ghaemiyeh.com
سرشناسه : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
عنوان قراردادی : عروهالوثقی . شرح
عنوان و نام پديدآور : التنقیح في شرحالعروة الوثقی/ [محمدکاظمبن عبدالعظیم یزدی]؛ تقریرا لابحاث ابوالقاسم الموسوی الخوئی؛ تالیف علی الغروی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدسسره)؛ [بیجا]: التوحید للنشر، 1418ق.= 1998م.= 1377 -
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسوعه الامام الخوئی.
شابک : ج.1 964-6084-03-6 : ؛ ج. 2، چاپ دوم 964-6084-10-9 : ؛ ج.٬3چاپ سوم 964-6084-05-2 : ؛ ج.٬4 چاپ سوم 964-6084-04-4 : ؛ ج. 5، چاپ سوم 964-6084-08- 7 : ؛ ج.6 964-6084-17-6 : ؛ ج.7 964-6084-19-2 : ؛ ج.8 964-6084-18-4 : ؛ ج.9 964-6084-21-4 : ؛ ج.10 964-6084-20-6 :
يادداشت : عربی.
يادداشت : ج.1 - 10(چاپ سوم: 1428ق.= 2007م.= 1386 ).
يادداشت : ج. 1، 7 ، 9 ، 10 کتاب حاضر توسط موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدسسره) منتشر شده است.
یادداشت : کتابنامه..
مندرجات : ج. 1. التقلید.- ج. 2، 4 ، 6 ، 7 و 9. الطهاره
موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- قرن 14
شناسه افزوده : غروی، علی، 1280 - 1376.
شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمد کاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی. شرح
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021373 1377
رده بندی دیویی : 297/342
شماره کتابشناسی ملی : م78-8589
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
اطلاعات رکورد کتابشناسی : فهرست قبلی
المؤلف: الشيخ علي الغروي
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه
المطبعة: توحيد
الطبعة: 0
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1418 ه-.ق
ISBN (ردمك): 964-6084-04-4
مكتبة الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ
وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ
مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ
التَّنْقِيحُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
التَّنْقِيحُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
تقرير الإبحاث
الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره
«1317 - 1413 ه»
الطهارة
تأليف آية اللّه الشهيد الشيخ ميرزا علي الغروي قدس سره
طبعة منقحة
مؤسسة الخوئي الإسلامية
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية
الجزء الرابع
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+
تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م
المطبعة: نينوي
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
4 - 04 - 6084 - 964 : ISBN
Email:info@alkhoei.net
www.alkhoei.com
www.alkhoei.net
الصورة
وهي أُمور :
أحدها : الماء وهو عمدتها ، لأنّ سائر المطهِّرات مخصوصة بأشياء خاصّة بخلافه فإنّه مطهِّر لكل متنجِّس حتى الماء المضاف (1)
فصل في المطهِّرات
(1) المتنجِّس إمّا من الأجسام الجامدة وإمّا من المائعات ، والمائع إمّا هو الماء وإمّا غيره ، وهو المضاف وما يلحقه من اللبن والدهن ونحوهما.
أمّا الجوامد من الأجسام فمطهّرها على نحو الإطلاق إنما هو الغسل بالماء ، وذلك للاستقراء وملاحظة الموارد المتعدِّدة من الثوب والبدن والحصر والفرش والأواني وغيرها مما حكم فيها الشارع على اختلافها بتطهيرها بالغسل ، حيث سئل عن إصابتها بالدم أو المني أو البول أو غيرها من النجاسات وأمروا علیهم السلام بغسلها بالماء. ومن هذا يستفاد أن الغسل بالماء مطهِّر على الإطلاق فإن الأمر في تلك الموارد بالغسل على ما قدمناه في محلِّه إرشاد إلى أمرين : أحدهما : كون ملاقاة الأعيان النجسة منجِّسة لملاقياتها. وثانيهما : طهارة الملاقي المتنجِّس بغسله بالماء ، وحيث إن المستفاد من تلك الأوامر حسب المتفاهم العرفي عدم اختصاص الطهارة المسببة من الغسل بمورد دون مورد لوضوح عدم مدخلية شيء من خصوصيات الموارد في ذلك فلا مناص من التعدِّي والحكم بأن الغسل بالماء مطهّر للأجسام المتنجِّسة على الإطلاق. ومن ثمة لا نضايق من الحكم بكفاية الغسل بالماء في تطهير الأجسام المتنجِّسة التي لم تكن متكونة في زمان صدور الأمر بالغسل في الموارد المتقدِّمة وذلك
كما في البرتقال والطماطة ، وليس هذا إلاّ من جهة أن الغسل بالماء مطهّر مطلقاً. نعم قد اعتبر الشارع في حصول الطهارة بذلك بعض القيود يأتي عليها الكلام في تفاصيل المطهّرات إن شاء اللّه ، هذا.
مضافاً إلى موثقة عمار الواردة في من يجد في إنائه فأرة ميتة وقد توضأ من ذلك الماء مراراً أو اغتسل منه أو غسل ثيابه ، قال علیه السلام : إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ... (1)لدلالتها على أن المتنجِّس بالماء المتنجِّس مطلقاً يطهر بالغسل.
وكيف كان فبالموثقة والاستقراء نحكم بأن الجوامد يطهّرها الغسل بالماء هذا ولكن بعض الجوامد غير قابل للتطهير بالاستهلاك ولا بالغسل ، لعدم استهلاكه في الأجزاء المائية ولا يتداخل الماء في أجزائه ليطهر بالغسل كما في الدهن الجامد إذا تنجس حال ميعانه ، فان مثله لا يستهلك في الماء لانفصاله عن الأجزاء المائية بالطبع ولا يرسب الماء في جوفه ، ويأتي ذلك في المسألة التاسعة عشرة إن شاء اللّه.
نعم ، لم يستبعد الماتن قدس سره الحكم بطهارة الدهن حينئذ فيما إذا جعل في ماء عاصم وغلى الماء مقداراً من الزمان فان الماء يصل بذلك إلى جميع أجزائه ، إلاّ أن الصحيح عدم كفاية ذلك في تطهيره على ما يأتي في محلِّه (2)لأنّ الغليان إنما يوجب تصاعد الأجزاء وتنازلها وهذا لا يقتضي سوى وصول العاصم إلى السطح الظاهر من الأجزاء ولا يوجب تداخل العاصم ووصوله إلى جوفها. ونظيره الفلزات كالذهب والفضة وغيرهما إذا تنجست حال ذوبانها ، حيث لا يمكن الحكم بتطهيرها بشيء لعدم استهلاكها في الماء وعدم رسوبه في جوفها حتى إذا فرضنا فرضاً غير واقع أن الفلز كالدهن يذوب بالغليان في الماء ، لما مرّ من أن الغليان الذي هو تصاعد الأجزاء وتنازلها لا يوجب سوى وصول الماء إلى السطح الظاهر من أجزائه ولا يقتضي تداخله ووصوله إلى جوفه ، هذا كلّه في الأجسام الجامدة.
وأمّا المياه المتنجِّسة فقد قدّمنا في محلِّه (1)أن مطهّرها هو اتصالها بالماء العاصم أو بممازجتها معه بناء على اعتبار الامتزاج في تطهيرها.
وأمّا المضاف النجس فقد أسلفنا في بحث المياه (2)عدم قابليته للطّهارة إلاّ بالاستهلاك وانعدام موضوعه ، ولا نعرف مخالفاً في المسألة سوى ما حكي عن العلاّمة قدس سره من الحكم بطهارة المضاف باتصاله بالكثير (3)، إلاّ أنه من الفلتات ولم يقم دليل على أن الاتصال بالكر مما يطهّر المضاف ، وإنما يطهره الاستهلاك كما ذكره في المتن ، ولكن في إسناد التطهير إلى الاستهلاك ضرباً من المسامحة إذ لا موضوع مع الاستهلاك حتى يحكم بطهارته لأجله. نعم ، إسناد الطهارة بالاستهلاك إلى الماء إسناد حقيقي لا تسامح فيه ، وذلك لأن الاستهلاك بما هو هو غير موجب للطهارة بوجه ومن هنا لو استهلك المضاف المتنجِّس في ماء قليل حكمنا بنجاسة القليل لملاقاته المضاف المتنجِّس وإن استهلك فيه المضاف ، فلا بدّ في الحكم بالطهارة من أن يكون الماء كرّاً وغير منفعل بالملاقاة فمثله مطهّر للمضاف مشروطاً باستهلاكه فيه.
بل يمكن أن يقال : لا تسامح في إسناد التطهير إلى الاستهلاك أيضاً ، وذلك لأن المضاف إذا استهلك في الماء العاصم ثم فصلناه عن الماء بالتبخير فهو محكوم بالطهارة لا محالة ، لأن أجزاءه المستهلكة في الماء المتحققة فيه عقلاً قبل الانفصال قد حكم بطهارتها على الفرض ، ومعه تكون طاهرة ولو بعد الانفصال فلا تستند طهارة الأجزاء المستهلكة إلاّ إلى الاستهلاك السابق مع بقاء المضاف ووجود الموضوع ، لفرض انفصاله عن الماء فلا تسامح في إسناد التطهير إلى الاستهلاك كما لا مسامحة في إسناده إلى الماء. وكيف كان الاستهلاك مطهّر للمضاف ، بل ذكرنا في بحث الماء المضاف أن المضاف المتنجِّس إذا أثّر في الماء العاصم باستهلاكه كما إذا قلبه مضافاً بعد مضي زمان لم يحكم بنجاسة شيء منهما ، وذلك لأن المضاف قد حكم بطهارته بالاستهلاك فاذا قلب المطلق إلى الإضافة لم يكن موجب للحكم بنجاسته ، فان
بالاستهلاك (1) بل يطهّر بعض الأعيان النجسة كميت الإنسان فإنّه يطهر بتمام غسله (2). ويشترط في التطهير به أُمور ، بعضها شرط في كل من القليل والكثير ، وبعضها مختص بالتطهير بالقليل. أما الأوّل فمنها : زوال العين والأثر (3) بمعنى الأجزاء الصغار منها لا بمعنى اللّون والطّعم ونحوهما (4)
ما لاقاه من أجزاء المضاف محكوم بالطهارة ، وانقلاب الماء الطاهر مضافاً ليس من أحد المنجّسات.
(1) قد عرفت أنه لا تسامح في إسناد الطهارة بالاستهلاك إلى الماء وكذا في إسنادها إلى الاستهلاك.
(2) يأتي الكلام على ذلك في محله إن شاء اللّه تعالى.
(3) لا يخفى ما في عدّ ذلك من شرائط التطهير بالماء من المسامحة ، لأن زوال العين والأجزاء الصغار التي تعد مصداقاً للنجاسة لدى العرف مقوّم لمفهوم الغسل المعتبر في التطهير ، ولا يتحقق غسل بدونه لأنه بمعنى إزالة العين ومع عدمها لا غسل حقيقة.
(4) وعن العلاّمة قدس سره في المنتهي وجوب إزالة الأثر بمعنى اللون دون الرائحة (1)، وفي محكي النهاية : وجوب إزالة الرائحة دون اللّون إذا كان عسر الزوال - (2)وعن القواعد ما ربما يفهم منه وجوب إزالة كل من اللون والرائحة إذا لم يكن عسر في إزالتهما. (3)والتحقيق وفاقاً للماتن قدس سره عدم اعتبار شيء من ذلك في حصول الطهارة بالغسل وذلك أما أوّلاً : فلإطلاق الروايات الآمرة بالغسل ، حيث لم تدل إلاّ على اعتبار الغسل في تطهير المتنجِّسات ، وقد أشرنا آنفاً إلى أن الغسل بمعنى إزالة العين وأمّا إزالة الرائحة أو اللّون فهي أمر خارج عن مفهومه واعتبارها فيه يتوقّف على
دلالة دليل وهو مفقود. وأما ثانياً : فلأن النجاسات بأكثرها تشتمل على رائحة أو لون لا تزولان بزوال عينها كما في دم الحيض والميتة وبعض أقسام المني ، فترى أنها بعد ما غسلت وأزيلت عينها تبقى رائحتها أو لونها ، ولم ترد مع ذلك إشارة في شيء من الأخبار الواردة في التطهير عن الأعيان المذكورة وغيرها إلى اعتبار زوال الرائحة أو اللّون وإنما دلت على لزوم غسلها فحسب. ويؤيده ما في جملة من الروايات (1)من الأمر بصبغ الثوب الذي أصابه الحيض بالمشق حتى يختلط فيما إذا غسل ولم يذهب أثره.
نعم ، لا يمكن الاستدلال على المدعى بما ورد في الاستنجاء من أن الريح لا ينظر إليها (2)وذلك لأنّ الموضع المخصوص له خصوصية من بين سائر المتنجسات بحيث لا يمكن قياس غيره به ، ومن هنا يكفي في تطهيره التمسح بالأحجار ، مع أن الأجزاء المتخلِّفة من النجس في المحل قد لا يقلعها التمسح بالأحجار ، لوضوح أنه ليس من الأجسام الصقيلة حتى تزول عنه العين بالتمسح بها ، فمقايسة غيره من المتنجِّسات به في غير محلِّه.
وأمّا ما يقال من أن بقاء الأثر كاللون والريح وغيرهما يكشف عن بقاء العين لا محالة ، لأن انتقال العرض من معروضه أمر غير معقول ، فيندفع أوّلاً : بأن الأحكام الشرعية لا تبتني على التدقيقات الفلسفية وإنما تدور مدار صدق العناوين المأخوذة في موضوعاتها عرفاً ، وبما أن الأثر المتخلف من العين من قبيل الأعراض لدى العرف والنجاسة مترتبة على عنوان الدم والعذرة ونحوهما ولا يصدق شيء من هذه العناوين على الأوصاف والأعراض فلا يمكن الحكم بنجاسة الآثار المتخلفة في المحل.
وثانياً : بأن كبرى استحالة انتقال العرض وإن كانت مسلمة ، إلاّ أنها غير منطبقة على المقام ، لأن عروض الرائحة أو اللون أو غيرهما من آثار النجس على الثوب مثلاً كما يحتمل أن يكون مستنداً إلى انتقال أجزاء ذلك النجس إلى الثوب لاستحالة انتقال
ومنها : عدم تغيّر الماء (1)) في أثناء الاستعمال (1).
العرض من دون معروضه ، كذلك يحتمل أن يكون مستنداً إلى المجاورة ، لأنها ربما تسبب استعداد الشيء للتأثر بآثار مجاورة ، وهذا لا بمعنى انتقال أعراض ذلك النجس إليه حتى يدفع باستحالته ، بل بمعنى تأهل الشيء لأن يعرض عليه مثل ذلك العرض من الابتداء كما عرض على النجس ، وهذا كما إذا جعلنا مقداراً قليلاً من الميتة في حب من الماء فان الماء يكتسب بذلك رائحة الجيفة إذا مضى عليه زمان ، ولا يحتمل أن يكون ذلك مستنداً إلى انتقال أجزاء الجيفة إلى الماء ، حيث إن الجيفة لقلتها لا يمكن أن تنتشر في تلك الكمية من الماء ، فليس ذلك إلاّ من جهة تأهل الماء بالمجاورة لعروض الرائحة عليه من الابتداء ، ويمكن مشاهدة ما ادعيناه بالعيان فيما إذا ألقينا كمية قليلة من اللبن على أكثر منها من الحليب ، لأنها يقلبه لبناً لا محالة من دون أن يكون ذلك مستنداً إلى انتشار الأجزاء اللبنية في الحليب ، فلا وجه له سوى التأهل بالمجاورة.
(1) وتفصيل الكلام في هذه المسألة يقع في صور ثلاث :
الاولى : ما إذا تغيّر الماء بأوصاف عين النجس في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل.
الثانية : الصورة مع حصول التغيّر في غير الغسلة المتعقبة بالطهارة.
الثالثة : ما إذا تغيّر الماء بأوصاف المتنجِّس بلا فرق في ذلك بين الغسلة المتعقبة بالطهارة وغيرها.
أمّا الصورة الاولى : فلا مناص فيها من اشتراط عدم تغيّر الماء في التطهير به وفاقاً للماتن قدس سره ، وذلك لإطلاق ما دلّ على نجاسة الماء المتغيّر بأوصاف النجس ولا موجب لرفع اليد عن إطلاقه ، ومع الحكم بتقذره لا يمكن الحكم بطهارة المتنجِّس المغسول به.
وتوضيح ذلك : أن الغسالة غير المتغيرة بالنجس وإن التزمنا فيها بتخصيص أدلة
1) () لا يشترط عدم تغيره بأوصاف المتنجِّس بالاستعمال ، بل ولا بأوصاف النجس أيضاً في غير الغسلة المتعقبة بطهارة المحل.
انفعال الماء القليل بالملاقاة على جميع الأقوال المذكورة في الغسالة ، حيث إنّا سواء قلنا بطهارتها مطلقاً أم قلنا بنجاستها بالانفصال عن المحل أو قلنا بنجاستها مطلقاً ، غير أن خروج المقدار المتعارف منها مطهّر للأجزاء المتخلفة في المحل نظير الدم المتخلف في الذبيحة ، حيث إن خروج المقدار المتعارف منه بالذبح موجب لطهارة الأجزاء المتخلفة منه في الذبيحة ، لا بدّ من أن نلتزم بتخصيص أدلة انفعال الماء القليل بالملاقاة إما مطلقاً أو ما دام في المحل أو بعد خروج المقدار المتعارف من الغسالة ، لوضوح أنه لولا ذلك لم يمكن الحكم بطهارة شيء من المتنجسات بالغسل وبه ينسد باب التطهير بالمياه وهو على خلاف الضرورة والإجماع القطعي بين المسلمين. وأما الأدلّة القائمة على نجاسة الماء المتغيّر بأوصاف النجس فلا نرى ملزماً لتخصيصها بوجه وليست هناك ضرورة تدعو إليه ولا تترتب على القول بنجاسة الماء المتغيّر مطلقاً أيّ مفسدة ومعه لا بدّ من الالتزام بعدم حصول الطهارة إلاّ بالماء غير المتغيّر بالنجس. نعم يستلزم ذلك القول بتخصيص أدلة انفعال الماء القليل وهو مما نلتزمه كما عرفت ، هذا.
وقد يُقال : لا مانع من التزام حصول الطهارة بالماء المتغيّر بالاستعمال دون المتغيّر قبل الغسل به واستعماله ، تمسكاً بإطلاقات الأدلّة الآمرة بالغسل كما في صحيحة محمّد ابن مسلم « اغسله في المِركَن مرّتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة » (1)وغيرها ، لأنّ إطلاقها يشمل ما إذا تغيّر الماء بغسله واستعماله ، وبهذا نلتزم بتخصيص ما دلّ على نجاسة الماء المتغيّر وحصول الطهارة بالماء المتغيّر بالاستعمال ، أو أنّا نتحفّظ بإطلاق ما دلّ على نجاسة الماء المتغيّر وما دلّ على كفاية الغسل في تطهير المتنجسات ، فنلتزم بزوال النجاسة السابقة الموجودة في المتنجِّس حسب إطلاق ما دلّ على حصول الطهارة بالغسل كما نلتزم بتنجسه ثانياً من جهة ملاقاته الماء المتغيِّر لإطلاق ما دلّ على نجاسة الماء المتغيِّر بالنجس وهاتان دعويان لا يمكن المساعدة على شيء منهما.
أمّا بالإضافة إلى الدعوى المتقدِّمة فلأن النسبة بين إطلاقات ما دلّ على حصول
1) الوسائل 3 : 397 / أبواب النجاسات ب 2 ح 1.
الطهارة بالغسل وبين إطلاق ما دلّ على نجاسة الماء المتغيّر عموم من وجه ، لأن الأُولى مطلقة من حيث حصول التغيّر بالغسل وعدمه والثاني أعم من حيث استناد التغيّر إلى نفس استعمال الماء أو إلى أمر سابق عليه ، ومع التعارض في مورد الاجتماع وهو الماء المتغيّر بالاستعمال يتساقطان فلا بد من الرجوع إلى أحد أمرين : إما العموم الفوق كما دلّ على عدم جواز الصلاة في الثوب المتنجِّس ، فإنّه إرشاد إلى نجاسته ومقتضى تلك الإطلاقات أن النجاسة تبقى في أيّ متنجس إلى الأبد إلاّ أن يطرأ عليه مزيل شرعي كالغسل بالماء غير المتغيّر وهذا هو المستفاد من قوله علیه السلام في موثقة عمار « فاذا علمت فقد قذر » (1)ولا يكفي الغسل بالماء المتغيّر لأجل الشك في مطهريته ومقتضى الإطلاق بقاء النجاسة ما لم يقطع بارتفاعها ، وأما استصحاب النجاسة مع الغض عن الإطلاق فهو يبتني على القول بجريان الاستصحاب في الأحكام ، وحيث إنّا لا نقول به وقد عرفت تمامية الإطلاقات الفوق فلا مناص من اشتراط عدم انفعال الماء ولو بالاستعمال.
وأما بالإضافة إلى الدعوى الثانية أعني التحفظ على كلا الإطلاقين : فلأن ظاهر ما دلّ على طهارة المتنجِّس بالغسل أن ذلك سبب لحصول الطهارة بالفعل ، والطهارة الفعلية لا تجتمع مع الحكم بنجاسة الماء بغسله من جهة ملاقاته مع الماء المتغيّر وهو نجس ، هذا كله في الصورة الأُولى.
وأمّا الصورة الثانية : وهي ما إذا تغيّر الماء بأوصاف النجس في الغسلة غير المتعقبة بطهارة المحل ، فلا نلتزم فيها بالاشتراط فتغيّر الماء حين استعماله كعدمه ، اللّهمّ إلاّ أن يكون هناك إجماع تعبدي على اعتبار عدم تغيّر الماء حتى في الغسلة الاولى أعني ما لا يتعقبه طهارة المحل ، أو ادعي انصراف أدلة المطهرية عن الغسل بالماء المتغيّر ، إلاّ أن قيام الإجماع التعبدي في المسألة مما لا نظنّه ولا نحتمله ، ودعوى الانصراف لو تمّت فإنّما تتم في الغسلة المتعقبة بالطهارة بأن يقال : إنّ ظاهر الغسل المأمور به هو الذي تتعقبه طهارة المحل بالفعل فلا يشمل الغسل غير المتعقب بالطهارة كذلك. وأمّا الغسلة غير المتعقبة بالطهارة كما في محل الكلام فلا معنى لدعوى انصراف
1) الوسائل 3 : 467 / أبواب النجاسات ب 37 ح 4.
ومنها : طهارة الماء (1).
المطهرية عنها كما لعلّه ظاهر. على أن التغيّر في الغسلة الأُولى أمر غالبي كما في الغسلة الأُولى فيما أصابه بول كثير أو دم كذلك فيما إذا قلنا بلزوم التعدّد في مثله فدعوى الانصراف ساقطة وإطلاقات أدلة الغسل هي المحكمة ، ومقتضاها عدم الفرق في الغسلة غير المتعقبة بطهارة المحل بين تغيّر الماء باستعماله وعدمه.
وأمّا الصورة الثالثة أعني ما إذا استند التغيّر إلى المتنجِّس لا إلى عين النجس : فاشتراط عدم التغيّر بذلك يبتني على ما أسلفناه في محلِّه (1)من أن المتغيّر بالمتنجِّس كالمتغيّر بأوصاف النجس في الحكم بنجاسته أو أن التغيّر بالمتنجس مما لا أثر له؟ وقد عرفت في محلّه أن المتعيّن عدم نجاسته لأنه المستفاد من الأخبار ولو بملاحظة القرائن المحتفّة بها كقوله علیه السلام في صحيحة ابن بزيع « حتى يذهب الريح ويطيب طعمه » (2)على التفصيل المتقدِّم هناك ، وعليه لا أثر لتغيّر الماء بأوصاف المتنجِّس ما دام لم ينقلب مضافاً بلا فرق في ذلك بين الغسلة المتعقبة بالطهارة وغيرها ، وكلام الماتن وإن كان مطلقاً في المقام إلاّ أنه صرح في محله بعدم نجاسة المتغيِّر بأوصاف المتنجِّس فليلاحظ.
(1) لأنّ الطهارة الحاصلة للأشياء المتنجسة بغسلها حسبما هو المرتكز لدى العرف ، مترتبة على الماء الطهور وهو ما كان طاهراً في نفسه ومطهراً لغيره. ويمكن الاستدلال عليه بجملة من الروايات الواردة في موارد خاصة كالأمر بصب ماء الإناء إذا ولغ الكلب فيه (3)والأمر بإهراق الماءين المشتبهين إذا وقع في أحدهما قذر وهو لا يدري أيّهما (4)إلى غير ذلك من الأخبار ، حيث إن الماء المتنجِّس لو جاز غسل
1) شرح العروة 2 : 62.
2) الوسائل 1 : 172 / أبواب الماء المطلق ب 14 ح 6.
3) كما في صحيحة البقباق وغيرها المروية في الوسائل 1 : 226 / أبواب الأسآر ب 1 ح 4 ، 3 : 415 / أبواب النجاسات ب 12 ح 2.
4) كما في موثقة سماعة المروية في الوسائل 1 : 151 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 2 ، 169 / أبواب الماء المطلق ب 12 ح 1.
ولو في ظاهر الشرع (1). ومنها : إطلاقه بمعنى عدم خروجه عن الإطلاق في أثناء الاستعمال .
المتنجِّس به أو كان تترتب عليه فائدة أُخرى مما يجوز استيفاؤه لم يكن للأمر بصبه وإهراقه وجه صحيح ، فالأمر بإهراقه أو بصبه كناية عن عدم قابليته للاستعمال.
ويؤيده الأخبار المانعة عن التوضؤ من الماء الذي تدخل فيه الدجاجة أو الحمامة وأشباههما وقد وطئت العذرة (1)أو الذي قطرت فيه قطرة من دم الرّعاف (2)والناهية عن الشرب والتوضؤ مما وقع فيه دم (3)أو ممّا شرب منه الطير الذي ترى في منقاره دماً أو الدجاجة التي في منقارها قذر (4)لأن الشرب والتوضؤ مثالان لمطلق الانتفاعات المشروعة والمتعارفة فتشمل مثل الغَسل والغُسل. وحيث إنّا نقطع بعدم الفرق بين تلك النجاسات الواردة في الأخبار وبين غيرها من أفرادها ، كما لا فرق بين مثل الشرب والتوضؤ وغيرهما من الانتفاعات والتصرفات المشروعة والمتعارفة ، فلا مناص من اشتراط الطهارة في الماء.
(1) كما إذا أثبتنا طهارته بالاستصحاب أو بقاعدة الطهارة في قبال إحراز أن الماء طاهر واقعاً ، فلا فرق بين الطهارتين في المقام سوى أن الاولى طهارة ظاهرية والثانية واقعية.
(2) لعدم مطهرية المضاف وغيره من أقسام المائعات ، فلا مناص من اشتراط بقاء
1) كما في صحيحة علي بن جعفر المروية في الوسائل 1 : 155 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 13 ، 159 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 4.
2) كما في الصحيحة الأُخرى لعلي بن جعفر علیه السلام الوسائل 1 : 150 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 1 ، 169 / أبواب الماء المطلق ب 13 ح 1.
3) راجع حديث سعيد الأعرج المروي في الوسائل 1 : 153 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 8 ، 169 / أبواب الماء المطلق ب 13 ح 2.
4) راجع موثقة عمار المروية في الوسائل 1 : 231 / أبوا الأسآر ب 4 ح 3.
وأمّا الثاني : فالتعدّد في بعض المتنجسات كالمتنجِّس بالبول (1)وكالظروف (1) والتعفير (2)كما في المتنجِّس بولوغ الكلب (2). والعصر (3)في مثل الثياب والفرش ونحوها ممّا يقبله (3).
الإطلاق في الماء مطلقاً ، بلا فرق في ذلك بين الغسلة الأُولى والثانية ، بحيث لو انقلب مضافاً قبل إكمال الغسلات أو قبل تمام الغسلة الواحدة فيما لا يشترط فيه التعدّد حكم بعدم طهارة المغسول به.
(1) يأتي الكلام في تفصيل هذه المسألة عن قريب (4)ونصرح هناك بأن تعدد الغسل في المتنجِّس بالبول لا يختص بالماء القليل ، بل يشترط ذلك حتى في الكثير ، وإنما يكفي المرّة الواحدة في المتنجِّس بالبول في خصوص الغسل بالجاري وما يلحق به من ماء المطر بناء على تمامية ما ورد من أن كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر (5)فتخصيص الماتن اشتراط التعدّد بالقليل يبتني على إلحاق الكثير بالجاري ، وفيه منع كما سيظهر.
(2) خص لزوم التعفير في المتنجِّس بالولوغ بما إذا غسل بالماء القليل ، وهذا من أحد موارد المناقضة في كلام الماتن قدس سره فإنّه سوف يصرح في المسألة الثالثة عشرة بأن اعتبار التعفير في الغسل بالكثير لا يخلو عن قوّة ، ويأتي هناك ما هو الصحيح في المسألة.
(3) لا ينبغي الإشكال في أن الغسل والصب لدى العرف مفهومان متغايران
1) () الظاهر اعتبار التعدّد في الثوب المتنجِّس بالبول حتى فيما إذا غسل بالماء الكثير. نعم ، لا يعتبر ذلك في الجاري.
2) () سيجيء منه قدس سره اعتبار التعفير عند الغسل بالماء الكثير أيضاً ، وهو الصحيح.
3) () إذا توقّف صدق الغسل على العصر أو ما بحكمه كالدلك فلا بدّ من اعتباره ولو كان الغسل بالماء الكثير ، وإلاّ فلا وجه لاعتباره في الماء القليل أيضاً.
4) في ص 54.
5) ورد ذلك في مرسلة الكاهلي المروية في الوسائل 1 : 146 / أبواب الماء المطلق ب 6 ح 5.
وكذلك الحال في الأخبار حيث جعل الغسل في جملة منها مقابلاً للصب ، فقد ورد في بعضها « إن أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله وإن مسّه جافاً فاصبب عليه الماء ... » (1)وفي آخر حينما سئل عن بول الصبي « تصب عليه الماء ، فان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلاً ... » (2)وفي ثالث « عن البول يصيب الجسد؟ قال : صب عليه الماء مرّتين ، فإنما هو ماء ، وسألته عن الثوب يصيبه البول؟ قال : اغسله مرّتين ... » (3).
وعلى الجملة لا تردد في أن الصب غير الغسل ، وإنما الكلام في أن الغسل الذي به ترتفع نجاسة المتنجِّسات لما ذكرناه من أن الأمر في الروايات الآمرة بغسل الأشياء المتنجسة إرشاد إلى أمرين : أحدهما : نجاسة الثوب مثلاً بملاقاة النجس. وثانيهما : أن نجاسته ترتفع بغسله هل يعتبر في مفهومه العصر فلا يتحقق إلاّ بإخراج الغسالة بالعصر أو ما يشبهه كالتغميز والتثقيل ونحوهما ، أو يكفي في تحقق الغسل مجرد إدخال المتنجِّس في الماء أو صبّ الماء عليه حتى يرتوي؟ وإلاّ فلم يرد في شيء من الروايات اعتبار العصر في الغسل فنقول :
إن مقتضى إطلاق ما دلّ على تقذّر المتقذّرات بالمنع عن استعمالها في الصلاة أو الشرب أو غيرهما مما يشترط فيه الطهارة أو بغير ذلك من أنحاء البيان ، بقاؤها على قذارتها إلاّ أن يرد عليها مطهّر شرعي بحيث لولاه لبقيت على نجاستها إلى الأبد ، كما هو المستفاد من قوله علیه السلام في موثقة عمار « فاذا علمت فقد قذر » (4)وعلى ذلك إذا علمنا بحصول الطهارة بشيء من الأسباب الموجبة للطهارة فلا مناص من الأخذ به وتقييد الإطلاق المتقدم بذلك. وأما إذا شككنا في أن الشيء الفلاني سبب
1) كما في صحيحة الفضل أبي العباس المروية في الوسائل 3 : 414 / أبواب النجاسات ب 12 ح 1 ، 1 : 225 / أبواب الأسآر ب 1 ح 1.
2) وهي مصححة الحلبي المروية في الوسائل 3 : 397 / أبواب النجاسات ب 3 ح 2.
3) وهي حسنة الحسين بن أبي العلاء المروية في الوسائل 3 : 395 / أبواب النجاسات ب 1 ح 4.
4) الوسائل 3 : 467 / أبواب النجاسات ب 37 ح 4 ، وتقدّمت في ص 8.
للطهارة أو لا تحصل به الطهارة فلا بد من الرجوع إلى الإطلاق المتقدم ذكره ومقتضاه الحكم ببقاء النجاسة وآثارها.
إذا عرفت ذلك فنقول : الصحيح اعتبار العصر في الغسل ، وذلك لأنه مفهوم عرفي لم يرد تحديده في الشرع فلا مناص فيه من الرجوع إلى العرف وهم يرون اعتباره في مفهومه بلا ريب ، ومن هنا لو أمر السيد عبده بغسل شيء ولو من القذارة المتوهمة كما إذا لاقى ثوبه ثوب رجل غير نظيف ، لا يكتفي العبد في امتثاله بإدخال الثوب في الماء فحسب ، بل ترى أنه يعصره ويخرج غسالته. على أنّا لو تنزلنا عن ذلك فلا أقل من أنّا نشك في أن العصر معتبر في مفهوم الغسل الذي به ترتفع نجاسة المتنجِّس أو لا اعتبار به ، وقد عرفت أن المحكّم حينئذ هو الإطلاق وهو يقتضي الحكم ببقاء القذارة إلى أن يقطع بارتفاعها كما إذا عصر.
وتؤيد ما ذكرناه حسنة الحسين بن أبي العلاء « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الصبي يبول على الثوب؟ قال : تصب عليه الماء قليلاً ثم تعصره » (1)والوجه في جعلها مؤيدة أن الجملة المذكورة في الحديث مسبوقة بجملتين حيث سئل علیه السلام عن البول يصيب الجسد؟ قال : صبّ عليه الماء مرّتين ، وعن الثوب يصيبه البول؟ قال : اغسله مرّتين (2)وهاتان الجملتان قرينتان على أن المراد ببول الصبي في الرواية هو الصبي غير المتغذي ولا يجب فيه الغسل كي يعتبر فيه العصر ، فالأمر به محمول على الاستحباب لا محالة.
وفي الفقه الرضوي « وإن أصاب بول في ثوبك فاغسله من ماء جار مرّة ، ومن ماء راكد مرّتين ثم أعصره » (3)وعن دعائم الإسلام عن علي علیه السلام قال في المني يصيب الثوب : « يغسل مكانه فان لم يعرف مكانه وعلم يقيناً أنه أصاب الثوب غسله كلّه ثلاث مرات يفرك في كل مرّة ويغسل ويعصر » (4)إلاّ أنهما لضعفهما مما لا يمكن
الاستدلال به ، حيث لم يثبت أن الاولى رواية فضلاً عن اعتبارها ، والثانية مرسلة. على أنهما تشتملان على ما لا نقول به ، لأن ظاهرهما اعتبار العصر بعد الغسل ولم نعثر على قائل بذلك ، حيث إن من يرى اعتباره فإنّما يعتبره في نفس الغسل أو الغسلتين لا بعدهما ، وكذلك الكلام في اعتبار الغسل ثلاث مرات في المني واعتبار الفرك في كل غسلة لأنهما مما لا نلتزم به ، هذا كله في الغسل بالماء القليل.
وأمّا الغسل بالمطر ، فقد يقال بعدم اعتبار العصر فيه لمرسلة الكاهلي عن أبي عبد اللّه علیه السلام « كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر » (1)لدلالتها على كفاية رؤية المطر في التطهير فلا حاجة معها إلى العصر ، إلاّ أنها لإرسالها غير قابلة للاعتماد عليها ، بل الصحيح أن للغسل مفهوماً واحداً لا يختلف باختلاف ما يغسل به من أقسام المياه.
وأمّا الجاري ، فقد ألحقه بعضهم بالمطر في عدم اعتبار العصر فيه ، ولعلّه من جهة ما بينهما من الشباهة في الجريان حيث إن المطر يجري من السماء فيشبه الماء الجاري على وجه الأرض. وفيه : أنّ ذلك لو تم فإنّما يقتضي أن يكون المطر كالجاري لما مرّ وأما عكسه وهو كون الجاري كالمطر فلا ، إذ أنه لم يثبت بدليل فلا تترتب عليه أحكام المطر التي منها عدم اعتبار العصر في الغسل به ، على أن ذلك في المطر أيضاً محل منع فما ظنك بما الحق به.
وأما الماء الكثير ، فعن أكثر المتأخرين عدم اعتبار العصر في الغسل به ، ولعل المستند في ذلك هو ما أرسله العلاّمة قدس سره (2)عن أبي جعفر محمد بن علي علیه السلام من أن هذا مشيراً به إلى ماء في طريقه فيه العذرة والجيف لا يصيب شيئاً إلاّ طهّره ... (3)ولكن الرواية مرسلة لا يثبت بها شيء من الأحكام الشرعية.
1) الوسائل 1 : 146 / أبواب الماء المطلق ب 6 ح 5.
2) هذا وبالمراجعة إلى المختلف [ 1 : 15 ] ظهر أن مرسلها هو ابن أبي عقيل ومن ثمة نسبها إليه النوري في مستدركة حيث قال : العلاّمة في المختلف عن ابن أبي عقيل قال : ذكر بعض علماء الشيعة .... ، وإن كانت الرواية معروفة بمرسلة العلاّمة قدس سره وعليه فلا وقع لما قيل من أن مراده ببعض علماء الشيعة هو ابن أبي عقيل.
3) المستدرك 1 : 198 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 8.
والورود أي ورود الماء على المتنجِّس دون العكس على الأحوط (1)(1).
على أنها لم توجد في جوامع الأخبار ، فالصحيح أن مفهوم الغسل أمر مطرد في جميع أقسام المياه فلا يفرق في اعتبار العصر فيه بين القليل وغيره من المياه المعتصمة.
(1) اختلفت كلماتهم في الحكاية عما سلكه المشهور في المسألة ، فقد ينسب إليهم القول بالاشتراط وقد ينسب إليهم القول بعدمه. وعن بعضهم أن الأكثر لم يتعرضوا لهذا الاشتراط ، فلو كان معتبراً لكان موجوداً في كلماتهم.
وكيف كان المتبع هو الدليل وقد استدلّوا على اعتبار ورود الماء على المتنجِّس في التطهير بالماء القليل بوجوه :
منها : التمسّك بالاستصحاب ، لأنه يقتضي بقاء المتنجِّس على نجاسته حتى يقطع بزوالها.
ومنها : أن الغالب في إزالة القذارات العرفية ورود الماء على القذر ، وحيث إن الشارع في إزالة القذارات الشرعية لم يتخط عن الطريقة المألوفة لدى العرف فلا مناص من حمل الأخبار الواردة في الغسل على الطريقة العرفية ، وغلبة الورود فيها مانعة عن شمول إطلاقات مطهّرية الغسل لما إذا كانت النجاسة واردة على الماء ، فندرة العكس توجب انصراف المطلق إلى الفرد الغالب.
ومنها : الروايات الآمرة بصب الماء على الجسد عند تطهيره (2)حيث إن مقتضى الجمود على ظواهرها يقتضي الحكم باشتراط الورود ، لأن الظاهر من الصب إنما هو إرادة ورود الماء على الجسد.
ومنها : غير ذلك من الوجوه.
ولا يمكن المساعدة على شيء من ذلك أما الوجه الأوّل ، فلأن الأصل محكوم بإطلاق ما دلّ على مطهرية الغسل ، وإلاّ فيرجع إلى إطلاق ما دلّ على تقذر المتقذر وعدم جواز شربه أو غيره مما يشترط فيه الطهارة ، وعلى كلا التقديرين لا يبقى مجال
للتمسك بالاستصحاب. مع أن الشبهة حكمية.
وأمّا الثاني من الوجوه فلأن مقتضى إطلاق ما دلّ على مطهرية الغسل بالماء عدم الفرق بين ورود الماء على المتنجِّس وعكسه. ودعوى أن الدليل منصرف إلى صورة الورود تندفع بأن الغلبة لا تقتضي الانصراف. على أن الأغلبية غير مسلمة ، لأن الغسل بإيراد المتنجِّس المتقذر على الماء كما في إدخال اليد المتقذرة على الماء القليل أيضاً متعارف كثير ، وغاية الأمر أن الغسل بإيراد الماء عليه أكثر وهذا لا يوجب الانصراف بوجه.
وأمّا الوجه الثالث وهو العمدة من الوجوه المستدل بها في المقام ، فلأنه يرد عليه أن الأمر بالصب في الأخبار لم يظهر كونه بعناية اعتبار ورود الماء على النجس ، بل الظاهر أن الصب في قبال الغسل ، وإنما أمر به تسهيلاً للمكلفين فلم يوجب عليهم الغسل كما أوجبه عند تنجس ثيابهم فكأن الصب غسل ومحقق لمفهومه في الجسد ولا سيما أن مواضع الجسد مما يصعب إيراده على الماء القليل كما إذا تنجس بطن الإنسان مثلاً. ويدلُّ على ما ذكرناه حسنة الحسين بن أبي العلاء المتقدِّمة (1)حيث أمر فيها الإمام علیه السلام بصب الماء على الجسد مرّتين فيما إذا أصابه البول معللاً بقوله : « فإنما هو ماء » ودلالتها على أن إيجاب الصب دون الغسل بعناية التسهيل مما لا يقبل المناقشة ، فإن الجسد غير الثوب ونحوه مما يرسب فيه البول ، وبما أنه أيضاً ماء فيزول عنه بالصب من غير حاجة إلى الغسل.
هذا وقد يبدو من بعضهم أن بعض المطلقات كالصريح في عدم اعتبار الورود ، وهذا كما في صحيحة محمد بن مسلم قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الثوب يصيبه البول؟ قال : اغسله في المِركَن مرّتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة » (2)لأن الغسل في المِركَن بقرينة التقابل كالغسل في الجاري لا محالة ، فكما أن الغسل فيه إنما هو بإيراد النجس على الماء لوضوح أنه لو انعكس بأخذ الماء وصبه على
النجس لخرج عن الغسل بالماء الجاري فكذلك الغسل في المِركَن لا بدّ أن يراد به إيراد النجس على الماء ، فإذن الصحيحة كالصريح في عدم اعتبار الورود.
ولكن الصحيح عدم الفرق بين هذه الرواية وغيرها من المطلقات فإنّها ليست بصريحة في الدلالة على المدعى ، فان دعوى الصراحة إنما تتم فيما إذا كانت الرواية هكذا : اغسله في الماء القليل مرّتين ، بأن يبدل المركن بالماء القليل ويكون ظرف الغسل هو الماء فتتم دعوى الصراحة حينئذ بالتقريب المتقدم ، إلاّ أن الأمر ليس كذلك ، وظرف الغسل في الصحيحة هو المركن والغسل في المركن على نحوين : فإنّه قد يتحقّق بإيراد النجس على الماء وقد يتحقق بطرح المتنجِّس في المركن أولاً ثم صبّ الماء عليه ، فدلالة الصحيحة على كفاية مورودية الماء القليل بالإطلاق دون الصراحة.
والصحيح أن يفصّل في المسألة بين الغسلة المطهّرة والغسلة غير المطهرة ، بيان ذلك : أن القاعدة المرتكزة في أذهان المتشرعة التي دلت عليها جملة كثيرة من الأخبار أعني انفعال الماء القليل بملاقاة النجس ، تقتضي الحكم بنجاسة الماء عند إيراد المتنجِّس عليه لأنه قليل ، ومع الحكم بنجاسته لا يتيسر التطهير به. وأما إذا عكسنا الأمر وأوردنا الماء على النجس فمقتضى القاعدة المتقدِّمة وإن كان هو الحكم بنجاسة الماء كسابقه إلاّ أن الإجماع والضرورة يقضيان بتخصيصها ، إما بالالتزام بعدم نجاسة الغسالة مطلقاً كما هو المختار في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل ، وإما بالالتزام بعدم نجاستها ما دامت في المحل ويحكم بنجاستها بالانفصال ، وإما بالالتزام بطهارتها بعد خروج المقدار المتعارف منها عن الثوب ، فإنّه لولا ذلك لم يمكن التطهير بالماء القليل أصلاً وهو خلاف الضرورة والإجماع القطعي بين المسلمين. ومن هنا فصّل السيد المرتضى قدس سره في انفعال الماء القليل بين الوارد والمورود (1)نظراً إلى أن الحكم بانفعال الماء عند وروده على النجس يؤدي إلى سد باب التطهير بالقليل وينحصر بإيراده على الكر أو إيراده عليه وهو أمر عسر. فإذن لا مناص من اشتراط الورود في التطهير بالماء القليل ، هذا كله في الغسلة المتعقبة بالطهارة.
1) الناصريات : 179 السطر 12.
[308] مسألة 1 : المدار في التطهير زوال عين النجاسة دون أوصافها ، فلو بقيت الريح أو اللون مع العلم بزوال العين كفى ، إلاّ أن يستكشف من بقائهما بقاء الأجزاء الصغار ، أو يشك في بقائها فلا يحكم حينئذ بالطهارة (1).
[309] مسألة 2 : إنما يشترط في التطهير طهارة الماء قبل الاستعمال فلا يضر تنجّسه بالوصول إلى المحل النّجس (2). وأمّا الإطلاق فاعتباره إنما هو قبل الاستعمال وحينه ، فلو صار بعد الوصول إلى المحل مضافاً لم يكف كما في الثوب المصبوغ ، فإنّه يشترط في طهارته بالماء القليل بقاؤه على الإطلاق حتى حال العصر ، فما دام يخرج منه الماء الملوّن لا يطهر إلاّ إذا كان اللون قليلاً لم يصل إلى حدّ الإضافة (3).
وأمّا غيرها فمقتضى إطلاق ما دلّ على حصول الطهارة بالغسل عدم الفرق في ذلك بين ورود الماء على النجس وعكسه ، لأنه دلّ بإطلاقه على أن الغسلة غير المطهّرة معدّة لعروض الطهارة على المحل عند الغسلة المطهرة ، سواء أكان ذلك بإيراد الماء على النجس أم بإيراد المتنجِّس عليه ولا يلزمه تخصيص القاعدة المتقدِّمة ، فإن الماء يوجب استعداد المحل وقابليته للحكم بطهارته ولو مع الحكم بنجاسة الماء بالاستعمال.
(1) أسلفنا تفصيل الكلام في ذلك عند التكلّم على شرائط التطهير بالماء (1)فليراجع.
(2) لأنّ نجاسة الماء بالاستعمال لو كانت مانعة عن التطهير به لانسد باب التطهير بالماء القليل رأساً ، هذا كله في غير الغسلة المطهرة. وأما الغسلة المتعقبة بطهارة المحل فقد عرفت أن الالتزام فيها بطهارة الغسالة مما لا مناص عنه ، وهو مستلزم لتخصيص أدلّة انفعال الماء القليل بالملاقاة ، فإذا لم يكن الماء محكوماً بالنجاسة قبل استعماله لم يحكم بنجاسته بالاستعمال.
(3) لأن المطهّر إنما هو الغسل بالماء فاذا خرج الماء عن كونه ماء بالإضافة ولو بالاستعمال لم يتحقق الغسل بالماء.
1) في ص 4.
وأمّا إذا غسل في الكثير فيكفي فيه نفوذ الماء (1)في جميع أجزائه بوصف الإطلاق ، وإن صار بالعصر مضافاً (1) ، بل الماء المعصور المضاف أيضاً محكوم بالطهارة (2) وأمّا إذا كان بحيث يوجب إضافة الماء بمجرد وصوله إليه ولا ينفذ فيه إلاّ مضافاً فلا يطهر ما دام كذلك ، والظاهر أن اشتراط عدم التغيّر أيضاً كذلك (2)(3).
(1) هذا إنّما يتم بناء على ما سلكه الماتن قدس سره من التفرقة في اشتراط العصر بين الغسل بالماء القليل والكثير. وأما بناء على ما ذكرناه من أن الغسل قد اعتبر في مفهومه العصر بلا فرق في ذلك بين أقسام المياه ، فلا مناص من اشتراط بقاء الماء على إطلاقه وعدم صيرورته مضافاً ولو بالعصر ، لأنه لولاه لم يتحقق الغسل بالماء ولا يفرق الحال في ذلك بين القليل والكثير.
(2) لأنه قد انقلب مضافاً عن الماء الطاهر ولم يلاق شيئاً يقتضي نجاسته ، إذ المتنجِّس المغسول بالكثير قد طهر بغسله بناء على عدم اعتبار العصر في مفهومه فلا موجب لنجاسة الماء المعصور المضاف لوضوح أن الانقلاب ليس من أحد المنجسات. نعم ، بناء على ما سلكناه لا بدّ من الحكم بنجاسة الماء المعصور حينئذ لملاقاته المتنجِّس قبل تحقق غسله ، لاعتبار العصر في تحقّقه كما مرّ فلاحظ.
(3) بمعنى أن التغيّر بالاستعمال كالإضافة الحاصلة بسببه مانع عن حصول الطهارة بالغسل وكذا التغيّر بالعصر إذا غسل المتنجِّس بالماء القليل. وأما إذا غسل بالكثير فلا يضره تغيّر الماء بعصره ، وذلك لتمامية الغسل في الكثير بمجرد نفوذ الماء في أجزائه من دون حاجة إلى العصر ، هذا ما أراده الماتن قدس سره في المقام ولكنه من الندرة بمكان ، على أن المراد بالتغيّر هو التغيّر المستند إلى عين النجس ، وهي إذا كانت مقتضية لذلك لأوجبت التغيّر من حين ملاقاتهما ، لا أن الماء يتغيّر لأجلها لدى العصر ، بل لو تغيّر بسببه فهو تغيّر مستند إلى المتنجِّس ولا ينفعل الماء بذلك بوجه.
فلو تغيّر بالاستعمال لم يكف ما دام كذلك (1) ولا يحسب غسلة من الغسلات فيما يعتبر فيه التعدّد.
ثم إنّ هذه المسألة أيضاً مبتنية على الكلام المتقدم في العصر وأنه معتبر في الغسل بالماء القليل دون الكثير ، وقد عرفت أن الصحيح عدم الفرق في اعتباره بينهما ، وعليه فلو حدث التغيّر بالعصر لم يحكم بطهارة المتنجِّس ولو في الماء الكثير لتغيّر الماء قبل تمامية غسله ، والماء المتغيّر مما يغسل منه وليس مما يغسل به ، هذا كله في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل. وأما غيرها فلا يضره تغيّر الماء بوجه لأن مقتضى إطلاق ما دلّ على لزوم الغسل عدم الفرق بين تغيّر الماء وعدمه ، حيث إنه غير مطهر للمحل حتى يقال : الماء المتغيّر لا يكفي في تطهير المحل ، فإن الغسلة غير المطهّرة معدة لأن يكون المحل قابلاً للحكم بطهارته عند الغسلة المطهرة.
(1) أي ما دام الماء يتغيّر بغسل المتنجِّس فيه مرّة أو مرّتين أو أكثر ، فكل مرّة يتغيّر الماء بغسل المتنجِّس فيه لا تحسب من الغسلات ولا يمكن أن يحصل بها الطهر ، هذا.
ثم إن في المقام مسألة أُخرى ربما يفسر قول الماتن : « ما دام كذلك » بتلك المسألة ، وهي أن الماء إذا تغيّر بغسل المتنجِّس فيه ثم زال عنه تغيّره بنفسه أو بالعلاج بحيث لم يكن متغيّراً بقاء وإن كان كذلك بحسب الحدوث فهل يكفي الغسل به في تطهير المتنجِّس؟ قد يقال بكفايته تمسكاً بإطلاق ما دلّ على مطهرية الغسل. ويندفع بأن ما استدللنا به على عدم مطهرية الماء المتغيِّر بحسب الحدوث والبقاء يأتي بعينه في الماء المتغيّر بحسب الحدوث وإن لم يكن متغيِّراً بقاء. وحاصل ما ذكرناه في وجهه : أن قاعدة انفعال الماء القليل بملاقاة النجس وإن رفعنا عنها اليد في الغسلة المتعقبة بالطهارة ، حيث إن التحفظ بعمومها يقتضي سد باب التطهير بالماء القليل إلاّ أن رفع اليد عما دلّ على نجاسة الماء المتغيّر مما لا موجب له ، إذ لا إجماع ولا ضرورة تقتضيه بل مقتضى إطلاقه بقاء الماء على نجاسته ، لأنه كان متغيِّراً بالنجاسة ولم يطرأ عليه مطهر شرعي بعد ما زال عنه تغيّره ، ومن الظاهر أن مجرد زوال التغيّر لا يقتضي الحكم بطهارته ، هذا كله في أصل المسألة.
[310] مسألة 3 : يجوز استعمال غسالة الاستنجاء في التطهير على الأقوى وكذا غسالة سائر النجاسات على القول بطهارتها (1)(1) ، وأمّا على المختار من وجوب الاجتناب عنها احتياطاً فلا.
وأمّا تفسير عبارة الماتن بذلك وحمل قوله : « ما دام كذلك » على معنى ما دام متغيّراً بحيث لو ذهب عنه التغيّر لكان موجباً للطهارة ، فقد عرفت أن زوال التغيّر لا يقتضي الحكم بذلك ما لم يطرأ عليه مطهّر شرعي. على أن الظاهر عدم إرادة الماتن ذلك وإنما مراده بقوله : « ما دام ... » هو ما دام الماء متغيّراً بغسل المتنجِّس فيه ، فكل مرّة يتغيّر الماء بذلك لا يكفي في الحكم بطهارة المغسول به ولا أنها تعدّ من الغسلات المعتبرة في التطهير ، ويشهد لذلك قوله : « ولا يحسب غسلة من الغسلات فيما يعتبر فيه التعدّد » ومعه لا مسوغ لتفسيره بما عرفت.
(1) لطهارتها مع الشروط المتقدِّمة في محلها وكذلك الحال في بقية الغسالات على القول بطهارتها كما هو الصحيح في الغسلة المتعقبة بالطهارة. والوجه في جواز استعمالها في إزالة الخبث ثانياً وثالثاً وهكذا إنما هو إطلاق الروايات الآمرة بالغسل كقوله علیه السلام « اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » (2)وقوله علیه السلام « صب عليه الماء مرّتين » (3)وقوله « اغسله في المِركَن مرّتين » (4)وغيرها فإنّه لا فرق في صدق الغسل بالماء بين الغسل بالغسالة وغيرها. نعم ، في ارتفاع الحدث بالماء المستعمل في إزالة الخبث كلام قدّمنا تفصيله في محلِّه (5)وقلنا إن القول بعدم جواز استعماله في رفع الحدث هو الصحيح إن تمت الإجماعات المنقولة في المسألة ولم نناقش في رواية عبد اللّه بن سنان « الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة
1) (*) وهو الصحيح في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل.
2) كما في حسنة عبد اللّه بن سنان المروية في الوسائل 3 : 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2.
3) كما في صحيحة البزنطي المروية في الوسائل 3 : 396 / أبواب النجاسات ب 1 ح 7.
4) كما في صحيحة محمد بن مسلم المروية في الوسائل 3 : 397 / أبواب النجاسات ب 2 ح 1.
5) في الماء المستعمل قبل المسألة [134].
لا يجوز أن يتوضّأ منه وأشباهه » (1)بحسب السند والدلالة ، وإلاّ فهو مبني على الاحتياط.
وأمّا إزالة الخبث به ثانياً وثالثاً وهكذا فقد عرفت أنها هو الصحيح للإطلاق المتقدِّم تقريبه. وقد يقال بعدم الكفاية لموثقة عمار الآمرة بصب الماء في الإناء وتحريكه ثم تفريغه من الماء ، ثم صب ماء آخر فيه مع التحريك والإفراغ وهكذا إلى ثلاث مرّات (2)بتقريب أن الغسالة لو جاز أن يغسل بها المتنجِّس ثانياً وثالثاً لم يكن وجه للأمر بإفراغ الإناء من الماء المصبوب فيه أولاً ثم صب ماء آخر فيه ، بل كان تحريك ذلك الماء فيه بعينه مرّة ثانية وثالثة كافياً في تطهير الإناء من دون حاجة إلى تفريغه منه أبداً ، فالأمر بتفريغه من الماء المصبوب فيه أوّلاً كاشف قطعي عن عدم كفاية الغسالة في إزالة الخبث بها ثانياً وثالثاً.
هذا ما ربما يتوهم في المقام ولكنه من الفساد بمكان لا ينبغي التعرض له ، وذلك لأن الموثقة أجنبية عما نحن بصدده ، حيث إنها من أدلة نجاسة الغسالة وكلامنا إنما هو في الغسالة الطاهرة ، وقد بيّنا في مورده أن غير الغسالة المتعقبة بطهارة المحل محكوم بالنجاسة ، وعليه فالوجه في أمره علیه السلام بإفراغ الإناء من الماء المصبوب فيه أوّلاً وثانياً إنما هو نجاسة الغسالة في المرّتين لعدم كونها فيهما متعقبة بالطهارة ، ومن الظاهر أن الماء المتنجِّس لا يكفي في تطهير مثله من الأشياء المتنجسة. وأما أمره علیه السلام بالافراغ في الغسلة الثالثة فهو أيضاً مستند إلى نجاسة الماء ، بناء على أنّ الغسالة مطلقاً نجسة ولو ما دامت في المحل ، وأمّا بناء على ما هو الصحيح من طهارة الغسالة حينئذ فالوجه في أمره علیه السلام أن الغسلة الثالثة لا يتحقق من غير إفراغ الإناء ، حيث إن مجرد صبّ الماء فيه لا يكفي في صدق الغسل عليه ما دام لم يفرغ من الماء. فليس الوجه في أمره علیه السلام بالصب في الغسلة الثالثة أن الغسالة الطاهرة لا تزال بها الخبث ثانياً وثالثاً.
[311] مسألة 4 : يجب في تطهير الثوب أو البدن بالماء القليل من بول غير الرضيع ، الغسل مرّتين (1).
(1) أسنده في الحدائق (1)ومحكي المدارك (2)وغيرهما إلى الشهرة مطلقاً. وقيّدها في الجواهر ب- « بين المتأخرين » (3)وعن المعتبر أنه مذهب علمائنا (4). وعن الشهيد في البيان عدم وجوب التعدّد إلاّ في إناء الولوغ (5)وعنه قدس سره في ذكراه اختيار التعدّد (6)ناسباً إلى الشيخ في مبسوطه عدم وجوب التعدّد في غير الولوغ (7). وقد استظهر القول بذلك عن العلاّمة في جملة من كتبه (8)ولكنه في المنتهي ذهب إلى التفصيل بين صورتي جفاف البول وعدمه بالاكتفاء بالمرة في الصورة الأُولى دون الثانية (9). وعن صاحبي المدارك (10)والمعالم (11)الاكتفاء بالمرة في البدن دون الثوب هذه هي المهم من أقوال المسألة وقد يوجد فيها غير ذلك من الوجوه.
أمّا ما ذهب إليه الشهيد في البيان والعلاّمة في جملة من كتبه من كفاية الغسل مرّة واحدة في غير الولوغ فلم يقم عليه دليل فيما نحن فيه سوى الأخبار الآمرة بغسل ما أصابه البول (12)من غير تقييده بمرّتين. وفيه : أن هذه الأخبار غير واردة في مقام
1) الحدائق 5 : 356.
2) المدارك 2 : 336.
3) الجواهر 6 : 185.
4) المعتبر 1 : 435.
5) البيان : 93.
6) الذكرى : 15 السطر 4.
7) المبسوط 1 : 37.
8) كالقواعد 1 : 193.
9) المنتهي 3 : 264.
10) المدارك 2 : 337.
11) المعالم ( فقه ) : 321.
12) كما في صحيحة وحسنة ابن سنان وموثقة سماعة المروية في الوسائل 3 : 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2 ، 3 ، 1.
البيان من تلك الناحية أعني كفاية الغسل مرّة واحدة وعدمها ، بل إنما وردت لبيان أصل الوجوب. على أنها على تقدير كونها مطلقة لا بدّ من تقييدها بمرتين على ما دلّ عليه غير واحد من الأخبار.
ولعلّ نظرهم من الاكتفاء بالمرة الواحدة إلى صورة زوال العين وجفافها كما حكي ذلك عن العلاّمة قدس سره في المنتهي حيث فصّل بين صورتي جفاف البول وعدمه واكتفى بالمرة الواحدة في الأُولى دون الثانية ، ولعله من جهة أن الغسلة الأُولى للإزالة والثانية للتطهير ولو بدعوى استفادة ذلك من المناسبات المركوزة بين الحكم وموضوعه فمع زوال العين بنفسها لا حاجة إلى تعدد الغسلتين.
وهذا الاحتمال وإن كان أمراً معقولاً في نفسه إلاّ أن الظاهر من الأخبار الآمرة بالغسل مرّتين أن للغسلتين دخالة في التطهير لا أن إحداهما من باب الإزالة كما ادعي. بل لو سلمنا أن الغسلة الأُولى للإزالة فلا مناص من اعتبار كون الإزالة بالماء فلا يكون الإزالة على إطلاقها موجبة للطهارة وإن كانت مستندة إلى أمر آخر غير الماء ، كما إذا جف البول أو مسح بخرقة ونحوها فان ظهور الأخبار في مدخلية الماء في الطهارة أمر غير قابل للإنكار ، ومن الجائز أن تكون الغسلة الأُولى موجبة لحصول مرتبة ضعيفة من الطهارة لتشتد بالثانية ولا يكون الأمر بها لمجرد الإزالة حتى يكتفى بمطلقها ، هذا كله على أن حمل الروايات الآمرة بالتعدد على صورة وجود العين حمل لها على مورد نادر ، لأن الغالب في غسل الثوب والجسد إنما هو غسلهما بعد الجفاف ولا أقل من أن ذلك أمر غير غالبي ، هذا.
ويمكن الاستدلال لهذه الدعوى بما رواه الشهيد قدس سره في الذكرى عن الصادق علیه السلام « في الثوب يصيبه البول ، اغسله مرّتين : الأُولى للإزالة والثانية للإنقاء » (1)فان الغرض من الغسلة الأُولى إذا كان هو الإزالة فالمطهّر هو الغسلة الثانية حقيقة فيصدق أن الغسلة الواحدة كافية في تطهير نجاسة البول ، والإزالة قد تتحقق بالجفاف وقد تتحقّق بغيره كما مرّ ، هذا.
1) الذكرى : 15 السطر 4.
وقد سبقه إلى ذلك المحقق قدس سره في المعتبر (1)حيث نقل رواية الحسين بن أبي العلاء المتقدِّمة (2)بزيادة « الأُولى للإزالة والثانية للإنقاء » وهي كما ترى صريحة الدلالة على مسلك الشهيد قدس سره إلاّ أن الكلام في ثبوت تلك الزيادة ، لأنها على ما اعترف به جملة من الأكابر لم يرد في شيء من كتب الحديث ، فهذا صاحب المعالم قدس سره ذكر في محكي كلامه « ولم أرَ لهذه الزيادة أثراً في كتب الحديث الموجودة الآن بعد التصفّح بقدر الوسع » (3)ونظيره ما ذكره صاحب الحدائق والفاضل السبزواري في ذخيرته (4)فليراجع. والظاهر اشتباه الأمر على الشهيد حيث حسب الزيادة من الرواية مع أنها من كلام المحقِّق قدس سره ذكرها تفسيراً للرواية. على أنّا لو سلمنا أن المحقِّق نقل الزيادة تتمّة للرواية أيضاً لم يمكننا المساعدة عليها ، لما عرفت من أنها ممّا لا عين له ولا أثر في كتب الحديث فالأمر مشتبه على المحقِّق قدس سره . ولو تنزّلنا عن ذلك وسلمنا عدم اشتباه الأمر عليه وهي رواية حقيقة فالواسطة التي وصلت منها الرواية إلى المحقق قدس سره مجهولة عندنا ولم يظهر أنها من هو فلا يمكن الاعتماد عليها بوجه.
وأمّا ما ذهب إليه صاحبا المعالم والمدارك من التفصيل بين الثوب والبدن والاكتفاء بالمرّة في البدن دون الثوب ، فهو مستند إلى استضعاف الأخبار الواردة في التعدّد في البدن. ويرد عليه ما أورده صاحب الحدائق قدس سره وحاصله : أن ما دلّ على التعدّد في الجسد عدة روايات :
منها : صحيحة أو حسنة أبي إسحاق النحوي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن البول يصيب الجسد؟ قال : صب عليه الماء مرّتين » (5)ومنها : حسنة الحسين بن أبي العلاء قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن البول يصيب
الجسد؟ قال : صب عليه الماء مرّتين فإنّما هو ماء ... » (1)ومنها : صحيحة البزنطي المروية في آخر السرائر (2)وهي بعين الألفاظ المنقولة من الحسنة ومضمونها. وهذه الأخبار كما ترى بين صحيحة وحسنة فلا مجال فيها للمناقشة سنداً. فإلى هنا ظهر أن الصحيح هو ما ذهب إليه الماتن وفاقاً للمشهور من وجوب التعدّد في البول.
بقي الكلام في جهات : الاولى : هل الحكم بالتعدّد يخص الثوب والبدن فيكتفى بالغسلة الواحدة في غيرهما أو أنه يعم جميع الأشياء المتنجسة بالبول؟
الأخبار الآمرة بالتعدد إنما وردت في الثوب والبدن ولا يمكننا التعدي إلى غيرهما من الأشياء الملاقية له إلاّ بدعوى دلالة الأخبار على العموم بإلغاء خصوصيتي الثوب والجسد ، وهذا مما لا سبيل إليه ، لأنّا وإن قلنا إن الأمر بغسل ما لاقاه بول أو دم أو غيرهما من الأعيان المذكورة في الروايات إرشاد إلى نجاسة الملاقي ، وتعدينا عن مواردها إلى جميع ما يلاقي الأعيان النجسة حسبما يقتضيه الفهم العرفي من مثله ، إذ الانفعال عندهم ليس من الأُمور المختصة بملاقاة الأعيان المذكورة في الأخبار ، بل المستفاد منه أن ملاقاة مطلق العين النجسة سبب في تأثر الملاقي ، إلاّ أنه في خصوص المقام ليس لنا جزم بعدم خصوصيتي الثوب والبدن في وجوب التعدّد في الغسل ، لأنه من المحتمل القوي أن الشارع أراد فيهما المحافظة على المرتبة الشديدة من الطهارة ومع هذا الاحتمال ليس لنا أن نتعدى إلى غيرهما.
وعلى الجملة إنما يمكننا التعدي إلى غير الثوب والجسد فيما إذا علمنا بعدم دخل خصوصيتهما في الحكم المترتب عليهما وجزمنا بوحدة المناط في الأشياء الملاقية مع البول بأسرها ، وأما مع عدم القطع بذلك فلا ، لأنّا نحتمل دخل خصوصيتى الثوب والبدن في حكمهما ، لوضوح أن الأحكام الشرعية تختلف باختلاف موضوعاتها مع أنها مما قد تجمعه طبيعة واحدة. فنرى أن الشارع حكم بوجوب الغسل ثلاث مرات في الإناء ولم نر من الأصحاب من تعدّى عنه إلى غيره مما صنع من مادته من صفر أو خزف أو غيرهما ، مع العلم بأن الجميع صفر أو غيره من المواد إلاّ أنه إذا اصطنع بهيئة
الإناء يعتبر في تطهيره الغسل ثلاث مرّات وإذا كان على هيئة أُخرى كفى في تطهيره الغسل مرّة واحدة مثلاً. وكذا نرى أن الشارع حكم بطهارة مخرج الغائط بالتمسح بالأحجار أو بغيرها من الأجسام القالعة للقذارة ، ولا يحكم بطهارة هذا الموضع بعينه إذا تنجس بغير الغائط من النجاسات بمجرد إزالتها ، كما إذا تنجس بدم قد خرج من بطنه أو أصابه من الخارج ، بل يجب غسله بالماء.
ولأجل هذا وذاك لا يحصل القطع لنا بعدم الفرق بين الثوب والجسد وغيرهما من المتنجسات بالبول ، ولا يصغي إلى ما قيل من أن التوقف في ذلك من الخرافات ، بل الحكم بتعدّد الغسل أو الصب يختص بمورد النصوص وهو الثوب والجسد ، وأما في غيرهما فاطلاقات مطهرية الغسل محكمة وهي تقتضي الاكتفاء بالغسل مرّة واحدة.
الجهة الثانية : هل الصبة الواحدة المستمرة بقدر زمان الغسلتين أو الصبتين والفصل بينهما كافية عن الصبتين أو الغسلتين المأمور بهما في تطهير الثوب والبدن أو يعتبر تحققهما بالانفصال؟ فلو فرضنا امتداد كل من الصبتين دقيقة واحدة والفصل بينهما أيضاً كذلك بحيث كان زمانهما مع الفصل بينهما ثلاث دقائق لم تكف الصبة الواحدة المستمرة ثلاث دقائق أو أكثر في الحكم بطهارة البدن أو الثوب ، بل لا بدّ من صب الماء عليهما مرّتين بانفصال كل منهما عن الآخر أو غسلهما كذلك.
حكي عن الشهيد في الذكرى القول بكفاية الصبة الواحدة بقدر الغسلتين أو الصبّتين (1)، وتبعه جماعة ممن تأخر عنه ، ولعله من جهة أن الاتصال بين الغسلتين بالصب ليس بأقل من القطع بينهما بالفصل. إلاّ أن الصحيح هو اعتبار الفصل بين الغسلتين أو الصبتين لأنه الذي يقتضيه الجمود على ظواهر الأخبار الآمرة بالصب أو الغسل مرّتين ، حيث إن ظواهرها أن للتعدد دخلاً في حصول الطهارة المعتبرة. ودعوى : أن وصل الماء ليس بأقل من فصله ، مندفعة بأنه وجه استحساني لا مثبت له ، فإنّه على خلاف ما عليه أهل المحاورة ، حيث إن السيد إذا أمر عبده بالسجدة مرّتين أو برسم خطّين مستقيمين لم يكتف العبد في امتثاله بالسجدة الواحدة الممتدّة
1) الذكرى : 15 السطر 19.
بقدر زمان السجدتين والفصل بينهما أو برسم خط واحد كذلك ، فرفع اليد عن ظهور الأخبار في التعدّد بمثل ذلك من الوجوه الاستحسانية مما لا مسوّغ له.
الجهة الثالثة : هل الحكم بوجوب التعدّد يختص ببول الآدمي أو أنه يعم غيره من الأبوال النجسة؟
ظاهر الأسئلة الواردة في الروايات حسب المتفاهم العرفي هو الاختصاص لأنهم كانوا يبولون على وجه الأرض وهي على الأغلب صلبة فكان يترشح منها البول إلى أبدانهم وأثوابهم ومن أجل ذلك تصدّوا للسؤال عن حكمه ، ولا يبعد بهذه المناسبة دعوى انصراف الأخبار إلى بول الآدمي وأنه المنسبق إلى الأذهان من الأسئلة ، ولعل هذا هو الوجه في عدم استفصالهم عن كون البول مما يؤكل لحمه أو من غيره مع طهارة البول مما يؤكل لحمه. ومن ذلك يظهر أن نظرهم إنما هو السؤال عن خصوص بول الآدمي فتعميم الحكم إلى مطلق الأبوال النجسة مما لا وجه له. بل يمكن التمسّك في ذلك بإطلاق قوله علیه السلام « اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » (1)لأنّ مقتضى إطلاقه جواز الاكتفاء بالمرّة الواحدة في بول غير الآدمي فلا يجب التعدّد في مطلق الأبوال النجسة حينئذ.
الجهة الرابعة : أن الظاهر من أسئلتهم عن أن البول يصيب الثوب أو البدن ، هو اختصاص السؤال والجواب بما قد يصيبه البول وقد لا يصيبه فيعتبر في مثله الغسل مرّتين ، وأما ما كان في معرض الإصابة دائماً فلا تشمله الروايات بوجه ، وعليه فلا يجب التعدّد في مخرج البول حينئذ ، إذ لا يصح أن يقال إنه مما يصيبه البول ، بل إن كان هناك دليل يدل على اعتبار التعدّد فيه فهو ، وإلاّ فيقتصر فيه بالصبة الواحدة أو الغسل مرّة.
الجهة الخامسة : هل يعتبر إزالة العين النجسة قبل الغسلتين أو الصبتين أو أن إزالتها بالغسلة الأُولى كافية في حصول الطهارة بالثانية؟
1) وهي حسنة عبد اللّه بن سنان المروية في الوسائل 3 : 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2.
قد يتوهّم أنّ الغسلتين أو الصبتين لا بدّ من أن تقعا بعد إزالة العين بشيء فلا تكفي إزالتها بالغسلة الاولى من الغسلتين. ويتوجه عليه أن الحكم بذلك يتوقف على دلالة الدليل ولا دليل على اعتبار وقوع الغسلتين بعد إزالة العين ، بل الأمر بغسل ما أصابه البول مرّتين أو صبّ الماء عليه كذلك يقتضي بإطلاقه كفاية الإزالة بأُولى الغسلتين وعدم اعتبار وقوعهما بعد إزالة العين بمزيل. بل المناسبة المرتكزة بين الحكم وموضوعه أن الغسلة الأُولى للإزالة والثانية للإنقاء كما نقلناه عن المحقق قدس سره (1)هذا.
وقد يقال : إن مقتضى الإطلاق في الروايات كفاية إزالة العين ولو بالغسلة الثانية فلا يعتبر إزالتها بأُولى الغسلتين. ويندفع بأن الأخبار الواردة في المقام منصرفة إلى البول المتعارف الذي يكفي في إزالته الغسل أو الصب مرّة واحدة ، كما يرشدنا إليه قوله في بعض الأخبار المتقدِّمة « فإنّما هو ماء » (2)تعليلاً لما أمر به من صبّ الماء عليه مرّتين ، فان ظاهره بيان أن الماء كما أنه لا لزوجة له ويكفي في إزالته صبّ الماء عليه مرّة واحدة ، فكذلك الحال في البول فتكون الغسلة الثانية مطهّرة لا مزيلة ، ومعه فالأخبار مختصة بالبول الذي يكفي في إزالته الغسل مرّة واحدة ، فإذا فرض بول لا يكفي ذلك في إزالته فهو خارج عن مورد الروايات ، هذا.
ويمكن أن يوجّه المدعى بتقريب آخر : وهو أن الأخبار الواردة في المقام وإن أُخذت فيها الإصابة كما في قوله : « يصيب الثوب أو البدن » وظاهر الإصابة الحدوث فإنّها لا تطلق على بقاء البول ، إلاّ أن من المقطوع به عدم الفرق في نجاسة البول بين الحدوث والبقاء ، وعليه فإذا أصاب الثوب أو البدن وجب غسله أو صبّ الماء عليه مرّتين كما دلّت عليه الأخبار المتقدِّمة ، فإذا غسلناه مرّة واحدة ولم يزل بذلك فهو أيضاً بول متحقق في الثوب أو البدن فيجب غسله مرّتين بمقتضى إطلاق الروايات وعليه فمقتضى الإطلاقات هو العكس أعني اعتبار كون الغسلة الأُولى مزيلة للعين
وأما من بول الرضيع غير المتغذي بالطعام فيكفي صبّ الماء مرّة وإن كان المرّتان أحوط (1).
وإلاّ وجب غسله مرّتين ، لأنه بول متحقق في الثوب أو البدن ولا فرق في تحققه بين الحدوث والبقاء.
(1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات :
الاولى : أن الصبّة الواحدة هل تكفي في إزالة بول الرضيع غير المتغذي بالطعام أو لا بدّ في تطهيره من صبّ الماء عليه مرّتين؟
المشهور بل المتسالم عليه بينهم كفاية الصب مرّة خلافاً لما حكي عن كشف الغطاء من اعتبار الصب مرّتين (1)، ولعل الوجه فيه أن حسنة الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن بول الصبي؟ قال : تصب عليه الماء » (2)الدالّة على كفاية الصبة الواحدة مطلقة ، ومقتضى قانون الإطلاق والتقييد تقييدها بما دلّ على اعتبار التعدّد في مطلق البول كما في حسنة أو صحيحة أبي إسحاق النحوي (3)وحسنة الحسين بن أبي العلاء (4)وغيرهما من الأخبار المشتملة على قوله علیه السلام : « صب عليه الماء مرّتين » بعد السؤال عن إصابة البول للجسد ، هذا.
ولكن الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور في المسألة ، وذلك لأنّ حسنة الحلبي وإن كانت مطلقة إلاّ أن حسنة الحسين المتقدِّمة ظاهرة الدلالة على كفاية الصبة الواحدة في بول الصبي قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن البول يصيب الجسد؟ قال : صب عليه الماء مرّتين فإنّما هو ماء » ، « وسألته عن الثوب يصيبه البول؟ قال : اغسله مرّتين » ، « وسألته عن الصبي يبول على الثوب؟ قال : تصب عليه الماء قليلاً ثم تعصره » (5). والوجه في الظهور : أن التفصيل قاطع للشركة فإنّه علیه السلام فصّل
بين بول الصبي حيث اكتفى فيه بالصب مرّة وبين غيره فأوجب فيه الصب مرّتين ، وهذا يدلنا على أن التعدّد إنما هو في بول غير الصبي ، وأمّا بول الصبي فيكفي فيه الصب مرّة واحدة كما التزم به المشهور.
الجهة الثانية : هل العصر بعد الصب معتبر في بول الصبي أو يكفي في إزالته مجرّد الصب؟
قد يقال باعتبار العصر في تطهيره نظراً إلى ما ورد في ذيل حسنة الحسين المتقدِّمة « تصب عليه الماء قليلاً ثم تعصره » ولا سيما بناء على أن الغسالة نجسة ، فإن الماء ينفعل بملاقاة البول لا محالة ، ولا مناص في تطهير المتنجِّس حينئذ من إخراج الغسالة بالعصر.
ولكن الظاهر عدم الاعتبار ، وذلك لأن الأمر بالعصر في الحسنة يحتمل أن يكون جارياً مجرى العادة والغلبة ، فان الغالب عصر المتنجِّس بعد الصب عليه ، كما يحتمل أن يكون مستحبّاً للقطع بكفاية العصر على تقدير القول به مقارناً مع الصب ، فالتقييد بكونه بعد الصب قرينة على ما ذكرناه ، فلا دلالة للحسنة على اعتبار العصر بعد الصب.
وأما غسالة بول الصبي فإن قلنا بطهارة الغسالة المتعقبة بطهارة المحل كما هو الصحيح فلا كلام ، وأما إذا قلنا بنجاستها فالأمر أيضاً كذلك ، لأنه لا يجب إخراج الغسالة في التطهير عن بول الصبي للحكم بطهارتها ما دامت باقية في محلها تبعاً له فلا يحكم بنجاستها بالانفصال.
الجهة الثالثة : هل الرش كالصب في التطهير عن بول الصبي؟
الصحيح عدم كفاية الرش عن الصب ، لأن الوارد في ألسنة الأخبار المتقدِّمة إنما هو الصب فلا دليل على كفاية الرش والنضح وإن استوعبا الموضع النجس ، فان ظاهر الأخبار اعتبار القاهرية في الماء وغلبة المحل دفعة.
نعم ، ورد في روايتين الأمر بالنضح في بول الصبي ففي إحداهما : « يغتسل من بول
الجارية وينضح على بول الصبي ما لم يأكل » (1)وثانيتهما : « أن النبي صلی اللّه علیه و آله أخذ الحسن بن علي علیه السلام فأجلسه في حجره فبال عليه قال : فقلت له : لو أخذت ثوباً فأعطني إزارك فاغسله ، فقال : إنما يغسل من بول الأُنثى وينضح من بول الذّكر » (2)إلاّ أنهما عاميان ولا يمكن أن نرفع اليد لأجلهما عن الأخبار المعتبرة الآمرة بالصب كما تقدّم.
الجهة الرابعة : هل الحكم بكفاية الصب خاص بالصبي أو يعم الصبية أيضاً؟ قد يطلق الصبي ويراد به الجنس فيشمل الأُنثى والذكر ، إلاّ أن إرادته من لفظة الصبي في روايات الباب غير ظاهرة ، فبما أن الوارد فيها هو الصبي فلا مناص من أن يقتصر في الحكم بكفاية الصب عليه ويرجع في بول الصبية إلى عموم ما دلّ على أن البول يغسل منه الثوب أو البدن مرّتين ، لأن المقدار المتيقن من تخصيص ذلك إنما هو التخصيص ببول الصبي ، وأما بول الصبية فيبقى مشمولاً لعموم الدليل أو إطلاقه.
وأما ما ورد في ذيل حسنة الحلبي من قوله علیه السلام « والغلام والجارية في ذلك شرع سواء » (3)فلا يمكن الاستدلال به لإجمال المشار إليه في قوله : « في ذلك » لأنّ المتقدِّم عليه أمران : أحدهما : قوله علیه السلام « يصب عليه الماء » وثانيهما : قوله « فان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلاً » ولم يعلم أن الجارية كالغلام في كفاية صبّ الماء في تطهيره ، أو أن المماثلة إنما هي في لزوم الغسل بالماء فيما إذا كان يأكل الطعام ومعه نشك في التحاق بول الصبية ببول الصبي ، فلا مناص حينئذ من الاكتفاء في الخروج عن مقتضى الأدلّة الدالّة على لزوم غسل البول مرّتين بخصوص بول الصبي.
الجهة الخامسة : أن عنوان الرضيع لم يرد في شيء من الروايات المعتبرة وإنما ورد فيها عنوان الصبي مقيداً في بعضها بما إذا لم يأكل الطعام ، وحيث إن الصبي غير المتغذي بالطعام لا ينفك عن كونه رضيعاً فعبّر عنه الأصحاب بالرضيع ، وعليه فالمدار إنما هو
وأمّا المتنجِّس بسائر النجاسات عدا الولوغ (1)(1) فالأقوى كفاية الغسل مرّة (2)
على صدق عنوان الصبي سواء بلغ عمره سنتين أم زاد عليهما ، فما في بعض الكلمات من تخصيص الحكم بالصبي الذي لم يبلغ سنتين ضعيف.
(1) قد كتبنا في تعليقتنا أن استثناء الولوغ في المقام من اشتباه القلم بلا ريب والصحيح « عدا الإناء » لوضوح أن الولوغ لا خصوصية له في وجوب التعدّد فيه ، حيث إن الأواني بأجمعها كذلك ، والإناء قد يتنجّس بالولوغ وقد يتنجّس بغيره ولكل منهما وإن كان حكم على حدة إلاّ أن الجميع يشترك في وجوب التعدّد فيه كما يأتي في محلِّه.
(2) وذلك لإطلاقات الروايات الآمرة بالغسل في مثل البول من غير الآدمي - (2)والمني (3)والكافر (4)والكلب (5)وغير ذلك من النجاسات الواردة في الأخبار ، فإن الأمر بالغسل إرشاد إلى أمرين : أحدهما : نجاسة ذلك الشيء. وثانيهما : أن الغسل بالماء مطهّر له ، ومقتضى إطلاق الأمر به كفاية الغسل مرّة واحدة ، ولعلّ هذا مما لا إشكال فيه.
وإنما الكلام في المتنجسات التي لم يرد فيها أمر مطلق بالغسل ، وذلك كما إذا استفدنا
1) (*) ذكر كلمة الولوغ من سهو القلم والصحيح « عدا الإناء ».
2) كما في حسنة عبد اللّه بن سنان قال : « قال أبو عبد اللّه علیه السلام : اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » الوسائل 3 : 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2.
3) كما في صحيحة محمّد بن مسلم « في المني يصيب الثوب ، قال : إن عرفت مكانه فاغسله وإن خفي عليك فاغسله كله » الوسائل 3 : 423 / أبواب النجاسات ب 16 ح 1.
4) كما في موثقة أبي بصير عن أحدهما علیهماالسلام « في مصافحة المسلم اليهودي والنصراني ، قال : من وراء الثوب ، فان صافحك بيده فاغسل يدك » الوسائل 3 : 420 / أبواب النجاسات ب 14 ح 5.
5) كما في حسنة محمّد بن مسلم قال : « سألتُ أبا عبد اللّه علیه السلام عن الكلب السلوقي ، فقال : إذا مسسته فاغسل يدك » الوسائل 3 : 416 / أبواب النجاسات ب 12 ح 9 ، 1 : 274 / أبواب النواقض ب 11 ح 1.
نجاسته من الأمر بإعادة الصلاة الواقعة فيه ، وكما في ملاقي المتنجِّس بالبول أو غيره مما يجب فيه الغسل متعدداً ، ولا سيما في المتنجِّس بالمتنجس من دون واسطة فإنّه يتنجّس بملاقاته من دون أن يكون هناك مطلق ليتمسك بإطلاقه في الحكم بكفاية المرّة الواحدة فيه. نعم المتنجِّس بالمتنجس بالنجاسة التي يكفي فيها الغسل مرّة كالدم وغيره لا إشكال في كفاية المرّة الواحدة فيه. فهل يكتفى في أمثال ذلك بالمرة الواحدة أو لا بدّ فيها من التعدّد؟ فقد يقال بكفاية المرّة الواحدة حينئذ ، وما يمكن أن يستدل به على ذلك وجوه :
الأوّل : الإجماع المركب وعدم القول بالفصل بين النجاسات التي ورد فيها أمر مطلق بغسلها وما لم يرد في غسلها أمر مطلق بوجه ، وحاصله دعوى الإجماع على أن كل مورد لم يقم فيه الدليل على اعتبار التعدّد يكفي فيه المرّة الواحدة. ويدفعه عدم إحراز اتفاقهم في المسألة كيف وقد ذهب جملة من متأخري المتأخرين إلى اعتبار التعدّد فيما لم يقم دليل على كفاية المرّة فيه. على أنّا لو سلمنا ثبوت الاتفاق عندهم في المسألة أيضاً لم يمكن الاعتماد عليه ، لوضوح أنه ليس إجماعاً تعبّديّاً كاشفاً عن رأي المعصوم علیه السلام لاحتمال استنادهم في ذلك إلى أحد الوجوه الآتية في الاستدلال.
الثاني : النبوي الذي رواه المؤالف والمخالف كما عن السرائر - (1)أعني قوله صلی اللّه علیه و آله « خلق اللّه الماء طهوراً لا ينجّسه شيء إلاّ ما غير لونه أو طعمه أو ريحه » (2)لدلالته على حصول الطهارة بالماء مطلقاً. وفيه : أنه إنما يدل على ثبوت المطهرية للماء فحسب وأما كيفية التطهير به فلا يستفاد من الرواية بوجه. على أنها كما قدّمنا في الجزء الأوّل من كتابنا (3)نبوية ضعيفة السند ، حيث رويت بطرق العامة ولم تثبت روايتها من طرقنا فضلاً عن أن يكون نقلها متسالماً عليه بين المؤالف والمخالف.
الثالث : أصالة الطهارة ، بتقريب أن المتيقن من نجاسة الملاقي لشيء من النجاسات إنما هو نجاسته قبل غسله ، فاذا غسلناه مرّة واحدة لم ندر أنه طاهر أو نجس ومقتضى أصالة الطهارة طهارته. وهذا الوجه وإن كان وجيهاً في نفسه بناء على ما سلكناه من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلهيّة ، لأنّ استصحاب نجاسة المتنجِّس فيما نحن فيه بعد الغسلة الواحدة معارض باستصحاب عدم جعل النجاسة عليه زائداً على المقدار المتيقن وهو نجاسته قبل غسله ، إلاّ أنه لا مجال للرجوع إليها في المسألة لإطلاق ما دلّ على نجاسة المتنجسات ، فإن إطلاق ما دلّ على أن الصلاة الواقعة في ملاقي النجس باطلة أو تجب إعادتها أو ما دلّ على نجاسته بغير ذلك من أنحاء البيان يقتضي بقاءها على نجاستها إلى الأبد إلاّ أن يطرأ عليها مطهّر شرعي وهو غير محرز في المقام.
الرابع : إطلاقات الأخبار وقد عثرنا على ذلك في جملة من الروايات :
الأُولى : صحيحة زرارة التي هي من أدلة الاستصحاب قال : « قلت له : أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من مني ... إلى
أن قال : تعيد الصلاة وتغسله ... » الحديث (1)فان الظاهر أن السؤال فيها إنما هو عن مطلق النجاسة لا عن الدم فحسب ، فان قوله : « أو غيره » وإن كان يحتمل في نفسه أن يراد به غير الدم من النجاسات ليكون ذكر المني بعد ذلك من قبيل ذكر الخاص بعد العام ، كما يحتمل أن يراد به دم غير الرعاف إلاّ أن المستفاد من جملات السؤال والجواب الواردة في الصحيحة أن السؤال إنما هو عن طبيعي النجاسة ولا سيما قوله : « ولا تعيد الصلاة قلت لِمَ ذلك؟ قال : لأنك كنت على يقين من طهارتك ... ».
الثانية : موثقة عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام « أنه سئل عن رجل ليس عليه إلاّ ثوب ولا تحل الصلاة فيه وليس يجد ماء يغسله كيف يصنع؟ قال : يتيمّم ويصلِّي فإذا أصاب ماء غسله وأعاد الصلاة » (2)فان قوله « ولا تحل الصلاة فيه » وإن كان
يحتمل استناده إلى كون الثوب مما لا يؤكل لحمه إلاّ أن قوله علیه السلام « فإذا أصاب ماء غسله » كاشف عن أن عدم حلية الصلاة فيه كان مستنداً إلى نجاسته.
الثالثة : مرسلة محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن علیه السلام « في طين المطر أنه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام ، إلاّ أن يعلم أنه قد نجّسه شيء بعد المطر فإن أصابه بعد ثلاثة أيام فاغسله ... » (1)وهذه الأخبار كما ترى مطلقة ومقتضاها كفاية الغسلة الواحدة في التطهير عن مطلق النجس.
نعم ، لا يمكن الاستدلال على ذلك بالرواية الأخيرة لضعف سندها بالإرسال ، وإمكان المناقشة في دلالتها من جهة أن الطريق سواء علمنا بطهارته أم بنجاسته لا يختلف حكمه قبل الثلاثة وبعدها ، فإنّه إن كان طاهراً فهو كذلك قبل الثلاثة وبعدها ، وإذا كان نجساً فكذلك أيضاً ، فلم يظهر لنا وجه صحيح لمدخلية ثلاثة أيام في الحكم الوارد في الرواية.
ومن جملة الأخبار التي يمكن أن يستدل بها على المدعى موثقة ثانية لعمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في الرجل إذا قصّ أظفاره بالحديد أو جزّ شعره أو حلق قفاه فانّ عليه أن يمسحه بالماء قبل أن يصلي ، سئل فإن صلّى ولم يمسح من ذلك بالماء؟ قال : يعيد الصلاة لأنّ الحديد نجس ... » (2)فان حكمه بكفاية المسح بالماء معللاً بأن الحديد نجس يعطي أنّ طبيعة النجس تنجس ملاقياتها بالرطوبة ، وتزول نجاستها بمجرد أن أصابها الماء وهو معنى كفاية الغسل مرّة واحدة. نعم تطبيق ذلك على الحديد لا يخلو من عناية ، لوضوح عدم كون الحديد نجساً ولا أنه منجّس لما يلاقيه إلاّ أنه أمر آخر. والضابط الكلي في المسألة أن ما دلّ على نجاسة الملاقي لشيء من الأعيان النجسة كالأمر بغسله أو بإعادة الصلاة الواقعة فيه ونحوهما ، إما أن يكون مطلقاً وإما أن لا يكون وإنما دلّ على نجاسته في الجملة.
فعلى الثاني لا بدّ من الاكتفاء في نجاسته بالمقدار المتيقن وهو ما إذا لم يغسل الملاقي
أصلاً ولو مرّة واحدة فإنّه حينئذ محكوم بالنجاسة قطعاً ، وأما إذا غسلناه مرّة واحدة فلا محالة يشك في نجاسته وطهارته وبما أنه لا إطلاق لما دلّ على نجاسته ، فلا بدّ من المراجعة إلى الأُصول الجارية في المسألة ، ولا بأس باستصحاب بقاء النجاسة بعد الغسل مرّة بناء على جريانه في الأحكام الكلية الإلهيّة ، وحيث لا نلتزم بذلك يتعيّن الرجوع إلى أصالة الطهارة لا محالة.
وأما على الأوّل فلا مناص من التمسك بإطلاق الدليل عند الشك في نجاسة المتنجِّس وطهارته بعد الغسلة الواحدة ، إلاّ أنك عرفت أن الإطلاق يقتضي كفاية الغسل مرّة في مطلق النجاسات سوى ما قام الدليل فيه على التعدّد.
ثم لو ناقشنا في تلك المطلقات سنداً أو دلالة ولو بدعوى عدم كونها في مقام البيان من تلك الناحية ، فلا بدّ من النظر إلى ما ورد من الدليل في كل واحد من النجاسات فان كان له إطلاق من حيث كفاية الغسل مرّة واحدة مضافاً إلى إطلاقه من حيث بقائه على نجاسته إلى أن يطرأ عليه مزيل فهو ، وإلاّ فلا بدّ من غسله ثانياً حتى يقطع بطهارته ، هذا بحسب كبرى المسألة.
وأمّا تطبيقها على صغرياتها ، فاعلم أن الأدلّة الواردة في نجاسة الأعيان النجسة بأجمعها مطلقة ، وذلك لأنها إنما تستفاد من الأمر بغسلها وإزالتها عن الثوب والبدن أو بإعادة الصلاة الواقعة في ملاقياتها ، والأخبار الآمرة بالغسل مطلقة. فقد ورد في البول « اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » (1)ومقتضى إطلاقه كفاية الغسل مرّة واحدة ، وقد خرجنا عن ذلك بما دلّ على لزوم التعدّد في بول ما لا يؤكل لحمه أو خصوص بول الإنسان على الخلاف وكذلك الحال في الغائط لأنه بإطلاقه وإن لم ترد نجاسته في رواية إلاّ أنها يستفاد مما دلّ على نجاسة البول لعدم القول بالفصل بينهما. وأما الغائط من الإنسان فهو لا يحتاج إلى الغسل إذ يكفي في إزالته التمسح بالأحجار ونحوها. وورد في الكلب « إن أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله ... » (2).
وفي الخنزير « عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به؟ قال : إن كان دخل في صلاته فليمض ، فان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه إلاّ أن يكون فيه أثر فيغسله ... » (1)وفي أهل الكتاب « في مصافحة المسلم اليهودي والنصراني ، قال : من وراء الثوب فان صافحك بيده فاغسل يدك » (2)وقد أسلفنا تحقيق الكلام في نجاستهم وعدمها في محلِّه (3)فليراجع. وفي عرق الإبل الجلالة « وإن أصابك شيء من عرقها فاغسله » (4)نعم بيّنا في محلِّه (5)عدم نجاسته ، وقلنا إن الوجه في الأمر بغسله أنه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه واستصحابها في الصلاة يمنع عن صحتها. وفي المني « إن عرفت مكانه فاغسله وإن خفي عليك فاغسله كلّه » (6)وفي الميت « يغسل ما أصاب الثوب » (7)وفي الخمر « إذا أصاب ثوبك فاغسله إن عرفت موضعه وإن لم تعرف موضعه فاغسله كلّه ، وإن صلّيت فيه فأعد صلاتك » (8). وفي الدم « إن اجتمع قدر حمصة فاغسله وإلاّ فلا » (9)أي وإلاّ فلا يعاد منه الصلاة فلا يلزم غسله لذلك ، لا أنه طاهر إذا كان أقل من حمصة كما ذهب إليه الصدوق (10).
وهذه الأخبار كما ترى مطلقة دلت على نجاسة الأعيان الواردة فيها كما أنها اقتضت كفاية الغسل مرّة واحدة ، وإن كان لا يعتمد على بعضها لضعف سندها أو
1) وهي صحيحة علي بن جعفر المروية في الوسائل 3 : 417 / أبواب النجاسات ب 13 ح 1.
2) وهي موثقة أبي بصير المروية في الوسائل 3 : 420 / أبواب النجاسات ب 14 ح 5.
3) في مبحث النجاسات قبل المسألة [198].
4) وهي حسنة حفص بن البختري المروية في الوسائل 3 : 423 / أبواب النجاسات ب 15 ح 2.
5) في مبحث النجاسات قبل المسألة [210].
6) وهي صحيحة محمّد بن مسلم المروية في الوسائل 3 : 423 / أبواب النجاسات ب 16 ح 1.
7) وهي حسنة الحلبي المروية في الوسائل 3 : 462 / أبواب النجاسات ب 34 ح 2.
8) وهي صحيحة علي بن مهزيار الآمرة بالأخذ بقول أبي عبد اللّه علیه السلام المروية في الوسائل 3 : 468 / أبواب النجاسات ب 38 ح 2.
9) وهي رواية مثنى بن عبد السلام المروية في الوسائل 3 : 430 / أبواب النجاسات ب 20 ح 5.
10) الفقيه 1 : 42.
لغيره من الجهات المتقدِّمة في مواردها ، هذا كله في المتنجِّس بالأعيان النجسة. فتلخص أن المرّة الواحدة كافية في إزالتها.
وأما المتنجِّس بالمتنجس بتلك النجاسات فلا مناص من الحكم بكفاية المرّة الواحدة في تطهيره ، لأن المرّة إذا كانت كافية في إزالة نجاسة الأعيان النجسة كانت موجبة لطهارة المتنجِّس بالمتنجس بها بالأولوية القطعية. نعم ، فيما إذا كانت العين مما يعتبر فيه التعدّد كالبول لم يمكن الحكم بكفاية المرّة في المتنجِّس بها مع الواسطة ، لعدم زوال العين إلاّ بالتعدد ، فهل يلتزم فيه بالتعدد أو تكفي فيه المرّة أيضاً؟
الثاني هو الصحيح ، وذلك لمعتبرة العيص بن القاسم قال : « سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء فقال : إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه » (1)لأن إطلاقها يقتضي الحكم بكفاية الغسلة الواحدة في المتنجِّس بالماء المتنجِّس بالبول أو بغيره من النجاسات ، هذا.
وقد يناقش في الاستدلال بالرواية من جهتين إحداهما : الإضمار ، ويدفعه : أن جلالة شأن العيص مانعة عن احتمال رجوعه في الأحكام الشرعية إلى غير الإمام علیه السلام فالإضمار في حقه غير مضر. وثانيتهما : الإرسال ، ويرد عليه : أنّ ظاهر قول الشهيد (2)أو المحقِّق (3)قدس سرهما قال العيص أو روى أو ما هو بمضمونهما أنه إخبار حسي لأنه ينقلها عن نفس الرجل ، وكلما دار أمر الخبر بين أن يكون إخباراً حسياً أو إخباراً حدسياً حمل على الحس على ما بيّناه في محله ، وبما أن الشهيد لم يكن معاصراً للرجل فلا مناص من حمل قوله هذا على أنه وجدها في كتاب قطعي الانتساب إلى العيص ، وحيث إنه ثقة عدل فيعتمد على نقله وروايته فلا إشكال في الرواية بوجه.
فتحصل أن المتنجِّس بالأعيان النجسة والمتنجِّس به يطهر بغسله مرّة واحدة. نعم الإناء المتنجِّس بالبول أو الولوغ أو بغيرهما من الأعيان النجسة لا بدّ فيه من التعدّد
بعد زوال العين (1)فلا تكفي الغسلة المزيلة لها إلاّ أن يصبّ الماء مستمراً بعد زوالها ، والأحوط التعدّد في سائر النجاسات أيضاً ، بل كونهما غير الغسلة المزيلة (1).
[312] مسألة 5 : يجب في الأواني إذا تنجست بغير الولوغ الغسل ثلاث مرّات في الماء القليل (2) وإذا تنجست بالولوغ التعفير بالتراب مرّة وبالماء بعده
فان له حكماً آخر كما يأتي عن قريب.
وأما إذا تنجس بالمتنجس كما إذا تنجس بالمتنجس بالبول أو الولوغ ، فهل يكفي فيه المرّة الواحدة أو لا بدّ من غسله متعدداً ، كما إذا كان متنجساً بالأعيان النجسة؟ مقتضى إطلاق موثقة عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سئل عن الكوز والإناء يكون قذراً كيف يغسل؟ وكم مرّة يغسل؟ قال : يغسل ثلاث مرات يصب فيه الماء فيحرك فيه ثم يفرغ منه ، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ ذلك الماء ، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ منه وقد طهر ... » (2)أن الإناء إنما يطهر بغسله ثلاث مرات ، سواء في ذلك أن يتنجّس بشيء من الأعيان النجسة أو أن يكون متنجساً بالمتنجس ، إلاّ فيما دلّ الدليل على وجوب غسله زائداً على ذلك.
(1) تكلّمنا على ذلك في البحث عن التطهير من البول (3)وذكرنا ما توضيحه : أنّ الغسل بمعنى إزالة العين بالماء ، ولا شبهة في أنّ ذلك صادق على الغسلة المزيلة أيضاً ، فمقتضى الإطلاقات كفاية الغسلة المزيلة كغيرها ، ولم يقم دليل على عدم كفاية الغسلة المزيلة في التطهير ، ولم يثبت أنّ الغسلة الأُولى للإزالة والثانية للإنقاء. نعم ، لا بأس بالاحتياط بالغسل مرّتين بعد الغسلة المزيلة.
(2) لموثقة عمار المتقدِّمة فإن مقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين النجاسات والمتنجسات ، وبها يقيد إطلاق صحيحة محمّد بن مسلم قال : « سألته عن الكلب يشرب من الإناء؟ قال : اغسل الإناء » (4)إلاّ أن الموثقة مختصة بالغسل بالماء القليل
مرّتين (1) والأولى أن يطرح (1)فيها التراب من غير ماء ويمسح به ثم يجعل فيه شيء من الماء ويمسح به وإن كان الأقوى كفاية الأول فقط ، بل الثاني أيضاً
لعدم إمكان جعل الماء الكثير في الإناء ثم تفريغه ، ومعه إنما يرفع اليد عن الإطلاق في صحيحة محمّد بن مسلم في خصوص الغسل بالماء القليل ويبقى إطلاقها في التطهير بالكثير والجاري ونحوهما على حاله ، إذ لا مقتضي لتقييده في الغسل بغير الماء القليل ولعلّنا نعود إلى تتميم هذا البحث بعد ذلك (2).
(1) هذا هو المعروف بينهم. وعن المفيد في المقنعة أن الإناء يغسل من الولوغ ثلاثاً وسطاهن بالتراب ثم يجفّف (3)وعن السيد والشيخ قدس سرهما في محكي الانتصار والخلاف أنه يغسل ثلاث مرّات إحداهنّ بالتراب (4). وهذان القولان مما لم نقف له على مستند فيما بأيدينا من الروايات. وعن ابن الجنيد أنه يغسل سبع مرّات أُولاهنّ بالتراب (5)ويأتي الكلام على مدرك ذلك بعد التعرّض لما هو المختار في المسألة.
والكلام في هذه المسألة يقع في مقامين :
أحدهما : في تطهير ما ولغ فيه الكلب بالماء القليل.
وثانيهما : في تطهيره بالماء العاصم من الكر والجاري ونحوهما.
أمّا المقام الأوّل فالصحيح فيه ما ذهب إليه المشهور من لزوم غسله ثلاث مرات أُولاهن بالتراب وهذا لصحيحة البقباق قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن فضل الهرّة والشّاة إلى أن قال فلم أترك شيئاً إلاّ سألته عنه ، فقال : لا بأس به ، حتى انتهيت إلى الكلب فقال : رجس نجس لا تتوضّأ بفضله واصبب ذلك الماء
واغسله بالتراب أول مرّة ثم بالماء مرّتين » (1)بناء على ما نقله المحقق في المعتبر (2)لأنها على ذلك صريحة فيما سلكه المشهور في المقام.
وأمّا إذا ناقشنا فيما نقله قدس سره لعدم نقل الرواية في كتب الأصحاب وجوامع الأخبار كما نقله قدس سره حيث إنهم إنما رووها بإسقاط لفظة « مرّتين » فالزيادة محمولة على سهو القلم فالأمر أيضاً كذلك ويعتبر في تطهير الإناء من الولوغ غسله ثلاث مرات أُولاهن بالتراب ، وذلك لموثقة عمار المتقدِّمة لأنها كما تقدّمت مطلقة ومقتضى إطلاقها وجوب غسل الإناء ثلاث مرات سواء تنجس بشيء من النجاسات أو المتنجسات ، وبذلك لا بدّ من رفع اليد عن إطلاق صحيحة البقباق في قوله : « بالماء » وتقييده بثلاث مرات كما هو الحال في صحيحة محمد بن مسلم المتقدِّمة في قوله : « اغسله بالماء » (3)ونتيجة ذلك أنه لا بدّ من غسل الإناء المتنجِّس ثلاث مرّات مطلقاً من دون تقييد كون أُولاهنّ بالتراب ، ولكن الصحيحة قيدت الغسلة الأُولى بذلك ، فالصحيحة مقيدة للموثقة من جهة والموثقة مقيدة لها من جهة وقد أنتج الجمع بين صحيحتي البقباق ومحمد بن مسلم وموثقة عمار بتقييد بعضها ببعض ، أن الإناء المتنجِّس بالولوغ لا بدّ من غسله ثلاث مرات أُولاهن بالتراب.
وأما ما حكي عن ابن الجنيد فالمستند له أمران :
أحدهما : النبوي « إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أُولاهن بالتراب » (4). وفيه مضافاً إلى أنه نبوي ضعيف السند ، أنه معارض بما في النبويين الآخرين « إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاث مرات » (5)وفي أحدهما زيادة « أو خمساً أو سبعاً » (6)وبما أن التخيير في تطهير المتنجِّس بين الأقل والأكثر مما
1) الوسائل 1 : 226 / أبواب الأسآر ب 1 ح 4 ، 3 : 516 / أبواب النجاسات ب 70 ح 1.
2) المعتبر 1 : 458.
3) ولكن نص الرواية « اغسل الإناء ».
4) نقله في كنز العمال 9 : 370 عن أحمد والنسائي عن أبي هريرة.
5) حاشية ابن مالك على صحيح مسلم ج 1 ص 162.
6) سنن البيهقي ج 1 ص 240 عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلی اللّه علیه و آله في الكلب يلغ في الإناء ، أنه يغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً.
لا معنى له ، فالرواية تدلنا على أن المعتبر في تطهير الإناء هو الغسل ثلاث مرّات والزيادة تكون مستحبة لا محالة.
وثانيهما : موثقة عمار « عن الإناء يشرب فيه النبيذ ، فقال : تغسله سبع مرّات وكذلك الكلب » (1)ويرد على الاستدلال بها أن المذكور في الموثقة ابتداء هو النبيذ وقد حكم بوجوب غسل الإناء منه سبع مرّات ثم شبّه به الكلب ، ويأتي في محلِّه (2)أن الإناء إنما يغسل من النبيذ ثلاث مرّات ولا يجب فيه السبع ، ومعه لا بدّ من حمل الزائد على الاستحباب ، وإذا كان هذا هو الحال في المشبه به فلا محالة تكون الحال في المشبّه أيضاً كذلك ، فلا يمكن الاستدلال بها على وجوب غسل الإناء من الولوغ سبع مرات ، هذا كله في الغسل بالماء القليل.
وأمّا المقام الثاني ولزوم التعدّد أو التعفير في الغسل بالماء العاصم من الكر والجاري وغيرهما فيأتي عليه الكلام عند تعرّض الماتن لحكمه (3).
بقي الكلام في أُمور :
منها : ما حكي عن المفيد من اعتبار تجفيف الإناء بعد الغسلات (4)ووافقه عليه جملة من المتأخرين ومتأخريهم ، بل عن الصدوقين أيضاً التصريح به (5)ولعل المستند في ذلك هو الفقه الرضوي « إن وقع كلب في الماء أو شرب منه أُهريق الماء وغسل الإناء ثلاث مرات مرّة بالتراب ومرّتين بالماء ثم يجفّف » (6). والصحيح وفاقاً للمشهور عدم اعتبار التجفيف بعد الغسلات ، لأن الفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية
فضلاً عن أن تكون معتبرة. على أن الأمر بالتجفيف فيه إنما جرى مجرى الغالب لأن تجفيف الإناء بعد غسله أمر غالبي ، فما اعتمدوا عليه في ذلك لا يمكن المساعدة عليه سنداً ودلالة.
ومنها : أن الحكم بلزوم غسل الإناء ثلاثاً أُولاهن بالتراب ، هل هو خاص بما إذا شرب الكلب من الماء أو أنه يعم ما إذا شرب من سائر المائعات ولا يعتبر في ذلك أن يكون السؤر ماء؟ الظاهر عدم الاختصاص ، لأن ذيل صحيحة البقباق المتقدِّمة (1)وإن كان يظهر منه اختصاص الحكم بالماء حيث قال : « واصبب ذلك الماء » إلاّ أن صدرها ظاهر الدلالة على عدم الاختصاص ، لأن السؤال فيها إنما هو عن فضل الهرة والكلب وغيرهما من الحيوانات ، والفضل بمعنى ما يبقى من الطعام والشراب وهو أعم من الماء فالحكم عام لمطلق المائعات. وأما ذيل الصحيحة أعني قوله « واصبب ذلك الماء » فإنّما هو بلحاظ الوضوء ، حيث رتّب عليه عدم جواز التوضؤ به ولأجل بيان ذلك قدّم الأمر بصبّ الماء.
ومنها : معنى التعفير ، وهو الذي أشار إليه بقوله « والأولى أن يطرح إلخ » لأن لفظة التعفير وإن لم ترد في شيء من الأخبار إلاّ أن الصحيحة ورد فيها الأمر بالغسل بالتراب ، ومن هنا لا بدّ من التكلم فيما أُريد منه فنقول :
إنّ الغسل بالتراب إمّا أن يكون بمعنى مسح الإناء بالتراب وإنما استعمل فيه الغسل مجازاً بجامع إزالة الوسخ به ، لأنه كما يزول بالغسل بالماء كذلك يزول بالمسح بالتراب وعلى ذلك فالغسل بالتراب معنى مغاير للغسل بالماء ، فيعتبر في تطهير الإناء حينئذ الغسل أربع مرّات إحداها الغسل بالمعنى المجازي ، وذلك لأن موثقة عمار دلّت على لزوم الغسل ثلاث مرات ، وصحيحة البقباق اشتملت على لزوم الغسل بالتراب ، وقد فرضنا أنه أمر مغاير للغسل حقيقة ، ومقتضى هاتين الروايتين أن الإناء يعتبر في تطهيره الغسل أربع مرات إحداها المسح بالتراب.
وإما أن يكون بمعنى الغسل بالماء باستعانة شيء آخر وهو التراب ، فالباء في قوله :
1) في ص 41.
ولا بدّ من التراب فلا يكفي عنه الرماد والأشنان والنورة ونحوها (1) نعم يكفي الرمل (1)(2).
« اغسله بالتراب » للاستعانة كما هو الحال في قولهم : اغسله بالصابون أو الأشنان أو الخطمي ونحوها ، فان معناه ليس هو مسح الثوب بالصابون وإنما هو بمعنى غسله بالماء ولكن لا بوحدته بل بضم شيء آخر إليه ، وعليه فمعنى الغسل بالتراب جعل مقدار من الماء في الإناء مع مقدار من التراب وغسله بالماء بإعانة التراب ، أعني مسح الإناء بالماء المخلوط به التراب كما هو الحال في الغسل بالصابون ونحوه ثم يزال أثر التراب بالماء ، وبذلك يتحقّق الغسل بالتراب عُرفاً.
وهذا هو الصحيح المتعارف في غسل الإناء وإزالة الأقذار العرفية ، وعليه لا يعتبر في تطهير الإناء سوى غسله ثلاث مرات أُولاهن بالتراب ، وذلك لأن الغسل بالتراب على ما ذكرناه أمر غير مغاير للغسل بالماء بل هو هو بعينه بإضافة أمر زائد وهو التراب ، لأن الغسل معناه إزالة الوسخ بمطلق المائع ، وإنما خصصناه بالماء لانحصار الطهور به في الأخباث ، وحيث أنّ الموثقة دلّت على اعتبار الغسل ثلاث مرات من غير تقييد كون أُولاهنّ بالتراب ، فنقيدها بذلك بمقتضى صحيحة البقباق ، والنتيجة أنّ الإناء يعتبر في تطهيره الغسل ثلاث مرّات مع الاستعانة في أُولاهنّ بالتراب.
(1) كالصابون ، وذلك لأنّ ما ورد في صحيحة البقباق المتقدِّمة (2)إنما هو الغسل بالتراب ، ولم يحصل لنا القطع بعدم الفرق بين التراب وغيره مما يقلع النجاسة ، لاحتمال أن تكون للتراب خصوصية في ذلك ، كما حكي أن مكروبات فم الكلب ولسانه لا تزول إلاّ بالتراب وإن لم نتحقق صحته.
(2) الوجه في ذلك غير ظاهر ، لأنه إن كان مستنداً إلى جواز التيمم به كالتراب ففيه أنه أشبه شيء بالقياس ، لأن التيمم حكم مترتب على الأرض والصعيد فلا مانع
ولا فرق بين أقسام التراب (1) والمراد من الولوغ شربه الماء ، أو مائعاً آخر بطرف لسانه (2) ، ويقوى إلحاق لطعه (1)الإناء بشربه. وأما وقوع لعاب فمه فالأقوى فيه عدم اللّحوق وإن كان أحوط ، بل الأحوط إجراء الحكم المذكور في مطلق مباشرته ولو كان بغير اللسان من سائر الأعضاء حتى وقوع شعره أو عرقه في الإناء (3).
من أن يتعدّى فيه إلى الرمل ، لأنه أيضاً من الأرض على كلام فيه ، وأمّا إزالة النجاسة والتطهير فهي أمر آخر مترتب على التراب فلا وجه لقياس أحدهما بالآخر. وإن كان الوجه فيه هو ما ادعاه بعضهم من أن التراب حسبما يستفاد منه لدى العرف أعم من الرمل ، فيدفعه : أنّ التراب في قبال الرمل فدعوى أنه داخل في مفهومه لا أنه في قباله بعيد غايته. فالصحيح الاقتصار في التعفير على التراب.
(1) لإطلاق الصحيحة من حيث أفراد التراب فيشمل الطين الأرمني والطين الأحمر وغيرهما من أفراده ، فهي وإن كانت خاصة بالتراب إلاّ أنها عامّة من حيث أفراده.
(2) كما عرفت.
(3) إن عنوان الولوغ لم يرد في شيء من الأخبار المعتبرة ، نعم ورد في النبويين المتقدِّمين (2)إلاّ أنهما ضعيفان كما مر ، والعمدة صحيحة البقباق وهي إنما وردت في خصوص الشرب مشتملة على عنوان الفضل ولا تشمل اللطع بوجه ، والتعدي من الشرب إليه يحتاج إلى القطع بعدم الفرق بينهما وهو غير موجود ، لأنه من الجائز أن تكون للشرب خصوصية في نظر الشارع إذ لا علم لنا بمناطات الأحكام الشرعية. وأصعب من ذلك ما إذا لم يشرب الكلب من الإناء ولا أنه لطعه ، وإنما وقع فيه شيء من لعاب فمه لعطسة ونحوها ، فان إلحاق ذلك بالشرب في الحكم بوجوب التعفير
[313] مسألة 6 : يجب في ولوغ الخنزير غسل الإناء سبع مرات (1) وكذا
وغسله ثلاث مرات لا وجه له سوى القطع بوحدة المناط ولا قطع لنا بذلك. وأوضح منهما إشكالاً ما إذا أصاب الكلب الإناء بغير لسانه كيده ورجله وغيرهما من أعضاء جسده ، وذلك لعدم القطع بالتسوية بين الشرب بلسانه وبين اللمس ببقية أعضائه. نعم ورد في رواية الفقه الرضوي المتقدِّم نقلها (1)« إن وقع كلب في الماء أو شرب منه أُهريق الماء ... » وهو صريح في التسوية ، للقطع بأن وقوع الكلب في الإناء بتمام جسده لا خصوصية له ، ووقوعه ببعضه كاف في صدق وقوع الكلب في الإناء الذي يترتب عليه الحكم بالغسل مرّة بالتراب ومرّتين بالماء ، إلاّ أن الرواية ضعيفة لا يعتمد عليها ولا سيما في المقام ، لذهاب المشهور فيه إلى اختصاص الحكم بالولوغ.
(1) لصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر علیهماالسلام حيث قال : « وسألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به؟ قال : يغسل سبع مرّات » (2).
وقد يستبعد إيجاب الغسل سبع مرات بأنه علیه السلام في صدر الصحيحة قد اكتفى في تطهير الثوب من الأثر المنتقل إليه من الخنزير بمطلق الغسل وطبيعيه حيث قال : « سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع؟ قال : إن كان دخل في صلاته فليمض ، فان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه إلاّ أن يكون فيه أثر فيغسله » ومعه كيف يوجب الغسل سبع مرات في الإناء فان إزالة الأثر من الثوب أصعب من إزالته من الإناء. ويؤيد ذلك باعراض أكثر القدماء عن ظاهر الصحيحة وعدم التزامهم بمضمونها.
ويدفعه : أن الوجوه الاستحسانية والاستبعادات العقلية غير صالحة للركون إليها في الأحكام الشرعية التعبّدية ، لأنه من المحتمل أن تكون للإناء الذي شرب منه
في موت الجرذ وهو الكبير من الفأرة البرية (1) ، والأحوط في الخنزير التعفير قبل السبع أيضاً لكن الأقوى عدم وجوبه (2).
[314] مسألة 7 : يستحب في ظروف الخمر الغسل سبعاً (3) والأقوى كونها
الخنزير خصوصية لأجلها اهتم الشارع بشأنه وشدّد الأمر فيه ، بل الأمر كذلك واقعاً لأن الإناء معدّ للأكل والشرب فيه. وأما المشهور فلم يثبت إعراضهم عن الصحيحة بل اعتنوا بشأنها وحملوها على الاستحباب فالاستبعاد في غير محله.
وعلى الجملة يجب في ولوغ الخنزير غسل الإناء سبع مرات كما يجب في ولوغ الكلب ثلاث مرّات ، وإنما الفرق بينهما في أن في ولوغ الكلب لا يجب التعدّد إلاّ إذا غسل بالماء القليل ، لاختصاص الموثقة به ، وإطلاقات الأمر بالغسل في الماء غير القليل تبقى بحالها ، وأما في ولوغ الخنزير فيجب فيه الغسل سبع مرات بلا فرق في ذلك بين الغسل بالماء القليل وبين الغسل بغيره ، وذلك لإطلاق الصحيحة المتقدِّمة فلاحظ.
(1) لموثقة عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام « ... اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتاً سبع مرات » (1).
(2) لعدم الدليل عليه ، فان الصحيحة المتقدِّمة غير مقيدة بالتعفير. وقد حكي عن الشيخ في الخلاف إلحاق الخنزير بالكلب مستدلاً عليه بتسميته كلباً في اللغة ومعه لا بدّ من القول بوجوب التعفير فيه (2)وفيه : أن الخنزير ليس من الكلب في شيء فلو أُطلق عليه أحياناً في بعض الموارد فهو إطلاق مجازي بلا ريب ، ولا يمكن معه إسراء حكم الكلب إليه.
(3) لموثقة عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام « عن الإناء يشرب فيه النبيذ ، فقال تغسله سبع مرّات وكذلك الكلب » (3)وموثقته الأُخرى عنه علیه السلام « ... في
كسائر الظروف (1)في كفاية الثلاث (1).
قدح أو إناء يشرب فيه الخمر ، قال : تغسله ثلاث مرات ... » (2)لأن مقتضى الجمع بينهما هو الحكم بوجوب الغسل في ظروف الخمر ثلاث مرات واستحباب غسلها سبعاً ، والجمع بينهما بذلك هو الذي يقتضيه الفهم العرفي في أمثال المقام ، وأما الأخذ بالأكثر بأن يؤخذ بالثلاثة التي دلّت عليها إحداهما وتضاف عليها الأربعة التي تضمنتها رواية السبع لتكون النتيجة وجوب الغسل في ظروف الخمر سبع مرات ، فلا يراه العرف جمعاً بين الدليلين.
(1) ما أفاده قدس سره من أن ظروف الخمر كسائر الظروف المتنجسة مما لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأن وجوب الغسل ثلاث مرات في سائر الأواني المتنجسة إنما يختص بغسلها في الماء القليل ، وأما إذا غسلت بالماء العاصم فقد تقدمت الإشارة إلى أنه لا يعتبر فيه التعدّد بل يكفي غسلها فيه مرّة واحدة كما يأتي تفصيله عن قريب ، وذلك لمكان الإطلاقات الواردة في غسل الإناء المقتضية لكفاية الغسل مرّة واحدة ، وإنما رفعنا عنها اليد بتقييدها ثلاث مرات لموثقة عمار المتقدِّمة وهي خاصة بالماء القليل ، فالاطلاقات المقتضية لكفاية المرّة الواحدة في الماء العاصم بحالها. وهذا بخلاف الظروف المتنجِّسة بالخمر لأن مقتضى الجمع بين الموثقتين المتقدمتين وجوب غسلها ثلاث مرّات مطلقاً بلا فرق في ذلك بين غسلها بالماء القليل أو بالماء العاصم ، كما أن بذلك نرفع اليد عن المطلقات المقتضية لكفاية مطلق الغسل في الأواني المتنجِّسة بالخمر ومنها صدر الموثقة حيث قال : « سألته عن الدن يكون فيه الخمر ، هل يصلح أن يكون فيه خلّ أو ماء كامخ أو زيتون؟ قال : إذا غسل فلا بأس » بناء على أنها في مقام البيان من هذه الجهة.
[315] مسألة 8 : التراب الذي يعفّر به يجب أن يكون طاهراً (1)قبل الاستعمال (1)
(1) قد يقال كما قيل إن الوجه في ذلك هو انصراف النص إلى الغسل بالطاهر من التراب إلاّ أنه من الفساد بمكان ، لعدم الفرق بين النجس والطاهر فيما هو المستفاد من النص لو لم ندع أن الغالب في التعفير هو التعفير بالتراب النجس.
فالصحيح في المقام أن يقال : إن الغسل بالتراب إن أُريد به مسح الإناء بالتراب كما هو أحد المحتملين في معنى الغسل به من دون اعتبار مزجه بالماء ، فلا مانع من اعتبار الطهارة في التراب حينئذ ، إما لأجل ما هو المرتكز في الأذهان من عدم كفاية الغسل أو المسح بالمتنجس في التطهير ، متفرعاً على القاعدة المعروفة من أن فاقد الشيء لا يكون معطياً له ، فالتراب المتنجِّس لا يوجب طهارة الإناء المغسول به. وإما لأجل أن التراب طهور للإناء ، وقد مرّ أن الطهور هو ما يكون طاهراً في نفسه ومطهراً لغيره فالتراب النجس لا يطهر الإناء.
وأما إذا أُريد به الغسل حقيقة باستعانة التراب كما هو الحال في مثل الغسل بالصابون ونحوه ، لما تقدم من أن معنى ذلك ليس هو مسح المغسول بالصابون مثلاً وإنما معناه غسله بالماء باستعانة الصابون ، فلا وجه لاعتبار الطهارة في التراب ، وذلك لأن التراب ليس بطهور للإناء حينئذ وإنما مطهّره الماء.
وتوضيحه : أن التراب الذي يصب في الإناء ويصب عليه مقدار من الماء ثم يمسح به الإناء ، لا بدّ من أن يزال أثره بالماء بعد المسح ، لوضوح أن مجرد مسح الإناء بالطين أي بالتراب الممتزج بالماء من غير أن يزال أثره بالماء لا يسمى تعفيراً وغسلاً بالتراب ، وعليه فهب أن التراب متنجس والماء الممتزج به أيضاً قد تنجس بسببه إلاّ أن الإناء يطهر بعد ذلك بالماء الطاهر الذي لا بدّ من صبّه على الإناء لازالة أثر التراب عنه وهو جزء متمم للتعفير ثم يغسل بالماء مرّتين ليصير مجموع الغسلات ثلاثاً
1) (*) على الأحوط.
[316] مسألة 9 : إذا كان الإناء ضيقاً لا يمكن مسحه بالتراب فالظاهر كفاية جعل التراب (1)فيه وتحريكه إلى أن يصل إلى جميع أطرافه (1) ، وأما إذا كان مما لا يمكن فيه ذلك (2) فالظاهر بقاؤه على النجاسة أبداً (3) إلاّ عند من يقول بسقوط التعفير في الغسل بالماء الكثير.
فالمطهر هو الماء وهو طاهر في الغسلات الثلاث ، ومعه لا موجب لاعتبار الطهارة في التراب ، ومن هنا ذكرنا في التعليقة أن اشتراط الطهارة في تراب التعفير مبني على الاحتياط.
(1) لأن معنى الغسل بالتراب هو إيصال التراب إلى جميع أجزاء المغسول به ، سواء أكان ذلك بواسطة اليد أو بالخشبة أو بتحريك الإناء. نعم مجرّد التلاقي لا يكفي في تحقق الغسل بالتراب ، بل لا بدّ من وصوله إليه بالضغط فلا يعتبر فيه المسح أو الدلك وما عبّر به هو قدس سره وعبّرنا به من المسح لا يخلو عن مبالغة ، وعليه فلو فرضنا أن الإناء ضيّق على نحو لا يدخل فيه اليد أو الإصبع مثلاً ، فلا مانع من تطهيره بإيصال التراب إلى جميع أجزائه بخشبة أو بجعل مقدار من التراب فيه ثم تحريكه شديداً.
(2) الظاهر أن ذلك مجرّد فرض لا واقع له ، وعلى تقدير الوقوع لا بدّ من فرضه فيما إذا كان فم الإناء وسيعاً أولاً بحيث يتمكن الكلب من الولوغ فيه ثم عرضه الضيق ، إذ لا يتصور الولوغ فيما لم يمكن صب التراب فيه لضيق فمه.
(3) لأن الأمر بتعفير ما أصابه الكلب في الصحيحة ليس من الأوامر النفسية حتى تسقط بالتعذر ، وإنما هو إرشاد إلى نجاسة الإناء وإلى طهارته بالتعفير ، فوزانه وزان الجملة الخبرية كقولنا : يتنجّس الإناء بالولوغ ويطهر بالتعفير ، وبما أنه مطلق فمقتضاه بقاء الإناء على نجاسته إلى أن يرد عليه المطهّر وهو التعفير ، فاذا فرضنا عدم التمكن منه يبقى على النجاسة إلى الأبد. فما في طهارة المحقق الهمداني قدس سره من أن
1) (*) مع إضافة مقدار من الماء إليه كما تقدم.
[317] مسألة 10 : لا يجري حكم التعفير في غير الظروف مما تنجس بالكلب ولو بماء ولوغه أو بلطعه (1).
المتبادر من مثل قوله علیه السلام اغسله بالتراب أول مرّة ثم بالماء ، ليس إلاّ إرادته بالنسبة إلى ما أمكن فيه ذلك ، فالأواني التي ليس من شأنها ذلك خارجة عن مورد الرواية (1)مما لا نرى له وجهاً صحيحاً.
(1) لأنّ العمدة في المقام إنما هو صحيحة البقباق ، وهي إنما دلت على وجوب التعفير في فضل الكلب ، والفضل وإن كان بمعنى الباقي من المأكول والمشروب وهو بإطلاقه يشمل ما إذا كان ذلك في الإناء وما إذا كان في غيره ، إلاّ أن الضمير في قوله علیه السلام « واغسله بالتراب ... » غير ظاهر المرجع ، لجواز رجوعه إلى كل ما أصابه الفضل من الثياب والبدن والفرش وغيرها ، كما يحتمل رجوعه إلى مطلق الظروف المشتملة على الفضل ولو كان مثل يد الإنسان فيما إذا اغترف الماء بيده وشرب منه الكلب ، أو الصندوق المجتمع فيه ماء المطر أو غيره إذا شرب منه الكلب كما يمكن رجوعه إلى كل ما جرت العادة بجعل الماء فيه لكونه معداً للأكل والشرب منه وهو المعبّر عنه بالإناء دون مطلق الظروف الشاملة لمثل اليد والصندوق بل الدلو فإنه أُعدّ لأن ينزح به الماء لا لأن يشرب منه ، وهكذا غيرها مما لم تجر العادة بجعل الماء فيه لعدم إعداده للأكل والشرب منه ، وحيث إن مرجع الضمير غير مصرّح به في الصحيحة وهو يحتمل الوجوه المتقدِّمة ، فلا مناص من أن يقتصر فيه على المقدار المتيقن منه وهو الظروف التي جرت العادة بجعل الماء أو المأكول فيها لكونها معدة لذلك ، دون مطلق الظروف ولا مطلق ما يصيبه الفضل كمثل الثوب والبدن وغيرهما مما لم يقل أحد بوجوب التعفير فيه ، وعليه فالحكم يختص بالإناء ولا يأتي في غيره. ويؤيد ما ذكرناه ورود لفظة الإناء في النبويات والفقه الرضوي المتقدِّمة (2)وإن لم نعتمد عليها لضعفها.
نعم لا فرق بين أقسام الظروف في وجوب التعفير حتى مثل الدلو (1)لو شرب الكلب منه ، بل والقربة والمطهرة وما أشبه ذلك (1).
[318] مسألة 11 : لا يتكرّر التعفير بتكرّر الولوغ من كلب واحد أو أزيد بل يكفي التعفير مرّة واحدة (2).
(1) قدّمنا أن الحكم يختص بالظروف المعدّة للأكل والشرب منها ، ولا يشمل مطلق الظروف كالدلو ونحوه لأنه أُعدّ لأن ينزح به الماء ولم يعدّ للأكل أو الشرب منه.
(2) مقتضى القاعدة على ما حقّقناه في محله (2)وإن كان عدم التداخل عند تكرّر السبب ، إلاّ أن ذلك خاص بالواجبات نظير كفّارة الإفطار في نهار رمضان فيما إذا جامع مثلاً مرّتين أو جامع وأتى بمفطر آخر ، فإن القاعدة تقتضي وجوب الكفّارة حينئذ مرّتين. وأما في موارد الأوامر الإرشادية وغير الواجبات التي منها المقام فلا مناص فيها من الالتزام بالتداخل ، وذلك لأن الأوامر الإرشادية كالجملات الخبرية ليس فيها اقتضاء للوجود عند الوجود حتى يلتزم بعدم التداخل كما في الأوامر المولوية ، بل مقتضى إطلاقها التداخل وعدم الفرق في ترتّب الحكم على موضوعه بين تحقّق السبب والموضوع مرّة واحدة وبين تحققهما مرّتين أو أكثر. فعلى ذلك إذا شرب الكلب من إناء مرّتين أو شرب منه كلبان مثلاً لم يجب تعفيره إلاّ مرّة واحدة كما هو الحال في غيره من النجاسات ، لوضوح أن البول مثلاً إذا أصاب شيئاً مرّتين لم يجب تطهيره متعدِّداً ، هذا.
على أن الموضوع للحكم بوجوب التعفير في الصحيحة هو الفضل وعدم تعدّده بتعدّد الشرب غير خفي ، ومعه لا وجه لتكرّر التعفير عند تكرّر الولوغ. فبذلك اتضح أن الوجه فيما أفاده الماتن قدس سره من عدم تكرّر التعفير بتكرّر الولوغ هو ما ذكرناه لا الإجماع المدعى كما قيل.
[319] مسألة 12 : يجب تقديم التعفير على الغسلتين فلو عكس لم يطهر (1).
[320] مسألة 13 : إذا غسل الإناء بالماء الكثير لا يعتبر فيه التثليث ، بل يكفي مرّة واحدة حتى في إناء الولوغ (2).
(1) لأنه مقتضى الصحيحة المتقدِّمة (1)حيث ورد فيها « واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء » وقد أشرنا سابقاً إلى أن ما حكي عن المفيد قدس سره من أن الإناء يغسل من الولوغ ثلاثاً وسطاهنّ بالتراب أو إحداهنّ بالتراب كما عن محكي الخلاف والانتصار (2)من دون تخصيصه بالغسلة الأُولى ممّا لا دليل عليه.
(2) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين :
أحدهما : في تطهير الإناء المتنجِّس بغير الولوغ كالمتنجِّس بالخمر أو بولوغ الخنزير أو موت الجرذ فيه وغيره من المتنجِّسات التي يعتبر فيها التعدّد كالثوب المتنجِّس بالبول حيث يجب غسله مرّتين - ، ويقع الكلام فيه في أنه إذا غسل بالماء العاصم من الكر والجاري والمطر فهل يعتبر فيه ذلك العدد كما إذا غسل بالماء القليل أو يكفي فيه الغسل مرّة واحدة؟
التحقيق أن المتنجِّسات المعتبر فيها العدد لا يفرق الحال في تطهيرها بين الغسل بالماء القليل وغسلها بغيره من المياه المعتصمة ، وذلك لإطلاق ما دلّ على وجوب غسلها متعدداً فان تقييده بالغسل بالماء القليل مما لم يقم عليه دليل ومعه ، لا بدّ من اعتبار العدد في تطهيرها مطلقاً.
هذا ولكن المعروف بينهم سقوط التعدّد في الغسل بغير الماء القليل ، بل ظاهر الكلام المحكي عن الشهيد قدس سره أن المسألة كالمتسالم عليها عندهم ، حيث قال : « لا ريب في عدم اعتبار العدد في الجاري والكثير ... » (3)وإنما الكلام في مدرك ذلك. وقد استدلوا عليه بوجوه :
الأوّل : دعوى انصراف ما دلّ على اعتبار التعدّد إلى الغسل بالقليل ، ومع عدم شموله الغسل بالماء الكثير ونحوه لا مناص من الرجوع فيه إلى المطلقات وهي تقتضي كفاية الغسل مرّة واحدة.
وفيه : أن دعوى الانصراف لا منشأ لها غير غلبة الوجود لغلبة الغسل بالماء القليل ، فان الأحواض المعمولة في زماننا لم تكن متداولة في تلك العصور وإنما كان تطهيرهم منحصراً بالمياه القليلة إلاّ بالإضافة إلى سكنة السواحل وأطراف الشطوط وقد ذكرنا في محله أن غلبة الوجود غير مسببة للانصراف ولا سيما إذا كان المقابل أيضاً كثير التحقّق في نفسه كما هو الحال في المقام ، لأن الغسل بالماء الكثير أيضاً كثير كما في البراري والصحار ولا سيما في أيام الشتاء ، لكثرة اجتماع المياه الناشئة من المطر وغيره في الغدران حينئذ ، فدعوى الانصراف ساقطة.
الثاني : ما أرسله العلاّمة في المختلف (1)عن أبي جعفر علیه السلام مشيراً إلى ماء في طريقه : « إن هذا لا يصيب شيئاً إلاّ طهره ... » (2)فإنّه يدل على أن مجرد الإصابة كاف في التطهير بالماء الكثير من غير توقفه على الغسل فضلاً عن تعدده ، فان للحديث نوع حكومة ونظر على الأدلّة القائمة على لزوم الغسل في المتنجسات.
