من هذه الجهة.

هذا وقد استدلّ صاحب الحدائق (1)قدس‌سره على عدم اعتبار التوالي برواية عبّر عنها بموثقة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : أقل ما يكون الحيض ثلاثة أيّام ، وإذا رأت الدم قبل عشرة أيّام فهو من الحيضة الأُولى ، وإذا رأته بعد عشرة أيّام فهو من حيضة أُخرى مستقبلة » (2)بدعوى دلالتها على أنّ المرأة إذا رأت الدم مثلاً يوماً وانقطع ثمّ رأته يومين قبل انقضاء العشرة فهما يلتحقان باليوم الأوّل ، فيكون المجموع حيضاً واحداً.

ويندفع بأنّه وإن ادّعى في الحدائق ظهورها في المدعى إلاّ أنّها أجنبيّة عن المقام رأساً.

وذلك لأنّها ناظرة إلى بيان أنّ ما تراه المرأة من الدم قبل العشرة بعد حيضها ينضم إلى الحيضة الأُولى ، وما تراه بعد العشرة فهو من الحيضة الثانية ، وأمّا أنّ الحيضة الأُولى تتحقّق بأيّ شي‌ء وشرطها ماذا فلا دلالة للرواية عليه ، بل تدلّ على أنّ الحيضة بعد تحقّقها ينضم إليها الدم الّذي تراه المرأة قبل العشرة ، فلا دلالة لها على عدم اعتبار التوالي في الأيّام الثّلاثة بوجه.

والّذي يوضِّح ما ذكرناه مضافاً إلى وضوحه في نفسه أنّه عليه‌السلام حكم بأنّ


1) الحدائق 3 : 161 / في غسل الحيض.

2) الوسائل 2 : 296 / أبواب الحيض ب 10 ح 11. وهذه الرواية لا بأس بعدّها موثقة. نعم لمحمّد ابن مسلم رواية أُخرى بهذا المضمون وهي صحيحة ، تراها في الوسائل 2 : 298 / أبواب الحيض ب 11 ح 3.

ما تراه بعد العشرة من الحيضة الثّانية ، مع أنّه لا تتحقّق الحيضة الثّانية إلاّ بتخلّل أقل الطّهر وعدم كون الدم أقل من ثلاثة وكونه بأوصاف الحيض ، فلا دلالة لها على أنّ الحيضة الثّانية غير مشترطة بشي‌ء ، بل تدل على أنّ الحيضة الثّانية على تقدير تحقّقها في نفسها بمالها من الشرائط ينضم إليها الدم الّذي تراه المرأة بعد العشرة ، فلا بدّ من استفادة أنّ شرائط الحيضة الأُولى والثّانية أيّ شي‌ء من المراجعة إلى الأدلّة الخارجيّة ، وقد عرفت أنّ الأخبار الواردة في المسألة ظاهرة الدلالة على اعتبار التّوالي والاستمرار في الثّلاثة.

ولعلّ ما ذكرناه من عدم دلالة الرّواية على المدعى هو مراد صاحب المدارك (1)قدس‌سره من أنّ الرّواية غير صريحة في كفاية الثّلاثة المتفرّقة بإرادة عدم الدلالة من عدم الصّراحة ، فلا يرد عليه ما أورده في الحدائق من أنّ ظهور الرّواية في المدعى يكفي في إثباته ولا يعتبر كونها صريحة ، فإنّ من البعيد جدّاً أن يخفى على صاحب المدارك حجيّة الظّهور وكفايته في المدّعى ، فالمراد به عدم دلالتها على المدّعى كما قدّمناه. هذا كلّه في المرحلة الاولى وبالنظر إلى دلالة الأخبار على ذلك.

المرحلة الثّانية : أعني ما تقتضيه العمومات والإطلاقات في المقام ، فنقول : إنّ مقتضى عموم ما دلّ على وجوب الصّلاة على جميع المكلّفين أو إطلاقه ، وعموم ما دلّ على جواز إتيان الزّوج زوجته أنّى شاء وفي أيّ زمان أراد ، وغير ذلك من الأحكام وجوب الصّلاة على المرأة الّتي رأت الدم ثلاثة أيّام متفرّقات ، لأنّها أيضاً من أفراد المكلّفين ، كما أنّ مقتضى العموم أو الإطلاق في قوله : ( ... فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ ... ) (2)جواز إتيان بعلها في ذلك الزّمان ، أعني الزّمان الّذي رأت فيه المرأة الدم ثلاثة أيّام متفرّقات.

والسرّ في ذلك أنّ نسبة ما دلّ على عدم وجوب الصّلاة على الحائض وعدم جواز


1) المدارك 1 : 321 / الفصل الثّاني في الحيض.

2) البقرة 2 : 222.

إتيانها وعدم جواز دخولها المسجد وغير ذلك من أحكامها بالإضافة إلى تلك العمومات والمطلقات نسبة المخصّص أو المقيّد ، ونشكّ في سعة مفهوم الحيض وضيقه ولا ندري أنّه هل يتحقّق برؤية الدم ثلاثة أيّام متفرّقات كتحقّقه بالثلاثة المتواليات أو لا تحقّق لها معها ، وإذا دار أمر المخصّص بين الأقل والأكثر ، بمعنى أنّ الشبهة كانت مفهوميّة ، فيكتفى في تخصيص العمومات بالمقدار المتيقن ، ويرجع في المقدار المشكوك الزائد إلى العموم والإطلاق ، ومعه فالنتيجة اعتبار التوالي في الأيّام الثّلاثة في الحيض وعدم كفاية الثّلاثة المتفرّقات.

ومن الغريب في المقام ما صدر عن المحقّق الهمداني قدس‌سره ، حيث منع عن التمسّك بالعمومات حينئذ بدعوى أنّ الشبهة مصداقيّة ولا يجوز فيها التمسّك بالعام وإن عقّبه بقوله : إلاّ أن يقال إنّ الشّبهة مفهوميّة ، ولا بأس معها من الرّجوع إلى العام ، ثمّ أمر بالتأمّل (1).

وذلك لأنّ عدم كون الشبهة مصداقيّة في المقام أمر واضح لا وجه لاحتماله ، حيث إنّ الشبهة إنّما تكون مصداقيّة إذا شكّكنا في فرد أنّه من الأفراد الخارجة عن العموم أو من الباقية تحته مع وضوح المفهوم في المخصّص ، وأمّا إذا كانت الشبهة مفهوميّة كما في المقام لعدم العلم بسعة مفهوم الحيض وضيقه فلا بدّ معه من التمسّك بالعام في غير المقدار المتيقّن من المخصّص.

ثمّ إنّا إن قلنا بالواسطة بين دم الحيض والاستحاضة في غير دم النفاس ودم القروح والجروح ودم العُذرة للعلم بعدم كونها حيضاً ولا استحاضة ، بأن لم نقل : إنّ كلّ دم لم يكن حيضاً في غير الدّماء المذكورة فهو استحاضة ، فمقتضى العمومات المتقدِّمة وجوب الصّلاة عليها وغيرها من أحكام الطّهارة فحسب ، وأمّا إذا لم نقل بالواسطة وقلنا إنّ كلّ دم لم يحكم بحيضيّته فهو استحاضة ، كما يأتي الكلام عليه في بحث الاستحاضة فهي مستحاضة ، فلا بدّ من أن تعمل المرأة بأحكام المستحاضة بأن تصلِّي مع الاغتسال.


1) مصباح الفقيه ( الطّهارة ) : 263 السطر 14.

وذلك لأنّ العمومات الدالّة على وجوب الصّلاة في حقّها بالدلالة المطابقيّة تدل بالدلالة الالتزاميّة على وجوب اغتسالها وكونها مستحاضة ، لأنّه لازم عدم كونها حائضاً ، حيث بنينا على أنّ كلّ دم لم يكن بحيض فهو استحاضة ، وبما أنّ المرأة تجب عليها الصّلاة ويعامل معها معاملة غير الحائض فلا بدّ أن يحكم عليها بالاستحاضة هذا.

وقد يتوهّم أنّ الحيض ليس من المفاهيم الاختراعيّة الشرعيّة ، وإنّما هو مفهوم عرفي كان متحقّقاً ودارجاً عند العرف قبل الشرع والشّريعة المقدّسة ، نظير مفهوم البيع وغيره من الأُمور العرفيّة ، ولا بدّ في مثله من الرّجوع إلى العرف عند الشكّ في اعتبار قيد في مفهومه وعدمه ، إلاّ أن يقوم دليل شرعي على اعتباره ، كاعتبار عدم الغرر في البيع واعتبار ثلاثة أيّام في الحيض ، وأمّا إذا لم يدل دليل على الاعتبار وشككنا في اعتباره فيه فلا مناص من الرّجوع فيه إلى العرف ، ولا شبهة في أنّ الدم ثلاثة أيّام غير متوالية حيض لدى العرف ، ولا يعتبر في مفهومه عندهم التوالي والاستمرار.

ويندفع بأنّ الحيض وإن كان له مفهوم عند العرف ، إلاّ أنّه بمفهومه العرفي ليس بموضوع للأحكام المترتبة عليه ، وإلاّ للزم التسوية بين الحيض والاستحاضة لأنّ مادتهما مشتركة ، والاستحاضة هو الحيض الكثير ، لأنّه لغة بمعنى الدم الكثير ، مع أنّها بمفهومها الجامع بين الحيض والاستحاضة المصطلح عليهما غير مرادة فيما ترتب عليها من الأحكام ، بل الموضوع للأحكام المترتبة عليه هو الدم العبيط الخارج من عرق مخصوص مع سائر المزايا المعتبرة فيه شرعاً.

وبعبارة اخرى الموضوع لتلك الأحكام معنى اصطلاحي خاص ، وحيث إنّا نشك في سعته وضيقه فلا مناص من الاقتصار في تخصيص العمومات والمطلقات على المقدار المتيقّن منه ونرجع في المقدار الزائد المشكوك فيه إلى العموم والإطلاق ، وليس الحيض كالبيع وغيره من المفاهيم المتحد فيها المستعمل فيه والموضوع له في لسان

الشرع والعرف. هذا كلّه في هذه المرحلة ، ثمّ إنّه إذا لم يتم التمسّك بالعموم والإطلاق تصل النوبة إلى المرحلة الثالثة أعني مقتضى الأصل العملي.

أمّا المرحلة الثّالثة : فحاصل الكلام فيها أنّ المرأة لمّا كانت عالمة بتوجّه أحكام إلزاميّة إليها لأنّها إن كانت حائضاً يحرم عليها دخول المسجد وتمكين زوجها من نفسها ولا تجب عليها الصّلاة ، وإن كانت غير حائض وجبت عليها الصّلاة من دون اغتسال إذا قلنا بالواسطة بين الحيض والاستحاضة ، أو مع الاغتسال إذا أنكرنا الواسطة بينهما فمقتضى العلم الإجمالي وقاعدة الاشتغال الاحتياط بالجمع بين أحكام الطّاهرة أو المستحاضة وأحكام الحائض أي تروكها ، هذا.

ولكن شيخنا الأنصاري (1)قدس‌سره أجرى استصحاب عدم الحيض حينئذ وبه حكم بعدم كونها حائضاً ، فتجب عليها الصّلاة وغيرها من الوظائف المقررة لغير الحائضات ، وقال إنّ هذا الأصل لا يعارض باستصحاب عدم الاستحاضة ، وذلك لأنّا إن قلنا بالواسطة بين الحيض والاستحاضة فلا تنافي بين الأصلين ، فيحكم بعدم كونها حائضاً ولا مستحاضة ، وأمّا إذا أنكرنا الواسطة بينهما فلا مجرى لاستصحاب عدم الاستحاضة ، لأنّه لا يثبت كونها حائضاً ، وهذا الاستصحاب يوجب انحلال العلم الإجمالي لا محالة.

ويدفعه : أنّ المراد بالاستصحاب إن كان هو الأصل الموضوعي أعني استصحاب عدم كون الدم حيضاً فقد بيّنا وبيّنه هو قدس‌سره في محله أنّ الشبهات المفهوميّة ممّا لا مجرى فيه للأصل الموضوعي ، لعدم الشك في شي‌ء غير التسمية ، حيث إنّ خروج الدم ثلاثة أيّام أمر قطعي لا شكّ فيه ، وعدم كونها متوالية أيضاً كذلك ، ومعه يجري الاستصحاب في أيّ شي‌ء ، إذ الشكّ إنّما هو في التسمية وأنّ مثل هذا الدم يسمّى حيضاً أو لا يسمّى كذلك ، وأي أصل يحرز به ذلك.

وإن أُريد به الأصل الحكمي فإن أُريد استصحاب الحكم في مرحلة الفعليّة


1) كتاب الطّهارة : 189 السطر 28 / المقصد الثّاني في الحيض.

كاستصحاب عدم حرمة الدخول في المساجد ، واستصحاب وجوب الصّلاة في حقّها وهكذا ، ففيه أنّه لا يمكن استصحاب الحكم مع الشكّ في تحقّق موضوعه ، لأنّا نحتمل بالوجدان عدم كون المرأة طاهرة بأن تكون حائضاً كما نحتمل طهارتها ، ومعه كيف يحكم عليها بأحكام المرأة الطاهرة.

وإن أُريد به استصحاب الحكم في مرحلة الجعل ، كاستصحاب عدم جعل حرمة الدّخول في المساجد عليها ، أو استصحاب عدم جعل حرمة وطئها وهكذا ، ففيه أنّه وإن كان له حالة سابقة إلاّ أنّه معارض باستصحاب عدم جعل وجوب الصّلاة أو جواز الدّخول في المساجد أو جواز الوطء عليها حينئذ ، بلا فرق في ذلك بين القول بالواسطة بين الحيض والاستحاضة وبين القول بعدمها ، لأنّ الصّلاة واجبة عليها على كلّ حال إذا لم تكن حائضاً إمّا بلا غسل وإمّا مع الاغتسال ، ولأجل العلم الإجمالي بكونها حائضاً أو غير حائض يتعارض الأصلان.

وكذلك الحال فيما إذا أُريد به البراءة عن حرمة الدّخول في المساجد مثلاً ، لكونها معارضة بالبراءة عن وجوب الصّلاة ، فلا

يبقى مورد للأصل غير إجراء الاستصحاب في عدم خروج الدم من العرق المخصوص ، فإنّه جار من غير معارض ، حيث لا أثر لعدم خروجه من سائر العروق إلاّ على القول بالأصل المثبت ، إلاّ أنّه أيضاً يندفع بعدم ترتّب أثر على خروج الدم من العرق المخصوص ، لأنّ ذلك إنّما أُخذ معرفاً وحاكياً عن الحيض في الأخبار ، والأحكام مترتبة على ما يلزم خروج الدم من العرق المخصوص ، فإنّه إذا خرج منه يحرم وطؤها ويحكم بكونها حائضاً ، واستصحاب عدم اللاّزم لنفي ملزومه من الأُصول المثبتة.

فإذن لا مناص من الاحتياط كما قدّمناه ، إلاّ أنّك عرفت أنّ مقتضى الأخبار اعتبار التوالي في الأيّام الثّلاثة ، والحكم بعدم الحيضيّة عند فقد التوالي في الثّلاثة.

وكذا اعتبروا استمرار الدم في الثّلاثة ولو في فضاء الفرج ، والأقوى كفاية الاستمرار العرفي وعدم مضرّيّة الفترات (1)اليسيرة في البين ، بشرط أن لا ينقص من ثلاثة بأن كان بين أوّل الدم وآخره ثلاثة أيّام ولو ملفّقة ، فلو لم تر في الأوّل مقدار نصف ساعة من أوّل النّهار ومقدار نصف ساعة في آخر اليوم الثّالث لا يحكم بحيضيّته ، لأنّه يصير ثلاثة إلاّ ساعة مثلاً. واللّيالي المتوسطة داخلة فيعتبر الاستمرار العرفي فيها أيضاً ، بخلاف ليلة اليوم الأوّل وليلة اليوم الرّابع ، فلو رأت من أوّل نهار اليوم الأوّل إلى آخر نهار اليوم الثّالث كفى (1).


اعتبار الاستمرار في الثّلاثة ولو في فضاء الفرج

(1) ما قدّمناه إلى هنا إنّما كان راجعاً إلى اعتبار الاستمرار في الأيّام الثّلاثة ، وقد عرفت اعتباره بمقتضى الأخبار المتقدّمة ، وهل يعتبر الاستمرار في نفس الدم أيضاً بأن يكون خارجاً من الرّحم على نحو الاتصال وإن لم يخرج إلى الخارج بل كان في فضاء الفرج ، لما مرّ من أنّ الخروج إلى الخارج إنّما يعتبر في حدوث الحيض ، فإنّ موضوعه ما تراه المرأة أو نحوه من المعاني ، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بالخروج إلى الخارج وأمّا بحسب البقاء فلا يعتبر ذلك بوجه ، بل لو كان موجوداً في المجرى وفي فضاء الفرج بحيث لو أدخلت كرسفاً لخرج الكُرسُف ملوّثاً به كفى ذلك في صدقه ، فلو انقطع الدم آناً أو دقيقة حكم بعدم حيضها أو لا يعتبر الاستمرار في الدم بالنظر العقلي؟

الصحيح عدم كون الانقطاع آناً أو دقيقة مضرّاً بالحيض فيما إذا كان ذلك عادة النِّساء ، بأن كانت عادتهنّ أن ينقطع دمهنّ دقيقة أو أكثر مثلاً ، بحيث يصدق عليها أنّها رأت الدم مستمرّاً ثلاثة أيّام ، لأنّه الموضوع للحكم بالحيضيّة ، وهو الأكثر في الحيض إذا كان عادة النِّساء ، نعم الانقطاع بأكثر ممّا جرت عليه عادة النِّساء مانع عن


1) (*) الظاهر أنّه يريد بها ما تكون متعارفة خارجاً ولو في بعض النِّساء.

الحكم بالحيضيّة.

ثمّ إنّك عرفت أنّ مقتضى الأخبار الواردة في تحديد أقل الحيض وأكثره (1)أنّ أقلّه ثلاثة وأكثره عشرة ، وهو تحديد لنفس الدم المعبّر عنه أو عن سيلانه بالحيض ، وأمّا قعود المرأة وحدث الحيض فلم يرد تحديد أقلّه ولا أكثره بشي‌ء في الرّوايات. نعم يمكن استفادة ذلك من الأخبار بالدلالة الالتزاميّة ، وذلك لأنّها دلّت على أنّ أقلّ الحيض ثلاثة أيّام فالدم المرئي يوماً أو يومين ليس بحيض ، ومع عدم كون الدم حيضاً فلا يتحقّق حدث الحيض لا محالة ، فتدل تلك الرّوايات بالملازمة على أنّ أقل حدث الحيض كدمه ثلاثة أيّام.

وأمّا بحسب أكثره فقد حدّدت الرّوايات أكثر دم الحيض بعشرة ، فإن كان الدم مستمرّاً إلى عشرة أيّام فلا محالة تدل تلك الأخبار على عدم حيضيّة الدم بعد العشرة ، ومع عدم كون الدم حيضاً لا يتحقّق حدث الحيض لا محالة ، فيستفاد من الأخبار أنّ أكثر حدث الحيض أيضاً عشرة أيّام عند استمرار الدم إلى عشرة.

وأمّا إذا كان الدم غير متّصل ومستمر فلا يخلو إمّا أن يتخلّل بين الدمين أقلّ الطّهر أو لا يتخلّل ، فإن تخلّل بينهما أقلّ الطّهر فهما حيضتان ، وكلّ منهما لا بدّ وأن لا يقلّ عن ثلاثة ولا يزيد على عشرة ، فيأتي في كلّ منهما ما قدّمناه وما سنذكره ، فعند استمرار كلّ منهما إلى عشرة يستفاد من الأخبار المحدّدة لأكثر الحيض أنّ أكثر حدث الحيض أيضاً عشرة ، وأمّا إذا لم يستمر فيظهر حكمه عن قريب.

وأمّا إذا تخلّل بينهما أقلّ من عشرة أيّام أي لم يتخلّل بينهما أقلّ الطّهر ، كما إذا رأت الدم ثلاثة أيّام ثمّ انقطع خمسة أيّام ثمّ رأت ثلاثة أيّام أو أقل أو أكثر ، فإن قلنا إن المدّة المتخلّلة بين الدمين إذا كانت أقل من عشرة أيّام بحكم الحيض كما هو الصّحيح فأيضاً لا بدّ أن لا يكون الدم أكثر من عشرة أيّام ، فبالملازمة يستفاد أنّ الحدث أيضاً لا يكون أكثر من عشرة من أوّل يوم رأت الدم ، فتحسب أيّام الدم وأيّام النَّقاء المتخلِّل


1) الوسائل 2 : 293 / أبواب الحيض ب 10.

[707] مسألة 7 : قد عرفت أنّ أقلّ الطّهر عشرة (1) ، فلو رأت الدم يوم


الّتي هي بحكم الحيض إلى عشرة أيّام ، ولا يزيد الدم والحدث عن عشرة أيّام لا محالة.

وأمّا إذا قلنا أنّ النقاء المتخلّل الأقل من العشرة طهر كما بنى عليه صاحب الحدائق (1)قدس‌سره فأيضاً يحسب المجموع مجموع الدمين ، ولا بدّ أن لا يكون المجموع من الدمين أو الأكثر غير أيّام النقاء زائداً على العشرة ، فأيضاً لا بدّ أن لا يكون الحدث زائداً على العشرة ، لدلالة الأخبار على عدم حيضيّة الدم في الزّائد عن العشرة ، ومع سلب كونه حيضاً كيف يبقى الحدث.

فتحصل أنّ الحدث كنفس الدم أقلّه ثلاثة أيّام وأكثره عشرة.

حكم النّقاء الأقلّ من عشرة المتخلّل بين الدمين

(1) هذه هي المسألة المعروفة بين الفقهاء من أنّ النّقاء الأقل من عشرة المتخلّل بين الدمين بحكم الحيض أو أنّه طهر ، فعلى الأوّل إذا رأت الدم ثلاثة أيّام وانقطع أربعة ثمّ رأته ثلاثة أيّام يكون حيضها عشرة أيّام ، وهذا بخلاف ما إذا قلنا أنّ مدّة النّقاء الأقل من عشرة أيّام طهر ، لأنّ الحيض في هذه الصّورة ستّة أيّام.

والمعروف بينهم أنّ النّقاء المتخلّل الأقل من العشرة بحكم الحيض ، فيجب عليها ما يجب على الحائض ويحرم عليها ما يحرم عليها ، وخالف في ذلك قليل ، منهم صاحب الحدائق (2)قدس‌سره ، وذهب إلى أنّ النّقاء الأقل من العشرة طهر ، ولا مانع من تخلّله بين حيضة واحدة ، وإنّما لا يتخلّل أقل من عشرة أيّام بين حيضتين مستقلّتين ، إذ يعتبر فيهما تخلّل أقلّ الطّهر وهو عشرة أيّام ، ولكن الماتن ( قدس‌سره )


1) الحدائق 3 : 160 / في غسل الحيض.

2) نفس المصدر.

لم يرجّح أحد القولين على الآخر في المسألة ، ومن ثمة احتاط بالجمع بين أحكام الطاهرة وتروك الحائض ، ولم يحكم أن أيّام النّقاء طهر ، وبين صدر كلامه وذيله تهافت كما تأتي الإشارة إليه.

والكلام في ذلك يقع في مقامين :

أحدهما : في المقتضي ، أي ما استدلّ به على مسلك المشهور.

ثانيهما : فيما يمنع عن ذلك ، أي ما استدلّ به صاحب الحدائق قدس‌سره.

أمّا المقام الأوّل : فقد استدلّ على مسلك المشهور بمعتبرة محمّد بن مسلم من أنّ المرأة إذا رأت الدم قبل العشرة فهو من الحيضة الأُولى ، وإن رأته بعد العشرة فهو من حيضة مستقبلة (1). وبمضمونها رواية عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه الآتية (2).

وجه الدلالة أنّ قوله عليه‌السلام « فهو من الحيضة الأُولى » ظاهر في بقاء الحيضة الاولى إلى زمان رؤية الدم قبل انقضاء العشرة حسب المتفاهم العرفي ، ومعناه كون النقاء المتخلّل بين الدمين محكوماً بالحيض ، إذ لو كان طهراً كان ما قبله وجوداً وما بعده وجوداً آخر ، ولا يكونان موجودين بوجود واحد ، نعم كون الموجودين موجودين بوجود واحد اعتباراً أمر ممكن ، لكنّه يحتاج إلى دليل وعلى خلاف المتفاهم العرفي من الرّواية.

وأيضاً استدلّ للمشهور بالأخبار الواردة في أنّ أقلّ الطّهر عشرة أو أنّ القرء لا يكون أقل من العشرة (3)، فإنّ مقتضى إطلاقها أنّ ما يتخلّل بين الدمين وكان أقل من العشرة ليس بطهر ، بلا فرق في ذلك بين كون الدمين حيضة واحدة وكونهما حيضتين مستقلّتين.

وكيف كان فإنّ هذه الأخبار تقتضي الحكم ببقاء الحيضة الأُولى عند رؤية الدم


1) الوسائل 2 : 296 / أبواب الحيض ب 10 ح 11. ص 298 ب 11 ح 3.

2) تأتي في الصفحة 144.

3) الوسائل 2 : 293 و 297 / أبواب الحيض ب 10 و 11.

بعد النّقاء بأقل من عشرة أيّام ، حيث دلّت على أنّ الدم حينئذ من الحيضة الأُولى وعليه فمدّة النّقاء محكومة بالحيض لا محالة ، هذا.

وقد استدلّ صاحب الحدائق قدس‌سره على ما ذهب إليه من تخصيص عدم كون الطّهر أقلّ من العشرة بالحيضتين المستقلّتين ، وجواز تخلّل أقلّه ، أي أقلّ الطّهر (1)بين حيضة واحدة وكونه طهراً برواية يونس القصيرة (2)، وبها ادعى تقييد ما دلّ على أنّ أقلّ الطّهر عشرة بما إذا وقع بين الحيضتين المستقلّتين.

ويدفعه : أنّها ضعيفة السند ، لأنّ يونس رواها عن بعض رجاله ، ودعوى أنّ يونس من أصحاب الإجماع ، وقد أجمعوا على تصحيح ما يصح عنه ، مندفعة بما مرّ غير مرّة من أنّ ذلك إجماع منقول بخبر الواحد ، على أنّ معقده غير واضح ، لقوّة احتمال أنّهم أرادوا بذلك توثيق نفس هؤلاء الأشخاص ، وأنّ السّند إذا انتهى إليهم فلا يتوقّف من قبلهم ، لا أنّهم أرادوا تصحيح الخبر عند انتهاء السند إليهم ولو كان الرّاوي بعدهم ضعيفاً أو مجهول الحال.

على أنّ دلالتها على مدعى صاحب الحدائق قدس‌سره غير تامّة ، وذلك لأنّه قدس‌سره استدلّ بقوله فيها « فإذا رأت المرأة الدم في أيّام حيضها تركت الصّلاة فإن استمرّ بها الدم ثلاثة أيّام فهي حائض ، وإن انقطع الدم بعد ما رأته يوماً أو يومين اغتسلت وصلّت وانتظرت من يوم رأت الدم إلى عشرة أيّام ، فإن رأت في تلك العشرة أيّام من يوم رأت الدم يوماً أو يومين حتّى يتمّ لها ثلاثة أيّام فذلك الّذي رأته في أوّل الأمر مع هذا الّذي رأته بعد ذلك في العشرة فهو من الحيض ، وإن مرّ بها من يوم رأت الدم عشرة أيّام ولم تر الدم فذلك اليوم واليومان الّذي رأته لم يكن من الحيض ، إنّما كان من علّة ... » نظراً إلى أنّها دلّت على أنّ الّذي رأته في أوّل الأمر مع هذا الّذي رأته بعد ذلك في العشرة من الحيض ، ولم تدل على أنّهما وأيّام النقاء المتخلّلة في الأثناء من الحيض مع أنّه في مقام البيان ، فسكوته عن بيان أنّ أيّام النّقاء


1) لعلّ الأنسب أن يُقال : وجواز تخلّل الأقل من العشرة ....

2) الوسائل 2 : 299 / أبواب الحيض ب 12 ح 2.

حيض يدلّنا على أنّ النّقاء المتخلّل طهر ، وإلاّ لوجب عليه عليه‌السلام بيان ذلك.

ويدفعه : أنّ جملة « فذلك الّذي رأته في أوّل الأمر مع هذا الّذي رأته بعد ذلك في العشرة فهو من الحيض » ليست كلاماً ابتدائيّاً له عليه‌السلام حتّى يتمسك بسكوته في مقام البيان ، وإنّما كلامه الابتدائي قوله في صدر الحديث وأوّله « أدنى الطّهر عشرة أيّام » ثمّ فرع عليه قوله « فإن استمرّ بها ... » وقوله « فإن رأت في تلك العشرة ... » فقوله « فذلك الّذي رأته في أوّل الأمر ... » إذا لوحظ مع صدر الرّواية يدلّ على أنّ النّقاء المتخلّل بين الحيضة الواحدة ليس بطهر إذا كان أقل من عشرة أيّام ، لا أنّه عليه‌السلام سكت عن بيان كون أيّام النّقاء بحكم الحيض ، بل بيّنه بقوله في صدرها « أدنى الطّهر عشرة أيّام ».

وأمّا عدم عدّ أيّام النّقاء من الحيض حيث خصّ الحيض بذلك الّذي رأته في أوّل الأمر مع هذا الّذي رأته بعد ذلك في العشرة فالوجه فيه أنّ الحيض اسم لنفس الدم أو سيلانه ، ولا معنى لأنّ يكون الطّهر والنّقاء حيضاً ، نعم أيّام النّقاء الأقل من عشرة أيام أيام حدث الحيض لا أنّها حيض ، هذا.

على أنّ الرّواية إنّما تدل على مسلك المشهور في نفسها ، ولا دلالة لها على ما ذهب إليه صاحب الحدائق قدس‌سره ، وذلك لأنّها صرحت في غير واحدة من جملاتها على أنّ مبدأ احتساب العشرة أوّل يوم رأت المرأة فيه الدم ، وعليه فإذا فرضنا أنّها رأت الدم يومين ثمّ انقطع تسعة أيّام وهما أحد عشر يوماً ورأت الدم اليوم الثّاني عشر فمقتضى هذه الرّواية أنّه ليس بحيض ، لأنّها رأته بعد مضي عشرة أيّام من أوّل يوم رأت الدم ، مع أنّه من الحيض على مسلك صاحب الحدائق قدس‌سره ، لأنّه لا مانع على مسلكه من أن يتخلّل أقل من عشرة بين حيضة واحدة ، فعشرة الحيض إنّما هي مجموع أيّام رؤية الدم وأيّام النّقاء على ما دلّت عليه الرّواية.

وأيضاً استدلّ بقوله فيها « فإذا حاضت المرأة وكان حيضها خمسة أيّام ثمّ انقطع الدم اغتسلت وصلّت ، فإن رأت بعد ذلك الدمَ ولم يتمّ لها من يوم طهرت عشرة أيّام فذلك من الحيض تدع الصّلاة ، وإن رأت الدم من أوّل ما رأت الثّاني الّذي رأته تمام

العشرة أيّام ودام عليها عدّت من أوّل ما رأت الدم الأوّل والثّاني عشرة أيّام ، ثمّ هي مستحاضة ... ».

بتقريب أنّها دلّت على أن المرأة إذا حاضت خمسة أيّام ثمّ انقطع الدم ثمّ رأت الدم قبل مضي عشرة أيّام من طهرها وانقطاع دمها فهو حيض ، ومعه لو كانت مدّة النّقاء محسوبة من الحيض ربّما زادت أيّام حيضها على العشرة ، كما إذا حاضت خمسة أيّام وطهرت تسعة أيّام ورأت الدم اليوم الخامس عشر ، حيث إنّه دم رأته قبل تمام العشرة من يوم طهرها فهو حيض ، كما أنّ الأوّل والأثناء حيض ، فقد زاد حيضها على العشرة ، وبما أنّ الحيض لا يزيد عن عشرة أيّام فلا يمكن عدّ أيّام النّقاء من الحيض وإنّما هي طهر.

ويدفعه أوّلاً : أنّ شيخنا الأنصاري (1)قدس‌سره نقل عن بعض النسخ المعتبرة « من يوم طمثت » لا طهرت ، وعليه فلا يرد أنّ أيّام النّقاء لو احتسبت من الحيض لزاد على العشرة في بعض الفروض ، لأنّها دلّت على احتساب العشرة من أوّل يوم رأت الدم ، فجعل عشرة الحيض مجموع أيّام الدم وأيّام النّقاء ، ومع اختلاف النّسخ تسقط الرّواية عن قابليّة الاستدلال بها.

وثانياً : لو فرضنا أنّ الرّواية « من يوم طهرت » كما نقله صاحب الحدائق قدس‌سره فيدفعه أنّ الظّروف وغيرها من المتعلّقات إنّما ترجع إلى الفعل أو المصدر أو غيرهما من الأُمور الحدثيّة المذكورة في الكلام ، لأنّه ظاهر كلّ كلام عربي وغيره فإذا قيل جاء زيد أو ضرب يوم الجمعة فالظاهر أنّ يوم الجمعة ظرف للضرب أو المجي‌ء ، لا أنّه ظرف للجوهر أعني زيد بتقدير كائن أو غيره ، لأنّه على خلاف الظّاهر ، وعليه فقوله عليه‌السلام « عشرة أيّام » ظرف ومتعلّق لقوله « لم يتم » ، ثمّ إنّ التمام إنّما يكون بعد الوجود والحدوث ، ومعنى ذلك أنّ عشرة الحيض الّتي تحقّقت منها خمسة أيّام على الفرض إذا تمّت من يوم طهارتها عشرة أيّام ، أي مضت عليها خمسة


1) كتاب الطّهارة : 193 السطر 15 / المقصد الثّاني في الحيض.

أُخرى ثمّ رأت الدم فهو استحاضة ، وإذا لم تتمّ بأن لم تمض عليها خمسة أيّام بل يوم أو يومان مثلاً فرأت الدم فهو من الحيض ، فالمراد من تمام العشرة وعدمه تمام عشرة الحيض وعدمه ، لأنّها الّتي تحقّقت ووجدت فقد تتمّ وقد لا تتم ، لا عشرة الطّهر إذ لا وجود لها ليتم أو لا يتم ، ولم يعبر فيها بالانقضاء والمضي كي يمكن حمله على انقضاء عشرة الطّهر ، كما حمله عليه صاحب الحدائق قدس‌سره واستدلّ بها على مدّعاه وإنّما عبّر بالتمام وقد عرفت أنّه يحتاج إلى وجود الشي‌ء قبل ذلك. وعليه فالرواية أدلّ على مسلك المشهور حيث حسبت عشرة الحيض مجموع أيّام الدم والنّقاء إلى عشرة أيّام.

ويؤيّد ما ذكرناه قوله بعد ذلك « وإن رأت الدم من أوّل ما رأت الثّاني الّذي رأته تمام العشرة أيّام ودام عليها عدّت من أوّل ما رأت الدم الأوّل والثّاني عشرة أيّام ، ثمّ هي مستحاضة » حيث صرّحت بأنّ العشرة تحسب من أوّل ما رأت الدم لا بعد انقطاع الدم دواماً ، وإنّ قوله « فإن رأت الدم من أوّل ما رأت الثّاني » لا يخلو عن الإغلاق ، إلاّ أنّ الظّاهر أنّ الثّاني عطف بيان أو بدل من أوّل ما رأت ، فبه يرتفع الإغلاق ، فلا دلالة لها على حساب العشرة بعد الانقطاع حتّى تدل على عدم كون أيّام النقاء من الحيض لاستلزامه زيادة الحيض عن عشرة أيّام في بعض الفروض.

وقد ظهر ممّا ذكرناه في المقام أنّ المراد من قوله عليه‌السلام اغتسلت عند انقطاع دمها ليس أنّها تغتسل من الحيض ، إذ لا يصحّ غسل الحيض في أثنائه ، وإنّما المراد به غسل الاستحاضة ، وغاية الأمر أنّها إذا انتظرت ورأت الدم قبل انقضاء العشرة تستكشف وقوع غسل الاستحاضة لغواً لكونها حائضاً واقعاً ، وأمّا إذا رأته بعد تجاوز العشرة فقد وقع غسلها في محله ، والسرّ في ذلك أنّ المرأة إمّا حائض فلا يصح غسل الحيض في أثنائه ، وإمّا مستحاضة ولا معنى لغسل الحيض من المستحاضة ، فتحمل على غسل الاستحاضة كما عرفت أو يحمل على التنظيف كما هو معناه لغة. هذا كلّه بالإضافة إلى الاغتسال الواقع في قوله اغتسلت وصلّت وانتظرت ، وأمّا الاغتسال في قوله عليه‌السلام « فإذا حاضت المرأة وكان حيضها خمسة أيّام ثمّ

انقطع الدم اغتسلت » فلا مانع من حمله على غسل الحيض لنقائها بعد عادتها الّتي هي خمسة أيّام.

إلى هنا تحصل أنّ الرّواية على خلاف ما ذهب إليه صاحب الحدائق قدس‌سره أدلّ ، على أنّ فيها أمرين يمنعان عن الاعتماد عليها مع الغض عن إرسالها.

أحدهما : اشتمالها على كفاية الأيّام الثّلاثة المتفرّقة ، وقد عرفت اعتبار التوالي في تلك الأيّام ، ولا يمكن الأخذ بتلك الرّواية كما تقدّم.

وثانيهما : دلالتها على أنّ المرأة إذا كان حيضها خمسة أيّام ورأت الدم كذلك ثمّ انقطع ثمّ رأته بعد ذلك فإن كان قبل مضي عشرة أيّام من أوّل ما رأت الدم فهو حيض ، وأمّا إذا كان بعد مضي العشرة فتحسب العشرة حيضاً والباقي استحاضة ، مع أنّ المرأة ذات العادة كما هو مورد الرّواية إذا رأت الدم بعد عادتها حتّى تجاوز العشرة تأخذ أيّام عادتها حيضاً وتجعل الباقي استحاضة ، لا أنّها تأخذ العشرة حيضاً ، فالرواية ممّا لا يمكن الاعتماد عليها.

هذا كلّه فيما استدلّ به على مسلكه برواية يونس وقد عرفت أنّها ضعيفة السند والدلالة.

وأيضاً استدلّ بمعتبرة محمّد بن مسلم المتقدِّمة (1). وتقريب الاستدلال بها أنّ المراد بالعشرة الثانية هو عشرة الطّهر لا محالة ، للإجماع والأخبار الدالّة على أنّ الحيضة الثّانية لا بدّ من أن تتحقّق بعد أقل الطّهر وهو عشرة أيّام ، ولا تتحقّق الحيضة الثّانية قبل ذلك ، ولا مناص من أن يتخلّل بينهما عشرة أيّام ، فالعشرة المذكورة في الشرطيّة الثّانية « وإذا رأته بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة » هي عشرة الطّهر ، وهذه العشرة هي المذكورة في الشرطية الأُولى بعينها ، فالمراد بالعشرة في كلتا الجملتين عشرة الطّهر ، وعليه لا تتمّ الشرطيّة الأُولى على إطلاقها إلاّ إذا جعلنا أيّام النّقاء طهراً ، إذ لو جعلناه حيضاً فربّما زاد حيض المرأة عن عشرة أيّام كما إذا رأت الدم


1) تقدّمت في الصفحة 127 و 136.

خمسة أيّام ثمّ انقطع خمسة أيّام ثمّ رأت خمسة أيّام ، لأنّ الخمسة المتوسطة لو كانت من الحيض زاد حيضها عن العشرة وكان خمسة عشر يوماً ، لدلالة الرّواية على أنّها إذا رأت الدم قبل عشرة الطّهر فهو من الحيضة الأُولى ، والمفروض أنّها رأته قبل عشرة الطّهر فحيضها خمسة عشر يوماً.

وهذا خلاف الإجماع والأخبار المحدّدة للحيض الدالّة على أنّه لا يزيد على عشرة أيّام ، فلا يمكن التحفظ على إطلاق الجملة الأُولى إلاّ إذا قلنا أنّ النّقاء المتخلّل بين الدمين طهر.

والجواب عن ذلك : أنّ الرّواية لا يمكن أن يتحفّظ على إطلاقها على كلا المسلكين ، بل لا بدّ من تقييدها على مسلك المشهور وعلى مسلكه قدس‌سره ، وذلك أمّا على مسلكه فلأنا إذا بنينا على أنّ المراد بالعشرة عشرة الطّهر وأنّ النقاء المتخلِّل طهر فإطلاق الشرطيّة الثّانية وإن كان يبقى بحاله ، لأنّا إنّما نحكم بكون الدم حيضة ثانية إذا رأته المرأة بعد عشرة الطهر ، إلاّ أنّ إطلاق الجملة الاولى لا يبقى بحاله لأنّ المرأة قد ترى الدم ستّة أيّام ثمّ ينقطع أربعة أيّام أو أقل أو أكثر ثمّ ترى ستّة أيام أُخر ، أو ترى ثمانية أيّام وينقطع يوماً ثمّ تراه ثمانية أيام أُخرى ، فإذا حكمنا بأن الدم الثّاني من الحيضة الاولى لأنّها رأته قبل عشرة الطّهر فيكون مجموعهما زائداً على العشرة ، وقد مرّ أنّ أكثر الحيض عشرة أيّام بالإجماع والأخبار ، فلا مناص من تقييد إطلاق الشرطية الأُولى بما إذا لم يكن مجموع الدمين زائداً على العشرة.

وهذا التقييد غير وارد على مسلك المشهور ، لأنّهم يرون مبدأ العشرة أوّل يوم رأت الدم ، ويحملون العشرة على عشرة الحيض لا الطهر ، ومعه يصح إطلاق قوله عليه‌السلام : إذا رأته قبل العشرة فهو من الحيضة الأُولى ، أي إذا رأته قبل مضي عشرة أيّام من يوم رأت المرأة فيه الدم ، ومع مضيها من أحدهما أو كليهما (1)لا يحكمون بحيضيّة الدم كما هو واضح.


1) لعلّ الأنسب أن يُقال : ومع مضيّها من يوم رأت الدم لا يحكمون ....

وأمّا إذا قلنا بمسلك المشهور حملنا العشرة على عشرة الحيض وقلنا أنّ النّقاء من الحيض ، فقد عرفت أنّ إطلاق الشرطيّة الأُولى يبقى بحاله ، إلاّ أنّ إطلاق الشرطيّة الثّانية لا بدّ من تقييده بما إذا رأت الدم بعد عشرة أيّام الطهر ، إذ لو رأته قبل عشرة أيّام لم يمكن الحكم بكونه حيضة ثانية ، للإجماع والرّوايات الدالّة على أنّ الحيضتين المستقلّتين لا بدّ أن يتخلّل بينهما أقل الطهر.

فإذن لنا علم إجمالي بأنّ أحد الإطلاقين غير مراد وأنّ أحدهما مقيّد ، وحيث لا قرينة على أحدهما فتصبح الرّواية مجملة وتسقط عن قابلية الاستدلال بها ، اللّهمّ إلاّ أن يكون جملة « فهو من الحيضة الأُولى » كما قدّمناه ظاهرة في أنّ الحيضة الأُولى غير مرتفعة في أيّام النّقاء ومستمرة إلى زمان رؤية الدم الثّاني قبل عشرة أيّام ، لعدم إمكان تخلّل العدم بين أجزاء شي‌ء واحد ، فإنّه على ذلك يتعيّن أن تكون العشرة عشرة الحيض ويكون المتعيّن تقييد الشرطيّة الثّانية ، ولكن الرّواية على هذا تدلّ على أنّ النّقاء من الحيض كما هو ظاهر ، فالرواية إمّا مجملة وإمّا ظاهرة فيما ذهب إليه المشهور.

وهذا هو العمدة فيما استدلّ به صاحب الحدائق قدس‌سره ثمّ إنّه أيّد مدعاه أعني كون المراد بالعشرة عشرة الطّهر بروايتين (1):

إحداهما : رواية الفقه الرّضوي « وربّما تعجل الدم من الحيضة الثّانية ، والحد بين الحيضتين القرء ، وهو عشرة أيّام بيض ، فإن رأت الدم بعد اغتسالها من الحيض قبل استكمال عشرة أيّام بيض فهو ما بقي من الحيضة الأُولى ، وإن رأت الدم بعد العشرة البيض فهو ما تعجل من الحيضة الثّانية » (2)حيث صرّح في الرّواية بإرادة عشرة الطّهر الّتي هي معنى العشرة البيض.

إلاّ أنّها ضعيفة بل لم يثبت كونها رواية أصلاً كما مرّ غير مرّة ، على أنّ دلالتها على


1) الحدائق 3 : 163 و 164 / في غسل الحيض.

2) فقه الرّضا عليه‌السلام : 192 / ب 27 ، وروى عنه مع تفاوت يسير في المستدرك 2 : 12 / أبواب الحيض ب 9 ح 1 ، البحار 81 : 91 / باب غسل الحيض ح 12.

مدّعاه قابلة للمناقشة ، ولكنّا لا نطيل بذكرها الكلام.

وثانيتهما : ما رواه محمّد بن يعقوب بإسناده عن عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن المرأة إذا طلّقها زوجها متى تكون أملك بنفسها؟ فقال : إذا رأت الدم من الحيضة الثّالثة فهي أملك بنفسها ، قلت : فإن عجّل الدم عليها قبل أيّام قرئها؟ فقال : إذا كان الدم قبل عشرة أيّام فهو أملك بها ، وهو من الحيضة الّتي طهرت منها ، وإن كان الدم بعد العشرة أيّام فهو من الحيضة الثّالثة وهي أملك بنفسها » (1).

وهذه الرّواية قد يناقش في الاستدلال بها بأنّها ضعيفة السند بمُعَلّى بن محمّد الواقع في سندها لعدم توثيقه في الرّجال ، وأمّا ما عن المجلسي (2)قدس‌سره من أنّه شيخ إجازة ، وكون الرّجل شيخاً يكفي في وثاقته ولا يحتاج معه إلى التّوثيق ، مندفع صغرى وكبرى ، وذلك لعدم كفاية شيخوخة الإجازة في التّوثيق ، وعدم تحقّق الصغرى إذ لا تثبت شيخوخته بشهادة المجلسي ، لأنّه متأخر عن عصر مُعَلّى بن محمّد بمئات السنين ، لأنّه شيخ شيخ الكليني فإنّه يرويها عن الحسين بن محمّد وهو يروي عن معلى بن محمّد ، ومعه لا تقبل شهادته لأنّها اجتهاد منه لا شهادة ، فلم يثبت إلاّ أنّه صاحب كتاب ، وكم فرق بين كونه مؤلف كتاب وبين كونه شيخ إجازة.

ولكنّه يندفع من جهة وقوعه في أسناد كامل الزّيارات وتفسير علي بن إبراهيم فقد ذكرنا في محله شهادة مؤلفيهما بوثاقة كلّ من وقع في طريقهما إلى المعصومين عليهم‌السلام.

والصّحيح أنّها قاصرة الدلالة ، فإنّها تتوقف على أن يكون المراد بكلمة العشرة فيها عشرة الطهر ، ولم تقم قرينة على ذلك ، وقد تقدّم الكلام في ذلك مفصّلاً عند المناقشة في دلالة معتبرة محمّد بن مسلم المتقدِّمة.


1) الوسائل 22 : 212 / أبواب العدد ب 17 ح 1.

2) رجال المجلسي : 324 / رقم 1902.

التّاسع أو العاشر بعد الحيض السابق لا يحكم عليه بالحيضيّة ، وأمّا إذا رأت يوم الحادي عشر بعد الحيض السابق فيحكم بحيضيّته إذا لم يكن مانع آخر ، والمشهور على اعتبار هذا الشرط ، أي مضيّ عشرة من الحيض السابق في حيضيّة الدم اللاّحق مطلقاً ، ولذا قالوا : لو رأت ثلاثة مثلاً ثمّ انقطع يوماً أو أزيد ثمّ رأت وانقطع على العشرة أنّ الطّهر المتوسط أيضاً حيض ، وإلاّ لزم كون الطّهر أقل من عشرة ، وما ذكروه محلّ إشكال (1)بل المسلّم أنّه لا يكون بين الحيضين أقل من عشرة ، وأمّا بين أيّام الحيض الواحد فلا ، فالأحوط مراعاة الاحتياط بالجمع في الطّهر بين أيّام الحيض الواحد كما في الفرض المذكور.


ثمّ إنّ من الغريب في المقام الاستدلال لما ذهب إليه صاحب الحدائق قدس‌سره بموثقة يونس بن يعقوب « قلت للصادق عليه‌السلام : المرأة ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة قال عليه‌السلام : تدع الصّلاة ، قلت : فإنّها ترى الطّهر ثلاثة أيّام أو أربعة قال عليه‌السلام : تصلِّي ، قلت : فإنّها ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة ، قال عليه‌السلام : تدع الصّلاة ، قلت : فإنّها ترى الطّهر ثلاثة أيّام أو أربعة ، قال عليه‌السلام : تصلِّي ، قلت : فإنّها ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة ، قال عليه‌السلام : تدع الصّلاة تصنع ما بينها وبين شهر ، فإن انقطع الدم عنها ، وإلاّ فهي بمنزلة المستحاضة » (2). وموثقة أبي بصير بهذا المضمون غير أنّها فرضت الحيض والطّهر خمسة أيّام (3). بدعوى أنّ النّقاء لو لم يكن طهراً لم يكن وجه لأمرها بالصلاة عند انقطاع الدم عنها.

والوجه في الغرابة : أنّا لو بنينا على مسلك صاحب الحدائق قدس‌سره من أنّ النّقاء طهر فهل نجعل كلّ أربعة أو ثلاثة أيّام حيضاً مستقلا أو نجعل المجموع حيضاً


1) (*) ما ذكره المشهور هو الأظهر.

2) الوسائل 2 : 285 / أبواب الحيض ب 6 ح 2.

3) الوسائل 2 : 286 / أبواب الحيض ب 6 ح 3.

واحداً ، فإن جعلنا كلاًّ منهما حيضة مستقلّة فلا بدّ أن يتخلّل بينهما عشرة أيّام للإجماع والأخبار ، ولم يتخلّل بينهما إلاّ ثلاثة أو أربعة أيّام ، وإن جعلنا المجموع حيضة واحدة فقد زادت عن عشرة أيّام لأنّها على تقدير رؤيتها الدم أربع أربعة ترى الدم ستّة عشر يوماً وقد فرضنا أنّ أكثر الحيض عشرة.

فتحصل أنّ ما ذهب إليه صاحب الحدائق قدس‌سره ممّا لا وجه له ، وأنّ أيّام النّقاء في أثناء الحيضة الواحدة بحكم الحيض ، فلا مناص حينئذ من حمل الرّوايتين على بيان الحكم الظّاهري وأنّ المرأة لأجل عدم كونها ذات عادة بما أنّها تحتمل كون الدم حيضاً فتجعله حيضاً في أيّام الدم وتجعل النّقاء طهراً ظاهراً ، لا أنّ النّقاء طهر كما صنعه صاحب الحدائق قدس‌سره.

التهافت بين كلامي الماتن ( قدس‌سره )

ثمّ إنّ الماتن قدس‌سره ذكر أنّ أقلّ الطّهر عشرة أيّام ، فلو رأت الدم يوم التّاسع أو العاشر بعد الحيض السابق لا يحكم عليه بالحيضيّة ، لعدم تخلّل أقلّ الطّهر بين الدمين ، فترى أنّه حكم بعدم حيضيّة الدم المرئيّ يوم التّاسع أو العاشر جزماً ، وهذا مع استشكاله في كون النّقاء من الحيض حيث لم يبن على كونه حيضاً ، بل احتاط بعد ما قال : إنّ ما ذكروه أي المشهور محل إشكال ، وما تقدّم منه من عدم البناء على لزوم التّوالي في ثلاثة أيّام حيث استشكل فيه واحتاط ، أمران متهافتان.

وذلك لأنّ المرأة إذا رأت الدم ثلاثة أيّام أو يومين وانقطع تسعة أيّام ثمّ رأت يوماً أو أكثر يمكن أن يكون الدم حيضاً ، إذ لم يبن على أنّ النّقاء حيض أو أنّ توالي ثلاثة أيّام معتبر ليقال إنّ ما تراه بعد التسعة ليس بحيض ، وإلاّ زاد حيضها عن عشرة أيّام أو أنّها إذا كانت رأت الدم يومين لا يلحق الدم الّذي رأته بعد التّسعة بهما لاعتبار التّوالي بينهما ، بل يمكن أن يكون حيضاً على هذين المسلكين ، فالصحيح أن يحتاط حينئذ لا أن يحكم بعدم كونه حيضاً جزماً ، وإلاّ كان صدر كلامه وذيله متهافتاً.

[708] مسألة 8 : الحائض إمّا ذات العادة أو غيرها ، والأولى إمّا وقتيّة وعدديّة أو وقتيّة فقط أو عدديّة فقط ، والثّانية إمّا مبتدئة وهي الّتي لم تر الدم سابقاً ، وهذا الدم أوّل ما رأت ، وإمّا مضطربة وهي الّتي رأت الدم مكرّراً لكن لم تستقرّ لها عادة ، وإمّا ناسية وهي الّتي نسيت عادتها ، ويطلق عليها المتحيِّرة أيضاً ، وقد يطلق عليها المضطربة ، ويطلق المبتدئة على الأعم ممّن لم تر الدم سابقاً ومن لم تستقر لها عادة أي المضطربة بالمعنى الأوّل (1).

[709] مسألة 9 : تتحقّق العادة برؤية الدم مرّتين متماثلتين ، فإن كانتا متماثلتين في الوقت والعدد فهي ذات العادة الوقتيّة والعدديّة ، كأن رأت في أوّل شهر خمسة أيّام وفي أوّل الشّهر الآخر أيضاً خمسة أيّام ، وإن كانتا متماثلتين في الوقت دون العدد فهي ذات العادة الوقتيّة ، كما إذا رأت في أوّل شهر خمسة وفي أوّل الشهر الآخر ستّة أو سبعة مثلاً ، وإن كانتا متماثلتين في العدد فقط فهي ذات العادة العدديّة ، كما إذا رأت في أوّل شهر خمسة وبعد عشرة أيّام أو أزيد رأت خمسة أُخرى.


أقسام الحائض

ذات العادة

(1) إنّ المرأة إذا كان الدم الّذي تراه أوّل ما رأت الدم ولم تره سابقاً فهي مبتدئة وأمّا إذا تكرّر منها الدم من غير أن تستقر لها عادة وقتيّة وعدديّة أو إحداهما فهي مضطربة ، وأمّا إذا استقرّت لها العادة فقد تكون ذاكرة لعادتها وقد لا تكون ، وتسمّى الثّانية بالناسية ، وقد يطلق عليها المتحيّرة أيضاً ، كما تسمّى الاولى بذات العادة ، وهي قد تكون ذات عادة وقتيّة وعدديّة معاً ، كما إذا رأت الدم في كلّ من الشّهرين خمسة أيّام من أوّله وقد تكون ذات عادة عدديّة فقط ، كما إذا رأت الدم في الشهر الأوّل خمسة أيّام من أوّله وفي الشّهر الثّاني خمسة من خامسة أو سادسة مثلاً ، وقد تكون

ذات عادة وقتيّة فقط ، وهي على أقسام ثلاثة كما نبيّنها إن شاء اللّه. هذه هي أقسام المرأة الحائض.

ولكل من المبتدئة والمضطربة وذات العادة العدديّة أو الوقتيّة أحكام تخصّها ، فإن ذات العادة العدديّة ليس لها أن ترتب أحكام الحائض على نفسها بمجرّد رؤيتها الدم وإنّما ترتبها فيما إذا كان الدم واجداً للصفات كما هو الحال في المبتدئة والمضطربة ، نعم إذا تجاوز الدم العشرة فذات العادة العدديّة فقط تجعل عددها حيضاً والباقي استحاضة ، بخلاف المبتدئة والمضطربة فإنّهما تجعلان العشرة من الحيض والباقي استحاضة ، وأمّا ذات العادة الوقتيّة فهي تجعل الدم حيضاً من وقتها من غير مراجعة الصّفات إلاّ أنّها من حيث العدد مضطربة ، فإذا زاد على العشرة فترجع إلى الصّفات والمميّزات كما يأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى ، وأمّا ذات العادة الوقتيّة والعدديّة فهي تجعله حيضاً من غير مراجعة الأوصاف من حيث الوقت والعدد.

ثمّ إنّ ذات العادة الوقتيّة على ثلاثة أقسام ، لأنّ رؤيتها الدم في الشهرين قد تكون متّحدة من حيث أوّلهما ، كما إذا رأت الدم في كلّ من الشّهرين من أوّله ولكن اختلفا من حيث الآخر لانقطاعه في أحدهما في الخامس وفي الآخر في الرّابع مثلاً ، وقد تتحدان في الأخير دون الابتداء ، كما إذا انقطع في السّادس من الشهر في كليهما إلاّ أنّها رأته في أحدهما من أوّله وفي ثانيهما من ثانية أو ثالثة مثلاً ، وقد تتحدان من حيث الوسط دون المبدأ والمنتهى ، كما إذا رأت الدم في الثّالث والرّابع والخامس من الشّهرين إلاّ أنّ شروعه في أحدهما كان من أوّله إلى سابعه ، وفي الآخر كان في التّاسع والعشرين من الشّهر السّابق عليه إلى ثامن الشهر اللاّحق.

ثمّ إنّ الكلام يقع فيما يتحقّق به العادة الّتي لا ترجع معها إلى الصّفات ، حيث إنّ أكثر الرّوايات الواردة في المقام قد اشتمل على عنوان « الوقت المعلوم » أو « أيّامها » (1)، ومقتضى الفهم العرفي في مثلها أن تكون رؤية الدم متكرّرة بمقدار يصدق


1) الوسائل 2 : 275 إلى 284 / أبواب الحيض ب 3 و 4 و 5.

معه أنّها أيّامها أو عنوان الوقت المعلوم ، والعادة لم ترد في شي‌ء من الرّوايات ، وإنّما عنونها الأصحاب قدس‌سرهم في كلماتهم ، وذكروا أنّها تتحقّق برؤية الدم مرّتين متماثلتين ، ولعله إنّما سميت بالعادة لأنّها من العود حيث عاد مرّتين ، ويدلُّ عليه موثقة سماعة حيث ورد فيها « فإذا اتفق الشهران عدّة أيّام سواء فتلك أيّامها » (1)ومرسلة يونس الطويلة « فإن انقطع الدم لوقته في الشهر الأوّل سواء حتّى توالى عليه حيضتان أو ثلاث فقد علم الآن أنّ ذلك قد صار لها وقتاً معلوماً » (2).

وقد قدّمنا غير مرّة أنّ الإرسال إنّما لا يعتمد عليه فيما إذا كان بمثل « عن رجل » أو « عن بعض أصحابه » ونحوهما ، للجهل بالواسطة وإن كان المرسِل مثل ابن أبي عمير ونظرائه ، والاستدلال على اعتبار مراسيلهم بالإجماع على تصحيح ما يصح عنهم قد عرفت ما فيه من المناقشة (3).

وأمّا إذا كان الإرسال بمثل « عن غير واحد » كما في مرسلة يونس هذه فهي خارجة عن الإرسال ، لأنّ هذا التعبير إنّما يصح فيما إذا كان راوي الخبر كثيرين ، ولا يطلق عند كون راويه واحداً أو اثنين كما هو المتفاهم العرفي من مثله في زماننا هذا فإنّ فقيهاً إذا كتب في كتابه أنّ القول الكذائي قال به غير واحد من أصحابنا يستفاد منه لدى العرف أنّه قول قال به كثيرون وإن كان بحسب مفهومه اللغوي صادقاً على اثنين ، لأنّه أيضاً غير واحد ، واحتمال أن تكون تلك العدّة بأجمعهم من الضّعفاء ضعيف ولا يعتنى بمثله ، وعليه فالرواية ليست بمرسلة ، وقد دلّت على تحقّق العادة برؤية الدم شهرين متماثلاً.

استدراك

قدّمنا أنّ رواية يونس الطويلة وإن رواها يونس عن غير واحد من أصحابنا


1) الوسائل 2 : 286 / أبواب الحيض ب 7 ح 1.

2) الوسائل 2 : 287 / أبواب الحيض ب 7 ح 2.

3) تقدّم في الصفحة 126.

إلاّ أنّها لا تكون مرسلة بذلك لما قدّمناه ، فلا تقاس روايته هذه بمرسلته القصيرة (1)لأنّ في سندها « عن بعض رجاله » ، وله عدّة من رجال ، وبعض رجاله مهمل ، ومعه كيف يمكن الاعتماد عليها في مقام الاستدلال ، ومن ثمة تكون مرسلة بخلاف روايته هذه فإنّها ليست بمرسلة ، ومن هنا اعتمدنا عليها في الحكم بتحقّق العادة الوقتيّة بمرّتين.

ولكنّه ربما يورد على الاستدلال بها أنّ الرّاوي عن يونس هو محمّد بن عيسى وهو ممّن ضعّفه الشيخ قدس‌سره في فهرسته ، حيث قال : محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني ضعيف استثناه أبو جعفر محمّد بن علي بن بابويه عن رجال نوادر الحكمة وقال : لا أروي ما يختص بروايته ، ولم يعمل ابن الوليد بما تفرّد به محمّد بن عيسى عن يونس ، حيث حكي عن ابن بابويه أنّه حكى عن شيخه ابن الوليد أنّه قال : ما تفرّد به محمّد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يعتمد عليه ، كما أنّ الصّدوق لا يعتمد على ما تفرّد به على ما هو دأبه من تبعيّته لشيخه ابن الوليد في الجرح والتعديل والعمل برواية وتركه. وعن الشهيد الثّاني استناد جميع الأخبار الواردة في ذم زرارة إلى محمّد بن عيسى ، وهو قرينة عظيمة على ميل وانحراف منه على زرارة. وعن ابن طاوس أنّ محمّد بن عيسى قد أكثر في القول في زرارة حتّى لو كان بمقام عدالته كانت الظّنون تسرع إليه بالتهمة فكيف وهو مقدوح فيه (2)، ويؤيّد ذلك تضعيف جملة من المتأخرين له ، وعليه فلا يمكن الاعتماد على رواية يونس الطويلة في المقام لضعفها بمحمّد بن عيسى عن يونس هذا.

ولكن الصحيح أنّ الرّجل لا إشكال في وثاقته وصحّة رواياته ، والوجه في ذلك


1) الوسائل 2 : 294 / أبواب الحيض ب 10 ح 4.

2) راجع معجم رجال الحديث 18 : 119 ، الرّقم 11536 ترجمة محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني ، الفهرست : 140 ، الرّقم 611 ، رجال النّجاشي : 333 ، الرّقم 896 ، التحرير الطاووسي : 240 / 175 ترجمة زرارة بن أعين. وأمّا كلام الشهيد الثّاني فمنقول في تعليقته على الخلاصة : 38، وكذا في نقد الرّجال 2 : 256.

أنّ تضعيف الشيخ للرجل مستند إلى استثناء الصّدوق له ، كما هو ظاهر كلامه المتقدِّم حيث قال : محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني ضعيف استثناه أبو جعفر محمّد بن علي ابن بابويه عن رجال نوادر الحكمة ، كما أنّ استثناء الصدوق له مستند إلى ما ذكره شيخه ابن الوليد من أنّه لا يعتمد على ما تفرّد به محمّد بن عيسى من كتب يونس وحديثه ، فالتضعيف في الحقيقة مستند إلى ابن الوليد قدس‌سره.

إلاّ أنّ عدم اعتماده قدس‌سره على ما تفرّد به محمّد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يدلّ على ضعف في الرّجل ، وإلاّ لم يكن وجه لعدم اعتماده على خصوص ما تفرّد به عن يونس ، لأنّه الضّعيف مطلقاً فلا يعتمد على شي‌ء من رواياته ، فيستفاد من تخصيصه عدم اعتماده بما تفرّد به من كتب يونس وحديثه أنّ لروايته عنه خصوصيّة أوجبت عدم اعتماده قدس‌سره على روايته عنه في ذلك المورد فحسب.

ولعلّ السرّ فيه ما حكاه نَصر بن صَبّاح (1)من أنّ محمّد بن عيسى أصغر سنّاً من أن يروي عن ابن محبوب فكيف بروايته عن يونس ، فإنّ ابن محبوب متأخر عن يونس بست عشرة سنة ، فإذا كان محمّد بن عيسى أصغر سنّاً بالإضافة إلى عصر ابن محبوب فلا محالة يكون أصغر سنّاً بالإضافة إلى يونس بطريق أولى ، والصغير لا يعتمد على روايته.

إلاّ أنّ ذلك لا يمنع عن الاعتماد على رواية الرّجل وذلك :

أمّا أوّلاً : فلأنّ كونه أصغر سنّاً من أن يروي عن ابن محبوب إنّما نقل عن نَصر بن صَباح ، وهو ممّن لا يعتمد على قدحه وإخباره كما ذكروه (2).

وأمّا ثانياً : فلأن المانع عن قبول الرّواية إنّما هو صغر سنّ الرّاوي حال الأداء لا حال التحمّل ، فالمدار في الصغر المانع عن قبول الرّواية إنّما هو الصغر حال الأداء لا على حال التحمّل ، كما هو الحال في الشّهادة حيث إنّ الشاهد لو تحمّل الشهادة


1) رجال الكشي : 537 / الرّقم 1021 ، رجال النجاشي : 334 ، الرّقم 896.

2) راجع معجم رجال الحديث 18 : 124 ، الرّقم 11536.

صغيراً إلاّ أنّه لم يشهد إلاّ بعد بلوغه فإنّه يعتمد على شهادته ، وإنّما لا يعتمد على شهادته فيما إذا كان صغيراً حال الشّهادة ، ولم يعلم أنّ الرّجل كان صغيراً حين روايته ، بل يمكن دعوى العلم بعدم كونه صغيراً حينئذ ، لأنّ الرّجل بعد ما ثبتت وثاقته وعدالته كما يظهر عن قريب لو كان نقلها حال صغره لبيّنه ، وإلاّ كان ذلك تدليساً قادحاً في عدالته.

وأمّا ثالثاً : فلأنّ الظّاهر أنّ محمّد بن عيسى لم يكن صغير السن في زمان ابن محبوب بل كان من الرّجال ، فإنّه من أصحاب الرّضا عليه‌السلام وقد استنابه في الحج عنه ، وهذا لا يلائم صغره كما لا يخفى على من رجع إلى ما كتبوه في الرّجال من تاريخ ولادته وتاريخ وفاة ابن محبوب فليراجع.

وأمّا ما ذكره الشّهيد الثّاني وابن طاوس قدس‌سرهما فلا دلالة له على ضعف الرّجل بوجه ، لأنّه كما روى الأخبار المشتملة على ذم زرارة روى بنفسه بعض الأخبار المادحة له ، وحيث إنّ الرّجل ثقة عين كما يأتي نقله عن النّجاشي وغيره فلا يمكننا حمل ذلك على انحرافه في زرارة وتعمّده في جعله ، بل نبني على أنّ كلاًّ من المدح والذم منهم عليهم‌السلام لحفظ زرارة وحقن دمه ، كما أنّ الخضر على نبيّنا وآله وعليه‌السلام قد خرق السفينة لحفظها من غصب الظّالم ، هذا كلّه.

أضف إلى ذلك أنّ تضعيف ابن الوليد أو غيره ممّا لا يمكن الاعتماد عليه في مقابل توثيق النّجاشي للرجل بقوله محمّد بن عيسى بن عبيد بن يقطين بن موسى ، مولى أسد بن خزيمة ، أبو جعفر ، جليل في أصحابنا ثقة عين كثير الرّواية حسن التصانيف روى عن أبي جعفر الثّاني عليه‌السلام مكاتبة ومشافهة ، وذكر أبو جعفر بن بابويه عن ابن الوليد أنّه قال : ما تفرّد به محمّد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يعتمد عليه ، ورأيت أصحابنا ينكرون هذا القول ويقولون : مَن مثل أبي جعفر محمّد بن عيسى! (1).

فإنّ هذا يدلّنا على أنّ وثاقة الرّجل كانت من الأُمور المشهورة في تلك الأزمنة


1) رجال النجاشي : 333 ، الرّقم 896.

وإنّما خالف في ذلك ابن الوليد ، ومن ثمة أنكروا عليه ذلك ، وقد عرفت أنّ عدم اعتماد ابن الوليد ممّا لا وجه له في نفسه ، مضافاً إلى معارضته لما هو المشهور في تلك الأزمنة ، ولتصريح النجاشي بوثاقة الرّجل وثنائه عليه ، ولما عن الفضل بن شاذان أنّه كان يحب الرّجل ويثني عليه ويمدحه ويميل إليه ويقول ليس في أقرانه مثله (1)، وكفى هذا في توثيق الرّجل والاعتماد على رواياته.

هل تتحقّق العادة بالرؤية مرّة؟

وعن بعضهم تحقّق العادة برؤية الدم مرّة واحدة ، كما يحكى ذلك عن الجمهور أيضاً.

ويدفعه : صريح قوله في رواية يونس حكاية عن رسول اللّه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ المرأة الّتي تعرف أيّامها تدع الصّلاة أيّام أقرائها حيث لم يقل : دعي الصّلاة أيّام قرئك ، بل قال : أيّام أقرائك (2)، وكذا الحال في الأيّام الواردة في الأخبار (3)وهي جمع لا يصدق على الفرد الواحد بل ولا على الاثنين ، فإن أقلّ الجمع اثنان فما فوقهما ، وأمّا الاثنان مجرّداً فلم نر إطلاق الجمع عليهما في اللّغة ، بل لعلّه يعدّ من الأغلاط وإن حكي عن المنطقيين أن أقلّ الجمع اثنان.

وأمّا الاثنان فما فوق فقد ورد إطلاق الجمع عليه في القرآن الكريم الّذي هو في أعلى مراتب الفصاحة كما في قوله تعالى : ( ... فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ... ) (4)لأنّه وإن صرّح بإرادة فوق الاثنتين إلاّ أنّ إطلاق فوق الاثنتين وإرادة الاثنتين فما فوقهما أيضاً أمر دارج شائع ، كما أشار إليه صاحب الجواهر (5)أيضاً ، وكما في إطلاق الإخوة


1) نفس المصدر.

2) الوسائل 2 : 287 / أبواب الحيض ب 7 ح 2.

3) الوسائل 2 : 275 إلى 284 / أبواب الحيض ب 3 و 4 و 5 وكذا 13 و ...

4) النِّساء 4 : 11.

5) راجع الجواهر 39 : 93 / كتاب الفرائض ، المقدّمة الرّابعة.

على الاثنين فما فوقه في الكلالة ، ( وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً ) (1)وكذا في الأخوين فما فوق وأنّ المرتبة الأُولى إذا فقدت ووصلت النوبة إلى المرتبة الثّانية فإن كان له أخ واحد فله نصف ( فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ ... ) إلخ (2)إلى غير ذلك من الموارد.

فتحصل أنّ الأقراء تصدق على رؤية الدم مرّتين فما فوق ، ولا يصدق على رؤيته مرّة أو مرّتين فحسب ، هذا كلّه في العادة العدديّة حيث إنّ مورد الموثقة والمقدار المتيقّن من الرّواية السابقتين هو ذات العادة العدديّة.

وأمّا العادة الوقتيّة فقد ورد في الأخبار المتضافرة (3)ما مضمونه أنّها تجعل وقتها وأيّامها حيضاً ، كما ورد هذه العناوين في ذات العادة العدديّة ، ولا بأس بإضافة الأيّام إلى كلتيهما ، إذ يصحّ إطلاقه في كلّ من العادة الوقتيّة والعدديّة فيقال إنّها أيّامها وحيث إنّ ذلك على نحو القضيّة الحقيقيّة فلا دلالة لها على أنّ موضوعها أعني الوقت والأيّام تتحقّق بأيّ شي‌ء ، فلا يستفاد منها أنّ العادة الوقتيّة بأيّ شي‌ء تتحقّق ، كذا استشكل في غير واحد من الكتب.

وأُجيب عنه بالإجماع ، ومن هنا قد يتمسك للحكم بتحقّق العادة الوقتيّة أيضاً بمرّتين بالإجماع كما عن المستند (4)، وأنّ العادة العدديّة إذا قلنا بتحقّقها بمرّتين فكذلك نقول بتحقّق العادة الوقتيّة بذلك.

إلاّ أنّ هذه الإجماعات المنقولة لا سيما في كلمات المتأخرين ممّا لا يمكن الاعتماد عليه لعدم حجّيتها. على أنّها لو لم تكن من الإجماع المنقول أيضاً لم نكن نعتمد عليها على ما بيّناه في غير مورد ، لأنّها إجماعات معلومة المدرك أو محتملة المدرك على الأقل ، ومعه يرجع إلى ذلك المدرك لا إلى الإجماع.


1) النِّساء 4 : 176.

2) النِّساء 4 : 11.

3) الوسائل 2 : 275 - 304 / أبواب الحيض ب 3 و 4 و 5 و 13 و ....

4) مستند الشيعة 2 : 430.

والصحيح في الجواب أن يقال : إنّ رواية يونس (1)تدل على تحقّق العادة الوقتيّة برؤية الدم مرّتين ولو في بعض أقسامها ، وهو العادة الوقتيّة من حيث الانقطاع ، أي العادة الوقتيّة من حيث الآخر ، حيث ورد فيها « فان انقطع الدم لوقته في الشهر الأوّل سواء حتّى توالى عليه حيضتان أو ثلاث فقد علم الآن أنّ ذلك قد صار لها وقتاً وخلقاً معروفاً تعمل عليه وتدع ما سواه ... » لدلالتها على أنّ انقطاع الدم على حدّ سواء في شهرين يوجب تحقّق العادة للمرأة ، وهذا قد يتّفق مع العادة العدديّة كما إذا كان مبدؤهما أيضاً متساويين ، وقد لا يتّفق وذلك إذا اختلفا من حيث المبدأ كما إذا كان انقطع في السّادس من كلّ شهر إلاّ أنّه اختلف مبدؤه فرأته في شهر من أوّله وفي الآخر من ثانية أو ثالثة ، وإذا علمنا بتحقّق العادة الوقتيّة من حيث المنتهي بمرّتين فلا نحتمل الفرق في ذلك بينها وبين العادة الوقتيّة من حيث المبدأ أو الوسط ، هذا.

على أنّ الرّواية دلّت على أنّ تحقّق العادة العدديّة بمرّتين ليس أمراً تعبّديّاً منهم عليهم‌السلام وإنّما علّله عليه‌السلام بأنّ رسول اللّه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم قال للتي تعرف أيّامها « دعي الصّلاة أيّام أقرائك ، فعلمنا أنّه لم يجعل القرء الواحد سنة لها ، فيقول دعي الصّلاة أيّام قرئك ، ولكن سنّ لها الأقراء ، وأدناه حيضتان فصاعداً » الحديث (2).

فإذا كانت العلّة في تحقّق العادة العدديّة بمرّتين هو صدق « أيّام أقرائها » بذلك فليتعدّى من العدديّة إلى جميع أقسام العادة الوقتيّة بذلك ، إذ يصدق « أيّام أقرائها » على رؤيتها الدم مرّتين متماثلتين من حيث الوقت في أوّله أو آخره أو وسطه ، وقد عرفت صحّة إضافة الأيّام إليها في كلّ من العادة الوقتيّة والعدديّة ، ومعه تدل الرّواية على تحقّق العادة بمرّتين مطلقاً ولو مع الإغماض عن اشتمالها على بعض أقسام العادة الوقتيّة.


1) الوسائل 2 : 287 / أبواب الحيض ب 7 ح 2.

2) نفس المصدر.

وقد يقال إنّ الرّواية وإن شملت كلتا العادتين بإطلاقها إلاّ أنّ مفهوم الموثقة موثقة سماعة حاكم على الرّواية ، ومقتضاه عدم تحقّق العادة غير العادة العدديّة برؤية الدم مرّتين ، وذلك حيث ورد في الموثقة « سألته عن الجارية البكر أوّل ما تحيض ، فتقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة أيّام ، يختلف عليها لا يكون طمثها في الشهر عدّة أيّام سواء ، قال عليه‌السلام : فلها أن تجلس وتدع الصّلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة ، فإذا اتفق الشهران عدّة أيّام سواء فتلك أيّامها » (1).

حيث دلّت بمفهوم قوله عليه‌السلام : « فإذا اتّفق ... » أنّه إذا لم يتّفق الشهران عدّة أيّام سواء فليست الأيّام أيّام عادتها ، لأنّها حصرت أيّام عادتها بما إذا تحقّقت لها العادة العدديّة ، ومع عدم العادة العدديّة لا يكون أيّام رؤيتها الدم في الشهرين أيّاماً لها وإن كانت لها عادة وقتيّة. وبهذا يحكم بأنّ غير ذات العادة العدديّة لا تجعل أيّام الدم في الشهرين أيّامها وإن كانت ذات عادة وقتيّة.

ولكن الأمر ليس كذلك ، وذلك لأنّ مورد الرّواية ليست هي ذات العادة العدديّة فإنّ هذا التعبير « فقد علم الآن أنّ ذلك قد صار لها وقتاً وخلقاً معروفا » وكذا قوله « أيّام أقرائك » لا يناسب ذات العادة العدديّة ، إذ لا وقت لها على الفرض ، وإنّما موردها ذات العادة الوقتيّة ولو من حيث الأخير ، ومورد الموثقة هو ذات العادة العدديّة كما هو مقتضى قوله « فإذا اتّفق الشهران عدّة أيّام سواء » فقد دلّت الموثقة على أنّ المضطربة الّتي لا يكون طمثها في الشهر عدّة أيّام سواء إذا رأت الدم في الشّهرين سواء من حيث العدد فذلك العدد أيّامها ، فتجعلها حيضاً إذا تجاوز الدم بها العشرة ، وإذا لم يتّفق لها أيّام سواء في شهرين من حيث العدد فلا عادة عدديّة لها حتّى تجعلها حيضاً عند تجاوز دمها العشرة ، فهي ناظرة إلى من ليست لها عادة عدديّة ومن لها عادة عدديّة. وأين هذا من ذات العادة الوقتيّة لتدل على عدم تحقّق عادتها بمرّتين ، فكلمة الأيّام في الموثقة غير الأيّام في المرسلة (2)، والحصر في الموثقة بمقتضى


1) الوسائل 2 : 304 / أبواب الحيض ب 14 ح 1.

2) أي رواية يونس السابقة.

الشرط صحيح بالنسبة إلى العدد فقط كما استفدناه من إطلاق الرّواية.

فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من أنّ العادة الوقتيّة والعدديّة تتحقّقان برؤية الدم مرّتين في شهرين على حدّ سواء.

ثمّ إنّه لا شبهة في أنّ ذات العادة العدديّة لا يعتبر في تحقّق عادتها تساوي طهرها بين أقرائها ، مثلاً إذا رأت الدم في الشهر الأوّل خمسة أيّام وبعد ما مضى عليها ستّة وعشرون يوماً أيضاً رأت الدم خمسة أيّام إلاّ أنّها رأت الدم في الشهر الثّالث بعد مضي عشرين يوماً من حيضها السابق ولم يتخلّل بين الحيضة الثّانية والثّالثة ستّة وعشرون يوماً كما تخلّل ذلك بين الحيضة الأُولى والثّانية فإنّ العادة العدديّة تتحقّق بذلك وإن اختلف طهرها بين أقرائها.

العادة العدديّة تتحقّق بأيّ شي‌ء؟

إلاّ أنّ الكلام في أنّ العادة العدديّة كما أنّها تتحقّق برؤية الدم مرّتين في الشهرين على حدّ سواء ، هل تتحقّق برؤية الدم في شهر واحد مرّتين أو في أزيد من شهرين كما إذا جرت عادتها على رؤية الدم في كلّ خمسين يوماً مرّة واحدة ، كما إذا رأته في أوّل الشهر خمسة أيّام وفي اليوم السّادس والعشرين منه أيضاً إلى خمسة أيّام أو رأته بعد خمسة عشر يوماً من حيضتها السّابقة عدّة أيّام سواء أو رأت الدم في أزيد من شهرين كذلك ، كما إذا جرت عادتها على رؤية الدم في كلّ من خمسين يوماً مرّة واحدة أو أنّ العادة لا تتحقّق بذلك؟

قد يقال بالأخير نظراً إلى أنّ أكثر الأخبار الواردة كما مرّت (1)إنّما كانت مشتملة على عنوان أيّامها والوقت المعلوم ، ولم تكن مشتملة على عنوان العادة ، ومقتضى المتفاهم العرفي في مثلها أن يعتبر رؤيتها الدم إلى مدّة يصدق أنّ أيّام الدم أيّامها ، ولا إشكال في أنّ العرف لا يرى صدق ذلك برؤية الدم مرّتين ، فمقتضى القاعدة عدم


1) الوسائل 2 : أبواب الحيض ب 3 و 4 و 5 و 13 و ...

كفاية رؤية الدم مرّتين على حدّ سواء.

إلاّ أنّ الموثقة والمرسلة دلتا على كفاية الرؤية كذلك في تحقّق العادة العدديّة وفي صدق عنوان الأيّام والوقت المعلوم ، وحيث إنّ ذلك على خلاف القاعدة فيقتصر فيه على موردها ، وهو رؤية الدم مرّتين في شهرين متعددّين ، فلا دليل على كفاية رؤيته مرّتين في شهر واحد أو في الزائد على شهرين في تحقّق العادة العدديّة ، هذا.

ولكن الصحيح كفاية رؤية الدم مرّتين في الشهر الواحد أو في الأزيد من شهرين كذلك ، وذلك لأنّ الموثقة دلّت على تحقّق العادة العدديّة برؤية الدم مرّتين على حدّ سواء ، ولم تدل على اختصاص ذلك برؤيته مرّتين في شهرين ، وإنّما ذكر الإمام عليه‌السلام اتفاق الشهرين عدّة أيّام سواء من جهة أنّ مورد السؤال فيها أنّ الجارية تختلف أيّامها في شهرين فترى الدم في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة أيّام ، فإنّه الغالب في النِّساء ، ومن هنا أجابه عليه‌السلام بأنّها إذا رأت الدم في الشهرين على حدّ سواء فتلك أيّامها ، ولا دلالة لها على عدم كفاية رؤية الدم مرّتين في شهر واحد على حدّ سواء.

على أنّ الموثقة في نفسها لا دلالة لها على عدم تحقّق العادة العدديّة برؤية الدم مرّتين في شهر واحد مع قطع النّظر عمّا ذكرناه ، وذلك لأنّ مفهوم قوله « فإذا اتّفق الشهران عدّة أيّام سواء فتلك أيّامها » ليس هو أنه « إذا اتّفق الدم في شهر واحد عدّة أيّام سواء فليست تلك أيّامها » ، بل مفهومه « إذا لم يتّفق الشهران عدّة أيّام سواء فلا تكون تلك أيّامها » وهو سالبة بانتفاء موضوعها نظير ما إذا قيل إذا ركب الأمير يوم الجمعة فخذ ركابه ، فإنّ مفهومه ليس هو أنّه إذا ركب الأمير في غير يوم الجمعة لا يجب أخذ ركابه بل مفهومه أنّ الأمير إذا لم يركب يوم الجمعة فلا يؤخذ ركابه وهو سالبة بانتفاء موضوعها ، فلا مفهوم للموثقة من تلك الناحية ليستفاد منها عدم تحقّق العادة العدديّة برؤية الدم مرّتين في شهر واحد أو في الزّائد عن الشّهرين.

فالمتحصل أنّه لم يقم دليل على تقييد تحقّق العادة برؤية الدم مرّتين في شهرين ، بل

كما أنّ العادة تتحقّق برؤيته مدّة مديدة يصدق عرفاً أنّها أيّامها كذلك تتحقّق برؤية الدم مرّتين مطلقاً في شهر واحد أو في شهرين أو أكثر.

وكذلك الحال في العادة الوقتيّة ، فإنّها تتحقّق بمرّتين ولو في شهر واحد أو أزيد من شهرين ، كما إذا اعتادت على رؤيته في كلّ عشرين يوماً ثلاثة أيّام أو أزيد ، فكانت تراه في أوّل الشهر خمسة وفي الخامس والعشرين أيضاً خمسة أو في كلّ شهرين مرّة مثلاً ، وأمّا ذكر الرؤية متساوية في شهرين فإنّما هو من جهة كونه الغالب في النِّساء كما مرّ ، وإلاّ فالمدار على تحقّق الأقراء أو الأيّام وهما متحقّقان بمرّتين فصاعداً كما تقدّم.

هل يعتبر تساوي الطهرين في الوقتيّة؟

وهل يعتبر تساوي الطهرين في العادة الوقتيّة؟ أمّا في العادة الوقتيّة من حيث الأوّل أو الأخير أو الوسط فعدم اعتبار تساوي الطهرين ممّا لا خفاء فيه ، لأنّه لازم العادة الوقتيّة كذلك ، فإنّها إذا رأت الدم من أوّل الشهر إلى خمسة أيّام في أحدهما ومن أوّله إلى سادسة في أحدهما الآخر ، فهي ذات عادة وقتيّة من حيث المبدأ ، مع أنّ طهرها مختلفة ، لأنّها رأت الطّهر بين الحيضة الأُولى والثّانية خمسة وعشرين يوماً ، وأمّا بين الثّانية والثّالثة الّتي تراها في أوّل الشهر الثّالث فأيّام طهرها أربعة وعشرون يوماً.

وكذا الحال في ذات العادة الوقتيّة من حيث المنتهي ، كما إذا رأت الدم إلى اليوم السابع من كلّ شهر إلاّ أنّها رأته في الشهر الأوّل من أوّله وفي الشهر الثّاني من ثانية أو من اليوم الثّالث ، فإنّ أيّام طهرها بين حيضتها الاولى والثّانية أربعة وعشرون أو خمسة وعشرون ، ولكنّها بين الحيضة الثّانية والثّالثة ثلاثة وعشرون إذا رأته في الشّهر الثّالث من أوّله.

ومن ذلك يظهر الحال في ذات العادة الوقتيّة من حيث الوسط فلا نطيل ، ففي هذه الأقسام من ذات العادة الوقتيّة لا معنى لاعتبار تساوي أيّام الطّهر لعدم تحقّقه كما عرفت.

نعم إنّما يتحقّق تساوي أيّام الطّهر في ذات العادة الوقتيّة والعدديّة معاً إلاّ أنّه غير معتبر حتّى في مثلها ، إذ قد تختلف أيّام الطّهر حينئذ ، لاختلاف الشهور من حيث الزّيادة والنقيصة ، وبه تختلف أيّام الطّهر قلّة وكثرة ، فإذا فرضنا أنّ عادتها هي رؤية الدم من أوّل الشهر إلى خامسة وكان الشهر الأوّل تسعة وعشرين يوماً ، والشهر الثّاني ثلاثين يوماً فإن طهرها بين الحيضة الأُولى والثّانية أربعة وعشرون يوماً ولكنّه بين الثّانية والثّالثة خمسة وعشرون يوماً.

ومن ذلك يظهر الحال فيما إذا كانت عادتها رؤية الدم من عاشر كلّ شهر إلى منتصفه لزيادة الشهر ونقصانه كما مرّ ، فتحصل أنّ تساوي الطّهر غير معتبر في شي‌ء من ذات العادة الوقتيّة والعدديّة أو إحداهما فحسب.

فذلكة الكلام

أنّ الأخبار الواردة (1)في المقام دلّت على أنّ المرأة إذا كانت لها « أيّام » أو « الوقت المعلوم » تجعل الدم في أيّامها حيضاً ، ومفهومها العرفي أن تكون المرأة متعوّدة برؤية الدم إلى مدّة يصدق عرفاً أنّ تلك المدّة أيّامها وأنّها الوقت المعلوم ، كما إذا رأت سنة أو سنتين من أوّل كلّ شهر إلى خامسة أو في كلّ شهر خمسة غير معيّنة الوقت. وهذه بحسب الكبرى ومصداقها ممّا لا شبهة فيه ولا كلام ، وإنما كنّا نتكلم في أنّ الأيّام الواردة في الرّوايات هل تنطبق على غير ما يستفاد منها بحسب المتفاهم العرفي أيضاً أو لا تنطبق ، وقد أثبتنا بالموثقة (2)أنّها تنطبق وتتحقّق برؤية الدم عدّة أيّام سواء مرّتين كما أثبتنا بالمرسلة (3)أنّها تنطبق على رؤية الدم في وقت معيّن مرّتين.


1) الوسائل 2 : أبواب الحيض ب 3 و 4 و 5 و 13.

2) الوسائل 2 : 304 / أبواب الحيض ب 14 ح 1.

3) الوسائل 2 : 287 / أبواب الحيض ب 7 ح 2.

[710] مسألة 10 : صاحبة العادة إذا رأت الدم مرّتين متماثلتين على خلاف العادة الاولى تنقلب عادتها إلى الثّانية (1) ، وإن رأت مرّتين على خلاف الاولى لكن غير متماثلتين يبقى حكم الاولى (1)، نعم لو رأت على خلاف العادة الاولى مرّات عديدة مختلفة تبطل عادتها وتلحق بالمضطربة.


صاحبة العادة إذا رأت الدم على خلاف عادتها

(1) فإذا كانت ترى الدم في الشهر الأوّل والثّاني من أوّله إلى خامسة وقد رأت في الشّهر الثّالث والرّابع من عاشره إلى مدّة معيّنة فتنقلب عادتها إلى الثّانية ، ففي الشّهر الخامس تأخذ بتلك العادة الحديثة ، فتجعل تلك الأيّام حيضاً من غير مراجعة الصفات والباقي استحاضة إذا كانت ذات عادة وقتيّة وعدديّة ، أو تجعل من أيّامها بعدد عادتها حيضاً والباقي استحاضة إذا كانت ذات عادة عدديّة وتجاوز دمها العشرة ، وقد ذكروا أنّ ذلك ممّا لا خلاف فيه ، وهو الصّحيح.

لأنّه كما لا نظن ولا نحتمل أحداً استشكل في انقلاب العادة العرفيّة بذلك ، مثلاً إذا فرضنا أنّ المرأة كانت ترى الدم سنة من أوّل الشهر إلى خامسة بحيث صدقت عليها « أيّامها » وعنوان « الوقت المعلوم » ثمّ كانت ترى الدم من خامسة إلى مدّة معيّنة أيضاً سنة ، فإنّها بعد تلك السنة الثّانية تأخذ بالعادة الثّانية لا محالة لصدق أنّها أيّامها ، وقد عرفت أنّ الأخبار الواردة في المقام ممّا لا شبهة فيه بحسب الكبرى ومصداقها العرفي فكذلك الحال في مصداقها التعبّدي الثابت بالموثقة والمرسلة ، فالعبرة إذن بالعادة المتصلة بالدم دون العادة الزائلة.

نعم ، لو رأت الدم على خلاف الشّهرين المتقدّمين مرّة واحدة فلا يكون ذلك موجباً لانقلاب عادتها ، بل في الشهر الرّابع تعامل بمقتضى عادتها السابقة قبل ذلك


1) (*) فيه إشكال والأحوط مراعاة أحكام ذات العادة والمضطربة.

الشهر الواحد ، وذلك لإطلاق الموثقة وغيرها ممّا دلّت على أنّ اتفاق الدمين في الشّهرين عدّة أيّام سواء يوجب تحقّق العادة وصدق عنوان أيّامها ، وما ذكرناه لعله ممّا لا إشكال فيه.

وإنّما الكلام فيما إذا رأت في الشّهر الثّالث على خلاف الشهرين السابقين وكذا في الشّهر الرّابع إلاّ أنّ الدّمين فيهما في الشهر الثّالث والرّابع لم يكونا متساويين ، فإنّ ذلك وإن لم يكف في تحقّق العادة لما مرّ من أنّها إنّما تتحقّق برؤية الدم مرّتين متماثلتين إلاّ أنّ الكلام في أنّهما هل يوجبان ارتفاع عادتها السابقة بحيث تكون المرأة في الشهر الخامس مضطربة أو أنّ العادة السابقة لا ترتفع بذلك ، نعم ترتفع فيما إذا رأت مرّات مختلفة بحيث صدق أنّ المرأة مضطربة عرفاً.

ذهبوا إلى أنّ العادة السابقة لا ترتفع بذلك ولا تكون المرأة مضطربة برؤيتها الدم مرّتين غير متماثلتين على خلاف عادتها ، ولعلّ ذلك هو الصّحيح ، لإطلاق ما دلّ على تحقّق العادة برؤية الدم مرّتين وعدم تحقّقها برؤيتها مرّة واحدة ، حيث استفدنا من قوله عليه‌السلام في تفسير ما نقله عن النّبيّ صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ العادة تتحقّق برؤية الدم مرّتين فصاعداً ولا تتحقّق برؤيته مرّة واحدة (1).

على أنّ المسألة كما ذكروا ممّا لا خلاف فيه ، ولكن سيِّدنا الأُستاذ ( مدّ ظلّه ) احتاط في تعليقته الأنيقة على المتن ، نظراً إلى احتمال دلالة الموثقة (2)بمفهومها على عدم بقاء عادتها السابقة بذلك ، لأنّ مفهومها أنّ الشّهرين إذا لم يتّفقا عدّة أيّام سواء فليست تلك بأيّامها ، وبما أنّ مفروضنا عدم اتّفاق الشّهرين عدّة أيّام سواء فلا تكون تلك الأيّام بأيّامها ، فإنّ احتمال ذلك يكفي فيما صنعه ( مدّ ظلّه ) من الاحتياط بالجمع بين أحكام ذات العادة والمضطربة. وإن كان احتمالاً ضعيفاً كما لا يخفى.

والوجه في ضعف ذلك هو أنّه لا مفهوم للموثقة لتدلّ على ارتفاع العادة السابقة


1) الوسائل 2 : 287 / أبواب الحيض ب 7 ح 2.

2) الوسائل 2 : 304 / أبواب الحيض ب 14 ح 1.

حينئذ ، فإنّ مفهومها سالبة بانتفاء موضوعها ، ومقتضاه أنّ المرأة إذا رأت الدم شهرين مختلفين فليست تلك الأيّام بأيّامها ، وأمّا أنّ العادة السابقة ترتفع بذلك فلا يستفاد منها بوجه. فدعوى أنّ الموثقة تدل على أنّ المرأة إذا رأت الدم مرّتين مختلفتين على خلاف عادتها السالفة ترتفع بذلك العادة السابقة ساقطة لا يعتنى بها.

والصحيح في الحكم بارتفاع العادة السابقة أن يستدل بمعتبرة يونس المتقدّمة ، حيث إنّها بعد ما دلّت على أنّ رسول اللّه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم سنّ في الحيض ثلاث سنن وبيّنت أقسامها وشقوقها ، دلّت على أنّ ذات العادة إذا تغيّرت عادتها ورأت مرّة زائدة ومرّة ناقصة فهي مضطربة لا بدّ من أن ترجع إلى الصفات وإقبال الدم وإدباره أي زيادته وقلّته المعبر عنه بالدم البحراني ، وذلك حيث ورد في ذيلها وإن اختلط عليها أيّامها وزادت أي مرّة ونقصت أي مرّة أُخرى حتّى لا تقف منها على حدّ ولا من الدم على لون ، عملت بإقبال الدم وإدباره وليس لها سنّة غير هذا ، لقول رسول اللّه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أقبلت الحيضة فدعي الصّلاة وإذا أدبرت فاغتسلي ، ولقوله عليه‌السلام « إنّ دم الحيض أسود يعرف كقول أبي إذا رأيت الدم البحراني » الحديث (1).

ومقتضى ذلك الحكم بارتفاع العادة برؤية الدم مرّتين مختلفتين وكون المرأة مضطربة ، إلاّ أنّ المسألة لمّا كانت إجماعيّة حيث نقلوا عدم الخلاف في عدم انقلاب العادة برؤية الدم مرّتين مختلفتين كان الاحتياط بالجمع بين أحكام ذات العادة والمضطربة في محله وموقعه.


1) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 3.

[711] مسألة 11 : لا يبعد تحقّق العادة المركّبة ، كما إذا رأت في الشهر الأوّل ثلاثة وفي الثّاني أربعة وفي الثّالث ثلاثة وفي الرّابع أربعة أو رأت شهرين متواليين ثلاثة وشهرين متواليين أربعة ثمّ شهرين متواليين ثلاثة وشهرين متواليين أربعة ، فتكون ذات عادة على النحو المزبور ، لكن لا يخلو عن إشكال خصوصاً في مثل الفرض الثّاني ، حيث يمكن أن يقال إنّ الشّهرين المتواليين على خلاف السابقين يكونان ناسخين للعادة الاولى ، فالعمل بالاحتياط أولى (1)(1).

نعم ، إذا تكرّرت الكيفيّة المذكورة مراراً عديدة بحيث يصدق في العرف أنّ هذه الكيفيّة عادتها وأيّامها لا إشكال في اعتبارها ، فالإشكال إنّما هو في ثبوت العادة الشرعيّة بذلك ، وهي الرؤية كذلك مرّتين.


أقسام العادة

العادة المركّبة

(1) العادة قد تكون بسيطة عدديّة أو وقتيّة كما إذا رأت الدم في وقت معيّن مرّتين أو عدداً معيّناً كذلك ، وقد تكون مركّبة كما إذا رأت ثلاثة أيّام مرّة وأربعة أيّام اخرى ، وأيضاً رأت ثلاثة مرّة وأربعة اخرى وهكذا ، بأن كانت عادتها مركّبة من ثلاثة وأربعة ، ففي المرّة الفرد ثلاثة وفي الزّوج أربعة بمعنى أنّه في المرّة الأُولى والثّالثة والخامسة والسّابعة وهكذا ثلاثة ، وفي المرّة الثّانية والرّابعة والسّادسة وهكذا أربعة فهل يكفي ذلك في تحقّق العادة فترجع في الشهور الفرديّة إلى ثلاثة أيّام وفي الزّوج إلى أربعة ، أو أنّها ليست بذات عادة بل مضطربة؟

فصّل الماتن قدس‌سره بين ما إذا تكرّرت الكيفيّة المذكورة مراراً عديدة كسنة أو أقل أو أكثر بحيث صدق عرفاً أنّ هذه الكيفيّة عادتها وأيّامها فلا إشكال في اعتبارها ، وبين ما إذا لم تتكرّر الكيفيّة المزبورة كذلك كما إذا رأت في الشهر الأوّل


1) (*) لا يترك الاحتياط حتّى إذا تكرّرت الكيفيّة المذكورة مرارا.

ثلاثة أيّام وفي الشهر الثّاني أربعة وفي الشهر الثّالث ثلاثة وفي الشهر الرّابع أربعة وهكذا ، أو رأت في الشهرين ثلاثة وفي الشهرين أربعة وهكذا ، فإنّ ثبوت العادة بذلك لا يخلو عن الإشكال ولا سيما في الفرض الأخير ، لأنّ الرؤية مرّتين ممّا يحقّق عادة جديدة وتكون ناسخة للعادة السابقة فالعمل بالاحتياط أولى هذا.

والصحيح عدم تحقّق العادة المركّبة مطلقاً ، وذلك لقصور المقتضي ووجود المانع.

أمّا عدم تماميّة المقتضي فلأن غاية ما يمكن أن يستدل به على كفاية العادة المركّبة دعوى أنّ الأيّام الواردة في الرّوايات مطلقة ، فكما أنّها تشمل العادة البسيطة فيما إذا رأت عدداً أو وقتاً معيّناً شهرين فصاعداً كذلك تشمل العادة المركّبة فيما إذا رأت ثلاثة في الشهور الفردة وأربعة أيّام في الأزواج مثلاً ، فيقال إنّ أيّامها ثلاثة في الأفراد وأربعة في الأزواج.

ويدفعه : أنّ الظّاهر من كلمة « أيّامها » الواردة في الرّوايات هو الأيّام المضبوطة والمعيّنة ، لأنّها الّتي يصدق عليها « الوقت المعلوم » دون غيرها ، ولا أقل من كونها محتملة لذلك ، ولا تصدق الأيّام المضبوطة المعيّنة على ما إذا رأت ثلاثة في شهر وأربعة في آخر ، ولا تكون الثّلاثة أيّامها المضبوطة ، ولا الأربعة كذلك ، فلو أُريد من « أيّامها » أعم من المضبوطة المعيّنة وغيرها للزم الالتزام بتحقّق العادة فيما إذا رأت في شهر خمسة أيّام وفي شهر آخر ستّة وفي شهر ثالث سبعة ، بدعوى أنّ عادتها التحيّض بما لا يزيد عن السبعة ولا ينقص عن الخمسة ، فأيّامها أحد الأيّام الثّلاثة في شهر خمسة وفي شهر ستّة وفي ثالث سبعة ، ولا نحتمل أحداً يلتزم بتحقّق العادة بذلك ، وإنّما هي مضطربة. وليس هذا إلاّ من جهة أنّ المدار على الأيّام المعيّنة المضبوطة ، وعليه فلا يكون شي‌ء من الثّلاثة ولا الأربعة أيّاماً معيّنة لها ، بل تكون بذلك مندرجة في المضطربة.

وأمّا وجود المانع فلأنا لو سلّمنا تماميّة المقتضي في نفسه وشمول « أيّامها » بإطلاقه على كلّ من العادة البسيطة والمركّبة فلا مانع من تقييده بالعادة البسيطة بالمرسلة والموثقة ، وذلك لأنّ ظاهر الموثقة موثقة سماعة (1)أنّ العادة العدديّة إنّما تتحقّق


1) الوسائل 2 : 304 / أبواب الحيض ب 14 ح 1.

[712] مسألة 12 : قد تحصل العادة بالتمييز (1)كما في المرأة المستمرة الدم إذا رأت خمسة أيّام مثلاً بصفات الحيض في أوّل الشهر الأوّل ثمّ رأت بصفات الاستحاضة ، وكذلك رأت في أوّل الشهر الثّاني خمسة أيّام بصفات الحيض ثمّ رأت بصفات الاستحاضة ، فحينئذ تصير ذات عادة عدديّة وقتيّة ، وإذا رأت في أوّل الشهر الأوّل خمسة بصفات الحيض وفي أوّل الشهر الثّاني ستّة أو سبعة مثلاً فتصير حينئذ ذات عادة وقتيّة ، وإذا رأت في أوّل الشهر الأوّل خمسة مثلاً وفي العاشر من الشهر الثّاني مثلاً خمسة بصفات الحيض فتصير ذات عادة عدديّة (1).


برؤية الدم شهرين أي مرّتين على حدّ سواء ، وظاهرها الشهران المتّصلان ، ولا إشكال في عدم تحقّق رؤية الدم على حدّ سواء شهرين متصلين في العادة المركّبة ، وإنّما ترى المرأة فيها الدم شهرين غير متّصلين ، ولا يصدق أنّها رأت ثلاثة أيّام في شهرين على حدّ سواء ، وهكذا في الأربعة.

وكذلك الحال في المرسلة (2)بل دلالتها على ذلك أصرح من الموثقة ، حيث صرّحت بأن العادة الوقتيّة إنّما تتحقّق بحيضتين متواليتين فصاعداً ، فبهاتين الرّوايتين تقيّد الأيّام بالأيّام المتوالية بحسب الشهرين أو المرّتين ، وهذا لا يتحقّق في العادة المركّبة مطلقاً حتّى فيما إذا تكرّرت منها تلك الكيفيّة مدّة مديدة بحيث صدق عرفاً أنّ الكيفيّة المذكورة عادتها وأيّامها ، وذلك لعدم رؤيتها الدم شهرين متواليين على حدّ سواء ، فهي مضطربة من أوّل ما رأت الدم بتلك الكيفيّة ، وحيث إنّ الأصحاب ذهبوا إلى كفاية العادة المركّبة فالاحتياط بالجمع بين أحكام المضطربة وذات العادة ممّا لا ينبغي تركه.

ما تتحقّق به العادة

(1) لأنّ العادة قد تحصل بالوجدان كما إذا رأت الدم ثلاثة أيّام مثلاً في كلا


1) (*) فيه إشكال بل منر. وسيأتي منه قدس‌سره المنع من الرّجوع إلى العادة الحاصلة من التمييز مع وجود الصفات في غيره.

2) الوسائل 2 : 287 / أبواب الحيض ب 7 ح 2.

الشهرين أو رأته في أوّل الشّهرين عدداً مختلفاً ، وقد تحصل بالتمييز وبالصفات كما إذا تجاوز دمها العشرة في كلا الشهرين ولكن خمسة من كلّ منهما كان بصفات الحيض فاتخذت الخمسة عادة عدديّة بالصفات لا بالوجدان ، أو أنّها رأت الدم زائداً على العشرة في كليهما إلاّ أنّه كان في أوّل الشهرين بصفات الحيض أو في وسطهما أو في آخرهما فحصلت لها العادة الوقتيّة بالصفات.

ولا يبعد أن يكون تحقّق العادة بالتمييز هو المعروف بينهم ، وذلك لأنّ الأمارات تقوم مقام العلم الطريقي ، والصفات أمارات شرعيّة على الحيض ، فلا محالة تقوم مقام العادة الحاصلة بالوجدان.

وعن شيخنا الأنصاري قدس‌سره الاستشكال في كبرى تحقّق العادة بالتمييز على نحو الموجبة الجزئيّة ، وهي ما إذا كانت الأمارة القائمة على الحيض مختلفة في الشهرين ومرّتين ، بأن رأت الدم زائداً على العشرة في كلا الشهرين ، إلاّ أنّها جعلت الخمسة الأُولى منها حيضاً في الشهر الأوّل لكونه أسود والخمسة الثّانية فصاعداً أحمر ، والسواد أمارة الحيض ، وجعلت الخمسة الاولى من الشهر الثّاني حيضاً لكونه أحمر والخمسة بعدها فصاعداً أصفر ، والحُمرة علامة الحيض لا محالة ، فكون عادتها في الشهرين خمسة أيّام إنّما ثبتت بالسواد والحمرة ، وهما أمارتان مختلفتان (1).

والاستشكال في هذه الصّورة من جهة عدم صدق رؤية الدم في الشهرين على حدّ سواء ، غير أنّه قدس‌سره إنّما استشكل في تحقّق العادة بالتمييز في هذه الصّورة من دون ما إذا كانت الأمارتان في الشهرين متماثلتين.

إلاّ أنّ هذا التفصيل ممّا لا وجه له ، لأنّ الدليل إنّما قام على اعتبار كون الدمين في الشّهرين متساويين من حيث الوقت أو العدد ، وأمّا كونهما متساويين متماثلين حتّى من حيث الأمارة القائمة عليهما ، فلا دليل عليه ، بل يمكن أن تكون الإمارة في كلّ شهر على الحيضيّة غير الأمارة القائمة في الشهر الآخر ، فلا يعتبر التساوي من حيث


1) كتاب الطّهارة : 199 السطر 8 / المقصد الثّاني في الحيض.

السبب ، ومن هنا لو رأت الدم ثلاثة أيّام في أحد الشّهرين بالوجدان ورأت في الشهر الثّاني زائداً على العشرة ولكن كانت ثلاثة أيّام منها بصفات الحيض تتحقّق العادة بضمّ الوجدان إلى التعبد لو قلنا بثبوت العادة بالتمييز.

فإذن الأمر يدور بين أن نلتزم بثبوت العادة بالتمييز مطلقاً وإن كانت الأمارة القائمة على الحيضيّة مختلفة في الشّهرين بحيث لو تجاوز دمها العشرة في الشهر الثالث اتّخذت عادتها الثّابتة بالتمييز حيضاً والباقي استحاضة ، وبين أن لا نقول بتحقّق العادة بالتمييز مطلقاً ، ففي الشهر الثّالث لو تجاوز دمها العشرة أيضاً ترجع إلى التمييز بالصفات ، فما كان بصفات الحيض ، جعلته حيضاً وإن كان أقل أو أكثر ممّا رأته في الشّهرين المتقدّمين ، ولا ترجع إلى العادة الثّابتة بالتمييز ، كما التزم به الماتن قدس‌سره في أوّل مسألة من مسائل تجاوز الدم العشرة وسيأتي أنّه ممّا ينافي ما ذكره في المقام.

وكيف كان ، التفصيل المتقدّم عن شيخنا الأنصاري قدس‌سره ممّا لا وجه له ، وظاهر الجواهر التنظر في تحقّق العادة بالتمييز مطلقاً إن لم يكن إجماع متحقّق (1).

