ghaemiyeh.com
سرشناسه : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
عنوان قراردادی : عروهالوثقی . شرح
عنوان و نام پديدآور : التنقیح في شرحالعروة الوثقی/ [محمدکاظمبن عبدالعظیم یزدی]؛ تقریرا لابحاث ابوالقاسم الموسوی الخوئی؛ تالیف علی الغروی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدسسره)؛ [بیجا]: التوحید للنشر، 1418ق.= 1998م.= 1377 -
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسوعه الامام الخوئی.
شابک : ج.1 964-6084-03-6 : ؛ ج. 2، چاپ دوم 964-6084-10-9 : ؛ ج.٬3چاپ سوم 964-6084-05-2 : ؛ ج.٬4 چاپ سوم 964-6084-04-4 : ؛ ج. 5، چاپ سوم 964-6084-08- 7 : ؛ ج.6 964-6084-17-6 : ؛ ج.7 964-6084-19-2 : ؛ ج.8 964-6084-18-4 : ؛ ج.9 964-6084-21-4 : ؛ ج.10 964-6084-20-6 :
يادداشت : عربی.
يادداشت : ج.1 - 10(چاپ سوم: 1428ق.= 2007م.= 1386 ).
يادداشت : ج. 1، 7 ، 9 ، 10 کتاب حاضر توسط موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدسسره) منتشر شده است.
یادداشت : کتابنامه..
مندرجات : ج. 1. التقلید.- ج. 2، 4 ، 6 ، 7 و 9. الطهاره
موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- قرن 14
شناسه افزوده : غروی، علی، 1280 - 1376.
شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمد کاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی. شرح
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021373 1377
رده بندی دیویی : 297/342
شماره کتابشناسی ملی : م78-8589
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
اطلاعات رکورد کتابشناسی : فهرست قبلی
المؤلف: الشيخ علي الغروي
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه
المطبعة: توحيد
الطبعة: 0
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1418 ه.ق
ISBN (ردمك): 964-6084-08-7
المكتبة الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ
وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ
مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ
التَّنْقِيحُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
التَّنْقِيحُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
تقرير الإبحاث
الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره
«1317 - 1413 ه»
الطهارة
تأليف آية اللّه الشهيد الشيخ ميرزا علي الغروي قدس سره
طبعة منقحة
مؤسسة الخوئي الإسلامية
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية
الجزء الخامس
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+
تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م
المطبعة: نينوي
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
7 - 08 - 6084 - 964 : ISBN
Email:info@alkhoei.net
www.alkhoei.com
www.alkhoei.net
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.
وبعد: فهذا هو الجزء الرابع من كتابنا «التنقيح» في شرح العروة الوثقى شرعنا في طبعه حامدين مصلين سائلين من المولى جل شأنه أن يوفقنا لإتمامه فإنه الموفق والمعين.
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[485] مسألة 1 : الأقوى كما أُشير إليه سابقاً كونه مستحباً في نفسه وإن لم يقصد غاية من الغايات حتى الكون على الطهارة ، وإن كان الأحوط قصد إحداها (1).
[486] مسألة 2 : الوضوء المستحب على أقسام :
أحدها : ما يستحب في حال الحدث الأصغر فيفيد الطهارة منه.
الثاني : ما يستحب في حال الطهارة منه كالوضوء التجديدي.
الثالث : ما هو مستحب في حال الحدث الأكبر وهو لا يفيد طهارة ، وإنما هو لرفع الكراهة ، أو لحدوث كمال في الفعل الذي يأتي به كوضوء الجنب للنوم ووضوء الحائض للذكر في مصلاّها.
فصل في الوضوءات المستحبّة
(1) على ما قدّمنا تفصيل الكلام في ذلك عند الكلام على غايات الوضوء (1)وبيّنا بما لا مزيد عليه أن الوضوء مستحب في نفسه وفاقاً للماتن قدسسره فليلاحظ.
1) في شرح العروة 4 : 467.
أمّا القسم الأوّل فلأُمور :
الأوّل : الصلاة المندوبة وهو شرط في صحتها أيضاً (1).
الثاني : الطواف المندوب (2) وهو ما لا يكون جزءاً من حج أو عمرة ولو مندوبين ، وليس شرطاً في صحته. نعم ، هو شرط في صحة صلاته.
(1) للأدلّة الدالة على أن الطهارة شرط في الصلاة ، وأنه لا صلاة إلاّ بطهور ، وغاية الأمر أنها إذا كانت واجبة كان الوضوء أيضاً واجباً إما عقلاً وشرعاً ، وإما عقلاً فقط بناء على إنكار القول بوجوب مقدمة الواجب شرعاً. كما أنها إذا كانت مستحبة كان الوضوء أيضاً مستحباً لا محالة ، وهذا لا بمعنى أن المكلف في الصلوات المندوبة يتمكن من ترك الوضوء بأن يأتي بها من دون وضوء ، كما هو معنى الاستحباب في غيرها كاستحباب الوضوء لقراءة القرآن ونحوها من المستحبات ، بل معنى استحباب الوضوء حينئذٍ أن المكلف يتمكن من ترك الوضوء بترك ما هو مشروط به أعني الصلاة المندوبة.
(2) وهذا لاشتماله على الصلاة ، وقد عرفت أنها مشروطة بالطهارة وإلاّ فلا يعتبر الوضوء في نفس الطواف المندوب أبداً وإنما يعتبر في الطواف الواجب على ما قدمنا الكلام عليه ، وتدلّنا على ذلك صحيحة معاوية بن عمار قال : « قال أبو عبد اللّه عليهالسلام لا بأس أن يقضى المناسك كلها على غير وضوء ، إلاّ الطواف فان فيه صلاة والوضوء أفضل » (1)وصحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « أنه سئل أينسك المناسك وهو على غير وضوء؟ فقال : نعم إلاّ الطواف بالبيت فان فيه صلاة » (2)لصراحتها في أن أصل الطواف غير مشروط بالوضوء وإنما يعتبر لصلاته. نعم ، لا بدّ من تخصيص ذلك بالمندوب ، لأنّ الطواف الواجب في نفسه يعتبر فيه الوضوء كما تقدّم.
الثالث : التهيؤ للصلاة في أوّل وقتها ، أو أوّل زمان إمكانها إذا لم يمكن (1)
(1) إن من المناسب في المقام أن نتكلم على ما هو الدليل على مشروعية الوضوء للتهيؤ قبل دخول وقت الصلاة ، وذلك لأنّا إن قلنا إن الوضوء أمر مستحب في نفسه أو لم نقل بالاستحباب النفسي له ولكن المكلف أتى به بغاية الكون على الطهارة قبل الوقت فلا إشكال في صحته ، لأنه على التقدير الأول مستحب نفسي ، وعلى الثاني قد أتى به بغاية مستحبة وهو الكون على الطهارة بناء على إنكار الاستحباب النفسي للوضوء إذ الكون على الطهارة أمر محبوب شرعاً فيأتي بالأفعال والوضوء بغاية ترتب الطهارة عليها ، فلا بدّ من الحكم بصحته على كلا التقديرين وإن كان له داع آخر أيضاً على الإتيان به وهو التهيؤ للصلاة في أول وقتها.
وأما إذا أنكرنا استحبابه النفسي ولم يؤت به بغاية الكون على الطهارة ، فيقع الكلام حينئذٍ في مدرك مشروعيته إذا أتى به قبل وقت الفريضة بغاية التهيؤ للصلاة.
فقد يستدل على مشروعيته بغاية التهيؤ قبل دخول وقت الصلاة ، بما دلّ على أفضلية الإتيان بها في أوّل وقتها ، وأنّ أوّل الوقت رضوان اللّه (1)والآيات الآمرة باستباق الخيرات والمسارعة إلى مغفرة اللّه سبحانه (2)بتقريب أن أفضلية الصلاة في أول وقتها تدلنا بالملازمة على جواز الإتيان بالوضوء للتهيّؤ لها قبل دخول وقتها لوضوح أنه إذا لم يجز للمكلف الإتيان بالوضوء للتهيؤ قبل الوقت لم يتمكن من الإتيان بالصلاة في أول وقتها ، ولكان الحث على الإتيان بها وقتئذٍ في تلك الأدلة لغواً ظاهراً ، ومع سقوطها لم يمكن الحكم بأفضلية الصلاة في أول وقتها.
ويدفعه : أن الآيات والأخبار وإن دلتا بالملازمة على استحباب الوضوء قبل
دخول وقت الصلاة ، وأنه حينئذٍ يقع صحيحاً مأموراً به لأن الصلاة مشروطة بالوضوء الصحيح ، إلاّ أنه لا دلالة لهما بوجه على أن الإتيان به بتلك الغاية أعني غاية التهيؤ للصلاة أمر مشروع في الشريعة المقدسة وأنه موجب لصحته وتماميته ، وذلك لإمكان الإتيان به قبل الوقت بغاية الكون على الطهارة ، أو بغاية صلاة مندوبة ، أو لأجل استحبابه النفسي.
وعلى الجملة : أنّ الصلاة مشروطة بالوضوء الصحيح وقد دلت الأدلة المتقدِّمة على جواز الإتيان به قبل وقت الصلاة وكونه صحيحاً وقتئذٍ ، وأما أن الإتيان به بغاية التهيؤ للصلاة مشروع وصحيح فلا يكاد يستفاد منها بوجه.
على أنّا سلمنا دلالتها على مشروعية الوضوء للتهيؤ قبل وقت الصلاة ، فلما ذا خصّصوا استحبابه بما إذا أُتي به قريباً من الوقت؟ لأنه على ذلك لا فرق في استحبابه للتهيّؤ بين الإتيان به قريباً من الوقت أم بعيداً عنه ، كما إذا توضأ أول طلوع الشمس مثلاً للتهيّؤ لصلاة الظهر.
وقد يستدل على ذلك بالمرسل المروي عن الذكرى من قولهم عليهمالسلام « ما وقّر الصلاة من أخّر الطهارة لها حتى يدخل وقتها » (1)وهي بحسب الدلالة ظاهرة ولكنها ضعيفة بحسب السند ، اللّهمّ إلاّ أن يقال إن أخبار من بلغ تدلنا على استحباب نفس العمل الذي قد بلغ فيه الثواب ، أو على استحباب إتيانه رجاءً ، وقد عرفت عدم دلالتها على الاستحباب الشرعي في محلِّه (2)فليلاحظ.
فالصحيح أن يستدل على مشروعية الوضوء للتهيؤ قبل الوقت بإطلاق قوله عزّ من قائل ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ... ) (3)نظراً إلى أن القيام نحو الشيء على ما يستعمل في غير اللغة العربية أيضاً إنما هو الاستعداد والتهيؤ له ، وقد دلّت الآية
إتيانها في أوّل الوقت ، ويعتبر أن يكون قريباً (1)من الوقت أو زمان الإمكان ، بحيث يصدق عليه التهيؤ (1).
الرابع : دخول المساجد (2).
المباركة على أن من تهيأ للصلاة شرع له الوضوء أعني الغسلتين والمسحتين ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين القيام لها قبل الوقت أو بعده. نعم ، يختص ذلك بما إذا أتى بالوضوء قريباً من وقت الفريضة ، لعدم صدق القيام لها في مثل ما إذا توضأ في أول الصبح مثلاً تهيؤاً لصلاة الظهر ، هذا.
والذي يسهّل الخطب أن الوضوء مستحب نفسي عندنا ، ومعه لا يفرق الحال في مشروعيته بين أن يأتي به قريباً من وقت الفريضة أم بعيداً عنه.
(1) قد عرفت تفصيل الكلام في ذلك آنفاً فلاحظ.
(2) قد اتضح مما سردناه في التعليقة المتقدمة أن الحكم باستحباب الوضوء بغاية الدخول في المساجد وما الحق بها من المشاهد المشرفة أيضاً محل المناقشة والكلام ، إذ الأخبار الواردة في استحباب دخول المساجد أو هي مع المشاهد متطهِّراً (2)إنما تدل على أن الوضوء قبل دخولهما أمر مستحب ، وأما أنه مشروع بتلك الغاية ويستحب الوضوء بغاية دخولهما ، فهو مما لا يكاد يستفاد منها كما عرفت ، لإمكان أن يتوضأ بغاية الكون على الطهارة أو الصلاة المندوبة أو غيرهما من الغايات المسوّغة للوضوء هذا.
ويمكن أن يصحّح الوضوء المأتي به بغاية دخول المسجد وما الحق به من المشاهد
الخامس : دخول المشاهد المشرّفة.
السادس : مناسك الحج مما عدا الصلاة والطواف.
السابع : صلاة الأموات.
الثامن : زيارة أهل القبور.
التاسع : قراءة القرآن أو كتبه ، أو لمس حواشيه ، أو حمله.
العاشر : الدعاء وطلب الحاجة من اللّه تعالى.
الحادي عشر : زيارة الأئمة ولو من بعيد.
الثاني عشر : سجدة الشكر ، أو التلاوة.
الثالث عشر : الأذان والإقامة ، والأظهر شرطيته في الإقامة.
الرابع عشر : دخول الزوج على الزوجة ليلة الزفاف بالنسبة إلى كل منهما.
الخامس عشر : ورود المسافر على أهله فيستحب قبله.
السادس عشر : النوم.
السابع عشر : مقاربة الحامل.
الثامن عشر : جلوس القاضي في مجلس القضاء.
التاسع عشر : الكون على الطهارة.
العشرون : مس كتابة القرآن في صورة عدم وجوبه ، وهو شرط في جوازه كما مرّ ، وقد عرفت أن الأقوى استحبابه نفسياً أيضاً.
وغيره من الغايات المذكورة في المتن ، بأنّا مهما شككنا في شيء فلا نشك في أن الطهارة أمر مرغوب فيها في الشريعة المقدسة ، فإن بنينا على أن الطهارة هي الوضوء في نفسه كما ورد من أن الوضوء طهور وأنه على وضوء كما قدمناه سابقاً (1)وهو الدارج في كلمات الفقهاء ( قدس اللّه أسرارهم ) حيث يقولون : الطهارات الثلاث
1) في شرح العروة 4 : 469.
وأمّا القسم الثاني فهو الوضوء للتجديد ، والظاهر جوازه ثالثاً ورابعاً فصاعداً
ويقصدون بها الوضوء والغسل والتيمم ، فلا كلام في أنه بنفسه أمر مستحب ومما ندب إليه في الشريعة المقدسة ، لأن اللّه يحب المتطهرين فلا يحتاج حينئذٍ في صحته إلى قصد شيء من غاياته ، لأجل الاستحباب النفسي على الفرض.
وإذا قلنا أن الطهارة كالملكية والزوجية وغيرهما من الأُمور الاعتبارية أمر مترتب على الغسلتين والمسحتين ، فلو كنّا نحن وما دلّ على أن الوضوء غسلتان ومسحتان لاكتفينا في الحكم بحصول الطهارة وترتبها عليهما بمجرد حصولهما في الخارج من غير اعتبار أي شيء آخر في صحتها ، كما كنّا نحكم بحصول الطهارة الخبيثة بمجرد غسل البدن والثياب من دون اعتبار شيء آخر في حصولها ، إلاّ أن الأدلة الدالة على أن الوضوء يعتبر فيه قصد القربة والإتيان به بنية صالحة ، دلتنا على أن الغسلتين والمسحتين غير كافيتين في حصول الطهارة ما لم يؤت بهما بنية صالحة مقربة. وعلى ذلك يمكن أن يؤتى بالوضوء بقصد شيء من غاياته المترتبة عليه من دخول المساجد والمشاهد وقراءة القرآن والصلاة المندوبة أو غير ذلك مما أشار إليه في المتن ، لأنه وقتئذٍ قد أتى بالغسلتين والمسحتين وأضافهما إلى اللّه سبحانه باتيانهما بقصد شيء من غاياته ، وقد فرضنا أنهما مع النية الصالحة محصلتان للطهارة بلا فرق في ذلك بين قصد الغاية التي تتوقف مشروعيتها على الوضوء كالصلاة الواجبة والمندوبة ، وما يتوقف عليه كمالها كالقراءة ودخول المساجد ونحوهما من غاياته.
إذن فلا يعتبر في صحة الوضوء أن يؤتى به بغاية الصلاة أو الكون على الطهارة ويصح بذلك الوضوء بجميع الغايات المذكورة في المتن فليلاحظ.
فقد اتضح بما سردناه الخلل في جملة من الاستدلالات على استحباب التوضؤ للغايات المذكورة في كلام الماتن قدسسره كما اتضح الوجه في جواز التوضؤ بجميع تلك الغايات المذكورة ، فلا حاجة إلى إطالة الكلام بالتعرض لحكم كل واحد واحد بالاستقلال.
أيضاً (1).
(1) لا ينبغي الإشكال في مشروعية الوضوء التجديدي في الشريعة المقدّسة ، سواء تخلل بين الوضوءين فصل فعل كالصلاة ونحوها أو فصل زمان أم لم يتخلل ، كما لا فرق في استحبابه بين ما إذا أتى به لنفسه ، وما إذا أتى به لأجل فعل آخر مشروط به من فريضة أو نافلة ، وأيضاً لا فرق في ذلك بين من يحتمل طروء الحدث في حقِّه ومن لا يحتمل ، فلا وجه للتفصيل بينها باشتراط الفصل بالفعل أو الزمان ، أو إرادة الإتيان بما يشترط فيه الوضوء في الثاني دون الأول ، والسر في ذلك أن الأخبار الواردة في الوضوء التجديدي على طائفتين :
إحداهما : ما ورد في موارد خاصة من صلاة المغرب والفجر ونحوهما.
ثانيتهما : ما ورد في استحباب مطلق التجديد.
أمّا الطائفة الأُولى : فمنها : موثقة سماعة بن مهران قال : « كنت عند أبي الحسن عليهالسلام فصلّى الظهر والعصر بين يدي وجلست عنده حتى حضرت المغرب فدعا بوضوء فتوضأ للصلاة ثم قال لي : توض ، فقلت جعلت فداك أنا على وضوء فقال : وإن كنت على وضوء ، إن من توضأ للمغرب كان وضوءه ذلك كفّارة لما مضى من ذنوبه في يومه إلاّ الكبائر ، ومن توضأ للصبح كان وضوءه ذلك كفّارة لما مضى من ذنوبه في ليلته إلاّ الكبائر » (1).
ومنها : ما رواه أيضاً سماعة بن مهران قال : « قال أبو الحسن موسى عليهالسلام من توضأ للمغرب كان وضوءه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في ليلته إلاّ الكبائر » (2)وزيد عليه في رواية الكافي قوله : « ومن توضأ لصلاة الصبح كان وضوءه ذلك كفّارة
لما مضى من ذنوبه في ليلته إلاّ الكبائر » (1).
ومنها : رواية أبي قتادة عن الرضا عليهالسلام قال : « تجديد الوضوء لصلاة العشاء يمحو لا واللّه وبلى واللّه » (2)ومنها غير ذلك من الروايات.
وأمّا الطائفة الثانية : فمنها : ما رواه محمد بن مسلم (3)
ولا يعارضه تضعيف العلاّمة [ في الخلاصة : 334 ، 389 ] وابن الغضائري [ حكى عنه في الخلاصة ] لهما ، لأن الكتاب المنتسب إلى ابن الغضائري الذي منه ينقل تضعيفاته وتوثيقاته لم يثبت أنه له وإن كان له كتاب ولا بأس بالاعتماد على مدحه وقدحه في نفسه.
وأمّا العلاّمة قدسسره فلأن تضعيفاته كتوثيقاته مبتنية على حدسه واجتهاده ، لتأخّر عصره الموجب لضعف احتمال استناده في ذلك إلى الحس والنقل ، إذن فالرواية لا بأس بها من حيث السند ولا بدّ من الحكم بصحتها.
عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « قال أمير المؤمنين عليهالسلام الوضوء بعد الطهور عشر حسنات فتطهروا » (4).ومنها : رواية المفضل بن عمر عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « من جدّد وضوءه لغير حدث جدّد اللّه توبته من غير استغفار » (5)ومنها : غير ذلك من الأخبار. ومقتضى إطلاق هذه الروايات عدم الفرق في استحباب الوضوء التجديدي بين التخلل بفصل فعل أو زمان بين الوضوءين وعدمه ، ولا بين الإتيان به لنفسه وإتيانه لأجل فعل آخر مشروط به ، ولا بين احتمال طروء الحدث في حقه وعدمه ، بل مقتضى إطلاقها هو الحكم باستحباب التجديد ثالثاً ورابعاً فصاعداً ، كما إذا توضأ بغاية قراءة القرآن ثم توضأ بغاية الصلاة المندوبة ثم توضأ بغاية ثالثة مستحبة وهكذا.
1) الكافي 3 : 70 / 5.
2) الوسائل 1 : 377 / أبواب الوضوء ب 8 ح 6.
3) الرواية قد وقع في سندها القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد ، وهما وإن لم يوثقا في كتب الرجال غير أنهما ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات فلا بدّ من الحكم بوثاقتهما.
4) الوسائل 1 : 377 / أبواب الوضوء ب 8 ح 10 ، 7.
5) الوسائل 1 : 377 / أبواب الوضوء ب 8 ح 10 ، 7.
وأمّا الغسل فلا يستحب فيه التجديد (1)بل ولا الوضوء بعد غسل الجنابة ، وإن طالت المدّة (1).
وأمّا القسم الثالث فلأُمور :
بقي في المقام شيء وهو : أنّ ظاهر بعض الأخبار الواردة في المقام عدم مشروعية التجديد في الشريعة المقدّسة فضلاً عن استحبابه كما في رواية عبد اللّه بن بكير عن أبيه قال : « قال لي أبو عبد اللّه عليهالسلام : إذا استيقنت أنك قد أحدثت فتوضأ ، وإيّاك أن تحدث وضوءاً أبداً حتى تستيقن أنك قد أحدثت » (2)ولكن مقتضى الجمع العرفي بينها وبين الأخبار الواردة في مشروعية التجديد واستحبابه ، حمل الرواية على صورة إحداث الوضوء بنية الوجوب ، لأن استصحاب الطهارة حينئذٍ يقتضي الحكم بعدم وجوب الوضوء عليه فالحكم بالوجوب في حقه نقض لليقين بالشك ، ومعه يكون الإتيان بالوضوء تشريعاً محرماً ، لا فيما إذا أتى به بنية الندب كما لعله ظاهر.
(1) هل يستحب الإتيان بغسل الجنابة بعد غسل الجنابة؟ وهل يستحب الإتيان بالوضوء بعد غسلها؟
لم يرد مشروعية الغسل أو الوضوء بعد غسل الجنابة في أية رواية بالخصوص نعم ، تشملهما الإطلاقات الواردة في استحباب الطهر على الطهر كما في مرسلة سعدان عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « الطهر على الطهر عشر حسنات » (3)لأنها تشمل غسل الجنابة بعد غسل الجنابة. والأخبار الواردة في استحباب الوضوء بعد الطهور كما تقدم في رواية محمد بن مسلم.
الأوّل : لذكر الحائض في مصلاها مقدار الصلاة (1).
ولكن الحكم باستحباب التجديد في غسل الجنابة بعيد غايته ، لأنه لو كان مستحبّاً لبان وشاع ، ولم يخف ذلك على الأصحاب ( قدس اللّه أسرارهم ) ولم يرد استحبابه في شيء من الروايات ولم يتعرض له الأصحاب في كلماتهم. بل الحكم باستحبابه لا يخلو عن مناقشة وإشكال ، لأن المرسلة المتقدمة الدالة بإطلاقها على استحباب غسل الجنابة بعد غسل الجنابة ضعيفة بالإرسال وغير قابلة للاعتماد عليها في الحكم بالاستحباب. اللّهمّ إلاّ أن يقال باستفادة الاستحباب من أخبار من بلغ وقد ناقشنا فيه في محلِّه (1)فليراجع.
وأما الوضوء بعد غسل الجنابة فلا ينبغي التأمل في عدم مشروعيته ، وذلك لما ورد في صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « ليس قبله ولا بعده وضوء » (2)فان ظاهرها نفي مشروعية الوضوء بعد غسل الجنابة ، وحملها على نفي الوجوب دون المشروعية خلاف الظاهر. ويؤيده قوله : « قبله » لوضوح أن الوضوء قبل غسل الجنابة لم يتوهم أحد استحبابه ولا وجوبه ، فكذلك الوضوء بعده.
أضف إلى ذلك ما قدمناه في غسل الجنابة بعد غسل الجنابة ، من أن ذلك لو كان مستحباً في الشريعة المقدسة لذاع وشاع وورد ذلك في الروايات ، مع أن كلمات الفقهاء قدسسرهم خالية عن التعرض لاستحبابه ولم ترد أية رواية في استحبابه بالخصوص.
(1) لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « إذا كانت المرأة طامثاً فلا تحل لها الصلاة ، وعليها أن تتوضأ وضوء الصلاة عند وقت كل صلاة ، ثم تقعد في
الثاني : لنوم الجنب (1) وأكله وشربه (2) وجماعه (3)
موضع طاهر فتذكر اللّه عزّ وجلّ وتسبّحه وتهلّله وتحمده كمقدار صلاتها ، ثم تفرغ لحاجتها » (1).
(1) دلّت عليه صحيحة عبيد اللّه بن علي الحلبي قال : « سئل أبو عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل أينبغي له أن ينام وهو جنب؟ فقال : يكره ذلك حتى يتوضأ » (2). وموثقة سماعة قال : « سألته عن الجنب يجنب ثم يريد النوم ، قال : إن أحبّ أن يتوضأ فليفعل ، والغسل أحب إليّ » (3).
(2) لصحيحة عبيد اللّه بن علي الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام عن أبيه قال : « إذا كان الرجل جنباً ، لم يأكل ولم يشرب حتى يتوضأ » (4)ويؤيدها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « الجنب إذا أراد أن يأكل ويشرب غسل يده وتمضمض ، وغسل وجهه وأكل وشرب » (5)
(3) المستند في ذلك ينحصر في روايتين :
إحداهما : ما رواه الإربلي في كتاب كشف الغمة عن كتاب دلائل الحميري عن الوشاء قال : قال فلان بن محرز : « بلغنا أن أبا عبد اللّه عليهالسلام كان إذا أراد أن يعاود أهله للجماع توضأ وضوء الصلاة ، فأحب أن تسأل أبا الحسن الثاني عليهالسلام عن ذلك ، قال الوشاء : فدخلت عليه فابتدأني من غير أن أسأله فقال : كان أبو عبد اللّه عليهالسلام إذا جامع وأراد أن يعاود توضأ وضوء الصلاة » (6).
وثانيتهما : ما عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إذا أتى الرجل جاريته ثمّ أراد
أن يأتي الأُخرى توضّأ » (1).
ولكن الروايتين مضافاً إلى اختصاصهما بمن أجنب بالجماع وعدم شمولهما لمن أجنب بالاحتلام ، لم يتضح صحة الأُولى منهما بحسب الطريق ، كما أن ثانيتهما ضعيفة بالإرسال. إذن فالحكم باستحباب الوضوء لجماع من أجنب بالمجامعة يبتني على القول بالتسامح في أدلة السنن.
نعم ، قد يستدل على الحكم باستحباب الوضوء لجماع من أجنب بالاحتلام بقول الشهيد قدسسره في الذكرى ، حيث إنه بعد أن ذكر موارد استحباب الوضوء وعدّ منها جماع المحتلم قال : كل ذلك للنص (2)وقول صاحب المدارك قدسسره لأنه أيضاً كالشهيد قدسسره بعد ما ذكر موارد استحباب الوضوء قال : وقد ورد بجميع ذلك روايات (3)بدعوى أنهما قدسسرهما قد أخبرا بذلك عن وجود رواية تدلنا على الاستحباب في محل الكلام.
ويردّه : أن بمجرّد هذين الكلامين لا يمكننا دعوى ورود نص في محل الكلام تام الدلالة على الاستحباب عندنا ، لأن من الجائز أن لا يكون النص مما له دلالة على الاستحباب ، أو يكون نظرهما قدسسرهما إلى ورود النص في مجموع الموارد المذكورة في كلامهما أو أكثرها ، لا في كل واحد واحد منها ، إذ لو كان هناك نص في محل الكلام أيضاً لعثرنا عليه في جوامع الأخبار وكتب الروايات بعد الفحص عنه لا محالة.
نعم ، لو ثبت بقولهما ذلك أن في المسألة رواية تامة الدلالة على الثواب والاستحباب ابتني الاستدلال بها في المقام على القول بالتسامح في أدلّة الاستحباب كما لا يخفى.
وتغسيله الميت (1).
الثالث : لجماع من مس الميت ولم يغتسل بعد (2).
الرابع : لتكفين الميت (3) أو دفنه بالنسبة إلى من غسله ولم يغتسل غسل المس (4).
(1) لحسنة شهاب بن عبد ربّه قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الجنب يغسل الميت أو من غسل ميتاً ، له أن يأتي أهله ثم يغتسل؟ فقال : سواء ، لا بأس بذلك إذا كان جنباً غسل يده وتوضأ ، وغسل الميت وهو جنب ، وإن غسل ميتاً توضأ ثم أتى أهله ويجزيه غسل واحد لهما » (1).
(2) للحسنة المتقدمة الدالة على استحباب التوضؤ لجماع من غسّل الميت ولم يغتسل بعد.
(3) لم ترد أية رواية في استحباب الوضوء في المقام وليس في المسألة إلاّ فتوى الأصحاب بالاستحباب. إذن يبتني الحكم بذلك على القول بالتسامح في أدلة المستحبّات ، وفرض شمول أخبار من بلغه ثواب لفتوى الأصحاب بالاستحباب ، وهذا من قبيل الفرض في الفرض.
(4) قد يستدل عليه بما رواه الحلبي ومحمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في حديث قال : « توضأ إذا أدخلت الميت القبر » (2)ولكن الرواية ضعيفة السند ، لا لأجل محمد بن عبد اللّه بن زرارة لأنه ممّن وقع في أسانيد كامل الزيارات وقد وثق مؤلفه كل من وقع في سلسلة رواياته ، بل لأن طريق الشيخ قدسسره إلى علي بن الحسن بن فضال ضعيف بعلي بن محمد بن الزبير القرشي (3).
1) الوسائل 2 : 263 / أبواب الجنابة ب 43 ح 3 ، 544 / أبواب غسل الميت ب 34 ح 1.
2) الوسائل 3 : 193 / أبواب الدفن ب 31 ح 7 ، 221 / أبواب الدفن ب 53 ح 1.
3) قد عدل سيدنا الأُستاذ ( مدّ ظله ) عن ذلك وبنى على صحّة طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضّال ، وأفاد في وجه ذلك أن طريق الشيخ إلى كتابٍ إذا كان ضعيفاً في المشيخة والفهرست ، ولكن كان للنجاشي إلى ذلك الكتاب طريق صحيح ، وكان شيخهما واحداً كما في المقام وهو ابن عبدون ، حكم بصحة رواية الشيخ أيضاً عن ذلك الكتاب ، إذ لا يحتمل أن يكون ما أخبر به شخص واحد كابن عبدون مثلاً النجاشي مغايراً لما أخبر به الشيخ ، فاذا كان ما أخبرهما به واحداً وكان طريق النجاشي إليه صحيحاً حكم بصحة ما رواه الشيخ عن ذلك الكتاب أيضاً لا محالة ، ويستكشف من تغاير الطريق أن الكتاب الواحد روي بطريقين ذكر أحدهما الشيخ وذكر النجاشي الطريق الآخر ، وليلاحظ [ معجم رجال الحديث 1 : 78 ].
[487] مسألة 3 : لا يختص القسم الأوّل من المستحب بالغاية التي توضّأ (1)
إذن الاستدلال بها في المسألة يبتني على القول بالتسامح في أدلة السنن. على أن الرواية غير مقيدة بمن غسّل الميت ولم يغتسل كما قيّده الماتن قدسسره بل هي مطلقة فتعم غير الغاسل ، كما تعم الغاسل الذي قد اغتسل من مسّ الميت. أضف إلى ذلك أن الرواية تحتمل أن يراد بها استحباب الوضوء بعد إدخال الميت القبر ، لا قبل الإدخال لأجل إدخال الميت القبر فليلاحظ.
(1) والوجه في ذلك : أنّ الوضوء إما هو الطهارة في نفسه ، أو أن الطهارة اعتبار شرعي مترتِّب على الوضوء ، كترتّب الملكية على البيع والزوجية على النكاح وغيرهما من الأحكام الوضعية المترتبة على أسبابها ، وعلى كلا التقديرين قد دلتنا الأدلة الواردة في اعتبار قصد القربة في الوضوء على أن الإتيان بالغسلتين والمسحتين إنما تكونان طهارة أو تترتّب عليهما الطهارة فيما إذا أتى بهما المكلف بنية صالحة وبقصد التقرب إلى اللّه سبحانه ، فاذا شككنا في اعتبار أمر زائد على ذلك في حصول الطهارة أو في تحقق الوضوء فلا مناص من أن نرجع إلى إطلاق أدلة الوضوء ، وحيث إن المكلف قد أتى بهما بغاية من الغايات القربية ، بمعنى أنه أضافهما إلى اللّه سبحانه نحو إضافة وأتى بهما بنية صالحة ، فلا محالة تحصل بذلك الطهارة ، أذن فهو على وضوء أو
لأجلها ، بل يباح به جميع الغايات المشروطة به بخلاف الثاني (1) والثالث فإنّهما إن وقعا على نحو ما قصدا لم يؤثرا إلاّ فيما قصدا لأجله (2) ، نعم لو انكشف الخطأ بأن كان محدثاً بالأصغر ، فلم يكن وضوءه تجديدياً ولا مجامعاً للأكبر ، رجعا إلى
قل إنه على الطهارة فيشرع له الدخول في كل فعل مشروط بالطهارة بحسب الصحة أو الكمال ، فله أن يأتي وقتئذٍ بغاية أُخرى من الغايات المترتبة على الكون على الطهارة أو الوضوء ، لتحقّق ما هو مقدّمتها ، وما يتوقّف عليه صحّتها أو كمالها ، ولعلّه إلى ذلك أشار عليهالسلام في الرواية المتقدِّمة حيث نهى عن إحداث الوضوء إلاّ بعد اليقين بالحدث.
وفي موثقة سماعة بن مهران المروية عن المحاسن : « كنت عند أبي الحسن عليهالسلام فصلّى الظهر والعصر بين يدي وجلست عنده حتى حضرت المغرب فدعا بوضوء فتوضأ للصلاة ، ثم قال لي : توض ، فقلت : جعلت فداك ، أنا على وضوء ، فقال : وإن كنت على وضوء ، إن من توضأ للمغرب كان وضوءه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في يومه إلاّ الكبائر ، ومن توضأ للصبح كان وضوءه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في ليلته إلاّ الكبائر » (1).
ويستفاد من هاتين الروايتين أن الإتيان بالوضوء لأجل غاية معينة يكفي في الإتيان بغيرها من الغايات المترتبة عليه ، ولا حاجة معه إلى التجديد والتوضؤ ثانياً.
(1) يعني الوضوء التجديدي الصادر من المتطهّر ، فإنه لا يترتب عليه أثر من رفع الحدث وإحداث الطهارة ، لفرض كونه متطهِّراً قبل ذلك. نعم ، إنما يؤثر في الاستحباب ومجرّد المطلوبية فقط ، وهذا لا لقصور في ذلك بل من جهة عدم قابلية المحل للتأثير لفرض سبقه بالطهارة.
(2) فإن الظاهر عدم ترتب أي أثر على الوضوء في القسم الثالث ، سوى الغاية التي
1) الوسائل 1 : 376 / أبواب الوضوء ب 8 ح 2.
الأوّل وقوي القول بالصحّة وإباحة جميع الغايات به إذا كان قاصداً لامتثال الأمر الواقعي المتوجه إليه في ذلك الحال بالوضوء ، وإن اعتقد أنه الأمر بالتجديدي منه مثلاً ، فيكون من باب الخطأ في التطبيق ، وتكون تلك الغاية مقصودة له على نحو الداعي لا التقييد بحيث لو كان الأمر الواقعي على خلاف ما اعتقده لم يتوضأ ، أما لو كان على نحو التقييد كذلك ففي صحته حينئذٍ إشكال (1)(1).
أتى به لأجلها ، كما إذا توضأ الجنب للأكل ، فإنه إذا أراد الجماع مثلاً لا بدّ في ارتفاع كراهته من أن يتوضأ ثانياً ولا يجزي توضؤه للأكل عن غيره ، والوجه فيه : أنّ الغاية في هذا القسم غير مترتبة على الطهارة ، حيث لا طهارة مع الجنابة أو الحيض أو غيرهما من الأحداث ، فلا تتحقق الطهارة بالوضوء ، ولا أنه طهارة بنفسه لعدم قابلية المحل حينئذٍ ، فالغاية مترتبة على نفس الأفعال الصادرة من المتوضئ ، أعني الوضوء بالمعنى المصدري الإيجادي ، وهو أمر يوجد وينعدم ولا بقاء له حتى يكفي في حصول الغاية الثانية ، فلا مناص من أن يتوضأ ثانياً لمثل رفع الكراهة عن الجماع أو غير ذلك من الغايات المترتبة عليه ، فان مقتضى إطلاق القضية الشرطية في قوله عليهالسلام « إذا كان الرجل جنباً لم يأكل ولم يشرب حتّى يتوضأ » (2). وقوله عليهالسلام : « الجنب إذا أراد أن يأكل ويشرب غسل يده وتمضمض وغسل وجهه وأكل وشرب » (2) بناء على أن المراد به هو الوضوء ، أن الأكل كالجماع سبب مستقل للوضوء ، سواء تحقق معه سبب آخر أم لا. إذن لكل من الغايات المترتبة على وضوء المحدث بالحدث الأكبر وضوء مستقل وهذا معنى عدم التداخل في الأسباب.
(1) حاصل ما أفاده قدسسره في المقام هو التفصيل في صحة الوضوء المأتي به
في محل الكلام بين ما إذا كانت الغاية مقصودة للمتوضئ على نحو الداعي إلى العمل فيحكم بصحته ، وما إذا كانت مقصودة على نحو التقييد فيحكم ببطلان الوضوء ، ولتوضيح الكلام في المقام لا بدّ من أن نتعرض إلى موارد صحة التقييد واستحالته في الأفعال الصادرة من المكلفين حتى يتبيّن صحة ما أفاده الماتن قدسسره أو سقمه فنقول :
التقييد قد يرجع إلى متعلق الاعتبار فيقيده بقيد أو قيدين أو أكثر ، ولا إشكال في إمكان ذلك فيما إذا كان المتعلق وهو المبيع مثلاً أمراً كلياً فيوجب تضييق دائرته ، كما إذا باعه مقداراً كلياً من الحنطة وقيّدها بكونها من مزرعة فلانية ، أو كتاب الجواهر المقيد بالطبعة المعيّنة ، وبذلك يتحصّص المبيع بحصّة معينة ، فإذا دفع إلى المشتري ما هو فاقد للقيد لم يكن هذا موجباً لبطلان المعاملة كما لا يوجب الخيار ، بل للمشتري أن يردّه ويطالب البائع بالمبيع ، لأنّ الفاقد لم تقع عليه المعاملة ولم يعتبر ملكاً للمشتري.
وأما إذا كان المتعلق شخصياً ، كما إذا باعه كتاباً مشخّصاً أو عبداً خارجياً على أن يكون الكتاب طبعة كذا ، أو العبد كاتباً مثلاً ، فهذا يستحيل أن يكون من باب التقييد ، لأن المفروض أن المبيع شخصي وجزئي حقيقي لا سعة فيه حتى يقيد ويضيق ، لبداهة أن الكتاب الخارجي المعيّن ليس له قسمان ، وكذا العبد المشخّص الخارجي فإنه جزئي حقيقي فلا معنى للتضييق في مثله ، فالتقييد حينئذٍ مرجعه إلى الاشتراط والتزام البائع بأن يكون الكتاب المعيّن طبع كذا أو العبد المعيّن كذا ، فاذا ظهر عدم كونه واجداً لتلك الصفة ثبت للمشتري الخيار على ما قدمنا الكلام عليه في بحث الخيار (1).
نعم ، لا مانع من التقييد في هذه الصورة أيضاً وإن كان خارجاً عن محل الكلام كما إذا رجع التقييد إلى أصل البيع والاعتبار دون المتعلق والمبيع ، بأن يبيع مثلاً الحنطة المعيّنة على تقدير أن تكون من المزرعة الفلانية ، على أن يكون البيع معلقاً على ذلك
1) في مصباح الفقاهة 6 : 224.
بحيث لو لم يكن من المزرعة المذكورة لم يكن بيع أصلاً ، وهذا تقييد في الاعتبار وليس من باب التقييد في المتعلق ، ولا كلام أيضاً في إمكانه ، لأنه لا مانع من تقييد اعتبار الملكية بصورة دون صورة ، إلاّ أنه موجب لبطلان المعاملة حتى فيما إذا ظهر أن المبيع واجد للقيد فضلاً عما إذا ظهر عدم كونه واجداً له ، وذلك لأن التعليق في العقود موجب للبطلان ، وكذلك الحال فيما إذا كان التقييد راجعاً إلى المشتري ، كما إذا باع مالاً بقيمة زهيدة لزيد الهاشمي أو التقي أو الذي يكون ابن عم له حسب عقيدته فان ذلك لا يعقل أن يكون من باب التقييد ، لعدم قابلية الجزئي للتضييق ، فلا مناص من إرجاع ذلك أيضاً إلى الاشتراط ونتيجته تقييد التزام البائع دون البيع بما إذا كان المشتري هاشمياً أو تقياً أو غيرهما من القيود ، وتخلفه يوجب الخيار دون البطلان.
وعلى الجملة : التقييد في الجزئي الحقيقي غير معقول ، ورجوعه إنما هو إلى الاشتراط وهو يوجب الخيار دون البطلان ، فلا معنى وقتئذٍ لوحدة المطلوب وتعدده ، لأنّ أصل البيع متحقق ، والالتزام مشروط ومعلق على وجود القيد ، هذا كله في صورة التقييد.
وأما إذا اعتبر الملكية لزيد على وجه الإطلاق بأن باعه شيئاً بقيمة زهيدة من دون شرط بداعي أنه هاشمي أو تقي أو ابن عمه ، فلا ينبغي الإشكال في أن تخلفه غير موجب للبطلان ، كما أنه لا يوجب الخيار على ما هو الحال في جميع موارد تخلف الدواعي ، وهذا ظاهر.
وقد يكون التقييد راجعاً إلى مقام الامتثال ، كما إذا أتى بالمأمور به مقيداً بقيد ومتخصصاً بخصوصية أو خصوصيتين أو أكثر ، فإن كان المأمور به كلياً طبيعياً ومنطبقاً على المأتي به في الخارج ، فلا إشكال في صحته وسقوط التكليف بذلك عن ذمّته ، وهذا كما إذا قرأ سورة من القرآن في يوم على أنه يوم الجمعة أو غيره من الأيام المتبركة بحيث لو كان عالماً بعدم كونه كذلك لم يمتثل أصلاً ولم يأت بالقراءة ، أو أنه صلّى في مكان على أنه مسجد بحيث لو كان عالماً بالخلاف لم يصل فيه. والوجه في صحّة الامتثال في هذه الموارد : أن المأمور به كلي طبيعي كالقراءة والصلاة من دون
مدخلية القيد المذكور في صحّته ، لأنهما أمران محبوبان سواء أكانتا في يوم الجمعة أو في غيره وسواء وقعتا في المسجد أو في مكان آخر ، فالمأمور به منطبق على القراءة أو الصلاة المتقيّدتين ، وأمّا قصده أن لا يمتثل على تقدير عدم كون المكان مسجداً فهو غير مانع من انطباق المأمور به على المأتي به في الخارج ، فاذا فرضنا أن المكلف قد أتى بالمأمور به بما له من القيود والشروط لم يكن أي موجب للحكم ببطلانه وعدم صحّته.
وأمّا إذا كان المأمور به طبيعة خاصة غير منطبقة على الطبيعة المأتي بها في الخارج لتغايرهما وتعدّدهما ، فلا مناص من أن يحكم ببطلانه وعدم فراغ ذمة المكلف عما هو الواجب في حقه في مقام الامتثال ، اللّهمّ إلاّ أن يدلّنا دليل على كفايته وجواز الاجتزاء به نظير ما دلّ على كفاية غسل الجمعة عن غسل الجنابة لدلالته على جواز الاكتفاء به عن غسل الجنابة ، وإلاّ فمقتضى القاعدة هو البطلان.
فاذا أتى بصلاة العصر باعتقاد أنه أتى بصلاة الظهر قبلها بحيث لو كان عالماً بعدم إتيانه بالظهر لم يأت بصلاة العصر جزماً بل كان يأتي بصلاة الظهر ، أو أنه أتى بصلاة الفجر قضاءً معتقداً بإتيانه لها أداءً في وقتها ، كما إذا جرت عادته على الإتيان بصلاة الفجر قضاءً بعد الإتيان بها أداءً بحيث لو كان عالماً بعدم إتيانها أداءً لقصد بما أتى به الأداء دون القضاء ، أو أنه أتى بصلاة الظهر باعتقاد أنه لم يأت بها قبل ذلك ، ففي جميع هذه الصور لا بدّ من الحكم ببطلان الصلاة المأتي بها بحسب القاعدة ، فلا يقع ما أتى به عصراً كما أنها لا تحتسب ظهراً في الصورة الأُولى ، ولا صلاة فجر قضائية ولا أدائية في الصورة الثانية ، ولا يحتسب ما أتى به عصراً في الصورة الثالثة ، بل لا بدّ من الحكم بفساد ما أتى به من الصلاة مع قطع النظر عن النص الوارد في الصورة الأُولى ، حيث دلّ على احتسابها ظهراً ، لأنه أربع مكان أربع (1).
إلاّ أن الكلام فيما تقتضيه القاعدة وقد عرفت أنها تقتضي البطلان ، وذلك لتغاير
1) الوسائل 4 : 290 / أبواب المواقيت ب 63 ح 1.
المأتي به والمأمور به واختلافهما بحسب اختلاف القصود ، فان القصد هو المناط في التمايز بين مثل الظهرين وصلاتي الفجر ونافلتها وصلاة الأداء والقضاء ، على ما استفدناه من الروايات من أنها حقوق مختلفة باختلاف القصود ، وليست طبيعة واحدة ، فقد دلّتنا صحيحة عبيد بن زرارة « إلاّ أن هذه قبل هذه » (1)على مغايرة صلاتي العصر والظهر ، حيث أشار بكل من كلمتي « هذه » إلى إحدى الصلاتين ، ولو لا مغايرتهما لم يكن معنى لقوله : هذه وهذه ، لأنهما وقتئذٍ شيء واحد مركّب من ثمان ركعات وبحسب الطبع يكون إحدى الأربعة منها سابقة على الأُخرى من دون حاجة في ذلك إلى البيان والتنبيه.
وأيضاً يدلّنا على ذلك ما ورد في العدول من الفريضة إلى النافلة ومن الحاضرة إلى الفائتة ، ومن اللاّحقة إلى السابقة.
كما يمكن الاستدلال على التغاير في الأغسال بما دلّ على أنها حقوق متعدِّدة ، حيث قال عليهالسلام « فاذا اجتمعت عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد » (2)ومع التغاير بحسب الطبيعة كيف يعقل الحكم بصحة المأتي به في محل الكلام ، لأن ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع ، وإن كان لو علم بالحال لأتى بما هو المأمور به في حقه وترك ما بيده ، غير أنّ كونه كذلك لا يقتضي الحكم بصحة عمله بعد عدم انطباق المأمور به على المأتي به في الخارج ، اللّهمّ إلاّ أن يقصد الفريضة الواقعية بحسب الواقع ، كما إذا أتى بها بقصد ما هو فريضة الوقت غير أنه أخطأ وطبّقها على صلاتي الظهر والعصر فإنها حينئذٍ تقع صحيحة ، لأن الواجب الواقعي مقصود وقتئذٍ إجمالاً وهو يكفي في الحكم بصحة العمل وإن أخطأ في تطبيقه.
وما سردناه هو الميزان الكلي في باب الامتثال ولا معنى فيه للداعي والتقييد ، فإن المأمور به إذا كان بحيث ينطبق على المأتي به في الخارج ، فلا مناص معه من الحكم
بالصحّة ولا موجب للحكم بالبطلان ، وإذا لم ينطبق على المأتي به لكونهما طبيعتين متغايرتين فلا مناص من الحكم بالبطلان ، هذا كله بحسب كبرى المسألة.
وأمّا تطبيقها على المقام ، فالمكلف إذا توضأ بنية التجديد ثم ظهر أنه كان محدثاً بالأصغر واقعاً ، أو توضأ بنية رفع الكراهة عن الأكل أو الجماع لاعتقاده بجنابته ثم ظهر أنه كان محدثاً بالأصغر ، فقد عرفت أنه لا يأتي فيه احتمال التقييد والداعي بوجه فان باب الامتثال أجنبي عن ذلك بالكلية ، بل المدار فيه على ملاحظة أن المأتي به هل يتحد مع ما هو المأمور به في حق المكلف وينطبق عليه أو لا.
إذن لا بدّ من النظر إلى أن الوضوء التجديدي هل يتغاير مع الوضوء الرافع للحدث حقيقة ، وأن كلاًّ منهما طبيعة مغايرة مع الأُخرى حتى يحكم بفساد وضوئه لعدم انطباق المأمور به على المأتي به ، أو أنهما متحدان ولا تغاير بينهما وحينئذٍ يحكم بصحّته؟
الثاني هو الأظهر ، لعدم الفرق في الوضوء بين المتجدد منه وغيره إلاّ في الأولية والثانوية ، والتقديم والتأخير ، وذلك لوضوح أن حقيقة الوضوء إنما هي الغسلتان والمسحتان مع إتيانهما بنية صالحة ، ولا يعتبر في حقيقته شيء زائد عليه ، وارتفاع الحدث به حكم شرعي مترتب عليه ، لا أنه من مقوّماته وأركانه ، إذن فالمتجدد متحد مع غيره وينطبق عليه الطبيعة المأمور بها وإن قصد به التجديد ، لأن التجديد كغير التجديد ، هذا كله في الوضوء المتجدد.
وأما الوضوء بنية رفع الكراهة ممن هو محدث بالحدث الأكبر ، فقد حكى المحقِّق الهمداني قدسسره عن صاحب الحدائق أن إطلاق الوضوء على الوضوء المجامع للحدث الأكبر أعني الوضوء الذي أتى به المكلف بنية رفع الكراهة مثلاً وهو محدث بالحدث الأكبر إنما هو من باب المجاز ، لأنه لا يرفع الحدث فلا يكون بوضوء حقيقة ، وهو نظير إطلاق الصلاة على صلاة الميت. إذن فهو طبيعة مغايرة للوضوء الصادر من المحدث بالأصغر (1).
1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 115 السطر 4.
وهذه الدعوى على تقدير صحتها تقتضي الحكم ببطلان الوضوء فيما إذا قصد به رفع الكراهة مثلاً ، لعدم انطباق المأمور به على المأتي به حينئذٍ ، واختلافهما بحسب الحقيقة ، ومعه لا بدّ من الحكم بالبطلان.
ولكن هذه الدعوى مما لا يمكن المساعدة عليه ، لأن الوضوء ليس إلاّ مسحتان وغسلتان مع الإتيان بهما بنية صالحة ، وهما متحققان في الوضوء الصادر من المحدث بالحدث الأكبر أيضاً ، وأما ارتفاع الحدث به وعدمه فقد عرفت أنه حكم شرعي طارئ عليه ، لا أنه من مقومات الوضوء ، ومعه كيف يقاس ذلك بصلاة الميت التي لا يعتبر فيها شيء من الركوع والسجود وغيرهما مما يعتبر في الصلاة ، وقد استفدنا من الروايات أنهما من مقومات الصلاة.
لا يقال : إنّ مجرّد الشك في أن الوضوء من المحدث بالأكبر متّحد مع الوضوء الصادر من غيره حقيقة أو أنهما طبيعتان متعددتان ، كاف في الحكم بالبطلان وعدم جواز الاقتصار عليه.
لأنّه يقال : إنّ مجرّد الشك في ذلك وإن كان يكفي في ذلك ، إلاّ أنّ إطلاق أدلّته ، أعني ما دلّ على أنّ الوضوء غسلتان ومسحتان مع النية الصالحة لا تبقي مجالاً للشك في أنهما متحدتان بحسب الطبيعة أو متغايرتان.
وعلى الجملة : إن الوضوء حقيقة واحدة سواء أصدر من المحدث بالأكبر أم من المحدث بالأصغر ، فإذا كانت الطبيعة متحدة تنطبق المأمور به على المأتي به ، وبذلك يحكم بصحة الوضوء وارتفاع الحدث بكل من الوضوء المتجدِّد والوضوء المأتي به بنيّة رفع الكراهة مثلاً فيما إذا ظهر أنه محدث بالحدث الأصغر واقعاً ، وإن كان الحكم بالارتفاع في الوضوء التجديدي أظهر من ارتفاعه في الوضوء المأتي به بنيّة رفع الكراهة.
[488] مسألة 4 : لا يجب في الوضوء قصد موجبه ، بأن يقصد الوضوء لأجل خروج البول ، أو لأجل النوم ، بل لو قصد أحد الموجبات وتبين أن الواقع غيره صحّ (1) ، إلاّ أن يكون على وجه التقييد (1)(2).
[489] مسألة 5 : يكفي الوضوء الواحد للأحداث المتعدِّدة إذا قصد رفع طبيعة الحدث ، بل لو قصد رفع أحدها صح وارتفع الجميع ، إلاّ إذا قصد رفع عدم اعتبار قصد الموجب :
(1) وذلك لما تقدم من أن الوضوء هو الغسلتان والمسحتان مع الإتيان بهما بنيّة صالحة ، وهذا هو الذي يترتب عليه الحكم بارتفاع الحدث أو إباحة الدخول في الغايات المترتبة عليه ، ولا اعتبار بقصد كونه رافعاً لحدث النوم أو البول أو غيرهما.
(2) وهذا منه قدسسره إما بمعنى الجزم بالبطلان عند الإتيان به على وجه التقييد ، وإما بمعنى عدم الحكم فيه بصحة الوضوء للاستشكال فيه ، والاحتمال الثاني أظهر لمطابقته لاستشكاله قدسسره في المسألة المتقدمة.
وكيف كان فقد عرفت أن في أمثال المقام أعني باب الامتثال لا سبيل إلى التقييد بل المناط فيه إنما هو انطباق المأمور به على المأتي به في الخارج ، وعدم مدخلية شيء من القيود المقصودة في صحته ، وبما أن الوضوء هو الغسلتان والمسحتان مع إضافتهما إلى اللّه سبحانه نحو إضافة ، فلا محالة ينطبق على الوضوء المأتي به بنية رفع الحدث البولي دون النومي مثلاً ، وأما قصد كونه رافعاً للحدث من جهة دون جهة فهو مما لا مدخلية له في صحة الوضوء ، لما مرّ من أن ارتفاع الحدث به وعدمه حكم شرعي طرأ على الوضوء ، وليس أمراً راجعاً إلى المكلف ليقصده أو لا يقصده ، فان ما هو تحت قدرته واختياره إنما هو الإتيان بالغسلتين والمسحتين بنية صالحة ، والمفروض تحقّقه في المقام ، ومع انطباق المأمور به على المأتي به لا موجب للتوقّف في الحكم بصحّته.
1) (*) لا أثر للتقييد في أمثال المقام.
البعض دون البعض فإنّه يبطل (1)، لأنّه يرجع إلى قصد عدم الرفع (1).
[490] مسألة 6 : إذا كان للوضوء الواجب غايات متعدِّدة فقصد الجميع حصل امتثال الجميع وأُثيب عليها كلها ، وإن قصد البعض حصل الامتثال بالنسبة إليه ويثاب عليه ، لكن يصح بالنسبة إلى الجميع ، ويكون أداء بالنسبة إلى ما لم يقصد ، وكذا إذا كان للوضوء المستحب غايات عديدة.
وإذا اجتمعت الغايات الواجبة والمستحبة أيضاً يجوز قصد الكل ويثاب عليها ، وقصد البعض دون البعض ، ولو كان ما قصده هو الغاية المندوبة ، ويصح معه إتيان جميع الغايات ، ولا يضر في ذلك كون الوضوء عملاً واحداً لا يتصف (2)
(1) ولنفرض الكلام فيما إذا حدثت الأحداث المتعددة في زمان واحد من دون تقدّم شيء منها على الآخر بحسب الزمان ، كما إذا بال وتغوّط معاً ، وقد ظهر حكم هذه المسألة مما سردناه في الفروع المتقدمة ، وذكرنا غير مرة أن ارتفاع الحدث حكم شرعي قد طرأ على الوضوء وغير راجع إلى اختيار المكلف أبداً ، إذن فلا أثر لقصد المكلف الرفع من جهة دون جهة ، لأنه إذا أتى بطبيعة التوضؤ قاصداً بها ربّه فقد ارتفعت الأحداث بأجمعها بذلك ، اللّهمّ إلاّ أن يُشرّع في امتثاله تشريعاً بأن يقصد امتثال الأمر بالوضوء الرافع للحدث البولي دون النومي وهو تشريع محرم ، لوضوح أنه ليس لنا أمر شرعي مختص بالوضوء الرافع لبعض الأحداث دون بعض ، وهذا فرض خارج عن محل الكلام.
(2) قد تكون الغايات واجبة كلها ، وقد تكون مستحبة كذلك ، ففي هاتين الصورتين لا إشكال في أن المكلف إذا أتى به بغاية واجبة أو مستحبة ترتبت عليه
1) (*) لا تبعد صحته ولغوية القصد المزبور.
بالوجوب والاستحباب معاً ، ومع وجود الغاية الواجبة لا يكون إلاّ واجباً ، لأنه على فرض صحّته لا ينافي جواز قصد الأمر الندبي ، وإن كان متصفاً بالوجوب فالوجوب الوصفي لا ينافي الندب الغائي ، لكن التحقيق صحّة اتصافه (1)فعلاً بالوجوب والاستحباب من جهتين.
الغايات الواجبة أو المستحبة كلها ، إلاّ أنه لا يقع امتثالاً إلاّ لخصوص الغاية الواجبة التي أتى به لأجلها ، أعني الغاية المقصودة له ، وأما غيرها من الغايات غير المقصودة له فلا تقع امتثالاً لها ، لعدم قصدها على الفرض ، وإن كانت تقع صحيحة لتحقق ما هو مقدّمتها على الفرض.
وكذلك الحال في الغايات المستحبة ، لأنه إنما يثاب بخصوص الغاية المندوبة التي قصدها دون غيرها لعدم قصد امتثالها ، وإن كانت كالواجبة تترتب عليه لا محالة لحصول ما هو مقدمتها كما مر.
وثالثة تختلف الغايات المقصودة من الوضوء المأتي به ، فيكون بعضها من الغايات الواجبة المستحبة وذلك كالوضوء بعد الفجر ، حيث إن له غايتان : إحداهما : نافلة الفجر المستحبة. وثانيتهما : صلاة الفجر الواجبة ، وفي هذه الصورة قد يأتي به المكلف بقصد كلتا الغايتين ، ولا إشكال في صحته وقتئذٍ ، ويجوز له الدخول في كل من الغايتين المذكورتين ، لاندكاك الأمر الاستحبابي في الأمر الوجوبي ، وقد يأتي به بقصد الغاية الواجبة ، وفي هذه الصورة أيضاً لا إشكال في صحته وجواز دخوله في كلتا الغايتين.
أمّا دخوله في الغاية الواجبة فالوجه فيه ظاهر ، وأمّا دخوله في المستحبة ، فلأجل حصول ما هو مقدّمتها في نفسها ، وإنما الخلاف والنزاع فيما إذا أتى به بقصد الغاية المستحبة فهل يحكم حينئذٍ بصحة وضوئه ، ويسوغ له الدخول في كلتا الغايتين
1) (*) بل التحقيق انّ المقدمة لا تتصف بشيءٍ من الوجوب أو الاستحباب الغيري ، وأنّ عبادية الوضوء انما هي لاستحبابه في نفسه ، ولو سلّم ، فالأمر الاستحبابي يندك في الوجوبي فيمكن التقرّب به بذاته لا بحدّه.
المترتبتين عليه ، أو لا بدّ من الحكم بالبطلان ، ولا يترتب عليه شيء من غايتيه؟
يبتني الإشكال في صحّة الوضوء حينئذٍ على استحالة اجتماع الوجوب والاستحباب في شيء واحد ، لأنهما ضدّان لا يجتمعان في محل واحد ، ومع فرض أن الوضوء مقدمة للغاية الواجبة يتصف لا محالة بالوجوب ، وبعد ذلك يستحيل أن يتصف بالاستحباب ، وبما أنه قد قصد به الغاية المستحبة له فيحكم على الوضوء بالفساد ، لأن ما قصده من الأمر الاستحبابي لم يقع ، والأمر الوجوبي الذي اتصف به الوضوء لم يقصد ، فلا مناص من الحكم بالفساد كما مر.
ثم إن الاستشكال في المسألة بما تقدم تقريبه يبتني على القول بوجوب مقدمة الواجب شرعاً ، وأما إذا أنكرنا ذلك وقلنا بأنه لا دليل على وجوب مقدمة الواجب شرعاً على ما قوّيناه في محلِّه (1)فلا إشكال في المسألة بوجه ، وذلك لأن وجوب المقدمة عقلاً ، أعني اللاّبدية العقلية غير منافٍ للحكم باستحباب المقدمة فعلاً ، فيقال إنها لما كانت مقدمة للغاية المستحبة فلا محالة تكون مستحبة فعلاً من غير أن يكون ذلك منافياً لشيء.
كما أنه يبتني على القول بوجوب المقدمة مطلقاً ، وأما بناءً على أن الواجب من المقدمة هي التي يقصد بها التوصل إلى ذي المقدمة ، كما ذهب إليه شيخنا الأنصاري قدسسره (2)وقوّاه شيخنا المحقِّق قدسسره (3)فلا محالة يرتفع الإشكال في المسألة ، نظراً إلى أن المفروض عدم قصد المتوضي التوصل به إلى الواجب ، وحيث إن الواجب من المقدمة ليس هو الطبيعي على إطلاقه ، بل إنما هو حصة خاصة منه ، وهي المقدمة التي قصد بها التوصل إلى الواجب فلا يتصف الوضوء بالوجوب في المقام ، ومعه لا مانع من الحكم باستحبابها فعلاً.
وهذا بخلاف ما إذا قلنا بوجوب المقدمة على نحو الإطلاق ، فإنه حينئذٍ يمكن أن
يقال : إن الوضوء الذي له غايتان إحداهما واجبة والأُخرى مستحبة إذا أتى به بقصد الغاية المستحبّة وقع فاسداً ، وذلك لأن الاستحباب إنما نشأ عن عدم المقتضي للوجوب ولا ينشأ من المقتضي لعدم الوجوب ، فان الاستحباب إنما ينشأ عن الملاك غير البالغ حد الإلزام ، أعني عدم كون الملاك ملزماً ، ولا ينشأ عن الملاك الملزم لعدم الوجوب ، إذن فهو لا يقتضي عدم الوجوب ، وأما الوجوب فهو مقتض لعدم الاستحباب لنشوه عن الملاك الملزم للوجوب وهو يمنع عن تركه ، ومعه لا يبقى أيّ نزاع في البين ، لوضوح أنه لا تنافي بين المقتضي واللاّمقتضي ، فاذا تحقق الوجوب ارتفع الاستحباب لا محالة.
وعلى الجملة : الوضوء إذا كان مقدمة للواجب اتصف بالوجوب لا محالة ، وهذا يمنع عن اتصافه بالاستحباب ، ويصح معه أن يقال : إن ما قصده من الاستحباب لم يقع ، وما وقع من الأمر الوجوبي لم يقصد ، فلا بدّ من الحكم بالفساد.
والجواب عن ذلك : أن المكلف قد يأتي بالوضوء قاصداً به الغاية المستحبة من دون أن يقصد الأمر الندبي المتعلق بالوضوء ، وهذا مما لا إشكال في صحّته ، بل هو خارج عن محل الكلام ، لوضوح أن قصد الغاية المندوبة غير مناف لوجوب الوضوء فان للمكلف أن يأتي بالوضوء الواجب بداعي الوصول به إلى تلك الغاية المندوبة كنافلة الفجر فإنها مستحبة سواء أكان الوضوء أيضاً مستحباً أم لم يكن ، فلا ينافي الوجوب الوصفي في الوضوء للندب الغائي بوجه كما أشار إليه الماتن قدسسره وما أفاده في المتانة بمكان ، فان المكلف حينئذٍ قد أتى بالغسلتين والمسحتين متقرباً بهما إلى اللّه سبحانه ، فلا مناص معه من أن يحكم بصحته ، كما أنه يصح أن يؤتى به الغاية الواجبة المترتبة عليه أيضاً لتحقق الطهارة التي هي المقدمة للصلاة الواجبة.
وأُخرى يأتي بالوضوء ويقصد به الأمر الندبي المتعلق به دون الغاية المندوبة المترتبة عليه ، وهذا هو الذي وقع الكلام في صحته وفساده ، بدعوى أن مع الوجوب المقدمي الغيري شرعاً لا يعقل ان يتصف الوضوء بالاستحباب.
وأجاب الماتن قدسسره عن ذلك بأنه لا مانع من اجتماع الحكمين ، أعني الوجوب والاستحباب في مورد واحد بعنوانين ، لجواز اجتماع الأمر والنهي إذا كان
المجمع معنوناً بعنوانين وجهتين ، فإذا أمكن اجتماع الحرمة والوجوب في محل واحد أمكن اجتماع الوجوب والاستحباب أيضاً إذا كان بعنوانين متعددين ، والأمر في المقام كذلك ، فيقال باستحباب الوضوء بعنوان أنه مقدمة للمستحب كما يحكم بوجوبه من حيث إنه مقدمة للواجب ، هذا.
وما أجاب به قدسسره عن الاشكال ساقط رأساً ، وذلك لأن اجتماع الأمر والنهي وإن كان ممكناً على ما حقّقناه في محلِّه (1)غير أنه إنما يجوز فيما إذا كان التركّب انضمامياً والجهتان تقييديتين ، والعنوانان في المقام ليسا كذلك ، بل إنما هما تعليليان والحكمان واردان على مورد واحد حقيقي بعلتين إحداهما : كون الوضوء مقدّمة للمستحب. وثانيتهما : كونه مقدّمة للواجب ، ومعه لا يمكن الحكم بجواز الاجتماع ونظيره ما إذا أوجب المولى إكرام العالم وحرّم إكرام الفساق ، وانطبق العنوانان على زيد العالم الفاسق في الخارج ، فإنه يستحيل أن يتصف إكرامه بالحرمة والوجوب لفرض أنه موجود شخصي لا تعدّد فيه ، فلا مناص إما أن يحكم بحرمة إكرامه ، وإما بوجوبه ، والجهتان التعليليتان غير مفيدتين لجواز الاجتماع ، فهذا الجواب ساقط.
والصحيح في الجواب عن الاشكال بناء على القول بوجوب المقدمة مطلقاً أن يقال : إنّ الوجوب إنما ينافي الاستحباب بحده وهو الترخيص في الترك ، لما قدّمناه في محلِّه (2)من أن الاستحباب إنما ينتزع عن الأمر المتعلق بشيء فيما إذا قامت قرينة على الترخيص في الترك ، ومن الواضح أن الوجوب لا يجتمع مع الترخيص في الترك ، وأما ذات الاستحباب أعني المحبوبية والطلب فهي غير منافية للوجوب أبداً ، لجواز اجتماع الوجوب مع المحبوبية فيندك ذات الاستحباب في ضمن الوجوب ، ومن الظاهر أن المقرب إنما هو ذات الاستحباب دون حده ، كما أن الداعي إلى إتيانه هو ذلك دون الحد ، لوضوح أنه يأتي به لمحبوبيته لا لكونه مرخصاً في الترك ، وهذا هو المراد باندكاك الاستحباب في الوجوب ، ولا يراد به اندكاك الاستحباب بحده في الوجوب
لضرورة أنه بحده مباين للوجوب ، بل المراد هو اندكاك ذات الاستحباب في الوجوب ، وعليه فلا مانع من أن يكون الوضوء واجباً بالفعل ومستحباً أيضاً ، أي محبوباً وذا ملاك للطلب.
هذا كلّه إذا لم نقل باختصاص الوجوب الغيري المقدمي بالمقدمة الموصلة ، وهي التي يقع في سلسلة علة الفعل والواجب ، وقلنا بوجوب المقدمة على نحو الإطلاق وأما إذا خصصنا الوجوب الغيري بالمقدمة الموصلة إلى الواجب كما قوّيناه في محلِّه (1)فان كان قد أتى المكلف بالوضوء بداعي الغاية المستحبة ولم يوصل ذلك إلى الصلاة الواجبة فلا إشكال في صحّته ، لأن هذه الحصة الحاصلة من الوضوء ليست متصفة بالوجوب المقدمي لعدم كونها موصلة ومع عدم اتصافها بالوجوب فأيّ مانع من استحبابها ، لأنها مقدمة لغاية مستحبة ، وهذا ظاهر.
وإن كان قد أتى به المكلف بداعي الغاية المستحبة وكان موصلاً إلى الواجب ، فعلى القول بوجوب المقدمة الموصلة لا بدّ من الحكم بوجوبه ، وحينئذٍ إن قلنا بما أسلفناه آنفاً من أن الوجوب غير منافٍ للاستحباب في ذاته وإنما ينافي الاستحباب بحدّه فلا تنافي بين الحكم بوجوب الوضوء واستحبابه فلا كلام ، وأما إذا لم نقل بصحته لتنافي الوجوب مع الاستحباب مطلقاً ، فلا يمكننا الحكم حينئذٍ بفساد الوضوء ، لأن الحكم بفساد الوضوء يستلزم عدم الفساد ، وكل ما استلزم وجوده عدمه فهو محال.
بيان ذلك : أن الوضوء الذي أتى به بداعي الأمر الاستحبابي وهو مقدّمة موصلة إلى الواجب على هذا باطل في نفسه ، لأن ما قصده لم يقع وما وقع لم يقصد ، فاذا كان فاسداً لم يكن مقدمة موصلة إلى الواجب ، لأن الموصلة هي المقدمة الصحيحة دون الفاسدة ، إذ لا إيصال في الفاسدة ، ومعه لا يتصف بالوجوب لاختصاصه بالموصلة ، وإذا لم يكن واجباً فلا محالة يقع صحيحاً ، لأن المانع عن صحّته إنما هو الوجوب ، ومع عدمه فهو أمر مستحب ، لمكان أنه مقدمة للمستحب وقد أتى به المكلف بداعي الأمر الاستحبابي المتعلق به ، فلا مناص من الحكم بصحّته.
1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 424.
الأوّل : أن يكون بمدّ وهو ربع الصاع وهو ستمائة وأربعة عشر مثقالاً وربع مثقال فالمدّ مائة وخمسون مثقالاً وثلاثة مثاقيل ونصف مثقال وحمصة ونصف.
الثاني : الاستياك بأي شيء كان ولو بالإصبع ، والأفضل عود الأراك.
الثالث : وضع الإناء الذي يغترف منه على اليمين.
الرابع : غسل اليدين قبل الاغتراف مرة في حدث النوم والبول ومرتين في الغائط.
الخامس : المضمضة والاستنشاق ، كل منهما ثلاث مرات بثلاث أكف ، ويكفي الكف الواحدة أيضاً لكل من الثلاث.
السادس : التسمية عند وضع اليد في الماء ، أو صبّه على اليد وأقلّها : بسم اللّه والأفضل بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، وأفضل منهما : بسم اللّه وباللّه اللّهمّ اجعلني من التوّابين واجعلني من المتطهّرين.
السابع : الاغتراف باليمنى ولو لليمنى ، بأن يصبّه في اليسرى ثم يغسل اليمنى.
الثامن : قراءة الأدعية المأثورة عند كل من المضمضة والاستنشاق ، وغسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين.
التاسع : غسل كل من الوجه واليدين مرتين.
فصل في بعض مستحبّات الوضوء
تنبيه : استحباب أكثر الأُمور التي ذكرها الماتن قدسسره في المقام لما لم يثبت إلاّ بروايات ضعافٍ كان الحكم باستحبابها لا محالة متوقفاً على تمامية قاعدة التسامح في أدلّة السنن ، وحيث إنها لم تثبت عندنا بدليل ولم يمكن استفادتها من الروايات المشتهرة بأخبار من بلغ ، لم يسعنا الحكم باستحبابها ، فلو أتى بها رجاءً كان أحسن
العاشر : أن يبدأ الرجل بظاهر ذراعيه في الغسلة الأُولى ، وفي الثانية بباطنهما والمرأة بالعكس.
الحادي عشر : أن يصب الماء على أعلى كل عضو ، وأما الغسل من الأعلى فواجب.
الثاني عشر : أن يغسل ما يجب غسله من مواضع الوضوء ، بصب الماء عليه لا بغمسه فيه.
الثالث عشر : أن يكون ذلك مع إمرار اليد على تلك المواضع وإن تحقّق الغسل بدونه.
الرابع عشر : أن يكون حاضر القلب في جميع أفعاله.
الخامس عشر : أن يقرأ القدر حال الوضوء.
السادس عشر : أن يقرأ آية الكرسي بعده.
السابع عشر : أن يفتح عينه حال غسل الوجه.
وأولى ، لترتّب الثواب عليه حينئذٍ على كل حال.
إذن ليس هنا أمر قابل للبحث عنه إلاّ مسألة واحدة وهي استحباب الغسل في الوجه واليدين مرّتين ، فإنها قد وقعت محل الخلاف ومورد الكلام بين الأصحاب قدسسرهم فنقول :
المعروف المشهور بينهم هو استحباب الغسل مرتين في كل من الوجه واليدين وذهب بعضهم إلى عدم مشروعية التثنية في الغسل ، وعن ثالث القول بالمشروعية فحسب ، وقال إن تركه أفضل من فعله نظير صلاة النافلة والصوم في الأوقات المكروهة ، والصحيح هو ما ذهب إليه المشهور في المسألة ، وذلك لما ورد في عدة روايات فيها الصحيحة والموثقة وغيرهما من أن الوضوء مثنى مثنى أو مرتين
مرّتين ، ففي صحيحتي معاوية بن وهب وصفوان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « الوضوء مثنى مثنى » (1)وفي رواية زرارة أيضاً ذكر ذلك وزاد « من زاد لم يؤجر عليه » (2)، وفي موثقة أو صحيحة يونس بن يعقوب « يتوضّأ مرّتين مرّتين » (3).
ثم إن معنى « مثنى مثنى » هو الإتيان بالشيء مرتين من دون فصل ، وهو المعبر عنه في الفارسية ب- « جفت جفت » إذن فهذه الروايات واضحة الدلالة على استحباب الغسل مرتين ، ومعها لا مجال للاستشكال في المسألة ، وأما ما ذهب إليه الصدوق قدسسره من حمل المرتين على التجديد ، ودعوى دلالتها على استحباب الإتيان بالوضوء بعد الوضوء (4)فلا يمكن المساعدة عليه بوجه ، كيف والوضوء المتجدد إنما هو بعد الوضوء الأول بزمان لا محالة ، ومعه لا يصدق « مثنى مثنى » كما عرفت فالأخبار المتقدمة ظاهرة الدلالة على استحباب الغسل مرتين في كل من الوجه واليدين.
وأما ما ورد في مقابلها مما دلّ على عدم استحباب الغسل مرتين أو عدم جوازه فهي أيضاً عدّة روايات ، ففي بعضها : « واللّه ما كان وضوء رسول اللّه إلاّ مرّة مرّة » (5)غير أنها ضعاف وغير قابلة للاعتماد عليها في شيء ، ومن الممكن حملها على ما إذا اعتقد المكلف وجوب الغسل ثانياً بقرينة ما في رواية ابن بكير من أن من لم يستيقن أن واحدة من الوضوء تجزيه لم يؤجر على الثنتين (6)وذلك لأنه من التشريع المحرم ، ولا يبقى بعد ذلك شيء مما ينافي استحباب الغسل مرتين إلاّ أُمور :
الأوّل : الوضوءات البيانية ، لأنها على كثرتها وكونها واردة في مقام البيان غير
متعرضة لاستحباب الغسل مرتين ، وإنما اشتملت على اعتبار غسل الوجه واليدين ولزوم المسح على الرأس والرجلين ، فلو كانت التثنية مستحبة في غسل الوجه واليدين لكانت الأخبار المذكورة مشتملة على بيانها لا محالة.
الثاني : موثقة عبد الكريم بن عمرو قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الوضوء ، فقال : ما كان وضوء علي عليهالسلام إلاّ مرّة مرّة » (1)وبمضمونها غيرها من الروايات ، فلو كان الغسل ثانياً أمراً مستحباً وأفضل في الشريعة المقدسة فكيف التزم علي عليهالسلام بالوضوء مرة مرة طيلة حياته؟.
الثالث : صحيحة زرارة قال : « قال أبو جعفر عليهالسلام إن اللّه وتر يحب الوتر فقد يجزئك من الوضوء ثلاث غرفات : واحدة للوجه واثنتان للذراعين ... » (2)وهذه الأُمور هي التي تبعّد الاستدلال بالأخبار المتقدمة على استحباب الغسلة الثانية في كل من الوجه واليدين.
ولكن الصحيح أن الوجوه المتقدمة غير منافية للمدعى ، وذلك لأن الأخبار البيانية ناظرة إلى بيان ما يعتبر في كيفية الوضوء ، من غسل اليدين إلى الأصابع ومسح الرأس والرجلين على النحو الدائر المتعارف لدى الشيعة ، إيذاناً بأن وضوء العامة أجنبي عن وضوء رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم وأنه ليس بوضوئه صلىاللّهعليهوآلهوسلم بل إن وضوءه ليس إلاّ ما هو الدائر عند الشيعة ، وإلى ذلك يشير بقوله عليهالسلام في جملة من الروايات « إلا أحكي لكم وضوء رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم » أو ما هو بمعناه فليلاحظ (3)وليست ناظرة إلى بيان الكم والعدد واعتبار الغسل الواحد فيه أو المتعدد ، فهذا الوجه ساقط.
وأمّا صحيحة زرارة فهي بقرينة اشتمالها على كلمة يجزئك واردة لبيان اعتبار الغسل الواحد في مقام الإجزاء ، بمعنى أن اللّه وتر وقد أمر بالغسل مرة وهو الغسل الواجب في الوضوء ، ويجوز الاكتفاء به في مقام الامتثال ، وأما الغسل الزائد على ذلك
وأمّا ما دلّ على أن أمير المؤمنين عليهالسلام كان ملتزماً بالغسل مرة في وضوئه فليس إلاّ حكاية فعل صادر عنه وهو مجمل غير مبين الوجه في الرواية ، فلا ينافي الأخبار المعتبرة الدالة على أن الغسل ثانياً أمر مندوب في الشريعة المقدسة ، وغاية الأمر أنّا لا نفهم الوجه في فعله عليهالسلام وأنه لماذا كان ملتزماً بالغسل الواحد ولا يمكننا رفع اليد عن الأخبار الظاهرة بالفعل المجمل ، وهذا ظاهر. ولعل فعله هذا من جهة أن له ( سلام اللّه عليه ) كالنبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم أحكاماً اختصاصية ، كعدم حرمة دخوله المسجد في حال جنابته على ما اشتملت عليه الروايات ، فليكن هذا الحكم أيضاً من تلك الأحكام المختصة به.
ويؤكِّد هذا الاحتمال رواية داود الرقي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام حيث قال : « ما أوجبه اللّه فواحدة وأضاف إليها رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم واحدة لضعف الناس » (2)إذ الناس لا يبالون ولا يهتمون بأفعالهم فقد يتسامحون فلا يغسلون موضعاً من وجوههم وأيديهم فأمر صلىاللّهعليهوآلهوسلم بالغسل ثانياً لاسباغ الوضوء.
ومن هنا يظهر أن استحباب الغسل الثاني من الوضوء إنما يختص بالرعايا ، لأنهم الذين لا يبالون في أفعالهم وواجباتهم وهم الضعفاء في دينهم دون المعصومين عليهمالسلام إذ لا ضعف في أيمانهم ولا يتصوّر فيهم الغفلة أبداً ، وعلى هذا تحمل الأخبار الدالّة على أن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم كان يتوضأ مرّة مرّة (3)على تقدير صحّة أسانيدها.
وكيف كان فسواء صح هذا الاحتمال أم لم يصح لا يسوغ لنا رفع اليد عن الروايات
الظاهرة لأجل حكاية فعل مجمل الوجه ، فإنه نظير ما إذا شاهدنا أن أمير المؤمنين عليهالسلام يتوضأ مرّة مرّة وسمعنا عن الصادق عليهالسلام مشافهة أن الغسل الثاني مستحب ، فهل كنّا نطرح قول الصادق عليهالسلام بمجرّد رؤية أن عليّاً عليهالسلام توضأ مرّة مرّة ، بل كنّا نأخذ بقوله وإن لم ندر الوجه في عمل أمير المؤمنين عليهالسلام.
إذن لا مانع من أن يؤخذ بالأخبار الظاهرة في الدلالة على المدعى ، وهو استحباب الغسلة الثانية في كل من الوجه واليدين.
نعم ، رواية ابن أبي يعفور قد دلت على مرجوحية الغسلة الثانية في الوضوء حيث روى عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في الوضوء أنه قال : « اعلم أن الفضل في واحدة ... » (1)فان مقتضى كون الفضل في الواحدة أن الغسلة الثانية مرجوحة ومما لا فضل فيها ، فتكون معارضة للأخبار الدالة على استحباب الغسلة الثانية في الوضوء ، إلاّ أنها ضعيفة السند وغير قابلة للاعتماد عليها ، لأن محمد بن إدريس رواها عن نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر وطريقه إلى كتاب النوادر مجهول عندنا ، إذن فلا معارض للأخبار المتقدمة ومقتضاها هو استحباب الغسلة الثانية في كل من الوجه واليدين.
ولكن شيخنا الأنصاري قدسسره قد احتاط بترك الغسلة الثانية في اليد اليسرى ، لاحتمال عدم مشروعية الغسلة الثانية ، ومعه يقع المسح ببلة الغسلة غير المشروعة وليست هي من الوضوء فلا بدّ من الحكم ببطلانه (2).
واحتاط سيد أساتيذنا الشيرازي قدسسره بترك الغسلة الثانية حتى في اليد اليمنى ، فيما إذا كان غسل اليد اليسرى على نحو الارتماس الذي لا يحتاج معه إلى إمرار اليد اليمنى عليها ، حتى تكون البلة الموجودة في اليمنى مستندة إلى بلة اليد اليسرى والمفروض أن بلتها بلة الغسلة الأُولى التي هي من الوضوء ، لفرض أنّا تركنا الغسلة
الأوّل : الاستعانة بالغير في المقدّمات القريبة ، كأن يصب الماء في يده ، وأمّا في نفس الغسل فلا يجوز.
الثاني : التمندل بل مطلق مسح البلل.
الثالث : الوضوء في مكان الاستنجاء.
الرابع : الوضوء من الآنية المفضضة أو المذهبة أو المنقوشة بالصور.
الخامس : الوضوء بالمياه المكروهة كالمشمّس ، وماء الغسالة من الحدث الأكبر ، والماء الآجن ، وماء البئر قبل نزح المقدرات ، والماء القليل الذي ماتت فيه الحيّة أو العقرب أو الوزغ ، وسؤر الحائض والفأر والفرس والبغل والحمار والحيوان الجلال وآكل الميتة ، بل كل حيوان لا يُؤكل لحمه.
الثانية في اليسرى للاحتياط.
واحتاط المحقق الميرزا محمد تقي الشيرازي قدسسره بترك الغسلة الثانية في الوجه أيضاً فيما إذا احتيج في المسح إلى بلته ، وهذه الاحتياطات كلها بملاك واحد وهو أن لا يقع المسح ببلة الغسلة التي ليست هي من الوضوء ، ولا إشكال في أنها احتياط والاحتياط حسن على كل حال.
فصل في مكروهاته
الكلام في مكروهات الوضوء هو الكلام في مستحباته ، وقد عرفت أن أكثرها تبتني على القول بالتسامح في أدلة السنن ، فكذلك الحال في مكروهاته بناء على تعميم القاعدة للمكروهات أيضاً فليلاحظ.
الأوّل : غسل الوجه (1) وحدّه من قصاص الشعر إلى الذقن طولاً ، وما اشتمل عليه الإبهام والوسطى عرضاً (2) ، والأنزع والأغم ومن خرج وجهه أو يده عن
فصل في أفعال الوضوء
(1) لأن الوضوء غسلتان ومسحتان ، وأُولى الغسلتين غسل الوجه ، ولا إشكال في وجوبه على ما يأتي في ضمن أخبار المسألة.
(2) لصحيحة زرارة قال لأبي جعفر عليهالسلام : « أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي أن يوضأ الذي قال اللّه عزّ وجلّ؟ فقال : الوجه الذي قال اللّه وأمر اللّه عزّ وجلّ بغسله ، الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه ولا ينقص منه ، إن زاد عليه لم يؤجر وإن نقص منه أثم ، ما دارت عليه الوسطى والإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن ، وما جرت عليه الإصبعان من الوجه مستديراً فهو من الوجه ، وما سوى ذلك فليس من الوجه ، فقال له : الصدغ من الوجه؟ فقال : لا » (1).
ورواه الكليني قدسسره أيضاً وزاد لفظة « السبابة » وقال : ما دارت عليه السبّابة والوسطى والإبهام (2).
ولكن ذكر السبابة مستدرك ومما لا ثمرة له ، لوضوح أن الوسطى أطول من السبابة ، فإذا دارت الوسطى والإبهام على شيء دارت عليه السبابة أيضاً لا محالة لأنها تقع في وسط الإبهام والوسطى ، ولعل ذكرها من جهة جريان العمل في الخارج على إدارة السبابة مع الوسطى عند غسل الوجه فإنها لا تنفك عن الوسطى وقتئذٍ ، لا من جهة أن إدارة السبابة أيضاً معتبرة شرعاً. والذي يشهد على عدم اهتمام الشارع
بإدارة السبابة ، وأن ذكرها من جهة جريان العمل في الخارج بذلك ، قوله عليهالسلام « وما جرت عليه الإصبعان » فلو كانت إدارة السبابة أيضاً معتبرة للزم أن يقول : وما جرت عليه الأصابع الثلاث.
ثم إنّ هذه الصحيحة وغيرها ممّا وردت في هذا المقام إنما هي بصدد توضيح المفهوم المستفاد من الوجه لدى العرف ، وليست فيها أية دلالة على أن للشارع اصطلاحاً جديداً في معنى الوجه وأنه حقيقة شرعية في ذلك المعنى ، وذلك لأن اللّه سبحانه قد أمر عباده بغسل وجوههم وكانوا يغسلونها من لدن زمان النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم إلى عصر الصادقين عليهماالسلام ولم ينقل إلينا أنهم كانوا يسألون عمّا هو المراد بالوجه لدى الشارع ، بل كانوا يغسلونه على ما هو معناه المرتكز لدى العرف ، ولكن زرارة أراد أن يصل إلى حقيقته فسأله عليهالسلام وأجابه بما قدمنا نقله.
وكيف كان المعروف المشهور وجوب غسل الوجه من القصاص إلى الذقن طولاً وبمقدار ما بين الوسطى والإبهام عرضاً ، هذا هو المعروف في تحديد الوجه الواجب غسله في الوضوء ، بل عن بعضهم أن هذا التحديد مجمع عليه بين الأصحاب ( قدس اللّه أسرارهم ).
وقد أورد عليه شيخنا البهائي قدسسره بأن مبدأ الغسل إن كان هو القصاص بعرض ما بين الإصبعين لدخل النزعتان بذلك تحت الوجه الواجب غسله وهما البياضان فوق الجبين ، وذلك لأن سعة ما بين الإصبعين تشمل النزعتين قطعاً ، مع أنهما خارجتان عن المحدود جزماً ، بل وتدخل الصدغان فيه أيضاً مع عدم وجوب غسلهما على ما صرح به في الصحيحة المتقدمة. ولأجل هذه المناقشة لم يرتض قدسسره بهذا التفسير المعروف عند الأصحاب ، وفسّر الرواية بمعنى آخر يناسب الهندسة ولا يلائم الفهم العرفي أبداً وحاصله :
أنّ المقدار الواجب غسله إنما هو ما تشتمل عليه الإصبعان على وجه الدائرة الهندسية ، بأن توضع إحداهما على القصاص والأُخرى على الذقن من دون أن يتحرك وسطهما ، بل يدار كل من الإصبعين على الوجه أحدهما من طرف الفوق إلى الأسفل وثانيهما من الأسفل إلى الفوق ، وبهذا تتشكل شبه الدائرة الحقيقية وتخرج النزعتان عن المحدود الواجب الغسل ، لأن الإصبع الموضوع على القصاص ينزل إلى الأسفل شيئاً فشيئاً ، والنزعتان تقعان فوق ذلك ، ويكون ما زاد عليه خارجاً عن المحدود كما تخرج الصدغان (1).
وإنّما عبّر قدسسره بشبه الدائرة ، مع أن المتشكل من إدارة الإصبعين مع إثبات الوسط هو الدائرة الحقيقية لا ما يشبهها ، من جهة أن الوجه غير مسطح ، فلو كان مسطحاً لكان الأمر كما ذكرناه وتشكلت من إدارة الإصبعين دائرة حقيقية ، ولعل الذي أوقعه في هذا التفسير الهندسي هو كلمتا « دارت » و« مستديرا » فحسب من ذلك أن المراد بهما هو الدائرة ، وهي إنما تتشكل بما تقدم من وضع إحدى الإصبعين على القصاص ، والأُخرى على الذقن وإدارة إحداهما من الأعلى إلى الأسفل ، وإدارة الأُخرى من الأسفل إلى الأعلى ، هذا.
والصحيح هو ما ذكره المشهور ، ولا يرد عليه ما أورده البهائي قدسسره وذلك لأن القصاص إن أخذناه بمعنى منتهى منبت الشعر مطلقاً ولو كان محاذياً للجبينين أعني منتهى منابت الشعر في النزعتين فهو وإن كان يشمل النزعتين لا محالة ، إلاّ أن الظاهر المتفاهم منه عرفاً هو خصوص منتهى منبت الشعر من مقدم الرأس المتصل بالجبين ، ومن الواضح أن وضع الإصبعين من القصاص بهذا المعنى غير موجب لدخول النزعتين في الوجه ، لأنهما تبقيان فوق المحدود الذي يجب غسله من الوجه.
1) حبل المتين : 14.
وأمّا الصدغان فان فسرناهما بآخر الجبين المعبر عنه في كلماتهم بما بين العين والأُذن فهما مندرجان في الوجه فيجب غسله على كلا التفسيرين ، كما أنهما إذا كانا بمعنى الشعر المتدلِّي من الرأس أيضاً دخل مقدار منهما في المحدود وخرج مقدار آخر ، فما أورده قدسسره على تفسير المشهور غير وارد.
وأمّا قوله : « ما دارت » ، فهو ليس بمعنى الدائرة الهندسية كما تخيل ، بل بمعنى التحريك والإطافة ، كما أن قوله عليهالسلام « وما جرت عليه الإصبعان من الوجه مستديراً » بمعنى تحريك الإصبعين على وجه الدائرة ، وهذا بلحاظ أن الجهة العالية من الوجه أوسع من الجهة السافلة منه ، لأنها أضيق كما هو ظاهر ، فاذا وضع المتوضئ إصبعيه على القصاص كان الفصل بينهما أكثر وأوسع ، وكلما حركهما نحو الذقن تضيقت الدائرة بذلك إلى أن يتصلا إلى الذقن ، كما أنه إذا وضعناهما على الذقن كان الفصل بينهما أقل وأضيق ، وكلما حركناهما نحو القصاص اتسعت الدائرة بذلك لا محالة ، وبهذا الاعتبار عبّر عنه بالدائرة لشباهته إياها.
وأما ما فسّر به الرواية من وجوب غسل الدائرة المتشكلة من وضع إحدى الإصبعين على القصاص والأُخرى على الذقن ، فتتوجه عليه المناقشة من جهات :
الاولى : أنّا لو سلمنا تمامية ما أفاده قدسسره فلا ينبغي التردد في أنه على خلاف الظاهر والمتفاهم العرفي من الرواية ، ومن هنا لم يخطر هذا المعنى ببال أحد من لدن عصر النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم إلى زمان الصادقين عليهماالسلام والفقهاء قدسسرهم أيضاً لم يفسروها بذلك إلى زمان شيخنا البهائي قدسسره.
الثانية : أن القسمة المتوسطة من الجبين إنما هي على شكل الخط المستقيم ، ومعه لا يمكن أن يراد من الرواية ما ذكره قدسسره لأن لازم وضع الإصبع على القصاص وإدارته على الوجه بشكل الدائرة أن يمر الإصبع على الجبين ، على نحو
يكون المقدار الواقع منه بين الخطين الحادثين من إمرار الإصبعين عليه بشكل القوس للدائرة ، لا بشكل الخط المستقيم ، لأن جزء الدائرة لا مناص من أن يكون قوساً لها ولا يعقل أن يكون خطاً مستقيماً أبداً ، ومع فرض إمرارهما على الجبين على هذا النحو ، بحيث يكون المقدار الواقع من الجبين بينهما بشكل القوس كما إذا أمرّهما مما يلي طرف عينيه بشكل الدائرة يبقى مقدار من طرفي الجبين في خارج الدائرة ولا بدّ من الحكم بعدم وجوب غسله ، مع وضوح أن الجبين واجب الغسل بتمامه حتى عند شيخنا البهائي قدسسره فما ذهب إليه مما لا يمكن الالتزام به.
الثالثة : أن مقتضى صريح الرواية أن المبدأ للوضع في كل من الإصبعين شيء واحد ، كما أن المنتهي كذلك ، فمبدؤهما القصاص ومنتهاهما الذقن ، فيوضعان على القصاص ويحركان وينتهي كل منهما إلى الآخر في الذقن ، وهذا إنما يتم على ما ذكره المشهور ، وأما على ما أفاده قدسسره فلا محالة يكون مبدأ الوضع ومنتهاه في كل من الإصبعين غير المبدأ والمنتهى في الإصبع الآخر ، فالمبدأ لوضع أحدهما هو القصاص والمنتهى هو الذقن ، كما أن المبدأ لوضع الإصبع الآخر هو الذقن والمنتهى هو القصاص ، بأن يوضع أحد الإصبعين على القصاص فيحرك إلى طرف الذقن وينتهي إليه ، كما يوضع الآخر على الذقن ويحرك إلى طرف القصاص وينتهي إليه ، وهذا لعله خلاف صريح الرواية كما مرّ.
الرابعة : أن المشاهدة الخارجية قاضية بعدم تساوي البعد والفصل الحاصلين بين الإصبعين مع البعد الموجود بين الذقن والقصاص غالباً ، فان كل شخص إذا وضع إحدى إصبعيه على القصاص والأُخرى على ذقنه ليرى بالعيان أن ما بين الإصبعين أطول من وجهه. وعليه فاذا وضع إحداهما على القصاص تجاوز الأُخرى عن الذقن ووصل إلى تحت الذقن بمقدار ، كما أنه إذا وضع إحداهما على الذقن تجاوز الأُخرى عن القصاص ووصل إلى مقدار من الرأس ، فعلى ما فسره قدسسره لا بدّ من التزام وجوب الغسل في شيء من تحت الذقن أو فوق الجبين ، وهذا مما لا يلتزم به هو ولا غيره من الفقهاء قدسسرهم فالصحيح إذن هو ما ذهب إليه المشهور من
المتعارف يرجع كل منهم إلى المتعارف ، فيلاحظ أن اليد المتعارفة (1)في الوجه المتعارف إلى أيّ موضع تصل وأنّ الوجه المتعارف أين قصاصه ، فيغسل ذلك المقدار (1).
وجوب غسل الوجه من القصاص إلى الذقن بالمقدار الذي تدور عليه الوسطى والإبهام.
(1) والوجه في رجوعهما إلى المتعارف ، أن الوجه محدود بحدود لا يتسع بعدم إنبات الشعر على القصاص ، كما لا يتضيق بإنباته على الجبهة ، فلا يقال في الأنزع أن وجهه طويل ، بل يقال لا شعر على ناصيته ، كما لا يقال في الأغم أن وجهه قصير ، بل يقال نبت الشعر على جبهته ، إذن فمثل الأنزع والأغم لا بدّ من أن يرجع في المقدار المغسول من الوجه إلى الأشخاص المتعارفين في وجوههم وقصاصهم ، وهذا مما لا كلام فيه.
وإنما الكلام في أن الأشخاص المتعارفين أيضاً مختلفون في أنفسهم ، فقد يكون وجه بعضهم أطول من غيره بمقدار لا يخرجه عن الوجه المتعارف لدى العرف ، فيقع الكلام في أن المدار هل هو على الأطول أو الأقصر بحسب الوجه؟
الظاهر أن الواجب حينئذٍ إنما هو غسل كل مكلف وجه نفسه ، سواء أكان أطول أم أقصر من غيره ، بمقدار لا يضرّ بكونه متعارفاً لدى العرف ، وذلك لأن العموم فيما دلّ على وجوب غسل الوجه في الوضوء انحلالي ، فيجب على كل واحد من المكلفين أن يغسل وجه نفسه من دون نظر إلى وجه غيره ، هذا كله بالإضافة إلى الاختلاف في الطول.
وأمّا بالإضافة إلى عرض الوجه ، فإن الأشخاص المتعارفين بحسب الوجه قد
1) (*) في العبارة قصور ، والمقصود غير خفيّ.
يختلفون بكثرة الفصل والابتعاد بين الإصبعين أعني الوسطى والإبهام وقلتهما فترى أن شخصين متحدان من حيث الوجه غير أن الإصبع من أحدهما أطول من إصبع الآخر ، فهل المدار والاعتبار بأطولهما في الإصبع بحيث يجب على أقصرهما إصبعاً أن يغسل المقدار الزائد على ما دارت عليه إصبعاه ، أو أن الاعتبار بأقصرهما إصبعاً ، فلا يجب على أطولهما أن يغسل المقدار الزائد على ما دارت عليه إصبعا أقصرهما بحسب الإصبع؟
الصحيح أن المدار على أقلّهما فصلاً أعني أقصرهما إصبعاً وذلك لما تقدم من أن الوجه شيء واحد وليس له إلاّ حد واحد ، ولا يعقل أن يكون له حدّان أو أكثر والمفروض أنهما متساويان في الوجه ، فمقتضى إطلاق ما دلّ على وجوب غسل الوجه في الوضوء أن أقلهما فصلاً أيضاً مأمور بغسل وجهه بالمقدار الذي تدور عليه إصبعاه فلا يجب عليه الزائد على ذلك بمقتضى تلك المطلقات ، فاذا كان هذا هو حد الوجه الواجب غسله في أحدهما ، كان هذا هو الحد في وجه الآخر أعني أكثرهما فصلاً لا محالة لتساويهما من حيث الوجه سعة وضيقاً ، ولا يمكن أن يكون للوجه حد آخر لما عرفت ، وعلى ذلك لا يجب على أطولهما فصلاً غسل المقدار الزائد عما دارت عليه إصبعا أقلهما فصلاً.
وهكذا الحال فيما إذا كانا متفقين من حيث الإصبع ومختلفين في الوجه من جهة المساحة العرضية ، فإن الميزان وقتئذٍ إنما هو الاقتصار بأقلهما فصلاً أو أقصرهما وجهاً ، لأنه مشمول للمطلقات الواردة في وجوب غسل الوجه ، فاذا ثبت أنه الحد الواجب الغسل في أحدهما ثبت في الآخر أيضاً ، لتساويهما في الفصل المتخلل بين الإصبعين.
ولكن هذا المقدار من الاختلاف في عرض الوجه لا يكاد يترتب عليه ثمرة عملية ، وذلك من جهة لزوم الغسل في المقدار اليسير الزائد عن الحد الواجب في كل من الوجه واليدين من جهة المقدمة العلمية ، فزيادة أحد الوجهين عن الآخر بمقدار يسير كما هو الحال في الأشخاص المتعارفين لا يترتب عليها أثر عملي ، هذا كله في الأشخاص المتعارفين من حيث الوجه واليدين.
وأمّا من خرج عن العادة فيهما ، كما إذا كان وجهه ضعف الوجوه المتعارفة في الأشخاص ، أو كان وجهه أقصر من الوجوه المتعارفة بكثير ، كما إذا كان بمقدار نصفها مثلاً ، فهل المدار على أكبرهما وجهاً ، فيجب على أقصرهما وجهاً أن يغسل وجهه وأُذنيه مع خلفهما ، لأن المفروض أن المدار على أكبرهما وجهاً ، ووجهه ضعف وجه أقصرهما ، أو أن المدار على أقصرهما وجهاً ، فلا يجب على أكبرهما وجهاً إلاّ غسل مقدار النصف مثلاً من وجهه ، لأن المقدار الواجب غسله إنما هو وجه أقصرهما والمفروض أن وجهه ضعف الوجوه المتعارفة فضلاً عن الوجوه القصيرة والصغيرة؟
الصحيح في مفروض الكلام هو الرجوع الى المتعارف ، وهذا لا بمعنى أنه يغسل من وجهه بمقدار الوجه المتعارف لدى الناس كما يعطيه ظاهر عبارة الماتن قدسسره لاستلزام ذلك وجوب غسل الأُذنين بل وخلفهما أيضاً في حق من قصر وجهه عن الوجوه المتعارفة بنصفها مثلاً ، أو وجوب غسل نصف الوجه في حق من كبر وجهه وكان ضعف الوجوه المتعارفة ، بل بمعنى أن يلاحظ أن اليد المتناسبة لهذا الوجه تصل إلى أيّ مقدار منه ويحيط به فيغسل وجهه بهذا المقدار ، والوجه في ذلك ما قدّمناه في محلِّه من أن التحديد قد يكون تحديداً عاما بالإضافة إلى الجميع كما هو الحال في مثل الكر المحدود بسبعة وعشرين شبراً ، أو بغيره من التحديدات ، وفي المسافة المرخصة للقصر المعيّنة بالذراع ، لوضوح أن الكر والمسافة لا يختصان بشخص دون شخص ، فإن أحكامهما طارئان على الماء والسفر ، فاذا بلغا ذلك الحد فالأوّل كر في حق الجميع كما أن الثانية مسافة مرخصة للقصر كذلك ، وإذا لم يبلغا إليه فهما ليسا كذلك في حق الجميع ، والمدار وقتئذٍ إنما هو بأقل الأشخاص المتعارفة شبراً أو ذراعاً ، وكذلك غيرهما من التحديدات العامة على ما أشرنا إليه في محلها.
وقد يكون التحديد شخصياً وحكماً انحلالياً ، كما هو الحال في المقام ، لأن قوله عزّ من قائل ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) (1)عام انحلالي ، بمعنى أن كل واحد من المكلّفين
1) المائدة 5 : 6.
ويجب إجراء الماء فلا يكفي المسح به ، وحدّه أن يجري من جزء إلى جزء آخر ولو بإعانة اليد ، ويجزئ استيلاء الماء عليه وإن لم يجر إذا صدق الغسل (1).
يجب أن يغسل وجه نفسه ، فاذا كان وجهه أكبر عن المتعارف أو أصغر منه فلا بدّ من أن يرجع إلى المتعارف بالمعنى المتقدم ، وهو مراد الماتن قدسسره أيضاً ، وإن كانت عبارته كغيره من الفقهاء الذين اعتبروا المراجعة في المقام إلى المتعارف لا تخلو عن مسامحة ، لأن ظاهرها يعطي لزوم الغسل بمقدار الوجه المتعارف لدى الناس ، وقد عرفت عدم إمكان إرادته فليلاحظ.
(1) الاحتمالات في ذلك ثلاثة :
الأوّل : أن يكون الغسل المعتبر في الوجه واليدين هو الغسل المعتبر في تطهير الأجسام المتنجسة ، بأن يعتبر فيه استيلاء الماء على البشرة وانفصال غسالته عنه كما هو الحال في تطهير المتنجسات ، فانّ مجرّد وصول الماء إليها من غير انفصال غسالتها غير كافٍ في تحقق الغسل وصدق عنوانه لدى العرف.
وربما يشهد لذلك ما ورد في صحيحة زرارة من قوله عليهالسلام : « كل ما أحاط به من الشعر فليس للعباد أن يطلبوه ولا يبحثوا عنه ، ولكن يجرى عليه الماء » (1)لدلالتها على اعتبار الجريان في الوضوء فلا يكفى مجرد وصول الماء إلى البشرة ، بل لا بدّ في صحته من إيصال الماء إليها وجريانه ، أي انتقاله من جزء إلى جزء آخر حتى تنفصل غسالته.
الثاني ، وهو مع الاحتمال المتقدم على طرفي النقيض : أن يكون المعتبر في غسل الوجه واليدين مجرد إيصال النداوة إلى البشرة ولو بإمرار اليد عليها ، فكما أن النداوة تكفي في المسح ، كذلك تكفي في الغسل المعتبر في الوضوء ، وهذا لا بمعنى أن المعتبر في
1) الوسائل 1 : 476 / أبواب الوضوء ب 46 ح 3.
الوجه واليدين أيضاً هو المسح ، كيف وهو على خلاف ما نطق به الكتاب ودلت عليه السنة القطعية ، لدلالتهما على أن الوضوء غسلتان ومسحتان وأن الغسل معتبر في الوجه واليدين كما يعتبر المسح في الرأس والرجلين ، فللمسح موارد معيّنة ولا يجزي في غيرها أعني الوجه واليدين ، بل لأن الواجب فيهما إيصال النداوة إلى البشرة وحيث إن ذلك لا يتحقق في الغالب بل الدائم إلاّ بالمسح ، فيكون المسح مقدمة لما هو الواجب في الوجه واليدين ، والدليل إنما دلّ على أن المسح ليس بواجب فيهما ، ولم يدلنا أيّ دليل على حرمته حتى لا يجوز الإتيان به مقدمة لتحقق ما هو الواجب في الوجه واليدين.
وقد يستدل على هذا الاحتمال بعدة من الأخبار الكثيرة التي فيها الصحيحة والموثقة ، الدالة على أن الوضوء يكفي فيه مسمى الغسل ولو مثل الدهن منها : صحيحتي زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « إنما الوضوء حد من حدود اللّه ليعلم اللّه من يطيعه ومن يعصيه ، وأن المؤمن لا ينجّسه شيء ، إنما يكفيه مثل الدهن » (1)ومنها : موثقة (2)إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه عليهالسلام « أن عليّاً عليهالسلام كان يقول : الغسل من الجنابة والوضوء يجزئ منه ما أُجزي من الدهن الذي يبل الجسد » (3)ومنها غير ذلك من الروايات.
ولكن الاستدلال بهذه الروايات يتوقف على أن يكون وجه الشبه في تشبيه الماء بالدهن كفاية البلة والنداوة الواصلة إلى البشرة ، ولو بإمرار اليد عليها وجريانه وانتقاله من جزء إلى جزء آخر ، فتدلنا هذه الروايات على أن هذا المقدار من البلة المائية كاف في صحة الوضوء ، إلاّ أنه لم تقم أية قرينة في شيء من الأخبار المتضمنة للتشبيه على أن ذلك هو وجه الشبه بينهما ، بل من المحتمل القوي أن يكون وجه الشبه
في الروايات هو قلة الدهن في التدهين ، فان في موارد التدهين لا يستعمل الدهن إلاّ قليلاً ، فتؤخذ بمقدار الراحة من الدهن فيدهن به ، كما ورد التصريح بذلك في صحيحة محمد بن مسلم الواردة في كيفية الوضوء ، حيث قال أبو جعفر عليهالسلام « يأخذ أحدكم الراحة من الدهن فيملأ بها جسده ، والماء أوسع ... » (1)فكذلك الحال في الوضوء ، فيكتفى فيه بالمقدار القليل من الماء ، ولا يعتبر فيه استعمال الماء الكثير وأوسعية الماء في الصحيحة إنما هي بلحاظ سرعة جريانه ، وقد ورد في صحيحة الحلبي الأمر بالاسباغ عند كثرة الماء ، والاكتفاء بالقليل عند قلته ، حيث قال : « أسبغ الوضوء إن وجدت ماءً ، وإلاّ فإنه يكفيك اليسير » (2)، وعلى الجملة التشبيه إنما هو في الكم والمقدار دون الكيف وإيصال النداوة بالتمسح.
وما ذكرناه إما هو الظاهر من الأخبار المتقدمة ، أو لا أقل من أنه القدر المتيقن منها ، كيف وحملها على كفاية إيصال النداوة بالمسح ينافي الصحيحة المتقدمة التي دلّت على اعتبار جريان الماء في الوضوء ، كما ينافي ذلك ما ورد في الآية المباركة والروايات من الأمر بغسل الوجه واليدين ، فان الغسل يعتبر فيه استيلاء الماء على البشرة وانفصاله عنها كما لا يخفى ، ومجرد إيصال النداوة إلى البشرة غير كاف في تحقق مفهوم الغسل ، لوضوح أن النداوة ليست بماء ، وأيضاً ينافيه الأخبار البيانية الواردة في الوضوء المشتملة على حكاية فعلهم عليهمالسلام من أنه أخذ كفاً من الماء وغسل به وجهه ويديه (3).
الثالث : أن يكون المعتبر في غسل الوجه واليدين أمراً متوسطاً بين الاحتمالين المتقدّمين ، بأن يكون الواجب هو استيلاء الماء على البشرة دون مجرّد إيصال النداوة إليها ، إلاّ أنه لا يعتبر انفصال الغسالة عنها ، بل لو أوصل الماء إلى بشرته ولو بالتمسّح على نحو لم ينفصل عنها ولو قطرة واحدة كفى هذا في صحّة وضوئه.
ويجب الابتداء بالأعلى (1)
وعلى الجملة فاللازم أن يكون الماء مستولياً على البشرة والبدن من دون اعتبار انفصال الغسالة عنها بوجه ، وتدلّ على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام « في الوضوء قال : إذا مس جلدك الماء فحسبك » (1)، لظهورها في أن مجرّد وصول الماء إلى البشرة كافٍ في صحة الوضوء وإن لم ينفصل عنها كما لا يخفى ، وهي حاكمة على ما دلّ على اعتبار جريان الماء أو الغسل في الوضوء ، بحيث لولا هذه الصحيحة لقلنا باعتبار تحقق الغسل والجريان أعني انفصال الغسالة في صحّته ، لأنه معنى الغسل على ما عرفت.
ولكن هذه الصحيحة قد دلّتنا على أن الغسل الواجب في الوضوء إنما هو بمعنى وصول الماء إلى البدن لا بمعنى انفصال الغسالة عنه ، وقد عرفت أن الأخبار الواردة في كفاية مثل الدهن من الماء أيضاً ظاهرة في هذا المعنى ، ولا أقل من أنه القدر المتيقن من التشبيه دون إيصال مجرد النداوة إلى البشرة باليد.
(1) على ما هو المعروف بين المتقدمين والمتأخرين ، وخالفهم في ذلك السيد المرتضى قدسسره وذهب إلى جواز النكس (2)وتبعه الشهيد (3)وصاحب المعالم (4)والشيخ البهائي (5)وابن إدريس (6)وغيرهم ( قدس اللّه أسرارهم ) واستدل على ما ذهب إليه المشهور بوجوه :
الوجه الأوّل : أن ذلك مقتضى أصالة الاشتغال ، لعدم العلم بالفراغ فيما إذا لم يبتدأ من الأعلى إلى الأسفل ، وهذا الاستدلال يبتني على أمرين :
أحدهما : أن لا يكون هناك دليل دل بإطلاقه على جواز الغسل بأية كيفية كانت لوضوح أن مع وجود الدليل الاجتهادي لا تصل النوبة إلى التمسك بالأصل.
وثانيهما : عدم جريان البراءة في الطهارات الثلاث ، بدعوى أن المأمور به فيها إنما هو تحصيل الطهارة وهو أمر معلوم ، وإنما الشك في أسبابها ومحصلاتها ، إذن فالشك في المكلف به دون التكليف ، ولا تجري معه أصالة البراءة في شيء من الطهارات.
والأمران كلاهما ممنوعان ، أما الأول فلأن الآية المباركة ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) (1)مطلقة وقد دلتنا على وجوب غسل الوجه واليدين ولزوم مسح الرأس والرجلين من غير تقييدها الغسل بأن يبتدأ من الأعلى إلى الأسفل ، فمقتضى إطلاقها جواز النكس في الغسل.
ودعوى أن الآية بصدد التشريع وبيان أصل الحكم في الشريعة المقدسة ، وليست ناظرة إلى كيفياته وخصوصياته ، مما لا شاهد له لوضوح أنها قد وردت بصدد البيان وبيّنت حدود الغسل والمسح الواجبين ، وأنه لا بدّ من أن يكون الغسل في اليدين من المرفق ، وأن محله إنما هو في الوجه واليدين كما أن المسح في الرأس والرجلين ، وحيث لم يقيد فيها الغسل بكيفية معينة فيستفاد منها كفاية الغسل على وجه الإطلاق كما هو المدعى.
وكذلك الأخبار الواردة في كيفية وضوء النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم أو بعض الأوصياء عليهمالسلام كالروايات المشتملة على أنه عليهالسلام دعا بماء وأخذ كفاً منه فغسل به وجهه ويديه (2)فإنها كما ترى مطلقة وليست مقيّدة بكيفية دون كيفية ، هذا كله في الأمر الأوّل.
ثم لو سلمنا ذلك وقلنا إن الآية ليست بصدد البيان ، وأنه لا دليل في المقام يتشبث بإطلاقه ، فللمنع عن الأمر الثاني مجال واسع ، وذلك لأن الطهارة ليست مسببة عن الغسلتين والمسحتين ، وإنما هي عبارة عن نفس الأفعال ، لأن لها بقاء في عالم الاعتبار والتعبير ب- « إنه على وضوء » كثير في الروايات (1)وعليه فاذا شككنا في أن الوضوء الواجب هل هو الأفعال فقط ، أعني الغسلتين والمسحتين ، أو يعتبر فيه شيء زائد عليهما ، فلا مانع من أن تجري البراءة عن التكليف بالزائد ، لأنه من الشك في التكليف ، بناء على ما هو الصحيح من جريان البراءة في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيّين كما هو الصحيح. نعم بناء على القول فيه بالاشتغال فللمنع من جريان البراءة في المقام وجه ، إلاّ أنه على خلاف الواقع كما عرفت.
الوجه الثاني مما استدل به على مذهب المشهور : رواية قرب الاسناد عن أبي جرير الرقاشي قال : « قلت لأبي الحسن موسى عليهالسلام كيف أتوضأ للصلاة؟ فقال : لا تعمق في الوضوء ولا تلطم وجهك بالماء لطماً ولكن اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله بالماء مسحاً ، وكذلك فامسح الماء على ذراعيك ورأسك وقدميك » (2)لدلالتها على الأمر بغسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل.
وقد نوقش في الاستدلال بهذه الرواية تارة من جهة السند وأُخرى من جهة الدلالة.
أمّا من جهة السند ، فلأجل اشتماله على أبي جرير الرقاشي ، وهو مهمل في الرجال ، وذلك لأن الرقاشي عنوان لشخصين ليس منهما أبو جرير ، وهما الحسين بن المنذر ومحمد بن درياب ، كما أن أبا جرير كنية لجماعة ليس منهم الرقاشي ، فأبو جرير الرقاشي مهمل والسند ضعيف.
ودعوى أن كتاب قرب الاسناد من الأُصول المعتبرة فلا يضره ضعف السند كما في
الحدائق (1)ساقطة ، لأن كون الكتاب من الأُصول المعتبرة لا يقتضي اعتبار كل رواية من رواياته ، وكيف لا فان كتاب قرب الاسناد لا يزيد في الاعتبار على كتاب الكافي مثلاً ، فإنه مع كونه من الكتب المعتمد عليها عند الأعلام لا يسوغ الاعتماد على كل رواية مندرجة فيه إلاّ بعد ملاحظة سندها وتماميته ، إذن فهذه المناقشة مما لا مدفع له.
وأمّا من جهة الدلالة ، فقد نوقش فيها بأن الرواية قد نهت عن التعمق في الوضوء على ما هو دأب الوسواسين ، كما نهت عن التلطم بالماء ، والنهي عن ذلك يحتمل أمرين :
أحدهما : أن يكون النهي تنزيهياً باعتبار استحباب المسح في غسل الوجه وإيصال الماء إلى تمام أطرافه بإمرار اليد عليه ، فيكون اللطم في مقابله مكروهاً لا محالة.
وثانيهما : أن يكون النهي عن التلطم مستنداً إلى عدم إحراز وصول الماء بذلك إلى تمام الوجه ، ومعناه أنه لا تلطم وجهك بالماء ، لأنه لا يوجب إحراز الغسل الواجب في الوضوء. وعلى هذا الاحتمال يبقى ظهور القيد ، أعني قوله « ... مسحاً » في الاحترازية بحاله ، لأن معناه أن التلطم بالماء غير كافٍ في الوضوء ، بل لا بدّ فيه من غسل الوجه ولو مسحاً حتى يصل الماء إلى تمام أطرافه وأجزائه ، ومعه لا بدّ من الحكم بوجوب المسح.
وهذا لا لأجل أن له موضوعية في صحة الوضوء ، بل من جهة طريقيته إلى ما هو المعتبر من وصول الماء إلى جميع أجزاء الوجه ، فالأمر بالغسل مسحاً أمر وجوبي من دون أن يكون للمسح خصوصية وموضوعية ، وإنّما أُخذ على وجه الطريقية ، فعلى هذا الاحتمال لا ترد المناقشة على الرواية من تلك الجهة. وأما على الاحتمال الأوّل وهو أن يكون النهي تنزيهياً فلا يمكن التحفظ معه على ظهور القيد في الاحترازية ، وذلك لعدم وجوب المسح في غسل الوجه قطعاً ، لضرورة كفاية الغسل بالارتماس أو
1) الحدائق 2 : 233.
بماء المطر ، ولأن التفصيل قاطع للشركة وقد فصّل اللّه سبحانه بين الوجه واليدين والرأس والرجلين ، فأمر بالمسح في الثانيتين ، وهذا يدلنا على عدم وجوبه في الأُوليين ، وعليه يكون الأمر بالغسل مسحاً محمولاً على الأمر باختيار أفضل الأفراد فهو أمر استحبابي لا محالة. والنتيجة أنه لم يدلنا دليل على وجوب كون الغسل من الأعلى إلى الأسفل.
هذا ولكن الصحيح عدم ورود هذه المناقشة على الاستدلال بالرواية ، وذلك لما بيّناه غير مرة من أن الوجوب والاستحباب خارجان عن مدلول الصيغة ، فان صيغة الأمر لا تستعمل في معنيين ، بل إنما تستعمل في معنى واحد دائماً ، والعقل ينتزع منها الوجوب مرّة والاستحباب اخرى ، وخصوصية الاستحباب إنما تنتزع من اقتران الصيغة بالترخيص في الترك كما ينتزع الوجوب من عدم اقترانها به ، فاذا استعملت ولم تكن مقترنة به فالعقل ينتزع منها الوجوب ويستقل باستحقاق العقوبة على الترك.
ومن هنا قلنا إن الأمر بغسل الجمعة والجنابة في رواية واحدة « اغتسل للجمعة والجنابة » (1)قد استعمل في معنى فأرد ، ولكن القرينة قامت على الترخيص في الترك في أحدهما فحكمنا باستحبابه ، ولم تقم في الآخر فحكمنا بوجوبه ، وقيام القرينة على الترخيص في الترك في أحدهما غير مانع عن دلالة الأمر بالوجوب على التقريب المتقدِّم في الآخر ، لوجود الفارق بينهما وهو قيام القرينة على الترخيص في الترك وإن كان المستعمل فيه في كليهما شيئاً واحداً ، هذا كلّه في حال الأمر بالإضافة إلى الأفراد.
ومنه يظهر الحال بالنسبة إلى الأجزاء والقيود ، كما إذا أمر المولى بإكرام جماعة من
1) لم نعثر على هذه الرواية في مظانها ، نعم هناك رواية أُخرى وهي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « اغتسل يوم الأضحى والفطر والجمعة. وإذا غسلت ميتاً ، ولا تغتسل من مسه إذا أدخلته القبر ، ولا إذا حملته » المروية في الوسائل 3 : 306 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ح 9 وغيرها.
العلماء وقامت القرينة على الترخيص في ترك الإكرام لبعضهم ، فلا محالة يكون الإكرام بالنسبة إلى ذلك البعض مستحباً وبالنسبة إلى البقية محكوماً بالوجوب ، وفي المقام لما قامت القرينة على الترخيص في ترك المسح الذي هو قيد المأمور به كان الأمر بالإضافة إليه استحبابياً لا محالة. وأما بالنسبة إلى المأمور به وهو الغسل من الأعلى إلى الأسفل فهو أمر وجوبي ، لعدم قيام القرينة على الترخيص في تركه ، فعلى تقدير تمامية الرواية بحسب السند لا ترد عليها المناقشة بحسب الدلالة ، إذن فالعمدة هي المناقشة فيها بحسب السند.
الوجه الثالث ممّا استدل به للقول المشهور هو : الروايات البيانية الواردة في حكاية وضوء النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم منها : صحيحة زرارة قال : « حكى لنا أبو جعفر عليهالسلام وضوء رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم فدعا بقدح من ماء فأخذ كفاً من ماء فأسدله على وجهه من أعلى الوجه ، ثم مسح وجهه من الجانبين جميعاً ، ثم أعاد يده اليسرى في الإناء ... » (1).
وقوله « ثم مسح وجهه من الجانبين جميعاً » لعله بمعنى أنه صلىاللّهعليهوآلهوسلم استعان بيده اليسرى كما استعان باليمنى فأمرّهما معاً على جانبيه ، وقد ورد في بعض الأخبار أنه صلىاللّهعليهوآلهوسلم كان يستعين بيده اليسرى في الوضوء (2)وفي بعض تلك الروايات أنه صلىاللّهعليهوآلهوسلم وضع الماء على جبهته (3)وهي كما ترى كالصريحة في أن الغسل لا بدّ أن يكون من أعلى الوجه إلى أسفله.
ولكن للمناقشة في دلالتها على اعتبار ذلك مجال واسع ، وذلك لأن أبا جعفر عليهالسلام إنما حكى فعل رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم ووضوءه ، وأنه كان يتوضأ بتلك الكيفية ، وليست فيها أية دلالة على أن تلك الكيفية كانت واجبة في
الوضوء ، ولعلّها من باب الأفضلية والاستحباب دون الوجوب ، ومن هنا لم ترد خصوصية غسله صلىاللّهعليهوآلهوسلم من أعلى الوجه إلى أسفله في غير هذه الروايات من الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية وهي عدّة روايات ، فإثبات وجوب تلك الكيفية بهذه الروايات مما لا يمكن المساعدة عليه.
ولا سبيل إلى دعوى وجوبها من جهة وجوب التأسي بالنبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم إذ لا مجال لوجوب التأسي في المباحات والمستحبّات ، وقد دلّتنا الآية المباركة بإطلاقها على عدم وجوب الابتداء بالأعلى إلى الأسفل في غسل الوجه ، هذا.
وقد نسب إلى العلاّمة في المنتهي (1)والشهيد في الذكرى (2)( قدس اللّه أسرارهما ) تذييل الصحيحة المتقدمة بقولهما : روي عنه عليهالسلام أنه صلىاللّهعليهوآله قال بعد ما توضأ : « إن هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلاّ به » وهذا على تقدير ثبوته أيضاً تدلنا على وجوب تلك الكيفية في الوضوء ، ومعه لا بدّ من الحكم باعتبار البدء بالأعلى إلى الأسفل في غسل الوجه وغيره من الخصوصيات المذكورة في الرواية ، إلاّ أن يقوم دليل على عدم وجوبها ، وسرّه أن المشار إليه في قوله : « هذا وضوء » ليس هو الوضوء الشخصي الصادر من النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم كيف وهو أمر قد انقضى وانصرم ولا يمكن صدوره منه صلىاللّهعليهوآلهوسلم ولا من الباقر عليهالسلام أو غيرهما ، بل إنما هو إشارة إلى صنف ذلك الشخص ، وهو الوضوء المشتمل على الخصوصيات المذكورة في الرواية فلا مناص من الحكم بوجوبها.
ودعوى : أن الإشارة إلى طبيعة الوضوء لا إلى صنف ذلك الشخص الصادر منه صلىاللّهعليهوآلهوسلم مندفعة بأن المحمول في قوله : « إن هذا وضوء » هو الوضوء ولا يصح هذا فيما إذا أُريد من قوله « هذا » هو الطبيعي ، لأنه يؤول إلى قوله إن طبيعي
الوضوء وضوء ، وهو كلام لا ينبغي صدوره منه صلىاللّهعليهوآلهوسلم نعم يصحّ أن يقال إنه شيء أو أمر ، وأمّا الوضوء فقد عرفت أنه لا معنى لحملة عليه.