ويدفعه : أن الرواية ضعيفة بإرسالها ، ودعوى أنها منجبرة بعمل الأصحاب غير قابلة للإصغاء إليها ، لأنّا لو قلنا بانجبار الرواية الضعيفة بعمل الأصحاب على طبقها فإنّما هو في غير المقام ، لأن هذه الرواية ليس لها عين ولا أثر في جوامع الأخبار ولا في كتب الاستدلال قبل العلاّمة قدس سره فأين كانت الرواية قبله؟ وهو إنما ينقلها عن بعض علماء الشيعة ولا ندري أنه من هو؟ نعم قيل إن مراده ابن أبي عقيل إلاّ أنه مجرّد حكاية لم تثبت مطابقتها للواقع ، لاحتمال إرادة غيره فالرواية مرسلة وغير قابلة للانجبار بعملهم.
1) هذا وبمراجعة المختلف [ 1 : 15 ] ظهر أن مرسلها هو ابن أبي عقيل ، ومن ثمة نسبها إليه النوري في مستدركة حيث قال : العلاّمة في المختلف عن ابن أبي عقيل قال : ذكر بعض علماء الشيعة ... ، وإن كانت الرواية معروفة بمرسلة العلاّمة قدس سره وعليه فلا وقع لما قيل من أن مراده ببعض علماء الشيعة هو ابن أبي عقيل فلاحظ.
2) تقدّم نقله عن المستدرك في ص 14.
الثالث : مرسلة الكاهلي « كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر » (1)حيث دلت على كفاية مجرّد الرؤية في التطهير بماء المطر ، وبعدم القول بالفصل بينه وبين غيره من المياه العاصمة يتم المدعى ، فلا حاجة في التطهير بها إلى تعدد الغسل.
ويندفع هذا أولاً بأنها مرسلة ولا يعتمد في شيء. وثانياً بأن الاتفاق على عدم الفصل بين المطر وغيره لم يثبت بوجه ، فان دعواهم ذلك لا يزيد على الإجماع المنقول بشيء ، بل الدعوى المذكورة معلومة الخلاف ، كيف وقد فصّلوا بين ماء المطر وغيره بعدم اعتبارهم العصر في الغسل بالمطر بخلاف الغسل بغيره من المياه ، وهذا كاشف قطعي عن عدم التلازم بينهما في الأحكام ، فالحكم على تقدير ثبوته خاص بالمطر ولا يمكن تعديته إلى غيره. فلو تنازلنا عن ذلك فغاية الأمر أن نتعدى إلى الجاري فحسب بناء على أن ماء المطر كالجاري كما قيل فان التشبيه على تقدير ثبوته وإن كان من طرف ماء المطر إلاّ أنّا ندعي مماشاة للمستدل أن الجاري أيضاً كالمطر وأن الأحكام المترتبة على أحدهما مترتبة على الآخر إلاّ أن إلحاق غيره كالكثير يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه.
الرابع : إطلاق أدلة التطهير بالماء كالآيات والأخبار المتقدمتين في أوائل الكتاب وإطلاق ما دلّ على أن المتنجِّس يطهر بغسله من غير تقييده بمرتين أو أكثر على ما تقدم في البحث عن اعتبار التعدّد في البول (2)، فراجع.
ويدفعه : أن العبرة إنما هو بإطلاق دليل المقيد ، وهو ما دلّ على لزوم التعدّد في غسل الثوب المتنجِّس بالبول والإناء المتنجِّس بالخمر أو بولوغ الخنزير أو بوقوع ميتة الجرذ فيه ، ومقتضى إطلاقه عدم الفرق في اعتبار التعدّد بين غسله بالماء القليل وغسله بالكثير.
الخامس : صحيحة محمد بن مسلم قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الثوب يصيبه البول ، قال : اغسله في المِركَن مرتين ، فان غسلته في ماء جار فمرّة واحدة » (3)بتقريب أن جملة « فإن غسلته في ماء جار فمرة » بيان للمفهوم المستفاد من
الجملة السابقة عليها أعني قوله علیه السلام « اغسله في المِركَن مرتين » الذي يدل على لزوم التعدّد في غسل المتنجِّس بالبول بالماء القليل ، ويستفاد من مفهومها عدم اعتبار التعدّد فيما إذا غسل بغيره من المياه العاصمة بلا فرق في ذلك بين غسله بالماء الكثير وغسله بالجاري ونحوهما مما لا ينفعل بالملاقاة. وأما تعرضه علیه السلام للغسل بالجاري دون الكثير فلعله مستند إلى قلة وجود الماء الكثير في عصرهم علیهم السلام فالتصريح بكفاية المرة في الجاري لا دلالة له على اختصاص الحكم به ، بل الجاري وغيره من المياه العاصمة سواء والتعدّد غير معتبر في جميعها.
وهذه الدعوى كما ترى مجازفة ولا مثبت لها ، لأنها ليست بأولى من عكسها ، فلنا أن نعكس الدعوى على المدعي بتقريب أن جملة « اغسله في المِركَن مرّتين » تصريح وبيان للمفهوم المستفاد من الجملة المتأخرة عنها أعني قوله علیه السلام « فان غسلته في ماء جار فمرّة واحدة » إذن تدلنا الصحيحة على أن الغسلة الواحدة تكفي في الجاري خاصة ولا تكفي في غيره من المياه ، بلا فرق في ذلك بين الماء القليل والكثير وإنما صرّح بالغسل بالقليل دون الكثير من جهة قلة وجود الكر في عصرهم علیهم السلام لأنه لم يكن يوجد وقتئذ إلاّ في الغدران الواقعة في الصحاري والقفار فالاحتمالان متساويان ولا يمكن الاستدلال بالصحيحة على أحدهما ، فالصحيح أن الصحيحة لا تعرّض لها على كفاية المرّة في الغسل بالكثير إثباتاً ولا نفياً.
السادس : ما ورد في صحيحة داود بن سرحان (1)من أن ماء الحمام بمنزلة الماء الجاري ، وتقريب دلالتها على المدعى أن المياه الكائنة في الحياض الصغار مع أنها ماء قليل إنها نزلت منزلة الماء الجاري الذي يكفي فيه الغسل مرة واحدة لاعتصامها بمادتها أعني الماء الموجود في الخزانة وهو كثير ، إذن فنفس المادة التي هي الماء الكثير أولى بأن تنزّل منزلة الجاري في كفاية الغسل مرة واحدة ، وعلى ذلك فالكثير كالجاري بعينه ولا يعتبر فيه التعدّد.
ويرد على هذا الاستدلال : أن التنزيل في الصحيحة إنما هو بلحاظ الاعتصام وهو الذي نطقت به جملة من الروايات ، وليس من جهة أن ماء الحمام حكمه حكم الجاري
1) الوسائل 1 : 148 / أبواب الماء المطلق ب 7 ح 1.
مطلقاً حتى يترتب عليه جميع الآثار المترتبة على الجاري ، وتوضيحه : أن المياه الكائنة في الحياض الصغار في الحمامات ماء قليل ينفعل بملاقاة النجس لا محالة وكونها متصلة بالماء الكثير في موادها لا يوجب التقوي لدى العرف لعدم تقوي الماء السافل بالعالي حسب الارتكاز ، كما أن النجاسة لا تسري من السافل إلى العالي لأنهما ماءان متغايران عرفاً ، ومعه فمقتضى القاعدة انفعال الماء في الأحواض الصغار ولأجل هذه الجهة سألوهم علیهم السلام عن حكمها وأنها تنفعل بالملاقاة أو لا تنفعل ، فأجابوا علیهم السلام أنها معتصمة لاتصالها بالمواد فالسؤال عن حكمها إنما هو من جهة أن اعتصامها على خلاف القاعدة ، والتشبيه بالجاري في كلامهم علیهم السلام لدفع توهم الانفعال ، ببيان أن مياه الأحواض الصغار لا تنفعل بالملاقاة ، لا أن حكمها حكم الجاري مطلقاً حتى يترتب عليه جميع الآثار المترتبة على الجاري.
فالصحيح عدم الفرق في الموارد التي اعتبر فيها التعدّد بين الغسل بالماء القليل والغسل بالكثير. نعم خرجنا عن ذلك في خصوص غسل المتنجِّس بالبول في الجاري للصحيحة المتقدِّمة المشتملة على قوله علیه السلام « فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة » هذا كله في هذا المقام.
وثانيهما : الإناء المتنجِّس بالولوغ وأنه إذا غسلناه بالماء العاصم فهل يعتبر فيه التعدّد أو يكفي فيه الغسل مرة؟ وقد نسب القول بالتعدد إلى جماعة في المقام إلاّ أن الصحيح عدم الاعتبار كما أفاده الماتن قدس سره وذلك لما قدّمناه (1)من أن موثقة عمار الآمرة بغسل الإناء المتنجِّس ثلاث مرات مختصة بالماء القليل ، فان صبّ الماء فيه وتفريغه لا يتحقق عادة إلاّ في القليل ، وبها قيدنا المطلقات المقتضية للاجتزاء بالغسلة الواحدة في الماء القليل.
وأمّا الغسل بالمياه العاصمة فمقتضى إطلاق صحيحتي البقباق ومحمّد بن مسلم كفاية الغسل مرّة واحدة ، ولم يرد عليهما ما يقتضي التقييد في الكثير ونحوه ، فلا موجب لرفع اليد عن إطلاقهما حينئذ في غير الماء القليل. نعم إذا بنينا على أن
1) في ص 49.
نعم الأحوط عدم سقوط التعفير فيه ، بل لا يخلو عن قوة والأحوط التثليث حتى في الكثير (1).
صحيحة البقباق مشتملة على كلمة « مرتين » بعد قوله « ثم بالماء » كما نقله المحقِّق قدس سره كان اللازم اعتبار التعدّد حتى في الغسل بالمياه العاصمة ، لإطلاق الصحيحة وعدم اختصاصها بالماء القليل ، ولكن الزيادة لم تثبت كما مر إذ لا أثر منها في الجوامع المعتبرة والكتب الفقهية. وتعيّن الأخذ بالزيادة عند دوران الأمر بين احتمالي الزيادة والنقيصة ، نظراً إلى أن احتمال الغفلة في طرف الزيادة أضعف وأهون من احتمالها في طرف النقيصة ، لأن الناقل قد يغفل فيترك شيئاً وينقصه ، وأما أنه يغفل فيزيد فهو احتمال ضعيف لو تم فإنّما هو في الموارد التي كان احتمال الغفلة في طرف الزيادة ضعيفاً وأهون ، وأما إذا كان احتمال الغفلة والاشتباه في طرف الزيادة أقوى وآكد كما في المقام لتفرّد المحقِّق في نقلها فلا وجه لتعيّن الأخذ بالزيادة بوجه ، والمحقِّق قدس سره وإن كان من أجلاّء أصحابنا إلاّ أن تفرده في نقل الزيادة يؤكد احتمال الغفلة في نقلها. إذن لا مثبت للتعدد في غسل الإناء المتنجِّس بالولوغ بالمياه العاصمة.
(1) ما أفاده قدس سره في هذه المسألة مناقض صريح لما مرّ منه قدس سره في أوائل الكتاب من جعله التعفير في الولوغ من شرائط التطهير بالماء القليل ، إلاّ أنه في المقام ذهب إلى اشتراطه في الغسل بالكثير أيضاً ، وهما أمران متناقضان وقد أشرنا إلى المناقضة أيضاً هناك والصحيح ما أفاده في المقام ، وذلك لإطلاق صحيحة البقباق وعدم اختصاصها بالماء القليل ، فالتعفير معتبر في كل من الغسل بالماء الكثير والقليل.
وأمّا الغسل بالمطر فهل يعتبر فيه التعفير أيضاً أو لا يعتبر؟ مقتضى مرسلة الكاهلي « كلّ شيء يراه ماء المطر فقد طهر » (1)عدم اعتباره في الغسل بالمطر لدلالتها على كفاية مجرّد الرؤية في تطهير المتنجسات سواء أكان المتنجِّس إناء الولوغ أم غيره. ومقتضى صحيحة البقباق المتقدِّمة (2)اعتباره مطلقاً حتى في الغسل بالمطر ، فهما
[321] مسألة 14 : في غسل الإناء بالماء القليل يكفي صبّ الماء فيه وإدارته إلى أطرافه ثم صبه على الأرض ثلاث مرات ، كما يكفي أن يملأه ماء ثم يفرغه ثلاث مرّات (1).
متعارضتان في غسل إناء الولوغ بالمطر والنسبة بينهما عموم من وجه.
فقد يقال حينئذ بعدم اعتبار التعفير في الغسل بالمطر ، نظراً إلى أن المتعارضين يتساقطان بالمعارضة ، ومعه لا يبقى هناك ما يقتضي التعفير في الغسل بالمطر ويكفي في الحكم بعدم الوجوب عدم الدليل عليه ، أو يرجح المرسلة على الصحيحة من جهة أن دلالتها بالعموم ودلالة الصحيحة بالإطلاق ، والعموم متقدم على الإطلاق عند المعارضة ، والنتيجة على كلا التقديرين عدم وجوب التعفير في الغسل بالمطر ، هذا.
ولكن الصحيح أن الولوغ يعتبر التعفير فيه حتى إذا غسل بالمطر وذلك أمّا أوّلاً : فلأجل أن الرواية ضعيفة بإرسالها ، ولا يعتمد على المرسلة بوجه فالصحيحة غير معارضة بشيء.
وأمّا ثانياً : فلأن الظاهر من المرسلة أنها ناظرة إلى بيان أن الغسل بالمطر لا يعتبر فيه انفصال الغسالة. وإن شئت قلت : إن التطهير بالمطر لا يعتبر فيه الغسل ، لأنه لغة متقوم بخروج الغسالة وانفصالها فلا غسل بدونه ، ومن هنا اعتبرناه في التطهير بكل من الماء القليل والكثير ، والمرسلة دلّتنا على أن المطر يكفي رؤيته في تطهير المتنجِّسات من غير حاجة إلى غسلها وإخراج غسالتها.
وأمّا أنّ التعفير أو غيره من الشرائط المعتبرة في التطهير بغير المطر لا يعتبر في التطهير به ، فدون استفادته من المرسلة خرط القتاد ، وعليه فالتعفير معتبر في إناء الولوغ مطلقاً ، بلا فرق في ذلك بين الغسل بالماء القليل والغسل بالكثير أو المطر أو غيرهما من المياه.
(1) ورد في موثقة عمّار المتقدِّمة (1)الأمر بتحريك الإناء عند تطهيره بعد صبّ الماء فيه ، ومن هنا وقع الكلام في أن تحريك الإناء هل له موضوعية في تطهير الإناء؟
1) في ص 40.
[322] مسألة 15 : إذا شكّ في متنجِّس أنه من الظروف حتى يعتبر غسله ثلاث مرّات أو غيره حتى يكفي فيه المرّة ، فالظاهر كفاية المرّة (1).
أو أنه إنما ذكر مقدمة لإيصال الماء إلى أجزائه بحيث لو أوصلناه إليها بتوسط أمر آخر من دون تحريكه كفى في تطهيره ، كما إذا أملأناه ماء؟
الذي يستفاد من الأمر بتحريك الإناء في الموثقة حسب المتفاهم العرفي أنه طريق إلى إيصال الماء إلى أجزاء الإناء ولا موضوعية له في تطهيره ، وإن استشكل فيه صاحب الجواهر قدس سره نوع اشكال جموداً على ظاهر الموثقة (1)إلاّ أن مقتضى الفهم العرفي ما ذكرناه ، ومن المستبعد أن يفصّل في تطهير الأواني بين ما يمكن أن يستقر فيه الماء على نحو يمكن تحريكه وما لا يستقر فيه الماء ولا يمكن تحريكه ، كما إذا كان مثقوباً من تحته بحيث لا يبقى الماء فيه ، فهل يحكم ببقائه على النجاسة فيما إذا أوصلنا الماء إلى جميع أجزائه لغزارته؟ والمتحصل أن الماء الملاقي للإناء كالغسالة يقتضي طهارته بالانفصال عنه.
(1) الشك في أن المتنجِّس من الظروف والأواني ليجب غسله ثلاثاً أو سبعاً أو أنه من غيرهما ليكتفى في تطهيره بالغسلة الواحدة يتصور على نحوين :
فتارة يشك في ذلك من جهة الشبهة المفهومية لتردد مفهوم الإناء بين الأقل والأكثر ، كما إذا شككنا في أن الطست مثلاً هل يطلق عليه الإناء أو أنه خارج عن حقيقته لعدم كونه معداً للأكل والشرب منه. وأُخرى يشك فيه من جهة الشبهة الموضوعية لعمى أو ظلمة ونحوهما.
أما إذا شك فيه من جهة الشبهة المفهومية فيكتفى في تطهيره بالغسلة الواحدة وذلك لما حررناه في محله من أن تخصيص أيّ عام أو مطلق وإن كان موجباً لتعنون العام المخصّص بعنوان عدمي إذا كان العنوان المأخوذ في دليل المخصص عنواناً وجودياً لاستحالة الإهمال في مقام الثبوت ، فامّا أن يكون الموضوع في دليل العام
1) الجواهر 6 : 376.
مطلقاً بالإضافة إلى العنوان الوارد في دليل الخاص ، وإما أن يكون مقيداً بوجوده أو بعدمه. والإطلاق والتقييد بالوجود لا معنى لهما مع التخصيص ، فيتعيّن أن يكون مقيداً بعدم ذلك العنوان الوارد في دليل المخصص ، ولا يفرق في ذلك بين العموم اللفظي وغيره ، فان المدار إنما هو على ما يستفاد منه عموم الحكم وسريانه سواء كان لفظياً أم غيره ، إلاّ أن هذا التقييد أعني تخصيص المطلق أو العام ورفع اليد عن إطلاقه أو عمومه إنما هو بمقدار ما قامت عليه الحجة والدليل ، وأما الزائد المشكوك فيه فالمحكم فيه هو الإطلاق أو العموم. إذا عرفت هذا فنقول :
إنّ العمومات والإطلاقات دلتا على كفاية الغسلة الواحدة في تطهير المتنجِّسات كقوله علیه السلام في موثقة عمار : « ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ... » (1)وقد ورد عليهما التخصيص بالإناء لوجوب غسله ثلاثاً أو سبعاً ، وحيث إنه مجمل على الفرض فيؤخذ منه بالمقدار المتيقّن وهو الأفراد التي يصدق عليها عنوان الظرف والإناء ، لأنها مما قامت الحجّة على خروجها عن العام فيتقيد بعدمه. وأما ما يشك في صدق الإناء عليه وهو المقدار الزائد المشكوك فيه فيرجع فيه إلى عموم العام أو إطلاقه لعدم قيام الحجة القطعية على خروجه عن العام حتى يتقيد بعدمه ، ومقتضى العموم أو الإطلاق كفاية الغسل مرة واحدة.
وأمّا إذا شك فيه من جهة الشبهة الموضوعية فلا مجال فيه للتمسك بعموم العام أو إطلاقه ، لعدم جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية لتردده بين دخوله تحت إحدى الحجتين ، فهل يتعيّن حينئذ الرجوع إلى استصحاب بقاء النجاسة فيما يشك في كونه ظرفاً بعد غسله مرّة واحدة بناء على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية أو أن هناك أصلاً آخر ينقح به الموضوع؟
التحقيق هو الثاني ، لاستصحاب عدم كون الموجود الخارجي المشكوك فيه إناء ولا يبتني هذا الأصل على جريان الأصل في الأعدام الأزلية بوجه ، لأن جريان الأصل فيها وإن كان هو الصحيح إلاّ أن الأصل الجاري في المقام إنما يجري في العدم
1) الوسائل 1 : 142 / أبواب الماء المطلق ب 4 ح 1.
[323] مسألة 16 : يشترط في الغسل بالماء القليل انفصال الغسالة على المتعارف (1) ففي مثل البدن ونحوه مما لا ينفذ فيه الماء يكفي صبّ الماء عليه وانفصال معظم الماء ، وفي مثل الثياب والفرش ممّا ينفذ فيه الماء لا بدّ من عصره (2) أو ما يقوم مقامه كما إذا داسه برجله أو غمزه بكفِّه أو نحو ذلك ، ولا يلزم
النعتي دون الأزلي ، وذلك لأنّ الظرف والإناء لا يتكوّن إناء من الابتداء ، بل إنما يتشكّل بشكل الإناء بعد كونه مادة من الخزف أو الصفر أو النحاس أو نحوها ، وعليه فيصح أن يقال : إن هذا الجسم الخارجي لم يكن إناء في زمان قطعاً والأصل أنه الآن كما كان ، فمقتضى الاستصحاب الجاري في العدم النعتي أن المشكوك فيه ليس بإناء. نعم إذا فرضنا ظرفاً مخلوق الساعة بإعجاز ونحوه ، وشككنا في أنه إناء أو غيره لم يجر فيه استصحاب العدم النعتي إذ لا حالة سابقة له وينحصر الأصل حينئذ باستصحاب العدم الأزلي ، فما أفاده الماتن قدس سره من كفاية الغسلة الواحدة فيما شك في كونه إناء هو الصحيح.
(1) لأن عنوان الغسل يتوقف صدقه على انفصال الغسالة عن المغسول ، لوضوح أنه لو أخذ كفه وصبّ الماء عليه بحيث لم تنفصل عنها الغسالة لم يصدق أنه غسل يده.
(2) لما مرّ من أن انفصال الغسالة معتبر في تحقق الغسل ، وهي فيما يرسب فيه الماء وينفذ في أعماقه لا تنفصل إلاّ بعصره فالعصر أيضاً معتبر في تحقّق مفهوم الغسل وصدقه ، إلاّ أنه لا بما هو هو بل بما أنه مقدمة لانفصال الغسالة عن المغسول ، بحيث لو انفصلت بغيره مما يفيد فائدته من فرك أو دلك أو نحوهما كفى في تحقق الغسل وطهارة المغسول.
وربما يتوهم اعتبار العصر هو هو لوروده في حسنة الحسين بن أبي العلاء حيث قال علیه السلام : « تصب عليه الماء قليلاً ثم تعصره » (1). ويدفعه : أنّ العصر في الحسنة محمول على الاستحباب كما مرت الإشارة إليه سابقاً (2). على أنه يحتمل أن
انفصال تمام الماء ، ولا يلزم الفرك والدّلك إلاّ إذا كان فيه عين النجس أو المتنجِّس (1)
يكون من جهة الجري مجرى العادة لأن العصر هو الغالب في غسل الثوب ونحوه.
(1) هل يعتبر في التطهير الدلك بعد الغسل؟
قد يقال باعتباره نظراً إلى وروده في تطهير الإناء كما في موثقة عمار : « وسئل أيجزئه أن يصب فيه الماء؟ قال : لا يجزئه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرّات » (1)ونسب اعتباره إلى العلاّمة قدس سره وأنه تعدّى عن إناء الخمر وأوجب الدلك في مطلق المتنجسات الصلبة (2).
ويدفعه : أن الموثقة إنما اشتملت على الدلك بعد الصبّ ولم تدل على لزوم الدلك بعد الغسل ، كما أنها إنما وردت في الإناء المتنجِّس بالخمر لا في مطلق المتنجِّس بمطلق النجاسات ، ولعلّ اعتبار الدلك في مورد الموثقة مستند إلى أن للخمر على ما يدعون ثخونة ورسوباً لا تزولان بصبّ الماء عليه ولا سيما في الأواني المصنوعة من الخشب أو الخزف ، بل يتوقف على الدلك وعليه فاعتباره في مورد الموثقة مطابق للقاعدة من دون اختصاصه بالإناء المتنجِّس بالخمر ، لأن المتنجِّس لا بدّ من غسله على نحو يزول عنه عين النجس ، فان كانت العين مما يزول بالصب أو الغسل فهو وإلاّ فلا بد من دلكها حتى تزول.
ويدلُّ على ذلك ما ورد في حسنة الحسين بن أبي العلاء حيث سأل عن البول يصيب الجسد ، قال : صب عليه الماء مرتين فإنّما هو ماء ... (3)حيث علل كفاية الصب في التطهير عن البول بأنه كالماء أمر قابل للارتفاع بالصب وإنما لا يكتفى بالصب فيما لا يزول به ، فاعتبار الدلك في الموثقة مستند إلى ما ذكرناه وغير مستند إلى اعتباره في تطهير المتنجسات. ويؤيده بل يدل عليه عدم ورود الأمر بذلك في شيء من الأخبار الواردة في التطهير.
وفي مثل الصابون والطين ونحوهما مما ينفذ فيه الماء ولا يمكن عصره ، فيطهر ظاهره بإجراء الماء عليه ، ولا يضره بقاء نجاسة الباطن على فرض نفوذها فيه (1)
(1) قد تعرض قدس سره في هذه المسألة لعدة فروع.
منها : تطهير المتنجِّس الذي لا يرسب فيه الماء ولا ينفذ إلى أعماقه ، وقد تقدّم آنفاً أن في تطهيره بالماء القليل يكفي مجرد الصب عليه مشروطاً بانفصال الغسالة عنه كما في البدن ونحوه.
ومنها : تطهير المتنجِّس الذي يرسب فيه الماء وهو قابل للعصر أو ما يقوم مقامه. وقد عرفت أن في تطهيره بالماء القليل لا بدّ من صبّ الماء عليه وعصره أو دلكه أو غيرهما مما ينفصل به الغسالة عن الجسم.
ومنها : المتنجِّس الراسب فيه الماء وهو غير قابل للعصر وشبهه كالصابون والطين والحنطة والشعير ونحوها ، فقد ذكر قدس سره أن إجراء الماء على مثله يكفي في الحكم بطهارة ظاهره ولا يضره بقاء الباطن على نجاسته على تقدير نفوذها فيه. وهذه المسألة يقع الكلام فيها من جهات ثلاث :
الاولى : أن الجسم القابل لأن يرسب فيه الماء إذا تنجس ظاهره بشيء فهل يمكن تطهير ظاهره بالماء القليل؟
قد يقال بعدم إمكان ذلك ، لاشتراط انفصال الغسالة عن المغسول في الغسل بالماء القليل ، وهذا لا يتحقق في الأجسام غير القابلة للعصر فيما إذا نفذ الماء في جوفها لأنه لا ينفصل عن مثلها سوى المقدار غير الراسب في جوفها ، ومع عدم انفصال الغسالة يبقى المتنجِّس على نجاسته ، لأن الماء الكائن في جوفها ماء قليل لاقاه المتنجِّس ونجّسه وهو يوجب نجاسة المغسول لا محالة.
هذا ، ولا يخفى عدم إمكان المساعدة عليه ، وذلك لأنّا وإن اشترطنا انفصال الغسالة في التطهير إلاّ أن المعتبر إنما هو انفصالها عن الموضع المتنجِّس المغسول لا عن تمام الجسم ، بحيث لو انفصلت عن محل الغسل واجتمعت في مكان آخر من الجسم كفت في طهارة الموضع الذي انفصلت الغسالة عنه ، مثلاً إذا غسل الموضع المتنجِّس
من يده وانفصلت الغسالة عنه واجتمعت في كفه حكم بطهارة ذلك الموضع لا محالة. وكذلك الحال في تطهير الموضع المتنجِّس من الأرض فإن انفصالها عن موضع الغسل يكفي في طهارته وإن اجتمعت في جانب آخر من الأرض ، وعليه يكفي انفصال الغسالة عن ظاهر مثل الصابون في الحكم بطهارة ظاهره وإن صارت مجتمعة في جوفه ، فلا مانع من تطهير الأجسام غير القابلة للعصر بالماء القليل وإن نفذ في جوفها.
الجهة الثانية : أن الغسالة النافذة في جوف الأجسام المذكورة هل تنجّس بواطنها بناء على نجاسة الغسالة؟
التحقيق أنها لا تنجّس البواطن ، لأن ما ينفذ في جوفها إنما هو من الأجزاء المتخلِّفة من الغسالة والمتخلف منها محكوم بالطهارة بطهارة المحل ، لأنه من لوازم الغسل التي يحكم بطهارتها بتماميته ، وذلك للأمر بغسل المتنجسات ودلالة الروايات على طهارتها بذلك ، ومعه لا مناص من الالتزام بطهارة كل ما هو من لوازم غسلها وتطهيرها ، وقد عرفت أن بقاء مقدار من الغسالة في المغسول أمر لازم لغسله ، فنفوذ الغسالة في الأجسام المذكورة لا يوجب نجاسة بواطنها.
الجهة الثالثة : أن بواطن الأجسام المذكورة إذا تنجست قبل غسلها وتطهيرها فهل تطهر بصبّ الماء على ظواهرها بمقدار يصل جوفها؟ فقد يقال بالمنع عن طهارة جوفها بذلك بدعوى أن الطهارة إنما تحصل بالغسل ، وصبّ الماء على ظاهر الجسم لا يعد غسلاً لباطنه بوجه ، هذا.
والصحيح كفاية ذلك في تطهير بواطن الأجسام ، لأن غسل كل شيء إنما هو بحسبه فرب شيء يكتفى في غسله بصبّ الماء عليه وانفصال الغسالة عنه كما في البدن ونحوه ، وشيء يعتبر فيه عصره ولا يكفي صبّ الماء عليه ، ففي بواطن الأجسام المذكورة يكتفى بصبّ الماء على ظواهرها إلى أن يصل الماء الطاهر إلى جوفها لأنه غسلها. وأمّا استكشاف أن ذلك يعدّ غسلاً للبواطن فهو إنما يحصل بملاحظة كيفية إزالة القذارات لدى العرف ، فترى أن العرف يكتفي في تطهير ما وقع في البالوعة وتقذر جوفها لذلك ، بصبّ الماء على ظاهره حتى ينفذ الماء الطاهر في أعماقه ، فإذا
كان هذا طريق الإزالة لدى العرف فلا مناص من الحكم بكفايته في حصول الطهارة لدى الشرع ، لأن ما أمر به في الروايات من الغسل إنما هو الغسل الذي يكون غسلاً لدى العرف ، وعليه فمقتضى عموم أو إطلاق ما دلّ على طهارة المتنجِّس بغسله ، طهارة البواطن أيضاً بما ذكرناه ، هذا.
وقد يستدل على طهارة البواطن بصبّ الماء على ظواهرها بحديث نفى الضرر ، لأن بقاءها على نجاستها ضرر على مالكها ، إذ النجاسة مانعة عن أكلها أو استعمالها فيما يشترط فيه الطهارة. ويجاب عنه بأن الحديث إنما ينفي الأحكام الضررية التكليفية ولا يعم الأحكام الوضعية التي منها الطهارة والنجاسة.
وهذا الاستدلال والجواب لا يرجعان إلى محصل :
أمّا الجواب فلما قدمناه في محله من أن حديثي الرفع ونفي الضرر وكذلك ما دلّ على نفي العسر والحرج غير مختصة بالأحكام التكليفية ، ومن هنا استدلوا على عدم لزوم المعاملة الغبنية بحديث نفي الضرر ولم يستشكل عليهم بعدم جريان الحديث في الأحكام الوضعية.
وأمّا الاستدلال فلما بيّناه في حديث نفي الضرر من أنه إنما ينظر إلى الأحكام المجعولة في الشريعة المقدسة ، ويدلُّ على أن ما يلزم منه الضرر في مورد فهو مرفوع لا محالة ، ولا نظر لها إلى الأحكام المعدومة بوجه ، فلو لزم من عدم جعل حكم في مورد ضرر على أحد المكلفين لم يقتض الحديث جعل ذلك الحكم في الشريعة المقدّسة ، فإن عدم جعل الحكم ليس من الأحكام الضررية ، والأمر في المقام كذلك لأنّ الضرر إنما ينشأ عن عدم جعل مطهّر لتلك الأجسام ، فالحديث لا يقتضي جعل مطهّر لها في الشرع. نعم ، لو أرجعنا الحديث إلى منشأ عدم جعل الطهارة للبواطن وهو نجاسة تلك الأجسام ، صح أن يقال إنها حكم ضرري فيرتفع بالحديث ، إلاّ أن ارتفاع النجاسة عن الأجسام المذكورة خلاف المقطوع به لليقين بنجاستها على الفرض.
على أن ذلك خلاف ما نطقت به الأخبار حيث إنها تدل على نجاسة جملة من الأُمور الموجبة للضرر ، كما دلّ على لزوم إهراق الإناءين اللذين وقع في أحدهما غير
وأمّا في الغسل بالماء الكثير فلا يعتبر انفصال الغسالة (1) ولا العصر (2) ولا التعدّد (1)(3) وغيره ، بل بمجرد غمسه في الماء بعد زوال العين يطهر ،
المعيّن نجس (2)وما ورد في نجاسة الدهن بوقوع النجس عليه وأنه يطرح أو يستصبح به إذا كان ذائباً (3)مع أن نجاسة الماء أو الدهن موجبة للضرر على المكلفين. فالصحيح في الحكم بطهارة بواطن الأجسام المذكورة ما ذكرناه من التمسك بالعمومات والمطلقات.
(1) شرع قدس سره في أحكام الغسل بالماء الكثير ، وذكر أن الأجسام التي لا ترسب فيها النجاسة ولا ينفذ فيها الماء تطهر بوصول الماء الكثير إليها من غير حاجة إلى انفصال غسالتها ، والأمر كما أفاده لصدق عنوان الغسل في الأجسام التي لا يرسب فيها الماء بمجرّد وصوله إليها من دون أن يتوقّف على انفصال الغسالة عنها فلو أدخل يده المتنجسة في الماء الكثير صدق أنه غسل يده وإن لم يخرجها عن الماء.
(2) عدم اعتبار العصر وانفصال الغسالة إنما هو فيما لا يرسب فيه الماء ولا يمكن عصره ، وأما ما ينفذ الماء في جوفه وهو قابل للعصر كالثياب المتنجسة بالبول ونحوه فلا يفرق الحال في تطهيره بين غسله بالماء الكثير وغسله بالقليل ، وذلك لأن العصر وإن لم يرد اعتباره في شيء من رواياتنا ، إلاّ أنّا بيّنّا أنّ الغسل لا يتحقّق بدونه وأنه مأخوذ في مفهومه بما هو طريق إلى إخراج الغسالة لا بما هو هو ، ومن هنا نكتفي في تحققه بالدلك وغيره مما يقوم مقامه ومعه لا وجه لتخصيص اعتبار العصر بالغسل في القليل.
(3) أي في تطهير الأجسام التي لا ينفذ فيها الماء ، وقد قدمنا تفصيل الكلام في
ويكفي في طهارة أعماقه إن وصلت النجاسة إليها نفوذ الماء الطاهر فيه في الكثير ، ولا يلزم تجفيفه (1)أولاً. نعم ، لو نفذ فيه عين البول مثلاً مع بقائه فيه يعتبر تجفيفه بمعنى عدم بقاء مائيته فيه ، بخلاف الماء النجس الموجود فيه فإنّه بالاتصال بالكثير يطهر فلا حاجة فيه إلى التجفيف (1).
ذلك (2)وقلنا إن التعدّد المدلول عليه في موثقة عمار المقيدة لإطلاقات أدلّة الغسل في الأواني إنما يختص بالغسل بالماء القليل.
وأما في الغسل بالكثير فمقتضى الإطلاقات عدم اعتبار التعدّد فيه. وأما التعدّد المدلول عليه بالمطلقات كما في التعدّد في المتنجِّس بالبول أو الإناء الذي شرب منه الخنزير أو مات فيه الجرذ فهو عام لا يختص اعتباره بالغسل بالقليل ، بل مقتضى الإطلاق وجوب التعدّد في كل من القليل والكثير. نعم ، خرجنا عن ذلك في خصوص غسل المتنجِّس بالبول في ماء جار لصحيحة محمد بن مسلم المصرحة بكفاية الغسل فيه مرّة واحدة (3).
(1) تعرض قدس سره لحكم الأجسام التي ينفذ فيها الماء وهي غير قابلة للعصر كالصابون والحنطة والطين ، ورأى أن نفوذ الماء الطاهر الكثير في أعماقها كاف في الحكم بطهارتها ، وأن ما في جوفها إذا كان غير العين النجسة كالماء المتنجِّس لم يلزم تجفيفها أولاً ، بل يطهرها مجرد اتصال ما في جوفها بالماء الكثير لكفاية اتصال الماء المعتصم في طهارة الماء المتنجِّس. وأما إذا كان ما في جوفها هو العين النجسة كالبول فلا مناص من تجفيفها أولاً حتى تذهب مائيتها وإن بقيت رطوباتها ثم يوصل الماء الكثير إلى جوفها ، وذلك لأن العين الموجودة في جوف الأجسام المذكورة مانعة عن وصول الماء المعتصم إليها. هذا ما أفاده قدس سره في المقام.
[324] مسألة 17 : لا يعتبر العصر ونحوه فيما تنجس ببول الرضيع وإن كان مثل الثوب والفرش ونحوهما ، بل يكفي صبّ الماء عليه مرة على وجه يشمل جميع أجزائه ، وإن كان الأحوط مرتين. لكن يشترط أن لا يكون متغذياً معتاداً بالغذاء ، ولا يضرّ تغذيه اتفاقاً نادراً ، وأن يكون ذكراً لا أُنثى على الأحوط ، ولا يشترط فيه أن يكون في الحولين ، بل هو كذلك ما دام يعد رضيعاً غير متغذ ، وإن كان بعدهما ، كما أنه لو صار معتاداً بالغذاء قبل الحولين لا يلحقه الحكم المذكور بل هو كسائر الأبوال (1)
ولا يمكن المساعدة عليه ، لأن الموجود في أعماق الأجسام المتنجسة لا يطلق عليه الماء ليكتفى في تطهيره بمجرد اتصاله بالماء الكثير وإنما هو رطوبات ، والمستفاد من صحيحة ابن بزيع وغيرها إنما هو كفاية الاتصال بالماء العاصم في تطهير المياه المتنجسة ، وأما غيرها فلا دليل على طهارتها بذلك ، فلا يمكن الحكم بطهارة الرطوبات المتنجسة باتصالها بالماء المعتصم في بعض أطرافها ، كما أن الاتصال كذلك بالنجس لا يوجب نجاسة الجميع ، حيث إن النجس إذا لاقى أحد أطراف الجسم الرطب لم يحكم بنجاسة سائر جوانبه بدعوى أن الرطوبات متصلة ، فكما أنها لا توجب السراية في ملاقاة الأشياء النجسة كذلك لا توجب سراية الطهارة في موارد الاتصال بالماء الكثير ، أترى أن الجسم الرطب إذا لاقى أحد جوانبه الطاهرة مع الماء العاصم يكفي ذلك في تطهير الجانب النجس منه؟
وعليه فلا بد في تطهير أمثال هذه الأجسام المتنجسة من إبقائها في الماء المعتصم بمقدار يصل إلى جميع أجزائها الداخلية ، لغلبته على ما في جوفها من الرطوبات ، أو تحريك الماء في جوفها على نحو تحصل الغلبة.
(1) قدّمنا الكلام على ذلك في المسألة الرابعة مفصّلاً (1)وتعرضنا هناك لجميع ما تعرض لها الماتن قدس سره هنا من الشروط ، سوى اشتراط كون اللبن من المسلمة وأنه إذا كان من الكافرة أو الخنزيرة حكم بوجوب غسله. ويقع الكلام فيها
1) في ص 30.
وكذا يشترط (1)في لحوق الحكم أن يكون اللبن من المسلمة فلو كان من الكافرة لم يلحقه ، وكذا لو كان من الخنزيرة (1).
وفيما دلّ على هذا الاشتراط في التعليقة الآتية فليلاحظ.
(1) قد يقال : الوجه في هذا الاشتراط هو ما يستفاد من التعليل الوارد في رواية السكوني عن جعفر عن أبيه علیهماالسلام أن عليّاً علیه السلام قال : « لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم ، لأن لبنها يخرج من مثانة أُمها ، ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا من بوله قبل أن يطعم ، لأن لبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين » (2). حيث يستفاد منها أن العلة في الغسل من لبن الجارية وبولها هي نجاسة لبنها لخروجه من مثانة أُمها ، كما أن العلة في عدم لزوم الغسل من لبن الغلام وبوله طهارة لبنه ، لأنه يخرج من العضدين والمنكبين ، وبتعليلها هذا يتعدى من موردها إلى كل لبن نجس كلبن الكلبة والخنزيرة والمشركة والكافرة فاذا ارتضع به الولد وجب الغسل من بوله.
وهذا الاستدلال مخدوش من جهات :
الاولى : أن لازم هذا الكلام هو الحكم بوجوب الغسل من بول الغلام فيما إذا ارتضع بلبن امرأة ولدت جارية ، وعدم وجوبه من بول الجارية التي ارتضعت بلبن امرأة ولدت ذكراً ، والوجه في الملازمة ظاهر لأن الجارية حينئذ ارتضعت باللبن الطاهر دون الغلام ، وقد فرضنا أن نجاسة اللبن هي العلة في الحكم بوجوب الغسل من بول الجارية ، وهذا مما لا يلتزم به أحد.
الثانية : أن خروج اللبن من المثانة على تقدير تسليمه لا يقتضي نجاسته ، كيف فان المذي والودي أيضاً يخرجان من المثانة من دون أن يحكم بنجاستهما ، فان ما خرج من المثانة لم يدل دليل على نجاسته إلاّ إذا كان بولاً أو منياً.
الثالثة : أن الرواية لا يحتمل صحتها ومطابقتها للواقع أبداً ، للقطع بعدم اختلاف اللبن في الجارية والغلام من حيث المحل ، بأن يخرج لبن الجارية من موضع ويخرج لبن الغلام من موضع آخر ، لأن الطبيعة تقتضي خروج اللبن عن موضع معيّن في النساء بلا فرق في ذلك بين كون الولد ذكراً أو أُنثى ، فإذا سقطت الرواية عن الحجية من هذه الجهة أعني دلالتها على خروج لبن الجارية من مثانة أُمها ، فلا محالة تسقط عن الحجية في الحكم المترتب عليه وهو الحكم بوجوب الغسل من بول الرضيع فيما إذا ارتضع باللبن النجس.
ودعوى : أن سقوط الرواية عن الحجية في بعض مداليلها لا يكشف عن عدم حجيتها في بعض مدلولاتها الأُخر لعدم قيام الدليل على خلافه.
مدفوعة : بما ذكرناه غير مرة من أن الدلالات الالتزامية تابعة للدلالات المطابقية حدوثاً وحجية ، فاذا سقطت الرواية عن الاعتبار في مدلولها المطابقي سقطت عن الحجية في مدلولها الالتزامي أيضاً لا محالة ، وحيث إن في الرواية ترتب الحكم بوجوب الغسل من لبن الجارية على خروج لبنها من مثانة أُمها ، وقد سقطت الرواية عن الحجية فيما يترتّب عليه ذلك الحكم لعلمنا بعدم مطابقته للواقع ، سقطت عن الحجية في الحكم المترتب أيضاً وهو وجوب الغسل من لبن الجارية وبولها. وما أشبه دعوى بقاء الرواية على حجيتها في مدلولها الالتزامي بعد سقوطها عن الحجية في المدلول المطابقي ، باستدلال بعض أهل الخلاف على جواز الجمع بين الفريضتين للمطر والخوف والمرض بل وللسفر ونحوه من الأعذار ، بما رووه عن النبي صلی اللّه علیه و آله من أنه جمع بينهما في الحضر من غير عذر وقالوا إن هذه الرواية وإن كان لا بدّ من طرحها لكونها مقطوعة الخلاف إلاّ أنها تدلنا على جواز الجمع بينهما للمطر وغيره من الأعذار المتقدِّمة بالأولوية (1). فإنّهم قد أسقطوا الرواية في مدلولها المطابقي
1) الجزء الثاني من المنتقى لابن تيمية الحراني ص 4 أن النبي صلی اللّه علیه و آله جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر ، قيل لابن عباس ما أراد بذلك؟ قال : أراد أن لا يحرج أُمته ، قلت : وهذا يدل بفحواه على الجمع للمطر وللخوف وللمرض ، وإنما خلف وظاهر منطوقه في الجمع لغير عذر للإجماع ولأخبار المواقيت فيبقى فحواه على مقتضاه. انتهى.
[325] مسألة 18 : إذا شك في نفوذ الماء النجس في الباطن في مثل الصابون ونحوه بُني على عدمه (1) كما أنه إذا شك بعد العلم بنفوذه في نفوذ الماء الطاهر فيه بُني على عدمه (2) فيحكم ببقاء الطهارة في الأوّل وبقاء النجاسة في الثاني.
[326] مسألة 19 : قد يقال بطهارة الدهن المتنجِّس إذا جعل في الكر الحار بحيث اختلط معه ، ثم أُخذ من فوقه بعد برودته لكنّه مشكل (3) لعدم حصول العلم بوصول الماء إلى جميع أجزائه ، وإن كان غير بعيد (1)إذا غلى الماء مقداراً من الزمان.
عن الاعتبار بدعوى أنها مقطوعة الخلاف ، مع تمسكهم بمدلولها الالتزامي كما عرفت وهو من الغرابة بمكان.
الجهة الرابعة : وهي أسهل الجهات ، أن الرواية ضعيفة السند فان في طريقها النوفلي عن السكوني ، والسكوني وإن كان لا بأس برواياته إلاّ أن النوفلي ضعيف ولم يوثّقه علماء الرجال.
(1) لاستصحاب عدم نفوذ الماء النجس في باطنه.
(2) لاستصحاب عدم نفوذ الماء الطاهر فيه.
(3) والوجه في ذلك أن الدهن المنتشر في الماء قد تكون أجزاؤه المتفرقة من الدقة والصغر بمكان يعد عرفاً من الأعراض الطارئة على الماء ، وإن كان في الحقيقة باقياً على جوهريته السابقة على الانتشار إذ الجوهر يمتنع أن يتبدل عرضاً ، إلاّ أنه إذا تشتت وصار أجزاء صغاراً عد بالنظر العرفي عرضاً على الماء ، نظير الدسومة السارية من اللحم إلى اليد أو الإناء. فإنّها لدقتها وصغرها معدودة من عوارض اليد وطوارئ الإناء ، وإن كانت في الحقيقة جوهراً وقابلاً للانقسام إلى اليمين واليسار وإلى غير ذلك من الجهات بناء على استحالة الجزء الذي لا يتجزأ.
1) (*) بل هو بعيد جدّاً.
[327] مسألة 20 : إذا تنجّس الأرز أو الماش أو نحوهما يجعل في وصلة ( خرقة ) ويغمس في الكر ، وإن نفذ فيه الماء النجس يصبر حتى يعلم نفوذ الماء
ولا مانع في هذه الصورة من الحكم بطهارة الدهن إذا أُخذت أجزاؤه المنتشرة على الماء لكونها مأخوذة من الماء الطاهر على الفرض. ولعل الماتن إلى ذلك أشار بقوله : « وإن كان غير بعيد إذا غلى الماء مقداراً من الزمان » إلاّ أن هذه الصورة خارجة عن محل الكلام ، لأنّ البحث إنما هو في طهارة الدهن المتنجِّس مع بقائه على دهنيّته وجوهريّته لا فيما إذا انعدم موضوعه بصيرورته من عوارض الماء.
وقد يلقى الدهن المتنجِّس على الكر فيغلي وبعد ما برد يؤخذ مِن على الماء مع بقائه على دهنيته من دون أن يصير من عوارض الماء. ولا يمكن الحكم بطهارته في هذه الصورة بوجه ، لأن المطهر لا يصل إلى جميع أجزاء الدهن مرة واحدة ، وإنما يلاقي الماء جانباً من الأجزاء الدهنية فحسب ولا يلاقي بقية جوانبها ، وهذا لا يكفي في الحكم بطهارة الدهن أبداً ، لأن الغليان يوجب الانقلاب وبه يتبدل الداخل خارجاً وبالعكس ، ومعه إذا طهّرنا الجانب الخارج من الدهن بإيصال الكر إليه تنجس بملاقاة الجانب الداخل عند صيرورة الخارج داخلاً بالغليان ، لعدم وصول المطهر إلى الأجزاء الدهنية بجميع جوانبها وأطرافها دفعة واحدة. نعم إذا انقلب ذلك الجزء الداخل المتنجِّس خارجاً طهر لاتصاله بالكر ، وعليه فكل واحد من الأجزاء الخارجية إذا دخل الجوف تنجس ، وإذا خرج طهر فلا يحصل بذلك طهارة الدهن كما عرفت.
نعم ، يمكن تطهير الدهن المتنجِّس بطريق آخر أشار الماتن إليه في المسألة الرابعة والعشرين وهو بأن يلقى الدهن المتنجِّس على العجين فيطبخ وإذا صار خبزاً سلط الماء عليه بمقدار يصل إلى جميع أجزائه وجوانبه ، والوجه في طهارته بذلك أن الدهن حينئذ من عوارض الخبز لعدم كونه معدوداً من الجواهر عرفاً ، ومعه إذا طهّرنا الخبز طهرت عوارضه تبعاً لا محالة ، وحاصل هذا الطريق تطهير الأدهان المتنجِّسة بإعدام موضوعها وقلبها عرضاً.
الطاهر إلى المقدار الذي نفذ فيه الماء النجس (1) ، بل لا يبعد تطهيره بالقليل بأن يجعل في ظرف ويصب عليه ثم يراق غسالته ، ويطهر الظرف أيضاً بالتبع فلا حاجة إلى التثليث (1)فيه وإن كان هو الأحوط. نعم لو كان الظرف أيضاً نجساً فلا بدّ من الثلاث (2).
(1) قد اتضح حكم هذه المسألة ممّا أسلفناه (2)في تطهير الصابون وغيره من الأجسام التي ينفذ في جوفها الماء ولا يمكن إخراج غسالتها بعصرها فان الأرز والماش أيضاً من هذا القبيل ، وقد بيّنا أن تطهير تلك الأجسام إنما هو بإيصال الماء الطاهر إلى جوفها فراجع ، هذا وقد تعرّض الماتن في هذه المسألة لحكم فرع آخر وهو طهارة ظرف المتنجِّس بالتبع نتعرّض له في التعليقة الآتية ، فليلاحظ.
(2) ذهب قدس سره إلى أن المحل الذي يجعل فيه المتنجِّس لا يحتاج إلى تطهيره بعد غسل المتنجِّس فيه بل يحكم بطهارة المحل بالتبع ، فاذا كان ذلك المحل من الأواني والظروف التي يعتبر في تطهيرها الغسل ثلاث مرات وكانت طاهرة قبل أن يغسل فيها المتنجِّس لم يجب غسلها ثلاثاً. نعم إذا كانت متنجسة قبل ذلك لم يكن بد من غسلها ثلاث مرّات ، وذلك لأنها إذا كانت متنجسة سابقاً شملها إطلاق موثقة عمار الآمرة بغسل الإناء ثلاث مرّات (3)وهذا بخلاف ما إذا كانت طاهرة قبل ذلك فان مقتضى صحيحة محمّد بن مسلم « اغسله في المِركَن مرّتين » (4)هو الحكم بطهارة الإناء أيضاً ، لأنها دلّت على أنّ الثوب المتنجِّس يطهر بغسله في المِركَن مرّتين ولازمه الحكم بطهارة المِركَن أيضاً بذلك ، وإلاّ لم يصح الحكم بطهارة الثوب حينئذ لملاقاته المِركَن وهو باق على نجاسته على الفرض ، فالحكم بطهارة الثوب في الصحيحة يدل بالدلالة الالتزامية على طهارة المِركَن بالتبع ، هذا.
[328] مسألة 21 : الثوب النجس يمكن تطهيره بجعله في طشت وصبّ الماء عليه ثم عصره وإخراج غسالته ، وكذا اللحم النجس (1)، ويكفي المرة في غير البول والمرّتان فيه ، إذا لم يكن الطشت نجساً قبل صبّ الماء وإلاّ فلا بدّ من
ولو سلّمنا جواز التفكيك بين المِركَن والثوب المغسول فيه من حيث الطهارة والنجاسة ، فسكوت الإمام علیه السلام وعدم تعرضه لوجوب غسل المِركَن بعد الغسلة الأُولى والثانية يدل على طهارة المِركَن بعد الغسلتين ، لأنه لو كان باقياً على نجاسته لأشار علیه السلام إلى وجوب غسله بعد غسل الثوب لا محالة ، هذا.
ولا يخفى عدم إمكان المساعدة على ذلك بوجه ، لأن غاية ما هناك أن الصحيحة تقتضي طهارة المِركَن بالتبع ، إلاّ أن ذلك لا يوجب الحكم بطهارة الأواني التي تغسل فيها المتنجسات ، وذلك للعلم بعدم صدق الإناء على المِركَن بوجه ولا أقل من احتماله ، إذ الأواني هي الظروف المعدة للأكل والشرب فيها فليس كل ظرف بإناء.
وعلى هذا لم يقم دليل على الطهارة التبعية في مطلق الإناء وإنما الدليل قام عليها في خصوص المِركَن وهو أجنبي عن الإناء ، فإطلاق موثقة عمار المتقدِّمة الآمرة بوجوب غسل الإناء ثلاثاً بالإضافة إلى الأواني التي تغسل فيها المتنجِّسات باق بحاله ، وهو يقتضي عدم حصول الطهارة لها بالتبع. نعم إذا كان الإناء طاهراً في نفسه ولم تطرأ عليه النجاسة من غير جهة غسله ، وكان المغسول فيه مما لا يعتبر فيه التعدّد لم يحكم بنجاسة الإناء أصلاً ، بناء على ما هو الصحيح من أن غسالة الغسلة المتعقبة بالطهارة طاهرة.
(1) اعتبار جعل المتنجِّس في الطشت أولاً ثم صبّ الماء عليه كاعتباره في المسألة السابقة ، يبتني على القول باشتراط الورود في التطهير بالماء القليل ، وقد أسلفنا (1)تفصيل الكلام على ذلك في شرائط التطهير بالماء القليل ، فليراجع.
1) في ص 15.
الثلاث (1)والأحوط التثليث مطلقاً (1).
[329] مسألة 22 : اللحم المطبوخ بالماء النجس أو المتنجِّس بعد الطبخ يمكن تطهيره في الكثير ، بل والقليل إذا صبّ عليه الماء ، ونفذ فيه إلى المقدار الذي وصل إليه الماء النجس (2).
(1) عرفت في المسألة السابقة أن الظروف التي تغسل فيها المتنجسات لا بدّ من غسلها ثلاث مرات بعد غسل المتنجِّس وتطهيره ، لأن الطهارة التبعية لم يقم عليها دليل في غير المِركَن كما مر.
(2) ورد في تطهير اللحم المتنجِّس روايتان :
إحداهما : رواية زكريّا بن آدم قال : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ، قال : يهراق المرق ، أو يطعمه أهل الذمّة أو الكلب ، واللّحم اغسله وكله ... » (2)وظاهرها أن ظاهر اللحم قد تنجس بالنجاسة الواقعة في المرق وأنه إذا غسل بعد ذلك حكم بطهارته.
وثانيتهما : رواية السكوني عن جعفر عن أبيه علیهماالسلام « أنّ عليّاً علیه السلام سئل عن قدر طبخت وإذن في القدر فأرة قال : يهراق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل » (3)وهذه الرواية ظاهرة في أن اللحم كما أنه تنجس ظاهره بملاقاة المرق المتنجِّس كذلك تنجس باطنه بنفوذ المرق المتنجِّس في أعماقه لفرض طبخه في ذلك المرق ، وبإطلاقها دلت على أن غسل ظاهر اللحم يكفي في تطهيره وجواز أكله بلا فرق في ذلك بين أن يكون باطنه أيضاً متنجساً وعدمه ، لأنه إذا طهر ظاهره حكم
[330] مسألة 23 : الطين النجس اللاّصق بالإبريق يطهر بغمسه في الكر (1)) ونفوذ الماء إلى أعماقه ، ومع عدم النفوذ يطهر ظاهره ، فالقطرات التي تقطر منه بعد الإخراج من الماء طاهرة ، وكذا الطين اللاّصق بالنعل بل يطهر ظاهره بالماء القليل أيضاً ، بل إذا وصل إلى باطنه بان كان رخواً طهر باطنه أيضاً به (1).
بطهارة الباطن تبعاً من دون حاجة إلى اشتراط نفوذ الماء في أعماق اللّحم. ومن هنا استدل بعضهم بهذه الرواية على أن البواطن المتنجسة تطهر بالتبع عند غسل ظواهرها.
هذا وفيه : أن مورد الرواية إنما هو تنجس ظاهر اللّحم دون باطنه ، وذلك فانّ اللّحم قد يكون جافّاً كما هو المتعارف في بعض البلاد ، ومثله إذا طبخ نفذ الماء في جوفه بحيث لو كان الماء متنجساً لأوجب نجاسة باطن اللّحم لا محالة. إلاّ أن هذه الصورة خارجة عما هو منصرف الرواية حيث إن ظاهرها إرادة اللحم المتعارف غير الجاف. واللّحم غير الجاف إذا وضع على النار انكمش كانكماش الجلد ، وبه تتصل أجزاؤه المنفصلة وتنسد خلله وفرجه ، ويندفع ما في جوفه من الماء والرطوبات إلى خارجه ، ولا ينفذ الماء في أعماقه لينجس جوفه وباطنه.
وعلى الجملة أن اللّحم الرطب ممّا لا تسري النجاسة إلى جوفه فالمتنجس بالمرق حينئذ ليس إلاّ ظاهره ، ومع الغسل بالماء الطاهر يحكم بطهارته لا محالة ، فلا دلالة للرواية على طهارة الباطن بالتبع فيما إذا سرت إليه النجاسة. على أن الروايتين ضعيفتان بحسب السند فحكم اللحم حينئذ حكم الطين الآتي في التعليقة الآتية.
(1) الطين اللاّصق بالإبريق أو الكوز ونحوهما حكمه حكم الصابون وغيره من الأجسام التي ينفذ الماء في أعماقها ولا تنفصل غسالتها بالعصر ، وعليه فاذا كان ذلك
1) () في حصول الطهارة بذلك قبل تجفيفه إشكال ، وإن كان لا يبعد حصول الطهارة للباطن بنفوذ الماء فيه ، وأولى منه بالإشكال طهارته بالماء القليل ، نعم لا إشكال في طهارة ظاهره بالغسل بالماء القليل أو الكثير.
[331] مسألة 24 : الطحين والعجين النجس يمكن تطهيره بجعله خبزاً ثم وضعه في الكر حتى يصل الماء إلى جميع أجزائه (1) ، وكذا الحليب النجس بجعله جبناً ووضعه في الماء كذلك (2).
الطين جافاً كفى في تطهيره أن يغمس في الكر أو يصبّ الماء عليه حتى ينفذ في أعماقه بمقدار نفذ فيه الماء النجس ، فان هذا يكفي في صدق الغسل عليه حيث إن غسل كل شيء بحسبه.
وأما إذا كان رطباً فقد تقدم الإشكال في تطهير مثله بالصب أو بإلقائه في الكر. اللّهمّ إلاّ أن يجفف أو يحرك الماء فيه بمقدار يغلب الماء الطاهر على ما في جوفه من الرطوبات المتنجسة ، أو يبقى في الكر بمقدار تحصل به غلبة الماء الطاهر على الرطوبات الكائنة في جوفه.
(1) وحاصله كما مر هو إعدام الموضوع الأول وقلبه موضوعاً آخر قابلاً للطهارة.
(2) ربما يستشكل في تطهير الحليب بأن حاله حال سائر المائعات والمياه المضافة التي لا تكون قابلة للطهارة باتصالها بالماء المعتصم ، لما تقدّم (1)في بحث المضاف من أن الاتصال بالكر وشبهه إنما يكفي في تطهير المياه ولا دليل على كفايته في تطهير المضاف.
وفيه : أن الحليب قد يراد تطهيره وهو حليب ، والحال فيه وإن كان كذلك حيث إنه كسائر المائعات والمياه المضافة غير قابل للتطهير بالاتصال ، إلاّ أن هذا ليس بمراد الماتن قدس سره قطعاً ، لأنه إنما حكم بطهارته بعد صيرورته جبناً لا في حال كونه حليباً. وقد يراد تطهيره بعد صيرورته جبناً مثلاً ، ولا ينبغي الإشكال في قبوله التطهير حينئذ ، لأن حال الجبن حال الصابون وغيره من الأجسام التي ينفذ فيها الماء في أعماقها إلاّ أنها غير قابلة للعصر ، وقد تقدم أن طريق تطهيرها صبّ الماء أو
1) في شرح العروة 2 : 46.
[332] مسألة 25 : إذا تنجس التنور يطهر بصبّ الماء في أطرافه من فوق إلى تحت ، ولا حاجة فيه إلى التثليث (1) لعدم كونه من الظروف ، فيكفي المرّة في غير البول ، والمرتان فيه ، والأولى أن يحفر فيه حفيرة يجتمع الغسالة فيها وطمها بعد ذلك بالطين الطاهر.
[333] مسألة 26 : الأرض الصلبة أو المفروشة بالآجر والحجر (2) تطهر بالماء القليل إذا أُجري عليها ، لكن مجمع الغسالة يبقى نجساً (1)(3) ، ولو أُريد تطهير بيت أو سكة فإن أمكن إخراج ماء الغسالة بأن كان هناك طريق لخروجه فهو ، وإلاّ يحفر حفيرة ليجتمع فيها ، ثم يجعل فيها الطين الطاهر كما ذكر في التنور ، وإن كانت الأرض رخوة بحيث لا يمكن إجراء الماء عليها ، فلا تطهر إلاّ
تسليطه على ظواهرها بمقدار يصل إلى أعماقها ، وذلك لأنه غسلها وغسل كل شيء بحسبه.
(1) لعدم صحّة إطلاق الإناء عليه ، والغسل ثلاث مرات إنما يجب في الإناء فما أفاده الماتن قدس سره هو الصحيح ، إلاّ أن الغسالة المجتمعة من غسل التنور محكومة بالنجاسة بناء على نجاسة الغسالة وهي تقتضي نجاسة موضعها ، ومعه لا بدّ من إخراج الغسالة عن ذلك المكان وطم الموضع بالتراب فان بذلك يطهر ظاهره وإن بقي باطنه نجساً.
(2) أو بالقير أعني التبليط أو بغير ذلك من الأُمور.
(3) بناء على أن الغسالة نجسة ، ولا يمكن تطهير المجمع بالماء القليل لعدم انفصال الغسالة عنه ، وإنما يطهر بالمطر أو باتصاله بالماء الكثير.
1) (*) بناء على نجاسة الغسالة وقد مرّ الكلام فيها [ في صدر فصل الماء المستعمل ].
بإلقاء الكرّ أو المطر أو الشمس (1) نعم إذا كانت رملاً يمكن تطهير ظاهرها (2) بصبّ الماء عليها ورسوبه في الرمل فيبقى الباطن نجساً بماء الغسالة ، وإن كان لا يخلو عن إشكال من جهة احتمال عدم صدق (1)انفصال الغسالة (3).
[334] مسألة 27 : إذا صبغ ثوب بالدم لا يطهر ما دام يخرج منه الماء الأحمر (4) نعم إذا صار بحيث لا يخرج منه طهر بالغمس في الكر أو الغسل بالماء القليل ، بخلاف ما إذا صبغ بالنيل النجس ، فإنّه إذا نفذ فيه الماء في الكثير بوصف
(1) لأن في التطهير بالماء القليل يشترط انفصال الغسالة عن المتنجِّس المغسول والأرض الرخوة لا تنفصل عنها غسالتها حيث لا تنزل إلى جوف الأرض بتمامها ، بل يبقى منها مقدار في الأجزاء الأرضية وهو يقتضي تنجسها.
(2) إذ الغسالة في الأراضي الرملية تنزل إلى الجوف بأسرها ، وقد عرفت فيما سبق أن انفصال الغسالة عن أيّ جسم يقتضي طهارته في المقدار الذي انفصلت عنه الغسالة وإن لم تخرج عن تمام الجسم ، والرطوبات الكائنة في الأجزاء المنفصلة عنها غسالتها لا توجب سراية النجاسة إليها.
(3) ويندفع بما أشرنا إليه آنفاً من أن المعتبر إنما هو انفصال الغسالة عن الموضع المغسول فحسب ولا يشترط انفصالها عن تمام الجسم ، فإذا اجتمعت الغسالة في موضع آخر من الجسم وانفصلت عن المحل المغسول طهر المحل ، وإلاّ فلا يمكن تطهير الأراضي الصلبة والبدن ونحوهما من الأجسام فيما إذا اجتمعت غسالتها في موضع آخر منها ، وهو كما ترى.
(4) فان التغيّر بلون الدم يقتضي انفعال الماء ونجاسته ولا تحصل الطهارة بمثله أبداً.
1) (*) المعتبر في تحقق مفهوم الغسل هو انفصال الغسالة عن المحل المغسول لا انفصالها عن المغسول نفسه ، وقد مرّ حكم الغسالة [ في صدر فصل الماء المستعمل ].
الإطلاق يطهر وإن صار مضافاً (1)(1) أو متلوِّناً بعد العصر كما مر سابقاً (2).
[335] مسألة 28 : فيما يعتبر فيه التعدّد لا يلزم توالي الغسلتين أو الغسلات فلو غسل مرّة في يوم ، ومرّة أُخرى في يوم آخر كفى (3). نعم يعتبر في العصر الفوريّة (2)بعد صبّ الماء على الشيء المتنجِّس (4).
(1) قد أسلفنا (3)أنّ العصر يعتبر في كل من الغسل بالماء القليل والكثير ، وأنه مقوم لعنوان الغسل وتحقّقه ، فإذا غسلنا المصبوغ بمثل النيل في الكثير ولدي العصر خرج عنه ماء مضاف لم يحكم بطهارته ، لأنه من الغسل بالمضاف وليس من الغسل بالماء. نعم بناء على عدم اعتبار العصر في الغسل بالكثير كما هو مسلك الماتن قدس سره ، لا بدّ من الحكم بطهارته بالغمس في الكثير وإن خرج عنه ماء مضاف ، وذلك لأن الثوب قد طهر بمجرد وصول الماء الكثير إليه ، والمضاف الخارج منه محكوم بطهارته لخروجه عن الثوب الطاهر حينئذ.
(2) تلوّن الماء بمثل النيل المتنجِّس غير مانع عن التطهير به ، ولو على القول باعتبار العصر في الغسل بالماء الكثير ، إذ التغيّر بأوصاف المتنجِّس غير موجب لانفعال الماء بوجه. اللّهمّ إلاّ أن يصير مضافاً فإنّه على ما سلكناه مانع عن تحقق الغسل بالماء كما عرفت.
(3) لإطلاق ما دلّ على اعتبار التعدّد وعدم تقيده بالتوالي في شيء من رواياته ، وعليه فلو غسل ما يعتبر التعدّد في غسله مرة ثم بعد فصل طويل غسله مرة ثانية كفى في الحكم بطهارته.
(4) لا وجه لاعتبار الفورية في العصر ، لأن اعتباره في الغسل لم يثبت بدليل خارجي وإنما نعتبره لأنه مقوّم لمفهوم الغسل كما مر وأنه لا بدّ في تحقق مفهومه من
[336] مسألة 29 : الغسلة المزيلة للعين بحيث لا يبقى بعدها شيء منها تعد من الغسلات فيما يعتبر فيه التعدّد ، فتحسب مرّة (1) ، بخلاف ما إذا بقي بعدها شيء من أجزاء العين ، فإنّها لا تحسب (2) وعلى هذا فإن أزال العين بالماء المطلق فيما يجب فيه مرتان كفى غسله مرة أُخرى ، وإن أزالها بماء مضاف يجب بعده مرتان أُخريان.
[337] مسألة 30 : النعل المتنجسة تطهر بغمسها في الماء الكثير ولا حاجة فيها إلى العصر ، لا من طرف جلدها ، ولا من طرف خيوطها (3). وكذا البارية
العصر ، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون العصر وإخراج الغسالة فورياً وبين أن لا يكون ، كما إذا عصره بعد دقائق فإنّه يصدق بذلك أنه غسله. وعلى الجملة حال الغسل في الأشياء المتنجسة شرعاً إنما هو حاله في الأشياء المتقذرة بالقذارة العرفية ولا إشكال في أن العرف لا يعتبر فورية العصر في إزالة القذارة بل يكتفي بغسل المتقذر وعصره ولو بعد فصل زمان.
(1) تقدّمت الإشارة إلى ذلك في ذيل المسألة الرابعة (1)وقلنا إن دعوى وجوب إزالة العين قبل الغسلتين أو الغسلات أمر لا دليل عليه ، بل مقتضى إطلاق ما دلّ على اعتبار التعدّد وعدم تقيده بكون العين زائلة قبل الغسلات كفاية زوالها بالغسلة الأُولى بعينها ، وعليه فلا مانع من عد الغسلة المزيلة من الغسلات.
ثم إن الماتن في المقام وإن عد الغسلة المزيلة من الغسلات ، إلاّ أنه ذكر في المسألة الرابعة : أن الغسلة المزيلة للعين غير كافية إلاّ أن يصبّ الماء مستمراً بعد زوال العين فليلاحظ.
(2) لعدم كونها غسلاً ، لما عرفت من أن الغسل متقوم بإزالة العين وأجزائها فلا غسل مع عدم الإزالة.
(3) أما جلدها فلعدم كونه قابلاً للعصر فيكفي في غسله وتطهيره صبّ الماء عليه
1) ص 28.
بل في الغسل بالماء القليل أيضاً كذلك ، لأنّ الجلد والخيط ليسا مما يعصر ، وكذا الحزام من الجلد كان فيه خيط أو لم يكن.
[338] مسألة 31 : الذهب المذاب ونحوه من الفلزات إذا صبّ في الماء النجس أو كان متنجِّساً فاذيب ينجس ظاهره وباطنه (1)، ولا يقبل التطهير إلاّ ظاهره (1).
بمقدار ينفذ في أعماقه ، أو الغمس في الكثير ، لأنّ غسل كل شيء بحسبه. وأما خيوطها فلأنها تابعة للجلد أو الحزام أو غيرهما مما تستعمل فيه وليس لها وجود مستقل ، فاذا لم يكن الجلد قابلاً للعصر فتكون الخيوط القائمة به أيضاً كذلك. ومجرّد أنها قد تكون قابلة لحمل مقدار معتد به من الماء ، لا يقتضي كونها قابلة للعصر ، وذلك لأنها لا تحمل من الماء أزيد ممّا يحمله الجلد ، ولا خلاف في أن الجلد في النعل غير قابل للعصر. فعلى ما ذكرناه يكفي في تطهيرها صبّ الماء عليها إلى أن يصل إلى جوفها أو يغمس في الكثير كما عرفته في الجلد.
(1) يقع الكلام في هذه المسألة في مقامين :
أحدهما : ما إذا تنجس الفلز قبل أن يذاب وأُذيب بعد تنجسه.
وثانيهما : ما إذا طرأت عليه النجاسة حال ذوبانه كما إذا القي عليه ماء متنجس أو القي الفلز المذاب عليه ، فهل يحكم بذلك بنجاسة أجزائه الداخلية والخارجية في كلا المقامين أو يتنجّس بذلك ظاهره فحسب؟
أمّا المقام الأوّل : فإن علم بعد إذابة الفلز وانجماده أن أجزاءه الظاهرية هي التي أصابها النجس قبل إذابته ، فلا مناص من الحكم بنجاستها إلاّ أنها إذا غسلت حكم بطهارتها كما هو الحال في بقية المتنجسات.
وأما إذا شككنا في جزء منها في أنه هو الذي أصابه النجس قبل الإذابة ، بمعنى أنه من الأجزاء الظاهرية التي علمنا بتنجسها سابقاً أو أنه من الأجزاء الداخلية التي لم
1) (*) بل ينجس ظاهره فقط إذا صبّ في الماء النجس.
يلاقها النجس ، وذلك لأن إذابة الفلز إنما هي غليانه وفورانه ، والغليان هو القلب فان به تتبدل الأجزاء الداخلية خارجية وبالعكس ، ومن هنا قد يشك في أن الجزء المشاهد الخارجي من الأجزاء الظاهرية للفلز حتى يحكم بنجاسته لملاقاته مع النجس قبل إذابته ، أو أنه من الأجزاء الداخلية له ليكون طاهراً ، فمقتضى القاعدة هو الحكم بطهارة ملاقي ذلك الجزء المشكوك طهارته لقاعدة الطهارة أو استصحاب عدم اصابة النجس له. وأما نفس ذلك الجزء فلا يمكن الحكم بطهارته ، لأنه طرف للعلم الإجمالي بالنجس ، حيث إن ما أصابه النجس قبل إذابة الفلز إما أن يكون هو ذلك الجزء الخارجي الذي نشك في طهارته ، وإما أن يكون هو الجزء النازل إلى الجوف بالغليان ، والعلم الإجمالي مانع عن جريان الأُصول في أطرافه.
نعم ، ملاقي أحد أطراف العلم محكوم بطهارته إذ لا مانع من جريان الأُصول فيه لعدم كونه طرفاً للعلم الإجمالي على ما حررناه في بحث الأُصول (1)وذلك لأن الأصل الجاري فيه لا يعارضه شيء من الأُصول الجارية في أطراف العلم في نفسها ، أي مع قطع النظر عن العلم الإجمالي. ودعوى أنه طرف لعلم إجمالي آخر وهو العلم بنجاسة الملاقي أو الطرف الآخر ، مدفوعة بأن العلم الإجمالي الآخر وإن كان موجوداً كما ذكر إلاّ أنه مما لا أثر له لعدم ترتب التنجيز عليه ، فان المدار في تنجيز العلم الإجمالي إنما هو تساقط الأُصول في أطرافه بالمعارضة ، وقد عرفت أن الأصل الجاري في الملاقي غير معارض بشيء ، وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله.
فالمتحصل أن الملاقي للجزء المشكوك طهارته محكوم بطهارته بخلاف نفس ذلك الجزء أو غيره من الأجزاء الظاهرية للفلز بعد إذابته. اللّهمّ إلاّ أن تكون الأجزاء الباطنية خارجة عن قدرة المكلف ، فإنّه لا مانع حينئذ من جريان الأصل في الأجزاء الظاهرية لعدم معارضته بالأصل في الطرف الخارج عن القدرة. أو يقال بانحلال العلم الإجمالي بخروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء مع تعميمه إلى مثل الأجزاء الداخلية في المقام ، كما عممه أي الخروج عن محل الابتلاء شيخنا الأنصاري
1) في مصباح الأُصول 2 : 410.
( قدس سره ) إلى خارج الإناء ، وعليه حمل صحيحة علي بن جعفر عن أخيه علیه السلام (1)هذا كله بالإضافة إلى ظاهر الفلز بعد إذابته وانجماده.
وأما إذا استهلك ظاهره بالاستعمال أو بغيره حتى ظهرت أجزاؤه الداخلية فحالها حال الجزء الظاهر قبل الاستهلاك ، فان علم أنها هي التي أصابها النجس حكم بنجاستها كما يحكم بطهارتها إذا غسلت. وإذا شككنا في أنها هي التي أصابها النجس أو أنها غيرها أتى فيه ما قدمناه في صورة الشك قبل الاستهلاك فلا نعيد.
أمّا المقام الثاني : فقد يقال إن إصابة النجس لجزء من أجزاء الفلز تقتضي سراية النجاسة إلى تمام أجزائه الظاهرية والباطنية ، إما بدعوى أن الفلزات الذائبة كالمياه المضافة والمائعات كالدهن والحليب ونحوهما فكما أن إصابة النجس لجزء من أجزائها يوجب تنجس الجميع فليكن الحال في المقام أيضاً كذلك. أو بدعوى أن الفلزّات الذائبة إذا أُلقيت على ماء متنجس أو القي عليها الماء المتنجِّس وصل الماء إلى جميع أجزائها الداخلية والخارجية وبذلك يتنجّس الجميع ، ويدعى أن هذا هو الغالب في الفلز المذاب.
ولا يخفى ما في هاتين الدعويين :
أمّا الأُولى منهما ، فلأنّ سراية النجاسة من جزء إلى غيره من الأجزاء الأُخر إنما هي في المياه المضافة والمائعات ، ولا دليل في غير ذلك على السراية بوجه ، فالزئبق مثلاً وإن كان ذائباً إلاّ أنه إذا صبّ على موضع متنجس لا يحكم بنجاسة شيء من أجزائه وذلك لعدم المقتضي له.
وأمّا ثانيتهما ، فلأن الدعوى المذكورة على خلاف ما ندركه بوجداننا ، حيث إن الفلزات الذائبة إذا لاقت الماء انجمدت فكيف يلاقي الماء المتنجِّس جميع أجزائها ، بل لا يلاقي سوى بعضها وهو الأجزاء الظاهرية من الفلز.
1) قال : « سألته عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعاً صغاراً فأصاب إناءه هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال : إن لم يكن شيئاً يستبين في الماء فلا بأس ... » الوسائل 1 : 150 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 1.
هذا ، ثم لو سلمنا على فرض غير واقع أنها لا تنجمد إلاّ أن غاية ما هناك أن يلاقي الماء الأجزاء الظاهرية من الفلز ، وأما بواطنها فلا ينفذ الماء المتنجِّس فيها بأسرها ، ولا محالة تبقى على طهارتها. وعلى الجملة لا دليل على تنجس الأجزاء الداخلية في مثل الفلز المذاب.
هذا ، ثم لو فرضنا في مورد وصول الماء المتنجِّس إلى جميع الأجزاء الداخلية والخارجية للفلز ولو باذابته مرات كثيرة وإلقائه في كل مرة على الماء المتنجِّس بحيث لا يشك في ملاقاة الماء المتنجِّس لكل واحد من أجزاء الفلز لم يقبل الطهارة بعد ذلك أبداً ، لعدم التمكن من غسل باطنه ضرورة عدم وصول المطهّر إلى جوف الفلز. نعم لا مانع من تطهير ظاهره ، إلاّ أن الظاهر لو استهلك باستعمال الفلز فالجزء البادي بعد الاستهلاك باق على نجاسته وهو أيضاً قابل للغسل والتطهير بصيرورته من الأجزاء الظاهرية. هذا كلّه فيما إذا علمنا أن الجزء إنما ظهر بعد استهلاك ظاهر الفلز.
وأمّا إذا شككنا في أنه من الأجزاء الظاهرية التي طهرناها بغسلها أو أنه مما ظهر بعد الاستهلاك فهو باق على نجاسته ، فهل يحكم بطهارته أو لا بدّ من غسله؟ تبتني هذه المسألة على مسألة أُصولية ، وهي إن الحالة السابقة إذا علم انتقاضها في بعض أفراد المتيقن السابق وعلم عدم انتقاضها في فرد آخر ، وشك في فرد بعد ذلك في أنه الفرد المعلوم انتقاض الحالة السابقة فيه أو أنه الفرد الذي علمنا بعدم انتقاض حالته السابقة فهل يجري فيه الاستصحاب أو لا؟
ذهب شيخنا الأُستاذ قدس سره إلى عدم جريان الأصل فيه بدعوى أنه من الشبهة المصداقية للاستصحاب ، وذلك للشك في أن رفع اليد عن الحالة السابقة حينئذ نقض لليقين بالشك أو أنه من نقض اليقين باليقين ، ولا مجال معه للتمسّك بعموم ما دلّ على حرمة نقض اليقين بالشك (1)هذا.
ولكنّا أسلفنا في محلِّه (2)أن اليقين والشك وغيرهما من الأوصاف النفسانية
فإذا اذيب ثانياً بعد تطهير ظاهره تنجّس ظاهره ثانياً (1). نعم لو احتمل عدم وصول النجاسة إلى جميع أجزائه وأن ما ظهر منه بعد الذوبان الأجزاء الطاهرة ، يحكم بطهارته (1)وعلى أيّ حال بعد تطهير ظاهره لا مانع من استعماله وإن كان مثل القدر من الصفر (2).
لا يتعقّل فيها شبهة مصداقية بوجه ، لأنه لا معنى للشك في الشك أو اليقين ، بأن يشك الإنسان في أنه يشك في أمر كذا أو لا يشك ، أو أنه متيقن منه أو لا يقين له ، لأنه إذا راجع وجدانه يرى أنه يشك أو يتيقن فلا معنى للشك في أمثالهما ، وعليه فلا مانع من الرجوع إلى استصحاب الحالة السابقة في الفرد المشكوك فيه. وهذا كما إذا ذبحنا حيواناً وخرج منه المقدار المتعارف من الدم فإنّه حينئذ يقتضي الحكم بطهارة المقدار المتخلف منه في الذبيحة وبه تنتقض الحالة السابقة فيه ، فلو شككنا بعد ذلك في دم أنه من الدم المتخلف أو المسفوح ، فعلى ما سلكناه لا مانع من التمسّك باستصحاب نجاسته لعدم كونه من الشبهات المصداقية للنقض الحرام. وعلى ذلك لمّا علمنا في المقام بانتقاض الحالة السابقة في الأجزاء الظاهرية للفلز للعلم بتطهيرها ، وعلمنا أيضاً بعدم انتقاضها في الأجزاء الداخلية ، لم يكن أي مانع من الرجوع إلى استصحاب بقاء النجاسة فيما إذا شككنا في جزء أنه من الأجزاء الظاهرية أو الداخلية. نعم بناء على ما سلكه شيخنا الأُستاذ قدس سره لا يبقى مجال للاستصحاب وتنتهي النوبة إلى قاعدة الطهارة في الجزء المشكوك فيه.
(1) لوضوح أن الفلز إذا اذيب وكانت أجزاؤه الداخلية متنجسة حكم بنجاسة أجزائه الظاهرية لا محالة ، وهذا لا لأن الذوبان يقتضي نجاستها ، بل لأن الأجزاء الظاهرية هي الأجزاء الداخلية المتنجسة على الفرض وقد ظهرت بالغليان والذوبان.
(2) ظهر مما تلوناه عليك في التعليقة السابقة عدم إمكان الحكم بطهارة الجزء المشكوك فيه ، لأنه طرف للعلم الإجمالي بإصابة النجاسة له أو للجزء الداخل إلى الجوف بالغليان.
1) (*) الحكم بطهارته لا يخلو من إشكال ظاهر ، نعم لا ينجس ملاقيه على الأظهر.
[339] مسألة 32 : الحلي الذي يصوغه الكافر إذا لم يعلم ملاقاته له مع الرطوبة يحكم بطهارته ومع العلم بها يجب غسله ويطهر ظاهره ، وإن بقي باطنه على النجاسة إذا كان متنجساً قبل الإذابة (1).
[340] مسألة 33 : النبات المتنجِّس يطهر بالغمس في الكثير ، بل والغسل بالقليل إذا علم جريان (1)الماء عليه بوصف الإطلاق (2) وكذا قطعة الملح. نعم لو صنع النبات من السكر المتنجِّس أو انجمد الملح بعد تنجسه مائعاً لا يكون حينئذ قابلاً للتطهير (3).
[341] مسألة 34 : الكوز الذي صنع من طين نجس أو كان مصنوعاً للكافر يطهر ظاهره بالقليل وباطنه أيضاً إذا وضع في الكثير فنفذ الماء في أعماقه (4).
(1) فمجرّد أنّ الصائغ غير مسلم لا يوجب الحكم بنجاسة الحلي. بل لو شككنا في أن ذلك الحلي هل أصابته نجاسة رطبة ولو كانت هي يد الصائغ ، بنينا على طهارته باستصحابها أو بقاعدة الطهارة. نعم مع العلم بإصابة النجس له يحكم بنجاسة ظاهره أو جميع أجزائه الظاهرية والباطنية على التفصيل المتقدم في التعليقة السابقة فليراجع.
(2) وكذلك الحال فيما إذا شك في بقائه على إطلاقه ، وذلك لاستصحاب بقائه على الإطلاق وعدم صيرورته مضافاً بالجريان.
(3) لعدم إمكان وصول المطهر إلى أعماقه وهو مطلق ، لأن نفوذه في مثل النبات يستلزم صيرورته مضافاً ، ومع فرض كثرة الماء وغلبته يخرج النبات المتنجِّس عن كونه كذلك بالاستهلاك في الماء.
(4) ظهر حكم هذه المسألة مما بيّنّاه (2)في تطهير الصابون وغيره من الأجسام التي ينفذ فيها الماء وهي غير قابلة للعصر ، فليراجع.
[342] مسألة 35 : اليد الدسمة إذا تنجست تطهر في الكثير والقليل إذا لم يكن لدسومتها جرم (1) وإلاّ فلا بدّ من إزالته أوّلاً ، وكذا اللّحم الدّسم والألية فهذا المقدار من الدسومة لا يمنع من وصول الماء.
[343] مسألة 36 : الظروف الكبار التي لا يمكن نقلها ، كالحب المثبت في الأرض ونحوه إذا تنجّست يمكن تطهيرها بوجوه أحدها : أن تملأ ماء ثم تفرغ ثلاث مرّات. الثاني : أن يجعل فيها الماء ثم يدار إلى أطرافها بإعانة اليد أو غيرها ثم يخرج منها ماء الغسالة ثلاث مرّات. الثالث : أن يدار الماء إلى أطرافها ، مبتدئاً بالأسفل إلى الأعلى ، ثم يخرج الغسالة المجتمعة ثلاث مرّات. الرابع : أن يدار كذلك لكن من أعلاها إلى الأسفل ثم يخرج ثلاث مرّات. ولا يشكل بأن الابتداء من أعلاها يوجب اجتماع الغسالة في أسفلها قبل أن يغسل ، ومع اجتماعها لا يمكن إدارة الماء في أسفلها ، وذلك لأن المجموع يعد غسلاً واحداً ، فالماء الذي ينزل من الأعلى يغسل كل ما جرى عليه إلى الأسفل (2) ،
(1) بأن عدّت الدسومة من الأعراض الطارئة على اليد مثلاً ، فانّ العرض غير مانع عن وصول الماء إلى البشرة ويمكن معه تطهير اليد أو اللحم أو غيرهما بغسلها. وأما إذا كانت الدسومة معدودة من الجواهر والأجسام فلا ينبغي الشبهة في كونها مانعة عن الغسل ووصول الماء إلى البشرة ، فلا بدّ في تطهيرها حينئذ من إزالة الدسومة أوّلاً.
(2) والدليل على تلك الوجوه موثقة عمار الواردة في كيفية تطهير الكوز والإناء بضميمة ما قدّمناه (1)في المسألة الرابعة عشرة من أنه لا موضوعية للتحريك الوارد في الموثقة ، وإنما هو مقدمة لإيصال الماء الطاهر إلى جميع أجزاء الكوز والإناء بأيّ وجه اتّفق ، فليلاحظ.
1) في ص 60.
وبعد الاجتماع يعد المجموع غسالة ، ولا يلزم تطهير (1)آلة (1) إخراج الغسالة كل
(1) من اليد والخرقة ونحوهما. وقد يقال بأن الآلات المستعملة لإخراج الغسالة متنجسة لملاقاتها الغسالة وهي نجسة في غير الغسلة المتعقبة بطهارة المحل ، ومعه لا بدّ من تطهيرها كل مرة قبل إدخالها الإناء لإخراج الغسالة الثانية ، لاستلزام بقائها على نجاستها نجاسة الظروف المغسولة بملاقاتها ثانياً.
وهذا هو الصحيح ، وذلك لأن الوجه في الحكم بعدم لزوم تطهير الآلات المذكورة أحد أمرين :
أحدهما : إطلاق موثقة عمار الدالّة على طهارة الظروف بغسلها ثلاث مرات من غير تقييدها بتطهير الآلات المستعملة لإخراج الغسالة.
وثانيهما : أن الغسالة لا تكون منجّسة لما غسل بها.
وهذان الوجهان ساقطان ، أما أولهما فلما أورده صاحب الجواهر قدس سره من أن الموثقة غير مسوقة لبيان ذلك (2)وإنما وردت لبيان أن الطهارة في مثل الكوز والإناء تحصل بغسله ثلاث مرّات ، والأمر كما أفاده قدس سره . وأما ثانيهما فلأن الغسالة وإن لم تكن منجسة لما غسل بها مطلقاً قلنا بطهارة الغسالة أم لم نقل لأن القول بكونها منجسة له يستلزم القول بتعذر تطهير المتنجسات وعدم إمكانه بغسلها ، وذلك لفرض أن الغسالة منجسة للمغسول بملاقاته فكيف تحصل الطهارة بغسله حينئذ. وعلى الجملة أن الغسالة غير منجسة لما غسل بها إما لطهارتها في نفسها ، وإما بتخصيص ما دلّ على منجسية المتنجسات بالإضافة إلى الغسالة فراراً عن المحذور المتقدِّم ذكره ، إلاّ أن ذلك إنما هو حال الغسل بالماء وإجرائه على المغسول وأما بعد غسله وإخراج الغسالة ، فلا يفرق بين تلك الغسالة وغيرها من المتنجسات بناء على أن الغسالة نجسة بحيث لو أصابت الإناء المغسول بها ثانياً أوجبت نجاسته.
مرّة وإن كان أحوط ، ويلزم المبادرة إلى إخراجها (1)عرفاً في كل غسلة ، لكن لا يضرّ الفصل بين الغسلات الثلاث ، والقطرات التي تقطر من الغسالة فيها لا بأس بها ، وهذه الوجوه تجري في الظروف غير المثبتة أيضاً وتزيد بإمكان غمسها في الكرِّ أيضاً ، وممّا ذكرنا يظهر حال تطهير الحوض أيضاً بالماء القليل (1).
[344] مسألة 37 : في تطهير شعر المرأة ولحية الرّجل لا حاجة إلى العصر وإن غسلا بالماء القليل ، لانفصال معظم الماء بدون العصر (2).
[345] مسألة 38 : إذا غسل ثوبه المتنجِّس ، ثم رأى بعد ذلك فيه شيئاً من الطين أو من دقاق الأشنان الذي كان متنجساً ، لا يضرّ ذلك بتطهيره ، بل يحكم بطهارته (2)أيضاً ، لانغساله بغسل الثوب (3).
وعليه لا بدّ من تطهير الآلة المستعملة لإخراج الغسالة قبل إدخالها الإناء حتى لا يتنجّس بها ثانياً.
(1) لزوم المبادرة العرفية إلى إخراج ماء الغسالة في كل غسلة ممنوع بتاتاً ، على ما أسلفناه في المسألة الثامنة والعشرين. على أنه يمكن أن يستدل على ما ذكرناه في خصوص المقام بإطلاق موثقة عمار (3)وسكوته علیه السلام فيها عن بيانه مع أنه في مقام البيان.
(2) إلاّ أن يكون الشعر كثيفاً لا ينفصل عنه الماء بطبعه ، فان حاله حال الصوف المجعول في اللّحاف ولا بدّ في مثله من إخراج الغسالة بالعصر أو بغيره.
(3) قدّمنا في المسألة السادسة عشرة أن الأجسام غير القابلة للعصر كالطين ودقاق الأشنان في مفروض الكلام إذا نفذ الماء المتنجِّس في جوفها ، فان كانت جافّة كفى في تطهيرها أن تغمس في الماء العاصم أو يصب عليها الماء بمقدار يصل إلى
[346] مسألة 39 : في حال إجراء الماء على المحل النجس من البدن أو الثوب إذا وصل ذلك الماء إلى ما اتصل به من المحل الطاهر على ما هو المتعارف لا يلحقه حكم ملاقي الغسالة (1)حتى يجب غسله ثانياً ، بل يطهر المحل النجس بتلك الغسلة ، وكذا إذا كان جزء من الثوب نجساً فغسل مجموعة ، فلا يقال إن المقدار الطاهر تنجس بهذه الغسلة ، فلا تكفيه ، بل الحال كذلك إذا ضم مع المتنجِّس شيئاً آخر طاهراً ، وصبّ الماء على المجموع ، فلو كان واحد من أصابعه نجساً ، فضم إليه البقيّة وأجرى الماء عليها ، بحيث وصل الماء الجاري على النجس منها إلى البقيّة ، ثم انفصل تطهر بطهره. وكذا إذا كان زنده نجساً فأجرى الماء عليه ، فجرى على كفه ثم انفصل ، فلا يحتاج إلى غسل الكف لوصول ماء الغسالة إليها وهكذا (1). نعم لو طفر الماء من المتنجِّس حين غسله
أعماقها. وأما إذا كانت رطبة فيشكل الحكم بطهارتها بذلك ، إلاّ أن تجفّف أو يحرّك فيها الماء على نحو يغلب على الرطوبات الكائنة في جوفها ، أو تبقى في الماء الكثير مدة تحصل فيها غلبة الماء على رطوبتها.
(1) الكلام في هذه المسألة يقع في مراحل ثلاث :
المرحلة الأُولى : ما إذا كانت الغسالة طاهرة كما في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل بناء على طهارتها كما هو الصحيح ، ولا إشكال في طهارة ملاقي تلك الغسالة فإنّه لا مقتضي لنجاسته ، وهذه الصورة غير مرادة للماتن قدس سره لأن كلامه إنما هو في طهارة ملاقي الغسالة المتنجسة وعدمها.
المرحلة الثانية : ما إذا كانت الغسالة محكومة بالنجاسة كما في غير الغسلة المتعقبة بطهارة المحل ، والتحقيق في هذه الصورة عدم طهارة الملاقي ، لنجاسة الغسالة وملاقاة المتنجِّس تقتضي النجاسة وهو ظاهر ، ولم يرد مخصص على قاعدة منجسية المتنجِّس في المقام ، ولا بدّ معه من غسل ملاقي الغسالة كما يجب غسل المتنجِّس من ثوب
1) (*) الظاهر أنه يلحقه حكم ملاقيها ، فاذا كانت الغسالة نجسة يحكم بنجاسته.
وغيره ، ويكفي في طهارتهما الغسل مرّة واحدة ولو في غسالة المتنجِّس بالبول ، وذلك لأن المتنجِّس فرضنا أنه قد غسل مرّة واحدة وإلاّ لم يكن له غسالة حتى يحكم على ملاقيها بالنجاسة أو الطهارة فإذا غسل مرة ثانية حكم بطهارته لا محالة ، وأما كفاية المرّة الواحدة في ملاقي الغسالة فلأجل عدم كونه متنجساً بالبول حتى يجب غسله مرّتين ، وإنما هو متنجس بالمتنجس به وهي الغسالة.
المرحلة الثالثة : ما إذا كانت الغسالة من الغسلة المتعقبة بطهارة المحل إلاّ أنّا بنينا على نجاستها كما التزم به جماعة ومنهم الماتن قدس سره ولا ينبغي الإشكال في هذه الصورة في أن ملاقي الغسالة في الجملة محكوم بطهارته ، وذلك للسيرة القطعية الجارية على الاكتفاء بالغسل في تطهير المتنجسات ، مع أن غسل المتنجِّس يقتضي سراية الغسالة إلى جزء آخر من الأجزاء الطاهرة لا محالة ، ولا يمكن عادة غسل الموضع المتنجِّس من غير أن تسري الغسالة إلى شيء من أطراف المحل ، هذا.
بل لا يمكن الالتزام بنجاسة ملاقي الغسالة في نفسه ، إذ مع القول بها لا يتيسر الاكتفاء بالغسل في تطهير المتنجسات ، إذ لا بدّ من غسل كل جزء لاقته الغسالة لنجاستها ، وإذن امتنع تطهير مثل الأرض أو غيرها من الأشياء الكبار ، فان غسل الموضع المتنجِّس منها يوجب سراية الغسالة وجريانها إلى جزء آخر من الأرض فلا يتحقّق تطهير الأرض مثلاً إلاّ بغسل الكرة بأسرها ، هذا.
على أنه يمكننا الاستدلال على طهارة الملاقي في مفروض الكلام بالأدلة الواردة في تطهير المتنجِّسات ، وذلك بدلالة الاقتضاء وبالإطلاق المقامي ، حيث دلّت على طهارة البدن أو الثوب بغسل الناحية التي أصابها دم أو مني أو غيرهما من النجاسات فلو قلنا بنجاسة ملاقي الغسالة لم يمكن تطهيرهما ولا تطهير غيرهما من المتنجسات بصبّ الماء على الموضع المتنجِّس منهما وغسله ، إذ كلما طهّرنا جانباً نجّسنا جانباً آخر فلا تتيسر الطهارة إلاّ بغسلهما بأسرهما ، ومعه تصبح الأدلّة الدالّة على كفاية غسل الناحية المتنجسة منهما لغواً ظاهراً ، فإنّه أي فائدة في غسل تلك الناحية مع عدم حصول الطهارة به.
على محل طاهر من يده أو ثوبه يجب غسله بناء على نجاسة الغسالة وكذا لو وصل بعد ما انفصل عن المحل إلى طاهر منفصل ، والفرق أن المتصل بالمحل النجس يعد معه مغسولاً واحداً بخلاف المنفصل (1).
[347] مسألة 40 : إذا أكل طعاماً نجساً فما يبقى منه بين أسنانه باق على
مضافاً إلى أنّا نقطع بعدم وجوب غسل البدن والثوب أو غيرهما من المتنجسات بتمامه ، فيما إذا أصابت النجاسة جانباً منهما.
فإلى هنا ظهر أن ملاقي الغسالة في الجملة محكوم بالطهارة وإن قلنا بنجاسة الغسالة في نفسها ، إلاّ أن ما ذكرناه إنما هو في خصوص المقدار الذي تصل إليه الغسالة عادة وحسبما يقتضيه طبع الغسل ، ولا يعم ما إذا لم تكن إصابة الغسالة لمثله أمراً عاديا أو مما يقتضيه الغسل بطبعه ، والسر في ذلك أن طهارة الملاقي في مفروض الكلام لم تثبت بدليل لفظي حتى يتمسّك بعمومه أو إطلاقه بالإضافة إلى جميع الملاقيات وإنما أثبتناها بالسيرة ودلالة الاقتضاء ، ولا بدّ فيهما من الاقتصار على المقدار المتيقن وهي المواضع التي تصيبها الغسالة عادة وحسبما يقتضيه طبع الغسل.
وأما في المقدار الزائد على ذلك فاطلاقات الأدلّة الدالّة على نجاسة ملاقي النجاسات والمتنجسات يقتضي الحكم بنجاسته ، كما إذا طفرت الغسالة من موضع جريانها وأصابت جسماً آخر ، أو أنها أصابت جسماً طاهراً ملاصقاً للمتنجس المغسول ولكن العادة لم تكن جارية على وصول الغسالة إليه ، كما إذا تنجست إحدى أصابعه فضمها إلى غيرها من أصابعه وغسلها مرّة واحدة ، أو أنه وضع إصبعه على رأسه وغسلها ورأسه أو جميع بدنه دفعة واحدة ، وذلك لوضوح عدم جريان العادة على غسل سائر الأصابع والرأس أو بقية أجزاء البدن في غسل واحدة من الأصابع لإمكان الفصل بينهما ، وبهذا يظهر ما في كلام الماتن من المناقشة فلاحظ.
(1) قد استثنى قدس سره من الحكم بطهارة ملاقي الغسالة النجسة موردين :
أحدهما : ما إذا طفرت الغسالة من موضع جريانها إلى محل طاهر آخر.
وثانيهما : ما إذا انفصلت الغسالة من محلها وأصابت جسماً آخر منفصلاً عن المحل
نجاسته ، ويطهر بالمضمضة (1)(1) وأما إذا كان الطعام طاهراً فخرج دم من بين أسنانه ، فان لم يلاقه لا يتنجّس ، وإن تبلل بالريق الملاقي للدم ، لأن الريق لا يتنجّس بذلك الدم ، وإن لاقاه ففي الحكم بنجاسته إشكال من حيث إنه لاقى النجس في الباطن لكن الأحوط الاجتناب عنه ، لأن القدر المعلوم أن النجس في الباطن لا ينجِّس ما يلاقيه ممّا كان في الباطن ، لا ما دخل إليه من الخارج. فلو كان في أنفه نقطة دم لا يحكم بتنجّس باطن الفم ، ولا بتنجّس رطوبته ، بخلاف ما إذا أدخل إصبعه فلاقته ، فان الأحوط غسله (2).
النجس ، والأمر فيهما كما أفاده على ما فصّلناه في التعليقة المتقدِّمة فراجع ، هذا.
ثم إن في كلام الماتن تقييدين لم نقف على مأخذهما ولعلهما من سهو القلم :
أحدهما : تقييد الحكم بنجاسة الملاقي بما إذا انفصلت الغسالة عن المحل ، مع أن انفصالها غير معتبر في الحكم بنجاسة الملاقي قطعاً ، لأنها إذا أصابت جسماً آخر وهي في المحل أيضاً حكمنا بنجاسته إذا لم تجر العادة على وصول الغسالة إليه كما مرّ.
وثانيهما : تقييده بما إذا أصابت جسماً منفصلاً عن المحل النجس ، وهو أيضاً كسابقه لأنه تقييد بلا سبب ، لوضوح أن الغسالة بعد انفصالها أو قبله إذا أصابت جسماً متصلاً بالمحل النجس أيضاً أوجبت نجاسته ، بل لو أصابت بعد انفصالها نفس الموضع المغسول بها كانت موجبة لنجاسته ثانياً ، فالتقييد بما إذا كان الجسم منفصلاً مما لا وجه له.
(1) لأنّ الطعام المتنجِّس لا يعتبر في تطهيره أن يكون خارج الفم فان تطهيره في داخله كخارجه ، فاذا تمضمض على نحو وصل الماء إلى جوف المتنجِّس وهو في الفم حكم بطهارته.
(2) قد أسبقنا الكلام على هذه المسألة في بحث النجاسات ، وقلنا إنه لم يقم دليل
1) بشرط صدق الغسل.
[348] مسألة 41 : آلات التطهير كاليد والظرف الذي يغسل فيه تطهر بالتبع (1)فلا حاجة إلى غسلها ، وفي الظرف لا يجب غسله ثلاث مرّات (1) بخلاف ما إذا كان نجساً قبل الاستعمال في التطهير ، فإنّه يجب غسله ثلاث
على كون النجاسات في الباطن منجسة لملاقياتها ، ومن جملتها الدم حيث إن الأدلّة الواردة في نجاسته ومنجسيته تختص بالدم الخارجي كدم القروح والجروح والرعاف وغيرها من أقسام الدماء ، كما ذكرنا أن الجسم الطاهر إذا دخل الجوف ولاقى في الباطن نجساً لم يحكم بنجاسته فيما إذا خرج نظيفاً ، ومن هنا قلنا بطهارة شيشة الاحتقان الخارجة نظيفة وإن علم ملاقاتها شيئاً من النجاسات الباطنية ، والتفصيل موكول إلى محلِّه (2).
(1) الطهارة التبعية في مثل اليد والظروف وغيرهما من الآلات لم يقم عليها دليل والسيرة وإن جرت على عدم تطهير آلات الغسل بعد تطهير المتنجِّس إلاّ أنها غير مستندة إلى الطهارة التبعية ، بل الوجه فيها أن الآلات غالباً تغسل بنفسها حين غسل المتنجِّس ، فطهارتها مستندة إلى غسلها كما أن طهارة المغسول مستندة إلى تطهيره. ومن ثمة لو أصاب الماء أعالي اليد والظرف في غير الغسلة المتعقبة بطهارة المحل ولم يصلها الماء في الغسلة المطهرة ، لم يمكن الحكم بطهارتها لعدم الدليل على الطهارة التبعية كما مر.
والإطلاق المقامي في صحيحة محمد بن مسلم (3)لو تم فإنّما يقتضي الحكم بالطهارة التبعية في المِركَن فحسب ولا دلالة لها على الطهارة التبعية في الإناء ، وذلك لأن المِركَن غير الإناء على ما مر تفصيله في محلِّه (4). والمتحصل أن الآلات المستعملة في تطهير الأشياء المتنجسة إنما يحكم بطهارتها فيما إذا غسلت مع المغسول دون ما إذا لم تغسل كذلك.
مرّات (1)كما مرّ (1).
الثاني من المطهِّرات : الأرض وهي تطهر باطن القدم والنعل بالمشي عليها (2)
(1) تقدّم الوجه في ذلك والجواب عنه في المسألة الواحدة والعشرين وسابقتها فليراجع.
(2) قد اتفقوا على أن الأرض تطهر باطن القدم والنعل والخف وغيرها مما يتعارف المشي به كالقبقاب بعد زوال العين عنه ، بل ادعوا على ذلك الإجماع في كلماتهم. والمسألة مما لا خلاف فيه عدا ما ربما يحكى عن الشيخ قدس سره في الخلاف من قوله : إذا أصاب أسفل الخف نجاسة فدلكه في الأرض حتى زالت تجوز الصلاة فيه عندنا ، إلى أن قال : دليلنا : أنّا بيّنا فيما تقدم أن ما لا تتم الصلاة فيه بانفراده جازت الصلاة وإن كانت فيه نجاسة والخف لا تتم الصلاة فيه بانفراده ... (2)فإنّ الظاهر من هذا الكلام أن الخف إذا أصابته النجاسة لا ترتفع نجاسته بالدلك على الأرض ، نعم يعفى عن نجاسته لأنه مما لا تتم فيه الصلاة.
وعن المحقق البهبهاني أن استدلال الشيخ قدس سره بذلك غفلة منه. وما ذكره قدس سره هو الوجيه ولا مناص من حمل الاستدلال المذكور على الاشتباه ، وذلك لأن تجويزه الصلاة في الخف في مفروض الكلام لو كان مستنداً إلى كون الخف مما لا تتم فيه الصلاة ، لأصبحت القيود المأخوذة في كلامه المتقدِّم نقله لغواً ظاهراً ، حيث إنّ صحّة الصلاة فيما لا تتم فيه غير مقيدة بوصول النجاسة إلى أسفله ولا بزوال النجاسة عنه ، ولا على إزالتها بدلكه بالأرض ، ضرورة أن النجاسة فيما لا تتم الصلاة فيه لا تكون مانعة عن صحتها سواء أصابت أسفله أم أعلاه وسواء زالت عنه العين أم
لم تزل ، كما في القلنسوة إذا أصابها البول ووضعها المكلف على رأسه فصلى مع بقاء العين فيها ، كما ورد في رواية زرارة (1)وإن لم يكن فيها تصريح ببقاء العين حال الصلاة ، وأيضاً سواء دلكه بالأرض أم لم يدلكه. وحيث إن تقييد موضوع الحكم بما لا يترتّب عليه أيّ أثر لغو ظاهر وبعيد الصدور من مثل الشيخ قدس سره ، فلا محالة يكون أخذها في كلامه قرينة ظاهرة على أن تجويزه الصلاة في الخف المتنجِّس مستند إلى طهارة أسفل الخف بالمشي به أو بدلكه على الأرض. فالاستدلال المتقدم محمول على الاشتباه ، ولا نرى مانعاً من صدور الاشتباه منه قدس سره لعدم عصمته عن الخطأ حيث إن العصمة لأهلها.
فالمتلخص : أن مطهرية الأرض لباطن النعل والقدم والخف وغيرها ممّا يتعارف التنعل به مما لا ينبغي الخلاف فيه.
وتدل على ذلك النصوص الواردة في المقام ، وجملة منها وإن كانت ظاهرة في إرادة الرجل والقدم أعني نفس العضو والبشرة فلا تعم ما قد يقترن بها من خف أو نعل أو غيرهما لعدم كونها نفس العضو والبشرة ولو تجوزاً بعلاقة المجاورة ومعه لا تكون الأرض مطهرة لغير العضو ممّا يتنعل به عادة ، إلاّ أنه لا بدّ من التعدي عن البشرة إلى كل ما يتعارف المشي به على الأرض لما ستقف عليه من الوجوه. وتوضيح الكلام في المقام يتوقف على نقل الأخبار الواردة في المسألة.
منها : صحيحة زرارة قال : « قلت لأبي جعفر علیه السلام : رجل وطئ على عذرة فساخت رجله فيها ، أينقض ذلك وضوءه؟ وهل يجب عليه غسلها؟ فقال : لا يغسلها إلاّ أن يقذرها ، ولكنه يمسحها حتى يذهب أثرها ويصلِّي » (2)وهي تامة الدلالة والسند إلاّ أنها مختصة بالرجل الظاهرة في إرادة نفس البشرة.
ومنها : ما عن معلى بن خنيس قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الخنزير
يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء ، أمرّ عليه حافياً؟ فقال : أليس وراءه شيء جاف؟ قلت : بلى ، قال : فلا بأس إن الأرض يطهّر بعضها بعضاً » (1)وهي كسابقتها من حيث الدلالة واختصاصها بالبشرة.
ومنها : رواية حفص بن أبي عيسى قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام إن وطئت على عذرة بخفي ومسحته حتى لم أر فيه شيئاً ما تقول في الصلاة فيه؟ فقال : لا بأس » (2)وهي واردة في الخف.
ولكن قد يقال : إن نفي البأس عن الصلاة في الخف بعد مسحه وإزالة العين عنه لعلّه مستند إلى أن الخف مما لا تتم فيه الصلاة فلا يتيسر مع هذا الاحتمال أن يستدل بها على طهارة الخف بالمسح.
ويدفعه : أن الظاهر المستفاد من السؤال والجواب الواردين في الرواية أنهما راجعان إلى طهارة الخف ونجاسته ، ولا ظهور للرواية في السؤال عن كون الخف مما لا تتم فيه الصلاة ليكون الجواب ناظراً إليه.
على أن الإمام علیه السلام قرّر السائل على ما ارتكز في ذهنه من عدم جواز الصلاة في الخف على تقدير عدم إزالة العين عنه ، ولا خفاء في أن صحة الصلاة فيه لو كانت مستندة إلى كونه مما لا تتم فيه الصلاة ، لم يفرق في ذلك بين صورتي وجود العين وإزالتها على ما تقدمت الإشارة إليه سابقاً. وهذه قرينة واضحة على أن الرواية سيقت لبيان طهارة الخف بالمسح فلا مانع من الاستدلال بالرواية من هذه الجهة.
نعم ، الرواية ضعيفة السند بحفص بن أبي عيسى المجهول فلا يمكن الاعتماد عليها من هذه الجهة.
ومنها : صحيحة الأحول عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكاناً نظيفاً ، قال : لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعاً أو نحو ذلك » (3)وهي أيضاً مطلقة كما يأتي عليها الكلام.
ومنها : ما رواه محمّد الحلبي قال : « نزلنا في مكان بيننا وبين المسجد زقاق قذر فدخلت على أبي عبد اللّه علیه السلام فقال : أين نزلتم؟ فقلت : نزلنا في دار فلان فقال : إن بينكم وبين المسجد زقاقاً قذراً ، أو قلنا له : إن بيننا وبين المسجد زقاقاً قذراً فقال : لا بأس إن الأرض تطهر بعضها بعضاً. قلت والسرقين الرطب أطأ عليه فقال : لا يضرّك مثله » (1)وهي غير مقيدة بالقدم والبشرة ، بل مقتضى إطلاقها أن الأرض تطهر باطن القدم والخف وغيره مما يتنعل به عادة.
ومنها : ما رواه في آخر السرائر نقلاً عن نوادر أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن المفضل بن عمر ، عن محمّد الحلبي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « قلت له : إن طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه ، فربّما مررت فيه وليس عليَّ حذاء فيلصق برجلي من نداوته ، فقال : أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت : بلى ، قال : فلا بأس إن الأرض تطهر بعضها بعضاً ، قلت : فأطأ على الروث الرطب؟ قال : لا بأس أنا واللّه ربما وطئت عليه ثم أُصلّي ولا أغسله » (2). وهي مقيدة بالقدم كما هو ظاهر.
وربما يورد على هاتين الروايتين بأنهما متنافيتان نقلاً ، لأن ظاهرهما الحكاية عن قضية واحدة نقلها محمّد الحلبي ، وغاية الأمر أن الراوي عن الحلبي شخصان وقد رواها أحدهما مقيدة بالرجل ورواها الآخر مطلقة فأحد النقلين يناقض الآخر.
هذا ، ولا يخفى أن الروايتين إن حملناهما على تعدد الواقعة كما هو غير بعيد بأن يقال إن الراوي سأله علیه السلام عن مسألة واحدة مطلقة تارة ومقيدة بالرجل اخرى حتى يطمئن بحكمها ، فإن المشي حافياً لا يناسب الحلبي ولا يصدر عن مثله إلاّ نادراً فسأله عن حكمه مرة ثانية حتى يطمئن به فهما روايتان ولا مانع من كون إحداهما مطلقة والأُخرى مقيدة بالرجل ، فنأخذ معه بإطلاق المطلقة وهي تقتضي اطراد الحكم في كل ما يتعارف المشي به من أسفل القدم والخف وغيرهما.
وأما إذا قلنا بوحدة الواقعة في الروايتين لاستبعاد التعدّد في الواقعة ولا نرى أي بُعد في تعدّدها كما مرّ سقطت الروايتان عن الاعتبار للعلم بعدم صدور إحداهما
عن الإمام علیه السلام ولا ندري أنه أيهما. والوجه في اختلاف النقل حينئذ أن الحلبي إما أنه نقل الرواية لأحد الراويين بألفاظها ونقلها للآخر بمعناها بتوهم عدم اختلاف المعنى بذلك ، أو أنه نقلها لكلا الراويين بالألفاظ ، إلاّ أن أحدهما نقل الرواية على غير النمط الذي سمعه.
ثم إنك إذا أحطت خبراً بالأخبار الواردة في المقام عرفت أن الصحيح عدم اختصاص الحكم بالرجل والبشرة وأنه مطرد في كل ما يتنعل به عادة. ويمكن الاستدلال على ذلك بوجوه :
الأوّل : التقريب المتقدم في الاستدلال برواية حفص مع الغض عن سندها فإنّها دلت على طهارة الخف بمسحه بالأرض ، وحيث إن الخف لا يحتمل أن تكون له خصوصية في المقام فيستكشف بذلك عمومية الحكم للنعال وغيره مما يتعارف المشي به.
الثاني : عموم التعليل الوارد في بعض الأخبار المتقدِّمة (1)أعني قوله علیه السلام « إن الأرض يطهّر بعضها بعضاً » حيث يدل على أن الأرض تطهر النجاسة الحاصلة منها مطلقاً من دون فرق في ذلك بين أسفل القدم والخف وغيرهما. بيان ذلك : أن نجاسة أسفل القدم أو الخف أو غيرهما إنما حصلت من الأرض كما أُشير إليه في بعض الروايات بقوله « إن طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه » وفي آخر : « إن بيننا وبين المسجد زقاقاً قذراً » (2)ولأجله صح أن يقال إن الأرض الطاهرة تطهر الأرض النجسة ، وهذا لا بمعنى أنها تطهر الأرض النجسة بنفسها بل بمعنى أنها تطهر الأثر المترشح من الأرض القذرة وهو النجاسة ، فوزان ذلك وزان قولنا : الماء يطهر البول والدم وغيرهما من الأعيان النجسة ، مع أن العين النجسة غير قابلة للتطهير ولا يكون الماء مطهّراً لها بوجه ، إلاّ أنه لما أمكن أن يكون مزيلاً ومطهّراً من الآثار الناشئة
عن الأعيان النجسة وهي النجاسة صح أن يقال إن الماء مطهّر للبول.
وهذا تعبير صحيح ولا حاجة معه إلى تفسير الجملة المذكورة بما عن المحدث الكاشاني قدس سره من أنها بصدد بيان أمر عادي وهو انتقال القذارة من الموضع المتنجِّس من الأرض إلى الموضع الآخر منها بوضع القدم ورفعها حتى لا يبقى على الأرض شيء من النجاسة (1).
ولا إلى تفسيرها بما عن الوحيد البهبهاني قدس سره من أن معناها أن بعض الأرض أي الطاهرة منها يطهر بعض المتنجسات كالنعل ، لمكان أن « بعضاً » نكرة وذلك لما عرفت من أن ظاهره حسب المتفاهم العرفي أن الأرض الطاهرة تطهر الأرض النجسة بالمعنى المتقدم وهي واردة لبيان أمر شرعي ، فحملها على إرادة بيان أمر عادي أو على كون الأرض مطهرة لبعض المتنجسات خلاف الظاهر ولا يمكن المصير إليه.
ثم إن تلك الجملة وإن كانت مجملة في بعض مواردها كما في حسنة محمد بن مسلم قال : « كنت مع أبي جعفر علیه السلام إذ مرّ على عذرة يابسة فوطئ عليها فأصابت ثوبه ، فقلت : جعلت فداك قد وطئت على عذرة فأصابت ثوبك ، فقال : أليس هي يابسة؟ فقلت : بلى ، قال : لا بأس إن الأرض يطهر بعضها بعضاً » (2)لأن عدم تنجس ثوبه علیه السلام وطهارته من جهة يبوسة العذرة غير مرتبطة بقوله : « إن الأرض يطهر بعضها بعضاً » وهو كمضمون رواية عمار : « كل شيء يابس زكي » (3)ومن الواضح أن ذلك أجنبي عن التعليل الوارد في الرواية ، فالجملة مجملة في الحسنة إلاّ أن إجمالها في مورد لا يضرها في غيره ، لما عرفت من أنها واضحة الدلالة على مطهرية الأرض للأثر الناشي من الأرض النجسة. وكيف كان فمقتضى عموم التعليل اطراد الحكم وشموله لكل ما يتنعل به عادة.
أو المسح بها (1) بشرط زوال عين النجاسة إن كانت (2)، والأحوط (3)
الثالث : صحيحة الأحول المتقدِّمة (1)حيث إنها مطلقة ، لعدم استفصاله علیه السلام بين وطء الموضع حافياً ووطئه متنعلاً ، وترك الاستفصال يدل على عدم اختصاص الحكم بأسفل القدم. وهذه الرواية صحيحة السند وتامّة الدلالة غير أنها اشتملت على تحديد المشي بخمسة عشر ذراعاً ، والمشهور لا يلتزم به لذهابهم إلى كفاية مطلق المشي ، وأنّ الحدّ هو النقاء ولو حصل بالمشي بما هو أقل من خمسة عشر ذراعاً ، إلاّ أن ذلك لا يضر بالاستدلال بها ، بل إن أمكننا حمله على الاستحباب أو على بيان أن النقاء عادة لا يتحقّق بأقل من المقدار المذكور فهو ، وإلاّ فلا مناص من الأخذ به وتحديد المشي بخمسة عشر ذراعاً.
(1) كما ورد في صحيحة زرارة ورواية حفص المتقدِّمتين (2).
(2) وذلك مضافاً إلى الارتكاز فان التطهير بالأرض لا يزيد على التطهير بالماء وقد مرّ اعتبار إزالة العين فيه تدل عليه صحيحة زرارة : « ولكنه يمسحها حتى يذهب أثرها ». ورواية حفص حيث حكم علیه السلام فيها بحصول الطهارة فيما فرضه السائل بقوله : « إن وطئت على عذرة بخفي ومسحته حتى لم أر فيه شيئا » ومعه يعتبر في مطهرية الأرض لأسفل النعل والقدم زوال عين النجس بحيث لو انجمدت تحتهما كما في الدم ونحوه ولم تزل بالمشي أو المسح لم يحكم بطهارتهما.
(3) والوجه في هذا الاحتياط أعني الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض النجسة وعدم التعدي إلى النجاسة الحاصلة من الخارج ، كما إذا انفجر ما في أسفل قدمه من الدمل لدى المشي وأصاب الدم خفه أو رجله هو أن الروايات المتقدِّمة إنما وردت في النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض كوطء العذرة الموجودة فيها والمرور على الطريق المتنجِّس وغيرها من الموارد ، ولا مناص معه من الاقتصار
على المقدار المتيقن من الأخبار وهي النجاسة الحاصلة من المشي ، وأما المقدار الزائد على ذلك فيرجع فيه إلى عموم أو إطلاق ما دلّ على أن النجاسة يعتبر في إزالتها الغسل بالماء ، لأنه مقتضى القاعدة عند إجمال المخصص لدورانه بين الأقل والأكثر.
ويؤيده ما تقدّم (1)في تفسير قوله علیه السلام « إن الأرض يطهّر بعضها بعضاً » من أنّ تعبيره علیه السلام عن مطهرية الأرض لباطن النعل والقدم وغيرهما بقوله « إنّ الأرض ... » إنما هو من جهة أن النجاسة كانت ناشئة من الأرض ولأجله صح أن يقال : إن الأرض الطاهرة مطهّرة للأرض القذرة أي للنجاسة الناشئة منها ، ومع كون الأثر وهي النجاسة مستندة إلى غير الأرض لا يصح التعبير المذكور بوجه ، هذا.
وقد يقال بالتعدي إلى النجاسة الحاصلة من الخارج ويستدل عليه بأمرين :
أحدهما : ما ورد في صحيحة زرارة « جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان ولا يغسله ، ويجوز أن يمسح رجليه ولا يغسلهما » (2)فان قوله علیه السلام « يجوز أن يمسح رجليه » يدلنا بإطلاقه على مطهرية المسح في كل من النجاسة الناشئة من الأرض والنجاسة الناشئة من غيرها.
ويدفعه أوّلاً : أن من المحتمل القوي أن يكون قوله : « ويجوز أن يمسح رجليه » ناظراً إلى المسح في الوضوء لنفي ما يزعمه أهل الخلاف من اعتبار غسل الرجلين فيه ، ومن هنا قال : « ويجوز أن يمسح ... » مع أن مسحهما من الشرائط المعتبرة في الوضوء فهو أمر لازم لا جائز ، وعليه فالرواية أجنبية عما نحن بصدده.
وثانياً : أن الرواية لو سلم كونها ناظرة إلى مطهرية المسح ، فلا شك في أنها ليست بصدد البيان ، للقطع بعدم كون المسح مطهراً مطلقاً كالمسح بالخرقة أو الخشب ونحوهما ، فلا إطلاق للرواية حتى يدل على مطهرية الأرض من النجاسة الحاصلة من الخارج.
وثانيهما : ما ذكره المحقِّق الهمداني قدس سره (1)وتوضيحه : أن مقتضى الارتكاز عدم الفرق في مطهرية الأرض بين النجاسة الحاصلة من الأرض وبين الحاصلة من غيرها ، إذ لا يتبادر من الأخبار سوى أن المسح أو المشي مطهّر للرجل أو الخف من النجاسة ، من غير أن تكون لكيفية وصولها إلى الرجل مدخلية في الحكم. ومن هنا لا يتوهم أحد فرقاً بين أن تكون العذرة التي يطأها برجله مطروحة على الأرض أو على الفراش ، وبهذا الارتكاز العرفي نتعدى عن مورد الروايات إلى مطلق النجاسة سواء حصلت بالمشي على الأرض أو بغيره ، هذا.
ولا يخفى أن الارتكاز العرفي وإن كان يقتضي عدم الفرق بين كون العذرة مطروحة على الأرض أو على الفراش ، إلاّ أن الكلام في المقام غير راجع إلى النجاسة المستندة إلى المشي وإن لم تكن ناشئة من الأرض ، وذلك إذ قد لا تصل النعل أو الرجل إلى الأرض أصلاً لحيلولة العذرة أو غيرها من النجاسات بينهما كما أُشير إليه في صحيحة زرارة حيث قال : « فساخت رجله فيها » (2)أو لكون العذرة الموطوءة مطروحة على خرقة أو خشبة أو غيرهما من الأشياء الموجودة في الطريق ، فلا يعتبر أن تكون النجاسة ناشئة من الأرض وإنما يعتبر استناد النجاسة إلى المشي ، سواء أكانت العذرة واقعة على الأرض أم على الفراش فما أفاده قدس سره خارج عن محل الكلام.
وإنما كلامنا فيما إذا استندت النجاسة إلى الخارج وغير المشي كما في المثال المتقدم حيث إن تنجس الأصابع بالدم حينئذ غير مستند إلى المشي ، وفي مثله إن أقمنا دليلاً قطعياً على عدم الفرق بين النجاسة الحاصلة بالمشي والنجاسة الحاصلة بغيره فهو وإلاّ فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقن وهو النجاسة الحاصلة بالمشي ، وفي المقدار الزائد يرجع إلى العموم أو الإطلاق وهما يقتضيان إناطة تطهير المتنجِّس بالغسل بالماء. ولا سبيل لنا إلى مناطات الأحكام الشرعية وملاكاتها ونحتمل وجداناً أن تكون لكيفية وصول النجاسة بالمشي مدخلية في الحكم. ويشهد على ذلك ملاحظة
الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض النجسة دون ما حصل من الخارج ، ويكفي مسمّى المشي أو المسح (1) وإن كان الأحوط المشي خمس عشرة خطوة (1)(2) وفي كفاية مجرد المماسة من دون مسح أو مشي (3) إشكال (4)
أحجار الاستنجاء لأنها مطهّرة من العذرة في المحل ، وأما إذا كانت في غيره من الثوب والبدن ونحوهما فالأحجار لا ترفع أثرها بوجه.
(1) لإطلاق النصوص عدا صحيحة الأحول (2)حيث حددت المشي بخمسة عشر ذراعاً. ولكن الصحيح كفاية المسمى ، لأنّ دلالة صحيحة زرارة على أنّ المناط في حصول الطهارة هو النقاء وزوال عين النجس أقوى من دلالة الصحيحة المتقدِّمة على التحديد بخمسة عشر ذراعاً ، لأنه من المحتمل أن يكون التحديد في الصحيحة جارياً مجرى الغالب من توقّف إزالة النجاسة على المشي بذلك المقدار ، ويتقوى هذا الاحتمال بملاحظة قوله علیه السلام « أو نحو ذلك » ، فلاحظ.
(2) الذي ورد في صحيحة الأحول إنما هو خمسة عشر ذراعاً ، وليس من خمس عشرة خطوة عين ولا أثر في الروايات ، والفرق بين الخطوة والذراع بالثلث ، فلا وجه لما ذكره الماتن من أن الأحوط المشي خمس عشرة خطوة. فلو أنه أراد أن يبين مقدار خمسة عشر ذراعاً بالخطوات لوجب أن يقول الأحوط المشي عشر خطوات ، لأن الفاصل بين القدمين مقدار ذراع ومكان القدمين بمقدار نصف ذراع فتكون الخطوة الواحدة ذراعاً ونصفاً ، كما أن خمسة عشر ذراعاً يعادل عشر خطوات على ما أشرنا إليه في التعليقة فليراجع.
(3) كما إذا وقعت نعله على الأرض وبذلك زالت عنها عين النجس ، أو أنها وقعت على الأرض وتحققت المماسة إذا لم تكن مشتملة على عين النجس.
(4) ولعلّ الوجه فيه أن رواية الحلبي (3)دلّت على انحصار المطهر بالمشي ، وذلك من
وكذا في مسح التراب عليها (1)
جهتين :
إحداهما : قوله علیه السلام « أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ » لأنه علیه السلام بصدد البيان والتحديد ، وذكر في هذا المقام أليس تمشي ... وهو حينئذ ظاهر الدلالة على حصر المطهر في المشي.
وثانيتهما : قوله علیه السلام « فلا بأس » وقد فرع قوله هذا على المشي ، فدل ذلك على أن قوله : « فلا بأس » تصريح بتالي المقدم المحذوف وحاصله : إن مشيت بعد ذلك فلا بأس. ودلالته حينئذ على عدم كفاية غير المشي لا تقبل الإنكار ، إلاّ أنّا خرجنا عن ذلك في المسح بقوله علیه السلام في صحيحة زرارة « ولكنه يمسحها حتى يذهب أثرها ... » وقوله « لا بأس » في رواية حفص على تقدير اعتبارها جواباً عما سأله الراوي بقوله : إن وطئت على عذرة بخفي ومسحته حتى لم أر فيه شيئاً ، فبهاتين الروايتين يقيد مفهوم الرواية المتقدِّمة ويكون النتيجة أن المطهر أمران : المشي على الأرض والمسح بها ، وأما مجرّد المماسة فمقتضى الرواية عدم كفايتها ، فلو شككنا في ذلك ولم ندر أن المماسة كافية أو ليست بكافية فالمرجع هو المطلقات الدالّة على اعتبار الغسل بالماء في إزالة النجاسات.
(1) كما إذا أخذ حجراً أو شيئاً من التراب ومسح به رجله أو نعله. وظاهر الماتن أن الاشكال في هذه الصورة إنما نشأ عن احتمال أن يكون المعتبر هو مسح الأرض بالرجل أو النعل ، فلو انعكس بأن مسحهما بالأرض لم يمكن الحكم بكفايته ، هذا.
ولكن الصحيح أن الاشكال في هذه الصورة إنما ينشأ من انفصال الأجزاء الأرضية من الأرض ، لأن الحجر أو المقدار المأخوذ من التراب وإن كان حال كونه متصلاً بالأرض مما لا إشكال في كفاية المسح أو المشي عليه ، ولكنه إذا انفصل لم يمكن الحكم بكفايته ، وذلك لأنه ليس بأرض وإنما هو من الأرض ، والأخبار المتقدِّمة إنما دلت على مطهرية الأرض فحسب ، وأما ما هو جزء من الأرض ولكنه ليس بأرض فلم يقم دليل على مطهّريته.
ولا فرق في الأرض بين التراب والرمل والحجر الأصلي (1) بل الظاهر كفاية المفروشة بالحجر بل بالآجر والجص والنورة (2)
ويدلُّ على ذلك التعليل في بعضها بأن الأرض يطهر بعضها بعضاً ، بمعنى أن الأرض الطاهرة تطهر الأرض النجسة بالمعنى المتقدِّم (1)فانّ مقتضاه أن الأرض مطهّرة لا ما هو من أجزائها ، ومن ثمة لا يفرق في الإشكال الذي ذكرناه بين أن يمسح الرجل أو النعل بالحجر أو التراب المأخوذين من الأرض ، وبين أن يمسح الحجر أو التراب المأخوذين من الأرض بالنعل أو الرجل فإن الماسحية والممسوحية في الاشكال سواء وهذا بخلاف ما إذا كان منشأ الاشكال هو ما يوهمه ظاهر الماتن ، فان لازمه الحكم بكفاية المسح في الصورة الثانية كما لعله ظاهر.
نعم ، يأتي منّا في المسألة الثانية من مسائل المقام (2)ما يدل على كفاية المسح بالأجزاء المنفصلة من الأرض فيما لا يمكن عادة أن يمسح بالأجزاء المتصلة منها فليلاحظ.
(1) كما إذا كانت الأرض ذات رمل أو حجر أو تراب من الابتداء ، وذلك لإطلاق الأرض الواردة في الأخبار ، ولعل هذا مما لا إشكال فيه. وإنما الكلام في كفاية الأرض الرملية أو الحجرية بالعرض ، وهو الذي أشار إليه بقوله : بل الظاهر كفاية المفروشة ....
(2) لأن المفروشة بالحجر أو بغيره من الأجزاء الأرضية يصح أن يقال إنها أرض حقيقة ، فإن الحجر مثلاً من الأجزاء الأرضية كما عرفت ، وإنما انتقل من مكانه إلى مكان آخر ، ومن الواضح أن الانتقال غير مانع من صدق عنوان الأرض بوجه. ثمّ إنّ فرش الأرض بالحجر أو بغيره من أجزائها أمر متعارف بل هو أمر غالبي في البلاد ، وليس من الأُمور النادرة ليدعى انصراف الأرض عن المفروشة بالحجر أو بغيره.
نعم يشكل كفاية المطلي بالقير أو المفروش باللوح من الخشب (1) ،
ثمّ لو قلنا بعدم صدق الأرض على المفروشة بشيء من الأجزاء الأرضية فهل يمكننا الحكم بطهارة باطن الرجل أو النعل بالمسح أو المشي عليها؟
قد يقال بطهارتهما بذلك ، نظراً إلى أن استصحاب نجاستهما السابقة يعارض استصحاب مطهرية الأجزاء الأرضية المفروشة فيتساقطان ، كما هو الحال في جميع الاستصحابات التعليقية ، فإن استصحاب المطهرية تعليقي في المقام وتقريبه : أن تلك الأجزاء المفروشة كالحجر وغيره كانت قبل أن تنتقل من مكانها مطهرة لباطن الرجل أو الخف لو مسح أو مشي عليها ، وإذا انتقلت عن مكانها حكم بكونها أيضاً كذلك بالاستصحاب ، وهو يعارض باستصحاب نجاستهما السابقة ، ولأجل ذلك يتساقطان وتنتهي النوبة إلى قاعدة الطهارة وببركتها يحكم بطهارة باطن الرجل أو النعل في مفروض الكلام.
وفيه : بعد الغض عن عدم اعتبار الاستصحابات التعليقية في نفسها وعدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلهيّة التي منها استصحاب النجاسة في المقام أن المورد ليس من موارد الرجوع إلى قاعدة الطهارة بل لا بدّ من الرجوع فيه إلى الإطلاقات المقتضية لاعتبار الغسل بالماء في تطهير المتنجسات وعدم جواز الاكتفاء بغيره ، فان المقدار المتيقن ممّا خرج عن تلك المطلقات إنما هو صورة المسح أو المشي على الأرض غير المفروشة ، وأما الزائد المشكوك فيه فيبقى تحت المطلقات لا محالة.
(1) لعدم صدق الأرض عليها ، وكذا الحال في المفروش بالصوف أو القطن أو غيرهما مما ليس من الأجزاء الأرضية. نعم ورد في صحيحة الأحول ورواية المعلى المتقدِّمتين (1)ما بإطلاقه يشمل المقام وهو قوله « مكاناً نظيفاً » و « شيء جاف » لشمولهما المطلي بالقير والمفروش بالقطن ونحوه ، إلاّ أن مقتضى التعليل الوارد في جملة من الأخبار المتقدِّمة أعني قوله علیه السلام « إن الأرض يطهر بعضها بعضاً » تقييد
1) في ص 99 - 100.
ممّا لا يصدق عليه اسم الأرض ، ولا إشكال في عدم كفاية المشي (1)
الروايتين المتقدمتين بالأرض وعدم ترتب الطهارة على المشي فيما ليس بأرض ويؤيده رواية السرائر عن الحلبي لاشتمالها على اعتبار المشي في الأرض اليابسة.
(1) يتصوّر المشي على الأرض بوجوه :
الأوّل : أن يقع المشي على الأجزاء الأرضية الأصلية كما في الأراضي الحجرية أو الرملية ونحوهما ، ولا إشكال في مطهرية المشي حينئذ على تفصيل قد تقدّم.
الثاني : أن يقع المشي على الأجزاء العرضية كالمشي على الأرض المفروشة بالأحجار مثلاً ، وقد قدمنا أن المشي عليها أيضاً مطهر لأنها من الأرض.
الثالث : أن يقع المشي على أجزاء عرضية تعد بالنظر العرفي من الأرض وإن لم تكن كذلك حقيقة ، وهذا كالمشي على الأرض المفروشة بالقير المعبّر عنه في زماننا هذا بالتبليط ، أو المفروشة بالألواح ونحوها لأنها خارجة عن الأرض حقيقة ، إلاّ أنها لمكان اتصالها بها تعد من الأرض مسامحة ، والأقوى في هذه الصورة عدم كفاية المشي عليها ، لأنها وإن كانت تطلق عليها الأرض عرفاً ومسامحة إلاّ أنها ليست من الأرض حقيقة.