والصحيح عدم تحقّق العادة بالتمييز مطلقاً ، ولم يقم إجماع تعبدي على تحقّق العادة بذلك بحيث يصل إليهم يداً بيد عن المعصومين عليهم‌السلام ، لأنّ حكمهم هذا أمر موافق للقاعدة لقيام الأمارة مقام القطع الطريقي كما عرفت ، وحيث إنّ الصفات أمارة الحيض فذهبوا إلى أنّ الأمارة تقوم مقام القطع بتحقّق العادة لا محالة ، ومعه كيف يكون الإجماع تعبديّاً ، وإنّما هو مدركي فلا بدّ من ملاحظة ذلك المدرك.

ولا نريد بإنكار تحقّق العادة بالتمييز المنع عن قيام الأمارة مقام القطع الطريقي ، بل نلتزم بذلك ، ومن هنا لو كانت المرأة ذات عادة إلاّ أنّها نسيتها في الشهر الثّالث وقامت الأمارة على أنّها كانت خمسة أيّام مثلاً أو أنّ عادتها كانت التحيض من أوّل الشهر كانت الأمارة حجّة ، وبها تثبت عادتها لا محالة. وإنّما غرضنا أنّ العادة لا تتحقّق بالصفات ، بل يعتبر فيها ان تتحقّق بالوجدان ، لا أنّ الأمارة لا تقوم مقام


1) الجواهر 3 : 178 / الفصل الثّاني في الحيض.

القطع الطريقي.

وقبل الشّروع في بيان الدليل على هذا المدّعى ننبّه على أنّ كلام الماتن قدس‌سره في هذه المسألة حيث حكم بتحقّق العادة بالتمييز مناف لما يأتي منه قدس‌سره في المسألة الاولى من فصل حكم تجاوز الدم عن العشرة ، حيث منع فيها عن الرّجوع إلى العادة الحاصلة بالتمييز عند تجاوز الدم عن العشرة ، وحكم بالرجوع إلى العادة الحاصلة بالوجدان ، إذ لو كانت العادة الحاصلة بالتمييز كالعادة الحاصلة بالوجدان لم يكن وجه للمنع عن الرّجوع إليها.

وكيف كان إنّ مقتضى موثقة سماعة ومرسلة يونس المتقدّمتين (1)حصر تحقّق العادة بما إذا أُحرز بالوجدان الدم في شهرين على حدّ سواء من دون أن يتجاوز دمها العشرة. فذات العادة وقعت في مقابل من تجاوز دمها العشرة ، فلا عادة لمن تجاوز دمها العشرة ، وإنّما هي منحصرة بمن رأت انقطاع الدم في شهرين على حدّ سواء بالوجدان.

وتفصيل الكلام في ذلك أنّ الأدلّة الواردة في أنّ المرأة ترجع إلى عادتها وأيّامها فيما إذا تجاوز دمها العشرة وإن كانت كغيرها من الأدلّة متكلّفة لإثبات الحكم على الموضوع الواقعي ، وهو قد يثبت بالتعبّد فلا تكون الأيّام حينئذ بمعنى الأيّام المعلومة والثّابتة بالقطع والوجدان ، إلاّ أنّ مقتضى الإطلاقات الآمرة بالرّجوع إلى الصفات أنّ المرأة لا بدّ وأن تميّز الحيض بالصفات ، وقد خرجنا عن إطلاقها في المرأة ذات العادة أي المرأة الّتي تثبت لها العادة بالوجدان ، فإنّها ترجع إلى عادتها وتجعلها حيضاً والباقي استحاضة وإن كان بصفة الحيض ، وأمّا ذات العادة بالتمييز فلم يقم دليل على رجوعها إلى عادتها عند تجاوز دمها العشرة ، فالإطلاقات فيها محكمة ولا مناص من أن ترجع إلى الصفات في الشهر الثّالث أيضاً ، كما كانت ترجع إليها في الشهرين المتقدّمين.


1) الوسائل 2 : 287 / أبواب الحيض ب 7 ح 1 و 2.

والوجه في ذلك أنّ الموثقة والمرسلة المتقدّمتين إنّما دلّتا على أنّ المرأة غير المستحاضة أي غير من تجاوز دمها العشرة إذا رأت الدم شهرين متساويين عدّة أيّام سواء فتلك أيّامها ، فلو استحيضت أي رأت الدم زائداً على العشرة بعد ذلك تأخذ عادتها حيضاً والباقي استحاضة ، وأمّا المرأة الّتي رأت الدم زائداً على العشرة من الابتداء فهي خارجة عن مدلولهما.

ففي المرسلة عبّر بكلمة « ثمّ » في قوله « فالحائض الّتي لها أيّام معلومة قد أحصتها بلا اختلاط عليها ثمّ استحاضت فاستمرّ بها الدم ... » (1)وفي الموثقة سأل « عن الجارية البكر أوّل ما تحيض فتقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة أيّام يختلف عليها لا يكون طمثها في الشهر عدّة أيّام سواء ، قال : فلها أن تجلس وتدع الصّلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة ، فإذا اتّفق الشهران عدّة أيّام سواء فتلك أيّامها » (2).

حيث إنّها دلّت على ثبوت العادة برؤية الدم مرّتين متساويتين في البكر الّتي ترى الدم في أوّل ما تراه في الشهرين أقل من عشرة أيّام كثلاثة أو أربعة ، فالّتي ترى الدم في أوّل ما تراه زائداً على العشرة خارجة عن مدلول الموثقة ، وإطلاقات وجوب الرّجوع إلى الصفات محكمة في حقّها.

وعلى الجملة إنّ مقتضى الإطلاقات والموثقة والمرسلة عدم كفاية العادة الحاصلة بالتمييز في تحقّق العادة ، لعدم الدليل على كفاية الصفات في ذلك ، فعدم قيام هذه الأمارات مقام القطع الطريقي مستند إلى قصور الدليل في خصوص المقام لا أنّ الأمارة لا تقوم مقام القطع الطريقي.


1) الوسائل 2 : 281 / أبواب الحيض ب 5 ح 1.

2) الوسائل 2 : 304 / أبواب الحيض ب 14 ح 1.

[713] مسألة 13 : إذا رأت حيضين متواليين متماثلين مشتملين على النّقاء في البين فهل العادة أيّام الدم فقط أو مع أيّام النّقاء أو خصوص ما قبل النّقاء؟ الأظهر الأوّل (1). مثلاً إذا رأت أربعة أيّام ثمّ طهرت في اليوم الخامس ثمّ رأت في السّادس ، كذلك في الشهر الأوّل والثّاني فعادتها خمسة أيّام لا ستّة ولا أربعة فإذا تجاوز دمها رجعت إلى خمسة متوالية وتجعلها حيضاً ، لا ستّة ولا بأن تجعل اليوم الخامس يوم النّقاء والسّادس أيضاً حيضاً ولا إلى الأربعة (1).


النّقاء بين الحيضتين

(1) بأن رأت الدم في كلّ واحد من الشّهرين أربعة أيّام مثلاً وحصل النّقاء في اليوم الخامس ثمّ رأت الدم في اليوم السّادس أيضاً ، فهل تجعل أيّامها ستّة ، أعني مجموع أيّام الدم والنّقاء ، أو أنّ عادتها خمسة أيّام بإسقاط يوم النّقاء أو أنّ عادتها أربعة أيّام ، أعني ما رأته قبل النّقاء فحسب؟

ذهب الماتن قدس‌سره إلى أنّ عادتها هي أيّام الدم وهي خمسة ، دون ما قبل النّقاء أو المجموع. أمّا ما أفاده من أنّ أيّام العادة ليست هي أيّام الدم قبل النّقاء فحسب فهو كما أفاده لأنّ تخصيص الحيض بها بلا مخصّص ، فإنّه عبارة عن دم الحيض أو حدثه ، وكلاهما زائدان عن الأربعة في المثال ، وإنّما الكلام في أنّ عادتها هل هي أيّام الدم المركّبة ممّا تقدّم على النّقاء وما تأخّر عنه دون يوم النّقاء ، أو أنّ عادتها مجموع أيّام الدم والنّقاء؟

والظّاهر أنّ النّزاع في هذه المسألة يبتني على الخلاف المتقدِّم من أنّ النّقاء في أثناء الحيضة الواحدة طهر أو ملحق بما سبقه ولحقه من الدم (2)، فعلى ما ذهب إليه صاحب الحدائق قدس‌سره واحتاط فيه الماتن من عدم كون يوم النّقاء من


1) (*) بل الأظهر الثّاني ورعاية الاحتياط أولى.

2) تقدّم في الصفحة 135.

الحيض بحمل ما ورد من أنّ أقلّ الطّهر عشرة أيّام على ما بين الحيضتين دون أثناء الحيضة الواحدة لا بدّ من أن يلتزم بما أفاده الماتن قدس‌سره من جعل العادة هي أيّام الدم فحسب دون المجموع منها ومن يوم النّقاء ، لأنّ أيّام الدم هي أيّام قعودها وجلوسها الّتي ترجع إليها عند زيادة دمها على العشرة ، دون يوم النّقاء لأنّها فيه طاهرة.

وأمّا بناءً على ما قوّيناه من أن يوم النّقاء ملحق بما سبقه ولحقه من أيّام حيضها وأنّه لا وجه لتقييد ما دلّ على أنّ أقلّ الطّهر عشرة أيّام بالحيضتين المستقلّتين فالعادة هي المجموع من أيّام الدم وأيّام النّقاء ، لأنّه أيّام قعودها وجلوسها لا خصوص أيّام دمها.

وتوضيح ذلك : أنّ ظاهر « أيّامها » الّتي ترجع إليها المرأة عند تجاوز دمها العشرة هو أيّام قعودها وجلوسها ، وهي أعم من أيّام الدم ويوم النّقاء إذا قلنا بكونه بحكم الحيض ، ثمّ لو تنازلنا عن ذلك وقلنا إنّها ظاهرة في أيّام الدم أو أنّها مجملة في نفسها فهناك جملة من الأخبار قد وردت في أنّ الأيّام الّتي ترجع إليها المرأة عند تجاوز دمها العشرة هي أيّام قعودها وجلوسها.

منها : موثقة سماعة قال : « سألته عن امرأة رأت الدم في الحبل ، قال : تقعد أيّامها الّتي كانت تحيض ، فإذا زاد الدم على الأيّام الّتي كانت تقعد استظهرت بثلاثة أيّام ثمّ هي مستحاضة » (1).

ومنها : صحيحة الصحّاف قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : إنّ أُمّ ولدي إلى أن قال وإذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الّذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فإنّه من الحيضة ، فلتمسك عن الصّلاة عدد أيّامها الّتي كانت تقعد في حيضها » الحديث (2).


1) الوسائل 2 : 302 / أبواب الحيض ب 13 ح 6.

2) الوسائل 2 : 330 / أبواب الحيض ب 30 ح 3.

ومنها : صحيحة أو موثقة يونس بن يعقوب (1)فراجع.

ومنها : غير ذلك من الأخبار الدالّة على أنّ المراد من الأيّام أيّام قعودها وجلوسها (2)، وقد عرفت أنّها أعمّ من أيّام الدم والحدث.

وعليه فإذا قلنا أنّ يوم النّقاء محكوم بحكم الحيض كما بنينا عليه فأيّامها ستّة في المثال ، لأنّها الّتي كانت تقعد فيها ، أي هي أيّام قعودها. وأمّا إذا قلنا أنّ يوم النّقاء يوم طهر كما بنى عليه صاحب الحدائق قدس‌سره فأيّامها خمسة في المثال ، لأنّها الّتي كانت تقعد فيها ، وأمّا اليوم الخامس فهو يوم طهر لا يوم حدث ولا دم ، هذا كلّه في ذات العادة العدديّة.

وأمّا ذات العادة الوقتيّة كما إذا رأت أربعة أيّام من أوّل الشهر وانقطع يوم الخامس ثمّ عاد اليوم السّادس فقط ، ورأت كذلك في الشهر الثّاني إلاّ أنّها رأت بعد اليوم الخامس يومين ففي هذه الصّورة إن قلنا بأنّ كلمة « أيّامها » الّتي لا بدّ من أن ترجع إليها المرأة عند تجاوز دمها العشرة ظاهرة في أيّام قعودها وجلوسها فأيضاً يأتي التفصيل المتقدّم ، فعلى القول بأن يوم النّقاء محكوم بالحيض فأيّامها الّتي كانت تقعد فيها ستّة لا محالة ، وأمّا إذا قلنا بكونه يوم طهر فأيّامها الّتي تقعد فيها خمسة.

وكذلك الحال فيما إذا قلنا بإجمالها لتردّدها بين أيّام الدم والأعم منها ومن أيّام الحدث ، إذ لنا أن نرجع حينئذ إلى مرسلة يونس الطويلة (3)المشتملة على الأمر بالرّجوع إلى أيّام أقرائها عند تجاوز دمها العشرة ، والأقراء جمع قرء وهو أعم من الدم والحدث ، فعلى القول بأن يوم النّقاء طهر فلا محالة تكون أيّامها خمسة في المثال لأنّ اليوم الخامس ليس بيوم الحدث ولا الدم.

كما لا يمكن الحكم بكون الصفرة فيه حيضاً تمسّكاً بما دلّ على أنّ الصّفرة في أيّام العادة حيض ، وذلك لعدم كون النّقاء من أيّام عادتها وإنّما هو يوم طهر.


1) الوسائل 2 : 303 / أبواب الحيض ب 13 ح 12.

2) الوسائل 2 : 300 / أبواب الحيض ب 13.

3) الوسائل 2 : 276 / أبواب الحيض ب 3 ح 4.

[714] مسألة 14 : يعتبر في تحقّق العادة العدديّة تساوي الحيضتين (1) وعدم زيادة إحداهما على الأُخرى ولو بنصف يوم أو أقل ، فلو رأت خمسة في الشهر


نعم لا مانع من التمسّك بصحيحة محمّد بن مسلم أو حسنته باعتبار إبراهيم بن هاشم أو الموثقة باعتبار حماد الواقع في سندها ، قال « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن المرأة ترى الصفرة في أيّامها فقال : لا تصلِّي حتّى تنقضي أيّامها ، وإن رأت الصفرة في غير أيّامها توضّأت وصلّت » (1)حيث دلّت على أنّ الصفرة الّتي تراها المرأة محكومة بالحيض ما دام لم تنقض أيّامها ، وعليه فإذا رأت المرأة صفرة في اليوم الخامس مثلاً فضلاً عن الدم في الشهر الثّالث فلا بدّ من الحكم بكونه حيضاً ، لأنّها تراها في وقت لم تنقض أيّامها لبداهة أنّها في اليوم الخامس لا يصحّ أن يقال : إنّ أيّامها انقضت ، لأنّها ترى الدم بعد ذلك يوماً أو يومين.

وعليه ففي العادة الوقتيّة لا بدّ من الحكم بأنّ عادتها هي مجموع أيّام الدم والنّقاء من غير تفصيل بين كون النّقاء طهراً أم حيضاً. وأمّا في العادة العدديّة فلا بدّ من التّفصيل بين المسلكين ، فعلى مسلكنا تكون عادتها هي مجموع أيّام الدم والنّقاء وعلى مسلك صاحب الحدائق قدس‌سره هي أيّام الدم فحسب.

تساوي الحيضتين في العدديّة

(1) نسب إلى بعضهم عدم كون الزّيادة بساعة أو ساعتين أو أكثر مانعة عن تحقّق العادة العدديّة ما لم تبلغ اليوم ، وذلك بدعوى أنّ المدار في العادة العدديّة على تساوي الشهرين من حيث عدد الأيّام ولا اعتبار بتساويهما من حيث السّاعات ، فلو رأت في أحد الشّهرين خمسة أيّام وفي الشهر الآخر خمسة أيّام ونصف يوم صدق أنّ المرأة رأت الدم في الشهر الثّاني بعدد لا يزيد عن عدد الأيّام في الشهر السابق بيوم وهي خمسة أيّام ونصف.


1) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4 ح 1.

الأوّل وخمسة وثلث أو ربع يوم في الشّهر الثّاني لا تتحقّق العادة من حيث العدد. نعم لو كانت الزّيادة يسيرة لا تضرّ. وكذا في العادة الوقتيّة تفاوت الوقت ولو


ولكن الصحيح ما هو المعروف بينهم من اعتبار التّساوي من حيث العدد في العادة العدديّة وعدم تحقّقها عند زيادة إحدى الحيضتين على الأُخرى ولو بنصف يوم.

والوجه في ذلك : أنّ الموثقة (1)دلّت على أنّ العادة العدديّة إنّما تتحقّق فيما إذا اتّفق الشهران عدّة أيّام سواء ، ولا إشكال في عدم صدق ذلك عند رؤيتها الدم في شهر خمسة أيّام وفي شهر آخر خمسة أيّام ونصف ، لأنّ الأيّام كغيرها من الموجودات فكما أنّ أحداً إذا ملك خمسة دنانير مثلاً وملك الآخر خمسة دنانير ونصفاً لا يصدق أنّهما متّفقان في عدد ما يملكانه ، بل يقال إنّ أحدهما ملك خمسة دنانير ونصفاً وملك الآخر خمسة دنانير ، فكذلك الحال في المقام ، فلا يصدق في المثال أنّها رأت الدم في الشهرين عدّة أيّام سواء.

نعم ، الزّيادة اليسيرة بمقدار لا ينافي صدق اتّحاد الحيضتين من حيث العدد عرفاً غير مضرة ، لتحقّق العادة العدديّة بذلك ، كما إذا زاد أحد العددين عن الآخر بخمس دقائق ونحوها ، وذلك للقرينة الخارجيّة وهي القطع بعدم إرادة تساوي الحيضتين تساوياً عقليّاً بحسب العدد بحيث يضرّها الاختلاف ولو بزيادة أحدهما على الآخر بخمسة دقائق بل بدقيقة ، لعدم تحقّق ذلك في الخارج أصلاً ، ولو كان أمراً متحقّقاً فهو من الندرة بمكان لا يمكن حمل الموثقة عليه.

على أنّ السّاعات الدقيقة لم تكن موجودة في أزمنة صدور هذه الأخبار ، وإنّما المرأة كانت ترى الدم بعد طلوع الشّمس في شهر بمقدار ما وكانت تراه في الشهر الآخر بعد طلوعها بمقدار تظن أنّه عين المقدار السابق في الشهر الأوّل أو الحيضة الأُولى ، ولم يكن حينئذ طريق إلى حساب ساعات الدم وأيّامه على وجه دقيق عقلي


1) الوسائل 2 : 304 / أبواب الحيض ب 14 ح 1.

بثلث أو ربع يوم يضرّ ، وأمّا التّفاوت اليسير فلا يضرّ ، لكن المسألة لا تخلو عن إشكال ، فالأولى مراعاة الاحتياط (1).


ولا سيما في القرى والبوادي ، ومعه يزيد بحسب المتعارف أحد العددين على الآخر بمثل خمس دقائق أو أقل أو أكثر لا محالة. هذا كلّه في العادة العدديّة.

التساوي بين الحيضتين في الوقتيّة

(1) ظهر الحال في العادة الوقتيّة ممّا قدّمناه في العدديّة ، وعلم أنّ التّساوي بين الحيضتين تساوياً عقليّاً غير معتبر في الوقتيّة أيضاً ، وذلك لأنّ الوجه المتقدّم في العدديّة وهي ندرة تساويهما أو عدم تحقّقه وإن لم يأت في العادة الوقتيّة حيث إن الوقتيّة إذا لم تتساو الحيضتان فيها تساوياً عقلياً في أوّلها ، كما إذا رأت في إحداهما من أوّل الشهر خمسة أيّام وفي الأُخرى بعده أو قبله بساعات أو بيوم إلى خمسة أيّام فهما تتساويان لا محالة في وسطهما أو في آخرهما ، لأنّ اليوم الثّالث والرّابع والخامس متّحدان في كلتا الحيضتين من حيث رؤية الدم ، فلا حاجة إلى تساويهما من حيث أوّلهما إلاّ أنّ معتبرة يونس (1)الّتي دلّت على أنّ المرأة ترجع إلى أيّامها وتجعلها حيضاً في الشّهر الثّالث لا بدّ من حملها على إرادة الأيّام العرفيّة من « أيّامها » كما هو الحال في غيرها من الألفاظ ، ولا يحمل على إرادة ما يصدق عليه الأيّام لدى العقل بل الصدق العرفي كاف في تحقّقها ، ومن الظّاهر أنّ « أيّامها » يصدق عند اختلاف الحيضتين بخمس دقائق ونحوها ، فالمتحصل أنّ الزّيادة اليسيرة الّتي لا تمنع عن صدق عنوان « أيّامها » غير مخلّة بالعادة بوجه.


1) الوسائل 2 : 287 / أبواب الحيض ب 7 ح 2.

[715] مسألة 15 : صاحبة العادة الوقتيّة سواء كانت عدديّة أيضاً أم لا تترك العبادة بمجرّد رؤية الدم في العادة (1)


وظائف صاحبة العادة الوقتيّة

(1) أمّا إذا كان الدم واجداً لصفات دم الحيض من الخروج بالدفع والحرارة والسواد وغيرها فلأنّ وجدان الصّفات في غير أيّام العادة يقتضي الحكم بالحيضيّة فضلاً عمّا إذا كان في أيّام العادة. وأمّا إذا لم يكن الدم واجداً للصفات كما إذا كان صفرة فلأجل الأخبار الواردة في أنّ الصفرة في أيّام العادة حيض ، وإليك بعضها :

منها : حسنة أو صحيحة محمّد بن مسلم قال « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن المرأة ترى الصفرة في أيّامها ، فقال : لا تصلِّي حتّى تنقضي أيّامها » الحديث (1).

ومنها : مرسلة يونس عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال في حديث « وكلّ ما رأت المرأة في أيّام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض » الحديث (2).

ومنها : موثقة الجُعفي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : إذا رأت المرأة الصفرة قبل انقضاء أيّام عادتها لم تصلّ ، وإن

كانت صفرة بعد انقضاء أيّام قرئها صلّت » (3).

ومنها : ما عن علي بن جعفر عن أخيه عليه‌السلام قال « سألته عن المرأة ترى الصفرة أيّام طمثها كيف تصنع؟ قال : تترك لذلك الصّلاة بعدد أيّامها الّتي كانت تقعد في طمثها ثمّ تغتسل وتصلّي » الحديث (4).

ومنها : مضمرة معاوية بن حُكَيم قال « قال : الصفرة قبل الحيض بيومين فهو من الحيض ، وبعد أيّام الحيض ليس من الحيض ، وهي في أيّام الحيض الحيض » (5)ولعلّه


1) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4 ح 1.

2) الوسائل 2 : 279 / أبواب الحيض ب 4 ح 3.

3) الوسائل 2 : 280 / أبواب الحيض ب 4 ح 4.

4) الوسائل 2 : 280 / أبواب الحيض ب 4 ح 7.

5) الوسائل 2 : 280 / أبواب الحيض ب 4 ح 6 ، وفي بعض النسخ « حيض » بدون الألف واللاّم.

أو مع تقدّمه (1) أو تأخّره يوماً أو يومين أو أزيد على وجه يصدق (1)عليه تقدّم


سقطت من الرّواية كلمة ( من ) بين كلمتي الحيض ، كما ذكرها في صدرها ، قال : « الصفرة قبل الحيض بيومين فهو من الحيض ، أو أنّ الألف واللاّم في الحيض الثّاني زائدة.

ومنها : ما عن علي بن جعفر عن أخيه عليه‌السلام قال « سألته عن المرأة ترى الدم إلى أن قال فإن رأت صفرة في أيّام طمثها تركت الصّلاة كتركها للدم » (2). وهذه الرّواية أُسندت في الطبع الأخير من الوسائل إلى علي بن جعفر عن أخيه عليه‌السلام وجاءت هكذا : « وعنه ، عن علي بن جعفر ... » ولكن في طبع عين الدولة جاءت هكذا : « عنه ، عن علي بن محمّد ، عن علي بن جعفر » فليراجع.

ومنها : مرسلة المبسوط قال « روي عنهم عليه‌السلام أنّ الصفرة في أيّام الحيض حيض ، وفي أيّام الطّهر طهر » (3). إلى غير ذلك من الأخبار (4)، وبعضها وإن لم يمكن الاستدلال بها لضعف سندها أو إضمارها أو إرسالها ، إلاّ أنّ في بعضها الآخر غنى وكفاية مؤيّداً بالبعض الآخر الضعيف. هذا على أنّ المسألة ممّا لا خلاف فيها ، فالمهم التكلّم في تقدّم الدم على العادة وتأخّره عنه بيوم أو يومين أو أزيد.

تأخّر أو تقدّم الدم على العادة

(1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهتين :

إحداهما : جهة تقدّم الدم على العادة.

وثانيتهما : جهة تأخره عنها.


1) (*) الأولى رعاية الاحتياط فيما زاد على يومين في فرض التقدّم إن لم يكن الدم واجداً للصفات وأمّا في فرض التأخّر فإن كان عن أوّل العادة ولو بأكثر من يومين مع رؤية الدم في أثنائها فهو محكوم بالحيض ، وإن كان عن آخر العادة ولو بأقل من يومين فلا يحكم بكونه حيضا.

2) الوسائل 2 : 280 / أبواب الحيض ب 4 ح 8.

3) الوسائل 2 : 281 / أبواب الحيض ب 4 ح 9.

4) الوسائل 2 : 278 و 305 / أبواب الحيض ب 4 و 15.

جهة تقدّم الدّم

أمّا إذا كان متقدّماً عليها فإن تقدّمها بيوم أو يومين - هذا في قبال ما يأتي من تقدّمه على العادة بثلاثة أيّام فصاعداً فلا تغفل - فإن كان الدم بصفات الحيض ولم يزد على عشرة أيّام وتخلّل بينه وبين الحيضة السابقة أقل الطّهر فلا إشكال في الحكم بكونه حيضاً ، لأنّ الصفات أمارة على الحيضيّة مطلقاً قبل العادة وبعدها ، وأمّا إذا لم يكن بصفات الحيض وكان أقل من العشرة وتخلّل بينه وبين الحيضة الاُولى عشرة أيّام فلا ينبغي الإشكال في الحكم بك-ونه حيضاً وإن لم يكن بص-فاته ، لما دلّ من الأخبار على أنّ الدم قد يعجّل ويخرج قبل عادة المرأة بيوم أو يومين ، وإليك بعضها :

فمنها : موثقة أبي بصير عن أبي عبداللّه (عليه السلام) «في المرأة ترى الص-فرة فقال : إن كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض ، وإن كان بعد الحيض بيومين فليس من الحيض» (1)

ومنها : مضمرة معاوية بن حُكَيم المتقدّمة ، قال «قال : الصفرة قبل الحيض بيومين فهو من الحيض ، وبعد أيّام الحيض ليس من الحيض» (2)

هذا وفي بعض الأخبار أنّ الصفرة قبل الحيض من الحيض من غير تقييد ذلك بيوم أو يومين.

ومنها : ما رواه علي بن أبي حمزة قال : «سئل أبو عبداللّه (عليه السلام) وأنا حاضر عن المرأة ترى الصفرة ، فقال : ما كان قبل الحيض فهو من الحيض ، وما كان بعد الحيض فليس منه» (3)

ومنها : ما عن سماعة ، قال «سألته عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها ، فقال : إذا رأت الدم قبل وقت حيضها فلتدع الصّلاة ، فإنّه ربما تعجّل بها الوقت» (4).


1) الوسائل 2 : 279 / أبواب الحيض ب 4 ح 2.

2) الوسائل 2 : 280 / أبواب الحيض ب 4 ح 6.

3) الوسائل 2 : 280 / أبواب الحيض ب 4 ح 5.

4) الوسائل 2 : 300 / أبواب الحيض ب 13 ح 1.

ومنها : مصححة الصحّاف (1)الآتية.

وعليه فيقع الكلام في أنّ القاعدة تقتضي تقييد المطلقات بالمقيّدات وحمل ما قبل الحيض على ما قبله بيوم أو يومين ، فما تراه المرأة من الصفرة قبل حيضها بثلاثة أيّام غير محكومة بالحيضيّة ، أو أنّ اللازم الأخذ بالمطلقات كما يأتي بيانه ، فكلّ صفرة تراها المرأة قبل حيضها ولو بثلاثة أيّام فهي محكومة بالحيضيّة؟

إختار الماتن (قدس سره) الثّاني حيث حكم بأنّ المرأة تترك صلاتها برؤية الدم ولو قبل أيّامها بيوم أو يومين أو أزيد ، ولعله المعروف بينهم ، وذلك بدعوى أنّ ما دلّ على أنّ ما تراه المرأة قبل أيّام عادتها حيض مطلق ، حيث يشمل اليوم واليومين وما زاد فيما إذا صدق عليه أنّه دم تعجل به ، بأن لم يكن عشرة أيّام ونحوها ، ولا دليل مقيّد لها بيوم أو يومين ، إذ لا مفهوم لموثقة أبي بصير (2)ومضمرة معاوية بن حُكَيم (3)حتّى يدل على أنّ ما تراه المرأة قبل أيّام عادتها في غير يوم أو يومين ليس بحي-ض أمّا المضمرة فعدم دلالتها على ذلك ظاهر ، حيث ذكر فيها أنّ الصفرة قبل الحيض بيومين فهو من الحيض ، وهي كما ترى غير مشتملة على الجملة الشرطيّة حتّى تكون ذات مفهوم ، وأمّا الموثقة فهي وإن كانت مشتملة على الجملة الشرطيّة : «إن كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض» إلاّ أنّ مفهومها ليس أنّ الدم إذا كان قبل الحيض بثلاثة أيّام ليس بحيض ، وذلك لأ نّها مسوقة لبيان حكم الدم الخارج قبل العادة في قبال الدم الخارج بعدها ، ولا نظر لها إلى إثبات الحكم في خصوص الدم الخارج قبل الحيض بيومين ونفيه في الخارج قبل الحيض بثلاثة أيّام ونحوها ، هذا.

ولكن الصحيح أنّ الحكم بالحيضيّة مختص بالدم الّذي تراه المرأة قبل عادتها بيومين أو أقل ، دون ما تراه قبلها بأكثر من يومين.

وذلك لأ نّه - مضافاً إلى أنّ كلمة اليومين قبل الحيض وردت في كلام الإمام (عليه


1) الوسائل 2 : 305 / أبواب الحيض ب 15 ح 1.

2) الوسائل 2 : 279 / أبواب الحيض ب 4 ح 2.

3) الوسائل 2 : 280 / أبواب الحيض ب 4 ح 6.

السلام) ، وقد بيّنا في محله أنّ الوصف والقيد وإن لم يكن له مفهوم ليثبت خلاف الحكم المذكور في المنطوق على فاقد الوصف ، إلاّ أنّه إذا لم يكن لإتيانه في الكلام فائدة فلا محالة يدل على أنّ الحكم غير مترتب على الطبيعة أينما سرت ، وإنّما هو مختص بحصّة خاصّة ، وهي الحصّة المشتملة على ذلك الوصف ، وإلاّ كان إتيانه في الكلام لغواً ظاهراً ، وعليه فلا بدّ من أن يكون الحكم بالحيضيّة في المقام مختصّاً بالدم الّذي تراه المرأة قبل أيّام عادتها بيومين أو أقل ، ولا يشمل الدم الّذي تراه قبل العادة بثلاثة أيّام -.

لا إطلاق في المقام حتّى يتمسك به في الحكم بأنّ ما تراه المرأة قبل أيّام عادتها حيض مطلقاً كان قبلها بيومين أو بثلاثة أيّام ونحوها ، فالمقتضي للحكم بالحيضيّة فيما زاد على يومين قاصر في نفسه ، وذلك لأنّ ما استدلّ به على ذلك روايات ثلاث :

الاُولى : موثقة سماعة قال «سألته عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها ، فقال : إذا رأت الدم قبل وقت حيضها فلتدع الصّلاة ، فإنّه ربما تعجل بها الوقت» (1).

الثانية : مصححة حسين بن نُعَيم الصحّاف الواردة في الحُبلى ، حيث ورد فيها : «وإذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الّذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فإنّه من الحيضة ...» (2).

الثالثة : رواية علي بن أبي حمزة البطائني قال «سئل أبو عبداللّه (عليه السلام) وأنا حاضر عن المرأة ترى الصفرة ، فقال : ما كان قبل الحيض فهو من الحيض» (3)

أمّا موثقة سماعة فيردّ الإستدلال بها أنّها غير مشتملة على الصفرة ، وإنّما دلّت على أنّ الدم الّذي تراه المرأة قبل عادتها من الحيض. نعم إنّما تدل على كون الصفرة حينئذ حيضاً بإطلاقها ، لأنّ الدم الوارد فيها مطلق يعم واجد الصفات - اُعني صفات الحيض - وفاقدها ، وإطلاقها من هذه الجهة وإن كان حجّة في نفسه ولا مناص من


1) الوسائل 2 : 300 / أبواب الحيض ب 13 ح 1.

2) الوسائل 2 : 310 / أبواب الحيض ب 15 ح 1.

3) الوسائل 2 : 280 / أبواب الحيض ب 4 ح 5.

الأخذ به إلاّ أنّه معارض بحسنة محمّد بن مسلم أو صحيحته المتقدّمة (1)الّتي دلّت على أنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض ، والنّسبة فيهما عموم من وجه ، حيث إنّ الموثقة دلّت على أنّ الدم الّذي تراه المرأة قبل أيّام عادتها حيض سواء أكان واجداً للصفات أم لم يكن ، والصحيحة دلّت على أنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض سواء أكانت قبل عادتها أم بعدها ، فتتعارضان في مادّة إجتماعهما وهي الصفرة الّتي تراها المرأة قبل عادتها ، وحيث إنّ دلالة كلّ منهما بالإطلاق فيتساقطان فيرجع إلى أدلّة الصفات وأنّ الحيض ليس به خفاء ، فإنّه حارّ يخرج بدفع ولونه أسود ، وبما أنّ الدم في محل الكلام غير واجد له فيحكم بعدم كونه حيضاً أو نرجع إلى مطلقات أدلّة التّكاليف ، كإطلاق أو عموم ما دلّ على وجوب الصّلاة على كلّ مكلّف الّذي منه المرأة في محل النّزاع ، وعموم أو إطلاق ما دلّ على جواز وطء الزّوج زوجته في أيّ زمان شاء الّذي منه هذا الزّمان وغير ذلك من المطلقات. فالموثقة ممّا لا يمكن الإستدلال بإطلاقها في المقام.

وأمّا مصححة الصحّاف فيرد على الإستدلال بها عين المناقشة الّتي أوردناها على الموثقة ، وتزيد المصححة على الموثقة بموهنين آخرين :

أحدهما : أنّها واردة في الحُبلى ، ولعل لها خصوصيّة إقتضت الحكم بكون ما تراه قبل عادتها حيضاً مطلقاً ، كما تقدّمت الإشارة إليه في أوائل الحيض ، فما المسوغ للتعدي عنها إلى غيرها.

ثانيهما : أنّها إشتملت على الحكم بحيضيّة ما تراه الحبلى قبل عادتها بقليل ، ومن أخبرنا أنّ القليل يشمل ثلاثة أيّام؟ كيف ولولا الأخبار المتقدّمة لتوقفنا من الحكم بشموله ليومين فما ظنّك بثلاثة أيّام؟ فلا يشملها بظاهره ولا أقل من أنّه مجم-ل فالتمسك بإطلاق المصححة أيضاً غير ممكن.

وأمّا رواية البطائني فدلالتها على المدعى ممّا لا تقبل المناقشة ، حيث وردت في


1) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4 ح 1.

الصفرة الّتي تراها المرأة قبل عادتها ، وقد دلّت على أنّها من الحيض ، إلاّ أنّها غير قابلة للاعتماد عليها ، لضعف سندها بقاسم بن محمّد الجوهري ، حيث لم يوثق في الرّجال ، مع الغض عن علي بن أبي حمزة البطائني ، اعتماداً على توثيق الشيخ له وإن لم تذكر وثاقته في الرّجال.

نعم ، هذه الرّواية بعينها وردت في التهذيب ولم يشتمل طريقها على القاسم بن محمّد ، بل رواها الشيخ عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن خالد البرقي ، عن علي بن أبي حمزة ، فمع البناء على وثاقة البطائني لا بدّ من الحكم باعتبار سند الرّواية.

إلاّ أنّا لا نحتمل احتمالاً عقلائيّاً أنّ محمّد بن خالد روى هذه الرّواية مرّتين تارة عن علي بن أبي حمزة من غير واسطة ، كما عن طريق الشيخ ، وأُخرى بواسطة قاسم ابن محمّد الجوهري ، كما عن طريق الكليني ، بل الرّواية واحدة رواها محمّد بن خالد إمّا على الكيفيّة الّتي رواها الشيخ فالكليني زاد قاسم بن محمّد الجوهري اشتباهاً وإمّا على الكيفيّة الّتي رواها الكليني فالواسطة بين محمّد بن خالد وعلي بن أبي حمزة سقطت من قلم الشيخ أو من نسّاخ التهذيب اشتباهاً ، وحيث أنّ الكليني أضبط وروايات كتابه أوثق واشتباهات الشيخ كثيرة ، لأنّه يسقط كلمة تارة ويزيد كلمة اخرى فلا بدّ من الحكم بصحّة ما في رواية الكليني في المقام ، هذا كلّه يبتني على عدم وثاقة القاسم بن محمّد الجوهري لعدم توثيقه في الرّجال ، ولأجله بنى ( دام ظلّه ) على ضعف الرّجل غير أنّه عدل عن ذلك أخيراً فبنى على وثاقته لورود الرّجل في أسانيد كامل الزّيارات. إذن يبقى في السند ضعفه من جهة البطائني فقط.

على أنّ مجرّد الشكّ في أنّ سند الرّواية مشتمل على الرّجل أو غير مشتمل يكفي في عدم جواز الاعتماد عليها ، وعليه فالحكم بالحيضيّة في هذه المسألة يختص بما إذا رأته المرأة قبل عادتها بيومين أو أقل ، وأمّا فيما إذا رأته قبلها بثلاثة أيّام فصاعداً فلا يحكم بكونه حيضاً من جهة أدلّة الصّفات ومطلقات أدلّة التكاليف.

العادة أو تأخرها ولو لم يكن الدم بالصفات (1) وترتّب عليه جميع أحكام الحيض ، فإن علمت بعد ذلك عدم كونه حيضاً لانقطاعه قبل تمام ثلاثة أيّام تقضي ما تركته من العبادات.


جهة تأخّر الدّم

(1) هذه هي الجهة الثّانية من الكلام ، أعني ما إذا تأخّر الدم عن العادة.

وملخّص الكلام فيها : أنّ الدم المتأخر إن كان واجداً للصفات فلا مناص من الحكم بحيضيّته ، لأنّها أمارة على الحيض ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون الدم مسبوقاً بالحيض ، كما إذا رأت الدم في عادتها ثمّ انقطع ثمّ رأت الدم بعد عادتها ، وبين أن لا يكون مسبوقاً به ، كما إذا لم تر الدم في أيّام عادتها ورأته بعد أيّام عادتها ، فإنّ دم الحيض لا خفاء فيه ، ومع تحقّق أماراته يحكم بحيضيّته وإن كان متأخّراً عن العادة بيوم أو يومين أو أكثر. نعم إذا رأت الدم وتجاوز عن عادتها تستظهر بيوم أو بيومين فإن انقطع فيما دون العشرة فالجميع حيض ، وإلاّ فتجعل أيّام عادتها حيضاً والباقي استحاضة.

وكيف كان فما تراه بعد عادتها إذا كان على صفات الحيض فهو حيض إلاّ أن يتجاوز عن العشرة ، هذا كلّه فيما إذا كان الدم المتأخر واجداً للصفات.

وأمّا إذا كان فاقداً للصفات فالمعروف بينهم أنّ الدم المتأخر عن العادة محكوم بكونه حيضاً مطلقاً ، بلا فرق في ذلك بين وجدانه الصفات وفقدانه لها ، بل ادعي عليه الإجماع كما في كلام صاحب الحدائق (1)قدس‌سره ، ولعله لأجل الإجماع جزم بالحيضيّة عند تأخّر الدم وعدم اشتماله على الصفات مع توقّفه في الحكم بالحيضيّة في الدم المتقدّم الفاقد للصفات.


1) الحدائق 3 : 215 / في الحيض.

وكيف كان لا يمكن الاعتماد في الحكم بالحيضيّة في المسألة على الشهرة على تقدير تحقّقها ، ولا على الإجماع المنقول لو كان ، بل لا بدّ في الاستدلال من تفحص دليل قابل للاعتماد عليه ، والّذي قيل في المقام أمران :

أحدهما : وجه اعتباري : وهو أنّ الصفرة في أيّام العادة إذا كانت حيضاً فلا بدّ من الحكم بحيضيتها فيما إذا تأخرت عن أيّام العادة أيضاً ، لأنّ الدم بالتأخّر يزداد قوّة في القذف ، فإنّه يجتمع في الرّحم ، ومع التأخّر يزداد ويكثر فيكون في القذف أقوى من الدم غير المتأخّر.

ويدفعه : أنّه مجرّد وجه استحساني ولا يمكن الاعتماد على مثله في الأحكام.

وثانيهما : ما عن شيخنا الأنصاري قدس‌سره من أنّ موثقة سماعة الّتي صرّحت بجواز تقدّم الدم على العادة تدل بتعليلها على أنّ الحيض قد يتأخّر عن العادة أيضاً حيث قال : « فإنّه ربّما تعجل بها الوقت » أي التعجيل وعدم الانضباط في خروجه أمر محتمل ، فإذا كان عدم الانضباط محتملاً في دم الحيض فكما يحتمل تقدّمه على العادة كذلك يحتمل تأخّره عن العادة ، فبهذا يحكم على أنّ الدم المتأخّر عن العادة حيض كما حكمنا على الدم المتقدّم عليها بذلك (1).

وفيه مضافاً إلى أنّه قياس لأنّ عدم انضباط دم الحيض بكونه محتمل التقدّم لا يلازم كونه محتملاً للتأخر أيضاً ، فلا وجه لقياس أحدهما بالآخر.

أنّ التقدّم في الرّواية إنّما لوحظ بالإضافة إلى أوّل العادة ، فمع تسليم دلالة الموثقة على تأخّر الحيض لا بدّ من أن يلاحظ التأخّر أيضاً بالإضافة إلى أوّل العادة لا بالإضافة إلى آخرها ومنتهاها. مثلاً إذا كانت المرأة ترى الحيض من اليوم الثّالث إلى عاشره من كلّ شهر فقد يتقدّم حيضها عن اليوم الثّالث وتراه من أوّله أو ثانيه ، فإذا فرضنا أنّ حيضها يمكن أن يتأخّر فيتأخّر عن اليوم الثّالث بيوم أو يومين وتراه في


1) كتاب الطّهارة : 200 السطر 31 / المقصد الثّاني في الحيض.

اليوم الرّابع أو الخامس ، لا أنّها تراه في اليوم الحادي عشر مثلاً بعد انتهاء عادتها ، فلا دلالة للرواية على أنّه يتأخّر عن منتهى العادة بوجه لو سلّمنا دلالتها على تأخّره عن مبدئها وأوّلها ، لأنّ التقدّم والتأخّر لا بدّ من أن يلاحظا بالإضافة إلى شي‌ء واحد قد يتقدّم عليه وقد يتأخّر عنه. هذا كلّه فيما إذا كانت المرأة ترى الدم بعد عادتها من غير سبقه بالحيض.

وأمّا إذا كان مسبوقاً به بأن ترى الحيض في عادتها وبعدها رأت الصفرة مثلاً فقد استدلّ في الحدائق على كونها حيضاً بإطلاق الرّوايات (1)الواردة في الاستظهار الدالّة على أنّ الدم إذا تجاوز عن عادة المرأة لا بدّ من أن تستظهر بيوم أو يومين ، فإن تجاوز العشرة تأخذ عادتها حيضاً والباقي استحاضة ، ومع عدم تجاوز العشرة يحكم بكون الجميع حيضاً ، حيث دلّت على الحكم بحيضيّة الجميع عند عدم تجاوز الدم العشرة من دون تفصيل بين كونه واجداً للصفات وبين كونه فاقداً للصفات.

وفيه : أنّ إطلاق الرّوايات وإن كان يقتضي ما أفاده إلاّ أنّه غير قابل للاعتماد عليه ، لأنّ الأخبار معارضة بصحيحة محمّد بن مسلم أو حسنته المتقدّمة (2)الّتي دلّت على أنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض ، والمعارضة بينهما بالعموم من وجه لأنّ تلك الرّوايات تقتضي الحكم بحيضيّة الدم الخارج بعد العادة غير المتجاوز عن العشرة مطلقاً ، أي سواء أكان واجداً لصفات الحيض أم لم يكن ، وهذه الصحيحة أو الحسنة تدلّ على أنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض ، سواء كانت مسبوقة بالحيض أم لم تكن ، فتتعارضان في الصفرة الخارجة بعد الحيض.

فالطائفة الأُولى تقتضي الحكم بحيضيّتها بإطلاقها ، والصحيحة تدلّ على عدم كونها حيضاً ، وبما أنّ تعارضهما بالإطلاق فيحكم بتساقطهما في مورد المعارضة ويرجع فيه إلى أخبار صفات الحيض ، لأنّه ممّا لا خفاء فيه لأنّه دم حارّ أسود


1) الوسائل 2 : 300 / أبواب الحيض ب 13.

2) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4 ح 1.

عبيط ، وحيث إنّه غير واجد له يحكم بعدم كونه حيضاً ، أو يرجع إلى مطلقات أدلّة التكاليف كوجوب الصّلاة على كلّ مكلّف وجواز وطء الزّوجة في أيّ زمان ، وهكذا.

على أنّ الرّوايات المتقدّمة مطبقة على أنّ الصّفرة بعد الحيض ليست بحيض ، وعليه فالصحيح عدم الفرق في الدم المتأخّر بين كونه مسبوقاً بالحيضيّة وعدمه في الحكم بعدم كونه حيضاً إذا لم يكن واجداً للصفات وإن ذهب بعضهم إلى خلافه ، هذا كلّه فيما إذا تأخّر الدم عن عادتها.

رؤية الدم في غير أيّام العادة :

بقي الكلام في ذات العادة الّتي رأت الدم في غير أيّامها ولو بأكثر من ثلاثة وأربعة أيّام وكان الدم بصفات الحيض ولم يتعرّض لحكمه في المتن ، لأنّ الماتن تعرّض لحكم تقدّم العادة أو تأخّرها يومين أو ثلاثة على نحو يصدق أنّ العادة تقدّمت أو تأخّرت ولم يتعرّض لحكم رؤية الدم ولو بأكثر من ثلاثة أيّام قبل العادة أو بعدها.

والصحيح أنّه محكوم بكونه حيضاً ، وذلك لوجوه خمسة :

الأوّل : الأخبار الواردة في صفات الحيض وأنّه ممّا ليس به خفاء ، لأنّه دم حارّ عبيط أسود يخرج بحرقة (1)، وهذه الأخبار بأجمعها أو بأكثرها وإن كانت واردة في المرأة الّتي تجاوز دمها العشرة المعبّر عنها بالمستحاضة في لسان الأخبار ، إلاّ أنّ المستفاد من جوابه عليه‌السلام أنّ الحكم بالحيضيّة للدم الواجد للصفات ليس أمراً تعبديّاً ليختص بمورد الأخبار ، وإنّما هو من جهة أماريّة الصفات ، فهي ناظرة إلى بيان حكم كبروي وهو أنّ كلّ دم كان بصفات الحيض فهو حيض المنطبقة على مواردها الّتي منها المقام ، فلا وجه للمناقشة في عمومها من هذه الجهة كما نوقش به وبما أنّ مفروض الكلام وجدان الدم للصفات فلا مناص من الحكم بكونه حيضاً وإن


1) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3.

كان في غير أيّامها إذا لم يكن هناك مانع من الحكم بحيضيّته ، بأن كان واجداً للشرائط كما إذا استمرّ ثلاثة أيّام وكان أقل من عشرة مع تخلّل أقلّ الطّهر بينه وبين الحيضة المتقدِّمة.

الثّاني : الأخبار الواردة في أنّ الصفرة في غير أيّام المرأة ليست بحيض (1)بل لا بدّ من أن تتوضّأ وتصلِّي ، وذلك لأنّها قيّدت الحكم بنفي الحيضيّة بما إذا كان الدم صفرة فيستفاد من ذلك أنّ نفي الحيضيّة مترتب على الحصّة الخاصّة من الدم ، وهي الّتي تكون صفرة ، فللصفرة مدخليّة في الحكم ، ومع كون الدم غير صفرة بأن كان أحمر لا يحكم بعدم كونه حيضاً ، وإلاّ للزم لغوية التقييد بكونه صفرة.

الثّالث : الأخبار الدالّة على أنّ المرأة إذا رأت الدم قبل العشرة فهو من الحيضة الأُولى ، وإن رأته بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة ، كما في صحيحة أو حسنة محمّد بن مسلم (2)، لدلالتها على أنّ كلّ ما تراه المرأة من الدم قبل تجاوز العشرة وإن كان في غير أيّام العادة فهو من الحيض ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين كونه صفرة أو حمرة ، إلاّ أنّا قيّدنا إطلاقها بما دلّ على أنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض ، فتبقى الحمرة في غير أيّام العادة محكومة بالحيضيّة بتلك الأخبار.

الرّابع : صحيحة عبد اللّه بن المُغِيرة عن أبي الحسن الأوّل عليه‌السلام : « في امرأة نفِست فتركت الصّلاة ثلاثين يوماً ثمّ طهرت ثمّ رأت الدم بعد ذلك ، قال : تدع الصّلاة لأنّ أيّامها أيّام الطّهر قد جازت مع أيّام النّفاس » (3)، لأنّها كانت ثلاثين يوماً ، حيث دلّتنا بتعليلها على أنّه متى جازت أيّام الطّهر على المرأة فرأت الدم فهو حيض ، وإن كان في غير أيّامها ، ونخرج عن إطلاقها في الصفرة بما دلّ على أنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض.


1) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4.

2) الوسائل 2 : 298 / أبواب الحيض ب 11 ح 3.

3) الوسائل 2 : 393 / أبواب النّفاس ب 5 ح 1. وفي نسخة « وقد جازت ».

الخامس : ما دلّ على أنّ المرأة بإطلاقها إذا رأت الدم ثلاثة أو أربعة أيّام تدع الصّلاة (1)، وإطلاقها بالإضافة إلى الصفرة مقيّد بما دلّ على أنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض.

فتحصل : أنّ الدم الواجد للصفات الّذي تراه المرأة في غير أيّام عادتها حيض إذا لم يكن هناك مانع من ذلك بأن كان واجداً للشرائط.

بقيّة أقسام المرأة

بقي الكلام في بقيّة أقسام المرأة.

حكم الناسية

فمنها : الناسية ، فإن كان الدم الّذي تراه الناسية واجداً للصفات فهو محكوم بالحيضيّة مطلقاً ، لأنّه إمّا في أيّام عادتها بحسب الواقع أو لو كان في غير أيّام عادتها واقعاً فهو دم واجد للصفات رأته المرأة في غير أيّامها ، وقد مرّ أنّه حيض ، وذلك لأنّ الناسية هي ذات العادة بعينها غير أنّها نسيت عادتها أنّها في أوّل الشهر أو في وسطه أو في غيرهما ، فتجري عليها أحكام ذات العادة على ما فصّلناه.

حكم المبتدئة

ومنها : المبتدئة الّتي لم تر الدم قبل ذلك ، وحكمها حكم الناسية فيما إذا اشتمل على صفات الحيض ، وذلك لبعض الوجوه المتقدّمة في ذات العادة الوقتيّة عند رؤيتها الدم الواجد للصفات في غير أيّامها.

منها : ما ورد في السؤال عن المرأة ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة ، قال عليه‌السلام « فلتدع الصلاة » (2)لأنّها شاملة للمبتدئة أيضاً ، لرؤيتها الدم ثلاثة أيّام أو


1) الوسائل 2 : 285 / أبواب الحيض ب 6.

2) الوسائل 2 : 285 / أبواب الحيض ب 6 ح 2.

أكثر.

ومنها : ما ورد في أوصاف الحيض من أنّه ممّا ليس به خفاء لأنّه دم حارّ عبيط أحمر أو أسود (1)، فإنّ مقتضى تلك الأخبار هو الحكم بالحيضيّة في كلّ دم تراه المرأة متّصفاً بأوصاف الحيض ، حيث إنّ هذه الأخبار وإن كان أكثرها أو جميعها واردة في المستحاضة ، وهي الّتي تجاوز دمها العشرة ، إلاّ أنّا استظهرنا من جواب الإمام عليه‌السلام عدم كون الحكم بالحيضيّة عند وجدان الدم الصفات تعبديّاً ، بل هو من جهة الأمارة الّتي هي الصفات ، فالأخبار مشتملة على كبرى كليّة منطبقة على مواردها ومنها المقام.

هذا كلّه مضافاً إلى موثقة سَماعة بن مِهران ، قال « سألته عن الجارية البكر أوّل ما تحيض فتقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة أيّام إلى أن قال فلها أن تجلس وتدع الصّلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة » الحديث (2).

حكم المضطربة

ومنها : المضطربة الّتي لا وقت لها ولا عدد لها ، أو ذات العادة العدديّة فقط ، لأنّها مضطربة الوقت حيث لا وقت لها فقد ترى الدم في أوّل الشهر وأُخرى في أثنائه وثالثة في غيرهما من الأيّام ، وهي وإن لم يرد نص في حقّها إلاّ أنّه يحكم بكون الدم الّذي تراه واجداً للصفات حيضاً لبعض الوجوه المتقدّمة.

منها : جوابه عليه‌السلام في السؤال عن المرأة ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة : « فلتدع الصّلاة » (3).

ومنها : التعليل الوارد في قعود النفساء ثلاثين يوماً ورؤيتها الدم بعد ذلك ، حيث حكم عليه‌السلام بإمساكها عن الصلاة معلّلاً بأنّ أيّامها وطهرها قد مضت (4)


1) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3.

2) الوسائل 2 : 304 / أبواب الحيض ب 14 ح 1.

3) الوسائل 2 : 285 / أبواب الحيض ب 6 ح 2.

4) الوسائل 2 : 393 / أبواب الحيض ب 5 ح 1.

حيث يدلّنا هذا التعليل على أنّ الدم الّذي تراه المرأة بعد حيضها وطهرها محكوم بالحيضيّة.

وهذا ينطبق على المضطربة بكلا معنييها وإن كان محل الكلام هي المرأة الّتي ليست لها عادة وقتيّة وإن كانت لها عادة عدديّة ، وإنّما ينطبق عليها لمضي أيّامها وطهرها على الفرض ، فإنّ محل الكلام ما إذا اجتمعت فيها الشرائط ولم يكن هناك ما يمنع عن الحكم بالحيضيّة.

ومنها : الأخبار الواردة في صفات الحيض (1)كما عرفت تقريبها ، هذا.

على أنّ المسألة أعني الحكم بحيضيّة ما تراه المبتدئة والمضطربة والناسية من الدم الواجد للصفات اتفاقيّة ولم ير فيها الخلاف ولا من واحد ، وإنّما الكلام كلّه فيما إذا كان الدم الّذي تراه المبتدئة والناسية والمضطربة غير واجد للصفات ، كما إذا كان صفرة ، فهل يحكم بكونه حيضاً أو لا يحكم بكونه حيضاً؟

والكلام في ذلك يقع في مقامين :

اشارة

أحدهما : في الدم غير الواجد للصفات الّذي فرض كونه ثلاثة أيّام وأنّه يحكم بكونه حيضاً ولو بالحكم الظاهري أو أنّه لا يحكم بكونه كذلك؟

وثانيهما : فيما إذا رأت المبتدئة أو المضطربة أو الناسية دماً غير واجد للصفات ، فهل يحكم بكونه حيضاً من الابتداء حكماً ظاهريّاً من دون أن يمضي عليه ثلاثة أيّام ، غاية الأمر أنّه إذا لم يستمر ثلاثة أيّام ينكشف عدم كونه حيضاً ، فتقضي المرأة صلاتها الّتي تركتها في تلك المدّة ، أو لا يحكم بكونه حيضاً؟

الكلام في المقام الأوّل
اشارة

الكلام فعلاً في الدم الّذي تراه المرأة ثلاثة أيّام ، أي المبتدئة والناسية والمضطربة


1) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3.

المعروف بينهم أنّه حيض وادعي عليه الإجماع في صريح كلام العلاّمة (1)والمحقّق (2)وغيرهما ، وفي الجواهر (3)أنّ هذه المسألة من القطعيّات الّتي لا شبهة فيها عند الأصحاب ، وهي وإن لم تكن منصوصة في الرّوايات ، إلاّ أنّهم استدلّوا على ذلك بقاعدة الإمكان ، وهي أنّ « كلّ دم يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض » والصفرة في المقام محتملة الحيضيّة بالوجدان فلا مناص من أن تكون حيضاً بمقتضى القاعدة وعليه فلا بدّ من النّظر في تلك القاعدة وأنّها هل يمكن استفادتها من الدليل أو لا يمكن.

قاعدة الإمكان

هذه القاعدة وإن لم ترد في رواية بتلك الألفاظ والخصوصيّات إلاّ أنّها قاعدة متصيّدة اصطادوها من الأخبار ولو بضم بعضها إلى بعض ، وادعوا عليها الإجماع.

والمراد بهذه القاعدة ليس هو الحكم بالحيضيّة بمجرّد احتمال كون الدم حيضاً ولو من جهة الشبهة الحكمية ، كما إذا رأت المرأة الدم ثلاثة أيّام من غير استمرار وشككنا في أنّه حيض من جهة الشك في أنّ الحيض يعتبر فيه رؤية الدم ثلاثة أيّام مستمرّاً أو يكفي فيه رؤيته ثلاثة أيّام ولو من غير استمرار ، كما هو محل الكلام على ما عرفته سابقاً ، فلا يمكن في مثله الحكم بالحيضيّة بدعوى أنّه ممّا يحتمل أن يكون حيضاً لعدم اعتبار الاستمرار واقعاً ، ومن ثمة لم نر من استدلّ بها على عدم اعتبار الاستمرار في تلك المسألة ، فإنّ في الشبهات الحكمية لا بدّ من الرّجوع إلى المطلقات الدالّة على وجوب الصّلاة على كلّ مكلّف أو على جواز وطء الزّوجة في أيّ زمان شاء الزّوج ونحوهما من المطلقات ، لأنّها وإن كانت قد خصّت بغير أيّام الحيض إلاّ أنّه من التخصيص بالمنفصل والقاعدة في مثله إذا كان مجملاً مردداً بين الأقل والأكثر أن


1) المنتهي 2 : 287 / البحث الثّاني في وقت الحيض.

2) المعتبر 1 : 203 / الثاني في غسل الحيض.

3) الجواهر 3 : 164 / في قاعدة الإمكان.

نكتفي في تخصيص العموم وتقييد المطلق بالأقل المتيقن ، ويرجع في المقدار الأكثر المشكوك فيه إلى العموم والإطلاق ، كما هو الحال في غير المقام من موارد دوران المخصص المنفصل بين الأقل والأكثر ، ومقتضاها الحكم بعدم كون المرأة حائضاً في المثال لا الحكم بكونها حائضاً ، فلا تشمل القاعدة الشبهات الحكمية بوجه.

كما أنّها لا تشمل الشبهات الموضوعيّة إذا استند الشكّ فيها إلى الشكّ في تحقّق الشرط المعلوم الاشتراط في الحيض كالبلوغ ، كما إذا شككنا في أنّ الصبيّة كانت بالغة أو لم تكن ، ومن ثمة شككنا في أنّ ما رأته بصفات الحيض حيض أو ليس بحيض لاشتراط البلوغ في الحكم بالحيض ، ومن هنا أوردوا على من قال بحيضيّة الدم حينئذ من جهة استكشاف بلوغها برؤية الدم واجداً للصفات بأنّ من جملة شرائط الحيض البلوغ ، ومع الشكّ في البلوغ كيف يمكن الحكم بكون الدم حيضاً ، فلا يحكم عليه بالحيضيّة حينئذ نظراً إلى أنّه ممّا يحتمل أن يكون حيضاً واقعاً لاحتمال أن تكون الصبية بالغة.

وكذا إذا كانت المرأة ذات عادة إلاّ أنّها شكّت في كون الدم الّذي رأته حيضاً من جهة الشكّ في تقدّم الطّهر وتأخّره ، بأن رأت حيضاً وطهراً ثمّ رأت الدم ولم تدر أنّ المتأخّر المتصل بالدم هو الطّهر أو الحيض ، وعلى الثّاني لا يمكن الحكم بحيضيّة الدم لعدم تخلّل أقلّ الطّهر بينهما ، ومع الشكّ لا يمكننا الحكم بحيضيّة الدم ولو للمطلقات كما دلّ على أنّ الدم ثلاثة أيّام أو أربعة حيض فلتدع الصّلاة (1)وغيره من المطلقات (2)، وذلك للعلم بتقييدها بما إذا تخلّل بينه وبين الحيضة السابقة أقلّ الطّهر فإذا شكّ في أنّ الدم المفروض من الأفراد الخارجة أو الباقية تحت العموم فلا مجال فيه للتمسك بالعام ، لأنّه من الشبهات المصداقيّة وهو ظاهر ، فلا بدّ حينئذ من الرّجوع إلى الأصل اللفظي أو العملي الموجود في المقام.


1) الوسائل 2 : 285 / أبواب الحيض ب 6 ح 2.

2) الوسائل 2 : 331 / أبواب الحيض ب 30 ح 4.

وكذلك إذا كانت المرأة عمياء ولم يكن عندها من تستخبره الحال فلم تدر أنّ الدم واجد للصفات أو غير واجد له ، ولا يحكم بالحيضيّة إذا لم يكن واجداً للصفات ، لأنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض ، فلا يحكم في شي‌ء من ذلك بالحيضيّة بمجرّد احتمال كون الدم حيضاً.

فتختص القاعدة كما لعله صريح كلام الشهيد (1)قدس‌سره بما إذا علمنا بتحقّق جميع شرائط الحيض إلاّ أنّا شككنا في حيضيّته من جهة عدم وجدانه للصفات ، ولا تجري في غيره ، فلا بدّ من النّظر إلى أدلّة تلك القاعدة ليظهر أنّها كذلك حتّى يحكم بالحيضيّة في أمثال المقام أو أنّها لم تثبت بدليل.

وتفصيل الكلام في المقام أنّ الشكّ في الشبهات الموضوعيّة إذا كان غير مستند إلى الشكّ في تحقّق الشرط المعلوم اشتراطه ، بل علمنا باجتماع الشروط المعتبرة في الحيض وتحقّقها إلاّ أنّا شككنا في حيضيّة الدم لأجل احتمال كونه من القُرحة أو من العُذرة أو الاستحاضة فإن الحيضيّة وإن كانت ملزومة للشروط إلاّ أنّ الشروط غير ملازمة للحيضيّة ، إذ قد تتحقّق الشروط فيكون الدم أكثر من ثلاثة أيّام مستمرة ومنقطعاً قبل العشرة ، وهكذا بقيّة الشروط قد تكون متحقّقة ولكنه لا يكون بحيض ، بل يكون دم قرحة أو عُذرة أو استحاضة فلا محالة يحكم عليه بالحيضيّة وإن لم يكن واجداً للصفات.

وذلك لأنّ الدم الواجد للشروط والفاقد للصفات إذا شكّ في حيضيّته فإمّا أن يستند ذلك إلى الشكّ في أنّه خارج من الرّحم ليكون حيضاً أو خارج من القرحة لئلا يكون حيضاً ، لأنّه اسم للدم الخارج من الرّحم ، وإمّا أن يستند إلى الشكّ في أنّه يخرج من الرّحم أو أنّه دم عُذرة ، وهذان قد تقدّم حكمهما من الامتحان ونحوه مفصلاً ، ولا يقع الكلام فيهما في المقام.

وإمّا أن يستند إلى الشكّ في أنّه حيض أو استحاضة مع العلم بكونه خارجاً من


1) روض الجنان : 72 السطر 28 / المقصد الثّاني في الحيض.

الرّحم ، وفي مثله لا بدّ من الحكم بالحيضيّة إذا كان واجداً للشروط وإن كان فاقداً للصفات ، إلاّ أنّ الوجه في ذلك ليس هو الإجماع المدعى في المقام ، لأنّه من الواضح الضروري أنّه ليس بإجماع تعبدي كاشف عن رأي الإمام عليه‌السلام حتّى يعامل معه معاملة السنّة المنقولة بالخبر ، بل استندوا في ذلك إلى الأخبار ، فلا بدّ من النّظر إليها لا الإجماع ، للعلم بعدم كونه تعبديّاً ولا أقلّ من احتمال استنادهم في ذلك إلى الرّوايات.

كما أنّ الوجه في ذلك ليس هو الغلبة ، لأنّ غلبة الحيض وأكثريّته من الاستحاضة وإن كانت مسلمة فإن كلّ امرأة ترى الحيض في كلّ شهر إلاّ جملة منهنّ ، إلاّ أنّ الغلبة لا دليل على اعتبارها ، غاية الأمر أن تفيد الظن بأنّ المشكوك فيه من الحيض ، لأنّ الظن يلحق الشي‌ء بالأعم الأغلب كما في المثل إلاّ أنّ الظن لا اعتبار به ما دام لم يقم دليل على حجيّته بالخصوص ، ولا دليل عليه في المقام.

كما أنّ الوجه فيه ليس هو أصالة عدم الاستحاضة ، لأنّها مضافاً إلى كونها معارضة بأنّ الأصل عدم كونه حيضاً من أوضح أنحاء الأُصول المثبتة ، حيث إنّ دم الحيض والاستحاضة دمان وموضوعان متغايران ، وإثبات أحد الضدّين بنفي الضد الآخر من أوضح أفراد الأُصول المثبتة.

وكذا ليس الوجه فيما ادّعيناه أصالة السّلامة ، والمراد بها ليس هو أصالة الصحّة الجارية في العقود والإيقاعات ، بل المراد بها أصالة السّلامة في الأشياء بأجمعها الثابتة ببناء العقلاء على أنّ الأصل أن يكون الشي‌ء سليماً لا معيباً ، ومن ثمة بنى الفقهاء على خيار العيب للمشتري فيما إذا باع البائع المعيب ولم يتبرأ من العيوب وظهر معيباً ، لأنّ المشتري اشتراه على أن يكون سليماً ببناء العقلاء على السّلامة في كلّ شي‌ء ، كما حكموا بصحّة المعاملة عند تبرّي البائع من العيوب مع أنّ البيع في نفسه غرري ، لاختلاف قيمة الشي‌ء سليماً ومعيباً فقد تكون قيمة السليم مأة وقيمة المعيب عشرة ، إلاّ أنّهم حكموا بصحّته لأنّ المشتري اعتمد في شرائه على أصالة السّلامة في الأشياء ، وهي أصل يعتمد عليه عند العقلاء.

والوجه في عدم استنادنا إلى ذلك هو أنّا لو سلّمنا جريان أصالة السّلامة في غير المعاملات وبنينا على ترتب الأحكام الشرعيّة عليها فهي إنّما تجري فيما إذا لم يكن العيب أصلاً ثانويّاً للشي‌ء لكثرته ، وإلاّ فالمعيب كالسليم ولا مجرى للأصل فيه ، وهذا كما في الغلفة لأنّها عيب في العبيد ، وبها يثبت خيار العيب لا محالة إلاّ أنّها أي الغُلفة وعدم الختان ليست موجبة للخيار في العبيد المجلوبين من بلاد الكفر ، لأنّها الغالب في مثلهم ، فإنّ الغلفة أمر يقتضيه طبيعة الإنسان ولا يتولد الإنسان مختوناً إلاّ نادراً كما وقع حتّى في عصرنا إلاّ أنّه قليل غايته ، فلا تجري عليها أحكام العيب ولا تنفيها أصالة السّلامة.

والأمر في المقام كذلك ، لأنّ الاستحاضة وإن كانت عيباً وفي بعض الأخبار أنّ الدم إنّما يخرج من العرق العاذل ( عابر ) ، ( عائذ ) (1)لعلّة (2)وأنّ دم الاستحاضة فاسد (3)، إلاّ أنّها كثيرة في نفسها وإن كانت أقلّ من الحيض ، والكثرة أوجبت أن تكون الاستحاضة أصلاً ثانوياً للنساء ، فلا تقتضي أصالة السلامة عدمها ، على أنّ ترتّب الأحكام الشرعيّة عليها قابل للمناقشة كما لا يخفى.

وعلى الجملة شي‌ء من تلك الوجوه المتقدّمة غير صالح لأنّ يكون مدركاً للقاعدة والحكم بالحيضيّة عند دوران الأمر بين الحيض والاستحاضة لا لأجل الشبهة الحكمية ولا من جهة الشبهة الموضوعيّة لأجل الشكّ في تحقّق الشرائط.

النصوص المستدل بها على قاعدة الإمكان

الصحيح أن يستدلّ على القاعدة بالأخبار كما استدلّوا بها ، والكلام فيها يقع في مرحلتين :

أحدهما : في المقتضي وأنّ الرّوايات الواردة في المقام هل تدل على قاعدة الإمكان


1) الوسائل 2 : 281 / أبواب الحيض ب 5 ح 1.

2) راجع الوسائل 2 : 299 / أبواب الحيض ب 12 ح 2.

3) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3 ح 3.

أو لا دلالة عليها؟

ثانيهما : في وجود المانع أي المعارض لها على تقدير دلالتها على تلك القاعدة.

أمّا المرحلة الاولى فإليك شطراً من الرّوايات :

منها : الأخبار الواردة في أنّ الدم الّذي تراه الحبلى عند كونه واجداً للشرائط حيض ، حيث إنّ تعليل ذلك في بعضها بأنّها ربما قذفت بالدم كما في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « أنّه سئل عن الحبلى ترى الدم أتترك الصّلاة؟ فقال : نعم ، إنّ الحبلى ربما قذفت بالدم » (1)كالصريح في أنّ الدم المحتمل كونه حيضاً بعد اجتماع شرائطه حيض.

وذلك لأنّ كلمة « ربما » لا تفيد غير الاحتمال ، فالسائل إنّما سأله عن حكم الدم لاحتمال عدم كونه حيضاً ولو من جهة احتمال أنّ الحامل لا تحيض ، وإلاّ فلو كان عالماً بكونه حيضاً لم يكن وجه للسؤال ، والإمام عليه‌السلام حكم بحيضيّته معلّلاً باحتمال أن يكون حيضاً ، فدلّت الصحيحة بتعليلها على أنّ كلّ دم محتمل لأنّ يكون حيضاً فهو حيض ، لأنّ الدم المحتمل كونه حيضاً إذا بنينا على حيضيّته في الحبلى فهو حيض في غير الحبلى أيضاً ، بل هو حيض بالأولويّة القطعيّة ، لأنّ الحيض في الحبلى نادر وفي غيرها كثير.

وبهذا يندفع احتمال اختصاص ذلك بالحبلى لأنّها مورد الرّواية.

والوجه في الاندفاع : أنّ الحبلى إنّما ترى الحيض نادراً ، فلو كان الدم المحتمل للحيضيّة فيها حيضاً فهو في غير الحبلى الّتي ترى الحيض كثيراً حيض بالأولويّة القطعيّة.

ومنها : موثقة يونس بن يعقوب ، قال « قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام المرأة ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة ، قال : تدع الصّلاة ، قلت : فإنّها ترى الطّهر ثلاثة أيّام أو أربعة ، قال : تصلّي ، قلت : فإنّها ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة ، قال : تدع الصّلاة


1) الوسائل 2 : 329 / أبواب الحيض ب 30 ح 1.

قلت : فإنّها ترى الطّهر ثلاثة أيّام أو أربعة ، قال : تصلّي ، قلت : فإنّها ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة ، قال : تدع الصّلاة ، تصنع ما بينهما وبين شهر ، فان انقطع الدم عنها ، وإلاّ فهي بمنزلة المستحاضة » (1).

فإنّ الجملة الواردة في صدرها ، أعني قوله « تدع الصّلاة » جواباً عن أنّ المرأة ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة ، تدل على أنّ الدم المحتمل كونه حيضاً أو استحاضة حيض وذلك لضرورة أنّ الدم ثلاثة أيّام أو أربعة يحتمل أن يكون استحاضة ولا تعيّن له في الحيضيّة ، بل الحال كذلك في جميع النِّساء لعدم علمهنّ بالغيب وأنّ الدم حيض ، لأنّ مجرّد رؤية الدم ثلاثة أيّام أو أربعة لا يدل على أنّه حيض ، ومعه حكم عليه‌السلام بكونه حيضاً عند اجتماع شرائطه لا محالة.

ولا ينافي ذلك ما ورد في الجملات المتأخّرة عن هذه الجملة ، لأنّ الحكم بالحيض في أيّام الدم والطّهر في أيّام طهرها إلى شهر وإن لم يمكن حمله على الحكم الواقعي لأنّ الحيض يشترط فيه أن يتأخّر عن الحيضة السابقة بعشرة أيّام على الأقل لأنّها أقل الطّهر كما عرفت ، ولا يمكن الحيض قبل ذلك واقعاً ، فلا بدّ في الرّواية من التأويل كما قدّمناه عن بعضهم إلاّ أنّ ذلك إنّما هو في الجملات المتأخِّرة ولا يضرّ بالجملة الأُولى بوجه ، لأنّها قد اشتملت على حكم مستقل لا ربط له بالجملات المتأخِّرة ، ومن هنا لو كان سكت عليها لم يكن الحكم غير تام ، وقد عرفت أنّ الحكم في تلك الجملة يدلّنا على أنّ الدم إذا كان مردّداً بين الحيض والاستحاضة فهو حيض ، نعم لو كانت الرّواية من الابتداء متضمّنة للحكم بالحيضيّة في أيّام الدم وبالطهر في غيرها إلى شهر لم يمكن الاستدلال بها على المدّعى.

وأصرح من ذلك صحيحة صفوان ، قال « سألت أبا الحسن الرّضا عليه‌السلام عن الحبلى ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة تصلّي؟ قال : تمسك عن الصّلاة » (2)حيث


1) الوسائل 2 : 285 / أبواب الحيض ب 6 ح 2. وفي طبعة المؤسّسة « ما بينها ».

2) الوسائل 2 : 331 / أبواب الحيض ب 30 ح 4.

إنّها غير مشتملة على الذيل الوارد في الرّواية المتقدّمة ، وقد عرفت أنّ الدم المردّد بين الحيض والاستحاضة إذا حكم عليه بكونه حيضاً في الحامل فلا بدّ من الحكم كذلك في غير الحبلى بالأولويّة القطعيّة ، لأنّ الحيض في الحبلى نادر وفي غيرها كثير.

وممّا ذكرناه في موثقة يونس بن يعقوب ظهر عدم إمكان الاستدلال على المدّعى برواية أبي بصير ، قال « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن المرأة ترى الدم خمسة أيّام ، والطّهر خمسة أيّام ، وترى الدم أربعة أيّام ، وترى الطّهر ستّة أيّام ، فقال : إن رأت الدم لم تصلّ ، وإن رأت الطّهر صلّت ما بينها وبين ثلاثين يوماً » الحديث (1).

والوجه في عدم دلالتها على المدّعى أنّها من الابتداء واردة في الحكم بالحيضيّة في أيّام رؤية الدم والطّهر في أيّامه ، وقد عرفت أنّه لا يمكن حمله على الحكم الواقعي لاشتراط الحيض بتخلّل أقل الطّهر بينه وبين الحيضة المتقدّمة ، فلا وجه لمقايسة هذه الرّواية مع السابقة لما عرفته من الفرق الواضح بينهما.

ومنها : صحيح عبد اللّه بن المُغيرة عن أبي الحسن الأوّل عليه‌السلام « في امرأة نفست فتركت الصّلاة ثلاثين يوماً ثمّ طهرت ثمّ رأت الدم بعد ذلك ، قال : تدع الصّلاة ، لأنّ أيّامها أيّام الطّهر قد جازت مع أيّام النّفاس » (2)حيث إنّ تعليله عليه‌السلام بأنّ أيّامها قد جازت يدلّنا على أنّ المدار في الحكم بحيضيّة الدم عدم اشتماله على المانع ، حيث يبيّن أنّ الدم في مورد السؤال لا مانع من كونه حيضاً لتحقّق شرائطه الّتي منها تخلّل أقل الطّهر بينه وبين الحيضة السابقة لمضي أيّام الطّهر مع أيّام النّفاس.

ومنها : الأخبار الدالّة على أنّ المرأة إذا رأت الدم قبل عشرة أيّام فهو من الحيضة الأُولى ، وإن كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة ، كما في صحيحة أو حسنة محمّد بن مسلم وغيرها (3)، فإنّ قوله في الجملة الثّانية « وإن كان بعد العشرة فهو من


1) الوسائل 2 : 286 / أبواب الحيض ب 6 ح 3.

2) الوسائل 2 : 393 / أبواب النّفاس ب 5 ح 1. وفي نسخة « وقد جازت ».

3) الوسائل 2 : 298 / أبواب الحيض ب 11 ح 3 ، ومثلها في ص 296 / ب 10 ح 11.

الحيضة المستقبلة » بعد تقييد العشرة بعشرة الطهر ، لما دلّ على أنّ الحيضة الثّانية لا بدّ من أن يتخلّل بينها وبين السابقة أقلّ الطّهر يدلّنا على أنّ الدم المردّد بين الحيض والاستحاضة كما في المقام لوضوح أنّ ما تراه المرأة بعد العشرة من حيضها يحتمل أن يكون حيضاً ، كما يحتمل أن يكون استحاضة حيض لا محالة.

نعم لا مجال للاستدلال بالجملة الاولى من الصحيحة ، بدعوى دلالتها على أنّ الدم المردّد بين الحيض والاستحاضة قبل مضي العشرة محكوم بكونه حيضاً ، بلا فرق في ذلك بين كونه واجداً للصفات أو فاقداً لها.

والوجه في عدم إمكان الاستدلال بها أنّها دلّت على أنّ ذات العادة إذا رأت الدم بعد أيّام عادتها وقبل العشرة فهو ملحق بالحيضة المتقدّمة ، ولا مانع من الالتزام بذلك إلاّ أنّه حكم خاص ، بمعنى أنّه إلحاق للدم المردّد بين الحيض وغيره بالحيضة المتقدّمة في ذات العادة ، ولا دلالة لها على أنّ الحكم كذلك في الدم الخارج من غيرها كالمبتدئة والمضطربة والناسية.

ومن هذا ظهر أنّ قوله عليه‌السلام « فإنّه ربما تعجل بها الوقت » في موثقة سماعة (1)أيضاً لا يدلّ على أنّ الدم المردّد بين الحيض والاستحاضة حيض ، لاختصاصه بذات العادة ، ولا محذور في الالتزام بأن ما رأته ذات العادة قبل أيّامها أو بعدها قبل العشرة من الحيض ، إلاّ أنّها لا تدلّ على أنّ الدم المردّد بينهما حيض مطلقاً ، حتّى في غير ذات العادة من المبتدئة والمضطربة والناسية.

فالمتحصل إلى هنا أنّ الدم الواجد لشرائط الحيض أعني ما كان ثلاثة أيّام مستمرّة وغير متجاوز عن العشرة المتخلّل بينه وبين الدم السابق أقلّ الطّهر إذا كان مردّداً بين الحيض والاستحاضة لا لأجل شبهة حكمية ولا من جهة الشبهة الموضوعيّة لأجل الشكّ في تحقّق الشرائط محكوم بالحيضيّة بمقتضى النصوص ، وهو قاعدة متصيدة من الأخبار المتقدّمة ، ولكن في موردها ، وهو ما إذا شكّ في الحيضيّة والاستحاضة


1) الوسائل 2 : 300 / أبواب الحيض ب 13 ح 1.

من جهة فقدانه الصفات لا من جهة الشبهة الحكمية ولا من جهة الشبهة الموضوعيّة لأجل الشكّ في تحقّق شرط الحيض.

ويؤيّدها موثقة سماعة ، قال « سألته عن الجارية البكر أوّل ما تحيض ، فتقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة أيّام ، يختلف عليها إلى أن قال فلها أن تجلس وتدع الصّلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة » (1)حيث دلّت على كون الدم في مفروض الرّواية حيضاً مع تردّده بين الحيض والاستحاضة.

وعلى الجملة إنّ الدم الواجد لجميع شرائط الحيض غير الصفات إذا شكّ في حيضيّته لتردّده بين الحيض والاستحاضة لا من جهة الشبهة الحكمية ولا من جهة الشبهة المصداقيّة شملته قاعدة الإمكان ، فيحكم بكونه حيضاً بالقياس إلى الأخبار وأدلّة الشّروط.

المراد بالإمكان في القاعدة

وبهذا يظهر أنّ الإمكان في القاعدة يراد به الإمكان القياسي بمعنى أنّ الدّم حيض بالقياس إلى أدلّة الشّروط والأخبار المتقدّمة ، فكلّ دم يمكن أن يكون حيضاً بالقياس إلى أدلّة الشّروط والأخبار فهو حيض ، وليس المراد به الإمكان الاحتمالي بأن يقال : كلّ دم يحتمل أن يكون حيضاً فهو حيض ، لما مرّ من أنّ الدم في الشبهات الحكمية والمصداقيّة يحتمل أن يكون حيضاً واقعاً مع أنّه ليس بحيض ، ولم يلتزم الأصحاب بالحيضيّة فيهما ، والإجماع على تقدير تحقّقه إنّما هو في غير الموردين.

كما أنّ المراد بالإمكان ليس هو الإمكان الذاتي في كلماتهم ، لعدم وقوع البحث فيه ، حيث إنّ حيضيّة الدم المردّد بين الحيض والاستحاضة ليست من المستحيلات الأوّلية كاجتماع النقيضين وارتفاعهما ، بل كلّ دم يمكن أن يكون حيضاً ولو كان بلحظة أو غير مستمر ثلاثة أيّام أو قبل تخلّل عشرة الطّهر ، وإنّما الشارع لم يحكم بحيضيّته في تلك الموارد ، وهو أمر آخر غير الإمكان الذاتي ، ومن ثمة لم يردّوا ما نقل من بعض


1) الوسائل 2 : 304 / أبواب الحيض ب 14 ح 1.

العامّة من أنّ الحيض يمكن أن يكون أقلّ من ثلاثة أيّام بأنّه أمر مستحيل ذاتاً.

وأمّا الإمكان الوقوعي وعدم استتباع حيضيّة الدم المردّد بين الحيض وغيره محذوراً وأمراً ممتنعاً فهو أيضاً غير مراد من كلماتهم ، وذلك لأنّه لا سبيل لنا إلى إحراز أنّ كون الدم حيضاً في موارد الاشتباه يلزمه محذور أو لا يلزمه.

فالإمكان في كلماتهم إنّما يراد به الإمكان القياسي ، أي الدم الّذي يمكن أن يكون حيضاً بالقياس إلى أدلّة الشروط والأخبار لاستجماعه جميع الشروط ، وهو حيض. هذا تمام الكلام في المرحلة الاولى والمقتضي.

وأمّا المرحلة الثّانية أعني البحث عن أنّ للأخبار المتقدّمة مانعاً أو لا مانع عنها فملخص الكلام في ذلك أنّ الصفرة كما تقدّم وعرفت في غير أيّام العادة ليست بحيض ، كما أنّها في أيّام العادة حيض حسب الأخبار المتقدّمة في مواردها ، ومقتضى ما سردناه من الأخبار أنّ كلّ دم مردّد بين الحيض والاستحاضة عند استجماعه لشروط الحيض حيض.

فإذن لا بدّ من النّظر إلى أنّ كلّ دم أحمر أو أصفر محكوم بكونه حيضاً كما هو مقتضى ما سردناه من الرّوايات إلاّ الدم الأصفر في ذات العادة إذا رأته في غير أيّامها ، فخروج الصفرة عن الحيض يحتاج إلى دليل أو أنّ الحيض يشترط فيه الحمرة كما هو مقتضى أخبار الصفات ، فكلّ دم ليس بأحمر كما إذا كان أصفر فهو ليس بحيض إلاّ الدم الأصفر في ذات العادة إذا رأته في أيّام عادتها أو قبلها بيوم أو يومين (1)، وعليه فكون الصفرة حيضاً هو المحتاج إلى إقامة الدليل عليه.

فالعمدة أن يتكلّم في أنّ الصفات كالحمرة والسواد هل هي كبقيّة الشروط المعتبرة في تحقّق الحيض ، بحيث لو لم يكن الدم أحمر فهو ليس بحيض إلاّ فيما إذا رأته المرأة في أيّام عادتها أو قبلها بيوم أو يومين ، لأنّ الصفرة فيها حيض بمقتضى النّصوص ، أو أنّ الحمرة ليست من شروط الحيض ، وهو قد يكون أصفر وقد يكون أحمر ، فكلّ دم كان مستجمعاً للشروط فهو حيض وإن كان أصفر ، وإنّما يستثني من ذلك الصفرة في


1) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4.

غير أيّام العادة ، لأنّها ليست بحيض في ذات العادة.

وهذا الأخير لعله هو المعروف بينهم ، ومن ثمة حكموا بأنّ ما تراه المبتدئة والمضطربة والناسية من الدم بعد تقييده بما إذا كان واجداً للشرائط حيض وإن كان أصفر.

إلاّ أنّ الصحيح أنّ المستفاد من الأخبار الواردة في المقام هو مدخليّة الحمرة في الحكم بالحيضيّة وأنّها كبقيّة الشروط ، فكلّ دم لم يكن بأحمر فهو ليس بحيض وإن كان أصفر ، إلاّ الصفرة في أيّام العادة أو قبلها بيوم أو يومين.

والّذي يدلّنا على ذلك من الأخبار : الرّوايات الواردة في المائز بين دم الحيض والاستحاضة الدالّة على أنّ الحيض دم حار عبيط أحمر أو أسود يخرج بحرقة ودفع ودم الاستحاضة دم بارد أصفر ، وأنّ دم الحيض ليس به خفاء (1)، فإنّ مقتضى تلك الرّوايات أنّ الحمرة والسواد من الأُمور المقوّمة للحيض ، فكلّ دم لم يكن كذلك ليس بحيض ، كما أنّ الصفرة تلازم الاستحاضة إلاّ الصفرة في أيّام العادة ، لأنّها كالصفرة قبلها بيوم أو يومين حيض بمقتضى النّصوص.

وهذه الرّوايات وإن كانت واردة في المستحاضة وهي الّتي تجاوز دمها العشرة إلاّ أنّ جوابه عليه‌السلام ليس حكماً مختصّاً بمورد الأخبار حتّى لا يمكن التعدِّي إلى غيره ، وإنّما هو حكم كبروي ينطبق عليه وعلى غيره ، لأنّها بصدد بيان المائز بين دم الحيض وغيره ، فكل دم لم يكن كما وصف فهو ليس بحيض.

ومن تلك الرّوايات ما ورد في أنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض ، بل المرأة تتوضّأ وتصلِّي إذا كانت الصفرة قليلة ، أو تغتسل وتصلِّي إذا كانت كثيرة لكونها مستحاضة حينئذ ، كصحيحة محمّد بن مسلم ، قال « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن المرأة ترى الصفرة في أيّامها ، فقال عليه‌السلام : لا تصلِّي حتّى تنقضي أيّامها ، وإن رأت الصفرة في غير أيّامها توضّأت وصلّت » (2)وبمضمونها روايات عديدة


1) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3.

2) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4 ح 1 ، وبمضمونه أكثر روايات الباب.

اخرى ، وهي كما تشمل الصفرة في ذات العادة تشمل الصفرة في غير ذات العادة ، حيث دلّت على أنّ الصفرة في يوم ليس هو بأيّام العادة ليس بحيض ، سواء كانت المرأة ذات عادة أم لم تكن لها عادة أصلاً ، لصدق أنّ اليوم ليس من أيّام عادتها.

وأصرح من الجميع رواية علي بن جعفر عن أخيه عليه‌السلام حيث ورد فيها « قلت كيف تصنع؟ قال : ما دامت ترى الصفرة فلتتوضأ من الصفرة وتصلّي ، ولا غسل عليها من صفرة تراها إلاّ في أيّام طمثها ، فإن رأت صفرة في أيّام طمثها تركت الصّلاة كتركها للدم » (1)حيث صرحت فيها بأنّ الصفرة ليست بحيض مطلقاً ولو من غير ذات العادة إلاّ في أيّام عادتها.

ومقتضى هذه الأخبار هو الحكم بأنّ ما تراه المبتدئة والمضطربة والناسية في الدم الفاقد للحمرة استحاضة وليس بحيض وإن كان واجداً لبقيّة الشروط وإن كان خلاف ما ذهب إليه المشهور ، بل خلاف ما ادّعوا عليه الإجماع ، لكن الصحيح ما عرفته وإن كان الاحتياط في محله.

فالمتحصل أنّ الحمرة أو السواد معتبران في حيضيّة الدم ، فالدم الأصفر ليس بحيض إلاّ الصفرة الّتي تراها ذات العادة أيّام عادتها ، هذا كلّه في ذات العادة غير الحبلى.

فهل الصفرة الّتي تراها الحبلى في أيّام عادتها أيضاً محكومة بالحيض وهي مستثناة من كبرى عدم حيضيّة الصفرة ، كما في الحائل غير الحبلى ، أو أنّ الصفرة في الحبلى ليست بحيض ولو كانت في أيّام عادتها؟

مقتضى الأخبار الواردة في أنّ الصفرة في أيّام العادة حيض (2)سواء كانت المرأة حبلى أو غير حبلى أنّها حيض ، كما أنّ مقتضى الأخبار الواردة في أنّ الصفرة الّتي


1) الوسائل 2 : 280 / أبواب الحيض ب 4 ح 8.

2) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4.

تراها الحبلى ليست بحيض (1)سواء تراها في أيّام عادتها أو في غيرها أنّها ليست بحيض ، والطائفتان متعارضتان والنسبة بينهما عموم من وجه ، وتعارضهما في الصفرة الّتي تراها الحبلى أيّام عادتها ، ومقتضى القاعدة تقديم ما دلّ على أنّ الصفرة في أيّام العادة حيض ، لأنّ في تلك الطائفة رواية يونس المشتملة على أنّ « كلّ ما رأت المرأة في أيّام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض » (2)وحيث إنّ دلالتها بالعموم ودلالة الطائفة الثّانية بالإطلاق ، لا محالة يتقدّم ما كانت دلالته بالعموم على ما كانت دلالته بالإطلاق.

ولكن الرّواية ضعيفة بالإرسال ، لأنّ يونس رواها عن بعض أصحابه ، وغيرها من الأخبار مطلق ، على أنّ كون دلالتها بالعموم محل تأمّل ومنع ، لأنّ عمومها إنّما هو بالإضافة إلى الدم الأحمر والأصفر ، وأمّا بالإضافة إلى أفراد المرأة فدلالتها بالإطلاق ، وعلى تقدير الغض عن ذلك وفرضها عامّة أيضاً لا يمكننا الحكم بحيضيّة الدم المذكور ، لضعف الرّواية بحسب السند.

ومقتضى القاعدة في تعارض المطلقين بالعموم من وجه هو التساقط والرّجوع إلى العام الفوق ، وهو ما دلّ على أنّ دم الحيض والاستحاضة لا خفاء فيه ، لأنّ الحيض دم أحمر عبيط ، ودم الاستحاضة أصفر بارد ، ومعه لا يحكم على الصفرة الّتي تراها الحبلى بالحيضيّة.

ومع الغض عن هذا العموم لا بدّ من الرّجوع إلى عمومات ومطلقات أدلّة التكاليف ، كما دلّ على وجوب الصّلاة على كلّ مكلّف ، أو ما دلّ على أنّ الزّوج يجوز له وطء زوجته أنّى شاء ، ومقتضاها الحكم بعدم الحيضيّة في المقام. وهذه المسألة ممّا لم نر التعرّض له في كلمات الأصحاب.

هذا كلّه في المقام الأوّل ، وهو ما إذا استمرّ الدم ثلاثة أيّام ولم يكن واجداً للصفات ، وهو الّذي جزم الماتن بكونه حيضاً كما عرفت.


1) الوسائل 2 : 331 و 334 / أبواب الحيض ب 30 ح 6 و 16.

2) الوسائل 2 : 279 / أبواب الحيض ب 4 ح 3.

الكلام في المقام الثّاني

وأمّا المقام الثّاني : أعني الدم الّذي تراه المبتدئة أو المضطربة أو الناسية قبل أن تمضي عليه ثلاثة أيّام أعني أوّل ما رأته من الدم فهل يحكم عليه بالحيضيّة ولو ظاهراً ، ثمّ إنّه إن دام الدم ثلاثة أيّام فهو ، وإلاّ فيستكشف عدم كونه حيضاً ، وتقضي ما تركته من الصّلاة أو لا يحكم عليه بالحيضيّة؟

ولا إجماع على الحيضيّة في هذه المسألة ، بل ذهب بعضهم إلى الحكم بالحيضيّة وذهب بعضهم إلى أنّه استحاضة ، والكلام يقع في هذه المسألة في مقامين :

أحدهما : فيما إذا كان الدم الّذي تراه المبتدئة وأخواتها أحمر ، وهذا لم يتعرّض الماتن لحكمه.

وثانيهما : فيما إذا كان الدم أصفر.

أمّا المقام الأوّل : أعني ما إذا كان الدم أحمر فالمعروف أنّه حيض ، وهذا هو الصحيح ، ويكفي في ذلك :

أوّلاً : الاستصحاب ، لأنّه كما يجري في الأُمور المتقدّمة كذلك يجري في الأُمور المستقبلة ، وحيث إنّها قاطعة بجريانه بالفعل ، فإذا شكّت في أنّه ينقطع قبل الثلاثة أو لا ينقطع فالأصل عدم انقطاعه قبل الثّلاثة ، وبه يحكم بأنّه حيض ، إذ المفروض اشتماله على الأوصاف ولم يكن شكّ في حيضيّته إلاّ من جهة الاستمرار ثلاثة أيّام وقد حكم الشارع بكونه مستمراً كذلك.

وثانياً : الأخبار ، وهي كثيرة.

منها : موثقة سماعة ، قال « سألته عن الجارية البكر أوّل ما تحيض فتقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة أيّام إلى أن قال فلها أن تجلس وتدع الصّلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة » (1)حيث دلّت على أنّ الدم حيض من أوّل وقت تراها المبتدئة بلا فرق في ذلك بين احتمال انقطاع الدم قبل الثّلاثة وعدمه ، لأنّ احتمال الانقطاع قبل


1) الوسائل 2 : 304 / أبواب الحيض ب 14 ح 1.

الثّلاثة وإن لم يكن بأغلب إلاّ أنّه كثير في نفسه ، فتشمله الإطلاقات في هذه الرّواية والأخبار الآتية لا محالة.

ومنها : صحيحة إسحاق بن عمّار ، قال « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين ، قال : إن كان دماً عبيطاً فلا تصلِّي ذينك اليومين وإن كان صفرة فلتغتسل عند كلّ صلاتين » (1)لدلالتها على ترتيب آثار الحيض من أوّل يوم رأت الدم.

وقد يقال : إنّها معارضة بما دلّت على أن أقلّ الحيض ثلاثة أيّام ، فإنّ الصحيحة تدلّ على أنّ الدم حيض في ذينك اليومين.

ولكنّا أجبنا عن ذلك عند الكلام على اعتبار الاستمرار ثلاثة أيّام في الحيض وقلنا إنّها إنّما تكون معارضة للأخبار الدالّة على اعتبار الثّلاثة في الحيض فيما إذا كانت ناظرة إلى الحكم بترك الصّلاة بعد ذينك اليومين ، إلاّ أنها ليست كذلك لأنّها واردة لبيان الوظيفة الفعلية في أوّل آن رأت فيه الدم ، إذ لا معنى للحكم بترك الصلاة ذينك اليومين بعد انقضائها ، وإنّما يصح ذلك قبل انقضائها ، وقد دلّت على أنّها تترك الصّلاة في أوّل زمان رؤيتها.

وأمّا أنّه لا تقضي تلك الصلوات حتّى إذا انقطع قبل الثّلاثة ليدل على أنّ الحيض يتحقّق ليوم أو يومين ، أو تقضي تلك الصلوات عند عدم استمرار الدم ثلاثة أيّام فهو أمر آخر لا دلالة عليه في الرّواية ، بل مقتضى ما دلّ على اعتبار الثّلاثة في الحيض الحكم بعدم حيضيّته بعد ما انكشف عدم استمراره ثلاثة أيّام ، وهذا لا ينافي الحكم بالحيضيّة ظاهراً من أوّل يوم رأت فيه الدم.

ومنها : صحيحة عبد اللّه بن المُغِيرة الواردة « في امرأة نفِست فتركت الصّلاة ثلاثين يوماً ثمّ طهرت ثمّ رأت الدم بعد ذلك ، قال : تدع الصّلاة » (2)فقد دلّت على وجوب ترك الصّلاة من حين رؤيتها الدم كسابقتها ، بلا فرق في ذلك بين احتمالها انقطاع الدم


1) الوسائل 2 : 331 / أبواب الحيض ب 30 ح 6.

2) الوسائل 2 : 393 / أبواب النّفاس ب 5 ح 1.

قبل الثّلاثة وعدمه.

ومنها : صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : أيّ ساعة رأت المرأة الدم فهي تفطر الصائمة إذا طمثت ، وإذا رأت الطّهر في ساعة من النّهار قضت صلاة اليوم واللّيل مثل ذلك » (1). وهي تدلّنا على أمرين :

أحدهما : أنّ صحّة الصوم مشروطة بعدم الحيض في ساعات النّهار ، بحيث لو رأت المرأة الحيض في ساعة منها ولو في آخر ساعات النّهار بطل صومها لا محالة.

ثانيهما : وجوب ترتيب آثار الحيض في أوّل زمان رؤية الدم ، بلا فرق بين احتمالها انقطاع الدم قبل الثّلاثة وعدمه.

ومنها : الأخبار الواردة في الحبلى من أنّها إذا رأت الدم عبيطاً تترك الصّلاة (2)وعليه فلا مناص من الحكم بأن ما تراه المبتدئة وأخواتها من الدم الأحمر حيضاً ، ثمّ إن استمر ثلاثة أيّام فهو ، وإلاّ فيستكشف أنّه كان استحاضة ، ويجب قضاء ما تركته من الصلوات في اليوم أو اليومين.

وهل هذا يعم الحبلى وغيرها ، أو أنّ الحبلى لا ترتب آثار الحيض عند رؤيتها الدم الأحمر إلاّ إذا استمرّ ثلاثة أيّام؟

ذهب المحقّق الهمداني إلى التفصيل ، ومستنده صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال « سألت أبا الحسن عن الحبلى ترى الدم وهي حامل كما كانت ترى قبل ذلك في كلّ شهر ، هل تترك الصّلاة؟ قال : تترك الصّلاة إذا دام » (3)بدعوى أنّ مفهوم الجملة الشرطيّة « إذا دام ... » أنّ الدم الّذي رأته الحبلى إذا لم يدم ثلاثة أيّام فهو ليس بحيض فلا يحكم على الحبلى بالحيض إلاّ إذا دام ثلاثة أيّام بخلاف غير الحبلى (4).

ويدفعه : أنّ الصحيحة لا دلالة لها على المدّعى ، لأنّ « دام » بمعنى استمرّ في مقابل


1) الوسائل 2 : 366 / أبواب الحيض ب 50 ح 3.

2) الوسائل 2 : 331 / أبواب الحيض ب 30 ح 6.

3) الوسائل 2 : 330 / أبواب الحيض ب 30 ح 2.

4) مصباح الفقيه ( الطّهارة ) : 299 السطر 27 31.

الانقطاع ورؤية الدم دفعة أو دفعتين ، كما في بعض الأخبار ، فالصحيحة تدلّ على أنّ الدم إذا رأته الحبلى وانقطع لا يحكم عليه بكونه حيضاً ، كما ورد في بعض الرّوايات (1)من أنّ الدم الّذي تراه المرأة دفعة أو دفعتين من الهراقة وليس بحيض ، لاعتبار الاستمرار فيه ، وأمّا إذا استمرّ في أوّل زمان رؤيتها ولم ينقطع بعد رؤيته فهو حيض ولا دلالة في الصحيحة على أنّه إذا استمرّ ثلاثة أيّام فهو حيض لعدم ذكر الثّلاثة في الرّواية.

فالصحيح عدم الفرق في ذلك بين الحبلى وغيرها ، هذا كلّه في المقام الأوّل.

وأمّا المقام الثّاني : أعني ما إذا كان الدم الّذي تراه المبتدئة أو أخواتها صفرة ، فهل يحكم بكونه حيضاً؟

فإن قلنا بعدم كون الصفرة حيضاً في المقام الأوّل ، أعني ما إذا استمرّ ثلاثة أيّام فلا يحكم بحيضيّتها في هذا المقام بطريق أولى.

وأمّا إذا حكمنا بحيضيّة الصفرة إذا مضت عليها ثلاثة أيّام فيقع الكلام في أنّها قبل انقضاء الثّلاثة حيض أو ليس بحيض ، المشهور بينهم هو الحكم بحيضيّته إذ لا فرق عندهم في ذلك بين المستمر ثلاثة أيّام وغير المستمر ، كما لا فرق في الحكم بالحيضيّة عندهم بين واجد الصفات وفاقدها.

لكن الماتن احتاط في المسألة بالجمع بين أحكام المستحاضة وتروك الحائض ، والوجه في احتياطه عدم ترجح الأدلّة الدالّة على الحيضيّة كقاعدة الإمكان ، لأنّه دم يمكن أن يكون حيضاً على أدلّة النافين عنده ، ولكن مقتضى القاعدة لو كنّا نحن والقاعدة هو الحكم بحيضيّته ، وذلك لاستصحاب عدم انقطاعه إلى ثلاثة أيّام والمفروض أنّه على تقدير استمراره كذلك محكوم بالحيضيّة ، والاستصحاب لا يفرق فيه بين أن يكون متعلّق اليقين أمراً متقدِّماً وبين أن يكون أمراً فعليّاً ويكون المشكوك فيه أمراً استقبالياً ، لأنّ المدار فيه على فعلية اليقين والشكّ ، وأمّا كون متعلّق اليقين


1) الوسائل 2 : 332 / أبواب الحيض ب 30 ح 8.

أمراً سابقاً فهو غير معتبر في جريانه على ما تكلّمنا عليه في محلّه.

ولم يؤخذ في الحكم بالحيضيّة عنوان آخر وجودي غير استمراره ثلاثة أيّام ، ليقال إنّ الاستصحاب لا يثبت ذلك العنوان الوجودي ، وحيث إنّه دم واجد للصفات أو فاقد لها بالوجدان وباق إلى ثلاثة أيّام بالاستصحاب فلا مناص من الحكم بحيضيّته ولم نفهم لمناقشة شيخنا الأنصاري (1)قدس‌سره في جريان هذا الاستصحاب وجهاً صحيحاً ، هذا كلّه بحسب القاعدة.

إلاّ أنّ النصوص دلتنا على عدم كون الصّفرة حيضا بمجرّد رؤيتها ولو مع الحكم بحيضيّتها بعد استمراره ثلاثة أيّام ، كما في صحيحة إسحاق بن عمار ، قال « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين قال : إن كان دماً عبيطاً فلا تصلي ذينك اليومين وإن كان صفرة فلتغتسل عند كلّ صلاتين » (2)حيث قدّمنا أنّ أظهر ما يمكن أن يحمل عليه هذه الرّواية إنّما هو ترك الصّلاة بمجرّد رؤية الدم لا بعد انقضاء اليوم أو اليومين ، إذ لا معنى للأمر بترك الصّلاة فيهما بعد انقضائهما وقد دلّت في هذه الصّورة على أنّ ما تراه الحبلى إذا كان دماً أحمر وعبيطاً فهو حيض وإذا كان صفرة فهو استحاضة فلتغتسل وتصلّي.

وكما في صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج ، قال « سألت أبا إبراهيم عليه‌السلام عن امرأة نفِست فمكثت ثلاثين يوماً أو أكثر ثمّ طهرت وصلّت ثمّ رأت دماً أو صفرة قال : إن كانت صفرة فلتغتسل ولتصلّ ولا تمسك عن الصّلاة » (3)وبمضمونها غيرها من الأخبار (4)حيث دلّت على أنّ ما رأته النّفساء إذا كان صفرة فهو ليس بحيض وعليه فلا يمكننا الحكم بأن ما تراه المرأة من الصفرة قبل انقضاء ثلاثة أيّام حيض.


1) كتاب الطّهارة : 201 السطر الأخير / المقصد الثّاني في الحيض.

2) الوسائل 2 : 331 / أبواب الحيض ب 30 ح 6.

3) الوسائل 2 : 393 / أبواب النّفاس ب 5 ح 2.

4) الوسائل 2 : 383 و 387 / أبواب النّفاس ب 3 ح 3 و 16.

وأمّا غير ذات العادة المذكورة كذات العادة العدديّة فقط والمبتدئة والمضطربة والناسية فإنّها تترك العبادة وترتب أحكام الحيض بمجرّد رؤيته إذا كان بالصفات ، وأمّا مع عدمها فتحتاط بالجمع (1)بين تروك الحائض وأعمال المستحاضة إلى ثلاثة أيّام ، فإن رأت ثلاثة أو أزيد تجعلها حيضاً ، نعم لو علمت أنّه يستمر إلى ثلاثة أيّام تركت العبادة بمجرّد الرؤية وإن تبيّن الخلاف تقضي ما تركته.

[716] مسألة 16 : صاحبة العادة المستقرّة في الوقت والعدد إذا رأت العدد في غير وقتها ولم تره في الوقت تجعله حيضاً (2)، سواء كان قبل الوقت أو بعده (1).


نعم ، هذا يختص بالحبلى والنّفساء لورود الأخبار فيهما ، وأمّا في غيرهما فلا دليل على عدم كون الصفرة حيضاً ، فعلى تقدير الالتزام بالحيضيّة بعد انقضاء الثّلاثة لا بدّ من الالتزام بها قبل انقضائها أيضاً بالاستصحاب.

إلاّ أنّ من المقطوع به عدم الفرق بين الحبلى والنّفساء وبين بقيّة أقسام المرأة في الحكم بعدم حيضيّة ما تراه من الصفرة ، ولأجل ذلك يحكم بعدم حيضيّة الصفرة في جميع أقسام المرأة غير ذات العادة ، لأنّ الصفرة في أيّام العادة حيض كما مرّ.

هذا تمام الكلام في قاعدة الإمكان وما يترتب عليها من الفروع.

رؤية العدد في غير وقتها

(1) قدّمنا أنّ ذات العادة العدديّة إذا رأت الدم زائداً على العشرة تجعل عدد أيّامها حيضاً والزّائد استحاضة ، وإذا رأته ولم يتجاوز العشرة وكان الدم واجداً للصفات يحكم بكونه حيضاً ، نعم إذا كان غير واجد للصفات يشكل الحكم بحيضيّته كما


1) (*) وإن كان الأقرب كونها استحاضة وإن استمرّ الدم إلى ثلاثة أيّام.

2) (**) إذا كان واجداً للصفات وإلاّ فهو استحاضة وإن كان الاحتياط أولى.

[717] مسألة 17 : إذا رأت قبل العادة وفيها ولم يتجاوز المجموع عن العشرة جعلت المجموع حيضاً (1)، وكذا إذا رأت في العادة وبعدها ولم يتجاوز عن العشرة أو رأت قبلها وفيها وبعدها ، وإن تجاوز العشرة في الصور المذكورة فالحيض أيّام العادة فقط والبقيّة استحاضة (1).


عرفت ، كما أنّها إذا رأت الدم بعدد أيّامها تجعله حيضاً.

وكذا ذات العادة الوقتيّة فإن الدم الّذي تراه في وقتها حيض ، وفي المقام لم تتحقّق رؤية الدم في وقتها ولكنّها رأته في غير وقتها. فإذن يأتي ما قدّمناه في المقام ، فإن لم يتجاوز العشرة وكان واجداً للصفات فهو حيض ، ويشكل الحكم بحيضيّته فيما إذا لم يكن واجداً للصفات كما إذا كان صفرة ، وأمّا إذا تجاوز العشرة فتأخذ بمقدار عددها حيضاً والباقي استحاضة.