والذي يسهل الخطب وهو العمدة في المقام ، أن هذا الذيل مما لا أصل له ، لأنه إنما وقع في كلامهما مرسلاً ، ولا يكاد يوجد في شيء من الأخبار الواردة في كيفية غسل الوجه في الوضوء ، لا في مسنداتها ولا في مرسلاتها ، ولا ندري من أين جاءا به. نعم ورد ذلك في روايات غسل الوجه مرة أو مرتين ، حيث روى الصدوق قدسسره في الفقيه أن النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم توضأ مرة مرة فقال : هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلاّ به (1)وهو أجنبي عما نحن بصدده ، لأن الكلام إنما هو في اعتبار غسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل ، لا في اعتبار المرة وعدم جواز الغسل مرتين.
الوجه الرابع ممّا استدلّ به للمشهور : أن الأمر بالغسل في الآية المباركة والروايات إنما ينصرف إلى الغسل الخارجي المتعارف لدى الناس ، والدارج عندهم إنما هو غسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل ، وأمّا الغسل نكساً فهو أمر غير معتاد فالغسل منصرف عنه لا محالة.
وهذا الاستدلال مورد للمناقشة صغرى وكبرى ، أمّا بحسب الصغرى ، فلأن المتعارف في غسل الوجه إنما هو الغسل من وسط الجبين أو ما يقرب من الوسط ، دون الغسل من قصاص الشعر إلى الأسفل ، لوضوح عدم جريان العادة بذلك ، ومعلوم أن هذا غير كافٍ في الوضوء.
وأمّا بحسب الكبرى ، فلأنّ الغلبة الخارجية في أفراد المطلق غير موجبة للانصراف إلى الفرد الغالب ، فان الحكم بعد ما ترتب على الطبيعة سرى إلى جميع ما يمكن أن يكون مصداقاً لها ، ولا فرق في ذلك بين الأفراد النادرة والغالبة ، فالغلبة غير موجبة لاختصاص الحكم بالغالب.
فالمتحصل إلى هنا أن وجوب غسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل مما لم يقم عليه دليل.
1) الوسائل 1 : 438 / أبواب الوضوء ب 31 ح 11 ، الفقيه 1 : 25 / 76.
والغسل من الأعلى إلى الأسفل عرفاً ولا يجوز النكس(1)
فلم يبق إلاّ تسالم الفقهاء الأقدمين وسيرة أصحاب الأئمة عليهمالسلام حيث جرت على غسل وجوههم من الأعلى إلى الأسفل ، فإن المتقدمين متسالمون على وجوب ذلك ولم يخالفهم في ذلك إلاّ السيد المرتضى قدسسره (1)كما أن أصحاب الأئمة عليهمالسلام لم ينقل عنهم خلاف ذلك ، فلو لم يكن هذا على وجه الإلزام والوجوب لظهر وشاع ، فنطمئن من عدم ظهور ذلك بأن الغسل من الأعلى إلى الأسفل أمر واجب لا محالة.
وعلى الجملة : أنّ التسالم بين الفقهاء قدسسرهم إن تم وثبتت سيرة أصحابهم عليهمالسلام فهو ، وإلاّ فللمناقشة في وجوب غسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل مجال واسع ، غير أن النفس مطمئنة من سيرتهم وتسالم فقهائنا الأقدمين على وجوبه هذا تمام الكلام في أصل المسألة وهو وجوب غسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل وعدمه.
(1) إذا قلنا بوجوب غسل الأعلى فالأعلى ، فلا بدّ من التكلم فيما هو الواجب في المسألة وفيه احتمالات :
أحدها : أن يقال إن الواجب وقتئذٍ هو الغسل من أعلى الوجه والقصاص بمقدار يسير يصدق عليه الشروع ، وأما بعد ذلك فلا يعتبر فيه الغسل من الأعلى فالأعلى بل له أن يغسل الباقي كيفما شاء ، فكأن الواجب إنما هو مجرد الشروع والابتداء في الغسل بالأعلى ، وبذلك يسقط الوجوب والترتيب ، فللمكلف أن يغسل وجهه بعد ذلك بأية كيفية شاءها ولو نكساً.
ويدفعه : أن الظاهر المستفاد من الأخبار البيانية الواردة في حكاية وضوء النبي
1) تقدّم ذكر المصدر في ص 49.
( صلىاللّهعليهوآلهوسلم ) ورواية الرقاشي المتقدمة (1)على القول بصحة الاستدلال بهما على لزوم غسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل ، أن الواجب إنما هو غسل الوجه من الأعلى إلى أسفله بالتمام ، وأن النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم إنما شرع من الأعلى وغسل الأعلى فالأعلى إلى أسفله ، لا أن الواجب مجرد الشروع بالأعلى فالحكم بجواز النكس بعد الابتداء في الغسل به خلاف ظواهر الأخبار.
ثانيها : أن الواجب غسل الأجزاء العالية فالعالية بحسب الخطوط العرضية ، بحيث لا يجوز غسل شيء من الأجزاء السافلة حتى الجزء السافل الذي لا يكون مسامتاً للجزء الأعلى غير المغسول إلاّ بعد غسل تمام الأجزاء الواقعة فوقها في خط عرضي دقيق ، كما نقل عن المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي قدسسره.
ويرده : أن هذا مضافاً إلى صعوبته في نفسه على خلاف الروايات الصريحة في عكس المدعى كقوله عليهالسلام في صحيحة زرارة المتقدمة (2): « فأسدله على وجهه من أعلى الوجه ثم مسح وجهه من الجانبين جميعاً » فان الماء بطبعه إذا اسدل من أعلى الوجه نزل إلى الأسفل منه ، فيغسل به الجزء السافل قبل غسل بقية الأجزاء العالية من الخط العرضي ، ومن هنا كان عليهالسلام يمسح الجانبين ، فوصول الماء إليهما كان متأخراً عن إسدال الماء على الوجه لا محالة.
ثالثها : أن الواجب إنما هو غسل الأجزاء العالية فالعالية بحسب الخطوط الطولية فلا بدّ من غسل الجزء العالي قبل الجزء السافل المسامت له ، دون الأجزاء السافلة غير المسامتة له ، فإنه يجوز غسلها قبل غسل الجزء العالي الذي لا يكون مسامتاً له إذن لا بدّ من غسل الوجه حسب الخط الطولي الهندسي لئلاّ يغسل شيء من الجزء السافل المسامت للجزء العالي قبل غسل الجزء العالي عليه.
وهذا الاحتمال أيضاً لا يمكن المساعدة عليه ، لوضوح أن الماء إذا صب من الأعلى لم ينزل إلى الأسفل على وجه مستقيم ، بل ينحرف بحسب الطبع إلى اليمين واليسار
ولا يجب غسل ما تحت الشّعر بل يجب غسل ظاهره ، سواء شعر اللِّحية والشّارب والحاجب ، بشرط صدق إحاطة الشعر على المحل ، وإلاّ لزم غسل البشرة الظاهرة في خلاله (1).
ومن الظاهر أن إجراء الماء من الأعلى يكفي في صحة الوضوء إذا وصل إلى جميع أجزاء الوجه من دون اعتبار الاستقامة في الجريان.
فهذه الاحتمالات ساقطة ، فلا بدّ على تقدير القول بوجوب غسل الأعلى فالأعلى من أن نلتزم بوجوب ذلك على نحو الصدق العرفي المسامحي دون الصدق التحقيقي العقلي ، بأن يغسل وجهه على نحو يصدق عرفاً أنه قد شرع من الأعلى إلى الأسفل ، وإن لم يغسل بعض الأجزاء العالية قبل السافلة ، كما إذا وضع الماء على جبهته وأمرّ يده عليه إلى الأسفل ، فإنه بحسب الطبع يبقى حينئذٍ شيء من جانبي الجبين غير مغسول بذلك الغسل ، إلاّ أنه يكفي في صحة الوضوء إذا غسله بإمرار اليد عليه ثانياً وثالثاً ، لصدق أنه قد غسل وجهه من الأعلى إلى الأسفل وقتئذٍ.
(1) مقتضى ما دلّ على وجوب غسل الوجه واليدين أن الواجب بحسب الابتداء إنّما هو غسل البشرة ، سواء أكان فيها شعر أم لم يكن ، لأن الوجه قد ينبت عليه الشعر وقد لا ينبت ، فنبات الشعر واللحية غير مانع عن صدق عنوان الوجه ، فإنه اسم للعضو المخصوص ، والشعر قد ينبت عليه ، فحقيقة يصدق أن يقال إن اللحية ينبت على وجهه ، أو الشعر نبت عليه ، إذن يجب غسل الوجه وإن كان عليه شعر.
إلاّ أنّا نرفع اليد عن ذلك ونكتفي بغسل ظاهر الشعر النابت على العضو فيما إذا أحاط به الشعر ، بمقتضى الدليل الدال عليه ، وهو الأخبار البيانية الحاكية عن وضوء النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم لأنه عليهالسلام في مقام الحكاية عن وضوء رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم أخذ كفاً من الماء فأسدله على وجهه ومسح
جانبيه باليدين واكتفى به في وضوئه ، من دون أن يتصد للتبطين والتخليل ، فهذا يدلنا على عدم اعتبار غسل ما تحت الشعر ، لوضوح أنه صيقلي ولا ينفذ الماء داخله وتحته إلاّ بعلاج ، فيظهر من ذلك أن الواجب غسله من الوجه هو المقدار الذي يصل إليه الماء بطبعه حين إسداله على الوجه ، فلا يجب التخليل والتبطين والتعمق في إيصال الماء إلى البشرة ، بل ولا إلى الشعر المحاط بالشعر.
وصحيحة زرارة المروية في التهذيب قال : « قلت له : أرأيت ما كان تحت الشعر قال : كل ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يغسلوه ولا يبحثوا عنه ولكن يجرى عليه الماء » (1)ورواها الصدوق في الفقيه بإسناده إلى زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام (2)ونظيرها غيرها من الروايات ، فان مقتضى تلك الروايات عدم وجوب التبطين والتعمق في غسل الوجه ، وكفاية مجرد جريان الماء عليه من دون وصوله إلى ذات البشرة ، بل ولا إلى الشعر المحاط بالشعر.
تنبيه : لا يخفى أن الرواية في كل من الفقيه والتهذيب على ما في الوسائل المطبوعة جديداً بلفظة اللاّم في قوله : « فليس للعباد » وكذا ظاهر الوافي (3)أن نسختي الفقيه والتهذيب متوافقتان من هذه الجهة ، لأنه بعد ما نقلها عن التهذيب أشار إلى أن الصدوق في الفقيه أيضاً روى مثله عن أبي جعفر عليهالسلام وظاهر المماثلة هي المماثلة من جميع الجهات ، وعدم الفرق بين التهذيب والفقيه من هذه الناحية.
إلاّ أن شيخنا المحقق الهمداني قدسسره (4)رواها عن التهذيب باللاّم كما نقلناها ، وعن الفقيه ب- « على » وأنه ليس على العباد أن يغسلوه ، وقد عرفت أنه مخالف لنقل الوافي والوسائل المطبوعة جديداً ، نعم التهذيب والفقيه في طبعتهما الأخيرة موافقان لنقل شيخنا المحقق فليلاحظ ، هذا كله في أصل المسألة.
الأوّل : أن غسل ظاهر اللحية أو الشعر في مثل الحاجب والشارب هل هو على سبيل الحتم واللزوم ، بحيث لو غسل ذات البشرة وترك الغسل في ظاهرهما فسد وضوءه ، أو أنه على وجه الرخصة والجواز بمعنى أن غسل ظاهر اللحية أو الشعر مجزئ عن غسل البشرة لا أنه متعيّن على وجه اللزوم؟
الأوّل هو المتعيّن ، وذلك لأن ظاهر قوله عليهالسلام في صحيحة زرارة المتقدمة : « فليس للعباد أن يغسلوه » إنما هو نفي المشروعية والجواز ، فلا يجوز للمتوضئ أن يغسل نفس البشرة ، هذا على نسخة اللاّم ، وأما على النسخة الأُخرى أعني قوله عليهالسلام « فليس على العباد أن يغسلوه » فظاهرها وإن كان هو نفي الوجوب والإلزام عن غسل ذات البشرة ، ولا دلالة لها على نفي المشروعية والجواز غير أن نفي الوجوب يكفي في الحكم ببطلان الوضوء فيما إذا غسل نفس البشرة ، وذلك لأنه بعد عدم وجوبه تحتاج مشروعيته وجوازه إلى دليل وهو مفقود.
إن قلت : يكفي في الدلالة على ذلك الروايات المطلقة والآية المباركة الدالتان على وجوب غسل الوجه والبشرة كما تقدّم ، وهما كافيتان في الحكم بمشروعية غسل البشرة وكونه متعلقاً للأمر.
قلت : نعم ، ولكنك قد عرفت بما لا مزيد عليه أن المطلقات مخصصة بما دلّ على لزوم غسل ظاهر الشعر ، فقد رفعنا اليد عن مقتضى تلك الإطلاقات بالأخبار المتقدمة ، ومع التخصيص لا أمر ولا وجوب ، إذن يحتاج جواز غسل البشرة والاكتفاء به في مقام الامتثال عن غسل ظاهر اللحية والشعر كما إذا لصق بلحيته ما يحجب عن وصول الماء إلى ظاهرها إلى دليل وهو مفقود.
الأمر الثاني : لا ينبغي الإشكال في وجوب غسل البشرة وعدم كفاية غسل ظاهر الشعر فيما إذا كانت كل واحدة من الشعرات نابتة منفصلة عن الأُخرى بفاصل ، لعدم صدق الإحاطة بالشعر وقتئذٍ ، كما لا إشكال ولا خلاف في أن الشعر إذا كان كثيفاً بحيث يمنع عن وقوع النظر إلى ذات البشرة وجب غسل ظاهر اللحية والشعر
كالشارب والحاجبين ، ولم يجز الاقتصار بغسل ذات البشرة حسبما تقتضيه الأخبار المتقدِّمة التي قدّمنا الكلام على دلالتها بما لا مزيد عليه.
وأمّا إذا كان الشعر خفيفاً وغير مانع عن وقوع الابصار على نفس الوجه والبشرة ، ففي وجوب غسل الظاهر أو لزوم غسل ذات البشرة خلاف ونزاع ، وكلماتهم في ذلك مضطربة على ما نقلها الأصحاب قدسسرهم في كتبهم ، حتى أن بعضهم ادعى الإجماع على وجوب غسل البشرة إذا لم تكن مغطاة بالشعر أبداً ، بل كانت ظاهرة يقع عليها حس البصر ، وذكر أن محل الخلاف والنزاع إنما هو ما إذا كانت البشرة مستورة بالشعر الخفيف ومغطاةً به.
وبعضهم قد عكس الأمر في المسألة فنفى الريب عن الإجماع وعدم الخلاف في عدم لزوم غسل البشرة المستورة بالشعر الخفيف ، وذكر أن الخلاف منحصر بما إذا كانت البشرة ظاهرة وغير مغطاة بوجه ، لا بالشعر الكثيف ولا بالشعر الخفيف ، كما إذا نبت الشعر على الوجه من غير التفاف بعضه ببعض ، بأن كانت كل شعرة قائمة بأصلها مع الفصل بين منابتها بمقدار إصبع أو أكثر أو أقل.
ولا يخفى الفرق الشاسع بين الدعويين ، فان مقتضى الدعوى الاولى أن اللحية الخفيفة أو غيرها من الشعر الخفيف وهو الذي لا يمنع عن وقوع النظر إلى ذات البشرة هي التي وقع فيها النزاع والخلاف واختلفت فيها آراء الفقهاء ، ولا اتفاق على عدم وجوب غسل البشرة وقتئذٍ ، كما أن مقتضى الدعوى الثانية أن الشعر الخفيف كالشعر الكثيف مورد الاتفاق ، على أن معه لا يجب غسل البشرة ، وبين الدعويين بون بعيد. وعن ثالث أن النزاع لفظي في المقام ، هذا.
والذي ينبغي أن يقال : إن الأخبار البيانية الواردة في حكاية وضوء النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم لم تدع شكاً في أيّ مورد في وجوب غسل البشرة وعدمه ، لأنها دلتنا على أن اللاّزم غسله في محل الكلام إنما هو عبارة عما يصله الماء بطبعه عند إسداله على الوجه ، من دون فرق في ذلك بين ما عليه شعر خفيف وما كان عليه شعر كثيف ، حيث حكت ذلك عن وضوء النبي ، وكان الأئمة عليهمالسلام أيضاً يكتفون
به في وضوءاتهم.
ولحاهم عليهمالسلام وإن لم تكن خفيفة ، إلاّ أن الشعر الخفيف كان موجوداً على وجوههم ، وذلك لأن من الواضح أن وجوههم عليهمالسلام لم تكن إلاّ متعارفة ، ووجود الشعر الخفيف في الوجه المتعارف أيضاً غير قابل للإنكار ، كالشعر النابت على الخدين ، بل الموجود بين الحاجبين ، لأنه أيضاً خفيف إلاّ في بعض الناس وقد كانوا عليهمالسلام يكتفون بغسل الظواهر من ذلك بمقدار يصل إليه الماء بحسب الطبع عند إسداله.
إذن فالمدار فيما يجب غسله بمقتضى تلك الروايات على المقدار الذي يصل إليه الماء بطبعه عند إسداله من أعلى الوجه من غير تعمق ولا تبطين ، وببركة تلك الأخبار لا يبقى لنا أي مورد نشك فيه في وجوب غسل البشرة وعدمه هذا ، ثم لو أغمضنا عن ذلك فنقول : الشعر النابت على الوجه على ثلاثة أقسام :
الأوّل : ما نقطع بصدق عنوان المحيط عليه ، لغزارته وكثافته المانعتين عن وقوع حس البصر على البشرة ، وهذا مما نعلم باحاطته على الوجه وكونه مشمولاً للأخبار الدالة على أن الوجه المحاط بالشعر لا يجب غسله بل يجزئ غسل ظاهر الشعر عن غسله.
الثاني : ما نقطع بعدم انطباق عنوان المحيط عليه ، إما لخفته أو لأن كل فرد من أفراده قد نبت مستقلا ومنفصلاً عن الآخر ، أي من غير التفاف بعضها ببعض ، بحيث تظهر البشرة الواقعة تحته بوضوح ولا يكون شعرها مانعاً عن رؤيتها ، وهذا أيضاً لا إشكال في حكمه ، فإن غسله لا يجزئ عن غسل البشرة في الوضوء ، لعدم إحاطته بالوجه على الفرض ، فلا مناص من غسل الوجه حينئذٍ.
وهل يجب غسل الشعر أيضاً وإن لم يكن محيطاً أو لا يجب؟ الظاهر هو الوجوب وهذا لا لأن الشعر من توابع الوجه الواجب غسله ، لأن التابع لا دليل على اتحاد
حكمه مع المتبوع دائماً ، ولا من جهة الأصل العملي بدعوى أن المأمور به وهو الطهارة معلوم للمكلف وإنما يشك في سببه وأنها هل تحصل بغسل الوجه فحسب أو لا بدّ من غسل الشعر أيضاً ، ومع الشك في المحصل والسبب لا بدّ من الاحتياط ، وقاعدة الاشتغال فيه هي المحكمة ، وذلك لما مر من أن الطهارة ليست مسببة عن الوضوء ، بل الطهارة هي نفس الوضوء ، ومعه يرجع الشك إلى الشك في التكليف بالمقدار الزائد ويندرج المقام في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين ، ويرجع في الزائد على القدر المتيقن إلى البراءة.
بل الوجه فيما ذكرناه صحيحة زرارة المتقدِّمة الآمرة بغسل الوجه من أول القصاص إلى الذقن بما دارت عليه الإصبعان ، أعني الوسطى والإبهام ، وذلك لضرورة أن الشعر النابت على الوجه أيضاً مما تدور عليه الإصبعان ، فإن هذا المقدار من الوجه واجب الغسل في الوضوء ، وهو يشمل الشعر النابت عليه أيضاً وإن لم يكن محيطاً بالوجه.
الثالث : ما نشك في صدق عنوان المحيط عليه ، وهذا إما من جهة الشبهة المفهومية ، كما إذا لم ندر أن المحيط هل هو الشعر الكثيف المانع عن مشاهدة البشرة دائماً ، أو أنه يعم ما إذا كان خفيفاً وغير مانع عن وقوع النظر على البشرة دائماً أو في بعض الأحيان ، كما عند ملاعبة الريح مع اللحية ، وإما من جهة الشبهة المصداقية ، بأن علمنا بالمفهوم وأن المحيط هو الذي يمنع عن وقوع حس البصر على البشرة دائماً ، إلاّ أنّا شككنا في مورد في أنه من المحيط المانع عن الرؤية أو أنه ليس كذلك ، وفي كلتا الشبهتين يجب غسل كل من البشرة والشعر.
أمّا في الشبهة المفهومية ، فلأجل أن مقتضى صحيحة زرارة المتقدمة المحددة لما يجب غسله من الوجه بما دارت عليه الإصبعان ، وغيرها مما دلّ على وجوب غسل الوجه في الوضوء ، أن المعتبر في الوضوء إنما هو غسل البشرة والوجه ، وقد قيدناها بالصحيحة الثانية لزرارة الدالة على أن ما أحاط به الشعر من الوجه لا يجب غسله بل يكفي عنه غسل ظاهر الشعر ، وإذا فرضنا أن المخصّص أو المقيّد مجمل فلا بدّ من
الأخذ بالمقدار المتيقن منه ، وهو ما يمنع عن وقوع حس البصر على البشرة دائماً ، وأما في غيره فيرجع إلى العموم أو الإطلاق ، ومقتضاهما كما عرفت إنما هو وجوب غسل البشرة ، ففي موارد الشبهة لا بدّ من غسل البشرة حسبما تقتضيه المطلقات ، كما يجب غسل الشعر أيضاً بمقتضى ما قدمناه من الدليل ، وإن لم يكن محيطاً بالوجه.
وأمّا في الشبهات المصداقية ، فلمكان المطلقات ، وهذا لا لأجل التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية ، بل لأجل استصحاب عدم إحاطة الشعر بالوجه ، ولا سيما بملاحظة أنه من الاستصحاب النعتي دون المحمولي ، أعني استصحاب العدم الأزلي حتى يقال إنه مبني على القول بجريان الأصل في الأعدام الأزلية ، وذلك لأن شعر كل إنسان حتى بعد إنبات لحيته لا يكون محيطاً بوجهه من الابتداء ، بل هو مسبوق بعدم الإحاطة أوّلاً ، والأصل عند الشك أنه كما كان ، وبعد ذلك تشمله الإطلاقات الدالة على أن الوجه إذا لم يحط به الشعر وجب غسله ، كما يجب غسل الشعر لما تقدم.
فالمتحصِّل أنه في جميع الصور المتصورة في المسألة لا بدّ من غسل كل من الوجه والشعر إلاّ في صورة واحدة ، وهي ما إذا كان الشعر محيطاً بالوجه ، لما عرفت من أن غسل البشرة والوجه غير واجب وقتئذٍ ، هذا.
ثم لا يخفى الفرق الواضح بين ما ذكرناه في المقام وما اعتمد عليه جملة من الأعلام ومنهم المحقق الهمداني قدسسره من العلم الإجمالي بوجوب غسل الوجه إذا لم يكن الشعر محيطاً ، أو بوجوب غسل الشعر إذا كان محيطاً ، ومقتضى العلم الإجمالي بوجوب أحدهما هو الاحتياط وغسل كل من البشرة والشعر (1).
والفارق هو أنّا إذا قلنا بوجوب غسل كل من الوجه والشعر بأصالة الاشتغال لم يجز له أن يتمسح ببلة شيء منهما ، لعدم العلم بكونه بلة الغسل المأمور به ، فان ما وجب غسله على المكلف إنما هو أحدهما لا كلاهما ، فأحدهما الآخر غير واجب الغسل ولا يجوز التمسح ببلته ، وحيث إنه غير معلوم فلا يجوز للمكلف أن يتمسح
1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 139 السطر 19.
[491] مسألة 1 : يجب إدخال شيء من أطراف الحدّ من باب المقدّمة وكذا جزء من باطن الأنف ونحوه (1)
ببلة شيء منهما ، وهذا بخلاف ما قررناه ، فإنه عليه يتمكن من المسح ببلة كل منهما لدلالة المطلقات والأدلة على وجوب غسل كل من الوجه والشعر.
هذا على أن ما ذكره المحقق الهمداني قدسسره غير تام في نفسه ، لأن تنجيز هذا العلم الإجمالي يتوقف على القول بعدم وجوب غسل الشعر مع الوجه كما إذا لم يكن محيطاً بالوجه وأما إذا قلنا بوجوبه كما اخترناه وعرفت فالعلم الإجمالي منحل لا محالة ، وذلك للقطع بوجوب غسل الشعر على كل تقدير ، سواء أكان محيطاً أم لم يكن ، ونشك في وجوب غسل الوجه وعدمه ، ولا مانع وقتئذٍ من الرجوع إلى أصالة البراءة.
(1) إذا شككنا في وجوب غسل شيء من الوجه على نحو الشبهة المفهومية أو الموضوعية ، فالرجوع معه إلى الاحتياط أو البراءة يبتني على الخلاف المتقدم ، في أن المأمور به الواجب تحصيله على المكلفين هل هو عنوان بسيط ، أعني الطهارة التي هي معلومة لدى المكلف ، ولكنه يشك فيما يحصّلها ، وما هو سبب لتحققها في الخارج ، أو أن الواجب أمر مركب وهو نفس الغسلتين والمسحتين.
فعلى الأول إذا شككنا في وجوب غسل شيء من الوجه لا بدّ من أن نرجع إلى قاعدة الاشتغال ، كما أنه على الثاني لا بدّ من الرجوع إلى أصالة البراءة ، لأن الشك في أصل توجه التكليف إلى الزائد ، بناء على ما هو الصحيح من جريان البراءة عند دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين ، هذا فيما إذا شككنا فيما يجب غسله من الوجه.
وأمّا إذا علمنا بالمقدار الواجب غسله من الوجه ، وهو ما دارت عليه الإصبعان
وما لا يظهر من الشّفتين بعد الانطباق من الباطن فلا يجب غسله (1).
أعني الوسطى والإبهام عرضاً ، ومن القصاص إلى الذقن طولاً ، ولكن شككنا في أن صب كف من الماء مثلاً من أعلى الوجه وإمرار اليد عليه هل يكفي في حصول غسل ذلك المحدود أو لا يغسل به إلاّ المقدار الأقل منه ، فالأصل الجاري وقتئذٍ ليس إلاّ قاعدة الاشتغال ، وذلك لأن الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية ، فلا بدّ من غسل شيء من أطراف الحد ولو يسيراً حتى يقطع بحصول غسل المحدود ، فإن صبّ الماء من أعلى الوجه وإمرار اليد عليه لا يمكن عادة ولا يتحقّق به غسل المحدود من دون زيادة أو نقيصة ، بل إمّا أن يغسل شيئاً زائداً عليه ولو يسيراً حتى نقطع بالفراغ ، وإما أن يغسل بمقدار يشك في أنه بمقدار المحدود أو أقل ، فالأمر يدور بين الوجهين. وأما غسله بمقدار المحدود على وجه طابق النعل بالنعل من دون أن يزيد أو ينقص فلا يتيسر عادة ، كما هو الحال في جميع التحديدات المكانية ، ومع دوران الأمر بين الوجهين المذكورين يتعيّن الوجه الأول لا محالة ، قضاء لقاعدة الاشتغال كما مرّ.
ومن هنا يظهر أن المراد بوجوب غسل شيء من أطراف الحد من باب المقدّمة كما في المتن ، إنما هو وجوب غسل شيء من أطراف المحدود من باب المقدّمة العلمية لا مقدّمة الوجود ، كما التزموا به في جملة من الموارد ، منها : الطواف الذي يجب الابتداء به من محاذاة الحجر الأسود وينتهي في محاذاته ، فقالوا إنه يبتدئ بالطواف من مقدم الحجر الأسود بشيء يسير من باب المقدمة ، كما أنه في الشوط السابع ينهى شوطه إلى مؤخر الحجر بمقدار يسير أيضاً مقدمة ، هذا كله في الوجه ، وكذلك في مثل الأنف ونحوه فإنه يغسل شيئاً من داخله من باب المقدمة العلمية كما عرفت.
(1) أما أن الباطن لا يجب غسله فهو مما لا إشكال فيه ، لأن ما يجب غسله من الوجه إنما هو المقدار الذي يصل إليه الماء بطبعه عند إسداله من أعلى الوجه ولو بإمرار اليد عليه ، وهذا لا يكون إلاّ في ظاهر الوجه كما لا يخفى.
[492] مسألة 2 : الشعر الخارج عن الحدّ كمسترسل اللِّحية في الطول ، وما هو خارج عن ما بين الإبهام والوسطى في العرض لا يجب غسله (1).
[493] مسألة 3 : إن كانت للمرأة لحية فهي كالرّجل (2).
ويؤيِّده خبر زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام « ليس المضمضة والاستنشاق فريضة ولا سنة ، إنما عليك أن تغسل ما ظهر » (1).
وأما عدم وجوب الغسل فيما لا يظهر من الشفتين بعد إطباقهما ، فلأجل أن هذا المقدار بعد الانطباق مما لا يصل الماء إليه بطبعه عند إسداله من أعلى الوجه ، وقد عرفت سابقاً أنه المقدار الواجب في غسل الوجه ، وكذلك في داخل العين ونحوها.
(1) وذلك لأن الواجب أوّلاً إنما هو غسل البشرة ، لقوله عزّ من قائل ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) (2)والأخبار المتقدِّمة قريباً (3)إلاّ أنّا خرجنا عن مقتضاهما بما دلت عليه الروايات المتعدِّدة من أن غسل الشعر المحيط بالوجه يجزئ عن غسل ذات البشرة بالمعنى المتقدم ، وبها رفعنا اليد عما تقتضيه الآية المباركة والأخبار المتقدمة ، كما استكشفنا بها أن المراد بالغسل الواجب هو غسل الشعر المحيط بالبشرة ، وذلك لحكومتها عليهما.
ومن الظاهر أنها إنما تختص بالشعر المحيط بالمقدار المتعارف ، وأما ما كان خارجاً عن المتعارف في الطول ، أو كان خارجاً عما دارت عليه الإصبعان عرضاً كعريض اللحية ، فلا دليل على كون غسله مجزئاً عن غسل ذات البشرة ، ولعله ظاهر.
(2) كما قد يتفق في بعض النساء ، والوجه فيما أفاده قدسسره أن بعض الروايات الواردة في الباب وإن كان مشتملاً على عنوان الرجل ، كما في صحيحة محمد
[494] مسألة 4 : لا يجب غسل باطن العين والأنف والفم إلاّ شيء منها من باب المقدّمة (1).
[495] مسألة 5 : فيما أحاط به الشّعر لا يجزئ غسل المحاط عن المحيط (2).
[496] مسألة 6 : الشّعور الرقاق المعدودة من البشرة يجب غسلها معها (3).
[497] مسألة 7 : إذا شكّ في أن الشّعر محيط أم لا ، يجب الاحتياط بغسله مع البشرة (4).
ابن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال : « سألته عن الرجل يتوضأ أيبطن لحيته؟ قال : لا » (1)إلاّ أن صحيحة زرارة المتقدمة عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « قلت له : أرأيت ما كان تحت الشعر؟ قال : كل ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يغسلوه ( أن يطلبوه ) ولا يبحثوا عنه ولكن يجرى عليه الماء » (2)عامّة شاملة لكل من الرجال والنساء.
(1) قد أسلفنا الكلام على ذلك في بعض الفروع المتقدِّمة (3)وذكرنا أن البواطن لا يجب غسلها إلاّ بمقدار يسير من باب المقدّمة العلمية فلاحظ.
(2) قد سردنا تفصيل الكلام في ذلك سابقاً (4)ولا حاجة معه إلى الإعادة فليراجع.
(3) قد أسلفنا الوجه في ذلك ، وقلنا إن الدليل على وجوب غسل تلك الشعور هو ما دلّ على وجوب غسل الوجه بما دارت عليه الإصبعان ، فإنه يدلنا بوضوح على أن الوجه بهذا المقدار مما لا بدّ من غسله ولو كان فيه شعر خفيف.
(4) سبق أن تكلّمنا على ذلك مفصّلاً ، وقلنا إن الشك في الإحاطة إما أن يكون
[498] مسألة 8 : إذا بقي مما في الحدّ ما لم يغسل ولو مقدار رأس إبرة لا يصح الوضوء فيجب أن يلاحظ آماقه وأطراف عينه لا يكون عليها شيءٌ من القيح أو الكحل المانع ، وكذا يلاحظ حاجبه لا يكون عليه شيءٌ من الوسخ وأن لا يكون على حاجب المرأة وسمة أو خطاط له جرم مانع (1).
[499] مسألة 9 : إذا تيقّن وجود ما يشكّ في مانعيته يجب تحصيل اليقين (1)بزواله أو وصول الماء إلى البشرة (2).
من جهة الشبهة المفهومية ، وإمّا أن يكون من جهة الشبهة الموضوعية ، وعلى كلا التقديرين لا بدّ من غسل كل من البشرة والشعر ، إلاّ أن الأخبار البيانية الحاكية لوضوء النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم لم تدع أيّ مورد للشك فيه فليراجع (2).
(1) مقتضى إطلاق الآية المباركة والروايات البيانية الواردة في حكاية وضوء النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم وجوب غسل الوجه واليدين بجميع أجزائهما ، فإذا بقي منها شيء غير مغسول ولو يسيراً فلا مناص من الحكم بفساد الوضوء ، لأن الواجب ارتباطي ، ومع عدم غسل شيء من الوجه واليدين لم يأت المكلف بالغسل المأمور به شرعاً ، فلا بدّ من ملاحظة آماقه وأطراف عينيه وحاجبيه حتى لا يكون عليها شيء مما يمنع عن وصول الماء إليه ، من قيح أو كحل أو وسخ أو وسمة على الحاجب ونحوها.
(2) الشك في المانعية على وجهين :
أحدهما : أن يتيقن بوجود شيء ويشك في مانعيته وعدمها ، وهذا هو الشك في مانعية الموجود ، وحاصله الشك في صفة الحاجبية بعد القطع بأصل الوجود.
ثانيهما : الشك في أصل وجود الحاجب ، وهو الشك في الوجود أي وجود المانع.
أمّا الوجه الأوّل فمقتضى قاعدة الاشتغال وجوب تحصيل اليقين بزوال ما قطعنا بوجوده وشككنا في مانعيته أو بوصول الماء إلى البشرة ، وذلك للعلم باشتغال الذمة بوجوب غسل الوجه أو اليدين ، والشك في فراغ الذمة عن ذلك عند عدم العلم بوصول الماء إلى البشرة وعدم إزالة الشيء الموجود.
ولكن قد يقال : إن صحيحة علي بن جعفر عليهالسلام تدلنا على خلاف ذلك حيث روى عن أخيه موسى بن جعفر عليهالسلام « أنه سأله عن الخاتم الضيق لا يدري هل يجري الماء تحته إذا توضأ أم لا كيف يصنع؟ قال : إن علم أن الماء لا يدخله فليخرجه إذا توضأ » (1)لدلالتها على أن الفساد والبطلان إنما يخصان صورة العلم بحاجبية الموجود ، وأما إذا لم يعلم بذلك ، سواء علم عدم الحاجبية أو شك فيها فوضوءه محكوم بالصحة ولا يعتني بشكه ، ولا يلزم أن يخرج الخاتم من إصبعه ، وموردها كما ترى هو الشك في حاجبية الموجود.
ويرده : أن علي بن جعفر عليهالسلام قد سأل أخاه في صدر الرواية « عن المرأة عليها السوار والدملج في بعض ذراعها ، لا تدري يجري الماء تحته أم لا كيف تصنع إذا توضّأت أو اغتسلت؟ قال : تحركه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه » ومع هذا السؤال لم تكن أية حاجة ومحل إلى السؤال عن الخاتم الموجود على الإصبع ، للقطع بعدم الفرق بين الخاتم والسوار والدملج ، ولا بين المرأة وغيرها.
ومن هنا أجابه عليهالسلام بأن الخاتم إن كان كالسوار والدملج في إمكان إيصال الماء إلى البشرة تحته بتحريكه فحاله حالهما ، في أنه يتخيّر بين تحريكه ونزعه في إحراز وصول الماء إلى البشرة ، وأما إذا كان الخاتم على نحو لا يصل الماء تحته حتى إذا حرّكه ، فلا محالة يتعيّن نزعه تحصيلاً للقطع بوصول الماء إلى البشرة.
إذن قوله عليهالسلام « إن علم أن الماء لا يدخله فليخرجه » غير ناظر إلى أن في
1) الوسائل 1 : 467 / أبواب الوضوء ب 41 ح 1.
ولو شكّ في أصل وجوده يجب الفحص أو المبالغة حتى يحصل الاطمئنان بعدمه أو زواله ، أو وصول الماء إلى البشرة على فرض وجوده (1).
صورة الشك في الحاجبية لا يجب على المكلف أن يفحص ويخرج الخاتم من إصبعه وإلاّ لكان مناقضاً لصدرها الصريح في وجوب الفحص وإيصال الماء إلى البشرة عند الشك في الحاجبية ، بل هو ناظر إلى ما عرفت من أن الخاتم إذا كان كالسوار والدملج فحاله حالهما في التخيير بين التحريك والنزع ، وأما إذا علم أنه على نحو لا يصل الماء تحته ولو بالتحريك فلا مناص من نزعه وإخراجه ، هذا.
ثم لو سلمنا أن ذيل الصحيحة ناظر إلى عدم وجوب إحراز وصول الماء إلى البشرة لدى الشك في حاجبية الشيء الموجود ، فهو كما عرفت مناف لصدرها وبذلك تصبح الرواية مجملة فتسقط عن صلاحية الاعتماد عليها في مقام الاستدلال ولا بدّ معه من أن نرجع إلى الأصل العملي وقد عرفت أن مقتضى قاعدة الاشتغال هو إحراز وصول الماء إلى البشرة بإزالة الشيء الموجود أو بغيرها مما يوجب الإحراز في مقام الامتثال.
أمّا الوجه الثاني فيأتي عليه الكلام في التعليقة الآتية فلاحظ.
(1) هذا هو الوجه الثاني من الوجهين المتقدمين للشك في المانعية ، أعني الشك في أصل وجود الحاجب ، والمعروف بين الأصحاب قدسسرهم أن الشك في وجود المانع مما لا اعتبار به ، وقد استدلّ عليه بأُمور :
الأوّل : الإجماعات المنقولة على أن الشك في وجود الحاجب غير قابل للاعتناء به. ويدفعه : أن الإجماعات المدّعاة أُمور حدسية ومعلومة المدرك أو محتملته فلا تكون كاشفة عن رأي المعصوم عليهالسلام ولهذا لا يسعنا الاعتماد على مثلها في استنباط الأحكام الشرعية بوجه.
الثاني : الاستصحاب ، لأن الحاجب قد كنّا على يقين من عدمه ، فإذا شككنا في طروئه بنينا على عدمه بمقتضى الأدلّة الدالّة على حرمة نقض اليقين بالشك.
وفيه : أن وجود الحاجب وعدمه مما لا أثر له ، وإنما الأثر الشرعي مترتب على وصول الماء إلى البشرة وعدمه ، واستصحاب عدم الحاجب لإثبات وصول الماء إلى البشرة من الأُصول المثبتة التي لا نقول باعتبارها ، فان وصول الماء إليها من اللوازم العقلية لعدم طروء الحاجب.
ودعوى أن الواسطة خفية ومعه يكون المثبت حجة مما لا يصغي إليه ، لما ذكرناه في المباحث الأُصولية (1)من أنه لا أثر لخفاء الواسطة وجلائها ، والأُصول المثبتة غير معتبرة بإطلاقها ، فإن الاعتبار في موارد الاستصحاب إنما هو بالمتيقن والمشكوك فيه ولا اعتبار بغيرهما من اللوازم والملزومات ، بل اللّوازم بأنفسها مورد لاستصحاب العدم ، فيقال مثلاً إن وصول الماء إلى البشرة اللاّزم لعدم طروء الحاجب في محل الكلام لم يكن متحققاً قبل ذلك قطعاً ، فاذا شككنا في تبدله إلى الوجود نبني على عدم وصوله إليها في زمان الشك أيضاً.
الثالث : وهو العمدة ، دعوى سيرة المتدينين المتصلة بزمان المعصومين عليهمالسلام الجارية على عدم الاعتناء بالشك في وجود الحاجب ، لأن الإنسان في أكثر الفصول لا يخلو عن البق والبرغوث وغيرهما من الحيوانات المؤذية الصغار ، ويتسبّب بمصِّها أو قتلها وهي على جسم الإنسان وقوع قطرة أو قطرتين من الدم على اللباس أو على أعضاء الغسل أو الوضوء ، وهي مانعة عن وصول الماء إلى البشرة غالباً ، كيف وربما يصعب إزالتها بعد الجفاف.
مع أنّا لم نسمع ولم نر أحداً من المتدينين يفحص عن ذلك في بدنه عند اغتساله أو توضئه بل ينسبون المتفحص عن ذلك إلى الوسواس ، مع وجود الاحتمال ، إذ قد يحصل القطع للمكلف بخلو بدنه من دم القمل والبق وقذى البراغيث.
وهذه السيرة قد ادّعاها جمع من المحقِّقين ، ومنهم صاحب الجواهر (2)والمحقّق
الهمداني قدسسرهما (1)وهي إن ثبتت وتمت فلا كلام ، ولكن الخطب كل الخطب في ثبوتها ، فلا بدّ من ملاحظة أنها ثابتة أو غير ثابتة ، وملاحظة ذلك هي العمدة في المقام.
والظاهر أن السيرة غير ثابتة ، وذلك لأن الناس في عدم اعتنائهم باحتمال الحاجب مختلفون ، فجملة منهم لا يعتنون باحتماله من جهة غفلتهم عن أن في أبدانهم حاجباً ومع الغفلة لا احتمال ولا شك حتى نعتني به أو لا نعتني به ، إذن فعدم اعتنائهم بالشك من باب السالبة بانتفاء موضوعها ، ومن الظاهر أن هذا القسم خارج عن محل الكلام ، لأن الدليل إنما هو جريان سيرتهم على عدم الاعتناء باحتمال وجود الحاجب عند الشك والاحتمال لا عند الغفلة وعدم الاحتمال.
وجملة منهم لا يعتنون باحتماله من جهة الاطمئنان بعدم طروء الحاجب على أبدانهم أو مواضع وضوئهم ، فلا يشكون في وجود الحاجب ولا يحتملونه احتمالاً عقلائياً حتى يعتنى به ، وإن كان الاحتمال الضعيف موجوداً ، وهذا أيضاً أجنبي عمّا نحن بصدده.
وجملة ثالثة لا يطمئنون بعدمه ولا يغفلون عنه ، بل يشكون ويحتملون وجوده ، ولم يثبت لنا أن المتدينين من هذا القسم الثالث لا يعتنون باحتمالهم وشكهم ، هذا والسيرة دليل لبي لا بدّ من اليقين به ولا علم لنا بثبوت السيرة في هذه الصورة.
ومن هنا ذكر شيخنا الأنصاري قدسسره أنه لو ثبتت سيرتهم على عدم الاعتناء بالشك في وجود الحاجب للزم أن لا يعتنوا باحتمال مثل وجود القلنسوة على رؤوسهم أو ثوب على أعضائهم أو جورب في أرجلهم ، مع أنه مما لا يمكن التفوّه به (2)
فالمتحصل أن السيرة من أهل النظر وغير المقلدة على عدم الاعتناء باحتمال وجود الحاجب غير ثابتة ، وأما المقلدة فلا يمكن الركون على عملهم وسيرتهم ، لاحتمال تقليدهم وتبعيتهم في ذلك لمن يرى تمامية السيرة كصاحب الجواهر والمحقق
[500] مسألة 10 : الثقبة في الأنف موضع الحلقة أو الخزامة لا يجب غسل باطنها بل يكفي ظاهرها سواء كانت الحلقة فيها أو لا (1).
الثاني : غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع (2).
الهمداني وغيرهما من الأعلام ( قدس اللّه أسرارهم ) ومعه لا بدّ من الرجوع إلى الأصل وهو كما عرفت يقتضي عدم وصول الماء إلى البشرة ، فلا بدّ من التدقيق وإحراز أن الماء قد وصل الى البشرة.
(1) لما تقدّم من أن ما يجب غسله على المكلّف في الوجه فإنما هو المقدار الذي يصله الماء بطبعه عند إسداله من القصاص ، والبواطن ومنها باطن الثقبة في الأنف ليس كذلك ، لأن الماء لا يصل إليه بطبعه عند إسداله من القصاص ، فلا يجب غسلها.
(2) لا إشكال ولا كلام في وجوب غسل اليدين في الوضوء بحسب الكتاب والسنّة ، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين ، بل لعله من ضروريات الدين ، وإنما الكلام في جهات :
الاولى : وجوب غسل المرفقين مع اليدين ، ذكر الشيخ الطوسي قدسسره في محكي خلافه أن الفقهاء بأجمعهم التزموا بوجوب غسل المرفقين مع اليدين إلاّ زفر وهو ممن لا يعبأ بمخالفته وقد ثبت عن الأئمة عليهمالسلام أن « إلى » في الآية بمعنى مع (1)
والأمر كما أفاده قدسسره فإن الأخبار البيانية الواردة في حكاية وضوء النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم صريحة الدلالة على وجوب غسل المرفقين مع اليدين ، إذن فكلمة « إلى » في الآية المباركة بمعنى مع. وهذا لا بمعنى أن كلمة « إلى » مستعملة بمعنى مع ، بل بمعنى أن الغاية داخلة في المغيى على ما يوافيك تفصيله قريباً إن شاء اللّه.
1) الخلاف 1 : 78 / 26.
فوجوب غسل المرفقين مع اليدين مما لا إشكال فيه ، إنما المهم بيان معنى المرفق.
والمتحصل ممّا ذكروه في تفسير المرفق معان ثلاثة :
الأوّل : أنّ المرفق هو الخط الموهومي الفاصل بين عظم الذراع المحاط بعظمي العضد المحيطين ، فان من وضع يده على مفصل العضد والذراع يرى أن في العضد عظمان محيطان بعظم الذراع.
وعلى هذا لا معنى للنزاع في أن الغاية أي المرفق داخلة في المغيى أعني ما يجب غسله ، وذلك لأنه لا معنى لغسل الخط الموهوم ، فانّ الغسل إنما يقع على الأجسام الخارجية دون الأُمور الوهمية. نعم يجب غسل كل من عظمي العضد وعظم الذراع لوقوعها تحت ذلك الخط الوهمي وهو المرفق على الفرض ، وأما نفس ذلك الخط والمرفق فقد عرفت أنه لا معنى لغسله.
الثاني : أن المرفق هو عظم الذراع المتداخل في عظمي العضد ، وهو المعبّر عنه بطرف الساعد الداخل في العضد ، على ما نسب إلى ظاهر العلاّمة في المنتهي (1)ومحتمل كلامه في النهاية (2)، وعلى هذا لا مانع من النزاع في أن المرفق أعني عظم الذراع داخل في المغيى أم خارج عنه ، لأنه بمعنى أن عظم الذراع أيضاً مما يجب غسله مع اليدين أو لا يجب.
الثالث : أن المرفق هو مجموع العظام الثلاثة المتركبة من عظم الذراع المحاط وعظمي العضد المحيطين بعظم الذراع كما هو مختار الماتن قدسسره.
ولا يستفاد شيء من هذه المعاني من الآية المباركة ولا من الأخبار المشتملة على ما اشتملت عليه الآية المباركة من تحديد اليد إلى المرفق ، ولا يدلّنا شيء من ذلك على أن المرفق هو الخط الوهمي ، حتى لا يبقى معه مجال للنزاع في أنه داخل في المغيى
أو خارج عنه ، أو أن المرفق بمعنى عظم الذراع أو مجموع العظام ، كما لا يمكن أن يستفاد من شيء منها في نفسها أن المرفق داخل في المغيى أو خارج عنه ، إذ الغاية عند أهل المحاورة قد تكون داخلة في المغيى وقد تكون خارجة عنه ، غير أن التسالم القطعي والإجماعات المدعاة والأخبار البيانية دلتنا على أن المرفق واجب الغسل مع اليدين ، فوجوب غسله معهما مما لا كلام فيه ، وإن لم يعلم أنه بأيّ معنى من المعنيين الأخيرين ، فإنه على المعنى الأول لا معنى لغسله كما مرّ ، إذن فتلك الأُمور قرينة على أن كلمة « إلى » إنما هي بمعنى حتى أو مع في الآية المباركة ، وأن الغاية داخلة في المغيى كما أشرنا إليه. وقد تقدّم أنّ هذا لا بمعنى أن كلمة « إلى » مستعملة بمعنى حتى أو مع حتى يقال إنه لم يعهد استعمالها بهذا المعنى ، بل الكلمة مستعملة في معناها الموضوع له لكن المراد الجدي منها هو معنى حتى أو مع ، وعليه فلا يبقى إشكال في دخول الغاية في المغيى.
إذن لا بدّ من تعيين ما هو الداخل في وجوب الغسل وأنه أيّ عظم ، وهل هو خصوص عظم الذراع كما نسب إلى العلاّمة قدسسره (1)أو مجموع العظام في المفصل؟
الثاني هو الظاهر ، وذلك لأن تفسير المرفق بعظم الذراع مضافاً إلى أنه على خلاف معنى المرفق لغة لأنه من الرفق والالتئام ، والملتئم في المفصل مجموع العظام الثلاثة فلا موجب لتخصيصه بأحدها وهو عظم الذراع دون عظمي العضد مخالف لصريح الصحيحة الواردة في المقام ، وهي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهالسلام قال : « سألته عن رجل قطعت يده من المرفق كيف يتوضأ؟ قال : يغسل ما بقي من عضده » (2)لأن الظاهر من اليد التي قطعت في مقابل العضد هو الذراع ، والظاهر أيضاً أن الذراع قد قطع بتمامه وانفصل عن عظمي العضد ، بحيث لم يبق من عظم الذراع شيء ، فلو كان المرفق بمعنى عظم الذراع فما معنى وجوب غسل
مقدماً لليمنى على اليسرى (1).
العضد حينئذ ، لأنه أمر آخر غير المرفق والذراع.
فهذا يدلنا على أن العضد بعظميه من المرفق ، وحيث أُخرج وانفصل بعضه أي المرفق وجب غسل الباقي منه ، وقوله عليهالسلام « يغسل ما بقي ... » أيضاً شاهد على هذا المدعى ، وبه نستكشف أن العضد هو باقي المرفق.
إذن يصح ما اختاره الماتن قدسسره من أن المرفق هو المؤتلف من مجموع العظام الثلاثة وهو المشهور أيضاً بين الأصحاب قدسسرهم بحيث لو فرضنا أن اليد قد قطعت وجب غسل الباقي من المرفق وهو العضد ، وسيتعرّض له الماتن قدسسره فيما يأتي من الفروع إن شاء اللّه (1).
(1) هذه هي الجهة الثانية التي لا بدّ من أن يتكلم عنها في المقام ، وهي مسألة تقديم اليد اليمنى على اليسرى في غسلها ، وهذه المسألة وإن كان يأتي عليها الكلام عند التكلم على شرائط الوضوء إن شاء اللّه (2)غير أنّا نتعرّض لها في المقام تبعاً للماتن قدسسره فنقول : إن المسألة متسالَم عليها بين الأصحاب قدسسرهم والعمدة فيها هي الروايات الكثيرة الواردة في الأمر بإعادة غسل اليد اليسرى وغيره من أفعال الوضوء ، فيما إذا غسلها قبل أن يغسل اليد اليمنى.
فمنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إذا نسي الرجل أن يغسل يمينه فغسل شماله ومسح رأسه ورجليه ، فذكر بعد ذلك ، غسل يمينه وشماله ومسح رأسه ورجليه » (3).
ويجب الابتداء بالمرفق ، والغسل منه إلى الأسفل عرفاً ، فلا يجزئ النكس (1).
ومنها : موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إن نسيت غسل وجهك فغسلت ذراعيك قبل وجهك فأعد غسل وجهك ثم اغسل ذراعيك بعد الوجه ، فإن بدأت بذراعك الأيسر قبل الأيمن فأعد على غسل الأيمن ثم اغسل اليسار ... » (1).
ومنها : صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « في الرجل يتوضأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين ، قال : يغسل اليمين ويعيد اليسار » (2).
ويبدو من بعض الروايات الواردة في المقام ، أن المسألة من المسائل المسلمة عند الرواة حيث سئل عليهالسلام « عمن بدأ بالمروة قبل الصفا ، قال : يعيد ، ألا ترى أنه لو بدأ بشماله قبل يمينه في الوضوء أراه أن يعيد الوضوء » (3)ونظيرها ما ورد في حديث تقديم السعي على الطواف قال : « ألا ترى أنك إذا غسلت شمالك قبل يمينك كان عليك أن تعيد على شمالك » (4)فان ظاهرهما أن وجوب تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى في الوضوء كان من المسلمات المفروغ عنها عندهم.
ومنها : غير ذلك من الروايات.
(1) هذه هي الجهة الثالثة من الجهات التي نتكلم عنها في المقام ، وهي وجوب غسل اليدين من المرفق إلى طرف الأصابع وعدم كفاية النكس ، ويدلّنا على ذلك جميع ما قدّمناه (5)في وجوب غسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل وعدم جواز النكس ، من التسالم والإجماع القطعيين والروايات البيانية الحاكية عن وضوء رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم ويزيد المقام على غسل الوجه بموافقة ابن سعيد لأنه
( قدسسره ) قد قال بجواز النكس في الوجه ، ولكنه التزم في اليدين بعدم الجواز (1)وكذلك السيد المرتضى قدسسره في أحد قوليه (2)وكيف كان فالكل متسالم على عدم جواز غسل اليدين منكوساً.
أضف إلى ذلك صحيحة زرارة وبكير عن أبي جعفر عليهالسلام عند حكاية فعل رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم « ... ثم غمس كفه اليسرى فغرف بها غرفة فأفرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكف لا يردها إلى المرفق ، ثم غمس كفه اليمنى » (3)فان اهتمامهما بحكاية عدم رد الباقر عليهالسلام يده إلى المرفق أقوى دليل على أن ذلك من الخصوصيات المعتبرة في الوضوء ، قد أراد عليهالسلام أن يعرِّفها ويبيِّنها في تلك الروايات.
وفي بعض الأخبار : « قلت له : يرد الشعر؟ قال : إذا كان عنده آخر فعل ، وإلاّ فلا » (4)لأن الظاهر أن رد الشعر عبارة عن الغسل منكوساً ، كما أن المراد بقوله : « إذا كان عنده آخر » أنه إذا كان عنده شخص آخر يتقي منه لا مانع من أن يغسل يده منكوساً. وفي صحيحة زرارة المروية في الفقيه عن أبي جعفر عليهالسلام « ... ولا ترد الشعر في غسل اليدين ... » (5).
ويؤيد ما ذكرناه عدة روايات قد وردت في أن كلمة « إلى » في الآية بمعنى من ، وهذا لا بمعنى أنها مستعملة فيه ، لأنه استعمال غير معهود ، بل بمعنى أن المراد الجدي منها هو ذلك كما مر ، كرواية الهيثم بن عروة التميمي قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن قوله تعالى ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) فقلت هكذا؟ ومسحت من ظهر كفي إلى المرفق ، فقال : ليس هكذا تنزيلها ، إنما هي ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ )
من ( الْمَرافِقِ ) ، ثم أمرّ يده من مرفقه إلى أصابعه » (1).
وفي قضية علي بن يقطين حيث أمره عليهالسلام أن يغسل يديه من المرفقين بعد ما ارتفعت عنه التقيّة (2).
وفيما علّمه جبرئيل ، حيث روى في كشف الغمة عن علي بن إبراهيم في كتابه عن النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم وذكر حديثاً إلى أن قال فنزل عليه جبرئيل وأنزل عليه ماء من السماء فقال له : يا محمّد قم توضأ للصلاة ، فعلّمه جبرئيل عليهالسلام الوضوء على الوجه واليدين من المرفق ، ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين (3)إلى غير ذلك من الروايات غير الخالية عن ضعف في السند ، إلاّ أنها صالحة لأن تكون مؤيدة للمدعى.
ثم إنه لا تنافي بين ما ذكرناه وبين الآية المباركة ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) (4)لأن الآية المباركة إما ظاهرة في أن كلمة « إلى » غاية للمغسول وبيان لما يجب غسله من اليد ، فان لليد إطلاقات كثيرة ، فقد تطلق على خصوص الأصابع والأشاجع كما في آية السرقة ، وقد تطلق على الزند كما في آية التيمم ، وثالثة تطلق على المرفق كما في آية الوضوء ، ورابعة على المنكب كما هو الحال في كثير من الاستعمالات العرفية. فأراد عزّ من قائل أن يحدِّدها ويبيِّن أن ما لا بدّ من غسله في اليد إنما هو بهذا المقدار ، إذن فلا تعرض للآية إلى كيفية غسلها ، وإنما أوكلت بيان ذلك إلى السنّة ، وسنّة النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم والأئمة عليهمالسلام قد دلّتا على أنها لا بدّ من أن تغسل من المرفق إلى الأصابع ، فالسنّة قد بيّنت ما لم يكن مبيّناً في الآية المباركة ، فلا تكون الآية منافية لما قدّمناه من لزوم كون الغسل من المرفق إلى الأصابع.
والمرفق مركّب من شيء من الذراع وشيء من العضد ، ويجب غسله بتمامه (1) وشيء آخر من العضد من باب المقدّمة (2) وكل ما هو في الحدّ يجب غسله وإن كان لحماً زائداً أو إصبعاً زائدة (3).
وإما أن الآية إذا لم تكن ظاهرة في كون الغاية غاية للمغسول فعلى الأقل ليست بظاهرة في كون الغاية غاية للغسل ، فلا تعرض للآية إلى ذلك حتى تكون منافية للزوم كون الغسل من المرفق إلى الأصابع أو موافقة له ، وكيف كان فالآية غير ظاهرة فيما سلكه العامّة ، ولا إنها منافية لما سلكه الخاصة أعني ما قدمناه من لزوم كون الغسل من المرفق إلى الأصابع ، والعامة أيضاً لم يدعوا رجوع الغاية إلى الغسل وإنما يدعون أن الغاية غاية للمغسول ، وقد استدلوا على مسلكهم أعني جواز الغسل منكوساً بإطلاق الأمر بالغسل في الآية المباركة ، وأن مقتضى إطلاقه جواز غسل اليد من الأصابع إلى المرفق.
(1) كما تقدّم وعرفت.
(2) قد أسلفنا أن المراد بالمقدّمة إنما هو المقدّمة العلمية دون مقدّمة الوجود ، فان غسل الموضع المعيّن على نحو لا يزيد عنه ولا ينقص أبداً متعذر خارجاً ، فاما أن يكون المقدار الذي غسله أقل من المقدار اللاّزم ولو بمقدار قليل ، وإما أن يكون زائداً عنه بشيء ، وقد تقدم أن الثاني هو المتعيّن بحكم العقل.
(3) الظاهر أن المسألة متسالم عليها بين الأصحاب قدسسرهم والوجه فيه ما ورد في ذيل صحيحة زرارة وبكير المتقدِّمة : « فليس له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئاً إلاّ غسله ... » (1)لأن المستفاد منها أن اليد من المرفقين إلى الأصابع أعني المقدار الواقع بين الحدين لا بدّ من غسلها بما لها من التوابع والأطوار ، فإذا كان على
1) الوسائل 1 : 388 / أبواب الوضوء ب 15 ح 3.
ويجب غسل الشعر مع البشرة (1).
يده لحم زائد أو إصبع زائدة فلا مناص من غسله بمقتضى تلك الصحيحة ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون الزائد خارجاً عن المحدود وما إذا لم يكن ، كما إذا فرضنا أن الإصبع الزائدة أطول من بقية الأصابع ، لأن مقتضى إطلاق الصحيحة وجوب غسلها بطولها ، لما عرفت من أن كلّ ما كان على اليد من المرفق إلى الأصابع لا بدّ من غسله بمقتضى تلك الصحيحة.
وأما ما ورد في بعض الروايات من تحديد اليد الواجب غسلها بقوله عليهالسلام « وحد غسل اليدين من المرفق إلى أطراف الأصابع » (1)فالظاهر أن نظرها إنما هو إلى الأيدي المتعارفة ، ولا نظر لها إلى مثل الإصبع الزائدة أو اللحم الزائد على اليد ، إذن فمقتضى إطلاق قوله عليهالسلام « فليس له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئاً إلاّ غسله » وجوب غسل كل ما كان على اليد وإن كان خارجاً عن المحدود لطوله.
(1) قد أسلفنا أن مقتضى إطلاقات أدلة الغسل في الوضوء وجوب غسل البشرة في كل من الوجه واليدين وعدم جواز الاجتزاء بغسل غير البشرة عن غسلها ، إلاّ أن الأدلة الخارجية دلّتنا في خصوص الوجه على كفاية غسل الشعر عن غسله ، فهل الأمر في اليدين أيضاً كذلك فيجزئ غسل شعرهما عن غسلهما أو لا بدّ من غسل البشرة في اليدين؟ فهناك أمران :
أحدهما : أن الشعر الموجود على اليدين هل يجب غسله عند غسلهما أو لا يجب؟ لا إشكال في أن اليدين كالوجه في وجوب غسل الشعر الموجود عليهما مع غسلهما وذلك أمّا في الوجه فلمّا مرّ وعرفت ، وأمّا في اليدين فلصحيحة زرارة وبكير المتقدمة وغيرها ممّا دلّ على وجوب غسل اليدين مما بين المرفق والأصابع ، فإنها ولا سيما
1) الفقيه 1 : 28 / 88.
الصحيحة كالصريحة في وجوب غسل كل ما كان على اليدين من المرفقين إلى الأصابع حيث قال عليهالسلام « فليس له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئاً إلاّ غسله » (1)فوجوب غسل الشعر الكائن على اليدين عند غسلهما مما لا ينبغي الكلام فيه ، وإنما الكلام في الأمر الثاني الذي يأتي بعد ذلك.
وثانيهما : أنه هل يجزئ غسل الشعر الكائن على اليدين عن غسل بشرتهما كما هو الحال في الوجه أو لا بدّ من غسل البشرة أيضاً؟ مقتضى إطلاقات أدلة وجوب الغسل لزوم غسل البشرة واليدين ، وعدم كفاية غسل الشعر عن غسلها كما هو المشهور بين الأصحاب قدسسرهم بل عن شيخنا الأنصاري قدسسره دعوى الاتفاق على عدم إجزاء غسل الشعر عن غسل اليدين (2)واستظهر المحقق الهمداني قدسسره عدم الخلاف في المسألة عن بعضهم (3).
وخالفهم في ذلك كاشف الغطاء قدسسره وذهب إلى الاجتزاء به (4)، والوجه فيما ذهب إليه هو صحيحة زرارة « قلت له : أرأيت ما أحاط به الشعر ، فقال عليهالسلام كل ما أحاط به الشعر فليس على العباد ( للعباد ) أن يطلبوه ولا يبحثوا عنه ولكن يجرى عليه الماء » (5)بدعوى أن عموم قوله عليهالسلام كل ما أحاط به الشعر الدال على كفاية غسل الشعر عن غسل البشرة في الوضوء ، عدم الفرق في ذلك بين الوجه واليدين.
ويردّه : مضافاً إلى الفرق الظاهر بينهما ، فان مجرد إجراء الماء على اليدين يكفي في غسلهما عادة ، ولا توجد أية يد يكون ما عليها من الشعرات مانعة عن غسلها عند إجراء الماء على شعرها ، وهذا بخلاف الوجه لأن شعر الحواجب واللحى قد يكون
مانعاً عن وصول الماء إلى البشرة ولا تنغسل عند إجراء الماء على شعرها ، أن الصحيحة ليست رواية مستقلّة في نفسها ، وإنما هي ذيل الرواية الواردة في تحديد الوجه على ما نقله الصدوق قدسسره في الفقيه (1)حيث روى عن زرارة بن أعين أنه قال لأبي جعفر الباقر عليهالسلام « أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي أن يوضأ الذي قال اللّه عزّ وجلّ؟ فقال : الوجه الذي ... إلى أن قال وما جرت عليه الإصبعان من الوجه مستديراً فهو من الوجه ، وما سوى ذلك فليس من الوجه ، فقال له : الصدغ من الوجه؟ فقال : لا ، قال زرارة : قلت أرأيت ما أحاط به الشعر ... » (2)وعليه فعموم قوله عليهالسلام « كلّ ما أحاط به من الشعر » إنما هو بحسب ما أُريد من لفظة « ما » الموصلة ، المراد بها الوجه بقرينة صدرها ، إذن تدلنا الصحيحة على أن كل وجه أحاط به الشعر فليس على العباد أن يغسلوه.
وأما ما صنعه الشيخ قدسسره في التهذيب حيث نقلها مستقلّة (3)فهو إنما نشأ من تقطيع الروايات وليس مستنداً إلى كونها رواية مستقلّة.
والنتيجة أن الصحيحة ليس لها عموم حتى يستدل به في اليدين ، هذا أوّلاً.
وثانياً : لا معنى لكونها رواية مستقلّة ، فإنّ قوله عليهالسلام « أرأيت ... » لا يمكن أن يكون كلاماً ابتدائياً ، حيث لم يسبقه سؤال عن شيء ولا حكم بالوجوب أو الحرمة أو غيرهما حتى يسأل عن أن هذا الشيء إذا أحاط به الشعر كيف يصنع؟ وهذا أيضاً قرينة على أنه ورد في ذيل كلام آخر وهو ما ورد في تحديد الوجه كما قدّمناه ، هذا.
ثم لو أغمضنا عن ذلك وفرضنا أنه رواية مستقلة ، أيضاً لا يمكننا الاعتماد عليه للقطع بأنه مسبوق بالسؤال عن شيء أو بالحكم بشيء لا محالة ، إذ لا معنى لها
ومن قطعت يده من فوق المرفق لا يجب عليه غسل العضد وإن كان أولى ، وكذا إن قطع تمام المرفق ، وإن قطعت مما دون المرفق يجب عليه غسل ما بقي ، فإن قطعت من المرفق بمعنى إخراج عظم الذراع من العضد يجب غسل ما كان من العضد جزءاً من المرفق (1).
مستقلة ، وحيث لا ندري أن السابق عليها أي شيء ، فتصبح الرواية مجملة لذلك ، ولا يمكن الاستدلال بها علي شيء.
فالصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من عدم إجزاء غسل الشعر عن غسل البشرة في اليدين ، وما ذهب إليه كاشف الغطاء قدسسره مما لا وجه له.
(1) قطع اليد قد يكون ممّا دون المرفق ، وقد يكون من نفس المرفق كما إذا قطع بعضه كعظم الذراع وبقي مقدار منه كعظمي العضد ، وثالثة يقطع عمّا فوق المرفق وهذه صور ثلاث.
أمّا الصورة الأُولى والثانية أعني ما إذا قطعت عمّا دون المرفق أو من المرفق : فلا كلام في أن المقدار الباقي وقتئذٍ ممّا لا بدّ من غسله ، للقطع بوجوب الصلاة في حقه وعدم سقوطها عن ذمّته ، والقطع بعدم وجوبها مع الطهارة الترابية ، ونتيجة هذين القطعين هو الحكم بوجوب الصلاة في حقه مع الطهارة المائية ، وحيث إن قطع شيء من أعضاء الوضوء غير موجب لسقوط الأمر بالغسل عن غيره من الأعضاء السالمة ، لوضوح أن قطع إحدى اليدين مثلاً غير مستلزم لسقوط الأمر بالغسل في اليد الأُخرى ، وكذا فيما إذا قطع مقدار من إحداهما ، فإنه لا يستلزم سقوط الأمر بالغسل عن المقدار الباقي من العضو ، فلا مناص من غسل المقدار الباقي في الصورتين كما هو مفاد قاعدة عدم سقوط الميسور بالمعسور ، وإن لم نسلمها في غير المقام ، وتدلّنا على ذلك جملة من الصحاح :
منها : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهالسلام قال : « سألته عن رجل قطعت يده من المرفق كيف يتوضأ؟ قال : يغسل ما بقي من عضده » (1)بناء على ما قدمناه من أن المرفق هو مجموع العظام الثلاثة أعني عظم الذراع وعظمي العضد.
ومنها : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « سألته عن الأقطع اليد والرجل قال : يغسلهما » (2)ومنها : صحيحة رفاعة قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الأقطع فقال : يغسل ما قطع منه » (3)ومعناه أنه يغسل المقطوع منه دون المقطوع كما هو المتراءى من ظاهر الصحيحة ، وبذلك يظهر أن الضمير في صحيحة محمد بن مسلم يرجع إلى المقطوع منه في كل من الرِّجل واليد.
ومنها : صحيحة أُخرى لرفاعة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « سألته عن الأقطع اليد والرجل كيف يتوضأ؟ قال : يغسل ذلك المكان الذي قطع منه » (4)وهذه الصحاح قد دلتنا بوضوح على وجوب غسل الباقي من اليد والمرفق في محل الكلام وهي بحسب السند صحاح ومن حيث الدلالة ظاهرة.
نعم ، قد يقال إن صحيحتي رفاعة رواية واحدة ، وإحداهما منقولة بالمعنى دون اللفظ ، ولكن ذلك تم أم لم يتم وكانت الصحيحتان متحدتين أو متعددتين لا يضر فيما نحن بصدده لظهورها فيما ذكرناه فلاحظ. ولم يتعرّض في شيء من الصحاح المتقدمة على وجه الصراحة للمقدار الواجب غسله في المسألة ، ولعله لأجل كونها ناظرة إلى ما هو المرتكز في الأذهان من لزوم غسل المقدار الذي يتمكن المكلف من غسله من يده ومرفقه ، سواء قل أم كثر.
فقه الرواية : بقي الكلام في فقه الرواية ، حيث ورد في صحيحة محمد بن مسلم : « يغسلهما » أي يغسل اليد والرِّجل فيقع الكلام في أنه ما معنى الأمر بغسل الرِّجل في
الوضوء ، وفي تفسير ذلك وجهان :
أحدهما أن يقال : إنه عليهالسلام بصدد بيان ما هو الوظيفة الفعلية في الأقطع اليد والرجل ، وإن الغسل أعم من المسح ، فقد بيّن عليهالسلام أنه يغسل يده ويمسح رِجله.
ثانيهما : أن يحمل الأمر بغسل الرجل على موارد التقيّة ، أعني ما إذا لم يتمكن من المسح على رجليه تقيّة ، والأظهر هو الأول ، هذا.
وقد يستدل على وجوب الغسل في المقدار الباقي من المرفق أو اليد بقاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور والاستصحاب ، ولكن القاعدة لو سلمنا أن غسل المقدار الباقي في الأقطع ميسور الوضوء غير ثابتة ، إذ لم يدلنا عليها أي دليل على ما قررناه في محله (1).
وأما الاستصحاب ، فهو أيضاً كسابقه لعدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية كما مر غير مرة.
على أنّا لو أغمضنا عن ذلك ، وأغمضنا أيضاً من المناقشة في بقاء الموضوع لدى العرف ، بأن قلنا إن الوضوء في المقدار الباقي من أعضائه قد كان واجباً في حق الأقطع قبل صيرورته أقطع ، ونشك في بقائه عليه بعد صيرورته كذلك ، مع أن الواجب أوّلاً في حقه بمقتضى الآية المباركة وغيرها إنما هو الوضوء التام ، أعني غسل الوجه واليدين بتمامهما لا المقدار الباقي منهما ، فإنما يتم ذلك فيما إذا عرض عليه التقطيع بعد دخول الوقت. دون ما إذا طرأ عليه قبل دخوله ، إذ لا يتصف الوضوء في حقِّه حينئذٍ بالوجوب حتى نستصحبه لدى الشك في بقائه ، اللّهمّ إلاّ على القول بالاستصحاب التعليقي وهو ممّا لا نقول به.
إذن فالصحيح في الاستدلال ما ذكرناه ، هذا كله فيما إذا قطعت اليد من المرفق أو عمّا دونه.
1) مصباح الأُصول 2 : 485.
وأمّا الصورة الثالثة : أعني ما إذا قطعت عمّا فوق المرفق ، فهل يجب عليه غسل عضده بدلاً عن يده؟
المعروف بين أصحابنا عدم وجوب غسل العضد في حقه ، بل التزم بعضهم بالاستحباب ، بل لم ينسب الخلاف فيه إلاّ إلى ابن الجنيد ، ولكن العبارة المحكية منه غير مساعدة على تلك النسبة ، قال فيما حكي من كلامه : إذا قطعت يده من مرفقه غسل ما بقي من عضده (1)وهذه العبارة كما ترى كعبارة صحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة (2)حيث سئل عن الرجل قطعت يده من المرفق كيف يتوضأ؟ قال عليهالسلام يغسل ما بقي من عضده ، وقد قدّمنا أن ظاهرها أنّ المراد بما بقي إنّما هو الباقي من مرفقه وهو العضد بعد ما قطع بعضه أعني الذراع ، لأنّ السؤال إنما هو عن قطع يده من المرفق ، فلو كان أراد به قطع تمام المرفق ووجوب غسل العضد بدلاً عن اليد لكان الواجب أن يقول : يغسل العضد ممّا بقي من يده.
وعلى الجملة : إنّ الصحيحة ظاهرة في إرادة قطع المرفق مع بقاء مقدار منه ، وليست ناظرة إلى قطع اليد عما فوق المرفق ، وعليه فعبارة ابن الجنيد خارجة عما هو محل الكلام ، أعني قطع اليد عمّا فوق المرفق.
وكيف كان فلا مستند للقول بوجوب غسل العضد بعد قطع تمام المرفق إلاّ أمران كلاهما غير قابل للمساعدة عليه.
أحدهما : إطلاق صحيحتي رفاعة ومحمد بن مسلم المتقدمتين ، لدلالتهما على الأمر بغسل المكان الذي قطع منه ، أو بغسلهما أي اليد والرِّجل في أقطعهما ، من دون تعرض للمقدار الباقي من اليد ، فمقتضى إطلاقهما لزوم غسل العضد فيما إذا قطعت اليد عمّا فوق المرفق ، لصدق أنه المكان الذي قطع منه ، وأنه يد الأقطع ، فيشملها الأمر بالغسل في قوله عليهالسلام « يغسلهما ».
[501] مسألة 11 : إن كانت له يد زائدة دون المرفق وجب غسلها أيضاً كاللحم الزائد ، وإن كانت فوقه ، فان علم زيادتها لا يجب غسلها (1)ويكفي غسل الأصلية (1).
ويردّه : أنّ القرينة القطعية الارتكازية في الصحيحتين وغيرهما من الأخبار المتقدِّمة مانعة عن انعقاد الإطلاق للروايات ، وهي ارتكاز سوقها لأجل إثبات وجوب الغسل وترتيبه على ما كان يجب غسله لولا القطع ، دون ما لم يكن غسله واجباً كذلك أي لولا القطع ، كي يكون مفادها إثبات البدلية للواجب المتعذر ، حتى أن ابن الجنيد قدسسره أيضاً لا يمكنه الالتزام بالإطلاق في تلك الروايات ، لأن لازم ذلك أن يحكم بوجوب غسل الكتف مثلاً فيما إذا قطعت اليد من الكتف ، لصدق أنه المكان الذي قطع منه ، وهذا كما ترى لا يمكن الالتزام به.
وثانيهما : صحيحة علي بن جعفر المتقدمة بدعوى دلالتها على الأمر بغسل العضد بعد قطع اليد من المرفق.
ويردّه : ما قدمناه من أن ظاهرها بل لعل صريحها وجوب غسل ما بقي من المرفق الذي هو العضد ، لا وجوب غسل العضد بعد قطع تمام المرفق كما إذا قطعت اليد عما فوق المرفق ، إذ لو كان أراد ذلك لوجب أن يقول : يغسل العضد ممّا بقي بعد القطع.
إذن فما ذهب إليه المشهور من عدم وجوب غسل العضد عند قطع اليد عما فوق المرفق هو الصحيح.
(1) إذا فرضنا لأحد يداً زائدة فهي تتصور على وجوه : لأن اليد الزائدة قد تكون مما دون المرفق ، وقد تكون ممّا فوق المرفق.
1) (*) في إطلاقه إشكال بل منع.
أمّا إذا كانت من دون المرفق ، فلا مناص من الحكم بوجوب غسلها سواء أكانت أصلية بالمعنى الآتي في الصورة الآتية أم كانت زائدة ، والوجه فيه : ما استظهرناه سابقاً من أن مقتضى الآية المباركة والروايات ولا سيما صحيحة الأخوين المتقدمة المشتملة على قوله عليهالسلام « ولا يدع شيئاً مما بين المرفقين إلى الأصابع إلاّ غسله » لزوم غسل اليدين من الأشاجع إلى المرافق بما لهما من التوابع واللواحق ، ومن المعلوم أن اليد الزائدة إما أن تكون أصلية أو تكون تابعة للأصلية ، وعلى كلا التقديرين لا مناص من غسلها ، لعدم جواز ترك الغسل في شيء ممّا بين الحدّين المذكورين في الآية المباركة والروايات ، ولعلّ هذا ظاهر.
وأمّا إذا كانت ممّا فوق المرفق ، فقد ذكر لها في كلام الماتن صور :
وذلك لأنها قد تكون أصلية تساوي اليدين الأُخريين في جميع الآثار المترقبة منهما ، من القوّة والبطش والإعطاء والأخذ وغيرها من آثارهما ، وقد حكم قدسسره فيها بوجوب غسل الزائدة مع اليد الأوّلية الواقعتين في أحد الجانبين من اليمين أو اليسار ، وبجواز المسح بأية منهما شاء.
وما أفاده قدسسره هو الصحيح ، لإطلاق قوله عزّ من قائل ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ) (1)وغيرها ممّا دلّ على الأمر بغسل اليد في الوضوء ، لأنها يد حقيقية وأصلية ، ونسبتها مع اليد الأُخرى متساوية على الفرض فلا يمكن ترجيح إحداهما على الأُخرى من غير مرجح ، وكونها زائدة إنما هي بالنسبة إلى الخلقة الأصلية ، فلا ينافي كونها أصلية بالإضافة إلى شخص المكلف. إذن فلا وجه لاختصاص الحكم بإحداهما دون الأُخرى.
وقد يقال بعدم وجوب الغسل في إحداهما أعني اليد الزائدة واليد الأولية الواقعتين في أحد الجانبين من اليمين أو اليسار وذلك لوجهين :
أحدهما : أنّ الواجب حسبما يستفاد من الأخبار الواردة في الوضوء إنما هو غسل
1) المائدة 5 : 6.
الوجه واليدين دون الأيادي الثلاث أو الأربع ونحوهما ، فلو حكمنا بوجوب غسل اليدين الموجودتين في جانب واحد ، للزم الحكم باعتبار غسل الأيادي الثلاث أو الأكثر في الوضوء ، وهو على خلاف ما نطقت به الروايات ، بل وعلى خلاف الآية المباركة ، فإن الجمع الوارد فيها في قوله عزّ من قائل ( وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ) إنما هو بلحاظ آحاد المكلفين ، ومعناه أن كُلاًّ يغسل يديه ووجهه ، لا أن كُلاًّ يغسل وجهه وأياديه الثلاث أو الأربع ونحوهما.
ويندفع هذا الوجه بأن اشتمال الأدلة على اليدين إنما هو من جهة كونها ناظرة إلى الأغلب والمتعارف في الأشخاص ، إذ الأغلب أن يكون للإنسان يدان لا أكثر ، ولا نظر لها إلى نفي وجوب الغسل في اليد الزائدة التي قد يتحقق في بعض المكلّفين.
وثانيهما : أن اليد الواجب غسلها قد حددت في الآية المباركة بكونها إلى المرافق فلا تندرج في الآية المباركة إلاّ اليد المشتملة على المرفق ، واليد الزائدة إنما يمكن الحكم بوجوب غسلها تمسّكاً بإطلاق الآية وغيرها من الأدلة فيما إذا اشتملت على المرفق ، وأما إذا لم يكن لها مرفق بأن كانت اليد عظماً واحداً متصلاً ، كما قد يقال إن رجل الفيل كذلك ، فلا مناص من الحكم بعدم وجوب غسلها ، لخروجها عن المحدود فإذا وصلنا إلى المرفق لدى الغسل فقد امتثلنا الأمر بغسل اليد من دون حاجة إلى غسل العضو الزائد بوجه.
وفيه : أن المرفق إنما ذكر في الآية المباركة حداً للمغسول دون وجوب الغسل وهو حد للأوساط المتعارفة ذوات الأيادي المشتملة على المرافق دون الفاقدين للمرافق ، فاللازم في اليد الفاقدة للمرفق هو غسلها إلى حد المرفق في الأشخاص المتعارفة ، نظير ما إذا لم يكن للمكلف يد زائدة ، إلاّ أن إحدى يديه الأصليتين كانت فاقدة للمرفق ، فكما أن وظيفته هو غسل يده إلى حد المرفق في الأشخاص المتعارفة فليكن الحال كذلك في من كانت له يد زائدة.
فالصحيح : أنّ اليد الزائدة في هذه الصورة أيضاً لا بدّ من غسلها ، كما يجوز المسح بأية من اليدين شاء المكلف ، لصدق أنها اليد اليسرى أو اليمنى حقيقة ، هذا كله فيما إذا كانت اليد الزائدة أصلية.
وإن لم يعلم الزائدة من الأصلية (1) وجب غسلهما ، ويجب مسح الرأس والرجل بهما من باب الاحتياط ، وإن كانتا أصليتين يجب غسلهما أيضاً ويكفي المسح بإحداهما.
وقد لا تكون أصلية ، كما إذا لم يشترك مع اليد الأُخرى في الآثار المترقبة من اليد وقد حكم الماتن قدسسره بعدم وجوب غسلها حينئذٍ.
والصحيح أن يقال : إن اليد الزائدة غير الأصلية قد لا تكون يداً حقيقية ، وإنما يكون مجرد لحم بصورة اليد فحسب ، وفي هذه الصورة لا يعتبر غسلها في الوضوء ، لأن الواجب إنما هو غسل اليد دون ما لا يكون كذلك كما هو المفروض في المسألة. وقد تكون يداً حقيقية ولا يتأتى منها الآثار المترقبة من اليد ، وهذا كما في يد المشلول لأنها يد حقيقية ولا أثر لها من القوة والبطش ونحوهما ، ولا نرى وجهاً لعدم وجوب غسلها في الوضوء بعد ما فرضناه من أنها يد حقيقية ويصدق عليها عنوان اليد حقيقة ، وذلك لإطلاق ما دلّ على وجوب غسل اليد في الوضوء ، اللّهمّ إلاّ أن يدعى الانصراف بدعوى أن اليد في الآية والروايات منصرفة عما لا يترتب عليه الآثار المترقبة من اليد ، ولكنه انصراف بدوي ناش من قلة وجودها أو من غلبة اليد الصحيحة والمتعارفة ، وغلبة الوجود لا يكون منشأ للانصراف ، هذا تمام الكلام في هاتين الصورتين.
(1) هذه هي الصورة الثالثة من الصور التي ذكرها الماتن قدسسره في اليد الزائدة إذا كانت واقعة مما فوق المرفق ، وذكر أن الزائدة إذا اشتبهت بالأصلية وجب الغسل في كلتيهما ، كما يجب المسح بهما من باب الاحتياط.
وما أفاده قدسسره فيما إذا كانت اليد الزائدة بصورة اليد من دون أن تكون يداً حقيقية ، أو كانت يداً حقيقية ولكن بنينا على عدم وجوب غسل اليد الزائدة بحسب الكبرى متين ، وذلك للعلم الإجمالي بوجوب الغسل في إحداهما دون الأُخرى وحيث إنها غير متميزة عما لا يجب غسله وجب الغسل في كلتا اليدين تحصيلاً للعلم
[502] مسألة 12 : الوسخ تحت الأظفار إذا لم يكن زائداً على المتعارف لا تجب إزالته ، إلاّ إذا كان ما تحته معدوداً من الظاهر ، فإن الأحوط إزالته (1)وإن كان زائداً على المتعارف وجبت إزالته ، كما أنّه لو قصّ أظفاره فصار ما تحتها ظاهراً وجب غسله بعد إزالة الوسخ عنه (1).
بالامتثال كما يجب المسح بكلتيهما من باب المقدمة العلمية ، لأنه إذا اقتصر بالمسح بإحداهما لم يحصل له العلم بالمسح باليد الأصلية ، لاحتمال أن لا يكون ما اقتصر به يداً أصلية ، والمسح بغير اليد الأصلية مما لا أثر له. وبهذا تفترق اليد الزائدة المشتبهة بالأصلية عن اليدين الأصليتين ، فإن الغسل والمسح في الأصليتين واجبان بالأصالة لا لأجل كونهما مقدمة علمية وهذا ظاهر.
ولكن الكلام في صغرى ما أفاده قدسسره وأن اشتباه الزائدة بالأصلية كيف يتحقق في الخارج ، والظاهر أنه لا يتحقق في الخارج أبداً ، وذلك لأن اليد الأصلية هي التي تشارك الأُخرى وتساهمها في الآثار المترقبة من اليد ، من القوة والبطش والأكل أو الكتابة بها ونحو ذلك ، كما أن الزائدة هي ما لم تكن كذلك ، وهذان أمران وجدانيان لكل أحد ، فهل يعقل الشك في الأُمور الوجدانية ، فإنه إن رأى أنها تشارك اليد الأصلية فيعلم أنها أصلية ، وإذا رأى أنها ليست كذلك فيعلم أنها زائدة ، ولا يبقى مجال للشك بينهما.
(1) الوسخ المتعارف هو الذي لا يخلو منه الأظفار عادة إلاّ في من واظب على نظافتها.
ثم إن الوسخ إذا كان في محل معدود من البواطن بحيث لولا الوسخ أيضاً لم يجب غسل ذلك المحل لم يحكم بوجوب إزالته ، كما إذا كان في داخل العين أو الأنف دون
1) (*) بل الأظهر وجوبها.
[503] مسألة 13 : ما هو المتعارف بين العوام من غسل اليدين إلى الزندين والاكتفاء عن غسل الكفّين بالغسل المستحب قبل الوجه باطل (1).
موضع التقليم ونحوه ، لوضوح أن الإزالة مقدمة لغسل المحل ، ولا يجب غسل البواطن ، وهذا ظاهر. على أن السيرة المستمرة جارية من المتدينين على التوضؤ من دون إزالته ، كما أن الأخبار غير متعرضة لوجوبها ، ومن ذلك يظهر أن الشارع لم يهتم بازالته وإلاّ لورد الأمر بها في شيء من الروايات لا محالة.
وأما إذا كان في محل معدود من الظواهر فلا ينبغي التأمل في وجوب رفعه وإزالته لأن المحل الواقع تحته مما يجب غسله في الوضوء بمقتضى إطلاق الأدلة ، ولا يمكن غسله إلاّ بإزالة وسخه ، وكون الوسخ قائماً مقام ذلك المحل في كفاية وصول الماء إليه يحتاج إلى دليل ، ولا دليل عليه ، ولم يحرز جريان سيرة المتدينين على عدم إزالة الوسخ وقتئذٍ.
ودعوى أن المحل مستور بالوسخ فلا يجب غسل موضعه ، مندفعة بأن الستر بالوسخ غير مسوغ لعد المحل من البواطن ، ومع كون الموضع معدوداً من الظواهر لا مناص من غسله بمقتضى الأخبار المتقدمة ، وقوله عليهالسلام في صحيحة زرارة وبكير : « ولا يدع شيئاً ممّا بين المرفقين إلى الأصابع إلاّ غسله » (1)فان الخروج عن ذلك يحتاج إلى دليل وهو مفقود كما عرف ، هذا كله في الوسخ غير الزائد على المتعارف.
وأمّا الزائد عن المتعارف ، كما إذا اشتغل بالطين مثلاً وبقي شيء منه على وجهه أو يديه ، فلا إشكال في وجوب إزالته مطلقاً سواء كان في محل الغسل أو موضع المسح لأنه مانع من وصول الماء إلى البشرة وهو واضح.
(1) لما تقدّم من أن الوضوء يعتبر فيه غسل اليدين من المرفقين إلى الأصابع بعد
1) الوسائل 1 : 388 / أبواب الوضوء ب 15 ح 3.
[504] مسألة 14 : إذا انقطع لحم من اليدين وجب غسل ما ظهر بعد القطع (1) ويجب غسل ذلك اللحم أيضاً (2) ما دام لم ينفصل وإن كان اتصاله بجلدة رقيقة ، ولا يجب قطعه أيضاً ليغسل ما تحت تلك الجلدة ، وإن كان أحوط (1)لو عدّ ذلك اللحم شيئاً خارجياً ولم يحسب جزءاً من اليد (3).
غسل الوجه ، فغسل اليدين إلى الزند قبل غسل الوجه استحباباً ثم غسل اليدين من المرفقين إلى الزند غير كاف في صحته.
(1) لما أشرنا إليه في مسألة وجوب إزالة الوسخ تحت الأظفار ، من أن المعتبر في صحة الوضوء إنما هو غسل ما ظهر من البشرة ، بلا فرق في ذلك بين ما كان ظاهراً ابتداء وبحسب الحدوث ، وما صار كذلك بحسب البقاء ، فما تحت اللحم وإن كان من الباطن قبل قطعه إلاّ أنه صار من الظواهر بعد قطع اللحم فلا بدّ من غسله.
(2) لأنه معدود من توابع اليدين ولواحقهما ، ومقتضى قوله عليهالسلام في صحيحة زرارة وبكير : « لا يدع شيئاً من المرفقين إلى الأصابع إلاّ غسله » (2)لزوم غسل اليدين بما لهما من التوابع والأجزاء ، ومعه لا يجب قطع الجلدة ليغسل تحتها ، لأن غسل توابع اليد بمنزلة غسل نفس البشرة على ما هو الحال في اللحم والاصبع الزائدين في اليد.
(3) كتب سيدنا الأُستاذ ( مدّ اللّه في اظلاله ) في تعليقته المباركة على المتن : لا يترك هذا الاحتياط ، والسر فيه أن مقتضى الأدلة الواردة في المقام وجوب غسل البشرة بالتمام في كل من الوجه واليدين ، فاذا فرضنا أن في اليد أو الوجه شيء يمنع عن وصول الماء إلى البشرة من غير أن يعد جزءاً أو تابعاً لهما لدى العرف ، فكفاية غسله
[505] مسألة 15 : الشقوق التي تحدث على ظهر الكف من جهة البرد إن كانت وسيعة يرى جوفها (1) وجب إيصال الماء فيها (2) وإلاّ فلا (3) ومع الشك لا يجب عملاً بالاستصحاب وإن كان الأحوط الإيصال (4).
عن غسل البشرة المأمور به وقيامه مقامها في ذلك يحتاج إلى دليل ، وهو مفقود.
(1) أي بسهولة ومن دون علاج.
(2) لأن جوفها وقتئذٍ من الظواهر ، وقد مرّ أن الظواهر لا بدّ من غسلها في الوضوء.
(3) لأن الشقوق إذا لم تكن وسيعة على وجه يرى جوفها بسهولة لم يجب غسله لأنه من البواطن وقتئذٍ والباطن لا يعتبر غسله في الوضوء ، وإن أمكن رؤيته بالعلاج كما إذا فصل طرفي الشق باليد أو بغيرها.
(4) الظاهر أنه قدسسره أراد بذلك خصوص الشبهة المصداقية ، إذ لا تحقق للشبهة المفهومية في أمثال المقام ، وعلى فرض تحققها فهي من الندرة بمكان ، وعليه فلا مانع من العمل بالاستصحاب كما أفاده الماتن قدسسره وذلك لأن عنوان الباطن وإن لم يؤخذ موضوعاً لأيّ حكم شرعي ولا قيداً له في شيء من النصوص ولكن ورد فيما رواه زرارة الأمر بغسل ما ظهر ، حيث قال عليهالسلام « إنما عليك أن تغسل ما ظهر » (1)وعلل في جملة من الروايات عدم وجوب الاستنشاق والمضمضة في الوضوء بأنهما من الجوف (2)وبذلك أصبح كل من عنواني الجوف وما ظهر موضوعين لوجوب الغسل وعدمه ، وبما أن جوف الشقوق الذي نشك في أنه من
[506] مسألة 16 : ما يعلو البشرة مثل الجدري عند الاحتراق ما دام باقياً يكفي غسل ظاهره (1) وإن انخرق ، ولا يجب إيصال الماء تحت الجلدة ، بل لو قطع بعض الجلدة وبقي البعض الآخر يكفي غسل ظاهر ذلك البعض ، ولا يجب قطعه بتمامه ، ولو ظهر ما تحت الجلدة بتمامه ، لكن الجلدة متصلة قد تلزق وقد لا تلزق يجب غسل ما تحتها ، وإن كانت لازقة يجب رفعها أو قطعها.
البواطن معدود من الجوف ، ولم يصدق عليه عنوان « ما ظهر » قبل الانشقاق ، فاذا شككنا في ذلك بعد ظهور الانشقاق فمقتضى الاستصحاب أنه الآن كما كان ، فهو بمقتضى الأصل من الجوف بالفعل فلا يجب غسله ، هذا كله فيما إذا كانت الشبهة مصداقية.
وأمّا إذا كانت مفهومية ، فلا مناص من غسل جوف الشقوق فيما إذا شككنا في أنه من البواطن أو لا ، وذلك لما قررناه في الشك في إحاطة الشعر بالوجه من أن مقتضى إطلاق الأدلة الآمرة بغسل الوجه واليدين إنما هو وجوب غسل البشرة من المرافق إلى الأصابع ومن القصاص إلى الذقن ، فاذا ورد عليه تقييد ودار أمره بين الأقل والأكثر فإنما نرفع اليد عن إطلاق تلك الأدلة بالمقدار المتيقن من دليل التقييد وهو الشعر الذي علمنا باحاطته أو الموضع الذي قطعنا بكونه من الجوف وأما في موارد الشك في الخروج كالشك في الإحاطة أو الجوف فالمحكم إطلاق الأدلّة أو عمومها ، وهو يقتضي وجوب الغسل في المقام ، وذلك لما بيّناه في محلِّه (1)من أن إجمال المخصص لدورانه بين الأقل والأكثر لا يسري إلى العام ، بل إنما يخصصه بالمقدار المتيقن ، وفي موارد الشك يرجع إلى عموم العام.
(1) لصدق أنه مما ظهر من البشرة دون جوفه وما تحته وإن انخرق ، وكذا الحال فيما إذا قطع بعض الجلدة المتصلة باليد أو بغيرها وهي تلتصق بالبشرة تارة كما إذا كانت
1) في المحاضرات في أُصول الفقه 5 : 181.
[507] مسألة 17 : ما ينجمد على الجرح عند البرء ويصير كالجلد لا يجب رفعه (1) وإن حصل البرء ، ويجزئ غسل ظاهره وإن كان رفعه سهلاً. وأمّا الدواء الذي انجمد عليه وصار كالجلد فما دام لم يمكن رفعه يكون بمنزلة الجبيرة (1)يكفي غسل ظاهره ، وإن أمكن رفعه بسهولة وجب (2).
[508] مسألة 18 : الوسخ على البشرة إن لم يكن جرماً مرئيّاً لا يجب إزالته وإن كان عند المسح بالكيس في الحمّام أو غيره يجتمع ويكون كثيراً ما دام يصدق عليه غسل البشرة ، وكذا مثل البياض الذي يتبيّن على اليد من الجص أو النورة إذا كان يصل الماء الى ما تحته ، ويصدق معه غسل البشرة. نعم لو شك في كونه حاجباً أم لا وجب إزالته (3).
رطبة ، وتنفصل عنها اخرى ، ولا تعد من توابع اليد والبشرة ، وما تحتها من الظواهر التي ترى من دون علاج ، فيجب غسل ما تحتها برفع الجليدة أو قطعها فيما إذا التصقت بالبشرة.
(1) لأنه معدود من التوابع العرفية فلا ملزم لرفعه وإن أمكن بسهولة.
(2) ونظيره القير الملصق بالبشرة ، ويأتي تفصيل هذه المسألة في المسألة الرابعة عشرة من أحكام الجبائر إن شاء اللّه (2)وقد ذكر الماتن هناك أنه إذا كان شيء لاصقاً ببعض مواضع الوضوء مع عدم جرح أو نحوه ولم يمكن إزالته أو كان فيها حرج ومشقة لا تتحمل مثل القير ونحوه يجري عليه حكم الجبيرة والأحوط ضم التيمم أيضاً ، ولنا في إطلاق كلامه نظر يأتي تفصيله هناك. نعم ، الأمر في خصوص الدواء كما أفاده للنص الوارد على ما سيوافيك في محلِّه إن شاء اللّه.
(3) الأوساخ المتكونة في البشرة على أقسام :
[509] مسألة 19 : الوسواسي الذي لا يحصل له القطع بالغسل يرجع إلى المتعارف (1).
الأوّل : الوسخ الذي لا يرى وجوده على البشرة إلاّ بعلاج كالدلك ونحوه ، ولا ينبغي الإشكال في عدم وجوب إزالته حينئذٍ ، لأنه من الأعراض وليس من قبيل الأجرام والأجسام المانعتين عن وصول الماء إلى نفس البشرة.
الثاني : الوسخ الذي يرى على البشرة من دون أن يكون له جرم وجسم بحسب النظر العرفي المسامحي ، بل إنما يعد من الأعراض الطارئة عليه ، كالبياض يتراءى على اليد من استعمال الجص والنورة وأمثالهما ، وهذا أيضاً لا تجب إزالته ، لعدم كونه مانعاً عن صدق غسل البشرة لدى العرف ، لأن المفروض عدم كونه من قبيل الأجرام لدى العرف ، فاذا صبّ الماء على اليد مثلاً وعليها شيء من ذلك الوسخ صدق أنه قد غسل البشرة ، ومع صدق ذلك لا ملزم لإزالته كما مرّ.
الثالث : الوسخ الذي يرى على البشرة وله جرم ومعدود من الأجسام لدى العرف ، ولكن لا يمنع عن وصول الماء إلى البشرة ، وهذا أيضاً كسابقه لا تجب إزالته فإن المأمور به إنما هو غسل البشرة ، ومع فرض تحقّقه وصدق أنه غسل بشرته لا وجه لوجوب إزالة الوسخ ، لأن الإزالة مقدمة للغسل المأمور به وإيصال الماء إلى البشرة ، والمفروض أنه متحقق من دون حاجة إلى الإزالة ، وهذا كما في الثوب الرقيق الموجود على اليد أو البدن أو سائر مواضع الوضوء فيما إذا لم يمنع عن وصول الماء إلى البشرة فلا يجب نزع الثوب وقتئذٍ ، لصدق غسل البشرة عند صبّ الماء على الثوب ، والوسخ غير المانع عن وصول الماء إلى البشرة كالثوب المذكور.
الرابع : الوسخ المرئي المعلوم مانعيته عن وصول الماء إلى البشرة أو محتملها ، وفي هذا القسم تجب الإزالة حتى يحرز وصول الماء إلى البشرة ويقطع بتحقّق المأمور به.
(1) والوجه في ذلك مضافاً إلى النهي عن العمل على الوسواس في الروايات (1)
1) الوسائل 8 : 227 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16.
[510] مسألة 20 : إذا نفذت شوكة في اليد أو غيرها من مواضع الوضوء أو الغسل لا يجب إخراجها ، إلاّ إذا كان محلها على فرض الإخراج محسوباً من الظاهر (1).
وأن العمل على طبقه إطاعة الشيطان فلا يصح توصيف الوسواسي بالعقل (1)أن الوسواسي لا يجب عليه الجزم بالامتثال ، لعدم جريان الاستصحاب ولا قاعدة الاشتغال في حقه.
أمّا عدم جريان الاستصحاب ، فلأن الشك المعتبر في جريانه كما في قوله عليهالسلام « لا تنقض اليقين بالشك » (2)منصرف إلى الشك العادي المتعارف لدى الناس ولا يشمل الشكوك النادرة الخارجة عن المعتاد ، فلا مجال لاستصحاب الحدث أو عدم تحقّق الامتثال في حقِّه.
وأمّا عدم جريان القاعدة ، فلأنّ العقل إنما استقل بلزوم الامتثال العقلائي دون ما يعد عملاً سفهائياً لدى الناس ، إذن لا يجب عليه تحصيل الجزم بالامتثال ، بل يكفي في حقه الامتثال الاحتمالي وإن لم يكن هناك نهي عن العمل على الوسواس ، نعم إذا كان شك الوسواسي شكاً متعارفاً كما إذا وقف تحت المطر فأصابت وجهه قطرات فشك في أنها هل وصلت إلى جميع أطراف الوجه أو يحتاج غسل تمام الوجه إلى إمرار اليد عليه وجب الاحتياط في مثله لا محالة.
(1) كما إذا كانت الشوكة كالمسمار ، بأن كان أحد طرفيها أوسع على نحو لا يدخل الجوف بل يلتصق بظاهر البشرة الواجب غسله ويستر مقداراً منه ، أو دخلت الشوكة منحنية كالمسمار المنحني لا مستقيمة على نحو بقي مقدار منها في الخارج وستر الظاهر على نحو لا يصل الماء إليه ، أي إلى الظاهر الذي وقع تحت الشوكة ، والمناط أن
[511] مسألة 21 : يصح الوضوء بالارتماس مع مراعاة الأعلى فالأعلى (1) لكن في اليد اليسرى لا بدّ أن يقصد (1)الغسل حال الإخراج من الماء حتى لا يلزم المسح بالماء الجديد ، بل وكذا في اليد اليمنى إلاّ أن يبقي شيئاً من اليد اليسرى ليغسله باليد اليمنى حتى يكون ما يبقى عليها من الرطوبة من ماء الوضوء (2).
لا يكون محل الشوكة معدوداً من الجوف والباطن الذي لا يجب غسله في الوضوء.
(1) بأن يدخل المرفق أوّلاً ، ثم يرمس اليد إلى آخرها مرة واحدة أو تدريجاً.
(2) في المقام كلامان : أحدهما : أصل جواز الارتماس في الوضوء. وثانيهما : كفاية قصد الغسل حال الإخراج وعدمها.
أمّا المقام الأوّل : فلا ينبغي الإشكال في جواز التوضؤ بالارتماس ، لإطلاقات الأدلة الآمرة بالغسل في الوضوء ، وعدم قيام دليل على المنع عن ذلك ، وهي كافية في الحكم بالجواز.
وأمّا المقام الثاني : فالصحيح أن الاكتفاء بما أفاده الماتن قدسسره من قصد الغسل حال الإخراج غير صحيح ، وذلك لأن الظاهر من أيّ أمر متعلق بأي فعل من أفعال المكلفين إنما هو الإيجاد والإحداث ، أعني إيجاد متعلقاته وإحداثه بعد ما لم يكن دون الإبقاء والاستمرار ، وبما أن المكلف قد وضع يده على الماء ورمسها فيه فقد تحقّق منه الغسل لا محالة ، وهذا وإن كان غسلا بحسب الإيجاد والإحداث ، إلاّ أنه غير محسوب من الوضوء ، لأن المكلف لم يقصد به الغسل المأمور به على الفرض وإنما نوى الغسل المأمور به في الوضوء حال إخراجها من الماء ، أو يقصد ذلك بتحريكها وهي في الماء ، وهذا أيضاً لا كلام في أنه غسل لليد حقيقة غير أنه غسل
1) (*) في تحقق مفهوم الغسل بذلك إشكال.
إبقائي أي إبقاء للغسل الحادث أوّلاً برمس اليد في الماء ، وليس إيجاداً وإحداثاً للغسل غير الغسل المتحقق أوّلاً بإدخال اليد في الماء وهذا ظاهر ، وقد فرضنا أن المأمور به إنّما هو إيجاد الغسل وإحداثه لا إبقاؤه واستمراره.
ومن هنا استشكلنا في الغسل الترتيبي بتحريك الجانبين في الماء ، وإن كان المعروف صحة ذلك وكفايته ، وقد ذكرنا في وجهه أن المأمور به في كل من الغسل والوضوء إنما هو إيجاد الغسل وإحداثه ، ولا يكفي إبقاؤه واستمراره ، ومع فرض أن المكلف قد دخل الماء وتحقق الغسل منه في نفسه إذا حرك جانبيه وهو في الماء كان ذلك غسلاً بقاء ، واستمراراً للغسل الحادث أوّلاً لا إيجاداً للغسل وإحداثاً له.
والذي يكشف عما ذكرناه أنه لو أمرنا بالغسل مرتين في مثل اليد والأواني وغيرهما لم يمكننا الاكتفاء فيهما بإدخال اليد في الماء وإخراجها منه ، بأن يكون الإخراج أيضاً غسلاً على حدة كالادخال حتى يتحقّق بهما التعدّد في الغسل المأمور به ، ولا وجه له إلاّ ما أشرنا إليه آنفاً من أن الإخراج إبقاء للغسل الحادث بالإدخال أوّلاً ، لا أنه غسل جديد كي يتحقّق به التعدّد ، وهذا ظاهر. إذن لا يمكن أن يقتصر في الأواني ونحوها مما يعتبر التعدّد في غسله بإخراجها عن تحت الماء بعد إدخالها فيه أو بتحريكها وهي في الماء ، بل إدخالهما وإخراجهما يعدّان غسلاً واحداً لدى العرف.
وعلى الجملة لا يمكن الفرار بذلك ، أي بقصد الغسل حال الإخراج ، عن محذور المسح بالرطوبة الخارجية ، بل لا بدّ في تحقق المسح برطوبة الوضوء أن يبقي شيئاً من يده اليسرى بعدم رمسه في الماء حتى يغسل الباقي بعد إخراج يده من الماء بيده اليمنى ، لتكون الرطوبة من رطوبة الوضوء دون الرطوبة الخارجية.
نعم ، لا مانع من الغسل الارتماسي في الوضوء إذا لم يكن الغسل بقائياً واستمرارياً كما إذا قصد الغسل المأمور به من الابتداء ، نعم يبتلي المكلف وقتئذٍ بمعضلة كون المسح بالرطوبة الخارجية فيما إذا رمس يده في مثل الحوض والحب ونحوهما أو غسلها بالمطر كما يأتي عليه الكلام في التعليقة الآتية فليلاحظ.
[512] مسألة 22 : يجوز الوضوء بماء المطر كما إذا قام تحت السماء حين نزوله فقصد بجريانه على وجهه غسل الوجه مع مراعاة الأعلى فالأعلى ، وكذلك بالنسبة إلى يديه ، وكذلك إذا قام تحت الميزاب أو نحوه ، ولو لم ينو من الأوّل لكن بعد جريانه على جميع محالّ الوضوء مسح بيده على وجهه بقصد غسله ، وكذا على يديه إذا حصل الجريان كفى أيضاً ، وكذا لو ارتمس في الماء ثم خرج وفعل ما ذكر (1).
الوضوء بماء المطر :
(1) ظهر الحال في هذه المسألة مما سردناه في التعليقة المتقدمة وتوضيحه : أنه لا إشكال ولا كلام في صحة التوضؤ بماء المطر كما إذا قام تحت السماء حين نزول المطر ونوى من الابتداء أو بجريانه على وجهه أو يديه غسل الوجه أو اليدين المأمور بهما في الوضوء مراعياً للأعلى فالأعلى.
وإنما الكلام فيما إذا لم يقصد الغسل المأمور به من الابتداء ، بل إنما قصد تنظيف وجهه أو تطهير يده مثلاً ، أو لم يكن له قصد أصلاً لغفلته ، إلاّ أنه بعد ما جرى المطر على مواضع وضوئه قد مسح على وجهه أو غيره من مواضع الوضوء بيده قاصداً به غسل الوجه أو اليدين المعتبر في الوضوء ، والإشكال المتقدم في التعليقة السابقة يأتي في ذلك بعينه ، لأنّ المأمور به إنما الغسل الحادث بعد ما لم يكن ، والقطرات الموجودة على وجهه مثلاً من ماء المطر أو ماء الحوض بعد الخروج عنه إنما هي من توابع الغسل الحادث ، لوقوعه تحت المطر أو بدخوله تحت الماء ، وليس غسلاً جديداً ، وإمرار اليد على البدن أو محال الوضوء وإيصال الرطوبة إلى جميع جوانب البدن في الغسل أو الوجه واليدين في الوضوء لا يعدّ غسلاً بوجه ، لأنه مفهوم عرفي يعرفه كل عارف باللسان ، لبداهة عدم إطلاق الغسل عرفاً على إمرار اليد على البدن ونقل الرطوبات المائية إلى أطراف البدن أو الوجه أو غيرهما.
والعجب عن بعض من قارب عصرنا حيث ذهب إلى كفاية مجرد قصد الغسل بعد الخروج عن الماء في حصول الغسل المأمور به ، من دون حاجة إلى شيء آخر حتى
[513] مسألة 23 : إذا شكّ في شيء أنه من الظاهر حتى يجب غسله أو الباطن فلا ، فالأحوط غسله (1)، إلاّ إذا كان سابقاً من الباطن وشكّ في أنه صار ظاهراً أم لا ، كما أنه يتعيّن غسله لو كان سابقاً من الظاهر ثمّ شكّ في أنه صار باطناً أم لا (1).
إمرار اليد ، مدعياً أن الرطوبات المائية الموجودة على بدنه من ماء الحوض أو المطر كافية في تحقّق الغسل ، ولا يجب استعمال الزائد منها في تحصيله وتحققه ، إذن مجرد قصد الغسل وهي على بدنه كاف في حصول الغسل المأمور به.
وفيه : أن الغسل لدى العرف لا يطلق على القصد مع إمرار اليد على البدن أو مواضع الوضوء ، فكيف بالقصد الساذج ، لأن الرطوبات الموجودة على بدنه إنما هي من توابع الغسل الحادث بالدخول تحت الماء أو بوقوعه تحت المطر ، ولا يعد إيصالها إلى جوانب البدن أو محال الوضوء غسلاً حادثاً لدى العرف ، فما ظنك بكفاية مجرد القصد.
وعلى الجملة : أن الإخراج والتحريك أو إمرار اليد ونحوها لا يعد غسلاً عندهم ولا أقل من الشك في صدق الغسل عليه ، ومعه لا يمكن الاكتفاء به في مقام الامتثال. ثم إن الوجه في ذلك كما تقدم هو ما أشرنا إليه من أن ظاهر الأوامر إنما هو إحداث المتعلق وإيجاده بعد ما لم يكن ، لا أن الوجه هو اعتبار اليبوسة في أعضاء الوضوء أو الغسل ، لصحتهما مع رطوبة المحل. نعم يعتبر أن تكون الرطوبة السابقة أقل من الماء المستعمل في المحل حتى لا تكون غالبة عليه ، كما إذا فرضنا الماء الموجود على المحل خمس قطرات وكان الماء المستعمل فيه قطرتان أو ثلاثاً ، فاذا كانت الرطوبة السابقة أقل منه فهي غير مانعة من صحة الوضوء ، فالمناقشة في صحتهما مستندة إلى عدم كون الإخراج أو التحريك غسلاً حادثاً بعد ما لم يكن.
(1) قد تكون الشبهة مفهومية ولا كلام حينئذٍ في وجوب الاحتياط ، لما قدّمناه
1) (*) والأقوى عدم وجوبه إلاّ إذا كان سابقاً من الظاهر.
من أن مقتضى الإطلاقات والعمومات وجوب الغسل في كل شيء قابل له بين الحدين أعني القصاص والذقن ، أو المرفق وأطراف الأصابع ، وقد خرجنا عن ذلك فيما صدق عليه عنوان الجوف أو ما لم يظهر ، لأنه غير واجب الغسل بمقتضى الأخبار ، إذ قد ذكرنا سابقاً أن الباطن وإن لم يكن موضوعاً للحكم إلاّ أن مرادفه أعني الجوف أو ما لم يظهر قد أُخذ موضوعاً للحكم بعدم وجوب الغسل في بعض الروايات الواردة في المضمضة والاستنشاق (1)وغيرها فليلاحظ ، فاذا علمنا أن موضعاً من الجوف أو مرادفه فهو ، وإن شككنا في ذلك وجب الرجوع إلى مقتضى العموم والإطلاق وهو وجوب الغسل كما مرّ. ولكن الماتن لم يرد بذلك الشبهة المفهومية ، وإنما أراد الشبهة المصداقية والموضوعية ، وللشبهة المذكورة صور وأقسام.
الاولى : أن يكون للمشكوك فيه حالة سابقة ، بأن كان من الظاهر الذي يجب غسله في الوضوء ، ولا إشكال حينئذٍ في استصحاب بقائه على الحالة السابقة ووجوب غسله بمقتضاه.
الثانية : أن يكون له حالة سابقة على خلاف الصورة المتقدمة ، كما إذا كان المشكوك فيه من الجوف وما لم يظهر وهو الذي لا يجب غسله في الوضوء فهل يجري استصحاب كونه من الجوف أو غير الظاهر حينئذٍ أو لا؟ فيه كلام ، والظاهر جريان الاستصحاب في هذه الصورة أيضاً كما في الصورة المتقدمة ، وبه يحكم على عدم وجوب غسله ، هذا.
وقد يقال بعدم الجريان ، نظراً إلى أنه من الأُصول المثبتة ، بدعوى أن المأمور به هو الطهارة وإثباتها باستصحاب كونه من الجوف والباطن يبتني على القول بالأصل المثبت.
ويردّه : أن الطهارة إما أن تكون عنواناً واسماً للوضوء ، أعني نفس الغسلتين والمسحتين كما أشرنا إليه سابقاً وقلنا إنه ليس ببعيد ، وعليه لا مانع من جريان
1) الوسائل 1 : 431 / أبواب الوضوء ب 29 ح 6 ، 9 ، 12.
استصحاب كونه من الجوف ، لأنّ المأمور به حينئذٍ نفس الغسلتين والمسحتين ، ومن الظاهر أن نفي وجوب الغسل عن بعض المواضع لا يكون من المثبت في شيء ، ولعله ظاهر ، وإما أن تكون الطهارة أمراً بسيطاً وحكماً اعتبارياً شرعياً غير المسحتين والغسلتين ، ولكنه يترتب عليهما ترتب الحكم على موضوعه ، وعليه أيضاً لا يكون الاستصحاب المذكور مثبتاً ، لأنه أصل يجري في موضوع الحكم الشرعي حينئذٍ ، وبه ينقح الموضوع للحكم بالطهارة ، وأن الموضوع هو غسل غير الموضع المشكوك فيه وتنقيح الموضوع بالأصل غير كون الأصل مثبتاً.
نعم ، إذا قلنا إن الطهارة أمر تكويني واقعي ومترتبة على تلك الأفعال ترتباً واقعياً قد كشف عنها الشارع ، حيث لا سبيل لنا إلى إدراكها ، كان للمناقشة المذكورة مجال لأن استصحاب الجوف والباطن لأجل إثبات لازمه التكويني وهو الطهارة من الأُصول المثبتة لا محالة ، إلاّ أن القول بأن الطهارة أمر واقعي ضعيف غايته ولا يمكن التفوه به ، بل الطهارة عنوان لنفس الغسلتين والمسحتين أو أنها حكم شرعي مترتب عليهما ، ومعه لا يكون الاستصحاب مثبتاً كما عرفت.
الثالثة : أن لا يكون للمشكوك فيه حالة سابقة أصلاً ، كما إذا كان مشكوكاً فيه من الابتداء ، وفي هذه الصورة يبتني الحكم بعدم وجوب غسل الموضع المشكوك فيه على القول بجريان الأصل في الأعدام الأزلية ، فإن مقتضى استصحاب العدم الأزلي عدم كون المحل المشكوك فيه من الظاهر الذي يجب غسله ، لأنه قبل أن يوجد لم يكن متصفاً بكونه ظاهراً لا محالة ، فإذا وجد وشككنا في أنه هل تحقق ووجد معه الاتصاف به أيضاً أم لم يتحقق فالأصل عدم تحقق الاتصاف به حتى بعد وجوده. وهذا نظير الاستصحاب الجاري في الصورة الثانية ، غير أن العدم فيها نعتي وفي الصورة الثالثة أزلي ، بمعنى أن المحل في الصورة الثانية كان موجوداً سابقاً وكان متصفاً بعدم كونه من الظاهر ، فالمستصحب هو اتصافه بالعدم المعبّر عنه بالعدم النعتي في الاصطلاح ، وأما في الصورة الثالثة فلم يحرز اتصافه بالعدم بعد وجود المحل ، وإنما نستصحب عدم تحقق الاتصاف المعلوم قبل وجوده ، وهو الذي يعبّر عنه بالعدم الأزلي فلاحظ.
الثالث : مسح الرأس (1) بما بقي من البلة في اليد (2).
الثالث من واجبات الوضوء : مسح الرأس
(1) لا إشكال ولا خلاف في وجوب المسح واعتباره في الوضوء بين المسلمين ، بل هو من الضروريات عندهم ، وقد دلّ عليه الكتاب والسنة وأمر به سبحانه بقوله ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ) (1)وإنما الكلام والخلاف في بعض خصوصياته على ما يأتي عليها الكلام.
(2) المعروف بين الإمامية وجوب كون المسح بنداوة ماء الوضوء ، وعدم جواز المسح بالماء الجديد ، ولم ينقل في ذلك خلاف إلاّ من ابن الجنيد ، حيث نسب إليه القول بجوازه بالماء الجديد ، ولكن العبارة المحكية عنه غير مساعدة على ذلك ، فانّ ظاهرها أنه قد رخص في المسح بالماء الجديد فيما إذا لم تبق من بلة الوضوء شيء في يده أو في غيرها مع الاختيار أو بلا اختيار ولم يجوّز المسح بالماء الجديد عند وجود البلة من ماء الوضوء (2).
وكيف كان يدل على ما سلكه المشهور أُمور :
منها : الروايات الحاكية لوضوء النبي أو الوصي ، حيث صرحت بأنه عليهالسلام مسح رأسه ورجليه بالبلة الباقية من ماء الوضوء ، ففي صحيحة زرارة « ... ومسح مقدم رأسه وظهر قدميه ببلة يساره وبقية بلة يمناه » (3)وفي صحيحة زرارة وبكير « ... ثم مسح رأسه وقدميه ببلل كفّه ، لم يحدث لهما ماء جديداً » (4)إلى غير ذلك من الروايات البيانية. وقد ذكرنا سابقاً أن هذه الروايات إنما وردت لبيان ما يجب في الوضوء وما هو وظيفة المتوضئ في الشريعة المقدسة ، وعلى ذلك فكلّ ما ذكر فيها من
1) المائدة 5 : 6.
2) وعبارته المحكية في المختلف [ 1 : 128 / 80 ] كما يلي : إذا كان بيد المتطهر نداوة يستبقيها من غسل يديه ، مسح بيمينه رأسه ورجله اليمنى وبنداوة اليسرى رجله اليسرى ، وإن لم يستبق ذلك أخذ ماء جديداً لرأسه ورجليه. وفي الحدائق 2 : 280.
3) الوسائل 1 : 387 / أبواب الوضوء ب 15 ح 3.
4) الوسائل 1 : 387 / أبواب الوضوء ب 15 ح 3.
القيود والخصوصيات فهو محكوم بالوجوب ما لم يقم على خلافه دليل.
ومنها : اهتمام الرواة بنقل هذه الخصوصية ، أعني عدم تمسحهم عليهمالسلام بالماء الجديد في رواياتهم ، ففي بعضها « أنه صلىاللّهعليهوآلهوسلم لم يعدهما أي اليدين في الإناء » (1)وفي آخر : « لم يجدد ماءً » (2)وفي ثالث : « لم يحدث لهما ماء جديداً » (3)وهذا يكشف عن اهتمام الأئمة عليهمالسلام لهذه الخصوصية في وضوءاتهم.
وحيث إن الأفعال الصادرة منهم عليهمالسلام في وضوءاتهم كانت كثيرة كنظرهم عليهمالسلام إلى السماء في أثناء الوضوء أو إلى اليمين أو اليسار ، أو تكلمهم بكلام أو غير ذلك مما كان يصدر منهم عليهمالسلام ولم يتصد الرواة لنقل شيء من هذه الخصوصيات والأفعال غير هذه الخصوصية ، فنستكشف من ذلك كشفاً قطعياً أن لهذه الخصوصية مدخلية في صحة الوضوء في الشريعة المقدسة لا محالة.
ومنها : صحيحة عمر بن أُذينة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في حديث طويل « أن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم قال : لما اسري بي إلى السماء أوحى اللّه إليَّ يا محمّد ادن من صاد فاغسل مساجدك وطهّرها إلى أن قال ثم امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء ورجليك إلى كعبيك ... » (4)فإنها ظاهرة في أن كلّ ما صنعه النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم بأمر اللّه سبحانه في تلك الصحيحة أُمور واجبة المراعاة على جميع المسلمين في وضوءاتهم ، إذ لا يحتمل أن يكون ذلك من خصائص النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم وقد قدّمنا أن الأخبار البيانية تدلنا على أن ما وجب على النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم في وضوءاته قد وجب على غيره من المسلمين أيضاً ، وأن متابعته في ذلك لازمة ، فان اللّه سبحانه لا يقبل وضوءاً غيره. إذن هذه الصحيحة تدلنا على أن المسلمين يجب أن يمسحوا رؤوسهم وأرجلهم بنداوة ماء الوضوء ، لأن اللّه سبحانه قد أوجب ذلك على النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم كما عرفت.
ومنها : صحيحة زرارة قال « قال أبو جعفر عليهالسلام : إن اللّه وتر يحب الوتر فقد يجزئك من الوضوء ثلاث غرفات ، واحدة للوجه واثنتان للذراعين ، وتمسح ببلة يمناك ناصيتك ، وما بقي من بلة يمناك ظهر قدمك اليمنى ، وتمسح ببلة يسراك ظهر قدمك اليسرى » (1)لأن جملة « وتمسح » وإن كانت خبرية إلاّ أنها مستعملة في مقام الإنشاء ، فتدلّنا على وجوب كون المسح ببلة اليد ، هذا.
وقد يناقش في دلالتها باحتمال أن تكون جملة « وتمسح » معطوفة على فاعل يجزئك ، وهو ثلاث غرفات ، أي ويجزئك المسح ببلة يمناك ، إذن تدلنا الصحيحة على أن المسح ببلة اليد مجزي في مقام الامتثال ، لا أنه أمر واجب لا بدل له ، وهي على هذا موافقة لما ذهب إليه الإسكافي قدسسره من جواز المسح بكل من بلة اليد والماء الجديد ، ولا دلالة لها على تعين كون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء كما هو مسلك المشهور.
ويدفعه : أن الإضمار على خلاف الأصل والظهور ، وذلك لأنه لا يمكن جعل و« تمسح » معطوفة على فاعل يجزئك إلاّ بتأويلها بالمصدر أي ويجزئك المسح ، إذ لا معنى لأن تكون الجملة الفعلية فاعلاً ، فبما أن الإضمار على خلاف الأصل والظاهر فلا يمكن المصير إليه ، ولا مناص من إبقاء الجملة الفعلية على حالها ، وحيث إنها في مقام الأمر والإنشاء فلا محالة تدلنا على وجوب كون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء.
ومنها : الأخبار الواردة في من نسي المسح حتى دخل في الصلاة أو لم يدخل فيها ثم ذكر أنه لم يمسح في وضوئه ، حيث دلت على أنه يأخذ من بلة لحيته أو حاجبيه أو أشفار عينه إن كانت ، وإن لم يكن في لحيته ونحوها بلل فلينصرف وليعد الوضوء (2).
وأمّا المسح بالماء الجديد فلم تدلنا عليه شيء من تلك الروايات.
وأمّا ما نسب إلى ابن الجنيد من تجويز المسح بالماء الجديد فيمكن الاستدلال عليه بطائفتين من الأخبار :
الطائفة الأُولى : ما دلت على أن المسح بالماء الجديد هو المتعيّن ، بحيث لا يجزئ عنه المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء ، وهي عدة روايات وإليك نصّها :
منها : صحيحة أبي بصير قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن مسح الرأس قلت : أمسح بما على يدي من الندى رأسي؟ قال : لا ، بل تضع يدك في الماء ثم تمسح » (1).
ومنها : صحيحة معمر بن خلاد قال : « سألت أبا الحسن عليهالسلام أيجزئ الرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال برأسه : لا ، فقلت : أبماء جديد؟ قال برأسه : نعم » (2).
ومنها : رواية جعفر بن أبي عمارة الحارثي قال : « سألت جعفر بن محمد عليهالسلام أمسح رأسي ببلل يدي؟ قال : خذ لرأسك ماء جديداً » (3).
ولكن هذه الطائفة بما أنها مخالفة للضرورة عند الشيعة ومعارضة للأخبار المتواترة ، أعني الإخبار البيانية الحاكية عن وضوء النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم والوصي عليهالسلام الدالة على وجوب كون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء ، ولا أقل من استحباب كون المسح بتلك البلة أو جوازه بحيث لم يوجد قائل بمضمون تلك الطائفة حتى ابن الجنيد قدسسره إذ لم ينقل منه وجوب كون المسح بالماء الجديد ، بل إنما ينسب إليه جواز ذلك فحسب ، فلا مناص من حملها على التقيّة ، هذا.