الرابع : أن يقع المشي على الأجزاء العرضية غير المعدودة من الأرض عرفاً ولا حقيقة لانفصالها من الأرض وذلك كالألواح المطروحة على الطريق ، وعدم كفاية المشي في هذه الصورة أظهر من سابقتها ، لأنّ الأجزاء العرضية كانت في الصورة السابقة متصلة بالأرض والاتصال مساوق للوحدة ، وهذا بخلاف هذه الصورة لانفصال الأجزاء فيها من الأرض ولا موجب معه لتوهم الإجزاء أبداً. والمشي على النبات والزرع كالمشي على القير فلا يكتفى به في التطهير ، بل النبات غير متصل بالأرض كالقير وإن كانت مادته وأُصوله متصلتين بها ، فعدم الكفاية في المشي على النبات أظهر ، كما أن المشي على الفرش والحصير والبواري كالمشي على الألواح المطروحة في الطريق وقد عرفت حكمها.
على الفرش ، والحصير ، والبواري ، وعلى الزرع والنباتات ، إلاّ أن يكون النبات قليلاً بحيث لا يمنع عن صدق المشي على الأرض (1) ، ولا يعتبر أن تكون في القدم أو النعل رطوبة (2) ولا زوال العين بالمسح أو المشي وإن كان أحوط (3).
(1) لصدق المشي على الأرض عند قلة النبات ولا سيما في البلدان دون البوادي لأنّ الأرض فيها لا تخلو عن الأجزاء العرضية كأجزاء الحطب أو الخرق مما ليس من الأجزاء الأرضية ، ومع ذلك يصدق المشي على الأرض عرفاً.
(2) لإطلاق الروايات.
(3) فإذا زالت العين قبل المسح أو المشي بخرقة أو خشبة ونحوهما ثم مسح رجله أو نعله أو مشى بهما على الأرض كفى في الحكم بطهارتهما ، فلا يعتبر أن يكون زوال العين بالمسح أو المشي.
أما عدم اعتبار زوال العين بالمشي فلعدم تقييد الأدلّة الدالّة على مطهريته بما إذا زالت العين بالمشي ، وإنما هي مطلقة كقوله علیه السلام « أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ » (1).
وأما عدم اعتبار زوالها بالمسح فلإطلاق صحيحة زرارة الدالّة على مطهرية المسح كالمشي فإن قوله : « ولكنّه يمسحها » (2)غير مقيد بأن يكون المسح بالأرض فيعم المسح بغيرها ، إلاّ أنه لا بدّ من تقييد إطلاقه بذلك ، نظراً إلى أن المستفاد من النصوص أن المسح قائم مقام المشي في التطهير ، والمشي هو الانتقال من مكان إلى مكان بوضع القدم ورفعها ، فغاية ما يمكن استفادته من الروايات أن الشارع ألغى خصوصية الانتقال من مكان إلى مكان ، واكتفى بمجرّد وضع الرجل على الأرض ورفعها أعني المسح وهو في مكانه من غير أن ينتقل إلى مكان آخر ، وأما إلغاؤه خصوصية الأرض فلا يسعنا استفادته منها بوجه ، وعلى ذلك فلا يعتبر في مطهِّرية الأرض زوال العين بالمسح لأنه كما مرّ قائم مقام المشي وقد مر عدم اعتباره فيه.
ويشترط طهارة الأرض (1)
(1) ذهب إلى ذلك جماعة نظراً إلى أن المتنجِّس لا يكفي في تطهير مثله ، ولا سيما بملاحظة ما هو المرتكز في الأذهان من أن فاقد الشيء لا يكون معطياً له ، وإلى قوله صلی اللّه علیه و آله « جُعِلَت لي الأرض مسجداً وطهوراً » (1)لأن معنى الطهور هو ما يكون طاهراً في نفسه ومطهراً لغيره. وإلى غير ذلك من الوجوه.
وعن جماعة منهم الشهيد الثاني قدس سره عدم الاشتراط ، بل ذكر قدس سره أن مقتضى إطلاق النص والفتوى عدم الفرق في الأرض بين الطاهرة ، وغيرها (2)هذا.
وربما ناقش بعضهم في الاشتراط بأن الأحكام الشرعية تعبدية محضة ولا مجال فيها لإعمال المرتكزات العرفية ، فمن الجائز أن يكون النجس مطهراً لغيره بالتعبّد الشرعي. واستقراء موارد التطهير بالمياه والأحجار في الاستنجاء وغيرها مما اعتبرت فيه الطهارة لا يفيد القطع باعتبارها في كل مطهر.
والصحيح هو ما ذهب إليه الماتن وغيره من اشتراط الطهارة في مطهرية الأرض وذلك لوجهين :
أحدهما : أن العرف حسب ارتكازهم يعتبرون الطهارة في أيّ مطهر ، ولا يجوز عندهم أن يكون المطهر فاقداً للطهارة بوجه ، ولا سيما بملاحظة أن فاقد الشيء لا يكون معطياً له ، ولا نرى أيّ مانع من الاستدلال بالارتكاز وإن كان قد يناقش فيه بأنه لا ارتكاز عرفي في التطهير بالأرض ، ولكنه كما ترى.
وثانيهما : صحيحة الأحول المتقدِّمة (3)« في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكاناً نظيفاً ، قال : لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعاً أو نحو ذلك » فان قيد النظافة في المكان وإن ورد في كلام السائل دون الإمام علیه السلام إلاّ أنه يمكن أن يستدل بالصحيحة على اعتبار الطهارة من جهتين :
وجفافها (1) نعم الرطوبة غير المسرية غير مضرّة (1)،
إحداهما : أن قوله علیه السلام « لا بأس » نفي له عما أخذه السائل في كلامه من القيود ، ومعناه أنه لا بأس بما فرضته من وطء الموضع الذي ليس بنظيف مع وطء المكان النظيف بعده ، وهذا في الحقيقة بمنزلة أخذ القيود المذكورة في كلام الإمام علیه السلام .
وثانيتهما : أن نفي البأس في كلامه علیه السلام قد علّق على ما إذا كان خمسة عشر ذراعاً ، والضمير في قوله « كان » يرجع إلى المكان النظيف أي لا بأس إذا كان المكان النظيف خمسة عشر ذراعاً. ونحن وإن ذكرنا أن التحديد بذلك من جهة أن الغالب توقف زوال العين بالمشي خمسة عشر ذراعاً ، إلاّ أن تعليقه علیه السلام عدم البأس على ما إذا كان المكان النظيف كذلك يرجع بحسب اللب إلى أنه لا بأس إذا كان المكان النظيف بمقدار تزول عنه العين بالمشي عليه ، فاذا لم يكن المكان النظيف بهذا المقدار انتفى المعلق عليه وهو عدم البأس لا محالة.
(1) لرواية محمد الحلبي : « أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة » (2)ورواية المعلّى ابن خنيس : « أليس وراءه شيء جاف » (3)وهما يقتضيان اعتبار الجفاف في الأرض وعلى ذلك فالأرض الرطبة مسرية كانت أم لم تكن لا تكون مطهّرة لشيء إلاّ أن تكون الرطوبة قليلة بحيث يصدق معها الجفاف ، ويصح أن يقال إن الأرض يابسة لأنها غير مضرة حينئذ.
هذا ، ولكن الروايتين ضعيفتان ، فانّ في سند إحداهما المفضل بن عمر والراوي في الثانية المعلى بن خنيس ، وهو وإن كنّا نعتمد على رواياته إلاّ أن الصحيح أن الرجل ضعيف لا يعوّل عليه ، ومعه لا يمكن الاستدلال بهما على اعتبار الجفاف في الأرض فلا مانع على ذلك من الالتزام بمطهّرية الأرض الندية بمقتضى الإطلاقات. نعم إذا
ويلحق بباطن القدم والنعل حواشيهما بالمقدار المتعارف ممّا يلتزق بها من الطين والتراب حال المشي (1) وفي إلحاق ظاهر القدم أو النعل بباطنهما إذا كان يمشي بهما ، لاعوجاج في رجله وجه قوي وإن كان لا يخلو عن إشكال (2) ، كما أن إلحاق الرّكبتين واليدين بالنسبة إلى مَن يمشي عليهما أيضاً مشكل (3) وكذا نعل الدابة
كانت رطبة على نحو تسري رطوبتها إلى الرجل لم يكن المشي عليها مطهراً ، لأنه كل ما يصل من الرطوبة إلى المحل النجس فهو ينجس بالملاقاة فلا بد من زواله في حصول طهارته. ولعله إلى ذلك ينظر ما ذكره الماتن بقوله : « نعم ، الرطوبة غير المسرية غير مضرة ».
(1) دون الزائد عن المقدار المتعارف وذلك لإطلاق الروايات ، بداهة أن إصابة الأرض أو نجاستها لباطن الرجل أو النعل بخصوصه من دون أن تصيب شيئاً من حواشيهما بالمقدار المتعارف مما يلتزق بهما حال المشي ، قليلة الاتفاق بل لا تحقق لها عادة.
(2) والوجه في القوة هو أن في مفروض المسألة يصدق وطء الأرض والعذرة والمشي على الأرض وغير ذلك من العناوين المأخوذة في لسان الأخبار ، لأن الوطء هو وضع القدم على الأرض من دون أن تؤخذ فيه خصوصية معينة إذ الوطء في كل شخص بحسبه ، وبما أن الاعوجاج في الرجل أمر متعارف وكثيراً ما يتّفق في كل بلدة ومكان فلا يمكن دعوى انصراف الروايات عن مثله ، ومعه لا مجال للإشكال في المسألة بوجه.
(3) وذلك لأنّ وضع اليد أو الركبة على الأرض أجنبي عن المشي بالرجل والقدم والأخبار مختصة بالمشي بهما ، وليس فيها ما يعم وضع اليد أو الركبة على الأرض. والتعليل الوارد في بعضها « إن الأرض يطهر بعضها بعضاً » أيضاً لا عموم له ، وذلك لأنّ الأخبار المشتملة على التعليل إنما وردت لبيان عدم انحصار المطهّر في الماء وللدلالة على أن الأرض أيضاً مطهرة في الجملة ، ولم ترد لبيان أنها مطهّرة على وجه العموم ، بل لا يمكن حملها عليه أي العموم لاستلزامه تخصيص الأكثر المستهجن.
وكعب عصا الأعرج ، وخشبة الأقطع (1) ، ولا فرق في النعل بين أقسامها من المصنوع من الجلود والقطن والخشب ونحوها مما هو متعارف (2) وفي الجورب إشكال إلاّ إذا تعارف لبسه (1)بدلاً عن النعل (3).
وأما صحيحة الأحول فهي وإن كانت متضمنة الوطء دون المشي ، إلاّ أنها أيضاً غير شاملة للمقام إذ الوطء هو وضع القدم على الأرض ، وأما وضع الركبة أو اليد عليها فلا يسمى وطأ بوجه وإنما يطلق عليه الوضع. فاذا لم تشمل الأخبار الواردة للركبتين واليدين بالنسبة إلى من يمشي عليهما ، كان إطلاق ما دلّ على عدم زوال النجاسة بغير الغسل بالماء محكماً في المقام.
(1) إذ لا يصدق فيها الوطء ولا المشي ، فلا تشملها الأخبار الواردة في المقام ، ولم يقم دليل على أن مجرد المماسة مطهّر في الأشياء المذكورة بخصوصها.
(2) لإطلاق الأخبار وشمولها لكل ما يتنعل به عادة ، ولا يحتمل أن تكون لبعض الخصوصيات مدخلية في الحكم.
(3) أشرنا في التعليقة إلى أن الجورب محل اشكال وإن تعارف لبسه بدلاً عن النعل ، والسر في ذلك : أنّ ما تعارف لبسه بعد زمانهم علیهم السلام غير مشمول للأخبار ، كما إذا تعارف إلصاق خشبة على باطن القدم أو تعارف لبس شيء جديد وراء الأُمور المتعارفة في عصرهم علیهم السلام بل الروايات مختصّة بالأُمور المتعارفة هناك ، وذلك لأنّ تلك الروايات غير واردة على نحو القضية الحقيقية حتى تشمل كل ما تعارف لبسه من غير اختصاص في ذلك بعصر دون عصر ، إذ لو كان الأمر كذلك لم يكن وجه لاختصاص الروايات بالأشياء المتعارف لبسها ، بل كانت تشمل كل ما يلبسه الرجل أو غيره وإن لم يكن متعارفاً ، وهذا مما لا يلتزم به الأصحاب لعدم الخلاف عندهم في اختصاصها بالأُمور المتعارف لبسها. وهذا قرينة على أن الأخبار الواردة في المسألة إنما هي على نحو القضية الخارجية وإنها ناظرة إلى
1) (*) في فرض التعارف أيضاً لا يخلو من إشكال.
ويكفي في حصول الطهارة زوال عين النجاسة وإن بقي أثرها من اللّون والرائحة (1) ، بل وكذا الأجزاء الصغار التي لا تتميز (1) ، كما في الاستنجاء (1)
الأُمور المتعارفة في عصرهم علیهم السلام .
ثم إنّ المتعارف في تلك الأزمنة إنما كان أمرين : أحدهما : المشي حافياً. وثانيهما : المشي متنعلاً أو لابساً للخف ونحوهما ، ولم يدلنا دليل في غير الأمرين المذكورين على حصول الطهارة بالمسح أو المشي ، ولا يتعدى عنهما إلى غيرهما بوجه. والتعدِّي إلى جميع أفراد الخف والنعل إنما هو من جهة القطع بعدم اعتبار خصوصية نعل دون نعل أو خف ونحوهما ، لا أنه من جهة كون القضية حقيقية. فتعارف لبس الجورب لا يكاد أن تترتب عليه الطهارة بالمشي.
(1) لأنّ زوال الأثر بمعنى اللون والرائحة لا يعتبر في الغسل بالماء فكيف بالتطهير بالتراب ، بل اللّون والرائحة لا يزولان بالغسل المتعارف ولا بالمسح ولا المشي ولو بمقدار خمسة عشر ذراعاً ، فعلى فرض القول باعتبار زوالهما فلا مناص من المسح أو المشي إلى أن يذهب جلد القدم أو أسفل النعل أو الخف بل قد لا يرتفعان بذلك أيضاً مع أن مقتضى الإطلاقات كفاية مطلق المشي أو المسح فاعتبار الزائد على ذلك خلاف ما نطقت به الروايات. وأما ما ورد في صحيحة زرارة من قوله : « حتى يذهب أثرها » (2)فالمتيقّن منها إرادة ذهاب العين على نحو لا يبقى منها شيء يعتد به كما هو المتعارف في الاستعمالات وأما زوال اللون والرائحة فقد عرفت أنه لا دليل على اعتباره في الغسل بالماء فضلاً عن التطهير بالتراب.
(2) وإن اعتبر زوالها في الغسل بالماء ، والوجه في عدم اعتبار زوالها في المقام وضوح أن النجس لا ينقلع بهما على وجه لا يبقى منها أجزاؤها الصغار إلاّ في الأجسام الشفافة ، لانفصال الأجزاء الصغار عنها بالمسح ، ومع ذلك حكموا ( عليهم
بالأحجار (1) لكن الأحوط اعتبار زوالها ، كما أن الأحوط زوال الأجزاء الأرضية اللاّصقة بالنعل والقدم وإن كان لا يبعد طهارتها أيضاً (2).
[349] مسألة 1 : إذا سرت النجاسة إلى داخل النعل لا تطهر بالمشي (3) بل
السلام ) بكفاية المسح والمشي في التطهير ، وعليه فمقتضى إطلاقات الأخبار عدم اعتبار زوال الأجزاء الصغار في التطهير بهما.
(1) وفي بعض النسخ ولعله الأكثر « كما في ماء الاستنجاء » والظاهر أنه من سهو القلم ، والصحيح أن يشبّه المقام بأحجار الاستنجاء على ما أشرنا إليه في التعليقة كما في بعض النسخ ، لأن كلامنا إنما هو في أن المتنجِّس لا يعتبر في تطهيره بالمسح أو المشي زوال الأجزاء الصغار ، وأحجار الاستنجاء أيضاً كذلك لأنها غير قالعة للأجزاء الصغار عن المحل مع كونها كافية في التطهير ، وليس الكلام فيما يتطهر به وأن وجود الأجزاء الصغار غير مانع عن حصول الطهارة به فلا تغفل.
(2) لم يرد بذلك بيان أن الأجزاء الأرضية اللاّصقة بباطن القدم والنعل من التراب وغيره طاهرة ، حتى يستدل عليها بالدلالة الالتزامية ويقال إن الدليل القائم على الطهارة بالمسح يدل بالدلالة الالتزامية على طهارة الأجزاء المتخلفة من الأرض في باطن النعل أو القدم ، والوجه في عدم إرادة ذلك أنّ طهارة الأجزاء الأرضية الملاصقة بباطن القدم مثلاً مقطوع بها ، لما قدّمناه من أن المطهّر لا بدّ من أن يكون طاهراً في نفسه ، ومعه إذا كانت الأرض مطهرة فلا مناص من أن تكون أجزاؤها أيضاً طاهرة.
بل المراد به أن الملاصق بالنعل أو القدم من التراب المتعارف ملاصقته في المشي على الأرض إذا تنجس كنفس الرجل أو القدم وطهرناهما بعد ذلك بالمسح أو المشي طهرت الأجزاء الملاصقة أيضاً بالتبع وذلك لإطلاق الأخبار ، فإن المشي من دون أن يلتصق شيء من الأجزاء الترابية بباطن الرجل أو القدم لا يكاد أن يتحقق خارجاً اللّهمّ إلاّ أن تكون الأرض حجرية من دون أن يكون فيها شيء من التراب.
(3) لأن ظاهر قوله في صحيحة الأحول : « في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس
في طهارة باطن جلدها إذا نفذت فيه إشكال وإن قيل بطهارته بالتبع.
[350] مسألة 2 : في طهارة ما بين أصابع الرجل إشكال (1)(1)
بنظيف ثم يطأ بعده مكاناً نظيفاً ... » وغيرها من الأخبار الواردة في طهارة الرجل أو القدم بالمسح أو المشي ، إنما هو تنجس السطح الخارج من النعل أو القدم بالعذرة أو بالبلل المتنجِّس بملاقاة الخنزير أو بغيرهما ، وأن ذلك السطح الخارج يطهر بالمسح أو المشي ، وأمّا طهارة داخلهما أو جوفهما فلا يستفاد من الأخبار الواردة في المسألة ولم يقم عليها دليل آخر ، فان التطهير بالأرض لا يزيد على التطهير بالماء فكما أن في غسل السطح الظاهر بالماء لا يمكن الحكم بطهارة الجوف والداخل فليكن الحال في التطهير بالأرض أيضاً كذلك.
(1) لأن النصوص الواردة في المقام كما عرفت إنما تدل على طهارة السطح الظاهر من القدم أو النعل بالمسح أو المشي ، وأمّا طهارة مثل ما بين الأصابع الخارج عن سطح القدم أو النعل فلا يمكن أن تستفاد منها بوجه.
نعم ، ورد في صحيحة زرارة : « رجل وطئ على عذرة فساخت رجله فيها أينقض ذلك وضوءه؟ وهل يجب عليه غسلها؟ فقال : لا يغسلها إلاّ أن يقذرها ، ولكنه يمسحها حتى يذهب أثرها ويصلِّي » (2)ومقتضاها طهارة ما بين الأصابع أيضاً بالمسح لأن الغالب مع السوخ وصول العذرة إلى ما بين الأصابع بل الأمر دائماً كذلك ، ومع هذا حكم علیه السلام بطهارة الرجل بالمسح فيستفاد منها أن المسح فيما بين الأصابع أيضاً مطهر.
بل يدلّنا هذا على كفاية المسح بالأجزاء المنفصلة من الأرض فيما يتعذر مسحه بالأجزاء المتصلة منها كما بين الأصابع ، فإن المتيسر في مثله أن يؤخذ حجر أو مدر من الأرض ويمسح به ما بين الأصابع ، فإطلاق قوله علیه السلام « يمسحها » يقتضي
وأمّا أخمص القدم فان وصل إلى الأرض يطهر ، وإلاّ فلا فاللازم وصول تمام الأجزاء النجسة إلى الأرض ، فلو كان تمام باطن القدم نجساً ومشى على بعضه لا يطهر الجميع ، بل خصوص ما وصل إلى الأرض (1).
[351] مسألة 3 : الظاهر كفاية المسح على الحائط ، وإن كان لا يخلو عن إشكال (2).
كفاية المسح بتلك الكيفية أيضاً وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم (1). ومع ذلك فقد منعنا عن كفاية المسح بالأجزاء المنفصلة في مثل سطح الرجل أو النعل وغيرهما مما يمكن أن يمسح بالأجزاء المتصلة من الأرض بسهولة.
(1) لأنّ الأخبار الواردة في المقام دلت على طهارة الموضع الذي يمس الأرض بالمشي أو المسح دون المواضع التي لا تمسّها ، ومن هنا لو تنجّست رجله فمشى على أصابعه لم يحكم بطهارة غير الأصابع منها. ويوضحه : أن التطهير بالأرض لا يكون أقوى من التطهير بالماء ، ولم يختلف اثنان في أن الغسل بالماء لا يطهر سوى الموضع المغسول به فكيف تكون الأرض مطهرة للمواضع التي لا تمسها. فأخمص القدم لا تطهر إلاّ بالمسح أو المشي على الأراضي غير المسطحة حتى تصل إلى الأرض وتمسّها.
(2) لا منشأ للاستشكال في كفاية المسح على الحائط ، لأنه من الأجزاء الأرضية وغاية ما هناك أنها أجزاء مرتفعة عن الأرض بالجعل ، ولكن الارتفاع بالجعل كالارتفاع الأصلي في الجبال غير مانع عن كفاية المسح بوجه ، هذا.
بل لا مجال للتوقّف في المسألة حتى بناء على اشتراط الاتصال ، وذلك لوضوح اتصال الحائط بالأرض ، فإذا مسح رجله على الحائط صدق أنه مسح رجله على الأرض ، فما ربما يتوهم من انصراف الأدلّة عنه مما لا وجه له.
1) في ص 109.
[352] مسألة 4 : إذا شك في طهارة الأرض يبني على طهارتها (1) فتكون مطهرة إلاّ إذا كانت الحالة السابقة نجاستها ، وإذا شك في جفافها لا تكون مطهرة إلاّ مع سبق الجفاف فيستصحب (2).
[353] مسألة 5 : إذا علم وجود عين النجاسة أو المتنجِّس لا بدّ من العلم بزوالها (3) وأما إذا شك في وجودها (4) فالظاهر كفاية المشي (1)وإن لم يعلم بزوالها على فرض الوجود (5).
(1) لما تقدّم من اعتبار الطهارة في مطهرية الأرض فمع الشك في تحقّقها لا مانع من إحرازها بالاستصحاب لعدم كون الأرض متنجسة أزلاً ، وإذا فرضنا عدم جريانه لمانع كما إذا كانت الأرض مسبوقة بحالتين متضادتين بأن كانت طاهرة في زمان ومتنجسة في زمان آخر واشتبه المتقدم بالمتأخر منهما ، أيضاً حكمنا بطهارتها بقاعدة الطهارة.
(2) لأن جفاف الأرض شرط في مطهريتها والاستصحاب يحرزه ، إلاّ إذا لم تكن الأرض مسبوقة بالجفاف ، لأنه أمر وجودي فمع الشك في تحققه يبنى على عدمه بالاستصحاب.
(3) لأن زوال عين النجس شرط في حصول الطهارة بالمشي أو المسح على ما استفدناه من صحيحة زرارة : « يمسحها حتى يذهب أثرها ... » (2)فلا مناص من إحرازه ، ومع الشك فيه لا يمكن الحكم بحصول الطهارة بوجه.
(4) بأن علم بتنجس نعله أو رجله ولم يدر بوجود عين النجس لاحتمال انفصالها عنهما بعد الاتصال والملاقاة.
(5) لأنّ الأصل عدمها ، هذا ولا يخفى أن مماسة الأرض لباطن القدم أو النعل معتبرة في مطهريتها كما مرّ ومع الشك في وجود العين لا تحرز المماسة بوجه ، لأنها على تقدير وجودها حائلة بينهما وبين الأرض ، وأصالة عدم العين لا أصل لها ، إذ
[354] مسألة 6 : إذا كان في الظلمة ولا يدري أن ما تحت قدمه أرض أو شيء آخر من فرش ونحوه لا يكفي المشي عليه فلا بد من العلم بكونه أرضاً ط(1) بل إذا شك في حدوث فرش أو نحوه بعد العلم بعدمه يشكل الحكم بمطهريته (1)أيضاً (2).
[355] مسألة 7 : إذا رقع نعله بوصلة طاهرة فتنجست تطهر بالمشي (3) وأما
لا أثر شرعي يترتب على عدمها حتى يجري فيه الاستصحاب ، بل الأثر مترتب على مماسة الأرض لباطن القدم أو النعل ، واستصحاب عدمها لإثبات المماسة من أظهر أنحاء الأُصول المثبتة ، وهو نظير ما لو شك بعد غسل المتنجِّس في زوال العين وعدمه ، فان استصحاب عدمها لا أثر له في نفسه ، واستصحابه لإثبات تحقق الغسل لتقومه بزوال العين مثبت ولا اعتبار بالأُصول المثبتة بوجه ، ففي موارد الشك في وجود العين لا بدّ من العلم بزوالها على تقدير الوجود.
(1) لأن المطهر ليس هو مطلق المسح أو المشي ، وإنما المطهر خصوص المسح أو المشي في الأرض ، فلا بد في طهارة القدم والنعل من إحراز وقوعهما على الأرض.
(2) والوجه في الاستشكال أن استصحاب عدم كون الأرض مفروشة أو عدم حدوث الفرش لا يثبت وقوع المسح أو المشي على الأرض ، ومع الشك في ذلك لا يمكن الحكم بمطهريتها. وأشكل من ذلك ما إذا لم تكن الأرض مورداً للاستصحاب ، كما إذا كانت مسبوقة بحالتين متضادتين ككونها مفروشة في زمان وغير مفروشة في زمان آخر واشتبه المتقدم بالمتأخر منهما ، وذلك لأنه ليس هناك استصحاب حينئذ ليتوهم كفايته في الحكم بمطهرية الأرض.
(3) لأن الرقعة فيما يتنعل به أمر شائع لا ندرة فيها ، ومعه يشملها إطلاق الروايات فإذا تنجّست بعد توصيلها حكم بطهارتها بالمشي أو المسح لصيرورتها جزءاً من النعل بالعرض ، وإن لم يكن من الأجزاء الأصلية لها ، إلاّ أن مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الأجزاء الأصلية والعرضية.
1) الوسائل 3 : 458 / أبواب النجاسات ب 32 ح 7 ، وتقدّمت في ص 99.
إذا رقعها بوصلة متنجسة (1) ففي طهارتها إشكال (1)لما مر من الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض النجسة.
الثالث من المطهرات : الشمس (2).
(1) بأن كانت الرقعة متنجسة قبل صيرورتها جزءاً من النعل. وليس منشأ الاشكال حينئذ هو ما ذكره الماتن قدس سره إذ لو لم نقتصر على النجاسة الناشئة من الأرض أيضاً استشكلنا في طهارة الرقعة حينئذ ، وذلك لأن النصوص الواردة في المسألة إنما تدل على أن الرجل أو النعل إذا تنجست بالنجاسة الحاصلة من الأرض أو من غيرها حكم بطهارتها بالمسح أو المشي ، فالموضوع في الحكم بالطهارة إنما هو تنجس النعل أو الرجل لا تنجس غيرهما من الأُمور ، والرقعة حينما تنجّست لم تكن داخلة في شيء منهما ، كما أنها بعد ما صارت جزءاً من النعل لم تتنجّس على الفرض. فالمتحصل : أن الأجزاء المتنجسة إذا صارت جزءاً من النعل لم يمكن الحكم بطهارتها بالمسح أو المشي.
(2) الكلام في مطهرية الشمس من جهات :
الاولى : أن الشمس هل هي كالماء مطهرة للأشياء المتنجسة ولو في الجملة أو أنها لا تؤثر إلاّ في العفو عن النجاسة في بعض آثارها كالتيمم والسجود على الموضع المتنجِّس الذي جففته الشمس من الأرض والحصر والبواري؟
الثانية : أن الشمس هل هي مطهرة للأرض بخصوصها أو أن مطهريتها غير مختصة بها؟ وعلى الثاني هل هي مطهرة لجميع المتنجسات المنقولة وغير المنقولة أو أنها مختصة بالمتنجس غير المنقول؟
1) (*) ينبغي الجزم بعدم طهارتها حتى على القول بعدم الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي ، إذ المفروض نجاسة الوصلة قبل كونها جزءاً من النعل.
الثالثة : أن مطهريتها خاصة بالبول أو يعم جميع النجاسات والمتنجسات؟
أمّا الجهة الأُولى : وهي التي أشار إليها الماتن بقوله : الشمس وهي تطهر ... فالمشهور بين أصحابنا أن الشمس من المطهرات في الجملة. بل عن بعضهم دعوى الإجماع في المسألة ، فجواز التيمم والسجود على ما جففته الشمس من المواضع المتنجسة مستند إلى طهارتها بذلك ، لا إلى أن الشمس تؤثر في العفو عنهما مع بقاء الموضع على نجاسته. وعن المفيد (1)وجماعة من القدماء والمتأخرين القول بالعفو دون الطهارة. واستدل للمشهور بجملة من الأخبار المستفيضة :
منها : صحيحة زرارة قال : « سألت أبا جعفر علیه السلام عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلى فيه ، فقال : إذا جففته الشمس فصلِّ عليه فهو طاهر » (2). وهذه الصحيحة أظهر ما يمكن أن يستدل به في المقام ، وقد دلت على أن السطح والمكان المتنجسين بالبول يطهران باشراق الشمس عليهما وتجفيفهما ، ومقتضى صريحها أن جواز الصلاة على المكان المتنجِّس بعد جفافه بالشمس مستند إلى طهارته بذلك لا إلى العفو عنه مع بقاء الموضع على نجاسته. وهذا لا لأن قوله علیه السلام « فصلِّ عليه » ظاهر في إرادة السجود على السطح أو المكان ، وجواز السجود عليهما يقتضي طهارتهما لعدم جواز السجدة على النجس ، ليمنع بعدم ظهوره في إرادة السجود ، بل لقوله علیه السلام « فهو طاهر » فإنّه صريح في المدعى حتى بناء على حمل قوله : « فصلِّ عليه » على إرادة الصلاة فيه كما ربما يراد منه ذلك.
ودعوى أن الطاهر لم يثبت كونه بالمعنى المصطلح عليه وإنما هو بمعنى النظيف مندفعة بأن الصحيحة إنما وردت عن أبي جعفر الباقر علیه السلام وإطلاق الطاهر في ذلك العصر وإرادة معناه اللغوي بعيد غايته ، لأن الطهارة في تلك الأزمنة إنما كانت تستعمل لدى المتشرعة بالمعنى المرتكز منها في أذهانهم ، ولعمري إن الكف عن التعرض لأمثال هذه المناقشة أولى وأحسن.
ومنها : صحيحة زرارة وحديد بن الحكيم قالا : « قلنا لأبي عبد اللّه علیه السلام : السطح يصيبه البول أو يبال عليه يصلى في ذلك المكان؟ فقال : إن كان تصيبه الشمس والريح وكان جافاً فلا بأس به ، إلاّ أن يتخذ مبالاً » (1)واستدلوا بهذه الصحيحة أيضاً في المقام لنفيها البأس عن الصلاة في المكان المتنجِّس بعد إصابة الشمس وجفافه وظاهرها أن ذلك من جهة طهارة المكان بالشمس ، لا أنه من جهة العفو مع بقائه على نجاسته كما قيل والوجه في الظهور أن زرارة وصاحبه إنما سألا عن الصلاة في المكان المتنجِّس لاعتقادهما عدم جواز الصلاة في الأرض النجسة وعدم ثبوت العفو عنه ، وهو علیه السلام لم يردعهما عن هذا الاعتقاد ، فقوله : « إن كان تصيبه الشمس ... فلا بأس به » بعد تقريرهما على ما اعتقداه ظاهر في طهارة الأرض المتنجسة بإصابة الشمس وتجفيفها. وأما قوله : « والريح » مع عدم مدخليتها في الحكم بالطهارة فلا بد من حمله على بيان أمر عادي ، حيث إن جفاف الأرض كما أنه يستند إلى إشراق الشمس وإصابتها يستند أيضاً ولو بمقدار قليل إلى هبوب الريح وجريان الهواء كما يأتي تفصيله ، فلا إشكال في الصحيحة من تلك الجهة.
نعم ، يمكن المناقشة في دلالتها بأن غاية ما هناك أنها دلت على جواز الصلاة في السطح المتنجِّس بعد جفافه بالشمس ، وهذا يجتمع مع القول بعدم طهارة المكان لجواز أن يكون ذلك مستنداً إلى العفو عنه ، ولا تقرير في الصحيحة بوجه بل هي رادعة عن اعتقادهما حقيقة. نعم لو كانت متضمنة لجواز الصلاة على السطح المتنجِّس بعد إصابة الشمس لم تكن خالية عن الإشعار للمدعى لعدم جواز السجدة على النجس ، وبين العبارتين من الفرق ما لا يخفى ، حيث إن الصلاة على الشيء قد يستعمل بمعنى السجدة عليه ، وهذا بخلاف الصلاة فيه لأنه يصح أن يقال : صلى زيد في المسجد مع سجوده على غير المسجد من الترب والقرطاس ونحوهما ولا يصح استعماله بمعنى السجدة عليه.
ثم إن إطلاق قوله : « وكان جافاً » إما أن نقيده بما ذكر قبله ، ليكون معناه اعتبار
1) الوسائل 3 : 451 / أبواب النجاسات ب 29 ح 2.
جفاف المتنجِّس بكل من الشمس والريح ، وإما أن يبقى بحاله ليكون معناه اعتبار مطلق الجفاف فيه بحمل ذكر الشمس والريح على بيان أمر عادي غالبي لأنه على الغالب يستند إلى إصابة الشمس أو إلى الرياح. والمتلخص : أن هذه الصحيحة على خلاف الصحيحة المتقدِّمة لا يمكن الاستدلال بها على مطهرية الشمس للأرض.
بل يمكن أن يقال : إن ظاهرها يقتضي اعتبار الجفاف حال الصلاة لقوله : « وكان جافاً » فالجفاف الحاصل قبلها لا اعتبار به حتى إذا كان مستنداً إلى إشراق الشمس وإصابتها ، كما إذا جففت الأرض باشراق الشمس أوّلاً ثم ترطبت حال الصلاة. وعلى ذلك فالصحيحة كما لا دلالة لها على مطهرية الشمس كذلك لا دلالة لها على ثبوت العفو عن نجاسة الأرض بعد إصابة الشمس إلاّ فيما إذا كانت يابسة حال الصلاة.
والإنصاف أن الصحيحة إما أنها ظاهرة في ذلك وإما أنها مجملة لترددها بين المعنيين المتقدمين ، فلا يمكن الاستدلال بها على كل حال.
ومنها : موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه علیه السلام في حديث قال : « سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس ، ولكنه قد يبس الموضع القذر قال : لا يصلى عليه ، وأعلم موضعه حتى تغسله. وعن الشمس هل تطهِّر الأرض؟ قال : إذا كان الموضع قذراً من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة ، وإن أصابته الشمس ولم ييبس الموضع القذر وكان رطباً فلا يجوز الصلاة حتى ييبس ، وإن كانت رجلك وجبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع حتى ييبس ، وإن كان غير الشمس أصابه حتى ييبس فإنّه لا يجوز ذلك » (1). حيث إن قوله علیه السلام « فالصلاة على الموضع جائزة » يدلنا على طهارة الموضع المتنجِّس بالشمس وذلك بقرينة أن السؤال في الرواية إنما هو عن طهارة الموضع ونجاسته لقوله : « وعن الشمس هل تطهر الأرض » فبذلك يظهر أن جواز الصلاة حينئذ من أجل طهارة المكان لا للعفو عن نجاسته حال الصلاة ، وإلاّ لم يتطابق السؤال والجواب ، هذا.
1) الوسائل 3 : 452 / أبواب النجاسات ب 29 ح 4.
وقد يقال : إن الرواية لا يستفاد منها أزيد من سببية تجفيف الشمس لجواز الصلاة فلا دلالة لها على الطهارة ، بل ربما يستشعر من عدول الإمام علیه السلام إلى الجواب بجواز الصلاة ، عدم الطهارة فيكون الرواية حينئذ شاهدة للقائلين بالعفو وكذا ظاهر قوله علیه السلام « وإن كانت رجلك رطبة ... » بناء على رجوع الضمير في ييبس إلى الجبهة والرجل لا إلى الموضع حتى يلزم التكرار. مؤكداً ذلك بما عن الوافي (1)وحبل المتين (2)من قوله علیه السلام : « وإن كان عين الشمس » بالعين المهملة والنون بدلاً عن « غير الشمس » لأنها على ذلك صريحة في عدم طهارة الموضع بإصابة الشمس وإشراقها عليه. وكلمة « إن » على تلك النسخة وصلية ، كما أن قوله : « فإنّه لا يجوز ذلك » تأكيد لعدم جواز الصلاة على ذلك الموضع حتى ييبس.
وهذه الدعوى يبعّدها أُمور :
الأوّل : ما تقدّم من أن الرواية بقرينة السؤال فيها ظاهرة في طهارة الموضع.
الثاني : أن الضمير في « ييبس » غير راجع إلى الجبهة أو الرجل بل الظاهر رجوعه إلى « الموضع » لقربه ، ولأن مرجع الضمير لو كان هو الجبهة أو الرجل لكان الأولى أن يقول « حتى تيبس » بدلاً عن « ييبس » وذلك لأن الجبهة والرجل مؤنثتان إحداهما لفظية والأُخرى معنوية.
الثالث : أن كلمة « إن » لو كانت وصلية لكان المتعيّن أن يقول : وإن كان عين الشمس أصابته حتى يبس بدلاً عن « ييبس » لأن « إن » الوصلية إنما يؤتى بها في الأُمور مفروضة التحقق والوجود ، وهي مدلول الأفعال الماضية دون المستقبلة. ومعنى الجملة حينئذ أن عين الشمس لا توجب طهارة الموضع وإن كانت أصابته وجففته ، ولا يصح في مثله أن يقال ولو كانت تجففه بعد ذلك بصيغة المضارع ، لأنه ينافي مفروضية التحقق بل استعمالها غلط أو شبه الغلط. نعم في كلمة « إن » الشرطية لا يفرق الحال بين الماضي والمضارع.
الرابع : أن النسخة لو كانت هي « عين الشمس » وجب تأنيث الضمير في « إصابة » لأن الضمير المتأخر في المؤنثات المعنوية لا بدّ من تأنيثه ، وإن كان الضمير المتقدم جائز الوجهين كما في قولنا : طلع الشمس أو طلعت.
الخامس : أنه لا معنى محصل لاصابة عين الشمس شيئاً ، لأن عينها بمعنى شخصها ونفسها لا تصيب شيئاً أبداً ، وإنما يصيب نورها وشعاعها ، فاستعمال العين في مورد الرواية من الأغلاط. وبعبارة اخرى أن العين والنفس إنما يؤتى بهما للتأكيد ولدفع توهم الاشتباه ، فيقال مثلاً رأيت زيداً بعينه حتى لا يشتبه على السامع أنه رأى أباه أو ابنه ، وهذا لا معنى له في إصابة الشمس وغيرها مما لا يحتمل فيه إرادة عين الشيء ونفسه ، فلا مسوغ لإتيان كلمة « العين » في الرواية حتى يوجب التأكيد ، فالصحيح هو غير الشمس. ويؤكد المدعى أن الرواية إنما أوردها الشيخ قدس سره واستدل بها على مطهرية الشمس للأرض (1)ومع كون الرواية « عين الشمس » كيف صح له الاستدلال بها على الطهارة ، فإن الرواية حينئذ صريحة في عدمها.
ومنها : رواية أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر علیه السلام قال : « يا أبا بكر ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر » (2)أو « كل ما أشرقت عليه الشمس فهو طاهر » (3)وهي على إحدى الروايتين عامّة وعلى الأُخرى مطلقة. ودلالتها على المدعى غير قابلة للمناقشة. نعم هي مطلقة من جهتين لا بدّ من تقييدهما :
إحداهما : إطلاقها من جهة اليبوسة وعدمها ، حيث إنها تقتضي طهارة كل ما أشرقت عليه الشمس سواء يبس باشراقها أم لم ييبس ، فلا مناص من تقييدها بصورة الجفاف بالإشراق ، لصحيحة زرارة المتقدِّمة الدالّة على اعتبار الجفاف بالشمس في مطهريتها.
وثانيتهما : إطلاقها من جهة كون المتنجِّس مما ينقل أو من غيره ، مع أنهم لم يلتزموا بمطهِّرية الشمس في مثل اليد وغيرها من المتنجسات القابلة للانتقال ، فلا بدّ من
تقييدها بغير الأشياء القابلة له ، وذلك للأمر الوارد بغسل البدن والثياب أو غيرهما من المتنجِّسات ، حيث يدلنا على عدم حصول الطهارة بغير الغسل بالماء ، إذ الأمر في الأخبار المشتملة عليه وإن كان للإرشاد إلاّ أن ظاهره التعيين وأن الغسل بالماء متعيّن في التطهير ، فالتخيير بين الغسل بالماء وغيره يحتاج إلى دليل وهو يختص بالأشياء غير القابلة للانتقال ، فلا يكتفى باشراق الشمس في تطهير الأُمور القابلة له.
ويؤيده ما ورد في الفقه الرضوي من قوله علیه السلام « ما وقعت الشمس عليه من الأماكن التي أصابها شيء من النجاسة مثل البول وغيره طهّرتها. وأما الثياب فلا تطهر إلاّ بالغسل » (1)حيث خص مطهرية الشمس بالأشياء غير القابلة للانتقال وبعد هذين التقييدين لا يبقى مجال للمناقشة في دلالة الرواية بوجه. وإنما الكلام في سندها وهو ضعيف وغير قابل للاستناد إليه ، لاشتماله على عثمان بن عبد اللّه وأبي بكر الحضرمي والأول مجهول والثاني غير ثابت الوثاقة ، فإن قلنا بأن اعتماد جماعة من المتقدمين والمتأخرين وعملهم على طبق رواية ضعيفة جابر لضعفها فهو ، وإلاّ لم يصح الاعتماد عليها في الاستدلال.
وربما يقال من أن في رواية الأساطين لها كالمفيد والشيخ والقميين كأحمد بن محمد ابن عيسى وغيره نوع شهادة بوثاقة رواتها لأنهم لا ينقلون عن الضعفاء ، بل كانوا يخرجون الراوي من البلد لنقله الرواية عن الضعيف ، فإن قضية أحمد بن محمد ونفيه البرقي وإبعاده من بلدة قم معروفة في كتب الرجال ، ومع هذا كيف يصح أن ينقل هو بنفسه عن الضعيف ، ومعه لا مناص من الاعتماد على الرواية في المقام.
ولكن لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، لأن نقل هؤلاء الأعاظم من غير الثقة كثير وقد ذكرنا في محلِّه أن مثل ابن أبي عمير قد ينقل عن الضعيف ولو في مورد ، فلا يمكن الاعتماد على مجرّد روايتهم فإنّها لا تستلزم توثيق المخبر بوجه (2).
وأمّا حديث نفي البرقي من بلدة قم فهو مستند إلى إكثاره الرواية عن الضعفاء
كجعل ذلك شغلاً لنفسه ، وليس من باب أن النقل عن الضعيف ولو في مورد واحد أو موردين مذموم وموجب للقدح عندهم ، كيف وقد عرفت أن الموثق قد ينقل عن الضعيف فلا يمكن عدّة قدحاً في حقه وإلاّ لزم القدح في أكثر الرواة الأجلاّء ، بل جلّهم حيث لا يكاد يوجد رأو لم يرو عن الضعيف ولو في مورد ، ومعه لا مانع عن أن ينقل أحمد بن محمد عن عثمان أو أبي بكر الضعيفين من دون أن يكون لنقله دلالة على وثاقتهما. فالإنصاف أن الرواية ساقطة سنداً.
فالعمدة في المسألة صحيحة زرارة وموثقة عمار المتقدمتين. ويعارضهما صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال : « سألته عن الأرض والسطح يصيبه البول وما أشبهه هل تطهر الشمس من غير ماء؟ قال : كيف يطهر من غير ماء » (1).
والصحيح أنه لا تعارض بينها وبين الصحيحة والموثقة ، وذلك أن السائل لما ارتكز في ذهنه أن الشمس سبب في تطهير المتنجِّس في الجملة ومن هنا قال : هل تطهر الشمس من غير ماء ، وشك في أنها سبب مستقل في طهارة الأرض أو السطح المتنجسين أو أن لها شرطاً ، سأله علیه السلام عن استقلال الشمس في المطهرية وعدمها ، والإمام علیه السلام بيّن أن الشمس باستقلالها غير كافية في التطهير بل هي محتاجة إلى قيد آخر وهو الماء ، فالصحيحة إنما تدل على اعتبار الماء في مطهرية الشمس ، لا أنها تنفي مطهريتها لتكون معارضة للصحيحة والموثقة المتقدمتين. ثم إنه لما لم يحتمل أن تمس الحاجة إلى الشمس وإصابتها بعد تطهير السطح أو الأرض بالماء تعيّن أن يراد به المقدار القليل غير الموجب للتطهير ، كما وأن الصحيحة يستفاد منها أن موردها الأرض اليابسة ، ومن هنا دلت على اعتبار وجود الماء في تطهيرها بالشمس. فتحصل : أن الصحيحة غير معارضة للروايتين المتقدِّمتين.
وإن شئت قلت : إن مقتضى إطلاقها عدم المطهرية عند عدم الماء سواء أكانت الأرض رطبة أم لم تكن ، ومقتضى صريح الصحيحة المتقدِّمة لزرارة طهارة الأرض الرطبة باشراق الشمس وتجفيفها ، والنسبة بينهما عموم مطلق ، فبها تخرج الأرض
1) الوسائل 3 : 453 / أبواب النجاسات ب 29 ح 7.
وهي تطهّر الأرض وغيرها من كل ما لا ينقل ، كالأبنية ، والحيطان ، وما يتصل بها ، من الأبواب ، والأخشاب ، والأوتاد ، والأشجار ، وما عليها من الأوراق ، والثمار والخضروات ، والنباتات ما لم تقطع وإن بلغ أوان قطعها ، بل وإن صارت يابسة ما دامت متصلة بالأرض أو الأشجار.
وكذا الظروف المثبتة في الأرض أو الحائط وكذا ما على الحائط والأبنية مما طلي عليها من جص وقير ونحوهما (1) ،
الرطبة عن إطلاق صحيحة ابن بزيع وتبقى تحتها خصوص الأرض اليابسة ، وهي التي دلّت الصحيحة على عدم مطهرية الشمس لها إلاّ مع الماء ، وظاهر أن اعتبار الماء بالمعنى المتقدم في الأرض اليابسة مما لا كلام فيه ، هذا.
ثم لو سلمنا أنها ناظرة إلى نفي المطهرية عن الشمس وأنها معارضة للصحيحة والموثقة فالترجيح معهما ، لأنهما روايتان مشهورتان قد عمل المشهور على طبقهما ومخالفتان للعامّة لذهاب أكثرهم إلى عدم مطهِّرية الشمس (1)
وفي نيل الأوطار للشوكاني ج 1 ص 52 أن عدم كفاية الشمس في التطهير مذهب العترة والشافعي ومالك وزفر وقال أبو حنيفة وأبو يوسف هما مطهران لأنهما يحيلان الشيء.
وفي كتاب الام ج 1 ص 52 إذا صبّ على الأرض شيئاً من الذائب كالبول والخمر والصديد وشبهه ، ثم ذهب أثره ولونه وريحه فكان في شمس أو غير شمس فسواء ولا يطهره إلاّ أن يصب عليه الماء. وذهب إلى ذلك الشيخ عبد القادر الشيباني الحنبلي في نيل المآرب ج 1 ص 20 وابن مفلح الحنبلي في الفروع ج 1 ص 153 وغيرهم.
كما ذكره صاحب الوسائل (2)وغيره ، وصحيحة ابن بزيع موافقة لهم فلا بد من طرحها ، هذا تمام الكلام في الجهة الأُولى.(1) هذه هي الجهة الثانية من الجهات المتقدِّمة الثلاثة وهي أن الشمس هل هي
مطهّرة للأرض بخصوصها أو أنها مطهرة للأعم منها ومن غيرها؟ المشهور أن الشمس تطهر الأرض وغيرها مما لا ينقل حتى الأوتاد على الجدار والأوراق على الأشجار. وذهب بعضهم إلى اختصاص الحكم من غير المنقول بالأرض مع التعدي إلى الحصر والبواري مما ينقل. وعن ثالث الاقتصار عليهما فحسب ، إلى غير ذلك مما يمكن أن يقف عليه المتتبع من الأقوال.
واستدلّ للمشهور برواية أبي بكر الحضرمي لأن عمومها أو إطلاقها يشمل الجميع. نعم خرجنا عن عمومها أو إطلاقها في المنقول بالإجماع والضرورة وإطلاق ما دلّ على لزوم غسل المتنجسات بالماء فيبقى غير المنقول مشمولاً لهما. ودلالة الرواية وإن كانت ظاهرة كما ذكر إلاّ أنها غير قابلة للاستدلال بها لضعف سندها بعثمان وأبي بكر الحضرمي كما مر.
والصحيح أن يستدل عليه بصحيحة زرارة وموثقة عمار المتقدِّمتين (1)، لاشتمال الاولى على « المكان » والثانية على « الموضع » وهما أعم من الأرض ، فتشملان الألواح وغيرها من الأشياء المفروشة على الأرض إذا كان بمقدار يتيسر فيه الصلاة ، إذ يصدق على مثله الموضع والمكان ، فاذا قلنا بمطهرية الشمس لغير الأرض من الألواح أو الأخشاب المفروشة على الأرض وهما مما لا ينقل تعدينا إلى غير المفروشة منهما كالمثبتة في البناء أو المنصوبة على الجدار كالأبواب بعدم القول بالفصل.
فاذن قد اعتمدنا في القول بمطهرية الشمس لغير الأرض في غير المنقول على إطلاق الصحيحة والموثقة بنحو الموجبة الجزئية كما أنّا اعتمدنا فيها على الإجماع وعدم القول بالفصل بنحو الموجبة الكلية. فتحصل أنّ مطهِّرية الشمس وإن كانت غير مختصة بالأرض إلاّ أنها لا تعم المنقولات كما مر. نعم استثنوا عنها الحصر والبواري ، ويقع الكلام عليهما بعد التعليقة الآتية فانتظره.
1) في ص 125 126.
من نجاسة البول ، بل سائر النجاسات والمتنجسات (1).
ولا تطهِّر من المنقولات إلاّ الحصر والبواري فإنّها تطهرهما أيضاً (1)على الأقوى (2).
(1) هذه هي الجهة الثالثة من الجهات المتقدِّمة ويقع الكلام فيها في أن الشمس مطهّرة من خصوص نجاسة البول أو أنه لا فرق في مطهريتها بين البول وغيره من النجاسات والمتنجسات؟ الصحيح كما في المتن هو الثاني ، لأن صحيحة زرارة وإن لم تشتمل على غير البول ، إلاّ أن الموثقة مطلقة تشمل النجاسة البولية وغيرها ، لأن المأخوذ فيها هو القذر وهو أعم بل هي مصرحة بالتعميم بقوله : « من البول أو غير ذلك » وكذا يستفاد ذلك من صحيحة ابن بزيع لاشتمالها على السؤال عن البول وما أشبهه. نعم هي مضمرة إلاّ أن الإضمار غير قادح في أمثال ابن بزيع وغيره من الأجلاء.
(2) قد وقعت طهارتهما بالشمس مورد الكلام ، فالأشهر أو المشهور على طهارتهما بالشمس وأنهما مستثنيان من الأشياء المنقولة ، واستدل عليه بوجوه :
الأوّل : رواية أبي بكر الحضرمي (2)فان عموم قوله : « كل ما أشرقت عليه الشمس » أو إطلاق قوله « ما أشرقت ... » يشمل الحصر والبواري ، وإنما خرجنا عن عمومها أو إطلاقها في غيرهما من المنقولات بالإجماع والضرورة وهما مختصتان بغيرهما.
وقد يناقش في شمول الرواية للحصر والبواري بأن ظاهرها مطهّرية الشمس فيما من شأنه أن تشرق الشمس عليه ، وهو مختص بالمثبتات لعدم كون المنقولات كذلك حيث إنها قد توضع في قبال الشمس وتدخل بذلك فيما من شأنه أن تشرق عليه الشمس ، وقد توضع في مكان آخر لا تشرق الشمس عليه.
وفيه : أن اعتبار كون المتنجِّس أمراً قابلاً لاشراق الشمس عليه وإن كان غير قابل للمناقشة ، لأن الموضوع في الرواية هو ما أشرقت عليه الشمس وهو ظاهر في الفعلية والفعلية فرع القابلية ، إلاّ أن اختصاص القابلية بالمثبتات مما لا وجه له ، فان كل شيء مثبت أو غيره قابل لاشراق الشمس عليه إذا كان في محل تصيبه الشمس ، كما أنه ليس بقابل له إذا كان في محل لا تصيبه ، كما إذا كانت الشجرة تحت الجبل مثلاً. وبعبارة اخرى : كل شيء قابل لاشراق الشمس عليه فيما إذا لم يحجز عنه حاجب من دون أن يكون ذلك مختصاً بالمثبتات. فالصحيح أن دلالة الرواية على المدعى غير قابلة للمناقشة ، وإنما لا نعتمد عليها لضعف سندها كما مر.
الثاني : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه علیه السلام في حديث قال : « سألته عن البواري يصيبها البول هل تصلح الصلاة عليها إذا جفت من غير أن تغسل؟ قال : نعم لا بأس » (1)فإنّها وإن كانت مطلقة من حيث جفافها بالشمس أو بغيرها لعدم تقييدها الجفاف بها ، إلاّ أنه لا بدّ من تقييدها بذلك بصحيحة زرارة الدالّة على اعتبار كون الجفاف بالشمس. وبذلك تدل الصحيحة على طهارة البواري فيما إذا أصابتها الشمس وجففتها ، إذ الصلاة على البواري ظاهره إرادة السجود عليها ولا يتم هذا إلاّ بطهارتها.
ويمكن المناقشة في هذا الاستدلال بأن الصلاة على الشيء وإن كان مشعراً بإرادة السجود عليه إلاّ أنه لا يبلغ مرتبة الظهور ، لتعارف التعبير بذلك في اتخاذ الشيء مكاناً للصلاة ، حيث إن لفظة « على » للاستعلاء وهو متحقِّق عند اتخاذ شيء مكاناً للصلاة لاستعلاء المصلي على المكان. ويشهد على ذلك استعمال هذه الجملة في صحيحة زرارة بالمعنى الذي ذكرناه قال : « سألته عن الشاذكونة يكون عليها الجنابة أيصلّى عليها في المحمل قال : لا بأس بالصّلاة عليها » (2)ونظيرها من الأخبار ، ومع هذا الاحتمال لا يبقى مجال للاستدلال بالصحيحة على المدعى.
والظاهر أن السفينة والطرّادة من غير المنقول (1) وفي الگاري ونحوه
ويتّضح مما ذكرناه أنه لا حاجة إلى تقييد إطلاق الصحيحة بحمل الجفاف على الجفاف بالشمس ، وذلك لأن المكان إذا جفت جازت الصلاة عليه سواء استند جفافه إلى الشمس أم استند إلى غيرها.
الثالث : الاستصحاب ، لأن الحصر والبواري كانا قبل قطعهما وفصلهما بحيث لو أشرقت عليهما الشمس طهرتا لكونهما من النبات وهو مما لا ينقل فلو شككنا بعد فصلهما في بقائهما على حالتهما السابقة وعدمه نبني على كونهما بعد القطع أيضاً كذلك للاستصحاب التعليقي ، ومقتضاه الحكم بكون الشمس مطهرة للحصر والبواري.
وقد يقال بمعارضته بالاستصحاب التنجيزي أعني استصحاب نجاستهما المتيقنة قبل إشراق الشمس عليهما ، ويحكم بتساقطهما والرجوع إلى قاعدة الطهارة.
وفي كلا الأمرين ما لا يخفى. أما في التمسك بالاستصحاب ، فلأنه من استصحاب الحكم المعلق ، والاستصحابات التعليقية غير جارية في نفسها وإن قلنا بجريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلهيّة فضلاً عما إذا لم نقل به. وأما جعله معارضاً بالاستصحاب التنجيزي والحكم بالتساقط والرجوع إلى قاعدة الطهارة ، فلعدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية أوّلاً ، ولعدم كون المورد من موارد الرجوع إلى قاعدة الطهارة ثانياً ، لأن المرجع في المقام بعد تساقط الأصلين إنما هو العمومات أو المطلقات الدالّة على اعتبار الغسل بالماء في تطهير المتنجسات. والمتلخص أنه لا دليل على إلحاق الحصر والبواري بالأرض ، بل حالهما حال غيرهما من المنقولات.
(1) لما تقدم من أن مطهرية الشمس غير مختصة بالأرض ، لأن عنوان « الموضع القذر » أو « السطح » أو « المكان الذي يصلى فيه » كما ورد في الأخبار المتقدِّمة ، من العناوين الشاملة لغير الأرض أيضاً فيشمل الطرادة والسفينة لا محالة ، لصحة أن يقال إن كلا منهما سطح أو مكان يصلى فيه بمعنى أنه قابل ومعد للصلاة فلا إشكال في طهارتهما بالشمس.
إشكال (1) وكذا مثل الچلابية والقفة ، ويشترط في تطهيرها (1)أن يكون في المذكورات رطوبة مسرية (2).
(1) لأنه ونظائره من الچلابية والقفة وغيرهما من المراكب البحرية أو البرية غير معدّة ولا قابلة للصلاة فيها ، لصغرها وضيقها فلا يصدق عليها عنوان السطح أو المكان الذي يصلّى فيه. ونحن وإن قلنا بطهارة الأخشاب ونظائرها بالشمس ، نظراً إلى أنها إذا كانت مثبتة ومفروشة على الأرض صح أن يطلق عليها السطح أو المكان الذي يصلى فيه ، وذكرنا أنها إذا صدق عليها شيء من العناوين المتقدِّمة في مورد تعدينا إلى سائر الموارد أيضاً وإن لم يصدق عليها تلك العناوين ، كما إذا كانت مثبتة في البناء للإجماع القطعي وعدم القول بالفصل ، إلاّ أن هذا فيما إذا كانت الأخشاب مما لا ينقل ، وأما إذا كانت من المنقول فلا إجماع قطعي حتى يسوغ التعدي بسببه.
نعم لو كنّا اعتمدنا على رواية الحضرمي لم يكن مانع من الحكم بالطهارة في الگاري ونظائره بالشمس ، لعموم قوله علیه السلام « كل ما أشرقت ... » أو إطلاق قوله « ما أشرقت » ولكنك عرفت عدم كون الرواية قابلة للاعتماد عليها في الاستدلال.
(2) اشتراط الرطوبة المسرية في مطهرية الشمس لا دليل عليه ، لأن ظاهر السؤال في الروايات عن البول يكون على السطح أو عن السطح يصيبه البول أو يبال عليه ، وإن كان هو اشتمال المتنجِّس على الرطوبة المسرية ، إلاّ أن حكمه علیه السلام لم يترتب على ما فيه رطوبة مسرية ، وإنما حكم علیه السلام بعدم البأس فيما أشرقت عليه الشمس أو أصابته وجففته. فالمدار على إصابة الشمس وجفاف المتنجِّس باشراقها ، وهذا كما يتحقق مع الرطوبة المسرية كذلك يتحقق فيما إذا كانت الأرض أو السطح ندية ، فيقال إنها كانت ندية فجففت بإشراق الشمس عليها فاللاّزم في مطهِّرية الشمس اشتمال المتنجِّس على النداوة لتوقف صدق الجفاف
1) (*) لا يشترط ذلك وإنما يشترط أن لا تكون الأرض جافّة.
وأن تجففها بالإشراق عليها بلا حجاب عليها كالغيم ونحوه ولا على المذكورات (1).
واليبس عليها ، وعلى ذلك يحمل قوله علیه السلام في صحيحة ابن بزيع : « كيف يطهر من غير ماء » وأما الزائد على ذلك أعني الرطوبة المسرية فلا دليل على اشتراطه ، هذا.
وقد يقال : الجفاف غير اليبوسة ، إذ الأول في مقابل الرطوبة المسرية والثاني في قبال النداوة ، وبما أن بينهما بحسب المورد عموماً من وجه لأن الأول يتوقّف على الرطوبة المسرية ويصدق بذهابها وإن بقيت النداوة في الجملة ، والثاني يكفي فيه مجرّد النداوة ولا يصدق إلاّ بذهاب النداوة بتمامها كان مقتضى الجمع بين صحيحة زرارة المشتملة على اعتبار الجفاف وبين الموثقة المتضمنة لاعتبار اليبوسة هو الاكتفاء بكل من الرطوبة المسرية والنداوة ، بحيث لو كانت في الموضع المتنجِّس رطوبة مسرية فأذهبتها الشمس طهر ولو مع بقاء نداوته لصدق الجفاف بذهاب الرطوبة ، وإن كانت فيه نداوة طهر بذهابها لصدق اليبس بالشمس ، هذا.
ولا يخفي أن اليبس والجفاف على ما يظهر من اللغة مترادفان فيقال : جففه أي يبّسه ، ويبّس الشيء : جففه. والارتكاز العرفي وملاحظة موارد الاستعمالات أقوى شاهد على المدعى. وعليه فالمعتبر إنما هو ذهاب النداوة بالشمس حتى يصدق معه اليبوسة والجفاف ، إذ لو أذهبت الشمس بالرطوبة وبقيت النداوة لم يصدق معه شيء منهما ، فلا يقال إن الشيء جاف أو يابس فلا يحكم بطهارته.
(1) اعتبار استناد الجفاف إلى إشراق الشمس على المتنجِّس هو المصرح به في رواية الحضرمي حيث قال : « كل ما أشرقت عليه الشمس فهو طاهر » (1)فبناء على اعتبار الرواية لا غبار في هذا الاشتراط ، ولعلّها المستند في المسألة عند الماتن وغيره ممّن ذهب إلى ذلك ، وتبع الرواية في التعبير بالإشراق.
1) الوسائل 3 : 453 / أبواب النجاسات ب 29 ح 6. وتقدّمت في ص 128.
فلو جفت بها من دون إشراقها ولو باشراقها على ما يجاورها أو لم تجف أو كان الجفاف بمعونة الريح لم تطهر.
نعم ، الظاهر أن الغيم الرقيق أو الريح اليسير على وجه يستند التجفيف إلى الشمس وإشراقها لا يضرّ (1).
وأما إذا لم نعتمد على الرواية كما لا نعتمد فالمدرك في هذا الاشتراط موثقة عمار وقد ورد فيها : « إذا كان الموضع قذراً من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة ... » (1)لوضوح أن الإصابة لا تصدق مع الحجاب على الشمس أو على المتنجس كالغيم والحصير الملقى على الأرض وغيره مما يمنع من إشراق الشمس عليه ، فلا يكفي الجفاف حينئذ لعدم إصابة الشمس عليه.
(1) أما إذا جفت بالمجاورة فلما تقدم من اعتبار إصابة الشمس وإشراقها على المتنجِّس ومع انتفائها لا يكفي مطلق الجفاف ، وما ورد في صحيحة زرارة من قوله : « إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر » (2)وإن كان مطلقاً يشمل الجفاف بالمجاورة إلاّ أنه لا بدّ من تقييدها بما إذا كان الجفاف مستنداً إلى إصابة الشمس وإشراقها بمقتضى موثقة عمار.
وأما إذا جفت بمعونة الريح بأن استند الجفاف إلى إشراق الشمس وإلى غيره كالهواء والريح وغيرهما ، فهل يكفي في الطهارة اشتراكهما في التجفيف أو لا بدّ من استناده إلى الإشراق بالاستقلال؟ فالصحيح أن يفصّل بين ما إذا كان تأثير الريح مثلاً في التجفيف بالمقدار المتعارف ، وبين ما إذا كان بالمقدار الزائد عليه.
أما في الصورة الاولى فلا ينبغي الإشكال في كفاية التجفيف المشترك ، لأنه المتعارف في الإشراق وإليه تنظر الإطلاقات ، فانّ إشراق الشمس وتأثيرها في الجفاف من دون أن يشترك معها غيرها ولو بمقدار يسير أمر نادر أو لا تحقق له أصلاً.
وأمّا الصورة الثانية : كما إذا استند التجفيف في مقدار نصفه إلى الإشراق وفي النصف الآخر إلى النار أو الهواء ، فقد يقال فيها بكفاية التجفيف أيضاً ، بدعوى أن المعتبر حسبما يستفاد من الأخبار استناد الجفاف إلى الشمس وهو حاصل في فرض الاشتراك ، وأما عدم استناده إلى غير الشمس فهو مما لم يقم عليه دليل ولا يستفاد من الأخبار.
ويؤيد ذلك بموثقة عمار لما ورد فيها من قوله : « فأصابته الشمس ثم يبس الموضع » لإطلاق اليبوسة فيها وعدم تقييدها بكونها مستندة إلى الشمس فحسب فمع الاشتراك يصدق أن الأرض مما أصابته الشمس ثم يبست ، هذا.
ولا يخفى أن موثقة عمار وإن كانت مطلقة من تلك الجهة إلاّ أنه على خلاف الإجماع القطعي عندنا ، لصدقها على ما إذا أصابت الشمس شيئاً في زمان ولم يحصل معها الجفاف ولكنه حصل بعد مدة كيوم أو أقل أو أكثر ، لبداهة صدق أن الشيء أصابته الشمس ثم يبس حينئذ ، مع أنه غير موجب للطهارة من غير نكير ، فسوء التعبير مستند إلى عمار ، وعلى أيّ حال لا يمكن الاعتماد على إطلاق الموثقة ، وعليه فلا بد من ملاحظة أنه هل هناك دليل على لزوم استقلال الشمس في التجفيف وعدم استناده إلى غيرها أو لا دليل عليه؟
فنقول إن قوله علیه السلام في صحيحة زرارة : « إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر » يقتضي بظاهره لزوم استناد التجفيف إلى الشمس باستقلالها ، وذلك لأن الجفاف عن رطوبة لا يعقل فيه التعدّد والتكرار ، لأنه أي الجفاف عرض غير قابل للتعدّد عن رطوبة واحدة ، وإذا أُسند مثله إلى شيء فظاهره أنه مستند إليه بالاستقلال ، لأنه لو كان مستنداً إلى شيئين أو أكثر كالشمس والنار ونحوهما لم يصح إسناده إلى أحدهما ، لأنه مستند إلى المجموع على الفرض ولا يعقل فيه التعدّد ، فاذا استند إلى شيء واحد كما في الخبر حيث أُسند فيه إلى الشمس فحسب كان ظاهراً في الاستناد بالاستقلال ، وليست اليبوسة كأكل زيد ونحوه مما لا ظهور له في نفي صدور الفعل عن غيره ، لوضوح أن قولنا : أكل زيد لا ظهور له في عدم صدور الأكل من عمرو مثلاً ، والسر فيه أن الأكل في نفسه أمر قابل للتعدد والتكرار ، فيمكن أن يستند
وفي كفاية إشراقها على المرآة مع وقوع عكسه على الأرض إشكال (1)(1).
إلى زيد كما يستند إلى عمرو لتعدّده ، وهذا بخلاف الجفاف واليبس ، لأن الشيء الواحد لا يجف عن رطوبة واحدة مرتين ، فعلى ذلك يعتبر في الطهارة بالشمس استناد الجفاف إلى الشمس بالاستقلال ، فمع استناده إليها وإلى غيرها لم يحكم بالطهارة. وأما ما ورد في صحيحة زرارة وحديد من قوله علیه السلام « إن كان تصيبه الشمس والريح وكان جافاً فلا بأس » فقد قدّمنا (2)أنها أجنبية عن مورد الكلام ، وإنما تدل على جواز الصلاة في الأمكنة المتنجسة إذا يبست بشيء من الشمس أو النار أو الريح أو غيرها.
(1) ومنشأ الإشكال في المسألة ليس هو عدم صدق الإشراق عليه ، بدعوى أن ظاهر الإشراق وقوع نفس الضوء على الأرض ، وذلك لأنّا لو اعتمدنا على رواية الحضرمي ومنعنا عن صدق الإشراق مع الواسطة ، فلنا أن نحكم بطهارة الأرض في مفروض المسألة بصحيحة زرارة ، لأن الجفاف الوارد فيها مطلق يعم ما إذا كان الجفاف مع الواسطة ، وذلك كما إذا أشرقت الشمس على أرض مجاورة للأرض المتنجسة فجفت بحرارة الشمس لا باشراقها ، ولا تنافي بينها وبين رواية الحضرمي لأنها ليست بذات مفهوم لتدل على أن غير الإشراق لا يطهّر الأرض ، حتى تقع المعارضة بينهما في التطهير بالجفاف مع الواسطة.
بل الإشكال في المسألة ينشأ عما قدمناه آنفاً من اعتبار الإصابة في مطهرية الشمس لموثقة عمار : « إذا كان الموضع قذراً من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ... » فإن الإصابة لا تصدق مع وجود الواسطة وعدم المقابلة بين الشمس والموضع. ومفهوم الموثقة عدم حصول الطهارة في غير صورة الإصابة ، وبها قيدنا إطلاق الجفاف في صحيحة زرارة ، وكذا الحال في رواية الحضرمي على تقدير تماميّتها سنداً وشمول الإشراق للاشراق مع الواسطة.
[356] مسألة 1 : كما تطهّر ظاهر الأرض كذلك باطنها المتصل بالظاهر النجس باشراقها عليه ، وجفافه بذلك (1) بخلاف ما إذا كان الباطن فقط نجساً أو لم يكن متصلاً بالظاهر ، بأن يكون بينهما فصل بهواء أو بمقدار طاهر (2)
ومن هنا يظهر أن إشراق الشمس على المتنجِّس بواسطة الأجسام الشفافة كالبلور والزجاج وبعض الأحجار الكريمة كالدر لا يكفي في الطهارة ، لعدم صدق الإصابة معها ، فالحاجز على إطلاقه مانع عن التطهير بالشمس.
(1) قد يقال بعدم طهارة الباطن باشراق الشمس على ظاهر الأرض ، نظراً إلى أن مطهرية الشمس إنما استفدناها من حكمهم علیهم السلام بجواز الصلاة على الأرض المتنجسة بعد جفافها بالشمس ، ومن الظاهر أن في جواز الصلاة على الأرض المتنجسة تكفي طهارة الظاهر فحسب فلا يكون ذلك مقتضياً لطهارة الباطن أيضاً. نعم لا محيص من الالتزام بطهارة شيء يسير من الباطن ، فإن الصلاة على بعض الأراضي كالأراضي الرملية يستتبع تبدل أجزائها وقد توجب تبدل الظاهر باطناً وبالعكس ، ففي هذا المقدار لا بدّ من الالتزام بطهارة الباطن دون الزائد عليه.
والصحيح ما أفاده الماتن قدس سره لأن جواز الصلاة على الأرض وإن لم يقتض طهارة المقدار الزائد على السطح الظاهر كما ذكر ، إلاّ أن صحيحة زرارة تدلنا على طهارة الباطن أيضاً لقوله فيها : « فهو طاهر » حيث إن الضمير فيه يرجع إلى الشيء المتنجِّس بالبول ونحوه ، ومعناه أن ذلك المتنجِّس إذا جففته الشمس حكم بطهارته ، ومن الظاهر أن الباطن المتصل بالظاهر شيء واحد ، ففي المقدار الذي وصل إليه النجس إذا جف بالشمس حكمنا بطهارته لوحدتهما.
(2) ومما ذكرناه في التعليقة المتقدِّمة يظهر أن النجس إذا كان هو الباطن فحسب لم يحكم بطهارته باشراق الشمس على ظاهرها ، لأن النجس حينئذ شيء آخر يغاير ظاهرها ، فاشراق الشمس على الظاهر لا يوجب صدق الإصابة والإشراق على باطنه لأنه أمر آخر غير ما تصيبه الشمس ، وكذا الحال فيما إذا لم يكن الباطن متصلاً بالظاهر لتخلل هواء أو مقدار طاهر من الأرض بينهما ، وذلك لأن الباطن والظاهر
أو لم يجف (1) أو جف بغير الإشراق على الظاهر (2) أو كان فصل بين تجفيفها للظاهر وتجفيفها للباطن ، كأن يكون أحدهما في يوم والآخر في يوم آخر ، فإنّه لا يطهر في هذه الصور (3).
[357] مسألة 2 : إذا كانت الأرض أو نحوها جافة وأُريد تطهيرها بالشمس ، يصب عليها الماء الطاهر أو النجس أو غيره (4) مما يورث الرطوبة فيها حتى تجففها.
حينئذ شيئان متعددان ولا موجب لطهارة أحدهما باشراق الشمس على الآخر.
(1) فالطاهر خصوص السطح الظاهر الذي جف بالشمس ، وأما الباطن الباقي على رطوبته فلا ، لاشتراط الجفاف في مطهرية الشمس.
(2) لأنه يعتبر في الجفاف أن يستند إلى إشراق الشمس وإصابتها ولا يكتفى في الطهارة بمطلق الجفاف.
(3) حيث إن الباطن إذا جف مقارناً لجفاف السطح الظاهر صدق أنهما شيء واحد جف باشراق الشمس عليه ، وأما إذا حصل بين الجفافين فصل مخل للمقارنة العرفية لأن جفاف الظاهر حقيقة متقدِّم على جفاف الباطن ، إلاّ أنهما متقارنان بالنظر العرفي ما لم يفصل بينهما بكثير كما في ما مثّل به الماتن قدس سره فلا يمكن الحكم بطهارة الباطن ، لأنّ إشراق الشمس على ظاهر الأرض في اليوم الآخر لا يعدّ إشراقاً على باطنها ، لتوسّط الجزء الطاهر وهو ظاهر الأرض ، حيث طهر في اليوم السابق على الفرض بينه وبين الباطن ، وهو كتوسط جسم آخر بين ظاهر الأرض وباطنها في المسألة المتقدِّمة. وأما إشراق الشمس على ظاهر الأرض ، في اليوم السابق في المثال فهو أيضاً غير مقتض لطهارة الباطن ، لعدم جفافه حينئذ وإنما يبس في اليوم الآخر.
(4) كسائر المائعات المورثة للرطوبة ، لما عرفت من اعتبار الجفاف بالشمس وهو لا يتحقّق مع اليبوسة كما مرّ ، وعلى ذلك حملنا قوله علیه السلام في صحيحة ابن بزيع : « كيف تطهر بغير الماء ».
[358] مسألة 3 : ألحق بعض العلماء البَيدر الكبير بغير المنقولات وهو مشكل (1).
[359] مسألة 4 : الحصى والتراب والطين والأحجار ونحوها ما دامت واقعة على الأرض هي في حكمها وإن أُخذت منها لحقت بالمنقولات (2) ، وإن أُعيدت عاد حكمها (3) وكذا المسمار الثابت في الأرض أو البناء ، ما دام ثابتاً يلحقه الحكم ، وإذا قلع يلحقه حكم المنقول ، وإذا اثبت ثانياً يعود حكمه الأوّل ، وهكذا فيما يشبه ذلك.
(1) ولا بأس بهذا الإلحاق لو تمت رواية الحضرمي ، لأنها بإطلاقها أو عمومها تدل على طهارة كل ما أشرقت عليه الشمس ، وقد خرجنا عنها في الأشياء القابلة للانتقال بالإجماع والضرورة. والبَيدر وأمثاله من الظروف الكبيرة التي يصعب نقلها وإن كان من المنقول حقيقة ، إلاّ أنه لا إجماع ولا ضرورة يقتضي خروجه عن إطلاق الرواية. نعم من لا يعتمد عليها لضعفها ، لا يمكنه الحكم بالالتحاق ، لعدم شمول الأخبار له حيث لا يصدق عليه عنوان السطح أو المكان الذي يصلّى فيه أو غيرهما من العناوين الواردة في الأخبار.
(2) والوجه فيه أن المدار في طهارة المتنجِّس بالشمس إنما هو صدق عنوان السطح أو المكان أو الموضع عليه ، ففي أي زمان صدق عليه شيء من العناوين المذكورة حكم بطهارته ، كما أنه إذا لم يصدق عليه شيء منها لم يحكم بطهارته والحصاة التي هي من أجزاء الأرض أو الرمل إذا كانت واقعة على الأرض صدق عليها عنوان المكان أو الموضع بتبع الأرض فيحكم بطهارتها بالإشراق. وإذا أُخذت من الأرض لحقها حكم المنقول ، لعدم صدق العناوين الواردة في الأخبار عليها.
(3) لما عرفت من أن المدار في طهارة المتنجِّس بالشمس هو صدق شيء من العناوين المتقدِّمة عليه ، فاذا صدق شيء من تلك العناوين بإعادة الحصى إلى الأرض حكم بطهارتها بالإشراق. بل الحال كذلك فيما إذا عرضت لها النجاسة بعد الانفصال لعدم اشتراط الطهارة بالشمس بعروض النجاسة عليها حال اتصالها بالأرض.
[360] مسألة 5 : يشترط في التطهير بالشمس زوال عين النجاسة إن كان لها عين (1).
[361] مسألة 6 : إذا شكّ في رطوبة الأرض حين الإشراق ، أو في زوال
(1) وذلك للارتكاز الشاهد على أن الغرض من الأخبار الواردة في المقام إنما هو تسهيل الأمر على المكلفين ، بجعل إشراق الشمس قائماً مقام الغسل بالماء ، ولا ينبغي الإشكال بحسب الارتكاز في اعتبار زوال العين في الغسل به ، ولا بدّ معه من اعتبار ذلك أيضاً في بدله ، ويصلح هذا الارتكاز لتقييد المطلقات بصورة زوال عين النجس.
هذا على أن النجس إذا لم تكن له عين لدى العرف لكونه عندهم عرضاً وإن كان من الجواهر حقيقة ، كما في البول حيث إن له أجزاء صغيرة وربما يظهر أثره فيما يصيبه إذا تكررت إصابته ، إلاّ أنه عرض بالنظر العرفي فلا عين له ليشترط زوالها أو لا يشترط وهو مورد جملة من الأخبار المتقدِّمة. وأما إذا عد من الجواهر وكانت له عين بنظرهم فلا شبهة في أن وجود النجس حينئذ يمنع عن إصابة الشمس للأرض ، فهو لو كان طاهراً منع عن طهارة الأرض ولم تصدق معه الإصابة ، فكيف بما إذا كان نجساً.
وتوهّم أنّ العين بعد ما وقعت على الأرض عدت من أجزائها فتطهر العين بنفسها حينئذ تبعاً لطهارة الأرض بالإشراق ، فلا عين نجس بعد ذلك حتى يشترط زوالها.
يندفع بأن العين النجسة لا تعد من الأجزاء الأرضية بوجه ، والصحيحة المتضمنة للسطح والمكان غير شاملة للعين النجسة لاختصاصها بالبول.
وأما موثقة عمار المشتملة على « الموضع القذر » فهي وإن كانت مطلقة ولا اختصاص لها بالبول ، وبإطلاقها تعدينا إلى غير البول من النجاسات ، إلاّ أنه لا مناص من تقييدها بالقرينة الخارجية بما إذا لم تكن في الموضع عين النجس والقرينة هو الارتكاز الشاهد على أن اصابة الشمس وإشراقها قائمة مقام الغسل بالماء تسهيلاً للعباد ، ومن الظاهر أن مع عدم زوال العين لا تحصل الطهارة بالماء. وعلى الجملة لا دلالة في شيء من الصحيحة ولا الموثقة على طهارة العين النجسة تبعاً.
العين بعد العلم بوجودها ، أو في حصول الجفاف ، أو في كونه بالشمس أو بغيرها أو بمعونة الغير لا يحكم بالطهارة (1) وإذا شك في حدوث المانع عن الإشراق من ستر ونحوه يبنى على عدمه على إشكال تقدّم نظيره (1)في مطهرية الأرض (2).
[362] مسألة 7 : الحصير يطهر باشراق الشمس (2)على أحد طرفيه طرفه الآخر (3) ،
(1) للشك في حصول شرطها ، ومعه لا بدّ من الرجوع إلى استصحاب النجاسة السابقة وهو بلا معارض.
(2) وهو أن استصحاب عدم حدوث المانع لا أثر له في نفسه ، واستصحابه لإثبات إصابة الشمس وإشراقها على الأرض من الأُصول المثبتة ، ومع عدم إحراز الإصابة لا يمكن الحكم بالطهارة ، لأنها كما مرّ مترتبة على إصابة الشمس وإشراقها.
(3) لأن في الأخبار الواردة في جواز الصلاة على الحصر والبواري عند جفافهما بالشمس على القول بطهارتهما بذلك ما يدل على أن إشراق الشمس على أحد جانبيهما يقتضي طهارة جميع أجزائهما الداخلية والخارجية ، كما في صحيحة علي بن جعفر المروية عن كتابه عن أخيه موسى علیه السلام قال : « سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أيصلى عليه؟ قال : إذا يبست فلا بأس » (3).
وموثقة عمار قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن البارية يبل قصبها بماء قذر ، هل تجوز الصلاة عليها؟ فقال : إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها » (4)لأن ظاهر السؤال فيهما أن الماء القذر أصاب جميع أجزاء البارية وأجاب علیه السلام بأنها إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها ، ومقتضى مطابقة الجواب للسؤال أن الشمس إذا أصابت أحد جانبي البارية وجففته جازت الصلاة على كلا جانبيها ، فاذا كان جواز الصلاة عليها دليلاً على طهارتها فلا محالة يحكم بطهارة كلا الجانبين باشراق الشمس
وأما إذا كانت الأرض التي تحته نجسة فلا تطهر بتبعيته وإن جفت بعد كونها رطبة (1) ، وكذا إذا كان تحته حصير آخر إلاّ إذا خيط به على وجه يعدان معاً شيئاً واحداً (2) ، وأما الجدار المتنجِّس إذا أشرقت الشمس على أحد جانبيه فلا يبعد طهارة جانبه الآخر إذا جفّ به (3) وإن كان لا يخلو عن اشكال (4) وأما إذا أشرقت على جانبه الآخر أيضاً فلا إشكال.
على أحدهما.
(1) وذلك لأنها جسم آخر ، والشمس إنما أصابت الحصير دون الأرض ، وقد اشترطنا في التطهير بها إصابتها على المتنجِّس والمفروض عدمها في المقام.
(2) لعين ما عرفته آنفاً.
(3) لأن الضمير في قوله علیه السلام « وهو طاهر » الوارد في صحيحة زرارة راجع إلى السطح أو المكان ، وقد دلّ على طهارتهما باشراق الشمس عليهما وتجفيفهما ومقتضى إطلاقه عدم اختصاص الطهارة بجانب منهما دون جانب ، وبذلك يحكم على طهارة السطح أو المكان بتمامهما إذا جفا بالشمس.
(4) ومنشأ الإشكال في المقام دعوى أن إطلاق الصحيحة ينصرف إلى خصوص السطح الذي تشرق الشمس عليه ، وكذا أجزاؤه الداخلية غير القابلة لأن تصيبها وأما الجانب الآخر القابل لاشراق الشمس عليه في نفسه من غير أن يكون تابعاً لشيء آخر فلا يشمله إطلاقها. إلاّ أن دعوى الانصراف مما لا شاهد له ، وإطلاق الصحيحة يقتضي طهارة السطح أو المكان بأوّله وآخره وظاهره وباطنه.
وبما ذكرناه يتضح أن الماتن لماذا خص الاستشكال في طهارة الجانب الآخر بالجدار ولم يستشكل في طهارة الجانب الآخر في الحصير ، وتوضيح الفارق بينهما : أن الحكم بالطهارة في الطرف الآخر في الجدار على تقدير نجاسته وجفافه بيبوسة الطرف الذي أشرقت عليه الشمس إنما هو بإطلاق الصحيحة المتقدِّمة ، ومن ثمة استشكل في ذلك بدعوى الانصراف إلى الأجزاء غير القابلة لاشراق الشمس عليها في نفسها ، وأما الحكم بطهارة الجانب الآخر في الحصير فهو مستند إلى الروايتين
الرابع : الاستحالة (1).
المتقدِّمتين ، نظراً إلى أن مفروض سؤالهما وصول النجاسة إلى جميع أجزاء البارية وجوانبها ، كما أن مقتضى جوابه علیه السلام طهارة جميع تلك الأجزاء والجوانب بإشراق الشمس على بعضها ، فالاستدلال على طهارة الجانب الآخر في الحصير ليس هو بالإطلاق ليستشكل عليه بدعوى الانصراف.
نعم ، هذا كله إنما هو فيما إذا قلنا بطهارة البواري بالشمس ، ولكنّا منعنا عن دلالة الأخبار على طهارتها وقلنا إن مدلولها جواز الصلاة فيها على تقدير يبوستها وهو لا يقتضي الطهارة فليلاحظ.
(1) عدّوا الاستحالة من المطهرات وعنوا بها تبدل جسم بجسم آخر مباين للأوّل في صورتهما النوعية عرفاً وإن لم تكن بينهما مغايرة عقلاً ، وتوضيحه :
أن التبدل قد يفرض في الأوصاف الشخصية أو الصنفية مع بقاء الحقيقة النوعية بحالها وذلك كتبدل القطن ثوباً أو الثوب قطناً ، فان التبدل حينئذ في الأوصاف مع بقاء القطن على حقيقته ، لوضوح أن القطن لا يخرج عن حقيقته وكونه قطناً بجعله ثوباً أو الثوب بجعله قطناً ، بل هو هو حقيقة وإنما تغيرت حالاته بالتبدل من القوة إلى الضعف أو من الشدة إلى الرخاء أو العكس ، لتماسك أجزائه حال كونه ثوباً ، وتفللها وعدم تماسكها عند كونه قطناً ، وهذه التبدلات خارجة عن الاستحالة المعدة من المطهرات. ومنها تبدل الحنطة دقيقاً أو خبزاً لأن حقيقة الحنطة باقية بحالها في كلتا الصورتين ، وإنما التبدل في صفاتها من القوة والتماسك وعدم كونها مطبوخة ، إلى غيرها من الصِّفات ، والجامع هو التبدّل في الأوصاف الشخصية أو الصنفية.
وقد يفرض التبدل في الصورة النوعية كما إذا تبدلت الصورة بصورة نوعية أُخرى مغايرة للأُولى عرفاً ، وهذه الصورة هي المراد بالاستحالة في كلماتهم ، بلا فرق في ذلك بين أن تكون الصورتان متغايرتين بالنظر العقلي أيضاً ، كما في تبدل الجماد أو النبات
حيواناً أو تبدل الحيوان جماداً ، كالكلب الواقع في المملحة إذا صار ملحاً أو الميتة أكلها حيوان وصارت نطفة وصارت النطفة بعد تحولاتها حيواناً مثلاً ، وبين ما إذا لم تكن بينهما مغايرة عقلاً وإن كانتا متغايرتين عرفاً ، وذلك كالخمر إذا تبدلت بالخل كما يأتي بيانه في التكلم على الانقلاب إن شاء اللّه. وحيث إن الأحكام الشرعية غير مبتنية على الإنظار العقلية والفلسفية ، كان الحكم بالطهارة في موارد الاستحالة منوطاً بالتبدل لدى العرف وإن لم يكن تبدل في الصورة النوعية عقلاً.
ثم إن الدليل على مطهرية الاستحالة هو أن بالاستحالة يتحقق موضوع جديد غير الموضوع المحكوم بنجاسته ، لأنه انعدم وزال والمستحال إليه موضوع آخر ، فلا بد من ملاحظة أن ذلك الموضوع المستحال إليه هل ثبتت طهارته بدليل اجتهادي أو لم تثبت طهارته كذلك؟ فعلى الأول لا مناص من الحكم بطهارته بعين ذلك الدليل ، كما إذا استحال شاة أو إنساناً أو جماداً أو غير ذلك من الموضوعات الثابتة طهارتها بالدليل. كما أنه على الثاني يحكم بطهارة المستحال إليه أيضاً لقاعدة الطهارة ، وذلك لفرض أنه مشكوك الحكم ولم تثبت نجاسته ولا طهارته بدليل. ونجاسته قبل الاستحالة قد ارتفعت بارتفاع موضوعها ولا معنى لبقاء الحكم عند انعدام موضوعه بحيث لو قلنا بنجاسته كما إذا كان المستحال إليه من الأعيان النجسة فهي حكم جديد غير النجاسة الثابتة عليه قبل استحالته ، وربما تختلف آثارهما كما إذا استحال الماء المتنجِّس بولاً لما لا يؤكل لحمه ، إذ النجاسة في الماء المتنجِّس ترتفع بالغسل مرة. وأما بول ما لا يؤكل لحمه أو الإنسان على الخلاف فلا تزول نجاسته إلاّ بغسلة مرتين إما مطلقاً أو في خصوص الثوب والجسد.
فالمتحصل : أن النجاسة في موارد الاستحالة ترتفع بانعدام موضوعها ، وأن المستحال إليه موضوع آخر لا ندري بطهارته ونجاسته فلا مناص من الحكم بطهارته لقاعدة الطهارة.
ومما ذكرناه اتضح أن عد الاستحالة من المطهرات لا يخلو عن تسامح ظاهر ، حيث إن الاستحالة موجبة لانعدام موضوع النجس أو المتنجِّس عرفاً لا أنها موجبة لطهارته مع بقاء الموضوع بحاله ، ولعل نظرهم ( قدس اللّه أسرارهم ) إلى أن الطهارة
وهي تبدّل حقيقة الشيء وصورته النوعية إلى صورة أُخرى ، فإنّها تطهّر النّجس (1) ، بل المتنجِّس كالعذرة تصير تراباً ، والخشبة المتنجِّسة إذا صارت رماداً ، والبول أو الماء المتنجِّس بخاراً ، والكلب ملحاً ، وهكذا كالنطفة تصير حيواناً ، والطعام النجس جزءاً من الحيوان (2) ،
ثابتة مع الاستحالة لا أنها رافعة لها (1).
(1) لما عرفت من أن المستحال إليه إذا كان من الأشياء التي ثبتت طهارتها بشيء من الأدلّة الاجتهادية حكم بطهارة العين المستحيلة بعين ذلك الدليل ، لأنه موضوع جديد وهو من جملة الأفراد التي قامت الأدلّة على طهارته ، والموضوع السابق المحكوم بالنجاسة قد ارتفع بالاستحالة. وإذا كان المستحال إليه مما يشك في طهارته ونجاسته في الشريعة المقدسة ولم يقم دليل على طهارته أيضاً حكم بطهارته لقاعدة الطهارة ، وتوضيحه :
أنّ النجاسة في الأعيان النجسة إنما ترتبت على الصور النوعية وعناوينها الخاصّة فالدم مثلاً بعنوان أنه دم نجس ، كما أن العذرة بعنوانها محكومة بالنجاسة ، ومع تبدل الصورة النوعية وزوال العناوين الخاصة ترتفع نجاستها لانعدام موضوعها ، ولم تترتّب النجاسة في الأعيان النجسة على مادة مشتركة بين المستحال منه والمستحال إليه ، أو على عنوان الجسم مثلاً ليدعى بقاء نجاستها بعد استحالتها وتبدلها بصورة نوعية اخرى لبقاء موضوعها ، هذا كله في الأعيان النجسة.
(2) لما قدّمناه في استحالة الأعيان النجسة ، هذا ولكن قد يقال كما نقله شيخنا الأنصاري قدس سره بالفرق بين استحالة نجس العين والمتنجِّس ، بالحكم بعدم كونها مطهرة في المتنجسات (2)وأظن أن أول من أبداه هو الفاضل الهندي (3)نظراً إلى أن الاستحالة في الأعيان النجسة موجبة لانعدام موضوع الحكم كما مر ، وهذا بخلاف
الاستحالة في المتنجِّس حيث إن النجاسة بالملاقاة لم تترتب على المتنجسات بعناوينها الخاصة من الثوب والقطن والماء وغيرها لعدم مدخلية شيء من تلك العناوين في الحكم بالنجاسة بالملاقاة ، بل النجاسة فيها تترتب على عنوان غير زائل بالاستحالة وهو الجسم أو الشيء كما في موثقة عمار : « ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ... » (1)أي كل شيء أصابه المتنجِّس بلا مدخلية شيء من الخصوصيات الفردية أو الصنفية فيه ، ومن الواضح أن الجسمية أو الشيئية صادقتان بعد الاستحالة أيضاً ، حيث إن الرماد أو الدخان مثلاً جسم أو شيء ، ومع بقاء الموضوع وعدم ارتفاعه يحكم بنجاسته حسب الأدلّة الدالّة على أن الجسم أو الشيء يتنجّس بالملاقاة ، ثم إن الشيء وإن كان يشمل الجواهر والأعراض إلاّ أن العرض لما لم يكن قابلاً للإصابة والملاقاة كانت الإصابة في الموثقة قرينة على اختصاص الشيء بالجواهر ، وكيف كان الاستحالة غير موجبة للطهارة في المتنجسات ، هذا.
ولقد أطال شيخنا الأنصاري قدس سره الكلام في الجواب عن ذلك وذكر بتلخيص وتوضيح منّا : أن النجاسة لم يعلم كونها في المتنجسات محمولة على الصورة الجنسية والجسم ، وإن اشتهر في كلماتهم أن كل جسم لاقى نجساً مع رطوبة أحدهما ينجس ، إلاّ أن قولهم هذا ليس مدلولاً لدليل من آية أو رواية وإنما هو قاعدة مستنبطة من الأدلّة الخاصة الواردة في الموارد المعينة من الثوب والبدن والماء ونحوها فهي تشير إلى تلك العناوين المشخصة ويؤول معناها إلى أن الماء إذا لاقى نجساً ينجس ، والثوب إذا لاقى ... وهكذا. فاذن للصور والعناوين الخاصة دخالة في الحكم بالنجاسة وإذا زالت بسبب الاستحالة زال عنها حكمها كما هو الحال في الأعيان النجسة كما مرّ ، هذا.
إلاّ أن ما أفاده قدس سره لا يفي بدفع الشبهة ، وذلك لما عرفت من أن النجاسة والانفعال إنما رتبا على عنوان الجسم أو الشيء كما ورد في موثقة عمار ، فقولهم : إن كل جسم لاقى نجساً مع رطوبة أحدهما ينجس ، هو الصحيح وهو مضمون الموثقة ، ولم
1) الوسائل 1 : 142 / أبواب النجاسات ب 4 ح 1.
تترتّب النجاسة على العناوين الخاصّة لبداهة عدم مدخلية الخصوصيات الصنفية من القطن والثوب ونحوهما في الحكم بالانفعال بالملاقاة. وعلى ذلك لا مانع من التمسك بإطلاق الأدلّة الاجتهادية الدالّة على نجاسة الأشياء الملاقية مع النجس برطوبة ، حيث إن مقتضى إطلاقها أن الشيء إذا تنجس تبقى نجاسته إلى الأبد ما لم يطرأ عليه مزيل شرعاً. أو لو ناقشنا في إطلاقها لأمكن التمسّك باستصحاب النجاسة الثابتة عليه قبل استحالته كما سيتضح.
فالصحيح في الجواب أن يقال : إن التمسّك بالإطلاق أو الاستصحاب إنما يتم إذا كان التبدّل في الخصوصيات الشخصية أو الصنفية ، كما إذا بدّلنا الثوب قطناً أو القطن ثوباً أو صارت الحنطة طحيناً أو خبزاً ونحو ذلك ، فإن النجاسة العارضة على تلك الأشياء بملاقاة النجس لا ترتفع عنها بالتبدل في تلك الأوصاف ، فإن الثوب هو القطن حقيقة وإنما يختلفان في وصف التفرق والاتصال ، كما أن الحنطة هو الخبز واقعاً وإنما يفترقان في الطبخ وعدمه ، والنجاسة كما ذكرنا إنما ترتبت على عنوان الشيء أو الجسم وهما صادقان بعد التبدل أيضاً ، بل الشيء قبله هو الشيء بعده بعينه عقلاً وعرفاً ، والتبدل في الأوصاف والأحوال غير مغير للحقيقة بوجه ، ومعه لا مانع من التمسك بالإطلاق أو الاستصحاب لإحراز بقاء الموضوع واتحاد القضية المتيقنة والمشكوك فيها بناء على جريان الاستصحاب في الأحكام إلاّ أن التغيّر في تلك الأوصاف ليس من الاستحالة المبحوث عنها في المقام.
وأما إذا كان التبدل في الأوصاف النوعية كتبدل الثوب المتنجِّس تراباً أو الخشب المتنجِّس رماداً فلا يمكن التمسك حينئذ بالإطلاق أو الاستصحاب لمغايرة أحدهما الآخر ، وارتفاع موضوع الحكم بالنجاسة إما عقلاً وعرفاً وإما عرفاً فحسب. والنجاسة بالملاقاة وإن كانت مترتبة على عنوان الجسم أو الشيء إلاّ أن المتبدل به شيء والمتبدل منه الذي حكم بنجاسته بالملاقاة شيء آخر ، والذي لاقاه النجس هو الشيء السابق دون الجديد ولا يكاد يسري حكم فرد إلى فرد آخر مغاير له.
فالمتحصل : أن بالتبدل في العناوين المنوعة يرتفع الشيء السابق ويزول ويتحقق
شيء آخر جديد ، فلا مجال معه للتمسك بالإطلاق أو الاستصحاب. فالاستحالة في المتنجسات كالاستحالة في الأعيان النجسة موجبة لانعدام الموضوع السابق وإيجاد موضوع جديد.
ويؤيد ذلك ما جرت عليه سيرة المتدينين من عدم اجتنابهم عن الحيوانات الطاهرة إذا أكلت أو شربت شيئاً متنجِّساً ، فالدجاجة التي أكلت طعاماً قذراً لا يجتنب عن بيضها كما لا يجتنبون عن روث الحيوان المحلّل أو بوله أو خرئه أو لحمه إذا أكل أو شرب شيئاً متنجِّساً ، وليس هذا إلاّ من جهة طهارة المتنجِّس بالاستحالة ، هذا.
وقد يستدل على طهارة المتنجسات بالاستحالة بصحيحة حسن بن محبوب قال : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب إليَّ بخطه : إن الماء والنار قد طهّراه » (1)لأنها تدل على أن مادة الجص وإن كانت تنجست بالعذرة والعظام النجستين للإيقاد بهما عليها ولا سيما مع ما في العظام من الأجزاء الدهنية ، إلاّ أن استحالتها بالنار وصيرورتها جصاً موجبة لطهارتها.
ويمكن المناقشة في هذا الاستدلال بوجوه : الأوّل : أن الرواية إنما تدل على طهارة العذرة والعظام النجستين بالاستحالة ، وليست فيها أية دلالة على كفاية الاستحالة في تطهير المتنجسات ، فان المطهر للجص هو الماء على ما قدّمنا (2)تفسيرها في التكلم على اعتبار الطهارة في موضع السجود ، وما ذكرناه في تفسير الرواية هناك إن تمّ فهو وإلاّ فالرواية مجملة. وما قيل من أن النار مطهرة بإزالة العين وإعدامها والماء أي المطر مطهر باصابته ، كغيره مما ذكروه في تفسيرها تأويلات لا ظهور للرواية في شيء منها.
الثاني : أن صريح الرواية إسناد الطهارة إلى كل من الماء والنار ، بأن يكون لكل
وأمّا تبدّل الأوصاف وتفرّق الأجزاء ، فلا اعتبار بهما كالحنطة إذا صارت طحيناً أو عجيناً أو خبزاً ، والحليب إذا صار جبناً (1) وفي صدق الاستحالة على صيرورة الخشب فحماً تأمل (1)وكذا في صيرورة الطين خزفاً أو آجراً (2)
منهما دخل في حصولها ، فما معنى إسناد الطهارة إلى خصوص النار ودعوى أنها مطهّرة بالاستحالة.
الثالث : ما تقدمت الإشارة إليه ويأتي تفصيله من أن طبخ الجص أو التراب أو الحنطة أو غيرها إنما هو من التبدل في الحالات والأوصاف الشخصية أو الصنفية وليس من الاستحالة بوجه ، فالاستدلال بالصحيحة ساقط والصحيح في وجه كون الاستحالة مطهرة في المتنجسات ما ذكرناه.
(1) لما تقدّم من أنّ التبدّل في الأوصاف كالتفرق والاجتماع لا ربط له بالاستحالة التي هي التبدّل في الصور النوعية بوجه.
(2) بعد ما تقدّم من أن الاستحالة في المتنجسات كالاستحالة في الأعيان النجسة مطهرة ، وقع الكلام في مثل الخشب المتنجِّس إذا صار فحماً أو الطين خزفاً أو آجراً ، وأن مثله هل هو من التبدل في الصورة النوعية بصورة نوعية اخرى كما اختاره جماعة في مثل الطين إذا صار خزفاً أو آجراً ، ومن هنا قالوا بطهارته بذلك وعليه رتبوا المنع عن التيمّم أو السجدة عليهما نظراً إلى خروجهما بالطبخ عن عنوان الأرض والتراب أو أن الطبخ لا يوجب التبدل بحسب الحقيقة؟
الثاني هو الصحيح ، لأن الخشب والفحم أو الطين والآجر من حقيقة واحدة ، ولا يرى العرف أي مغايرة بين الخزف والآجر وإنما يراهما طيناً مطبوخاً وكذلك الحال في الخشب والفحم ، فالاختلاف بينهما إنما هو في الأوصاف كتماسك الأجزاء وتفرّقها وحالهما حال اللحم والكباب وحال الحنطة والخبز. فمع بقاء الصورة النوعية بحالها لا يمكن الحكم بطهارة الطين والخشب بصيرورتهما خزفاً أو فحماً.
1) (*) الظاهر عدم تحقق الاستحالة فيه وفيما بعده.
ومع الشك في الاستحالة لا يحكم بالطهارة (1)(1).
(1) الكلام في ذلك يقع في مقامين :
أحدهما : أنه إذا شك في الاستحالة في الأعيان النجسة.
وثانيهما : ما إذا شك في الاستحالة في المتنجسات.
أمّا المقام الأوّل : فحاصل الكلام فيه أن الشبهة قد تكون موضوعية ويكون الشك في الاستحالة مسبباً عن اشتباه الأُمور الخارجية ، وقد تكون الشبهة مفهومية ويكون الشك في الاستحالة ناشئاً عن الشك في سعة المفهوم وضيقه. والأوّل كما إذا وقع كلب في المملحة وشككنا بعد يوم في أنه هل استحال ملحاً أم لم يستحل. والثاني كما إذا صارت العذرة فحماً وشككنا بذلك في استحالتها ، نظراً إلى الشك في أن لفظة العذرة هل وضعت على العذرة غير المحروقة فاذا أُحرقت خرجت عن كونها عذرة ، أو أنها وضعت على الأعم من المحروقة وغيرها فلا يكون الإحراق سبباً لاستحالتها فالشك في سعة المفهوم وضيقه.
أما إذا كانت الشبهة موضوعية فلا مانع من التمسك باستصحاب كون العين النجسة باقية بحالها وعدم صيرورتها ملحاً أو تراباً ، بأن يشار إلى الموضوع الخارجي ويقال إنه كان كلباً أو عذرة سابقاً والأصل أنه الآن كما كان ، لتعلق الشك حينئذ بعين ما تعلق به اليقين واتحاد القضيتين المتيقنة والمشكوك فيها ، وبهذا يترتب عليه جميع الآثار المترتبة على النجس ، هذا.
وقد يقال بعدم جريان الاستصحاب حينئذ ، نظراً إلى أن مع الشك في الاستحالة لا يمكن إحراز بقاء الموضوع في الاستصحاب لعدم العلم بأن الموجود الخارجي كلب أو ملح ، إذ لو كنّا عالمين بكونه كلباً أو عذرة لم يشك في نجاستهما ، بل قلنا بنجاستهما بعين الدليل الاجتهادي الذي فرضناه في المسألة ، ومع الشك في الموضوع لا يبقى للاستصحاب مجال وتنتهي النوبة إلى قاعدة الطهارة لا محالة.
1) (*) هذا فيما إذا كانت الشبهة موضوعية ، وأما إذا كانت مفهومية فالأظهر هو الحكم بالطهارة.
وهذه الشبهة من الضعف بمكان ، وذلك لأن المعتبر في الاستصحاب إنما هو اتحاد القضيتين : المتيقنة والمشكوك فيها ، بمعنى كون الشك متعلقاً بعين ما تعلق به اليقين ولا يعتبر الزائد على ذلك في الاستصحاب.
ثم ان الموضوع في القضيتين يختلف باختلاف الموارد ، فقد يكون الموضوع فيهما هو نفس الماهية الكلية أو الشخصية المجردة عن الوجود والعدم بحيث قد تتصف بهذا وقد تتصف بذاك ، كما إذا شككنا في بقاء زيد وعدمه ، حيث إن متعلق اليقين حينئذ هو الماهية الشخصية في الزمان السابق ، ونشك في نفس تلك الماهية في الزمان اللاّحق ، فالقضيتان متحدتان ولا يمكن أن يكون الموضوع في مثله هو الوجود أو العدم ، لأنهما أمران متباينان ومتقابلان تقابل السلب والإيجاب ، فلا يتصف أحدهما بالآخر ليشك في أن الوجود مثلاً هل صار عدماً في الزمان اللاّحق أم لم يصر ، وإنما القابل لذلك هو الماهية كما مرّ ، لإمكان أن تكون الماهية المتصفة بالوجود في الآن السابق متصفة بالعدم في الآن اللاّحق وليس كذلك الوجود والعدم. على أن لازم ذلك عدم جريان الاستصحاب في وجود الشيء أو عدمه إذا شك في بقائه على حالته السابقة ، لعدم إحراز الوجود أو العدم في زمان الشك فيهما.
وقد يكون الموضوع في القضيتين هو الوجود ، كما إذا علمنا بقيام زيد أو طهارة ماء ثم شككنا في بقائه على تلك الحالة وعدمه ، لوضوح أن الموضوع في مثله هو زيد الموجود وبما أنّا كنّا على يقين من قيامه ثم شككنا فيه بعينه فالقضيتان متحدتان.
وثالثة يكون الموضوع في القضيتين هو الهيولى والمادة المشتركة بين الصور النوعية ، كما إذا كنّا على يقين من اتصاف جسم بصورة وشككنا بعد ذلك في أنه هل خلعت تلك الصورة وتلبست بصورة أُخرى أم لم تخلع ، فانّ الموضوع في القضيّتين هو المادة المشتركة فيشار إلى جسم معيّن ويقال : إنه كان متصفاً بصورة نوعية كذا والأصل أنه الآن كما كان. ومقامنا هذا من هذا القبيل فنشير إلى ذلك الموجود الخارجي ونقول إنه كان كلباً سابقاً والآن كما كان ، للعلم بأن المادة المشتركة كانت متصفة بالصورة الكلبية فاذا شك في بقاء هذا الاتصاف يجري استصحاب كونها متصفة بالصورة الكلبية.
ولا نريد أن نقول أنه كلب بالفعل ليقال إنه لو كان كلباً فعلاً لم نحتج إلى الاستصحاب ، بل حكمنا بنجاسته حسب الدليل الاجتهادي ، كما لا نريد أنه ملح كذلك ليقال : إن مع العلم بالاستحالة نعلم بطهارته فلا حاجة أيضاً إلى الأصل ، بل نريد أن نقول إنه كان كلباً سابقاً ولا منافاة بين العلم بالكلبية السابقة وبين الشك في الكلبية فعلاً. بل دعوى العلم بكونه كلباً سابقاً صحيحة حتى مع العلم بالاستحالة الفعلية نظير قوله عزّ من قائل ( أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ) (1)حيث أُطلقت النطفة على الإنسان المستحيل منها فكأنه قال للإنسان : إنك كنت نطفة مع العلم باستحالتها إنساناً. نعم الأثر إنما يترتب على كونه كلباً سابقاً فيما إذا شككنا في الاستحالة دون ما إذا علمنا أن المادة المشتركة قد خلعت الصورة الكلبية وتلبست بصورة نوعية اخرى ، هذا كله في الشبهات الموضوعية.
وأمّا الشبهات المفهومية فلا سبيل فيها إلى الاستصحاب ، لا في ذات الموضوع ولا في الموضوع بوصف كونه موضوعاً ولا في حكمه. مضافاً إلى ما نبهنا عليه غير مرّة من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلهيّة.
أمّا عدم جريانه في ذات الموضوع الخارجي فلأنه وإن تعلق به اليقين إلاّ أنه ليس متعلِّقاً للشك بوجه للعلم بزوال وصف من أوصافه واتصافه بوصف جديد ، حيث لم تكن العذرة مثلاً محروقة فاحترقت ، ومع عدم تعلق الشك به لا يجري فيه الاستصحاب ، لتقوّمه باليقين السابق والشك اللاّحق ولا شك في الموضوع كما عرفت.
وأما عدم جريانه في الموضوع بوصف كونه موضوعاً ، فلأنه عبارة أُخرى عن استصحاب الحكم ، فان الموضوع بوصف كونه موضوعاً لا معنى له سوى ترتب الحكم عليه ، ويتّضح بعد سطر عدم جريان الاستصحاب في الحكم.
وأما عدم جريانه في نفس الحكم فلأنا وإن كنّا عالمين بترتب النجاسة على العذرة سابقاً وقبل إحراقها ونشك في بقائه ، إلاّ أن القضية المتيقنة والمشكوك فيها يعتبر إحراز اتحادهما ، ومع الشك في بقاء الموضوع لا مجال لإحراز الاتحاد ، لاحتمال أن
1) القيامة 75 : 37.
يكون ما علمنا بنجاسته زائلاً حقيقة ، وأن هذا الموجود الخارجي موضوع جديد لم تتعلّق النجاسة به وإنما ترتبت على العذرة غير المحروقة ، ومع هذا الاحتمال يكون المورد شبهة مصداقية للاستصحاب فلا يمكن التمسك بإطلاق أدلته أو عمومها. وهذا مطلب سيال يأتي في جميع الشبهات المفهومية كما ذكرناه في غير واحد من المباحث منها مبحث المشتقّات حيث قلنا : إن في الشك في مثل مفهوم العالم وإنه يعم ما إذا انقضى عنه التلبس أيضاً لا يجري الاستصحاب في الموضوع لعدم تعلق الشك به ، وإنما نعلم باتصافه بالعلم سابقاً وزواله عنه فعلاً ، ولا يجري في حكمه لأجل الشك في بقاء موضوعه ، ولا يجري في الموضوع بوصف كونه موضوعاً ، لأنه راجع إلى استصحاب الحكم.
نعم ، الشك في الشبهات المفهومية التي منها المقام يرجع إلى التسمية والموضوع له فان الشك في سعته وضيقه ومآله إلى أن كلمة العذرة مثلاً هل وضعت لمطلق العذرة أو للعذرة غير المحروقة ، وكذا الحال في غير المقام ولا أصل يعين السعة أو الضيق ، ومعه لا بدّ في موارد الشك في الاستحالة من الرجوع إلى قاعدة الطهارة وبها يحكم بطهارة الموضوع المشكوك استحالته ، هذا كله في الأعيان.
وأمّا المقام الثاني : وهو الشك في الاستحالة في المتنجسات : فان كانت الشبهة موضوعية كما إذا شككنا في استحالة الخشب المتنجِّس رماداً وعدمها فلا مانع من استصحاب بقاء المادة المشتركة بين الخشب والرماد على حالتها السابقة أعني اتصافها بالجسمية السابقة ، فنشير إلى الموجود الخارجي ونقول إنه كان متصفاً بالجسمية السابقة ونشك في بقائه على ذاك الاتصاف وتبدل الجسم السابق بجسم آخر فنستصحب اتصافه بالجسمية السابقة وعدم زوال الاتصاف به ، وبذلك يحكم بنجاسته.
وهل تعقل الشبهة المفهومية في الاستحالة في المتنجِّسات؟
التحقيق عدم تصوّر الشبهة المفهومية فيها ، وذلك لأن النجاسة في الأعيان النجسة كانت مترتبة على العناوين الخاصة من الدم والعذرة وغيرهما ، ولأجله كنّا قد نتردد
في سعة بعض تلك المفاهيم وضيقها ، ونشك في أن العذرة اسم لغير المحروقة أو للأعم منها ومن غيرها وهو المعبّر عنه بالشبهات المفهومية.
وأمّا المتنجِّسات فقد تقدّم أنّ النجاسة بالملاقاة غير مترتبة على العناوين الخاصة من الصوف والقطن وغيرهما ليمكن الشك في سعة بعض المفاهيم وضيقه ، بل إنما ترتبت على عنوان الجسم والشيء ، ولا نشك في سعة مفهومهما ، لوضوح أنهما صادقان على المتنجسات قبل تبدل شيء من أوصافها الشخصية أو النوعية وبعده لأنها جسم أو شيء على كل حال ، فلا يتحقق مورد يشك في سعة المفهوم وضيقة في المتنجسات فاذا شككنا في متنجس أنه استحال أم لم يستحل فهو شبهة موضوعية لا مانع من استصحاب عدم استحالته حينئذ.
ومن ذلك الشك في استحالة الخشب فحماً أو التراب آجراً أو خزفاً ، فإنّه مع الشك في تحقق الاستحالة مقتضى الاستصحاب هو الحكم ببقاء الموجود الخارجي على الجسمية السابقة وعدم تبدّله بجسم آخر ، فلا بدّ من الحكم بالنجاسة في تلك الأُمور. نعم الشك في الاستحالة بالإضافة إلى جواز السجدة أو التيمم على التراب من الشبهات المفهومية لا محالة ، لأن جواز السجدة مترتب على عنوان الأرض ونباتها وجواز التيمم مترتب على عنوان التراب أو الأرض ، ومعنى الشك في الاستحالة هو الشك في سعة مفهوم الأرض والتراب وأنهما يشملان ما طبخ منهما وصار آجراً أو خزفاً ، ومع الشك في المفهوم لا يجري فيه الاستصحاب كما عرفت ، ولا بدّ في جواز الأمرين المذكورين من إحراز موضوعيهما.
ربّما عدّوا النار من المطهرات في قبال الاستحالة. وفيه : أنّ النار لم يقم على مطهّريّتها دليل في نفسها ، والأخبار المستدل بها على مطهِّريتها قد قدّمنا الجواب عنها في التكلّم على نجاسة الدم (1)نعم هي سبب للاستحالة وهي المطهرة حقيقة. بل قد
1) في المسألة [194].
الخامس : الانقلاب كالخمر ينقلب خلاًّ ، فإنّه يطهر (1) سواء كان بنفسه أو بعلاج كإلقاء شيء من الخلّ أو الملح فيه
عرفت أن عد الاستحالة من المطهرات أيضاً مبتن على المسامحة ، فيكون إطلاق المطهر على النار مسامحة في مسامحة ، هذا.
وفي بعض المؤلفات : أنّ نجاسة أي نجس إنما هي جائية من قبل المكروبات المتكونة فيه ، فاذا استعرض على النار قتلت الجراثيم والمكروبات بسببها وبذلك تكون النار مطهرة على وجه الإطلاق. ولا يخفى أن التكلم في أمر المكروب أجنبي عما هو وظيفة الفقيه ، لأنه إنما يتعبد بالأدلة والأخبار الواصلتين إليه من قبل اللّه سبحانه بلسان سفرائه وأوليائه الكرام ، وليس له أن يتجاوز عما وصله ، ولا يوجد فيما بأيدينا من الأخبار ولا غيرها ما يقتضي تبعية النجاسة لما في النجس من المكروب حتى تزول بهلاكه وإحراقه ، فلا بد من مراجعة الأدلّة ليرى أنها هل تدلّ على مطهرية النار أو لا ، وقد عرفت عدم دلالة شيء من الأدلّة الشرعية على ذلك.
(1) التحقيق أن الانقلاب من أحد أفراد الاستحالة وصغرياتها ، وإنما أفرده بعضهم بالذِّكر وجعله قسماً من أقسام المطهرات لبعض الخصوصيات الموجودة فيه.
أمّا أنّ الانقلاب هو الاستحالة حقيقة ، فلأن تبدل الخمر خلاًّ وإن لم يكن من التبدل في الصورة النوعية لدى العقل لوحدة حقيقتهما ، بل التبدل تبدل في الأوصاف كالاسكار وعدمه ، إلاّ أنه من التبدل في الصورة النوعية عرفاً ، إذ لا شبهة في تغاير حقيقة الخلّ والخمر لدى العُرف. على أن الحرمة والنجاسة قائمتان في الأعيان النجسة بعناوينها الخاصة من البول والدم ونحوهما ، فاذا زال عنوانها زالت حرمتها ونجاستها وحيث إن الحرمة والنجاسة في الخمر مترتبتان على عنواني الخمر والمسكر الذي هو المقوم للحقيقة الخمرية فبتبدلها خلاًّ يرتفع عنها هذان العنوانان فيحكم بطهارة الخلّ وحلِّيّته.
وأمّا الخصوصية الموجبة لافراد الانقلاب بالذكر فهي جهتان :
الاولى : أن الاستحالة وإن كانت من أقسام المطهرات بالمعنى المتقدم في محله ، إلاّ أنها في تبدل الخمر خلاًّ لا تقتضي الحكم بطهارتها وحليتها ، وذلك لأن الخمر من المائعات وهي تحتاج إلى إناء لا محالة ، وهذا الإناء قد تنجس بالخمر قبل صيرورتها خلاًّ ، فاذا تبدلت خلاًّ فلا محالة يتنجّس بانائها ثانياً ، فإن الاستحالة إنما هي في الخمر لا في الإناء. نعم ، الاستحالة تقتضي ارتفاع نجاسة الخمر وحرمتها الذاتيتين ، إلاّ أنها تبتلي بالنجاسة والحرمة العرضيتين ، وفي النتيجة لا يترتب على استحالة الخمر خلاًّ شيء من الحلية والطهارة الفعليتين ، ومن ثمة نحتاج في الحكم بهما إلى الأخبار الواردة في المقام وهي كافية في إثباتهما ، وذلك لأنها دلت بالدلالة المطابقية على طهارتها وحليتها الفعليتين كما دلت بالدلالة الالتزامية على طهارة إنائها بالتبع ، لعدم إمكان الطهارة والحلية الفعليتين مع بقاء الإناء على نجاسته.
الثانية : أن الاستحالة تقتضي الطهارة والحلية مطلقاً سواء حصلت بنفسها أم بالعلاج ، مع أن انقلاب الخمر خلاًّ إذا كان بالعلاج كما إذا القي في الخمر مقدار ملح من دون أن يندك فيها وتزول عينه لا يوجب الحكم بحليتها وطهارتها ، وذلك لأن الاستحالة إنما هي في الخمر لا فيما عولجت به من ملح أو غيره ، وحيث إن ما به العلاج لاقته الخمر ونجّسته قبل استحالتها فهو يوجب تنجسها بعد استحالتها خلاًّ فلا تحصل لها الطهارة والحلية بالانقلاب ، وهذه أيضاً جهة تحوجنا إلى التشبث بالأخبار وهي قد تكفّلت بطهارة الخمر وحلِّيتها ولو كان بعلاج ، والأخبار على طوائف ثلاث :
الاولى : المطلقات الدالّة على طهارة الخلّ المتبدل من الخمر سواء أكان ذلك بنفسها أم بالعلاج ، كصحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال : « سألته عن الخمر يكون أوّله خمراً ثم يصير خلاًّ ، قال : إذا ذهب سكره فلا بأس ... » (1)وموثقة عبيد بن زرارة
1) الوسائل 25 : 372 / أبواب الأشربة المحرّمة ب 31 ح 10.
عن أبي عبد اللّه علیه السلام « أنه قال في الرجل إذا باع عصيراً فحبسه السلطان حتى صار خمراً فجعله صاحبه خلاًّ ، فقال : إذا تحول عن اسم الخمر فلا بأس به » (1)وفي بعض الأخبار أن الخلّ المستحصل من الخمر تقتل دواب البطن ويشد الفم (2)وفي آخر أنه يشد اللثة والعقل (3).
الثانية : ما دلّ على طهارة الخمر وحليتها فيما إذا انقلبت خلاًّ بالعلاج ، كما عن السرائر نقلاً عن جامع البزنطي عن أبي عبد اللّه علیه السلام « أنه سئل عن الخمر تعالج بالملح وغيره لتحول خلاًّ ، قال : لا بأس بمعالجتها ... » (4)وما رواه عبد العزيز بن المهتدي قال : « كتبت إلى الرضا علیه السلام جعلت فداك العصير يصير خمراً فيصب عليه الخلّ وشيء يغيره حتى يصير خلاًّ ، قال : لا بأس به » (5)وحسنة زرارة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن الخمر العتيقة تجعل خلاًّ ، قال : لا بأس » (6)وذلك لأن قوله تجعل خلاًّ ظاهره جعل الخمر خلاًّ بسبب وعلاج.
الثالثة : الأخبار الواردة في أن الانقلاب بالعلاج لا تترتب عليه الطهارة وهي في قبال الطائفة الثانية : منها : موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سئل عن الخمر يجعل فيها الخلّ ، فقال : لا إلاّ ما جاء من قبل نفسه » (7). ومنها : موثقته الأُخرى قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الخمر يصنع فيها الشيء حتى تحمض ، قال : إن كان الذي صنع فيها هو الغالب على ما صنع فيه فلا بأس » (8). وهاتان الطائفتان متعارضتان ، وحيث إنّ الطائفة الثانية صريحة في طهارة الخلّ المنقلب من الخمر بالعلاج والطائفة الثالثة ظاهرة في نجاسته ، فيتصرف في ظاهر الطائفة الثانية
1) الوسائل 25 : 371 / أبواب الأشربة المحرّمة ب 31 ح 5.
2) الوسائل 25 : 93 / أبواب الأطعمة المباحة ب 45.
3) الوسائل 25 : 93 / أبواب الأطعمة المباحة ب 45.
4) الوسائل 25 : 372 / أبواب الأشربة المحرّمة ب 31 ، ح 11.
5) الوسائل 25 : 372 / أبواب الأشربة المحرّمة ب 31 ح 8.
6) الوسائل 25 : 370 / أبواب الأشربة المحرّمة ب 31 ح 1.
7) الوسائل 25 : 371 / أبواب الأشربة المحرّمة ب 31 ح 7.
8) الوسائل 3 : 525 / أبواب النجاسات ب 77 ح 4.
سواء استهلك أو بقي على حاله (1) ويشترط في طهارة الخمر بالانقلاب عدم وصول نجاسة خارجية إليه فلو وقع فيه حال كونه خمراً شيء من البول أو غيره أو لاقى نجساً لم يطهر بالانقلاب (1)(2).
بحملها على الكراهة. وعلى الجملة إن الأخبار تقتضي حلية الخلّ المستحيل من الخمر بالمعالجة أو بغيرها.
(1) لما عرفت من أن الأخبار الواردة في المقام دلت على طهارة الخلّ وحليته الفعليتين فيما إذا انقلب من الخمر بنفسها أو بالعلاج ، كما أنها بإطلاقها دلت على أنه لا يفرق الحال في ذلك بين أن يكون ما به العلاج مستهلكاً في الخمر وبين ما إذا لم يكن كما إذا القي عليها قطعة ملح أو ملح مدقوق إلاّ أنه لم تضمحل فيها بتمامه ، بل بقي منه مقدار من الخليط كالتراب أو الرمل أو نحوهما ، وهذا يدلنا على أن ما به العلاج في مفروض الكلام لا يمكن أن يكون باقياً على نجاسته ، لأن الطهارة الفعلية لا تجتمع مع نجاسته ، حيث إن ما به العلاج لو كان باقياً على نجاسته لتنجس به الخلّ ولم يمكن الحكم بطهارته بالانقلاب.
(2) لعلّه بدعوى أن الأخبار المتقدِّمة ناظرة بأجمعها إلى النجاسة الخمرية فحسب وقد دلّت على أنها ترتفع بالانقلاب ولا نظر لها إلى غيرها من النجاسات.
وفيه : أن الخمر من النجاسات العينية وهي غير قابلة لأن تتنجس ثانياً بملاقاة الأعيان النجسة أو المتنجسات ، كما أن نجاستها غير قابلة للاشتداد بالملاقاة ، لأن الغائط مثلاً لا تزيد نجاسته بملاقاة البول أو غيره ، وعليه لو صبّ بول أو نجس آخر على الخمر لم تزد نجاستها عما كانت ثابتة عليها قبل الصبّ وإنما نجاستها هي النجاسة الخمرية فحسب ، ومعه لا مانع من أن تشملها الأخبار ، فإن نجاستها هي النجاسة الخمرية فقط ، هذا.
1) (*) الظاهر حصول الطهارة به إذا استهلك النجس ولم يتنجّس الإناء به.
[363] مسألة 1 : العنب أو التمر المتنجِّس إذا صار خلاًّ لم يطهر (1). وكذا إذا صار خمراً ثم انقلب خلاًّ (1)(2).
بل الأمر كذلك حتى إذا قلنا بتنجس الخمر بالملاقاة ، وذلك لإطلاق الأخبار حيث دلّت على طهارة الخلّ المنقلب من الخمر مطلقاً ، سواء أصابتها نجاسة خارجية أم لم تصبها ، وذلك لأن ما دلّ على جواز أخذ الخمر لتخليلها غير مقيد بما إذا أُخذت من يد المسلم ، بل مقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين أن يؤخذ من يد المسلم أو الكافر ، ومن الواضح أن الكافر بل مطلق صانع الخمر لا يتحفظ عليها من سائر النجاسات ، بل تصيبها النجاسة عنده ولو من جهة الأواني أو يده النجسة أو المتنجِّسة.
نعم ، هذا فيما إذا لم تصب النجاسة الثانية الإناء ، وإلاّ فالاناء المتنجِّس يكفي في تنجّس الخلّ به بعد انقلابه من الخمر. وما قدمناه من أن مقتضى الأخبار عدم تنجس الخلّ بنجاسة الإناء إنما هو فيما إذا كانت النجاسة العارضة على الإناء مستندة إلى الخمر ، وأما إذا تنجس الإناء بنجاسة أُخرى غيرها فلا دلالة للأخبار على طهارة الخلّ حينئذ.
(1) لما تقدّم من أنّ النجاسة في المتنجسات قائمة بالجسم وليست قائمة بعناوينها فلا ترتفع بصيرورة العنب خلاًّ ، ونصوص الانقلاب مختصة بالخمر فلا دليل على مطهريته في المتنجسات.
(2) لأنّ الانقلاب حسبما يستفاد من رواياته إنما يوجب ارتفاع النجاسة الخمرية فحسب ، هذا.
ولكن الصحيح أن العنب أو التمر أو غيرهما إذا صار خمراً ثم انقلب خلاًّ طهر ، وذلك لما أشرنا إليه من أن النجاسة العرضية في مثل العنب ونظائره تتبدل بالنجاسة الذاتية عند صيرورته خمراً ، والخمر غير قابلة لأنّ تعرضها النجاسة العرضية كما أن نجاستها
1) (*) الظاهر أنه يطهر بذلك بشرط إخراجه حال خمريته عن ظرفه المتنجِّس سابقاً.
[364] مسألة 2 : إذا صبّ في الخمر ما يزيل سكره لم يطهر وبقي على حرمته (1)
لا تقبل الاشتداد. إذن ليست هناك نجاسة أُخرى غير النجاسة الخمرية ومع انقلاب الخمر خلاًّ يشملها الأخبار المتقدِّمة ، وبذلك يحكم بزوال نجاستها.
بل ذكرنا أن مقتضى إطلاق الروايات هو الحكم بالطهارة مع الانقلاب وإن قلنا بتنجس الخمر بالملاقاة ، نعم يشترط في الحكم بالطهارة أن يفرغ بعد صيرورته خمراً من إنائه إلى إناء آخر ليتحقّق الانقلاب خلاًّ في ذلك الإناء ، لأنه لو بقي في إنائه السابق لتنجس به بعد الانقلاب ، فان ذلك الإناء متنجِّس بالخلّ المتنجِّس قبل أن يصير خمراً ، وقد تقدم أن الأخبار الواردة في المقام ناظرة إلى ارتفاع النجاسة الخمرية بالانقلاب دون النجاسة المستندة إلى غيرها.
(1) هنا مسألتان ربما تشتبه إحداهما بالأُخرى :
المسألة الاولى : أن مطهرية الانقلاب هل تختص بما إذا انقلبت الخمر خلاًّ أو تعم ما إذا انقلبت شيئاً آخر من الماء أو مائع طاهر آخر؟
الثاني هو الصحيح ، وذلك لموثقة عبيد بن زرارة : « إذا تحوّل عن اسم الخمر فلا بأس به » (1)وصحيحة علي بن جعفر المروية عن كتابه : « إذا ذهب سكره فلا بأس » (2)لدلالتهما على أن المناط في الحكم بطهارة الخمر إنما هو زوال سكرها أو تحولها عن اسمها ، سواء استند ذلك إلى انقلابها خلاًّ أم استند إلى انقلابها شيئاً آخر ، هذا.
وربّما يقال : إن الظاهر عدم عملهم بظاهر الروايتين وأن بناءهم على الاختصاص وهذا هو الذي يقتضي ظاهر كلامهم في المقام. ولا يمكن المساعدة على ذلك بوجه حيث لم يظهر أن المشهور ذهبوا إلى الاختصاص ، لأن ظاهر كلماتهم كظاهر عبارة الماتن هو التعميم ، ويشهد على ذلك أمران :
أحدهما : أنهم ذكروا أن من أقسام المطهرات الانقلاب ثم مثّلوا له بقولهم : كالخمر ينقلب خلاًّ. وهذه قرينة على أن مطهرية الانقلاب غير مختصة عندهم بما إذا انقلبت الخمر خلاًّ وإنما هو مطهر على كبرويته وإطلاقه ، ومن موارد صغرياتها انقلاب الخمر خلاًّ ، فقولهم : كالخمر ينقلب خلاًّ تمثيل تبعي ، لوروده في الأخبار لأنه الغالب في انقلاب الخمر ، لا من جهة أن مطهرية الانقلاب مختصة بذلك ، بل يأتي أن الانقلاب مطهر في جميع الأعيان النجسة ولا تختص مطهريته بالنجاسة الخمرية فليلاحظ.
وثانيهما : ملاحظة ذيل كلام الماتن قدس سره حيث قال : « الانقلاب غير الاستحالة » ، إذ لا تتبدل فيه الحقيقة النوعية بخلافها ، ولذا لا تطهر المتنجسات به وتطهر بها. حيث ظهر من تفريعه أن الانقلاب لا تترتب عليه الطهارة في المتنجسات لما سنذكره في المسألة الخامسة إن شاء اللّه (1)، وإنما هو مطهر في الأعيان النجسة من دون أن تختص مطهريته بالنجاسة الخمرية فضلاً عن اختصاصها بانقلاب الخمر خلاًّ ، فالانقلاب على ذلك من أقسام المطهرات من دون حاجة في ذلك إلى الأخبار وإنما احتجنا إليها في خصوص انقلاب الخمر خلاًّ من جهة نجاسة إنائها حال خمريتها وهي موجبة لتنجسها بعد انقلابها خلاًّ ، هذا كله في هذه المسألة.
المسألة الثانية : أن الخمر إذا صبّ فيها مقدار من الماء أو غيره حتى زال سكرها من دون أن تنقلب خلاًّ أو ماء أو غيرهما كما في المسألة المتقدِّمة بل استهلكت فيما صبّ فيها أو امتزجت معه وحصلت منهما طبيعة ثالثة ، فهل تطهر بذلك أو لا؟
حكم الماتن بنجاستها ، وهو كما أفاده قدس سره لأن ما القي في الخمر من ماء أو غيره يتنجّس بمجرّد ملاقاتهما ، فإذا زال عن الخمر إسكارها فلا محالة يتنجّس به ، سواء بقي بحاله كما إذا استهلكت الخمر في الماء أم لم يبق كذلك كما إذا تبدّلا حقيقة ثالثة وذلك لأن النجاسة في الأشياء المتنجسة غير طارئة على عناوينها وإنما تترتّب على أجسامها كما مر وهي باقية بحالها بعد صيرورتهما طبيعة ثالثة ، فزوال العنوان في
1) في ص 168.
المتنجِّسات لا يؤثر في طهارتها ، ولم يقم دليل على أن الخمر إذا استهلكت فيما صبّ فيها أو امتزجت معه حتى حصلت منهما طبيعة ثالثة ارتفعت نجاستها ، فإن الأخبار المتقدِّمة إنما تدل على طهارتها بالانقلاب إما بنفسها وإما بالعلاج ، والاستهلاك والامتزاج ليسا من انقلاب الخمر في نفسها ولا من الانقلاب بالعلاج.
وتوضيح ذلك : أن الانقلاب إنما لم نلتزم بكونه موجباً للطهارة في نفسه نظراً إلى أن نجاسة الإناء الناشئة من الخمر الموجودة فيه قبل الانقلاب تقتضي نجاستها بعد انقلابها خلاًّ ، ومن هنا احتجنا إلى الروايات الواردة في المسألة وببركتها قلنا بطهارة الإناء وقتئذ بالتبع ، فلو لا نجاسة الإناء لم نحتج في الحكم بمطهرية الانقلاب إلى النصوص ، ومن هنا لو اكتفينا بحرمة الخمر ولم نلتزم بنجاستها كما هو أحد القولين في المسألة ، وفرضنا أنها تحوّلت إلى شيء آخر وإن لم تنقلب خلاًّ لم نتردد في الحكم بزوال حرمتها ، وهذا بخلاف ما لو قلنا بنجاستها كما هو الصحيح حيث لا يمكننا الحكم بزوال نجاستها بالانقلاب إلاّ مع التشبث بذيل النصوص كما اتضح ، وهذه النصوص لا دلالة لها على طهارة الخمر وإنائها عند استهلاكها أو امتزاجها بما يصب فيها ، وإنما تختص بصورة الانقلاب.
وعلى الجملة : إنّ القاعدة تقتضي الحكم بعدم طهارة الخمر في مفروض الكلام ويؤكِّدها عدّة روايات :
منها : رواية عمر بن حنظلة قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته ويذهب سكره؟ فقال : لا واللّه ولا قطرة قطرت في حب إلاّ أهريق ذلك الحب » (1)لأن القطرة تستهلك في حب من الماء ، كما أن الماء المصبوب في قدح من المسكر يمتزج معه ، فلو كان استهلاكه أو امتزاجه بشيء آخر موجباً لطهارته لم يكن وجه للحكم بإهراق الحب والمنع عن
1) الوسائل 25 : 341 / أبواب الأشربة المحرمة ب 18 ح 1 ، 359 / أبواب الأشربة المحرمة ب 26 ح 2.