الرؤية في العادة وبعدها ، أو قبلها وفيها وبعدها

(1) إطلاق حكمه بالحيضيّة في المجموع ممّا لا أساس له ، لأنّه إنّما يتم فيما إذا كان الدم الّذي تراه المرأة في عادتها وقبلها أو في عادتها وبعدها أو في عادتها وقبلها وبعدها بصفات الحيض ، فإنّ الدم الّذي تراه ذات العادة وهو واجد للصفات محكوم بالحيضيّة فيما إذا لم يتجاوز العشرة.

وكذلك الحال فيما إذا لم يكن واجداً للصفات إلاّ أنّه تقدّم على العادة بيوم أو يومين ، لأنّ حكم الدم قبل العادة بيوم أو يومين حكم الدم في أيّام العادة صفرة كانت أم حمرة ، وبما أنّ الصفرة في أيّام العادة حيض فكذلك الصفرة قبلها بيوم أو يومين لما


1) (*) هذا إذا كان التقدّم بيوم أو يومين أو كان الدم بصفات الحيض وأمّا إذا كان التقدّم بأكثر من يومين ولم يكن الدم بصفات الحيض فالحكم بكونه حيضاً لا يخلو عن إشكال بل منع وإن كان الأولى الاحتياط وكذا الحال فيما إذا رأت الدم بعد العادة فإنّه لا يحكم بكونه حيضاً إذا لم يكن واجداً للصفات.

[718] مسألة 18 : إذا رأت ثلاثة أيّام متواليات وانقطع ثمّ رأت ثلاثة أيّام أو أزيد فإن كان مجموع الدمين والنّقاء المتخلّل لا يزيد عن عشرة كان الطرفان حيضاً (1)(1)


دلّ من الرّوايات المتقدّمة على أنّ العادة ربما تتقدّم بيوم أو يومين (2)، فيحكم بحيضيّة الصفرة قبل العادة وفي العادة.

وأمّا إذا لم يكن الدم واجداً لصفات الحيض وتقدّم على العادة بأكثر من يومين أو تأخّر عنها فلا دليل على الحكم بحيضيّة الصفرة السابقة على أيّام العادة أو المتأخِّرة عنها إلاّ قاعدة الإمكان والإجماع المدّعى في كلمات بعضهم ، وقد عرفت عدم تماميّة القاعدة للأخبار المتقدِّمة الدالّة على أنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض.

وأمّا إطلاق ما ورد في بعض الأخبار من أنّ الدم قد يتعجّل بالمرأة (3)الشامل لما إذا رأت الصفرة قبل أيّام عادتها بأكثر من يومين فهو ممّا لا يمكن الاعتماد عليه بعد تصريح الرّوايات ودلالتها على أنّ الصفرة قبل أيّام العادة حيض إذا كانت بيوم أو يومين ، وإلاّ فهي استحاضة.

الرؤية ثلاثة أيّام ثمّ الانقطاع ثمّ الرؤية كذلك

(1) لما تقدّم من أنّ ما تراه المرأة من الدم قبل العشرة فهو من الحيضة الأُولى على تفصيل قد عرفته.


1) (*) هذا إذا كان كلا الدمين في أيّام العادة أو كان واجداً للصفات وأمّا الدم الفاقد لها فلا يحكم بكونه حيضاً إذا لم يكن في أيّام العادة.

2) تقدّمت في الصفحة 179 ، وراجع الوسائل 2 : 279 و 280 / أبواب الحيض ب 4 ح 2 و 6.

3) الوسائل 2 : 305 / أبواب الحيض ب 15 ح 2 وغيره.

وفي النّقاء المتخلّل تحتاط بالجمع بين (1)تروك الحائض وأعمال المستحاضة (1)


(1) هذا يبتني على الخلاف المتقدّم في النّقاء المتخلّل في أثناء الحيضة الواحدة (2)وقد احتاط قدس‌سره هناك بالجمع بين تروك الحائض وأعمال المستحاضة وأشرنا هناك إلى أنّ مقتضى إطلاق الأخبار الواردة في أنّ أقلّ الطّهر عشرة (3)أنّ طبيعي الطّهر والنّقاء لا يكون أقل منها كان متخلِّلاً بين حيضتين أو بين حيضة واحدة لا خصوص الطّهر المتخلّل بين الحيضتين.

ثمّ على تقدير الاحتياط فلا بدّ من الجمع بين أحكام الحائض والطّاهرة ، لا بين وظائف الحائض والمستحاضة ، لدوران الأمر بين الحيض والطّهر ، لا بين الحيض والاستحاضة ، لأنّ المفروض عدم رؤيتها الدم ليحتمل كونه استحاضة فهي إمّا بحكم الحائض وإمّا طاهرة.

وتفصيل الكلام في هذه المسألة : أنّ مجموع الدمين وأيّام النّقاء المتخلّل بينهما قد يكون عشرة أيّام أو أقل كما إذا رأت ثلاثة أيّام ثمّ طهرت ثلاثة أيّام ثمّ رأت الدم ثلاثة أيّام ، ولا إشكال حينئذ في الحكم بحيضيّة الدمين ، وأمّا النّقاء المتخلّل بينهما فحكمه يبتني على المسألة المتقدِّمة ، وقد احتاط فيها الماتن بالجمع بين أحكام الحائض والمستحاضة ، ولكن ذكرنا أنّه محكوم بحكم الحيض ، لأنّ الطّهر على إطلاقه وطبيعته لا يقل عن عشرة أيّام سواء كان متخلّلاً بين حيضتين أو في أثناء حيضة واحدة ، وأشرنا إلى أنّه على تقدير الاحتياط لا بدّ أن يحتاط بالجمع بين أحكام الحائض والطاهرة لا الحائض والمستحاضة ، لأنّها لا ترى دماً في أيّام النّقاء ليدور أمره بين الحيض والاستحاضة وإنّما أمرها يدور بين كونها بحكم الحائض أو الطاهرة.

وقد يكون مجموع الدمين وأيّام النّقاء زائداً عن العشرة ، كما إذا رأت خمسة أيّام


1) (*) تقدّم أنّ الأظهر كونه من الحيض وكذا الحال فيما بعده.

2) تقدّم في الصفحة 135.

3) الوسائل 2 : 297 / أبواب الحيض ب 11.

وطهرت خمسة أيّام ثمّ رأت خمسة أيّام آخر ، وحينئذ قد يكون الطّهر المتخلّل بين الدمين عشرة أيّام أو أكثر ، ومعه يحكم بحيضيّة كلّ واحد من الدمين فيما إذا كانا واجدين للشرائط ، لعدم المانع من حيضيتهما بعد وجود أمارات الحيض في الدمين وتخلّل أقل الطّهر بينهما.

وقد لا يكون الطّهر المتخلّل بينهما عشرة أيّام بل أقل ، ومعه لا بدّ من ملاحظة الترجيح بينهما ، لعدم إمكان الحكم بحيضيّة الجميع ، لاستلزامه زيادة الحيض عن عشرة أيّام ، فلا بدّ من أن يكون أحدهما حيضاً دون الآخر ، فإن كان أحدهما في العادة دون الآخر فما في العادة حيض دون الآخر ، وذلك لرواية يونس المتضمنة على أن كلّ ما تراه المرأة في أيّام عادتها فهو حيض ، دون ما تراه في غيرها (1)، وكذلك غيرها من الأخبار الدالّة على أنّ ما تراه المرأة من صفرة أو حمرة في أيّام عادتها فهو حيض دون ما تراه في غيرها (2)، فيستفاد من ذلك أنّ الترجيح بالعادة مقدم على التمييز بالصفات ، لأنّه إنّما يرجّح ويميّز بها في غير أيّام العادة لا في العادة.

وأمّا إذا كان كلاهما في غير أيّام العادة فإن لم يكن شي‌ء منهما متصفاً بأوصاف الحيض فيحكم بعدم كونهما حيضاً وإن كان ذلك خلاف ما هو المشهور بينهم ، لأنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض ، وقد عرفت أنّ الإمكان في قاعدة الإمكان بمعنى الإمكان القياسي ، ولا يمكن أن يكون شي‌ء من الدمين حيضاً في مفروض الكلام بالقياس إلى أدلّة الشروط والأوصاف ، لأنّ الحيض كما يعتبر فيه أن لا يكون أقلّ من ثلاثة أيّام وأكثر من عشرة ويتخلّل بينه وبين الحيضة السابقة أقلّ الطّهر كذلك يعتبر فيه أن يكون أحمر أو أسود ، ففاقد الصفات غير مشمول لقاعدة الإمكان.

نعم ، لو تمّت قاعدة الإمكان بالمعنى غير الصحيح ، وهي القاعدة بمعنى الإمكان الاحتمالي ليقال : إنّ كلّ دم يمكن أي يحتمل أن يكون حيضاً فهو حيض ، فلا بدّ من


1) الوسائل 2 : 279 / أبواب الحيض ب 4 ح 3.

2) نفس الباب.

الحكم بحيضيّة إحدى الصفرتين ، لاحتمالهما الحيضيّة كما هو ظاهر ، كما أنّه إذا كان أحدهما واجداً للصفات دون الآخر يتعيّن الحكم بحيضيّة الواجد للصفات ، لأنّها أمارات الحيض. هذا كلّه فيما إذا لم تكن المرأة ذات عادة عدديّة ، فإنّها تميز الحيض بالصفات.

وأمّا ذات العادة العدديّة فلا يمكن نفي الحيضيّة عن الدمين في حقّها ، بل لا بدّ من أن تجعل عدد أيّامها حيضاً ، لما دلّ من الأخبار على أنّ رسول اللّه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله سنّ في ذات العادة العدديّة أن ترجع إلى عدد أيّامها إذا كانت مستحاضة أي مستمرة الدم وتجعل الباقي استحاضة (1)، وهذا كلّه ممّا لا شبهة فيه.

وإنّما الكلام فيما إذا كان كلاهما واجداً للصفات ، فهل يحكم بحيضيّة الدم الأوّل دون الثّاني ، أو يحكم بالتخيير بينهما كما في المتن ، أو لا يحكم بحيضيّة شي‌ء منهما للتعارض وهو يقتضي التساقط؟ وذلك لعدم إمكان الحكم بحيضيّة الجميع ، لاستلزامه كون الحيض زائداً عن العشرة ، فإذا لم يقم دليل خاص على حيضيّة أحدهما فلا يمكن أن يتمسّك بعمومات أدلّة الحيض وإطلاقاته فيهما معاً لما عرفته من المحذور ولا في أحدهما المعيّن دون الآخر لأنّه بلا مرجح ، ولا في أحدهما لا بعينه كما بيّناه في محلّه ، وهو معنى التساقط بالمعارضة ، فلا يحكم بحيضية هذا ولا ذاك.

الصحيح الحكم بحيضيّة الدم الأوّل دون الأخير ، وذلك لما بيّناه في التعارض المتوهم بين الأصل السببي والمسببي من أنّ الأصل الجاري في السبب مقدّم على الأصل في المسبب ، لأنّه يرفع موضوع الشكّ المسببي ولا معارض له في نفيه ، حيث إنّ أدلّة الأصل الجاري في المسبب غير متكفّلة لإثبات وجود موضوعه أو نفيه ، وإنّما هي تثبت الحكم على تقدير وجود موضوعها.

وهذا كما في الماء المشكوك طهارته فيما إذا غسلنا به ثوباً متنجساً ، فإنّ قاعدة الطّهارة الجارية في الماء لا تبقي شكّاً في طهارة الثّوب المغسول به ليجري فيه


1) الوسائل 2 : 276 / أبواب الحيض ب 3 ح 4.

استصحاب نجاسته ، لأنّ من الآثار الشرعيّة المترتبة على طهارة الماء طهارة المتنجس المغسول به ، فهي رافعة لموضوع استصحاب النجاسة الجاري في الثوب ، وأدلّة الاستصحاب لا تتكفّل بإثبات وجود موضوعه في الثوب ، وهذا بخلاف ما لو عكسنا الأمر وأجرينا الاستصحاب المسببي ، لأنّ نجاسة الثوب وبقاءها ممّا لا يترتّب عليه نجاسة الماء شرعاً إلاّ بالملازمة العقليّة ، لأنّه لو كان طاهراً لطهر الثوب فيه.

والأمر في المقام كذلك ، وذلك لأنّ من آثار حيضيّة الدم الأوّل شرعاً أنّ الدم الثّاني الّذي تراه المرأة بعدها إن كان قبل العشرة فهو من الحيضة السابقة ، وإن كان بعد العشرة فالزائد على العادة استحاضة ، وإن كان بعد العشرة وبعد تخلّل أقلّ الطّهر بينهما فهو من الحيضة المستقبلة.

وعلى الجملة إنّ من آثار حيضيّة الدم الأوّل أن لا يحكم بحيضيّة الدم الثّاني فيما إذا لم يتخلّل بينهما أقلّ الطّهر ولم يمكن إلحاقه بالدم الأوّل لاستلزامه زيادة الحيض عن العشرة.

وهذا بخلاف حيضيّة الدم الثّاني ، حيث لم يترتب عليها عدم حيضيّة الدم الأوّل شرعاً في شي‌ء من الرّوايات إلاّ من جهة الملازمة العقليّة ، نظراً إلى أنّه لو كان حيضاً لزم عدم تخلّل أقلّ الطّهر بينهما أو كون الحيضة زائدة على العشرة.

إذن الحكم بحيضيّة الدم الأوّل يرفع الشكّ في حيضيّة الدم الثّاني شرعاً ، ولا عكس ، ومعه لا معارضة بينهما ليتوهم التساقط ، كما لا وجه للتخيير إذ لم يدل دليل على أنّ اختيار الحيض بيد المرأة ، بل اللازم تعين الدم الأوّل في كونه حيضاً دون الأخير ، لأنّ الشكّ فيهما من الشكّ السبي والمسببي ، وقد عرفت عدم التعارض بينهما.

ولعلّه إلى ذلك نظر صاحب الجواهر قدس‌سره فيما نسب إليه من الحكم بحيضيّة الدم الأوّل حتّى فيما إذا كان الدم الثّاني في العادة أو متّصفاً بأوصاف الحيض دون الدم الأوّل (1)، كما هو أي الأخير صريح بعض آخر.


1) نسبه إليه في المستمسك 3 : 245 / كتاب الحيض ، وراجع الجواهر 3 : 187 / كتاب الحيض.

وإن تجاوز المجموع عن العشرة فإن كان أحدهما في أيّام العادة دون الآخر جعلت ما في العادة حيضاً (1)، وإن لم يكن واحد منهما في العادة فتجعل الحيض ما كان منهما واجداً للصفات ، وإن كانا متساويين في الصفات فالأحوط (2)جعل أولهما حيضاً وإن كان الأقوى التخيير


إلاّ أنّ ما أفاده قدس‌سره إنّما يمكن المساعدة عليه فيما إذا كان الدمان متساويين في الأوصاف ولم يكن أحدهما في العادة ، وإلاّ فرواية يونس (3)المتقدِّمة وغيرها ممّا دلّ على أنّ ما تراه المرأة من حمرة أو صفرة في أيّام عادتها حيض لا يبقي مجالاً للترجيح بالأسبقيّة في الزّمان ، لأنّها أمارة الحيض شرعاً ، وكذلك أدلّة الصفات ، فإنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض.

ثمّ إنّ ما ذكرناه في المقام يأتي في غير هذه المسألة أيضاً من الفروع الآتية الّتي يدور فيها الأمر بين كون الدم الأوّل حيضاً دون الأخير أو العكس ، هذا.

ولا يخفى أنّ ما ذكرناه من لزوم جعل أوّل الدمين حيضاً وإن كان صحيحاً كما عرفت ، إلاّ أنّه لا يتم على إطلاقه ، لأنّه إنّما يصحّ في غير ذات العادة العدديّة ، لأنّ تميزها بالصفات كما مرّ ، وأمّا ذات العادة العدديّة فقد عرفت أنّ دمها إذا تجاوز عن العشرة وكانت مستمرّة الدم المعبّر عنها بالاستحاضة في الأخبار (4)ترجع إلى عدد أيّامها وتجعله حيضاً والباقي استحاضة ، وعليه لا بدّ من أن تأخذ من أوّل الدمين بعدد أيّامها حيضاً ، لإتمام الدم الأوّل وتجعل الباقي استحاضة.

هذا كلّه فيما إذا كان كلا الدمين في غير أيّام العادة وكانا واجدين للصفات.


1) (*) وأمّا الدم الآخر فهو استحاضة إلاّ إذا كان مقدار منه بصفات الحيض ولم يزد بضميمة ما في العادة مع النّقاء المتخلّل على عشرة أيّام وحينئذٍ فالمجموع مع النّقاء المتخلّل حيض.

2) (**) بل الأظهر ذلك لكنّها إذا كانت ذات عادة عدديّة وكان بعض الدم الثّاني متمّماً للعدد مع النّقاء المتخلّل جعلته حيضاً على الأظهر.

3) الوسائل 2 : 279 / أبواب الحيض ب 4 ح 3 ، وكذا أكثر روايات الباب.

4) الوسائل 2 : 283 / أبواب الحيض ب 5 ح 2 و 3 و ....

وإن كان بعض أحدهما في العادة دون الآخر جعلت ما بعضه في العادة حيضاً (1)


إذا كان بعض أحد الدمين في العادة

(1) كما إذا فرضنا المرأة ذات عادة وقتيّة وأنّها تحيض من عاشر كلّ شهر ، أو أنّ آخر حيضها في كلّ شهر هو اليوم الخامس عشر ، ورأت (1)الدم من اليوم السّادس إلى اليوم الحادي عشر خمسة أيّام ونقت بعد ذلك ستّة أيّام ثمّ رأت الدم الآخر خمسة أيّام أيضاً فإنّ الثّاني وقع خارج العادة بأجمعه ، إلاّ أنّ الدم الأوّل وقع يوم منه في أيّام العادة.

أو أنّها رأت (2)الدم من اليوم الخامس إلى العاشر ونقت من اليوم العاشر إلى اليوم الخامس عشر ثمّ رأت الدم الآخر من اليوم الخامس عشر خمسة أيّام مثلاً ، فإنّ الدم الأوّل حينئذ لم يقع شي‌ء منه في أيّام العادة ولكن الدم الثّاني وقع يوم منه في أيّام العادة.

فمقتضى الأخبار الواردة في أنّ العادة متقدّمة على الترجيح بالصفات (3)أن تجعل ما في عادتها حيضاً سواء أكان واجداً للصفات أم فاقداً لها ، لأنّ ما تراه المرأة من صفرة أو حمرة في أيّام عادتها فهو حيض.

ثمّ إنّ ما رأته من الدم في أيّام العادة إن كان ثلاثة أيّام فأكثر فهو ، وأمّا إذا كان أقل منها فمقتضى ما دلّ على أنّ المرأة إذا رأت الدم في أيّام عادتها فهو حيض (4)بضميمة ما دلّ على أنّ الحيض لا يقل من ثلاثة أيّام (5)أن يضمّ إليه ما يتمّ به ثلاثة أيّام من الدم الأوّل في المثال (6)، لأنّه المدلول الالتزامي المستفاد من الأخبار المتقدِّمة


1) هذا مثال للفرض الأوّل ، أعني من تحيض من عاشر كلّ شهر.

2) هذا مثال للفرض الثّاني ، أعني من ينتهي حيضها في اليوم الخامس عشر من كلّ شهر.

3) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4.

4) نفس المصدر.

5) الوسائل 2 : 293 / أبواب الحيض ب 10.

6) في المثال الأوّل.

فإنّ الحيض لا يقل عن ثلاثة أيّام ، ففي المثال يحكم بلحوق يومين من الدم الأوّل باليوم السابق (1)الواقع في أيّام العادة من الدم الأوّل لأنّهما متمّمات لثلاثة الحيض.

وهل يحكم بحيضيّة الدم الثّاني أيضاً أو لا يحكم ، يختلف هذا باختلاف النِّساء لأنّ المرأة إن كانت ذات عادة عدديّة فترجع إلى عدد أيّامها وتأخذ من أيّام الدم بعد الثّلاثة بمقدار يكمل به عددها ، مثلاً إذا كانت عادتها جارية على التحيض ثمانية أيّام في كلّ شهر ورأت الدم ثلاثة أيّام ثمّ انقطع أربعة أيّام ثمّ رأته خمسة أيّام ، وفرضنا أنّ اليوم الثّالث من الثّلاثة الأُول كان واقعاً في أيّام عادتها الوقتيّة ولأجل ذلك حكمنا بكونه حيضاً ثمّ ألحقنا به اليومين السابقين حتّى تتمّ الثّلاثة المعتبرة في الحيض ، ولكن مجموع أيّام الدمين والنّقاء لمّا كان زائداً عن العشرة فلا محيص من أن تأخذ عدد أيّامها حيضاً وتجعل الباقي استحاضة ، ولأجله تضمّ الثّلاثة إلى أربعة النّقاء لأنّها أيضاً بحكم الحيض فيكون سبعة أيّام وحيث إنّ عدد أيّامها ثمانية فتأخذ يوماً واحداً من الخمسة المتأخّرة وتضمّه إلى السبعة ليكتمل به عدد أيّام المرأة ، والباقي استحاضة أو تأخذ منها يومين إذا كانت عادتها تسعة أيّام. هذا فيما إذا كانت المرأة ذات عادة عدديّة.

وأمّا إذا لم تكن لها عادة عدديّة فلا مناص من التمييز بالصفات فما كان بصفات الحيض حيض وما لم يكن بصفاته استحاضة ، فلو فرضنا أنّ الدم في ثلاثة أيّام أو يومين أو يوم واحد من الخمسة كان أحمر والباقي أصفر فيحكم على ما كان لونه أحمر بالحيضيّة إلى أن تتمّ عشرة أيّام دون غيره لأنّه استحاضة. هذا كلّه فيما إذا كان بعض أحد الدمين في العادة دون الآخر.


1) باليوم اللاّحق.

وإن كان بعض كلّ واحد منهما في العادة فإن كان ما في الطرف الأوّل من العادة ثلاثة أيّام أو أزيد ، جعلت الطرفين من العادة حيضاً وتحتاط في النّقاء المتخلّل ، وما قبل الطرف الأوّل وما بعد الطرف الثّاني استحاضة ، وإن كان ما في العادة في الطّرف الأوّل أقل من ثلاثة تحتاط في جميع أيّام الدمين (1)والنّقاء بالجمع بين الوظيفتين (1).


إذا كان بعض كلّ واحد من الدمين في العادة

(1) فصّل قدس‌سره في هذه الصّورة بين ما إذا كان ما في الدم الأوّل ممّا صادف أيّام العادة قابلاً للحكم بحيضيّته بأن كان ثلاثة أيّام أو أزيد ، وبين ما إذا لم يكن كذلك كما إذا كان أقل من ثلاثة أيّام لعدم كونه قابلاً للحيضيّة ، فحكم في الصّورة الأُولى بحيضيّة الدم الأوّل أعني ما رأته في ثلاثة أيّام أو أزيد من أيّام عادتها وما رأته من الدم الثّاني ممّا صادف أيّام عادتها ، وأمّا أيّام النّقاء المتخلّل بين الدمين فحكمه ما تقدّم من إلحاقه بالحيض كما قوّيناه ، أو الاحتياط فيه بالجمع بين أحكام الطاهرة والحيض كما صنعه الماتن قدس‌سره.

وأمّا الصّورة الثّانية فحيث إن ما صادف العادة من الدم الأوّل لم يكن قابلاً للحيضيّة لكونه أقل من ثلاثة أيّام ، ولا يمكن ضمّ ما وقع في العادة من الدم الثّاني إليه ، إذ يعتبر في الحيض التوالي ثلاثة أيّام ، فيدور الأمر بين أن يحكم بحيضيّة مجموع الدم الأوّل واستحاضة الأخير أو العكس ، لعدم إمكان الحكم بحيضيّتهما معاً ، لكونهما مع أيّام النّقاء زائداً على العشرة ولا ترجيح في البين ، احتاط قدس‌سره في مجموع الدمين وأيّام النّقاء بالجمع بين الوظيفتين.

وما أفاده قدس‌سره في الصّورة الأُولى صحيح ولا بدّ من الحكم بحيضيّة ما وقع


1) (*) لا يبعد جعل ما وقع في العادة من الطرف الأوّل مع متمّمة من الدم السابق حيضاً ، فإن أمكن معه جعل المقدار الواقع في العادة من الدم الثّاني حيضاً بأن لا يزيد المجموع مع النّقاء المتخلّل على العشرة كان المجموع حيضاً ، وإلاّ فخصوص الدم الأوّل على تفصيل مرّ.

في أيّام العادة من الدم الأوّل ، أعني ثلاثة أيّام أو أزيد ، وكذا ما وقع في أيّام العادة من الدم الثّاني ، لأنّه في أيّام العادة ومن الحيضة الأُولى ، وفي أيّام النّقاء ما عرفته من الخلاف.

وأمّا ما أفاده قدس‌سره في الصّورة الثّانية فهو ممّا لا يمكن المساعدة عليه وذلك لأنّ الحيض وإن اعتبر فيه أن يكون ثلاثة أيّام متواليات إلاّ أنّ إطلاق ما دلّ (1)على أنّ ما تراه المرأة أيّام عادتها من صفرة أو حمرة فهو حيض غير قاصر الشمول للمقام ، فلا مناص من الحكم بحيضيّة ما وقع في أيّام العادة بمقتضى دلالة الدليل ، كما لا بدّ من تتميم ذلك ممّا سبقه من الدم الأوّل إلى أن تكمل الثّلاثة المعتبرة في الحيض ، سواء كان يوماً أو يومين أو أكثر ، كما إذا صادف الدم الأوّل من أيّام العادة نصف يوم ، وذلك لاستكشاف حيضيّة المكمل للثلاثة من الدلالة الالتزاميّة المستفادة من الأخبار الواردة في أنّ ما تراه المرأة من صفرة أو حمرة في أيّام عادتها حيض ، بضميمة ما دلّ على أنّ الحيض لا يقل عن ثلاثة أيّام.

ثمّ إنّ ما وقع في العادة من الدم الأوّل ومكمّله إلى الثّلاثة وأيّام النّقاء إن لم يزد على عشرة أيّام فتلحق ما وقع في العادة من الدم الثّاني أيضاً بالحيض إلى تمام العشرة لأنّه ممّا رأته المرأة في أيّام عادتها.

وأمّا إذا لم يمكن إلحاق ما وقع في العادة من الدم الثّاني بالحيض ، لكون الثّلاثة من الدم الأوّل وأيّام النّقاء عشرة أيّام ، والزّائد على العشرة استحاضة ، فربّما يتوهّم التعارض بين جعل ما وقع في العادة من الدم الأوّل حيضاً لتلحق به مكمّل الثّلاثة وأيّام النّقاء ويكون المجموع عشرة أيّام حتّى يخرج الدم الثّاني عن كونه حيضاً ، وبين عكسه بأن يجعل ما وقع في العادة من الدم الثّاني حيضاً لتلحق به مكمّل الثّلاثة ليكون الدم الأوّل خارجاً عن الحيض ، إذ لا مرجح لأحدهما على الآخر.

وهذا كما إذا كانت عادتها تسعة أيّام من العشرة الثّانية فرأت المرأة الدم من اليوم السّابع خمسة أيّام ، فكان اليوم الخامس مصادفاً لأيّام عادتها وهو اليوم الحادي عشر


1) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4.

ثمّ نقت سبعة أيّام ورأت الدم الثّاني من اليوم التاسع عشر أيضاً خمسة أيّام مثلاً فصادف اليوم الأوّل من الدم الثّاني مع العادة ، فإذا حكمنا بحيضيّة اليوم الحادي عشر وضممنا إليه يومين آخرين من الدم الأوّل ثمّ ألحقنا به أيّام النّقاء وهي سبعة أيّام ، بلغ المجموع عشرة أيّام وكان الدم الثّاني خارجاً عن الحيض ، وإذا عكسناه ينعكس.

إلاّ أنّا قدّمنا أنّ الأسبقيّة في الزّمان مرجحة فيما نحن فيه ، لا لأنّها من إحدى مرجحات المتعارضين أو المتزاحمين ، بل لدلالة الأخبار على أنّ حيضيّة الدم الثّاني يشترط فيها تخلّل أقلّ الطّهر بينها وبين الحيضة الأُولى ، وبما أنّه لم يتخلّل في المقام فيحكم بعدم حيضيّة الدم الثّاني لا محالة ، لأنّه من آثار حيضيّة الدم الأوّل شرعاً ولا عكس ، ولأجل المزيد من التوضيح فليراجع ما قدّمناه في المسألة السابقة (1).

ثمّ إن أخرجنا الدم الثّاني عن الحيض فهل نقتصر في الحكم بالحيضيّة على ثلاثة أيّام من الدم من الأوّل أو نحكم بحيضيّة الدم الأوّل بأسره أو أنّ فيه تفصيلا؟

يختلف هذا باختلاف النِّساء ، فإن كانت المرأة ذات عادة عدديّة فبما أنّها مستمرة الدم على الفرض لزيادة مجموع الدم وأيّام النّقاء عن العشرة فلا بدّ من أن ترجع إلى عادتها فتأخذ بمقدار عددها حيضاً والباقي استحاضة ، كما أنّ الدم الثّاني استحاضة.

وأمّا إذا لم يكن لها عادة عدديّة فترجع إلى التمييز بالصفات فما كان من الدم الأوّل بصفات الحيض فهو حيض ، وما لم يكن كذلك فهو استحاضة ، لأنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض.

فتحصل أنّه لا بدّ في الصّورة الثّانية من التفصيل بما عرفت بعد الحكم بحيضيّة ثلاثة أيّام من الدم الأوّل كما في الصّورة الأُولى ، وإنّما نلحق ما وقع في العادة من الدم الثّاني بالحيض فيما إذا لم يزد المجموع من الثّلاثة وأيّام النّقاء على عشرة أيّام ، وعلى تقدير كونه عشرة إنّما نحكم بحيضيّة الباقي من الدم الأوّل بعدد أيّامها أو بالتمييز بالصفات.


1) تقدّمت هذه المسألة في الصفحة 216.

[719] مسألة 19 : إذا تعارض الوقت والعدد في ذات العادة الوقتيّة العدديّة يقدّم الوقت ، كما إذا رأت في أيّام العادة أقل أو أكثر من عدد العادة ودماً آخر في غير أيّام العادة بعددها ، فتجعل ما في أيّام العادة حيضاً وإن كان متأخّراً ، وربما يرجّح الأسبق ، فالأولى فيما إذا كان الأسبق العدد في غير أيّام العادة الاحتياط في الدمين بالجمع بين الوظيفتين (1).


ثمّ لا يخفى أنّ ما ذكرناه من رجوع ذات العادة العدديّة إلى عدد أيّامها إنّما هو فيما إذا تجاوز دم المرأة ولو بانضمام أيّام النّقاء عن عشرة أيّام ، وإلاّ بأن كان الدم أقل من عشرة أيّام فهو بأجمعه محكوم بالحيضيّة فيما إذا كان واجداً للصفات ، إذ لا مانع من حيضيّته بالإضافة إلى شروط الحيض.

تعارض الوقت والعدد

(1) والصحيح ما بنى عليه الماتن قدس‌سره من الحكم بحيضيّة ما في أيّام العادة ولو كان متأخِّراً ، ولا وجه للترجيح بالأسبقيّة ، وذلك لمّا استفدناه من مرسلة يونس (1)من أنّ العادة الوقتيّة أمارة وطريق إلى أنّ الدم حيض. وأمّا العادة العدديّة فلا دليل على أماريتها على الحيضيّة ليقع بينهما التعارض ، وإنّما هي معيّنة للعدد المجعول حيضاً فيما إذا تجاوز الدم عن العشرة فقط ، ومع قيام الأمارة على حيضيّة الدم المرئي في أيّام العادة لا يمكن الحكم بحيضيّة غيره ولو كان متقدّماً ، بل يمكن أن يستكشف عدم حيضيّة ما في غير أيّام العادة بالملازمة. وأمّا أخبار الصفات فهي أيضاً غير شاملة للمقام ، لأنّ الترجيح بالصفات إنّما هو في غير ذات العادة كما تقدّم.

وعلى الجملة إنّ الرّجوع إلى العدد سُنّة ثانية وموردها غير ذات العادة الوقتيّة لأنّ المرجع فيها إلى الوقت وهي السنّة الأُولى الّتي سنّها رسول اللّه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم.


1) الوسائل 2 : 281 / أبواب الحيض ب 5 ح 1.

[720] مسألة 20 : ذات العادة العدديّة إذا رأت أزيد من العدد ولم يتجاوز العشرة فالمجموع حيض (1)(1)


وقد يستدلّ على حيضيّة الدم الأسبق بإطلاق مصححة صفوان عن أبي الحسن عليه‌السلام « إذا مكثت المرأة عشرة أيّام ترى الدم ثمّ طهرت فمكثت ثلاثة أيّام طاهراً ثمّ رأت الدم بعد ذلك أتمسك عن الصّلاة؟ قال : لا ، هذه مستحاضة » (2)نظراً إلى أنّها دلّت على حيضيّة الدم المتأخّر ولو كان في أيّام العادة.

ويدفعه : أنّ مفروض الرّواية حيضيّة الدم الأوّل ولو بإحرازها خارجاً ، والشكّ في حيضيّة الدم الأخير ، وأين هذا ممّا نحن فيه الذي قامت فيه الأمارة على حيضيّة الدم الأخير ، وهي رؤيته في أيّام العادة ، إذ لا إطلاق للرواية يشمل هذه الصّورة ، بل قد عرفت أنّ لازم أمارية العادة الوقتيّة استكشاف عدم حيضيّة الدم الأوّل. مضافاً إلى إطلاق ما دلّ على أنّ ما تراه المرأة في أيّام عادتها من صفرة أو حمرة فهو حيض (3)، ومعه لا حاجة إلى الاحتياط بالجمع بين وظيفتي الحائض والمستحاضة فيما إذا كان الأسبق العدد في غير أيّام العادة كما في المتن.

رؤية الدم أزيد من العدد

(1) لما عرفته من تضاعيف ما قدّمناه من أنّ العادة العدديّة ليست طريقاً إلى الحيضيّة ، وإنّما هي معيّنة للعدد عند تجارز الدم العشرة ، ومع عدم تجاوزه يحكم بحيضيّة الجميع إذا كان واجداً للصفات ، إذ لا مانع من حيضيّته بالمقايسة إلى الشروط ولو كان زائداً على عددها ، كما إذا استمرّ الدم سبعة أيّام وكانت عادتها ستّة أيّام.


1) (*) إذا كان الجميع واجداً للصفات.

2) الوسائل 2 : 372 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 3.

3) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4.

وكذا ذات الوقت إذا رأت أزيد من الوقت (1).

[721] مسألة 21 : إذا كانت عادتها في كلّ شهر مرّة فرأت في شهر مرّتين مع فصل أقلّ الطّهر وكانا بصفة الحيض فكلاهما حيض (2) ، سواء كانت ذات عادة وقتاً أو عدداً أو لا ، وسواء كانا موافقين للعدد والوقت (1)أو يكون أحدهما مخالفاً (3).


رؤية الدم أزيد من الوقت

(1) زيادة الدم المرئي عن العدد عند عدم تجاوزه العشرة وإن كان واضحاً كما مثلناه ، إلاّ أنّ زيادته عن العادة الوقتيّة فقط كما هو مفروض الماتن ليست بذلك الوضوح ، ومن ثمة وقع مورداً للكلام في أنّ الدم كيف يزيد عن الوقت في ذات العادة الوقتيّة فقط ، لأنّه لا يتصوّر إلاّ مع فرض العادة العدديّة لا في العادة الوقتيّة فقط ، إذ لا عدد لها ليزيد أو ينقص.

ولكن الظّاهر أنّ نظر الماتن قدس‌سره إلى العادة الوقتيّة من حيث المنتهي فقط لأنّ العادة الوقتيّة كما عرفته في محلّه على أقسام ، منها العادة الوقتيّة من حيث الآخر كما إذا جرت عادتها على انقطاع دمها في اليوم العاشر مثلاً من كلّ شهر مع الاختلاف في أوّله ، إلاّ أنّه في بعض الشهور تجاوز عن اليوم العاشر وانقطع في اليوم الحادي عشر مثلاً وكان مجموع أيّام الدم أقل من عشرة أيّام ، وعليه فتصوير الزيادة عن الوقت في ذات العادة الوقتيّة فقط بمكان من الوضوح.

رؤية الدم مرّتين في شهر واحد

(2) لوجدانهما الصفات وتحقّق ما هو الشرط في حيضيّة الدم الثّاني ، أعني فصل أقل الطّهر بينهما.

(3) التسوية بين كون الدمين موافقين للعدد وبين عدمه أمر ظاهر لا شبهة فيه ، كما


1) (*) لا يمكن تصوير الموافقة في الوقت في كلتا المرّتين في مفروض المسألة.

إذا كانت عادتها ستّة أيّام في كلّ شهر وقد فرضنا أن كلّ واحد من الدمين كان ستّة أيّام أو كان أحدهما ستّة والآخر خمسة أيّام.

وإنّما الكلام في التسوية بين كونهما موافقين في الوقت وعدمه ، لأنّ المرأة إنّما يكون لها وقت واحد وهو إمّا أن يوافق الدم الأوّل وإمّا أن يوافق الدم الثّاني ، فكيف يتصوّر وقوع كلّ منهما في أيّامها ووقتها.

وتصوير ذلك في ذات العادة البسيطة غير ممكن لما مرّ من أنّ لها وقت واحد في كلّ شهر ، وكيف يقع كلّ من الدمين في وقتها.

وأمّا بناءً على الالتزام بالعادة المركّبة كما عليه الماتن قدس‌سره فتصويره أمر ظاهر لا غبار عليه ، وهذا كما إذا جرت عادتها على التحيض في العشرة الأخيرة من كلّ شهر في أيّام الشتاء مثلاً وفي العشرة الاولى في أيّام الرّبيع باختلاف بعد الشّمس وقربها ، ورأت الدم في شهر واحد قمري مرّتين بأن رأت الدم مرّة من خامسة إلى تاسعه ثمّ رأت الطّهر عشرة أيّام ثمّ رأت الدم من اليوم التّاسع عشر إلى الرّابع والعشرين منه مثلاً وكان ذلك الشهر مجمعاً بين الشتاء والرّبيع. فإنّ الأربعة الأُولى حينئذ أعني أيّام الدم الأوّل قد وقعت في العشرة الأخيرة من الشتاء ، كما أنّ أيّام الدم الثّاني وقعت في العشرة الاولى من شهور الرّبيع ، وقد وقع كلّ واحد من الدمين في وقتها.

ثمّ إنّ الوجه في الحكم بالحيضيّة في هذه المسألة هو إمكان كون الدمين حيضاً بالقياس إلى أدلّة الشروط ، وبما أنّ المقتضي لحيضيّتهما موجود ولا مانع عنها فلا بدّ من الحكم بكونهما حيضاً.

[722] مسألة 22 : إذا كانت عادتها في كلّ شهر مرّة فرأت في شهر مرّتين مع فصل أقلّ الطّهر فإن كانت إحداهما في العادة والأُخرى في غير وقت العادة ولم تكن الثّانية بصفة الحيض تجعل ما في الوقت وإن لم يكن بصفة الحيض حيضاً (1) وتحتاط في الأُخرى (1)،


رؤية الدم مرّتين في شهر واحد مع الاختلاف

(1) فما في العادة حيض سواء أكان واجداً للصفات أم فاقداً لها ، وذلك لما دلّ من الأخبار على أن ما تراه المرأة في أيّام عادتها من صفرة أو حمرة فهو حيض (2).

وأمّا ما وقع في غير أيّام العادة فهو قد يكون واجداً للصفات فلا بدّ من الحكم بحيضيّته ، لأدلّة الصفات وإمكان كونه حيضاً بقاعدة الإمكان القياسي من غير ما يمنعه ، وهذا لم يتعرّض الماتن لحكمه إلاّ أنّه يستفاد من مجموع كلماته.

وقد يكون الدم الواقع في غير أيّام العادة فاقداً للصفات فقد أشار الماتن إلى حكمه بقوله « وتحتاط في الأُخرى ».

(2) والوجه في هذا الاحتياط هو ما ذهب إليه المشهور من قاعدة الإمكان والحكم بأن ما يحتمل أن يكون حيضاً واقعيّاً فهو حيض ، ولكنك عرفت عدم تماميّته وأنّ الثّابت من القاعدة هو الإمكان القياسي ، وبما أنّ الدم الفاقد للصفات في غير أيّام العادة لا يمكن أن يكون حيضاً بالقياس إلى أدلّة الشروط فلا مناص من الحكم بعدم كونه حيضاً ، مضافاً إلى الأخبار الصريحة في أنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض (3).


1) (*) وإن كان الأظهر عدم كون الثّانية حيضاً فيه وفيما بعده.

2) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4.

3) نفس المصدر.

وإن كانتا معاً في غير الوقت فمع كونهما واجدتين كلتاهما حيض ، ومع كون إحداهما واجدة تجعلها حيضاً وتحتاط في الأُخرى ، ومع كونهما فاقدتين تجعل إحداهما حيضاً (1)، والأحوط كونها الاولى ، وتحتاط في الأُخرى (1).


صور المسألة :

(1) وهذا له صور :

الاولى : أن تكونا واجدتين للصفات ، ولا بدّ حينئذ من الحكم بحيضيتهما للإمكان القياسي كما مرّ.

الثّانية : أن يكون أحدهما واجداً للصفات دون الآخر ، أمّا الواجد فلا مناص من الحكم بحيضيّته ، لوجدانه الشرائط وفقدانه الموانع.

وأمّا الفاقد فلا وجه للحكم بحيضيّته ، لأنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض ولا يمكن أن تكون حيضاً بالإمكان القياسي ، اللّهمّ إلاّ أن نلتزم بقاعدة الإمكان بمعناها المعروف ، فإن الفاقد أيضاً حيض حينئذ لاحتمال كونها حيضاً واقعاً.

الثّالثة : أن تكونا فاقدتين للصفات ، فمقتضى ما قدّمنا الحكم بعدم حيضيتهما ، لأنّ الصفرة لا يمكن أن تكون حيضاً بالإمكان القياسي كما مرّ ، إلاّ أن نقول بقاعدة الإمكان بمعناها المعروف وقد مرّ عدم تماميّتها ، فما أفاده الماتن قدس‌سره ممّا لا وجه له.

ثمّ لو فرضنا العلم بحيضيّة أحدهما إجمالاً فاللازم الاحتياط بين أحكام الحائض والطاهرة ، لا جعل أحد الدمين حيضاً دون الآخر كما في المتن ، وذلك لأنّ نسبة العلم الإجمالي إلى كلّ من الدمين على حدّ سواء.


1) (*) الأظهر أن لا يحكم بحيضيّة شي‌ء من الدمين ، نعم إذا علم إجمالاً بحيضيّة أحدهما لا بدّ من الاحتياط في كلّ منهما.

[723] مسألة 23 : إذا انقطع الدم قبل العشرة فإن علمت بالنّقاء وعدم وجود الدم في الباطن اغتسلت وصلّت ولا حاجة إلى الاستبراء (1) ، وإن احتملت بقاءه في الباطن وجب (2) عليها الاستبراء (1)واستعلام الحال بإدخال قطنة وإخراجها بعد الصبر هُنَيئة.


هل يجب الاستبراء للعلم بالنّقاء

(1) لأنّه إنّما جعل لتحصيل العلم بالنّقاء ، ومع وجوده لا حاجة إلى الاستبراء.

(2) من غير خلاف كما عن بعضهم ، والوجه فيه ما أشرنا إليه في أوائل بحث الحيض من أنّ الحيض بحسب الحدوث يعتبر فيه الرؤية والخروج ، فلو علمت المرأة بخروج الدم من رحمها ولكنّه لم يخرج إلى الخارج فهي ليست بحائض ، بل لها أن تمنع عن خروجه بجعل خرقة أو قطنة مانعة عن خروجه ، وأمّا بحسب البقاء فلا يشترط فيه الخروج والرؤية ، بل وجوده في المحل والمجرى كاف في تحقّقه ، فلا تجب عليها الصّلاة ولا تحل لها بقيّة المحرمات إلاّ بنقائها ظاهراً وباطناً ، وتفصيل الكلام في المقام يقع من جهتين :

الجهة الاولى : في وجوب الاستبراء وعدمه.

الجهة الثّانية : في كيفيّة الاستبراء.

أمّا الجهة الأُولى فالمحتملات فيها أربعة :

الأوّل : عدم وجوب الاستبراء بوجه كما عن شيخنا الأنصاري (2)قدس‌سره لولا تسالم الأصحاب عليه ، وذلك نظراً إلى أن صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام « إذا أرادت الحائض أن تغتسل فلتستدخل قطنة ، فإن خرج فيها شي‌ء من الدم فلا تغتسل ، وإن لم ترَ شيئاً فلتغتسل » (3)إنّما دلّت على وجوبه عند إرادة


1) (*) بمعنى عدم جواز تركها الصّلاة بدونه وعدم جواز ترتيب الآثار على الغسل بدونه.

2) كتاب الطّهارة : 226 السطر 29 / المقصد الثّاني في الحيض.

3) الوسائل 2 : 308 / أبواب الحيض ب 17 ح 1.

الاغتسال ، ولا دلالة لها على وجوب الاستبراء لا نفساً ولا شرطاً.

ويدفعه : أنّ الصحيحة وإن لم يمكن استفادة الوجوب النفسي منها كما أُفيد ، إلاّ أنّ دعوى دلالتها على وجوبه الشرطي بمكان من الإمكان ، حيث علّقت وجوب الاستبراء على إرادة الاغتسال ، فيمكن أن يدعى أنّ ظاهره كون الاستبراء شرطاً أو قيداً في الاغتسال ، فإنّ التعبير عن الوجوب الشرطي بذلك أمر متعارف ، كما في قوله تعالى : ( ... إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ... ) (1)حيث دلّ على أنّ الوضوء والغسل والتيمم واجب شرطي ، وأنّهما قيدان في الصّلاة ، فليكن الحال في المقام أيضاً كذلك ، ولا يمكن حينئذ دعوى عدم دلالة الصحيحة على أنّ الاستبراء واجب شرطي ، بل لا بدّ في منع ذلك من جواب آخر هذا.

على أنّ القائل بالوجوب النفسي في الاستبراء صريحاً غير معلوم ، فمراد القائل بالوجوب إنّما هو الوجوب الشرطي ، وقد عرفت أنّ الصحيحة يمكن دعوى دلالتها على ذلك.

ويوضح ما ذكرناه ضمّ الأخبار الكثيرة الدالّة على أنّ الحائض إذا نقت وطهرت اغتسلت (2)إلى الصحيحة ، لأنّها بضميمتها إلى تلك الأخبار تدلّ على أنّ الحائض ليس لها أن تترك الغسل باستصحاب عدم النّقاء ، بل لا بدّ لها من الاغتسال ، وهي مأمورة بالاستبراء عند إرادة الغسل ، فكأنها بضميمة تلك الأخبار تدلّ على أنّ الحائض إذا طهرت أي نقت ظاهراً لأنّ المراد بالطهر فيها مقابل الرؤية لا الطّهر باطناً وجب الاستبراء والاغتسال ، فدعوى عدم وجوب الاستبراء رأساً ساقطة على أنّها مخالفة لما تسالم عليه الأصحاب.

الثّاني : وجوب الاستبراء نفساً ، وهذا الاحتمال أيضاً لا مثبت له من الأخبار لصراحة الصحيحة المتقدّمة في أنّ الاستبراء إنّما يجب إذا أرادت الاغتسال ، وأمّا أنّه


1) المائدة 5 : 6.

2) الوسائل 2 / أبواب الحيض ب 1 ، 3 ، 4 ، 5 وغيرها.

واجب في نفسه فلا. وأصرح من ذلك موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قلت له : المرأة ترى الطّهر وترى الصفرة أو الشي‌ء فلا تدري أطهرت أم لا؟ قال : فإذا كان كذلك فلتقم فلتصق » (1)حيث صرحت بأن الاستبراء إنّما هو لمعرفة الحال واستخبار أنّها طاهرة أو حائض ، لا أنّه واجب نفسي.

وهاتان الرّوايتان هما العمدة في المقام ، ولا يعتمد على غيرهما من الرّوايات ، فهذا الاحتمال ساقط أيضاً.

الثّالث : أنّ الاستبراء واجب شرطي فلو اغتسلت من دون استبراء بطل غسلها لأنّ ذلك ظاهر الصحيحة المتقدِّمة نظير قوله تعالى : ( ... إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) (2).

وهذه الدّعوى لا يمكن المساعدة عليها ، لأنّ الصحيحة وإن أمكن دعوى ظهورها في ذلك إلاّ أنّ الموثقة المتقدّمة كالصريحة في أنّ الاستبراء إنّما أُمر به لأنّه الطريق إلى معرفة الحال واستخبار أنّها حائض أو طاهرة ، حيث دلّت على أنّ الحائض عند انقطاع دمها ظاهراً ليس لها أن تعتمد على استصحاب عدم النّقاء باطناً مع أنّه الغالب عند انقطاع الدم ظاهراً ، لأنّ الحيض بحسب البقاء لا يعتبر فيه الرؤية والخروج ، بل إنّ وجود الدم في الباطن أيضاً يكفي في الحكم بالحيضيّة ، ومع الشكّ في أنّه انقطع أم لم ينقطع فالأصل عدم النّقاء والانقطاع ، ومع كون هذا هو الأمر الغالب لم يرجعها الإمام عليه‌السلام إليه بل أرجعها إلى استدخال القطنة في كلّ من الصحيحة والموثقة.

فعلمنا من ذلك أنّ الاستصحاب لا يجري في المقام ، ومع سقوطه لا طريق إلى معرفة الحال غير الاستبراء ، فهو إنّما أُمر به لأجل فائدة الاستخبار وتحصيل العلم بالحال ، لا أنّه قيد في الاغتسال ، ولا يمكن قياسه بالوضوء ، لأنّ في المقام قد أُشير إلى


1) الوسائل 2 : 309 / أبواب الحيض ب 17 ح 4.

2) المائدة 5 : 6.

فائدة الاستبراء وأنّه لمعرفة الحال لا أنّه قيد معتبر في الغسل.

الرّابع : أنّ الاستبراء واجب عقلاً ، والأمر في الرّوايات للإرشاد إليه ، وهذا هو الصّحيح.

وتقريبه : أنّ الاستصحاب ساقط في حقّها كما عرفت ، ومع سقوطه تعلم المرأة بأنّها إمّا حائض وإمّا طاهرة ، ولكلّ منهما أحكام إلزاميّة ، وليس لها أن تغتسل وتصلِّي لاحتمال كونها حائضاً ، ولا أن تتركهما لاحتمال كونها طاهرة ، فلها علم إجمالي بتوجّه أحكام إلزاميّة في حقّها ، ولقد تنجزت عليها بالعلم الإجمالي ، ولا مناص من أن تخرج عن عهدتها.

ولا تتمكّن من الامتثال بالاحتياط بالجمع بين أحكام الحائض والطاهرة ، لدوران أمرها بين المحذورين ، فإنّ زوجها إذا طلب منها التمكين للجماع يجب عليها ذلك إن كانت طاهرة كما أنّه يحرم عليها إذا كانت حائضاً ، وكذلك الأمر في الصّلاة بناءً على أنّ حرمة العبادة على الحائض ذاتية فإنّ الصّلاة حينئذ إمّا واجبة في حقّها لو كانت طاهرة وإمّا محرمة لو كانت حائضاً. فلا تتمكن المرأة من الخروج عن عهدة تلك التكاليف المنجزة بالاحتياط ، ولا يرخّص العقل في إهمالها ، لتمكنها من الامتثال بتحصيل المعرفة بالحال.

فالاستبراء والاستخبار واجبان عليها بالعقل وإن كانت الشبهة موضوعيّة ولا يجب فيها الفحص ، وذلك لتنجز الحكم في حقّها وتمكنها من الامتثال بالفحص والاختبار ، ومعه لا إشكال في لزوم الخروج عن عهدة ما توجهت عليها من أحكام إلزامية ، والأخبار الآمرة بالاستبراء إنّما وردت إرشاداً إلى ذلك الحكم العقلي ، ونتيجة ذلك أنّها إذا اغتسلت ولم تستبرئ وكان قد انقطع دمها واقعاً صحّ غسلها وصلاتها لعدم اشتراط الغسل في حقّها بشي‌ء.

نعم بناءً على أنّ حرمة العبادة على الحائض تشريعيّة لا ذاتيّة تتمكّن المرأة من الخروج عن عهدة ما توجه عليها من الحكم الإلزامي بالصلاة مثلاً بالاحتياط ، بأن تغتسل وتصلِّي رجاءً ، لعدم حرمتها في ذاتها ، ولا مانع من التقرّب بما ليس بمبغوض على نحو الرّجاء ، وهذا بخلاف مثل التمكين لدوران أمره بين المحذورين.

فذلكة الكلام

إنّ الحائض إذا انقطع دمها ظاهراً واحتملت عدم نقائها باطناً وإن لم يخرج الدم إلى الخارج لضعفه يتردّد أمرها بين كونها حائضاً أو طاهرة ، ولكلّ من الحالتين أحكام إلزاميّة ، وهي متنجزة في حقّها لعلمها الإجمالي ، فلا مناص من أن تخرج عن عهدتها ، وطريق ذلك أحد أمرين : إمّا الاحتياط بالجمع بين أحكام الحائض والطاهرة ، وإمّا الفحص والاختبار بالاستبراء ، وهذا في مثل الصّلاة وغيرها من العبادات بناءً على أنّها محرمة على الحائض حرمة تشريعيّة لا ذاتيّة.

وأمّا في مثل ذات البعل إذا طلب زوجها الوقاع فلا يتيسر فيه الاحتياط ، لدوران الأمر في التمكين بين المحذورين ، لأنّه واجب عليها إن كانت طاهرة وهو محرم عليها إن كانت حائضاً. وكذلك الحال في العبادات بناءً على أنّ حرمتها على الحائض ذاتيّة ومعه يتعيّن عليها الفحص والاختبار وإن كانت الشبهة موضوعيّة ولا يجب فيها الفحص كما حررناه في محله ، إلاّ أنّه في المقام لمّا كانت الأحكام متنجزة في حقّها وهي متمكنة من امتثالها بالفحص والاختبار فقد وجب عليها الفحص عقلاً ، لانحصار طريق امتثال الأحكام المنجزة بالفحص ، ومعه تكون الأوامر الواردة في الرّوايات إرشاديّة لا محالة. وإن شئت فقل : إنّ الاستبراء واجب شرطي ظاهراً ، لأنّ مفادهما واحد.

لكن ذلك كلّه مبنيّ على عدم جريان استصحاب عدم النّقاء في المقام ، وإلاّ لو جرى الاستصحاب في حقّها لما بيّناه في محلّه (1)من أنّ الاستصحاب كما يجري في الأُمور القارّة كذلك يجري في الأُمور التدريجيّة الّتي لها وحدة عرفية ، والأمر في المقام أيضاً كذلك ، فإنّ خروج الدم وسيلانه تدريجي ، وقد علمنا بخروج مقدار منه ونشك في خروج مقدار آخر منه إلاّ أنّه لكونه أمراً واحداً بالنظر العرفي لا مانع من استصحابه لا نحلّ به العلم الإجمالي ويتعيّن كونها حائضاً.


1) في مصباح الأُصول 3 : 126.

سقوط الاستصحاب عند الشكّ في النَّقاء

فالعمدة في المقام تحقيق أنّ الاستصحاب جار أو أنّه ساقط في محلّ الكلام.

والظاهر أنّ الاستصحاب ملغى في المقام ، وذلك لموثقة سماعة المتقدِّمة حيث أرجع الإمام عليه‌السلام فيها إلى الاستبراء عند استكشاف أنّ المرأة حائض أو طاهرة ولم يرجعها إلى الاستصحاب مع أنّه مورد الاستصحاب لليقين بخروج الدم وجريانه والشك في بقائه ، فمن هذا يستكشف أنّ الاستصحاب ساقط في حقّه ، ومع عدم جريانه يدور أمر المرأة بين الاحتياط والاختبار كما عرفت.

ثمّ إنّ المنع عن جريان الاستصحاب بالموثقة لا يكشف عن أنّ الاستبراء شرط في صحّة الغسل بحيث لو اغتسلت من دون استبراء بطل غسلها ، وذلك لدلالة الموثقة على أنّ الغرض من الأمر به إنّما هو معرفة الحال وأنّها حائض أو طاهرة ، ولا دلالة لها على أنّ الاستبراء شرط في صحّة الغسل نظير شرطية الوضوء للصلاة.

وكذلك الحال في الصحيحة ، فإنّها إنّما تدل على أنّ المرأة بعد انقطاع دمها ظاهراً ليس لها أن ترتب أحكام الطاهرة على نفسها وتغتسل إلاّ أن تستبرئ ، وأمّا أنّ الاستبراء شرط في صحّة غسلها فلا يمكن استفادته من الصحيحة ، بل الاستبراء واجب عقلاً ، أو إن شئت قلت : إنّه واجب شرطي ظاهراً ، فإذا اغتسلت وتركت الاستبراء وكانت نقيّة واقعاً صحّ غسلها لا محالة. هذا كلّه فيما إذا كانت متمكنة من الاستبراء.

وأمّا إذا فرضنا عدم قدرتها عليه إمّا لشلل في يدها أو لعدم تمكنها من قطنة وما يشبهها من الأجسام ، فهل يجري الاستصحاب في حقّها أو لا بدّ من أن تحتاط؟

ظهر ممّا بيّناه آنفاً عدم جريان الاستصحاب في المقام لدلالة الموثقة على أنّ المرجع هو الاختبار دون الاستصحاب ، ولا وجه لتقييد الموثقة بحالة تمكن المرأة وقدرتها على الاستبراء ، لأنّه ليس من الواجبات التكليفيّة ليتقيّد بصورة القدرة عليه ، وإنّما هو واجب عقلي وشرط ظاهري ، ولا يفرق في مثله بين صورتي التمكّن وغيرها كما سبق غير مرّة ، فإذا لم يجر الاستصحاب في حقّها ولم تتمكن من الاستبراء

ينحصر الطريق إلى امتثال الأحكام المنجزة في حقّها بالاحتياط فتجمع بين أحكام الطاهرة والحائض ، كما في العبادات بناءً على أنّها محرمة على الحائض تشريعاً ، وأمّا بناءً على حرمتها ذاتاً في حقّها أو ذات البعل الّتي طلب زوجها منها الوقاع فلا محالة تتخيّر المرأة بين الوظيفتين ، لدوران أمرها بين المحذورين. هذا تمام الكلام في الجهة الأُولى.

الجهة الثّانية في كيفيّة الاستبراء

وأمّا الجهة الثّانية أعني كيفيّة الاستبراء فقد وردت فيها جملة من الأخبار :

منها : مرسلة يونس عمن حدثه عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : « سئل عن امرأة انقطع عنها الدم فلا تدري أطهرت أم لا ، قال : تقوم قائمة وتلزق بطنها بحائط وتستدخل قطنة بيضاء ، وترفع رجلها اليمنى » (1).

ومنها : رواية شرحبيل الكندي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قلت له كيف تعرف الطّامث طهرها؟ قال عليه‌السلام : تعمد برجلها اليسرى على الحائط ، وتستدخل الكرسف بيدها اليمنى » (2).

ومنها : موثقة سَماعة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قلت له : المرأة ترى الطّهر وترى الصفرة أو الشي‌ء فلا تدري أطهرت أم لا ، قال عليه‌السلام : فإذا كان كذلك فلتقم فلتلصق بطنها إلى حائط وترفع رجلها على حائط ، كما رأيت الكلب يصنع إذا أراد أن يبول ، ثمّ تستدخل الكُرسُف » (3).

ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام « إذا أرادت الحائض أن تغتسل فلتستدخل قطنة فإن خرج ... » (4).

ولكن الرّوايتان الأُوليان ضعيفتان ، فإنّ الأُولى مرسلة ، والثانية ضعيفة بشرحبيل


1) الوسائل 2 : 309 / أبواب الحيض ب 17 ح 2.

2) الوسائل 2 : 309 / أبواب الحيض ب 17 ح 3.

3) الوسائل 2 : 309 / أبواب الحيض ب 17 ح 4.

4) الوسائل 2 : 308 / أبواب الحيض ب 17 ح 1.

فإن خرجت نقيّة اغتسلت وصلّت ، وإن خرجت ملطّخة ولو بصُفرة (1)(1) صبرت


الكندي وسَلَمة بن الخَطّاب ، لإهمالهما في الرّجال ، بل وتضعيف الثّاني على ما يظهر من كلماتهم ، فلا يعتمد عليهما في الحكم بوجوب الاستبراء ولا في كيفيّته.

والعمدة هي الصحيحة والموثقة وهما من المطلق والمقيّد ، لعدم تقييد الاستبراء في الصحيحة بالقيام ورفع إحدى الرّجلين وإلصاق البطن إلى الحائط. ومقتضى قانون الإطلاق والتقييد تقييد الصحيحة بالموثقة واعتبار القيود الواردة فيها في الاستبراء إلاّ أنّه بعيد ، ولأجل ذلك تحمل الموثقة على أفضل الأفراد.

والوجه في بُعد التقييد أنّ المسألة من المسائل عامّة البلوى ، لكثرة ابتلاء النِّساء بها ، ومع كون المسألة كذلك وكونه عليه‌السلام في مقام البيان إذا لم يقيّد الاستبراء بقيد فلا محالة يدل ذلك على عدم اعتبار شي‌ء من القيود المذكورة في الموثقة في الاستبراء ، وبذلك تكون الصحيحة أظهر وأقوى في الدلالة من الموثقة ، فتحمل الموثقة على الأفضليّة ، ومن ثمة ذهب المشهور إلى عدم اعتبار كيفيّة خاصّة في الاستبراء هذا.

على أنّ المسألة كما عرفت من المسائل عامّة البلوى وكثيرة الدوران ، فلو كانت الكيفيّة الواردة في الموثقة واجبة المراعاة في الاستبراء لشاعت وظهرت ولم يمكن أن تكون مختفية على المشهور ، وقد عرفت أنّهم ذهبوا إلى عدم اعتبار كيفيّة خاصّة في الاستبراء ، وقد ذكرنا نظير ذلك في جملة من الموارد منها الإقامة في الصّلاة.

مضافاً إلى أنّ ذلك هو الّذي تقتضيه القرينة الخارجيّة ، لأنّ الغرض من الاستبراء ليس إلاّ مجرّد معرفة الحال والاستخبار عن أنّ المرأة ذات دم أو غيرها ، والظّاهر عدم مدخليّة شي‌ء من القيود المذكورة في الموثقة في ذلك ، فتحمل على إرادة التسهيل على المرأة في استبرائها أو على أفضل الأفراد كما عرفت.

نتيجة الاستبراء

(1) إذا استبرأت المرأة بعد انقطاع دمها فلا يخلو الحال إمّا أن تخرج القطنة نقيّة


1) (*) لا أثر لرؤية الدم الأصفر إلاّ إذا كان في أيّام العادة.

حتّى تنقى أو تنقضي عشرة أيّام إن لم تكن ذات عادة أو كانت عادتها عشرة ، وإن كانت ذات عادة أقل من عشرة فكذلك مع علمها بعدم التجاوز عن العشرة ، وأمّا إذا احتملت التجاوز فعليها الاستظهار بترك العبادة استحباباً بيوم أو يومين (1)أو إلى العشرة مخيّرة بينها ، فإن انقطع الدم على العشرة أو أقل فالمجموع حيض في الجميع ، وإن تجاوز فسيجي‌ء حكمه.


وإمّا أن تخرج ملطّخة بالصفرة وإمّا أن تخرج ملطّخة بالدم الأحمر أو الأسود.

أمّا إذا خرجت نقيّة فلا إشكال في أنّه يجب عليها الاغتسال وتصلِّي ، لأنّها طاهرة.

وأمّا إذا خرجت ملطّخة بالصفرة فإن كانت خارجة في أيّام عادتها فلا كلام أيضاً في الحكم بحيضيّة المرأة ، لأنّ حكم الصفرة في أيّام العادة حكم الحمرة وأنّها من الحيض كما قدّمنا تفصيله.

وأمّا إذا خرجت في غير أيّام العادة أو لم تكن المرأة ذات عادة أصلاً فصريح كلام الماتن قدس‌سره أنّ حكمها حكم الدم الأحمر على ما نبيّنه عن قريب وهو المشهور لقاعدة الإمكان.

إلاّ أنّ الحكم بذلك ممّا لا وجه له ، وذلك لأنّ دم الحيض أسود عبيط وليس به خفاء ، وليست الصفرة من الحيض بمقتضى الأخبار (2)، وقد خرجنا عن ذلك في الصفرة الخارجة في أيّام العادة لأنّها من الحيض ، ومعه لا يتمّ الحكم بحيضيّة الصفرة في المقام.

ويدلّ على ذلك مضافاً إلى إطلاق ما ورد من أنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض (3)نفس الأخبار الواردة في الاستبراء حيث إنّ صريح الموثقة المتقدِّمة


1) (*) الظاهر وجوب الاستظهار بيوم إذا لم تكن مستمرّة الدم قبل أيّام العادة ، ثمّ هي مخيّرة بين الاستظهار بيومين أو ثلاثة أو إلى العشرة وعدمه ، وأمّا إذا كانت كذلك فلا استظهار عليها على الأظهر ، والأحوط في جميع ذلك الجمع بين تروك الحائض وأفعال المستحاضة.

2) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3 ح 2 و 3 و 4.

3) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4.

أنّ القطنة إذا خرجت ملطّخة بالدم الأحمر أو الأسود فالمرأة حائض دون ما إذا خرجت ملطّخة بالصفرة ، وذلك لأنّ مفروض الرّواية أنّ المرأة ترى الصفرة ولا تدري أنّها حيض أو ليست بحيض ، وفي هذا الفرض أمرها عليه‌السلام بإدخال الكرسف أو القطنة ، فإذا خرجت ملطّخة بالدم فهي حائض ، ومعه يتعيّن أن يراد بالدم خصوص الأسود أو الأحمر ، إذ لو أريد منه الأعم من الصفرة لم تكن هناك حاجة إلى الاستخبار ، بل لا بدّ من الحكم بكونها حائضاً من دون استبراء ، لأجل أنّ المرأة تخرج منها الصفرة على الفرض.

ويؤيّد ذلك ما في المرسلة (1)من أنّ القطنة إذا خرجت وفيها دم عبيط ولو بمقدار رأس الذباب فهي حائض ، فإنّ التقييد بالعبيط يدل على عدم كون الصفرة حيضاً ، هذا كلّه إذا خرجت القطنة ملطّخة بالصفرة.

أمّا إذا خرجت القطنة ملطّخة بالدم الأحمر أو الأسود فهي على أقسام :

الأقسام المتصوّرة في المقام

لأنّ المرأة إمّا لا تكون لها عادة أو تكون ، وعلى الثّاني إمّا أن تكون عادتها عشرة أيّام أو أقل ، وعلى الثّاني قد تحتمل تجاوز دمها العشرة وعدم انقطاعه قبلها ، وقد تجزم بانقطاعه قبل تجاوز العشرة.

أمّا إذا لم تكن لها عادة ، أو كانت ذات عادة ولكن عادتها عشرة أيّام ، أو أنّها أقل وتجزم بعدم تجاوز دمها العشرة فلا بدّ من الحكم بكونها حائضاً إلى عشرة أيّام للأخبار الواردة في الاستبراء ولما ورد من أنّ الدم قبل العشرة من الحيضة الأُولى (2)كما سبق في محلّه.

وأمّا إذا كانت عادتها أقلّ من العشرة وهي تحتمل انقطاع دمها قبل العشرة كما


1) أي مرسلة يونس المروية في الوسائل 2 : 309 / أبواب الحيض ب 17 ح 2.

2) الوسائل 2 : 296 / أبواب الحيض ب 10 ح 11 ، 298 / ب 11 ح 3.

تحتمل تجاوزه عنها فمقتضى الاستصحاب أنّ دمها لا ينقطع قبل العشرة ، لما عرفت في محلّه من أنّ الاستصحاب كما يجري في الأُمور الحالية يجري في الأُمور الاستقباليّة أيضاً ، وبما أنّ الدم يجري من المرأة بالفعل وتشكّ في دوامه وانقطاعه في الأزمنة المستقبلة فالأصل عدم انقطاعه ، فهي كالعالمة بتجاوز دمها العشرة ، لأنّ العلم التعبّدي كالعلم الوجداني ، ولا بدّ حينئذ من أن ترجع إلى أيّام عادتها وتجعلها حيضاً والزائد استحاضة ، فلها أن تغتسل بعد أيّام عادتها وتصلِّي وترتب أحكام المستحاضة على نفسها.

ما دلّ على وجوب الاستظهار عند تجاوز الدم عن العشرة

إلاّ أنّ هناك جملة من الرّوايات الّتي ادّعي تواترها إجمالاً ولا بأس بهذه الدعوى إذا انضمّت إليها الأخبار الواردة في استظهار النّفساء لوحدة حكمهما كما يأتي قد دلّت على أنّ المرأة إذا تجاوز دمها العشرة وكانت عادتها أقل منها تستظهر بيوم (1)أو يومين (2)أو بثلاثة أيّام (3)أو بعشرة (4)أو بثلثي أيّام عادتها (5)إلاّ أنّه ورد في النّفساء دون الحائض وعليه فلا مناص من أن تترك المرأة صلاتها وتستظهر وتغتسل بعد أيّام استظهارها ، ولا تتمكّن من الاغتسال بعد أيّام عادتها قبل الاستظهار.

ولكن في قبال هذه الرّوايات جملة من الأخبار (6)دلّت على عدم وجوب الاستظهار حينئذ ، بل المرأة طاهرة ويجوز لزوجها أن يأتيها متى شاء.


1) الوسائل 2 : 301 / أبواب الحيض ب 13 ح 3 و 4 و 5 ، 383 / أبواب النّفاس ب 3 ح 4.

2) الوسائل 2 : 383 و 384 / أبواب النّفاس ب 3 ح 2 و 5.

3) الوسائل 2 : 300 و 302 و 303 / أبواب الحيض ب 13 ح 1 و 6 و 10.

4) الوسائل 2 : 303 / أبواب الحيض ب 13 ح 12 ، 383 / أبواب النّفاس ب 3 ح 3.

5) الوسائل 2 : 389 / أبواب النّفاس ب 3 ح 20.

6) الوسائل 2 : 371 و 372 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 1 و 4 ، 378 / ب 2 ، 379 / ب 3 ح 1.

ومن ثمة جمعوا بينها وبين الطائفة المتقدِّمة بحمل الأوامر الواردة فيها على الاستحباب ، لظهورها في الوجوب وصراحة الطائفة الثّانية في عدمه ، وإلى هذا ذهب المشهور.

وربما يؤيِّد حمل الأخبار الآمرة بالاستظهار على استحبابه بما ذكروه في روايات البئر من أنّ الاختلاف في التقدير كاشف عن عدم وجوبه ، وقد عرفت أنّ الأخبار الواردة في المقام كذلك ، لأنّ في بعضها أنّها تستظهر بيوم ، وفي بعضها الآخر بيومين وفي ثالث بثلاثة أيّام ، وفي رابع بعشرة أيّام ، وفي خامس بثلثي أيّامها وإن كان ذلك وارداً في النّفساء دون الحائض ، والاختلاف في التقدير يكشف عن عدم الوجوب.

إلاّ أنّا أجبنا عن ذلك في محلّه بأن الاختلاف في بيان التقدير إنّما يكشف عن عدم الوجوب في المقدار الزّائد عن القدر المشترك بين الجميع ، ولا يكشف عن عدم الوجوب حتّى في المقدار الأقل المشترك فيه الجميع ، والاستظهار بيوم واحد ممّا يشترك فيه جميع التحديدات الواردة في الأخبار ، ولا موجب لرفع اليد عن الوجوب فيه.

ما هو الصحيح في الجمع بين الطائفتين

فالصحيح هو الوجه الأوّل أعني الجمع بين الطائفتين من الأخبار بحمل الظّاهر منها على النص.

وقد يقال بحمل الأخبار الآمرة بالاستظهار على الاستحباب في نفسها مع قطع النّظر عن معارضتها مع الطائفة الثّانية النافية لوجوب الاستظهار ، وذلك بدعوى أنّ المورد من موارد توهّم الحظر ، حيث إنّ المرأة تحتمل حرمة ترك الصّلاة في تلكم الأيّام لاحتمال كونها طاهرة وممّن تجب عليها الصّلاة ، فالأوامر الواردة بترك الصّلاة إنّما وردت دفعاً لهذا التوهّم ، فلا ظهور لها في الوجوب في نفسها ، وإنّما هي تفيد الإباحة والجواز.

ويدفعه : أنّ ترك الصّلاة كما يحتمل حرمته على المرأة في أيّام استظهارها كذلك

يحتمل أن يكون إتيانها بها بقصد القربة محرماً ، وكذا الحال في تمكينها لزوجها لدوران أمرها بين الحيض والطهر ، وقد سبق أنّ لكلّ منهما أحكاماً إلزاميّة ، فالمقام من دوران الأمر بين المحذورين لا من موارد توهّم الحظر الّتي توجب ظهور الأمر فيها في الإباحة.

فالعمدة في حمل الأوامر المذكورة على الاستحباب إنّما هو الوجه الأوّل فلا بدّ من ملاحظة أنّه تام أو ليس بتام. وقد عرفت أنّ الأخبار الواردة في الاستظهار على طائفتين :

إحداهما : ما دلّت على وجوب الاستظهار بيوم أو بيومين أو بثلاثة أو بعشرة وهي الّتي ادعي تواترها إجمالاً ، ولم نستبعد ذلك فيما إذا انضمّت إليها الأخبار الواردة في استظهار النّفساء ، بل الأخبار الواردة في المستحاضة بالغة حدّ الاستفاضة في نفسها ، بل لا يبعد دعوى تواترها الإجمالي في نفسها مضافاً إلى أنّ فيها روايات معتبرة من الصحاح والموثقات.

وثانيتهما : ما دلّ على عدم وجوب الاستظهار على المستحاضة وأنّها تقعد أيّام عادتها ثمّ تغتسل وتصلّي ويغشاها زوجها متى شاء ، وهي جملة من الأخبار أيضاً فيها صحيحة وموثقة.

اختلاف الأنظار في الجمع بين الطائفتين

وقد اختلفت الأقوال في المسألة باختلاف الأنظار في الجمع بينهما.

فالمشهور بينهم أنّ الاستظهار مستحب بحمل الطائفة الآمرة بالاستظهار على الاستحباب بملاحظة الطائفة النافية لوجوبه ، وحكي عن بعضهم أنّ الاستظهار أمر مباح وللمرأة أن تستظهر وأن لا تستظهر ، وعن الشيخ (1)والسيِّد (2)وجوبه.


1) النهاية : 26 / باب حكم الحائض ، المبسوط 1 : 44 / أحكام الحائض ، الجمل والعقود : 163.

2) نقل عن مصباح السيِّد في الحدائق 3 : 216 / في غسل الحيض ، وكذا المحقّق في المعتبر 1 : 214 / في غسل الحيض.

ولا يمكن القول بالإباحة بدعوى أنّ الأخبار الآمرة بالاستظهار وردت في مورد توهّم الحظر ، وذلك لما عرفت من أنّ المورد ليس كما توهّم.

كما لا يمكن المساعدة على ما ذهب إليه المشهور من حمل الطائفة الآمرة بالاستظهار على الاستحباب بقرينة الطائفة النافية للوجوب ، وذلك لأنّ الطائفة الثّانية تشتمل على الأمر بالاغتسال والصّلاة بعد أيّام عادتها ، فلا وجه لترجيح إحداهما على الأُخرى ورفع اليد عن ظاهر إحداهما بملاحظة الأُخرى دون العكس.

ودعوى : الجمع بينهما بحملهما على الوجوب التخييري أو الاستحباب كذلك.

مندفعة بأنّ الاغتسال وتركه وكذلك الصّلاة وتركها من الضدّين لا ثالث لهما ، ولا معنى للتخيير في مثلهما ، لأنّ المرأة بطبعها إمّا أن تفعلهما وأمّا أن لا تفعلهما. فهذا الوجه ساقط أيضاً.

ما جمع به صاحب الحدائق بين الطائفتين

وقد جمع صاحب الحدائق قدس‌سره بينهما تارة بحمل الطائفة الثّانية النافية لوجوب الاستظهار على التقيّة ، نظراً إلى أنّ الطائفة الآمرة بالاستظهار روايات معروفة مشهورة بين الأصحاب ، فقد علمنا لأجلها أنّ الاستظهار على اختلاف أيّامه أمر ثابت من مذهب الشيعة ، وأمّا عدم وجوب الاستظهار على المستحاضة فهو أمر موافق لمذهب الجمهور إلاّ مالكاً فإنّه ذهب إلى وجوب الاستظهار ثلاثة أيّام على ما نسبه العلاّمة إليه في المنتهي (1).

ويدفعه : أنّ معاملة المتعارضين بينهما والترجيح بمخالفة العامّة إنّما تصل النوبة إليها فيما إذا لم يمكن الجمع بينهما بوجه ، لوضوح أنّه مع إمكان الجمع بينهما لا تعارض حتّى يرجح بمرجحات المتعارضين.

على أنّ مخالفة العامّة كما ذكرناه في محله مرجح ثان في المتعارضين ، ولا تصل


1) الحدائق 3 : 220 / في غسل الحيض.

النوبة إلى الترجيح بها مع وجود المرجح الأوّل وهو موافقة الكتاب ، والطائفة النافية لوجوب الاستظهار يمكن أن يقال إنّها موافقة للكتاب ، لأنّ الحكم على المستحاضة بالصّلاة بعد أيّام عادتها موافق للمطلقات الواردة في الكتاب ، لأنّها إنّما خصّصت بأيّام الحيض ، وأمّا في غيرها فمقتضى المطلقات وجوب الصّلاة عليها مثلاً ، والحكم بعدم وجوبها عليها حينئذ تقييد زائد في المطلقات ، فبذلك تتقدّم على الطائفة الآمرة بالاستظهار.

وأُخرى جمع بينهما بحمل أخبار الاستظهار على المرأة غير مستقيمة الحيض كما إذا زاد دمها تارة ونقص اخرى ، وأخبار عدم وجوبه على المستقيمة في عادتها مستشهداً على ذلك بروايتين :

إحداهما : موثقة عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه ، قال « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن المستحاضة أيطؤها زوجها وهل تطوف بالبيت؟ قال : تقعد قرأها الّذي كانت تحيض فيه ، فإن كان قرؤها مستقيماً فلتأخذ به ، وإن كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين ولتغتسل » (1).

ثانيتهما : رواية مالك بن أعين ، قال « سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن المستحاضة كيف يغشاها زوجها؟ قال : ينظر الأيّام الّتي كانت تحيض فيها وحيضتها مستقيمة ، فلا يقربها في عدّة تلك الأيّام من ذلك الشهر ، ويغشاها فيما سوى ذلك من الأيّام ، ولا يغشاها حتّى يأمرها فتغتسل ثمّ يغشاها إن أراد » (2).

وذكر أنّ الاستقامة في الحيض لمّا كانت قليلة أو نادرة تكاثرت الأخبار بالاستظهار للمرأة لأجله.

وهذا الجمع أيضاً لا يمكن المساعدة عليه ، لعدم ورود الرّوايتين اللتين استشهد بهما قدس‌سره على مدّعاه فيما هو محل الكلام ، لأنّ محل الكلام إنّما هو المرأة ذات


1) الوسائل 2 : 375 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 8.

2) الوسائل 2 : 320 / أبواب الحيض ب 24 ح 11 ، 379 / أبواب الاستحاضة ب 3 ح 1.

العادة العدديّة سواء أكانت ذات عادة وقتيّة أيضاً أم لم تكن فإنّ النسبة بين العادتين عموم من وجه كما قدّمناه فإذا زاد دمها على العشرة يتكلّم في أنّها ترجع إلى عددها ثمّ تغتسل أو أنّها تستظهر بعد ذلك العدد بثلاثة أيّام أو بأكثر أو بأقل.

وأمّا الرّوايتان فهما قد وردتا في المرأة ذات العادة الوقتيّة الّتي قد يزيد عدد أيّام دمها وينقص وقد لا يزيد ولا ينقص ، وذلك لاشتمالهما على أنّها تقعد قرأها الّذي كانت تحيض فيه أو الأيّام الّتي كانت تحيض فيها ، فعلمنا من ذلك أنّ لها عادة وقتيّة ولكن عددها قد يستقيم وقد لا يستقيم ، ومعه لا تكون الرّوايتان مفصلتين في محل الكلام ، بل هما من أدلّة عدم وجوب الاستظهار حيث دلّتا على أنّ المستقيمة العدد أي الّتي لها عدد معيّن وقد زاد دمها على العشرة تأخذ بعدد أيّامها ولا يجب عليها الاستظهار هذا.

على أنّ رواية مالك بن أعين ضعيفة ، لأنّ الشيخ رواها عن ابن فضال ، وطريقه إليه ضعيف (1).

وأمّا الرّواية الأُولى فقد عبّر عنها صاحب الحدائق قدس‌سره بالصحيحة ، ولعلّه من جهة أنّ أبان بن عثمان الواقع في سندها ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه ، إذ لم يرد فيه توثيق صريح بل ضعّفه العلاّمة وردّ روايته معتمداً على قوله تعالى : ( ... إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... ) (2)وأيّ فسق أعظم من مخالفة الإمام عليه‌السلام ، والرّجل ناووسي ، ولكنّا نعتمد على رواياته لأجل توثيق الشيخ إيّاه في ضمن جملة من أمثاله في عُدّته ، فهذا الجمع ممّا لا شاهد له.

ما جمع به شيخنا الأنصاري بين الطائفتين

وجمع بينهما شيخنا الأنصاري قدس‌سره بحمل الأخبار الآمرة بالاستظهار على


1) تقدّم أنّ هذا ما بنى عليه سيِّدنا الأُستاذ أوّلاً غير أنّه رجع عن ذلك أخيراً ، راجع الصفحة 70.

2) الحجرات 49 : 6.

صورة رجاء الانقطاع قبل العشرة وعدم انقطاعه ، والأخبار النافية لوجوب الاستظهار على صورة اليأس من الانقطاع قبل العشرة (1).

وهذا الجمع أيضاً لا يمكن المساعدة عليه من جهة أنّ حمل الأخبار الآمرة بالاستظهار على صورة رجاء الانقطاع قبل العشرة وعدمه وإن كان صحيحاً ، لأنّه موردها وهو معنى الاستظهار ، لأنّه بمعنى طلب ظهور الشي‌ء ، وهذا إنّما يتحقّق مع الشكّ في حصوله وعدمه لا مع العلم بأحد الطرفين. إلاّ أنّ حمل الأخبار النافية لوجوب الاستظهار على صورة الجزم واليأس من الانقطاع قبل العشرة بلا وجه لأنّه على خلاف إطلاقها ولا قرينة على التقييد.

ودعوى : أنّ الأخبار الآمرة بالاستظهار مقيّدة بصورة الشكّ والرّجاء ، والأخبار النافية لوجوبه مطلقة تشمل صورة الشكّ في الانقطاع قبل العشرة والجزم بعدمه فمقتضى قانون الإطلاق والتقييد تقييد إطلاق الطائفة النافية بصورة الجزم واليأس عن الانقطاع قبل العشرة والحكم بعدم وجوب الاستظهار حينئذ ، وأمّا صورة الشكّ والرّجاء فهي مورد للحكم بوجوب الاستظهار بمقتضى الطائفة الآمرة به.

مندفعة : بأنّ تقييد إطلاق الطائفة النافية بعيد ، لاستلزامه حمل المطلق على الفرد النادر ، بل نفس السكوت عن بيان القيد مع ندرة الجزم بالانقطاع وكثرة التردّد والشكّ فيه يدلّنا على عدم تقيد الحكم بصورة اليأس من الانقطاع كما لعله ظاهر.

وقد يجمع بينهما بحمل الأخبار الآمرة بالصلاة والاغتسال على الصّلاة والاغتسال بعد أيّام الاستظهار ، وذلك لأنّها مطلقة تشمل كلتا الصّورتين ، أعني ما بعد العادة وما بعد أيّام الاستظهار ، وأمّا الأخبار الآمرة بالاستظهار فهي مقيّدة بما بعد العادة لا محالة ، فمقتضى قانون الإطلاق والتقييد حمل الأخبار الآمرة بالصّلاة والاغتسال على ما بعد أيّام الاستظهار لا محالة.

وهذا الجمع أيضاً لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأنّ ظاهر الرّوايات الآمرة


1) كتاب الطّهارة : 229 السطر 27 / المقصد الثّاني في الحيض.

بالصلاة والاغتسال أنّها إنّما وردت بصدد بيان الوظيفة الفعليّة بعد أيّام العادة ، وقد دلّت على أنّ الوظيفة حينئذ هي الغسل والصّلاة ، وعليه فهما متنافيان وليسا من المطلق والمقيّد في شي‌ء ، ولا يكون الجمع بينهما بحمل الطائفة الآمرة بالصلاة والاغتسال على ما بعد أيّام الاستظهار من الجمع العرفي بينهما بوجه.

على أنّ ذلك لو تمّ فإنّما يتمّ فيما إذا كانت أيّام عادة المرأة وأيّام استظهارها أقل من عشرة أيّام ، كما إذا كانت عادتها أربعة أيّام واستظهرت ثلاثة أيّام ، فحينئذ يمكن القول بأنّ الصّلاة والاغتسال إنّما يجبان بعد أيّام الاستظهار أعني بعد سبعة أيّام.

وأمّا إذا كانت عادتها وأيّام استظهارها متجاوزة عن عشرة أيّام ، كما إذا كانت أيّام عادتها تسعة أيّام واستظهرت بثلاثة أيّام ، فإنّه لا معنى حينئذ للقول بأنّ الصّلاة والاغتسال تجب عليها بعد اثني عشر يوماً من رؤيتها الدم ، وذلك لوضوح أنّ الحيض لا يتجاوز عشرة أيّام ، والمرأة بعد عشرة أيّام لا إشكال في وجوب الصّلاة والغسل عليها ، فما فائدة تلك الأخبار إذا لم تكن حاجة إليها لوضوح الحكم من غير شكّ.

على أنّ في بعض الرّوايات ورد الأمر بالاستظهار بعشرة أيّام (1)إمّا بتقدير كلمة « تمام » كما صنعه صاحب الوسائل (2)قدس‌سره ، أي تستظهر بتمام العشرة ، وإمّا بحمل الباء على معنى « إلى » أي إلى عشرة أيّام كما عن الشيخ (3)قدس‌سره. وعلى كلّ تقدير يجب الاستظهار بمقتضى تلك الرّواية إلى عشرة أيّام من زمان رؤيتها الدم وحينئذ فما معنى وجوب الصّلاة والاغتسال عليها بعد العشرة ، لأنّه أمر واضح لا حاجة فيه إلى تلك الرّوايات.


1) الوسائل 2 : 303 / أبواب الحيض ب 13 ح 12 ، ص 383 / أبواب النّفاس ب 3 ح 3.

2) الوسائل 2 : 303 / أبواب الحيض ب 13 ح 12.

3) التهذيب 1 : 402 / 1259.

الجمع المنقول عن صاحب المدارك ( قدس‌سره )

وعن صاحب المدارك حمل الأخبار الآمرة بالاستظهار على ما إذا كان الدم واجداً للصفات ، وحمل الأخبار المقتصرة على أيّام العادة بما إذا كان الدم فاقداً للصفات ، لأنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض (1).

ويدفعه : أنّ هذا الجمع جمع تبرّعي محض ولا شاهد عليه بوجه ، فإنّ الدّم في كلتا الطائفتين بمعنى واحد ، حيث إنّ الموضوع الواحد وهو الدم الّذي يتجاوز عن العادة قد حكم في إحدى الطائفتين بوجوب الاستظهار معه وحكم في الطائفة الأُخرى بوجوب الصّلاة والاغتسال معه ، فتقييده في إحداهما بشي‌ء وفي الأُخرى بشي‌ء آخر خلاف ظاهر الكلمة ، ولا يعدّ من الجمع العرفي في شي‌ء.

وقد يجمع بينهما بحمل الأخبار الآمرة بالاستظهار على الحكم الظاهري ، وأنّ وظيفة المرأة ظاهراً أن تترك العبادة ظاهراً إلى ثلاثة أيّام أو أقل أو أكثر حتّى يتضح الحال بعد ذلك ، وحمل الأخبار الآمرة بالصلاة والاغتسال على بيان الحكم الواقعي وأنّ المرأة إذا تجاوز دمها العشرة ترجع إلى أيّام عادتها وتجعلها حيضاً والباقي استحاضة تجب عليها الصّلاة والاغتسال فيه ، فإذا انكشف بعد استظهارها أنّ الدم متجاوز عن العشرة فتقضي ما فاتها من الصلوات وغيرها.

وفيه ما عرفت من أنّ الأخبار الآمرة بالغسل والصّلاة ظاهرة في أنّ ذلك هو الوظيفة الفعليّة للمرأة ، وهذا ينافي حملها على بيان الحكم الواقعي ، فإنّ بيان الحكم الّذي لا يمكن إحراز موضوعه لغو لا أثر له ، ومن الظّاهر أنّ كشف تجاوز الدم عن العشرة إنّما هو متأخر عن أيّام العادة لا محالة ولا تعلم به المرأة بعد أيّام عادتها ، فماذا يفيدها الحكم الواقعي حينئذ وإن كان ذلك ممّا لا إشكال فيه ولا خلاف ، لوضوح أنّ الدم إذا تجاوز العشرة فذات العادة ترجع إلى أيّام عادتها وتجعل الباقي استحاضة إلاّ أنّ الحكم الواقعي لا يفيدها فعلاً أي بعد تجاوز أيّام عادتها لعدم إحرازها


1) المدارك 1 : 334 / أحكام الحيض.

الموضوع ، فتصبح الأخبار الظاهرة في بيان الوظيفة الفعليّة لغواً ظاهراً ، فهذا الوجه أيضاً لا يتم.

ما جمع به الوحيد البهبهاني بين الطائفتين

وعن الوحيد البهبهاني قدس‌سره جمعهما بحمل الطائفة الآمرة بالاستظهار على الدور الأوّل من الدم ، وحمل الأخبار الآمرة بالصلاة والاغتسال على الدور الثّاني من الدم (1).

فإذا رأت المرأة الدم في أيّام عادتها وتجاوز فيجب عليها أن تستظهر بيوم واحد كما في الموثقة الآتية ، وبعدها يحكم على الدم بالاستحاضة ، فإذا استمرّ بها الدم بعد ذلك إلى شهر وجاءت أيّام عادتها فتقتصر على أيّامها وبعدها تغتسل وتصلّي وإن لم ينقطع دمها لأنّها مستحاضة حينئذ ، وهكذا إذا انتهى إلى الشهر الثّاني والثّالث فإنّه الدور الثّاني من دمها ، وبهذا ترتفع المعارضة بينهما.

واستشهد على ذلك بموثقة إسحاق بن جرير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث « المرأة تحيض فتجوز أيّام حيضها ، قال : إن كان أيّام حيضها دون عشرة أيّام استظهرت بيوم واحد ثمّ هي مستحاضة ، قالت : فإنّ الدم يستمر بها الشهر والشهرين والثّلاثة كيف تصنع بالصّلاة؟ قال : تجلس أيّام حيضها ثمّ تغتسل لكلّ صلاتين » (2).

وهذا الجمع وإن كان أحسن الوجوه المذكورة في المقام إلاّ أنّه لا يمكن المساعدة عليه أيضاً ، والوجه فيه : أنّ الموثقة وإن دلّت على أنّ المرأة في دورها الأوّل تستظهر بيوم واحد إلاّ أنّها لم يعلم دلالتها على عدم وجوب الاستظهار عليها في دورها الثّاني ، لعدم كون الموضوع في سؤال المرأة السائلة من الإمام عليه‌السلام بقولها « فإنّ الدم يستمر الشهر والشهرين والثّلاثة » هو الموضوع في سؤالها السابق بقولها


1) حكاه عنه في المستمسك 3 : 266 / كتاب الحيض.

2) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3 ح 3.

« المرأة تحيض فتجوز أيّام حيضها » حتّى يقال إنّ المرأة بعد ما رأت الدم في حيضها وتجاوز عن عادتها ثمّ استمرّ بها الدم شهراً أو شهرين فلها دوران قد حكم عليه‌السلام في دورها الأوّل بالاستظهار وبعدم وجوبه في دورها الثّاني.

بل السؤال في قولها « فإنّ الدم يستمر بها ... » إنّما هو عن موضوع آخر ، أي امرأة أُخرى وأنّ المرأة إذا استمرّ بها الدم شهراً أو شهرين كيف تصنع؟ ولو كان ذلك دوراً أوّلاً لها لا دوراً ثانياً ، كما إذا فرضنا أنّها قبل أيّام عادتها رأت الدم حتّى انتهى إلى أيّام عادتها ورأت فيها أيضاً حتّى تجاوز عنها ، فإنّها مستمرّة الدم حينئذ ودامية ، إلاّ أنّها دور أوّل للمرأة إذ لم تبتل قبل ذلك برؤية الدم في عادتها مع تجاوزه عنها ليكون هذا دوراً أوّلاً لها ، وما رأته بعدها شهراً أو شهرين دوراً ثانياً هذا.

على أنّا لو سلمنا أنّ الموضوع في كلا الموردين امرأة واحدة ، والموثقة تضمنت حكم دورها الأوّل والثّاني كما أُفيد ، إلاّ أنّها ليست بذات مفهوم حتّى تدل على أنّ المرأة إذا كانت مستمرّة الدم من الابتداء لا في دورها الثّاني ، أي بعد رؤيتها الدم في عادتها مع تجاوزه عنها لا تجب عليها الصّلاة والغسل ، وإنّما تدل على أنّ المستمرّة في دورها الثّاني لا يجب عليها الاستظهار.

إذن فلا بدّ من استفادة حكم المستمرة الدم من الأخبار الأُخر ، فإذا لاحظنا صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « المستحاضة تنظر أيّامها فلا تصلّي فيها ولا يقربها بعلها ، فإذا جازت أيّامها ورأت الدم يثقب الكُرسُف اغتسلت للظهر والعصر ، تؤخر هذه وتعجل هذه ، وللمغرب والعشاء غسلاً ، تؤخِّر هذه وتعجل هذه ، وتغتسل للصبح ... » (1).

وحسنة أو صحيحة عبد اللّه بن سِنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال « سمعته يقول المرأة المستحاضة تغتسل الّتي لا تطهر كذا في الوسائل ، والظاهر أنّه هكذا : الّتي لا تطهر تغتسل عند صلاة الظّهر وتصلِّي الظّهر والعصر ، ثمّ تغتسل عند المغرب


1) الوسائل 2 : 371 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 1.

فتصلِّي المغرب والعشاء ، ثمّ تغتسل عند الصبح فتصلّي الفجر ، ولا بأس بأن يأتيها بعلها إذا شاء إلاّ أيّام حيضها فيعتزلها زوجها » الحديث (1).

وموثقة سماعة ، قال « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن المستحاضة ، قال فقال : تصوم شهر رمضان إلاّ الأيّام الّتي كانت تحيض فيها ثمّ تقضيها من بعد » (2)، وغيرها ممّا رواه في الوسائل باب 1 من أبواب الاستحاضة وغيره.

ومن جملة الرّوايات مرسلة يونس الطويلة الّتي ذكرنا أنّها معتبرة ، لأنّها دلّت على أنّ رسول اللّه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله سنّ في المرأة ثلاث سنن ، منها أنّ المستحاضة من الابتداء تقعد في أيّام أقرائها وبعدها تغتسل وتصلِّي (3).

علمنا أنّ المرأة المستحاضة من الابتداء لا يجب عليها الاستظهار ، لأنّ مورد تلك الأخبار هي المرأة المستحاضة من الابتداء ، لقوله عليه‌السلام فيها « تنظر أيّامها » فإنّها كالصريح في أنّ استحاضتها إنّما كانت قبل أيّامها إذ لو كانت رؤيتها الدم من أوّل أيّامها وكانت مستحاضة بعدها لم يكن معنى لانتظارها أيّام عادتها ، وكذلك الرّوايتان الأخيرتان ، لأنّ الموضوع فيهما المستحاضة ، وقد حكم بوجوب الصوم ووجوب الصّلاة عليها ابتداءً ، ثمّ استثنى أيّام عادتها ، فظاهرهما أنّ الاستحاضة كانت قبل أيّامها.

ما هو الجمع الصحيح بين الطائفتين

وبهذا يتّضح الوجه للجمع الصحيح بين الطائفتين ، حيث إنّ النّسبة بين أخبار وجوب الاستظهار وتلك الأخبار الدالّة على وجوب الصّلاة والاغتسال للمستحاضة عموم مطلق ، لأنّ أخبار الاستظهار أعمّ من أن تكون المرأة مستحاضة من الابتداء أو تكون كذلك بعد دورها الأوّل أي بعد أيّام عادتها ، وتلك الرّوايات مختصّة


1) الوسائل 2 : 372 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 4.

2) الوسائل 2 : 378 / أبواب الاستحاضة ب 2 ح 1.

3) الوسائل 2 : 281 / أبواب الحيض ب 5 ح 1.

بالمستحاضة من الابتداء ، فمقتضى قانون الإطلاق والتقييد حمل روايات الاستظهار على المرأة المستحاضة بعد أيّام عادتها أو قبلها بيوم أو يومين ، لأنّ الدم قد يتعجّل ويحكم في المستحاضة بعد العادة بوجوب الاستظهار يوماً واحداً ، وبالتخيير في بقيّة الأيّام حتّى يتبيّن الحال ، ويحكم في المستحاضة من الابتداء بعدم وجوب الاستظهار. وهذا الوجه أليق من الوجوه المتقدّمة ، وبه يجمع بين الطائفتين كما عرفت.

وقد يتراءى أنّ الأخبار المقتصرة على أيّام العادة في المستحاضة من الابتداء معارضة برواية الجُعفي عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : المستحاضة تقعد أيّام قرئها ثمّ تحتاط بيوم أو يومين ، فإذا هي رأت طهراً ( الطّهر ) اغتسلت » (1).

ورواية زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : المستحاضة تستظهر بيوم أو يومين » (2).

ورواية فضيل وزرارة عن أحدهما عليه‌السلام « قال : المستحاضة تكفّ عن الصّلاة أيّام أقرائها وتحتاط بيوم أو اثنين » (3).

حيث إنّها دلّت على أنّ المستحاضة تستظهر بيوم أو يومين.

إلاّ أنّ دلالتها مورد المناقشة ، وذلك لعدم ظهورها في أنّ المراد بالمستحاضة هي المستحاضة من الابتداء وقبل العادة ، بأن رأت الدم واستمرّ بها في غير أيّام عادتها إلى أن دخلت في أيّام عادتها وتجاوزها الدم أيضاً ، ولا قرينة على إرادتها منها ، وإنّما هي مطلقة وليكن المراد منها المستحاضة بعد عادتها ، أعني المرأة الّتي رأت الدم في عادتها وتجاوز عنها ، وقد ذكرنا أنّ الاستظهار متعيّن حينئذ.

وعلى الجملة أنّهما إنّما يعارضان الأخبار المتقدّمة على تقدير ظهورها في إرادة المستحاضة من الابتداء ، وقد عرفت عدم ظهورها في ذلك.


1) الوسائل 2 : 375 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 10.

2) الوسائل 2 : 304 / أبواب الحيض ب 13 ح 14.

3) الوسائل 2 : 376 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 12.

ومع كونها مطلقة يكون حالها حال بقيّة الأخبار المتقدِّمة ، حيث جمعنا بين ظهورها و[ بين ] نصّ المرسلة وصحيحتي معاوية وعبد اللّه بن سِنان وموثقة سَماعة في عدم وجوب الاستظهار على المستحاضة قبل العادة بحملها على المستحاضة بعد العادة ، هذا.

ولكن الإنصاف أنّ روايتي الجُعفي وزرارة الثّانية لا وجه للمناقشة في دلالتهما حيث إنّ المستحاضة فيهما ظاهرة في المستحاضة قبل العادة ، وقد دلّتا على وجوب الاستظهار عليها بيوم أو يومين ، وذلك لقرينة حكمه عليه‌السلام بأنّها تقعد أيّام قرئها ، حيث فرضها مستحاضة أوّلاً ثمّ حكم عليها بالقعود في أيّام قرئها الآتية بعد استحاضتها ، فهما معارضتان مع الأخبار المتقدّمة إلاّ أنّ سنديهما ضعيف.

أمّا رواية الجعفي فليست المناقشة في سندها مستندة إلى أبان بدعوى أنّه من الواقفة ، فإنّه وإن كان من الواقفة (1)ولم يرد توثيق صريح في حقّه إلاّ أنّه من أصحاب الإجماع فاتّفقوا على تصحيح ما يصح عنه ، وقد ذكرنا في محله أنّ غاية ما يستفاد من هذا الإجماع أنّه ممّن تعتبر روايته ، على أنّا استفدنا وثاقته من الشيخ في عدّته (2)حيث وثّق جملة من مشايخ الواقفة وغيرها من الفرق غير الاثني عشريّة ، فلا تتوقّف في الرّواية من جهة أبان وإن توقّف فيها بعضهم كالعلاّمة (3)قدس‌سره.

بل من جهة القاسم الّذي يروي عن أبان ، لأنّ من يروي عنه بهذا الاسم راويان : أحدهما القاسم بن محمّد الجوهري ، وثانيهما القاسم بن عروة ، ولم تثبت وثاقتهما (4).

نعم ، ذكروا أنّ القاسم بن عروة ممدوح إلاّ أنّه لم تثبت وثاقته ، وغاية ما يمكن استفادته أنّه إمامي ، لأنّ الشيخ (5)والنجاشي (6)لم يغمزا في مذهبه.


1) تقدّم منه في ص 245 أنّه ناووسي ، فراجع.

2) عدّة الأُصول : 56 السطر 12 / في العدالة المراعاة في ترجيح أحد الخبرين على الآخر.

3) رجال العلاّمة الحلّي : 21 / الباب الثّامن ترجمة أبان بن عثمان الأحمر.

4) نعم القاسم بن محمّد الجوهري لم يوثق في الرّجال غير أنّه ممّن وقع في أسناد كامل الزّيارات ، فبناءً على مبنى سيِّدنا الأُستاذ لا بدّ من الحكم بوثاقته.

5) الفهرست : 126 / الرقم [577] ترجمة قاسم بن عروة.

6) رجال النجاشي : 314 / الرقم [860] ترجمة قاسم بن عروة.

ولكن الأردبيلي في جامع الرّواة (1)أضاف إليهما القاسم بن عامر ، وذكر أنّه روى عن أبان في زكاة الحنطة من التّهذيب (2)، ونحن قد راجعنا المورد من التّهذيب وهو كما نقله فيما هو المطبوع من الكتاب.

ولكن الظاهر أنّ الأردبيلي اشتبه عليه الأمر من جهة غلط النسخة ، بل الصحيح أنّ الرّاوي عن أبان في زكاة الحنطة من التهذيب عبّاس بن عامر ، لأنّ صاحبي الوافي والوسائل (3)قد نقلاها بعينها عن عبّاس بن عامر عن أبان ، هذا كلّه.

على أنّا لو سلّمنا أنّه القاسم بن عامر كما ذكره الأردبيلي قدس‌سره فهو أيضاً كسابقيه في عدم جواز الاعتماد على روايته ، لإهماله في الرّجال حتّى أنّ الأردبيلي بنفسه لم يتعرّض له في كتابه ، فالمتحصل أنّ الرّواية ضعيفة كما ذكرناه.

وأمّا المناقشة في سند الرّواية الثّانية لزرارة فهي مستندة إلى ما تقدّم من أنّ طريق الشيخ إلى ابن فضال غير صحيح (4)، ثمّ إنّ في سندها محمّد بن عبد اللّه بن زرارة ووثاقته وإن كانت محل الكلام ، لكن الظّاهر وثاقته لتوثيق ابن داود إيّاه (5).

وليعلم أنّ ابن داود هذا قميّ متقدّم على النجاشي ، لأنّه ذكره في رجاله وأثنى عليه (6)، فلا مناص من الاعتماد على توثيقه ، وليس هو ابن داود الرّجالي المعروف حتّى يستشكل في توثيقه بأنّه اجتهاد منه قدس‌سره لتأخّر عصره.


1) جامع الرّواة 1 : 14 / ترجمة أبان بن عثمان.

2) التهذيب 4 : 19 / الرّقم 49.

3) الوافي 10 : 80 / الرقم 9198 ، الوسائل 9 : 178 / الرقم 11780.

4) وقد تقدّم غير مرّة أنّ المناقشة في طريق الشيخ إلى الرّجل ممّا عدل عنه سيِّدنا الأُستاذ ( دام ظلّه ) أخيراً فبنى على اعتباره فلا تغفل. راجع الصفحة 70.

5) راجع تنقيح المقال 3 : 143 السطر 28 / ترجمة محمّد بن عبد اللّه بن زرارة ، جامع الرّواة 1 : 214 / ترجمة الحسن بن علي بن فضّال. معجم الرجال 17 : 253.

6) رجال النجاشي : 384 الرقم [1045] ترجمة محمّد بن أحمد بن داود.

وأمّا رواية زرارة الأُولى فهي مطلقة كما ذكرنا ولا قرينة فيها على أنّ المستحاضة من الابتداء ، فلا بدّ من حملها على المستحاضة بعد العادة ، لصراحة ونصوصيّة الأخبار المقتصرة على العادة في عدم وجوب الاستظهار على المستحاضة من الابتداء.

على أنّ سندها ضعيف (1)لأنّه مضافاً إلى أنّ طريق الشيخ إلى ابن فضّال لم يثبت اعتباره في سندها جعفر بن محمّد بن حكيم ، ولم تثبت وثاقته بل ذمّه بعضهم إلاّ أنّه غير ثابت لجهالة الذامّ ، فإنّ الكشي نقل عن حمدويه أنّه كان عند الحسن بن موسى يكتب عنه أحاديث جعفر بن محمّد بن حكيم إذ لقيه رجل من أهل الكوفة سمّاه الكشي (2)وفي يده كتاب فيه أحاديث الرّجل ، فقال له الكوفي : هذا كتاب من؟ قال له : كتاب الحسن بن موسى ، عن جعفر بن محمّد بن حكيم ، فقال له الكوفي : أمّا الحسن فقل له ما شئت ، وأمّا جعفر بن محمّد بن حكيم فليس بشي‌ء ، وجهالة الكوفي الذام يمنعنا عن الحكم بذمّة (3).

فما ذكرناه من الوجه ممّا لا إشكال فيه وإن كان الاحتياط بعد العادة وقبل العشرة بالجمع بين تروك الحائض وأفعال المستحاضة ولا سيما فيما إذا كانت مستحاضة من الابتداء ممّا لا بأس به ، لأنّه يولد العلم بالخروج عن عهدة الوظيفة الواقعيّة على كلّ تقدير.

وعليه يجب على المستحاضة بعد عادتها أعني من رأت الدم في أيّام عادتها وتجاوز عن عشرة أيّام أن تستظهر بيوم واحد وجوباً ، ويومين أو ثلاثة أو عشرة مخيراً ، بمعنى أنّها مخيّرة في غير اليوم الواحد بين أن تستظهر فتترك الصّلاة وغيرها من العبادات وبين أن تغتسل وتصلِّي.


1) أمّا طريق الشيخ إلى ابن فضّال فقد عرفت الكلام فيه في الصفحة 70 ، وأمّا جعفر بن محمّد بن حكيم فهو وإن لم يوثق في الرّجال غير أنّه ممّن وقع في أسانيد كامل الزّيارات ، وقد بنى سيِّدنا الأُستاذ ( دام ظلّه ) على وثاقة كلّ من وقع فيها ولم يضعّف بتضعيف معتبر.

2) بل لم يسمّه الكشي ونسي ذكر اسمه.

3) رجال الكشي 545 / الرّقم 1031 في جعفر بن محمّد بن حكيم.

والوجه في ذلك أن الأخبار الواردة (1)في أنّها تستظهر بيوم أو يومين أو بثلاثة وما ورد في أنّها تستظهر بعشرة أيّام وإن كانت متعارضة لدى العرف ، حيث وردت محدّدة للحيض لأنّه الموضوع لترك الصّلاة وغيرها من أعمال المرأة الحائض والحيض أمر واقعي قد دلّت بعض الرّوايات على تحديده بيوم وبعضها الآخر بيومين وهكذا ، فهي من الأخبار المتعارضة لدى العرف بلحاظ تحديدها.