وقد يشكل الحمل على التقيّة في صحيحة معمر بن خلاد ، لأجل اشتمالها على الأمر بمسح الرجلين على ما هو الدارج عند الشيعة الإمامية ، والعامة يرون وجوب غسلهما ، ومعه كيف يمكن حملها على التقيّة ، لأنها مخالفة للعامة وقتئذٍ.
والجواب عن ذلك بأحد وجوه :
الأوّل : أن المسح فيها محمول على الغسل ، فإن العامة يرون صحة إطلاق المسح على الغسل.
الثاني : أن المسح محمول على الموارد التي يجوز فيها المسح عند العامة ، كالمسح على الخفين لمن في رجله خف ولا يريد أن ينزعه للتوضؤ.
الثالث : أن العامة بأجمعهم لم يفتوا بوجوب الغسل في الرجلين ، بل الكثير منهم (1)ذهبوا الى التخيير بين المسح والغسل فيهما ، نعم أئمتهم قائلون بتعيّن الغسل (2)ما عدا الشافعي (3)وأما سائر علمائهم الذين قد عاصروا الأئمة عليهمالسلام أو كانوا بعدهم فكثير منهم قائلون بالتخيير. إذن لا تكون الرواية مخالفة للعامة فلا مانع من حملها على التقيّة ولا سيما في الخبر الأخير ، لأنه في الحمل على التقيّة أقرب من غيره وذلك لأن جملة من رواته عامي المذهب كما هو ظاهر.
وكيف كان فهذه الطائفة ساقطة عن قابلية الاستدلال بها على ما ذهب إليه ابن الجنيد قدسسره.
وأمّا الطائفة الثانية : فهي الأخبار الواردة في من نسي المسح وتذكّره في أثناء الصلاة ، وهي روايات ثلاث ، اثنتان منها مطلقتان وإحداهما مصرحة بجواز المسح
1) كالحسن البصري ، ومحمد بن جرير الطبري وأبي علي الجبائي وغيرهم ، حيث ذهبوا إلى التخيير بين المسح والغسل ، وأهل الظاهر ذهبوا إلى الجمع بينهما راجع عمدة القارئ 2 : 238 وفي تفسير الطبري 6 : 83 : الصواب عندنا أن اللّه تعالى أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم ، وإذا فعل ذلك المتوضئ فهو ماسح غاسل ، لأن غسلهما إمرار اليد عليهما أو إصابتهما بالماء ، ومسحهما إمرار اليد أو ما قام مقامها عليهما.
2) كما في عمدة القارئ 2 : 238 وبداية المجتهد 1 : 12 ، 15 وفي المغني 1 : 150 / 175 : غسل الرجلين واجب في قول أكثر أهل العلم.
3) ففي اختلاف الحديث على هامش الام ( مختصر المزني ) ص 488 وأحكام القرآن 1 : 50 وهما للشافعي : غسل الرجلين كمال والمسح رخصة وكمال ، أيّهما شاء فعل.
بالماء الجديد كما يجوز بالبلة الباقية من ماء الوضوء.
أمّا المطلقتان ، فهما صحيحة منصور قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عمّن نسي أن يمسح رأسه حتى قام في الصلاة ، قال : ينصرف ويمسح رأسه ورجليه » (1)وصحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « سألته عن رجل توضأ ونسي أن يمسح رأسه حتى قام في صلاته ، قال : ينصرف ويمسح رأسه ثم يعيد » (2)ونظيرهما صحيحة أبي الصباح قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل توضأ فنسي أن يمسح على رأسه حتى قام في الصلاة ، قال : فلينصرف فليمسح على رأسه وليعد الصلاة » (3)وهما كما ترى مطلقتان ، لدلالتهما على الأمر بمسح الرأس من غير تقييده بأن يكون بالبلة الباقية من ماء الوضوء فتشملان المسح بالماء الجديد ، اللّهمّ إلاّ أن يدعى انصراف المطلق إلى المسح بالماء الجديد ، لأنه الغالب في مفروض الروايتين لغلبة الجفاف وذهاب البلة وقتئذٍ.
وأمّا المصرحة بالجواز فهي ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « في رجل نسي أن يمسح على رأسه فذكر وهو في الصلاة ، فقال : إن كان استيقن ذلك انصرف فمسح على رأسه وعلى رجليه واستقبل الصلاة ، وإن شك فلم يدر مسح أو لم يمسح فليتناول من لحيته إن كانت مبتلّة وليمسح على رأسه ، وإن كان أمامه ماء فليتناوله منه فليمسح به رأسه » (4).
وممّا يدل على ما سلكه ابن الجنيد قدسسره إطلاق الكتاب والسنّة ، لأن اللّه سبحانه قد أمر بمسح الرأس في قوله عزّ من قائل ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) (5)ولم
1) الوسائل 1 : 451 / أبواب الوضوء ب 35 ح 3.
2) الوسائل 1 : 370 / أبواب الوضوء ب 3 ح 1 ، 2. ثم إن التعبير بالصحيحة فيما رواه أبو الصباح مبني على أن يكون المراد بمحمد بن الفضيل الواقع في سندها هو محمد بن القاسم ابن الفضيل الثقة فإنه كثيراً ما يعبّر عنه بمحمد بن الفضيل ، بل هو الظاهر منه فيما إذا كان الراوي عنه هو الحسين بن سعيد ، لغلبة روايته عنه فليلاحظ.
3) الوسائل 1 : 370 / أبواب الوضوء ب 3 ح 1 ، 2. ثم إن التعبير بالصحيحة فيما رواه أبو الصباح مبني على أن يكون المراد بمحمد بن الفضيل الواقع في سندها هو محمد بن القاسم ابن الفضيل الثقة فإنه كثيراً ما يعبّر عنه بمحمد بن الفضيل ، بل هو الظاهر منه فيما إذا كان الراوي عنه هو الحسين بن سعيد ، لغلبة روايته عنه فليلاحظ.
4) الوسائل 1 : 471 / أبواب الوضوء ب 42 ح 8.
5) المائدة 5 : 6.
يقيد ذلك بأن يكون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء ، كما أن الأخبار الآمرة بالمسح مطلقة وغير مقيّدة بأن يكون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء.
وهذه وجوه ثلاثة للاستدلال بها على ما سلكه ابن الجنيد قدسسره وشيء منها غير صالح للاستدلال به كما لا يخفي.
أمّا دعوى إطلاق الكتاب والسنّة ، فلأن الأمر وإن كان كذلك إلاّ أن هناك روايات واضحة بحسب الدلالة والسند قد دلتنا على لزوم كون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء ، وبها نرفع اليد عن تلك المطلقات على ما هو قانون حمل المطلق على المقيد في غير المقام. منها : صحيحة زرارة المتقدمة المشتملة على قوله عليهالسلام « تمسح ببلة يمناك ناصيتك » (1)ومنها : غيرها من النصوص فليراجع.
وأما الطائفة الثانية ، أعني الأخبار الواردة في من نسي المسح وتذكره في أثناء الصلاة أو غيره ، فلأن المطلقتين منها لا بدّ من تقييدهما بما ورد في خصوص هذه المسألة من لزوم كون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء كموثقة (2)زرارة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « في الرجل ينسى مسح رأسه حتى يدخل في الصلاة ، قال : إن كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه ورجليه فليفعل ذلك وليصل » (3)فان مفهومها أنه إذا لم يكن في لحيته بلل يكفي لمسح رأسه ورجليه لم يجز له الاستمرار في الصلاة حتى يتوضأ وضوءاً ثانياً.
وأمّا المصرحة بجواز المسح بالماء الجديد كما يجوز بالبلة الباقية ، فيرد الاستدلال بها أنها وردت في مورد لا يجب على المكلف أن يتوضأ فيه ، فان موردها الشك في الوضوء بعد الفراغ وبعد الدخول في الصلاة ، وقد دلّ النص الصريح على عدم وجوب
1) الوسائل 1 : 436 / أبواب الوضوء ب 31 ح 2.
2) عدّها موثقة يبتني على القول بوثاقة القاسم بن عروة الواقع في سندها ، أو يعدّ خبره صحيحاً نظراً إلى تصحيح العلاّمة قدسسره خبراً هو في طريقه [ كما في منتهى المقال 5 : 224 ] ، ولكن الأوّل لم يثبت والثاني غير مفيد.
3) الوسائل 1 : 451 / أبواب الوضوء ب 35 ح 4.
ويجب أن يكون على الربع المقدّم من الرأس فلا يجزئ غيره (1) ،
الوضوء وقتئدٍ ، لأنه مورد قاعدة الفراغ. ومع فرض عدم كون الشاك مكلفاً بالوضوء فأيّ مانع من الالتزام باستحباب المسح بكل من البلة الباقية والماء الجديد ، ولكنّه غير ما نحن بصدده من جواز المسح بالماء الجديد في مورد يجب على المكلف الوضوء أعني كفاية المسح بالماء الجديد في مقام امتثال الأمر بالوضوء الواجب.
فالمتحصل : أن ما ذهب إليه ابن الجنيد قدسسره من جواز المسح بالماء الجديد ممّا لم يقم عليه دليل ، فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من اعتبار كون المسح ببلة ماء الوضوء.
(1) مقتضى إطلاق الآية المباركة والأخبار الواردة في وجوب المسح على الرأس عدم الفرق في ذلك بين مقدّم الرأس ومؤخره أو يساره ويمينه ، إلاّ أن الأخبار المتضافرة دلتنا على عدم جواز التمسح بغير المقدم من الجهات.
منها : صحيحة محمد بن مسلم قال : « قال أبو عبد اللّه عليهالسلام مسح الرأس على مقدّمه » (1)ومنها : غير ذلك من الروايات ، وبذلك يتعيّن أن يكون المسح على مقدم الرأس ، بل هو من ضروريات مذهب الشيعة ولا خلاف فيه بين أصحابنا قدسسرهم.
ولكن ورد في صحيحتين لحسين بن أبي العلاء ما يدل على خلاف ذلك ، ففي إحداهما قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن المسح على الرأس؟ فقال : كأني أنظر إلى عكنة في قفا أبي يمر عليها يده. وسألته عن الوضوء بمسح الرأس مقدمه أو مؤخره؟ فقال : كأني أنظر إلى عكنة في رقبة أبي يمسح عليها » (2)وفي ثانيتهما : قال
والأولى والأحوط الناصية وهي ما بين البياضين من الجانبين فوق الجبهة (1).
« قال أبو عبد اللّه : امسح على مقدّمه ومؤخّره » (1)وقد توهم دلالتهما على جواز المسح بمؤخر الرأس أيضاً.
ولكنهما مخالفتان لما ثبت بالضرورة من المذهب ، ولم يذهب أحد من أصحابنا إلى جواز ذلك ، كما أنهما تنافيان الأخبار الدالة على لزوم المسح بمقدمه ، إذن لا مناص من طرحهما أو تأويلهما وحملهما على التقيّة ، بل الصحيح أن الروايتين لا دلالة لهما على جواز المسح بمؤخر الرأس ، وإنّما ظاهرهما وجوب المسح على تمام الرأس من مقدمه ومؤخره كما هو مذهب المخالفين ، حيث إن كلمة « واو » في إحدى الروايتين لم يثبت كونها بمعنى « أو » بل ظاهرها إرادة الجمع ، كما أن قوله عليهالسلام « يمسح عليها » لا يدل على أنّ المسح أمر جائز في كل من مقدّم الرأس ومؤخّره ، بل مقتضاه لزوم إمرار اليد على المؤخر أيضاً كالمقدم.
وأمّا أنّ إمرار اليد على المؤخّر كاف في صحّة الوضوء ولا يحتاج معه إلى إمرارها على المقدم ، فلا يكاد يستفاد منها بوجه ، وعليه لا مناص من حملهما على التقيّة لموافقتهما للعامة ومخالفتهما لما ثبت بالضرورة من مذهب الشيعة ، ولعل قوله عليهالسلام « كأني أنظر » إلى آخره ، إشارة إلى ذلك ، إذ لو كان المسح على المؤخر واجباً أو جائزاً لصرح به في مقام الجواب.
(1) أشرنا إلى أن الأصحاب قدسسرهم قد تسالموا على وجوب كون المسح على الربع المقدم من الرأس ، وعدم كفاية المسح على سائر الجهات من المؤخر أو اليمين أو اليسار ، إلاّ أنهم قد اختلفوا بعد إنفاقهم هذا في ان المسح هل يتعيّن أن يكون على خصوص الناصية وهي عبارة عما بين النزعتين أو يجوز بغيرها من أجزاء
1) الوسائل 1 : 412 / أبواب الوضوء ب 22 ح 6.
الربع المقدِّم أيضاً؟
وقد مال صاحب الجواهر قدسسره (1)في أول كلامه إلى تعيّن خصوص الناصية ، وذلك لما ورد في صحيحة زرارة المتقدمة من قوله عليهالسلام « وتمسح ببلة يمناك ناصيتك » (2)لأنها كما تقدّم (3)وإن كانت جملة خبرية ، إلاّ أنها مستعملة في مقام الإنشاء ، وهي جملة مستقلة وغير معطوفة على فاعل يجزئك ، إذن تدلنا تلك الجملة على تعيّن المسح على خصوص الناصية.
ولمّا ورد في رواية عبد اللّه بن الحسين عن أبيه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام من قوله : « لا تمسح المرأة بالرأس كما يمسح الرجال ، إنما المرأة إذا أصبحت مسحت رأسها وتضع الخمار عنها ، وإذا كان الظهر والعصر والمغرب والعشاء تمسح بناصيتها » (4)وهما مقيدتان للأخبار المطلقة الدالة على وجوب كون المسح بمقدّم الرأس ، إلاّ أنه قدسسره عدل عن ذلك في آخر كلامه وجوّز المسح بكل جزء من أجزاء الربع المقدم من الرأس ، وجعل المسح على خصوص الناصية أحوط وأولى ، وأضاف أخيراً أنّ المسألة لا تخلو عن إشكال ، هذا وفي المسألة احتمالات.
احتمالات المسألة : الأوّل : أن يقال بتعيّن خصوص الناصية تقديماً للروايتين المتقدمتين على الأخبار المطلقة من باب حمل المطلق على المقيد ، وذلك بناء على أن الطائفتين متنافيتان بحسب الابتداء ، لأن الناصية ومقدّم الرأس أمران أحدهما غير الآخر ، فلا بدّ أن تجعل الروايتان مقيدتين للأخبار المطلقة كما هو الحال في غير المقام.
الثاني : أن يقال بجواز المسح على مطلق الربع المقدّم من الرأس ، وبجعل المسح على خصوص الناصية أفضل الأفراد هذا ، ولا يخفى أنه إذا بنينا على تعارض الطائفتين وكون الناصية ومقدّم الرأس أمرين متغايرين يتعيّن الاحتمال الأول لا محالة ، وذلك لما
حقّقناه في محلِّه من أن الجمع بين المطلق والمقيد بحمل الثاني على أفضل الأفراد خلاف القاعدة وما هو المتفاهم العرفي من الدليلين ، فإن القاعدة تقتضي حمل المطلق على المقيد كما عرفت.
الثالث : أن يحمل مقدّم الرأس على الناصية ويقال : إن الناصية ومقدّم الرأس عبارتان عن أمر واحد وليسا بأمرين مختلفين ، إذن فلا تعارض بين الطائفتين ، وذلك لأن الناصية كما ذكره صاحب القاموس من أحد معاني المقدمة (1)، وعليه يكون مقدّم الرأس مجملاً لم يعلم المراد منه ، وهل أُريد به ما يقع في مقابل المؤخر أو أريد منه خصوص الناصية ، ولكن الناصية مبيّنة فيحمل المجمل على المبيّن.
الرابع : عكس الثالث ، وهو حمل الناصية على مقدّم الرأس ، بأن يقال إن الناصية أمر مجمل فيحتمل أن يراد بها المقدم كما يحتمل إرادة خصوص ما بين النزعتين فتحمل المجمل على المبين ويقال إن المراد بالناصية مقدم الرأس ، هذا.
ولا يخفى أنّ الأولى إذا بنينا على عدم التعارض بين الطائفتين هو الاحتمال الرابع بل هو المتعيّن على كل حال ، وذلك لأنّ مقدّم الرأس مفهوم مبيّن لا إجمال فيه إذ المقدّم من كل شيء إنما هو ما يقابل سائر الجهات من المؤخر والأيمن والأيسر والناصية مجملة لم يظهر المراد بها فنحملها على مقدم الرأس.
وأمّا ما تقدّم عن القاموس من أن الناصية من معاني المقدّمة ، ففيه أوّلاً : أن ما ذكره صاحب القاموس خارج عما هو محل الكلام ، لأنه إنما يفسر مطلق المقدّم والمقدّمة ، ولم يفسر المتقدِّم المضاف إلى الرأس بالناصية.
وثانياً : أن من المحتمل قوياً أن يكون مراد صاحب القاموس من ذلك أن مجموع الجبهة والناصية من أحد معاني المقدمة ، لا الناصية فحسب ، لأنهما من الإنسان بمنزلة مقدّمة الجيش للعسكر ، ويشهد على ذلك ما ذكره في محكي عبارته حيث قال : مقدّمة الجيش متقدموه ، ومن الإبل أوّل ما ينتج ويلقح ، ومن كل شيء أوّله والناصية والجبهة (2)انتهى. وظاهر كلمة « واو » هو الجمع ، ولم يظهر أنه أراد منها « أو » وكيف
ويكفي المسمّى ولو بقدر عرض إصبع واحدة أو أقل (1).
كان فلم يثبت أن مقدم الرأس هو الناصية ، وحيث إن المقدّم مفهوم مبين لدى العرف والناصية مجملة فلا مناص من حملها على المبين ، والحكم بجواز المسح على مطلق الربع المقدم من الرأس ، هذا.
وهناك احتمال خامس متحد بحسب النتيجة مع الاحتمال الرابع ، وهو الحكم بإجمال كل من الناصية ومقدم الرأس وسقوط كل واحدة من الطائفتين عن الاعتبار ومعه يحكم بجواز المسح على مطلق الربع المقدّم من الرأس ، وكل ذلك لما عرفت من أن مقتضى إطلاق الآية المباركة والأخبار جواز المسح على كل جزء من أجزاء الرأس من المقدّم والمؤخر واليمين واليسار ، إلاّ أنّا علمنا خارجاً بمقتضى المخصص المنفصل عدم جواز مسح بالربع المؤخر ولا الأيسر ولا الأيمن من الرأس ، وانحصر ما يجوز مسحه بخصوص الربع المتقدم منه ، وبما أن المخصص ، أعني ما دلّ على انحصار محل المسح بالربع المقدم مجمل من حيث السعة والضيق ، إذ لم يظهر أن المراد منه خصوص الناصية أو مطلق الربع المقدّم ، وهو من المخصص المنفصل ، فلا جرم سقط عن الاعتبار من هذه الجهة ، فلا يمنع عن الرجوع إلى مقتضى العموم أو الإطلاق وهو يقتضي جواز المسح بكل جزء من أجزاء مقدم الرأس ، سواء أكان هو خصوص الناصية أو المقدار الزائد عنها ، لأنه لم يثبت دليل مخصص بالإضافة إلى المقدار الزائد عن الناصية من مقدم الرأس ، هذا ومع ذلك كله المسح على خصوص الناصية أحوط وأولى كما ذكره الماتن قدسسره لأنها المقدار المتيقن مما يجوز المسح عليه من مقدم الرأس.
(1) المعروف بين الأصحاب قدسسرهم أن المسح الواجب في الوضوء إنما هو أقل مقدار يتحقق به المسح عرفاً ، أعني أول مراتب وجوده ، بل المسألة إجماعية. وعن بعضهم أن نقل الإجماع على ذلك مستفيض ، ويدلُّ عليه إطلاق الكتاب المجيد
حيث أمر اللّه سبحانه بمسح الرأس بقوله عزّ من قائل ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) (1)وقد دلّتنا الصحيحة الواردة في تفسيره أن المراد مسح بعض الرؤوس لا جميعها ، فاذا علمنا بالمراد من الآية المباركة بالصحيحة المفسرة لها كما يأتي نقلها صحّ لنا التمسك بإطلاق أمره سبحانه ، لأنه أمر بمسح الرأس وهذا يتحقّق بأقل ما يتحقّق به المسح عرفاً وإن كان أقل من عرض إصبع واحدة.
وأمّا الصحيحة المذكورة الواردة في تفسير الآية المباركة فهي التي رواها الصدوق قدسسره بإسناده عن زرارة قال : « قلت لأبي جعفر عليهالسلام ألا تخبرني من أين علمت وقلت : إن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك فقال : يا زرارة قاله رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم ونزل به الكتاب من اللّه عزّ وجلّ ، لأن اللّه عزّ وجلّ قال ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل ، ثم قال ( وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا أنه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين ، ثم فصّل بين الكلام فقال ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) فعرفنا حين قال ( بِرُؤُسِكُمْ ) أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء ، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال ( وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) فعرفنا حين وصلهما بالرأس أن المسح على بعضهما ، ثم فسّر ذلك رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم للناس فضيعوه » الحديث (2).
ولكنها غير صالحة للاستدلال بها في نفسها واستقلالها على المدعى بدعوى أنها مطلقة ، والسر فيه : أن الصحيحة إنما سيقت لبيان عدم وجوب غسل الرأس بتمامه ، وأن الواجب الذي صنعه رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم إنما هو مسح بعض الرأس في مقابل العامّة القائلين بوجوب غسل الرأس بتمامه ، كما يشير إليه قوله عليهالسلام « فضيّعوه ».
إذن لا إطلاق للصحيحة من حيث المقدار الذي لا بدّ من مسحه ، فلو كنّا نحن والصحيحة لاحتملنا أن يكون الواجب مسح تمام الربع المقدّم من الرأس أو تمام المؤخر مثلاً ، فان مسح ذلك بتمامه أو ببعضه مما لا يمكن استفادته من الصحيحة ، نعم إطلاق الآية المباركة في نفسها تام ولا مانع من الاستدلال به على التقريب المتقدم فلاحظ.
بقي الكلام في وجه استفادة التبعيض من الآية المباركة ، وأنه من جهة استعمال كلمة الباء في التبعيض أو لأجل تضمينها معنى « من » أو لأجل استعمالها في التبعيض مجازاً أو لغير ذلك من الوجوه ، ولكن تحقيق ذلك مما لا يترتب عليه ثمرة عملية ، لأن ما يهمنا إنما هو معرفة الأحكام الشرعية ، والصحيحة كما تقدم صريحة في الحكم ، وأن الواجب إنما هو مسح بعض الرأس ، وأما أنه من أية جهة فلا ثمرة في تحقيقه.
نعم ، أنكر سيبويه مجيء الباء بمعنى التبعيض (1)وعليه استند العلاّمة قدسسره في إنكاره ذلك كما حكي (2)ولكنه لا ينافي الصحيحة المتقدِّمة ، لأنّ دلالتها على وجوب مسح البعض يمكن أن تكون مستندة إلى مجيء الباء بمعنى التبعيض كما صرح النحاة بجوازه عدا سيبويه أو مستندة إلى التضمين أو المجاز ، وكيف كان لا إشكال في دلالة الصحيحة على ذلك.
ويمكن أن يقال : إنّ نظره عليهالسلام في قوله : « لمكان الباء » إلى أن استفادة التبعيض من الآية المباركة إنما هي من جهة الإتيان بالباء وتغيير أسلوب الكلام لا أنها من جهة استعمال الباء في التبعيض. إذن فالباء يدلنا على التبعيض ، لا أنها مستعملة فيه ، وبيان ذلك : أن المسح والغسل ممّا يتعدّى إلى المفعول بنفسه من دون حاجة إلى الاستعانة بالباء ، فيصح أن يقال : ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ) كما في الآية المباركة ( وَامْسَحُوا ) رؤوسكم ( وَأَرْجُلَكُمْ ) ، من دون الإتيان بالباء ، فالإتيان بها مع عدم
الحاجة إلى إتيانها ، وتغيير أُسلوب الكلام يدلنا على أن المراد في الأمر بمسح الرأس إنما هو مسح البعض ، بخلاف الأمر بالغسل في الوجه واليدين فان المراد منه غسل الجميع دون البعض ، هذا.
ويحتمل قوياً أن يكون الوجه في استفادة البعض من الآية المباركة أمراً آخر وراء ذلك كلّه ، وإن احتاج إلى العناية في الكلام.
وتقريب ذلك أن يقال : إن الماسح حقيقة وإن كان هو اليد والممسوح هو الرأس ، إلاّ أن الإتيان بكلمة الباء والعناية بذكرها في الكلام يدلنا على أن المراد بالعكس ، وأن الرأس جعل آلة وسبباً لمسح اليد ، بمعنى أن الماسح هو الرأس والممسوح هي اليد نظير قولنا : مسحت يدي بالحائط ، فإن معناه أن الحائط قد صار سبباً لمسح ما بيدي من الرطوبة أو الدهن أو غيرهما ، وهذا وإن كان على خلاف الواقع في المقام إلاّ أن مقتضى العناية الواقعة في الكلام هو ما ذكرناه فيقال : إن الرأس صار سبباً لمسح ما بيد المتوضئ من الرطوبة ، فإذا صار الماسح هو الرأس يتعيّن أن يكون المسح ببعضه لا بتمامه كما هو الحال في المثال المتقدم ، فإن صحة قولك : مسحت يدي بالحائط غير متوقفة على مسح جميع الحائط باليد ، بل يصح ذلك بمسح اليد بشيء من الحائط. إذن فالمسح بالرأس بنفسه يقتضي المسح بالبعض لا بتمامه ، هذا تمام الكلام في هذه الصحيحة.
ومما يدلنا على ما سلكه المشهور في المسألة ، صحيحة الأخوين أعني زرارة وبكيراً أنهما سألا أبا جعفر عليهالسلام عن وضوء رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم إلى أن قال : « فاذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ... » (1).
وصحيحتهما الأُخرى أيضاً عن أبي جعفر عليهالسلام أنه قال في المسح : « تمسح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك ، وإذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء
1) الوسائل 1 : 388 / أبواب الوضوء ب 15 ح 3.
من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك » (1)فان مقتضى إطلاقهما صحة الاجتزاء بأقل ما يتحقق به المسح عرفاً ، وعليه فلا دليل على أن يكون المسح بمقدار عرض إصبع واحدة كما يحكى عن جماعة.
وقد تصدّى بعض الأصحاب لتأويله بأنهم لم يريدوا بذلك التحديد ، وإنما قصدوا به بيان أقل ما يتحقّق به المسمّى ، ويردّه : أن كلماتهم آبية عن هذا التأويل ، فقد حكي عن الشيخ في التهذيب ما مضمونه : أنّا لو خلينا وأنفسنا لقلنا بجواز مطلق المسح واكتفينا بمجرّد تحقّق المسمّى ، إلاّ أن السنّة منعتنا عن ذلك (2)فان هذا الكلام كالصريح في أن غرضه إنما هو تحديد المسح الواجب بالإصبع الواحدة.
وكيف كان فقد استدلوا على ذلك بمرسلة حماد عن أحدهما عليهماالسلام « في الرجل يتوضأ وعليه العمامة ، قال : يرفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه فيمسح على مقدّم رأسه » (3).
وبما رواه عن الحسين قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام رجل توضأ وهو معتم فثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد ، فقال : ليدخل إصبعه » (4)ويحتمل اتحاد الروايتين.
ويدفع الاستدلال بهما على تقدير اعتبار سندهما أن إدخال الإصبع الواحدة تحت العمامة للمسح ليس مستنداً إلى وجوب كون المسح بمقدار الإصبع الواحدة ، بل من أجل أنه أقل المقدار الميسور لدى المسح ، إذ لا يتحقق إلاّ بإدخال الإصبع الواحدة أو الإصبعين تحت العمامة لا محالة ، فالإصبع الواحدة أقل الميسور في المسح فقوله عليهالسلام : « يرفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه » لا دلالة له على كونه مستنداً إلى وجوب كون المسح بمقدار الإصبع الواحدة.
وبعبارة اخرى : لا كلام لنا فيما يتحقّق به المسح ، وإنما الكلام في المقدار الذي يجب
مسحه من الرأس ، ولا دلالة للروايتين على أنه لا بدّ أن يكون بمقدار عرض الإصبع الواحدة ، هذا على أن الإصبع شبه المدورات كما أن الرأس أيضاً كذلك ، ومن الظاهر أن مسح باطن الإصبع الذي هو من قبيل المدور على ما يماثله مما يشبه بالمدورات لا يمكن أن يكون بمقدار عرض الإصبع الواحدة كما أشار إليه المحقق الهمداني قدسسره في مطاوي كلامه (1)، إذن الرواية لا دلالة لها على لزوم كون المسح بقدر عرض الإصبع الواحدة.
وأمّا وجوب كون المسح بمقدار عرض ثلاث أصابع مضمومة كما ربما يحكى القول به عن جماعة منهم الصدوق قدسسره في الفقيه (2)فهو أيضاً كسابقه مما لا دليل عليه ، وما استدلوا به على ذلك من صحيحة زرارة قال « قال أبو جعفر عليهالسلام المرأة يجزئها من مسح الرأس أن تمسح مقدمه قدر ثلاث أصابع ، ولا تلقي عنها خمارها » (3)وما رواه معمر بن عمر عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « يجزئ من المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع وكذلك الرجل » (4). مما لا يمكن المساعدة عليه ، لأن الرواية الثانية مضافاً إلى ضعف سندها بمعمر بن عمر إذ لم يوثق في الرجال (5)إنما تدل على أن المسح بثلاث أصابع مجزي في الوضوء ، وأما أن ما يجزئ عنه أعني ما هو الواجب في الوضوء أيّ شيء فلا يكاد يستفاد منها أبداً ، ولعله يجزئ عن مسح تمام الربع المقدم من الرأس ، أو عن المسح بمقدار عرض إصبع واحدة أو غير ذلك من المحتملات ، فلا دلالة للرواية على أن ذلك هو المقدار الواجب مسحه بحيث لا يجزئ الأقل منه ، وعليه لا بدّ من حملها على الاستحباب وكونه أفضل أفراد المسح.
ومن هنا يظهر الجواب عن الرواية الأُولى أيضاً ، لأنها وإن كانت صحيحة بحسب
والأفضل بل الأحوط أن يكون بمقدار عرض ثلاث أصابع (1) بل الأولى أن يكون بالثلاث (2)
السند ، إلاّ أنها قاصرة الدلالة على هذا المدعى ، لأن ظاهرها أن المسح بثلاث أصابع تحت الخمار مجزي في مقام الامتثال ، وأما أنه هو الواجب على نحو لا يجزئ الأقل منه فلا يكاد يستفاد منها أبداً ، ويحتمل أن يكون الاجزاء راجعاً إلى عدم إلقاء الخمار.
ومن ذلك يظهر ضعف التفصيل بين الرجل والمرأة بالحكم بوجوب كون المسح بثلاث أصابع في المرأة دون الرجل لصحيحة زرارة المتقدمة ، وذلك إذ قد عرفت أن الصحيحة لا دلالة لها على أن المسح بثلاث أصابع هو الواجب في الوضوء حتى يكون دليلاً على التفصيل بين الرجل والمرأة فيما يعتبر في الوضوء.
وبما سردناه يظهر أن ما ذهب إليه المشهور في المسألة من أن الواجب إنما هو مسمّى المسح في الوضوء سواء أكان بقدر عرض الإصبع الواحد أو أقل منه هو الصحيح ، والسيرة الخارجية أيضاً جارية على ذلك فلاحظ.
(1) للروايتين المتقدمتين ، ولا يلزم أن يكون بالأصابع الثلاث ، بل يكفي المسح بإصبع واحد إذا كان بمقدار عرض الأصابع الثلاث ، لأن الظاهر من التقدير في جميع الموارد أن المطلوب هو نفس هذا المقدار من دون مدخلية الآلة فيه. مثلاً إذا قيل : يجب المشي عشرة أمتار ، فالظاهر منه أن المشي بهذا المقدار هو المطلوب للمولى من دون أن يكون للآلة والسبب مدخلية في ذلك ، فظاهر الروايتين مع قطع النظر عما يأتي بيانه أن المقدار الممسوح لا بدّ أن يكون بمقدار عرض الأصابع الثلاث ، سواء أكان بنفس الأصابع الثلاث أم بإصبع واحد بمقدار عرض الأصابع الثلاث.
(2) وذلك لأنّ الظاهر من التقدير في الروايتين وإن كان هو ما ذكرناه من أن
ومن طرف الطول أيضاً يكفي المسمّى (1) وإن كان الأفضل أن يكون بطول إصبع (2) وعلى هذا فلو أراد إدراك الأفضل ينبغي أن يضع ثلاث أصابع على الناصية ، ويمسح بمقدار إصبع من الأعلى إلى الأسفل ، وإن كان لا يجب كونه
الاعتبار بالمقدار دون الآلة والسبب فلا خصوصية للأصابع الثلاث ، إلاّ أن هذا فيما إذا لم تقم قرينة على خلافه ، والقرينة على الخلاف موجودة في المقام ، وهي أن المسح لا بدّ وأن يكون بواسطة اليد ولحاظ ذلك يوجب ظهور التقدير في إرادة المسح في المقدار المذكور بنفس الأصابع واليد.
وحيث إنك عرفت حمل الروايتين المتقدمتين على بيان الفضيلة والاستحباب دون الوجوب ، فلا جرم كان المسح بنفس الأصابع الثلاث أولى وأفضل.
(1) لعين ما قدّمناه في كفاية المسمّى في العرض من إطلاق الآية المباركة والروايات ، لعدم التقييد فيهما بالمقدار الخاص ، وقد ادعى بعضهم الإجماع على كفاية المسمّى في الطول ، وذكر أن محل الخلاف إنما هو كفاية المسمّى في العرض ، وبعضهم ادعى الإجماع على عكس ذلك فلاحظ.
(2) والسر في ذلك أن الروايتين المتقدمتين الدالتين على إجزاء المسح بثلاث أصابع في الرأس كما يحتمل أن يراد بهما إجزاء ذلك المقدار بحسب العرض فقط كذلك يحتمل أن يراد بهما إجزاء المسح بمقدار ثلاث أصابع بحسب كل من الطول والعرض ، ومن البديهي أن مقدار طول الأصابع الثلاث إنما هو مقدار طول الإصبع الواحد ، وهذا إن تمّ فهو ، وإلاّ فلا دليل على أفضلية كون المسح بطول إصبع واحدة.
كذلك فيجزئ النكس (1) وإن كان الأحوط خلافه (1)، ولا يجب كونه على البشرة
(1) نسب إلى المعروف عدم كفاية النكس في مسح الرأس ، بدعوى أن المقدار المتيقن من المسح المأمور به في الوضوء هو المسح من الأعلى إلى الأسفل والنكس مشكوك الجواز ، ومقتضى قاعدة الاشتغال عدم جواز الاكتفاء به في مقام الامتثال.
ويردّه : أن النوبة لا تصل إلى الأصل العملي في المسألة حتى يتكلم في أن الأصل الجاري في المقام هل هو الاشتغال أو البراءة ، على ما قدمناه في بعض الأبحاث السابقة من أنه لا مانع من إجراء البراءة عند الشك في اعتبار شيء في الوضوء ، وذلك لأن مقتضى إطلاق الآية المباركة والروايات عدم الفرق بين المسح من الأعلى إلى الأسفل والنكس ، ولم يقيد المسح فيهما بأن يكون من الأعلى إلى الأسفل ، بل بعض الأخبار كالصريح في عدم اعتبار كون المسح من الأعلى إلى الأسفل ، وذلك كالروايتين المتقدمتين (2)الواردتين في من يتوضأ وعليه العمامة ، فإن الأسهل لمن أدخل إصبعه تحت العمامة لأجل المسح إنما هو أن يمسح رأسه نكساً ، إذ المسح من الأعلى إلى الأسفل يحتاج إلى رفع العمامة زائداً على مقدار رفعها عند المسح نكساً وهو أصعب.
ودعوى : أن المتعارف مسح الرأس من الأعلى إلى الأسفل وهو يوجب انصراف المطلقات إلى الفرد المتعارف ، مندفعة صغرى وكبرى :
أمّا بحسب الصغرى ، فلأن المتعارف في غسل الوجه واليدين ولو لغير داعي الوضوء وإن كان هو الغسل من الأعلى إلى الأسفل كما ذكر ، إلاّ أن الأمر في المسح ليس كذلك قطعاً ، إذ ليس المتعارف فيه هو المسح من الأعلى إلى الأسفل فحسب ، بل كل من ذلك والنكس متعارفان.
وأمّا بحسب الكبرى ، فلأجل أن تعارف أحد الفردين وغلبته غير موجبين لانصراف المطلق إلى الفرد الغالب ، فلو كان هناك انصراف فلا إشكال في أنه انصراف بدوي يزول بأدنى تأمل والتفات ، فالمطلق يشمل الفرد المتعارف وغيره على حد سواء ، هذا.
وأضف إلى ذلك صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « لا بأس بمسح الوضوء مقبلاً ومدبراً » (1)لأنها كالصريحة في جواز المسح نكساً بلا فرق في ذلك بين مسح الرأس وغيره.
ولا يمنع عن الاستدلال بهذه الصحيحة روايته الأُخرى بعين السند المذكور في الصحيحة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « لا بأس بمسح القدمين مقبلاً ومدبرا » (2)وذلك لأن وحدة السند لا يقتضي الحكم بوحدة المروي أبداً ، لجواز أن يكون حماد قد سمع عن أبي عبد اللّه عليهالسلام روايتين : إحداهما عدم البأس في مسح الوضوء مطلقاً مقبلاً ومدبراً ، وثانيتهما : عدم البأس في مسح القدمين مقبلاً ومدبراً. ولا نلتزم بمفهوم اللقب ليتوهم أن الحكم بكفاية المسح مقبلاً ومدبراً في مسح القدمين دليل على عدم كفايتهما في مسح الرأس حتى يتحقق التنافي بين الروايتين وعليه فهما روايتان لا بدّ من العمل بكلتيهما في موردهما ، هذا كله بناء على أن الراوي في كلتا الروايتين هو حماد بن عثمان على ما هو الموجود في الطبعة الأخيرة من الوسائل.
وأما بناء على أن الراوي في الرواية الاولى هو حماد بن عيسى كما هو الموجود في غير الطبعة الأخيرة من الوسائل ، وبه صرح المحقق الهمداني قدسسره (3)بل ربما يحكى عن بعض نسخ التهذيب أيضاً ، فالأمر أسهل وأوضح لأنهما وقتئذٍ روايتان : إحداهما عن حماد بن عثمان ، وثانيتهما : عن حماد بن عيسى ، ولا نقول بمفهوم اللقب
فيجوز أن يمسح على الشّعر النابت في المقدّم بشرط أن لا يتجاوز بمدّه عن حدّ الرأس فلا يجوز المسح على المقدار المتجاوز وإن كان مجتمعاً في الناصية (1)
كي يتحقّق المعارضة بينهما ، إذن لا بدّ من العمل بكل منهما في موردهما.
ونظير رواية حماد بن عيسى غيرها مما ورد في جواز النكس في مسح الرجلين ، لوضوح أنها غير منافية لصحيحة حماد بن عثمان الدالة على جواز النكس في مسح الوضوء. وعلى الجملة سواء صحت الطبعة القديمة من الوسائل ، ولم يقع خطأ من النساخ ، أو لم تصح بل كانت الطبعة الحديثة صحيحة والراوي في كلتا الروايتين كان هو حماد بن عثمان ، وكان الخطأ والاشتباه من النساخ ، لا بدّ من الأخذ بكلتا الروايتين ، والاستدلال بالصحيحة قد وقع في محلِّه ، هذا كله في أصل جواز النكس في المسح.
وبعد ذلك يقع الكلام فيما ذكره بعضهم ، من أن المسح من الأعلى إلى الأسفل أفضل ، وهذا بظاهره مما لا دليل عليه ، اللّهمّ إلاّ أن يراد كونه أفضل بحسب العنوان الثانوي أعني الاحتياط ، ولا سيما إذا قلنا إن الاحتياط مستحب ، أو أحرزنا سيرة الأئمة عليهمالسلام كما إذا علمنا أنهم كانوا مداومين في وضوءاتهم بالمسح من الأعلى إلى الأسفل ، فإن التأسي بالأئمة عليهمالسلام أمر راجح ولا إشكال في أنه أفضل من غيره ، إلاّ أن الكلام في إحراز ذلك وثبوت سيرتهم عليهمالسلام على ذلك ، ودون إثباتها خرط القتاد.
وأما ما عن بعضهم من الحكم بكراهة النكس في المسح ، فإن أراد بذلك الكراهة في العبادات بمعنى أقلية الثواب فقد عرفت صحته ، لأن المسح من الأعلى إلى الأسفل أفضل وأكثر ثواباً وأرجح من النكس ولو بالعنوان الثانوي ، وإن أراد بالكراهة المرجوحية في نفسه فهو مما لم يقم دليل عليه.
(1) المسألة متسالم عليها بين الأصحاب قدسسرهم بل هي من المسائل
الضرورية ، والوجه فيه : أن الرأس ومقدمه وإن كان كالوجه واليدين وغيرهما من أسامي الأعضاء اسماً لنفس العضو والبشرة ، والشعر خارج عنهما لا محالة ، لأنه قد ينبت عليها الشعر وقد لا ينبت ، فلو كنّا نحن والدليل الدال على وجوب مسح الرأس أو مقدّمة لحكمنا بلزوم مسح البشرة نفسها وعدم كفاية المسح على الشعر النابت عليها ، ولكن القرينة الخارجية دلّتنا على جواز مسح الشعر وأنه كمسح نفس البشرة ، والقرينة هي أن الغالب الأكثر وجود الشعر على الرأس ومقدّمه بحيث يقع المسح على الشعر دائماً ، إلاّ في الأصلع ومن حلق رأسه قريباً ، فوقوع المسح على الشعر في الأغلب قرينة على إرادة الأعم من مسح الرأس ، ولو لا هذه القرينة لما ساغ الاكتفاء بمسح الشعر أبداً كما لا يكتفى بغسله في الوجه واليدين إلاّ بدلالة دليل خارجي.
وأمّا مرفوعة محمد بن يحيى عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « في الذي يخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء ، قال لا يجوز حتى يصيب بشرة رأسه بالماء » (1)فهي مضافاً إلى ضعف سندها بالرفع ، قاصرة الدلالة على لزوم مسح البشرة وعدم كفاية المسح على شعرها ، وذلك لأن البشرة في الرواية إنما ذكرت في مقابل الجسم الخارجي أعني الحناء ، لا في قبال الشعر النابت عليها ، فالمراد بالبشرة أعم من البشرة وشعرها قبالاً للجسم الخارجي هذا كلّه في الشعر النابت على مقدّم الرأس الذي لا يخرج بمدّه عن حدّ الرأس.
وأمّا الشعور النابتة على حوالي المقدم المتدلية إليه بطبعها وفي نفسها الخارجة بمدها عن حد الرأس والمسح كما إذا كانت مجعدة ، فربما يستشكل في الحكم بعدم الاجتزاء بمسحها بأنها معدودة من توابع المقدم والرأس ، فاطلاقات المسح على المقدم تعمها لا محالة ، لما عرفت من أن المراد منها ليس هو خصوص البشرة.
ولكن الصحيح عدم جواز الاقتصار بمسحها ، لما عرفت من أن مقتضى الأدلة الآمرة بمسح الرأس والمقدّم إنّما هو وجوب مسح البشرة في نفسها ، والشعر خارج
1) الوسائل 1 : 455 / أبواب الوضوء ب 37 ح 1.
وكذا لا يجوز على النابت في غير المقدّم وإن كان واقعاً على المقدّم (1) ولا يجوز المسح على الحائل من العمامة أو القناع أو غيرهما وإن كان شيئاً رقيقاً لم يمنع عن وصول الرطوبة إلى البشرة (2).
عن العضو كما مرّ ، إلاّ أن القرينة الخارجية دلتنا على كفاية المسح على الشعر النابت على المقدم والرأس ، ولا قرينة على جواز الاجتزاء بمسح الشعر النابت على أطرافه إذا تدلّى إليه بنفسه ونزل على المقدّم.
فما ربما يظهر من المحقق الهمداني قدسسره من الميل إلى الحكم بالاجتزاء (1)فمما لا يمكن المساعدة عليه.
وأما الشعور النابتة على أطرافه المتدلية إلى المقدم بواسطة العلاج كالخرقة واليد ونحوهما فلا كلام في عدم كفاية المسح عليها ، لعدم كونها معدودة من شعور المقدم ولا من توابعه عرفاً.
(1) ظهر الوجه في ذلك مما بيّناه في التعليقة المتقدمة فلاحظ.
(2) للأدلة الدالة على وجوب مسح المقدم والرأس ، لأنها تدلنا بأنفسها على عدم كفاية المسح على الحائل من العمامة والقناع ونحوهما ، إذ لا يطلق على الحائل عنوان المقدّم والرأس فلا يكون المسح عليهما مسحاً على الرأس أو المقدم ، مضافاً إلى الأخبار الآمرة بوجوب رفع العمامة أو إدخال الإصبع تحتها والمسح على الرأس (2).
خلافاً لما ذهب إليه جماعة من العامة من جواز المسح على الحائل إما مطلقاً أو فيما إذا كان رقيقاً ، دون غير الرقيق على ما نقل عن أبي حنيفة (3)هذا.
وقد ورد في روايتين جواز المسح على الحناء ، إحداهما : صحيحة عمر بن يزيد قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء ، قال : يمسح فوق الحناء » (1)، وثانيتهما : صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق عليهالسلام « في الرجل يحلق رأسه ثم يطليه بالحناء ثم يتوضأ للصلاة فقال : لا بأس بأن يمسح رأسه والحناء عليه » (2)وربما يجمع بينهما وبين الأخبار المتقدمة بحملهما على إرادة لون الحناء دون نفسه. ويدفعه : أن ذلك خلاف الظاهر ، بل خلاف الصريح في موارد من الصحيحتين.
منها : قوله : « يمسح فوق الحناء » لأنه كالصريح في أن المراد به هو الجسم الخارجي الذي يتصوّر له فوق وتحت ، وظاهر أن اللون عرض وليس للأعراض تحت ولا فوق.
ومنها : قوله : « ثم يطليه بالحناء » وظهوره بل صراحته في إرادة الجسم الخارجي غير قابل للإنكار ، فان الطلي بماء الحناء أمر غير معهود.
ومنها : قوله « والحناء عليه » فإنه أيضاً ظاهر في الجسم الخارجي ، فهذا الجمع غير صحيح.
والصحيح أن تحمل الصحيحتان على التقيّة ، وذلك لأن الروايتين وإن وردتا في الحناء إلاّ أن احتمال إرادة خصوصه مقطوع الفساد ، إذ لم يقل أحد بأن للحناء بين الأجسام الخارجية خصوصية تقتضي الحكم بكفاية المسح عليه دون مثل السدر وغيره من الأجسام.
وعلى ذلك فالقول بجواز المسح على الحناء يستلزم القول بجواز المسح على بقية الأجسام الخارجية ، فإذا أُريد منهما جواز المسح على كل جسم حائل لعارضتهما الأخبار الكثيرة المشهورة التي دلت على وجوب مسح المقدم أو الرأس من دون أن يكون عليهما شيء يمنع عن وقوع المسح على البشرة ، وبما أن تلك الروايات من
نعم في حال الاضطرار لا مانع من المسح (1)على المانع كالبرد ، أو إذا كان شيئاً لا يمكن رفعه (1).
الروايات المشهورة ، والروايتان من الأخبار النادرة فلا مناص من أخذها وضرب الروايتين على الجدار ، هذا.
وفي الوسائل (2)والحدائق (3)وكذا صاحب المعالم في المنتقى (4)حمل الروايتين على صورة الاضطرار والتداوي بالحناء. ويؤيده عدم تعارف طلي الرأس بالحناء بعد الحلق إلاّ لضرورة التداوي والعلاج به.
ولكن هذا الحمل في طول ما قدّمناه ، لأنه على ما سردناه لم يثبت اعتبار الروايتين حتى نحملهما على ضرورة التداوي والعلاج ، إذ قد عرفت أنهما معارضتان مع الأخبار المشهورة المعروفة ، ولا مناص من إلغائهما لندرتهما ، ويجب الأخذ بالمشهورة كما عرفت. وممّا يؤيِّد ما ذكرناه مرفوعة محمد بن يحيى المتقدِّمة (5)، لأنها قد نصّت بعدم الجواز حتى يصيب بشرة رأسه بالماء.
(1) يأتي الكلام على تفصيل هذه المسألة في أحكام الجبائر إن شاء اللّه (6)وحاصل ما نبيّنه هناك : أن مقتضى الأخبار الآمرة بمسح الرأس ، بل مقتضى الآية المباركة أيضاً لزوم كون المسح واقعاً على بشرة الرأس بالمعنى الأعم من نفسها وشعرها ومقتضى هذا أن كون المسح واقعاً على البشرة من مقومات الوضوء المأمور به ، وأنه
لا يتحقّق في الخارج إلاّ بذلك ، فاذا عجز المكلف من إيقاع المسح على البشرة بالمعنى المتقدِّم سقط عن التكليف بالوضوء لا محالة ، وانتهت التوبة في حقه إلى التيمم.
وقد خرجنا عن ذلك في الدواء الملصق بالبشرة بما دلّ على أن المسح على الدواء بمنزلة المسح على البشرة ، كما دلّ الدليل على أن المسح على الحائل كالعمامة والخف ونحوهما إذا كان للتقية والاضطرار أيضاً مجزي في مقام الامتثال ، وأن المسح عليه كالمسح على نفس البشرة ، ويأتي في محلِّه إن شاء اللّه أن العمل الاضطراري المستند إلى التقيّة كالاتيان بالمأمور به الواقعي الأوّلي لقوله عليهالسلام « التقيّة ديني ودين آبائي ، ولا دين لمن لا تقيّة له ، ولا إيمان لمن لا تقيّة له » (1)وغير ذلك من العمومات. فمن خاف من أن يترتب على إيقاع المسح على البشرة قتل أو ضرب أو هتك لدلالته على تشيّعه فله أن يمسح على الحائل من خف أو عمامة أو نحوهما ، وأنه كالمسح على البشرة في مقام الامتثال. وهذه العمومات المذكورة وإن لم تخل عن بعض المناقشات كما يأتي في محلِّها إلاّ أن الأدلة الخاصة الواردة في إجزاء المأمور به الاضطراري المستند إلى التقيّة عن المأمور به الواقعي كافية في إثبات المدعى.
وأما إذا كان الاضطرار مستنداً إلى غير التقيّة وكان الحائل أمراً آخر غير الدواء فمقتضى الإطلاقات المتقدمة سقوط الأمر بالوضوء عن المكلف وقتئذٍ ، ووصول النوبة إلى التيمم في حقه ، لعدم تمكنه من المسح على البشرة ، وقد عرفت أنه من مقوّمات الوضوء ، إلاّ أن يدعى القطع بعدم الفرق بين الدواء وغيره من أقسام الحائل ، أو يقوم دليل بالخصوص على أن المسح على غير البشرة كالمسح على البشرة ، وكلا الأمرين مفقود في المقام ، إذ ليس لنا قطع وجداني بعدم الفرق بينهما ، كما لم يقم أيّ دليل بالخصوص على كفاية المسح على غير البشرة في الوضوء ، ومعه تصل النوبة إلى التيمم لا محالة.
1) الوسائل 16 : 203 / أبواب الأمر والنهي ب 24 ، 25.
ويجب أن يكون المسح بباطن الكف (1)والأحوط أن يكون باليمنى والأولى أن يكون بالأصابع (1).
ولا يمكن إجراء أحكام الجبائر في المقام ، لأن الاجتزاء بالمسح على الجبيرة في القروح والكسور أيضاً على خلاف القاعدة ، فإن الإطلاقات المتقدمة يقتضي أن يكون الغسل أو المسح على البشرة مقوماً للوضوء ، لأنه غسلتان ومسحتان ، ومع عدم التمكن منهما يسقط التكليف بالوضوء وتنتهي النوبة إلى التيمم لا محالة.
ولكن الدليل دلنا على أن المسح على الجبيرة في مواضع القروح والكسور كالمسح على نفس البشرة ، وأما في غير هذين الموضعين وغير الدواء والتقيّة فلم يدلنا على كفاية المسح على الحائل وكونه مجزياً في الوضوء ، بل مقتضى الآية المباركة والأخبار ما تقدّم من سقوط التكليف بالوضوء ووجوب التيمم على المكلف.
(1) تعرّض الماتن قدسسره في هذه المسألة لعدة أُمور قد اندمج بعضها في بعض :
فمنها : أنه هل لا بدّ أن يكون المسح باليد ، فلا يجزئ المسح بغيرها من الآلات والأسباب ، وإن كانت بلتها من البلل الموجودة في اليد ، كما إذا أخذ البلل من اليد بمثل الخرقة أو آلة اخرى ومسح بها رأسه ورجليه أو لا؟
قد يقال بالانحصار في اليد ويستدل عليه بعدّة روايات منها : الأخبار البيانية وإليك بعضها :
منها : رواية المعراج وهي صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في حديث طويل « أن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم قال : لما اسري بي إلى السماء
1) (*) على الأحوط.
أوحى اللّه إليَّ يا محمّد ادن من صاد إلى أن قال ثم امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء ورجليك إلى كعبيك ... » (1).
ومنها : صحيحة زرارة قال : « حكى لنا أبو جعفر عليهالسلام وضوء رسول اللّه إلى أن قال ثم مسح بما بقي في يده رأسه ورجليه ولم يعدهما في الإناء » (2).
ومنها : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام « يأخذ أحدكم الراحة من الدهن إلى أن قال ثم مسح رأسه ورجليه بما بقي في يديه » (3)وفي صحيحة الأخوين : « ثم مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفيه لم يجدد ماءً » (4)ومنها : غير ذلك من الروايات ، فان الظاهر من تلك الروايات أن المسح لا بدّ من أن يكون بالبلة الباقية في يد المتوضئ بوصف أنه مما بقي في اليد ، وعليه لو أخذ البلل من اليد بآلة من الآلات كالخشبة والخرقة ونحوهما فمسح بها رأسه ورجليه لم يصدق أنه مسحهما بالبلة الباقية في اليد بوصف كونها باقياً في اليد.
وإن شئت قلت : إن الأخبار المذكورة كما أنها بصدد بيان ما به المسح في الوضوء أعني البلّة الباقية في اليد كذلك وردت بصدد بيان الماسح أعني آلة المسح وأنه أيّ شيء ، وقد دلت على أنها منحصرة في اليد. مضافاً إلى قوله عليهالسلام في صحيحة زرارة المتقدمة : « ثم مسح بما بقي في يده رأسه ورجليه ولم يعدهما في الإناء » فإنه كالصريح في لزوم أن يكون المسح بالبلة بواسطة اليد فلاحظ ، هذا.
ولا يخفى عدم إمكان المساعدة على ذلك والسرّ فيه : أن الأخبار الواردة في المقام التي منها الأخبار البيانية الحاكية عن وضوء رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم قد دلّتنا على أن ما به المسح يعتبر أن يكون من البلّة الباقية في اليد من ماء الوضوء بحيث لو يبست وجب أخذ البلّة من اللحية والحاجبين ، ولا يجوز أن يكون المسح بالماء الجديد ، وهي بصدد البيان من هذه الجهة ودلالتها على تعيين ما به المسح من بلّة اليد ممّا لا كلام فيه. وإنما الكلام في دلالتها على تعيين آلة المسح وبيان أنها
منحصرة في خصوص اليد أعني ما دون الزند وعدمها ، والإنصاف عدم دلالتها على ذلك بوجه ، لأن الروايات إنما دلت على لزوم كون المسح ببلّة اليد ، وأما أن الآلة أيضاً هي اليد أعني ما دون الزند بحيث لا يسوغ المسح بغيرها كالذراع ونحوه فلا دلالة لها عليه ، هذا.
ولكن يمكن الاستدلال على تعيين الآلة فيما دون الزند وعدم جواز المسح بالذراع بوجوه :
الأوّل : أنّ الظاهر من اليد عند إطلاقها في مقابل الذراع إنما هو ما دون الزند لا ما دون المرفق ، كما وردت لفظة اليد في الأخبار البيانية في مقابل الذراع واستظهر منها ذلك ، أعني إرادة ما دون الزند لا ما دون الذراع.
الثاني : أنّ اليد وإن كانت قد تطلق على ما دون الزند وقد تطلق على ما دون المرفق ، كما يطلق ثالثة على ما دون الكتف ، إلاّ أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي إرادة خصوص الأول ، لأنه المناسب للحكم المحمول عليها في المقام ، فان المسح بحسب الأغلب لا يكون إلاّ بالكف والأصابع ، فالمراد باليد إنما هو ما دون الزند كما مر.
نظير ما إذا قيل أكلت بيدي أو ضربت أو كتبت بيدي ، لأن الأكل والضرب والكتابة وأمثالها قرينة معينة لما أُريد من لفظة اليد ، لدلالتها على أن المراد بها هو ما دون الزند دون غيره من المحتملات ، لعدم مناسبتها مع الكتابة أو الأكل ونحوهما مما لا يتحقق إلاّ بالكف والأصابع أعني ما دون الزند ، ووقوعها بغير ذلك يحتاج إلى إعمال عناية زائدة كما لا تخلو عن مشقة.
نعم ، لو قيل قطعت يد فلان مثلاً لم يكن له ظهور في إرادة ما دون الزند ، بل كان من المحتملات والمجملات ، لأن القطع كما يناسب الأصابع وما دون الزند كذلك يناسب ما دون المرفق وغيره من إطلاقات اليد ، وهذا بخلاف المقام فإنه إذا ورد : امسح بيدك أو قال : مسحت بيدي مثلاً ، فمناسبة الحكم والموضوع قرينة على إرادة ما دون الزند لما عرفت.
الثالث : أنّ جملة من الأخبار البيانية وإن كان وردت فيها لفظة « اليد » إلاّ أن بعضها أعني صحيحة الأخوين قد اشتملت على كلمة « الكف » حيث قال عليهالسلام « ثم مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفيه لم يجدد ماءً » (1)وبما أن هذه الروايات تحكي عن فعل الرسول صلىاللّهعليهوآلهوسلم وهو أمر واحد لا محالة ، كانت كلمة « الكف » في هذه الصحيحة قرينة على ما أُريد باليد في بقية الروايات ، ودلتنا على أن المراد بها إنما هو الكف وما دون الزند دون غيره من احتمالاتها ، فهذه الوجوه والقرائن تعينان المراد من لفظة « اليد » الواقعة في الروايات ، وبما أن الرواة ( قدس اللّه أسرارهم ) قد اهتموا بنقل هذه الخصوصية ، فنستكشف منها أن لخصوصية كون المسح بواسطة اليد أعني ما دون الزند مدخلية في صحة الوضوء ، وأنها من الخصوصيات اللازمة في المأمور به ، كما قد استفدنا من اهتمامهم بنقل عدم تجديد الماء لدى المسح وجوب كون المسح بالبلة الباقية في اليد من ماء الوضوء.
ويؤيِّد إرادة الكف من اليد رواية العلل قال : « جاء نفر من اليهود إلى رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم فسألوه عن مسائل وكان فيما سألوه : أخبرنا يا محمّد لأي علة توضأ هذه الجوارح الأربع ، وهي أنظف المواضع في الجسد؟ فقال النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم لما أن وسوس الشيطان إلى آدم عليهالسلام دنا من الشجرة فنظر إليها فذهب ماء وجهه ، ثم قام ومشى إليها ، وهي أول قدم مشت إلى الخطيئة ، ثم تناول بيده منها ما عليها وأكل ، فتطاير الحلي والحلل عن جسده فوضع آدم يده على أُم رأسه وبكى ، فلما تاب اللّه عليه فرض اللّه عليه وعلى ذريته تطهير هذه الجوارح الأربع ، فأمره اللّه عزّ وجلّ بغسل الوجه لما نظر إلى الشجرة ، وأمره بغسل اليدين إلى المرفقين لما تناول بهما ، وأمره بمسح الرأس لما وضع يده على أُم رأسه ، وأمره بمسح القدمين لما مشى بهما إلى الخطيئة » (2)وهي صريحة الدلالة على إرادة الكف من اليد.
وأمّا الآية المباركة والأخبار المطلقة ، أعني ما اشتملت على أنه ( صلىاللّهعليهوآله
وسلم ) مسح رأسه ورجليه ، أو تضمنت الأمر بمسح الرأس والرجلين من دون التقييد بكون المسح بواسطة اليد فحسب ، ففيها احتمالات ثلاثة :
الأوّل : أن يقال : إن المطلقات ليست بصدد البيان من تلك الناحية ، وإنما وردت لبيان أن المسح معتبر في الوضوء ، كما أن الغسل مما لا بدّ منه ، فان الوضوء غسلتان ومسحتان ، فلا دلالة لها على اعتبار غير ذلك من الخصوصيات المعتبرة في الوضوء.
وهذا الاحتمال وإن كان بالإضافة إلى الآية المباركة من الإمكان بمكان ، إلاّ أنه بالإضافة إلى بعض الروايات المطلقة التي تضمنت لاعتبار بعض الخصوصيات المعتبرة في الوضوء مما لا مجال له ، لأنها بصدد بيان ما يعتبر في صحة الوضوء ، وحيث لم يقيد المسح بأن يكون بواسطة اليد فلا مانع من التمسك بإطلاقاتها.
الثاني : أن يقال : إن المطلقات منصرفة إلى ما هو المتعارف في الخارج من المسح ولا تردد في أن المسح بحسب المتعارف الشائع لا يكون إلاّ باليد وما دون الزند ، إذن يتعيّن أن يراد بالمطلقات خصوص المسح بواسطة اليد.
ويدفعه : ما مرّ غير مرة من أن المطلق لا تنصرف إلى الفرد الغالب أبداً. نعم ربما يحدث انصراف بدوي إلى الغالب ولكنه يزول بأدنى التأمّل والالتفات.
وما عن شيخنا الأنصاري قدسسره من انتقاض ذلك بالغسل ، بدعوى أن الغسل كالمسح إنما يتحقّق في الخارج بآلة لا محالة ، فكما أن الأمر بغسل الوجه واليدين ليست فيه أية دلالة على تعيين آلة الغسل ، فليكن الأمر بالمسح أيضاً كذلك وإلاّ فلا مناص من الالتزام بدلالة الأمر بالغسل أيضاً على تعيين آلة الغسل (1)، كما ترى مما لا يمكن المساعدة عليه ، والوجه في ذلك أن آلة المسح مما يتقوم به المسح بحيث لا يتحقق بدونها ، وهذا بخلاف الغسل لوضوح أن الغسل قد يحصل بإيقاف الوجه مثلاً تحت المطر وبإجراء الماء عليه ، وأما المسح فلا يوجد إلاّ بآلة وهو ظاهر.
إذن فلا مانع من أن يكون الأمر بالمسح دالاًّ على تعيين آلة المسح دون الغسل.
الثالث : أن يقال : إن المطلقات المذكورة لا بدّ من تقييدها بالأخبار المتقدمة التي
1) كتاب الطهارة : 119 السطر 8.
دلّتنا ببركة القرائن على أن المسح لا بدّ من أن يكون باليد وما دون الزند ، وهذا الوجه هو المتعيّن في المقام ، وذلك للقطع بعدم إرادة الإطلاق لا في الآية المباركة ولا في الأخبار ، بحيث يشمل المسح بكل شيء ولو بالأجسام الخارجية من الخرقة والخشبة ونحوهما ، وحيث إن الوجهين الأولين غير ثابتين كما عرفت فيكون الوجه الأخير هو المتعيّن في محل الكلام.
هذا كله فيما إذا لم نقل بأن الأخبار البيانية الحاكية لفعل رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله حكاية فعل ولا دلالة لها إلاّ على الجواز أو الاستحباب ، من غير أن تكون لها أية دلالة على الوجوب ، وأما إذا قلنا بذلك فلا يبقى لها دلالة على الوجوب بالإطلاق حتى نحتاج إلى تقييده وحملها على أحد المحامل المتقدمة.
فتحصل : أنّ مقتضى الأخبار البيانية على تقدير أن يكون لها الدلالة على الوجوب أن يكون المسح بما دون الزند ، وأنه المراد من سائر المطلقات والآية المباركة ، هذا على أن المسألة اتفاقية كما حكاه صاحب الحدائق عن جملة من أصحابنا (1).
ومنها : أن يكون المسح بباطن الكف ، ولم يرد ذكر باطن الكف في شيء من النصوص ، ومقتضى إطلاقها عدم تعيّن المسح بباطنه ، نعم لو قلنا بانصراف المطلقات الآمرة بالمسح إلى ما هو المتعارف الدارج في الخارج أمكننا أن نقول باعتبار كون المسح بباطن الكف ، لأنه الدارج الشائع في المسح ، وأما إذا لم نقل بالانصراف إلى الفرد المتعارف فلا وجه للحكم بتعيين المسح بباطن الكف في مقام الامتثال ، هذا.
ولكن يمكن أن نستدل على وجوب ذلك بالأخبار البيانية الحاكية لوضوء النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم أو أحد الأئمة عليهمالسلام لأنهم لو كانوا مسحوا بظاهر الكف في الوضوء لوجب على الرواة أن ينقلوا ذلك في رواياتهم ، لأنه أمر خارج عن المتعارف المعتاد ولا مناص من نقل مثله في الأخبار ، وحيث إنهم لم ينقلوا
1) الحدائق 2 : 287.
ذلك استكشفنا أن النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم والأئمة عليهمالسلام كانوا يمسحون بباطن الكف ، إذن فهو أمر معتبر في صحة الوضوء.
ومنها : أن المسح لا بدّ أن يكون بالأصابع ، ذهب جماعة إلى اعتبار ذلك في الوضوء إلاّ أنه مما لا شاهد له من النصوص ، لأن الأخبار البيانية غير مشتملة على أنهم عليهمالسلام قد مسحوا رؤوسهم بأصابعهم ، بل مقتضى إطلاقاتها عدم لزوم كون المسح بالأصابع ، لأن النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم أو الأئمة عليهمالسلام لو كانوا مسحوا بأصابعهم لنقلته الرواة ، لوجوب نقل الخصوصيات الدخيلة في الأحكام الشرعية على الرواة ، وحيث لم ينقلوها في رواياتهم وهي مطلقة فيستكشف من ذلك عدم اعتبار المسح بالأصابع.
واحتمال أن المطلقات منصرفة إلى المسح بالأصابع ، لأنه الفرد المتعارف من المسح بعيد ، لعدم كون المسح بغير الأصابع فرداً نادراً فإنه أيضاً كثير ، وغاية الأمر أن يكون المسح بالأصابع أكثر ، هذا.
على أنّا لو سلمنا ندرة ذلك في الوضوء مع أن الأمر ليس كذلك فلا ينبغي التأمل في أن المسح في غير الوضوء بغير الأصابع ليس من الأفراد النادرة قطعاً.
مثلاً إذا قيل : مسح فلان على رأس طفل أو مسحت رأسه ، كان ظاهراً في أنه مسحه بيده وكفه لا بأصابعه ، فإنه الفرد الغالب في مسح الرأس وأمثاله ، وحيث إن نزول الآية المباركة وصدور الأخبار متأخران عن استعمال المسح في المحاورات العرفية ، فلا مناص من حمله فيهما على إرادة ما هو الظاهر منه في الاستعمالات ، وقد عرفت أنه بحسب المحاورات العرفية كما يطلق على المسح بالأصابع كذلك يطلق على المسح باليد ، فالانصراف مما لا أساس له.
نعم ، سبق أن احتملنا انصراف المطلقات في المسح إلى المسح باليد ، ولكنه مستند إلى ندرة المسح بغير اليد ، وليس المسح بغير الأصابع نادراً كما مرّ. فتحصل أن تعيّن المسح بالأصابع مما لا وجه له ، نعم لا بأس بالقول بالأولوية الاستحبابية لاحتمال اعتباره شرعاً.
[514] مسألة 24 : في مسح الرأس لا فرق بين أن يكون طولاً أو عرضاً أو منحرفاً (1)
ومنها : أن يكون مسح الرأس باليد اليمنى ، وقد نسب إلى المشهور القول بالاستحباب في المسألة ، بل ذكر صاحب الحدائق قدسسره أن ظاهرهم الاتفاق عليه (1). ولعل الوجه في ذلك هو إطلاقات الأدلة ، لأنها غير مقيّدة بأن يكون المسح باليد اليمنى ، بل في بعضها التصريح بالإطلاق كما في صحيحة زرارة : « ومسح مقدّم رأسه وظهر قدميه ببلّة يساره وبقية بلّة يمناه » (2)ولم يرد في قبال تلك المطلقات دليل يدلّنا على التقييد باليمنى.
نعم ، يمكن أن يستدل على وجوب ذلك بما ورد في صحيحة زرارة المتقدمة من قوله عليهالسلام « وتمسح ببلّة يمناك ناصيتك » (3)لما قدّمناه (4)من أن جملة « وتمسح ببلّة ... » جملة مستقلّة قد دلّت على لزوم كون المسح ببلّة اليد اليمنى ، فان ظاهرها هو الوجوب ، ومن هنا قدّمنا أنها معارضة لما دلّ على اعتبار كون المسح على مقدم الرأس.
واحتمال كون هذه الجملة معطوفة على فاعل « يجزئك » في قوله المتقدم « إن اللّه وتر يحب الوتر فقد يجزئك من الوضوء ثلاث غرفات ، واحدة للوجه واثنتان للذراعين » ضعيف كما تقدّم ، لأنه يحتاج إلى التقدير والإضمار بأن تكون الجملة هكذا : وأن تمسح ... وهو على خلاف الأصل فلاحظ.
(1) لإطلاقات الأدلة ، فكما أن للمكلف أن يمسح نكساً كذلك له المسح
الرابع : مسح الرِّجلين (1)
بالانحراف ، كما إذا مسح من إحدى زوايا المثلث إلى ما يقابله من الضلع ، فان مقدّم الرأس مثلث الشكل لا محالة.
وأمّا ما ورد من أن الأمر في المسح موسع (1)فلعله ناظر إلى أن المسح ليس كالغسل الذي يعتبر أن يكون من الأعلى إلى الأسفل ، بل يجوز فيه النكس أيضاً ، وأما أن الانحراف فيه سائغ أو لا فهو مما لا يستفاد من الرواية. على أنها إنما وردت في مسح الرجلين دون الرأس.
(1) للآية المباركة والأخبار المتضافرة ، بل لا يبعد دعوى تواترها ، أما الآية المباركة فهو قوله عزّ من قائل ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ) (2)بالجر أو النصب على اختلاف القراءتين ، فإن قرأنا أرجلكم بالجر فيكون معطوفة على رؤوسكم ومعناه : فامسحوا برؤوسكم وامسحوا بأرجلكم ، وإذا قرأنا بالنصب كما هو قراءة عاصم في رواية حفص وهو الذي كتب القرآن على قراءته فيكون معطوفة على محل رؤوسكم والمعنى حينئذٍ : ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) وامسحوا أرجلكم ، وعلى كلا التقديرين تدلّنا الآية المباركة على وجوب مسح الرجلين.
واحتمال أن تكون وأرجلكم على قراءة النصب معطوفة على أيديكم ووجوهكم ليكون معنى الآية المباركة ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) و ( امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) واغسلوا ( أَرْجُلَكُمْ ) ، فهو مما لا يناسب الأديب ، لعدم جواز الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالجملة الأجنبية ، فضلاً عن كلام الخالق الذي هو في أرقى درجات البلاغة والإعجاز.
من رؤوس الأصابع إلى الكعبين (1)
وأمّا الأخبار فقد ورد الأمر بالمسح على الرجلين في جملة من الأخبار الكثيرة حتى بالغ فيها السيد قدسسره في الانتصار حيث قال : إنها أكثر من عدد الرمل والحصى (1)، على ما نقله صاحب الجواهر (2)وغيره.
(1) كما هو المشهور بين أصحابنا ، بل ادعي عليه الإجماع في كلماتهم. وعن الشهيد في الذكرى احتمال عدم وجوب المسح إلى الكعبين (3). واختاره صريحاً في المفاتيح (4). ونفى عنه البعد في رياض المسائل (5)ومال إليه واختاره صاحب الحدائق قدسسره وإن ذكر أخيراً أن المسح إلى الكعبين هو الأحوط (6).
ويدلُّ على مسلك المشهور قوله عزّ من قائل ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) (7)فإن قوله عزّ من قائل ( إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) غاية للممسوح وحد للمسح ، وليس غاية له ، إذ لا يعتبر الانتهاء في المسح إلى الكعبين ، لجواز النكس والانتهاء إلى الأصابع كما ذكرناه في الغسل ، فان قوله تعالى ( إِلَى الْمَرافِقِ ) غاية للمغسول وحد للغسل ، لا أنه غاية له وهو نظير قولنا : اكنس الدار من هنا إلى هنا فان معناه أن وجوب الكنس إنما هو في هذا المقدار الواقع بين المبدأ والمنتهى من دون نظر إلى المبدأ والمنتهى ، فله أن يكنس من هذا الطرف إلى الطرف الآخر كما له العكس
فلم يتعلّق الغرض بالابتداء والانتهاء وإنما الغرض بيان المقدار الذي يجب غسله أو مسحه.
ومن هنا لو كنّا نحن وهذه الآية المباركة لقلنا بجواز الغسل من الأعلى إلى الأسفل وعكسه ، ولكن الأخبار منعتنا عن الأخذ بإطلاقها ، ولأجلها خصصنا الغسل الواجب بالغسل من المرافق إلى الأصابع.
وأما الإطلاق في طرف الأمر بالمسح فهو باق على حاله ولم يدلنا دليل على تقييده ، إذن لا مانع من الأخذ به والحكم بجواز المسح في الرجلين من الكعبين إلى الأصابع وبالعكس ، ولم يتعلق الغرض بتعيين المبدأ والمنتهى ، وإنما الغرض بيان مقدار المسح وأن الممسوح لا بدّ أن يكون بالمقدار الواقع بين الأصابع والكعبين ، سواء أكان المبدأ هو الأصابع والمنتهى هو الكعبان أو كان الأمر بالعكس.
وأيضاً تدل على ذلك الأخبار البيانية وغيرها مما اشتملت على الأمر بمسح الرجلين إلى الكعبين فليراجع.
وأما ما ذهب إليه صاحب الحدائق والمفاتيح وغيرهما ، فقد استدل عليه بعدة روايات.
منها : الأخبار الدالة على أن مسح شيء من الرأس والرجلين مجزي في الوضوء كصحيحة زرارة وبكير عن أبي جعفر عليهالسلام أنه قال في المسح : « تمسح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك ، وإذا مسحت بشيء من رأسك ، أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك » (1).
وصحيحتهما الأُخرى ثم قال : « ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) ، فاذا مسح بشيء من رأسه ، أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه » (2)وبمضمونهما روايات اخرى قد دلّت على كفاية المسح بشيء من الرأس والرجلين فلا يجب مسحهما إلى الكعبين ، هذا.
ولا يخفى عدم إمكان المساعدة عليه ، لأن الاستدلال بتلك الأخبار على كفاية المسمّى في المسح يتوقف على أن تكون تلك الروايات ناظرة إلى كفاية المسح ببعض الرجلين بحسب كل من الطول والعرض ، ولا تكون ناظرة إلى كفاية ذلك بحسب العرض فقط ، وهذا يتوقف على تحقيق أن قوله عليهالسلام « ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع » بيان لأي شيء ، وهل هو بيان للشيء في قوله : « أو بشيء من قدميك » ليكون معناه : إذا مسحت بما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع من قدميك أجزأك ، أو أنه بيان للقدمين ومعناه : أنه إذا مسحت بشيء مما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك.
فعلى الأوّل تدلّنا الصحيحتان على ما سلكه المشهور ووجوب الاستيعاب فيما بين الكعبين إلى الأصابع بالمسح ، كما أنهما على الثاني تدلنا على ما ذهب إليه الجماعة من كفاية المسح بشيء مما بين الكعبين إلى الأصابع ، والظاهر هو الأول ، لأن « من قدميك » جار ومجرور ويبعد أن يكون ما الموصولة بياناً له فهي بيان للشيء ، وقد عرفت أن الصحيحة حينئذٍ تدلنا على ما ذهب إليه المشهور ، أعني وجوب الاستيعاب فيما بين الكعبين إلى الأصابع في المسح ، هذا.
بل لو لم يثبت ما ذكرناه واحتملنا رجوع قوله عليهالسلام « ما بين ... » إلى كل من كلمة بشيء ومن قدميك أيضاً لا يمكن الاستدلال بها على مدعى الجماعة لأنها تصبح مجملة حينئذٍ وتخرج عن قابلية الاستدلال بها في المقام ، ومعه لا بدّ من الرجوع إلى مقتضى إطلاق الآية المباركة والروايات ، والإطلاق يقتضي وجوب كون الممسوح بمقدار ما بين الكعبين إلى الأصابع.
ومنها : الأخبار الواردة في عدم وجوب استبطان الشراكين في المسح ، كصحيحة الأخوين المتقدمة حيث ورد في صدرها : « تمسح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك » (1)وحسنة زرارة بل صحيحته عن الباقر عليهالسلام « إن عليّاً عليهالسلام مسح على النعلين ولم يستبطن الشراكين » (2)وغيرهما من الأخبار.
وهما قبّتا القدمين على المشهور ، والمفصل بين الساق والقدم على قول بعضهم وهو الأحوط (1).
وتقريب الاستدلال بها : أن الشراكين إنما يقعان فيما دون الكعبين ، وعدم وجوب استبطانهما حينئذٍ إما لأجل أن لهما خصوصية من بين أفراد الحائل وأقسامه كالدواء والحناء على ما ورد في الروايات ، حيث إن مسحه كمسح البشرة ، ولأجل ذلك لم يجب استبطانهما بإدخال الإصبع تحتهما ، وإما لأجل عدم وجوب الاستيعاب في المسح من الأصابع إلى الكعبين وكفاية مسمّى المسح طولاً ، وهذا يحصل بالمسح إلى الشراكين ، وحيث إن الأوّل غير محتمل ، لأنه على خلاف الإجماع والضرورة كان الثاني متعيناً لا محالة.
ويدفعه : أن الاستدلال بهذه الروايات إنما يتم بناء على تفسير الكعبين بمفصل الساق والقدم وملتقاهما كما عن العلاّمة قدسسره (1)وجمع ممن تأخّر عنه ، وعلى هذا يتم الاستدلال بها بالتقريب المتقدم كما عرفت.
وأما بناء على ما سلكه المشهور من تفسير الكعبين بالعظم الناتئ فوق ظهر القدم وهو المختار ، فلا وجه للاستدلال المذكور أصلاً ، وذلك لأن الكعب وقتئذٍ إنما يقع فيما دون الشراك أو تحته على نحو يستر الشراك مقداراً من الكعبين ، إذن لا يكون عدم وجوب استبطان الشراك دليلاً على عدم وجوب الاستيعاب في مسح الرجلين طولاً لاستناده إلى خروج موضع الشراك عن مورد المسح وموضعه.
(1) المشهور عند أصحابنا أن الكعبين هما العظمان الناتئان فوق ظهر القدم وهو المعبّر عنه بقبّة القدمين ، لأن كل عال يسمّى كعباً ومنه تسمية الكعبة كعبة. وخالفهم
1) المختلف 1 : 125.
في ذلك العامّة وفسّروا الكعبين بالعظمين الناتئين من يمين الساق وشماله (1).
والتحقيق أنه لا يمكننا تشخيص مفهوم الكعبين بالرجوع إلى تفاسير أهل اللغة وكلمات أصحابنا قدسسرهم للاختلاف في تفسيرهما ، ومن الظاهر أن الرجوع إلى أهل اللغة إنما هو من جهة كونهم أهل الخبرة والاطلاع ، وكونهم من غير الشيعة لا يمنع عن الرجوع إليهم والأخذ بأقوالهم ، وحيث إن المفسرين لمفهومهما من الشيعة وغيرهم مختلفون في تفسيرهما فلا يمكننا الاعتماد على أقوالهم وآرائهم ، ولا يتعيّن أنه قبّة القدم أو العظمان الواقعان عن يمين الساق وشماله ، لاحتمال أن يكون كلاهما كعباً قد يطلق على هذا وقد يطلق على ذاك كما احتمله شيخنا البهائي قدسسره (2).
إذن لا بدّ من المراجعة إلى الروايات ، فان ظهر منها أن الكعب أي شيء فهو وإلاّ فتصل النوبة إلى الأصل العملي.
والأخبار الواردة في تفسيرهما ظاهرة الدلالة على ما ذكره المشهور ، عدا صحيحة الأخوين التي استدلّ بها العلاّمة قدسسره ومن تبعه من الأعلام على أن الكعب عبارة عن مفصل الساق والقدم (3)وإليك نصها :
عن زرارة وبكير « أنهما سألا أبا جعفر عليهالسلام عن وضوء رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم فدعا بطست أو تور فيه ماء فغمس يده اليمنى فغرف بها غرفة فصبها على وجهه إلى أن قال - : فاذا مسح بشيء من رأسه ، أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه ، قال : فقلنا أين الكعبان؟ قال : ها هنا يعني المفصل دون عظم الساق ، فقلنا : هذا ما هو؟ فقال : هذا من عظم الساق والكعب أسفل من ذلك ... » الحديث (4).
ويرد الاستدلال بها : أن الصحيحة غير ظاهرة في إرادة مفصل الساق والقدم
لاحتمال أن يراد بالمفصل قبّة القدم ، لأنه قد يطلق عليه المفصل نظراً إلى أنه مفصل الأشاجع وسائر العظام ، والدليل عليه قوله عليهالسلام « والكعب أسفل من ذلك » فان المفصل عبارة عن خط موهومي وليست فيه مسافة بعد أو قرب ، وقوله هذا يدلنا على أن بين المفصل والكعب مسافة ، ولا يستقيم هذا إلاّ بأن يكون الكعب هو المفصل الواقع في قبّة القدم ، فان بينه وبين مفصل الساق والقدم مسافة ، هذا كله.
على أنّا لو سلمنا ظهور الصحيحة فيما ادعاه العلاّمة وتابعوه فلا مناص من رفع اليد عن ظهورها بحملها على معنى آخر ، جمعاً بينها وبين الأخبار الآتية الدالة على ما سلكه المشهور في تفسير الكعب ، لأن الصحيحة لا تقاوم الأخبار الآتية في الظهور ، وإليك جملة من الأخبار الدالّة على ما ذكره المشهور.
منها : موثقة ميسر عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « ألا أحكي لكم وضوء رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم ثم أخذ كفاً من ماء فصبها على وجهه إلى أن قال - : ثم مسح رأسه وقدميه ، ثم وضع يده على ظهر القدم ثم قال : هذا هو الكعب وقال : وأومأ بيده إلى أسفل العرقوب ثم قال : إن هذا هو الظنبوب » (1)ودلالتها على ما ذهب إليه المشهور غير قابلة للإنكار ، وقوله أخيراً : « إن هذا هو الظنبوب » ورد ردا على العامة المعتقدين أنه هو الكعب.
ومنها : صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن أبي الحسن الرضا عليهالسلام قال : « سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم » (2)فان ظاهر القدم إما عبارة عن أول الأصابع إلى الساق ، أو أنه عبارة عن خصوص العظم الناتي في قبّة القدم ، والأول غير محتمل في الرواية لمكان قوله : « إلى ظاهر القدم » فإنه بيان لقوله : « إلى الكعبين » والمفروض أنّه قد مسح رجله من أول أصابعه إلى ظاهر القدم ، فكيف يمكن معه إرادة أوّل
الأصابع إلى الساق ، فالمعنى الثاني هو المتعيّن في الرواية.
ثم إن هذا على تقدير كون النسخة ظاهر القدم ، وأما بناء على أنها ظهر القدم فالأمر أوضح ، لأن ظهر القدم صحيح الإطلاق على قبّة القدم ، وإذا تمت دلالة الروايتين على ما سلكه المشهور في بيان المراد من الكعب أمكن الجمع بينهما وبين الصحيحة المتقدمة ، بأن الكعب عبارة عن العظم الناتئ في قبّة القدم إلى المفصل ، أعني مفصل الساق والقدم ، بأن تكون الصحيحة واردة لبيان منتهى الكعب والروايتان واردتين لبيان أوّله ، فلا تعارض بين الطائفتين.
بقي الكلام في أن الغاية داخلة في المغيى حكماً أو غير داخلة فيه؟
قد نسب إلى العلاّمة (1)والمحقق الثاني (2)أن الكعبين داخلان في المغيى فيجب مسح الكعبين أعني الغاية كما يجب المسح فيما بينهما إلى الأصابع وهو المغيى.
والتحقيق أن هذا النزاع بناء على أن الكعب هو مفصل الساق والقدم لا يرجع إلى محصل ، فان المفصل خط موهومي غير قابل للتجزية كالنقطة الموهومة ، فكيف يمكن مسحه ببعضه أو بتمامه. نعم لا بأس بهذا النزاع بناء على أن الكعب هو العظم الناتي في قبّة القدم.
إلاّ أن الصحيح أنه مجرّد نزاع علمي من دون أن يترتب عليه أية ثمرة عملية ، وذلك لأنه إن أُريد من دخول الغاية أعني الكعبين في المغيى دخولها بتمامها ، بأن يجب مسح قبّة القدم بتمامها ، ففيه : أن لازم ذلك وجوب الاستيعاب في مسح القدم ، وقد عرفت أن مسح ظاهر القدم بتمامه غير معتبر في الوضوء ، وقد أبطلنا القول بذلك في المباحث السابقة بما لا مزيد عليه للأدلّة المتقدمة في محلِّها (3)، ولا أقل من الأخبار
الدالّة على عدم وجوب الاستبطان تحت الشراكين الصريحة في عدم وجوب الاستيعاب في مسح تمام ظاهر القدم ، وإن أُريد منه إدخال شيء من العظم الناتئ في قبّة القدم في الممسوح ، بأن يمسح ما بين الأصابع إلى مقدار من الكعبين فهو مما لا مناص من الالتزام به من باب المقدمة العلمية وتحصيل الجزم بالامتثال والإتيان بالمأمور به ، لعدم إمكان المسح من الأصابع إلى الكعبين بحده على نحو لا يدخل شيء من المبدأ والمنتهى في المحدود على ما قدمناه في غسل الوجه واليدين. وبهذا تصبح المسألة خالية عن الثمرة العملية ويتمحض النزاع في البحث العلمي الصرف.
وعلى أي تقدير قد اتضح مما سردناه عدم إمكان الاستدلال على وجوب مسح الكعبين بقوله عزّ من قائل ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) بدعوى أن إلى بمعنى مع في الآية المباركة وأن معنى الآية وجوب مسح الأرجل مع الكعبين ، والوجه في عدم تمامية هذا الاستدلال أنه على تقدير تسليم أن إلى بمعنى مع ، إن أُريد بذلك وجوب مسح الكعبين من أوّلهما إلى آخرهما فهو باطل جزماً ، لعدم وجوب الاستيعاب في مسح الرجلين كما مرّ. وإن أُريد به وجوب المسح بشيء منهما فقد عرفت أنه مما لا مناص من الالتزام به من باب المقدمة العلمية ، سواء أكانت الغاية داخلة في المغيّا أم كانت خارجة.
كما أن الاستدلال على دخولهما فيما يجب مسحه بأن الغاية داخلة في المغيى مما لا وجه له ، والوجه فيه عدم كون ذلك من القواعد المسلمة حتى يمكننا الاعتماد عليه في محل الكلام ، لضرورة أنها بعد أول الكلام.
على أنّا لو أغمضنا عن ذلك فلا إشكال في أن الغاية لو كانت داخلة في المغيى فإنما يدخل فيه شيء من أجزائها ، ولم يتوهم أحد كونها داخلة في المغيى بتمامها ، مثلاً إذا قيل : صم من أول النهار إلى الليل ، لم يكن معنى ذلك : صم من أول النهار إلى آخر الليل ، بل معناه بناء على أن الغاية داخلة في المغيى صم من أول النهار إلى مقدار من الليل ، وهذا مما لا مناص من الالتزام به في جميع موارد التحديد من باب المقدمة العلمية كما تقدّم.
ويكفي المسمّى عرضاً ولو بعرض إصبع أو أقلّ (1) ، والأفضل أن يكون بمقدار
وأمّا الاستدلال على وجوب مسح الكعبين بمرسلة يونس المتضمنة على أن أبا الحسن عليهالسلام بمنى مسح ظهر قدميه من الكعب إلى أعلى القدم (1)نظراً إلى أن ظاهرها أنه عليهالسلام قد مسح رجليه من نفس الكعبين ، فيدفعه : ما قدّمناه آنفاً من أن مسح شيء من الكعبين من باب المقدّمة العلمية مما لا مناص من الالتزام به ، سواء قلنا بدخول الغاية في المغيى أم لم نقل ، بعد عدم احتمال مسحه عليهالسلام الكعبين بتمامهما ، لوضوح عدم وجوب الاستيعاب في مسح الرجلين ، ولأجل هذا ذكرنا أن بحثنا هذا مجرد بحث علمي لا يترتب عليه أية ثمرة عملية ، هذا.
والإنصاف أن الحق في هذا البحث العلمي مع القائلين بعدم وجوب مسح الكعبين ، وذلك لصحيحة الأخوين حيث ورد فيها : « فاذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه » (2)لصراحة ذلك في أن المقدار الذي يجب مسحه إنما هو المقدار الواقع بين الكعبين وأطراف الأصابع ، دون الكعبين بعينهما ، وهذا واضح.
وفي طهارة المحقق الهمداني : فإذا مسحت بشيء مما بين كعبيك إلى آخر أطراف أصابعك (3)وهو اشتباه فليلاحظ ، هذا كله في مسح الرجلين بحسب الطول ، وأما عرضاً فقد أشار إليه الماتن قدسسره بقوله : ويكفي المسمى عرضاً.
(1) هذا هو المعروف بين أصحابنا ( قدس اللّه أسرارهم ) وعن الصدوق في الفقيه
1) قال أخبرني من رأى أبا الحسن عليهالسلام بمنى يمسح ظهر القدمين من أعلى القدم إلى الكعب ومن الكعب إلى أعلى القدم ، ويقول الأمر في مسح الرجلين موسع من شاء مسح مقبلاً ومن شاء مسح مدبراً. فإنه من الأمر الموسع إن شاء اللّه. المروية في الوسائل 1 : 407 / أبواب الوضوء ب 20 ح 3.
2) الوسائل 1 : 388 / أبواب الوضوء ب 15 ح 3.
3) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 161 السطر 28.
عرض ثلاث أصابع ، وأفضل من ذلك مسح تمام ظهر القدم (1)،
وجوب المسح على جميع الأصابع بمقدار الكف (2)، وإليه مال المحقق الأردبيلي قدسسره فيما حكي عنه (3)وعن المفاتيح أنه لولا الإجماع لجزمنا به (4)، ونسب إلى ظاهر النهاية (5)والمقنعة (6)وجوب المسح بمقدار عرض إصبع واحدة. وعن الإشارة (7)والغنية (8)أن الأقل إصبعان. وعن بعضهم لزوم كون المسح بمقدار ثلاث أصابع ، هذه هي أقوال المسألة.
أمّا القول بوجوب المسح بالإصبع الواحدة في الرجلين ، فلم يدلنا عليه أي دليل نعم ورد في بعض الأخبار مسح الرأس بالإصبع الواحدة ، ولكنّا قدّمنا هناك أن المسح بها من باب أنه أقل ما يمكن به المسح المأمور به ، لا من جهة أنه المأمور به بالخصوص.
على أنّا ذكرنا أن باطن الإصبع شبيه بالدائرة ، فالمسح به أقل من عرض الإصبع الواحدة ، ولعل القائل بذلك أراد كفاية المسمى في المسح المأمور به.
وأمّا القول باعتبار كون المسح بالإصبعين فهو أيضاً مما لم نعثر عليه بدليل ولو كان رواية ضعيفة.
وأمّا اعتبار كون المسح بثلاثة أصابع فيأتي أن مدركه هو ما رواه معمر بن عمر عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « يجزئ من المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع
وكذلك الرجل » (1)وسيأتي أنها رواية ضعيفة غير قابلة للاستدلال بها على شيء. على ان القائل بذلك غير معلوم. إذن العمدة في المقام هو ما نسب إلى الصدوق قدسسره من وجوب مسح الجميع بالكف (2).
وقد يستدل عليه بصحيحة البزنطي عن أبي الحسن الرضا عليهالسلام قال : « سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم ، فقلت : جعلت فداك لو أن رجلاً قال بإصبعين من أصابعه هكذا ، فقال : لا ، إلاّ بكفيه ( بكفه ) كلّها » (3)وقد دلت على أن المسح لا بدّ أن يكون بالكف على الأصابع.
ويؤيد ذلك برواية عبد الأعلى مولى آل سام قال « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال : يعرف هذا وأشباهه من كتاب اللّه عزّ وجلّ ، قال اللّه تعالى ( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) امسح عليه » (4).
والوجه في التأييد واضح ، لأن المسح على جميع الأصابع إذا لم يكن مأموراً به في الوضوء لم يكن وجه لسؤال الراوي بعد ما عثر وانقطع ظفره وجعل عليه مرارة بقوله : كيف أصنع ، لوضوح أنه وقتئذٍ يمسح على بقية أصابعه فما الموجب لتحيره وسؤاله. فمن ذلك ومن جوابه عليهالسلام « امسح عليه » يظهر بوضوح أن مسح الأصابع بأجمعها أمر معتبر في المأمور به وأنّ وجوبه من الأُمور المرتكزة في أذهانهم ، ومن هنا أوجب عليهالسلام المسح على المرارة بدلاً من الإصبع من دون أن يردع السائل عما كان مرتكزاً في ذهنه.
واحتمال أن سؤاله : كيف أصنع ، سؤال عن المسح المستحب ، كاحتمال وجود المانع
في بقية أصابعه بعيد غايته ، ومقتضى الصحيحة المتقدمة المؤيدة بتلك الرواية هو ما ذهب إليه الصدوق قدسسره من وجوب كون المسح بالكف على جميع الأصابع.
وقد يقال : إن الصحيحة معارضة بعدة روايات دلتنا على كفاية المسمى في مسح الرجلين بحسب العرض.
منها : صحيحة الأخوين « وإذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك » (1)أو « إذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه » كما في صحيحتهما الأُخرى (2)بدعوى أن ظاهرهما كفاية المسمى من المسح في القدمين.
ويدفعه : أن ذلك يبتني على أن يكون قوله عليهالسلام « ما بين ... » بياناً للقدمين ، ليكون حاصله أنه إذا مسح بشيء مما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه ، فيدلنا على كفاية المسح عرضاً ، بل وعلى كفايته بحسب الطول أيضاً ، وأما إذا كان بياناً للشيء كما لعلّه الظاهر منه ، لأنه يقتضي أن يكون قوله عليهالسلام « ما بين ... » توضيحاً للشيء ، وحاصله أنه إذا مسح بما بين كعبيه إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه فلا دلالة للروايتين على كفاية المسمّى بوجه ، بل مقتضاها لزوم المسح في تمام ما بين الكعبين إلى الأصابع.
ومنها : صحيحة زرارة قال : « قلت لأبي جعفر عليهالسلام ألا تخبرني من أين علمت وقلت إن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين إلى أن قال فعرفنا حين وصلهما بالرأس أن المسح على بعضهما ... » (3)وهي صريحة الدلالة على كفاية المسمّى في مسح الرجلين.
ويرده : أن الظاهر من الصحيحة إنما هي بصدد الردع عما التزم به المخالفون ، من وجوب كون المسح على باطن الرجل وظاهرها ، كما ورد الأمر بذلك في بعض رواياتنا أيضاً (1).
وقد دلتنا على أن مسح كل من باطن الرجل وظاهرها غير واجب في المأمور به بل يكفي المسح ببعضهما أعني ظاهرهما ، وذلك لأن ظاهر الرجل بتمامه بالإضافة إلى المجموع من ظاهرها وباطنها مما يصدق عليه بعض الرجل ، فإطلاق البعض في الصحيحة يحتمل أن يكون في قبال الظاهر والباطن ، ومن الواضح أن تمام ظاهر الرجل في مقابل الباطن والظاهر بعض الرجل. إذن لا دلالة للصحيحة على كفاية مسمّى المسح أعني مسح بعض الظاهر من الرجل ، ومعه كيف يصح أن تكون معارضة لصحيحة البزنطي المتقدمة.
ومنها : رواية معمر بن عمر عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « يجزئ من المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع ، وكذلك الرجل » (2)وهي أيضاً صريحة الدلالة على كفاية المسح موضع ثلاث أصابع في الرجل ، وعدم وجوب المسح في تمامها ، وعلى هذه الرواية اعتمد القائلون بوجوب كون المسح بمقدار ثلاث أصابع.
ولكن يردها : أن الرواية وإن كانت صريحة الدلالة على المدعى ، وأن مسح جميع الأصابع بالكف غير معتبر في الوضوء ، إلاّ أنها ضعيفة السند ، لأن معمر بن عمر مجهول لم يوثقه أهل الرجال. وفي طهارة المحقق الهمداني قدسسره معمر بن خلاد بدل معمر بن عمر (3)وهو من الثقات إلاّ أنه مبني على الاشتباه ، لأن الراوي لها في
1) كرواية سماعة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « إذا توضأت فامسح قدميك ظاهرهما وباطنهما » والمرفوعة إلى أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « في مسح القدمين ومسح الرأس ، فقال : مسح الرأس واحدة من مقدم الرأس ومؤخره ، ومسح القدمين ظاهرهما وباطنهما » المرويتين في الوسائل 1 : 415 / أبواب الوضوء ب 23 ح 6 ، 7.
2) الوسائل 1 : 417 / أبواب الوضوء ب 24 ح 5.
3) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 157 السطر 35.
كتب الحديث معمر بن عمر دون غيره.
ومنها : ما رواه جعفر بن سليمان عمه (1)أو عن عمه (2)قال « سألت أبا الحسن موسى عليهالسلام قلت : جعلت فداك يكون خف الرجل مخرقاً فيدخل يده فيمسح ظهر قدميه أيجزئه ذلك؟ قال : نعم » (3)ودلالتها على المدعى أعني كفاية مسمّى المسح ، وعدم وجوب مسح الأصابع كلها بالكف كدلالة الرواية المتقدمة عليها ظاهرة ، لأن الخرق بحسب العادة المتعارفة أي مقدار فرضنا له من السعة لا تبلغ حداً يدخل فيه الكف بتمامه ليمسح به الأصابع وظهر القدم ، بل إنما يكون مقداراً يدخل فيه الإصبع الواحدة ويمسح بها مقداراً من ظهره.
إلاّ أنها أيضاً كسابقتها ضعيفة السند وغير قابلة للاستدلال بها على شيء ، لعدم توثيق جعفر بن سليمان وجهالة حاله ، هذا على تقدير أن تكون النسخة جعفر بن سليمان عمّه أي عم الراوي المتقدم عليه في السند ، وهو القاسم بن محمد ، وأما بناء على أن النسخة جعفر بن سليمان عن عمه فالأمر أشكل لأن عم الرجل مجهول. وفي سند الرواية علي بن إسماعيل ، وقد وقع الكلام في أن المراد به أي شخص ، فنقل الكشي عن نصر بن الصباح أنه علي بن إسماعيل السندي وحكم بوثاقته (4)، وهذه الدعوى منه غير ثابتة إذ لم نرَ رواية يقع في سندها علي بن إسماعيل السندي ، وشهادة نصر بن الصباح على أنه هو السندي لا اعتداد بها كما لا يخفى.
واستظهر سيدنا الأُستاذ ( مدّ ظله ) أن علي بن إسماعيل المذكور في سند روايات كثيرة من هذه الطبقة منصرف إلى علي بن إسماعيل بن عيسى الثقة ، وقال : سيجيء الكلام في اتحاده مع علي بن السندي وعدمه. وذكر في ترجمة علي بن السندي أن
الاتحاد لم يثبت ، لاحتمال تعددهما واشتراكهما في بعض الرواة والمروي عنهم لوحدة الطبقة ، فعلى هذا لا بدّ من الحكم بوثاقة السند من هذه الجهة وإن كان ضعيفاً من جهة جعفر بن سليمان.
نعم ، ذكر ( مدّ ظله ) عند التعرض لترجمة علي بن السندي أنه قد تقدم في ترجمة علي بن إسماعيل بن شعيب أن علي بن إسماعيل في هذه الطبقة ينصرف إلى علي بن إسماعيل بن شعيب ، وهذا ينافي ما قدّمنا نقله فراجع تمام كلامه وتأمّل في جهاته وأطرافه (1).
وإلى هنا تحصل أن صحيحة البزنطي المؤيدة برواية عبد الأعلى مما لا معارض لها ومن هنا مال المحقق الأردبيلي قدسسره إلى وجوب مسح الأصابع كلها بالكف (2)، وذكر صاحب المفاتيح أنه لولا الإجماع على خلافه لكان القول به متيقناً (3)، هذا.
ومع ذلك كله الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور في المسألة ، من كفاية المسمّى في مسح ظاهر الرجلين بحسب العرض ، وذلك لعدم إمكان الاعتماد على صحيحة البزنطي من وجوه :
الأوّل : أن الصحيحة على ما في الوسائل المطبوعة جديداً مشتملة على لفظة « بكفيه » (4)كما أن نسخة التهذيب أشبه أن تكون كذلك (5)وقد نقلت الرواية في الوافي مشتملة على لفظة « بكفه » (6)، فعلى تقدير أن تكون الرواية مشتملة على لفظة « بكفيه » يتعيّن حملها على التقيّة ، لأن الظاهر المتفاهم لدى العرف من مسح الرجل
بكفين إنما هو مسح ظاهر الرجل بإحداهما ومسح باطنها بالأُخرى ، وهذا موافق لمذهب المخالفين ومخالف للمذهب الحق عندنا ، فلا مناص من حمل الرواية على التقيّة وقتئذٍ ، وهذا بخلاف ما إذا كانت الرواية مشتملة على لفظة « بكفه » إذ لا موجب للحمل على التقيّة معه ، وهذا ظاهر. إذن فلا مناص من الفحص التام عن النسخ الصحيحة حتى يظهر أن الرواية مشتملة على أيتهما ، فإن ظهرت إحداهما فهو ، وإلاّ أصبحت الرواية مجملة وسقطت عن الاعتبار ، لجهالة أنها مشتملة على أية لفظة.
الثاني : أن مقتضى قانون الإطلاق والتقييد تقييد صحيحة البزنطي بمثل صحيحة زرارة وغيرها مما دلّ على أن الواجب إنما هو مسح بعض الرجلين لا تمامهما ، وحمل المسح في المجموع على الندب والاستحباب ، وذلك لأنّا قد أثبتنا بمقتضى الأخبار الواردة في المقام أن المراد بالكعب هو قبّة ظاهر القدم دون العظمين الناتئين عن يمين الساق وشماله. وقد أسلفنا أن المسح في الرجل لا بدّ أن ينتهي إلى الكعبين بحسب الطول ، ولا يكفي مسمّى المسح طولاً ، وعليه لا بدّ من أن يكون المراد بالأرجل في الآية المباركة خصوص ظاهر الرجلين ، لأن الظاهر هو المشتمل على الكعب دون الباطن بالخصوص ، ولا ما هو أعم من الظاهر والباطن ، حيث ليس في باطن الرجل كعب ينتهي إليه المسح المأمور به.
اللّهمّ إلاّ أن يراد بالكعب في الباطن المحل المحاذي لقبة القدم في ظاهر الرجل ولكنه إضمار وتقدير ، ولا قرينة على ارتكابه بوجه ، فإذا أُريد بالرجل ظاهرها ودخلت عليه كلمة الباء فلا محالة تدلنا على إرادة بعض ظاهر الرجل ، فقوله عليهالسلام « فعرفنا حين وصلهما بالرأس أن المسح على بعضهما » أي على بعض ظاهر الرجلين ، ومعه تصبح الصحيحة كالصريحة في كفاية المسمى في مسح الرجلين بحسب العرض ، لعدم إمكان إرادة البعض بحسب الطول بمقتضى الأخبار المتقدمة الدالة على لزوم انتهاء المسح إلى الكعبين طولاً.
وبعبارة أُخرى : تارة تكون كلمة الباء داخلة على الرجلين من دون تقييدهما بشيء ، وتدل حينئذٍ على إرادة البعض منهما ، ومعه يمكن أن يقال إن ظاهرهما إرادة
بعض من الرجلين فلا دلالة لمثله على كفاية مسح بعض ظاهرهما. وأُخرى تدخل الباء على الرجلين المقيدتين بالكعبين ، وحينئذٍ تدلنا على إرادة بعض ظاهرهما فقط لأنه لا وجود للكعب في باطنهما ، فذكره يكون قرينة على إرادة الظاهر فحسب ، وكلمة الباء تقتضي حينئذٍ إرادة بعض ذلك الظاهر ، وبذلك نقيد صحيحة البزنطي لا محالة.
الثالث : أن عدة من الروايات دلتنا على أن من نسي مسح رأسه حتى دخل في الصلاة لم تجب عليه إعادة الوضوء من أوله ، بل إذا كانت في لحيته أو حاجبيه أو أشفار عينيه بلّة بقدر ما يمسح به رأسه ورجليه أخذ البلل من لحيته أو أشفار عينيه أو غيرهما ثم يصلي ، ومن جملتها موثقة مالك بن أعين (1)عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « من نسي مسح رأسه ثم ذكر أنه لم يمسح رأسه ، فإن كان في لحيته بلل ، فليأخذ منه وليمسح رأسه ، وإن لم يكن في لحيته بلل فلينصرف وليعد الوضوء » (2).
ومقتضى هذه الروايات كفاية المسمى في مسح الرجلين ، لقضاء العادة على أن البلل المتخلف في الحاجبين أو الأشفار أو اللحية لا يكون بمقدار يفي لمسح جميع ظاهر الرجلين ، فبهذا أيضاً نقيد إطلاق الصحيحة المتقدمة فلاحظ.
نعم ، قد يحتمل أن تكون هذه الروايات مختصة بمن نسي مسح رأسه فليكن المسمّى كافياً في حقه في مسح الرجلين ، ولا دلالة لها على كفاية المسمى في غير ناسي المسح. ويندفع بأن الأخبار المتقدمة وإن كانت واردة في خصوص ناسي المسح ، غير أن المستفاد منها أنه لا خصوصية للناسي في الحكم المذكور ، بل إنما هو يمسح بالمقدار الذي يعتبر في المسح لولا النسيان ، وذلك لقوله عليهالسلام في بعضها : « إن كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه ورجليه ، فليفعل ذلك وليصل » (3)فالمقدار الذي يعتبر مسحه في الوضوء مقدار واحد في كل من الناسي وغيره ، إلاّ أن الناسي له أن يأخذ
ويجزئ الابتداء بالأصابع وبالكعبين (1) ،
البلل من لحيته وحاجبيه ونحوهما.
الرابع : السيرة المتحققة بين المتشرعة ، فإنها حجة ممضاة من غير نقاش ، والسر في ذلك ظاهر ، فان المكلف يبتلي بالوضوء في كل يوم ثلاث مرات على الأقل فلو كان الاستيعاب في مسح الرجلين واجباً في مثله كما ادّعاه الصدوق قدسسره لظهر وبان ، ولكان ذلك من الأُمور الواضحة عندهم ، فالتسالم القطعي بين أصحابنا قدسسرهم كاشف قطعي عن عدم وجوب الاستيعاب في مسح الرجلين ، حيث لم ينقل ذلك عن غير الصدوق قدسسره نعم مال إليه المحقق الأردبيلي قدسسره على ما حكي كما عرفت. وعلى ذلك لا مناص من رفع اليد عن صحيحة البزنطي وتقييدها بمقتضى الأدلّة الأربعة المتقدمة ، والاكتفاء في مسح الرجلين بالمسمّى عرضاً.
فقد اتضح بما ذكرناه أن الحق هو ما ذهب إليه المشهور في المسألة بعد ما قدمناه من بطلان الأقوال الأُخر كما مر.
(1) وقد يعبّر عن ذلك بالمسح مقبلاً ومدبراً ، والوجه في كفاية المسح من طرف الكعب إلى الأصابع صحيحة حماد عن أبي عبد اللّه عليهالسلام المروية تارة في خصوص مسح القدمين قال « لا بأس بمسح القدمين مقبلاً ومدبراً » (1)وأُخرى في مسح الوضوء قال : « لا بأس بمسح الوضوء مقبلاً ومدبراً » (2)ومن هنا احتمل اتحاد الروايتين على ما أشرنا إليه في مسح الرأس.
ومرسلة يونس قال : « أخبرني من رأى أبا الحسن عليهالسلام بمنى يمسح ظهر القدمين من أعلى القدم إلى الكعب ومن الكعب إلى أعلى القدم ويقول : الأمر في مسح الرجلين موسّع ، من شاء مسح مقبلاً ومن شاء مسح مدبراً ، فإنه من الأمر الموسع
إن شاء اللّه » (1)وقوله « من أعلى القدم » أُريد منه الأصابع بقرينة قوله « إلى الكعب ».
هذا على أن جواز النكس هو المطابق للقاعدة ، لإطلاق الآية المباركة والأخبار الآمرة بمسح الرجلين إلى الكعبين من دون تقييده بشيء ، كما لا يخفى على من لاحظ الأخبار البيانية الواردة في الوضوء. وليس في البين ما يقتضي وجوب المسح من الأصابع إلى الكعبين غير قاعدة الاشتغال بناء على أن المورد مورد الاشتغال دون البراءة إلاّ أن من الواضح أن أصالة الاشتغال مما ليس له معارضة الأخبار والدليل.
وقد جاء في كلام المحقق الهمداني قدسسره : والوضوءات البيانية (2)ولم نقف نحن على شيء من الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية يدلنا على أن المسح لا بدّ أن يكون من طرف الأصابع إلى الكعبين.
وأما ما ورد في الآية المباركة وبعض الأخبار المتقدمة من تحديد مسح الرجلين إلى الكعبين ، فقد تقدم أن قوله ( إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) غاية للممسوح دون المسح ، كما أن الغاية في غسل الوجه واليدين غاية للمغسول دون الغسل ، هذا كله في جواز المسح نكساً.
فهل يجوز المسح بغير ذلك من الأنحاء والكيفيات ، كما إذا مسح نصف رجله مقبلاً ونصفها الآخر مدبراً ، بأن مسح إلى منتصف القدم من طرف الأصابع ، ومسح النصف الآخر من طرف الكعبين فتلاقيا في الوسط ، أو مسح من اليمين إلى الشمال وبالعكس أو مسح مؤرباً أو لا يجوز؟
فيه خلاف بين الأصحاب ( قدس اللّه أسرارهم ) وذهب المحقق الهمداني قدسسره إلى عدم الجواز (3). ويبتني هذه المسألة على تحقيق أن مقتضى الإطلاقات وصحيحة البزنطي أعني القاعدة الأولية مع قطع النظر عن صحيحة حماد أي
والأحوط الأوّل كما أن الأحوط (1)تقديم الرِّجل اليمنى على اليسرى وإن كان الأقوى جواز مسحهما معاً. نعم لا يقدِّم اليسرى على اليمنى (1)
شيء؟ فهل مقتضى القاعدة عدم جواز المسح إلاّ من طرف الأصابع إلى الكعبين ، وقد خرجنا عن مقتضى القاعدة والإطلاقات في خصوص المسح نكساً بدلالة صحيحة حماد المتقدمة ، فتبقى بقية الكيفيات تحت القاعدة وإطلاقات المنع ، أو أن القاعدة والإطلاقات لا يقتضيان عدم جواز المسح بسائر الكيفيات؟
الثاني هو الصحيح ، وذلك لأن الآية المباركة والأخبار الواردة في الوضوءات البيانية لا تعرض في شيء منهما على الكيفية المعتبرة في المسح المأمور به ، وقد أسلفنا أن التحديد في الآية المباركة وفي بعض الأخبار البيانية بقوله ( إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) إنما يرجع إلى الممسوح دون المسح.
وصحيحة البزنطي المتقدمة أيضاً كذلك ، لأنها بصدد بيان المقدار المعتبر بحسب الكم ، ومن هنا سأله الراوي عن جواز المسح بإصبعين ، وليس لها نظر إلى بيان الكيفية المعتبرة في المسح ، فعلى ذلك مقتضى إطلاق قوله عزّ من قائل ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ) (2)وإطلاق الأخبار الآمرة بمسح الرأس والرجلين كما في الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية ، جواز المسح كيف ما اتفق ، فلا مانع من مسح مقدار من الرجل مقبلاً ومقدار آخر مدبراً ، والمسح من اليمين إلى الشمال أو بالعكس أو المسح مؤرباً.
(1) ذهب جمع كثير من الأصحاب ( قدس اللّه أسرارهم ) إلى عدم اعتبار الترتيب في مسح الرجلين ، وأن للمتوضئ أن يمسحهما معاً ، كما له أن يمسح على اليسرى مقدماً
على مسح اليمنى وبالعكس. وذهب جماعة آخرون من قدماء أصحابنا ومتأخريهم قدسسرهم إلى اعتبار الترتيب بينهما ، وأنه لا بدّ من تقديم مسح اليمنى على اليسرى ، بل ادعي على ذلك الإجماع في بعض الكلمات ، وهذا القول وإن ذهب إليه جمع كثير إلاّ أن القائل بالقول الأول أكثر فهو الأشهر وذاك مشهور.
والتزم جماعة قليلون بالتخيير بين مسح الرجلين معاً ومسح إحداهما قبل الأُخرى إلاّ أنه على تقدير عدم مسحهما معاً يقدم اليمنى على اليسرى كما اختاره الماتن قدسسره هذه هي أقوال المسألة ومنشأ الخلاف هو اختلاف الأنظار فيما يستفاد من الروايات.
ويدلُّ على القول الأشهر إطلاق الآية المباركة والأخبار الواردة في الوضوءات البيانية ، حيث اشتملت على الأمر بمسح الرجلين من دون أن يتعرض إلى اعتبار الترتيب بينهما ، بل وسكوته عليهالسلام عن بيان ذلك مع كونه بصدد البيان وناظراً إلى اعتبار الترتيب بين أفعال الوضوء ، حيث قال عليهالسلام « ابدأ بما بدأ اللّه به فاغسل وجهك أوّلاً ، ثم اغسل اليدين ، ثم امسح على رأسك ورجليك » (1)ولكنه سكت عن بيان اعتبار الترتيب في مسح الرجلين.
وبإزاء ذلك صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في حديث قال : « امسح على القدمين وابدأ بالشق الأيمن » (2)مؤيدة ببعض الأخبار الضعاف كرواية أبي هريرة وغيرها (3)كما ورد في قباله أيضاً التوقيع المروي عن الاحتجاج عن الحميري عن صاحب الزمان عليهالسلام « أنه كتب إليه يسأله عن المسح على الرجلين بأيهما يبدأ باليمين أو يمسح عليهما جميعاً معاً؟ فأجاب عليهالسلام يمسح
عليهما جميعاً معاً ، فان بدأ بإحداهما قبل الأُخرى فلا يبدأ إلاّ باليمين » (1)إذا عرفت ذلك فليتكلم في جهتين :
الجهة الاولى : في أن صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة هل تصلح أن يقيد بها الإطلاقات المتقدمة الدالّة على عدم اعتبار الترتيب في مسح الرجلين ، أو أنها غير صالحة لذلك ، فعلى تقدير كونها صالحة للتقييد بها يسقط بذلك القول الأشهر لا محالة. ثم بعد ذلك نتكلم في الجهة الثانية ، في أن خبر الاحتجاج هل يرفع به اليد عن إطلاق صحيحة محمد بن مسلم فنقيدها لأجله بما إذا لم يمسحهما جميعاً ، أو أنه غير صالح لذلك؟ فعلى الأول يثبت به ما ذهب إليه الماتن ( قدس اللّه سره ) كما أنه على الثاني يثبت به قول المشهور في المسألة ، فتجب مراعاة الترتيب في مسح الرجلين بتقديم مسح اليمنى على اليسرى.
أمّا الجهة الأُولى : فقد ذكر المحقق الهمداني قدسسره أن الصحيحة ومؤيداتها لا تصلح أن تكون مقيدة لتلك المطلقات الكثيرة الواردة في محل الحاجة ، وأن رفع اليد عن إطلاق الآية والروايات بالتزام إهمالهما أو احتفائهما بقرائن حالية أو مقالية ، أو بالتزام كونها مسوقة لبيان الحكم الظاهري دون التكليف الواقعي ، أو غير ذلك مما يصحح به تأخير ذكر القيد عن وقت الحاجة في مثل هذا الحكم العام البلوى ، ليس بأهون من حمل الأمر في هذه الصحيحة ومؤيداتها على الاستحباب (2).
ولكن الظاهر أن الأمر ليس كما أُفيد ، لأنه لا محذور في تقديم الصحيحة على كل من إطلاقي الآية والروايات ، أما إطلاق الآية المباركة فلأنه ما من إطلاق كتابي إلاّ وهو مقيد بشيء ، حيث إنه سبحانه لم يتعرّض للخصوصيات المعتبرة في كل عبادة أو معاملة ، بل إنما أوكل بيانها إلى النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم وأوصيائه عليهمالسلام فلا مانع من رفع اليد عن إطلاق الآية المباركة بتلك الصحيحة أبداً.
وأمّا إطلاقات الأخبار البيانية الآمرة بمسح الرأس والرجلين فهي كإطلاق الآية المباركة ، وقد عرفت أنه لم ترد لبيان الكيفيات المعتبرة في المسح ، فلا محذور في تقديم الصحيحة عليها.
والعمدة في المقام هي الروايات المتكفلة لبيان الترتيب المعتبر بين أفعال الوضوء لأنها مع كونها في مقام البيان لم يتعرض للترتيب المعتبر في مسح الرجلين ، بل إنما أمرت بالبدء بما بدأ اللّه به من غسل الوجه أوّلاً ثم غسل اليدين ثم مسح الرأس والرجلين.
ويمكن الجواب عن ذلك بأن عدم تعرض الرواة لكيفية مسح الامام عليهالسلام مع أنه قد مسحهما بكيفية من الكيفيات لا محالة ، لاستحالة تحقق المسح المطلق خارجاً ، إنما هو من جهة عدم كون مسحه عليهالسلام مغايراً عن الطريقة المتعارفة المرسومة عند الناس ، أعني مسح اليمنى قبل مسح اليسرى ، فلعله لأجل كونه على الوجه المتعارف لم يتعرضوا لنقل كيفيته ، فلو كان عليهالسلام قد مسحهما على النحو غير المتعارف كمسحهما معاً مثلاً ، أو بتقديم اليسرى على اليمنى لنقلوها لا محالة. فلو ادّعى مدّعٍ القطع بأن الترتيب المعتبر لو كان على غير الطريقة المتعارفة لنقله الرواة لا محالة ، لم يكن دعواه دعوى بعيدة ، وعليه فإطلاق هذه الروايات وسكوتها عن التعرض للترتيب وهي في مقام البيان دليل على ما أشرنا إليه من اعتبار الترتيب المتعارف في مسح الرجلين ، ومع الإغماض عن ذلك فالقدر المتيقن أنها غير متكفلة إلاّ للترتيب الوارد في الكتاب ، وليست بصدد بيان غيره من الكيفيات المعتبرة في الوضوء. ومن هنا لم يتعرّض في جملة من الروايات لبيان الترتيب المعتبر في غسل اليدين ، مع أن الترتيب بينهما مما لا كلام في اعتباره.
فالمتحصل أنه لا مانع من تقييد الإطلاقات المذكورة بالصحيحة المتقدمة ، وبذلك يظهر ضعف القول الأشهر وسقوطه عن الاعتبار.
والأحوط (1)أن يكون مسح اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى (1) وإن كان لا يبعد جواز مسح كليهما بكل منهما
وأمّا الجهة الثانية : وأن خبر الاحتجاج هل يصلح أن يقيد به صحيحة محمد بن مسلم أو أنه غير صالح لذلك ، فيبتني ذلك على أن طريق الطبرسي إلى الحميري طريق معتبر كما التزم به بعضهم ، أو أنه مما لم يثبت اعتباره؟ وقد ناقشنا فيه سابقاً وقلنا إن طريقه لم يعلم اعتباره ، فعلى الأول لا مناص من تقييد الصحيحة بذلك ، ولا يضره عدم عمل المشهور على طبقه ، لاحتمال أن يكون الوجه في ذلك عدم عثورهم عليه لعدم نقله في الجوامع المعتبرة كالتهذيب والكافي والفقيه ، وبه يثبت ما ذكره الماتن قدسسره من أن المكلف مخيّر بين مسح الرجلين معاً ومسح إحداهما قبل الأُخرى ، إلاّ أنه إذا مسح إحداهما دون الأُخرى لا بدّ من أن يقدّم مسح اليمنى على اليسرى.
وأما على الثاني كما هو الصحيح ، فالخبر ضعيف وبه تبقى الصحيحة خالية عن المعارض ، فالأخذ بها والحكم بثبوت الترتيب بين مسح الرجلين لو لم يكن أقوى فلا أقل من أنه أحوط.
(1) بل هذا هو المتعيّن ، وذلك لأن الدليل على جواز المسح في كل من الرجلين بكل من اليدين كمسح اليسرى باليمنى وبالعكس أو مسح كليهما باليمنى أو كلتيهما باليسرى ، إنما هو الإطلاق في الكتاب العزيز والأخبار البيانية الآمرة بمسح الرأس والرجلين من غير تعيين آلة المسح ، ولكنّا قيدنا إطلاقهما من هذه الجهة بما تقدم من الروايات الواردة في لزوم أن يكون المسح باليد ، وأما إطلاقهما من حيث كونه باليد اليمنى أو اليسرى فهو باق بحاله ، ومقتضاه جواز المسح في كل من الرجلين بكل واحدة من اليدين.
1) (*) لا يترك هذا الاحتياط.
وكذا يدل عليه سكوتهم عليهمالسلام في مقام البيان كما في الأخبار المتعرضة لاعتبار بعض الخصوصيات في الوضوء ، حيث لم يتعرض لاعتبار مسح اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى ، فلو كان ذلك أيضاً معتبراً في المسح والوضوء لبيّنه الامام عليهالسلام كغيره ، لأنه كان في مقام البيان.
نعم ، ورد في صحيحة زرارة « وتمسح ببلّة يمناك ناصيتك وما بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى ، وتمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى » (1)وهي وإن كانت واضحة الدلالة على التعيين ، إلاّ أن الماتن قدسسره حملها على الاستحباب وبيان أفضل الأفراد ، تقديماً لإطلاق الكتاب والأخبار الكثيرة المتقدمة وسكوت بعضها عن اعتبار ذلك وهي في مقام البيان.
ويردّه : ما أشرنا إليه في المسألة المتقدمة ، من أنه ليس هناك أي مانع من تقييد الإطلاقات المذكورة بالرواية المعتبرة ، لأن المطلقات ليست بصدد البيان من تلك الناحية ، وحيث إن الصحيحة ظاهرة في التعيين ووجوب مسح اليمنى باليد اليمنى واليسرى باليد اليسرى ، لأن قوله عليهالسلام « وتمسح » جملة فعلية ظاهرة في الوجوب ، لكونها في مقام الإنشاء وقد تقدم أنها جملة مستقلة وغير معطوفة على فاعل « يجزئك » المتقدم في صدر الصحيحة ، فلا مانع من تقديمها على إطلاقات الكتاب والسنّة بوجه.
وأمّا الأخبار الساكتة عن بيان ذلك وهي في مقام البيان ، فالتحقيق كما قدمناه أن عدم تعرّض الرواة لنقل هذه الخصوصية من جهة أن مسحهم عليهمالسلام كان على النحو المتعارف عندنا ، أعني مسح اليمنى باليد اليمنى واليسرى باليد اليسرى ، وإلاّ فلو كان مسحهم عليهمالسلام على غير الطريقة المتعارفة ، بأن كان كالأكل من القفا أعني مسح اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى ، لوجب على الرواة نقل تلك الخصوصية لا محالة ، لأنها خصوصية زائدة يجب نقلها في مقام الحكاية والاخبار. إذن لا تبقى دلالة في ذلك على كفاية المسح مطلقاً.
1) الوسائل 1 : 387 / أبواب الوضوء ب 15 ح 2.
وإن كان شعر على ظاهر القدمين فالأحوط الجمع بينه (1)وبين البشرة في المسح (1)
نعم ، يمكن أن يقال إن عملهم عليهمالسلام لا يدل على وجوب ذلك وتعينه لاحتمال أن يكون مسح اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى مستنداً إلى استحبابه ولأجله لم يهتم الرواة بنقله ، ولكن هذا الاحتمال غير مانع عن الأخذ بظاهر الصحيحة في الوجوب كما هو ظاهر.
فالمتحصل أن المتعيّن مسح الرجل اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى.
(1) قد مرّ وعرفت أن الشعر النابت على الوجه لا بدّ من غسله في الوضوء ، ولا يجزئ غسل البشرة عن غسله ، وأما النابت على اليدين فقد عرفت أنه لا بدّ من غسله مع اليدين كوجوب غسل غيره من التوابع كاللحم الزائد ، إذ الإصبع الزائدة النابتة بين الأصابع والمرافق وإن لم يكن غسله مجزئاً عن غسل البشرة ، إلاّ أنه تبعاً للبشرة لا بدّ من غسله معها.