[365] مسألة 3 : بخار البول أو الماء المتنجِّس طاهر فلا بأس بما يتقاطر من سقف الحمّام إلاّ مع العلم بنجاسة السقف (1).
شرب ما في القدح.
ومنها : رواية زكريّا بن آدم قال : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيها لحم كثير ومرق كثير ، قال فقال : يهراق المرق أو يطعمه أهل الذِّمّة ... » (1)مع أن القطرة مستهلكة في المرق الكثير لا محالة.
ومنها : رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام في حديث قال : « ما يبل الميل ينجس حبّا من ماء ، يقولها ثلاثاً » (2)فقد اتضح من جميع ما تلوناه في المقام أن الخمر في مفروض المسألة باقية على نجاستها ولا تشملها أخبار الانقلاب كما مر ، وأن في المقام مسألتين اختلطت إحداهما بالأُخرى ، والظاهر أن الثانية هي مراد الماتن قدس سره ولا نظر له إلى المسألة الأُولى ولا أنه بصدد التعرض لحكمها.
(1) تقدّمت هذه المسألة في أوائل الكتاب (3)وذكرنا هناك أن ذلك من الاستحالة والتبدل في الصورة النوعية والحقيقة ، إذ البخار غير البول وغير الماء المتنجِّس لدى العرف وهما أمران متغايران ، ولا يقاسان بالغبار والتراب لأنّ العرف يرى الغبار عين التراب ، وإنما يصعد الهواء للطافته وصغره لا لأنه أمر آخر غير التراب. ومن هنا يصح عرفاً أن يقال عند نزول الغبار إنه ينزل التراب ، وأما البخار فلا يقال إنه ماء فاذا استحال البول أو الماء المتنجِّس بخاراً حكم بطهارته. فلو انقلب البخار ماء فهو ماء جديد قد تكوّن من البخار المحكوم بطهارته ، فلا مناص من الحكم بطهارته
[366] مسألة 4 : إذا وقعت قطرة خمر في حب خل واستهلكت فيه ، لم يطهر وتنجّس الخلّ إلاّ إذا علم انقلابها (1)خلاًّ بمجرد الوقوع فيه (1).
[367] مسألة 5 : الانقلاب غير الاستحالة إذ لا تتبدل فيه الحقيقة النوعية بخلافها ، ولذا لا تطهر المتنجسات به وتطهر بها (2).
لوضوح أنه ماء آخر غير الماء الأوّل المتبدِّل بالبخار ، وهذا في بخار البول أظهر منه في الماء المتنجِّس ، لأنّ الغافل قد يتوهّم أن الماء الحاصل بالبخار هو الماء السابق بعينه وإنما تبدّل مكانه ، ولكن هذا التوهّم لا يجري في بخار البول لأنّ الماء المتكوّن منه ماء صاف خال من الأجزاء البولية فكيف يتوهّم أنه البول السابق بعينه ، لأن حاله حال الماء المتحصل من الرمان أو غيره ، حيث إن الماء المصعد منه ماء صاف لا يتوهّم أنه الماء السابق قبل تبخيره.
(1) القطرة الخمرية الواقعة في حب خل لو فرضنا تبدلها خلاًّ قبل ملاقاتهما ، كما إذا تبدّلت بفرض غير واقع بمجرد أن أصابها الهواء الكائن في السطح الظاهر من الخلّ فلا ينبغي التردّد في بقاء الخلّ على طهارته ، لأنه إنّما يلاقي جسماً طاهراً ، إلاّ أنّ في هذه الصورة لا يصدق وقوع الخمر في الخلّ ، لعدم بقائها على خمريتها حال الوقوع وكونها خمراً قبل ذلك لا يترتّب عليه أثر.
وأما إذا فرضنا انقلابها خلاًّ بعد ملاقاتهما ولو بآن دقي حكمي ، فالخلّ محكوم بالانفعال لأنه لاقى خمراً على الفرض. والأخبار المتقدِّمة إنما دلّت على طهارة الخمر فيما إذا انقلبت خلاًّ بنفسها أو بالعلاج لا فيما إذا لاقت خلاًّ ثم تبدّلت إليه ، وعليه فلا موقع للاستثناء الواقع في كلام الماتن قدس سره بل الصحيح هو الحكم بنجاسة الخلّ في مفروض المسألة مطلقاً.
(2) الانقلاب والاستحالة متحدان حقيقة بحسب اللغة ، فإن الحول والقلب بمعنى ،
1) (*) بل حتى إذا علم ذلك.
فيقال قلبه قلباً : حوّله عن وجهه ، ولم ترد الاستحالة في شيء من الأخبار ليتكلم في مفهومها ، وإنما حكمنا بالطهارة معها لانعدام موضوع النجاسة وارتفاع حكمه. نعم بين الاستحالة والانقلاب فرق في مصطلح الفقهاء وقد تصدى الماتن قدس سره لبيان الفارق بينهما بحسب الاصطلاح ، وتوضيح ما أفاده :
أنّ النجاسة في الأعيان كما تقدّم مترتبة على عناوينها الخاصّة من البول والخمر والدم وهكذا ، فالخمر بما هي خمر نجسة لا بما أنها جسم مثلاً وهكذا الحال في غيرها من الأعيان ، وهو معنى قولهم : الأحكام تتبع الأسماء بمعنى أنها تدور مدار العناوين المأخوذة في موضوعاتها ، فاذا زال عنها عنوانها زال حكمها لا محالة ، فيحكم بعدم نجاسة الخمر وعدم حرمتها إذا سلب عنها عنوانها واتصفت بعنوان آخر ، فلا يعتبر في زوال النجاسة أو الحرمة زوال الخمر وانعدامها بذاتها أو انعدام البول كذلك أو غيرهما.
ومن هنا يظهر أن استصحاب النجاسة عند زوال عنوان النجس بالانقلاب من الأغلاط التي لا نتمكن من تصحيحها ، فإن النجاسة كحرمة المسكر الجامد كالبنج فكما أنه إذا زال عنها إسكاره ارتفعت حرمته لكونها مترتبة على البنج المسكر ، كذلك الحال في المقام فهل يمكن استصحاب حرمته حينئذ؟ وهذا بخلاف المتنجسات لعدم ترتب النجاسة فيها على عناوينها وإنما ترتبت على ذواتها ، فهي متنجسة بما أنها جسم فلا ترتفع نجاستها بزوال عناوينها لبقاء الجسمية بمرتبتها النازلة ، بل يتوقف زوال حكمها على انعدام ذواتها وتبدل صورتها الجسمية بجسم آخر ، كما إذا تبدل النبات المتنجِّس حيواناً ، فإنّ الصورة الجسمية في أحدهما غير الصورة في الآخر وحيث إن ارتفاع النجاسة في الأعيان النجسة لا يحتاج إلى تبدل الذات بل يكفي فيه تبدل العنوان على خلاف المتنجِّسات ، فاصطلح الفقهاء ( قدس اللّه أسرارهم ) في زوال العنوان بالانقلاب كما اصطلحوا في زوال الذات والحقيقة بالاستحالة ، تمييزاً بينهما وبياناً للفارق بين النجاسات والمتنجسات ، لا من جهة أن الانقلاب غير الاستحالة حقيقة لما عرفت من أنهما شيء واحد.
[368] مسألة 6 : إذا تنجس العصير بالخمر ثم انقلب خمراً وبعد ذلك انقلب الخمر خلاًّ ، لا يبعد طهارته لأنّ النجاسة العرضية صارت ذاتية بصيرورته خمراً ، لأنها هي النجاسة الخمرية ، بخلاف ما إذا تنجس (1)العصير بسائر النجاسات فان الانقلاب إلى الخمر لا يزيلها ولا يصيّرها ذاتية ، فأثرها باق بعد الانقلاب أيضاً (1).
وإن شئنا عكسنا الأمر وعبّرنا عن زوال الذات بالانقلاب وعن تبدل العناوين بالاستحالة وقلنا : انقلاب الحقائق والذوات واستحالة العناوين وتحولاتها من المطهرات ، فإنّه صحيح وإن كان على خلاف الاصطلاح ، ولا بأس بما اصطلحوا عليه تمييزاً بين القسمين المتقدمين ، وعلى ذلك اتضح عدم اختصاص مطهرية الانقلاب بالخمر فإنّه مطهر في مطلق النجاسات العينية المترتبة على العناوين والأسماء ، فان أحكامها ترتفع بزوال عناوينها وهو الانقلاب ، كما أنه لا يترتّب عليه أثر في المتنجسات فإن زوال العنوان غير مؤثر في ارتفاع أحكامها لترتبها على ذواتها. اللّهمّ إلاّ أن تتبدّل صورتها الجسمية بصورة جسمية اخرى كما مرّ وهو الاستحالة بحسب الاصطلاح.
(1) لا غبار فيما أفاده قدس سره بناء على ما ذكرناه من أن نجاسة العنب أو العصير أو غيرهما بسبب الملاقاة غير مانعة عن طهارة الخمر الحاصلة منه بانقلابها خلاًّ ، لاندكاك نجاستها العرضية في نجاستها الذاتية ، فإن العرف لا يرى في مثلها نجاستين بأن تكون إحداهما عرضية قائمة بجسمها وثانيتهما ذاتية قائمة بعنوانها ، بل تقدم أنّا لو سلمنا اشتمالها على نجاستين أيضاً التزمنا بالطهارة ، لإطلاقات الأخبار وشمولها لما إذا كانت الخمر متنجسة أيضاً ، ولعل هذا هو الغالب في الخمور لتنجسها حال كونها عصيراً أو خلا بيد صنّاعها مسلماً كان أو غيره ، لبعد تحفظهم على عدم
1) (*) مرّ حكم ذلك آنفاً.
[369] مسألة 7 : تفرق الأجزاء بالاستهلاك غير الاستحالة ولذا لو وقع مقدار من الدم في الكر واستهلك فيه يحكم بطهارته ، لكن لو أخرج الدم من الماء بآلة من الآلات المعدة لمثل ذلك عاد إلى النجاسة ، بخلاف الاستحالة فإنّه إذا صار البول بخاراً ثم ماء لا يحكم بنجاسته ، لأنه صار حقيقة أُخرى (1).
تنجسها من سائر الجهات ، إذ الخمّار لا يبالي بأمثال ذلك.
وأما بناء على ما سلكه الماتن قدس سره من اعتبار الطهارة في التمر أو العنب أو غيرهما مما يصطنع منه الخمر ، وأن نجاسته قبل صيرورته خمراً مانعة عن طهارة الخمر الحاصلة منه بالانقلاب ، فيشكل الفرق بين تنجسه بالنجاسة الخمرية وتنجسه بسائر النجاسات والمتنجِّسات ، وذلك لإمكان أن يقال : إن العنب أو التمر أو غيرهما إذا تنجس بالخمر ثم صار خمراً منع ذلك عن طهارتها بالانقلاب ، لاشتمال الخمر حينئذ على نجاستين : عرضية وهي تقوم بجسمها كما هو الحال في بقية المتنجِّسات وذاتية قائمة بعنوانها ، والأخبار إنما تقتضي زوال نجاستها الذاتية القائمة بعنوانها بالانقلاب وأما نجاستها العرضية فهي باقية بحالها لعدم ارتفاع موضوعها بالانقلاب.
وعلى الجملة لا نرى وجهاً صحيحاً للتفصيل بين التنجس بالخمر والتنجس بغيرها ، فإما أن نلتزم بالطهارة بالانقلاب في كليهما لما ذكرناه ، وإما أن نلتزم بعدم حصول الطهارة في كليهما لما ذكره قدس سره .
(1) وذلك لأن الاستهلاك من الهلاك وهو بمعنى انعدام الشيء بتمامه انعداماً عرفياً وزوال حيثية الوجود عنه من غير أن يبقى منه شيء ظاهراً وإن كان باقياً حقيقة والاستحالة عبارة عن زوال الحقيقة والصورة النوعية وحدوث حقيقة أُخرى ، وإن كانت المادة المشتركة بينهما باقية بحالها ، فان الوجود في موارد الاستحالة هو الوجود الأوّل وإنما التبدّل في مراتبه ، بمعنى أن الهيولى كانت متحققة وموجودة بالصورة المرتفعة ثم صارت موجودة بالصورة النوعية الأُخرى ، والمادة المشتركة خلعت صورة ولبست صورة أُخرى بحيث يصح أن يقال : إن هذا مشيراً به إلى موجود
نعم لو فرض صدق البول عليه يحكم بنجاسته بعد ما صار ماء. ومن ذلك يظهر حال عرق بعض الأعيان النجسة أو المحرمة ، مثل عرق لحم الخنزير ، أو عرق العذرة ، أو نحوهما ، فإنّه إن صدق عليه الاسم السابق وكان فيه آثار ذلك الشيء وخواصه يحكم بنجاسته أو حرمته ، وإن لم يصدق عليه ذلك الاسم ، بل عدّ حقيقة أُخرى ذات أثر وخاصية اخرى ، يكون طاهراً وحلالاً. وأما نجاسة عرق الخمر فمن جهة أنه مسكر مائع ، وكل مسكر نجس.
خارجي كان كذا ثم صار كذا كما تقدّم (1)في قوله تعالى ( أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ) .
وتظهر الثمرة فيما إذا استهلكت قطرة دم في ماء كثير ثم أخذناها من الماء بالآلات المعدّة للتجزية ، فإنّها محكومة بالنجاسة حينئذ لأنها عين القطرة السابقة ، غاية الأمر أنها لم تكن محسوسة لتفرق أجزائها مع بقائها حقيقة من غير أن تتبدل حقيقتها وصورتها فاذا اجتمعت وظهرت على الحس حكم بنجاستها لا محالة ، وهذا بخلاف ما إذا استحالت القطرة تراباً ثم بدواء أو غيره صيّرنا التراب دماً ، فإنّه حينئذ دم جديد غير الدم السابق لأنه قد انعدم بصورته وحقيقته ولا يحكم بنجاسته ، لاختصاص النجاسة بدم الحيوان الذي له نفس سائلة ، والدم المتكوِّن بعد الاستحالة دم مخلوق الساعة ولا دليل على نجاسته.
ثم إن الأنسب في المثال ما ذكرناه دون ما مثّل به الماتن قدس سره وذلك لأنه مثّل في الاستحالة بما لا يعود إلى الشيء السابق ، لوضوح أن الماء الحاصل من البخار غير البول الذي استحال بخاراً ، ومن المناسب أن يمثّل بما يعود إلى الشيئية السابقة بعد الاستحالة والاستهلاك ، ويحكم عليه في أحدهما بالطهارة وفي الآخر بالنجاسة ، ولا مثال له سوى الدم كما مثّلنا به. وأما بخار الماء المتنجِّس إذا صار ماء فهو أيضاً غير
1) في ص 156.
[370] مسألة 8 : إذا شك في الانقلاب بقي على النجاسة (1).
السادس : ذهاب الثّلثين في العصير العنبي على القول بنجاسته بالغليان لكن قد عرفت أن المختار عدم نجاسته ، وإن كان الأحوط الاجتناب عنه فعلى المختار فائدة ذهاب الثلثين تظهر بالنسبة إلى الحرمة ، وأما بالنسبة إلى النجاسة فتفيد عدم الاشكال لمن أراد الاحتياط ، ولا فرق بين أن يكون الذهاب بالنار أو بالشمس أو بالهواء (1) ، كما لا فرق في الغليان الموجب للنجاسة على القول بها بين المذكورات ، كما أن في الحرمة بالغليان التي لا إشكال فيها والحلية بعد الذهاب كذلك ، أي لا فرق بين المذكورات (2) ،
صالح للمثال ، لأن البخار وإن كان يعود إلى الشيئية السابقة وهي الماء إلاّ أنه لا يتم في الاستهلاك ، لأنّا لو فصّلنا أجزاء المتنجِّس من الماء الكثير بعد فرض استهلاكه فيه لم نحكم بنجاستها لطهارتها بالكثير كما لا يحكم بنجاستها في فرض استحالتها ، ومعه لا يبقى فرق بين الاستحالة والاستهلاك فالصحيح في المثال ما ذكرناه.
(1) لاستصحاب بقاء العنوان وعدم زواله.
(2) مرّ تفصيل هذه الفروع في مبحث النجاسات (2)وذكرنا أن الغليان مطلقاً يوجب حرمة العصير بل ونجاسته أيضاً على تقدير القول بها بلا فرق في ذلك بين استناد الغليان إلى نفسه واستناده إلى النار أو الشمس أو غيرهما ، ودفعنا التفصيل بين الغليان بنفسه وهو المعبّر عنه بالنشيش والغليان بسبب النار أو غيرها ، بالقول بالحرمة والنجاسة على الأوّل وبالحرمة فحسب على الثاني ، بما لا مزيد عليه. نعم
وتقدير الثلث والثلثين إما بالوزن (1)أو بالكيل أو بالمساحة (1).
ذكرنا أن المطهّر أو المحلّل إنما هو خصوص ذهاب الثلثين بالطبخ وهو لا يكون إلاّ بالنار ، فذهابهما بنفسه أو بحرارة الشمس أو غيرهما مما لا يترتب عليه الحكم بالطهارة والحلية ، فليراجع.
(1) ذكر صاحب الجواهر قدس سره : أن المعتبر إنما هو صدق ذهاب الثلثين من دون فرق بين الوزن والكيل والمساحة وإن كان الأحوط الأولين أي الوزن والكيل بل قيل هو الوزن (2). وتبعه الماتن في المقام ، ونقول في توضيح المسألة :
إنّ المساحة والكيل أمران متحدان وهما طريقان إلى تعيين كم خاص ولا اختلاف بينهما. وأما الوزن فهو أمر يغاير الكيل والمساحة والنسبة بينه وبينهما عموم مطلق. والتحديد بمثلهما أمر لا محصل له لحصول الأخص وهو الكيل والمساحة في المقام قبل الأعم وهو الوزن دائماً ، ويعتبر في التحديد بشيئين أن تكون النسبة بينهما عموماً من وجه بحيث قد يتحقق هذا دون ذاك وقد يتحقق ذاك دون هذا ، على ما سبقت الإشارة إليه عند تحديد الكر بالوزن والمساحة ، حيث قلنا إن النسبة بين سبعة وعشرين شبراً وبين الوزن عموم من وجه ولا مانع من تحديد الكر بهما ، وهذا بخلاف ستة وثلاثين أو ثلاثة وأربعين إلاّ ثمن شبر فان الوزن حاصل قبلهما ، والأمر في المقام كذلك ، فان بقاء الثلث أو ذهاب الثلثين بحسب المساحة والكم الخارجي يتحقق قبل ذهابهما أو قبل بقاء الثلث بحسب الوزن ، وسرّه أن أوزان الأشياء المتحدة بحسب الكم الخارجي تختلف باختلافها ، فترى أن الخشبة والحديد المتحدين بحسب الأبعاد الثلاثة مختلفان وزناً إذ الحديد أثقل من الخشب ، وكذا الذهب والحديد المتوافقين بحسب الكم الخارجي فإنّ الذهب أثقل الفلزات ، وهكذا كم خاص من الماء الصافي والعصير ، لأنّ العصير لاشتماله على المواد السكرية والأرضية أثقل ، فإذا غلى كل منهما
وذهب ثلثاهما بحسب الكم كان الثلث الباقي من العصير أثقل من الثلث الباقي من الماء ، لكثافة الأوّل من جهة ذهاب الأجزاء المائية وبقاء المواد الأرضية والسكرية وخفّة الثاني لصفائه. وعليه فذهاب الثلثين وزناً يتأخر دائماً عن ذهابهما كيلاً ومساحة ، ومع كون النسبة بين الوزن والكم أي المساحة والكيل عموماً مطلقاً لا يمكن تحديد الحرمة أو هي مع النجاسة بهما بل لا بدّ من تحديدها بأحدهما.
وهل المدار على الذهاب وزناً أو على الذهاب كماً؟ لا بدّ في ذلك من النظر إلى الروايات لنرى أن المستفاد منها أيّ شيء.
والكلام في تحقيق ذلك يقع في مقامين : أحدهما : فيما تقتضيه الأدلّة الاجتهادية. وثانيهما : فيما يقتضيه الأصل العملي.
أمّا المقام الأوّل : فقد يقال إن المعتبر هو الوزن ويستدل عليه بوجهين :
أحدهما : أن جملة من الأخبار الواردة في العصير دلّت على أنه إذا غلى حرم أو نجس أيضاً ، وهي بإطلاقها تقتضي بقاء حرمته أو نجاسته مطلقاً ذهب ثلثاه أم لم يذهبا. منها : رواية حماد عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال « سألته عن شرب العصير ، قال : تشرب ما لم يغل فاذا غلى فلا تشربه ... » (1)ومنها : حسنته عنه علیه السلام قال : « لا يحرم العصير حتى يغلي » (2)ومنها : موثقة ذريح قال : « سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام يقول : إذا نش العصير أو غلى حرم » (3)
وفي قبال هذه الروايات جملة أُخرى دلت على أن الحرمة والنجاسة تزولان بذهاب ثلثي العصير وبقاء ثلثه ، وفي بعضها « أن ثلثيه للشيطان وثلثه لآدم علیه السلام » (4)وهي تخصّص المطلقات المتقدِّمة بما إذا لم يذهب ثلثاه ، ولكنّها مجملة لإجمال المراد بالثلث والثلثين ، للشك في أن المراد منهما خصوص الوزني أو الكمِّي ومقتضى القاعدة في المخصصات المجملة المنفصلة الأخذ بالمقدار المتيقّن والرجوع في الزائد المشكوك فيه إلى العام ، والذي نتيقن بإرادته في المقام هو الوزني الذي يحصل
بعد الكمِّي كما عرفت ، وأما الاكتفاء بخصوص الذهاب الكمي فهو مشكوك فيه فيرجع فيه إلى العمومات والمطلقات الدالّة على بقاء الحرمة والنجاسة حتى يذهب ثلثاه بحسب الوزن.
وثانيهما : الأخبار : منها : ما رواه ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « إذا زاد الطلاء على الثلث أوقية فهو حرام » (1)لدلالتها على أن المراد بالثلث هو الثلث الوزني لمكان قوله : « أوقية » وهي من أسماء الأوزان ، ومنها : ما رواه عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في رجل أخذ عشرة أرطال من عصير العنب فصب عليه عشرين رطلاً ماء ثم طبخهما حتى ذهب منه عشرون رطلاً وبقي عشرة أرطال ، أيصلح شرب تلك العشرة أم لا؟ فقال : ما طبخ على الثلث فهو حلال » (2)وقد دلت على أن المراد من الثلث والثلثين هو الوزني خاصة. ومنها : رواية عبد اللّه ابن سنان قال : « العصير إذا طبخ حتى يذهب منه ثلاثة دوانيق ونصف ثم يترك حتى يبرد فقد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه » (3)هذا.
وفي كلا الوجهين ما لا يخفى أمّا أوّلهما : فلأجل أن الأشياء تختلف بحسب الاعتبار فان في بعضها الاعتبار بالعدد كما في الحيوان والإنسان وغيرهما من المعدودات ، وفي بعضها الآخر بالوزن كما في الحنطة والشعير والأرز وغيرها مما يوزن ، وفي ثالث بالمساحة كما في الأراضي ، والعرف لا يكاد يشك في أن المائعات التي منها الماء والعصير مما يعتبر فيه المساحة ، فإذا قيل العصير يعتبر في حليته وطهارته ذهاب ثلثيه وبقاء ثلثه ، حمل على إرادة الثلثين بحسب المساحة فلا إجمال في المخصص بوجه.
ويدلُّ على ذلك أنهم علیهم السلام أطلقوا اعتبار ذهاب الثلثين في حلية العصير من دون أن يخصصوا ذلك بشخص دون شخص ، مع أن أكثر أهل البلاد لا يتمكن من وزن العصير حيث لا ميزان عندهم فكيف بالصحاري والقرى ، وما هذا شأنه لا يناط به الحكم الشرعي من غير أن يبين في شيء من الروايات.
وممّا يؤيِّد ذلك ما ورد في بعض الروايات بياناً لكيفية طبخ العصير من قوله علیه السلام « ثم تكيله كله فتنظركم الماء ثم تكيل ثلثه » (1)فإنّه كالصريح في أن الاعتبار بالكيل والمساحة. نعم لم نستدل بتلك الرواية في الحكم بحرمة العصير بالغليان للمناقشة فيها سنداً ودلالة فليراجع ما ذكرناه في البحث عن نجاسة العصير وحرمته (2)هذا كله في الوجه الأوّل من الوجهين السابقين.
وأمّا ثانيهما : وهو الاستدلال بالأخبار ، فلأنّ الرواية الأُولى منها وإن كانت تامّة دلالة إلاّ أنها مرسلة ، لأنّ الكليني قدس سره إنما ينقلها عن بعض أصحابنا (3)فلا يمكن الاعتماد عليها. وأما الرواية الثانية فلأن الوزن فيها إنما ذكر في كلام السائل دون جواب الإمام علیه السلام فان كلامه غير مشعر بإرادة الوزن أبداً. وقد عرفت أن إطلاق الثلث أو غيره من المقادير في المائعات منصرف إلى الكيل والمساحة. مضافاً إلى ضعف سندها بعقبة بن خالد ومحمد بن عبد اللّه بناء على أنه محمد بن عبد اللّه بن هلال كما هو الظاهر. وأما الرواية الثالثة فلأن الدانق معرب « دانك » بالفارسية ، والمراد به سدس الشيء عند الإطلاق ، وهو من أسماء المقادير بالمساحة فلا دلالة لها على إرادة الوزن. على أن سندها ضعيف من وجوه منها : عدم توثيق منصور بن العباس الواقع في سلسلته فليراجع (4).
وأمّا المقام الثاني : فقد يقال : إن مقتضى استصحاب حرمة العصير أو نجاسته قبل ذهاب الثلثين عنه هو الحكم بحرمته ونجاسته بعد الغليان وذهاب ثلثيه كما ، وذلك للشك في طهارته وحليته بذلك ، ولا مسوغ لرفع اليد عن اليقين بحرمته ونجاسته حتى يقطع بحليته وطهارته ، وهذا إنما يحصل بذهاب الثلثين وزناً.
وفيه : أن الشبهة مفهومية في المقام للشك فيما يراد من الثلث الباقي أو الثلثين
ويثبت بالعلم وبالبينة ، ولا يكفي الظن (1).
الذاهبين ، وقد أسلفنا في محلِّه (1)أن استصحاب الحكم لا يجري في أمثال المقام للشك في بقاء موضوعه ، ومع عدم إحراز اتحاد القضيتين المتيقنة والمشكوكة لا يبقى مجال للاستصحاب. كما أنه لا مجال لاستصحاب الموضوع حينئذ لتقوّمه بالشك واليقين ولا شك لنا في المقام في شيء للقطع بزوال الثلثين كمّاً وعدم زوالهما بحسب الوزن ومعه كيف يجري الاستصحاب في الموضوع. على أن الاستصحاب لا يجري في الشبهات الحكمية رأساً ، فاذا شككنا في حرمة العصير وطهارته بعد ذهاب ثلثيه بحسب الكم فلا بدّ من الرجوع إلى أصالتي الحل والبراءة أو أصالة الطهارة.
فالمتلخّص أن الميزان في حلية العصير وطهارته إنما هو زوال ثلثيه بحسب الكم والمساحة.
(1) لقد تكلّمنا في اعتبار الأُمور التي ذكرها الماتن قدس سره في المقام من العلم والبينة وخبر العدل وإخبار ذي اليد ، في البحث عما يثبت به النجاسة ، مفصّلاً (2)ولا حاجة إلى إعادته ، كما ذكرنا أن الظن لا اعتداد به شرعاً.
بقي الكلام في أن اعتبار قول ذي اليد في محل الكلام هل يختص بما إذا كان مسلماً عارفاً أو مسلماً ورعاً مؤمناً أو لا يشترط بشيء؟
ورد في موثقة عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام إن كان مسلماً ورعاً مؤمناً فلا بأس أن يشرب ، بعد السؤال عن رجل يأتي بالشراب ويقول هذا مطبوخ على الثّلث (3)وفي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه علیهماالسلام قال : « سألته عن الرجل يصلِّي إلى القبلة لا يوثق به أتى بشراب يزعم أنه على الثلث فيحل شربه؟ قال : لا يصدق إلاّ أن يكون مسلماً عارفاً » (4).
وفي خبر العدل الواحد إشكال (1) إلاّ أن يكون (1)في يده ويخبر بطهارته وحليته وحينئذ يقبل قوله وإن لم يكن عادلاً ، إذا لم يكن ممن يستحله (2)قبل ذهاب الثّلثين (2).
ولكن الصحيح عدم اعتبار شيء من ذلك في اعتبار قول ذي اليد ، وذلك لما ورد في صحيحة معاوية بن عمار من قوله : « قلت فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث ولا يستحلّه على النصف يخبرنا أن عنده بختجاً على الثلث قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يشرب منه؟ قال : نعم » (3)حيث إن ظاهر قوله : « ممن لا نعرفه » أنه ممن لا يعرفون وثاقته وعدالته ، ومع هذا أمر بتصديقه في إخباره ، فلا يشترط في اعتبار قول ذي اليد شيء من الإسلام والإيمان والعدالة.
نعم ، لا بدّ في حجية قوله من اشتراط شيء آخر وهو أن لا يكون ممن يشرب العصير قبل تثليثه وإن لم يكن مستحلا له أيضاً ، وذلك لما ورد في صدر الصحيحة من قوله : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيه بالبختج ويقول قد طبخ على الثلث وأنا أعرف أنه يشربه على النصف أفأشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال : لا تشربه » فإنّه يدل على عدم قبول إخبار ذي اليد إذا كان ممن يشرب العصير على النصف ولو كان من أهل المعرفة وغير مستحل له.
(1) بل لا إشكال في اعتباره ، لما ذكرناه غير مرة من عدم التفرقة في حجيته بين الأحكام والموضوعات إلاّ في موارد خاصة كالزنا وموارد الترافع وغيرهما ، بل لا يشترط في اعتباره العدالة أيضاً لكفاية الوثاقة في حجية الخبر.
(2) مرّ أن حجية قول ذي اليد في خصوص المقام لا يكفي فيها مجرّد عدم استحلاله للعصير قبل تثليثه ، بل يشترط فيها أن يكون ممّن لا يشربه قبل التثليث.
[371] مسألة 1 : بناء على نجاسة العصير إذا قطرت منه قطرة بعد الغليان على الثوب أو البدن أو غيرهما يطهر بجفافه أو بذهاب (1)ثلثيه بناء على ما ذكرنا من عدم الفرق بين أن يكون بالنار أو بالهواء وعلى هذا فالآلات المستعملة في طبخه تطهر بالجفاف وإن لم يذهب الثلثان مما في القدر ، ولا يحتاج إلى إجراء حكم التبعية ، ولكن لا يخلو عن إشكال من حيث إن المحل إذا تنجس به أوّلاً لا ينفعه جفاف تلك القطرة ، أو ذهاب ثلثيها ، والقدر المتيقن من الطهر بالتبعية المحل المعد للطبخ مثل القدر والآلات ، لا كل محل كالثوب والبدن ونحوهما (1).
(1) إذا بنينا على أن المحلل والمطهر على تقدير القول بنجاسة العصير بالغليان إنما هو خصوص ذهاب الثلثين بالنار كما قويناه في البحث عن نجاسة العصير بالغليان (2)، فلا إشكال في عدم طهارة الثوب والبدن ولا نفس القطرة الواقعة عليهما بذهاب ثلثيها أو بجفافها لعدم استنادهما إلى النار. وأما إذا قلنا بكفاية مطلق ذهابهما في حليته وطهارته سواء أكان بالنار أم بغيرها ، فهل يحكم بطهارة الثوب والبدن؟ استشكل الماتن في طهارتهما نظراً إلى أن المحل بعد ما تنجس بتلك القطرة لم ينفع ذهاب ثلثيها أو جفافها بوجه ، لأنه لم يقم دليل على طهارة المحل تبعاً لطهارة القطرة الواقعة عليه.
وما أفاده قدس سره هو المتين وتوضيحه : أن الطهارة بالتبع إنما ثبتت بأحد أُمور منتفية في الثوب والبدن ، حيث إنها إما أن تثبت من جهة السيرة الخارجية والإجماع القطعيين القائمين على عدم الاجتناب عن العصير ، ومحلّه بعد ذهاب الثلثين لطهارة المحل بتبع طهارته. وإما أن تثبت بالروايات لسكوتها عن التعرض لنجاسة المحل وهي في مقام البيان ، فيستكشف من ذلك طهارته تبعاً ، إذ لو كان نجساً لكان
عليهم علیهم السلام البيان والتنبيه على نجاسته. وإما أن تثبت من جهة اللغوية فإن الحكم بطهارة العصير بعد تثليثه مع بقاء المحل على نجاسته لغو ظاهر.
وهذه وجوه ثلاثة وهي مختصة بالأواني والآلات وغيرهما مما يصيبه العصير عادة حين طبخه وتثليثه ، ولا يأتي شيء منها في الثوب والبدن.
أمّا السيرة والإجماع ، فلأنهما من الأدلّة اللّبية والقدر المتيقن منهما الأواني والآلات ونظائرهما وهي التي جرت السيرة على عدم التجنب عنها ، ولا يمكن الاستدلال بالأدلّة اللّبية في الزائد على القدر المتيقن منها.
وأمّا سكوت الأخبار في مقام البيان ، فلأنهم علیهم السلام إنما كانوا بصدد بيان أن العصير يحل شربه ويحكم بطهارته بذهاب ثلثيه وكذلك آلاته وأوانيه ، ولم يعلم أنهم بصدد بيان أن محل العصير ولو كان كالثوب والبدن أيضاً يطهر بتبعه حتى يتمسك بإطلاق الروايات وسكوتها في مقام البيان.
وأما دليل اللغوية ، فلأنه إنما يتم فيما إذا ورد دليل على ثبوت حكم في مورد بخصوصه وكان ثبوته في ذلك المورد متوقفاً على ثبوت حكم آخر ، فإنّه يلتزم حينئذ بثبوت ذلك الحكم الآخر أيضاً صوناً للكلام عن اللغو ، وهذا كما في الحكم بطهارة العصير المغلي بعد ذهاب ثلثيه فإنّها مع بقاء الآلات والأواني على نجاستهما لغو ظاهر ، فصوناً لكلامهم علیهم السلام عن اللغو نلتزم بثبوت الطهارة للأواني والآلات كالعصير. وأما إذا لم يثبت الحكم إلاّ بالإطلاق وكان شموله لفرد من أفراده متوقفاً على التزام حكم آخر ، فلا مسوّغ للتمسك بالإطلاق في ذلك الفرد ما لم يقم دليل على ثبوت الحكم الآخر في نفسه ، وذلك لما ذكرناه في محله من أن الإطلاق إنما يشمل الموارد التي لا يتوقف شموله لها على مئونة زائدة كلحاظ ثبوت اللاّزم وهو الحكم الآخر على الفرض ، ومع توقفه على المئونة أي على لحاظ ثبوت الحكم الآخر لا يشمله الإطلاق في نفسه حتى يقوم دليل خارجي على تلك المئونة الزائدة.
وقد ذكرنا نظيره في الكلام على الأُصول المثبتة ، حيث استدل على اعتبارها بإطلاق أدلة الأُصول ولزوم اللغوية على تقدير عدم ثبوت مثبتاتها ، لأن إطلاق قوله علیه السلام « لا تنقض اليقين بالشك » يشمل اليقين السابق الذي لا يترتب عليه
أثر شرعي في نفسه ، ولا معنى لنقضه إلاّ أن له لازماً له أثر ، وبما أن شموله لذلك الفرد من اليقين لغو إلاّ بالالتزام بجريانه في لازمه والحكم بعدم نقض آثار ذلك اللاّزم فصوناً لكلامه علیه السلام عن اللغو لا بدّ من التزام شمول الأدلّة للازمه.
وقد أجبنا عن ذلك هناك بما ذكرناه في المقام ، لأن عدم نقض اليقين الذي لا أثر شرعي له في نفسه ليس بمورد للدليل وإنما يشمله إطلاقه ، والإطلاق لا يشمل إلاّ الموارد التي لا يتوقف شموله لها على لحاظ أمر زائد ، ولو كان لحاظ ثبوت الحكم في لازمه ما دام لم يقم دليل خارجي على لحاظه ، والأمر فيما نحن فيه أيضاً كذلك ، إذ العصير الطارئ على الثوب أو البدن ليس بمورد لدليل بالخصوص ، وإنما يحكم بطهارته بذهاب الثلثين للإطلاق ، وهو لا يشمل الموارد التي يتوقف شموله لها على لحاظ أمر زائد. وعليه فالدليل على طهارة العصير بذهاب ثلثيه قاصر الشمول للقطرة الواقعة على الثوب أو البدن في نفسه حتى يدعى ثبوت الطهارة في لازمه بدليل اللغوية. وهذا بخلاف الأواني والآلات حيث إن طهارة العصير المغلي بذهاب ثلثيه مورد للدليل بالخصوص ، والعصير إنما يكون في الإناء كما أن إغلاءه إنما يكون بآلاته ، ومعه لا بدّ من الالتزام فيهما أيضاً بالطهارة صوناً لكلامهم وحكمهم بطهارة العصير بذهاب الثلثين عن اللغو.
فالمتحصل أنه لا دليل على طهارة البدن والثوب تبعاً لطهارة القطرة الواقعة عليهما أو بجفافها ، ولأجل ذلك استشكل الماتن في الحكم بطهارتهما كما عرفت.
نعم ، يمكن الحكم بطهارة الثوب والبدن أيضاً تبعاً لطهارة العصير المغلي في إنائه بذهاب الثلثين لا تبعاً لطهارة القطرة الواقعة على الثوب والبدن بجفافها أو بذهاب ثلثيها وذلك لما تقدم من أن الأواني والآلات ولباس الطباخ وبدنه ، وغيرها مما يصيبه العصير عادة حين طبخه حتى الملعقة التي بها يحرك العصير والإناء الذي تجعل فيه تلك الملعقة محكومة بالطهارة تبعاً لطهارة العصير ، وذلك لأن نجاسة تلك الأُمور مما يغفل عنه العامّة وهي على تقدير ثبوتها لا بدّ من أن يبين في مقام البيان فسكوتهم علیهم السلام عن التعرض لنجاستها في تلك الروايات الواردة في مقام البيان يدل على طهارتها تبعاً. وأما التبعية في الثوب والبدن للقطرة الواقعة عليهما فقد
[372] مسألة 2 : إذا كان في الحصرم حبة أو حبتان من العنب فعصر واستهلك لا ينجس ولا يحرم بالغليان أما إذا وقعت تلك الحبّة في القدر من المرق أو غيره فغلى يصير حراماً ونجساً على القول بالنجاسة (1).
[373] مسألة 3 : إذا صبّ العصير الغالي قبل ذهاب ثلثيه في الذي ذهب ثلثاه يشكل طهارته (1)وإن ذهب ثلثا المجموع. نعم لو كان ذلك قبل ذهاب ثلثيه وإن كان ذهابه قريباً فلا بأس به. والفرق أن في الصورة الأُولى ورد العصير النجس على ما صار طاهراً فيكون منجساً له بخلاف الثانية ، فإنّه لم يصر بعد
عرفت عدم ثبوتها ، كما أن ثوب الطباخ أو بدنه إذا كان بحيث لا يصيبه العصير عادة لم نلتزم بطهارتهما التبعية ، لعدم الدليل عليها وإن أصابتهما قطرة العصير اتفاقاً.
وبما سردناه في المقام اتضح أن الحكم بطهارة نفس القطرة بجفافها أو بذهاب ثلثيها أيضاً غير تام ، لما مر من أن العصير الطارئ على الثوب أو البدن ليس بمورد لدليل بالخصوص ، وإنما يحكم بطهارته بذهاب الثلثين للإطلاق وهو لا يشمل الموارد التي يتوقّف شموله لها على لحاظ أمر زائد كما في المقام ، لأن المحل بعد ما تنجس بتلك القطرة لم ينفع جفافها أو ذهاب ثلثيها في طهارتها ، بل تتنجّس بنجاسة المحل ولا يمكن الحكم بطهارتها إلاّ بالحكم بطهارة لازمه وهو المحل ، والإطلاق لا يشمل الفرد الذي يتوقّف شموله له على لحاظ أمر زائد كما مر.
(1) والوجه فيه أن ما حكم بحرمته أو بنجاسته أيضاً إذا غلى إنما هو العصير العنبي لا عصير الحصرم أو غيره ، ومع استهلاك حبة أو حبتين من العنب في عصير الحصرم لا يبقى موضوع للحرمة والنجاسة ، بل لا يتوقّف الحكم بالحلية والطهارة على صدقه كما يظهر من كلام الماتن ، بل المدار على عدم صدق العصير العنبي ، لأنه الموضوع للحكم بالحرمة والنجاسة وبانتفائه ينتفي الحكمان ، صدق عليه عصير الحصرم أم لم يصدق.
1) (*) بل يقوى عدم طهارته بناء على نجاسة العصير بالغليان.
طاهراً فورد نجس على مثله. هذا ولو صَبّ العصير الذي لم يغل على الذي غلى فالظاهر عدم الاشكال فيه ، ولعل السر فيه أن النجاسة العرضية صارت ذاتية وإن كان الفرق بينه وبين الصورة الاولى لا يخلو عن إشكال ومحتاج إلى التأمّل (1).
(1) الصور المذكورة للمسألة في كلام الماتن ثلاث :
الاولى : ما إذا كان عصيران قد صبّ أحدهما في الآخر بعد غليان كل منهما ونجاستهما. ولا ينبغي الإشكال حينئذ في أنه إذا غلى وذهب ثلثا مجموع العصيرين حكم بحليته وطهارته ، لأن المجموع عصير مغلي قد ذهب ثلثاه.
الثانية : ما إذا كان عصيران أحدهما مغلي نجس والآخر طاهر غير مغلي وقد صبّ أحدهما في الآخر ، فهل يحكم بطهارة المجموع إذا غلى وذهب ثلثاه؟ استشكل الماتن في الحكم بطهارته حينئذ ، ولعل منشأ استشكاله أن الأخبار الواردة في طهارة العصير بذهاب ثلثيه بالغليان إنما دلت على أن نجاسته الذاتية المسببة عن الغليان ترتفع بذهاب ثلثيه ، والعصير الطاهر في مفروض الكلام قد طرأت عليه نجاستان : ذاتية بالغليان وعرضية بملاقاته مع العصير المغلي النجس ، ومعه لا يحكم بطهارته إذا غلى وذهب عنه الثلثان ، لعدم دلالة الأخبار على ارتفاع النجاسة العرضية في العصير أيضاً بذلك فهو غير مشمول للروايات ، ونظيره ما إذا تنجس العصير قبل الغليان بشيء من النجاسات الخارجية كالدم والبول وغيرهما حيث لا يحكم بطهارته بذهاب ثلثيه قطعاً.
ولا يمكن قياس المقام بما إذا تنجس العصير بالخمر أو بغيرها ثم انقلب خمراً وبعد ذلك انقلب الخمر خلاًّ ، لأن الحكم بطهارته وارتفاع النجاسة العرضية عنه مستند إلى إطلاق الروايات كما مرّ ولا إطلاق في المقام لاختصاص أخبار المسألة بالنجاسة العينية الحاصلة للعصير بالغليان.
ودعوى : أن النجاسة العرضية بعد ما غلى العصير تندك وتتبدل بالنجاسة الذاتية غير مسموعة ، لأن النجاسة وإن كانت تتبدل بالذاتية إلاّ أن الأخبار الواردة في
المسألة لا دلالة لها على ارتفاع تلك النجاسة الذاتية المنقلبة عن العرضية لاختصاصها بارتفاع النجاسة الذاتية المسببة عن الغليان.
هذا ، على أن ذلك لو تمّ في تنجس العصير الطاهر بالعصير النجس جرى مثله حينئذ في تنجس العصير بالنجاسات الخارجية أيضاً من البول والمني وغيرهما ، مع أن النجاسة العرضية الحاصلة بملاقاتها غير مرتفعة بالغليان جزماً ، هذا كله في تقريب الاستشكال في المسألة.
ومقتضى تدقيق النظر أن ذهاب ثلثي المجموع موجب لطهارته ، والوجه فيه أن نجاسة العصير الطاهر في مفروض الكلام أيضاً مستندة إلى الغليان بالارتكاز ، بيان ذلك : أن الغليان لا يطرأ على تمام أجزاء العصير وأطرافه دفعة واحدة لأنه مستحيل عادة أو كالمستحيل ، والقدر المتيقن أنه غير واقع خارجاً ، إذ الغليان في أي مائع عصير أو غيره إنما يتحقق في الأجزاء المتصلة منه بالإناء ثم شيئاً فشيئاً يسري إلى بقية الأجزاء والأطراف ، بل في القدور الكبيرة قد تغلي الأجزاء المتصلة بها من غير أن تنسلب البرودة عن الأجزاء الوسطانية أو الأخيرة تماماً ، وعلى ذلك إذا غلت الأجزاء المتصلة بالإناء من العصير حكم بنجاستها لا محالة لأنها عصير قد غلى ، وإذا تنجست الأجزاء المتصلة به تنجست بقية الأجزاء أيضاً بسببها مع عدم غليانها حالئذ على الفرض ولا إشكال في أن ذهاب الثلثين في مثله موجب للحلية والطهارة في المجموع ، ولا وجه لذلك في الأجزاء غير المغلية إلاّ استناد نجاستها إلى الغليان بواسطة اتصالها بالأجزاء المغلية ، ولا فرق في ذلك بين كون الأجزاء غير المغلية متصلة بالأجزاء المغلية ابتداء وبين كونها متصلة بها بعد ما كانت منفصلة عنها أوّلاً لعدم الفرق بين الاتصال والانفصال كذلك حسب المرتكز عرفاً. نعم هذا يختص بالنجاسة الحاصلة بالغليان ولا يأتي في تنجس العصير بالنجاسات الخارجية من البول والدم ونحوهما.
الثالثة : ما إذا كان عصيران مغليان أحدهما طاهر بالتثليث والآخر نجس لعدم تثليثه وقد صبّ أحدهما في الآخر فهل يحكم بطهارة المجموع إذا ذهب ثلثاه؟
[374] مسألة 4 : إذا ذهب ثلثا العصير من غير غليان لا ينجس إذا غلى بعد ذلك (1)(1).
التحقيق عدم طهارته بذلك ، لأن العصير بعد ما طهر بتثليثه لو عرضته نجاسة خارجية لم تطهر بإذهاب ثلثيه ثانياً ، لأن النصوص الواردة في المقام إنما تدل على أن ذهاب ثلثي العصير يطهره من النجاسة الحاصلة بغليانه ولا يكاد يستفاد منها كونه مطهراً له مطلقاً ولو بعد ذهاب ثلثيه مرة أو أكثر ، وبما أن العصير النجس في مفروض الكلام أوجب تنجس العصير الطاهر بالتثليث فلا يمكن الحكم بارتفاع نجاسته العرضية بتثليثه ثانياً وإن كانت نجاسة الطاهر أيضاً مستندة إلى الغليان ، والفرق بين هذه الصورة والصورة الثانية مما لا يكاد يخفى ، لأن العصير الطاهر في الصورة الثانية لم يذهب ثلثاه ، فاذا تنجس بالنجاسة المستندة إلى الغليان حكم بارتفاعها بتثليثه. وأما في الصورة الثالثة فقد فرضنا أن العصير كان نجساً وطهرناه بتثليثه ، ومعه لم يقم دليل على أنه إذا تنجس ثانياً ترتفع نجاسته بالتثليث ، هذا.
ولا يخفى أن ذلك كله يبتني على القول بنجاسة العصير بالغليان ، وقد منعناه في التكلم على نجاسته وطهارته وذكرنا أن الغليان إنما يسبب الحرمة دون النجاسة. وعليه فلا ينبغي الإشكال في حلِّيّة العصير في جميع الصور الثلاث : أما في الأُوليين فظاهر. وأما في الثالثة فلأن ذهاب الثلثين عن العصير قد أوجب الحكم بحلية شربه فإذا امتزج مع ما يحرم شربه وغلى مجموعهما ثانياً حكم بحلِّيّته بالتثليث ، لأن حلِّيّة الحلال لا تنقلب إلى الحرمة إذا زالت عن الممتزج به بإذهاب الثلثين ثانياً.
(1) ذهاب ثلثي العصير بعد ما وضع على النار وقبل أن يغلي قد يفرض مع تبدل العصير وخروجه عن كونه عصيراً ، كما إذا كان من الغلظة والثخونة بحيث ينقلب دبساً بمجرد وضعه على النار وقبل أن يغلي ، ولا شبهة حينئذ في أنه إذا غلى بعد ذلك لم يحكم بحرمته ولا بنجاسته ، لأنهما حكمان مترتبان على غليان العصير وواضح أن
1) (*) إذا صدق عليه العصير ترتب عليه ما يترتب على غليانه من الحرمة أو هي مع النجاسة على القول بها ، ولا أثر لذهاب ثلثيه قبل الغليان.
[375] مسألة 5 : العصير التمري أو الزبيبي لا يحرم ولا ينجس بالغليان على الأقوى ، بل مناط الحرمة والنجاسة فيهما هو الإسكار (1).
[376] مسألة 6 : إذا شك في الغليان يبنى على عدمه (2) كما أنه لو شك في ذهاب الثلثين يبنى على عدمه (3).
[377] مسألة 7 : إذا شك في أنه حصرم أو عنب يبنى على أنه حصرم (4).
[378] مسألة 8 : لا بأس بجعل الباذنجان (1)أو الخيار أو نحو ذلك في الحب مع ما جعل فيه من العنب أو التمر أو الزبيب ليصير خلاًّ أو بعد ذلك قبل أن يصير
الدبس غير العصير ، إلاّ أن هذه الصورة خارجة عن محط كلام الماتن ، لأن ظاهره إرادة بقاء العصير بحاله لا خروجه عن كونه عصيراً.
وقد يفرض مع بقاء العصير على كونه عصيراً وفي هذه الصورة إذا غلى بعد ما ذهب ثلثاه لا مانع من الحكم بحرمته بل بنجاسته أيضاً على تقدير القول بها لإطلاق الروايات ودلالتها على أن غليان العصير سبب لحرمته ونجاسته ، تقدّم عليه ذهاب ثلثيه أم لم يتقدّم ، ولم يقم دليل على أن ذهاب ثلثي العصير قبل غليانه يوجب سقوطه عن قابلية الاتصاف بالحرمة والنجاسة وإن غلى بعد ذلك ، وإنما الدليل دلّ على أن ذهابهما يرفع الحرمة والنجاسة بعد الغليان. وأما ذهابهما قبله فلا يترتّب عليه أثر بوجه ، وعليه لا يحكم بحلِّيّته وطهارته إلاّ أن يذهب ثلثاه ثانياً.
(1) تكلّمنا على ذلك في مبحث النجاسات (2)فليراجع ، ويأتي منّا في المسألة العاشرة أيضاً أن العصير التمري أو غيره لا بأس به ما دام غير مسكر فانتظره.
(2) لاستصحاب عدمه ، لأنه أمر حادث مسبوق بالعدم.
(3) للاستصحاب.
(4) لاستصحاب بقاء صفته وهي الحصرمية وعدم تبدلها بالعنبية.
خلاًّ ، وإن كان بعد غليانه أو قبله وعلم بحصوله بعد ذلك (1).
[379] مسألة 9 : إذا زالت حموضة الخلّ العنبي (2) وصار مثل الماء لا بأس به ، إلاّ إذا غلى (1)فإنّه لا بدّ حينئذ من ذهاب ثلثيه أو انقلابه خلاًّ ثانياً (3).
(1) لا موجب للحكم بطهارة الخلّ في مفروض المسألة بناء على نجاسة العصير بالغليان لأن العصير وإن كان يحكم بطهارته وحليته بالانقلاب خلاًّ أو بتثليثه ، إلاّ أن الباذنجان المجعول فيه الذي تنجس بالعصير بعد غليانه باق على نجاسته ، لعدم ورود مطهر شرعي عليه وعدم الدليل على طهارته بالتبع ، وهو يوجب تنجّس العصير ثانياً بعد تثليثه أو انقلابه خلاًّ. نعم الأواني وحب التمر وغيرهما مما يتقوّم به الخلّ والعصير أو جرت العادة على جعله فيه محكومة بالطهارة تبعاً ، لأنه المتيقن من الأخبار الدالّة على طهارة العصير بالتثليث دون ما لا مدخلية له في الخلّ والعصير ولم تجر العادة على جعله فيهما. والذي يسهل الخطب أنّا لم نلتزم بنجاسة العصير بالغليان وإنما هو سبب لحرمته فحسب ، ومعه لا إشكال في الحكم بحلية الخلّ مع جعل الباذنجان أو الخيار فيه لأنهما حينئذ من ملاقي الحرام دون النجس ، وملاقي الحرام ليس بحرام.
(2) قيد الخلّ بالعنبي احترازاً عن الزبيبي والتمري لعدم حرمتهما بالغليان.
(3) في المقام مسألتان : إحداهما : أن العصير العنبي إذا غلى هل ينحصر تطهيره بتثليثه أو أنه يطهر بانقلابه خلاًّ أيضاً؟ وهذه المسألة وإن كانت أجنبية عن المقام إلاّ أنّا نتعرض لها تبعاً حيث أشار الماتن في طي كلامه إلى طهارة العصير المغلي بالانقلاب. وثانيتهما : أن الخلّ العنبي إذا زالت حموضته وصار ماء مضافاً فهل ينجس بالغليان؟
أمّا المسألة الأُولى : فقد يقال : بعدم الانحصار وطهارة العصير بانقلابه خلاًّ ويستدل عليه بوجوه :
1) (*) بل وإن غلى ، إذ لا أثر لغليان الخلّ الفاسد.
الأوّل : الإجماع القطعي على أن انقلاب العصير المغلي خلاًّ كانقلاب الخمر خلاًّ موجب لطهارته. وفيه : أن تحصيل الإجماع التعبدي في المسألة كبقية المسائل من الصعوبة بمكان ، ولعلّه مما لا سبيل إليه.
الثاني : الأولوية القطعية ، بتقريب أن الانقلاب خلاًّ إذا كان موجباً للطهارة في الخمر فهو موجب لها في العصير المغلي بالأولوية ، لوضوح أن الخمر أشد نجاسة من العصير. وفي هذه الدعوى ما لا يخفى على الفطن لأنها قياس. على أنه في غير محله لأنه مع الفارق ، حيث إن الخمر من النجاسات العينية والنجاسة فيها قائمة بالعنوان كعنوان الكلب والبول والخمر فاذا زال بالانقلاب ارتفع حكمه لا محالة ، ومن ثمة قلنا إن الطهارة في انقلاب الخمر خلاًّ حكم على القاعدة ولا حاجة فيها إلى التمسك بالأخبار ، وإنما مسّت الحاجة إليها من جهة نجاسة الإناء الموجبة لتنجس الخمر بعد انقلابها خلاًّ ، فلولاها لم نحكم بطهارة الخمر حينئذ ، وهذا بخلاف العصير فإن النجاسة فيه بالغليان إنما ترتّبت على ذاته وجسمه ولم يتعلّق على اسمه وعنوانه وعليه فقياس العصير بالخمر مع الفارق لبقاء متعلق الحكم في الأول دون الثاني.
الثالث : صحيحة معاوية : « خمر لا تشربه » (1)حيث دلت على أن العصير بعد غليانه خمر ، وهو تنزيل له منزلتها من جميع الجهات والآثار ، وحيث إن الخمر تطهر بانقلابها خلاًّ فلا مناص من أن يكون العصير أيضاً كذلك.
ويرد عليه أوّلاً : أن لفظة خمر غير موجودة على طريق الكليني قدس سره كما تقدّم (2).
وثانياً : أنها ظاهرة على تقدير وجود اللفظة في أن العصير منزّل منزلة الخمر من حيث حرمته ، حيث قال : « خمر لا تشربه » لأنه فرق بيّن بين أن يقال : خمر فلا تشربه ، وبين أن يقال : خمر لا تشربه ، فان ظاهر الأول عموم التنزيل لمكان « فاء » الظاهرة في التفريع ، لدلالتها على أن حرمة الشرب أمر متفرع على التنزيل لا
أن التنزيل خاص بحرمة الشرب ، والثاني ظاهر في إرادة التنزيل من حيث حرمة الشرب فحسب.
وثالثاً : هب أنها دلت على تنزيل العصير منزلة الخمر مطلقاً ، إلاّ أنه ينصرف إلى أظهر الخواص والآثار وهي في الخمر ليست إلاّ حرمة الشرب والنجاسة ، وأما طهارتها بالانقلاب خلاًّ فهي من الآثار غير الظاهرة التي لا ينصرف إليها التنزيل بوجه.
والصحيح أن يستدل على ذلك بالأخبار الواردة في طهارة الخلّ وجواز شربه وأوصافه وآثاره كما دلّ على أنه مما لا بدّ منه في البيوت ، وأنه ما أفقر بيت فيه خل (1)وغير ذلك من الآثار ، وذلك لأن الخلّ لا يتحقّق إلاّ بعد نشيش العصير وغليانه بنفسه ، وقد دلّت الروايات على حليته مع أنه غلى قبل الانقلاب. بل الحرمة بالنشيش آكد من الحرمة بالغليان بالنار أو غيرها ، ومقتضى الأخبار المذكورة طهارة الخلّ الحاصل بالنشيش فضلاً عن الحاصل بالغليان بالأسباب ، ومعه لا حاجة إلى الاستدلال بشيء من الوجوه المتقدِّمة. هذا كله في المسألة الأُولى.
أمّا المسألة الثانية : أعني نجاسة الخلّ الذي ذهبت حموضته وحرمته بالغليان ، فقد ذهب الماتن إلى نجاسته وحرمته إذا غلى إلاّ أن يذهب ثلثاه أو ينقلب خلاًّ ثانياً.
ولا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأنّ الموضوع للحكم بالحرمة أو هي مع النجاسة هو الغليان على نحو صرف الوجود المنطبق على أوّل الوجودات ، ومعه إذا تحقّق الغليان أوّلاً ، ثم طهر بذهاب الثلثين أو التخليل فالغليان الثانوي لا يترتّب عليه أثر من الحرمة والنجاسة حتى نحتاج في تطهيره وتحليله إلى ذهاب الثلثين أو التخليل هذا في العصير. وكذلك الحال في الخلّ لعدم حرمته ونجاسته بالغليان حيث سبقه الغليان مرّة وترتبت عليه الحرمة والنجاسة وزالتا بانقلابه خلاًّ. إذن فالوجود الثاني من الغليان لا يؤثر شيئاً منهما وإنما هو باق على حليته وطهارته غلى أم لم يغل ، هذا
1) الوسائل 25 : 85 / أبواب الأطعمة المباحة ب 43 ، 44 ، 45 ، 370 / أبواب الأشربة المحرمة ب 31.
[380] مسألة 10 : السيلان وهو عصير التمر أو ما يخرج منه بلا عصر ، لا مانع من جعله في الأمراق ولا يلزم ذهاب ثلثيه كنفس التمر (1).
السابع : الانتقال كانتقال دم الإنسان أو غيره مما له نفس إلى جوف ما لا نفس له كالبق والقمل (2) ، وكانتقال البول إلى النبات والشجر ونحوهما (3) ولا بدّ من كونه على وجه لا يسند إلى المنتقل عنه وإلاّ لم يطهر كدم العلق بعد مصّه من الإنسان (4).
كلّه في الخلّ غير الفاسد. وأما الخلّ الفاسد أعني ما زالت عنه حموضته فهو أيضاً كسابقه والغليان الثانوي لا يقتضي حرمته ولا نجاسته.
(1) والوجه في حليته وطهارته أن العصير التمري لا دليل على حرمته أو نجاسته بالغليان ما دام غير مسكر ، وإذا أسكر فهو حرام كما ورد في جملة من الأخبار وفي بعضها : « يا هذا قد أكثرت عليَّ أفيسكر؟ قال : نعم قال : كل مسكر حرام » (1). والروايات الدالّة على حرمة العصير أو نجاسته بالغليان مختصة بالعصير العنبي دون التمري ، فلئن تعدى أحد فإنّما يتعدى إلى الزبيبي أو يحتاط فيه ، وأما التمري أو غيره فالالتزام بحرمته أو نجاسته بالغليان بلا موجب يقتضيه.
(2) والمراد به انتقال النجس إلى جسم طاهر وصيرورته جزءاً منه.
(3) الظاهر أن ذلك من سهو القلم ، لأن المنتقل إلى النبات أو الشجر إنما هو الأجزاء المائية من البول لا الأجزاء البولية بأنفسها ، وهو معدود من الاستحالة وليس من الانتقال في شيء. نعم يمكن أن تنتقل الأجزاء البولية إلى الشجر بجعله فيه مدّة ترسب الأجزاء البولية فيه ، إلاّ أنه لا يحتمل أن يكون مطهراً للبول الموجود في الشجر ، فالأنسب أن يمثل بانتقال الماء المتنجِّس إلى الشجر أو النبات.
(4) وتفصيل الكلام في ذلك أن النجس كدم الإنسان أو غيره مما له نفس سائلة
1) الوسائل 25 : 355 / أبواب الأشربة المحرمة ب 24 ح 6.
قد ينتقل إلى حيوان طاهر ليس له لحم ولا دم سائل كالبق والقمل ، أو أن له لحماً ولا نفس سائلة له كالسمك على نحو تنقطع إضافته الأولية عن المنتقل عنه ، وتتبدل إلى إضافة ثانوية إلى المنتقل إليه ، بحيث لا يقال إنه دم إنسان مثلاً بل دم بق أو سمكة ونحوها لصيرورته جزءاً من بدنهما بالتحليل ، بحيث لا يمكن إضافته إلى الإنسان إلاّ على سبيل العناية والمجاز ، فالدم وإن كان هو الدم الأوّل بعينه إلاّ أن الإضافة إلى الإنسان في المثال تبدلت بالإضافة إلى البق أو السمكة ، فهو ليس من الاستحالة في شيء ، لأنه يعتبر في الاستحالة تبدل الحقيقة إلى حقيقة أُخرى مغايرة مع الاولى والحقيقة الدموية لم تتبدل بحقيقة أُخرى في المثال بل تبدلت إضافته فحسب ، ولا إشكال حينئذ في الحكم بطهارة ذلك النجس لأنه دم حيوان لا نفس له ، ومقتضى عموم ما دلّ على طهارة دمه أو إطلاقه هو الحكم بطهارته.
وقد ينتقل النجس إلى حيوان طاهر من دون أن تنقطع إضافته الأولية إلى المنتقل عنه ولا يصح إضافته إلى المنتقل إليه ، كما إذا انتقل دم الإنسان إلى بق أو سمكة وقبل أن يصير جزءاً منهما عرفاً شق بطنهما ، فان الدم الخارج حينئذ دم الإنسان ولا يقال إنه دم البق أو غيره ، وجوف السمكة أو البق وقتئذ ليس إلاّ ظرفاً لدم الإنسان ونظيره ما لو أخذ الإنسان دم السمكة في فمه وطبقه فان الدم الخارج من فمه دم سمكة وإنما كان ظرفه فم الإنسان. ومن هذا القبيل الدم الذي يمصّه العلق من الإنسان ولا شبهة حينئذ في نجاسة ذلك الدم لأنه مما له نفس سائلة ، وإنما تبدل مكانه من دون تبدل في حقيقته وإضافته ، فمقتضى عموم ما دلّ على نجاسة دم الإنسان أو إطلاقه هو الحكم بنجاسته.
وثالثة ينتقل النجس إلى حيوان طاهر ولكنه بحيث يصح أن يضاف إلى كل من المنتقل عنه والمنتقل إليه إضافة حقيقية ، لجواز اجتماع الإضافات المتعددة على شيء واحد لعدم التنافي بينها ، والإضافة أمر خفيف المئونة وتصح بأدنى مناسبة ، فترى أن دم الإنسان بعد ما انتقل إلى البق أو السمكة في زمان قريب من الانتقال وإن صار جزءاً منهما ، يصح أن يضاف إلى الإنسان باعتبار أنه منه كما يصح أن يضاف إلى البق نظراً إلى أنه جزء من بدنه ، بل لا يستبعد اجتماع الإضافتين قبل صيرورة الدم جزءاً
من البق أو السمكة ، فيضاف إلى الإنسان لأنه منه كما يصح أن يضاف إلى البق لأنه في جسده ، فهل يحكم بطهارة الدم وقتئذ؟
فيه إشكال وكلام ، والذي ينبغي أن يقال : إن نجاسة دم المنتقل عنه وطهارة دم المنتقل إليه إما أن تثبتا بدليل لبي من إجماع أو سيرة ، وإما أن تثبتا بدليل لفظي اجتهادي ، وإما أن تثبت إحداهما باللبي وثانيتهما باللفظي.
فان ثبت كل منهما بالأدلة اللبية فلا إشكال في عدم إمكان اجتماعهما في ذلك المورد لاستحالة اتصاف الشيء الواحد بالنجاسة والطهارة الفعليتين من جهتين ، فالدليلان لا يشملان المورد بوجه فيفرضان كالعدم ، ولا بدّ معه من مراجعة الأصل العملي من قاعدة الطهارة أو استصحاب النجاسة كما يأتي عن قريب.
وأما إذا ثبت أحدهما باللفظي وثبت الآخر باللبي فلا بد من رفع اليد عن عموم الدليل اللفظي أو إطلاقه بقرينة الإجماع مثلاً وحمله على مورد آخر ، هذا فيما علم شمول الإجماع لمورد الاجتماع وإلاّ فيؤخذ بالقدر المتيقن وهو غير مورد الاجتماع ويرجع فيه إلى الدليل اللفظي من إطلاق أو عموم.
وأما إذا ثبت كل منهما بدليل لفظي ، فإن كان أحدهما بالإطلاق والآخر بالوضع والعموم فقد بيّنا في محلِّه (1)أن الدلالة الوضعية متقدمة على الإطلاق ، فالمقدم هو ما ثبت بالوضع والعموم. وإذا كان كلاهما بالإطلاق فلا محالة يتساقطان لأنه مقتضى تعارض المطلقين ويرجع إلى مقتضى الأصل العملي ، ولو ثبت كلاهما بالعموم فهما متعارضان ومعه لا بدّ من الرجوع إلى المرجحات كموافقة الكتاب ومخالفة العامّة إن وجدت ، وإلاّ فيحكم بالتخيير بينهما على ما هو المعروف بينهم.
وأما على مسلكنا فلا مناص من الحكم بتساقطهما والرجوع إلى الأصل العملي وهو استصحاب نجاسة الدم المتيقنة قبل الانتقال وهذا هو المعروف عندهم ، إلاّ أنه يبتني على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية وقد ناقشنا فيه في محله لأنه مبتلى بالمعارض دائماً ، حيث إن استصحاب نجاسة الدم قبل الانتقال معارض باستصحاب عدم جعل النجاسة عليه زائداً على القدر المتيقن وهو الدم ما لم ينتقل
1) في مصباح الأُصول 3 : 377.
ومعه تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة وبها يحكم بطهارة الدم في مفروض الكلام ، هذا كله إذا علمنا حدوث الإضافة الثانوية وعدم انقطاع الإضافة الأولية.
وأما لو شككنا في ذلك فلا يخلو إما أن يعلم بوجود الإضافة الثانوية لصدق أنه دم البق أو البرغوث مثلاً ، ويشك في انقطاع الإضافة الأولية وعدمه ، وإما أن يعلم بقاء الإضافة الأولية لصدق أنه دم الإنسان مثلاً ويشك في حدوث الإضافة الثانوية ، وإما أن يشك في كلتا الإضافتين للشك في صدق دم الإنسان أو البق وعدمه ، وهذه صور ثلاث :
أمّا الصورة الأُولى : فإن كانت الشبهة مفهومية كما إذا كان الشك في سعة مفهوم الدم أي دم الإنسان مثلاً وضيقه من غير أن يشك في حدوث شيء أو ارتفاعه فلا مانع من التمسك بإطلاق ما دلّ على طهارة دم المنتقل إليه أو عمومه. ولا يجري استصحاب بقاء الإضافة الأوّلية ، لما مرّ غير مرّة من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات المفهومية ، لا في الحكم لعدم إحراز موضوعه ولا في الموضوع لعدم الشك في حدوث شيء أو ارتفاعه.
وأمّا إذا كانت الشبهة موضوعية ، كما إذا بنينا على بقاء الإضافة الأولية حال المص والانتقال كما أن الإضافة الثانوية موجودة على ما تأتي الإشارة إليه ، فإنّه على ذلك قد يشك في أن الدم الذي أصاب ثوبه أو بدنه هل أصابه بعد الانتقال ليحكم بطهارته لأنه دم البق أو أنه أصابه حال مصه ليحكم بنجاسته ، فلا مانع من استصحاب بقاء الإضافة الأوّلية ، وبذلك يشمله إطلاق ما دلّ على نجاسة دم المنتقل عنه أو عمومه ولكن يعارضه العموم أو الإطلاق فيما دلّ على طهارة دم المنتقل إليه ويدخل المورد بذلك تحت القسم الثالث من أقسام الانتقال ، وذلك للعلم بصدق كلتا الإضافتين لأجل إحراز أحدهما بالوجدان وثانيهما بالتعبّد ، ولا بدّ حينئذ من ملاحظة أن دلالة دليليهما بالإطلاق أو بالعموم أو أن إحداهما بالعموم والأُخرى بالإطلاق ، إلى آخر ما قدّمناه آنفاً.
لا يقال : إن الاستصحاب الذي هو أصل عملي كيف يعارض الدليل الاجتهادي من عموم أو إطلاق.
[381] مسألة : إذا وقع البق على جسد الشخص فقتله ، وخرج منه الدم لم يحكم بنجاسته إلاّ إذا علم أنه هو الذي مصّه من جسده بحيث أُسند إليه لا إلى البق فحينئذ يكون كدم العلق (1).
لأنه يقال : التعارض حقيقة إنما هو بين دليل طهارة دم المتنقل إليه وبين ما دلّ على نجاسة دم المنتقل عنه ، والاستصحاب إنما يجري في موضوع الدليل القائم على نجاسة دم المنتقل عنه وبه ينقح موضوعه ، وبعد ذلك يشمله عموم ذلك الدليل أو إطلاقه وهو يعارض العموم أو الإطلاق في الدليل القائم على طهارة دم المنتقل إليه.
وأمّا الصورة الثانية : فلا إشكال فيها في الحكم بنجاسة الدم ، بلا فرق في ذلك بين جريان الاستصحاب في عدم حدوث الإضافة الثانوية كما إذا كانت الشبهة موضوعية ، وبين عدم جريانه كما إذا كانت الشبهة مفهومية ، وذلك لعموم ما دلّ على نجاسة دم المنتقل عنه أو إطلاقه حيث لا معارض له ، لعدم جواز التمسك بالإطلاق أو العموم فيما دلّ على طهارة دم المنتقل إليه ، وذلك للشك في موضوعه كما في الشبهات المفهومية ، أو لاستصحاب عدم حدوث الإضافة الثانوية كما في الشبهات الموضوعية ، حيث يحرز به أن الدم ليس بدم البق مثلاً فلا يشمله العموم أو الإطلاق فيما دلّ على طهارة دمه.
وأمّا الصورة الثالثة : فإن كانت الشبهة مفهومية لم يكن فيها مجال لاستصحاب الحكم أو الموضوع في شيء من الإضافتين فيرجع حينئذ إلى قاعدة الطهارة. وأما إذا كانت الشبهة موضوعية فلا مانع من استصحاب بقاء الإضافة الأولية أو استصحاب عدم حدوث الإضافة الثانوية والحكم بنجاسة الدم ، هذا كله في كبرى المسألة ، وأما صغراها فقد أشار إليه الماتن بقوله : إلاّ إذا علم أنه هو الذي مصّه.
(1) ما أفاده قدس سره من الحكم بنجاسة الدم على تقدير العلم ببقاء الإضافة الأوّلية وعدم صدق دم البق عليه وإن كان متيناً ، إلاّ أن الكلام في تحقق المعلق عليه وصدق ذلك التقدير ، والصحيح عدم تحققه وذلك :
أمّا أوّلاً فلأن البق والبرغوث من الحيوانات التي ليس لها دم حسب خلقتها
الثامن : الإسلام وهو مطهر لبدن الكافر ورطوباته المتصلة به (1)
وتكونها ، والدم المضاف إليهما أعني ما يقال له إنه دم البق ويحكم بعدم البأس به وإن كثر وتفاحش هو الدم الذي يمصّه من الإنسان أو غيره ، فما يمصّه هو دم البق حقيقة لا أنه دم الإنسان مثلاً ، وعليه فالمقام من صغريات القسم الأول من أقسام الانتقال وهو ما علم انقطاع الإضافة الأولية فيه وتبدلها بالإضافة الثانوية ، فلا بدّ من الحكم بطهارته حينئذ.
وأمّا ثانياً فلأنا لو تنزلنا عن ذلك وفرضنا الإضافة الأولية غير محرزة الانقطاع عنه ، فلا محالة يدخل المقام تحت الصورة الاولى من صور الشك المتقدِّمة ، وهي ما إذا علمنا بحدوث الإضافة الثانوية جزماً وشككنا في بقاء الإضافة الأولية وانقطاعها وقد مر أن الشبهة حينئذ إذا كانت مفهومية لا يجري الاستصحاب في بقاء الإضافة الأولية ويجري إذا كانت الشبهة خارجية ، وبه تقع المعارضة بين العموم أو الإطلاق في كل من دليلي دم المنتقل عنه والمنتقل إليه ، فيتساقطان ويرجع إلى قاعدة الطهارة لأن دلالة كل منهما في المقام بالإطلاق.
وأمّا ثالثاً فلأنا لو تنزلنا عن ذلك أيضاً وسلمنا بقاء الإضافة الأوّلية حال المص والانتقال كما أن الإضافة الثانوية موجودة ، فهو مورد لكلتا الإضافتين ، لعدم التنافي بينهما فتندرج مسألتنا هذه في القسم الثالث من أقسام الانتقال للعلم بكلتا الإضافتين وقد تقدّم أن دليلي المنتقل عنه والمنتقل إليه إذا كانت دلالتهما بالإطلاق لا بدّ من الحكم بتساقطهما والرجوع إلى الأصل العملي ، وبما أن نجاسة دم الإنسان وطهارة دم البق مثلاً إنما ثبتتا بالإطلاق فيتساقطان ويرجع إلى قاعدة الطهارة لا محالة.
(1) لأن بالإسلام يتبدل عنوان الكافر وموضوعه فيحكم بطهارته ، كما هو الحال في بقية الأعيان النجسة ، لأن الخمر أو غيرها من الأعيان النجسة إذا زال عنوانها زال عنها حكمها.
من بصاقه وعرقه ونخامته والوسخ الكائن على بدنه (1).
وأمّا النجاسة الخارجية التي زالت عينها ففي طهارته منها إشكال (2) وإن كان هو الأقوى (1). نعم ثيابه التي لاقاها حال الكفر مع الرطوبة لا تطهر على الأحوط
(1) لا ينبغي الارتياب في طهارة فضلات الكافر المتصلة ببدنه من شعره وبصاقه ونخامته وعرقه وغيرها ، لأن نجاستها إنما كانت تبعية لنجاسة بدنه ، لأن الشعر مثلاً بما أنه شعر الكافر نجس ولم يدل دليل على نجاسة الأُمور المذكورة في أنفسها ، فإذا حكمنا بطهارة بدنه بالإسلام زالت النجاسة التبعية فيها لا محالة ، إذ الشعر بقاء ليس بشعر كافر وإن كان شعر كافر حدوثاً.
كما لا ينبغي الشك في عدم طهارة الأشياء الخارجية التي تنجست بملاقاة الكافر قبل الإسلام كالأواني والفرش وغيرهما مما لاقاه الكافر برطوبة ، كما هو الحال في بقية النجاسات ، حيث إن النجس إذا لاقى شيئاً خارجياً ثم استحال وحكم بطهارته لم يوجب ذلك طهارة الملاقي بوجه ، والوجه فيه أن الأُمور الخارجية ليست نجاستها نجاسة تبعية لبدن الكافر أو يده مثلاً ، وإنما حكم بنجاستها لملاقاتها مع النجس فلا وجه لطهارتها بطهارته وهذا واضح ، وإنما الاشكال والكلام في موردين آخرين :
أحدهما : أن بدن الكافر لو أصابته نجاسة قبل إسلامه ثم زالت عنه عينها فهل يحكم بطهارته وتزول عنه النجاسة العرضية أيضاً بإسلامه كما تزول النجاسة الكفرية به ، فلا يجب على الكافر غسل بدنه بعد ذلك ، أو أن النجاسة العرضية لا تزول بالإسلام؟ وثانيهما : ثيابه التي لاقاها حال كفره ، ويأتي التعرّض لهما في التعليقتين الآتيتين ، فليلاحظ.
(2) قد يقال : إن إسلام الكافر يقتضي الحكم بطهارته من جميع الجهات ولا تختص مطهريته بالنجاسة الكفرية ، ويستدل عليه بالسيرة وبخلو السنة عن الأمر بتطهير بدنه بعد إسلامه ، مع أن الغالب ملاقاة الكافر بشيء من النجاسات حال كفره.
1) (*) في القوة إشكال ، والأحوط عدم الطهارة.
بل هو الأقوى فيما لم يكن على بدنه فعلاً (1).
[382] مسألة 1 : لا فرق في الكافر بين الأصلي والمرتد الملي ، بل الفطري
بل من المستحيل عادة أن لا يلاقيه شيء من المتنجسات ، وبهذا يستكشف أن الإسلام كما يوجب ارتفاع النجاسة الذاتية عن الكافر كذلك يوجب ارتفاع النجاسات العرضية عنه ، وهذا هو الذي قواه الماتن قدس سره .
ولا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأن المقدار الثابت من طهارة الكافر بالإسلام إنما هو طهارته من النجاسة الكفرية فقط ، وزوال النجاسات العرضية عنه بذلك يحتاج إلى دليل. وأما عدم أمرهم علیهم السلام بتطهير بدنه بعد إسلامه فهو مما لا دلالة له على المدعى ، وذلك أما في عصر النبي صلی اللّه علیه و آله فلاحتمال أن يكون عدم أمر الكفار بتطهير أبدانهم بعد الإسلام مستنداً إلى عدم تشريع النجاسات وأحكامها للتدرج في تشريع الأحكام الشرعية.
وأما في عصر الأئمة علیهم السلام والخلفاء فلأجل أن الكافر بعد ما أسلم وإن كان يجري عليه جميع الأحكام الشرعية إلاّ أنه يبين له تلك الأحكام تدريجاً لا دفعة ومن جملتها وجوب غسل البدن والثياب وتطهيرهما ولقد بينوها في رواياتهم بل لعل بعض الكافرين كان يعلم بوجوبه في الإسلام فلا موجب لأمر الكافر بخصوصه ، فإن إطلاق ما دلّ على لزوم الغسل من البول وغيره من النجاسات شامل له ، ومعه يجب على الكافر أن يطهّر بدنه وثيابه من النجاسات العارضة عليهما حال كفره.
(1) لا فرق بين ألبسه الكافر وبين الأواني والفرش وغيرها من الأشياء الخارجية التي لاقاها حال كفره وقد عرفت عدم طهارتها بإسلامه ، مثلاً إذا أسلم في الشتاء لا وجه للحكم بطهارة ثيابه الصيفية لعدم تبعيتها للكافر في نجاستها وكذا الحال في ثيابه التي على بدنه ، هذا وقد يقال بطهارتها بإسلامه لعين ما نقلناه في الاستدلال على طهارة بدنه من النجاسات العرضية من السيرة وخلو السنة عن الأمر بغسل ألبسته بعد الإسلام ، والجواب عنهما هو الجواب.
أيضاً على الأقوى من قبول توبته باطناً وظاهراً أيضاً (1) فتقبل عباداته ويطهر بدنه. نعم يجب قتله إن أمكن وتبين زوجته ، وتعتد عدة الوفاة وتنتقل أمواله الموجودة
(1) أمّا الأصلي والملي وهو المرتد الذي لم يكن أحد أبويه مسلماً حال انعقاده فهما المتيقن مما دلّ على طهارة الكافر بالإسلام ولا خلاف فيها بينهم.
وأمّا الفطري وهو المرتد الذي انعقد وأحد أبويه أو كلاهما مسلم فيقتل وتبين عنه زوجته وتقسم أمواله ، والمشهور عدم قبول توبته وإسلامه وأنه مخلد في النار كبقية الكفار. وذهب جملة من المحققين إلى قبول توبته وإسلامه واقعاً وظاهراً. وفصّل ثالث في المسألة والتزم بقبول توبته وإسلامه فيما بينه وبين اللّه سبحانه واقعاً وأنه يعامل معه معاملة المسلمين ، وحكم بعدم قبولهما ظاهراً بالحكم بنجاسته وكفره وغيرهما من الأحكام المترتبة على الكفّار. وعن ابن الجنيد أن الفطري تقبل توبته مطلقاً حتى بالإضافة إلى الأحكام الثلاثة المتقدِّمة ، فلا يقتل بعد توبته ولا تبين زوجته ولا يقسم أمواله (1)إلاّ أنه شاذ لا يعبأ به ، إلى غير ذلك من الأقوال.
والصحيح هو القول الوسط وهو ما نقلناه عن جملة من المحققين ، وذلك لأنه سبحانه واسع رحيم ولا يغلق أبواب رحمته لأحد من مخلوقاته ، فاذا ندم المرتد وتاب حكم بإسلامه واقعاً وظاهراً ، ونسبة عدم قبولهما إلى المشهور غير ثابتة ، ولعلهم أرادوا بذلك عدم ارتفاع الأحكام الثلاثة المتقدِّمة بإسلامه وإن كان مسلماً شرعاً وحقيقة ، ولا غرابة في كون المسلم محكوماً بالقتل في الشريعة المقدسة ، ويدلُّ على ذلك :
أوّلاً : صدق المسلم عليه من دون عناية ، إذ لا نعني بالمسلم إلاّ من أظهر الشهادتين واعترف بالمعاد وبما جاء به النبي صلی اللّه علیه و آله والمفروض أن المرتد بعد توبته معترف بذلك كله فلا وجه معه للحكم بنجاسته. بل لا دليل على
1) نقل عنه في المستمسك 2 : 120.
هذا المدعى سوى ما ورد في جملة من الأخبار من أن الفطري لا يستتاب وأنه لا توبة له (1)ولا يمكن الاستدلال به على المدعى ، لوضوح أن عدم استتابته لا يقتضي كفره ونجاسته على تقدير توبته ، فلعل عدم استتابته من جهة أن توبته لا يترتب عليها ارتفاع الأحكام الثلاثة الثابتة عليه بالارتداد فلا أثر لتوبته بالإضافة إليها ، وقد تقدم أن عدم ارتفاع الأحكام الثلاثة أعم من الكفر.
وأما ما دلّ على أنه لا توبة له فهو وإن كان قد يتوهم دلالته على كفره ونجاسته لأنه لو كان مسلماً قبلت توبته لا محالة ، إلاّ أنه أيضاً كسابقه ، حيث إن التوبة ليست إلاّ بمعنى إظهار الندم وهو يتحقق من الفطري على الفرض فلا معنى لنفي توبته سوى نفي آثارها ، وعلى ذلك فمعنى إن الفطري لا توبة له : أن القتل وبينونة زوجته وتقسيم أمواله لا يرتفع عنه بتوبته وأن توبته كعدمها من هذه الجهة ، ولا منافاة بين ذلك وبين إسلامه بوجه.
ويمكن حمله على نفي الأعم من الآثار الدنيوية والأُخروية ، وأنه مضافاً إلى قتله وغيره من الأحكام السابقة آنفاً يعاقب بارتداده أيضاً ولا يرتفع عنه العقاب بتوبته لأن ما دلّ على أن التائب من ذنب كمن لا ذنب له وغيره من أدلّة التوبة (2)لا مانع من أن يخصّص بما دلّ على أن الفطري لا تُقبل توبته ، إلاّ أنه لا يدل على عدم قبول إسلامه بوجه.
وتوضيح ما ذكرناه : أن المعصية الصادرة خارجاً قد يقوم الدليل على أن الآثار المترتبة عليها غير زائلة إلى الأبد وإن زالت المعصية نفسها ، وذلك لإطلاق دليل تلك
1) صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال : « سألته عن المرتد فقال من رغب عن الإسلام وكفر بما انزل على محمد بعد إسلامه فلا توبة له وقد وجب قتله وبانت منه امرأته وقسم ما ترك على ولده » وصحيحة الحسين بن سعيد قال : « قرأت بخط رجل إلى أبي الحسن الرضا علیه السلام رجل ولد على الإسلام ثم كفر وأشرك وخرج عن الإسلام هل يستتاب أو يقتل ولا يستتاب؟ فكتب علیه السلام يقتل ». الوسائل 28 : 323 / أبواب حدّ المرتد ب 1 ح 2، 6.
2) الوسائل 16 : 71 / أبواب جهاد النفس ب 86.
الآثار أو عمومه ، لدلالته على أن المعصية بحدوثها وصرف وجودها كافية في بقاء آثارها إلى الأبد ، وقد لا يقوم دليل على بقاء آثار المعصية بعد ارتفاعها ، لعدم العموم والإطلاق في دليلها بحيث لا يستفاد منه سوى ترتب الأثر على المعصية ما دامت موجودة. ثم إن الآثار المترتبة على المعصية قد تكون تكوينية كاستحقاق العقاب وقد تكون شرعية كوجوب القتل وجواز تقسيم المال ونحوهما.
أمّا القسم الأوّل من المعصية ، فمقتضى إطلاق أو عموم الأدلّة الدالّة على آثارها وإن كان بقاء تلك الآثار وإن ارتفعت المعصية ، إلاّ أنه قد يقوم الدليل على أن المعصية المتحققة كلا معصية وكأنها لم توجد من الابتداء ، ومعه ترتفع الآثار المترتبة على صرف وجودها لا محالة ، وهذا كما في دليل التوبة لدلالته على أن التوبة تمحي السيئة والعصيان وأن التائب من ذنب كمن لا ذنب له ، ومعناه أن المعصية الصادرة كغير الصادرة فلا يبقى مع التوبة شيء من آثار المعصية بوجه.
نعم ، قد يرد مخصص على هذا الدليل ويدلُّ على أن التوبة مثلاً لا توجب ارتفاع المعصية المعينة ، كما ورد في المرتد عن فطرة ودل على أنه لا توبة له وأنها لا تقبل منه فتوبته كعدمها ، ومعه إذا كان لدليل آثارها إطلاق أو عموم فلا مناص من الالتزام ببقائها ، فلا بدّ من النظر إلى الآثار المترتبة على الارتداد لنرى أيها يثبت على المعصية الارتدادية مطلقاً وأيها يثبت عليها ما دامت باقية ، فنقول :
أما استحقاق العقاب والخلود في النار فمقتضى قوله عزّ من قائل ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) (1)أن الخلود في النار إنما هو من الآثار المترتبة على الكفر حال الموت دون من لم يتصف به حينه ، فارتفاع المعصية الكفرية يقتضي الحكم بعدم الخلود في النار ، فإذا أسلم المرتد وتاب ولم يبق على كفره إلى حين موته ارتفع عنه العقاب والخلود. وهذا لا من جهة دليل التوبة حتى يدعى أن توبة المرتد كعدمها لأنه لا تقبل توبته ، بل من جهة القصور في دليل الأثر المترتب
1) النساء 4 : 18.
على الارتداد ، لاختصاصه بما إذا كان باقياً حال الممات ، ومع القصور في المقتضي لا حاجة إلى التمسّك بدليل التوبة ، لأنه إنما يحتاج إليه في رفع الآثار التي لولاه كانت باقية بحالها.
وأمّا بقية الأحكام المترتبة على الكفر والارتداد كنجاسة بدنه وعدم جواز تزويجه المرأة المسلمة وعدم إرثه من المسلم ونحوها فهي أيضاً كسابقها ، لارتفاعها بارتفاع موضوعها الذي هو الكفر ، لوضوح أن نجاسة اليهود والنصارى مثلاً على تقدير القول بها إنما تترتّب على عنوان اليهودي أو النصراني ونحوهما فإذا أسلم وتاب لم يصدق عليه عنوانهما ، فترتفع نجاسته وغيرها من الآثار المترتبة على عنوانهما ، لقصور أدلتها وعدم شمولها لما بعد إسلامه ، من غير حاجة إلى التشبث بدليل التوبة ليقال إن المرتد لا توبة له.
وأمّا وجوب قتل المرتد وبينونة زوجته وتقسيم أمواله فلا مناص من الالتزام ببقائها وعدم ارتفاعها بتوبته ، وذلك لإطلاق أدلتها فليراجع (1)وإن زال كفره وارتداده بسببها ، فهو مسلم يجب قتله ولا غرابة في ذلك ، لأن المسلم قد يحكم بقتله كما في اللّواط وبعض أقسام الزنا والإفطار في نهار شهر رمضان متعمداً على الشروط والتفاصيل المذكورة في محلها ، هذا كله في الوجه الأول مما يمكن الاستدلال به على المختار.
الوجه الثاني : أنه أنه لا شبهة في أن المرتد بعد ما تاب وأسلم كبقية المسلمين مكلف بالصلاة والصيام ويرث من المسلم ويجوز له تزويج المرأة المسلمة وغيرها من الأحكام ، ولا يمكن التفوه بإنكاره لأنه على خلاف الضرورة من الفقه ، وإن كان ثبوتها في حقِّه قبل إسلامه وتوبته مورد الكلام والنزاع للخلاف في تكليف الكفار بالفروع وعدمه. وعلى ذلك إما أن نلتزم بإسلامه وطهارة بدنه وغيرها من الأحكام المترتبة على بقية المسلمين وهذا هو المدعى ، وإما أن نلتزم بنجاسة بدنه وبقائه على كفره وهذا يستلزم التكليف بما لا يطاق ، لأن من حكم بنجاسته لا يتمكّن من تطهير
1) الوسائل 28 : 323 / أبواب حدّ المرتد ب 1.
حال الارتداد إلى ورثته ، ولا تسقط هذه الأحكام بالتوبة ، لكن يملك ما اكتسبه
بدنه فكيف يكلف بالصلاة وغيرها من الأُمور المشروطة بالطهارة ، وهل هذا إلاّ التكليف بما لا يطاق.
ودعوى : أن عجزه عن الامتثال إنما نشأ من سوء الاختيار وقد تقرر في محلِّه أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، فلا مانع من تكليف المرتد بالصلاة وغيرها مما يشترط فيه الطهارة.
تندفع : بأن قبح التكليف بما لا يطاق لا يختص على مسلكنا بما إذا لم يستند إلى سوء الاختيار.
وأما ما ربما يقال من أن التكاليف في حقه تسجيلية ولا غرض منها سوى التوصل إلى عقابه ، فهو أيضاً كسابقه مما لا يمكن المساعدة عليه ، لأن الأُمور الخارجة عن الاختيار غير قابلة للبعث نحوها أو الزجر عنها ، فبناء على ما ذكرناه من أن الضرورة تقتضي تكليف المرتد بمثل الصلاة والصيام ونحوهما بعد توبته لا بدّ من الالتزام بأحد أمرين على سبيل منع الخلو :
فامّا أن نلتزم بالتقييد في الأدلّة الدالّة على اعتبار الإسلام والطهارة في مثل الصلاة والتوارث وتزويج المرأة المسلمة بأن لا نعتبرهما في حقه ، فتصح صلاته من دون طهارة وإسلام ويجوز له تزويج المسلمة ويرث من المسلم من دون أن يكون مسلماً.
أو نلتزم بالتخصيص فيما دلّ على أن الفطري لا تقبل توبته ، بأن نحمله على عدم قبولها بالإضافة إلى الأحكام الثلاثة المتقدِّمة لا في مثل طهارة بدنه وإرثه وجواز تزويجه المسلمة وغيرها من الأحكام ، لقبول توبته بالإضافة إليها. ومقتضى الفهم العرفي الالتزام بالأخير ، بل لا ينبغي التردد في أنه المتعيّن الصحيح ، لأنه أهون من الأوّل بالارتكاز وإن كانت الصناعة العلمية قد تقتضي العكس.
فتلخص أن المرتد عن فطرة تقبل توبته وإسلامه ظاهراً وواقعاً. نعم دلّت الأخبار المعتبرة على أنه يقتل ويقسّم أمواله وتبين زوجته وتعتد عدّة المتوفّى عنها زوجها (1).
1) الوسائل 28 : 323 / أبواب حدّ المرتد ب 1.
بعد التوبة (1)(1). ويصح الرجوع إلى زوجته بعقد جديد حتى قبل خروج العدّة على الأقوى (2).
(1) لأنه كسائر المسلمين فله ما لهم وعليه ما عليهم ، ولعلّ هذا مما لا إشكال فيه وإنما الكلام فيما اكتسبه بعد كفره وقبل أن يتوب بالحيازة أو العمل فهل ينتقل إلى ورثته كغيره مما تملكه قبل الارتداد أو لا ينتقل؟
الصحيح عدم انتقاله إلى ورثته ، لأنه حكم على خلاف القاعدة ولا بدّ من الاقتصار فيه على دلالة الدليل ، وهو إنما دلّ على أنّ أمواله التي يملكها حال الارتداد تنتقل إلى ورثته ، وأمّا ما تملكه بعد ارتداده فلا دليل على انتقاله ، هذا.
وقد يستشكل في الحكم بتملكه بعد توبته بأن الشارع قد ألغى قابليته للتملك ، بل نزّله منزلة الميت في انتقال أمواله إلى ورثته ، فالمعاملة معه كالمعاملة مع الميت وهو غير قابل للتملك بالمعاملة.
ويدفعه إطلاقات أدلة البيع والتجارة والحيازة وغيرها من الأسباب ، لأنها تقتضي الحكم بصحّة الأُمور المذكورة وإن كانت صادرة من المرتد بعد إسلامه ، وهذه المسألة عامة البلوى في عصرنا هذا ، لأنّ المسلم قد ينتمي إلى البهائية أو الشيوعية أو غيرهما من الأديان والعقائد المنتشرة في أرجاء العالم ، وهو بعد ردّته وإن كان يجب قتله وتبين عنه زوجته وتقسم أمواله تاب أم لم يتب ، إلاّ أن المعاملة معه إذا تاب وندم مما يبتلي به الكسبة غالباً ، لأنه إذا لم يكن قابلاً للتملك لم يجز التصرف فيما يؤخذ منه لعدم انتقاله من مالكه ، وإذا كان قابلاً له ولكن قلنا بانتقال ما تملكه إلى ورثته وقعت معاملاته فضولية لا محالة. وأما بناء على ما ذكرناه من أنه قابل للتملك ولا تنتقل أمواله التي اكتسبها بعد توبته إلى ورثته فلا يبقى أي شبهة في معاملاته وضعاً ، وإن كانت في بعض الموارد محرمة تكليفاً بعنوان أنها ترويج للباطل أو غير ذلك من العناوين الثانوية الموجبة لحرمة المعاملة تكليفاً.
(2) لما تقدّم من أن دليل التوبة بإطلاقه يجعل المعصية المتحققة كغير المتحققة
1) (*) وكذا ما اكتسبه بعد كفره قبل توبته.
[383] مسألة 2 : يكفي في الحكم بإسلام الكافر إظهاره الشهادتين وإن لم يعلم موافقة قلبه للسانه (1).
فكأنها لم تصدر من المكلف أصلاً وبه ترتفع آثارها مطلقاً ، إلاّ فيما دلّ الدليل على بقائه كوجوب قتل المرتد وغيره من الأحكام الثلاثة المتقدِّمة تخصيصاً في أدلة التوبة بما دلّ على أن توبته كعدمها بالإضافة إلى تلك الأحكام.
وأما غيرها من الآثار المترتبة على الكفر المقارن كالنجاسة وعدم تزويج المرأة المسلمة والخلود في النار ونحوها فقد عرفت أنها ترتفع بارتفاع الكفر والارتداد من غير حاجة إلى التشبث بشيء ، وعلى هذا لا مانع من الرجوع إلى زوجته قبل خروج عدّتها وبعده ، لأنه بعد توبته مسلم وله أن يتزوّج بالمسلمة ، وبما أنها زوجته لم يعتبر انقضاء عدتها في تزويجها ، لأن المرأة إنما تعتد لغير زوجها. نعم لا بدّ في رجوعه من العقد الجديد لحصول البينونة بينهما بالارتداد.
(1) أسلفنا تحقيق الكلام في هذه المسألة سابقاً (1)ولا بأس بتوضيحه أيضاً في المقام. فنقول :
الايمان في لسان الكتاب المجيد هو الاعتقاد القلبي والعرفان ، والإيقان بالتوحيد والنبوّة والمعاد ، ولا يكفي في تحقّقه مجرّد الإظهار باللِّسان ، لأنّ النبي صلی اللّه علیه و آله إنما بعث لأن يعرف الناس وحدانيته سبحانه ونبوة نفسه والاعتقاد بيوم الجزاء ، والإيمان أمر قلبي لا بدّ من عقد القلب عليه ، وقد تصدّى سبحانه في غير موضع من كتابه لإقامة البرهان على تلك الأُمور ، فبرهن على وحدانيته بقوله ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا ) (2)وقوله ( إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ) (3)كما برهن على نبوة النبي صلی اللّه علیه و آله بقوله : ( وَإِنْ
كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ) (1)وقوله ( فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) (2)وقال في مقام البرهان على المعاد ( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) (3)إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على تلك الأُمور ، وكيف كان فهذه الأُمور يعتبر في تحقّقها الاعتقاد والعرفان ولا يكفي فيها مجرد الإظهار باللسان.
وأما الايمان في لسان الأئمة علیهم السلام ورواياتهم فهو أخص من الايمان بمصطلح الكتاب وهو ظاهر.
وأما الإسلام فيكفي في تحقّقه مجرّد الاعتراف وإظهار الشهادتين باللسان وإن لم يعتقدهما قلباً ، بأن أظهر خلاف ما أضمره وهو المعبّر عنه بالنفاق ، ويدلُّ على ذلك الأخبار الواردة في أن الإسلام هو إظهار الشهادتين (4)وأن به حقنت الدماء وعليه جرت المواريث وجاز النكاح (5)كما ورد ذلك في جملة من الأخبار النبوية أيضاً فراجع (6)وقوله عزّ من قائل ( قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (7)هذا.
1) البقرة 2 : 23 و 24.
2) الصافات 37 : 157.
3) يس 36 : 79.
4) راجع الوسائل 1 : 17 / أبواب مقدمة العبادات ب 1 ح 9 ، 12 ، 13 وغيرها من أخبار الباب.
5) كما في رواية حمران بن أعين عن أبي جعفر علیه السلام في حديث « والإسلام ما ظهر من قول أو فعل وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها وبه حقنت الدماء وعليه جرت المواريث وجاز النكاح ... » المروية في ج 2 من أُصول الكافي 26 / 5 والوسائل 1 : 19 / أبواب مقدمة العبادات ب 1 ح 14.
6) كما في صحيح مسلم ج 1 ص 37 / 1 والبخاري ج 1 ص 8 ، 9 وكنز العمال ج 1 ص 23.
7) الحجرات 49 : 14.
لا مع العلم بالمخالفة (1)(1).
مضافاً إلى السيرة القطعية الجارية في زمان النبي صلی اللّه علیه و آله على قبول إسلام الكفرة بمجرد إظهارهم للشهادتين مع القطع بعدم كونهم معتقدين بالإسلام حقيقة ، لأن من البعيد جدّاً لو لم يكن مستحيلاً عادة أن يحصل اليقين القلبي للكفرة بمجرّد مشاهدتهم غلبة الإسلام وتقدمه إلاّ في مثل عقيل على ما حكي.
فتلخص أن الإسلام لا يعتبر فيه سوى إظهار الشهادتين ، ولا بأس بتسميته بالايمان بالمعنى الأعم ، وتسمية الإيمان في لسان الكتاب بالايمان بالمعنى الأخص وتسمية الايمان في لسان الأخبار بالإيمان أخص الخاص. هذا كله إذا لم يعلم مخالفة ما أظهره لما أضمره ، وأما إذا علمنا ذلك وأن ما يظهره خلاف ما يعتقده فيأتي عليه الكلام في التعليقة الآتية.
(1) بأن علمنا بقاءه على كفره ، وإنما يظهر الشهادتين لجلب نفع أو دفع ضرر دنيوي فهل يحكم بإسلامه؟ ظاهر المتن عدم كفاية الإظهار حينئذ ، ولكنّا في التعليقة لم نستبعد الكفاية حتى مع العلم بالمخالفة ، فيما إذا كان مظهر الشهادتين جارياً على طبق الإسلام ولم يظهر اعتقاده الخلاف. وتوضيح ذلك : أن إظهار الشهادتين قد يقترن بإظهار الشك والتردد أو بإظهار العلم بخلافهما ، وعدم كفاية الإظهار حينئذ مما لا إشكال فيه ، لأنه ليس إظهاراً للشهادتين وإنما هو إظهار للتردد فيهما أو العلم بخلافهما ، وقد لا يقترن بشيء منهما وهذا هو الذي لم نستبعد كفايته في الحكم بإسلام مظهر الشهادتين.
ويدلُّ على ذلك إطلاقات الأخبار الدالّة على أن إظهار الشهادتين هو الذي تحقن به الدماء وعليه تجري المواريث ويجوز النكاح (2)والسيرة القطعية الجارية على الحكم بإسلام المظهر لهما ولو مع العلم بالخلاف ، لمعاملة النبي صلی اللّه علیه و آله مع
[384] مسألة 3 : الأقوى قبول إسلام الصبي المميز إذا كان عن بصيرة (1).
مثل أبي سفيان وغيره من بعض أصحابه معاملة الإسلام ، لاظهارهم الشهادتين مع العلم بعدم إيمانهم باللّه طرفة عين وإنما أسلموا بداعي الملك والرياسة ، كيف وقد أخبر اللّه سبحانه النبي صلی اللّه علیه و آله بنفاق جماعة معينة عنده من المسلمين مع التصريح بإسلامهم ، حيث قال عزّ من قائل ( قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ) (1).
فتحصل أن الظاهر كفاية إظهار الشهادتين في الحكم بإسلام مظهرهما ولو مع العلم بالمخالفة ، ما لم يبرز جحده أو تردده.
(1) فان الصغير قد يكون أذكى وأفهم من الكبار ، ولا ينبغي الإشكال في قبول إسلامه والحكم بطهارته وغيرها من الأحكام المترتبة على المسلمين ، وذلك لإطلاق ما دلّ على طهارة من أظهر الشهادتين واعترف بالمعاد ، أو ما دلّ على جواز تزويجه المسلمة وغير ذلك من الأحكام ، ولا شبهة في صدق المسلم على ولد الكافر حينئذ إذ لا نعني بالمسلم إلاّ من اعترف بالوحدانية والنبوة والمعاد. اللّهمّ إلاّ أن يكون غير مدرك ولا مميز ، لأن تكلمه حينئذ كتكلم بعض الطيور ، وهذا بخلاف المميز الفهيم لأنه قد يكون في أعلى مراتب الايمان.
ولا ينافي إسلامه حديث رفع القلم عن الصبي (2)لأنه بمعنى رفع الإلزام والمؤاخذة ولا دلالة فيه على رفع إسلامه بوجه.
نعم ، قد يتوهّم أن مقتضى ما دلّ على أن عمد الصبي خطأ (3)عدم قبول إسلامه لأنه في حكم الخطأ ولا أثر للأمر الصادر خطأ.
ويندفع بأن الحديث لم يثبت إطلاق له ليدل على أن كل ما يصدر عن الصبي من الأفعال الاختيارية فهو بحكم الفعل الصادر خطأ ، بحيث لو قلنا بصحّة عبادات الصبي وتكلم في أثناء الصلاة أو أكل في صيامه متعمداً لم تبطل صلاته وصومه ، لأن التكلّم أو الأكل خطأ غير موجب لبطلانهما ، وهذا للقطع ببطلان الصلاة والصوم في مفروض المثال ، وعليه فالحديث مجمل للقطع بعدم إرادة الإطلاق منه. فلا مناص من حمله على ما ورد في رواية أُخرى من أن عمد الصبي خطأ تحمله العاقلة (1)وهذا لا لقانون الإطلاق والتقييد لعدم التنافي بينهما ، بل للقطع بعدم إرادة الإطلاق منه ومقتضى الجمع العرفي حينئذ ما ذكرناه ، ومعه يختص الحديث بالديات ومدلوله أن القتل الصادر عن الصبي عمداً كالقتل خطأ تثبت فيه الدية على عاقلته ولا يقتص منه.
بل إن الحديث في نفسه ظاهر في الاختصاص بموارد الدية مع قطع النظر عن القرينة الخارجية ، وذلك لأن المفروض في الرواية ثبوت حكم للخطإ غير ما هو ثابت للعمد وأنه يترتب على عمد الصبي أيضاً ، وهذا إنما يكون في موارد الدية فلا حاجة إلى إقامة قرينة خارجية عليه. نعم إذا كان الوارد في الحديث : عمد الصبي كلا عمد احتجنا إلى قيام القرينة على ما ذكرناه من الخارج ، وعلى ذلك فلا مجال لما عن بعضهم من الحكم ببطلان عقد الصبي ومعاملاته ولو بإذن من الولي ، نظراً إلى أن العقد الصادر منه خطأ لا يترتب أثر عليه ، وذلك لما ذكرناه من أن الحديث لم يثبت إطلاقه ليدل على أن كل عمل اختياري يصدر عن الصبي فهو بحكم الخطأ وإنما هو ناظر إلى الدية كما عرفت. وعلى الجملة لا دلالة للحديث على أن الإسلام الصادر عن الصبي بالاختيار خطأ ، فهو مسلم حقيقة لاعترافه بكل ما يعتبر في الإسلام ويترتّب عليه ما كان يترتب على سائر المسلمين من الأحكام وأظهرها الطهارة.
1) رواها إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه علیه السلام أن عليّاً علیه السلام كان يقول عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة. الوسائل 29 : 400 / أبواب العاقلة ب 11 ح 3، وفي رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي علیه السلام إنه كان يقول في المجنون والمعتوه الذي لا يفيق والصبي الذي لم يبلغ ، عمدهما خطأ تحمله العاقلة وقد رفع عنهما القلم. الوسائل 29 : 90 / أبواب القصاص في النفس ب 36 ح 2.
[385] مسألة 4 : لا يجب (1)على المرتد الفطري بعد التوبة تعريض نفسه للقتل ، بل يجوز له الممانعة منه ، وإن وجب قتله على غيره (1).
وإن شئت قلت : إن الدليل على نجاسة أولاد الكفار على ما عرفت منحصر بما مرّ من صدق اليهودي أو النصراني أو المشرك أو غير ذلك من العناوين المحكومة عليها بالنجاسة على الصبي المميز المعتقد بما يعتقد به أبواه ، ويحكم بنجاسة غير المميز بعدم القول بالفصل ، ومن الظاهر أن المميز المعترف بالإسلام لا يصدق عليه شيء من تلك العناوين. فالمقتضي للنجاسة قاصر الشمول له في نفسه فهو بعد إظهاره الشهادتين محكوم بالطهارة قُبِل إسلامه أم لم يقبل. نعم غير الطهارة من أحكام المسلمين كجواز تزويجه المرأة المسلمة وغيره يتوقف على قبول إسلامه كما مر ، هذا كلّه في إسلام ولد الكافر.
وأمّا إذا ارتد ولد المسلم وأنكر الإسلام فهل يحكم بنجاسته وغيرها من أحكام الارتداد عن فطرة؟ التحقيق أن يفصّل في المقام بالحكم بنجاسته لصدق أنه يهودي أو نصراني حسب اعترافه بهما ، دون وجوب قتله وتقسيم أمواله وبينونة زوجته وذلك لحديث رفع القلم (2)الدال على عدم إلزام الصبي بشيء من التكاليف حتى يحتلم فلا اعتداد بفعله وقوله قبل البلوغ ولا يحكم عليه بشيء من الأحكام المذكورة حتى يشب ، فاذا بلغ ورجع في أوّل بلوغه فهو ، وإلاّ فيحكم بوجوب قتله وغيره من الأحكام المتقدِّمة ، فحاله قبل الاحتلام حال المرتد عن ملة في قبول توبته وعدم ترتّب الأحكام المتقدِّمة عليه. وأما الحكم بنجاسته فهو في الحقيقة إلزام لسائر المكلفين بالتجنّب عنه ، لا أنه إلزام للصبي حتى يحكم بارتفاعه بالحديث. وعلى الجملة الأحكام الثلاثة المتقدِّمة غير ثابتة على الصبي. نعم لا بأس بتأديبه كغيره من المعاصي والمنكرات.
(1) قد يفرض الكلام قبل ثبوت الارتداد عند الحاكم وأُخرى بعد ثبوته :
التاسع : التبعية وهي في موارد :
أحدها : تبعية فضلات الكافر المتصلة ببدنه كما مرّ (1).
الثاني : تبعية ولد الكافر (1)له في الإسلام أباً كان أو جدّاً ، أو امّاً أو جدّة (2).
أما الصورة الاولى : فلا ينبغي التردد في حرمة تعريض المرتد نفسه إلى القتل بإظهاره عند الحاكم أو بغيره لوجوب حفظ النفس عن القتل ، بل له رد الشاهدين وإنكار شهادتهما أو الفرار قبل إقامة الدعوى عند الحاكم ، على أنه إظهار للمعصية وفضاحة لنفسه وهو حرام.
وأما الصورة الثانية : فلا يبعد فيها أن يقال بوجوب تعريض المرتد نفسه إلى القتل لوجوب تنفيذ حكم الحاكم الشرعي وحرمة الفرار عنه ، لأن رد حكمه بالفعل أو القول رد للأئمة علیهم السلام وهو رد لله سبحانه ، هذا.
والظاهر أن نظر الماتن إلى الصورة الاولى أعني التعريض قبل ثبوت الارتداد عند الحاكم ، لعدم اختصاص وجوب القتل بالحاكم حيث لا يتوقّف على حكمه ، بل يجوز ذلك لجميع المسلمين إذا تمكنوا من قتله ولم يترتب عليه مفسدة ، وإنما ينجر الأمر إلى إقامة الدعوى عند الحاكم في بعض الموارد والأحيان ، فمراده قدس سره أن المرتد لا يجب أن يعرّض نفسه للقتل ويسلمها للمسلمين بمجرّد الارتداد ليقتلوه.
(1) لأن نجاسة فضلاته كطهارتها إنما هي من جهة التبعية لبدنه ولأجل إضافتها إليه ، فاذا أسلم انقطعت إضافتها إلى الكافر وتبدلت بالإضافة إلى المسلم ، فلا يصدق بعد إسلامه أن الشعر شعر كافر أو الوسخ وسخه ، بل يقال إنه شعر مسلم ووسخه كما تقدّم.
(2) وهي القاعدة المعروفة بتبعية الولد لأشرف الأبوين ، وليس مدركهم في تلك
1) (*) بشرط أن لا يكون الولد مظهراً للكفر مع تمييزه ، وكذا الحال في تبعية الأسير للمسلم الذي أسره.
الثالث : تبعية الأسير للمسلم الذي أسره (1) إذا كان غير بالغ (2) ولم يكن معه أبوه أو جده(3) .
القاعدة رواية حفص قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل من أهل الحرب إذا أسلم في دار الحرب فظهر عليهم المسلمون بعد ذلك؟ فقال : إسلامه إسلام لنفسه ولولده الصغار وهم أحرار وماله (1)ومتاعه ورقيقه له ، فأما الولد الكبار فهم فيء للمسلمين إلاّ أن يكونوا أسلموا قبل ذلك ... » (2)لكي يرد عدم شمولها للجدّ والجدّة لاختصاصها بالأب أو الأبوين. على أنها ضعيفة السند بقاسم بن محمد وعلي ابن محمد القاساني الضعيف لرواية الصفار عنه فليراجع ترجمته (3).
بل المدرك في ذلك كما أشرنا إليه سابقاً أنه لا دليل على نجاسة ولد الكافر غير الإجماع ، وعدم القول بالفصل بين المميز المظهر للكفر وغيره ، ولا إجماع على نجاسة ولد الكافر إذا أسلم أحد أبويه أو جده أو غير ذلك من الأُصول ، فدليل النجاسة قاصر الشمول للمقام رأساً ، لا أن طهارة ولد الكافر مستندة إلى دليل رافع لنجاسته.
(1) وذلك لأن دليل النجاسة قاصر الشمول له في نفسه ، حيث إن الدليل على نجاسة ولد الكافر منحصر بالإجماع وعدم الفصل القطعي بين المظهر للكفر وغيره ومن الواضح عدم تحقق الإجماع على نجاسته إذا كان أسيراً للمسلم مع الشروط الثلاثة الآتية ، لذهاب المشهور إلى طهارته ، فالمقتضي للنجاسة قاصر في نفسه وهو كاف في الحكم بطهارته.
(2) لأنّ الأسير البالغ موضوع مستقل ويصدق عليه عنوان اليهودي والنصراني وغيرهما من العناوين الموجبة لنجاسته.
(3) وإلاّ تبعهما في نجاستهما ولم يمكن الحكم بطهارته بالتبعية ، للإجماع القطعي على
الرابع : تبعية ظرف الخمر له بانقلابه خلاًّ (1).
الخامس : آلات تغسيل الميت من السدة ، والثوب الذي يغسله فيه ، ويد الغاسل دون ثيابه ، بل الأولى والأحوط الاقتصار على يد الغاسل (2).
نجاسة ولد الكافر كما مر ، هذا وقد ذكرنا في التعليقة شرطاً ثالثاً في الحكم بطهارته وهو أن لا يكون مظهراً للكفر وإلاّ انطبق عليه عنوان اليهودي أو غيره من العناوين الموجبة لنجاسته.
(1) لما أسلفنا (1)في التكلم على الانقلاب من أن أواني الخمر لو كانت باقية على نجاستها بعد الانقلاب لكان الحكم بطهارة الخمر بالانقلاب لغواً ظاهراً ، هذا.
وقد نسب إلى بعض المتقدمين من المعاصرين اختصاص الطهارة التبعية بالأجزاء الملاصقة من الإناء بالخمر ، وأما الأجزاء الفوقانية المتنجسة بالخمر قبل الانقلاب حيث إن بالانقلاب تقل كميتها فلا مقتضي لطهارتها تبعاً إذ لا يلزم من بقائها على نجاستها أيّ محذور ، ولا يكون الحكم بطهارة الخمر بالانقلاب لغواً بوجه ، ومن هنا حكم بلزوم كسر الإناء أو ثقبه من تحته حتى يخرج الخلّ من تلك الثقبة ، فإن إخراجه بقلب الإناء يستلزم تنجس الخلّ بملاقاة الأجزاء الفوقانية.
ويدفعه : أن طهارة الأجزاء الفوقانية في الإناء وإن لم تكن لازمة لطهارة الخمر بالانقلاب ، إلاّ أن السيرة العملية كافية في الحكم بطهارتها ، لأن سيرتهم في عصر الأئمة علیهم السلام وما بعده لم تجر على أخذ الخلّ بكسر ظرفه أو ثقبه على الكيفية المتقدِّمة ، وإنما كانوا يأخذونه من ظروفه أخذ الماء أو غيره من المائعات عن محلِّها.
(2) للسيرة القطعية الجارية على عدم غسل السدة والثوب الذي يغسل فيه الميت بعد التغسيل ، وكذلك غيره مما يستعمل فيه من الكيس ويد الغاسل ونحوهما ، فان الثوب يحتاج في تطهيره إلى العصر ولم يعهد عصر ثوب الميت بعد التغسيل ، فطهارته تبعية مستندة إلى طهارة الميت. نعم الأشياء التي لم تجر العادة على إصابة الماء لها حال التغسيل كثوب الغاسل مثلاً لا وجه للحكم بطهارتها بالتبع.
1) في ص 160 ، الخصوصية الاولى.
السادس : تبعية أطراف البئر والدلو والعدة ، وثياب النازح على القول بنجاسة البئر (1) لكن المختار عدم تنجسه بما عدا التغيّر ، ومعه أيضاً يشكل جريان حكم التبعية (2).
(1) لا يخفى أن السيرة وإن كانت جارية على عدم غسل الدلو وأطراف البئر وغيرهما مما يصيبه الماء بالنزح عادة ولا سبيل إلى إنكارها بوجه ، إلاّ أنها من باب السالبة بانتفاء موضوعها ، لأن ماء البئر لا ينفعل بملاقاة النجس حتى تتنجس أطرافها والآلات المستعملة في النزح بسببه ويحتاج في الحكم بطهارتها التبعية إلى الاستدلال بالسيرة ، والنزح أمر مستحب أو أنه واجب تعبدي من غير أن يكون مستنداً إلى انفعال ماء البئر بملاقاة النجس ، فأطراف البئر أو الدلو ونحوهما لا تتنجس إلاّ بالتغيّر ، ولا دليل حينئذ على الطهارة التبعية في تلك الأُمور التي يصيبها الماء عند النزح ، لأن التغيّر في البئر أمر قد يتفق ولا مجال لدعوى السيرة فيه ، كيف وهو من الندرة بمكان لم نشاهده طيلة عمرنا ، وإحراز السيرة فيما هذا شأنه مما لا سبيل إليه.
(2) والوجه في ذلك ليس هو استناد طهارة البئر حينئذ إلى زوال التغيّر لا إلى النزح ، لأن الطهارة في مفروض الكلام وإن كانت مستندة إلى زوال التغيّر لقوله علیه السلام في صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع : « فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه » (1)والنزح مقدّمة له ، ومن هنا ذكرنا أن زوال التغيّر إذا نشأ من إلقاء عاصم عليه أيضاً كفى في تطهيره من غير حاجة إلى النزح ، إلاّ أنه لا فرق في الحكم بالطهارة التبعية وعدمه بين استناد الطهارة إلى النزح واستنادها إلى زوال التغيّر ، فإن السيرة إن كانت جارية على عدم غسل الحبل والدلو وأطراف البئر ونحوها فلا مناص من الالتزام بطهارتها بالتبع ، سواء استندت طهارة البئر إلى زوال التغيّر أم إلى النزح ، وإن لم تجر السيرة على ذلك فلا مناص من الالتزام بنجاستها ، استندت طهارة البئر إلى النزح أو إلى زوال التغيّر.
1) الوسائل 1 : 172 / أبواب الماء المطلق ب 14 ح 6.
السابع : تبعية الآلات المعمولة في طبخ العصير على القول بنجاسته فإنّها تطهر تبعاً له بعد ذهاب الثلثين (1).
الثامن : يد الغاسل وآلات (1)الغسل في تطهير النجاسات (2) وبقية الغسالة الباقية في المحل بعد انفصالها (3).
التاسع : تبعية ما يجعل (2)مع العنب أو التمر للتخليل كالخيار والباذنجان ونحوهما كالخشب والعود ، فإنّها تنجس تبعاً له عند غليانه على القول بها وتطهر تبعاً له بعد صيرورته خلاًّ (4).
بل الوجه فيما أفاده أن النجاسة بعد ما ثبتت تحتاج إزالتها إلى غسلها أو إلى دليل يقتضي زوالها من غير غسل ، والأول مفروض العدم في الدلو وأشباهه والثاني غير متحقق لانحصار دليل الطهارة بالسيرة وهي غير محرزة لقلة الابتلاء بتغيّر البئر كما مر ، فأدلّة لزوم الغسل في المتنجسات محكمة ومقتضى تلك الأدلّة عدم طهارة الدلو ونظائره من غير غسل.
(1) للسيرة المحققة ، ولأن الحكم بطهارته من غير طهارة الإناء المطبوخ فيه العصير لغو ظاهر كما عرفت في أواني الخمر المنقلبة خلاًّ.
(2) لا دليل على طهارتهما التبعية بوجه ، وإنما لا يحتاجان إلى الغسل بعد تطهير المتنجسات لانغسالهما حال غسلها وتطهيرها ، فكما أن المتنجِّس يطهر بغسله كذلك اليد والظرف يطهران به ، لا أنهما يطهران بتبع طهارة المتنجِّس من غير غسلهما.
(3) والأمر وإن كان كما أفاده ، إلاّ أن طهارة بقية الغسالة لا تستند إلى الطهارة بالتبع ، بل عدم نجاستها من باب السالبة بانتفاء موضوعها ، لأن الغسالة في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل طاهرة كما بيّناه في محله.
(4) إثبات الطهارة لما يجعل مع العنب أو التمر للتخليل من الصعوبة بمكان ودون
العاشر من المطهرات : زوال عين النجاسة أو المتنجِّس عن جسد الحيوان غير الإنسان بأيّ وجه كان ، سواء كان بمزيل ، أو من قبل نفسه ، فمنقار الدجاجة إذا تلوث بالعذرة يطهر بزوال عينها وجفاف رطوبتها ، وكذا ظهر الدابة المجروح إذا زال دمه بأي وجه ، وكذا ولد الحيوانات الملوث بالدم عند التولد ، إلى غير ذلك (1).
إثباتها خرط القتاد ، حيث لا دليل على الطهارة التبعية فيه بعد العلم بتنجسه بالعصير بناء على القول بنجاسته بالغليان إذ الحكم بطهارته يحتاج إلى الغسل أو إلى دليل دلّ على طهارته التبعية من غير غسل ، وكلا الأمرين مفقود في المقام ، فماذا أوجب طهارته بعد طهارة العصير بالتثليث. وكذلك الحال فيما يجعل في العصير للتخليل فيصير خمراً ثم ينقلب خلاًّ كما قد يتفق في بعض البيوت ، لأنه بعد ما تنجس بالخمر يحتاج زوال النجاسة عنه إلى دليل.
نعم ، إذا كان الشيء المجعول فيه مما يعد علاجاً للتخليل كالملح ، أو كان أمراً عاديا في العصير كالعودة في العنب والنواة في التمر ، حكم بطهارته التبعية ، للأخبار الدالّة على طهارة الخمر المنقلبة خلاًّ بالعلاج وجريان السيرة على طهارته ، هذا والذي يسهل الخطب في مفروض المسألة أنّا لا نلتزم بنجاسة العصير بالغليان كما تقدمت الإشارة إليه سابقاً (1).
(1) المشهور طهارة بدن الحيوان غير الآدمي بزوال العين عنه ، ويستدل عليه بالسيرة المستمرة من الخلف والسلف على عدم التحرّز من الهرّة ونظائرها مما يعلم عادة بمباشرتها للنجس أو المتنجِّس عادة وعدم ورود أيّ مطهر عليها.
1) في ص 188.
وبما دلّ على طهارة سؤر الهرّة (1)مع العلم بنجاسة فمها عادة لأكل الفأرة أو الميتة أو شربها المائع المتنجِّس وغير ذلك من الأسباب الموجبة لنجاسة فمها ، فلا وجه لطهارة سؤرها سوى طهارة الهرة بزوال العين عنها ، وبما دلّ على طهارة الماء الذي وقعت فيه الفأرة وخرجت حيّة (2)مع العلم بنجاسة موضع بولها وبعرها ، وبما دلّ على طهارة الماء الذي شرب منه باز أو صقر أو عقاب إذا لم يرَ في منقارها دم (3)مع العلم العادي بنجاسة منقارها بملاقاته الدم أو الميتة أو غيرهما من النجاسات ، لأنها من جوارح الطيور فلو لم يكن زوال العين مطهراً لمنقارها لم يكن موجب للحكم بطهارة الماء في مفروض الخبر. فهذا كله يدلنا على أن زوال العين مطهر لبدن الحيوان من دون حاجة إلى غسلها ، هذا وفي المسألة احتمالات أُخر :
أحدها : ما احتمله شيخنا الهمداني قدس سره بل مال إليه من استناد الطهارة في سؤر الحيوانات الواردة في الروايات إلى ما نفى عنه البعد في محله من عدم سراية النجاسة من المتنجِّس الجامد الخالي عن العين إلى ملاقياته ، إذ مع البناء على ذلك لا يمكن استفادة طهارة الحيوان من الأدلّة المتقدِّمة بزوال العين عنه ، لأنها دلّت على طهارة الماء الملاقي لتلك الحيوانات فحسب وهي لا تنافي بقاءها على نجاستها لاحتمال استنادها إلى عدم تنجيس المتنجسات ، ومقتضى إطلاق ما دلّ على لزوم الغسل في المتنجسات بقاء النجاسة في الحيوانات المذكورة بحالها إلى أن يغسل (4).
وتظهر ثمرة الخلاف في الصلاة في جلدها أو صوفها المتخذين منها بعد زوال عين النجس ، لأنها بناء على هذا الاحتمال غير جائزة ما لم يرد عليهما مطهر شرعي ، وأما على القول بطهارتها بزوال العين عنها فلا مانع من الصلاة في جلدها أو صوفها لطهارتهما بزوال العين عنهما.
ثانيها : أن الأخبار المتقدِّمة إنما وردت للدلالة على سقوط استصحاب النجاسة وعدم جريانه في الحيوان غير الآدمي تخصيصاً في أدلته من غير أن تدل على طهارة الحيوان بزوال العين عنه ، وذلك لأنه علیه السلام قد علّق نفي البأس عما شرب منه باز أو صقر أو عقاب على ما إذا لم يرَ في منقارها دم ، ومقتضى ذلك أن يكون الحكم بنجاسة بدن الحيوان مختصاً بصورة رؤية النجاسة على بدنه ، ومع عدم رؤيتها وإحساسها لا يجري فيه استصحاب النجاسة ولا يحكم بنجاسته ولا بكونه منجساً لملاقياته ، لاحتمال أن يرد مطهر عليه كشربه من بحر أو نهر أو كر ماء أو إصابة المطر له ، ومن هنا نسب إلى النهاية اختصاص الحكم بطهارة بدن الحيوان بعد زوال العين عنه بما إذا احتمل ورود مطهر عليه (1)فالمدار على ذلك في الحكم بطهارة بدن الحيوان هو احتمال ورود المطهر عليه. وعن بعضهم اعتبار ذلك في الحكم بطهارة بدن الحيوان من باب الاحتياط (2).
ثالثها : أن الوجه في طهارة سؤر الحيوانات المتقدِّمة عدم تنجسها بشيء ، لا أنها تتنجّس وتطهر بزوال العين عنها ، وذلك لعدم عموم أو إطلاق يدلنا على نجاسة كل جسم لاقى نجساً ، وقولهم : كل ما لاقى نجساً ينجس ، لم يرد في لسان أي دليل ، وإنما عمومه أمر متصيد من ملاحظة الأخبار الواردة في موارد خاصة لعدم احتمال خصوصية في تلك الموارد ، ومع عدم دلالة الدليل عليه لا يمكننا الحكم بنجاسة بدن الحيوان بالملاقاة وإنما النجس هو العين الموجودة عليه. وهذا هو الذي استقربه الماتن قدس سره وقال : وعلى هذا فلا وجه لعد زوال العين من المطهرات.
هذه احتمالات ثلاثة وإذا انضمت إلى ما ذهب إليه المشهور من أن الحيوان كغيره يتنجّس بملاقاة النجس إلاّ أن زوال العين عنه مطهر له للسيرة والأخبار المتقدِّمة كانت الوجوه والاحتمالات في المسألة أربعة.
ولا يمكن المساعدة على شيء منها عدا الاحتمال الأخير وهو الذي التزم به المشهور.
أما ما احتمله شيخنا الهمداني قدس سره فيدفعه أوّلاً : أن المتنجِّس من غير واسطة على ما قدّمنا في محلِّه (1)منجس لما لاقاه وقد دلتنا على ذلك جملة من الأخبار : منها : قوله علیه السلام : « وإن كانت أصابته جنابة فأدخل يده في الماء فلا بأس به ، إن لم يكن أصاب يده شيء من المني » (2)لأن مفهومه على ما صرح به في الرواية أنه إذا أصاب يده شيء من المني فأدخل يده في الماء ، ففيه بأس.
وثانياً : أن البناء على عدم تنجيس المتنجِّس إنما يقدح في الاستدلال بالأخبار ، وأما السيرة فهي باقية بحالها ، لأن المتشرعة خلفاً عن سلف وفي القرى والأمصار جرت سيرتهم على عدم التجنب عن أبدان الحيوانات وأصوافها وأوبارها وجلودها ، حيث يعاملون معها معاملة الأشياء الطاهرة ، فيلبسونها فيما يشترط فيه الطهارة مع العلم بتنجسها جزماً بدم الولادة حين تولدها من أُمهاتها أو بدم الجرح أو القرح المتكونين في أبدانها ، أو بالمني الخارج منها بالسفاد أو بغير ذلك من الأُمور. والاطمئنان بعدم ملاقاتها للمطهر الشرعي ، لأنها لا تستنجي من البول ولا تسبح في الشطوط ، فهل في قلل الجبال والفلوات نهر أو بحر أو ماء كثير ليحتمل ورودها في تلك المياه ، كيف ولا يوجد في مثل الحجاز شيء من ذلك إلاّ ندرة وإنما يتعيش أهله بمياه الآبار. وأما احتمال اصابة المطر لها ، فيندفع بأن المطر على تقدير إصابته الحيوانات المتنجسة أبدانها فإنّما يصل إلى ظهورها لا إلى بطونها ، فكيف لا يتحرزون عنها ويستعملونها فيما يشترط فيه الطهارة ، فلا وجه له سوى طهارتها بزوال العين عنها.
وأما الاحتمال الثاني فيرده : أن السيرة جرت على عدم غسل الحيوانات مع العلم بنجاستها في زمان ، والعلم عادة بعدم ملاقاتها للمطهر بوجه كما في الحيوانات الأهلية في البيوت ، للقطع بعدم ورود أي مطهر على الهرة من غسلها أو وقوعها في ماء كثير أو إصابة المطر لها ولا سيما في غير أوان المطر ، وعلى ذلك لا يعتبر في الحكم بطهارة
الحيوان احتمال ورود المطهر عليه ، إذ لم يعهد من أحد غسل الهرة أو التحرز عن صوف الشاة في الصلاة بدعوى العلم بتنجسها بدم الولادة وعدم ورود مطهّر عليه ، بل لو غسل أحد فم الهرة التي أكلت الفأرة أو شيئاً متنجِّساً عدّ من المجانين عندهم ، وهذا لا يستقيم إلاّ بطهارة الحيوان بمجرد زوال العين عنه ، فلا يمكننا المساعدة على هذا الاحتمال.
إذن يدور الأمر بين الاحتمالين الأخيرين وهما يبتنيان على أن الأدلّة الدالّة على الانفعال بالملاقاة هل فيها عموم أو إطلاق يدلنا على نجاسة كل جسم لاقى نجساً أو لا عموم فيها ، وحيث إن موثقة عمار : « يغسله ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء » (1)يكفي في إثبات العموم ، فلا مناص من أن يلتزم بنجاسة كل جسم لاقى نجساً أو متنجساً ولو كان بدن حيوان غير آدمي.
ثم إن الأمر بالغسل في تلك الروايات وإن كان إرشاداً إلى أمرين : أحدهما : نجاسة ذلك الشيء الذي أُمر بغسله. وثانيهما : أن نجاسته لا ترتفع من دون غسل ، ومقتضى ذلك عدم زوال النجاسة عن الحيوانات المتنجسة إلاّ بغسلها ، إلاّ أنّا علمنا بالأخبار والسيرة المتقدمتين أن نجاسة الحيوان بخصوصه قابلة الارتفاع بزوال العين عنه ، وبذلك نرفع اليد عن حصر المطهر في الغسل في الحيوان ، فهو وإن قلنا بتنجسه بالملاقاة كبقية الأجسام الملاقية للنجس إلاّ أنه يمتاز عن غيره في أن زوال العين عنه كاف في طهارته. فعلى ذلك لو تنجس بدن الحيوان بشيء كالعذرة فجف فيه ولم تزل عنه عينه ثم ذبح لا بدّ في تطهيره من الغسل ، وذلك لأن كفاية زوال العين في التطهير إنما يختص بالحيوان فاذا خرج عن كونه حيواناً لا دليل على كفايته فلا مناص من غسله بالماء. نعم بناء على عدم تنجس الحيوان بالملاقاة لا يحتاج في تطهيره إلى الغسل ، لأن النجاسة حينما أصابته رطبة لم تؤثر في بدنه لأنه حيوان وهو لا يتنجّس بالملاقاة ، وبعد ما خرج عن كونه حيواناً لم تصبه النجاسة الرطبة حتى تنجسه ويحتاج في تطهيره إلى الغسل.
1) الوسائل 1 : 142 / أبواب الماء المطلق ب 4 ح 1.
فالمتحصل أن ما ذهب إليه المشهور من تنجس بدن الحيوان بالملاقاة وكفاية زوال العين في طهارته هو الصحيح.
بقي الكلام فيما يترتب على هذا النزاع ، فقد يقال كما عن جماعة منهم شيخنا الأُستاذ قدس سره في بحث الأُصول (1): أن الثمرة تظهر فيما إذا أصابت الحيوان عين من الأعيان النجسة أو المتنجسة ثم لاقى بدنه ماء أو غيره من الأجسام الرطبة كالثوب مع الشك في بقاء العين في الحيوان حال وصول الماء أو الجسم الرطب إليه ، فإنّه إن قلنا بعدم تنجس الحيوان أصلاً فلا يحكم بنجاسة الملاقي للحيوان ، لأن ما علمنا بملاقاته الماء مثلاً إنما هو بدن الحيوان وهو جسم طاهر لا يقبل النجاسة حتى ينجّس الماء أو غيره ، وأما العين النجسة التي أصابت الحيوان على الفرض فملاقاتها الماء غير محرزة للشك في بقائها حال ملاقاتهما. واستصحاب بقائها إلى حال الملاقاة لا يترتب عليه ملاقاة العين النجسة مع الماء ، اللّهمّ إلاّ على القول بالأصل المثبت.
وأمّا إذا قلنا بتنجّس الحيوان بالملاقاة وطهارته بزوال العين عنه ، فلا مناص من الحكم بنجاسة الملاقي للحيوان في مفروض الكلام أعني الماء أو الجسم الآخر الرطب وذلك لأن ملاقاة الحيوان مع الماء أو الثوب الرطب مثلاً وجدانية ، وغاية الأمر أنّا نشك في زوال العين عنه. وبعبارة اخرى نشك في طهارته ونجاسته ، ومقتضى استصحاب بقاء النجاسة أو عدم زوال العين عنه أنه باق على نجاسته حال ملاقاتهما وهو يقتضي الحكم بنجاسة الملاقي للحيوان ، هذا.