وليست تلك الرّوايات نظير ما إذا ورد الأمر بإتيان شي‌ء مرّة واحدة وورد أمر آخر بإتيانه مرّتين وثالث بإتيانه ثلاث مرّات حتّى يؤخذ بالقدر المتيقن وهو المرّة الواحدة ويحكم بوجوبها ويحمل الباقي على الاستحباب ، بل الرّوايات متعارضة.

إلاّ أنّه لا مناص في المقام من الحكم بالتخيير بين الاستظهار وعدمه في اليومين والثّلاثة والعشرة ، وذلك لدلالة الأخبار على ذلك في نفسها ، حيث ورد في رواية واحدة كما في موثقة سعيد بن يسار (2)أنّها تستظهر بيومين أو ثلاثة ، وهي نص في التخيير بينهما.

نعم لم يذكر فيها الاستظهار بعشرة أيّام ، إلاّ أنّ تلك الرّواية تدلّنا على أنّ الأخبار الواردة في المقام ليست ناظرة إلى التحديد ليكون بعضها معارضاً لبعض ، وإنّما هي واردة لبيان أنّ المرأة مخيّرة في الاستظهار بيومين أو ثلاثة أو عشرة فلا يبقى بينهما تعارض.

نعم ، يقع الكلام حينئذ في أنّه ما معنى كونها مخيّرة بين الاستظهار وتركه ، لأنّه يرجع إلى أنّها مخيّرة بين أن تصلّي وأن لا تصلّي ، وكيف يمكن الحكم بالتخيير في الواجب كالصلاة ، إذ لا معنى لوجوبها مع كونها متمكنة من تركها.

ويندفع بأنّ التخيير في تلك الرّوايات إنّما يرجع إلى أنّ التحيّض اختياره بيد المرأة ، فلها أن تجعل نفسها حائضاً في تلك الأيّام كما أنّ لها أن تجعل نفسها مستحاضة ، وهما الموضوعان لمثل وجوب الصّلاة أو وجوب تركها ، ومع اختيار


1) الوسائل 2 : 300 / أبواب الحيض ب 13 ، 382 / أبواب النّفاس ب 3.

2) الوسائل 2 : 302 / أبواب الحيض ب 13 ح 8.

[724] مسألة 24 : إذا تجاوز الدم عن مقدار العادة وعلمت أنّه يتجاوز عن العشرة تعمل عمل الاستحاضة فيما زاد ولا حاجة إلى الاستظهار (1).

[725] مسألة 25 : إذا انقطع الدم بالمرّة وجب الغسل والصّلاة وإن احتملت العود قبل العشرة بل وإن ظنّت بل وإن كانت معتادة بذلك على إشكال (1)(2) نعم لو علمت العود فالأحوط مراعاة الاحتياط في أيّام النّقاء ، لما مرّ من أنّ في النّقاء المتخلّل يجب الاحتياط.


أحد الموضوعين يترتب عليه حكمه ، وليست ناظرة إلى التخيير بين الواجب وتركه ابتداءً ليقال إنّه ما معنى وجوب الزّائد مع جواز تركه.

وهذا الّذي ذكرناه أمر قد وقع نظيره في غير المقام ، كما في المرأة الّتي زاد دمها على العشرة ولم تكن لها عادة فإنّها ترجع إلى أقرانها ، ومع عدم الأقران تتخيّر بين أن تتحيض ثلاثة أيّام أو ستّة أو سبعة في كلّ شهر كما يأتي الكلام عليها إن شاء اللّه تعالى.

(1) لأنّه كما مرّ إنّما وجب لمعرفة الحال وظهورها ، ومع العلم بالتجاوز لا إشكال في ظهور الحال ووضوحها ولا حاجة إلى الاستظهار.

انقطاع الدم بالمرّة

(2) للأخبار الدالّة على أنّ ذات العادة أو غيرها إذا انقطع دمها يجب عليها أن تغتسل وتصلِّي ، والأخبار المتقدّمة في الاستبراء حيث دلّت على أنّها تستبرئ فإذا خرجت القطنة نقيّة وظهر أنّ الدم قد انقطع تغتسل ، بلا فرق في ذلك بين احتمال عود الدم قبل تجاوز العشرة وعدمه ، لإطلاقات الأخبار ، وكذلك فيما إذا ظنّت العود ، لأنّ الظنّ لا يغني من الحق شيئاً ، وهو والاحتمال على حدّ سواء.


1) (*) لكنه ضعيف ، نعم لو حصل لها العلم أو الاطمئنان بالعود لزمها ترتيب آثار الحيض في أيّام النّقاء كما تقدّم.

[726] مسألة 26 : إذا تركت الاستبراء وصلّت بطلت وإن تبيّن بعد ذلك كونها طاهرة ، إلاّ إذا حصلت منها نيّة القربة (1).


كما أنّ مقتضى الاستصحاب ذلك بناءً على جريانه في الأُمور المستقبلة أيضاً كما هو الصحيح ، فإنّ الدم منقطع بالفعل ويشكّ في أنّه يرجع قبل العشرة أو لا يرجع فمقتضى الاستصحاب أنّه لا يعود قبل العشرة.

بل وكذلك الحال بين ما إذا كانت معتادة بعود الدم بعد انقطاعه وقبل العشرة وما إذا لم تكن معتادة بذلك وإن استشكل في ذلك الماتن قدس‌سره.

إلاّ أنّ الاستشكال ممّا لا وجه له ، وذلك لعدم الاعتبار بالاعتياد في عودة الدم شرعاً ولم يجعل له الطريقيّة إلى العود بوجه ، وإنّما العادة جعلت لها الطريقيّة إلى الحيض ، ومن هنا قلنا إنّ الصفرة في أيّام العادة حيض لوجود الأمارة والطريق وهي العادة ، وأمّا طريقيتها إلى عودة الدم فلا دلالة عليها في شي‌ء من الرّوايات ، فوجود العادة كعدمها ممّا لا أثر له.

مضافاً إلى الاستصحاب المقتضي لعدم عود الدم كما مرّ ، غاية الأمر أنّها تورث الظنّ بالرّجوع ، وقد عرفت أنّ الظنّ لا يعتمد عليه وأنّ حاله حال الاحتمال.

نعم ، إذا كانت عادتها منضبطة بحيث أوجبت العلم بالرّجوع أو علمت المرأة بذلك بشي‌ء من الأسباب الخارجيّة فلا محالة يحكم على الدم بالحيضيّة ، وما بين الدم المنقطع والدم العائد قبل العشرة أيّامُ النّقاء ، وقد عرفت حكمها وأنّها ملحقة بالحيض ، وقد احتاط الماتن فيها بالجمع بين أحكام الحائض والطّاهرة.

هل تبطل الصّلاة بترك الاستبراء

(1) تقدّم حكم هذه المسألة سابقاً (1)وقلنا إنّ بطلان الصّلاة ممّا لا وجه له ، لعدم


1) تقدّم في الصفحة 232.

[727] مسألة 27 : إذا لم يمكن الاستبراء لظلمة أو عمى فالأحوط الغسل والصّلاة إلى زمان حصول العلم بالنّقاء (1)


ثبوت أنّ الاستبراء شرط في صحّة الاغتسال ، وإنّما الدليل دلّ على أنّ المرأة ليس لها أن ترتب شيئاً من أحكام الحيض والطّهر على نفسها من دون الاستبراء ، وأمّا أنّه شرط واقعي فلا ، ومعه لا وجه للحكم بالبطلان عند عدم كونها حائضاً واقعاً إذا تمشّى منها قصد التقرّب ولو للغفلة ونحوها.

إذا لم تتمكّن من الاستبراء لظلمة أو عمى

(1) قدّمنا أنّ مقتضى موثقة سماعة (1)الواردة في الاستبراء عدم جريان استصحاب بقاء الحيض في حقّ المرأة إذا شكّت في نقائها باطناً ، بل لا بدّ لها من أن تستبرئ حتّى يظهر لها الحال ، وأنّها لا تتمكّن من أن ترتب على نفسها شيئاً من آثار الحيض أو الطّهر قبل ذلك ، فإذا تمكّنت من الاستبراء فهو ، إذ يجب أن تستبرئ نفسها مقدّمة للامتثال.

وأمّا إذا عجزت عن استبرائها لظلمة أو لفقدان القطنة أو لشلل أعضائها فمقتضى علمها الإجمالي بأنّها طاهرة أو حائض هو الاحتياط بالجمع بين أحكام الطّاهرة وتروك الحائض ، لعدم جريان الاستصحاب في حقّها كما مرّ ، ولا موجب لانحلال علمها الإجمالي ، ومعه لا مناص من الاحتياط فيجب عليها أن تغتسل وتصلِّي كما يحرم عليها تروك الحائض ، هذا إذا قلنا بحرمة العبادة في حقّها تشريعاً.

وأمّا إذا قلنا بكونها محرمة ذاتاً في حقّها فيدور أمرها بين المحذورين ، ولا مناص من التخيير بين ترتيب أحكام الطّاهرة على نفسها وبين ترتيب أحكام الحائض (2).


1) الوسائل 2 : 309 / أبواب الحيض ب 17 ح 4.

2) تقدّم حكم هذه المسألة في الصفحة 235.

فتعيد الغسل حينئذ ، وعليها قضاء ما صامت (1). والأولى تجديد (1)الغسل في كلّ وقت تحتمل النّقاء (2).


(1) وذلك لأنّ العلم بحيضها أو طهرها على نحو الإجمال كما أنّه منجز بالإضافة إلى الأُمور غير التدريجيّة كذلك منجز بالإضافة إلى التدريجيات ، والمرأة حينما ينقطع دمها ظاهراً لها علم إجمالي إمّا بوجوب الصّوم في حقّها إذا كانت طاهرة وإمّا بوجوب قضائه بعد ذلك إذا كانت حائضاً ، وحيث لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي بين التدريجيّات والدفعيات فيجب عليها الاحتياط بالجمع بين الصّوم وقضائه.

أولويّة تجديد الغسل وعدمها

(2) لا اختصاص في الأخبار الآمرة بالاستبراء بالمرّة الأُولى أو غيرها ، فإنّ مقتضى إطلاقها وجوب الاستبراء على المرأة في كلّ صلاة ، لأنّها لا تتمّكن من ترتيب آثار الطّاهرة أو الحائض على نفسها إلاّ بالاستبراء ، فإذا عصت المرأة مرّة ولم تستبرئ في صلاتها الاولى كصلاة الصبح مثلاً وجب عليها ذلك في المرّة الثّانية كصلاة الظّهر وهكذا ، فإذا فرضنا عدم تمكنها من الاستبراء فمقتضى علمها الإجمالي الاحتياط بالجمع بين أحكام الطّاهرة وتروك الحائض في كلّ واحدة من صلاتها.

فمن هنا يظهر أنّ الأولويّة في كلام الماتن ممّا لا وجه لها ، فإنّ الغسل في كلّ مورد تريد المرأة أن ترتب على نفسها شيئاً من آثار الطّاهرة أو الحائض لازم للاحتياط لعدم الفرق في علمها الإجمالي بين المرّة الأُولى والثّانية وغيرهما.


1) (*) بل الأحوط ذلك.

فصل في حكم تجاوز الدم عن العشرة

اشارة

[728] مسألة 1 : من تجاوز دمها عن العشرة سواء استمرّ إلى شهر أو أقل أو أزيد إمّا أن تكون ذات عادة أو مبتدئة أو مضطربة أو ناسية ، أمّا ذات العادة فتجعل عادتها حيضاً وإن لم تكن بصفات الحيض (1)


فصل في حكم تجاوز الدم عن العشرة

(1) اعلم أنّ الكلام في هذه المسألة إنّما هو في المرأة ذات العادة الوقتيّة والعدديّة لأنّها الّتي ترجع إلى أيّامها عند تجاوز دمها العشرة ، أمّا ذات العادة الوقتيّة فحسب فلا معنى للقول بأنّها ترجع إلى أيّامها وتجعلها حيضاً والباقي استحاضة ، إذ ليس لها عدد معيّن حتّى تجعل ذلك العدد حيضاً ، كما أنّ ذات العادة العدديّة فقط كذلك ، لأنّه لا معنى لإرجاعها إلى أيّامها إذ لا أيّام لها على الفرض. نعم ذات العادة العدديّة والوقتيّة يصح أن تؤمر بالأخذ بعدد أيّامها حتّى تجعلها حيضاً والباقي استحاضة.

ويدلُّ على ذلك في الدم المرئي في أيّام العادة ما تقدّم من الأخبار الواردة في أنّ ما تراه في أيّامها من صفرة أو حمرة فهو حيض (1)، وكذلك الأخبار الواردة في الاستظهار الدالّة على أنّ المستحاضة تقعد في أيّام قرئها (2)، ومرسلة يونس الطويلة المتقدّمة (3)حيث دلّت على أنّ المرأة ذات الأقراء سنّتها الرّجوع إلى أيّامها وليس لها الرّجوع إلى الصفات ، لأنّها في حق غير ذات الأقراء ، وهو سنّة ثانية ، وعليه لا بدّ


1) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4.

2) الوسائل 2 : 281 / أبواب الحيض ب 5 ، ص 300 ب 13 ، ص 371 / أبواب الاستحاضة ب 1.

3) الوسائل 2 : 276 / أبواب الحيض ب 3 ح 4.

والبقيّة استحاضة وإن كانت بصفاته إذا لم تكن العادة حاصلة من التمييز (1) بأن يكون من العادة المتعارفة ، وإلاّ فلا يبعد ترجيح (1)الصفات على العادة بجعل ما بالصفة حيضاً دون ما في العادة الفاقدة.


أن تجعل الدم المرئي في أيّام عادتها حيضاً بلا فرق في ذلك بين كونه واجداً للصفات أو فاقداً لها.

وأمّا الدم المشاهد بعد أيّامها وقبل العشرة فيما إذا انكشف عدم تجاوزه العشرة ففيه كلام ، حيث إنّ المعروف بل المتسالم عليه عند الأصحاب أنّه محكوم بكونه حيضاً مطلقاً صفرة كانت أم حمرة فلا ترجع فيها إلى الصفات أيضاً ، وأمّا نحن فقد ذكرنا أنّ مقتضى ما ورد من أن الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض (2)عدم كون الدم حيضاً حينئذ فيما إذا لم يكن واجداً للصفات.

وأمّا الدم المرئي بعد العادة إذا تجاوز العشرة فلا مناص من الحكم باستحاضته بحيث يجب على المرأة أن تغتسل وتصلِّي ، ويدلّ على ذلك نفس الأخبار الواردة في الاستظهار ، إذ لو كان المتجاوز عن العشرة كالدم غير المتجاوز عنها في كونه حيضاً لم يكن وجه للأمر باستظهار المرأة ، لأنّه حيض على كلّ حال تجاوز العشرة أم لم يتجاوزها.

فالأمر بالاستظهار لمعرفة أنّ الدم يتجاوز أقوى دليل على أنّ الدم المتجاوز عن العشرة استحاضة.

ذات العادة غير المتعارفة ترجّح الصفات

(1) ما قدّمناه من أنّ المرأة ذات العادة الوقتيّة والعدديّة ترجع إلى أيّامها عند


1) (*) بل هو المتعيّن.

2) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4.

وأمّا المبتدئة والمضطربة بمعنى من لم تستقر لها عادة فترجع إلى التمييز ، فتجعل ما كان بصفة الحيض حيضاً ، وما كان بصفة الاستحاضة استحاضة (1)


تجاوز دمها العشرة إنّما هو في العادة المتعارفة ، أعني ما إذا رأت الدم شهرين متساويين من حيث الوقت والعدد ، لأنّها الّتي تدلّ الرّوايات على رجوعها إلى عادتها.

وأمّا إذا لم تكن عادتها متعارفة ، كما إذا رأت الدم مختلفاً في كلا الشهرين : الشهر الأوّل والثّاني ، إلاّ أنّها جعلت خمسة أيّام من كلّ منهما حيضاً لكون الدم فيها واجداً للصفات ، ففي الشهر الثّالث إذا تجاوز دمها العشرة ليس لها أن ترجع إلى عادتها الحاصلة بالتمييز في الشهرين المتقدّمين ، بأن تجعل خمسة منها حيضاً والباقي استحاضة ، لعدم شمول الأدلّة غير العادة المتعارفة ، بل لا بدّ من أن ترجع إلى الصفات ، فما كان بصفة الحيض حيض ، وما كان فاقداً لها فهو استحاضة زاد عن العادة غير المتعارفة الّتي حصلت بالتمييز أم لم يزد عليها ، لأنّها ليست ذات عادة حتّى ترجع إلى عادتها ، وإنّما هي مضطربة ولا بدّ لها من الرّجوع إلى الصفات.

ومن هنا يظهر أنّ ما أفاده الماتن قدس‌سره في المقام من عدم جواز رجوع المرأة إلى عادتها الحاصلة بالتمييز هو الصحيح ، لا ما تقدّم منه قدس‌سره من عدم البعد في حصول العادة بالتمييز ، وهذان كلامان متناقضان كما أشرنا إليه هناك (1).

المضطربة ترجع إلى التمييز

(1) أمّا المضطربة وهي الّتي اختلطت أيّامها ولم تستقر لها عادة فلا كلام في أنّها ترجع إلى التمييز بالصفات فيما إذا تجاوز دمها العشرة وذلك لجملة من الرّوايات.

منها : مرسلة يونس الطويلة (2)حيث دلّت على أنّ السنّة الثانية من السنن الّتي


1) أشار إليه في الصفحة 169.

2) الوسائل 2 : 276 / أبواب الحيض ب 3 ح 4.

سنّها رسول اللّه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله في المضطربة الّتي اختلطت عليها أيّامها أن ترجع إلى لون الدم وإدباره وإقباله ، وما لم يكن واجداً للصفات تجعله استحاضة.

وكذا غيرها من الأخبار الّتي دلّت على أنّ دم الحيض ممّا لا خفاء فيه ، لأنّه دم أحمر عبيط وغيرها من الأوصاف (1)، وقد خرجنا عن ذلك في أيّام العادة لأنّ الصفرة أيضاً في أيّام العادة حيض وإن لم يكن واجداً للصفات.

المبتدئة هل هي كالمضطربة

وأمّا المبتدئة وهي الّتي لم تر الدم قط ورأت في أوّل ما تراه من الدم زائداً على العشرة فهل هي كالمضطربة لا بدّ من أن ترجع إلى الصفات أو أنّ حكمها أن ترجع إلى العدد وهو سبعة وتجعل الباقي استحاضة؟

المعروف بين الأصحاب أنّ حكم المبتدئة حكم المضطربة بل ادعي على ذلك الإجماع ، وخالف في ذلك صاحب الحدائق قدس‌سره (2)وذهب إلى أنّ المبتدئة غير المضطربة وأنّها ترجع إلى الرّوايات والعدد ، أعني سبعة أيّام ، ولا ترجع إلى التمييز بالأوصاف مستنداً في ذلك إلى وجوه :

منها : مرسلة يونس الطويلة (3)حيث دلّت على أنّ رسول اللّه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله سنّ في الحائض ثلاث سنن ، قسّمها إلى أقسام ثلاثة :

أحدها : ذات العادة ، وقد حكم عليها برجوعها إلى عادتها.

ثانيها : المضطربة ، وقد أوجب عليها الرّجوع إلى الصفات وتمييز الحيض باللّون والإدبار.

ثالثها : المبتدئة ، وقد دلّت على أنّها لا بدّ أن ترجع إلى الرّوايات والعدد ، وهو سبعة.


1) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3.

2) الحدائق 3 : 206 / كتاب الحيض.

3) الوسائل 2 : 281 / أبواب الحيض ب 5 ح 1 ، و 276 ب 3 ح 4 ، و 287 ب 7 ح 2 ، و 288 ب 8 ح 3.

وبذلك لا بدّ من تقييد الأدلّة (1)الدالّة على أنّ غير ذات العادة ترجع إلى الصفات بغير المبتدئة كما عرفت.

والجواب عن ذلك هو ما حقّقه شيخنا الأنصاري (2)قدس‌سره ، وحاصله : أنّ المرسلة لا تشتمل على أنّ رسول اللّه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله قسم الحائض إلى أقسام ثلاثة ، وإنّما دلّت على أنّه قسم الأحكام والسنن إلى ثلاثة :

الحكم الأوّل : هو وجوب الرّجوع إلى العادة ، وهذا موضوعه ذات العادة كما مرّ.

الحكم الثّاني : هو وجوب الرّجوع إلى التمييز بالصفات ، وهذا موضوعه من لم تكن ذات عادة مستقرة ، بلا فرق في ذلك بين أن تكون مضطربة أو تكون مبتدئة.

الحكم الثالث : هو وجوب الرّجوع إلى الرّوايات والعدد ، وموضوعه من لم يتمكّن من الرّجوع إلى الصفات لعدم اختلاف الأوصاف في دمها ، فهي ترجع إلى العدد بلا فرق في ذلك بين المضطربة والمبتدئة.

وأمّا ذكره عليه‌السلام المبتدئة بخصوصها حيث قال : « إنّ هذه لم يكن لها أيّام قبل ذلك قط ، وهذه سنّة الّتي استمرّ بها الدم أوّل ما تراه ، أقصى وقتها سبع وأقصى طهرها ثلاث وعشرون » (3). وقد كرّر قوله عليه‌السلام بعد ذلك « وإن لم يكن لها أيّام قبل ذلك واستحاضت أوّل ما رأت فوقتها سبع وطهرها ثلاث وعشرون » فهو لعله من جهة أن المبتدئة كما قيل لقوّة مزاجها وحرارة بدنها تقذف الدم بلون واحد قبل العشرة وبعدها ، فلا تختلف ألوانه حتّى تتمكّن من التمييز بالصفات ، فهي إنّما ذكرت لأنّها مصداق من مصاديق المرأة الّتي لا تتمكّن من التمييز بالصفات لا لأجل اختصاصها بذلك ، بل المضطربة أيضاً إذا لم تتمكن من التمييز بالصفات ترجع إلى الرّوايات والعدد.


1) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3.

2) كتاب الطّهارة : 232 السطر 28 / المقصد الثّاني في الحيض.

3) الوسائل 2 : 290 / أبواب الحيض ب 8 ح 3.

ويدل على ذلك قوله عليه‌السلام في ذيلها « فإن لم يكن الأمر كذلك ولكن الدم أطبق عليها ، فلم تزل الاستحاضة دارّة ، وكان الدم على لون واحد وحالة واحدة فسنّتها السبع والثّلاث والعشرون » ، حيث دلّنا على أن جعل السبع حيضاً وظيفة كلّ من لم يكن أمرها كما ذكر ، أي لم تتمكّن من التمييز بالصفات ، لأنّ الدم أطبق عليها فلم تزل الاستحاضة دارّة وكان الدم بلون واحد وحالة واحدة ، بلا فرق في ذلك بين المضطربة والمبتدئة.

ويؤكّده أن حمنة بنت جحش الّتي ذكرت للنبيّ صلى‌اللّه‌عليه‌وآله أنّي استحضت حيضة شديدة بحيث لم يكن يسدّها الكرسف لشدّتها وقوّتها ، وأمرها النّبيّ صلى‌اللّه‌عليه‌وآله بالتلجّم والتحيض في كلّ شهر ستّة أو سبعة ، لم يفرض كونها مبتدئة.

وما أفاده قدس‌سره في غاية المتانة ونهاية الجودة ، وعليه فلا وجه للحكم بالتفكيك بين المضطربة والمبتدئة في الرّجوع إلى الصفات ، بل إذا تمكنتا من التمييز بالصفات وجب الرّجوع إلى الصفات ، وعلى تقدير عدم تمكنهما من ذلك فترجعان إلى الرّوايات والعدد وتجعلان سبعة أيّام حيضاً والباقي استحاضة ، هذا.

ثمّ إنّ في المقام جملة من الأخبار قد استدل بها على أنّ المبتدئة ترجع إلى العدد لا إلى الصفات ، اثنتان منها موثقتان لأبن بكير.

الاولى : عن عبد اللّه بن بُكَير « قال : في الجارية أوّل ما تحيض يدفع عليها الدم فتكون مستحاضة أنّها تنتظر بالصلاة فلا تصلّي حتّى يمضي أكثر ما يكون من الحيض فإذا مضى ذلك وهو عشرة أيّام فعلت ما تفعله المستحاضة ، ثمّ صلّت فمكثت تصلِّي بقيّة شهرها ، ثمّ تترك الصّلاة في المرّة الثانية أقل ما تترك امرأة الصّلاة وتجلس أقل ما يكون من الطمث وهو ثلاثة أيّام ، فإن دام عليها الحيض صلّت في وقت الصّلاة الّتي صلّت وجعلت وقت طهرها أكثر ما يكون من الطّهر وتركها للصلاة أقل ما يكون من الحيض » (1).


1) الوسائل 2 : 291 / أبواب الحيض ب 8 ح 5.

الثانية : عنه عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : المرأة إذا رأت الدم في أوّل حيضها فاستمر بها الدم بعد ذلك تركت الصّلاة عشرة أيّام ثمّ تصلّي عشرين يوماً فإنّ استمرّ بها الدم بعد ذلك تركت الصّلاة ثلاثة أيّام وصلّت سبعة وعشرين يوماً » (1).

وهاتان الرّوايتان بمضمون واحد ، وهو أنّ المبتدئة تتحيض في أوّل شهرها عشرة أيّام وفي الشهر الثّاني ثلاثة أيّام ، إلاّ أنّ أُولاهما مقطوعة وغير مسندة إلى الإمام.

الثالثة : موثقة سَماعة قال « سألته عن جارية حاضت أوّل حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر وهي لا تعرف أيّام أقرائها في بعض النّسخ : قرئها ، وهو الصحيح إذ لا أقراء للمبتدئة وإنّما لها قرء واحد كما سيظهر فقال : أقراؤها مثل أقراء نسائها ، فإن كانت نساؤها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة أيّام وأقلّه ثلاثة أيّام » (2).

وهي مرفوعة على طريق الكافي وأحد طريقي الشيخ ، نعم نقلها الشيخ بطريقه عن زُرعة من غير رفع.

وهذه الرّوايات الثلاث بين ما لا دلالة لها على أنّها ترجع إلى عدد معيّن كما في الثّالثة ، لأنّها إنّما تبيّن أقلّ حيضها وأكثره أعني الثّلاثة والعشرة ، وبين ما يقبل التقييد كالأُوليين على ما سوف نبيّن وجهه.

ثمّ إنّ الموثقة الثّالثة سأل فيها سماعة عن مبتدئة لا تعرف أيّام أقرائها وقرّره الإمام على هذا السؤال مع أنّ المبتدئة هي الّتي لا قرء لها حتّى تعرف أيّام أقرائها أو لا تعرفها ، فدلّ تقرير الإمام عليه‌السلام على أنّ المبتدئة لها طريق شرعي إلى معرفة أيّامها ، وأنّها قد تعرف وقد لا تعرف ، والطريق لمعرفة أيّامها وأقرائها منحصر بأمرين :


1) الوسائل 2 : 291 / أبواب الحيض ب 8 ح 6.

2) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 2.

أحدهما : العادة ، ثانيهما : الصفات.

ولا معنى للعادة في المبتدئة ، لأنّها ليست لها عادة على الفرض ، وإلاّ خرجت عن كونها مبتدئة فيتعيّن أن يكون طريق معرفة المبتدئة لأيّامها منحصراً بالصفات ، كما دلّ على أنّ دم الحيض ليس به خفاء وهو دم حار أحمر عبيط ، فإذا تمكّنت المبتدئة من معرفتها بالتمييز بالصفات فهو ، وإلاّ كما إذا لم تتمكن من معرفتها لأنّ دمها بلون واحد وكيفيّة واحدة فلا بدّ من أن ترجع إلى نسائها ، وإذا لم تكن لها نساء أو كانت نساؤها مختلفة فحينئذ ترجع إلى العدد والرّوايات وتتحيض بما لا يكون أقل من ثلاثة ولا أكثر من عشرة.

فالموثقة تدلّنا على أنّ الرّجوع إلى العدد إنّما هو بعد مرحلتين ، لأنّ المبتدئة ترجع أوّلاً إلى الصفات ، وعلى تقدير عدم التمكّن من التمييز بها ترجع إلى نسائها ، وعلى تقدير عدم التمكّن منها أيضاً ترجع إلى العدد.

وبما أنّ الموثقتين المتقدّمتين مطلقتان حيث دلّتا على أنّ المبتدئة ترجع إلى العدد مطلقاً تمكّنت من التمييز بالصفات ومن الرّجوع إلى عادة نسائها أم لم تتمكن ، وكذلك المرسلة (1)على تقدير تسليم دلالتها على مدّعى صاحب الحدائق قدس‌سره فلا بدّ من تقييدها بالموثقة فتختص دلالتها على الرّجوع إلى العدد بما إذا لم تتمكن المبتدئة من التمييز بالصفات والرّجوع إلى نسائها ، ومعه فالمبتدئة كالمضطربة ترجع إلى التمييز بالصفات ، وعلى تقدير عدم التمكّن منه لغزارة الدم وكونه بلون واحد فلهما وظيفة أُخرى كما يأتي إن شاء اللّه تعالى ، هذا.

ثمّ إنّه إذا أغمضنا عن ذلك وبنينا على عدم دلالة الموثقة على التقييد فالنسبة بين تلك الرّوايات الدالّة على أنّ المبتدئة ترجع إلى الرّوايات والعدد كالمرسلة والموثقة وغيرهما مما ادّعي دلالتها على ذلك ، وبين أخبار الصفات الّتي دلّت على أنّ دم


1) أي معتبرة يونس ، الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 3.

الحيض ليس به خفاء وأنّه دم حار عبيط أسود عموم من وجه ، لدلالة الأخبار المتقدّمة على أنّ المبتدئة ترجع إلى العدد كان الدم واجداً للصفات أم فاقداً لها ، كما أنّ أخبار الصفات تدلّ على أنّ الدم الفاقد للصفات ليس بحيض سواء كانت المرأة مبتدئة أم غيرها ، فتتعارضان في الدم الّذي تراه المبتدئة فاقداً لصفات الحيض ، لأنّ مقتضى روايات الصفات أنّه ليس بحيض ، ومقتضى الرّوايات المتقدّمة أنّها تجعلها حيضاً ثلاثة أيّام أو سبعة أيّام أو عشرة.

إلاّ أنّ أخبار الصفات تتقدّم على المرسلة والموثقة وأخواتها ، وذلك لا من جهة إبائها عن التخصيص ، إذ قد خصصناها بالصفرة المرئيّة في أيّام العادة ، لأنّها حيض وإن كانت فاقدة للصفات ، وبالدم المتجاوز عن العشرة ، لأنّه ليس بحيض ولو مع كونه واجداً للصفات ، بل من جهة ورودها لبيان حقيقة الحيض وواقعه وأنّه متقوّم بالصفات ، فمع دوران الأمر بين رفع اليد عن إطلاقها بتخصيصها بالمبتدئة وأنّها تتحيّض ثلاثة أيّام أو سبعة أو عشرة وإن لم يكن الدم واجداً للصفات وبين حمل المرسلة والموثقة وغيرهما على إرادة ما إذا كان الدم واجداً للصفات ، لا إشكال في تعيّن الثّاني حسب الفهم العرفي.

وذلك لأنّ أخبار الصفات قد وردت لبيان حقيقة الحيض ولها حكومة على المرسلة والموثقة من جهة أنّ موردها تحيّر المرأة وشكّها في الحيض لتجاوز الدم عن العشرة ، وهي تبيّن أنّ ما كان منه بصفات الحيض حيض ، وبما أنّ المرسلة والموثقة دلّت على التحيّض بالعدد فيستكشف بذلك أنّ الدم في تلك الأيّام كان واجداً للصفات ، هذا.

بل لا يبعد دعوى أنّ لفظة الدم ظاهرة في واجد الصفات كما ادعاها صاحب الجواهر (1)قدس‌سره في غير هذا المقام ، وذلك لأنّ الصفرة جعلت في بعض الرّوايات قسيماً للدم :


1) الجواهر 3 : 167 / في قاعدة الإمكان.

بشرط أن لا يكون أقل من ثلاثة ولا أزيد عن العشرة (1)


منها : ما ورد في مرسلة داود عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث ، قال « قلت له فالمرأة يكون حيضها سبعة أيّام أو ثمانية أيّام ، حيضها دائم مستقيم ، ثمّ تحيض ثلاثة أيّام ثمّ ينقطع عنها الدم وترى البياض لا صفرة ولا دماً ... » (1).

ومنها : رواية الخَزّاز عن أبي الحسن عليه‌السلام قال « سألته عن المستحاضة كيف تصنع إذا رأت الدم وإذا رأت الصفرة ... » (2).

ومنها غير ذلك من الأخبار (3)، ومعه لا بعد في حمل الدم الوارد في الموثقة والمرسلة ونظائرهما على الدم الواجد للصفات ، فتحصل أنّ ما ذهب إليه المشهور من أنّ المبتدئة كالمضطربة ترجعان إلى التمييز بالصفات هو الصحيح ، وإذا لم تتمكنا من التمييز بالصفات فيأتي بيان وظيفتها.

ما اشترطه الماتن في التمييز بالصفات

(1) قد اشترط قدس‌سره في رجوع المضطربة والمبتدئة إلى التمييز بالصفات شرطين :

أحدهما : أن لا يزيد عن العشرة ولا ينقص عن الثّلاثة.

وثانيهما : أن لا يعارضه دم آخر كما إذا رأت الدم الأحمر خمسة أيّام ثمّ رأت الأصفر خمسة أيّام ثمّ رأت الأسود خمسة أيّام ، فإنّ الحكم بكون مجموعها حيضاً غير ممكن لاستلزامه زيادة الحيض عن العشرة ، والحكم بحيضيّة الخمسة الأُولى معارض بالحكم بحيضيّة الخمسة الثّانية.


1) الوسائل 2 : 285 / أبواب الحيض ب 6 ح 1.

2) الوسائل 2 : 291 / أبواب الحيض ب 8 ح 4.

3) مثل ما في الوسائل 2 : 280 / أبواب الحيض ب 4 ح 8.

الكلام على الشرط الأوّل :

أمّا اشتراطه الأوّل فيقع الكلام فيه من جهتين :

الجهة الاولى : في ثبوت شرطيّة عدم الزّيادة عن العشرة وعدم النقيصة عن الثّلاثة.

فنقول : المعروف بينهم هو الاشتراط ، وأنكره بعضهم تمسّكاً بإطلاق ما دلّ على رجوع غير مستقرة العادة إلى إقبال الدم وإدباره (1)، حيث لم يقيّد الحكم بحيضيّة الدم المقبل بشي‌ء ، ومعه لا بدّ من الحكم بحيضيّته مطلقاً زاد عن العشرة أو نقص عن الثّلاثة أم لا.

ويدفعه أنّ الأخبار الواردة في أنّ دم الحيض لا يقل عن ثلاثة ولا يزيد عن عشرة (2)تقيّد إطلاق مثل المرسلة الدالّة على أنّ غير مستقرّة العادة ترجع إلى إقبال الدم وإدباره ، بمعنى أنّها تجعل الدم الواجد للصفات حيضاً فيما إذا كان واجداً لبقيّة الشروط.

وكذلك الحال فيما دلّ على أنّ دم الحيض ليس به خفاء لأنّه دم حار عبيط أسود (3)، فإنّ الدم الواجد لذلك وإن كان حيضاً إلاّ أنّه مقيّد بما إذا كان مشتملاً على بقيّة الشروط كعدم كونه أقلّ من الثّلاثة ولا زائداً عن العشرة ، وكذلك ما دلّ (4)على أنّ الحمرة أو الصفرة في أيّام العادة حيض ، لأنّه مقيّد بما إذا كان مشتملاً على شروطه.

نعم ، في اشتراط الثّلاثة كلام قدّمناه في محلّه (5)، وهو أنّ الثّلاثة شرط لاستمرار


1) الوسائل 2 : 290 / أبواب الحيض ب 8 ح 3 ، 276 / ب 3 ح 4.

2) الوسائل 2 : 293 / أبواب الحيض ب 10.

3) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3.

4) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4.

5) تقدّم في الصفحة 124 و 133.

الدم أو لاستمرار الحدث ، فإذا رأت المرأة الدم لحظة فانقطع ثمّ رأته أيضاً لحظة في آخر اليوم الثّالث يحكم عليها بالحيضيّة أو لا لعدم استمرار الدم ثلاثة أيّام ، وقد بيّنا أنّ الحيض اسم لنفس الدم ، فلا بدّ أن يكون الدم مستمراً ثلاثة أيّام وإن علمنا من الخارج أنّ حدث الحيض أيضاً لا يكون أقل من ثلاثة ولا أكثر من عشرة ، وهو أمر آخر.

الجهة الثّانية : في أنّ المبتدئة أو المضطربة إذا رأت الدم الواجد للصفات أقلّ من ثلاثة أو أكثر من عشرة فوظيفتها ما هي؟

هل يحكم بكونهما غير متمكنتين من التمييز بالصفات فترجعان إلى نسائهما أو العدد أو غير ذلك ، أو يحكم بحيضيّة الدم الأقل من الثّلاثة لأنّه واجد للصفات وتكميله ثلاثة أيّام من الدم الأصفر من جهة الدلالة الالتزاميّة ، حيث إنّ إطلاق ما دلّ على أنّ دم الحيض ليس به خفاء وأنّه حارّ غير قاصر الشمول للمقام ، فإذا شملت اليومين مثلاً فيستفاد من ذلك الدليل بالدلالة الالتزاميّة أنّ يوماً من أيّام الصفرة أيضاً محكوم بالحيضيّة ، لما دلّ على أنّ الحيض لا يقل عن ثلاثة أيّام ، كما قدّمنا نظيره في الدم المرئي في العادة عند كونه أقل من ثلاثة أيّام (1)؟

قد يقال بالأخير وأنّ المبتدئة ترجع إلى التمييز بالصفات ، وإذا كان الدم الواجد للصفات أقل من الثلاثة أكملته من الدم الفاقد لها بمقدار يتم به الثّلاثة.

ويدفعه : أنّ الدلالة الالتزاميّة وإن كانت معتبرة كالدلالة المطابقيّة إلاّ أنّها إنّما تكون كذلك إذا لم تكن معارضة ، والدلالة الالتزاميّة في روايات الصفات معارضة في المقام ، وذلك لأنّ ظاهر قوله عليه‌السلام في المرسلة تنظر إقبال الدم وإدباره أنّ الإقبال وغيره من الصّفات أمارة الحيض كما أنّ إدبار الدم واصفراره أمارة الاستحاضة ، فكما أنّ مقتضى الأمارة القائمة على حيضيّة الدم الواجد للصفات أنّ الدم في اليومين حيض لأنّه المدلول المطابقي للأخبار ولا بدّ من ضمّ يوم واحد من


1) تقدّم في الصفحة 219 و 221.

الأيّام الّتي ترى فيها الصفرة بمقتضى الدلالة الالتزاميّة لأنّ الحيض لا يقل عن ثلاثة أيّام ، كذلك مقتضى الأمارة القائمة على الاستحاضة أنّ اليوم الواحد ليس بحيض فتدل بالدلالة الالتزاميّة على أنّ الدم في اليومين أيضاً ليس بحيض ، لأنّ الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيّام ، فالدلالة الالتزاميّة في كلّ من الأمارتين معارضة بالدلالة الالتزاميّة في الأُخرى ، ومع المعارضة تتساقطان فيحكم بأن المرأة غير متمكنة من التمييز بالصفات.

اللّهمّ إلاّ أن يقال : إنّ المرسلة وغيرها من أخبار الصفات إنّما تدل على أنّ إقبال الدم أو غيره من الصفات أمارة الحيض ، ولا دلالة لها على أنّ الإدبار والصفرة أمارة على الاستحاضة ، وإنّما يحكم بالاستحاضة عند إدبار الدم وصفرته من جهة فقدان أمارة الحيض لا من جهة قيام الأمارة على الاستحاضة. وعليه فالأمارة أمارة الحيض ، ومقتضى مدلولها الالتزامي أنّ يوماً من أيّام الصفرة منضم إلى اليومين وأنّه حيض ، كما دلّ بالمطابقة على حيضيّة الدم في اليومين لأنّه واجد للصفات من غير أن تكون معارضة بشي‌ء.

توضيح كلام المحقّق الخراساني ( قدس‌سره )

والظّاهر واللّه العالم أنّ هذا هو المراد من كلام المحقّق الخراساني قدس‌سره من أنّه ليس الادبار الّذي يوجب البناء على الاستحاضة كالإقبال كي يعارض به ضرورة أنّه تبع الإقبال كما لا يخفى على المتأمل (1).

ومعنى أنّ الادبار تبع الإقبال أنّ الامارة هي الإقبال ، ومع فقدها نحكم بالاستحاضة لفقدها لا لوجود الادبار ، وإن كان الادبار متحقّقاً وتبعاً للإقبال.

وهذا نظير ما ذكروه فيما إذا وجد قطعة من الحيوان المذبوح في يد مسلم وقطعة اخرى منه في يد كافر وشككنا أنّه هل وقع عليه التذكية أم لم يقع ، فإن قلنا أنّ يد


1) نقله عن رسالة الدّماء في المستمسك 3 : 282.

الكافر أمارة عدم التذكية ويد المسلم أمارة على التذكية فكلّ منهما يتعارضان في مدلولهما الالتزامي ، لأنّ يد المسلم تدل بالالتزام على أنّ الحيوان مذكى ، لأنّها أمارة على التذكية في القطعة الموجودة منه في يد المسلم ، ولازم ذلك الحكم بتذكية الحيوان بتمامه ، لأنّه إن كان الحيوان مذكّى فهو كذلك في كلتا القطعتين ، وإن لم يكن مذكّى فهو كذلك في الجميع ، ولا يمكن أن يكون بعضه مذكّى وبعضه ميتة ، كما أنّ يد الكافر أمارة على عدم التذكية ، وتدل بالالتزام على عدم كون الحيوان مذكّى ، إذ لا معنى لعدم تذكيته في خصوص القطعة الموجودة منه في يد الكافر فتتعارضان.

وأمّا إذا قلنا إنّ الأمارة إنّما هي يد المسلم فقط ، وإنّما نحكم بعدم التذكية فيما وجد في يد الكافر من جهة فقدان أمارة التذكية وهي يد المسلم والاستصحاب حينئذٍ فأمارة التذكية غير معارضة بشي‌ء ومقتضاها الحكم بتذكية كلتا القطعتين.

ويرد على ذلك : أنّ ظاهر قوله عليه‌السلام تنظر إقبال الدم وإدباره أنّ كلّ واحد منهما أمارة شرعيّة ، وأنّ الإقبال أمارة على الحيض والإدبار أمارة الاستحاضة ، لا أنّ الأمارة هو الإقبال فقط ، فإنّ الحيض والاستحاضة دمان مختلفان يخرجان من عرقين كما في الخبر (1)، فأحدهما غير الآخر ولكلّ منهما أمارة على حدة ومعه تقع المعارضة بين الدلالتين الالتزاميتين فتتساقطان ويحكم على المرأة بعدم تمكنها من التمييز بالصفات ، ويتمّ ما أفاده الماتن قدس‌سره من أنّ رجوعها إلى التمييز بالصفات مشروط بعدم كون الدم أقل من ثلاثة أيّام.

بقي الكلام فيما إذا زاد عن العشرة

والمحتملات فيه ثلاثة :

الأوّل : وجوب الرّجوع فيه إلى الرّوايات وجعل ثلاثة أو ستّة أو سبعة حيضاً


1) يمكن استفادة تلك من معتبرة يونس : الوسائل 2 : 281 / أبواب الحيض ب 5 ح 1. ومن صحيحة معاوية بن عمار : الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3 ح 1، ولم نجد بهذه اللّفظة في الأخبار.

لأنّ الدم واجد للصفات ولا يمكن الحكم بحيضيّة الجميع ، لأنّه زائد عن العشرة ولا تتمكّن من التمييز.

الثّاني : ما عن الشيخ قدس‌سره من الحكم بحيضيّة العشرة وبالاستحاضة فيما زاد عليها (1)، وذلك لأنّ الحيض لا يزيد على العشرة وحيث إنّه واجد للصفات فيحكم بحيضيّته إلى العشرة وعدمها فيما زاد عليها.

ويرد عليه : أنّ المستفاد من المرسلة أنّ السنن منحصرة في ثلاث ، وهي الرّجوع إلى العادة ، وهذا يختص بذات العادة ، والرّجوع إلى التمييز بالصفات ، وهو يختص بالمستحاضة الّتي لا عادة لها فيما إذا تجاوز دمها العشرة وكان بعضه واجداً للصفات وبعضه فاقداً ، والرّجوع إلى العدد والرّوايات ، وهو يختص بالمستحاضة غير ذات العادة فيما إذا تجاوز دمها العشرة وكان اللّون واحداً في جميع الدم بحيث لم تتمكّن من التمييز.

فالحكم بجعل العشرة حيضاً دون الزائد سنّة رابعة ، وهو على خلاف حصر المرسلة ، على أنّ ذيلها يدل على أنّ المستحاضة إذا كانت استحاضتها دارّة وكان بلون واحد فوظيفتها الرّجوع إلى العدد ، ومقتضى إطلاقها الحكم في كلّ مستحاضة بذلك في غير ذات العادة وما إذا لم يكن الدم بلون واحد.

كما أنّ موثقتي ابن بكير المتقدِّمتين (2)دلّتا بإطلاقهما على أنّ المستحاضة ترجع إلى العدد مطلقاً ، وخرجنا عن إطلاقهما في ذات العادة وما إذا تمكنت غير ذات العادة من التمييز بالصفات ، وبقي غيرهما تحت إطلاقهما ، ومنه المقام لأنّها مستحاضة ولا عادة لها ، كما أنّها غير متمكّنة من التمييز ، فما أفاده الشيخ قدس‌سره يشبه الاجتهاد في مقابلة النص فلا يمكن الاعتماد عليه.

ومن هذا يظهر الجواب عن المحتمل الثّالث في المقام.


1) المبسوط 1 : 44 / في الحيض.

2) تقدّمتا في الصفحة 266. وراجع الوسائل 2 : 291 / أبواب الحيض ب 8 ح 5 ، 6.

وأن لا يعارضه دم آخر (1)واجد للصفات ، كما إذا رأت خمسة أيّام مثلاً دماً أسود وخمسة أيّام أصفر ثمّ خمسة أيّام أسود (1)


الثّالث : الرّجوع إلى الأصل العملي أعني استصحاب الحيض بعد الدخول في الثّلاثة الأخيرة من أيّام الدم ، والحكم بعدم التحيّض واستصحاب أحكام الطّاهرة في كلّ ثلاثة ممّا هو قبل الثّلاثة الأخيرة - ، مثلاً إذا رأت الدم خمسة عشر يوماً فهي في الثّلاثة الاولى من ابتداء رؤيتها الدم تشكّ في أنّها حائض أو ليست كذلك فتستصحب الأحكام المترتبة على الطاهرة لكونها كذلك قبل الثّلاثة ، وهكذا الحال في الثّلاثة الثّانية والثّالثة إلى اليوم الثّالث عشر ، فإذا دخلت في أوّل آن من آنات الثّلاثة الأخيرة فقد علمت بحيضها قطعاً إمّا في إحدى الثّلاثات المتقدّمة وإمّا في هذه الثّلاثة الأخيرة فتستصحب أحكام الحائض لا محالة ، وذلك لأنّه من العلم الإجمالي بالتكليف بين الأطراف التدريجيّة الحصول على ما تعرّض له شيخنا الأنصاري قدس‌سره ومثّل له بهذا المثال (2).

والوجه في ظهور الجواب أنّ إطلاق الموثقتين وغيرهما ممّا قدّمنا يشمل المقام ومع الإطلاق لا معنى للرجوع إلى الأصل العملي.

فتحصل : أنّ الصحيح في هذه الصّورة هو الرّجوع إلى الرّوايات والعدد ، لعدم تمكّنها من الرّجوع إلى التمييز ، فصحّ اشتراط الماتن قدس‌سره في رجوع المضطربة والمبتدئة إلى التمييز بالصفات عدم زيادة الدم عن العشرة.

هذا كلّه في الشّرط الأوّل.

الكلام في الشرط الثّاني

(1) وأمّا الشرط الثّاني وهو الّذي أشار إليه بقوله « وأن لا يعارضه دم آخر واجد


1) (*) لا بدّ من الاحتياط فيما إذا كان كلّ من الدمين واجداً للصفة.

2) فرائد الأُصول 2 : 427.

للصفات » فهو أيضاً كما أفاده قدس‌سره ، وذلك لأنّها إذا رأت الدم خمسة أيّام مثلاً ثمّ رأت الصفرة خمسة أيّام ثمّ رأت الدم الواجد للصفات أيضاً خمسة أيّام فإن الحكم حينئذ بحيضيّة كلاّ الدمين الواجدين للصفات أمر غير ممكن ، لاستلزامه كون الحيض زائداً على العشرة فيما إذا جعلناهما حيضة واحدة ، فإنّ ما هو كالنقاء المتخلّل بينهما أيضاً بحكم الحيض والمجموع خمسة عشر يوماً ، وكذا لا يمكن جعلهما حيضيتين مستقلّتين ، لاشتراط التخلّل بينهما بعشرة أيّام على الأقل ، لأنّها أقل الطهر ، كما لا يمكن جعل إحدى الخمستين حيضاً دون الأُخرى ، لأنّه معارض بجعل الأُخرى حيضاً ، لاشتمال كلّ منهما على أمارات الحيض على الفرض ، فلا مناص من أن ترجع إلى الرّوايات والعدد لعدم تمكّنها من التمييز بالصفات ، هذا.

وقد تفرض المعارضة بين الدمين في غير الصّورة المتقدّمة وإن لم يزد المجموع بما هو المجموع عن عشرة أيّام ، وذلك كما إذا رأت الدم ثلاثة أيّام واجداً للصفات ثمّ رأت الصفرة أربعة أيّام ثمّ رأت الدم الأحمر ثلاثة أيّام ، فإنّ الحكم بحيضيّة الجميع وإن كان أمراً ممكناً في نفسه لعدم تجاوزه عن العشرة ، إلاّ أنّه غير ممكن من جهة المعارضة وذلك لأنّ جعل الثّلاثتين حيضاً بمقتضى أمارية الصفات وإقبال الدم معارض بالأمارة القائمة على استحاضة الدم في الأربعة ، لأنّه مدبر فيها وواجد للصفرة وهما أمارتا الاستحاضة.

والوجه في تعارضهما : أنّ الاستحاضة أربعة أيّام لا يتخلّل بين حيضة واحدة ، ولا يمكن جعل الدمين حيضتين لكونهما قبل العشرة وعدم تخلّل أقلّ الطّهر بينهما ، نعم لا معارضة بين جعل الثّلاثة الأُولى حيضاً وبين استحاضة الأربعة ، ولا بين جعل الثّلاثة الثّانية حيضاً واستحاضة الأربعة ، بل المعارضة بين كون الأربعة استحاضة وحيضيّة كلا الدمين ، نظير ما ذكرناه في بحث التعادل والترجيح من كون العموم معارضاً بمجموع المخصّصين لا بكلّ واحد من المخصّصين ، وبما أنّ التعارض بين كون الأربعة استحاضة وحيضيّة مجموع الدمين لا بينه وبين حيضيّة كلّ من الثّلاثة فلا مانع من جعل الثّلاثة الأُولى حيضاً مع جعل الأربعة استحاضة ، كما لا مانع من جعل

الثّلاثة الثّانية حيضاً ، لأنّ إحداهما حيض إلاّ أنّ كلاًّ منهما معارض بالآخر ، لشمول أماريّة الصفات كلاًّ منهما ، ولأجل المعارضة لا يمكن الرّجوع إلى التمييز بالصفات.

ويرد عليه أنّ ما دلّ من الأخبار على أماريّة الصفات (1)لا تشمل غير الثّلاثة الاولى من الدمين في المثال ، ولا تشمل الثّلاثة الثانية حتّى تقع المعارضة بينهما وبين ما دلّ على أماريّة الإدبار أو الصفرة للاستحاضة (2)على التقريب المتقدّم ، ومعه لا مانع من الرّجوع إلى التمييز في الدم الأوّل.

والوجه في عدم شمول الأدلّة لغير الدم الأوّل ما ذكرناه في الأصل السببي والمسببي من أنّ الدليل الواحد لا يمكن أن يشمل السبب والمسبب ، لأنّه لغو لأنّه بعد ما ثبت السبب ترتب عليه المسبب شرعاً فلا حاجة فيه إلى الدليل ، ومن هنا قلنا إنّ أدلّة اعتبار الأُصول أيضاً لا تشمل الأصل المسببي بوجه وإنّما تختص بالأصل السببي.

وفي المقام دلّتنا الرّوايات الواردة في أنّ ما تراه المرأة من الدم قبل العشرة فهو من الحيضة الأُولى (3)على أنّ حيضيّة الدم الثّاني قبل العشرة من الآثار الشرعيّة المترتبة على حيضيّة الدم الأوّل ، ومع العلم بحيضيّة الدم الأوّل نعلم بحيضيّة الدم الثّاني كانت هناك أخبار الصفات أم لم تكن ، فتلك الرّوايات أعني ما دلّ على أمارية الصفات مختصّة بالدم الأوّل ، لأنّ حيضيّته هي السبب في الحكم بحيضيّة الدم الثّاني الخارج قبل العشرة ، فلا يمكن أن تشمل خصوص المسبب دون السبب إذ لا معنى له ، ولا لكليهما لأنّه لغو ، فلا مناص من اختصاصها بالدم الأوّل كما بيّناه.

فإذا كان الأمر كذلك فنأخذ بأخبار الصفات ونجعل الثّلاثة الأُولى حيضاً بمقتضى تلك الرّوايات ، ويترتب على حيضيّة الدم الأوّل أثران شرعيان :

أحدهما : الحكم بحيضيّة الثّلاثة الثّانية ، لأنّها دم رأته المرأة قبل العشرة فهو من الحيضة الأُولى.


1) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3.

2) الوسائل 2 : 276 / أبواب الحيض ب 3 ح 2 و 4.

3) الوسائل 2 : 296 / أبواب الحيض ب 10 ح 11 ، ص 298 ب 11 ح 3.

وثانيهما : الحكم بحيضيّة الصفرة المتخلّلة بينهما ، وذلك لأنّ المرأة لو كانت نقيّة وطاهرة من الدم كنّا نحكم بكونها حائضاً ، لما سبق من أنّ النّقاء المتخلّل بين الدمين حيض فضلاً عن الصفرة الواقعة بينهما ، لأنّها ليست بأقل من النّقاء والطهر ، فما دلّ على حيضيّة الثّلاثة الأُولى حاكم على ما دلّ على أماريّة الصفرة للاستحاضة ، كما أنّه حاكم على ما دلّ على حكم المسبب نفياً أو إثباتاً ، وحيضيّة الصفرة والثّلاثة الأخيرة من آثار الحيضيّة في الثّلاثة الاولى من الدم.

ولا عكس ، لأنّ ما دلّ على أنّ الصفرة أمارة الاستحاضة أو الثّلاثة الأخيرة حيض لا يترتب عليهما شرعاً أنّ الثّلاثة الأُولى ليست بحيض ، فلأجل الحكومة لا يبقى تعارض بين الأمارتين ، فما فرض من التعارض في هذه الصورة غير صحيح ، بل الصحيح ما مثّل به الماتن قدس‌سره كما قرّبناه.

ويمكن تقريب ما ذكرناه بوجه آخر ، وهو أنّ المرسلة (1)دلّت على أنّ منشأ احتمالي الحيض والاستحاضة في المرأة إذا كان هو الدم بأن رأته ولم تعلم أنّه حيض أو استحاضة رجعت إلى الصفات إن أمكنها وتجعل الحمرة أمارة على الحيض والصفرة أمارة على الاستحاضة ، وإلاّ فترجع إلى العدد ستّة أو سبعة بحيث لولا الدم لم يحتمل في حقّها الاستحاضة ولا الحيض ، فالرجوع إلى المعرفات يختص بما إذا نشأ احتمالا الحيض والاستحاضة من الدم.

وهذا غير متحقّق في المقام ، لأنّ المرأة في الأيّام المتخلّلة بين الدمين محكومة بكونها حائضاً وإن لم ترد دماً فيها أصلاً ، لما تقدّم من أنّ أيّام النّقاء ملحقة بالحيض فاحتمال الحيض غير ناشئ حينئذ من الدم ، بل الحكم بالحيضيّة هو المتعيّن كان هناك دم أم لم يكن ، فما دلّ على معرفية الصفرة للاستحاضة غير شامل للمقام ، فلا تعارض حينئذ بوجه.


1) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 3.

ومع فقد الشرطين أو كون الدم لوناً واحداً ترجع إلى أقاربها في عدد الأيّام بشرط اتّفاقها أو كون النادر كالمعدوم ، ولا يعتبر اتّحاد البلد ، ومع عدم الأقارب أو اختلافها ترجع إلى الرّوايات مخيّرة (1)بين اختيار الثّلاثة في كلّ شهر أو ستّة أو سبعة (1).


الرجوع إلى الأقارب في عدد الأيّام

(1) قد تقدّم أنّ المضطربة والمبتدئة إذا أمكنهما الرّجوع إلى التمييز بالصفات تعيّن في حقّهما ذلك ، وأمّا إذا لم تتمكنا منه لأنّ الدم لون واحد أو أنّه معارض بدم آخر واجد للصفات فلا بدّ من أن ترجعا إلى أمر آخر كما سيظهر.

والكلام فيه يقع تارة في المبتدئة وتارة أُخرى في المضطربة.

أمّا المبتدئة : فوظيفتها الرّجوع إلى التمييز بالصفات إن أمكن ، وإلاّ فإلى أقاربها ومع عدم الأقارب أو اختلافها في العادة ترجع إلى العدد والرّوايات مخيّرة بين اختيار الثّلاثة أو الستّة أو السبعة أو غير ذلك كما سيظهر فهناك مراحل ثلاثة في المبتدئة.

المراحل الثلاث للمبتدئة والتمييز بالصفات

المرحلة الاولى : أن ترجع إلى التمييز بالصفات مع التمكّن ، استفدنا ذلك من المرسلة وموثقة سماعة المتقدّمتين (2)على التقريب المتقدّم ولا نعيد.

رجوع المبتدئة إلى الأقارب

المرحلة الثّانية : أنّها لا بدّ من أن ترجع إلى الأقارب عند عدم التمكن من التمييز


1) (*) الأظهر أنّ المبتدئة إذا لم تكن لها أقارب أو كانت واختلفت أقراؤهنّ تحيّضت في الشهر الأوّل بستّة أو سبعة أيّام ثمّ احتاطت إلى العشرة ، وفيما بعد الشهر الأوّل تحيّضت بثلاثة واحتاطت إلى ستّة أو سبعة أيّام ، وأمّا المضطربة فهي تتحيّض بستّة أو سبعة أيّام مطلقاً وتعمل بعد ذلك بوظائف المستحاضة.

2) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 3 ، 2.

بالصفات ، ويدلّنا على ذلك موثقة سماعة « سألته عن جارية حاضت أوّل حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر وهي لا تعرف أيّام أقرائها ، قال عليه‌السلام : أقراؤها مثل أقراء نسائها ، فإن كانت نساؤها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة أيّام وأقلّه ثلاثة أيّام » (1).

حيث إنّ السائل فرض الجارية غير عارفة بأيّامها فدلّنا على أنّ المبتدئة قد تعرف أيّامها وقد لا تعرفها ، ولا طريق لمعرفة أيّامها سوى الصفات ، وحيث إنّه عليه‌السلام أمضى ذلك وقرّره عليه علمنا أنّ المبتدئة ابتداءً لا بدّ من أن ترجع إلى الصفات وبها تميز الحيض عن غيره ، وإذا عجزت عن ذلك لكون الدم لوناً واحداً فترجع إلى أيّام أقرانها ، ومع عدم التمكن من ذلك أيضاً لعدم الأقران أو اختلافها في العادة فترجع إلى العدد ما بين الثّلاثة والعشرة.

وبهذه الموثقة نقيّد إطلاق المرسلة وموثقة ابن بكير الدالّتين على أن المبتدئة عند عجزها عن التمييز بالصفات ترجع إلى العدد ستّة أو سبعة كما في المرسلة (2)أو العشرة في الشهر الأوّل وثلاثة أيّام في الشهر الثّاني كما في موثقة ابن بكير (3)، لإطلاقهما من جهة التمكن من الرّجوع إلى نسائها وعدمه ، ودلالتهما على أنّها ترجع إلى العدد مطلقاً ، ومقتضى الصناعة تقييد ذلك الإطلاق بالموثقة ، لأنّ نسبتهما نسبة العام إلى الخاص.

على أنّ المسألة لو لم يكن حكمها متسالماً عليه فهو من الشهرة بمكان.

وقد يناقش في الاستدلال بالموثقة من جهة رفعها فلا يمكن الاعتماد عليها في الاستدلال.

ويدفعه : أنّها وإن كانت مروية بطريق الكليني وأحد طريقي الشيخ مرفوعة إلاّ أنّ الشيخ رواها بطريقه الآخر مسندة كما تقدّم (4).


1) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 2.

2) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 3.

3) الوسائل 2 : 291 / أبواب الحيض ب 8 ح 5 و 6.

4) تقدّم في الصفحة 267.

وقد يناقش فيها بالإضمار ، لأنّ سَماعة لم يذكر الإمام عليه‌السلام ، بل قال : « سألته عن جارية » فلم يذكر أنّ المسئول أيّ شخص ، فيسقط بذلك عن الاعتبار.

ويدفعه : أنّ الرّجل لم يرو ولو في مورد روايته من غير الإمام عليه‌السلام وبذلك تطمئن النفس بأنّه لا يسأل غيره عليه‌السلام ، فإنّه من أكابر فقهائهم ورواتهم ، وفي مذهبه قولان :

أحدهما : أنّه فطحي كما ذكره المولى الصالح المازندراني (1).

وثانيهما : أنّه واقفي ، ذكره الشيخ (2)قدس‌سره ، وعلى كلا التقديرين لا يروي عن غير الإمام عليه‌السلام ، أمّا إذا كان واقفياً فلأنه لا إمام له غير أئمتنا حتّى يروي عنه ، وأمّا إذا كان فطحياً فلأن مدّة عبد اللّه الأفطح لم تكن كثيرة بحيث يروي عنه الرّوايات ، هذا بل ظاهر النجاشي أنّ الرّجل اثنا عشري ، لأنّه قال في حقّه : « إنّه ثقة ثقة ومن الفقهاء » (3)، ولم يغمز في مذهبه.

وكيف كان فلا يروي مثله عن غير الإمام عليه‌السلام.

وثالثة : يناقش في الموثقة بأنّها معارضة بدعوى أنّها دلّت على أنّ المبتدئة إذا لم تتمكن من أن ترجع إلى الصفات ولا إلى أقاربها رجعت إلى العدد ، وهو لا يزيد عن العشرة ولا يقل عن ثلاثة ، والمرسلة دلّت على أنّها بعد عدم التمكن من الرّجوع إلى الصفات ترجع إلى العدد وهو ستّة أو سبعة فهما متعارضتان ، لدلالة كلّ منهما على عدد غير العدد الّذي عيّنته الأُخرى ، فلا بدّ من علاج المعارضة بينهما ولا يمكن تخصيص المرسلة بالموثقة.

ويدفعه : أنّ الموثقة إنّما سيقت لبيان أنّ المرأة على تقدير عدم التمكّن من التمييز بالصفات لا ترجع إلى العدد مطلقاً ، وإنّما ترجع إليه إذا لم تتمكّن من الرّجوع إلى


1) نقله عنه في تنقيح المقال 2 : 67 السطر 20 / ترجمة سماعة بن مهران.

2) رجال الشيخ : 337 / الرقم [5021] سماعة بن مهران.

3) رجال النجاشي : 193 / الرقم [517] ، لكن ليس فيه أنّه من الفقهاء. وراجع معجم رجال الحديث 9 : 313.

نسائها ، ولا تعارضها المرسلة من هذه الجهة ، لأنّ نسبتهما كما عرفت نسبة العموم والخصوص.

وأمّا أنّها إذا رجعت إلى العدد فإلى أيّ عدد ترجع فلا دلالة للموثقة عليه ، وإنّما تدل على أنّ ما ترجع إليه لا يكثر عن عشرة أيّام ولا يقل عن ثلاثة لأنّ الحيض كذلك ، لا لخصوصيّة في المقام ، فلا تعارض المرسلة من هذه الجهة أيضاً لسكوتها عن العدد الّذي لا بدّ من التحيّض به ، فالصحيح ما ذكرنا من تخصيص المرسلة وموثقة ابن بكير بموثقة سماعة.

رجوع المبتدئة إلى العدد

لمرحلة الثّالثة : أنّ المبتدئة إذا لم تتمكن من الرّجوع إلى نسائها إذ ليست لها نساء أو أنّ لها نساء مختلفات في مقدار عادتهنّ رجعت إلى العدد.

وقد دلّت على ذلك المرسلة والموثقتان المتقدّمتان إلاّ أنّها مختلفة من حيث مقداره ، فالمرسلة دلّت على أنّها تتحيض بستّة أيّام أو سبعة ، وموثقة ابن بكير دلّت على أنّها تتحيض بعشرة أيّام في الشهر الأوّل وبثلاثة أيّام في الشهر الثّاني.

وقد جمع جماعة من الفقهاء بينهما بالحمل على التخيير ، بدعوى أنّ لكلّ منهما نصّاً وظاهراً فيرفع اليد عن ظاهر كلّ منهما بنص الآخر ، فالمرسلة نص في جواز ترك العبادة ستّة أيّام أو سبعة أيّام ، وإن شئت قلت إنّها نص في وجوب التحيّض بهما وظاهرة في تعيّن ذلك وعدم جواز التحيّض بغير العددين.

وإنّ موثقة ابن بكير نص في وجوب التحيّض ثلاثة أيّام في غير الشهر الأوّل وعشرة أيّام في الشهر الأوّل ، وظاهرة في تعينه وعدم جواز التحيّض بغيره ، فنأخذ بنصهما وأن التحيّض بكلّ واحد من العددين واجب تخييري ، فلها أن تختار ما شاءت من العدد ، ونرفع اليد عن ظهورهما بالنص وهو من الجمع العرفي المقبول وبه يتصرّف في كلا المتعارضين.

وهذا تخيير في المسألة الفرعيّة ، فإنّ المجتهد له أن يفتي بتخيير المكلّف بينهما ، وليس

تخييراً بين الرّوايتين المتعارضتين كما توهّم ، لأنّه تخيير في المسألة الأُصوليّة وهو مختص بالمجتهد فيأخذ بأحد المتعارضين ويفتي على طبقه معيّناً لا على وجه التخيير.

وكبرى هذا الجمع وإن كانت من الجمع المقبول كما ذكر ، ومن هنا إذا ورد في دليل وجوب القصر على المكلّف في مورد وورد دليل آخر في وجوب التمام عليه ، فلأجل العلم بعدم وجوبهما معيّناً يقع المعارضة بينهما ونأخذ بنص كلّ منهما في الوجوب ونرفع اليد عن ظاهرهما في التعيّن فينتج التخيير بينهما.

إلاّ أنّها غير منطبقة على المقام ، لأنّ المرسلة صريحة في أنّ عدد المبتدئة ستّة أو سبعة ، وليست لها أن تتحيّض بأكثر منها ولا بأقل ، لأنّ النّبي صلى‌اللّه‌عليه‌وآله في قضيّة حمنة بنت جحش أمرها بترك العبادة إلى ستّة أيّام أو سبعة أيّام ، فلو لم تكن حائضاً ستّة أيّام أو سبعة بل كان حيضها أقل منه لم يكن يأمرها النّبيّ صلى‌اللّه‌عليه‌وآله بترك العبادة حينئذ ، لوضوح أنّ الطّاهرة لا يأمرها النّبيّ صلى‌اللّه‌عليه‌وآله بترك عبادتها ، كما أنّه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله أمرها بالصلاة والاغتسال بعد الستّة أو السبعة ، فلو كان حيضها زائداً عليها كيف يأمرها صلى‌اللّه‌عليه‌وآله بالاغتسال والصّلاة.

وقد صرّح الإمام عليه‌السلام بذلك في المرسلة حيث قال « ألا ترى أنّ أيّامها لو كانت أقلّ من سبع وكانت خمساً أو أقل من ذلك ما قال لها : تحيّضي سبعاً فيكون قد أمرها بترك الصّلاة أيّاماً وهي مستحاضة غير حائض ، وكذلك لو كان حيضها أكثر من سبع وكانت أيّامها عشراً أو أكثر لم يأمرها بالصلاة وهي حائض » (1).

وعليه فالروايتان متعارضتان. هذا.

تعارض المرسلة في نفسها :

وقد يقال إنّ المرسلة في مدلولها متعارضة ، لأنّها وإن دلّت بصدرها على أنّ المبتدئة تتحيّض بستّة أو سبعة إلاّ أنّها اقتصرت على ذكر السبعة في بقيّة الجملات


1) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 3.

وليس فيها من ذكر الستّة عين ولا أثر كما في قوله « ما قال لها تحيّضي سبعاً » وقوله « أقصى وقتها سبع » وقوله « فوقتها سبع » وقوله « فسنّتها السبع » ، ومقتضى ذلك أنّ عدد المبتدئة هو السبع ، وهو ينافي التخيير بين الست والسبع في صدرها ، ولعل الماتن قدس‌سره لأجل ذلك قال « والأحوط أن تختار السبع » ، لأنّه حيض على كلّ حال وتقدير إمّا متعيّناً وإمّا للتخيير بينه وبين الستّ.

ويدفعه : أن ترك الستّة في بقيّة الجملات والاقتصار على السبعة إنّما هو من جهة الاعتماد على ذكرها في صدر المرسلة ولأنّ السبع أقصى عادتها ، لا من جهة أنّ عددها السبع فقط ، ومن ثمّة ترى أنّه عليه‌السلام قال : « أقصى وقتها سبع » ولم يقل أنّ وقتها سبع.

نعم ، إنّ « أقصى » لم تذكر في بقيّة الجملات ، إلاّ أنّ الاقتصار فيها على السبع مستند إلى أنّها أقصى عددها ، ويشهد لذلك أنّه عليه‌السلام في مقام التمثيل بكون عادتها أقلّ من سبع مثّل بما إذا كانت حيضتها خمساً أو أقلّ منه ، حيث قال « ألا ترى أنّ أيّامها لو كانت أقل من سبع وكانت خمساً أو أقل من ذلك » ، ولم يقل وكانت ستّاً فلو كان عددها هو السبع متعيّناً لم يكن للعدول عن ذكر الست إلى الخمس وجه ، وإن دار الأمر بين كون الست في صدر المرسلة زائدة وبين أن تكون الجملات الأخيرة ناقصة فلا يمكن الاعتماد في نفي زيادة الست على أصالة عدم الزّيادة في صدر المرسلة لأنّها معارضة بأصالة عدم النقيصة في سائر الفقرات.

إذن فلا تعارض في نفس المرسلة.

تعارض المرسلة والموثقة

نعم ، المرسلة وموثقة ابن بكير متعارضتان كما عرفت.

وقد يقال حينئذ : إنّهما تتعارضان وتتساقطان ويرجع إلى استصحاب الحيض إلى العشرة للقطع بعدمه بعد العشرة ، وأمّا بعد السبعة فيحتمل الحيض إلى العشرة ، لأنّ الموثقة دلّت على أنّها تتحيّض إلى عشرة أيّام فتستصحب حيضها إلى العشرة حيث

يقطع بعدمه.

ويدفعه : أنّ استصحاب الحيض مضافاً إلى عدم جريانه في نفسه لأنّه من الاستصحاب في الشبهات الحكمية ، وقد ذكرنا عدم جريانه في الأحكام معارض باستصحابه في الشهر الثّاني ، وذلك لأنّ مقتضاه في الشهر الثّاني هو التحيّض إلى السبع لأنّه أكثر العددين ، فإنّ مقتضى الموثقة أنّها تتحيّض ثلاثة أيّام في الشهر الثّاني والمرسلة تقتضي تحيّضها إلى سبعة أيّام ، فبعد الثّلاثة تشك في بقاء حيضها فتستصحبه إلى السبع.

تعارض الاستصحابين

وهذان الاستصحابان متعارضان للعلم بمخالفة أحدهما مع الواقع ، حيث إنّا إمّا أن نأخذ بالموثقة وهي تقتضي الحكم بالتحيّض في الشهر الأوّل بعشرة أيّام وفي الشهر الثّاني بثلاثة ، فالاستصحاب في الشهر الأوّل مطابق للواقع إلاّ أنّه على خلافه في الشهر الثّاني ، إذ لا وجه للتحيّض فيه زائداً على ثلاثة أيّام إلى السبع. وإمّا أن نأخذ بالمرسلة وهي تقتضي التحيّض بسبعة أيّام في كلّ شهر ، ومعه الاستصحاب في الشهر الثّاني موافق للواقع وفي الشهر الأوّل على خلافه ، إذ لا موجب للتحيّض زائداً على السبعة إلى عشرة أيّام.

فأحد الاستصحابين معلوم الخلاف ، فلا يمكن الاعتماد على شي‌ء من الاستصحابين.

بل الصحيح أن يقال : إنّ مورد التعارض بين الرّوايتين في الشهر الأوّل إنّما هو في الزائد على السبع إلى عشرة أيّام ، وفي الشهر الثّاني في الزّائد على الثّلاثة إلى السبع وحيث إنهما متعارضتان والمرجّح منحصر بموافقة الكتاب ومخالفة العامّة وشي‌ء منهما غير متحقّق في المقام لعدم ذكر شي‌ء منهما في الكتاب ولو على نحو الإطلاق ، كما أنّ العامّة غير ملتزمين بذلك أصلاً فتسقطان بالمعارضة.

ومقتضى علم المرأة إجمالاً بأنّها حائض أو مستحاضة في المقدار الزائد على السبع

والثّلاث هو الاحتياط بالجمع بين وظيفتي الحائض والمستحاضة ، للقطع حينئذ بالخروج عن عهدة التكليف المتوجه إليها واقعاً بمقدار لا يلزمها العسر والحرج ومع لزومهما فلا. نعم تتحيّض في الشهر الأوّل إلى السبع وفي الشهر الثّاني إلى الثّلاثة جزماً ، وإنّما تحتاط في الزيادتين وبه يقطع بالفراغ.

وأمّا احتمال أن تأخذ بعادة بعض نسائها إذا كان عادتهن مختلفة وتحتاط إلى العشرة في الشهر الأوّل وتتحيّض بثلاثة أيّام في الشهر الثّاني وتحتاط إلى آخر زمان العادة الّتي أخذتها من نسائها في الشهر الأوّل فهو مبني على توهم معارضة اخرى بين الرّوايات غير المعارضة المتقدّمة.

وبيان تلك المعارضة : أنّه ورد في رواية محمّد بن مسلم وزرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « يجب للمستحاضة أن تنظر بعض نسائها فتقتدي بأقرائها ، ثمّ تستظهر على ذلك بيوم » (1)ومقتضى إطلاقها أنّ المبتدئة إذا تجاوز دمها العشرة ترجع إلى بعض نسائها لأنّ المستحاضة تشمل المبتدئة وغيرها ، كما أنّ مقتضى المرسلة وموثقة ابن بكير (2)أنّ المبتدئة ترجع إلى العدد عند عدم تمكنها من الرّجوع إلى الصفات.

والنسبة بين الطائفتين عموم من وجه ، لأنّ الأُولى مطلقة تشمل المبتدئة والمضطربة وغيرهما فإنّها دلّت على أنّ المستحاضة تقتدي ببعض نسائها مبتدئة كانت أو غيرها. والطائفة الثّانية مطلقة من حيث التمكّن من الرّجوع إلى عادة بعض النِّساء وعدمه حيث دلّت على أنّ المبتدئة ترجع إلى العدد تمكنت من الرّجوع إلى عادة بعض نسائها أم لم تتمكّن.

وأمّا موثقة سماعة (3)فلا تنافي بينها وبين رواية زرارة ومحمّد بن مسلم ، لأنّ


1) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 1.

2) الوسائل 2 : 288 و 291 / أبواب الحيض ب 8 ح 3 و 5 و 6.

3) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 2.

الموثقة دلّت على أنّه إذا لم تكن للمستحاضة أقارب أو كنّ مختلفات بحسب العادة فتتحيّض بما بين الثّلاثة والعشرة فلا دلالة لها على الرّجوع إلى العدد ، بل تلائم الرّجوع إلى عادة بعض النِّساء ، لأنّها أيضاً ما بين الثّلاثة والعشرة فيما إذا كانت أقاربها مختلفة العادة.

فتتعارضان في المبتدئة الّتي تتمكن من الرّجوع إلى عادة بعض نسائها وتتساقطان ، ومقتضى العلم الإجمالي بالحيض أو الاستحاضة في الزائد على عادة بعض نسائها إلى العشرة في الشهر الأوّل وفي الزائد على الثّلاثة في الشهر الثّاني إلى عادة بعض نسائها هو الاحتياط بالجمع بين تروك الحائض وأعمال المستحاضة إلى العشرة في الشهر الأوّل وإلى عادة بعض نسائها في الشهر الثّاني.

إلاّ أنّ هذا التوهّم ممّا لا أساس له ، لأنّ الرّواية الدالّة على أنّ المستحاضة ترجع إلى عادة بعض نسائها ضعيفة ، لما مرّ من أنّ طريق الشيخ إلى ابن فضال ضعيف (1).

فالصحيح الاحتياط على الكيفيّة المتقدّمة ، أعني الاحتياط في الشهر الأوّل بعد السبع إلى العشرة وفي الشهر الثّاني بعد الثّلاثة إلى السبع ، هذا كلّه في المبتدئة.

حكم المضطربة

وأمّا المضطربة فهي كالمبتدئة في رجوعها إلى التمييز بالصفات مع الإمكان ، لما دلّ على أنّ دم الحيض ليس به خفاء حارّ أسود عبيط (2).

وأمّا إذا لم تتمكّن من التمييز بالصفات لأنّ الدم على لون واحد فهل ترجع إلى عادة نسائها كما في المبتدئة؟ لم يدلّنا دليل على ذلك ، فإنّه لم يرد في شي‌ء من الرّوايات غير الرّواية المتقدّمة الدالّة على أنّ المستحاضة يجب أن تقتدي ببعض نسائها ، ولكن


1) مرّ تصحيح طريق الشيخ إلى ابن فضال وأنّ التضعيف مبني على ما أفاده أوّلاً ولكنّه رجع عنه أخيراً كما مرّ في الصفحة 70.

2) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3.

عرفت ضعف سندها (1).

وهل ترجع إلى العدد المتقدّم في المبتدئة أو أنّ لها وظيفة اخرى؟ مقتضى موثقة سماعة وابن بكير وإن كان هو الرّجوع إلى العدد عند عدم التمكن من الرّجوع إلى الأقارب إلاّ أنّهما مختصتان بالمبتدئة ولا تشملان المضطربة.

نعم ، ورد في رواية الخزاز ( الوشاء ) عن أبي الحسن عليه‌السلام قال « سألته عن المستحاضة كيف تصنع إذا رأت الدم وإذا رأت الصفرة وكم تدع الصّلاة؟ فقال : أقلّ الحيض ثلاثة وأكثره عشرة ، وتجمع بين الصّلاتين » (2).

إلاّ أنّها لا تدل على أنّ للمضطربة والمستحاضة عدداً معيّناً ، وإنّما دلّت على تحديد الحيض وأنّه لا يقل عن ثلاثة أيّام ولا يزيد على عشرة أيّام.

على أنّها ضعيفة السند بعلي بن محمّد بن الزُّبير إذ لم تثبت وثاقته ، نعم ذكر النجاشي في ترجمة ابن عبدون الّذي هو من مشايخه وقد يعبّر عنه بشيخ الشيوخ : أنّه لقي علي بن محمّد بن الزُّبير وكان علواً في الوقت (3)ولكن لم يظهر أنّ الضمير في « كان » راجع إلى ابن الزُّبير ليدلّ على حسنة أو أنّه راجع إلى ابن عبدون ، بل الظاهر رجوعه إلى ابن عبدون ، لأنّ النجاشي بصراط ترجمته لا بصدد ترجمة ابن الزُّبير (4).

إذن المرسلة بلا معارض وقد دلّت بذيلها على أنّ الاستحاضة في المرأة إذا كانت دارة وكان الدم على لون واحد فوظيفتها التحيّض إلى الست أو السبع.


1) بل عرفت صحّة سندها.

2) الوسائل 2 : 291 / أبواب الحيض ب 8 ح 4.

3) رجال النجاشي 1 : 87 / الرقم [211].

4) إن أردت زيادة التوضيح لهذه الجملة فراجع معجم رجال الحديث 13 : 150 ترجمة علي بن محمّد بن الزُّبير القرشي ، الرقم [8431].

وأمّا الناسية فترجع (1)إلى التمييز (1)


أحكام الناسية

(1) الكلام في الناسية تارة يقع في ناسية العدد فقط مع حفظ الوقت كما إذا علمت أنّ عادتها في العشرة الاولى من كلّ شهر لكنها نسيت العدد وأنّه خمسة أو ستّة أو سبعة مثلاً. وأُخرى يقع الكلام في ناسية الوقت دون العدد. وثالثة يقع الكلام في ناسية الوقت والعدد.

أقسام الناسية

ناسية العدد

أمّا ناسية العدد فحسب فالمعروف بينهم أنّ حكم الناسية مطلقاً حكم المضطربة والمبتدئة في أنّها ترجع إلى التمييز بالصفات ، وإذا فقدت التمييز فيختلف حكمها عن حكمهما ، لأنّها لا ترجع إلى الأقارب بل ترجع إلى العدد ، وهما يرجعان إلى الأقارب ومع فقدها فإلى العدد.

وهذا أيضاً ظاهر كلام الماتن قدس‌سره في المقام لإطلاقه ، هذا.

ولكن الصحيح أنّ ناسية العدد سواء كانت ذات عادة وقتيّة أم لم تكن لا ترجع إلى التمييز بالصفات ولا إلى الأقارب ولا إلى العدد.

أمّا عدم رجوعها إلى التمييز بالصفات فلأن ما دلّ على التمييز بها إمّا هو الأخبار المطلقة الّتي دلّت على أنّ دم الحيض أسود حار عبيط ودم الاستحاضة بارد أصفر وغيرها من الأوصاف (2)، وإمّا مرسلة يونس (3)الدالّة على أنّ الإقبال أمارة الحيض


1) (*) الظاهر أنّ ناسية العدد تجعل المقدار الّذي تحتمل أن تكون عادتها حيضاً والباقي استحاضة ، ولكن إن احتملت العادة في أزيد من السبعة وجب عليها الاحتياط بالجمع بين تروك الحائض وأعمال المستحاضة في المقدار الزائد على السبعة إلى تمام العشرة.

2) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 3 ، 2.

3) الوسائل 2 : 276 / أبواب الحيض ب 3 ح 4.

والإدبار أمارة الاستحاضة ، ولا يشمل شي‌ء منهما لناسية العدد :

أمّا الأخبار المطلقة فلاختصاصها بغير ذات العادة ، فإنّها لا 2 تحتاج إلى التمييز ولا تكون الصفرة والبرودة فيها أمارة على الاستحاضة ، بل كل ما تراه المرأة في أيّام عادتها من صفرة أو حمرة فهو حيض ، وحيث إنّ المرأة ذات عادة وهي تعلم بوقتها لكن نسيت عددها فلا تكون مشمولة لتلك الأخبار بوجه ، على أنّ المرأة قد تعلم بمخالفة الصفات لعادتها ، كما إذا كان الدم تسعة أيّام واجداً للصفات وهي تعلم أنّ عددها لا يتجاوز الستّة قطعاً وإن لم تدر أنّه أربعة أو خمسة أو ستّة ، أو كان الدم واجداً لها خمسة أيّام وهي تعلم أنّ عددها أكثر من خمسة يقيناً ، ومع العلم بمخالفة الأمارة والصفات لعادتها كيف يمكنها الرّجوع إليها.

وأمّا المرسلة فلأنها على تقدير شمولها للناسية كما ادّعاه صاحب الحدائق وبعض من تأخّر عنه وقالوا : إنّ الناسية هي القدر المتيقن من المرسلة ، ويأتي عدم شمولها للناسية أصلاً (1)فإنّما تختص بالناسية للوقت والعدد كما صرّحت بذلك في جملتين منها أو أكثر كما في قوله « فهذا بيّن أنّ هذه امرأة قد اختلط عليها أيّامها ، لم تعرف عددها ولا وقتها » وقوله « فإذا جهلت الأيّام وعددها » ، وأمّا ناسية العدد فقط فهي خارجة عن موردها.

وأمّا عدم رجوعها إلى الأقارب فلأنه إنّما ورد في موثقة سماعة ورواية محمّد بن مسلم وزرارة (2). أمّا الموثقة فهي مختصّة بالمبتدئة ، حيث وردت في جارية رأت الدم زائداً على العشرة في أوّل ما حاضت ، فلا تشمل الناسية بوجه ، وأمّا الرّواية ففيها أنّها وإن كانت شاملة للناسية بإطلاقها إلاّ أنّ الاستدلال بها غير تام.

أمّا أوّلاً فلأنّها ضعيفة السند ، لأنّ طريق الشيخ إلى ابن فضال ضعيف (3).

وأمّا ثانياً فلأنها واردة في المستحاضة قبل العادة ، حيث قال « المستحاضة تنظر »


1) يأتي في الصفحة 295.

2) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 1 و 2.

3) مرّ صحّة طريق الشيخ إلى ابن فضّال ، فلاحظ الصفحة 70.

ففرض المرأة مستحاضة قبل عادتها وحكم عليها بأنّها في عادتها الآتية ترجع إلى بعض نسائها ، وأين هذا من الناسية الّتي ليست بمستحاضة قبل عادتها ، وإنّما تصير كذلك بعد عادتها وتريد معرفة حكم ما بعدها من عادتها ، ولا دلالة لها على أنّها فيما بعدها من عادتها ترجع إلى نسائها كما هو محل الكلام دون عادتها الآتية.

وأمّا ثالثاً فلأنها منصرفة عن الناسية في نفسها ، فإنّ الرّجوع إلى الأقارب إنّما يصح في غير ذات العادة ، إذ لا مانع من إرجاعها إلى عادة نسائها ، وأمّا ذات العادة في المقام فلا معنى لإرجاعها إلى عادة غيرها مع أنّها ذات عادة على الفرض تذكر وقتها وقد نسيت عددها.

ومع الغض عن جميع ذلك فالرواية مخصّصة بما ورد في ذات العادة وأنّها ترجع إلى أيّامها ، حيث يستفاد منها أنّ وظيفة الناسية الرجوع إلى أيّامها ، وحيث إنّها نسيت فترجع إلى استصحاب بقاء الحيض كما يأتي.

وأمّا عدم رجوعها إلى العدد فلأنّ ما دلّ على ذلك إمّا هو المرسلة الآمرة بالتحيّض سبعاً أو ستّاً ، وإمّا هو موثقة ابن بكير (1)الدالّة على التحيّض في الشهر الأوّل بعشرة أيّام وفي الشهر الثّاني بثلاثة ، ولا دلالة في شي‌ء منهما على المدّعى ، أمّا المرسلة فلأنها على تقدير شمولها للناسية إنّما تشمل ناسية الوقت والعدد لا ناسية العدد فقط كما مرّ ، وأمّا الموثقة فهي مختصّة بالمبتدئة كما هو واضح.

إذن ما ذهب إليه المشهور المعروف من أنّ الناسية ترجع إلى التمييز بالصفات أو إلى العدد ممّا لم نقف له على دليل. بل المتيقن في حقّها هو الرّجوع إلى استصحاب الحيض.

وذلك لأنّها ذات عادة على الفرض ولا بدّ من أن ترجع إلى عادتها ، وحيث إنّها لا تتمكّن من ذلك لنسيانها فلا مناص من أن ترجع إلى الاستصحاب ، وهو استصحاب جار في الموضوع ومنقّح له ، حيث يثبت به أنّ عددها في عادتها


1) الوسائل 2 : 291 / أبواب الحيض ب 8 ح 5 و 6.

والشهرين المتقدّمين أيّ شي‌ء فتأخذ به فيما بيدها من الشهر.

لأنّ مرجع شكّها في عددها إلى الأقل والأكثر وأنّها لا تعلم أنّ عدد حيضها في الشهرين المتقدّمين خمسة مثلاً أو ثمانية ، فهي تعلم باستمرار حيضها إلى الخمسة أو الأربعة أو غيرهما من العدد ، ولكنّها تشكّ في كونه مستمراً إلى الثمانية أو التسعة والأصل بقاؤه وعدم انقطاعه إلى الثمانية أو التسعة أو غيرهما ممّا تقطع بعدم كونها حائضاً فيه ، لأنّه شبهة موضوعيّة.

فإذا ثبت بالاستصحاب أنّ عدد حيضها في الشهرين السابقين هو الثمانية أو غيرها ، فلا محالة يترتب عليه آثارها الّتي منها أن تتحيّض فيما بيدها من الشهر بتلك الأيّام وذلك العدد ويحكم في الباقي بالاستحاضة ، والعلم الإجمالي بأنّها حائض أو مستحاضة في غير العدد المتيقّن في الحيضيّة لا يمنع عن الرّجوع إلى الأصل ، لانحلاله بالاستصحاب الجاري في أحد الطرفين دون الآخر.

نعم ، لمّا كان المشهور هو التحيّض ستّاً أو سبعاً في حقّ الناسية أعني الرّجوع إلى العدد ، فالاحتياط في الزائد على السبع بالجمع بين أحكام الحائض والمستحاضة إلى اليوم الّذي تقطع بعدم كونها حائضاً في ذلك اليوم ممّا لا مانع عنه خروجاً عن الخلاف ، وإن لم يكن متعيّناً لاستصحاب الحيض كما عرفت.

ناسية الوقت

وأمّا الناسية للوقت دون العدد كما إذا علمت أنّ عددها خمسة أيّام مثلاً إلاّ أنّها لم تدر وقتها وأنّه أوّل الشهر أو وسطه أو غيره ، فلا مناص من أن تحتاط في جميع الأيّام الّتي ترى فيها الدم كاثني عشر يوماً أو أقل أو أكثر ، وذلك لقانون العلم الإجمالي بأنّها في الأيّام المذكورة حائض أو مستحاضة ، فلا مناص من الاحتياط تحصيلاً للقطع بالامتثال ، وهذا بناءً على أنّ حرمة العبادات في حقّ الحائض تشريعيّة ، فإنّ المرأة حينئذ تأتي بالصلاة وغيرها من عباداتها وتترك المحرمات على الحائض وتقطع بذلك بالامتثال.

وأمّا بناءً على أنّ حرمتها ذاتيّة كما ذهب إليه بعضهم فأمرها يدور بين المحذورين ، لأنّها إمّا مكلّفة بالصلاة مثلاً وإمّا إنّها مكلّفة بتركها ، فلأجل دوران الأمر في حقّها بين المحذورين لا بدّ من الحكم بكونها مخيّرة.

إلاّ أنّ التخيير في حقّها ليس بمعنى كونها مخيّرة بين الإتيان بالعبادة وتركها في كلّ يوم حتّى يجوز لها أن تأتي بها في يوم وتتركها في يوم آخر إلى آخر الأيّام ، وذلك لأنّه يستلزم العلم بالمخالفة القطعيّة ، لأنّها في اليوم الّذي تركت الصّلاة إن كانت حائضاً واقعاً وإن كانت قد عملت بوظيفتها إلاّ أنّها أتت بها في اليوم الثّاني فقد خالفت وظيفتها ، لأنّها حائض ويجب عليها ترك الصّلاة في أيّام حيضها ، وإن كانت مستحاضة فإتيانها بالصلاة في اليوم الثّاني موافقة للتكليف إلاّ أنّ تركها في اليوم الأوّل مخالفة للأمر بالصلاة في حقّها لأنّها مستحاضة واقعاً ، والمخالفة القطعيّة ممّا لا يرضى بها العقل ولا يرخّص فيها وإن كانت مستلزمة للموافقة القطعيّة أيضاً.

وكذا ليس التخيير بمعنى جواز اختيارها الحيض إلى آخر الشهر أو الاستحاضة كذلك ، لأنّه أيضاً مستلزم للمخالفة القطعيّة وإن حصل بها العلم بالموافقة القطعيّة أيضاً.

بل التخيير بمعنى أنّها تأخذ خمسة أيّام منها وتجعلها حيضاً مخيّرة بين أوّل الأيّام أو وسطها أو آخرها ، لأنّه وإن لم يوجب العلم بالموافقة القطعيّة إلاّ أنّه موافقة احتماليّة ، والعقل بعد عدم التمكن من الامتثال الجزمي بالاحتياط يتنزل إلى الامتثال الاحتمالي لا محالة ، كما أنّ الأمر إذا دار بين المخالفة القطعيّة المستلزمة للموافقة القطعيّة وبين الامتثال الاحتمالي يتعيّن الامتثال الاحتمالي لدى العقل ، فإذا فرضنا أنّ مظنونها كون وقتها هو أوّل الدم أو وسطه أو أثنائه يتعيّن الأخذ بالتحيّض في ذلك الوقت الّذي تظنّ أنّه أيّامها ووقتها ، وذلك لأنّ العقل الحاكم في باب الإطاعة المستقل بقبح المعصية ولزوم الامتثال هو الّذي يستقل بتقديم الامتثال الظنّي على الامتثال الموهومي عند دوران الأمر بينهما.

ناسية الوقت والعدد

وأمّا الناسية للوقت والعدد كليهما فصريح المحقّق في الشرائع أنّ حكمها حكم المضطربة (1)، فيجب أن تميّز بالصفات ومع فقدها ترجع إلى العدد.

وذكر صاحب الحدائق (2)وغيره (3)أنّ الناسية للوقت والعدد هي القدر المتيقّن من المرسلة ، فيتعيّن في حقّها التمييز بالصفات ومع عدم التمكّن ترجع إلى العدد ولا ترجع إلى أقاربها.

ولعلّ الوجه فيما ذهبوا إليه من إدراج الناسية تحت المضطربة وغير مستقرّة العادة توهم أنّ قوله عليه‌السلام في المرسلة « أغفلت عددها » (4)بمعنى الغفلة والنسيان.

ولكن الصحيح أن أغفلت بمعنى تركت ، أي المرأة بعد ما تقدّم دمها في شهر وتأخّر في آخر وزاد تارة ونقص اخرى تركت عادتها وعددها ولم تستقر لها عادة ، ويدلُّ على ذلك قوله عليه‌السلام « زاد أو نقص تأخّر أو تقدم » (5)، فالمرسلة مختصّة بالمضطربة الّتي لم تستقر لها عادة ، ولا تشمل الناسية الّتي لها عادة معيّنة إلاّ أنّها نسيتها ، لا أنّها تركت عادتها. فإدراج الناسية في غير مستقرّة العادة ممّا لا وجه له والمرسلة غير شاملة للناسية لوقتها وعددها فضلاً عن ناسية العدد أو الوقت خاصّة ، هذا.

وذكر المحقّق الهمداني قدس‌سره أنّ الناسية وإن كانت خارجة عن موضوع المضطربة لما عرفت ، إلاّ أنّ وظيفتها وظيفة المضطربة ومن لم تستقر لها عادة ، وذلك لأنّ المرسلة حصرت السنن في ثلاث وصرّحت بأنّها لا رابع لها ، فلو حكمنا في


1) الشرائع 1 : 40 / في الاستحاضة.

2) الحدائق 3 : 238 / في الحيض.

3) الجمل والعقود : 164 / في الحيض.

4) الوسائل 2 : 276 / أبواب الحيض ب 3 ح 4.

5) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 3.

الناسية بغير تلك السنن الثّلاث لزادت السنن واحدة وصارت أربعة ، وهو خلاف ما تدلّ عليه المرسلة ، وبما أنّ الناسية لا يمكن الحكم برجوعها إلى أيّامها كما في ذات العادة ، وهي اولى السنن لعدم تذكرها ونسيانها ، فلا مناص من كون الناسية كغير ذات العادة ترجع إلى التمييز بالصفات إن تمكّنت ، وإلاّ فترجع إلى العدد (1).

ولا يمكن المساعدة على ما أفاده قدس‌سره ، وذلك لأنّ السنن وإن كانت محصورة في الثّلاث إلاّ أنّ المرسلة إنّما تدلّ على أنّ السنن الواقعيّة منحصرة فيها وبحسب الواقع لا تجد سنة رابعة ، وغير ناظرة إلى الظاهر لتدلّ على أنّ الوظيفة الظاهريّة لا يمكن أن تكون شيئاً آخر ، والناسية داخلة في السنّة الأُولى حقيقة ، لأنّها ذات عادة فلا بدّ من أن ترجع إلى عادتها ، إلاّ أنّها لما نسيت عادتها لم تتمكن من الرّجوع إلى أيّامها ، وبما أنّها عالمة إجمالاً بأنّها حائض أو مستحاضة فالعلم الإجمالي يقتضي وجوب الاحتياط. وعلى تقدير عدم التمكن منه فالتخيير على النحو الّذي تقدّم ، ولا دلالة للمرسلة بوجه على أنّها إذا علمت إجمالاً بأنّها حائض أو مستحاضة ليس لها أن تحتاط.

فالمتحصل : أنّ الناسية غير داخلة في موضوع غير مستقرّة العادة ولا يشملها حكمها ، بل لا بدّ أن ترجع إلى استصحاب بقاء حيضها في الشهرين المتقدّمين في الأيّام المحتملة للحيضيّة حتّى يثبت به أنّ عدد أيّامها في الشهرين المتقدّمين ما هو كستّة أيّام مثلاً ، للقطع بعدم كونها أقلّ من أربعة ولا أزيد من ستّة ، وهي محتملة في اليوم الخامس والسّادس فتستصحبها ، فإذا تحقّقت عادتها في الشهرين في الستّة فتأخذ بها في الشهر الثّالث كما ذكرناه في ناسية العدد خاصّة.

كما أنّها مخيّرة في تطبيق هذه الأيّام على أوّل الدم أو وسطه أو آخره كما ذكرناه في ناسية الوقت خاصّة بناءً على أنّ العبادة محرمة على الحائض ذاتاً ، وذلك للتنزّل عن الموافقة القطعيّة إلى الموافقة الاحتماليّة بحكم العقل ، وإذا ظنّت بكون وقتها أوّل الأيّام الّتي ترى فيها الدم أو آخرها أو وسطها فتعمل على طبق ظنّها لتقدّم الامتثال الظنّي


1) مصباح الفقيه ( الطّهارة ) : 312 السطر 1.

ومع عدمه إلى الرّوايات (1) ، ولا ترجع إلى أقاربها ، والأحوط أن تختار السبع.


على الامتثال الوهمي كما قدّمناه.

نعم بناءً على أنّها محرمة عليها تشريعاً يجب أن تحتاط في مجموع الأيّام الّتي ترى فيها الدم بمقتضى علمها الإجمالي ، فناسية الوقت والعدد تجمع بين وظيفتي ناسية الوقت خاصّة وناسية العدد خاصّة.

(1) فتتخير بين الثّلاثة والستّة والسبعة كما صرّح بذلك سابقاً ، وأنّ المبتدئة والمضطربة عند عدم التمكّن من التمييز بالصفات وعدم الأقارب ترجعان إلى العدد مخيّرة بين اختيار الثّلاثة في كلّ شهر أو الستّة أو السبعة.

والتخيير بين الستّة والسبعة يستفاد من المرسلة كما تقدّم ، فبناءً على أنّ حكم الناسية حكم المضطربة والمبتدئة فلا محالة يثبت التخيير بين الست والسبع في حقّها أيضاً. وأمّا الثّلاثة فهي غير واردة في شي‌ء من الرّوايات غير موثقتي ابن بكير (1)الدالّتين على أنّ المستحاضة تجعل عشرة أيّام حيضاً في الشهر الأوّل وثلاثة في الشهر الثّاني ولم ترد في غيرهما من الأخبار.

وأمّا موثقة سماعة (2)الدالّة على أنّ أكثر حيضها عشرة وأقلّه ثلاثة فقد تقدّم أنّها لا دلالة لها على التحديد ، وإنّما هي لبيان أقلّ الحيض وأكثره ، وأمّا أنّ المرأة تجعل الحيض بينهما أيّ مقدار فهو لا يستفاد من الموثقة ، فالموثقتان شارحتان لهذه الموثقة.

ولكن عرفت أنّ الرّوايات متعارضة ، فلا يمكن الجمع بينهما بالتخيير حتّى يحكم بكون المرأة مخيّرة بين الثّلاث والست والسبع ولو في غير الشهر الأوّل. ثمّ على تقدير التنزل والبناء على عدم تعارضها فأقصى ما يمكن استفادته من الموثقتين أنّ المبتدئة مخيّرة بين الثّلاث والست والسبع لأنّها موردهما ، فكيف يمكن التعدِّي عن موردهما إلى المضطربة أو الناسية ، فالثلاثة ممّا لا دليل عليها أصلاً.


1) الوسائل 2 : 291 / أبواب الحيض ب 8 ح 5 و 6.

2) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 2.

[729] مسألة 2 : المراد من الشهر ابتداء رؤية الدم إلى ثلاثين يوماً وإن كان في أواسط الشهر الهلالي أو أواخره (1).


ما هو المراد بالشهر

(1) هناك أمران اختلط أحدهما بالآخر :

أحدهما : أنّ المراد بالشهر الّذي تجعل المستحاضة ثلاثة أو سبعة منه حيضاً والباقي استحاضة ما هو؟

وثانيهما : أنّ المستحاضة مخيّرة في جعل العدد ووضعه أينما شاءت في أوّل رؤيتها الدم ووسطه وآخره ، أو أنّه لا بدّ من أن تجعل العدد حيضاً من أوّل رؤيتها الدم وتجعل الاستحاضة بعد ذلك.

أمّا الأمر الأوّل فالمراد بالشهر ليس هو الشهر الهلالي ، بل المراد مقداره وهو ثلاثون يوماً ، وأوّل الثّلاثين ومبدؤها هو أوّل رؤيتها الدم كان في أوّل الشهر أو وسطه أو آخره.

وتدل على ذلك المرسلة والموثقة ، وذلك لقوله عليه‌السلام في المرسلة « تلجّمي وتحيّضي في كلّ شهر في علم اللّه ستّة أيّام أو سبعة أيّام ، ثمّ اغتسلي غسلاً وصومي ثلاثة وعشرين يوماً أو أربعة وعشرين » (1)وقد دلّت على أنّ المراد بالشهر ثلاثون يوماً في كلّ شهر وإن كان من وسطه أو آخره.

وفي مرسلته الأُخرى « وانتظرت من يوم رأت الدم إلى عشرة أيّام » (2)وفي الموثقة : « إذا رأت الدم في أوّل حيضها فاستمرّ بها الدم تركت الصّلاة عشرة أيّام ثمّ تصلِّي عشرين يوماً » (3)الحديث ، فيستفاد منها أنّ المراد بالشهر ثلاثون يوماً ، وأوّله أوّل رؤيتها الدم.


1) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 3.

2) الوسائل 2 : 299 / أبواب الحيض ب 12 ح 2.

3) الوسائل 2 : 291 / أبواب الحيض ب 8 ح 6.

[730] مسألة 3 : الأحوط أن تختار العدد (1)في أوّل رؤية الدم (1) إلاّ إذا كان مرجح لغير الأوّل (2)(2).

[731] مسألة 4 : يجب الموافقة بين الشهور ، فلو اختارت في الشهر الأوّل أوّله ففي الشهر الثّاني أيضاً كذلك ، وهكذا (3).


وأمّا الأمر الثّاني فالصحيح أنّها ليست مخيّرة في وضع العدد أينما شاءت ، بل المتعيّن في حقّها جعل العدد من أوّل رؤيتها الدم والاستحاضة بعد ذلك ، لأنّه عبّر في الرّوايات ب- « ثمّ » كقوله « ثمّ تصلِّي عشرين يوماً » وقوله « ثمّ اغتسلي غسلاً وصومي » ومعه لا وجه لتخييرها في جعل العدد أينما أرادت ولو بعد الاستحاضة كما هو صريح الماتن في المسألة السابعة الآتية حيث قال : وإن كان الأقوى التخيير.

(1) قد عرفت أنّه المتعيّن لا أنّه أحوط.

(2) لم يظهر لنا المراد بالمرجح لغير الأوّل ، لأنّ مفروض الكلام تساوي الدم من حيث الصفات وعدم التمكّن من الرّجوع إلى الأقارب ، ومعه ما معنى المرجّح للحيضيّة في الأوّل أو غيره ، بل الصحيح والمتعيّن أنّ العدد تجعله في الأوّل لدلالة المرسلة والموثقة كما تقدّم.

وجوب الموافقة بين الشهور

(3) هذا متفرّع على تخيير المرأة في جعل العدد أينما شاءت وأنّها إذا وضعته في الشهر الأوّل في أوّله أو وسطه أو موضع آخر لا بدّ أن تجعله في الشهر الثّاني في ذلك الوقت بعينه ، وبعبارة اخرى التخيير ابتدائي وليس استمرارياً ، وذلك لأنّ المرسلة والموثقة حدّدتا أيّام الحيض والاستحاضة بثلاثين يوماً ، فلا يكونان أزيد من ذلك


1) (*) بل الأظهر ذلك.

2) (**) لا نعرف ما يكون مرجّحاً والمفروض عدم التمييز.

[732] مسألة 5 : إذا تبيّن بعد ذلك أنّ زمان الحيض غير ما اختارته وجب عليها قضاء ما فات منها من الصّلوات ، وكذا إذا تبيّنت الزّيادة والنقيصة (1).


ولا أقل ، وهذا إنّما يكون فيما إذا كانت الشهور متوافقة من حيث وضع العدد ، فلو وضعته في الشهر الأوّل من اليوم الخامس عشر يجب أن تضعه في الشهر الثّاني أيضاً كذلك ، إذ لو وضعته قبله بخمسة أيّام كان الحيض والاستحاضة في الشهر المتقدّم عليه خمسة وعشرين يوماً ، وهو على خلاف الرّوايتين ، كما أنّها لو وضعته في الشهر الثّاني متأخّراً عن النّصف بخمسة أيّام كان حيضها واستحاضتها في الشهر السابق خمسة وثلاثين يوماً ، وقد دلّت الرّوايتان على أن مجموعهما ثلاثون يوماً لا يزيد عليه ولا ينقص.

وأمّا بناءً على ما ذكرناه من عدم ثبوت التخيير حتّى في الشهر الأوّل فالأمر أوضح ، إذ يتعيّن عليها من أوّل رؤيتها الدم أن تجعل العدد حيضاً وتصلّي سبعة وعشرين يوماً أو ثلاثة وعشرين يوماً ، وهكذا في كلّ شهر.

تبيّن الخلاف في المختار

(1) لأنّ التحيّض بالعدد حكم ظاهري ولا اعتبار به بعد العلم بالمخالفة ، فلو تركت الصّلاة سبعة أيّام ثمّ علمت أنّ حيضها خمسة أيّام فلا بدّ من قضاء الصلوات في اليومين الزائدين لعدم كونها حائضاً فيها ، أو إذا تركت عبادتها سبعة أيّام وصامت بعدها ثمّ ظهرت أنّ عادتها أو حيضها تسعة أيّام فلا بدّ من أن تقضي صومها يومين لوقوعه في أيّام الحيض فهو باطل ، أو علمت أنّ حيضها في غير تلك الأيّام بأجمعه.

وما أفاده قدس‌سره بحسب الكبرى متين لا غبار عليه ، إلاّ أنّها ممّا لا تنطبق على المقام ، إذ لا يتحقّق لها الصغرى بوجه ، لأنّ المرأة بعد عدم كونها ذات عادة وعدم كون الدم مختلف الصفات كيف يمكنها أن تعلم أنّ حيضها أقل أو أكثر ، لأنّه يحتاج إلى الغيب.