وأما النابت على الرأس فهو أيضاً لا بدّ من مسحه ويجزئ عن مسح نفس البشرة لأن الشعر وإن كان جسماً خارجياً غير الرأس الواجب مسحه ، إلاّ أن الرأس لما لم يكن خالياً عن الشعر غالباً أو دائماً كان الأمر بمسح الرأس راجعاً إلى الأمر بمسح ما عليه من الشعر ، لغلبة وجوده معه.
وأما الشعر النابت على الرجلين ، فقد وقع محل الخلاف بين الأعلام ، فمنهم من ذهب إلى عدم إجزاء مسح الشعر عن مسح البشرة فلا بدّ من مسح بشرتهما ، نظراً إلى
1) (*) إذا كان الشعر بالمقدار المتعارف فلا ريب في جواز المسح على ظاهر القدم على ما هي عليه ، وإذا كان خارجاً عن المتعارف فلا ريب في تعيّن المسح على البشرة.
أن كلمة الرِّجل موضوعة لنفس البشرة ، والشعر جسم خارجي قد ينبت على الرجلين وقد لا ينبت ، فالأمر بمسح الرجلين يقتضي وجوب مسح بشرتهما وعدم كفاية مسح الشعر عن مسحهما.
ومنهم من قال بكفاية مسح الشعر عن مسح البشرة ، لأنه معدود من توابعهما والأمر بمسحهما أمر بمسح التوابع لا محالة ، وأن إنكار ذلك مكابرة للوجدان وتكذيب لما أطبقت عليه كلمة العرف ، ومن هنا لو أمر السيد عبده بإمرار يده على ساقه أو ساعده أو غيرهما من أعضائه لم يخطر بباله إزالة شعرهما أوّلاً مقدمة للامتثال.
والماتن قدسسره لما لم يرجّح أحد الأمرين على الآخر توقف في المسألة واحتاط احتياطاً لزومياً بالجمع بين مسح كل من الشعر والبشرة ، هذا.
ولكن الاحتياط لا نرى له وجهاً في محل الكلام ، لأنه إنما يحسن فيما إذا دار الأمر بين وجوب مسح البشرة على نحو لا يجزئ عنه مسح شعرها ، ووجوب مسح الشعر على نحو لا يجزئ عنه مسح البشرة ، مع أن الأمر ليس كذلك ، لأن الشعر النابت على الرجلين إن كان خفيفاً بحيث لا يمنع عن رؤية البشرة كما هو الموجود في كل إنسان متعارف حيث ينبت الشعر على أصابعه بل وعلى كعبه وأطرافه من دون أن يمنع عن وقوع الابصار على بشرته ، فلا إشكال في جواز المسح عليه وإجزاء ذلك عن مسح البشرة نفسها ، لأن الشعر وإن كان جسماً خارجياً غير البشرة ، إلاّ أن الرجل لما لم تكن خالية عن الشعر المتعارف كما عرفت كان الأمر بمسحها أمراً بمسح شعرها المتعارف أيضاً على ما تقدّم تفصيله (1)عند التكلّم على مسح الرأس ، والمسح على مثل ذلك لو لم يكن مجزئاً عن المأمور به في مقام الامتثال للزم أن ينبه عليه في الكلام فعدم البيان في مثله دليل على كفاية المسح على الشعر لا محالة.
ودعوى أن الشعر قد لا ينبت على الرجل ويبقى موضع المسح خالياً عن الشعر ومعه لا يكون وجود الشعر على الرجل أمراً دائمياً بل ولا غالبياً ، مندفعة بأنها لو
1) في ص 129.
وتجب إزالة الموانع والحواجب (1) واليقين بوصول الرطوبة إلى البشرة ولا يكفي
تمّت فإنما تختص بغير الأصابع ، لأن الأصابع ينبت عليها الشعر دائماً ولا يوجد بحسب المتعارف إنسان إلاّ وقد نبت الشعر على أصابعه ، بل وعلى كعبه وأطراف كعبه ، بحيث لو مسح من أوّل أصابعه إلى كعبيه على نحو الخط المستقيم لم يصل الخط إلى كعبيه إلاّ بالمرور على الشعر في مقدار من رجله. نعم ، لو مسح على نفس البشرة أيضاً كان كافياً في مقام الامتثال ، هذا كلّه فيما إذا كان الشعر خفيفاً لا يمنع عن وقوع الابصار على البشرة.
وأمّا إذا كان الشعر كثيراً وخارجاً عن المتعارف ، كما إذا نبت على تمام رجله أو أكثره على نحو يمنع عن رؤية البشرة تحته ، فلا ريب في جواز المسح على نفس البشرة وقتئذٍ ، لأن الشعر خارج عن الرجل وليس أمراً متعارفاً ليشمله الأمر بمسح الرجل ولا دليل على أن مسحه يجزئ عن المسح المأمور به.
وأما صحيحة زرارة « كل ما أحاط به الشعر فليس على العباد ( للعباد ) أن يبحثوا عنه ، ولكن يجرى عليه الماء » (1)، فقد قدّمنا (2)أنها تختص بالوجه ولا يعم غيره. على أن الكلام في المقام إنما هو في المسح والصحيحة مختصة بالغسل بلا كلام ، لما في ذيلها من قوله عليهالسلام : « يجرى عليه الماء » وذلك لأن الجريان لا يتحقق إلاّ في الغسل ، وهذا ظاهر.
فالمتحصل أن مسح البشرة مجزئ على كل حال ، ومعه لا مجال لما صنعه الماتن قدسسره من الاحتياط بالجمع في المسح بين البشرة والشعر.
(1) لظاهر الكتاب والسنّة ، لدلالتهما على وجوب مسح الرجلين ، ومن الظاهر أن
الظن ، ومن قطع بعض قدمه مسح على الباقي (1)
الرجل لا تصدق على الخف أو غيره من الموانع ، إذن لا يكون المسح عليهما مسحاً على الرجلين وهو المأمور به على الفرض. وفي رواية الكلبي النسابة عن الصادق عليهالسلام « إذا كان يوم القيامة وردَّ اللّه كل شيء إلى شيئه وردَّ الجلد إلى الغنم فترى أصحاب المسح أين يذهب وضوءهم » (1).
(1) وهذا لا لقاعدة أن الميسور لا يسقط بالمعسور ، لنناقش فيها بما ناقشنا به في محلِّه ، ولا للتسالم المدعى في المقام حتى يناقش فيه باحتمال استناد المتسالمين إلى قاعدة أن الميسور لا يسقط بالمعسور ، بل لدلالة الكتاب والسنّة فان قوله عزّ من قائل ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ) من تقابل الجمع بالجمع ، فيدلنا على أن كل واحد منكم يمسح رأسه ورجليه ، لوضوح أن كل أحد ليس له إلاّ رأس واحد ورجلان وليس له رؤوس وأرجل ، فاذا كان معنى الآية ذلك فتدلّنا على أن الرجل يجب مسحها على حسب اختلافها بحسب الصغر والكبر وكونها مقطوعة أو غير مقطوعة ، إذ الرجل كما تصدق على الرجل غير المقطوعة كذلك تصدق على المقطوعة ولا مناص معه من مسحها.
ويؤيد ذلك صحيحة رفاعة قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الأقطع فقال : يغسل ما قطع منه » (2)وصحيحته الثانية عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « سألته عن الأقطع اليد والرجل كيف يتوضأ؟ قال : يغسل ذلك المكان الذي قطع منه » (3)وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال « سألته عن
ويسقط مع قطع تمامه (1).
الأقطع اليد والرجل قال : يغسلهما » (1).
ويستفاد من الأمر بغسلهما بقاء مقدار من مقطوعهما ، والمراد بالغسل في الصحيحتين أعم من المسح ، ومعناه غسل المقدار الباقي من اليد ومسح المقدار الباقي من الرجل ، وإنما عبّر بالغسل للتغليب والازدواج ، هذا ولكن مستند الحكم في المقام هو الكتاب والسنّة والروايتان مؤيدتان للمدعى.
(1) وذلك لإطلاق الكتاب والسنة ، ومقابلة الجمع بالجمع وإن اقتضت الانحلال كما مرّ ودلّت على أن كل أحد مأمور بأن يمسح رأسه ورجليه ، إلاّ أنه على نحو القضية الحقيقية لا محالة ، ومقتضاها حينئذٍ أنه يجب على كل أحد أن يمسح رأسه ورجليه على تقدير أن يكون له رجل ورأس ، لما ذكرناه غير مرة من أن القيود الخارجة عن الاختيار المأخوذة في المأمور به لا بدّ أن تكون مفروضة الوجود ، ومع عدمه لا يجب عليه مسح إحدى رجليه أو كلتيهما إذا قطعتا معاً ، ويبقى إطلاق الأمر بغسل الوجه واليدين في الآية المباركة بحاله ، هذا أولاً.
وثانياً : أن قوله عزّ من قائل في ذيل الآية المباركة ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (2)يدلّنا على أن الأمر بغسل الوجه واليدين أعني الوضوء إنما يختص بالواجدين ، لوضوح أن التفصيل قاطع للشركة ، فالوضوء وظيفة الواجد للماء ، كما أن التيمم وظيفة الفاقد ، والفقدان إنما يتحقق بأحد أمرين : إمّا بفقدان ذات الماء كما هو
[515] مسألة 25 : لا إشكال في أنه يعتبر أن يكون المسح بنداوة الوضوء فلا يجوز المسح بماء جديد (1) ، والأحوط (1)أن يكون بالنداوة الباقية في الكف فلا يضع يده بعد تمامية الغسل على سائر أعضاء الوضوء لئلاّ يمتزج ما في الكف
الغالب في المسافرين ولا سيما في الأزمنة القديمة في الصحاري والقفار ، وإما بعدم التمكن من استعماله لمرض أو نحوه ، إذ المريض كثيراً ما يكون واجداً للذات إلاّ أنه عاجز عن استعماله لمرضه ، وحيث إن مقطوع الرجل أو الرجلين لا ينطبق عليه الفاقد بأحد المعنيين ، لوجود الماء عنده وتمكنه من استعماله وإن لم تكن له رجل ، فلا محالة يصدق عليه عنوان واجد الماء ومعه يجب عليه الوضوء ، لأنه فريضة الواجد كما مرّ.
على أن الصلاة واجبة في حقه من دون شك ، ولا صلاة إلاّ بطهور ، والتيمم غير سائغ في حقِّه لعدم صدق الفاقد عليه ، فيتعيّن عليه الوضوء لا محالة ، فإذا وجب فيجب من غير مسح لاستحالة التكليف بما لا يطاق. ثم إن المعتمد عليه في المسألة إنما هو ما قدّمناه من إطلاق الكتاب والسنة ، دون التسالم حتى يناقش فيه باحتمال استناد المجمعين إلى قاعدة أن الميسور لا يسقط بالمعسور.
(1) لما تقدّم (2)عند التكلّم على وجوب مسح الرأس ، وقلنا إن المسح بالماء الجديد غير مسموح ، وما دلّ على جوازه وأنه عليهالسلام أمر بالمسح بالماء الجديد (3)محمول على التقيّة كما تقدّم.
بما فيها ، لكن الأقوى جواز ذلك (1)
(1) هذا الذي ذكره الماتن قدسسره قد ذهب إليه جماعة من الأعلام ( قدس اللّه أسرارهم ) وذهب آخرون إلى عدم جوازه إلاّ مع جفاف بلّة اليد ، ومنشأ الخلاف في ذلك أن الروايات الدالة على لزوم كون المسح بالبلّة الباقية كما ورد في الوضوءات البيانية من أنه عليهالسلام « مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفيه ولم يجدّد ماء أو لم يحدث لهما ماء جديداً » على ما رواه زرارة وبكير (1)أو أنه « مسح بما بقي في يده رأسه ورجليه ولم يعدهما في الإناء » كما في صحيحة زرارة (2)أو أنه « مسح مقدم رأسه وظهر قدميه ببلّة يساره وبقية بلّة يمناه » كما في صحيحته الأُخرى (3)وغيرها من الروايات ، هل تصلح أن تكون مقيدة للمطلقات من الآية المباركة والأخبار الواردة بمضمونها كما اشتمل على الأمر بمسح الرأس والرجلين من دون تقييد بشيء؟ (4)، أو أنها غير صالحة لتقييدها ، وإن قيدناها بأن يكون المسح بواسطة اليد لا بآلة أُخرى بمقتضى الأخبار التي قدمناها في محلِّها ، إلاّ أن إطلاقها من حيث كون المسح ببلّة ما في اليد أو غيرها من الأعضاء بحاله ، وتلك الأخبار غير موجبة لتقييد إطلاقاتها من هذه الجهة كما هو ظاهر.
والصحيح أن الأخبار المذكورة غير صالحة لتقييد المطلقات ، وذلك لأن الأخبار المذكورة إنما هي حكاية فعل من الامام عليهالسلام وفعله بما هو فعل لا دلالة له على الوجوب ، وإنما يستفاد الوجوب من اهتمام الرواة بنقله مثلاً أو غير ذلك من القرائن ، ولا قرينة في تلك الأخبار على أن فعله عليهالسلام مستند إلى الوجوب
1) الوسائل 1 : 392 / أبواب الوضوء ب 15 ح 11 ، 3 ، 6 ، 2.
2) الوسائل 1 : 392 / أبواب الوضوء ب 15 ح 11 ، 3 ، 6 ، 2.
3) الوسائل 1 : 392 / أبواب الوضوء ب 15 ح 11 ، 3 ، 6 ، 2.
4) وهي عدة روايات منها صحيحة زرارة وبكير « إذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك » المروية في الوسائل 1 : 414 / أبواب الوضوء ب 23 ح 4 ، وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في حديث قال وذكر المسح فقال : « امسح على مقدم رأسك وامسح على القدمين وابدأ بالشق الأيمن » المروية في الوسائل 1 : 418 / أبواب الوضوء ب 25 ح 1.
إذ من الجائز أن يكون مسحه ببلّة يده من جهة استحبابه ، ومع هذا الاحتمال كيف يمكن الاستدلال بها على الوجوب ، هذا.
بل يمكن أن يقال : القرينة قائمة على أن تلك الروايات ليست ناظرة إلى بيان أن المسح يجب أن يكون بالبلة الباقية في اليد ، وذلك لأنها ناظرة إلى بيان أن المسح لا بدّ أن يكون ببلّة الوضوء ، وأنه لا يجوز المسح بالماء الجديد كما عليه الجمهور ، فهذه الروايات غير صالحة للتقييد.
نعم ، ورد في صحيحة زرارة : « وتمسح ببلّة يمناك ناصيتك وما بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى ، وتمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى » (1)ودلالتها على الوجوب واضحة ، حيث دلّت على أن مسح الرجل اليمنى باليد اليمنى لا بدّ من أن يكون ببللها كما أن مسح اليسرى باليد اليسرى لا بدّ أن يكون كذلك. وبهذه الصحيحة نقيّد المطلقات المتقدمة ، لأن قوله عليهالسلام « وتمسح » جملة فعلية قد وردت في مقام الإنشاء ، فلا محالة يدلّنا على الوجوب ، وليست معطوفة على فاعل « يجزئك » على ما مرّ مفصّلاً (2).
ودعوى أنها إنما وردت لبيان أمر آخر وهو اعتبار تقدم مسح الرجل اليمنى على اليسرى ولا نظر لها إلى لزوم كون المسح بالبلة الباقية في اليد غير مسموعة ، لأنها كما وردت لبيان الجهة الأُولى كذلك وردت لبيان الجهة الثانية ، فهي ناظرة إلى كلتيهما ومن هنا قيدت المسح بأن يكون بالبلة الباقية في اليد. ونظيرها صحيحة عمر بن أذينة الواردة في معراج النبي صلىاللّهعليهوآله « ثم امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء ورجليك إلى كعبيك » (3)فإن الأمر ظاهر في الوجوب ، وهي أيضاً قابلة للتقييد ، وبهاتين الصحيحتين نقيد المطلقات المتقدمة.
وأمّا الروايات الواردة في أخذ البلل من اللحية أو الحاجبين أو أشفار العينين فلم
نجد فيها ما يدلنا على ما نحن بصدده ، إلاّ رواية واحدة وهي مرسلة الصدوق قدسسره كما يأتي ذكرها.
وأما بقية الروايات المذكورة فلا دلالة لها على ذلك بوجه ، لأنها إنما تدل على وجوب أخذ البلّة من اللحية أو الحاجبين لمن نسي المسح حتى دخل في الصلاة ، وأما وجوب الأخذ من بلّة اليد ما دامت مبتلة فلا يكاد يستفاد منها بوجه ، فلا دلالة لها على أن الأخذ من بلّة اللحية مثلاً إنما هو فيما إذا لم تكن اليد مبتلة وأما إذا كانت مبتلة فلا يجوز المسح ببلّة اللحية مثلاً فلا يمكن استفادتها منها كما عرفت ، فالاستدلال بها على تقييد المطلقات غير تام ، هذا.
على أن التمسك بإطلاقاتها غير صحيح في نفسه ، وذلك مضافاً إلى أن الغالب يبوسة بلّة اليد في من نسي المسح ودخل في الصلاة ، أن الروايات المذكورة قد دلت على وجوب الأخذ من بلّة اللحية والحاجبين ، وهذا مما يلائم الإطلاق أبداً ، لوضوح أن في صورة وجود البلّة في اليد لا يجب أخذ البلّة من اللحية أو غيرها بلا كلام ، وإنما الكلام في جوازه وعدمه ، وأما الوجوب فهو مقطوع العدم حينئذٍ كما لا يخفى.
أضف إلى ذلك أن أكثرها ضعيفة الاسناد فلاحظ ، فاطلاقات تلك الروايات غير قابلة للاعتماد عليها أبداً.
وأما مرسلة الصدوق عن الصادق عليهالسلام « إن نسيت مسح رأسك فامسح عليه وعلى رجليك من بلّة وضوئك ، فان لم يكن بقي في يدك من نداوة وضوئك شيء فخذ ما بقي منه في لحيتك وامسح به رأسك ورجليك ، وإن لم يكن لك لحية ، فخذ من حاجبيك وأشفار عينيك وامسح به رأسك ورجليك ، وإن لم يبق من بلّة وضوئك شيء أعدت الوضوء » (1)فلا بأس بدلالتها على المدعى مع الغض عن سندها.
نعم ، الأصحاب غير ملتزمين بالترتيب الوارد في الرواية ، أعني الترتيب بين الأخذ من بلّة اللحية والحاجبين ، ولعل ذكر اللحية أوّلاً من جهة أن بقاء البلّة فيها
1) الوسائل 1 : 409 / أبواب الوضوء ب 21 ح 8.
وكفاية كونه برطوبة الوضوء وإن كانت من سائر الأعضاء ، فلا يضر الامتزاج المزبور ، هذا إذا كانت البلّة باقية في اليد ، وأما لو جفت فيجوز الأخذ من سائر الأعضاء (1)بلا إشكال من غير ترتيب بينها على الأقوى (1) ،
أزيد من بقائها في الحاجبين ، لأنها تأخذ الماء أكثر مما يأخذه الحاجبان أو أشفار العينين ، ولأجل ذلك قال عليهالسلام « وإن لم يكن لك لحية فخذ من حاجبيك » إلخ ، ولم يقل وإن لم تكن بلّة في لحيتك ، لاستحالة فقدان البلّة من اللحية وبقائها في الحاجبين عادة ، هذا.
وقد جاء في كلام صاحب الحدائق قدسسره بعد ذكر هذه المرسلة : ومثلها رواية زرارة (2)والظاهر أنه من سهو القلم والاشتباه ، إذ ليست لزرارة رواية مثل مرسلة الصدوق قدسسره نعم له رواية كبقية الأخبار الواردة في من نسي المسح ودخل في الصلاة ، والآمرة بالمسح من بلّة اللحية فليراجع (3).
(1) لا إشكال ولا كلام في جواز أخذ البلل من اللحية عند جفاف اليد كما ورد في غير واحد من الروايات ، وهي وإن كان أكثرها ضعيفة السند إلاّ أن بينها رواية واحدة قابلة للاعتماد عليها في الاستدلال وهي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « إذا ذكرت وأنت في صلاتك أنك قد تركت شيئاً من وضوئك إلى أن قال ويكفيك من مسح رأسك أن تأخذ من لحيتك بللها إذا نسيت أن تمسح رأسك فتمسح به مقدّم رأسك » (4)وهي بظاهرها وإن كانت مطلقة من حيث جفاف اليد
ورطوبتها ، إلاّ أنه بالنظر إلى أن الأغلب جفاف نداوة اليد فيما إذا ترك المتوضئ المسح ودخل في الصلاة ، وتكون الصحيحة كالمختصة بصورة جفاف اليد وتدلنا على أن من جفت يده ثم تذكر أنه ترك مسح الوضوء جاز له أن يأخذ من بلّة لحيته ، وهذا مما لا كلام فيه.
وإنما الكلام في أن الأخذ من اللحية هل يتعيّن حينئذٍ أو أنه بعد جفاف اليد لا ترتيب بين أعضاء الوضوء ، فله أن يأخذ البلل من لحيته كما أن له أخذ البلل من يده اليسرى أو من سائر أعضائه كحاجبيه وأشفار عينيه؟ فيه كلام وخلاف بين الأصحاب قدسسرهم.
وقد يستدل على الثاني بإطلاقات ما دلّ على وجوب مسح الرأس والرجلين من دون تقييده بشيء ، كما في الآية المباركة وغيرها من الروايات الآمرة بمسح الرأس والرجلين بعد تقييدهما بأن يكون المسح ببلّة اليد ، إذ القدر المتيقن من التقييد إنما هو صورة وجود البلّة في اليد ، إذ حينئذٍ لا يجوز المسح ببلّة غيرها من الأعضاء بلا كلام وأما إذا جفت ويبست فلا مناص من الرجوع إلى المطلقات ، وحيث إنه لا دليل على تقييد المطلقات المذكورة بشيء فمقتضاها جواز المسح ببلّة الوضوء ، سواء أكانت البلّة بلّة اللحية أو بلّه غيرها من أعضاء الوضوء.
ويدفعه أمران : أحدهما : ما حققناه في المباحث الأُصولية من أن إطلاق دليل المقيد مقدّم على إطلاق دليل المطلق (1)، وبما أن ما دلّ على لزوم كون المسح بالبلة الموجودة في اليد غير مقيد بحالة رطوبة اليد وعدم جفافها فلا مناص من رفع اليد بذلك عن المطلقات في كلتا صورتي رطوبة اليد ويبوستها ، والحكم بأن المسح ببلّة اليد مطلقاً جزء معتبر في الوضوء ، وذلك لأن صحيحة زرارة وغيرها مما قدّمنا (2)دلالته على التقييد قد وردت إرشاداً إلى اعتبار المسح ببلّة اليد وجزئية ذلك في الوضوء ، بلا فرق في ذلك بين صورتي التمكّن من المسح ببلّة اليد وعدمه ، ومعه لا إطلاق للمطلقات بعد
يبوسة اليد حتى نتمسك بها في إثبات جواز المسح ببلّة أعضاء الوضوء ، لوضوح أن كفاية المسح ببلّة غير اليد وقتئذٍ يحتاج إلى دليل ، ولم يقم دليل إلاّ على كفاية المسح ببلّة اللحية فحسب ، فلا مناص من الاقتصار عليه والحكم بعدم جواز المسح ببلّة غيرها من الأعضاء.
ثانيهما : أنه على تقدير التنازل وتسليم صحة الرجوع إلى المطلقات في غير الصورة المتيقنة من تقييدها ، وهي صورة رطوبة اليد ، أعني ما إذا لم يتمكّن المتوضئ من المسح ببلّة اليد ، فالمطلقات غير منطبقة على ما نحن فيه ، وذلك لضرورة أن عدم التمكن من المسح ببلّة اليد الذي عرفت أنه جزء للمأمور به يختص بالوضوء المأتي به ولا يعم طبيعي الوضوء ، لوضوح أن المكلف يتمكّن من أن يأتي بفرد آخر من الوضوء ويمسح فيه ببلّة يده ، وما سلمناه من شمول المطلق لصورة العجز من الجزء أو القيد فإنما هو فيما إذا كان العجز وعدم التمكن من إتيانه غير مختص بفرد دون فرد ، كما إذا عجز عن إتيانه بين المبدأ والمنتهى على ما شرحنا تفصيله في بحث الأُصول ، وحيث إن المكلّف في المقام متمكن من إتيان الجزء المعتبر في المأمور به في ضمن فرد آخر من أفراد الطبيعي المأمور به فلا وجه لدعوى شمول المطلقات للفرد الناقص بوجه.
وأُخرى يستدل على عدم تعيّن المسح ببلّة اللحية بمرسلة الصدوق المتقدِّمة (1)بتقريب أن ظاهرها أن المدار على المسح ببلّة الوضوء كما في قوله « فامسح عليه وعلى رجليك من بلّة وضوئك » بلا فرق في ذلك بين بلّة عضو وبلّة عضو آخر. وأما الترتيب الذي أُشير إليه في المرسلة من المسح ببلّة اللحية أوّلاً ، فالظاهر أنه من جهة أن اللحية تشتمل على البلّة أكثر مما يشتمل عليه غيرها من الأعضاء ، فيكون جفافها بعد جفاف بقية الأعضاء ، ومن هنا لم يقل : فاذا لم تكن بلّة في لحيتك فخذ من حاجبيك ، لأنه بعيد عادة ، وإنما قال : « وإن لم يكن لك لحية » ، هذا.
وظهور المرسلة في المدعى وإن كان غير قابل للإنكار ، غير أن ضعف سندها بالإرسال مانع عن الاعتماد عليها في مقام الاستدلال.
1) في ص 177.
والمتحصل : أن المسح لا بدّ وأن يكون ببلّة اللحية بعد يبوسة اليد ، بل الأقوى عدم جواز المسح بغير بلتها فيما إذا لم يكن هناك لحية أو كانت ولكنها يبست ، فلا يجوز المسح ببلّة الحاجبين أو أشفار العينين ، لعدم دلالة الدليل على كفاية المسح ببلّة غير اللحية.
نعم ، وردت في ذلك عدة روايات إلاّ أنها ضعيفة السند كما أشرنا إليه سابقاً.
ويدلُّ على ما ذكرناه موثقة مالك بن أعين عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « من نسي مسح رأسه ثم ذكر أنه لم يمسح فان كان في لحيته بلل فليأخذ منه وليمسح رأسه وإن لم يكن في لحيته بلل فلينصرف وليعد الوضوء » (1).
وقد يقال : إن عدم تعرض الرواية لأخذ البلّة من غير اللحية وحكمها بالإعادة عند عدم البلّة في اللحية لعله من جهة أن من البعيد عادة بقاء الرطوبة في غير اللحية من الحاجبين أو أشفار العينين أو غيرهما من الأعضاء مع يبوسة بلّة اللحية ، فلأجل التلازم العادي بين يبوسة اللحية ويبوسة الحاجبين والأشفار أو غيرهما أمر عليهالسلام بإعادة الوضوء عند يبوسة اللحية ، لا من جهة عدم كفاية المسح ببلّة غير اللحية من الأعضاء كما لا يخفى.
وفيه : أن غلبة فقدان البلّة في غير اللحية عند ارتفاعها وزوالها عن اللحية وإن كانت صحيحة كما ذكر ، إلاّ أن بقاء الرطوبة في غيرها من الأعضاء عند يبوسة اللحية أيضاً كثير وليس من الندرة بمكان ، وذلك كما إذا تمندل ونشّف لحيته بعد الوضوء وتذكّر أنه ترك المسح قبل أن تنشف يده ، فإن الرطوبة باقية في يده وقتئذٍ مع جفاف لحيته ، والتمندل أمر متعارف لدى الناس وإن احتمل كراهته أو استحباب تركه ، ومع كون بقاء الرطوبة في غير اللحية أمراً كثيراً متعارفاً إذا حكم بوجوب الإعادة عند جفاف اللحية وارتفاع بللها ، فلا محالة يستفاد من ذلك عدم كفاية المسح بغير بلّة اللحية كما ذكرناه.
1) الوسائل 1 : 409 / أبواب الوضوء ب 21 ح 7.
وإن كان الأحوط تقديم اللحية والحواجب على غيرهما من سائر الأعضاء. نعم الأحوط عدم أخذها ممّا خرج من اللحية عن حد الوجه ، كالمسترسل منها (1) ، ولو كان في الكف ما يكفي الرأس فقط مسح به الرأس (2) ثم يأخذ للرجلين من سائرها على الأحوط (3) ، وإلاّ فقد عرفت أن الأقوى جواز الأخذ مطلقاً.
(1) هل البلّة الموجودة في المسترسل من اللحية الذي خرج عن حد الوجه كالبلة الموجودة في اللحية نفسها فيجوز المسح بها أو لا يجوز؟ فقد يقال بعدم الجواز ، نظراً إلى أن المسح لا بدّ أن يكون ببلّة الوضوء على ما تقدم وعرفت ، والبلّة الموجودة في غير مواضع الوضوء ليست من بلّة الوضوء ، وعليه فيقع الكلام في أن بلّة المسترسل من اللحية هل هي من بلّة الوضوء أو أنها ماء خارجي؟
ذكر المحقق الهمداني قدسسره أنها من بلّة الوضوء ، لصدق أنها من نداوته لدى العرف (1)، ولكن الصحيح أنها ليست من نداوة الوضوء ، لأن المراد بماء الوضوء إنما هو الماء الموجود في محاله دون مطلق الماء المستعمل في الوضوء ، وإلاّ لجاز المسح بالبلة الواقعة على الثوب أو البدن حال الوضوء ، أو بالماء المجتمع في الإناء عند الوضوء ، ومن الظاهر أن مسترسل اللحية ليس من محال الوضوء ، لأنه خارج عما بين القصاص والذقن فلا يجوز المسح ببلته ، وكذلك الحال فيما خرج عن حد الوضوء بحسب العرض ، لأن بلته ليست من بلل مواضع الوضوء فلا يجوز المسح ببلته.
(2) لأنه مع وجود ما يكفي لمسح رأسه في الكف ليس له المسح ببلل غيره من الأعضاء.
(3) بل على الأقوى كما عرفت.
1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 153 السطر 25.
[516] مسألة 26 : يشترط في المسح أن يتأثر الممسوح برطوبة الماسح (1) وأن يكون ذلك بواسطة الماسح لا بأمر آخر (2). وإن كان على الممسوح رطوبة خارجة فإن كانت قليلة غير مانعة من تأثير رطوبة الماسح فلا بأس وإلاّ لا بدّ من تجفيفها ، والشكّ في التأثير كالظنّ لا يكفي بل لا بدّ من اليقين (3).
(1) بأن تكون اليد مبتلة ببلّة الوضوء ولا تكون يابسة ، وإلاّ لم يصدق عليه المسح ببلّة ما في اليد من ماء الوضوء ، وإن كان يصدق عليه المسح باليد ، لما تقدّم (1)من أنه يعتبر في المسح أن يكون باليد وأن يكون ببلّة الوضوء.
(2) لما عرفت من اعتبار كون آلة المسح هي اليد ، فلا مناص من أن يكون المسح باليد ، فلو نقل الرطوبة إلى جسم آخر ومسح به رأسه ورجليه فهو ليس مسحاً باليد وإن كان مسحاً ببلّة الوضوء ، وقد عرفت اعتبار كون المسح باليد وأن يكون ببلّة الوضوء ، فلا يكفي أحدهما من دون الآخر في صحته.
(3) للمسألة صور ثلاث :
الاولى : أن تكون الرطوبة الموجودة في الممسوح قليلة جدّاً بحيث لا تمنع عن ظهور أثر المسح بالبلة في الممسوح ، كما إذا كانت الرجل رطبة بالعرق الخفيف أو رطوبة خارجية قليلة ، ولا إشكال في صحة الوضوء وقتئذٍ كما لا يجب تجفيف الموضع الممسوح بوجه ، وذلك لأنه لم يرد اعتبار الجفاف في الممسوح في آية أو رواية ، بل مقتضى إطلاقات الآية والرواية عدم الاعتبار ، وإنما التزمنا به تحقيقاً لصدق المسح ببلّة الوضوء ، وهو إنما يتحقق فيما إذا لم تكن على الممسوح رطوبة كثيرة تمتزج
1) في ص 135.
[517] مسألة 27 : إذا كان على الماسح حاجب ولو وصلة رقيقة لا بدّ من رفعه ، ولو لم يكن مانعاً من تأثير رطوبته في الممسوح (1).
برطوبة اليد وتمنع عن كون البلّة بلّة الوضوء ، وحيث إن المفروض قلة الرطوبة في هذه الصورة بحيث لا تمنع عن ظهور أثر المسح ببلّة اليد ، فلا مناص من الحكم بصحته بمقتضى الإطلاقات المذكورة وصدق المسح ببلّة الوضوء.
الصورة الثانية : ما إذا كانت رطوبة الممسوح كثيرة غالبة على رطوبة اليد أو متساوية معها أو كانت أقل إلاّ أنها في نفسها كثيرة تمتزج برطوبة اليد وتمنع عن كون المسح بخصوص بلّة الوضوء لامتزاجها بغيرها ، ولا إشكال في هذه الصورة في عدم صحة المسح ولزوم تجفيف الموضع الممسوح تحقيقاً للمسح ببلّة الوضوء.
الصورة الثالثة : ما إذا شككنا في أن الرطوبة الموجودة في الممسوح أي مقدار وهل هي بمقدار يمنع عن وصول بلّة الوضوء إلى البشرة أو أنها أقل وغير مانعة عن وصول البلّة إليها؟
ولا بدّ في هذه الصورة من تحصيل العلم بقلة الرطوبة وعدم مانعيتها عن الوصول حسب قاعدة الاشتغال ، ولا يكفي الظن بالقلة وعدم المانعية ، لأن حكمه حكم الشك ولا اعتبار به في الشريعة المقدسة بوجه ، كما أن أصالة عدم الحاجب أو المانع من وصول البلّة إلى البشرة كما قيل بها عند الشك في الحاجب لا مجال لها ، لأنها من الأُصول المثبتة ولا يثبت بها أن البلّة قد وصلت إلى نفس البشرة.
(1) وذلك لعدم صدق المسح باليد وقتئذٍ ، بل الفرض أنه قد مسح بالخرقة أو بغيرها مما هو على اليد وقد وقع المسح به لا باليد ، كما تقدم نظيره في اعتبار عدم الحاجب على الممسوح ، لعدم كون المسح حينئذٍ مسحاً على البشرة وإن كان الحاجب رقيقاً ، لأن وقوع المسح على البشرة معتبر في صحّته.
[518] مسألة 28 : إذا لم يمكن المسح بباطن الكف يجزئ المسح بظاهرها وإن لم يكن عليه رطوبة نقلها من سائر المواضع إليه (1)ثم يمسح به ، وإن تعذّر بالظاهر أيضاً مسح بذراعه (2)، ومع عدم رطوبته يأخذ من سائر المواضع ، وإن كان عدم التمكن من المسح بالباطن من جهة عدم الرطوبة وعدم إمكان الأخذ من سائر المواضع أعاد الوضوء ، وكذا بالنسبة إلى ظاهر الكف ، فإنه إذا كان عدم التمكّن من المسح به [ من جهة ] عدم الرطوبة وعدم إمكان أخذها من سائر المواضع لا ينتقل إلى الذراع ، بل عليه أن يعيد (1).
(1) كما إذا كانت على باطن الكف قرحة مانعة عن المسح بالباطن وهناك مسألتان :
إحداهما : أن المسح بباطن الكف إذا كان متعذراً أجزأه المسح بظاهرها ، فاذا لم يكن رطوبة على ظاهرها أخذها من سائر المواضع أو من خصوص اللحية على الخلاف المتقدم وهذه المسألة هي التي حكم فيها صاحب المدارك بلزوم المسح بظاهر الكف وكفايته عن المسح بالباطن ، وجعله حكماً قطعياً باتاً (3).
وثانيتهما : ما إذا تعذر المسح بظاهر الكف كباطنه ، إما لأنه فاقد اليد ولا يد له ، أو له يد إلاّ أن ظاهرها كباطنها في عدم التمكّن من المسح به ، لوجود قرحة أو غيرها من الموانع في كل منهما ، مسح بذراعه حينئذٍ ، وقد حكي عن صاحب المدارك قدسسره أنه جعل الحكم بالمسح بالذراع أقوى (4)ولم يذكر في هذه المسألة أن الحكم مقطوع به كما ذكره في المسألة الأُولى.
وهناك مسألة ثالثة ، وهي ما إذا كان عدم التمكن من المسح بالباطن مستنداً إلى يبوسته وارتفاع الرطوبة عنه ولم يمكن نقلها إليه من سائر المواضع ، ولا بدّ حينئذٍ من الحكم ببطلان وضوئه ووجوب الإعادة في حقه فهذه مسائل ثلاث :
أمّا المسألة الثالثة : فالوجه فيها في الحكم بالبطلان ووجوب الإعادة ، هو أن عجز المكلف عن المسح ببلّة الباطن إنما يختص بهذا الفرد الذي أتى به ، والمفروض أنه يتمكن من المسح ببلّة الباطن في غيره من أفراد الوضوء ، لعدم عجزه عن تحصيل ذلك في الطبيعي المأمور به ، ومعه لا بدّ من الحكم ببطلان الفرد المأتي به ووجوب الإعادة في ضمن فرد آخر لا محالة.
وأمّا المسألة الأُولى ، فالحق فيها هو الذي حكم به الماتن قدسسره وجعله في المدارك مقطوعاً به ، وذلك لا لأجل قاعدة الميسور التي ناقشنا في سندها ودلالتها في محله ، ولا لدعوى التسالم على جريان القاعدة في خصوص المقام ، لأن دون إثبات ذلك خرط القتاد ، ولا لأصالة الاحتياط ، لما مر غير مرة من أن الأصل عند الشك في اعتبار شيء زائد في الوضوء إنما هو البراءة دون الاحتياط ، بل الوجه في ذلك أن الحكم بوجوب كون المسح بباطن الكف لم يرد في شيء من الأخبار المتقدمة ، بل إن مقتضى إطلاق الآية المباركة والروايات عدم اعتبار كون المسح بالكف ، وإنما قلنا باعتباره من جهة ما استفدناه من الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية ، وحاصل ذلك :
أن الرواة لم ينقلوا في رواياتهم خصوصية مسح الامام عليهالسلام وأنه كان يمسح بغير باطن الكف ، مع أنهم عليهمالسلام لو كانوا مسحوا بظاهر الكف لوجب على الرواة ونقلة الآثار أن ينقلوا تلك الخصوصية ، لأنها خصوصية زائدة غير متعارفة ، ومثلها يحتاج إلى عناية لا محالة ، ونقل ذلك أمر لازم على الرواة ، فمن سكوتهم عن نقل تلك الخصوصية يستكشف أن مسحهم عليهمالسلام قد كان على النحو المتعارف الدارج عندنا ، وهو المسح بباطن الكف ، والأمر المتعارف العادي لا يحتاج إلى النقل.
وعلى ذلك يندرج المقام في كبرى كلية تعرضنا لتفصيلها في بحث الأُصول ، وهي أنه إذا كان لدليل المطلق إطلاق ولم يكن لدليل التقييد ذلك ، كما إذا كان المقيد هو السيرة والإجماع ونحوهما من الأُمور اللبية التي لا إطلاق لها ، فعند الشك في سعة التقييد وضيقه لا بدّ من الأخذ بإطلاق دليل المطلق (1)وبما أن الأخبار الآمرة بمسح الرأس والرجلين باليد مطلقة وغير مقيدة بأن يكون بباطن الكف ، ودليل التقييد بالباطن لبي لا إطلاق له لأنه أمر استفدناه من فعلهم عليهمالسلام وهو كالسيرة والإجماع مما لا إطلاق له ، فلا مناص من الاقتصار في التقييد بالقدر المتيقن وهو صورة التمكن من المسح بباطن الكف ، وفي غير تلك الصورة يرجع إلى إطلاق الدليل الذي دلنا على لزوم كون المسح باليد كقوله عليهالسلام في صحيحة زرارة : « وتمسح ببلّة يمناك ناصيتك ... » (2)ومقتضى إطلاقها كفاية المسح بكل من ظاهر الكف وباطنه ، لصحة إطلاق اليد عليهما حقيقة.
وأمّا المسألة الثانية ، فالتحقيق فيها هو الذي ذكره الماتن قدسسره وجعله صاحب المدارك أقوى حسب ما ينقل عنه قدسسره والسر في ذلك هو أنّا إنما قيدنا المطلقات الآمرة بمسح الرأس والرجلين بأن يكون المسح باليد أي بما دون الزند ، للأخبار الواردة في الوضوءات البيانية من أنه عليهالسلام يمسح رأسه ورجليه بيده وذلك لوجوه ثلاثة :
الأوّل : أن اليد وإن كان لها إطلاقات متعددة إلاّ أن الظاهر منها عند إطلاقها في مقابل الذراع إنما هو ما دون الزند ، وقد ذكرت كلمة اليد في الأخبار المذكورة في مقابل الذراع (3)وهو قرينة على إرادة ما دون الزند من اليد.
1) أشار إلى ذلك في موارد منها في مصباح الأُصول 2 : 463.
2) الوسائل 1 : 387 / أبواب الوضوء ب 15 ح 2.
3) كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام « ... ثم أخذ كفاً آخر بيمينه فصبه على يساره ثم غسل به ذراعه الأيمن ، ثم أخذ كفاً آخر فغسل به ذراعه الأيسر ، ثم مسح رأسه ورجليه بما بقي في يديه » المروية في الوسائل 1 : 391 / أبواب الوضوء ب 15 ح 7.
الثاني : ما ورد في بعض تلك الأخبار وهو روايتان أنه مسح بكفه رأسه ورجليه (1)ولا يطلق الكف إلاّ على ما دون الزند ، وحيث إن الروايات المذكورة كلها تحكي عن أمر واحد وهو فعله عليهالسلام ووضوءه في الخارج ، فيعلم منها أن المراد باليد في بقية الروايات أيضاً هو ما دون الزند أعني الكف.
الثالث : مناسبة الحكم والموضوع ، لأن لفظة اليد وإن صح إطلاقها على ما دون الزند تارة وعلى ما دون المرفق ثانياً وعلى ما دون المنكب ثالثاً ، غير أن المحمولات المترتبة عليها ربما تعيّن المراد منها بحسب المناسبات وهي تختلف باختلاف ما يحمل عليها لا محالة ، فإذا قيل : قطعت يد فلان فلا يظهر من ذلك أنها قطعت من أي موضع منها ، فهل إنها قطعت مما دون الزند أو ما دون المرفق أو ما دون المنكب ، إذ القطع يناسب الجميع ، إذن فهي مجملة كحالها قبل حمل القطع عليها. ولكن إذا قيل : كتبت بيدي أو ضربت أو مسحت بها ، يتعيّن أن يكون المراد بها خصوص ما دون الزند ، لعدم مناسبة المحمولات المذكورة لغيره من معاني اليد ، وهذا ظاهر.
فبهذه الوجوه الثلاثة قيدنا الإطلاقات الآمرة بمسح الرأس والرجلين ، غير أنها إنما تقتضي تقييدها بما دون الزند فيما إذا أمكن المسح باليد أي بما دون الزند ، ولا دلالة لها على القيدية المطلقة في كلتا حالتي التمكن والاضطرار حتى يوجب سقوط الأمر بالمسح عند عدم التمكّن من المسح بما دون الزند. وعلى الجملة أنها إنما تقتضي القيدية في حالة التمكّن من المسح بما دون الزند فحسب ، وذلك لأن الأخبار البيانية إنما تحكي عن فعل النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم أعني مسحه بما دون الزند ، ولكنه صلىاللّهعليهوآلهوسلم كان واجد اليد أي ما دون الزند ومتمكناً من المسح به ، ولا إشكال في أن المسح به هو المتعيّن وقتئذٍ ، ولا دلالة لفعله ( صلىاللّهعليهوآلهوسلم )
1) كما في صحيحتي زرارة وبكير المرويتين في الوسائل 1 : 388 / أبواب الوضوء ب 15 ح 3 ، 11.
على أنه قيد معتبر مطلقاً ولو عند عدم التمكن من المسح بما دون الزند ، لعدم اليد أصلاً أو لوجود قرحة فيها أو لمانع آخر.
وحمل المسح عليها وإن كان يقتضي إرادة ما دون الزند منها ، إلاّ أنه يختص بمن كان له ما دون الزند وكان متمكناً من المسح بها ، وأما من لا يدله أعني ما دون الزند فقوله : مسحت بيدي لا يناسب إرادة ما دون الزند بوجه. وعليه فإطلاق الأخبار والآية المباركة في حق من لا يد له ، أو له يد ولا يتمكّن من المسح بما دون زنده باق بحاله ، فيدلنا على إرادة المسح بذراعه حينئذٍ ، فالتقييد بخصوص ما دون الزند إنما هو فيما إذا تمكن من المسح به.
وعليه فما جعله صاحب المدارك أقوى وذهب إليه الماتن قدسسره من تعيّن المسح بالذراع عند عدم التمكن من المسح بما دون الزند هو الصحيح ، إلاّ أن ظهور الحكم في هذه المسألة ليس بمثابة ظهوره في المسألة الأُولى المتقدمة ، ومن هنا ذكر قدسسره أن الحكم هناك مقطوع به وأما هنا فقد جعله أقوى حسبما حكي عنه.
وليس مستند الحكم هنا وهناك قاعدة الميسور أو أصالة الاحتياط لتكون المسألتان من واد واحد ، ويستشكل على صاحب المدارك بعدم ظهور الفرق بين المسألتين ، فلما ذا جعل الحكم في أحدهما مقطوعاً به دون الأُخرى ، وذلك لأن المستند في كلتا المسألتين وإن كان هو الرجوع إلى المطلقات والتمسك بإطلاق دليل المطلق في غير المقدار المتيقن من دليل المقيد لعدم إطلاق دليل التقييد ، إلاّ أن بينهما فرقاً من جهة أن المطلقات في المسألة الأُولى مما لا خدشة فيه لقوله عليهالسلام « وتمسح ببلّة يمناك ناصيتك » (1)وغيرها من الأخبار الآمرة بالمسح باليد التي قيدناها بخصوص باطن الكف في صورة التمكن من المسح بالباطن ، وأما المطلقات في هذه المسألة أعني الآية المباركة والأخبار الآمرة بمسح الرأس والرجلين المقيدتين بما دون الزند بمقتضى الوجوه المتقدمة فهي محل إشكال وكلام ، ولم يثبت على وجه الجزم والتأكيد ، لما مر وعرفت من أن المطلقات المذكورة يدور أمرها بين احتمالات ثلاثة :
1) الوسائل 1 : 387 / أبواب الوضوء ب 15 ح 2.
أحدها : أن يقال بإهمالها وعدم كونها في مقام البيان من هذه الناحية.
ثانيها : أن يقال إنها تنصرف إلى المسح المتعارف وهو المسح بما دون الزند.
ثالثها : أن يقال إنها في مقام البيان فهي مطلقة وتدل على كفاية المسح ببلّة الوضوء ولو كان بواسطة الأجسام الخارجية ، كما إذا جعل الخشبة مبلّلة ببلّة الوضوء ومسح بها رأسه ورجليه ، فأمرها يدور بين تلك الاحتمالات ولا إطلاق لها على التقديرين الأوّلين ، وإنما يثبت لها الإطلاق على الاحتمال الثالث فقط ، ونحن وإن قوينا إطلاقها والتزمنا بكونها مطلقة ، إلاّ أنه محل الكلام والنزاع ، وهذا بخلاف الإطلاق في المسألة الأُولى ، لأنه مما لا كلام في ثبوته كما مر ، ومن هنا ذكرنا أن تعيين المسح بالذراع أقوى كما حكي عن صاحب المدارك قدسسره.
وأما الحكم في المسألة الأُولى ، فهو كما قدّمناه مقطوع به بحسب مقام الإثبات ولعل هذا هو الذي دعا صاحب المدارك قدسسره إلى جعل الحكم في المقام أقوى كما حكي ، أو أنه قدسسره لا يرى ثبوت الإطلاق لتلك المطلقات باختيار أحد المحتملين الأولين ويتمسك بقاعدة الاشتغال كما هو الحال عند عدم الإطلاق لدليلي المطلق والمقيد ، بناء على أن المقام من موارد التمسك بقاعدة الاشتغال دون البراءة ، وهذا بخلاف المسألة المتقدمة ، فإن الإطلاقات فيها هي المحكمة ولا تصل النوبة فيها إلى الأصل العملي ليختار أصالة الاشتغال ، ونحن وإن قوينا الإطلاق في المقام أيضاً ولم نراجع أصالة الاشتغال ، لأن المورد من موارد البراءة ، إلاّ أن ظهور الحكم في هذه المسألة ليس بمثابة ظهوره في تلك المسألة ، فما نسب إلى صاحب المدارك قدسسره من ذهابه إلى الفرق بين المسألتين هو الصحيح.
هذا كله بناء على صحة الحكاية المتقدمة عن صاحب المدارك قدسسره وأنه فصّل بين المسألتين المتقدمتين بجعل الحكم في الأُولى مقطوعاً به وفي الثانية أقوى ولكننا راجعنا المدارك في تلك المسألة وظهر أن ما حكي عنه في المسألة الاولى من جعله وجوب المسح بظاهر اليد قطعياً صحيح ومطابق لما في المدارك ، وأما ما حكي عنه في المسألة الثانية من جعله المسح بالذراع أقوى فهو غير موجود في المدارك
[519] مسألة 29 : إذا كانت رطوبة على الماسح زائدة بحيث توجب جريان الماء على الممسوح لا يجب تقليلها بل يقصد المسح بإمرار اليد وإن حصل به الغسل ، والأولى تقليلها (1).
أصلاً. نعم المسألة الثانية ذكرها الشهيد في الذكرى وقال : فالأقوى جوازه بالذراع (2)وصاحب الجواهر قدسسره قد نقل كلتا المسألتين متصلتين فنقل المسألة الأُولى عن المدارك والثانية عن الشهيد قدسسره في الذكرى (2) وتوهم من ذلك أن المسألتين منقولتان عن المدارك فلاحظ.
(1) لا ينبغي الإشكال في أن الغسل في الرأس والرجلين لا يجزئ عن المسح المأمور به فيهما على ما نطق به غير واحد من الروايات ، وإنما الكلام في أن الغسل والمسح أمران متباينان ولا يجتمعان في مورد واحد ، ليحكم بعدم تحقق المسح عند العلم بتحقّق الغسل ، أو أن بينهما عموماً من وجه ، فهما متخالفان كالحلاوة والحمرة فقد يكون غسل ولا مسح ، وأُخرى بكون مسح ولا غسل ، وثالثة يجتمعان ، وحيث إن الغسل لم يثبت كونه مانعاً عن المسح وإنما ثبت عدم إجزائه عن المسح فلا مانع من الاكتفاء بالمسح مع تحقق الغسل معه؟
الثاني هو الصحيح ، لأن الغسل عبارة عن جريان الماء أو أسرائه من محل إلى محل مع الغلبة ، والمسح عبارة عن إمرار اليد على الممسوح وهما أمران قد يجتمعان والغسل غير مانع عن تحقق المسح كما عرفت ، فالتقليل غير واجب. نعم هو أولى خروجاً عن شبهة الخلاف وتحصيلاً للجزم بالامتثال.
[520] مسألة 30 : يشترط في المسح إمرار الماسح على الممسوح ، فلو عكس بطل. نعم الحركة اليسيرة في الممسوح لا تضر بصدق المسح (1).
(1) اعلم أن للمسح معنيين :
أحدهما : إزالة الوسخ والعلة ونحوهما ، كما إذا قيل : مسحت يدي بالحجر ، أي أزلت الوسخ عنها ، كما يقال في مقام الدعاء مسح اللّه ما لك من علة ، ومنه الدرهم الممسوح وهو الذي زالت نقوشه فصار أملس ، ومنه إطلاق المسح على الكذّاب لأنه يزيل الحق ويقيم الباطل مقامه ، ولعل له معنى آخر به أُطلق على المسيح ( على نبيِّنا وآله وعليهالسلام ) ومن البيّن الظاهر أن المسح بهذا المعنى لم يؤخذ فيه الإمرار ، ولا دلالة له على أن الإزالة كانت بإمرار اليد على الحجر أم كانت بإمرار الحجر على اليد أو أن زوال نقوش الدرهم من جهة إمراره على شيء أو لإمرار الشيء على الدرهم وهذا ظاهر.
وثانيهما : الإمرار ، كما إذا قيل مسحت برأس التيمم ، فان معناه : أمررت يدي على رأسه ، لا أنه أمرّ رأسه على يده ، وهو نظير قولنا : مسحت الحجر بالدهن أي أمررت يدي على الحجر وفيها دهن ، وعلى ذلك فمعنى مسحت رأسي أو رجلي بالبلّة : أمررت يدي عليهما وفيها بلّة الوضوء ، ومن الواضح أن المسح في المقام إنما هو بالمعنى الثاني دون الأوّل ، لوضوح أنه لا وسخ ولا علّة في الرأس أو الرجلين ليراد إزالتها باليد.
بل يصح استعمال كلمة المسح مع جفاف كل من اليد والرأس فضلاً عن كون أحدهما وسخاً أو مشتملاً على أمر يراد إزالته باليد ، فيصح أن يقال : مسحت رأسي أي أمررت يدي على رأسي مع جفافهما ، وعليه فلا مناص من اعتبار إمرار الماسح وهو اليد على الممسوح بإسكانه وإمرار اليد عليه ، فلو عكس فأسكن يده وأمرّ رأسه أو رجليه عليها بطل.
[521] مسألة 31 : لو لم يمكن حفظ الرطوبة في الماسح من جهة الحر في الهواء أو حرارة البدن أو نحو ذلك ولو باستعمال ماء كثير بحيث كلما أعاد الوضوء لم ينفع ، فالأقوى جواز المسح (1)بالماء الجديد ، والأحوط المسح باليد اليابسة ثم بالماء الجديد ثم التيمم أيضاً (1).
نعم ، الحركة اليسيرة في الممسوح غير مضرة بصدق المسح ، فما أفاده الماتن قدسسره هو الصحيح.
(1) المشهور بينهم أنه إذا لم يمكن حفظ الرطوبة في اليد جاز المسح بالماء الجديد بل في الجواهر أنه لم يعثر على مفت بالتيمم في حقه (2). والماتن قدسسره بعد الحكم بجواز المسح بالماء الجديد احتاط بالجمع بين المسح باليد اليابسة والمسح بالماء الجديد والتيمم. والكلام في هذه المسألة يقع من جهتين :
إحداهما : ما ذكره الماتن من احتمال وجوب المسح باليد اليابسة ، لأنه لو لم يحتمل ذلك لم يحتط بالجمع بينه وبين المحتملين الآخرين ، فنتكلم في أن ذلك محتمل في المسألة أو أنه غير محتمل في محل الكلام.
وثانيتهما : في أن الواجب في المسألة هل هو التيمم أو المسح بالماء الجديد.
أمّا الجهة الأُولى ، فالصحيح أن وجوب المسح باليد اليابسة غير محتمل في المسألة ، وذلك لأن المسح بالماء الجديد إما واجب كما إذا تم أحد الوجوه المستدل بها على وجوبه وعمدتها قاعدة الميسور ، بدعوى أن المسح بالماء الجديد ميسور المسح بالبلّة الوضوئية المفروض تعذره كما يأتي تفصيله.
وإمّا أنه غير مانع عن المسح الواجب ، كما إذا لم يتم شيء من الوجوه المستدل بها على وجوب المسح بالماء الجديد ، وقلنا بوجوب المسح مطلقاً ولو باليد اليابسة ، وذلك لأنه لم يدلّنا أيّ دليل على وجوب كون المسح باليد اليابسة بحيث لو مسح بيده وهي متعرِّقة مثلاً أو مبتلّة بالماء الخارجي بطل مسحه ، فإن الأخبار البيانية التي منعت عن المسح بالماء الجديد بقوله عليهالسلام « ولم يعدهما في الإناء » (1)ونحو ذلك ، فإنما تختص بما إذا كانت اليد مبتلة ببلّة الوضوء ، إذ المستفاد من الروايات المتقدمة على اختلاف في متنها أنه عليهالسلام إنما لم يعد يديه في الإناء لكونهما مبتلتين ببلّة الوضوء ، وقد عرفت أنه مع التمكن منها لا يجوز المسح بالماء الجديد ، ولا دلالة في الروايات المذكورة على أن اليد إذا لم تكن مبتلة ببلّة الوضوء وجب أن يمسح باليد اليابسة ، بحيث لو مسح بيده وهي رطبة بطل مسحه ، بل لا مانع عن المسح باليد حينئذٍ ولو كانت مبتلة بالماء الجديد أو بغيره من المياه المضافة ، فإن اللازم وقتئذٍ إنما هو مطلق المسح باليد سواء أكانت رطبة أم يابسة ، وعليه فهذا الاحتمال ساقط والأمر يدور بين وجوب المسح بالماء الجديد ووجوب التيمم في حقه.
وأمّا الجهة الثانية : فقد استدل للمشهور بوجوه :
الأوّل وهو العمدة : قاعدة الميسور ، بتقريب أن الواجب في المسح المأمور به في الوضوء أن يكون المسح بالبلة المقيدة بكونها بلّة الوضوء ، وحيث إن تلك الخصوصية متعذرة فلا محالة يسقط التقييد ويجب المسح بمطلق البلّة ولو كانت بلّة خارجية ، لأن المسح بالبلة الخارجية ميسور البلّة المقيدة بكونها من بلّة الوضوء ، ولا يسقط الميسور بالمعسور أبداً.
ويندفع بالمنع عن كل من الكبرى والصغرى المذكورتين. أما الكبرى فلما ذكرناه في محلِّه من أن تلك القاعدة مضافاً إلى ضعف مدركها ، لأنه نبوي وعلوي وكلاهما ضعيف ، أن إخبارها قاصرة الدلالة على أن المركّب إذا تعذّر شرط أو جزء منه
1) الوسائل 1 : 390 / أبواب الوضوء ب 15 ح 6 ، 10.
وجب الإتيان بما تيسّر من أجزائه وقيوده ، وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محلِّه (1).
وأمّا بحسب الصغرى ، فلأن الخصوصيات المتعذرة مختلفة ، فقد تكون الخصوصية المتعذرة غير مقومة للمأمور به بالنظر العرفي ، كما إذا أمره بالصلاة في المسجد فصلّى في غيره ، أو أمره بإتيان ماء بارد وتعذر عليه تحصيل البارد فأتى بماء غير بارد ، فإن الصلاة في غير المسجد ميسور الصلاة في المسجد عرفاً ، وكذلك الإتيان بالماء غير البارد متيسر الإتيان بالماء البارد حسب النظر العرفي كما هو واضح ، وفي مثله لا مانع من دعوى عدم سقوط الميسور بالمعسور إذ تمت أدلته بحسب السند والدلالة.
وقد تكون الخصوصية المتعذرة مقومة للمأمور به لدى العرف ، بحيث إنهم يرون فاقدها مغايراً لواجدها فضلاً عما إذا اشتمل على خصوصية أُخرى مغايرة للخصوصية المتعذرة عندهم ، كما إذا أمره السيد بالإتيان بماء الرمان وتعذرت عليه خصوصية كون الماء مضافاً إلى الرمان فأتى بماء البطيخ أو الرقي أو بالماء المطلق بدعوى أنه ميسور ذلك المعسور ، أو أمره بالإتيان بغلام زيد أو ابنه ولم يتمكن المكلف من ذلك فأتى بغلام عمرو أو ابنه مدعياً أن خصوصية إضافة الغلام إلى زيد متعذرة فغلام عمرو ميسور لذلك المعسور ، لم يسمع منه ذلك لدى المحاكم العرفية ، لأن للخصوصيات المتعذرة مدخلية في تحقّق المأمور به وفاقدها مغاير عندهم لواجدها لا أنه ميسور لذلك المعسور كما لا يخفى.
وما نحن فيه من هذا القبيل ، إذ المأمور به هو المسح بالبلّة المضافة إلى الوضوء وهي مع البلّة المضافة إلى النهر الجاري متباينان ولا يعد إحداهما ميسوراً من الأُخرى.
فتحصل أن دعوى وجوب المسح بالماء الجديد نظراً إلى أنّه ميسور للمأمور به المتعذر خصوصيته ، ساقطة بحسب الكبرى والصغرى.
1) مصباح الأُصول 2 : 477.
وأمّا رواية عبد الأعلى مولى آل سام (1)فهي مضافاً إلى ضعف سندها (2)فإنما دلت على أن المسح على البشرة غير واجب ، لأجل كونه حرجاً في مقابل ما توهمه السائل من وجوبه. وأما قوله « فامسح على المرارة » فهو حكم جديد وغير مستند إلى أنه ميسور للمعسور ، فلا دلالة لها على تلك القاعدة.
ونظيرها دعوى وجوب المسح المطلق عند تعذر المسح ببلّة الوضوء مستنداً إلى تلك القاعدة ، لأنها أيضاً ضعيفة لما مر ، إلاّ أنها دون الدعوى المتقدمة في الضعف ، لأن مغايرة المسح ببلّة الوضوء مع المسح بالبلة المتخصصة بخصوصية اخرى كبلة ماء النهر أظهر وأوضح من مغايرته مع المسح المطلق.
الثاني : استصحاب وجوب المسح ، فقد استدلّ به بعضهم على وجوب المسح ببلّة الوضوء أو المسح باليد اليابسة ، وذلك لأن المتوضئ قد كان المسح واجباً عليه قبل أن تحدث الحرارة في بدنه أو في الهواء أو قبل طروء القلّة على الماء فنستصحب بقاءه على الوجوب بعد تعذّر المأمور به أعني حالة حدوث الحرارة أو القلّة وهو يقتضي الحكم بوجوب المسح باليد اليابسة أو بالماء الجديد وعدم وجوب التيمم في حقه.
ويندفع هذا الوجه ، مضافاً إلى أنه من الاستصحابات الجارية في الشبهات الحكمية ولا نقول بها ، بأنه من القسم الثالث من أقسام الاستصحاب الكلي ولا مجال
1) الوسائل 1 : 464 / أبواب الوضوء ب 39 ح 5.
2) بعبد الأعلى مولى آل سام لعدم توثيقه في الرجال ، وما وقع في أسانيد تفسير علي بن إبراهيم القمي هو عبد الأعلى بن أعين العجلي دون مولى آل سام ، ولم يثبت اتحادهما ، وأما ما ورد في رواية الكليني في الحديث الأول من باب فضل الأبكار من كتاب النكاح من التصريح بأن عبد الأعلى بن أعين هو عبد الأعلى مولى آل سام ، حيث قال : عبد الأعلى بن أعين مولى آل سام [ الكافي 5 : 334 / 1 ] فلا دلالة له على الاتحاد ، لأن غاية ما يثبت بذلك هو أن عبد الأعلى مولى آل سام هو ابن أعين ، وهذا لا يكفي في الحكم بالاتحاد ، لأن من الجائز أن يكون عبد الأعلى العجلي غير عبد الأعلى مولى آل سام ، ويكون والد كل منهما مسمّى بأعين ، ولعلّه لأجل ذلك يراهما الشيخ متعدِّداً ، لأنه قد عدَّ كلاًّ منهما مستقلا في أصحاب الصادق عليهالسلام فلاحظ [ رجال الطوسي : 242 ].
للاستصحاب في مثله ، وذلك لأن الوجوب المتعلق بالمسح ببلّة الوضوء قد زال وارتفع يقيناً ونشك في حدوث فرد آخر من الوجوب متعلقاً بالمسح باليد اليابسة أو بالماء الجديد وعدمه ، ولا مجال للاستصحاب في القسم الثالث من الكلي على ما برهنا عليه في محلِّه (1).
الثالث : التمسك بإطلاق الأخبار الآمرة بالمسح ، لأنها وإن كانت مقيدة بأن يكون المسح بالبلة الباقية من الوضوء في اليد ، بمقتضى صحيحة زرارة وغيرها مما دلّ على اعتبار كون المسح ببلّة الوضوء ، إلاّ أن تلك المقيدات مختصة بحال التمكن من المسح ببلّة الوضوء ولا إطلاق لها حتى يشمل صورة تعذّر المسح ببلّته ، فلا بدّ وقتئذٍ من التمسّك بإطلاق ما دلّ على أصل وجوب المسح في الوضوء ، وحينئذٍ إما أن يمسح باليد اليابسة أو بالماء الجديد ، هذا.
ويمكن المناقشة في ذلك بأن الروايات التي ورد فيها الأمر بالمسح في الوضوء لم ترد في مقام البيان من هذه الجهة ولا نظر لها إلى كيفية المسح بوجه ، وذلك نظراً إلى أن المسح في الوضوء في تلك الأزمنة كعصر الصادقين عليهمالسلام كان من الأُمور الواضحة الجلية عند الجميع ، وكان يعرف كيفيته الصبيان والصغار فضلاً عن الأكابر والرجال ، بل إنما هي بصدد البيان من الجهات المختلف فيها بين العامّة والخاصّة ، كبيان أن الرجل لا بدّ من أن يمسح لا أن يغسل ، وأن الرأس يمسح مقدمه لا جميعه. إذن فلا إطلاق في الأخبار المذكورة حتى نتمسّك بإطلاقها.
نعم ، يمكن التمسك بإطلاق الآية وهو العمدة في المقام وتقريب إطلاقها أن يقال : إنها قد اشتملت على الأمر بمسح الرأس والرجل ولم يقيده ببلّة الوضوء ، بل مقتضى إطلاقها جواز المسح بالماء الجديد أو باليد اليابسة ، وإنما رفعنا اليد عن إطلاقه عند التمكن من المسح ببلّة الوضوء بمقتضى الأخبار الدالّة على ذلك ، وأما إذا لم يتمكّن المتوضئ من المسح ببلّة الوضوء ، فمقتضى إطلاق الآية المباركة جواز المسح بالماء
1) مصباح الأُصول 3 : 114.
الخارجي أو المسح باليد اليابسة.
هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال بالإطلاق في محل الكلام ، ومع هذا كلّه يمكن المناقشة فيه من وجهين :
أحدهما : أن المسح المأمور به في الآية المباركة يحتمل أن يكون بالمعنى الأوّل من المعنيين المتقدمين للمسح أعني إزالة الأثر ، على ما أشرنا إليه (1)عند التكلّم على دلالة الآية المباركة على التبعيض ، حيث احتملنا أن يكون إدخال كلمة الباء في أثناء الكلام مع تماميته بغيرها من جهة إرادة كون اليد ممسوحة والرأس والرجلين ماسحاً.
وهذا لا بمعنى إسكان اليد وإمرار الرأس أو الرجل بها ، لما عرفت من أن المعنى الأوّل للمسح لا يعتبر فيه إمرار الممسوح على الماسح ولا إمرار الماسح على الممسوح فإنه أمر يتأتى بكل منهما ، بل بمعنى إزالة الأثر الموجود في اليد بمسح الرأس أو الرجلين ، ومعناه أن الرأس أو الرجلين قد أزال الأثر عن اليد.
وعليه فقد فرض في الآية المباركة وجود أثر في اليد حتى يزيله الرأس أو الرجل وليس ذلك إلاّ البلل ورطوبة الوضوء ، فلا إطلاق في الآية المباركة حتى يدلنا على كفاية المسح باليد اليابسة أو بالماء الخارجي.
ثم إن ما ذكرناه في المقام لا ينافي ما قدّمناه (2)من أن المسح المأمور به في الوضوء ليس بمعنى إزالة الأثر بل بمعنى الإمرار ، وذلك لأنه إنما كان كذلك بالنظر إلى دلالة الأخبار وهو غير مدلول الآية المباركة ، فالآية دلت على أن اليد لا بدّ أن تكون مبتلة ببلّة الوضوء والأخبار دلت على إمرار اليد على الرأس والرجلين ، فاذا ضممنا أحدهما إلى الآخر فيكون حاصل مدلولهما أن الوضوء يعتبر فيه أن تكون اليد مبتلة ببلّة الوضوء ، وأن تكون اليد المبتلة مارة على الرأس والرجلين دون العكس.
وثانيهما : أنّا لو سلمنا إطلاق الآية المباركة والروايات فلا نسلم اختصاص الأدلة
[522] مسألة 32 : لا يجب في مسح الرجلين أن يضع يده على الأصابع ويمسح إلى الكعبين بالتدريج ، فيجوز أن (1)يضع تمام كفه على تمام ظهر القدم من طرف الطول إلى المفصل ويجرها قليلاً بمقدار صدق المسح (1).
المقيدة بصورة التمكن من المسح ببلّة الوضوء ، لأن صحيحة زرارة وعمر بن أُذينة الدالتين على اعتبار كون المسح ببلّة الوضوء مطلقتان ، وقوله عليهالسلام « وتمسح » خطاب للمكلفين ، وهو أمر في مقام الإرشاد إلى جزئية المسح بالبلة الوضوئية في الوضوء ، ولم يقيد الجزئية بحالة التمكن والاختيار.
ومقتضى جزئية المسح ببلّة الوضوء في كلتا صورتي التمكن والتعذر سقوط الأمر بالمسح والوضوء عند عدم التمكن من المسح ببلّة الوضوء ، فيدخل بذلك تحت عنوان فاقد الماء فيجب عليه التيمم بمقتضى الآية المباركة ، لأن فقدان الماء ليس بمعنى عدم الماء مطلقاً ، بل لو تمكن من استعماله في مقدار من أجزاء الوضوء ولم يتمكن من استعماله في بعضها الآخر كفى ذلك في تحقق العجز عن استعمال الماء في الوضوء ، لأنه عبارة عن غسلتين ومسحتين ولا بدّ في كليهما من الماء ، فاذا عجز عن الاستعمال في إحدى الغسلتين أو في إحدى المسحتين فلا محالة يندرج تحت كبرى فاقد الماء ويجب عليه التيمم وقتئذٍ.
وهذا هو الأقوى في المسألة ، ولا يضره ما حكي من عدم وجدان من يفتي بوجوب التيمم حينئذٍ ، لأن الإجماع في المسائل الاجتهادية والنظرية يحتمل أن يكون مستنداً إلى أحد المدارك المذكورة فيها ، فيحتمل أن يستندوا في عدم الحكم بوجوب التيمم إلى قاعدة الميسور مثلاً ، ومعه لا يكون الإجماع تعبدياً ولا يكشف عن رأي المعصوم عليهالسلام نعم الأحوط الجمع بين المسح بالماء الخارجي والتيمم.
(1) أي لا يجب أن يكون المسح تدريجياً بأن يقع مسح الأجزاء المتأخرة بعد
1) (*) الأحوط أن لا يمسح بهذه الكيفية.
الأجزاء المتقدمة ، بل له أن يمسح جميع أجزاء الرجل دفعة واحدة كما أشار إليه الماتن قدسسره والدليل على ذلك إطلاق الآية المباركة والأخبار ، لعدم تقييدهما المسح بالتدريج ، ولا معارض لاطلاقهما غير صحيحة البزنطي عن أبي الحسن الرضا عليهالسلام قال : « سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم ، فقلت : جعلت فداك لو أن رجلاً قال بإصبعين من أصابعه هكذا ، قال : لا ، إلاّ بكفيه ( بكفه ) كلها » (1)لأنها ظاهرة في لزوم التدرج في المسح ، إلاّ أنها غير صالحة لتقييد المطلقات ولا دلالة لها على الوجوب ، بل لا بدّ من حملها على الاستحباب وأفضل الأفراد لوجهين :
أحدهما : أن الصحيحة بقرينة قول السائل في ذيلها لو أن رجلاً قال بإصبعين ... ناظرة إلى بيان مقدار الممسوح ، وأنه لا بدّ من أن يكون بمقدار الكف عرضاً ولا نظر لها إلى البدأة والانتهاء.
وثانيهما : أنها ظاهرة في وجوب كون المسح من الأصابع إلى الكعبين ، مع أن النكس جائز في المسح بلا كلام ، لما مرّ من أن الأمر موسع في مسح الرجلين فيجوز مسحهما مقبلاً كما يجوز مدبراً ، ومعه لا بدّ من حملها على الاستحباب وبيان أفضل الأفراد ، ولا يمكن العمل بظاهرها من وجوب كون المسح من الأصابع إلى الكعبين متدرجاً ، فالصحيحة غير صالحة لأن يقيد بها المطلقات.
هذه غاية ما يمكن أن يقال في تقريب ما ذهب إليه الماتن قدسسره إلاّ أن الاحتياط يقتضي أن يكون المسح متدرجاً لظهور الصحيحة في ذلك.
وأمّا ما ذكر من الوجهين في عدم دلالتها على الوجوب فيرد على أوّلهما : أن ظاهر الصحيحة أنها في مقام بيان الكيفية المعتبرة في المسح من جميع الجهات ، ويدلُّ عليه قول السائل سألته عن المسح ... كيف هو؟ أي من جميع الجهات ، وأما قوله في ذيلها : لو أن رجلاً قال بإصبعين ... فهو سؤال من جهة أُخرى ، ولا يكون ذلك قرينة على
1) الوسائل 1 : 417 / أبواب الوضوء ب 24 ح 4.
[523] مسألة 33 : يجوز المسح على الحائل (1)كالقناع والخف والجورب ونحوها في حال الضرورة من تقيّة أو برد يخاف منه على رجله ، أو لا يمكن معه نزع الخف مثلاً ، وكذا لو خاف من سبع أو عدوّ أو نحو ذلك ممّا يصدق عليه الاضطرار (1).
عدم الإطلاق في صدرها.
وأمّا ثانيهما ففيه : أن الصحيحة ظاهرة في تعيّن كون المسح من الأصابع إلى الكعبين ، وحيث قد دلّت الروايات على جواز النكس في مسح الرجلين ، فقد علم من ذلك أن ظاهر الصحيحة أعني الوجوب التعييني في كون المسح من طرف الأصابع إلى الكعبين غير مراد ، لأن له بدلاً وهو المسح نكساً فبذلك يحمل الوجوب على التخيير فتدل الصحيحة على وجوب كل من المسح إلى الكعبين وعكسه على نحو الواجب التخييري ، فلا موجب لرفع اليد عن ظهورها في الوجوب أبداً.
وبما بيّناه يظهر أن الاكتفاء في المسح بالمسح دفعة واحدة لا يخلو عن إشكال ، لأنه على خلاف ظاهر الصحيحة ، كما أن الاكتفاء في المسح بالمسح إلى نصف الرجل مقبلاً وإلى نصفها الآخر مدبراً أو بغيره من أنحاء المسح كذلك ، لظهور الصحيحة في تعيّن المسح بالمسح من الأصابع إلى الكعبين وبالعكس ، على ما دلت عليه غير واحد من الأخبار فالاجتزاء بغيره في مقام الامتثال مشكل جدّاً.
(1) أما المسح على الحائل تقيّة فسيأتي الكلام عليه مفصّلاً (2)، وأما المسح على الحائل من جهة الضرورة لبرد أو لعدم إمكان نزع الخف أو لخوف سبع ونحو ذلك
فالمشهور بين المتقدِّمين والمتأخِّرين جوازه ، بل لا خلاف في المسألة إلاّ من جملة من متأخِّري المتأخِّرين ، واستدلّ عليه بأُمور :
منها دعوى الإجماع على كفاية المسح على الحائل للضرورة ، لما عرفت من إطباق القدماء والمتأخِّرين على الجواز ، ولم يخالفهم في ذلك إلاّ جمع من متأخِّري المتأخِّرين ، وهو غير قادح في الإجماع كما هو ظاهر.
ويرد هذا الوجه : أنّا نحتمل استناد المجمعين في المسألة إلى أحد الوجوه الآتية ومعها لا يمكن الاعتماد على إجماعهم ، لعدم كونه تعبدياً كاشفاً عن رأي الامام عليهالسلام.
ومنها : رواية أبي الورد قال : « قلت لأبي جعفر عليهالسلام إن أبا ظبيان حدّثني أنه رأى عليّاً عليهالسلام أراق الماء ثم مسح على الخفّين ، فقال : كذب أبو ظبيان أما بلغك قول علي عليهالسلام فيكم سبق الكتاب الخفين. فقلت : فهل فيهما رخصة؟ فقال : لا ، إلاّ من عدوّ تتقيه أو ثلج تخاف على رجليك » (1)وهي ظاهرة الدلالة على جواز المسح على الخفّين عند خوف الثلج ونحوه ، هذا.
وقد أورد صاحب المدارك على هذا الوجه بأن الرواية ضعيفة السند بأبي الورد لعدم توثيقه في الرجال فلا يجوز الاعتماد على روايته (2).
وأُجيب عن ذلك بوجوه :
الأوّل : أن الرجل وإن كان لم يوثق في الرجال إلاّ أن الرواية قد تلقاها الأصحاب بالقبول ، ومنه يستكشف أن الرواية كانت مقترنة بقرينة دلتهم على صحتها.
وهذا الجواب مبني على تمامية القاعدة المعروفة من أن الرواية الضعيفة ينجبر ضعفها بعمل المشهور على طبقها ، فان صحت وتمت فهو وإلاّ فللمناقشة فيه مجال واسع ، لأن عملهم على طبق رواية لا يكشف عن عثورهم على قرينة دلّتهم على
صحّتها كما ذكرنا تفصيله في محلِّه (1).
الثاني : أن في سند الرواية حماد بن عثمان وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه ، لأنهم لا يروون إلاّ عن ثقة.
ويردّه : أنّا قد عثرنا في غير مورد على روايتهم عن غير الثقة ، ومعه ينحصر الوجه في تصحيح رواية الرجل على الإجماع المدعى على قبول رواية حماد بن عثمان فان ثبت إجماع تعبدي على ذلك فهو وإلاّ فلا مستند لذلك أبداً. والإجماع المحصل غير حاصل والإجماع المنقول مما لا اعتبار به.
الثالث : أن الرجل ممن مدحه المجلسي في الوجيزة (2)وذكر صاحب الحدائق قدسسره أن شيخنا أبا الحسن روى مدحه في بلغته (3)، وعليه فالرجل ممدوح والرواية من الحسان فلا بدّ من الحكم باعتبارها.
والظاهر أن هذا الوجه أيضاً غير تام ، لأن مدح المجلسي للرجل مستند إلى ما رواه الكليني من أن رجلاً يقال له أبو الورد قد دخل على أبي عبد اللّه عليهالسلام عند مراجعته من الحج ، فقال له أبو عبد اللّه عليهالسلام يا أبا الورد أما أنتم فترجعون عن الحج مغفوراً لكم ، وأما غيركم فيحفظون في أهاليهم وأموالهم (4)بدعوى أن الرواية ظاهرة في مدح الرجل ، لقوله عليهالسلام إنكم مغفورون ، وإلاّ فالمجلسي لم يعاصر الرجل بوجه ، وبين عصريهما قرون ، والرواية لا يمكن الاعتماد عليها من وجهين :
أحدهما : أن قوله عليهالسلام « إنكم مغفورون » لا يدلنا على أزيد من أن الرجل شيعي ، فان شيعة علي عليهالسلام إذا حجوا غفرت ذنوبهم المتقدمة فليستقبلوا أعمالهم (5)وأما غيرهم فعمله غير مقبول ، ومن هنا قال : « إنكم مغفورون » ولم يقل
1) مصباح الأُصول 2 : 201.
2) ص 371.
3) الحدائق 2 : 310.
4) الكافي 4 : 263 / 46 ، الوافي 12 : 235.
5) هذا مضمون جملة من الأخبار الواردة في فضل الحج والعمرة ، بضميمة ما ورد من أن اللّه لا يتقبّل إلاّ من المؤمنين ، وفي بعضها إنهم على أصناف ثلاثة : فأفضلهم نصيباً رجل غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر ووقاه اللّه عزّ وجلّ عذاب القبر ، وأما الذي يليه فرجل غفر له ذنبه ما تقدم منه ويستأنف العمل مما بقي من عمره ، وأما الذي يليه فرجل حفظ في أهله وماله [ الوافي 5 : 815 ]. وروى في الفقيه : أنه الذي لا يقبل منه الحج. الفقيه 2 : 146 / 92.
إنك مغفور حتى يتوهم منه توثيق الرجل.
ويؤيده أيضاً مقابلة ذلك بقوله « وغيركم » لأن ظهوره في إرادة غير الشيعة غير قابل للإنكار ، ومن الظاهر أن كون الرجل شيعياً إمامياً غير كاف في اعتبار روايته.
وثانيهما : أنّا لو سلمنا أن الرواية صريحة الدلالة على توثيق الرجل ، وأنه ثقة ومن الأتقياء وأنه معهم عليهمالسلام في الجنة مثلاً ، إلاّ أنّا من أين نعرف أن الرجل المذكور في الرواية هو أبو الورد الراوي للرواية التي بأيدينا ، لعدم انحصار المكنى بأبي الورد براوي هذه الرواية ، ومن الجائز أن يكون هناك رجل آخر مكنى بأبي الورد قد ورد على الامام عليهالسلام وسأله وأجاب عليهالسلام بما تقدّم ، وليس في الرواية غير أنه كان يقال له أبو الورد ، وأما أنه الراوي لهذه الرواية فلا قرينة عليه بوجه.
بل القرينة موجودة على خلافه ، لأن أبا الورد الراوي لهذا الخبر ممن عدّوه من أصحاب الباقر عليهالسلام وهو يروي عنه عليهالسلام كما أن ما بأيدينا من الرواية أيضاً رواها عنه عليهالسلام ولم يكن معاصراً لأبي عبد اللّه عليهالسلام وإلاّ لعدّوه من أصحاب الصادق والباقر عليهماالسلام كليهما ، وأبو الورد في رواية الكافي من معاصري أبي عبد اللّه عليهالسلام حيث إنه ورد عليه وسأله كما في الخبر ، وهذا يوجب الظن بل الاطمئنان بأنهما متغايران وأحدهما غير الآخر ، ومعه كيف يمكن إثبات وثاقة الرجل بتلك الرواية.
وما صنعه الميرزا قدسسره من إيراد الرواية المتقدمة الواردة في الحج في ترجمة أبي الورد راوي هذه الرواية ، فمبني على نظره واجتهاده ولا يمكننا الاعتماد عليه في مقام الاستدلال ، إذن لا دلالة في الرواية على المدعى.
ولعلّ صاحب الحدائق قدسسره (1)التفت إلى ما ذكرناه ومن هنا قال : قد روي في الكافي ما يشعر بمدحه (2)فما استشكله صاحب المدارك قدسسره من أن الرجل لم يثبت وثاقته والرواية ضعيفة هو الصحيح ، وعليه لا بدّ من الحكم بوجوب التيمم لعدم تمكنه من الوضوء المأمور به ، ولا بأس بالاحتياط بالجمع بين التيمم والمسح على الحائل.
ومنها : أي مما يستدل به على جواز المسح على الحائل فيما إذا كان لضرورة من برد أو خوف سبع ونحوهما ، رواية عبد الأعلى مولى آل سام الواردة في من عثر فانقطع ظفره فجعل على إصبعه مرارة فكيف يصنع في الوضوء؟ قال : يعرف هذا وأشباهه من كتاب اللّه عزّ وجلّ قال اللّه تعالى ( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) امسح عليه (3)لأنها وإن وردت في انقطاع الظفر وجعل المرارة على الإصبع ، إلاّ أن المستفاد من قوله عليهالسلام « يعرف هذا وأشباهه ... » أنه حكم كبروي يستفاد من الكتاب ، وأن من لم يتمكّن من المسح على بشرته فوظيفته المسح على الحائل ، بلا فرق في ذلك بين الإصبع والمرارة وغيرهما.
ويرد على هذا الاستدلال أمران :
أحدهما : أن الرواية ضعيفة السند ، لأن عبد الأعلى مولى آل سام لم يوثق في الرجال.
وثانيهما : أنها ضعيفة الدلالة ، وذلك لأن ما يعرف من كتاب اللّه ليس هو جواز
1) الحدائق 2 : 310.
2) ولا يخفى أن الرجل وإن لم يوثق في الرجال إلاّ أنه ممن وقع في أسانيد تفسير علي بن إبراهيم القمي ، فبناء على ما عليه سيدنا الأُستاذ ( مدّ ظله ) من وثاقة كل من وقع في سلسلة أسانيد ذلك الكتاب أعني تفسير القمي ، لا بدّ من الحكم باعتبار الرواية ، ومعه لا حاجة إلى الاستدلال على وثاقة الرجل برواية الكليني قدسسره المتقدمة ، فإن الرواية ضعيفة السند بسلمة بن محرز ، لعدم ثبوت وثاقته ولا يمكن إثبات وثاقة الرجل بالرواية الضعيفة بوجه.
3) الوسائل 1 : 464 / أبواب الوضوء ب 39 ح 5.
المسح على الحائل عند عدم التمكن من المسح على البشرة حتى يقال إن ذلك حكم كبروي ولا اختصاص له بمن انقطع ظفره وجعل على إصبعه مرارة ، بل الذي يستفاد من الكتاب إنما هو عدم وجوب المسح على البشرة لأنه عسر ، وأما وجوب المسح على المرارة والحائل فلا يستفاد من الكتاب ، وكيف يمكن أن يستفاد منه أن المسح على المرارة ميسور المسح على البشرة مع أنهما متغايران.
نعم ، يستفاد ذلك من قوله عليهالسلام « فامسح على المرارة » وعليه فهي كسائر الأخبار الواردة في الجبائر كما يأتي في محلِّها ، وعليه فهو حكم يختص بالجبائر أعني من انقطع ظفره مثلاً وجعل على إصبعه مرارة ، فلا يمكننا التعدي عن موردها إلى المقام أعني ما إذا لم يتمكن المتوضئ من المسح على بشرته لضرورة من الخوف ونحوه.
فالصحيح أنه إذا اضطر إلى عدم مسح البشرة وجب عليه التيمم لعدم تمكنه من الوضوء المأمور به ، ومن عجز عن الطهارة المائية انتقلت وظيفته إلى الطهارة الترابية لا محالة. نعم الأحوط الجمع بينه وبين المسح على الخفين ، هذا.
ثم إنّا إذا قلنا باعتبار رواية أبي الورد ، إمّا من جهة انجبارها بعمل الأصحاب ، وإمّا من جهة وقوع حماد بن عثمان في سندها ، وإمّا من جهة كون الرجل ممدوحاً أو لغير ذلك من الوجوه ، لا بدّ من أن يعمم الحكم أعني جواز المسح على الخفين إلى ما إذا ترتب الضرر من المسح على البشرة على ما هو أعظم وأهم من الرجلين ، كالبدن إذا استلزم مسحهما طروء الحمى على بدنه ، أو كانت القافلة على شرف الحركة والنفر فاستلزم المسح على رجليه بقاءه منفرداً ومنفصلاً عن القافلة في قفر من القفار ، أو غير ذلك مما هو أعظم من إصابة البرد أو الثلج على رجليه ، بل نتعدى إلى ما إذا ترتب على المسح ما هو مساو لاصابة البرد والثلج ، كما إذا خاف من إصابة الحر على رجليه ، وذلك لأن ظاهر الرواية أن إصابة الثلج مما لا خصوصية له في الحكم ، وإنما ذكره عليهالسلام من باب أنه أقل أفراد الضرر المترتب على مسح الرجلين.
وعلى الجملة أن مقتضى المناسبة بين الحكم وموضوعه عدم اختصاص الحكم
من غير فرق بين مسح الرأس والرجلين (1)
المذكور بمن خاف على رجليه من الثلج خاصة ، بل يعم ما إذا خاف على رجليه من الحر أو ما هو أعظم من ذلك كما مر ، كما أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي التعدِّي إلى غير الخفّين من الموانع المتحققة في الرجل كالجورب ونحوه ، لأن مورد الرواية وإن كان هو الخف إلاّ أن المورد لا يكون مخصصاً ، بل الظاهر منها بمناسبة الحكم والموضوع جواز المسح على كل حائل عند الضرورة وعدم التمكن العرفي من المسح على البشرة.
(1) لا يخفى أن رواية أبي الورد على تقدير القول باعتبارها تختص بالرجلين ، كما أن الإجماع على تقدير تماميته منعقد فيما إذا خاف على رجليه من البرد ، وعليه فالتعدي إلى مسح الرأس يحتاج إلى دليل.
ودعوى القطع بعدم الفرق بين مسح الرجلين ومسح الرأس ، عهدتها على مدعيها لعدم علمنا بملاكات الأحكام ، ويحتمل اختصاص الملاك بالرجلين لموافقة المسح على الخفين مع العامّة بخلاف مسح الحائل في الرأس.
نعم ، قد يستدل على جواز المسح بالحائل في الرأس عند الضرورة بالروايتين الواردتين في الحناء.
إحداهما : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « في الرجل يحلق رأسه ثم يطليه بالحناء ثم يتوضأ للصلاة ، فقال : لا بأس بأن يمسح رأسه والحناء عليه » (1).
وثانيتهما : صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « عن الرجل يخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء ، قال : يمسح فوق الحناء » (2). بدعوى أن الظاهر منهما إرادة الضرورة والتداوي بالحناء.
ولو كان الحائل متعدِّداً لا يجب نزع ما يمكن وإن كان أحوط (1) ، وفي المسح على
ولا يمكن الاستدلال بشيء من الروايتين ، أمّا الرواية الاولى ، فلأنّ ظاهرها كما قدّمناه أن طلي الحناء بعد الحلق إنما كان مستنداً إلى التداوي بالحناء ، وعليه فلا مانع من المسح عليه ، لأن كفاية المسح على الدواء عن المسح على البشرة منصوصة على ما يأتي تفصيله عند الكلام على أحكام الجبائر إن شاء اللّه تعالى (1)فلا دلالة لها على كفاية المسح على كل حائل على الرأس عن المسح بالبشرة.
وأما الرواية الثانية ، فللقطع الوجداني بعدم خصوصية للحناء في ذلك ، فلو جاز المسح عليه جاز المسح على كل حائل على الرأس ، وعليه فلا مناص من حمل الرواية على التقيّة لموافقتها للعامة ، اللّهمّ إلاّ أن تحمل على صورة التداوي بالحناء فيتحد مع الرواية السابقة ، وقد عرفت أن كفاية المسح على الدواء منصوصة.
فالمتحصل : أنه لا دليل على جواز المسح على الحائل عند الضرورة إلى ترك مسح الرأس ، فلا مناص حينئذٍ من التيمم ، والاحتياط بالجمع بينه وبين المسح على الحائل أولى كما لا يخفى.
(1) كما إذا لبس جورباً زائداً على الخفين أو جورباً ثانياً وهكذا ، وكما إذا لبس العرقجين تحت العمامة ، فهل يجب نزع ما يمكن نزعه من أفراد الحائل؟ الصحيح لا وذلك لإطلاق الرواية وكلمات الأصحاب ، لأن الظاهر من قوله عليهالسلام « لا ، إلاّ من عدو تتقيه أو ثلج تخاف على رجليك » أنه في هاتين الصورتين لا مانع من المسح على الخفين ، سواء كان معهما حائل آخر أم لم يكن ، رقيقاً كان أم غليظاً ، واحداً كان أم متعدِّداً.
1) في المسألة [608].
الحائل أيضاً لا بدّ من الرطوبة المؤثرة في الماسح ، وكذا سائر ما يعتبر في مسح البشرة (1).
[524] مسألة 34 : ضيق الوقت عن رفع الحائل أيضاً مسوّغ للمسح عليه لكن لا يترك الاحتياط بضم التيمم أيضاً (2).
(1) لأن ظاهر الرواية المتقدمة أن المسح على الحائل كالمسح على البشرة ، فيراعى فيه ما روعي في المسح على البشرة ، فهي توسعة في الممسوح ولا دلالة لها على إلغاء الشرائط المعتبرة في المسح ، من لزوم كونه بنداوة الوضوء وأن يكون على نحو التدريج ، وأن يكون بإمرار اليد على الرأس والرجلين وغيرها من الشرائط المتقدمة فلا بدّ من مراعاتها حسب إطلاق أدلتها ، وهذا ظاهر.
(2) ما سردناه إلى هنا من جواز المسح على الخفين أو غيرهما من أفراد الحائل إنما يختص بما لم يتمكن المتوضئ من المسح على بشرته خوفاً مما يترتب على مسحها من برد أو حر أو غيرهما من المضار على ما تقدّم تفصيله.
وأمّا إذا فرضنا أنه متمكن من مسح البشرة ولم يترتّب عليه أيّ ضرر إلاّ أنه عجز عن مقدّمته كنزع الخفين مثلاً لما في يده من الشلل ، أو أن يده قد أصابها البرد بحيث لا يمكنه نزعهما ، أو لم يتمكن من نزعهما لضيق الوقت لكن لو نزعهما أحد أو نزعهما بنفسه لم يترتب على مسح الرجلين أيّ ضرر من برد أو حر أو غيرهما ، فهل يجوز له المسح على الخفين حينئذٍ أيضاً أو لا يجوز؟
الصحيح عدم الجواز خلافاً للماتن قدسسره وذلك لأن الرواية مختصة بما إذا ترتّب على مسح البشرة ضرر من برد أو حر ، وقد تعدّينا عن موردها وهو خوف
[525] مسألة 35 : إنما يجوز المسح على الحائل في الضرورات ما عدا التقيّة إذا لم يمكن رفعها ولم يكن بدّ من المسح على الحائل ولو بالتأخير (1)
الثلج على الرجلين إلى صورة الخوف على ما هو أعظم منهما كالبدن إذا خيف عليه من الحمى مثلاً ونحو ذلك ، وأما صورة عدم ترتّب أي ضرر على مسحهما وعدم تمكنه من النزع ولو لأجل ضيق الوقت فلم يدلنا فيها دليل على كفاية المسح على الخفين حينئذٍ ، بل لا بدّ معه من التيمم ، فلو جمع بينه وبين المسح على خفيه لكان أولى وأحسن ، والاقتصار في هذه الصورة بخصوص المسح على الخفين خلاف الاحتياط جدّاً.
(1) والوجه في ذلك أن الاضطرار إلى المسح على الخفين في محل الكلام نظير بقية موارد الاضطرار ، فهو إنما يكفي ويجتزئ به في مقام الامتثال ، فيما إذا لم يتمكن من المسح على نفس الرجلين في الطبيعي المأمور به في شيء من الأفراد الواجبة ما بين المبدأ والمنتهى ، دون ما إذا لم يتمكّن منه في فرد أو فردين ولكن كان متمكناً في غيره من الأفراد العرضية ، كما إذا لم يتمكّن من المسح عليهما في ساحة الدار خوفاً من البرد على رجليه وتمكن منه في داخل الغرفة لأن الهواء فيها متدافئ ، أو من الأفراد الطولية كما إذا تمكن من المسح على بشرته إذا صبر وأخّر الوضوء إلى آخر الوقت فإنه حينئذٍ متمكن من المسح المأمور به فلا يجزئ عنه غيره.
وبعبارة اخرى : الشيء الذي وجب في حق المكلف إنما هو الطبيعي الواقع بين المبدأ والمنتهى ، فلا بدّ في تحقّق الاضطرار من العجز عن المسح المأمور به في ذلك الطبيعي الواقع بين الحدين ، فلو عجز عن المسح المأمور به في فرد دون بقية الأفراد فهو يتمكّن من المسح الواجب لا محالة ، ومعه كيف يمكن الاجتزاء بغيره ، والعجز
إلى آخر الوقت ، وأما في التقيّة فالأمر أوسع فلا يجب الذهاب إلى مكان لا تقيّة فيه ، وإن أمكن بلا مشقة ، نعم لو أمكنه وهو في ذلك المكان ترك التقيّة وإراءتهم المسح على الخف مثلاً ، فالأحوط بل الأقوى ذلك (1) ولا يجب بذل المال لرفع التقيّة بخلاف سائر الضرورات والأحوط في التقيّة أيضاً الحيلة في رفعها مطلقاً.
والاضطرار في جميع أفراد الطبيعة هو الذي يستفاد من رواية أبي الورد المتقدمة (1)ولا إطلاق لها بالإضافة إلى كفاية العجز عن مسح البشرة في فرد من أفراد الواجب حتى يتمسك به في الحكم بكفاية مجرد الاضطرار في فرد واحد من أفراد الطبيعة المأمور بها.
(1) يأتي الكلام على التقيّة مفصّلاً (2)بعد بيان الفروع المترتبة على الاضطرار إلى المسح على الخفين إن شاء اللّه.
(2) كما إذا توقّف المسح المأمور به أعني المسح على البشرة على بذل مال لنزع الخفين من رجلي المتوضي ، أو لإدخاله مكاناً متدافئاً لا يخاف فيه من البرد على رجليه ، أو لغيرهما مما يتمكن به من المسح المأمور به.
ولعلّ الماتن قدسسره استفاد وجوب بذل المال على ذلك مما ورد في بعض الروايات ، من وجوب بذل المال على ماء الوضوء ولو كان كثيراً ، وذكر في ذيله : وما يسوؤني ( يسرني ) بذلك مال كثير (3).
ولا يمكن المساعدة على ذلك بوجه ، لأن إيجاب الوضوء ليس كإيجاب سائر الواجبات المالية أو البدنية كالخمس والزكاة والجهاد والحج ، إيجاباً مبنياً على الضرر
[526] مسألة 36 : لو ترك التقيّة في مقام وجوبها ومسح على البشرة ففي صحة الوضوء إشكال (1)(1).
[527] مسألة 37 : إذا علم بعد دخول الوقت أنه لو أخّر الوضوء والصلاة يضطر إلى المسح على الحائل ، فالظاهر وجوب المبادرة إليه في غير ضرورة التقيّة وإن كان متوضئاً وعلم أنه لو أبطله يضطر إلى المسح على الحائل لا يجوز له الإبطال (2).
المالي أو البدني من الابتداء ، ليقال إن المال فيها لا بدّ من بذله وإن كان موجباً للضرر ولا يتوقف تحصيله على بذل مال ، وعليه فاذا استلزم امتثال إيجاب الوضوء ضرراً مالياً أو بدنياً على المكلف فمقتضى قاعدة نفي الضرر عدم وجوب الوضوء في حقه لأنه أمر ضرري ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام ، فإذا لم يجب عليه الوضوء وجب عليه التيمم لا محالة بمقتضى تلك القاعدة ، وقد خرجنا عن عمومها في خصوص ما إذا توقّف تحصيل ماء الوضوء على بذل مال ، فان مقتضى أدلة نفي الضرر عدم وجوب البذل وعدم وجوب الوضوء عليه. ولم يرد هناك تخصيص للقاعدة ، وعليه ففي مفروض المسألة لا مناص من الحكم بوجوب التيمم من دون أن يجب عليه بذل المال لرفع الضرورة في المسح على الخفين.
(1) تأتي هذه المسألة عند التعرّض لأحكام التقيّة بعد التكلّم على فروع الاضطرار إلى مسح الخفّين (2)فانتظر.
(2) يقع الكلام في هذه المسألة في مقامين :
أحدهما : ما إذا علم المكلف بعد دخول وقت الصلاة أنه لو أخّر الوضوء ولم يتوضأ فعلاً لم يتمكّن من الوضوء المأمور به والمسح على البشرة بعد ذلك ، أو كان متوضئاً
وإن كان ذلك قبل دخول الوقت فوجوب المبادرة أو حرمة الإبطال غير معلوم (1)(1).
على النحو المأمور به وعلم بأنه لو أبطله لم يتمكّن من الوضوء مع المسح على البشرة بعد ذلك ، فهل يجب عليه المبادرة إلى الوضوء في المسألة الأُولى ويحرم عليه إبطال الوضوء في المسألة الثانية أو لا؟
الصحيح كما أفاده الماتن في المتن وجوب المبادرة وحرمة الابطال ، وذلك لأنه حينئذٍ يتمكن من الإتيان بالمأمور به الأولي حال وجوبه ، وبه يتنجّز عليه وجوب الصلاة مع الوضوء المأمور به في حقِّه ، لتمكّنه من امتثاله ، وعليه فلو أخرج نفسه عن التمكّن والقدرة إلى العجز بإراقة الماء أو بترك المبادرة أو بإبطال وضوئه كان ذلك عصياناً ومخالفة لذلك الأمر المتنجز ، فلا محالة يعاقب على تفويته وتركه للواجب بالاختيار.
وأدلّة الأبدال إنما تدل على البدلية لمن لم يتمكّن من المأمور به الأوّلي وكان عاجزاً عن الماء أو غيره ، والمفروض أنه متمكِّن من الماء ومن الوضوء الصحيح فلا يجوز في حقِّه الإتيان ببدله إلاّ بتفويت قدرته وتمكّنه وإخراج نفسه عن التمكّن وإدخالها في العجزة وغير القادرين ، وهذا أمر غير سائغ ، بل لو كنّا نحن وأدلّة وجوب الوضوء لقلنا بسقوط الأمر بالوضوء والصلاة عمن عجّز نفسه بتفويت قدرته على الماء أو المسح المأمور به بالعصيان ومعاقبته بترك الواجب اختياراً ، إلاّ أن الأدلة دلت على أن الصلاة لا تسقط بحال ولا بدّ من إتيانها بالطهارة الترابية ، وهذا لا ينافي العقاب من جهة تركه المأمور به بالاختيار ، هذا كله فيما إذا علم بذلك بعد دخول الوقت.
وثانيهما : ما إذا علم بذلك قبل دخول وقت الوجوب ، وهو الذي أشار إليه الماتن بقوله : وإن كان ذلك قبل دخول الوقت ....
(1) والصحيح في هذه المسألة عدم وجوب المبادرة إلى الوضوء وعدم حرمة
1) (*) بل الظاهر عدم وجوب المبادرة وجواز الابطال.
الإبطال ، وذلك لأن وجوب الوضوء والصلاة مشروط في الشريعة المقدسة بدخول وقتها كما دلّ عليه قوله عزّ من قائل ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ... ) (1)وقوله عليهالسلام « إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة ، ولا صلاة إلاّ بطهور » (2)وعلى ذلك لا حكم متنجز بشيء من الطهور والصلاة قبل الوقت ، فلو ترك المكلف المبادرة إلى الوضوء أو أبطله قبل دخول الوقت لم يكن في ذلك أية مخالفة وعصيان للتكليف المتنجز عليه ، لأن المفروض أن التكليف قد اشترط بالوقت وهو غير متحقق بعد ، فلا وجه للحكم بوجوب المبادرة إليه ولا لحرمة إبطاله.
نعم ، قد يتوهم أن في ترك المبادرة قبل الوقت أو في إبطال الوضوء حينئذٍ تفويتاً للملاك الملزم وهو بالنظر العقلي كعصيان التكليف المنجّز في القبح ، فلا مناص معه من الحكم بوجوب المبادرة وحرمة الابطال ، وهذا الكلام وإن كان بحسب الكبرى صحيحاً ومما لا مناقشة فيه ، لما ذكرناه غير مرة من أن تفويت الملاك الملزم ومخالفة التكليف المنجّز سيان عند العقل وكلاهما عصيان ومخالفة لديه ، إلاّ أن الكلام كله في صغرى ذلك في المقام ، وأن الصلاة مع الوضوء التام هل فيها ملاك ملزم بالإضافة إلى العاجز عن الوضوء المأمور به من أوّل الوقت ، أو أن الملاك الملزم يخص القادرين وحيث لا سبيل لنا إلى استكشاف ملاكات الأحكام الشرعية على ما ذكرناه غير مرّة إلاّ بالأمر والتكليف شرعاً ، ولا تكليف على العاجز ومن لم يتمكن من الوضوء التام بالإضافة إلى الوضوء قبل الوقت ولا بعده ، فلا يمكننا تحصيل العلم بوجود الملاك الملزم في حقه ، ومن الجائز وجداناً أن تكون القدرة دخيلة في تحقق الملاك ، ومعه لا يمكن الحكم بحرمة إبطال الوضوء أو بوجوب المبادرة إليه قبل الوقت ، بدعوى أنه تفويت للملاك الملزم ، هذا كلّه في الفروع المترتبة على ترك المسح المأمور به أعني المسح على غير البشرة بشيء من الضرورات المتقدمة غير التقيّة.
وأمّا إذا كان الاضطرار بسبب التقيّة فالظاهر عدم وجوب المبادرة وكذا يجوز الابطال وإن كان بعد دخول الوقت لما مرّ من الوسعة في أمر التقيّة (1)لكن الأولى والأحوط فيها أيضاً المبادرة أو عدم الإبطال (1)
(1) وأما إذا كانت الضرورة هي التقيّة ، فالمعروف المشهور بين الأصحاب ( قدس اللّه أسرارهم ) جواز المسح على الخفّين تقيّة ، وتدل عليه العمومات والإطلاقات الواردة في وجوب التقيّة ومشروعيتها كقوله عليهالسلام « التقيّة ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقيّة له » (2)« التقيّة في كل شيء » (3)على ما سيأتي فيها الكلام ، وأيضاً تدل عليه رواية أبي الورد المتقدمة (4)حيث صرح فيها بجواز المسح على الخفين تقيّة وقال : « لا ، إلاّ من عدو تتّقيه » (5).
وفي قبال ذلك عدة روايات دلت على عدم جواز المسح على الخفين تقيّة.
الأُولى : صحيحة زرارة قال : « قلت له : في مسح الخفين تقيّة؟ فقال : ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً ، شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج » (6). وهي كالصريحة في عدم جريان التقيّة في المسح على الخفين. نعم الراوي فهم من قوله « لا أتقي » الاختصاص وأن عدم جواز التقيّة في الأُمور الثلاثة من خصائصه عليهالسلام على ما صرح به في ذيل الرواية حيث قال : قال زرارة : « ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهن أحداً » وهو على جلالته وعلو مقامه لا مناص من رفع اليد عما فهمه بقرينة صحيحته الثانية التي رواها الكليني قدسسره ولم نعثر عليها في أبواب التقيّة من الوسائل.
والثانية : ما أشرنا إليه آنفاً ، أعني صحيحة زرارة التي رواها الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد عن حريز عن زرارة عن غير واحد قال : « قلت لأبي جعفر عليهالسلام في المسح على الخفّين تقيّة؟ قال : لا يتقى في ثلاثة ، قلت : وما هنّ؟ قال : شرب الخمر أو قال : شرب المسكر والمسح على الخفين ومتعة الحج » (1)فإنها صريحة في عدم اختصاص الحكم بهم عليهمالسلام بقوله : عليهالسلام « لا يتقى » ومعه لا بدّ من حمل قوله عليهالسلام في الصحيحة الاولى « لا أتقي » على المثال.
الثالثة : ما رواه الكليني قدسسره أيضاً عن درست عن محمد بن الفضيل الهاشمي قال « دخلت مع إخوتي على أبي عبد اللّه عليهالسلام فقلنا إنّا نريد الحج وبعضنا صرورة ، فقال : عليكم بالتمتع فانّا لا نتقي في التمتع بالعمرة إلى الحج سلطاناً واجتناب المسكر والمسح على الخفين » (2).
الرابعة : ما رواه الكليني والبرقي والصدوق ( قدس اللّه أسرارهم ) عن أبي ( ابن ) عمر الأعجمي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في حديث أنه قال : « لا دين لمن لا تقيّة له ، والتقيّة في كل شيء إلاّ في النبيذ والمسح على الخفين » (3)وزاد في الخصال « إن تسعة أعشار الدين في التقيّة » ولم يذكر في هذه الرواية متعة الحج كما لم يذكر في شيء من روايات الكليني والبرقي والصدوق لهذه الرواية ولا نقل ذلك عنهم قدسسرهم في الوسائل ولا في غيره من كتب الحديث.
فما في كلام المحقق الهمداني قدسسره من نقل الرواية مشتملة على متعة الحج (4)من سهو القلم.
هذه هي الأخبار الواردة في المقام وقد عرفت استدلالهم بها على عدم جواز التقيّة
في المسح على الخفّين.
ويرد الاستدلال بالرواية الأخيرة أنها ضعيفة السند وغير قابلة للاستدلال بها على شيء ، لأن أبا عمر الأعجمي ممن لم يتعرضوا لحاله فهو مجهول الحال من جميع الجهات ، حتى من حيث التشيع وعدمه فضلاً عن الوثاقة وعدمها ، فالرواية ساقطة عن الاعتبار. وكذلك الرواية الثالثة لضعفها بمحمد بن الفضيل الهاشمي ، لعدم توثيقه في الرجال ، وكذلك درست الواقع في سندها لأنه لم يوثق في الرجال.
وأما الرواية الاولى أعني صحيحة زرارة الأُولى فهي أيضاً غير صالحة للاستدلال بها على المدعى ، لاحتمال أن يكون الحكم الوارد فيها من مختصاته عليهالسلام ومع هذا الاحتمال كيف يسوغ الاستدلال بها على عدم جواز التقيّة في مسح الخفين على المكلفين ، فلا تبقى في البين رواية إلاّ الصحيحة الثانية لزرارة وهي العمدة في المقام فان قلنا باعتبار رواية أبي الورد المتقدمة ولو بأحد الوجهين المتقدمين من عمل المشهور على طبقها ، أو لكون حماد بن عثمان الواقع في سندها من أحد أصحاب الإجماع فلا إشكال في المسألة ، لأن الرواية ناصة في الجواز والصحيحة ظاهرة في حرمة التقيّة في محل الكلام فيجمع بينهما بحمل الظاهر على النص. ونتيجة هذا الجمع أن التقيّة في الأُمور الثلاثة الواردة في الرواية أمر مكروه ، أو يحمل الصحيحة على غير الكراهة مما لا ينافي الرواية.
وأما إذا لم نقل باعتبار الرواية ولم نعتمد عليها في الاستدلال ، فهل يمكننا رفع اليد بصحيحة زرارة عن الإطلاقات والعمومات الواردة في التقيّة ، نظراً إلى أن الصحيحة أخص منها مطلقاً فهي توجب تقييدها لا محالة ، أو أن الأمر بالعكس فلا بدّ من أن يرفع اليد عن الصحيحة بهذه الإطلاقات والعمومات؟
الثاني هو التحقيق ، وذلك لأن الظاهر أن الصحيحتين المتقدمتين لزرارة متحدتان والوجه في هذا الاستظهار أُمور :
منها : أن زرارة بعد ما نقل الصحيحة الأُولى وعقّبها بما فهمه منها ، من أن عدم جواز التقيّة في الموارد الواردة في الصحيحة من خصائص الإمام عليهالسلام حيث
قال : ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا ، كيف يسوغ له أن يروي رواية أُخرى بعين ذلك السند يدل على خلاف ما استفاده من الصحيحة الاولى ، أعني حرمة التقيّة في الأُمور الثلاثة الواردة في الصحيحة.
ومنها : أن السند في كلتا الروايتين واحد كما تقدم.
ومنها : أن الرواية قد نقلها في الوافي (1)بلفظة « لا نتقي » لا « لا يتقى » ولعله هو الصحيح ، وإن كانت نسخ الكافي كلّها حتى النسخة التي بهامش مرآة العقول (2)وهكذا نسخ غير الكافي بلفظة « لا يتقى » وعلى ذلك فالاتحاد بين الروايتين ظاهر حيث لا فرق بين « نتقي » و« أتقي » لأنهم عليهمالسلام بمنزلة شخص واحد.
وكيف كان فبهذه الأُمور نستظهر اتحاد الروايتين ولا أقل من احتمال ذلك كما لا يخفى. إذن لا دلالة في الصحيحة على عدم جواز التقيّة في الأُمور الثلاثة لغيرهم عليهمالسلام.
ولعل هذا هو السر في أن صاحب الوسائل قدسسره لم ينقل الصحيحة الثانية في شيء من الأبواب المناسبة لها ، فإنه لولا اتحاد الروايتين وكون الصحيحة بلفظة « لا نتقي » لم يكن لما صنعه صاحب الوسائل من ترك نقل الصحيحة الثانية وجه صحيح لصحة سندها ووضوح دلالتها ، مع أنه قد التزم بنقل الأخبار الموجودة في الكتب الأربعة في الوسائل.
والظاهر أن النسخة عند صاحب الحدائق قدسسره أيضاً « لا نتقي » لأنه بعد ما نقل الصحيحة الأُولى عن زرارة وحمل الشيخ لها في التهذيبين على اختصاص عدم جواز التقيّة في الأُمور الثلاثة به عليهالسلام قال : ومثل خبر زرارة المذكورة أيضاً ما رواه في الكافي ، ثم نقل الصحيحة الثانية إلى آخرها (3).
ولو لا كون النسخة عنده « لا نتقي » لم تكن هذه الصحيحة مثلاً للصحيحة الاولى
بل كانت مغايرة معها ، لأن إحداهما مشتملة على كلمة « لا أتقي » الدالة على الاختصاص ، وثانيتهما مشتملة على كلمة « لا يتقى » وهي تدل على عمومية الحكم وعدم اختصاصه له عليهالسلام.
فالمتحصل : أن عدم التقيّة في تلك الأُمور من خصائصهم عليهمالسلام هذا أوّلاً.
ثم لو سلمنا أن الصحيحة « لا يتقى » وأنها مغايرة مع الصحيحة الأُولى ، فالظاهر أنها غير ناظرة إلى أن التقيّة غير جارية في الأُمور الثلاثة بحسب الحكم ، بأن تكون الصحيحة دالة على حرمة التقيّة فيها ومخصصة للعمومات والإطلاقات الواردة في التقيّة ، بل إنما هي ناظرة إلى عدم جريان التقيّة فيها بحسب الموضوع أو الشرط وذلك :
أمّا بالإضافة إلى شرب الخمر فلأنا لم نجد أحداً يفتي من العامة بجواز شرب الخمر في الشريعة المقدسة كيف وحرمته من الضروريات والمسلمات ، ومع عدم ذهابهم إلى الجواز لا معنى للتقية المصطلح عليها في شربها ، لأنها إنما تتحقق فيما إذا كان الأمر على خلاف مذهبهم ، وأما مع الموافقة فلا موضوع للتقية وهذا ظاهر ، نعم يمكن أن يجبر السلطان أو حاكم أحداً على شربها إلاّ أنه خارج عن التقيّة المصطلح عليها ويندرج في عنوان الاضطرار أو الإكراه على شرب الخمر ، لأن التقيّة إنما تتحقق بإظهار الموافقة معهم فيما يرجع إلى الدين ، وإظهار الموافقة معهم لا بعنوان الدين والحكم الشرعي خارج عن التقيّة بالكلية.
وأمّا متعة الحج ، فلأجل أنها وإن كانت من مختصات الطائفة المحقة على ما هو المعروف بيننا إلاّ أن التقيّة فيها فاقدة لشرطها وهو خوف ترتب الضرر على خلاف التقيّة أعني الإتيان بمتعة الحج ، لإمكان الإتيان بها من دون أن يترتب عليها أي ضرر بحسب الغالب ، وذلك من جهة أن حج التمتع بعينه حج القران لاشتراكهما في الأُمور المعتبرة فيهما ويمتاز التمتع عنه بأمرين :
أحدهما : النية لأنّا ننوي التمتع وهم ينوون القرآن.
وثانيهما : التقصير ، وأما في غيرهما من الإحرام من المواقيت ودخول مكة والطواف فهما مشتركان لا يمتاز أحدهما عن الآخر. والنية أمر قلبي لا معنى للتقية فيه لعدم ظهورها في الخارج وهذا ظاهر ، والتقصير مما يتمكن منه أغلب الناس ، لأن أخذ شيء من شعر الرأس أو الأظافر أمر متيسّر للأغلب ولو في الخلوة ، فالتمتع في الحج فاقد لشرط التقيّة. نعم ، إنها إحدى المتعتين اللتين حرمهما الخليفة الثاني إلاّ أن تابعيه قد قبلوا منه تحريم متعة النساء ولم يقبلوا منه تحريم متعة الحج ، بل وقع فيه الخلاف بينهم ، فعن مسند أحمد : أن عبد اللّه بن عمر حج متمتعاً فقيل له هل تخالف سنة أبيك؟ فقال : يا سبحان اللّه سنة أبي أحق أن يتبع أم سنة رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) وفي خبر آخر سنة اللّه ، فليراجع.
فالتقية في متعة الحج فاقدة للشرط بحسب الأغلب ، فلو وجد مورد ولم يتمكن فيه من التمتع على طريقة الشيعة فهو من النذرة بمكان ، والأخبار منصرفة عن مثله إلى ما هو الغالب لا محالة.
وأما المسح على الخفين ، فلأجل أن وجوب المسح عليهما ليس من المسائل الاتفاقية عندهم ، بل الأكثر منهم ذهبوا إلى التخيير بين المسح عليهما وغسل الرجلين ، وذهب بعضهم إلى أفضلية المسح على الخفّين (1)إذن فلا موضوع للتقية في المسح على الخفين ، بل ينتزع الخفين عن رجليه من غير خوف ولكنه يغسلهما تقيّة كما ورد الأمر بغسلهما في بعض الأخبار وقد حملناه على التقيّة (2).
وعلى الجملة : أن عدم جريان التقيّة في الأُمور المذكورة إنما هو من جهة خروجها عن التقيّة بحسب الموضوع أو الشرط ، فإن شئت قلت بحسب الموضوع فقط لأنه الجامع بين الموضوع الذي أشرنا إليه والشرط ، ولا نظر للرواية إلى عدم جريان التقيّة فيها بحسب الحكم حتى تكون مخصصة للعمومات والإطلاقات ، وذلك للقطع بأن الأمر إذا دار بين المسح على الخفين وضرب أعناق المؤمنين لم يرض الشارع بترك
المسح بدعوى حرمة المسح على الخفين وعدم جوازه من باب التقيّة ، وعلى ما ذكرناه لا مانع من المسح على الخفين إذا اقتضت التقيّة ذلك بحسب العمومات والإطلاقات. ولمّا آل الأمر إلى هنا فمن الجدير جدّاً أن نتعرض إلى أحكام التقيّة على وجه البسط والتفصيل.
وذلك إنما يتم بالبحث عن جهات :
الجهة الاولى : أن التقيّة مصدر تقى يتقي ، والاسم التقوى وهي مأخوذة من الوقاية وتاؤها بدل من الواو بمعنى : الصيانة والتحفظ عن الضرر ، ومنه المتقون لأنهم صانوا أنفسهم عن سخط اللّه سبحانه وعقابه وقد تجيء بمعنى الخوف كما إذا أُسند إلى اللّه سبحانه كما في قوله تعالى ( وَاتَّقُوا اللّهَ ) (1).
وهي قد تستعمل ويراد منها المعنى العام وهو التحفظ عما يخاف ضرره ولو في الأُمور التكوينية ، كما إذا اتقى من الداء بشرب الدواء ، وأُخرى تستعمل ويراد منها المعنى الخاص وهو التقيّة المصطلح عليها أعني التقيّة من العامة.
أما التقيّة من اللّه سبحانه فمن الظاهر أنها غير محكومة بحكم شرعاً ، لأن الأمر بها مساوق للأمر بإتيان الواجبات وترك المحرمات كالأمر بالطاعة ، ومن الظاهر أنه واجب عقلي ولا حكم له شرعاً.
وأما التقيّة بالمعنى الأعم فهي في الأصل محكومة بالجواز والحلية ، وذلك لقاعدة نفي الضرر وحديث رفع ما اضطروا إليه (2)وما ورد من أنه ما من محرم إلاّ وقد أحله اللّه في مورد الاضطرار (3)وغير ذلك مما دلّ على حلية أيّ عمل عند الاضطرار إليه
فكل عمل صنعه المكلف اتقاء لضرره واضطراراً إليه فهو محكوم بالجواز والحلية في الشريعة المقدسة.
وأمّا التقيّة بالمعنى الأخص أعني التقيّة من العامّة ، فهي في الأصل واجبة ، وذلك للأخبار الكثيرة الدالة على وجوبها ، بل دعوى تواترها الإجمالي والعلم بصدور بعضها عنهم عليهمالسلام ولا أقل من اطمئنان ذلك قريبة جدّاً. هذا على أن في بينها روايات معتبرة كصحيحتي ابن أبي يعفور ومعمر بن خلاد (1)وصحيحة زرارة (2)وغيرها من الروايات الدالة على وجوب التقيّة.
ففي بعضها « إن التقيّة ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقيّة له » (3)وأي تعبير أقوى دلالة على الوجوب من هذا التعبير ، حيث إنه ينفي التدين رأساً عمن لا تقيّة له ، فمن ذلك يظهر أهميتها عند الشارع وأن وجوبها بمثابة قد عدّ تاركها ممن لا دين له. وفي بعضها الآخر « لا إيمان لمن لا تقيّة له » (4)وهو في الدلالة على الوجوب كسابقه. وفي ثالث « لو قلت إن تارك التقيّة كتارك الصلاة لكنت صادقاً » (5)ودلالته على الوجوب ظاهرة ، لأن الصلاة هي الفاصلة بين الكفر والإيمان كما في الأخبار وقد نزّلت التقيّة منزلة الصلاة ودلت على أنها أيضاً كالفاصلة بين الكفر والإيمان. وفي رابع « ليس منّا من لم يجعل التقيّة شعاره ودثاره » (6). وقد عدّ تارك التقيّة في بعضها ممن أذاع سرهم وعرّفهم إلى أعدائهم (7)إلى غير ذلك من الروايات ، فالتقيّة بحسب الأصل الأوّلي
1) الوسائل 16 : 205 / أبواب الأمر والنهي ب 24 ح 7 ، 4.
2) الوسائل 16 : 214 / أبواب الأمر والنهي ب 25 ح 1.
3) الوسائل 16 : 210 / أبواب الأمر والنهي ب 24 ح 24.
4) كما في صحيحتي ابن أبي يعفور ومعمر بن خلاّد المتقدِّمتين آنفاً.
5) كما في رواية السرائر المروية في الوسائل 16 : 211 / أبواب الأمر والنهي ب 24 ح 27.
6) الوسائل 16 : 212 / أبواب الأمر والنهي ب 24 ح 29.
7) كما في رواية الاحتجاج المروية في الوسائل 16 : 228 / أبواب الأمر والنهي ب 29 ح 11 ، وصحيحة معلّى بن خنيس المتقدمة المروية في الوسائل 16 : 210 / أبواب الأمر والنهي ب 24 ح 24.
محكومة بالوجوب.
ثم إن التقيّة بالمعنى الجامع بين التقيّة بالمعنى الأعم والتقيّة المصطلح عليها قد يتصف بالوجوب ، كما إذا ترتبت على تركها مفسدة لا يرضى الشارع بوقوع المكلف فيها كالقتل ، هذا في التقيّة بالمعنى الأعم ، وأما التقيّة بالمعنى الأخص فقد عرفت أنها مطلقاً واجبة وإن لم يترتب عليها إلاّ ضرر يسير.
وقد يتصف التقيّة بالمعنى الجامع المتقدم بالحرمة التشريعية ، وهذا كما إذا أجبره الجائر على الصلاة خلف من نصبه إماماً للجماعة أو خلف رجل آخر علمنا فسقه ، فإنه إذا صلّى خلفه ناوياً بها التقرب والامتثال فقد فعل محرماً تشريعياً لا محالة ، لأن التقيّة تتأدى بصورة الصلاة معه ، وحيث إنه يعلم ببطلانها وعدم كونها مأموراً بها حقيقة فلو أتى بها بقصد القربة كان ذلك محرماً تشريعياً لا محالة. ونظيره ما إذا أتى بالعبادة تقيّة وقلنا إنها غير مجزئة عن المأمور بها ، لأن التقيّة إنما تقتضي جواز العمل فقط ولا تقتضي الاجزاء عن المأمور به كما ذهب إليه جمع ومنهم المحقق الهمداني قدسسره كما في المسح على الخفين مثلاً ، فإنه لو اتقى بذلك ومسح على خفيه تقيّة لم يجز له أن يقصد به التقرّب والامتثال ، لعدم كونه مصداقاً للمأمور به ، فلو قصد به ذلك كان محرماً تشريعياً كما عرفت (1).
ومن ذلك ما إذا وقف بعرفات يوم الثامن من ذي الحجة الحرام تقيّة وقلنا بعدم إجزائه عن الوقوف المأمور به وهو الوقوف بها يوم التاسع من الشهر المذكور مطلقاً أو فيما إذا علم بأن اليوم يوم الثامن دون التاسع ، فإنه لا يجوز أن ينوي به التقرّب والامتثال وإلاّ لارتكب عملاً محرماً تشريعياً لا محالة.
وثالثة تتصف التقيّة بالمعنى الجامع بالحرمة الذاتية ، وهذا كما إذا أجبره الجائر بقتل النفس المحترمة ، فإنه لا يجوز له أن يقتلها تقيّة ، لما دلّ على أن التقيّة إنما شرعت لحقن
1) لاحظ مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 164 ، 168 ، 170.
الدماء فاذا بلغت التقيّة الدم فلا تقيّة (1)فاذا قتلها تقيّة ارتكب محرماً ذاتياً لا محالة. وقد يمثل لذلك بما إذا لم يترتب على ترك التقيّة ضرر عاجل ولا آجل ، ولكنّا قدمنا أن التقيّة من الوقاية ، وقد أُخذ في موضوعها خوف الضرر ، ومع العلم بعدم ترتب الضرر على تركها لا يتحقق موضوع للتقية.