وفيه : أنّا سواء قلنا بتنجس الحيوان بالملاقاة وطهارته بزوال العين عنه أم قلنا بعدم تنجسه أصلاً ، لا نلتزم بنجاسة الملاقي للحيوان مع الشك في بقاء العين على بدنه وذلك لانقطاع استصحاب النجاسة في الحيوان ، لما تقدّم من دلالة الأخبار على أن الحكم بالنجاسة في الحيوانات ينحصر بصورة العلم بنجاستها ومع الشك لا يحكم عليها بالنجاسة ، لأن مقتضى قوله : « كل شيء من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلاّ أن ترى في منقاره دماً » (2)نجاسة الماء الذي يشرب منه الطير إذا رأى في منقاره دماً
وكذا زوال عين النجاسة أو المتنجِّس عن بواطن الإنسان كفمه وأنفه وأُذنه. فإذا أكل طعاماً نجساً يطهر فمه بمجرّد بلعه. هذا إذا قلنا إن البواطن تتنجس بملاقاة النجاسة ، وكذا جسد الحيوان. ولكن يمكن أن يقال بعدم تنجسهما أصلاً (1) ، وإنّما
والرؤية وإن كانت موجبة للعلم بالحاسة الخاصة أعني الابصار ، إلاّ أن هذه الخصوصية ملغاة للقطع بعدم الفرق بين العلم الحاصل بالإبصار والعلم الحاصل بغيره ، وعليه فالرواية تدل على نجاسة منقار الطيور والماء الملاقي معه عند العلم بها وأما مع الشك في نجاسته فهو وما لاقاه محكوم بالطهارة ، فهذه الثمرة ساقطة.
نعم ، لا بأس بجعل ما قدمناه ثمرة للنزاع ، وهو ما إذا أصابت الحيوان نجاسة وجفت ولم تزل عنه عينها ثم ذبح فإنّه على القول بعدم تنجس الحيوان أصلاً لا بدّ من الحكم بطهارته ، لأن العين حال رطوبتها لم توجب نجاسته لفرض أن الحيوان لا يتنجّس بها ، وأما بعد ذبحه وخروجه عن كونه حيواناً فلأنه لم تصبه عين رطبة حتى يحكم بنجاسته. وأما على القول بتنجس الحيوان بالملاقاة وطهارته بزوال العين عنه فالحيوان المذبوح محكوم بالنجاسة ولا يكفي زوال العين في طهارته ، لأن كونه مطهراً يختص بالحيوان والمفروض خروجه عن كونه حيواناً ، فلا مناص من تطهيره بالغسل.
ثم إن ما دلّ على إناطة الحكم بالنجاسة بالعلم بها إنما ورد في الطيور ويمكن الحكم بذلك في الفأرة أيضاً ، نظراً إلى قضاء العادة بنجاستها ولو من جهة بولها وبعرها الموجبين لنجاسة محلّهما ، ومعه حكم علیه السلام بطهارة الماء الذي وقعت فيه الفأرة إذا خرجت منه حيّة (1)وأما غير الفأرة فإن قطعنا بعدم الفرق بينها وبين سائر الحيوانات فهو ، وإلاّ فيقتصر في الحكم بالطهارة وانقطاع استصحاب النجاسة بمورد النص والفأرة فحسب.
(1) وقع الكلام في أن بواطن الإنسان هل تتنجس بملاقاة النجاسة وتطهر بزوال العين عنها أو أنها لا تقبل النجاسة أصلاً؟ وما يمكن أن يقال في المقام إن البواطن على قسمين : ما دون الحلق وما فوقه.
1) الوسائل 1 : 240 / أبواب الأسآر ب 9 ح 4.
النجس هو العين الموجودة في الباطن ، أو على جسد الحيوان. وعلى هذا فلا وجه لعدّه من المطهِّرات. وهذا الوجه قريب جدّاً (1).
وممّا يترتّب على الوجهين أنه لو كان في فمه شيء من الدم فريقه نجس ما دام الدم موجوداً على الوجه الأول ، فإذا لاقى شيئاً نجّسه ، بخلافه على الوجه الثاني فإن الريق طاهر والنجس هو الدم فقط ، فإن أدخل إصبعه مثلاً في فمه ، ولم يلاق الدم لم ينجس ، وإن لاقى الدم ينجس إذا قلنا بأن ملاقاة النجس في الباطن أيضاً موجبة للتنجس ، وإلاّ فلا ينجس أصلاً إلاّ إذا أخرجه وهو ملوث بالدم.
أما البواطن ما دون الحلق فلا ينبغي الإشكال في عدم تنجسها بملاقاة النجاسة ، بل ولا ثمرة للبحث في أنها تتنجس وتطهر بزوال العين عنها أو لا تتنجس من الابتداء للقطع بصحة الصلاة ممن أكل طعاماً متنجساً أو شرب ماء كذلك أو الخمر وهي موجودة في بطنه ، فالنزاع في ذلك لغو لا أثر له. وأما العموم المستفاد من موثقة عمار المتقدِّمة (2)فهو منصرف عن هذا القسم من البواطن جزماً ولا يتوهم شمولها لغسل البواطن بوجه.
وأما البواطن ما فوق الحلق كباطن الفم والأنف والعين والأُذن ، فان كانت النجاسة الملاقية لها من النجاسات المتكونة في الباطن كملاقاة باطن الأنف بدم الرعاف ، فلا شبهة في عدم تنجسها بذلك لما ورد في موثقة عمار الساباطي قال : « سُئل أبو عبد اللّه علیه السلام عن رجل يسيل من أنفه الدم ، هل عليه أن يغسل باطنه يعني جوف الأنف؟ فقال : إنما عليه أن يغسل ما ظهر منه » (3)وهي تخصص العموم المستفاد من موثقة عمار المتقدِّمة ، لأنها تقتضي وجوب الغسل حتى إذا كان الملاقي من البواطن فوق الحلق ، وبهذه الموثقة يرتفع الأمر بالغسل في البواطن المذكورة ، ومع ارتفاعه لا يبقى دليل على نجاسة داخل الأنف وأمثاله من البواطن ، لأن
[386] مسألة 1 : إذا شك في كون شيء (1)من الباطن أو الظاهر يحكم ببقائه على النجاسة بعد زوال العين على الوجه الأول (1) من الوجهين ويبنى على طهارته على الوجه الثاني ، لأن الشك عليه يرجع إلى الشك في أصل التنجس.
النجاسة إنما تستفاد من الأمر بالغسل كما مر غير مرة.
وإذا كانت النجاسة خارجية ولم تكن من النجاسات المتكونة في الجوف كما إذا استنشق الماء المتنجِّس ، فقد ذكرنا في البحث عن نجاسة البول والغائط (2)أن الأجزاء الداخلية لا تتنجس بملاقاة النجاسة الخارجية ، إلاّ أن ذلك إنما يتم في القسم الأول من البواطن ، وأما القسم الثاني منها فمقتضى عموم موثقة عمار المتقدِّمة تنجسها بملاقاة النجاسة ، ولم يرد أي مخصص للعموم المستفاد منها بالإضافة إلى النجاسات الخارجية إلاّ أنها تطهر بزوال العين عنها ، وذلك للسيرة الجارية على طهارتها بذلك مؤيدة بروايتين واردتين في طهارة بصاق شارب الخمر ، إحداهما : ما رواه عبد الحميد بن أبي الديلم قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام رجل يشرب الخمر فيبصق فأصاب ثوبي من بصاقه قال : ليس بشيء » (3)وثانيتهما : رواية الحسن بن موسى الحناط قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل يشرب الخمر ثم يمجه من فيه فيصيب ثوبي فقال : لا بأس » (4)وعليه فهذا القسم من البواطن نظير بدن الحيوان لا أنها لا تتنجّس بالملاقاة أصلاً.
وتظهر ثمرة ذلك فيما إذا وصلت نجاسة إلى فم أحد فإنّه على القول بتنجس البواطن يتنجّس به الفم لا محالة وبه ينجس الريق الموجود فيه فإذا أصاب شيئاً نجّسه ، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بعدم تنجسها فان الريق والفم كملاقيهما باقيان على الطهارة.
(1) بل على كلا الوجهين السابقين :
أمّا إذا قلنا بتنجس البواطن وطهارتها بزوال العين عنها فلأجل العلم بنجاسة
ما يشك في كونه من البواطن ، وإنما الشك في ارتفاع نجاسته بزوال العين عنه ومقتضى الاستصحاب بقاؤه على نجاسته.
وأما إذا قلنا بعدم تنجّس البواطن ، فلأجل الأصل الموضوعي الموجب للحكم بعدم ارتفاع نجاسته حتى يغسل ، وتوضيحه : أن الشك في كون شيء من البواطن قد يكون من جهة الشبهة المفهومية وعدم الاطلاع بسعة مفهوم الباطن وضيقه ، ولا مناص حينئذ من الرجوع إلى مقتضى العموم والإطلاق ، ومقتضى العموم المستفاد من موثقة عمار المتقدِّمة أن كل شيء أصابته النجاسة ينجس ولا ترتفع نجاسته إلاّ بغسلة وخرجنا عن عمومها في البواطن بما دلّ على أنها لا تتنجس بملاقاة النجاسة أصلاً لأنّا نتكلم على هذا البناء ومع إجمال المخصص لدورانه بين الأقل والأكثر يرجع إلى العام في غير المقدار المتيقن من المخصص ، لأنه من الشك في التخصيص الزائد فيندفع بالعموم والإطلاق.
وقد يكون من جهة الشبهة المصداقية ، كما إذا شك لظلمة ونحوها في أن ما أصابته النجاسة من البواطن أو غيرها ، وفي هذه الصورة وإن لم يجز الرجوع إلى العام لأنه من التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية ، إلاّ أن هناك أصلاً موضوعياً ومقتضاه أن المورد المشكوك فيه باق تحت العموم ، وذلك لأن الحكم بعدم التنجس في الدليل المخصص إنما رتب على عنوان الباطن وهو عنوان وجودي ومقتضى الأصل عدمه وأن المشكوك فيه ليس من البواطن لجريان الأصل في الأعدام الأزلية ، وكل ما لم يكن من البواطن لا بدّ من غسله لتنجسه بملاقاة النجاسة وعدم ارتفاعها إلاّ بغسلة.
وذلك لأن الموضوع للحكم في الموثقة هو الشيء المعبّر عنه بلفظة « ما » في قوله « ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء » وما لم يثبت أنه من الباطن أيضاً شيء ويصدق أن يقال : إنه مما أصابه ذلك الماء من غير حاجة إلى تجشم إثبات أنه من الظواهر ، هذا كله في النجاسة الخارجية.
وأما النجاسة الداخلية فقد عرفت أنها غير منجسة للبواطن ، فلو شككنا في أن ما أصابته النجاسة الداخلية من الباطن أو الظاهر فلا مناص من الحكم بطهارته بالأصل الموضوعي أو قاعدة الطهارة ، وذلك لأن وجوب الغسل في موثقة عمار الواردة في دم
[387] مسألة 2 : مطبق الشفتين من الباطن وكذا مطبق الجفنين ، فالمناط في الظاهر فيهما ما يظهر منهما بعد التطبيق (1).
الرعاف (1)إنما رتب على عنوان الظاهر حيث قال : « وإنما يغسل ظاهره ». وعليه إن قلنا إن الجملة المذكورة متكفلة لحكم إيجابي فقط وهو وجوب غسل الظاهر ، فبما أنه من العناوين الوجودية يمكن أن يحرز عدمه بالاستصحاب لجريانه في الأعدام الأزلية كما مر ، فيقال : الأصل أن المشكوك فيه لم يكن من الظاهر وكل ما لم يكن كذلك لا يتنجّس بالنجاسة الداخلية بمقتضى الموثقة.
وأما إذا بنينا على أن الجملة المذكورة متكفلة لحكمين : إيجابي وسلبي لكلمة « إنما » لأنها من أداة الحصر ، فتدل على وجوب غسل الظاهر وعدم وجوب غسل الباطن فلا يمكننا استصحاب عدم كون المشكوك فيه من الظاهر لأنه يعارض باستصحاب عدم كونه من الباطن فيتساقطان ، إلاّ أنه لا بدّ حينئذ من الرجوع إلى قاعدة الطهارة وهي تقتضي الحكم بطهارة المشكوك يه لا محالة.
(1) أما في الطهارة الحدثية من الغسل والوضوء فلا شك في أن المطبقين من البواطن ولا يجب غسلهما ، ويمكن استفادة ذلك من كلمة « الوجه » لأنها بمعنى ما يواجه الإنسان ومطبق الشفتين أو الجفنين لا يواجه الإنسان وهو ظاهر ، وكذا في غسل الجنابة لقوله : « لو أن رجلاً ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك » (2)فإنّه يقتضي عدم كون المطبقين من الظاهر لجريان العادة على عدم فتح العينين والشفتين في الارتماس وعند صبّ الماء على الوجه فلا يصل الماء إلى المطبقين ، وقد دلت الرواية على كفايته.
وإنما الكلام في الطهارة الخبثية ، والصحيح أن الأمر فيها أيضاً كذلك ، وهذا لا لموثقة عمّار الواردة في الرعاف ولا لما ورد في الاستنجاء (3)الدالّتين على أن الواجب
الحادي عشر : استبراء الحيوان الجلاّل فإنّه مطهّر لبوله وروثه (1)
إنما هو غسل ظاهر الأنف والمقعدة حتى يستشكل شيخنا الأعظم قدس سره باختصاصهما بالأنف والمقعدة وأنه لا دليل على التعدي إلى غيرهما (1). على أنهما خاصتان بالنجاسة الداخلية وقد عرفت أنها غير موجبة لتنجس البواطن أصلاً وهي خارجة عن محل الكلام ، لأن البحث في تنجس المطبقين بالنجاسة الخارجية التي بنينا على كونها موجبة لتنجس البواطن وإن كان زوالها موجباً لطهارتها.
بل لجريان السيرة على عدم فتح العينين أو الفم فيما إذا تنجس جميع البدن وأُريد تطهيره بالارتماس في كر ونحوه أو بصبّ الماء على جميع البدن ، كما يظهر ذلك من ملاحظة حال الداخلين في الحمامات وأمثالهم. ويؤيد ذلك الروايتان المتقدمتان الواردتان في طهارة بصاق شارب الخمر ، وهما روايتا عبد الحميد بن أبي الديلم والحسن بن موسى الحنّاط (2)وذلك لوصول الخمر عادة إلى مطبق الشفتين ، فلو لم يكن مطبقهما من البواطن لتنجس بشربها ولم يكف زوال العين في الحكم بطهارته وبذلك كان يتنجّس البصاق لغلبة إصابته مطبقهما ، وقد تقدّم أن المتنجِّس من غير واسطة منجِّس لما لاقاه ، ومعه لا وجه للحكم بطهارة بصاق شارب الخمر ، وحيث إنه علیه السلام حكم بطهارته فيستكشف من ذلك أن مطبق الشفتين من البواطن التي تتنجّس بملاقاة النجاسة الخارجية وإن كانت تطهر بزوال العين عنها ، ومن ذلك يظهر الحال في مطبق الجفنين أيضاً لأن حكمه حكم مطبق الشفتين.
(1) الكلام في هذه المسألة يقع في جهات :
الاولى : يحرم أكل الحيوانات الجلاّلة لصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « لا تأكل اللحوم الجلاّلة وإن أصابك من عرقها شيء فاغسله » (1)وغيرها من الأخبار.
الجهة الثانية : أن بول الجلاّلة ومدفوعها محكومان بالنجاسة ، لقوله في حسنة بن سنان عن أبي عبد اللّه علیه السلام « اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » (2)لأنها تدل على ثبوت الملازمة بين كون الحيوان محرم الأكل وكون بوله نجساً ، كما أن مقتضى إطلاقها عدم الفرق في تلك الملازمة بين الحرمة الذاتية وبين كونها عارضة بالجلل أو بغيره ، وبهذا تثبت نجاسة بول الجلاّلة لحرمة أكلها ، فإذا ثبتت نجاسة بولها ثبتت نجاسة مدفوعها لعدم الفصل بينهما بالارتكاز.
ثم إن الحرمة العرضية إنما تستتبع نجاسة البول والخرء فيما إذا كانت ثابتة على نوع المكلفين كما هو الحال في الجلل ، وأما الحرمة العرضية الثابتة لشخص دون شخص أو لطائفة دون أُخرى فهي لا تستلزم نجاسة البول والخرء ، وذلك لوضوح أن حرمة أكل لحم الشاة على المريض لاضراره مثلاً لا تستتبع نجاسة بول الشاة وخرئها كما لا تستتبعها حرمة أكلها لغيره ، وكذا الأغنام المملوكة لملاّكها لأنها محرّمة الأكل على من لم يأذن له المالك إلاّ أن أمثال تلك الحرمة العرضية لا تستلزم نجاسة بولها وروثها فالمدار في الحكم بنجاسة بول الحيوان وخرئه إنما هو حرمة لحمه على نوع المكلّفين كما أن الأمر كذلك في الملازمة بين حلية أكل لحم الحيوان وطهارة بوله وروثه ، لأن حلية الأكل العارضة لبعض دون بعض غير مستتبعة للحكم بطهارة بول الحيوان وروثه ، كما إذا اضطر أحد إلى أكل لحم السباع أو احتاج إليه للتداوي ، فالمدار في الطرفين على كون الحكم ثابتاً للنوع هذا ، وقد سبق بعض الكلام في ذلك في التكلم على نجاسة البول وعرق الإبل الجلاّلة ، فليراجع (3).
والمراد بالجلاّل مطلق ما يؤكل لحمه من الحيوانات المعتادة بتغذي العذرة (1)
(1) هذه هي الجهة الثالثة من الكلام وهي في بيان مفهوم الجلل ، والتحقيق أن الجلل لا يختص بحيوان دون حيوان بل يعم كل حيوان يتغذى بعذرة الإنسان. وما في بعض كتب اللغة من تفسير الجلاّلة بالبقرة تتبع النجاسات (1)فالظاهر أنه تفسير بالمثال ، وذلك لإطلاق الجلاّلة في بعض الأخبار المعتبرة على الإبل (2)بل قد أُطلقت على غيرها من الحيوانات كالدجاجة والبطة والشاة وغيرها على ما في بعض الأخبار الواردة في استبراء الحيوانات الجلاّلة (3).
نعم ، لا بدّ من تخصيص الجلاّلة بالحيوان الذي يأكل العذرة فلا يعم أكل سائر الأعيان النجسة ، لأنّ الأسد والهرّة وغيرهما من السباع يأكل الميتة ولا يصح إطلاق الجلاّلة عليهما. ثم على تقدير الشك في ذلك فلا مناص من الأخذ بالمقدار المتيقن وهو الأقل وفي المقدار الزائد يرجع إلى عموم العام ، وذلك لأن الجلاّل محلل الأكل في ذاته ومقتضى إطلاق ما دلّ على حليته حليته مطلقاً ، وإنما خرجنا عن ذلك في خصوص آكل العذرة للقطع بجلله ، فاذا شككنا في صدق الجلل بأكل غيرها من الأعيان النجسة فلا بد من مراجعة إطلاق ما دلّ على حليته ، كما هو الحال في موارد إجمال المخصص لدورانه بين الأقل والأكثر.
وأمّا مرسلة موسى بن أكيل عن أبي جعفر علیه السلام « في شاة شربت بولاً ثم ذبحت قال فقال : يغسل ما في جوفها ثم لا بأس به ، وكذلك إذا اعتلفت بالعذرة ما لم
1) كما في لسان العرب 11 : 119 وأقرب الموارد 1 : 133.
2) ورد ذلك في حسنة حفص بن البختري المروية في الوسائل 3 : 423 / أبواب النجاسات ب 15 ح 2.
3) كما في رواية السكوني عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد علیه السلام قال : « قال أمير المؤمنين علیه السلام : الدجاجة الجلاّلة لا يؤكل لحمها حتى تقيد ثلاثة أيام ، والبطة الجلاّلة بخمسة أيام ، والشاة الجلاّلة عشرة أيام ، والبقرة الجلاّلة عشرين يوماً والناقة الجلاّلة أربعين يوماً » الوسائل 24 : 166 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 28 ح 1 وغيره من الأخبار.
وهي غائط الإنسان ، والمراد من الاستبراء منعه من ذلك واغتذاؤه بالعلف الطاهر حتى يزول عنه اسم الجلل ، والأحوط مع زوال الاسم مضي المدّة المنصوصة في كل حيوان بهذا التفصيل (1) :
تكن جلاّلة ، والجلاّلة التي تكون ذلك غذاها » (1)فلا يمكن الاستدلال بها من جهتين : الاولى : ضعف سندها بالإرسال. الثانية : عدم دلالتها على أن الجلل هو التغذي بعذرة الإنسان فحسب لعدم تقيد العذرة في الرواية بشيء. ودعوى انصرافها إلى عذرة الإنسان مندفعة ، بأنها اسم لكل رجيع نتن ولا اختصاص لها بمدفوع الإنسان بوجه ، بل قد أُطلقت في بعض الأخبار على رجيع الكلب والسنور (2)فالرواية غير قابلة للاعتماد عليها بوجه. وإنما خصصنا الجلل بالتغذي بعذرة الإنسان خاصة نظراً إلى عدم معهودية أكل الحيوان غيرها من عذرة الكلب والهرة ونحوهما ، وإنما المشاهد أكله عذرة الإنسان فالجلل مختص به ، وعلى تقدير الشك في سعته وضيقه كان المرجع إطلاق ما دلّ على حلية أكل لحم المحلل في ذاته كما تقدم.
(1) هذه هي الجهة الرابعة من الجهات التي يتكلم عنها في المقام وهي في بيان ما يحصل به الاستبراء عن الجلل وبه ترتفع نجاسة البول والرجيع ، بناء على نجاستهما في مطلق الحيوان المحرم أكله ولو عرضاً ، أو ما يرتفع به خصوص حرمة الأكل إذا منعنا عن نجاستهما في المحرم بالعرض.
ذكر الماتن قدس سره أن المدار في ذلك على زوال اسم الجلل ، وهذا هو الوجيه لأن الموضوع في الحكم بحرمة الأكل أو هي ونجاسة البول والرجيع هو الجلل ، وبما أن الحكم يتبع موضوعه بحسب الحدوث والبقاء فمع ارتفاعه لا يحتمل بقاء الأحكام المترتبة عليه ، ولا يصغي معه إلى استصحاب بقاء الأحكام المترتبة على الحيوان حال
الجلل إذ لا مجرى للاستصحاب بعد ارتفاع موضوعه. على أنه من الاستصحاب في الشبهة الحكمية وهو ممنوع كما مر غير مرة.
وأمّا ما عن المشهور من أن الاستبراء إنما يحصل بمضي المدة المنصوصة في الروايات وإن بقي عنوان الجلل بعد انقضائها فهو على تقدير صحّة النسبة وهي مستبعدة مندفع بوجهين :
أحدهما : أن الأخبار المحددة للاستبراء كلها ضعاف ، لأنها بين مرسلة ومرفوعة وضعيفة الاسناد فلا اعتبار لها بوجه.
وثانيهما : أن المرتكز في الأذهان من تحديد حرمة الأكل أو نجاسة الخرء والبول بتلك المدة المنصوصة في الأخبار ، أن الحرمة أو النجاسة محددتان بتلك المدة بعد زوال عنوان الجلل ، بمعنى أن الإبل الجلاّلة مثلاً بعد ما زال عنها اسم الجلل لا يحكم بحلية لحمها وطهارة بولها وروثها إلاّ بعد أربعين يوماً كما في الخبر لا أن الأحكام المترتبة على الإبل الجلاّلة ترتفع بعد المدة المنصوصة وإن بقي عنوان جللها ، وقد ذكرنا نظير ذلك في مثل الأمر الوارد بغسل الثوب المتنجِّس بالبول مرتين أو بصبّ الماء على البدن كذلك (1)وما ورد في الاستنجاء من المسح بثلاثة أحجار (2)حيث قلنا إن ظاهرها كفاية الحد بعد زوال النجاسة عن المحل ، لا أن مجرد الغسل أو الصبّ أو المسح بالأحجار كاف في الحكم بالطهارة ولو بقيت العين بحالها. نعم لا يشترط ارتفاع الموضوع قبل الغسل أو الصبّ أو قبل انقضاء المدة المنصوصة في المقام ، بل يكفي ارتفاعه وزواله ولو مع الغسل أو أخويه ، فانقضاء المدة المنصوصة في الأخبار غير كاف في الحكم بحلية اللحم أو بطهارة الخرء والبول وإن بقي موضوعهما وهو عنوان الجلل.
نعم ، لو تمّت الأخبار الواردة بحسب السند لأمكن القول بأن طهارة مدفوعي
الجلاّلات وحلِّيّة لحمها متوقفتان على انقضاء المدّة المنصوصة بعد زوال عنوانها وهو الجلل ، لأنه تحديد تعبّدي فلا يحكم بارتفاع أحكامها بزوال جللها قبل المدّة المنصوصة في الأخبار ، ومع عدم تماميّة سندها كما مرّ لا مناص من حملها على الندب بناء على التسامح في أدلّة السنن.
ومن المحتمل القريب أن يكون ما ذكرناه هو المراد مما ذكره الشهيد الثاني قدس سره وغيره من اعتبار أكثر الأمرين من المقدر وما يزول به اسم الجلل بأن يقال إن نظره من ذلك إلى أن انقضاء المدة المنصوصة مع بقاء الجلل غير موجب لارتفاع الأحكام المترتبة عليه ، وذلك لأن ظاهر التحديد إرادة مضي المدّة المنصوصة بعد زوال عنوان الجلل.
وأما ما ربما يظهر من كلام صاحب الجواهر قدس سره من الأخذ بالمقدار المنصوص عليه إلاّ مع العلم ببقاء صدق الجلل ، فان انقضاء المدة غير موجب لحلِّيّة الحيوان وطهارة بوله وروثه (1)فلعلّه أيضاً ناظر إلى ما قدمناه بمعنى أنه لا يريد بذلك أن التحديد بالمقدرات المنصوصة تحديد ظاهري وأن المقدرات حجة في مقام الشك والجهل ، بل لعلّ مقصوده أن المقدرات وإن كانت تحديدات واقعية إلاّ أن التمسك بإطلاقها إنما يصحّ في موردين : أحدهما : ما إذا علم زوال اسم الجلل وعنوانه قبل انقضاء المدة المنصوصة في الأخبار. وثانيهما : ما إذا شك في زواله بانقضاء المدّة المقدرة وهو الغالب في أهل القرى والبوادي وغير المطلعين باللغة العربية ، حيث إن أكثرهم غير عالمين بزوال الجلل لجهلهم بمفهومه وأما مع العلم ببقاء عنوان الجلل فلا يمكن الحكم بحليته وطهارة بوله وروثه بمجرد انقضاء المدة المقدرة ، لما تقدم من أن المتفاهم العرفي في أمثال التحديدات الواردة في المقام هو التحديد بعد زوال الموضوع وارتفاعه ولو كان ارتفاعه مقارناً لانقضاء المدة كما مر ، وبهذا يحصل التوافق بين كلمات الشهيد وصاحب الجواهر وما ذكره الماتن ( قدس اللّه أسرارهم ) إلاّ أن هذا كله مبني على تمامية الأخبار الواردة في التحديد وقد مرّ أنها ضعيفة السند والدلالة. فالصحيح ما
1) الجواهر 36 : 276.
اخترناه تبعاً للماتن قدس سره .
فالى هنا تحصل أن مفهوم الجلل كبقية المفاهيم العرفية لا بدّ في تعيينه من الرجوع إلى العرف ، ولا اعتبار بشيء مما ذكروه في تعريفه من أنه يحصل بالتغذي بالعذرة يوماً وليلة أو بظهور النتن في لحمه وجلده أو بصيرورة العذرة جزءاً من بدنه ، بل إنما هو عرفي لا بدّ من الرجوع إليه ، فإن علمنا بحدوثه أو بارتفاعه فهو ، وإذا شككنا في حدوثه أو في بقائه فلا بد من الرجوع إلى ما تقتضيه القواعد المقررة وقتئذ ، وهي قد تقتضي الرجوع إلى عموم الدليل أو إطلاقه وقد تقتضي الرجوع إلى الاستصحاب.
وتفصيل الكلام في المقام : أن الشك في حدوث الجلل قد يكون من جهة الشبهة المفهومية وقد يكون من جهة الشبهة الموضوعية ، فان شككنا في حدوثه من جهة الشبهة المفهومية للجهل بمفهوم الجلل ، وأنه يتحقق بالتغذي بالعذرة يوماً وليلة أو بثلاثة أيام مثلاً ، فلا يمكن الرجوع حينئذ إلى الاستصحاب الحكمي للجهل بموضوعه ، ولا إلى الاستصحاب الموضوعي إذ لا شك لنا في شيء من الموجودات الخارجية ، فلا بد معه من الرجوع إلى عموم أو إطلاق الدليل الذي دلّ على حلية لحم الدجاج أو الشاة مثلاً وطهارة بولهما ومدفوعهما ، لأن ما دلّ على حرمة لحم الجلاّل أو نجاسة بوله وروثه من المخصصات المنفصلة لدليل الحلية والطهارة ، وقد بيّنا في محله أن إجمال المخصص المنفصل لا يسري إلى العام ، بل يؤخذ بالمقدار المتيقن منه للعلم بقيام حجة أقوى فيه على خلاف العموم ، وفي المقدار الزائد يرجع إلى عموم الدليل أو إطلاقه ، لأنه حجّة في مدلوله ما دام لم يقم على خلافه حجّة أقوى ، وحيث لا حجّة على خلافه في المقدار الزائد فيكون عموم العام أو إطلاقه هو المحكّم فيه (1).
وأما إذا كانت الشبهة مصداقية للعلم بمفهوم الجلل والشك في بعض الأُمور الخارجية ، كما إذا علمنا أن الجلل يتحقق بالتغذي ثلاثة أيام أو أربعة مثلاً وشككنا في أن التغذّي هل كان ثلاثة أيام أو أربعة أم لم يكن ، فلا يمكن الرجوع فيها إلى عموم الدليل بناء على عدم جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية كما هو الصحيح ، ولا
1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 181.
مناص حينئذ من الرجوع إلى استصحاب عدم حدوث الجلل وبه يحكم بحلية لحمه وطهارة بوله وروثه.
وإذا كان الشك في بقائه بعد العلم بالحدوث فهو أيضاً يتصور على قسمين : إذ قد تكون الشبهة مفهومية كما إذا شك في بقائه للجهل بمفهوم الجلل وأنه هل يزول بالاستبراء ثلاثة أيام أو بغير ذلك. نعم هذا لا يتحقّق إلاّ إذا بنينا على أن استبراء الجلل إنما هو بزوال اسمه عرفاً ، وأما إذا عملنا بالأخبار الواردة في تحديده فلا يتصور للجهل شبهة مفهومية بحسب البقاء للعلم ببقائه إلى انقضاء المدّة المقدّرة. نعم تتحقّق فيه الشبهة المصداقية كما يأتي عن قريب.
وعلى الجملة إذا شك في بقائه للشبهة المفهومية لا بدّ في غير المقدار المتيقن فيه من الرجوع إلى العموم أو الإطلاق لا الاستصحاب ، لما مرّ غير مرة من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات المفهومية. على أن الشبهة حكمية ولا يجري فيها الاستصحاب ، بل لو قطعنا النظر عن هاتين الجهتين أيضاً لا بدّ من الرجوع إلى العموم أو الإطلاق دون الاستصحاب ، وذلك لما بنينا عليه في محله من أن الأمر إذا دار بين التمسك بالعموم أو استصحاب حكم المخصص تعيّن الأخذ بالعموم من غير فرق في ذلك بين كون الزمان مأخوذاً على وجه التقييد حتى لا يمكن جريان الاستصحاب في غير المقدار المتيقن في نفسه ، أو يكون مأخوذاً على وجه الظرفية حتى يمكن جريان الاستصحاب فيه في نفسه ، إذ العموم والإطلاق محكّمان في كلتا الصورتين كان المورد قابلاً للاستصحاب أم لم يكن (1).
ثم على تقدير التنزل والبناء على أن المورد حينئذ كما أنه ليس بمورد لاستصحاب حكم المخصص ليس بمورد للتمسك بالعموم والإطلاق أيضاً كما ذكره صاحب الكفاية قدس سره في التنبيه الذي عقده لبيان هذا الأمر في الاستصحاب (2)حيث ذكر أن المورد قد لا يكون مورداً لشيء من العموم والاستصحاب ، لا بدّ من الرجوع فيه إلى
في الإبل إلى أربعين يوماً (1) وفي البقر إلى ثلاثين (1)(2)
قاعدة الحل وهي تقتضي طهارة بول الحيوان وروثه ، لأن كل ما حل أكل لحمه حكم بطهارة بوله ومدفوعه.
ثم لو ناقشنا في ذلك أيضاً بدعوى أن طهارة الروث والبول مترتبة على الحيوان الذي من شأنه وطبعه أن يكون محلل الأكل لا المحلل الفعلي بالقاعدة ، ومن الظاهر أن أصالة الحل لا تثبت الحلية الشأنية وإنما تقتضي الحلية الفعلية في ظرف الشك فحسب ، تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة في بوله وروثه. فعلى جميع تلك التقادير لا بدّ من الحكم بحلية لحم الحيوان وطهارة بوله وروثه.
وأمّا إذا شككنا في بقاء الجلل من جهة الشبهة الموضوعية ، كما إذا كان الجلل معلوماً بمفهومه وعلمنا أنه يرتفع بترك تغذي العذرة ثلاثة أيام مثلاً ، أو اعتمدنا على الروايات المتقدِّمة وبنينا على أن الجلل يزول باستبراء الحيوان أربعون يوماً مثلاً وشككنا في أن التغذي هل كان بتلك المدة أو أقل ، فلا مجال حينئذ للتمسّك بالعام لأنه من الشبهة المصداقية فلا بد من الرجوع إلى استصحاب بقاء الجلل ، وبه يحكم بنجاسة بوله وروثه كما يحكم بحرمة لحمه.
(1) نص على ذلك في جملة من الأخبار : منها خبر مسمع عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « قال أمير المؤمنين علیه السلام الناقة الجلاّلة لا يؤكل لحمها ولا يشرب لبنها حتى تغذى أربعين يوماً .... » (2)ومنها : رواية السكوني إن الناقة الجلاّلة لا يؤكل لحمها حتى تقيد أربعين يوماً (3)ومنها غير ذلك من الأخبار.
(2) كما في مرفوعة يعقوب بن يزيد (4)ونحوها خبر مسمع المتقدم على رواية الكافي ورواية يونس (5)وغيرهما من الأخبار.
وفي الغنم إلى عشرة أيام (1) وفي البطة إلى خمسة أو سبعة (2) وفي الدجاجة إلى ثلاثة أيام (3) وفي غيرها يكفي زوال الاسم.
الثاني عشر : حجر الاستنجاء على التفصيل الآتي (4).
الثالث عشر : خروج الدم من الذبيحة بالمقدار المتعارف فإنّه مطهّر لما بقي منه في الجوف (5).
(1) كما في روايات السكوني ومسمع والجوهري ومرفوعة يعقوب بن يزيد (1).
(2) ورد التحديد بخمسة أيام في روايتي السكوني ومسمع كما ورد سبعة أيام في رواية يونس.
(3) كما في جملة من الأخبار : منها رواية السكوني ومنها خبر مسمع ومنها غير ذلك من الروايات.
(4) يأتي عليه الكلام في محلِّه (2).
(5) إطلاق المطهر على ذلك يبتني على القول بنجاسة الدم في الباطن ، فان خروج المقدار المتعارف من الذبيحة حينئذ مطهر للمقدار المتخلف في الجوف ومزيل لنجاسته ، وأما بناء على عدم نجاسته لاختصاص أدلتها بالدم الخارجي فإطلاق المطهّر على خروج الدم بالمقدار المتعارف بمعنى الدفع لا الرفع ، لأنه إنما يمنع عن الحكم بنجاسة المقدار المتخلف من الدم لا أنه رافع لنجاسته ، حيث لم يكن محكوماً بالنجاسة في زمان حتى يحكم بارتفاعها بسببه ، وإطلاق المطهر بمعنى الدفع أمر لا بأس به وقد
الرابع عشر : نزح المقادير المنصوصة (1) لوقوع النجاسات المخصوصة في البئر على القول بنجاستها ووجوب نزحها.
الخامس عشر : تيمم الميت (2) بدلاً من الأغسال عند فقد الماء ، فإنّه مطهر لبدنه (1)على الأقوى (3).
وقع نظره في الآية المباركة ( يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (2)لأنّ التطهير فيها بمعنى المنع عن عروض ما يقابل الطهارة عليهم ( عليهم أفضل الصلاة ) لا الرفع ، فإنّهم قد خلقوا طاهرين وأنهم المطهرون من الابتداء.
(1) لزوال النجاسة بسببه.
(2) لعدم وجدان الماء حقيقة أو لعدم التمكّن من استعماله ، لتناثر لحم الميت أو جلده بالتغسيل كما في المجدور والمحروق ، وما ورد من الأمر بصبّ الماء عليه صباً (3)محمول على صورة عدم تناثر لحمه أو جلده بالتغسيل وصبّ الماء عليه.
(3) استفادة أن التيمم يكفي في ارتفاع الخبث من أدلة بدلية التيمم عن الغسل في الأموات من الصعوبة بمكان ودون إثباته خرط القتاد ، لأن غاية ما يمكن أن يستفاد من أدلة البدلية أن التيمم في الأموات كالأحياء ينوب عن الاغتسال في رفعه الحدث وأما أنه يرفع الخبث ويطهر بدن الميت أيضاً فهو يحتاج إلى دليل.
نعم ، لو ثبت أن نجاسة بدن الميت متفرعة على حدثه بحيث ترتفع لو ارتفع ، قلنا بطهارة جسده في المقام لارتفاع حدثه بالتيمم وأنى لنا بإثباته ، لأنهما حكمان ثبت كل منهما بدليل ، لوضوح أن وجوب تغسيل الميت حكم ثبت بأدلته ، ونجاسة بدنه حكم على حدة ثبت بدليلها ، ومقتضى إطلاقه عدم ارتفاعها بشيء حتى تغسل بالماء ، ومن هنا استشكلنا في التعليقة وذكرنا أن الأقرب بقاء بدنه على النجاسة ما لم يغسل.
السادس عشر : الاستبراء بالخرطات بعد البول ، وبالبول بعد خروج المني ، فإنّه مطهّر لما يخرج منه من الرطوبة المشتبهة ، لكن لا يخفى أن عدّ هذا من المطهرات من باب المسامحة ، وإلاّ ففي الحقيقة مانع عن الحكم بالنجاسة أصلاً.
السابع عشر : زوال التغيّر في الجاري والبئر ، بل مطلق النابع بأيّ وجه كان (1) وفي عدّ هذا منها أيضاً مسامحة ، وإلاّ ففي الحقيقة المطهّر هو الماء الموجود في المادة (2).
الثامن عشر : غيبة المسلم فإنّها مطهّرة لبدنه أو لباسه أو فرشه أو ظرفه أو غير ذلك ممّا في يده (3).
(1) ولو بإلقاء كر عليه أو بزوال التغيّر عنه بنفسه.
(2) بمعنى أن اتصاله بالمادة هو المطهر له ، وزوال التغيّر شرط في طهارته فلا يكون زوال التغيّر مطهراً له.
(3) عد غيبة المسلم من المطهرات لا يخلو عن تسامح ظاهر ، لأنها طريق يستكشف بها طهارة بدن المسلم وما يتعلق به لدى الشك ، لا أنها مطهرة لبدنه ومتعلقاته ، فالأولى ذكرها في عداد ما تثبت به الطهارة كإخبار ذي اليد وخبر الثقة ونحوهما.
والوجه في الحكم بالطهارة معها استمرار سيرتهم القطعية المتصلة بزمان المعصومين علیهم السلام على المعاملة مع المسلمين وألبستهم وظروفهم وغيرها مما يتعلق بهم معاملة الأشياء الطاهرة عند الشك في طهارتها ، مع العلم العادي بتنجسها في زمان لا محالة ، ولا سيما في الجلود واللحوم والسراويل للعلم بتنجسها حين الذبح أو في وقت ما من غير شك ، ومع هذا كله لا يبنون على نجاستها بالاستصحاب وهذا مما لا شبهة فيه. إنما الكلام في أن الحكم بالطهارة وقتئذ وعدم التمسك باستصحاب
الحالة السابقة هل هو من باب تقديم الظاهر على الأصل ، لظهور حال المسلم في التجنب عن شرب النجس وعن الصلاة في غير الطاهر وعن بيع النجس من غير اعلام بنجاسته وهكذا ، أو أن الطهارة حكم تعبدي نظير قاعدة الطهارة من غير ملاحظة حال المسلم وظهوره؟ فعلى الأول يستند عدم جريان الاستصحاب إلى قيام الأمارة على انتقاض الحالة السابقة وخلافها ، كما أنه على الثاني يستند إلى التخصيص في أدلة اعتبار الاستصحاب.
ذهب شيخنا الأنصاري قدس سره إلى الأول لظهور حال المسلم في التنزه عن النجاسات ، وقد جعله الشارع أمارة على الطهارة للسيرة وغيرها (1)كما جعل سوق المسلمين أمارة على الذكاة ، وعليه لا يمكن الحكم بطهارة بدن المسلم وتوابعه إلاّ مع عدم العلم بعدم مبالاته بالنجاسة ، إذ لا يستكشف الطهارة بظهور حال المسلم مع القطع بعدم مبالاته بنجاسته. كما أنه يشترط في الحكم بالطهارة بناء على أنها من باب تقديم الظاهر على الأصل علم المسلم بنجاسة ما يستعمله ، لوضوح أنه لا ظهور في التنزه عن النجاسة في استعمالاته مع الجهل بالنجاسة ، وهذا ينحل إلى أمرين :
أحدهما : استعماله الثوب أو غيره فيما يشترط فيه الطهارة.
وثانيهما : العلم بشرطية الطهارة فيما يستعمله ، لأنه لولاهما لم يكن استعماله الخارجي إخباراً عملياً عن طهارة ما يستعمله فلا يكون له ظهور في الطهارة بوجه. نعم العلم بأن المستعمل عالم بالاشتراط غير معتبر في استكشاف الطهارة إذ يكفي احتمال كونه عالماً به ، وذلك لأن حال المسلم ظاهر في كونه عارفاً بما يشترط في أعماله ، ومن هنا لم نستبعد في التعليقة كفاية احتمال العلم أيضاً ، هذا كله بناء على أن الحكم بالطهارة عند الغيبة من باب تقديم الظاهر على الأصل وحمل فعل المسلم على الصحة.
ولا يبعد أن يقال إن الحكم بالطهارة أمر تعبدي كما هو الحال في قاعدة الطهارة من غير أن يلاحظ حال المسلم وظهوره ، وعليه لا يعتبر في الحكم بالطهارة شيء من
1) كتاب الطهارة : 389 السطر 31 ( بحث المطهرات ومنها : الغيبة ).
الشرائط المتقدِّمة ، ويبتني استكشاف أنه من باب التعبّد على التأمل في أن السيرة الجارية على الحكم بالطهارة في موارد الغيبة خاصة بموارد وجود الشرائط المتقدِّمة أو أنها جارية في جميع الموارد حتى في الفاقد لتلك الشروط؟
والأقرب أنها عامة لجميع موارد الشك في الطهارة وإن لم يكن واجداً للشروط ، وذلك لأن التأمل في سيرة الأئمة علیهم السلام وتابعيهم في عصرهم وغيره يعطي عدم اختصاصها بمورد دون مورد ، لأنهم علیهم السلام كانوا يساورون أهل الخلاف الموجودين في زمانهم ويدخلون بيوت الفسقة والمرتكبين لأعظم المحرمات ، مع أن العامة لا يلتزمون بنجاسة جملة من الأُمور المعلومة نجاستها عندنا لذهابهم إلى طهارة جلد الميتة بالدباغة (1)وطهارة مخرج البول بالتمسّح على الحائط ونحو ذلك (2)والفسقة كانوا يشربون الخمور ولا يبالون بإصابة البول وغيره من النجاسات والمتنجسات ولم يسمع تجنبهم علیهم السلام عن أمثالهم وعدم مساورتهم أو غسلهم لما يشترونه من الفساق أو أهل الخلاف. وكذلك الحال في المسلمين فتراهم يشترون الفرو مثلاً ممن يغلب في بلاده المخالفون من غير سؤال عن صانعه وأنه من الشيعة أو غيرهم.
وقد نسب إلى الميرزا الشيرازي قدس سره أنه كان بانياً في الحكم بالطهارة عند الغيبة على مراعات الشروط المتقدِّمة إلى أن نزل سامراء وشاهد العامة وأوضاعهم فعدل عن ذلك وبنى على عدم اعتبار تلك الشروط ، ومن الظاهر أن أهل الخلاف الذين كانوا يتعيشون في عصرهم علیهم السلام إما كانوا أسوأ حالاً منهم في عصرنا أو أنهم مثلهم ، وقد عرفت أن من النجاسات القطعية عندنا ما هو محكوم بالطهارة عندهم ، وكذلك أهل القرى والبوادي لعدم جريان السيرة على التجنب عن مساورتهم والمؤاكلة معهم مع العلم بتنجس ظروفهم أو ألبستهم أو أيديهم في زمان وعدم علمهم بنجاسة جملة من النجاسات والمتنجسات في الشريعة المقدّسة.
الأوّل : أن يكون عالماً بملاقاة المذكورات للنجس الفلاني.
الثاني : علمه بكون ذلك الشيء نجساً أو متنجساً اجتهاداً أو تقليداً.
الثالث : استعماله لذلك الشيء فيما يشترط فيه الطّهارة ، على وجه يكون أمارة نوعية على طهارته ، من باب حمل فعل المسلم على الصحّة (1).
فالإنصاف أن السيرة غير مختصة بمورد دون مورد إلاّ أنه مع ذلك لا يمكننا الجزم بعدم الاشتراط ، لإمكان المناقشة فيما تقدم بأن عدم تجنبهم عن مساورة الأشخاص المتقدم ذكرهم يحتمل أن يكون مبنياً على عدم تنجيس المتنجِّس شرعاً.
ويمكن الجواب عن ذلك بأن الاستدلال بالسيرة لا يتوقف على القول بالسراية في المتنجسات ، لأنّا لو قلنا بالسراية في المتنجِّس من دون واسطة وأنكرناها في غيره بل لو سلمنا عدم تنجيس المتنجِّس مطلقاً أيضاً أمكننا الاستدلال بالسيرة على عدم الاشتراط ، لعدم اختصاصها بعدم الغسل فيما يصيبه العامّة أو الفسقة بأبدانهم أو في ألبستهم وغيرها مما يتعلق بهم حتى يحتمل استنادها إلى إنكار السراية في المتنجسات ، بل هي جارية على المعاملة مع الأُمور المذكورة معاملة الأشياء الطاهرة ، لأنهم يصلّون فيما يشترونه من أمثالهم كالفرو في المثال المتقدم ، ومن الظاهر أنه لو كان محكوماً بالنجاسة لم تصح فيه الصلاة قلنا بالسراية في المتنجسات أم لم نقل.
وعلى الجملة القول بعدم الاشتراط هو الأقرب ، والسيرة مخصصة للاستصحاب وبها يحكم بالطهارة فيما علمنا بنجاسته سابقاً عند احتمال طروء الطهارة عليه ، إلاّ أن الاحتياط اللاّزم يقتضي اعتبار الشرائط المتقدِّمة في الحكم بالطهارة.
(1) الشروط المذكورة تبتني أكثرها على أن يكون الحكم بالطهارة في موارد الغيبة من باب تقديم الظاهر على الأصل حملاً لفعل المسلم على الصحيح ، وحيث لم يثبت ذلك لما تقدّم من أن الحكم بالطهارة في تلك الموارد أمر تعبدي وليس من باب أمارية حال المسلم وظهوره ، فالقول بشرطية الأُمور المذكورة يكون مبنياً على الاحتياط كما مرّ.
الرابع : علمه باشتراط (1)الطهارة في الاستعمال المفروض (1).
الخامس : أن يكون تطهيره لذلك الشيء محتملاً ، وإلاّ فمع العلم بعدمه لا وجه للحكم بطهارته (2) بل لو علم من حاله أنه لا يبالي بالنجاسة وأن الطاهر والنجس عنده سواء يشكل الحكم بطهارته ، وإن كان تطهيره إياه محتملاً. وفي اشتراط كونه بالغاً ، أو يكفي ولو كان صبياً مميزاً وجهان (2)(3) والأحوط ذلك. نعم لو رأينا أن وليه مع علمه بنجاسة بدنه أو ثوبه يجري عليه بعد غيبته آثار الطهارة لا يبعد البناء عليها. والظاهر إلحاق الظلمة والعمى بالغيبة مع تحقق الشروط المذكورة (4).
(1) قد عرفت الكلام في ذلك فلا نعيد.
(2) ضرورة أن جريان السيرة مختص بصورة الشك ولا يحتمل أن تكون الغيبة من المطهرات.
(3) أقواهما عدم اشتراط البلوغ ، لأن المميز إذا كان مستقلا في تصرفاته كالبالغين حكم بطهارة بدنه وما يتعلق به عند احتمال طروء الطهارة عليهما ، لجريان السيرة على المعاملة معهما معاملة الطهارة. نعم لو كان الطفل غير مميز ولم يكن مستقلا في تصرّفاته ولا أنها صدرت تحت رعاية البالغين لم يحكم بطهارة بدنه وثيابه وغيرهما بعد العلم بنجاستهما في زمان ما بمجرد احتمال تطهيرهما ، وذلك لعدم تمكنه من تطهيرهما بنفسه على الفرض ، فاحتمال الطهارة حينئذ إما من جهة احتمال إصابة المطر لهما أو من جهة احتمال تطهير البالغين لبدنه أو ثيابه من باب الصدفة والاتفاق ، إلاّ أن احتمال الصدفة مما لا يعتنى به عند المتشرعة والعقلاء. نعم الطفل غير المميز إذا كانت أفعاله تحت رعاية البالغين حكم بطهارة بدنه وألبسته وجميع ما يتعلق به كالبالغين عند احتمال طروء الطهارة عليها ، لأنه حينئذ من توابع البالغ الذي تصدى لأفعاله وأُموره.
(4) لأن الغيبة ليست لها خصوصية في الحكم بالطهارة فإنّه يدور مدار قيام
ثم لا يخفى أن مطهرية الغيبة إنما هي في الظاهر وإلاّ فالواقع على حاله ، وكذا المطهِّر السابق وهو الاستبراء بخلاف سائر الأُمور المذكورة. فعد الغيبة من المطهِّرات من باب المسامحة ، وإلاّ فهي في الحقيقة من طرق إثبات التطهير.
[388] مسألة 1 : ليس من المطهِّرات الغسل بالماء بالمضاف (1) ولا مسح النجاسة عن الجسم الصقيل كالشيشة (2) ولا إزالة الدم بالبصاق (3) ولا غليان
السيرة وعدمه ، وهي كما أنها متحقِّقة في موارد الغيبة كذلك متحقِّقة في غيرها ، لأنهم إذا رأوا أحداً استنجى خارج الفسطاط وعلموا بنجاسة يده عاملوا معها معاملة الطهارة عند احتمال تطهيرها بعد ذلك ، فلا موضوعية للغيبة والحكم يشمل موارد الظلمة والعمى وغيرهما.
(1) كما قدّمناه في بحث المياه وضعّفنا ما ذهب إليه الشيخ المفيد والسيد قدس سرهما (1).
(2) وإن ذهب السيد والمحدث الكاشاني قدس سرهما إلى كفاية زوال العين في الأجسام الصقيلة بالمسح أو بغيره إلاّ أن مقتضى إطلاقات الأمر بالغسل كقوله في موثقة عمار : « ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ... » (2)عدم الفرق في وجوبه بين الأجسام الشفافة الصقيلة وغيرها على ما مر عليه الكلام في محلِّه (3).
(3) وإن وردت في رواية غياث (4)إلاّ أنّا أجبنا عنها في البحث عن أحكام المضاف فليراجع (5).
الدم في المرق (1) ولا خبز العجين النجس (2) ، ولا مزج الدهن النجس بالكر الحار (3) ولا دبغ جلد الميتة (4) وإن قال بكل قائل.
[389] مسألة 2 : يجوز استعمال جلد الحيوان الذي لا يؤكل لحمه بعد التذكية ولو فيما يشترط فيه الطهارة ، وإن لم يدبغ على الأقوى. نعم يستحب أن لا يستعمل مطلقاً إلاّ بعد الدبغ (5).
(1) كما مرّ في التكلّم على نجاسة الدم (1).
(2) كما أُشير إليه في المسألة الرابعة والعشرين من فروع التطهير بالماء (2).
(3) كما تقدّم في المسألة التاسعة عشرة من فروع التطهير بالماء (3). ولا مناقضة فيما أفاده في تلك المسألة وفي المقام حيث حكم في كليهما بعدم كفاية مزج الدهن النجس بالكر. نعم حكى هناك قولاً بكفايته واستشكل فيه إلاّ أنه استثنى صورة واحدة ولم يستبعد الطهارة فيها ، وهي ما إذا جعل الدهن في كر حار وغلى مقداراً من الزمان حتى وصل إلى جميع الأجزاء الدهنية ، وقد ذكرنا هناك أن ذلك أمر لا تحقق له خارجاً وأن الماء لا يصل إلى جميع الأجزاء الدهنية بالغليان.
(4) نعم ، ورد في بعض الأخبار ما يدل على طهارة جلد الميتة المدبوغ (4)إلاّ أنها غير قابلة للاستناد إليها لضعفها ومعارضتها مع الأخبار الكثيرة وموافقتها للعامّة كما تعرّضنا لتفصيله في التكلّم على نجاسة الميتة فليراجع (5).
(5) في هذه المسألة عدّة فروع :
أحدها : أنّ الحيوان الذي لا يؤكل لحمه إذا لم تقع عليه التذكية كما إذا مات حتف أنفه أو بسبب آخر غير شرعي فهل يجوز استعمال جلده أو لا يجوز؟ وقد ذكرنا (1)في التكلّم على الانتفاع بالميتة أن جواز الانتفاع بها فيما لا يشترط فيه الطهارة مما لا تأمل فيه وإنما استشكلنا في جواز بيعها وعليه لا مانع من استعمال جلد الحيوان في مفروض الكلام. والماتن قدس سره لم يصرِّح بهذا الفرع في كلامه وإنما أشار إليه بقوله : بعد التذكية.
ثانيها : أن جلد الحيوان الذي لا يؤكل لحمه هل يجوز أن يستعمل بعد التذكية وإن لم يدبغ ، أو أن استعماله محرم قبل دباغته؟
حكي عن الشيخ في المبسوط (2)والخلاف (3)وعن السيد المرتضى في مصباحه المنع من استعماله قبل الدبغ (4). ونسبه في الذكرى إلى المشهور (5). وعن كشف اللثام نسبته إلى الأكثر (6). وذلك إما لتوقف تذكية الجلد وطهارته على الدبغ أو من جهة حرمة استعماله قبل الدبغ تعبداً. وذهب الآخرون إلى جواز استعماله من غير حاجة إلى الدبغ ، وهذا هو الصحيح لإطلاق الأخبار الدالّة على جواز الانتفاع بجلد الحيوان بعد التذكية منها : موثقة سماعة قال : « سألته عن جلود السباع أينتفع بها؟ قال : إذا رميت وسميت فانتفع بجلده » (7). ومنها : موثقته الأُخرى قال : « سئل أبو عبد اللّه علیه السلام عن جلود السباع ، فقال : اركبوها ولا تلبسوا شيئاً منها تصلّون فيه » (8).
1) في شرح العروة 2 : 471 - 473.
2) المبسوط 1 : 15.
3) الخلاف 1 : 64 المسألة 11.
4) نقل عنه المحقق في المعتبر 1 : 466 والعلاّمة في المختلف 1 : 343.
5) الذكرى : 16.
6) كشف اللثام 1 : 486.
7) الوسائل 3 : 489 / أبواب النجاسات ب 49 ح 2 ، 24 : 185 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 34 ح 4.
8) الوسائل 4 : 353 / أبواب لباس المصلي ب 5 ح 4 ، 6.
[390] مسألة 3 : ما يؤخذ من الجلود من أيدي المسلمين أو من أسواقهم محكوم بالتذكية (1) وإن كانوا ممن يقول بطهارة جلد الميتة بالدبغ.
ومنها غير ذلك من الأخبار ، فما حكي عن الشيخ والسيد مما لا وجه له.
وربما نقل عن الشيخ الاستدلال على ما ذهب إليه بأن الإجماع قام على جواز الانتفاع به بعد دباغته ولم يقم إجماع على جوازه قبل الدبغ. وهو استدلال عجيب لبداهة عدم انحصار الدليل بالإجماع ويكفي في الحكم بالجواز إطلاق الروايات كما تقدم. هذا على أن مقتضى أصالة الحل جواز الانتفاع بالجلد قبل دباغته لأنه فعل يشك في حرمته والأصل يقتضي حليته ، ومعه لا يحتاج في الحكم بالجواز إلى دليل فان المتوقف على الدليل إنما هو الحرمة دون الجواز.
وثالثها : أن جلد الحيوان الذي لا يؤكل لحمه هل يستحب التجنب عن استعماله قبل الدبغ؟ ذهب المحقِّق في الشرائع (1)والعلاّمة في محكي القواعد (2)إلى استحبابه ووافقهما الماتن قدس سره وعن المعتبر (3)والمختلف (4)كراهة استعماله قبل الدبغ. ولا يمكن المساعدة على شيء من ذلك لعدم دلالة الدليل على كراهة الاستعمال ولا على استحباب التجنب عنه ، لما حكى في المدارك (5)عن المحقق في المعتبر من أنّا إنما قلنا بالكراهة تفصياً عن شبهة الخلاف ، ومعنى ذلك أن القول بالكراهة أو الاستحباب للاحتياط لا لأنه أمر مستحب أو مكروه في نفسه ، وحيث إن مستند المنع ضعيف فلا موجب للقول بالكراهة أو استحباب التجنّب عن استعماله قبل الدبغ.
(1) وكذا اللحوم والشحوم وذلك للروايات الكثيرة (6)الدالّة على طهارة اللّحم أو الجلد المأخوذين من أسواق المسلمين أو من أيديهم وإن كانوا معتقدين بطهارة جلد
[391] مسألة 4 : ما عدا الكلب والخنزير من الحيوانات التي لا يؤكل لحمها قابل للتذكية فجلده ولحمه طاهر بعد التذكية (1).
[392] مسألة 5 : يستحب غسل الملاقي في جملة من الموارد مع عدم تنجسه كملاقاة البدن أو الثوب لبول الفرس والبغل والحمار (2) وملاقاة الفأرة الحيّة
الميتة بالدبغ. وفي بعضها : « واللّه إني لأعترض السوق فأشتري بها اللّحم والسمن والجبن واللّه ما أظن كلهم يسمّون هذه البربر وهذه السودان » (1)وقد ورد المنع عن السؤال في بعضها (2)فلا يعتنى معها باحتمال عدم التذكية أو كون الدباغة مطهرة عنده. وهذه المسألة قد تقدّمت في البحث عن نجاسة الميتة مفصّلاً (3).
وهذا بخلاف اللحوم والجلود المأخوذة من غير المسلمين وأسواقهم لأنه إذا لم يكن هناك أمارة أُخرى على التذكية فمقتضى الاستصحاب عدمها ، إلاّ أن هذا الاستصحاب لا يترتّب عليه الحكم بنجاسة الجلود واللحوم وإنما يترتب عليه حرمة أكلها وعدم جواز الصلاة فيها ، وذلك لأن النجاسة مترتبة على عنوان الميتة واستصحاب عدم التذكية لا يثبت كونها ميتة والتفصيل موكول إلى محلِّه.
(1) مرّت الإشارة إلى ذلك في المسألة الثالثة من مسائل نجاسة البول والغائط فليراجع (4).
(2) للأمر بغسلهما من أبوال الدواب الثلاث في جملة من الأخبار (5)المحمولة على
1) الوسائل 25 : 119 / أبواب الأطعمة المباحة ب 61 ح 5.
2) إسماعيل بن عيسى قال : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلماً غير عارف؟ قال : عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك ، وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه ». الوسائل 3 : 492 / أبواب النجاسات ب 50 ح 7.
3) شرح العروة 2 : 452.
4) شرح العروة 2 : 409.
5) حسنة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن أبوال الدواب والبغال والحمير فقال : اغسله ، فان لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كله ، فان شككت فانضحه » وغيرها من الأخبار المروية في الوسائل 3 : 407 / أبواب النجاسات ب 9 ح 5 وغيره.
مع الرطوبة مع ظهور أثرها (1) والمصافحة مع الناصبي بلا رطوبة (2). ويستحب النضح أي الرش بالماء في موارد ، كملاقاة الكلب (3).
الاستحباب جمعاً بينها وبين ما دلّ بصراحته على عدم وجوب الغسل من أبوالها. ويمكن المناقشة في ذلك بأن الأخبار الدالّة على نجاسة الأبوال المذكورة بالأمر بغسلها محمولة على التقيّة لذهاب جم غفير من العامّة (1)إلى نجاسة البول من الحيوانات المكروه لحمها ، ومعه لا يبقى أي دليل على الحكم بالاستحباب.
(1) كما ورد في صحيحة علي بن جعفر قال : « سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء فتمشي على الثياب أيصلّى فيها؟ قال : اغسل ما رأيت من أثرها ، وما لم تره أنضحه بالماء » (2)وحملت على الاستحباب لجملة من الأخبار المعتبرة الدالّة على طهارتها وعدم وجوب الغسل من أثرها.
(2) لخبر خالد القلانسي قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام ألقى الذمي فيصافحني ، قال : امسحها بالتراب أو الحائط ، قلت : فالناصب؟ قال : اغسلها » (3)المحمول على الاستحباب لعدم سراية النجس مع الجفاف كما هو مفروض الرواية ، فإنّه لولاه لم يكن وجه لقوله : « امسحها بالتراب وبالحائط » لتعيّن الغسل حينئذ ، وبما أن الرواية ضعيفة بعلي بن معمر فالحكم بالاستحباب يبتني على التسامح في أدلة السنن.
(3) ورد ذلك في صحيحة البقباق قال : « قال أبو عبد اللّه علیه السلام إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله ، وإن مسه جافاً فاصبب عليه الماء ... » (4)وفي
والخنزير (1) والكافر بلا رطوبة (2) وعرق الجنب من الحلال (3) وملاقاة ما شك في ملاقاته لبول الفرس والبغل والحمار (4) ،
حديث الأربعمائة : « تنزهوا عن قرب الكلاب فمن أصاب الكلب وهو رطب فليغسله وإن كان جافّاً فلينضح ثوبه بالماء » (1)ونحوها غيرها ، وحيث أن ملاقاة النجس مع الجفاف غير موجبة للسراية ، ووجوب الصبّ أو النضح خلاف المقطوع به حمل الأمر بهما في الأخبار على الاستحباب.
(1) ففي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه علیه السلام قال : « سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به؟ قال : إن كان دخل في صلاته فليمض ، فان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه إلاّ أن يكون فيه أثر فيغسله » (2)وغير ذلك من الأخبار.
(2) كما ورد في مصححة الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الصلاة في ثوب المجوسي؟ فقال : يرش بالماء » (3)المحمولة على الاستحباب إذا لم يعلم ملاقاته الثوب عن رطوبة ، وحيث إن المجوسي لا خصوصية له فيتعدّى عنه إلى غيره من أصناف الكفار.
(3) لموثقة أبي بصير قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن القميص يعرق فيه الرجل وهو جنب حتى يبتل القميص؟ فقال : لا بأس وإن أحب أن يرشه بالماء فليفعل » (4).
(4) لقوله علیه السلام في حسنة محمّد بن مسلم المتقدِّمة : « فإن شككت فانضحه ».
وملاقاة الفأرة الحية مع الرطوبة إذا لم يظهر أثرها (1). وما شك في ملاقاته للبول (2) أو الدم أو المني (3) وملاقاة الصفرة الخارجة من دبر صاحب البواسير (4) ومعبد اليهود والنصارى والمجوس إذا أراد أن يصلي فيه (5). ويستحب المسح
(1) لقوله علیه السلام في صحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة : « وما لم تره انضحه بالماء ».
(2) لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال : « سألت أبا إبراهيم علیه السلام عن رجل يبول بالليل فيحسب أن البول أصابه فلا يستيقن فهل يجزئه أن يصب على ذكره إذا بال ولا يتنشف؟ قال : يغسل ما استبان أنه أصابه وينضح ما يشك فيه من جسده أو ثيابه ويتنشف قبل أن يتوضأ » (1).
(3) لحسنة عبد اللّه بن سنان قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم؟ قال : إن كان قد علم أنه أصاب ثوبه جنابة أو دم قبل أن يصلي ثم صلّى فيه ولم يغسله فعليه أن يعيد ما صلّى ، وإن كان لم يعلم به فليس عليه إعادة ، وإن كان يرى أنه أصابه شيء فنظر فلم يرَ شيئاً أجزأه أن ينضحه بالماء » (2).
(4) لصحيحة البزنطي قال : « سأل الرضا علیه السلام رجل وأنا حاضر فقال : إن لي جرحاً في مقعدتي فأتوضأ ثم أستنجي ، ثم أجد بعد ذلك الندى والصفرة تخرج من المقعدة أفأُعيد الوضوء؟ قال : قد أيقنت؟ قال : نعم ، قال : لا ولكن رشّه بالماء ولا تعد الوضوء » (3)والجرح يعم البواسير وغيرها.
(5) كما في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته
1) الوسائل 1 : 320 / أبواب أحكام الخلوة ب 11 ح 1 ، 3 : 466 / أبواب النجاسات ب 37 ح 2.
2) الوسائل 3 : 475 / أبواب النجاسات ب 40 ح 3. ثم إن كلمة « دم » في الجواب موجودة في التهذيب [ التهذيب 2 : 359 ] والوسائل وغير موجودة في الكافي [ الكافي 3 : 406 / 9 ] والوافي 6 : 164 فعلى نسختهما لا بدّ من حمل الجنابة على المثال ليطابق الجواب مع السؤال.
3) الوسائل 1 : 292 / أبواب نواقض الوضوء ب 16 ح 4.
بالتراب أو بالحائط في موارد : كمصافحة الكافر الكتابي بلا رطوبة (1) ومس الكلب والخنزير بلا رطوبة ، ومس الثعلب والأرنب (2).
عن الصلاة في البيع والكنائس وبيوت المجوس؟ فقال : رش وصلّ » (1)وغيرها من الأخبار (2)والوارد فيها بيوت المجوس لا معابدهم ومن ثمة عبّر صاحب الوسائل قدس سره بباب جواز الصلاة في بيوت المجوس فليلاحظ. وقد أسلفنا بعض الكلام في هذه المسألة عند التكلّم على أحكام النجاسات فليراجع (3).
(1) كما في رواية القلانسي المتقدِّمة (4)وقد عرفت الحال فيها.
(2) هذا وإن اشتهر في كلام جملة منهم كما نقله صاحب الحدائق قدس سره (5)إلحاقاً لهما بسابقهما ، بل عن الشيخ في المبسوط استحبابه في كل نجاسة يابسة أصابت البدن (6)، وعن ابن حمزة إيجابه في مس الكلب والخنزير وأخويهما (7)بل هو ظاهر الطوسي قدس سره في نهايته بزيادة الثعلب والأرنب والفأرة والوزغة (8)وكذا المفيد قدس سره بإسقاط الأرنب والثعلب (9)إلاّ أنه لم يقم دليل على استحباب ذلك فضلاً عن وجوبه ، فالحكم باستحباب التمسّح حينئذ يستند إلى فتوى الأصحاب ولا بأس به بناء على التسامح في أدلّة السنن ، إلاّ أنه على ذلك لا وجه للاقتصار على ما ذكره الماتن قدس سره بل لا بدّ من إضافة الفأرة والوزغة بل كل نجاسة يابسة لوجود الفتوى باستحباب التمسّح في مسّها.
إذا علم نجاسة شيء يحكم ببقائها ما لم يثبت تطهيره ، وطريق الثبوت أُمور : الأوّل : العلم الوجداني (1) الثاني : شهادة العدلين بالتطهير أو بسبب الطهارة ، وإن لم يكن مطهراً عندهما أو عند أحدهما ، كما إذا أخبرا بنزول المطر على الماء النجس بمقدار لا يكفي عندهما (2)
فصل
(1) لأنه حجّة بذاته وهو أقوى الحجج والطرق.
(2) لا شبهة في حجِّيّة البيِّنة في الشريعة المقدّسة على ما بيّنّاه مفصّلاً في مباحث المياه وعند البحث عمّا تثبت به النجاسة فليراجع (1)وإنما الكلام في أن البيِّنة إذا قامت على طهارة شيء معلوم النجاسة سابقاً هل يترتب أثر عليها أو لا أثر لها؟
الثاني هو الصحيح ، وذلك لأن الطهارة ليست أمراً قابلاً للاحساس بإحدى الحواس ، وإنما هي حكم حدسي نظري ولا معنى للشهادة فيه ، لأنها إنما تعتبر في الأُمور المحسوسة فحسب ، فعلى ذلك ترجع الشهادة بالطهارة إلى الشهادة بالسبب كإصابة المطر أو الاتصال بالكر وغيرهما من الأسباب المحسوسة للطهارة ، وهذا إنما يفيد فيما إذا كان السبب متحداً عند الشاهد والمشهود عنده ، كما لو اعتقدا كفاية مجرد الاتصال بالكر في التطهير لأن السبب يثبت بذلك لدى المشهود عنده ولا مناص له من الحكم بالطهارة على طبقه.
وأما إذا اختلف السبب عندهما كما إذا اعتقد الشاهد كفاية الاتصال بالكر في التطهير وبنى المشهود عنده على عدم كفايته فلا أثر للشهادة حينئذ ، لاحتمال استناد
1) شرح العروة 2 : 260 ، 3 : 155.
في التطهير مع كونه كافياً عنده ، أو أخبرا بغسل الشيء بما يعتقدان أنه مضاف وهو عالم بأنه ماء مطلق ، وهكذا. الثالث : إخبار ذي اليد وإن لم يكن عادلاً (1). الرابع : غيبة المسلم (2) على التفصيل الذي سبق. الخامس : إخبار الوكيل (1)في التطهير بطهارته (3).
الشاهد في شهادته هذه إلى ما لا أثر له عند من يشهد له ومعه لا بدّ من الرجوع إلى استصحاب نجاسته السابقة. وعلى الجملة حال الشهادة على المسبب حال الشهادة على السبب وليس لها أثر زائد عليه.
(1) لقيام السيرة القطعية على المعاملة مع الأشياء المعلومة نجاستها السابقة معاملة الأشياء الطاهرة لدى الشك إذا أخبر ذو اليد بطهارتها.
(2) كما تقدّم (2)وعرفت تفصيل الكلام فيه.
(3) للسيرة الجارية على اتباع قول الوكيل فيما وكل فيه كالطهارة فيما وكل لتطهيره ، وهذا لا بما أنه إخبار الوكيل بل بما أنه من مصاديق الكبرى المتقدِّمة أعني أخبار ذي اليد عما تحت استيلائه ، لأن المراد به ليس هو المالك للعين فقط وإنما يراد به مطلق من كان المال تحت يده واستيلائه سواء أكان مالكاً لعينه أم لمنفعته أو للانتفاع به ، أو كان المال وديعة عنده كما في المقام.
نعم ، قد ادعوا الإجماع في العقود والإيقاعات على اعتبار إخباره بما أنه وكيل بحيث لو أخبر عن بيعه أو تطليقة أو غيرهما من الأُمور الاعتبارية اعتمد على إخباره وثبت به البيع والطلاق ، وهو من فروع القاعدة المتصيدة : من ملك شيئاً ملك الإقرار به ، إلاّ أن ذلك يختص بالأُمور الاعتبارية دون الأُمور التكوينية كالغسل والتطهير ، إذ لم يقم فيها دليل على اعتبار قوله بما أنه وكيل وإنما يعتبر لأنه ذو اليد. وتظهر ثمرة ذلك فيما إذا لم يكن المال تحت يد الوكيل لأن إخباره حينئذ عن طهارة ما وكل لتطهيره لم يقم دليل على اعتباره.
السادس : غسل مسلم له بعنوان التطهير (1) وإن لم يعلم أنه غسله على الوجه الشرعي أم لا حملاً لفعله على الصحّة. السابع : إخبار العدل الواحد عند بعضهم لكنّه مشكل (1)(2).
[393] مسألة 1 : إذا تعارض البيِّنتان أو إخبار صاحبي اليد في التطهير وعدمه تساقطا ويحكم ببقاء النجاسة (3) وإذا تعارض البيِّنة مع أحد الطرق المتقدِّمة ما عدا العلم الوجداني تقدّم البيِّنة (4).
(1) كما إذا شاهدنا غسله ، وذلك حملاً لفعله على الصحة كما هو الحال في جميع الأفعال القابلة للاتصاف بالصحّة مرّة وبالفساد اخرى من العبادات والمعاملات.
(2) بل لا إشكال في حجيته لأن السيرة الجارية على اعتباره في الأحكام هي التي تقتضي اعتباره في الموضوعات. وأما ما قد يتوهّم من أن رواية مسعدة بن صدقة (2)رادعة عن السيرة في الموضوعات الخارجية ، فيدفعه أن الرواية غير صالحة للرادعية بوجه لضعفها بحسب الدلالة والسند على ما بيّناه في مباحث المياه (3).
(3) لأنّ أدلّة الاعتبار لا تشملهما معاً لاستلزامه الجمع بين المتضادين أو المتناقضين ، ولا لأحدهما دون الآخر لأنه من غير مرجح فأدلّة اعتبار الطرق والأمارات تختص بصورة عدم ابتلائها بالمعارض ، هذا في البيِّنتين وإخبار صاحبي اليد وكذا الحال في إخبار العدلين أو أحدهما مع غيبة المسلم أو غسله.
(4) لأنها أقوى الأمارات والحجج عدا العلم فتتقدّم على غيرها. نعم يتقدّم عليها الإقرار على ما يستفاد من الأخبار الواردة في القضاء ، ولقد أسلفنا جملة من الكلام على ذلك في مباحث المياه فليراجع (4).
[394] مسألة 2 : إذا علم بنجاسة شيئين فقامت البينة على تطهير أحدهما غير المعيّن ، أو المعيّن واشتبه عنده أو طهّر هو أحدهما ثم اشتبه عليه حكم عليهما بالنجاسة عملاً بالاستصحاب بل يحكم بنجاسة ملاقي كل منهما (1).
(1) لما اخترناه في مباحث الأُصول من أن العلم الإجمالي بنفسه غير منجز ولا مانع من جريان الأُصول في أطرافه في نفسه ، وإنما المانع عن ذلك لزوم الترخيص في المخالفة القطعية على تقدير جريانها في أطرافه ، فمتى لم يلزم من جريانها محذور المخالفة القطعية جرت في أطرافه (1)، والحال في المقام كذلك لأن استصحاب النجاسة في كل من الطرفين لا يستلزم الترخيص في المخالفة العملية إذ المعلوم بالإجمال طهارة أحدهما غير المعيّن ولا معنى للمخالفة العملية في مثلها. إذن لا مانع عن جريان الاستصحاب في الطرفين والحكم بنجاسة ملاقي أي منهما ، وإن قلنا بعدم النجاسة في ملاقي بعض أطراف الشبهة وذلك لجريان استصحاب النجاسة في المقام ، هذا.
ولقد التزم شيخنا الأنصاري قدس سره بذلك في مباحث القطع وذكر أن المخالفة الالتزامية غير مانعة عن جريان الأُصول في الأطراف (2)، ولكنه قدس سره منع عن جريان الاستصحاب فيها في مباحث الاستصحاب (3)وهذا لا لأجل المحذور المتقدم ليختص بما إذا لزم من جريانه الترخيص في المخالفة العملية ، بل من جهة لزوم المناقضة بين الصدر والذيل في قوله علیه السلام في صحيحة زرارة « ولا تنقض اليقين أبداً بالشك وإنما تنقضه بيقين آخر » (4)حيث منع عن نقض اليقين بالشك في صدره وأمر بنقض اليقين باليقين في ذيله ، فان الشك في صدره واليقين في ذيله مطلقان فإطلاق الشك يشمل البدوي والمقرون بالعلم الإجمالي ، كما أن إطلاق اليقين يشمل اليقين الإجمالي والتفصيلي ، وهذان الإطلاقان لا يمكن التحفّظ عليهما في
أطراف العلم الإجمالي ، لأن مقتضى إطلاق الصدر جريان الاستصحاب في كلا الطرفين ومقتضى إطلاق الذيل عدم جريانه في أحدهما وبهذا تصبح الصحيحة مجملة. وعلى الجملة أن جريان الاستصحاب في أطراف الشبهة وإن كان لا اشكال فيه بحسب الثبوت إلاّ أنه غير ممكن بحسب الإثبات فالمانع إثباتي وهو لزوم المناقضة بين الصدر والذيل.
ولقد وافقه شيخنا الأُستاذ قدس سره على هذا المدعى وإن لم يرتض برهانه حيث أجاب عما استدل به قدس سره بما ذكره صاحب الكفاية من أن دليل اعتبار الاستصحاب غير منحصر بتلك الصحيحة المشتملة على الذيل ، فهب أنها مجملة إلاّ أن الأخبار التي لا تشتمل على هذا الذيل مطلقة وهي شاملة لكل من الشبهات البدوية والمقرونة بالعلم الإجمالي ، لوضوح أن إجمال أي دليل لا يسري إلى الآخر (1)هذا.
على أن ظاهر اليقين الوارد في ذيل الصحيحة خصوص اليقين التفصيلي ، وذلك لأن ظاهر الذيل جواز نقض اليقين الأول باليقين الثاني المتعلق بما تعلق به اليقين الأول لا نقضه بمطلق اليقين وإن كان متعلقاً بشيء آخر ، ومن الضروري أن اليقين في موارد العلم الإجمالي لا يتعلق بما تعلق به اليقين السابق أعني اليقين بنجاسة كلا الإناءين مثلاً ، إذ لا يقين بطهارة هذا وذاك وإنما اليقين تعلق بطهارة أحدهما ، فمتعلق اليقين الثاني في موارد العلم الإجمالي أمر آخر غير ما تعلق به اليقين السابق عليه ومعه لا محذور في استصحاب نجاستهما والمانع الإثباتي لا تحقق له. وإنما لا نلتزم بجريان الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي للمانع الثبوتي وتقريبه :
أن الاستصحاب أصل إحرازي تنزيلي ، ومعنى ذلك أن الشارع في مورد الاستصحاب قد نزّل المكلف منزلة العالم تعبداً وإن كان شاكاً وجداناً ، ومن البيّن أن جعل المكلف عالماً بنجاسة كل من الإناءين بالتعبد مع العلم الوجداني بطهارة أحدهما أمر غير معقول ، لأنه تعبد على خلاف المعلوم بالوجدان ، وهذا يختص
1) فوائد الأُصول 4 : 20 - 23 ، كفاية الأُصول : 432.
بالأصل التنزيلي ولا يجري في غيره من الأُصول المثبتة للتكليف في أطراف العلم الإجمالي كأصالة الاحتياط عند العلم بجواز النظر إلى إحدى المرأتين ، لأنه لا مانع من الحكم بعدم جواز النظر إليهما من باب الاحتياط وإن علمنا بجواز النظر إلى إحداهما وسرّه أن الشارع لم يفرض المكلف عالماً بعدم جواز النظر واقعاً ، هذا كله فيما إذا قامت البينة على طهارة أحد الإناءين أو علمنا بطهارته من غير تعيين.
وأما إذا قامت البينة على طهارة أحدهما المعيّن أو علمنا بطهارته ثم اشتبه بغيره فقد بنى على عدم جريان الاستصحاب في الطرفين ، وذكر في وجهه زائداً على المناقشة المتقدِّمة وجهاً آخر وهو أن اليقين بالنجاسة في أحدهما المعيّن حال قيام البيِّنة على طهارته أو العلم بها قد انقطع وزال وسقط فيه الاستصحاب عن الاعتبار لتبدّل اليقين بالنجاسة باليقين بطهارته ، فاذا اشتبه بالآخر لم يمكن استصحاب النجاسة في شيء منهما ، وذلك لاشتباه ما انقطعت فيه الحالة السابقة بغيره ، فالطرفان كلاهما من الشبهات المصداقية لحرمة نقض اليقين بالشك ولا يمكن التمسك فيها بالعموم أو الإطلاق.
وقد ظهر بما سردناه في المقام أن ما أفاده شيخنا الأُستاذ قدس سره لو تم فإنّما يتم في الأُصول الإحرازية التنزيلية ولا يجري في سائر الأُصول كأصالة الاحتياط في المثال ، فما ربما يقال من أنه لو تم لشمل الأُصول العملية بأسرها ولا يختص بالاستصحاب مما لا أساس له.
نعم ، لا تسعنا المساعدة على ما أفاده شيخنا الأُستاذ قدس سره وذلك لأنه إنما يتم فيما إذا كان اليقين والشك في كلا الطرفين مورداً لاستصحاب واحد بان شملهما شمولاً واحداً ، فان التعبد بالنجاسة في مجموعهما تعبد على خلاف العلم الوجداني بعدم نجاسة أحدهما ، فعلى تقدير أن يكون لنجاسة المجموع أثر شرعي كما إذا فرضنا أن لبسهما معاً محرم في الصلاة لم يمكن الحكم ببقاء النجاسة في مجموعهما باستصحاب واحد لأنه على خلاف ما علمناه بالوجدان. وأما إذا كان كل واحد من اليقين والشك في الطرفين مورداً للاستصحاب مستقلا فلا وجه لما أفاده ، وذلك لأن كل واحد من
الطرفين معلوم النجاسة سابقاً ومشكوك فيه بالفعل وهو مورد للاستصحاب من دون علم وجداني على خلافه ، لأن العلم الإجمالي إنما يتعلق بالجامع دون الأطراف فمرتبة الاستصحاب في كل واحد من الطرفين محفوظة فلا مانع من جريانه فيه ، ولا يضره العلم بمخالفة أحد الاستصحابين للواقع لأن المخالفة الالتزامية غير مانعة عن جريان الأُصول في الأطراف كما مر.
ويترتّب على ما ذكرناه من جريان الاستصحاب في كلا الطرفين أنه إذا لاقى أحدهما شيئاً برطوبة حكم بنجاسته ، إلاّ أن الطرفين إذا كانا ثوباً وكرر الصلاة فيهما صحت صلاته ، وذلك أما في صورة عدم التمكن من الصلاة في الثوب المعلوم طهارته تفصيلاً فواضح. وأما في صورة التمكن منها فلما بيّناه غير مرة من أن الامتثال الإجمالي إنما هو في عرض الامتثال التفصيلي لا في طوله ، ومعه لا مانع من تكرار الصلاة في الثوبين مع التمكن من تحصيل العلم بالطاهر منهما ، هذا كله في صورة العلم الإجمالي بطهارة أحد الطرفين.
وأما إذا علم طهارة أحدهما تفصيلاً أو شهدت البينة بطهارته معيناً ثم اشتبه بغيره فيتوجه على ما أفاده أن الشبهة المصداقية للاستصحاب أو لسائر الأُصول العملية لا مصداق لها بوجه ، لما ذكرناه في محله من أن اليقين والشك من الأُمور الوجدانية التي لا يتطرق عليها الشك والترديد ، إذ لا معنى لتردد الإنسان في أنه متيقن من أمر كذا أو أنه شاك فيه ، وإنما الشبهة المصداقية تتحقق في الأُمور التكوينية ، وبما أن نجاسة كل واحد من الإناءين كانت متيقنة سابقاً ومشكوكة بحسب البقاء فلا مانع من جريان الاستصحاب في كليهما. نعم يحتمل في كل منهما أن يكون هو الذي قد علمنا بطهارته وانقطع باليقين بنجاسته إلاّ أن العلم بالطهارة في أحدهما المعيّن قبل التردد والاشتباه غير مانع عن جريان الاستصحاب بعد الاشتباه ، إذ اليقين على خلاف اليقين السابق إنما يمنع عن الاستصحاب ما دام باقياً وأما لو ارتفع وشك المكلف في بقاء المتيقن فاليقين بالطهارة بوجوده المرتفع بالفعل لا يكون مانعاً عن استصحاب النجاسة.
ونظيره ما إذا علم فسق أحد ثم قطع بعدالته ثم شك في أن قطعه بالعدالة هل كان مطابقاً للواقع أم كان جهلاً مركباً فإنّه يستصحب فسقه لعدم بقاء اليقين بعدالته. وعلى
لكن إذا كانا ثوبين وكرّر الصلاة فيهما صحت (1).
[395] مسألة 3 : إذا شك بعد التطهير وعلمه بالطهارة ، في أنه هل أزال العين أم لا أو أنه طهّره على الوجه الشرعي أم لا ، يبني على الطهارة (1)(2) إلاّ أن يرى فيه عين النجاسة. ولو رأى فيه نجاسة وشك في أنها هي السابقة أو أُخرى
الجملة اليقين بالطهارة إنما يمنع عن استصحاب النجاسة على تقدير بقائه لا فيما إذا انعدم وزال كما يأتي في المسألة الآتية إن شاء اللّه.
(1) كما اتضح مما سردناه في التعليقة المتقدِّمة.
(2) لقاعدة الفراغ المعبّر عنها في أمثال المقام بأصالة الصحّة الثابتة بالسيرة القطعية لما قدّمناه في محلِّه من أن الشك إذا كان في عمل الشاك نفسه وكان مقارناً له اعتنى بشكه وإذا كان بعد العمل لم يعتن به لقوله علیه السلام « كلّ ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو » (2)وغيره. وأما إذا شك في العمل الصادر من الغير فلا يعتني به مطلقاً مقارناً كان أم بعده ، وهذا بعينه قاعدة الفراغ.
ثم إن أصالة الصحّة إنما تجري فيما إذا علم تحقّق أصل العمل الجامع بين الصحيح والفاسد وشك في صفته ، كما إذا شك بعد علمه بالطهارة في أنه أورد المتنجِّس على الماء القليل أو أورد الماء عليه ، بناء على اعتبار ورود الماء على المتنجِّس ، وأما إذا شك في أصل إتيانه بالعمل وعدمه فهو ليس بمورد لأصالة الصحّة وقاعدة الفراغ ، كما إذا شك في أنه باع أم لم يبع أو أنه صلّى على الميت أم قرأ الفاتحة عليه حيث لا يمكن الحكم حينئذ بأنه باع أو صلّى على الميت بأصالة الصحة. وهذا بخلاف ما إذا تيقن ببيعه وشك في أنه أوقعه بالعربية أو بغيرها أو علم أصل صلاته وشك في عدد تكبيراتها.
فعلى هذا لا مجال في المقام للتشبث بشيء من أصالة الصحة وقاعدتي الفراغ
طارئة بنى على أنها طارئة (1).
[396] مسألة 4 : إذا علم بنجاسة شيء وشك في أن لها عيناً أم لا ، له أن يبني على عدم العين فلا يلزم الغسل (1)بمقدار يعلم بزوال العين على تقدير وجودها وإن كان أحوط (2).
والتجاوز ، لأنه بعد علمه بالطهارة إذا شك في بقاء العين وإزالتها أو في عصر الثوب وعدمه فهو في الحقيقة شك في أصل الغسل وعدمه ، لما أسبقناه من أن الغسل متقوم بالعصر وإزالة العين ولا غسل بدونهما. فالأظهر في المقام هو الحكم بالنجاسة كما كتبناه في التعليقة لاستصحاب النجاسة المتيقنة سابقاً ، وقد أشرنا أن اليقين بالطهارة قبل الشك إنما يمنع عن استصحاب النجاسة على تقدير البقاء لا في صورة الارتفاع والزوال ، فاستصحاب بقاء النجاسة مع الشك في أصل الغسل محكّم سواء أكانت العين مانعة عن نفوذ الماء على تقدير بقائها أم لم تكن ، وليست المسألة من موارد القواعد الثلاث حتى تكون حاكمة على الاستصحاب.
(1) بدعوى أن التردّد في أنها عين طارئة يساوق التردد في صحّة التطهير وفساده ، لأنه من المحتمل أن تكون هي العين السابقة إلاّ أن مقتضى قاعدة الفراغ أو أصالة الصحّة صحّة الغسل والتطهير ، وبها يتعيّن أن تكون العين طارئة. وقد ظهر لك مما ذكرناه في التعليقة المتقدِّمة أن الشك في التطهير من جهة الشك في بقاء العين وزوالها شك في تحقق الغسل وعدمه ، ومع الشك في أصل العمل لا مجرى للقواعد الثلاث ويكون المحكّم هو استصحاب نجاسة المغسول وعدم طروء المطهر عليه.
(2) إن كان الماتن قدس سره قد اعتمد فيما أفاده على استصحاب عدم العين في المتنجِّس ، فيدفعه أن استصحاب عدم العين لا يثبت تحقق الغسل بمقدار تزول به العين على تقدير وجودها ، لأنه لازم عقلي لعدم العين في المتنجِّس إذ الغسل يتقوم بإزالة العين فاستصحاب عدمها لإثبات تحقق الغسل بذلك المقدار من أظهر أنحاء الأُصول
1) (*) بل يلزم ذلك على الأظهر.
[397] مسألة 5 : الوسواسي يرجع في التطهير إلى المتعارف ، ولا يلزم أن يحصل له العلم بزوال النجاسة (1).
المثبتة ، فاللاّزم حينئذ هو استصحاب بقاء النجاسة مطلقاً سواء أكانت العين على تقدير وجودها حاجبة عن وصول الماء إلى المحل أم لم تكن.
وإن استند إلى السيرة بدعوى جريانها على عدم الاعتناء بالشك في وجود العين النجسة لدى الغسل ، كما ادعوا قيامها على ذلك في الشك في الحاجب في موردين : أحدهما : الطهارة الحدثية نظراً إلى أنهم يدخلون الحمامات والخزانات ويغتسلون ولا يعتنون باحتمال أن يكون على ظهرهم شيء مانع عن وصول الماء إلى بشرتهم كدم البق والبرغوث ونحوهما. وثانيهما : تطهير مخرج البول حيث لا يعتنون في تطهيره باحتمال أن يكون على المخرج لزوجة مانعة عن وصول الماء إليه.
ففيه : أن السيرة غير ثابتة في الموردين ، فان عدم اعتنائهم باحتمال وجود الحاجب مبني على اطمئنانهم بعدمه وبوصول الماء إلى البشرة كما هو الغالب ، أو أنهم لغفلتهم لا يشكون في وجود المانع أصلاً. ثم على تقدير تسليم السيرة في الموردين لا يمكننا تسليمها في الطهارة الخبثية إذ لم نحرز قيامها على عدم اعتنائهم بالشك في وجود عين الدم مثلاً في يدهم أو لباسهم عند تطهيرهما ، وعليه يجري استصحاب النجاسة حتى يعلم بارتفاعها بأن يصب عليه الماء بمقدار تزول به العين على تقدير وجودها.
(1) الوسواسي قد يشك في تطهير المتنجِّس على النحو المتعارف العادي كما إذا يبست النجاسة على المحل وصبّ الماء عليه مرّة أو مرّتين وشك في وصول الماء إليه وزوال العين عنه ، فإنّه شك عادي قد يعتري على غير الوسواسي أيضاً إذ النجاسة بعد يبوستها قد لا تزول بصبّ الماء عليها مرّتين ، وفي هذه الصورة يجري في حقِّه الاستصحاب وتشمله الأدلّة القائمة على اعتباره فلا يجوز له أن ينقض يقينه بالنجاسة بالشك في ارتفاعها.
وقد يشك فيه على نحو غير عادي بحيث لا يشك فيه غيره فيغسل المتنجِّس مرّة ثم يغسله ثانياً وثالثاً ورابعاً وهكذا ، ولا إشكال في عدم جريان الاستصحاب في حقه
[398] مسألة 1 : لا يجوز استعمال الظروف المعمولة من جلد نجس العين أو الميتة فيما يشترط فيه الطهارة من الأكل والشرب والوضوء والغسل (1) بل الأحوط (2) عدم استعمالها في غير ما يشترط فيه الطهارة أيضاً.
لأن ما دلّ على حرمة نقض اليقين بالشك لا يشمل مثله لانصرافه إلى الشك العادي ومعه لا بدّ من أن يرجع في تطهيره إلى العادة المتعارفة بين الناس لأن شكه هذا غير عادي وهو من الشيطان أو أنه جنون كما ورد في صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : « ذكرت لأبي عبد اللّه علیه السلام رجلاً مبتلى بالوضوء والصلاة وقلت هو رجل عاقل ، فقال أبو عبد اللّه علیه السلام : وأيّ عقل له وهو يطيع الشيطان ، فقلت له وكيف يطيع الشيطان؟ فقال : سله هذا الذي يأتيه من أي شيء هو؟ فإنّه يقول لك من عمل الشيطان » (1)وقد حكى ( مدّ ظله ) عن بعض مشايخه عن بعض المبتلين بالوسواس أنه كان يشك في جواز صلاة الصبح للشك في طلوع الفجر وعدمه وفي عين الوقت يشك في طلوع الشمس وقضاء صلاته.
فصل في أحكام الأواني
(1) لأنه بعد الفراغ عن نجاسة الميتة وجلد نجس العين لا إشكال في تنجس ما في تلك الظروف من المأكول والمشروب ولا يسوغ أكل المتنجِّس أو شربه أو التوضؤ والاغتسال به.
(2) هذا الاحتياط وجوبي لعدم كونه مسبوقاً بالفتوى في المسألة فيناقض ما تقدم منه قدس سره في الكلام على نجاسة الميتة من جواز الانتفاع بها فيما لا يشترط فيه
1) الوسائل 1 : 63 / أبواب مقدمة العبادات ب 10 ح 1.
وكذا غير الظروف من جلدهما ، بل وكذا سائر الانتفاعات غير الاستعمال (1) فإن الأحوط ترك (1)جميع الانتفاعات منهما. وأما ميتة ما لا نفس له كالسمك ونحوه فحرمة استعمال جلده غير معلوم وإن كان أحوط (2). وكذا لا يجوز استعمال
الطهارة ، وما أفاده قدس سره في تلك المسألة هو الصحيح لأن المنع عن استعمال الميتة والانتفاع بها وإن ورد في بعض الأخبار (2)إلاّ أنه معارض بالأخبار المجوّزة ومعه لا بدّ من حمل المانعة على التصرّفات المتوقفة على الطهارة أو الكراهة وإن كان ترك الانتفاع بها هو الموافق للاحتياط.
(1) كتطعيمها للحيوانات وجعلها في المصيدة للاصطياد فان ذلك لا يعد استعمالاً للميتة أو الجلد.
(2) التفصيل بين الميتة مما لا نفس له وبين ما له نفس سائلة إنما يتم فيما إذا استندنا في المنع عن الانتفاع بالميتة مما له نفس سائلة إلى مثل رواية الوشاء قال : « سألت أبا الحسن علیه السلام فقلت إن أهل الجبل تثقل عندهم أليات الغنم فيقطعونها قال : هي حرام ، قلت فنستصبح بها؟ فقال : أما تعلم أنه يصيب اليد والثوب وهو حرام » (3)ورواية تحف العقول : « أو شيء من وجوه النجس فهذا كله حرام ومحرم لأن ذلك كله منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وإمساكه والتقلب فيه فجميع تقلبه في ذلك حرام » (4)لأنهما كما ترى تختصان بالميتة النجسة ولا تشملان الميتة الطاهرة كميتة ما لا نفس له.
إلاّ أنّا لا نعتمد على شيء منهما لما ذكرناه في محله ، وإنما نعتمد في المنع عن الانتفاع بالميتة على تقدير القول به على صحيحة علي بن أبي مغيرة قال : « قلت لأبي
الظروف المغصوبة مطلقاً (1) والوضوء والغسل منها مع العلم
عبد اللّه علیه السلام الميتة ينتفع بها بشيء؟ قال : لا ... » (1)ونحوها من الأخبار ، وهي مطلقة تشمل الميتات النجسة والطاهرة. ودعوى انصرافها إلى النجسة مما لا ينبغي التفوّه به ، فعلى القول بحرمة الانتفاع بالميتة لا وجه للتفصيل بين الميتة النجسة والطاهرة. والذي يهوّن الأمر ما قدّمناه في التكلّم على أحكام الميتة (2)من جواز الانتفاع بها مطلقاً نجسة كانت أم طاهرة لصحيحة البزنطي قال : « سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من ألياتها وهي أحياء أيصلح له أن ينتفع بما قطع؟ قال : نعم يذيبها ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها » (3)ونحوها ، لأنها صريحة الدلالة على جواز الانتفاع بالميتة النجسة فضلاً عن الميتات الطاهرة ، ومعه لا بدّ من حمل ما دلّ على المنع عن الانتفاع بالميتة إما على حرمته فيما يشترط فيه الطهارة وإما على الكراهة جمعاً بين الأخبار.
وعلى الجملة لا يمكننا التفصيل بين الميتة النجسة والطاهرة قلنا بحرمة الانتفاع بها أم قلنا بالجواز.
(1) لأن حرمة مال المسلم كحرمة دمه فلا يسوغ التصرف في ماله إلاّ بطيبة نفسه كما في موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه علیه السلام في حديث أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قال : « من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها فإنّه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفس منه » (4).
باطل (1) مع الانحصار ، بل مطلقاً (1). نعم لو صبّ الماء منها في ظرف مباح فتوضأ أو اغتسل صح ، وإن كان عاصياً من جهة تصرفه في المغصوب.
(1) ظاهر لفظة « منها » في كلام الماتن قدس سره أن مراده الوضوء أو الغسل منها بالاغتراف لا بالارتماس والدخول فيها كما في الأواني الكبيرة فإنّهما خارجان عن محط بحثه في المقام ، ولنتعرض لهما بعد بيان حكم التطهر بالاغتراف. والكلام في الوضوء والاغتسال منها بالاغتراف أي بأخذ الماء منها غرفة فغرفة يقع في موردين : أحدهما : ما إذا انحصر الماء بالماء الموجود في الأواني المغصوبة. وثانيهما : ما إذا لم ينحصر لوجود ماء آخر مباح.
أمّا المورد الأوّل : فلا إشكال ولا خلاف في أن المكلف يجوز أن يقتصر فيه بالتيمم بدلاً عن وضوئه أو غسله لأنه فاقد الماء ، لما بيّناه غير مرة من أن المراد بالفقدان ليس هو الفقدان الحقيقي ، وإنما المراد به عدم التمكن من استعماله وإن كان موجوداً عنده ، وهذا بقرينة ذكر المرضي في الآية المباركة في سياق المسافر وغيره ، إذ المريض يبعد عادة أن يكون فاقداً للماء حقيقة وإن كان المسافر يفتقده كثيراً ولا سيما في القفار ، وحيث إن المكلف لا يجوز أن يتوضأ من الإناء ولو بإفراغ مائه إلى إناء آخر ، لأنه تصرف منهي عنه في الشريعة المقدّسة والممنوع شرعاً كالممتنع عقلاً فهو غير متمكن من استعمال الماء في الوضوء والغسل وفاقد له ووظيفته التيمم حينئذ. وعلى الجملة لم يخالف أحد في جواز الاقتصار بالتيمم في مفروض المسألة ، وإنما الكلام فيما إذا أراد التوضؤ والاغتسال والتصرف في ماء الإناء باستعماله في أحدهما فهل يصحان وضعاً بعد ما كانا محرمين تكليفاً أو أنهما باطلان؟
قد يقال بصحّة الوضوء والغسل حينئذ ، نظراً إلى أنهما وإن لم يكونا مأموراً بهما بالفعل لحرمة ما يتوقفان عليه ، إلاّ أن الملاك موجود فيهما وهو كاف في الحكم بصحّة العمل وفي التمكّن من قصد التقرّب به.
1) (*) الحكم بالصحة مع عدم الانحصار بل مطلقاً هو الأظهر.
ويرد عليه ما قدّمناه في بحث الترتب من أن الطريق لاستكشاف الملاك منحصر بالأمر والتكليف ، ومع ارتفاعهما لعدم التمكن من الامتثال يحتاج دعوى الاستكشاف إلى علم الغيب (1).
ودعوى : أن الأمر بهما ظاهره وجود الملاك ، مدفوعة بأن سعة المنكشف تتبع سعة الكاشف وهو الأمر وهو إنما يكشف عن الملاك ما دام موجوداً ولم يرتفع ، وأما بعد ارتفاعه فلا كاشف ولا منكشف. هذا ما قدمناه هناك.
ونزيده في المقام أن المكلف مع العجز عن الماء مأمور بالتيمم كما عرفت وظاهر الأمر وإطلاقه التعيين ، وتعيّن التيمم حينئذ يدل على عدم الملاك في الوضوء أو الغسل. وهذا هو الذي ذكره شيخنا الأُستاذ قدس سره وإن قرره بتقريب آخر وحاصله : أن الأمر بالوضوء مقيد في الآية المباركة بالتمكن من استعمال الماء فاذا ارتفع التمكن ارتفع الأمر والملاك (2). وبعبارة اخرى : إن الآية قسّمت المكلفين إلى واجد الماء وفاقده لأن التفصيل قاطع للشركة ، وقيد الأمر بالوضوء بالوجدان كما قيد الأمر بالتيمم بالفقدان فاذا انتفى القيد وهو وجدان الماء انتفى المقيد والمشروط ومع ارتفاع الأمر يرتفع الملاك لا محالة. هذا على أن مجرد الشك في الملاك يكفينا في الحكم بعدم جواز الاكتفاء بالوضوء لاستلزامه الشك في تحقق الامتثال بإتيان غير المأمور به بدلاً عن المأمور به ، ومع الشك في السقوط لا بدّ من إتيان التيمم لأنه مقتضى القاعدة تحصيلاً للقطع بالفراغ.
وهذه المسألة لا تُقاس بما إذا أمر المولى بشيء على تقدير التمكن منه وبشيء آخر على تقدير العجز عنه ، كما إذا أمر عبده بشراء التفاح مثلاً إن تمكن وإلاّ فبشراء شيء آخر ، أو قال إذا جاءك زيد فقدّم له تمراً فان لم تجد فماء بارداً ونحو ذلك من الأمثلة فإن مقتضى الفهم العرفي في أمثال ذلك أن الملاك في شراء التفاح أو تقديم التمر مطلق ولا يرتفع بالعجز عنه. والوجه في منع القياس أن إحراز بقاء الملاك في تلك الأمثلة
العرفية وعدم ارتفاعه بالعجز عنه إنما هو من جهة العلم الخارجي بالبقاء ، وهذا بخلاف الأحكام الشرعية إذ لا علم ببقاء ملاكاتها بعد زوال القيود لاحتمال زوال الملاك في الوضوء بارتفاع التمكن من الماء.
ومن الغريب في المقام ما صدر عن بعضهم من دعوى أن الأمر بالوضوء مطلق ولا يشترط فيه الوجدان مستشهداً عليه بالإجماع المحكي على حرمة إراقة الماء بعد الوقت. والوجه في غرابته أن الأمر بالوضوء لمن لا يتمكن من استعمال الماء تكليف بما لا يطاق فلا مناص من تقييده بالوجدان ، ومن هنا لم يدّع أحد الإطلاق في وجوب الوضوء وإن ادعى بعضهم الإطلاق في الملاك إلاّ أنهما دعويان متغايرتان والأولى غير ممكنة والثانية أمر ممكن وإن كانت باطلة.
والاستشهاد على الدعوى المذكورة بالإجماع على حرمة إراقة الماء بعد الوقت أجنبي عما نحن فيه ، وذلك لأن الأمر بالوضوء مع التمكن من الماء بعد الوقت فعلي منجز ، وتعجيز النفس من امتثال الواجب الفعلي كالعصيان محرم حسبما يقتضيه الفهم العرفي في أمثال المقام ، لأن السيد إذا أمر عبده بإتيان الماء مثلاً على تقدير التمكن منه وإتيان شيء آخر على تقدير العجز عنه ، لم يجز له أن يفوت قدرته على المأمور به بأن يعجّز نفسه عن إتيان الماء في المثال حتى يدخل بذلك في من لا يتمكن من المأمور به ويترتب عليه وجوب الإتيان بالشيء الآخر ، وأين هذا مما نحن فيه ، فدعوى الإطلاق في الأمر بالوضوء مما لا تمكن المساعدة عليه والاستشهاد في غير محله ، هذا كله فيما إذا اشترطنا في القدرة المعتبرة في التكليف القدرة على مجموع الواجب المركب من الابتداء ، بأن يعتبر في مثل وجوب الوضوء أن يكون عند المكلف قبل الشروع في التوضؤ ماء بمقدار يكفي لغسل تمام أعضاء الوضوء ولنعبّر عنها بالقدرة الفعلية على المركب.
وأما إذا لم نعتبر ذلك ولم نقل باعتبار القدرة الفعلية على مجموع العمل قبل الشروع فيه ، واكتفينا بالقدرة التدريجية في الأمر بالواجب المركب ولو على نحو الشرط المتأخر ، بأن تكون القدرة على الأجزاء التالية شرطاً في وجوب الأجزاء السابقة
بحيث لو لم يتمكن من القيام والركوع وسائر الأجزاء الصلاتية سوى التكبيرة مثلاً لمرض ونحوه ولكنه علم بطروء التمكن منها شيئاً فشيئاً بعد ما كبر بحيث لو كبر لتمكن من القراءة والقيام ولو أتى بهما تمكن من غيرهما من أجزاء الصلاة ، لبرء مرضه أو حل شدّه لو كان مشدوداً مثلاً وجبت عليه الصلاة قائماً.
أو إذا لم يكن له من الماء إلاّ بمقدار يفي بغسل الوجه فحسب ، إلاّ أنه يعلم بنزول المطر وتمكنه من غسل بقية الأعضاء به بعد ما غسل وجهه وجب عليه الوضوء ، أو إذا كان عنده ثلج يذوب شيئاً فشيئاً ولا إناء عنده ليجمعه ولا يتمكن من الماء إلاّ بمقدار غرفة يسعها كفه وهو لا يفي إلاّ بغسل الوجه فحسب ولا يتمكن من غسل سائر الأعضاء بالفعل ، إلاّ أنه يتمكن من غسلها بعد ما غسل وجهه لتمكنه من الغرفة الثانية والثالثة بعد ذلك على التدريج.
أو أن الماء كان لغيره ولم يأذن له في التصرف إلاّ بمقدار غرفة ، ولكنه علم أن المالك يبدو له فيرضى بالغرفة الثانية والثالثة بعد ما غسل وجهه وجب عليه الوضوء في تلك الموارد ولا يسوغ التيمم في حقه لتمكنه من الماء متدرجاً ، وقد بيّنا كفاية القدرة التدريجية في الأمر بالمركب فلا بأس بالتوضؤ من الأواني المغصوبة لإمكان تصحيحه بالترتب ، حيث إن المكلف بعد ما ارتكب المحرم واغترف من الإناء يتمكن من الوضوء بمقدار غسل الوجه فحسب ، إلاّ أنه يعلم بطروء التمكن له من غسل بقية أعضائه لعلمه بأنه سيعصي ويغترف ثانياً وثالثاً وإن لم يتوضأ ولم يغتسل فعلى ذلك فهو متمكن من الوضوء بالتدريج فلا بد من الحكم بوجوبه ، إلاّ أنه بالترتب لترتب الأمر به على عصيانه ومخالفته النهي عن الغصب بالتصرف في الإناء ، لتوقف قدرته على الوضوء على معصيته بحيث إن طالت المعصية طالت القدرة وإن قصرت قصرت ، فهو وإن كان مأموراً بالتجنب عن التصرف فيه لأنه غصب محرم ويجب عليه التيمم لفقدانه الماء إلاّ أنه لو عصى النهي وجب الوضوء في حقه لصيرورته واجداً له بالعصيان.
ونظير ذلك ما إذا ابتلى المكلف بالنجاسة في المسجد لأن وجوب الصلاة في حقه
مترتِّب على عصيانه الأمر بالإزالة ، بل هو بعينه مما نحن فيه لوجوب الإزالة في جميع آنات الصلاة ، فالمكلف غير قادر عليها بوجه إلاّ أنه بعد الآن الأول من ترك الإزالة يتمكّن من تكبيرة الصلاة ، وهو في هذا الحال وإن لم يتمكن من بقية أجزاء الصلاة لوجوب الإزالة في حقه إلاّ أنه يعلم بتمكنه منها لعلمه بأنه يعصي الأمر بالإزالة في الآن الثاني أيضاً فيقدر على الجزء الثاني من الصلاة وفي الآن الثالث فيتمكن من الجزء الثالث وهكذا. وحيث إن الترتب على طبق القاعدة ولا يحتاج في وقوعه إلى دليل في كل مورد فلا مناص من الالتزام به في الوضوء أيضاً.
وأمّا ما عن شيخنا الأُستاذ قدس سره من أن الترتب يتوقف على أن يكون المهم واجداً للملاك مطلقاً حتى حال المزاحمة أعني حال وجود الأمر بالأهم ، وهو إنما يحرز فيما إذا كانت القدرة المأخوذة في المهم عقلية ، وأما إذا كانت شرعية بأن أُخذت قيداً للمهم في لسان الدليل كما هو الحال في الوضوء فبانتفاء القدرة في ظرف الأمر بالأهم لا يبقى ملاك للأمر بالمهم لارتفاعه بارتفاع قيده وشرطه ومعه لا يجري فيه الترتب بوجه ، على ما أفاده قدس سره في التنبيه الذي عقده لذلك في بحث الأُصول (1).
فقد أجبنا عنه في محله بأن الترتب لا يتوقف على إحراز الملاك في المهم لأنه مما لا سبيل له سوى الأمر ومع سقوطه لا يبقى طريق لاستكشافه ، سواء أكانت القدرة المأخوذة فيه عقلية أم كانت شرعية ، لأن في كل منهما يحتمل زوال الملاك بالعجز (2).
والمتلخص أن في هذه الصورة يمكن أن يصحح الغسل والوضوء بالترتب هذا كله في صورة الانحصار.
وأمّا المورد الثاني : أعني صورة عدم الانحصار : فالاغتراف من الأواني المغصوبة وإن كان عصياناً محرماً إلاّ أن الوضوء أو الغسل الواقع بعده صحيح لا محالة ، وذلك لبقاء الأمر بالوضوء في حقه إذ المفروض تمكنه من الماء في غير الأواني المغصوبة ، وما يأخذه من الإناء المغصوب أيضاً مباح بعد الاغتراف لأنه ملكه وإن كان في إناء
مغصوب ولا فرق بينه وبين الماء الموجود في غيره بحيث لو توضأ أو اغتسل منه لصح وإن ارتكب أمراً محرماً.
نعم ، لو قلنا إن ما يأخذه من الأواني المغصوبة وإن كان ملكاً له إلاّ أن الوضوء به تصرف في الإناء ، لأن التصرف في الأواني ليس إلاّ بأخذ الماء منها وصرفه في الأكل والشرب والصب والوضوء وغيرها ، وعليه فالوضوء أو الغسل في أنفسهما معدودان من التصرف في الأواني المغصوبة بمعنى أن الوضوء بالماء المأخوذ من الإناء المغصوب بنفسه مصداق للغصب والتصرّف الحرام وكذلك الحال في الاغتسال به ، فهما باطلان إذ لا معنى للتقرّب بما هو مبغوض في نفسه ، ولو تمت هذه الدعوى لم يكن فرق بين صورتي الانحصار وعدمه لأنّ الوضوء في كليهما تصرّف حرام والتقرّب بالمبغوض أمر لا معنى له فلا مناص من الحكم ببطلانه.
ولعلّ الماتن وغيره ممن حكم بالبطلان في كلتا الصورتين قد نظروا إلى ذلك ، هذا.
ولكن دعوى أن التصرّفات الواقعة بعد أخذ الماء تصرف في نفس الإناء دون إثباتها خرط القتاد ولا يمكن تتميمها بدليل ، لأن التصرف في الإناء بحسب الفهم العرفي إنما هو الاغتراف وأخذ الماء منه ، وأما سقيه بعد ذلك للحيوان أو صبّه على الأرض أو شربه فكل ذلك تصرفات خارجية إنما تقع في ملكه وهو الماء ولا يقع شيء من ذلك في الإناء ، فهل يقال إن سقي الحيوان بالماء الموجود في الكف تصرف في الإناء.
نعم ، يحرم الأكل في أواني الذهب والفضة وفي الأواني المغصوبة إلاّ أنها ليست مستندة إلى أن الأكل تصرّف في الأواني وإنما هي من جهة الدليل الذي دلّ على حرمة الأكل في الأواني المذكورة ، فإن الأكل في الإناء بطبعه يقتضي أخذ الطعام أو غيره منه ووضعه في الفم ، ولم يرد دليل على حرمة التوضؤ من الأواني المغصوبة حتى نلتزم بحرمة نفس التوضؤ بعد أخذ الماء منها ، وإنما قلنا بحرمة الوضوء منها من أجل أنه تصرف في مال الغير من غير رضاه ، وهو يختص بالأخذ والاغتراف دون التوضؤ أو الاغتسال أو غيرهما من التصرّفات ، هذا كله فيما إذا كان التوضؤ بالاغتراف.
وأمّا لو أخذ الماء من الإناء المغصوب دفعة واحدة بمقدار يفي بالوضوء كما إذا فرغ ماءه في إناء آخر ثم توضأ أو اغتسل به صحّ وضوءه أو غسله لأنه ماء مباح وإن ارتكب معصية بأخذ الماء منها ، ولا فرق في ذلك بين صورتي الانحصار وعدمه.
وأمّا لو توضّأ منها بالارتماس كما إذا أدخل يده فيها مرّة أو مرّتين فالظاهر البطلان ، لأنّ إدخال اليد في الإناء للوضوء أو لغيره تصرف فيه عرفاً بلا فرق في ذلك بين استلزامه تموج الماء على السطح الداخل للإناء كما هو الغالب أو الدائم وبين عدم استلزامه على فرض غير محقّق وذلك لصدق التصرف على الارتماس وإن لم يستلزم التموج في الماء. ومع فرض كون الوضوء تصرّفاً محرّماً لا يمكن التقرّب به ولا يكفي في الامتثال ، لأن الحرام لا يكون مصداقاً للواجب.
بقي شيء لا بأس بالإشارة إليه ، وهو أن المالك لو أذن له في الإفراغ فحسب فهل يصح التوضؤ منها بالاغتراف أو لا يصح؟
بناء على بطلانه على تقدير عدم الاذن في الإفراغ الظاهر عدم صحّة الوضوء وهذا لا لأن وجوب المقدمة مشروط بقصد التوصل بها إلى ذيها حتى يجاب بأن المقدمة بناء على وجوبها واجبة في ذاتها وإن لم يقصد بها التوصل إلى ذيها ، بل من جهة أن الترخص في الإفراغ قد يراد به جواز الإفراغ ولو في بعض الإناء بأن يفرغ بعض الماء دون بعض ، ولا إشكال حينئذ في صحة الوضوء منه بالاغتراف لأنه إفراغ لبعض مائة ، إلاّ أن هذه الصورة خارجة عن مورد الكلام. وقد يراد به جعل الإناء خالياً من الماء كما هو معنى الإفراغ وحينئذ لو توضأ منه بالاغتراف بطل وضوءه لأنه إفراغ لبعض مائه لعدم صيرورة الإناء خالياً بذلك عن الماء فالوضوء منه بالاغتراف مما لم يأذن به المالك فيبطل.
وعلى الجملة مورد الاذن إنما هو الإفراغ فيسوغ جعل الإناء خالياً عن الماء دفعة واحدة أو متدرجاً بأن يفرغ بعض مائه مشروطاً بانضمامه إلى إفراغ البعض الآخر وأما الإفراغ لا بشرط أو بشرط لا فهما خارجان عن مورد الاذن والترخيص ، وبما أن الاغتراف للوضوء تخلية لبعض الإناء عن الماء بشرط لا فهو خارج عن مورد الإذن المالكي ، اللّهمّ إلاّ أن نصححه بالترتب كما تقدم في الصورة السابقة.
[399] مسألة 2 : أواني المشركين وسائر الكفار محكومة بالطهارة ما لم يعلم ملاقاتهم لها مع الرطوبة المسرية (1).
(1) وذلك لأحد أمرين :
أحدهما : استصحاب طهارتها فيما لو شككنا في أصل تنجسها مع العلم بطهارتها السابقة ، لعموم التعليل الوارد في صحيحة ابن سنان قال : « سأل أبي أبا عبد اللّه علیه السلام وأنا حاضر إني أُعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده عليَّ فأغسله قبل أن أُصلي فيه؟ فقال أبو عبد اللّه علیه السلام صلّ فيه ولا تغسله من أجل ذلك ، فإنك أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن أنه نجّسه ، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجّسه » (1)فان قوله : « أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن أنه نجّسه » يدل على جريان الاستصحاب في مورد الصحيحة وهو إنما يتقوّم باليقين السابق والشك اللاّحق ، وهذا يجري في أواني الكفّار أيضاً إذ لا خصوصية للثوب والإعارة جزماً ولا سيما في الطهارة التي هي مورد الصحيحة ، وحيث إنّا ندري بطهارة أوانيهم أولاً ونشك في تنجسها عندهم فلا بد من البناء على طهارتها بالاستصحاب ، بل يجري استصحاب الطهارة في كل ما نشك في تنجسه مما عندهم إذ لا خصوصية للأواني في ذلك.
وثانيهما : قاعدة الطهارة فيما لو علمنا بطروء حالتين متضادتين على أواني الكفار كما إذا علمنا بنجاستها في زمان وطهارتها في وقت آخر وشككنا في السبق واللحوق كما هو الغالب فيها لأنها تتنجس وتطهر هذا ، نعم ورد في جملة من الروايات النهي عن الأكل في أواني أهل الكتاب (2)وقد ورد في بعضها الأمر بغسل آنيتهم (3)وهو إرشاد إلى نجاستها.
ومن هنا قد يتوهّم أن المقام من موارد تقديم الظاهر على الأصل ، لأن مقتضى الاستصحاب أو قاعدة الطهارة وإن كان طهارة آنيتهم إلاّ أن الظاهر لما اقتضى نجاستها لنجاسة أيديهم وطعامهم قدّمه الشارع على مقتضى الأصلين حسبما دلت عليه الأخبار الواردة في المقام. نعم لا بدّ من إخراج صورة العلم بطهارتها كما إذا أخذها الكافر من المسلم ثم استردها المسلم من غير فصل إذ لا يمكن الحكم بنجاستها مع العلم ببقائها على طهارتها ، وأما صورة الشك في الطهارة فهي باقية تحت المطلقات.
ولكن التوهّم غير تام وذلك لأن في بعض الروايات قيدت الأواني بما شرب فيه الخمر أو ما أكل فيه الميتة أو لحم الخنزير كما في صحيحتي محمد بن مسلم (1)والثانية منهما أصرح في التقييد لمكان « إذا » الشرطية ، وبذلك تقيد المطلقات الواردة في المقام ولا يلتزم بالنجاسة إلاّ فيما يشرب فيه الخمر أو يؤكل فيه شيء من النجاسات. وإذا شككنا في إناء من آنيتهم في أنه مما يؤكل فيه الميتة أو يشرب فيه الخمر مثلاً فهو شبهة مصداقية لا يمكن التمسك فيها بالمطلقات ، فلا مناص من الرجوع إلى استصحاب طهارتها أو إلى قاعدة الطهارة.
تتميم : لا يخفى أن الأخبار الواردة في أواني أهل الكتاب على طوائف ثلاث :
منها : ما دلّ على المنع من الأكل أو الشرب في آنيتهم من غير تقييدها بشيء (2)وهو في نفسه يكشف عن نجاسة أهل الكتاب بعد العلم بأن مجرد تملك الكتابي للإناء لا يقتضي نجاسته وإنما يتنجّس الإناء باستعماله.
ومنها : ما دلّ على المنع عن الأكل في آنيتهم التي يأكلون فيها الميتة أو يشربون فيها الخمر (3)وهذا يدلّنا على أن نجاسة آنية أهل الكتاب عرضية ناشئة من ملاقاتها
بشرط أن لا تكون من الجلود ، وإلاّ فمحكومة بالنجاسة إلاّ إذا علم تذكية حيوانها ، أو علم سبق يد مسلم عليها (1) وكذا غير الجلود وغير الظروف ممّا في أيديهم ، مما يحتاج إلى التذكية كاللّحم والشّحم والألية ، فإنّها محكومة
للخمر أو الميتة أو غيرهما من النجاسات كما يدل على طهارة الكتابي بالذات.
ومنها : طائفة ثالثة دلت على أن النهي عن الأكل في آنيتهم نهي تنزيهي (1)ولو كنّا نحن وهذه الروايات لحملنا الأخبار المانعة على التنزه وقلنا بطهارتهم ، جمعاً بين ما دلّ على نجاسة أهل الكتاب وما دلّ على طهارتهم ، وإنما لا نلتزم بذلك للشهرة العظيمة القائمة على نجاسة أهل الكتاب وارتكازها في أذهان المسلمين.
وكيف كان فالأخبار الواردة في المقام سواء دلت على طهارتهم أم دلت على نجاسة آنيتهم وأنفسهم لا نظر لها إلى بيان الحكم الظاهري والوظيفة الفعلية حال الشك في طهارتها ونجاستها ، فإنّها لو دلت فإنّما تدل على الحكم الواقعي وأنه الطهارة أو النجاسة ، وعليه فعند الشك في طهارة آنيتهم لا بدّ من الرجوع إلى استصحاب الطهارة أو قاعدتها لحكومة أدلة الأُصول على أدلة الأحكام الواقعية ، هذا كله فيما بأيديهم غير الجلود واللحوم والشحوم.
(1) اللحوم والجلود وغيرهما مما يحتاج إلى التذكية لا يجوز أكلها ولا الصلاة فيها إذا كانت بأيدي غير المسلمين لاستصحاب عدم التذكية ، وأما الحكم بنجاستها فقد ذكرنا غير مرة من أن النجاسة لم تترتب في أدلتها على عنوان ما لم يذكّ وإنما ترتبت على عنوان الميتة ، وأصالة عدم التذكية لا تثبت كونها ميتة بوجه وإن حرم أكلها ولم تصح فيها الصلاة ، اللّهمّ إلاّ أن تكون هناك أمارة على التذكية من يد المسلم أو غيرها.
1) كما في صحيحة إسماعيل بن جابر المروية في الوسائل 24 : 210 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 54 ح 4.
بالنجاسة (1)(1) إلاّ مع العلم بالتذكية أو سبق يد المسلم عليه. وأما ما لا يحتاج إلى التذكية فمحكوم بالطهارة إلاّ مع العلم بالنجاسة ، ولا يكفي الظن (2) بملاقاتهم لها مع الرطوبة ، والمشكوك في كونه من جلد الحيوان أو من شحمه أو أليته (3) محكوم بعدم كونه منه ، فيحكم عليه بالطهارة وإن أُخذ من الكافر.
[400] مسألة 3 : يجوز استعمال أواني الخمر بعد غسلها (4) وإن كانت من الخشب أو القرع أو الخزف غير المطلي بالقير أو نحوه (5) ولا يضر نجاسة باطنها
(1) قد عرفت الكلام في نجاستها.
(2) لعدم حجية الظن شرعاً.
(3) كما إذا شككنا في شيء أنه من اللاستيك المتداوَل في عصرِنا أو من الجلود وقد فرّع الماتن الحكم بطهارته على الحكم بعدم كون المشكوك فيه من الحيوان ، ويظهر من تفريعه هذا أنه قدس سره يرى جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية كما اخترناه وتقريب ذلك : أن إضافة الجلد أو اللحم أو غيرهما إلى الحيوان أمر حادث مسبوق بالعدم ولا ندري تحققها حال حدوثهما والأصل عدم تحقق إضافتها إلى الحيوان حينئذ ، وهذا بناء على جريان الأصل في الأعدام الأزالية مما لا غبار عليه وأما إذا منعنا عن ذلك فلا مناص من الحكم على المشكوك فيه أيضاً بالطهارة والحلية لقاعدة الطهارة وأصالة الحل.
(4) لأنها كسائر الأواني المتنجسة قابلة للطهارة بالغسل لإطلاق ما دلّ على غسل الإناء ثلاث مرات أو أكثر (2).
(5) قد يقال بالمنع من استعمال ما ينفذ فيه الخمر غسل أو لم يغسل ، ويستدل على ذلك بأن للخمر حدة ونفوذاً فاذا لم تكن الآنية صلبة نفذت في أعماقها من غير أن يصل إليها الماء حال تطهيرها وبذلك تبقى على نجاستها.
بعد تطهير ظاهرها داخلاً وخارجاً ، بل داخلاً فقط. نعم يكره استعمال ما نفذ الخمر إلى باطنه إلاّ إذا غسل على وجه يطهر باطنه أيضاً.
ويرد على ذلك أولاً : أن هذا لا اختصاص له بأواني الخمر بوجه ، لأنه لو تمّ لعمّ الأواني الملاقية للبول والماء المتنجِّس وغيرهما من المائعات النجسة أو المتنجسة لأنها أيضاً تنفذ في أعماقها ولا يصلها الماء حال تطهيرها.
وثانياً : قدّمنا في البحث عن المطهرات أن أواني الخمر قابلة للطهارة حتى أعماقها بجعلها في الكر أو الجاري إلى أن ينفذ الماء في جوفها.
وثالثاً : أن نجاسة باطنها وعدم قبوله التطهير لو سلم لا يمنعان عن الحكم بطهارة ظاهرها بغسله ، فلو غسلنا ظاهرها من الداخل حكم بطهارته وإن كان باطنها نجساً ، هذا ولكن المعروف بينهم كراهة استعمال ما نفذ فيه الخمر كما أشار إليه الماتن بقوله : نعم يكره ....
وبصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام قال : « سألته عن نبيذ قد سكن غليانه إلى أن قال - : وسألته عن الظروف؟ فقال : نهى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عن الدباء والمزفت ، وزدتم أنتم الحنتم يعني الغضار والمزفت يعني الزفت الذي يكون في الزق ويصب في الخوابي ليكون أجود للخمر ، قال : وسألته عن الجرار الخضر والرصاص؟ فقال : لا بأس بها » (1)والدباء هو الظروف المصطنعة من القرع ، والمزفت من الأوعية هو الإناء الذي طلي بالزفت وهو القير والحنتم هي الجرار الصلبة المصنوعة من الخزف وقد يعبّر عنها بالجرار الخضر (2)وفي بعض العبائر « الحتم » وهو غلط. والوجه في نفيه علیه السلام البأس عن الجرار
الخضر والرصاص أعني الحنتم هو عدم كونه منهياً عنه في كلام النبي صلی اللّه علیه و آله وإنما زيد من قبلهم لقوله صلی اللّه علیه و آله : وزدتم أنتم الحنتم.
وهذه الرواية وإن كانت صحيحة سنداً إلاّ أنها غير تامة الدلالة على المراد ، وذلك لأن المزفت بل الدباء مما لا يصل الماء إلى جوفه فأين هذا من الأواني التي تنفذ الخمر في باطنها ، ولعل النهي عن استعمال تلك الظروف مستند إلى ملاك آخر غير كونها ظروف خمر ، ككونها موجبة لبعض الأمراض أو غير ذلك من الملاكات. على أنها معارضة بما دلّ على طهارة ظروف الخمر بالغسل كما قدّمناه في محلِّه (1).
ورواية أبي الربيع الشامي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « نهى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عن كل مسكر فكل مسكر حرام قلت : فالظروف التي يصنع فيها منه؟ قال : نهى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عن الدباء والمزفت والحنتم والنقير ، قلت : وما ذلك؟ قال : الدباء : القرع ، والمزفت : الدنان ، والحنتم : جرار خضر ، والنقير : خشب كان أهل الجاهلية ينقرونها حتى يصير لها أجواف ينبذون فيها » (2)وهذه الرواية مضافاً إلى قصورها سنداً لعدم توثيق أبي الربيع وإن لم يبعد تشيّعه لا دلالة لها على المدعى لأن الأواني المذكورة فيها ليست مما تنفذ الخمر في أعماقه لصلابتها. على أنها تنافي الصحيحة المتقدِّمة لأنها نفت البأس عن الحنتم كما عرفت ، كما أنها تعارض الأخبار الدالّة على طهارة ظروف الخمر كغيرها بالغسل.
فالمتحصل أن الروايتين لا دلالة لهما على المنع عن استعمال أواني الخمر غير الصلبة تحريماً ولا كراهة ، وعلى تقدير التنازل نلتزم بالكراهة في مورد الروايتين ولا يمكننا التعدي عنه إلى بقية الظروف ، أو نلتزم باستحباب الترك في مورد الرواية بناء على القول بالتسامح في أدلة السنن. نعم لا مانع من الاحتياط بالترك في أواني الخمر مطلقاً خروجاً عن شبهة الخلاف.
[401] مسألة 4 : يحرم استعمال (1)أواني الذّهب والفضّة في الأكل والشرب (1)
(1) المعروف بل المتسالم عليه بين الأصحاب حرمة استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب ، وحكي عن الشيخ في الخلاف القول بكراهته (2)وقد حملوا الكراهة في كلامه على الحرمة بقرينة دعواهم الإجماع على حرمته وتصريحه بالتحريم في محكي زكاة الخلاف (3)ولعله إنما عبّر بالكراهة تبعاً لبعض النصوص. وقد وردت حرمته في رواياتنا وروايات المخالفين ففي الحدائق (4)أن الجمهور رووا عن النبي صلی اللّه علیه و آله أنه قال : « لا تشربوا في آنية الذهب والفضّة ولا تأكلوا في صحافها فإنّها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة » وعن علي علیه السلام : « الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ». وفي تعليقته أن الرواية الأخيرة أعني الرواية عن علي علیه السلام لم توجد في طرقهم.
وأما الأخبار الواردة من طرقنا في الأواني والآلات المتخذة من الذهب والفضة فهي من الكثرة بمكان ، وقد جمعها صاحب الحدائق قدس سره ونقلها في الوسائل في أبواب مختلفة وهي في الأواني على طوائف ثلاث :
الاولى : ما اشتملت على النهي عن استعمالهما في الأكل والشرب كمصحّحة محمّد ابن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال : « لا تأكل في آنية ذهب ولا فضّة » (5)وصحيحته المرويّة في المحاسن عن أبي جعفر علیه السلام « أنه نهى عن آنية الذهب والفضّة » (6)وحسنة الحلبي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « لا تأكل في آنية من فضّة ولا في آنية مفضّضة » (7)وغير ذلك من الأخبار.
الثانية : الأخبار المشتملة على الكراهة كصحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع قال : « سألت أبا الحسن الرضا علیه السلام عن آنية الذّهب والفضّة فكرههما .. » (1)وموثقة بريد عن أبي عبد اللّه علیه السلام « أنه كره الشرب في الفضّة وفي القدح المفضّض » (2)وصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه علیه السلام « أنه كره آنية الذهب والفضّة والآنية المفضّضة » (3)وقد ذكروا أن الكراهة في تلك الطائفة بمعنى المرجوحية المطلقة لا المعنى المصطلح عليه ، فلا تنافي الطائفة الدالّة على حرمة استعمالهما في الأكل أو الشرب لأن الحرمة تجتمع مع المرجوحية المطلقة ، هذا.
ولكن الصحيح أن تلك الطائفة أيضاً تدل على الحرمة مع قطع النظر عن الطائفة المتقدِّمة ، وذلك لأن الكراهة التي هي في قبال الأحكام الأربعة اصطلاح مستحدث وأما بحسب اللّغة فهي بمعنى المبغوضية لأن معنى كرهه : ضد أحبه ، أي أبغضه. وعلى ذلك فالكراهة تدل على الحرمة ما دام لم تقم قرينة على خلافها ، إذ الدليل قد يدل على الحرمة نفسها وقد يدل على الحرمة بالدلالة على منشئها الذي هو البغض.
هذا ، وقد استعملت الكراهة بمعنى الحرمة في بعض الأخبار أيضاً فليراجع (4)ويؤيد ما ذكرناه صحيحة على بن جعفر عن أخيه موسى علیه السلام قال : « سألته عن المرآة هل يصلح إمساكها إذا كان لها حلقة فضّة؟ قال : نعم ، إنما يكره استعمال ما يشرب به ... » (5)إذ الكراهة في قوله علیه السلام إنما يكره بمعنى الحرمة ، وذلك
1) الوسائل 3 : 505 / أبواب النجاسات ب 65 ح 1.
2) الوسائل 3 : 509 / أبواب النجاسات ب 66 ح 2.
3) الوسائل 3 : 508 / أبواب النجاسات ب 65 ح 10.
4) كما في رواية سيف التمار قال : « قلت لأبي بصير : أُحب أن تسأل أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل استبدل قوصرتين فيهما بسر مطبوخ بقوصرة فيها تمر مشقق قال : فسأله أبو بصير عن ذلك ، فقال علیه السلام هذا مكروه ، فقال أبو بصير : ولِمَ يكره؟ فقال : إن علي بن أبي طالب علیه السلام كان يكره أن يستبدل وسقاً من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر ، لأن تمر المدينة أدونهما ولم يكن علي علیه السلام يكره الحلال » الوسائل 18 : 151 / أبواب الربا ب 15 ح 1.
5) الوسائل 3 : 511 / أبواب النجاسات ب 67 ح 5.
لأن معنى تلك الجملة حسبما يقتضيه الفهم العرفي أنه لا يصلح استعمال أواني الفضة لأن مقابل يصلح هو لا يصلح ، فكأنه علیه السلام قال : لا بأس بالتصرف في المرآة التي فيها حلقة من فضة وإنما المحرم ما إذا كانت الآنية فضة ، هذا على أن الكراهة في الإناء لو كانت بمعنى الكراهة المصطلح عليها كما في المشطة والمدهن ونحوهما لم يتم الحصر في قوله : « إنما يكره » لثبوت الكراهة في غير الآنية أيضاً. وعليه فالصحيحة تدلنا على أن المراد بالكراهة المنحصرة في الإناء هو الحرمة.
والطائفة الثالثة : ما اشتمل على كلمة « لا ينبغي » كموثقة سماعة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « لا ينبغي الشرب في آنية الذهب والفضة » (1).
قالوا إن لفظة لا ينبغي غير مستعملة في الأُمور المحرمة على ما هو الشائع المتعارف من استعمالاتها ، وإنما يستعمل في الأُمور غير المناسبة فهي على هذا تؤول إلى الكراهة ، بل ربما تؤخذ هذه الموثقة قرينة على التصرف في الأخبار الناهية المتقدِّمة وحملها على الكراهة لولا الإجماع.
ولا يمكن المساعدة على شيء من ذلك لأن « الانبغاء » في اللغة بمعنى التيسّر والتسهّل ، فمعنى لا ينبغي الشرب : أنه لا يتيسّر ولا يتسهّل ولا يمكن للمكلّفين وحيث إن الأكل والشرب من أواني الذهب والفضة أمر ميسور لهم فلا يكاد يحتمل أن يراد منها في الرواية معناها الحقيقي الخارجي ، فلا مناص من أن يراد بها في المقام عدم كون الأكل والشرب منهما ميسراً لهم في حكم الشارع ، وهذا لا يتحقق إلاّ في المحرّمات.