[733] مسألة 6 : صاحبة العادة الوقتيّة (1)


نعم ، إذا بنينا على ما بنى عليه الماتن قدس‌سره من إلحاق الناسية بالمضطربة والمبتدئة في الرّجوع إلى العدد تتحقّق الصغرى لذلك لا محالة ، لأنّ الناسية قد تعلم بعد ذلك أنّ عادتها كانت أقل أو أكثر من سبعة أيّام مثلاً ، إلاّ أنّها غير داخلة في حكمها كما مرّ.

إذن لا صغرى لتلك الكبرى إلاّ في فرض نادر جدّاً ، وهو ما إذا لم تتمكن المبتدئة من التمييز بالصفات ورجعت إلى نسائها واعتقدت أنّ حيضهن خمسة أيّام مثلاً ثمّ انكشف أنّ حيضهنّ أربعة أيّام أو ستّة مثلاً.

بعض أقسام ذات العادة

(1) هذه هي القسم الثّاني من أقسام ذات العادة ، لأنّا ذكرنا أنّ الكلام في صورة زيادة الدم عن العشرة ورجوع المرأة إلى عادتها إنّما هو في ذات العادة الوقتيّة والعدديّة معاً (1).

وأمّا ذات العادة الوقتيّة فقط المضطربة من حيث العدد ، أو ذات العادة العدديّة فقط المضطربة من حيث الوقت فلم يتعرّض لهما الماتن قدس‌سره ، وقد تعرّض لهما في المقام.

وذكر أنّ ذات العادة الوقتيّة فقط كما إذا علمت أنّها تتحيّض في أوّل كلّ شهر ولكن العدد مختلف فقد يكون خمسة وقد يكون أربعة وهكذا إذا زاد دمها عن العشرة فحالها حال المبتدئة في الرّجوع إلى الأقارب والرّجوع إلى التخيير المذكور مع فقدهم أو اختلافهم.

والكلام في ذلك يقع في جهات :

الاولى : فيما إذا لم يزد دمها عن العشرة ، فإنّها تجعل جميعه حيضاً لأنّ الدم المرئي


1) ذكره في الصفحة 261.

قبل العشرة من الحيضة الأُولى إذا كان بصفات الحيض.

الثانية : فيما إذا زاد الدم على العشرة ولم يمكن جعل المجموع حيضاً لأنّه أكثر من العشرة فلا مناص من الرّجوع إلى التمييز بالصفات فتجعل ما هو بصفة الحيض حيضاً وما ليس بصفة الحيض تجعله استحاضة ، وذلك لما دلّ على أنّ دم الحيض ممّا ليس به خفاء أحمر حارّ عبيط ، وإنّما خرجنا عن ذلك في خصوص ذات العادة ، فإن ما تراه في أيّامها حيض وإن لم يكن واجداً للصفات. وإنّما لم يتعرّض الماتن لذلك لوضوحه قطعاً لأنّه أوّل المرجحات في المستحاضة.

الثالثة : فيما إذا لم يكن لها تمييز ، فقد ذكر الماتن قدس‌سره أنّها ترجع إلى الأقارب.

ومراده قدس‌سره من صاحبة العادة الوقتيّة المضطربة من حيث العدد خصوص المضطربة بالمعنى الأخص ولم يرد بها الأعم من ناسية العدد ، وإلاّ فقد تقدّم أنّها لا ترجع إلى الأقارب ، فلا يجتمع مع إرجاعها إلى الأقارب في المقام ، وأمّا قوله قدس‌سره : وإذا علمت كونه أزيد من الثّلاثة ليس لها أن تختار الثّلاثة فيما إذا لم يكن لها أقارب ، كما أنّها إذا علمت أنّه أقلّ من السبعة ليس لها اختيار السبعة ، فلا شهادة فيه على إرادة الأعم من الناسية في المقام.

وذلك لأنّ المضطربة في قبال الناسية أيضاً قد تعلم أنّ عدد حيضها زائد على الثّلاثة قطعاً ولكنّها لا تدري أنّه أربعة أو خمسة أو ستّة ، أو تعلم أنّه أقلّ من السبعة قطعاً ولا تدري أنّه ستّة أو خمسة أو أربعة.

وعلى الجملة : المراد من صاحبة العادة الوقتيّة هو المضطربة من حيث العدد إمّا لعدم استقرار عادتها على عدد معيّن أو كانت عادتها مستقرّة لكن العدد زاد مرّة ونقص اخرى حتّى زالت عادتها ، فهي المضطربة بالمعنى الأخص ، ولم يرد بها الأعم منها ومن ناسية العدد ، لقرينة ما تقدّم منه قدس‌سره من أنّ الناسية ولو عدداً لا ترجع إلى أقاربها ، وفي المقام حكم برجوع صاحبة العادة الوقتيّة إلى الأقارب وهذه قرينة قطعيّة على أنّ المراد بها غير الناسية.

إذا تجاوز دمها العشرة في العدد حالها حال المبتدئة (1)في الرّجوع إلى الأقارب (1) والرّجوع إلى التخيير المذكور مع فقدهم أو اختلافهم (2) ،


بل الأمر كذلك مع قطع النّظر عن هذه القرينة أيضاً ، لأنّه قدس‌سره تعرّض لحكم أقسام المرأة بأجمعها من ذات العادة العدديّة والوقتيّة والمبتدئة والمضطربة والناسية ولم يبق سوى ذات العادة الوقتيّة دون العدد أو العكس ، فمع تقدّم الناسية لا يحتمل إرادتها من ذات العادة الوقتيّة دون العدد.

وقد تقدّم أنّه لا شهادة لقوله « وإذا علمت كونه أزيد من الثّلاثة ... » على إرادة الأعم من الناسية في المقام ، وذلك لأنّ المضطربة أيضاً يتصوّر فيها ذلك كما مرّ ويأتي.

(1) أمّا إذا لم تزد عليها وكان بصفات الحيض فهو بأجمعه حيض ، لأنّ الدم المرئي قبل العشرة من الحيضة الأُولى.

وأمّا إذا تجاوز عن العشرة فقد ذكر الماتن أنّ حكمها حكم المبتدئة في الرّجوع إلى الأقارب ، والمفروض أنّ الرّجوع إلى الأقارب إنّما هو بعد عدم التمكّن من التمييز بالصفات ، وإلاّ فمع التمكّن منه فالصفات هي المرجحة الأُولى كما مرّ.

وأمّا إذا لم تتمكّن من التمييز بالصفات فهل ترجع إلى الأقارب كما في المتن؟ الصحيح لا ، لأنّ الرّجوع إلى الأقارب في غير المبتدئة إنّما ورد في رواية واحدة وقد عرفت ضعفها (2).

(2) مرّ وعرفت أنّ الثّلاثة إنّما وردت في موثقة ابن بكير ، وهي مختصّة بالمبتدئة مع الغض عن كونها معارضة مع المرسلة ، فلا يمكن التعدي عنها إلى المضطربة كما تقدّم ، بل إنّما تتخيّر بين الستّة والسبعة فحسب.


1) (*) بل ترجع إلى الستّة أو السبعة مع عدم التمييز.

2) هي رواية محمّد بن مسلم وزرارة المتقدّمة في الصفحة 287 و 291. وضعفها من جهة ضعف طريق الشيخ إلى ابن فضال الّذي تقدّم عدوله عنه.

وإذا علمت كونه أزيد من الثّلاثة (1) ليس لها أن تختارها ، كما أنّها لو علمت أنّه أقلّ من السبعة ليس لها اختيارها (2).


(1) قدّمنا تصوير ذلك في المضطربة وقلنا إنّها أيضاً قد تعلم أنّ عدد حيضها أكثر من الثّلاثة ، لأنّها كانت ترى الدم خمسة أيّام تارة وستّة اخرى وأربعة ثالثة ، ومع العلم بزيادة حيضها عن الثّلاثة لا معنى للأخذ بالثلاثة ، فإنّ الرّجوع إلى العدد وظيفة المتحيّرة الّتي لا تعلم حيضها ، ومع العلم بكونه أكثر لا تردّد ولا تحيّر لها لتأخذ بالثلاثة.

(2) لا إشكال في أنّها لو علمت بكون حيضها أكثر من السبعة لا يمكنها الرجوع إلى السبعة ، كما إذا كانت ترى الدم مدّة مديدة بين الثمانية والتسعة والعشرة وتقطع بعدم كون حيضها سبعة أيّام ، فإنّ العدد إنّما ترجع إليه المتحيّرة والّتي لا تدري تحيّضها ، ومع العلم بزيادة الحيض عن العدد لا معنى للرجوع إليه.

وإنّما الكلام فيما أفاده الماتن قدس‌سره من أنّها لو علمت أنّ حيضها أقلّ من السبعة ليس لها اختيار السبعة ، فإن ما أفاده بحسب الكبرى وإن كان صحيحاً إذ مع العلم لا تردّد لترجع إلى العدد والأمارة ، إلاّ أنّ الكلام في صغرى ذلك وأنّها من أين يحصل لها القطع بعدم كون حيضها ستّة أو سبعة أيّام ، ولا سبيل إليه إلاّ بالاستكشاف من جري العادة على أمر جامع ولوازمه ، وذلك كما إذا كانت ترى الدم تارة ثلاثة أيّام وأُخرى أربعة وثالثة ترى خمسة أيّام على نحو الاختلاف مدّة مديدة كعشر سنوات مثلاً ، فمن رؤيتها الدم في تلك الأيّام حصل لها العلم بأنّها لا تحيض إلاّ بأحد هذه الأيّام ، فعددها هو الجامع بين الثّلاثة والأربعة والخمسة نظير العادة المركّبة المتقدّمة فبذلك تعلم بعدم الحيض زائداً على الأعداد ، إلاّ أنّ ذلك ممّا لا يمكن تتميمه بدليل لأنّ الأخبار الواردة في أنّ ذات العادة ترجع إلى عادتها (1)إنّما تختص بالعادة الوجوديّة الخارجيّة ، وأمّا العادة العدمية وأنّ عادتها عدم الحيض زائداً على تلك


1) الوسائل 2 : 281 / أبواب الحيض ب 5.

[734] مسألة 7 : صاحبة العادة العدديّة ترجع في العدد إلى عادتها ، وأمّا في الزّمان فتأخذ بما فيه الصفة ، ومع فقد التمييز تجعل العدد في الأوّل على الأحوط (1)(1)


الأعداد لأنّ عادتها هو الجامع بينها ، فمما لا تشملها الأدلّة بوجه.

إذن لا يمكن أن يحصل لها العلم بعدم زيادة حيضها على الخمسة مثلاً بل تحتمل زيادة حيضها عنها ونقصانها عنها ، ومعه تشملها المرسلة (2)الدالّة على أنّ المضطربة والّتي لم تستقر لها عادة لزيادة دمها تارة ونقصانه اخرى تتخيّر بين الستّة والسبعة فلا مانع من الأخذ بأحدهما وإن لم تر الدم زائداً على خمسة أيّام كما مرّ.

وهذا بخلاف العلم بزيادة الحيض على السبعة ، لأنّها من العادة الوجوديّة ، ولا مانع من أن يحصل لها العلم بأنّ عادتها العدديّة أكثر من السبع ، ومعه لا يمكنها الرّجوع إلى العدد بل تحتاط بالجمع بين تروك الحائض وأعمال المستحاضة ، للعلم الإجمالي بأنّها حائض أو مستحاضة إذا أمكنها الاحتياط ، وأمّا إذا قلنا بحرمة العبادة عليها ذاتاً فتتخيّر كما مرّ.

وظيفة صاحبة العادة العدديّة

(1) إذا رأت الدم ولم يزد على عشرة أيّام وهو واجد للصفات فيحكم على الجميع بالحيضيّة ، لأنّ الدم قبل العشرة من الحيضة الأُولى ، وأمّا إذا زاد عليها فمن جهة العدد ترجع إلى عادتها فتأخذ بها كخمسة أيّام مثلاً والباقي استحاضة ، وأمّا من حيث الوقت والزّمان فترجع فيه إلى الصفات فتجعل خمسة أيّام من الدم الواجد للصفات حيضاً.


1) (*) بل على الأظهر.

2) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 3.

وإن كان الأقوى التخيير (1) وإن كان هناك تمييز لكن لم يكن موافقاً للعدد فتأخذه وتزيد (1)مع النقصان وتنقص مع الزّيادة (2).


(1) وإذا فرضنا أنّ الدم كلّه بلون واحد فذكر الماتن قدس‌سره أنّها تجعل العدد في الأوّل على الأحوط وإن كان الأقوى التخيير ، والظاهر أنّه استند في الحكم بالتخيير في المقام إلى الأخبار الواردة في أنّ ذات العادة ترجع إلى عددها (2)، حيث إنّها مطلقة وغير مقيّدة بالعدد من الأوّل أو الأخير أو الوسط.

إلاّ أنّ الصحيح كما ذكرناه في المبتدئة والمضطربة جعل العدد من الابتداء والاستحاضة بعد ذلك ، وذلك للأخبار الدالّة على أنّ ذات العادة ترجع إلى عادتها وتستظهر بيوم أو يومين أو أكثر ثمّ هي مستحاضة (3)، حيث جعلت الاستحاضة بعد التحيّض ، وهي صريحة في المدعى. نعم هي واردة في ذات العادة الوقتيّة والعدديّة أو في الوقتيّة فقط ، إلاّ أنّ منها ما يشمل ذات العادة العدديّة أيضاً كصحيحة ابن نُعيم الصحّاف عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث حيض الحامل قال : « فلتمسك عن الصّلاة عدد أيّامها الّتي كانت تقعد في حيضها » (4)، لأنّ الحامل لا يلزم أن تكون ذات عادة وقتيّة وترى الدم في وقت معيّن ، هذا كلّه ظاهر لا خفاء فيه.

وإنّما المهم فيما إذا اختلفت الصفات مع العدد فكانت عادتها سبعة أيّام والدم الواجد للصفات أربعة أيّام أو ثمانية فهل يجب تكميل الناقص وتنقيص الزائد ليتحد مع العادة أو لا؟ يأتي عليه الكلام في التعليقة الآتية فلاحظ.

إذا لم يكن التمييز موافقاً للعدد

(2) كما إذا تجاوز دمها العشرة وكان الواجد للصفات منه أقلّ من عشرة أيّام حتّى


1) (*) فيه وفيما بعده إشكال ، بل الظاهر عدمه.

2) الوسائل 2 : 281 إلى 287 / أبواب الحيض ب 5 و 6.

3) الوسائل 2 : 281 / أبواب الحيض ب 5.

4) الوسائل 2 : 284 / أبواب الحيض ب 5 ح 6.

يمكن التمييز إلاّ أنّه لم يكن موافقاً للعادة العدديّة ، كما إذا كان الدم واجداً للصفات ثمانية أيّام وعادتها ستّة أو كان الدم الواجد للصفات ستّة أيّام وعادتها ثمانية.

ذكر قدس‌سره أنّ مقتضى ما دلّ على أنّ ذات العادة ترجع إلى عددها تنقيص الزائد على الستّة وتكميل الناقص ، لأنّ المدار إنّما هو عددها ، فالزائد ليس بحيض وإن كان واجداً للصفات ، كما أنّ الفاقد حيض إلى أن يكمل العدد لأنّها تتحيّض بعددها.

ولا يمكن المساعدة على شي‌ء ممّا ذكره في التكميل والتنقيص.

أمّا بالإضافة إلى تكميل الناقص فلأن ما دلّ على أنّ ذات العادة ترجع إلى عددها فإنّما هو يختص بالمستحاضة الّتي تجاوز دمها العشرة وكان بلون واحد بحيث لم يمكن التمييز بالصفات ، وأمّا إذا كان الدم الواجد للصفات أقل من عشرة كما في المقام فهو ليس من موارد الرّجوع إلى العدد ، وإنّما هو من موارد التمييز بالصفات ، وقد دلّت صحيحة ابن البَختَري وغيرها من أخبار الصفات (1)على أنّ دم الحيض أسود حارّ عَبيط ودم الاستحاضة بارد أصفر ، ومقتضاها الحكم بحيض المرأة فيما نحن فيه ستّة أيّام وإن كانت عادتها العدديّة ثمانية ، وذلك لصفرة الدم في اليومين الزائدين على الستّة ، والصفرة ليست بحيض.

وقد خرجنا عن عمومه في أيّام العادة فقط ، ولكن الصفرة في المقام ليست من الصفرة في أيّام العادة ، لأنّها ليست بذات عادة وقتيّة لتكون لها أيّاماً ويحكم فيها على الصفرة بكونها حيضاً ، وعليه فلا وجه لضمّ الصفرة إلى الستّة وتكميلها إلى ثمانية أيّام.

نعم يمكن التكميل في بعض الفروض ، وهو ما إذا كان الدم الواجد للصفات أقلّ من ثلاثة أيّام ، فإنّ مقتضى أخبار الصفات أنّ اليومين مثلاً حيض ، ويستفاد منها بالدلالة الالتزاميّة أنّ الصفرة بمقدار يكمل بها ثلاثة أيّام أيضاً حيض ، لأنّ الحيض لا يقل عن ثلاثة أيّام.


1) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3 ح 2 وغيرها من روايات الباب.

ولكن هذا أيضاً مشكل ، لأنّ جعل اليومين حيضاً وتكميلها بيوم واحد من الدم الأصفر معارض بما دلّ على أنّ الصفرة ليست بحيض (1)، فإنّه يدل بالالتزام على عدم كون اليومين حيضاً ، لأنّه لا يقل عن ثلاثة أيّام ، فتحصل أن التكميل ممّا لا يمكن تتميمه بدليل.

وأمّا بالإضافة إلى التنقيص والحكم بعدم حيضيّة الدم في اليومين الزائدين على العادة وهي ستّة أيّام فلأن الدم الواجد للصفات إذا لم يتجاوز عن العشرة فهو أيضاً حيض ، لما دلّ على أنّ كلّ دم تراه المرأة قبل العشرة فهو من الحيضة الأُولى (2)والمفروض في المقام أنّ الدم الّذي رأته المرأة في المقام أقلّ من عشرة ، لأنّ الصفرة وجودها كعدمها على ما قدّمناه من أنّ الصفرة جعلت في مقابل الدم في بعض الرّوايات (3)، فيصح أن يقال إنّها ليست بدم ، فالمرأة لم تر الدم زائداً على العشرة وعليه فالمرأة عالمة بأن ما رأته من الدم الواجد للصفات حيض ولا تردد لها في الحيضيّة لترجع إلى العدد ، إذ الرّجوع إليه إنّما هو في صورة التحير والتردّد كما إذا تجاوز الدم العشرة وكان جميعه بلون واحد أي متّصفاً بصفات الحيض ، وأمّا في المقام فلا تحيّر للمرأة كما ذكرناه.

وعلى الجملة : إنّ الدم إذا كان واجداً للصفات ثمانية أيّام مثلاً وكانت عادة المستحاضة بحسب العدد هو الست لا وجه للاكتفاء بالست وجعل اليومين الزائدين استحاضة مع أنّ الدم فيهما واجد للصفات ، بدعوى أنّها وإن كانت مستحاضة وقد رأت الدم أكثر من عشرة أيّام إلاّ أنّ الصفرة لمّا كانت مقابلة للدم في بعض الرّوايات فهي كالعدم ، فيصح أن يقال إنّ المرأة لم تر الدم زائداً على ثمانية أيّام ، وتشملها الأخبار الدالّة على أنّ كلّ دم تراه المرأة قبل العشرة فهو من الحيضة السابقة من دون أن يعارضها ما دلّ على أنّ المستحاضة ترجع إلى عددها ، لأنّا فرضنا أنّها كمن لم تر


1) الوسائل 2 : 331 و 334 / أبواب الحيض ب 30 ح 6 و 16.

2) الوسائل 2 : 296 / أبواب الحيض ب 10 ح 11 ، 298 / ب 11 ح 3 ، 299 / ب 12 ح 1.

3) الوسائل 2 : 280 / أبواب الحيض ب 4 ح 8 ، 285 / ب 6 ح 1 ، 291 / ب 8 ح 4.

[735] مسألة 8 : لا فرق في الوصف بين الأسود والأحمر ، فلو رأت ثلاثة أيّام أسود وثلاثة أحمر ثمّ بصفة الاستحاضة تتحيّض بستّة (1).


الدم زائداً على العشرة وكأنها ليست مستحاضة لأنّ الصفرة في مقابل الدم ، هذا.

ولكن تتميم ذلك مشكل جدّاً ، إذ الحكم بأنّ الدم متى ما أُطلق يراد منه الدم الواجد للصفات يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل عليه.

فالصحيح في وجه الحكم بحيضيّة الثمان أن يقال : إنّ مقتضى الأخبار الدالّة على أنّ ما تراه المرأة قبل العشرة فهو من الحيضة الاولى هو الحكم بحيضيّة الثمان ، لأنّها فرضت في الحكم بحيضيّة الدم المرئي قبل العشرة وجود حيضة قبل ذلك ، والأمر في المقام كذلك لأنّا سواء قلنا بالرجوع إلى عادتها العدديّة أم بالرجوع إلى الصفات فإلى اليوم السّادس يحكم بحيضيّة الدم لا محالة ، إذن لا بدّ من الحكم بحيضيّة الزائد على الست أيضاً ، لأنّه دم رأته المرأة قبل العشرة ، فالأخبار غير قاصرة الشمول للمقام.

نعم ، إطلاق تلك الرّوايات في المقام معارض بما دلّ على أنّ المستحاضة ترجع إلى عددها (1)، فإنّها تقتضي الحكم بحيضيّة الست دون الزائد عليها ، ويتساقطان بالمعارضة فترجع إلى أخبار الصفات (2)الدالّة على أنّ دم الحيض ليس به خفاء لأنّه حار أسود عبيط ، ومقتضاها الحكم بحيضيّة الثمانية كما ذكرناه.

التسوية بين أوصاف الدم

(1) يأتي التعرّض لذلك في المسائل الآتية إن شاء اللّه تعالى (3)، وسيظهر أنّ ما أفاده الماتن قدس‌سره هو الصحيح ، ولا يمكن الاعتماد على ما نسب إلى جماعة من أنّ الأسود مقدّم على الأحمر ، وهو مقدم على الأصفر ، وهو متقدّم على الأكدر ، لأنّها


1) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 3.

2) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3.

3) يأتي في الصفحة 317.

استنباطات لا يساعدها الدليل.

وذلك لأنّ الأخبار الواردة في صفات الحيض من صحيحة حفص بن البَختَري والمرسلة وغيرهما (1)إنّما دلّتا على أنّ دم الحيض أسود ودم الاستحاضة بارد أصفر ولا تعرّض في شي‌ء من تلك الرّوايات للأحمر (2)، فيدور الأمر بين إدراج الأحمر تحت الأسود والحكم بأنّه أعم من الحمرة ، وبين إدراجه تحت الأصفر والحكم بأنّه أعم من الأحمر ، إذ لا واسطة بين الحيض والاستحاضة ولا مجال لتثليث الأقسام والقول بأنّ الدم الأحمر ليس بحيض ولا باستحاضة.

فإذا راجعنا الرّوايات رأينا أنّ الأسود يراد به الأعم من الأسود والأحمر. وذلك لأنّ السواد بمفهومه المتعارف كما في سواد الفحم ممّا لا يوجد في الدم بوجه ، ولو وجد فهو أقلّ قليل ولا يمكن حمل الأخبار الواردة في أنّ دم الحيض أسود على المعدوم أو النادر مع كثرة النِّساء وكثرة حيضهن ، فمنه يعرف أنّ المراد بالأسود هو اللون المناسب للون الدم ، حيث يعبّر عن الدم شديد الحمرة بالأسود حتّى في زماننا ، وعليه فالمراد بالأسود هو الأحمر وإنّما عبّر عنه بذلك لشدّة حمرته.

ويكشف عن ذلك ما ورد في بعض الأخبار من جعل المقابلة بين الدم والصفرة حيث ورد أنّها « ترى البياض لا صفرة ولا دماً » (3)، أو أنّها « إذا رأت الدم وإذا رأت الصفرة » (4)، حيث يدلّنا على أنّ المراد بالأسود هو ما يقابل الأصفر أحمر كان أم أسود ، فإنّ الصفرة ليست بدم ، وما ورد في المرسلة من قوله « لأنّ السنّة في الحيض أن تكون الصفرة والكُدرة فما فوقها في أيّام الحيض إذا عرفت حيضاً كلّه إن كان الدم أسود أو غير ذلك » (5)حيث جعلت السواد وغيره حيضاً في قبال الصفرة والكدرة فما


1) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3.

2) نعم ورد في رواية محمّد بن مسلم : الوسائل 2 : 334 / أبواب الحيض ب 30 ح 16 ، إلاّ أنّها مرسلة.

3) الوسائل 2 : 285 / أبواب الحيض ب 6 ح 1.

4) الوسائل 2 : 291 / أبواب الحيض ب 8 ح 4.

5) الوسائل 2 : 276 / أبواب الحيض ب 3 ح 4.

[736] مسألة 9 : لو رأت بصفة الحيض ثلاثة أيّام ثمّ ثلاثة أيّام بصفة الاستحاضة ثمّ بصفة الحيض خمسة أيّام أو أزيد تجعل الحيض الثلاثة الاولى (1)(1)


فوقها ، فلا ترجيح للسواد على الحمرة ولا للصفرة على الكدرة ، فيدلّ ذلك على أنّ المراد بالأسود هو اللون المناسب للون الدم كما بيّناه.

مورد التمييز بالصفات

(1) ذكر قدس‌سره سابقاً أنّ التمييز بالصفات إنّما هو فيما إذا لم يعارضه دم آخر واجد للصفات (2)، وإلاّ فهي فاقدة للتمييز ولا بدّ من أن ترجع إلى العدد أو الأقارب كما مرّ ، ومقامنا هذا من هذا القبيل ، لأنّ الحكم بحيضيّة الثّلاثة معارض بالحكم بحيضيّة الخمسة ، إذ الحكم بحيضيّتهما معاً يستلزم كون الحيض أحد عشر يوماً ، ومعه لا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بالصفات ، وعليه يكون ما أفاده قدس‌سره في هذه المسألة منافياً لما تقدّم منه في اشتراط الرّجوع إلى التمييز بعدم كونه معارضاً بدم آخر مثله ، إلاّ أنّ الظاهر ولا أقل من احتمال أنّ حكمه بجعل الثّلاثة حيضاً ليس من جهة التمييز بالصفات ليرد عليه أنّه مناف لما ذكره قبل ذلك ، بل التمييز بالصفات غير ممكن للمعارضة ، ومعه لا بدّ أن ترجع المرأة إلى العدد مخيّرة بين الثّلاثة والستّة والسبعة عنده قدس‌سره.

ومن الظّاهر أنّ الأخذ بالثلاثة حينئذ هو المتعيّن ، لأنّ أخذ الست أو السبع مستلزم للمكمل من أيّام الاستحاضة ، ولا مقتضي لجعل الاستحاضة حيضاً فيتعيّن الأخذ بالثلاثة ، وعليه فلا يكون ما ذكره في هذه المسألة منافياً لمّا تقدّم منه سابقاً.

نعم ، ظاهر كلامه في المقام أنّ الحكم بجعل العدد في الأوّل حيث جعل الثّلاثة


1) (*) بل تحتاط فيها وفي الخمسة الأخيرة.

2) ذكره في الصفحة 276.

حيضاً مع إمكان جعل الثّلاثة من الخمسة الأخيرة حيضاً إنّما هو من باب الحكم والفتوى ، مع أنّه إنّما حكم بجعل العدد في أوّل رؤية الدم من باب الاحتياط (1)، إلاّ أنّه سهل لأنّ الاحتياط لزومي ، والاحتياط اللازم بمنزلة الفتوى وهو ظاهر.

وتوضيح الكلام في المقام أنّ الماتن قدس‌سره قد ذكر في المقام أنّ المرأة إذا رأت الدم ثلاثة أيّام واجداً للصفات وثلاثة أيّام فاقداً لها وخمسة أيّام واجداً للصفات تجعل الحيض الثلاثة الأُولى ، وتعرّض لعين هذه المسألة سابقاً عند تعرّضه لأحكام المضطربة والمبتدئة وأنّهما ترجعان إلى التمييز بالصفات وذكر أنّ الرّجوع إلى الصفات مشروط بأمرين :

أحدهما : أن لا يقلّ الدم عن ثلاثة أيّام ولا يزيد على العشرة.

وثانيهما : أن لا يعارضه دم آخر واجد للصفات ، ومثّل له بما إذا رأت الدم خمسة أيّام أسود وخمسة أيّام أصفر وخمسة أيّام أسود ، فإنّ الرّجوع إلى الصفات في إحدى الخمستين معارض بالأُخرى ولا يمكن جعلهما معاً حيضاً ، ومعه تكون المرأة فاقدة للصفات ، ولم يحكم بجعل الخمسة الأُولى حيضاً ، لعدم كون الأسبقيّة في الوجود مرجحة.

وأمّا في المقام فقد ذكر أنّها تجعل الثّلاثة الأُولى حيضاً ، وذكرنا أنّ هذا بظاهره ينافي ما تقدّم منه قدس‌سره كما نقلناه.

ولكن الصحيح عدم التنافي بينهما ، وذلك لأنّ المرأة في كلتا المسألتين لا تتمكّن من الرّجوع إلى الصفات للمعارضة ، فلا بدّ من أن ترجع إلى أقاربها أو إلى العدد مخيّرة عنده بين الثّلاث والست والسبع ، وعلى كلا التقديرين لا بدّ من جعل العدد في أوّل ما تراه من الدم احتياطاً لزوميّا عنده ، بلا فرق في ذلك بين العدد المتخذ من الأقارب والعدد المتّخذ من الرّوايات ، ومعه لا بدّ للمرأة من جعل ثلاثة أيّام من أوّل رؤيتها الدم حيضاً في كلتا المسألتين ، لأنّها إن رجعت إلى أقاربها فلا يحتمل أن تكون


1) حكم به في المسألة [730].

عادتهنّ أقلّ من ثلاثة ، كما أنّها إذا رجعت إلى العدد أيضاً لا يقلّ حيضها عن الثّلاثة.

نعم ، بعد ذلك لا بدّ من تتميم الثّلاثة بمقدار عادة النِّساء أو العدد الّذي اختارته غير الثّلاثة ، لأنّ في اختيار الثّلاثة لا حاجة إلى التكميل ، فتأخذ من الخمسة الأخيرة في كلتا المسألتين ما به تكمل عادة نسائها أو العدد الّذي اختارته.

لكنّه لم يتعرّض للمكمّل في شي‌ء من المسألتين :

أمّا الوجه في عدم تعرّضه في المسألة الأُولى لجعل الدم الأوّل حيضاً مع تعرّضه له في المقام فهو أنّ في تلك المسألة لم يكن يتوهّم إلحاق الدم الأخير بتمامه أو ببعضه إلى الأوّل بوجه ، ولو بدعوى أن كلّ دم تراه المرأة قبل العشرة فهو من الحيضة السابقة أو من جهة الأخذ بأخبار الصفات بالمقدار الممكن وهو ما به يتمّ عشرة أيّام ، بل الدم الأخير فيها محكوم بعدم الحيضيّة لا محالة ، وإلاّ لو الحق الدم الأخير بالأوّل زاد الدم عن عشرة ، لأنّ الخمسة الاولى مع الخمسة الوسطانيّة عشرة أيّام ومع إلحاق الخمسة الأخيرة إليهما يزيد الحيض عن العشرة.

وأمّا في المقام فللتوهم المذكور مجال ، إذ لا يزيد الأوّل مع ما يلحق به من الدم الأخير على عشرة أيّام كما توهّم أيضاً ، بأن يحكم بالتحاق الدم من الخمسة الأخيرة إلى الدم الأوّل بمقدار يكمل به عشرة أيّام ، أي تنضمّ أربعة أيّام من الخمسة إلى الثّلاثة حتّى تكمل العشرة مع الدم المتخلّل بينهما وهو ثلاثة أيّام ، ويحذف اليوم الخامس لأنّه زائد على العشرة ، بدعوى أنّ كلّ دم تراه المرأة قبل العشرة فهو من الحيضة الأُولى أو بالأخذ بروايات الصفات بالمقدار الممكن.

ولأجل دفع هذا التوهّم ذكر أنّ الدم الأوّل لا بدّ من جعله حيضاً ، لا أنّ الحيض يجعل عشرة أيّام بضم ما يكمل به العشرة من الدم الأخير إلى الدم الأوّل ، ولم يتعرّض لدفعه في المسألة الأُولى إذ لم يكن لهذا التوهّم فيها مجال كما عرفت فالمسألتان ليستا متنافيتين.

وأمّا فساد هذا التوهّم فهو أنّ أخبار الصفات قد سقطت بالمعارضة على الفرض ،

فلا مجال للرجوع إلى التمييز بالصفات والحكم بجعل الدم الأوّل حيضاً ، وتتميمه عشرة أيّام بالدم الأخير ليس بأولى من العكس وهو بجعل الخمسة الأخيرة حيضاً وتتميمها عشرة مع الدم المتوسط من الدم الأوّل بأن ينضم إليها يومان من الثّلاثة الأُولى ، ويكون الدم في اليوم الأوّل منها استحاضة ، مضافاً إلى أنّه لا وجه للتبعيض في الدم المتساوي من حيث الصفات بجعل بعضه حيضاً دون بعض.

هذا كلّه في شرح كلام الماتن قدس‌سره.

تحقيق الكلام في المسألتين

وأمّا تحقيق الكلام في هاتين المسألتين حيث لم نتعرّض نحن لحكمهما هنا ولا هناك ، فهو أنّ المرأة في مفروض المسألتين لا بدّ من أن ترجع إلى التمييز بالصفات ، وذلك لأنّ أخبار الصفات وإن كانت متعارضة بالإضافة إلى الدمين الواجدين للصفات ، إلاّ أنّها بالإضافة إلى الدم المتوسّط الفاقد لصفات الحيض ممّا لا معارض لها ، وقد عرفت أنّ المرسلة كما تدلّ على أنّ الإقبال والسواد أمارة الحيض ، كذلك تدلّ على أنّ الإدبار والصفرة أمارة الاستحاضة ، فإذن ترجع المرأة إلى تلك الأمارة وتحكم بعدم الحيضيّة في الدم المتوسط وكونه استحاضة ، وليس لها أن ترجع إلى أقاربها أو العدد ، لأنّهما مترتبان على فقد التمييز بالصفات ، وهذه المرأة ليست بفاقدة له.

على أنّ أدلّة الرّجوع إلى العدد (1)غير شاملة للمورد في نفسها ، وذلك لأنّ مورده كما في المرسلة (2)ما إذا كانت الاستحاضة دارّة وكان الدم بلون واحد في الجميع وليس الدم في المسألتين على لون واحد في الجميع كما عرفت ، كما أنّ ما دلّ على الرّجوع إلى الأقارب لا تشمله ، لأنّ العمدة فيه هي الموثقة (3)وهي مقيّدة بالمبتدئة


1) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8.

2) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 3.

3) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 2.

وأمّا لو رأت بعد الستّة الأُولى ثلاثة أيّام أو أربعة بصفة الحيض تجعل الحيض الدمين الأوّل والأخير (1) ، وتحتاط في البين (1)ممّا هو بصفة الاستحاضة (2) ، لأنّه كالنّقاء المتخلّل بين الدمين.


الّتي لا تعرف أيّامها ، وقد مرّ أنّ معرفتها لأيّامها لا يحتمل أن تكون بالعادة ، وإنّما المراد بها معرفتها بالتمييز ، والمرأة متمكّنة من التمييز في المقام ، فلا مناص من أن تجعل الدم الأصفر استحاضة من جهة الرّجوع إلى التمييز.

والّذي يوضّح ما ذكرناه أنّ المرأة إذا استحيضت مدّة شهر واحد إلاّ أنّها رأت الدم في العشرة الثّانية والثّالثة بلون الحيض ، وفي العشرة الأُولى بلون الاستحاضة فإنّه لا يمكن في حقِّها الحكم بأنّها فاقدة للتمييز فترجع إلى العدد أو عادة نسائها فتجعل الدم الأوّل الفاقد للصفات حيضاً ، والدمين الواجدين للأوصاف استحاضة. بل يقال إنّها متمكِّنة من التمييز في الدم الفاقد فيحكم بكونه استحاضة وإن كانت الأدلّة بالإضافة إلى أماريّة السواد مثلاً متعارضة في الدمين الواجدين للصفات.

فإذا حكمنا بالاستحاضة في الوسط فتبقى المرأة وعلمها الإجمالي بالإضافة إلى الدمين الواجدين للصفات ، لأنّها إمّا حائض في الأوّل ومستحاضة في الثّاني أو العكس أو لعلمها بكونها حائضاً في مجموع تلك الأيّام لا محالة ، ومعه لا بدّ من الاحتياط في الدمين بالجمع بين أفعال المستحاضة وتروك الحائض.

بعض فروع التمييز

(1) لأنّهما واجدان للأوصاف وقد رأتهما قبل العشرة.

(2) لأنّه في حكم النّقاء المتخلّل بين الدمين ، وقد تقدّم منه ( قدس‌سره )


1) (*) مرّ أنّه بحكم الحيض.

[737] مسألة 10 : إذا تخلّل بين المتصفين بصفة الحيض عشرة أيّام بصفة الاستحاضة جعلتهما حيضين (1) إذا لم يكن كلّ واحد منهما أقلّ من ثلاثة.

[738] مسألة 11 : إذا كان ما بصفة الحيض ثلاثة متفرّقة في ضمن عشرة تحتاط في جميع العشرة (1)(2).


الاحتياط فيه ، وذكرنا نحن أنّ حكمه حكم الحيض ، ولا يعارض الحكم بالحيضيّة حينئذ بما دلّ على أنّ الصفرة أمارة الاستحاضة ، لما تقدّم من أنّ التردّد في الحيضيّة حينئذ لم ينشأ عن وجود الدم لتكون صفرته أمارة على الاستحاضة والحمرة أمارة على الحيض ، وإنّما الحكم بالحيضيّة من جهة أنّ أقلّ الطّهر عشرة أيّام وما كان دون ذلك فهو ليس بطهر ، ومن ثمة حكمنا بالحيضيّة حينئذ حتّى مع النّقاء ، والصفرة في مثله ليست أمارة على الاستحاضة كما قدّمناه وقدّمنا له وجهاً آخر أيضاً فليلاحظ (2).

(1) لأنّهما دمان واجدان للصفات مع الفصل بينهما بعشرة أيّام.

(2) أمّا في الثّلاثة المتفرّقة فلاحتمال عدم اشتراط التوالي في ثلاثة الحيض ، ومن هنا احتاط الماتن قدس‌سره في غير المتوالي سابقاً.

وأمّا في المتخلّلات فلأنها كالنقاء المتخلّل بين حيضة واحدة ، وقد عرفت أنّه مورد الاحتياط عنده ، ونحن لمّا ذكرنا في محله أنّ التوالي معتبر في الثلاثة فلا يلزمنا الاحتياط لا في الثّلاثة لعدم كونها متوالية ، ولا في غيرها لعدم كونها متخلّلة بين الحيضة الواحدة.


1) (*) تقدّم أنّ الحكم بعدم الحيضيّة هو الأظهر.

2) تقدّما في الصفحة 278.

[739] مسألة 12 : لا بدّ في التمييز أن يكون بعضها بصفة الاستحاضة وبعضها بصفة الحيض ، فإذا كانت مختلفة في صفات الحيض فلا تمييز بالشدّة والضعف أو غيرهما كما إذا كان في أحدهما وصفان وفي الآخر وصف واحد ، بل مثل هذا فاقد التمييز. ولا يعتبر اجتماع صفات الحيض بل تكفي واحدة منها (1).


ما يعتبر في التمييز :

(1) هذه المسألة متضمّنة لعدّة فروع وكان من حقّها أن تجعل مسائل مستقلّة.

منها : أنّ الصفات غير المنصوصة كالشدّة والثخانة وغيرهما كالصفات المنصوصة مرجّحة أو لا يمكن الترجيح بها؟

لا وجه للتعدِّي عن الأوصاف المنصوصة إلى غيرها سوى الظنّ والاستحسان وهما ممّا لا يمكن الاعتماد عليهما وإن ذكر جملة من الأكابر كالمحقّق الهمداني (1)قدس‌سره أنّ المرسلة تدلّ على أنّ المرأة تعيّن الحيض بظنّها.

إلاّ أنّه ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، ولا دلالة للمرسلة على ذلك ، بل مقتضى قوله إذا كان الدم بلون واحد تتحيّض بست أو بسبع (2)أنّ غير اللون لا يمكن الترجيح به.

إذن لا مسوغ للتعدِّي إلى غير المنصوص من الصفات إلاّ مجرّد الظنّ والاستحسان ولا يمكن أن يعتمد عليهما في مقابل إطلاق الأخبار ، لأنّه يقتضي عدم الاعتبار بالصفات غير المنصوصة.

ومنها : أنّ أحد الدمين إذا كان واجداً لوصفين والآخر واجداً لوصف واحد ، أو كان أحدهما مشتملاً على وصف واحد ولم يكن الآخر مشتملاً على شي‌ء من الأوصاف


1) لاحظ مصباح الفقيه ( الطّهارة ) : 305 تنبيه.

2) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 3.

فهل يتقدّم الواجد للوصفين على واجد الوصف الواحد ، أو الواجد لوصف واحد على ما لا وصف له أو لا؟

تبتني هذه المسألة على ملاحظة أنّ الأمارة على الحيض هل هي مجموع الأوصاف الواردة في الأخبار ، أو أنّ الأمارة كلّ واحد واحد من الأوصاف بمعنى أنّ المعرّف هو طبيعي الأوصاف؟

فعلى الأوّل لا ترجيح لشي‌ء من الدمين على الآخر ، لعدم اشتمالهما على مجموع الصفات وإن اشتمل كلّ منهما على بعضها.

وعلى الثاني فيتقدّم الواجد للوصف الواحد على فاقده لاشتماله على أمارة الحيض وتقع المعارضة بين الواجد للوصفين والواجد لوصف واحد ، لأنّ الأمارة الواحدة تعارض الأمارتين والأكثر ، والكثرة والقلّة ليستا مرجحتين في الأمارتين ، ومن ثمة لو قامت بيّنة مركّبة من عدلين على شي‌ء وقامت بيّنة أُخرى مركّبة من أربعة عدول على خلافها وقعت المعارضة بينهما كما قدّمناه في بحث المياه. وكذا إذا كان أحدهما مشتملاً على صفة والآخر على صفة أُخرى ، وتكون المرأة حينئذ فاقدة التمييز لا محالة.

فنقول : إنّ الأوصاف الواردة في الأخبار ستّة ، وهي السواد والحرارة والكثرة والطراوة وهي المراد من العبيط والحرقة والدفع ، ويقابلها الصفرة والبرودة والقلّة والفساد وعدم الحرقة والفتور. حيث جعلت الأُولى معرّفة إلى الحيض والثّانية أمارة على الاستحاضة.

ففي صحيحة معاوية بن عمار « قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام : إنّ دم الاستحاضة والحيض ليس يخرجان من مكان واحد ، إنّ دم الاستحاضة بارد وإنّ دم الحيض حارّ » (1).

وفي صحيحة حفص بن البَختَري « قال : دخلت على أبي عبد اللّه ( عليه‌السلام )


1) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3 ح 1.

امرأة فسألته عن المرأة يستمرّ بها الدم فلا تدري أحيض هو أو غيره؟ قال فقال لها : إنّ دم الحيض حارّ عبيط أسود له دفع وحرارة ، ودم الاستحاضة أصفر بارد ، فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصّلاة ... » (1).

وفي صحيحة إسحاق بن جَرير : « أنّ دم الحيض ليس به خفاء هو دم حار تجد له حرقة ، ودم الاستحاضة دم فاسد بارد ... » (2).

وفي صحيحة أبي المَغراء « قال : سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الحبلى قد استبان ذلك منها ترى كما ترى الحائض من الدم ، قال : تلك الهراقة ، إن كان دماً كثيراً فلا تصلِّين وإن كان قليلاً فلتغتسل عند كلّ صلاتين » (3).

وفي مرسلة يونس الطويلة « وقال هاهنا إذا رأت الدم البَحراني فلتدع الصّلاة إلى أن قال وإنّما سمّاه أبي بَحرانياً لكثرته ولونه » (4)، وورد فيها أيضاً « إذا أقبلت الحيضة فدعي الصّلاة ، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلِّي » ، لأنّ الظاهر من الإقبال والإدبار هو كثرة الدم وقلّته وإن كان محتملاً للإقبال والإدبار من جهة أُخرى.

هذه هي الأوصاف الواردة في الأخبار ، وهي كما عرفتها ستّة ، ويمكن إرجاعها إلى أربعة نظراً إلى أنّ الدفع لازم الكثرة كما أنّ الحرقة لازم الحرارة.

وكيف كان الظاهر من الأخبار أنّ المعرف إلى الحيض طبيعي الصفات ، حيث اقتصر في بعضها بذكر وصف واحد وفي بعضها وصفان وهكذا ، وهذا ظاهر في أنّ المعرف هو الطبيعي على نحو صرف الوجود لا أنّ المعرف هو المجموع.

ودعوى : أنّه لا بدّ من تقييد الأخبار بعضها ببعض.

مندفعة : بأنّ الدم الواجد لتلك الأوصاف بأجمعها من الندرة بمكان ، وقلّما يتحقّق له مصداق في الخارج ، فكيف يمكن حمل تلك الرّوايات على مثله.


1) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3 ح 2.

2) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3 ح 3.

3) الوسائل 2 : 331 / أبواب الحيض ب 30 ح 5.

4) الوسائل 2 : 276 / أبواب الحيض ب 3 ح 4.

[740] مسألة 13 : ذكر بعض العلماء الرّجوع إلى الأقران مع فقد الأقارب ثمّ الرّجوع إلى التخيير بين الأعداد ، ولا دليل عليه ، فترجع إلى التخيير (1)بعد فقد الأقارب (1).


على أنّ ذيل المرسلة أصرح شاهد على ما ادّعيناه ، حيث إنّها بعد ما قسمت السنن إلى ثلاث إلى آخر الرّواية قال « فإن لم يكن الأمر كذلك ولكن الدم أطبق عليها فلم تزل الاستحاضة دارّة ، وكان الدم على لون واحد وحالة واحدة فسنّتها السبع » (2)الحديث ، فإنّ مقتضى ذلك أنّ كلّ واحد من الدمين إذا كان مساوياً مع الآخر في وصف أو وصفين ولكن كان في أحدهما صفة زائدة لم تكن تلك الصفة في الآخر ليس لها أن ترجع إلى العدد ، لعدم كون الدم على حالة واحدة أو لون واحد.

إذن فالمعرف هو الطبيعي على نحو صرف الوجود لا مجموع الأوصاف المتقدّمة.

وعليه فالدم الواجد لوصف واحد متقدّم على الدم العاري عن كلّ وصف لاشتماله على معرف الحيض كما مرّ ، كما أنّ الدم الواجد لوصفين منها مع الدم الواجد لوصف واحد متعارضان ، لاشتمال كلّ منهما على معرف الحيض وهو طبيعي الصفات المتحقّق في كليهما ، وقد عرفت أنّ الأمارة الواحدة تعارض الأمارتين.

وكذلك الحال فيما إذا كان في أحدهما وصف وفي الآخر وصف آخر ، فلا يمكن أن يقال إنّ المرأة حينئذ متمكّنة من التمييز ، وحيث إنّ السّنن منحصرة في ثلاث فلا مناص من أن يحكم على المرأة حينئذ بالرجوع إلى العدد ، لعدم تمكّنها من التمييز بالصفات.

الرجوع إلى الأقران

(1) قدّمنا أنّ الرّجوع إلى الأقارب ورد في روايتين :


1) (*) مرّ حكم ذلك [ في المسألة 728 ].

2) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 3.

إحداهما : رواية زرارة ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام قال « يجب للمستحاضة أن تنظر بعض نسائها فتقتدي بأقرائها ، ثمّ تستظهر على ذلك بيوم » (1)وقد ادّعي أنّ الرّواية هكذا « فتقتدي بأقرانها » بدلاً عن « أقرائها » ، وبها استدلّ على أنّ المستحاضة إذا لم تتمكّن من الرّجوع إلى أقاربها ترجع إلى أقرانها.

ويرد عليه أوّلاً : أنّها ضعيفة السند ، لعدم وثاقة طريق الشيخ إلى ابن فضال كما تقدّم (2).

وثانياً : أنّ نسخة « أقرانها » لم تثبت صحّتها ، بل الصحيح هو « أقرائها » كما في الوسائل.

وثالثاً : أنّ النسخة لو كانت هي أقرانها فهي إنّما تدلّ على الرّجوع إلى أقران نسائها لا إلى مطلق الأقران كما ادّعي.

ورابعاً : مع الغض عن جميع ذلك أنّها لو دلّت فإنّما تدلّ على الرّجوع إلى الأقران في عرض الأقارب ، فمن أين يستفاد منها الترتيب وأنّ الرّجوع إلى الأقران إنّما هو بعد عدم التمكّن من الرّجوع إلى الأقارب ، فلا دلالة للرواية على المدعى.

وثانيتهما : موثقة سماعة قال « سألته عن جارية حاضت أوّل حيضها ، فدام دمها ثلاثة أشهر وهي لا تعرف أيّام أقرائها ، فقال : أقراؤها مثل أقراء نسائها ، فإن كانت نساؤها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة أيّام وأقلّه ثلاثة أيّام » (3)وادّعي أنّ قوله « أقراء نسائها » عام يشمل الأقران كما يشمل الأقارب.

ويرد عليه : أنّ هذه الدعوى لو تمّت فإنّما تثبت دلالة الموثقة على الرجوع إلى الأقران في عرض الأقارب ، وأمّا أنّ الرّجوع إلى الأقارب متقدّم على الأقران كما هو المدعى فلا يستفاد منها بوجه.

على أنّ الموثقة مشتملة على قرينة ظاهرة في أنّ المراد من نسائها هي الأقارب


1) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 1.

2) تقدّم صحّة طريق الشيخ إلى ابن فضال في الصفحة 70.

3) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 2.

[741] مسألة 14 : المراد من الأقارب أعم من الأبويني والأبي والأُمِّي فقط (1) ، ولا يلزم في الرّجوع إليهم حياتهم.

[742] مسألة 15 : في الموارد الّتي تتخيّر (1)بين جعل الحيض أوّل الشهر أو غيره (2) إذا عارضها زوجها وكان مختارها منافياً لحقّه وجب عليها مراعاة حقّه (3)


دون الأقران ، وهي قوله « فإن كانت نساؤها مختلفات » ، لأنّ النساء القابلة للانقسام إلى مختلفات بحسب العادة ومتّفقات هي الأقارب فحسب لقلّتهنّ فإنّهنّ قد يتّفقن في أيّامهنّ وقد يختلفن ، وأمّا النِّساء الأقران فهنّ لكثرتهنّ مختلفة في العادة دائماً ، ولا توجد نساء بلدة واحدة أو أكثر مثلاً متّفقات في عادتهنّ ، فالرّجوع إلى الأقران لا دليل عليه.

(1) لإطلاق الموثقة.

(2) كما في ذات العادة العدديّة حيث بنى الماتن قدس‌سره فيها على أنّها ترجع إلى عددها ، ومن حيث الزّمان تأخذ بما فيه الصفة ، ومع عدم التمكّن من التمييز تجعل العدد في الأوّل على الأحوط وإن كان الأقوى التخيير (2)، وكذا في الناسية والمبتدئة والمضطربة فيما إذا قلنا برجوعهنّ إلى العدد من الثّلاثة والستّة والسبعة مخيّرة بين جعل العدد في أوّل رؤية الدم أو غيره (3)وإن احتاط فيها الماتن قدس‌سره بجعل العدد في أوّل رؤية الدم ، وذكرنا نحن أنّه الأظهر (4).

تنافي مختار المرأة وحق زوجها

(3) لعدم تعيّن جعل العدد في زمان ينافي حقّ زوجها ووجوب إطاعة الزّوج وتمكينه ، ومن الواضح أنّ غير الواجب لا يعارض الواجب ، ومن ذلك يظهر الحال في


1) (*) تقدّم أنّه لا موضوع للتخيير.

2) بنى عليه في المسألة [734].

3) راجع الصفحة 283 وما بعدها.

4) راجع المسألة [730] وتعليقتها.

وكذا في الأمة مع السيِّد ، وإذا أرادت الاحتياط الاستحبابي فمنعها زوجها أو سيِّدها يجب تقديم حقّهما. نعم ليس لهما منعها عن الاحتياط الوجوبي (1).


الاحتياط الاستحبابي ، كما إذا قلنا باستحباب الاستظهار مثلاً ، لأنّ تمكين الزّوج واجب ، وهو مقدّم على غير الواجب ولو كان مستحبّاً.

(1) قد يكون الاحتياط مشتركاً فيه بين الزّوج والزّوجة ، كما إذا قلّدا من يرى وجوب الاستظهار بيوم أو يومين أو أكثر ، فإنّ المرأة كما يجب عليها الاحتياط فيها فلا تتمكّن من مطاوعة زوجها كذلك الزّوج يجب عليه فيها الاحتياط ، فلا يتمكّن من وطء زوجته ، فلا يسوغ له مطالبة الزّوجة بالجماع ، كما لا يجب عليها قبوله لحرمة تمكين الزّوج من نفسها.

وكذا الحال فيما إذا علم كلّ منهما إجمالاً بأنّ عادة المرأة إمّا في آخر الشهر أو أوّله إذ يجب على كلّ منهما الاحتياط ، وفي هذه الموارد لا إشكال في عدم وجوب الطاعة من الزّوجة والأمة للزوج والسيِّد.

وقد يجب الاحتياط على المرأة ولا يجب على الزوج ، وهذا يتحقّق في كلّ من الشبهات الحكمية والموضوعيّة ، كما إذا قلّدت الزّوجة من يرى وجوب الاستظهار بيوم أو بيومين أو أكثر واعتقد الزّوج عدم وجوبه اجتهاداً أو تقليداً ، ونظيره من حيث اختلاف الزّوج والزّوجة ما إذا قلّدت المرأة من يرى حرمة وطء الزّوجة بعد نقائها وقبل الاغتسال والزّوج رأى جوازه ، أو قلّدت هي من يرى حرمة وطء الزّوجة في دبرها أيّام حيضها أو مطلقاً والزّوج رأى جواز ذلك إمّا مطلقاً أو في أيّام حيضها.

وكذلك الحال في الشبهات الموضوعيّة ، كما إذا علمت المرأة إجمالاً بأنّ وقتها إمّا هو آخر الشهر وإمّا أوّله ، ولكن الزّوج علم بأنّ وقتها أوّل الشهر معيّناً.

وفي هذه الموارد إذا كان الاحتياط متعلّقاً للأمر المولوي ، كما في أيّام الاستظهار بناءً على وجوبه والأوامر الواردة في التوقف والاحتياط إذا قلنا أنّها مولويّة شرعيّة

أيضاً لا كلام في أنّ السيِّد والزّوج ليس لهما منع الأمة أو الزّوجة عن الاحتياط ، لأنّ المرأة مأمورة بذلك ويحرم عليها المطاوعة والتمكين من نفسها ، ومعه لا يمكن الحكم بجواز المطالبة لهما ، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، ولأنه يستلزم الأمر أو الترخيص في المعصية ، إذ لو كانت المرأة مأمورة بالمطاوعة مع فرض حرمتها في حقّها كان ذلك من الأمر بالمعصية.

وأمّا إذا لم يكن الاحتياط متعلّقاً للأمر المولوي وإنّما وجب عقلاً ، كما في موارد العلم الإجمالي أو الشبهات قبل الفحص وقلنا بأنّ أوامر التوقّف والاحتياط أوامر إرشاديّة وليست بمنجزة للواقع لأنّ الحكم الواقعي يتنجز قبلها فهي إرشاد إلى ما استقلّ به العقل ، فقد يقال : إنّ أمر المرأة يدور بين الحرمة والوجوب ، لأنّها إن كانت حائضاً فقد حرمت عليها المطاوعة من زوجها ، وإن كانت مستحاضة وجب عليها التمكين والقبول ، والزّوج غير مكلّف بالاحتياط وترك المطالبة ، فله أن يطالب بحقّه كما أنّ لها القبول ، لأنّها مخيّرة لا محالة ، لدوران أمرها بين المحذورين.

ويدفعه : أنّ المرأة وإن لم تكن مأمورة بالاحتياط حينئذ شرعاً إلاّ أن تمكينها معصية لا محالة ، وذلك لأنّ المعصية لغة وشرعاً غير متوقّفة على العلم بالحكم الواقعي أو بما قامت عليه الحجّة شرعاً ، بل المعصية هي كلّ عمل لم يرد فيه ترخيص من قبل المولى ، لأنّه تصرّف في سلطانه وخروج عن زيّ العبوديّة ووظيفة الرقيّة وإن لم يكن هناك حكم واقعي ولا ظاهري ، ومن ثمة قلنا إنّ المتجري يستحق العقاب مع عدم ارتكابه المحرّم الواقعي ، فإنّ إقدامه على ما لا مسوّغ للإقدام عليه هتك وتمرّد على المولى.

ومن جملة الموارد الّتي استعملت فيها المعصية في غير موارد الحكم الواقعي أو الظاهري قوله تعالى ( ... وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ) (1)، وذلك لمّا بيّناه في التفسير من أنّ نهيه تعالى عن أكل الشجرة كان نهياً إرشاديّاً إلى ما يترتب عليه من المفاسد


1) طه 20 : 121.

[743] مسألة 16 : في كلّ مورد تحيّضت من أخذ عادة أو تمييز أو رجوع إلى الأقارب أو إلى التخيير بين الأعداد المذكورة فتبيّن بعد ذلك كونه خلاف الواقع يلزم عليها التدارك بالقضاء أو الإعادة (1).


والمشقات ، أعني الخروج عن الجنة والاحتياج إلى تهيئة المأكل والمشرب وغيرهما ممّا يحتاج إليه البشر في حياته ، كما أُشير إليه في الآيات المباركات ( إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ) (1)، ولم يكن نهياً مولويّاً لينافي نبوّة آدم عليه‌السلام ، ومع عدم حرمة العمل ظاهراً ولا واقعاً أُطلق على ارتكابه عنوان المعصية لأنّه لم يكن مرخّص مولوي.

ومن ذلك أيضاً ما ورد في بعض الرّوايات من قوله عليه‌السلام : لأنّه إنّما عصى سيِّده ولم يعص اللّه (2)، فإذا كان تمكين المرأة حينئذ عصياناً ومعصية فيشمله ما قدّمناه من أنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وليس الحكم بوجوب الطاعة والتمكين في عرض الحكم بحرمتهما وإنّما هما طوليان ، فإنّ الطاعة إنّما تجب في غير موارد الحرمة ومعصية اللّه سبحانه ولا وجوب في موارد المعصية ، وقد ورد في بعض الأخبار : أنّ طاعة الزّوج إنّما هي فيما إذا استحلّت به الصّلاة (3). وعليه فما أفاده الماتن قدس‌سره من أنّ السيِّد والزّوج ليس لهما منع الأمة أو الزّوجة عن الاحتياط الوجوبي هو الصحيح.

لزوم التدارك عند انكشاف الخلاف

(1) لعدم إتيانها بالوظيفة الواقعيّة حينئذ ، ولا تبتني هذه المسألة على مسألة


1) طه 20 : 118.

2) الوسائل 21 : 114 / أبواب نكاح العبيد والإماء ب 24 ح 1 و 2.

3) الوسائل 2 : 375 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 8 وفيها : « وكلّ شي‌ء استحلّت به الصّلاة فليأتها زوجها ».

إجزاء الأحكام الظاهريّة عن الواقعيّة وعدمه ، بل لو قلنا في تلك المسألة أيضاً بالأجزاء لا نلتزم به في المقام ، وذلك لأنّ مسألة الإجزاء إنّما هي فيما إذا أتى المكلّف بالعمل على طبق الأمر الظاهري وكان المأمور به الواقعي على خلافه ، فيقع الكلام حينئذ في أنّ العمل على طبق الحكم الظاهري يجزئ عن الواقع أو لا يجزئ.

والأمر في المقام ليس كذلك ، لأنّ المرأة إذا أخذت بالتحيّض من أوّل الشهر مثلاً وتركت الصّلاة وغيرها من العبادات ثمّ انكشف أنّ عادتها إنّما هي من اليوم الخامس مثلاً وقد نسيتها فلم يصدر منها شي‌ء ، فإنّها لم تأت بعمل ليوافق الواقع أو يخالفه حتّى يقال إنّ عملها على طبق الحكم الظاهري يجزئ عن الواقع أو لا يجزئ.

وكذلك الحال فيما إذا بنت على طهارتها فصلّت وصامت ثمّ انكشف أن تلك الأيّام هي أيّام عادتها ، وأمّا السابقة عليها فلم تكن من عادتها ، فإنّها وإن أتت بالصوم حينئذ إلاّ أنّه لا أمر به في حقِّها واقعاً ليوافقه أو يخالفه ، لأنّها في الواقع لم تكن مأمورة بالصوم ليكون ما أتت به على طبق الأمر الظاهري موافقاً للواقع أو مخالفاً له ، حيث لا أمر في الواقع كما عرفت ، هذا بالإضافة إلى صومها. وأمّا صلاتها فلا أثر لإتيانها حينئذ ، إذ لا يجب قضاء ما فات منها في أيّام العادة.

نعم إذا بنت على طهارتها وأتت بقضاء صلوات كانت في ذمّتها ، ثمّ تبيّن أنّها أيّام عادتها وصلاتها المأتي بها قضاءً باطلة فوجوب الإتيان بها قضاءً ثانياً وعدمه يبتني على أنّ العمل على طبق الحكم الظاهري مجزئ عن الواقع أو غير مجزئ ، لأنّها أتت بالعمل على طبق حكمها الظاهري وكانت في الواقع مكلّفة بذلك العمل مشروطاً بالطّهارة وهي غير طاهرة ، وبما أنّا بنينا في محله على عدم إجزاء الأحكام الظاهريّة عن الواقعيّة فلا مناص من أن تأتي بالقضاء في غير تلك الأيّام ثانياً.

فصل في أحكام الحائض

اشارة

وهي أُمور :

أحدها : يحرم عليها العبادات المشروطة بالطّهارة ، كالصّلاة والصّوم والطّواف والاعتكاف (1).


فصل

في أحكام الحائض

(1) لا ينبغي الإشكال في بطلان العبادات الصادرة من الحائض ، كالصلاة والصّوم ونحوهما ممّا يشترط فيه الطّهارة ، كما لا إشكال في حرمتها التشريعيّة.

وإنّما الكلام في أنّها محرمة ذاتاً أو ليست محرمة بالذات. وتفصيل الكلام يقع في ضمن جهات :

الاولى : أنّ محل الكلام في هذه المسألة إنّما هو العبادات الصادرة من الحائض قبل نقائها من الدم ، وأمّا العبادة بعد نقائها وقبل الاغتسال فهي أيضاً وإن كانت باطلة من غير كلام لفقدانها الطّهارة الّتي هي من شرائطها ، إلاّ أنّ الحرمة الذاتيّة فيها غير محتملة ، وذلك مضافاً إلى التسالم وعدم نقل القول بالحرمة الذاتيّة حينئذ ، أنّ فقدان الطّهارة كفقدان العبادة غير الطّهارة من الشرائط ، فكما لا تكون الصّلاة إلى غير القبلة محرمة بالذات فلتكن الصّلاة من غير طهارة أيضاً كذلك ، وهذا لأنّه لا دليل عليها.

وما يمكن أن يستدلّ به على حرمة العبادات الصادرة من الحائض بعد نقائها وقبل الاغتسال موثقة مَسعَدة بن صَدَقة : « إنِّي أمرّ بقوم ناصبيّة وقد أُقيمت لهم الصّلاة وأنا على غير وضوء ، فإن لم أدخل معهم في الصّلاة قالوا ما شاءوا أن يقولوا ، أفأُصلِّي معهم ثمّ أتوضّأ إذا انصرفت وأُصلِّي؟ فقال جعفر بن محمّد عليه‌السلام : سبحان

اللّه ، أفما يخاف من يصلّي من غير وضوء أن تأخذه الأرض خسفاً! » (1)، حيث دلّت على أنّ الصّلاة من غير طهارة من دون أن يقصد بها القربة موجبة للعذاب والعقاب ولا يكون ذلك إلاّ في ارتكاب أمر محرم بالذات.

ويرد على الاستدلال بها : أنّ هذه الرّواية لا تقاوم التسالم في المسألة ، لأنّها ضعيفة السند حيث لم تثبت وثاقة مسعدة بن صدقة (2)، فلا يمكن الاعتماد على هذه الرّواية بوجه.

على أنّا لا نحتمل حرمة الإتيان بذات الصّلاة من الرّكوع والسّجود وغيرهما لا بعنوان العبادة بحيث لو أرادت الحائض أن تعلّم الجاهل الصّلاة ارتكبت محرماً ، أو أنّ الحائض إذا أمسكت عن الطعام لعدم اشتهائها لا للعبادة كان محرماً ، فإنّه ممّا لم يقم عليه دليل.

ومعه ماذا كان يمنع الشيعي أن يدخل معهم في الصّلاة من غير وضوء من دون أن يقصد بها القربة ، فإنّه ممّا لا حرمة فيه ولا يكون مثله موجباً للعقوبة المذكورة بوجه فلو لم يتمكن إلاّ من الصّلاة معهم بقصد العبادة فهي أيضاً لا يحتمل حرمتها ، لأنّ الاضطرار والتقيّة يرفعان الحرمة لا محالة.

فهذه الرّواية لو كانت سليمة السند لم يمكن الاعتماد عليها فضلاً عمّا إذا كان سندها مورداً للمناقشة كما عرفت ، فمحل الكلام في المقام إنّما هو العبادة الصادرة من الحائض قبل انقطاع دمها.

الجهة الثّانية : أنّ الحائض تارة تأتي بالعبادة بقصد أمرها الجزمي ، فتصلِّي أو تصوم قاصداً بها امتثال الأمر المتعلّق بهما جزماً ، وهذا لا شبهة في حرمتها التشريعيّة ، لأنّ اللّه تعالى لم يأذن لها بذلك ، إذ لا أمر للحائض بالعبادة فتكون داخلة في قوله تعالى ( ... قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ ) (3)، فإذا قلنا بحرمة عبادات الحائض


1) الوسائل 1 : 367 / أبواب الوضوء ب 2 ح 1.

2) وقد فصّل فيه في المعجم 19 : 148 / الرقم [12304].

3) يونس 10 : 59.

ذاتاً تتصف بحرمتين ذاتيّة وتشريعيّة ، ولا مانع من اجتماع حرمتين في شي‌ء واحد إذا كان بعنوانين ، كما إذا أتى المكلّف بشي‌ء من المحرمات الذاتيّة بداعي أمره الجزمي ، كما قد ينسب إلى بعض الصوفيّة حيث يشربون الخمر للتقرّب به إلى اللّه تعالى ، فإنّه محرم بالذات ومحرم تشريعاً أيضاً.

وأُخرى : تأتي الحائض بالعبادة لا بعنوان العبادة بل بعنوان آخر كعنوان التعليم ونحوه ، وهذا أيضاً لا شبهة في عدم حرمته لا تشريعاً إذ لم تنسب إلى اللّه أمراً قط ولم تقصد القربة بوجه ، ولا ذاتاً لما تقدّم من أنّ ذوات الأُمور العباديّة ممّا لا دليل على حرمتها.

وثالثة : تأتي بالعبادة لا على النحو الأوّل أعني بقصد أمرها الجزمي ، ولا على النحو الثّاني بأن تأتي بها لا بعنوان العبادة ، بل تأتي بها بعنوان العبادة لكن بقصد الرّجاء واحتمال مطلوبيتها واقعاً ، وهذا كما في موارد التردّد في أنّها حائض أو طاهرة فتأتي بالصلاة مثلاً لاحتمال مطلوبيتها ، وليست في ذلك حرمة تشريعيّة بوجه ، إذ لم تسند إلى اللّه الأمر بها ، وإنّما الكلام في أنّها محرمة بالذات أو أنّها غير محرمة بالذات كما هي ليست محرمة تشريعيّة ، وقد قدّمنا أنّ العبادات بناءً على كونها محرمة ذاتيّة على الحائض لا تتمكّن المرأة من الاحتياط فيها ، بل يدور أمرها بين الحرمة والوجوب.

ولكنّه قد يقال بأنّها متمكّنة من الاحتياط ولا ثمرة بين القول بحرمتها الذاتيّة وعدمه ، وذلك لأنّ المرأة إذا أتت بالعبادة باحتمال كونها طاهرة في الواقع فإن كانت في الواقع أيضاً طاهرة وهي مكلّفة بالصلاة فقد حصل بها الامتثال ، لأنّها أتت بوظيفتها على الفرض ، وإذا كانت حائضاً في الواقع فهي لم تأت بالعبادة أصلاً ، لأنّها إنّما قصدت العبادة على تقدير كونها طاهرة في الواقع ومأمورة بالصّلاة ، لأنّه معنى إتيانها باحتمال مطلوبيتها ، فإذا لم يحصل المعلّق عليه وهو كونها طاهرة لم تحصل العبادة. نعم أتت بذات العمل من أجزائه وشرائطه إلاّ أنّها ممّا لا يحتمل حرمته كما مرّ.

وقد يقرب هذا المطلب على نحو آخر ، وهو أنّ الإتيان بالعمل باحتمال مطلوبيّته واقعاً إنّما هو انقياد ، والعقل مستقل بحسنه لأنّه والطاعة من باب واحد ، ولا يمكن أن تطرأ عليه الحرمة والقبح بوجه ، لأنّه نظير كون الإطاعة محرمة وهو ممّا لا معنى له.

وعليه فلم تبق ثمرة مترتبة على القول بالحرمة الذاتيّة ، فإنّ موضوع الحرمتين شي‌ء واحد ، وهو ما إذا أتت بالعبادة بداعي أمرها الجزمي ، وذلك لأنّ المرأة إذا أتت بالعبادة بقصد أمرها الجزمي فهي محرمة قطعاً في حقّها للتشريع ، سواء أكانت محرمة عليها بالذات أيضاً أم لم تكن ، وإذا أتت بها بداعي الاحتمال فلا حرمة عليها مطلقاً قلنا بالحرمة الذاتيّة أم لم نقل.

ولكن الأمر ليس كذلك ، وذلك لأنّا إن قلنا بتماميّة ما استدلّ به على الحرمة الذاتيّة فمقتضى إطلاقها أن ما يؤتى به عبادة محرم بالذات سواء أكانت عباديّته من جهة قصد أمره الجزمي أم من جهة قصد أمره الاحتمالي ، فإنّ قوله عليه‌السلام : فلتمسك عن الصّلاة يقتضي حرمة الصّلاة على الحائض أتت بها بداعي أمرها الجزمي أم بداعي احتمال الأمر.

وأمّا ما ادعي من أنّ المرأة حينئذ لم تأت بالعبادة إذا كانت حائضاً واقعاً ففيه خلط ظاهر بين الأُمور الاعتباريّة والأُمور الواقعيّة ، حيث إنّ الأُمور الاعتباريّة اختيارها بيد المعتبر ، فقد ينشئها المنشئ ويوجدها مطلقاً وقد ينشئها ويوجدها معلّقة على شي‌ء فيقول : هي إن كانت زوجتي طالق ، أو بعتك هذا الكتاب إن كنت ابن عمّي ، أو أبحتك هذا المال إن كنت أخي ، فإنّ الطلاق والبيع والإباحة إنّما تتحقّق على تقدير تحقّق ما علّقت عليه بحيث لا طلاق ولا بيع ولا إباحة حقيقة على تقدير عدم تحقّق المعلّق عليه ، فإنّ التعليق إنّما هو في المُنشأ لا في الإنشاء. نعم قد يوجب التعليق بطلان المعاملة وقد لا يوجبه ، وهو أمر آخر تعرّضنا لتفصيله في محله.

وأمّا الأُمور الواقعيّة فأمرها مردّد بين الوجود والعدم ، فهي إمّا أن تكون موجودة وإمّا أن تكون معدومة ، ولا معنى فيها لكونها موجودة على تقدير كذا ، فلو ضرب أحداً على أنّه عدوه لا معنى لكون الضرب معلقاً على كونه عدوه بحيث لو كان

صديقه لم يضربه ، فإنّ الضرب قد تحقّق على الفرض سواء أكان المضروب صديقه أم عدوه ، وكذا إذا شرب المائع على تقدير أنّه ماء أو اقتدى بأحد على تقدير أنّه عمرو ، لأنّ الشرب والاقتداء قد تحقّق ، كان المشروب ماءً أو غيره وكان الإمام عمراً أم لم يكن.

وعليه ما معنى قصد المرأة العبادة على تقدير كونها طاهرة واقعاً ، فإنّ القصد أمر واقعي إمّا أن يكون موجوداً وإمّا أن لا يكون ، وأمّا قصدها معلّقاً على شي‌ء فهو ممّا لا معنى له ، بل الصحيح أنّها قاصدة للعبادة مطلقاً ، غاية الأمر أنّ قصدها وحركتها نشأت من احتمالها الأمر لا من الأمر الجزمي.

وأمّا ما ادعي من أنّ الإتيان بالعبادة بداعي احتمال الوجوب انقياد ، وهو حسن لا يطرأ عليه القبح والحرمة فنعم وإن كان الأمر كما أُفيد ، إلاّ أنّ الكلام في تحقّق الانقياد مع احتمال الحرمة الذاتيّة ، إذ يتعارض احتمال الوجوب مع احتمال الحرمة حينئذ ، فلا يمكنها التحرّك من أحدهما ، فهل ترى أنّه يمكن أن تأتي بشي‌ء من المحرمات بداعي احتمال الوجوب والانقياد.

فالإنصاف أنّ موضوع الحرمتين متغاير ، لأنّ موضوع الحرمة التشريعيّة هو الإتيان بالعبادة بقصد أمرها الجزمي ، وموضوع الحرمة الذاتيّة هو الإتيان بالعبادة الأعم من تحقّقها بقصد الأمر الجزمي وقصد الأمر الاحتمالي.

الجهة الثّالثة : فيما استدلّ به على الحرمة الذاتيّة.

المعروف بينهم عدم كون العبادة على الحائض محرمة ذاتاً ، وإنّما حرمتها تشريعيّة فقط ، وذهب جمع إلى أنّها محرمة بالذات واختاره المحقّق الهمداني (1)قدس‌سره وغيره واستدلّوا على ذلك بوجوه :

منها : قوله صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم « دعي الصّلاة أيّام أقرائك » (2). فإنّ ظاهر


1) مصباح الفقيه ( الطّهارة ) : 284 السطر 31.

2) الوسائل 2 : 287 / أبواب الحيض ب 7 ح 2.

الأمر بالترك والودع أنّه أمر مولوي ، وبما أنّا لا نحتمل أن يكون ذلك من جهة المصلحة في ترك الصّلاة فيستكشف من الأمر بتركها أنّ في فعل الصّلاة مفسدة وهي محرمة على الحائض بالذات ولذا أمرها صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم بتركها.

ويدفعه : أنّ هذه الجملة لم ترد في كلام النّبيّ صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم ابتداءً ليدّعى أنّ ظاهره حرمة العبادة على الحائض ، وإنّما ورد بعد السؤال عن حكم المستحاضة الّتي لم تشخص حيضها من غيره ، فأمرها صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم بتركها الصّلاة في أيّام أقرائها ، فهذه الجملة واردة لبيان طريقيّة أيّام العادة إلى الحيض وأنّها أمارة عليها ، ولم تصدر لبيان أنّ العبادة محرمة على الحائض وأن تركها واجب لأنّه أمر معلوم لكلّ أحد فإنّ الصّلاة غير واجبة على الحائض ، وإنّما ورد للدلالة على أنّ أيّام العادة طريق إلى حيضيّة الدم المرئي فيها ، هذا.

على أنّا لو سلمنا أنّها واردة لبيان وجوب ترك الصّلاة أيضاً لا دلالة لها على أنّ العبادة محرمة على الحائض بالذات ، وذلك لأنّ حالها حال بقيّة النواهي الصادرة عنهم عليهم‌السلام لبيان ترك العبادة والمركّبات عند فقدها جزءاً أو شرطاً ، كما في نهيه عن السجود على ما يؤكل ، ونهيه عن الصّلاة فيما لا يؤكل لحمه ، ونهيه عن الصّلاة إلى غير القبلة وغير ذلك من النواهي.

وقد ذكرنا في موردها أنّ الأوامر والنواهي الواردة في المركّبات قد انقلبت عن ظهورها الأوّلي إلى ظهور ثانوي في الإرشاد إلى جزئيّة شي‌ء أو شرطيّته أو الإرشاد إلى مانعيّته أو الإرشاد إلى الفساد ، وأظهر منها المعاملات كنهيه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم عن البيع الغرري أو المنابذة ونحوهما ، لأنّه ظاهر في الإرشاد إلى فساد تلك المعاملات ، وأمره بترك الصّلاة في أيّام العادة أيضاً كذلك ، لأنّه إرشاد إلى اشتراط الطّهارة في الصّلاة وفسادها في حالة الحيض ، فلا ظهور لها في الأمر المولوي حتّى يستدلّ به على كون العبادات محرمة ذاتيّة على الحائض.

ومنها : ما ورد في روايات الاستظهار من الأمر بالاحتياط بترك العبادة ، لأنّ العبادة لو كانت محرمة تشريعاً لكان الاحتياط في فعل الصّلاة بداعي احتمال الوجوب

لا في تركها ، فيدلّ الأمر بالاحتياط بتركها على أنّها محرمة بالذات على الحائض.

ويدفعه : أنّا لو سلّمنا سند الرّواية المشتملة على الأمر بالاحتياط وظهورها في ذلك يتوجّه على الاستدلال بها ما قدّمناه من أنّ العبادة بناءً على حرمتها الذاتيّة على الحائض إذا تردّدت المرأة في طهرها وحيضها لا تتمكن من الاحتياط ، لدوران أمرها بين الوجوب والحرمة ، لأنّها إن كانت طاهرة في الواقع فالصلاة واجبة في حقّها وإن كانت حائضاً فهي محرمة عليها ، ومعه لا معنى للاحتياط بترك العبادة. إذن لا مناص من توجيه الأمر بالاحتياط على كلا القولين قلنا بالحرمة التشريعيّة أم قلنا بالحرمة الذاتيّة.

ودعوى : أنّ الأمر بالاحتياط بتركها من جهة احتمال أهميّة الحرمة ،

مندفعة : بأنّها أيضاً ممّا لا وجه له ، وذلك لأنّه مضافاً إلى أن الترجيح باحتمال الأهميّة يختص بالمتزاحمين ، أعني التكليفين الثابتين في أنفسهما مع اشتمالهما على الملاك ولا يمكن الترجيح به في المتعارضين كما في المقام ، للشكّ في أنّ الثابت هو الحرمة أو الوجوب ، فإنّ احتمال الأهميّة في أحدهما لا يترتب عليه أثر حينئذ ، لعدم العلم بثبوته وإن كان أهمّ على تقدير الثبوت ، إلاّ أنّ نسبة البراءة إلى كلّ من الاحتمالين على حدّ سواء لعدم العلم بثبوته ، فلا يترجح أحدهما على الآخر وإن كان أحدهما على تقدير ثبوته أهمّ من الآخر لا يكون الأخذ بأحد الاحتمالين من جهة احتمال الأهميّة احتياطاً بوجه.

على أنّا لا نحتمل أهميّة حرمة الصّلاة من وجوبها ، كيف والصّلاة عمود الدين وهي المائز بين الكفار والمسلمين ، وكيف يحتمل أهميّة تكليف لم يرد في الكتاب على الفريضة الواردة في الكتاب العزيز ، كما في قوله تعالى ( إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ) (1). فتحصل أنّ الأمر بالاحتياط بترك العبادة ممّا لا بدّ من توجيهه على كلا المسلكين.

وأمّا الرّواية المشتملة على الأمر بالاحتياط بترك العبادة فهي روايتان :


1) النِّساء 4 : 103.

إحداهما : رواية إسماعيل الجُعفي عن أبي جعفر عليه‌السلام قال « المستحاضة تقعد أيّام قرئها ، ثمّ تحتاط بيوم أو يومين ... » (1).

ثانيتهما : موثقة عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه قال « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن المستحاضة أيطؤها زوجها وهل تطوف بالبيت؟ قال : تقعد قرأها الّذي كانت تحيض فيه ، فإن كان قرؤها مستقيماً فلتأخذ به ، وإن كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين ، ولتغتسل ولتستدخل كرسفاً ، فإن ظهر عن الكرسف فلتغتسل ثمّ تضع كرسفاً آخر ثمّ تصلّي ، فإذا كان دماً سائلاً فلتؤخر الصّلاة إلى الصّلاة إلى أن قال وكلّ شي‌ء استحلّت به الصّلاة فليأتها زوجها ولتطف بالبيت » (2).

أمّا الرّواية الأُولى : فهي ضعيفة بالقاسم الواقع في سندها (3)، وأمّا دلالتها فهي أيضاً قابلة للمناقشة ، إذ لم يذكر فيها أنّ الاحتياط بيوم أو يومين من أيّ جهة.

نعم ، بضمّ الأخبار الواردة في الاستظهار وأنّ المرأة تترك فيها الصّلاة يمكن أن يقال إنّ المراد فيها بالاحتياط هو ترك العبادة ، وأمّا في نفسها فلا ظهور لها في ذلك فلو كنّا وهذه الرّواية لاحتملنا من ذلك إرادة ترك الدخول في المساجد وغيره من المحرمات دون ترك العبادات.

وأمّا الرّواية الثّانية : فهي وإن كانت تامّة من حيث السند ، إلاّ أنّ دلالتها غير ظاهرة ، حيث تدلّ على أنّ المرأة غير المستقيمة العادة تحتاط بيوم أو بيومين ، والمرأة غير مستقيمة العادة إمّا هي مضطربة أو مبتدئة أو ناسية ، وقد عرفت عدم وجوب الاستظهار على شي‌ء منهنّ ، وحمل غير مستقيمة القرء على ذات العادة الّتي قد تتقدّم بيوم أو تتأخّر كذلك كما حمله صاحب الحدائق (4)خلاف الظاهر لا يصار إليه.


1) الوسائل 2 : 302 / أبواب الحيض ب 13 ح 7 ، ص 375 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 10.

2) الوسائل 2 : 375 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 8.

3) كذا بنى عليه دام ظلّه أوّلاً ، ثمّ إنّه عدل عنه أخيراً وبنى على وثاقته لوجوده في أسناد كامل الزّيارات.

4) الحدائق 3 : 221 / في الحيض.

على أنّ الاحتياط فيها أيضاً لم يذكر أنّه من جهة ترك العبادة ، لأنّ السابق على تلك الجملة أمران : أحدهما السؤال عن أنّ الزّوجة يطؤها أو لا يطؤها. وثانيتهما السؤال عن أنّها هل تطوف بالبيت أو لا تطوف.

فليحمل الاحتياط على ترك زوجها لوطئها وعلى عدم طوافها حتّى تتيقّن بطهارتها ، لأنّ الطواف واجب موسع ، فأين دلالتها على الاحتياط بترك العبادة ، بل قوله عليه‌السلام في ذيلها « وكلّ شي‌ء استحلّت به الصّلاة فليأتها زوجها ولتطف بالبيت » قرينة على ما ادّعيناه من أنّ الاحتياط هو ترك الوطء والطواف إلى أن تقطع بطهارتها وارتفاع حيضها ووجوب الصّلاة عليها.

وأمّا قوله قبل ذلك : « ولتغتسل ولتستدخل كرسفاً إلى قوله ثمّ تصلّي » فهو لا يدل على أنّ هذه الأُمور بعد الاحتياط بيوم أو يومين ، بل يلائم كونها في نفس ذلك اليوم أو اليومين ، فتغتسل فيها وتستدخل الكرسف ثمّ تصلّي ، فلا يستفاد منها أنّ الاحتياط أُريد منه ترك العبادة يوماً أو يومين.

على أنّه لو كان أُريد منه ذلك لا بدّ من توجيهه على كلا القولين كما عرفت.

ومنها : صحيحة خلف الواردة في اشتباه دم الحيض بدم العُذرة ، حيث ذكر للإمام عليه‌السلام أنّه سأل عن حكم ذلك الفقهاء فأجابوا بأنّ المرأة تصلّي حينئذ ولا تترك صلاتها ، ثمّ إن كانت طاهرة في الواقع فقد أتت بفريضتها ، وإذا كانت حائضاً في الواقع فقد وقعت صلاتها لغواً ولا شي‌ء عليها ، ولم يرض الإمام عليه‌السلام بما أفتى به الفقهاء وقال « إنّ اللّه رضي لهم بالضّلال فارضوا لهم بما رضي اللّه به » ، ثمّ قال عليه‌السلام إنّ المرأة يجب عليها أن تتقي اللّه بقوله « فلتتّق اللّه فإن كان من دم الحيض فلتمسك عن الصّلاة ... وإن كان من العُذرة فلتتّق اللّه ولتتوضّأ » (1).

فقد أمرها عليه‌السلام بالتقوى والإمساك عن الصّلاة على تقدير كون الدم حيضاً ، كما أمرها بالتقوى والإتيان بالصلاة إن كان الدم دم عُذرة ، فإنّ الصّلاة إذا لم تكن محرمة على الحائض بالذات لم يكن وجه لمنعه عليه‌السلام عن الإتيان


1) الوسائل 2 : 272 / أبواب الحيض ب 2 ح 1.

بالصلاة بداعي الرّجاء والاحتمال كما ذكره الفقهاء ، فإنّ المرأة حينئذ إن كانت طاهرة في الواقع فقد أتت بفريضتها ، وإن كانت حائضاً فلم ترتكب محرماً ، لأنّها أتتها بالاحتمال فلا حرمة تشريعيّة في البين كما لا حرمة ذاتيّة ، فيستفاد من منع الإمام عليه‌السلام عن ذلك وأمرها بترك الصّلاة أنّها محرمة على الحائض بالذات بحيث لو كانت حائضاً في الواقع وأتت بها ولو رجاءً ارتكبت محرّماً ، لأنّ الصّلاة بذاتها محرمة.

وقد ذكر المحقّق الهمداني (1)قدس‌سره أنّ هذه الرّواية صريحة أو كالصريحة في أنّ العبادة من الحائض محرمة بالذات.

ولكن الجواب عن ذلك ظاهر ، وهو أنّ المحكي من كلام الفقهاء في هذه الرّواية غير مشتمل على إفتائهم بأنّ المرأة تأتي بصلاتها حينئذ بداعي الاحتياط والرّجاء بل ظاهره أنّهم أفتوا بوجوب الصّلاة عليها كما كانت تصلّي في الأيّام السابقة ، أعني بقصد أمرها نظراً إلى أنّها إن كانت طاهرة فقد أتت بوظيفتها ، وإن كانت حائضاً فلم تأت بالحرام وإنّما وقعت صلاتها لغواً ، وقد غفلوا عن أنّ إتيانها بقصد الأمر حينئذ تشريع محرم ، لأنّ الحائض غير مأمورة بالصلاة ، ومن هنا لم يرتض به الإمام عليه‌السلام وقال : أنّها تتقي اللّه وتمسك عن الصّلاة ، أي عن تلك الصّلاة الّتي أوجبها الفقهاء ، وهي الصّلاة كالصلاة في الأيّام السابقة ، وذلك لأنّها تشريع محرم. ثمّ بيّن طريق استكشاف أنّ الدم حيض أو دم عُذرة ، فلا تعرّض في الرّواية لحكم إتيان المرأة الصلاة بداعي الرّجاء والاحتمال نفياً ولا إثباتاً ، حتّى يقال إن منعه عليه‌السلام عن الصّلاة بداعي الاحتياط كاشف عن أنّ الصّلاة محرمة على الحائض في ذاتها ، وإلاّ لم يكن وجه لمنعه عليه‌السلام عن الاحتياط.

وعليه فحال هذه الرّواية حال بقيّة الأخبار الناهية عن الصّلاة في أيّام الحيض كقوله « لا تحل لها الصّلاة » (2)وقوله « تدع الصّلاة » (3)وغير ذلك من العبائر ، وقد


1) مصباح الفقيه ( الطّهارة ) : 285 السطر 2.

2) الوسائل 2 : 343 / أبواب الحيض ب 39 ح 1.

3) الوسائل 2 : 276 / أبواب الحيض ب 3 ح 4.

الثّاني : يحرم عليها مسّ اسم اللّه وصفاته الخاصّة ، بل غيرها أيضاً إذا كان المُراد بها هو اللّه (1).


قدّمنا أنّها ظاهرة في الإرشاد إلى الفساد أو مانعيّة الحيض.

وعليه فالإنصاف عدم ثبوت الحرمة الذاتيّة في عبادة الحائض بوجه. ومع عدم حرمة العبادة ذاتاً على الحائض تتمكّن من الاحتياط في موارد العلم الإجمالي بالحيض أو الاستحاضة أو غيرهما من موارد احتمال الحيض.

بل الظاهر أنّ إمكان الاحتياط متسالم عليه بينهم ، وذلك لأنّهم في موارد العلم الإجمالي بالحيض والاستحاضة يحتاطون بالجمع بين أحكام الحائض والمستحاضة فلو كانت العبادة محرمة ذاتاً على الحائض ولم تتمكّن من الاحتياط فما معنى الجمع بين تروك الحائض وأفعال المستحاضة الّتي منها الصّلاة.

ثمّ إنّا لو التزمنا بالحرمة الذاتيّة فهل تختصّ الحرمة بالفرائض الخمسة من الصّلاة ولا تعم مثل صلاة الآيات ، أو نلتزم بعمومها لجميع الصلوات؟

ذكر صاحب الحدائق أنّ الحرمة مختصّة بالفرائض الخمسة ولا حرمة لغيرها.

إلاّ أنّه ممّا لا وجه له ، لإطلاق الأخبار (1)الناهية عن الصّلاة في حال الحيض ولأنّ المستفاد منها أنّ اللّه لا يحبّ العبادة في تلك الحالة ، وهذا لا يفرق فيه بين الفريضة اليوميّة وغيرها ، وقد ورد في بعض الأخبار « فأحبّ اللّه أن لا يعبد إلاّ طاهراً » (2)، فلا فرق في الحرمة على القول بها بين الفرائض اليوميّة وغيرها.

حرمة المس على الحائض

(1) استدلّ على حرمة مسّ اسم اللّه تعالى الأعم من اسم الذات كلفظة الجلالة وصفاته أو أسمائه العامّة إذا قصد بها الذات المقدّسة بأمور :


1) الوسائل 2 : 343 / أبواب الحيض ب 39.

2) الوسائل 2 : 344 / أبواب الحيض ب 39 ح 2.

أحدها : أنّه هتك.

وفيه : أنّه لماذا يكون هتكاً دائماً ، ولا سيما فيما إذا مسّته تعظيماً له كما إذا قبّلته المرأة للتعظيم.

ثانيها : إن ترك مسّه تعظيم له.

وفيه : أنّ ترك المس من الحائض وإن كان تعظيماً للاسم لا محالة ، إلاّ أنّه لا دليل على وجوب كلّ تعظيم ، كيف واستقبال القبلة في جميع الأحوال تعظيم للقبلة ، ولم ير من حكم بحرمة تركه ، فلا نقول بوجوبه إلاّ إذا كان نقيضه هتكاً ، كما إذا كان فعل المس هتكاً للاسم ، هذا كلّه بحسب الكبرى.

على أنّ الصغرى أيضاً مورد المناقشة ، فإن ترك المس لا يكون دائماً تعظيماً ، بل قد يكون التعظيم في مسّه كما إذا وقع الاسم في موضع غير مناسب له ، فإن مسّه لرفعه ووضعه في مكان مناسب له تعظيم لا محالة.

ثالثها : أنّ الحيض أعظم من الجنابة ، فإذا حرم مسّ اسم اللّه سبحانه على الجنب كما مرّ حرم على الحائض بطريق أولى.

والجواب عن ذلك : أنّ المراد بذلك لعله كون الحيض أشدّ وأعظم من الجنابة من حيث طول الزّمان ، لأنّ الجنابة يمكن أن يرتفع في دقيقة ولكن الحيض أقلّه ثلاثة أيّام ، أو كونه أشدّ منها باعتبار عدم كون المكلّف مأموراً بالعبادة في الحيض وهو مأمور بها في الجنابة ، وإلاّ فلم يثبت أنّ حدث الحيض أشدّ من حدث الجنابة. إذن لا يمكننا إثبات الأحكام المترتبة على الجنابة على الحيض.

ومن هنا يظهر الجواب عن رواية سعيد بن يسار الواردة في المرأة ترى الدم وهي جنب حيث قال عليه‌السلام « قد أتاها ما هو أعظم من ذلك » (1)، فإنّ المراد به أنّ ما جاءها من الحيض أشدّ من جنابته من حيث طول الزّمان أو سقوط التكليف بالصلاة ، لا أنّ هذا الحدث أعظم من الآخر.

على أنّها ضعيفة السند بإسماعيل بن مَرّار الّذي قدّمنا الكلام فيه في بعض الأبحاث


1) الوسائل 2 : 314 / أبواب الحيض ب 22 ح 2.

السابقة وقلنا إنّه غير ثابت الوثاقة (1)، وأمّا ما عن محمّد بن الحسن بن الوليد من أنّ جميع كتب يونس معتبرة عنده سوى ما تفرّد به محمّد بن عيسى عن يونس (2)فلا دلالة له على وثاقة إسماعيل بن مَرّار باعتبار أنّه يروي عن يونس ، فإنّ ذلك إنّما كان يدلّ عليه فيما إذا كانت كتب يونس أو كتاب من كتبه مرويّاً بطريق إسماعيل بن مَرّار على وجه الانحصار فقط ، فإنّ هذا الكلام كان توثيقاً له حينئذ لتوثيقه روايات جميع كتبه ، إلاّ أنّ الأمر ليس كذلك لأنّ كتبه مروية بطرق غير إسماعيل بن مَرّار ، وبعضها معتبر لا سيما ما وقع في سلسلته ابن الوليد نفسه. وعليه لا دلالة للحكم باعتبار كتب يونس على أنّ إسماعيل بن مَرّار ثقة.

وكذا الحال في الاستدلال على حرمة مسّ الحائض أسماء اللّه سبحانه بما دلّ على حرمة مسّها الكتاب العزيز ، فإنّ ذلك كسابقه لا يخرج عن القياس ، حيث إنّا نحتمل أن يكون للكتاب خصوصيّة اقتضت ذلك دون اسم اللّه سبحانه.

والصحيح أن يستدلّ على ذلك بصحيحة داود بن فَرقَد عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال « سألته عن التعويذ يعلّق على الحائض؟ قال : نعم لا بأس ، قال وقال : تقرؤه وتكتبه ولا تصيبه يدها » (3).

فإنّها معتبرة سنداً حيث إنّ داود بن فَرقَد ممّن وثقه الشيخ (4)والنجاشي (5)، وقال ابن الغضائري (6)إنّه ثقة ثقة ، مع أنّ دابة القدح غالباً ، وبقيّة الرّواة أيضاً لا كلام في اعتبارهم كما هو ظاهر.

ودلالتها على المدّعى ظاهرة ، حيث نهت عن أن تصيب الحائض التعويذ بيدها


1) هذا ما بنى عليه دام ظلّه أوّلاً ، غير أنّه عدل عنه بعد ذلك وبنى على وثاقة الرّجل لوجوده في تفسير علي بن إبراهيم. وقد تقدّم الكلام فيه في الصفحة 126.

2) راجع تنقيح المقال 3 : 338 س 34 / ترجمة يونس بن عبد الرّحمن.

3) الوسائل 2 : 342 / أبواب الحيض ب 37 ح 1.

4) رجال الشيخ : 336 / الرقم [5004].

5) رجال النجاشي : 158 / الرقم [418].

6) بل قال ابن فضّال ذلك ، راجع الكتب الرّجالية في ترجمة داود بن فرقد.

وكذا مسّ أسماء الأنبياء والأئمّة على الأحوط (1)(1)


ومقتضى القرينة الداخليّة وهي مناسبة الحكم والموضوع والقرينة الخارجيّة وهي العلم بعدم حرمة مسّ الحائض لغير أسماء اللّه الموجودة في العوذة كلفظة « أعوذ » مثلاً هو أنّ مسّ الحائض أسماء اللّه تعالى الموجودة في التعويذ محرم في حقّها.

وبما أنّ التعويذ قد يكون باسم الذات كقولنا أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم ، وقد يكون بصفاته كأعوذ بالرّحمن منك إن كنت تقيّاً أو من فسقة الإنس والجن ، وقد يكون بالأسماء العامّة مقصوداً بها الذات المقدّسة كأعوذ بالعالم القادر ونحو ذلك فتدلّ المعتبرة بترك التفصيل على حرمة مسّ الحائض لأسماء اللّه تعالى على نحو الإطلاق.

وصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال « سألته عن التعويذ يعلّق على الحائض؟ فقال : نعم إذا كان في جلد أو فضّة أو قصبة حديد » (2)، وذلك للعلم بعدم خصوصيّة في الجلد والحديد ، بل المقصود أن لا تمس الحائض التعويذ لاشتماله على أسماء اللّه سبحانه ، فيجوز المسّ إذا كان في غيرهما أيضاً ممّا يمنع عن مسّ الاسم ، كما أنّ مسّه بما فيه من الأسماء محرم.

ويؤيّده ما رواه الشيخ عن داود عن رجل عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال « سألته عن التعويذ يعلّق على الحائض؟ قال : لا بأس ، وقال : تقرؤه وتكتبه ولا تمسّه » (3).

(1) قدّمنا في بحث الجنابة أنّ مسّ الجنب والحائض أسماء الأنبياء والأئمّة عليهم‌السلام إنّما يحرم فيما إذا استلزم الهتك ، ومع عدم استلزامه ذلك لا دليل على حرمة مسّها (4).


1) (*) لا بأس بتركه.

2) الوسائل 2 : 342 / أبواب الحيض ب 37 ح 2.

3) الوسائل 2 : 343 / أبواب الحيض ب 37 ح 4.

4) تقدّم في شرح العروة 6 : 311.

وكذا مسّ كتابة القرآن على التفصيل الّذي مرّ في الوضوء (1).

الثّالث : قراءة آيات السّجدة بل سورها على الأحوط (1).


(1) قدّمنا ذلك في بحث الجنابة أيضاً (2)، وقلنا إن غير المتطهر لا يجوز له أن يمسّ خط المصحف ، وذلك لما دلّ على أن من لم يكن على وضوء لا يمسّ الكتاب ، كما في موثقة أبي بصير (3)، فإنّه يدلّنا على أنّ مسّ الكتاب إنّما يجوز للمتطهِّر من الحدث وأمّا المحدث بالأصغر أو الأكبر فلا يجوز له أن يمسّ الكتاب.

حرمة القراءة على الحائض

(2) قدّمنا تفصيل ذلك في بحث الجنابة (4)، وقلنا إنّ الجنب والحائض لا يجوز لهما قراءة آيات السجدة لجملة من الأخبار ، إلاّ أنّ الحرمة مختصّة بقراءة آية السجدة ولا تعم سورتها ، وذلك للأخبار الدالّة على أنّ الحائض والجنب يجوز أن يقرءا القرآن (5)وقد علمنا بتخصيص هذا العموم بما دلّ على حرمة قراءتهما السجدة (6)، والسجدة إمّا أن تكون ظاهرة في خصوص آية السجدة فلا يحرم قراءة غيرها من الآيات ، أو تكون مجملة ، ومع الإجمال يكتفى في تخصيص العموم بالمقدار المتيقّن من المخصص المجمل وهو قراءة آية السجدة ، ويرجع في الزائد المشكوك إلى عموم العام ، وهو يقتضي جواز القراءة كما عرفت.


1) (*) لا بأس بتركه.

2) تقدّم في شرح العروة 6 : 303. وراجع بحث الوضوء من شرح العروة 4 : 473.

3) الوسائل 1 : 383 / أبواب الوضوء ب 12 ح 1.

4) في شرح العروة 6 : 325.

5) الوسائل 2 : 215 / أبواب الجنابة ب 19.

6) نفس المصدر.

الرّابع : اللبث في المساجد (1).

الخامس : وضع شي‌ء فيها إذا استلزم الدخول (1).


حرمة اللّبث في المساجد على الحائض

(1) تقدّم الكلام في ذلك أيضاً في بحث الجنابة (2).

والوجه في حرمته ما دلّ على أنّ الجنب والحائض لا يدخلان المسجد إلاّ مجتازين كما في صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم المروية عن الصدوق في العلل معلّلاً بقوله تعالى : ( ... وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ... ) (3)وقد تكلّمنا هناك في أنّ الرّواية وإن كانت واردة في الجنب والحائض إلاّ أن استدلاله عليه‌السلام بالآية الكريمة يختص بالجنب لاختصاص الآية به حيث قال تعالى : ( ... لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ... وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ... ) (4)ولم يقل « ولا حائضاً إلاّ عابرة سبيل » وقد ذكرنا أنّ المراد من النهي عن التقرّب إلى الصّلاة هو التقرّب إلى مكانها الّذي هو المسجد.

إلاّ أنّ استدلاله عليه‌السلام بالآية المباركة وتطبيقها على كلّ من الحائض والجنب يدلّنا على أنّهما من حيث العبور عن المساجد متلازمان.

حرمة الوضع في المساجد على الحائض

(2) قيّده في المقام بما إذا استلزم الوضع الدخول في المسجد إلاّ أنّه في بحث الجنابة حكم بحرمة وضع الجنب شيئاً في المساجد مطلقاً استلزم الدخول أم لم يستلزمه (5).


1) (*) بل مطلقاً كما مرّ في الجنابة.

2) تقدّم في شرح العروة 6 : 313.

3) الوسائل 2 : 207 / أبواب الجنابة ب 15 ح 10.

4) النِّساء 4 : 43.

5) حكم به في فصل ما يحرم على الجنب قبل المسألة [652] ، وراجع شرح العروة 6 : 325.

السّادس : الاجتياز من المسجدين (1)


وما ذكره هناك هو الصحيح ، وذلك لإطلاق الأخبار الناهية عن وضع الجنب أو الحائض شيئاً في المساجد (1)ولكن رخصت لهما في الأخذ منها ، معلّلة في بعضها كصحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم المرويّة عن علل الصدوق (2)بما حاصله : أنّهما متمكِّنان من وضع الشي‌ء في غير المساجد ، ولا يتمكّنان من أخذ ما في المساجد إلاّ منها ، فيجوز الدخول فيها لأجل الأخذ منها.

حرمة الاجتياز من المسجدين

(1) يمكن أن يستدلّ على حرمة اجتياز الحائض من المسجدين كالجنب بما قدّمنا من صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم (3)، حيث استفدنا منها أنّهما متلازمان في الحكم من حيث العبور ، وبما أنّها دلّت على جواز عبورهما عن المساجد ، وعلمنا خارجاً أنّ المراد الجدّي منها هو جواز الاجتياز عن غير المسجدين فلا محالة نحكم بعدم جواز اجتياز الحائض عن المسجدين كما في الجنب.

فإن تمّ ذلك فهو وإلاّ فللتأمّل في الحكم بحرمة اجتياز الحائض المسجدين مجال ومن هنا أطلق جماعة من الأصحاب الحكم بجواز اجتياز الحائض عن المساجد وذلك لأنّ ما يمكن أن يستدلّ به على حرمة اجتيازها المسجدين روايتان :

إحداهما : رواية أبي حمزة قال « قال أبو جعفر عليه‌السلام : إذا كان الرّجل نائماً في المسجد الحرام أو مسجد الرّسول صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم ولا يمرّ في المسجد إلاّ متيمماً حتّى يخرج منه ثمّ يغتسل ، وكذلك الحائض إذا أصابها الحيض تفعل ذلك ، ولا بأس أن يمرّا في سائر المساجد ولا


1) الوسائل 2 : 213 / أبواب الجنابة ب 17.

2) الوسائل 2 : 213 / أبواب الجنابة ب 17 ح 2.

3) نفس المصدر.

يجلسان فيها » (1).

حيث دلّت على أنّ الحائض إذا طرأ حيضها وهي في المسجدين يجب أن تتيمّم وتخرج منهما ، فلو جاز لها اجتيازهما كما في سائر المساجد لم يجب عليها التيمم للخروج فوجوب التيمم في حقّها يدلّ على عدم جواز اجتيازها المسجدين.

وهذه الرّواية من حيث الدلالة وإن كانت ظاهرة ، إلاّ أنّها ضعيفة السند ، لما فيها من الرّفع فلا يمكن الاعتماد عليها في الاستدلال.

وثانيتهما : رواية محمّد بن مسلم قال « قال أبو جعفر عليه‌السلام في حديث الجنب والحائض - : ويدخلان المسجد مجتازين ، ولا يقعدان فيه ولا يقربان المسجدين الحرمين » (2).

وهي من حيث الدلالة أيضاً ظاهرة ، إلاّ أنّها ضعيفة السند بنوح بن شعيب ، لتردّده بين نوح بن شعيب البغدادي الّذي وثقه الشيخ قدس‌سره (3)وبين نوح بن شعيب الخراساني النيشابوري الّذي لم يوثق مع وحدة طبقتهما واتّحاد الرّاوي والمروي عنه ، ومع التردّد بين الثقة وغير الثقة لا يمكن الاستدلال بالرواية بوجه.

نعم ، قد يقال إنّ وحدة الطبقة واتّحاد الرّاوي والمروي عنه يدلّنا على اتّحاد الرّجلين لإمكان أن يكون الشخص الواحد متولداً في بلد وساكناً في بلد آخر فيتعدّد عنوانه بالخراساني مثلاً تارة وبالبغدادي اخرى ، وأنّ المراد بهما واحد وقد وثقه الشيخ كما عرفت.

إلاّ أنّ هذا لا يفيد سوى الظنّ بالاتّحاد ولا سيما بملاحظة أنّ المعنون باسم نوح أو باسم شعيب قليل في الرّواة ، بل لا نذكر المعنون بهما من الرواة بالفعل ، فإذا أُضيف


1) الوسائل 2 : 205 / أبواب الجنابة ب 15 ح 3.

2) الوسائل 2 : 209 / أبواب الجنابة ب 15 ح 17.

3) رجال الشيخ : 379 / الرقم [5619].

والمشاهد المشرّفة كسائر المساجد (1)


أحدهما إلى الآخر أعني نوح بن شعيب فيكون من القلّة بمكان يبعد أن يوجد المعنون به في طبقة واحدة متعدّداً ، إلاّ أنّ ذلك ليس سوى الظنّ ولا علم باتّحاد الطبقة والظنّ لا يترتّب عليه أثر ، مع أنّ أرباب الرّجال كالشيخ وغيره عنونوهما بعنوانين النيشابوري والبغدادي (2)، وعليه فلا يمكن الاعتماد على الرّواية بوجه.

ولعلّه لما ذكرنا لم يقيّد جمع من الأصحاب الحكم بجواز اجتياز الحائض المساجد بغير المسجدين.

عدم التحاق المشاهد بالمساجد

(1) قدّمنا الكلام في ذلك في بحث الجنابة (3)وناقشنا في التحاق المشاهد بالمساجد فإن قلنا هناك بعدم الالتحاق فالأمر في المقام أوضح ، فإنّه إذا لم يحرم الدخول فيها على الجنب لا يحرم الدخول فيها على الحائض بطريق أولى ، لأنّ الرّوايات وردت في الجنب دون الحائض ، وأمّا إذا قلنا بالالتحاق في الجنابة فأيضاً لا نلتزم بالالتحاق في الحائض ، لأنّا استفدنا من الصحيحة المتقدّمة وحدة حكمهما في خصوص دخول المساجد على نحو الاجتياز فقط ، وأمّا وحدة حكمهما في مثل المشاهد المشرفة فلا دليل عليه ، لاحتمال أن يكون للجنابة خصوصيّة اقتضت حرمة دخول الجنب في المشاهد ، فلا يمكن التعدِّي عنه إلى الحائض وإن كان الأحوط ترك الدخول فيها للحائض أيضاً.


1) (*) على المشهور الموافق للاحتياط.

2) قد رجع السيِّد الأُستاذ قدس‌سره عن ذلك في معجم رجال الحديث 20 : 199 ، واستظهر الاتّحاد.

3) تقدّم في شرح العروة 6 : 320. وراجع الصفحة 355 من هذا الجزء.

دون الرواق منها (1) وإن كان الأحوط إلحاقه بها. هذا مع عدم لزوم الهتك ، وإلاّ حرم (2) ، وإذا حاضت في المسجدين تتيمّم وتخرج (1)إلاّ إذا كان زمان الخروج أقلّ من زمان التيمم أو مساوياً (3).