والصحيح أن يمثل للتقية المحرمة بالقتل كما مر ، وبما إذا كانت المفسدة المترتبة على فعل التقيّة أشد وأعظم من المفسدة المترتبة على تركها ، أو كانت المصلحة في ترك التقيّة أعظم من المصلحة المترتبة على فعلها ، كما إذا علم بأنه إن عمل بالتقية ترتب عليه اضمحلال الحق واندراس الدين الحنيف وظهور الباطل وترويج الجبت والطاغوت ، وإذا ترك التقيّة ترتب عليه قتله فقط أو قتله مع جماعة آخرين ، ولا إشكال حينئذٍ في أن الواجب ترك العمل بالتقية وتوطين النفس للقتل ، لأن المفسدة الناشئة عن التقيّة أعظم وأشد من مفسدة قتله.
نعم ، ربما تكون المفسدة في قتله أعظم وأكثر ، كما إذا كان العامل بالتقية ممن يترتب على حياته ترويج الحق بعد الاندراس وإنجاء المؤمنين من المحن بعد الابتلاء ونحو ذلك ، ولكنه أمر آخر ، والتقيّة بما هي تقيّة متصفة بالحرمة في تلك الصورة كما عرفت. ولعله من هنا أقدم الحسين ( سلام اللّه وصلواته عليه ) وأصحابه ( رضوان اللّه عليهم ) لقتال يزيد بن معاوية وعرضوا أنفسهم للشهادة وتركوا التقيّة عن يزيد ، وكذا بعض أصحاب أمير المؤمنين عليهالسلام بل بعض علمائنا الأبرار ( قدس اللّه أرواحهم ) وجزاهم عن الإسلام خيراً كالشهيدين وغيرهما.
ورابعة تتصف التقيّة بالمعنى المتقدم بالاستحباب ، وقد مثل له شيخنا الأنصاري قدسسره بالمداراة معهم ومعاشرتهم في بلادهم وحضور مجالسهم وعيادة مرضاهم ، وغير ذلك مما لا يترتب أيّ ضرر على تركه بالفعل ، إلاّ أن تركه كان
1) الوسائل 16 : 234 / أبواب الأمر والنهي ب 31 ح 1 ، 2.
مفضياً إلى الضرر على نحو التدريج (1).
وفيه : ما تقدّم من أن التقيّة متقومة بخوف الضرر الذي يترتب على تركها ، ومع العلم بعدم ترتّب الضرر على ترك التقيّة لا يتحقق موضوع للتقية كما مر.
وعليه فالصحيح أن يمثل للتقية المستحبة بالمرتبة الراقية من التقيّة ، لأن لها كالعدالة وغيرها مراتب ودرجات متعددة ، وهذا كشدة المواظبة على مراعاتها حتى في موارد توهم الضرر فضلاً عن موارد احتماله لئلاّ يذاع بذلك أسرار أهل البيت عليهمالسلام عند أعدائهم ، ولا إشكال في استحباب ذلك مع تحقق موضوع التقيّة وهو احتمال الضرر ولو ضعيفاً.
ويشهد على ذلك ما رواه حماد بن عيسى عن عبد اللّه بن حبيب ( جندب ) عن أبي الحسن عليهالسلام « في قول اللّه عزّ وجلّ ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ ) قال : أشدكم تقيّة » (2)فان ذلك وإن كان من أحد مصاديق التقيّة فإن التقيّة قد تكون من اللّه سبحانه وقد تكون من العامة وغيرهم ، إلاّ أن الرواية تدلنا على أن من كان شديد المواظبة على التقيّة فهو أتقى وأكرم عند اللّه ، وهذا كاف في رجحان شدة المواظبة على التقيّة.
ويمكن التمثيل للتقية المستحبة أيضاً بما إذا أُكره مكره على إظهار كلمة الكفر أو التبرِّي من أمير المؤمنين عليهالسلام بناء على أن التقيّة وقتئذٍ بإظهار البراءة أرجح من تركها ومن تعريض النفس على الهلاكة والقتل كما يأتي عن قريب إن شاء اللّه.
وقد تتصف التقيّة بالمعنى المتقدم بالكراهة ، ومرادنا بها ما إذا كان ترك التقيّة أرجح من فعلها ، وهذا كما إذا أُكره على إظهار البراءة من أمير المؤمنين عليهالسلام وقلنا إن ترك التقيّة حينئذٍ وتعريض النفس للقتل أرجح من فعلها وإظهار البراءة منه عليهالسلام كما احتمله بعضهم. وكما إذا ترتب ضرر على أمر مستحب كزيارة
الحسين عليهالسلام فيما إذا كانت ضررية ، فإن ترك التقيّة حينئذٍ بإتيان المستحب الضرري أرجح من فعلها وترك العمل الاستحبابي ، وهذا بناء على ما قدمناه عند التكلم على حديث لا ضرر من أنه كحديث الرفع وغيره مما دلّ على ارتفاع الأحكام الضررية على المكلف ، ومعه يكون ترك التقيّة بإتيان المستحب أرجح من فعلها وترك العمل المستحب ، هذا كله في هذه الجهة.
الجهة الثانية : بيان مورد التقيّة بالمعنى الأخص ، مقتضى الإطلاقات الكثيرة الدالة على أن من لا تقيّة له لا دين له ، أو لا ايمان له ، وأنه ليس منّا من لم يجعل التقيّة شعاره ودثاره ، وأن التقيّة في كل شيء ، والتقيّة ديننا ، إلى غير ذلك من الأخبار المتقدمة (1)أن التقيّة تجري في كل مورد احتمل ترتّب ضرر فيه على تركها.
بل الظاهر مما ورد من أن التقيّة شرعت ليحقن بها الدم فاذا بلغت التقيّة الدم فلا تقيّة (2)أن التقيّة جارية في كل شيء سوى القتل ، وقد أشرنا آنفاً أن التقيّة بالمعنى الأخص واجبة ، فتجب في كل مورد احتمل فيه الضرر على تقدير تركها ، وقد استثنى الأصحاب قدسسرهم عن وجوب التقيّة موارد :
الأوّل : ما إذا أُكره على قتل نفس محترمة ، وقد تقدم أن التقيّة المتحققة بقتل النفس المحترمة محرمة ، وذلك لما ورد في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « إنما جعل التقيّة ليحقن بها الدم فاذا بلغت التقيّة الدم فليس تقيّة » (3)وصحيحة أبي حمزة الثمالي قال : « قال أبو عبد اللّه عليهالسلام ... إنما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم فاذا بلغت التقيّة الدم فلا تقيّة ... » (4).
الثاني : ما إذا لم يترتب على ترك التقيّة أيّ ضرر عاجل أو آجل فقد ذكروا أن
التقيّة محرمة وقتئذٍ ، وبيّنا نحن أن التقيّة قد أُخذ في موضوعها احتمال الضرر فاذا لم يترتب هناك ضرر على تركها فهي خارجة عن موضوع التقيّة رأساً ، وعلى الجملة إن خروج مثلها تخصصي موضوعي لا تخصيصي.
الثالث : مسح الخفين ، حيث ذكروا أن التقيّة غير جارية في مسح الخفين ، وذكرنا نحن أن عدم جريان التقيّة في مسح الخفين ومتعة الحج وشرب المسكر يختص بالأئمة عليهمالسلام ولا يعم غيرهم ، وعلى تقدير التنازل عن ذلك وفرض شمول الحكم لغيرهم عليهمالسلام كما إذا كانت الكلمة الواردة في صحيحة زرارة المتقدمة « لا يتقى » لا « لا نتقي » ذكرنا أن الظاهر أن خروج الموارد الثلاثة عن التقيّة خروج موضوعي غالباً ، لا أنها خارجة عنها حكماً على ما فصلنا الكلام عليه سابقاً (1).
فعلى ذلك ، لو فرضنا أن موضوع التقيّة في المسح على الخفين قد تحقق في مورد على وجه الندرة والاتفاق ، كما إذا خاف من العامة على نفسه من الإتيان بالمأمور به أعني المسح على الرجلين فمسح على الخفين تقيّة ، فالظاهر جريان التقيّة فيه ، لانصراف الأخبار إلى الغالب وأنه الذي لا يتحقق فيه موضوع التقيّة.
الرابع : ما إذا أُكره على التبري من أمير المؤمنين عليهالسلام لما ورد في عدة من الأخبار من الأمر بمد الأعناق والنهي عن التبري منه عليهالسلام لأنه على الفطرة أو مولود على الفطرة.
فمن جملتها ما رواه الشيخ في مجالسه (2)بإسناده عن محمد بن ميمون عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليهالسلام قال : « قال أمير المؤمنين عليهالسلام ستدعون إلى سبي فسبوني ، وتدعون إلى البراءة منّي فمدوا الرقاب فاني على الفطرة » (3).
ومنها : ما رواه الشيخ أيضاً في مجالسه بإسناده عن علي بن علي أخي دعبل بن علي الخزاعي عن علي بن موسى عن أبيه عن آبائه عن علي بن أبي طالب عليهالسلام انه قال « إنكم ستعرضون على سبي ، فإن خفتم على أنفسكم فسبّوني ، ألا وإنكم ستعرضون على البراءة منِّي فلا تفعلوا فانِّي على الفطرة » (1).
ومنها : ما في نهج البلاغة (2)عن أمير المؤمنين عليهالسلام أنه قال « أما أنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم ، مندحق البطن ، يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد فاقتلوه ولن تقتلوه ، ألا وإنه سيأمركم بسبّي والبراءة منّي ، فأمّا السب فسبوني فإنّه لي زكاة ولكم نجاة ، وأما البراءة فلا تبرؤوا ( تتبرّءوا ) منّي فإني ولدت على الفطرة وسبقت إلى الايمان والهجرة » (3)إلى غير ذلك من الروايات المستفيضة. ولا ينبغي الإشكال في دلالتها على المدعى ، أعني تعريض النفس للهلاك عدا الإكراه على التبري منه عليهالسلام.
ولا يعارضها رواية مسعدة بن صدقة قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام إن الناس يروون أن عليّاً عليهالسلام قال على منبر الكوفة : أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبّي فسبوني ، ثم تدعون إلى البراءة منّي فلا تبرؤوا منّي ، فقال : ما أكثر ما يكذب الناس على علي عليهالسلام ثم قال : وإنما قال : إنكم ستدعون إلى سبّي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة منّي واني لعلى دين محمد صلىاللّهعليهوآلهوسلم ولم يقل ولا تبرؤوا منّي. فقال له السائل : أرأيت إن اختار القتل دون البراءة ، فقال : واللّه ما ذلك عليه وما له إلاّ ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة ( وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) فأنزل اللّه عزّ وجلّ فيه ( إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) فقال له النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم عندها : يا عمار إن عادوا فعد ، فقد أنزل اللّه عذرك وأمرك
أن تعود إن عادوا » (1).
وذلك أمّا أوّلاً : فلأنها ضعيفة السند بمسعدة لعدم توثيقه في الرجال (2).
وأمّا ثانياً : فلقصور دلالتها على حرمة القتل ووجوب التبري عند الإكراه ، لأنه عليهالسلام إنما نفى كون القتل على ضرره وبيّن أن ما ينفعه ليس إلاّ ما مضى عليه عمار ، ولم تدل على حرمة التعرّض للقتل حينئذٍ بوجه ، بل التعرّض للقتل والتبرِّي كلاهما سيّان.
والظاهر أن هذا مما لا كلام فيه ، وإنما الكلام في أنه هل يستفاد من تلك الروايات المستفيضة وجوب اختيار القتل وعدم جواز التبري وإظهاره باللسان للصيانة عن القتل ، أو أنه لا يستفاد منها ذلك؟
الثاني هو الصحيح ، وذلك لعدم دلالتها على تعيّن اختيار القتل حينئذٍ ، لأنها إنما وردت في مقام توهّم الحظر ، لأن تعريض النفس على القتل حرام ، وبهذه القرينة يكون الأمر بمدّ الأعناق واختيار القتل ظاهراً في الجواز دون الوجوب ، وعليه فالأخبار إنما تدلنا على الجواز في كل من التقيّة بإظهار التبري منه عليهالسلام باللسان وتركها باختيار القتل ومدّ الأعناق.
ويدلّنا على ذلك ما رواه عبد اللّه بن عطاء قال : « قلت لأبي جعفر عليهالسلام : رجلان من أهل الكوفة أُخذا فقيل لهما : ابرءا عن أمير المؤمنين عليهالسلام فبرئ واحد منهما وأبى الآخر ، فخلي سبيل الذي برئ وقتل الآخر ، فقال : أمّا الذي برئ فرجل فقيه في دينه وأما الذي لم يبرأ فرجل تعجل إلى الجنة » (3)وقد دلّت على جواز
1) الوسائل 16 : 225 / أبواب الأمر والنهي ب 29 ح 2.
2) الرجل ممن وقع في سلسلة أسانيد كامل الزيارات وتفسير القمي ، فعلى ما سلكه سيِّدنا الأُستاذ ( مدّ ظله ) من وثاقة كل من وقع في سلسلة أحاديث الكتابين المذكورين إذا لم يضعف بتضعيف معتبر ، لا بدّ من الحكم بوثاقته واعتباره.
3) الوسائل 16 : 226 / أبواب الأمر والنهي ب 29 ح 4.
كل من التبري منه عليهالسلام تقيّة والتعرض للقتل ، وأن كلاًّ من الرجلين من أهل الجنّة وقد تعجّل أحدهما إلى الجنة وتأخّر الآخر.
وما رواه محمد بن مروان قال : « قال لي أبو عبد اللّه عليهالسلام ما منع ميثم رحمه اللّه من التقيّة؟ فواللّه لقد علم أن هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه « ( إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) » (1)لدلالتها على جواز كل من البراءة واختيار القتل ، لأنه عليهالسلام لم يتزجر عما فعله ميثم وإنما سأل عن وجهه ، هذا.
وقد يقال : إن ترك التقيّة أرجح من التقيّة بإظهار التبري منه عليهالسلام وعليه فيكون المقام من موارد التقيّة المكروهة والمرجوحة ، وإذا قلنا بعكس ذلك وأن التقيّة بإظهار التبري أرجح من تركها فيكون المقام مثالاً للتقيّة المستحبّة لا محالة.
والصحيح أن الأمرين متساويان ولا دلالة لشيء من الروايات على أرجحية أحدهما من الآخر ، أمّا رواية عبد اللّه بن عطاء ، فلأنها إنما دلت على أن من ترك التقيّة فقتل فقد تعجّل إلى الجنة ، ولا دلالة لذلك على أن ترك التقيّة باختيار القتل أرجح من فعلها ، وذلك لأن العامل بالتقيّة أيضاً من أهل الجنّة وإنما لم يتعجل بل تأجّل فلا يستفاد منه إلاّ تساويهما.
وأما ما رواه محمد بن مروان ، فلأنها إنما تدل على أرجحية التقيّة بإظهار التبري منه عليهالسلام فيما إذا كانت كلمة « ميثم » غير منصرفة ، فيصح وقتئذٍ أن تقرأ كلمة « منع » مبنيّة للفاعل والمفروض أن كلمة « ميثم » لا تكتب منصوبة ميثماً لعدم انصرافها ، فتدلنا الرواية حينئذٍ على توبيخ ميثم لتركه التقيّة وتعرّضه للقتل والهلاك إلاّ أن كلمة « ميثم » منصرفة ، لوضوح عدم اشتمالها على موانع الصرف ، وعليه فلا يصح قراءة كلمة « منع » مبنية للفاعل وإلاّ للزم أن تكون كلمة « ميثم » منصوبة وأن تكون العبارة هكذا : ما منع ميثماً ، ولم تذكر الكلمة في شيء من النسخ التي وقفنا عليها منصوبة ، بل هي في جميع النسخ مكتوبة بالرفع « ميثم » ومعه لا بدّ من قراءة
1) الوسائل 16 : 226 / أبواب الأمر والنهي ب 29 ح 3.
كلمة « منع » مجهولة ومبنية للمفعول هكذا « ما منع ميثم » أي لم تكن التقيّة ممنوعة وغير سائغة في حقه ، بل كانت مرخصة بالنسبة إليه وهو أيضاً كان عالماً بجوازها ومع ذلك اختار القتل باختياره ، إذن فلا يستفاد منها توبيخ ميثم على عمله بل معناها أحد أمرين :
أحدهما : أن تكون هذه الجملة « ما منع ميثم » دفعاً للاعتراض على ميثم بأنه لماذا اختار القتل ولم يتّق ، وهل كان ممنوعاً عن التقيّة فأجاب عليهالسلام عن ذلك بأنه ما كان ممنوعاً عن التقيّة ، وإنما اختار القتل لتساوي التقيّة وتركها في الرجحان عند اللّه سبحانه ، وحينئذٍ لا يستفاد منها مدح ميثم ولا قدحه.
وثانيهما : أن تكون الجملة دالة على مدح ميثم ، وأنه مع علمه بالحال وأن التقيّة جائزة في حقه قد اختار القتل ، لعدم طيب نفسه بالتبري عن سيده ومولاه ولو بحسب الظاهر واللسان ، لقوة إيمانه وشدة حبه وعلاقته لمولاه عليهالسلام إذن تكون الرواية دالة على مدحه ( رضوان اللّه عليه ) وعلى كل لا يستفاد منها أرجحية التقيّة عن القتل.
ويحتمل أن يكون الوجه في اختيار ميثم القتل على التقيّة هو علمه بانتفاء موضوع التقيّة في حقه ، لأنه كان يقتل على كل حال لمعروفيّته بالولاء واشتهاره بالتشيّع والإخلاص لأمير المؤمنين ( صلوات اللّه عليه ).
وعلى الجملة ، الرواية إما أن تدلنا على أرجحية القتل من التقيّة ، وإما أن تدل على تساوي التعرض للقتل والتقيّة ، وأما أن التقيّة بالتبري عنه عليهالسلام أرجح من التعرّض للقتل فلا يكاد يستفاد من الرواية بوجه ، فالحكم بأرجحية التقيّة من القتل في نهاية الإشكال ، هذا كله في هذه الجهة.
الجهة الثالثة : أن الاضطرار والتقيّة هل يقتضيان ارتفاع الآثار المترتبة على الفعل الاضطراري لولا الاضطرار والتقيّة إذا كان لدليل ثبوتها إطلاق أو عموم أو أن الآثار المترتبة على الفعل لا ترتفع من جهة الاضطرار إليه وإتيانه تقيّة؟ استشكل
شيخنا الأنصاري قدسسره في ارتفاع الآثار من جهة التقيّة والاضطرار ، نظراً إلى أن المرفوع في حديث الرفع ليس هو جميع الآثار المترتبة على الفعل المأتي به بداعي التقيّة أو الاضطرار ، وإنما المتيقن رفع خصوص المؤاخذة على الفعل ، وأما ارتفاع جميع آثاره بالاضطرار فلم يقم عليه دليل ثم أمر بالتأمل (1).
ولا بدّ لنا في المقام من التكلم على جهات ثلاث :
الجهة الاولى : أن التقيّة والاضطرار هل يوجبان ارتفاع الأحكام التكليفية المتعلقة بالفعل المأتي به تقيّة أو اضطراراً أو لا يوجبان؟ كما إذا اضطر إلى ارتكاب فعل حرام كشرب الخمر ونحوه ، أو إلى ترك واجب من الواجبات كترك صوم يوم من شهر رمضان.
الجهة الثانية : أن التقيّة والاضطرار هل يرفعان الأحكام المترتبة على الفعل المأتي به تقيّة ، أعني الأحكام التي نسبتها إلى الفعل المأتي به نسبة الحكم إلى موضوعه المترتب عليه لا نسبة الحكم إلى متعلقه كما في الجهة الأُولى ، بلا فرق في ذلك بين الأحكام التكليفية والوضعية؟ وذلك كوجوب الكفارة المترتبة على ترك الصوم في نهار شهر رمضان ، أو على إتيان بعض المحرمات على المحرم في الحج ، وكالضمان المترتب على إتلاف مال الغير من جهة الاضطرار كالمخمصة ونحوها أو من جهة التقيّة ، كما إذا قسم الحاكم السنِّي مال شيعي وأعطى له حصته فقبلها وأتلفها تقيّة.
الجهة الثالثة : أن الجزئية أو الشرطية إذا اضطر إلى ترك جزء أو شرط أو تركهما تقيّة أو المانعية إذا اضطر إلى إتيان ما هو مانع من العمل أو أتى به تقيّة ، هل ترتفع للتقية والاضطرار حتى يحكم بصحة ما أتى به لمطابقته المأمور به ويسقط عنه وجوب الإعادة والقضاء ، أو لا ترتفع؟
أمّا الجهة الاولى : فلا ينبغي الإشكال في أن الاضطرار إلى فعل المحرم أو ترك الواجب يرفع الإلزام عن ذلك الفعل ، لحديث الرفع وغيره مما دلّ على حلية الفعل
1) رسالة في التقيّة : 320 السطر 26.
عند الاضطرار ، وليس المرتفع في حديث الرفع خصوص المؤاخذة أو استحقاق العقاب ، لأنهما أمران خارجان عما تناله يد الجعل والتشريع رفعاً ووضعاً ، ولا مناص من أن يكون المرفوع أمراً تناله يد التشريع وهو منشأ لارتفاع المؤاخذة واستحقاق العقاب وليس هذا إلاّ الإلزام ومع ارتفاعه يبقى الفعل على إباحته.
كما أن الأمر كذلك عند الإتيان بالمحرم أو ترك الواجب تقيّة ، حيث إن التقيّة واجبة كما عرفت ومع وجوبها لا يعقل أن يكون الفعل باقياً على حرمته أو وجوبه ، بل ترتفع حرمته إذا أتى به تقيّة كما يرتفع وجوبه إذا تركه كذلك ، بل هذا هو المقدار المتيقن من حديث الرفع وغيره من أدلّة التقيّة ، وهذا ظاهر.
وأمّا الجهة الثانية : فالذي تقتضيه القاعدة في نفسها ، أن العمل الاضطراري أو الذي أتى به تقيّة كلا عمل ، لأنه معنى رفعه فكأنه لم يأت به أصلاً ، كما أنه لازم كون العمل عند التقيّة من الدين ، فاذا كان الحال كذلك فترتفع عنه جميع آثاره المترتبة عليه لارتفاع موضوعها تعبداً ، فلا تجب عليه الكفارة إذا أفطر في نهار شهر رمضان متعمداً ، لأن إفطاره كلا إفطار ، أو لأن إفطاره من الدين ولا معنى لوجوب الكفّارة فيما يقتضيه الدين والتشريع.
هذا كلّه فيما تقتضيه القاعدة ، فلو كنّا نحن وهذه القاعدة لحكمنا بارتفاع جميع الآثار المترتبة على الفعل عند التقيّة والاضطرار ، سواء أكانت الآثار حكماً تكليفياً أم كانت حكماً وضعياً.
ويؤيد ذلك صحيحة أحمد بن أبي عبد اللّه عن أبيه عن صفوان وأحمد بن محمد بن أبي نصر جميعاً عن أبي الحسن عليهالسلام « في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك أيلزمه ذلك؟ فقال : لا ، قال رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم وضع عن أُمتي ما اكرهوا عليه وما لم يطيقوا وما أخطأوا » (1)لأن الحلف بالأُمور المذكورة وإن لم يكن صحيحاً حال الاختيار أيضاً ، إلاّ أن قوله ( عليه
1) الوسائل 23 : 226 / أبواب كتاب الايمان ب 12 ح 12.
السلام ) في ذيل الصحيحة قال رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم واستشهاده بحديث الرفع أقوى شاهد على أن الرفع غير مختص بالمؤاخذة بل يشمل الآثار كلّها.
وما ورد من قوله عليهالسلام « اي واللّه أفطر يوماً من شهر رمضان أحب إليَّ من أن يضرب عنقي » (1).
وقوله « فكان إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر عليَّ من أن يضرب عنقي ولا يعبد اللّه » (2)حيث إن عدم ذكره عليهالسلام إعطاء الكفارة بعد الإفطار يدل على أن وجوب الكفارة يرتفع بالإفطار تقيّة ، وإلاّ لكان المتعيّن التعرض له ، لأنه أشد وأعظم من وجوب القضاء.
وما رواه الأعمش عن جعفر بن محمد عليهالسلام في حديث شرائع الدين قال : « ولا يحل قتل أحد من الكفّار والنصّاب في التقيّة إلاّ قاتل أو ساع في فساد ذلك إذا لم تخف على نفسك ولا على أصحابك ، واستعمال التقيّة في دار التقيّة واجب ولا حنث ولا كفارة على من حلف تقيّة يدفع بذلك ظلماً عن نفسه » (3).
وعلى الجملة : إن مقتضى القاعدة المؤيدة بعدّة من الروايات أن الاضطرار والتقيّة يوجبان ارتفاع جميع الآثار المترتبة على الفعل المأتي به بداعيهما ، بلا فرق في ذلك بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية ، نعم يستثني عن ذلك موردان :
أحدهما : ما إذا كان نفي الآثار عن العمل المأتي به عن تقيّة أو اضطرار خلاف الامتنان على نفس الفاعل ، كما إذا اضطر لا سمح اللّه إلى بيع داره أو ثيابه لصرف ثمنهما في معالجة أو معاش ، فان الحكم وقتئذٍ ببطلان بيعه على خلاف الامتنان في حقه ، بل مستلزم لتضرره ومشقته ، بل ربما يؤدي إلى موته مرضاً أو جوعاً في بعض الموارد.
وثانيهما : ما إذا كان نفي الآثار عن العمل المأتي به بداعي الاضطرار أو التقيّة على خلاف الامتنان في حق غيره ، كما إذا أتلف مال غيره لاضطرار كما في المخمصة أو للتقية كما مثلناه سابقاً ، فان الحكم بعدم ضمانه لمال الغير تستلزم تضرر مالك المال المتلف وهو على خلاف الامتنان في حقه ، والحديث لا يجري في الموارد الفاقدة للامتنان.
وأمّا الجهة الثالثة : أعني ما إذا ترك جزءاً أو شرطاً تقيّة أو للاضطرار ، كما إذا صلّى بلا سورة أو من دون البسملة لعدم كونهما جزءاً من المأمور به عند المخالفين مثلاً ، أو صلّى مع المانع تقيّة ، كما إذا صلّى في شيء من الميتة لطهارتها عندهم بالدبغ ، فهل يقتضي التقيّة أو الاضطرار سقوط الجزئية أو الشرطية أو المانعية حينئذٍ أو لا يقتضي؟ وكلامنا في المقام إنما هو فيما لو كنّا نحن والأخبار الواردة في التقيّة عموماً كحديث الرفع ، أو خصوصاً كما ورد في التقيّة بخصوصها ، مع قطع النظر عمّا دلّ على صحّة الصلاة الفاقدة لشيء من أجزائها أو شرائطها عند الاضطرار ، فهل تقتضي أدلّة التقيّة صحّة العمل وقتئذٍ بحيث لا تجب إعادته أو قضاؤه أو لا تقتضي؟
وقبل الخوض في تحقيق ذلك ننبه على أمرين :
الأمر الأوّل : أن محل الكلام في المانعية إنما هو المانعية المنتزعة عن النواهي الغيرية ، كالنهي عن الصلاة فيما لا يؤكل أو النهي عن الصلاة في الحرير ونحوها ، وأما المانعية المنتزعة عن النهي المستقل فهي غير داخلة في محل النزاع ، وهذا كاعتبار عدم كون المكان أو اللباس مغصوباً في الصلاة أو عدم كون الماء مغصوباً في الوضوء ، لأنه لم يرد اعتبار ذلك في شيء من الأدلة اللفظية وغيرها ، بل إنما نشأ اعتباره من النهي النفسي الدال على حرمة التصرف في مال الغير من غير رضاه ، نظراً إلى استحالة اجتماع الحرمة والوجوب في شيء واحد ، وعدم معقولية كون المحرم مصداقاً للواجب فمانعية الغصب في الصلاة والوضوء ناش من النهي النفسي المستقل بمعونة الحكم
العقلي واستقلاله في عدم إمكان كون المحرم مصداقاً للواجب.
والوجه في خروج هذا القسم من المانعية عن محل النزاع ، هو أن المكلف إذا اضطر إلى إتلاف ماء الغير أو إلى التصرف في ماله تقيّة أو اضطراراً سقطت عنه حرمته ، لما قدمناه آنفاً من أن الاضطرار والتقيّة يرفعان الأحكام المتعلقة بالفعل الاضطراري لا محالة ، ومع سقوط الحرمة النفسية ترتفع المانعية أيضاً ، لأنها ناشئة ومسببة عنها فاذا زالت زالت.
وأمّا ما ذهب إليه شيخنا الأُستاذ قدسسره من أن الاضطرار والتقيّة وغيرهما من الروافع والأعذار إنما يقتضي ارتفاع الحرمة فحسب ، وأما الملاك المقتضي للحرمة فهو بعد بحاله ولا موجب لارتفاعه بالاضطرار أو التقيّة أو غيرهما ، ومع بقاء الملاك المقتضي للحرمة تبقى المانعية أيضاً بحالها ، لأن للملاك والمفسدة الملزمة معلولين أحدهما : الحرمة النفسية. وثانيهما : المانعية ، وإذا سقط أحدهما وهو الحرمة بالتقية أو بالاضطرار فيبقى معلوله الثاني بحاله لا محالة ، فالمانعية المستفادة من النهي النفسي كالمانعية المستفادة عن النواهي الغيرية ولا ترتفع بالاضطرار إلى التصرف في مال الغير بوجه ،
فمما لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأنّا لو سلمنا أن الاضطرار وغيره من الأعذار غير مقتض لارتفاع المفسدة والملاك كما لا يبعد ، حيث إن الرفع إنما يتصوّر فيما إذا كان هناك مقتض للتكليف كما قدمناه عند التكلّم على حديث الرفع ، فلا نسلم عدم ارتفاع المانعية عند سقوط الحرمة النفسية بالاضطرار ، وذلك لأن الملاك على تقدير بقائه غير مؤثر في المنع عن الفعل المضطر إليه وحرمته ، لأن الشارع قد رخّص في فعله ، ومع عدم تأثير الملاك في المنع والتحريم وجواز التصرف في مال الغير بترخيص الشارع نفسه لا معنى للمانعية في الصلاة ، لضرورة أن العمل إذا كان مباحاً ومرخّصاً فيه في غير الصلاة فهو مباح ومرخّص فيه في الصلاة أيضاً ، فإن الصلاة وغيرها سيان من هذه الجهة ، فإذا جاز له لبس لباس الغير في غير الصلاة جاز له لبسه في الصلاة أيضاً ، إذ لا فرق بينها وبين غيرها من ناحية الترخيص في التصرف في مال الغير.
ولا يقاس محل الكلام بما إذا اضطر إلى لبس الحرير لبرد أو غير برد ، حيث إنه مع سقوط الحرمة النفسية في لبس الحرير بالاضطرار لا يمكنه لبسه في الصلاة ، بل يجب عليه إيقاع الصلاة في غير الحرير لعدم سقوط المانعية عن لبس الحرير بسقوط حرمته النفسية ، وذلك لأن المانعية في لبس الحرير لم ينشأ عن حرمة لبسه النفسية وإنما هي منتزعة عن النهي عن الصلاة في الحرير وهذا باق بحاله ، وهذا بخلاف المقام فإن المانعية إنما نشأت عن النهي النفسي ومع سقوطه بالتقية والاضطرار ترتفع المانعية المنتزعة عنه بالتبعية لا محالة.
الأمر الثاني : أن محل الكلام ومورد النقض والإبرام إنما هو ما إذا كان لدليل كل من الجزئية والشرطية والمانعية إطلاق أو عموم يشمل حال الاضطرار إلى تركها وأما إذا لم يكن كذلك كما إذا ثبتت الأُمور المذكورة بإجماع أو سيرة أو بدليل لفظي لا إطلاق ولا عموم له فهو خارج عن محل النزاع ، وذلك لأن الواجب إذا كان لدليله عموم أو إطلاق يتمسك بإطلاقه أو عمومه ، وبه يثبت عدم جزئية الشيء أو شرطيته أو مانعيته للواجب حال الاضطرار إليه ، وإذا فرضنا عدم الإطلاق أو العموم لدليل الواجب يتمسك بأصالة البراءة في نفي الجزئية والشرطية والمانعية في حال الاضطرار ، فمورد الكلام ومحل النقض والإبرام منحصر بما إذا كان لأدلة التكاليف الغيرية عموم أو إطلاق يشمل كلتا حالتي التمكن والاضطرار. إذا عرفت ذلك فنقول :
قد يقال بأن التقيّة والاضطرار كما أنهما يرفعان التكاليف النفسية من الحرمة والوجوب كذلك يرفعان التكاليف الغيرية من الشرطية والجزئية والمانعية ، ويستدل على ذلك بوجوه :
الأوّل : قوله صلىاللّهعليهوآلهوسلم « رفع عن أُمّتي تسعة ... » حيث إنه يقتضي ارتفاع الشرطية أو الجزئية بالاضطرار إلى تركهما كما يقتضي ارتفاع المانعية للاضطرار إلى الإتيان بها ، وبذلك يثبت أن العمل غير مشترط بما تعلّق به الاضطرار
إلى تركه أو فعله ، وأنه لا بدّ من الإتيان به فاقداً للجزء أو للشرط المضطر إلى تركه أو واجداً للمانع المضطر إلى الإتيان به.
ويدفعه : ما قدّمناه في محلِّه من أن الاضطرار إلى ترك شيء من الأجزاء والشرائط أو إلى الإتيان بالموانع إن كان مختصّاً بفرد من الأفراد الواجبة ولم يستوعب الوقت كله فهو مما لا يترتب عليه ارتفاع ما اضطر إليه في صلاته ، وذلك لأن ما اضطر إلى تركه أو إلى فعله أعني الفرد مما لم يتعلق به الأمر ، وما تعلق به الأمر وهو طبيعي الصلاة لم يتعلق به الاضطرار ، لأنه إنما اضطر إلى ترك شيء من الأجزاء والشرائط في الفرد لا في طبيعي الصلاة.
وأمّا إذا استوعب الوقت كلّه أو كان الوقت ضيقاً ولم يكن له إلاّ فرد واحد فاضطر إلى ترك شيء من الجزء أو الشرط في طبيعي المأمور به ، فالحديث أيضاً لا يقتضي ارتفاع شيء من الجزئية أو الشرطية ، وذلك لأن الجزئية والشرطية والمانعية إنما تنتزع عن الأمر بالعمل المركب من الشيء المضطر إليه وغيره ، وهي بأنفسها مما لا تناله يد الوضع والرفع وإنما ترتفع برفع منشأ انتزاعها ، مثلاً إذا اضطر المكلّف إلى ترك السورة في الصلاة أو إلى الصلاة فيما لا يؤكل لحمه ، فمقتضى الحديث إنما هو ارتفاع الأمر عن المجموع المركّب مما اضطر إليه وغيره ، أعني الصلاة مع السورة أو الصلاة فيما يؤكل لحمه بالنسبة إليه ، لأنه المنشأ لانتزاع الجزئية أو المانعية ، وأما الأمر بالصلاة الفاقدة للسورة أو الواجدة للمانع كما لا يؤكل لحمه فهو مما لا يمكن استفادته من الحديث ، بل يحتاج إثبات الأمر بالعمل الفاقد المضطر إليه إلى دليل ، هذا.
على أن الحديث إنما يقتضي ارتفاع التكليف عند الاضطرار ولا تتكفّل إثبات التكليف بوجه ، فهذا الوجه ساقط.
الثاني : ما استدل به شيخنا الأنصاري من قوله عليهالسلام « التقيّة في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه اللّه له » (1)وقد ورد ذلك في عدّة روايات :
1) رسالة في التقيّة : 323 السطر 15.
منها : ما رواه إسماعيل الجعفي ومعمر بن يحيى بن سالم (1)ومحمد بن مسلم وزرارة وهي رواية صحيحة ، بتقريب أن لفظة « كل » من أداة العموم فقد دلت الرواية على أن التقيّة جائزة أو واجبة في كل أمر اضطر إليه ابن آدم ، ثم فرّعت عليه قوله عليهالسلام « فقد أحلّه اللّه ... » ودلّنا ذلك على أن كل أمر اضطر إليه العباد فهو محلّل في حقِّه ، وأن الاضطرار والتقيّة رافعان لحرمته على تقدير كونه محرماً في نفسه. ومن الظاهر أن حلية كل حرام بحسبه ، فإذا كان العمل محرماً نفسياً في نفسه مع قطع النظر عن التقيّة فهي تجعله مباحاً نفسياً لا يترتب على فعله العقاب والمؤاخذة ، كما أنه إذا كان محرّماً غيرياً فالتقية تجعله مباحاً غيرياً ومعناه عدم كون العمل مشروطاً بذلك الشيء ، مثلاً إذا اضطر المكلف إلى التكفير في صلاة أو إلى ترك البسملة أو إلى استعمال التراب للتيمم في صلاته وهي من المحرمات الغيرية لاشتراط الصلاة بعدم التكفير وعدم ترك البسملة فالتقية تجعلها مباحة غيرية بمعنى عدم اشتراط الصلاة بعدم التكفير أو بعدم ترك البسملة وهكذا ، ونتيجة ذلك : أن الصلاة الواجبة في حقِّه غير مشروطة بعدم التكفير وعدم ترك البسملة ، وبذلك يثبت وجوب الصلاة الفاقدة لبعض أجزائها أو شرائطها أو الواجدة لبعض موانعها.
وعلى الجملة : إن الصحيحة كما تشمل التكاليف النفسية من الوجوب والحرمة النفسيين ، كذلك تشمل التكاليف الغيرية أعني الوجوب والحرمة الغيريين ، هذا.
وفيه : أن الظاهر من الصحيحة أن كل عمل كان محرماً بأيّ عنوان من العناوين المفروضة تزول عنه حرمته بواسطة التقيّة ، فيصير العمل المعنون بذلك العنوان متصفاً بالحلية لأجلها ، لا أن الحلية توجب التغيّر والتبدل في موضوعها ، لوضوح أن الحكم لا يكون محققاً لموضوعه ولا مغيراً له ، مثلاً التكتف في الصلاة لما كان بعنوان كونه مبطلاً محرّماً في الصلاة فتقتضي التقيّة كون التكتف المبطل حلالاً في الصلاة ، ومعنى
1) هكذا في الوسائل 16 : 214 / أبواب الأمر والنهي ب 25 ح 2 وهو غلط ، والصحيح سام كما في نسخة الكافي 2 : 230 / 18 ، أو بسام كما احتمله بعضهم.
ذلك أن الإبطال أمر محلل لأجل التقيّة وقد ارتفعت حرمته ، وليس معنى ذلك أن التكتف يخرج عن كونه مبطلاً للصلاة بسبب التقيّة حتى تصح معه الصلاة ، بل التكتف المعنون بالمبطلية في الصلاة يحكم عليه بالحلية لأجلها ، فيصير إبطال الصلاة جائزاً بالتقيّة ، وأما أن التكتف لأجل الحكم بحليته وارتفاع حرمته يخرج عن كونه مبطلاً للصلاة فلا يكاد يستفاد من الروايات بوجه.
وعلى الجملة : الصحيحة إنما تختص بالتكاليف النفسية ولا تشمل التكاليف الغيرية أبداً ، لأن الحكم لا يحقق موضوع نفسه ولا يتصرف فيه بوجه ، إذن لا بدّ من ملاحظة أن العمل بأي عنوان كان محرماً لولا الاضطرار حتى يحكم بحليته ورفع حرمته لطروء الاضطرار عليه ، فالتكتف قد حكم عليه بالحرمة بعنوان إبطاله الصلاة مع قطع النظر عن التقيّة والاضطرار ، وكذلك ترك السورة أو غيرها من الأجزاء والشرائط متعمِّداً بناء على حرمة إبطال الصلاة ، فإذا طرأت عليه التقيّة والاضطرار رفعا حرمة الإبطال وأوجبا حلِّيّته ، والنتيجة أن إبطال الصلاة حلال للتقيّة والاضطرار ، لا أن التكتف أو ترك الجزء أو الشرط متعمداً غير مبطل للصلاة. وكذا الحال في الصوم المعيّن ، لأن إبطاله بتناول المفطرات حرام مطلقاً ، وفي الصوم غير المعيّن حرام إذا كان بعد الزوال إلاّ أن ذلك العمل المحرم بعنوان الابطال محلل فيما إذا كان للاضطرار والتقيّة ، وكذا في غير ذلك من الموارد التي حكم فيها بحرمة الإبطال في نفسه.
وأمّا إذا لم يكن الابطال محرماً في نفسه كما في إبطال الصلاة على الأظهر ، وكما في إبطال الوضوء والغسل ونحوهما من العبادات ، لعدم حرمة إبطالهما جزماً ، فهل يمكن أن يُقال إن مثل المسح على الخفين في الوضوء أو التكتف في الصلاة أو ترك البسملة والسورة وغيرها من الموانع والأجزاء والشرائط أعني المحرمات الغيرية ترتفع حرمتها الغيرية بالتقية والاضطرار ، ويقال إن التكتف في الصلاة محرم بالحرمة الغيرية في نفسه لولا التقيّة والاضطرار ومحلل غيري عند التقيّة والاضطرار ، وكذا ترك السورة أو غيرها من الأجزاء والشرائط ، لحرمته الغيرية في نفسه فإذا طرأت عليه
التقيّة ارتفعت حرمته وبها اتصفت بالإباحة الغيرية ، ومعناه عدم مانعية التكتف أو عدم جزئية السورة في الصلاة وهكذا؟ أو أن الصحيحة لا يمكن التمسك بها في التكاليف الغيرية من الشرطية والجزئية والمانعية؟
الثاني هو التحقيق ، وذلك لأن العمل المركب من الأجزاء والشرائط وعدم المانع ارتباطي لا محالة ، فإذا فرضنا أن المكلف قد عجز عن الإتيان بتمامه واضطر إلى ترك شيء من أجزائه أو شرائطه أو إلى الإتيان بشيء من موانعه سقط التكليف المتعلق بالمركّب عن مجموع العمل لا محالة ، فلا يبقى تكليف بالمركب هناك ، وذلك لأنه مقتضى إطلاق أدلة الجزئية أو الشرطية أو المانعية الشامل لموارد الاضطرار إلى تركها كما هو مفروض كلامنا لأن لازمه سقوط الأمر عن مجموع العمل المركّب لعدم قدرة المكلف عليه بجميع أجزائه وشرائطه.
وإذا فرضنا سقوط الأمر والإلزام عن العمل المركب لم يبق معنى للاضطرار إلى ترك أجزائه وشرائطه أو إلى فعل شيء من موانعه ، لتمكنه من ترك العمل برأسه وعدم الإتيان به من أساسه ، وقد تقدم أن مفهوم الاضطرار قد أُخذ فيه اللاّبدية وعدم التمكن من فعله أو من تركه ، وهذا غير متحقق عند تمكن المكلف من ترك الأجزاء والشرائط بترك العمل المركب رأساً ، ومع هذا الفرض أعني التمكن من ترك العمل برأسه لم يصدق الاضطرار إلى ترك الشرط أو الجزء أو إلى الإتيان بالمانع.
وعلى ذلك ، فالتقية والاضطرار يرفعان الحرمة النفسية المترتبة على ترك الواجب المركب عند الاضطرار إلى ترك شيء من أجزائه وشرائطه ، وأما الجزئية والشرطية والمانعية فهي غير مرتفعة بشيء من التقيّة والاضطرار ، لعدم تحقق الاضطرار إليها عند التمكّن من ترك العمل برأسه ، فلا يصح أن يقال إنه مضطر إلى ترك الجزء أو الشرط أو إلى الإتيان بالمانع عند التمكن من ترك العمل برمته.
اللّهمّ إلاّ أن يكون قوله عليهالسلام في الرواية : « فقد أحلّه اللّه ... » شاملاً للتكاليف الغيرية من الجزئية والشرطية والمانعية أيضاً ، حتى يدل على وجوب العمل
الفاقد للمضطر إلى تركه من جزء أو شرط أو الواجد للمضطر إلى فعله أعني المانع لأنه وقتئذٍ مضطر إلى ترك الجزء أو الشرط أو إلى الإتيان بالمانع ، ولا يتمكن من ترك العمل المركب برمته لقدرته من الإتيان به على الفرض ، إلاّ أن الحكم لا يكون محققاً لموضوع نفسه فكيف يعقل أن يكون الحكم بالحلية محققاً للاضطرار الذي هو موضوعه ، لأنه موضوع للحكم بالحلية وارتفاع الحرمة ، ولا مناص من أن يتحقق بنفسه أوّلاً مع قطع النظر عن حكمه حتى يحكم بالحلية ، وليس الأمر كذلك في المقام لوضوح أن المكلف مع قطع النظر عن الحكم بالحلية في مورد الاضطرار غير مضطر إلى ترك الجزء أو الشرط بالوجدان ، لتمكنه واقتداره من ترك العمل المركب رأساً. كما أن العلم الخارجي في مورد كالصلاة بأن المركب عمل لا يسقط عنه حكمه أبداً وإن لم يتمكّن المكلف من جزئه أو شرطه أو من ترك الإتيان بمانعه ، كذلك ، أي لا يحقق ذلك صدق عنوان الاضطرار وتحققه إلى ترك الجزء أو الشرط أو إلى الإتيان بالمانع حتى يحكم بارتفاع التكاليف الغيرية بالتبع ، لأن الكلام إنما هو في أنه لو كنّا نحن والأدلة الدالة على ارتفاع ما اضطر إليه وحلية العمل المأتي به تقيّة ، فهل تقتضي تلك الأدلة ارتفاع التكاليف الغيرية بالاضطرار وعدم اشتراط العمل بما اضطر إلى تركه من شرط أو جزء أو إلى فعله كالموانع ، حتى يجب الإتيان به فاقداً لما اضطر إليه ولا تجب عليه الإعادة أو القضاء ، ليكون ذلك قاعدة كلية تجري في جميع الموارد ، أو أنها لا تقتضي ذلك؟ لا فيما إذا علمنا بوجوب العمل الفاقد لما اضطر إلى تركه أو إلى فعله في مورد واحد بالدليل الخارجي كالصلاة ، لوضوح أن وجوب الفاقد حينئذٍ غير مستند إلى أدلّة التقيّة حتى نتعدى إلى جميع مواردها ، بل إنما يستند إلى الدليل الخارجي فيثبت في مورده فقط.
ومنها : صحيحة (1)أبي الصباح قال « واللّه لقد قال لي جعفر بن محمد ( عليه
1) بناء على أنه أبو الصباح الكناني الثقة كما لا يبعد ، وأن سيف بن عميرة الواقع في سندها لم يثبت كونه واقفياً ، وإلاّ فعلى ما حكي عن بعضهم من كونه واقفياً فالرواية موثقة لا صحيحة.
السلام ) ... ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقيّة فأنتم منه في سعة » (1)لأن إطلاق قوله عليهالسلام « ما صنعتم » يشمل إتيان العمل فاقداً لجزئه أو شرطه أو واجداً لمانعه ، إذن فالمكلف في سعة من قبل ترك الجزء أو الشرط أو الإتيان بالمانع ، فلا يترتب عليه التكليف بالإعادة أو القضاء ، وهي نظير ما ورد من أن الناس في سعة ما لم يعلموا (2)فكما أنه يدلنا على ارتفاع المشكوك جزئيته أو شرطيته ، لأنه معنى كونهم في سعة ما لا يعلمون ، فكذلك الحال في هذه الصحيحة فتدلّنا على ارتفاع الجزئية أو الشرطية أو المانعية عند التقيّة.
ويرد على الاستدلال بهذه الرواية : أنها وإن كانت تامّة بحسب السند ، غير أنها بحسب الدلالة غير تامّة ولا دلالة لها على ذلك المدعى ، والوجه في ذلك : أن السعة إنما هي في مقابل الضيق ، فمدلول الصحيحة أن العمل المأتي به في الخارج إذا كان فيه ضيق في نفسه لولا التقيّة فيرتفع عنه ضيقه ويتبدل بالسعة فيما إذا اتي به لأجل التقيّة والاضطرار ، مثلاً شرب المسكر أمر فيه ضيق من ناحيتين لولا التقيّة وهما جهتا حرمته وحدّه ، لأن من شربه متعمداً بالاختيار ترتب عليه العقوبة والحد ويحكم بفسقه لارتكابه الحرام بالاختيار ، فيقع المكلف في الضيق من جهتهما ، فاذا صدر منه ذلك من أجل التقيّة أو الاضطرار ، لأنه لو لم يشربه لقتله السلطان أو أخذ أمواله أو مات في وقته لمرضه ، ارتفعت عنه الجهتان ولا يترتب عليه الحرمة ولا الحد فيكون المكلّف في سعة من قبلهما ، وكذلك الحال فيما إذا تناول ما لا يراه العامّة مفطراً للصوم ، فإنه مما يترتب عليه الحكم بالحرمة كما أنه موجب للكفّارة لا محالة ، لأنه إفطار عمدي على الفرض ، إلاّ أنهما ترتفعان عن ذلك فيما إذا استند إلى التقيّة والاضطرار ، ويكون المكلّف في سعة من جهة الحرمة والكفارة.
وعلى الجملة : إن مقتضى الصحيحة أن أيّ أثر كان يتعلق بالعمل أو يترتب عليه
ترتّب الحكم على موضوعه لولا التقيّة يرتفع عنه عند التقيّة والاضطرار ، فيكون المكلف في سعة من ناحيته ، وهذا المعنى غير متحقق عند ترك الجزء أو الشرط أو الإتيان بالمانع ، وذلك لأنه لا يترتب على تلك التكاليف الغيرية أيّ ضيق حتى يتبدل إلى السعة للتقية والاضطرار.
أمّا بطلان العمل بتركها أو بإتيانها ، فلأن البطلان كالصحة أمران واقعيان خارجان عن اختيار الشارع وتصرفاته وليس له رفعهما ولا وضعهما ، فان البطلان عبارة عن مخالفة المأتي به للمأمور به كما أن الصحة عبارة عن موافقة المأتي به للمأمور به.
وأمّا وجوب الإعادة أو القضاء بترك الإتيان بالجزء أو الشرط أو بالإتيان بالمانع فلأن الإعادة غير مترتبة على الإتيان بالعمل الفاسد ، بل موضوع الإعادة عدم الإتيان بالمأمور به ، لأن الأمر بالإعادة هو بعينه الأمر بالإتيان بالمأمور به وامتثاله كما أن القضاء كذلك فإنه مترتب على فوات الواجب وغير مترتب على الإتيان بالعمل الفاسد ، وعليه فلا ضيق على المكلف في مخالفة التكاليف الغيرية حتى يرتفع عنه بالتقية ويكون المكلف في سعة من جهته ، وينتج ذلك وجوب الإتيان بالعمل الفاقد لجزئه أو لشرطه أو الواجد لمانعه.
وممّا يوضح ذلك بل يدل عليه : ملاحظة غير العبادات من المعاملات بالمعنى الأعم ، فإنه إذا اضطر أحد إلى غسل ثوبه المتنجس بالبول مرة واحدة ولم يتمكن من غسله مرتين ، أو لم يتمكن من غسله بالماء فغسله بغير الماء ، أو لم يتمكن من طلاق زوجته عند عدلين فطلقها عند فاسقين اضطراراً ، لم يمكن أن يحكم بحصول الطهارة للثوب أو بوقوع الطلاق على الزوجة بدعوى أنه أمر قد صدر عن تقيّة أو اضطرار فهذا أقوى شاهد ودليل على عدم ارتفاع الشرطية أو الجزئية أو المانعية في حال الاضطرار والتقيّة. إذن لا يكون العمل الفاقد لشيء من ذلك ، أي من الجزء أو الشرط مجزياً في مقام الامتثال.
ومن هنا يظهر أن قياس محل الكلام بما ورد من أن الناس في سعة ما لم يعلموا (1)
1) المستدرك 18 : 20 / 4.
قياس غير قريب ، وذلك لأن المشكوك فيه في ذلك الحديث إنما هو نفس الجزئية وعدليها ، ومن البديهي أن في جزئية المشكوك فيه أو شرطيته أو مانعيته ضيقاً واضحاً على المكلف ، لأنه تقييد لإطلاق المأمور به وموجب للكلفة والضيق ، فيكون في رفعها عند الشك توسعة له ورفعاً للتضيق الناشئ من جزئية الجزء أو شرطية الشرط أو مانعية المانع ، وأين هذا مما نحن فيه ، لأن الصحيحة ناظرة إلى ما أتى به المكلف من العمل في الخارج كما هو مفاد قوله « ما صنعتم » إذن لا بدّ من ملاحظة أن العمل الخارجي الفاقد لجزئه أو شرطه أو الواجد لمانعه ، أي ضيق يترتب عليه من ناحية ترك الجزء أو الشرط أو الإتيان بالمانع حتى يرتفع بالتقية ويتبدل ضيقه بالسعة ، وقد عرفت أنه لا يوجد أي ضيق يترتب عليه ، فلا موضوع للسعة في التكاليف الغيرية بوجه.
وعلى الجملة : إن الصحيحة قد دلت على التوسعة مما يؤتى به تقيّة ، والتوسعة إنما يكون بأحد أمرين : إما برفع الإلزام المتعلق بالفعل المتقى به كالتحريم في شرب الخمر أو في ترك العبادة الواجبة ، وإما برفع الأحكام المترتبة عليه كوجوب الكفارة في ترك الصيام تقيّة أو في حنث اليمين كذلك وكالحد في شرب المسكر وهكذا ، ولا يوجد شيء من هذين الأمرين في التكاليف الغيرية كما مر.
وكيف كان لا يمكن أن يستفاد من شيء من الأدلة أن العمل الفاقد لجزئه أو لشرطه أو الواجد لمانعه واجب بوجه.
ومن هنا يظهر عدم صحّة التمسّك في المقام بحديث رفع الاضطرار (1)بدعوى دلالته على أن ما أتى به المكلف في الخارج بالاضطرار كأنه مما لم يأت به وأنه كالعدم حقيقة ، فإذا شرب خمراً بالاضطرار أو تكتف في الصلاة تقيّة فكأنه لم يشرب الخمر من الابتداء أو لم يتكتف في صلاته أصلاً ، ومعنى ذلك أن المانعية أعني مانعية التكتف مرتفعة حال التقيّة أو حال الاضطرار فبذلك ترتفع أحكامه وآثاره ، سواء أكانت من الأحكام النفسية أم كانت من الأحكام الغيرية.
1) الوسائل 15 : 369 / أبواب جهاد النفس ب 56 ح 1.
والوجه في عدم صحّة التمسّك به في المقام هو أن ما أتى به المكلف اضطراراً لا معنى لرفعه وهو موجود بالتكوين إلاّ بلحاظ الأُمور المترتبة على وجوده ، كالالزام المتعلق به من وجوب أو تحريم أو حد أو كفارة كما في شرب الخمر وترك الصيام والحنث في اليمين ، وليس شيء من ذلك متحققاً في التكاليف الغيرية كما عرفت ، فلا دلالة للحديث إلاّ على رفع ما يترتب على وجود العمل الصادر بالاضطرار من الآثار والأحكام ، وأما أن العمل الفاقد لجزئه أو لشرطه أو الواجد لمانعه واجب ومجزئ في مقام الامتثال ، فهو مما لا يمكن استفادته من الحديث ، وقد قدّمنا الكلام على حديث الرفع مفصّلاً (1)فليجعل هذا تتميماً لما تقدّم.
ومنها : ما رواه أبو ( ابن ) عمر الأعجمي عن أبي جعفر عليهالسلام أنه قال : « إن التقيّة في كل شيء إلاّ في شرب المسكر والمسح على الخفّين » (2)بدعوى دلالتها على أن التقيّة ترفع الأحكام المتعلقة بالعمل المأتي به تقيّة مطلقاً ، سواء أكان ذلك من الأحكام النفسية أو من الأحكام الغيرية ، وذلك لمكان استثناء مسح الخفين وهو من المحرّمات الغيرية ، لوضوح عدم حرمة المسح على الخفين حرمة نفسية ، وهذا يدلنا على أن قوله عليهالسلام « كل شيء » يعم التكاليف النفسية والغيرية. فالمتحصل منها أن الجزئية والشرطية والمانعية ترتفع كلها بالتقية والاضطرار ، نظير غيرها من الأحكام النفسية إلاّ في موردين وهما شرب المسكر والمسح على الخفين ، فاذا تكتف في صلاته تقيّة ارتفع عنه المنع الغيري وهو المانعية ، ومعناه عدم مانعية التكتف في الصلاة حال التقيّة.
1) في مصباح الأُصول 2 : 267.
2) كما نقله شيخنا الأنصاري قدسسره عن أُصول الكافي في رسالة التقيّة [ ص 323 السطر 25 ] ناسباً للرواية إلى أبي جعفر عليهالسلام ولكن الموجود في الوسائل منسوب إلى أبي عبد اللّه عليهالسلام ومشتمل على النبيذ بدل المسكر ، كما أنه مشتمل على جملة أُخرى في صدرها وهي قوله عليهالسلام « لا دين لمن لا تقيّة له » وكذلك الحال في الكافي [ 2 : 217 / 2 ] والوافي [ 5 : 685 / 3 ] وغيرهما ، فالظاهر أن ما في كلام شيخنا الأنصاري قدسسره من اشتباه القلم فليلاحظ. راجع الوسائل 16 : 215 / أبواب الأمر والنهي ب 25 ح 3.
ويرد عليه أوّلاً : أن الرواية ضعيفة السند كما تقدّم (1).
وثانياً : أن حمل الرواية على هذا المعنى ، أعني ارتفاع الأحكام المتعلقة بالفعل المأتي به تقيّة ، مضافاً إلى أنه خلاف الظاهر في نفسه ، مما لا يمكن المساعدة عليه لوجود القرينة في نفس الرواية على عدم إرادته ، والقرينة هو استثناء شرب المسكر وذلك لأن حمل الرواية على المعنى المدعى يستلزم الحكم بعدم ارتفاع الحرمة في شرب المسكر عند التقيّة والاضطرار كعدم ارتفاع الحرمة الغيرية في المسح على الخفّين لمكان استثنائهما عن العموم ، وهو مما لا يمكن التفوّه به ، كيف والتقيّة والاضطرار يحللان ما هو أعظم من شرب المسكر كترك الصلاة فيما إذا أجبره الجائر عليه وترتّب ضرر على ترك التقيّة كالقتل ، فكيف يحكم بحرمته حال الاضطرار إلى شربه ، فان حفظ النفس من الهلكة أولى من ترك شرب المسكر فلا وجه لحمل الرواية على هذا المعنى.
بل الصحيح كما هو ظاهرها أن الرواية ناظرة إلى أن تشريع التقيّة وحكمها من الجواز والوجوب جار في كل شيء إلاّ في شرب المسكر والمسح على الخفين ، فإن التقيّة غير مشرعة فيهما فلا يجب أو لا يجوز التقيّة فيهما ، لا أن الحرمة غير مرتفعة عن شرب المسكر في حال التقيّة والاضطرار ، والوجه في ذلك أي عدم تشريع التقيّة في الموردين على ما قدّمناه مفصّلاً عدم تحقّق موضوعها فيهما ، أما في شرب المسكر فلأن حرمته من الضروريات في الإسلام وقد نطق بها الكتاب الكريم ولم يختلف فيها سنِّي ولا شيعي فلا معنى للتقية في شربه.
وأمّا في المسح على الخفّين ، فلأنا لم نعثر فيما بأيدينا من الأقوال على من أوجبه من العامّة ، وإنما ذهبوا إلى جواز كل من مسح الخفين وغسل الرجلين ، نعم ذهبت جماعة منهم إلى أفضليته كما مرّ (2)وعليه فلا يحتمل ضرر في ترك المسح على الخفّين بحسب الغالب ، نعم يمكن أن تتحقّق التقيّة فيهما نادراً ، كما إذا أجبره جائر على شرب المسكر
أو على مسح الخفّين إلاّ أنه من الندرة بمكان ولا كلام حينئذٍ في مشروعية التقيّة ، فإن الرواية المانعة ناظرة إلى ما هو الغالب. ولعلّ الشيخ قدسسره لم يلفت نظره الشريف إلى ملاحظة استثناء شرب المسكر ، لتوجهه إلى استثناء مسح الخفّين ، ومن هنا حمل الرواية على غير المعنى الذي ذكرناه ، واللّه العالم بحقيقة الحال ، فعلى ما بيّناه الرواية أجنبية عما نحن بصدده.
ومنها : موثقة سماعة قال « سألته عن رجل كان يصلي فخرج الامام وقد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة قال : إن كان إماماً عدلاً فليصل اخرى وينصرف ويجعلهما تطوعاً وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو ، وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو ، ويصلي ركعة أُخرى ويجلس قدر ما يقول : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع ، فإن التقيّة واسعة ، وليس شيء من التقيّة إلاّ وصاحبها مأجور عليها إن شاء اللّه » (1).
أمّا الجملة الاولى أعني قوله : « إن كان الامام عدلاً » فمضمونها هو ما دلّ عليه غيرها من الأخبار ، من أن من دخل في الفريضة ثم أُقيمت الجماعة استحب له أن يجعل ما بيده من الفريضة تطوعاً ويسلّم في الركعة الثانية حتى يدرك ثواب الجماعة بائتمامه من أول الصلاة.
وأمّا الجملة الثانية أعني قوله : « وإن لم يكن إمام عادل » فقد حملها شيخنا الأنصاري قدسسره على ما قدّمناه في الجملة الاولى من أنه يجعل ما بيده من الفريضة تطوعاً ويسلم في الثانية ويأتم بالإمام ويأتي من أجزاء الصلاة وشرائطها على ما استطاع ، فان تمكن من أن يأتي بتمامهما مع الامام فهو ، وإن لم يستطع إلاّ من بعضهما فيكتفي بالبعض لأن التقيّة واسعة (2).
فقد استدلّ قدسسره بقوله : « على ما استطاع » على أن ما أتى به المكلف من الأجزاء والشرائط تقيّة كاف ومجزئ في مقام الامتثال ، سواء كان ما أتى به تمام الأجزاء والشرائط أم كان بعضهما.
ولا يخفى غرابة ذلك منه قدسسره لأن مضمون الرواية على ما هو ظاهرها ، أن الامام إذا لم يكن إمام عدل فلا يجعل المأموم صلاته تطوعاً كما كان يجعلها كذلك في الصورة الاولى ، بل يظهر للناس أنه جعلها تطوعاً بأن يصلي ركعة أُخرى ثم يتشهد من دون أن يسلم بعدها ، ويقوم بعد ذلك ويصلي صلاته بنفسه مظهراً للغير الائتمام والاقتداء بالإمام الحاضر بقدر يستطيعه من الإظهار والإبراز ، لأن التقيّة واسعة وهذا لا اختصاص له بالائتمام من أول الصلاة ، بل لو أظهر الائتمام في أثناء الصلاة أيضاً كان ذلك تقيّة ، كما أن لها طريقاً آخر غيرهما ، وما من شيء من أنحاء التقيّة إلاّ وهو واجب أو جائز وصاحبه مأجور عليه ، وعلى ذلك لا دلالة للرواية على جواز الاكتفاء في الصلاة معهم بما يتمكن منه من الأجزاء والشرائط ، هذا.
على أن الرواية مضمرة وللمناقشة في سندها أيضاً مجال ، لأن مضمرها وهو سماعة ليس كزرارة ومحمد بن مسلم وأضرابهما من الأجلاء والفقهاء الذين لا يناسبهم السؤال عن غير أئمتهم عليهمالسلام بل هو من الواقفة ومن الجائز أن يسأل غير أئمتنا عليهمالسلام.
ولقد صرّح بما ذكرناه في معنى الرواية صاحب الوسائل قدسسره وعنون الباب باستحباب إظهار المتابعة حينئذٍ في أثناء الصلاة مع المخالف تقيّة فلاحظ (1). ولعل الشيخ قدسسره لم يلفت نظره الشريف إلى عنوان الباب في الوسائل.
ومنها : ما رواه مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في حديث « ... وتفسير ما يتقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله ، فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقيّة مما لا يؤدي إلى الفساد في
1) الوسائل 8 : 404.
الدين فإنه جائز » (1)بدعوى أن جواز كل شيء بحسبه ، فالرواية تعم الأشياء المحرمة النفسية لولا التقيّة وتجعلها جائزة نفسية ، كما تعم الأشياء المحرمة بالحرمة الغيرية فتقلبها إلى جواز الغيري لا محالة. إذن تدلنا الرواية على صحة الصلاة المقترنة بالتكتّف أو بغيره من الموانع ، لأنها جائزة جوازاً غيرياً بمقتضى التقيّة ، وكذا الصلاة الفاقدة للجزء أو الشرط.
ويرد عليه أوّلاً : أنها ضعيفة السند بمسعدة ، لعدم توثيقه في الرجال (2).
وثانياً : أن الرواية لا دلالة لها على المدعى ، لأن الجواز فيما إذا أُسند إلى الفعل كان ظاهره الجواز النفسي فحسب ، أي كون الفعل بما هو وفي نفسه أمراً جائزاً ، لا أنه جائز لدخالته في الواجب وجوداً أو عدماً ، أو عدم دخالته فيه وهو المعبّر عنه بالجواز الغيري.
وثالثاً : أن ملاحظة صدر الرواية تدلنا على أن المراد بالجواز في الرواية إنما هو جواز نفس التقيّة لا جواز الفعل المتقى به ، فلا دلالة لها على جواز الفعل حتى يقال إنه أعم من الجواز النفسي والغيري ، وقد ورد في صدرها : « إن المؤمن إذا أظهر الايمان ثم ظهر منه ما يدل على نقضه خرج مما وصف وأظهر وكان له ناقضاً ، إلاّ أن يدعي أنه إنما عمل ذلك تقيّة ، ومع ذلك ينظر فيه فان كان ليس مما يمكن أن تكون التقيّة في مثله لم يقبل منه ذلك ، لأن للتقية مواضع مَن أزالها عن مواضعها لم تستقم له ، وتفسير ما يتقى مثل أن يكون ... » وهذا يدلنا على أنه عليهالسلام بصدد بيان المواضع التي تستقيم فيها التقيّة وتجوز ، وأراد تمييز تلك الموارد عما لا يجوز التقيّة في مثله ، كما إذا شرب المسكر سرّاً وادّعى أنه كان مستنداً إلى التقيّة ، فلا دلالة للرواية على وجوب الإتيان بالعمل مقترناً بمانعه أو فاقداً لجزئه وشرطه.
فالمتحصل إلى هنا : أنه لا دلالة في شيء من الأخبار المتقدمة على وجوب إتيان العمل فاقداً لشرطه أو لجزئه أو مقترناً بمانعه إذا استند إلى التقيّة حتى لا يجب إعادته أو قضاؤه.
إذن لا بدّ من عطف عنان الكلام إلى أنه هل يستفاد من الأخبار الآمرة بالتقية صحّة العمل لدى الإتيان به فاقداً لشيء من أجزائه وشرائطه أو واجداً لشيء من موانعه للتقيّة أو لا يستفاد منها ذلك؟ فنقول :
الصحيح أن يقال : إن الاضطرار إذا كان مستنداً إلى غير جهة التقيّة المصطلح عليها ، وهي التقيّة من العامة فيما يرجع إلى الأُمور الدينية ، فمقتضى القاعدة حينئذٍ سقوط الأمر بالمركب عند الاضطرار إلى ترك شيء مما اعتبر في المأمور به ، لأن ذلك مقتضى إطلاق أدلة الجزئية والشرطية أو المانعية ، وهو يشمل كلا من صورتي التمكن من الإتيان بها وعدمه ، وبما أن المكلف غير متمكن من إتيان العمل واجداً لشرطه أو جزئه أو فاقداً لمانعه ، فلا محالة يسقط الأمر بالمركب رأساً في حقه فلا يجب عليه شيء وقتئذٍ ، إلاّ في خصوص الصلاة فيما إذا لم يتمكن من شيء من أجزائها وشرائطها في غير الطهور فإنه يجب فيها الإتيان بالمقدار الممكن من الصلاة لأنها لا تسقط بحال.
وأمّا إذا كان الاضطرار من جهة التقيّة المصطلح عليها ، فان كان العمل المتقى به مورداً للأمر به بالخصوص في شيء من رواياتنا كما في غسل الرجلين والغسل منكوساً وترك القراءة في الصلاة خلفهم ونحو ذلك مما ورد فيه الأمر بالعمل بالخصوص ، فلا ينبغي الإشكال في صحته بل وإجزائه عن المأمور به الواقعي بحيث لا تجب عليه الإعادة ولا القضاء ، وذلك لأن الظاهر من الأمر بالإتيان بالعمل الفاقد لبعض الأُمور المعتبرة في المأمور به إنما هو جعل المصداق للطبيعة المأمور بها تقيّة ، ومع جعل الشارع شيئاً مصداقاً للمأمور به لا بدّ من الحكم بسقوط الأمر المتعلق بالطبيعة
لأن الإتيان بذلك الشيء إتيان لما هو مصداق وفرد للطبيعة المأمور بها ، فيسقط به الأمر المتعلق بها لا محالة.
وأمّا إذا لم يكن العمل المتقى به مورداً للأمر بالخصوص ، فالتحقيق أن يفصّل حينئذٍ بين الأُمور التي يكثر الابتلاء بها لدى الناس ، أعني الأُمور عامة البلوى التي كانوا يأتون بها بمرأى من الأئمة عليهمالسلام والأُمور التي لا يكون الابتلاء بها غالباً وبمرأى منهم عليهمالسلام بل يندر الابتلاء به.
فان كان العمل من القسم الأوّل ، كما في التكتف في الصلاة وغسل الرجلين في الوضوء مع قطع النظر عن كونه مورداً للأمر به بالخصوص لكثرة الابتلاء به في كل يوم مرات متعددة ، فلا مناص فيه من الالتزام بالصحة والإجزاء ، أي عدم وجوب الإعادة أو القضاء ، لأن عدم ردعهم عما جرت به السيرة من إتيان العمل تقيّة أقوى دليل على صحته وكونه مجزياً في مقام الامتثال ، فلو لم تكن التقيّة مفيدة للإجزاء في مثله فلا بدّ من بيانه ، ونفس عدم بيان البطلان وترك التنبيه على عدم إجزائها مع كون العمل مورداً للابتلاء وبمرأى منهم عليهمالسلام يدلنا على إمضائهم لما جرت به السيرة. ولم يرد في شيء من رواياتنا أمر بإعادة العمل المتقى به أو قضائه ولو على نحو الاستحباب.
نعم ، عقد صاحب الوسائل قدسسره باباً وعنونه باستحباب إيقاع الفريضة قبل المخالف أو بعده (1)إلاّ أن شيئاً مما نقله من الروايات غير مشتمل على الأمر بالإعادة أو القضاء فيما أتى به تقيّة ولو على وجه الاستحباب ، بل قد ورد في بعض الروايات ما لا تقبل المناقشة في دلالته على الإجزاء ، وهذا كما دلّ على أن « من صلّى معهم في الصف الأوّل كان كمن صلّى خلف رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله » (2)أفيحتمل عدم كون الصلاة خلف رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم مجزئة عن المأمور به الأوّلى. وفي بعض آخر « إن المصلي معهم في الصف الأوّل كالشاهر سيفه في
سبيل اللّه » (1)وفي جملة من الروايات الأمر بالصلاة معهم في مساجدهم (2)والحث على الصلاة في عشائرهم (3)، وفي بعضها الصلاة في عشائركم (4)فليلاحظ.
وكيف كان ، فلم يرد في رواياتنا أمر بإعادة الصلاة أو الوضوء أو غيرهما من الأعمال المتقى بها من العامة على كثرة الابتلاء بها ، لكونهم معاشرين لهم في أسواقهم ومساجدهم وفي محلاتهم وأماكنهم حتى في بيت واحد ، إذ ربما كان الابن عاميا والأب على خلافه أو بالعكس ، أو أحد الأخوين شيعي والآخر عامي ، وكانوا يصلون أو يتوضئون بمرأى منهم ومشهد ، فالسيرة كانت جارية على التقيّة في تلك الأفعال كثيرة الدوران ، ومع عدم ردعهم عليهمالسلام يثبت صحتها لا محالة.
نعم ، ورد في بعض الروايات الأمر بالصلاة قبل الإمام أو بعده إذا لم يكن مورداً للوثوق ، حيث نهى عليهالسلام السائل عن الصلاة خلفه ولو بجعلها تطوّعاً ، لعدم جواز الصلاة خلف من لا يوثق به ، ثم أمره بالصلاة قبله أو بعده ، ولعلّه إلى ذلك أشار صاحب الوسائل قدسسره في عنوان الباب المتقدم نقله ، غير أن الرواية خارجة عمّا نحن بصدده ، لورودها في الصلاة خلف من لا يثق به ، وهو أعم من أن يكون عاميا أو شيعياً ، والرواية لم تشتمل على الأمر بالصلاة معه ثم إتيانها إعادة أو قضاء بعده.
وممّا يؤيد ما قدمناه ، ما فهمه زرارة في الصحيحة المتقدمة (5)المشتملة على قوله عليهالسلام « ثلاثة لا أتقي فيهنّ أحداً ... » (6)حيث قال أعني زرارة ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهنّ أحداً ، وذلك لأن المسح على الخفين ليس من المحرّمات النفسية ليكون جريان التقيّة فيه موجباً لارتفاع حرمته ، بل إنما هو محرم
غيري ، فلو جازت التقيّة فيه أو وجبت لدل على ارتفاع المنع الغيري أعني المانعية في الوضوء ، وكون الوضوء المشتمل على مسح الخفين صحيحاً ، هذا كلّه في الصلاة والوضوء.
ومن هذا القبيل الصيام ، لأنه أيضاً من الأُمور العامة البلوى وقد كانوا يصومون معهم ويفطرون بما لا يراه العامة مفطراً في نهار شهر رمضان أو في اليوم الذي لا يرونه من شهر رمضان ، وذلك كله للتقية والمعاشرة معهم.
ومن هذا القبيل الوقوف بعرفات يوم الثامن من ذي الحجة الحرام ، لأن الأئمة عليهمالسلام كانوا يحجون أغلب السنوات ، وكان أصحابهم ومتابعوهم أيضاً يحجون مع العامة في كل سنة ، وكان الحكم بيد المخالفين من بعد زمان الأمير عليهالسلام إلى عصر الغيبة ، ولا يحتمل عاقل توافقهم معهم في هلال الشهر طوال تلك السنوات وتلك المدة التي كانت قريبة من مائتين سنة وعدم مخالفتهم معهم في ذلك أبداً ، بل نقطع قطعاً وجدانياً أنهم كانوا مخالفين معهم في أكثر السنوات ، ومع هذا كله لم ينقل ولم يسمع عن أحدهم عليهمالسلام ردع الشيعة ومتابعيهم عن تبعيّة العامّة في الوقوف بعرفات وقتئذٍ ، وقد كانوا يتبعونهم بمرأى ومسمع منهم عليهمالسلام بل كانوا بأنفسهم يتبعون العامة فيما يرونه من الوقوف.
وعلى الجملة قد جرت سيرة أصحاب الأئمة عليهمالسلام ومتابعيهم على التبعية في ذلك للعامّة في سنين متمادية ، ولم يثبت ردع منهم عليهمالسلام عن ذلك ولا أمر التابعين للوقوف بعرفات يوم التاسع احتياطاً ، ولا أنهم تصدّوا بأنفسهم لذلك ، وهذا كاشف قطعي عن صحّة الحج المتقى به بتلك الكيفية وإجزائه عن الوظيفة الأوّلية في مقام الامتثال ، بلا فرق في ذلك بين كون الحج في سنة الاستطاعة وكونه في غير تلك السنة ، لوجوب الحج في كليهما وعدم كونه مطابقاً للوظيفة الأولية أيضاً في كليهما ، وقد عرفت أن السيرة قد جرت على التقيّة في ذلك كما جرت على الحج في سنة
الاستطاعة كثيراً ، وهي سيرة قطعية ممضاة بعدم الردع عنها مع كونه بمرأى منهم عليهمالسلام فلم يردعوهم عن ذلك ولا أمروهم بالوقوف يوم التاسع احتياطاً كما مرّ ، وفي مثل ذلك إذا لم يكن عملهم مجزئاً عن الوظيفة الواقعية لوجب التنبيه على ذلك وردعهم عما يرتكبونه حسب سيرتهم.
هذا كلّه فيما إذا لم يعلم المخالفة بالوجدان ، كما إذا علم علماً وجدانياً أن اليوم الذي تقف فيه العامّة بعرفات يوم الثامن دون التاسع ، وأما إذا حصل للمكلف علم وجداني بذلك ، فالظاهر عدم صحة الوقوف حينئذٍ ووجوب إعادة الحج في السنة المقبلة ، إلاّ فيما إذا أدرك وقوف اختياري المشعر ، بل وكذا فيما إذا أدرك وقوف اضطراري المشعر والوجه في ذلك هو أن الوقوف بعرفات مع العلم الوجداني بالخلاف ليس من الأُمور كثيرة الابتلاء ليقال إن الأئمة عليهمالسلام مع جريان السيرة بذلك بمرأى منهم لم يردعوا عنه ولم يأمروهم بالوقوف يوم التاسع ، ليكون ذلك كاشفاً قطعياً عن كون عملهم مجزياً في مقام الامتثال ، بل إنما هو أمر نادر الاتفاق أو لعله أمر غير واقع وعدم الردع في مثله لا يكون دليلاً قطعياً على صحّة ذلك الوقوف وإجزائه في مقام الامتثال.
نعم ، يمكن الحكم بصحة الوقوف حتى مع العلم الوجداني بالمخالفة فيما إذا ثبت أمران :
أحدهما : كون حكم الحاكم المخالف نافذاً في حق الجميع وواجب الاتباع حسب مذهبهم حتى في حق العالم بالخلاف.
وثانيهما : أن يتم شيء من الأدلة اللفظية المتقدمة المستدل بها على سقوط الجزئية والشرطية والمانعية عند التقيّة ، فإنه بعد ثبوت هذين الأمرين يمكن الحكم بصحة الوقوف مع العلم بالخلاف ، لأنه من موارد التقيّة من العامة على الفرض من أن حكم الحاكم نافذ عندهم حتى بالنسبة إلى العالم بالخلاف ، كما أن كل عمل أتى به تقيّة مجزي في مقام الامتثال على ما دلّت عليه الأدلّة اللفظية المتقدمة ، فإن الفرض تماميتها.
إلاّ أن الأمرين ممنوعان : أما الأمر الأول ، فلعدم ثبوت أن حكم الحاكم عندهم نافذ حتى في حق العالم بالخلاف. وأما الأمر الثاني فلما عرفت تفصيله.
وكيف كان ، لا دليل على صحّة الحج والوقوف مع العلم الوجداني بالخلاف ، هذا كلّه فيما إذا كان العمل المأتي به تقيّة كثير الابتلاء وبمرأى من الأئمة عليهمالسلام.
وأمّا إذا لم يكن العمل من هذا القبيل ، بل كان نادراً وغير محل الابتلاء ، فلا دليل في مثله على كون العمل الفاقد لشيء من الاجزاء والشرائط أو الواجد للمانع صحيحاً مجزياً في مقام الامتثال ، فان الدليل على ذلك ينحصر بالسيرة ولا سيره في أمثال ذلك على الفرض.
ومن هذا القبيل الوضوء بالنبيذ ولا سيما النبيذ المسكر على ما ينسب إلى بعض المخالفين من تجويزه التوضؤ بالنبيذ ، فإنه إذا توضأ بالنبيذ تقيّة فهو وإن كان جائزاً أو واجباً على الخلاف ، إلاّ أنه لا يجزئ عن المأمور به الأوّلي بوجه ، لأن التوضؤ بالنبيذ أمر نادر التحقّق ولم يتحقّق سيره في مثله حتى يقال إن الأئمة عليهمالسلام لم يردعوا عنها مع كون العمل بمرأى منهم عليهمالسلام وهذا بخلاف ما إذا تمّت الأدلّة اللفظية المتقدمة المستدل بها على سقوط الجزئية والشرطية والمانعية عند التقيّة ، لأن مقتضاها صحّة الوضوء في الصورة المفروضة كما هو واضح.
ومن هذا القبيل المسح على الخفّين ، وذلك لندرة الابتلاء به في مقام التقيّة ، حيث إن العامّة غير قائلين بوجوبه تعييناً ، وعليه فان قلنا بتمامية رواية أبي الورد المتقدمة (1)المشتملة على الترخيص في المسح على الخفّين فيما إذا كان مستنداً إلى التقيّة ، فلا مناص من الحكم بصحّته وكونه مجزياً في مقام الامتثال ، لعدم كون المسح على الخفّين من المحرّمات النفسية ، وإنما هو من المحرّمات الغيرية ، فالترخيص في مثله بمعنى رفع المانعية لا محالة.
وأمّا إذا لم نعتمد على الرواية ، لعدم توثيق أبي الورد ولا مدحه للوجوه المتقدمة
1) في ص 202.
سابقاً (1)، فلا يمكننا الحكم بصحته وإجزائه ، إذ لا سيرة عملية حتى يدعي أنها كاشفة عن الصحّة والإجزاء لعدم ردعهم عليهمالسلام عن ذلك مع كونه بمرأى منهم.
وأمّا قضية ما فهمه زرارة من الصحيحة المتقدِّمة (2)وهو الذي جعلناه مؤيداً للمدّعى ففهمه إنما يتبع بالإضافة إلى كبرى المسألة ، أعني التقيّة في المحرّمات الغيرية ، وأما خصوص مورد الصحيحة ، أعني المسح على الخفين فلا ، لما مرّ من أن العامة على ما وقفنا على أقوالهم غير ملتزمين بوجوبه التعييني كما تقدم ، هذا بل نفس إطلاق الروايات الآمرة بغسل الرجلين المحمولة على التقيّة يقتضي الحكم ببطلان المسح على الرجلين وعدم كونه مجزياً ، لأن مقتضى إطلاقها أن غسل الرجلين واجب تعييني مطلقاً ولو في حال التقيّة ولا يجزئ عنه أمر آخر ، أي أنه ليس بواجب تخييري ليتخيّر المكلف بينه وبين المسح على الخفين ، فلو اقتضت التقيّة المسح على الخفين في مورد على وجه الندرة فهو لا يكون مجزئاً عن المأمور به الأوّلي.
ومن هذا القبيل الوقوف بعرفات يوم الثامن مع العلم بالمخالفة ، لأنه أمر يندر الابتلاء به ، ومع الندرة لا مجال لدعوى السيرة ولا لكشفها عن الإجزاء في مقام الامتثال ، لأجل عدم ردع الأئمة عليهمالسلام عنها ، اللّهمّ إلاّ أن يتم شيء من الأدلة اللفظية على التفصيل المتقدم آنفاً.
الجهة الرابعة : في مَن يتّقى منه : لا ينبغي التردد في أن التقيّة المحكومة بالوجوب أو الجواز لا يختص بالعامة على وجه الخصوص ، بل تعم كل ظالم وجائر إذا خيف ضرره وهو مورد للتقية الواجبة أو الجائزة ، ويدلنا على ذلك مضافاً إلى العمومات (3)
وإلى حديث رفع الاضطرار (1)ما دلّ على أنه ما من محرم إلاّ وقد أحله لمن اضطر إليه (2)وحديث لا ضرر ولا ضرار (3)وموثقة أبي بصير قال : « قال أبو عبد اللّه عليهالسلام التقيّة من دين اللّه؟ قلت من دين اللّه؟ قال : إي واللّه من دين اللّه ولقد قال يوسف ( أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ) واللّه ما كانوا سرقوا شيئاً ، ولقد قال إبراهيم ( إِنِّي سَقِيمٌ ) واللّه ما كان سقيماً » (4)حيث إن تطبيقه عليهالسلام التقيّة التي هي من دين اللّه على قولي يوسف وإبراهيم عليهماالسلام دليل قطعي على أن التقيّة التي هي من دين اللّه سبحانه غير مختصة بالعامة ، بل كل أحد خيف من ضرره وجبت عنه التقيّة أو جازت. وما رواه محمد بن مروان قال : « قال لي أبو عبد اللّه عليهالسلام ما منع ميثم رحمه اللّه من التقيّة؟ فو اللّه لقد علم أن هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه : ( إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) » (5)وغير ذلك من الأخبار.
وإنما الكلام في الأحكام الوضعية المترتبة على التقيّة كالحكم بصحة العمل مع التقيّة وإجزائها ، فهل الصحة والإجزاء يترتبان على كل تقيّة أو يختصان بالتقية من العامة بالخصوص؟
والصحيح أن يقال : إنه إن تمّ هناك شيء من الأدلة اللفظية المستدل بها على سقوط التكاليف الغيرية عند التقيّة ، فلا مناص من الحكم بالصحة والإجزاء في جميع موارد التقيّة ولو كانت من غير العامة ، بمقتضى عموم الأدلة المذكورة كقوله عليهالسلام « التقيّة في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله اللّه » (6).
وقد ادّعى شيخنا الأنصاري قدسسره أن الحلية أعم من الحلية النفسية
1) الوسائل 15 : 369 / أبواب جهاد النفس ب 56 ح 1 ، 3.
2) الوسائل 23 : 228 / أبواب الأيمان ب 12 ح 18.
3) الوسائل 25 : 399 / أبواب الشفعة ب 5 ح 1 ، 420 / أبواب إحياء الموات ب 7 ، ح 2.
4) الوسائل 16 : 215 / أبواب الأمر والنهي ب 25 ح 4.
5) الوسائل 16 : 226 / أبواب الأمر والنهي ب 29 ح 3.
6) الوسائل 16 : 214 / أبواب الأمر والنهي ب 25 ح 2.
والحلية الغيرية (1)، وأما إذا لم يتم شيء من تلك الأدلة وانحصر دليل صحة التقيّة والإجزاء بالسيرة كما هو الحق ، فالظاهر اختصاص الحكمين بخصوص التقيّة من العامّة ، لأنها التي تحققت فيها السيرة ولم يردع عنها الأئمة عليهمالسلام ولا علم لنا بتحقق السيرة في غيرها.
كما أنه بناء على ما ذكرناه لا يجرى الحكم بالصحة والإجزاء في التقيّة من جميع العامة ، بل يختص بالتقية من العامة المعروفين القائلين بخلافة الخلفاء الأربعة ، وأما التقيّة من الخوارج الملتزمين بخلافة الخليفتين الأولين فهي خارجة عن الحكم بالصحة والإجزاء ، وذلك لعدم كثرة الابتلاء بالتقية منهم في تلك الأزمنة حتى نستكشف من عدم ردعهم عليهمالسلام صحة العمل المأتي به تقيّة وإجزائه عن المأمور به الواقعي. هذا على أن التقيّة من النواصب داخلة في التقيّة من غير العامة من الكفّار ، لأن النواصب محكومة بالكفر.
ثم إن التقيّة مختصة بالأحكام ، وأما التقيّة من العامة المعروفين الذين هم محل الابتلاء كثيراً في الموضوعات الخارجية ، كما إذا اعتقد عامي أن ثوباً من الحرير وكانت الصلاة واجبة في الثوب الحرير في مذهبهم ، فإن التقيّة حينئذٍ في لبس الثوب الذي يعتقده العامي حريراً تقيّة في الموضوع الخارجي قد اشتبه أمره على العامي وغير راجعة إلى التقيّة في الأحكام ، ولم يتحقق في مثلها سيرة من المتدينين على التبعية حتى يحكم بصحة التقيّة وإجزائها.
نعم ، بناء على تمامية الأدلة اللفظية المتقدمة فمقتضى عمومها وإطلاقها عدم الفرق في صحة التقيّة وإجزائها بين التقيّة في الأحكام والتقيّة في الموضوعات.
والظاهر عدم التزام الفقهاء قدسسرهم بصحة التبعية في الموضوعات ، وهذا من أحد المفاسد المترتبة على القول بسقوط الجزئية والشرطية والمانعية في موارد التقيّة اعتماداً على الأدلة اللفظية المتقدمة.
1) رسالة في التقيّة : 323 السطر 15.
تنبيه : ما قدمناه من أن العمل المأتي به تقيّة إذا كان مما يبتلي به غالباً وهو بمرأى من الأئمة عليهمالسلام فسكوتهم وعدم ردعهم عن ذلك العمل وعدم تعرضهم لوجوب إعادته أو قضائه يكشف كشفاً قطعياً عن صحته وإجزائه عن الإعادة والقضاء وسقوط المأمور به الأوّلي بسببه وارتفاع جميع آثاره ، إنما يختص بما إذا كانت الآثار المترتبة عليه من الآثار التي تترتب على فعل المكلف بما هو فعله ، كما في غسل اليد منكوساً أو غسل رجليه أو التكتف في الصلاة إلى غير ذلك من الأفعال المترتبة عليها آثارها ، فإن أمثالها إذا استندت إلى التقيّة ارتفعت عنها آثارها كما عرفت.
وأما إذا لم تكن الآثار المترتبة عليه من آثار فعل المكلف ، فالتقية في مثله لا يرفع عنه آثارها بوجه ، سواء استندنا في الحكم بصحة العمل المتقى به وإجزائه إلى السيرة العملية أم إلى الأدلّة اللفظية كقوله عليهالسلام « ما صنعتم من شيء ... » (1)لاختصاصها بما إذا أتى المكلّف بعمل وصنع صنعاً يترتب عليه آثاره ، وعليه فلو فرضنا أنه غسل ثوبه المتنجس مرة فيما يجب غسله مرتين تقيّة أو غسله من دون تعفير فيما يجب تعفيره أو من غير إزالة عين النجس ، لعدم كونه نجساً عندهم كما في المني على ما ينسب إلى بعضهم ، لم يحكم بذلك على ارتفاع نجاسة الثوب أو الإناء ، ولا بسقوط اعتبار الغسل مرة ثانية أو التعفير أو غير ذلك مما يعتبر في التطهير واقعاً وذلك لأن النجاسة ووجوب الغسل مرتين أو مع التعفير أو غيرهما ليست من الآثار المترتبة على فعل المكلّف بما هو فعله ، وإنما هي من الآثار المترتبة على ملاقاة النجس وهي ليست من أفعال المكلّفين. نعم لو صلّى في ذلك الثوب تقيّة أو اضطراراً حكمنا بصحّتها.
وهذا نظير ما قدمناه في محله عند التعرض لحديث الرفع من أن الاضطرار والإكراه إنما يوجبان ارتفاع الآثار المترتبة على الفعل المكره عليه أو المضطر إليه ، ولا يرتفع بهما الآثار المترتبة على أمر آخر غير الفعل ، كما إذا اضطر إلى تنجيس شيء
1) الوسائل 23 : 224 / أبواب كتاب الأيمان ب 12 ح 2.
طاهر ، لأنه لا يحكم عند استناد ذلك إلى الاضطرار بارتفاع نجاسة الملاقي لحديث الرفع ، لأنها لم تترتب على فعل المكلف بما هو فعله ، بل إنما ترتبت على ملاقاة النجس وهي قد تكون من فعله وقد تكون من أمر آخر (1).
الجهة الخامسة : أن ما ذكرناه آنفاً من أن العمل المأتي به تقيّة محكوم بالصحة والإجزاء بمقتضى السيرة العملية أو الأدلة اللفظية المتقدمة ، إنما هو فيما إذا أتى المكلف بعمل في مقام الامتثال ولكنه كان ناقصاً لافتقاده جزءاً أو شرطاً أو لاشتماله على مانع تقيّة ، وحينئذٍ يأتي ما ذكرناه من أنه يجزئ عن العمل التام بمقتضى السيرة أو بحسب الأدلة اللفظية ، وأما إذا أدت التقيّة إلى ترك العمل برمته ، كما إذا ترك الصلاة مثلاً تقيّة فلا ينبغي الإشكال حينئذٍ في وجوب الإتيان بالمأمور به الأوّلي بعد ذلك في الوقت إن كان باقياً وفي خارجه إذا كانت التقيّة مستوعبة للوقت ، فان ترك العمل لا يجزئ عن العمل ، وهذا بحسب الكبرى مما لا إشكال فيه عند الأعلام.
وإنما وقع الكلام في بعض تطبيقاتها ومصاديقها ، كما إذا حكم الحاكم بثبوت الهلال فاضطر المكلف إلى أن يظهر موافقته لحكمه فأفطر في ذلك اليوم تقيّة ، فقد يقال وقتئذٍ إن ذلك من باب ترك العمل الواجب وهو الصوم من أجل التقيّة ، وقد قدمنا أن الإجزاء والصحّة إنما يأتيان فيما إذا أتى المكلف بعمل ناقص في مقام الامتثال ، فإنه يجزئ عن المأمور به التام بحسب الأدلّة التي قد عرفتها ، وأما ترك المأمور به رأساً فهو لا يجزئ عن الواجب بوجه ، فيجب قضاء ذلك اليوم الذي ترك فيه الصيام تقيّة.
ويستشهد على ذلك برواية داود بن الحصين عن رجل من أصحابه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام أنه قال وهو بالحيرة في زمان أبي العباس : « إني دخلت عليه وقد شكّ الناس في الصوم وهو واللّه من شهر رمضان فسلمت عليه ، فقال : يا أبا عبد اللّه صمت اليوم؟ فقلت : لا ، والمائدة بين يديه قال : فادن فكل ، قال : فدنوت فأكلت ، قال : وقلت : الصوم معك والفطر معك ، فقال الرجل لأبي عبد اللّه عليهالسلام تفطر يوماً
1) مصباح الأُصول 2 : 269.
من شهر رمضان؟ فقال : إي واللّه أفطر يوماً من شهر رمضان أحب إليَّ من أن يضرب عنقي » (1)فان هذه الرواية وإن لم تشتمل على قضاء ذلك اليوم الذي أفطر فيه تقيّة ، إلاّ أن كلمة « أفطر » التي صدرت منه عليهالسلام ظاهرة في أن ما صنعه من أكل وشرب كان مفطراً لصومه ، وأنه قد بطل بارتكابه ، فلو كان الإفطار تقيّة غير مبطل للصوم ولا موجب لارتفاعه لم يكن وجه لتوصيفه ذلك الفعل بالإفطار ، فقد دلّتنا هذه الرواية على أن ترك الصيام تقيّة غير مقتض للإجزاء ، بل لا بدّ من قضائه لبطلانه بالإفطار.
وبرواية رفاعة عن رجل عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « دخلت على أبي العباس بالحيرة فقال : يا أبا عبد اللّه ما تقول في الصيام اليوم؟ فقال : ذاك إلى الامام إن صمت صمنا إن فطرت أفطرنا ، فقال : يا غلام عليَّ بالمائدة فأكلت معه وأنا أعلم واللّه أنه يوم من شهر رمضان ، فكان إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر عليَّ من أن يضرب عنقي ولا يعبد اللّه » (2)وهي صريحة الدلالة على عدم إجزاء ترك الصوم تقيّة ووجوب قضائه بعد ذلك.
ولا يخفى أن كبرى عدم إجزاء ترك العمل رأساً عن الوظيفة المقررة وجوباً وإن كانت مسلمة كما عرفت ، إلاّ أن تطبيقها على الإفطار تقيّة لحكم حاكمهم بثبوت الهلال مما لا وجه له ، والسر في ذلك : أن إلزام الإمام عليهالسلام أو غيره على إظهار الموافقة لحكم حاكمهم إنما يقتضي الإفطار في قطعة خاصة من اليوم كساعة أو ساعتين ونحوهما أو طول المدّة التي كان عليهالسلام عند الحاكم في تلك المدة مثلاً ولا يقتضي التقيّة أزيد من الإفطار في ذلك الزمان كتمام النهار من أوله إلى آخره وعليه فالمكلف العامل بالتقية حينئذٍ لا يترك صيامه الواجب في مجموع النهار ، وإنما تركه تقيّة في جزء خاص منه مع تمكنه من الصيام في المدة الباقية من النهار ، ومعه
لا يسقط عنه الأمر بالصوم بذلك ، ومن هنا لا يجوز له أن يتناول شيئاً من المفطرات في غير ساعة التقيّة ، فلا مرخّص له أن يتغدّى في منزله ، وليس هذا إلاّ من جهة أمره بالصيام وعدم اضطراره إلى ترك الصوم في تمام النهار ، ومع ذلك كيف تنطبق كبرى ترك العمل رأساً على ترك الصيام في جزء من النهار ، بل هو من إتيان العمل الناقص تقيّة في مرحلة الامتثال ، وقد مرّ أن ذلك يجزئ عن العمل التام المأمور به.
وهذا نظير ما إذا أفطر بما لا يراه العامة مفطراً تقيّة فكما أنه محكوم بالصحة والإجزاء ولا يجب معه القضاء كما مر ، لأنه ليس من ترك العمل المأمور به برمته ، بل من قبيل الإتيان بالعمل الناقص وهو مجزئ عن التام ، فكذلك الحال في المقام.
نعم ، لو اضطر في مورد إلى ترك الصيام المستمر من أول النهار إلى آخره ، انطبق عليه الكبرى المتقدمة أعني ترك العمل رأساً تقيّة ، وهو غير مجزئ عن الواجب كما عرفت.
وأما الروايتان المستشهد بهما على وجوب القضاء في محل الكلام ، فيدفعه : أنهما ضعيفتا السند لارسالهما ، فان كُلا من رفاعة وداود بن الحصين يروي عن رجل وهو مجهول. على أن في سند إحداهما سهل بن زياد وهو ضعيف فلا يصح الاعتماد على شيء منهما للاستدلال. فالصحيح عدم وجوب القضاء فيما إذا أفطر في نهار شهر رمضان تقيّة لثبوت الهلال عندهم.
الجهة السادسة : أنه بناء على ما سردناه من أن إجزاء العمل المأتي به تقيّة عن الوظيفة الأوّلية على خلاف القاعدة ، وأنه يحتاج إلى دليل يدلّنا عليه ، وأن الدليل على إجزائه هو السيرة العملية ، يختص الحكم بالإجزاء بالعبادات ولا يأتي في شيء من المعاملات بالمعنى الأعم ولا في المعاملات بالمعنى الأخص ، فاذا ألجأته التقيّة على غسل ثوبه المتنجس مرة واحدة فيما يجب غسله مرتين لم يحكم بطهارته بذلك ، بل يبقى على نجاسته.
نعم ، إذا صلّى في ذلك الثوب تقيّة حكم بصحة صلاته وعدم وجوب إعادتها أو
قضائها ، كما أنه إذا اضطر إلى بيع ماله ببيع فاسد كما إذا باع مثلياً بما هو أزيد منه لعدم حرمة الربا عند العامة في المثليات مثلاً لم يحكم بصحة المعاملة ، أو إذا طلق زوجته عند غير عدلين تقيّة لم يحكم بصحة طلاقه لافتقاده شهادة العدلين. كل ذلك لما عرفت من أن إجزاء العمل المأتي به تقيّة على خلاف القاعدة وهو محتاج إلى دلالة الدليل ، والدليل إنما هو السيرة ولم تقم سيرة على التبعيّة للعامّة في غير العبادات.
وأمّا بناء على الاعتماد على شيء من الأدلة اللفظية المتقدمة (1)فيشكل الأمر في المسألة ، لأن مقتضى عمومها وإطلاقها عدم الفرق في الحكم بالصحة والإجزاء بين العبادات والمعاملات ، لأن مثل قوله عليهالسلام « التقيّة في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه اللّه له » (2)أعم من الحلية التكليفية والوضعية على ما أفاده شيخنا الأنصاري ، فيحكم بسقوط الجزئية والشرطية والمانعية عند التقيّة حتى في المعاملات ، ولازم ذلك عدم الفرق في الصحة والإجزاء بين العبادات والمعاملات ، ولا نعهد أحداً التزم بالإجزاء في المعاملات ، فليكن هذا أيضاً من أحد المحاذير المترتبة على الاستدلال بالأدلة اللفظية في المقام.
الجهة السابعة : في اعتبار عدم المندوحة في موارد التقيّة ، وتفصيل الكلام في هذا المقام ، أن التقيّة قد تكون من العامّة وقد تكون من غيرهم.
أمّا التقيّة بالمعنى الأعم أعني التقيّة من غير العامة ، كما إذا أجبره سلطان جائر على ترك واجب أو على إتيان فعل حرام فلا ينبغي الإشكال فيها في اعتبار عدم المندوحة في جواز ترك الواجب أو الإتيان بالحرام ، وذلك لاختصاص أدلة حلية المحرمات بحال الضرورة والاضطرار كما تقدم في صحيحة زرارة : « التقيّة في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه اللّه له » (3)وقوله : « التقيّة في كل ضرورة ... » (4)ولا تصدق
الضرورة والاضطرار مع وجود المندوحة في البين ، ومعه عموم أدلة ذلك الواجب أو المحرم يكون محكماً لا محالة.
وأمّا التقيّة بالمعنى الأخص أعني التقيّة من العامة ، فهي قد تكون في ترك الواجب أو في الإتيان بالحرام ، وأُخرى في ترك جزء أو شرط أو الإتيان بالمانع في المأمور به. وإن شئت قلت : التقيّة قد تكون في غير العبادة من ترك الواجب أو الإتيان بالحرام ، وقد تكون في العبادة.
أمّا التقيّة في ترك الواجب أو الإتيان بالحرام لولا التقيّة فالظاهر فيها اعتبار عدم المندوحة في وجوب التقيّة أو جوازها ، وذلك لأن التقيّة في عدة من الروايات قد قيدت بالضرورة والاضطرار ، وهي الصحاح الثلاث المرويات عن أبي جعفر عليهالسلام ففي بعضها : « التقيّة في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به » وفي الأُخرى : « التقيّة في كل ضرورة » فقد دلّتنا على عدم مشروعية التقيّة في غير الضرورة.
وهذا لا لأجل القول بمفهوم اللقب كما ربما يتراءى من الروايتين ، بل من جهة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد حصر المسند في المسند إليه ، فإن حق العبارة لولا الحصر أن يقال : كل ضرورة فيها التقيّة ، فتقديمه عليهالسلام التقيّة على كل ضرورة إنما هو لأجل حصر التقيّة في موارد الضرورة بحسب ظاهر الكلام وبما أن معنى « التقيّة في كل ضرورة » أن التقيّة مشروعة في كل ضرورة ، لعدم كونها ناظرة إلى نفس التقيّة فيستفاد من هاتين الصحيحتين عدم مشروعية التقيّة في غير موارد الضرورة.
وفي الثالثة : « التقيّة في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله اللّه له » (1)ودلالتها على الحصر أظهر ، لأن الفاء تفريعية فقد دلت على عدم الحلية فيما لا يضطر إليه ابن آدم ، ونحن إنما قلنا بالمفهوم في الجملات الشرطية لمكان الفاء التي هي للتفريع فيكون الحال في المقام هو الحال في الجملات الشرطية فلاحظ.
1) الوسائل 16 : 214 / أبواب الأمر والنهي ب 25 ح 2.
نعم ، لو كانت الصحيحة هكذا : التقيّة في كل شيء ، وكل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه اللّه له ، أمكن أن يقال : إنها اشتملت على كبريين إحداهما : التقيّة في كل شيء ، سواء أكانت مع الاضطرار أم لم تكن. وثانيتهما : كل شيء يضطر إليه ... إلاّ أنها ليست كذلك كما ترى ، وبما أن الضرورة والاضطرار لا يصدق مع وجود المندوحة فلا محالة تختص التقيّة المشروعة بموارد عدم المندوحة.
وممّا يدلّنا على ذلك أيضاً ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن معمر بن يحيى قال : « قلت لأبي جعفر عليهالسلام إن معي بضائع للناس ونحن نمر بها على هؤلاء العشار فيحلفونا عليها فنحلف لهم؟ فقال : وددت أني أقدر على أن أُجيز أموال المسلمين كلها وأحلف عليها ، كل ما خاف المؤمن على نفسه فيه ضرورة فله فيه التقيّة » (1).
وبذلك كلّه نقيد الإطلاقات الواردة في بعض الأخبار كقوله عليهالسلام « ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقيّة فأنتم منه في سعة » (2)..
هذا ، على أنه يمكن أن يمنع عن دلالة المطلقات على عدم اعتبار عدم المندوحة من الابتداء ، وذلك لما قدّمناه من أن التقيّة من وقى يقي وقاية ، والوقاية بمعنى الصيانة عن الضرر ومنه المتقون ، لتحذرهم وصيانة أنفسهم من سخط اللّه سبحانه ، وعليه فقد أُخذ في مفهوم التقيّة خوف الضرر واحتماله ، ولا إشكال في أن المكلف مع وجود المندوحة لا يحتمل ضرراً في ترك شرب النبيذ أو في الإتيان بواجب ، لأن المفروض تمكنه من ذلك لوجود المندوحة العرضية أو الطولية ، ومع عدم خوفه وعدم احتماله الضرر في ترك شرب النبيذ كيف يكون ارتكابه تقيّة رافعة لحرمته ، وعليه فلا يصدق مفهوم التقيّة في موارد وجود المندوحة.
إذن لا إطلاق يقتضي مشروعية التقيّة عند وجود المندوحة حتى نحتاج إلى تقييده بما قدّمناه من الصحاح ، هذا كله فيما إذا كانت التقيّة من العامة في غير العبادات من
ترك الواجب أو فعل الحرام.
وأمّا التقيّة منهم في العبادات ، كما في التقيّة في ترك شرط أو جزء أو الإتيان بمانع في العبادة ، فالظاهر تسالمهم على عدم الاعتبار وأنه لا يعتبر عدم المندوحة فيها مطلقاً بحيث لو تمكن من الإتيان بالوظيفة الواقعية إلى آخر الوقت لم يجز له التقيّة معهم فاعتبار عدم المندوحة فيها عرضية كانت أم طولية مقطوع الفساد ، وذلك لما ورد منهم عليهمالسلام من الحث والترغيب في الصلاة معهم وفي عشائرهم وفي مساجدهم كما مرّ (1).
بل في بعضها أن الصلاة معهم في الصف الأوّل كالصلاة خلف رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم (2). فان مقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين صورة التمكّن من الإتيان بالوظيفة الواقعية إلى آخر الوقت وصورة عدم التمكّن من ذلك ، وحملها على عدم التمكن من الإتيان بالصلاة الواقعية ولو في داره إلى نهاية الوقت ، حمل لها على كثرتها على مورد نادر ، وهو من الاستهجان بمكان.
بل ظاهر أمرهم عليهمالسلام بالصلاة معهم وحثهم وترغيبهم إلى ذلك أن تكون الصلاة معهم وفي صفوفهم بالقدرة والاختيار ، لا خصوص ما إذا كانت لأجل الضرورة والاضطرار ، ومن هنا ذهبوا إلى عدم اعتبار عدم المندوحة في جواز التقيّة على وجه الإطلاق.
وهل يعتبر عدم المندوحة حال التقيّة والعمل كما لعله المشهور بينهم أو أن عدم المندوحة غير معتبر في وجوب التقيّة وإجزائها عن الوظيفة الواقعية حتى في حال التقيّة والعمل؟ فلو تمكّن حال الصلاة معهم من أن يقف في صف أو مكان يتمكن فيه من السجود على ما يصح السجود عليه جاز له أن يترك ذلك ويقف على صف
لا يتمكّن فيه من السجود على ما يصح السجود عليه؟ أو إذا كان في مسجده موضعان أحدهما مما يصح السجود عليه ، جاز له أن يسجد على الموضع الآخر الذي لا يجوز السجود عليه؟
قد ذهب شيخنا الأنصاري (1)والمحقق الهمداني (2)( قدس اللّه سرهما ) إلى اعتبار عدم المندوحة حال التقيّة والامتثال ، وما استدلّ به على ذلك في مجموع كلماتهم وجوه :
الأوّل : أن مقتضى الأخبار الواردة في المقام هو اختصاص التقيّة بصورة الضرورة والاضطرار وعدم مشروعيتها في غير موارد الضرورة فضلاً عن إجزائها ، غير أنّا خرجنا عن ذلك في غير حال التقيّة بما قدمناه من الأخبار الآمرة بالصلاة معهم والدالة على الحث والترغيب في متابعتهم والصلاة في مساجدهم وعشائرهم ، وأما في حال التقيّة والعمل فلم يقم دليل على عدم اعتبار الضرورة والاضطرار ، فيبقى ظواهر الروايات بالنسبة إلى حال التقيّة والعمل بحالها ، ومقتضى ذلك عدم جواز التقيّة فيما إذا تمكن حال التقيّة والصلاة من الإتيان بالوظيفة الواقعية ، فإذا تمكن مثلاً من الوقوف في صف يتمكّن فيه من السجود على ما يصح السجود عليه وجب عليه ذلك ، ولم يجز له الوقوف في مورد آخر لا يتمكن فيه من ذلك.
ويندفع هذا بإطلاقات الأخبار المتقدمة ، أعني ما دلّ على الحث والترغيب في إظهار المتابعة لهم والآمرة بالصلاة معهم ، لأن ظاهرها أن المصلي معهم كأحدهم فيصلِّي كصلاتهم ، ولم يقيد ذلك بما إذا كان غير قادر من العمل بحسب الوظيفة الواقعية حال العمل.
بل ذكرنا أن مقتضى الحث والترغيب أن يكون الدخول معهم في الصلاة اختيارياً للمكلف ، فهو مع تمكّنه من الصلاة المأمور بها يصلي معهم إظهاراً للموافقة وتحسب صلاته هذه صلاة واقعية ، ولو كان ذلك بداعي التقيّة وأن لا يعرف المصلي بالتشيّع عندهم. ففي بعض الروايات أنه قال أبو عبد اللّه عليهالسلام : « يحسب لك إذا دخلت معهم وإن كنت لا تقتدي بهم مثل ما يحسب لك إذا كنت مع من تقتدي به » (1).
بل بعضها كاد أن يكون صريحاً فيما ادعيناه ، كما دلّ على أن من صلّى معهم في الصف الأوّل كان كمن صلّى خلف رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم (2)لدلالته على استحباب الصلاة معهم في الصف الأول مطلقاً وإن لم يتمكن المكلف من السجود على ما يصح السجود عليه في ذلك الصف بخلاف غيره من الصفوف كما يتفق ذلك كثيراً فهذا الوجه ساقط.
الثاني : أن التقيّة قد أُخذ في مفهومها خوف الضرر كما تقدم غير مرة ، ومع تمكن المكلف من الإتيان بالوظيفة الواقعية لا يحتمل الضرر في ترك التقيّة ، إذن لا مناص من اعتبار عدم المندوحة حال العمل تحقيقاً لمفهوم التقيّة ، فإنه مع وجود المندوحة لا تحقق للتقيّة.
والجواب عن ذلك : أن الوجه في الحكم بصحة العبادة المأتي بها تقيّة إن كان هو الأخبار العامة الواردة في التقيّة فحسب كان لهذا الكلام مجال ، إلاّ أن الأمر ليس كذلك ، لوجود الأخبار الخاصة الآمرة بالصلاة معهم وعيادة مرضاهم والصلاة في عشائرهم كما تقدّم (3)وهي أخص مطلقاً من عمومات التقيّة كما لا يخفى ، فيخصصها بغير العبادات من موارد التقيّة.
وأمّا في العبادات فلا يعتبر في صحّة العمل المأتي به لأجل المتابعة للمخالفين احتمال الضرر عند تركه ، بل لا بدّ من الحكم بصحّتها ولو مع عدم احتمال الضرر
والخوف شخصاً ، نعم لا نضايق أن تكون الحكمة في ذلك هي مراعاة التقيّة والمحافظة على الشيعة كي لا يعرفوا بالتشيّع لدى الناس.
الثالث : ما رواه إبراهيم بن شيبة قال : « كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليهالسلام أسأله عن الصلاة خلف من يتولى أمير المؤمنين عليهالسلام وهو يرى المسح على الخفين ، أو خلف من يحرم المسح وهو يمسح ، فكتب عليهالسلام إن جامعك وإياهم موضع فلم تجد بداً من الصلاة فأذّن لنفسك وأقم ، فان سبقك إلى القراءة فسبح » (1)حيث دلتنا على أن الصلاة مع من يمسح على الخفين إنما تجوز فيما إذا لم يجد بداً من ذلك.
ويرد على هذا الاستدلال أوّلاً : أن الرواية ضعيفة السند ، لأن إبراهيم بن شيبة لم يوثق ، وما في كلام المحقق الهمداني قدسسره من إسناد الرواية إلى إبراهيم بن هاشم (2)من سهو القلم.
وثانياً : أن الرواية أجنبية عما نحن بصدده ، لأن الكلام إنما هو في الصلاة مع العامّة والرجل في الرواية على ما يبدو أنه شيعي ، لأنه يتولى أمير المؤمنين عليهالسلام وإن كان يتبع العامة في مسحه كما يتفق ذلك في بعض الأمكنة ، فترى أن جماعة يتولون عليّاً عليهالسلام إلاّ أنهم في الفروع يجرون على طريقة العامة ، لعدم وصول الفروع الصحيحة إليهم أو لغير ذلك من الجهات ، وبما أن صلاة الرجل كانت محكومة بالبطلان في مورد الرواية فلذا منع عليهالسلام عن الصلاة خلفه فهي خارجة عن محل الكلام.
وثالثاً : لو تنازلنا عن ذلك وبنينا على صحة الرواية بحسب السند ، لدلتنا على اعتبار عدم المندوحة العرضية والطولية ، لتخصيصها الجواز بما إذا كان لا بدّ من الصلاة خلفه ، وقد عرفت التسالم على عدم اعتبار عدم المندوحة الطولية فليلاحظ.
الرابع : ما عن دعائم الإسلام بسنده عن أبي جعفر عليهالسلام « لا تصلوا خلف ناصب ولا كرامة ، إلاّ أن تخافوا على أنفسكم » (1).
ويتوجه على هذا الاستدلال : أن روايات دعائم الإسلام غير قابلة للاعتماد عليها للإرسال ، وإن كان مؤلفه جليل القدر وكبير الشأن كما ذكرناه غير مرة ، هذا.
على أنها على تقدير تماميتها سنداً قاصرة الدلالة على المدعى ، لاختصاصها بالناصب وهو خارج عن محل الكلام ، لأنه محكوم بالكفر بل بالنجاسة أيضاً على الأظهر.
وعلى تقدير التنازل فلا مانع من كون الرواية مخصصة لما دلّ على جواز الصلاة مع المخالفين ودالة على عدم جواز الصلاة مع المخالف الناصب.
الخامس : ما في الفقه الرضوي « لا تصل خلف أحد إلاّ خلف رجلين : أحدهما من تثق به وتدين بدينه وورعه ، والآخر من تتقي سيفه وسوطه وشره وبوائقه وشنعته فصلّ خلفه على سبيل التقيّة والمداراة » (2).
ويردّه : أن كتاب الفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلاً عن اعتبارها ، مضافاً إلى عدم دلالتها على المدعى ، لأنها بصدد حصر الإمام في رجلين ، وأما أن الصلاة خلف من يتقى منه مشروطة بعدم المندوحة حال العمل فلا دلالة لها على ذلك بوجه.
بل يمكن أن يقال : إن قوله عليهالسلام « على سبيل التقيّة والمداراة » بنفسه يدلنا على عدم اعتبار عدم المندوحة حال الصلاة ، وإنما يصلي معهم مع التمكن من الإتيان بالوظيفة الواقعية على سبيل المداراة لا الضرورة والاضطرار.
ومما ينبغي أن ينبه عليه في المقام ، هو أن الصلاة معهم ليست كالصلاة خلف الامام
العادل ، وإنما هي على ما يستفاد من الروايات صورة صلاة يحسبها العامّة صلاة وائتماماً بهم ، ومن هنا لم يرد في الروايات عنوان الاقتداء بهم ، بل ورد عنوان الصلاة معهم ، فهو يدخل الصلاة معهم ويؤذّن ويقيم ويقرأ لنفسه على نحو لا يسمع همسه فضلا عن صوته.
ولا دلالة في شيء من الروايات على أنها صلاة حقيقة ، وقد ورد في بعضها : ما هم عنده عليهالسلام إلاّ بمنزلة الجدر (1)إذن لا تكون الصلاة معهم كالصلاة خلف الامام العادل ، بل إنما هي صورة الائتمام لتحسبوها كذلك من دون أن يسقط القراءة والإقامة ولا غيرهما ، لأنهم ليسوا إلاّ كالجدر.
نعم ، قد استفدنا من الأخبار الواردة في التقيّة بحسب الدلالة الالتزامية أن عدم المندوحة غير معتبر في الصلاة معهم ، لا حال العمل والامتثال ولا فيما بعده.
فما ورد في عدّة من الروايات من النهي عن الصلاة خلف فاسدي المذهب أو الفاسق أو شارب الخمر أو غير ذلك مما ورد في الأخبار ، لا ينافي شيء منه ما ذكرناه في المقام ، من صحة الصلاة معهم على النحو الذي بيّناه ، لأنها إنما دلت على عدم جواز الصلاة خلف الجماعة المذكورين على نحو الائتمام الصحيح كالائتمام بالإمام العادل وقد عرفت أن الصلاة معهم ليست إلاّ صورة الائتمام.
فالمتحصل إلى هنا : أن في التقيّة من العامة في العبادات الظاهر عدم اعتبار عدم المندوحة مطلقاً لا عرضية ولا طولية ، وإن كان اشتراط عدم المندوحة العرضية أحوط.
الجهة الثامنة : في المراد بالضرر الذي يعتبر احتماله في مفهوم التقيّة ، وفي الحكم بجوازها أو وجوبها.
أمّا في التقيّة بالمعنى الأعم أو بالمعنى الأخص في موارد ترك الواجب أو فعل الحرام
1) الوسائل 8 : 309 / أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 1.
تقيّة ، فالقدر المتيقن من الضرر المسوّغ احتماله للارتكاب إنما هو الضرر المتوجه إلى نفس الفاعل ، سواء أكان بدنياً أم مالياً أم عرضيا ، ويلحق بذلك الضرر المتوجه إلى الأخ المؤمن ، لعدة من الروايات الواردة في جواز الحلف كاذباً لأجل حفظ أموال المسلمين وقد طبق على ذلك في بعضها قوله : « كل ما خاف المؤمن على نفسه فيه ضرورة فله فيه التقيّة » (1).
مع انّ المفروض أنه لا ضرر ولا ضرورة في ترك الحلف على نفسه ، بل الضرورة والضرر متوجهان إلى الأخ المؤمن أو المسلم ، فمن تطبيق الكبرى المذكورة على موارد الضرر المتوجه إلى الأخ المؤمن نستكشف أن الضرر المسوغ للتقية أعم من ضرر نفس الإنسان وضرر أخيه المؤمن.
ثم إنّا نتعدى من مورد الروايات وهو التضرر المالي للأخ المؤمن إلى التضرر العرضي والنفسي بطريق الأولوية ، وعليه فالجامع فيما يسوغ التقيّة في ترك الواجب أو في فعل الحرام إنما هو الضرر المتوجه إلى النفس أو الأخ المسلم في شيء من المال أو العرض أو النفس.
وأما إذا لم يترتب على ترك التقيّة ضرر على نفسه ولا على غيره ، بل كانت التقيّة لمحض جلب النفع من الموادّة والتحابب والمجاملة معهم في الحياة ، فلا تكون مسوّغة لارتكاب العمل المحرم ولا ترك الفعل الواجب ، فليس له الحضور في مجالسهم المحرمة كمجلس الرقص وشرب الخمر ونحوهما لأجل المجاملة ، لعدم تحقق مفهوم التقيّة حينئذٍ حيث لا ضرر يترتب على تركها.
نعم ، لا بأس بذلك في خصوص الصلاة ، فإن له أن يحضر مساجدهم ويصلي معهم للمداراة والمجاملة من دون أن يترتب ضرر على تركه بالنسبة إلى نفسه أو بالإضافة إلى الغير ، وذلك لإطلاقات الأخبار الآمرة بذلك ، لأن ما دلّ على أن الصلاة معهم في الصف الأوّل كالصلاة خلف رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله غير مقيد بصورة ترتّب
1) الوسائل 23 : 227 / أبواب كتاب الايمان ب 12 ح 16 وغيره.
الضرر على تركها ، بل قد عرفت أن حملها على تلك الصورة حمل لها على مورد نادر لبعد أن يكون ترك الحضور في مساجدهم أو ترك الصلاة معهم مرة أو مرتين أو أكثر مستلزماً لاشتهاره بالتشيّع ومعروفيته به ، أو لأمر آخر موجب لتضرره.
نعم ، إذا ترك ذلك بالكلية أمكن أن يستلزم الضرر ، بل قد قدمنا أن ظاهر هذه الروايات هو الحث والترغيب إلى إظهار الموافقة معهم في الصلاة أو في غيرها من الأعمال بالقدرة والاختيار ، لا من جهة الخوف والالتجاء والتقيّة.
وقد ورد أن الصلاة معهم من حيث الأثر والثواب كالصلاة خلف من يقتدى به حيث قال عليهالسلام « يحسب لك إذا دخلت معهم وإن كنت لا تقتدي بهم مثل ما يحسب لك إذا كنت مع من يقتدى به » (1)وهو أيضاً غير مقيد بصورة خوف الضرر عند ترك الصلاة معهم ، فجواز الحضور عندهم أو الصلاة معهم وعيادة مرضاهم وغير ذلك من الأُمور الواردة في الروايات غير مقيد بصورة ترتب الضرر على تركها وإنما ذلك من باب المجاملة والمداراة معهم.
ولقد صرح بحكمة تشريع التقيّة في هذه الموارد وعدم ابتنائها على خوف الضرر في صحيحة هشام الكندي قال « سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : إياكم أن تعملوا عملاً نعير به ، فان ولد السوء يعير والده بعمله ، كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً ولا تكونوا عليه شيناً ، صلّوا في عشائرهم (2)وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم ، واللّه ما عبد اللّه بشيء أحب إليه من الخباء ، قلت : وما الخباء؟ قال : التقيّة » (3)لدلالتها على أن حكمة المداراة معهم في الصلاة أو غيرها إنما هي ملاحظة المصلحة النوعية واتحاد كلمة المسلمين من دون أن يترتّب ضرر على تركها ، فان ظاهرها معروفية أصحابه عليهالسلام بالتشيّع في
ذلك الوقت ، ولم يكن أمره بالمجاملة لأجل عدم انتشار تشيّعهم من الناس ، وإنما كان مستنداً إلى تأديبهم بالأخلاق الحسنة ليمتازوا بها عن غيرهم ويعرفوا الشيعة بالأوصاف الجميلة وعدم التعصب والعناد واللجاج وتخلقهم بما ينبغي أن يتخلق به حتى يقال : رحم اللّه جعفراً ما أحسن ما أدب أصحابه.
كما ورد في رواية زيد الشحام عن أبي عبد اللّه عليهالسلام أنه قال : « يا زيد خالقوا الناس بأخلاقهم ، صلّوا في مساجدهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم ، وإن استطعتم أن تكونوا الأئمة والمؤذنين فافعلوا ، فإنكم إذا فعلتم ذلك قالوا هؤلاء الجعفرية ، رحم اللّه جعفراً ما كان أحسن ما يؤدب أصحابه ، وإذا تركتم ذلك قالوا : هؤلاء الجعفرية فعل اللّه بجعفر ما كان أسوأ ما يؤدب أصحابه » (1).
وقد ورد في صحيحة عبد اللّه بن سنان أنه قال : « سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : أُوصيكم بتقوى اللّه ولا تحملوا الناس على أكتافكم فتذلوا ، إن اللّه عزّ وجلّ يقول في كتابه ( وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً ) ثم قال : عودوا مرضاهم واحضروا جنائزهم واشهدوا لهم وعليهم ، وصلّوا معهم في مساجدهم حتى يكون التمييز وتكون المباينة منكم ومنهم » (2).
وعلى ذلك لا يتوقف جواز الصلاة معهم على ترتب أي ضرر على تركه ولو احتمالاً ، وهذا قسم خاص من التقيّة فلنعبر عنه بالتقية بالمعنى الأعم ، لمكان أنها أعم من التقيّة بالمعنى العام ، إذ لا يعتبر في ذلك ما كان يعتبر في ذلك القسم من خوف الضرر واحتماله على تقدير تركها ، بل هذا القسم خارج من المقسم ، لعدم اعتبار احتمال الضرر في تركه.
هذا ، وفي بعض الكلمات أن الأخبار الآمرة بالصلاة معهم وحضور مجالسهم
مختصّة بصورة خوف الضرر على تقدير تركها ، إلاّ أن سبر الروايات الواردة في هذا الباب المرويّة في الوسائل في أبواب مختلفة كباب العشرة من كتاب الحج ، وفي كتاب الأمر بالمعروف وكتاب الايمان يشهد بعدم تمامية هذا المدعى ، لاطلاقاتها وعدم كونها مقيّدة بصورة الخوف على تقدير تركها.
فبناء على ذلك لا بدّ من حمل ما ورد من أنه ليس منّا من لم يجعل التقيّة شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجية مع من يحذره (1)على التقيّة بهذا المعنى الأخير كما في حضور مجالسهم والصلاة معهم ، لأنها التي لا يعتبر فيها خوف الضرر ، ولا يمكن حملها على التقيّة بالمعنى المتقدم في ترك الواجب وفعل الحرام لتقومها بخوف الضرر كما مر ، ولا خوف من الضرر مع من يأمنه أو في التقيّة في الباطن كما هي المراد من قوله عليهالسلام « شعاره ودثاره » أي في باطنه وظاهره ، ومن هنا يحرم على المكلف الارتماس في الماء في نهار شهر رمضان إذا كان عنده من العامة من لا يخاف منه على نفسه ولا على غيره ، وهذا وإن كان حملاً للرواية على غير ظاهرها إلاّ أنه مما لا بدّ منه بعد عدم إمكان التحفظ على ظهورها. على أنها ضعيفة السند فليلاحظ.