ويؤيِّد ذلك أن كلمة « لا ينبغي » قد استعملت في غير موضع من الكتاب العزيز بمعناها اللغوي كما في قوله عزّ من قائل ( قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ ) (2)وقوله ( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) (3)وقوله :
( قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) (1)وغير ذلك من الآيات ، لأنها إنما استعملت فيها بمعنى ما لا يتيسر ، لا بمعنى ما يكره وما لا يليق ، فهي على ذلك قد استعملت في الموثقة بمعنى الحرمة كما قد استعملت بهذا المعنى في قوله علیه السلام « فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً » (2)أي لا يتيسر لك نقض اليقين بالشك لا أنه لا يناسبك ولا يليق لك.
نعم ، يمكن أن يقال إنها وإن كانت بمعنى الحرمة لغة إلاّ أنها ظاهرة في عصرنا في المعنى المصطلح عليه أعني الكراهة والأمر غير المناسب ، وبما أن تاريخ النقل إلى المعنى المصطلح عليه غير معيّن ولا ندري أنه كان متقدماً على عصر الصدور أم كان متأخراً عنه فلا محالة تكون مجملة. والمتلخص أن الرواية إما ظاهرة في الحرمة أو أنها مجملة وعلى كلا التقديرين لا مجال لدعوى كونها قرينة على التصرف في الأخبار الناهية المتقدِّمة وحملها على الكراهة ، هذا والذي يسهّل الخطب أن المسألة متسالم عليها بين الأصحاب ولا خلاف في حرمة الأكل والشرب في أواني النقدين.
بقيت شبهة وهي أن مقتضى الأخبار المتقدِّمة حرمة الأكل في أواني الذهب والفضة وحرمة الشرب في آنية الفضة ، وأما الشرب من آنية الذهب فلم يصرح بحرمته في الأخبار المتقدِّمة حتى بناء على أن « كره » بمعنى أبغض. نعم ورد ذلك في الطائفة الثالثة إلاّ أنكم ناقشتم في دلالتها بإمكان دعوى إجمالها ، فما ادعيتم من أن الطائفة الأُولى والثانية تدلان على حرمة الأكل والشرب من أواني الذهب مما لا دليل عليه.
والجواب عنها مضافاً إلى أن المسألة متسالم عليها بينهم ، أن قوله علیه السلام « نهى عن آنية الذّهب والفضّة » وقوله : « عن آنية الذّهب والفضّة فكرههما أي أبغضهما » وغيرهما من الأخبار المتقدِّمة في الطائفتين مطلق ، فكما أنها تشمل
والوضوء والغسل وتطهير النجاسات وغيرها من سائر الاستعمالات (1)حتى وضعها على الرفوف (1) للتزيين ، بل يحرم تزيين المساجد والمشاهد المشرفة بها ، بل يحرم اقتناؤها من غير استعمال.
استعمال الأواني المذكورة أكلاً كذلك تشمل استعمالها بحسب الشرب ، لأن الإناء هو ما يستعمل في الأكل والشرب فصح أن الطائفتين تدلاّن على حرمة الأكل والشرب في الأواني المذكورة ، ويؤيدها جملة من الروايات الناهية عن الشرب في آنية الذهب والفضة (2)إلاّ أن أسنادها غير نقية عن المناقشة ومن ثمة جعلناها مؤيدة للمدعى هذا كله في حرمة الأكل والشرب من الآنيتين.
وقد تلخص أن مقتضى الأخبار المتقدِّمة حرمة الأكل والشرب من أواني الذهب والفضة وإن لم يصدق عليهما استعمال الإناء ، نظراً إلى أن استعماله إنما هو بتناول الطعام أو الشراب منه وأما أكله أو شربه بعد ذلك فهما أمران آخران وغير معدودين من استعمال الإناء. وكيف كان فهما محرمان صدق عليهما الاستعمال أم لم يصدق.
(1) المعروف بين الأصحاب 5 تعميم الحكم بالحرمة بالنسبة إلى سائر الاستعمالات من الوضوء والغسل وتطهير النجاسات وغيرها مما يعد استعمالاً للآنية. بل عن بعضهم دعوى الإجماع في المسألة ، وهو إن تمّ فلا كلام وأما لو ناقشنا في ذلك إما لأن الإجماع محتمل المدرك وإما لعدم ثبوته في نفسه ولو لاقتصار بعضهم على خصوص الأكل والشرب وعدم تعرضه لغيرهما ، فلا يمكن المساعدة على ما التزموه بوجه لضعف مستنده حيث استدلوا على ذلك :
تارة برواية موسى بن بكر عن أبي الحسن موسى علیه السلام قال : « آنية الذّهب والفضّة متاع الذين لا يوقنون » (3)فان المتاع بمعنى ما ينتفع به ومنه متاع
البيت ، فالرواية تدل على أن الانتفاع بآنيتهما حرام لأنهما مما ينتفع به غير الموقنين وبذلك يحرم استعمالاتهما مطلقاً حيث إن استعمال الشيء انتفاع به ، ويدفعه : أن المتاع وإن كان بمعنى ما ينتفع به إلاّ أن الانتفاع في كل متاع بحسبه ، فان الانتفاع بالفرش الذي من أمتعة البيت بفرشه وفي اللباس بلبسه وهكذا ، ومن الظاهر أن الانتفاع بآنيتهما إنما يكون بالأكل والشرب فيهما ، لأن الإناء إنما يعد لذلك وهما الغاية المطلوبة منه ، فمعنى الرواية أن الانتفاع بهما كما ينتفع به غير الموقنين محرم ، وقد مرّ أن الانتفاع بالإناء إنما هو باستعماله في خصوص الأكل والشرب فلا تشمل بقية الانتفاعات ، هذا على أن الرواية على طريق الكليني ضعيفة بسهل بن زياد وموسى بن بكر ، وعلى رواية البرقي بخصوص الأخير فليراجع. ومعه لا دليل على حرمة استعمالاتهما عدا الأكل والشرب وإن كانت الشهرة على خلاف ذلك.
وأُخرى بصحيحتي محمد بن مسلم المتقدِّمة « نهي عن آنية الذهب والفضة » ومحمد ابن إسماعيل بن بزيع « سألت الرضا علیه السلام عن آنية الذهب والفضة فكرههما » (1)ونحوهما من المطلقات ، نظراً إلى أن النهي والكراهة لا معنى لتعلقهما بالذوات ، أما في النهي فهو ظاهر وأما في الكراهة فلأن الكراهة التكوينية وإن أمكن أن تتعلق بالذوات بأن يكون الشيء مبغوضاً بذاته كما أنه قد يكون محبوباً كذلك إلاّ أن الكراهة التشريعية كالنهي لا معنى لتعلقها بالذوات ، والكراهة في الصحيحة لا يحتمل حملها على الكراهة التكوينية لأن ظاهر الرواية أنها صدرت من الامام علیه السلام بما أنه مبيّن للأحكام ، ولا ظهور لها في أنه علیه السلام بصدد إظهار الكراهة الشخصية في الإناء ، ومعه لا بدّ من تقدير شيء من الأفعال في الصحيحتين ليكون هو المتعلق للنهي والكراهة ، وحيث إن المقدر غير معيّن بوجه فلا مناص من تقدير مطلق الاستعمالات.
ويرد على هذا الاستدلال أن النهي والكراهة وإن لم يمكن أن يتعلّقا بالذوات إلاّ أن المقدّر متعيّن وهو في كل مورد بحسبه ، لأن المناسب في مثل النهي عن الأُمّهات هو
1) المتقدِّمتين في ص 273 ، 279.
النكاح لأنه الأثر الظاهر في النساء ، وفي النهي عما لا فلس له من الأسماك أو الميتة أو الدم هو الأكل ، وحيث أن الأثر الظاهر من الإناء هو الأكل والشرب منه لأنه لم يعد إلاّ لهما لا لغيرهما من الاستعمالات ، فناسب أن يكون المقدر في الصحيحتين هو الأكل أو الشرب فحسب ، هذا.
وتوضيح الكلام في المقام أن هناك وجوهاً أو احتمالات :
الأوّل : ما قدمناه آنفاً من أن المقدر هو الأكل والشرب فحسب ، لأن النهي عن كل شيء إنما هو بحسب الأثر المرغوب منه ، وقد تقدم أن الأثر المرغوب منه في الآنية هو الأكل والشرب منها ، وعلى ذلك تتحد الصحيحتان مع الأخبار الناهية عن الأكل والشرب من آنية الذهب والفضة ولا يبقى دليل على المنع عن سائر استعمالاتهما.
الثاني : أن المقدر مطلق الاستعمال الأعم من الأكل والشرب ، ويقع الكلام على هذا التقدير في أن المحرّم هو نفس تلك الاستعمالات أو أنه أعم منها ومن الأفعال المترتبة عليها؟ وعلى القول بحرمة الاستعمال نفسه دون الفعل المترتب عليه كما هو الصحيح لا بأس بالتوضؤ من أواني الذهب والفضة ، لأن المحرّم على ذلك هو استعمالهما أعني تناول الماء منهما فحسب ، وأما صرفه بعد ذلك في شيء من الغسل أو الوضوء أو الصب أو غيرها فلا يعد استعمالاً للآنية بل هو فعل آخر لم يقم على حرمته دليل ، وإنما التزمنا بحرمة الأكل والشرب منهما بعد تناول الطعام أو الشرب منهما لقيام الدليل عليها لا لأنهما استعمال للإناء ، هذا إذا كان عنده ماء آخر يتمكن من الوضوء أو كان متمكناً من إفراغ الآنيتين في ظرف آخر.
وأمّا إذا انحصر الماء بما في الآنيتين فصحة الوضوء والغسل منهما تبتني على القول بالترتب كما قدّمناه في التوضّؤ من الآنية المغصوبة ، فإن حال الآنيتين حال الأواني المغصوبة من تلك الجهة وقد تقدّم الكلام فيها مفصّلاً. وعلى الجملة لا دليل على حرمة التوضّؤ وغيره من الأفعال المترتِّبة على استعمالهما بناء على هذا الاحتمال كما لا دليل على حرمة وضعها على الرفوف للتزيين لعدم صدق الاستعمال عليه ، فان استعمال أي شيء إنما هو عبارة عن إعماله في جهة من الجهات المرغوبة منه ، ومجرد التزيين بهما ليس من الجهات المرغوبة من الآنيتين حتى لو سئل عمن وضعهما على
الرف أنك هل استعملتهما؟ لأجاب بقوله : لا ، بل وضعتهما على الرف مثلاً للتزيين.
الثالث : أن المقدّر هو الانتفاع كما هو المناسب لقوله علیه السلام في رواية موسى بن بكر « آنية الذّهب والفضّة متاع الذين لا يوقنون » لما عرفت من أن المتاع بمعنى ما ينتفع به ، وعليه فالمحرّم هو الانتفاع منهما مطلقاً سواء أكان ذلك باستعمالهما أم بغيره كالتزيين لوضوح أنه انتفاع بهما كالانتفاع بالتزيين بغيرهما من النقوش الموجودة على البيوت والأبواب وإن لم يعد استعمالاً لهما أو للنقوش ، وإلى هذا ذهب صاحب الجواهر قدس سره (1)إلاّ أنه على ذلك لا دليل على حرمة اقتنائهما وادّخارهما لعدم كونه انتفاعاً بهما بوجه كما إذ ادّخرهما بداعي بيعهما عند ما دعت الحاجة إليه.
الرابع : أن المقدر مطلق الفعل المتعلق بهما سواء عد استعمالاً لهما أم لم يعد وسواء كان انتفاعاً بهما أم لم يكن ، وذلك كالاقتناء لأن حفظهما عن الضياع أيضاً فعل متعلق بهما فيحرم.
هذه هي الوجوه المحتملة في المقام ، وقد عرفت أن أظهرها أوّلها لما تقدّم من أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أن يكون المقدر في كل مورد ما يناسب ذلك المورد فيقدر النكاح في تحريم الأُمهات والأكل في تحريم الدم والميتة وما لا فلس له من الأسماك واللبس في تحريم لباس الذهب والحرير دون فرشهما مثلاً ، وبما أن المناسب للآنية كما يأتي في معنى الإناء هو الأكل والشرب فليكن المقدر في النهي عن آنية الذهب والفضّة خصوص الأكل والشرب منهما دون سائر الاستعمالات ، هذا ومع التنازل عن ذلك فالظاهر هو الاحتمال الثاني ، ومع الإغماض عنه فالاحتمال الثالث وأما الاحتمال الرابع فهو مما لا يمكن تتميمه بدليل ، ولعله لأجل الترتب في الاحتمالات المذكورة ترقي الماتن شيئاً فشيئاً ، فأوّلاً حكم بحرمة الأكل والشرب منهما ثم عطف عليها سائر الاستعمالات ثم عممها إلى مثل الوضع على الرفوف ثم ترقي إلى حرمة اقتنائها.
1) الجواهر 6 : 343.
ويحرم بيعها وشراؤها (1)
(1) ذكرنا في البحث عن المكاسب المحرمة أن مالية الأموال بالمواد لا بالصور الشخصية والصفات ، فالمال إنما يبذل بإزاء موادها فحسب ولا يقع شيء من الثمن بإزاء الصور الشخصية بالاستقلال. نعم الصور باعثة على بذل المال في مقابل المواد وموجبة للزيادة في قيمتها (1)فترى أن الصوف المغزول مثلاً تزيد قيمته على غير المغزول منه وإن كان المال مبذولاً في مقابل المادة التي هي الصوف.
فأواني النقدين لا إشكال في جواز بيعهما فيما إذا وقع الثمن في المعاملة بإزاء مادتهما من غير أن يكون للهيئة دخل في بذل الثمن بإزائها ، وذلك لوضوح أنهما من الأموال ومن هنا لو أتلفهما متلف ضمنهما كما التزم شيخنا الأنصاري قدس سره بذلك في بيع الصليب والصنم إذا قصد المعاوضة على موادهما فحسب (2)وأما إذا باعهما بشكلهما وهيئتهما بأن كان لصورتهما دخل في المعاوضة وفي بذل المال في مقابلهما فعلى ما قدمناه أيضاً لا إشكال في صحة بيعهما ، لأن الثمن إنما يبذل بإزاء المواد ولا يقع شيء منه في قبال الصور الشخصية بوجه وإنما هي دواع للبيع فقط سواء قلنا بحرمة اقتنائهما أم لم نقل.
نعم ، على القول بحرمة الاقتناء يبتني الحكم ببطلان بيعهما على تمامية شيء من العمومات المقتضية للبطلان كقوله : « إن اللّه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه ». إذ مع القول بحرمة اقتنائهما يصدق أنهما مما حرّمه اللّه لحرمة جميع الأفعال المتعلقة بهما ، وقوله في رواية تحف العقول : « وكل شيء يجيء منه الفساد محضاً » (3)إلاّ أن رواية تحف العقول ضعيفة السند ، والرواية الاولى يأتي عدم تماميتها في التعليقة الآتية ، فعلى ذلك لا مانع من جواز بيع الأواني المصوغة من النقدين.
وصياغتها وأخذ الأُجرة عليها بل نفس الأُجرة أيضاً حرام ، لأنها عوض المحرم وإذا حرّم اللّه شيئاً حرّم ثمنه (1).
[402] مسألة 5 : الصفر أو غيره الملبس بأحدهما يحرم استعماله إذا كان على وجه لو انفصل كان إناءً مستقلا (2)
(1) تترتّب هذه المسألة على جواز اقتنائهما وعدمه ، لأنه إذا جاز جازت صياغتها للاقتناء كما جاز أخذ الأُجرة عليها. وهذا بخلاف ما إذا قلنا بحرمته لأن الأفعال المتعلقة بها إذا حرمت بأجمعها ولم يبق لها طريق محلل حرمت صياغتها ولم يجز أخذ الأُجرة عليها ، وهذا لا لما استند إليه الماتن قدس سره من أن اللّه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه ، لأنها رواية عامية لم تثبت من طرقنا بل ولا من طرقهم ، فان ما يوجد في كتبهم هو « إن اللّه إذا حرّم أكل شيء حرّم ثمنه » بإضافة لفظة « أكل » نعم عثرنا على روايتها من غير تلك اللفظة في موضع من مسند أحمد ، إلاّ أنها محمولة على السقط والاشتباه لأن أحمد بنفسه رواها من ذلك الراوي بعينه في مواضع أُخر من مسنده بإضافة لفظة « أكل » كما مرّ (1)فما اعتمد عليه الماتن ساقط.
بل الوجه في حرمة صياغتها وأخذ الأُجرة عليها حينئذ أن الشارع بعد ما سدّ السبيل إلى إيجادها وحرّم الأفعال المتعلقة بها بأجمعها كما هو الفرض لم يجز تسليمها وتسلمها لحرمتها ومبغوضيتها ولا تصح معه الإجارة على صياغتها ، إذ لا يعقل الأمر بالوفاء بعقدها مع حرمة العمل ومبغوضيته ، فإنّه كالإجارة للغيبة أو الكذب أو غيرهما من المحرمات فلا يشمله ما دلّ على وجوب الوفاء بالعقود ولا تصح الإجارة على صياغتها.
(2) الإناء الملبس بأحدهما قد يكون من قبيل إناء في إناء نظير الشعار والدثار بحيث لو نزعنا الإناء الصفر مثلاً عما لبس به بقي لباسه إناء مستقلا في نفسه ، وهذا
1) شرح العروة 2 : 395 ذيل المسألة [162].
وأما إذا لم يكن كذلك فلا يحرم ، كما إذا كان الذّهب أو الفضّة قطعات منفصلات لبّس بهما الإناء من الصفر داخلاً أو خارجاً.
[403] مسألة 6 : لا بأس بالمفضّض (1) والمطلي والمموّه بأحدهما. نعم يكره
لا شبهة في حرمة استعماله مطلقاً أو في خصوص الأكل والشرب على الخلاف لأنه إناء ذهب أو فضة ، وقد لا يكون من هذا القبيل كما إذا نصب فيه قطعة ذهب أو فضة أو كان له حلقة أو سلسلة منهما ، وهذا لا إشكال في جواز استعماله لعدم كون الإناء إناء ذهب أو فضة وإنما هو صفر أو غيره وإن كان مشتملاً على قطعة منهما مثلاً.
(1) وهو المقصود بالمطلي والمموّه ، ولعل الوجه في تسمية المفضّض مموّهاً أنه يوهم الناظر أن الإناء من الفضة أو الذهب كما في المذهّب مع أنه مع الصفر أو النحاس أو غيرهما ، وقد تقدّم (1)في حسنة الحلبي المنع عن الأكل في الآنية المفضّضة ، ولكن صحيحة معاوية بن وهب قال : « سئل أبو عبد اللّه علیه السلام عن الشرب في القدح فيه ضبة من فضة قال : لا بأس إلاّ أن تكره الفضة فتنزعها » (2)وحسنة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « لا بأس أن يشرب الرجل في القدح المفضض واعزل فمك عن موضع الفضة » (3)تدلاّن على الجواز ، ومعه لا بدّ من حمل النهي في حسنة الحلبي على الكراهة بالإضافة إلى المفضّض لأنه مقتضى الجمع بين الطائفتين مع التحفّظ على ظهورها في الحرمة بالإضافة إلى الفضّة ، إذ لا مانع من حمل النهي الوارد في رواية واحدة على الكراهة في جملة وعلى الحرمة في جملة أُخرى.
وذلك لما بيّنّاه في محله من أن الأمر والنهي ظاهران في الحرمة والوجوب فيما إذا لم يقترنهما الترخيص في فعل المنهي عنه أو في ترك المأمور به كما أن ظاهرهما الكراهة والاستحباب إذا اقترنهما ، وحيث إن النهي في المفضض قد اقترنه المرخص دون الفضّة
استعمال المفضض ، بل يحرم (1) الشرب منه إذا وضع فمه على موضع الفضّة ، بل الأحوط ذلك في المطلي (1)أيضاً.
لم يكن مناص من حمله على ظاهره في الفضة وعلى الكراهة في المفضّض ، فلا يتوهّم على ذلك أن المقام من قبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ، لما تبيّن من أن صيغة النهي إنما استعملت في معنى واحد وهو إبراز اعتبار المكلف محروماً عن الفعل وإنما فرقنا بين الفضّة والمفضّض لقيام القرينة على الترخيص في الثاني دون الأوّل.
(1) هذا هو المعروف بينهم إلاّ أنه إنما يتم في الإناء المشتمل على قطعة من الفضّة وذلك لحسنة عبد اللّه بن سنان الآمرة بعزل الفم عن موضع الفضة وحيث لا قرينة على الرخصة في تركه فلا بد من الأخذ بظاهره ومقتضى الجمود عليه هو الوجوب. وأما الإناء المطلي فلا يأتي ذلك فيه حيث لا فضة فيه ليقال : اعزل فمك عن موضع الفضة ، وإنما هو مطلي بمائها وهو من قبيل الأعراض التي لا وجود لها بالاستقلال وإن كان مشتملاً على الأجزاء الصغيرة من الفضّة حقيقة.
ثم إن كراهة الأكل والشرب والأمر بعزل الفم فيما فيه قطعة فضة أو فيه وفي المطلي يختص بالفضّة فحسب ، وأما الإناء المشتمل على قطعة من الذهب أو الإناء المطلي بالذّهب فلا كراهة في استعماله كما لا دليل فيه على وجوب عزل الفم عن موضع الذهب ، بل القاعدة تقتضي الجواز فيه وإن كان الذهب أعلى قيمة من الفضة وذلك لعدم السبيل إلى ملاكات الأحكام الشرعية ، فلو كان الملاك في الحكم بكراهة الأكل والشرب في المفضض أو وجوب العزل عن موضع الفضة غلاء قيمتها وكونها مرغوبة لدى الناس لكانت الأحجار الكريمة من الزبرجد والألماس وغيرهما مما هو أعلى قيمة من الفضة أولى بالكراهة أو الوجوب.
نعم ، ورد في رواية الفضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه علیه السلام « عن السرير فيه الذهب أيصلح إمساكه في البيت؟ فقال : إن كان ذهباً فلا وإن كان ماء الذهب
1) (*) وإن كان الأظهر أنه لا بأس به.
[404] مسألة 7 : لا يحرم استعمال الممتزج من أحدهما مع غيرهما إذا لم يكن بحيث يصدق عليه اسم أحدهما (1).
فلا بأس » (1)وهي تدل على عدم جواز إمساك السرير إذا كان ذهباً إلاّ أنها مختصة بالسرير ولا تعم الإناء المذهّب بوجه.
ودعوى : أن الرواية تكشف عن أن حرمة مطلق المذهّب في الشريعة المقدسة كانت مرتكزة ومفروغاً عنها عند السائل ، مندفعة بأن الرواية ضعيفة سنداً ودلالة. أما بحسب السند فلوقوع محمد بن سنان وربعي في سلسلته ، وأما بحسب الدلالة فلأجل القطع بجواز إبقاء السرير من الذهب لضرورة عدم حرمة إبقاء الذهب في الشريعة المقدّسة سريراً كان أو غيره ، وأما قوله عزّ من قائل ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) (2)فهو ناظر إلى تحريم منع الزكاة ، فإن إخراج زكاة المسكوك من الفضة والذهب مانع عن تجمعهما إلاّ إذا كانا أقل من النصاب وهو مما لا حرمة في إبقائه في الشريعة المقدسة بوجه.
ومما ذكرناه يظهر أن ما ذكره صاحب الحدائق قدس سره من إلحاق المذهّب بالمفضض مما لا يمكن المساعدة عليه لعدم الدليل كما عرفت.
(1) لأنّ الحرمة إنما ترتبت على استعمال آنية الذهب والفضة مطلقاً أو في خصوص الأكل والشرب على الخلاف فتدور مدار صدقها ، فاذا فرضنا أن الخليط أكثر من الذهب والفضة بحيث لا يصدق على الإناء إنائهما إلاّ على سبيل التسامح والمجاز لم يحرم الأكل والشرب منه ، كما إذا كان ثلثاه من الصفر ونحوه وثلثه منهما.
وأمّا إذا قلّ خليطهما بحيث لم يمنع عن صدق إناء الذهب أو الفضة عليه كما هو الغالب المتعارف في صياغة الذهب بل لا يوجد منه الخالص إلاّ نادراً كما قيل
[405] مسألة 8 : يحرم ما كان ممتزجاً منهما وإن لم يصدق عليه اسم أحدهما بل وكذا ما كان مركّباً منهما ، بأن كان قطعة منه من ذهب وقطعة منه من فضّة (1).
[406] مسألة 9 : لا بأس بغير الأواني إذا كان من أحدهما (2) كاللّوح من
فلا ينبغي الإشكال في حرمته إذ لا يعتبر في الأحكام المترتبة على آنية الذهب والفضة خلوصهما من غيرهما كما يعتبر ذلك في حرمة لبس الحرير ، لوضوح أن إطلاق الأدلّة تشمل الرديء والجيد كليهما.
(1) الأدلّة اللّفظية الواردة في المقام وإن كانت قاصرة الشمول للممتزج من الذّهب والفضّة ، وكذا ما كان مركّباً منهما بأن كان نصفه من الفضّة ونصفه من الذّهب أو غير ذلك من أنحاء الامتزاج ، وذلك لأن الممتزج منهما لا يصدق عليه إناء الذهب ولا إناء الفضة ومع عدم صدق أحد العنوانين عليه لا يحكم بحرمة الأكل والشرب منه ، إلاّ أنه لا بدّ من الالتزام بحرمته بمقتضى الفهم العرفي والارتكاز ، وذلك لقيامهما على أن المركب من عدّة أشياء محرّمة بانفرادها محرم وإن لم ينطبق عليه شيء من عناوين أجزائه ، مثلاً إذا ركّبنا معجوناً من الميتة والدم الطاهرين أو من التراب والنخاع حرم أكله حسب الفهم العرفي والارتكاز وإن لم يصدق على المركب عنوان الميتة أو الدم أو غيرهما من أجزائه ، وذلك لحرمة أكل الأجزاء بانفرادها.
(2) لاختصاص الأخبار الواردة بالآنية لكونها مأخوذة في موضوعها ولسانها فأدلة التحريم لا تشمل غيرها ، ولوجود الدليل على الجواز وهو صحيحة علي بن جعفر عن أخيه علیهماالسلام قال : « سألته عن المرآة هل يصلح إمساكها إذا كان لها حلقة فضة؟ قال : نعم ، إنما يكره استعمال ما يشرب به » (1).
مضافاً إلى الأخبار الواردة في موارد خاصة كما ورد في ذي الفقار سيف رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من أنه هبط به جبرئيل من السماء وكانت حلقته فضّة (2)وما ورد في ذات الفضول درعه صلی اللّه علیه و آله من أن لها ثلاث حلقات
الذهب أو الفضة ، والحلي كالخلخال ، وإن كان مجوّفاً بل وغلاف السيف والسكين وأمامة الشطب ، بل ومثل القنديل ، وكذا نقش الكتب والسقوف والجدران بهما.
من فضّة : حلقة بين يديها وحلقتان من خلفها (1)أو أربع حلقات : حلقتان في مقدّمها وحلقتان في مؤخّرها (2)وغير ذلك من الروايات ، هذا.
وقد يقال بحرمة غير الأواني منهما كأوانيهما ويستدل عليها بجملة من الأخبار :
منها : خبر الفضيل بن يسار قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن السرير فيه الذهب ، أيصلح إمساكه في البيت؟ فقال : إن كان ذهباً فلا وإن كان ماء الذهب فلا بأس » (3)لدلالتها على حرمة إمساك السرير الذي فيه الذهب.
ويدفعه إن إمساك الذهب لم يقم دليل على حرمته كما مر والمحرم إنما هو استعمال آنيته مطلقاً أو في خصوص الأكل والشرب ، فلا مناص من حمل الرواية على الكراهة لأن اتخاذ السرير الذهبي من أعلى مراتب الإقبال على نشأة الدنيا المؤقتة وهو بهذه المرتبة مذموم بتاتاً. على أن الرواية ضعيفة السند كما مر.
ومنها : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه المروية بأسانيد متعددة قال : « سألته علیه السلام عن السرج واللجام فيه الفضة أيركب به؟ قال : إن كان مموّهاً لا يقدر على نزعه فلا بأس وإلاّ فلا يركب به » (4).
وفيه ما قدّمناه في الرواية المتقدِّمة من أن مضمونها مقطوع الخلاف فان جعل الفضة في السرج أو اللجام لم يقم على حرمته دليل. بل نفس الصحيحة تدلنا على الجواز لأنها علقت الحرمة على التمكن من النزع ، فلو كان جعل الفضة في السرج واللجام كاستعمال آنيتها محرماً لم يفرق في حرمته بين التمكن من نزعها وعدمه ، وذلك لأنه متمكن من تعويضهما أو من تعويض المركب أو المشي راجلاً ، حيث لم يفرض في
الرواية عدم القدرة من تلك الجهات حتى يتوهم أن نفيه علیه السلام البأس من أجل الاضطرار ، هذا.
مضافاً إلى النصوص الواردة في موارد خاصة كما تقدم بعضها ، ومع ذلك لا مناص من حمل الرواية على الكراهة وذلك لأن المراد من المموه ليس هو المطلي جزماً إذ لا فضة فيه ليتمكن من نزعها أو لا يتمكن منه ، وإنما المطلي يشتمل على ماء الفضة فحسب ، بل المراد به تلبيس السرج أو اللجام بالفضة وهو كما ترى من أعلى مراتب الإقبال على الدنيا ونشأتها. هذا على أنّا لو تنازلنا عن ذلك فغاية الأمر أن نلتزم بحرمة الفضة في مورد الصحيحة فحسب وهو السرج واللجام فالاستدلال بها على حرمتها مطلقاً مما لا وجه له.
ومنها : صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال : « سألت أبا الحسن الرضا علیه السلام عن آنية الذّهب والفضّة فكرههما ، فقلت قد روى بعض أصحابنا أنه كان لأبي الحسن علیه السلام مرآة ملبسة فضة فقال : لا والحمد لله (1)أو لا واللّه (2)إنما كانت لها حلقة من فضّة وهي عندي ، ثم قال : إن العباس حين عُذر عمل له قضيب ملبّس من فضة من نحو ما يعمله الصبيان تكون فضة نحواً من عشرة دراهم فأمر به أبو الحسن علیه السلام فكسر » (3)إذ لولا حرمة استعمال الذهب والفضة في غير الأواني أيضاً لم يكن وجه لتشديده علیه السلام في الإنكار.
ويندفع بأن استنكاره علیه السلام إنما هو لكذبهم في أخبارهم ، كيف فان المرآة الملبّسة إنما تناسب العرس والطرب ولا يتناسب مع المؤمنين فضلاً عن الامام علیه السلام وليست فيها أية دلالة على حرمة استعمال الفضّة في غير الإناء.
وعن بعضهم الاستدلال على حرمة استعمالهما في غير الأواني بما عن النبيّ صلی اللّه علیه و آله « إن هذين حرام على ذكور أُمّتي ، حلّ لأُناثهم » (4)مشيراً إلى
1) كما في الكافي 6 : 267 / 2.
2) كما في التهذيب 9 : 91 / 125.
3) الوسائل 3 : 505 / أبواب النجاسات ب 65 ح 1.
4) في سنن النسائي 8 : 160 وسنن أبي داود 4 : 50 ومسند أحمد بن حنبل 1 : 96 كلّهم عن أبي زرير الغافقي قال : سمعت علي بن أبي طالب يقول : إنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أخذ بيمينه حريراً وأخذ ذهباً لشماله ثم رفع بهما يديه وقال : إن هذين حرام على ذكور أُمتي ، ورواه ابن ماجة في سننه 2 : 1189 / 3595 مع زيادة « حلّ لأُناثهم » في آخره. وفي سنن الترمذي على هامش الماحوذي 4 : 217 / 1720 عن أبي موسى الأشعري عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أنه قال : حرام لباس الحرير والذهب على ذكور أُمّتي وأُحلّ لأُناثهم.
الحرير والذّهب. ويرد على الاستدلال به أُمور :
الأوّل : أن الحديث نبوي لم يثبت من طرقنا فلا يمكن الاعتماد عليه.
الثاني : أنه غير شامل للفضة لاختصاصه بالذهب والحرير.
الثالث : أن الحديث يختص بالرجال وكلامنا إنما هو في حرمة الذهب والفضة لمطلق المكلفين ذكوراً كانوا أم إناثاً.
الرابع : أن التحريم الوارد في الحديث لا يراد به سوى تحريم لبسهما فحسب ، إذ لا يحتمل حرمة استعمال الحرير بفرشه أو بغير ذلك من الاستعمالات.
فالمتلخص أنه لا دلالة في شيء من الأخبار المتقدِّمة على المدعى.
وأما الاستدلال عليه ببعض الوجوه الاعتبارية كدعوى أن استعمال الذهب والفضة في غير الأواني كنقش الكتب والسقوف والجدران تعطيل للمال وتضييع له في غير الأغراض الصحيحة ، وأنه يستلزم الخيلاء وكسر قلوب الفقراء وغير ذلك مما ربما يستدل به في المقام فمما لا ينبغي الإصغاء إليه ، لأنه أي تضييع للمال في جعلهما حلقة للمرآة أو السيف أو في استعمالهما في موارد أُخر ، وأي فرق بين إبقائهما في مثل المرآة والسقف ونحوهما وبين إبقائهما في الصندوق من غير استعمالهما في شيء ، كما أن استعمالهما لا يستلزم العجب وكسر القلوب كيف وقد تقدّم أن درع النبيّ صلی اللّه علیه و آله وسيفه كانا مشتملين على حلقات الفضّة ، وذلك لوضوح أن استعمالهما كاستعمال بقية الأشياء الثمينة والأحجار الكريمة الغالية التي لا خلاف في جواز استعمالها.
[407] مسألة 10 : الظاهر أن المراد من الأواني ما يكون من قبيل الكأس والكوز والصيني والقدر والسماور والفنجان وما يطبخ فيه القهوة وأمثال ذلك مثل كوز القليان (1)بل والمِصفاة والمشقاب والنعلبكي ، دون مطلق ما يكون ظرفاً ، فشمولها لمثل رأس القليان ورأس الشطب ، وقراب السيف ، والخنجر ، والسكّين وقاب الساعة ، وظرف الغالية ، والكحل ، والعنبر والمعجون والترياك ونحو ذلك غير معلوم وإن كانت ظروفاً ، إذ الموجود في الأخبار لفظ الآنية وكونها مرادفاً للظرف غير معلوم ، بل معلوم العدم وإن كان الأحوط في جملة من المذكورات الاجتناب. نعم لا بأس بما يصنع بيتاً للتعويذ إذا كان من الفضة ، بل الذهب أيضاً ، وبالجملة فالمناط صدق الآنية ، ومع الشك فيه محكوم بالبراءة (1).
(1) إن من العسير جدّاً تعيين معاني الألفاظ وكشف حقائقها بالرجوع إلى كتب اللغة ، لأنّ شأن اللغوي إنما هو التفسير بالأعم وشرح الألفاظ ببيان موارد استعمالاتها ، وليس من شأنه تعيين المعاني الحقيقية ولا أنه من أهل خبرة ذلك. إذن لا سبيل إلى تعيين معنى الإناء لأن ما ذكروه في تفسيره من أنه كوعاء وزناً ومعنى (2)أو أنه الوعاء والجمع آنية وجمع الجمع أوان كسقاء وأسقية وأساق (3)تفسير بالأعم لعدم صحة استعمال الإناء فيما يصح استعمال الوعاء فيه ، إذ الوعاء مطلق الظرف يجمع فيه الزاد أو المتاع فيصدق على مثل الصندوق وغيره مما لا يصدق عليه الإناء. ففي كلام علي ( عليه أفضل الصلاة ) : « يا كميل بن زياد إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها » (4)فترى أنه ( سلام اللّه عليه ) قد أطلق الأوعية على القلوب مع أنه لا يصح إطلاق الآنية عليها إذ لا يصح أن يقال : القلوب آنية ، فبذلك يظهر أن الوعاء لا يرادف الإناء فهو من التفسير بالأعم.
بل قد يقال : إنه من التفسير بالمباين لأن الوعاء قد أُخذ فيه مفهوم اشتقاقي بمعنى المحل ويعينه ما يضاف إليه فيقال وعاء من أوعية الماء ، وليس كذلك الإناء فتفسير أحدهما بالآخر من التفسير بالمباين ، وصدقهما على بعض الموارد إنما هو باعتبارين بمعنى أن الإناء إنما يطلق الوعاء عليه بالإضافة إلى ما يوضع فيه ولا يطلق عليه إذا لوحظ الظرف شيئاً مستقلا في نفسه.
والمتحصل أن مفهوم الإناء من المفاهيم المجملة ومعه لا بدّ من الاقتصار على المقدار المتيقن منه ويرجع إلى البراءة في الزائد المشكوك فيه لأنه من الشبهات الحكمية التحريمية ، والقدر المتيقن من مفهوم الإناء هو الظروف المعدة للأكل والشرب منها قريباً أو بعيداً ، فيشمل المشقاب والقدر والمصفاة والصيني الموضوع فيه الظرف الذي يؤكل فيه أو يشرب منه ، كما يشمل السماور حيث إن نسبته بالإضافة إلى الماء المصبوب منه كنسبة القدر بالإضافة إلى ما يطبخ فيه ، ولا يشمل كوز القليان ولا قراب السيف ولا رأس الشطب وغير ذلك مما ذكروه في المقام لعدم كونها مستعملة في الأكل والشرب ولو بعيداً ، هذا.
بل يمكن أن يقال إن الإناء يختص بما يكون قابلاً لأن يشرب به لصحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة (1)المشتملة على قوله علیه السلام « نعم ، إنما يكره استعمال ما يشرب به » لأنها رواية معتبرة قد دلت على حصر الحرمة بما يشرب به وإن كان قد يستعمل في الأكل أيضاً كالكأس ونحوه ، فلا يشمل الصيني والقدر والمصفاة والمشقاب وحلقات الذهب أو الفضة التي يتعارف وضع الاستكان فيها في بعض البلدان وصحاف الذهب أو الفضة التي يؤكل فيها الطعام وغيرها وذلك لعدم كونها قابلة لأن يشرب بها.
نعم ، يشمل الحب وغيره مما يشرب به الماء ولو مع الواسطة كما يأتي. فالصحيحة على ذلك شارحة للفظة الإناء الواردة في الأخبار وموجبة لاختصاص الحرمة بما يشرب به ، وإن كان الأحوط الاجتناب عن كل ما يستعمل في الأكل والشرب ولو بعيداً.
1) في ص 291.
[408] مسألة 11 : لا فرق في حرمة الأكل والشرب (1) من آنية الذّهب والفضّة بين مباشرتهما لفمه ، أو أخذ اللقمة منهما ووضعها في الفم. بل وكذا إذا وضع ظرف الطعام في الصيني من أحدهما ، وكذا إذا وضع الفنجان في النعلبكي من أحدهما ، وكذا لو فرّغ ما في الإناء من أحدهما في ظرف آخر لأجل الأكل والشرب لا لأجل نفس التفريغ ، فان الظاهر حرمة الأكل والشرب لأنّ هذا يعد أيضاً استعمالاً لهما فيهما ، بل لا يبعد حرمة شرب الچاي في مورد يكون السماور من أحدهما وإن كان جميع الأدوات ما عداه من غيرهما ، والحاصل أن في المذكورات كما أن الاستعمال حرام (1)، كذلك الأكل والشرب أيضاً حرام. نعم
(1) لإطلاق الأخبار الناهية عن الأكل والشرب من آنيتهما. ودعوى أنهما منصرفان إلى الأكل والشرب من غير واسطة ، تندفع بأنها لو تمت فإنّما يتم في الشرب فحسب ، لأن الغالب فيه هو الشرب بلا واسطة أي بمباشرة الفم للإناء ، وأما الأكل فالأمر فيه بالعكس لعدم جريان العادة على أخذ الطعام من الإناء بالفم ، فإنّه شأن الحيوانات حيث تأخذ العلف من المعلف بالفم وأما الإنسان فهو إنما يأكل بأخذ الطعام بيده أو بغيرها من الآلات ثم وضعه في فمه ، فالغالب في الأكل هو الأكل مع الواسطة ، هذا.
ولو أغمضنا عن ذلك وسلمنا انصرافهما إلى الأكل والشرب من غير واسطة ، ففي صحيحتي محمد بن إسماعيل بن بزيع « فكرههما » ومحمّد بن مسلم المرويّة في محاسن البرقي « نهي عن آنية الذهب والفضة » (2)وما هو بمضمونهما غنى وكفاية ، وذلك لأن النهي والكراهة وإن كانا لا يتعلقان بالذوات إلاّ بلحاظ الأفعال المتعلقة بها لكن المقدر فيهما إما أن يكون خصوص الأكل والشرب لمناسبته الإناء أو يكون مطلق الاستعمال الشامل للأكل والشرب ، وعلى كلا التقديرين دلت الروايتان على حرمتهما
المأكول والمشروب لا يصير حراماً (1)فلو كان في نهار رمضان لا يصدق أنه أفطر على حرام ، وإن صدق أن فعل الإفطار حرام (1) ،
من غير تقييدهما بمباشرة الفم للإناء ، فمقتضى إطلاقهما حرمة الأكل والشرب من آنية الذهب والفضة مطلقاً كانا من غير واسطة أو معها ، إذ لا موجب لانصرافهما إلى الأكل والشرب بلا واسطة.
(1) وقع الكلام في أن الحرمة والحزازة في الأكل والشرب من آنية الذهب والفضة هل تختصان بالأكل والشرب فقط أو يعمان المأكول والمشروب أيضاً؟
نسب إلى المفيد (2)وظاهر أبي الصلاح (3)والعلاّمة الطباطبائي 5 القول بحرمة المأكول والمشروب أيضاً ، ويظهر من الحدائق الميل إليه حيث ذكر توجيهاً لكلام المفيد قدس سره أن النهي أولاً وبالذات وإن كان عن تناول المأكول والمشروب لكن يرجع ثانياً وبالعرض إلى المأكول بأن يقال إن هذا المأكول يكون حراماً متى أُكل على هذه الكيفية ، وظاهر النصوص يساعده إلى آخر ما أفاده (4). والمشهور عدم تعدِّي الحرمة إلى المأكول والمشروب.
ولقد رتبوا على هذا النزاع أنه بناء على سراية الحرمة إلى المأكول والمشروب لو أكل المكلف أو شرب من آنيتهما في نهار شهر رمضان فقد أفطر على الحرام ووجب عليه الجمع بين الكفارات الثلاث نظير ما إذا أفطر بالخمر أو الميتة ونحوهما ، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بالاختصاص وعدم سراية الحرمة إليهما لأنه على ذلك إفطار بالحلال لعدم حرمة المشروب والمأكول حينئذ ، هذا.
1) (*) لا وقع لهذا الكلام إذ لا معنى لحرمة المأكول والمشروب إلاّ حرمة أكله وشربه ، نعم الأكل من الآنية المغصوبة لا يكون من الإفطار على الحرام ، والفرق بين الموردين ظاهر.
2) نسب إليه في الذكرى : 18 السطر 19 ، لاحظ المقنعة : 584.
3) حكاه عنه في الذكرى : 18 السطر 20 ، ولاحظ الكافي لأبي الصلاح : 278 ، 279.
4) الحدائق 5 : 508.
والتحقيق أنه لا معنى محصل لهذا النزاع لوضوح أن الأحكام التكليفية لا تتعلق على الذوات الخارجية بما هي ، وإنما تتعلق عليها بلحاظ الفعل المتعلق بها ، فلا معنى لحرمة الميتة أو الخمر مثلاً إلاّ حرمة أكلها أو شربها ، وعليه فلا معنى محصل لحرمة المأكول والمشروب في نفسهما بعد حرمة الفعل المتعلق بهما أعني الأكل والشرب.
ثم إن معنى الإفطار بالحرام هو أن يكون المفطر محرماً في نفسه مع قطع النظر عن كونه مفطراً كأكل الميتة وشرب الخمر ونحوهما ، وبما أن الأكل والشرب من آنية الذهب والفضة كذلك لحرمتهما في نفسهما فيكون الاقدام عليهما في نهار شهر رمضان إفطاراً على الحرام.
نعم ، هناك كلام في أن الحرمة في الإفطار على الحرام الموجب للجمع بين الخصال هل تعتبر أن تكون ذاتية بأن تكون ثابتة على المحرم بالعنوان الأولي كما في أكل الميتة وشرب الخمر ونحوهما ، أو أن الحرمة العرضية الطارئة على المحرم بالعنوان الثانوي أيضاً تقتضي كفارة الجمع ، كما إذا أفطر بالطعام المغصوب مثلاً إذ الطعام مباح في نفسه وإن حرم بعنوان أنه غصب وتصرف في مال الغير من غير رضاه ، أو أفطر بالأكل أو الشرب من آنية الذهب والفضة فان الطعام والشراب الموجودين في آنيتهما وإن كانا مباحين في ذاتيهما إلاّ أنهما محرمان بالعنوان الثانوي وهو كونه أكلاً أو شرباً من آنيتهما؟
والصحيح كما يأتي في محلِّه (1)بناء على أن الإفطار على الحرام موجب للجمع بين الخصال ، عدم الفرق بين الحرمة الذاتية والعرضية لإطلاق الدليل ، هذا.
ثم إن هناك نزاعاً آخر وهو أن الأكل مثلاً قد يكون محرماً بعنوان أنه مفطر ولا إشكال في أن ذلك من الإفطار على الحرام وبه يجب الجمع بين الخصال الثلاث سواء أكانت حرمته ذاتية أم كانت عرضية ، كما إذا أكل الميتة أو الطعام المغصوب في نهار شهر رمضان ، وقد يكون محرماً لا بعنوان أنه مفطر بل بعنوان آخر وإن كان قد ينطبق على المفطر ، كما إذا أكل طعاماً مضراً له وهو ملكه ، فإن الأكل وإن كان محرماً حينئذ
1) في المسألة [2472].
وكذلك الكلام في الأكل والشرب من الظرف الغصبي (1).
[409] مسألة 12 : ذكر بعض العلماء أنه إذا أمر شخص خادمه فصبّ الچاي من القوري من الذّهب أو الفضّة في الفنجان الفرفوري وأعطاه شخصاً آخر فشرب ، فكما أن الخادم والآمر عاصيان كذلك الشارب لا يبعد (1)(2) أن يكون عاصياً ، ويعدّ هذا منه استعمالاً لهما.
بناء على أن الإضرار بالنفس حرام إلاّ أنه لكونه مضراً له لا لأجل كونه مفطراً ، وإن كان قد ينطبق عليه كما إذا أكله في نهار رمضان وهو صائم ، فهل تكون الحرمة من غير جهة الأكل والإفطار أيضاً موجبة للإفطار على الحرام ويجب معه الجمع بين الكفارات كما في المحرم بعنوان المفطر أولاً؟
الصحيح كما يأتي في محله (2)أن الحرمة من جهة أُخرى غير موجبة للجمع بين الخصال ولا يكون الإفطار معها إفطاراً على الحرام.
(1) قد اتضح مما سردناه في التعليقة المتقدِّمة أن الأكل والشرب من آنية الذّهب والفضّة وكذا أكل المغصوب وشربه غير الأكل أو الشرب من الآنية المغصوبة مع حلِّيّة ما فيها من الطعام والشراب وذلك لأن الثاني ليس من الإفطار بالحرام وإنما هو إفطار بالمباح ، لأن الطعام ملكه أو أنه لغيره إلاّ أنه مجاز في أكله والمحرم تناول الطعام والشراب من الآنية لأنه تصرف في مال الغير وهو حرام فالأكل حلال وإن كانت مقدمته محرمة ، وهذا بخلاف الأكل أو الشرب من آنية الذهب والفضة أو أكل المغصوب لما مر ، فما صنعه الماتن قدس سره من إلحاق الأكل والشرب من الآنية المغصوبة بالأولين مما لا يمكن المساعدة عليه.
(2) بل هو بعيد وإن كان أمر الآمر وفعل الخادم محرماً ، وذلك لأن الأخبار الواردة في المقام على طائفتين :
[410] مسألة 13 : إذا كان المأكول أو المشروب في آنية من أحدهما ففرّغه في ظرف آخر بقصد التخلص من الحرام لا بأس به ولا يحرم الشرب أو الأكل بعد هذا (1).
إحداهما : الأخبار المشتملة على النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة وهذه الطائفة لا تشمل الشارب بوجه ، لأن شرب الچاي من الإناء الفرفوري لا يصدق عليه الأكل والشرب من الآنيتين بل عده كذلك من الأغلاط ، لأنه نظير أن يقال زيد أكل من القدر باعتبار أنه أكل في المشقاب طعاماً طبخ في القدر وهو غلط لعدم أكله من القدر وإنما القدر ما طبخ فيه الطعام ، وكذا الحال في القوري لأنه ظرف قد طبخ فيه الچاي لا أن الشارب شرب الچاي منه.
وثانيتهما : الأخبار المشتملة على النهي عن أوانيهما وأنهما مكروهتان وهي أيضاً غير شاملة للشارب ، لما تقدم من أن المقدر فيها خصوص الأكل والشرب أو مطلق الاستعمال ، والشارب لم يستعمل القوري في المقام ولا أنه أكل أو شرب منه فلا عصيان في حقِّه. نعم استعملها الآمر والخادم كلاهما أحدهما بالمباشرة والآخر بالتسبيب والأمر به ، وحيث إن استعماله المباشري محرم وعصيان حرم التسبيب إليه بالأمر به لأنه أمر بالحرام والعصيان وهو حرام.
(1) لعلّه أراد بذلك ما إذا لم يصدق على تفريغ الطعام أو الشراب من آنيتهما في غيرهما استعمال الآنيتين عرفاً وتوضيحه : أن استعمال كل إناء بحسبه ، فان استعمال آنية الذّهب والفضّة في الشرب أو الأكل قد يكون مع الواسطة لدى العرف كالقدر والسماور ونحوهما فإن الأكل والشرب في مثلهما إنما هو بصب الطعام والشراب منهما في المشقاب والفنجان فإن الأكل أو الشرب منهما من غير واسطة غير معهود ، بل ربما تكون الواسطة شيئاً معيناً عندهم كتوسط الصيني والمشقاب في القدر. وقد يكون بلا واسطة وذلك كالشرب من الكأس والأكل في المشقاب ، فإذا أكل من آنيتهما مع الواسطة المعينة فيما يحتاج فيه إلى التوسط أو من غير واسطة فيما لا حاجة إليها صدق أنه استعملهما في الأكل أو الشرب وهو حرام فلا يجوز تفريغ الطعام من القدر
[411] مسألة 14 : إذا انحصر ماء الوضوء أو الغسل في إحدى الآنيتين (1)
في الصيني والمشقاب أو تفريغ الماء من السماور في الفنجان كما لا يجوز شرب الماء من آنية الذهب من دون واسطة ، وذلك لأنه بنفسه مصداق لاستعمال الآنيتين في الأكل أو الشرب عرفاً ، ولا فرق في ذلك بين قصده التخلص من الحرام بتفريغه وعدمه ، لوضوح أن القصد لا يغيّر الواقع عما هو عليه فبما أن تفريغه أو شربه مصداق لاستعمال الآنيتين حقيقة فقصده التخلّص لا يمنع عن صدق الاستعمال عليهما ولا يخرجهما عن كونهما استعمالاً لهما في الأكل أو الشرب.
وأما لو أكل من آنيتهما بتوسط أمر اخترعه بنفسه على خلاف المتعارف في مثلهما لأن الأكل منهما لم يكن محتاجاً إلى واسطة أصلاً أو لو احتاج فالى واسطة معينة لا إلى تلك الواسطة المخترعة كما إذا فرغ الطعام من القدر الذهبي إلى قدر آخر من الصفر مثلاً أو من السماور كذلك إلى سماور آخر أو من كأس إلى كأس غير ذهب وهكذا فلا يعد تفريغه مصداقاً لاستعمالهما لدى العرف ، لأنه في الحقيقة إعراض عن الإناء الأوّل بداعي التخلّص عن الحرام ، ولا فرق في ذلك بين القول بحرمة استعمالهما في خصوص الأكل أو الشرب وبين القول بحرمة استعمالهما مطلقاً ، لما عرفت من أن التفريغ حينئذ ليس بمصداق لاستعمالهما عرفاً وإذا لم يكن التفريغ مصداقاً له لم يكن وجه لحرمته.
وهذا هو مراد الماتن قدس سره في المقام دون الصورة المتقدِّمة فلا وجه للنقض عليه بما إذا فرّغ ماء السماور في القوري أو الفنجان ونحوهما ، وذلك لأنه من قبيل الصورة المتقدِّمة وهو استعمال عرفي للسماور في الشرب منه وقد مرّ أن مراده قدس سره ما إذا لم يكن التفريغ مصداقاً للاستعمال الحرام.
(1) ظهر حكم هذه المسألة ممّا قدّمناه (1)في التوضؤ من الإناء المغصوب وتفصيل الكلام فيها بناء على عدم جواز استعمال الآنيتين مطلقاً أن الماء قد ينحصر في
1) في ص 265.
إحداهما ولا يتمكن المكلف من تفريغه في ظرف آخر على وجه لا يعد استعمالاً للآنيتين ، وقد لا ينحصر أو يتمكن من تفريغه في ظرف آخر من دون أن يعد استعمالاً للآنيتين وهاتان صورتان :
أمّا الصورة الاولى : فلا شبهة في أن وظيفة المكلف هو التيمم وقتئذ ولا يجب في حقِّه تحصيل الطهارة المائية لحرمة مقدمتها ، وإنما الكلام في أنه لو عصى النهي عن تلك المقدّمة وأخذ الماء من الآنيتين فتوضأ أو اغتسل فهل يمكن الحكم بصحتهما أو لا يمكن؟
قد يكون الغسل أو الوضوء محرمين في نفسيهما كما إذا توضأ أو اغتسل فيهما بالارتماس ولا شبهة في بطلانهما حينئذ لعدم إمكان التقرب بما هو مصداق للحرام. وقد يكون المحرم مقدمتهما دون نفسهما كما إذا اغتسل أو توضأ منهما بالاغتراف بأن بنينا على أن الاستعمال المحرم إنما هو تناول الماء منهما فحسب دون الاستعمالات المترتبة عليه ، وصحة الغسل أو الوضوء في هذه الصورة مبتنية على القول بالترتب ولا نرى أيّ مانع من الالتزام به في المقام ، لأن المعتبر في الواجبات المركبة إنما هي القدرة التدريجية ولا تعتبر القدرة الفعلية على جميع أجزائها من الابتداء كما أوضحناه في التكلم على الوضوء من الإناء المغصوب ، وحيث أن القدرة التدريجية متحققة في المقام بالعصيان فلا مانع من الالتزام به ، وذلك لأن الترتب على طبق القاعدة ولا يحتاج الالتزام به إلى دليل بالخصوص ، ولا مانع من الأمر بالأهم والمهم كليهما سوى لزوم الأمر بالجمع بين الضدين المحال إلاّ أن ذلك يرتفع بالتقييد في إطلاق أحدهما فإن الأمر بالغسل أو الوضوء مقيد بالوجدان والأمر بالتيمم وبالاجتناب عن استعمال الآنيتين مطلق في المقام ، ونتيجة ذلك أن الأمر بالغسل أو الوضوء مشروط بعصيان الأمر بالاجتناب والتيمم ، وذلك لأنه لو عصى وتناول الماء من الآنيتين بالاغتراف تحققت القدرة على غسل الوجه في الوضوء ، وحيث إن المكلف عالم بعصيانه مرة ثانية فثالثة فهو متمكن من غسل يديه متدرجاً والقدرة التدريجية كافية في الواجب المركب على الفرض ، فلا مانع من الحكم بصحة الغسل والوضوء بالترتب فان حالهما حال الصلاة المزاحمة بالإزالة على ما بيّناه سابقاً فلا نعيد.
فإن أمكن تفريغه في ظرف آخر وجب وإلاّ سقط وجوب الوضوء أو الغسل ووجب التيمم ، وإن توضأ أو اغتسل منهما بطل سواء أخذ الماء منهما بيده أو صب على محل الوضوء بهما أو ارتمس فيهما ، وإن كان له ماء آخر ، أو أمكن التفريغ في ظرف آخر ومع ذلك توضّأ أو اغتسل منهما فالأقوى أيضاً (1)
وأمّا ما عن شيخنا الأُستاذ قدس سره من أن الترتّب مشروط بإحراز الملاك في كلا الواجبين فقد تقدّم الجواب عنه في الكلام على التوضّؤ من الإناء المغصوب فراجع (2)هذا.
ولا يخفى أن تصحيح الوضوء والغسل بالترتب يبتني على القول بعدم حرمة الاستعمالات المتفرعة على تناول الماء من الإناء ، وإلاّ فالوضوء بنفسه مصداق للحرام ويستحيل أن يتصف معه بالوجوب وكذلك الحال في الغسل. نعم لا ملزم للالتزام به لأن الأخبار الناهية عن الأكل والشرب في آنيتهما تختص بالأكل والشرب منهما ولا تشمل غيرهما من استعمالاتهما فضلاً عن الاستعمالات المترتبة على تناول الماء منهما.
وأما ما ورد بلسان النهي عنهما أو كراهتهما فهي أيضاً كذلك ، لأن المقدر فيهما إما الأكل والشرب فحسب وإما مطلق استعمالاتهما ، واستعمال الإناء لا يصدق إلاّ على تناول الماء منهما وأما صبه بعد ذلك أو إطعامه للحيوان أو غسل الثوب به خارج الإناء فلا يصدق على شيء من ذلك استعمال الآنية بوجه ، ومن هنا نسب إلى عامة الفقهاء صحة التوضؤ منهما في صورة عدم الانحصار مع ذهابهم إلى حرمة استعمالات الآنيتين مطلقاً ، فلو كان الوضوء محرماً في نفسه لم يكن وجه للقول بصحته ، هذا كله في صورة الانحصار.
وأمّا الصورة الثانية : فهي التي أشار إليها الماتن بقوله : وإن كان له ماء آخر أو أمكن التفريغ في ظرف آخر ... فالأقوى أيضاً البطلان.
البطلان (1) لأنه وإن لم يكن مأموراً بالتيمم إلاّ أن الوضوء أو الغسل حينئذ يعدّ استعمالاً لهما عرفاً فيكون منهياً عنه (1). بل الأمر كذلك (2)لو جعلهما محلاًّ لغسالة الوضوء (2) لما ذكر من أن توضّؤه حينئذ يحسب في العرف استعمالاً لهما.
(1) بل لا ينبغي التأمل في صحة الغسل والوضوء حينئذ ، وذلك لأن الأمر بالطهارة المائية فعلي في حقه لتمكنه من الماء فاذا عصى وتناول الماء منهما بالاغتراف صح وضوءه وغسله قلنا بالترتب أم لم نقل ، لأن الماء الموجود في يده حاله حال المياه المباحة واختيار المقدمة المحرمة لا يضر بصحتهما بعد كونه متمكناً من الماء.
(2) يقع الكلام في هذه المسألة في صورتين :
إحداهما : ما إذا قصد المتوضئ ادّخار ماء الوضوء وجمعه في الآنيتين لأنه قد يتعلق به الغرض من التبرك أو استعماله بعد ذلك في مورد آخر.
وثانيتهما : ما إذا لم يقصد المتوضئ ذلك وإنما اجتمع ماء الوضوء فيهما بطبعه.
أمّا الصورة الأُولى : فالظاهر أنه لا إشكال في حرمته لأنه استعمال للآنيتين وقد فرضنا حرمته ، والوجه في ذلك أن استعمال أي شيء إنما هو باعماله فيما أُعد له والآنية معدة لأن يجمع فيها الماء والطعام ، وهل حرمة ذلك تستتبع الحكم ببطلان الوضوء وحرمته؟
والصحيح أنها غير مستتبعة لذلك ، وسره أن الوضوء أو الغسل شيء واستعمال الإناء بجمع الماء فيه شيء آخر ولا يصدق استعمال الإناء على الوضوء ، ومع عدم كونه استعمالاً لآنيتهما لا موجب لحرمته وبطلانه.
وقد يقال بالحرمة والبطلان نظراً إلى أن الغسل أو الوضوء علتان للمعصية وهي جمع الماء في الآنيتين وإذا حرم المعلول حرمت علته.
نعم لو لم يقصد جعلهما مصباً للغسالة ، لكن استلزم توضؤه ذلك أمكن أن يقال : إنّه لا يعد الوضوء استعمالاً لهما (1) بل لا يبعد أن يقال : إن هذا الصب أيضاً لا يعد استعمالاً فضلاً عن كون الوضوء كذلك.
وفيه : أن دعوى ذلك كدعوى أن الوضوء استعمال للآنيتين أمر لا يمكن المساعدة عليه وذلك لعدم تماميتها صغرى وكبرى.
أما بحسب الصغرى فلأمرين : أحدهما : أن الوضوء هو إيصال الماء إلى البشرة على وجه يجري من محل إلى محل ، ومن الظاهر أنه غير مستلزم لصبّ الماء على الإناء ولا لجمعه فيه ، فان إجراء الماء على أعضاء الوضوء إذا كان على وجه التدهين باليد لم يستلزم صبّ الماء على الإناء. وأما وقوع بعض القطرات فيه أثناء الوضوء فهو وإن كان كذلك إلاّ أنه لا يعد استعمالاً للإناء. مضافاً إلى إمكان المنع عن انفصال القطرات عن المحال ، فبذلك يظهر أن انصباب الماء على الإناء واجتماعه فيه عند الوضوء أمر قد يتحقق وقد لا يتحقّق وليس هذا معلولاً للوضوء حتى لا ينفك عنه.
وثانيهما : هب أن الوضوء يستلزم الصب وأنه علة لاجتماع الماء في الإناء ، إلاّ أنه لا شك في أن اجتماع الماء في الإناء غير مستند إلى التوضؤ بوحدته وإنما هو معلول لأمرين : أحدهما الوضوء وثانيهما إبقاء الإناء في موضعه ، إذ لو نقل منه إلى محل آخر لم يقع عليه ماء الوضوء والإبقاء أمر اختياري للمتوضئ ، ومعه فالوضوء مقدّمة من مقدّمتي الحرام وليس علة تامة للمعصية وقد بيّنا في محلِّه أن مقدّمة الحرام ليست بحرام.
وأما بحسب الكبرى فلأن العلة ومعلولها موجودان متغايران ولا يكون البغض في أحد المتغايرين سارياً إلى الآخر بوجه حيث لا تلازم بينهما ، فلا أساس لما هو المشتهر من أن علة الحرام حرام. والمتلخص أن الوضوء والغسل صحيحان في محل الكلام ولا يعدّان استعمالاً للإناء ، هذا كلّه في الصورة الأُولى.
أمّا الصورة الثانية : فهي التي أشار إليها الماتن بقوله : نعم لو لم يقصد ....
(1) بل هذا هو الصحيح ، لما مر من أن استعمال أي شيء إنما هو إعماله فيما أُعد له
[412] مسألة 15 : لا فرق في الذّهب والفضّة بين الجيد منهما والرديء والمعدني والمصنوعي والمغشوش والخالص (1) إذا لم يكن الغش إلى حد يخرجهما عن صدق الاسم وإن لم يصدق الخلوص. وما ذكره بعض العلماء من أنه يعتبر الخلوص وأن المغشوش ليس محرماً وإن لم يناف صدق الاسم ، كما في الحرير المحرّم على الرجال حيث يتوقف حرمته على كونه خالصاً لا وجه له ، والفرق بين الحرير والمقام أن الحرمة هناك معلقة في الأخبار على الحرير المحض ، بخلاف المقام فإنّها معلقة على صدق الاسم.
وقد فرضنا أن الإناء لم يعمل لجمع الماء فيه لأن المتوضئ لا يريد ذلك ولا يقصده وحيث لا إعمال فلا استعمال للإناء. ودعوى : أن صدق الاستعمال عليه أوضح من صدق الاستعمال على الوضوء من ماء الإناء ، عهدتها على مدعيها. فما أفاده الماتن من أن هذا الصب لا يعد استعمالاً فضلاً عن كون الوضوء كذلك متين لا غبار عليه.
(1) لإطلاق الدليل وهو يشمل المعدني والمصنوعي والقسم الجيد والرديء ، وكذلك الخالص والمغشوش إذا كان الخليط قليلاً كما هو الحال في الليرات وغيرها من النقود ، وذلك لأن الحكم يدور مدار عنوان الذهب والفضة وهو يصدق على المغشوش وسائر الأقسام المتقدِّمة. بل قدمنا أن الغالب في صياغة الذهب هو المزج حتى يتقوى بذلك كما قيل ولم يرد اعتبار الخلوص في حرمة أواني الذهب والفضة حتى نلتزم بالجواز في الممتزج بغيرهما ولو قليلاً وإنما الدليل دلّ على حرمة آنيتهما فحسب فمتى صدق هذا العنوان حكم بحرمتهما.
وأما اعتباره في حرمة الحرير على الرجال فهو مستند إلى الأخبار الدالّة على جواز لبس الحرير إذا كان مخلوطاً بغيره ولو قليلاً (1)نعم إذا كثر المزيج بحيث لم يصدق على الإناء عنوان الذهب أو الفضة جاز استعماله لعدم شمول الدليل له وإن كان مشتملاً على شيء منهما. وكذا ما ليس بذهب حقيقة فإنّه لا بأس باستعماله وإن سمي ذهباً لدى العرف كما هو الحال في الذهب المعروف بالفرنكي.
1) الوسائل 4 : 373 / أبواب لباس المصلي ب 13.
[413] مسألة 16 : إذا توضّأ أو اغتسل من إناء الذّهب أو الفضّة مع الجهل بالحكم أو الموضوع صح (1)(1).
(1) قد يفرض الكلام فيما إذا كان التوضؤ أو الاغتسال محرماً في نفسه ، كما إذا توضأ أو اغتسل بالارتماس فإنّه استعمال للآنيتين وقد فرضنا حرمته. وقد يفرض فيما إذا كانت مقدمتهما محرمة لا نفسهما كما إذا توضأ أو اغتسل منهما بالاغتراف لما مرّ من أن المحرم ليس إلاّ تناول الماء من الآنيتين لا الأفعال المترتبة عليه. ومحل الكلام في هذه الصورة ما إذا لم نقل بصحة الوضوء أو الغسل عند العلم بالحرمة وموضوعها بالترتب ، لأنه على ذلك لا مناص من الالتزام بصحتهما مع الجهل بالأولوية.
أمّا الصورة الاولى : فلا تردد في الحكم ببطلانهما ، لما ذكرناه في محله من أن الفعل إذا حرم بذاته استحال أن يكون مصداقاً للواجب لأنه مبغوض ولا يكون المبغوض الواقعي مقرباً بوجه ، وجهل المكلف حرمته وإن كان عذراً له إلاّ أنه لا يغيّر الواقع عما هو عليه ولا ينقلب المبغوض محبوباً ومقرباً بسببه. وهذه المسألة طويلة الذيل وقد تعرضنا لتفصيلها في بحث اجتماع الأمر والنهي وقلنا إن ما نسب إلى المشهور من الحكم بصحة العبادة مع الجهل بحرمتها لا يجتمع مع القول بالامتناع فلا بد من الالتزام ببطلانها أو القول بالجواز أعني جواز الاجتماع (2).
وأمّا الصورة الثانية : فحاصل الكلام فيها أن الحكم ببطلان الغسل والوضوء لما كان مستنداً إلى التزاحم بين حرمة المقدمة ووجوبهما وسقوطهما عن الوجوب للعجز عن المقدمة ، انحصر ذلك بما إذا تنجزت حرمة المقدمة بأن كان المكلف عالماً بحكمها وموضوعها ، وأما إذا لم يكن كذلك لجهل المكلف بحرمتها من جهة الشبهة الحكمية أو الموضوعية فلا موجب لسقوطهما عن الوجوب لإباحة المقدمة ولو ظاهراً.
[414] مسألة 17 : الأواني من غير الجنسين لا مانع منها (1) وإن كانت أعلى وأغلى حتى إذا كانت من الجواهر الغالية كالياقوت والفيروزج (2).
[415] مسألة 18 : الذّهب المعروف بالفرنكي لا بأس بما صنع منه لأنه في الحقيقة ليس ذهباً ، وكذا الفضة المسماة بالورشو ، فإنّها ليست فضة بل هي صفر أبيض (3).
[416] مسألة 19 : إذا اضطر إلى استعمال أواني الذّهب أو الفضّة في الأكل والشرب وغيرهما جاز (4) وكذا في غيرهما من الاستعمالات ، نعم لا يجوز التوضّؤ
نعم ، هذا إذا كان الجهل معذّراً وموجباً للترخيص في مرحلة الظاهر كما إذا كانت الشبهة موضوعية أو أنها كانت حكمية ولكنه فحص ولم يظفر بالدليل وهو المعبّر عنه بالجهل القصوري ، وأما إذا لم يكن جهله معذراً بأن كان تقصيرياً كما في الشبهات الحكمية قبل الفحص فلا بد من الحكم ببطلان الغسل أو الوضوء لتنجز الحرمة الواقعية بالاحتمال وعدم الترخيص في الإتيان بالمقدمة بحكم العقل ، ومع عدم الترخيص فيها يسقط الأمر عن الغسل أو الوضوء فيحكم ببطلانهما.
(1) لاختصاص الأدلّة بأواني الذهب والفضة فلا نهي عن غيرها.
(2) لما تقدم من أن ملاكات الأحكام الشرعية مما لا سبيل إليه ، ولم يعلم أن الملاك في النهي عن آنيتهما غلاء قيمتهما ليثبت الحكم فيما هو أعلى وأغلى منهما بالأولوية.
(3) لما ذكرناه من أن النهي إنما تعلق بالذهب أو الفضة الحقيقيين وليس الأمر في الذهب الفرنكي والورشو كذلك إذ ليسا ذهباً ولا فضة حقيقة وإنما الأول ملوّن بلون الذهب والثاني صفر أبيض أو مادة أُخرى.
(4) لحديث رفع الاضطرار (1)
ثم إن هذه الرواية المروية عن التوحيد [ 353 / 24 ] والخصال [ 2 : 417 / 9 ] وإن عبّر عنها شيخنا الأنصاري 1 [ فرائد الأُصول 1 : 320 ] بالصحيحة حيث قال : ومنها المروي عن النبي 9 بسند صحيح في الخصال كما عن التوحيد ثم ساق الخبر ، إلاّ أنها ضعيفة السند بأحمد بن محمد بن يحيى. نعم هناك رواية أُخرى صحيحة السند ومتحدة المضمون مع الرواية المتقدِّمة في غير السهو والحسد والطيرة والوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة ، وهي ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن إسماعيل الجعفي عن أبي عبد اللّه 7 قال : « سمعته يقول : وضع عن هذه الأُمة ست خصال : الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه » المرويّة في [ الوسائل 23 : 237 / أبواب الأيمان ب 16 ح 3 ] ، واستدلالنا انّما هو بهذه الرواية لا الرواية المتقدِّمة.
والوجه في صحة سندها أن للشيخ إلى نوادر أحمد بن محمد بن عيسى طريقين أحدهما قابل للاعتماد عليه ، وأما ما يرويه عنه في غير نوادره فقد ذكر إليه طريقين في المشيخة متقسطاً حيث قال : ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمد بن عيسى ما رويته بهذه الأسانيد عن محمّد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى ، ثم قال بعد فصل غير طويل : ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمد بن عيسى ما رويته بهذا الاسناد : عن محمد بن علي بن محبوب عن أحمد بن محمد [ التهذيب 10 : 42 ، 72 ] وطريقه إليه في الجملة الأُولى صحيح وضعيف في الجملة الثانية ، لأن في طريق الشيخ إلى محمد بن علي بن محبوب أحمد بن محمد بن يحيى العطار وهو ضعيف.
إذن لا يمكننا الحكم بصحة شيء مما يرويه الشيخ 1 بإسناده عن الرجل في غير نوادره لكونه شبهة مصداقية للأخبار التي رواها عنه بطريقه الصحيح ، إذ من المحتمل أن تكون الرواية من الجملة الثانية التي عرفت ضعف طريق الشيخ إليها. نعم لو كان طريقه إليه معتبراً في كلتا الجملتين لم يكن مجال للمناقشة في الحكم بصحة طريقه إلى الرجل بأن العبارة غير مشتملة على طريقه إلى ما يرويه عنه جميعاً وإنما اشتملت على طريقه مقسطاً ، ومن المحتمل أن يكون له طريق ثالث لم يتعرض إليه في المشيخة. والوجه فيما ذكرناه أنه لو كان له طريق ثالث إليه لوجب أن يذكره في مشيخته لأنه إنما تعرض لطرقه إلى الرواة روماً لخروج الأخبار التي رواها في كتابه عن حدّ المراسيل على ما صرح به في أوّل المشيخة ، والسكوت عن بعض الطرق لا يلائم هذا الغرض فبهذا نطمئن بأن له إلى الرجل طريقين وحيث إنهما معتبران فلا مناص من الحكم بصحّة طريقه إلى الرجل على نحو الإطلاق.
نعم ، هذا إنما هو في المشيخة ، وأمّا في الفهرست فقد ذكر فيه إلى أحمد بن محمّد بن عيسى طريقين كليهما ضعيف ، أحدهما بأحمد بن محمد بن يحيى العطّار والآخر بأحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد [ الفهرست : 25 ] فما في بعض الكلمات من أن طريق الشيخ إلى الرجل صحيح في المشيخة والفهرست مبني على وثاقة الرجلين أو أولهما أو أنه من سهو القلم.
وقوله ( عليه السلام ) « ليس شيء مما حرّم اللّه إلا1) وضع عن أُمتي تسعة أشياء : السهو والخطأ والنسيان وما اكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه والطيرة والحسد والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الإنسان بشفة » الوسائل 8 : 249 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 30 ح 2 ، 15 : 369 / أبواب جهاد النفس ب 56 ح 1.
والاغتسال منهما (1) بل ينتقل إلى التيمم.
[417] مسألة 20 : إذا دار الأمر في حال الضرورة بين استعمالهما أو استعمال الغصبي قدّمهما (2).
وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه » (1).
(1) لعدم اضطراره إليهما ، فاستعمال أواني الذهب والفضة في الغسل أو الوضوء باق على حرمته ، ومع حرمة المقدمة ومبغوضيتها لا تجب العبادة المتوقفة عليها بوجه. بل لا تصح أيضاً إلاّ على الترتب على ما عرفت. نعم لو اضطر إلى خصوص التوضؤ منهما أو إلى جامع التوضؤ وغيره ، كما إذا اضطر إلى إفراغهما شيئاً فشيئاً وهو يحصل بالتوضؤ منهما وبالاغتراف صحّ وضوءه وغسله ، لعدم حرمة مقدمتهما وإباحتهما في نفسهما.
(2) وهذا لا لأن أدلّة حرمة الغصب بلسان « لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيبة نفسه » (2)« ولا يحلّ لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه » (3)وهي أقوى دلالة من الأدلّة الدالّة على حرمة استعمال الآنيتين ، حيث إنها بلسان « لا ينبغي » أو « الكراهة » كما تقدم ، والنهي إنما ورد في بعضها ، وذلك لأن الأقوائية في الدلالة أو
السند إنما هي من المرجحات في المتعارضين وأما في باب التزاحم الذي لا تنافي ولا تكاذب فيه بين الدليلين بحسب الجعل لإمكان ثبوت المتزاحمين كليهما في الشريعة المقدّسة ، نعم قد يكونان متنافيين في مرحلة الامتثال من جهة عجز المكلف عن صرف قدرته في امتثالهما فلا تكون الأقوائية في الدلالة أو السند موجبة لتقديم أحدهما على الآخر ، بل قد يتقدم أضعفهما دلالة أو سنداً على أقواهما من الجهتين لأهميته بحسب الملاك ، ومن هنا قد تتقدم السنة على الكتاب عند تزاحمهما كما إذا كان مدلولها أهم وأقوى بحسب الملاك ، ومقامنا هذا من هذا القبيل حيث لا تعارض ولا تكاذب بين أدلّة حرمة الغصب وأدلة حرمة استعمال الآنيتين ، فان كلتا الحرمتين ثابتتان في الشريعة المقدّسة إلاّ أن المكلف في خصوص المقام غير قادر على امتثالهما معاً ، لفرض اضطراره إلى الشرب من الآنية المغصوبة أو من آنيتهما ، ومع التزاحم لا قيمة لأقوائية الدلالة أو السند ، هذا.
على أن « لا ينبغي » أو « الكراهة » على ما قدمناه لا يقصران في الدلالة على الحرمة عن قوله : « لا يجوز » أو « لا يحل ». أضف إلى ذلك أن الأدلّة غير منحصرة بالأخبار المشتملة على « لا ينبغي » و « الكراهة » لما تقدّم (1)من أن جملة من الأخبار الواردة هناك تشتمل على لفظة النهي ، فليراجع.
بل الوجه في ذلك أن حقوق الناس أهم من حقوق اللّه سبحانه ، فكلما دار الأمر بينها وبين حق اللّه محضاً تقدمت حقوق الناس لأهميتها ، فهي الأولى بالمراعاة عند المزاحمة ، وبما أن حرمة استعمال الآنيتين من حقوق اللّه المحضة بخلاف حرمة التصرّف في المغصوب ، لأن فيها حق الناس أيضاً ، فلا محالة تتقدّم الحرمة فيه على الحرمة في الآنيتين ، لأن حق الناس إذا كان محرز الأهمية من حق اللّه سبحانه فلا كلام في تقدّمه ، وإذا كان مشكوك الأهمية فالأمر أيضاً كذلك ، للقطع بعدم الأهمية في حق اللّه سبحانه ، فهما إما متساويان أو أن حق الناس أهم ، ومع كون أحد المتزاحمين محتمل الأهمية يتقدّم على ما لا يحتمل فيه الأهمية.
1) في ص 278 الطائفة الاولى.
[418] مسألة 21 : يحرم إجارة نفسه (1)لصوغ الأواني من أحدهما وأُجرته أيضاً حرام كما مرّ (1).
[419] مسألة 22 : يجب على صاحبهما كسرهما (2) وأمّا غيره (3) فان علم أن
(1) تتفرّع هذه المسألة على ما اختاره قدس سره من حرمة الانتفاع بالآنيتين حتى اقتنائهما ، وعليه فالأمر كما أفاده لمبغوضية الهيئة عند الشارع وحرمتها فصياغتهما فعل محرم وعمل الحرام لا يقابل بالمال ، فلو آجر نفسه على المحرم بطلت الإجارة لما قدّمناه (2)في المسألة الرابعة ، فليراجع.
هذا ولكن الصحيح جواز الإجارة على صياغتهما ، لما تقدم من أن الأخبار الواردة في المقام إنما يدل على حرمة استعمالهما في خصوص الأكل والشرب أو مطلقاً ، وأما الانتفاع بهما أو اقتناؤهما فلم يقم دليل على حرمته.
(2) هذه المسألة أيضاً متفرعة على ما اختاره قدس سره من حرمة الانتفاع بهما واقتنائهما ، ومعه الأمر كما أُفيد لمبغوضية الهيئة وعدم رضا الشارع بوجودها وكونها ملغاة عن الاحترام.
(3) بمعنى أن المسألة تختلف باختلاف المالك مع غيره واتفاقهما في الاعتقاد ، لأن نهي غير المالك للمالك ثم مباشرته للكسر إنما يسوغ من باب النهي عن المنكر عند اتفاقهما اجتهاداً أو تقليداً على حرمة الانتفاع بالآنيتين وعدم جواز اقتنائهما حكماً وموضوعاً ، وأما مع اختلافهما في ذلك بحسب الحكم أو الموضوع ، كما إذا رأى المالك اجتهاداً أو تقليداً جواز الاقتناء والانتفاع بهما أو عدم كون الإبريق الذهبي إناء فلا مسوغ لنهيه إذ لا منكر ، ولا لكسره لجواز إبقائهما للمالك حسب عقيدته وهو معذور في ذلك الاعتقاد ، والهيئة كالمادة حينئذ باقية على احترامها.
صاحبهما يقلد من يحرّم اقتناءهما أيضاً ، وأنهما من الأفراد المعلومة في الحرمة يجب عليه نهيه وإن توقّف على الكسر يجوز له كسرهما ، ولا يضمن قيمة صياغتهما (1). نعم لو تلف الأصل ضمن (2) وإن احتمل أن يكون صاحبهما ممن يقلد من يرى جواز الاقتناء ، أو كانتا مما هو محل الخلاف في كونه آنية أم لا ، لا يجوز له التعرّض له (3).
[420] مسألة 23 : إذا شك في آنية أنها من أحدهما أم لا ، أو شك في كون شيء مما يصدق عليه الآنية أم لا ، لا مانع من استعمالها (4).
(1) وليس له الاقدام على كسرهما ، لأن الهيئة وإن لم تكن محترمة وهي مبغوضة الوجود إلاّ أن غير المالك لا يتمكن من إزالتها عند اقدام المالك عليها ، لاستلزامه التصرّف في مادتهما وهي محترمة ولا يجوز التصرّف فيها إلاّ برضا مالكها ، وهذا نظير ما إذا تنجس مصحف الغير فإن الأمر بتطهيره يتوجه على مالكه ، ومع إقدامه عليه ليس لغيره التصرف فيه بالتطهير لاستلزامه التصرف في مال الغير من غير رضاه.
نعم ، إذا لم يرض المالك بكسرهما أو بتطهير المصحف في المثال جاز لغيره الاقدام عليهما بل وجب ، لأن المالك بامتناعه عما وجب عليه في الشريعة المقدّسة ألغى ماله عن الاحترام بهذا المقدار من التصرف فيه ، لأن الهيئة مبغوضة ولا سبيل إلى إزالتها إلاّ بالتصرف في مادتها ولو من دون رضا مالكها ، لامتناعه عن كسرها وعن الاذن فيه ، وكذلك الحال في المصحف المتنجِّس فلاحظ.
(2) لأن الأصل مال محترم وإتلافه موجب للضمان ، كما إذا أزال الهيئة بإلقاء الإناء في بحر أو نهر ونحوهما.
(3) كما تقدّم.
(4) الشك في إناء الذهب والفضة قد يكون من جهة الهيئة وقد يكون من جهة المادة.
أما الشك فيه من جهة الهيئة فهو أيضاً على قسمين : لأن الشبهة قد تكون حكمية
مفهومية ، كما إذا شك في الظروف غير المعدة للأكل أو الشرب من جهة الشك في سعة مفهوم الإناء وضيقه ، وأنه هل يشمل الإبريق مثلاً أو يختص بما أُعد للأكل أو الشرب منه ، وقد تكون موضوعية كما إذا لم يدر لظلمة أو عمى ونحو ذلك أن الهيئة هيئة صندوق مدور أو إناء.
أما إذا شك في الهيئة من جهة الشبهة الحكمية فلا بد من الفحص عن مفهوم الإناء وبعد ما عجز عن تشخيصه رجع إلى استصحاب عدم جعل الحرمة لما يشك في صدق الإناء عليه ، لأن مرجع الشك في سعة مفهوم الإناء وضيقه إلى الشك في ثبوت الحرمة وجعلها على الفرد المشكوك فيه ، ومقتضى استصحاب عدم جعل الحرمة عليه جواز الأكل والشرب منه. وعلى تقدير المناقشة في ذلك ، أصالة البراءة عن حرمة استعماله هي المحكّمة.
وأما الشك في الهيئة من جهة الشبهة الموضوعية فهو أيضاً مورد للحكم بالإباحة وذلك لأن اتصاف المادة بهيئة الإناء أمر حادث مسبوق بالعدم ، لعدم كونها متصفة بها من الابتداء ، فمقتضى الاستصحاب النعتي عدم اتصافها بهيئة الإناء. ومع الغض عن ذلك أصالة البراءة عن حرمة استعماله مما لا محذور فيه.
وأما الشك فيه من جهة المادة فالشبهة فيه موضوعية غالباً ، كما إذا لم يدر مثلاً أن مادة الإناء ذهب أو نحاس ، وجريان الاستصحاب حينئذ يبتني على القول بجريانه في الأعدام الأزلية ، وذلك لأن المادة قبل وجودها لم يكن اتصافها بالذهب موجوداً يقيناً وبعد ما وجدت المادة وشككنا في تحقق اتصافها بالذهب نستصحب عدمه ، وكذلك الحال فيما إذا شككنا في كونها فضة ، فبهذا الاستصحاب يثبت أن المادة ليست بذهب ولا فضة فيجوز استعمالها مطلقاً. ومع المناقشة في جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية أصالة البراءة عن حرمة استعمالها مما لا مزاحم له.
نعم ، قد يشك في المادة من جهة الشك في سعة مفهوم الذهب وضيقه ، كما إذا شك في أن مفهوم الذهب أو الفضة هل يصدق على مادة الإناء ، والمرجع حينئذ هو استصحاب عدم جعل الحرمة لما يشك في كونه ذهباً أو فضة ، أو البراءة عن حرمة استعماله على تقدير المناقشة في الاستصحاب.
[421] مسألة 1 : يجب في حال التخلي بل في سائر الأحوال ستر العورة عن الناظر المحترم .
فالمتلخص أن ما يشك في كونه إناء الذهب أو الفضة يجوز استعماله مطلقاً ، سواء كان الشك من جهة المادة أو الهيئة ، وسواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية.
فصل في أحكام التخلِّي
(1) وجوب ستر العورة عن الناظر المحترم من المسائل القطعية بل الضرورية في الجملة ، ويدلُّ عليه قوله عزّ من قائل ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ) (1)وغيرها من الآيات المتحدة معها في المفاد ، حيث دلت على وجوب حفظ الفرج عن كل ما يترقّب منه من الاستلذاذات ، إذ الاستلذاذ به قد يكون بلمسه وقد يكون بالنظر إليه ، وقد يكون بغير ذلك من الوجوه على ما تقتضيه القوة الشهوية والطبع البشري ، وذلك لأن حفظ الفرج في تلك الآيات الكريمة غير مقيد بجهة دون جهة. ومعه لا حاجة في تفسير الآية المباركة إلى مرسلة الصدوق قدس سره « سئل الصادق علیه السلام عن قول اللّه عزّ وجلّ ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ ) ، فقال : كل ما كان في كتاب اللّه من ذكر حفظ الفرج فهو من الزنا إلاّ في هذا الموضع فإنّه للحفظ من أن ينظر إليه » (2)حتى يرد بإرسالها.
وأيضاً يدل على ذلك جملة من الأخبار فيها روايات معتبرة وإن كان بعضها ضعيفاً.
فمنها : ما رواه حريز عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه » (1).
ومنها : حسنة رفاعة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلاّ بمئزر » (2)حيث جعلت ستر العورة من لوازم الايمان فتدل على وجوب سترها مطلقاً ، بعد القطع بأن الاتزار ليس من الواجبات الشرعية في الحمام ، والجزم بأن الحمام ليست له خصوصية في ذلك ، فليس الأمر به إلاّ من جهة أن الحمام لا يخلو عن الناظر المحترم عادة ، كما أن الأمر به ليس مقدمة للاغتسال ومن هنا ورد جواز الاغتسال بغير إزار حيث لا يراه أحد ، وذلك كما في صحيحة الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل يغتسل بغير إزار حيث لا يراه أحد ، قال : لا بأس » (3)، وهذه الصحيحة تدل على أن الأمر بالاتزار في الحسنة المتقدِّمة ليس إلاّ لوجوب ستر العورة عن الناظر المحترم.
وفي جملة من الأخبار « عورة المؤمن على المؤمن حرام » (4)وظاهرها أن النظر إلى عورة المؤمن حرام.
وقد يناقش في ذلك ، بأن المراد بالعورة هو الغيبة ، فالأخبار إنما تدل على حرمة غيبة المؤمن وكشف ما ستره من العيوب ، كما ورد تفسيرها بذلك في جملة من النصوص منها : ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال « سألته عن عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ فقال : نعم ، قلت أعني سفليه ، فقال : ليس حيث تذهب إنما هو إذاعة سرّه » (5). ومنها : رواية زيد الشحام عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ قال : ليس أن ينكشف فيرى منه شيئاً
إنما هو أن يزري عليه أو يعيبه » (1)ومنها غير ذلك من الروايات.
والجواب عن ذلك ، أنه لا مناص من حمل تلك الروايات على تفسير كلامه بذلك في خصوص المورد أو الموردين أو أكثر ، فكأنه علیه السلام أراد منها معنى عاما ينطبق على الغيبة وإذاعة السر في تلك الموارد تنزيلاً لهما منزلة كشف العورة ، ولا يمكن حملها على أن المراد بتلك الجملة هو الغيبة في جميع الموارد ، وأينما وقعت ، كيف وقد وردت في مورد لا يمكن فيه حملها على ذلك المعنى بوجه. وهذا كما في رواية حنان بن سدير عن أبيه قال : « دخلت أنا وأبي وجدي وعمي حماماً بالمدينة فإذا رجل في البيت المسلخ فقال لنا : مَن القوم؟ فقلنا من أهل العراق ، فقال : وأي العراق؟ قلنا : كوفيون ، فقال : مرحباً بكم يا أهل الكوفة أنتم الشعار دون الدثار ، ثم قال : ما يمنعكم من الأُزر فإن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قال عورة المؤمن على المؤمن حرام ، قال : فبعث إلى أبي كرباسة فشقها بأربعة ثم أخذ كل واحد منّا واحداً ثم دخلنا فيها ... فسألنا عن الرجل فاذا هو علي بن الحسين علیه السلام ومعه ابنه محمّد بن علي علیهماالسلام » (2). وذلك لأن إرادة الغيبة من قوله علیه السلام « فان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قال : عورة المؤمن ... » أمر غير ممكن بقرينة الحمام واتزارهم بالكرباس.
فالمتحصل إلى هنا أن وجوب ستر العورة مما لا إشكال فيه ، وكذا الحال في حرمة النظر إليها على ما دلت عليه الأدلّة المتقدِّمة.
وما عن بعض متأخري المتأخرين من أنه لو لم يكن مخافة خلاف الإجماع لأمكن القول بكراهة النظر ، دون التحريم كما نقله المحقق الهمداني قدس سره (3)فلعلّه مستند إلى مصححة ابن أبي يعفور قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام أيتجرّد الرجل عند صبّ الماء ترى عورته؟ أو يصب عليه الماء؟ أو يرى هو عورة الناس؟
سواء كان من المحارم أم لا (1) رجلاً كان أو امرأة ، حتى عن المجنون والطفل المميِّز (2) ، كما أنه يحرم على الناظر أيضاً النظر إلى عورة الغير ولو كان مجنوناً أو طفلاً مميِّزاً (3) ، والعورة في الرجل القُبْل والبيضتان والدُّبْر ، وفي المرأة القُبْل
قال : كان أبي يكره ذلك من كل أحد » (1).
ولكن فيه أن الكراهة في الروايات لا يراد منها الكراهة بالمعنى المصطلح عليه عند الأصحاب لأنه اصطلاح حديث ، ومعناها الحرمة والبغض ما لم يقم على خلافها دليل ، وعلى ذلك فالرواية إما ظاهرة في الحرمة أو مجملة ، فلا يمكن جعلها قرينة على إرادة الكراهة المصطلح عليها في سائر الروايات. هذا تمام الكلام في وجوب ستر العورة وحرمة النظر إليها ، وأما خصوصيات ذلك فهي التي أشار إليها الماتن بقوله : سواء كان من المحارم ....
(1) هذا وما بعده لإطلاق الأدلّة المتقدِّمة من الآيات والأخبار الدالتين على حرمة النظر إلى عورة الغير ووجوب حفظ الفرج مطلقاً ، وذلك لأنه لم يستثن منه سوى أزواجهم وما ملكت أيمانهم ، بلا فرق في ذلك بين المحرم كالأخ والأُخت والأب والأُم ونحوهم وبين غير المحرم.
(2) لأنه مقتضى إطلاق الأدلّة المتقدِّمة. وعدم حرمة كشف العورة والنظر إليها في حق الطفل والمجنون نظراً إلى اعتبار العقل والبلوغ في التكليف ، لا يستلزم جواز كشف العورة عندهما ، أو جواز النظر إلى عورتيهما في حق المكلفين ، نعم لا يجب ستر العورة عن الصبي غير المميز ولا عن المجنون غير المدرك لشدة جنونه وذلك لأن الظاهر المنصرف إليه من الأدلّة المتقدِّمة أن العورة إنما يجب سترها عن الناظر المدرك دون الناظر فاقد الشعور والإدراك ، فان حاله حال الحيوان فكما لا يحرم الكشف عنده فكذلك الناظر غير الشاعر المدرك.
(3) لإطلاق ما دلّ على حرمة النظر إلى عورة الغير ، وإنما خرجنا عن هذا
1) الوسائل 2 : 33 / أبواب آداب الحمام ب 3 ح 3.
والدُّبر (1)(1).
الإطلاق في الطفل غير المميز بالسيرة الجارية على جواز النظر إلى عورته كما تأتي الإشارة إليه في المسألة الثالثة إن شاء اللّه.
(1) الذي ورد في الأدلّة المتقدِّمة من الآيات والروايات هو عنوان الفرج والعورة والظاهر أنهما والسوءة من الألفاظ المترادفة كالإنسان والبشر ، ومعناها ما يستحيي ويأبى من إظهاره الطبع البشري ، والقدر المتيقن من ذلك هو القُبل والدُّبر في المرأة والدبر والقضيب والبيضتان في الرجل ، وحرمة النظر إلى الزائد عن ذلك كحرمة كشفه تحتاج إلى دليل ، وما استدل به على التعميم روايات ثلاث :
إحداها : رواية قرب الاسناد عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه علیه السلام أنه قال : « إذا زوج الرجل أمته فلا ينظرن إلى عورتها ، والعورة ما بين السرّة والرّكبة » (2).
وثانيتها : خبر بشير النبال قال : « سألت أبا جعفر علیه السلام عن الحمام فقال : تريد الحمام؟ قلت : نعم ، فأمر بإسخان الماء ثم دخل فاتزر فغطى ركبتيه وسرّته ، ثم أمر صاحب الحمام فطلى ما كان خارجاً عن الإزار ، ثم قال : اخرج عني ثم طلى هو ما تحته بيده ، ثم قال : هكذا فافعل » (3).
وثالثتها : حديث الأربعمائة المروي في الخصال عن علي علیه السلام « إذا تعرى أحدكم ( الرجل ) نظر إليه الشيطان فطمع فيه ، فاستتروا ليس للرجل أن يكشف ثيابه عن فخذيه ويجلس بين قوم » (4)وهي تدل على أن العورة الواجبة سترها هي ما بين السرّة والرّكبة.
واللاّزم ستر لون البشرة دون الحجم وإن كان الأحوط ستره أيضاً وأما الشبح وهو ما يتراءى عند كون الساتر رقيقاً ، فستره لازم ، وفي الحقيقة يرجع إلى ستر اللّون (1).
إلاّ أن هذه الأخبار ساقطة عن الاعتبار لضعف اسنادها ولا يمكن الاستدلال بها بوجه ، على أنها معارضة بمثلها من الأخبار الضعاف :
منها : مرسلة الصدوق عن الصادق علیه السلام « الفخذ ليس من العورة » (1).
ومنها : مرسلة أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابه عن أبي الحسن الماضي علیه السلام قال : « العورة عورتان : القبل والدبر ، والدبر مستور بالأليتين فإذا سترت القضيب والبيضتين فقد سترت العورة » (2).
ومنها : مرسلة الكليني : « أما الدبر فقد سترته الأليتان ، وأما القبل فاستره بيدك » (3)وبما ذكرناه تحمل الطائفة المتقدِّمة على الاستحباب بناء على التسامح في أدلّته أو على المحافظة على الجاه والشرف.
(1) ظاهر الأدلّة المتقدِّمة الدالّة على وجوب حفظ الفرج وحرمة النظر إلى عورة الغير أن المحرم وقوع النظر على العين نفسها ، لأنه الظاهر من كلمة النظر في موارد استعمالاتها ، فالمنسبق إلى الذهن في مثل قولنا : زيد نظر إلى كذا ، أنه نظر إلى عين ذلك الشيء ونفسه ، والفقهاء 5 عبّروا عن ذلك بحرمة النظر إلى لون البشرة وأرادوا بذلك بيان أن وقوع النظر على نفس العورة هو الحرام ، وذلك لوضوح أن لون البشرة لا مدخلية له في الحكم بوجه ، لأن من قام وراء زجاجة حمراء أو صفراء مثلاً بحيث لا ترى عورته إلاّ بغير لونها ، لم يجز النظر إلى عورته بوجه ، ولم يكف التلوّن في الستر الواجب أبداً.
ويترتّب على ذلك أن اللاّزم إنما هو ستر نفس العورة لا حجمها ، ولا مانع من النظر إليه لعدم صدق النظر إلى العورة حينئذ. نعم يحرم النظر إلى ما يتراءى تحت
[422] مسألة 2 : لا فرق في الحرمة بين عورة المسلم والكافر على الأقوى (1)
الساتر الرقيق غير المانع عن وقوع النظر إلى نفس العورة لما فيه من الخلل ، وذلك لأن في مثله يصدق النظر إلى العورة حقيقة فلا يمكن الاكتفاء به في الستر الواجب بوجه.
(1) ما أفاده قدس سره بالإضافة إلى وجوب ستر العورة مما لا إشكال فيه ، لأن مقتضى الأدلّة المتقدِّمة وجعله من لوازم الايمان كما في بعضها وجوب ستر العورة عن الناظر مطلقاً ، بلا فرق في ذلك بين المسلم وغيره. على أن كشف العورة لدى الكافر ينافي احترام المسلم ، فعلى ذلك لو فرضنا أن من في الحمام بأجمعهم يهود أو نصارى مثلاً لم يجز الدخول فيه من غير إزار.
وأما بالإضافة إلى حرمة النظر إلى عورة الكافر ففيه كلام وخلاف ، وقد ورد جوازه في روايتين وإن كان يحتمل اتحادهما إحداهما : حسنة ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل النظر إلى عورة الحمار » (2)وثانيتهما : مرسلة الصدوق عن الصادق علیه السلام أنه قال : « إنما أكره النظر إلى عورة المسلم ، فأمّا النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل النظر إلى عورة الحمار » (3)وهما صريحتان في الجواز كما ترى ، ولعل الوجه فيه أن غير المسلم نازل عن الإنسانية وساقط عن الاحترام فحالهم حال الحيوان ، لأنهم كالأنعام بل هم أضل.
وهذا أعني القول بالجواز هو المحكي عن جماعة ، وهو ظاهر الوسائل والحدائق (4)بل الصدوق (5)أيضاً ، لأن إيراده الرواية في كتابه يكشف عن عمله على طبقها.
وما ذهبوا إليه لا يخلو عن قوة ، لصراحة الحسنة في الجواز واعتبارها بحسب السند هذا ، وقد يناقش في الاستدلال بها من جهتين :
إحداهما : أنها ضعيفة السند بالإرسال ، لأن ابن أبي عمير قد نقلها عن غير واحد عن أبي عبد اللّه علیه السلام وفي الحدائق وصفها بالإرسال وإن كان قد عمل على طبقها.
وهذه المناقشة ساقطة ، وذلك لا لأن مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده ، لما مر غير مرة من أن المراسيل ساقطة عن الحجية مطلقاً ، كان مرسلها ابن أبي عمير ونظراءه أم غيرهم ، بل لأن قوله : عن غير واحد ، معناه أن الرواية وصلت إليه عن جماعة من الرواة ، لعدم صحة هذا التعبير فيما إذا رواها واحد أو اثنان ، وتلك الجماعة نطمئن بوثاقة بعضهم على الأقل ، لأنه من البعيد أن يكون كلهم غير موثقين.
وثانيتهما : أن الرواية مهجورة لإعراض الأصحاب عن العمل على طبقها ، كما يستكشف من إطلاق كلماتهم في حرمة النظر إلى عورة الغير.
ويرد على هذه المناقشة :
أوّلاً : أن إعراضهم عن الرواية لم يثبت بوجه ، لأنه من المحتمل أن يستندوا في الحكم بحرمة النظر مطلقاً إلى ترجيح الأدلّة المعارضة وتقديمها على رواية الجواز كما ربّما يظهر من كلام شيخنا الأنصاري قدس سره (1)فتركهم العمل على طبقها من جهة مخالفة الرواية لإطلاق الآية والروايات ، والاعراض عن الرواية إنما يسقطها عن الحجية فيما إذا كشف عن ضعفها ، دون ما إذا كان مستنداً إلى علة أُخرى كما في المقام. على أن مثل الصدوق وغيره ممن ذهبوا إلى الجواز قد عملوا على طبقها فصغرى الاعراض غير ثابتة.
وثانياً : أن كبرى سقوط الرواية عن الحجية باعراضهم لا يمكن الالتزام بها بوجه كما قدّمناه في محلِّه (2)وعلى ذلك لا إشكال في الرواية سنداً كما لا كلام في دلالتها على
الجواز ، فهي مقيدة للأدلة المتقدِّمة الدالّة على حرمة النظر إلى عورة الغير على تقدير كونها مطلقة ، هذا.
على أنّا لو أغمضنا عن رواية الجواز ، أيضاً لا يمكننا الحكم بحرمة النظر إلى عورة الكافر ، وذلك لقصور المقتضي في نفسه حيث لا إطلاق فيما دلّ على حرمة النظر إلى عورة الغير حتى يشمل الكفار ، لأن الأخبار الواردة في ذلك مقيدة بالمؤمن أو المسلم أو الأخ ، وأما الآية المباركة ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ) (1)فهي أيضاً لا دلالة لها على المدعى وذلك :
أمّا أوّلاً : فلأن الظاهر من الآية المباركة أنها ناظرة إلى الجامعة الإسلامية وتكفلت ببيان وظيفة بعضهم بالإضافة إلى بعض آخر ، فلا إطلاق لها حتى تشمل غير المسلمين.
وأمّا ثانياً : فلأنها على تقدير إطلاقها وشمولها لغير المسلمين ، لا بدّ من تقييدها برواية حريز وما تقدم عن حنان بن سدير وغيرهما من الأخبار المشتملة على الأخ المؤمن أو المسلم ، والسر في ذلك أن تقييد موضوع الحكم بوصف أو بغيره من القيود يدل على أن الحكم في القضية لم يترتب على الطبيعة بإطلاقها وأينما سَرَت ، وإنما ترتب على الحصة المتصفة بذلك الوصف أو القيد ، لأنه لولا ذلك لكان تقييد الموضوع بأحدهما لغواً ظاهراً ، وقد تقدم في مبحث المفاهيم أن ذلك متوسط بين القول بمفهوم الوصف وإنكاره (2)حيث لا نلتزم بالمفهوم في الأوصاف بأن ننفي الحكم عن غير المتصف ولو بسبب آخر ، ولا ننكر مدخليته في ثبوت الحكم رأساً ، بل ندعي أن للقيد دخالة في ترتب الحكم على موضوعه ، إلاّ أنه لا يدل على عدم مدخلية غيره من القيود فيه ، مثلاً تقييد الرجل بالعلم في قولنا : أكرم الرجل العالم يدل على أن له دخلاً في الحكم بوجوب إكرام الرجل ، ولا يدل على أن العدالة مثلاً ليست كذلك لأنه يحتمل أن تكون العدالة أيضاً كالعلم علة للحكم.
[423] مسألة 3 : المراد من الناظر المحترم مَن عدا الطفل غير المميّز (1). والزوج والزوجة (2) والمملوكة بالنسبة إلى المالك ، والمحللة بالنسبة إلى المحلل له (3) فيجوز نظر كل من الزوجين إلى عورة الآخر ، وهكذا في المملوكة ومالكها والمحلّلة والمحلّل له ، ولا يجوز نظر المالكة إلى مملوكها أو مملوكتها وبالعكس (4).
[424] مسألة 4 : لا يجوز للمالك النظر إلى عورة مملوكته إذا كانت مزوّجة (5)
وعلى الجملة تقييد حرمة النظر في الأدلّة المتقدِّمة بالمؤمن أو المسلم أو الأخ ، يدلّنا على أن الحرمة لم تترتب على النظر إلى عورة طبيعي البشر ، وإنما هي خاصة بحصة معينة ، وهذا يكفينا في الحكم بجواز النظر إلى عورة الكافر ، لأنه مقتضى الصناعة العلمية وإن كان الاحتياط في تركه.
(1) لما تقدّم من أن الظاهر المنصرف إليه من الأدلّة المتقدِّمة لزوم ستر العورة عمن له إدراك وشعور ، فغير المدرك الشاعر كالصبي غير المميز والبهائم خارج عن منصرف الأدلّة رأساً ، هذا مضافاً إلى السيرة الجارية على عدم التستر عن مثله لأنهم يدخلون الحمامات مصاحبين لأطفالهم من غير أن يتستروا عن غير المميّزين كما لا يجتنبون عن النظر إلى عوراتهم ، وهي سيرة متصلة بزمان المعصومين علیهم السلام ولم يردع عنها في أي دليل.
(2) لأن الآية المباركة الآمرة بالتحفظ على الفرج قد استثنت الأزواج وما ملكت أيمانهم. على أن جواز النظر في الزوج والزوجة من اللوازم العادية للوطء الجائز لهما وكذلك الحال في المالك ومملوكته.
(3) لجواز الوطء وعدم وجوب التحفظ على الفرج في حقهما ، وقد مرّ أن جواز النظر من اللوازم العادية للوطء واللمس الجائزين لهما.
(4) لإطلاق ما دلّ على وجوب التحفظ على الفرج وحرمة النظر إلى عورة الغير.
(5) المسألة منصوصة وقد عقد لها باباً في الوسائل ، ومن جملة ما ورد في المسألة
خبر الحسين بن علوان المتقدِّم نقله (1)عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه علیه السلام أنه قال : « إذا زوج الرجل أمته فلا ينظرن إلى عورتها » (2).
أحدهما : أن مقتضى الأخبار الواردة في المنع عن وطء الأمة المزوجة والنظر إلى عورتها عدم الفرق في ذلك بين كونها مدخولاً بها وعدمه لإطلاقها ، وأما الأمة المحلّلة فهي بما أنها محللة لا دليل على حرمة النظر إلى عورتها ، اللّهمّ إلاّ أن تكون حبلى أو موطوءة ولم تستبرأ ، وذلك لما ورد في جملة من الروايات من عدم جواز وطء الأمة الحامل من زوجها أو من المحلل له ، أو التي لم تنقض عدتها أو التي وطئت ولم تستبرأ (3)فلا مانع من اندراج المحللة في من يحرم على المالك النظر إلى عورتها إذا كانت حبلى من المحلل له أو موطوءة له قبل أن تستبرأ ، لأن الأمة إذا حرم وطؤها لا بدّ من الرجوع فيها إلى إطلاق الأدلّة المتقدِّمة الدالّة على حرمة النظر إلى عورة الغير ووجوب سترها عن النظر ، وذلك لاختصاص الاستثناء في الآية المباركة بغير من يحرم وطؤها من الإماء ، فمع حرمته تندرج الأمة في الجملة المستثنى منها لا محالة ومع عدم كونها كذلك يجوز للمالك النظر إلى عورتها بمقتضى الاستثناء الوارد في الآية المباركة ، ولا يمكن قياسها على المزوّجة.
فما أفاده الماتن قدس سره من أن المالك لا يجوز له النظر إلى عورة مملوكته المحللة لا يمكن المساعدة على إطلاقه.
وثانيهما : أن من يحرم النظر إلى عورتها من الإماء غير منحصرة بمن ذكرها الماتن قدس سره بل هي كثيرة جمعها المحدث الكاشاني قدس سره فيما عقد له من الباب وسمّاه بباب ما يحرم من الإماء وتحل (4)وتعرض لها صاحب الوسائل ( قدس سره )
أو محلّلة (1)أو في العدّة (1) وكذا إذا كانت مشتركة بين مالكين لا يجوز لواحد منهما النظر إلى عورتها وبالعكس (2).
[425] مسألة 5 : لا يجب ستر الفخذين ولا الأليتين ولا الشعر النابت أطراف العورة (3) نعم يستحب ستر ما بين السرّة إلى الرّكبة (2)بل إلى نصف الساق (4).
أيضاً فليراجع (3)فمنها : ما إذا ملك أُخت أمته. ومنها : ما إذا ملك أُم امه من الرضاعة أو أُختها أو عمتها أو خالتها ، لأنهن امه أو عمته أو خالته من الرضاعة. ومنها : ما إذا ملك بنت أمته. ومنها : غير ذلك من الموارد ، ومع حرمة الوطء يحرم النظر إلى عورتها كما مرّ ، فالأولى حينئذ أن يقال : يحرم النظر إلى عورة الأمة المحرم وطؤها ثم يمثل بما ذكره الماتن قدس سره لا كما صنعه هو قدس سره لأن ظاهره الحصر مع أن المحرّمات كثيرة كما مرّ.
(1) للنص كما مرّ.
(2) لعدم جواز وطئها للمالكين المشتركين ، وقد تقدم أن مع حرمة الوطء في الإماء لا بدّ من الرجوع إلى إطلاق الأدلّة المتقدِّمة ، وهي تقتضي حرمة النظر إلى عورتها ووجوب حفظ الفرج عنها.
(3) لانحصار العورة بالقبل والدبر ، أو به وبالقضيب والبيضتين ، فالفخذان خارجان عن حدها ، وكذا الحال في الأليتين وفي الشعر النابت أطراف العورة.
(4) لعله لرواية النبال المتقدِّمة (4)بناء على أن المتعارف من الاتزار هو ما يستر به ما بين السرّة إلى نصف الساق ، أو لما نسب إلى الحلبي من أن العورة من السرّة إلى
[426] مسألة 6 : لا فرق بين أفراد الساتر فيجوز بكل ما يستر ، ولو بيده أو يد زوجته أو مملوكته (1).
[427] مسألة 7 : لا يجب الستر (2) في الظلمة المانعة عن الرؤية ، أو مع عدم حضور شخص ، أو كون الحاضر أعمى ، أو العلم بعدم نظره.
[428] مسألة 8 : لا يجوز النظر إلى عورة الغير من وراء الشيشة (3) بل ولا في المرآة أو الماء الصافي (4).
نصف الساق (1)هذا ولا يخفى أن الاستحباب لا يمكن إثباته بشيء منهما.
(1) لأن الغرض في الستر الواجب في نفسه لا الستر الصلاتي إنما هو التحفّظ عن النظر إلى البشرة ، فيكفي في سقوط الأمر به الستر بكل ما يحصل هذا الغرض ، كما إذا سترها بيده أو بيد زوجته أو مملوكته أو الوحل أو الدخول في الحفيرة أو الماء ، أو غير ذلك مما يمنع عن وقوع النظر إلى البشرة ، وهذا بخلاف الستر الواجب في الصلاة لأنه يعتبر أن يكون ثوباً ولا يجزئ غيره إلاّ مع الاضطرار.
(2) لعدم وقوع النظر على العين مع الظلمة ، فالغرض من الأمر بالتستر حاصل من غير حاجة إلى الستر ، وهذا بخلاف الستر الصلاتي لأنه واجب وإن صلّى في الظلمة أو عند الأعمى أو في مكان خال عن الغير.
(3) لأن الشيشة مانعة عن لمس البشرة وليست مانعة عن رؤيتها ، لنفوذ النور في الزجاج ، وبنفوذه يقع النظر على عين العورة ويصح أن يقال إنه نظر إلى العورة حقيقة ، كالنظر بالمنظرة ، أفيشك معها في صدق النظر إلى العورة حقيقة. فالأدلة القائمة على حرمة النظر إلى العورة غير قاصرة الشمول للنظر من وراء الشيشة.
(4) حرمة النظر في المرآة أو الماء الصافي يتوقف على أحد أمرين :
أحدهما : أن تكون الرؤية بخروج الشعاع لا بالانطباع ، ويكون النور الخارج من العين المتصل بالمرآة أو الماء منكسراً منهما إلى المرئي وذي الصورة ، بأن يقال إن النور
1) الكافي في الفقه : 139.
[429] مسألة 9 : لا يجوز الوقوف في مكان يعلم بوقوع نظره على عورة الغير ، بل يجب عليه التعدِّي عنه أو غضّ النظر (1) وأما مع الشك أو الظن في وقوع نظره فلا بأس (2) ولكن الأحوط أيضاً عدم الوقوف أو غض النظر.
والشعاع في الأجسام الشفافة والصقيلة التي منها الماء والمرآة بعد ما خرج مستقيماً عن العين يقع على تلك الأجسام الشفافة ، ثم ينكسر فيرد منها أيضاً مستقيماً إلى المرئي وذي الصورة ، وعلى ذلك يقع النظر على نفس العورة حقيقة.
وثانيهما : العلم بعدم الفرق بين النظر إلى ذي الصورة وصورته لأنها هو هو بعينه ، فالنظر إلى المرأة وصورتها سيان بالارتكاز ، وعلى ذلك لو لم نقل بخروج الشعاع والانكسار وقلنا إن المشاهد في الماء أو المرآة صورة العورة مثلاً قد انطبعت فيهما ، لا أن المشاهد هي العورة نفسها ، أيضاً يمكننا الحكم بحرمة النظر إلى العورة فيهما ، لعدم الفرق بين رؤية الشيء ورؤية صورته بالارتكاز.
وأما إذا أنكرنا الانكسار والشعاع ونفينا العلم بمساواة النظر إلى الصورة وصاحبها وإن كان بعيداً في نفسه فلا مناص من الالتزام بجواز النظر إلى العورة في المرآة أو الماء ، وبذلك يتضح أن النظر إليها من وراء الشيشة والنظر إليها في الماء أو المرآة من واديين ، وليست الحرمة في كليهما مبتنية على الأمرين المتقدِّمين.
(1) لعلّه أراد بذلك حرمة الوقوف في مفروض المسألة عقلاً ، لتوقف الامتثال على ترك الوقوف في ذلك المكان ، ومعه يستقل العقل بحرمة الوقوف حتى يتمكن المكلف من الامتثال. وأما لو أراد حرمة الوقوف شرعاً ، بدعوى أنه مقدمة للحرام وهي محرمة إذا قصد بها التوصل إلى الحرام أو كانت علة تامة له كما ادعوه فيندفع بما قدمناه في محله من أن مقدمة الحرام ليست محرمة مطلقاً ، قصد بها التوصل إلى الحرام أم لم يقصد ، كانت علة تامة له أم لم تكن (1).
(2) لعدم الاعتبار بالظن وحكمه حكم الشك ، وهو مورد لأصالة البراءة.
1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 439.
[430] مسألة 10 : لو شك في وجود الناظر أو كونه محترماً فالأحوط التستّر (1)
[431] مسألة 11 : لو رأى عورة مكشوفة وشك في أنها عورة حيوان أو إنسان ، فالظاهر عدم وجوب الغض عليه (2) وإن علم أنها من إنسان وشك في أنّها من صبي غير مميِّز أو من بالغ أو مميِّز ، فالأحوط ترك النظر (1)(3) وإن شكّ
(1) ذهب المحقق الهمداني قدس سره إلى أن وجوب التحفّظ على المكلف موقوف على علمه بوجود ناظر بالفعل ، أو بتجدده حال انكشاف عورته ، فمع الشك في وجوده أو الظن به يجوز كشف العورة لأصالة البراءة عن حرمته (2).
إلاّ أن دقيق النظر يقتضي خلافه وعدم جريان البراءة في المقام ، وذلك لأن الأمر في قوله تعالى ( وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ) إنما تعلق بالمحافظة ، وقد أُخذ في مفهوم المحافظة احتمال ما ينافي صدقها ، بحيث لو لم يعتن بالاحتمال صدق ترك المحافظة لدى العرف مثلاً لو احتمل تلف الأمانة على تقدير وضعها في مكان كذا ، ومع ذلك وضعها فيه كان ذلك مصداقاً لترك المحافظة على الأمانة ، فليس له حينئذ التشبث باستصحاب عدم مجيء السارق أو عدم تلف المال بنفسه ، فالمحافظة لا تصدق إلاّ بسد أبواب الاحتمال ، فاذا لم يستر عورته في موارد الشك في وجود الناظر صدق عدم التحفظ على عورته.
وعلى الجملة مقتضى المحافظة التستر في كل مورد احتمل فيه الناظر المحترم ، فمع الشك لا مناص من الاحتياط بل يمكن الجزم بوجوب التستر كما عرفت.
(2) للشك في موضوع الحكم وهو العورة ، ومعه تجري البراءة عن حرمة النظر إلى المشكوك فيه.
(3) والأقوى جوازه ، لاستصحاب عدم بلوغ الصبي حدّ التمييز.
في أنها من زوجته أو مملوكته أو أجنبية فلا يجوز النظر (1) ويجب الغض عنها ، لأن جواز النظر معلّق على عنوان خاص وهو الزوجية أو المملوكية فلا بدّ من إثباته. ولو رأى عضواً من بدن إنسان لا يدري أنه عورته أو غيرها من أعضائه جاز النظر (2) وإن كان الأحوط الترك.
[432] مسألة 12 : لا يجوز للرجل والأُنثى النظر إلى دبر الخنثى (3) وأمّا قُبْلها (4) فيمكن أن يقال بتجويزه لكل منهما ، للشك في كونه عورة ، لكن الأحوط الترك ، بل الأقوى وجوبه لأنه عورة على كل حال (1).
(1) للشك في زوجية ذي العورة أو مملوكيته والأصل عدمهما ، والسر في ذلك أن الرخصة والجواز قد تعلقا على عنوان الزوجية أو المملوكية أو غيرهما من العناوين الوجودية ، ومعه لا مناص من إحرازها في الخروج عن الإلزام والتكليف.
(2) للشك في الموضوع ، وأصالة البراءة عن حرمة النظر إلى المشكوك فيه هي المحكّمة وقتئذ.
(3) لأنه عورة على كل حال.
(4) إن قلنا إن الخنثى طبيعة ثالثة اجتمعت فيها الأُنوثة والذكورة ، فهي امرأة ورجل ولها آلتهما ، وأن الإنسان قد يكون ذا آلة واحدة أُنوثية أو ذكورية ، وقد يكون ذا آلتين ، فلا شبهة في حرمة النظر إلى إحليلها وبضعها لأنهما عورتان حقيقة.
وأما لو قلنا إنها مرددة بين الرجال والنساء وليست طبيعة ثالثة ، كما هو المستفاد من الآيات المباركة ( يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ) (2)( أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً ) (3)( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى
[433] مسألة 13 : لو اضطرّ إلى النظر إلى عورة الغير كما في مقام
وَهُوَ مُؤْمِنٌ ... ) (1)( أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ) (2)إلى غير ذلك من الآيات. وما ورد في استكشاف حالها واختبارها لينظر أنها أُنثى أو ذكر (3)فيقع الكلام فيها بالإضافة إلى محارمها تارة وبالنسبة إلى الأجنبي اخرى :
أما نظر المحارم إلى أحد قبليها فلا إشكال في حرمته ، للعلم الإجمالي بأن أحدهما عورة فيجب الغض عن كليهما عند ما تمت شرائط التنجيز ، كما إذا كان متمكناً من النظر إلى عورتيها ولو بالغلبة.
وأما الأجنبي ، فإن نظر إلى ما يماثل عورته كما إذا نظر الرجل إلى إحليلها أو المرأة إلى بضعها فلا إشكال أيضاً في حرمته ، للعلم بأنها إما عورة محرمة النظر وإما عضو من أعضاء بدن الأجنبي أو الأجنبية ، مثلاً إذا نظر الرجل الأجنبي إلى إحليلها علم بأنه إمّا عورة الرجل كما إذا كانت ذكراً واقعاً وإما عضو من بدن المرأة الأجنبية كما إذا كانت أُنثى واقعاً وكذلك الحال فيما إذا نظرت المرأة إلى بضعها لأنه إما عورة المرأة على تقدير كونها أُنثى وإما عضو من بدن الرجل كما إذا كانت ذكراً فالناظر حينئذ عالم بحرمة النظر تفصيلاً وإنما الإجمال في سببها ، ولعله إلى ذلك نظر الماتن قدس سره في قوله : لأنه عورة على كل حال.
وأما إذا نظر الأجنبي إلى ما يخالف عورته ، كما إذا نظرت المرأة إلى إحليلها أو الرجل إلى بضعها ، فلا يمكن الحكم بحرمته للشك في كل من قبلي الخنثى أنه عورة أو عضو زائد من بدن المماثل للناظر في الأُنوثة والذكورة ، فالمرأة تحتمل أن يكون إحليل الخنثى آلة رجولية ، كما تحتمل أن يكون عضواً زائداً من بدن المرأة ، وكذلك الحال في الرجل ، وحيث إن نظر المماثل إلى بدن المماثل أمر لا حرمة فيه ، فالعلم الإجمالي غير مؤثر في التنجيز ، ولا بدّ من الرجوع إلى أصالة البراءة عن حرمة النظر إلى المشكوك
المعالجة فالأحوط أن يكون في المرآة المقابلة لها إن اندفع الاضطرار بذلك وإلاّ فلا بأس (1).
[434] مسألة 14 : يحرم في حال التخلي استقبال القبلة واستدبارها (2) بمقاديم بدنه وإن أمال عورته إلى غيرهما. والأحوط ترك الاستقبال والاستدبار ،
فيه كما تقدّم في الشك في العورة.
(1) إن قلنا بجواز النظر إلى العورة أو الأجنبية في الماء أو المرآة أو غيرهما من الأجسام الشفافة ، فلا شبهة في تعيّن ذلك في المقام لدوران الأمر بين المحرم والمباح ولا كلام في تعيّن الثاني حينئذ. وأما إذا قلنا بحرمته كما قويناه في المسألة الثامنة ولو للعلم الخارجي بعدم الفرق بين النظر إلى العورة أو الأجنبية نفسهما ، وبين النظر إلى صورتيهما لتساويهما في الملاك والمفسدة ، فأيضاً يتعيّن النظر في المرآة أو الماء ونحوهما ، وذلك للقطع بآكدية الحرمة وأقوائيتها في النظر إلى نفس العورة أو الأجنبية ، ولا أقل من احتمال الأهمية والأقوائية منه ، وهذا بخلاف النظر إلى الصورة إذ لا يحتمل أن تكون الحرمة فيه آكد من النظر إلى نفس العورة أو الأجنبية ، فيكون المقام حينئذ من دوران الأمر بين ما يحتمل أهميته وما لا تحتمل أهميته ، ولا إشكال في أن محتمل الأهمية هو المتعيّن حينئذ ، هذا.
مضافاً إلى روايتي موسى بن محمد والمفيد في الإرشاد الواردتين في كيفية اختبار الخنثى ، وأنها تبول من فرج الذّكر أو الأُنثى (1)حيث دلتا على تعيّن الكشف في المرآة وأن العدول أو العدلين يأخذ كل واحد منهم مرآة وتقوم الخنثى خلفهم عريانة فينظرون في المرايا فيرون شبحاً (2)لا أنهم ينظرون إلى نفس العورة. والروايتان وإن كانتا واضحة الدلالة على المراد إلاّ أنهما ضعيفتان بحسب السند ومن ثمة نجعلهما مؤيدتين للمدعى.
(2) حرمة استقبال القبلة واستدبارها حال التخلِّي من المسائل المتسالَم عليها عند
الأصحاب ، حيث لم ينقل فيها الخلاف إلاّ عن جماعة من متأخري المتأخرين منهم صاحب المدارك قدس سره حيث ذهب إلى كراهتهما (1)فان اعتمدنا على التسالم القطعي وإجماعهم بأن كان اتفاق المتقدمين والمتأخرين مدركاً لإثبات حكم شرعي كما هو غير بعيد فلا كلام ، وإلاّ فما قواه في المدارك من القول بالكراهة وفاقاً لجملة من متأخري المتأخرين هو الصحيح. وذلك لأن الأخبار المستدل بها على حرمة استقبال القبلة واستدبارها في المقام ساقطة عن الاعتبار ، وهي بين ضعيفة ومرفوعة ومرسلة (2)ولا يمكننا الاعتماد على شيء منها في الاستدلال.
نعم لا وجه للمناقشة في دلالتها على الحرمة ، لأن اشتمال بعضها على بعض المكروهات كاستقبال الريح واستدبارها غير صالح للقرينية على التصرف في ظهور النهي عن استقبال القبلة واستدبارها في الحرمة ، واقتران حكم غير إلزامي بحكم إلزامي لا يكون قرينة على إرادة غير الإلزام منه بدعوى وحدة السياق ، وذلك لأن الظهور حجّة ولا يمكن أن يرفع اليد عنه إلاّ بقرينة أقوى على خلافه وهي غير موجودة في المقام ، فما عن بعضهم من المناقشة في دلالة الأخبار من جهة اشتمالها على ما هو مسلّم الكراهة مما لا يمكن المساعدة عليه. نعم للمناقشة في إسنادها مجال واسع كما مر ، فلو كنّا نحن وهذه الروايات لم يمكننا الحكم بحرمة استقبال القبلة واستدبارها حال التخلِّي.
بل يمكن الاستدلال على كراهتهما أو استحباب تركهما برواية محمد بن إسماعيل بن بزيع قال : « دخلت على أبي الحسن الرضا علیه السلام وفي منزله كنيف مستقبل القبلة وسمعته يقول : من بال حذاء القبلة ثم ذكر فانحرف عنها إجلالاً للقبلة وتعظيماً لها لم يقم من مقعده ذلك حتى يغفر له » (3)وذلك لأن لسانها لسان الاستحباب أو كراهة الفعل ، فان ترك الاستقبال لو كان واجباً لأمره بالانحراف أو نهاه عن
بعورته فقط ، وإن لم يكن مقاديم بدنه إليهما (1) ، ولا فرق في الحرمة بين الأبنية
الاستمرار على استقبال القبلة ، نعم لا مجال للاستدلال بوجود الكنيف في منزله مستقبل القبلة على جواز استقبالها حال التخلي ، وذلك لأن استقبال القبلة حالئذ لو لم يكن محرماً فلا أقل من كراهته ، والإمام علیه السلام لا يرتكب المكروه ، فلا مناص من حمل ذلك على صورة كون المنزل للغير أو على شرائه وهو بهذه الحالة ، أو على عدم وسع البناء لجعل الكنيف على كيفية أُخرى ، أو غير ذلك من الوجوه.
(1) هل المحرم بناء على حرمة استقبال القبلة حال التخلي هو استقبال القبلة أو استدبارها بمقاديم البدن وإن أمال المتخلي عورته عن القبلة إلى الشرق أو الغرب وبال إلى غير القبلة ، أو أن المحرّم هو البول إلى القبلة سواء كان بمقاديم البدن مستقبلاً لها أم لم يكن؟ الأول هو المشهور وإليه ذهب الماتن قدس سره .
والصحيح أن يقال : إن المدرك في الحكم بحرمة استقبال القبلة واستدبارها إن كان هو الروايات ولو بناء على انجبار ضعفها بعملهم كان المتعيّن هو الحكم بحرمة كل من الاستقبال بمقاديم البدن والفرج ، لاشتمال جملة منها على النهي عن استقبال القبلة بالبول أو الغائط ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق في حرمته بين الاستقبال بمقاديم البدن وعدمه ، وبعضها اشتمل على نهي المتخلي عن استقبال القبلة واستدبارها حيث قال : « إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها » (1)ويشمل بإطلاقه صورة الاستقبال بالبول والفرج وعدمه ، وحيث لا تنافي بين الجهتين فنأخذ بكلتيهما ونلتزم بحرمة كل من الاستقبال بالبدن والاستقبال بالفرج ، وإن كان قد يجتمعان بل هذا هو المتعارف كما يأتي ، كما إذا استقبل القبلة بمقاديم بدنه وعورته.
وأما إذا كان المدرك هو التسالم والإجماع ، فلا مناص من القول بحرمة المجمع دون خصوص الاستقبال بالبدن والاستقبال بالفرج ، وذلك لأنه المتيقن مما قام الإجماع على حرمته دون كل واحد منهما لوجود المخالف كما مر ، فالمحرّم على ذلك هو استقبال
1) الوسائل 1 : 302 / أبواب أحكام الخلوة ب 2 ح 5.
والصحاري (1) والقول بعدم الحرمة في الأوّل ضعيف ، والقبلة المنسوخة كبيت
المتخلِّي بمقاديم بدنه وفرجه كما هو المتعارف حال التخلي ، لا ما إذا استقبلها ببدنه دون فرجه أو العكس.
ثم إن الجمع بين الاستقبال بالبدن والاستقبال بالفرج إنما يأتي في البول ولا يتصور في الغائط أبداً ، لأن استقبال المتخلي ببدنه لا يجتمع مع الاستقبال بمخرج الغائط لضرورة أن المتخلي إذا استقبل القبلة ببدنه كان مخرج الغائط إلى السفل لا إلى القبلة. نعم يمكن استقبالها بمخرج الغائط فيما إذا كان المتخلي مستلقياً وكان رأسه إلى الشمال ورجلاه إلى الجنوب وبالعكس ، فان في مثله قد يكون مخرج الغائط مستقبلاً للقبلة وقد يكون مستدبراً لها ، إلاّ أن ذلك من الفروض النادرة والأدلّة لا تشمل سوى التخلي المعتاد ، وهو التخلي المتعارف حال القعود المستلزم كون الغائط إلى السفل.
(1) لإطلاق الروايات من غير تقييدها بالأبنية ، وأما رواية محمد بن إسماعيل المتقدِّمة (1)فقد عرفت أنها قضية في واقعة من غير أن تدل على جواز التخلي مستقبلاً للقبلة في الأبنية ، وأنها محمولة على ما إذا كان المنزل مؤقتاً أو انتقاله إليه علیه السلام وهو بتلك الحالة أو غير ذلك من المحامل.
وأما ما يحكى عن ابن الجنيد (2)والمفيد (3)وسلار (4)( قدس اللّه أسرارهم ) من عدم الحرمة في الأبنية ، فلعله من جهة أن استقبال القبلة عند ما لا حائل بينها وبين المتخلِّي مناف لاجلالها وتعظيمها ، وهذا بخلاف ما إذا كان حائل بينهما ، إلاّ أنه يندفع بإطلاق الروايات كما أشرنا إليه ، هذا كله إذا كان المدرك هو الأخبار.
وأما إذا استندنا إلى الإجماع والتسالم فلا مناص من الاقتصار على غير الأبنية لوجود المخالف في الأبنية ، ومع الشك في حرمة استقبال القبلة واستدبارها في الأبنية
المقدس لا يلحقها الحكم (1) والأقوى عدم حرمتهما في حال الاستبراء والاستنجاء (2) وإن كان الترك أحوط.
يرجع إلى البراءة ، وإن كان تركهما حتى في الأبنية هو الأحوط.
(1) لاختصاص الإجماع والأخبار بالقبلة الفعلية للمسلمين ، وذلك لأن الحكم بالحرمة على تقدير الصدور إنما يصدر من أئمتنا ( عليهم أفضل الصلاة ) فلا تشمل قبلة اليهود وغيرهم للانصراف ، وكونها هي القبلة للمسلمين سابقاً غير كاف في الشمول لظهور القبلة فيما هو القبلة الفعلية للمسلمين لا ما كان كذلك سابقاً.
(2) لاختصاص الأدلّة بالبول والغائط ، ولم يرد نهي عن استقبال القبلة أو استدبارها حال الاستبراء والاستنجاء.
نعم ، قد يقال بعموم الحكم لهما لرواية عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال « قلت له : الرجل يريد أن يستنجي كيف يقعد؟ قال : كما يقعد للغائط » (1)فكما أن القعود للغائط مستقبل القبلة أو مستدبراً لها حرام ، فكذلك القعود للاستنجاء بمقتضى الخبر.
ويرد عليه أن الرواية إنما وردت لبيان الكيفية اللاّزمة في القعود ، وأن كيفيته للاستنجاء ككيفيته للتخلِّي ، فلا يعتبر في القعود له أن يرخي نفسه ولا أن يوسع فخذيه بأكثر من تفريجهما للتخلِّي ، وإن التزم العامّة باستحباب الاسترخاء حينئذ ، بل ذهب بعضهم إلى وجوبه (2)فلا دلالة للرواية على حرمة استقبال القبلة أو استدبارها
1) الوسائل 1 : 360 / أبواب أحكام الخلوة ب 37 ح 2.
2) ذكر في شرح الزرقاني على مختصر أبي الضياء المالكي ج 1 ص 76 ويندب لقاضي الحاجة حال الاستنجاء تفريج فخذيه واسترخاؤه لئلا ينقبض المحل على ما فيه من الأذى فيؤدي ذلك إلى بقاء النجاسة. وفي الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 97 يندب الاسترخاء قليلاً عند الاستنجاء. والشافعية قالوا بوجوب الاسترخاء والحنفية قالوا انّما يندب الاسترخاء إذا لم يكن صائماً محافظة على الصوم. وفي بدائع الصنائع ج 1 ص 21 ينبغي أن يرخي نفسه إرخاء تكميلاً للتطهير. وفي البحر الرائق لابن نجيم ج 1 ص 240 الأولى أن يقعد مسترخياً كل الاسترخاء إلاّ أن يكون صائماً.
ولو اضطرّ إلى أحد الأمرين تخيّر ، وإن كان الأحوط الاستدبار (1)
في الاستنجاء ، وقوله علیه السلام في ذيلها : « وإنما عليه أن يغسل ما ظهر منه وليس عليه أن يغسل باطنه » أيضاً يدل على ذلك ولا أقل من أنه مشعر به ، لأنه ناظر إلى دفع ما ربما يتوهّمه الغافل من اعتبار إدخال الأنملة لتنظيف الباطن أو الاسترخاء ، أو التفريج الزائد أو غيرها من الأُمور.
وأما الاستبراء فهو أيضاً كسابقه ولا دليل فيه على حرمة استقبال القبلة واستدبارها.
وقد يقال فيه بالحرمة ، نظراً إلى أنه قد يخرج بسببه قطرة بول أو قطرتان أو أكثر فإذا استبرأ المكلف مستقبلاً للقبلة أو مستدبراً لها وهو عالم بخروج البول منه فقد ارتكب الحرام ، لخروج البول منه نحو القبلة أو دبرها.
ويندفع بأن الحكم في لسان الدليل قد يتعلق بخروج البول من مخرجه ، ولا شبهة حينئذ في أن خروج القطرة يكفي في ترتب الحكم عليه ، وهذا كما في الوضوء لأن المكلف إذا توضأ ثم استبرأ فخرج منه البول ولو قطرة بطل وضوءه لترتب الحكم على خروج البول منه ، وقد يتعلق بالبول ، وأن البول إلى القبلة محرم كما في المقام ، ولا تأمل في عدم ترتب الحكم حينئذ على مجرد خروج قطرة أو قطرتين ، لأنه لا يصدق بذلك أنه قد بال ، ومع عدم صدقه لا مانع من استقبال القبلة أو استدبارها ، هذا كلّه بناء على أن المدرك في المسألة هو الروايات.