(1) فإنّ الوارد في الأخبار (2)هو بيت الأنبياء ، وهو غير الدار لأنّه أعمّ من البيت ، فلا يشمل البيت الرّواق الشريف ، وإن كان الأحوط الأولى إلحاق المشاهد ورواقها بالمسجدين الحرمين في ترك دخولهما ولو مجتازين.

(2) لأنّ حرمة هتك الأئمّة عليهم‌السلام من الضروريّات.

إذا حاضت في المسجدين

(3) تعرّض قدس‌سره لهذه المسألة في بحث الجنابة وتعرّضنا لحكمها هناك (3)وحاصله : أنّ المكلّف إذا أجنب في خارج المسجدين ودخل فيهما غفلة أو نسياناً ونحوهما ، أو أنّه إذا أجنب وهو في المسجد من غير اختياره فإن كان زمن التيمم أقصر من زمن الخروج يتعيّن عليه التيمم حينئذ ، لحرمة بقائه في المسجدين اختياراً ومن الواضح أنّه على تقدير تركه التيمم واختياره الخروج قد اختار البقاء في المسجدين جنباً في المقدار الزائد عن زمان التيمم ، فإنّ المكلّف معذور في بقائه فيهما لاضطراره إلى البقاء في تلك المدّة المشتركة بين الخروج والتيمم ، وأمّا المقدار الزائد عليها فالبقاء فيه محرم لأنّه بقاء اختياري ، فيجب عليه التيمم والخروج حينئذ.

وأمّا إذا كان زمان التيمم أكثر من زمان الخروج أو كان مساوياً معه فلا يجوز له التيمم ، لاستلزامه المكث في المسجدين زائداً على المقدار الضروري ، بل لا بدّ من أن يخرج من غير تيمم أو يتيمم حال الخروج إذا أمكنه ذلك.


1) (*) في مشروعيّة التيمم في هذا الفرض منع تقدّم في بحث الجنابة.

2) الوسائل 2 : 211 / أبواب الجنابة ب 16.

3) في المسألة [652].

[744] مسألة 1 : إذا حاضت في أثناء الصّلاة ولو قبل السّلام بطلت (1)


وكذلك الحال في الحائض إذا حاضت في خارج المسجدين ونقت ودخلت المسجدين من غير توجه والتفات ، وأمّا إذا دخلت المرأة المسجدين وحاضت فيهما فلا مسوغ للتيمم في حقّها بوجه ، لأنّ التيمم بدل الغسل إنّما يجب عن حدث الحيض والمفروض أنّ المرأة ذات الدم ولم ينقطع دمها على الفرض ، فلا مسوغ لتيممها بوجه كان زمانه أقصر أم أكثر أم مساوياً مع زمن الخروج.

نعم ، ورد الأمر به في حقّ الحائض في المرفوعة المتقدّمة (1)إلاّ أنّها لعدم حجيتها غير صالحة لرفع اليد بها عمّا علمنا بحرمته ، وهو مكث الحائض في المسجدين ولو بمقدار التيمم ، وعليه فالأحوط في حقّها الخروج من غير تيمم ، لأنّ التيمم غير مشروع في حقّها حينئذ ، نعم إذا تمكّنت من التيمم حال الخروج فالأحوط أن تتيمم حاله لورود الأمر به في حقّها في المرفوعة.

إذا حاضت في أثناء الصّلاة

(1) إذا حدث الحيض في أثناء الصّلاة في ما بين الرّكوع والسجود أو الركوع والقراءة أو السجود والتشهد وأمثالها بطلت الصّلاة ، لاشتراطها بالطّهارة والمفروض أنّها فاقدة لشرطها فتبطل.

وأمّا إذا حدث بعد التشهّد وقبل السّلام فإن بنينا على ما هو الصحيح من أنّ التسليمة جزء الصّلاة أيضاً يحكم ببطلان صلاتها ، لعدم وقوعها مع الطّهارة.

وأمّا إذا بنينا على عدم كونها من أجزاء الصّلاة وأنّها واجبة مستقلّة في آخر الصّلاة أو ليست بواجبة أصلاً وإنّما هي موجبة للفراغ والخروج عن الصّلاة فلا تبطل صلاتها بذلك ، غاية الأمر أنّها لم تأت بالُمخرج لعذر.


1) الوسائل 2 : 205 / أبواب الجنابة ب 15 ح 3.

وإن شكّت في ذلك صحّت (1) ، فإن تبيّن بعد ذلك ينكشف بطلانها (2) ، ولا يجب عليها الفحص (3) ، وكذا الكلام في سائر مبطلات الصّلاة.

[745] مسألة 2 : يجوز للحائض سجدة الشكر ، ويجب عليها سجدة التلاوة إذا استمعت بل أو سمعت (1)آيتها (4)


الشكّ في الحيض في الأثناء

(1) لاستصحاب عدم حيضها وحدثها ، على أنّ استصحاب الطّهارة منصوص عليه في صحيحة زرارة (2)، لأنّها وإن كانت واردة فيما إذا علم بالوضوء وشكّ في النوم إلاّ أنّ قوله عليه‌السلام « فإنّه على يقين من وضوئه ، ولا ينقض اليقين بالشكّ أبداً » يدلّنا على أنّها بصدد إعطاء ضابط كلّي ، وهو عدم الاعتناء باحتمال انتقاض الطّهارة بعد اليقين بها ، والأمر في المقام أيضاً كذلك.

(2) لأنّه من انكشاف الخلاف في الأحكام الظاهريّة ، لأنّها بعد ما علمت بحيضها في أثناء الصّلاة تعلم أنّ الأمر بالصلاة في حقّها كان ظاهرياً لا محالة ، وقد قلنا بعدم الإجزاء عند انكشاف الخلاف في الأحكام الظاهريّة.

(3) إذ الشبهة موضوعيّة ، ولا دليل على وجوب الفحص في مثلها.

(4) الكلام في هذه المسألة يقع تارة في جواز سجدة الشكر في حقّ الحائض وأُخرى في وجوب سجدة التلاوة. كما يتكلّم على الثّاني تارة في وجوبها عليها عند الاستماع ، وأُخرى في وجوبها عليها عند السماع غير الاختياري.

جواز سجدة الشكر للحائض

إمّا سجدة الشكر فالظاهر وفاقاً للمشهور جوازها في حقّها ، وذلك لأنّها ذكر اللّه


1) (*) على الأحوط ، والظاهر عدم الوجوب بالسماع.

2) الوسائل 1 : 245 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1.

وذكره سبحانه حسن على كلّ حال.

وقد خالف في ذلك الشيخ قدس‌سره ، حيث نسب إليه في التهذيب دعوى عدم جواز السجود لغير الطاهر بالاتفاق ، وظاهره الإجماع على حرمته على الحائض في المقام أيضاً.

ولكن الظاهر بل الواقع عدم التزام الشيخ بذلك ، لأنّ هذه الدعوى إنّما وقعت في عبارة المقنعة (1)دون التهذيب ، نعم الشيخ لم يناقش في ذلك.

على أنّه من الإجماع المنقول ، ولا نعتمد عليه مطلقاً ولا سيما في المقام ، للعلم بمخالفته للواقع ، لأنّ المشهور بين الأصحاب جواز سجدة الشكر على الحائض كما عرفت.

وجوب سجدة التلاوة على الحائض

وأمّا سجدة التلاوة عند الاستماع والإصغاء إلى آيات العزائم فوجوبها على الحائض هو المعروف بينهم ، وذلك لإطلاق ما دلّ على وجوب السجدة عند استماعها (2)، ولم يرد عدم وجوبها أو حرمتها في حقّ الحائض في شي‌ء من الأخبار وعليه فالإطلاق يشمل الحائض كما يشمل غيرها ، وليس في قبال المطلقات سوى دعوى الإجماع على حرمة السجدة على غير الطاهر كما تقدّمت عن الشيخ قدس‌سره وعرفت الجواب عنه.

وأمّا سجدة التلاوة عند سماعها من غير اختيارها فإن بنينا على عدم وجوب السجدة عند سماع آيات العزائم من غير الاختيار فالأمر في الحائض أوضح ، لأنّها كبقيّة المكلّفين لا تجب السجدة عليها فيما إذا سمعت الآيات من دون اختيارها ، ويأتي في محلّه أنّه هو الصحيح ، لأنّ السجدة إنّما تجب بأحد أمرين : قراءة المكلّف تلك


1) المقنعة : 52 وفيه : ( ولا يجوز السجود إلاّ لطاهر من النجاسات ) ولم يشر إلى الاتفاق.

2) الوسائل 6 : 239 / أبواب قراءة القرآن ب 42.

الآيات في نفسه ، واستماعه وإنصاته لها عند قراءة الغير ، وأمّا السماع من دون إنصات واستماع فلا دليل على كونه موجباً للسجدة بوجه.

وأمّا إذا قلنا بوجوبها عند السماع ولو من دون الاختيار فهل تجب على الحائض أيضاً أو لا تجب؟

فهو مورد الخلاف والكلام بينهم ، ومنشأ الخلاف هو اختلاف الأخبار الواردة في المقام ، فإن بعضها دلّ على الأمر بالسجدة على الحائض إذا سمعت الآية ، كما في صحيحة الحذّاء : « سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن الطامث تسمع السجدة ، فقال عليه‌السلام : إن كانت من العزائم فلتسجد إذا سمعتها » (1)وغيرها (2).

وبعضها الآخر دلّ على النهي عن سجدتها ، كما في موثقة غياث عن جعفر عن أبيه عن علي عليه‌السلام « لا تقضي الحائض الصّلاة ، ولا تسجد إذا سمعت السجدة » (3)، وفي بعضها الآخر : « لا تقرأ ولا تسجد » (4)وهي روايات متعارضة.

الجمع المحكي عن الشيخ قدس‌سره

الجمع المحكي عن الشيخ (5)قدس‌سره

وقد جمع بينهما الشيخ قدس‌سره بحمل الطائفة الناهية عن السجدة على الإباحة ، نظراً إلى أنّها واردة في مقام توهّم الوجوب فتفيد الجواز ، وبحمل الأمر في الطائفة الآمرة على الاستحباب.

وفيه مضافاً إلى أنّ الحكم باستحباب السجدة على الحائض لا يلائم ما علّله به في استبصاره (6)حينما أراد أن يعلّل عدم جواز قراءة العزائم على الحائض ، علّله بأن


1) الوسائل 2 : 340 / أبواب الحيض ب 36 ح 1.

2) الوسائل 2 : 341 / أبواب الحيض ب 36 ح 2 و 3.

3) الوسائل 2 : 342 / أبواب الحيض ب 36 ح 5.

4) الوسائل 2 : 341 / أبواب الحيض ب 36 ح 4. وفي نسخة « تقرأ ».

5) التهذيب 1 : 129 / 353 ، الاستبصار 1 : 115 / 385.

6) نفس المصدر.

فيها السجدة والسجدة يشترط فيها الطّهارة ، فإنّه حينئذ كيف يحكم باستحباب السجدة عليها ، بل لا بدّ من الحكم ببطلانها وعدم جوازها ، وكذا الحال في التهذيب (1)لأنّه قدس‌سره لم يناقش في كلام المقنعة ، حيث ادّعى الاتفاق على اشتراط الطّهارة في السجود ، ومع ذلك ذهب إلى استحباب السجدة عليها وهما أمران لا يتلائمان.

أنّه ليس من الجمع العرفي في شي‌ء ، وإلاّ لو صحّ ذلك وعد من الجمع العرفي لأمكن العكس ، بأن يدّعى أنّ الأمر في الطائفة الآمرة يدل على الجواز ، لأنّها واردة في مقام توهّم الحظر ، ويكون النهي في الطائفة الثانية محمولاً على الكراهة ، إلاّ أنّ ذلك وما ادّعاه الشيخ ليس جمعاً عرفيّاً بين المتعارضين ، لأنّ السجدة بعنوانها قد أُمر بها في طائفة ونهي عنها في طائفة أُخرى ، والأمر والنّهي أمران متنافيان.

الجمع المحكي عن المنتقى

وعن المنتقى جمعهما بحمل الأخبار الناهية على السجدة في سماع سور غير العزائم وحمل الأخبار الآمرة على السجدة في سماع العزائم (2)، وذلك لأنّ الأخبار وإن كانت متنافية لأنّ بعضها يدلّ على وجوب السجدة وبعضها على حرمتها ، إلاّ أنّ صحيحة الحذّاء مختصّة بالأمر بالسجدة في سماع خصوص آيات العزائم ، والطائفة الناهية مطلقة لاشتمالها على النهي عن السجدة في مطلق سماع السجدة ولو في غير العزائم فتقيّد الثّانية بالأُولى ، وينتج ذلك أنّ الحائض تجب عليها السجدة في سماع سور العزائم ، وتحرم في سماع سور غير العزائم.

وفيه : أنّ ظاهر الأخبار أنّ الحرمة أو الوجوب حكم مترتب على عنوان الحائض وأنّها مأمورة بالسجدة أو منهية عنها ، لا أنّ الحكم حكم عام من غير أن يكون لعنوان الحائض خصوصيّة ، ومن الظّاهر أنّ السجدة في سؤر غير العزائم غير واجبة


1) نفس المصدر.

2) المنتقى 1 : 212 / باب ما تمنع منه الحائض.

على الجميع ، وليس هذا حكماً مختصّاً بالحائض ، فحمل الطائفة الناهية على ذلك موجب لإلغاء الحائض عن كونه موضوعاً للحكم الوارد فيها ، وهو خلاف الظاهر جدّاً.

الجمع المحكي عن الهمداني ( قدس‌سره )

وعن المحقّق الهمداني قدس‌سره جمعها بحمل الأخبار الآمرة على صورة استماع السور ، لأنّ السماع مطلق يشمل الاختياري وغيره ، والناهية على صورة سماعها غير الاختياري (1).

وهذا منه غريب ، لأنّ اللّفظة الواردة في الطائفتين واحدة ، ولا موجب لحملها في إحداهما على الاختياري وفي الأُخرى على غيره ، ومجرد التعيّن الخارجي على أنّ الاستماع يوجب السجدة لا يوجب حمل أحد المتعارضين على المتعيّن الخارجي ، كما ذكرنا نظيره في الرّوايتين الدالّتين على جواز بيع العذرة وعدمه ، حيث قلنا إنّ حمل العذرة في الطائفة المانعة على عذرة الإنسان وحملها في الطائفة المرخصة على عذرة غير الإنسان ليس من الجمع العرفي في شي‌ء (2).

على أنّا نبيّن في محلّه عدم وجوب السجدة عند السماع غير الاختياري ، وعليه يرد على هذا الجمع ما أوردناه على ما نقلناه عن صاحب المعالم قدس‌سره ، وحاصله : أنّ حمل الطائفة الناهية على السماع غير الاختياري يوجب إلغاء الحائض عن الموضوعيّة في تلك الطائفة ، لأنّ السماع ممّا لا تجب فيه السجدة على الجميع من دون اختصاصه بالحائض. إذن فلا يتم شي‌ء من وجوه الجمع المذكورة في المقام.

والصحيح أنّهما متعارضان تعارض الأمر والنهي ، فإن ثبت ما ذكره صاحب


1) مصباح الفقيه ( الطّهارة ) : 286 السطر 10.

2) مصباح الفقاهة 1 : 65.

ويجوز لها اجتياز غير المسجدين لكن يكره ، وكذا يجوز لها اجتياز المشاهد المشرّفة (1).


الوسائل (1)قدس‌سره وجماعة من ذهاب العامّة إلى حرمة السجدة على الحائض فيؤخذ بما دلّ على الأمر بالسجدة في حقّها ، لأنّها مخالفة للعامّة على الفرض ، وإلاّ فهما متعارضان ولا مرجح في البين من مخالفة العامّة وموافقة الكتاب ، فيتساقطان ونبقى نحن والعمومات والمطلقات الموجودة في المسألة ، وهي تدلّ على وجوب السجدة عند الاستماع بلا فرق في ذلك بين الحائض وغيرها ، وأمّا السماع فإن قلنا بوجوب السجدة معه على غير الحائض فنلتزم بوجوبها في حقّ الحائض أيضاً فعموم ما دلّ على وجوب السجدة عند السماع (2)هو المحكّم ، وأمّا إذا لم نقل فلا ، لأنّ حكم الحائض حكم غيرها من المكلّفين ، إذ الأخبار متساقطة وكأنها غير واردة من الابتداء.

كراهة اجتيازها غير المسجدين

(1) تعرّض قدس‌سره في هذه المسألة لجملة فروع :

منها : أنّ الحائض لا يجوز لها الدّخول في المساجد إلاّ على نحو الاجتياز ، وقد تقدّم الكلام في ذلك عن قريب (3)، وقلنا إنّ الدليل عليه صحيحة محمّد بن مسلم وزرارة حيث سألا فيها عن أن الجنب والحائض هل يدخلان المساجد؟ قال : لا إلاّ على نحو الاجتياز ، وقد قال اللّه تعالى ( ... وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ... ) (4)وغيرها من الأخبار (5).


1) الوسائل 2 : 342 / أبواب الحيض ، آخر الباب 36.

2) الوسائل 6 : 240 / أبواب قراءة القرآن ولو في غير الصّلاة ب 42 ح 2 ، ص 243 ب 43 ح 4.

3) تقدّم في الصفحة 342.

4) الوسائل 2 : 207 / أبواب الجنابة ب 15 ح 10.

5) نفس الباب.

ومنها : عدم جواز اجتيازها عن المسجدين ، وهذا أيضاً قدّمنا الكلام فيه (1)وقلنا إنّ الحكم في الجنب منصوص ولم يرد في حقّ الحائض منع عن ذلك ، بل مقتضى إطلاق الصحيحة المتقدّمة جواز مرورها على المسجدين أيضاً ، نعم هناك روايتان ربما يستدلّ بهما على إلحاق الحائض بالجنب من هذه الناحية :

إحداهما : ما ورد من أنّ المرأة إذا حاضت في المسجدين وجب عليها أن تتيمم وتخرج (2)، بدعوى أنّ الاجتياز عنهما لو كان جائزاً في حقّها كما في سائر المساجد لم تكن حاجة إلى التيمم بوجه ، ومنها يستكشف أنّ كونها في المسجدين مبغوض سواء كان على نحو المرور أم كان على نحو المكث فيهما.

ويدفعه : أنّ الرّواية ضعيفة لأنّها مرفوعة ، ومن ثمة استشكلنا في مشروعيّة التيمم في حقّها ، ولا سيما إذا كان مستلزماً لمكثها في المسجدين زائداً على المدّة الّتي تبقى فيهما لولا تيممها.

وثانيتهما : ما ورد من أنّ الجنب والحائض لا يقربان المسجدين (3)، ودلالته وإن كانت ظاهرة إلاّ أنّها ضعيفة السند بنوح بن شعيب كما مرّ.

نعم ، يمكن الاستدلال على ذلك بما يستفاد من صحيحة محمّد بن مسلم وزرارة المتقدِّمة ، حيث إنّ السؤال فيها إنّما هو عن حكم الجنب والحائض وأنّهما يدخلان المساجد أو لا يدخلان فيها ، وحكم عليه‌السلام بعدم جواز دخولهما فيها إلاّ على نحو الاجتياز ، وعلّله بقوله سبحانه ( ... وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ ... ) (4)، وهذا يدلّنا على وحدة حكم الجنب والحائض ، وإلاّ لم يكن وجه للاستدلال بالآية على حكم الحائض لاختصاصها بالجنب.

فبهذا أو بالتسالم في المسألة يمكن القول بأنّ الحائض كالجنب لا يجوز لها الاجتياز


1) تقدّم في الصفحة 343.

2) الوسائل 2 : 205 / أبواب الجنابة ب 15 ح 3.

3) الوسائل 2 : 205 / أبواب الجنابة ب 15 ح 17.

4) النِّساء 4 : 43.

عن المسجدين ، ومع قطع النّظر عنهما لا دليل على حرمة الاجتياز عن المسجدين في حقّ الحائض.

ومنها : أنّ الاجتياز للحائض عن غير المسجدين مكروه ، والمستند للماتن قدس‌سره في ذلك مرسلة دعائم الإسلام ، حيث روى أنّ الحيّض لا يقربن مسجداً (1)وهي وإن كانت مرسلة إلاّ أنّ قاعدة التّسامح في أدلّة السنن مرخّصة في الحكم بالكراهة.

وفيه : أنّ القاعدة غير تامّة في نفسها ، وتعديتها إلى المكروهات ممّا لا دليل عليه فلا يسعنا الحكم بالكراهة بوجه.

ومنها : أنّها لا تدخل المشاهد المشرفة كالمساجد ، ويجوز لها اجتيازها.

وهذا قد تقدّم الكلام فيه أيضاً (2)وقلنا إنّه لا دليل على إلحاق المشاهد بالمساجد وما ورد في موثقة أو رواية أبي بصير من أنّ الجنب لا يدخل بيوت الأنبياء (3)بعد ضمّها إلى ما ذكرناه من اشتراك الحائض مع الجنب في الأحكام لا يمكن الاستدلال به على المدّعى ، لأنّها إنّما وردت في مقام الإعجاز حيث إنّ السائل أراد فيها الاختبار وليست بصدد بيان حكم اللّه الواقعي.

على أنّ البيت غير المقابر والمشاهد ، فإنّ المقبرة لا يطلق عليها أنّها بيت علي عليه‌السلام أو بيت الحسين عليه‌السلام أو غيرهما من الأئمّة عليهم‌السلام فالرواية على تقدير تسليم دلالتها لا تشمل المشاهد والمقابر.

نعم ، يمكن الاستدلال على ذلك بما قدّمناه من استظهار وحدة حكم الحائض والجنب من الصحيحة المتقدّمة ، وبأنّ دخولهما على المشاهد هتك لأنّها معدّة للعبادة


1) المستدرك 2 : 27 / أبواب الحيض ب 27 ح 3.

2) تقدّم في الصفحة 345.

3) الوسائل 2 : 211 / أبواب الجنابة ب 16 ح 1 ، 2 ، 3 ، 5. لكن رواية الاختبار ليس فيها نهي الجنب عن دخول بيوت الأنبياء ، وما فيه هذا الحكم ليس فيه الاختبار. ثمّ إنّ بعض هذه الرّوايات ليست عن أبي بصير ، وإنّما هو فيها صاحب القصّة.

[746] مسألة 3 : لا يجوز لها دخول المساجد بغير الاجتياز (1) ، بل معه أيضاً في صورة استلزامه تلويثها (2).

السّابع : وطؤها في القُبل حتّى بإدخال الحشفة من غير إنزال بل بعضها على الأحوط ، ويحرم عليها أيضاً (3) ،


فهي من شعائر اللّه ودخول الجنب والحائض عليها مناف لتعظيم شعائر اللّه سبحانه وهو هتك.

ومن ذلك يظهر أنّ المشاهد أهم من البيوت ، لأنّ دخول الجنب والحائض بيوت الأنبياء والأئمّة عليهم‌السلام ممّا لا يستلزم الهتك بوجه ، إذ لا إشكال في أنّ الجنب والحائض ربما كانا يوجدان في بيوتهم من دون أن يجب عليهما الخروج عنها ، بل ربما كان يدخل فيها الجنب والحائض للسؤال عن حكمهما من دون أن يكون ذلك موجباً لهتكها ، وهذا بخلاف المشاهد لأنّها مواضع معدّة للعبادة ، ودخول الجنب أو الحائض في مثلها مناف لتعظيمها لأنّها من أهم شعائر اللّه ، فلا يبعد الحكم بحرمة دخولهما فيها من هذه الجهة.

(1) كما مرّ وعرفت.

(2) إذ لا إشكال في حرمة تلويثها ، ومعه لا يرخص العقل في دخول المساجد ، لأنّ الامتثال يتوقّف على ترك الدّخول ، لا أنّ الدّخول حينئذ يتّصف بالحرمة الشرعيّة كما لعلّه ظاهر المتن ، وذلك لأنّ مقدّمة الحرام لا تتصف بالحرمة شرعاً ، نعم المحرّم هو التلويث والعقل يستقلّ معه في المنع عن الدّخول.

حرمة وطء الحائض في القُبل

(3) يدلّ على ذلك الكتاب والسنّة معاً. قال عزّ من قائل ( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ ... ) (1).


1) البقرة 2 : 222.

وورد في السنّة أنّه يستمتع بما شاء ولا يوقب ، والأخبار في ذلك كثيرة (1). والمسألة متسالم عليها بين الأصحاب بل بين المسلمين ، لأنّ العامّة أيضاً ملتزمون بحرمة وطء الحائض ، فأصل الحرمة ممّا لا إشكال فيه ، وإنّما الكلام في خصوصياتها الّتي أشار إليها في المتن.

منها : أنّه لا إشكال في أنّ الوطء في القبل بإدخال الحشفة مع الإنزال محرم على الزّوج ، وهل الوطء كذلك من دون إنزال أيضاً محرم أو لا حرمة فيه؟

لا ينبغي الإشكال في حرمته ، لعدم تقييد الآية المباركة ولا الرّوايات الواردة في ذلك بالإنزال ، بل الوطء محرم مطلقاً سواء كان مع الإنزال أم لم يكن معه.

ومنها : أنّ المحرم هل هو الإدخال الموجب للغسل ، أعني ما إذا كان بقدر الحشفة ولا حرمة فيما لم يكن موجباً له كما إذا كان ببعض الحشفة ، أو أنّ الإدخال محرم مطلقاً سواء كان موجباً للغسل أم لم يكن؟

الصحيح هو الثّاني ، وذلك لأنّ الإدخال مناف للاعتزال وترك القرب والإيقاب الّذي هو بمعنى الإدخال ، وقد عرفت أنّ الاعتزال واجب في المحيض ، ولا ملازمة بين عدم كون الوطء موجباً للاغتسال وبين عدم حرمته ، لإمكان أن يكون موضوع الحرمة أوسع من موضوع ما يوجب الاغتسال ، وذلك لإطلاق ما دلّ على حرمة وطء الحائض.

ومنها : أنّ مقتضى الآية المتقدّمة والأخبار الواردة في المسألة أنّ الوطء محرم على الزّوج ، وهل الزوجة أيضاً يحرم عليها ذلك ، فلا يجوز أن تمكن زوجها من نفسها في المحيض أو لا يحرم ذلك على الزوجة؟

وبعبارة اخرى : هل التكليف واحد متوجّه إلى الزّوج فحسب أو أنّ هناك تكليفين تحريميين يتوجّه أحدهما إلى الزّوج ويتوجّه الآخر إلى الزّوجة؟


1) الوسائل 2 : 321 / أبواب الحيض ب 25.

المعروف بينهم هو الأخير وهو الصحيح ، وإنّما الكلام في مدرك ذلك.

ما استدلّ به على حرمة التمكين

فقد يستدلّ على حرمة تمكين الزّوجة بأنّه إعانة على الإثم ، وهي محرمة.

وفيه : أنّ تمكينها ربما يكون إعانة على الإثم وربما لا يكون ، وذلك لأنّ الزّوج قد لا يحرم عليه وطء زوجته في المحيض واقعاً ، كما إذا كان مجنوناً أو صغيراً أو ناسياً أو غافلاً ، وقد لا يحرم عليه ظاهراً كما إذا كان جاهلاً بحرمته ، ومعه لا يكون التمكين من الزّوجة إعانة على الإثم دائماً. على أنّ الإعانة على الإثم لم يقم دليل على حرمتها وإنّما المحرم أمران :

أحدهما : إعانة الظالم في ظلمة ، لأنّها محرمة بمقتضى الأخبار (1)، وهذا غير الإعانة على الإثم بما هو إثم كما إذا ارتكب الحرام من دون أن يظلم أحداً من النّاس فلا دليل على حرمة إعانته.

ثانيهما : التعاون على الإثم بأن يصدر عمل واحد محرم من شخصين أو أشخاص متعددين فيعين كلّ واحد منهما الآخر في ذلك العمل ، كما إذا اجتمعوا وقتلوا واحداً هذا يضربه بالسيف والآخر يضربه بشي‌ء آخر حتّى يقتل ، أو اجتمعوا وخربوا مسجداً ، فالإثم صادر من الجميع وينتسب إليهم بإعانة كلّ منهم الآخر.

وأمّا الإعانة على الإثم بأن يصدر الإثم من واحد وشخص آخر يعينه في ذلك من دون أن ينتسب الحرام إليه ، كما إذا أراد شخص ضرب آخر وناوله شخص ثالث العصا فهي ممّا لم يقم دليل على حرمته.

وقد يستدلّ على ذلك برواية محمّد بن مسلم الواردة في العدّة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال « سألته عن الرّجل يطلق امرأته متى تبين منه؟ قال : حين يطلع الدم من


1) راجع الوسائل 16 : 55 / أبواب جهاد النّفس ب 80 ، 17 : 177 / أبواب ما يكتسب به ب 42.

الحيضة الثّالثة تملك نفسها ، قلت : فلها أن تتزوّج في تلك الحال؟ قال : نعم ، ولكن لا تمكّن من نفسها حتّى تطهر من الدم » (1)، حيث دلّت على أنّ العدة تنقضي بمجرّد رؤيتها الحيضة الثّالثة ولها أن تتزوّج وهي في تلك الحيضة ، إلاّ أنّها لا تمكّن زوجها من نفسها حتّى تطهر من الدم ، ودلالتها على حرمة تمكين الحائض زوجها من نفسها وإن كانت لا بأس بها ، إلاّ أنّ الرّواية رواها محمّد بن الحسين ، عن بعض أصحابنا عن محمّد بن مسلم ، والواسطة مجهولة ، وبذلك تندرج الرّواية في المراسيل ولا يمكن الاعتماد عليها في شي‌ء.

نعم ، ذكر الرّاوي أنّه يظن أن تكون الواسطة هو محمّد بن عبد اللّه بن هلال أو علي ابن الحكم ، إلاّ أنّ ظنّ الرّاوي ذلك ممّا لا أثر له ولا يمكن الاعتماد عليه ، وعلى تقدير التسليم فمحمّد بن عبد اللّه بن هلال لم تثبت وثاقته في الرّجال ، ولكنه وقع في أسانيد كامل الزّيارات فلاحظ ، وكيف كان الرّواية غير قابلة للاعتماد عليها.

وثالثة : يستدلّ عليه بالإجماع الّذي ادّعاه في الغنية (2)، إلاّ أنّه لا يزيد على الإجماع المنقول بشي‌ء ، والإجماعات المنقولة غير قابلة للاعتماد عليها.

والّذي يمكن الاستدلال به على ذلك أنّ المرتكز في أذهان المتشرّعة أنّ الوطء مبغوض في أيّام العادة مطلقاً ، ومبغوضيّة العمل بالنسبة إلى كلّ من الزّوج والزّوجة على حدّ سواء ، فكما يحرم ذلك على الزّوج كذلك يحرم على الزّوجة ، فلا يجوز لها أن تمكن الزّوج من نفسها.

ويمكن الاستئناس على مبغوضيّة العمل حينئذ بما ورد من أنّ مبغض أمير المؤمنين عليه‌السلام إمّا أن يكون منافقاً أو ولد زنا أو ممّن حملته امّه في المحيض (3)، فإنّ ذلك يدلّ على أنّ حمل الأُم في أيّام العادة يترتّب عليه كون الولد مبغضاً لعليّ


1) الوسائل 22 : 210 / أبواب العدد ب 16 ح 1.

2) الغنية : 39 / كتاب الطّهارة.

3) الوسائل 2 : 318 و 319 / أبواب الحيض ب 24 ح 7 ، 8 ، 9.

( عليه‌السلام ) ، وحمل الام كما ينتسب إلى الزّوج كذلك ينتسب إلى الزّوجة ، فالحمل في أيّام الحيض كالزنية ، فكما أنّها عمل ينتسب إلى المرأة والرّجل وهي محرمة على كليهما فكذلك الحال في المحيض. هذا كلّه في الوطء في القبل.

وأمّا سائر الاستمتاعات فيقع الكلام فيها تارة في الاستمتاعات غير الوطء في الدبر ، وأُخرى في الاستمتاع بوطئها في دبرها.

حكم الاستمتاعات غير الوطء

أمّا الاستمتاعات غير الوطء في الدّبر كالتقبيل والتفخيذ والضمّ ونحوها فالمعروف جوازها ، ويدلّ عليه جملة من الرّوايات الواردة في أنّ للرجل ما بين أليتيها ولا يوقب ، أو أنّ له أن يأتيها إذا اجتنب ذلك الموضع ، أو له أن يأتي حيث شاء ما اتّقى موضع الدم أو ما دون الفرج إلى غير ذلك ممّا ورد في الرّوايات (1)، ومقتضاها جواز الاستمتاع بالزوجة في حيضها في غير فرجها.

وبإزاء هذه الأخبار صحيحة وغيرها واردة بمضمون أنّ المرأة تتّزر بإزار إلى الركبتين وتخرج سرّتها ثمّ له ما فوق الإزار ، ومقتضاها عدم جواز الاستمتاع بها بما بين الركبتين والسرّة ، وعن ميمونة زوجة النّبيّ صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم أنّها في حيضها كانت تتّزر بما بين الركبتين وسرتها ثمّ كانت تضاجع الرّسول صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم (2)، ولأجل ذلك ذهب بعضهم إلى حرمة الاستمتاع بما بين السرّة والركبة ، وعن الأردبيلي (3)الميل إليه.

إلاّ أنّ الصحيح خلاف ذلك ، وذلك لأنّ الأخبار المتقدّمة صريحة في جواز الاستمتاع بما دون الفرج ، وحينئذ إمّا أن نرفع اليد عن ظهور الطائفة الثّانية في


1) الوسائل 2 : 321 / أبواب الحيض ب 25.

2) الوسائل 2 : 323 / أبواب الحيض ب 26.

3) مجمع الفائدة والبرهان 1 : 153 / في الحيض.

ويجوز الاستمتاع بغير الوطء من التقبيل والتفخيذ والضمّ ، نعم يكره الاستمتاع بما بين السرّة والركبة منها بالمباشرة ، وأمّا فوق اللّباس فلا بأس ، وأمّا الوطء في دبرها فجوازه محل إشكال (1)(1)


الحرمة بصراحة الأخبار المجوّزة ونحمل الأخبار الناهية على الكراهة ، وهذا هو الظاهر لأنّه الّذي يقتضيه الجمع العرفي بين النص والظاهر في جميع الموارد ، أو لو لم نرفع اليد عن ظاهر الطائفة الثّانية في الحرمة وقلنا إنّهما متعارضتان فلا مناص من حمل الأخبار الناهية على التقيّة لموافقتها العامّة ، والحكم بجواز الاستمتاع بما دون الفرج من غير كراهة.

إلاّ أنّ الأظهر عدم وصول النوبة إلى الترجيح بمخالفة العامّة ، لوجود الجمع العرفي بين الطائفتين ، ومعه لا بدّ من الحكم بكراهة الاستمتاع بما بين السرّة والركبة عند عدم اتّزارها ، وانتفاء الكراهة مع اتّزارها بما بين السرّة والركبة ، هذا تمام الكلام في الاستمتاع بما دون الفرج غير الوطء في الدبر.

وأمّا الاستمتاع بالحائض بوطئها في دبرها فأشار إليه الماتن بقوله : « وأمّا الوطء ... » ، ونتعرّض له في التعليقة القادمة فلاحظ.

وطء الحائض في دبرها

(1) إن قلنا بحرمة الوطء في الدبر في نفسه فلا كلام في حرمة وطء الحائض في دبرها ، لعدم احتمال أن تكون الحائض مستثناة من عموم أو إطلاق حرمة الوطء في الدبر ، وما دلّ على حلّية ما عدا القبل لزوج الحائض ناظر إلى ما هو حلال في نفسه ولا يشمل الدبر على تقدير القول بحرمة الوطء فيه في نفسه.

وأمّا إذا قلنا بجواز الوطء في الدبر في غير الحائض فهل يجوز ذلك في حقّ


1) (*) والأحوط وجوباً تركه حتّى في غير حال الحيض.

الحائض أيضاً أو لا يجوز؟ الظاهر هو الجواز ، وذلك لأنّ ما استدلّ به على حرمة الوطء في دبر الحائض أمران :

أحدهما : ما ورد في بعض الرّوايات من النهي عن إيقابها ، حيث قال : « له ما بين أليتيها ولا يوقب » (1)، فإنّ معناه الإدخال ، وبما أنّ متعلقه غير مذكور فيشمل الإيقاب في كلّ من القُبل والدّبر.

ثانيهما : دعوى أنّ الفرج في لغة العرب أعم من القبل والدبر ، وبما أنّه مستثنى من جواز الاستمتاعات بالحائض لما ورد ما هو بمضمون أنّ لصاحب الحائض كلّ شي‌ء غير الفرج (2)فلا بدّ من الحكم بحرمة وطء الزّوجة في كلّ من قبلها ودبرها.

وبإزاء ذلك عام ومطلق ، أمّا العام فقد ورد فيه أنّ له كلّ شي‌ء ما عدا القُبل منها بعينه (3)، وقد دلّ بعمومه على أنّ غير القُبل ممّا يتمكّن الزّوج من الاستمتاع به حتّى الدبر ، وبما أنّ دلالته بالعموم فلا محالة يتقدّم على الرّوايتين المتقدّمتين الدالّتين بإطلاقهما على حرمة الوطء في الدّبر ، لأنّ دلالته بالوضع ودلالتهما بمقدّمات الحكمة.

وأمّا المطلق فهو ما دلّ على أن له الاستمتاع حيث شاء ما اتّقى موضع الدم (4)، أو لا بأس إذا اجتنب ذلك الموضع (5)، فإنّ المراد بهما القبل وقد دلّ بإطلاقه على أنّ الاستمتاع في غير القبل مرخص للزوج ولو كان هو الدّبر ، وهو مع الرّوايتين المتقدّمتين متعارضتان بالإطلاق ، ومقتضى القاعدة في مثله التساقط والرّجوع إلى العام أو الدليل الآخر ، وهو يقتضي جواز الوطء في الدّبر على الفرض.


1) الوسائل 2 : 322 / أبواب الحيض ب 25 ح 8.

2) الوسائل 2 : 321 و 322 / أبواب الحيض ب 25 ح 2 ، 3 ، 4 ، 9.

3) الوسائل 2 : 321 / أبواب الحيض ب 25 ح 1.

4) الوسائل 2 : 322 / أبواب الحيض ب 25 ح 5.

5) الوسائل 2 : 322 / أبواب الحيض ب 25 ح 6.

وإذا خرج دمها من غير الفرج فوجوب الاجتناب عنه غير معلوم (1) ، بل الأقوى عدمه إذا كان من غير الدبر ، نعم لا يجوز الوطء في فرجها الخالي عن الدم حينئذ.


خروج دمها من غير الفرج

(1) كما إذا كانت ثقبة في بدنها يخرج منها الدم فهل يحرم على زوجها وطؤها في تلك الثقبة أو لا يحرم؟

الأخبار الواردة في المقام إنّما دلّت على حرمة الوطء في الفرج والقبل أو ذلك الموضع الّذي أُريد منه الفرج ، وإنّما لم يصرح باسمه لقبحه.

ولم يرد استثناء ما يخرج منه الدم إلاّ في مرسلة ابن بكير (1)، ولا يمكن الاستدلال بها على حرمة الوطء في الثقبة الّتي يخرج منها الدم غير القبل والدبر.

وذلك لضعف سندها بالإرسال أوّلاً ، ولضعف دلالتها ثانياً ، للاطمئنان ولا أقل من احتمال عدم أخذ هذا العنوان « موضع الدم » موضوعاً للحكم بالحرمة في المرسلة.

بل الظاهر أنّه أُخذ معرّفاً ومشيراً للموضع المخصوص ، كما هو الحال في قوله « ذلك الموضع » ، وعليه فلا دليل على حرمة الوطء في الثقبة الخارج منها الدم لاختصاص أدلّة التحريم بالفرج.

نعم ، إذا خرج منها الدم من غير قبلها ودبرها وحكم عليها بكونها حائضاً يحرم الوطء في قبلها الخالي من الدم ، إذ المطلقات الدالّة على حرمة وطء الحائض في فرجها غير قاصرة الشمول لمفروض الكلام ، فإنّها غير مقيّدة بما إذا خرج الدم من فرجها.


1) الوسائل 2 : 322 / أبواب الحيض ب 25 ح 5.

[747] مسألة 4 : إذا أخبرت بأنّها حائض يسمع منها ، كما لو أخبرت بأنّها طاهر (1).


إخبار المرأة بحيضها

(1) إذا علم حيض المرأة تترتب عليه ما تقدّم من الآثار ، وإذا شكّ في حيضها لم يحكم بحيضها ولا يترتّب عليه أحكامه إلاّ إذا كانت حالتها السابقة هي الحيض. وإذا أخبرت بحيضها فهل يسمع قولها في ذلك ويترتب عليه ما قدّمناه من الأحكام المترتبة على الحيض أم لا؟

المعروف والمشهور بل ادّعي عليه الإجماع أنّ إخبار المرأة بحيضها مسموع. واستدلّ عليه بوجوه :

الأوّل : الإجماع على قبول إخبار المرأة في حيضها.

وفيه : أنّا نجزم بعدم كون الإجماع تعبديّاً كاشفاً عن قول المعصوم عليه‌السلام لأنّهم إنّما استندوا في ذلك إلى الوجوه الآتية ، فلا يعتمد على إجماعهم ذلك بوجه.

الثّاني : قوله تعالى ( ... وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ ... ) (1)بتقريب أنّ حرمة الكتمان على المرأة ووجوب الإظهار عليها ملازمة لوجوب القبول منها ، إذ لو لم يجب قبول قولها في إخبارها كانت حرمة الكتمان ووجوب الإظهار على المرأة لغواً ظاهراً.

وفيه : أنّ أحكام الحائض على قسمين : قسم لها وقسم عليها ، فإخبارها عن حيضها إقرار على نفسها في الأحكام الّتي عليها كحرمة دخولها المساجد ، وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز ، ووجوب الإقرار على المرأة لا يلازم وجوب القبول منها بوجه ، بل يمكن أن يحكم على المرأة بحيضها وعدم جواز دخولها المسجد أو غيره من الآثار ومع ذلك لا تكون حائضاً لدى زوجها أو غيره.


1) البقرة 2 : 228.

الثّالث : أنّ الحيض ممّا لا يعلم إلاّ من قبلها ، وما لا يعلم إلاّ من قبل المرأة يسمع قولها فيه.

وفيه : أنّ الاستدلال بذلك مورد المناقشة صغرى وكبرى.

أمّا بحسب الكبرى فلعدم دلالة الدليل على أنّ كلّ ما لا يعلم إلاّ من قبل شخص يكون قوله حجّة فيه.

وأمّا بحسب الصغرى فلأنّ الحيض ممّا يمكن العلم به بسائر الطرق ، فإنّ النِّساء المعاشرات مع المرأة يعرفن حيضها ، فليس الحيض ممّا لا يعلم إلاّ من قبل الحائض.

فالصحيح أن يستدلّ على ذلك بالروايات ، أعني صحيحة زرارة : « العدّة والحيض إلى النِّساء » (1)، ومعتبرة الكليني حيث وقع في سندها إبراهيم بن هاشم ، المرويّة إحداهما بسندين ، وهي أمّا صحيحة أو حسنة بمضمون الصحيحة الاولى مع زيادة « إذا ادّعت صُدّقت » (2).

وقد دلّت هاتان الرّوايتان على أنّ أمر العدّة والحيض موكول إلى النِّساء ، فهن مصدقات فيهما ، وبهما يثبت حجيّة إخبارها عن حيضها.

بقي الكلام في أنّ اعتبار إخبارها عن حيضها مطلق أو أنّه يختص بغير ما إذا كانت المرأة متّهمة ، وأمّا إذا اتّهمت بأنّها تدّعي الحيض لرغبتها عن زوجها أو رغبتها فيما يمنع عنه المجامعة مع زوجها فلا يسمع منها إخبارها.

وتفصيل الكلام في هذا المقام : هو أنّا إن اعتمدنا في الحكم باعتبار قول المرأة وإخبارها عن حيضها على الإجماع المدّعى في المسألة فلا مناص من تقييد حجيّة إخبار المرأة بما إذا لم تكن متّهمة ، لأنّها القدر المتيقن من معقد الإجماع.

وأمّا إذا اعتمدنا على الرّوايات فلا وجه لتقييدها بما إذا لم تكن المرأة متّهمة ، فإنّ إطلاقها هو المحكّم. ودعوى أنّها منصرفة عن المتّهمة دعوى غير مسموعة ، كيف


1) الوسائل 2 : 358 / أبواب الحيض ب 47 ح 2.

2) الوسائل 2 : 358 / أبواب الحيض ب 47 ح 1 ، 22 : 222 / أبواب العدد ب 24 ح 1.

وقد صرّح بعضهم بذلك في العدّة وقال إنّ مقتضى إطلاق الرّواية سماع قولها في عدّتها ولو كانت متّهمة.

وعليه فلا بدّ من ملاحظة الدليل على تقييد إطلاق الرّوايتين ، فقد استدلّوا عليه برواية السكوني عن الصادق عليه‌السلام : أنّه نقل عن علي عليه‌السلام أنّه سئل عن امرأة ادّعت أنّها حاضت في شهر واحد ثلاث مرّات ، وأجاب بأنّ النِّساء إن شهدت على أنّ حيضها فيما مضى في شهر واحد ثلاث مرّات صُدّقت ، وإلاّ فهي كاذبة (1).

والرّواية من حيث السند معتبرة لا بأس بها ، وقد رواها عن عبد اللّه بن المغيرة لا عن النوفلي فلاحظ.

وإنّما الكلام في دلالتها ، وهي مورد الإشكال والكلام ، لأنّها ادّعت في مورد الرّواية أمراً غير معهود بل غير متحقّق أصلاً ، ولو كان متحقّقاً فهو من الندرة بمكان حيث ادّعت أنّها حاضت في أوّل الشهر إلى ثلاثة أيّام ، ثمّ انقطع دمها عشرة أيّام وفي اليوم الرّابع عشر رأت الدم ثلاثة أيّام ، ثمّ انقطع عشرة أيّام ، وفي اليوم السّابع والعشرين أيضاً رأت الدم ، وهذا أمر غير معهود ، ولعلّ عدم تصديقها من جهة كون المدّعى غريباً.

وعليه لا يمكننا التعدِّي عن موردها إلى غيره ، كما إذا ادّعت أنّها رأت الحيض في شهر واحد مرّتين ، نعم في خصوص مورد الرّواية لا يمكننا تصديقها بأخبارها بمقتضى هذه الرّواية ، فالتقييد بعدم كون المرأة متّهمة ممّا لا دليل عليه.

إلى هنا تحصل أنّ إخبار المرأة عن حيضها مسموع شرعاً.

إخبار المرأة عن طهرها

وهل يسمع قولها في الاخبار عن طهرها وعدم حيضها أو لا يسمع؟


1) الوسائل 2 : 358 / أبواب الحيض ب 47 ح 3 ، 27 : 361 / كتاب الشّهادات ب 24 ح 37.

[748] مسألة 5 : لا فرق في حرمة وطء الحائض بين الزّوجة الدائمة والمتعة والحرّة والأمة والأجنبيّة والمملوكة (1) ، كما لا فرق بين أن يكون الحيض قطعيّاً وجدانيّاً أو كان بالرجوع إلى التمييز أو نحوه ، بل يحرم أيضاً في زمان الاستظهار إذا تحيّضت (2).


ظاهر قوله عليه‌السلام « العدّة والحيض إلى النِّساء » أنّ أمر هاتين الطبيعتين راجع إليهن نفياً وإثباتاً ، وهو نظير ما إذا قلنا سفر المرأة إلى زوجها أي نفياً وإثباتاً لا إثباتاً فقط ، فإنّه الظّاهر المستفاد من الرّواية عرفاً ، مضافاً إلى القرينة الخارجيّة وهي ما دلّ من الأخبار على أنّ المرأة إذا ادّعت انقضاء عدّتها جاز لها أن تتزوّج (1)، حيث يدلّنا على أنّ إخبار المرأة عن عدّتها وحيضها نفياً وإثباتاً مورد للتصديق فلا يرجع إلى استصحاب بقاء عدّتها أو حيضها.

عدم الفرق بين أصناف المرأة

(1) وذلك لإطلاق ما دلّ على حرمة وطء الحائض ، لأنّ قوله تعالى ( ... قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ... ) (2)غير مقيّد بالدائمة أو بغيرها من أقسام المرأة.

هذا كلّه فيما إذا ثبت حيض المرأة بالعلم الوجداني أو التعبدي ، وأمّا إذا ثبت باختبار المرأة نفسها كما في أيّام الاستظهار في اليوم الثّاني والثّالث ، لأنّه في اليوم الأوّل واجب عندنا ، نعم عند الماتن قدس‌سره تتخيّر المرأة في اليوم الأوّل أيضاً فإذا اختارت المرأة الحيض لنفسها فهل يترتّب عليه أحكام الحيض المتقدِّمة؟

(2) لا إشكال في حرمة وطء الحائض فيما إذا ثبت حيضها بالعلم الوجداني أو


1) الوسائل 21 : 30 / أبواب المتعة ب 10 ، 20 : 301 / أبواب عقد النكاح ب 25.

2) البقرة 2 : 222.

التعبّدي كالصفات المجعولة أمارة على الحيض ، وإنّما الكلام في زمان الاستظهار فيما إذا تحيّضت ، فهل يحرم وطؤها حينئذ أو لا يحرم؟

عرفت أنّ أيّام الاستظهار مختلفة ، فإنّه في غير اليوم الأوّل كاليوم الثّاني والثّالث غير واجب ، وإنّما المرأة ذات العادة إذا تجاوز دمها عن أيّام عادتها مخيّرة في التحيّض وفي جعل نفسها مستحاضة في غير اليوم الأوّل ، فلها أن تتحيّض فتترك الصّلاة كما أنّ لها أن تختار لنفسها الاستحاضة فتصلّي ، ومعنى ذلك عدم جريان الاستصحاب في حقّها ، حيث إنّ الاستصحاب يقتضي كونها مستحاضة وممّن تجب عليها الصّلاة وذلك لأنّه كما يجري في الأُمور الحاليّة كذلك يجري في الأُمور الاستقباليّة ، وبما أنّ المرأة ذات عادة قد تجاوز دمها عن أيّامها وتشكّ في أنّه يتجاوز عن العشرة حتّى تجعل أيّام عادتها حيضاً والباقي استحاضة أو أنّه ينقطع دون العشرة حتّى يكون المجموع حيضاً ، فمقتضى الاستصحاب أنّه يجري ولا ينقطع حتّى يتجاوز العشرة وعليه فالمرأة مستحاضة فيما بعد أيّام العادة وتجب عليها الصّلاة ، ولكن الشارع المقدّس منع عن جريان الاستصحاب في حقّها وجعلها مخيّرة بين الحيض والاستحاضة في غير اليوم الأوّل من أيّام الاستظهار ، إلاّ أنّه لمّا لم يكن تكليفاً إلزاميّاً لعدم إلزام المرأة بالتحيّض على الفرض لم يمكن أن يعارض التكليف الإلزامي وهو وجوب إطاعة الزّوج فيما إذا طالبها بالجماع ، حيث يجوز له ذلك في غير أيّام طمثها لقوله تعالى ( ... فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ ... ) (1)، وإنّما خرج عنه أيّام العادة فقط كما يدلّ عليه غير واحد من الرّوايات (2)، فإذا طالبها بالجماع في غير أيّام العادة كأيّام الاستظهار وجب عليها المطاوعة ، فلا يحرم وطؤها في أيّام الاستظهار غير الواجب.

وأمّا اليوم الأوّل من الاستظهار الّذي يجب فيه الاستظهار فالظاهر أنّ حكمه حكم الحيض فيحرم وطؤها فيه ، وذلك لأنّ المستفاد ممّا دلّ على وجوب الاستظهار


1) البقرة 2 : 223.

2) الوسائل 2 : 317 323 / أبواب الحيض ب 24 و 25.

في اليوم الأوّل أنّ المرأة حائض شرعاً ، لا أنّها ليست بحائض إلاّ أنّ حكم الحيض مترتِّب عليها بالتعبّد الشرعي ، فإنّه بعيد عن المتفاهم العرفي ، فإذا كانت المرأة حائضاً فيترتّب عليها جميع أحكام الحائض الّتي منها حرمة الوطء.

ويمكن الاستدلال على ذلك مضافاً إلى دلالة نفس أدلّة الاستظهار عليه كما عرفت بما ورد في بعض الرّوايات من أنّ المرأة مستحاضة بعد الاستظهار بيوم واحد ، كما في صحيحة إسحاق بن جرير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث « في المرأة تحيض فتجوز أيّام حيضها ، قال : إن كان أيّام حيضها دون عشرة أيّام استظهرت بيوم واحد ثمّ هي مستحاضة » (1).

وذلك لعدم الفاصل بين الحيض والاستحاضة ، فإذا حكمنا على المرأة بالاستحاضة بعد يوم الاستظهار دلّ ذلك على أنّها في يوم الاستظهار حائض فيترتب عليها جميع آثار الحائض لا محالة.

ويؤيّد ما ذكرناه رواية مالك بن أعين قال « سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن النّفساء يغشاها زوجها وهي في نفاسها من الدم؟ قال : نعم إذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر أيّام عدّة حيضها ، ثمّ تستظهر بيوم ، فلا بأس بعدُ أن يغشاها زوجها يأمرها فلتغتسل ثمّ يغشاها إن أحب » (2).

لصراحتها في عدم جواز وطء المرأة ذات الدم في يوم الاستظهار ، وإنّما يجوز وطؤها بعد الاستظهار بيوم. إلاّ أنّها غير صالحة للاستدلال لضعفها سنداً أوّلاً حيث إنّ طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضّال ضعيف (3)، ولورودها في النّفساء ثانياً فتختصّ بموردها ، ولا يمكن التعدي عنه إلى الحائض أيضاً ، ومن هنا جعلناها مؤيّدة للمدّعى.


1) الوسائل 2 : 301 / أبواب الحيض ب 13 ح 3.

2) الوسائل 2 : 383 / أبواب النّفاس ب 3 ح 4.

3) وقد تقدّم أنّ سيِّدنا الأُستاذ ( دام ظلّه ) عدل عن ذلك وبنى على اعتبار طريق الشيخ إلى ابن فضّال ، راجع الصفحة 70.

وإذا حاضت في حال المقاربة تجب المبادرة بالإخراج (1).

الثّامن : وجوب الكفّارة (1)بوطئها وهي دينار في أوّل الحيض ونصفه في وسطه وربعه في آخره إذا كانت زوجة ، من غير فرق بين الحرّة والأمة والدائمة والمنقطعة (2)


(1) لصدق أنّ المرأة في المحيض فيجب الاعتزال عنها وأنّها حائض ، فلا يقربها بعلها ، إلى غير ذلك من العناوين الواردة في الكتاب والسنّة.

هل تجب الكفّارة بوطئها؟

(2) ما أفاده الماتن قدس‌سره هو المشهور بين المتقدّمين ، ولكن المشهور بين المتأخّرين على ما في الحدائق (2)عدم وجوب الكفّارة على الواطئ في المحيض ومنهم صاحب الوسائل (3)قدس‌سره على ما عنون به الباب : باب استحباب الكفّارة لمن وطئ في الحيض ....

والوجه في اختلاف المتقدّمين والمتأخّرين في المسألة هو اختلاف الأخبار ، لأنّ الكفّارة على الترتيب الّذي ذكره الماتن قدس‌سره إنّما ورد في رواية داود بن فَرقَد عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « في كفّارة الطمث أنّه يتصدّق إذا كان في أوّله بدينار وفي وسطه نصف دينار ، وفي آخره ربع دينار ، قلت : فإن لم يكن عنده ما يكفّر؟ قال : فليتصدّق على مسكين واحد ، وإلاّ استغفر اللّه تعالى ولا يعود ، فإنّ الاستغفار توبة وكفّارة لكلّ من لم يجد السبيل إلى شي‌ء من الكفّارة » (4).

وفي مرسلة المُقنع قال « روي أنّه إن جامعها في أوّل الحيض فعليه أن يتصدّق


1) (*) لا يبعد استحبابها ، والاحتياط لا ينبغي تركه ، وبذلك يظهر الحال في جملة من الفروع الآتية.

2) الحدائق 3 : 265 / في الحيض.

3) الوسائل 2 : 327 / أبواب الحيض ب 28.

4) الوسائل 2 : 327 / أبواب الحيض ب 28 ح 1.

بدينار ، وإن كان في نصفه فنصف دينار ، وإن كان في آخره فربع دينار » (1).

ولا يمكن الاعتماد على ذلك لإرسالها ، ولعلّ المراد بالمرسلة هو رواية داود بن فرقد ، ولا يمكن الاعتماد على رواية داود لضعف سندها بالإرسال أوّلاً ، لأنّ محمّد بن أحمد بن يحيى رواها عن بعض أصحابنا عن الطيالسي ، وبعدم دلالتها على وجوب الكفّارة بتلك الكيفيّة ثانياً ، وذلك لأنّ السؤال فيها إنّما هو عن كمّ الكفّارة وأنّه أيّ شي‌ء فأجابه بما أجاب به ، ولا دلالة لها على أنّ أصل الكفّارة واجب ، بل الكفّارة المعطاة هي الدينار ونصفه وربعه ولو كانت الكفّارة مستحبّة ، فلا دلالة لها على أصل وجوب الكفّارة.

وأمّا غير هذه الكيفيّة المذكورة في المتن فقد ورد في صحيحة محمّد بن مسلم وجوب التصدّق بدينار مطلقاً بلا فرق في ذلك بين أوّل الحيض وآخره ووسطه ، قال « سألته عمن أتى امرأته وهي طامث ، قال : يتصدّق بدينار ، ويستغفر اللّه تعالى » (2).

إلاّ أنّ مضمونها ممّا لم يقل به أحد من أصحابنا وإن حكي القول به عن المخالفين مضافاً إلى أنّها معارضة بما دلّ على نفي وجوب الكفّارة كصحيحة العِيص ، قال « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن رجل واقع امرأته وهي طامث ، قال : لا يلتمس فعل ذلك وقد نهى اللّه تعالى أن يقربها ، قلت : فإن فعل أعليه كفّارة؟ قال : لا أعلم فيه شيئاً ، يستغفر اللّه » (3).

والجمع بينها وبين الصحيحة المتقدّمة يقتضي حملها على الاستحباب أو التقيّة كما سيأتي.

ويؤيّد ذلك ما رواه زرارة عن أحدهما عليهما‌السلام ، قال « سألته عن الحائض يأتيها زوجها؟ قال : ليس عليه شي‌ء ، يستغفر اللّه ولا يعود » (4).


1) الوسائل 2 : 328 / أبواب الحيض ب 28 ح 7.

2) الوسائل 2 : 327 / أبواب الحيض ب 28 ح 3.

3) الوسائل 2 : 329 / أبواب الحيض ب 29 ح 1.

4) الوسائل 2 : 329 / أبواب الحيض ب 29 ح 2.

وما رواه ليث المرادي ، قال « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن وقوع الرّجل على امرأته وهي طامث خطأً أي من باب الخطيئة والمعصية بقرينة قوله بعد ذلك : وقد عصى ربّه ، لا من باب الخطأ والاشتباه ، وإلاّ لم يكن عاصياً بوجه قال : ليس عليه شي‌ء ، وقد عصى ربّه » (1).

وأمّا ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : من أتى حائضاً فعليه نصف دينار يتصدّق به » (2)، حيث دلّت على أنّ الكفّارة هي نصف دينار مطلقاً ، فهو كسابقه ممّا لم يلتزم به الأصحاب.

وفي رواية علي بن إبراهيم في تفسيره قال « قال الصّادق عليه‌السلام : من أتى امرأته في الفرج في أوّل أيّام حيضها فعليه أن يتصدّق بدينار ، وعليه ربع حدّ الزاني : خمسة وعشرون جلدة ، وإن أتاها في آخر أيّام حيضها فعليه أن يتصدّق بنصف دينار ، ويضرب اثنتي عشرة جلدة ونصفاً » (3).

ويدفعه : مضافاً إلى إرسالها ، أنّ مضمونها ممّا لم يقل به أحد من أصحابنا ، فإنّهم إنّما ذهبوا إلى وجوب الكفّارة بنصف دينار فيما إذا كان في وسط الحيض ، وربع دينار إذا كان في آخره ، لا نصف دينار في آخر الحيض.

وقد ورد مضمون هذه الرّواية في رواية محمّد بن مسلم المرويّة في باب التعزيرات من الوسائل ، قال « سألت أبا جعفر عن الرّجل يأتي المرأة وهي حائض ، قال : يجب عليه في استقبال الحيض دينار ، وفي استدباره نصف دينار ... » (4).

لكنّه ضعيف بأبي حبيب الواقع في سنده ، وهو ممّن لم تثبت وثاقته ، وهو أيضاً غير معمول به بين الأصحاب.

وقد تحصل إلى هنا أنّ وجوب الكفّارة في وطء الحائض ممّا لا مقتضي له ولا دليل


1) الوسائل 2 : 329 / أبواب الحيض ب 29 ح 3.

2) الوسائل 2 : 327 / أبواب الحيض ب 28 ح 4.

3) الوسائل 2 : 327 / أبواب الحيض ب 28 ح 6.

4) الوسائل 28 : 377 / أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات ب 13 ح 1.

عليه ، وقد دلّت صحيحة العِيص على نفي لزوم الكفّارة على الوطء في الحيض ، هذا بعد ما عرفت من الإشكال في سند رواية داود بن فرقد ودلالتها.

ثمّ على تقدير التنازل وفرض تماميّة الأخبار المتقدِّمة ، أي غير رواية داود بن فرقد ، فإنّها ضعيفة السند والدلالة كما مرّ كالأخبار الدالّة على وجوب الدّينار أو نصفه أو التفصيل ، فقد عرفت أنّها متعارضة ولا مناص من العلاج بينها.

والتصرّف فيما دلّ على وجوب الكفّارة بدينار مطلقاً كما في صحيحة محمّد بن مسلم وما دلّ على وجوب الكفّارة بنصف دينار مطلقاً كما في رواية أبي بصير ، بحمل الأوّل على أوّل الحيض واستقباله ، وحمل الثّاني على آخره واستدباره كما في رواية القمّي ومحمّد بن مسلم المرويّة في باب التعزيرات.

مندفع : بأنّه ليس من الجمع العرفي في شي‌ء ، لبعد أن يحكم الإمام عليه‌السلام بوجوب الكفّارة بدينار على وجه الإطلاق مريداً به أوّل الحيض ، أو يحكم بوجوب الكفّارة بنصف دينار مطلقاً مريداً به آخر الحيض.

بل الصحيح في العلاج بين الأخبار أمران :

أحدهما : حمل الأخبار على الاستحباب ، كما صنعه صاحب الوسائل (1)قدس‌سره نظراً إلى أنّ اختلاف الأخبار في حدّ الكفّارة بنفسه يدلّ على عدم الوجوب ويدلّ عليه صحيح العيص المتقدِّم الدالّ على عدم وجوب الكفّارة على الواطئ في أيّام الحيض.

وثانيهما : حملها على التقيّة ، حيث إنّ العامّة تقول بوجوب الدّينار أو نصفه في كفّارة وطء الحائض ، ويدلّ عليه ما ورد في رواية عبد الملك بن عمرو (2)، قال « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن رجل أتى جاريته وهي طامث ، قال : يستغفر اللّه ربّه ، قال عبد الملك : فإنّ النّاس يقولون : عليه نصف دينار أو دينار ، فقال أبو عبد اللّه عليه‌السلام : فليتصدّق على عشرة مساكين » (3).


1) الوسائل 2 : 328 / أبواب الحيض ، آخر الباب 28.

2) هكذا في التهذيب والوافي ولكن في الاستبصار عبد الكريم بن عمرو وهو ثقة.

3) الوسائل 2 : 327 / أبواب الحيض ب 28 ح 2.

وإذا كانت مملوكة للواطئ فكفارته ثلاثة أمداد من طعام يتصدّق بها على ثلاثة مساكين لكلّ مسكين مد ، من غير فرق بين كونها قِنّة أو مدبّرة أو مكاتبة أو أُمّ ولد (1).


حيث إنّها وإن وردت في الأمة وهي خارجة عمّا هو محلّ الكلام ، لأنّ البحث في وطء الزّوجة الحائض بأقسامها من الدائمة والمنقطعة والحرّة والأمة ، لا في الجارية غير الزّوجة ، إلاّ أنّها تدلّنا على أنّ وجوب الكفّارة بدينار أو نصفه كان أمراً شائعاً بينهم ، فتحمل الأخبار الواردة في وجوبهما على التقيّة ، فلا تكون الكفّارة واجبة ولا مستحبّة بعنوان كونها كفّارة ، وأمّا بعنوان الصدقة والإحسان فهو أمر آخر.

هذا كلّه في الزّوجة بأقسامها ، وقد تحصل أنّ كفّارة وطء الحائض ليست واجبة وإنّما يجب على الواطئ الاستغفار لارتكابه المعصية وإن كان التكفير أحوط.

وطء المملوكة في حيضها

وبقي الكلام في وطء المملوكة في حيضها.

(1) لم يرد ما ذكره قدس‌سره في شي‌ء من الرّوايات المتقدّمة ، إذ أنّ رواية داود بن فَرقَد ناظرة إلى كمّ الكفّارة ، وأمّا وجوب الكفّارة فلا نظر في الرّواية إليه فضلاً عن إطلاقها بالإضافة إلى وطء المملوكة.

وأمّا بقيّة الرّوايات غير رواية عبد الملك بن عمرو فلاختصاصها بالزوجة كما هو ظاهر.

وأمّا رواية عبد الملك فهي وإن كانت واردة في الجارية ، إلاّ أنّها تدلّ على عدم وجوب الكفّارة في وطئها ، ولا دلالة لها على الوجوب. نعم دلّت الرّواية على وجوب التصدّق على عشرة مساكين لا بعنوان الكفّارة في وطء الأمة الحائض ، بل بعنوان عدم مخالفة النّاس القائلين بوجوب الكفّارة بدينار أو نصف دينار.

نعم في المبعضة والمشتركة والمزوّجة والمحلّلة إذا وطئها مالكها إشكال (1) ، ولا يبعد إلحاقها بالزوجة في لزوم الدّينار أو نصفه أو ربعه ، والأحوط الجمع بين الدّينار والأمداد.


إذن لا يمكن استفادة ما ذكره الماتن أعني وجوب الكفّارة في وطء الأمة الحائض من شي‌ء من الأخبار المتقدّمة ، ولا مدرك له سوى الإجماع المنقول والشهرة الفتوائيّة بين الأصحاب والفقه الرّضوي (1). ولا يمكن الاعتماد على شي‌ء منها في الاستدلال.

نعم حسنة عبد الملك وردت في الجارية إلاّ أنّها دلّت على عدم وجوب الكفّارة في وطئها حائضاً ، ولمّا قال له السائل إنّ النّاس ذكروا أنّ فيه كفّارة دينار أو نصفه أمره عليه‌السلام بالتصدّق على عشرة مساكين.

والظاهر أنّ ما حكم به الإمام عليه‌السلام ليس من باب وجوب الكفّارة بعنوانها الأوّلي ، وإنّما هو من جهة العنوان الثّانوي وعدم مخالفة الشيعة مع العامّة بحسب العمل فهو مجاملة معهم عملاً ، هذا.

على أنّ المذكور في الحسنة إنّما هو التصدّق على عشرة مساكين لا ثلاثة أمداد على ثلاثة مساكين ، فالمقدار المعطى للمساكين غير مذكور في الحسنة.

وطء المبعّضة وأخواتها

(1) بناءً على وجوب الكفّارة في وطء الأمة والزّوجة ، إذا كانت الأمة مبعّضة أو مشتركة أو مزوّجة أو محلّلة ووطئها مالكها ، فهل يجب على الواطئ كفّارة وطء الأمة لأنّها أمة ، أو يجب كفّارة الزّوجة إلحاقاً لها بالزوجة ، لعدم كونها أمة محلّلة لمالكها فلأجل كونها محرمة الوطء على مالكها تلحق بالزوجة في وجوب التكفير بدينار في


1) المستدرك 2 : 21 / أبواب الحيض ب 23 ح 1.

أوّل الحيض ونصف دينار في وسطه وربع دينار في آخره؟

مقتضى العلم الإجمالي الجمع بين الكفارتين ، ولكنّ الصحيح هو التفصيل بين الأمة المبعضة والمشتركة وبين الأمة المزوّجة والمحلّلة.

وذلك لأنّ حسنة عبد الملك المتقدّمة إنّما أُخذ في موضوعها عنوان وطء الرّجل أمته ، وهذا لا ينطبق على المبعضة أو المشتركة ، أمّا المبعضة فلأنها ليست بأمة وإنّما الأمة نصفها مثلاً ، ونصفها الآخر حرّ ، فلا يصدق أنّه وطئ أمته. وكذلك المشتركة لأنّها ليست بأمة الواطئ وإنّما هي أمته وأمة غيره ، فلا يصدق أنّه وطئ أمته ، فلا تجب فيهما كفّارة وطء الأمة.

ولكن يجب في المبعضة والمشتركة كفّارة وطء الزّوجة ، لأنّ الأخبار الواردة فيها وإن كان بعضها مختصّاً بالزوجة ، إلاّ أنّ المأخوذ في موضوع بعضها وطء مطلق الحائض زوجة كانت أم غيرها بل تشمل المزني بها أيضاً ، كرواية داود بن فَرقَد الّتي كان السؤال فيها عن كفّارة الطّمث (1)، ورواية محمّد بن مسلم : عن الرّجل يأتي المرأة وهي حائض (2)، ورواية أبي بصير : من أتى حائضاً (3)، وهذه العناوين كما ترى تنطبق على الأمة المشتركة والمبعضة ، لعدم تقييدها بالزوجة ولا بالحرّة ، ومعه لا بدّ من إلحاقهما بالزوجة ، فيجب في وطئهما في الحيض أن يكفّر في أوّله بدينار وفي وسطه بنصف دينار وفي آخره بربع دينار.

وأمّا الأمة المحلّلة أو المزوّجة إذا وطئهما مالكهما فهما ملحقتان بالأمة ، وذلك لصدق الأمة عليهما ، إذ تحليل الأمة أو تزويجها من الغير لا يخرجها عن كونها أمته ، فيصدق أنّ المالك وطئ أمته وارتكب محرّماً ، ومعه يجب أن يتصدّق في كفّارته على عشرة مساكين أو بثلاثة أمداد.


1) الوسائل 2 : 327 / أبواب الحيض ب 28 ح 1.

2) الوسائل 28 : 377 / أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات ب 13 ح 1.

3) الوسائل 2 : 327 / أبواب الحيض ب 28 ح 4.

ولا كفّارة على المرأة وإن كانت مطاوعة (1) ، ويشترط في وجوبها العلم والعمد والبلوغ والعقل (2)


لا كفّارة على المرأة

(1) لعدم الدليل عليه وإن طاوعت الرّجل ، ولا يقاس المقام بالمرأة الصائمة في نهار شهر رمضان ، حيث إنّها مع المطاوعة محكومة بوجوب الكفّارة كالرجل ، وذلك لقيام الدليل عليه هناك دون المقام.

(2) قد دلّت الأخبار الواردة في المقام على اعتبار المعصية في موضوع وجوب الكفّارة على الواطئ في الحيض ، حيث ورد في بعضها أنّه عصى ربّه (1)وأوجبت عليه الاستغفار (2)وهو إنّما يجب مع المعصية لوجوب التّوبة معها ، فإذا فرضنا في مورد انتفاء المعصية إمّا بحسب الواقع كما إذا كان الواطئ مجنوناً أو غير بالغ أو ناسياً ، حيث ذكرنا غير مرّة أنّ الناسي غير مكلّف في الواقع بما نسيه لعدم قدرته عليه ، وإمّا بحسب الظّاهر دون الواقع ، كما إذا كان الواطئ جاهلاً بالموضوع ولم يعلم أنّ المرأة حائض ، لأنّ الجهل عذر ولا معصية معه ، انتفت الكفّارة أيضاً ، وكذلك الحال فيما إذا كان جاهلاً بالحكم إلاّ أنّه كان قاصراً لا مقصّراً ، وهذا كما في المجتهد إذا بنى على أنّ الصفرة مثلاً بعد أيّام العادة وقبل العشرة ليست بحيض وكانت في الواقع حيضاً ، أو المقلّد بنى على ذلك تقليداً لمجتهده فإنّه معذور في جهله قطعاً ، ولا كفّارة معه بوجه.

وإنّما المهم ما إذا كان الواطئ للحائض جاهلاً بالحكم عن تقصير لتمكّنه من السؤال ولم يسأل فهل تجب الكفّارة حينئذ أو لا تجب؟

ذكر الماتن قدس‌سره أن التكفير أحوط ، وقوّاه بعضهم وذكروا أنّ الجاهل المقصّر كالعامد في العصيان ، بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه ، هذا.


1) الوسائل 2 : 329 / أبواب الحيض ب 29 ح 3.

2) الوسائل 2 : 327 329 / أبواب الحيض ب 28 و 29.

لا كفّارة على الجاهل

والصحيح عدم وجوب الكفّارة على الجاهل القاصر والمقصّر مطلقاً ، لا في المقام ولا في الحج ولا في الصيام ولا غيرها من المقامات ما لم يقم عليه دليل في مورد ، بلا فرق في ذلك بين الجهل بالحكم والجهل بالموضوع.

وذلك للأخبار الواردة في موارد خاصّة ولما دلّ على نفي وجوب الكفّارة على الجاهل مطلقاً ، كصحيحة عبد الصمد بن بشير ، حيث سئل فيها عن المحرم لبس المخيط ، وقال له النّاس أفسدت عملك وأبطلت نسكك ، فسأله عليه‌السلام عن حكمه ، فقال له عليه‌السلام ألبسته قبل الإحرام أم بعده؟ قال : بل قبله ، قال عليه‌السلام « لا شي‌ء عليك معلّلاً بقوله : أيّما رجل ركب أمراً بجهالة فلا شي‌ء عليه (1).

وهي وإن كانت واردة في الإحرام إلاّ أنّ عموم تعليلها يشمل المقام ، ومقتضاها عدم ترتب الأثر على الفعل الصادر عن جهالة من الكفّارة والحد ، وأمّا الإجماع القائم على أنّ الجاهل المقصّر كالمتعمد فهو راجع إلى توجّه الخطاب وتنجيز الحكم ، لوجوب التعلّم عليه ومع تركه يكون مستحقّاً للعقاب ويكون ما أتى به معصية محرماً ، إلاّ أنّ الآثار المترتبة عليه من الحدّ والكفّارة وغيرها ترتفع عنه بتلك الرّوايات.

وقد دلّنا التعليل المذكور على أنّ العمل المأتي به بجهالة لا يترتّب عليه شي‌ء من الآثار كالكفّارة ونحوها ، وأمّا نفس العمل فهو باطل إذا كان غير مطابق للمأمور به ويجب قضاؤه ، فإذا أتى بمفطر في نهار شهر رمضان بجهالة لم تجب عليه الكفّارة وإن فسد صومه ووجب عليه قضاؤه ، وكذلك الحال في الإحرام وغيره.

وعليه ففي مقامنا وإن أتى المكلّف بحرام إلاّ أنّه لمّا صدر عن جهالة لم تترتب عليه الكفّارة شرعاً ، بلا فرق في ذلك بين الجهل القصوري والتقصيري.

وكصحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج الواردة فيمن تزوّج امرأة في عدّتها عن جهالة ، قال : لا شي‌ء عليه ، يتزوّجها بعد انقضاء عدّتها ، فإنّ النّاس قد يعذرون فيما


1) الوسائل 12 : 488 / أبواب تروك الإحرام ب 45 ح 3.

فلا كفّارة على الصبي ولا المجنون ولا الناسي ولا الجاهل بكونها في الحيض ، بل إذا كان جاهلاً بالحكم أيضاً وهو الحرمة وإن كان أحوط. نعم مع الجهل بوجوب الكفّارة بعد العلم بالحرمة لا إشكال في الثّبوت (1).

[749] مسألة 6 : المراد بأوّل الحيض ثلثه الأوّل (2) وبوسطه ثلثه الثّاني وبآخره الثّلث الأخير ، فإن كان أيّام حيضها ستّة فكلّ ثلث يومان ، وإن كان سبعة فكلّ ثلث يومان وثلث يوم ، وهكذا.


هو أعظم من ذلك (1)مع أنّه لو كان متعمداً في تزويجها حرمت عليه المرأة حرمة دائميّة.

وأمّا ما ورد في بعض الموارد الخاصّة فهو كالخمر ، فإنّه إذا شربه أحد عن جهل بحكمه ولو تقصيراً لم يحدّ ، لأنّ الحدود تدرأ بالشبهات (2).

وكيف كان فلا تجب الكفّارة على جاهل الحكم مقصّراً أبداً ، إلاّ أن يقوم دليل على وجوبها في مورد خاص.

الجهل بوجوب الكفّارة

(1) إذا علم بالحكم والموضوع إلاّ أنّه لم يعلم أنّ في مخالفة الحكم كفّارة واجبة مقتضى إطلاق دليل وجوب الكفّارة وجوبها في حقّه ، بل هذا هو الأغلب ، لأنّ المرتكب لا يعلم بوجوب الكفّارة في عمله غالباً.

(2) كما هو المستفاد عرفاً من تقسيم الشي‌ء إلى ثلاثة أقسام ، فإنّ العرف يفهم من مثله أنّ المراد من أوّل الشي‌ء ثلثه الأوّل وهكذا ، فجعل المدار عشرة أيّام وأنّ أوّلها ثلاثة أيّام وثلث يوم وكذا وسطها وآخرها خلاف المتفاهم العرفي من مثله.


1) الوسائل 20 : 450 / أبواب ما يحرم بالمصاهرة ب 17 ح 4.

2) الوسائل 28 : 47 / أبواب مقدّمات الحدود ب 24 ح 4. وراجع ص 32 ب 14.

[750] مسألة 7 : وجوب الكفّارة في الوطء في دبر الحائض غير معلوم لكنّه أحوط (1).

[751] مسألة 8 : إذا زنى بحائض أو وطأها شبهة فالأحوط التكفير ، بل لا يخلو عن قوّة (2).


على أنّ لازمه أن لا يكون للحيض أوّل ولا وسط ولا آخر فيما إذا كان حيضها ثلاثة أيّام إذ ليس فيها ثلاثة أيّام وثلث يوم ليكون أوّل الحيض أو وسطه أو آخره كما أنّه إذا كان ستّة أيّام لم يكن للحيض آخر بل ولا وسط.

الكفّارة في الوطء في الدّبر

(1) هذه المسألة تبتني على ما تقدّم من جواز الوطء في دبر المرأة وعدمه ، فعلى القول بحرمته تجب الكفّارة بالوطء في دبرها ، لأنّه إتيان للمرأة وهي حائض ، إذ لا فرق في صدق الإتيان بين الوطء في الدبر أو في القبل ، لأنّ الدّبر أحد المأتيين كما في الخبر (1)، وبما أنّه إتيان حرام ومعصية للربّ تجب فيه الكفّارة كما في الوطء في القبل.

وأمّا إذا قلنا بجواز الوطء في الدبر وهي حائض فهو وإن كان إتياناً للمرأة إلاّ أنّه إتيان حلال ليس بمعصية ولا حرام ، وقد اشتملت أخبار الكفّارة (2)على كون الإتيان معصية ، ومع انتفائها تنتفي الكفّارة لا محالة.

ثبوت الكفّارة في الزِّنا بالحائض

(2) الأمر كما أفاده ، وذلك لأنّ الأخبار الواردة في التكفير وإن كان بعضها مختصّاً بالزّوجة والأمة ، إلاّ أن بعضها الآخر اشتملت على عنوان الحائض أو المرأة (3)، ومن


1) الوسائل 20 : 147 / أبواب مقدّمات النّكاح ب 73 ح 7.

2) كما تقدّم ذكرها في اشتراط العلم والعمد في الصفحة 377.

3) الوسائل 2 : 327 / أبواب الحيض ب 28 ح 1 ، وفيه عنوان الطمث ، ص 328 ح 4 ، وفيه عنوان الحائض ، 328 ح 7 ، وفيه إن جامعها ، والضمير يرجع إلى المرأة وهي حائض ، 28 : 377 / أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات ب 13 ح 1 ، وفيه المرأة وهي حائض ، ولعلّ ذيلها قرينة على أنّ المراد زوجته.

[752] مسألة 9 : إذا خرج حيضها من غير الفرج فوطئها في الفرج الخالي من الدم فالظاهر وجوب الكفّارة (1) بخلاف وطئها في محل الخروج (2).

[753] مسألة 10 : لا فرق في وجوب الكفّارة بين كون المرأة حيّة أو ميتة (3).


الظاهر أنّهما يصدقان على المرأة الأجنبيّة الحائض ، لإطلاقها وعدم تقييدها بكون الوطء عن استحقاق ، فيشمل الوطء عن استحقاق والوطء لا عن استحقاق كما في الزِّنا ، ومع عدم الاستحقاق لا فرق بين علم الواطئ بعدم استحقاقه الوطء كما في الزِّنا وبين عدم علمه به كما في الوطء بشبهة.

(1) وذلك لصدق أنّه أتى المرأة الحائض ، فتجب عليه الكفّارة لا محالة.

(2) إذ لا يصدق عليه الإتيان ، ولا يجب معه الغسل ولا حرمة فيه.

لا كفّارة في وطء الحائض الميتة

(3) لا يمكن المساعدة على ما أفاده بوجه ، وذلك لأنّ الأخبار الواردة في الكفّارة أُخذ في موضوعها عنوان الحائض أو الزّوجة أو الأمة ، ولا يصدق شي‌ء من ذلك على المرأة الميتة ، لأنّها جماد وليست بحائض ، لأنّ الحيض من صفات الحي ولا يكون الجماد حائضاً ، كما أنّها ليست بزوجة ولا أمة.

ثمّ لو فرضنا أنّ الأخبار مطلقة فهي منصرفة إلى المرأة الحيّة انصرافاً قطعيّاً ، فلا تشمل المرأة الميتة بوجه.

ودعوى أن وطئها قبل أن تموت كان موجباً للكفّارة ، والأصل يقتضي أنّه كذلك

[754] مسألة 11 : إدخال بعض الحشفة كاف في ثبوت الكفّارة على الأحوط (1).


بعد موتها أيضاً.

مندفعة : أوّلاً بعدم بقاء الموضوع للاستصحاب ، لأنّ الوطء إنّما كان يوجب الكفّارة في المرأة الحيّة ، وهي غير الميتة لدى العرف ، فإنّ الحي والميت موضوعان متغايران ، ومع عدم بقاء الموضوع لا مجرى للاستصحاب ولا معنى له.

وثانياً بأنّه من الاستصحاب الجاري في الأحكام ، وقد ذكرنا غير مرّة أنّ الاستصحاب لا مجال له في الشبهات الحكمية.

وثالثاً بأنّه من الاستصحاب التعليقي ، إذ المرأة المسجّاة لو كانت وطئت حال حياتها وجبت الكفّارة على واطئها ، أو أنّ الوطء لو كان وقع عليها حال حياتها وجبت الكفّارة على الواطئ ، وهو أمر تعليقي كما لعلّه ظاهر.

إدخال بعض الحشفة

(1) لكفاية ذلك في صدق عنوان الإتيان الّذي هو موضوع وجوب الكفّارة على الوطء ، ولا يقاس المقام بالغسل والجنابة حيث إنّهما لا يتحقّقان بإدخال بعض الحشفة ، وذلك لأنّهما حكمان متغايران على موضوعين مختلفين ، ويؤيِّد ذلك قوله تعالى ( ... فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ... ) (1)، فإنّ إدخال بعض الحشفة خلاف الاعتزال ونوع من المقاربة.


1) البقرة 2 : 222.

[755] مسألة 12 : إذا وطئها بتخيّل أنّها أمته فبانت زوجته عليه كفّارة دينار (1) ، وبالعكس كفّارة الأمداد ، كما أنّه إذا اعتقد كونها في أوّل الحيض فبان الوسط أو الآخر أو العكس فالمناط الواقع.

[756] مسألة 13 : إذا وطئها بتخيّل أنّها في الحيض فبان الخلاف لا شي‌ء عليه (2).

[757] مسألة 14 : لا تسقط الكفّارة بالعجز عنها فمتى تيسّرت وجبت (3) ،


وطء الزّوجة بتخيّل أنّها أمة

(1) لفرض علمه بحيض المرأة وعلمه بحكم وطيها إلاّ أنّه كان معتقداً كونها أمة ومع العلم بحيضها والعلم بحكمه يتحقّق موضوع وجوب الكفّارة واقعاً ، وبما أنّه في الواقع وطء الزّوجة دون الأمة فتجب عليه كفّارة دينار إذا كان في أوّله ، والاعتقاد بكونها أمة لا يوجب تغير الواقع بما هو عليه.

وكذلك الحال لو انعكس الأمر ، بأن اعتقد أنّ المرأة الحائض زوجته فوطئها ثمّ بان أنّها أمته ، فإنّه تجب عليه الكفّارة بثلاثة أمداد ، أو إذا وطئها معتقداً أنّها في آخر حيضها فبان كونها في أوّله ، فإنّ المدار في جميع ذلك على الواقع ، ولا وقع للاعتقاد.

(2) لعدم تحقّق موضوع وجوب الكفّارة ، والاعتقاد لا أثر له في المقام.

العجز غير مسقط للكفّارة

(3) ما أفاده قدس‌سره من أنّ الكفّارة إذا ثبتت بسببها لم تسقط بالعجز عن أدائها وإن كان صحيحاً في نفسه فإن سقوطها بعد الثبوت يحتاج إلى مسقط ، والعجز إذا لم يدلّ دليل على كونه مسقطاً فلا محالة يكون بقاء الكفّارة مع العجز عنها على القاعدة ، إلاّ أنّه لا يتمّ في خصوص المقام ، لدلالة الدليل على سقوط الكفّارة بالعجز عنها.

والأحوط الاستغفار مع العجز بدلاً عنها ما دام العجز (1).


بيان ذلك : أنّ التفصيل في الكفّارة بحسب أوّل الحيض ووسطه وآخره على ما التزم به المشهور لا دليل عليه سوى رواية داود بن فَرقَد (1)، حيث وردت على طبق مسلك المشهور ، فإذا لم نعتمد عليها لضعفها وعدم انجبار ضعفها بعملهم فلا نقول بوجوب الكفّارة في وطء الحائض أصلاً.

وأمّا إذا اعتمدنا عليها فهي قد دلّت على أنّ المكلّف إذا لم يتمكّن من الدّينار ونصفه وربعه يتصدّق على مسكين واحد ،

ومع عدم التمكّن منه أيضاً يستغفر اللّه ، فإنّ الاستغفار توبة وكفّارة لمن لم يجد إلى الكفّارة سبيلاً ، ومعها لا بدّ من الالتزام بسقوط الكفّارة في المقام مع العجز عنها ، فإنّ المراد بقوله « لم يجد ... » أي بالفعل وفي حال ثبوت الكفّارة ووجوبها لا إلى الأبد ، فإذا كان حينئذ عاجزاً سقطت عنه فلا تجب بعد طروء التمكّن منها.

والمشهور لم يلتزموا بالسقوط حين العجز ، وذهبوا إلى بقاء الكفّارة بحيث إذا تمكّن من أدائها وجبت ، ولعمري إنّ هذا من موهنات الرّواية ، حيث يستكشف بذلك أنّ المشهور لم يعتمدوا فيما ذهبوا إليه على هذه الرّواية ، وإلاّ كان اللاّزم أن يلتزموا بمضمونها الّذي منه سقوط الكفّارة عند العجز عنها ، ولعلهم اعتمدوا في ذلك على الإجماع المنقول عن الغنية وغيرها ، فالرواية ضعيفة ولم يعتمد عليها المشهور فيما سلكوه.

(1) الاحتياط الّذي ذكره قدس‌سره في محلّه ، وذلك لأنّ رواية داود بن فَرقَد اشتملت على أنّه إذا لم يجد الكفّارة فليتصدق على مسكين واحد ، وإن لم يتمكّن منه أيضاً فليستغفر اللّه ، فإنّ الاستغفار توبة وكفّارة لمن لم يجد إليها سبيلاً ، فإن صريحها أنّ الاستغفار للعاجز عن التكفير غير التوبة الواجبة عن كلّ ذنب ، فإنّه يكفي في


1) الوسائل 2 : 327 / أبواب الحيض ب 28 ح 1.

[758] مسألة 15 : إذا اتّفق حيضها حال المقاربة وتعمّد في عدم الإخراج وجبت الكفّارة (1).

[759] مسألة 16 : إذا أخبرت بالحيض أو عدمه يسمع قولها (2)


التوبة مجرّد الندم ولا يعتبر فيها الاستغفار ، فالاستغفار بدل الكفّارة لدى العجز عنها.

إلاّ أنّه كان عليه أن يضم التصدّق على مسكين بأن يقول : والأحوط أن يتصدّق على مسكين وإن لم يجد فليستغفر اللّه ، لأنّ الرّواية مشتملة على كليهما على الترتيب وهذا من الموهنات للرواية فإنّه يكشف عن عدم اعتماد المشهور على تلك الرّواية وإلاّ لأفتوا على مضمونها كما تقدّم.

تحيّض الزّوجة أثناء الجماع

(1) والوجه في وجوب الكفّارة هو إطلاق الدليل ، فإنّ الآية المباركة دلّت على أنّ الحائض يجب الاعتزال عنها ، بلا فرق في ذلك بين سبق حيضها على المقاربة وبين سبق المقاربة على الحيض ، وعليه لو حاضت المرأة في أثناء المقاربة وجب الإخراج والاعتزال عنها ، وتركهما معصية وارتكاب لما نهى اللّه تعالى عنه ، وقد دلّت الأخبار (1)على أن الوطء الّذي هو معصية وارتكاب لما نهى اللّه عنه موجب للكفّارة مطلقاً ، أي بلا فرق بين سبق الحيض عليه وبين سبق الوطء على الحيض.

إخبارها عن الحيض أو عدمه

(2) كما تقدّم (2)، للصحيحة (3)الدالّة على أنّ أمر العدّة والحيض موكول إلى النِّساء ، فإنّ المستفاد فيها لدى العرف أنّ أمرهما وجوداً أو عدماً بيدهنّ.


1) الوسائل 2 : 327 329 / أبواب الحيض ب 28 و 29.

2) تقدّم في الصفحة 364.

3) الوسائل 2 : 358 / أبواب الحيض ب 47 ح 2.

فإذا وطئها بعد إخبارها بالحيض وجبت الكفّارة إلاّ إذا علم كذبها (1) ، بل لا يبعد سماع قولها في كونه أوّله أو وسطه أو آخره (2).


(1) لأنّ حجيّة كلّ أمارة إنّما هي في ظرف الشكّ ، ومع القطع بالخلاف لا حجيّة لقولها.

(2) الكلام في مدرك ذلك ، فقد يقال إنّ الرّواية إنّما دلّت على أنّ أصل الحيض وجوداً وعدماً إلى النِّساء ، وأمّا خصوصياته من الأوّل والوسط والأخير أو غيرها ممّا لا مقتضي لحجيّة قول المرأة فيه ، هذا.

والصحيح ما أفاده الماتن قدس‌سره والوجه في ذلك :

أنّ الرّواية الصحيحة دلّت على حجيّة إخبار المرأة بوجود الحيض وعدمه ، وقد بيّنا في محلِّه أنّ الأمارات الّتي هي من قبيل الحكايات والأخبار تعتبر في مداليلها الالتزاميّة كما أنّها حجّة في مداليلها المطابقيّة ، وعليه لو أخبرت المرأة أنّ حيضها ستّة أيّام ولنفرض الوقت أوّل الشهر فمعناه ولازمه الإخبار بعدم حيضها قبل الستّة أيّ قبل أوّل الشهر ، ولازمه أن يكون أوّل الشهر أوّل حيضها ، فاليومان الأوّلان أوّل حيضها والوسطان وسطه والأخيران آخره. وعلى الجملة إذا قلنا بحجيّة قول المرأة في وجود الحيض وعدمه فلازمه أن يكون قولها حجّة في كونه أوّل الحيض أو وسطه أو آخره.

وأمّا دعوى أنّ حجيّة قول المرأة في وجوب الحيض وعدمه إنّما تثبت بالأولويّة لحجيّة قول ذي اليد عمّا في يده ، وعليه يكون قولها في حيضها وعدمه حجّة بطريق أولى ، وأمّا في خصوصياته فلم يقم على اعتبار قولها دليل ، فغريبة جدّاً ، وذلك أمّا أوّلاً : فلأن حجيّة قول ذي اليد إنّما تثبت في موارد خاصّة ، ولم يقم دليل على حجيّته مطلقاً.

[760] مسألة 17 : يجوز إعطاء قيمة الدّينار (1)


وأمّا ثانياً : فلأنه لا أولويّة في حجيّة قولها في حيضها.

فالصحيح أنّ مدرك حجيّة قول المرأة في حيضها إنّما هو الصحيحة ، ومعها لا فرق في اعتباره بين أصل الحيض وبين خصوصياته كما عرفت.

إعطاء قيمة الدّينار

(1) والدليل على ذلك أحد أمرين :

إمّا دعوى أنّ المستفاد من النقدين في موارد استعمالاتهما هو الماليّة فحسب بلا خصوصيّة لمادتهما في ذلك ، فإذا قال شخص لوكيله : بع كتابي هذا بدينار ، جاز أن يبيعه بنصفين من الدّينار أو بأربعة أرباعه أو بمأة عشرة فلوس أو بعشرين درهماً أو بألف فلس أو بغير ذلك ممّا يساوي الدّينار بحسب ماليّته ، لأنّه يصح أن يقال إنّه باع الكتاب بدينار ، لأنّ الدّينار وإن كان ثمانية عشر حمّصة من الذّهب إلاّ أنّ مادّته غير معتبرة ولا ملحوظة في موارد استعمالاته ، وإنّما المستفاد منه هو الماليّة فحسب ، نعم يعتبر في الماليّة أن تكون من جنس النقود ، فلا يكفي غيرها في ماليّة النقدين ، فإنّه إذا باع كتاب الموكّل بثوب يسوى ديناراً لا يقال إنّه باع الكتاب بدينار ، وإنّما باعه بالثوب وهو يسوى ديناراً ، وعليه فالمراد بالدّينار في أوّل الحيض إنّما هو قيمته وماليّته ، فلا يجب إعطاء الدّينار بنفسه ، وكذلك الحال في نصف الدّينار وربعه.

وإمّا دعوى أنّ المتداول في عصر الأئمّة عليهم‌السلام إنّما كان هو الدّينار والدرهم فحسب ، ولم يكن نصف الدّينار وربعه في عصرهم ، ومعه ورد في رواية داود ابن فَرقَد (1)الأمر بإعطاء نصف الدّينار وربعه كفّارة عن الوطء ، وهذا يدلّ على أنّ المراد بهما إنّما هو قيمة النّصف وقيمة الرّبع لا النصف أو الرّبع بشخصهما لعدم


1) الوسائل 2 : 327 / أبواب الحيض ب 28 ح 1.

والمناط قيمة وقت الأداء (1).


وجودهما في عصرهم ، وكذلك الحال في الدّينار بوحدة السياق.

ويؤيّد هذه الدّعوى أنّا لم نجد في شي‌ء من الرّوايات ما يدلّ على وجود نصف الدّينار أو ربعه في عصرهم ، وإنّما كان المتعارف في عصرهم هو الدّينار والدرهم فقط ، وهذا يطمئن بصحّة الدّعوى المذكورة ، ومعه يجوز إعطاء القيمة بدلاً عن الدّينار ونصفه وربعه.

لا يقال : إنّ النّصف أو الرّبع وإن لم يكن موجوداً في عصرهم عليهم‌السلام ، إلاّ أنّه من الممكن أن يعطي الفقير ديناراً ويريد به النّصف المشاع أو الرّبع المشاع ليشترك مع الفقير في الدّينار ويترتب عليه آثار الشركة من التقسيم أو البقاء على الشركة ، فعدم وجودهما في عصرهم عليهم‌السلام لا يدلّ على إرادة القيمة من النّصف أو الرّبع.

لأنّه يقال : إرادة المشاع بالنصف أو الرّبع المستعملين في الرّواية بعيدة عن الفهم العرفي غاية البعد.

بل الصحيح ما أفاده الماتن قدس‌سره إمّا للدعوى الاولى كما قدّمناه أو للدعوى الثّانية كما هي المطمأنّ بها على ما مرّ.

ما هو المناط في القيمة

(1) إذا بنينا على أنّ الواجب إنّما هو إعطاء قيمة الدّينار لا نفسه ، فهل المدار في قيمته على قيمة وقت تشريع الحكم ، أو أنّ المدار على قيمته في وقت الوطء أو لا هذا ولا ذاك وإنّما المناط في قيمته قيمة وقت الأداء والامتثال؟

الأخير هو الصحيح ، وذلك لأنّ الثّابت في الذمّة ليس هو الدّينار ليقال إنّ القيمة الأقل تجزئ عن الدّينار الثّابت في الذمّة أو لا تجزئ عنه حتّى يرجع إلى البراءة أو

[761] مسألة 18 : الأحوط إعطاء كفّارة الأمداد لثلاثة مساكين (1) ، وأمّا كفّارة الدّينار فيجوز إعطاؤها لمسكين واحد ، والأحوط صرفها على ستّة أو سبعة مساكين (2).


الاشتغال ، وإنّما الثّابت في الذمّة هو القيمة ، فالمكلّف مأمور بإخراج قيمة الدّينار ومعه يتعيّن أن تكون القيمة قيمة وقت الأداء والامتثال ، إذ لو كانت القيمة المدفوعة أقلّ من قيمة وقت الأداء والامتثال لم يصدق أن يقال إنّك أدّيت قيمة الدّينار بل أدّيت ما هو أقلّ منها ، والمدار على صدق العنوان أداء قيمة الدّينار كما عرفت سواء أكانت مساوية لقيمته وقت التشريع أو وقت الوطء أم لم تكن.

وعلى الجملة متى ما صدق أنّك أدّيت قيمة الدّينار امتثلت الأمر بالتكفير وسقطت عن ذمّتك الكفّارة ، وهو إنّما يتحقّق فيما إذا كانت القيمة المدفوعة قيمة الدّينار وقت الأداء والامتثال.

(1) قدّمنا أنّ المدرك في حكمهم بوجوب الكفّارة بثلاثة أمداد في وطء الأمة الحائض منحصر في رواية فقه الرّضا (1)، وهو غير مشتمل على إعطاء ثلاثة أمداد لثلاثة مساكين ، وإنّما ورد فيه إعطاء ثلاثة أمداد فحسب ، وأمّا الإعطاء لثلاثة أشخاص أو أقل أو أكثر فهو غير وارد في الرّواية ، فهذا الاحتياط لا منشأ له.

(2) المظنون أنّ في العبارة غلطاً وأنّ الستّة مصحّفة العشرة ، فإنّ الستّة غير موجودة في كلمات الأصحاب غير الماتن قدس‌سره ، ولا في الرّوايات ضعيفها وصحيحها ، والوارد هو عشرة مساكين في ما رواه عبد الملك (2)كما قدّمناه ، وهي قد دلّت على عدم وجوب الكفّارة بما هي ، ولكن السائل لمّا ذكر له عليه‌السلام أنّ


1) المستدرك 2 : 21 / أبواب الحيض ب 23 ح 1. وقد تقدّم البحث في الصفحة 375.

2) الوسائل 2 : 327 / أبواب الحيض ب 28 ح 2. والرّواية غير معتبرة ، لاختلاف النسخ بين عبد الملك وبين عبد الكريم ، والأوّل لم يوثّق ولم يثبت حسنه.

النّاس يقولون إنّ فيه ديناراً أو نصف دينار قال عليه‌السلام فليتصدّق على عشرة مساكين ، وهو أمر بالتصدق للمجاملة مع العامّة وعدم مخالفة الشيعة لهم في العمل ولا دلالة لها على أنّ الدّينار يقسم بين عشرة مساكين أو نصف الدّينار يقسم بينهم وإنّما دلّت على التصدّق على العشرة من دون بيان المقدار المتصدق به لكلّ منهم فالاستدلال بها على تقسيم الدّينار بين العشرة ممّا لا وجه له.

نعم ، ورود الرّواية في الأمة لا يمنع عن الاستدلال بها على هذا الحكم في غير الأمة بتخيّل أنّ التعدِّي عنها إلى الزّوجة ممّا لا دليل عليه ، وذلك لأنّ الأمة إنّما هي مورد الرّواية لا أنّها موضوع الحكم ، والمورد لا يكون مخصّصاً.

ويدلّ على ما ذكرناه أنّ عبد الملك قال له عليه‌السلام إنّ النّاس يقولون إنّ فيه ديناراً أو نصفه ، ومن الظّاهر أنّ العامّة لا يقولون بها في الأمة وإنّما يقولون بها في الزّوجة أو في مطلق وطء الحائض ، فالحكم عام لا يختص بالأمة وإن كان موردها الأمة ، فالمانع عن الاعتماد على الرّواية عدم دلالتها على تقسيم الدّينار بين العشرة وإنّما اشتملت على التصدّق على عشرة ، لكلّ واحد يعطى دينار أو أقل أو أكثر.

وأمّا سبعة مساكين فقد ورد في صحيحة الحلبي (1)وإنّ عبّر عنها بالحسنة في المستند (2)إلاّ أنّها صحيحة ، وقد ورد فيها أنّه يتصدّق على سبعة نفر من المؤمنين إلاّ أنّها لم تدلّ على أنّ الدّينار أو نصفه أو ربعه يقسم بين السبعة ، وإنّما دلّت على التصدّق على سبعة بقدر قوت كلّ نفر منهم ليومه ، وعليه فالاحتياط بإعطاء الدّينار وتقسيمه على سبعة لا دليل عليه كالعشرة.


1) الوسائل 22 : 391 / أبواب الكفارات ب 22 ح 2.

2) مستند الشيعة 2 : 488 / المسألة الثّالثة عشرة من أحكام الحائض.

[762] مسألة 19 : إذا وطئها في الثّلث الأوّل والثّاني والثّالث فعليه الدّينار ونصفه وربعه (1) ، وإذا كرّر الوطء في كلّ ثلث (2) فإن كان بعد التكفير وجب التكرار (3) ، وإلاّ فكذلك أيضاً على الأحوط (4).


وطء الحائض في كلّ ثلث من الحيض

(1) لأنّ كلّ مسبب مغاير للمسبب من الشرط الآخر ، فهناك مسببات متعدّدة مترتبة على الوطء في أوّل الحيض ووسطه وآخره ، فلا موجب لتوهّم التداخل في المسببات بوجه.

تكرّر الوطء في كلّ ثلث

(2) بأن وطئها في أوّل حيضها مرّتين أو في وسطه أو في آخره كذلك ، فتعدّد الشرط واتّحد الجزاء.

(3) وذلك لأنّ الكفّارة بالوطء الأوّل قد سقطت بالامتثال ، والوطء الثّاني موضوع جديد ، فيترتب عليه حكمه.

(4) أي إذا كان التعدّد قبل التكفير أيضاً وجب التكرار على الأحوط.

والمسألة من صغريات الكبرى المشهورة المعنونة بأن الشرط إذا كان متعدّداً والجزاء متّحداً فمقتضى القاعدة هو التداخل في المسببات أو مقتضاها عدم التداخل وقد ذكرنا في بحث الأُصول أنّ الشرط المتعدّد سواء كان من جنسين ، كما في قولك إن ظاهرت فكفّر ، وإن أفطرت فكفّر ، أم كانا من جنس واحد ، كما إذا ظاهر مرّتين أو أكثر ، يقتضي جزاء متعدّداً ، وأنّ القاعدة تقتضي عدم التداخل في المسببات (1).

وذلك لأنّ القضيّة الشرطيّة ظاهرة في الانحلال ، وكأنّه قال كلّما صدر الوطء منك فكفر ، وقد ترتب الحكم في إحداهما على فرد من الطبيعة وترتب في الآخر على فرد


1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 124.

آخر من الطبيعة ، وهذا يقتضي التعدّد في الجزاء ، ولم يترتب الحكم على الطبيعة مرّتين.

ودعوى : أنّ ظاهر القضيتين أنّ الطبيعة مقتضية للكفّارة مطلقاً سواء وجدت مرّة واحدة أو مرّتين ، فلا تجب الكفّارة مع التعدّد إلاّ مرّة واحدة.

مندفعة : بأنّ ذلك لو تمّ فإنّما يتمّ في الأفراد العرضيّة ، كما إذا ترتّب على هتك الفقير كفّارة وقد هتك عشرة من الفقراء مرّة واحدة ، فإنّ في مثله يمكن أن يقال إنّ الموضوع لوجوب الكفّارة هو طبيعة الهتك ، وقد وجد عشرة من أفرادها مرّة واحدة من غير سبق بعضها ببعض ، فلا تجب الكفّارة إلاّ مرّة واحدة.

وأمّا بالإضافة إلى الأفراد الطولية ولا سيما مع تخلّل العدم بينهما ، كما إذا وطئ الحائض في أوّل حيضها مرّة ثمّ بعد مضي مقدار من الزّمان وطئها مرّة ثانية وهكذا فإنّ المستفاد العرفي من القضيّة الشرطيّة المتكفلة لوجوب الكفّارة بالوطء أنّ الفرد الأوّل من الطبيعة له حكم وللفرد الآخر منها حكم آخر ، وكأنّه قال كلّما صدر منك وطء الحائض فكفر. ومعه لا بدّ من الالتزام بالتعدّد في الجزاء كما ذكرناه.

نعم لا نلتزم بالتعدّد في كفّارة الإفطار في نهار شهر رمضان حتّى مع التكفير ، كما إذا أكل في نهار شهر رمضان متعمداً فكفر ثمّ جامع ثمّ ارتمس وهكذا ، فالواجب حينئذ ليس إلاّ كفّارة واحدة وذلك لعدم ترتبها على الأكل أو الجماع أو الارتماس حتّى تتعدّد بتعدّدها ، وإنّما ترتّبت الكفّارة على الإفطار وهو يتحقّق بأوّل فرد من المفطرات. ولا صوم بعده ليتحقّق الإفطار ثانياً وثالثاً ، وبما أنّ الإفطار تحقّق مرّة فلا يترتّب عليه الكفّارة إلاّ مرّة واحدة إلاّ في خصوص الجماع ، لما ورد في النص (1)من تكرّر الكفّارة بتكرّر الجماع في الصّيام ، وقد ألحقنا به الاستمناء لما دلّ على أنّ حكمه حكم الجماع (2).


1) الوسائل 10 : 55 / أبواب ما يمسك عنه الصّائم ب 11.

2) الوسائل 10 : 39 / أبواب ما يمسك عنه الصّائم ب 4.

[763] مسألة 20 : ألحق بعضهم النّفساء بالحائض في وجوب الكفّارة ، ولا دليل عليه ، نعم لا إشكال في حرمة وطئها (1).


لا تلحق النّفساء بالحائض

(1) لا إشكال في أنّ النّفساء كالحائض من حيث حرمة وطئها ما دام لم ينقطع الدم ، للروايات الدالّة عليها (1)، وأمّا كونها كالحائض من حيث وجوب الكفّارة بوطئها فهو وإن كان معروفاً بين الأصحاب إلاّ أنّه لم يدلّ عليه دليل ، وما استدلّ به على ذلك أُمور ضعيفة.

منها : ما ورد في صحيحة زرارة من أنّ الحائض تصنع مثل النّفساء سواء (2)، لدلالتها على أنّ الحائض كالنفساء فيما يترتب على الحائض.

وفيه : أنّ الصحيحة إنّما تدلّ على أنّ الحائض كالنّفساء ، فما كان يترتب على النّفساء يترتب على الحائض أيضاً ، وأمّا أنّ النّفساء كالحائض ليترتب على النّفساء ما كان يترتب على الحائض فهو ممّا لا يستفاد من الصحيحة ، هذا.