الجهة التاسعة : هل التقيّة بالمعنى الأخير تختص بزمان شوكة العامّة واقتدارهم وعظمتهم كما في أعصار الأئمة عليهمالسلام أو أنها تعم عصرنا هذا وقد ذهب فيه اقتدارهم ولم تبق لهم تلك العظمة على نحو لا يخاف من ضررهم ، فلو تشرف أحدنا سامراء مثلاً استحب له حضور مساجدهم والصلاة معهم ، إلى غير ذلك من الأُمور الواردة في الروايات المتقدمة؟ لم نعثر على من تعرّض لهذه المسألة إلاّ المحقق الهمداني قدسسره حيث تعرّض لها واختار اختصاصها بزمان اقتدارهم وأيام عظمتهم (2).
والصحيح عدم اختصاص التقيّة بوقت دون وقت ، لأن اختصاصها بعصر شوكتهم إنما يتم فيما إذا أُريد من التقيّة معناها المتقدم المتقوم بخوف الضرر ، حيث
لا يحتمل ضرر في ترك التقيّة في أمثال زماننا ، إلاّ أنك قد عرفت أنها بهذا المعنى غير مرادة في مثل الصلاة ، وإنما الحكمة في تشريعها هي المداراة وتوحيد الكلمة وإبراز الميزة بينهم وبين العامة ، وعليه فهي تأتي في أمثال زماننا أيضاً فيستحب حضور مساجدهم والصلاة معهم ليمتاز الشيعة بذلك عن غيرهم ويتبيّن عدم تعصبهم حتى تتحد كلمة المسلمين.
والخطاب في بعض الأخبار المتقدمة وإن كان لا يشملنا ، لاختصاصه بذلك الزمان كما اشتمل على الأمر بالصلاة في عشائركم وقوله عليهالسلام « عودوا مرضاهم » حيث لا عشيرة لنا من المخالفين ليستحب الصلاة معهم ، إلاّ أن في إطلاق بعضها الآخر مما اشتمل على بيان حكمة تشريع تلك التقيّة أو غيره من المطلقات المتقدمة كما دلّ على أن الصلاة في الصف الأول معهم كالصلاة خلف رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله غنى وكفاية ، لتحقق الحكمة في أعصارنا وعدم تقيد استحباب الصلاة في الصف الأول معهم بزمان دون زمان ولا باحتمال ترتب الضرر على تركها ، وعلى هذا يمكن أن يمثل للتقية المستحبة بهذه التقيّة ، أعني حضور مساجدهم والصلاة معهم من دون احتمال الضرر على تقدير تركها.
الجهة العاشرة : أن ما هو محل البحث والكلام في هذه المسألة إنما هو التقيّة من العامة بإظهار الموافقة معهم في الصلاة أو الصوم أو الحج ونحوها من العبادات وغير العبادات ، وقد عرفت حكمها على نحو لا مزيد عليه.
وأمّا إذاعة أسرارهم عليهمالسلام وكشف الستر عن خصوصياتهم ومزايا شيعتهم عند العامّة أو غيرهم فهي محرمة في نفسها ، فان الكشف عن أسرار الأئمة عليهمالسلام للمخالفين أو غيرهم مرغوب عنه عندهم ، بل أمر مبغوض وقد نهي عنه في عدّة روايات (1)وفي بعضها « إن من أذاع أسرارهم يمس حر الحديد » (2)ولعلّ
قتل معلى بن الخنيس أيضاً كان مستنداً إلى ذلك ، حيث كشف عن بعض أسرارهم ( صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ).
الجهة الحادية عشرة : أن المكلف في موارد التقيّة إذا ترك العمل على طبقها استحق العقاب على مخالفته ، لما تقدم من أن التقيّة واجبة في مواردها ، فلا ينبغي الإشكال في أن ترك التقيّة محرم بالحرمة التكليفية ، وإنما الكلام في حرمته الوضعية وأن العمل إذا لم يؤت به على طبق التقيّة فهل يقع فاسداً ولا بدّ من الحكم ببطلانه أو أنه محكوم بالصحة إذا كان مطابقاً للواجب الواقعي؟ وللمسألة صور :
الصورة الاولى : أن يترك المكلف في موارد التقيّة العمل برمته ، فلا يأتي به على طبق التقيّة ولا على طبق الوظيفة الأولية ، كما إذا اقتضت التقيّة الوقوف بعرفات يوم الثامن من ذي الحجة الحرام والمكلف قد ترك الوقوف معهم في ذلك اليوم وفي اليوم التاسع حسب عقيدته ، أو أن التقيّة اقتضت غسل رجليه ولكنه ترك غسلهما كما ترك مسحهما.
فإن استندنا في الحكم بصحّة العمل المتقى به وإجزائه عن المأمور به الأوّلي إلى السيرة العملية الجارية على الاكتفاء به في مقام الامتثال من لدن عصرهم إلى زماننا فلا كلام في الحكم ببطلان العمل وقتئذٍ حيث يكفي في بطلانه مخالفته للوظيفة الواقعية ، ومن الظاهر أن المخالف للواقع باطل لا يمكن الاكتفاء به في مقام الامتثال اللّهمّ إلاّ أن يدل عليه دليل ، والدليل على إجزاء العمل المخالف للواقع في موارد التقيّة إنما هو السيرة ، وهي إنما تحققت فيما إذا كان العمل المخالف للواقع موافقاً لمذهب العامّة بأن يؤتى به متابعة لهم ، وأما ما كان مخالفاً للواقع ولم يكن موافقاً مع العامّة وعلى طبق مذهبهم فلم تقم أية سيرة على صحته وكونه مجزئاً عن الوظيفة الواقعية فلا مناص وقتئذٍ من الحكم بالبطلان.
وأمّا إذا استندنا في الحكم بصحّة العمل المتقى به وإجزائه إلى الأدلة اللفظية كقوله عليهالسلام « ما صنعتم من شيء ... » (1)أو غيره من الروايات المتقدمة كما صنعه شيخنا الأنصاري قدسسره (2)فإن استفدنا من الأمر بالتقية في ذلك المورد أو من غيره انقلاب الوظيفة الواقعية وتبدلها إلى ما يراه العامة وظيفة حينئذٍ ، فأيضاً لا بدّ من الحكم بالبطلان لعدم مطابقة العمل المأتي به لما هو الوظيفة في ذلك الحال ، وهذا كما في غسل الرجلين بدلاً عن المسح حال التقيّة أو الغسل منكوساً بدلاً عن الغسل من الأعلى إلى الأسفل ، فإن ظاهر الأمر بهما أن الوظيفة حال التقيّة في الوضوء إنما هو الوضوء بغسل الرجلين أو الغسل منكوساً ، ولا يجب عليه المسح أو الغسل من الأعلى إلى الأسفل.
وكذا الحال في مسح الخفين بناء على الاعتماد على رواية أبي الورد ، لدلالتها على الرخصة في مسح الخفين عند التقيّة ، وقد ذكرنا أن الرخصة في مثله لا يحتمل غير الترخيص الغيري وعدم كون ذلك العمل مانعاً عن الوضوء بل هو جزء أو شرط له. ففي هذه الموارد إذا أتى بالوضوء ولم يأت بغسل الرجلين أو بمسح الخفين أو بالغسل منكوساً فلا محالة يحكم ببطلانه ، لمخالفة الوضوء كذلك للوضوء الواجب حينئذٍ وذلك لما استفدناه من الأدلة من التبدل والانقلاب بحسب الوظيفة الواقعية.
وأمّا إذا لم نستفد من الدليل انقلاب الوظيفة الواقعية وتبدلها إلى العمل المطابق للعامّة ، بل إنما علمنا بوجوب التقيّة فحسب بمقتضى الأدلة المتقدمة كما هو الحال في الوقوف بعرفات يوم الثامن من ذي الحجة الحرام ، فلا يبعد حينئذٍ الحكم بصحّة العمل ، لأن مقتضى الأدلة اللفظية سقوط الجزئية والشرطية والمانعية في ذلك الحال وعدم كون الفعل مقيّداً بما اقتضت التقيّة تركه أو فعله ، ومعه لا وجه لبطلان العمل ، إذ الحج مثلاً في حقِّه غير مقيد بالوقوف يوم التاسع لاضطراره إلى تركه تقيّة ، فاذا أتى
به وترك الوقوف يوم التاسع فقد أتى بما وجب عليه في ذلك وهو الحج من دون اعتبار الوقوف فيه يوم التاسع ، وغاية الأمر أنه عصى وارتكب الحرام لعدم عمله بالتقية بالوقوف يوم الثامن إظهاراً للموافقة معهم ، إلاّ أن عصيانه من تلك الجهة غير موجب لبطلان حجّه بوجه بعد ما فرضناه من مطابقته لما هو الواجب عليه حينئذٍ.
ودعوى أن حجه عند اضطراره إلى إظهار الموافقة معهم قد قيد بالوقوف معهم يوم الثامن ، وبما أنه لم يأت بالوقوف في ذلك اليوم كما لم يأت به بعده فلا محالة يقع عمله باطلاً ، لعدم اشتماله لما هو المعتبر حينئذٍ من الوقوف يوم الثامن مثلاً ، مندفعة بأن غاية ما يستفاد من الأدلة الآمرة بالتقيّة وأنه لا دين لمن لا تقيّة له أو لا إيمان له وأمثال ذلك ، أن التقيّة وإظهار الموافقة معهم واجبة وأن تركها أمر غير مشروع ، وأمّا أن عمله مقيّد ومشروط بما يراه العامّة شرطاً أو جزءاً للعمل فهو مما لم يقم عليه دليل. وعلى الجملة مقتضى سقوط الجزئية والشرطية والمانعية إنما هو الحكم بصحّة العمل عند ما ترك المكلف قيده وشرطه رأساً ولم يأت به على نحو يوافق مذهب العامّة ولا على نحو تقتضيه الوظيفة الواقعية.
الصورة الثانية : ما إذا ترك المكلف العمل على طبق مذهبهم وأتى به على طبق الوظيفة الواقعية فيما تقتضي التقيّة إظهار الموافقة معهم ، وهذا قد يتصوّر في المعاملات بالمعنى الأعم أو بالمعنى الأخص ، وقد يتصوّر في العبادات.
أمّا ترك العمل بالتقية في المعاملات والإتيان بها حسبما يقتضيه الحكم الواقعي ، كما إذا فرضنا أن التقيّة اقتضت الطلاق من غير شهادة العدلين والمكلف قد ترك التقيّة وطلّق زوجته عند العدلين وشهادتهما ، فلا ينبغي الإشكال في وقوع المعاملات صحيحة عندئذٍ ، لأن ترك التقيّة وإن كان محرماً كما عرفت إلاّ أن النهي في المعاملات لا بعنوانها بل بعنوان آخر لا دلالة له على الفساد ، وحيث إن المعاملة مشتملة على جميع القيود والشروط فلا محالة تقع المعاملة صحيحة وإن كان المكلف قد ارتكب معصية كما عرفت.
وأمّا في العبادات فترك العمل فيها على طبق التقيّة وإتيانه على طبق الوظيفة الواقعية يتصوّر على وجهين ، وذلك لأن التقيّة قد تقتضي فعل شيء إلاّ أن المكلف يتركه ويخالف فيه التقيّة ، وأُخرى ينعكس الأمر فتقتضي التقيّة ترك الإتيان بشيء في مورد والمكلف يخالف التقيّة ويأتى به.
أمّا إذا اقتضت التقيّة فعل شيء وخالفها المكلف بترك ذاك العمل ، فالصحيح صحة عباداته مطلقاً سواء أكان فعله جزءاً من العبادة على مذهبهم كقول آمين بعد القراءة أم كان شرطاً للعبادة كما في التكفير بوضع إحدى اليدين على الأُخرى ، أو لا هذا ولا ذاك بل كان أمراً مستحباً عندهم غير أن التقيّة اقتضت إظهار الموافقة معهم في الإتيان بالمستحب كصلاة الجماعة معهم ، فاذا ترك التأمين والتكفير ولم يصل معهم وهو في المسجد ، فالظاهر صحّة عمله ، لموافقته للوظيفة الواقعية وغاية الأمر أنه ارتكب الحرام بتركه التقيّة ، إلاّ أن ارتكاب المحرم في الصلاة غير مضر بصحّتها بعد ما فرضنا كونها مطابقة للمأمور به الواقعي ، والسر في ذلك أن الأدلّة الآمرة بالتقيّة كقوله عليهالسلام « لا دين لمن لا تقيّة له » أو « لا إيمان له » ونحوهما مما قدمنا نقله (1)إنما تدلنا على أن التقيّة من الدين وتركها أمر غير مشروع ، وأما أن القيود المعتبرة عند العامّة أيضاً معتبرة في العمل تقيّة فلا دلالة لها على ذلك كما مر.
وأما إذا كانت التقيّة في الترك وخالفها المكلف بإتيان ذلك الفعل وهو مطابق للوظيفة المقررة بحسب الواقع فله صورتان :
إحداهما : ما إذا كان العمل المأتي به في العبادة على خلاف التقيّة خارجاً عن العبادة ولم يكن من قيودها وشرائطها ، كما إذا اقتضت التقيّة ترك القنوت إلاّ أن المكلف قد أتى به وترك التقيّة بتركه ، ولا مانع في هذه الصورة من الحكم بصحة العبادة ، لأن العمل المأتي به وإن كان محرماً على الفرض وقد وجب عليه أن يتركه للتقيّة ، غير أن العمل المحرم الخارج عن حقيقة العبادة غير مضر للعبادة بوجه.
1) في ص 215.
اللّهمّ إلاّ أن نقول بما احتمله شيخنا الأُستاذ قدسسره بل بنى عليه من أن الذكر المحرم من كلام الآدميين وهو مبطل للصلاة (1)ولكنّا أجبنا عنه في محله (2)بأن حرمة الذكر لا يخرج الذكر عن حقيقته ولا تبدله إلى حقيقة أُخرى ، بل هو ذكر محرم لا أنه حقيقة ثانوية اخرى ، والمبطل إنما هو كلام الآدميين دون الذكر كما لا يخفى.
وثانيتهما : ما إذا كان العمل المأتي به على خلاف التقيّة من أجزاء العبادة أو شرائطها ، كما إذا اقتضت التقيّة ترك السجدة على التربة الحسينية على مشرفها آلاف التحية والسلام ، والمكلف قد خالف التقيّة وسجد على التربة ، فحينئذٍ إن اقتصر على ذلك ولم يأت بسجدة اخرى موافقة للتقية فلا ينبغي التأمل في بطلان عبادته ، لأن السجدة على التربة لأجل كونها على خلاف التقيّة محرمة على الفرض ، والمحرم لا يعقل أن يكون مصداقاً للواجب ، وحيث إنه قد اقتصر عليها ولم يأت بسجدة اخرى موافقة للتقية فقد ترك جزءاً من صلاته ومعه تقع الصلاة فاسدة لا محالة.
وأمّا إذا لم يقتصر على ذلك العمل المحرم بل أتى به ثانياً مطابقاً للتقية فهو أيضاً على قسمين :
لأن ما أتى به من العمل المحرم في الصلاة قد تكون من الأفعال التي زيادتها مانعة عن صحّة الصلاة ، كما في زيادة السجدة على ما استفدناه من النهي عن قراءة العزائم في الصلاة ، معللاً بأن السجدة الواجبة لأجلها زيادة في المكتوبة ، فأيضاً لا بدّ من الحكم ببطلان العبادة ، لأن الصلاة وقتئذٍ وإن كانت مشتملة على جزئها وهو السجدة على غير التربة ، إلاّ أن اشتمالها على سجدة أُخرى محرمة وهي السجدة على التربة الحسينية مثلاً في حال التقيّة يوجب الحكم ببطلانها ، لأن السجدة زيادة في الفريضة كما عرفت.
وقد لا تكون من الأفعال التي تبطل الصلاة بزيادتها ، وهذا أيضاً على قسمين :
[528] مسألة 38 : لا فرق في جواز المسح على الحائل في حال الضرورة بين الوضوء الواجب والمندوب (1).
[529] مسألة 39 : إذا اعتقد التقيّة أو تحقق إحدى الضرورات الأُخر فمسح على الحائل ، ثم بان أنه لم يكن موضع تقيّة أو ضرورة ففي صحّة وضوئه
لأنّ العبادة إن كانت مما يبطل بمطلق الزيادة فيها كالصلاة أيضاً لا بدّ من الحكم بالبطلان ، لأنها وإن كان مشتملة على جزئها غير أن تكراره زيادة والزيادة في الصلاة موجبة لبطلانها ، وإن كانت نفس الزيادة غير معدودة من الزيادة في الفريضة.
وإن لم تكن ممّا يبطل بمطلق الزيادة كما في غير الصلاة ، ولم يكن العمل المتكرِّر مما تمنع زيادته عن صحّة العبادة كما في غير السجدة حكم بصحة العمل والعبادة لمكان اشتمالها على ما هو جزئها أعني الفعل المأتي به ثانياً حسبما تقتضيه التقيّة في ذلك الحال ، وإن كان المكلّف قد ارتكب محرماً بالإتيان بالعمل المخالف للتقية ، إلاّ أنك قد عرفت أن حرمة ذلك العمل غير مضرة بصحة العبادة. هذا تمام الكلام في التقيّة وقد اتضح بذلك الحال في جملة من الفروع المذكورة في المتن فلا نتعرض لها ثانياً وبقيت جملة أُخرى نتعرض لها في التعليقات الآتية إن شاء اللّه تعالى.
(1) لإطلاق الأدلة الدالة على كفاية العمل المأتي به تقيّة عن المأمور به الواقعي كغسل الرجلين في الوضوء عند التقيّة أو الغسل منكوساً ، لأنها تعم كُلا من الوضوء الواجب والمستحب ، وكذا ما دلّ على جواز مسح الخفين بناء على اعتبار رواية أبي الورد ، وكذلك الأخبار الآمرة بالصلاة معهم وفي مساجدهم ، وعلى الجملة إن أدلّة التقيّة في كل مورد من مواردها بإطلاقها يقتضي عدم الفرق بين كون العمل المتقى به واجباً وكونه مستحباً في نفسه.
إشكال (1)(1).
(1) الأمر كما أفاده قدسسره والوجه في ذلك أن الماتن لم يرد من هذه المسألة ما إذا احتمل المكلف الضرر في الإتيان بالوظيفة الواقعية وتحقق فيه الخوف من تلك الناحية ثم انكشف أنه لم يكن أي ضرر في الإتيان بالمأمور به الأوّلي ، وذلك لأن الحكم بالبطلان أو الاستشكال في صحة العمل حينئذٍ بلا وجه ، لما تقدم من أن صحة التقيّة في العبادات غير متوقفة على احتمال الضرر عند الترك ، فإن التقيّة إنما شرعت فيها لمحض المجاملة والمداراة مع العامة ، سواء كان في تركها ضرر على المكلف أم لم يكن ، بأن علمنا أن الإتيان بالوظيفة الواقعية غير موجب للضرر بوجه ، فاحتمال الضرر وعدمه مما لا أثر له في العبادات.
وأمّا في غيرها فوجوب التقيّة أو جوازها إنما يدور مدار احتمال الضرر احتمالاً عقلائياً ، فالخوف وقتئذٍ تمام الموضوع لوجوب التقيّة أو جوازها ، ولا يعتبر في ذلك أن يكون في ترك التقيّة ضرراً واقعاً ، لأن الخوف أعم فقد يكون في الواقع أيضاً ضرر وقد لا يكون ، فلا وجه للاستشكال في صحة العمل عند انكشاف عدم ترتب الضرر على ترك التقيّة ، وذلك لأن موضوعها إنما هو الخوف وقد فرضنا أنه كان متحققاً بالوجدان.
فمراد الماتن قدسسره من قوله : إذا اعتقد التقيّة أو تحقق إحدى الضرورات الأُخر ، حسبما فهمناه من ظاهر عبارته ، أن يعتقد المكلف أن الموضوع للتقيّة أو لسائر الضرورات قد تحقق في حقه ، ولم يكن لها موضوع واقعاً ، كما إذا اعتقد أن أهل البلد الذي نزل فيه من العامة ، أو أن الجماعة الحاضرة عنده من المخالفين ، أو كان أعمى فتخيل أن العامّة حاضرون في المسجد عنده فاتقى في وضوئه أو في صلاته ولم يكن
1) (*) أظهره عدم الصحة.
[530] مسألة 40 : إذا أمكنت التقيّة بغسل الرجل فالأحوط تعينه (1)(1)
الأمر كما زعمه واقعاً ، ولم يكن أهل البلد أو الجماعة الحاضرون عنده من العامّة ، أو لم يكونوا حاضرين عنده في المسجد أصلاً ، واعتقد أن ما يراه من بعيد سبع فمسح على خفّيه ، لأن مسحه على رجليه يتوقف إلى زمان يخاف من وصول السبع إليه في ذلك الزمان بناء على تمامية رواية أبي الورد لتعدي الفقهاء ( قدس اللّه أسرارهم ) من العدو فيها إلى كل ما يخاف منه كالسبع ونحوه ، واعتقد أن الرجل القادم عدوه فاتقى منه ومسح على خفّيه ، ثم ظهر أن السبع صورة مجسمة والرجل صديقه فلا موضوع للتقيّة واقعاً.
والظاهر في تلك الصورة بطلان وضوئه وصلاته ، وذلك لأن مدرك صحة العمل المأتي به تقيّة وإجزائه عن المأمور به الواقعي إنما هو السيرة العملية كما مرّ ، ومن المعلوم أنها إنما كانت متحققة عند إتيان العمل على طبق مسلك العامة عند وجودهم وحضورهم عنده ، وأما العمل طبق مذهبهم من دون أن يكون عندهم ولا بمحضرهم فلا سيرة عملية تقتضي الإجزاء والحكم بصحته.
وكذلك الحال فيما إذا اعتمدنا على رواية أبي الورد ، حيث إنها قيدت الحكم بالمسح على الخفين بما إذا كان هناك عدو تتقيه ، فوجود العدو مما لا بدّ منه في الأمر بالمسح على الخفين ، ومع فرض صداقة الرجل القادم لا موضوع للحكم بالتقية وإجزائها. وعلى الجملة المكلّف إذا اعتقد وجود موضوع التقيّة سواء خاف أم لم يخف ولم يكن هناك موضوع واقعاً فالظاهر بطلان عمله ، وهذا هو الذي أراده الماتن من عبارته فلاحظ.
(1) إذا دار أمر المكلّف بين التقيّة بغسل رجليه والتقيّة بالمسح على الخفّين قدم
1) (*) بل هو الأظهر.
وإن كان الأقوى جواز المسح على الحائل أيضاً.
الأوّل على الثاني لا محالة ، وهذا لا لأجل الوجوه الاعتبارية والاستحسانية التي عمدتها ما ذكره الشهيد قدسسره من أن غسل الرجلين أقرب إلى المأمور به من مسح الخفّين ، نظراً إلى أن في غسلهما يتحقق مسح البشرة بالرطوبة لا محالة وإن كانت الرطوبة رطوبة خارجية ، وهذا بخلاف المسح على الخفين لعدم تحقق المسح على البشرة وقتئذٍ بوجه لا برطوبة الوضوء ولا بالرطوبة الخارجية ، ومن الظاهر أن المسح بالرطوبة الخارجية أقرب إلى المأمور به أعني مسح الرجلين برطوبة الوضوء (1)وذلك لعدم إمكان الاعتماد على الوجوه الاعتبارية بوجه ، ومن الواضح أن مسح البشرة بالرطوبة الخارجية غير معدود بالنظر العرفي ميسوراً للمسح على البشرة برطوبة الوضوء.
بل الوجه في تقديم الغسل على مسح الخفين هو أنه إذا قلنا بعدم جريان التقيّة في المسح على الخفين على ما نطقت به الروايات فلا إشكال في أن المتعيّن هو الغسل ، وإذ قلنا بجريانها في مسح الخفين أيضاً بحمل الروايات على أن عدم التقيّة فيه من خصائصهم عليهمالسلام حسبما فهمه زرارة أيضاً تعيّن عليه الغسل ، وذلك لأن الغسل مما ورد به الأمر بالخصوص ولم يرد أمر بمسح الخفين إلاّ في رواية أبي الورد وقد عرفت أنها ضعيفة السند وغير قابلة للاعتماد عليها ، وظاهر الأمر بغسل الرجلين هو التعيّن وعدم كفاية غيره عنه في موارد التقيّة ، فمقتضى الأصل اللفظي أعني ظهور الأمر في التعيين وجوب تقديم الغسل على مسح الخفين ، كما أن غسلهما موافق للاحتياط ، لأن المورد من موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير ، حيث لا نحتمل وجوب المسح على الخفين تعييناً بخلاف غسل الرجلين ، والاحتياط حينئذٍ إنما هو باختيار ما يحتمل فيه التعيّن ، هذا كلّه فيما إذا دار الأمر بينهما ، وأما إذا لم يتمكّن إلاّ من المسح على الخفين فلا شك في تعيّنه ، وهذا ظاهر.
1) الذكرى : 90 السطر 19.
[531] مسألة 41 : إذا زال السبب المسوّغ للمسح على الحائل من تقيّة أو ضرورة ، فإن كان بعد الوضوء فالأقوى عدم وجوب إعادته وإن كان قبل الصلاة ، إلاّ إذا كانت بلة اليد باقية فيجب إعادة المسح ، وإن كان في أثناء الوضوء فالأقوى الإعادة إذا لم تبق البلّة (1).
[532] مسألة 42 : إذا عمل في مقام التقيّة بخلاف مذهب من يتّقيه ففي صحّة وضوئه إشكال (1)وإن كانت التقيّة ترتفع به (2) ، كما إذا كان مذهبه وجوب
(1) إذا زال السبب المسوّغ للمسح على الحائل في أثناء الوضوء أعني ما قبل المسح على الخفين أو غسل الرجلين فلا إشكال في عدم جواز التقيّة بالمسح على الخفين أو بغسل الرجلين ، حيث لا موجب للتقية عند المسح على الفرض فيجب عليه الإتيان بالمأمور به الأوّلى بأن يمسح على رجليه. وإذا زال السبب وارتفعت التقيّة بعد المسح أو الغسل ، فان كانت البلة موجودة ولم تكن الموالاة فائتة وجب عليه المسح على رجليه ، لأنه إتمام للوضوء الواجب وقد فرضنا أنه لا مانع من إتمامه لارتفاع التقيّة ، ولا دليل على عدم وجوب إتمام الوظيفة الأولية فيما إذا لم يكن في البين ما يمنع عن الإتمام ، لأن ما دلّ على إجزاء التقيّة وصحتها إنما ينفي وجوب الإعادة أو القضاء ، ولا دلالة في شيء منها على عدم وجوب إكمال العمل وإتمامه.
نعم ، إذا فرضنا أن البلة غير باقية أو الموالاة مرتفعة بحيث احتاج تحصيل الوظيفة الأولية إلى الإعادة لم تجب عليه الإعادة ، حسبما دلتنا عليه الأدلة المتقدمة من أن التقيّة مجزئة ولا تجب معها الإعادة أو القضاء.
(2) كما إذا كان من يتّقيه من الحنفية إلاّ أنه أتى بالعمل على طبق الحنابلة أو
1) أظهره الصحة في غير المسح على الحائل.
المسح على الحائل دون غسل الرجلين فغسلهما ، أو بالعكس ، كما أنه لو ترك المسح
المالكية أو الشافعية ، لا إشكال في ذلك بحسب الحكم التكليفي من الوجوب أو الجواز ، لأن التقيّة بمعنى الصيانة عن الضرر وتتأدى ذلك بإظهار الموافقة مع الحنابلة مثلاً وإن كان من يتّقيه من الحنفية مثلاً ، وإنما الكلام في صحة ذلك وإجزائه ، والظاهر أن العمل وقتئذٍ صحيح ومجزئ عن المأمور به الأولي ، وذلك لأن المستفاد من الأخبار الواردة في التقيّة أنها إنما شرعت لأجل أن تختفي الشيعة عن المخالفين وإلاّ يشتهروا بالتشيع وبالرفض ، ولأجل المداراة والمجاملة معهم ، ومن البيّن أن المكلف إذا أظهر مذهب الحنابلة عند الحنفي مثلاً أو بالعكس حصل بذلك التخفي وعدم الاشتهار بالرفض والتشيع وتحققت المداراة والمجاملة معهم ، فاذا صلّى في مسجد الحنفية مطابقاً لمذهب الحنابلة صدق أنه صلّى في مساجدهم أو معهم.
والسرّ في ذلك : أن الواجب إنما هو التقيّة من العامة والمجاملة والمداراة معهم ، ولم يرد في شيء من الأدلة المتقدمة وجوب اتباع أصنافهم المختلفة ، ولا دليل على وجوب اتباع من يتقي منه في مذهبه ، وإنما اللازم هو المداراة والمجاملة مع العامة وإخفاء التشيع عندهم ، وهذا يتأتى بإتيان العمل على طبق الحنابلة عند كون الحاضر الذي اتقى منه حنفياً مثلاً أو بالعكس ، فإن الأصناف الأربعة لا يخطِئ كل منهم الآخر ولا يتعرضون ولا ينكرون مذهبه ، بل ربما يقتدي بعضهم ببعض ، هذا.
على أن التقيّة بإتيان العمل على طبق المذهب الآخر أعني غير مذهب المتقى منه قد يكون مطابقاً للتقية ، وذلك كما إذا كان المتقي من بلد معروف أهله بالشافعية وقد ورد بلداً آخراً وهم الحنابلة مثلاً ، فإنه إن اتقى حينئذٍ بإتيان العمل على مذهب الحنابلة ربما يعرف أنه ليس من الحنابلة ، لأنه موجب لإلفات نظرهم إليه ، حيث إنه من بلدة فلانية وهم من الشافعية مثلاً وهو يعمل على مذهب الحنابلة ، فبذلك يتضح أنه أظهر التسنن معهم وهو رافضي ، وهذا بخلاف ما إذا أتى بالعمل على طبق الشافعية ، لأنهم يحملون ذلك على أنه من البلدة الفلانية وهم من الشافعية فلا يقع مورداً للإعجاب
والغسل بالمرّة يبطل وضوءه وإن ارتفعت التقيّة به أيضاً (1).
[533] مسألة 43 : يجوز في كلّ من الغسلات أن يصبّ على العضو عشر غرفات بقصد غسلة واحدة ، فالمناط في تعدّد الغسل المستحب ثانيه الحرام ثالثه ليس تعدّد الصبّ بل تعدّد الغسل مع القصد (2).
والتحقيق حتى يتفحّص ويظهر تشيعه عندهم.
(1) قد أسلفنا الكلام على ذلك في الجهة الحادية عشرة مفصّلاً وهو الصورة الاولى من صور ترك العمل بالتقيّة فلاحظ.
(2) بمعنى أن ما سردناه سابقاً من أن الغسل مرّة واحدة هو الواجب في الوضوء ويستحب مرّتين ، والغسل الثالث وما زاد بدعة ، إنما هو في الغسل فحسب ، وأما الصب فهو خارج عن الغسل وله صبّ الماء كيفما شاء ولو عشر مرّات.
وتوضيح هذه المسألة : أن المكلّف قد يعتبر وجهه أو يديه ذا جهات فيصبّ صبّة على موضع منهما قاصداً بذلك غسل جهة من تلك الجهات ويصبّ صبّة ثانية بقصد غسل الجهة الثانية وهكذا إلى خمس جهات أو أكثر ، وهذا مما لا ينبغي الإشكال في صحته ، لأن مجموع الصبات والغسلات محقق للغسل الواحد المعتبر في الوضوء ، ولا يعد كل صبّة غسلة واحدة مستقلّة ، إلاّ أن هذه الصورة خارجة عن محط نظر الماتن قدسسره لأن نظره إلى صورة تعدّد الصبّ والغسل.
وقد يعتبر مجموع وجهه أو مجموع اليدين شيئاً واحداً فيصبّ الماء على المجموع صبّة أو صبّتين أو صبّات متعدِّدة ، وبما أن الغسل ليس من الأُمور المتوقفة على القصد ، لأنه بمعنى مرور الماء على المغسول سواء قصد به الغسل أم لم يقصد ، فيصدق أنه غسل وجهه مرّة أو مرّتين أو مرّات حسب تعدّد الصبّات.
[534] مسألة 44 : يجب الابتداء في الغسل بالأعلى ، لكن لا يجب الصبّ على الأعلى ، فلو صبّ على الأسفل وغسل من الأعلى بإعانة اليد صحّ (1).
نعم ، مطلق الغسل وطبيعيه غير المتوقف على القصد ليس من الغسل المعتبر في الوضوء ، فان الغسل الوضوئي موقوف على قصد كونه وضوئياً ، إذن له أن يصبّ الماء عشر مرّات ولا يقصد بها الغسل المعتبر في الوضوء ، بل يقصده في الصبّة الأخيرة فقد أتى وقتئذٍ غسلاً واحداً من غسلات الوضوء ، والصبّات والغسلات المتحققتان قبل الصبّة الأخيرة خارجتان عن الغسل المعتبر في الوضوء فلا يكون تعدّدهما مخلاًّ له. نعم إذا قصد الغسل المعتبر في الوضوء في كل واحد من الصبات تحققت بذلك غسلات متعدِّدة ، والثالثة وما زاد منها بدعة محرّمة.
(1) إمرار اليد من الأعلى إلى الأسفل ليس من حقيقة الغسل لا في شيء من لغة العرب ولا في غيرها ، لضرورة أن قطرة من الماء إذا وقعت على أي موضع من البدن أو غيره فأمررنا عليها اليد مرتين مثلاً لم يصدق أنّا غسلناه مرتين ، بل الغسل عبارة عن مرور الماء على الوجه أو اليد أو غيرهما من المواضع ، فاذا صبّ الماء على الأسفل فهو غسل حقيقة إلاّ أنه غير معتبر في الوضوء ، للزوم كون الغسل من الأعلى إلى الأسفل دون العكس ، فلو بقي شيء من الماء في يده حين وصولها ، أي اليد إلى الأعلى ، فأمرّ يده بالماء من أعلى الوجه إلى الذقن صدق عنوان الغسل عليه ، إلاّ أن الاجتزاء به يبتني على كفاية مطلق الغسل في مقام الامتثال. على أنه من الندرة بمكان لعدم بقاء الماء بحسب العادة في اليد بعد صبّه من الأسفل حين وصولها إلى الأعلى.
وأمّا بناء على ما قدّمناه (1)من عدم كفاية الغسل بحسب البقاء في موارد الأمر بالغسل كالوضوء والغسل ووجوب إحداث الغسل وإيجاده ، فيشكل الحكم بصحّة
1) في ص 102.
[535] مسألة 45 : الإسراف في ماء الوضوء مكروه (1) ، لكن الإسباغ مستحبّ (2) وقد مرّ أنه يستحبّ أن يكون ماء الوضوء بمقدار مدّ ، والظاهر أن
الوضوء في مفروض المسألة ، لأن الغسل قد تحقق من صبّ الماء من الأسفل وهو غسل حادث إلاّ أنه غير معتبر ، لمكان أنه من الأسفل إلى الأعلى. فالغسل المعتبر والمأمور به إنما هو إمرار اليد بالماء من الأعلى إلى الأسفل ، ولكنه غسل بحسب البقاء دون الحدوث ، وقد بنينا على عدم كفاية الغسل بحسب البقاء ولزوم كون الغسل حادثاً ، وعليه فلا مناص من أن يصب الماء من أعلى الوجه كما في الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية ليتحقق الغسل الحادث من الأعلى إلى الأسفل.
(1) الحكم بكراهة الإسراف في ماء الوضوء يبتني على القول بالتسامح في أدلة السنن ثم التعدي من المستحبات إلى المكروهات ، والوجه في ذلك : أن الرواية المستدل بها على ذلك في المقام هي ما رواه الكليني قدسسره (1)عن علي بن محمد وغيره عن سهل بن زياد عن محمد بن الحسن بن شمون بالتخفيف أو التشديد عن حماد ابن عيسى عن حريز عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إن لله ملكاً يكتب سرف الوضوء كما يكتب عدوانه » (2)ومحمد بن الحسن بن شمون ضعيف ضعّفه النجاشي صريحاً (3)وكذا سهل بن زياد فإنه أيضاً ضعيف فلاحظ.
(2) كما ورد في عدّة من الروايات فيها الصحاح وغيرها (4).
ذلك لتمام ما يصرف فيه من أفعاله ومقدّماته من المضمضة والاستنشاق وغسل اليدين (1).
(1) كما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « كان رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله يتوضأ بمد ويغتسل بصاع ، والمد رطل ونصف والصاع ستة أرطال » (1)وصحيحة أبي بصير ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام أنهما سمعاه يقول : « كان رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم يغتسل بصاع من ماء ويتوضأ بمد من ماء » (2).
ومفهوم المد وإن لم يمكن تحقيقه على وجه دقيق ، إلاّ أن شيخنا البهائي قدسسره على ما يحكى عنه في حبل المتين ذكر أن المد ربع المن التبريزي الصغير على وجه التقريب وهو ستمائة وأربعون مثقالاً ، وعليه يكون المد مائة وخمسون مثقالاً تقريباً (3).
والوجه في كون ذلك على وجه التقريب ، أن المد ربع الصاع والصاع ستة أرطال بالرطل المدني وتسعة بالعراقي ، فالمد رطل ونصف وكل رطل مائة مثقال مع شيء زائد ، إذ الصاع الذي هو ستة أرطال ستمائة وأربعة عشر مثقالاً وربع مثقال فيكون الرطل والنصف الذي هو المد عبارة عن مائة وخمسين مثقالاً وثلاثة مثاقيل ونصف مثقال وحمصة ونصف ، وهو قريب من ربع المن التبريزي أعني مائة وخمسين مثقالاً كما ذكره شيخنا البهائي قدسسره.
إلاّ أن استحباب كون الوضوء بهذا المقدار من الماء لا توافقه الروايات الواردة في الوضوءات البيانية ، لمكان اشتمالها على أنه صلىاللّهعليهوآلهوسلم أخذ كفاً من الماء وأسدله على وجهه ، وأخذ كفاً ثانياً فغسل به يده اليمنى ، ثم غرف غرفة ثالثة
فغسل بها يده اليسرى ، ومن الظاهر أن ثلاث غرف لا يبلغ ربع المن التبريزي الذي هو المد ، وعليه لا بدّ من الجمع بين الأخبار الواردة في استحباب كون الوضوء بمد من الماء ، والأخبار الواردة في الوضوءات البيانية ، بحمل الثانية على ورودها لبيان الأُمور المعتبرة في الوضوء على وجه الوجوب ولم تشتمل من المستحبات إلاّ على شيء قليل ، إذ الغرض منها تعريضهم عليهمالسلام للمخالفين ، حيث نسبوا إليه صلىاللّهعليهوآلهوسلم أنه غسل منكوساً وغسل الرجلين عوضاً عن مسحهما ، فثلاث غرفات من جهة ما يحصل به المقدار الواجب من الغسل في الوضوء.
وتحمل الاولى على بيان المقدار المستحب في الوضوء مشتملاً على جميع مستحباته ، لأن الماء المصروف في الوضوء المراعى فيه تمام المستحبات لا يقل عن ربع المن التبريزي بكثير ، لأنه يستحب فيه غسل اليدين مرة من حدث البول ومرتين من حدث الغائط ، فهذا كف أو كفان ، ويستحب غسل الوجه مرتين وهما كفان ، فهذه ثلاثة أكف أو أربعة. ويستحب الغسل في كل من اليدين مرتين وهو يستلزم الماء كفين ، لعدم كون اليد مسطحة كالوجه حتى يكتفي فيها بكفة واحدة في غسلها على وجه الأسباع ، اللّهمّ إلاّ أن يواصل الماء إلى تمام أجزاء يده بإمرار اليد وهو ينافي الإسباغ المستحب ، وعليه لا بدّ من صب كف من الماء على ظاهرها وصب كف اخرى على باطنها ليتحقق بذلك الإسباغ ، وهذه أربعة أكف ومع ضم الثلاثة المتقدمة إليها يبلغ سبعة.
ويستحب المضمضة والاستنشاق ثلاث مرات وهي ستة ، والمجموع تبلغ ثلاثة عشرة أو أربعة عشرة كفاً ، وهو قريب من المد وربع المن التبريزي ، ومعه لا حاجة إلى إدخال الاستنجاء أيضاً في الوضوء كما عن بعضهم ، وحمل أخبار المد على الوضوء مع الاستنجاء ، لوضوح أنه أمر آخر لا موجب لإدراجه في الوضوء بعد كون الماء المصروف فيه بجميع مستحبّاته بالغاً حد المد كما عرفت.
وقد ورد في الفقيه أنه قال رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم « الوضوء مد والغسل صاع ؛ وسيأتي أقوام بعدي يستقلون ذلك فأُولئك على خلاف سنّتي ، والثابت
[536] مسألة 46 : يجوز الوضوء برمس الأعضاء كما مرّ ، ويجوز برمس أحدها وإتيان البقيّة على المتعارف بل يجوز التبعيض في غسل عضو واحد مع مراعاة الشروط المتقدِّمة من البدأة بالأعلى وعدم كون المسح بماء جديد وغيرهما (1).
على سنّتي معي في حظيرة القدس » (1).
ويمكن الاستدلال بها على كراهة السرف في الوضوء وأنه بأكثر من مد لاستقلال المد وعدم اعتقاده بكفايته للوسواس خلاف سنة رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم غير أن الرواية مرسلة ، فيبتني الاستدلال بها أيضاً على التسامح في أدلة السنن وإلحاق المكروهات بالمستحبات.
(1) تقدّمت (2)مسألة الغسل الارتماسي في الوضوء برمس أعضائه في الماء وحكم الماتن قدسسره بأنه لا بدّ من نيّة الغسل حال إخراج العضو من الماء ، وتقدّم منّا الاستشكال فيما أفاده سابقاً. وتعرض في هذه المسألة لما إذا غسل بعض أعضائه بالارتماس وغسل بعضها الآخر بالترتيب وصبّ الماء عليه وحكم بصحته ، وما أفاده قدسسره هو الصحيح ، والوجه فيه أن الآية المباركة ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ) (3)مطلقة ولم يرد عليها أي مقيد ، وإطلاقها يقتضي جواز الاكتفاء في الغسل بالتبعيض كما ذكره في المتن.
وأمّا ما ورد في بعض الروايات البيانية من أنه عليهالسلام صبّ الماء على وجهه ويديه (4)فإنما هو من جهة الغلبة إذ الغالب في الوضوء أن يكون بالصب والماء القليل.
[537] مسألة 47 : يشكل صحّة وضوء الوسواسي إذا زاد في غسل اليسرى من اليدين في الماء ، من جهة لزوم المسح بالماء الجديد في بعض الأوقات. بل إن قلنا بلزوم كون المسح ببلّة الكف دون رطوبة سائر الأعضاء يجيء الإشكال في مبالغته في إمرار اليد ، لأنه يوجب مزج رطوبة الكف برطوبة الذراع (1).
[538] مسألة 48 : في غير الوسواسي إذا بالغ في إمرار يده على اليد اليسرى لزيادة اليقين لا بأس به ، ما دام يصدق عليه أنه غسل واحد (2)
(1) لأن الوسواسي بعد تحقق الغسل المعتبر في الوضوء يصبّ الماء على يديه ، وهو يستلزم أن يكون المسح بالماء الجديد ، وقد عرفت لزوم كون المسح بالبلة الوضوئية الباقية في اليد ، وكذا يجيء الإشكال عند إمرار يده من المرفق بعد تمامية الغسل المعتبر لاستلزامه امتزاج رطوبة الكف برطوبة المرفق والذراع ، وهو يمنع عن كون المسح ببلة اليد كما لعلّه ظاهر.
ومن هنا الأولى للوسواسي كما ابتلينا به برهة من الزمان أن يتوضأ وضوءين بأن يتوضأ أولاً وضوءاً عاديا كما يصنعه غير الوسواسي وإن كان هذا باطلاً حسب عقيدته ثم يتوضأ ثانياً بما يراه وضوءاً صحيحاً حسب اعتقاده ، لئلاّ يلزم محذور كون المسح بغير بلة الوضوء.
(2) أي قبل حصول اليقين أو الاطمئنان أو قيام الأمارة الشرعية على تحقّق الغسل المعتبر في الوضوء.
نعم بعد اليقين إذا صبّ عليها ماءً خارجيّاً يشكل (1) ، وإن كان الغرض منه زيادة اليقين ، لعدّه في العرف غسلة اخرى ،
(1) لاستلزام ذلك أن يكون المسح بالماء الجديد ، وكذا الكلام فيما إذا أمرّ يده بعد اليقين أو الاطمئنان بحصول الغسل المعتبر من طرف المرفق إلى طرف الأصابع ، لاستلزامه امتزاج رطوبة الكف برطوبة المرفق والذراع.
بقي الكلام فيما إذا شكّ المكلّف في تحقّق الغسل المعتبر في الوضوء وعدمه ، لأن مقتضى الاستصحاب وقاعدة الاشتغال وجوب صبّ الماء مرّة ثانية أو إمرار يده حتى يحصل اليقين بتحقق الغسل المعتبر في الوضوء ، وقد عرفت أنه إذا صبّ على يده الماء ثانياً أو أمرّ يده على مرفقه لم يمكنه الجزم بأن المسح بالبلة الباقية ، لاحتمال أن يكون المسح بالماء الجديد ، كاحتمال امتزاج البلة الموجودة في كفه ببلة الذراع والمرفق وذلك لاحتمال تحقّق الغسل المعتبر في الوضوء واقعاً ، ومعه يكون الماء الذي قد صبّه بعد الشكّ والتردّد من الماء الجديد ، أو تكون الرطوبة الموجودة في يده ممتزجة برطوبة المرفق والذراع فلا يمكنه إحراز أن البلة بلة الوضوء.
والأصلان إنما يقتضيان وجوب الصب وعدم تحقق الغسل المعتبر في الوضوء ، وأمّا أن البلة بلة الوضوء فلا يمكن إحرازها بشيء منهما. فهل تجب عليه إعادة الوضوء ثانياً ، أو لا مانع من أن يصب الماء بعد الشك والتردد في تحقق الغسل المعتبر أو يمرّ يده من المرفق إلى أصابعه؟
قد يقال : إن الحكم ببطلان الوضوء عند صبّ الماء بعد الشك أو إمرار اليد من المرفق يستلزم الهرج والمرج ، إذ قلّما ينفك المتوضئ عن هذا الابتلاء ، أعني الشك في تحقّق الغسل المعتبر في الجملة.
والظاهر أنه لا مانع من الاحتياط فيه في نفسه ، بأن يصبّ الماء على يده عند الشك في تحقق الغسل المعتبر أو يمرّ بيده من المرفق ، فلا حاجة معه إلى التمسّك بلزوم الهرج والمرج وذلك لوجهين :
وإذا كان غسله لليسرى بإجراء الماء من الإبريق مثلاً وزاد على مقدار الحاجة مع الاتصال لا يضرّ ما دام يعدّ (1)غسلة واحدة (1).
أحدهما : أن مقتضى الأخبار الواردة في المقام أن المسح لا بدّ من أن يكون بالبلة الباقية في الكف بعد تمامية الغسل المأمور به في الوضوء ، والاستصحاب يقتضي أن يكون غسلها عند الشك مأموراً به ظاهراً ، ومعه يكون البلة الموجودة في الكف بلة باقية بعد تمامية الغسل المأمور به ، لأنه لا فرق بين الغسل المأمور به الواقعي والغسل المأمور به بحسب الظاهر.
وثانيهما : نفس الأخبار الواردة في الشك في الإتيان ببعض الأفعال المعتبرة في الوضوء قبل إتمامه ، لدلالتها على وجوب الإتيان بما يشك في الإتيان به وما بعده من الأجزاء والشرائط ثانياً ، ومع الأمر بتلك الأفعال لا تكون الرطوبة الباقية في الكف رطوبة خارجية جديدة ، فلا تضر بصحة المسح والوضوء لاستنادها إلى الغسل المعتبر في الوضوء.
(1) الزيادة على مقدار الحاجة من صبّ الماء من الإبريق أو الحنفيات المتعارفة اليوم قد تكون قليلة وممّا لا بدّ منها في استعمال مقدار الحاجة من الماء ، وهي غير قادحة في صحّة الوضوء أبداً لقلّتها ، بل ومما لا بدّ منه في الاستعمال ، لأن صبّ الماء على اليد بمقدار لا يزيد عن مقدار الحاجة ولا ينقص منه بشيء أمر متعذر ، فلا مناص من صبه الماء وإن زاد على مقدار الحاجة بشيء يسير.
وأُخرى تكون الزيادة كثيرة ومما لا يتسامح به ، كما إذا فرضنا أن الصب من الإبريق أو الحنفية دقيقة واحدة يكفي في مقدار الحاجة من الماء وبه يمكن غسل اليد بتمامها ، إلاّ أنه صبه ساعتين أو أوقف يده تحت الحنفية كذلك ، وهذه الزيادة قادحة في صحة المسح والوضوء لا محالة.
1) (*) هذا إذا لم يخرج عن الغسل المتعارف ، وإلاّ ففي صحة الوضوء إشكال بل منع.
[539] مسألة 49 : يكفي في مسح الرجلين المسح بواحدة من الأصابع الخمس إلى الكعبين أيها كانت حتى الخنصر منها (1).
الأوّل : إطلاق الماء فلا يصح بالمضاف ولو حصلت الإضافة بعد الصبّ على المحل من جهة كثرة الغبار أو الوسخ عليه ، فاللازم كونه باقياً على الإطلاق إلى تمام الغسل (2).
وهذا لا لأن الغسلة متعددة ، بل مع تسليم وحدتها لأن الاتصال مساوق للوحدة ، وهي غسلة واحدة طالت أم قصرت لا يمكن الحكم بعدم قدحها ، إذ المدار على تعدد غسلة الوضوء ووحدتها لا على تعدد طبيعي الغسلة وتعددها ، والغسلة المطلقة وإن لم تتعدد سواء طال صبّ الماء على العضو أم قصر ، إلاّ أن غسلة الوضوء متعددة لا محالة ، وذلك لأن غسلة الوضوء عبارة عن إجراء الماء على العضو بمقدار يتحقق به غسله ، ولنفرض حصولها بصبّ الماء دقيقتين ، وما زاد عليها تعد غسلة وضوئية زائدة ، وهو نظير الغسل تحت الحنفية أو بالارتماس في الماء ، لأنه يتحقق بمجرد إحاطة الماء على تمام البدن ويكون بقاؤه تحت الماء زائداً على مقدار إحاطة الماء على البدن زائداً على الغسلة الواجبة الكافية في حصول الغسل ، والمسح برطوبة الغسلة الزائدة حينئذٍ لا يخلو عن الاشكال ، بل الصحة ممنوعة جدّاً.
(1) ظهر الحال في هذه المسألة مما قدمناه في كيفية المسح على الرجلين فليراجع (1).
فصل في شرائط الوضوء
(2) قد أسلفنا تفصيل الكلام على ذلك في أوائل الكتاب (2)وذكرنا أن المضاف لا يزيل خبثاً ولا يرفع حدثاً.
الثاني : طهارته (1).
(1) للروايات المستفيضة بل المتواترة المروية في الوسائل وغيره في أبواب مختلفة ، كما دلّ على لزوم إهراق الماءين المشتبهين والتيمم بعده (1)وما دلّ على النهي عن التوضؤ بفضل الكلب معلّلاً بأنه رجس نجس لا يتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء (2)وما دلّ على النهي عن الوضوء بالماء المتغيِّر (3)إلى غير ذلك من الروايات ، فاعتبار الطهارة في الماء المستعمل في الوضوء مما لا إشكال فيه.
وإنما الكلام في أن الطهارة شرط واقعي في صحّته ، فوضوء الجاهل بالنجاسة محكوم بالبطلان ، فلو توضأ بالماء النجس فصلّى ثم انكشف أن الماء كان نجساً أعاد وضوءه كما يعيد صلاته إذا كان في الوقت ويقضيها فيما إذا كان الانكشاف في خارجه أو أن الطهارة شرط علمي ، أي إنها شرط بالإضافة إلى العالم بالنجاسة حال الوضوء ، أو العالم بها قبله فيما إذا نسيها فتوضأ بماء نجس ، وأما الجاهل فلا يشترط الطهارة في صحّة الوضوء في حقه بوجه ، فكل من الوضوء والصلاة في المثال المتقدِّم محكوم بالصحّة لا محالة؟
لا إشكال ولا خلاف كما ذكره في الحدائق (4)في وجوب الإعادة أو القضاء فيما إذا توضأ بالماء المتنجس مع العلم بنجاسة الماء حال الوضوء ، كما أن الظاهر من كلماتهم أن من علم بنجاسة الماء قبل الوضوء ونسيها حال الوضوء فتوضأ بالماء النجس أيضاً كذلك ، وأن الناسي للنجاسة يلحق بالعالم بالنجاسة حال الوضوء لوجوب التحفظ في حقه ، ولعلهم استفادوا ذلك مما دلّ على بطلان صلاة الناسي للنجاسة في ثوبه أو بدنه ، لاستناده إلى ترك التحفظ عن النجاسة لا محالة.
وأمّا إذا توضأ بالماء النجس جاهلاً بالنجاسة فالمشهور بين المتأخرين إلحاقه بالقسمين المتقدمين والحكم عليه بوجوب الإعادة أو القضاء ، والمفهوم من كلام الشيخ في المبسوط على ما في الحدائق وجوب الإعادة في الوقت خاصة دون وجوب القضاء خارج الوقت ، وبه صرح ابن البراج (1)كما أنه ظاهر ابن الجنيد (2).
وخالفهم في ذلك صاحب الحدائق قدسسره وذهب إلى عدم وجوب الإعادة والقضاء ، حيث إنه بعد ما نقل كلام العلاّمة والشهيد قدسسرهما قال ما مضمون كلامه : إن ما ذكروه من وجوب الإعادة والقضاء فإنما يسلم في القسمين الأوّلين ، وأما في حق الجاهل بنجاسة الماء فلا ، لعدم توجه النهي إليه لجهالته ، فلا تجب عليه الإعادة ولا القضاء. وعمدة ما استند قدسسره إليه في حكمه هذا أمران :
أحدهما : ما ذكره في مقدمات كتابه الحدائق من معذورية الجاهل مطلقاً إلاّ ما خرج بالدليل ، مستنداً في ذلك إلى جملة من الروايات الواردة في موارد خاصّة منها : ما ورد في باب الحج كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « من لبس ثوباً لا ينبغي له لبسه وهو محرم ففعل ذلك ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه » (3).
وكما رواه عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « جاء رجل يلبي حتى دخل المسجد الحرام وهو يلبي وعليه قميصه ، فوثب عليه الناس من أصحاب أبي حنيفة فقالوا : شقّ قميصك وأخرجه من رجليك فان عليك بدنة وعليك الحج من قابل وحجّك فاسد ، فطلع أبو عبد اللّه عليهالسلام فقام على باب المسجد فكبّر واستقبل الكعبة فدنا الرجل من أبي عبد اللّه عليهالسلام وهو ينتف شعره ويضرب وجهه ، فقال له أبو عبد اللّه عليهالسلام اسكن يا عبد اللّه ، فلما كلمه وكان الرجل أعجمياً ، فقال أبو عبد اللّه عليهالسلام ما تقول؟ قال : كنت رجلاً أعمل
بيدي فاجتمعت لي نفقة فجئت أحج لم أسأل أحداً عن شيء ، فأفتوني هؤلاء أن أشق قميصي وأنزعه من قبل رجلي وأن حجي فاسد وأن عليَّ بدنة ، فقال له : متى لبست قميصك أبعد ما لبيت أم قبل؟ قال : قبل أن أُلبّي قال : فأخرجه من رأسك فإنه ليس عليك بدنة وليس عليك الحج من قابل ، أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه. طف بالبيت أُسبوعاً وصلّ ركعتين عند مقام إبراهيم عليهالسلام واسع بين الصفا والمروة وقصّر من شعرك ، فاذا كان يوم التروية فاغتسل وأهل بالحج واصنع كما يصنع الناس » (1).
وشيخنا الأنصاري قدسسره رواها بلفظه « أيما امرئ ركب أمراً بجهالة ... » (2).
ومنها ما ورد في النكاح في العدة كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم عليهالسلام قال : « سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة أهي ممن لا تحل له أبداً؟ فقال : لا ، أما إذا كان بجهالة فليتزوّجها بعد ما تنقضي عدّتها ، وقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك ، فقلت : بأي الجهالتين أعذر ، بجهالته أن يعلم أن ذلك محرّم عليه أم بجهالته أنها في العدّة؟ فقال : إحدى الجهالتين أهون من الأُخرى الجهالة بأن اللّه حرّم عليه ذلك ... » (3).
فان هذه الروايات تقتضي ارتفاع جميع الآثار عند ارتكاب العمل بالجهالة ، ومعه لا تجب على من توضأ بالماء النجس شيء من الإعادة والقضاء ، كما لا عقاب عليه لجهله بالنجاسة فضلاً عن اشتراط الصلاة أو الوضوء بالطهارة.
وثانيهما : أن النجاسة إنما تثبت عند العلم بها ولا نجاسة عند عدمه حتى تمنع عن
صحّة وضوئه أو صلاته ، وذلك لقوله عليهالسلام « كل ماء طاهر (1)حتى تعلم أنه قذر » (2)وقوله « كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر ، فاذا علمت فقد قذر » (3)لدلالتهما على أنّ النجاسة ليست من الأُمور الواقعية ، وإنما هي اعتبار شرعي قد ثبت لدى العلم بالنجاسة دون الجهل ، وقد رتب على ذلك عدم وجوب الإعادة والقضاء عند الجهل بنجاسته.
ثم استشهد على ذلك بكلام المحدث السيد نعمة اللّه الجزائري والشيخ جواد الكاظمي وإفتائهما بما ذهب إليه في المسألة ، وذكر في ذيل كلامه أن بعض معاصريه استبعد ما ذهب إليه لمخالفته ما هو المشهور بين الأصحاب ، حيث إنّ طبيعة الناس مجبولة على متابعة المشهورات وإن أنكروا بظاهرهم تقليد الأموات ، وأنّ اللّه سبحانه قد وفقه للوقوف على كلام للفاضلين المذكورين ، فأثبته في المقام لا للاستعانة به على قوّة ما ذهب إليه ، بل لكسر سورة النزاع ممن ذكره من المعاصرين ، لعدم قولهم إلاّ لكلام المتقدِّمين (4)هذا.
ولا يخفى عدم إمكان المساعدة على شيء مما استند إليه في المقام.
أمّا ما ذكره في الوجه الأوّل ، فلأنّ معذورية الجاهل مطلقاً إلاّ في موارد قيام الدليل فيها على عدم المعذورية وإن كانت مسلّمة ، لعين الأخبار التي ذكرها في كلامه ، ومن هنا حكمنا أن من أفطر في نهار شهر رمضان بما لا يعلم بمفطريته ولا بحرمته لم تجب عليه الكفّارة وفاقاً لصاحب العروة (5)وخلافاً لشيخنا الأُستاذ ( قدس
1) كذا في الحدائق [ 2 : 372 ] والموجود في الوسائل عن حماد : الماء كلّه طاهر ... نعم روى في الوسائل عن الصادق عليهالسلام كل ماء طاهر ، إلاّ أنّ ذيله ؛ إلاّ ما علمت أنه قذر ، لا حتى يعلم أنه قذر فليراجع.
2) الوسائل 1 : 133 / أبواب الماء المطلق ب 1 ح 1.
3) الوسائل 3 : 467 / أبواب النجاسات ب 37 ح 4.
4) الحدائق 2 : 372.
5) فصل في كفّارة الصوم قبل المسألة [2470].
سرهما ) في هامشها (1)وكذا قلنا بعدم ترتب الكفارة على ارتكاب محرمات الإحرام جهلاً بحكمها أو بموضوعها ، وبارتفاع الحد عن ارتكاب المحرم إذا كان عن جهل بحكمه أو بموضوعه.
وقد ورد في موثقة ابن بكير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « في رجل شرب الخمر على عهد أبي بكر وعمر واعتذر بجهله بالتحريم ، فسألا أمير المؤمنين عليهالسلام فأمر عليهالسلام بأن يدار به على مجالس المهاجرين والأنصار وقال من تلا عليه آية التحريم فليشهد عليه ففعلوا ذلك ، فلم يشهد عليه أحد فخلّى سبيله » (2)بلا فرق في ذلك بين المقصر والقاصر ولا بين الجهل بالحكم والجهل بالموضوع إلاّ في موارد قام الدليل فيها على عدم معذورية الجاهل ، وذلك كمن تزوج بامرأة جاهلاً بكونها في العدة فدخل بها ، لأنها بذلك تحرم عليه مؤبداً ، إلى غير ذلك من الموارد ، فعموم هذه الأخبار وإطلاقها هو المحكّم في غير موارد الاستثناء.
نعم ، لا مناص من تقييدها بما إذا كان العمل والارتكاب بعد الفحص في الشبهات الحكمية ، لدلالة الأدلة على أن الأحكام الواقعية متنجزة على المكلفين قبل الفحص إلاّ أنها غير منطبقة على المقام ، وذلك لأن مقتضاها إنما هو ارتفاع المؤاخذة والعقاب عما ارتكبه جاهلاً من فعل المحرمات أو ترك الواجبات ، وارتفاع الآثار المترتبة عليه من كفّارة أو حد أو غيرهما من الآثار ، ومن البيّن أن وجوب الإعادة أو القضاء ليس من الآثار المترتبة على التوضؤ بالماء المتنجس ، بل إنما هما من آثار بقاء التكليف الأول وعدم سقوطه عن ذمة المكلف ، ومن آثار فوات الواجب في ظرفه ، ولا يترتب شيء منهما على التوضؤ بالماء النجس حتى يحكم بارتفاعهما. نعم ، نحكم بارتفاع الحرمة والمؤاخذة عن ارتكابه فحسب. وعلى الجملة إنما يرتفع بها الآثار المترتبة على
الفعل أو الترك الصادر منه جهلاً دون ما لم يكن كذلك كالاعادة أو القضاء ، وكتنجس يده المترتب على ملاقاة النجس ونحوه ، فالتطبيق في غير محله.
وأما ما ذكره في الوجه الثاني فلاندفاعه :
أوّلاً بأن قوله عليهالسلام « حتى تعلم أنه قذر » أدل دليل على ثبوت النجاسة والقذارة في ظرف الجهل وعدم العلم ، لبداهة أنه لولا ثبوتهما قبل العلم بهما فبأيّ شيء يتعلق علمه في قوله « حتى تعلم » فلا مناص من التزام ثبوت النجاسة قبل ذلك واقعاً ، وهي قد يتعلق بها العلم وقد لا يتعلق ، وعليه فمفاد الروايتين إنما هو الطهارة الظاهرية الثابتة في ظرف الشكّ في النجاسة ، وحيث إن وضوءه قد وقع بالماء النجس واقعاً ، فلا مناص من الحكم بالفساد والبطلان ولزوم إعادة ما أتى به من الصلوات بعده أو قضائها ، لأن الاجتزاء بما أتى به من الصلوات الفاسدة يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه ، ومقتضى القاعدة لزوم الإعادة في الوقت والقضاء في خارجه.
وثانياً بأنّا نقطع أن صاحب الحدائق قدسسره بنفسه لا يلتزم بما أفاده في المقام فما ظنك بغيره ، وذلك لأنّا إذا غسلنا ثوباً متنجساً بماء مشكوك الطهارة والنجاسة مع فرض كونه نجساً واقعاً ، فهل يفتي صاحب الحدائق بالطهارة في مثله حتى بعد الانكشاف والعلم بقذارة الماء حال الغسل به ، بحيث لا يحكم بنجاسة ما أصابه ذلك الثوب أو ذلك الماء حال الجهل بنجاسته ، بدعوى أن تطهير الثوب المتنجس يتوقّف على غسله بالماء الطاهر ، والغسل محرز بالوجدان وطهارة الماء ثابتة بالتعبّد على ما ادعاه ، وهذا مما لا يحتمل صدوره عمن هو دونه فضلاً عن مثله ( قدس اللّه إسراره ).
وثالثاً بأن ما أفاده قدسسره إذا كان تماماً في قوله « الماء كله طاهر ... » أو « كل شيء نظيف ... » فلما ذا لا يلتزم به في قوله عليهالسلام « كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام » (1)بأن يدعى أن الحرمة ممّا لا واقعية له ، وإنما هي أمر اعتباري
1) الوسائل 17 : 89 / أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 4 ، 25 : 118 / أبواب الأطعمة المباحة ب 61 ح 7 ، 24 : 236 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 64.
اعتبرها الشارع بعد العلم بها ، ومن البعيد جدّاً أن يلتزم بتوقّف الحرمة على العلم بها. مع أن وزانه وزان قوله « الماء كله طاهر ».
وهذا ، على أنّا لو سلمنا كلا الوجهين وبنينا على صحة انطباق الروايات الواردة في معذورية الجاهل على ما نحن فيه ، وعلى أن النجاسة إنما تثبت بالعلم بها ، أيضاً لا يمكننا الالتزام بما أفاده في المقام ، وذلك للنص الخاص الذي دلّ على وجوب إعادة الصلاة أو قضائها فيما إذا توضأ بالماء النجس جاهلاً ، ومع وجود النص الصريح كيف يمكن العمل على طبق القاعدة ، وهو موثقة عمار الساباطي « أنه سأل أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل يجد في إنائه فأرة وقد توضأ من ذلك الإناء مراراً أو اغتسل منه أو غسل ثيابه وقد كانت الفأرة متسلخة ، فقال إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ويعيد الوضوء والصلاة ، وإن كان إنما رآها بعد ما فرغ من ذلك وفعله فلا يمس من ذلك الماء شيئاً وليس عليه شيء ، لأنه لا يعلم متى سقطت فيه ثم قال : لعلّه أن يكون إنما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها » (1).
فانّ تعليله الحكم بقوله « لأنه لا يعلم متى سقطت فيه » كالصريح في أنه لو كان علم سقوطها فيه قبل الوضوء أو الاغتسال أو غسل الثوب وجبت عليه إعادة الوضوء والصلاة ولزم أن يغسل ثيابه وكل ما أصابه ذلك الماء ، وإنما لم يجب عليه ذلك لاحتمال وقوعها في الماء في تلك الساعة التي رآها.
ثم إن الرواية تعم ما إذا انكشفت نجاسة الماء قبل خروج وقت الصلاة وما إذا كان الانكشاف بعد خروجه ، وذلك لقوله « قد توضأ من ذلك الإناء مراراً أو اغتسل منه أو غسل ثيابه » لأن الوضوء مراراً أو الاغتسال وغسل الثياب كذلك لعطفهما على الوضوء مراراً قبل خروج وقت الصلاة مما لا يتحقق عادة. والعجب منه قدسسره كيف لم يلتفت إلى وجود النص في المقام والتزم بما نقلناه عنه.
1) الوسائل 1 : 142 / أبواب الماء المطلق ب 4 ح 1.
وكذا طهارة مواضع الوضوء ويكفي طهارة كل عضو قبل غسله ، ولا يلزم أن يكون قبل الشروع تمام محالّه طاهراً ، فلو كانت نجسة ويغسل كل عضو بعد تطهيره كفى. ولا يكفي غسل واحد (1)بقصد الإزالة والوضوء وإن كان برمسة في الكر أو الجاري (1).
(1) اعتبار الطهارة في مواضع الوضوء وإن نسب إلى المشهور ، إلاّ أنه مما لم ينص عليه في الأخبار ، ومن هنا وقع الكلام في مدرك الحكم بالاعتبار ، وأنه لماذا لم يجز تطهير المواضع المذكورة بالغسلة الوضوئية نفسها.
واستدل على اعتبار الطهارة فيها بوجوه :
الأوّل : أن يستفاد حكم المسألة مما ورد في كيفية غسل الجنابة من لزوم غسل الفرج أوّلاً ثم الشروع في الاغتسال ، بأن يقال : إنه لا وجه لذلك إلاّ اعتبار طهارة المحل في حصول الطهارة المعتبرة في الصلاة ، ولا يفرق في ذلك بين الغسل والوضوء.
ويندفع أولاً بأن المسألة في الغسل غير مسلمة فما ظنك بالوضوء. وثانياً بأن الغسل أمر والوضوء أمر آخر ، فكيف يمكن أن يستفاد الوظيفة في أحدهما من بيان الوظيفة في الآخر ، وهل هذا إلاّ القياس وهو مما لا نقول به.
الثاني : أن المحل إذا كان متنجساً قبل الوضوء فلا محالة ينفعل الماء الوارد عليه بالملاقاة ، وقد أسلفنا اعتبار الطهارة في ماء الوضوء وقلنا إن الوضوء بالماء المتنجس باطل ، إذن لا بدّ من تطهير مواضع الوضوء أوّلاً حتى لا يتنجس الماء بالمحل ويقع الوضوء صحيحاً.
وهذا الوجه وإن كان لا بأس به في نفسه إلاّ أنه لا يصحح الحكم بلزوم طهارة المحل على وجه الإطلاق ، بل لا بدّ من إخراج التوضؤ بالمياه المعتصمة ، كما إذا توضأ
1) (*) الظاهر كفايته إلاّ فيما إذا توضأ بماءٍ قليل وحكم بنجاسته بملاقات المحلّ.
بماء المطر أو بالارتماس في الكر أو غيرهما من المياه المعتصمة ، لبداهة أن الماء وقتئذٍ باق على طهارته وإن لاقى المحل المتنجس ، ومع طهارة الماء لا وجه للحكم ببطلان الوضوء ، كما أن الوضوء إذا كان بالماء القليل لا بدّ في الحكم باعتبار طهارة المحل من القول بنجاسة الغسالة من حين ملاقاتها مع المتنجس ، إذ لو قلنا بطهارتها مطلقاً أو في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل كما هو الصحيح ، أو قلنا بنجاستها بعد الانفصال عن المتنجس لا قبله ، لم يكن وجه للمنع عن الوضوء ، لفرض عدم انفعال الماء بالصبّ على الموضع المتنجس إما مطلقاً كما على الأول أو فيما إذا كانت متعقبة بطهارة المحل كما على الثاني كالغسلة الاولى في المتنجس بما لا يعتبر في غسله التعدّد ، أو الغسلة الثانية فيما يعتبر التعدّد في غسله ، فاذا نوى الوضوء في الغسلة الثانية لم يحكم عليه بالبطلان ، لعدم نجاسة الماء حال كونه في اليد أو في غيرها من الأعضاء.
وكيف كان ، لا بدّ على هذا الوجه من التفصيل بين ما إذا كان الماء معتصماً كالكر والمطر وكونه غير معتصم ، وعلى الثاني أيضاً يفصّل بين كون الغسالة متنجسة ما دامت في المحل وكونها طاهرة ، فيلتزم باشتراط الطهارة في المحل فيما إذا كان الماء غير معتصم وكون الغسالة متنجسة في المحل.
الثالث : أصالة عدم التداخل ، وحيث إنّا أُمرنا بغسل المتنجس وتطهيره كما أُمرنا بغسلة الوضوء ، وكل منهما سبب تام لوجوب غسل المحل وقد تحقق السببان معاً وجب الغسل متعدِّداً ، لأن كل سبب يؤثر في إيجاب مسببه مستقلا ، ومعه لا بدّ من غسل مواضع الوضوء أوّلاً ثم الإتيان بغسلة الوضوء ، فان الاكتفاء بالغسلة الواحدة لرفع كل من الحدث والخبث على خلاف الأصل ، وهو أصالة عدم التداخل كما مرّ.
ولا يمكن المساعدة على هذا الاستدلال بوجه ، وذلك لأن عدم التداخل أو التداخل إنما هو فيما إذا كان الأمران مولويين ، كما إذا وجبت كفارتان من جهة الإفطار في نهار شهر رمضان ومن جهة حنث النذر مثلاً ، فيأتي وقتئذٍ مسألة التداخل وعدمه ، فيقال إن كُلا من الأمرين يستدعي امتثالاً مستقلا فتجب عليه كفارتان والاكتفاء بالكفارة الواحدة خروجاً عن عهدة كلا الأمرين على خلاف الأصل ، فإن
الأصل عدم التداخل.
وأمّا إذا لم يكن الأمران مولويين كما في المقام ، إذ الأمر بغسل المتنجس إرشادي لا محالة ، لكونه إرشاداً إلى النجاسة وأنها مما ترتفع بالغسل ، فلا مجال فيه لهذه الأصالة وعدمها ، فإن الأمر بالغسل قد يكون إرشاداً إلى أمر واحد وقد يكون إرشاداً إلى أمرين : أعني النجاسة وكونها مما يزول بالغسل ، والأوّل كما إذا فرغنا عن نجاسة شيء فورد الأمر بغسله كما في موثقة (1)عمّار « يُسأل عن الإناء كيف يغسل وكم مرة يغسل؟ قال : يغسل ثلاث مرات ... » (2)لأن الأمر بالغسل إرشاد إلى أن نجاسته مما تزول بالغسل. والثاني كما إذا لم يعلم نجاسة الشيء قبل ذلك وورد الأمر بغسله ابتداء كما في قوله عليهالسلام « اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » (3)لأن الأمر بالغسل في مثله إرشاد إلى نجاسة أبوال ما لا يؤكل لحمه ، وإلى أن نجاسته مما يزول بالغسل ، ومن الظاهر أن طهارة المتنجس بالغسل مما لا يتوقف على القصد ، بل يطهر بمجرد وصول الماء إليه وتحقق غسله ، وعليه فاذا صبّ الماء على العضو المتنجس قاصداً به الوضوء حصلت بذلك طهارته أيضاً كما يتحقق به الوضوء ، بل الأمر كذلك حتى فيما إذا قصد به الوضوء ولم يقصد به الإزالة أصلاً ، كما إذا لم يكن ملتفتاً إلى نجاسته.
نعم ، يبقى هناك احتمال أن تكون الغسلة الوضوئية مشروطة بطهارة المحل قبلها ، فلا يكتفى بطهارته الحاصلة بالوضوء ، ولكنه يندفع بإطلاقات الأمر بغسل الوجه واليدين في الآية المباركة والروايات المشتملة على الأمر بغسلهما ، لعدم تقييد الغسل فيها بطهارة المحل قبل ذلك.
1) على ما حقّقه سيِّدنا الأُستاذ ( مدّ ظله ) من أن الصحيح في سندها محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال لا كما في التهذيب [ 1 : 284 / 832 ] والوسائل أعني رواية محمد ابن أحمد بن يحيى عن أحمد بن يحيى وإلاّ فأحمد بن يحيى مجهول فليلاحظ.
2) هو مضمون موثقة عمار المروية في الوسائل 3 : 496 / أبواب النجاسات ب 53 ح 1.
3) الوسائل 3 : 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2.
نعم لو قصد الإزالة بالغمس والوضوء بإخراجه كفى (1)ولا يضر تنجس عضو بعد غسله وإن لم يتم الوضوء (1).
وعليه فالصحيح اشتراط طهارة الأعضاء قبل الوضوء فيما إذا كان التوضؤ بالماء القليل وكانت الغسلة غير متعقبة بطهارة المحل ، كما في الغسلة الأُولى فيما إذا كانت متنجسة بما يعتبر التعدد في إزالته لاستلزام نجاسة الأعضاء وقتئذٍ نجاسة الماء الوارد عليها وهي قادحة في صحة الوضوء كما مر.
وأمّا إذا كان التوضؤ بشيء من المياه المعتصمة أو كان بالماء القليل وكانت الغسالة متعقبة بطهارة المحل ، كما إذا لم تكن النجاسة مما يعتبر تعدد الغسل في إزالتها ، أو كان معتبراً إلاّ أنه قصد التوضؤ بالغسلة الثانية المتعقبة بطهارة المحل ، فلا يشترط طهارة الأعضاء قبل التوضؤ كما لا يخفي.
وقد سقط في تعليقات سيدنا الأُستاذ ( مدّ ظله ) تفصيل هذه المسألة ، حيث إن السيد قدسسره في أحكام غسل الجنابة اعتبر طهارة البدن قبل غسلها (2)وعلّق عليه سيدنا الأُستاذ ( دام ظله ) بقوله : مرّ تفصيلها في الوضوء ، ولم يتقدم عنه هذا التفصيل في تعليقاته على مسائل الوضوء وهو سقط مطبعي (3).
(1) ما أفاده قدسسره متين بالنسبة إلى رفع غائلة نجاسة المحل ، وهو كاف في صحة الوضوء مع قطع النظر عما أشرنا إليه سابقاً من أن الظاهر المستفاد من الأخبار الآمرة بالغسل في الوضوء والغسل إنما هو إيجاد الغسل وإحداثه ، وأما الغسل بحسب البقاء فهو غير كاف في صحته ، وحيث إن الغسل بإخراج العضو من الماء ليس
[540] مسألة 1 : لا بأس بالتوضؤ بماء القليان ما لم يصر مضافاً (1).
[541] مسألة 2 : لا يضر في صحة الوضوء نجاسة سائر مواضع البدن بعد كون محالّه طاهرة. نعم الأحوط عدم ترك الاستنجاء قبله (2).
باحداث للغسل وإنّما هو إبقاء له ، والإحداث إنما كان بإدخاله العضو في الماء ، فلا يمكن الاكتفاء به في الحكم بصحة الوضوء.
(1) هذه المسألة لا تناسب المسائل الراجعة إلى اشتراط طهارة الماء أو الأعضاء في الوضوء ، فكان الأولى والأنسب أن يعنون المسألة باشتراط طهارة ماء الوضوء وعدم تغيّره بشيء من أوصاف النجس ثم يذكر أن التغيّر بغير أوصاف النجس كتغيّر ماء القليان بالدخان غير قادح في صحته ما دام لم يصر مضافاً.
(2) هذا الاحتياط احتياط استحبابي ، والمنشأ فيه ما ورد في بعض النصوص من الأمر بإعادة الوضوء في من ترك الاستنجاء نسياناً (1)وحمل الوضوء فيها على الاستنجاء كما عن بعضهم خلاف ظاهر الروايات ، إذن تدلنا هي على اشتراط الاستنجاء في صحة الوضوء.
وقد ورد في مقابلها عدة روايات فيها صحاح وموثقة دلت على عدم بطلان الوضوء بترك الاستنجاء ، والجمع بينهما بحمل الأمر بإعادة الوضوء في الطائفة الأُولى على الاستحباب غير صحيح ، لأنه إنما يصح فيما إذا كان الأمر في المتعارضين مولوياً وليس الأمر كذلك ، لأن الأمر بالإعادة في الطائفة الأُولى إرشاد إلى بطلان الوضوء واشتراطه بالاستنجاء.
1) الوسائل 1 : 317 / أبواب أحكام الخلوة ب 10 ح 1 ، 5 ، 296 / أبواب نواقض الوضوء ب 18 ح 8 ، 9.
[542] مسألة 3 : إذا كان في بعض مواضع وضوئه جرح لا يضره الماء ولا ينقطع دمه فليغمسه بالماء وليعصره قليلاً حتى ينقطع الدم آناً ما ، ثم ليحركه بقصد الوضوء (1)مع ملاحظة الشرائط الأُخر ، والمحافظة على عدم لزوم المسح بالماء الجديد إذا كان في اليد اليسرى ، بأن يقصد الوضوء بالإخراج من الماء (1).
الثالث : أن لا يكون على المحل حائل يمنع وصول الماء إلى البشرة (2)
وعليه فالصحيح في الجمع بينهما حمل الطائفة الآمرة بالإعادة على التقيّة ، وإلاّ فهما متعارضتان ولا بدّ من الحكم بتساقطهما والرجوع إلى إطلاقات أدلة الوضوء كما في الآية المباركة والروايات ، لعدم تقييد الأمر بالغسل فيها بالاستنجاء ، فمقتضى الإطلاقات عدم اشتراط الاستنجاء في الوضوء.
(1) قد عرفت غير مرّة أن المأمور به في الوضوء إنما هو إحداث الغسل وإيجاده ولا يكفي فيه الغسل بقاءً ، ومنه يظهر الحال فيما إذا قصد الوضوء بإخراج يده من الماء.
نعم ، هناك طريقة اخرى وهي أن يضع يده على موضع الجرح ويدخلها في الماء ويحرّك يده حتى يدخل الماء تحتها ثم يخرجها عنه ويغسل بقية المواضع أعني المقدار الباقي من اليد في الخارج بصبّ الماء عليه.
(2) فان الوضوء غسلتان ومسحتان ، فكما أنه لا بدّ في المسحتين من وقوع المسح على نفس البشرة ولا يكفي المسح على الحائل على ما عرفت تفصيله ، فكذلك الحال في الغسلتين.
1) (*) فيه إشكال ، نعم لا بأس بأن يضع يده مثلاً على موضع الجرح ثم يجرّها إلى الأسفل ليجري الماء على موضع الجرح.
ولو شكّ في وجوده يجب الفحص حتى يحصل اليقين أو الظن بعدمه (1)، ومع العلم بوجوده يجب تحصيل اليقين بزواله (1).
الرابع : أن يكون الماء وظرفه (2)ومكان الوضوء (3)ومصبّ مائه مباحاً (2)
(1) لا اعتبار بالظن بالعدم ، لأن مقتضى قاعدة الاشتغال لزوم العلم بالفراغ والخروج عن عهدة التكليف المتيقن ، وعليه لا مناص من الفحص حتى يحصل له العلم أو الاطمئنان بوصول الماء إلى البشرة وزوال الحاجب ، أو تقوم على ذلك أمارة معتبرة شرعاً.
فلا وجه للتفرقة بين موارد الشك في الحاجب وموارد العلم بوجوده كما صنعه الماتن قدسسره واعتبر تحصيل اليقين بزواله عند العلم بالوجود واقتصر على الظن بالعدم عند الشك في وجوده ، فان الصحيح كما عرفت إنما هو تحصيل الحجة المعتبرة على زوال المانع ووصول الماء إلى البشرة ، لأن استصحاب عدم الحاجب لا يترتب عليه الحكم بالوصول إلاّ على القول بالأُصول المثبتة.
والسيرة على عدم الاعتناء بالشك في وجود الحائل مما لا أساس له ، فلا مناص من الاستناد إلى حجة معتبرة من الاطمئنان أو غيره كما مرّ ، بلا فرق في ذلك بين الصورتين : أعني صورة العلم بوجود الحائل وصورة الشك في وجوده.
(2) أمّا اعتبار إباحة الماء في صحة الوضوء فهو مما لا إشكال فيه ولا خلاف ، لأن
الماء إذا كان مغصوباً محرماً حرم جميع التصرفات الواقعة فيه ، ومن جملتها غسل مواضع الوضوء به ، وإذا حرم الغسل به استحال أن يكون متصفاً بالوجوب ، وذلك لأن حرمة التصرّف في المغصوب انحلالية وقد ثبتت على كل واحد من أنحاء التصرفات في الماء ، ومقتضى الأمر بطبيعي الوضوء والغسل وإن كان هو الترخيص في تطبيقه على أيّ فرد شاءه المكلف خارجاً ، إلاّ أن من الظاهر أن الترخيص في التطبيق يختص بالأفراد غير المحرمة ، إذ لا معنى للترخيص في الحرام ، فلا يجوز تطبيق الطبيعي المأمور به في الوضوء والغسل على الغسل بالماء المغصوب ، فإذا توضأ بالماء الغصبي بطل وضوءه لا محالة.
ثم لا يخفى أن الحكم بفساد الوضوء من الماء المغصوب غير مبتن على مسألة جواز اجتماع الأمر والنهي واستحالته ، وإن نسب إلى الكليني قدسسره جواز التوضؤ بالماء المغصوب (1)ولعلّه استند في ذلك إلى جواز اجتماع الأمر والنهي.
والوجه في عدم ابتناء هذه المسألة على تلك المسألة ، هو أن مسألة جواز الاجتماع وامتناعه إنما هي فيما إذا كان هناك عنوانان قد تعلق بأحدهما الأمر وتعلق النهي بالآخر وتصادق كل من العنوانين على شيء واحد خارجاً ، فإنه يتكلّم وقتئذٍ في أن ذلك المجمع للحرمة والوجوب هل هو موجود واحد حقيقة حتى يحكم بالامتناع لعدم إمكان أن يكون شيء واحد واجباً وحراماً في وقت واحد ، أو أنه موجود واحد بالإشارة إلاّ أنه في الحقيقة أمران قد انضم أحدهما بالآخر حتى يحكم بالجواز كما في الصلاة والغصب المنطبقتين على الصلاة في الدار المغصوبة. وأما إذا تعلق الأمر بشيء كالغسل في الوضوء وتعلق عليه النهي أيضاً لكونه غصبياً ، فلا ينبغي الإشكال في خروجه بذلك عن الوجوب ، سواء قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي أم بالامتناع وذلك للعلم باتحاد متعلّق الأمر والنهي ، فان الغسل بعينه تصرف مبغوض.
وبعبارة أُخرى : إذا تعلّق النهي بشيء وكان من أحد مصاديقه هو ما تعلق الأمر بطبيعيه ، كان النهي مقيّداً لما تعلّق به الأمر بغير ذلك الفرد الذي وقع مصداقاً
1) حكى عنه في المستمسك 2 : 426.
فلا يصح لو كان واحد منها غصباً من غير فرق بين صورة الانحصار وعدمه ، إذ مع فرض عدم الانحصار وإن لم يكن مأموراً بالتيمم إلاّ أنّ وضوءه حرام من جهة كونه تصرّفاً أو مستلزماً للتصرّف في مال الغير فيكون باطلاً.
للمنهي عنه ، لأن النهي انحلالي ، والنهي عن فرد من أفراد الطبيعة المأمور بها يوجب تقيد متعلّق الأمر بغير ذلك الفرد لا محالة ، وهذا من دون فرق بين صورتي انحصار الماء به وعدمه.
وأما إباحة الظرف أو المكان أو مصب ماء الوضوء فالصحيح أن يفصّل فيها بين صورتي الانحصار وعدمه.
فاذا فرضنا أن الماء منحصر بالماء الموجود في الإناء المغصوب ، أو المكان أو المصب منحصر بالمغصوب منهما حكم ببطلان الوضوء ، لأنه تصرّف في ماء الغير من دون إذنه ، أو أن الماء ملكه أو مباح له والتصرف فيه سائغ إلاّ أن التوضؤ به مستلزم للحرام ، لأن أخذه والاغتراف به من إناء الغير محرّم مبغوض فلا يتعلق به الأمر وينتقل فرضه إلى التيمم.
وكذلك الحال فيما إذا كان التوضؤ به مستلزماً للتصرف في مكان الغير أو في المصب المغصوب وكل ذلك تصرف حرام.
وأما إذا فرضنا عدم الانحصار لا في الماء ولا في المكان والمصب ، بأن كان له ماء آخر مباح أو مكان أو مصب مباحان فالصحيح صحة الوضوء حينئذٍ كما مر في التكلّم على أواني الفضة والذهب فلاحظ (1)والوجه فيه أن المحرم إنما هو مقدّمة الوضوء أعني الاغتراف من إناء الغير ، وأما الماء فهو مباح التصرّف له على الفرض
1) شرح العروة 4 : 305.
ومن هنا لو أفطر في نهار شهر رمضان بذلك الماء لم يكن إفطاراً بالحرام. فاذا كان الماء مباحاً له فله أن يتوضأ منه كما له أن يصرفه في غيره من الأُمور ، والمفروض أنه مكلف بالوضوء لعدم انحصار الماء بما يستلزم الوضوء منه تصرّفاً حراماً ، وحرمة المقدّمة لا تسري إلى ذي المقدمة.
وكذا الحال فيما إذا كان المكان محرماً ، لأن الغسل المأمور به الذي هو بمعنى مرور الماء على أعضائه مما لا حرمة له ، وإن كانت مقدمته كتحريك اليد تصرفاً في ملك الغير وهو حرام ، إلاّ أن حرمة التحريك والمكان لا تسري إلى الغسل الذي فسّرناه بمرور الماء على أعضائه.
وكذا فيما إذا كان المصبّ مغصوباً ، لأن الوضوء وصبّ الماء على العضو ومروره عليه كان مستلزماً لوقوع قطراته على المصبّ المغصوب وهو كالعلة التامّة للتصرّف الحرام ، إلاّ أنّا قدمنا في محلِّه أن المقدّمة لا تتصف بالوجوب فضلاً عن أن تكون محرّمة ، ولو كانت كالعلّة التامّة للوقوع في الحرام.
وعليه فالوضوء وإن كان مستلزماً للتصرف الحرام إلاّ أنه لا يتصف بالحرمة ومعه لا مانع من الامتثال به ووقوعه مصداقاً للواجب ، وإن كان الأحوط هو الاجتناب لوجود القائل بالحرمة والبطلان ، هذا.
وقد قدّمنا في التكلّم على أواني الفضة والذهب أن الوضوء في مفروض الكلام محكوم بالصحّة حتى في صورة الانحصار فيما إذا كان الإناء مغصوباً أو كان المصب أو المكان محرّماً (1)وذلك لأن القدرة المعتبرة في الواجبات إنما هي القدرة التدريجية والمفروض في محل الكلام أن المكلّف قادر ومتمكن من الماء المباح وكذا من التوضؤ بعد الاغتراف ، فالقدرة على الماء والوضوء تحصل له بالتدريج حسب تدريجية الغرفات ، وإن كان كل واحد من اغترافاته محرّماً وتصرفاً في مال الغير من دون رضائه.
1) شرح العروة 4 : 302.
نعم لو صبّ الماء المباح من الظرف الغصبي في الظرف المباح ثم توضّأ لا مانع منه (1) وإن كان تصرّفه السابق على الوضوء حراماً. ولا فرق في هذه الصورة بين صورة الانحصار وعدمه ، إذ مع الانحصار وإن كان قبل التفريغ في الظرف المباح مأموراً بالتيمم إلاّ أنه بعد هذا يصير واجداً للماء في الظرف المباح ، وقد لا يكون التفريغ (1)أيضاً حراماً كما لو كان الماء مملوكاً له وكان إبقاؤه في ظرف الغير تصرفاً فيه ، فيجب تفريغه حينئذٍ فيكون من الأول مأموراً بالوضوء ولو مع الانحصار (2).
إذن المكلّف قادر من الماء والتوضؤ به على تقدير ارتكابه المعصية وهي الاغتراف ، وعليه فلا فرق بين صورتي الانحصار وعدمه إلاّ في أن المكلّف مأمور بالوضوء في صورة عدم الانحصار ، وأمّا في صورة الانحصار فله أن يختار التيمم من دون أن يرتكب المعصية بالاغتراف ويكلف بالوضوء.
(1) لصيرورته بالتفريغ متمكناً من الوضوء بالماء المباح بالتكوين وإن كان غير قادر عليه قبله ، وذلك لحرمة التصرف في إناء الغير بالتفريغ ، والممتنع شرعاً كالممتنع عقلاً ، ومن هنا وجب عليه التيمم في صورة الانحصار.
(2) ما أفاده قدسسره إنما يتم فيما إذا كان إشغال ظرف الغير غير مستند إلى اختياره ، أو كان مستنداً إلى سوء الاختيار إلاّ أنّا بنينا على أن الامتناع بالاختيار كالامتناع بغير الاختيار ينافي الاختيار ، لأن مالك الماء مكلّف وقتئذٍ بتفريغ إناء الغير ، لما فرضنا من أن بقاء ماله في الإناء مما يصدق عليه التصرف لدى العرف وإن لم يكن مستنداً إلى اختياره ، ولا يحرم عليه التصرّف فيه بالتفريغ ، لعدم استناده إلى اختياره ، أو على فرض أنه مستند إليه بنينا على ان الامتناع ولو بالاختيار يوجب سقوط الحرمة وارتفاعها ، والمكلّف على هذا يكون متمكِّناً من الماء فيجب عليه الوضوء من الابتداء.
1) (*) على تفصيل في استحقاق العقاب وعدمه.
[543] مسألة 4 : لا فرق في عدم صحّة الوضوء بالماء المضاف أو النجس أو مع الحائل بين صورة العلم والعمد والجهل أو النسيان (1) ، وأمّا في الغصب فالبطلان مختص (1)بصورة العلم والعمد (2) سواء كان في الماء أو المكان أو
وأمّا إذا كان التصرف في إناء الغير وإشغاله مستنداً إلى سوء اختياره كما هو الغالب في الغاصبين ، وبنينا في محله على أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار كما هو الصحيح فلا يتم ما أفاده الماتن بوجه ، لأنه وقتئذٍ محرم التصرف في إناء الغير بالحرمة السابقة على الامتناع ومعه لا يتمكن من تفريغ الإناء كما لا يتمكن من إبقائه بحاله ، لأنه أيضاً معدود من التصرف في مال الغير على الفرض فلا يحكم على تفريغ الإناء بالوجوب. بل لو فرّغه لارتكب محرماً من المحرمات وإن كان العقل يلزمه بالتفريغ لأنه أقل الضررين وأخف القبيحين ، فهو مأمور به عقلاً ومحرم عليه شرعاً. وكيف كان فسواء كان تفريغه محرماً أم لم يكن فهو بعد ما فرّغ الإناء واجد للماء ومتمكن من الوضوء ، فلا بدّ من الحكم بوجوبه في حقه.
(1) بمعنى أن شرطية الإطلاق والطهارة وعدم الحائل شرطية واقعية ثابتة في كلتا حالتي العلم والجهل الشامل للنسيان أيضاً.
(2) فتكون شرطية الإباحة في الماء والمكان والمصب ذُكرية فلا اشتراط عند الجهل والنسيان ، وتفصيل الكلام في هذا المقام : أن الماتن ذهب إلى أن الإباحة في كل
1) (*) لا فرق فيما حكم فيه بالبطلان بين صورتي العلم والجهل في موارد الشبهات الحكمية والموضوعية ، وأما موارد النسيان فان كان الفعل فيها مبغوضاً كما في نسيان الغاصب ونحوه فالظاهر بطلان الوضوء معه أيضاً ، وإلاّ فيحكم بصحته ، ويجري هذا التفصيل في المسألة الآتية أيضاً.
المصبّ ، فمع الجهل بكونها مغصوبة أو النسيان لا بطلان ، بل وكذا مع الجهل بالحكم أيضاً إذا كان قاصراً ، بل ومقصراً أيضاً إذا حصل منه قصد القربة ، وإن كان الأحوط مع الجهل بالحكم خصوصاً في المقصّر الإعادة.
من الماء والمكان والمصب إنما تشترط في صحة الوضوء حال العلم بغصبيتها وحرمتها ، وهي شرط ذكرى ليست كبقية الشرائط المتقدمة التي هي شروط واقعية وعلى ذلك لا اشتراط في حالتي الجهل والنسيان ، بلا فرق في ذلك بين الجهل بالحكم والجهل بالموضوع ، بل بلا فرق بين القاصر والمقصّر في الجاهل بالأحكام ، لأن استحقاق العقاب في الجاهل المقصّر لا ينافي صحة الوضوء منه حال الجهل بحرمة الغصب ، لأنه قد أتى بطبيعي الغسل وتمشى منه قصد القربة لجهله بحرمته ، ومعهما يتم عمله ويصح وضوءه وإن استحق بذلك العقاب أيضاً.
هذا ما ذهب إليه الماتن في المقام ، وهو وإن كان موافقاً للمشهور في غير التعدِّي إلى الجاهل المقصِّر لأن المشهور قد ألحقوه بالعالم المتعمد في الترك ، وأمّا عدم مانعية الغصب في غير صورة العلم به فهو المعروف والمشهور بين الأصحاب ( قدس اللّه أسرارهم ) بلا فرق في ذلك بين الشبهات الحكمية والموضوعية. وقد ادّعى صاحب مفتاح الكرامة قدسسره على ما يبالي الإجماع على صحّة الوضوء عند الجهل بحرمة الغصب أو الجهل بموضوعه الذي هو الغصب (1).
إلاّ أن ما أفاده قدسسره مما لا يمكن المساعدة عليه ، أمّا بالإضافة إلى التعدِّي إلى الجاهل المقصّر ، فيتوجّه عليه : أن المقصّر وإن كان قد تمشى منه قصد القربة إلاّ أن العمل مما لا يمكن التقرّب به واقعاً لمبغوضيته وحرمته ، فهو غير قابل للمقربية بحسب الواقع ولأجل ذلك يستحق العقاب ، لأن العقاب إنما هو على نفس عمله الحرام لا على تركه التعلم أو غير ذلك ، ومع كون العمل موجباً للعقاب ومبغوضية صدوره من
1) مفتاح الكرامة 1 : 303.
فاعله كيف يمكن أن يكون مقرّباً إلى اللّه سبحانه ، فهل يكون المبغوض محبّباً والمبعّد مقرّباً.
وأمّا بالإضافة إلى الجاهل القاصر ، فلأن الإجماع المدعى على صحّة الوضوء منه لا يحتمل أن يكون إجماعاً تعبدياً كاشفاً عن رضى المعصوم ورائه ، وإنما هو مستند إلى ما زعموه في محل الكلام من أن المورد من موارد اجتماع الأمر والنهي ، لأن الغسل بماء الغير واجب من جهة ومحرم من جهة أُخرى ، فإذا كانت الحرمة متنجزة لكونها واصلة إلى المكلف فلا محالة نبني على بطلان الوضوء والعبادة ، لما عرفت من أن الحرام والمبغوض لا يقع مصداقاً للواجب والمحبوب ، ومع العلم بهما لا يمكن قصد التقرّب بالعمل. وأمّا إذا لم تتنجّز الحرمة ولم تصل إلى المكلّف وفرضناه معذوراً في ارتكابه لأن جهله عذر مستند إلى قصوره ، فلا مانع من أن يأتي بالعمل والمجمع ويقصد به القربة حيث لا حرمة متنجزة في حقِّه حتى تمنع عن قصد التقرب وكون العمل مصداقاً للواجب.
وهذا مما لا يمكن المساعدة عليه كما تعرّضنا له مفصّلاً في الكلام على مسألة اجتماع الأمر والنهي (1)وذلك لما أشرنا إليه من أن المقام خارج عن بحث الاجتماع ، فان الغصب يحرم التصرّفات الواقعة فيه بأجمعها ومن جملتها الغسل ، فيكون الغسل مصداقاً للواجب والحرام وتركبهما اتحادي لا محالة ، بمعنى أن ما هو متعلق للنهي بعينه مصداق للواجب ومع التركب الاتحادي أعني وحدة المصداق حقيقة لا يكون المورد من موارد اجتماع الأمر والنهي ، ومعه لا مناص من أن يقيد الترخيص في تطبيق الطبيعي المأمور به على مصاديقه بغير هذا المصداق المحرم ، لاستحالة اجتماع الحرمة والوجوب في شيء واحد حقيقي ، لوضوح أن الحرام لا يمكن أن يقع مصداقاً للواجب والمبعّد لا يمكن أن يكون مقرّباً كما تقدم ، هذا كله في صورة العلم بحرمة المجمع.
وأمّا إذا لم تتنجز الحرمة على المكلّف لجهله المعذر له ، فلا ينبغي الإشكال في جواز
1) محاضرات في أُصول الفقه 4 : 295.
تصرّفاته في الماء حينئذٍ لمعذوريته ، ومن تلك التصرّفات غسله في الوضوء وتطبيقه للطبيعي المأمور به على الغسل بذلك الماء ، ومعه يجب عليه التوضؤ لتمكّنه شرعاً من الغسل.
إلاّ أن الكلام في أن هذا الترخيص في التصرّفات التي منها تطبيق الغسل المأمور به على الغسل بذلك الماء ترخيص واقعي ، وأن الحكم بوجوب الوضوء في حقِّه وجوب واقعي ، أو أن كُلاًّ من الترخيص والوجوب حكم ظاهري في حقِّه.
فان قلت : إن الوضوء واجب واقعي في حقه وهو مرخّص في التصرف في الماء بحسب الواقع ، فمعه يلزم اجتماع الوجوب والحرمة في مورد واحد واقعاً ، وذلك لأن حرمة الحرام إنما تسقط في موارد الجهل ظاهراً ، وأما الحرمة الواقعية فهي غير مرتفعة بالجهل أبداً ، لعدم دوران الحرمة الواقعية مدار العلم والجهل بها ، فهو مع الحرمة الواقعية قد اتصف بالوجوب ، واجتماع الحرمة والوجوب بحسب الواقع من الاستحالة بمكان ، وعليه فلا مناص من أن يكون الوجوب والترخيص ظاهريين قد ثبتا في ظرف الجهل بحرمته.
ومعه إذا انكشف الخلاف وعلم المكلف بغصبية الماء أو بحرمة الغصب وجبت إعادة وضوئه وصلاته ، لأن ما أتى به غير مطابق للواجب الواقعي ، ولم يقم أي دليل على إجزاء غير المأمور به عن المأمور به في المقام.
والسرّ فيما ذكرناه أن مصداق المأمور به إذا اتحد مع ما هو من مصاديق الحرام كان النهي لمكان أنه انحلالي مخصّصاً للإطلاق في دليل الواجب ومقيداً له بالإضافة إلى هذا الفرد ، لأن الحرام لا يعقل أن يكون مصداقاً للواجب والمبعّد لا يمكن أن يكون مقرّباً ، وبما أن التخصيص واقعي فلا يكون العمل مصداقاً للواجب فيقع باطلاً لا محالة ، والجهل بحرمته لا يجعله مأموراً به وإنما يكون عذراً عن عقابه فحسب هذا.
وممّا يتعجّب به في المقام ما صدر عن المحقق النائيني قدسسره حيث إنه مع
تعرضه لما ذكرناه آنفاً وبنائه على أن المحرّم إذا كان مصداقاً للواجب على نحو التركيب الاتحادي استحال أن يتعلّق به الوجوب ، لأن المبغوض والحرام لا يكونان مقرّبين ومصداقين للواجب والمحبوب ، التزم في المقام بعدم بطلان الوضوء من الماء المغصوب عند الجهل بحرمته أو بموضوعه ، واحتمال أنه مستند إلى الإجماع المدعى بعيد للقطع بعدم كونه تعبدياً ، ولعله من جهة الغفلة عن تطبيق الكبرى المذكورة على موردها هذا كلّه في الجهل بالحرمة.
وأمّا ناسي الحرمة أو الغصبية فالصحيح صحة عمله ، وذلك لأن النسيان يوجب سقوط الحرمة عن الناسي واقعاً وليس ارتفاعها ظاهرياً في حقه كما في الجاهل ، لأنّا قد ذكرنا أن الرفع في حديث الرفع بالإضافة إلى ما لا يعلمون رفع ظاهري ، وبالإضافة إلى النسيان والاضطرار وأخواتهما رفع واقعي ، وإذا سقطت الحرمة الواقعية في حق المكلف فلا يبقى أيّ مانع من أن يشمله إطلاق دليل الواجب ، لأنه عمل مرخص فيه بحسب الواقع فلا محذور في شمول الإطلاق له كما أنه صالح للتقرّب به.
وأمّا ما عن شيخنا المحقق النائيني قدسسره من أن المرتفع عن المضطر والناسي ونحوهما هو الحرمة دون ملاكها أعني المبغوضية ، ومع كون العمل مبغوضاً واقعاً لا يمكن التقرّب به ، لأن المبعّد والمبغوض لا يصلح أن يكون مقرباً ومحبوباً كما قدمناه في الجاهل المقصِّر ، فقد ظهر الجواب عنه بما سردناه في صورة الاضطرار إلى ارتكاب الحرام ، حيث قلنا إن المبغوضية والملاك وإن كانا باقيين في كلتا صورتي الاضطرار والنسيان وأمثالهما كما يقتضيه ظاهر إسناد الرفع إليهما ، لأنه إنما يصح فيما إذا كان هناك مقتض وملاك حتى يصح أن يقال إن أثره ومقتضاه مرفوع عن المضطر والناسي ونحوهما ، إلاّ أنهما غير مؤثرين في الحرمة كما هو المفروض ، لعدم حرمة العمل بحسب الواقع ، ولا أنهما مانعان عن ترخيص الشارع في ذلك العمل كما هو الحال في الناسي والمضطر وغيرهما ، والمقتضي والملاك اللّذان لا يؤثران في الحرمة ولا أنهما يمنعان عن ترخيص الشارع في ذلك العمل غير مانع عن المقرّبية وعن صحّة التقرّب به.
[544] مسألة 5 : إذا التفت إلى الغصبية في أثناء الوضوء صح ما مضى من أجزائه ويجب تحصيل المباح للباقي (1). وإذا التفت بعد الغسلات قبل المسح هل يجوز المسح بما بقي من الرطوبة في يده ويصح الوضوء أو لا ، قولان (2).
هذا كله فيما إذا كان النسيان عذراً ، وأما النسيان غير المعذّر الذي هو من قبيل الممتنع بالاختيار المستند إلى اختياره وترك تحفّظه كما في نسيان الغاصب ، فان الغالب فيه هو النسيان ، حيث إنه بعد ما غصب شيئاً ولم يردّه إلى مالكه ينسى كونه مغصوباً غالباً ، إلاّ أن نسيانه ناش عن سوء الاختيار أعني غصبه لمال الغير وعدم ردّه إلى مالكه في أوّل الأمر.
أذن فهو من قبيل أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، فهو عمل يعاقب عليه الغاصب ويصدر عنه مبغوضاً ، ومع المبغوضية الواقعية وكونه موجباً للعقاب لا يمكن التقرّب به بوجه ، لأن المبعّد يستحيل أن يكون مقرّباً ، والمبغوض لا يقع مصداقاً للواجب والمحبوب كما مرّ في الجاهل المقصر.
(1) هذا على مسلكه قدسسره من عدم بطلان وضوء الجاهل بغصبية الماء وأما بناء على ما قدمناه فلا بدّ من الحكم ببطلان ما مضى من الأجزاء المتقدمة ووجوب استئنافها بالماء المباح ، اللّهمّ إلاّ أن يكون ناسياً بنسيان عذري ، لما تقدم وعرفت من أن مصداق المأمور به إذا كان متحداً مع المنهي عنه فلا محالة يخصّص إطلاق دليل الواجب بالحرام تخصيصاً واقعياً ، ومن المعلوم أن الجهل بالحرام لا يجعل ما ليس بمأمور به مأموراً به كما تقدّم تفصيله.
(2) قد استدلّ عليه بما أشار إليه في المتن من أن النداوة الباقية من الغسل بالماء
المغصوب لا تعدّ مالاً ولا يمكن ردها إلى مالكها. والظاهر أنه لم يرد بذلك أن الرطوبة لا تعدّ مالاً ، لعدم إمكان الانتفاع بها مع بقائها على ملك مالكها ، وإلاّ لم يصح حكمه بجواز التصرّف في النداوة المذكورة بالمسح بها ، لأن المال والملك يشتركان في حرمة التصرّف فيهما من دون إذن مالكيهما. وإنما الفرق بينهما في أن الملك لا ضمان فيه كما في حبة من الحنطة والثاني فيه الضمان لمكان المالية له ، ولكن الحكم بوجوب الرد إلى المالك وحرمة التصرف وغيرهما أمر يشترك فيه كل من المال والملك ، وإن كانت الأدلة اللفظية الواردة في حرمة التصرف من دون إذن المالك واردة في خصوص المال كقوله عليهالسلام « لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيبة نفس منه » (1)إلاّ أن من الظاهر أن التصرف في ملك الغير أيضاً ظلم ومن أظهر موارد التعدي والعدوان ، فهو أيضاً محرّم ولا بدّ من ردّه إلى مالكه.
فكأنه قدسسره أراد بذلك بيان أن الماء بعد ما صرف في الغسل يعد تالفاً وينتقل الأمر فيه إلى بدله من القيمة أو المثل ، فالرطوبة في الأعضاء لا تعتبر مالاً حيث لا ينتقع به في شيء بحسب الغالب ، فالرطوبة المتحققة في التراب عند إراقة ماء الغير على الأرض لا تعتبر مالاً لمالكها كما لا تعتبر ملكاً له ، للغوية اعتبار الملك فيما لا يمكن إرجاعه إلى مالكه كما في النداوة. فإذا لم تكن الرطوبة مالاً ولا ملكاً لأحد جاز للمتوضئ أن يتصرف فيها بالمسح أو بالصلاة في الثوب المرطوب الذي قد غسل بالماء المغصوب مع بقاء الرطوبة فيه ، أو بالصلاة مع رطوبة بدن المصلي فيما إذا اغتسل بماء الغير ثم التفت إلى غصبيته قبل جفاف البدن.
وما أفاده في المقام وفيما رتبه على ذلك بقوله : إذا توضأ بالماء المغصوب عمداً ثم أراد الإعادة هو الصحيح ، فإذا توضأ أو اغتسل بماء الغير نسياناً عذريا على ما سلكناه
1) كما في موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في حديث أن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم قال : « من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها فإنه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفس منه » المروية في الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلي ب 3 ح 1.
أقواهما الأول ، لأن هذه النداوة لا تعد مالاً وليس مما يمكن رده إلى مالكه ، ولكن الأحوط الثاني. وكذا إذا توضأ بالماء المغصوب عمداً ثم أراد الإعادة هل يجب (1)عليه تجفيف ما على محالّ الوضوء من رطوبة الماء المغصوب أو الصبر حتى تجف أو لا؟ قولان أقواهما الثاني وأحوطهما الأول. وإذا قال المالك أنا لا أرضى أن تمسح بهذه الرطوبة أو تتصرف فيها لا يسمع منه بناء على ما ذكرنا. نعم لو فرض إمكان انتفاعه (1) بها فله ذلك ولا يجوز المسح بها حينئذٍ (2).
أو جهلاً ونسياناً ولو غير عذري على مسلكه ثم التفت إلى غصبية الماء قبل المسح جاز له أن يمسح بالرطوبة الباقية على يديه ، وبذلك يصح غسله أو وضوءه.
(1) الوجوب المذكور في كلامه شرطي لا محالة وليس وجوباً تكليفياً وإلاّ لم يفترق الحال في حرمة التصرف في مال الغير أو في ملكه على تقدير أن تكون الرطوبة باقية على ماليتها وملكيتها بين تجفيفها أو صبّ الماء عليها للتوضؤ أو الاغتسال ، فالوجوب المذكور شرطي أي هل يشترط في صحة الوضوء أحد الأمرين أم لا؟
وقد ظهر مما سردناه عدم اشتراط شيء من الأمرين في صحة الوضوء ، لعدم بقاء الرطوبة على ماليتها وملكيتها كما لا يخفى.
ابتناء المسألة على ثبوت حق الاختصاص :
(2) تبتني هذه المسألة على ما تعرضنا له في بحث المكاسب (2)تبعاً لشيخنا الأنصاري قدسسره من أن المال إذا حكم عليه بالتلف وانتقل الأمر إلى بدله من القيمة أو المثل ، فهل يبقى للمالك حق الاختصاص فيما بقي من آثار ذلك المال مما لا
مالية له ، أو لا يثبت حق اختصاص للمالك فيه ، وذلك كما إذا كسر جرّة غيره وحكم عليه بضمان قيمتها ، فهل المواد الخزفية الباقية بعد الكسر التي لا مالية لها بوجه ترجع إلى مالك الجرة لحق الاختصاص أو لا ترجع إليه؟ أو إذا أتلف خلاًّ لغيره كما إذا جعله خمراً مثلاً ، فهل لمالك الخل حق الاختصاص بها ، فيصح له منع الغير عن الانتفاع بها في مثل التداوي ونحوه من الانتفاعات المحللة ، فيجوز له خاصّة أن ينتفع منها بتلك الانتفاعات المحلّلة دون غيره إلاّ برضاه أو لا يثبت له حق الاختصاص بها؟
حكم شيخنا الأنصاري قدسسره أن الحكم بوجوب ردّ العوض من المثل أو القيمة في تلك الموارد إنما هو غرامة وليس من باب المعاوضة في شيء ، وعلى ذلك ترجع المواد والأجزاء الباقية من المال التالف إلى مالك المال وإن لم يكن لها أية مالية وقيمة عند العقلاء ، وذلك لحق الاختصاص.
وقد ذكرنا نحن في محلِّه أن مقتضى السيرة وبناء العقلاء عدم ثبوت حق الاختصاص للمالك في تلك الموارد ، لأن رد البدل عندهم معاوضة قهرية حينئذٍ وبتلك المعاوضة تنتقل الأجزاء الباقية والمواد إلى الضامن دون المالك ، وليس في ذلك حق الاختصاص بها ، وعليه فلو طالب مالك الماء المتوضئ بالرطوبة الباقية على يديه لالصاق ورقة بأُخرى بتلك الرطوبة مثلاً ، لم يجب سماعه ، بل للمتوضئ أن يمسح بها لانتقالها إليه بالمعاوضة القهرية ورد البدل ، ومعه لا وجه للاستشكال في جواز المسح بالرطوبة المذكورة عند مطالبة المالك بها لغاية الانتفاع منها على الوجه الحلال. وعلى الجملة لا بدّ أن يكون الماء مباحاً في الوضوء.
ثمّ إنّ الإباحة قد تستند إلى كون الماء من المباحات الأصلية التي لا مالك لها شرعاً ، وقد تستند إلى كونه ملكاً للمتوضئ بعنوانه وتشخصه ، وثالثة تستند إلى كونه ملكاً لجهة عامة أو خاصة تشمل المتوضئ كما في الأوقاف العامة أو الخاصة فيما إذا كان المتوضئ من الموقوف عليهم ، ورابعة تستند إلى كون منفعة الماء مملوكة للمتوضئ كما في موارد الإجارة.
وأمّا إذا لم يكن هناك شيء من هذه الأُمور فلا بدّ في صحة الوضوء من إذن مالك الماء ورضاه ، وذلك لأن حرمة التصرف في مال الغير من دون إذنه قد أطبقت عليها الأديان والشرائع ومن الأُمور الضرورية عند العقلاء ، لبداهة أن التصرّف في ملك الغير من دون رضاه ظلم وعدوان كما أن الحرمة من ضروريات الدين وقد دلّت موثقة سماعة المتقدِّمة (1)على عدم جواز التصرّف في مال الغير إلاّ بطيبة نفسه.
ثم إن المالك قد يصرّح برضاه وإذنه في الوضوء ، كما إذا قال أبحت لك التصرّف في هذا الماء بالوضوء أو قوله انتفع به في الوضوء أو غير ذلك من العبارات.
وقد يستكشف رضاه بالفحوى وطريق الأولوية ، كما إذا أجاز له في إتلاف ماله لأنه يستلزم الإذن في الوضوء بطريق أولى ، حيث لا إتلاف معتدّ به في الوضوء أو لو كان فهو قليل.
وثالثة يستكشف الإذن من شاهد حال كما في الضيوف ولا سيما في المضائف العامة ، فإنه إذا أضاف أحد غيره يرضى بتصرفاته في مثل الماء الموجود في محل الضيافة بالاستنجاء أو بالتوضؤ أو بغيرهما مما لا يوجب الإضرار والإتلاف ، كما جرت عليه السيرة في الضيافات ، فان الضيف يتصرف في مال المضيف كتصرّفات نفسه. وقد قيد الماتن قدسسره شاهد الحال بالقطعي ويأتي عليه الكلام عن قريب إن شاء اللّه تعالى.
بقي هنا شيء : وهو أنك قد عرفت أن بناء العقلاء والمتشرعة على عدم جواز التصرف في مال الغير بغير إذنه ورضاه ، بل مرّ أن ذلك من ضروريات الدين ومما أطبقت عليه الأديان والشرائع. إذن حرمة التصرف في مال الغير من غير إذنه ورضاه مما لا إشكال فيه.
وإنما الكلام في أن موضوع الحرمة المذكورة هل هو عدم الرضا القلبي والطيب النفساني ، أو أن موضوعها عدم الاذن وعدم إبراز الرضا بحيث لو علمنا برضاه قلباً
1) في ص 323.
ولكنه لم يبرزه بمبرز في الخارج من تصريح أو فحوى ونحوهما حكم بحرمة التصرّف في ماله؟ مقتضى ما جرت عليه سيرة العقلاء والمتشرعة إنما هو الأوّل ، ومن هنا تراهم يتصرفون في أموال غيرهم من كتاب أو لحاف أو عباء عند العلم برضى مالكه وإن لم يبرز رضاه في الخارج بشيء. وتدل عليه صريحاً موثقة سماعة « لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفس منه » (1)حيث علقت الجواز على طيبة النفس لا على الاذن والإبراز.
نعم ، ورد في التوقيع الخارج إلى الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري ( قدس اللّه روحه ) قوله عليهالسلام « فلا يحل لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه » (2)وهو كما ترى قد علّق الجواز على إذن المالك وإبراز رضائه في الخارج.
ولكن الصحيح هو الأوّل كما مرّ ، وذلك لأن الرواية الثانية ضعيفة السند فإنها قد رويت في الاحتجاج عن أبي الحسين محمد بن جعفر وهو منقطع السند ، ورويت أيضاً عن مشايخ الصدوق قدسسره كعلي بن أحمد بن محمد الدقاق وعلي بن عبد اللّه الوراق وغيرهما ولكنهم لم يوثقوا في الرِّجال ، وليس في حقِّهم غير أنهم من مشايخ الإجازة للصدوق قدسسره وأنه قد ترضّى وترحّم على مشايخه في كلامه وشيء من ذلك لا يدل على توثيقهم ، لوضوح أن مجرّد كونهم مشيخة الإجازة غير كاف في التوثيق لعدم دلالته على الوثاقة بوجه ، كما أن ترحّمه وترضّاه قدسسره كذلك فإن الإمام عليهالسلام قد يترحّم على شيعته ومحبيه ولا يدل ذلك على وثاقة شيعته ، فكيف بترحّم الصدوق قدسسره هذا أوّلاً.
وثانياً : أن الجمع العرفي بين الروايتين يقتضي حمل الاذن في الرواية الثانية على كونه كاشفاً عن الطيب النفساني والرضا القلبي من دون أن تكون له خصوصية في ذلك ، ومع إمكان الجمع العرفي بين الروايتين لا تكون الرواية مخالفة لما ذكرناه.
[545] مسألة 6 : مع الشك في رضا المالك لا يجوز التصرّف (1) ويجري
إذن المدار في جواز التصرف لغير المالك إنما هو رضى المالك وطيبة نفسه ، سواء أكان مبرزاً بشيء أم علمنا بوجوده من دون إبرازه بمبرز.
هذا كله فيما إذا علمنا برضى المالك على أحد الأنحاء المتقدمة ، وأما إذا شككنا في رضاه فقد أشار الماتن إلى تفصيل الكلام فيه بقوله : مع الشك.
(1) قد لا يكون لرضى المالك حالة سابقة متيقنة وقد يكون مسبوقاً بها.
أمّا إذا لم تكن له حالة سابقة فلا إشكال في عدم جواز التصرف في ماء الغير بالتوضؤ أو بغيره ، وذلك لاستصحاب عدم إذنه ورضاه لأنه المستثنى في قوله عليهالسلام لا يحل لأحد أن يتصرّف في مال غيره إلاّ برضاه أو بطيبة نفسه ، وهو مما يجرى الاستصحاب في عدمه.
وأمّا إذا كانت له حالة سابقة فهي على قسمين :
فقد يعلم برضى المالك بهذا التصرّف الشخصي سابقاً ، كما إذا كانت بينهما صداقة فأذن له في التوضؤ بمائه أو في جميع التصرّفات فيه ثم ارتفعت الصداقة ولأجله شككنا في بقاء إذنه ورضاه ، ولا شبهة وقتئذٍ في جريان الاستصحاب في بقاء الرضا وبه يحكم على جواز التوضؤ وصحته.
وأُخرى لا يعلم إلاّ أصل الرضا على نحو الإجمال ، كما إذا لم ندر أنه هل رضي بالتصرف في مائه هذا اليوم فقط أو أنه أذن له في تصرفاته فيه في اليوم الثاني والثالث أيضاً ، ففي هذه الصورة لا بدّ من الاقتصار بالمقدار المتيقن من إذن المالك وهو اليوم الأول في المثال ، وأما في غيره فلا بدّ من الرجوع إلى عمومات حرمة التصرف في مال الغير من دون اذنه ، والسر في ذلك ما سردناه في التكلم على المعاطاة من أن كل تصرف مغاير للتصرّف الآخر ، وحرمة التصرّف في مال الغير انحلالية ، وقد ثبت على
عليه حكم الغصب ، فلا بدّ فيما إذا كان ملكاً للغير من الاذن في التصرّف فيه صريحاً أو فحوى (1) أو شاهد حال قطعي (2)
كل واحد من أفراد التصرفات حرمة استقلالية ، ومعه إذا علمنا ارتفاع الحرمة عن فرد من أفراد المحرّم فقد علمنا بجواز ذلك الفرد من الأفراد المحرمة ، ولا يستلزم هذا ارتفاع الحرمة عن الفرد المحرم الآخر ، بل لا بدّ معه من الرجوع إلى عموم حرمة التصرّف في مال الغير كما عرفت.
(1) كما قدّمناه (1)فلاحظ.
(2) قد قيد شاهد الحال بالقطعي ، ولعلّه أراد منه مطلق الحجّة المعتبرة ، إذ لا وجه لتخصيصه ذلك بخصوص القطعي منها ، لوضوح أن الاطمئنان أيضاً حجّة عقلائية يعتمدون عليه في أُمورهم ومعاشهم ولا سيما في أمثال تصرّفات الضيوف للاطمئنان الخارجي برضى المضيف لهم.
بل وكذلك الحال في القسمين السابقين أعني تصريح المالك بالإذن أو استكشافه بالفحوى ، فإن مالكية الآذن قد تثبت بالبينة والأمارة الشرعية كاليد لا بالعلم الوجداني. وكذا تصريحه بالإذن فإنّه قد يثبت بالبيِّنة وقد تثبت بالفحوى ، كما إذا رأينا أن من بيده المال قد أذن في إتلافه وعلمنا منه إذنه في الوضوء بطريق الأولوية القطعية ، مع أن مالكيته مستندة إلى اليد.
وعلى الجملة تكفي في جواز التصرّفات في الأملاك الراجعة إلى الغير قيام شيء من الحجج المعتبرة على الإذن والرضا بتلك التصرّفات ولا اختصاص في ذلك للعلم.
1) في ص 326.
[546] مسألة 7 : يجوز الوضوء والشرب (1)من الأنهار الكبار سواء كانت قنوات أو منشقة من شط ، وإن لم يعلم رضى المالكين ، بل وإن كان فيهم الصغار والمجانين ، نعم مع نهيهم يشكل الجواز (1).
(1) قد أسلفنا حكم التوضؤ من المياه المملوكة غير الكبيرة ، وأما المياه الكبيرة المملوكة للغير فقد أفتى الماتن قدسسره بجواز التوضؤ والشرب من الأنهار الكبيرة وإن لم يعلم برضى ملاّكها ، وهذا هو المشهور بين الأصحاب ( قدس اللّه أسرارهم ).
بل قد ذهب بعضهم إلى جواز التصرف فيها حتى مع منع المالك عن تصرف الغير في مياهه ، وكذلك التصرف في الأراضي الوسيعة بالتوضؤ فيها أو الجلوس والنوم عليها. وتبعهم الماتن في بعض أقسام الأراضي كالأراضي المتسعة جدّاً. والكلام في مدرك ذلك ، والعمدة فيه هي السيرة القطعية المستمرة على ما يأتي تقريبها.
وقد يستدل عليه بانصراف أدلة حرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه عن مثل الصلاة والجلوس والنوم ونحوها من التصرفات غير المضرة لمالك المال ، وكذلك الوضوء فيما إذا صبّ ماءه على النهر المملوك لمالك الماء بحيث نعلم عدم تضرره إلاّ بمقدار يسير لا يعتنى به عند العقلاء ، أعني الرطوبات الباقية على يديه أو وجهه ، ومن هنا جاز الاستظلال بجدار الغير أو الاستضاءة بنوره أو ناره.
ويندفع بأن الاستظلال بجدار الغير أو الاستضاءة بنوره وإن كانا مباحين إلاّ أن الوجه في إباحتهما عدم كونهما تصرفاً في جدار الغير أو مصباحه مثلاً ، وليس الوجه فيه هو انصراف أدلة حرمة التصرف عن مثله ، حيث لا موجب للانصراف بعد صدق التصرّف على مثل الصلاة في أرض الغير أو الوضوء بمائه مع عموم قوله في
1) (*) الظاهر أنّه يعتبر في الجواز عدم العلم بكراهة المالك وعدم كونه من المجانين أو الصغار وأن لا تكون الأنهار تحت تصرّف الغاصب والأحوط عدم التصرف مع الظنّ بالكراهة.
موثقة سماعة المتقدِّم « لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيبة نفسه ».
وأُخرى يتوهّم عدم شمول أدلّة حرمة التصرّف لمثل الوضوء من الأنهار الكبيرة من جهة معارضتها بما دلّ على مطهرية الماء وطهارته وعدم انفعاله إلاّ بالتغيّر ، نظراً إلى أن مقتضى إطلاق تلك الأدلة أو عمومها حصول الطهارة بالتوضؤ من مياه الغير.
ويتوجه عليه : أنّا لا ننكر طهورية الماء وعدم انفعاله إلاّ بالتغيّر ، وإنما ننكر مطهريته عند كونه ملك الغير من جهة العنوان الثانوي وهو كونه تصرّفاً في مال الغير من دون إذنه ، وعليه فالأدلّة المذكورة أجنبية عما نحن بصدده وغير معارضة للأدلّة الدالّة على حرمة التصرّف في مال الغير من دون رضاه.