وأما إذا استندنا إلى التسالم والإجماع فالأمر أوضح ، لأن المتيقن منه إنما هو حرمة استقبال القبلة أو استدبارها لدى البول أو الغائط دون الاستبراء كما لعله ظاهر.
(1) لأن استدبار القبلة أقرب إلى أجلالها وتعظيمها.
هذا والصحيح أن المسألة تختلف باختلاف المدركين وذلك لأن المدرك في الحكم
ولو دار أمره بين أحدهما وترك الستر مع وجود الناظر وجب الستر (1) ولو
بحرمة استقبال القبلة واستدبارها إن كان هو الأخبار ، فمقتضى إطلاقها عدم الفرق في حرمتهما بين الاضطرار وغيره ، ومعه تندرج المسألة في كبرى التزاحم ، لعدم قدرته على امتثال التكليفين مع الاضطرار إلى ترك أحدهما ، فيرجع إلى مرجحات المتزاحمين ، وحيث إن الحرمة في استقبال القبلة محتملة الأهمية دون الحرمة في استدبارها ، فلا مناص من تقديمها وبذلك يتعيّن عليه الاستدبار ويكون الاحتياط به وجوبياً حينئذ.
وأما إذا كان المدرك هو التسالم والإجماع كما قربناه ، اندرجت المسألة في دوران الأمر بين التعيين والتخيير بحسب الجعل ، وذلك لأن الإجماع والتسالم إنما يوجبان حرمة استقبال القبلة واستدبارها في الجملة ، ولا يسببان حرمتهما على نحو الإطلاق حتى في موارد عدم التمكن من كليهما ، وبما أن المكلف قد عجز عن أحدهما فلا يحتمل حرمتهما في حقه معاً ، فالحرمة في حال الاضطرار إما أنها مجعولة في خصوص استقبال القبلة لاحتمال كونها أهم أو أنها جعلت لاستقبالها واستدبارها مخيراً ، وقد أسلفنا في محله أن مقتضى الأصل النافي للتعيّن هو التخيير (1)ومعه يكون الاحتياط بالاستدبار احتياطاً ندبياً لا محالة.
(1) كما إذا كان في غير القبلة ودبرها ناظر محترم لا يمكن التستر عنه ، فإن أمره يدور بين ترك استقبال القبلة واستدبارها والبول من دون تستر ، وبين البول مستقبلاً لها أو مستدبراً ، ولا إشكال في وجوب التستر حينئذ ، بلا فرق في ذلك بين كون المدرك هو الأخبار وكونه التسالم والإجماع ، فإنّه وقتئذ بحث علمي لا نتيجة عملية له. فان المدرك لو كان هو الأخبار وقعت المزاحمة بين حرمتهما وحرمة كشف العورة وحيث إن الثانية أهم بالارتكاز فتتقدم على حرمتهما ، ويجوز للمكلف أن يبول مستقبل القبلة أو مستدبراً لها.
1) مصباح الأُصول 2 : 448.
اشتبهت القبلة (1)
وإذا كان المدرك هو التسالم والإجماع ، لم يبق دليل على حرمة استقبال القبلة واستدبارها عند التزاحم ، وذلك لأن التسالم لا يقتضي حرمتهما إلاّ في الجملة وفي غير مورد التزاحم ، وأما معه فلا مقتضي لحرمتهما كما هو ظاهر.
(1) قد يتمكن المكلف عند اشتباه القبلة من الاحتياط ، كما إذا دار أمر القبلة بين نقطتين متقابلتين ، لأنه يتمكن حينئذ من البول إلى غيرهما من النقاط ، وكذا إذا دارت بين الجهات الأربع أو الأقل أو الأكثر في نقاط معينة ، بحيث لو تقاطع خطان من تلك النقاط على وجه حصلت منهما زوايا أربع علم بوجود القبلة في منتهى أحد الخطوط الأربعة ، لتمكنه حينئذ من البول إلى غيرها كما إذا بال بين خطين منها.
وقد لا يتمكن من الاحتياط ، كما إذا دار أمر القبلة بين جهات متعددة بحيث احتملنا القبلة في كل نقطة من نقاطها ، فان تمكن من الانتظار إلى أن ينكشف له القبلة لوصوله إلى منزله أو لدخول الليل وظهور الأنجم أو لطلوع الشمس أو غير ذلك مما يستكشف به القبلة تعيّن ، وبقيت حرمة التخلي إلى القبلة أو استدبارها بحالها.
وإن لم يتمكن من الانتظار اندرجت المسألة في كبرى الاضطرار إلى أحد أطراف الشبهة لا بعينه ، وقد بيّنا في محله أن العلم الإجمالي لا يسقط عن التنجيز بالاضطرار (1)لأنه لم يتعلق بمخالفة الحكم الواقعي ، إذ لا اضطرار للمكلف إلى البول مستقبل القبلة أو مستدبراً لها ، وإنما تعلق بارتكاب أحد أطراف الشبهة ، ولا يسقط بذلك سوى وجوب الموافقة القطعية مع بقاء المخالفة القطعية بحرمتها ، وقد ذكرنا في المباحث الأُصولية أن الموافقة القطعية مع التمكن منها في أطراف العلم واجبة والمخالفة القطعية محرمة ، ومع العجز عنها تسقط عن الوجوب وتبقى المخالفة القطعية على حرمتها ، خلافاً لصاحب الكفاية قدس سره حيث ذهب إلى سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز بطروء الاضطرار إلى أحد الأطراف لا بعينه (2).
لا يبعد العمل بالظن (1) ولو ترددت بين جهتين متقابلتين اختار الأُخريين ، ولو تردد بين المتصلتين فكالترديد بين الأربع ، التكليف ساقط فيتخيّر بين الجهات.
[435] مسألة 15 : الأحوط ترك إقعاد الطفل للتخلِّي على وجه يكون مستقبلاً أو مستدبراً (2) ولا يجب منع الصبي والمجنون إذا استقبلا أو استدبرا عند
(1) إذا ظن بالقبلة في جهة فهل يحرم التخلي إلى تلك الجهة ، أو أن الظن كالشك ولا يمكن الاعتماد عليه فلا محالة يتخيّر بينها وبين سائر الجهات؟
الصحيح أن الظن حجّة في باب القبلة مطلقاً ، وذلك لإطلاق صحيحة زرارة قال : « قال أبو جعفر : يجزئ التحرِّي أبداً إذا لم يعلم أين وجه القبلة » (1)لدلالتها على كفاية الأخذ في باب القبلة بما هو أحرى وأرجح في نظر المكلف ، ولا إشعار فيها باختصاص ذلك بباب الصلاة ، بل مقتضى إطلاقها حجية الظن في تعيين القبلة بالإضافة إلى الأحكام المترتبة عليها ، وجوبية كانت كما في الصلاة والدفن ونحوهما أم تحريمية كما في التخلي ، أم شرطاً كما في الذبح ، وهذا من الموارد التي أثبتنا حجية الظن فيها بالخصوص.
(2) قد يستفاد من الدليل المتكفل لبيان حرمة الشيء أو من الخارج أن ذلك الشيء مبغوض مطلقاً ، وأن المولى لا يرضى بصدوره ولو من غير المكلفين كما في الخمر واللّواط والزِّنا وقتل النفس وأمثالها مما علمنا أن الشارع لا يرضى بصدورها ولو من الصبي ، وفي مثل ذلك يحرم إيجاده وإصداره بالصبي بالاختيار ، لأنه إيجاد للمبغوض شرعاً.
وقد لا يستفاد من نفس الدليل ولا من الخارج إلاّ حرمة الشيء على المكلفين ، ولا مانع في مثله من إصداره بغير المكلفين ، لعدم كونه مبغوضاً من مثله ، والأمر في المقام كذلك ، لأن غاية ما ثبت بالإجماع والروايات إنما هي حرمة استقبال القبلة واستدبارها من المكلفين ، لأن الخطاب مختص بهم كما في بعضها : « إذا دخلت
1) الوسائل 4 : 307 / أبواب القبلة ب 6 ح 1.
التخلِّي (1) ويجب ردع البالغ العاقل العالم بالحكم والموضوع من باب النهي عن المنكر ، كما أنه يجب إرشاده إن كان من جهة جهله بالحكم ، ولا يجب ردعه إن كان من جهة الجهل بالموضوع (2).
المخرج ... » (1)أو « لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها » (2)فلا يكون استقبالها واستدبارها مبغوضاً من غير البالغين ، ومعه لا مانع من إقعاد الطفل إليها للتخلِّي ، هذا ولو شككنا في ذلك ولم نعلم أن المنهي عنه مبغوض مطلقاً أو مبغوض من المكلفين ، أيضاً لا مانع من إقعاد الطفل إليها لأصالة البراءة عن حرمته.
(1) كما يظهر وجهه مما يأتي في التعليقة الآتية.
(2) المتخلي مستقبل القبلة أو مستدبراً لها قد يكون عالماً بالحكم وموضوعه وقد لا يكون ، وغير العالم قد يكون ناسياً وغافلاً وقد يكون جاهلاً بالحكم أو موضوعه.
أما العالم بالحكم وموضوعه فلا إشكال في وجوب ردعه ، لوجوب النهي عن المنكر وحرمة العمل في حقه.
وأما غير العالم ، فقد يكون جهله رافعاً للحرمة الواقعية عنه كما في الناسي والغافل ، ولا يجب الردع في مثله لأنّ ما يصدر منهما عمل محلل حقيقة وغير مبغوض في حقهما ، وقد يكون جهله مسوغاً للعمل في مرحلة الظاهر فحسب ولا يتصف بالحلية الواقعية لأجله ، بل هو باق على مبغوضيته وحرمته كما هو الحال في موارد الجهل بالموضوع إذا ارتكب العمل اعتماداً على أصل أو أمارة ، نظير ما إذا ظن بالقبلة في جهة معينة أو قامت الأمارة على ذلك وبال المكلف إلى غيرها وصادف القبلة واقعاً لخطأ الأمارة أو الظن ، والردع في هذه الصورة أيضاً غير واجب ، وهذا لا لأن العمل مباح واقعاً ، بل لأنه مرخص في الارتكاب ، ومع الترخيص المولوي ولو في مرحلة الظاهر لا يبقى مجال للردع عنه ، وهذا هو الحال في جميع الشبهات الموضوعية إذا اعتمد فيها على أصل أو أمارة معتبرة ولم يصادفا الواقع إلاّ في موارد علمنا فيها باهتمام
ولو سأل عن القبلة فالظاهر عدم وجوب البيان (1) نعم لا يجوز إيقاعه في خلاف الواقع (2).
[436] مسألة 16 : يتحقق ترك الاستقبال والاستدبار بمجرد الميل إلى أحد الطرفين ولا يجب التشريق أو التغريب وإن كان أحوط (3).
الشارع وعدم رضائه بصدورها ولو من غير المكلّفين ، وذلك كما في النفوس والأعراض والأموال الخطيرة ، فإذا أراد تزويج امرأة وعلمنا أنها أُخته ، أو أراد قتل شخص باعتقاد أنه سبع أو كافر وعلمنا أنه مؤمن محرم القتل ، وجب ردعه عن عمله وإن كان مستنداً في عمله ذلك إلى حجة معتبرة.
وأما لو كان المكلف جاهلاً بالحكم ولم يكن جهله رافعاً للحرمة الواقعية كما في موارد الغفلة والنسيان فيجب إرشاده من باب وجوب البيان وتبليغ الأحكام الشرعية وحفظها عن الانطماس والاندراس.
(1) لأنه من السؤال عن الموضوع الخارجي ولا يجب فيه البيان. نعم لو سأل عن حكمها لوجب الجواب والبيان ، لوجوب تبليغ الأحكام وإرشاد الجهال.
(2) كما لو عيّن القبلة في غير جهتها ليبول إلى جهة القبلة ، نظير ما إذا قدّم طعاماً نجساً للجاهل ليأكله ، وقد ذكرنا في بحث المياه أن الشارع إذا نهى المكلف عن عمل دلّنا ذلك بحسب الارتكاز على أن مبغوض الشارع مطلق الوجود ، بلا فرق في ذلك بين إيجاده بالمباشرة وإيجاده بالتسبيب ، فإيجاد البول إلى القبلة بالتسبيب كاصداره بالمباشرة حرام.
(3) أما إذا كان المدرك هو التسالم والإجماع ، فلأنه لا إجماع ولا تسالم على حرمة التخلي منحرفاً عن القبلة إلى الشرق أو الغرب ، لاختصاصهما بالتخلي إلى القبلة فحسب. وأما إذا كان المدرك هو الروايات ، فلأنها إنما دلت على حرمة استقبال القبلة واستدبارها ، ولا دلالة لها على وجوب التشريق أو التغريب. وما ورد في بعض النصوص من قوله صلی اللّه علیه و آله « ولكن شرّقوا أو غرّبوا » (1)غير صالح
1) وهو رواية عيسى بن عبد اللّه الهاشمي عن أبيه عن جده المروية في الوسائل 1 : 302 / أبواب أحكام الخلوة ب 2 ح 5.
[437] مسألة 17 : الأحوط في من يتواتر بوله أو غائطه مراعاة ترك الاستقبال والاستدبار بقدر الإمكان ، وإن كان الأقوى عدم الوجوب (1).
للاستدلال به على وجوبهما ، وذلك لضعفها بعيسى بن عبد اللّه وغيره ، ولعدم دلالته على وجوبهما بالمعنى المقصود في المقام أعني مواجهة المشرق أو المغرب لأنهما بمعنى الميل إليهما والانحراف عن القبلة ، وبهذا المعنى يستعملان اليوم في عرفنا ، فيتحققان في أمثال بلادنا بالميل إلى طرفي الشرق أو الغرب.
(1) والوجه في ذلك ، أما بناء على أن مدركهما الإجماع والتسالم ، فلأن المقدار المتيقن منهما حرمة الاستقبال والاستدبار في البول والغائط المعتادين ، وقيامهما على حرمتهما في من تواتر بوله أو غائطه غير معلوم.
وأما بناء على أن المدرك هو الأخبار ، فلأن ما يصدر من المتخلي مستقبل القبلة أو مستدبراً لها ، أمران أحدهما : الاستقبال واستدبار القبلة. وثانيهما : التبوّل والتغوّط فان كان المحرّم في حقه هو استقبال القبلة واستدبارها حال التخلي ، فمن تواتر بوله أو غائطه مشمول للأخبار الناهية عنهما ، لأن مركز الحرمة أمر اختياري له وهو استقباله واستدباره ، وإن كان البول والغائط خارجين عن تحت قدرته.
وأما لو كان المحرم على المتخلي هو التبوّل والتغوّط مستقبل القبلة أو مستدبراً لها كما هو مدلول النصوص فالأخبار لا تشمل المقام ، ولا يحرم على من تواتر بوله أو غائطه استقبال القبلة واستدبارها ، لأن الأفعال الصادرة عن المكلفين إنما تتصف بالحرمة أو غيرها إذا كانت اختيارية لفاعلها ، والتبوّل والتغوّط إنما يصدران عمن تواتر بوله أو غائطه لا بالاختيار ، فلا يتصفان بالحرمة في حقه ، فما أفاده الماتن قدس سره هو الصحيح ، ومع ذلك فالأحوط ترك الاستقبال والاستدبار بقدر الإمكان ، وفي غير ذلك لا يحرم للقطع بعدم حرمتهما في حقه زائداً على إمكانه ووسعه ، وإلاّ لاستلزم العسر والحرج المنفيين في الشريعة المقدّسة.
[438] مسألة 18 : عند اشتباه القبلة بين الأربع لا يجوز أن يدور ببوله (1) إلى جميع الأطراف. نعم إذا اختار في مرّة أحدها لا يجب عليه الاستمرار عليه بعدها (2) بل له أن يختار في كل مرة جهة أُخرى إلى تمام الأربع ، وإن كان الأحوط ترك (1)ما يوجب القطع بأحد الأمرين ولو تدريجاً ، خصوصاً إذا كان قاصداً ذلك من الأوّل ، بل لا يترك في هذه الصورة.
(1) لاستلزامه المخالفة القطعية مع اتحاد الواقعة ، وقد تقدم أن الموافقة القطعية في أطراف العلم الإجمالي واجبة كما أن المخالفة القطعية فيها محرمة فيما إذا أمكنتا ، وحيث لا يمكن الموافقة القطعية في المقام لاضطرار المكلف إلى التخلي مستقبلاً أو مستدبراً لبعض الجهات ، سقط العلم الإجمالي عن التنجيز بالإضافة إلى وجوب الموافقة ، إلاّ أنه بالإضافة إلى حرمة المخالفة القطعية باق على تنجيزه لإمكانها ، وقد مرّ أن الاضطرار إلى ارتكاب أحد أطراف الشبهة لا يوجب سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز. نعم إذا تمكن من الانتظار إلى أن يظهر الحال ، لكان العلم منجزاً بالإضافة إلى وجوب الموافقة القطعية أيضاً.
(2) بأن كانت الواقعة متعددة ، كما إذا حبس مدة في مكان واضطر فيه إلى البول متعدداً ، وكون التخيير استمرارياً حينئذ وعدم وجوب اختيار الطرف الذي قد اختاره في المرة الأُولى كما ذهب إليه الماتن قدس سره مبني على عدم تنجيز العلم الإجمالي في الأُمور التدريجية ، وقد ذكرنا في محله أن التدريجي كالدفعي والعلم الإجمالي منجز في كليهما ، وذلك لأن للمكلف علوماً إجمالية عند العلم بحرمة البول إلى إحدى الجهات ، وذلك لأنه إذا بال إلى جهة علم أن البول إلى تلك الجهة أو إلى الجهة الأُخرى محرم ، وهكذا الحال في المرة الثانية والثالثة وهكذا ، ومقتضى ذلك تنجز التكليف بالإضافة إلى الموافقة والمخالفة القطعيتين ، نعم الموافقة القطعية ساقطة عن الوجوب لعدم كونها ممكنة في حقه للاضطرار ، ولكن المخالفة القطعية باقية على
1) (*) بل الأقوى ذلك.
[439] مسألة 19 : إذا علم ببقاء شيء من البول في المجرى يخرج بالاستبراء ،
حرمتها لكونها ميسورة له ، وقد تقدم أن الاضطرار إلى أحد أطراف الشبهة لا يوجب سقوط العلم عن التنجيز بالإضافة إلى حرمة المخالفة القطعية ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون المكلف قاصداً للوصول إلى الحرام من الابتداء وعدمه ، وإن كان القصد إليه أشنع ، فعلى ذلك لا يكون التخيير استمرارياً وإنما هو بدوي ، هذا.
وقد يقال : إن التخيير استمراري في المقام ، وله أن يختار في كل مرة جهة غير الجهة التي اختارها أوّلاً ، بدعوى أنه إذا بال إلى جميع الجهات وإن حصل له العلم بالمخالفة القطعية ، إلاّ أنه يعلم حصول الموافقة القطعية أيضاً ، لعلمه بأنه بال إلى غير القبلة في بعض الجهات ، لأن الجوانب ليست قبلة بأجمعها ، وأما إذا اقتصر على ما اختاره أوّلاً فهو لم يرتكب المخالفة القطعية بالوجدان ، إلاّ أنه لم يحصل العلم بالموافقة القطعية أيضاً ، لاحتمال أن تكون القبلة هي الجهة التي قد اختارها للتخلي ، فالموافقة والمخالفة احتماليتان ، والأمر يدور بين المخالفة القطعية المستلزمة للموافقة القطعية ، وبين الموافقة الاحتمالية المستلزمة للمخالفة الاحتمالية ، وهما سيان عقلاً ولا ترجيح لأحدهما على الآخر ، هذا.
ولا يمكن المساعدة على ذلك ، لأن المخالفة الاحتمالية المقرونة بالموافقة كذلك لا يمكن مقايستها بالمخالفة القطعية المستتبعة للعلم بالموافقة القطعية ، لما بيّناه في المباحث الأُصولية من أن المخالفة الاحتمالية بالترخيص في بعض الأطراف أمر ممكن لا قباحة فيه ، وإنما لم نلتزم بجوازها لقصور أدلة اعتبار الأُصول العملية وعدم شمولها للأطراف ، إذ شمولها لبعضها المعيّن لا مرجح له وشمولها للجميع يستلزم الترخيص في المعصية ، وشمولها لبعضها غير المعيّن لا معنى محصل له ، وهذا بخلاف المخالفة القطعية ، لأن الترخيص فيها قبيح وإن كانت مستتبعة للعلم بالموافقة القطعية. وعلى الجملة ، العقل لا يرخص في المخالفة القطعية تحصيلاً للعلم بالموافقة القطعية (1).
1) مصباح الأُصول 2 : 348 ، 351.
فالاحتياط بترك الاستقبال أو الاستدبار في حاله أشد (1).
[440] مسألة 20 : يحرم التخلِّي في ملك الغير من غير إذنه حتى الوقف الخاص (2) ، بل في الطريق غير النافذ بدون إذن أربابه (3) وكذا يحرم على قبور
(1) تعرّض قدس سره في المسألة الرابعة عشرة (1)لحكم الاستبراء مستقبل القبلة أو مستدبرها ، وجعل تركهما أحوط ، وجعل الأحوط في المقام أشد ، وذلك لفرض علم المكلف بخروج البول بالاستبراء ، وقد قدّمنا جوازه مستقبل القبلة ومستدبرها ، لأن المتيقن من التسالم والإجماع غير ذلك ، وليست الحرمة في الأدلّة اللفظية مترتبة على مجرد خروج البول من مخرجه ، وإنما هي مترتبة على عدم جواز البول مستقبل القبلة ومستدبرها ، ومن البديهي أن الاستبراء ولو خرج به البول لا يسمّى بولاً عرفاً ولا يصدق معه أنه يبول ، بل يقال إنه يستبرئ.
(2) لحرمة التصرّف في ملك الغير من غير إذنه ورضاه ، ونظيره الوقف الخاص ، لأن التخلِّي فيه من دون رضا الموقوف عليه تصرّف في الوقف على غير ما أوقفه أهله.
(3) حرمة التخلي في الطريق غير النافذ تبتني على أحد أمرين :
أحدهما : القول بأن الطرق غير النافذة مختصة كانت أم مشتركة ملك لأربابها بالحيازة ، ومن ثمة جاز لهم أن يجعلوا لها الباب وجاز منع غيرهم من التصرّف فيها بأنحائه ، وهذا كله للسيرة الجارية عليه ، ومعه لا يجوز التصرف فيها إلاّ بإذن أربابها كما هو الحال في الأملاك والوقوف.
ثانيهما : أن التصرف فيها بالتخلي أو غيره بناء على عدم كونها ملكاً لأربابها إنما يسوغ إذا لم يكن مزاحماً لاستطراق أربابها ، وأما إذا زاحمه ولو بتلوث أبدانهم وأثوابهم ولو في استطراقهم ليلاً فلا مجوز لمنعهم ومزاحمتهم بالتخلي أو غيره ، كما هو الحال في الطرق النافذة ، لأن التخلي وغيره من التصرفات إنما يجوز إذا لم يزاحم
1) في ص 337.
المؤمنين إذا كان هتكاً لهم (1).
[441] مسألة 21 : المراد بمقاديم البدن : الصدر والبطن والركبتان (2).
المارّة بوجه.
(1) لحرمة هتك المؤمن حيّاً وميِّتاً.
(2) اعتبر في باب الصلاة مضافاً إلى استقبال القبلة بالصدر والبطن والركبتين استقبال القبلة بالوجه ، ولا يعتبر هذا في المقام ، للفرق بين استقبال القبلة في الصلاة وبين استقبالها فيما نحن فيه ، والفارق هو الدليل ، لأنه دلّ على اعتبار استقبال القبلة بالوجه في الصلاة كما في قوله عزّ من قائل ( وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) (1)وقد ورد النهي عن الالتفات يميناً وشمالاً في الصلاة (2)، وفي بعض الأخبار : « أُمروا أن يقيموا وجوههم شطره » (3)وبالجملة الدليل الخارجي قام على اعتبار ذلك في باب الصلاة. ولم يقم أي دليل على اعتباره في المقام ، لأن المناط في حرمة التخلي إنما هو صدق استقبال القبلة بالبول والغائط ، ولا ينبغي التردد في عدم توقف ذلك أي صدق استقبال القبلة على الاستقبال بالوجه ، نعم يعتبر في المقام الاستقبال بالصدر لعدم صدقه لولاه ، وكذلك الاستقبال بالبطن لعدم انفكاكه عن الاستقبال بالصدر.
وأما الركبتان ، فقد ذكرنا في بحث الصلاة أن الاستقبال بهما غير معتبر في الصلاة فضلاً عن غيرها ، وذلك لصحة الصلاة متربعاً مع أن الركبتين تستقبلان الشرق والغرب. وفي الصلاة قائماً وإن كانتا واقعتين نحو القبلة ، إلاّ أنه غير معتبر في استقبال الصلاة ، هذا كله في باب الصلاة (4).
وكذلك الحال في المقام ، لصدق استقبال القبلة فيما إذا قعد للتخلي على النحو
[442] مسألة 22 : لا يجوز التخلي في مثل المدارس (1) التي لا يعلم كيفية وقفها من اختصاصها بالطلاّب أو بخصوص الساكنين منهم فيها أو من هذه الجهة
المتعارف بأن استقبل القبلة بصدره وبطنه ورفع رجليه أمامه فان الركبتين حينئذ إلى السماء مع صدق الاستقبال عليه ، وكذا الحال فيما إذا قعد للتخلِّي متربعاً إذ يصدق عليه الاستقبال عرفاً ، مع أن الركبتين إلى الشرق والغرب. على أن العادة جرت على عدم الاستقبال بهما في التخلِّي ، لما عرفت من عدم استقبال القبلة بالركبتين في التخلي على الوجه المتعارف ، اللّهمّ إلاّ بمشقة خارجة عما هو المتعارف المعتاد.
(1) إذا ثبت أن المدرسة مثلاً وقفت لطائفة معينة أو لساكنيها أو لغيرهم بالبينة أو برؤية ورقة الوقف ونحوهما ، فهي من الوقوف الخاصة وقد تقدّم (1)أن التصرف فيها محرم ولا نعيد ، كما أنه إذا ثبت أنها من الوقوف العامة جاز فيها التخلِّي وغيره من التصرفات.
وإنما الكلام فيما إذا لم يثبت شيء من ذلك ، والأقوى حرمة التصرف حينئذ ، لأن التصرف في الوقوف إنما يجوز إذا جعلها الواقف عامة بالنسبة إلى المتصرف فيها فالشك في جواز التصرف وعدمه ينشأ عن الشك في كيفية جعل الواقف وأنه جعل وقفه عاما أو خاصاً ، ومقتضى أصالة عدم جعله عاما بالنسبة إلى المتصرف حرمة التصرف فيه.
وبعبارة اخرى : المدرسة قد خرجت عن سلطنة الواقف جزماً ، وإنما الشك في أنها هل خرجت عن ملكه بجعلها وقفاً عامّاً يشمل المتخلِّي ، أو بجعلها وقفاً مختصاً لطائفة لا يشمل المتصرف فيه ، والأصل عدم جعلها وقفاً عامّاً بالإضافة إليه ، ولا يعارض ذلك أصالة عدم جعلها وقفاً خاصاً ، لأنها وإن كانت تامة الأركان في نفسها إلاّ أن الأثر لم يترتّب على عدم جعل الوقف خاصّاً ، وإنما يترتّب على جعلها وقفاً عاما ، لأن جواز التصرّف في المال يتوقّف على إذن المالك أو كون المتصرف مالكاً له ، والإذن
1) في ص 347.
أعم من الطلاّب وغيرهم ، ويكفي إذن المتولي (1) إذا لم يعلم كونه على خلاف الواقع ، والظاهر كفاية جريان العادة (2) أيضاً بذلك ، وكذا الحال في غير التخلي من التصرفات الأُخر.
يجب غسل مخرج البول بالماء (3)
مفروض العدم ، والمالكية بمعنى نفوذ التصرفات وجوازها إنما يثبت إذا كان الوقف عامّاً شاملاً للمتخلِّي ، فعدم كونه وقفاً خاصاً لا أثر شرعي له ، واستصحابه لإثبات عموم وقفها من الأُصول المثبتة.
(1) لحجية قول ذي اليد ما لم يعلم مخالفته للواقع.
(2) كما إذا جرت العادة على التصرّف في الوقف يداً بيد من دون مخالف ونكير وذلك لأن يدهم يد عامة نوعية وهي كاليد الشخصية في الاعتبار ، وهذا هو الحال في الخانات الشاه عباسية الموجودة في بعض الطرق ، فان المسافرين يدخلونها للتخلي ولسائر التصرّفات ولا ينكر ذلك في زمان ، وبه يستكشف أن الوقف عام.
فصل في الاستنجاء
(3) الكلام في ذلك يقع من جهات :
الجهة الأُولى : وجوب غسل المخرج بالماء. وقد تكلمنا في كبرى ذلك في مباحث المياه ، وقلنا إن المتنجِّس لا يطهر إلاّ بالغسل ولا يكفي فيه المسح والدلك ، كما أن الغسل لا بدّ أن يكون بالماء ولا يكفي الغسل بالمضاف أو بغيره من المائعات وإنما الكلام في المقام في مخرج البول بخصوصه ، وأنه كمخرج الغائط يطهر بالتمسّح أو أنه كسائر المتنجسات التي لا تطهر إلاّ بالغسل بالماء؟ يظهر من عدة روايات كفاية التمسّح في مخرج البول.
منها : رواية سماعة « قلت لأبي الحسن موسى علیه السلام إني أبول ثم أتمسح بالأحجار فيجيء مني البلل ما يفسد سراويلي ، قال : ليس به بأس » (1).
ومنها موثقة حنان بن سدير قال : « سمعت رجلاً سأل أبا عبد اللّه علیه السلام فقال : إني ربما بلت فلا أقدر على الماء ويشتد ذلك عليَّ ، فقال : إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك ، فان وجدت شيئاً فقل هذا من ذاك » (2).
ومنها : خبر عبد اللّه بن بكير قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : الرجل يبول ولا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط ، قال : كل شيء يابس زكي » (3).
هذا والصحيح عدم كفاية التمسح في تطهيره ، وذلك لأن أقصى ما يستفاد من الروايتين الأوليين عدم تنجيس المتنجِّس ، وأن الذكر المتنجِّس بالبول لا ينجس الريق أو البلل الخارج منه ، كما أنهما لا ينجسان السراويل وغيره من ملاقياتهما ، فلا دلالة لهما على طهارة مخرج البول بالتمسح.
مضافاً إلى أن الرواية الأُولى ضعيفة السند بحكيم بن مسكين والهيثم بن أبي مسروق لعدم توثيقهما. على أنهما معارضتان في موردهما بصحيحة عيص بن القاسم قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر ... قال : يغسل ذكره وفخذيه ... » (4)لدلالتها على عدم طهارة الذّكر بالمسح وتنجيس المتنجِّس ، ومن هنا أمر بغسل فخذيه لملاقاتهما مع المتنجِّس وهو الذّكر.
وأمّا رواية ابن بكير فهي مضافاً إلى ضعف سندها بمحمد بن خالد ، قاصرة الدلالة على المدعى ، لأنها ظاهرة في أن مخرج البول بعد ما يبس لا ينجس ما لاقاه لا أنه يطهر بيبوسته ، فان مجرد اليبوسة لو كان كافياً في تطهير المتنجِّس لم يحتج في تطهير الفرش والثياب والبدن وغيرها إلى الغسل ، مع وضوح عدم طهارتها إلاّ
مرّتين (1)
بالغسل بالماء ، فالعموم في قوله : « كل شيء ... » بمعنى أن كل يابس لا تسري نجاسته لما لاقاه لا أنه يطهر باليبوسة ، هذا.
مضافاً إلى صحيحة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال « لا صلاة إلاّ بطهور ويجزئك من الاستنجاء ثلاثة أحجار ، بذلك جرت السنّة من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأما البول فإنّه لا بدّ من غسله » (2)ورواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر علیه السلام أنه قال « يجزئ من الغائط المسح بالأحجار ولا يجزئ من البول إلاّ الماء » (3).
فالمتحصل : أن مخرج البول كسائر المتنجسات لا يطهر إلاّ بالغسل بالماء ، هذا كلّه في الجهة الأُولى.
(1) هذه هي الجهة الثانية من الجهات التي يتكلم عنها في المقام ، ويقع فيها الكلام في أن الغسل مرة واحدة هل يكفي في تطهير مخرج البول أو يعتبر فيه التعدّد؟
قد يقال بكفاية الغسل مرة ويستدل عليها بجملة من الأخبار :
منها : موثقة يونس بن يعقوب قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام الوضوء الذي افترضه اللّه على العباد لمن جاء من الغائط أو بال؟ قال : يغسل ذكره ويذهب الغائط ثم يتوضّأ مرّتين مرّتين » (4)لأنه علیه السلام على ما هو ظاهر الموثقة بصدد بيان ما هو المعتبر في الاستنجاء ، ومع ذلك ترك التقييد بمرتين ، فظهورها في كفاية المرّة قوي غايته. ويزيدها ظهوراً أنه علیه السلام قيّد الوضوء بمرتين ، فان التعرض للتعدّد في الوضوء مع استحبابه دون المقام ، أظهر في الدلالة على عدم اعتبار التعدّد في مخرج البول.
ويرد على هذا الاستدلال أن الموثقة إنما وردت لبيان ما هو المعتبر في الوضوء وذلك بقرينة السؤال لأن السائل إنما سأله عن الوضوء الذي افترضه اللّه على العباد وليست بصدد بيان ما يجب في تطهير مخرج البول ، فلو دلّت الموثقة فإنّما تدل على اشتراط الاستنجاء في صحّة الوضوء ، كما يأتي عند التعرّض لتلك المسألة.
اللّهمّ إلاّ أن يقال إن السؤال فيها وإن كان عن الوضوء إلاّ أنه علیه السلام تصدّى لبيان ما يعتبر في الوضوء ، وما هو مقدمة له من غسل الذّكر وتطهير موضع الغائط أيضاً تفضّلاً ، إذن الموثقة مطلقة والجواب عنها على ذلك يأتي في الجواب عن رواية نشيط فانتظره.
ومنها : حسنة ابن المغيرة عن أبي الحسن علیه السلام قال « قلت له : للاستنجاء حد؟ قال : لا ، ينقي ما ثمة ... » (1)لأنها تقتضي بإطلاقها كفاية مجرّد النقاء في الاستنجاء ، سواء أكان بالغسل بالماء أم بغيره ، وعلى تقدير الغسل بالماء غسل مرّة أو مرّتين.
وفيه : أن الاستنجاء لغة بمعنى إنقاء موضع الغائط بالغسل أو المسح ، لأنه من النجو فلا يشمل موضع البول بوجه ، وإن كان في كلمات الفقهاء 5 يستعمل بالمعنى الأعم. على أنه لو كان شاملاً لغسل موضع البول في نفسه ففي الرواية قرينة على عدم إرادة المعنى الأعم ، وذلك لما ورد في ذيله من قوله : « قلت ينقي ما ثمة ويبقى الريح؟ قال : الريح لا ينظر إليه » ومن الظاهر أن الريح يختص بالغائط ، فالمراد بالاستنجاء في الحسنة هو إنقاء موضع الغائط فحسب.
ومنها : صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « إذا انقطعت درّة البول فصبّ الماء » (2)لأن قوله : « صبّ الماء » بإطلاقه يقتضي جواز الاقتصار بالصب مرّة واحدة.
ويندفع بأن الصحيحة بصدد بيان أن الاستبراء من البول غير معتبر في طهارة
المحل بالغسل ، بل إذا صبّ الماء عليه بعد انقطاع الدرة طهر ، وليست ناظرة إلى بيان عدم اعتبار التعدّد في تطهير مخرج البول.
ومنها : رواية نشيط عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته كم يجزئ من الماء في الاستنجاء من البول؟ فقال : مثلا ما على الحشفة من البلل » (1)وهذه الرواية هي العمدة في المقام ، لاشتمالها على السؤال عن كم الماء ومقداره اللاّزم في غسل مخرج البول ، وقد دلت على أن كمه مثلا ما على الحشفة ، وتقريب دلالتها على المدعى : أن مثلي البلل الموجود على رأس الحشفة إما أن يصبا عليها دفعة واحدة أو دفعتين لا سبيل إلى إرادة الثاني بوجه ، لأن مثل البلل إذا صبّ على المحل خرج عن كونه ماء مطلقاً لامتزاجه بالبول المساوي معه بحسب الكم ، ومن الظاهر أن المضاف لا يكفي في تطهير المتنجِّس ، فارادة الشق الأوّل هي المتعينة.
والجواب عن هذه الرواية أنها ضعيفة السند بهيثم بن أبي مسروق ، بل يمكن المناقشة في سندها بغير ذلك أيضاً فليراجع.
ثم لو أغمضنا عن ذلك وبنينا على صحّة سندها لكون الرواية مورداً لاعتمادهم 5 حيث أدرجوا عباراتها في كتبهم وفتاواهم وقالوا : يجزئ في الاستنجاء من البول مثلا ما على الحشفة ، فهي قابلة للمناقشة في دلالتها ، وذلك لأن أقصى ما هناك أن الرواية بإطلاقها يقتضي كفاية الغسل مرة وليست صريحة في ذلك ، لأن مثلا ما على الحشفة قد يصبا مرة واحدة وقد يصبا مرتين ولا تقييد في الرواية بأحدهما.
ودعوى أن القطرة الاولى بملاقاتها مع البلل الكائن على الحشفة يخرج عن كونها ماء مطلقاً مما لا يصغي إليه ، لأن القطرة إذا وصلت إلى الحشفة سقطت عنها القطرة العالقة على المحل ، كما أن القطرة الثانية إذا وصلت إليها سقطت عنه القطرة الاولى لا محالة ، ومعه لا تجتمع القطرتان في رأس الحشفة ليخرج الماء عن إطلاقه بالامتزاج ، بل لولا انفصال البول بالصبة الاولى عن المحل لم يمكن الاقتصار بصب مثلي ما على
1) الوسائل 1 : 344 / أبواب أحكام الخلوة ب 26 ح 5.
الحشفة دفعة واحدة أيضاً ، وذلك لأن الماء إذا امتزج بشيء آخر بمقدار الثلث خرج عن إطلاقه ، فلو امتزج كرّان من الماء بمقدار كر من البول سلب إطلاقهما لأن الثلث لا يندك في الثلثين حتى لا يؤثر فيهما.
فالمتحصل أن كفاية المرة إنما تستفاد من إطلاق الرواية. إذن لا مانع من تقييدها بغيرها مما دلّ على اعتبار التعدّد في البول ، لصحيحة البزنطي قال : « سألته عن البول يصيب الجسد؟ قال : صب عليه الماء مرتين » (1)وغيرها من الأخبار الدالّة على المراد ، ومقتضى الجمع العرفي بينهما حمل المطلقة على بيان كم الماء اللاّزم في غسل مخرج البول ، من دون أن تكون متعرضة لكيفيته من أن المثلين يصبان مرة أو مرتين فان المدار في كيفية الغسل على المقيدات وهي تقتضي لزوم الصب مرتين.
هذا وقد يقال كما عن غير واحد إن صحيحة البزنطي وغيرها من المقيدات المشتملة على كلمة « الإصابة » منصرفة عن مخرج البول ، لأن ظاهر الإصابة إصابة البول للجسد من غير الجسد ، ولا تشمل البول الخارج من الجسد.
وهذه الدعوى لا يمكن تتميمها بدليل ، وذلك لأن الإصابة بمعنى الملاقاة وهي تعم البول الواصل من الجسد إلى الجسد ، فلو ورد : اغسل بدنك مما يصيبه من النجاسات ، فهل يشك في شموله للدم أو المني أو غيرهما من النجاسات الخارجة من البدن. على أن العمل بظاهر الرواية غير ممكن في نفسها ، لأنها تدل على كفاية مثلي ما على الحشفة من البلل ، وهو عبارة عن الأجزاء اللطيفة المتخلِّفة في المحل ، ونسبة البلل الموجود على الحشفة إلى القطرة كنسبة الواحدة إلى العشرة ، إذ القطرة الواحدة يمكن أن تبلل بها الكف مثلاً ، ونسبة مخرج البول إلى الكف كنسبة الواحد إلى العشرة أو ما يقاربها ، فما على الحشفة من البلل عشر القطرة تقريباً ، ولا شبهة في أن مثلي عشر القطرة لا يستوعب مخرج البول استيعاباً يصدق عليه الغسل عرفاً.
1) الوسائل 3 : 396 / أبواب النجاسات ب 1 ح 7 ، 1 : 345 / أبواب أحكام الخلوة ب 26 ح 9.
مع أن مقتضى الأدلّة ومنها موثقة يونس بن يعقوب المتقدِّمة (1)المشتملة على قوله علیه السلام « يغسل ذكره » اعتبار الغسل في تطهير مخرج البول فظاهر الرواية مما لا يمكن العمل به ، وأما العمل على خلاف ظاهرها بحمل البلل على القطرة كما عبرنا بها آنفاً فهو أمر يحتاج إلى دليل ، لعدم حجية الرواية فيما يخالف ظاهرها. هذا كله في رواية نشيط ، وقد ظهر بذلك الجواب عن موثقة يونس المتقدِّمة أيضاً بناء على أنها مطلقة إذ لا بدّ من تقييدها بصحيحة البزنطي وغيرها من المقيدات.
ثم إن لنشيط رواية أُخرى في المقام وهي مرسلة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « يجزئ من البول أن تغسله بمثله » (2)وهي مضافاً إلى إرسالها قاصرة الدلالة على المدعى ، لأن الضمير في « بمثله » غير ظاهر المرجع ، فهل يرجع إلى ما على الحشفة وهو غير مذكور في الرواية ، أو يرجع إلى البول ومعناه إنه لا بدّ من غسل البول بمثله من الماء ، والظاهر أنها بصدد بيان أن البول كالماء ، فكما أن غسل الماء المتنجِّس لا يحتاج إلى مسح أو دلك ونحوهما فكذلك البول يرتفع بصبّ الماء عليه من دون حاجة إلى دلكه ، وهذا بيان للحكم المترتب على البول على نحو الإطلاق فلا اختصاص له بمخرج البول ، لأن الوارد في الرواية مطلق البول ، وقد صرح بذلك في مرسلة الكليني : « وروى أنه يجزئ أن يغسل بمثله من الماء إذا كان على رأس الحشفة وغيره » (3)كما صرح بعدم اعتبار الدلك فيه في مرسلته الثانية : « روي أنه ماء ليس بوسخ فيحتاج أن يدلك » (4)فالضمير على ما ذكرناه راجع إلى البول بالمعنى المتقدِّم ، فلا دلالة لها على كفاية المرّة بوجه.
ومنها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال : « لا صلاة إلاّ بطهور ويجزئك من الاستنجاء ثلاثة أحجار ، بذلك جرت السنة من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأما البول فإنّه لا بدّ من غسله » (5)لأن مقتضى إطلاقها جواز
الاقتصار على الغسل مرة واحدة.
والجواب عن ذلك ، أن الصحيحة إنما سيقت لبيان الفارق بين المخرجين وأن مخرج الغائط يكفي فيه التمسح بالأحجار دون مخرج البول ، ولم ترد لبيان كفاية المرة في البول. هذا مضافاً إلى أنها على تقدير إطلاقها كرواية نشيط المتقدِّمة وغيرها لا بدّ من أن يقيد بما دلّ على لزوم التعدّد في البول كما مر.
وعلى الجملة : أن التعدّد في غسل مخرج البول لو لم يكن أقوى فلا أقل أنه أحوط.
تتميم : لقد تلخص عمّا سردناه أن الأخبار المستدل بها على كفاية المرة بين ما ليس بصدد البيان من تلك الناحية كصحيحة زرارة وغيرها ، وبين ما لا يعتمد على سنده على تقدير دلالته. بقي الكلام في صحيحة البزنطي المتقدِّمة وغيرها من الأخبار الواردة في تعدد الصب أو الغسل فيما أصابه البول ، فان منعنا دعوى انصرافها إلى إصابة البول للجسد من غير الجسد كما عرفت فلا كلام فيما قويناه آنفاً من اعتبار التعدّد في مخرج البول ، وأما لو قلنا بانصراف الأخبار إلى إصابة البول من غير الجسد كما لعلّه معنى الإصابة في صحيحة داود بن فرقد عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض .... » (1)لوضوح أن الإصابة لا يمكن أن يراد بها ما يعم إصابة البول الخارج من الجسد للجسد ، حتى يشمل مخرج البول ، فان قرضه بسبب البول يستلزم انعدامه متدرجاً فيمكننا الاستدلال على اعتبار التعدّد بأن الأمر بالغسل إرشاد إلى النجاسة كما مرّ غير مرّة ولا فرق في نجاسة البول حسبما هو المرتكز في الأذهان بين مخرج البول وغيره.
ثم لو تنزلنا عن ذلك أيضاً ومنعنا ارتكاز التسوية بين البول الخارج من الجسد والطارئ من غيره ولو باحتمال الفرق بينهما لدى العرف فلا محالة تصل النوبة إلى الأُصول العملية ، لعدم جواز التمسك بإطلاق الأدلّة الدالّة على كفاية الغسلة الواحدة
1) الوسائل 1 : 133 / أبواب الماء المطلق ب 1 ح 4 ، 350 / أبواب أحكام الخلوة ب 31 ح 3.
والأفضل ثلاث (1)
في مطلق النجاسات ، وذلك لما فرضناه من أنها كالأدلة الدالّة على التعدّد منصرفة إلى النجاسات الخارجية ، ولا تشمل البول الخارج من الجسد ، فاذا وصلت النوبة إلى الأُصول العملية ، فعلى ما سلكه المشهور من جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية لا بدّ من الالتزام بالتعدد ، إذ بعد الغسلة الواحدة نشك في طهارة مخرج البول وعدمها ومعه يجري استصحاب النجاسة ما لم يقطع بالارتفاع ، وأما بناء على مسلكنا من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام لابتلائه بالمعارض دائماً ، فبعد الغسلة الواحدة إذا شككنا في نجاسة المخرج رجعنا إلى قاعدة الطهارة ، وبها يقتصر في تطهير مخرج البول على الغسل مرة.
(1) لما رواه زرارة قال : « كان يستنجي من البول ثلاث مرات ومن الغائط بالمدر والخرق » (1)وعن المنتقى أن ضمير « كان » عائد إلى أبي جعفر علیه السلام (2)وقوله « كان » يدل على أنه علیه السلام كان مستمراً على الثلاث ، وهذا يكشف عن رجحانه لأنه لولاه لم يكن وجه لاستمراره علیه السلام عليه ، نعم لو كان صدر ذلك منه علیه السلام مرة أو مرتين لم يستكشف به الرجحان أبداً.
ثم إن المدرك في إسناد الرواية إلى أبي جعفر علیه السلام شهادة المنتقى كما مرّ ولا ندري من أين جاء به ، لأن زرارة لجلالته وعلو منزلته وإن كان لا يروي عن غير المعصوم علیه السلام إلاّ أن تعيينه في أبي جعفر علیه السلام يحتاج إلى قرينة ، لأنه عاصر كلاًّ من الباقر والصادق علیهماالسلام ولا دليل على تعيين المروي عنه في أحدهما علیهماالسلام وربما احتمل رجوع الضمير في « قال » إلى أبي جعفر علیه السلام وفي « كان » إلى النبي صلی اللّه علیه و آله ولا نرى لهذا الاحتمال وجهاً يقتنع به ، لأن الرواية مروية عن زرارة وظاهرها أنه الفاعل ل- « قال » فإرجاع الضمير
بما يسمّى غسلاً (1) ولا يجزئ غير الماء ، ولا فرق بين الذّكر ، والأُنثى ، والخنثى (2) كما لا فرق بين المخرج الطبيعي وغيره معتاداً أو غير معتاد (3) وفي مخرج الغائط مخيّر (4) بين الماء والمسح بالأحجار أو الخرق
فيه إلى النبي صلی اللّه علیه و آله مع أنه لم يذكر في الكلام يحتاج إلى قرينة معينة ولا قرينة عليه.
(1) لموثقة يونس وصحيحة زرارة المتقدِّمتين (1)وغيرهما من الأدلّة القائمة على اعتبار الغسل في تطهير المتنجِّسات.
(2) لإطلاق الأخبار الدالّة على التعدّد ، نعم لو بنينا على كفاية المرة في المقام لاختص ذلك بالرجال ، وذلك لأن عمدة الدليل على هذا القول روايتان إحداهما : موثقة يونس بن يعقوب. وثانيتهما : رواية نشيط وهما مختصتان بالرجال.
أمّا الموثقة فبقرينتين إحداهما : قوله علیه السلام « يغسل ذكره » وثانيتهما قوله : « ويذهب الغائط » وذلك لأن الإذهاب بمعنى الإزالة ولو بالتمسح بالخرق والمدر ، والاستنجاء بغير الماء إنما يتم على الأغلب في الرجال ، لأن من البعيد في النساء أن لا يصل بولهن إلى حواشي مخرج الغائط ، ومعه لا يكتفى بالتمسح في الاستنجاء منه. وعلى الجملة إن موردها الذكر فهي مختصة بالرجال ، نعم لو كان مورد الموثقة شيئاً قابل التحقق في النساء تعدينا من الذّكر إلى الأُنثى أيضاً بقاعدة الاشتراك في التكليف كما إذا كان السؤال فيها عن الغسل. وأمّا الرواية فاختصاصها بالرجال أظهر من سابقتها لقوله علیه السلام فيها : « مثلا ما على الحشفة من البلل ».
(3) كل ذلك لإطلاق الأخبار ، نعم لو قلنا بكفاية المرّة في مخرج البول اختص ذلك بالمخرج الطبيعي ، لورود الروايتين المتقدمتين في الذّكر والحشفة ولا مناص معه من الالتزام بالتعدد في غير المخرج الطبيعي والخنثى.
(4) لصحيحة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال : « لا صلاة إلاّ بطهور
1) المتقدِّمتان في ص 352.
إن لم يتعد عن المخرج على وجه لا يصدق عليه الاستنجاء (1).
ويجزئك من الاستنجاء ثلاثة أحجار ، بذلك جرت السنة من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأما البول فإنّه لا بدّ من غسله » (1)وغيرها من الأخبار الواردة في المقام ، فان قوله علیه السلام يجزئ يدلنا على جواز الاجتزاء في الاستنجاء بالتمسح ولا دلالة لها على تعينه ، ومعه يجوز الاقتصار بالماء أيضاً ، بل الاستنجاء به أفضل كما يأتي عن قريب. مضافاً إلى المطلقات والأخبار الواردة في كفاية الغسل بالماء (2).
ثم إن الاستنجاء بالماء أو بالتمسح مختص بما إذا نجس الغائط شيئاً من ظاهر البدن وأطراف المقعدة ، وأما إذا خرج من غير أن ينجس شيئاً من ظاهره كما قد يتفق فالظاهر عدم وجوب شيء منهما ، لعدم تنجس الباطن وعدم وجوب غسله ، وإنما يجب الغسل في ظواهر البدن ومع عدم تنجسها لا مقتضي للغسل والتطهير ، واحتمال وجوب الغسل أو التمسح تعبداً يندفع بأنه يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه.
(1) قد يتعدّى الغائط إلى جسم آخر غير متصل بمخرجه ، كما إذا طفر وأصاب رجله أو فخذه ، ولا كلام حينئذ في تعيّن الغسل بالماء ، لأنه جسم متنجس مباين لمخرج الغائط فلا يكفي فيه التمسح بوجه ، وقد يتعدى إلى ما هو متصل بالمخرج زائداً على المقدار المتعارف ، كما إذا استنجى قائماً لأنه يستلزم إصابة الغائط بالأليتين وغيرهما زائداً على المعتاد المتعارف في الاستنجاء ، وفي هذه الصورة أيضاً يتعيّن غسل المقدار الزائد بالماء ولا يكفي فيه التمسح لعدم صدق الاستنجاء عليه ، نعم لهم كلام في أن المسح هل يكفي في تطهير المخرج حينئذ أو أنه كالمقدار الزائد لا بدّ من أن يغسل بالماء؟
1) الوسائل 1 : 315 / أبواب أحكام الخلوة ب 9 ح 1.
2) كموثقة عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام في حديث قال « ... وإن خرج من مقعدته شيء ولم يبل فإنّما عليه أن يغسل المقعدة وحدها ولا يغسل الإحليل ». وفي جملة أُخرى منها : « إنما عليه أن يغسل ما ظهر منها يعني المقعدة وليس عليه أن يغسل باطنها » الوسائل 1 : 346 / أبواب أحكام الخلوة ب 28 ح 1 ، ب 29 ح 2 وغيرها.
وإلاّ تعيّن الماء (1) وإذا تعدى على وجه الانفصال ، كما إذا وقع نقطة من الغائط على فخذه من غير اتصال بالمخرج ، يتخيّر في المخرج بين الأمرين (2)
والصحيح كفاية التمسح للإطلاقات ، فهو مخيّر في تطهير المخرج بين التمسح والغسل وإن كان الغسل في المقدار الزائد على المعتاد متعيناً. ويتعدى ثالثاً إلى حواشي المخرج بالمقدار المتعارف المعتاد ، والظاهر كفاية التمسح في الزائد ، لأن المسح بالخرق ونحوها قد كان متعارفاً في تلك الأزمنة ، والأخبار الواردة في الاجتزاء به ناظرة إلى الاستنجاء المتعارف ، ولا كلام في أن التعدي إلى حواشي المخرج أمر معتاد وإن كان لا يتعدى إليها أحياناً ، إلاّ أن المتعارف هو التعدي وعدم كفاية التمسح حينئذ يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه ، إلاّ أن يقوم الإجماع عليه وهو أمر لا نحتمله فضلاً عن الظن أو الاطمئنان به ، حيث إن لازم ذلك تخصيص روايات التمسح بالإجماع وحملها على المورد النادر وهو كما ترى.
وأما ما نسبه الجمهور إلى علي علیه السلام من أنه قال : « كنتم تبعرون بعراً وأنتم اليوم تثلطون ثلطاً فأتبعوا الماء الأحجار » (1)فهو على تقدير صدوره ، مندفع بأن الأخبار الواردة في جواز الاكتفاء بالتمسح إنما صدرت عنهم علیهم السلام في عصر السعة والرخاء متأخراً عن عصر علي علیه السلام ومع ذلك كيف يمكن الالتزام بمفاد الرواية. على أن لازمها تخصيص الأخبار الواردة في المقام بالموارد النادرة وهو أمر لا نحتمله.
(1) كما مرّ.
(2) تقدّم وجهه.
1) نسبه إلى علي علیه السلام ابن قدامة في المغني 1 : 182 / 218 وابن الأثير في النهاية 1 : 220 وابن منظور في لسان العرب 7 : 268 وقد ينسب إلى الحسن البصري كما في بدائع الصنائع ج 1 ص 21.
ويتعيّن الماء فيما وقع على الفخذ (1) والغسل أفضل من المسح بالأحجار (2) ، والجمع بينهما أكمل (3) ولا يعتبر في الغسل تعدد بل الحد النقاء وإن حصل بغسلة (4)
(1) لما عرفت.
(2) لما رواه جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في قول اللّه عزّ وجلّ ( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) قال : كان الناس يستنجون بالكرسف والأحجار ، ثم أُحدث الوضوء وهو خلق كريم ، فأمر به رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وصنعه فأنزل اللّه في كتابه ( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) » (1)وغيرها من الأخبار.
(3) لم يظهر لنا معنى أكملية الجمع ، نعم هو جمع بين الأمرين ولا إشكال في جوازه. وأما ما ورد عن علي علیه السلام « فأتبعوا الماء الأحجار » (2)فقد عرفت أنه حديث عامي ، والحكم باستحباب الجمع بذلك مبني على القول بالتسامح في أدلة السنن ، واستحباب ما بلغ فيه الثواب ولو بطريق غير صحيح ، وأما بناء على ما سلكناه في محله من أن أخبار من بلغ لا دلالة لها على استحباب العمل ، وإنما تدل على ترتب الثواب على إتيانه برجاء الثواب والاستحباب ، وأنها إرشاد إلى حسن الانقياد (3)فلا يمكننا الحكم باستحباب الجمع وأكمليته بالخبر الضعيف ، لأن الاستحباب كالوجوب حكم شرعي لا يثبت إلاّ بحجة معتبرة.
(4) لحسنة ابن المغيرة عن أبي الحسن علیه السلام قال « قلت له : للاستنجاء حد؟ قال : لا ، ينقي ما ثمة ... » (4)وموثقة يونس بن يعقوب قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام الوضوء الذي افترضه اللّه على العباد لمن جاء من الغائط أو بال؟ قال :
وفي المسح لا بدّ من ثلاث وإن حصل النقاء بالأقل (1)، وإن لم يحصل بالثلاث فالى النقاء ، فالواجب في المسح أكثر الأمرين من النقاء والعدد (1).
يغسل ذكره ويذهب الغائط ثم يتوضّأ مرّتين مرّتين » (2)لدلالتها على أن المدار إنما هو إذهاب الغائط ، سواء كان ذلك بالتمسح أو بالغسلة الواحدة أو بالغسلتين.
(1) لا ينبغي التردد في أن الغائط إذا لم يذهب عينه بالتمسح ثلاثاً لم يحكم بطهارة المحل ، بل وجب غسله أو التمسح بعد ذلك حتى يحصل النقاء ، إذ لا يحتمل طهارة المحل بمجرد المسح ثلاث مرات وإن كانت العين بحالها ، فزوال العين مما لا بدّ منه في كل من الغسل والمسح ، وإنما الكلام في أن النقاء إذا حصل بأقل من الثلاث فهل يكتفى به في تطهير المحل أو يجب إكمال الثلاث؟ والكلام في ذلك يقع في موردين :
أحدهما : أن التمسح بأقل من الثلاث هل دلّ دليل على كفايته ، بحيث لا تصل النوبة إلى الشك والأصل العملي من استصحاب النجاسة أو قاعدة الطهارة ، أو لا دليل عليها ولا بدّ من الرجوع إلى الأصل العملي في المسألة؟
وثانيهما : في الأدلّة الواردة في التقييد بالثلاث.
أمّا المورد الأوّل : فقد يستدل على كفاية الأقل من الثلاث بعدة من الروايات :
منها : موثقة يونس بن يعقوب المتقدِّمة ، لأن السؤال فيها وإن كان عن الوضوء إلاّ أنه علیه السلام تصدى لبيان ما يعتبر في الوضوء ومقدماته من غسل الذكر وتطهير موضع الغائط أيضاً تفضلاً ، وحيث إنه لم يقيد إذهاب الغائط بشيء فمقتضى إطلاقها عدم الفرق بين التمسح مرة واحدة أو مرتين ، لأن المدار على ما يستفاد منها إنما هو على ذهاب الغائط فحسب فاذا حصل بالمسح مرة واحدة حكم بكفايته.
وعن شيخنا الأنصاري قدس سره المناقشة في الموثقة ، بأن ذكر الوضوء في صدرها وذكر غسل الذكر في الجواب ، قرينتان على أنها ناظرة إلى التطهير بالماء
فلا تعم التمسح بالأحجار أو غيرها ، فالمراد من الموثقة أنه يغسل ذكره ودبره ، وإنما ترك التعبير بغسل الدبر للاستهجان بذكره (1).
وفيه : أن الذكر والدبر في الاستهجان سواء ، فلما ذا صرح بالذكر دون الدبر. على أن في بعض الروايات صرح بمسح العجان (2)وهو والدّبر بمعنى واحد. هذا مضافاً إلى إمكان التعبير عن الدبر بموضع الغائط ومحل النجو ونحوهما مما لا استهجان في ذكره فعدم ذكر الغسل في موضع الغائط يكشف عن أن الموثقة ناظرة إلى كفاية مجرّد النقاء سواء أكان بالماء أو بالتمسح مرة أو مرتين أو أكثر.
ومنها : حسنة ابن المغيرة المتقدِّمة (3)لأنها صريحة الدلالة على أن حدّ الاستنجاء هو النقاء سواء حصل ذلك بالغسل أو بالتمسح مرة أو مرتين أو أكثر.
وربما يناقش في دلالتها كما عن شيخنا الأنصاري - قدس سره بأن الرواية بذيلها « قلت ينقي ما ثمة ويبقى الريح؟ قال : الريح لا ينظر إليها » ظاهرة في إرادة النقاء بالماء ، لأن الريح الباقية في المحل إنما يستكشف باستشمام اليد ، ومزاولة اليد المحل إنما هي في الاستنجاء بالماء (4).
ولا يخفي ضعف هذه المناقشة ، لأن بقاء الريح كما يمكن استكشافه باستشمام اليد المزاولة للمحل كذلك يمكن أن يستكشف بغيرها من الأشياء الملاقية له ، وكذا باستشمام اليد الماسحة على الموضع بعد التمسح بالأحجار أو الخرق ونحوهما ، فهذه المناقشة ساقطة.
نعم ، يرد على الاستدلال بالحسنة ، أن المراد بالنقاء لو كان يعم التمسّح لكان الأولى بل المتعيّن أن يسأل عن الأجزاء الصغار أيضاً ، لتخلّفها في المحل وعدم زوالها
بالتمسّح. ويشهد لذلك اختباره في اليد الملوثة بالوحل أو غيره ، حيث ترى أن مسحها بالحجر أو الخرق لا يزيل الأجزاء الصغار ، ومن هنا ذكر فقهاؤنا الأعلام قدس سرهم أنه لا يعتبر في الاستنجاء بالتمسح إزالة الأثر المفسر بالأجزاء الصغار ، دون الأعراض الخارجية من اللون والرائحة ونحوهما ، لعدم اعتبار زوالها في الغسل فكيف بالمسح ، وحيث لم يسأل عن الأجزاء الصغار فيستكشف به أن الرواية ناظرة إلى الاستنجاء بالماء ولا تعم التمسح أصلاً. بل لو كانت الرواية ناظرة إلى الأعم منه لم يبق موجب للسؤال عن بقاء الريح بوجه ، وذلك لأن التمسح غير قالع للأجزاء الصغار وهي مستتبعة لبقاء الريح بلا كلام ، ومع العفو عن الأجزاء المذكورة كيف يكون بقاء الريح مخلًّا للطهارة ، وهذا بخلاف ما إذا اختصت الرواية بالغسل ، فان بقاء الريح أمر لا يلازمه ، بل قد تزول به وقد لا تزول ، كما إذا كان الغائط عفناً جدّاً ، وعليه فللسؤال عن بقاء الريح مجال.
وحاصل الجواب عنه : أن المبالغة في الغسل على وجه يذهب به الريح غير معتبر في الاستنجاء ، ومجرد زوال العين كاف في طهارة المحل ، ولعل هذا مراد من منع عن دلالة الرواية على كفاية الأقل من الثلاث في المسح.
ومنها : رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر علیه السلام أنه قال : « يجزئ من الغائط المسح بالأحجار ، ولا يجزئ من البول إلاّ الماء » (1)بتقريب أن اللاّم في الأحجار للجنس ، ومقتضاه أن جنس الحجر كاف في تطهير المحل متعدِّداً كان أو غيره ، ولم يرد به الجمع ليقال إن أقل الجمع ثلاثة.
وفيه : أن اللاّم وإن كان للجنس كما أُفيد ، إذ لا يحتمل حمله على الاستغراق للقطع بعدم إرادة التمسح بأحجار العالم جمع ، كما لا يحتمل حمله على العهد لبعد إرادة الأحجار المعهودة خارجاً ، فلا مناص من أن يكون اللاّم للجنس والطبيعة ، وإنما الكلام في أن المراد به طبيعي الفرد أو طبيعي الجمع ، ولا إشكال في أن ظاهر اللاّم الداخل على الجمع جنس الجمع لا الفرد حيث لا قرينة على العهد ولم يمكن حمله
1) الوسائل 1 : 348 / أبواب أحكام الخلوة ب 30 ح 2.
على الاستغراق نعم قد تقوم القرينة على إرادة جنس الفرد من اللاّم الداخل على الجمع ، كما في قوله عزّ من قائل ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... ) (1)وقوله ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها ... ) (2)وذلك لوضوح أن الخمس والصدقات إنما تدفعان للأفراد لا إلى الجموع ، فهذه الرواية على خلاف المطلوب أدل.
ومنها : مضمرة زرارة : « كان يستنجي من البول ثلاث مرّات ، ومن الغائط بالمدر والخرق » (3)حيث لم يقيد المسح بالمدر والخرق بالتعدّد ، ومقتضى إطلاقها كفاية التمسّح مطلقاً.
ويرد هذا الاستدلال ، أن الرواية غير واردة لبيان اعتبار التعدّد وعدمه ، وإنما وردت حكاية عن فعل الامام علیه السلام وغاية ما تدل عليه أن مخرج البول لا يجتزأ فيه بالتمسح ، لالتزامه علیه السلام فيه بالماء وإنما يكفي ذلك في الغائط ، وأما أنه يكفي مطلقاً أو ثلاث مرات فليست الرواية ناظرة إليه. وعلى الجملة الراوي إنما حكى عن الإمام كفاية التمسح في الغائط دون التعدّد وعدمه ، إذ لم يكن علیه السلام يستنجي من الغائط بمرأى من زرارة ليتمكن من حكاية ذلك عنه علیه السلام .
والحاصل أن الأخبار المتقدِّمة لا دلالة في شيء منها على الاجتزاء بالأقل من الثلاث ، عدا موثقة يونس لتمامية دلالتها كما مرّ ، ومعها لا تصل النوبة إلى الأصل فإن قام دليل مقيد لإطلاقها فلا كلام وإلاّ فلا مناص من الأخذ بإطلاق الموثقة والحكم بالاجتزاء بالأقل من الثلاث في المسح كالغسل ، هذا كله في المورد الأول.
وأمّا المورد الثاني : فقد ورد في صحيحة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال : « لا صلاة إلاّ بطهور ، ويجزئك من الاستنجاء ثلاثة أحجار ، بذلك جرت السنة من
رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله » (1)وقد قيدت المجزئ من الاستنجاء بالثلاث ، وحيث إنّا نلتزم بمفهوم العدد بالإضافة إلى الأقل ، لأن المتفاهم العرفي في مثل قولنا : الإقامة عشرة أيام موجبة لإتمام الصلاة ، عدم وجوب الإتمام في الإقامة بما دون العشرة ، فلا مناص من الالتزام بعدم إجزاء ما دون الأحجار الثلاثة في المقام ، فهي صالحة لتقييد الموثقة المتقدِّمة بما إذا كان إذهاب الغائط في التمسح بالثلاث.
هذا وقد نوقش في التقييد بهذه الصحيحة من وجوه :
الأوّل : استبعاد وجوب التمسح ثانياً وثالثاً بعد النقاء ، لأن المسح وقتئذ لغو ظاهر لا يترتب عليه أي أثر.
ويبعده أن الأحكام التعبدية لا سبيل إلى استكشاف ملاكاتها بالوجوه الاعتبارية والاستحسانات ، ومن المحتمل أن يكون الملاك في وجوب التمسّح ثلاثاً أمراً آخر وراء النقاء ، ونظائر ذلك كثيرة في الشريعة المقدّسة. منها : وجوب الغسل مرّتين كما في المتنجِّس بالبول ، لأنّا إذا بالغنا في الغسلة الاولى في غسله وأزلنا عنه العين وأثرها لم يترتب على الغسلة الثانية أثر حينئذ ، مع أنها معتبرة في الحكم بطهارته. ومنها : وجوب الغسل ثلاث مرات في الإناء ، مع أن العين قد تزول عنه بالأقل من الثلاث. ومن هذا القبيل نفس الخزف المصنوع منه الإناء لأنه إذا صنع بهيئة غير الإناء كفى في تطهيره الغسل مرّة ، وإذا صنع بهيئة الإناء اعتبر فيه الغسل ثلاث مرّات ، مع أن الخزف هو الخزف بعينه. وكذا الحال في إزالة الغائط بالتمسح حيث يختص ذلك بما إذا كان الغائط في المحل ، لأنه إذا كان في غير المخرج لم يكف في إزالته المسح من غير خلاف ، مع أن العذرة هي العذرة بعينها. وعلى الجملة لا مجال لاستكشاف الملاكات بالاستحسان ، وحيث إن الدليل دلّ على وجوب التمسح ثلاثاً فلا مناص من الأخذ بظاهره والحكم باعتبار التعدّد وإن حصل النقاء قبل الثلاث.
الثاني : أن الصحيحة تشتمل على كلمة السنة وهي تحتمل الاستحباب ، ومع احتماله لا يمكن الاستدلال بها على وجوب التمسح ثلاثاً.
1) الوسائل 1 : 315 / أبواب أحكام الخلوة ب 9 ح 1.
ويندفع بأن السنّة في قبال الفريضة ، فالمراد بها ما ثبت وجوبه وتشريعه من النبي صلی اللّه علیه و آله كما أن الفريضة هي ما أوجبه اللّه سبحانه في كتابه. واستعمال السنة بالمعنى المذكور أمر شائع في الأخبار ، فإذا قيل : الركعتان الأخيرتان سنتان في الصلاة ، لا يراد منها استحبابهما وهذا ظاهر.
الثالث : أن التقييد في الصحيحة بالثلاث إنما ورد مورد الغالب ، لعدم حصول النقاء غالباً بالمسح بأقل من ثلاث مرات ، ولا مفهوم للقيد إذا كان وارداً مورد الغالب كما في قوله عزّ من قائل ( وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ) (1).
وهذه المناقشة يرد عليها أمران :
أحدهما : منع الكبرى المدعاة ، لأن الإتيان بأي قيد في الكلام ظاهره أن للمتكلم عناية خاصّة به وهو يقتضي المفهوم لا محالة ، ورد في مورد الغالب أو غيره ، لأن الغلبة غير مانعة عما ندعيه من الظهور ، وأما عدم التزامنا بمفهوم القيد في الآية المباركة فهو مستند إلى الأدلّة الدالّة على أن حرمة الربائب لا تختص بما إذا كانت في الحجور ولو لا تلك الأدلّة لالتزمنا بمفهومه كما التزمنا به في قوله : دخلتم بهن. مع أن كون المرأة المزوجة مدخولاً بها أمر غالبي وقلّما يتفق عدم الدخول بها.
وثانيهما : أن القيد الوارد مورد الغالب لو سلمنا عدم دلالته على الاختصاص فلا ينطبق ذلك على المقام لعدم كونه من هذا القبيل ، وذلك لأن حصول النقاء بالتمسح بثلاثة أحجار ليس بغالبي فإنّه كما يحصل بالثلاثة كذلك يحصل بالأربعة والخمسة نعم لا يحصل النقاء بالمرة الأُولى والثانية غالباً ، لا أن حصوله غالبي في الثلاثة ، فلو كانت العبارة هكذا : لا يجتزأ بالمرة الأُولى والثانية ، لكان للقول بأن التقييد بهما مستند إلى الغلبة وجه صحيح. وأما في مثل قوله علیه السلام يجزئك من الاستنجاء ثلاثة أحجار فلا ، لعدم الغلبة في الثلاثة كما عرفت.
إذن فما ذهب إليه المشهور من اشتراط أن يكون التمسح بثلاثة أحجار هو الصحيح.
1) النساء 4 : 23.
ويجزئ ذو الجهات الثلاث من الحجر (1)، وبثلاثة أجزاء من الخرقة الواحدة ، وإن كان الأحوط ثلاثة منفصلات (1).
(1) بعد ما اتضح أن التمسح يشترط أن يكون بالثلاث ولا يجزي الأقل منها ، يقع الكلام في أنه هل يعتبر في الاستنجاء به أن يكون المسح بثلاثة أحجار ، أو يكفي التمسّح بالحجر الواحد ثلاث مرات ، كما إذا كان له جهات ثلاث؟ وبعبارة اخرى أن المعتبر تعدّد المسح فحسب وإن كان ما به التمسح واحداً ، أو يعتبر التعدّد في كل من التمسح وما به المسح؟
اختلفت كلماتهم في المقام ، فذهب جماعة إلى اعتبار التعدّد فيما يتمسح به من الحجر أو غيره نظراً إلى صحيحة زرارة المتقدِّمة : « يجزئك من الاستنجاء ثلاثة أحجار » لصراحتها في تعدد ما يتمسح به.
وعن جماعة آخرين كفاية التمسح بالحجر الواحد ثلاثاً كما إذا كانت له جهات ثلاث ، للقطع بعدم الفرق بين الاتصال والانفصال ، حيث إن المدار على التمسح ثلاث مرات سواء أكان ما يتمسح به في كل مرة منفصلاً عما يتمسح به في المرة الأُخرى أم لم يكن.
وهذه الدعوى عهدتها على مدعيها ، لما تقدم من أن الأحكام التعبدية لا سبيل إلى استكشاف ملاكاتها بالوجوه الاعتبارية والاستحسانات ، إذ من المحتمل بالوجدان أن يكون للانفصال خصوصية لا يحصل الغرض من التمسح إلاّ به ، ولو لا هذا الاحتمال للزم الحكم بكفاية الغسلة الواحدة فيما يجب فيه الغسلتان إذا كانت الغسلة بمقدار الغسلتين بحسب الكم والزمان ، كما إذا فرضنا زمان كل من الغسلتين دقيقة واحدة وكان الماء المستعمل فيها بمقدار كأس مثلاً ، وقد غسلناه دقيقتين وصببنا عليه الماء كأسين ، فهل يصح أن يقال إنها غسلتان متصلتان ولا فرق بين اتصالهما وانفصالهما ، فهذه الدعوى ساقطة.
1) (*) فيه إشكال ، والاحتياط لا يترك.
ويكفي كل قالع ولو من الأصابع (1)(1)
ومن الغريب في المقام ما صدر عن بعضهم من أن قوله علیه السلام « يجزئك من الاستنجاء ثلاثة أحجار » يدل على كفاية التمسح بالحجر ذي جهات ثلاث ، وذلك بدعوى أن المراد بالتمسح بثلاثة أحجار هو ثلاث مسحات قياساً للمقام بما إذا قيل : ضربته خمسين سوطاً ، لوضوح أن صدقه لا يتوقّف على تعدّد السوط وما به الضرب ، وعليه فالمسح ثلاث مرات إنما يقتضي تعدّد المسح سواء أكان ما به التمسّح أيضاً متعدِّداً أم لم يكن.
والوجه في غرابته ، أن السوط في المثال مصدر ساط أي ضرب بالسوط ، لأنه قد يستعمل بالمعنى المصدري وقد يستعمل بمعنى الآلة وما به الضرب ، فالمعنى حينئذ : ضربته خمسين مرّة بالسوط ، فسوطاً مفعول مطلق للضرب أي ضربته كذا مقداراً ضرباً بالسوط ، فالتعدّد في المثال إنما هو في الضرب لا في السوط وما به الضرب وأين هذا من قوله علیه السلام « يجزئك من الاستنجاء ثلاثة أحجار » حيث إن التعدّد فيه في الآلة وما به التمسح أعني الأحجار ، ولا ينطبق الأحجار الثلاثة على الحجر الواحد وإن كان ذا جهات ثلاث. وعلى ذلك لا مناص من أن يكون ما يتمسّح به كالمسح متعدداً. نعم قد يصدق المسح بالأحجار الثلاثة على التمسّح بالحجر الواحد كما إذا كان حجراً عظيماً أو جبلاً متحجِّراً ، لأنه حجر واحد حقيقة إذ الاتصال مساوق للوحدة ، مع أنه لو تمسح بأطرافه الثلاثة صدق التمسح بالأحجار الثلاثة عرفاً لطول الفواصل بين الأطراف.
(1) كما إذا استنجى بثلاثة من أصابعه ، والمستند في ذلك أُمور :
الأوّل : الإجماع على أنه لا فرق في جواز الاستجمار بين الأحجار وغيرها من الأجسام الطاهرة القالعة للنجاسة ولو كانت هي أصابع المتخلي عدا ما استثني من العظم والروث وغيرهما مما يأتي عليه الكلام.
1) (*) فيه إشكال بل منع.
ويندفع بأن الإجماع التعبدي على جواز الاستجمار بكل جسم قالع للنجاسة لم يثبت بوجه ، وعلى فرض التحقق لا نعلم بل نظن أن يكون المراد من معقد إجماع المجمعين أي جسم قالع للنجاسة ولو كان من أعضاء المتخلي كأصابعه.
الثاني : الأخبار المشتملة على كفاية الاستجمار بغير الأحجار من المدر والخرق والكرسف وغيرها ، فقد ورد في بعضها أن الحسين بن علي علیه السلام كان يتمسح من الغائط بالكرسف ولا يغسل (1)وفي مضمرة زرارة المتقدِّمة (2)أنه كان يستنجي من الغائط بالمدر والخرق ( الخزف ) كما عن بعض نسخ التهذيب (3)ومعها لا نحتمل أن تكون للأحجار خصوصية بوجه. نعم لو كان الوارد في النصوص خصوص التمسح بالأحجار لاحتملنا أن تكون لها مدخلية في الحكم بالطهارة ، كما أنّا لا نحتمل خصوصية للكرسف والمدر وغيرهما من الأُمور الواردة في النصوص ، بل يستفاد من مجموع الأخبار الواردة في المسألة أن الحكم يعم كل جسم قالع للنجاسة ولو كان من أعضاء المتخلِّي كأصابعه.
ويؤيده ما ورد في رواية ليث المرادي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن استنجاء الرجل بالعظم أو البعر أو العود؟ قال : أما العظم والروث فطعام الجن وذلك مما اشترطوا على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : لا يصلح بشيء من ذلك » (4)حيث إن ظاهرها أن الأجسام القالعة بأجمعها صالحة للاستنجاء عدا العظم والروث لاقترانهما بالمانع وهو عهده صلی اللّه علیه و آله للجن أن لا يستعمل طعامهم في الاستنجاء بلا فرق في ذلك بين الأصابع وغيرها.
ويرد هذا الوجه أن الأحجار وإن لم يحتمل أن تكون لها خصوصية في الاستنجاء فلا مانع من التعدي عنها إلى كل جسم قالع للنجاسة إلاّ أن التعدي إلى مثل الأصابع
التي هي من أعضاء المتخلي وليست من الأجسام الخارجية الواردة في الروايات يحتاج إلى دليل ، إذ لا يستفاد من النصوص سوى التعدي إلى الأجسام الخارجية دون الأصابع ونحوها.
الثالث : حسنة ابن المغيرة عن أبي الحسن علیه السلام قال : « قلت له : للاستنجاء حد؟ قال لا ، ينقي ما ثمة ... » (1)حيث إن الظاهر من جواب الامام علیه السلام بقوله : « لا ، ينقي ما ثمة » أن المدار في طهارة موضع الغائط على النقاء ، سواء أكان ذلك بالماء أو حصل من التمسح بالكرسف أو الأحجار أو غيرهما من الأجسام القالعة للنجاسة ولو كانت هي الأصابع.
ويدفع ذلك أمران : أحدهما : ما قدمناه من أن المراد بالنقاء بقرينة السؤال عن الريح هو النقاء المسبب من الغسل ، إذ لو كان المراد به الأعم من التمسّح والغسل لكان المتعيّن أن يسأله عن الأجزاء الصغار المتخلفة في المحل بعد المسح ، بل لم يكن وجه للسؤال عن الريح لأنها من لوازم المسح كما مر.
وثانيهما : إن الحسنة بعد الغض عن المناقشة المتقدِّمة إنما وردت لبيان حد الاستنجاء فحسب لأنه مورد السؤال فيها ، ولم ترد لبيان حد ما يستنجى به ، وكم فرق بينهما ، فالحسنة لا إطلاق لها من تلك الناحية حتى يشمل الأصابع ونحوها.
الرابع : موثقة يونس بن يعقوب « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام الوضوء الذي افترضه اللّه على العباد لمن جاء من الغائط أو بال؟ قال : يغسل ذكره ويذهب الغائط ثم يتوضّأ مرّتين مرّتين » (2)حيث إنها ناظرة إلى بيان ما يجب في الوضوء وما هو مقدّمة له من غسل الذكر وإذهاب الغائط ، وحيث أنها مطلقة فتعم إذهابه بكل جسم قالع للنجاسة ولو كان هي الأصابع ، ولعل هذه الموثقة هي التي اعتمد عليها الماتن في المقام.
ويعتبر فيه الطهارة (1)
ولكن الاستدلال بها أيضاً غير تام ، لأن إطلاق الموثقة وإن لم يكن قابلاً للإنكار لما تقدّم من أنها تشمل الإذهاب بكل من الغسل والمسح ولا فرق في ذلك بين الحجر وغيره إلاّ أن إطلاقها لا يشمل الأصابع ، لأنها بصدد بيان ما اعتبر في الوضوء ومقدماته ، ومن الظاهر أن طهارة الأصابع أولى بالاشتراط من غيرها ، لأنها من مواضع الوضوء وبالاستنجاء بها يتنجّس بالعذرة لا محالة ، ومعه يبطل الوضوء. على أنها بظاهرها اعتبرت طهارة الذكر وموضع الغائط في الوضوء فكيف لا تعتبر الطهارة في أعضاء الوضوء ، إذن لا يمكن أن يراد من إذهاب الغائط ما يعم الاستنجاء بالأصابع. نعم إطلاقها بالإضافة إلى غير الأصابع مما لا خدشة فيه.
فالصحيح أن الاستنجاء بكل جسم قالع للنجاسة كاف في طهارة المحل عدا الأصابع كما عرفت.
(1) قد يفرض الكلام في الاستنجاء بالأعيان النجسة أو المتنجِّسة فيما إذا أصابت المحل وهو رطب ، وأُخرى في الاستنجاء بها إذا لم تصب المحل أو أصابته وهو يابس.
أما إذا كان المحل رطباً ، فلا شبهة في أن الاستنجاء بغير الأجسام الطاهرة لا يكفي في طهارته ، لوضوح أن النجس أو المتنجِّس حينئذ ينجسان الموضع بملاقاتهما فلا يكون التمسح بها موجباً للطهارة ، بل يسقط المحل بذلك عن كونه قابلاً للطهارة بالاستجمار ، بحيث لو تمسح بعد ذلك بالأجسام الطاهرة لم يحكم بطهارته ، والوجه فيه أن المحل إذا تنجس بغير النجاسة الخارجة من نفسه لم تشمله الأدلّة الواردة في الاستجمار ، لاختصاصها بما إذا تنجس بالغائط الخارج منه كما أشار إليه الماتن قدس سره .
ودعوى أن المتنجِّس لا يتنجّس ثانياً ، مندفعة بأن الملاقي للمتنجِّس إذا كان له أثر مغاير لأثر المتنجِّس ، فبمقتضى إطلاق أدلته يرتب ذلك الأثر عليه وإن قلنا بأن المتنجِّس لا يتنجّس ثانياً ، مثلاً إذا دلّ الدليل على أن ما لاقاه بول يجب أن يغسل مرّتين وفرضنا أنه لاقى متنجساً تكفي فيه الغسلة الواحدة وجب غسل المتنجِّس
مرّتين ، وهذا لا لأن المتنجِّس يتنجّس ثانياً بل لإطلاق ما دلّ على التعدّد فيما لاقاه بول مثلاً ، إذ معه لا بدّ من ترتيب الأثر الزائد على المتنجِّس وإن قلنا إن المتنجِّس لا يتنجّس ثانياً. فتحصل أنه إذا استنجى بشيء من الأعيان النجسة أو المتنجِّسة لم يكف التمسّح بعد ذلك في تطهير المحل ووجب الاقتصار فيه على الماء ، لإطلاق الأدلّة الدالّة على وجوب الغسل فيما لاقى نجساً.
وأما إذا كان المحل يابساً أو أن العين لم تصبه أصلاً كما إذا أصابت الغائط فقط فالظاهر أن الأمر أيضاً كذلك وأن ما يتمسّح به لا بدّ أن يكون طاهراً ، وهذا يمكن الاستدلال عليه بوجوه :
الأوّل : الإجماع على عدم كفاية التمسح بالأجسام غير الطاهرة. وهذا يمكن المناقشة فيه بما أوردناه على دعوى الإجماع في سائر المقامات.
الثاني : الارتكاز المتشرعي ، لأنه يدل على أن النجس والمتنجِّس لا يكونان مطهرين في الشريعة المقدسة ، ويؤكده أنّا لا نعهد مطهراً من دون أن يكون محكوماً بالطهارة في نفسه ، وعلى ذلك فيعتبر في المطهر أن يكون طاهراً لا محالة.
الثالث : صحيحة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال : « لا صلاة إلاّ بطهور ويجزئك من الاستنجاء ثلاثة أحجار ، بذلك جرت السنة من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأما البول فإنّه لا بدّ من غسله » (1)وتقريب الاستدلال بها أن الطهور أعم من الطهارة الحدثية والخبثية بقرينة ذكر الاستنجاء من الغائط والبول نعم لو لا ذلك أمكن دعوى أن الطهور ظاهره الطهارة الحدثية فحسب ، والطهور على ما قدّمناه في أوائل الكتاب هو ما يكون طاهراً في نفسه ومطهراً لغيره ، وحيث إنه شرط في الصلاة فلا مناص من أن يكون المستعمل في كل من الطهارة الحدثية والخبثية طاهراً في نفسه ومطهراً لغيره ، لأنه لو لم يكن مطهراً لغيره أو لم يكن طاهراً في نفسه لم يصدق عليه الطهور ، ويترتب عليه بطلان الصلاة لأنها وقتئذ فاقدة لشرطها وهو الطهور ، فعلى ذلك يشترط الطهارة فيما يتمسح به حتى يصدق عليه
1) الوسائل 1 : 315 / أبواب أحكام الخلوة ب 9 ح 1.
ولا يشترط البكارة (1) فلا يجزئ النجس ، ويجزئ المتنجِّس بعد غسله ، ولو مسح بالنجس أو المتنجِّس لم يطهر بعد ذلك إلاّ بالماء (2) إلاّ إذا لم يكن لاقى البشرة بل
الطهور ويصح الاكتفاء به في الصلاة ، وظني أن هذا أحسن استدلال على اعتبار الطهارة فيما يستنجى به فلاحظ.
(1) اختلفت كلماتهم في معنى البكارة فيما يستجمر به ، ففسّرها المحقِّق قدس سره في محكي معتبره بأن لا يكون ما يستجمر به مستعملاً في الاستنجاء بوصف كونه متنجِّساً ومستعملاً ، وأما لو طهر الموضع المتنجِّس فيه أو انكسر أو كسره جاز استعماله في الاستنجاء ثانياً (1). وهذا المعنى من البكارة يرجع إلى اشتراط الطهارة فيما يتمسح به وليس شرطاً على حدة ، وإن أمكن الفرق بينهما من بعض الجهات. وقد تكلّمنا في اشتراط الطهارة عن قريب.
وعن بعضهم أن البكارة بمعنى أن لا يستعمل في الاستجمار قبل ذلك ، فالمستعمل فيه لا يكفي في التمسّح به سواء غسل الموضع المتنجِّس منه أو كسر أم لم يغسل ولم يكسر.
وهذا المعنى من البكارة مضافاً إلى أنه مستبعد في نفسه يحتاج إلى دليل ، ولم يرد اعتبار البكارة في شيء من رواياتنا سوى ما عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « جرت السنّة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار ويتبع بالماء » (2)إلاّ أنها ضعيفة السند بالرفع والإرسال ، ودلالتها أيضاً لا تخلو عن مناقشة وذلك لأن إتباع الأحجار بالماء مستحب ، وهو قرينة على أن البكارة أيضاً مستحبة ولكن المهم هو ضعف السند فهذا المعنى من البكارة لم يقم عليه دليل.
(2) كما تقدّم (3).
لاقى عين النجاسة. ويجب في الغسل بالماء إزالة العين والأثر بمعنى الأجزاء الصغار التي لا ترى (1) لا بمعنى اللّون والرائحة (2) وفي المسح يكفي إزالة العين ولا يضر بقاء الأثر بالمعنى الأول أيضاً.
[443] مسألة 1 : لا يجوز الاستنجاء بالمحترمات (3)
(1) أراد بذلك بيان الفارق بين الغسل والمسح وحاصله : أن التمسّح يكتفى فيه بإزالة العين وإن لم يذهب أثرها ، وأما الغسل بالماء فقد اعتبروا فيه زوال العين والأثر وذلك لأن عنوان الغسل المعتبر بمقتضى الروايات الآمرة به متوقف على إزالة العين والأثر ، ولا يصدق عرفاً من غير زوالهما.
(2) لأنهما من الأعراض ، وإزالة العرض غير معتبرة في حصول الطهارة شرعاً ولا سيما في بعض النجاسات كدم الحيض فان لونه قد لا يزول بالمبالغة في غسله ، ومن ثمة ورد في بعض الروايات السؤال عن عدم ذهاب لونه بغسله وأمروا علیهم السلام بصبغ ما أصابه بالمشق حتى يختلط ويذهب (1)فالمراد بالأثر ليس هو اللّون والرائحة ، بل المراد به ما لو باشرته باليد الرطبة لأحسست فيه لزوجة تلصق بيدك أو بدنك ، والوجه في اعتبار إزالته لدى الغسل أن اللزوجة عبارة عن الأجزاء الصغار من الغائط والدم وغيرهما من النجاسات وقد تقدم أن إزالة العين مقومة للغسل.
نعم ، لا تعتبر إزالة اللزوجة والأجزاء الصغار في التمسح والاستجمار ، وذلك لأن التمسح المعتبر في الاستنجاء وهو المسح على النحو المتعارف المعتاد غير مزيل للأجزاء الصغار بطبعه إلاّ بالمبالغة الكثيرة المؤدية إلى الحرج وإذهاب البشرة ، ومن هنا لو باشرت ما مسحت عنه الأجسام اللزجة التي منها الغائط بالخرقة أو اليد الرطبتين لرأيت فيه اللصوقة واللزوجة ، وهذه قرينة عقلية على أن الأخبار الواردة في الاستجمار لا تعتبر إزالة الأجزاء الصغار أيضاً.
(3) ككتب الأخبار والقرآن والعياذ باللّه والاستنجاء بها من المحرمات النفسية
1) الوسائل 3 : 439 / أبواب النجاسات ب 25 ح 1 ، 3.
ولا بالعظم والروث (1) ولو استنجى بها عصى لكن يطهر المحل (2) على الأقوى (1).
التكليفية لحرمة هتكها ، ومن هنا لو استنجى بها غفلة أو متعمداً طهر به المحل لإطلاق الأخبار الدالّة على كفاية التمسح وإذهاب الغائط في الاستنجاء وإن كان أمراً محرماً في نفسه ، هذا إذا لم يستلزم الاستنجاء بها الكفر والارتداد ، وأما لو بلغ تلك المرتبة ، كما إذا استنجى بالكتاب عامداً وقلنا إنه يستلزم الارتداد ، فلا معنى للبحث عن طهارة المحل بالاستنجاء لتبدل النجاسة العرضية بالذاتية للارتداد.
(1) الظاهر أن المسألة متسالم عليها عندهم ، ولم ينسب فيها الخلاف إلاّ إلى العلاّمة في التذكرة لتردده (2)وصاحب الوسائل قدس سره حيث عقد باباً وعنونه بكراهة الاستنجاء بالعظم والروث (3)ولم ينقل خلاف ممن تقدمهما ، بل ظاهر العلاّمة في بعض كتبه دعوى الإجماع على المنع (4).
(2) إن اعتمدنا في الحكم بحرمة الاستنجاء بهما إلى النصوص ، بدعوى أنها وإن كانت ضعيفة سنداً إلاّ أن ضعفها منجبر بعملهم ، فلا مناص من الالتزام بعدم حصول الطهارة حينئذ ، وذلك لأن عمدتها رواية ليث المرادي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن استنجاء الرجل بالعظم أو البعر أو العود؟ قال : أما العظم والروث فطعام الجن ، وذلك مما اشترطوا على رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال : لا يصلح بشيء من ذلك » (5)وظاهر قوله : « لا يصلح بشيء من ذلك » نفي الجواز لأنه لم يكن يحتمل استحباب الاستنجاء بهما ليكون نفي الصلاحية نفياً لاستحبابه وقد مرّ غير مرة أن ظاهر النواهي الواردة في المعاملات بالمعنى الأعم عدم التحقّق
[444] مسألة 2 : في الاستنجاء بالمسحات إذا بقيت الرطوبة في المحل يشكل الحكم بالطهارة (1) فليس حالها حال الأجزاء الصغار.
والوجود دون الحرمة التكليفية. إذن فنفي الجواز في هذه الرواية والنهي في غيرها يدلاّن على أن الطهارة لا تتحقق بالاستنجاء بالعظم والروث ، وأنهما غير صالحين لذلك ، لا أنه محرم تكليفي ، فالرواية مقيدة لإطلاق موثقة يونس المتقدِّمة في قوله : « ويذهب الغائط » حيث إن ظاهره كما تقدم حصول الطهارة بالتمسح بأي جسم قالع للنجاسة وموجبة لاختصاصها بغير العظم والروث.
وأما إذا اعتمدنا في المسألة على الإجماعات المنقولة البالغة حدّ الاستفاضة ، فلا بد من الالتزام بحرمة الاستنجاء بهما وضعاً وتكليفاً ، وذلك لاختلاف كلماتهم المحكية في المسألة ، حيث صرح بعضهم بأن الاستنجاء بهما وإن كان معصية إلاّ أنه يقتضي طهارة المحل ، وبهذا التزم الماتن قدس سره . وذهب آخر إلى أن الاستنجاء بهما غير مطهر بوجه وإن لم يكن معصية ، وبهذا نستكشف ثبوت أحد الأمرين في الشريعة المقدسة إما عدم جواز الاستنجاء بهما وضعاً وإن جاز تكليفاً ، وإما عدم الجواز تكليفاً وإن جاز وضعاً ، وبه يحصل العلم الإجمالي بإحدى الحرمتين ، فلا يبقى للتمسك بإطلاق الموثقة المتقدِّمة مجال ، لأن قوله علیه السلام « ويذهب الغائط » ظاهر في جواز الاستنجاء بهما من كلتا الجهتين ، والعلم الإجمالي بتقييدها من إحدى الناحيتين يمنع عن التمسك بإطلاقها ، وبهذا يشكل الحكم بجواز الاستنجاء بهما وضعاً وتكليفاً. بل مقتضى إطلاقات الأدلّة الدالّة على وجوب الغسل في المتنجسات عدم حصول الطهارة ووجوب الغسل بالماء ، لأن المتيقّن مما خرج عن إطلاقها إنما هو الاستنجاء بغير العظم والروث.
(1) لأن مقتضى إطلاقات الأدلّة أن المتنجسات لا بدّ من غسلها وأنها لا تطهر من دونه ، وقد خرجنا عن ذلك في مخرج الغائط لكفاية الاستجمار في تطهيره ، والمتيقن من ذلك ما إذا أُزيلت النجاسة بما لها من الشؤون والآثار ، إلاّ فيما قامت القرينة على عدم لزوم رفعه وإزالته كما في الأجزاء الصغار ، لما تقدم من أنها لا ترتفع بالتمسّح
[445] مسألة 3 : في الاستنجاء بالمسحات يعتبر أن لا يكون فيما يمسح به رطوبة مسرية (1) فلا يجزئ مثل الطين والوصلة المرطوبة. نعم لا تضر النداوة التي لا تسري.
[446] مسألة 4 : إذا خرج مع الغائط نجاسة أُخرى كالدم ، أو وصل إلى المحل نجاسة من خارج يتعيّن الماء (2).
المتعارف ، وأما رطوبة النجاسة فحيث إنها قابلة للزوال بالتمسح ولا قرينة على عدم لزوم إزالتها ، اعتبرت إزالتها بالتمسح كالعين.
(1) لأن الرطوبة بعد ما تنجست بملاقاة العذرة تنجس المحل ، ويأتي أن التمسح إنما يكفي في الطهارة إذا لم يتنجّس بغير الغائط من النجاسات والمتنجسات ، نعم لا تعتبر اليبوسة في الأحجار ، لأن كونها رطبة برطوبة غير مسرية لا يضر في الاستنجاء بها.
(2) لأن الأخبار الواردة في المقام إنما دلت على جواز الاجتزاء بالمسح فيما إذا تنجس المحل بالغائط ، وأما إذا تنجس بغيره فيحتاج كفاية التمسح إلى دليل ولم يقم دليل على كفايته ، بل الدليل قد دلّ على عدمها ، وذلك لأن المحل إذا تنجس بغير الغائط من النجاسات الخارجية ترتبت عليه آثارها ، ومنها لزوم غسلها بالماء وعدم كفاية التمسح في إزالتها ، وهذا بناء على أن المحل يتنجّس بالنجاسة الخارجية أو بما خرج مع الغائط مما لا إشكال فيه.
وكذا إذا منعنا عن ذلك ، نظراً إلى أن المتنجِّس لا يتنجّس ثانياً ، وهذا لأن المحل وإن لم يتنجّس بالنجاسة الثانية حينئذ إلاّ أن المحل يتبدل حكمه بملاقاتها ، لأن للنجاسة الثانية أثراً زائداً أو مغايراً مع الأثر المترتب على النجاسة الأولية ، ومقتضى إطلاق أدلته لزوم ترتيب الأثر على المحل ، كما دلّ على وجوب التعدّد أو التعفير أو الغسل بالماء أو غير ذلك من الآثار ، مثلاً إذا أصاب البول جسماً متنجساً بالدم وجب غسله مرتين لإطلاق ما دلّ على لزوم التعدّد فيما تنجّس بالبول ، كما أن الإناء المتنجِّس إذا ولغ فيه الكلب وجب تعفيره لإطلاق ما دلّ على اعتبار التعفير في الولوغ وهكذا.
ولو شك في ذلك يبنى على العدم فيتخيّر (1).
وعلى ذلك إذا أصاب المحل المتنجِّس بالغائط دم أو غيره وجب غسله بالماء لإطلاق ما دلّ على لزوم الغسل بالماء في إزالة الدم ونحوه وعدم كفاية التمسح في التطهير منه. وعلى الجملة إن النجاسة الثانية وإن لم تنجس المحل ثانياً ، إلاّ أن المحل يتبدل حكمه بملاقاتها وينقلب جواز المسح بوجوب الغسل.
(1) للشك في ذلك صورتان :
إحداهما : أن يشك في تنجس المحل قبل خروج الغائط مع القطع بعدم طروء النجاسة عليه بعد الخروج ، ولا مانع في هذه الصورة من استصحاب عدم وصول النجاسة إلى المحل قبل الخروج ، فان مقتضاه الحكم بطهارة المحل إلى حين الخروج وعدم تنجسه إلاّ بالغائط ، أما تنجسه وملاقاته للغائط فبالوجدان وأما عدم تنجسه بغيره فبالاستصحاب ، فبضم الوجدان إلى الأصل يثبت أن المحل متنجس بملاقاة الغائط فحسب ولم تصبه نجاسة أُخرى غيره ، ومعه يتخيّر في تطهيره بين الغسل والمسح.
ودعوى أن المرجع بناء على أن المتنجِّس لا يتنجّس ثانياً هو استصحاب نجاسة المحل بعد الاستجمار ، لأن النجاسة الحاصلة إن كانت مستندة إلى الغائط فقد ارتفعت قطعاً ، وإن كانت مستندة إلى غيره فهي باقية جزماً لعدم ارتفاعها بالمسح فالحادث مردد بين الطويل والقصير وما هو مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع ، ومعه يرجع إلى استصحاب كلي النجاسة الجامع بين القصير والطويل ، للعلم بتحققها والشك في بقائها وارتفاعها بالمسح ، وهو من القسم الثاني من استصحاب الكلي حينئذ.
مندفعة بأن الاستصحاب إنما يجري في الكلي الجامع فيما إذا تردد الفرد الحادث بين الطويل والقصير ، ولم يكن هناك أصل آخر معيّن لحاله ، كما إذا خرج من المكلف بعد الوضوء مائع مردد بين البول والمني ، وذلك لأن استصحاب عدم حدوث الجنابة حينئذ معارض باستصحاب عدم خروج البول منه ، ومعه يتساقطان ويرجع إلى
استصحاب كلِّي الحدث.
وأمّا إذا كان هناك أصل معيّن لحال الفرد المشكوك فيه فلا يبقى لاستصحاب الكلي مجال ، كما إذا خرج المائع المردد بين البول والمني بعد الحدث الأصغر في المثال ، فان استصحاب عدم حدوث الجنابة أو عدم خروج المني معيّن للحدث المشكوك فيه ، ومقتضاه أن المكلف لم يخرج منه المني وأنه ليس بمحدث بالأكبر ، ولا يعارض ذلك استصحاب عدم خروج البول منه إذ لا أثر يترتب عليه ، حيث إن مفروض الكلام أن المكلف قد أحدث بالأصغر والمحدث لا يحدث ثانياً ولا أثر للبول بعد البول مثلاً وكيف كان فمع جريان الأصل المذكور لا يبقى لاستصحاب الحدث الكلي مجال.
ومقامنا هذا من هذا القبيل ، لأن استصحاب عدم إصابة النجاسة للمحل قبل الخروج بضمه إلى الوجدان وهو ملاقاة المحل للغائط يقتضي عدم كون الموضع متنجساً بغير الغائط فهو معيّن لحال النجاسة الحادثة المشكوكة ومعه يتخيّر بين الغسل والمسح كما تقدم.
وثانيتهما : أن يشك في طروء نجاسة أُخرى على المحل بعد خروج الغائط مع الجزم بعدم طروءها قبل الخروج ، وحال هذه الصورة حال الصورة المتقدِّمة حيث إن النجاسة الثانية مشكوكة الحدوث والأصل عدمه ، إذ المحل متنجس بالغائط بالوجدان ولم تصبه النجاسة الأُخرى بالاستصحاب فيتخيّر بين غسل المحل والتمسح بالأحجار قلنا بتنجس المتنجِّس ثانياً أم لم نقل. أما على الأول فالأمر ظاهر كما مرّ ، وأما على الثاني فلأن المحل حينئذ وإن لم يتنجّس بالنجاسة الثانية إلاّ أن المحل يتبدل حكمه بملاقاتها كما مر ، ومع الشك في تبدل حكم المحل يجري استصحاب عدم طروء النجاسة الثانية ، وعدم تبدل حكمه من التخيير إلى تعيّن الغسل بالماء ، وهو أصل موضوعي لا يجري معه استصحاب نجاسة المحل.
ودعوى : أن المقام مورد لاستصحاب نجاسة المحل للعلم بنجاسته قبل التمسح والشك في ارتفاعها بالاستجمار ، وذلك للشك في أن المحل أصابته نجاسة غير الغائط أم لم تصبه ، ومعه يجري استصحاب كلي النجاسة وهو من القسم الأوّل من استصحاب الكلِّي.
[447] مسألة 5 : إذا خرج من بيت الخلاء ، ثم شك في أنه استنجى أم لا بنى على عدمه (1) على الأحوط (1)وإن كان من عادته
مندفعة بأن مقتضى الأصل الجاري في الموضوع أن المحل لم تصبه أية نجاسة غير الغائط ، وذلك بضم الوجدان إلى الأصل ، وبه يثبت أن المحل متنجس بالغائط فحسب فيترتب عليه حكمه وهو التخيير بين الغسل والمسح.
وعلى الجملة إن احتمال إصابة النجاسة سواء كان قبل خروج الغائط أم بعده وسواء قلنا بتنجس المتنجِّس ثانياً أم لم نقل ، مندفع بالاستصحاب لأن المقتضي للحكم بكفاية التمسح وهو تنجس المحل بالغائط محرز بالوجدان ، فاذا شككنا في طروء المانع وهو إصابة نجاسة أُخرى للمحل يبنى على عدمه كما مر ، ولا مجال معه لاستصحاب الكلي في كلتا الصورتين.
(1) لاستصحاب عدمه وعدم جريان قاعدة التجاوز فيه ، وتوضيحه : أن قاعدة التجاوز إنما تجري فيما إذا صدق التجاوز عن المشكوك فيه ، كما إذا شك في صحة شيء وفساده بعد العلم بوجوده الجامع بينهما ، لوضوح أن التجاوز عن المشكوك فيه فرع إحرازه وتحققه ، فإذا أحرز وجوده وشك في أنه هل أتى به صحيحاً أو فاسداً صدق التجاوز عن المشكوك فيه حقيقة ، وأما إذا شك في وجود شيء وعدمه كما في المقام فلا يصدق أنه شيء قد مضى وتجاوز عنه ، إذ لم يحرز أصل وجوده فضلاً عن التجاوز عنه ، ولعل المكلف لم يأت به أصلاً. مع أن المضي والتجاوز معتبران في القاعدة حسبما تقتضيه أدلتها على ما يأتي في محله إن شاء اللّه.
نعم ، دلت صحيحة زرارة : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : رجل شك في الأذان وقد دخل في الإقامة ، قال : يمضي ، قلت : رجل شك في الأذان والإقامة وقد كبّر ، قال : يمضي ، قلت : رجل شك في التكبير وقد قرأ ، قال : يمضي ، قلت : شك في القراءة وقد ركع قال : يمضي ، قلت : شك في الركوع وقد سجد قال : يمضي على
1) (*) بل على الأظهر واحتمال جريان قاعدة التجاوز مع الاعتياد ضعيف.
صلاته ، ثم قال : يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء » (1)وغيرها من الأخبار الواردة في القاعدة على أن التجاوز الحقيقي عن المشكوك فيه غير معتبر في جريانها ، بل المعتبر هو التجاوز عن المحلل المقرر له في الشريعة المقدسة ، لأنه علیه السلام قد حكم بالمضي في الشك في الموارد المسئول عنها في الصحيحة المتقدِّمة ، مع أن التجاوز عن المشكوك فيه غير محرز في شيء من تلك الموارد ، لوضوح أن الشك فيها إنما هو في أصل الوجود ومعه لا يمكن إحراز التجاوز الحقيقي. وعلى الجملة دلت الصحيحة على أن التجاوز عن المحل كالتجاوز عن المشكوك فيه ، إلاّ أن شيئاً من التجاوز الحقيقي والتعبدي غير صادق فيما نحن فيه :
أمّا التجاوز حقيقة ، فلما تقدم من أن مع الشك في الوجود لا يمكن إحراز التجاوز عن المشكوك فيه.
وأمّا التجاوز تعبداً وهو التجاوز عن المحل ، فلأنه لا محل مقرر للاستنجاء في الشريعة المقدسة ، بل أي مورد استنجى فيه المكلف فهو محله ، والصلاة وإن كانت مشروطة بالطهارة أو إن النجاسة مانعة عن الصلاة على الخلاف إلاّ أن ذلك لا يستلزم أن يكون للاستنجاء محل مقرر شرعاً ، فالتجاوز التعبدي أيضاً لا تحقق له.
ودعوى : أن الاستنجاء إذا كان له محل اعتيادي كبيت الخلاء ونحوه وشك فيه بعد الخروج عنه ، صدق عليه أنه مضى وتجاوز محله.
تندفع بأن التجاوز عن المحل الاعتيادي وإن كان صادقاً عليه ، إلاّ أنه لم يقم دليل على كفايته في جريان القاعدة ، وإنما الدليل دلّ على جريانها عند التجاوز عن المحل المقرر الشرعي للمشكوك فيه ، وهو كالتجاوز الحقيقي غير صادق بالتجاوز عن المحل الاعتيادي.
نعم ، لو قلنا بكفاية التجاوز عن المحل العادي للمشكوك فيه ، لم يحتج إلى الاستنجاء بالإضافة إلى الصلوات المتأخرة عن الشك فيه ، لأن الاستنجاء حينئذ قد أحرزته قاعدة التجاوز ، نظير ما إذا شككنا في الوضوء وأحرزناه بالتعبد الشرعي
1) الوسائل 8 : 237 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 1.
بل وكذا لو دخل في الصلاة ثم شك (1).
بالقاعدة ، لأنه وقتئذ كما يكفي بالإضافة إلى ما بيده من الصلاة كذلك يكفي بالإضافة إلى الصلوات المتأخرة عن الشك فيه ، هذا كله في جريان قاعدة التجاوز بالإضافة إلى الاستنجاء نفسه.
(1) إذا شك في الاستنجاء وهو في أثناء الصلاة جرت قاعدة التجاوز بالإضافة إلى الأجزاء المتقدِّمة على الشك فيه ، لصدق التجاوز والمضي حقيقة ، وأما بالإضافة إلى الأجزاء الآتية فليحصّل الطهارة بالاستنجاء في أثنائها ، كما إذا لم يستلزم الفعل الكثير كالاستنجاء من البول من غير أن يكشف عورته ، أو كان بجنبه حوض ماء فدخل فيه ثم خرج وهو مستقبل القبلة ، أو استنجى بالتمسح بالحجر أو الخرقة ، فإذا حصّله في أثناء الصلاة حكم بصحتها.
لا يقال : الاستنجاء في أثناء الصلاة مما لا أثر له وهو مقطوع الفساد ، إما لأنه كان قد استنجى قبل الصلاة والاستنجاء في أثنائها من الاستنجاء على الاستنجاء وهو فاسد لا أثر له ، وإما لأنه لم يستنج قبل الصلاة والأجزاء المتقدِّمة قد وقعت باطلة لاقترانها بالمانع أعني نجاسة البدن ، ومعه لا يترتب على الاستنجاء في أثناء الصلاة أي أثر.
لأنه يقال : الأمر وإن كان كذلك بالإضافة إلى الواقع ، إلاّ أن أثر الاستنجاء في أثناء الصلاة إنما هو انقطاع الاستصحاب الجاري في نجاسة المحل ، لأنه لو لم يستنج في أثنائها لكان رفع اليد عن نجاسة المحل المتيقنة سابقاً نقضاً لليقين بالشك وهو حرام وهذا بخلاف ما إذا استنجى في أثناء الصلاة لأن رفع اليد حينئذ عن نجاسة المحل نقض لليقين باليقين ، وقد ذكرنا عند التعرض للشبهة العبائية أن الشيء قد لا يكون له أثر بالإضافة إلى الواقع إلاّ أن له أثراً بالإضافة إلى انقطاع الاستصحاب والحكم الظاهري ، وهو كاف في التعبد به فلا إشكال من هذه الجهة (1). ونظيره ما ذكرناه في
1) مصباح الأُصول 3 : 110.
نعم لو شك في ذلك بعد تمام الصلاة صحت (1) ولكن عليه الاستنجاء للصلوات
الشك في نية الفريضة ، كما إذا رأى نفسه في أثناء الصلاة كصلاة الفجر أو الظهر أو غيرهما وعلم أنه ناو للفريضة بالفعل ، ولكنه شك في أنه هل نواها من الابتداء أو أنه نوى شيئاً غيرها ، فإن القاعدة تجري حينئذ بالإضافة إلى الأجزاء المتقدِّمة ، وبما أنه ناو للفريضة بالفعل فيحكم بصحة صلاته.
نعم ، تصحيح الصلاة بذلك يبتني على أن لا تكون الطهارة شرطاً للأكوان المتخللة في الصلاة كما أنها شرط لأفعالها ، وأما لو بنينا على ذلك وقلنا الطهارة كما أنها معتبرة في أفعال الصلاة كذلك تعتبر في الأكوان المتخللة بين أجزائها كما هو الظاهر من بعض الأخبار ، فلا يبقى مجال لتصحيح الصلاة بما مر ، وذلك لا لاعتبار عدم طروء النجاسة في أثنائها لأنها غير مانعة في الأكوان المتخللة حسبما دلت عليه صحيحة زرارة : « ولعلّه شيء أُوقع عليك » (1)فلا مانع من إزالتها في أثناء الصلاة ، بل لأن المكلف في الآن الذي يشك في الاستنجاء فيه فاقد للطهارة ، بل محكوم بنجاسة البدن بمقتضى استصحابها ، وقاعدة التجاوز لا تجري بالإضافة إلى ذلك الآن لعدم التجاوز عنه كما لا يمكنه إحراز الطهارة فيه بالاستنجاء ، لأنه يحتاج إلى زمان ، وهو من الأكوان المتخللة ولم يحرز الطهارة فيه ، فلا مناص من الحكم ببطلان الصلاة بمقتضى استصحاب النجاسة السابقة.
(1) لقاعدة الفراغ لصدق المضي والتجاوز عنها حقيقة ، إلاّ أنه يستنجي للصلوات الآتية إذ لا تجري فيها القاعدة لعدم صدق المضي والتجاوز عنها حقيقة ولا تعبّداً وإجراء القاعدة بالإضافة إلى الصلاة المتقدِّمة وإن كان يلزمه تحقق الاستنجاء والطهارة لا محالة وإلاّ لم يحكم بصحة الصلاة ، إلاّ أن القاعدة لا تثبت لوازماتها قلنا إنها من الأُصول أم قلنا إنها أمارة كما اخترناه في محله ، وذلك لأن المثبت لا دليل على اعتباره في شيء من الأُصول والأمارات ، وحجية الأمارات المثبتة تختص بما إذا كانت
1) الوسائل 3 : 482 / أبواب النجاسات ب 44 ح 1.
الآتية ، لكن لا يبعد جريان قاعدة التجاوز في صورة الاعتياد (1).
[448] مسألة 6 : لا يجب الدلك باليد في مخرج البول عند الاستنجاء (2) وإن شك في خروج مثل المذي بنى على عدمه (3) لكن الأحوط الدلك (1)في هذه الصورة.
الإمارة من سنخ الحكاية والاخبار كالخبر الواحد ونحوه ، لجريان السيرة العقلائية على الأخذ بكل من المداليل المطابقية والالتزامية في الحكاية والإخبار ، وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محلِّه.
(1) لكنك عرفت أنه بعيد ، إذ لا دليل عليه ، وأدلة الاستصحاب محكّمة.
(2) لإطلاق الأمر بالغسل أو الصب.
(3) الوجه في كفاية الصب وعدم اعتبار الدلك في المخرج إذا احتمل أن يكون على البشرة ما يمنع عن وصول الماء إليه أحد أمرين :
أحدهما : استصحاب عدم طروء المانع على المحل ، وذلك لأنه يكفي في طهارته مجرد الصب عليه ، ولا ندري هل طرأ عليه ما يمنع عن وصول الماء إليه أم لم يطرأ ومقتضى الأصل عدمه. وقد ذكروا نظير ذلك في الطهارة الحدثية فيما إذا شك في وجود الحاجب على بدنه كدم البق أو البرغوث أو غيرهما مما يمنع عن وصول الماء إلى البشرة ، وهذا لعله اعتمد عليه جمع غفير.
إلاّ أنه مندفع بأن أصالة عدم المانع لا أثر شرعي له ، إذ الطهارة إنما ترتبت على وصول الماء إلى البشرة ولم تترتب على عدم الحاجب والمانع في المحل. نعم وصول الماء إلى البشرة لازم عقلي له ، واستصحاب عدم المانع لإثبات وصول الماء إلى البشرة مثبت لا اعتبار به.
وثانيهما : دعوى أن سيرة المتدينين خلفاً عن سلف وجيلاً بعد جيل في الطهارة الحدثية والخبثية قد جرت على عدم الاعتناء باحتمال وجود الحاجب أو طروء المانع
1) (*) بل الأظهر ذلك.
[449] مسألة 7 : إذا مسح مخرج الغائط بالأرض ثلاث مرات كفى مع فرض زوال العين بها (1).
على المحل ، وهي متصلة بزمان المعصومين علیهم السلام وبعدم ردعهم عنها يستكشف رضاهم علیهم السلام بذلك ، وعليه لا يجب الدلك في الاستنجاء من البول وإن احتمل وجود المانع على المحل كالمذي.
ويردّه أن المسلمين وإن كان عملهم الخارجي جارياً على عدم الفحص عن المانع والحاجب ، إلاّ أنه مستند إلى اطمئنانهم بعدمه أو إلى غفلتهم عنه بالكلية. وأما جريان سيرتهم على ذلك عند احتمال وجود الحاجب على المحل فهو غير محقق بوجه ، وهذا هو الذي يترتب عليه الأثر في المقام ، إذ الكلام إنما هو في المانع المحتمل على المحل. إذن استصحاب نجاسة المحل هو المحكّم حتى يقطع بارتفاعها بالدلك أو بغيره.
(1) وذلك للإطلاق ، فإن صحيحة زرارة : « ويجزئك من الاستنجاء ثلاثة أحجار ، بذلك جرت السنة من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ... » (1)غير مقيدة بأن تكون الأحجار ماسحة أو ممسوحة ، وكذلك روايته الأُخرى : « جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان ... » (2)حيث إن مسح العجان أعم من أن يكون الموضع ماسحاً أو ممسوحاً.
نعم ، في موثقة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال : « سألته عن التمسح بالأحجار فقال : كان الحسين بن علي علیه السلام يمسح بثلاثة أحجار » (3). وظاهرها أن الأحجار إنما كانت ماسحة ، إلاّ أنها ليست بصدد بيان أن الأحجار يعتبر أن تكون ماسحة أو لا يعتبر ، وإنما هي حكاية فعل عن الامام علیه السلام للدلالة على كفاية التمسح في الاستنجاء. وأما جريان عادته علیه السلام بالتمسح بالأحجار المستفاد من قوله : كان فهو مستند إلى الغلبة ، إذ التمسح عادة إنما هو بجعل
[450] مسألة 8 : يجوز الاستنجاء بما يشك في كونه عظماً أو روثاً أو من المحترمات ويطهر المحل (1).
الأحجار ماسحة وأما التمسح بجعلها ممسوحة فهو على خلاف العادة المتعارفة ، هذا كلّه مضافاً إلى إطلاق موثقة يونس بن يعقوب المتقدِّمة (1)« ويذهب الغائط ». لدلالتها على أن المدار في طهارة المحل هو إذهاب الغائط وإزالته ، بلا فرق في ذلك بين أن تكون الأحجار ماسحة وبين كونها ممسوحة.
(1) ما أفاده قدس سره بناء على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية من الوضوح بمكان ، لأن مقتضاه أن ما يشك في كونه عظماً أو روثاً ليس بعظم ولا بروث وبذلك يجوز التمسح به لجوازه بكل جسم قالع للنجاسة ، وقد خرج عنه العظم والروث وهو عنوان وجودي مسبوق بالعدم فبالاستصحاب يصح الحكم بجواز التمسح بالمشكوك فيه ، لأنه استنجاء بالوجدان وليس ما يتمسح به عظماً ولا روثاً بالاستصحاب ، والاستنجاء بما ليس كذلك كاف في طهارة المحل هذا ، بل الاستصحاب النعتي أيضاً يقتضي ذلك في بعض الموارد ، كما إذا شك في أن الورق من المحترمات كالكتاب أو أنه من الصحف والمجلاّت ، فان مقتضى الاستصحاب أنه ليس من الكتاب مثلاً ، وهو استصحاب نعتي لأن الورق كان ولم يكن من الكتاب في زمان ، وكذلك الحال فيما إذا كان التمسح بالعظم أو الروث أو المحترمات محرماً تكليفياً فحسب ، وذلك لأن الشبهة موضوعية والشبهات الموضوعية التحريمية مورد للبراءة بالاتفاق.
وأما إذا بنينا على أن التمسح بتلك الأُمور محرّم وضعي ، ومنعنا عن جريان الأصل في الأعدام الأزلية ، فلا يمكننا الاكتفاء بالتمسح بما يشك في كونه من هذا القبيل للشك في زوال النجاسة بسببه ولا أصل يحرز به ارتفاعها ، بل مقتضى استصحاب نجاسة المحل عدم حصول الطهارة بالتمسح بما يشك في كونه عظماً أو روثاً أو من المحترمات.
1) في ص 352.
وأما إذا شك في كون مائع ماء مطلقاً أو مضافاً لم يكف في الطهارة (1) بل لا بدّ من العلم بكونه ماء.
والأولى في كيفياته أن يصبر حتى تنقطع دريرة البول (2) ثم يبدأ بمخرج الغائط فيطهّره (3) ،
(1) لأن موضوع الحكم بالطهارة مقيد بالماء ، وهو عنوان وجودي لا مناص من إحرازه في الحكم بالطهارة بالغسل ، ومع الشك في القيد لا يمكن الحكم بطهارته.
فصل في الاستبراء
(2) بل الصبر مما لا مناص عنه حتى تنقطع ، لوضوح أن الغرض من الاستبراء ليس إلاّ نقاء المجرى والمحل من الرطوبات البولية المتخلفة فيهما ، وهذا لا يحصل إلاّ بالاستبراء بعد الانقطاع ، فلو استبرأ قبله لزمه الاستبراء ثانياً ، لإمكان أن تتخلف الرطوبات البولية في الطريق بالبول بعد استبرائه ولا يؤمن خروجها بعد الانقطاع إلاّ بأن يستبرئ ثانياً ، هذا.
على أنه يمكن استفادة ذلك من رواية عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في الرجل يبول ثم يستنجي ثم يجد بعد ذلك بللاً ، قال : إذا بال فخرط ما بين المقعدة والأنثيين ثلاث مرات وغمز ما بينهما ثم استنجى ، فان سال حتى يبلغ السوق فلا يبالي » (1)حيث إن الامام علیه السلام فرّع الخرط فيها على البول بلفظة « فاء » الظاهرة في اعتبار كون الخرط متأخراً عن البول.
(3) لم ينص على ذلك في الأخبار إلاّ أنه يقتضيه أمران :
1) الوسائل 1 : 282 / أبواب نواقض الوضوء ب 13 ح 2.
ثم يضع إصبعه الوسطى (1) من اليد اليسرى (2)
أحدهما : أن لا تتلوث يده ولا موضع الاستبراء بالنجاسة ، حتى يحتاج إلى الغسل بالماء زائداً عما يحتاج إليه في البدء بمخرج الغائط.
وثانيهما : استحباب تقديم الاستنجاء من الغائط على الاستنجاء من البول كما في بعض الروايات (1)لأنه كما يستحب تقديمه على الاستنجاء من البول كذلك يستحب تقديمه على الأُمور المعتبرة فيه لزوماً أو على غير وجه اللزوم.
(1) كما في النبوي « من بال فليضع إصبعه الوسطى في أصل العجان ثم ليسلها ( يسلتها ) ثلاثاً » (2)ولا بأس بالعمل به رجاء ومن باب الانقياد.
(2) للنهي عن الاستنجاء باليمين وعن مس الذكر بها (3)ولما عن النبي صلی اللّه علیه و آله من استحباب أن يجعل اليد اليمنى للطعام والطهور وغيرهما من أعالي الأُمور ، واليسرى للاستنجاء والاستبراء ونحوهما من الأُمور الدانية (4).
نعم ، الحكم باستحباب ذلك يبتني على التسامح في أدلة السنن.
1) كموثقة عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن الرجل إذا أراد أن يستنجي بالماء يبدأ بالمقعدة أو بالإحليل؟ فقال : بالمقعدة ثم بالإحليل » الوسائل 1 : 323 / أبواب أحكام الخلوة ب 14 ح 1.
2) المستدرك 1 : 260 / أبواب أحكام الخلوة ب 10 ح 2 ، 3.
3) الوسائل 1 : 321 / أبواب أحكام الخلوة ب 12.
4) سنن أبي داود ج 1 ص 9 عن عائشة قالت : كانت يد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله اليمنى لطهوره وطعامه وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى. وأيضاً فيه عن حفصة زوج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قالت : كان النبي صلی اللّه علیه و آله يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه ، ويجعل شماله لما سوى ذلك. وفي المنتهي للعلاّمة ج 1 ص 249 عن عائشة : كانت يد رسول اللّه اليمنى لطعامه وطهوره ويده اليسرى للاستنجاء ، وكان النبي صلی اللّه علیه و آله استحب أن يجعل اليمنى لما علا من الأُمور واليسرى لما دنى.
على مخرج الغائط ، ويمسح إلى أصل الذكر ثلاث مرات (1).
(1) اختلفت كلماتهم في عدد المسحات المعتبرة في الاستبراء ، فذهب المشهور إلى اعتبار أن تكون المسحات تسعاً ، بأن يمسح من مخرج الغائط إلى أصل القضيب ثلاث مرات بقوة ، ويمسح القضيب ثلاثاً ويعصر الحشفة وينترها ثلاثاً كما ذكره الماتن قدس سره . وعن جملة منهم قدس سرهم كفاية الست بالمسح من مخرج النجو إلى أصل القضيب ثلاثاً وينتره ثلاثاً. وعن علم الهدى (1)وابن الجنيد (2)أن المسحات المعتبرة في الاستبراء ثلاث ، وهو بأن ينتر الذكر من أصله إلى طرفه ثلاثاً. وعن المفيد قدس سره في المقنعة أنه يمسح بإصبعه الوسطى تحت أنثييه إلى أصل القضيب مرة أو مرتين أو ثلاثاً ، ثم يضع مسبحته تحت القضيب وإبهامه فوقه ، ويمرهما عليه باعتماد قوي من أصله إلى رأس الحشفة مرة أو مرتين أو ثلاثاً ليخرج ما فيه من بقية البول (3)وظاهر هذا الكلام عدم اعتبار العدد في الاستبراء والمدار فيه على الوثوق بالنقاء.
هذه هي أقوال المسألة ومنشأ اختلافها هو اختلاف الروايات الواردة في المقام.
منها : رواية عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في الرجل يبول ثم يستنجي ثم يجد بعد ذلك بللاً ، قال : إذا بال فخرط ما بين المقعدة والأنثيين ثلاث مرات وغمز ما بينهما ثم استنجى ، فان سال حتى يبلغ السوق فلا يبالي » (4).
ومنها : حسنة محمّد بن مسلم قال : « قلت لأبي جعفر علیه السلام رجل بال ولم يكن معه ماء ، قال : يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات وينتر طرفه ، فإن خرج بعد ذلك شيء فليس من البول ولكنه من الحبائل » (5).
ومنها : رواية حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في الرجل يبول قال ينتره ثلاثاً ثم إن سال حتى يبلغ السوق فلا يبالي » (1)وقالوا إن القاعدة تقتضي الاكتفاء بكل ما ورد في النصوص لاستبعاد تقييد بعضها ببعض ، ولا نرى نحن أيّ مانع من تقييد المطلق منها بالمقيد فان حالهما في المقام حال بقية المطلقات والمقيدات فقانون المطلق والمقيد يقتضي تقييد رواية عبد الملك الدالّة على كفاية التمسح بما بين المقعدة والأنثيين ثلاثاً وغمز ما بينهما ، برواية حفص الدالّة على اعتبار مسح القضيب ثلاثاً ، كما يقتضي تقييد رواية حفص بحسنة محمد بن مسلم المشتملة على مسح الحشفة ثلاثاً أيضاً ، وبهذا يستنتج أن المعتبر في الاستبراء تسع مسحات كما هو المشهور.
ثم إن رواية عبد الملك المتقدِّمة اشتملت على قوله : « وغمز ما بينهما » وفي الجواهر أن الغمز أي غمز ما بين المقعدة والأنثيين لم يقل أحد بوجوبه فلا مناص من طرحه (2). والظاهر أن الرواية لم تعتبر شيئاً زائداً على مسح القضيب ، حيث إن الضمير يرجع إلى الأنثيين ، والمراد بما بينهما هو القضيب باعتبار وقوعه بين البيضتين وإنما لم يصرح علیه السلام به حياء ، وليس غمز الذكر إلاّ عصره ومسحه بشدّة واللّه العالم بحقيقة الحال.
تتميم : ظاهر المتن اعتبار الترتيب في المسحات التسع المتقدِّمة ، حيث عبّر بكلمة « ثم » واعتبر تقدم المسحات الثلاث بين المقعدة والأنثيين على المسحات الثلاث المعتبرة في القضيب ، كما اعتبر تقدم مسحات القضيب على المسحات الثلاث في الحشفة ، وهذا لم يقم عليه دليل ، بل الأخبار المتقدِّمة مطبقة على أن المسحات لا يعتبر الترتيب بينها ولا اختلاف بين الروايات من هذه الجهة ، وإن كان لا بدّ من تقييد مطلقها بمقيدها كما تقدم وذلك :
أمّا رواية حفص بن البختري ، فلأن ظاهرها أن الضمير في « ينتره » راجع إلى
البول المدلول عليه بجملة « يبول » كما في قوله عزّ من قائل ( اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) (1)ومعنى ينتره أنه يجذب البول ، وانجذاب البول المتخلف في الطريق لا يتحقّق بعصر نفس القضيب ، لأن الاختبار أقوى شاهد على أن المتخلف من البول بين المقعدة وأصل القضيب أكثر من المتخلف في القضيب ، بحيث لو عصرت ما بينهما لرأيت أن البول يتقاطر من القضيب بأزيد مما يخرج في مسح القضيب ، وعليه فالرواية تدل على اعتبار عصر ما بين المقعدة ونهاية القضيب وجذب البول المتخلف فيما بينهما ثلاثاً ، وما بين المقعدة ونهاية الذكر قطعات ثلاث وهي : ما بين المقعدة والأنثيين والقضيب ، والحشفة ، ومسح القطعات الثلاثة ثلاثاً تبلغ تسع مسحات كما تقدم ، فالرواية دلت على اعتبار المسحات التسع من دون أن تعتبر الترتيب بينها بحيث لو مسح من عند المقعدة إلى نهاية القضيب ثلاث مرات كفى في تحقق المسحات التسع المعتبرة في الاستبراء ، مع أن المسحات الثلاثة الأُولى لم تتقدم بأجمعها على المسحات الوسطى الثلاث ، كما أنها بتمامها لم تتقدم على المسحات الأخيرة الثلاث.
وأمّا حسنة محمد بن مسلم ، فلأن أصل الذكر الوارد في الحسنة ظاهره العروق التي يقوم عليها الذكر ، ولم يرد به آخر القضيب وهو القسمة الأخيرة المرئية خارجاً ، كما أن أصل الشجر يطلق على العروق المنشعبة المتشتتة تحت الأرض ، وهي التي يقوم بها الشجر ، وهذه العروق هي الكائنة فيما بين المقعدة والأنثيين ، وعليه فالحسنة تدل على اعتبار المسح فيما بين المقعدة وطرف الذكر ثلاث مرات ، ولا دلالة لها على اعتبار تقدم المسحات الثلاث في القطعة الأُولى على مسحات القطعة الوسطى الثلاث ، بل لو مسح من عند المقعدة إلى طرف القضيب مرة وهكذا في المرة الثانية والثالثة كفى في حصول الاستبراء بمقتضى الحسنة. وهذا الذي ذكرناه في تفسيرها إما أنه الظاهر المستفاد منها لدى العرف ، وإما أنه محتمل الإرادة منها في نفسه ، ومعه تصبح الرواية مجملة. وكيف كان فليست الحسنة ظاهرة الدلالة على اعتبار الترتيب بين المسحات.
هذا ، وقد يتوهم أن قوله علیه السلام « وينتر طرفه » مطلق ولا دلالة له على نتر
1) المائدة 5 : 8.
ثم يضع سبابته (1)فوق الذّكر وإبهامه تحته (1) ويمسح بقوّة إلى رأسه ثلاث مرّات ، ثم يعصر رأسه ثلاث مرّات.
الطرف ثلاثاً ، ويندفع بأنه علیه السلام لم يرد بقوله « وينتر طرفه » أن مسح أصل الذّكر مغاير مع نتر طرفه ، بأن يراد مسح الذكر إلى الحشفة ثلاثاً مرّة ، ومسح نفس الحشفة أُخرى ، بل الظاهر أنه علیه السلام أراد المسح من أصل الذّكر إلى نهايته ثلاث مرّات ودفعاً لتوهم عدم اعتبار نتر الحشفة أضاف قوله : « وينتر طرفه » أي يمسح القضيب وينتر طرفه في كل واحد من المسحات الثلاث ، فالحسنة والرواية المتقدِّمة متطابقتان.
وأما رواية عبد الملك ، فقد تقدم أن المراد من « غمز ما بينهما » إنما هو عصر القضيب بقوة لأنها معنى الغمز ، وحيث أنها مطلقة بالإضافة إلى تعدد الغمز وعدمه فلا مناص من تقييدها بالروايتين المتقدمتين الدالتين على اعتبار غمز الذكر ثلاثاً ، ومعه تدل الرواية على اعتبار المسحات التسع فيما بين المقعدة والأنثيين والقضيب وطرفه ، من غير أن تدل على اعتبار الترتيب بوجه ، فهي متطابقة مع الروايتين المتقدمتين ، وعلى ذلك لو مسح من عند المقعدة إلى نهاية الذكر مرة وهكذا في المرة الثانية والثالثة تحقّقت به المسحات التسع المعتبرة في الاستبراء.
والمتحصل : أن الأخبار الواردة في المقام مطبقة على عدم اعتبار الترتيب في المسحات ، فالقائل باعتبار التسع إن أراد ما قدمنا تفصيله فهو ، وأما لو أراد مسح كل قطعة من القطعات الثلاث ثلاثاً مترتبة على الترتيب الذي ذكره الماتن قدس سره فهو مما لا دليل عليه.
(1) لم نعثر على ذلك في شيء من الروايات معتبرها وضعيفها ولا نستعهده في فتاوى أصحابنا ، فإن الموجود في كلماتهم عكس ما ذكره الماتن قدس سره على أنه من الصعوبة بمكان لأنه خلاف المتعارف المعتاد ، فان الطبع والعادة جريا على مسح
1) (*) الظاهر أن وضع السبابة تحت الذكر والإبهام فوقه أولى.
ويكفي سائر الكيفيات (1) مع مراعاة ثلاث مرات ، وفائدته الحكم بطهارة الرطوبة المشتبهة (2) وعدم ناقضيتها ، ويلحق به في الفائدة المذكورة طول
القضيب بوضع السبابة تحته والإبهام فوقه ، فما ذكره قدس سره من سهو القلم والصحيح عكسه.
(1) لأن الغرض ليس إلاّ تنقية المجرى والطريق من الرطوبات البولية المتخلفة فيهما ، وهذا كما يحصل بالكيفية المتقدِّمة كذلك يحصل بغيرها وهو ظاهر.
(2) مقتضى قاعدة الطهارة وإن كان طهارة الرطوبة المشتبهة ، إلاّ أن الظاهر لما كان يقتضي تخلف شيء من الرطوبات البولية في الطريق وهي قد تجتمع وتخرج بعد البول بحركة ونحوها ، حكم الشارع بناقضية الرطوبة المشتبهة للوضوء تقديماً للظاهر على الأصل ، ومنه نستكشف نجاستها وكونها بولاً ولو من جهة حصر النواقض وعدم انطباق شيء منها على الرطوبة المشتبهة بعد البول سوى البول كما يأتي في المسألة الثانية إن شاء اللّه. وإذا استبرأ وحصلت به تنقية الطريق من الرطوبات المتخلفة فيه لم يحكم بنجاسة البلل ولا بناقضيته حسب الأخبار المتقدِّمة.