على أنّا لو سلمنا أنّ التشبيه من كلا الطرفين والحائض كالنّفساء والنّفساء كالحائض لا دلالة للصحيحة على وجوب الكفّارة في وطء النّفساء ، لأنّ غاية ما تدلّ عليه الصحيحة حينئذ أنّ المرأتين من حيث الأحكام المرتّبة على الأفعال الصادرة منهن على حد سواء ، فيحرم على الحائض ما يحرم على النّفساء وبالعكس ، وأمّا أنّ الأحكام المرتّبة على زوج النّفساء أيضاً مرتّبة على زوج الحائض وبالعكس حتّى يجب على زوج النّفساء الكفّارة بوطئها كما كانت الكفّارة تجب على زوج الحائض بوطئها فلا يكاد يستفاد منها بوجه.


1) الوسائل 2 : 395 / أبواب النّفاس ب 7.

2) الوسائل 2 : 373 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.

ومنها : ما ورد في بعض الرّوايات (1)من أنّ اللّه سبحانه حبس الحيض على المرأة وجعله رزقاً للولد في بطن امّه ، فتدلّ على أنّ دم النّفاس هو دم الحيض والنّفساء كالحائض.

وفيه : أنّ الرّواية على تقدير تسليم سندها أجنبيّة عن الدلالة على المدّعى ، لأنّها إنّما تدلّ على أنّ الحامل يمكن أن تحيض كما استدلّ بها عليه. وأمّا أنّ دم النّفاس هو دم الحيض والنّفساء كالحائض فلا يستفاد من الرّواية بوجه.

كيف وإنّ للنفاس أحكاماً وللحيض أحكاماً أُخر ، مثلاً إن أقلّ الحيض ثلاثة أيّام ، وأمّا أقلّ النّفاس فلا حدّ له ويمكن كونه لحظة ، وبما أنّ النّفاس لا يطلق عليه الحيض عرفاً فلا يمكن أن تترتّب عليه أحكام الحيض.

ومنها : أنّ دم الولادة حيض محتبس ، فيدلّنا هذا بصراحة على أنّ دم النّفاس والحيض على حد سواء ، فإنّ النّفاس هو الحيض المحتبس ، فالأحكام المترتبة على أحدهما مترتبة على الآخر.

وفيه : أنّه لم يثبت أنّ دم النّفاس هو الحيض المحتبس وإن نسب ذلك إلى الرّواية إلاّ أنّه لم يرد ذلك في شي‌ء من الأدلّة المعتبرة.

على أنّه لو ثبت ذلك وقلنا إنّ دم الولادة هو الحيض المحتبس لا يثبت أنّ أحكام النّفاس هي أحكام الحيض بعينها ، لأنّ الأحكام المرتّبة على الحيض الّتي منها وجوب الكفارة إنّما ترتبت على الحيض غير المحتبس ، وأمّا الحيض المحتبس فلم يدلّنا على أنّه كالحيض غير المحتبس.


1) الوسائل 2 : 333 / أبواب الحيض ب 30 ح 13 ، وبمعناه الحديث 14 وهو صحيح.

التّاسع : بطلان طلاقها وظهارها (1) إذا كانت مدخولاً بها (2) ولو دبراً وكان زوجها حاضراً أو في حكم الحاضر (3) ولم تكن حاملاً ، فلو لم تكن مدخولاً بها أو كان زوجها غائباً أو في حكم الغائب (4) بأن لم يكن متمكّناً من استعلام حالها أو كانت حاملاً يصحّ طلاقها ، والمراد بكونه في حكم الحاضر أن يكون مع غيبته متمكّناً من استعلام حالها.


فتحصل أنّ إلحاق النّفساء بالحائض من حيث وجوب الكفّارة مجرّد حكم مشهور لم يثبت بدليل ، فعلى تقدير القول بوجوب الكفّارة في وطء الحائض لا نلتزم بوجوبها في وطء النّفساء.

طلاق الحائض وظهارها

(1) للأخبار الدالّة على بطلانهما في غير حالة الطّهر (1).

(2) لما دلّ على أنّ خمساً يطلقن على كلّ حال : الصغيرة واليائسة وغير المدخول بها والغائب عنها زوجها والحبلى (2)، بحيث لو ظهر بعد طلاقها أنّها كانت في طمثها لم يبطل طلاقها.

(3) يأتي عليه الكلام عن قريب.

(4) اشترط بعضهم في جواز طلاق الغائب عنها زوجها على كلّ حال أن لا يكون الزّوج متمكّناً من استعلام حال زوجته وأنّها في الحيض أو الطّهر ، إلاّ أنّه ممّا لا دليل عليه ، اللّهمّ إلاّ أن يدّعى انصراف أدلّة استثناء الغائب إلى صورة عدم التمكّن عن الاستعلام ، وهو أيضاً لا دليل عليه إذ لا وجه للانصراف.

نعم ، ورد في صحيح عبد الرّحمن بن الحجاج : « سألت أبا الحسن عن رجل تزوّج امرأة سرّاً من أهلها وهي في منزل أهلها ، وقد أراد أن يطلقها وليس يصل إليها فيعلم


1) الوسائل 22 : 19 و 23 / أبواب شرائط الطّلاق ب 8 و 9 : 307 / كتاب الظهار ب 2.

2) الوسائل 22 : 54 / أبواب شرائط الطلاق ب 25.

[764] مسألة 21 : إذا كان الزّوج غائباً ووكّل حاضراً متمكّناً من استعلام حالها لا يجوز له طلاقها في حال الحيض (1).


طمثها إذا طمثت ولا يعلم بطهرها إذا طهرت ، قال فقال عليه‌السلام : هذا مثل الغائب عن أهله يطلق بالأهلّة والشهور » (1).

إلاّ أنّها لا تدلّ على اعتبار عدم التمكّن من استعلام حال الزّوجة في الغائب ، وإنّما تدلّ على أنّ الحاضر غير الغائب عن بلد زوجته إذا أراد أن يطلقها ولا سبيل له إلى معرفة طهرها وطمثها لأنّها تخفيهما عن زوجها لعلمها أنّه أراد طلاقها يتمكّن أن يطلقها على كلّ حال ، فهذا الاشتراط إنّما هو في الحاضر في البلد بحيث لو طلقها من غير استعلام حالها مع التمكّن منه ثمّ ظهر أنّها كانت طامثاً بطل الطلاق ، ولا اشتراط بالإضافة إلى الغائب عن البلد بوجه.

ونظيرها ما يقال في المحبوس من أنّه إذا أراد طلاق زوجته صحّ على كلّ حال فيما إذا لم يتمكّن من استعلام حال زوجته ، إلاّ أنّ هذا الكلام يدلّ على أنّ الحاضر في البلد يشترط في صحّة طلاق زوجته على كلّ حال أن لا يكون متمكّناً من استعلام حالها ، ولا دلالة له على ثبوت هذا الاشتراط حتّى بالإضافة إلى الغائب عن البلد.

فالصحيح أنّ الغائب لا يشترط في صحّة طلاقه أن لا يتمكّن من استعلام حال زوجته ، فإنّ طلاقه إنّما هو بالأهلة والشهور ، فإذا مضى على غيبته عن زوجته مدّة يعلم فيها بانقلابها عن حالها الّتي كانت عليها صحّ طلاقه إيّاها ، فهذا الاشتراط في الغائب مبنيّ على الاحتياط.

حكم طلاق الوكيل

(1) وذلك لأنّ طلاق الوكيل ليس طلاقاً صادراً من الموكّل نفسه ، نعم يصحّ إسناده إلى الموكّل أيضاً ، لأنّ فعل الوكيل كفعل الموكّل ، ومع عدم صدور الطلاق من


1) الوسائل 22 : 60 / أبواب شرائط الطلاق ب 28 ح 1.

[765] مسألة 22 : لو طلّقها باعتقاد أنّها طاهرة فبانت حائضاً بطل (1) وبالعكس صحّ (2).

[766] مسألة 23 : لا فرق في بطلان طلاق الحائض بين أن يكون حيضها وجدانيّاً أو بالرجوع إلى التمييز أو التخيير بين الأعداد المذكورة (1)سابقاً (3) ، ولو طلقها في صورة تخييرها قبل اختيارها فاختارت التحيّض بطل ، ولو اختارت عدمه صحّ ، ولو ماتت قبل الاختيار بطل أيضاً.


الموكّل لا تشمله الأخبار الدالّة على أنّ طلاق الغائب يصحّ على كلّ حال (2)، ولمّا كان الوكيل متمكِّناً من استعلام حال زوجة الموكّل لنسب أو سبب بينهما ولم يفحص وطلقها لم يحكم بصحّته إذا كانت واقعاً في الحيض ، لأنّه من طلاق الحاضر في البلد وهو مشروط بعدم الحيض إلاّ مع العجز عن استعلام حال المرأة من حيض أو طهر.

(1) لأنّ الطّهر شرط واقعي لصحّة الطلاق ، ومع فقده يبطل ، ولا أثر لاعتقاد المطلق والزّوج فيه.

(2) لصدور الإنشاء منه بقصد الطلاق على الفرض ، وهي واجدة لشرائط صحّة طلاقها فيصحّ طلاقها. غاية الأمر أنّه كان يعتقد عدم كون إنشائه ماضياً شرعاً مع كونه ممضى واقعاً ، ولا أثر لمجرّد الاعتقاد كما عرفت.

تعميم الحكم لجميع أقسام الحائض

(3) لأنّ المرأة متى ما حكم بحيضها شرعاً حكم ببطلان طلاقها وظهارها ، سواء ثبت حيضها بالوجدان أم بالرجوع إلى التمييز أو التخيير كما إذا اختارت الحيض سبعة أيّام في موارد تخييرها بين أن تتحيّض ستّة أيّام أو سبعة ووقع طلاقها في اليوم السّابع ، فإنّه محكوم بالبطلان لفقده شرط صحّة الطلاق شرعاً.


1) (*) مرّ أنّ التخيير لم يثبت في مورد.

2) الوسائل 22 : 54 / أبواب شرائط الطلاق ب 25.

[767] مسألة 24 : بطلان الطلاق والظهار وحرمة الوطء ووجوب الكفّارة مختصّة بحال الحيض (1) ، فلو طهرت ولم تغتسل لا تترتّب هذه الأحكام ، فيصحّ طلاقها وظهارها ويجوز وطؤها ولا كفّارة فيه ،


ومن هنا يظهر أنّها لو طلقت قبل أن تختار الستّة أيّام أو السبع مثلاً ، وبعد ما طلقت اختارت الستّ حكم بصحّة طلاقها ، لوقوعه في اليوم السّابع وهي فيه طاهرة ، كما أنّها لو اختارت السبع بطل طلاقها ، لوقوعه في اليوم السّابع وهي فيه حائض ، ولعل هذا ظاهر.

وإنّما الكلام فيما إذا طلقها زوجها قبل أن تختار لنفسها شيئاً ، وبعد طلاقها ماتت أو تركت الاختيار لعدم مبالاتها بالدين بحيث لم يعلم أنّها يوم طلقت كانت محكومة بالحيض أو بالطهر ، فهل يحكم بصحّة طلاقها أو يحكم ببطلانه؟

الصحيح هو الحكم ببطلان الطلاق ، لعدم إحراز ما هو الشرط في صحّة طلاقها وهو طهرها وقت الطّلاق ، ولأجل عدم إحراز الشرط لا يمكن الحكم بصحّة الطّلاق.

المدار على وجود الدم في الأحكام الثّلاثة

(1) فلو وطئها بعد انقطاع الدم وقبل أن تغتسل لم يرتكب حراماً ، ولا وجبت عليه كفّارة ، ويصحّ طلاقها وظهارها ، ويجوز وطؤها حينئذ ، للنصوص الدالّة على ذلك وتأتي في محله.

ويمكن الاستدلال على ذلك مضافاً لما سنذكره في محله بالسيرة القطعيّة ، وهي في الإماء الكافرات وفي الزّوجات الخارجات عن المذهب الاثني عشري ، فإنّ الأمة الكافرة لا تغتسل أصلاً ، والزّوجة الخارجة عن مذهبنا لو اغتسلت حكم ببطلانه فلا يصدر منهنّ غسل صحيح بعد حيضهنّ ، ومع ذلك لم يسمع توقف واحد من المُلاّك لهنّ أو المتزوجين بهنّ في وطئهنّ بعد الانقطاع أو في طلاقهنّ نظراً إلى عدم اغتسالهنّ ، وهذا دليل قطعي على أنّ حرمة الوطء ووجوب الكفّارة وبطلان الطلاق والظهار إنّما هي أحكام مترتّبة على الحائض ذات الدم لا على الحائض المتّصفة بحدث الحيض.

وأمّا الأحكام الأُخر (1) المذكورة فهي ثابتة ما لم تغتسل.


(1) كحرمة مسّ كتابة القرآن ، فإنّها مترتبة على حدث الحيض ولا يجوز المسّ قبل الاغتسال وبمجرّد انقطاع دمها ، وذلك لما استفدناه من قوله تعالى ( لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) (1)بضميمة الرّواية (2)الدالّة عليه ، وهذا لعلّه ممّا لا كلام فيه.

ما هو المدار في حرمة دخولهن المساجد

وأمّا الكلام في مثل حرمة دخولهن المساجد أو المسجدين وأنّها هل هي مترتبة على دم الحيض أو حدثه؟ فقد ذكرنا أنّ جملة من الأحكام المرتّبة على الحائض مترتّبة على الحائض بمعنى ذات الدم أو من في حكمها كما في أيّام النّقاء المتخلّل بين الدمين ، كما في وجوب الكفّارة على القول به ، وعدم صحّة الطلاق والظّهار بلا كلام وعدم جواز الوطء على المختار.

ومنها ما يترتّب على الحائض بمعنى صاحبة الحدث وإن انقطع دمها ، كما في حرمة مسّ القرآن على ما استفدناه من الآية الكريمة ( لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) بضميمة الرّواية الواردة في تفسيرها.

وأمّا عدم صحّة الصّلاة والصّوم فهي مترتّبة على الحائض بمعنى المحدث ، لعدم صحّتهما من الحائض ما دامت لم تغتسل ، وقد أُمرت بالاغتسال من حيضها قبل طلوع الفجر لصومها بعد الفجر.

وأمّا ارتفاع الخطاب والتكليف بالصلاة والصّوم عنها فهو مترتّب على الحائض بمعنى ذات الدم ، لعدم كونها مكلّفة بهما ما دام لم ينقطع دمها ، وإذا انقطع أُمرت بهما ولو بتحصيل ما هو مقدّمة لصحّتهما ، فالمانع عن التكليف بهما إنّما هو الحيض بمعنى الدم أو ما في حكمه كالنّقاء المتخلّل بين الدمين ، وأمّا الحدث فقط فهو غير مانع عن التكليف بهما ، وإنّما الحدث مانع عن الصحّة.


1) الواقعة 56 : 79.

2) الوسائل 1 : 385 / أبواب الوضوء ب 12 ح 5.

العاشر : وجوب الغسل بعد انقطاع الحيض للأعمال الواجبة المشروطة بالطّهارة كالصّلاة والطّواف والصّوم ، واستحبابه للأعمال الّتي يستحب لها الطّهارة (1)


وأمّا حرمة العبادة على الحائض فإن قلنا بالحرمة الذاتيّة فهي مترتّبة على صاحبة الدم وحسب ، وأمّا المرأة المنقطع عنها الدم وإن لم تغتسل فهي مكلّفة بالعبادة كما عرفت لا أنّها محرمة عليها ، نعم لو قلنا بالحرمة التشريعيّة كما هو الصحيح فهي مترتبة على الحيض بمعنى الحدث سواء انقطع عنها الدم أم لم ينقطع ، لعدم مشروعيّة الصّلاة منها ما لم تغتسل وإن كان دمها منقطعاً.

وأمّا حرمة دخولها المساجد للمكث وحرمة الأخذ منها شيئاً وحرمة اجتيازها المسجدين فهل هي مترتّبة على الحيض بمعنى الدم أو على الحيض بمعنى الحدث؟

قد يقال : إنّها مترتّبة على الحائض صاحبة الدم ، لأنّ الحائض الوارد في الرّوايات (1)ظاهره المرأة الواجدة للدم دون المحدثة بحدث الحيض ، وهذا هو الّذي ذكر صاحب المدارك (2)أنّه غير بعيد غير أنّ المشهور وهو الوجه الآتي أقرب.

وقد يقال : إنّها مترتبة على المرأة المحدثة بحدث الحيض دون صاحبة الدم ، وذلك لأنّ ظاهر الحائض الوارد في الأخبار وإن كان هو صاحبة الدم إلاّ أنّ المناسبة بين الحكم والموضوع والقرينة تقتضي حمله على صاحبة الحدث ، لأنّ الحائض والجنب قد قُرنا في تلك الرّوايات ، ومن الظّاهر أنّ المراد فيها بالجنب هو صاحب الحدث دون واجد المني ، وهو يقتضي أن يكون المراد بالحائض أيضاً صاحبة الحدث ، وهذا هو الأقرب.

(1) هذا بناءً على القول بأنّ مقدّمة الواجب واجبة ومقدّمة المستحب مستحبّة وأمّا بناءً على ما هو الصحيح من عدم اتصاف المقدّمة بالأمر الغيري مطلقاً فغسل الحيض كالجنابة شرط مطلقاً.


1) الوسائل 2 : 205 / أبواب الجنابة ب 15.

2) لاحظ المدارك 1 : 345 / الثّاني من أحكام الحائض.

وشرطيّته للأعمال غير الواجبة الّتي يشترط فيها الطّهارة (1).

[768] مسألة 25 : غسل الحيض كغسل الجنابة مستحب نفسي (2) ، وكيفيّته مثل غسل الجنابة في الترتيب والارتماس وغيرهما ممّا مرّ (3) ،


(1) أي الأعمال غير الواجبة وغير المستحبّة ولكن مع توقفها على الطّهارة كمسّ كتابة القرآن ، فإنّ الغسل والطّهارة شرط لجوازه.

الاستحباب النفسي لغسل الحيض

(2) والدليل على أنّ غسل الحيض مستحب نفسي أمران :

أحدهما : أنّ الغسل من أعظم الطّهارات ، والطّهارات كلّها مستحبّة نفسيّة شرعاً.

ثانيهما : لو لم نلتزم باستحباب الطّهارات في أنفسها فلنا أن نستدل على استحبابها النّفسي بطريق ثان ، بأن يقال إنّا أسبقنا في محلّه أنّ المقدّمة لا تتصف بالأمر الغيري بوجه ، وعلى فرض تسليم أنّها تتصف بالأمر الغيري شرعاً فلا إشكال في أنّه أمر توصّلي لا يعتبر في امتثاله قصد التقرّب بوجه ، فلا يمكن أن يكون الأمر الغيري التوصلي منشأً للعباديّة في شي‌ء ، مع أنّ الطّهارات الّتي منها الغسل يعتبر فيها قصد التقرّب قطعاً ، فإذن نسأل عن أنّ عباديّة تلك الطّهارات نشأت من أيّ شي‌ء؟ فلا وجه لها إلاّ كونها مستحبّة نفساً كما ذكرناه ، بلا فرق في ذلك بين الغسل والوضوء والتيمم.

كيفيّة غسل الحيض

(3) ويدلّ عليه أيضاً أمران :

أحدهما : الرّواية الواردة في أنّ غسل الجنابة والحيض واحد ، وهي موثقة الحَلَبي (1)وقد دلّت على أنّ الكيفيّة المعتبرة في غسل الجنابة هي الكيفيّة المعتبرة في


1) الوسائل 2 : 315 / أبواب الحيض ب 23 ح 1.

والفرق أنّ غسل الجنابة لا يحتاج إلى الوضوء بخلافه ، فإنّه يجب معه الوضوء (1) قبله أو بعده أو بينه إذا كان ترتيبيّاً (1)


غسل الحيض من لزوم غسل الرأس والرقبة أوّلاً وغسل الجانب الأيمن ثانياً ثمّ غسل الجانب الأيسر أو من غير ترتيب.

ثانيهما : أنّ الطبيعة الواحدة إذا بيّنت كيفياتها في مورد ، كما إذا ورد أنّ الصّلاة أوّلها التكبيرة ثمّ قراءة الفاتحة ثمّ الرّكوع إلى آخر أجزاء الصّلاة في مورد ، وبعد ذلك ورد في مورد ثان أنّ الصّلاة في اللّيل كذا ، فإنّ المتفاهم العرفي من مثله هو الكيفيّة الّتي وردت في ذلك المورد ولا منصرف للذهن إلاّ إليها ، وهذا أمر عرفي يعرفه كلّ أحد.

هل غسل الحيض يغني عن الوضوء

(1) الكلام في هذه المسألة يقع تارة في غسل الجنابة ، وأُخرى في غيره من الأغسال الّتي منها غسل الحيض.

أمّا غسل الجنابة فلا إشكال في أنّه يغني عن الوضوء ولا يجب معه وضوء ، بل الوضوء مع غسل الجنابة بدعة محرمة كما في بعض الرّوايات.

ويدلّ على ما ذكرناه الكتاب والسنّة. أمّا الكتاب فقوله تعالى ( ... إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ... أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ... ) (2)حيث إنّ الآية المباركة اشتملت على تفصيلين :

أحدهما : التفصيل بين واجد الماء وبين فاقده ، وأوجبت على الأوّل الغسل والوضوء وعلى الثّاني التيمم بالصعيد.


1) (*) على الأحوط وسيأتي عدم الحاجة إليه وبذلك يظهر الحال في المسألة الآتية.

2) المائدة 5 : 6.

وثانيهما : التفصيل في المحدث بين الحدث الأصغر والحدث الأكبر ، فإنّ الآية المباركة ( ... إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ... ) فسّرت بالقيام إليها من النوم ، فسواء أُريد منها القيام إلى الصّلاة من النّوم أو من غيره من الأحداث فرضت الآية المباركة المكلّف محدثاً بالحدث الأصغر وأوجبت عليه الوضوء ، ثمّ فرضته محدثاً بالجنابة حيث قال تعالى ( ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ... ) وأوجبت عليه الغسل. ومن الظّاهر أن التفصيل قاطع للشركة ، فدلّت الآية المباركة على أنّ الوضوء إنّما يجب على من قام إلى الصّلاة من غير حدث الجنابة ، وأمّا المحدث بحدث الجنابة فهو مكلّف بالغسل دون الوضوء.

وأمّا السنّة فقد دلّت الرّوايات المستفيضة على أنّه لا وضوء مع غسل الجنابة لا قبله ولا بعده (1)، بل ورد في بعضها أنّ الوضوء معه بدعة محرمة (2). نعم في موثقة أبي بكر الحضرمي (3)عن أبي جعفر عليه‌السلام الأمر بالوضوء قبل غسل الجنابة ، إلاّ أنّها محمولة على التقيّة لموافقتها العامّة ومخالفتها للكتاب والسنّة ، فإنّ العامّة ذهبوا إلى لزوم الوضوء قبل غسل الجنابة.

بل وفي بعض الأخبار : « قلت له عليه‌السلام إنّ أهل الكوفة يروون عن علي عليه‌السلام أنّه كان يأمر بالوضوء قبل الغسل من الجنابة ، قال : كذبوا على عليّ عليه‌السلام ، ما وجدوا ذلك في كتاب علي عليه‌السلام ، قال اللّه تعالى ( ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ... ) » (4).

هذا على أنّ المسألة متسالم عليها بينهم.

وأمّا غير غسل الجنابة من الأغسال فالكلام فيه قد يقع من حيث مقتضى القاعدة


1) الوسائل 2 : 246 248 / أبواب الجنابة ب 34 و 35.

2) الوسائل 2 : 245 و 246 / أبواب الجنابة ب 33 ح 5 فيه ( أنّ الوضوء قبل الغسل وبعده بدعة ) وح 6 و 9 و 10 فيها ( أنّ الوضوء بعد الغسل بدعة ).

3) الوسائل 2 : 247 / أبواب الجنابة ب 34 ح 6.

4) الوسائل 2 : 247 / أبواب الجنابة ب 34 ح 5.

وأنّها ماذا تقتضي؟ وأُخرى من جهة الأخبار الواردة في المقام.

الجهة الأُولى : فقد يفرض المكلّف متوضئاً قبل طروء أسباب الغسل عليه ، كما إذا توضأت ثمّ استحيضت أو نفست أو مسّ الميت أو غير ذلك من الأسباب المقتضية للاغتسال بحيث كان باقياً على وضوئه إلى زمان طروء الأسباب عليه. نعم هذه الصورة بعيدة في حقّ الحائض لأنّ أقلّه ثلاثة أيّام ، ويبعد بل لا يتحقّق بقاء الوضوء من قبل ثلاثة أيّام إلى آخرها حتّى تغتسل. وهذا بخلاف بقيّة الأغسال ، إذ يمكن بقاء المكلّف على وضوئه قبل النّفاس إلى آخره حتّى تغتسل ، لأنّ النّفاس قد يتحقّق بلحظة أو ساعة ، وكذلك الاستحاضة أو مسّ الميت ، فإنّ الوضوء في هذه الموارد يمكن بقاؤه في نفسه إلى زمان الاغتسال بخلاف الحيض ، إذ لطول مدّته لا يمكن معه فرض المكلّفة باقية على وضوئها إلى زمان الاغتسال منه.

وفي هذه الصّورة مقتضى القاعدة الأوّلية عدم وجوب الوضوء مع الغسل ، وهذا لا لأنّ الغسل يغني عن الوضوء ، بل لأنّ المقتضي لوجوب الوضوء قاصر في نفسه حيث إنّ المكلّف على ما هو مفروض الكلام كان متطهراً قبل أن يمسّ الميت أو تستحاض أو تنفس ولم يعلم انتقاضه بطروء هذه الأسباب في حقّه ، لأنّ نواقض الوضوء محصورة فيما يخرج عن طرفيك اللّذين أنعم اللّه بهما عليك أو في ثلاثة أُمور على ما في بعض الأخبار الأُخر (1)، وليس منها هذه الأسباب المقتضية للاغتسال ، نعم الجنابة ناقضة للوضوء ولا وضوء مع غسلها كما سبق ، إلاّ أنّ كلامنا في غير غسل الجنابة كما هو المفروض ، فمقتضى القاعدة في هذه الصّورة هو عدم وجوب الوضوء مع غير غسل الجنابة من الأغسال.

وقد يفرض المكلّف غير متوضئ حال مسّه الميت أو استحاضتها أو غيرها من الأسباب ، ومقتضى القاعدة حينئذ هو وجوب الوضوء مع تلك الأغسال ، لأنّه غير متوضئ على الفرض ، وإجزاء الأغسال عنه يتوقّف على دلالة الدليل عليه كما دلّ في


1) الوسائل 1 : 248 / أبواب نواقض الوضوء ب 2.

غسل الجنابة ، ولم يقم عليه دليل لأنّ كلامنا فيما تقتضيه القاعدة مع قطع النّظر عن الأخبار.

الجهة الثّانية : الأخبار الواردة في المسألة وهي على طائفتين :

الطائفة الاولى من الأخبار

إحداهما : ما دلّ على وجوب الوضوء في غير غسل الجنابة من الأغسال.

منها : مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : كلّ غسل قبله وضوء إلاّ غسل الجنابة » (1)، نعم يمكن رفع اليد عن تقييدها بكون الوضوء قبل الاغتسال بما دلّ على جوازه بعده أو في أثنائه ، والكلام في لابديّة وقوع الوضوء قبل الغسل أو جواز أن يؤتى به بعده أو قبله أو في أثنائه يأتي تفصيله موضّحاً بعد ذلك إن شاء اللّه.

ومنها : ما رواه حَمّاد بن عثمان أو غيره عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : في كلّ غسل وضوء إلاّ الجنابة » (2).

ومنها : ما رواه علي بن يقطين عن أبي الحسن الأوّل عليه‌السلام « قال : إذا أردت أن تغتسل للجمعة فتوضّأ واغتسل » (3).

هذه هي الأخبار الواردة في لزوم الوضوء مع غير غسل الجنابة من الأغسال ، إلاّ أنّها غير قابلة للاعتماد عليها ، لضعفها بحسب السند والدّلالة.

أمّا بحسب السند فلأنّ الرّواية الأُولى مرسلة ، ولا يعتمد على المراسيل في الاستدلال ودعوى أنّ مرسلها ابن أبي عمير وهو لا يروي ولا يرسل إلاّ عن ثقة قد سبق الجواب عنها غير مرّة.


1) الوسائل 2 : 248 / أبواب الجنابة ب 35 ح 1.

2) الوسائل 2 : 248 / أبواب الجنابة ب 35 ح 2.

3) الوسائل 2 : 248 / أبواب الجنابة ب 35 ح 3.

وأمّا الرّواية الثّانية فلعدم العلم بالراوي المنقول عنه وأنّه هل هو حماد بن عثمان أم غيره؟ فالرواية بحكم المرسلة لعدم علمنا بغيره وأنّه ثقة أو ليس بثقة.

ودعوى أنّ الرّواية مسندة إلى حماد بن عثمان في كلام العلاّمة (1)والشهيد (2)قدس‌سرهما ، حيث رويا هذه الرّواية عنه وأسندوها إلى حماد من دون تردّد في الإسناد ، وحماد بن عثمان ممّن لا إشكال في قبول روايته.

مندفعة بأنّه من البعيد غايته أن يروي العلاّمة والشهيد قدس‌سرهما هذه الرّواية عن نفس كتاب حماد من دون التنبيه عليه ، فإنّ الظّاهر أنّهما روياها عن الشيخ (3)، وغاية ما يمكن أن يصحّح روايتهما حينئذ أن يقال : إنّهما أسقطا « أو غيره » للتسامح ، فإنّ حماداً نسبت إليه هذه الرّواية غاية الأمر لا عن جزم ، أو يقال : إنّ النّسخة الموجودة عندهما من التّهذيب لم يكن فيها لفظة « أو غيره » ، فتدخل الرّواية في اختلاف النسخ ولا يعتمد عليها حينئذ ، لعدم العلم بمن هو الرّاوي عن الإمام عليه‌السلام.

وأمّا الرّواية الثّالثة فلأنّ في سندها سليمان بن الحسن (4)، وهو مجهول لم يوثق في الرّجال.

وأمّا بحسب الدلالة فلأنّ الرواية الثّالثة إنّما وردت في غسل الجمعة ، وهو من المستحبّات ولا يجري فيها قانون الإطلاق والتقييد ، بل يحمل المقيّد منها على أفضل الأفراد ، فيكون غسل الجمعة الّذي قبله أو بعده وضوء من أفضل أفراد غسل الجمعة ، لا أنّ الغسل يعتبر أن يكون مع الوضوء ، فلا دلالة لها على أنّ الغسل لا يغني عن الوضوء.


1) منتهى المطلب 2 : 239 / في أحكام الجنب.

2) الذكرى : 26 السطر 35 / في الغسل.

3) التهذيب 1 : 143 / الرقم [403] في حكم الجنابة.

4) في التهذيب : الحسين بدل الحسن ، وهو الصّحيح فإنّ سليمان بن الحسين كاتب لعلي بن يقطين كما ورد في رواية أُخرى ، وهو موجود في تفسير القمّي.

وأمّا الرّوايتان الأُوليان فلأنّ الأخبار الواردة في إغناء غسل الجنابة عن الوضوء اشتمل بعضها (1)على أنّ الوضوء على غسل الجنابة بدعة محرمة ، ومعه يكون استثناء غسل الجنابة قرينة على أنّ المراد من صدرهما أنّ الوضوء مشروع في غير غسل الجنابة من الأغسال ، فلا دلالة لهما على أنّ بقيّة الأغسال لا تغني عن الوضوء ومن تلك الرّوايات ما عن الفقه الرّضوي (2)إلاّ أنّه ممّا لا يمكن الاعتماد عليه.

الطائفة الثّانية من الأخبار

الطائفة الثّانية : وهي الّتي تدلّ على أنّ الغسل يغني عن الوضوء ، وهي جملة من الأخبار فيها روايات معتبرة وقابلة للاعتماد عليها.

منها : صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام « قال : الغسل يجزئ عن الوضوء ، وأيّ وضوء أطهر من الغسل » (3)، وقد دلّت على أنّ طبيعة الغسل تغني عن الوضوء ، وقد حملها بعض الفقهاء ( قدس اللّه أسرارهم ) على غسل الجنابة ، إلاّ أنّه مضافاً إلى كونه تقييداً بلا مقتض ، لإطلاق الرّواية لا يلائم التعليل الّذي ظاهره أنّ مطلق الغسل أطهر من الوضوء لا خصوص غسل الجنابة ، وإلاّ لبينه عليه‌السلام ، وإرادة خصوص غسل الجنابة منه خارجاً يستلزم تخصيص الأكثر ، وهو مستهجن.

ومنها : ما عن محمّد بن عبد الرّحمن الهمداني « كتب إلى أبي الحسن الثّالث يسأله عن الوضوء للصلاة في غسل الجمعة ، فكتب عليه‌السلام : لا وضوء للصلاة في غسل يوم الجمعة ولا غيره » (4).

ومنها : ما عن عمّار الساباطي قال « سئل أبو عبد اللّه عليه‌السلام عن الرّجل إذا


1) الوسائل 2 : 245 / أبواب الجنابة ب 33.

2) المستدرك 1 : 476 / أبواب الجنابة ب 26 ح 1.

3) الوسائل 2 : 244 / أبواب الجنابة ب 33 ح 1.

4) الوسائل 2 : 244 / أبواب الجنابة ب 33 ح 2.

اغتسل من جنابته أو يوم الجمعة أو يوم عيد هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده فقال : لا ، ليس عليه قبل ولا بعد ، قد أجزأه الغسل ، والمرأة مثل ذلك إذا اغتسلت من حيض أو غير ذلك فليس عليها الوضوء لا قبل ولا بعد ، قد أجزأها الغسل » (1).

ومنها : غير ذلك من الرّوايات (2).

ومعها لا مناص من الحكم بعدم الفرق بين غسل الجنابة والحيض وغيرهما ، وأنّ الغسل بإطلاقه يغني عن الوضوء كما ذهب إلى ذلك جملة من المحقّقين من متأخري المتأخرين.

نعم ، يستثني من ذلك غسل الاستحاضة المتوسّطة ، لدلالة النص الخاص على أنّ المرأة يجب أن تتوضأ لكلّ صلاة وإن كانت تغتسل مرّة لكلّ يوم على ما أشرنا إليه في التعليقة ، ولأجل تماميّة الأخبار النافية للوضوء مع الغسل نلتزم بما ذكرناه.

على أنّا لو سلمنا تماميّة الطائفة الأُولى أيضاً من حيث السند والدلالة فالطائفتان متعارضتان والجمع الدلالي ممكن بينهما ، وهو حمل الطائفة الثّانية على عدم وجوب الوضوء مع الغسل ، وحمل الطائفة الأُولى على مشروعيّته معه وإن لم يكن بواجب هذا.

وربما يستدلّ على إغناء كلّ غسل عن الوضوء بأنّ الأخبار الواردة في الأغسال على كثرتها من الحيض والجنابة ومسّ الميت والاستحاضة والنّفاس ساكتة عن بيان وجوب الوضوء مع الأغسال ، فلو كان واجباً معها لكان عليهم عليهم‌السلام البيان كباقي الواجبات مع الغسل ، ومن سكوت الأخبار وهي في مقام البيان نستكشف عدم وجوب الوضوء مع الغسل وأنّه يغني عن الوضوء مطلقاً.

وهذا الاستدلال يتمّ على بعض الوجوه ولا يتمّ على بعض الوجوه الأُخر ، لأنّ المحتملات بناءً على عدم إغناء الغسل عن الوضوء ثلاثة :


1) الوسائل 2 : 244 / أبواب الجنابة ب 33 ح 3.

2) نفس الباب.

أحدها : أن يقال إنّ سبب الغسل ناقض للوضوء أيضاً ، ومع تحقّق الناقض لا يبقى الوضوء بحاله ، فلو كان المكلّف على وضوء ثمّ مسّ ميتاً أو حاضت المرأة أو طرأ غيرهما من الأسباب فقد ارتفع الوضوء بنفسه ، فلا بدّ له من التوضّؤ لما يشترط فيه الوضوء.

ثانيهما : أنّ سبب الغسل وإن لم يكن من نواقض الوضوء إلاّ أنّ الوضوء أمر مقوّم للغسل ومن قيود الغسل ، فكما أنّ الغسل يعتبر فيه غسل الرأس والرقبة والجانبين ومع الإخلال بشي‌ء منها يبطل الغسل ، كذلك الحال بالنسبة إلى الوضوء ، لأنّه شرط في صحّة الغسل ومع عدم الإتيان بالوضوء يحكم ببطلان غسله أيضاً.

ثالثها : أن يقال إنّ سبب الغسل وإن لم يكن من نواقض الوضوء ولا إنّه من شروطه ومقوماته ، إلاّ أنّ الوضوء إذا وجب بسببه كالنوم والبول وغيرهما لا يغني عنه الغسل ، وحاصله أنّ الغسل في المحدث بالحدث الأصغر لا يغني عن الوضوء من دون أن يكون ناقضاً له أو شرطاً للغسل.

والاستدلال بسكوت الإمام عليه‌السلام في الرّوايات الواردة في الأغسال على كثرتها عن وجوب الوضوء معها يتمّ على الاحتمالين الأوّلين ، وذلك لأنّ سبب الغسل لو كان موجباً لانتقاض الوضوء أيضاً فلم لم يتعرّضوا له عند التعرّض لما يترتّب على السبب من الأُمور ، مضافاً إلى أنّ نواقض الوضوء محصورة ، وليس منها الأسباب الموجبة للاغتسال.

كما أنّ الوضوء لو كان شرطاً مقوّماً للغسل كبقيّة الأجزاء والشروط فلم سكتوا عن بيان الاشتراط في الأخبار الواردة في الأغسال على كثرتها ، فمن السّكوت في مقام البيان نستكشف عدم كون الأسباب من نواقض الوضوء وعدم كونه شرطاً مقوماً للغسل ، فالأغسال مغنية عن الوضوء.

وأمّا على الاحتمال الثّالث فلا يمكن استكشاف أنّ الأغسال مغنية عن الوضوء من سكوتهم عليهم‌السلام عن بيان ما يجب بتلك الأسباب من الوضوء أو غيره ، وذلك لأنّ الرّوايات الواردة في وجوب الأغسال بأسبابها على كثرتها إنّما هي بصدد بيان ما

يجب على المكلّف بذلك السبب من الحيض والنّفاس وغيرهما ، أي أنّها بصدد بيان ما يترتّب على تلك الأسباب ، لا بصدد بيان ما يترتّب على أسباب أُخر من النّوم والبول وغيرهما من أسباب الوضوء.

بل مقتضى إطلاق أدلّته وجوب الوضوء مع السبب الموجب للغسل أيضاً ، وذلك لأنّ قوله تعالى ( ... إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ... ) (1)مطلق يشمل ما إذا وجد مع سبب الوضوء ما هو سبب للغسل أيضاً ، فإن من نام وأراد الصّلاة إلاّ أنّه مسّ الميت أيضاً مشمول للآية المباركة ، ومن هنا قلنا إنّ مقتضى القاعدة عدم إغناء الغسل عن الوضوء ، فإن إجزاء الغسل عن الوضوء يحتاج إلى دليل وإلاّ فإطلاق أدلّته يقتضي وجوبه مع الاغتسال أيضاً. فهذا الاستدلال إنّما يتمّ على الوهمين الأوّلين.

هل يجب تقديم الوضوء

ثمّ إنّه بناءً على القول بوجوب الوضوء مع الغسل أو بجوازه معه فهل لا بدّ من إتيانه قبل الغسل أو أنّ له أن يأتي به بعده وفي أثنائه إذا كان غسله تدريجيّاً أي ترتيبيّاً؟

مقتضى المرسلة الثّانية لابن أبي عمير (2)وهي الّتي رواها عن حماد أو غيره جواز الإتيان بالوضوء قبل الغسل وبعده ، وأمّا مرسلته الاولى (3)الّتي دلّت على أنّ كلّ غسل قبله وضوء إلاّ الجنابة فهي لا تكون مقيّدة لإطلاق المرسلة الثّانية ، لاحتمال كونهما رواية واحدة لأنّهما مرويتين عن ابن أبي عمير ، ولكن الصحيح أنّهما روايتان متعددتان ، ومجرّد وقوع ابن أبي عمير في أثناء السندين لا يجعلهما رواية واحدة ، فإن إحداهما يرويها ابن أبي عمير عن رجل ، والأُخرى يرويها عن حَمّاد أو غيره ، وكم فرق بينهما.


1) المائدة 5 : 6.

2) الوسائل 2 : 248 / أبواب الجنابة ب 35 ح 2.

3) الوسائل 2 : 248 / أبواب الجنابة ب 35 ح 1.

ومع التعدّد لا بدّ من الالتزام بالتقييد فيما إذا قلنا بوجوب الوضوء مع كلّ غسل سوى الجنابة ، فيتحصّل أنّ الوضوء لا بدّ من وقوعه قبل كلّ غسل ولا يجوز بعده أو في أثنائه.

وأمّا إذا قلنا بجوازه ومشروعيّته فلا يمكننا التقييد ، لأنّ المستحبّات لم يلتزموا فيها بقانون الإطلاق والتقييد بل أخذوا بكليهما ، فإنّه إذا ورد الأمر بزيارة الحسين عليه‌السلام في كلّ يوم وورد الأمر بزيارته في خصوص يوم عاشوراء لا يمكننا تقييد الحكم باستحباب زيارة الحسين عليه‌السلام بيوم عاشوراء فقط ، بل نلتزم بأنّ زيارته مستحبّة في كلّ يوم كما أنّها مستحبّة في يوم عاشوراء ، وعليه ففي المقام لا بدّ من الالتزام بجواز الوضوء واستحبابه قبل كلّ غسل وبجوازه مطلقاً سواء كان بعده أم قبله ، هذا.

ولكن الصحيح أنّ الوضوء لا بدّ أن يقع قبل كلّ غسل سواء قلنا باستحبابه أم بوجوبه ، وذلك لما ورد من أنّ الوضوء بعد الغسل بدعة (1)، فلا مناص من الالتزام بعدم جوازه بعد الغسل.

ودعوى : أنّ المراد بالغسل في تلك الرّوايات هو غسل الجنابة لا مطلق الأغسال ، مندفعة : بأن غسل الجنابة لا يجوز الوضوء قبله ولا بعده بمقتضى غير واحد من الأخبار ، ومعه لو حملنا ما دلّ على أنّ الوضوء بعد الغسل بدعة على خصوص الجنابة لزم اللغويّة في كلام الإمام عليه‌السلام ، لأنّ التقييد بالبعديّة لغو ، إذ لا أثر للبعديّة على الفرض.

ثمّ إنّا لو قلنا بلزوم وقوع الوضوء قبل الغسل بالمرسلتين السابقتين فلا يجوز الوضوء لا بعد الغسل ولا في الأثناء لأنّهما خلاف القبليّة ، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بلزوم التقديم من باب ما دلّ على عدم مشروعيّة الوضوء بعد الغسل ، لأنّ الإتيان بالوضوء حينئذ قبل الغسل أو في أثنائه جائز ، لعدم صدق البعديّة عليهما.


1) الوسائل 2 : 245 / أبواب الجنابة ب 33.

والأفضل في جميع الأغسال جعل الوضوء قبلها (1).

[769] مسألة 26 : إذا اغتسلت جاز لها كلّ ما حرم عليها بسبب الحيض (2) وإن لم تتوضّأ ، فالوضوء ليس شرطاً في صحّة الغسل ، بل يجب لما يشترط به كالصلاة ونحوها.


(1) يأتي وجه ما اختاره قدس‌سره في التعليقة الآتية.

بالاغتسال يحلّ لها كلّ ما حرم عليها

(2) ما أفاده قدس‌سره يتمّ على ما سلكناه من إغناء كلّ غسل عن الوضوء فإنّ المرأة على هذا إذا اغتسلت جاز لها كلّ ما حرم عليها من دخول المسجد والاجتياز عن المسجدين ومسّ كتابة القرآن وغيرها.

وكذلك يتمّ على ما سلكه قدس‌سره من عدم إغناء غير غسل الجنابة عن الوضوء مع الالتزام بجواز الوضوء قبله وبعده وفي أثنائه ، لحمل الأخبار الواردة في أنّ الوضوء بعد الغسل بدعة على الجنابة ، وترجيح الطائفة الدالّة على أن في كلّ غسل وضوءً إلاّ غسل الجنابة على الطائفة المعارضة لها ، ولو بدعوى كونها موافقة لعمل المشهور دون الطائفة المعارضة ، وحمل مرسلة ابن أبي عمير الدالّة على أن قبل كلّ غسل وضوءً إلاّ الجنابة على الاستحباب.

نظراً إلى أنّها لا يمكن أن تقيّد بها جميع المطلقات الواردة في مقام البيان ، على أنّها خلاف المشهور لعدم التزامهم بكون الوضوء قبل الغسل ، وحيث إنّ الرّوايات الدالّة على وجوب الوضوء في كلّ غسل سوى الجنابة مطلقة فمقتضى إطلاقها عدم الفرق بين كون الوضوء قبل الغسل أو بعده أو في أثنائه ، إلاّ أنّ كونه قبل الغسل أفضل بمقتضى المرسلة المتقدّمة ، فإنّه على هذا أيضاً إذا اغتسلت الحائض لحيضها جاز لها كلّ ما حرم عليها من جهة الحيض وإن لم تتوضّأ ، إلاّ أنّها إذا تركت التوضّؤ مع الغسل لم يجز لها الدّخول فيما يشترط فيه الطّهارة من الحدث الأصغر كالصلاة ونحوها.

وأمّا إذا قلنا بعدم إغناء الغسل عن الوضوء من جهة أنّ الوضوء شرط لصحّة الغسل فلا يتمّ ما أفاده قدس‌سره بوجه ، لأنّ الحائض على ذلك لو اغتسلت وتركت التوضؤ قبله وبعده وفي أثنائه لم يحل لها ما حرم عليها بسبب الحيض ، لبطلان غسلها فإنّه مشروط بالوضوء ، ومع عدم الشرط يبطل المشروط.

وهذا القول هو الصحيح بناءً على عدم إغناء الغسل عن الوضوء ، والوجه في ذلك أنّ الأخبار دلّت على أنّ في كلّ غسل وضوءً إلاّ الجنابة أو أنّ قبل كلّ غسل وضوء إلاّ ... (1)، ومحتملات هذه العبارة ثلاثة :

محتملات الرّواية

الأوّل : أن يقال إنّ في كلّ غسل يجب الوضوء وجوباً تعبديّاً شرعيّاً من دون أن يرتبط بالغسل ، بحيث لو اغتسلت الحائض ولم تتوضأ صحّ غسلها وإن ارتكبت معصية بتركها الوضوء الواجب في حقّها ، نظير ما إذا وجب عليها الوضوء مع الغسل بالنذر وشبهه ، لأنّها حينئذ لو تركت الوضوء واغتسلت صحّ غسلها وإن عصت بترك الوضوء الواجب في حقّها ، فعلى هذا لو اغتسلت الحائض جاز لها كلّ محرم بسبب الحيض وإن لم تتوضأ.

إلاّ أنّ هذا المحتمل خلاف ظاهر الرّواية ، لأنّ الأوامر الواردة في الأجزاء والشرائط والمركّبات ظاهرة في الإرشاد إلى الشرطيّة والجزئيّة ، ولا ظهور لها في الوجوب النفسي بوجه ، ومقامنا هذا من هذا القبيل كما إذا قيل إنّ في كلّ صلاة وضوءً ، فإن ظاهره الإرشاد إلى شرطيّة الوضوء للصلاة.

الثّاني : أن يقال إنّ ظاهر الرّواية هو الشرطيّة ، بمعنى أنّ شرط صحّة الوضوء في حقّ المحدث بالحدث الأكبر هو الغسل ، فمن مسّ الميت أو حاضت وتوضّأت من دون أن تغتسل بطل وضوءها وإن صحّ غسلها ، وعلى ذلك إذا اغتسلت الحائض جاز لها كلّ ما حرم عليها بسبب حيضها وإن لم تتوضّأ.


1) الوسائل 2 : 248 / أبواب الجنابة ب 35.

[770] مسألة 27 : إذا تعذّر الغسل تتيمم بدلاً عنه ، وإن تعذّر الوضوء أيضاً تتيمّم ، وإن كان الماء بقدر أحدهما تقدّم الغسل (1).


ولكن يرد على هذا المحتمل أوّلاً : أنّه خلاف ظاهر الرّواية ، فإنّها سيقت لبيان وظيفة المغتسل في غسله وأنّه يعتبر في غسله أيّ شي‌ء ، لا أنّها بصدد بيان كيفيّة الوضوء وأنّ وظيفة المتوضئ أن يغتسل إذا كان محدثاً بالحدث الأكبر.

وثانياً : أنّ لازم هذا الكلام أنّ المحدث بالحدث الأكبر كمسّ الميت مثلاً لو اغتسل من دون وضوء لم يصحّ له الوضوء بعد ذلك أبداً إلى أن يحدث بحدث آخر بعد ذلك ويتوضأ مع الاغتسال عن ذاك الحدث ، وهذا ممّا نقطع بخلافه إذ لا يمكن الحكم في الشريعة المقدّسة بعدم صحّة الوضوء للمكلّف إلى أن يحدث بالأكبر ، وعليه يتعيّن الاحتمال الثّالث.

الثّالث : أنّ ظاهر الرّواية شرطيّة الوضوء للغسل ، فلا يصحّ الغسل من الحائض فيما إذا لم تتوضأ ، وهذا هو المتعيّن الصحيح بناءً على القول بعدم إغناء الغسل عن الوضوء.

وعليه فلا يتمّ ما أفاده الماتن قدس‌سره من أنّ الحائض إذا اغتسلت جاز لها كلّ ما حرم عليها بسبب الحيض وإن لم تتوضأ ، فإنّها إذا لم تتوضّأ بطل غسلها على هذا القول ولم يجز لها ما حرم بسبب حدث الحيض ، ولعلّ هذا من الموهنات لما ذهب إليه المشهور من عدم أغناه الغسل عن الوضوء إلاّ الجنابة ، فإنّ لازمه القول باشتراط الغسل بالوضوء ، وهو ممّا لا يلتزمه المشهور.

بدليّة التيمم عن غسل الحيض

(1) إذا قلنا بعدم إغناء الغسل عن الوضوء وكانت الحائض واجدة للماء بقدر غسلها ووضوئها وجبا عليها وهو ظاهر.

وإذا لم يكن عندها ماء أصلاً لا بمقدار غسلها ولا بقدر وضوئها وجب عليها أن تتيمّم مرّتين ، أحدهما بدلاً عن غسلها وثانيهما بدلاً عن وضوئها.

وهذا لا يفرق فيه بين القول بإغناء الغسل عن الوضوء وعدمه ، أمّا على الثّاني فواضح ، وأمّا على الأوّل فلأنّ الأدلّة الآمرة بالوضوء للمحدث بالحدث الأصغر مطلقة تشمل ما إذا اغتسل المكلّف وما إذا لم يجب عليه غسل كقوله تعالى ( ... إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) (1)، وإنّما رفعنا اليد عن إطلاقها بما دلّ على أنّ الغسل يغني عن الوضوء ، وهذا مختصّ بنفس الغسل ، والتيمّم البدل عنه يحتاج إغناؤه عن الوضوء إلى دليل ولا دليل عليه ، بل مقتضى الإطلاقات في أدلّة الوضوء عدم كون التيمم البدل عن الغسل مغنياً عن الوضوء ، وبما أنّها غير متمكّنة من الوضوء فيجب عليها التيمّم بدلاً عن الوضوء أيضاً ، فوجوب التيمّم عليها مرّتين لا يفرق فيه بين القول بإغناء الغسل عن الوضوء وعدمه.

وثالثة : تتمكّن من الاغتسال دون الوضوء ، كما لو كان مالك الماء لا يرضى باستعمال الماء إلاّ في الاغتسال ، ولا كلام حينئذ في أنّه يجب عليها أن تغتسل وتتيمّم بدلاً عن الوضوء.

ورابعة : ينعكس الأمر ، فلا تتمكّن المرأة من الغسل وتتمكّن من الوضوء ، لعدم إذن المالك للماء في الاغتسال أو لقلّة الماء وعدم وفائه بالاغتسال ، فهل يجب على الحائض حينئذ أن تتوضّأ وتتيمّم بدلاً عن الغسل أو أنّها تتيمّم تيمّمين أحدهما بدلاً عن الغسل وثانيهما بدلاً عن الوضوء ويبطل حكم الماء؟ ذهب الشيخ الكبير إلى الثّاني (2)وهو من الغرائب.

بل للمسألة صور خمسة :

الصورة الأُولى : ما إذا تمكّنت الحائض من التوضّؤ والاغتسال ، وهذه الصّورة


1) المائدة 5 : 6.

2) كشف الغطاء : 135 السطر 5 / في الأحكام المشتركة بين الدماء الثلاثة.

هي الّتي قدّمنا حكمها وقلنا إنّ الغسل يغني عن الوضوء ، إلاّ أنّ المرأة تتمكّن من أن تتوضّأ قبل الاغتسال ثمّ تغتسل ، لإطلاقات أدلّة الوضوء. نعم لا يجوز لها الوضوء بعده لأنّه بدعة ، وعليه فالمقام من موارد التخيير بين الأقل والأكثر ، لتخيير المرأة بين الغسل وبين التوضّؤ ثمّ الاغتسال ، وقد قلنا في محلّه إنّ التخيير بين الأقل والأكثر لا بأس به إذا كان للأقل وجود مستقل.

وأمّا بناءً على أنّ الغسل لا يغني عن الوضوء فيجب عليها أن تتوضأ وتغتسل لإطلاقات أدلّة كلّ من الغسل والوضوء.

الصورة الثّانية : ما إذا لم تتمكّن من شي‌ء منهما ، ولا إشكال حينئذ في وجوب التيمم عليها مرّتين : مرّة بدلاً عن الغسل وأُخرى بدلاً عن الوضوء ، بلا فرق في ذلك بين القول بإغناء الأغسال عن الوضوء وعدمه ، وذلك لأنّ الأدلّة إنّما دلّت على أنّ الغسل يغني عن الوضوء وأنّه بدل عنه في الطّهارة فقط ، وأمّا أنّ البدل وهو التيمم يغني عن الوضوء أيضاً فهو أمر يحتاج إلى الدليل ولا دليل عليه.

وقد عرفت إطلاق أدلّة الوضوء ، ومقتضى إطلاقها وجوبه مع التيمّم بدلاً عن الغسل أيضاً ، وبما أنّها غير متمكّنة من الوضوء فتنتقل إلى بدله بمقتضى أدلّة البدليّة كما أنّ مقتضى إطلاق أدلّة الغسل كقوله « إذا طهرت اغتسلت » وجوب الغسل على المرأة في المقام ، وحيث إنّها غير متمكّنة من الاغتسال تنتقل إلى بدله بمقتضى ما دلّ على أنّ التيمم بدل عن الغسل ، من دون فرق بين القول بأن التيمم مبيح أو أنّه رافع للحدث ، أمّا على الإباحة فظاهر ، وأمّا على القول بالرافعيّة فلأنّ التيمم يرفع الحدث الأكبر ويكون التيمم بدل الوضوء رافعاً للحدث الأصغر ، ولعلّه ظاهر.

الصورة الثّالثة : ما إذا تمكّنت المرأة من الاغتسال فحسب ولم تتمكّن من الوضوء لعدم إباحة المالك التوضؤ منه ، ولا كلام حينئذ في أنّها تغتسل لإطلاقات أدلّة وجوب الغسل على الحائض ، كما أنّ مقتضى إطلاقات أدلّة الوضوء وجوبه عليها بناءً على أنّ الغسل لا يغني عن الوضوء ، وحيث إنّها غير متمكّنة من التوضّؤ الواجب في

حقّها ينتقل الأمر إلى بدله وهو التيمم ، نعم بناءً على إغناء الأغسال عن الوضوء لا تحتاج المرأة إلى التوضّؤ لتتمكّن منه أو لا تتمكّن منه.

الصورة الرّابعة : ما إذا تمكّنت المرأة من التوضّؤ فحسب دون الاغتسال.

والمعروف في هذه المسألة أنّها تتيمم بدلاً عن الغسل وتتوضّأ ، من دون فرق بين القول بإغناء الغسل عن الوضوء وعدمه ، لأنّ المغني هو الغسل دون بدله وهو التيمم.

وذهب كاشف الغطاء (1)قدس‌سره إلى أنّها تتيمم بدلاً عن الوضوء أيضاً ولا يترتّب على تمكّنها من الوضوء أثر ، ولا يمكن توجيه ما ذهب إليه قدس‌سره بشي‌ء من الوجوه.

وذلك لأنّا إن قلنا إنّ لصلاة المرأة مقدّمتين إحداهما الغسل وثانيتهما الوضوء ومقتضى إطلاق أدلّتهما وجوبهما على المرأة إلاّ أنّها لا تتمكّن من الاغتسال فتنتقل إلى بدله بحسب أدلّة البدليّة ، فلا وجه لما ذهب إليه من وجوب التيمّم بدلاً عن الوضوء مع تمكّنها منه.

وإن احتملنا بعيداً كون المقدّمة هو المجموع من الغسل والوضوء ، بأن يكون كلّ منهما جزءاً من المقدّمة نظير المسحتين والغسلتين في الوضوء فما أفاده يتم ، لعدم تمكّنها من مجموع الغسل والوضوء فتنتقل إلى بدلهما ، كما إذا تمكّن المكلّف من الغسلتين دون المسحتين فإنّه لا بدّ من أن يتيمم ولا معنى للقول بوجوب الغَسل الممكن والتيمم بدلاً من المسحتين.

إلاّ أنّ هذا الاحتمال بعيد في نفسه ، لأنّ مقتضى أدلّة الوضوء والغسل أنّ المقدّمة كلّ واحد منهما مستقلا.

ويتوجّه عليه مضافاً إلى بعده في نفسه أمران :

أحدهما : أنّ لازم هذا الاحتمال وجوب التيمم عليها مرّة واحدة ، إذ المفروض أنّ


1) كشف الغطاء : 135 السطر 5 / في الأحكام المشتركة بين الدّماء الثلاثة.

المقدّمة هي المجموع من حيث المجموع وهو أمر واحد ، ومع عدم التمكّن منه تتيمم بدلاً عنه لا محالة ، كما أنّه إذا لم تتمكّن من المسحتين في الوضوء مع التمكّن من الغسلتين لم يجب إلاّ تيمم واحد.

ثانيهما : أنّ لازمه أن يلتزم بمثله في الصّورة الثّالثة أيضاً ، لأنّ المقدّمة وهي مجموع الأمرين ليست مقدورة للمكلّف ، لعجزه عن الوضوء فينتقل إلى بدله ، مع أنّه لا يلتزم بوجوب التيمم عن الغسل في الصّورة الثّالثة ، وإنّما يوجبون عليه التيمم بدلاً عن الوضوء دون الغسل.

وعليه فالصحيح ما ذهب إليه الماتن قدس‌سره وغيره من أنّها تتوضأ وتتيمم بدلاً عن الغسل ، بلا فرق بين القول بالرّفع والقول بالاستباحة.

الصورة الخامسة : ما إذا تمكّنت من أحدهما من غير تعيين ، كما إذا كان الماء غير واف للوضوء والغسل ، فعلى مسلكنا من إغناء كلّ غسل عن الوضوء لا إشكال في أنّ الغسل متعيّن في حقّها ، لتمكّنها من الطّهارة المائية بقدرتها على الاغتسال ، ومعه لا يجوز لها تفويت الماء بصرفه في الوضوء لعدم كفايته عن الغسل ، وهذا بخلاف استعماله في الغسل الّذي يكفي ويغني عن الوضوء.

وعلى مسلك من قال بعدم الإغناء فهل يتعيّن عليها الغسل والتيمم بدل الوضوء أو يتعيّن الوضوء والتيمم بدل الغسل؟

المعروف بينهم في الأعصار المتأخّرة على ما عثرنا عليه إدراج المقام في المتزاحمين والترجيح بالأهميّة وحتمالها ، لأنّهما من مرجحات باب المزاحمة ، وبما أنّ الغسل أهم أو أنّه محتمل الأهميّة ، إذ لا يحتمل أهميّة الوضوء منه ، فيتعيّن القول بوجوب الغسل في حقّها مع التيمم بدلاً عن الوضوء.

وعن بعضهم ترجيح الوضوء لسبقه على الغسل بحسب الزّمان ، والتقدّم الزّماني مرجح في باب التزاحم ولو كان الآخر أهم.

التهافت في كلام المحقّق النائيني

ولشيخنا الأُستاذ قدس‌سره في مسألة ما إذا دار أمر المكلّف بين القيام والإيماء في ركوعه وسجوده وبين الرّكوع والسّجود مع القعود في صلاته حاشيتان : في إحداهما قدّم القيام وحكم بوجوب الصّلاة قائماً مع الإيماء في ركوعه وسجوده ، ترجيحاً بالتقدّم الزّماني لأنّ القيام أسبق من الرّكوع زماناً فيتقدّم على الرّكوع ولو كان أهم ، وفي الحاشية الثّانية قدّم الرّكوع وحكم بوجوب الصّلاة قاعداً مع الرّكوع والسّجود ، نظراً إلى الترجيح بالأهميّة لأهميّة الرّكوع من القيام. وهما كلامان متناقضان ، هذا.

اندراج المقام في التعارض

ولكن الصحيح أنّ أمثال المقام خارج عن باب المتزاحمين ، وإنّما يندرج تحت كبرى التعارض ، وذلك لأنّ التزاحم إنّما يختص بالتكاليف النفسيّة كوجوب الإزالة ووجوب الصّلاة.

وأمّا التكاليف الضمنيّة فلا يقع فيها التزاحم أبداً ، إذ ليس لها أمر مستقل ، وذلك لأنّ الأجزاء والشرائط إنّما يتعلّق بها أي بمجموعها أمر واحد ، وإذا عجز المكلّف عن بعضها كما في دوران الأمر بين ترك القيام وترك الرّكوع في الفرع المتقدّم سقط الأمر المتعلّق بالمركب من المتعذر وغيره ، كالأمر بالصلاة عن قيام وركوع ، والأمر الآخر بعد ذلك لو دلّ الدليل عليه كما في الصّلاة لا يعلم تعلّقه بالصلاة الواجدة للقيام دون الرّكوع أو أنّه تعلّق بالصلاة الواجدة للركوع دون القيام ، فالشكّ في المجعول الشرعي ، ومعه تدخل هذه الموارد في كبرى المتعارضين.

والأمر في المقام كذلك ، لسقوط الأمر بالصلاة الواجدة للوضوء والغسل لتعذرهما على الفرض ، والأمر بعد ذلك لم يعلم تعلّقه بالصلاة الواجدة للوضوء دون الغسل أو الصّلاة الواجدة للغسل دون الوضوء ، فهما متعارضان ومعه لا بدّ من ملاحظة أدلّة تلك الأجزاء والشرائط ، فإن كان كلا الجزئين أو الشرطين أو بالاختلاف ثبت

[771] مسألة 28 : جواز وطئها لا يتوقّف على الغُسل لكن يكره قبله ولا يجب غسل فرجها أيضاً قبل الوطء وإن كان أحوط ، بل الأحوط ترك الوطء قبل الغُسل (1).


بالإطلاق فيتساقطان ويرجع إلى الأصل العملي الموجود في المسألة ، وإن ثبت كلّ منهما بالعموم فهما متعارضان ولا بدّ من الرّجوع إلى قواعد باب التعارض ، وإن ثبت أحدهما بالعموم والآخر بالإطلاق كان الثّابت بالعموم مقدّماً على الثابت بالإطلاق.

ولمّا كان كلّ واحد من الوضوء والغسل قد ثبت بالإطلاق فيحكم بتساقطهما والرّجوع إلى الأصل العملي بعده ، ومقتضاه التخيير في المقام ، وذلك للعلم الإجمالي بوجوب الصّلاة إمّا مع الوضوء وإمّا مع الغسل ، وبما أنّ الاحتياط غير ممكن واحتمال خصوصيّة الوضوء أو الغسل مندفع بالبراءة فيحصل التخيير بين صرفها الماء في غسل حيضها وصرفها في وضوئها ، وإن كان اختيار الصرف في الغسل أحوط لذهاب جمع إلى وجوبه وتعيّنه.

جواز الوطء لا يتوقّف على الاغتسال

(1) ذكرنا أنّ الأحكام المترتبة على الحائض على قسمين : منها ما يترتّب على الحائض بمعنى ذات الدم ، كعدم جواز الطلاق والظهار لصحّتهما فيما إذا انقطع دمها وإن لم تغتسل ، ومنها ما يترتب على الحائض بمعنى ذات الحدث ، كحرمة دخولها المساجد وحرمة اجتيازها المسجدين وحرمة مسّها القرآن ، فإنّها مترتبة على الحدث بقرينة ذكرها مع الجنب في الحديث (1).

وأمّا حرمة وطئها فالمعروف بين الأصحاب ترتبها على ذات الدم بحيث إذا انقطع دمها جاز وطؤها ، ونسب الخلاف في ذلك إلى أهل الخلاف وأنّهم ذهبوا إلى حرمة


1) الوسائل 1 : 385 / أبواب الوضوء ب 12 ح 5 ، 2 : 206 ، 207 ، 209 / أبواب الجنابة ب 15 ح 3 ، 10 ، 17.

الوطء حتّى تغتسل. والكلام في مدرك ما ذهب إليه المشهور.

لا ينبغي الإشكال في أنّ مقتضى العمومات والإطلاقات جواز وطئها في جميع الأزمنة حتّى زمان الحيض ، كقوله تعالى ( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ ... ) (1)، وإنّما خرجنا عن مقتضى الإطلاقات بما دلّ على حرمة وطء الحائض من الكتاب والسنّة ، حيث خصّصها بغير زمان الحيض ، ولا بدّ من ملاحظة المخصّص لنرى أنّ الحرمة هل هي مستمرة إلى زمان الاغتسال أو هي منقطعة بزمان انقطاع الدم.

المخصّص الكتابي

أمّا المخصّص الكتابي وهو قوله تعالى ( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ، قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ، وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ ، فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ ) (2)فلا يمكن استفادة الحرمة منها إلى أيّ زمان ، وذلك لأنّ القرّاء السبعة قرأوا لفظة ( ... حَتّى يَطْهُرْنَ ... ) مخففة أي حتّى ينقطع دمهن ، ويساعده صدر الآية المباركة حيث قالت ( هُوَ أَذىً ) ، وذلك لأنّ الأذى إنّما هو الحيض إلى زمن انقطاعه ، وأمّا بعده فليس هناك أذى فتختصّ الحرمة بالمرأة ذات الدم ، وإذا انقطع دمها جاز وطؤها بمقتضى الآية الكريمة إلى هنا.

ولكن ذيلها ( ... فَإِذا تَطَهَّرْنَ ... ) ينافيه ، فإنّه وإن أمكن أن يكون بمعنى ... يَطْهُرْنَ ... بالتخفيف بأن يستعمل التطهّر في الطّهارة ، إذ قد يستعمل التفعّل في المجرّد ويقال زيد تمرّض بمعنى مرِض ، وعليه يطابق الذيل الصّدر ، إلاّ أنّ ظاهر الذيل هو التفعّل والتطهّر بمعنى الاغتسال ، فيدلّنا هذا الذيل بمفهومه على حرمة إتيان المرأة ما دامت لم تغتسل ولم تتطهّر ، فيتنافى صدر الآية وذيلها وتصبح الآية مجملة.


1) البقرة 2 : 223.

2) البقرة 2 : 222.

على أنّ ( ... حَتّى يَطْهُرْنَ ... ) لم يثبت كونها مخففة وإن قرأها القراء السبعة مخففة إلاّ أنّه يحتمل تشديدها ، ومع احتمال التشديد والتخفيف وإجمال الآية لا يمكن الاستدلال بها بوجه. بل لا بدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن من مدلولها ، وهو حرمة الوطء ما دام المرأة ذات الدم ، وأمّا حرمته بعد انقطاعه فهي مشكوكة يرجع فيها إلى مقتضى الإطلاقات والعمومات الّتي تقتضي الجواز في جميع الأوقات كما مرّ.

المخصّص من السنّة

وأمّا المخصّص من السنّة فالأخبار الواردة (1)في حرمة وطء الحائض قبل الاغتسال كلّها ضعيفة السند ، لأنّها مضافاً إلى اشتمال أسنادها على من لم تثبت وثاقته مرويّة في تهذيب الشيخ بإسناده عن علي بن الحسن بن فَضّال ، وقد بيّنا أنّ طريق الشيخ إلى ابن فَضّال ضعيف لا يعتمد عليه (2)، هذا.

على أنّها مع الغضّ عن ضعف أسنادها قاصرة الدلالة على المدّعى ، لأنّها معارضة بما دلّ على جواز وطء الحائض بعد انقطاع دمها وقبل الاغتسال صريحاً (3)ومع التعارض لا بدّ من الجمع بينهما بحمل الناهية على الكراهة.

نعم ، ورد في صحيحة محمّد بن مسلم الّتي هي من الأخبار الدالّة على الجواز أنّه « إذا أصاب زوجها شَبَق فليأمرها فلتغسل فرجها ، ثمّ يمسّها إن شاء قبل أن تغتسل » (4)والشبق هو شدّة الميل إلى الجماع ، وقد دلّت على جواز وطء الحائض بعد الانقطاع وقبل الاغتسال مشروطاً بشرطين : أحدهما أن يصيب زوجها الشبق ، فلا يجوز من دون كونه شَبِقاً ، ثانيهما أن تغسل فرجها ، فلا يجوز الوطء من غير أن تغسل فرجها.


1) الوسائل 2 : 326 / أبواب الحيض ب 27 ح 6 و 7.

2) وقد قدّمنا أن سيِّدنا الأُستاذ ( دام ظلّه ) عدل عن ذلك ، فليراجع الصفحة 70.

3) الوسائل 2 : 325 / أبواب الحيض ب 27 ح 3 و 4 و 5.

4) الوسائل 2 : 324 / أبواب الحيض ب 27 ح 1.

والمشهور بينهم عدم الالتزام بهذين الشرطين ، ولعلّ الوجه في ذلك أنّ مقتضى المناسبة بين الحكم وموضوعه أنّ الشرط الأوّل في الصحيحة لم يكن مسوقاً لبيان حرمة الوطء من غير الشبق ، وإنّما سيقت لبيان ما يرتفع به الحزازة والكراهة في وطء الحائض قبل الاغتسال.

وتلك المناسبة هي العلم بأنّ المحرمات الإلهيّة لا تناط بعدم الشبق بحيث ترتفع الحرمة بالشبق الّذي هو شدّة الميل إلى الجماع لا الاضطرار إليه بقرينة قوله عليه‌السلام « ثمّ يمسّها إن شاء ». نعم لا بأس بارتفاع الحرمة بالحرج أو الخوف على النّفس ، كما ورد في بعض الرّوايات (1)من أنّه إذا خاف على نفسه لا بأس أن يأتي زوجته ، وأمّا مجرّد شدّة الميل فهو ممّا لا ترتفع به الحرمة شرعاً ، ومنه يظهر أن وطء الحائض بعد الانقطاع وقبل الاغتسال غير محرم مطلقاً ، نعم هو مكروه وترتفع الكراهة بالشبق إلى الجماع.

وكذلك الحال بالنسبة إلى الأمر بغسل الفرج ، فإنّ المناسبة المركوزة بين الحكم وموضوعه تقتضي أن يكون الأمر بغسل الفرج لأجل التنظيف المرغوب فيه للشريعة المقدّسة لا أنّ الحرمة ترتفع به ، لكن مع ذلك يشكل رفع اليد عن ظاهر الأمر بغسل الفرج لتلك المناسبة ، ومن هنا الاحتياط الوجوبي في غسل الفرج قبل الوطء في محلّه بخلاف الشبق.

ويمكن الاستدلال على جواز وطء الحائض بعد الانقطاع قبل الاغتسال حتّى مع عدم الشبق في الزوج بالسيرة القطعيّة الجارية بين المتشرّعة ، حيث إن أغلب النِّساء من المماليك والزّوجات لم يكن يغتسلن بعد حيضهنّ في تلك الأعصار لكونهنّ كافرات أو من أهل الخلاف الّذين لا يصحّ منهم الاغتسال أو لا يغتسلن للتسامح والتساهل في الدِّين ، ومع ذلك كان أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام والمسلمون الآخرون يباشرون زوجاتهم وإمائهم بعد انقطاع حيضهنّ ، ولم يرد ردع عنه في الرّوايات لتدلّ على عدم جواز مقاربتهم لزوجاتهم أو مملوكاتهم لبطلان غسلهنّ أو عدمه ، فلو كان وطء الزّوجة


1) الوسائل 2 : 325 / أبواب الحيض ب 27 ح 2. وهي موثقة إسحاق بن عمّار.

[772] مسألة 29 : ماء غسل الزوجة والأمة على الزوج والسيِّد على الأقوى (1)(1).

[773] مسألة 30 : إذا تيممت بدل الغسل ثمّ أحدثت بالأصغر لا يبطل تيممها (2)،


بعد الانقطاع وعدم شبق الزّوج محرماً لانتشر الحكم وذاع ، فنستكشف منه عدم حرمة الوطء ولو من دون شبق الزّوج.

هل ماء غسل الزّوجة على زوجها؟

(1) تقدّمت المسألة في بحث الجنابة (3)وذكر قدس‌سره أنّ ماء الغسل وأُجرة التسخين والاغتسال على الزوج ، وعلّله بأنّه من النّفقات ونفقة الزّوجة على الزّوج.

وذكرنا في ذاك الموضع أنّ الأخبار الآمرة بإعطاء نفقة الزوجة اشتملت على عنوان الإشباع والإسكان وما به يقوم صلبها ، والجامع ما تتقوّم به حياة الزّوجة وإعاشتها عادة حسب ما يليق بشأنها.

ومن الظّاهر أنّ الأحكام الشرعيّة والوظائف المتسببة منها خارجة عمّا تتقوّم به حياتها ، وإنّما هي وظائف شرعيّة لا إعاشة وإقامة حياة ، ولذا لو أفطرت الزّوجة في نهار شهر رمضان لم يجب على الزوج إعطاء الكفّارة وإنّما هي واجبة على الزوجة وكذا الاغتسال في المقام ، والشارع قد عيّن للمتمكّنة منها وظيفة وللعاجزة وظيفة أُخرى ، فإن كانت قادرة على الاغتسال فلتغتسل وإن عجزت عنه فلتتيمم ، ولا يجب على الزوج إقدار زوجته على الاغتسال بإعطاء الماء وأُجرة التسخين ونحوهما حتّى تتمكّن الزّوجة من الاغتسال ليجب الغسل عليها ، وتفصيل الكلام في بحث النفقات.


1) (*) فيه منر. نعم هو أحوط.

2) (**) الظاهر أنّه يبطل ، والأولى رعاية الاحتياط مهما أمكن.

3) في شرح العروة 6 : 422.

بل هو باق إلى أن تتمكّن من الغسل (1).


انتقاض التيمّم بالحدث الأصغر

(1) فلا يجب عليها إلاّ الوضوء لأنّها أحدثت بالأصغر. وتأتي هذه المسألة في بحث التيمم (1)ونتكلم هناك في أنّ التيمم هل ينتقض بالأحداث الصغيرة أو أنّه كالغسل لا ينتقض بها وإنّما يجب بها الوضوء ، فلو تيمم المكلّف بدلاً عن الغسل لعذر ثمّ نام أو بال فهل يجب عليه بعد ذلك أن يتيمم بدلاً عن غسله مع بقاء عذره لأنّه انتقض بحدثه الأصغر ، أو أن تيمّمه كالغسل لا يرتفع ولا ينتقض بالحدث الأصغر وهو باق إلاّ أنّه يتيمم بدلاً عن الوضوء إذا لم يتمكّن من الوضوء أيضاً أو يتوضأ إذا تمكّن منه ، يأتي تفصيل الكلام في بحوث التيمم إن شاء اللّه.

وملخّصه : أنّ الظّاهر انتقاض التيمم بالحدث الأصغر وأنّه يجب بعده التيمم بدلاً عن غسله ، ولا يقاس التيمم بالغسل ، وكونه بدلاً عنه لا يقتضي أن يترتب عليه كلّ ما يترتب على الغسل ، لأنّه إنّما يقوم مقام الغسل من حيث الطّهارة وحسب ، لأنّ التيمم أو التراب أحد الطهورين ، فكلّ أمر يتوقّف على الطّهارة بالغسل يترتب على التيمم البدل عنه ، وأمّا أنّ الغسل لا ينتقض بالأحداث الصغيرة ولا يجب معه إلاّ الوضوء حينئذ فلا بدّ أن يكون التيمم كذلك أيضاً فهو أمر يحتاج إلى الدليل ولا دليل عليه ، فلا يترتب على التيمم سوى استباحة الدخول فيما يشترط فيه الطّهارة.

بل الدليل على انتقاض التيمم بالحدث الأصغر موجود ، وذلك لأنّ مقتضى قوله تعالى ( ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ... فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ... ) (2)أنّ كلّ من كانت وظيفته في نفسه الغسل ولم يتمكّن منه فوظيفته التيمم ، والمكلّف بعد تيمّمه بدلاً عن غسله وإحداثه بالحدث الأصغر كذلك ، لأنّه مكلّف وظيفته الغسل لو


1) في المسألة [1150].

2) المائدة 5 : 6.

الحادي عشر : وجوب قضاء ما فات في حال الحيض من صوم شهر رمضان وغيره من الصيام الواجب (1)


تمكّن من الماء من غير خلاف ، فوظيفته التيمم لا محالة بمقتضى الآية المباركة وإطلاقها.

بل في بعض الرّوايات الواردة في التيمم أُطلق الجنب على المتيمم بدلاً عن الغسل حيث قال « لكن يتيمّم الجنب ويصلِّي بهم » أي يصلي بالناس جنباً (1)، فهو جنب جاز له الدخول في الصّلاة ولو جماعة لأنّه متطهر ، ومعه يجب عليه التيمم إذا أحدث بالأصغر بدلاً عن الغسل لا أنّه يتوضأ أو يتيمم بدلاً عن الوضوء ، خلافاً للماتن قدس‌سره ويأتي ذلك في محله.

يجب على الحائض قضاء الصيام

(1) والأمر كما أفاده قدس‌سره ، فإنّ جملة من الأخبار (2)الواردة في وجوب قضاء الصوم على الحائض وإن كانت مختصّة بصوم شهر رمضان ، إلاّ أنّ بعضها مطلق لا يختص بصوم رمضان وقد دلّ على أنّ الحائض تقضي الصّيام.

بل لا حاجة في الحكم بوجوب قضاء الصّوم الواجب إلى تلكم الأخبار أصلاً وذلك لعموم ما دلّ على وجوب قضاء الفوائت من الصّيام والصّلاة ، فإنّه شامل للحائض أيضاً ، والحكم بالسقوط وعدم وجوب القضاء يحتاج إلى الدليل ، ومقتضى عمومه عدم الفرق بين صوم شهر رمضان وغيره.

اللّهمّ إلاّ أن يكون صوماً لا يجب قضاؤه شرعاً ، كما في الصوم الواجب بأمر السيِّد أو الوالد ، فكما لا يجب قضاؤه على غير الحائض لا يجب قضاؤه من الحائض ، فإنّ


1) كما في صحيحة جميل ومحمّد بن حُمران ، الوسائل 3 : 386 / أبواب التيمم ب 24 ح 2 ، 8 : 327 / أبواب صلاة الجماعة ب 17 ح 1.

2) الوسائل 2 : 346 / أبواب الحيض ب 41.

الحائض لا يزيد حكمها على غير الحائض ليتوهّم أنّ قضاء مثل ذلك الصّوم وإن لم يجب على غير الحائض إلاّ أنّه واجب على الحائض ، وذلك لأنّ الأخبار الواردة في أنّ الحائض تقضي الصّيام ليست بصدد بيان امتياز الحائض عن بقيّة النِّساء بأنّها تقضي الصوم مطلقاً حتّى ما لا يجب قضاؤه على غيرها ، بل هي مسوقة لبيان أنّ الحيض ليس بمانع عن وجوب القضاء وأنّه ليس يعذر عنه ، فحكم الحائض حكم غيرها ، إذا وجب قضاء الصوم على غيرها وجب عليها أيضاً ، ومتى لم يجب على غيرها لا يجب عليها أيضاً.

وعلى الجملة لا حاجة لنا في الحكم بوجوب القضاء وعدمه على الحائض إلى تلك الأخبار ، بل العمومات الدالّة على وجوب قضاء الصّوم والصّلاة تكفي في الحكم بوجوب قضاء مطلق الصّوم الواجب على الحائض.

قضاء الصوم الواجب بالنذر

نعم ، يبقى الكلام في الصوم الواجب بالنذر ، فإنّ وجوب قضائه على الحائض مورد الكلام بين الأصحاب ، حيث ذهبوا إلى عدم وجوب قضائه وأنّها إذا نذرت صوم يوم فحاضت فيه لم يجب عليها قضاؤه ، نظراً إلى أنّ متعلق النذر يشترط كونه راجحاً ، ولا رجحان في صوم الحائض بل هو حرام ، فالنذر لم ينعقد أصلاً حتّى يجب قضاؤه أو لا يجب.

وفصّل فيه شيخنا الأنصاري قدس‌سره بين ما إذا نذرت صوم يوم معيّن شخصي وبين ما إذا نذرت صوم يوم كلّي ينطبق على يوم حيضها وغيره ، كما لو نذرت صوم كلّ يوم خميس فحاضت في خميس من الخميسات ، فحكم بالبطلان وعدم وجوب القضاء في الأوّل ، وبانعقاد النذر ووجوب القضاء في الثّاني ، نظراً إلى أنّ صوم كلّي الخميس أمر راجح ، وصوم بعض الخميسات مثلاً وإن لم يكن براجح إلاّ أنّه ليس متعلّقاً للنذر (1).


1) كتاب الطّهارة : 241 السطر 9 / في الحيض.

وأمّا الصّلوات اليوميّة فليس عليها قضاؤها(1) ، بخلاف غير اليوميّة مثل الطّواف


ويندفع بأنّ الحكم المترتب على عام استغراقي ينحل إلى أفراده ومصاديقه ، فإذا لم يكن بعض أفراده راجحاً فلا مناص من الحكم ببطلان النذر بالإضافة إليه.

والصحيح في المقام أن يقال : إنّ ما ذكروه من عدم انعقاد النذر في المقام لأجل اشتراط الرجحان في متعلّق النذر هو الصحيح ، إلاّ أنّه على طبق القاعدة بغض النظر عن صحيحة علي بن مهزيار ، وإلاّ فبالنظر إليها لا بدّ من الحكم بوجوب القضاء في المقام وفي كلّ مورد نذر صومه ثمّ لم يتمكّن من صيامه لعذر من الأعذار.

قال « كتبت إليه يعني إلى أبي الحسن عليه‌السلام يا سيِّدي رجل نذر أن يصوم يوماً من الجمعة دائماً ما بقي ، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيّام التشريق أو سفر أو مرض ، هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه وكيف يصنع يا سيِّدي؟ فكتب إليه : قد وضع اللّه عنه الصّيام في هذه الأيّام كلّها ، ويصوم يوماً بدل يوم إن شاء اللّه ... » (1)حيث دلّت على وجوب قضاء الصوم المنذور وإن لم ينعقد نذره لعدم رجحان متعلقه ، حيث إنّ صوم يوم العيدين محرم.

ثمّ إنّها وإن وردت في غير الحيض من الأعذار إلاّ أنّ قوله عليه‌السلام « ويصوم يوماً بدل يوم » يدلّنا على أنّ الحكم عام لا يختص بعذر دون عذر ، بل كلّما نذر صوماً معيّناً فصادف شيئاً من الأعذار وجب قضاؤه تعبداً ولو من جهة أنّه أثبت لله على ذمّته صوم يوم ، فوجب الخروج عن عهدته بقضائه وإن كان النذر باطلاً لعدم رجحان متعلقه لأنّه من صوم يوم العيد أو الحيض أو غيرهما ممّا لا رجحان في صيامه ، مع أنّ مقتضى القاعدة بطلان النذر في مورد الصحيحة المتقدِّمة وفي المقام لعدم كون المتعلّق راجحاً.

الحائض لا تقضي صلواتها

(1) لا إشكال ولا خلاف في عدم وجوب القضاء للصلوات اليوميّة على الحائض


1) الوسائل 23 : 310 / كتاب النذر ب 10 ح 1.

والنّذر المعيّن (1)وصلاة الآيات ، فإنّه يجب قضاؤها على الأحوط بل الأقوى (1).


ولم ينقل الخلاف في ذلك من أحد المسلمين مضافاً إلى النصوص المعتبرة الكثيرة الواردة في المقام (2).

(1) وتوضيح الكلام في هذه المسألة أنّ القضاء إنّما يجب فيما إذا كان للفعل وقت معيّن ولم يؤت به في وقته المضروب له ، فإنّه إذا أتى به خارج الوقت يعبّر عنه بالقضاء. وأمّا الواجب الّذي ليس له وقت معيّن شرعاً كصلاة الطواف فلا معنى للقضاء فيه ، فإنّه لم يفت الواجب في وقته ليؤتى به في خارج وقته ، وإنّما هو واجب لو أتي به في أيّ وقت وزمان وقع في وقته وزمانه ولا قضاء في مثله ، كما حكي عن العلاّمة (3)قدس‌سره من أنّ القضاء إنّما هو في الموقتات ولا قضاء في غيرها.

وعليه فمثل صلاة الطواف خارجة عن محل الكلام ، إذ لا معنى فيها للقضاء وهي أداء في كلّ وقت ، ويجب على الحائض وغيرها الإتيان بها بعد حيضها وارتفاع عذر المكلّف لا محالة.

وأمّا الصلوات المنذورة فهي ممّا لا يجب قضاؤها على الحائض فيما إذا نذرت صلاة في وقت معيّن ثمّ طرأ الحيض عليها في ذلك الوقت ، وذلك لأُمور :

الأوّل : هو أنّ القضاء إنّما يجب فيما إذا كان العمل المأتي به أداءً وقضاءً طبيعة واحدة بحيث لا امتياز بينهما ولا اختلاف فيهما من غير جهة الزّمان ، فإنّ الأداء ما اتي به في وقته والقضاء ما اتي به في خارجه ، وهذا لا يتحقّق في الصلوات المنذورة ، لأنّ الواجب في الفعل المنذور هو الوفاء بالنذر ، والوفاء بمعنى إنهاء الشي‌ء وإتمامه ، فالواجب في النذر إنهاء الالتزام وإتمامه ، كما هو الحال في قوله تعالى ( ... أَوْفُوا


1) (*) الظاهر عدم وجوب القضاء إذا كان الفائت حال الحيض النذر المعيّن بل لا يبعد عدمه في صلاة الآيات أيضاً.

2) الوسائل 2 : 346 / أبواب الحيض ب 41.

3) أشار إلى هذه القاعدة في المنتهي : 1 : 423 / في قضاء النوافل.

بِالْعُقُودِ ... ) (1).

ولازم إنهاء الالتزام وإتمامه وعدم رفع اليد عنه أن يأتي بما التزم به في الخارج ، إذ لو لم يأت به رفع اليد عن التزامه ولم يتمّه ولم ينهه إلى آخره ، والالتزام تعلّق بالإتيان بالصلاة في وقت خاص ، وهو الأمر الملتزم به ، وإذا لم يأت بالصلاة في ذاك الوقت الخاص لحيض أو لنسيان أو لعمد أو لغير ذلك كيف يمكنه الإتيان بما التزم به خارج الوقت الخاص ، فإنّه أمر آخر لم يتعلّق به الالتزام ، فلا يكون العمل المأتي به في الوقت متحداً مع العمل المأتي به في خارجه ، فإنّ الأوّل وفاء بالالتزام وإنهاء له والثّاني ليس بوفاء ولا إنهاء ، فلا معنى للقضاء فيه.

ومن هنا يقرب أن يقال : إنّ العمل المنذور إذا لم يؤت به في وقته لم يجب قضاؤه في غير وقته ، لقصور المقتضي من دون فرق في ذلك بين ترك العمل بالنذر لأجل الحيض وبين تركه للنسيان أو للعمد أو لمانع آخر.

الثّاني : لو تنزلنا عن ذلك وقلنا الواجب في موارد النذر هو ذات العمل وعنوان النذر طريق إليه ، ومعنى وجوب الوفاء بالنذر هو وجوب الإتيان بالصلاة المنذورة لا أنّ الواجب هو عنوان الوفاء ، ومن الظّاهر أنّ الصّلاة في الوقت المنذور فيه وغيرها طبيعة واحدة ، فإذا لم يؤت بها في وقتها وجب الإتيان بها في خارج وقتها قضاءً ، فهو يتمّ في موارد ترك العمل بالنذر من غير جهة الحيض كما لو ترك نسياناً أو متعمداً أو نحو ذلك من الأسباب ، فيقال إنّ الواجب هو طبيعي الصّلاة فإذا فاتت المكلّف في وقتها وجب الإتيان بها في خارجه.

وأمّا إذا استند ترك الصّلاة المنذورة إلى الحيض فلا يأتي فيه ذلك بوجه ، وذلك لأنّ بالحيض يستكشف أنّ الصّلاة الّتي نذرتها المرأة في وقت معيّن لم تكن مشروعة ولم تكن راجحة ، فالنذر غير منعقد من أصله.

ومن هنا قلنا إنّ الصوم المنذور المعيّن لا قضاء له على الحائض بمقتضى القاعدة


1) المائدة 5 : 1.

لعدم انعقاد النذر مع الحيض ، وإنّما قلنا فيه بوجوب القضاء من جهة النص الخاص (1)كما مرّ ، ومعه لا تجب الصلاة في وقتها أداءً حتّى يصدق فواتها ويجب قضاؤها خارج الوقت.

وعلى هذا الوجه نفصل بين ترك الصّلاة المنذورة لأجل الحيض فلا قضاء فيه ، وبين تركها لأجل الأسباب الأُخر من النسيان والعمد وغيرهما فيجب فيه القضاء.

الثّالث : أنّا لو أغمضنا عن الوجهين السابقين وبنينا على أنّ مجرّد الجعل والبناء ولو من قبل الناذر يكفي في الحكم بوجوب القضاء وإن لم يكن منعقداً شرعاً لا نلتزم بوجوب قضاء الصلوات المنذورة ، وذلك لإطلاق الأخبار (2)الدالّة على أنّ الحائض لا تقضي الصّلاة وإنّما تقضي الصوم ، فإنّها تقتضي عدم وجوب القضاء على الحائض في الصلاة المنذورة ، ودعوى انصرافها إلى الصلوات اليوميّة ممّا لا يصغي إليها ، لأنّ كون فرد قدراً متيقّناً من اللّفظ لا يوجب انصراف الرّواية إليه.

وأمّا ما ربما يتوهّم من ظهور بعض الأخبار في الصّلاة اليوميّة حيث علّل وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصّلاة بأنّ الصّلاة تجب في كلّ يوم خمس مرّات وأمّا الصوم فيجب في كلّ سنة شهراً واحداً ، ومن المعلوم أنّ الصّلاة اليوميّة هي الّتي تجب في كلّ يوم خمس مرّات دون غيرها ، ومعه لا يتعدّى إلى غير الصّلاة اليوميّة.

فيندفع : بأنّ هذه التعليلات ليست عللاً حقيقيّة واقعيّة ، وإنّما هي حكم ذكرت تقريباً للأذهان ، والمدار على تماميّة الملاك الملزم وعدمه.

هذا على أنّ روايات العلل اشتملت على هذا التعليل وعلى تعليل آخر ، وهو أنّ الصّلاة فعل يشغل الزّمان والصّوم عبارة عن ترك الأكل والشرب ، وهو أمر لا يشغل زماناً ويجتمع مع أيّ فعل من الأفعال الخارجيّة (3)، وهذه العلّة تشمل الصلاة اليوميّة


1) وهي صحيحة علي بن مهزيار ، وقد مرّت في الصفحة 428.

2) الوسائل 2 : 346 / أبواب الحيض ب 41.

3) الوسائل 2 : 350 / أبواب الحيض ب 41 ح 8.

وغير اليوميّة لأنّها فعل يشغل الزّمان وإن كانت العلّة المتقدِّمة مختصّة بالصلاة اليوميّة هذا.

والّذي يسهِّل الخطب ويدلّ على أنّ العلّة المذكورة ليست بعلل حقيقيّة أنّ العلّة المتقدِّمة ذكرت في روايتين كلتاهما ضعيفة ، فإحداهما رواها الصدوق في عيون الأخبار (1)وفي سندها محمّد بن سنان الضعيف ، وثانيتهما رواها في الوسائل عن العلل (2)وفي سندها موسى بن عمران ، وهو مهمل مجهول في الرِّجال ، نعم يمكن الحكم بوثاقته من جهة وقوعه في كامل الزيارات وتفسير القمّي ، ولكن في سندها أيضاً عليّ بن أبي حمزة ، والظاهر أنّه البطائني الضعيف كما أنّ في سندها عليّ ابن أحمد ، والظاهر أنّه حفيد البرقي وهو أيضاً لم يوثق في الرّجال وإن كان من مشايخ الصدوق قدس‌سره ، كما أنّ الرّواية المشتملة على التعليل الثّاني ضعيفة بعبد الواحد ابن محمّد بن عبدوس ، وهو ضعيف.

وبهذا الوجه الأخير وهو إطلاق الرّوايات نستدل على عدم وجوب القضاء فيما إذا فاتها صلاة الآيات الّتي لها قضاء ، كما لو تركتها عمداً أو عن غير التفات مع احتراق القرص بتمامه ، وذلك لإطلاق ما دلّ (3)على أنّ الحائض لا تقضي الصّلاة.

نعم ، صلاة الطواف لا مناص من أن تأتي بها الحائض ، إذ لا وقت لها لتفوت ويجب قضاؤها ، بل هي واجبة على الحائض بنفس الأمر الأوّلي ، ونظيرها الصّلاة المنذورة في وقت معيّن على نحو تعدّد المطلوب بأن يكون أصل الفعل مطلوباً وكونه في وقت معيّن مطلوباً ثانياً ، فإذا فاتتها في وقتها وجب الإتيان بها بعد الوقت ، وهذا لا لوجوب القضاء بل بنفس الأمر الأوّلي المتعلّق بنفس الفعل ، لعدم كونه مقيّداً بزمان لفرض كون النذر على نحو تعدّد المطلوب.


1) الوسائل 2 : 350 / أبواب الحيض ب 41 ح 8.

2) الوسائل 2 : 351 / أبواب الحيض ب 41 ح 12.

3) الوسائل 2 : 346 / أبواب الحيض ب 41.

[774] مسألة 31 : إذا حاضت بعد دخول الوقت فإن كان مضى منه مقدار أداء أقلّ الواجب من صلاتها بحسب حالها من السرعة والبطء والصحّة والمرض والسّفر والحضر وتحصيل الشرائط بحسب تكليفها الفعلي من الوضوء أو الغسل أو التيمم وغيرها من سائر الشرائط غير الحاصلة ولم تصل وجب عليها قضاء تلك الصّلاة ، كما أنّها لو علمت بمفاجأة الحيض وجب عليها المبادرة إلى الصّلاة وفي مواطن التخيير يكفي سعة مقدار القصر ، ولو أدركت من الوقت أقلّ ممّا ذكرنا لا يجب عليها القضاء وإن كان الأحوط القضاء (1)إذا أدركت الصّلاة مع الطّهارة وإن لم تدرك سائر الشرائط ، بل ولو أدركت أكثر الصّلاة ، بل الأحوط قضاء الصّلاة إذا حاضت بعد الوقت مطلقاً وإن لم تدرك شيئاً من الصّلاة (1).


إذا حاضت بعد دخول الوقت

(1) يقع الكلام في هذه المسألة في مقامين :

أحدهما : فيما إذا كانت المرأة طاهرة فحاضت بعد دخول الوقت هل يجب عليها القضاء أو لا؟

وثانيهما : إذا كانت المرأة حائضاً فطهرت قبل خروج الوقت فهل يجب عليها أن تأتي بها في الوقت أداءً أو لا يجب؟

أمّا المقام الأوّل : فلا إشكال ولا خلاف في أنّ المرأة لو علمت ولو من جهة عادتها بأنّها تحيض بعد دخول الوقت وجبت المبادرة عليها إلى الصّلاة قبل أن تحيض ، فلو تركتها حتّى حاضت عصت وفوّتت الصّلاة الواجبة في حقّها اختياراً وهو حرام وهذا ممّا لا إشكال فيه فيما إذا كانت المرأة متمكّنة من الإتيان بالصلاة مع الطّهارة المائيّة وسائر الشروط المعتبرة فيها في حال الاختيار.


1) (*) بل لا يبعد أن يكون هذا هو الأظهر.

وأمّا إذا كانت المرأة متمكّنة من الإتيان بالصلاة مع الوضوء ولم يسع الوقت لتهيئة باقي الشروط كتطهير ثوبها النجس فهل يجب عليها الإتيان بالصلاة مع الوضوء فاقدة لبقيّة الشرائط أو لا يجب؟ الصحيح أنّ المبادرة واجبة عليها في هذه الصّورة وذلك لأنّ بقيّة الشرائط غير الطّهارة شرائط اختياريّة ، ومع عدم التمكّن منها ينتقل الأمر فيها إلى بدلها ، فتصلّي المرأة في مفروض المسألة مع الوضوء بالثوب النجس على ما هو المختار عندنا أو عارية على قول آخر فيمن لم يتمكّن من الصّلاة في الثوب الطاهر ، وليس لها تفويت وظيفتها في تلك الحالة بوجه.

وأمّا إذا لم يسع الوقت للصلاة مع الوضوء وتمكّنت من الصّلاة مع التيمم لعدم الماء وقتئذ أو أنّ الماء موجود ولكن بعض مواضع وضوئه متنجس لا يسع الماء لتطهيره فالظاهر أنّ الأمر كذلك ، لأنّ وظيفتها حينئذ هي الصّلاة مع الطّهارة الترابيّة.

والمناقشة في شمول أدلّة البدليّة لهذه الصورة واضحة الفساد ، لأنّ المكلّف يجب أن يأتي بالصلوات المفروضة حسب ما تقتضيه وظيفته في الوقت ، من الصّلاة مع الوضوء أو مع التيمم أو في الثوب النجس أو عارياً أو نحو ذلك من الوظائف ، ولم يرد في المقام دليل على خروج الحائض عمّا هو الواجب على بقيّة المكلّفين وأنّه لا يجب على الحائض الصّلاة مع التيمم ، فلا امتياز للحائض عن باقي المكلّفين.

نعم ، هناك مطلب آخر لكنّه أجنبي عن المقام ، وهو أنّ المرأة إذا علمت بأنّها لو لم تهيّ‌ء مقدّمات صلاتها قبل الوقت لم تتمكّن من تحصيلها بعد دخولها وجب عليها تحصيلها قبل دخول الوقت ، إلاّ أنّ ذلك يعم كلّ مكلّف علم بعدم تمكّنه من الامتثال على تقدير تركه المقدّمات قبل الوقت ولا اختصاص له بالحائض بوجه. هذا كلّه فيما إذا علمت المرأة بعد دخول الوقت أنّها ستحيض في أثنائه.

وأمّا إذا لم تعلم المرأة بذلك فدخل الوقت وهي طاهرة ثمّ فاجأها الحيض فهل يجب عليها القضاء مطلقاً أو لا يجب مطلقاً أو فيه تفصيل أو تفاصيل؟

أمّا احتمال أن لا يجب عليها القضاء مطلقاً فهو مقطوع العدم ولم يقل به أحد

وذلك لأنّه مضافاً إلى الأخبار الواردة في خصوص المقام (1)الدالّة على أنّ المرأة إذا حاضت بعد دخول الوقت وجب عليها أن تقضي صلاتها يدلّ عليه العمومات الواردة في أنّ من لم يصل أو ترك صلاته نسياناً قضاها (2)، فهي شاملة للمرأة في المقام.

ودعوى أنّ الأخبار (3)دلّت على أنّ الحائض لا تقضي صلاتها وإنّما تقضي صومها ، فلا يجب عليها قضاء الصّلاة حينئذ.

مندفعة بأن تلك الرّوايات ظاهرة أو كالصريحة في أن عدم وجوب القضاء في الصّلاة إنّما هو فيما استند تركها إلى الحيض ، بأن لم تصل المرأة لمانع فيها وهو الحيض فهي لا تقضي تلك الصّلاة ، وأمّا إذا استند تركها إلى مانع آخر من نوم أو نسيان أو تساهل فلا دلالة لتلك الأخبار على عدم وجوب قضائها ، فاحتمال عدم وجوب القضاء على المرأة في المقام مطلقاً ممّا يقطع بخلافه.

وقد يفصّل في وجوب القضاء بين ما إذا كانت المرأة متمكّنة من إدراك أكثر الصّلاة فلم تصل فيجب عليها القضاء وبين ما إذا لم تتمكّن من أكثرها فلا يجب ، ويستدلّ عليه برواية أبي الورد قال « سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن المرأة الّتي تكون في صلاة الظهر وقد صلّت ركعتين ثمّ ترى الدم ، قال : تقوم من مسجدها ولا تقضي الركعتين ، وإن كانت رأت الدم وهي في صلاة المغرب وقد صلّت ركعتين فلتقم من مسجدها ، فإذا تطهرت فلتقض الركعة الّتي فاتتها من المغرب » (4).

بتقريب أنّها دلّت على عدم وجوب قضاء الركعتين الباقيتين في صلاة الظهر فيما إذا صلّت ركعتين ، لأنّهما ليستا بأكثر الصّلاة في صلاة الظهر ، ولم تكن المرأة متمكّنة من الإتيان بأكثرها ، فلذا لم يجب عليها القضاء في صلاة الظّهر ، وأمّا في صلاة المغرب فبما


1) الوسائل 2 : 359 / أبواب الحيض ب 48.

2) الوسائل 8 : 253 / أبواب قضاء الصلوات ب 1.

3) الوسائل 2 : 346 / أبواب الحيض ب 41.

4) الوسائل 2 : 360 / أبواب الحيض ب 48 ح 3.

أنّ الركعتين أكثر الصّلاة فيها وقد تمكّنت المرأة من أكثرها فوجب عليها قضاء الركعة الباقية ، ولمّا كانت الصّلاة مركّبة ارتباطيّة كان قوله عليه‌السلام فلتقض الركعة الّتي فاتتها كناية عن قضاء تمام الصّلاة ، فتدلنا الرّواية على أنّ من تمكّنت من إدراك أكثر الصّلاة وجب عليها قضاؤها بأجمعها إذا لم تأت بها في وقتها.

ويرد على هذا الاستدلال أُمور :

أوّلاً : أنّ الرّواية ضعيفة ، لعدم ثبوت وثاقة أبي الورد على ما قدّمناه في بحث التقيّة (1)، فإنّه وإن ورد في بعض الرّوايات الواردة في الحج أنّ أبا الورد ورد على الإمام عليه‌السلام وذكر في حقّه ما يوجب مدحه (2)إلاّ أنّه لم يعلم أنّ أبا الورد الواقع في هذا السند هو ذاك الرّجل الوارد على الإمام عليه‌السلام أو غيره فالسند ضعيف.

وثانياً : أنّ دلالتها قاصرة ، وذلك لأنّ حملها على ما إذا كانت المرأة متمكّنة من أكثرها أو غير متمكّنة منه يستلزم حمل الرّواية على مورد نادر ، وهو فرض أنّ المرأة صلّت في أوّل زمان ممكن من الزّوال ، وهو فرض نادر ولا سيما في النِّساء ، فإنّ المصلّي عادة لا يأتي بصلاة في أوّل آن ممكن من الزّوال بل يأتي بها بعده بزمان ، فلا دلالة لها على أنّ المرأة في صلاة الظهر كانت غير متمكنة من أكثر الصّلاة لا من جميعها وفي صلاة المغرب كانت متمكّنة من أكثرها.

بل الرّواية على تقدير اعتبارها تدلّ على أنّ الحائض في صلاة الظّهر إذا أتت بركعتين منها لا يجب عليها أن تأتي بالركعتين الباقيتين ، لعدم كونهما فريضة أو لغير ذلك ، وأمّا في صلاة المغرب فيجب أن تأتي بالركعة الثّالثة أينما تمكّنت منها ، نظير ما ورد في بعض الأخبار من أن من صلّى الظهر مثلاً ركعتين وترك ركعتيها نسياناً يقضي


1) تقدّم في شرح العروة 5 : 203 ، ولكن الرّجل موجود في أسناد تفسير القمّي ، فيمكن الحكم بوثاقته من تلك الجهة.

2) الكافي 4 : 263 ح 46 / باب فضل الحج والعمرة وثوابهما.

الركعتين منفصلة أينما تذكرهما ولو بالصين (1)، فالقضاء في الرّواية وإن لم يكن بمعنى الإتيان كما يأتي في الرّواية الأُخرى ، بل هو بمعنى الإتيان بعد الوقت إلاّ أنّه ليس بمعنى القضاء المبحوث عنه في المقام أعني قضاء تمام الصّلاة ، بل بمعنى قضاء خصوص الركعة أينما تذكرها كما في تلك الأخبار.

ثمّ إنّ الوجه في عدم كون القضاء في الرّواية بمعنى الإتيان هو أنّه ذكر في ذيله أنّها تقضي الركعة الّتي فاتتها من المغرب ، فراجع.

إذن لا موجب لحمل الرواية على إرادة وجوب قضاء صلاة المغرب بوجه.

وعن بعضهم وجوب القضاء على المرأة مستنداً في ذلك إلى إطلاق بعض الأخبار الواردة في المقام ، كما في صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج ، قال « سألته عن المرأة تطمث بعد ما تزول الشمس ولم تصل الظهر هل عليها قضاء تلك الصّلاة؟ قال : نعم » (2)، فإنّها مطلقة وقد دلّت على أنّ المرأة إذا تركت صلاتها بعد زوال الشّمس قضتها ، سواء كانت متمكّنة من الصّلاة الاختياريّة أو الاضطراريّة أم لم تكن.

وفيه : أنّ ظاهر قوله « ولم تصل الظهر » أنّها لم تصلِّها مع التمكّن من الصّلاة أي كانت المرأة ممّن من شأنها أن تصلِّي ولم تصلّ اختياراً واستند تركها الصّلاة إلى اختيارها لا إلى عدم تمكّنها من الصّلاة ، وإلاّ لم يصح التعبير عن عدم إمكان الصّلاة أنّها لم تصل الظهر لا أنّها تركتها لعدم التمكّن من الصّلاة ، فهي نافية وسالبة بنفي المحمول لا بسلب الموضوع ، فلا دلالة لها على وجوب القضاء مطلقاً ، بل لو كنّا نحن وهذه الرّواية كانت الإطلاقات الدالّة على أنّ الحائض لا تقضي صلاتها هي المحكّمة.

وقد يقال : إنّ المدار في وجوب القضاء على المرأة إنّما هو مضي مقدار من الزّوال تتمكّن فيه المرأة من الصّلاة الاختياريّة بمقدّماتها الّتي تختلف باختلاف النِّساء والحالات من السرعة والبطء وكثرة المقدّمات وقلّتها ، كالحاجة إلى تطهير أثواب


1) الوسائل 8 : 204 / أبواب الخلل في الصّلاة ب 3 ح 20. ( وليس فيها لفظ القضاء ).

2) الوسائل 2 : 360 / أبواب الحيض ب 48 ح 5.

متعدّدة لتلبسها في صلاتها أو إلى تطهير ثوب واحد كما في الشتاء والصيف ، فإذا زالت الشّمس ومضى مقدار من الزّمان تتمكّن فيه المرأة من الصّلاة الاختياريّة ولم تصل وجب القضاء عليها ، وإذا لم يمض زمان تتمكّن فيه المرأة من الصّلاة الاختياريّة لم يجب عليها القضاء وإن كانت متمكّنة من الصّلاة الاضطراريّة ، ويستدلّ على ذلك بوجوه :

منها : صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج ، قال « سألته عن المرأة تطمث بعد ما تزول الشمس ولم تصل الظهر هل عليها قضاء تلك الصّلاة؟ قال عليه‌السلام : نعم » (1)بدعوى أنّ المراد بقوله « ولم تصلّ الظهر » أي لم تصلّها باختيارها لأنّه ظاهره ، فيكون وجوب القضاء دائراً مدار تركها الصّلاة الاختياريّة وحسب.