نعم ، حكي عن المجلسي (1)والكاشاني (2)قدسسرهما الاستدلال على ذلك بما ورد في بعض الروايات من أن الناس في ثلاثة شرع سواء ، الماء والنار والكلاء ومقتضاها جواز التوضؤ والشرب من المياه المملوكة للغير وإن لم يرض به ملاكها.
والجواب عن ذلك : أن الرواية لا بدّ من حملها على المياه التي هي من المباحات غير الداخلة في حيازة أحد وكذا في النار والكلاء ، وإلاّ فظاهرها جواز التصرّف في تلك الأُمور الثلاثة مطلقاً حتى فيما إذا حازها أحد وجعلها في إناء مثلاً ، أو كان التصرّف فيها مستلزماً لتضرّر ملاّكها كشق نهر مملوك لغيره ونحو ذلك ، مع أنه على خلاف الضرورة وخلاف ما بنى عليه العقلاء ، فان الاشتراك في الأموال المذكورة على خلاف الأديان وخلاف الضرورة في ديننا ، وهو من أظهر أنحاء الظلم والعدوان والتعدي لأموال الناس بلا مسوّغ ، فكيف يؤخذ مال الغير من دون إذنه بدعوى أنه ماء أو نار أو كلاء.
وحمل الرواية على خصوص الأنهار الكبار يستلزم تخصيص الأكثر المستهجن ، إذن لا مناص من حملها على الماء أو الكلاء أو النار التي هي من المباحات الأصلية
غير الداخلة في حيازة أحد ، أو على كراهة المنع عن فضل الماء أو الكلاء كما ورد في بعض الروايات (1)ولعلّه من جملة الحقوق المستحبة ، فيستحب أن لا يمنع فضل الأُمور المذكورة فلاحظ.
هذا مع أنّا لم نقف على الرواية المذكورة بتلك الألفاظ لا من طرقنا ولا من طرق العامة ، والموجودة في رواياتنا إنما هي رواية الشيخ قدسسره بإسناده عن أحمد بن محمد عن محمد بن سنان عن أبي الحسن عليهالسلام قال « سألته عن ماء الوادي فقال : إن المسلمين شركاء في الماء والنار والكلاء » (2)ورواها الصدوق قدسسره أيضاً بإسناده عن محمد بن سنان (3)ولكنّها أيضاً ضعيفة السند بمحمد بن سنان وغير قابلة للاستدلال بها في محل الكلام.
وورد أيضاً عن ابن عباس أن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم قال : « الناس شركاء في ثلاث النار والماء والكلاء » (4)ولكنها أيضاً ضعيفة السند بالإرسال.
وعلى تقدير تماميتها من حيث السند لا بدّ من حملها على المحملين اللذين قدمنا ذكرهما آنفاً ، والمراد بالنار في الرواية إما أصلها وهو الحطب فتكون الرواية دالة على كراهة المنع عن فضل الحطب أيضاً ، أو تبقى على ظاهرها فيحكم بكراهة المنع عن فضل النار نفسها ، وكيف كان لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية في المقام.
والمتحصل : عدم إمكان الاستدلال على هذا الحكم بشيء من الأُمور المتقدِّمة.
فالعمدة هي السيرة القطعية المستمرّة ، حيث إن الناس يتصرّفون في الأراضي الوسيعة بمثل الاستراحة والتغذي أو الصلاة ، وفي الأنهار الكبيرة بالشرب والاغتسال والتوضؤ كما هو المشاهد في الماشين إلى زيارة الحسين عليهالسلام راجلاً. ولم يرد ردع عن ذلك كما عرفت ، فلو كان ذلك من التصرفات المحرمة لردعوا عن ذلك
لا محالة. وعلى هذا فإن أحرزنا جريان السيرة على ذلك في مورد فلا بدّ من أن نحكم بجواز التوضؤ والصلاة أيضاً كبقية التصرفات فيه ، وأما مع الشك في قيامها في مورد كما إذا كان المالك صغيراً أو مجنوناً أو منع الغير عن التصرف في مائه ونهره ، فلا مناص من الحكم بحرمة التصرفات الواقعة فيه لعدم قيام السيرة فيها على الجواز.
والحاصل : أن حرمة التصرف في أموال الناس وأملاكهم مما قد أطبقت عليه الأديان كما قيل وهو الصحيح المحقق في محله ، لأن التصرف في أموال الناس من دون إذنهم ظلم وعدوان ، وعليه جرت سيرة المتدينين وبناء العقلاء ، بل هو من ضروريات الدين الحنيف ، مضافاً إلى الأخبار الدالة على عدم جواز التصرف في مال الغير إلاّ بطيبة نفسه.
إذن لا بدّ في جواز التصرّف في أموال الغير من العلم برضى المالك وإذنه. نعم إذا أذن المالك الحقيقي وهو الشارع في التصرّف في مال الغير كما في حق المارّة مثلاً أيضاً يجوز التصرّف فيه ، سواء رضي به المالك الصوري أم لم يرض به بل منع عنه وإلاّ فمقتضى ما قدّمناه حرمة التصرّفات في أموال الغير وعدم جوازه.
والمخصّص لتلك الأدلّة ليس دليلاً لفظياً على ما قدّمناه ليتمسّك بعمومه أو إطلاقه ، وإنما هو السيرة القطعية الجارية على التصرف في مثل الأنهار الكبار والأراضي المتسعة ، حيث لا يرون ذلك منافياً للعدالة بل يتصرفون فيها تصرف الملاك في أملاكهم ، ولم يردع عنها الشارع كما مرّ ، وهي دليل لبي يقتصر فيها بالمقدار المتيقن أعني موارد العلم بقيام السيرة. ففي كل مورد علمنا بقيامها فيه فهو ، وأما إذا شككنا في تحقّقها وعدمه فمقتضى العمومات والإطلاق وإطباق الأديان والعقلاء هو حرمة التصرّف وعدم جوازه كما مرّ.
والمقدار الذي يتيقن بقيام السيرة فيه على الجواز إنما هو الأنهار الكبيرة والأراضي المتسعة ، فيما إذا كانت بيد ملاّكها وكانوا متمكِّنين من التصرّف فيها ويسمع إذنهم وإجازتهم فيه ولم يظهر منهم عدم الرضا به ، وأما إذا فرضنا أن المالك صغير أو مجنون بحيث لو أذن في التصرّف في أمواله لم يسمع منه ذلك فضلاً عما إذا لم يأذن ، ولا يتمكّن
وإذا غصبها غاصب أيضاً يبقى جواز التصرّف لغيره ما دامت جارية في مجراها الأوّل ، بل يمكن بقاؤه مطلقاً (1).
وأمّا للغاصب فلا يجوز (2) وكذا لأتباعه من زوجته وأولاده وضيوفه (3)
وليّه من الاذن فيه ، لأن إذنه في التصرّف في أموال الصغار إنما يعتبر في الأُمور الراجعة إلى مصلحة الصغير أو المجنون بمراعاة غبطتهما ، ولا مصلحة في الاذن في تصرف الناس في أنهارهما أو أراضيهما كما لا يخفى.
وكذلك الحال فيما إذا أحرزنا أن المالك بخيل لا يرضى بالتصرّف في أمواله فلا علم لنا بتحقق السيرة وقيامها على الجواز ، ومع عدم إحراز السيرة لا يمكن الحكم بجواز التصرّف من الوضوء والاغتسال والصلاة فيما يرجع إليهما. وكذا الحال فيما إذا ظن كراهة المالك ، وهذا لا لأن الظن حجّة يعتمد عليها لدى الشرع ، بل من جهة أنه يولد التردّد والشك في تحقق السيرة ومع عدم إحرازها لا يمكن الحكم بالجواز.
نعم ، إذا شككنا في أن المالك صغير أو مجنون أو كاره للتصرف في مائه أو أرضه ، لم يكن مانع من التصرّف بالوضوء والصلاة وأمثالهما وقتئذٍ من جهة قيام السيرة عليه مع الشك في ذلك.
(1) ولكنك قد عرفت عدم جواز التصرف فيما إذا لم يكن الماء تحت يد المالك ، لأن القدر المتيقن من السيرة الجارية على الجواز إنما هو ما كان الماء أو الأرض تحت يد مالكيهما ، وأما إذا كان خارجاً عن يده وكان في يد الغاصب فلا علم بثبوت السيرة وجريانها على التصرّف فيهما بالتوضؤ أو الصلاة ونحوهما ، ولعل الوجه في عدم جريان السيرة حينئذٍ أن التصرف في الماء وهو في يد الغاصب تأييد عملي له.
(2) لحرمة التصرّف في مال الغير من دون إذنه ورضاه ، وعدم تحقق السيرة على تصرّف الغاصب فيما غصبه بالتوضؤ أو الصلاة.
(3) لعين ما قدّمناه في التعليقة المتقدمة.
وكلّ من يتصرّف فيها بتبعيته ، وكذلك الأراضي الوسيعة (1) يجوز التوضؤ فيها كغيره من بعض التصرّفات ، كالجلوس والنوم ونحوهما ما لم ينه المالك (2) ولم يعلم كراهته ، بل مع الظن (3) أيضاً الأحوط الترك. ولكن في بعض أقسامها يمكن أن يقال ليس للمالك النهي أيضاً.
[547] مسألة 8 : الحياض الواقعة في المساجد والمدارس إذا لم يعلم كيفية وقفها من اختصاصها بمن يصلي فيها أو الطلاّب الساكنين فيها ، أو عدم اختصاصها ، لا يجوز لغيرهم التوضؤ منها إلاّ مع جريان العادة بوضوء كل من يريد مع عدم منع من أحد ، فإن ذلك يكشف عن عموم الاذن. وكذا الحال في غير المساجد والمدارس كالخانات ونحوها (4).
(1) لقيام السيرة على التصرف فيها بمثل الصلاة والاستراحة عليها كما تقدّم.
(2) لعدم قيام السيرة على جواز التصرف في الأنهار الكبار والأراضي المتسعة عند نهي المالك عن التصرّف في ماله ، ولا أقل من الشك في ذلك وهو كاف في الحكم بحرمة التصرف وعدم الجواز.
(3) لا لاعتبار الظن وحجيته ، بل لإيراثه الشك في تحقق السيرة كما مرّ.
(4) قد تعرّضنا (1)لتفصيل هذه المسألة في التكلّم على أحكام التخلِّي عند تعرّض الماتن للتخلِّي في أرض الغير ، و
ذكرنا هناك أن عموم الوقف وخصوصه إنما يتبعان جعله على وجه العموم أو الخصوص حال الوقف وإنشائه.
فإذا شككنا في ذلك فمقتضى أصالة عدم جعله ولحاظه على وجه العموم عدم جواز تصرّف غير المخصوصين من سكنة المدارس أو المصلين في المسجد ونحوهما ،
1) في شرح العروة 4 : 349.
[548] مسألة 9 : إذا شق نهر أو قناة من غير إذن مالكه لا يجوز الوضوء بالماء الذي في الشق (1) وإن كان المكان مباحاً أو مملوكاً له ، بل يشكل إذا أخذ الماء من ذلك الشق وتوضأ في مكان آخر وإن كان له أن يأخذ من أصل النهر أو القناة (2).
[549] مسألة 10 : إذا غيّر مجرى نهر من غير إذن مالكه وإن لم يغصب الماء ففي بقاء حق الاستعمال الذي كان سابقاً من الوضوء والشرب من ذلك الماء لغير الغاصب إشكال ، وإن كان لا يبعد بقاء هذا (1)بالنسبة إلى مكان التغيير ، وأما ما قبله وما بعده فلا إشكال (3).
فلا يجوز التصرف فيه لمن شك في اندراجه في الموقوف عليهم أو المباح لهم. ولا يعارضها أصالة عدم جعله على وجه الخصوص ، وذلك لأنها مما لا أثر شرعي له في المقام ، فإن الأثر أعني حرمة التصرف لغير المخصوصين مترتب على عدم جعله على وجه العموم وعدم لحاظه ذلك حين الوقف ، ولم يترتب على جعله على وجه الخصوص.
(1) لعدم جريان السيرة وقتئذٍ على التصرف في الماء بالتوضؤ.
(2) لعين ما قدمناه من عدم إحراز قيام السيرة على التصرف عند عدم كون الماء تحت يد المالك.
(3) كما إذا كان مجرى الماء على وجه الدائرة فغيّره وجعله على وجه الخط المستقيم ، لغرض له في ذلك من دون أن يكون الماء تحت يد الغاصب ولا أن يكون المكان والمجرى مغصوباً ، كما إذا كان برضى مالك المجرى أو كان مملوكاً لمالك الماء ،
1) (*) لا يترك الاحتياط فيه.
[550] مسألة 11 : إذا علم أن حوض المسجد وقف على المصلّين فيه لا يجوز الوضوء منه بقصد الصلاة في مكان آخر ، ولو توضّأ بقصد الصلاة فيه ثمّ بدا له (1)أن يصلِّي في مكان آخر أو لم يتمكّن من ذلك (2)فالظاهر عدم بطلان وضوئه (1).
وحيث إن المتيقن من موارد السيرة هو ما إذا كان الماء في المجرى الأول ونشك في قيامها مع التغيير ، فلا بدّ من الحكم بحرمة التصرّف في الماء بالتوضؤ أو الاغتسال ونحوهما ، من جهة الأدلّة الدالّة على حرمة التصرّف في مال الغير من غير إحراز المخصّص لها وهو السيرة كما مرّ.
(1) وحيث إن الصلاة متأخرة عن الوضوء فتكون حرمة التوضؤ من الماء الموقوف على المصلين في المسجد بالإضافة إلى من لا يصلِّي فيه مشروطة بالشرط المتأخر وهو عدم الصلاة في المسجد بعد الوضوء ، وهذا من أحد موارد الشرط المتأخر في الأحكام الشرعية. فإذا توضأ منه ثم ترك الصلاة فيه استكشف من تركه أن الوضوء كان محرّماً في حقِّه ، لأنه خارج عن الموقوف عليهم وهو مَن صلّى في المسجد بعد الوضوء على الفرض.
ثم إن حال هذه الحرمة لا تخلو عن أحد أوجه ثلاثة : لأنها إما أن تكون فعلية متنجّزة ، وإما أن تكون فعلية غير متنجّزة ، وإما أن لا تكون فعلية ولا متنجّزة ، بل كان هناك مجرّد إنشاء الحرمة.
أمّا الصورة الاولى : أعني ما إذا كانت حرمة الوضوء من الماء فعلية متنجّزة ، كما
بل هو معلوم في الصورة الثانية ، كما انه يصحّ لو توضّأ غفلة أو باعتقاد عدم الاشتراط ، ولا يجب عليه أن يصلّي فيه وإن كان أحوط ، بل لا يترك في صورة التوضّؤ (1)بقصد الصلاة فيه والتمكّن منها ،
إذا كان المكلف عالماً بالاختصاص وأن الماء موقوف على خصوص من صلّى في المسجد بعد الوضوء وكان قاصداً عدم الصلاة فيه بعد الوضوء ، فإن الحرمة متنجّزة حينئذٍ لعلم المكلف بها وتعمده ، فلا إشكال في حرمة التوضؤ وبطلانه حينئذٍ ، لأنه لا يتمشى منه قصد القربة مع العلم بالحرمة وعدم كونه من الموقوف عليهم ، حتى لو عدل عن قصده بعد الوضوء وبنى على الصلاة في ذلك المسجد لم يكن قصده ذلك وعمله المتأخران عن التوضؤ الباطل مصححين له ، لأن الوضوء بعد ما وقع باطلاً لعدم تمشي قصد القربة حال العمل لا ينقلب عما وقع عليه بقصد المتوضي الصلاة في المسجد ، وهذا ظاهر.
وأمّا الصورة الثانية : أعني ما إذا كانت حرمة التوضؤ فعلية من غير أن تكون متنجّزة في حق المكلّف ، كما إذا توضأ بذلك الماء قاصداً به الصلاة في المسجد إلاّ أنه لم يكن في علم اللّه سبحانه ممن يصلِّي في المسجد بعد الوضوء ولم يكن من جملة الموقوف عليهم ، لأنه وقتئذٍ وإن كان معذوراً في تصرفه في الماء بقصده الصلاة في المسجد بعد الوضوء ، إلاّ أنه بحسب الواقع كان محرماً في حقه ، فان تركه الصلاة في المسجد بعد الوضوء يكشف عن عدم كونه مندرجاً في الموقوف عليهم ، والمفروض أن التصرّف في الماء محرم لغيرهم.
فالحكم في هذه الصورة يبتنى على ما قدّمناه (2)في التوضؤ بالماء المغصوب جاهلاً بالحال ، من أن الحرمة والمبغوضية الواقعيتين هل تقتضيان بطلان العمل لاستحالة
كون المحرم مصداقاً للواجب ، أو أن الحرمة من الموانع الذكرية ومع الجهل بها لا مقتضي للبطلان ، وقد عرفت أن الأوّل هو الحق.
وبناء على ذلك لا مناص من الحكم ببطلان الوضوء في مفروض الكلام ، للمبغوضية والحرمة الواقعيتين واستحالة كون المحرم مصداقاً للواجب على تفصيل قد عرفت ، وحيث إن الماتن كغيره ممن لا يرى الحرمة الواقعية مبطلة للعمل ما دامت غير متنجّزة على المكلف ، فقد ذهب في المتن إلى صحّة التوضؤ في مفروض المسألة في هذه الصورة.
ومن هذا القبيل ما إذا توضأ بماء المسجد قاصداً به الصلاة فيه إلاّ أنه احتمل عدم تمكنه من ذلك ، كما إذا كان باب المسجد ينسد في وقت معيّن واحتمل المكلّف اقتراب وقت الانسداد ، ولكنه عمد إلى الوضوء بحجّة معتبرة قائمة على تمكنه من الصلاة في المسجد من استصحاب أو أمارة ، وكان في الواقع وعلم اللّه سبحانه لا يتمكن من الصلاة فيه وكان خارجاً عن الموقوف عليهم واقعاً ، لأن عدم تمكنه من ذلك بعد الوضوء يكشف عن عدم كونه من الموقوف عليهم لا محالة وأن التصرّف في ذلك الماء كان محرماً في حقِّه واقعاً ، وإن كان معذوراً في تصرّفه في الماء بالوضوء.
وأمّا الصورة الثالثة : أعني ما إذا لم تكن حرمة التصرف فعلية ولا متنجزة في حق المكلّف ، بل إنما كان هناك إنشاء الحرمة فحسب ، كما إذا توضأ بماء الحوض في المسجد معتقداً تمكنه من الصلاة في المسجد بعد الوضوء ، أو غافلاً عن أن الوقف مخصوص بالمصلين في المسجد ولم يكن بحسب الواقع متمكناً من الصلاة في المسجد والماء موقوف على خصوصهم ، فإن حرمة التصرف فيه ساقطة واقعاً ، حيث لا معنى لفعلية الحرمة مع الغفلة أو الاعتقاد بالتمكن من الصلاة ، لعدم كونها قابلة للامتثال في حقيهما ولو على وجه الاحتياط ، لأن الغافل والجاهل المركب غير متمكنين من الاحتياط ومع عدم قابلية الحكم للامتثال لا معنى لفعليته.
فالصحيح حينئذٍ هو الحكم بصحة وضوئه لتمشي قصد التقرب منه وعدم حرمة
الفعل ومبغوضيته واقعاً ، ومع انتفاء الحرمة لا وجه للبطلان.
نعم ، يبقى الكلام حينئذٍ في أنه إذا التفت إلى خصوصية الوقف بعد الوضوء ، أو علم بخطإ اعتقاده ثم عرض له التمكن بعد ذلك فهل يجب عليه أن يصلي في ذلك المسجد حتى يندرج بذلك في عنوان الموقوف عليهم؟
ذكر في المتن أنه هو الأحوط ، بل لا يترك في صورة التوضؤ بقصد الصلاة فيه والتمكّن منها ، ولا نرى نحن وجهاً صحيحاً لإيجاب الصلاة عليه في المسجد في مفروض الكلام ، وذلك لأن ما يوجب بطلان الوضوء إنما هو أحد أمرين إما الحرمة المتنجزة وإما الحرمة الواقعية على الخلاف فيها بيننا وبين الأصحاب قدسسرهم ولا تحقق لشيء منهما في المقام ، ومعه يقع الوضوء محكوماً بالصحة لا محالة ، فلا وجه للحكم بوجوب الصلاة في ذلك المسجد ، لأن الوضوء من حوض المسجد قد حكم بصحّته سواء اندرج المتوضئ في الموقوف عليهم أم لم يندرج ، فله أن يصلِّي في أي مكان شاءه.
تنبيه وهو : أن صحّة الوضوء في الصورة الثالثة من جهة عدم فعلية الحرمة في حق المكلف لا تستلزم الحكم بعدم ضمانه الماء فيما إذا كانت للماء الذي توضأ به مالية لدى العرف ، كما إذا توضأ خارج الحوض وصرف مقداراً له مالية عند العقلاء ، وذلك لأنه إتلاف لمال الموقوف عليهم فيوجب الضمان وإن قلنا بصحّة وضوئه.
وعلى الجملة لا ملازمة بين الحكمين بوجه فربما نحكم بصحّة وضوئه وضمانه كما في المثال. وقد نحكم بصحة وضوئه من دون أن نحكم بالضمان ، كما إذا توضأ غفلة من الماء في الحوض من دون أن يصبه على الأرض بحيث لم يتلف من الماء إلاّ بمقدار الرطوبة الباقية على أعضائه وهي مما لا مالية له. وثالثة نحكم بالضمان ولا نحكم بصحة الوضوء ، كما إذا توضأ من الماء في إحدى الصورتين الأُوليين وصرف من الماء مقداراً له مالية عند العقلاء.
[551] مسألة 12 : إذا كان الماء في الحوض وأرضه وأطرافه مباحاً لكن في بعض أطرافه نصب آجر أو حجر غصبي يشكل الوضوء (1)منه مثل الآنية إذا كان طرف منها غصباً (1).
(1) الحكم بالبطلان في مفروض المسألة يبتني على أن يعد التوضؤ من الحوض أو الإناء تصرّفاً في ذلك الآجر المغصوب أو الطرف الغصبي منه ، سواء كان على نحو الإشاعة كما في اغتصاب أحد الشريكين حصة شريكه من الحوض أو الإناء أم كان على نحو التعيين والإفراز ، لأنه إذا عد من التصرّف لدى العرف وكان الماء منحصراً بذلك الماء الموجود في الحوض أو الإناء وجب عليه التيمم لا محالة. فلا أمر في حقِّه بالوضوء ، لفرض أنه فاقد الماء فلا يقع وضوءه على وجه الصحة.
وأمّا إذا لم يعد تصرفاً عرفياً فيهما أو عدّ ولم يكن الماء منحصراً بالماء الموجود فيهما ، فالتحقيق صحة وضوئه كما أسلفناه في التوضؤ من الإناء المغصوب (2)لأنه مأمور بالوضوء وقتئذٍ والماء مباح له ، وإنما المحرم مقدمة وضوئه أعني التصرف في ذلك الحوض أو الإناء بأخذ الماء منه ، وقد تقدم غير مرة أن حرمة المقدّمة لا تسرى إلى ذي المقدّمة ، هذا.
بل ذكرنا في الكلام على أواني الفضة والذهب (3)أنه يمكن أن يحكم بصحّة الوضوء حتى في صورة انحصار الماء به ، وذلك بالترتّب ، لأنه حينئذٍ إذا أراد أن يمتثل الوظيفة المقرّرة في حقِّه شرعاً من غير عصيان يتيمم ويصلِّي. وأمّا إذا عصى وأخذ الماء من ذلك الإناء أو الحوض فهو متمكِّن من التوضؤ على وجه التدريج ، وهذا كاف في الحكم بصحّة الوضوء بالترتّب.
[552] مسألة 13 : الوضوء في المكان المباح مع كون فضائه غصبياً مشكل بل لا يصح (1)لأن حركات يده تصرّف في مال الغير (1).
(1) لا إشكال في أن حركة اليد تصرف في الفضاء ، وقد فرضنا أنه للغير فهو محكوم بالحرمة لا محالة ، غير أن حرمته لا تستلزم الحكم ببطلان الوضوء ، لأن حركات يده مقدّمة للوضوء أو الاغتسال المأمور به أعني وصول الماء إلى بشرته وقد ذكرنا غير مرّة أن حرمة المقدّمة لا تسري إلى ذي المقدّمة ، فهو وإن كان يصدر عنه أمران منضمان أحدهما التحريك والآخر الاغتسال وإيصال الماء إلى البشرة أحدهما محرم والآخر مأمور به ، إلاّ أن الحكم لا يسري من أحدهما إلى الآخر كما مرّ.
وكذلك الحال في مسح الرجلين ، لأنه وإن كان موجباً للتصرّف في الفضاء ، لاشتماله على إمرار اليد على الرجلين وهو من التصرّف في الفضاء لا محالة ، إلاّ أن الإمرار خارج عن حقيقة المسح المأمور به ، لأنه في لغة العرب هو المس ولا فرق بينهما إلاّ في التدرّج فان المسح هو المس التدريجي ، ومن هنا قلنا إن مجرّد وضع اليد على الرجلين غير كاف في تحقّق المسح المأمور به ، بل لا بدّ من مسحها عليهما ، ولكن المسح أمر والإمرار أمر آخر ، نعم ، لا يتحقّق المسح إلاّ بالإمرار فهو مما لا يتحقّق الواجب إلاّ به ، لا أنه من أحد أجزاء الواجب والمأمور به. أذن حرمة الإمرار والحركة لا تسري إلى الوضوء أعني الغسل والمسح.
نعم ، لو تمكّن من التيمم في الفضاء المباح تعيّن عليه التيمم لأنه فاقد للماء ، حيث إن الوضوء في حقِّه مشتمل على أمر حرام من جهة مقدمته والشارع لا يأمر بالحرام إلاّ أنه إذا عصى ذلك التكليف وارتكب الحرام فقد صار واجداً للماء ومتمكِّناً من
1) (*) على الأحوط ، نعم لو انحصر مكان الوضوء بالفضاء المغصوب وأمكن التيمّم في غيره تعيّن التيمّم بلا إشكال.
[553] مسألة 14 : إذا كان الوضوء مستلزماً (1) لتحريك شيء مغصوب فهو باطل (1)(2).
[554] مسألة 15 : الوضوء تحت الخيمة المغصوبة إن عدّ تصرفاً فيها كما في حال الحر والبرد المحتاج إليها باطل (2)(3).
الوضوء ، فلو توضأ وقع وضوءه صحيحاً لا محالة.
(1) بأن كان بينهما مجرد التلازم الخارجي من دون أن يكون الوضوء موقوفاً عليه كما إذا كان الحرام مقدمة للوضوء ، ومثاله ما إذا كان وضوءه أعني الغسلتين والمسحتين مستلزماً لتحريك ما بيده وبدنه من الثوب المغصوب.
(2) قد عرفت عدم بطلان الوضوء فيما إذا كانت مقدمته محرمة فكيف ما إذا كانت مقدّمته مباحة ، ولكن كان الملازم الخارجي له محكوماً بالحرمة ، فإن الحكم بعدم بطلان الوضوء فيما إذا كان ما يتوقف عليه محرماً يستلزم الحكم بعدم بطلانه فيما إذا كان ملازمه محرماً دون مقدمته بطريق أولى ، حيث يصدر من المكلف أمران متلازمان وحرمة أحدهما لا تسري إلى الآخر كما مر.
(3) ونظيرها ما إذا كان السقف غصبياً أو كان الحيطان أو الجص كذلك من دون حرمة المكان والفضاء والماء ، وقد فصّل قدسسره في هذه المسألة بين ما إذا عد التوضؤ تحت الخيمة تصرفاً عرفياً في الخيمة وما إذا لم يكن معدوداً من التصرّف بالحكم بالبطلان في الصورة الأُولى دون الثانية. ولا كلام لنا في الشرطية بوجه ، وأنه
[555] مسألة 16 : إذا تعدّى الماء المباح من المكان المغصوب إلى المكان المباح لا إشكال في جواز الوضوء منه (1).
متى ما صدق على التوضؤ تحت الخيمة عنوان التصرف فيها كان الوضوء باطلاً.
وإنما الكلام في أنه متى يصدق على التوضؤ تحت الخيمة المغصوبة عنوان التصرف فيها ، وأنه كيف يكون الوضوء تصرفاً في الخيمة أو السقف ، نعم الانتفاع بالخيمة أمر صحيح حيث إن الانتفاع بظلها أو بغير الظل من فوائد الخيمة ، وأما أنه تصرف فيها فلا نرى له وجهاً محصلاً.
نعم ، إذا استولى على خيمة الغير وكانت الخيمة ذات منفعة ومالية كما في أيام الحر في الأماكن الحارة مثلاً استلزم ذلك ضمان الخيمة وضمان جميع منافعها الفائتة ما دامت تحت يد الغاصب ، أي ما دام مستولياً عليها سواء استوفاها أم لم يستوفها ، إلاّ أنه أمر آخر ، إذ الكلام فيما إذا توضأ تحت الخيمة من غير الاستيلاء عليها خارجاً ، وقد سلمنا أن التوضؤ تحتها قد يكون انتفاعاً منها ، إلاّ أن ذلك لا يصحح أن يكون الوضوء تصرّفاً في الخيمة أو السقف بوجه.
ومن هنا يظهر أنه إذا اغتصب خيمة غيره كما في عرفات مثلاً وعلم غيره أنها مغصوبة جاز له أن يتوضأ تحتها ، لما عرفت من عدم كون ذلك تصرفاً في الخيمة ولا أنه مأمور برد الخيمة إلى مالكها ، لعدم اغتصابه لها على الفرض ، ولا سيما فيما إذا لم يكن المتصرِّف تحت الخيمة أعني المستولي عليها عالماً بكونها مغصوبة أو فرضنا غفلته عن ذلك.
(1) لبداهة أن دخول الماء على أرض مغصوبة لا يوجب حرمة التوضؤ به في غيرها من الأراضي المباحة كما لا يستلزم بطلانه ، وإلاّ للزم الحكم ببطلان الوضوء من الماء القليل الذي أخذه مالكه في ظرفه وأدخله مكاناً غصبياً ثم أخرجه عنه ، مع أنه مما لا يمكن الالتزام به ، والمسألة ظاهرة وإنما تعرض لها الماتن قدسسره طرداً للباب.
[556] مسألة 17 : إذا اجتمع ماء مُباح كالجاري من المطر في ملك الغير إن قصد المالك (1)تملّكه كان له (1) ،
(1) هل القصد المجرد يكفي في الحكم بصيرورة المباح الأصلي ملكاً لمالك الأرض أو أنه غير كاف في صدق الحيازة والتملك؟
فيه وجهان ، الظاهر كفاية ذلك في التملك ، وذلك لما ورد من أن من استولى على شيء فهو له (2)حيث إن الاستيلاء بعد دخول ذلك المباح في ملكه إنما يتحقّق بمجرّد قصد التملك والحيازة ، لأنه بقصده ذلك يكون مستولياً عليه ، وهذه الرواية وما هو بمضمونها وإن كانت ضعافاً على ما نستعهده إلاّ أنه يكفينا في ذلك السيرة العقلائية ، حيث إن بناءهم على عدم مزاحمة من قصد التملك والحيازة لما دخل في ملكه من المباحات الأصلية ، فلا يرون مزاحمته بالأخذ منه بل يرونه أحق بذلك وأولى.
مثلاً إذا اجتمع ماء المطر في حوض أحد وقصد مالك الحوض تملكه له فلا يرون العقلاء أخذ ذلك الماء منه ، فليس لمن طريقه إلى بيته من ذلك المكان الذي فيه الحوض أو أن له حق المرور منها إلى داره التصرف في ذلك الماء من دون إذن مالك الحوض.
ومن هذا القبيل الصيد أو النبات الداخل على بستان أحد أو غيرها من المباحات الأصلية.
وإلاّ كان باقياً على إباحته فلو أخذه غيره وتملّكه ملك ، إلاّ أنّه عصى من حيث التصرّف في ملك الغير ، وكذا الحال في غير الماء من المباحات مثل الصيد وما أطارته الريح من النباتات (1).
[557] مسألة 18 : إذا دخل المكان الغصبي غفلة وفي حال الخروج توضّأ بحيث لا ينافي فوريته ، فالظاهر صحته لعدم حرمته حينئذٍ (2).
(1) لوضوح أنه إذا لم يقصد المالك تملكه لم يكن مجرد دخوله في أرضه وبستانه مخرجاً له عن الإباحة بلا كلام ، فيجوز لغيره أن يأخذه ويتملكه ، كما إذا دخل صيد دار أحد ولم يتمكّن من الخروج عنها ولم يلتفت مالك الدار إلى ذلك فلم يقصد تملكه فان للغير أن يأخذه ويتملكه وإن كان دخوله في دار الغير تصرفاً حراماً فيما إذا لم يكن مأذوناً من قبل مالك الدار.
(2) الخروج عن المكان المغصوب في مفروض المسألة وإن لم يكن حراماً للاضطرار إليه من دون استناده إلى سوء الاختيار ، إلاّ أن الحكم بصحة الوضوء وقتئذٍ بناء على اعتبار الإباحة في مصب ماء الوضوء في نهاية الإعضال ، وذلك لأن ما كان المكلف مضطراً إليه إنما هو المشي في الأرض والتصرف في الفضاء وقد ارتفعت عنهما الحرمة بالاضطرار ، وأما صبّ ماء الوضوء على الأرض فهو ليس بمورد الاضطرار فلا محالة تبقى على حرمته. فاذا اشترطنا في صحة الوضوء إباحة المصب كما عليه الماتن قدسسره فلا محالة يقع الوضوء باطلاً ، لاستلزامه التصرف في مال الغير من دون إذنه ، اللّهمّ إلاّ أن يتوضأ على نحو لا يصب ماءه على الأرض.
وكذا إذا دخل عصياناً (1)ثم تاب وخرج بقصد التخلّص من الغصب وإن لم يتب ولم يكن بقصد التخلّص ففي صحة وضوئه حال الخروج إشكال (1).
(1) تبتني هذه المسألة على ما أسلفناه في بحث الاجتماع عند الكلام على مسألة من توسط أرضاً مغصوبة بسوء الاختيار (2)فان قلنا في تلك المسألة بما قررناه هناك من أن التوبة إنما ترفع العقاب عما ارتكبه التائب من المعاصي قبل توبته أعني العقاب في دخوله أرض الغير من دون رضائه ، ولا أثر للتوبة بالنسبة إلى ما ارتكبه حال التوبة أعني به الخروج عن الدار المغصوبة ، وحيث إنه باق على مبغوضيته وعقوبته من جهة النهي السابق عليه فلا محالة يقع الوضوء حال الخروج المبغوض المترتب عليه العقاب باطلاً ، فان الاضطرار إنما يرفع النهي عنه حال الخروج كما في من ألقى نفسه من الشاهق ، إلاّ أنه منهي عنه بالنهي المتقدم على الاضطرار ومع كون الدخول فيها بسوء الاختيار يقع الخروج عنها مبغوضاً ومعاقباً عليه.
وعلى الجملة حال الخروج على هذا حال الدخول ، فان كان صادراً على وجه الإباحة فخروجه أيضاً مباح ، كما أنه إذا كان صادراً على الوجه الحرام كان الخروج عنها أيضاً كذلك.
وأمّا إذا بنينا على ما ربما يظهر من شيخنا الأنصاري قدسسره من عدم حرمة الخروج في مفروض المسألة ، لمكان أنه مقدمة للتخلص عن الحرام وهو أمر واجب لا محالة ، ومقدّمة الواجب إما واجبة عقلاً فقط أو أنها واجبة بحسب العقل والشرع لأن التخلص الواجب متوقف عليه والشارع لا يأمر بالحرام (3)فلا محالة يقع الخروج
[558] مسألة 19 : إذا وقع قليل من الماء المغصوب في حوض مباح فإن أمكن ردّه إلى مالكه وكان قابلاً لذلك لم يجز التصرّف في ذلك الحوض وإن لم يمكن ردّه يمكن أن يقال بجواز التصرّف فيه ، لأن المغصوب محسوب تالفاً ، لكنه مشكل (1)من دون رضا مالكه (1).
على الوجه المباح ، ويصح التوضؤ حينئذٍ فيما إذا لم يستلزم صب ماء الوضوء على الأرض ، ولا يفرق على ذلك بين توبته وقصد التخلص الملازم معها أي التوبة والتندم أم لم ينوها.
(1) الظاهر أن نظره قدسسره إلى أن القليل من الماء المغصوب بعد ما وقع في الماء المباح وامتزج معه قد يمكن رده إلى مالكه ولو بردّ جميع الماء الممتزج بحيث لو رد إليه جميعه صدق أنه رده إلى مالكه ، وحينئذٍ يتخيّر مالك الماء المغصوب بين الشركة مع مالك الماء المباح وبين أن يأخذ قيمته ويسلّم المجموع إلى شريكه ، وهذا كما إذا كان الماءان من سنخ واحد ، بأن كان كلاهما من المياه المعدّة للشرب أو المعدّة للغسل وإزالة الأقذار ، أو كان كلاهما حلواً أو مراً إلى غير ذلك من الخصوصيات.
وأُخرى لا يكون الماء المغصوب ممكن الرد إلى مالكه بعد الامتزاج مع الماء المباح ولو برد المجموع إليه ، لعد ذلك ماء مغايراً مع الماء المغصوب ومبايناً معه ، وهذا كما إذا كان الماءان سنخين متغايرين ، كما إذا كان أحدهما معداً للشرب والآخر معداً لازالة القذارات ، أو كان أحدهما حلواً والآخر مراً ، كما إذا وقع مقدار من الماء المغصوب الحلو في خزّان ماء الحمام ، لأنه حينئذٍ غير قابل للرد إلى مالكه ولو برد مجموع ماء الخزان.
1) (*) أظهره الصحّة فيما عدّ تالفاً.
الشرط الخامس : أن لا يكون ظرف ماء الوضوء من أواني الذهب أو الفضة (1) وإلاّ بطل سواء اغترف منه أو إدارة على أعضائه وسواء انحصر فيه أم لا (1)ومع الانحصار يجب أن يفرغ ماءه في ظرف آخر ويتوضّأ به ، وإن لم يمكن التفريغ إلاّ بالتوضّؤ يجوز ذلك (2)حيث إن التفريغ واجب. ولو توضّأ منه جهلاً أو نسياناً أو غفلة صحّ كما في الآنية الغصبية والمشكوك كونه منهما يجوز التوضّؤ منه كما يجوز سائر استعمالاته (2).
ففي الصورة الاولى لا يجوز التوضؤ من الماء الممتزج لاشتماله على ماء الغير والوضوء بماء الغير غير صحيح ، وأما في الصورة الثانية فلا مانع من التوضؤ من الماء الممتزج من جهة أن الماء الواقع فيه غير موجود وقتئذٍ ، فإنه يعد تالفاً لدى العرف وينتقل الأمر معه إلى البدل من المثل أو القيمة من دون أن يكون لمالك الماء حق في الماء الممتزج ، وما أفاده قدسسره هو المتين.
(1) قد أسلفنا تفصيل الكلام في هذه المسألة عند الكلام على أواني الذهب والفضة (3)وإنما نتعرّض في المقام إلى ما لم نتعرّض له هناك ، وهو ما أشار إليه بقوله : وإن لم يمكن التفريغ إلاّ بالتوضؤ يجوز ذلك ...
(2) ذكر قدسسره أن الماء إذا كان منحصراً بما في إحدى الإناءين وجب تفريغه في ظرف آخر مقدمة للوضوء الواجب ، وأما إذا لم يمكن تفريغهما إلاّ بالتوضؤ
[559] مسألة 20 : إذا توضأ من آنية باعتقاد غصبيتها أو كونها من الذهب أو الفضة ، ثم تبيّن عدم كونها كذلك ، ففي صحة الوضوء إشكال ولا يبعد الصحة إذا حصل منه قصد القربة (1).
منهما ، فقد ذكر في بحث أواني النقدين أن الوجوب يرتفع عن الغسل أو الوضوء ويجب التيمم في حق المكلف.
وذكر في المقام أن التوضؤ منهما حينئذٍ أمر جائر ، لأن التفريغ واجب كما عرفت فلو توضأ منهما بقصد التفريغ لوقع وضوءه أو غسله سائغاً لا محالة.
وهذا الذي ذكره في المقام مناقض صريح لما قدمنا نقله عنه قدسسره في الكلام على أواني النقدين ، والصحيح هو الذي ذكره هناك ، والوجه في ذلك أن تفريغ ماء الإناءين وإن لم يكن محرّماً لعدم كونه استعمالاً لهما فيما إذا لم يكونا من الأواني المعدّة للتفريغ كالسماور والقوري ونحوهما ، لوضوح أن التفريغ في مثلهما استعمال لهما فيما أُعدّا له ، وأمّا إذا لم يكونا مما أُعدّ للتفريغ فلا بأس بتفريغهما ، بل هو أمر واجب عند الانحصار ، لأنه مقدّمة للواجب وهي واجبة إمّا عقلاً فحسب وإمّا عقلاً وشرعاً ، فلا يقع التفريغ محرماً لا محالة ، إلاّ أن التوضؤ منهما استعمال لهما يقيناً ، وقصد كون ذلك تفريغاً لهما لا يغيّر الفعل عن حقيقته ، فكيف يكون قصد التفريغ مانعاً عن كون الفعل استعمالاً لهما.
فالصحيح أن الوضوء يسقط وقتئذٍ عن الوجوب وينتقل الأمر إلى بدله وهو التيمم.
(1) قد فصّل قدسسره بين صورتي حصول قصد القربة من المكلف وعدمه وحكم بالصحة في الأُولى دون الثانية ، وما أفاده هو الصحيح.
الشرط السادس : أن لا يكون ماء الوضوء مستعملاً في رفع الخبث (1)(1) ولو كان طاهراً مثل ماء الاستنجاء مع الشرائط المتقدِّمة ، ولا فرق بين الوضوء الواجب والمستحب على الأقوى ، حتى مثل وضوء الحائض. وأمّا المستعمل في رفع الحدث الأصغر فلا إشكال في جواز التوضؤ منه ، والأقوى جوازه من
وتوضيح ما أفاده قدسسره : أن المعتقد بغصبية الإناء أو بكونه من النقدين قد لا يعلم حرمة التصرّف في المغصوب أو حرمة استعمال الأواني المصوغة من الذهب والفضة ولو عن تقصير منه في التعلم ، كما يتفق ذلك في كثير من العوام ، أو أنه يعلم بحرمة التصرّف أو الاستعمال غير أنه يعتقد عدم انطباق التصرّف والاستعمال على التوضؤ من الإناء بدعوى أن التصرف والاستعمال إنما يتحققان بأخذ الماء من الإناء.
وأما التوضؤ أو الاغتسال بعد ذلك فهو أمر أجنبي عن التصرّف والاستعمال رأساً ففي هاتين الصورتين لا إشكال في تمشي قصد التقرّب من المكلّف في الوضوء ، وحيث إنه بحسب الواقع أمر مباح فلا محالة يحكم بصحته لتمشي قصد التقرّب وإباحة الماء والإناء.
وأُخرى يعلم المعتقد بمغصوبية الإناء أو بكونه من النقدين حرمة التصرّف في المغصوب أو استعمال أواني النقدين ، ويعتقد أيضاً بانطباق التصرف والاستعمال على نفس الوضوء ، ولا يتمشّى منه قصد التقرّب في هذه الصورة بوجه ، لعلمه بحرمة التوضؤ كما مرّ ، ولا يعقل معه التمكن من قصد التقرّب أبداً إلاّ على وجه التصوّر والخيال لا الواقع والحقيقة.
(1) قد اشترطوا في صحة الوضوء أن لا يكون الماء المستعمل فيه مستعملاً في رفع
1) (*) على الأحوط.
المستعمل في رفع الحدث الأكبر ، وإن كان الأحوط تركه مع وجود ماء آخر. وأمّا المستعمل في الأغسال المندوبة فلا إشكال فيه أيضاً ، والمراد من المستعمل في رفع الأكبر هو الماء الجاري على البدن للاغتسال إذا اجتمع في مكان. وأما ما ينصبّ من اليد أو الظرف حين الاغتراف أو حين إرادة الإجراء على البدن من دون أن يصل إلى البدن فليس من المستعمل ، وكذا ما يبقى في الإناء ، وكذا القطرات الواقعة في الإناء ولو من البدن. ولو توضّأ من المستعمل في الخبث جهلاً أو نسياناً بطل. ولو توضأ من المستعمل في رفع الأكبر احتاط بالإعادة.
السابع : أن لا يكون مانع من استعمال الماء من مرض أو خوف أو عطش أو نحو ذلك ، وإلاّ فهو مأمور بالتيمم ، ولو توضّأ والحال هذه بطل (1)(1) ولو كان
الخبث ولو مع الحكم بطهارته ، كما في ماء الاستنجاء أو الغسالة المتعقبة بطهارة المحل أو مطلقاً بناء على طهارة الغسالة على نحو الإطلاق.
وأيضاً اشترطوا أن لا يكون الماء المستعمل فيه مستعملاً في رفع الحدث الأكبر وأما المستعمل في رفع الحدث الأصغر فلا مانع من أن يستعمل في رفع الحدث الأصغر ثانياً وثالثاً وهكذا ، وتفصيل الكلام في هذه المسألة وجميع فروعها قد أسلفناه عند التكلّم على مطهرية المياه فليراجع (2).
(1) قد يستند الحكم بجواز التيمم إلى النص الشرعي كما في موارد الخوف على النفس من العطش أو المرض أو اشتداده ونحوها ، حيث ورد الأمر بالتيمم وقتئذٍ في صحيحة الحلبي (3)وغيرها مما يأتي في مبحث التيمم إن شاء اللّه (4)ويكون ذلك النص
جاهلاً بالضرر صحّ (1)، وإن كان متحقِّقاً في الواقع ، والأحوط الإعادة أو التيمّم.
تخصيصاً شرعياً فيما دلّ على وجوب التوضؤ على واجد الماء ، لأن المفروض أن المكلف متمكن من استعمال الماء عقلاً وشرعاً ، فأمره بالتيمم والحال هذه تخصيص في تلك الأدلة لا محالة ، ومعه إذا أقدم المكلف على الوضوء وترك التيمم فمقتضى القاعدة هو الحكم ببطلان وضوئه لعدم الأمر به ، بل قد عرفت أن مقتضى إطلاق دليل التخصيص تعيّن التيمم في حقه وكونه واجباً تعينياً لا تخييرياً ، وكفاية الطهارة المائية عن الطهارة الترابية يحتاج إلى دليل وهو مفقود على الفرض. بلا فرق في ذلك بين موارد حرمة استعمال الماء في الوضوء ، كما إذا فرضنا أن استعمال الماء موجب لاشتداد المرض ، وموارد عدم حرمته كما إذا خاف من العطش بعد ذلك ، فان استعمال الماء وقتئذٍ وإن كان مفوتاً للواجب إلاّ أن الاستعمال غير محرم شرعاً ، ومع ذلك لو توضأ حينئذٍ حكمنا ببطلانه للنص الدال على تعيّن التيمم في حقه.
وقد يستند الحكم بجواز التيمم إلى حكم العقل به ، كما في موارد المزاحمة بين وجوب الوضوء وواجب آخر أهم كإنقاذ الغريق ونحوه ، كما إذا كان عنده مقدار من الماء يكفي لوضوئه فحسب ووجبت عليه إزالة النجاسة عن المسجد ، وحيث إن الإزالة مما لا بدل له والوضوء مما له البدل ، يتعيّن عليه صرف الماء في الإزالة والتيمم للصلاة ، وهذا لا من جهة دلالة الدليل الشرعي عليه ، بل من جهة استقلال العقل بقبح التكليف لما لا يطاق ، لعدم تمكن المكلف من امتثال كلا التكليفين وعدم إمكان الأمر بالضدين في زمان واحد.
ففي هذه الموارد إذا عصى المكلف الأمر بالتيمم وصرف الماء في الإزالة الواجبة مثلاً فصرفه في الوضوء أمكننا الحكم بصحة وضوئه بالترتب ، وحيث إن المخصص للأمر بالوضوء عقلي وليس دليلاً شرعياً كي يتمسك بإطلاقه حتى في صورة عصيان
1) (*) هذا فيما إذا لم يكن الضرر مبغوضاً في الواقع.
الأمر بالأهم فلا مناص من الاكتفاء فيه بمقدار الضرورة ، كما هو الحال في موارد التخصيصات العقلية وهو صورة امتثال المكلف للأمر بالأهم ، فإنه وقتئذٍ غير مكلف بالوضوء جزماً ، لاستلزامه التكليف بما لا يطاق ، ولأجل الفرار من هذا المحذور رفعنا اليد عن إطلاق الأمر بالمهم عند امتثال المكلف للأمر بالأهم فان بهذا المقدار من تقييد دليل المهم يرتفع المحذور العقلي من البين ، ومعه لا موجب لرفع اليد عن أصله وأساسه ، فاذا فرضنا أن المكلف عصى للأمر بالأهم والمفروض بقاء الأمر بالمهم بحاله فلا مانع من التمسك بإطلاقه والحكم بوجوب الوضوء عليه في محل الكلام ، لتمكنه منه بحسب العقل والشرع ، فاذا أتى به وقع صحيحاً ومأموراً به لا محالة.
نعم ، قد استشكل شيخنا الأُستاذ قدسسره في جريان الترتب في الطهارات الشرعية ، مدعياً أن القدرة قد أُخذت في موضوعها لقوله عزّ من قائل ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ... ) لأن التفصيل قاطع للشركة ، فيدلنا ذلك على أن الوضوء وظيفة واجد الماء كما أن التيمم وظيفة الفاقد والعاجز عنه ، وحيث إن المكلف في مفروض الكلام غير متمكن شرعاً على صرف الماء في الوضوء لمكان مزاحمته مع الواجب الأهم فلا يكون الوضوء مشروعاً في حقه لاختصاصه بالواجد والمتمكن منه كما عرفت ، وعصيان الأمر بالأهم لا يجعل العاصي متمكناً من الماء شرعاً ، لوجوب صرف الماء في الإزالة مثلاً ، ولا قدرة له في استعماله في الوضوء ، سواء امتثل التكليف بالأهم أم لم يمتثل (1).
ونحن أيضاً قد بنينا على ذلك برهة من الزمان وقد عدلنا عنه أخيراً ، نظراً إلى أن القدرة المأخوذة في هذه الموارد أعني الوضوء والحج وغيرهما إنما هي القدرة بالمعنى اللغوي ، أعني المفهوم العرفي العام وهو التمكن من الشيء تكويناً وعدم الممنوعية عنه شرعاً ، وليس لها معنى شرعي آخر ، وحيث إن المكلف عند عصيانه الأمر بالأهم يتمكّن من الإتيان بالمهم تكويناً كما لا ممنوعية له عنه شرعاً ، فيتحقق الموضوع للأمر
1) فوائد الأُصول 2 : 367.
بالمهم في حقه ويشمله دليله. أما تمكنه من الوضوء في مفروض المسألة عقلاً وبحسب التكوين فلأنه أمر ظاهر جلي ، إذ لا يتصوّر أي مانع عقلي أو تكويني من استعماله الماء في الوضوء. وأما تمكنه منه شرعاً فلأجل عدم تعلق أي نهى باستعمال الماء في الوضوء ، وإنما تعلق الأمر باستعماله في الإزالة فحسب ، والأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه. نعم إذا كان استعماله الماء في الوضوء ممنوعاً عنه بحسب الشرع كما في التوضؤ من الماء المغصوب انتقل فرضه إلى التيمم ومنع عن الوضوء لا محالة ، لعدم قدرته على التوضؤ شرعاً.
وثالثة يستند جواز التيمم إلى الأدلة العامة كقاعدتي نفي الحرج والضرر من دون أن يستند إلى دليل يخصه بحسب الشرع أو العقل كما كان كذلك في الصورتين الأُوليين ، وهذا كما في موارد كون الوضوء مستلزماً للتضرر غير المنصوص عليه في الأخبار ، فهل يحكم بصحة الوضوء وقتئذٍ فيما إذا أقدم عليه عالماً بكونه ضرريّاً في حقه أو حرجياً أو لا يحكم عليه بالصحة؟
قد فصّل الماتن قدسسره (1)في مبحث التيمم في هذه المسألة بين الحرج والضرر ، مدعياً أن هاتين القاعدتين إنما تتكفلان نفي الإلزام والوجوب ولا تتكفلان نفي المشروعية والجواز ، فمن هنا يصح وضوءه في موارد الحرج.
وأما في موارد الضرر فحيث إن الإضرار محرم وهو ينطبق على الوضوء فلا محالة يتصف الوضوء بالحرمة فيبطل من هذه الناحية.
ولنا في ذلك كلام يأتي في مبحث التيمم إن شاء اللّه فلا نتعرّض إلى ذلك في المقام تبعاً للماتن حيث لم يتعرض له هنا ، بل نتعرض لما تعرض له قدسسره وهو ما إذا كان المكلف جاهلاً بأن الوضوء يترتب عليه الضرر فأقدم عليه وترتب عليه الضرر واقعاً ، أعني الضرر غير المنصوص عليه في الأخبار كترتب ذهاب مال له عليه ، كما إذا اشتغل بالوضوء فسرق اللصوص أمواله فهل يحكم بصحة وضوئه؟
1) في المسألة [1076].
حكم بصحته في المتن واحتاط بإعادته إذا لم يترتب عليه الضرر ، كما احتاط بالتيمم فيما إذا استلزم الضرر ، وقد تعرض الماتن قدسسره لهذه المسألة بعينها في مبحث التيمم وجزم بالصحة هناك من غير أن يحتاط بشيء.
والصحيح في المسألة التفصيل : وذلك لأن الضرر المترتب على الوضوء قد لا يكون أمراً مبغوضاً لدى الشرع ، وقد يكون مبغوضاً شرعياً على نحو لا يرضى الشارع بتحققه في الخارج بوجه.
أمّا إذا لم يكن الضرر مبغوضاً عند الشارع كما إذا ترتب على وضوئه سرقة مال له ، فلا مناص من الحكم بصحة الوضوء حينئذٍ ، وذلك لأنه أمر مباح في الواقع على الفرض ، ولا يشمله حديث نفي الضرر ، لأنه قاعدة امتنانية ولا امتنان في الحكم ببطلان الوضوء الصادر عن الجاهل بترتب الضرر غير المحرم عليه. إذن فلا مانع من أن ينطبق المأمور به على الوضوء المأتي به في الخارج ، لأنه مصداقه ومحققه فيحكم بصحّته.
بل يمكن أن يقال : إن في نفس الأخبار الواردة في التيمم إشعاراً بصحة الوضوء عند الجهل بضرره ، فان الظاهر من تلك الروايات أن موضوع وجوب التيمم إنما هو خوف الضرر ولكن لا على وجه الموضوعية بل على وجه الطريقية إلى الضرر الواقعي أعني به الضرر الواصل للمكلف ، ومع الجهل به وعدم خوفه منه لا يكون الضرر واصلاً للمكلف فلا ينتقل فرضه إلى التيمم ، فلا بدّ من الحكم بصحة وضوئه.
وإذا كان الضرر المترتّب على الوضوء محرماً ومما لا يرضى الشارع بوجوده في الخارج ، كما إذا ترتّب على الوضوء قتل النفس المحترمة أو ما يشاكل ذلك مما لا يرضى به الشارع ، فلا بدّ من الحكم بالبطلان ، لأن الوضوء وقتئذٍ محرم وكيف يعقل أن يكون المحرم مصداقاً للواجب ، والجهل بحرمته لا يقلب الحرام إلى الجائز أو الوجوب.
وعلى الجملة : إن المسألة من صغريات الكبرى المتقدمة (1)في التوضؤ بالماء المغصوب جاهلاً بمغصوبيته ، وقد مر أن الصحيح وقتئذٍ هو الحكم بالبطلان.
1) في ص 318.
الثامن : أن يكون الوقت واسعاً للوضوء والصلاة ، بحيث لم يلزم من التوضؤ وقوع صلاته ولو ركعة منها (1)خارج الوقت وإلاّ وجب التيمم ، إلاّ أن يكون التيمّم أيضاً كذلك ، بأن يكون زمانه بقدر زمان الوضوء أو أكثر إذ حينئذٍ يتعيّن الوضوء (1).
وأما ما ربما يتوهم من تصحيح ذلك بالملاك ، فيندفع بما ذكرناه غير مرة من أن دعوى وجود الملاك تخرص على الغيب ، إذ لا علم لنا بالملاك بعد سقوط الأمر والتكليف ، وأنه على تقدير القول به فهو ملاك مندك في جنب الملاك الآخر أعنى ملاك الحرمة ، لأن المفروض حرمته والملاك المندك مما لا يترتب عليه أيّ أثر.
(1) من المحتمل القوي أن يكون قوله : « ولو ركعة » من باب المثال ، لوضوح أنها مما لا خصوصية له ، بل لا يجوز إيقاع نصف جزء من أجزاء الصلاة أيضاً في خارج الوقت ، لأن مقتضى الأخبار الواردة في الوقت وجوب إيقاع الصلاة بأجمعها فيما بين المبدأ والمنتهى ، فلا يجوز إيقاعها خارج الوقت ولو بجزء منها أو نصف جزء ، فإذا فرضنا أن التوضؤ يستلزم إيقاع شيء من الصلاة في خارج الوقت دون التيمم فلا محالة ينتقل فرضه إلى التيمم ، اللّهمّ إلاّ أن يكون التيمم أيضاً كالوضوء من هذه الجهة فإن فرضه وقتئذٍ هو الوضوء أيضاً.
ثم إن الكلام في هذه المسألة يقع من جهتين :
إحداهما : هل أن ضيق الوقت من مسوّغات التيمم في الشريعة المقدسة أو أن التيمم لا يسوغه ذلك؟ حيث لم يرد نص على مسوغية ضيق الوقت للتيمم ، بل قد حكي عن الشيخ حسين آل عصفور عدم مسوغيته له لعدم دلالة الدليل عليه ، وأن
1) (*) بل ولو بأقلّ من ركعة.
الآية المباركة والروايات إنما تدلان على مشروعية التيمم لفاقد الماء فحسب والمفروض أن المكلف واجد للماء فكيف يشرع التيمم في حقه.
وهو ظاهر صاحب المدارك قدسسره أيضاً في من كان واجد الماء أوّلاً فأهمل حتى ضاق الوقت بحيث لو توضأ لم يمكنه إيقاع الصلاة بتمامها في وقتها ، حيث حكم عليه بوجوب التوضؤ وعدم مشروعية التيمم في حقه ، معللاً بأن التيمم إنما هو وظيفة فاقد الماء والمكلف في مفروض المسألة واجد للماء ، ولم يرد أي نص على أن ضيق الوقت من مسوغات التيمّم (1).
وقد نسب ذلك إلى المعتبر أيضاً (2)، فان هذه المسألة وإن كانت غير مسألتنا هذه لأن المفروض فيها تمكن المكلف من الماء للصلاة إلاّ أنه أهمل حتى ضاق الوقت عن الصلاة ، وهي غير ما نحن فيه أعني ما إذا كان الضيق ناشئاً عن غير الاختيار ، إلاّ أن تعليله يعم المقام أيضاً.
وهذه المسألة لم يتعرضوا لها إلاّ في كلمات متأخري المتأخرين. وذكر في الحدائق أن الوجه في ذلك لعلّه وضوح المسألة عندهم ، وقد أورد على صاحب المدارك بأن ضيق الوقت من المسوغات ، إذ المدار في وجوب التيمم إنما هو عجز المكلف وعدم تمكنه من استعمال الماء للطهارة والصلاة (3).
وما أفاده هو الصحيح وضيق الوقت من مسوغات التيمم شرعاً والوجه في ذلك : أن التيمم إنما لا يكون سائغاً فيما إذا تمكن المكلف من استعمال الماء لوضوء الصلاة فكلّما لم يتمكّن المكلّف من استعماله ساغ التيمم في حقه ، ولو كان متمكناً من استعمال الماء في غير الوضوء أو في غير وضوء الصلاة أعني الوضوء لأجل غير الصلاة ، كما إذا أذن له مالك الماء في التصرف في مائه في غير وضوء الصلاة ، فإن المكلف حينئذٍ وإن
كان واجداً للماء لغير وضوء الصلاة غير أن فرضه هو التيمم دون الوضوء.
وذلك لأن كلاًّ من الأمر بالوضوء والأمر بالتيمم في الآية المباركة أمر غيري ومقدّمة للصلاة ، فقد قال عزّ من قائل ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ) إلى أن قال ( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) ( ... فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (1)وقد استفدنا من ذكر المريض في الآية المباركة أن المراد بالوجدان هو التمكن من استعمال الماء ، فاذا فرضنا أن المكلف يتمكن من استعماله لوضوء الصلاة إذن يجب عليه الوضوء ، فاذا لم يتمكن من استعماله لوضوء الصلاة ففرضه ينتقل إلى التيمّم ، وإن كان واجداً للماء بالوجدان ومتمكناً من استعماله في غير وضوء الصلاة ، وحيث إن المفروض عدم تمكن المكلف من استعمال الماء لوضوء الصلاة عند ضيق الوقت فلا محالة يشرع في حقه التيمم كما أشرنا إليه ، هذا كلّه في هذه الجهة.
الجهة الثانية : أنه بعد الفراغ في الجهة المتقدمة عن أن ضيق الوقت من مسوغات التيمم ، يقع الكلام في أن الوقت إذا ضاق بحيث لو توضأ لم يتمكن إلاّ من إيقاع ركعة واحدة منها في وقتها ووقعت البقية في خارج الوقت ، فهل يسوغ له أن يتيمم حتى يوقع الصلاة بتمام أجزائها في وقتها ، أو يجب عليه أن يتوضأ وإن لم يدرك من الوقت إلاّ ركعة واحدة ، لأن من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة كلها في وقتها ، فكأنه متمكن من أن يتوضأ ويأتي بجميع أجزاء الصلاة في وقتها؟
التحقيق هو الأوّل ، وذلك لأن اللّه سبحانه قد قسم المكلفين على قسمين وهما واجد الماء وفاقده ، وأوجب عليهما ثمان ركعات مثلاً فيما بين المبدأ والمنتهى ، أعني ما بين الدلوك والغروب ، فمن تمكن من استعمال الماء لأجل الصلاة فيما بين الحدين وجب عليه الوضوء ، ومن لم يتمكن من استعماله لأجلها ما بين الحدين فقد وجب عليه التيمّم. وحيث إن المكلف لا يتمكّن من استعمال الماء لأجل إيقاع الصلاة بأسرها في الوقت فلا جرم وجب عليه التيمّم. اللّهمّ إلاّ أن يكون التيمّم أيضاً
1) المائدة 5 : 6.
كالوضوء بأن لا يتمكّن معه أيضاً من الإتيان بالفريضة بأسرها في الوقت ، فان المتعيّن وقتئذٍ هو الوضوء كما تقدم.
وأمّا حديث من أدرك فالصحيح المعتبر منه ما ورد في صلاة الغداة من أن « من أدرك ركعة منها فقد أدرك الغداة تامّة » (1)وأما غيرهما مما ورد من أن « من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة » (2)أو أن « من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الشمس » (3)فهي روايات ضعاف.
وما ورد في الغداة وإن لم تكن مختصة بها فان المورد لا يكون مخصصاً لا محالة ، إلاّ أنه غير ناظر إلى شيء من أجزاء الصلاة وشرائطها وإلى تغيير الوظيفة والتكليف عما كانا عليه ، بل إنما تنظر إلى توسعة الوقت وأن طبيعي الصلاة سواء أكانت مقيدة بالطهارة المائية أم بالطهارة الترابية إذا وقعت ركعة منها في وقتها فقد وقعت أداء بمعنى أن المكلف متى ما تمكن من إيقاع ركعة من الفريضة في وقتها على اختلاف الفرائض باختلاف المكلفين وجب أن يوقعها في وقتها ولا يسوغ له أن يؤخرها ويقضيها في خارجه ، فان إيقاع ركعة من الصلاة في الوقت كايقاعها بأسرها في وقتها ، ومن الظاهر أن من تمكن من الأداء لم يجز له أن يفوّت وقتها ويأتي بها قضاء فلا نظر لها إلى أن من تمكن من الصلاة مع الوضوء في وقتها ولو بمقدار ركعة وجب أن يتوضأ ويأتي بها مع الطهارة المائية ولا يشرع التيمم في حقه.
وعلى الجملة : إن الحديث غير ناظر إلى تغيير الوظيفة والتكليف من التيمم إلى الوضوء ، وبيان أن شرط الصلاة حينئذٍ أي شيء ، وإنما نظره إلى التوسعة في الوقت في طبيعي الصلاة ، سواء أكانت مقيدة بالوضوء أم مشروطة بالتيمم حسب اختلاف المكلفين.
ولو توضّأ في الصورة الأُولى بطل إن كان قصده امتثال الأمر المتعلِّق به من حيث هذه الصلاة على نحو التقييد (1).
نعم لو توضّأ لغاية أُخرى أو بقصد القربة صحّ ، وكذا لو قصد ذلك الأمر بنحو الداعي لا التقييد (1).
(1) أراد بذلك بيان حكم المتوضئ فيما إذا حكمنا عليه بوجوب التيمم ، وأنه عند ضيق وقت الصلاة إذا توضأ وترك التيمم الواجب في حقه فهل نحكم بصحة وضوئه وجاز له قضاؤها في خارج الوقت بهذا الوضوء ، أم لا بدّ من الحكم ببطلانه؟
ولا تخلو عبارة الماتن عن قصور ، وتوضيح ذلك : أن المكلف ربما يأتي بالوضوء في مفروض المسألة قاصداً به امتثال الأمر بالصلاة المقيدة في الشريعة المقدسة بالطهارة المائية ، وحينئذٍ لا بدّ من الحكم ببطلان الوضوء ، لأن ما قصده لم يقع وما وقع لم يقصد ، لأنه لم يؤمر في الشريعة المقدسة بالصلاة المتقيدة بالوضوء والطهارة المائية ، وإنما أمر في حقه بالصلاة المقيدة بالطهارة الترابية والتيمم ، والمفروض أنه لم يأت بالوضوء قاصداً لامتثال هذا الأمر.
وربّما يتوضأ قاصداً به امتثال الأمر المتعلق بطبيعي الصلاة الأعم من المقيدة بالوضوء والمقيدة بالتيمم ، إما لداعي أن لا يصلِّي به بوجه ، بل يأتي به لغيرها من الغايات المترتبة عليه كالكون على الطهارة أو الاستحباب النفسي ونحوها ، وإما بداعي أن يأتي به الصلاة الواجبة على ذمته بحيث لولا وجوب الصلاة في حقه لم يكن يتوضأ أبداً ، إلاّ أنه نوى في وضوئه امتثال الأمر المتعلق بطبيعي الصلاة ، وحينئذٍ يحكم بصحّة الوضوء ، لأن مجرد كونه مأموراً بالتيمم حينئذٍ لا يخرج الوضوء عن محبوبيته ولا يسلب ملاكه ، بل هو باق على استحبابه النفسي ، وذكرنا في محلِّه أن الأمر بالشيء
1) (*) لا أثر للتقييد في أمثال المقام فالأظهر هو الصحة في غير موارد التشريع.
لا يقتضي النهي عن ضدّه. إذن فالوضوء مستحب ومحبوب ولم يتعلّق به أي نهي ، فلا محالة يقع صحيحاً ، وإن كان المكلف قد عصى بتركه التيمم الواجب في حقه حتى يتمكّن من إيقاع الصلاة كلها في وقتها. فاذا صح ذلك وحكم على المكلف بالطهارة والوضوء فله أن يصلي بهذا الوضوء أية صلاة شاءها ومنها قضاء صلاته في خارج الوقت ، هذا.
ولكن الصحيح أن يقال : إنّا ذكرنا في التكلّم على مقدّمة الواجب (1)أن عبادية الوضوء والغسل غير ناشئة عن أمرها الغيري المقدمي ، بل إنما نشأت عن استحبابها النفسي ، إذن فالعبادية في مرتبة سابقة على الأمر الغيري المقدمي.
نعم ، لا يعتبر في عباديتها قصد أمرها النفسي على ما أسلفناه في محله كما سبق في التكلم على التعبدي والتوصلي ، أن العبادية يكتفى فيها بالإتيان بذات العمل وإضافته نحو المولى سبحانه نحو إضافة ، وبهذا يمتاز الواجب التعبدي عن التوصلي ، فعلى ذلك يكفي في صحة الوضوء في محل الكلام الإتيان به مضافاً إلى اللّه سبحانه نحو إضافة من غير أن يعتبر في صحته قصد الحصة الخاصة من الوضوء أعني الوضوء المأمور به مقدّمة للصلاة.
فما أفاده الماتن لا يتم لا على ما ذكرناه آنفاً ولا على ما هو ظاهر عبارته. أما بناء على ما سردناه آنفاً ، فلأن قصد المكلّف الإتيان بالحصة الخاصة من الوضوء أعني الوضوء الواجب مقدّمة للصلاة الذي هو المراد من قصده امتثال الأمر المتعلق به من حيث هذه الصلاة على نحو التقييد قصد أمر لا واقع له ، حيث عرفت أن الوضوء بطبيعيه عبادة ومستحب ذاتي وليست له حصتان ولا هو على نوعين وقسمين ، فقصد الحصة الخاصة من الوضوء مما لا واقع له ، وهو نظير قصده الوضوء الليلي أو النهاري حيث لا حصة للوضوء من حيث الليل والنهار ، فالقيد بهذا المعنى مما لا واقع له. نعم المقيد وهو الصلاة على قسمين ، لأنها قد تتقيد بالطهارة الترابية وقد تتقيد بالطهارة
1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 401.
المائية ، وأما القيد فلا ، كما مرّ.
وأمّا بناء على ما هو ظاهر عبارته قدسسره من تقسيمه الوضوء المأتي به على قسمين ، وأنه قد يأتي به على نحو التقييد بأن يأتي الوضوء بداعي أنه الذي تتقيد به الصلاة الواجبة في حقه على نحو لو لم يكن صلاته متقيدة به لم يكن يأتي به ، وقد يأتي به على نحو الداعي لا التقييد بأن يأتي به بداعي أنه الذي تقيّدت به صلاته ولكن لا على نحو لو لم تتقيّد به صلاته لم يكن يأتي به ، بل هو يأتي بذلك الوضوء حتى لو لم تكن صلاته متقيدة به كما مرّ منه قدسسره هذا التفسير للداعي والتقييد في المسألة الثالثة من مسائل الوضوءات المستحبّة (1).
فالوجه في عدم تمامية ما أفاده قدسسره هو ما أسلفناه هناك من أن التقييد بهذا المعنى أيضاً لا يرجع إلى محصل ، فإن العبادة يكفي في صحّتها أن يؤتى بذات العمل مضافة إلى المولى نحو اضافة ، والمفروض أن المكلف في المقام قد أتى بذات الوضوء وأضافها إلى اللّه سبحانه أيضاً ، وبذلك تمّت العبادة ، وغاية الأمر أنه كان معتقداً بوجوبه فقد ظهر استحبابه ، فهو من قبيل الخطأ في التطبيق وقصده أن لا يأتي به على تقدير عدم كونه مقدّمة لصلاته لغو ولا يضر بصحّة ما أتى به من العمل متقرباً به إلى اللّه تعالى.
اللّهمّ إلاّ أن يكون عالماً بعدم وجوبه وأن الصلاة غير متوقفة عليه ومع ذاك أتى به بداعي أنه مقدمة لصلاته ، فإنه وقتئذٍ تشريع محرم وهو مبطل للعبادة كما قدّمنا تفصيله في محله ، فما أفاده قدسسره من أن الإتيان بالوضوء قد يكون على وجه التقييد وقد يكون على وجه الداعي لا يرجع إلى محصل معقول.
بل الصحيح أن يفصّل في صحة الوضوء بين ما إذا كان المكلف عالماً بعدم توقف صلاته على الوضوء ، لعلمه بضيق الوقت وأن وظيفته حينئذٍ هو التيمم ومعه قد أتى به بقصد أنه واجب مقدمي للصلاة ، فإنه وقتئذٍ تشريع وهو موجب لبطلان وضوئه ، وما
1) في ص 15.
[560] مسألة 21 : في صورة كون استعمال الماء مضرّاً (1) لو صبّ الماء على ذلك المحلّ الذي يتضرّر به ووقع في الضرر ثم توضّأ صحّ إذا لم يكن الوضوء موجباً لزيادته لكنه عصى بفعله (1)الأول.
التاسع : المباشرة في أفعال الوضوء في حال الاختيار (2) ،
إذا لم يكن عالماً بعدم المقدمة بل كان جاهلاً بها ولكنه أتى به بداعي شيء من الغايات المترتبة عليه أو بداعي تلك الصلاة مع الغفلة عن تضيق وقتها وعدم توقف صلاته عليه ، فان وضوءه صحيح في هذه الصورة ، فإنه أتى بذات العمل مضافة إلى اللّه سبحانه ، وقد عرفت أنه يكفي في الحكم بصحة العبادة وإن أخطأ في التطبيق حيث تخيّل وجوبه وكان أمراً استحبابياً واقعاً.
(1) بأن حصل الضرر بمجرّد وصول الماء إلى البشرة ، بحيث لو صبّ الماء بعد ذلك بقصد الغسل أو الوضوء لم يترتب عليه أي ضرر من حدوث مرض أو اشتداده أو بطء زواله ونحو ذلك فيقع غسله أو وضوءه صحيحاً ، حيث لا ضرر في شيء منهما وإن عصى بذلك حيث أوقع نفسه في الضرر ، بناء على أن مطلق الإضرار بالنفس محرم شرعاً. وأما بناء على ما قدمناه في محله من عدم دلالة الدليل على حرمة مطلق الإضرار بالنفس فلا معصية أيضاً بوجه.
(2) ويدلُّ على ذلك مضافاً إلى الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية حيث دلت بأجمعها على أنه عليهالسلام قد أسدل الماء من أعلى وجهه أو من مرفقه وأمرّ يده إلى الذقن أو الأصابع ، نفس الخطابات المتكفلة لوجوب الغسل والمسح كما في الآية المباركة والروايات ، فان مقتضى إطلاق الأمر بالغسل أن المكلف يجب أن يغسل
1) (*) في إطلاقه إشكال بل منع.
فلو باشرها الغير أو أعانه في الغسل أو المسح بطل ، وأمّا المقدّمات للأفعال فهي أقسام : أحدها : المقدّمات البعيدة كإتيان الماء أو تسخينه أو نحو ذلك.
وجهه ويديه بنفسه وكذلك يجب أن يمسح رأسه أو رجليه بنفسه ، فلو غسلهما أو مسحهما الغير لم يسقط بذلك التكليف عنه ، لأن إيجابهما مطلق ويدلُّ على وجوب الإتيان بهما بالمباشرة سواء أتى بهما غيره أم لم يأت بهما.
وكذلك الحال في جميع التكاليف والواجبات تعبدية كانت أم توصلية ، فإن المناط المتقدم أعني ظهور نفس الخطاب وتوجهه في وجوب المباشرة وعدم سقوط الواجب بفعل الغير متحقق في الجميع على حد سواء. اللّهمّ إلاّ أن يقوم دليل خارجي على أن الغرض يحصل في الخارج من مجرد تحقق المأمور به ووجوده ، سواء استند ذلك إلى المباشرة أم التسبيب وفعل الغير ، فلو أمر بغسل ثوبه فمقتضى ظهور هذا الخطاب وإطلاقه عدم كفاية غسل الغير في حصول الامتثال ، إلاّ أن القرينة الخارجية دلتنا على أن الغرض من الأمر بغسله إنما هو مجرّد إزالة النجاسة عنه ، حصل ذلك بفعل نفس المأمور ومباشرته أو بفعل شخص آخر ، بل وسواء حصل من عاقل بالاختيار أم من غير العاقل أو من دون الاختيار ، كما إذا أطارته الريح وألقته في كر من الماء وزالت عنه النجاسة بذلك أو وقع عليه المطر فطهّره.
وأما إذا لم تقم قرينة خارجية على ذلك ، فمقتضى الظهور والإطلاق إنما هو اشتراط المباشرة كما عرفت ، وقد خرجنا عن ذلك في باب العقود والإيقاعات ، لأنه لو أمر بالبيع أو النكاح أو الطلاق أو الصلح فكما يحصل امتثال الأمر بذلك بإيقاع المعاملة بنفسه والمباشرة كذلك يحصل بأمره الغير بإيقاعها ، والسرّ في ذلك ما أشرنا إليه في بحث المكاسب من أن الأفعال التكوينية ليست كالأفعال الاعتبارية من جهة أن إسناد الأفعال التكوينية على وجه الحقيقة لا يصحّ إلاّ إلى فاعلها ومصدرها أو صانعها فلا يصح أن يقال شرب فلان الماء إلاّ إذا شربه بالمباشرة ، فلو أمره غيره بشربه فشربه ذلك الغير لم يصح أن يقال شرب فلان الماء حقيقة.
وهذا بخلاف الأفعال الاعتبارية ، لأنها كما يصح إسنادها إلى فاعلها بالمباشرة كذلك يصح إسنادها حقيقة إلى فاعلها بالتسبيب ، كما إذا أوجدها من أمره بإيجادها وذلك لأن قوام الأُمور الاعتبارية بالاعتبار ، فيصح إسنادها إلى من اعتبرها حقيقة كما إذا اعتبر ملكية ماله للمشتري وأمر غيره بأن يبيع ماله منه أي من ذلك المشتري فكما يصح أن يقال حقيقة إن الوكيل أو المأمور قد باع ذلك المال كذلك يصح أن يقال حقيقة إن المالك والآمر قد باع ذلك المال لقيام الاعتبار به ، وكذا فيما لو باعه الفضولي فإجازة مالك المال ، لأنه بالإجازة يصح أن يسند البيع إلى المالك بإمضائه وإجازته ويصحّ أن يقال فلان باع داره حقيقة ، لأنه الذي اعتبر ملكيتها للمشتري وأبرزه بإجازته وإمضائه.
وأظهر من ذلك ما إذا كان المأمور وكيلاً في مجرد إيقاع الصيغة وإنشائها من دون علمه بالعوضين ولا عرفانه بشيء من شروطهما ، فان البيع حينئذٍ يسند إلى الموكل المالك إسناداً حقيقياً ، بل في صحة إسناده إلى الوكيل المذكور إشكال ، ومن هنا تأمل الشيخ قدسسره في ثبوت خيار المجلس لمثل هذا الوكيل نظراً إلى أن « البيّع » لا يصدق على مثله حقيقة (1).
وكيف كان ، فالخطابات بأنفسها وإطلاقها ظاهرة في اشتراط المباشرة في الأفعال التكوينية ، اللّهمّ إلاّ أن يقوم دليل على صحة النيابة كما في الجهاد ، وعليه يكون العمل الصادر من الغير مسقطاً للواجب عن ذمة المنوب عنه لا أنه يقع مصداقاً للمأمور به لوضوح عدم معقولية تكليف أحد بالعمل الصادر من الغير ، وهذا ظاهر.
وأما في الأفعال الاعتبارية فظهور الخطابات وإطلاقها لا يقتضي اعتبار المباشرة كما عرفت ، وحيث إن الغسل والمسح من الأفعال التكوينية ولم يقم دليل على صحة النيابة فيهما فمقتضى ظهور الآية والأخبار وإطلاقاتها هو اعتبار المباشرة في الوضوء وعدم سقوطه بالفعل الصادر من الغير.
1) المكاسب : 216 السطر 30.
وهذه لا مانع من تصدّى الغير لها (1).
الثاني : المقدمات القريبة مثل صبّ الماء في كفّه وفي هذه يكره مباشرة الغير (2).
على أن المسألة مما لا خلاف فيه إلاّ من ابن الجنيد ، حيث ذهب إلى كراهة التولية في الوضوء (1) إلاّ أنه مما لا يعبأ به لشذوذه وندرته فإنه على خلاف المتسالم عليه بين الأصحاب ( قدس اللّه أسرارهم ).
(1) ويدلُّ عليه مضافاً إلى الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية ، لاشتمالها على أنه صلىاللّهعليهوآله دعا بقعب أو قدح أو طست أو تور أو غيره من أواني الماء (2) وهي قد وردت في مقام البيان ، فيستفاد منها أن الإعانة في أمثال ذلك من المقدّمات البعيدة للوضوء أمر سائغ لا منع عنه ، أن التوضؤ من دون إعانة الغير في المقدمات أمر لا يتحقق إلاّ نادراً ، لتوقفه على أن يصنع لنفسه ظرفاً من إبريق ونحوه حتى يخرج به الماء من البئر أو البحر أو المخزن ونحوها ، وإلاّ فصانع الإبريق أو من أتى به الماء مثلاً معين للمتوضئ في وضوئه فلا يتحقق الوضوء من دون إعانة الغير إلاّ بالذهاب إلى بحر أو نهر ليتوضأ منه بلا إعانة الغير ، وهو قليل التحقّق لا محالة.
هذا على أن عبادية الوضوء ليست بأرقى من عبادية بقية العبادات كالحج والصلاة ، ولا إشكال في جواز الاستعانة من الغير في مقدماتهما ، فهل يكون هذا تشريكاً في الحج والصلاة ، أو أنه لا مانع من الشركة فيهما بخلاف الوضوء ، وهذا مما يدلّنا على عدم المنع من الاستعانة بالغير في مقدمات الوضوء.
(2) بل الظاهر عدم المنع عن ذلك لا كراهة ولا تحريماً ، ولا يمكن المساعدة على
ما ذكره الماتن من الحكم بالكراهة ، وذلك لعدم قيام دليل على الكراهة بوجه ، وما استدلّ به عليها من الروايات الآتي نقلها إما ضعيف السند والدلالة معاً أو من إحدى الجهتين.
مضافاً إلى دلالة الرواية الصحيحة على الجواز وعدم الكراهة أو الحرمة وهي صحيحة الحذاء قال : « وضأت أبا جعفر عليهالسلام بجمع ( عرفات ) وقد بال ، فناولته ماء فاستنجى ثم صببت عليه كفاً فغسل به وجهه وكفاً غسل به ذراعه الأيمن وكفاً غسل به ذراعه الأيسر ، ثم مسح بفضلة الندى رأسه ورجليه » (1)وهي صريحة الدلالة على جواز تصدي الغير بالمقدمات القريبة في الوضوء.
نعم ، رواها الشيخ قدسسره في موضع آخر من التهذيب مشتملة على قوله « ثم أخذ كفّاً » (2)بدل ثم صببت عليه كفّاً ، كما نقله في الوسائل ، وعليه تكون الرواية أجنبية عما نحن بصدده ، إلاّ أن الصحيح هو نسخة الوسائل ولعلّه سقط عن قلم الشيخ اشتباهاً ، وذلك لاشتمال صدرها على قول الحذاء : « وضأت أبا جعفر » فلو كان عليهالسلام أخذ الماء بنفسه فأين وضاءة الحذاء حينئذٍ؟ هذا.
وقد استدل للكراهة بعدة روايات :
منها : رواية حسن الوشاء قال : « دخلت على الرضا عليهالسلام وبين يديه إبريق يريد أن يتهيأ منه للصلاة ، فدنوت منه لأصب عليه فأبى ذلك ، فقال : مه يا حسن ، فقلت له لِمَ تنهاني أن أصب الماء على يديك تكره أن أُوجر؟ قال : تؤجر أنت وأُوزر أنا ، فقلت : وكيف ذلك؟ فقال : أما سمعت اللّه عزّ وجلّ يقول ( فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) وها أنا ذا أتوضأ للصلاة وهي العبادة فأكره أن يشركني فيها أحد » (3).
ولكنّها ضعيفة السند بإبراهيم بن إسحاق الأحمر ، لأنه ممن ضعّفه الشيخ (1)والنجاشي (2)قدسسرهما كما أنها ضعيفة الدلالة على المدعى ، حيث إن ظاهرها الحرمة ، لأن معنى قوله تعالى ( فَمَنْ كانَ يَرْجُوا ... ) أنه من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر ومن الظاهر أن ارتكاب أمر مكروه عند اللّه سبحانه لا يستلزم انتفاء الايمان باللّه سبحانه واليوم الآخر ، فلا يتحقق هذا إلاّ في ارتكاب المحرمات.
أضف إلى ذلك قوله عليهالسلام « أُوزر أنا » فان الوزر بمعنى العقاب وهو مختص بالحرام.
وفي الرواية مناقشة أُخرى ، وهي أن ظاهر الآية المباركة التي استشهد بها الامام عليهالسلام عدم جواز الإشراك في العبودية ، وأن من آمن باللّه واليوم الآخر لا يسوغ له أن يعبد غير اللّه سبحانه ، بل لا مناص من حصر المعبودية به جلّت عظمته كما اشتمل عليه غيره من الآيات أيضاً كقوله عزّ من قائل ( وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (3)وقوله ( إِيّاكَ نَعْبُدُ ) (4)ولا يستفاد منها عدم جواز الإتيان بعبادة اللّه تعالى من دون إشراك مع الاستعانة بالغير في مقدّمات العمل.
وعلى الجملة : إن ظاهر الآية عدم جواز الإشراك في المعبود دون الإشراك في العمل.
إذن لا مناص من طرح الرواية أو حملها على إرادة التشريك في نفس العمل ، كما إذا وضّأه غيره كما كان هو المرسوم عند السلاطين والجبابرة العظماء حيث كانوا يوضئوهم الخدم والعبيد ولم يكونوا يتصدّون لتلك الأُمور بالمباشرة ، وقد أُشير إلى ذلك في بعض الروايات الآتية (5)أيضاً فلاحظ.
الثالث : مثل صبّ الماء على أعضائه مع كونه هو المباشر لإجرائه وغسل أعضائه ، وفي هذه الصورة وإن كان لا يخلو تصدّي الغير عن إشكال ، إلاّ أنّ الظاهر صحّته ، فينحصر البطلان فيما لو باشر الغير غسله أو أعانه على المباشرة بأن يكون الإجراء والغسل منهما معاً.
ولا ينبغي الإشكال في أن ذلك يوجب البطلان لمنافاته اشتراط المباشرة في أعمال المكلف.
ومنها : مرسلة الصدوق قدسسره قال : « كان أمير المؤمنين عليهالسلام إذا توضأ لم يدع أحداً يصب عليه الماء ، فقيل له يا أمير المؤمنين لِمَ لا تدعهم يصبّون عليك الماء؟ فقال : لا أُحب أن أُشرك في صلاتي أحداً ، وقال اللّه تبارك وتعالى ( فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) » (1).
ويتوجه على الاستدلال بها :
أوّلاً : أنها ضعيفة السند بالإرسال.
وثانياً : أنها قاصرة الدلالة على المدعى ، لما مرّ من أن ظاهر الآية المباركة حرمة الإشراك في عبادة اللّه سبحانه وهل يكون الإشراك مكروهاً ، وإلاّ لم يختص تركه بمن آمن باللّه ويوم المعاد ، هذا.
على أن ظاهر الرواية أن عدم حبّه عليهالسلام أن يصب عليه الماء مستند إلى كون الوضوء مقدمة للصلاة ، وأن الإشراك فيه إشراك في الصلاة ، ولازم هذا كراهة الاستعانة في جميع مقدّمات الصلاة حتى تهيئة المكان والمسجد وغيرهما ، لأنه إشراك في الصلاة ، وهذا مما لا يمكن الالتزام به.
هذا كلّه فيما رواه الصدوق قدسسره في المقنع (2)والفقيه (3)على وجه الإرسال.
وقد نقله قدسسره في العلل بالإسناد عن أبيه عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن إبراهيم بن إسحاق عن عبد اللّه بن حماد عن إبراهيم بن عبد الحميد عن شهاب بن عبد ربّه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام عن أمير المؤمنين عليهالسلام (1)وهذا الطريق أيضاً ضعيف بإبراهيم بن إسحاق الأحمر ، لأن الشيخ (2)والنجاشي (3)قدسسرهما قد ضعّفاه. ونقله الشيخ قدسسره في تهذيبه بإسناده عن إبراهيم ابن هاشم عن عبد الرحمن بن حماد عن إبراهيم بن عبد الحميد (4). وهذا أيضاً ضعيف لأن عبد الرّحمن بن حماد إمامي مجهول.
ومنها : مرسلة المفيد قدسسره قال : « دخل الرضا عليهالسلام يوماً والمأمون يتوضأ للصلاة والغلام يصب على يده الماء ، فقال : لا تشرك يا أمير المؤمنين بعبادة ربك أحداً ، فصرف المأمون الغلام وتولّى تمام وضوئه بنفسه » (5)وقد استدلّ بها على كراهة الاستعانة بالغير في المقدمات ، نظراً إلى أن الامام عليهالسلام لم يأمر المأمون بالاستئناف وإعادة وضوئه ، بل قد أتم وضوءه بالمباشرة وأمضاه الامام عليهالسلام فلو كانت الاستعانة بالغير محرماً لأمره بالاستئناف والإعادة.
ولكنها أيضاً ضعيفة بإرسالها ، كما أنها قاصرة الدلالة لعين ما قدّمناه في سابقتها لأن ظاهرها أن الاستعانة بالغير في مقدمات الوضوء إشراك في العبادة وهي الصلاة ولازمه كراهة الاستعانة بالغير في مطلق مقدمات الصلاة ، لأنها إشراك في العبادة والصلاة كما عرفت أن الآية المباركة منطبقة على الإشراك في العمل ، لأنها إنما دلت على حرمة الإشراك ولا حرمة إلاّ في الإشراك في المعبود لا في العمل.
ومنها : ما رواه هو قدسسره في الخصال بإسناده عن أبيه عن علي بن إبراهيم
عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه عليهالسلام عن آبائه عن علي عليهمالسلام قال رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم « خصلتان لا أُحب أن يشاركني فيهما أحد : وضوئي فإنه من صلاتي ، وصدقتي فإنها من يدي إلى يد السائل فإنها تقع في يد الرحمن » (1)وهي وإن كانت من حيث السند معتبرة حيث بنينا أخيراً على اعتبار روايتي النوفلي والسكوني اعتماداً على ما يحكى عن الشيخ قدسسره من دعوى إجماعهم على العمل بروايات السكوني في غير واحد من مواضع كلامه (2)، وهذا الإجماع توثيق منهم للسكوني ، وهو وإن اختلفوا في مذهبه وقد قيل إنه عامي إلاّ أن مذهبه غير قادح في وثاقته في الرواية.
ثم إن هذا الإجماع كما ذكره الوحيد البهبهاني قدسسره (3)يلازم الإجماع على قبول روايات النوفلي أيضاً ، لأن طريق السكوني في كتابه إنما هو النوفلي الذي يروي عنه إبراهيم بن هاشم ، فإذا أجمعوا على اعتبار روايات السكوني كان ذلك إجماعاً بالملازمة على اعتبار روايات النوفلي أيضاً فلاحظ ، هذا.
ويمكن المناقشة في ذلك بأن ما سردناه وذكره البهبهاني قدسسره إنما يتم فيما إذا كانت روايات السكوني منحصرة بما في كتابه عن النوفلي ، وليس الأمر كذلك ، لأن له روايات اخرى بطريق آخر غير كتابه حسبما نقله الأردبيلي قدسسره في جامع الرواة (4)ومعه لا يكون الإجماع على اعتبار روايات السكوني إجماعاً بالملازمة على اعتبار روايات النوفلي أيضاً. إذن لا بدّ من ملاحظة حال النوفلي رأساً وهو وإن لم يضعّف في الرجال إلاّ أنه لم يوثق أيضاً ولم يذكروا له مدحاً ولا توثيقاً ، وبذلك يكون النوفلي مجهول الحال فيكون السند في الرواية ضعيفاً لا محالة (5).
1) الوسائل 1 : 478 / أبواب الوضوء ب 47 ح 3 ، الخصال : 33 / 2.
2) عدة الأُصول 1 : 56 السطر 12.
3) تعليقة الوحيد البهبهاني على منهج المقال : 57.
4) جامع الرواة 1 : 91.
5) ولا يخفى أن النوفلي ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات وقد بنى ( دام ظله ) أخيراً على اعتبار كل من وقع في سلسلة أسانيد ذلك الكتاب ولم يضعف بتضعيف معتبر ، إذن على هذا المسلك يكون النوفلي ممن وثقه ابن قولويه ، وحيث لم يضعف بتضعيف معتبر فلا بدّ أن يحكم بوثاقة الرواية في المقام.
ولكنّها قاصرة الدلالة على المدعى ، لأن ظاهرها هو الاستعانة بالغير في نفس العمل والوضوء دون مقدّماته ، لأن المشاركة لا تطلق على مجرّد الإعانة في المقدّمات فلا يصح أن يقال لمن هيأ الدواة والقرطاس أنه شارك الكاتب فيما كتبه ، ولا يقال للخياط أنه شارك اللابس في لبسه الثياب. فالمشاركة إنما يصح إطلاقها فيما إذا أعان الفاعل في نفس العمل بأن صدر الفعل من اثنين معاً ، ولا إشكال في بطلان الوضوء بذلك ، لأنه خلاف الأدلّة المتقدِّمة الدالّة على اعتبار المباشرة في الواجبات.
ويؤيد ذلك الفقرة الأخيرة من الرواية ، حيث إن مشاركة الغير في الصدقة إنما تتصوّر بإعطاء الفلوس مثلاً لذلك الغير حتى هو يوصله إلى يد السائل وهو الشركة في نفس العمل والاستنابة فيه.
وهذا قرينة على أن المراد من الفقرة الأُولى أيضاً هو ذلك ، ولا إشكال في أن الشركة في نفس الوضوء والاستنابة فيه موجبان للبطلان.
فالمتحصل إلى هنا أن الحكم بكراهة الاستعانة بالغير في المقدّمات مشكل جدّاً ولم يدلنا على كراهيتها دليل. مضافاً إلى القطع بأنه لا خصوصية للوضوء من بين العبادات ، فلو كانت الاستعانة في مقدماته مكروهة لكرهت الاستعانة في مقدّمات مثل الحج والصلاة والصوم والجهاد أيضاً ، وهذا مما لا يلتزم به القائل بكراهة الاستعانة في مقدّمات الوضوء ، وتخصيص الوضوء بذلك من بين العبادات مما لا مخصّص له.
ثم إنه قد ظهر مما بيّناه في المقام أن الأخبار المستدل بها على الكراهة في الاستعانة بالغير في مقدمات الوضوء غير قابلة للاعتماد عليها عند الاستدلال ، لضعفها من جهتي السند والدلالة معاً ، وأنه ليست المناقشة فيها منحصرة بضعف السند فحسب
كما عن بعضهم حتى يجاب عنها كما في الجواهر بأن ضعفها منجبر بعمل المشهور على طبقها. على أن ضعف السند غير مضر في الحكم بالكراهة من جهة قاعدة التسامح في أدلة السنن. وقد مرّ أن الأخبار المتقدمة زائدة على ضعف السند قاصرة الدلالة أيضاً على المدعى.
وما أجاب به في الجواهر (1)على تقدير تماميته إنما يتكفل لتصحيح السند ولا يدفع المناقشة عنها في دلالتها. على أنه غير دافع للمناقشة السندية أيضاً ، وذلك لأنّا لو سلمنا أن اعتماد الأصحاب ( قدس اللّه أسرارهم ) على رواية ضعيفة جابر لضعفها لكشفه عن أنهم قد أصابوا بقرينة دلتهم على اعتبارها ، فهو إنما يتم فيما إذا أحرزنا صغرى تلك القاعدة وعلمنا أنهم قد اعتمدوا في حكمهم هذا على تلك الرواية الضعيفة ، ومن أين نحرز ذلك في المقام ، حيث إن الحكم من الأحكام غير الإلزامية فيحتمل أنهم اعتمدوا في الحكم بكراهة الاستعانة في المقدمات على قاعدة التسامح في أدلة السنن ، ومعه كيف يمكن الحكم بانجبار ضعف الروايات بدعوى انجبار ضعف الرواية بعمل المشهور على طبقها.
وأما التمسك في المقام بقاعدة التسامح في أدلة السنن ، فيتوجّه عليه مضافاً إلى أنها مما لا أساس له حسبما قدّمناه في محلِّه (2)أنها لو تمت في نفسها فإنما تتم في المستحبّات لأن ظاهر قوله صلىاللّهعليهوآلهوسلم « من بلغه ثواب من اللّه على عمل ... » (3)هو الفعل والعمل فلا يعم الترك والكراهة.
فالصحيح ما قدّمناه من أن الكراهة مما لا أساس له في المقام ، فما ذهب إليه صاحب المدارك (4)واختاره في الحدائق (5)من عدم كراهة الاستعانة في المقدّمات
[561] مسألة 22 : إذا كان الماء جارياً من ميزاب أو نحوه ، فجعل وجهه أو يده تحته بحيث جرى الماء عليه بقصد الوضوء صحّ (1) ولا ينافي وجوب المباشرة بل يمكن أن يقال (2) : إذا كان شخص يصبّ الماء من مكان عال لا بقصد أن يتوضّأ به (1)أحد (3) وجعل هو يده أو وجهه تحته صحّ أيضاً ولا يعدّ هذا من إعانة الغير أيضاً.
القريبة فضلاً عن البعيدة ، هو الصحيح.
(1) وذلك لصحة استناد الوضوء حينئذٍ إلى المتوضئ حقيقة لدى العرف ، لأنه الذي جعل يده تحت الميزاب وغسل وجهه ويده دون غيره كما هو ظاهر.
(2) لعين ما قدّمناه في الوضوء من الماء الجاري من الميزاب ، لأن غسل الوجه واليدين بالإمرار أو بأخذ اليد تحت الماء إنما يستند إلى المتوضئ حقيقة ، وأما صبّ الماء من غير أن يقصد توضؤ الغير به ، فإنما هو إعداد لا إعانة في الوضوء.
(3) بل ولو بقصد أن يتوضأ به أحد ، لأن القصد وعدمه مما لا مدخلية له في استناد الوضوء إلى المتوضئ وعدمه ، فلو كانت له مدخلية فإنما هي في صدق الإعانة على صبّه لا في صدق الاستعانة وعدم استناد الوضوء إلى فاعله ، بناء على أن مفهوم الإعانة يتقوّم بالقصد كما ذكره شيخنا الأنصاري (2)قدسسره فإنه إذا لم يقصد بصبه أن يتوضأ به غيره لم يصدق على صبّه عنوان الإعانة ، كما أنها تصدق مع قصده ذلك.
وأمّا في صدق الاستعانة فلا ، والسر في ذلك هو أن الجزء الأخير الذي به يتحقق الفعل المأمور به إنما يصدر من المتوضئ بإرادته واختياره ، وهو جعل يده ووضعها تحت الماء الذي به يتحقق الوضوء من غسل يده ووجهه ، فبه صحّ أن يُقال إنه توضأ
[562] مسألة 23 : إذا لم يتمكّن من المباشرة جاز (1).
سواء قصد الصاب بصبِّه هذا أن يتوضأ به غيره أم لم يقصده. ففرق ظاهر بين أن تكون يده في موضع فصبّ عليها الماء غيره ، وأن يصبّ الماء غيره وهو وضع يده تحته للوضوء ، لأن الوضوء حينئذٍ يستند إلى فاعله حقيقة. نعم لو أمر المتوضئ غيره بأن يصبّ الماء على يده دخل ذلك في الاستعانة بالغير في المقدمات وقد أسلفنا حكمها.
(1) المسألة متسالم عليها عندهم ولم يعرف فيها الخلاف ، وإنما الكلام في مدركها وأن المكلف بعد ما وجبت عليه المباشرة في العمل وإصدار المكلّف به بنفسه من جهة اقتضاء ظواهر الخطابات ذلك ، إذا عجز عن التصدي له بالمباشرة لماذا يجب عليه الاستنابة والاستعانة بغيره ، مع أن مقتضى القاعدة أن تتبدّل وظيفته إلى التيمّم ، لعدم تمكّنه من الوضوء المأمور به أعني الوضوء الصادر منه بالمباشرة؟
وقد قيل في وجه ذلك أُمور :
الأوّل : قاعدة الميسور ، وأن الوضوء المباشري إذا تعذّر على المكلّف وجب عليه أن يأتي بميسوره وهو أصل طبيعي الوضوء بإلغاء قيد المباشرة.
وفيه : مضافاً إلى ما مرّ منّا غير مرّة من المناقشة في كبرى تلك القاعدة ، أن الصغرى قابلة للمنع في المقام ، وذلك لأن طبيعي العمل المأمور به وإن كان بالنظر العقلي ميسوراً للطبيعي المقيد بالمباشرة إلاّ أنهما بالنظر العرفي متباينان ولا يعد العمل الصادر من الغير بالتسبيب ميسوراً للعمل الصادر منه بالمباشرة فإنهما أمران متباينان عندهم. وعلى الجملة إن التمسّك في المقام بقاعدة الميسور مما لا وجه له ، والعمدة فيه هي المناقشة الكبروية.
الثاني : الإجماع القطعي في المسألة ، ويمكن المناقشة فيه أيضاً بأن المستند في
حكمهم في المسألة إن كان منحصراً بالإجماع فهو وإن أمكن الاستدلال به نظراً إلى أنه إجماع تعبدي كاشف عن رضى المعصوم عليهالسلام إلاّ أن الوجه متعدد في المقام ولا ينحصر المستند بذلك ، ومعه يحتمل أن يكون المستند لهم في ذلك قاعدة الميسور أو غيرها من الوجوه المستدل بها في المقام ، ومع هذا الاحتمال لا يكون الإجماع تعبدياً كاشفاً عن رأي المعصوم عليهالسلام بوجه.
الثالث : ما رواه الشيخ قدسسره بطرق متعددة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في حديث أنه كان وجعاً شديد الوجع فأصابته جنابة وهو في مكان بارد قال : فدعوت الغلمة فقلت لهم ، احملوني فاغسلوني فحملوني ووضعوني على خشبات ، ثم صبوا عليَّ الماء فغسلوني (1)حيث دلّ على أن من عجز عن الغسل بالمباشرة ينتقل فرضه إلى الغسل بالتسبيب أي بالاستعانة بغيره حتى يغسله.
وما رواه الكليني بإسناده عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قيل له : إن فلاناً أصابته جنابة وهو مجدور فغسلوه فمات ، فقال : قتلوه ألا سألوا؟ ألا يمموه؟ إن شفاء العي السؤال » (2)وغيرها من الأخبار الواردة بهذا المضمون ، لدلالتها على أن من عجز عن المباشرة بالتيمّم يجب أن يستعين بفعل الغير حتى ييمِّمه.
والاستدلال بهذه الأخبار إنما يفيد فيما إذا انضم إليه القطع بعدم الفرق في ذلك بين الغسل والتيمّم وبين الوضوء ، وأن فرض من عجز عن المباشرة لغسله وتيمّمه إذا كان هو الاستعانة والاستنابة لتغسيله وتيمّمه فلا بدّ أن يكون الأمر كذلك في الوضوء أيضاً ، حيث إنه لولا دعوى القطع بعدم الفرق يمكن أن يقال إن الحكم بما أنه على خلاف القاعدة لأنها تقتضي انتقال الأمر إلى التيمم ، فلا يمكن أن نتعدى عن مورد النص إلى سواه.
الرابع : أن دليل اعتبار المباشرة وشرطيتها في الواجبات ليس دليلاً لفظياً حتى
يمكن التمسّك بإطلاقه في كلتي حالتي التمكن منها وعدمه ، وذلك لأن دليل الشرطية إذا كان لفظياً لم يكن أي مانع من الحكم بشرطية المباشرة في كل من المتمكن والعاجز عنها.
ولا يصغي إلى ما ذكره المحقق القمي قدسسره في بعض كلماته ، وكذا صاحب الجواهر (1)قدسسره من أن دليل الشرطية والاعتبار إذا كان هو الأمر والإيجاب اختص ذلك بحالة القدرة والتمكن ولا يعم حالة العجز ، والوجه في عدم الإصغاء إليه أن القدرة إنما تعتبر في متعلق الأوامر المولوية ، وأما الأوامر الإرشادية فلا وجه لاشتراط القدرة فيها بوجه ، لعدم لزوم أيّ محذور في كون الشرطية مطلقة وثابتة في كل من حالتي التمكن وعدمه ، وغاية الأمر أن العاجز عن الشرط بما أنه غير متمكن من الإتيان بالمأمور به واجداً لشرطه فيسقط عن ذمته وينتقل الأمر إلى بدله من الوضوء أو غيره.
وكيف كان ، إذا كان الدليل على اعتبار المباشرة لفظياً لالتزمنا بشرطيتها مطلقاً ، إلاّ أن دليل شرطية المباشرة ليس كذلك في المقام ، لأنّا إنما استفدنا اعتبارها وشرطيتها من حال الخطابات وظواهرها في نفسها ، لأنها تقتضي اعتبار استناد العمل وصدوره إلى نفس المكلف الفاعل له ، فلا بدّ في الحكم بسقوط الواجبات من أن يصح إسنادها إلى فاعلها ، وهذا يختلف باختلاف الفاعلين ، لأن الفاعل إذا كان قادراً متمكناً من الإتيان بالعمل الواجب بالمباشرة فلا يصح إسناده إليه إلاّ إذا أتى به بنفسه بحيث لو أتى به شخص آخر ولو بتسبيبه لم يصح إسناده إليه على وجه الحقيقة.
وأمّا إذا كان عاجزاً عن إصدار العمل والإتيان به بنفسه وبالمباشرة فأتى به بالتسبب ، فلا مانع من صحة إسناد ذلك العمل إليه على وجه الحقيقة ، وهذا لا من جهة أن المراد من اللفظ هو إيجاد غير العاجز عن المباشرة بالمباشرة وإيجاد العاجز عن المباشرة بالتسبب ليكون لفظ واحد مستعملاً في معنيين ، بل من جهة أن المتبادر
1) الجواهر 2 : 313.
من الأوامر الواردة في الآية المباركة والروايات بغسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين ليس إلاّ وجوب إصدار مطلق الطبيعة على كل مكلف من المكلفين على وجه يصح إسناده إليه لدى العرف ، وهذا أمر يختلف باختلاف المكلفين والأشخاص من جهة قدرتهم وعجزهم ، فإنه كالاختلاف في التعظيم والتجليل حسب اختلاف الأشخاص من حيث القدرة وعدمها ، فنرى أن من عجز عن القيام للتعظيم إذا حرّك جانبه أو قام لا على وجه التمام تعظيماً للوارد عليه أو إقامة غيره ، صحّ أن يسند إليه التعظيم على وجه الحقيقة ، بخلاف من تمكّن من القيام ، لأنه إذا لم يقم على وجه التمام بل حرّك جانبه أو قام لا على وجه التمام ، أو إقامة غيره وهو متمكِّن من القيام لم يصحّ إسناد التعظيم إليه حقيقة.
وكذلك البناء المتمكِّن من البناية ، لأنه لا تستند إليه البناية إلاّ فيما إذا باشرها بنفسه ، كما إذا بنى داراً أو حانوتاً مثلاً فيصح حينئذٍ أن يقول قد بنيت الدار ويسند البناية إلى نفسه على وجه الحقيقة ، وأمّا إذا بناهما غيره ولو بتسبيبه فإنّه لا يصحّ أن يسند إليه بنايتهما حقيقة ، وهذا بخلاف مالك الدار العاجز عن البناية لصحّة أن يقول إني بنيت داري أو حانوتي أو عمّرتهما ، ويصح أن يسند بنايتهما إلى نفسه حقيقة مع أنه إنما أوجد البناية بالتسبيب من دون أن يصدر عنه بالمباشرة.
وعليه فاذا عجز المكلف من التوضؤ بنفسه وبالمباشرة واستعان فيه بالغير بأن أوجده بالتسبيب صح أن يسند إليه فعل الوضوء لدى العرف. وبهذا يظهر أن الأخبار الواردة في الغسل والتيمم الدالة على وجوبهما على من عجز عنهما بالتسبيب على طبق القاعدة ، لأنها كما عرفت تقتضي إصدار العمل بالتسبيب إذا لم يمكن الإتيان به بالمباشرة.
وهذا الوجه قد ذكره شيخنا المحقق الهمداني قدسسره (1)ولعمري أنه قد أجاد فيما أفاد وجاء فيما نقلناه عنه بما فوق المراد وكم له قدسسره من بيانات شافية في المطالب الغامضة والدقيقة فشكر اللّه سعيه وأجزل مثوبته.
1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 190 191.
أن يستنيب (1) بل وجب وإن توقف على الأُجرة (2) فيغسل الغير أعضاءه وينوي
(1) الاستنابة في المقام بمعنى الاستعانة بالغير في إيجاد العمل المأمور به.
(2) إذا فرضنا أن استناد فعل الوضوء إلى المكلف على وجه التسبب قد توقف على بذل المال والأُجرة للغير حتى يوضأ أو يغسله فهل يجب أن يبذلها؟
يختلف ذلك باختلاف الوجوه المتقدمة في بيان وجوب الاستنابة وإصدار العمل الواجب على وجه التسبيب ، فان اعتمدنا في ذلك على الأخبار المتقدمة (1)الحاكية لفعل أبي عبد اللّه عليهالسلام مع التعدي عن موردها إلى الوضوء ، أو الواردة في تيمم المجدور فلا يمكننا الحكم بوجوب بذل المال والأُجرة في الوضوء أو الغسل التسبيبيين ، حيث لا يستفاد منها أنه عليهالسلام بذل الأُجرة لعمل المباشر أم لم يبذلها له ، وأن المجدور لا بدّ أن ييمم وإن استلزم الأُجرة والضرر المالي ، أو أنه ييمم حيث لا يتوقف على البذل وإعطاء الأُجرة ، فلا دلالة على ذلك في شيء من الروايات.
وكذلك الحال فيما إذا اعتمدنا على الإجماع المدعى في المقام ، لأنه إنما انعقد على الحكم ولم ينعقد على لفظ ليستكشف أنه صدر من المعصوم عليهالسلام حتى يؤخذ بإطلاقه ، ومن الظاهر أن الإجماع دليل لبِّي يقتصر فيه على المورد المتيقن ، وهو ما إذا لم يتوقف التسبيب على بذل المال أو إعطاء الأُجرة عليه ، ولم يعلم انعقاد الإجماع فيما إذا توقف على بذل الأُجرة بوجه.
نعم إذا اعتمدنا في المسألة على ما أسلفنا نقله عن شيخنا المحقق الهمداني قدسسره ووافقناه عليه ، لم يكن بد من الحكم بوجوب إصدار المأمور به على وجه التسبيب عند العجز عن المباشرة حتى إذا توقف على بذل الأُجرة وإعطاء المال ، لأن
1) في ص 377.
هو الوضوء (1) ولو أمكن إجراء الغير الماء بيد المنوب عنه بأن يأخذ يده ويصبّ الماء فيها ويجريه بها هل يجب أم لا؟ الأحوط ذلك وإن كان الأقوى عدم وجوبه
فعل الغير أعني تغسيل الغير أو توضئته عمل من الأعمال المحترمة ، وهو مال له قيمته بحسب الطبع ما لم يُزل احترام ماله بقصد التبرع والإحسان ، فاذا كان العمل مالاً بطبعه وكانت له قيمة سوقية لدى العرف ، وقد عرفت أن الآية المباركة والأخبار الآمرة بالوضوء والاغتسال قد دلتنا على وجوب استناد تلك الأفعال إلى المكلّفين وقد ذكرنا أن الاستناد مع التمكّن من المباشرة لا يتحقق إلاّ بالمباشرة بنفسه كما أنه مع العجز لا يتحقّق إلاّ بالتسبيب ، إذن تدلنا الآية المباركة والروايات على وجوب التسبيب لدى العجز ولزوم الإتيان بتلك الافعال بفعل الغير الذي له قيمته على الفرض ، فيكون دفع الأُجرة على عمل الغير مأموراً به بذلك الأمر المتعلق بإيجاد الأفعال ولو بالتسبيب ، واستنادها إلى المكلّفين باستنابة الغير وتسبيبه ، لأن العمل الصادر من الغير مال بطبعه وله قيمة سوقية لدى العُرف.
هذا كلّه فيما إذا توقف العمل التسبيبي على بذل الأُجرة له بمقدار ماليته لدى العُرف والعادة.
وأمّا إذا توقّف على بذل المال زائداً على قيمته المتعارفة ، كما إذا طلب الغير ديناراً على عمله وهو يسوى عند العرف درهماً أو درهمين ، فلا ينبغي التأمل في عدم وجوب البذل وقتئذٍ ، لأنه ضرر مالي زائد على ما يقتضيه طبع الاستنابة والتسبيب ومقتضى قاعدة نفي الضرر عدم وجوبه على المكلف.
(1) فهل تجب نيّة الوضوء على المتوضئ العاجز عن المباشرة ، أو أن الناوي لا بدّ أن يكون هو المعين؟ وتظهر ثمرة ذلك في الاستعانة بما لا نيّة له ، كالاستعانة ببعض الحيوانات المعلّمة أو الصبي ونحوهما.
لأنّ مناط المباشرة في الإجراء واليد آلة (1) والمفروض أن فعل الاجراء من النائب. نعم في المسح لا بدّ من كونه بيد المنوب عنه لا النائب ، فيأخذ يده ويمسح بها رأسه ورجليه (2).
يختلف الحال في المسألة حسب اختلاف الوجوه المتقدمة في التعليقة المتقدمة ، فإن كان المعتمد في تلك المسألة هو قاعدة الميسور أو الوجه الأخير الذي قد اخترناه فلا بدّ أن يكون الناوي هو نفس المتوضئ العاجز عن المباشرة ، وذلك لأن العمل عمله ، غاية الأمر أنه عمل ناقص أو عمل بالتسبب ، فكما أن العمل التام والمباشري كان مستنداً إليه على وجه الحقيقة دون المجاز ، كذلك العمل الناقص والميسور أو العمل بالتسبيب مستندان إليه حقيقة ، إذن لا بدّ أن يكون الناوي هو المتوضئ العاجز عن المباشرة.
وأمّا إذا استندنا فيها إلى دعوى الإجماع أو الأخبار المتقدمة ، فلا بدّ من الاحتياط بالجمع بين نيّة المعين ونيّة المتوضئ العاجز عن المباشرة ، وذلك لأن الإجماع دليل لبِّي ومعقده غير مبين ، لعدم علمنا أن مراد المجمعين هل هو وجوب الاستعانة بالغير مع كون الناوي هو ذلك المعين أو مع كون النيّة من المتوضئ العاجز.
كما أن الأخبار مجملة من تلك الجهة ، لوضوح أنه لا دلالة في شيء منها على أن الامام عليهالسلام قد نوى الغسل أو أن الغلمان نووا ذلك ، وكذلك الحال في تيمّم المجدور ، وحيث إنّا علمنا إجمالاً بوجوب إحدى النيّتين وهما متباينان فلا مناص من الاحتياط بالجمع بين كلتا النيّتين ، فينوي الوضوء كل من المعين والمتوضئ العاجز تحصيلاً لليقين والجزم بحصول شرط العمل.
(1) كما سيظهر الوجه في ذلك.
(2) لأنه يعتبر في المسح أن يكون ببلة اليد وأن يكون على وجه المباشرة ، فإذا سقط قيد المباشرة بالعجز فلا بدّ من التحفظ على بقية القيود الميسورة للمكلّف وهي
وإن لم يمكن ذلك أخذ الرطوبة التي في يده ومسح بها (1) ، ولو كان يقدر على المباشرة في بعض دون بعض بعّض.
العاشر : الترتيب بتقديم الوجه ، ثمّ اليد اليمنى ، ثمّ اليد اليسرى ، ثمّ مسح الرأس ، ثمّ الرجلين ، ولا يجب الترتيب بين أجزاء كلّ عضو (2).
كون المسح باليد وبالبلة.
وهذا بخلاف غسل الوجه واليدين إذ لا يعتبر أن يكون غسلهما بيد المتوضئ العاجز عن المباشرة بل يكفي غسلهما بيد المعين ، لوضوح أن الغسل باليد غير معتبر في الوضوء حال الاختيار ، لجواز غسلهما بصوف أو قطن أو بملعقة ونحوهما من الآلات فضلاً عن حالة العجز وعدم التمكن من المباشرة ، ولعله واضح.
(1) لما أشرنا إليه من أنه يعتبر في المسح أن يكون ببلة ما في يمناه على وجه المباشرة ، فإذا سقط قيد المباشرة وكونه باليد من جهة العجز وعدم التمكن منها فلا مناص من التحفظ على بقية قيود الموضوع الممكنة للمكلف. إذن يجب أن يأخذ الموضئ المعين البلّة من يد المتوضئ العاجز ويمسح بها رأسه ورجليه ، ولا اعتبار بالبلّة الكامنة في يد المعين.
(2) ويدلُّ عليه مضافاً إلى تسالمهم على ذلك في المسألة ، الروايات الآمرة بالبدء بما بدأ به اللّه سبحانه ففي صحيحة زرارة قال : « سئل أحدهما عليهماالسلام عن رجل بدأ بيده قبل وجهه وبرجليه قبل يديه ، قال : يبدأ بما بدأ اللّه به وليعد ما كان » (1).
وفي صحيحته الأُخرى قال : « قال أبو جعفر عليهالسلام تابع بين الوضوء كما قال اللّه عزّ وجلّ ، ابدأ بالوجه ثمّ باليدين ثم امسح الرأس والرجلين ، ولا تقدِّمن شيئاً بين يدي شيء تخالف ما أُمرت به ، فان غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه وأعد
1) الوسائل 1 : 450 / أبواب الوضوء ب 35 ح 1.
على الذراع ، وإن مسحت الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل ، ثم أعد على الرجل ، ابدأ بما بدأ اللّه عزّ وجلّ به » (1)إلى غير ذلك من الأخبار الآمرة بتقديم غسل الوجه على غسل اليدين وعلى مسح الرأس والرجلين.
وأما ما دلّ على لزوم مراعاة الترتيب بين اليدين فهو أيضاً عدة من الأخبار :
فمنها : صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « في الرجل يتوضأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين ، قال : يغسل اليمين ويعيد اليسار » (2).
ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إذا نسي الرجل أن يغسل يمينه فغسل شماله ومسح رأسه ورجليه فذكر بعد ذلك غسل يمينه وشماله ومسح رأسه ورجليه ، وإن كان إنما نسي شماله فليغسل الشمال ولا يعيد على ما كان توضأ وقال اتبع وضوءك بعضه بعضاً » (3)
ومنها : ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً عن كتاب النوادر لأحمد بن محمد ابن أبي نصر عن عبد الكريم يعني ابن عمرو عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إذا بدأت بيسارك قبل يمينك ومسحت رأسك ورجليك ، ثم استيقنت بعد أنك بدأت بها ، غسلت يسارك ثم مسحت رأسك ورجليك » (4)إلى غير ذلك من الروايات.
وأمّا ما دلّ على لزوم الترتيب بين مسح الرجلين وكذا بينه ومسح الرأس فقد قدّمنا الكلام عليه مفصّلاً (5)فلا نعيد.
ومقتضى هذه الروايات لزوم مراعاة الترتيب بين الأفعال المذكورة ولزوم العود على ما يحصل به الترتيب على تقدير الإخلال به للنسيان ، سواء تذكره في الأثناء أم بعد الفراغ عن الوضوء قبل فوات الموالاة ، وأما بعد فواتها فلا بدّ من استئناف الوضوء لبطلانه بفوات الموالاة المعتبرة بين أجزائه.
نعم يجب مراعاة الأعلى فالأعلى كما مرّ (1) ولو أخلّ بالترتيب ولو جهلاً أو نسياناً بطل إذا تذكّر بعد الفراغ وفوات الموالاة ، وكذا إن تذكّر في الأثناء لكن كانت نيّته
بقي الكلام في شيء : وهو أن مقتضى الأخبار الواردة في المقام أنه إذا نسي غسل اليد اليمنى قبل غسل اليسرى فغسلهما على خلاف الترتيب المعتبر في أفعال الوضوء ثم تذكر وجب أن يغسل يمينه بعد ذلك مرة ثانية ثم يساره أيضاً ثانياً ولا يكتفي بإعادة غسل اليد اليسرى فقط وهذا كما في موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إن نسيت غسل وجهك فغسلت ذراعيك قبل وجهك فأعد غسل وجهك ، ثم اغسل ذراعيك بعد الوجه ، فإن بدأت بذراعك الأيسر قبل الأيمن فأعد على غسل الأيمن ثم اغسل اليسار ، وإن نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك » (1)ومرسلة الصدوق قدسسره قال روي في حديث آخر « في من بدأ بغسل يساره قبل يمينه أنه يعيد على يمينه ثم على يساره » (2)إلى غير ذلك من الروايات.
ولا نرى نحن وجهاً صحيحاً لوجوب الإعادة في غسل اليد اليمنى أبداً ، لأن الترتيب المعتبر بين أفعال الوضوء إنما يحصل بإعادة الغسل في اليد اليسرى فحسب ولا مناص معه من رفع اليد عن الأخبار الآمرة بإعادة غسلهما معاً ، أو حملها على ما إذا غسل اليسار فقط قبل غسل اليمنى من غير أن يغسل اليمنى بعدها ، فإنه وقتئذٍ لا بدّ من غسل اليمنى ابتداء ثم يعيد غسل اليسرى حتى يتحقق بذلك الترتيب المعتبر في الوضوء.
(1) فله أن يصبّ الماء على ظاهر يده من المرفق ويغسله ثم يصب الماء على باطنها فيغسل باطنها ، كما له أن يعكس الأمر بأن يغسل باطن يده من المرفق أوّلاً ، ثم
فاسدة (1) حيث نوى الوضوء على هذا الوجه ، وإن لم تكن نيّته فاسدة فيعود على ما يحصل به الترتيب (2)
يغسل ظاهرها. وكذلك الحال في غسل الوجه فان له أن يغسل جانبه الأيمن أوّلاً بأن يصبّ الماء عليه بيده ثم يغسل الجانب الأيسر كذلك ، كما أن له أن يعكس الأمر فلا يعتبر الترتيب بين الأجزاء العرضية في الأعضاء.
نعم ، لا بدّ من مراعاة الأعلى فالأعلى فيما يغسله من الأطراف ، فإذا أراد غسل باطن يده من المرفق ابتداء فلا بدّ من أن يغسل الجزء المسامت للجزء المتأخر عنه أوّلاً ثم يغسل ذلك الجزء الثاني المسامت للجزء الثالث ثانياً ، وهكذا يراعي الأعلى فالأعلى إلى آخر الأجزاء الواجب غسلها ، وهكذا الحال فيما إذا غسل ظاهر يده أو وجهه.
نعم لا تعتبر في المسامتة المسامتة الدقية العقلية ، بل المسامتة العرفية كافية في تحقق الشرط المعتبر في الوضوء كما مرّ في محلِّه.
(1) كما إذا قصد امتثال أمر متعلق بوضوء مقيد بأن يغسل فيه اليد اليسرى قبل غسل اليمنى ، أو يغسل فيه الوجه بعد غسل اليدين أو بغير ذلك من القيود ، والجامع أن يكون متعلق الأمر مقيداً بما لا واقع له ، فان الوضوء وقتئذٍ باطل على الإطلاق ، وهذا لا لأجل التشريع فحسب لتختص حرمته بصورة العلم بالحال ، بل من جهة أن العمل غير مقرّب واقعاً ، وقصد التقرب لو تمشي في مثله لم يسبب حصول التقرب ، لعدم صلاحية العمل للمقربية واقعاً ، وهذا لا يفرق فيه بين صورتي العلم والجهل ولا بين التذكر في أثناء العمل أو بعد الفراغ عنه ، نعم لا بأس بالوضوء في محل الكلام فيما إذا أخطأ في التطبيق ، بأن قصد امتثال الأمر الواقعي المتعلق بالوضوء الذي اعتقد كونه مقيداً بكذا وكذا خطأ ، إلاّ أن هذه المسألة مستدركة في المقام ، لأن الكلام في الترتيب وأنه أمر معتبر في الوضوء ويبطل بالإخلال فيه بالترتيب ، وأما بطلانه من غير هذه الناحية كقصد امتثال أمر متعلق بما لا واقع له فهو خارج عن محط الكلام.
(2) وقد بينّا الوجه فيه مفصلاً آنفاً ، فلا يجب عليه إعادة غسل كل من اليدين فيما
ولا فرق في وجوب الترتيب بين الوضوء الترتيبي والارتماسي (1).
الحادي عشر : الموالاة بمعنى عدم جفاف الأعضاء السابقة قبل الشروع في اللاّحقة ، فلو جفّ تمام ما سبق بطل (2) ، بل لو جفّ العضو السابق على العضو
إذا غسل اليد اليسرى مقدّماً على غسل اليمنى ، لأنه لو أعاد غسل اليسرى فحسب لحصل به الترتيب المعتبر في الوضوء.
(1) أشار قدسسره بذلك إلى الفرق بين الطهارتين أعني الغسل والوضوء ، وأن الوضوء لا يختلف الترتيب المعتبر فيه باختلاف أنحائه وأقسامه كما يختلف في الغسل لوضوح أن غسل الرأس مقدم في الغسل على غسل الجانبين من غير خلاف ، كما أن غسل الجانب الأيمن مقدم على الأيسر على المشهور ، إلاّ أن ذلك خاص بالترتيبي منه دون الارتماسي ، فإن الأمر ربما ينعكس في الارتماس فيغسل أوّلاً رجليه ثم جانبيه ثم رأسه ، لأنه إنما يدخل في الماء من طرف الرجل غالباً في الارتماس ، وهذا بخلاف الوضوء ، لأن مقتضى إطلاق أدلته أن الترتيب معتبر فيه مطلقاً ، سواء أكان التوضؤ بالترتيب أم بالارتماس ، فالارتماسي فيه كالترتيبي ، فان المراد بالارتماس في الوضوء إنما هو ارتماس وجهه أو يده اليمنى أو اليسرى ، فلو قدّم ما هو متأخر بطل وضوءه لا محالة.
(2) لا إشكال ولا خلاف في اعتبار الموالاة في الوضوء وإن كان بينهم كلام في أن الموالاة واجب شرطي فيبطل الوضوء بالإخلال بها ، أو أنها واجب نفسي فالإخلال بها يوجب الإثم والعقاب ولا يبطل بذلك الوضوء ، وكيف كان فالمسألة متسالم عليها عندهم.
وتوضيح الكلام في ذلك : أن مقتضى إطلاق أدلة الوضوء من الآية المباركة والأخبار الواردة عنهم عليهمالسلام عدم الموالاة في الوضوء وأن حاله حال الغسل ، فكما لا تعتبر الموالاة في صحته فله أن يغسل رأسه في مجلس وزمان ويغسل طرفه الأيمن في وقت آخر والأيسر في زمان ثالث ، فكذلك الحال في الوضوء فيتمكّن المكلّف من أن يغسل وجهه في زمان ويديه في وقت آخر وإن طال الفصل بينهما حسبما يقتضيه إطلاق الأدلة كما عرفت.
نعم ، الفصل الطويل بين الغسلتين والمسحتين مخل بالصحة من جهة اعتبار أن يكون المسح في الوضوء بالنداوة الباقية في يد المتوضئ ، ومع الفصل الكثير ترتفع النداوة وييبس المحل فلا يتحقّق المسح المأمور به في الوضوء. وعلى الجملة أنّا لو كنّا نحن وهذه المطلقات لحكمنا بعدم اعتبار الموالاة بما لها من المعنى والتفسير في الوضوء.
وأمّا الأخبار الآمرة بالاتباع في الوضوء أو الأخبار الدالة على وجوب المتابعة فيه ، أو ما دلّ على أن الوضوء غير قابل للتبعيض فسيأتي أن شيئاً من ذلك لا دلالة له على اعتبار الموالاة العرفية فلاحظ.
نعم ، إنّ بين الروايات روايتين وهما موثقة أبي بصير وصحيحة معاوية بن عمّار وكلتاهما عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال في أُولاهما : « إذا توضأت بعض وضوئك وعرضت لك حاجة حتى يبس وضوءك فأعد وضوءك فان الوضوء لا يبعّض » (1).
وفي ثانيتهما : « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام ربما توضأت فنفد الماء ، فدعوت الجارية فأبطأت عليَّ بالماء فيجف وضوئي ، فقال : أعد » (2). وقد دلتا على عدم بطلان الوضوء بحدوث الفصل الطويل في أثنائه ما دام لم يؤد إلى جفاف الأعضاء المتقدمة ولو كان الفصل مخلًّا بالموالاة لدى العُرف ، فنستفيد منهما أن الموالاة المعتبرة في الوضوء عند الشارع ليست هي الموالاة العرفية فحسب ، بل إن لبقاء الرطوبة على
الأعضاء المتقدِّمة مدخلية تامّة في تحقّق الموالاة في نظره.
وهذا المعنى من الموالاة أعني عدم جفاف الأعضاء المتقدمة ، وإن كان أمراً تعبدياً في الجملة لا محالة ، إلاّ أنه في الجملة أيضاً موافق للذوق العرفي ، فإن الأعضاء السابقة ما دامت باقية على رطوبتها فكأنها باقية على اتصالها مع الأجزاء اللاّحقة عليها لدى العرف ، وإنما يراها منفصلة عن سابقتها إذا جفت ويبست ، وأما مع بقاء الرطوبة فالوحدة باقية في نظره.
وعليه فمقتضى الجمع بينهما وبين الأخبار المطلقة أن نكتفي في حصول شرط الوضوء بكل من الموالاة العرفية وبقاء الأعضاء المتقدِّمة على رطوبتها ، فأي منهما حصل كفى في الحكم بصحّة الوضوء.
فاذا فرضنا أنه فصل بين أجزاء الوضوء بمقدار مخل للموالاة العرفية ، ولكن الأعضاء المتقدمة كانت باقية على رطوبتها لبرودة الهواء مثلاً كما في الشتاء بحيث لو كان الفصل غير فصل الشتاء لجفت ويبست ، كفى ذلك في صحة الوضوء. كما أنّا لو فرضنا أن الأعضاء السابقة لمرض كما في بعض أقسام الحمى أو لحرارة الهواء تجف بمجرد وصول الماء إليها ، إلاّ أن الفصل المخل بالموالاة العرفية لم يتحقق في الخارج أيضاً حكمنا بصحّة الوضوء.
نعم ، إذا فرضنا أن الأعضاء السابقة قد يبست من جهة التأخير وعدم مراعاة الموالاة حكمنا عليه بالبطلان بمقتضى الموثقة والصحيحة ، وهذا بخلاف ما إذا راعى الموالاة ولكن الأعضاء يبست بسبب حرارة البدن أو الهواء فان الإطلاقات المقتضية للصحة هي المحكّمة وقتئذٍ. فلا نشترط الموالاة العرفية على وجه الإطلاق ، كما لا نشترط بقاء الأعضاء السابقة على رطوبتها على الإطلاق ، هذا.
وقد يُقال مستدلاًّ بالموثقة والصحيحة المتقدِّمتين (1)إن المدار في بطلان الوضوء إنما هو جفاف الأعضاء المتقدمة ، سواء استند ذلك إلى التأخير والفصل الكثير المنافي
1) في ص 388.
للموالاة العرفية أم استند إلى حرارة البدن أو الهواء ، فبجفاف الأعضاء المتقدمة يحكم بالبطلان وإن كانت الموالاة العرفية غير زائلة ، لأن المذكور في الموثقة وإن كان هو يبوسة الأعضاء المتقدمة من جهة الفصل الطويل المسبب عن عروض الحاجة له إلاّ أن التعليل الوارد في ذيلها بقوله عليهالسلام « فان الوضوء لا يبعّض » يعم ما إذا حصل الجفاف من جهة حرارة البدن أو الهواء ، لدلالته على أن جفاف الأعضاء السابقة مبعض للوضوء سواء استند إلى ذلك أو إلى ذاك ، هذا.
ولا يخفى أن الكبرى الواردة في ذيل الموثقة وإن كنّا نسلمها ونعترف بأن الوضوء لا يبعض ، إلاّ أن الكلام في أن التبعيض في الوضوء يتحقق بأي شيء ، والظاهر أنه لا بدّ أن يكون التبعيض بأحد أمرين : فإما أن يكون التبعيض بالنظر العرفي وترك الموالاة العرفية ، وإما أن يكون التبعيض بالتعبد الشرعي ، كما إذا حصلت اليبوسة في الأعضاء السابقة من جهة الفصل الطويل كما هو مورد الرواية.
وإذا فرضنا بقاء الموالاة العرفية في مورد فلا محالة يتوقف حصول التبعيض تعبداً بمجرد جفاف الأعضاء السابقة من جهة المرض أو لحرارة الهواء على دلالة الدليل عليه ، والمفروض عدمها ، لأن العلة الواردة في ذيل الموثقة إنما تشتمل على الكبرى فقط ، وقد عرفت أنّا نسلمها ونعترف بمضمونها ، إلاّ أنها غير متكفِّلة لبيان الصغرى والمصداق ، أعني ما به يتحقّق التبعيض في الوضوء ، وموردها خصوص ما إذا استند جفاف الأعضاء السابقة إلى الفصل الطويل لأجل عروض الحاجة له ، ولا تعرض لها إلى الجفاف المستند إلى حرارة البدن أو الهواء ، وقد ذكرنا أن التبعيض إنما يتحقق بأحد أمرين والمفروض أنه لا أثر منهما في المقام ، هذا كله في الموثقة.
وأمّا صحيحة معاوية ، فيتوجّه على الاستدلال بها في المقام أن الحكم الذي تكفلته الصحيحة قضية شخصية في واقعة وهو خطاب لمعاوية ، ولا بدّ في مثلها من الاقتصار على المقدار المتيقن والمعلوم ، وهو مورد الرواية أعني ما اشتمل على قيدين أحدهما : جفاف الأعضاء السابقة. وثانيهما : استناد ذلك إلى التأخير والإبطاء المستندين إلى عروض الحاجة له ، ووجوب الإعادة في مثله مما لا كلام فيه ، وأمّا التعدِّي عنه إلى
ما اشتمل على قيد واحد وهو مجرّد الجفاف وإن لم يستند إلى الإبطاء والتأخير فمما لا شاهد له ، ولا يمكن استفادته من الحكم الخاص أعني ما تكفلته الصحيحة في موردها.
وعليه فما ذهب إليه في المتن ووافقه عليه جملة من المحققين أعني القول بكفاية أحد الأمرين من الموالاة العرفية أعني عدم التبعيض وبقاء الرطوبة في الأعضاء هو المتين ولعلّ هذا القول منشؤه الصدوق قدسسره (1)هذا.
ثم إن مقتضى الروايتين هو اعتبار جفاف الأعضاء السابقة بأجمعها ، لمكان قوله عليهالسلام « فيجف وضوئي » أو « حتى يبس وضوءك » فان ظاهرهما هو جفاف تمام الوضوء ، وعليه فجفاف بعض الأعضاء السابقة مع رطوبة البعض الآخر مما لا يترتّب عليه أثر في البطلان.
ومن ذلك يظهر بطلان ما ذهب إليه الإسكافي قدسسره من الحكم بالبطلان عند ما يبس شيء من الأعضاء المتقدِّمة (2)لما عرفت من أن المدار في ذلك إنما هو يبوسة الأعضاء السابقة بتمامها ، ولا دليل على بطلان الوضوء بجفاف بعضها بوجه.
وكذلك الحال فيما سلكه الحلي قدسسره من ذهابه إلى الحكم بالبطلان عند جفاف العضو المتقدم على العضو الذي يريد غسله أو مسحه (3)وذلك لأنه إن أراد بذلك جفاف تمام الأعضاء المتقدمة بالملازمة كما هو الأقرب ، لأنه إذا كان التأخير بمقدار جف معه العضو المتقدم على ما يريد الاشتغال به فيجف معه الأعضاء المتقدمة عليه بطريق أولى ، فهو عين ما قدمناه من اعتبار جفاف الأعضاء السابقة بتمامها ، وإن أراد به جفاف خصوص العضو السابق على ما بيده ولو مع بقاء الرطوبة في العضو المتقدِّم عنه ، كما إذا كانت رطوبة وجهه باقية وقد جفت رطوبة يده اليمنى وهو يريد
الاشتغال باليد اليسرى مثلاً ، فقد ظهر أنه مما لا دليل عليه ، لأن ظاهر الصحيحة والموثقة إنما هو اعتبار الجفاف في تمام الأعضاء المتقدِّمة كما مرّ.
ومما يدلنا على بطلان هذا القول هو الأخبار الآمرة بأخذ البلّة من اللحي والحاجبين فيما إذا توضأ ونسي المسح ثم تذكر وقد جفت رطوبة يده ووجهه ، فان الوضوء إذا قلنا ببطلانه بجفاف العضو السابق على المسح للزم الحكم ببطلان الوضوء في موارد الأخبار المذكورة ولم يكن وجه لصحته بأخذ البلّة من اللّحى والحاجبين.
فالمتحصل : أن الوضوء يعتبر فيه أحد الأمرين المتقدمين : بقاء الأعضاء السابقة على رطوبتها. والموالاة العرفية فيما إذا لم يستند جفاف الأعضاء إلى التأخير.
بقي الكلام فيما ذهب إليه جمع من الأصحاب قدسسرهم من أن العامد في الإخلال بالموالاة العرفية يبطل وضوءه ، وأما المضطر الذي من جملته الناسي فهو إنما يبطل وضوءه بالإخلال بالموالاة فيما إذا جفت الأعضاء المتقدِّمة ، وأما إذا تذكر مع بقاء الأعضاء المتقدمة على رطوبتها فهو محكوم بصحة الوضوء.
هكذا يفصّل بين الناسي والعامد ويستدل عليه بأُمور :
الأول : أن ذلك مقتضى الجمع بين الروايات ، فإن الأخبار المتضمنة بالأمر بالاتباع أو المتابعة في الوضوء تدلنا على اعتبار الموالاة العرفية في صحته ، لأن ظاهر كلمة الاتباع والمتابعة هو إتيان كل جزء بعد الجزء الآخر متوالياً ، فإذا أخل المكلف بذلك متعمِّداً ولم يأت بالإجزاء على نحو التوالي فقد أخل بالشرط فيحكم على وضوئه بالبطلان.
وأمّا الموثقة والصحيحة الدالتان على صحة الوضوء عند بقاء الرطوبة في الأعضاء السابقة فهما محمولتان على ترك التوالي عند الاضطرار كما هو موردهما ، ومن أفراد
الاضطرار النسيان ، وبهذا يجمع بين الطائفتين ، هذا.
والتحقيق أنه لا فرق بين العامد وغيره في أن الوضوء مع الإخلال بالموالاة العرفية إذا بقيت الأعضاء السابقة على رطوبتها محكوم بالصحة كما مرّ ، والسر في ذلك أنه لا دليل على أن الإخلال بالموالاة العرفية يوجب الحكم ببطلان الوضوء حتى يحمل ذلك على العامد.
وما استدلّ به على ذلك من الأخبار الآمرة بالاتباع والمتابعة وقالوا إنها محمولة على المتعمد في الإخلال بالموالاة العرفية فمما لا يمكن الاعتماد عليه ، وذلك لأن الأخبار الآمرة بالاتباع والمتابعة روايات ثلاث :
الأُولى : رواية حكم بن حكيم قال : « سألت أبا عبد اللّه عن رجل نسي من الوضوء الذراع والرأس ، قال : يعيد الوضوء ، إن الوضوء يتبع بعضه بعضاً » (1)بدعوى أن قوله عليهالسلام « يتبع بعضه بعضاً » بمعنى أن الأجزاء الوضوئية تعتبر فيها الموالاة عرفاً.
ويتوجّه على الاستدلال بها أولاً : أنها ضعيفة السند بالحسين بن محمد بن عامر لأنه وإن كان يحتمل أن يكون هو الحسين بن محمد بن عمران وهو موثق في الرجال إلاّ أنه مجرّد احتمال لا يعتنى به (2)والحسين بن محمد بن عامر لم يوثق في الرجال ، كما أن معلّى بن محمد أيضاً مجهول ، فالرواية غير قابلة للاعتماد عليها من حيث السند.
وثانياً : أن دلالتها على المدعى محل الكلام ، وذلك لأن المراد بالتبعية في قوله عليهالسلام « يتبع بعضه بعضاً » إنما هو الترتيب المعتبر بين أفعاله وأجزائه دون الموالاة العرفية كما توهم ، وذلك بقرينة ورودها في من نسي الذراع والرأس وأخل بالترتيب المعتبر في الوضوء. إذن معنى أنه يتبع بعضه بعضاً ، أن لكل جزء منه موضعاً معيناً
لا يسع للمتوضئ أن يقدِّم ما هو متأخِّر أو يؤخِّر ما هو متقدِّم منها.
وثالثاً : أنّا لو سلمنا أن قوله عليهالسلام « يتبع بعضه بعضاً » بمعنى الموالاة في الوضوء ، فلا مناص من حمله على الموالاة بمعنى جفاف الأعضاء السابقة ، لأن موردها إنما هو الناسي وهو غير مكلف بالموالاة حسبما تقتضيه الموثقة والصحيحة المتقدِّمتان ، وإنما موالاته بمعنى عدم جفاف الأعضاء السابقة ، وقد تقدم أنه تعبدي في الجملة كما أنه في الجملة أيضاً موافق للذوق العرفي ، لأن العرف يرى استمرار العمل وعدم انقطاعه عما تقدم ما دامت الرطوبة باقية على أعضاء الوضوء ، ومع ورود الرواية في مورد النسيان كيف يحمل ذيلها على العامد وغير الناسي. إذن لا مجال لحمل التبعية فيها على الموالاة العرفية حتى يحمل على العامد لمنافاته مورد الرواية كما عرفت.
الثانية : صحيحة زرارة قال « قال أبو جعفر : تابع بين الوضوء كما قال اللّه عزّ وجلّ ابدأ بالوجه ثم باليدين ثم امسح الرأس والرجلين ، ولا تقدِّمن شيئاً بين يدي شيء ... » (1)مدعياً أن كلمة « تابع » بمعنى الإتيان بالأجزاء متوالية.
ويدفعه : أن كلمة « تابع » في الصحيحة ليست بمعنى الموالاة قطعاً ، لأنه عليهالسلام استشهد بقول اللّه عزّ وجلّ ، مع وضوح أن الآية المباركة أجنبية عن الدلالة على اعتبار الموالاة العرفية. بل ذكرنا أن مقتضى إطلاقها كبقية الأخبار المطلقة عدم اعتبار الموالاة في الوضوء كما هي غير معتبرة في الغسل ، بل إنما هي بمعنى الترتيب لأنه الذي ذكره اللّه سبحانه بقوله « ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) » ومن ثمة قال عليهالسلام « ابدأ بالوجه ... ».
وعلى الجملة قد يراد بالاتباع الإتيان بالأجزاء متوالية ، وقد يراد منه الإتيان بالأجزاء بعضها بعد بعض وإن لم تكن متوالية ، وقد عرفت أن الأول غير مراد في الصحيحة ، وحيث إن الوضوء متركب من أُمور متعدِّدة لا يمكن الإتيان بها مرّة
1) الوسائل 1 : 448 / أبواب الوضوء ب 34 ح 1.
واحدة بأجمعها وإنما يؤتى ببعضها قبل بعضها الآخر فالتتابع متحقق فيه في نفسه ، وإنما أراد عليهالسلام أن يبين كيفية التتابع وأنه إنما يحصل بتقديم غسل الوجه على غسل اليدين ، وبتقديمهما على مسح الرأس ثم الرجلين.
الثالثة : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إذا نسي الرجل أن يغسل يمينه فغسل شماله ومسح رأسه ورجليه فذكر بعد ذلك غسل يمينه وشماله ومسح رأسه ورجليه ، وإن كان إنما نسي شماله فليغسل الشمال ولا يعيد على ما كان توضأ وقال : اتبع وضوءك بعضه بعضاً » (1)وقد استدلّ بالجملة الأخيرة على اعتبار الموالاة العرفية في الوضوء.
ويرده : أن الاتباع المأمور به في الرواية ليس بمعنى الموالاة العرفية ، وإنما معناه الترتيب المعتبر في الوضوء بقرينة صدرها ، وهو إنما ذكر كالدليل على الحكم المذكور في صدر الرواية ، ويبين أن الوجه فيه هو لزوم الاتباع في الوضوء.
على أنّا لو سلمنا أنه بمعنى الموالاة فهي بمعنى عدم جفاف الأعضاء المتقدمة ، وذلك لعين ما قدمناه في الرواية الاولى من أن موردها النسيان ، والناسي غير مكلف بالموالاة العرفية ، وإنما يكلف بالموالاة بالمعنى الثاني حسبما تقتضيه الموثقة والصحيحة المتقدِّمتان ، ومع كون المورد هو الناسي كيف تحمل الرواية على المتعمد ويراد منها اعتبار الموالاة العرفية في الوضوء.
والمتحصل : أنه لم يقم على اعتبار الموالاة العرفية دليل حتى نحمله على العامد ونحمل الموثقة والصحيحة على الناسي ، فلا وجه للتفرقة بينهما أعني العامد والناسي بدعوى أنه مقتضى الجمع بين الدليلين ، بل قد عرفت أن مقتضى إطلاق الآية المباركة وبقية الأخبار المطلقة الآمرة بغسل الوجه واليدين عدم اعتبار الموالاة في الوضوء وأن حاله حال الغسل ، فله أن يأتي بجزء منه في زمان وبالجزء الآخر في زمان آخر إلاّ المسح لأنه لا بدّ وأن يقع عقيب غسل اليدين أعني قبل جفافهما ، لاعتبار أن يكون
1) الوسائل 1 : 452 / أبواب الوضوء ب 35 ح 9.
المسح بالبلّة الوضوئية الباقية في اليد ، ومع يبوستها لا يتحقق المسح المأمور به كما هو ظاهر.
ومن هنا يظهر عدم إمكان الاستدلال على اعتبار الموالاة العرفية في الوضوء بالأخبار الآمرة بالإعادة عند جفاف الأعضاء للتراخي ، وذلك لاحتمال استناد البطلان وقتئذٍ إلى عدم تحقق المسح المأمور به لا إلى فوات الموالاة العرفية بين الأعضاء ، وعلى ذلك لا يعتبر الموالاة العرفية في الوضوء. نعم يعتبر عدم جفاف الأعضاء المتقدِّمة حسبما تقتضيه الموثقة والصحيحة ، فاذا جفت وكان مستنده التأخير والإبطاء فهو يوجب البطلان ، لأنه المقدار المتيقن من دلالتهما. وأمّا إذا لم يحصل التأخير الموجب للجفاف ولكن حصل الجفاف من علة أُخرى كحرارة البدن والهواء فبما أن سببية مثله للتبعيض والبطلان لا يمكن ان يستفاد من الصحيحة والموثقة لعدم دلالتهما على بيان ما به يتحقق التبعيض ، فالمرجع حينئذٍ هو الإطلاقات المقتضية للحكم بصحّة الوضوء وعدم اعتبار شيء من بقاء الرطوبة أو غيره في صحّته.
فبهذا لا لدلالة الأخبار المتقدِّمة صحّ لنا أن نقول أنه يعتبر في الوضوء أحد أمرين : إما الموالاة العرفية وإن حصل الجفاف من جهة حرارة البدن أو الهواء ، وإما بقاء الرطوبة في الأعضاء السابقة فيما إذا لم يتحقق هناك الموالاة ، بلا فرق في ذلك بين المتعمد والناسي.
هذا كلّه في الأمر الأوّل من الأُمور المستدل بها على التفصيل بين المتعمد والناسي أعني حالتي الاختيار والاضطرار.
والثاني : قاعدة الاشتغال ، بدعوى أنّا مكلفون بالطهارة للصلاة فاذا شككنا في اعتبار شيء ومدخليته في تحققها فلا مناص من أن يؤتى بها حتى نقطع بحصول الواجب في الخارج وامتثال الأمر المتعلق به ، لأنه من قبيل الشك في المحصل ، وحيث إنّا نحتمل اعتبار التوالي العرفي في حق المتعمد فلا مناص من أن نراعيه حتى نقطع بإتيان ما هو محقق للطهارة الواجبة في حقنا.
وفيه أوّلاً : أن الطهارة ليست إلاّ نفس الأفعال أعني الغسلتين والمسحتين كما قدّمنا
تفصيله سابقاً ، لا أنها أمر آخر يتولد منهما وهما محصّلان للطهارة ، فاذا شككنا في اعتبار أمر زائد على ما نعلم اعتباره في الوضوء فهو من قبيل الشك في أصل توجه التكليف بإتيان المأمور به مقيداً بما نشك في اعتباره ، وهو مورد للبراءة دون الاشتغال.
وثانياً : لو سلمنا أن الشك من قبيل الشك في المحصل وأنه مورد الاشتغال أيضاً لا مجال للتمسك بها في المقام ، وذلك لأن الشك في اعتبار الموالاة العرفية بالإضافة إلى المتعمد مما يدفعه إطلاق الآية المباركة والأخبار المطلقة ، لما تقدم من أن مقتضى إطلاقهما أن الوضوء كالغسل وأن الموالاة غير معتبرة فيه أبداً ، ومن الواضح أن الدليل الاجتهادي لا يبقي مجالاً للتشبث بالأصل العملي.
الثالث : الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية ، حيث تضمنت أنه عليهالسلام غرف غرفة فغسل بها وجهه وغرف غرفة اخرى وغسل بها يده اليمنى ثم غرف ثالثاً وغسل بها يده اليسرى ثم مسح رأسه ورجليه ، ولم يرد في شيء من تلك الأخبار الواردة في مقام البيان أنه عليهالسلام غسل وجهه ثم صبر مدة ثم غسل يديه مثلاً. إذن تدلنا على أن الوضوء يعتبر فيه التوالي لا محالة وأنه من دون التوالي محكوم بالبطلان ، وقد خرجنا عنها في حق الناسي والمضطر بالموثقة والصحيحة المتقدمتين وبقي المتعمد تحتها.
والجواب عن ذلك : أن الأخبار المذكورة ليست بصدد بيان أن الموالاة معتبرة في الوضوء ، وإنما كان عليهالسلام في تلك الأخبار بصدد تعليم الوضوء للراوي وإرشاده ، ومن البديهي أن مقتضى التعليم أن يأتي عليهالسلام بجميع أفعال الوضوء بعضها بعد بعض ، فهل ترى من نفسك أن أحداً إذا سألك تعليم الوضوء تأتي ببعض أفعالها وتؤخر إتيان البعض الآخر ، أو تأتي برمتها وحسب ترتيبها مرة واحدة.
ومن الظاهر أن التأخير في أثناء العمل لا يصدر عن العاقل والحكيم عند تعليمه إلاّ بداع أهم ، ومع عدمه فالعادة جارية على الإتيان بجميع ما يعتبر في العمل متتالية حتى يتعلمها الجاهل عند التعليم. إذن عدم إتيانه عليهالسلام الأجزاء مع التراخي
في الأخبار البيانية إنما هو من جهة الجري على المتعارف العادي في مقام التعليم لا من جهة اعتبار التوالي في الوضوء.
الرابع : الإجماع ، حيث ادعوا الإجماع على هذا التفصيل وأن التوالي يعتبر بالإضافة إلى المتعمد المختار ، وأما الناسي والمضطر فيعتبر في صحة وضوئه عدم جفاف الأعضاء المتقدمة على العضو الذي يريد الاشتغال به.
وفيه : أن الإجماع المنقول لو قلنا باعتباره في غير المقام مع أنّا لا نقول باعتباره أصلاً لا يمكننا الاعتماد عليه في خصوص المسألة ، وذلك لتصريحهم بندرة القول باعتبار الموالاة العرفية في حق العامد وأن القائل باشتراطها غير معروف ، ومعه كيف يكون اعتبارها الشرطي مجمعاً عليه بين الأصحاب ، وإنما القائل باعتبارها يرى الموالاة واجبة بالوجوب النفسي وأن الإخلال بها يوجب الإثم والعصيان ، لا أنه يسبب البطلان وهذا أي الوجوب النفسي أمر آخر وإن نسب إلى المشهور. وكيف كان فلم يثبت اعتبار الموالاة العرفية شرطاً في الوضوء.
فالصحيح ما ذكرناه من عدم اعتبار الموالاة العرفية في الوضوء من دون فرق في ذلك بين المتعمد والناسي.
بقي الكلام فيما نسبوه إلى المشهور بين الأصحاب ( قدس اللّه أسرارهم ) من أن الموالاة معتبرة في الوضوء بالوجوب النفسي ، وأن الإخلال بها يوجب الإثم والعصيان دون بطلان الوضوء.
فقد يستدل على ذلك بقاعدة الاشتغال لاحتمال اعتبارها في الوضوء ، وبما أن المورد من موارد الشك في المحصل فلا مناص من الاحتياط.
وفيه : أنّا إن اعتمدنا على قاعدة الاشتغال عند الشك في اشتراط صحّة الوضوء بالموالاة ، فلا نعتمد عليها في الشك في وجوبها النفسي أبداً ، وذلك لإطباق المحدثين
والأُصوليين على أن الشبهات الوجوبية مورد للبراءة عدا المحدث الأسترآبادي (1)ومعه لا مجال للتمسك بقاعدة الاشتغال.
وقد يستدل بأن الأمر يقتضي الفور ، فلو فصل بين أجزاء الوضوء وأفعاله وخالف الفور أثم ، إذن لا بدّ من أن يأتي بها فوراً وهو معنى وجوب الموالاة في الوضوء ، وهذا الاستدلال لو لم يذكروه في الكتب العلمية لكان الصفح عن ذكره أجدر ، لعدم قابليته للذكر أو الاعتماد عليه.
ويدفعه أوّلاً : أن الأمر لا يفيد الفور ، وعلى تقدير تسليم أنه يفيد الفور لا يمكن الالتزام به في المقام ، وإلاّ لوجبت المبادرة إلى غسل الوجه فوراً وهو مما لا يلتزم به أحد ، لأنه كغسل اليدين متعلق للأمر ، فمن قام من نومه وهو الذي فسر به القيام في الآية المباركة لوجب عليه أن يغسل وجهه ، وهو كما ترى. واحتمال أنه لا يقتضي الفور في غسل الوجه ويقتضيه في غسل اليدين ضعيف غايته ، لأن غسل اليدين لم يتعلّق به أمر مستقل وإنما عطف على غسل الوجه ، فلو حملنا الأمر المتعلق به على غير الفور فبأي شيء نستدل على الفور في غسل اليدين ، هذا كله.
على أنّا لو سلمنا جميع ذلك وأغمضنا عن عدم إفادة الأمر للفور وعن عدم إمكان الالتزام به في المقام لمحذور التفكيك بين مثل الوجه وغسل اليدين ، فهو إنما يتم في الأمر المولوي ولا يتم في مثل الوضوء الذي هو شرط ومقدمة للصلاة ، فإن الإتيان به غير واجب على الفور فكيف يكون الإتيان بأجزائه واجباً فورياً وقتئذٍ.
وثالثة يستدل بالإجماع ، ورابعة بالأخبار الآمرة بالمتابعة والاتباع ، ولكن الإجماع غير تعبّدي ولا يكشف مثله عن رأيه عليهالسلام والأخبار المذكورة إنما تدلّ على وجوب الترتيب لا على وجوب الموالاة كما تقدّم.
فالإنصاف أنه لا دليل على اعتبار الموالاة في الوضوء لا على وجه الشرطية ولا على وجه النفسية ، من دون فرق في ذلك بين العامد وغيره.
1) الفوائد المدنيّة : 138 139 وحكى عنه الشيخ في فرائد الأُصول 1 : 416.
أحدهما : أن المدار في جفاف الأعضاء السابقة هل على الجفاف الفعلي أو أن المعتبر هو الجفاف التقديري نظير التغير التقديري في الماء؟
وجّه شيخنا الأنصاري قدسسره (1)الاحتمال الثاني ، بل قواه واختاره على ما ينسب إليه ، نظراً إلى أن قوله عليهالسلام « حتى يبس وضوءك » أو « فيجف وضوئي » في الموثقة والصحيحة المتقدِّمتين (2)منصرفان إلى اليبس المتعارف العادي وأفاد أنه على ذلك يعتبر في الجفاف المبطل للوضوء أن يكون على نحو لو كان التوضؤ في الهواء المعتدل لجف ، وأما الجفاف في الهواء غير المعتدل وعدمه فهما خارجان عن مورد الروايتين ، فلو فرضنا أنه جفت أعضاؤه في الهواء الحار الشديد أو بقيت على رطوبتها من جهة برودة الهواء ورطوبته كما في أيام الربيع مثلاً ، فهو خارج عن مورد الصحيحة والموثقة.
وفيه : مضافاً إلى أن حمل الجفاف على التقديري خلاف ظاهر الروايتين ، أن غاية ما يلزم على ذلك أن يكون عدم الجفاف في الهواء غير المعتدل خارجاً عن مورد الروايتين ، لأنهما إنما دلتا على صحة الوضوء فيما إذا لم تجف الأعضاء المتقدِّمة من جهة التأخير والإبطاء أي لم يفصل زمان تجف فيه الأعضاء على تقدير حرارة الهواء ، وأما إذا فرضنا تخلل زمان تجف فيه الأعضاء على تقدير اعتدال الهواء غير أنها لم تجف لعدم اعتدال الهواء فهو خارج عن مورد الروايتين ، وأما أن الوضوء يبطل حينئذٍ فهو يحتاج إلى دليل ، فهب أنه خارج عن موردهما ، إلاّ أن مقتضى الإطلاق كما قدّمناه عدم اعتبار الموالاة في الوضوء ، وأن حاله حال الغسل بعينه ، وإنما خرجنا عنها فيما إذا جفّت الأعضاء لأجل التأخير فحسب ، وبقي غيره مشمولاً للإطلاقات ، هذا.
على أنّ الأخبار الواردة في من نسي المسح في وضوئه وأنه يأخذ البلّة من لحيته
على تقدير كونها مبتلة ويمسح بها ، تدفع اعتبار الجفاف التقديري بإطلاقها ، لأنها واردة في حق عامّة المكلّفين على اختلاف أمزجتهم وأمكنتهم ، واختلاف أماكن وضوئهم وأزمنته ، فقد دلّتنا على أن اللحية إذا لم تجف وكانت مبتلة وأمكن أخذ البلّة منها حكم بصحة الوضوء ، وإن كانت بقاء الرطوبة فيها من جهة برودة الهواء وعدم اعتداله ، بحيث لو كان الهواء معتدلاً لجفّت.
الأمر الثاني : قد أسلفنا أن جفاف الأعضاء المتقدمة إذا استند إلى التأخير والإبطاء فالوضوء محكوم وقتئذٍ بالبطلان بمقتضى الصحيحة والموثقة ، وأما إذا جفت من دون استناد الجفاف إلى التأخير كما إذا استند إلى حرارة البدن أو الهواء ، فقد ذكرنا أن مقتضى الإطلاقات صحته ، فاذا جفت أعضاؤه لا لأجل التأخير وحكمنا بصحّة وضوئه كما عرفت ، فهل يجب أن يأتي بالبقية من دون فصل أو له أن يتأخّر بعد ذلك ساعة أو ساعتين أو أكثر ثم يأتي ببقية أفعال الوضوء؟
الصحيح وجوب الإتيان بالبقية من دون إبطاء على نحو يصدق التبعيض لدى العرف ، لأن المستفاد من التعليل الوارد في ذيل الموثقة « فإنّ الوضوء لا يبعّض » أن الوضوء عمل وحداني غير قابل للتبعيض ، وهذه الكبرى وإن كانت قد طبقت على مورد الرواية وهو ما إذا حصلت اليبوسة للتأخير ولم تطبق على غيره كما إذا حصلت اليبوسة لحرارة الهواء مثلاً ، إلاّ أن كل مورد صدق عليه عنوان التبعيض لدى العُرف يشمله تعليل الرواية لا محالة ، وعليه فيعتبر في صحة الوضوء أحد أمرين :
أحدهما : أن لا تجف الأعضاء المتقدمة من جهة التأخير والإبطاء.
وثانيهما : أن لا يتخلّل الفصل بين أجزائه وأفعاله بمقدار يتحقق به التبعيض لدى العرف ، فاذا جفت أعضاء المتوضئ لحرارة الهواء فليس له أن يتأخر بمقدار يتحقق به التبعيض في الوضوء ، وهذا هو المراد بقولنا في أوائل المسألة أن الوضوء يعتبر فيه أحد أمرين كما عرفت ، هذا.
ثم إنه ورد في صحيحة حريز : « في الوضوء يجف ، قال قلت : فان جفّ الأوّل قبل أن أغسل الذي يليه ، قال : جفّ أو لم يجف اغسل ما بقي ، قلت : وكذلك غسل الجنابة
قال هو بتلك المنزلة وابدأ بالرأس ثم أفض على سائر جسدك ، قلت : وإن كان بعض يوم قال : نعم » (1).
وهي تعارض الموثقة والصحيحة المتقدمتين ، لدلالتها على عدم بطلان الوضوء بجفاف الأعضاء المتقدمة ، ومن هنا جمع بينها وبين الروايتين الشيخ قدسسره (2)جمعاً دلالياً بحمل مطلقهما على مقيدهما ، بدعوى أن صحيحة حريز مطلقة ، لدلالتها على عدم بطلان الوضوء بجفاف الأعضاء المتقدمة مطلقاً سواء استند إلى التأخير أم إلى شيء آخر من حرارة الهواء أو الريح الشديد ، والموثقة والصحيحة دلتا على بطلان الوضوء من جهة خصوص الجفاف المستند إلى التأخير ، فهما أخص من صحيحة حريز ، ومقتضى قانون الإطلاق والتقييد تقديم الدليل المقيد والأخص وتقييد المطلق به ، ونتيجة ذلك في المقام هو الحكم ببطلان الوضوء بجفاف الأعضاء المتقدمة عند استناده إلى التأخير ، بخلاف الجفاف غير المستند إليه.
وقد جمع قدسسره بينهما مرة أُخرى بحمل الصحيحة على التقيّة ، لأن مذهب كثير من علماء العامّة عدم اعتبار الموالاة في الوضوء وعدم بطلانه بجفاف الأعضاء المتقدِّمة (3)
وفي كتاب الرّحمة بهامش الميزان للشعراني ص 20 : والموالاة في الوضوء سنّة عند أبي حنيفة ، وقال مالك الموالاة واجبة. وللشافعي فيه قولان أصحهما أنها سنّة ، والمشهور عن أحمد أنها واجبة.
.1) الوسائل 1 : 447 / أبواب الوضوء ب 33 ح 4.
2) لاحظ التهذيب 1 : 88 ، الاستبصار 1 : 72.
3) في الفقه على المذاهب الأربعة 1 : 62 ، 65 : أن الشافعية والحنفية قالوا إن الموالاة سنة فيكره التفريق بين الأعضاء إذا كان يغير عذر ، أما للعذر فلا يكره كما إذا كان ناسياً أو فرغ الماء المعد لوضوئه فذهب ليأتي بغيره ليكمل وضوءه. ومحل كونه سنة عند الشافعية ما لم يكن صاحب ضرورة كصاحب السلس فإنه يجب عليه التتابع كما سبق. والمالكية قالوا إن شرط وجوب الموالاة أن يكون المتوضئ ذاكراً قادراً فلو كان ناسياً أو عاجزاً غير مفرط ، وغير المفرط هو كمن أعد من الماء ما يكفي للطهارة يقيناً ثم ظهر عدم كفايته وأُريق منه شيء فإنه يبني على ما فعل ولو طال الزمن ....
الذي يريد أن يشرع فيه الأحوط الاستئناف (1)، وإن بقيت الرطوبة في العضو السابق على السابق ، واعتبار عدم الجفاف إنما هو إذا كان الجفاف من جهة الفصل بين الأعضاء أو طول الزمان ، وأما إذا تابع في الأفعال وحصل الجفاف من جهة حرارة بدنه أو حرارة الهواء أو غير ذلك فلا بطلان فالشرط في الحقيقة أحد الأمرين من التتابع العرفي وعدم الجفاف. وذهب بعض العلماء إلى وجوب الموالاة بمعنى التتابع وإن كان لا يبطل الوضوء بتركه إذا حصلت الموالاة بمعنى عدم الجفاف. ثم إنه لا يلزم بقاء الرطوبة في تمام العضو السابق ، بل يكفي بقاؤها في الجملة ولو في بعض أجزاء ذلك العضو.
والصحيح هو ما أفاده أخيراً ، وذلك لما قدّمناه غير مرّة من أن الأمر بالإعادة إرشاد إلى البطلان ، وعليه فالموثقة والصحيحة دلّتا على بطلان الوضوء عند جفاف الأعضاء المتقدِّمة بالتأخير ، وهذه الصحيحة دلّت على عدم البطلان بذلك فهما متعارضتان ولا بدّ من الرجوع إلى مرجحات المتعارضين ، وحيث إن الصحيحة موافقة للعامّة وهما مخالفتان معهم فلا مناص من طرح الموافق والأخذ بما خالفهم.
وأمّا ما صنعه أوّلاً من حمل مطلقهما على مقيدهما ، ففيه : أن الصحيحة إنما دلت على عدم بطلان الوضوء بجفاف الأعضاء المتقدمة عند استناده إلى التأخير ، ولم تدلنا على عدم بطلان الوضوء بمطلق الجفاف.
وهذا يظهر بملاحظة قوله عليهالسلام « هو أي الغسل بتلك المنزلة » أي بمنزلة الوضوء ، حيث يدلنا على أنهما متحدان بحسب الحكم ، وبما أنه عليهالسلام صرح بعد ذلك بعدم بطلان الغسل وإن آخر بعض أجزائه بعض يوم ، فيعلم من ذلك أن الوضوء أيضاً كذلك ، وأن مراده بالجفاف في الوضوء هو الجفاف المستند إلى التأخير وأنه غير قادح في صحته ، وعليه فالصحيحة والروايتان متعارضتان وليستا من المطلق والمقيد في شيء.
1) (*) لا بأس بتركه.
[563] مسألة 24 : إذا توضّأ وشرع في الصلاة ثم تذكّر أنّه ترك بعض المسحات أو تمامها بطلت صلاته (1) ووضوءه أيضاً إذا لم يبق الرطوبة في أعضائه (2) ، وإلاّ أخذها (1)ومسح بها واستأنف الصلاة.
[564] مسألة 25 : إذا مشى بعد الغسلات خطوات ثم أتى بالمسحات لا بأس (3) وكذا قبل تمام الغسلات إذا أتى بما بقي ، ويجوز التوضؤ ماشياً.
[565] مسألة 26 : إذا ترك الموالاة نسياناً بطل وضوءه (4) مع فرض عدم التتابع العرفي أيضاً ، وكذا لو اعتقد عدم الجفاف ثم تبيّن الخلاف (5).
[566] مسألة 27 : إذا جفّ الوجه حين الشروع في اليد لكن بقيت الرطوبة في مسترسل اللحية أو الأطراف الخارجة عن الحدّ ففي كفايتها إشكال (6).
(1) لفقدانها الطهارة المعتبرة فيها.
(2) من دون فرق في ذلك بين أن يكون جفاف أعضائه مستنداً إلى التأخير واستناده إلى شيء آخر من حرارة البدن أو الهواء أو غيرهما من الأُمور ، وذلك لأن المسح يعتبر أن يكون ببلة الوضوء الباقية في اليد ومع عدمها وعدم ما يقوم مقامها من بلة سائر الأعضاء يقع باطلاً لا محالة.
(3) والدليل على هذا وما بعده ، أعني ما إذا مشى قبل تمام الغسلات وغسل الأعضاء الباقية في مكان آخر ، وما إذا توضأ ماشياً إنما هو الإطلاق ، لأن أدلّة الوضوء غير متقيدة بأن يكون مسحه وغسله في مكان واحد ، أو تكون الغسلات فيه كذلك أو أن يقع الوضوء بجميع أجزائه في محل واحد ، إذن له أن يتوضأ ماشياً كما عرفت.
(4) لأن الوضوء أمر وحداني لا يقبل التبعيض كما مرّ.
(5) لعين ما مرّ وعرفت.
(6) والأمر كما أُفيد ، بل يمكن الحكم ببطلان الوضوء حينئذٍ من جهة أن ظاهر
1) (*) تقدّم أنّ الأظهر هو الاقتصار على الأخذ من اللحية.
الثاني عشر : النيّة (1).
قول عليهالسلام في الصحيحة والموثقة « حتى يبس وضوءك » أو « فيجف وضوئي » أن ماء الوضوء إنما يجف في مورد أمر فيه بغسله ، لا أنه يجف الماء الموجود في موضع لا يجب غسله ، لأنه إما ليس بماء الوضوء أو أنه ليس في مورد الأمر بالغسل وموضعه ومع جفاف ماء الوضوء في مورده يتبعض الوضوء بمقتضى تطبيقه عليهالسلام الكبرى « فان الوضوء لا يبعض » على مورد الجفاف المستند إلى التأخير.
(1) لا خلاف يعتد به في المسألة ، وإنما الكلام في وجه امتياز الوضوء من بقيّة مقدّمات الصلاة بكونه عبادة يعتبر فيه قصد الامتثال والإتيان به بداعي أمر اللّه سبحانه وإطاعته ، بخلاف غيره من المقدمات كتطهير الثوب والبدن ونحوهما.
يمكن أن يستدل على ذلك بعدة وجوه :
منها : الإجماع والارتكاز المتشرعي الثابت في أذهان المتشرعة الثابت من لدن تشريع الوضوء إلى يومنا هذا ، حيث إن كبيرهم وصغيرهم يعتقدون أن الوضوء أمر قربي عبادي ، وهذا كاشف عن أن ذلك وصلهم يداً بيد وتلقاه الخلف عن السلف والولد عن والده إلى زمان الأئمة عليهمالسلام.
ويؤكده ما ورد من أن الصلاة ثلاثة أثلاث : ثلث الطهور وثلث الركوع وثلث السجود (1).
وما ورد من أن الوضوء من الصلاة ، كما تقدّم في رواية النوفلي عن عليّ ( عليه
1) الوسائل 1 : 366 / أبواب الوضوء ب 1 ح 8 ، 6 : 310 / أبواب الركوع ب 9 ح 1 ، 389 / أبواب السجود ب 28 ح 2.
السلام ) عن النبيّ الأكرم صلىاللّهعليهوآلهوسلم من أنه قال : « خصلتان لا أُحبّ أن يشاركني فيها أحد : وضوئي فإنّه من صلاتي ... » (1)وذلك لأنه لا معنى لجعل الوضوء ثلثاً من الصلاة إلاّ فيما هو أظهر آثارها وهو العبادية واعتبار قصد القربة فيها ، كما أنه لا وجه لكونه من الصلاة إلاّ من جهة كونه عبادة ، بل مقتضى هذه الروايات أنه يترتب على الوضوء كل أثر يترتب على الصلاة ، بل كل شرط يعتبر فيها ، إلاّ ما علمنا بعدم اعتباره في الوضوء كالطمأنينة واستقبال القبلة ونحوها. وعلى تقدير المناقشة في ذلك ففي الارتكاز المتشرعي غنى وكفاية كما مرّ.
ومنها : ان الأصل في كل واجب أن يكون عباديا لا يسقط إلاّ بقصد القربة والامتثال ، وذلك من جهة أن تحصيل غرض المولى واجب عقلي على المكلفين وحيث إنّا نحتمل أن يكون لقصد الأمر والتقرب مدخلية في حصوله فوجب الإتيان بالعمل بقصد القربة والامتثال تحصيلاً للجزم بحصول الغرض ، هذا.
وقد أجبنا عن ذلك في محلِّه (2)بأنّا إن بنينا على إمكان أخذ قصد التقرب والامتثال في متعلق الأمر الأوّل كما بنينا عليه في محلِّه ، أو في متعلق الأمر الثاني على نحو نتيجة التقييد كما ذكره المحقق النائيني قدسسره (3)فلا مانع من أن ندفع احتمال مدخلية قصد الأمر في حصول الغرض بإطلاق الدليل.
وأمّا إذا بنينا على استحالة ذلك وعدم إمكان أخذ قصد القربة في متعلق الأمر فلنا أن ندفع احتمال مدخلية ذلك بالبراءة العقلية لقبح العقاب من دون بيان ، وذلك لأنّا إذا قلنا بالاستحالة فالمستحيل إنما هو أخذ قصد التقرب والامتثال في متعلق الأمر والتكليف ، وأما بيان أن قصد التقرب مما له مدخلية في حصول الغرض ولو بالجملة الخبرية بعد الأمر فهو من الإمكان بمكان ، فاذا كان المولى في مقام البيان ولم يبين ذلك بوجه مع التمكن والقدرة من بيانه وتوضيحه فلا يستحق العبد لوماً ولا
عقاباً على مخالفته ، لأنه من العقاب من دون بيان وهو أمر قبيح.
ومنها : قوله عزّ من قائل ( قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) (1)بدعوى أن الإطاعة لا تتحقق إلاّ بقصد الأمر والامتثال ، ولا تصدق مع الإتيان بذات العمل مجرداً عن ذلك ، فمقتضى الآية المباركة أن الإطاعة وقصد القربة والامتثال واجبة في كل واجب إلاّ ما خرج بالدليل ، هذا.
والإنصاف أن الآية المباركة لا دلالة لها على المدعى ، لأن الاستدلال بها يتوقف على أمرين :
أحدهما : إثبات أن الأمر بالإطاعة أمر مولوي وليس إرشاداً إلى ما استقل به العقل من وجوب طاعة المولى سبحانه ، لأنه إذا كان إرشادياً لم يترتب عليه إلاّ ما كان يترتب على نفس الإتيان بالواجبات الشرعية في نفسها ، فلا بدّ من لحاظ أن الأمر بها هل يقتضي التعبدية حتى يكون طاعته بالإتيان بها متقرباً إلى اللّه سبحانه أو أنه لا يقتضي التعبدية فلا يعتبر في إطاعته سوى الإتيان بها بذاتها.
وثانيهما : إثبات أنه أمر غيري وليست الإطاعة واجبة بالوجوب النفسي ، وهذا بعد إثبات أن الأمر بها أمر مولوي ، فيثبت أن الأمر بها من باب المقدمة ، لأن قصد الأمر والتقرب جزء من الواجبات ، فإن الأمر الغيري لا يعقل إلاّ في الشرائط والأجزاء ، ولأجله أمر بها بالأمر المولوي الغيري ، وهو يدلّنا على أن قصد التقرّب جزء معتبر في التكاليف فيتقيد به إطلاق أدلة الواجبات ، وأما إذا كانت الطاعة واجبة بالوجوب النفسي فهي إذن من إحدى الواجبات الشرعية وفي عرضها ، فلا دلالة لها على اعتبار قصد التقرب في الواجبات ، وأنّى للمستدل باثباتهما ، وذلك لأن الأمر بالطاعة فيها إرشاد إلى ما استقل به العقل من لزوم طاعة المولى جلت عظمته ، ومعه لا يترتّب عليه إلاّ ما يترتّب على نفس الأمر بالواجبات ، ولو لا هذا الأمر بالطاعة أيضاً ، كنّا نلتزم بوجوب الطاعة للمولى سبحانه بمعنى لزوم الإتيان بالواجبات
1) النور 24 : 54.
فلا دلالة له على اعتبار قصد القربة بوجه فيكون وجوده كعدمه ، وليس المورد مما يقبل الأمر المولوي كما أشرنا إليه في محله.
ومما يدلّنا على أن الأمر بالإطاعة إرشاد إلى ما استقل به العقل ، أن الآية المباركة كما تقتضي لزوم طاعة اللّه سبحانه في الواجبات بناء على أن الأمر فيها مولوي كذلك تقتضي وجوب طاعته في المحرمات ، وذلك لعدم انحصار الطاعة بالإتيان بالواجبات ، ومن البديهي أن الطاعة في المحرمات إنما تتحقق بمجرد تركها والتجنب عنها ، ولا يتوقف حصول الطاعة في المحرمات على قصد التقرب والامتثال.
كما أن الظاهر من كل أمر أنه أمر نفسي فحمله على الغيرية يحتاج إلى دليل ، فالأمر بالطاعة على تقدير تسليم أنه أمر مولوي ظاهر في أن الطاعة واجبة بالوجوب النفسي لا الغيري ، فلا دلالة له على أن قصد القربة جزء أو شرط للواجبات ، ومعه لا يمكن أن يستدل بالآية المباركة على أن الأصل في كل واجب هو التعبدية إلاّ ما خرج بالدليل.
ومما يؤيد ما ذكرناه : أن الواجبات التوصلية أكثر من التعبديات في الشريعة المقدسة بكثير ، فعلى تقدير دلالة الآية المباركة على اعتبار قصد التقرب في كل واجب يلزم تخصيص الأكثر المستهجن ، حيث يخرج عنها مثل رد السلام والإنفاق على الزوجة ودفن الميت وكفنه ورد الدين وغيرها من الواجبات ، وما يبقى تحتها إلاّ التعبديات وما يشك في أنه تعبدي أو توصلي.
ومنها : قوله عزّ من قائل ( وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ... ) (1)والاستدلال بهذه الآية المباركة كسابقتها أيضا غير تام ، حيث يتوقف على أن تكون العبادة متعلقة للأمر لا غاية له ، بأن يكون اللاّم بمعنى الباء ، أي إلاّ بعبادة اللّه مخلصين له الدين ، وعليه تنحصر الأوامر الواردة في الدين بالأوامر المتعلقة بالعبادات ، فكل ما تعلق به أمر فهو عبادة لا محالة لا يسقط أمره إلاّ بقصد الطاعة
1) البيّنة 98 : 5.
والامتثال ، ودون إثبات ذلك خرط القتاد ، وذلك لأن ظاهر الآية المباركة أن العبادة غاية لأوامر اللّه سبحانه كما أنها غاية لخلقه على ما صرح به في قوله عزّ من قائل ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ) (1).
إذن العبادة هي الغاية القصوى لكل من التكوين والتشريع ، حيث إنه سبحانه خلقهم وأرسل إليهم رسله بعد ذلك ليعبدوه والعبادة موجبة لاستكمال النفوس ، فالغاية لكل من التكوين والتشريع هو استكمال النفس بالعبادة ، وعليه فلا دلالة للآية المباركة على اعتبار قصد التقرب في الواجبات إلاّ ما خرج بالدليل.
ثم إن الآية المباركة إنما تعرّضت لخصوص الصلاة والزكاة حيث قال عزّ من قائل ( وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) (2)إشارة إلى الكمال النفسي وما فيه المصلحة العامة للمكلّفين لأن الصلاة فارقة بين الكفر والإسلام ، والزكاة فيها مصلحة عامة ومن إعاشة الفقراء بامداد غيرهم ، فكأن الآية واللّه العالم قد بينت أنهم أُمروا لغاية استكمال النفس وما فيه المصالح العامّة ، وأن أحدهما غير منفك عن الآخر ، ومن هنا لا نذكر مورداً ذكر فيه الأمر بالصلاة من دون اقترانها بالزكاة ، هذا.
ثم لو تنازلنا عن ذلك وبنينا على أن اللاّم بمعنى الباء والعبادة متعلقة للأوامر لا أنها غاية لها ، فأيضاً لا يمكن الاستدلال بها على هذا المدعى ، وذلك لأنها إنما تدل على أن العبادة لا بدّ أن تكون منحصرة باللّه سبحانه ولا عبادة لغيره من الأوثان ونحوها وهذا لقرينية صدرها ، حيث ورد في المشركين وأهل الكتاب ( وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ) (3)أي وما تفرق أهل الكتاب ، ولم يعبد بعضهم عزيراً بدعوى أنه ابن اللّه ، وبعضهم قال عيسى ابن اللّه إلاّ من بعد ما جاءتهم البيِّنة. وقال قبل ذلك : ( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ
حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ، رَسُولٌ مِنَ اللّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً ) (1)فصدر الآية المباركة إنما ورد في المشركين وأهل الكتاب الذين عبدوا غير اللّه سبحانه من الوثن والعزير أو عيسى بن مريم ، مع أنهم إنما أُمروا ليعبدوا اللّه خاصة.
فالآية المباركة بصدد بيان انحصار المعبود باللّه العظيم ، وأن عبادة غيره أمر غير جائز ، وأين هذا من اعتبار قصد التقرب والامتثال في الواجبات. فالآية أجنبية عما نحن بصدده بالكلية ، هذا كله فيما استدلّ به على هذا الأصل من الآيات المباركة.
وأما ما استدلّ به من الأخبار على أن الأصل في كل واجب أن يكون عباديا يعتبر في سقوط أمره قصد التقرب والامتثال ، فهو جملة من الروايات الواردة بمضمون أن الأعمال بالنيّات (2)ولا عمل إلاّ بنيّة (3)ولكل امرئ ما نوى (4)بدعوى أن النفي في هذه الأخبار إنما ورد على نفي وصف الصحة دون الذات ، لوضوح تحقق الذات مع عدم قصد القربة والامتثال ، فتدلنا على أن العمل الفاقد لنية القربة فاسد لا يترتب عليه أي أثر ، هذا.
والمحتملات فيما أُريد بالنيّة في هذه الروايات أُمور :
الأوّل : أن المراد بها نيّة القربة وقصد الامتثال ، وهذا الاحتمال هو الذي يبتني عليه الاستدلال في المقام.
ويردّه : مضافاً إلى أن النيّة ليست بحسب العرف واللغة بمعنى قصد القربة والامتثال أن لازم حمل النيّة على ذلك لزوم تخصيص الأكثر وهو أمر مستهجن ، فان العبادات في جنب التوصليات قليلة في النهاية ، والصحة في التوصليات لا تنتفي بعدم قصد القربة والامتثال. على أنه ينافيه بعض الروايات كما يأتي قريباً إن شاء اللّه.
الثاني : أن يراد بها قصد عناوين الأفعال ، وأن الفعل إذا اتي به من دون أن يقصد عنوانه وقع فاسداً ولا يترتب عليه أيّ أثر في الخارج ، مثلاً إذا غسل وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه ولكنه لا بقصد عنوان الوضوء لم يترتّب عليه أيّ أثر لدى
الشرع.
وعلى هذا الاحتمال تكون الأخبار المذكورة أجنبية عن المدعى ، وإنما تدلنا على أن الفعل الاختياري يعتبر في صحته أن يكون صادراً بالإرادة وقصد عنوانه ، ولا يستفاد منها اعتبار نيّة القربة والامتثال في كل واجب.
ولكن الأخبار المذكورة لا دلالة لها على هذا المعنى أيضاً ، وذلك لأن بيان اعتبار الاختيارية وقصد عنوان الفعل بالإضافة إلى الأفعال المتقومة بالقصد كالتعظيم والإهانة ، والعبادات الشرعية حيث يعتبر فيها زائداً على قصد القربة قصد عناوين الأفعال وصدورها عن الإرادة والاختيار ، وكذا الحال في العقود والإيقاعات ، من قبيل توضيح الواضحات غير المناسب للإمام عليهالسلام لوضوح أن تلك الأفعال لا يتحقق إلاّ بقصد عناوينها.
وأما بالإضافة إلى التوصليات وغيرها من الأفعال التي لا تقوم بقصدها وإرادة عناوينها فهو يستلزم محذور تخصيص الأكثر ، لأنها بأجمعها إلاّ نادراً تتحقق من غير قصد عناوينها ، كما إذا أوجدها غيره أو أوجدها غفلة من دون قصد عناوينها كغسل الثوب للصلاة وغيره من التوصليات.
هذا ، على أن هذا الاحتمال كالاحتمال السابق عليه ينافي بعض الأخبار الواردة في المقام ، وقد ورد في روايتين عنه صلىاللّهعليهوآلهوسلم أنه قال : « لا قول إلاّ بعمل ولا قول ولا عمل إلاّ بنيّة ولا قول وعمل ونيّة إلاّ بإصابة السنة » (1)حيث يستفاد منهما أن المراد بالنيّة ليس هو قصد القربة ولا قصد عناوين الأفعال وإلاّ فلا معنى لاصابتهما السنة.
فالصحيح أن يقال : إن المراد بالنية أمر ثالث وهو الداعي والمحرك نحو العمل ، وأن كل ما صدر عن المكلفين من الأفعال أمر مستحسن فيما إذا كان الداعي إليه حسناً ، كما أنه أمر مستقبح فيما إذا كان الداعي إليه قبيحاً ، وهذا كضرب اليتيم لأنه إذا كان بداعي
1) الوسائل 1 : 47 / أبواب مقدّمة العبادات ب 5 ح 2 ، 4.
التأديب يتصف بالحسن ويثاب عليه وإذا كان بداع التشفي أو الإيذاء اتصف بالقبح وعوقب عليه ، وكالنوم لأنه إذا كان بداع الاستراحة ثم الاشتغال بالعبادة فلا محالة اتصف بالحسن ، كما إذا كان بداع الاستراحة ليجدد قواه حتى يقتل مؤمناً بعد ذلك مثلاً اتصف بالقبح.
وهكذا الصلاة ، فإن الداعي إليها إذا كان هو التقرب وقصد الامتثال اتصفت بالحسن ويُثاب عليها ، كما إذا كان الداعي إليها هو الرياء ونحوه اتصفت بالقبح وعوقب عليها ، وهكذا بقية الأعمال والأفعال لأنها كالجسد والنيّة بمثابة الروح ، فكما أن الأنبياء عليهمالسلام متحدون بحسب الصورة مع الأشقياء ، لأن كُلا منهما بصورة الإنسان لا محالة ، وإنما يختلفان ويفترقان بحسب الروح والحقيقة ، فان روح النبيّ روح طيِّبة ولأجل اتحادها مع البدن نحو اتحاد اتصف بدنه أيضاً بوصف روحه وروح الشقي روح خبيثة فبدنة أيضاً خبيث.
كذلك الأفعال الصادرة من العباد ، لأنها كالأجساد يشبه بعضها بعضاً ، وإنما يفترقان من ناحية أرواحها وهي النيّات والدواعي ، فالفعل إذا صدر بداع حسن فيتصف بالحسن وإن كان صادراً بداع قبيح فهو قبيح.
وبهذا يصح أن يقال لا عمل إلاّ بنية وأن الميزان في الحسن والقبح والثواب والعقاب إنما هو الدواعي والنيات ، فان كان الداعي حسناً فالعمل أيضاً حسن وإن كان قبيحاً فالعمل أيضاً قبيح.
وبما ذكرناه قد صرح في ذيل بعض الروايات حيث قال : « فمن غزا ابتغاء ما عند اللّه فقد وقع أجره على اللّه عزّ وجلّ. ومن غزا يريد عرض الدنيا أو نوى عقالاً لم يكن له إلاّ ما نوى » (1)فان الغزو من كل من الشخصين فعل واحد لا اختلاف فيه بحسب الصورة والجسد ، لأن كُلا منهما مقاتل وجعل نفسه معرضاً للقتل ، غير أنهما يختلفان بحسب الروح الداعية إليه والمحركة نحوه ، فان كان الداعي له إلى ذلك هو اللّه عزّ وجلّ فقد وقع عليه أجره ، ومن كان داعيه عرض الدنيا لم يكن له إلاّ ما نوى.
1) الوسائل 1 : 48 / أبواب مقدمة العبادات ب 5 ح 10.
ويؤيِّد ما ذكرناه أنه عبّر في الرواية بالجمع حيث إنه قال : « الأعمال بالنيّات » ولم يقل الأعمال بالنية ، وذلك للدلالة على أن الدواعي مختلفة فربما يكون الداعي حسناً وربما يكون قبيحاً وثالثة لا يكون حسناً ولا قبيحاً ، كما إذا شرب الماء بداعي رفع العطش ولم يشربه بداع آخر ، فيصح أن يقال الأعمال بالنيّات لاختلاف الأفعال بحسب اختلاف الدواعي.
فالمتحصل من ذلك : أنه لا دليل على أن الأصل في كل واجب أن يكون قربيّاً عباديا ، بل لا بدّ من مراجعة أدلته ، فإن دلت على اعتبار قصد القربة والامتثال فيه فيكون عباديا وإلاّ كان توصلياً يسقط أمره بمجرد الإتيان به ، وقد عرفت أن مقتضى الارتكاز المتشرعي أن الوضوء واجب عبادي فيعتبر في صحته أن يؤتى به بداعي القربة والامتثال.
ثم إن شيخنا الأُستاذ قدسسره (1)عند استدلاله على أن العبادة لا يعتبر فيها خصوص قصد الامتثال بل يكفي في العبادية أن يؤتى بالعمل ويضاف إلى اللّه سبحانه نحو اضافة تمسك بقوله عليهالسلام في الوضوء « يأتي به بنية صالحة يقصد بها ربّه » (2)وهذه الرواية لم نعثر عليها في أبواب الوضوء ولا في غيرها من سائر الأبواب فليلاحظ.
1) فوائد الأُصول 1 2 : 151.
2) الرواية بتلك الألفاظ التي نقلناها عنه قدسسره غير موجودة في كتب الحديث ، نعم روى مضمونها في الوسائل في حديث : « إن العبد ليصلي ركعتين يريد بهما وجه اللّه عزّ وجلّ فيدخله اللّه بهما الجنة » المروية في الوسائل 1 : 61 / أبواب مقدمة العبادات ب 8 ح 8. أيضاً روى عن يونس بن عمار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « قيل له وأنا حاضر : الرجل يكون في صلاته خالياً فيدخله العجب ، فقال : إذا كان أول صلاته بنيّة يريد بها ربّه فلا يضره ما دخله بعد ذلك فليمض في صلاته وليخسأ الشيطان » رواها في الوسائل 1 : 107 / أبواب مقدمة العبادات ب 24 ح 3 فلاحظ فكلمة صالحة غير موجودة في الرواية ولفظة « قصد » مبدلة بلفظة يريد ، كما أنها واردة في الصلاة دون الوضوء وهو قدسسره أيضاً لم يدع ورودها في الوضوء ، فاستدلاله قدسسره تام في نفسه إلاّ أن استشهاده بتلك الرواية غير صحيح ، لأنه مبني على الاشتباه.
وهي القصد إلى الفعل مع كون الداعي أمر اللّه تعالى إمّا لأنّه تعالى أهل للطاعة وهو أعلى الوجوه ، أو لدخول الجنة والفرار من النار وهو أدناها ، وما بينهما متوسطات (1).
هذا كلّه في اعتبار النيّة في الوضوء وأما معنى النيّة ، فقد فسّرها الماتن قدسسره بقوله : وهي القصد إلى الفعل مع كون الداعي أمر اللّه تعالى ، ونتعرّض له في التعليقة الآتية فلاحظ.
(1) مما ينبغي أن يتعرض له في المقام تحقيق أن الأُمور المذكورة في المتن من كون اللّه سبحانه أهلاً للطاعة أو دخول الجنة أو غيرها مما ذكره قدسسره هل هي محققات للطاعة والعبادية أو أنها غايات للعبادة ومحقق عنوان الطاعة أمر آخر ، وهذا من غير اختصاصه بالشريعة المقدسة ، وذلك لأن الأفعال على قسمين في جميع المذاهب والأديان ، فيعتبر في بعضها أن يؤتى به على وجه التذلل والتخضع والجامع أن يقع على وجه التأله أي أخذ المعبود إلهاً والتعبد له بالطاعة ، ولا يعتبر ذلك في بعضها الآخر.
فنقول : العمل قد يكون طاعة وعبادة في ذاته إذا اتي به على وجهه وعنوانه ، وهذا كما في ذكر اللّه سبحانه كسبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلاّ اللّه ، ومنه قوله عزّ من قائل ( لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ ) (1)فإن أمثال ذلك إذا اتي به بعنوان أنه ذكر اللّه سبحانه وقع عبادة ، لأنه بنفسه تذلل وتخضع من دون حاجة إلى قصد أمر آخر ، وكالسجود لأن وضع الجبهة على الأرض تخضع ذاتي وتأله فهو عبادة في نفسه من دون حاجة إلى قصد أمر آخر.
وقد لا يكون العمل إطاعة في ذاته وهذا كالصيام ، لأن الإمساك عن المفطرات من
1) الأنبياء 21 : 87.
أوّل الفجر إلى الغروب أجنبي عن اللّه سبحانه وليس تخضّعاً وتذلّلاً في نفسه ، فيعتبر في اتصاف هذه الأفعال بالعبادية والتذلل والتخضع والجامع التأله أن يؤتى بها مضافة إلى اللّه سبحانه نحو إضافة.
ومحقق الإضافة والطاعة أحد أمرين لا ثالث لهما :
أحدهما : أن يؤتى بها بقصد امتثال أمر اللّه سبحانه.
وثانيهما : أن يؤتى بها بقصد ما هو ملاك أمره أعني المحبوبية لله سبحانه ، فان العمل بذلك يضاف إلى اللّه تعالى ويقع عبادة وطاعة أي تذلّلاً وتخضّعاً ويوجب التقرّب لا محالة ، وأما إذا أتى بها لا بقصد أمرها ولا بقصد كونها محبوبة ، بل بقصد الدخول في الجنة أو الفرار عن النار أو نحوهما من الأُمور الدنيوية أو الأُخروية ، فلا يمكن أن تقع عبادة وطاعة بشيء من ذلك ولا تضاف بها إلى اللّه سبحانه بوجه ، لأن تلك الأُمور إنما هي في طول الطاعة والعبادة وهي أُمور مترتبة عليها لا أنها في عرضها ومحققة لعنوان الطاعة والعبادية ، ومع عدم تحقق المقرّبية والإضافة لا تتحقّق العبادة لا محالة ومع عدم تحقّقها لا يترتّب عليها شيء من تلك الأُمور أُخروية كانت أم دنيوية ، لأن تلك المنافع والآثار ليست من الآثار الوضعية المترتبة على ذوات تلك الأفعال ، كعدم الابتلاء بالفقر مثلاً المترتب عي صلاة الليل ، حيث ورد ما مضمونه أن دعوى الفقر والجوع ممن يأتي بصلاة الليل دعوى كاذبة (1)وفي بعض الروايات سئل عليهالسلام عن الإتيان بصلاة الليل في جواب من سأله عن الفقر وشكى إليه الحاجة وأفرط في الشكاية (2)ومن الظاهر أن تلكم الأفعال غير دافعة للفقر بحسب الوضع والتكوين ، وإنما الدافع له خصوصية العبادة وهي لا تتحقق إلاّ إذا اتي بها بأحد الأمرين المتقدمين المحققين لعنوان الطاعة والعبادة ، وعليه فالأُمور المذكورة في المتن من الغايات المترتبة على الطاعة والعبادة ، لا أنها محققة لعنوانهما كما لا يخفى.
ثم إن غايات العبادات منحصرة في ثلاثة لا رابع لها ، فان العاقل لا يأتي بعمل من
دون أن يقصد غاية مترتبة على ذلك الفعل ، والغاية المترتبة على الفعل إما أن لا تكون عائدة إلى نفس الفاعل وإنما تعود إلى المعبود فقط ، فيأتي بالعبادة لأنه أهل لها ولا ينظر إلى الحور أو القصور ولا له طمع في الجنة ولا أنه يخاف من النار ولا أنه يقصد شيئاً من المنافع الدنيوية أو الأُخروية من عمله ، وهذا القسم من العبادة إنما تتأتى من المعصومين عليهمالسلام وأما من غيرهم فلا يمكن التصديق بتحققها ، نعم هي من الأُمور الممكنة والمحتملة ، وقد حكي عن أمير المؤمنين عليهالسلام أنه قال : « ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك » وقد رواها المجلسي في مرآة العقول (1)ولعلّها من الأخبار الواردة عن طرق العامّة ومن هنا لم نعثر عليها في رواياتنا ولم يرد من طرقنا إلاّ في الكتاب المذكور.
وإمّا أن تعوّد الغاية إلى نفس الفاعل وهي على قسمين : لأن القوى الكامنة في الإنسان قد يلائم شيئاً مترتباً على العبادة فيأتي بها للتوصل إلى وجود ذلك الشيء الملائم له كدخول الجنة أو الحور أو القصور ، وقد لا يلائم شيئاً فيأتي بالعبادة للتوصل بها إلى التباعد عن ذلك الشيء كالنار والعقوبة ، هذا فيما يرجع إلى الأُمور الأُخروية. وكذلك الحال فيما يرجع إلى الأُمور الدنيوية فإنه ربما يأتي بالصوم أو الصلاة أو زيارة الحسين عليهالسلام ليتوصّل بذلك إلى المال أو الولد أو الصحة والشفاء من المرض أو غير ذلك من الأُمور. وقد يأتي بالعبادة للتوصل بها إلى عدم زوال ملكه ونعمه فيصلِّي لله شكراً لئلاّ يذهب ماله ويزول ملكه.
وقد أشار عزّ من قائل إلى جميع أنحاء الغايات المترتبة على العبادة في سورة الفاتحة بقوله ( الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) فأشار بالجملة الاولى إلى كماله الذاتي حيث أتى بكلمة « اللّه » أعني الربوبية لكل شيء ، وبهذا الكمال الذاتي استحق العبادة وصار أهلاً لها. ثم أشار إلى رأفته ورحمته بقوله ( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) وقد دلّ ذلك على أن بعبادة اللّه عزّ وجلّ يمكن أن يصل الإنسان
1) مرآة العقول 8 : 89 ، الوافي 4 : 361.
ولا يلزم التلفّظ بالنيّة (1) بل ولا إخطارها بالبال (2)
إلى رحمته وما يلائم لإحدى قواه من المال والجنة والحور والقصور وغيرها. وأشار ثالثاً إلى يوم الحساب ، وأن العقاب بيده وأن بعبادته يوفق الإنسان إلى الفرار عن عقوبته.
وعلى الجملة : أن ما أفاده الماتن قدسسره هو الصحيح ، والطاعة إنما تتحقق بأحد الأمرين المتقدمين ، ومعهما لا يضر بالعبادة قصد شيء من الغايات المتقدمة. نعم لا يكفي في العبادية قصد هذه الغايات ما دام لم يكن العمل طاعة بذاته أو قصد امتثال أمر اللّه سبحانه أو محبوبية العمل كما مر.
(1) إلاّ في تلبية الحج لزوماً أو احتياطاً لأنه منصوص.
وقد يقال بكراهة التلفظ بالنيّة ، فإن أُريد بها الكراهة مطلقاً في الصلاة وفي غيرها أو في خصوص الصلاة على وجه الإطلاق فلا نرى له وجهاً ، وإن أُريد بها الكراهة بعد الإقامة فهو صحيح ، لأن التكلم بين الإقامة والصلاة أمر مكروه والتلفظ بالنيّة من أحد مصاديق التكلم.
وقد يكون التلفظ بالنيّة محرّماً مفسداً للعمل وهذا كالتكلم والتلفظ بالنيّة في صلاة الاحتياط ، بناء على أنها جزء من الصلاة أو كالجزء لها ، ولذا يعتبر فيها أن لا يأتي بالمنافيات التي منها التكلّم والتلفّظ المنطبق على التلفُّظ بالنيّة.
نعم ، يستحب التلفظ بالنيّة في الحج بأن يقول : إني آتي بالحج قربة إلى اللّه ، وهذا غير التلفظ بتلبية الحج فلا تغفل.
(2) لأن الدليل على اعتبار نيّة القربة في الوضوء إنما هو الارتكاز المتشرعي ولا دلالة له على اعتبار إخطارها بالقلب ، بل إنما يدلنا على اعتبار صدور الوضوء
بل يكفي وجود الداعي في القلب بحيث لو سئل عن شغله يقول : أتوضأ مثلاً ، وأما لو كان غافلاً بحيث لو سئل بقي متحيّراً فلا يكفي وإن كان مسبوقاً بالعزم والقصد حين المقدّمات (1). ويجب استمرار النيّة إلى آخر العمل فلو نوى الخلاف أو تردّد وأتى ببعض الأفعال بطل ، إلاّ أن يعود إلى النيّة الأُولى قبل فوات الموالاة (2) ،
بالداعي القربى أخطرها بقلبه أم لا.
(1) إن ما أفاده قدسسره في كلا شقي كلامه أمر غالبي لا دائمي وإلاّ فللنقض على كلا الشقين مجال واسع ، حيث إن العمل قد يصدر عن الإرادة الإجمالية والارتكازية إلاّ أنه لو سئل عن شغله يتحيّر في الجواب وليس تحيّره إلاّ من نفس السؤال ، حيث ينشغل باله ولا يتمكن من الجواب فيتحيّر لا محالة ، مع أنه لولا هذا السؤال كان يتحرك على طبق إرادته الإجمالية والارتكازية.
كما ربما يقع ذلك في الأفعال الخارجية ، فنرى أنه يمشي إلى داره بحسب إرادته الإجمالية وإذا سئل عن أنك تمشي إلى أي مكان يتحيّر في الجواب ، ولا سيما فيما إذا اندهش من السؤال كما إذا كان السائل كبيراً من الأكابر مثلاً.
وكذا الحال في الشق الآخر من كلامه ، فإنه قد يأتي بالعمل لا عن الإرادة الإجمالية لغفلته ، إلاّ أنه إذا سئل عن عمله لا يتحيّر في الجواب بل يخطر مقصده بباله بنفس هذا السؤال بعد ما كان غافلاً عن وجه عمله وموجبه بالكلية فيجيب. فالصحيح أن الوضوء لا يعتبر في صحّته إلاّ أن يكون صادراً عن داع قربي إلهي سواء تمكّن من الجواب عند السؤال عن موجب عمله أم لم يتمكّن من ذلك.
(2) فإن العمل بمجموعه عبادة وليست العبادية مختصة بأوله ، فلا بدّ من إيقاع كل
جزء من أجزاء العمل بداع إلهي ، فلو وقع شيء منها لا بهذا الداعي بطل العمل برمّته ، وهذا هو المراد من اعتبارهم استمرار النيّة إلى آخر العمل ، وهذا مما لا شبهة فيه ولا كلام.
وإنما الكلام في اعتبار استمرارها في الآنات المتخللة بين أجزاء العمل ، وأنه إذا عدل عنها ونوى خلافها ، أو تردد فيها ثم بنى على نيّته الأولية صح عمله مطلقاً أو لا يصح كذلك ، أو أن هناك تفصيلاً؟
قد يكون العدول عن نيّته بالعزم على عدم الإتيان بالعمل أو بالتردد في ذلك موجباً لوقوع جزء من العمل من دون نيّة قربية ، كما في الصوم حيث يجب فيه الإمساك بالنيّة المقربة في كل آن من الآنات النهارية ، فإذا فرضنا أنه عدل عن نيّته فعزم على الإفطار أو تردّد في ذلك ، فقد مضى عليه آن أو آنات من دون نيّة مقربة وهو أمر غير قابل للتدارك ، ولا مناص حينئذٍ من أن يحكم بالفساد لعدم اشتمال بعض أجزاء العمل على النيّة المعتبرة في العبادة ، وهذا لا من جهة أن العزم على الإفطار مفطر حتى يقال إن العزم على الإفطار ليس بإفطار بالضرورة ، بل هو عزم على الإفطار لا أنه إفطار بنفسه ، ومن هنا لا يترتب عليه أحكام الإفطار العمدي في نهار شهر رمضان فلا تجب عليه الكفّارة بذلك ، بل من جهة أن العزم على الإفطار يستلزم انتفاء شرط الصحة في جزء من أجزاء العمل وهو الصوم ، فيبطل العمل بأسره لبطلان جزء من أجزائه كما هو الحال في جميع الواجبات الارتباطية.
وقد يكون العدول في أثناء العمل غير مستلزم لوقوع شيء من أجزائه من دون نيّة مقربة ، أو أنه إذا استلزم ذلك فصدر بعض أجزاء العمل في حالة التردّد أو العزم بعدم الإتيان به فهو أمر قابل للتدارك ، كما في الوضوء لأنه مركّب من الغسلتين والمسحتين فاذا عدل عنه في أثناء الغسلتين أو في أثناء أحدهما وفرضنا أنه قد غسل نصفاً من يده من دون نيّة مقربة ثم رجع عن ذلك إلى نيّته الأولية ، فلا مانع من أن يعيد غسل النصف من يده مع النيّة المقربة وبذلك يحكم بصحة وضوئه. اللّهمّ إلاّ أن يكون ذلك مستلزماً لفوات الموالاة المعتبرة في الوضوء ، كما إذا تردّد زماناً جفّت أعضاؤه السابقة بذلك فإنه يقتضي الحكم ببطلان الوضوء لا محالة ، إلاّ أنه من جهة
ولا يجب نيّة الوجوب والندب لا وصفاً ولا غاية ، ولا نيّة وجه الوجوب والنّدب بأن يقول أتوضّأ الوضوء الواجب أو المندوب أو لوجوبه أو ندبه أو أتوضأ لما فيه من المصلحة ، بل يكفي قصد القربة وإتيانه لداعي اللّه (1).
الإخلال بالموالاة لا من جهة العدول عن نيّة الوضوء ، وهذا ظاهر.
وهناك شق ثالث متوسط بين مثل الصوم والوضوء وهو عبارة عن الصلاة فيما إذا عدل عن نيّتها في أثنائها فعزم على قطع الصلاة أو تردد في ذلك ، وهذا يتصوّر تارة فيما إذا أتى ببعض أجزاء الصلاة متردِّداً أو عازماً على القطع ، ويتصوّر اخرى فيما إذا لم يأت بشيء من أجزائها مع التردّد أو العزم على القطع ، كما إذا عدل عن نيّة الصلاة في أثنائها ثم رجع إلى نيّتها من دون أن يأتي بشيء من أجزائها عند العدول.
أمّا في الصورة الاولى ، فلا تأمل في الحكم ببطلان الصلاة ، من جهة أن ما أتى به من الأجزاء الصلاتية عند العدول أي لا بنيّة الصلاة زيادة عمدية مبطلة للصلاة لا محالة ، لعدم احتسابها من الصلاة لافتقادها النيّة المعتبرة في صحتها.
وأمّا الصورة الثانية ، فالحكم فيها بالبطلان يبتني على القول بأن الأكوان المتخللة بين أجزاء الصلاة جزء من الصلاة ، وحيث إن الظاهر أن الأكوان المتخللة خارجة عن أجزاء الصلاة ، فالظاهر عدم بطلان الصلاة بالعدول في تلك الأكوان. ولا ينافي هذا مع الحكم ببطلانها فيما إذا أتى بشيء من قواطع الصلاة في أثنائها ولو في الأكوان المتخللة ، كما إذا تكلم فيها بكلام الآدميين أو أحدث أو استدبر ، لأن الحكم بالبطلان وقتئذٍ ليس مستنداً إلى أن الأكوان المتخللة جزء من الصلاة ، بل مستند إلى الإتيان بالقاطع وهو في الصلاة ، لأن المصلِّي لا يخرج عنها إلاّ بالتسليمة فان أوّلها التكبيرة وآخرها التسليمة ، فما دام لم يسلّم فهو في الصلاة ، فإذا تكلم فقد تكلم في الصلاة ، كما أنه إذا أحدث وقتئذٍ فقد أحدث في صلاته وهو موجب لبطلان الصلاة لا محالة.
(1) بعد ما بيّن الشروط المعتبرة في الوضوء تعرض قدسسره لجملة من الأُمور
التي ربما يقال باعتبارها في صحّة الوضوء وذكر عدم اعتبار شيء منها في صحته.
ومن تلك الأُمور وجوب نيّة الوجوب أو الندب ، إمّا على نحو التوصيف كما إذا قال أتوضأ الوضوء الواجب أو الندب ، وإما على نحو الغاية بأن يقول أتوضأ لوجوبه أو لاستحبابه ، فإن الغاية هي الداعي بوجوده الخارجي كما أن الداعي هي الغاية بوجودها الذهني ، فسقوط الوجوب وتحقق الندب بوجودهما الخارجيين غايتان للوضوء ، كما أنهما بوجودهما الذهنيين داعيان له ، فيتصوّر سقوط الوجوب ويأتي بالوضوء بداعي امتثال أمره وإسقاطه أو لغاية الامتثال وسقوط الوجوب.
ومنها : نيّة وجه الوجوب أو الندب وهو على ما فسره الماتن قدسسره عبارة عمّا يقتضي الوجوب أو الندب أعني المصلحة ، بناء على ما ذهب إليه العدلية من أن الواجبات الشرعية تابعة للمصالح الكامنة فيها.
ومنها : قصد رفع الحدث بالوضوء أو قصد الاستباحة به أعني قصد إباحة الدخول به في الصلاة.
ومنها : قصد موجب الوضوء وأنه بول أو نوم.
ومنها : قصد الغاية التي لأجلها وجب الوضوء ، وحكم في جميع ذلك بعدم الاعتبار.
وتوضيح الكلام في المقام : أنه قد يكون الواجب أو المستحب على نحو لا يتعيّن إلاّ بنيّة الواجب أو المستحب ، وهذا كما في صلاة الصبح ونافلتها ، لأن كُلا منهما ركعتان ولا امتياز بينهما في شيء ، فلو أتى بركعتين ولم يقصد الركعتين الواجبتين أو المستحبتين بطلتا لا محالة ، وكذلك الحال فيما إذا كانت على ذمّته أربع ركعات أدائية وأربع اخرى قضائية ، فإن إحداهما لا تتميز عن الأُخرى إلاّ بالقصد ، إذ الطبيعي الواحد لا يعقل أن يحكم عليه بحكمين متضادين كالوجوب والاستحباب أو بحكمين متماثلين كالحكم بوجوبه مثلاً مرّتين ، فلا مناص في الحكم بالصحة والوجوب من تميزه عمّا يحكم عليه بالاستحباب أو يحكم عليه بوجوب آخر أو بتوصيفهما من الأدائية أو القضائية ، هذا كله فيما إذا لم يتميّز الواجب عن غيره إلاّ بنيّته وقصده.
وأمّا فيما إذا كان الواجب أو المستحب متميزاً في نفسه أو لم يكن على ذمة المكلف واجب آخر غيره ، فلا دليل على اعتبار نيّة الوجوب أو الندب لا من العقل ولا من الشرع.
أمّا العقل ، فلأنه لا سبيل له إلى استكشاف مدخلية تلك الأُمور في الأحكام وعدمها.
وأمّا احتمال دخلها بحسب الشرع ، فان بنينا على ما بنينا عليه في محله من إمكان أخذ قصد الأمر وتوابعه مما ينشأ من الأمر وفي مرتبة متأخرة عنه كقصد الوجه من الوجوب أو الندب في متعلق الأمر الأول أو في متعلق الأمر الثاني كما بنى عليه المحقق النائيني قدسسره (1)أو فرضنا الكلام في القيود التي لا استحالة في أخذها في المتعلق كقصد المصلحة أو الرفع والاستباحة أو قصد موجب الوضوء أو قصد الغاية ، فيندفع بإطلاق الأمر الأوّل أو الأمر الثاني ، لأنه سبحانه أمر بغسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين في كل من الكتاب والسنة ، ومقتضى إطلاقهما عدم اعتبار شيء مما يحتمل دخله في الواجب وهو الوضوء ، وقد أشرنا فيما سبق إلى أن الأمر بذلك إرشاد إلى اشتراط الصلاة بالوضوء ، ولم يقيد الوضوء بشيء من نيّة الوجوب أو الندب لا وصفاً ولا غاية ، كما أنه غير مقيد بنيّة وجه الوجوب أو غيره مما قدمناه ذكره ، فمقتضى إطلاق الكتاب كإطلاق السنة والروايات عدم اعتبار شيء من ذلك في صحة الوضوء.
نعم ، خرجنا عن إطلاقهما في الحكم باعتبار نيّة القربة وقصد الامتثال بالارتكاز المتشرعي المتأكد ببعض الروايات.
وأمّا إذا قلنا باستحالة ذلك وعدم إمكان أخذ قصد الأمر وتوابعه في متعلق الأمر الأوّل ولا الثاني ، وبنينا أيضاً على وجوب تحصيل الغرض كما بنى عليه صاحب الكفاية قدسسره (2)فمقتضى ذلك وإن كان هو الالتزام باعتبار كل ما يحتمل
بل لو نوى أحدهما في موضع الآخر كفى (1) إن لم يكن على وجه التشريع (2)
دخله في الواجب أو الغرض لقاعدة الاشتغال والاحتياط ، إلاّ أنّا مع ذلك لا نلتزم بذلك في المقام ، بل ندفع احتمال مدخلية تلك الأُمور في الواجب بالإطلاق المقامي ، أعني سكوتهم عليهمالسلام عن البيان والتنبيه مع كونهم في مقام البيان ، لأن تلك الأُمور مما يغفل عنها عامّة المكلّفين ، لأن أكثرهم لا يميز الأجزاء الواجبة في العمل عن مندوبها ، ومثل ذلك لو كانت دخيلة في الواجب أو الغرض لوجب على المولى التنبيه والبيان ، ومع سكوته عن ذلك في مقام البيان نستكشف عدم دخلها في شيء ممّا يهم المكلف في مقام العمل ، إذن المورد ليس من موارد الاشتغال والاحتياط.
(1) والوجه في صحّته أن الوضوء إنما يعتبر فيه أن يؤتى بذات العمل مضافة بها إلى المولى نحو اضافة ، والمفروض أن المكلف أتى به كذلك ، وأما قصد وجوبه أو استحبابه فهو غير معتبر في الوضوء فوجود ذلك وعدمه سيان ، وقد استثنى عن ذلك موردين : أحدهما : ما أشار إليه بقوله : إن لم يكن على وجه التشريع ، وثانيهما : ما أشار إليه بقوله : أو التقييد.
(2) بأن كان عالماً بوجوب العمل غير أنه نوى استحبابه متعمداً ، كما في صوم شهر رمضان أو الوضوء بعد دخول وقت الصلاة ، وإنما يصح فيما إذا لم يكن متعمداً في ذلك كما إذا اعتقد استحباب الوضوء بعد دخول وقت الصلاة أو اعتقد وجوبه قبل دخول الوقت.
وليس الوجه في بطلان الوضوء عند التشريع هو أن ما قصده المكلف لا واقعية له وما له واقع لم يقصده ، بل الوجه في بطلانه هو أن حرمة التشريع تسري إلى العمل
أو التقييد (1)فلو اعتقد دخول الوقت فنوى الوجوب وصفاً أو غاية ثم تبيّن عدم دخوله صحّ إذا لم يكن على وجه التقييد وإلاّ بطل كأن يقول : أتوضّأ لوجوبه وإلاّ فلا أتوضّأ (1).
وتوجب حرمته ومبغوضيته ، ومع حرمة الشيء ومبغوضيته كيف يمكن أن يقع مصداقاً للواجب أو المستحب.
(1) وقد فسر التقييد بكون المكلف على نحو لو كان الوضوء واجباً لم يتوضأ ، وإنما يتوضأ على تقدير استحبابه كما فسره به في بعض الموارد المتقدمة.
وهذا مما لا يمكن المساعدة عليه ، لما أشرنا إليه غير مرة من أن الوضوء إنما يعتبر في صحّته الإتيان بذاته مضافة بها إلى المولى نحو إضافة والمفروض أنه حاصل والمكلف أتى به كذلك ، والأمر الشخصي الخارجي غير قابل للتقييد ليقيد بالوجوب تارة وبالاستحباب اخرى كما أن متعلقه كذلك.
وأما قصد المكلف أن لا يأتي به على تقدير الوجوب فهو من قبيل تخلف الداعي والخطأ في التطبيق ، وهو لا يضر بصحة العمل بعد الإتيان به بجميع أجزائه وشرائطه ، وقد عرفت أنه لا يعتبر في صحة الوضوء غير الإتيان به مضافاً إلى اللّه سبحانه وهو حاصل على الفرض ، فكونه على نحو لا يأتي به على تقدير الوجوب مما لا يمنع عن صحته بعد الإتيان به ، وقد أشرنا أن هذه الموارد ليست من موارد التقييد في شيء ، بل هي من موارد الخطأ في التطبيق أو تخلف الداعي ، كان بناؤه أن لا يأتي به على تقدير استحبابه أم كان بناؤه أن يأتي به وإن كان مستحباً ، إذن لا مناص من الحكم بصحة الوضوء سواء قيده بالندب أو الوجوب أم لم يقيده بشيء منهما.
1) (*) لا أثر للتقييد في أمثال المقام إذا تحقق منه قصد امتثال الأمر الفعلي.
[567] مسألة 28 : لا يجب في الوضوء قصد رفع الحدث أو الاستباحة على الأقوى (1) ،
(1) أشار بقوله : على الأقوى ، إلى الخلاف في المسألة ، حيث نسب إلى الشيخ قدسسره اعتبار قصد رفع الحدث معيناً (1). وعن السيد المرتضى قدسسره لزوم نيّة الاستباحة فقط (2). وعن الحلبي (3)والقاضي (4)اعتبار كلا الأمرين أعني نيّة الرفع وقصد الاستباحة. وعن المبسوط (5)والمعتبر (6)والوسيلة (7)والعلاّمة (8)والشهيد (9)والسرائر (10)لزوم نيّة أحدهما مخيّراً ، وهذه أقوال أربعة.
وهناك قول خامس وهو عدم اعتبار شيء من الأمرين لا معيّناً ولا على سبيل التخيير ولا هما معاً ، وهو الذي اختاره الماتن وجماعة من المحققين وهو القول الصحيح ، والوجه فيه هو إطلاقات الأدلة الآمرة بالوضوء وبغسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين من الكتاب والسنة ، حيث لم يقيد الوضوء في شيء منهما بقصد رفع الحدث ولا بنيّة الاستباحة ، ومقتضاها عدم اعتبار شيء من الأمرين في صحّة الوضوء.
واحتمال أن يكون ذلك معتبراً في مقام الامتثال وإن لم يعتبر في المأمور به ، مندفع بأن احتمال مدخلية أحد الأمرين في الامتثال عقلاً مما لا وجه له ، لأنه لا حكم للعقل باعتبار ذلك في مقام الامتثال بعد ما عرفت من عدم تقييد المأمور به بذلك في شيء من أدلّته ، كما أن احتمال مدخليته في الامتثال شرعاً مندفع بإطلاقات الأدلة. إذن الصحيح عدم اعتبار شيء من ذلك في صحته ، هذا.
على أن ما استدلّ به على لزوم قصد الرفع أو الاستباحة ضعيف غايته ، لأن العمدة فيما استدلوا به على ذلك قوله عليهالسلام « إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة » (1)بدعوى أن متعلق الوجوب إنما هو عنوان الطهور ، فلا بدّ في مقام امتثاله من قصد ما تعلق به بعنوانه الذي تعلق به الأمر بذلك العنوان وهو عنوان الطهور كما هو الحال في غير المقام ، كما إذا أمر السيد عبده بإكرام زيد مثلاً فقام العبد إكراماً له فلا بدّ من أن يقصد في قيامه ذلك عنوان الإكرام لزيد ، فلو قام لا بقصد إكرامه لم يقع فعله ذلك امتثالاً لأمر السيد بوجه ، لأنه لم يؤمر بالقيام وإنما تعلق الأمر بعنوان الإكرام فلا مناص من قصده.
وفي المقام لم يتعلق الوجوب بالوضوء ليقال إنه عبارة عن الغسلتين والمسحتين فلا موجب لاعتبار قصد عنوان آخر غير الغسلتين والمسحتين ، بل إنما تعلق الأمر بالطهور فلا بدّ من قصد عنوان الطهور في مقام الامتثال ، والطهور إما بمعنى ما يرفع الحدث أو بمعنى المبيح للدخول في الصلاة ، فلا مناص من أن يقصد أحد الأمرين عند الامتثال ، هذا.
ولا يخفى ضعفه ، لأن الطهور إن أُريد به معناه بحسب الاشتقاق أي ما يتطهّر به وهو الماء والتراب ، فمعنى الرواية أنه إذا دخل الوقت فقد وجبت الصلاة والماء والتراب بتقدير كلمة الاستعمال ، أي وجب استعمالهما كما يقال : يحرم الخمر أي يحرم استعمال الخمر وشربها ، ولا مانع من إسناد الوجوب إلى الماء والتراب بتقدير كلمة
1) الوسائل 1 : 372 / أبواب الوضوء ب 4 ح 1.
الاستعمال ، كيف وقد أُسند الوجوب إلى الماء في بعض الأخبار ، حيث روي عن علي عليهالسلام أنه قال : « أتوجبون عليه الحد والرجم ولا توجبون عليه صاعاً من الماء » (1)أي استعماله ، بل يأتي إن شاء اللّه أن هذا المعنى هو المحتمل في قوله عليهالسلام « لا صلاة إلاّ بطهور » (2)دون الوضوء والغسل والتيمم ، ويأتي ثمرة ذلك عند التكلم على الجبائر إن شاء اللّه تعالى.
وعلى هذا الاحتمال لا تبقى للرواية أية دلالة على وجوب قصد عنوان الطهور أصلاً ، لأن المفروض أنه أُريد منه جامع الماء والتراب فاللازم قصد المعنون دون العنوان.
وإن أُريد بالطهور معناه المصدري أعني الطهارة ، أي إذا دخل الوقت فقد وجبت الصلاة والطهارة ، سواء كانت الطهارة مسببة عن الغسلتين والمسحتين أم كانت عنواناً لهما ، فحينئذٍ وإن كان الوجوب متعلقاً بعنوان الطهارة إلاّ أن الرواية لا دلالة لها على اعتبار قصد الرفع أو الإباحة في صحة الوضوء ، وذلك لأن الطهارة التي بمعنى الإباحة أو الرفع إما حكم وأثر مترتب على الوضوء الصحيح أعني ما اتي به بداع قربي إلهي ، أو أنها عنوان اعتبره الشارع على الوضوء الواقع صحيحاً ، بمعنى أن الوضوء الذي هو أمر عبادي إذا تحقق بماله من القيود والشروط التي منها قصد القربة فأثره هو الطهارة أو أنها عنوانه ، وعلى أي حال فالطهارة ورفع الحدث في مرتبة متأخرة عن الوضوء التام الصحيح ، ومعه كيف يعقل أخذ قصدهما قيداً في صحة الوضوء ، وإلاّ لزم أن تكون الطهارة ورفع الحدث أو الإباحة في مرتبة سابقة عن الوضوء الصحيح ، ولازم ذلك أن يكون الوضوء في نفسه وإن لم يؤت به بداع قربي محصلاً للطهارة وموجباً لارتفاع الحدث أو سبباً للإباحة وهو خلاف فرض الوضوء عبادة لا يترتب عليه أثره إلاّ إذا اتي به بداع إلهي.
نعم ، لا مانع من التزام ذلك واعتباره في الطهارة الخبثية ، حيث إنها مترتبة على طبيعي الغسل قصد به القربة أم لم يقصد ، وحينئذٍ يصح أن يقال يعتبر في تطهير الثياب غسلها بقصد الطهارة ، وهذا بخلاف الغسلتين والمسحتين في الوضوء ، لأن الأثر إنما يترتّب عليهما إذا تحققتا بداع قربي إلهي ولا أثر يترتب على طبيعيهما ، ومعنى ذلك أن الطهارة مترتبة على الوضوء الصحيح وفي المرتبة المتأخرة عنه ، ولا يمكن معه أخذ قصدها قيداً في الوضوء كما عرفت.
وببيان آخر : لا إشكال في أن الوجوب في قوله عليهالسلام « فقد وجبت » ليس هو الوجوب المولوي النفسي حتى يتوهم أنه قد تعلق على عنوان الطهارة فيجب قصد عنوانها في مقام الامتثال ، بل إنما هو وجوب غيري شرعي إن قلنا إن مقدّمة الواجب واجبة ، أو أنه وجوب إرشادي إلى تقيد الصلاة بالطهارة إذا أنكرنا وجوب المقدمة شرعاً ، وعلى أي حال ليست عبادية الوضوء مستندة إلى وجوبه الغيري أو الإرشادي ، بل العبادية مستفادة من الأمر النفسي المتعلق بذاته ، وعليه كيف يمكن أن يقال إن ترتب الوجوب الغيري أو الإرشادي على الوضوء بعنوان الطهارة كاشف عن أن متعلق ذلك الأمر النفسي المولد للعبادية مقيد بما إذا قصد بالوضوء عنوان الطهارة أي قصد رفع الحدث أو الإباحة.
نعم ، يستفاد منه أن الصلاة لا تتحقق إلاّ بالطهارة ، وأمّا أنها قيد في متعلق الأمر النفسي فلا.
بل لو قلنا بدلالة هذا الوجوب الغيري أو الإرشادي أيضاً على عبادية الوضوء مثلاً ، لم يمكننا اعتبار قصد عنوان الطهارة في الوضوء ، فإن غاية ما يستفاد منه وقتئذٍ أن علة جعل الوضوء شرطاً ومقدمة للصلاة إنما هي كونه طهارة ، وأما أن قصد الطهارة معتبر في تحقق ما هو المقدمة والشرط للصلاة فلا ، وهو نظير قوله عزّ من قائل بعد أمره المكلفين بالتيمم ( ما يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (1)فإنه يستفاد منه أن العلّة في أمره
1) المائدة 5 : 6.
ولا قصد الغاية التي أُمر لأجلها بالوضوء (1) ، وكذا لا يجب قصد الموجب (2) من بول أو نوم كما مرّ. نعم قصد الغاية معتبر في تحقق الامتثال ، بمعنى أنه لو قصدها يكون ممتثلاً للأمر الآتي من جهتها ، وإن لم يقصدها يكون أداء للمأمور به لا امتثالاً (3) فالمقصود من عدم اعتبار قصد الغاية ، عدم اعتباره في الصحّة وإن كان
تعالى بالتيمم إنما هي كون التيمم مطهراً. وعلى الجملة المكلف إذا أتى بذات الغسلتين والمسحتين مضافاً بهما إلى اللّه سبحانه فقد أتى بما هو شرط ومقدمة للصلاة.
(1) قد علم الحال في ذلك مما بينّاه في سابقه ، وحاصله أن مقتضى إطلاقات الكتاب والسنّة وعدم اشتمال الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية على اعتبار قصد الغاية عدم اعتبار ذلك في صحة الوضوء.
وأمّا ما استدلّ به عليه من قوله عزّ من قائل ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ... ) بدعوى دلالته على أن الوضوء لا بدّ أن يكون للتهيؤ والقيام إلى الصلاة فلو أتى به لا بقصد الصلاة بطل ، فهو أيضاً ضعيف ، وذلك لما عرفت من أن عبادية الوضوء غير مستفادة من الأمر الغيري أو الإرشادي المتعلق به ، بل هي مستفادة من الأمر النفسي المتعلق بذات الوضوء من غير تقييده بقصد الغاية ، وعليه فلو أتى به بقيوده وشرائطه لوقع عبادة من دون حاجة إلى أن يقصد به الغاية. نعم امتثال هذا الأمر الغيري والإثابة به يتوقف على إتيانه بقصد الغاية ، وأمّا صحّته في نفسه فهي غير متوقفة على قصد الغاية بوجه.
(2) للإطلاقات وعدم دلالة أيّ دليل على اعتبار قصد الموجب ولو كان ضعيفاً فاعتبار قصد الموجب أضعف من اعتبار سابقيه.
(3) لما أشرنا إليه في تضاعيف الكلام على المسائل المتقدِّمة من أن عبادية
الطهارات الثلاث غير ناشئة عن الأمر الغيري المتعلق بها ، بناء على أن المقدّمة واجبة بالوجوب الغيري ، بل إنما تنشأ عن أمرها النفسي ، فهي إذن عبادات جعلت مقدّمة للواجب ، فلا محالة تكون العبادية فيها في مرتبة متقدمة على أمرها الغيري ، وعليه إذا أتى بذات الوضوء وقصد به القربة والامتثال تتحقق به العبادة خارجاً كما تحققت المقدّمة ، وإن لم يقصد به أمرها الغيري أو لم يلتفت إليه أصلاً ، فإن الأمر الغيري توصلي لا يحتاج سقوطه إلى قصد القربة ، كما لا يمكن أن يكون منشأ للعبادية ، ومع تحقق العبادة في الخارج تترتب عليها الطهارة ، لأنها من الأحكام المترتبة على الوضوء الصحيح الذي قصد به القرية.
نعم ، هذا لا يكون موجباً لامتثال أمرها الغيري ، لعدم الإتيان بها بداعي الوجوب المقدمي ، هذا كله بناء على أن عبادية الطهارات الثلاث مستندة إلى أوامرها النفسية.
وأما إذا قلنا إن عباديتها إنما نشأت عن الأوامر الغيرية المتعلقة بها بناء على أن مقدّمة الواجب واجبة ، فلا يكون الإتيان بها من دون قصد الأمر الغيري المتعلق بها محققاً للمأمور به فضلاً عن أن يكون ذلك امتثالاً له ، وذلك لأن عباديتها حينئذٍ قد نشأت عن ذلك الأمر الغيري ، إذن لا بدّ في تحقق عباديتها من إتيانها بداعي ذلك الأمر الغيري ، فلو اتي بها لا بقصده وداعيه لم تتحقق العبادة بإتيانها بذاتها ، ومعه يقع الوضوء باطلاً فلا أداء ولا امتثال.
ثم إن الإتيان بالوضوء بقصد أمره الغيري يستلزم الإتيان به بقصد غايته ، لأن الغرض من الأمر الغيري إنما هو التوصل إلى غايته المترتبة عليه ، فلو أتى به ولم يقصد بإتيانه التوصل إلى غايته لم يقع الوضوء عبادة ، ولا سيما بناء على أن الواجب من المقدّمة حصّة خاصّة ، وهي المقدّمة الموصلة إلى ذي الغاية في الخارج ، فاذا أتى بأمره الغيري للتوصل به إلى غايته فقد تحقق كلا الأمرين من أداء المأمور به والامتثال هذا.
ثم إن في المقام كلاماً وهو أنه بناء على أن عبادية الطهارات الثلاث ناشئة عن
أوامرها الغيرية فهل يجب أن يؤتى بها بقصد غاية معينة من غاياتها المترتبة عليها ، أو أن قصد جنس الغاية كاف في صحتها وإن لم يدر أن ما يختاره من الغايات بعد ذلك أي شيء؟ فيجب أن يؤتى به بقصد قراءة القرآن خاصّة ، أو إذا أتى به للتوصل به إلى شيء من غاياته وإن لم يدر أنه سيختار القراءة أو الصلاة مثلاً كاف في صحتها؟
والصحيح كفاية قصد جنس الغاية من دون اعتبار قصد الغاية المعينة ، وذلك لأن للوضوء مثلاً أوامر غيرية من نواح شتى ، لأنه مأمور به بالأمر الغيري الاستحبابي الناشئ من الأمر الاستحبابي النفسي المتعلق بالقراءة ، ومأمور به بالأمر الغيري الوجوبي الناشئ من الأمر الوجوبي المتعلق بصلاة الظهر مثلاً أداء ، ومأمور به بالأمر الغيري الوجوبي الناشئ عن الأمر الوجوبي المتعلق بصلاة الظهر قضاء وهكذا ، فاذا أتى بالوضوء وقصد التوصل به إلى غاية من غاياته من دون تعيين ، فهو وإن لم يدر أنه مأمور به بالأمر الاستحبابي أو الوجوبي الأدائي أو الوجوبي القضائي ، إلاّ أنه محرز مطلوبيته على جميع التقادير ويعلم بأنه مأمور به قطعاً ، فاذا أتى به بداعي أمرها الغيري المحرز للتوصل به إلى شيء من غاياته فلا محالة يقع صحيحاً ، وقد مرّ أنه لا دليل على اعتبار قصد الوجوب أو الاستحباب ، وتمييز المأمور به من الوجوب والاستحباب ، كما لا تردّد فيما هو الغاية المترتبة عليه في الواقع لتعينها في علم اللّه سبحانه فلا إهمال في الواقع.
ومن هنا يظهر الحال في مسألة أُخرى ، وهي ما إذا أتى بالوضوء بداعي التوصل به إلى القراءة مثلاً عازماً بأن لا يصلي به أو غير ملتفت إلى ذلك أصلاً ، ثم بعد الوضوء ندم وبدا له فبنى على أن يصلي بذلك الوضوء ولا يأتي بالقراءة ، فإن وضوءه بناء على ما قدمناه صحيح ، لأنه قد أحرز تعلّق الأمر الغيري بما يأتي به من الوضوء وقد أتى به بهذا الداعي توصّلاً به إلى غاية معينة ، ومعه يقع وضوءه عبادة صحيحة لا محالة وغاية الأمر أنه أخطأ في التطبيق حيث تخيل أن الأمر الغيري المتعلق به هو الأمر الاستحبابي ، مع أنه بحسب الواقع هو الأمر الغيري الوجوبي والخطأ في التطبيق غير مضر بصحّة العبادة.
معتبراً في تحقّق الامتثال. نعم قد يكون الأداء موقوفاً على الامتثال فحينئذٍ لا يحصل الأداء أيضاً ، كما لو نذر أن يتوضّأ لغاية معينة فتوضّأ ولم يقصدها ، فإنّه لا يكون ممتثلاً للأمر النذري ولا يكون أداء للمأمور به بالأمر النذري أيضاً وإن كان وضوءه صحيحاً ، لأن أداءه فرع قصده. نعم هو أداء للمأمور به بالأمر الوضوئي (1).
مضافاً إلى أن نيّة الوجوب والاستحباب مما لا اعتبار به كما مر ، وهذا المبنى أعني كون عبادية الوضوء ناشئة عن أمره الغيري وإن كان فاسداً بل لا أمر غيري أصلاً لما بيّناه في بحث مقدّمة الواجب من إنكار وجوبها شرعاً ، إلاّ أنه بناء عليه لا يعتبر في صحة الطهارات الثلاث قصد الغاية المعينة كما تقدّم.
(1) أراد بذلك بيان الفارق بين الوجوب الغيري والوجوب الناشئ من النذر حيث إنه إذا أتى بذات الوضوء مضافة بها إلى اللّه سبحانه فقد حصلت العبادة ، وكان هذا أداء للمقدّمة والواجب الغيري ، وإن لم يكن امتثالاً له بناء على ما هو الصحيح من أن عبادية الوضوء ناشئة عن أمره النفسي.
وهذا بخلاف ما إذا نذر أن يأتي بالوضوء لغاية خاصة كالقراءة ، لأنه إذا أتى به غير قاصد لتلك الغاية المعينة لم يتحقق أداء الأمر النذري ولا امتثاله ، والوجه في ذلك كما أسلفناه سابقاً أن النذر قد تعلق بحصة خاصة من الوضوء وهو الوضوء المقيد بكونه للقراءة مثلاً دون طبيعي الوضوء ، فالمنذور شيء مقيد وأمر خاص ، فاذا أتى به لا لهذه الغاية لم يتحقق منه الوضوء المقيد بكونه للقراءة ومعه لا أداء ولا امتثال.
نعم ، يكفي هذا في تحقق المقدمة وهو أداء للمأمور به بالأمر الغيري ، وأما بالإضافة إلى الأمر النذري فليس بأداء ولا بامتثال ، ونظيره ما إذا نذر أن يأتي بصلاة الظهر في المسجد وأتى بها في داره ، لأنه وإن كان أداء للأمر الصلاتي لعدم تقييده بمكان خاص
إلاّ أنه بالنسبة إلى الأمر النذري المتعلق بها ليس بأداء ولا امتثال.
وهذا ، أعني تقييد المتعلق هو الوجه فيما أفاده الماتن في المقام ، لا أنه إذا لم يقصد الغاية لم يف بنذره ، لأنّ أداء المنذور كأداء سائر ما على ذمّة المكلف من الديون إنما يكون بالقصد ، والوجه في عدم استناد الماتن إلى هذا الوجه هو أنه إنما يصدق فيما إذا كانت ذمّة المكلّف مشتغلة بعدّة من الواجبات يتوقّف تمييز بعضها عن بعضها الآخر على قصده ، نظير ما إذا كانت ذمّته مديونة بصلاة رباعية أدائية ورباعية اخرى قضائية ، فان احتساب ما يأتي به عن إحداهما المعينة إنما يكون بقصد الأداء أو القضاء ، وأمّا إذا لم تشتغل ذمّته إلاّ بواجب واحد فلا يعتبر في سقوطه عن ذمّته قصده لذلك ، كما إذا نذر أن يصلي صلاة الليل في ليلة معينة وأتى بها في تلك الليلة غافلاً عن نذره ، فإنه يوجب برء النذر لا محالة وإن لم يكن ناوياً للأمر النذري بوجه.
فقياس المقام لإعطاء الدرهم المحتمل أن يكون أداء دين أو هبة أو عارية مع الفارق فلاحظ.
هذا تمام كلامنا في هذا الجزء من الكتاب ويتلوه الجزء الخامس أوّله اشتراط الخلوص في الوضوء ، ولله الحمد أوّلاً وآخراً.
فهرس الموضوعات
الموضوع / الصفحة
الطهارة
فصل : في الوضوءات المستحبة... 1
استحباب الوضوء للطواف المندوب... 2
مشروعية الوضوء للتهيؤ للصلاة... 3
استحباب الوضوء لدخول المسجد... 5
استحباب الوضوء التجديدي... 8
مشروعية الغسل أو الوضوء بعد غسل الجنابة... 10
استحباب الوضوء لذكر الحائض في مصلاها... 11
استحباب الوضوء لنوم الجنب وأكله وشربه وجماعه... 12
إباحة جميع الغايات بالوضوء... 15
حكم التوضؤ بنية التجديد وانكشاف كونه محدثا... 17
أقسام التقييد... 18
عدم اعتبار قصد موجب الوضوء... 24
كفاية الوضوء الواحد للأحداث المتعددة... 25
تعدد غايات الوضوء... 25
فصل : في بعض مستحبات الوضوء... 31
استحباب غسل الوجه واليدين مرتين... 32
ما توهم منافاته لاستحباب الغسل ثانيا... 33
فصل : في مكروهات الوضوء... 37
فصل : في أفعال الوضوء... 38
الأول : غسل الوجه... 38
مناقشة الشيخ البهائي ( قدس سره )... 39
وظيفة الأنزع والأغم ونحوهما... 43
كيفية وضوء الخارج عن العادة في الوجه واليدين... 45
الاحتمالات في الغسل المعتبر في الوجه واليدين... 46
وجوب البدأة بالأغلى في غسل الوجه... 49
الاحتمالات في المراد من البدأة بالأعلى في غسل الوجه... 57
كفاية غسل ظاهر الشعر المحيط بالوجه... 59
عدم جواز الاكتفاء بغسل البشرة عن غسل الشعر المحيط... 61
الخلاف في تعين النابت على الوجه وحكمها في الوضوء... 63
وجوب غسل شيء من أطراف الوجه مقدمة... 66
عدم وجوب غسل البواطن في الوضوء... 67
عدم وجوب غسل الشعر الخارج عن الحد كاللحية... 68
الشك في أن الشعر محيط أم لا... 69
وجوب غسل الوجه واليدين بجميع أجزائهما... 70
صور الشك في المانعية... 70
أدلة عدم وجوب الفحص عن الحاجب... 72
الثاني : غسل اليدين... 75
وجوب إدخال المرفق في غسل اليد في الوضوء... 75
بيان معنى المرفق... 76
لزوم تقديم غسل اليد اليمنى على اليسرى... 78
لزوم البدأة بالمرفق وعدم جواز النكس... 79
وجوب غسل الشعر مع بشرة اليدين... 83
حكم مقطوع اليد وصوره... 86
حكم اليد الزائدة... 90
التفصيل في وجوب رفع الوسخ عن الأظفار... 94
وجوب غسل اليدين في الوضوء وعدم كفاية غسلهما المستحب قبل الوجه... 95
وجوب غسل ما ظهر بعد قطع لحم اليدين... 96
حكم شقوق اليدين من جهة وجوب إيصال الماء إليها... 97
كفاية غسل ظاهر اليد إذا كان عليها مثل الجدري المحترق... 98
أقسام الوسخ المتكون على البشرة... 99
وظيفة الوسواسي... 100
عدم وجوب إخراج الشوكة النافذة في اليد في بعض الصور... 101
الوضوء الارتماسي... 102
الوضوء بماء المطر... 104
الشك في كون المسح بنداوة ماء الوضوء خلافا لابن الجنيد... 108
ما يمكن أن يستدل به لمذهب ابن الجنيد... 111
الأخبار الدالة على وجوب مسح الربع المقدم من الرأس... 115
الاختلاف في تعيين المسح على خصوص الناصية... 116
كفاية المسمى في المسح... 119
أفضلية المسح بعرض ثلاث أصابع... 125
أولوية كون المسح بالثلاث... 125
كفاية المسمى في الطول... 126
أفضلية كون المسح بطول إصبع... 126
إجزاء مسح الرأس منكوسا... 127
جواز المسح على شعر الرأس... 129
عدم جواز المسح على الحائل... 131
المسح على الحائل عند الاضطرار... 133
وجوب كون المسح باليد دون غيرها من الآلات... 135
وجوب كون المسح بباطن الكف... 140
وجوب كون المسح بأصابع اليد... 141
وجوب كون المسح باليد اليمنى... 142
عدم الفرق بين مسح الرأس طولا أو عرضا أو منحرفا... 142
الرابع : مسح الرجلين... 143
مبدأ مسح الرأس ومنتهاه... 144
نقد ما ذهب إليه جمع من عدم وجوب مسح الرجلين إلى الكعبين... 145
بيان معنى الكعبين والخلاف فيه... 147
كفاية المسمى عرضا ولو بعرض إصبع أو أقل ونقل الخلاف فيه... 152
جواز مسح الرجلين مقبلا ومدبرا... 161
هل يجوز مسح الرجلين بسائر الكيفيات... 162
لزوم تقديم مسح الرجل اليمنى على اليسرى خلافا للأكثر... 163
أحوطية مسح الشعر مع بشرة الرجلين... 171
وجوب مسح من قطع بعض قدمه على الباقي... 172
سقوط المسح عمن قطعت رجله تماما... 173
اعتبار كون المسخ بنداوة الوضوء... 174
اعتبار كون المسح بالبلة الباقية في اليد... 175
الكلام في جواز أخذ البلل من سائر الأعضاء عند جفاف اليد... 178
هل يجوز أخذ البلة من مسترسل اللحية... 182
شرطية تأثر الممسوح في صحة المسح... 183
حكم ما إذا كانت على الممسوح رطوبة خارجية... 183
اعتبار عدم الحاجب على الماسح في صحة المسح... 184
وجوب المسح بظاهر الكف إذا لم يمكن بباطنها... 185
حكم تعذر المسح بظاهر الكف وباطنها... 185
الكلام في الاكتفاء بالمسح الذي يتحقق الغسل معه... 191
شرطية إمرار الماسح على الممسوح... 192
حكم جفاف اليد وأنه المسح باليد اليابسة أو بالماء الجديد أو التيمم... 193
عدم وجوب مسح الرجلين تدريجا وجوازه دفعة... 199
الكلام في جواز المسح على الحائل في الرجلين لغير التقية... 201
الكلام في جواز المسح على الحائل في الرأس لغير التقية... 207
هل يجب نزع الحائل المتعدد الزائد على المضطر إليه؟... 208
عدم مشروعية ضيق الوقت ونحوه للمسح على الحائل... 209
اشتراط جواز المسح على الحائل لغير التقية من الضرورات بعدم التمكن من رفعها 210
عدم وجوب بذل المال إذا توقف عليه رفع التقية والمسح على البشرة... 212
وجوب المبادرة إلى الوضوء بعد الوقت إذا علم أنه لو ترك المبادرة لا يمكنه الوضوء المأمور به 213
عدم وجوب المبادرة في المسألة السابقة إذا كان ذلك قبل الوقت... 213
نقل الروايات المتعارضة في المسح على الخفين تقية... 215
بحوث في التقية... 221
الجهة الأولى : أقسام التقية وأحكامها... 221
الجهة الثانية : بيان مورد التقية بالمعنى الأخص... 226
موارد الثالثة : في إجزاء العمل المأتي به تقية... 231
رفع التقية والاضطرار للالزام عن الفعل المضطر إليه أو المأتي به تقية... 232
رفع التقية والاضطرار لآثار الفعل لو لا التقية والاضطرار... 233
هل يقتضي الاضطرار والتقية سقوط الجزئية والشرطية والمانعية؟... 235
ما يستفاد من الأخبار في المقام... 251
الجهة الرابعة : في من يتقى منه... 257
عدم اختصاص التقية بالعامة وعموميتها لكل ظالم وجائر خيف ضرره... 257
عدم جريان الأحكام بالتقية من العامة غير المعروفين... 259
اختصاص التقية بالآثار المترتبة على فعل المكلف دون غيره... 260
الجهة الخامسة : إذا ترك العمل رأسا للتقية فهل تجب الإعادة أو القضاء؟... 261
الجهة السادسة : عدم كفاية العمل المتقى فيه إذا كان من المعاملات... 263
الجهة السابعة : في اعتبار عدم المندوحة في موارد التقية... 264
الجهة الثامنة : في المراد بالضرر الذي يعتبر احتماله في التقية... 272
الجهة التاسعة : في اختصاص التقية بزمان شوكة العامة أو لا تختص بوقت دون وقت 276
الجهة العاشرة : حرمة إذاعة أسرار الأئمة ( عليهم السلام ) عند العامة... 277
صحة العمل الفاقد للجزء أو للشرط مع عدم موافقته للواقع ولا لمذهب العامة... 278
حكم إتيان العمل مخالفا للتقية وموافقا للواقع... 280
عدم الفرق بين كون العمل المتقى به واجبا أو مستحبا... 283
إذا أعتقد التقية ثم انكشف الخلاف... 284
إذا دار الأمر بين غسل الرجلين أو المسح على الخفين تقية... 285
حكم زوال السبب المسوغ للتقية... 287
حكم العمل بخلاف مذهب من يتقيه... 287
جواز صب الماء متعددا في كل غسلة... 289
وجوب صب الماء على الأعلى... 290
كراهة الاسراف في ماء الوضوء واستحباب الاسباغ... 291
تحديد ماء الوضوء بالمد... 292
جواز الوضوء برمس بعض العضو في الماء... 294
الاشكال في وضوء الوسواسي وطريقة دفعه... 295
حكم الشك في تحقق غسل اليدين أو الوجه... 296
حكم صب الماء على الوجه واليدين زائدا على مقدار الحاجة... 297
فصل : في شرائط الوضوء... 298
1 - اشتراط إطلاق ماء الوضوء وعدم كونه مضافا... 298
2 - اشتراط طهارة ماء الوضوء... 299
هل أن طهارة ماء الوضوء شرط واقعي أو ذكري... 299
اشتراط طهارة مواضع الوضوء... 306
الاشكال في قصد الوضوء باخراج العضو من الماء... 309
التوضؤ بماء القليان... 310
استحباب تقديم الاستنجاء على الوضوء... 310
كيفية غسل موضع الجرح... 311
3 - اشتراط عدم الحائل على محل الوضوء... 311
وجوب الفحص عن الحائل حتى يحصل الاطمئنان بعدمه ولا يكفي الظن... 312
4 - اشتراط إباحة ماء الوضوء... 312
اعتبار الإباحة في الظرف والمكان والمصب... 314
هل اشتراط إباحة الماء واقعي أو ذكري... 317
الالتفات إلى الغصبية أثناء الوضوء... 322
الالتفات إلى الغصبية بعد الغسلات... 322
هل المدار في التصرف في مال الغير رضاه أو إذنه... 326
صور الشك في رضى المالك... 328
حكم التوضؤ من الأنهار الكبيرة... 330
حكم التوضؤ من حوض المسجد ونحوه... 335
إذا غير مجرى النهر من دون إذن المالك... 336
إذا علم أن حوض المسجد وقف على المصلين فيه... 337
إذا كان بعض أطراف الحوض مغصوبا... 341
التوضؤ في مكان مباح مع غصبية الفضاء... 342
حكم الوضوء تحت الخيمة المغصوبة... 343
جواز التوضؤ من الماء الذي تعدى من مكان مغصوب إلى مكان مباح... 344
التوضؤ بالماء المباح إذا اجتمع في ملك المتوضئ مع قصد الحيازة... 345
التوضؤ عند الخروج من المكان المغصوب... 346
التوضؤ من ماء وقع فيه القليل من الماء المغصوب... 348
5 - اشتراط عدم كون الماء مستعملا في رفع الخبث... 349
التوضؤ من إناء باعتقاد الغصبية وانكشاف الخلاف... 350
6 - اشتراط عدم كون الماء مستعملا في رفع الخلاف... 351
7 - اشتراط عدم المانع من استعمال الماء للوضوء... 352
8 - اشتراط سعة الوقت للوضوء... 357
هل إن ضيق الوقت من مسوغات التيمم... 357
هل يجب الوضوء فيما إذا لم يدرك من الوقت إلا ركعة... 359
إذا توضأ وهو مأمور بالتيمم... 361
إذا تضرر بصب الماء ثم توضأ فهل يصح وضوءه... 364
9 - اشتراط المباشرة في أفعال الوضوء... 364
ظهور الخطابات في وجوب المباشرة... 365
جواز الاستعانة بالغير في المقدمات البعيدة... 367
كراهة الاستعانة بالغير في المقدمات القريبة... 367
وجوب استنابة العاجز عن المباشر ولو توقفت على الأجرة... 380
تعيين من ينوي في الوضوء التسبيبي... 381
لزوم كون المسح بيد المنوب عنه... 382
10 - اشتراط الترتيب في أفعال الوضوء... 383
حكم مخالفة الترتيب بين اليد اليمنى واليسرى نسيانا... 385
عدم اعتبار الترتيب بين أجزاء العضو... 385
عدم الفرق في اعتبار الترتيب بين الوضوء الارتماسي والترتيبي... 387
11 - اشتراط الموالاة في الوضوء... 387
معنى الموالاة المعتبرة في الوضوء... 388
التفصيل بين الناسي والعامد في اعتبار الموالاة العرفية... 392
شهرة كون وجوب الموالاة نفسيا لا شرطيا... 398
هل المدار في الموالاة على الجفاف الفعلي أو التقديري... 400
فروع في الموالاة... 404
12 - اشتراط النية في الوضوء... 405
أدلة عبادية الوضوء... 405
ما استدل به من الأخبار على أن الأصل في كل واجب أن يكون عباديا... 410
هل الأمور المذكورة في المتن محققات للطاعة أو أنها غايات للعبادة... 414
انحصار غايات العبادة في ثلاثة... 415
عدم لزوم التلفظ بالنية... 417
لزوم الاستمرار في النية... 418
عدم اعتبار نية الوجوب والاستحباب... 421
نية الواجب في موضع المندوب وبالعكس... 423
عدم اعتبار نية الرفع والإباحة... 425
قصد الموجب والغاية... 429
الفرق بين وجوب الوضوء غيريا ووجوبه بالنذر... 432
الصورة