وفيه : أنّ ظاهر قوله « ولم تصلّ الظهر » أنّها لم تأت بما هو وظيفتها الفعليّة في صلاة الظهر ، لا أنّها تركت الصّلاة الاختياريّة ، نعم ظاهرها أنّ الترك اختياري لها ، وأمّا أنّ المتروك هو الصّلاة الاختباريّة فقط فلا ، بل الظاهر أنّ المتروك هو الوظيفة الفعليّة الأعم من الصّلاة الاختياريّة أو الاضطراريّة ، فلا دلالة للموثقة على المدّعى.

ومنها : موثقة سَماعة ، قال « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن امرأة صلّت من الظهر ركعتين ، ثمّ إنّها طمثت وهي جالسة ، فقال : تقوم من مكانها ولا تقضي الركعتين » (2)، بتقريب أنّ العادة قاضية على أن من تتمكّن من الصّلاة الاختياريّة ركعتين فهي تتمكّن من أربع ركعات من الصّلاة الاضطرارية ، فالموثقة تدلّنا على أن من لم تتمكّن من الصّلاة الاختياريّة لا يجب عليها القضاء وإن تمكّنت من الصّلاة الاضطراريّة.

ويدفعه أوّلاً : ما أشرنا إليه من أنّ حمل الموثقة على ذلك حمل على المورد النادر حيث إنّ لازمه حملها على أنّ المرأة قد صلّت صلاتها في أوّل زمان ممكن من الزّوال


1) نفس المصدر.

2) الوسائل 2 : 360 / أبواب الحيض ب 48 ح 6. وفي نسخة : من مسجدها.

وهو فرض بعيد ، فإنّ العادة جرت في المكلّفين الأعم من الرّجال والنِّساء على الصّلاة بعد الزوال بشي‌ء ، ومعها من أين يستكشف أنّ المرأة لم تتمكّن في مفروض الرّواية من الصّلاة الاختياريّة.

وثانياً : أنّ القضاء في الموثقة لا قرينة على إرادة القضاء بالمعنى المصطلح منه ، بل حمله عليه عجيب لأنّه بمعنى الإتيان ، ومعنى أنّها لا تقضي الركعتين أنّها لا تأتي بهما لحدوث المانع الّذي هو الحيض.

ومنها : رواية الفضيل بن يونس عن أبي الحسن الأوّل عليه‌السلام في حديث « قال : وإذا رأت المرأة الدم بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام فلتمسك عن الصّلاة ، فإذا طهرت من الدم فلتقض صلاة الظهر ، لأنّ وقت الظهر دخل عليها وهي طاهر وخرج عنها وقت الظهر وهي طاهر ، فضيّعت صلاة الظهر فوجب عليها قضاؤها » (1).

ورواية أبي عبيدة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث « قال : وإذا طهرت في وقت فأخرت الصّلاة حتّى يدخل وقت صلاة أُخرى ثمّ رأت دماً كان عليها قضاء تلك الصّلاة الّتي فرّطت فيها » (2)بتقريب أنّهما دلّتا على أنّ المدار في وجوب القضاء على المرأة في مفروض الكلام هو صدق أنّها ضيّعت صلاتها أو فرّطت فيها بعد رفع اليد عن صدر الرّواية الأُولى الظاهر في أنّ المدار في وجوب القضاء مضي أربعة أقدام من الزّوال ولو بقرينة الذيل الظاهر في أن المدار في وجوب القضاء هو التضييع والتفريط.

ومن الظاهر أنّ المرأة لو كانت بعد الزّوال مشتغلة بمقدّمات الصّلاة من تطهير الثوب والبدن والوضوء ونحوها وطرأ عليها الحيض في أثنائها لم يصدق عليها أنّها


1) الوسائل 2 : 359 / أبواب الحيض ب 48 ح 1.

2) الوسائل 2 : 359 / أبواب الحيض ب 48 ح 2 ، والرّواية صحيحة ، فإنّ علي بن زيد الموجود في الوسائل عن بعض نسخ الكافي محرف علي بن رئاب كما هو الموجود في التهذيبين ، وقد تعرّض لذلك السيِّد الأُستاذ ( دام ظلّه ) في المعجم في ترجمة علي بن زيد بن علي.

ضيّعت صلاتها أو فرطت فيها ، وإنّما يصدق هذا العنوان فيما إذا تمكّنت من الصّلاة بمقدّماتها الاختياريّة ولم تصل ، وأمّا التمكّن من الصّلاة الاضطراريّة فهو لا يحقق صدق عنوان التضييع والتفريط ، هذا.

ولا يخفى أنّ بين صدق عنوان التضييع والتفريط وبين ما ذهب إليه المشهور من اعتبار مضي زمان تتمكّن فيها المرأة من الصّلاة الاختياريّة بمقدّماتها عموم من وجه فقد يصدق عنوان التضييع مع عدم مضي زمان تتمكّن فيه المرأة من الصّلاة الاختياريّة ، كما إذا مضى من الزّوال مدّة تتمكّن فيها المرأة من الصّلاة الاضطراريّة دون الاختياريّة بمقدّماتها وتركت وظيفتها ، فإنّه لا شبهة في صدق عنوان التضييع عليها ، ويشهد على ذلك أنّ المرأة لو علمت بأنّها تحيض بعد الزّوال بمقدار الصّلاة الاضطراريّة لم يستشكل أحد في وجوب الصّلاة عليها ، ولا نحتمل فقيهاً يفتي بعدم وجوب الصّلاة عليها حينئذ ، ومع وجوبها في حقّها وقد تركتها فيصدق أنّها ضيّعت صلاتها وفرّطت فيها مع عدم مضي زمان تتمكّن فيه المرأة من الصّلاة الاختياريّة بمقدّماتها.

وقد يمضي من الزّوال زمان تتمكّن فيه المرأة من الصّلاة الاختياريّة ولا يصدق بترك الصّلاة أنّها ضيعت صلاتها كما إذا غفلت أو نسيت أو نامت قبل الزّوال إلى ساعة بعد الزّوال ، فإنّها تركت الصّلاة في المدّة الّتي تتمكّن المرأة فيها من الصّلاة الاختياريّة بمقدّماتها ولكن لا يصدق أنّها ضيعت صلاتها بوجه.

وعليه فلا يمكن الاستدلال بالروايتين على مسلك المشهور.

على أنّ وجوب القضاء في الشريعة المقدّسة لم يترتب على عنوان التضييع بضرورة الفقه ، وإلاّ لم يجب القضاء على من تركت صلاتها لغفلة أو نسيان ونحوهما من الأعذار المانعة عن صدق التضييع على الترك.

هذا كلّه على أنّ الرّواية الاولى لا بدّ من ردّ علمها إلى أهله وذلك لدلالتها على أنّ الواجب من الزّوال إلى أن يمضي أربعة أقدام هو صلاة الظهر فقط ، ومن ثمة أوجبت قضاءها دون قضاء صلاة العصر ، مع أنّ الرّوايات دلّتنا على أنّه إذا زالت الشّمس

وجبت الصلاتان إلاّ أنّ هذه قبل هذه (1)، وعلى مسلك العدلية لا بدّ من الحكم في الرّواية بوجوب قضاء كلتا الصلاتين الظهر والعصر ، وتخصيصها القضاء بالظهر يدلّ على أنّ مقدار أربعة أقدام من الزّوال وقت صلاة الظهر فقط ، وهذا لا نقول به وإنّما تلتزم به العامّة ، ولعل الرّواية صدرت تقيّة من هذه الجهة ، فلا مناص من رد علم الرّواية إلى أهله.

إذن لمّا لم يثبت أنّ وجوب القضاء يدور مدار التمكّن من الصّلاة الاختياريّة بمقدّماتها فإطلاق صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج هو المحكّم ، قال « سألته عن المرأة تطمث بعد ما تزول الشّمس ولم تصلّ الظهر ، هل عليها قضاء تلك الصّلاة؟ قال : نعم » (2)، فإنّها تدلّ على أنّ القضاء يدور مدار ترك الوظيفة من الصّلاة الاختياريّة أو الاضطراريّة ، فالقضاء واجب فيما إذا زالت الشّمس ومضى زمان تتمكّن فيه المرأة من أقلّ الواجب وهو الصّلاة الاضطراريّة أعني الصّلاة والطّهارة ، فلو تركتها وجب عليها قضاؤها ، وأمّا غير الطّهارة من الشرائط والأجزاء فهي شرائط وقيود اختياريّة ينتقل إلى بدلها مع العجز عنها ، وهذا بخلاف الطّهارة لأنّها عمود الصّلاة ولا صلاة إلاّ بطهور. نعم لا فرق في الطّهارة بين المائيّة والترابيّة كما تقدّم.

لا يقال : إنّ لازم ذلك أنّ المرأة إذا حاضت بعد الزّوال بمقدار تتمكّن فيه من الصّلاة دون الطّهارة لا تجب الصّلاة عليها لعدم تمكّنها من الصّلاة والطهور معاً ، مع إمكان أن يقال إنّ في وجوب الأداء يكفي التمكّن من أداء نفس الصّلاة ، والطّهارة لا بدّ من إتيانها قبل الوقت حتّى تتمكّن من الصّلاة عن طهور بعد الوقت.

فإنّه يقال : لا يجب على المرأة تحصيل الطّهارة قبل الوقت ، لأنّ الأدلّة دلّت على أنّ الشّمس إذا زالت فقد وجب الطهور والصلاتان ، وأمّا قبل الزّوال فلا ، لعدم وجوبها وبعد الزّوال لا يجب لعدم التمكّن منها على الفرض.


1) الوسائل 4 : 125 / أبواب المواقيت ب 4 وغيره.

2) الوسائل 2 : 360 / أبواب الحيض ب 48 ح 5.

[775] مسألة 32 : إذا طهرت من الحيض قبل خروج الوقت فإن أدركت من الوقت ركعة مع إحراز الشرائط وجب عليها الأداء ، وإن تركت وجب قضاؤها وإلاّ فلا وإن كان الأحوط القضاء (1)إذا أدركت ركعة مع الطّهارة وإن لم تدرك سائر الشروط ، بل الأحوط القضاء إذا طهرت قبل خروج الوقت مطلقاً ، وإذا أدركت ركعة مع التيمم لا يكفي في الوجوب إلاّ إذا كان وظيفتها التيمم مع قطع النظر عن ضيق الوقت ، وإن كان الأحوط الإتيان مع التيمم (1)


إذا طهرت قبل خروج الوقت

(1) هذا هو المقام الثّاني من البحث ، وهو أنّ الحائض إذا طهرت بعد دخول الوقت وقبل خروجه فهل يجب عليها أداء الفريضة أو لا يجب؟ لا إشكال ولا خلاف في أنّ الحائض إذا طهرت قبل خروج الوقت بمقدار تتمكّن فيه من الصّلاة مع الطّهارة والمقدّمات الاختياريّة يجب عليها الإتيان بفريضة الوقت أداءً ولم يستشكل أحد في ذلك ، لأنّ حال الحائض حال بقيّة المكلّفين بالصلاة.

نعم ، ورد في جملة من الأخبار أنّ المرأة إذا رأت الطّهر بعد ما مضى من الزّوال أربعة أقدام لم تجب عليها صلاة الظهر ، معلّلة بأنّ وقت الظّهر دخل عليها وهي في الدم وخرج عنها الوقت وهي في الدم ، فلم يجب عليها أن تصلِّي الظهر (2).

وهذه الأخبار وإن كان لا بأس بإسناد بعضها إلاّ أنّها محمولة على التقيّة يقيناً وذلك لتعليلها ، حيث إنّه صريح في أن ما بعد الزّوال إلى أربعة أقدام مختص بصلاة الظهر ، ومن ثمة صرّح فيها بأنّ الحائض إذا طهرت بعد ما مضى من زوال الشّمس أربعة أقدام لم تجب عليها صلاة الظهر ، لأنّ وقت الظهر دخل عليها وهي في الدم وخرج عنها وهي في الدم ، وهذا موافق لمذهب العامّة.


1) (*) بل لا يبعد أن يكون هذا هو الأظهر.

2) الوسائل 2 : 361 / أبواب الحيض ب 49.

وأمّا عندنا فلا إشكال في وجوب الصلاتين معاً بزوال الشّمس ، حيث دلّت الرّوايات الكثيرة على أنّه إذا زالت الشّمس وجبت الصلاتان ، إلاّ أنّ هذه قبل هذه ثمّ أنت في وقت منهما حتّى تغيب الشّمس (1)، نعم آخر الوقت بمقدار صلاة العصر مختص بصلاة العصر ، ولا تزاحم الظهر العصر في وقتها كما يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى ، وهذه الأخبار معارضة مع الأخبار (2)الدالّة على أنّ ما بعد الزّوال إلى مضي أربعة أقدام من الزوال وقت مختص بصلاة الظهر ، وحيث أنّ الأخيرة موافقة للعامّة ومخالفة لمذهب الشيعة لا مناص من حملها على التقيّة ، هذا.

على أنّها معارضة مع الأخبار (3)الواردة في خصوص المقام الدالّة على أنّ الحائض إذا طهرت قبل أن تغيب الشّمس صلّت الظهر والعصر ، وإذا طهرت قبل طلوع الفجر صلّت المغرب والعشاء ، نعم هذه الرّوايات تصلح للتأييد ، لأنّها بأجمعها مرويّة عن الشيخ بطريقه إلى ابن فَضّال ، وقد ناقشنا في طريقه إليه ، فالروايات ضعيفة بأجمعها (4).

نعم ، هي معارضة مع الأخبار الكثيرة الدالّة على أنّ الصّلاتين تجبان بزوال الشّمس إلى غروبها. هذا كلّه فيما إذا طهرت الحائض بعد الزّوال وكان الوقت كافياً للصلاة عن طهور وبمقدّماتها الاختياريّة.

إذا طهرت في زمان لا يسع الصّلاة مع الطّهارة

وأمّا إذا فرضنا أنّها طهرت قبل خروج الوقت بزمان لا تتمكّن فيه من الصّلاة مع الطّهارة المائيّة ، وهذا على قسمين :

فقد تعجز عن الاغتسال لمرض أو عدم وجدان الماء أو لغيرهما من الموانع غير


1) الوسائل 4 : 130 / أبواب المواقيت ب 4 ح 22 ، 126 / ح 5.

2) الوسائل 4 : 140 / أبواب المواقيت ب 8 وغيرها.

3) الوسائل 4 : 363 و 364 / أبواب الحيض ب 49 ح 7 و 10 و 11 و 12.

4) وقد نبّهنا غير مرّة أنّ سيِّدنا الأُستاذ ( دام ظلّه ) قد عدل عن ذلك ، فلاحظ الصفحة 70.

ضيق الوقت ، بحيث لو فرضنا أنّ المرأة طهرت في أوّل الزّوال فهي لا تتمكّن من الاغتسال لمرض ونحوه من الموانع.

وقد يستند عجزها عن الاغتسال إلى ضيق الوقت ، كما لو كان الهواء بارداً واحتاج غسلها إلى تسخين الماء ونحوه ولم يكن الوقت واسعاً له.

وفي هاتين الصورتين أي صورة ما إذا تتمكّن من الطّهارة المائيّة أو لم تتمكّن منها لأجل مرض أو نحوه لا لضيق الوقت لا يفرق الحال بين كون المرأة متمكّنة من الصّلاة بتمامها وكونها متمكّنة من ركعة واحدة من الصّلاة ، وذلك لما ورد في جملة من الأخبار من أن من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت (1).

وهذه الرّوايات وإن لم تكن معتبرة سوى رواية واحدة وردت في إدراك ركعة من صلاة الغداة وأن من أدرك ركعة من الغداة فقد أدركها ، إلاّ أنّ من الظّاهر عدم خصوصيّة في ذلك لصلاة الغداة ، وإنّما ذكرت في الرّواية لكونها مورد الابتلاء ، لأنّ أكثر النّاس ينامون في وقتها ولا يدركون إلاّ ركعة واحدة منها ، ومع القطع بإلغاء الخصوصيّة يحكم بأن من أدرك ركعة فقد أدرك الوقت مطلقاً ، فالحائض في ذلك وغيرها على حدّ سواء.

أمّا إذا استند عجزها عن الاغتسال إلى المرض وغيره من الموانع فلا ينبغي الإشكال في وجوب التيمم عليها وأنّها تصلِّي مع الطّهارة الترابيّة ، لأنّها بدل عن الطّهارة المائيّة ، وإذا تركتها عصت ، لمشروعيّة التيمم في حقّها ، حيث إنّ الغسل كان مشروعاً في حقّها ، لأنّ عدم اغتسالها لم يكن مستنداً إلى حيضها ليقال إنّ الغسل غير مشروع مع الحيض كما سيأتي في القسم الثّاني ، وإنّما استند إلى المرض ونحوه.

وأمّا إذا استند عجزها عن الاغتسال إلى ضيق الوقت فقد وقع الكلام فيه وأنّه هل يجب عليها أن تتيمم وتصلّي مع الطّهارة الترابيّة أو لا تجب عليها الصّلاة أداءً


1) الوسائل 4 : 217 / أبواب المواقيت ب 30. والمعتبرة منها هي موثقة عمّار بن موسى الساباطي.

فضلاً عن القضاء؟

قد يقال : بعدم وجوب الصّلاة عليها حينئذ ، وذلك لاشتراط الصّلاة بالطّهارة حيث « لا صلاة إلاّ بطهور » (1)، والمرأة غير متمكِّنة من التيمّم لعدم مشروعيته حينئذ ، حيث إنّ البدل إنّما يشرع فيما إذا كان المبدل منه مشروعاً في حقّه ، والمبدل منه الاغتسال غير مشروع في حقّ المرأة ، لكونها حائضاً والحيض هو المانع من اغتسالها ولا يشرع الغسل مع الحيض ، وإذا لم يجز المبدل منه في حقّها فلا يجوز بدله.

ولا يخفى أنّ الاستدلال المذكور من الغرابة بمكان ، وذلك لأنّ المرأة إنّما تريد الاغتسال أو التيمّم بعد انقطاع حيضها ، ومع عدم الحيض لا مانع عن مشروعيّة الغسل في حقّها ، فيكون التيمم مشروعاً بالإضافة إليها ، نعم ما دام لم ينقطع دمها لا يشرع لها الاغتسال كما لا يشرع لها التيمم أيضاً ، إذ مع عدم مشروعيّة المبدل منه لا يشرع البدل ، إلاّ أنّ كلامنا إنّما هو بعد الانقطاع والطّهارة.

اللّهمّ إلاّ أن يقال بعدم مشروعيّة التيمم في نفسه لضيق الوقت كما ذهب إليه الشيخ حسين آل عصفور في صلاته ، نظراً إلى أنّ المسوغ للتيمم إنّما هو المرض وفقدان الماء ونحوهما ، وأمّا ضيق الوقت فهو غير مسوغ للتيمم بوجه.

وهو متفرّد فيما ذهب إليه من أنّ التيمم لا يشرع حينئذ ، وسنبيّن في محله أنّ التيمم مشروع لضيق الوقت أيضاً في مباحث التيمم إن شاء اللّه تعالى (2). وكلامنا في المقام بعد الفراغ عن مشروعيّة التيمم لضيق الوقت ، ومعه لا وجه للقول بعدم وجوب الصّلاة على المرأة في المقام.

بل الصحيح أنّها تتيمّم وتصلِّي كما هو الحال فيما إذا استند عجزها عن الاغتسال إلى مانع آخر مع ضيق الوقت. هذا كلّه بحسب الأداء ، وهل يجب عليها القضاء فيما إذا لم تأت بالفريضة أداءً أو لا يجب القضاء عليها؟


1) الوسائل 1 : 365 إلى 369 / أبواب الوضوء ب 1 و 2.

2) يأتي بعد المسألة [1083].

هل يجب القضاء في مفروض الكلام

أمّا إذا كانت متمكّنة من الإتيان بالصلاة مع الطّهارة المائيّة بمقدّماتها الاختياريّة ولم تأت بها فلا ينبغي الإشكال في وجوب القضاء عليها ، وذلك مضافاً إلى الأخبار (1)العامّة الدالّة على أن من ترك صلاته يقضيها بعد وقتها يدلّ عليه الأخبار الواردة في المقام (2)من أنّ الحائض إذا كانت قادرة على الاغتسال في وقت الصّلاة إلاّ أنّها توانت حتّى خرج وقتها وجب عليها قضاؤها ، فإنّ القضاء يتوقّف على فوت الفريضة ، ولا إشكال في صدق الفوت في المقام فيجب القضاء عليها لا محالة.

وكذلك الحال فيما إذا لم تتمكّن من الاغتسال لمرض ونحوه ، فإن فريضتها الصّلاة مع التيمم ، فإذا فوّتتها وفرطت فيها وجب عليها قضاؤها لا محالة بمقتضى الأخبار العامّة والرّوايات الواردة في المقام.

وإنّما الكلام فيما إذا لم تتمكّن المرأة من الاغتسال لضيق الوقت وأنّها إذا عصت ولم تتيمم ولم تصل أو نسيت ولم تصل هل يجب عليها القضاء أو لا يجب؟

حكم الماتن قدس‌سره بوجوب القضاء عليها مطلقاً ، مستنداً إلى إطلاق ما ورد (3)من أنّ المرأة إذا طهرت قبل العصر صلّت الظهر والعصر ، فإن طهرت في آخر وقت العصر صلّت العصر ، أو أنّها إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلّت المغرب والعشاء وإن طهرت قبل أن تغيب الشّمس صلّت الظهر والعصر ونحوهما.

وهذا ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأنّ المرأة إذا طهرت في وقت لا تتمكّن من الصّلاة إلاّ نصف ركعة أو سوى التكبيرة لم تجب عليها الفريضة أداء حتّى تفوت عنها ويجب عليها قضاؤها ، لأنّها إنّما تجب إذا أدركت تمام الصّلاة أو ركعة منها.

وأمّا إطلاق الرّوايات ففيه أنّها سيقت لبيان وجوب الأداء على المرأة فيما إذا طهرت


1) الوسائل 8 : 253 / أبواب قضاء الصلوات ب 1.

2) الوسائل 2 : 361 / أبواب الحيض ب 49.

3) نفس المصدر.

قبل خروج الوقت ، ولا نظر فيها إلى وجوب القضاء خارج الوقت فيما إذا عصت وتركت أو نسيت ولم تصل في الوقت ، فالأخبار أجنبيّة عن المقام ، فالحكم بوجوب القضاء مطلقاً لا وجه له.

وإنّما الكلام فيما إذا كانت المرأة طاهرة في وقت يسع الصّلاة بتمامها أو بركعة منها مع عدم تمكّنها من الطّهارة المائيّة لضيق الوقت فهل يجب عليها قضاؤها أو لا يجب؟

الصحيح عدم وجوب القضاء عليها على تقدير عصيانها فضلاً عن نسيانها وعدم الإتيان بالصلاة مع التيمم أداءً ، وهذا من أحد الموارد الّتي يجب فيها الأداء دون القضاء.

والوجه في ذلك ما ورد من أنّ المناط في وجوب القضاء على الحائض أن تكون طاهرة في زمان تتمكّن فيه من الاغتسال ، فإذا لم تغتسل ولم تصل وجب القضاء عليها ، وأمّا إذا طهرت في زمان لا تتمكّن فيه من الاغتسال لا يجب عليها القضاء.

والعمدة فيها صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال « قال : أيّما امرأة رأت الطّهر وهي قادرة على أن تغتسل في وقت صلاة ففرّطت فيها حتّى يدخل وقت صلاة اخرى كان عليها قضاء تلك الصلاة الّتي فرطت فيها ، وإن رأت الطّهر في وقت صلاة فقامت في تهيئة ذلك فجاز وقت صلاة ودخل وقت صلاة أُخرى فليس عليها قضاء وتصلِّي الصلاة الّتي دخل وقتها » (1).

وهي كما ترى صريحة في أنّ المدار في وجوب القضاء على الحائض أن تكون طاهرة في وقت تتمكّن فيه من الاغتسال ، فإذا تمكّنت منه ولم تغتسل حتّى خرج الوقت قضت صلاتها ، وإذا لم تتمكّن من الاغتسال فلا يجب عليها القضاء.

وحيث إنّ الحائض في مفروض المقام طهرت في وقت لا تتمكّن فيه من الاغتسال فلو عصت وتركت الصّلاة مع التيمم فضلاً عمّا إذا لم تأت بالصلاة لعذر ونسيان لم


1) الوسائل 2 : 361 / أبواب الحيض ب 49 ح 1.

يجب عليها القضاء بمقتضى هذه الصحيحة.

نعم ، إنّ موردها بقرينة قوله عليه‌السلام « ففرطت فيها » وقوله عليه‌السلام « فقامت في تهيئة ذلك فجاز الوقت » إنّما هو فيما إذا كانت المرأة متمكِّنة من الاغتسال إلاّ أنّها فرّطت ولم تغتسل ، أو أنّها قامت لتغتسل وهيّأت مقدّمات الغسل ولكن الوقت لم يسعها فجاز وقت الصّلاة ، لا أنّها لم تكن متمكّنة من الاغتسال لمرض أو لفقدان الماء ، وعليه فتختص الصحيحة بما إذا كانت المرأة مأمورة بالتيمم لضيق الوقت بأن كانت قادرة على الاغتسال في نفسها ولكن الوقت لم يسعها لا أنّها لم تتمكّن من الاغتسال لمرض ونحوه.

ومن هنا يختص الحكم بعدم وجوب القضاء على تقدير عدم الإتيان بالصلاة مع الطّهارة في وقتها بما إذا لم تتمكّن المرأة من الاغتسال لضيق الوقت ، وأمّا إذا لم تتمكّن من الاغتسال لمرض ونحوه فتركت الصّلاة مع التيمم فهي مكلّفة بالقضاء بمقتضى الأخبار العامّة والرّوايات الواردة في خصوص المقام (1)، لأنّها فرطت في صلاتها وقد فاتتها الفريضة والوظيفة فيجب القضاء عليها ، وفوت الفريضة والوظيفة وإن كان متحقّقاً في صورة عدم التمكّن من الاغتسال لضيق الوقت أيضاً ، إلاّ أنّ الصحيحة مخصّصة لما دلّ على وجوب القضاء مع الفوت في خصوص المقام.

وهذه الصورة من أحد الموارد الّتي يجب فيها الأداء ولا يجب فيها القضاء ، سواء تركت الصّلاة مع الطّهور عصياناً أم لعذر كنسيان ونحوه.

ويؤيّد تلك الصحيحة ما رواه عبيد اللّه الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « في المرأة تقوم في وقت الصّلاة فلا تقضي ظهرها حتّى تفوتها الصّلاة ويخرج الوقت أتقضي الصّلاة الّتي فاتتها؟ قال عليه‌السلام : إن كانت توانت قضتها ، وإن كانت دائبة في غسلها فلا تقضي » (2)، والوجه في جعلها مؤيّدة أنّها مرويّة بطريق الشيخ إلى


1) تقدّم في ص : 446.

2) الوسائل 2 : 364 / أبواب الحيض ب 49 ح 8.

وتماميّة الركعة بتماميّة الذكر من السجدة الثّانية (1)


ابن فَضّال ، وقد عرفت المناقشة في طريقه إليه (1).

المناط في تماميّة الرّكعة

(1) وقع الكلام في أنّ المراد بالرّكعة فيما ذكرناه من أن من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت ما هو؟

قد تطلق ويراد منها الركوع ، يقال ركع ركعة كما يقال ركع ركوعاً ، وقد ورد في روايات « لا تعاد » (2)أنّ الصّلاة لا تعاد من السجدة الواحدة وإنّما تعاد من الركعة وهي مقابل السّجود بمعنى الرّكوع.

وقد تطلق الركعة ويراد منها الركعة التامّة ، أي إلى آخر السجدة الثّانية ، وهو كثير.

والصحيح أنّ المراد بها هو الركعة التامّة ، وذلك لأنّ الأخبار الواردة في أن من أدرك ركعة فقد أدرك الوقت ، روايات نبويّة (3)ضعيفة السند سوى رواية واحدة هي موثقة عمّار الواردة في صلاة الغداة بمضمون أنّ من صلّى ركعة من الغداة فليتمّها.

ومن الظّاهر أنّ الصّلاة ركعة تتحقّق بالركعة التامّة والسجدة الأخيرة ، إذ لا تتحقّق الصّلاة من دون سجدة ، ولا سيما أنّ الرّواية عبرت ب- « صلّى » الّذي هو فعل ماض يدل على التحقّق والوجود والصدور ، وبما أنّ صلاة الغداة ركعتان فإذا قيل صلّى ركعة منها أي أتى بالركعة التامّة إلى السجدة الأخيرة وليس الوارد فيها عنوان « من أدرك » ليحتمل إرادة إدراك الرّكوع منه ، هذا.


1) وقد عرفت عدوله ( دام ظلّه ) عن ذلك في الصفحة 70 ، وعليه فالرواية صحيحة صالحة للاستدلال بها كما لا يخفى.

2) الوسائل 4 : 312 / أبواب القبلة ب 9 ح 1 ، 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8 وغيرها.

3) الوسائل 4 : 218 / أبواب المواقيت ب 30 ح 4.

لا برفع الرأس منها (1).


على أنّا لو سلّمنا أنّ الأخبار الواردة في أن من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت معتبرة ولو من جهة انجبارها بعمل الأصحاب لا مناص من حمل الركعة على الركعة التامّة ، وذلك لأنّ الأخبار الواردة في أوقات الصّلاة قد حددتها من حيث المبدأ والمنتهى ، فقد ورد في صلاة الظهرين إذا زالت الشّمس دخل الوقتان أو دخل وقت الصلاتين أو وجبت الصلاتان ثمّ أنت في وقت منهما جميعاً إلى أن تغرب أو تغيب الشّمس (1).

ومقتضى هذه الأخبار المحدّدة عدم تحقّق الامتثال بالإتيان بالصلاة قبل الوقت أو بعده ولو بجزء يسير ، فكما أنّه إذا صلّى قبل الوقت ولو بنصف ركعة أو ربعها لم يحسب امتثالاً إلاّ فيما دلّ دليل على إجزائه ، كما إذا اعتقد دخول الوقت فشرع في صلاته والوقت دخل في أثنائها.

كذلك الحال فيما إذا أتى بالصلاة خارج الوقت أو وقع جزء يسير منها خارجه فإنّه لا يحكم بصحّتها ولا يحسب امتثالاً بوجه. وقد خرجنا عن مقتضى قاعدة التحديد بما ورد من أن من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت ، وحيث إنّها مجملة لا مناص في الخروج عن مقتضى قاعدة التحديد من الأخذ بالقدر المتيقّن من تلك الأخبار ، وهو ما إذا أدرك ركعة تامّة في الوقت ، وأمّا إدراك الرّكوع فلا يعلم كونه منزّلاً منزلة وقوع الصّلاة في الوقت ، فلا يكتفى به في الخروج عن مقتضى القاعدة بل يرجع فيه إلى تلك القاعدة وهي تقتضي بطلانها وعدم احتسابها امتثالاً.

(1) لصدق الصّلاة ركعة بالسجدة الثّانية وإن لم يرفع رأسه منها.


1) الوسائل 4 : 126 و 130 / أبواب المواقيت ب 4 ح 5 و 22.

[776] مسألة 33 : إذا كانت جميع الشرائط حاصلة قبل دخول الوقت يكفي في وجوب المبادرة ووجوب القضاء مضيّ مقدار أداء الصلاة قبل حدوث الحيض (1) فاعتبار مضي مقدار تحصيل الشرائط إنّما هو على تقدير عدم حصولها.

[777] مسألة 34 : إذا ظنّت ضيق الوقت عن إدراك الركعة فتركت ثمّ بان السّعة وجب عليها القضاء (2).

[778] مسألة 35 : إذا شكّت في سعة الوقت وعدمها وجبت المبادرة (3).


ما يكفي في وجوب المبادرة والقضاء

(1) لوضوح أنّ اعتبار كون الوقت متّسعاً بمقدار الصّلاة ومقدّماتها إنّما هو مع الاحتياج إلى تلك المقدّمات بعد الوقت ، ومع عدم الحاجة إليها لتحققها قبل الوقت لا يعتبر إلاّ سعة الوقت بمقدار الصّلاة ، بحيث لو تركتها لصدق أنّها فوتت الفريضة وفرطت فيها فيجب عليها قضاؤها.

(2) لصدق أنّها لم تأت بفريضة الوقت وأنّها فاتتها ، فيجب عليها قضاؤها بمقتضى الأخبار العامّة (1)والرّوايات الخاصّة الواردة في المقام (2)، بل تعاقب على تركها الصلاة لعدم حجيّة الظنّ شرعاً ، اللّهمّ إلاّ أن تكون مطمئنة بضيق الوقت ، فإنّها تقضي صلاتها حينئذ ولا تعاقب على تركها في الوقت.

إذا شكّت في السعة

(3) لا يختصّ هذا بالحائض بل يأتي في كلّ مكلّف يشك في حدوث التكليف في آخر الوقت ، كما إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون بعد الزّوال في وقت يشك في سعته للصّلاة ، وهذا يتصوّر على نحوين :


1) الوسائل 8 : 253 / أبواب قضاء الصلوات ب 1.

2) الوسائل 2 : 361 / أبواب الحيض ب 49.

قد يفرض الشكّ في سعة الوقت للإتيان بالمأمور به مع العلم بأنّ العمل يستلزم كذا مقداراً من الزّمان ، كما إذا علمت أنّ كلّ ركعة من الصلاة يشغل دقيقة واحدة فصلاة الظهر والعصر تشغل ثماني دقائق ، ولكنّها لا تدري أنّ الباقي من الوقت يسع لثماني دقائق أو لا ، وفي هذه الصورة يمكن التمسّك بالاستصحاب ، بأن يقال إنّ الشّمس لم تغرب في زمن الشروع في الصّلاة ونشك في أنّها تغرب قبل انقضاء الصلاتين أو لا تغرب ، فنستصحب أنّها لا تغرب قبل انقضائها.

وقد يفرض العلم بالمقدار الباقي من الوقت كخمس دقائق ، ولكن يشكّ في أنّ الإتيان بالمأمور به هل يتحقّق في تلك المدّة أو يستلزم زماناً زائداً على ذلك المقدار ولا مجرى للاستصحاب حينئذ ، فهل يمكن الرّجوع إلى البراءة لأجل الشكّ في توجّه التكليف إليها بالأداء ، لاحتمال عدم سعة الوقت للصلاة ومعه لا يجب عليها الأداء فضلاً عن القضاء كما تحتمل سعته لها ، فهو من الشكّ في أصل التكليف فيدفع بالبراءة أو لا يمكن؟

إن قلنا بجواز التمسّك بالعموم في الشبهات المصداقيّة فيما إذا كان المخصّص عقليّاً كما ذهب إليه بعضهم فاللاّزم في المقام هو الحكم بوجوب المبادرة إلى الصّلاة ، ولا يجري فيه التمسّك بالاستصحاب ولا البراءة في كلتا الصورتين ، إذ لا مجال للأصل العملي مع الدليل الاجتهادي.

والأمر في المقام كذلك ، لأنّ مقتضى العمومات (1)الدالّة على وجوب خمس فرائض على المكلّفين في كلّ يوم وجوب الصّلاة على المرأة في مفروض الكلام ، واشتراط التكاليف بالقدرة وعدم التكليف مع عدم القدرة حكم عقلي ، والمفروض جواز التمسّك بالعموم في الشبهات المصداقيّة فيما إذا كان المخصّص عقليّاً.

وأمّا بناءً على ما هو الصحيح من عدم جواز التمسّك بالعموم في الشبهات المصداقيّة مطلقاً ، سواء كان المخصّص لبيّاً أم لفظيّاً ولا سيما إذا كان المخصّص العقلي يعدّ قرينة متّصلة بالكلام كما في المقام ، لأنّ اشتراط التكاليف بالقدرة شرط ارتكازي للبشر من


1) الوسائل 4 : 10 / أبواب أعداد الفرائض ب 2 وغيرها.

الابتداء ، ومعه لا ينعقد للكلام ظهور في العموم من الابتداء ، فهل يجوز الرجوع إلى البراءة عن التكليف المحتمل أو لا يجوز؟

الظاهر عدم جواز الرجوع إلى البراءة مطلقاً ، سواء أُحرز الملاك الملزم كما إذا شكّ في وجوب إنقاذ الغريق للشكّ في قدرته عليه ، لأنّه لا يعرف السباحة ويحتمل أن يكون البحر عميقاً لا يتمكّن من الدّخول فيه للإنقاذ ، ولكن الملاك الملزم في إنقاذ الغريق محرز معلوم أم لم يكن الملاك محرزاً كما في المقام ، وذلك لأجل الشكّ في التكليف ، فإن مع عدم سعة الوقت لا تكليف بالصلاة ولا أنّها ذات ملاك ، ومن ثمة لا يجب قضاؤها على المكلّف.

والوجه في عدم جواز الرجوع إلى البراءة مع إحراز الملاك ظاهر ، لأنّه تفويت للملاك الملزم ، وتفويت الغرض والملاك كمخالفة التكليف بنظر العقل في العصيان ومع الشكّ في القدرة على العمل في تلك الموارد لا بدّ من الفحص والإقدام في العمل ليرى أنّه متمكّن منه أو ليس بمتمكّن ، ولا يجوز الرّجوع إلى البراءة بوجه.

والوجه في عدم جواز الرّجوع إلى البراءة مع عدم إحراز الملاك هو أنّ المورد حينئذ وإن كان من موارد البراءة لأجل الشكّ في أصل توجّه التكليف عليه لأجل الشكّ في القدرة إلاّ أنّ للمقام خصوصيّة تمنع عن الرّجوع إلى البراءة مع الشكّ في القدرة ، وتلك خصوصيّة هي أهميّة الصلاة وكونها الفاصل بين الإسلام والكفر وكونها عماد الدّين وممّا نعلم بعدم رضى الشارع بتفويتها على تقدير سعة الوقت.

ومع العلم بالأهميّة لا يمكن الرّجوع إلى البراءة ، بل لا بدّ في موارد الشكّ في القدرة من الفحص والإقدام على العمل ، فإن تمّ العمل قبل انقضاء الوقت فهو ، وإلاّ فينكشف عدم كونها مكلّفة بالصلاة.

وقد ذكرنا في محله عدم جواز إجراء البراءة في كلّ مورد علم بعدم رضى الشارع بالمخالفة على تقدير كون العمل مبغوضاً شرعاً ، فإذا رأى شبحاً وشكّ في أنّه إنسان أو بقر ليس له إجراء البراءة عن حرمة قتله ، بل لا بدّ من الفحص لعدم رضى الشارع بقتله على تقدير إنسانيّته.

[779] مسألة 36 : إذا علمت أوّل الوقت بمفاجأة الحيض وجبت المبادرة (1) بل وإن شكّت على الأحوط (2)


العلم أوّل الوقت بمفاجأة الحيض

(1) والتخيير في الإتيان بها إلى المغرب مثلاً إنّما هو مع التمكّن من جميع الأفراد الطوليّة ، وإلاّ فمع تعذّر بعض الأفراد الطوليّة يتعيّن الإتيان بالفرد الآخر ، كما هو الحال في تعذر بعض الأفراد العرضيّة ، وفي المقام تعلم المرأة بتعذّر الأفراد الآتية لطروء الحيض ، فيجب عليها المبادرة إلى الصلاة من أوّل الوقت.

(2) والوجه فيما أفاده قدس‌سره أنّ الوقت إذا دخل وتنجز وجب الصّلاة على المرأة ، فمقتضى قاعدة الاشتغال وجوب الخروج عن عهدة ذلك التكليف المنجز المعلوم ، وهذا لا يتحقّق إلاّ بالمبادرة لاحتمال عدم تمكّنها من الصّلاة مع التأخير.

فالمبادرة واجبة بحسب الفتوى ، ولعل الماتن عبّر بالاحتياط لأنّه واجب عقلي حسب ما تقتضيه قاعدة الاشتغال.

وأمّا استصحاب عدم مفاجاة الحيض أو تأخيره وعدم طروئه فيدفعه أنّه ممّا لا يترتب عليه أثر ، حيث إن جواز تأخير الصلاة إنّما هو من الآثار المترتبة على الامتثال المتأخّر والتمكّن منه ، وليس أثر عدم طروء الحيض كون المكلّف ممتثلاً بعد ذلك أو متمكّناً منه كذلك ، وإنّما هو ملازم لعدم الحيض عقلاً ، والاستصحاب لا يثبت لوازمه العقليّة بوجه.

هذا كلّه إنّما هو فيما إذا دخل الوقت ومضى منه مقدار يسع للصّلاة ثمّ بعد ذلك شكّت في مفاجاة الحيض بحيث تنجز عليها الأمر بالصلاة.

وأمّا إذا دخل الوقت وبعد دقيقة ونحوها ممّا لا يسع للصّلاة شكّت في مفاجاة الحيض أي مع عدم تنجّز الحكم بالصلاة فهو مبني على ما قدّمناه عند الشكّ في القدرة ، فإن جوّزنا التمسّك بالعموم في الشبهة المصداقيّة إذا كان المخصّص عقليّاً

وإن لم تبادر وجب عليها القضاء إلاّ إذا تبيّن عدم السّعة (1).


فيحكم عليها بوجوب المبادرة إلى الصّلاة ، وإذا لم نقل بذلك فالمورد مجرى للبراءة في غير المقام ، وأمّا في المقام فلمّا كانت الصّلاة ممّا اهتم بها الشارع وهي عمود الدين فلا مناص فيه من الفحص والمبادرة إلى الصلاة ولا يرجع فيها إلى البراءة.

هذا كلّه مضافاً إلى جريان استصحاب عدم الحيض بمقدار يسع للصلاة من الوقت ، فإنّ المانع عن الصّلاة هو الحيض ، والاستصحاب يقتضي التعبّد بعدم طروئه بمقدار الصّلاة ، فتجب المبادرة إليها لا محالة.

وجوب القضاء إذا لم تبادر

(1) إذا لم تبادر المرأة إلى الصّلاة ففاجأها الحيض فقد ينكشف أنّ الصّلاة لم تكن واجبة في حقّها لطروئه في زمان لا يسع الصّلاة والطّهارة ، ومعه لا يجب الأداء فضلاً عن القضاء.

وقد ينكشف وجوب الصّلاة عليها أداءً لطروء الحيض بعد زمان يسع الصّلاة والطّهارة ، وحيث إنّها فوتتها على نفسها بعدم المبادرة وجب عليها قضاؤها.

وثالثة : تشكّ في ذلك ولا تعلم بأن طروءه عليها بعد وقت يسع الصّلاة أو في وقت لا يسعها فهل يجب عليها قضاؤها أو لا يجب؟

مقتضى عبارة الماتن الوجوب ، لأنّه قدس‌سره حكم بوجوب القضاء عند عدم المبادرة مطلقاً إلاّ إذا تبيّن عدم سعة الوقت للصلاة ، وهذه الصورة هي المستثناة في كلامه من وجوب القضاء ، فصورة الشكّ في السعة والضيق باقية تحت الحكم بوجوب القضاء.

إلاّ أنّه ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأنّ القضاء يجب مع الفوت ، وهو غير محرز في المقام ، لاحتمال أن يكون الحيض طرأ عليها بعد دقيقة أو دقيقتين بحيث

[780] مسألة 37 : إذا طهرت ولها وقت لإحدى الصّلاتين صلّت الثّانية (1) وإذا كان بقدر خمس ركعات صلّتهما (2).

[781] مسألة 38 : في العشاءين إذا أدركت أربع ركعات صلّت العشاء فقط (3) إلاّ إذا كانت مسافرة (4)


لا يمكنها الصلاة فلا يجب معه الصلاة عليها ، ومع الشكّ في الفوت لا يحكم بوجوب القضاء ، بل ترجع إلى البراءة من وجوب القضاء ، لأنّه بأمر جديد تشك في حدوثه واستصحاب عدم الحيض لا يثبت عنوان فوت الفريضة بوجه.

إذا طهرت ولها وقت إحداهما

(1) مثل العصر ، وهذا بناءً على أنّ آخر الوقت بمقدار أربع ركعات يختص بالصلاة للثانية واضح ، والأمر كذلك في الجملة ، والقدر المتيقّن منه ما إذا كان المكلّف مأموراً بالصلاة الثّانية ولم يبق من الوقت إلاّ بمقدارها ، فإنّه يختص بالعصر حينئذ وقد ورد في بعض رواياته أنّ المكلّف إذا أتى بالفريضة الأُولى قد فوّت كلتا الصّلاتين (1)، وهو يدلّ على أن آخر الوقت مختص بالصلاة الثّانية بحيث لو تركها وأتى بالأُولى بطلت الاولى ولم يأت بالثانية وفوت الصلاتين على نفسه.

(2) لأنّها متمكّنة من إتيان صلاة الظهر بتمامها في الوقت ويبقى بعدها من الوقت بمقدار ركعة واحدة تأتي فيه بصلاة العصر « ومن أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الوقت كلّه ».

(3) لما سبق من أنّ آخر الوقت بمقدار الفريضة الثّانية مختص بالصلاة الثّانية.

(4) ولم يبق من الوقت إلاّ مقدار أربع ركعات ، فإنّها تأتي بصلاة المغرب في وقتها بتمامها ، وتأتي أيضاً بالركعة الاولى من العشاء في وقتها ، « ومن أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الوقت كلّه ».


1) الوسائل 4 : 129 / أبواب المواقيت ب 4 ح 18.

ولو في مواطن التخيير فليس لها أن تختار التمام وتترك المغرب (1).


(1) الكلام في هذه يقع في مقامين : أحدهما من حيث الحكم التكليفي. وثانيهما من حيث الحكم الوضعي.

المقام الأوّل : لا ينبغي الإشكال في أنّ اختيارها التمام محرم في حقّها ، لأنّه تفويت اختياري للفريضة الاولى مع التمكّن من إتيانها ، لأنّها لو اختارت العشاء قصراً تتمكّن من الصّلاتين معاً ، حيث تأتي بالمغرب ثلاث ركعات وتأتي بالعشاء بركعة واحدة منها في الوقت والباقي في خارجه ، وليس الأمر كذلك فيما لو اختارت العشاء تماماً ، لأنّ الوقت يختص بالعشاء حينئذ ولا تتمكّن من المغرب بوجه.

ومن هنا يظهر أنّ المكلّف ليس له قصد الإقامة فيما إذا كانت الحال هذه ، كما لو وصل إلى مكان لم يبق من الوقت إلاّ مقدار أربع ركعات بحيث لو لم يقصد الإقامة وصلّى العشاء قصراً تمكّن من فريضتي المغرب والعشاء قصراً ، ولو قصد الإقامة وصلّى العشاء تماماً لم يتمكّن إلاّ من فريضة العشاء ، فقصد الإقامة حينئذ تفويت اختياري للفريضة الاولى ، وهو حرام.

المقام الثّاني : ولو اختارت المرأة التمام في مواضع التخيير وفوتت الفريضة الأُولى بطلت صلاتها ، وذلك لأنّ مقتضى إطلاق الأدلّة الدالّة على اشتراط كون العصر بعد صلاة الظهر مثلاً كقوله عليه‌السلام « إلاّ أنّ هذه قبل هذه » (1)بطلان الصّلاة الثّانية فيما إذا أتت بها قبل الفريضة الأُولى ، لعدم كونها واجدة لشرطها.

وقد خرجنا عن ذلك فيما إذا لم يبق من الوقت إلاّ بمقدار الفريضة الثّانية ، فإنّه إذا أتى بالثانية حينئذ وقعت صحيحة وإن لم يأت بالفريضة الأُولى قبلها ، وهذا الاستثناء غير متحقّق في مقامنا ، وذلك لعدم صدق أنّ الوقت لم يبق منه إلاّ مقدار الصّلاة الثّانية ، بل الوقت متّسع لها وللفريضة الاولى.


1) الوسائل 4 : 126 و 130 / أبواب المواقيت ب 4 ح 5 ، 20 ، 21 ، 22.

والسرّ فيه أنّ الواجب في مواضع التخيير ليس هو خصوص التمام ليصدق أنّ الوقت لم يبق إلاّ بمقدارها ، بل الواجب هو الجامع بين القصر والتمام ، وأمّا التمام والقصر فهما ليسا بمأمور به في حقّه ، ومن الظّاهر أنّ الوقت بالإضافة إلى الجامع بين القصر والتمام موسع والمكلّف متمكن منه ومن الفريضة الأُولى ، كما إذا أوجد الجامع في ضمن فرده القصير ، واختيار أحد عدلي التخيير لا يوجب التعيين ليقال إنّ الصّلاة تماماً هي المتعيّنة والمأمور بها في حقّه ، ومع عدم صدق المستثنى في المقام لا يصحّ الإتيان بالصلاة تماماً ، لإطلاق أدلّة الاشتراط حيث إنّها تدلّ على بطلانها لوقوعها قبل صلاة الظهر ولم تقع بعدها فتبطل.

وأمّا في موارد قصد الإقامة عشراً فالصحيح الحكم بصحّة صلاتها تماماً ، وذلك لأنّها وإن ارتكبت محرماً بقصدها الإقامة وتفويتها للواجب إلاّ أنّ فعلها المحرم هذا أوجب انقلاب موضوع الحكم بالصلاة قصراً إلى موضوع آخر يجب عليها التمام بسببه ، وذلك لأنّ الموضوع في الحكم بوجوب التمام على المسافر قصده الإقامة عشرة أيّام سواء أكان قصده جائزاً أم محرماً ، ومع القصد يجب التمام وإذا أتى به وقعت صحيحة.

نعم ، كما يحرم عليها قصد إقامة العشرة كذلك يجب العدول عليها عن قصد الإقامة ، لأنّ تركه تفويت للواجب اختياراً ، إلاّ أنّها إذا قصدت الإقامة ولم تعدل عن قصدها وقعت صلاتها التمام صحيحة ، لتحقّق موضوعه وهو قصد إقامة عشرة أيّام وهذا بخلاف المقام ، فإنّ اختيارها التمام في مواضع التخيير لا يوجب قلب الموضوع بوجه.

ثمّ إنّه لا يفرق فيما ذكرناه في المقام من الحكم ببطلان الصّلاة تماماً في مواضع التخيير بين القول بأن صلاتي القصر والتمام طبيعة واحدة بحيث يجوز العدول من التمام إلى القصر وبالعكس في مواضع التخيير ، بل تصحّ الصّلاة وإن لم ينو القصر ولا التمام إلاّ أنّه سلّم بعد الركعتين أو لم يسلم إلاّ بعد أربع ركعات ، فإنّه نوى طبيعي الصلاة ، والتمام والقصر من طبيعة واحدة ، كما هو الحال في السّورة الواجب قراءتها في

[782] مسألة 39 : إذا اعتقدت السعة للصلاتين فتبيّن عدمها ، وأنّ وظيفتها إتيان الثّانية وجب عليها قضاؤها (1) ،


الصّلاة ، حيث لا يلزم قصد كون السورة هي سورة التّوحيد أو الكافرون أو الانشراح بل يكفي قصد طبيعي السورة كما هو واضح.

وبعبارة ثانية : إنّ الصّلاة في مواضع القصر اعتبرت بشرط لا من حيث انضمام الركعتين الأخيرتين بها ، وفي مواضع التمام اعتبرت بشرط شي‌ء أي بشرط زيادة ركعتين ، وفي مواضع التخيير اعتبرت لا بشرط وللمكلّف أن يأتي بالزيادة أو لا يأتي بها ، فهما طبيعة واحدة وبين القول بأن القصر والتمام طبيعتان متغايرتان إحداهما غير الأُخرى ، ولا يجوز العدول من إحداهما إلى الأُخرى لأنّه من العدول إلى المباين.

والوجه في عدم الفرق على القول بأنّهما من طبيعة واحدة وأنّه يجوز العدول من إحداهما إلى الأُخرى ظاهر. وأمّا على القول بتغايرهما من حيث الطبيعة وعدم جواز العدول من إحداهما إلى الأُخرى فلأنّ المكلّف وإن وجب عليه خصوص التمام حينئذ بعد الاختيار ، إذ لا يجوز له العدول إلى القصر إلاّ أنّه قبل اختيار أحدهما مختار بينهما ، ومعه نقول بحرمة اختياره التمام لأنّه تفويت للواجب وباطل ، لعدم كونه واجداً للشرط كما مرّ.

ثمّ إنّه إذا دخل في التمام يجب عليه العدول وقطع الصّلاة ، لأنّه يحرم مع دخوله في الصّلاة على وجه صحيح شرعي ، ودخوله في المقام محرم لوجوب اختيار القصر عليه كي لا تفوت الفريضة الاولى ، فلا فرق فيما ذكرناه بين القولين وإن كان الصحيح هو الأوّل.

إذا اعتقدت سعة الوقت

(1) وذلك لأنّها كانت مأمورة بصلاة العصر مثلاً ، فلم تكن ما أتت به من صلاة

وإذا قدمت الثّانية باعتقاد الضيق فبانت السعة صحّت (1) ووجب عليها إتيان الاولى بعدها ، وإن كان التبيّن بعد خروج الوقت وجب قضاؤها.


الظهر مأموراً به في حقّها ، وإنّما الواجب في حقّها هو العصر وهي لم تأت بالعصر فيجب عليها قضاء العصر لا محالة ، ولا دليل على أنّ صلاة الظهر الّتي أتت بها تقع عصراً ، وإن دلّ الدليل على وقوع العصر عن الظهر في عكس المقام (1)، وهو ما إذا أتت بالعصر قبل الظهر اشتباهاً ونحوه.

(1) لما مرّ من أنّها إذا أتت بصلاة العصر قبل الظهر لعذر وقعت صلاتها صحيحة حيث إنّ الترتيب شرط ذكرى ، ولا يشترط مع الغفلة والنّسيان وغيرهما ، فيحكم بصحّة الصّلاة لا محالة.

نعم ، هنا كلام يأتي تحقيقه في مبحث الأوقات إن شاء اللّه تعالى (2)، وهو أن ما أتت به من صلاة العصر هل يقع عصراً كما نوت ويجب عليها الإتيان بصلاة الظهر بعدها لحديث لا تعاد (3)، حيث يقتضي عدم وجوب إعادة العصر ، والترتيب ذكرى لا يوجب الإخلال به سهواً بطلان الصلاة ، أو أن ما أتت به يحسب ظهراً أيضاً لحديث « لا تعاد » ، لأنّه يقتضي عدم بطلان الصّلاة بالإخلال بالنيّة غير متعمّد ، ويجب عليها الإتيان بالعصر في الوقت أو في خارجه.


1) الوسائل 4 : 290 / أبواب المواقيت ب 63.

2) يأتي في شرح المسألة [1181].

3) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8 ، 4 : 312 / أبواب القبلة ب 9 ح 1. وغيرها.

[783] مسألة 40 : إذا طهرت ولها من الوقت مقدار أداء صلاة واحدة والمفروض أن القبلة مشتبهة تأتي بها مخيّرة بين الجهات (1)وإذا كان مقدار صلاتين تأتي بهما كذلك (1).


عدم سعة الوقت إلاّ لواحدة مع اشتباه القبلة

(1) لا يختص هذا الفرع بالحائض ، بل يأتي في حق كلّ مكلّف التفت إلى بقاء صلاته في ذمّته ولم يبق من الوقت إلاّ مقدار صلاة واحدة مع اشتباه القبلة.

والوجه فيما أفاده الماتن قدس‌سره ظاهر بناءً على ما بنينا عليه من أنّ القبلة إذا اشتبهت لا يجب على المكلّف الصّلاة إلى القبلة حتّى مع التمكّن من الصّلاة إلى أربع جهات وفاقاً لجملة من المحقّقين ، لقوله عليه‌السلام « يجزئ المتحيّر أبداً أينما توجّه إذا لم يعلم أين وجه القبلة » (2)، فإنّ المكلّف لا يجب عليه الصّلاة إلى أربع جهات مع التمكّن منها فضلاً عما إذا لم يتمكّن من الصّلاة إلى أربع جهات ، فيجزئ الحائض إذا طهرت في آخر الوقت أن تصلِّي إلى أيّ جهة شاءت من الجهات.

وأمّا بناءً على ما سلكه المشهور من أنّ المكلّف إذا اشتبهت عليه القبلة وجب عليه الصّلاة إلى أربع جهات فإن قلنا إنّ اشتراط الاستقبال كباقي الأجزاء والشروط سوى الطهور من الشروط الاختياريّة الّتي تسقط مع العجز عنها ، وذلك لأنّ ما دلّ على سقوط شرطيّة بقيّة الشروط عند العجز عنها هو الّذي يدلّ على سقوط شرطيّة الاستقبال مع العجز ، وهو الجملة المعروفة « الصلاة لا تسقط بحال » الّتي ادّعي عليها الإجماع وإن لم يرد في الرّوايات عين تلك الألفاظ ، ويدلّ عليه ما ورد في صحيحة زرارة من قوله عليه‌السلام للمستحاضة « لا تدع الصّلاة على حال » (3). ومن الإجماع والرّواية استكشفنا أنّ الصّلاة لا تسقط بتعذر جزء أو شرط منها بل لا بدّ


1) (*) لا يبعد التخيير حتّى مع التمكّن من الصّلاة إلى الجهات الأربع.

2) الوسائل 4 : 311 / أبواب القبلة ب 8 ح 2.

3) الوسائل 2 : 373 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.

من إتيانها ، والمتعذّر إمّا أن يسقط من الاعتبار أو ينتقل إلى بدله ، كالقيام المتبدل إلى الجلوس المتبدل إلى النوم على طرف الأيمن فالأيسر مع العجز عن المرتّبة السابقة.

وعليه فالوجه فيما أفاده قدس‌سره واضح أيضاً ، ويكفي المكلّف أن يأتي بالصلاة مرّة واحدة إلى أيّة جهة شاء ، وذلك لعدم تمكّن المكلّف من الاستقبال فتسقط شرطيّته لا محالة ، وفي المقام يكفي الحائض إذا طهرت أن تأتي بصلاة واحدة إلى أيّة جهة شاءت.

ثمّ على تقدير التنزل والقول بأنّ شرطيّة القبلة من الشرائط الواقعيّة كالطهور ولا يسقط بالتعذر بوجه ، لا مناص من الحكم بوجوب صلاة واحدة على المرأة إلى أيّ جهة شاءت.

والوجه في ذلك : أنّ الامتثال الجزمي إذا كان متعذراً وجب التنزّل إلى الامتثال الاحتمالي لا محالة ، لما ذكرناه في بحوث العلم الإجمالي من أنّ وجوب الموافقة القطعيّة في أطراف العلم الإجمالي بمناط ، وحرمة المخالفة القطعيّة بمناط آخر ، وإذا تعذرت الموافقة القطعيّة وسقطت عن الوجوب لا تسقط حرمة المخالفة القطعيّة بوجه بل لا بدّ للمكلّف من أن يمتثل بالموافقة الاحتماليّة.

وحيث إنّ المكلّف في المقام لا يتمكّن من الموافقة القطعيّة بالصلاة إلى أربع جهات فلا تجب عليه للتعذّر إلاّ أنّه لا يقتضي جواز المخالفة القطعيّة عليه بتركها الصّلاة رأساً ، بل لا بدّ من الامتثال احتمالاً بإتيان صلاة واحدة إلى أيّة جهة شاء.

إذن على جميع المباني والمسالك في المسألة لا يجب على الحائض في مفروض الكلام إلاّ صلاة واحدة مخيّرة بين الجهات.

ثمّ إنّ المكلّف إذا صلّى إلى جهة واحدة من الجهات هل يجب عليه القضاء خارج الوقت بعد تبيّن القبلة لعدم علمه بالامتثال في الوقت ، وذلك لاحتمال أن لا تكون الصلاة إلى الجهة الّتي صلّى نحوها مأموراً بها واقعاً ، أو لا يجب عليه القضاء خارج الوقت؟

الظاهر هو الثّاني ، وذلك أمّا على ما بنينا عليه من عدم وجوب الصّلاة إلى أربع

جهات حتّى مع التمكّن منها للمتحيّر فواضح ، وعلى مسلك المشهور بناءً على أنّ شرط الاستقبال شرط اختياري فلأجل إحراز المكلّف الامتثال والإتيان بالمأمور به بالوجدان ، ومع العلم بعدم الفوت لا وجه للقضاء.

وأمّا بناءً على أنّ الاستقبال شرط واقعي فلأجل أنّ القضاء يجب بأمر جديد وموضوعه الفوت وهو غير محرز في المقام ، لأنّه كما يحتمل عدم الإتيان بالمأمور به الواقعي كذلك يحتمل الإتيان به ، فالفوت غير محرز والقضاء غير واجب واستصحاب عدم الإتيان بوظيفة الوقت لا يثبت الفوت ، لأنّه عنوان ينتزع من عدم الإتيان بالواجب في ظرفه ، لا أنّه نفس عدم الإتيان.

هذا وإذا كان قد بقي للحائض الّتي طهرت من الوقت مقدار صلاتين فتأتي بهما إلى أيّة جهة شاءت فتصلّي الظهر مرّة واحدة إلى أيّة جهة شاءت ثمّ تصلّي العصر كذلك مرّة واحدة.

وذلك أمّا على ما بنينا عليه من عدم وجوب الصّلاة إلى أربع جهات عند اشتباه القبلة مع التمكّن منها فالحكم واضح.

وأمّا بناءً على مسلك المشهور فلعدم تمكّنها من الاستقبال في كلّ واحدة من الصلاتين فتسقط شرطيّة الاستقبال ، كما أنّها لعدم تمكّنها من الموافقة القطعيّة تجب عليها الموافقة الاحتماليّة في كلتا الصلاتين ، فتأتي بالظهر مرّة واحدة إلى جهة ثمّ تأتي بالعصر مرّة واحدة إلى جهة.

ثمّ إنّ هناك بحثاً آخر وهو أنّ المكلّف هل يجب أن يصلّي العصر إلى الجهة الّتي اختارها في صلاة الظهر أو يجوز له أن يصلّي العصر إلى غير تلك الجهة إلاّ أنّه غير مرتبط بمحل الكلام ، ويأتي التعرّض إليه في وقته إن شاء اللّه تعالى.

هذا كلّه إذا كان الوقت موسعاً بمقدار صلاتين ، وإذا كان الوقت متّسعاً لثلاث أو خمس أو ستّ أو سبع صلوات فهل يجب على المرأة أو غيرها أن تصلّي الظهر إلى أربع جهات وتأتي بالعصر إلى جهة واحدة أو جهتين أو ثلاث جهات بأن يدخل النقص على الصّلاة الثّانية ، وأمّا الصّلاة الاولى فلا مناص من إتيانها إلى أربع جهات

[784] مسألة 41 : يستحب للحائض أن تتنظف وتبدل القطنة والخرقة (1)


أو لا يجب ذلك؟

أمّا بناءً على ما سلكناه من عدم وجوب الصّلاة إلى أربع جهات عند اشتباه القبلة حتّى مع التمكّن منها فلا يجب إلاّ صلاتان ، مرّة واحدة تصلِّي الظهر وأُخرى تصلّي العصر.

وأمّا بناءً على ما سلكه المشهور فلا بدّ للمكلّف أن يأتي بالصلاة الاولى إلى أربع جهات لتمكّنها من الاستقبال بذلك أو لتمكّنها من الامتثال الجزمي على سبيل الاحتياط ، وتأتي بعد ذلك بصلاة العصر بالمقدار الممكن كالصلاة إلى جهتين أو ثلاث جهات.

والسرّ في ذلك هو إطلاق أدلّة الترتيب حيث دلّت على أنّ صلاة العصر يشترط وقوعها بعد صلاة الظهر ، وإنّما خرج عنها ما إذا لم يبق من الوقت إلاّ مقدار أربع ركعات ، فيأتي بالعصر وتقع صحيحة وإن لم يتقدّم عليها صلاة الظهر ، وحيث إنّ المرأة في مفروض الكلام تتمكّن من الإتيان بصلاة الظهر قبل صلاة العصر فلا مناص من إدخال النقص على الصّلاة الثّانية ، وإلاّ لم يحرز أنّ العصر وقعت عقيب الظهر.

ما يستحبّ للحائض : التنظيف

(1) لا يبعد أن يكون مدرك ذلك إنّما هو محبوبيّة النّظافة في الشّريعة المقدّسة على إطلاقها ، فإنّ النّظافة من الإيمان ولا سيما في أوقات الصّلاة والعبادة وأداء الفريضة والامتثال ، وقد ورد أنّه يصلّي بأنظف ثيابه حينئذ ، فإنّ التطهر والتنظف بأيّ وجه كان يعد نحواً من الأدب لدى الامتثال.

والحائض من مصاديق هذه الكبرى ، فإنّ التنظيف بتبديل القطنة من أفراد النظافة ، وإلاّ لم يرد ما يدلّ على استحباب ذلك على خصوص الحائض فيما نعلم من الأدلّة ولا أنّ الفقهاء ذكروا ذلك في كلماتهم.

وتتوضّأ في أوقات الصّلاة اليوميّة (1)


ويحتمل أن يكون الماتن استفاد ذلك ممّا ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام : « كنّ نساء النّبيّ صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم لا يقضين الصّلاة إذا حضن ، ولكن يتحشّين حين يدخل وقت الصّلاة ويتوضّين ثمّ يجلسن قريباً من المسجد فيذكرن اللّه عزّ وجلّ » (1).

فإنّ الظّاهر أنّ المراد بالاحتشاء الّذي هو من الحشو : المنع عن خروج الدم إلى الخارج بحشو المحلّ وملئه بقطنة أو خرقة ونحوهما ، والرّواية تدلّ على أنّ المنع عن حدوث القذارة وخروج الدم إلى الخارج محبوب في حقّ الحائض ، ومن هنا حثّ الإمام الصادق عليه‌السلام النِّساء على ذلك بنقله قضيّة نساء النّبيّ صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإذا كان المنع عن حدوث منافي النّظافة محبوباً كان المنع عن بقاء ما ينافي النظافة محبوباً أيضاً ، فإذا خرج دم كان إزالته والتنظف منه مطلوباً أيضاً ومحبوباً ، إذ لا يفرق في المحبوبيّة بين الحدوث والبقاء.

التوضّؤ في أوقات الصّلاة

(1) المعروف والمشهور من أصحابنا هو ذلك ، ونسب القول بوجوبه إلى والد الصّدوق قدس‌سره بل إلى نفسه (2)، وقد عبّر والد الصدوق بعين عبارة فقه الرّضا : يجب عليها ( على الحائض ) عند حضور كلّ صلاة أن تتوضأ ... (3)، ورجّحه صاحب الحدائق (4)قدس‌سره خلافاً للمشهور ، ونسبه إلى الكليني قدس‌سره حيث


1) الوسائل 2 : 345 / أبواب الحيض ب 40 ح 1.

2) حكى النسبة إليهما في الحدائق 3 : 273 / في وظيفة الحائض ، وراجع الفقيه 1 : 50 / في الحيض.

3) فقه الرّضا عليه‌السلام : 192 ، المستدرك 2 : 29 / أبواب الحيض ب 29 ح 2.

4) الحدائق 3 : 274 / في وظيفة الحائض.

عنون الباب « باب وجوب الوضوء على الحائض » (1)واستظهر منه أنّه يقول بالوجوب وإلاّ لم يكن وجه للتعبير بالوجوب ، هذا.

والصحيح ما ذهب إليه المشهور من عدم وجوب الوضوء على الحائض في أوقات الصّلاة وإنّما هو أمر مستحب ، وذلك لعدم إمكان المساعدة على ما استدلّوا به على الوجوب :

أمّا رواية الفقه الرّضوي فلعدم ثبوت كونه رواية عندنا فضلاً عن اعتبارها وإن أصرّ صاحب الحدائق قدس‌سره على اعتباره وأنّ والد الصدوق قدس‌سرهما عبّر بعباراته ولو لم يكن حجّة معتبرة لم يصدر ذلك عن ابن بابويه.

واستدلّوا على وجوب الوضوء على الحائض في أوقات الصّلاة بمرسلة الهداية (2)وهي بعينها رواية الفقه الرّضوي إلاّ في شي‌ء يسير ، وهي لا يمكن الاعتماد عليها لإرسالها مضافاً إلى أنّها ليست رواية مستقلّة غير الأخبار الواردة في المسألة الّتي أجبنا عن بعضها ويأتي الجواب عن بعضها الآخر عند التعرّض لها.

وبصحيحة الحلبي المتقدّمة « كنّ نساء النّبيّ لا يقضين الصّلاة إذا حضن ، ولكن يتحشّين حين يدخل وقت الصّلاة ويتوضّين ... » (3).

والجواب عنها أنّها تدل على أنّ الوضوء وغيره ممّا ذكر في الرّواية مشروع ومرغوب فيه بالإضافة إلى الحائض ، ولذا حثّ الصادق عليه‌السلام النِّساء على ذلك بنقله قضيّة نساء النّبيّ صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأمّا الوجوب وأن الترك غير جائز على الحائض فهو ممّا لا يمكن استفادته منها.

وبحسنة أو صحيحة محمّد بن مسلم ، قال « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الحائض تطّهّر يوم الجمعة وتذكر اللّه؟ قال : أمّا الطّهر فلا ، ولكنّها تتوضّأ في وقت الصّلاة ثمّ تستقبل القبلة وتذكر اللّه تعالى » (4)، حيث دلّت على وجوب التوضؤ في


1) الكافي 3 : 100 / باب ما يجب على الحائض في أوقات الصّلاة.

2) المستدرك 2 : 29 / أبواب الحيض ب 29 ح 1.

3) الوسائل 2 : 345 / أبواب الحيض ب 40 ح 1.

4) الوسائل 2 : 346 / أبواب الحيض ب 40 ح 4.

وقت الصّلاة على الحائض ، كما دلّت على وجوب الاستقبال وذكر اللّه عليها ، لأنّ الجملة الفعليّة كصيغة الأمر ظاهرة في الوجوب.

والجواب عنها أنّ الظّاهر من الرّواية أنّ التوضّؤ والاستقبال وذكر اللّه تعالى مشروع وجائز على الحائض لا أنّها واجبة في حقّها ، وذلك بقرينة قوله « أمّا الطّهر فلا ، ولكنّها تتوضّأ » حيث نفى مشروعيّة الغسل في حقّها وأثبت المشروعيّة في الوضوء.

وهذه الرّواية غير قابلة للاستدلال بها في الوقت ، وإنّما العمدة هي الرّوايات الآتية.

منها : حسنة أو صحيح زيد الشحام ، قال « سمعت أبا عبد اللّه عليه‌السلام يقول : ينبغي للحائض أن تتوضأ عند وقت كلّ صلاة ، ثمّ تستقبل القبلة وتذكر اللّه مقدار ما كانت تصلّي » (1).

ودعوى أنّ كلمة « ينبغي » ظاهرة في الاستحباب وأنّ ظهورها في ذلك أقوى من ظهور ما دلّ على الوجوب ، بحيث لو تمّت دلالة تلك الرّوايات على الوجوب للزم رفع اليد عن ظهورها في الوجوب بقرينة هذه الرّواية كما عن بعضهم ، مندفعة : بأنّ كلمة « ينبغي » ليست ظاهرة في الاستحباب بوجه ، وإنّما هي ظاهرة في أنّ العمل ميسور للمكلّف وهو متمكّن منه ، وأمّا أن تركه جائز فلا دلالة لها على ذلك بوجه ، فلا تنافي هذه الرّواية الأخبار الدالّة على الوجوب على تقدير تماميّة دلالتها ، والصحيح في الجواب ما سيأتي.

ومنها : ما عن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام أو أبي جعفر عليه‌السلام : « قال : إذا كانت المرأة طامثاً فلا تحل لها الصّلاة ، وعليها أن تتوضأ وضوء الصّلاة عند وقت كلّ صلاة ، ثمّ تقعد في موضع طاهر فتذكر اللّه عزّ وجلّ وتسبِّحه وتهلِّله وتحمده كمقدار صلاتها ، ثمّ تفرغ لحاجتها » (2)حيث إنّ قوله عليه‌السلام « وعليها أن تتوضّأ » ظاهره الوجوب.


1) الوسائل 2 : 345 / أبواب الحيض ب 40 ح 3.

2) الوسائل 2 : 345 / أبواب الحيض ب 40 ح 2.

والرّواية مرويّة بطريقين أحدهما صحيح بلا كلام ، وهو رواية الكليني عن محمّد ابن إسماعيل عن الفضل ، والثّاني أيضاً صحيح على الأظهر ، وهو روايته عن علي بن إبراهيم عن أبيه ، فالفضل وإبراهيم كلاهما يرويان عن حماد بن عيسى ، ومع ما ذكرناه لا موجب للقول بأنّ الرّواية حسنة باعتبار أنّ علي بن إبراهيم يروي عن أبيه فلاحظ.

ومنها : ما عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام « قال : تتوضّأ المرأة الحائض إذا أرادت أن تأكل ، وإذا كان وقت الصّلاة توضأت ... » (1)وقد عرفت أنّ الجملة الفعليّة ظاهرة في الوجوب.

هذه الرّوايات الثلاث هي العمدة في المقام ، ولكنّها لا يمكن الاستدلال بها على وجوب الوضوء ، للقرينة الداخليّة والخارجيّة.

أمّا القرينة الداخليّة فهي اشتمال الأخبار المتقدّمة على أنّ الحائض يجب عليها أن تتوضأ في أوّل وقت الصّلاة وتقعد في موضع طاهر ، وهذا نقطع بخلافه لعدم احتمال أن تكون وظيفة الحائض أشد من وظيفة الطاهرة فإنّ الطّاهرة لا يجب عليها أن تتوضّأ في أوّل وقت الصّلاة ، ولا يجب عليها أن تصلّي في موضع طاهر ، بل الصلاة لا يعتبر فيها طهارة الموضع ، لصحّة الصّلاة في الموضع النجس غير المسري ، ومعه كيف يكون ذلك واجباً في حقّ الحائض ، وهذه قرينة على كونها أُموراً مستحبّة لها.

ويؤيّده قوله « تتوضأ إذا أرادت أن تأكل ، وإذا كان وقت الصّلاة توضأت » وذلك لعدم احتمال وجوب الوضوء للأكل.

وأمّا القرينة الخارجيّة فهي ليست عبارة عن إعراض المشهور عن الأخبار المذكورة كما في كلمات الأكثرين ، بل هي ما ذكرناه في جملة من الموارد من أنّ الأُمور الّتي يكثر الابتلاء بها لو كانت واجبة في زمانهم عليهم‌السلام لانتشرت وذاعت وظهرت ، والحيض تبتلي بها النِّساء في كلّ شهر مرّة ، فلو كانت هذه الأُمور كالوضوء


1) الوسائل 2 : 346 / أبواب الحيض ب 40 ح 5.

بل كلّ صلاة مؤقتة (1) ، وتقعد في مصلاّها (2).


واجبة في حقّها كيف أمكن خفاؤه على المتشرّعة وانحصر القائل به في فقيه أو اثنين أو ثلاثة ، وهذه قرينة قطعيّة على عدم الوجوب.

مضافاً إلى السيرة القطعيّة المستمرّة المتّصلة بزمانهم عليهم‌السلام الجارية على عدم الالتزام بهذه الأُمور في حقّ الحائض ، فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من استحباب تلك الأُمور على الحائض.

(1) ولو كانت من النوافل المستحبّة ، لعموم قوله عليه‌السلام عند وقت كلّ صلاة (1)، فيستحب لها التوضؤ عند منتصف اللّيل ودخول وقت صلاة اللّيل.

القعود في المصلّى

(2) إن أُريد من هذا التقييد القعود في المكان الّذي أعدّته لصلاتها ، كما هو ظاهر لفظ المصلّى ، فهو تقييد بالفرد النادر ، لأنّ النِّساء كالرّجال لا يجعلن لصلاتهنّ مكاناً معيّناً غالباً ، مضافاً إلى أنّه ممّا لم يرد في شي‌ء من النّصوص ، وإنّما ذكره الماتن تبعاً لجملة من الأصحاب.

وإن أُريد به القعود في أيّ مكان تريده على هيئة المصلِّي ، فكأنها مصلِّية ومكانها مصلّى فهو لا يخلو عن وجه ، وذلك لأنّ المستفاد من الرّوايات أن ذكر الحائض وتسبيحها بعد الوضوء بدل عن الصّلاة ، ومعه لا بأس بالقول باستحباب جلوس الحائض بعد التوضّؤ على هيئة المصلّي وتذكر اللّه سبحانه وتسبحه.

ويؤيّد ذلك أعني إرادة قعودها على هيئة المصلِّي أنّ مراد الفقهاء لو كان قعودها في مصلاها فهو تعرض منهم لحكم الفرد النادر ، فلم يتعرّضوا لحكم الأفراد الغالبة ، حيث إنّ الحائض لا تتّخذ مصلّى غالباً ، ومن البعيد أن يتعرّضوا لحكم الفرد النادر دون الغالب.


1) الوسائل 2 : 345 / أبواب الحيض ب 40.

مستقبلة مشغولة بالتسبيح (1) والتهليل والتحميد والصّلاة على النّبيّ وآله صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم (2) وقراءة القرآن وإن كانت مكروهة في غير هذا الوقت (3)


الاشتغال بالتسبيح ونحوه

(1) كما ورد في الرّوايات المتقدِّمة (1).

(2) إن أُريد بالصلاة على النّبيّ صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم وآله عليهم‌السلام الدعاء لهم فإنّ الدّعاء ذكر لا يختص بالنبيّ وآله ، بل يشمل دعاءها لنفسها وطلبها من اللّه سبحانه قضاء حوائجها أو حوائج جارها وشفاء مريضها ، لأنّها بأجمعها ذكر لله سبحانه ، فلا وجه للتخصيص ، وإن أُريد به أمر آخر فهو ليس بذكر اللّه سبحانه ، فلا يدخل تحت مطلق الذكر ، ولا دليل على استحبابه حينئذ ، وتوضيح ذلك أنّ الصّلاة على محمّد وآل محمّد صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم من الدّعاء ، فإن قصد به في المقام كونه دعاءً فالدعاء لا ينحصر به ، وإن قصد به مع كونه دعاءً في نفسه أمراً آخر كالتعريف أو إظهار المحبّة أو غير ذلك فهو كيف يكون ذكراً لله.

قراءة القرآن

(3) إن قلنا بعدم كراهة قراءة القرآن للحائض كما هو الصحيح ، لأنّ الأخبار الواردة (2)في كراهتها ضعيفة السند ، نعم يكره على الجنب قراءة ما زاد عن سبع آيات دون الحائض ، فالأمر في استحباب قراءة القرآن واضح لوروده في رواية معاوية.

وأمّا إذا قلنا بكراهتها على الحائض ولو من باب التّسامح في أدلّة السنن فالأمر كذلك ، والوجه فيه أنّ الأخبار المذكورة دلّت على كراهة قراءة القرآن على الحائض


1) نفس المصدر.

2) المستدرك 2 : 26 / أبواب الحيض ب 27.

والأولى اختيار التسبيحات الأربع ، وإن لم تتمكّن من الوضوء تتيمّم بدلاً عنه


مطلقاً ، ومصححة معاوية (1)دلّت على استحبابها في حالة خاصّة وهي ما إذا توضّأت ودخل وقت الصّلاة ، فنلتزم بالتخصيص في أدلّة الكراهة وأن قراءة القرآن مكروهة على الحائض إلاّ في صورة واحدة ، وهي ما إذا توضأت وقد دخل وقت الصّلاة.

(1) لكونها جامعة بين التكبير والتهليل والتحميد والتسبيح.

بدليّة التيمّم عن الوضوء

(2) قد يناقش في شمول أدلّة بدليّة التيمم عن الوضوء للمقام ، نظراً إلى أنّها إنّما دلّت على بدليّة التيمم عن الوضوء الطهور والغسل الطهور ، لقوله عليه‌السلام « التراب أو التيمم أحد الطهورين » (2)والوضوء في المقام ليس بطهور ، ومن ثمة لا يترتّب على وضوء الحائض آثار الطهور ، ولا دليل على أنّ التيمم بدل من مطلق الوضوء المأمور به وإن لم يكن طهوراً.

ويدفعه : أنّ المستفاد من جملة من الأخبار الواردة في التيمم وإن كان هو ما ذكر وسطر ، إلاّ أن بينها ما يدلّ على بدليّة التيمم عن كلّ وضوء أو غسل مأمور به وإن لم يكن طهوراً ، وذلك كما ورد في الجنب يريد أن يدخل البئر ويغتسل ، من قوله عليه‌السلام « لا تدخل البئر ولا تفسد على القوم ماءهم ، فإن ربّ الماء هو ربّ الصعيد » (3).

وما رواه الشيخ والكليني والصدوق فيمن أراد النزول إلى البئر لحاجته إلى الماء فمنعه عليه‌السلام عن النزول فيها لئلا يتضرّر بما فيها من الحيّة أو غيرها قائلاً عليه‌السلام « إنّ ربّ الماء وربّ الأرض واحد » (4)أو ما هو بمضمونه.


1) الوسائل 2 : 346 / أبواب الحيض ب 40 ح 5.

2) الوسائل 3 : 386 / أبواب التيمم ب 23 ح 5 و 6 ، 370 / ب 14 ح 15.

3) الوسائل 2 : 344 / أبواب التيمم ب 3 ح 2. ( نقل بالمضمون ).

4) الوسائل 2 : 343 و 344 / أبواب التيمم ب 3 ح 1 و 4. ( نقل بالمضمون ).

والأولى عدم الفصل بين الوضوء أو التيمّم وبين الاشتغال بالمذكورات (1) ، ولا يبعد بدليّة القيام وإن كانت تتمكّن من الجلوس (2)


فإنّهما دلّتا على أنّ التيمم بدل من كلّ غسل أو وضوء مأمور به ، لإطلاق الرّواية الثّانية وعدم تقييده بالغسل أو الوضوء بعد إلغاء خصوصيّة الرّجل الّذي هو مورد الرّواية الأُولى والثّانية ، فنتعدى إلى المرأة والحائض ، فيسوغ لها التيمم بدلاً عن الوضوء المأمور به في حقّها ، ومن ذلك الوضوء المستحب للحائض في أكلها ، فإذا لم تتمكّن من الوضوء تتيمم بدلاً عنه وإن لم يكن الوضوء طهوراً.

أولويّة عدم الفصل

(1) وذلك لئلا يخرج منها الدم ، كما ورد (1)ذلك في المستحاضة من أنّها بعد اغتسالها وتوضئها تستعجل بالصلاة لئلاّ يخرج منها الدم ، إلاّ أنّ التقييد بذلك خلاف الإطلاق الّذي دلّت عليه الرّوايات (2)وأنّ الوضوء مشروع في حقّ الحائض بوصف كونها حائضاً وإن خرج منها الدم.

بدليّة القيام عن الجلوس

(2) وذلك لما قدّمناه من عدم وجوب التوضؤ والأُمور المتقدِّمة على الحائض وإنّما هي مستحبّة ولا نلتزم بالتقييد في المستحبّات ، فنلتزم بأنّ مطلق الذكر مستحب على الحائض وإن كان الذكر قاعداً أفضل ، كما هو حال المطلق والمقيّد في باقي المستحبّات كزيارة الحسين عليه‌السلام.


1) لاحظ الوسائل 2 : 331 / أبواب الحيض ب 30 ح 5 ، 6 ، ص 372 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 1 وغيره.

2) الوسائل 2 : 345 / أبواب الحيض ب 40.

والظّاهر انتقاض هذا الوضوء بالنواقض المعهودة (1).

[785] مسألة 42 : يكره للحائض الخضاب بالحِنّاء أو غيرها (2)


(1) وذلك لإطلاق أدلّة النواقض وعدم اختصاص ناقضيتها بالوضوء المطهر ، بل تشمل كلّ وضوء مأمور به.

ما يكره للحائض : الخضاب

(2) لما ورد في جملة من الرّوايات من أنّ الحائض لا تختضب ، منها رواية عامر بن جذاعة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال « سمعته يقول : لا تختضب الحائض ولا الجنب » (1)ومنها رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام : « سألته عن الحائض هل تختضب؟ قال : لا ، يخاف عليها الشيطان عند ذلك » (2)، ومنها ما رواه أبو بكر الحضرمي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام : « سألته عن الحائض هل تختضب؟ قال : لا ، لأنّه يخاف عليها الشيطان » (3)ومنها غير ذلك من الرّوايات (4).

وفي قبالها جملة من الرّوايات (5)دلّت على الجواز ، عمدتها موثقة سَماعة ، قال « سألت العبد الصالح عليه‌السلام عن الجنب والحائض أيختضبان؟ قال : لا بأس » (6)فلا ينبغي الإشكال في جواز الخضاب على الحائض بمقتضى الموثقة وإن تمّت الأخبار الناهية من حيث السند أو قلنا بالتّسامح في أدلّة السنن حملناها على الكراهة جمعاً بين الطائفتين ، وإن لم يتم سندها كما هو الواقع لضعفها في جملة منها ولم نقل بالتّسامح في أدلّة السنن التزمنا بالجواز من دون كراهة.


1) الوسائل 2 : 354 / أبواب الحيض ب 42 ح 7.

2) الوسائل 2 : 353 / أبواب الحيض ب 42 ح 4.

3) الوسائل 2 : 353 / أبواب الحيض ب 42 ح 3.

4) الوسائل 2 : 354 / أبواب الحيض ب 42 ح 8 ، 223 / أبواب الجنابة ب 22 ح 11 و 12.

5) الوسائل 2 : 352 و 353 و 354 / أبواب الحيض ب 42 ح 1 و 2 و 5 و 6.

6) الوسائل 2 : 354 / أبواب الحيض ب 42 ح 6.

وقراءة القرآن ولو أقلّ من سبع آيات (1) ،


وما عن الشيخ المفيد (1)قدس‌سره من تعليل كراهة الاختضاب على الحائض بأنّه يمنع وصول الماء إلى البشرة فهو ممّا لا ينبغي صدوره من مثله من المحققين ، وذلك لأنّ اللّون ليس جسماً حتّى يمنع عن وصول الماء إلى البشرة ، وإلاّ لم يجز الخضاب للمكلّفين بأجمعهم لابتلائهم بالغسل والوضوء وهو مانع عن صحّتهما. هذا وعلى تقدير التسليم فما أفاده قدس‌سره يقتضي تحريم الخضاب لمنعه عن الغسل والصّلاة لا أنّه يقتضي الكراهة كما هو واضح.

كراهية قراءة القرآن

(1) ناقش صاحب الحدائق قدس‌سره في كراهته (2)، ولكن الصحيح هو الكراهة بناءً على التّسامح في أدلّة السنن ولا سيما في المكروهات ، لورود النهي عن قراءة الحائض القرآن في ثلاث روايات :

الاولى : ما عن دعائم الإسلام عن علي عليه‌السلام : « قال : لا تقرأ الحائض قرآناً ولا تدخل مسجداً » (3).

الثّانية : ما عن دعائم الإسلام عن أبي جعفر عليه‌السلام : « قال : إنّا نأمر نساءنا الحُيّض أن يتوضأن عند وقت كلّ صلاة ... ولا يقربن مسجداً ولا يقرأن قرآناً » (4).

الثّالثة : ما عن هداية الصدوق عن علي عليه‌السلام : « سبعة لا يقرءون القرآن : الرّاكع والسّاجد وفي الكنيف وفي الحمام والجنب والنّفساء والحائض » (5).

وهي ضعيفة الإسناد ، لكنّها بناءً على قاعدة التّسامح تقتضي الكراهة ، والوجه فيما


1) المقنعة : 58 / في الحيض.

2) الحدائق 3 : 276 / في الحيض.

3) المستدرك 2 : 26 / أبواب الحيض ب 27 ح 1.

4) المستدرك 2 : 27 / أبواب الحيض ب 27 ح 3.

5) المستدرك 2 : 27 / أبواب الحيض ب 27 ح 4.

وحمله ولمس هامشه وما بين سطوره إن لم تمس الخطّ وإلاّ حرم (1).


ذكرناه : أنّ مقتضى الأخبار المعتبرة جواز القراءة للحائض ، كما في رواية معاوية بن عمّار المتقدّمة « وتلت القرآن » (1)، وفي صحيحة زُرارة : « قلت له الحائض والجنب هل يقرءان من القرآن شيئاً؟ قال : نعم ، ما شاءا إلاّ السجدة » (2)وفي موثقة الفُضَيل بن يسار عن أبي جعفر عليه‌السلام : قال : لا بأس أن تتلو الحائض والجنب القرآن » (3)ونظيرها غيرها من الأخبار (4).

فإن قلنا بالتّسامح في أدلّة المكروهات فلا مناص من الالتزام بالكراهة ، لورود المنع في الأخبار المتقدّمة ، وإلاّ نلتزم بالجواز من دون كراهة.

نعم ، لو قلنا بالكراهة فلا تختصّ بما زاد عن سبع آيات ، بل الحكم بالكراهة مطلق ولو في أقلّ من آية فيما إذا صدق أنّها تقرأ القرآن.

كراهية حمل القرآن ولمس هامشه

(1) والدليل على ذلك ما ورد في رواية إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن عليه‌السلام : « قال : المصحف لا تمسّه على غير طهر ولا جنباً ولا تمسّ خيطه ولا تعلقه ، إنّ اللّه تعالى يقول ( لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) » (5)، وما ورد فيما رواه محمّد بن مسلم قال « قال أبو جعفر عليه‌السلام : الجنب والحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب ... » (6)، فإنّها تدل على أنّ مسّهما المصحف من غير واسطة الثوب ونحوه مبغوض.


1) الوسائل 2 : 346 / أبواب الحيض ب 40 ح 5.

2) الوسائل 2 : 216 / أبواب الجنابة ب 19 ح 4.

3) الوسائل 2 : 217 / أبواب الجنابة ب 19 ح 5.

4) كصحاح زيد الشحّام والحلبي ومحمّد بن مسلم المذكورة في نفس الباب.

5) الوسائل 1 : 384 / أبواب الوضوء ب 12 ح 3. وفي نسخة « خطّه ».

6) الوسائل 2 : 217 / أبواب الجنابة ب 19 ح 7.

[786] مسألة 43 : يستحبّ لها الأغسال المندوبة كغسل الجمعة والإحرام والتّوبة ونحوها ، وأمّا الأغسال الواجبة فذكروا عدم صحّتها منها ، وعدم ارتفاع الحدث مع الحيض ، وكذا الوضوءات المندوبة ، وبعضهم قال بصحّة غسل الجنابة دون غيرها. والأقوى صحّة الجميع وارتفاع حدثها وإن كان حدث الحيض باقياً بل صحّة الوضوءات المندوبة لا لرفع الحدث (1).


وهي محمولة على الكراهة ، لما ورد في قبالها من الأخبار المصرحة بالجواز ، كما في حسنة داود بن فَرقَد عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال « سألته عن التعويذ يعلّق على الحائض ، قال : نعم ، لا بأس ، قال وقال : تقرؤه وتكتبه ولا تصيبه يدها » (1)مع أنّ التعليق يستلزم مسّ الجلد والورق عادة. على أنّ جواز مسّ الحائض والجنب غير كتابة القرآن ممّا نقطع بجوازه.

استحباب الأغسال المندوبة

(1) هل يجوز للحائض أن تأتي بالأغسال المستحبّة أو الواجبة غير غسل الحيض والوضوءات المستحبّة أو لا يجوز؟

الصحيح جواز ذلك ، لإطلاق ما دلّ على استحباب الأغسال والوضوءات المستحبّة وما دلّ على وجوب الأغسال الواجبة ، فإنّ مقتضاها الجواز والصحّة حتّى من الحائض.

نعم ، ورد في ما رواه سعيد بن يسار « أنّه سأل أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن المرأة ترى الدم وهي جنب أتغتسل من الجنابة أو غسل الجنابة والحيض واحد؟ قال قد أتاها ما هو أعظم من ذلك » (2).

وفي موثقة الكاهلي ، قال « سألته عن المرأة يجامعها زوجها فتحيض وهي في


1) الوسائل 2 : 342 / أبواب الحيض ب 37 ح 1.

2) الوسائل 2 : 314 / أبواب الحيض ب 22 ح 2.

المغتسل تغتسل أو لا تغتسل؟ قال : قد جاءها ما يفسد الصّلاة فلا تغتسل » (1).

وفي صحيحة محمّد بن مسلم قال « سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الحائض تطّهّر يوم الجمعة وتذكر اللّه؟ قال : أمّا الطّهر فلا ، ولكنّها تتوضأ في وقت الصّلاة » (2).

إلاّ أنّها لا تدلّ على عدم جواز غسل الجنابة من الحائض ، وذلك لأنّها معارضة بما هو صريح في الجواز ، وهو مثل موثقة عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال « سألته عن المرأة يواقعها زوجها ثمّ تحيض قبل أن تغتسل ، قال : إن شاءت أن تغتسل فعلت ، وإن لم تفعل فليس عليها شي‌ء ، فإذا طهرت اغتسلت غسلاً واحداً للحيض والجنابة » (3).

وتدلّنا هذه الموثقة على أنّ الوجه في عدم وجوب الغسل من الجنابة على الحائض هو أنّ الغسل يجب مقدّمة للصلاة ، وحيث إنّ الصّلاة غير واجبة على الحائض فلا يجب الاغتسال عليها من الجنابة لا أنّه غير مشروع في حقّها ، وبذلك يمكن الجمع بين الطائفتين ، وعلى تقدير المعارضة فتسقطان ونرجع إلى مقتضى العمومات والإطلاقات وهو الجواز.

وأمّا صحيحة محمّد بن مسلم فدلالتها على عدم جواز غسل الجنابة على الحائض متوقّفة على أن يراد من الطّهر الاغتسال من غير الحيض ، مع احتمال إرادة الاغتسال من الحيض وأنّه هل يسوغ لها غسل الحيض والوضوء لتتطهّر وتشتغل بذكر اللّه تعالى في أوقات الصّلاة أو غيرها ، فكأنه نوع تطهّر كما هو الحال في المستحاضة تغتسل وتتوضّأ للصلوات أو لا يجوز؟ فأجابه عليه‌السلام بعدم مشروعيّة غسل الحيض قبل انقطاع الدم.

وكيف كان لا ينبغي الإشكال في جواز الوضوءات والأغسال المستحبّة والواجبة عليها.


1) الوسائل 2 : 314 / أبواب الحيض ب 22 ح 1.

2) الوسائل 2 : 314 / أبواب الحيض ب 22 ح 3.

3) الوسائل 2 : 264 / أبواب الجنابة ب 43 ح 7.

نعم ، الإلزام بتلك الأغسال غير ثابت في حقّها ، لما قدّمناه من إجزاء كلّ غسل عن غيره من الأغسال وإن لم يقصد من جهة التداخل ، فإنّ الحائض حينئذ يجوز لها أن تترك غسل المسّ مثلاً إلى أن تغتسل من الحيض ، ويرتفع جميع الأحداث بغسل الحيض.

وأمّا ما عن المحقّق (1)من أنّ الطّهارة ضدّ الحدث ، ومع الحدث الحيض لا يتحقّق الطّهارة ، لعدم اجتماع الضدّين ، فمندفع بأنّه وجه استحساني غير قابل للاستدلال به على الأحكام الشرعيّة بوجه.

استدراك

ذكرنا أنّ المراد بالطّهر في صحيحة محمّد بن مسلم يحتمل أن يكون اغتسال المرأة من الحيض ، بأن يكون السائل وهو محمّد بن مسلم قد احتمل كون الحائض كالمستحاضة مشروعاً في حقّها الاغتسال من حدثها لتحصيل الطّهارة الوقتيّة للذكر ونحوه ، وإن كان يجب عليها أن تغتسل عن الحيض بعد انقطاع دمها أيضاً ، وأجابه الإمام عليه‌السلام بأنّ الاغتسال من الحيض لا يشرع في حقّ الحائض قبل أن ينقطع دمها ، وعليه فلا دلالة للصحيحة على أنّ الغسل لا يجوز للحائض واجباً كان الغسل أم مندوباً.

ويحتمل أن يراد من الطّهر غسل الجمعة المستحب ، وذلك لما سبق من أنّ كلّ غسل واجب أو مندوب يجزئ عن غيره من الأغسال الواجبة والمستحبّة أو لا أقل من أنّه يجزئ عن الوضوء فقط كما عرفت تفصيله ، فكأنّ السّائل علم بذلك أو احتمله فسأل الإمام عليه‌السلام عن أنّ الحائض هل لها أن تحصل الطّهارة لأجل ذكرها باغتسالها للجمعة ، وعليه فيكون جواب الإمام عليه‌السلام بقوله « أمّا الطّهر فلا » بمعنى أنّ الطّهارة لا تحصل للحائض باغتسالها عن الجمعة ، لا أنّه غير


1) المعتبر 1 : 221 / أحكام الحائض ، الشرائع 1 : 36 / أحكام الحائض.

مشروع في حقّها وإنّما طهارتها منحصرة بالوضوء وحسب.

وعليه فالصحيحة أجنبيّة عمّا نحن فيه من أنّ الوضوءات المستحبّة والأغسال المسنونة والمفروضة جائزة للحائض أو ليست بجائزة كما هو ظاهر.

هذا تمام الكلام في الحيض وأحكامه

والحمد لله أوّلاً وآخراً

فهرس الموضوعات

فهرس الموضوعات

الطهارة

الطهارة فصل في مستحبات غسل الجنابة... 1

الاستعانة بالغير في مقدمات الغسل... 2

اشتراط غسل الجنابة بالبول قبله... 3

البلل المشتبه وصوره... 6

خروج البلل بعد الغسل مع عدم سبق البول... 6

خروج البلل بعد الغسل مع سبق البول من دون الاتيان بالخرطات... 9

خروج البلل بعد الغسل مع سبق البول والخرطات... 10

خروج البلل مع الشك في الاستبراء... 16

حكم الرطوبة المشتبهة من المرأة... 17

حكم الرطوبة المشبهة الخارجة قبل البول وبعد الخرطات... 18

الحدث الأصغر أثناء الغسل... 19

تقارن الحدث الأصغر مع الغسل الارتماسي... 27

الحدث الأكبر أثناء الغسل... 28

الحدث الأكبر أثناء الوضوء... 30

الحدث الأصغر أثناء الغسل المستحب... 31

الشك في غسل عضو بعد إتمام الغسل... 32

جريان قاعدتي الفراغ والتجاوز في الغسل... 33

الكلام في جريان قاعدة التجاوز في الغسل إذا شك في غسل الأيمن وهو في الأيسر 35

الشك في نية الغسل الارتماسي بعد الارتماس في الماء... 38

صور الشك في الغسل بعد الصلاة... 40

حكم اجتماع الأغسال الواجبة والبحث عن التداخل وعدمه... 43

حكم اجتماع الأغسال المستحبة... 45

حصول امتثال جميع الأغسال بغسل واحد... 51

الوضوء بعد غسل الجنابة... 52

إذا نوى أحد الأغسال وغفل عن غيره... 53

إذا اغتسل الجنب بنية غسل آخر عليه فهل يغني عن الوضوء؟... 59

إجزاء نية بعض الأغسال المندوبة عن الأغسال الواجبة والمندوبة... 60

إذا نوى بعض الأغسال ونوى عدم الآخر... 62

فصل في الحيض... 65

أوصاف الحيض... 65

مبدأ الحيض ومنتهاه... 66

الأقوال في حد اليأس... 67

تعريف القرشية... 72

الشك في كون المرأة قرشية... 73

الشك في البلوغ واليأس... 75

الدم الخارج من مشكوكة البلوغ... 75

اجتماع الحيض مع الارضاع والحمل... 79

التفصيلات في المقام... 84

أقسام الدم الخارج من الحبلى... 86

الدم الذي لم يخرج إلى خارج الفرج... 91

الشك في حيضية الدم... 93

تردد الدم بين الحيض والبكارة... 94

شريطة وجوب الاختبار... 99

حكم تعذر الاختبار... 103

تردد الدم بين الحيض والقرحة... 106

تردد الدم بين الحيض وغير دم القرحة... 112

أقل مدة الحيض... 112

أكثر مدة الحيض... 117

أقل الطهر... 119

كفاية التلفيق في الثلاثة... 121

اعتبار التوالي في الثلاثة الأول ونقد كلام الحدائق ( قدس سره )... 121

اعتبار الاستمرار في الثلاثة الأول... 132

حكم النقاء الأقل من العشرة المتخلل بين الدمين... 135

ما استدل به صاحب الحدائق على مسلكه... 137

أقسام الحائض... 147

أقسام ذات العادة... 147

ما يتحقق به العادة... 148

هل تتحقق العادة برؤية الدم مرة... 153

هل تتحقق العادة برؤية الدم مرتين في شهر واحد أو في أزيد من شهرين... 157

هل يعتبر تساوي الطهرين في العادة الوقتية... 159

انقلاب العادة... 161

العادة المركبة... 164

تحقق العادة بالتمييز... 166

حكم النقاء المتخلل بين الحيضتين... 171

تساوي الحيضتين في العددية... 174

تساوي الحيضتين في الوقتية... 176

وظائف صاحبة العادة الوقتية... 177

تقدم الدم على العادة... 179

تأخر الدم على العادة... 184

رؤية الدم في غير أيام العادة... 187

حكم الناسية... 189

حكم المبتدئة... 189

حكم المضطربة التي ترى الدم بصفات الحيض... 190

حكم المضطربة والمبتدئة والناسية إذا رأت الدم بغير صفات الحيض ثلاثة أيام... 191

قاعدة الامكان... 192

مورد قاعدة الامكان... 192

أدلة قاعدة الامكان... 195

النصوص المستدل بها على قاعدة الامكان... 196

المراد بالامكان في القاعدة... 201

الدم الذي تراه المبتدئة والناسية والمضطربة قبل مضي ثلاثة أيام... 206

حكم النقاء المتخلل بين الدمين مع كون المجموع عشرة أو أقل... 214

حكم الدمين المتخلل بينهما الطهر أقل من عشرة... 215

إذا كان بعض كل واحد من الدمين في العادة... 221

تعارض الوقت والعدد... 224

رؤية الدم أزيد من العدد... 225

رؤية الدم أزيد من الوقت... 226

رؤية الدم مرتين في شهر واحد... 226

الكلام في وجوب الاستبراء... 230

التحقيق في جريان الاستصحاب في المقام... 235

كيفية الاستبراء... 236

نتيجة الاستبراء... 237

تعارض الروايات في وجوب الاستظهار... 240

ما جمع به صاحب الحدائق بين الطائفتين... 243

ما جمع شيخنا الأنصاري بين الطائفتين... 245

الجمع المنقول عن صاحب المدارك... 248

ما جمع به الوحيد البهبهاني بين الطائفتين... 249

الجمع الصحيح بين الطائفتين... 249

حكم انقطاع الدم بالمرة مع احتمال عوده... 257

هل تبطل الصلاة بترك الاستبراء؟... 258

حكم تعذر الاستبراء لظلمة أو عمى... 259

فصل في حكم تجاوز الدم عن العشرة... 261

حكم ذات العادة الوقتية والعددية إذا تجاوز دمها العشرة... 261

حكم المضطربة التي تجاوز دمها العشرة... 263

حكم المبتدئة التي تجاوز دمها العشرة... 264

الكلام فيما اشترطه الماتن من رجوع المضطربة والمبتدئة إلى الصفات... 270

توضيح كلام المحقق الخراساني في المقام... 273

رجوع المبتدئة إلى الأقارب مع تعذر التمييز بالصفات... 280

رجوع المبتدئة إلى العدد مع فقد الأقارب... 283

رجوع المضطربة إلى الأقارب مع تعذر التمييز بالصفات ثم إلى العدد... 288

حكم ناسية العدد... 290

حكم ناسية الوقت... 293

حكم ناسية الوقت والعدد... 295

المراد من الشهر الذي تجعل المستحاضة ثلاثة أو سبعة منه حيضا... 298

وجوب الموافقة بين الشهور في تخيير المرأة في جعل العدد... 299

إذا تبين أن زمان الحيض غير ما اختارته... 300

تجاوز الدم عن العشرة في ذات العادة الوقتية... 301

تجاوز الدم عن العشرة في ذات العادة العددية... 305

التسوية بين أوصاف الدم... 309

لو رأت ثلاثة بصفة الحيض وثلاثة بصفة الاستحاضة وخمسة بصفة الحيض... 311

رؤية الدم ثلاثة أيام متفرقة في ضمن العشرة... 316

ما يعتبر في التمييز بالصفات... 317

حكم الرجوع إلى الأقران... 320

منافاة ما تختاره المرأة من العدد مع حق الزوج... 322

تدارك الأعمال المتروكة في أيام الحيض إذا انكشف الخلاف... 325

فصل في أحكام الحائض... 327

1 - العبادة... 327

الكلام في حرمة العبادة ذاتا... 327

2 - المس... 327

3 - قراءة آية السجدة... 341

4 - اللبث في المساجد... 342

5 - وضع شيء في المسجد... 342

6 - الاجتياز من المسجدين... 343

الكلام في التحاق المشاهد بالمساجد... 345

حكم الحيض في المسجدين... 346

حكم الحيض في أثناء الصلاة... 347

سجدة الشكر للحائض... 348

سجدة التلاوة على الحائض... 349

اجتياز الحائض المساجد... 353

7 - الوطء... 356

حكم وطء الحائض في القبل... 356

أدلة حرمة التمكين على الزوجة... 358

حكم الاستمتاعات غير الوطء... 360

حكم وطء الحائض في الدبر... 361

حكم الوطء في ثقبة المرأة التي تحيض منها... 363

حجية خبر المرأة عن طهرها... 366

عدم الفرق بين أصناف المرأة في حرمة الوطء... 367

وطء المرأة في أيام الاستظهار... 367

الحيض في أثناء المقاربة... 370

8 - وجوب الكفارة... 370

كيفية الجمع بين الأخبار المتعارضة... 373

وطء المملوكة في حيضها... 374

وطء المبعضة والمزوجة والمحللة والمشتركة... 375

تحمل المرأة الموطوءة الكفارة... 377

تحمل الجاهل الكفارة... 378

كفارة الوطء في الدبر... 380

كفارة الزنا بالحائض... 380

كفارة وطء الحائض الميتة... 381

حكم إدخال بعض الحشفة... 382

وطء الزوجة بتخيل أنها أمته... 383

العجز عن أداء الكفارة... 383

التحيض أثناء الجماع... 385

إعطاء قيمة الدينار... 387

مصرف الكفارة... 389

تكرر الوطء في كل ثلث من الحيض... 391

وطء النفساء... 393

9 - طلاق الحائض وظهارها... 395

حكم طلاق الغائب زوجته الحائض... 395

حكم طلاق الوكيل زوجة الغائب قدرة الوكيل على استعلام حالها... 396

طلاق الحائض باعتقاد أنها طاهرة... 397

التفصيل في تروك الحيض بين إناطتها بخروج الدم أو حدث الحيض... 398

10 - وجوب الغسل... 400

استحباب غسل الحيض نفسيا... 401

كيفية غسل الحيض... 401

إغناء غسل الجنابة عن الوضوء... 402

إغناء الغسل غير الجنابة عن الوضوء... 403

الكلام في وجوب تقديم الوضوء على الغسل أو تأخيره عنه... 410

حلية تروك الحيض بالاغتسال... 412

بدلية التيمم عن غسل الحيض... 414

وطء الحائض قبل الاغتسال... 420

ماء غسل الزوجة... 424

انتقاض التيمم بدل الغسل بالحدث الأصغر... 425

11 - وجوب قضاء ما فات... 426

حكم قضاء الصلاة إذا حاضت بعد دخول الوقت... 433

إذا طهرت قبل خروج الوقت... 442

إذا طهرت في زمان لا يسع الصلاة مع الطهارة... 443

المراد بالركعة في قاعدة من أدرك... 449

فروع ترتبط بأعمال الحائض من القضاء والتدارك... 451

العلم أول الوقت بمفاجئة الحيض... 454

إذا طهرت ولها وقت إحدى الصلاتين... 456

إذا طهرت في مواطن التخيير مع ضيق الوقت... 457

إذا اعتقدت سعة الوقت للصلاتين فتين الخلاف... 459

عدم سعة الوقت إلا لواحدة مع اشتباه القبلة... 461

ما يستحب للحائض وما يكره لها... 464

استحباب التنظف وتبديل القطنة والخرقة... 464

استحباب التوضؤ في أوقات الصلاة... 465

استحباب جلوس الحائض في مصلاها... 469

استحباب قراءة القرآن... 470

استحباب التيمم للحائض بدلا عن الوضوء إذا لم تتمكن منه... 471

كراهة الخضاب... 473

كراهة قراءة القرآن... 474

كراهة حمل القرآن ولمس هامشه... 475

هل يجوز الأغسال الواجبة والمستحبة للحائض؟... 476

الصورة

492-7