وأمّا صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال قال : « من اغتسل وهو جنب قبل أن يبول ثم يجد بللاً فقد انتقض غسله ، وإن كان بال ثم اغتسل ثم وجد بللاً فليس ينقض غسله ولكن عليه الوضوء ، لأن البول لم يدع شيئاً » (1)وموثقة سماعة : « فإن كان بال قبل أن يغتسل فلا يعيد غسله ولكن يتوضأ ويستنجي » (2)فلا مناص من تقييدهما بما إذا لم يستبرئ من البول ، لما عرفت من أن الطهارة لا تنتقض بالبلل المشتبه إذا خرج بعد الاستبراء.
تنبيه : الأخبار الواردة في الاستبراء إنما وردت للإرشاد ، ولبيان ما يتخلّص به عن انتقاض الوضوء بالبلل المشتبه ، لأنه ناقض للطهارة ومحكوم بالنجاسة كما عرفت
المدّة على وجه يقطع بعدم بقاء شيء في المجرى (1) بأن احتمل أن الخارج نزل من الأعلى ، ولا يكفي الظن بعدم البقاء (2) ومع الاستبراء لا يضر احتماله (3)
فلا دلالة في شيء منها على وجوب الاستبراء ولو شرطاً ، لكونها واردة للإرشاد ولصحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « إذا انقطعت درة البول فصب الماء » (1)لدلالتها على طهارة المحل بصبّ الماء عليه بعد الانقطاع من غير أن يشترط الاستبراء في طهارته ، فالاستبراء لا دليل على وجوبه ، بل الحكم باستحبابه أيضاً مشكل ، لما عرفت من أن الأخبار الآمرة به وردت للإرشاد ولا دلالة في شيء منها على وجوب الاستبراء ولا على استحبابه.
(1) لما أشرنا إليه من أن الأخبار المتقدِّمة إنما وردت للإرشاد إلى ما يتخلّص به عن انتقاض الوضوء بالبلل المشتبه بعد البول والوضوء ، لأن الظاهر تخلف شيء من الرطوبات البولية في الطريق وهي قد تجتمع وتخرج بعد البول بالحركة ونحوها والشارع قدم هذا الظاهر على الأصل ، فالفائدة المترتبة على الاستبراء ليست إلاّ سدّ هذا الاحتمال ، إذ معه لا يحتمل أن تكون الرطوبة المشتبهة من الرطوبات البولية المتخلفة في الطريق ، ولا يندفع به احتمال كونها بولاً قد نزل من موضعه ، لوضوح أن هذا الاحتمال كما أنه موجود قبله كذلك موجود بعده. نعم ، هذا الاحتمال يندفع بالأصل وليس أمراً يقتضيه ظاهر الحال ليتقدم على الأصل ، فعلى ذلك لو قطع المكلف ولو بطول المدة أن البلل الخارج ليس من الرطوبات البولية المتخلفة في الطريق لم يحتج إلى الاستبراء بوجه ، وترتبت عليه فائدته ، وإن كان يحتمل أن تكون بولاً نزل من موضعه إلاّ أنه مندفع بالأصل كما مرّ.
(2) لعدم العبرة به ، ومقتضى إطلاق الأخبار الواردة في الاستبراء أن وجود الظن كعدمه.
(3) كما أشرنا إليه.
1) الوسائل 1 : 349 / أبواب أحكام الخلوة ب 31 ح 1.
وليس على المرأة استبراء (1) نعم الأولى أن تصبر قليلاً (2) وتنحنح وتعصر فرجها عرضاً ، وعلى أي حال ، الرطوبة الخارجة منها محكومة بالطهارة وعدم الناقضية ما لم تعلم كونها بولاً.
[451] مسألة 1 : من قطع ذكره يصنع ما ذكر فيما بقي (3).
(1) لاختصاص الروايات بالرجال ، وحيث إن الحكم بناقضية البلل على خلاف القاعدة فلا مناص من الاقتصار على مورد النصوص ، فالمرأة باقية على الأصل وهو يقتضي طهارة البلل الخارج منها بعد البول.
(2) حتى تطمئن بعدم كون البلل من الرطوبات البولية المتخلفة في الطريق ، لأنها من المائعات وبالصبر تنزل وتخرج ولا يبقى شيء منها في الطريق حتى يخرج بعد البول ، نعم هذا على سبيل الاحتياط والأولوية لا على وجه اللزوم والوجوب ، لأن البلل في المرأة محكوم بالطهارة وعدم الناقضية كما مر ، وكذلك الحال في التنحنح وعصر فرجها عرضاً. بل الأولوية في تلك الأُمور ليست محتاجة إلى النص ، لما مرّ من أن الاستبراء مختص بالرجال ، والأُمور المذكورة في حق المرأة من باب الاحتياط ولا كلام في أولويتها ، إذ بها تنزل الرطوبات المتخلفة في محلها ولا تبقى ليخرج بعد البول فيوجب الشك في نجاستها وناقضيتها ويحتاج في دفع احتمالهما إلى التشبث بالأصل.
(3) فيستبرئ بمسح ما بين المقعدة والأنثيين إذا قطع من أصله ، أو به ومسح المقدار الباقي من ذكره إذا قطع مقدار منه ، وذلك لأن الأمر به في الأخبار المتقدِّمة ليس على وجه التعبد ، بل المرتكز أن الأمر به من جهة النقاء وإخراج الرطوبة المتخلفة في الطريق ، وهذا لا يفرق فيه بين سليم الذكر ومقطوعه لحصول النقاء بمسح الذكر وما بين المقعدة والأنثيين ، هذا.
ثم إن هذا الوجه الاستحساني الذي ذكرناه وإن كان صحيحاً في نفسه ، إلاّ أنّا في غنى عنه للنص ، وهو رواية حفص المتقدِّمة (1)لأن قوله علیه السلام « ينتره ثلاثاً »
1) في ص 392.
[452] مسألة 2 : مع ترك الاستبراء يحكم على الرطوبة المشتبهة بالنجاسة والناقضية (1).
يدل بإطلاقه على اعتبار جذب البول ثلاثاً بالإضافة إلى سليم الذكر ومقطوعه.
(1) تقدم الوجه في ذلك آنفاً فلا نطيل بإعادته ، وقد تعجب صاحب الحدائق قدس سره من حكمهم بنجاسة البلل المشتبه على مسلكهم وقال في الكلام على الماء الطاهر المشتبه بالنجس : إن العجب منهم ( نوّر اللّه مراقدهم ) فيما ذهبوا إليه هنا من الحكم بطهارة ما تعدّى إليه هذا الماء ، مع اتفاقهم ظاهراً في مسألة البلل المشتبه الخارج بعد البول وقبل الاستبراء على نجاسة ذلك البلل ووجوب غسله ، إلى أن قال : والمسألتان من باب واحد كما لا يخفى (1).
وإلى ما ذكره قدس سره من المناقشة أشرنا سابقاً بقولنا : ومن هنا قد يتوقف في الحكم بنجاسة البلل المشتبه لعدم دلالة دليل على نجاسته (2)وقد تعرّض شيخنا الأنصاري قدس سره لكلام صاحب الحدائق في الأُصول ، وذكر أن نجاسة البلل المشتبه الخارج قبل الاستبراء إنما استفيدت من أمر الشارع بالطهارة عقبه ، من جهة استظهار أن الشارع جعل هذا المورد من موارد تقديم الظاهر على الأصل لما مرّ من أن الظاهر تخلف شيء من الرطوبات البولية في الطريق ، وهي قد تجتمع وتخرج بعد البول بحركة ونحوها فحكم بكون الخارج بولاً ، لا أنه أوجب خصوص الوضوء بخروجه ، وقال : إن بذلك يندفع تعجب صاحب الحدائق من حكمهم بعدم النجاسة فيما نحن فيه أي في ملاقي بعض أطراف الشبهة وحكمهم بها في البلل ، مع كون كل منهما مشتبهاً ... انتهى.
ونزيد عليه أن ظاهر قوله علیه السلام « ويستنجي » في موثقة سماعة المتقدِّمة (3)
وإن كان تركه من الاضطرار وعدم التمكن منه (1).
أن الشارع إنما حكم بذلك لأجل أن البلل الخارج وقتئذ بول ناقض للوضوء ، إذ لو لا كونه بولاً نجساً لم يكن وجه لأمره علیه السلام بعده بالاستنجاء ، لوضوح أن مجرّد غسل الذّكر من غير بول لا يسمّي استنجاء بوجه ، هذا.
مضافاً إلى أن نواقض الوضوء محصورة ، فإذا حكمنا على البلل بالناقضية استكشف من ذلك أنه بول لا محالة ، إذ لا ينطبق شيء منها على البلل سوى البول ، فالبولية والناقضية متلازمتان في البلل ، وهذا بخلاف البلل الخارج بعد الاستبراء لأنه محكوم بالطهارة وعدم انتقاض الوضوء به ، كما دلت عليه النصوص ، ومن هنا قيدنا صحيحة محمّد بن مسلم وموثقة سماعة المتقدِّمتين (1)الدالتين على انتقاض الغسل بالبلل ، بما إذا خرج قبل الاستبراء من البول.
فالمتحصل : أن الأخبار الواردة في المقام وإن لم تشتمل على أن البلل المشتبه بول أو نجس ، وإنما دلت على انتقاض الوضوء به إذا خرج قبل الاستبراء من البول ، إلاّ أن الصحيح كما أفاده الماتن هو الحكم ببوليته وناقضيته كما عرفت.
(1) كما إذا كانت يداه مغلولتين أو غير ذلك من الوجوه ، والوجه فيما أفاده أن المستفاد من الأدلّة الدالّة على نجاسة البلل الخارج قبل الاستبراء من البول وانتقاض الطهارة به ، أن طهارة البلل وعدم انتقاض الوضوء به من الآثار المترتبة على العملية الخاصة المتقدم تفصيلها ، فاذا انتفت ولو للاضطرار ترتبت عليه النجاسة والانتقاض لأنه مقتضى إطلاقها.
ودعوى أن الاضطرار مرفوع في الشريعة المقدسة لحديث رفع الاضطرار ، وحيث إن ترك الاستبراء في مفروض المسألة مستند إليه ، فهذا الترك كلا ترك وكأنه قد استبرأ بمقتضى الحديث ، وبذلك يحكم على البلل بالطهارة وعدم الانتقاض به.
1) في ص 395.
مندفعة بوجوه تعرضنا لها في التكلم على الحديث عمدتها : أن الرفع فيما اضطروا إليه وما استكرهوا عليه والخطأ ونحوها قد تعلق بالتكاليف الإلزامية المتوجهة إلى المكلف بسبب الفعل الصادر منه بالاختيار ، كالافطار في نهار رمضان إذا صدر عن علم واختيار ، لأنه موضوع لجملة من الآثار منها وجوب الكفارة والحرمة والعقاب وإذا ارتكبه بالاضطرار أو الإكراه ونحوهما ارتفعت عنه الحرمة ووجوب الكفارة بحديث رفع الاضطرار ، وأما الأحكام الإلزامية المتوجهة إلى المكلف بسبب أمر غير اختياري له فلا يرتفع عنه بالحديث ، وقد مثلنا لذلك بالنجاسة ووجوب الغسل المترتبين على إصابة النجس وملاقاته ، لأنهما حكمان مترتبان على إصابة البول ونحوه ، والإصابة ليست من الأفعال الاختيارية له وإن كانت قد تصدر عنه بالاختيار ويكون فعلاً من أفعاله ، إلاّ أن نجاسة الملاقي مترتبة على الإصابة بما أنها أصابه لا بما أنها فعل اختياري للمكلف ، فالنجاسة تترتب على إصابة النجس سواء أكانت باختياره أم لم تكن ، ولا مجال في مثل ذلك للقول بأنها صدرت بالاضطرار ، ومقتضى حديث الرفع عدم نجاسة الملاقي حينئذ.
والأمر في المقام كذلك ، لأن النجاسة والانتقاض قد ترتبا على خروج البلل بعد البول وقبل الاستبراء منه ، ومن الواضح أن خروجه ليس من الأفعال الاختيارية للمكلف ، وإن كان قد يستند إلى اختياره إلاّ أنه إنما أُخذ في موضوعيهما بما أنه خروج البلل لا بما أنه فعل اختياري للمكلف ، فمتى تحقق ترتب عليه أثره وإن كان مستنداً إلى الاضطرار أو الإكراه.
على أن معنى الحديث إنما هو رفع الحكم عن المضطر إليه كترك الاستبراء في مفروض الكلام لا ترتيب أثر الفعل على الترك المستند إلى الاضطرار أو الإكراه مثلاً إذا أُكره أحد أو اضطر إلى ترك البيع في مورد لم يحكم بحصول الملكية المترتبة على البيع ، نظراً إلى أن تركه مستند إلى الإكراه أو الاضطرار ، وإنما حكم بارتفاع الحكم المترتب على ترك البيع ، لأن الترك هو المضطر إليه أو المكره عليه فلاحظ.
[453] مسألة 3 : لا يلزم المباشرة في الاستبراء (1) فيكفي في ترتب الفائدة أن باشره غيره كزوجته أو مملوكته.
[454] مسألة 4 : إذا خرجت رطوبة من شخص وشك شخص آخر في كونها بولاً أو غيره فالظاهر لحوق الحكم أيضاً (2) من الطهارة إن كان بعد استبرائه والنجاسة إن كان قبله ، وإن كان نفسه غافلاً بأن كان نائماً مثلاً ، فلا يلزم أن يكون من خرجت منه هو الشاك ، وكذا إذا خرجت من الطفل ، وشك وليه في كونها بولاً ، فمع عدم استبرائه يحكم عليها بالنجاسة.
[455] مسألة 5 : إذا شك في الاستبراء يبني على عدمه (3) ولو مضت مدّة بل ولو كان من عادته. نعم لو علم أنه استبرأ وشك بعد ذلك في أنه كان على
(1) لأن مقتضى الأخبار المتقدِّمة أن نتر البول ثلاثاً موضوع للحكم بطهارة البلل وعدم ناقضيته ، سواء في ذلك أن ينتره بالإصبع أو بالخرقة أو بغيرهما مما يمكن به النتر ، وسواء كان ذلك بالمباشرة أو بالتسبيب ، كما إذا نترته مملوكته أو زوجته ، لما تقدم من أن الغرض من الاستبراء إنما هو النقاء وهذا لا يفرق فيه بين آلات النتر وأنحائه.
(2) لأن الأخبار الواردة في المقام دلتنا على أن النجاسة والناقضية حكمان مترتبان على خروج البلل المشتبه قبل الاستبراء من البول ، كما أن الطهارة وعدم الناقضية مترتبان على خروج البلل بعد الاستبراء منه ، فالحكمان مترتبان على خروج البلل بلا فرق في ذلك بين من خرج منه البلل وغيره ، بحيث لو خرج البلل من شخص بعد ما بال واعتقد كونه مذياً مثلاً وشك آخر في أنه بول أو مذي ، بنى على نجاسته وناقضيته فيما إذا خرج قبل الاستبراء من البول ، لما تقدم من أن مقتضى الروايات عدم الفرق في ذلك بين من خرج منه البلل وغيره ، كما لا فرق فيه بين أن يكون من خرج منه البلل غافلاً أو معتقداً للطهارة بالغاً كان أو غيره.
(3) لأن الاستبراء ليس له محل مقرر شرعي ، والتجاوز عن المحل الاعتيادي
الوجه الصحيح أم لا بنى على الصحة (1).
[456] مسألة 6 : إذا شك من لم يستبرئ في خروج الرطوبة وعدمه بنى على عدمه (2) ولو كان ظانّاً بالخروج ، كما إذا رأى في ثوبه رطوبة وشك في أنها خرجت منه أو وقعت عليه من الخارج.
[457] مسألة 7 : إذا علم أن الخارج منه مذي ، ولكن شك في أنه هل خرج معه بول أم لا ، لا يحكم عليه بالنجاسة ، إلاّ أن يصدق عليه الرطوبة المشتبهة بأن يكون الشك في أن هذا الموجود هل هو بتمامه مذي أو مركب منه ومن البول (3).
[458] مسألة 8 : إذا بال ولم يستبرئ ، ثم خرجت منه رطوبة مشتبهة بين
لا اعتبار به في جريان قاعدة التجاوز كما مر ، فأصالة عدم الاستبراء عند الشك فيه هي المحكّمة وإن لم يستبعد الماتن قدس سره في المسألة الخامسة من مسائل الفصل السابق جريان القاعدة عند التجاوز عن المحل الاعتيادي ، إلاّ أنه مما لا يمكن تتميمه بدليل كما عرفت.
(1) لقوله علیه السلام كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو (1)وغيرها من الأخبار.
(2) لأن الأخبار المتقدِّمة إنما وردت لبيان حكم الشك في صفة البلل بعد العلم بوجوده وخروجه ، بأن يشك في أنه بول أو مذي ، فالشك في أصل وجوده وأنه هل خرج منه البلل أم لم يخرج خارج عن محطها ، وأصالة العدم تقتضي الحكم بعدمه.
(3) هذا على قسمين :
لأنه قد يقطع بأن ما يراه من الرطوبة المشتبهة مذي مثلاً ، ولكنه يشك في أنه خرج معه بول أيضاً أم لا ، وهذا مورد لأصالة عدم الخروج ، لأنه من الشك في وجود البلل وخروجه ، وقد تقدم أن مورد الأخبار هو الشك في صفة الخارج لا الشك في الخروج.
1) الوسائل 8 : 237 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3.
البول والمني (1) يحكم عليها بأنها بول ، فلا يجب عليه الغسل (1)، بخلاف ما إذا خرجت منه بعد الاستبراء ، فإنّه يجب عليه الاحتياط بالجمع بين الوضوء والغسل عملاً بالعلم الإجمالي ، هذا إذا كان ذلك بعد أن توضأ ،
وقد يقطع بأن البلل الخارج منه مقدار منه كنصفه مذي مثلاً ، ولا يدري أن النصف الآخر منه أيضاً مذي أو بول وهو مشمول للإخبار ، لأنه من الشك في صفة الخارج بالإضافة إلى النصف المشكوك كونه بولاً أو مذياً وليس من الشك في الخروج.
(1) بأن علم أنها نجسة وشك في أنها هل توجب الوضوء أو أنها مني توجب الغسل ، قد حكم الماتن قدس سره بوجوب الوضوء حينئذ ، كما حكم بالاحتياط والجمع بين الوضوء والغسل فيما إذا خرجت بعد الاستبراء من البول.
وأُورد على ذلك بأن مورد الأخبار الواردة في المقام إنما هو البلل المردد بين البول وغير المني كالمذي ، بحيث لو كان خرج قبل الاستبراء حكم ببوليته وناقضيته ، ولو خرج بعده حكم بطهارته وكونه من الحبائل ، وأما البلل المردد بين البول والمني فالأخبار غير شاملة له ، ومقتضى العلم الإجمالي في مثله هو الجمع بين الوضوء والغسل هذا ، على أنّا لو قلنا بشمول الأخبار للبلل المردد بينهما فمقتضاه الحكم بكونه منياً فيما إذا خرج بعد الاستبراء من البول ، وذلك لما تقدم من أن الروايات المتقدِّمة قد دلت على أن البلل الخارج بعد الاستبراء من البول ليس ببول ، وإذا نفينا بوليته ثبت لازمه وهو كونه منياً في المقام ، والماتن لا يرضى بذلك ومن ثمة حكم بوجوب الجمع بين الوضوء والغسل حينئذ ، هذا.
والصحيح ما أفاده الماتن قدس سره وذلك لأن صحيحة محمد بن مسلم وموثقة سماعة المتقدِّمتين (2)الدالتين على أن الجنب إذا بال وخرجت منه رطوبة مشتبهة وجب عليه الوضوء والاستنجاء دون الاغتسال لأن البول لم يدع شيئاً ، بعد تقييدهما
بغير صورة الاستبراء من البول ، للأخبار الدالّة على أن البلل بعد الاستبراء لا يوجب الوضوء وأنه من الحبائل ، تدلنا على أن احتمال كون البلل المردد بين البول والمني من المني المتخلف في الطريق ساقط لا يعبأ به ، لأن البول لم يدع شيئاً فهو مقطوع العدم كما أن احتمال كونه منياً نزل من محله أو بولاً كذلك مورد لأصالة العدم ، نعم لا دافع لاحتمال كونه من البول المتخلف في الطريق ، ومن ثمة حكم في الروايتين بوجوب الوضوء والاستنجاء ، هذا فيما إذا كان المكلف جنباً وقد بال.
ومن ذلك يظهر الحال فيما إذا لم يكن جنباً وذلك لأنه لا خصوصية للجنابة فيما يستفاد من الروايتين ، فلنفرض أن المكلف لم يجنب قبل ذلك ولم يخرج منه المني حتى يحتمل أن يكون البلل الخارج منه منياً متخلفاً في الطريق وإنما بال كما هو مفروض الماتن قدس سره ثم خرجت منه رطوبة مشتبهة ، فإن احتمال كونه بولاً أو منياً نزلا من محلهما مندفع بأصالة العدم ، واحتمال كونه بولاً متخلفاً لا دافع له ، فالرطوبة محكومة بالبولية والناقضية فلا يجب عليه إلاّ الوضوء.
فاذ قد عرفت ذلك ، ظهر لك أن ما ذكره الماتن هو الصحيح ، فان من بال ولم يستبرئ بالخرطات وخرجت منه الرطوبة المرددة بين البول والمني لم يحتمل في حقه أن تكون الرطوبة منياً تخلف في الطريق لعدم سبقه بالجنابة ، أو لو كان جنباً قبل ذلك فالبول لم يدع شيئاً في الطريق ، وأما احتمال أنها مني أو بول نزلا من محلهما فهو مندفع بأصالة العدم ولا يعتنى به بوجه. نعم احتمال أنه بول متخلف في الطريق مما لا دافع له ، لأنه لم يستبرئ على الفرض ، فالرطوبة الخارجة محكومة بالبولية والناقضية ولا يجب على المكلف سوى الوضوء كما في المتن.
وأما إذا استبرأ بالخرطات ، فكما لا يحتمل أن تكون الرطوبة منياً متخلفاً في الطريق كذلك لا يحتمل أن يكون بولاً متخلفاً لمكان الخرطات ، فيبقى احتمال كونها منياً أو بولاً نزلا من محلهما ، وكل من هذين الاحتمالين في نفسه وإن كان مورداً للأصل إلاّ أن دوران الأمر بينهما والعلم الإجمالي بأنه بول أو مني يمنع عن جريان الأصل في أطرافه ، ومعه لا مناص من الاحتياط بالجمع بين الغسل والوضوء كما ذكره الماتن
وأما إذا خرجت منه قبل أن يتوضأ فلا يبعد جواز الاكتفاء بالوضوء لأن الحدث الأصغر معلوم ووجود موجب الغسل غير معلوم ، فمقتضى الاستصحاب وجوب الوضوء وعدم وجوب الغسل (1).
( قدس سره ) هذا فيما إذا كان المكلف متوضئاً بعد الاستبراء بمكان من الوضوح ، وأما إذا خرجت منه الرطوبة قبل أن يتوضأ فستسمع الكلام عليه في التعليقة الآتية إن شاء اللّه.
(1) قد يقال إن المقام من موارد استصحاب كلي الحدث ، وهو من استصحاب القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلي ، بناء على أن الحدث الأكبر والأصغر متضادان بحيث لو طرأ أحد أسباب الأكبر ارتفع الأصغر وثبت الأكبر مكانه ، وذلك لأن الحدث بعد ما توضأ المكلف في مفروض المسألة مردد بين ما هو مقطوع البقاء وما هو مقطوع الارتفاع ، لأن الرطوبة المرددة على تقدير أن تكون بولاً واقعاً فالحدث مقطوع الارتفاع ، وعلى تقدير أن تكون منياً كذلك فهو مقطوع البقاء ومقتضى استصحاب الحدث الجامع بينهما المتيقن وجوده قبل الوضوء بقاء الحدث ومعه يجب عليه الغسل بعد الوضوء حتى يقطع بارتفاع حدثه الثابت بالاستصحاب.
نعم ، إذا بنينا على أن الحدث الأكبر والأصغر فردان من الحدث وهما قابلان للاجتماع ، أو أن الأكبر مرتبة قوية من الحدث وإذا طرأت أسبابه تبدلت المرتبة الضعيفة بالقوية لم يجر استصحاب كلي الحدث ، لأنه من القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي ، إذ المكلف بعد خروج البلل يشك في أن الحدث الأصغر هل قارنه الأكبر أو تبدل إلى مرتبة قوية أو أنه باق بحاله ، ومقتضى الأصل حينئذ أن الأصغر لم يحدث معه فرد آخر وأنه باق بحاله ولم يتبدل إلى مرتبة قوية ، ومعه لا يجب عليه الغسل بعد الوضوء ، هذا.
والصحيح ما أفاده الماتن قدس سره وذلك لما ذكرناه في محله من أن الاستصحاب إنما يجري في الكلي الجامع إذا لم يكن هناك أصل حاكم عليه كما إذا لم يكن المكلف متوضئاً في مفروض الكلام ، وأما معه فلا مجال لاستصحاب الجامع
لتعيّن الفرد الحادث والعلم بأنه من أي القبيلين تعبداً ، وتوضيح الكلام في كبرى المسألة وتطبيقها على المقام :
أن المستفاد من قوله عزّ من قائل ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) . ( ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (1)أن الوضوء إنما هو وظيفة غير الجنب ، لأنه مقتضى التفصيل الوارد في الآية المباركة ، وكذا الحال في الأخبار لما ورد من أن غسل الجنابة ليس قبله ولا بعده وضوء (2)فعلمنا من ذلك أن الأدلّة القائمة على وجوب الوضوء للمحدث مقيدة بغير الجنب ، لأن غسل الجنابة لا يبقي مجالاً للوضوء ، وحيث إن المكلف في مفروض المسألة لم يكن متوضئاً قبل خروج الرطوبة المشتبهة وهو شاك في جنابته لاحتمال أن تكون الرطوبة بولاً واقعاً ، فمقتضى الاستصحاب عدم جنابته فهو محدث بالوجدان وليس جنباً بالاستصحاب فيحكم عليه بوجوب الوضوء لتحقق موضوعه بضم الوجدان إلى الأصل ، ومع استصحاب عدم الجنابة لا مجال لاستصحاب كلي الحدث لأنه أصل حاكم رافع للتردد والشك ، فان مقتضاه أن المكلف لم يجنب بخروج البلل وأن حدثه الأصغر باق بحاله.
بل يمكن أن يقال إن الرطوبة المشتبهة ليست بمني ، وذلك ببركة الاستصحاب الجاري في الأعدام الأزلية ، ولا يعارضه استصحاب عدم كونها بولاً ، إذ المكلف محدث بالأصغر على الفرض ولا أثر للبول بعد الحدث حتى ينفى كونها بولاً ، ولا يفرق الحال فيما ذكرناه بين أن يكون الأكبر والأصغر متضادّين أو قلنا إنهما قابلين للاجتماع ، أو أن الأكبر مرتبة قوية من الحدث والأصغر مرتبة ضعيفة ، وذلك لأن مقتضى الأصل عدم حدوث الجنابة وعدم اقتران الحدث الأصغر بالأكبر وعدم تبدله إلى المرتبة القوية من الحدث.
فما أفاده الماتن قدس سره من أن المكلف إذا لم يكن متوضئاً وخرجت منه الرطوبة المشتبهة ، لم يبعد جواز الاكتفاء بالوضوء وعدم وجوب الجمع بينه وبين
أمّا الأوّل : فإن يطلب خلوة أو يبعد حتى لا يرى شخصه (1).
الغسل ، معلّلاً بأن الحدث الأصغر معلوم ووجود موجب الغسل غير معلوم ، ومقتضى الاستصحاب وجوب الوضوء وعدم وجوب الغسل ، هو الصحيح.
فصل في مستحبّات التخلِّي ومكروهاته
الحكم باستحباب جملة من الأُمور التي تعرض لها الماتن قدس سره أو كراهتها يبتني على القول بالتسامح في أدلة السنن واستحباب ما بلغ فيه الثواب وإن لم يكن الأمر كما بلغ ، والتعدي عنها إلى أدلة الكراهة ، وحيث إنّا لم نلتزم بذلك ، وقلنا إن أخبار من بلغ واردة للإرشاد إلى ترتب الثواب على العمل المأتي به انقياداً وبرجاء الثواب ، من دون أن تكون فيها أية دلالة على استحباب العمل فضلاً عن التعدي عنها إلى الكراهة ، لم يسعنا الحكم بالاستحباب أو الكراهة في تلك الأُمور ، كيف ولم يرد في بعضها سوى أن له فائدة طبية أو منفعة أو مضرة دنيويتين ، أو غير ذلك مما لا يمكن الاستدلال به على الندب أو الكراهة ، وإنما نتعرض لها تبعاً للماتن وتتميماً للكلام على طريقتهم.
(1) لجملة من الأخبار الواردة في مدحه منها : ما رواه الشهيد في شرح النفلية عن النبي صلی اللّه علیه و آله أنه لم يرَ على بول ولا غائط (1)ومنها رواية جندب ( جنيد ) بن عبد اللّه قال في حديث : « ورد علي أمير المؤمنين علیه السلام فقال يا أخا الأزد معك طهور؟ قلت : نعم ، فناولته الإداوة فمضى حتى لم أره وأقبل وقد تطهر ... » (2)ومنها : ما ورد في وصف لقمان من أنه لم يره أحد من الناس على بول ولا غائط قط
وأن يطلب مكاناً مرتفعاً للبول (1) أو موضعاً رخواً (2) وأن يقدم رجله اليسرى عند الدخول في بيت الخلاء ، ورجله اليمنى عند الخروج (3) وأن يستر رأسه (4)
ولا اغتسال ، لشدّة تستّره وتحفّظه في أمره ... (1).
(1) لما في مرسلة الجعفري قال : « بت مع الرضا علیه السلام في سفح جبل فلما كان آخر الليل قام فتنحى وصار على موضع مرتفع فبال وتوضأ ... » (2)ورواية ابن مسكان عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أشد الناس توقياً للبول ، كان إذا أراد البول يعمد إلى مكان مرتفع من الأرض أو إلى مكان من الأمكنة يكون فيه التراب الكثير كراهية أن ينضح عليه البول » (3).
(2) ففي رواية السكوني عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من فقه الرجل أن يرتاد موضعاً لبوله » (4)أو لموضع بوله كما في مرسلة سليمان الجعفري المتقدِّمة. وفي رواية ابن مسكان : « أو إلى مكان من الأمكنة يكون فيه التراب الكثير كراهية أن ينضح عليه البول ». كما تقدمت في التعليقة السابقة.
(3) استدل على استحباب ذلك بدعوى الإجماع عليه وكونه مشهوراً عندهم كما في المدارك (5).
(4) ادعي عليه الاتفاق كما عن الذكرى والمعتبر (6)لما عن المقنعة من أن تغطية الرأس إن كان مكشوفاً عند التخلي سنة من سنن النبي صلی اللّه علیه و آله (7).
1) الوسائل 1 : 305 / أبواب أحكام الخلوة ب 4 ح 2.
2) الوسائل 1 : 338 / أبواب أحكام الخلوة ب 22 ح 3 ، 2 ، 1.
3) الوسائل 1 : 338 / أبواب أحكام الخلوة ب 22 ح 3 ، 2 ، 1.
4) الوسائل 1 : 338 / أبواب أحكام الخلوة ب 22 ح 3 ، 2 ، 1.
5) المدارك 1 : 174.
6) الذكرى : 20 السطر 9 ، المعتبر 1 : 133.
7) الوسائل 1 : 304 / أبواب أحكام الخلوة ب 3 ح 1.
وأن يتقنع (1) ويجزئ عن ستر الرأس (2) وأن يسمي عند كشف العورة (3) وأن يتكئ في حال الجلوس
(1) لما ورد عن أبي عبد اللّه علیه السلام من أنه كان إذا دخل الكنيف يقنّع رأسه ويقول سراً في نفسه : بسم اللّه وباللّه ... (1)وفي وصية النبي صلی اللّه علیه و آله لأبي ذر : يا أبا ذر استحي من اللّه ، فاني والذي نفسي بيده لأظل حين أذهب إلى الغائط متقنعاً بثوبي استحياء من الملكين اللذين معي ... (2).
(2) لعلّه لأن التقنع أخص من الستر ، فإذا تحقّق حصل الغرض الداعي إلى الأمر بالأعم.
(3) كما ورد في مرسلة الصدوق : قال أبو جعفر الباقر علیه السلام « إذا انكشف أحدكم لبول أو لغير ذلك ، فليقل : بسم اللّه ، فان الشيطان يغض بصره حتى يفرغ » (3)وقد يستدل على ذلك برواية أبي أُسامة عن أبي عبد اللّه علیه السلام في حديث أنه سئل وهو عنده : ما السنّة في دخول الخلاء؟ قال : تذكر اللّه وتتعوّذ باللّه من الشيطان الرجيم ... (4)وبالمرسل المروي عن الصادق علیه السلام أنه كان إذا دخل الكنيف يقنع رأسه ويقول سراً في نفسه بسم اللّه وباللّه (5)وفيه : أنّا لو سلمنا أن المراد بالتسمية مطلق ذكر اللّه سبحانه ، فغاية ما يستفاد من هاتين الروايتين هو استحباب الذكر والتسمية عند دخول الكنيف والخلاء ، وأين هذا من استحبابهما عند كشف العورة فإنّهما أمران متغايران.
على رجله اليسرى (1) ويفرج رجله اليمنى (2) وأن يستبرئ بالكيفية التي مرّت (3) وأن يتنحنح قبل الاستبراء (4) وأن يقرأ الأدعية المأثورة بأن يقول عند الدخول :
(1) كما في الذكرى (1)وكشف الغطاء (2)واللّمعتين (3)ومنظومة الطباطبائي (4)ولم يرد في أخبارنا ما يدل عليه. نعم في السنن الكبرى للبيهقي عن سراقة بن جشعم : علّمنا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى وينصب اليمنى (5)ولعلّه إليه أشار الشهيد في الذكرى حيث أسند ذلك إلى رواية عن النبي صلی اللّه علیه و آله وكذا العلاّمة في النهاية بقوله : لأنه علّم أصحابه الاتكاء على اليسار (6).
(2) كما عن جماعة ، وهو في الجملة لازم الاعتماد على اليسرى.
(3) في الجواهر : لا خلاف فيه بين المتأخِّرين (7). وعن ظاهر بعض المتقدمين الوجوب. وقد أشرنا سابقاً (8)إلى أن الأخبار الواردة في الاستبراء كلها إرشادية ولا دلالة فيها على الاستحباب فضلاً عن الوجوب.
(4) كما عن العلاّمة (9)والشهيد (10)والبهائي (11)وغيرهم ، حيث ذكروا التنحنح ثلاثاً في كيفية الاستبراء ، واعترف في الحدائق بعدم العثور على مأخذ له (12).
اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم (1) أو يقول : الحمد لله الحافظ المؤدي (2) والأولى الجمع بينهما (3). وعند خروج الغائط : الحمد لله الذي أطعمنيه طيباً في عافية وأخرجه خبيثاً في عافية (4)
(1) كما في رواية أبي بصير عن أحدهما علیهماالسلام قال : إذا دخلت الغائط فقل : أعوذ باللّه إلى آخر ما في المتن (1)إلاّ أنها غير مشتملة على لفظة « اللّهمّ إني » بل الوارد فيها « أعوذ باللّه » وفي مرسلة الصدوق : كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إذا أراد دخول المتوضأ قال : اللّهمّ إلى آخر ما نقله الماتن (2)ولكنزها مشتملة على زيادة « اللّهمّ أمط عني الأذى وأعذني من الشيطان الرجيم » وروى معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام إذا دخلت المخرج فقل بسم اللّه اللّهمّ إني أعوذ بك إلى آخر ما في المتن (3)إلاّ أن « الخبيث المخبث » مقدم فيها على « الرجس النجس » كما أن فيها زيادة « بسم اللّه ».
(2) كما في مرسلة الصدوق قال : « وكان علیه السلام إذا دخل الخلاء يقول : الحمد لله الحافظ المؤدي » (4).
(3) حتى يعمل بكلتا الروايتين. والأولى من ذلك الجمع بينهما وبين ما ورد في مرسلة الصدوق من أن الصادق علیه السلام كان إذا دخل الخلاء يقنّع رأسه ويقول في نفسه بسم اللّه وباللّه ولا إله إلاّ اللّه ، رب أخرج عني الأذى سرحاً بغير حساب واجعلني لك من الشاكرين فيما تصرفه عنِّي من الأذى والغم الذي لو حبسته عني هلكت ، لك الحمد اعصمني من شر ما في هذه البقعة وأخرجني منها سالماً وحل بيني وبين طاعة الشيطان الرجيم (5).
(4) وفي مرسلة الصدوق « كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إذا تزحر قال : اللّهمّ كما أطعمتنيه طيباً في عافية فأخرجه مني خبيثاً في عافية » (6)وهذا كما ترى يختلف مع ما في المتن من جهات.
1) الوسائل 1 : 307 / أبواب أحكام الخلوة ب 5 ح 2 ، 5.
2) الوسائل 1 : 307 / أبواب أحكام الخلوة ب 5 ح 2 ، 5.
3) الوسائل 1 : 306 / أبواب أحكام الخلوة ب 5 ح 1 ، 6 ، 7 ، 5.
4) الوسائل 1 : 306 / أبواب أحكام الخلوة ب 5 ح 1 ، 6 ، 7 ، 5.
5) الوسائل 1 : 306 / أبواب أحكام الخلوة ب 5 ح 1 ، 6 ، 7 ، 5.
6) الوسائل 1 : 306 / أبواب أحكام الخلوة ب 5 ح 1 ، 6 ، 7 ، 5.
وعند النظر إلى الغائط : اللّهمّ ارزقني الحلال وجنبني عن الحرام (1) وعند رؤية الماء : الحمد لله الذي جعل الماء طهوراً ولم يجعله نجساً (2) وعند الاستنجاء : اللّهمّ حصّن فرجي وأعفه واستر عورتي وحرمني على النار ووفقني لما يقربني منك يا ذا الجلال والإكرام (3) وعند الفراغ من الاستنجاء : الحمد لله الذي عافاني من البلاء
(1) كما في مرسلة الصدوق قال : « كان علي علیه السلام يقول ما من عبد إلاّ وبه ملك موكل يلوي عنقه حتى ينظر إلى حدثه ، ثم يقول له الملك : يا ابن آدم هذا رزقك فانظر من أين أخذته وإلى ما صار؟ وينبغي للعبد عند ذلك أن يقول : اللّهمّ ارزقني الحلال وجنّبني الحرام » (1).
(2) ورد هذا الدعاء في رواية عبد الرحمن بن كثير الهاشمي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « بينا أمير المؤمنين علیه السلام ذات يوم جالساً مع محمّد بن الحنفية إذ قال له : يا محمّد ائتني بإناء من ماء أتوضأ للصلاة ، فأتاه محمد بالماء فأكفاه فصبه بيده اليسرى على يده اليمنى ، ثم قال : بسم اللّه وباللّه والحمد لله الذي جعل الماء ... » (2)والرواية كما ترى لا دلالة لها على استحباب ذلك عند النظر إلى الماء ، وإن ذكره جمع غفير كالمفيد في المقنعة (3)والطوسي في مصباح المتهجد (4)والكفعمي في المصباح (5)والشهيد في النفلية (6)وغيرهم من الأعلام.
(3) كما في رواية ابن كثير الهاشمي المتقدِّمة حيث ورد فيها : « ثم استنجى فقال : اللّهمّ حصّن فرجي وأعفه واستر عورتي وحرّمني على النار » (7)نعم الرواية كما في
وأماط عني الأذى (1) وعند القيام عن محل الاستنجاء يمسح يده اليمنى (2) على بطنه ويقول : الحمد لله الذي أماط عني الأذى وهنأني طعامي وشرابي وعافاني من البلوى (3) وعند الخروج أو بعده : الحمد لله الذي عرفني لذته ، وأبقى في جسدي قوته ، وأخرج عني أذاه ، يا لها نعمة ، يا لها نعمة ، يا لها نعمة لا يقدر القادرون
الوسائل غير مشتملة على « ووفقني .... » إلى آخر ما في المتن.
(1) كما في رواية أبي بصير حيث قال علیه السلام : « وإذا فرغت فقل : الحمد لله الذي عافاني من البلاء وأماط عنّي الأذى » (1)بناء على أن المراد بالفراغ في الرواية هو الفراغ عن الاستنجاء لا التخلي.
(2) كما عن المفيد قدس سره (2).
(3) ذكره الشيخ في مصباح المتهجد (3)حيث قال : ثم يقوم من موضعه ويمر يده على بطنه ويقول : الحمد لله الذي أماط عنّي الأذى وهنأني طعامي وشرابي وعافاني من البلوى فإذا أراد الخروج ... الحديث (4)وعن الصدوق في الهداية (5)والمقنع (6): إذا فرغت من حاجتك فقل : الحمد لله ... إلى آخر الدعاء. وإذا أراد الخروج ... (7)وفي دعائم الإسلام عن أبي عبد اللّه علیه السلام أنه قال : « إذا دخلت المخرج فقل ... فاذا فرغت فقل : الحمد لله الذي أماط عني الأذى وهنأني طعامي وشرابي » (8)ولم يذكر فيه « وعافاني من البلوى » كما أنه وكلام الصدوق غير مقيدين بحالة القيام من الموضع.
1) الوسائل 1 : 307 / أبواب أحكام الخلوة ب 5 ح 2.
2) المقنعة : 40.
3) مصباح المتهجد : 7.
4) المستدرك 1 : 255 / أبواب أحكام الخلوة ب 5 ح 13.
5) الهداية : 16.
6) المقنع : 7 ، 9.
7) المستدرك 1 : 254 / أبواب أحكام الخلوة ب 5 ح 11.
8) المستدرك 1 : 254 / أبواب أحكام الخلوة ب 5 ح 10 ، دعائم الإسلام 1 : 104.
قدرها (1) ويستحب أن يقدّم الاستنجاء من الغائط على الاستنجاء من البول (2) وإن يجعل المسحات إن استنجى بها وتراً (3) فلو لم ينق بالثلاثة وأتى برابع يستحب أن يأتي بخامس ليكون وتراً وإن حصل النقاء بالرابع (4). وأن يكون الاستنجاء والاستبراء باليد اليسرى (5)
(1) ذكره الشيخ في مصباح المتهجد قال : فاذا خرج قال : الحمد لله الذي إلى آخر ما نقله في المتن (1). وفي مرسلة الصدوق « كان علیه السلام إذا دخل الخلاء يقول ... فاذا خرج مسح بطنه وقال : الحمد لله الذي أخرج عني أذاه وأبقى فيَّ قوته ، فيا لها من نعمة لا يقدر القادرون قدرها » (2)وفي رواية القداح عن أبي عبد اللّه علیه السلام عن آبائه عن علي علیه السلام « أنه كان إذا خرج من الخلاء قال : الحمد لله الذي رزقني لذته وأبقى قوته في جسدي وأخرج عني أذاه يا لها نعمة ثلاثاً » (3)وهاتان الروايتان غير موافقتين لما في المتن من جهات ، وعن المجلسي قدس سره أن أكثر العلماء جمعوا بين الروايتين وقالوا : الحمد لله الذي إلى آخر ما ذكره في المتن.
(2) لموثقة عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن الرجل إذا أراد أن يستنجي بالماء يبدأ بالمقعدة أو بالإحليل؟ فقال : بالمقعدة ثم بالإحليل » (4).
(3) لما عن علي علیه السلام من أنه قال : « قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إذا استنجى أحدكم فليوتر بها وتراً إذا لم يكن الماء » (5).
(4) لإطلاق الرواية.
(5) أما الاستنجاء فلجملة من الأخبار الواردة في النهي عن أن يستنجي الرجل
ويستحب أن يعتبر ويتفكر في أن ما سعى واجتهد في تحصيله وتحسينه كيف صار أذية عليه ، ويلاحظ قدرة اللّه تعالى في رفع هذه الأذية عنه وإراحته منها (1).
وأمّا المكروهات فهي : استقبال (2)
بيمينه ، وأن الاستنجاء باليمين من الجفاء (1)ولما أخرجه أبو داود في سننه عن عائشة من أنها قالت : كانت يد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله اليمنى لطهوره وطعامه وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى. وعن حفصة زوج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : كان النبي صلی اللّه علیه و آله يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه ويجعل شماله لما سوى ذلك (2)وفي المنتهي للعلاّمة (3)عن عائشة كانت يد رسول اللّه اليمنى لطعامه وطهوره ويده اليسرى للاستنجاء وأن النبي صلی اللّه علیه و آله استحب أن يجعل اليمنى لما علا من الأُمور واليسرى لما دنى.
وأما الاستبراء فلمرسلة الفقيه قال أبو جعفر علیه السلام : « إذا بال الرجل فلا يمس ذكره بيمينه » (4)وللرواية المتقدِّمة الدالّة على أن النبي استحب أن يجعل اليد اليمنى لما علا من الأُمور واليسرى لما دنى ، لأن الاستبراء من القسم الأخير.
(1) في مرسلة الفقيه كان علي علیه السلام يقول : « ما من عبد إلاّ وبه ملك موكل يلوي عنقه حتى ينظر إلى حدثه ثم يقول له الملك : يا ابن آدم هذا رزقك فانظر من أين أخذته وإلى ما صار ، وينبغي للعبد عند ذلك أن يقول : اللّهمّ ارزقني الحلال وجنبني الحرام » (5)وفي رواية أبي أُسامة : « يا ابن آدم انظر إلى ما كنت تكدح له في الدنيا إلى ما هو صائر » (6).
(2) النهي يختص باستقبال الشمس فلا كراهة في استدبارها ، نعم لا فرق في القمر
الشمس والقمر بالبول والغائط (1) وترتفع بستر فرجه ولو بيده ، أو دخوله في بناء أو وراء حائط (2) واستقبال الريح
بين استقباله واستدباره للنهي عن كليهما.
(1) لجملة من الأخبار منها : رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه علیهم السلام قال : « نهى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أن يستقبل الرجل الشمس والقمر بفرجه وهو يبول » (1). ومنها : ما في عوالي اللآلي عن فخر المحققين قال : « قال النبي صلی اللّه علیه و آله لا تستقبلوا الشمس ببول ولا غائط فإنهما آيتان من آيات اللّه » (2). ومنها : مرسلة الكليني قال : وروى أيضاً : لا تستقبل الشمس والقمر (3)ومنها : مرسلة الصدوق قال : وفي خبر آخر : لا تستقبل الهلال ولا تستدبره يعني في التخلِّي - (4)ومنها : غير ذلك من الأخبار.
(2) لعلّه لما في بعض الأخبار من النهي عن البول والفرج باد للقمر يستقبل به (5)نظراً إلى أنه مع الستر أو الدخول في البناء ونحوهما لا يكون الفرج بادياً للقمر. وفيه أن الأخبار الناهية لا تختص بتلك الرواية ، وقد تعلق النهي في جملة منها على استقبال الشمس والقمر أو استقبال الهلال واستدباره ، ولا يفرق في ذلك بين ستر الفرج والدخول في البناء وعدمهما.
1) الوسائل 1 : 342 / أبواب أحكام الخلوة ب 25 ح 1.
2) المستدرك 1 : 272 / أبواب أحكام الخلوة ب 20 ح 2 ، عوالي اللآلي 2 : 189 / 73.
3) الوسائل 1 : 343 / أبواب أحكام الخلوة ب 25 ح 5 ، 3 ، الكافي 3 : 15 / 3 ، الفقيه 1 : 18 / 48.
4) الوسائل 1 : 343 / أبواب أحكام الخلوة ب 25 ح 5 ، 3 ، الكافي 3 : 15 / 3 ، الفقيه 1 : 18 / 48.
5) كما في حديث المناهي قال : « ونهى أن يبول الرجل وفرجه باد للشمس والقمر » ورواية الكاهلي : عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله لا يبولنّ أحدكم وفرجه باد للقمر يستقبل به » الوسائل 1 : 343 / أبواب أحكام الخلوة ب 25 ح 4 ، 2 ثم إن الوجه في حمل الرواية على الكراهة أن الحرمة في المسألة لم تنقل من أصحابنا مع أنها ممّا يكثر الابتلاء به ، والحكم في مثلها لو كان لذاع ولم يخف على المسلمين فضلاً عن الأعلام المحقِّقين ولم تنحصر روايته بواحدة أو اثنتين.
بالبول بل بالغائط أيضاً (1) والجلوس في الشوارع (2)
(1) لما في مرفوعتي محمد بن يحيى وعبد الحميد بن أبي العلاء أو غيره « ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها » (1)ومرفوعة محمد بن علي بن إبراهيم « ولا تستقبل الريح لعلتين ... » (2)وبذلك يظهر أن تخصيص الحكم باستقبال الريح كما صنعه الماتن وبعضهم مما لا وجه له ، للتصريح بالاستدبار في المرفوعتين.
(2) ففي حديث المناهي : « نهى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أن يبول أحد تحت شجرة مثمرة أو على قارعة الطريق » الحديث (3)وفي حديث الأربعمائة : « لا تبل على المحجة ولا تتغوط عليها » (4)وفي دعائم الإسلام عنهم علیهم السلام « أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله نهى عن الغائط فيه أي في الماء ... وعلى الطرق ... » (5)وفي البحار عن العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم « ... ولا يتوضأ على شط نهر جار ... ولا على جواد الطريق » (6)وفي صحيحة عاصم بن حميد عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « قال رجل لعلي بن الحسين علیه السلام أين يتوضأ الغرباء؟ قال : تتقي شطوط الأنهار والطرق النافذة .. » (7)وظاهر النهي في الصحيحة وإن كان حرمة التخلي في تلك الموارد إلاّ أنه لا مناص من حملها على الكراهة ، لتسالم الأصحاب على الجواز في تلك الموارد.
نعم ، عن المفيد (8)والصدوق (9)أنهما عبّرا بعدم الجواز ، ولم يعلم إرادتهما التحريم
1) الوسائل 1 : 301 / أبواب أحكام الخلوة ب 2 ح 2 ، 6.
2) المستدرك 1 : 246 / أبواب أحكام الخلوة ب 2 ح 2.
3) الوسائل 1 : 327 / أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 10.
4) الوسائل 1 : 328 / أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 12.
5) المستدرك 1 : 261 / أبواب أحكام الخلوة ب 12 ح 2 ، دعائم الإسلام 1 : 104.
6) المستدرك 1 : 262 / أبواب أحكام الخلوة ب 12 ح 4 ، البحار 77 : 194 / 53.
7) الوسائل 1 : 324 / أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 1.
8) المقنعة : 41.
9) المقنع : 8.
أو المشارع (1) أو منزل القافلة (2) ، أو دروب المساجد (3)
من ذلك. على أن التخلِّي في تلك المواضع ولا سيما الشوارع والزقاق كان من الأُمور المتعارفة في الأعصار السابقة ، بل الأمر كذلك حتى الآن في بعض الأمصار وكذا في القرى والبوادي ، والحكم في أمثال ذلك ممّا يعم به البلوى غالباً لو كان لاشتهر وبان ، ولورد في غير واحد من الأخبار ولم يكد يخفى على الأعلام الباحثين عن مدارك الأحكام. أضف إلى ذلك أن مساق الصحيحة وظاهرها أنها بصدد بيان السنن والآداب ليتأدب بها الغريب ، وإلاّ فالأحكام الشرعية لا فرق فيها بين الغرباء وغيرهم.
(1) جمع مشرعة وهو مورد الشاربة. وفي مرفوعة علي بن إبراهيم قال : « خرج أبو حنيفة من عند أبي عبد اللّه علیه السلام وأبو الحسن موسى علیه السلام قائم وهو غلام ، فقال له أبو حنيفة : يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم؟ فقال : اجتنب أفنية المساجد وشطوط الأنهار ومساقط الثمار ومنازل النزال ، ولا تستقبل القبلة بغائط ولا بول ، وارفع ثوبك ، وضع حيث شئت » (1)وفي رواية السكوني « نهى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أن يتغوّط على شفير بئر ماء يستعذب منها أو نهر يستعذب أو تحت شجرة فيها ثمرتها » (2)ونظيرها رواية الحصين بن مخارق (3)وفي صحيحة عاصم المتقدِّمة « تتقي شطوط الأنهار ... » وفي وصية النبي صلی اللّه علیه و آله لعلي علیه السلام : « وكره البول على شط نهر جار » (4).
(2) للأمر بالاجتناب عن منازل النزال في مرفوعة القمي المتقدِّمة (5)ورواية إبراهيم بن أبي زياد الكرخي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ثلاث من فعلهن ملعون : المتغوّط في ظل النزال ... » (6).
(3) للأمر بالاجتناب عن أفنية المساجد في مرفوعة القمي المتقدِّمة (7).
1) الوسائل 1 : 324 / أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 2 ، 3 ، 6 ، 9 ، 2 ، 4 ، 2.
2) الوسائل 1 : 324 / أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 2 ، 3 ، 6 ، 9 ، 2 ، 4 ، 2.
3) الوسائل 1 : 324 / أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 2 ، 3 ، 6 ، 9 ، 2 ، 4 ، 2.
4) الوسائل 1 : 324 / أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 2 ، 3 ، 6 ، 9 ، 2 ، 4 ، 2.
5) الوسائل 1 : 324 / أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 2 ، 3 ، 6 ، 9 ، 2 ، 4 ، 2.
6) الوسائل 1 : 324 / أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 2 ، 3 ، 6 ، 9 ، 2 ، 4 ، 2.
7) الوسائل 1 : 324 / أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 2 ، 3 ، 6 ، 9 ، 2 ، 4 ، 2.
أو الدور (1) أو تحت الأشجار المثمرة (2) ولو في غير أوان الثمر (3) والبول قائماً (4)
(1) لعلّه لما ورد في صحيحة عاصم بن حميد المتقدِّمة من قوله علیه السلام « تتقي شطوط الأنهار ... ومواضع اللعن ، فقيل له : وأين مواضع اللّعن؟ قال : أبواب الدور » (1).
(2) وفي صحيحة عاصم المتقدِّمة : « وتحت الأشجار المثمرة » وفي رواية الحسين ابن زيد : « نهى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أن يبول أحد تحت شجرة مثمرة » (2)وفي مرفوعة القمي المتقدِّمة (3)« ومساقط الثمار » وفي رواية السكوني وابن مخارق المتقدمتين : « أو تحت شجرة فيها ثمرتها أو ثمرها » وفي مرسلة الفقيه عن أبي جعفر علیه السلام (4)ووصيّة النبي المتقدِّمة (5)« تحت شجرة أو نخلة قد أثمرت » وفي رواية عبد اللّه بن الحسن : « تحت شجرة مثمرة قد أينعت أو نخلة قد أينعت يعني أثمرت » (6).
(3) ذهب إليه جماعة من المتأخرين ، وإن كانت الأخبار الواردة ظاهرة الاختصاص بحالة وجود الثمرة كما مر.
(4) لجملة من الأخبار : منها : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال : « من تخلى على قبر أو بال قائماً ، أو بال في ماء قائماً أو مشى في حذاء واحد أو شرب قائماً ، أو خلا في بيت وحده وبات على غمر فأصابه شيء من الشيطان لم يدعه إلاّ أن يشاء اللّه ، وأسرع ما يكون الشيطان إلى الإنسان وهو على بعض هذه الحالات » (7)ومنها : مرسلة الصدوق قال : « قال علیه السلام البول قائماً
1) الوسائل 1 : 324 / أبواب أحكام الخلوة ب 15 ، وتقدّم في ص 417.
2) الوسائل 1 : 327 / أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 10.
3) في ص 418.
4) الوسائل 1 : 327 / أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 8 ، الفقيه 1 : 22 / 64.
5) في ص 418.
6) الوسائل 1 : 328 / أبواب أحكام الخلوة ب 15 ح 11.
7) الوسائل 1 : 329 / أبواب أحكام الخلوة ب 16 ح 1.
وفي الحمام (1) وعلى الأرض الصلبة (2) وفي ثقوب الحشرات (3) وفي الماء (4)
من غير علة من الجفاء » (1)ومنها غير ذلك من الأخبار.
(1) استدل عليه بأنه من الصفات المورثة للفقر كما في الخبر (2).
(2) لما ورد من أن « من فقه الرجل أن يرتاد موضعاً لبوله » (3)و « أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله كان أشدّ الناس توقِّياً للبول ، كان إذا أراد البول يعمد إلى مكان مرتفع من الأرض أو إلى مكان من الأمكنة يكون فيه التراب الكثير كراهية أن ينضح عليه البول » (4)وفي الجواهر : يظهر من بعضهم عدم جعله من المكروهات ، بل جعل ارتياد موضع للبول من المستحبات ، والأولى الجمع بينهما للتسامح بكل منهما (5)انتهى.
(3) لما عن النبي صلی اللّه علیه و آله من أنه قال : « لا يبولن أحدكم في جحر » (6)وفي البحار عن أعلام الدين للديلمي قال : « قال الباقر علیه السلام لبعض أصحابه وقد أراد سفراً فقال له : أوصني ، فقال : لا تسيرن شبراً وأنت حاف ... ولا تبولنّ في نفق » الحديث (7).
(4) ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال : « من تخلّى على
1) الوسائل 1 : 352 / أبواب أحكام الخلوة ب 33 ح 3.
2) عن الخصال [ 2 : 504 ] قال أمير المؤمنين علیه السلام « البول في الحمام يورث الفقر ». راجع البحار 77 : 170 / 9 آداب الاستبراء ومثله في المستدرك 1 : 284 / أبواب أحكام الخلوة ب 29 ح 7 وفي وصية النبي صلی اللّه علیه و آله لعلي علیه السلام : « لا يبولنّ الرجل في ماء جار فان فعل ذلك وأصابه شيء فلا يلومنّ إلاّ نفسه » الخصال 2 : 613.
3) الوسائل 1 : 338 / أبواب أحكام الخلوة ب 22 ح 1 ، 2.
4) الوسائل 1 : 338 / أبواب أحكام الخلوة ب 22 ح 1 ، 2.
5) الجواهر 2 : 67.
6) كنز العمال ج 9 ص 364 / 26481.
7) المستدرك 1 : 286 / أبواب أحكام الخلوة ب 29 ح 10. النَّفَق محركة - : سرب في الأرض له مخلص إلى مكان ، والسرب جحر الوحشي ، أعلام الدين : 302.
خصوصاً الراكد (1) وخصوصاً في الليل (2) والتطميح بالبول (3) أي البول في الهواء
قبر أو بال قائماً أو بال في ماء قائماً ... فأصابه شيء من الشيطان ، لم يدعه إلاّ أن يشاء اللّه ... » (1)وفي رواية عن أحدهما علیهماالسلام أنه قال : « لا تشرب وأنت قائم ولا تبل في ماء نقيع ... » (2)وفي مرسلة حكم عن أبي عبد اللّه علیه السلام في حديث قال : « قلت له : يبول الرجل في الماء؟ قال : نعم ولكن يتخوّف عليه من الشيطان » (3)وفي مرسلة مسمع عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « قال أمير المؤمنين علیه السلام إنه نهى أن يبول الرجل في الماء الجاري إلاّ من ضرورة ، وقال : إن للماء أهلاً » (4)وفي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال « لا تشرب وأنت قائم ولا تطف بقبر ، ولا تبل في ماء نقيع ... » (5)إلى غير ذلك من الأخبار.
(1) الخصوصية مستفادة من الجمع بين الأخبار المتقدِّمة الناهية من البول في الماء وبين الأخبار الواردة في المقام كصحيحة الفضيل عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال « لا بأس بأن يبول الرجل في الماء الجاري وكره أن يبول في الماء الراكد » (6)ورواية عنبسة بن مصعب ، قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل يبول في الماء الجاري قال : لا بأس به إذا كان الماء جارياً » (7)إلى غير ذلك من الأخبار ، وذلك لأن مقتضى الجمع بين الطائفتين والتفصيل بين الجاري وغيره في هذه الروايات ، حمل الطائفة الثانية على خفة الكراهة في الجاري ، والأولى على شدتها في الماء الراكد.
(2) علل ذلك بأن الماء للجن بالليل وأنه مسكنهم ، فلا يبال فيه ولا يغتسل لئلاّ تصيبه آفة من جهتهم ، كذا حكي عن العلاّمة (8)والشهيد (9)وغيرهما.
(3) لما في مرسلة الصدوق من أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله نهى أن
1) الوسائل 1 : 329 / أبواب أحكام الخلوة ب 16 ح 1.
2) الوسائل 1 : 340 / أبواب أحكام الخلوة ب 24 ح 1 ، 2 ، 3 ، 6.
3) الوسائل 1 : 340 / أبواب أحكام الخلوة ب 24 ح 1 ، 2 ، 3 ، 6.
4) الوسائل 1 : 340 / أبواب أحكام الخلوة ب 24 ح 1 ، 2 ، 3 ، 6.
5) الوسائل 1 : 340 / أبواب أحكام الخلوة ب 24 ح 1 ، 2 ، 3 ، 6.
6) الوسائل 1 : 143 / أبواب الماء المطلق ب 5 ح 1 ، 2.
7) الوسائل 1 : 143 / أبواب الماء المطلق ب 5 ح 1 ، 2.
8) نهاية الأحكام 1 : 83.
9) الذكرى : 20 السطر 22.
والأكل (1) والشرب حال التخلِّي بل في بيت الخلاء مطلقاً (2) والاستنجاء باليمين (3) وباليسار إذا كان عليه خاتم فيه اسم اللّه (4)
يطمح الرجل ببوله في الهواء من السطح أو من الشيء المرتفع (1)وغيرها.
(1) لمرسلة الفقيه قال : « دخل أبو جعفر الباقر علیه السلام الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر فأخذها وغسلها ودفعها إلى مملوك معه فقال : تكون معك لآكلها إذا خرجت فلما خرج علیه السلام قال للملوك : أين اللقمة؟ فقال : أكلتها يا ابن رسول اللّه فقال علیه السلام إنها ما استقرت في جوف أحد إلاّ أوجبت له الجنة ، فاذهب فأنت حر فإني أكره أن استخدم رجلاً من أهل الجنّة » (2)وغيرها من الأخبار المتحدة معها في المفاد.
وتقريب الاستدلال بها أن قوله علیه السلام « تكون معك لآكلها إذا خرجت » يكشف عن مرجوحية الأكل في بيت الخلاء ، لأنه لولا مرجوحيته لم يكن علیه السلام يؤخر أكل اللقمة بوجه ، لعلمه بأنّها ما استقرت في جوف أحد إلاّ أوجبت له الجنة. نعم لا دلالة لها على كراهة الأكل حال التخلي وإن استدلّ بها بعضهم على كراهة الأكل حالئذ.
(2) إلحاقاً له بالأكل بحسب الفتوى.
(3) لجملة من الأخبار كما مرّ (3).
(4) كما عن المبسوط (4)والمهذب (5)والوسيلة (6)والتذكرة (7)وغيرها للاخبار المتضافرة.
منها : رواية الحسين بن خالد عن أبي الحسن الثاني علیه السلام قال « قلت له : إنّا روينا في الحديث أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله كان يستنجي وخاتمه في إصبعه وكذلك كان يفعل أمير المؤمنين علیه السلام وكان نقش خاتم رسول اللّه : محمّد رسول اللّه ، قال : صدقوا ، قلت : فينبغي لنا أن نفعل قال : إن أُولئك كانوا يتختّمون في اليد اليمنى فإنّكم أنتم تتختّمون في اليسرى » (1).
ومنها : رواية عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام أنه قال : « لا يمس الجنب درهماً ولا ديناراً عليه اسم اللّه تعالى ، ولا يستنجي وعليه خاتم فيه اسم اللّه ... » (2)لعدم القول بالفصل بين الجنب وغيره ، وغير ذلك من الروايات.
وفي قبالها رواية وهب بن وهب عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « كان نقش خاتم أبي : العزة لله جميعاً وكان في يساره يستنجي بها ، وكان نقش خاتم أمير المؤمنين علیه السلام الملك لله وكان في يده اليسرى يستنجي بها » (3)إلاّ أنها ساقطة عن الاعتبار بوجوه :
أحدها : أنها رواية شاذة لا تقاوم الأخبار المتضافرة في المقام.
وثانيها : أنها معارضة في موردها لاشتمالها على أن النبي والوصي علیهماالسلام كانا يتختّمان باليسار ، مع أن رواية الحسين بن خالد المتقدِّمة صريحة في أنهما كانا يتختمان باليمين ، ومعه لا بدّ من حمل رواية وهب على التقية لموافقتها العامة (4).
وثالثها : أن الرجل عامي خبيث ومعروف بالكذب على اللّه وملائكته ورسله ، بل قيل إنه أكذب البرية وهو يروي المنكرات فلا يصغي إلى روايته أبداً ، ولا يقاس ضعفه بضعف غيره من الرّواة.
ويُستفاد من بعض الأخبار كراهة إدخال الخاتم الذي فيه اسم اللّه على الخلاء وإن
1) الوسائل 1 : 331 / أبواب أحكام الخلوة ب 17 ح 3 ، 5 ، 8.
2) الوسائل 1 : 331 / أبواب أحكام الخلوة ب 17 ح 3 ، 5 ، 8.
3) الوسائل 1 : 331 / أبواب أحكام الخلوة ب 17 ح 3 ، 5 ، 8.
4) في تفسير روح البيان ج 4 ص 142 الأصل التختم باليمين ولما صار شعار أهل البدعة والظلمة صارت السنة أن يجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى في زماننا.
وطول المكث في بيت الخلاء (1) والتخلِّي (3) على قبور المؤمنين إذا لم يكن هتكاً
لم يكن في اليد التي يستنجي بها ، كما في رواية عمار المتقدِّمة حيث ورد في ذيلها : « ولا يدخل المخرج وهو عليه » ورواية أبي أيوب قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : أدخُل الخلاء وفي يدي خاتم فيه اسم من أسماء اللّه تعالى؟ قال : لا ، ولا تجامع فيه » (1)إلاّ أنهما محمولتان على صورة ما إذا كان الخاتم في اليد التي يستنجي بها ، وذلك لما دلت عليه رواية الحسين بن خالد المتقدِّمة من أن النبي والولي علیهماالسلام كانا يتختّمان باليمين ويدخلان الخلاء ، ويستنجيان وخاتمهما في إصبعيهما.
(1) لجملة من الأخبار الواردة في أن طول الجلوس على الخلاء يورث الباسور منها : مرسلة الصدوق قال « قال أبو جعفر علیه السلام طول الجلوس على الخلاء يورث الباسورة » (2).
(2) للأخبار الدالّة على أن التغوّط بين القبور مما يتخوّف منه الجنون (3)أو أن من تخلّى على قبر فأصابه شيء من الشيطان لم يدعه إلاّ أن يشاء اللّه (4)وفي بعض الروايات النبوية : « إياكم والبول على المقابر فإنّه يورث البرص » (5)وأن من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوّط فكأنما جلس على جمرة من نار (6).
(3) قال في كشف الغطاء : يكره التخلي على القبر حيث لا يكون محترماً ، وإذا كان محترماً فمحرم وربما كان مكفراً ، ويقوى استثناء قبر الكافر والمخالف (7)، ولكن النصوص والفتاوى خاليتان عن التقييد بالمؤمن كما لا يخفى.
1) الوسائل 1 : 330 / أبواب أحكام الخلوة ب 17 ح 1.
2) الوسائل 1 : 336 / أبواب أحكام الخلوة ب 20 ح 2.
3) الوسائل 1 : 329 / أبواب أحكام الخلوة ب 16 ح 2 ، 1.
4) الوسائل 1 : 329 / أبواب أحكام الخلوة ب 16 ح 2 ، 1.
5) كنز العمال 9 : 364 / 26483.
6) كنز العمال ج 9 ، 364 / 26484.
7) كشف الغطاء : 118 السطر 15.
وإلاّ كان حراماً (1) واستصحاب الدرهم البيض (2) بل مطلقاً (3) إذا كان عليه اسم اللّه (4) أو محترم آخر ، إلاّ أن يكون مستوراً (5) والكلام (6) في غير الضرورة (7)
(1) لحرمة هتك المؤمن حيّاً وميِّتاً.
(2) لما رواه غياث عن جعفر عن أبيه علیه السلام أنه كره أن يدخل الخلاء ومعه درهم أبيض إلاّ أن يكون مصروراً (1).
(3) قيل لأنه لا يفهم الخصوصية للأبيض بعد تقييده بما كان عليه اسم اللّه ، لقرب دعوى أن الوجه في الكراهة حينئذ هو احترام الكتابة. وفيه ما لا يخفى على الفطن.
(4) لعلّه لمعروفية نقش ذلك على الدراهم البيض في ذلك العصر ، كذا في الجواهر (2).
(5) لقوله علیه السلام في الرواية المتقدِّمة : « إلاّ أن يكون مصروراً » كما مرّ.
(6) لرواية أبي بصير قال : « قال لي أبو عبد اللّه علیه السلام : لا تتكلم على الخلاء فإنّه من تكلم على الخلاء لم تقض له حاجة » (3)ورواية صفوان عن أبي الحسن الرضا علیه السلام أنه قال : « نهى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أن يجيب الرجل آخر وهو على الغائط ، أو يكلمه حتى يفرغ » (4)وعن المحاسن عن أمير المؤمنين علیه السلام « ترك الكلام في الخلاء يزيد في الرزق » (5).
(7) كما إذا اضطر إلى التكلم لأجل حاجة يضر فوتها ، وقد علله في مصباح الفقيه بانتفاء الحرج والضرر لحكومة أدلتهما على العمومات المثبتة للأحكام (6).
وفيه : أن أدلّة نفي الحرج والضرر ناظرة إلى نفي الأحكام الإلزامية الحرجية أو
إلاّ بذكر اللّه (1) أو آية الكرسي (2)
الضررية ، ولا تشمل الأحكام غير الإلزامية إذ لا حرج في فعل المستحب وترك المكروه ، ولا امتنان في رفعهما لمكان الترخيص في ترك أحدهما وارتكاب الآخر وأدلة نفي الضرر مسوقة للامتنان فلا يجري فيما لا امتنان فيه.
(1) لصحيحة أبي حمزة عن أبي جعفر علیه السلام قال : « مكتوب في التوراة التي لم تغيّر أن موسى سأل ربه فقال : إلهي إنه يأتي عليَّ مجالس أُعزك وأُجلك أن أذكرك فيها ، فقال : يا موسى ، إن ذكرى حسن على كل حال » (1)وحديث الأربعمائة عن أمير المؤمنين علیه السلام قال : « اذكروا اللّه عزّ وجلّ في كل مكان فإنّه معكم » (2)وغيرهما من الروايات.
(2) لرواية عمر بن يزيد قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن التسبيح في المخرج وقراءة القرآن؟ قال : لم يرخص في الكنيف أكثر من آية الكرسي ويحمد اللّه ، وآية على رواية الشيخ وآية الحمد لله ربّ العالمين على رواية الصدوق (3)وهي على طريقه صحيحة بناء على أن عمر بن يزيد هو عمر بن محمّد بن يزيد بياع السابري وفي بعض الأخبار المروية عن أبي عبد اللّه علیه السلام سألته أتقرأ النفساء والحائض والجنب والرجل يتغوّط القرآن؟ قال يقرءون ما شاؤوا » (4)وهي بظاهرها تقتضي عدم كراهية قراءة القرآن مطلقاً. وفي الجواهر : لم أعثر على مفت به بل صرح بعضهم بكراهة ما عداها (5)وهو مقتضى الجمع بين الروايتين لصراحة الاولى في المنع وعدم الترخيص في الزائد على آيتي الكرسي والحمد ، والثانية تقتضي الجواز ، والجمع بين المنع والجواز ينتج الكراهة.
أو حكاية الأذان (1) أو تسميت العاطس (2)
[459] مسألة 1 : يكره حبس البول أو الغائط (3) وقد يكون حراماً إذا كان مضرّاً (4) وقد يكون واجباً كما إذا كان متوضئاً ولم يسع الوقت للتوضؤ بعدهما
(1) لرواية أبي بصير قال : « قال أبو عبد اللّه علیه السلام : إن سمعت الأذان وأنت على الخلاء فقل مثل ما يقول المؤذن ، ولا تدع ذكر اللّه عزّ وجلّ في تلك الحال ، لأن ذكر اللّه حسن على كل حال » (1)وصحيحة محمد بن مسلم المروية عن العلل عن أبي جعفر علیه السلام قال : « قال له : يا محمد بن مسلم لا تدعن ذكر اللّه على كل حال ، ولو سمعت المنادي ينادي بالأذان وأنت على الخلاء فاذكر اللّه عزّ وجلّ وقل كما يقول المؤذن » (2)ورواية سليمان بن مقبل المديني قال : « قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر علیه السلام لأي علة يستحب للإنسان إذا سمع الأذان أن يقول كما يقول المؤذن وإن كان على البول والغائط؟ فقال : لأن ذلك يزيد في الرزق » (3).
(2) لرواية مسعدة بن صدقة عن جعفر عن أبيه علیهماالسلام قال : « كان أبي يقول : إذا عطس أحدكم وهو على خلاء فليحمد اللّه في نفسه » (4)هذا إن أُريد بالتسميت تحميد العاطس نفسه ، وأما لو أُريد به ظاهره وهو الدعاء للغير عند العطاس ، فلم ترد رواية في استثنائه في المقام ، نعم يمكن أن يندرج تحت مطلق الذكر.
(3) وفي الرسالة الذهبية : « ومن أراد أن لا يشتكي مثانته فلا يحبس البول ولو على ظهر الدابة » (5)وفي الفقه الرضوي : « وإذا هاج بك البول فبل » (6)هذا كله في البول ، وأما الغائط فلم نعثر على رواية تدل على كراهة حبسه ولو على مسلك القوم فلاحظ.
(4) لا يمكن المساعدة على ما أفاده بإطلاقه ، لأن الإضرار بإطلاقه لم تثبت حرمته
1) الوسائل 1 : 314 / أبواب أحكام الخلوة ب 8 ح 2 ، 1 ، 3.
2) الوسائل 1 : 314 / أبواب أحكام الخلوة ب 8 ح 2 ، 1 ، 3.
3) الوسائل 1 : 314 / أبواب أحكام الخلوة ب 8 ح 2 ، 1 ، 3.
4) الوسائل 1 : 313 / أبواب أحكام الخلوة ب 7 ح 9.
5) المستدرك 1 : 284 / أبواب أحكام الخلوة ب 29 ح 4 ، الرسالة الذهبية : 35.
6) المستدرك 1 : 284 / أبواب أحكام الخلوة ب 29 ح 5 ، فقه الرضا : 340.
والصلاة وقد يكون مستحباً كما إذا توقف مستحب أهم عليه (1).
[460] مسألة 2 : يستحب البول (2) حين إرادة الصلاة وعند النوم ، وقبل
بدليل ، وإنما يحرم بعض المراتب منه كما إذا أدى إلى تلف النفس ونحوه.
(1) وجوب الصلاة مع الطهارة المائية عند التمكّن من الماء وإن كان مما لا تردد فيه ، إلاّ أنه لا ملازمة بين وجوب ذي المقدّمة ومقدّمته ، ولا وجوب شرعي للمقدّمة كما ذكرناه في محلِّه ، فلا وجه للحكم بوجوب الحبس من تلك الجهة ، وأما الحكم بوجوبه من جهة حرمة تفويت القدرة وعدم جواز تعجيز النفس عن الصلاة الاختيارية المأمور بها فهو أيضاً كسابقه ، لأن لازم ذلك الحكم بحرمة البول وترك الحبس لا الحكم بوجوب الحبس ، نعم لا مانع من الحكم بوجوبه عقلاً لعدم حصول الواجب إلاّ به ، ومن هذا يظهر الكلام في الحكم باستحباب حبس البول إن توقف عليه مستحب آخر أهم.
(2) الموارد التي ذكرها الماتن قدس سره في هذه المسألة لم يثبت استحباب البول فيها بدليل ، نعم ورد في الخصال عن أمير المؤمنين علیه السلام أنه قال لابنه الحسن علیه السلام : « ألا أُعلمك أربع خصال تستغني بها عن الطب؟ قال : بلى ، قال : لا تجلس على الطعام إلاّ وأنت جائع ، ولا تقم من الطعام إلاّ وأنت تشتهيه ، وجوّد المضغ ، وإذا نمت فاعرض نفسك على الخلاء ، فاذا استعملت هذا استغنيت عن الطب » (1)وفي من لا يحضره الفقيه : « من ترك البول على أثر الجنابة أوشك تردّد بقيّة الماء في بدنه فيورثه الداء الذي لا دواء له » (2)وفي الجعفريات عن علي علیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : « إذا جامع الرجل فلا يغتسل حتى يبول مخافة أن يتردد بقية المني فيكون منه داء لا دواء له » (3).
الجماع ، وبعد خروج المني ، وقبل الركوب على الدابة ، إذا كان النزول والركوب صعباً عليه ، وقبل ركوب السفينة إذا كان الخروج صعباً.
[461] مسألة 3 : إذا وجد لقمة خبز في بيت الخلاء يستحب أخذها وإخراجها وغسلها ، ثم أكلها (1).
وهي أُمور : الأوّل والثاني : البول والغائط من الموضع الأصلي ولو غير معتاد ، أو من غيره مع انسداده ، أو بدونه بشرط الاعتياد أو الخروج على حسب المتعارف. ففي غير الأصلي مع عدم الاعتياد وعدم كون الخروج على حسب المتعارف إشكال ، والأحوط النقض مطلقاً خصوصاً إذا كان دون المعدة (2).
فعلى طريقتهم لا مانع من التمسك بالرواية الأُولى على استحباب البول والغائط عند النوم ، لا خصوص البول كما في المتن وبالروايتين الأخيرتين على استحبابه بعد الجماع وبعد خروج المني ، لا قبل الجماع كما في المتن.
(1) لما ورد من أن أبا جعفر الباقر علیه السلام أو الحسين بن علي علیه السلام دخل الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر فأخذها وغسلها ودفعها إلى مملوك معه فقال : تكون معك لآكلها إذا خرجت ، فلما خرج قال للمملوك : أين اللّقمة؟ فقال : أكلتها يا ابن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال علیه السلام : إنها ما استقرت في جوف أحد إلاّ وجبت له الجنة فاذهب فأنت حر ، فإني أكره أن أستخدم رجلاً من أهل الجنّة (1).
فصل في موجبات الوضوء ونواقضه
(2) لا إشكال ولا خلاف في أن البول والغائط الخارجين من الموضع الخلقي
1) الوسائل 1 : 361 / أبواب أحكام الخلوة ب 39 ح 1 ، 2.
الطبيعي ناقضان للوضوء بمقتضى النصوص المتواترة : منها : صحيحة زرارة عن أحدهما علیهماالسلام قال : « لا ينقض الوضوء إلاّ ما خرج من طرفيك أو النوم » (1)ومنها : صحيحته الثانية : « قلت لأبي جعفر وأبي عبد اللّه علیهماالسلام : ما ينقض الوضوء؟ فقالا : ما يخرج من طرفيك الأسفلين : من الذكر والدبر من الغائط والبول ... » الحديث (2)ومنها غير ذلك من الأخبار.
بل قامت على ذلك ضرورة الإسلام وإن لم يكن خروجهما من المخرج الطبيعي أمراً اعتيادياً للمكلف ، كما إذا جرت عادته على البول والغائط من غير سبيليهما الأصليين لعارض ، حيث تشمله النصوص المتقدِّمة الواردة في أن الخارج من الطرفين اللّذين أنعم اللّه بهما عليك ينقض الوضوء كالبول والغائط والريح ، وأما مثل القيح والمذي ونحوهما فهو إنما خرج بالدليل. ولا يفرق في ذلك بين أن يكون أخذ الخروج من الطرفين في لسان الروايات المتقدِّمة من جهة المعرفية لما هو الناقض حقيقة أعني البول والغائط ونحوهما ، وإن لم يصرح علیه السلام باسمهما ، وبين كونه من جهة الموضوعية بأن يترتّب الأثر على خروجهما من سبيلهما الطبيعيين لا على نفس البول والغائط الخارجين ، لأنّ النصوص على كلا الفرضين شاملة للبول والغائط الخارجين من سبيليهما الطبيعيين وإن كانت عادته على خلافه ، فهذا مما لا تأمل فيه.
وإنما الكلام فيما يخرج من غير المخرج الطبيعي إذا كانت عادته على البول والغائط من سبيلهما الأصليين ، بأن لا ينسد المخرج الطبيعي وانفتح غيره ، فهل ينقض به الوضوء؟ فيه خلاف بين الأعلام ، والمشهور عدم النقض إلاّ مع الاعتياد. وعن الشيخ قدس سره التفصيل بين الخارج مما دون المعدة وما فوقها والتزم بالنقض في الأول دون الأخير (3). وعن السبزواري قدس سره عدم النقض مطلقاً أي مع الاعتياد وعدمه (4). واختاره صاحب الحدائق قدس سره (5)وذهب جماعة منهم المحقق
الهمداني قدس سره إلى النقض مطلقاً (1).
وما التزم به المشهور هو الصحيح ، وذلك لأن حمل « ما خرج من طرفيك الأسفلين » الوارد في جملة من الأخبار على المعرفية المحضة بعيد ، ويزيد في الاستبعاد صحيحة زرارة « قلت لأبي جعفر وأبي عبد اللّه علیهماالسلام : ما ينقض الوضوء؟ فقالا : ما يخرج من طرفيك الأسفلين من الذكر والدبر : من الغائط والبول أو مني أو ريح ، والنوم حتى يذهب العقل » (2)حيث صرحت بالذكر والدبر والغائط والبول ، فلو كان المناط في النقض مجرد خروج البول والغائط ، ولم يكن للخروج من السبيلين أثر ودخل ، كان ذكر الأسفلين وتفسيرهما بالذكر والدبر لغواً لا محالة ، فهذه الصحيحة وغيرها مما يشتمل على العنوان المتقدم أعني قوله « ما خرج من طرفيك » واضحة الدلالة على أن للخروج من السبيلين مدخلية في الانتقاض فلا ينتقض الوضوء بما يخرج من غيرهما.
وعلى الجملة : إنّ من خرج غائطه أو بوله من غير المخرجين من دون أن يكون ذلك عاديا له ، كما إذا خرج بوله بالإبرة المتداولة في العصور المتأخرة ، لا يمكننا الحكم بالانتقاض في حقه لعدم شمول الأخبار له.
ودعوى أن الاستدلال بقوله : « من طرفيك الأسفلين » ونحوه من العبائر الواردة في الأخبار من الاستدلال بالمفهوم ، ولا مفهوم للقيود ، مندفعة بأن المفهوم فيها للحصر لا للقيد ، حيث إن زرارة في الصحيحة المتقدِّمة سألهما علیهماالسلام عمّا ينقض الوضوء فقالا وهما في مقام البيان - : « ما يخرج من طرفيك الأسفلين » فهو حصر للناقض فيما يخرج من الطرفين.
ثم إنّ الصحيحة في الوافي (1)والحدائق (2)والكافي (3)والفقيه (4)قد نقلت كما نقلناه أي بعطف كل من البول والمني والريح ب- « أو » ولم يعطف البول فيها بالواو والمني والريح بأو كما في الوسائل ، ومعه لا تشويش في الرواية بوجه ، ولا حاجة إلى دعوى أن المني معطوف على اسم الموصول ، والبول على الغائط وهما أي البول والغائط بيان للموصول وتفسير له ، بل الصحيح أن المذكورات في الصحيحة عدا النوم تفسير للموصول بأجمعها ، وكأنها اتي بها تقييداً لإطلاق « ما يخرج من طرفيك الأسفلين » وبياناً لعدم انتقاض الوضوء بكل ما يخرج من الطرفين ، وأنه إنما ينتقض بالمذكورات الأربعة إذا خرجت من السبيلين.
نعم ، لا مناص من الالتزام بالنقض فيما إذا كان الخروج من غير السبيلين الأصليين اعتيادياً للمكلف لانسداد المخرج الطبيعي ، وذلك لأن الصحيحة وغيرها من الأخبار المتقدِّمة غير ناظرة إلى تلك الصورة إثباتاً ونفياً ، إذ الخطاب في الصحيحة شخصي قد وجه إلى زرارة وهو كان سليم المخرجين ، وحيث لا يحتمل أن تكون له خصوصية في الحكم بتاتاً كان الحكم شاملاً لغيره من سليمي المخرجين ، وأما غير المتعارف السليم كمن لم يخلق له مخرج بول أو غائط أصلاً فالصحيحة غير متعرضة لحكمه ، وهذا لا للانصراف كي يدفع بأنه بدوي لا اعتبار به بل لما عرفت من أن الخطاب في الصحيحة شخصي ، إذن نرجع فيه إلى إطلاق قوله عزّ من قائل ( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ) (5)والخطاب فيها للعموم ، فاذا ذهب إلى حاجته فرجع صدق أنه جاء من الغائط وانتقضت طهارته وإن خرج غائطه من غير المخرج الأصلي.
ودعوى أن ظواهر الكتاب ليست بحجة أو أن الاستدلال بها نوع تخمين وتخريج كما في كلام صاحب الحدائق قدس سره (1)مندفعة بما ذكرناه في محله من أن الظواهر لا فرق في حجيتها بين الكتاب وغيره ، كما أن الاستدلال بالآية ليس من التخمين في شيء لأنه استدلال بالإطلاق والظهور.
وإلى إطلاق صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه علیه السلام « لا يوجب الوضوء إلاّ من غائط أو بول أو ضرطة تسمع صوتها أو فسوة تجد ريحها » (2)وحملها على الغائط والبول الخارجين على النحو المتعارف كما صنعه صاحب الحدائق قدس سره مما لا وجه له ، لأنه تقييد على خلاف الظهور والإطلاق ، فما ذهب إليه السبزواري وصاحب الحدائق قدس سرهما من عدم انتقاض الوضوء بالبول والغائط الخارجين من غير المخرجين الطبيعيين مطلقاً ولو مع الاعتياد وانسداد المخرجين الأصليين مما لا يمكن المساعدة عليه. على أن لازمه انحصار الناقض في من خرج بوله وغائطه من غير المخرجين الأصليين بالنوم ، وهو من البعد بمكان.
وأما التفصيل بين الخارج مما دون المعدة وما فوقها كما عن الشيخ قدس سره فهو أيضاً لا دليل عليه ، ولعل نظره قدس سره إلى تعيين ما هو الموضوع في الحكم بالانتقاض وأن ما خرج عما فوق المعدة لا يصدق عليه الغائط حتى يحكم بناقضيته ، لوضوح أن الغذاء الوارد على المعدة إنما يصدق عليه الغائط إذا انهضم وانحدر إلى الأمعاء وخلع الصورة النوعية الكيلوسية التي كان متصفاً بها قبل الانحدار ، وأما إذا لم ينحدر من المعدة بل خرج عما فوقها ، فلا يطلق عليه الغائط لدى العرف بل يعبّر عنه بالقيء.
وأما القول بالانتقاض ولو مع غير الاعتياد وهو الذي اختاره المحقق الهمداني قدس سره فقد ظهر الجواب عنه مما ذكرناه في تأييد القول المختار فلا نعيد.
فالأقوى هو القول المشهور ، وإن كان القول بالنقض مطلقاً هو الأحوط.
ولا فرق فيهما بين القليل والكثير (1) حتى مثل القطرة ، ومثل تلوّث رأس شيشة الاحتقان بالعذرة. نعم الرطوبات الأُخر غير البول والغائط الخارجة من المخرجين ليست ناقضة (2) وكذا الدود أو نوى التمر ونحوهما إذا لم يكن متلطخاً بالعذرة (3).
الثالث : الريح (4)
(1) لإطلاق الأدلّة ، وتوهّم اختصاصها بالكثير نظراً إلى أنه المتعارف من البول والغائط ، مندفع بأن الكثير منهما وإن كان متعارفاً كما ذكر إلاّ أن قليلهما أيضاً متعارف لأنهما قد يخرجان بالقلة وقد يخرجان بالكثرة ، هذا على أن الناقضية حكم مترتب على طبيعي البول والغائط ولا مدخلية في ذلك للكمّ.
مضافاً إلى النصوص الواردة في بعض الصغريات ، كالأخبار الواردة في البلل المشتبه وأنه قبل الاستبراء ناقض للوضوء (1)وذلك لأن البلل المشتبه الخارج بعد البول أو المني قليل غايته ، فاذا كان المشتبه بالبولية ناقضاً للوضوء وهو قليل ، فالقليل مما علم بوليته ينقض الوضوء بالأولوية القطعية.
وما ورد في أن ما يخرج من الدبر من حب القرع والديدان لا ينقض الوضوء إلاّ أن يكون متلطخاً بالعذرة (2)فان ما يحمله الحب والديدان من العذرة ليس إلاّ قليلاً.
(2) لحصر النواقض فيما يخرج من السبيلين من البول والغائط والريح والمني ، مضافاً إلى النصوص الواردة في عدم انتقاض الوضوء بالمذي والودي ونحوهما (3).
(3) لحصر النواقض ، وللأخبار الواردة في عدم انتقاض الوضوء بما يخرج من الدبر من حب القرع والديدان إلاّ أن يكون متلطخاً بالعذرة (4)
(4) انتقاض الوضوء بالريح من المسائل المتسالم عليها بين الفريقين ، والنصوص في ذلك متضافرة منها : الصحاح المتقدِّمة لزرارة فليراجع ، فلا خلاف في أصل المسألة
الخارج (1)من مخرج الغائط إذا كان من المعدة (1) صاحب صوتاً أو لا (2)
وإنما الكلام في بعض خصوصياتها.
(1) الكلام في ذلك هو الكلام في البول والغائط ، فان مقتضى الحصر في الأخبار المتقدِّمة ولا سيما الصحيحة الثانية لزرارة عدم الانتقاض بما يخرج من غير السبيلين سواء كان ريحاً أو بولاً أو غائطاً ، إلاّ أن ذلك يختص بالأشخاص المتعارفين أعني سليمي المخرجين ، لما مرّ من أن الخطاب في الصحيحة شخصي موجه إلى زرارة وهو سليم المخرجين ، فمن انسد سبيلاه وخرج ريحه من غير المخرجين فهو غير مشمول للأخبار ولا بدّ فيه من الالتزام بانتقاض الوضوء كما عرفته في البول والغائط ، فإنّ الصحيحة ساكتة عن مثله وغير متعرضة لحكمه إثباتاً ونفياً ، فلا مناص من الرجوع فيه إلى المطلقات كصحيحة زرارة الثالثة الدالّة على أنه لا يوجب الوضوء إلاّ غائط أو بول أو ضرطة تسمع صوتها أو فسوة تجد ريحها (2).
(2) لإطلاق الصحيحة الثانية لزرارة وغيرها من الأخبار الواردة في المقام ، ولا مجال لتقييدها بما في الصحيحة الثالثة له : « لا يوجب الوضوء إلاّ من غائط أو بول أو ضرطة تسمع صوتها أو فسوة تجد ريحها » (3)وذلك لأن القيد فيها لم يذكر للاحتراز بل الوجه في التقييد به أحد أمرين :
أحدهما : أن يكون الإتيان به لبيان الطبيعة والنوع ، وهو المعبّر عنه بالقيد التوضيحي وقيد الطبيعة ، لعدم احتمال أن يكون السماع أو الوجدان الشخصيين دخيلاً في ناقضية الريح ، بأن اعتبر في الانتقاض بهما سماع من خرجت منه أو وجدانه ، فلو خرجت منه الريح وهو لم يسمع صوتها ولو لمانع خارجي من صوت غالب عليه أو صمم ونحوهما لم ينتقض وضوءه وإن سمعها غيره من المكلفين ، ومن هنا لم يفرض في الصحيحة خروج الريح من زرارة أي ممن يسمع صوتها ، وإنما دلت على أن الريح
دون ما خرج من القُبْل (1) أو لم يكن من المعدة كنفخ الشيطان أو إذا دخل من الخارج ثم خرج.
الناقضة هي التي تسمع صوتها. إذن ليس القيد إلاّ لبيان نوع الريح الناقض للوضوء وأن الريح نوعان أحدهما : ما لا ينفك عن الصوت وإلاّ لم تسم ضرطة ، وثانيهما : ما يستشم رائحته نوعاً.
وثانيهما : أن يكون الإتيان به لبيان أن انتقاض الطهارة مترتب على الريح المحرزة بسماع صوتها أو استشمام رائحتها عادة ، فلا أثر للريح المشكوكة الحدوث ، فان الشيطان قد ينفخ في دبر الإنسان حتى يخيل إليه أنه خرجت منه الريح ، فلا ينقض الوضوء إلاّ ريح تسمعها أو تجد ريحها كما في صحيحة معاوية بن عمار (1)وورد في صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه : « أن إبليس يجلس بين إليتي الرجل فيحدث ليشككه » (2)فالتقييد بسماع الصوت واستشمام الرائحة من جهة أنهما طريقان عاديان للعلم بتحققها وغير مستند إلى مدخليتهما في الحكم بالانتقاض ، ومن هنا ورد في صحيحة علي بن جعفر المروية في كتابه عن أخيه علیه السلام بعد السؤال عن رجل يكون في الصلاة فيعلم أن ريحاً قد خرجت فلا يجد ريحها ولا يسمع صوتها قال : يعيد الوضوء والصلاة ولا يعتد بشيء مما صلّى إذا علم ذلك يقيناً (3).
(1) لا يتفق هذا في الرجال ، وعن جماعة أن ذلك يتفق في قبل النساء وأنه سبب للانتقاض ، معللين ذلك بأن له منفذاً إلى الجوف فيمكن الخروج من المعدة إليه. والصحيح عدم الانتقاض به كما ذكره الماتن قدس سره وذلك لأن الريح ليست ناقضة بإطلاقها وطبيعيها ، وإنما الناقض هو الريح المعنونة بالضرطة أو الفسوة كما في الصحيحة المتقدِّمة آنفاً ، والريح الخارجة من القبل لا تسمّى ضرطة ولا فسوة ، وكذا الحال فيما لم يخرج من المعدة كنفخ الشيطان أو الريح الداخلة من الخارج بالاحتقان ونحوه ، إذ لا يطلق عليهما شيء من العنوانين المتقدِّمين.
الرابع : النوم مطلقاً وإن كان في حال المشي إذا غلب على القلب والسمع والبصر ، فلا تنقض الخفقة إذا لم تصل إلى الحد المذكور (1).
(1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات :
الاولى : أن ناقضية النوم للوضوء في الجملة مما لا شبهة فيه ، ويدلُّ عليه من الكتاب قوله عزّ من قائل ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ... ) (1)وذلك بأحد وجهين :
أحدهما : أن المراد بالقيام في الآية المباركة هو القيام من النوم ، وذلك لموثقة ابن بكير قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ... ) ما يعني بذلك؟ قال : إذا قمتم من النوم ، قلت : ينقض الوضوء؟ فقال : نعم إذا كان يغلب على السمع ولا يسمع الصوت » (2)وقد نقل عن العلاّمة في المنتهي (3)والشيخ في التبيان (4)إجماع المفسِّرين عليه ، فالآية المباركة ببركة الموثقة والإجماع قد دلت على أن النوم ينقض الوضوء وأنه سبب في إيجابه.
وثانيهما : أن الآية المباركة في نفسها مع قطع النظر عن الإجماع والموثقة تدل على وجوب الوضوء عند مطلق القيام ، سواء أُريد به القيام من النوم أو من غيره ، وإنما خرجنا عن إطلاقها في المتطهر بالإجماع والضرورة القائمين على أن المتطهر لا يجب عليه التوضؤ ثانياً ، سواء قام أم لم يقم ، فالآية المباركة بإطلاقها دلت على وجوب التوضؤ عند القيام من النوم.
وأمّا ما دلّ عليه من السنة فهو جملة كثيرة من الأخبار قد وردت من طرقنا وطريق العامّة (5)تقدمت جملة من رواياتنا في التكلم على ناقضية البول والغائط
1) المائدة 5 : 6.
2) الوسائل 1 : 253 / أبواب نواقض الوضوء ب 3 ح 7.
3) المنتهي 1 : 195.
4) لاحظ التبيان 3 : 448.
5) سنن البيهقي ج 1 ص 118 باب الوضوء من النوم عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي عن علي بن أبي طالب عن رسول اللّه قال : إنما العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ. السه بفتح السين المهملة وضمها ثم الهاء المخفّفة العجز وقد يراد به حلقة الدبر. وقد أخرجه أبو داود في سننه ج 1 ص 52 وابن ماجة في سننه ج 1 ص 161 ورواه ابن تيمية في المنتقى مع شرحه نيل الأوطار ج 1 ص 241 وفي كنز العمال ج 9 ح 342 إلى غير ذلك من الروايات.
والريح ، وستطلع على جملة أُخرى منها في التكلم على جهات المسألة وخصوصياتها إن شاء اللّه. وبالجملة إن المسألة متفق عليها بين الفريقين ، نعم نسب الخلاف في ذلك إلى الأوزاعي من العامة وإلى الصدوق ووالده قدس سرهما (1).
أما صحّة النسبة إلى الأوزاعي وعدمها فلا سبيل لنا إلى استكشافها (2).
وأما ما نسب إلى الصدوق ووالده فهو من البعد بمكان ، كيف وقد دلت على ذلك الآية المباركة ووردت فيه أخبار متضافرة قابلة للاعتماد عليها في الأحكام ، منها
1) حكاه عنهما في المختلف 1 : 89 المسألة 48.
2) لأنّ نسبة الخلاف إليه وإن كانت موجودة في المحلى ج 1 ص 224 حيث قال : وذهب الأوزاعي إلى أن النوم لا ينقض الوضوء كيف كان ، إلاّ أن المصرح به في شرح صحيح مسلم على هامش إرشاد الساري في شرح البخاري ج 2 ص 454 أن الأوزاعي كالزهري وربيعة ومالك ذهب إلى أن كثير النوم ينقض بكل حال وقليله لا ينقض بحال ، حيث قال : اختلف العلماء في هذه المسألة على ثمانية أقوال : الأول : أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء على أي حال كان ، حكى ذلك عن أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وأبي مجلز ( مجاز ) وحميد الأعرج وشعبة. الثاني : أن النوم ينقض الوضوء بكل حال ، وهو مذهب الحسن البصري والمزني وأبو عبيد والقاسم بن سلام وإسحاق بن راهويه ، وهو قول غريب للشافعي قال ابن المنذر وبه أقول وروى معناه عن ابن عباس وأنس وأبي هريرة. الثالث : أن كثير النوم ينقض بكل حال وقليله لا ينقض بحال ، وهو مذهب الزهري وربيعة والأوزاعي ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه. الرابع : إذا نام على هيئة من هيئات المصلي كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينتقض وضوءه سواء كان في الصلاة أو لم يكن ، وإن نام مضطجعاً أو مستلقياً على قفاه انتقض ، وهذا مذهب أبي حنيفة وداود وقول للشافعي غريب. الخامس : لا ينقض إلاّ نوم الراكع والساجد ، روي هذا عن أحمد بن حنبل. السادس : لا ينقض إلاّ نوم الساجد ، روي أيضاً عن أحمد. السابع : لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال وينقض خارج الصلاة ، وهو قول ضعيف للشافعي. الثامن : إذا نام جالساً ممكناً مقعدته من الأرض لم ينتقض وإلاّ انتقض سواء قل أو كثر وسواء كان في الصلاة أو خارجها ، وهو مذهب الشافعي.
ما رواه هو قدس سره بنفسه عن زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه علیهماالسلام حيث سألهما عما ينقض الوضوء؟ فقالا : ما يخرج من طرفيك الأسفلين : الذكر والدبر من غائط أو بول أو مني أو ريح والنوم حتى يذهب العقل .... (1)وهي صحيحة السند ومع روايته هذه وملاحظته الآية المباركة كيف يذهب إلى عدم ناقضية النوم للوضوء.
فلعلّ نظرهما فيما ذكراه في الرسالة والمقنع من حصر نواقض الوضوء في البول والغائط والمني والريح كما ذكره صاحب الحدائق (2)إلى أن النواقض الخارجة من الإنسان منحصرة في الأربعة في مقابل القيء والقلس والقبلة والحجامة والمذي والوذي والرعاف وغيرها مما يخرج أو يصدر من الإنسان ، لأنها ليست ناقضة للوضوء خلافاً للعامة القائلين بالانتقاض بها (3)لا أن مرادهما أن الناقض مطلقاً منحصر في الأربعة.
الجهة الثانية : النوم الناقض للوضوء هو النوم المستولي على القلب والمستتبع لذهاب العقل وتعطيل الحواس عن إحساساتها ، وإن شئت قلت : الناقض إنما هو حقيقة النوم فاذا تحققت انتقض بها الوضوء ، ويستكشف حصول تلك الحقيقة أعني الاستيلاء على القلب من النوم الغالب على الحاستين : السمع والبصر ، فإنّه أمارة على تحقّق الحقيقة الناقضة للوضوء ، لا أن نومهما موضوع للحكم بالانتقاض كي يتوهّم عدم انتقاض الوضوء في فاقد الحاستين بالنوم ، إذ لا عين له ليبصر وينام ولا اذن له ليسمع وينام.
ويدلّ على ذلك ما رواه زيد الشحام قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الخفقة والخفقتين؟ فقال : ما أدري ما الخفقة والخفقتين إن اللّه تعالى يقول ( بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) إن علياً علیه السلام كان يقول : من وجد طعم النوم
فإنّما أوجب عليه الوضوء » (1). وما رواه عبد الرحمن بن الحجاج ، وهي بمضمون الصحيحة المتقدِّمة إلاّ أنه قال : « من وجد طعم النوم قائماً أو قاعداً فقد وجب عليه الوضوء » (2). وما رواه عبد اللّه بن المغيرة ومحمد بن عبد اللّه في الحسن عن الرضا علیه السلام قالا : « سألناه عن الرجل ينام على دابته؟ فقال : إذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء » (3).
وأمّا ما ورد في بعض الأخبار من أن العين قد تنام وأن المعتبر هو استيلاء النوم على السمع والبصر أو هما مع القلب ، كما في صحيحة زرارة حيث قال علیه السلام : « يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن ، فاذا نامت العين والاذن والقلب وجب الوضوء ... » (4)ورواية سعد عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « اذنان وعينان ، تنام العينان ولا تنام الأُذنان ، وذلك لا ينقض الوضوء ، فاذا نامت العينان والأُذنان انتقض الوضوء » (5)فالظاهر أنه ناظر إلى بعض الأشخاص ممن لا يغمض عينيه في المنام ، فإنّه إذا لم يبصر وعيناه منفتحتان قد يشك في نومه ، ولا نظر له إلى جميع الأفراد لوضوح أن الإنسان قد يغمض عينيه قبل المنام ، ومجرد عدم الابصار لا يوجب انتقاض الوضوء فلا عبرة بنوم العين أبداً. وبما سردناه في المقام تتّحد الأخبار بحسب المفاد وتدل بأجمعها على أن الناقض حقيقة النوم ، والخفقة والخفقتان لا أثر لهما في الانتقاض.
الجهة الثالثة : مقتضى إطلاق الآية المباركة والأخبار الواردة في المقام أن النوم بإطلاقه ناقض للوضوء ، سواء أكان ذلك في حال الاضطجاع أم في حال الجلوس أو القيام ، إلاّ أن المتسالم عليه عند الحنابلة والمالكية عدم انتقاض الطهارة بالنوم اليسير بلا فرق بين الجلوس والقيام (6)بل عن بعضهم أن النوم في حال الجلوس أو غيره من الحالات التي لا يخرج فيها الحدث عادة غير موجب للانتقاض سواء قل أم كثر (7)
1) الوسائل 1 : 254 / أبواب نواقض الوضوء ب 3 ح 8 ، 9 ، 2.
2) الوسائل 1 : 254 / أبواب نواقض الوضوء ب 3 ح 8 ، 9 ، 2.
3) الوسائل 1 : 254 / أبواب نواقض الوضوء ب 3 ح 8 ، 9 ، 2.
4) الوسائل 1 : 245 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1 ، 8.
5) الوسائل 1 : 245 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1 ، 8.
6) راجع المحلى ج 1 ص 224 والفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 80 81.
7) راجع المحلى ج 1 ص 224 والفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 80 81.
وذلك لعدم خروج الحدث حينئذ. وقد نسب هذا إلى الصدوق أيضاً ، لا لأنه صرح بذلك في كلامه بل لأنه روى مرسلاً عن موسى بن جعفر علیه السلام « أنه سئل عن الرجل يرقد وهو قاعد هل عليه وضوء؟ فقال : لا وضوء عليه ما دام قاعداً إن لم ينفرج » (1)وقد التزم في صدر كتابه أن لا يورد فيه إلاّ ما يفتي على طبقه ويراه حجة بينه وبين ربّه (2). وهذه النسبة صحت أم لم تصح لا يمكننا المساعدة عليه بوجه وذلك لأن ما يمكن أن يستدل به على هذا المدعى روايات أربع وهي إما قاصرة الدلالة أو السند :
الأُولى : هي المرسلة المتقدِّمة ، وهي ضعيفة السند بإرسالها ، نعم لا قصور في دلالتها على المدعى ، وإن لم يستبعد المحقق الهمداني قدس سره دعوى ظهور قوله علیه السلام « إن لم ينفرج » في كونه كناية عن عدم ذهاب شعوره بحيث يميل كل عضو من أعضائه إلى ما يقتضيه طبعها (3).
الثانية : موثقة سماعة بن مهران « أنه سأله عن الرجل يخفق رأسه وهو في الصلاة قائماً أو راكعاً؟ فقال : ليس عليه وضوء » (4)وهذه الرواية وإن كانت موثقة بحسب السند إلاّ أنها قاصرة الدلالة على المراد ، لأن خفق الرأس أعم من النوم فيحمل على الخفقة جمعاً بينها وبين الأخبار الدالّة على انتقاض الوضوء بالنوم.
الثالثة : رواية عمران بن حمران أنه سمع عبداً صالحاً علیه السلام يقول : من نام وهو جالس لا يتعمد النوم ، فلا وضوء عليه (5).
الرابعة : رواية بكر بن أبي بكر الحضرمي قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام هل ينام الرجل وهو جالس؟ فقال : كان أبي يقول : إذا نام الرجل وهو جالس مجتمع فليس عليه وضوء ، وإذا نام مضطجعاً فعليه الوضوء » (6)وهاتان الروايتان ضعيفتان
1) الفقيه 1 : 38 / 144 ، الوسائل 1 : 254 / أبواب نواقض الوضوء ب 3 ح 11.
2) الفقيه 1 : 3.
3) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 78 السطر 21.
4) الوسائل 1 : 255 / أبواب نواقض الوضوء ب 3 ح 12 ، 14 ، 15
5) الوسائل 1 : 255 / أبواب نواقض الوضوء ب 3 ح 12 ، 14 ، 15
6) الوسائل 1 : 255 / أبواب نواقض الوضوء ب 3 ح 12 ، 14 ، 15
بحسب السند لعدم توثيق عمران وبكر ، هذا.
على أن الأخبار المتقدِّمة مضافاً إلى ما فيها من قصور الدلالة أو السند ، معارضة مع الأخبار الواردة في أن النوم مطلقاً ناقض للوضوء.
منها ما قدّمناه من رواية زيد الشحام وغيرها. ومنها ما رواه عبد الحميد بن عواض عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سمعته يقول : من نام وهو راكع أو ساجد أو ماش على أي الحالات فعليه الوضوء » (1)ومنها غير ذلك من الأخبار.
والترجيح مع الطائفة الثانية لموافقتها إطلاق الكتاب ومخالفتها للعامة ، ولا مناص معه من حمل الأخبار المتقدِّمة على التقية. ويؤيده بل يدل عليه قوله علیه السلام « كان أبي يقول ... » لإشعاره بل ظهوره في أنه علیه السلام كان في مقام التقيّة وإلاّ لم يكن وجه لاسناده الحكم إلى أبيه لا إلى نفسه كما مر ، وعلى ذلك فالوضوء ينتقض مطلقاً بالنوم سواء كان في حال الجلوس أم في غيره من الحالات.
الجهة الرابعة : هل النوم بما هو نوم ينقض الوضوء أو أن سببيته له من جهة أن النوم مظنة للحدث ، فالحكم بوجوب الوضوء مع النوم من باب تقديم الظاهر على الأصل؟ والأول هو الصحيح ، وذلك لأن الظاهر من الروايات الواردة في المقام أن النوم ناقض في نفسه ، فهو بما أنه نوم من الأحداث ، وحملها على أن الناقض أمر آخر والنوم كاشف عنه وأمارة عليه خلاف الظاهر. ففي صحيحة إسحاق بن عبد اللّه الأشعري عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « لا ينقض الوضوء إلاّ حدث ، والنوم حدث » (2)وهي كما ترى كالصريح في أن النوم حدث بنفسه ، ومن ثمة طبق عليه كبرى الحدث ، فارادة أن الناقض أمر آخر والنوم أمارة عليه خلاف الظاهر بل الصريح.
وأمّا رواية الكناني عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن الرجل يخفق وهو في الصلاة؟ فقال : إن كان لا يحفظ حدثاً منه إن كان فعليه الوضوء وإعادة
الصلاة ، وإن كان يستيقن أنه لم يحدث فليس عليه وضوء ولا إعادة » (1)فليست فيها أية دلالة على أن النائم إذا علم بعدم خروج الحدث منه حال المنام لم ينتقض وضوءه وذلك لأن الرواية بصدد التفصيل وبيان أن الخفقة إذا كانت بحيث لو خرج منه حدث في أثنائها لعلم به وحفظه فلا ينتقض وضوءه ، لأنها لم تبلغ مرتبة النوم المستولي على السمع والبصر ولم يصدر منه أي حدث ، وأما إذا كانت بحيث لو خرجت منه ريح حالئذ لم يشعر بها ، فهي نوم حقيقة فعليه الوضوء وإعادة الصلاة ، فالرواية مضافاً إلى إمكان الخدشة في سندها قاصرة الدلالة على المدعى كما عرفت.
نعم ، روى الصدوق في العلل والعيون عن الفضل بن شاذان عن الرضا علیه السلام أنه قال : « إنما وجب الوضوء مما خرج من الطرفين خاصة ومن النوم دون سائر الأشياء ، لأن الطرفين هما طريق النجاسة إلى أن قال وأما النوم ، فإن النائم إذا غلب عليه النوم يفتح كل شيء منه واسترخى ، فكان أغلب الأشياء عليه فيما يخرج منه الريح فوجب عليه الوضوء لهذه العلّة » (2).
وهذه الرواية وإن كانت صريحة الدلالة على أن العلّة في ناقضية النوم غلبة خروج الريح من النائم لاسترخاء مفاصله ، إلاّ أن الرواية لا دلالة لها على بقاء الطهارة عند العلم بعدم خروج الريح منه ، وذلك لأنها بصدد بيان الحكمة في الحكم بالانتقاض ، وأن العلة للجعل والتشريع غلبة خروج الريح حالة النوم ، لا أن الانتقاض يدور مدار خروج الريح وعدمه ، وهي نظير ما ورد من أن العلّة في تغسيل الميت هي أن الروح إذا خرجت من البدن خرجت النطفة التي خلق منها من فيه أو عينيه (3)إلاّ أن من الظاهر أن وجوب تغسيل الميت لا يدور مدار خروج المني منه ، بحيث لو علمنا بعدم خروج النطفة من الميت في مورد لم يجب علينا تغسيله ، فخروج المني منه ليس إلاّ حكمة في الحكم بوجوب تغسيله ، ولا يعتبر في الحِكَم الاطراد ، وكذلك الحال في
العدّة الواجبة للطلاق لأنها إنما شرعت صيانة للأنساب وتحصيناً لها عن الاختلاف مع أن العدّة واجبة على المرأة العقيم وغيرها ممن لا اختلاط في حقها ، فبهذا يستكشف أن العلة المذكورة ليست من العلل الحقيقية المعتبر فيها الاطراد ، وإنما هي حكمة الجعل والتشريع ومتدرجة تحت المصالح والمفاسد الداعيتين إلى جعل الأحكام ، مضافاً إلى أن الرواية ضعيفة السند ، للضعف في طريق الصدوق إلى الفضل ابن شاذان فلاحظ.
فتحصل : أنه لا فرق في النوم الناقض بين أن يخرج من النائم ريح أو بول أو غيرهما من الأحداث الناقضة للوضوء لاسترخاء مفاصله ، وبين أن لا يخرج شيء منه لبقاء التماسك المانع من استرخاء المفاصل.
الجهة الخامسة : جاء في رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في الرجل هل ينقض وضوءه إذا نام وهو جالس؟ قال : إن كان يوم الجمعة في المسجد فلا وضوء عليه ، وذلك أنه في حال ضرورة » (1)وحملها الشيخ قدس سره على صورة عدم التمكن من الوضوء ، قال : والوجه فيه أنه يتيمّم ويصلِّي فاذا انفض الجمع توضّأ وأعاد الصلاة ، لأنه ربما لا يقدر على الخروج من الزحمة (2)واستبعده في المنتقى واحتمل أن تكون صادرة لمراعاة التقية بترك الخروج للوضوء في تلك الحال (3). واعترض عليه بأن المورد ليس من موارد التقية بوجه ، لأن التقيّة بترك الخروج إنما يتحقّق فيما إذا كان سبب الوضوء منحصراً بالنوم عند من تتقي منه ، ولكن الحصر غير صحيح لجواز أن يكون السبب هو الحدث الذي قد لا يدركه غير صاحبه.
وربما ترد الرواية بأنها شاذة ولم ينسب العمل بها إلى أحد ، هذا.
والصحيح أن العمل بالرواية لو صح سندها مما لا مناص عنه ، وأن الحكم بعدم وجوب الوضوء في مفروضها من جهة التقية كما احتمله في المنتقى ، وذلك لأن الرجل
الخامس : كل ما أزال العقل (1) مثل الإغماء والسكر والجنون دون مثل البهت.
يوم الجمعة بعد ما ازدحم الناس إلى الصلاة وقامت الصفوف إن كان خرج من المسجد وخرق الصفوف من دون أن يصرح بعذرة فلا شبهة في أنه على خلاف التقية المأمور بها ، فإنّه إعراض عن الواجب المتعيّن في حقه من غير عذر وهو يستتبع الحكم بفسقه على الأقل. وإن كان قد خرج مصرحاً بعذرة أيضاً ارتكب خلاف التقية ، لأن النوم اليسير أو النوم جالساً ولو كان غير يسير ليس من النواقض عند كثير منهم كما عرفت ، فكيف يمكن أن يعلل الخروج بالنوم اليسير أو بالنوم جالساً ومن هنا ورد في الرواية « أنه في حال ضرورة » وعليه فلا مناص من الحكم بصحة صلاته لأنها مع الطهارة على عقيدتهم ، وإن كان الأمر على خلاف ذلك عندنا لانتقاض وضوئه بالنوم ، وهي نظير ما إذا توضأ على طريقتهم بأن مسح على الخف أو غسل منكوساً تقيّة ، لأنه متطهر حينئذ على عقيدتهم ولأجله يحكم بصحّة صلاته للعمومات الدالّة على أن التقيّة في كل شيء كما يأتي تفصيله في محلِّه (1)إن شاء اللّه.
فالمتحصل : أن الرجل إذا نام في المسجد يوم الجمعة وهو جالس لم يحكم بوجوب الوضوء في حقه فيما اقتضت التقية ذلك ، بل لا بدّ من الحكم بصحّة صلاته ، فالعمل بالرواية على طبق القاعدة. اللّهمّ إلاّ أن يقوم إجماع تعبّدي على بطلان وضوئه أو صلاته في مفروضها ، إذ معه لا بدّ من الحكم بالبطلان لأنه دليل شرعي يخصص به عمومات التقيّة.
(1) المتسالَم عليه بين الأصحاب 5 أن الإغماء والسكر وغيرهما من الأسباب المزيلة للعقل ناقض كالنوم ، والعمدة في ذلك هو التسالم والإجماع المنقولين عن جمع غفير. نعم توقّف في ذلك صاحبا الحدائق (2)والوسائل (3)قدس سرهما إلاّ أن مخالفتهما غير مضرة للإجماع ، لما مرّ غير مرة من أن الاتفاق بما هو كذلك مما
لا اعتبار به ، وإنما المدار على حصول القطع أو الاطمئنان بقول المعصوم علیه السلام من اتفاقاتهم ، وحيث إنّا نطمئن بقوله علیه السلام من اتفاق الأصحاب قدس سرهم في المسألة فلا مناص من اتباعه ، وإن خالف فيها من لم يحصل له الاطمئنان بقوله علیه السلام من إجماعهم.
وقد ذكر المحقق الهمداني قدس سره (1): أنه قلّما يوجد في الأحكام الشرعية مورد يمكن استكشاف قول الامام علیه السلام أو وجود دليل معتبر من اتفاق الأصحاب مثل المقام ، كما أنه قلّما يمكن الاطلاع على الإجماع لكثرة ناقلية واعتضاد نقلهم بعدم نقل الخلاف كما فيما نحن فيه ، فلعل الوجه في مخالفة صاحبي الحدائق والوسائل عدم تمامية الإجماع عندهما.
ثم إن اتفاقهم هذا في المسألة إن استكشفنا منه قوله علیه السلام ولو على وجه الاطمئنان فهو ، وإلاّ فلتوقفهما مجال واسع.
وقد يستدل على ذلك بوجوه : منها : صحيحة زرارة المتقدِّمة (2). « قلت لأبي جعفر وأبي عبد اللّه علیهماالسلام ما ينقض الوضوء؟ فقالا : ما يخرج من طرفيك الأسفلين ... والنوم حتى يذهب العقل » وما رواه عبد اللّه بن المغيرة ومحمد بن عبد اللّه في الحسن عن الرضا علیه السلام قالا : « سألناه عن الرجل ينام على دابته؟ فقال : إذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء » (3)بتقريب أن الروايتين تدلاّن على أن الوضوء ينقض بالنوم حتى يذهب العقل ، أو إذا ذهب النوم بالعقل ، ومعنى ذلك أن الناقض حقيقة هو ذهاب العقل سواء استند ذلك إلى النوم أم إلى غيره.
ويرده أن الصحيحة والحسنة إنما وردتا لتحديد النوم الناقض للوضوء ، وقد دلّتا على أن الناقض هو النوم المستولي على العين والأُذن والقلب ، وهو المعبّر عنه بذهاب العقل ، وليست فيهما أية دلالة ولا إشعار بأن الناقض ذهاب العقل بأي وجه اتفق.
ومنها : صحيحة معمر بن خلاد قال : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن رجل به علة لا يقدر على الاضطجاع ، والوضوء يشتد عليه ، وهو قاعد مستند بالوسائد فربما أغفى وهو قاعد على تلك الحال؟ قال : يتوضأ ، قلت له : إن الوضوء يشتد عليه لحال علته ، فقال : إذا خفي عليه الصوت فقد وجب عليه الوضوء ... » (1)وذلك بتقريبين :
أحدهما : أن الإغفاء وإن كان قد يطلق ويراد به النوم إلاّ أنه في الصحيحة بمعنى الإغماء ، وذلك لأن كلمة « ربّما » تدل على التكثير بل هو الغالب فيها على ما صرح به في مغني اللّبيب (2)، ومن الظاهر أن ما يكثر في حالة المرض هو الإغماء دون النوم.
ويندفع بأن الإغفاء في الصحيحة بمعنى النوم ولم تقم قرينة على إرادة الإغماء منه وأما كلمة « ربما » فهي إنما تستعمل بمعنى « قد » كما هو الظاهر منها عند الإطلاق ، فمعنى الجملة حينئذ : أنه قد يطرأ عليه الإغفاء أي النوم ، وإنما احتيج إلى استعمال تلك الكلمة مع أن النوم قد يطرأ على الإنسان من دون أن يحتاج إلى البيان ، نظراً إلى أن النوم وهو قاعد متكئ على الوسادة خلاف المعتاد ، إذ العادة المتعارفة في النوم هو الاضطجاع.
وثانيهما : أن قوله علیه السلام في ذيل الصحيحة : « إذا خفي عليه الصوت فقد وجب عليه الوضوء » يدل على أن خفاء الصوت على المكلف هو العلة في انتقاض الوضوء ، ومقتضى إطلاقه عدم الفرق في ذلك بين أن يستند إلى النوم وبين استناده إلى السكر ونحوه من الأسباب المزيلة للعقل.
وفيه : أن الخفاء على نحو الإطلاق لم يجعل في الصحيحة مناطاً للانتقاض ، وإنما دلّت الصحيحة على أن خفاء الصوت في خصوص النائم كذلك ، وهذا لأن الضمير في « عليه » راجع إلى الرجل النائم ، فلا دلالة في الصحيحة على أن مجرد خفاء الصوت ينقض الوضوء.
ومنها : ما رواه الصدوق في العلل والعيون عن الرضا علیه السلام قال : « إنما وجب الوضوء مما خرج من الطرفين خاصة ومن النوم إلى أن قال وأما النوم فإن النائم إذا غلب عليه النوم يفتح كل شيء منه واسترخى ، فكان أغلب الأشياء عليه فيما يخرج منه الريح فوجب عليه الوضوء لهذه العلّة » (1)وذلك لوحدة الملاك ، حيث إن من ذهب عقله لسكر أو إغماء ونحوهما يسترخي مفاصله ويفتح منه كل شيء ، والغالب في تلك الحالة خروج الريح كما في النائم بعينه ، فهو ومن ذهب عقله سيّان في المناط.
والاستدلال بهذه الرواية في المقام قابل للمناقشة صغرى وكبرى. أما بحسب الصغرى ، فلأنه لم يعلم أن الجنون أو غيره من الأسباب المزيلة للعقل يستتبع الاسترخاء كالنوم.
وأما بحسب الكبرى ، فلأن الرواية كما مر إنما وردت لبيان حكمة التشريع والجعل والاطراد غير معتبر في الحِكَم ، ومن ثمة أوجبنا الوضوء على النائم وإن علم بعدم خروج الريح منه ، ولا يحكم بارتفاع الطهارة في من له حالة الفتور والاسترخاء إلاّ أن يعلم بالخروج. على أن الرواية ضعيفة السند كما مر.
ومنها : رواية دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد عن آبائه علیهم السلام « إن الوضوء لا يجب إلاّ من حدث ، وأن المرء إذا توضأ صلّى بوضوئه ذلك ما شاء من الصلاة ، ما لم يحدث أو ينم أو يجامع أو يغم عليه أو يكن منه ما يجب منه إعادة الوضوء » (2).
ويرد عليه : أن مؤلف كتاب الدعائم وإن كان من أجلاء أصحابنا ، إلاّ أن رواياته مرسلة وغير قابلة للاعتماد عليها بوجه. على أن الرواية تشتمل على انتقاض الطهارة بالإغماء فحسب ، والتعدِّي عنه إلى الجنون والسكر وغيرهما من الأسباب المزيلة للعقل يحتاج إلى دليل. وعلى الجملة أن العمدة في المسألة هو الإجماع كما عرفت.
السادس : الاستحاضة (1) القليلة ، بل الكثيرة (1)والمتوسطة ، وإن أوجبتا الغسل أيضاً ، وأما الجنابة فهي تنقض الوضوء (2) لكن توجب الغسل فقط (3).
(1) يأتي تحقيق الكلام في أقسام الاستحاضة من القليلة والمتوسطة والكثيرة في محله إن شاء اللّه ونبيّن هناك أن أياً منها يوجب الوضوء فانتظره.
(2) وذلك للنص ، حيث ورد في صحيحة زرارة المتقدِّمة (2)بعد السؤال عما ينقض الوضوء : « ما يخرج من طرفيك الأسفلين من الذّكر والدُّبر : من الغائط والبول أو مني أو ريح ، والنوم حتى يذهب العقل ... ».
(3) كما يأتي في محله ، وأما سائر الأحداث الكبيرة كالنفاس ومس الميت فللكلام فيها جهتان قد اختلطتا ، وذلك لأنه قد يقع الكلام في أن الأحداث الكبيرة غير الجنابة هل توجب الوضوء وتنقضه أو لا؟ وأُخرى يتكلّم في أن الاغتسال منها هل يغني عن الوضوء كما في الاغتسال من الجنابة أو لا بدّ معه من الوضوء؟ وهاتان جهتان إحداهما أجنبية عن الأُخرى كما ترى. فان الرجل المتوضئ إذا مس ميتاً ، أو امرأة متوضئة إذا نفست زماناً غير طويل كنصف ساعة ونحوها ، وقع الكلام في أن ذلك المس أو النفاس هل ينقضان الوضوء بحيث لو أرادا الصلاة بعدهما وجب عليهما الوضوء وإن اغتسلا من المس أو النفاس ، بناء على عدم إغناء كلّ غسل عن الوضوء سوى غسل الجنابة ، أو أن وضوءهما يبقى بحاله ولا ينتقض بالمس والنفاس؟
والمكلف في مفروض المثال وإن لم يمكنه الدخول في الصلاة ما لم يغتسل لمكان الحدث الأكبر ، إلاّ أنه متوضئ على الفرض بحيث لو اغتسل من المس والنفاس ولو قلنا بعدم إغناء الغسل عن الوضوء جاز له الدخول في الصلاة من دون حاجة إلى التوضؤ بوجه ، وإنما مثّلنا بالمس والنفاس ولم نمثّل بحدث الحيض ، لأن أقله ثلاثة أيام ومن البعيد أن لا يطرأ على الحائض في تلك المدة شيء من نواقض الوضوء كالنوم
[462] مسألة 1 : إذا شك في طروء أحد النواقض بنى على العدم (1) وكذا إذا شك في أن الخارج بول أو مذي مثلاً ، إلاّ أن يكون قبل الاستبراء فيحكم بأنه بول ، فان كان متوضئاً انتقض وضوءه كما مر.
[463] مسألة 2 : إذا خرج ماء الاحتقان ولم يكن معه شيء من الغائط لم ينتقض الوضوء ، وكذا لو شك في خروج شيء من الغائط معه.
والبول والغائط والريح ، وفرض الكلام في الحائض التي لم يكن لها حدث سوى الحيض يلحق بالأُمور الفرضية التي لا واقع لها بوجه.
وإذا فرضنا رجلاً أو امرأة قد أحدث بالبول أو النوم ونحوهما ثم مس الميت أو نفست قليلاً ، وقع الكلام في أن الغسل من المس أو النفاس في حقهما هل يغني عن الوضوء أو يجب عليهما التوضؤ بعد الاغتسال؟ وهذا لا لأن الأحداث الكبيرة غير الجنابة تنقض الوضوء ، بل لعدم كون المكلف على وضوء ، وعدم إغناء كل غسل عن الوضوء. فهاتان جهتان لا بدّ من التعرض لكل منهما على حدة فنقول :
أمّا الجهة الأُولى ، فالتحقيق عدم انتقاض الوضوء بالأحداث الكبيرة غير الجنابة إذ لا دليل يدل عليه ولم نعثر في ذلك على رواية ولو كانت ضعيفة ، بل الدليل على عدم انتقاض الوضوء بها ، وهو الأخبار الحاصرة للنواقض في البول وغيره من الأُمور المتقدِّمة ، ولم يعد منها مس الميت والنفاس والحيض ، نعم الجنابة ناقضة للوضوء بالنص كما مر ، ولعل هذا هو السبب في عدم تعرض الماتن لغير الجنابة من الأحداث الكبيرة ، فالفارق بين الجنابة وغيرها هو النص.
وأمّا الجهة الثانية ، فسيأتي تحقيق الكلام في تلك الجهة عند تعرض الماتن للمسألة في محلِّها (1)إن شاء اللّه.
(1) بلا فرق في ذلك بين الشك في وجود الناقض والشك في ناقضية الموجود فيبني في كلتا الصورتين على العدم بالاستصحاب ، وقد دلت على ذلك صحيحة زرارة
1) في المسألة [768].
[464] مسألة 3 : القيح الخارج من مخرج البول أو الغائط ليس بناقض وكذا الدم الخارج منهما (1) إلاّ إذا علم أن بوله أو غائطه صار دماً وكذا المذي (2)
حيث قال : « لا حتى يستيقن أنه قد نام .... وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه ، ولا تنقض اليقين أبداً بالشك وإنما تنقضه بيقين آخر » (1)فان موردها وإن كان هو الشك في النوم إلاّ أن تعليلها أقوى شاهد على عدم اختصاص الحكم به ، ومن ذلك يظهر عدم اختصاص الاستصحاب بموارد الشك في الوجود ، وجريانه عند الشك في ناقضية الموجود أيضاً للتعليل.
نعم ، إذا تردد البلل الخارج المشكوك فيه بين البول والمذي مثلاً ، وكان ذلك قبل الاستبراء من البول حكم بناقضيته ونجاسته ، وهذا لا من ناحية عدم جريان الاستصحاب فيه ، بل للأخبار الدالّة على ذلك تقديماً للظاهر على الأصل وقد تقدمت في محلِّها (2). ومما ذكرناه في هذه المسألة ظهر الحال في المسألة الآتية فلا نطيل.
(1) لأدلة حصر النواقض في البول والغائط والريح والمني والنوم ، فالقيح والدم الخارجان من مخرج البول أو الغائط غير مؤثرين في الانتقاض ، اللّهمّ إلاّ أن يكون خروجه بحيث يصدق عليه أنه يبول أو يتغوّط دماً ، لا أنه لا يبول ولا يتغوّط وإنما يخرج الدم من أسفلية ، وذلك لأنه على الثاني لا يصدق عليه انّه يبول أو يتغوّط كما لا يصدق على الخارج منه أنه بول أو غائط.
(2) الأخبار الواردة في المذي على طوائف أربع :
الأُولى : ما دلّ على عدم ناقضية المذي مطلقاً كحسنة زرارة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « إن سال من ذكرك شيء من مذي أو ودي وأنت في الصلاة فلا تغسله ولا تقطع له الصلاة ولا تنقض له الوضوء وإن بلغ عقبيك ، فإنّما ذلك بمنزلة النخامة ... » (3)وبهذا المضمون عدة من الأخبار ، وهي وإن لم تكن متواترة بالمعنى
المصطلح عليه إلاّ أن دعوى القطع بصدور بعضها عنهم علیهم السلام غير بعيدة جدّاً.
الثانية : ما دلّ على أن المذي ينقض الوضوء مطلقاً سواء أكان عن شهوة أم لم يكن ، وذلك كما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا علیه السلام قال : « سألته عن المذي ، فأمرني بالوضوء منه ، ثم أعدت عليه في سنة أُخرى فأمرني بالوضوء منه وقال : إن علياً علیه السلام أمر المقداد بن الأسود أن يسأل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله واستحيا أن يسأله ، فقال : فيه الوضوء » (1)وبالإطلاق صرح في صحيحة يعقوب بن يقطين قال : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن الرجل يمذي فهو في الصلاة من شهوة أو من غير شهوة ، قال : المذي منه الوضوء » (2).
الثالثة : الأخبار الدالّة على التفصيل بين المذي الخارج بشهوة وبين الخارج لا عن شهوة ، بالنقض في الأول دون الأخير ، وذلك كرواية أبي بصير قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام المذي يخرج من الرجل ، قال : أحد لك فيه حداً؟ قال قلت : نعم جعلت فداك ، قال فقال : إن خرج منك على شهوة فتوضأ وإن خرج منك على غير ذلك فليس عليك فيه الوضوء » (3)وصحيحة علي بن يقطين قال : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن المذي أينقض الوضوء؟ قال : إن كان من شهوة نقض » (4)وغيرهما من الأخبار.
الرابعة : ما ورد في عدم ناقضية المذي الخارج بشهوة ، وذلك كصحيحة ابن أبي عمير عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « ليس في المذي من الشهوة ولا من الإنعاظ ولا من القبلة ولا من مس الفرج ولا من المضاجعة وضوء ، ولا يغسل منه الثوب ولا الجسد » (5). والوجه في عدم إلحاقها بالمراسيل ما ذكرناه غير مرة من أن التعبير ب- « غير واحد » إنما يصح فيما إذا كانت الواسطة جماعة من الرّواة ، ولا نحتمل أن يكون الجميع غير موثقين ، بل لا أقل من أن يوجد
1) الوسائل 1 : 279 / أبواب نواقض الوضوء ب 12 ح 9 ، 16 ، 10 ، 11.
2) الوسائل 1 : 279 / أبواب نواقض الوضوء ب 12 ح 9 ، 16 ، 10 ، 11.
3) الوسائل 1 : 279 / أبواب نواقض الوضوء ب 12 ح 9 ، 16 ، 10 ، 11.
4) الوسائل 1 : 279 / أبواب نواقض الوضوء ب 12 ح 9 ، 16 ، 10 ، 11.
5) الوسائل 1 : 270 / أبواب نواقض الوضوء ب 9 ح 2.
فيهم ثقات لو لم يكن جلهم كذلك ، بل التعبير بذلك ظاهر في كون الرواية مسلمة عنده ومن هنا أرسلها إرسال المسلمات ، وهذا هو الحال في تعبيراتنا اليوم.
وما رواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محبوب عن عمر بن يزيد قال : « اغتسلت يوم الجمعة بالمدينة ولبست أثوابي وتطيبت ، فمرت بي وصيفة ففخذت لها ، فأمذيت أنا وأمنت هي ، فدخلني من ذلك ضيق ، فسألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن ذلك فقال : ليس عليك وضوء ولا عليها غسل » (1)ومحل الاستشهاد بها هو قوله : « ليس عليك وضوء » وأما نفيها الغسل عن الوصيفة فيأتي الكلام عليه في الكلام على غسل الجنابة إن شاء اللّه. وهذه الرواية واردة في المذي الخارج بشهوة ، بل موردها من أظهر موارد الخروج كذلك.
هذه هي الأخبار الواردة في المقام ، والطائفة الأُولى الدالّة على عدم انتقاض الوضوء بالمذي مطلقاً ، والطائفة الثانية الدالّة على انتقاض الوضوء به متعارضتان والنسبة بينهما هو التباين والترجيح مع الطائفة الاولى من جهات :
الاولى : أنها مشهورة وهي تقتضي ترجيحها على الطائفة الثانية بناء على أن الشهرة من المرجحات.
الثانية : أنها توافق العام الفوق ، وهي الأخبار الحاصرة للنواقض في البول والغائط والريح والمني والنوم ، لاقتضائها عدم انتقاض الوضوء بغيرها من الأسباب ، وموافقة السنّة من المرجحات.
الثالثة : أنها موافقة للكتاب ، لأن مقتضى إطلاق قوله عزّ من قائل ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ) ( ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (2)أن من قام من النوم أو غيره من الأحداث الصغيرة إلى الصلاة فتوضأ أو كان جنباً فاغتسل ، له أن يدخل في الصلاة مطلقاً ، أي خرج منه المذي بعد الغسل أو الوضوء أم لم يخرج
فمقتضى إطلاق الآية عدم انتقاض الوضوء بالمذي ، وقد ذكرنا في محله أن الرواية المخالفة لإطلاق الكتاب إذا كانت معارضة بما يوافق الكتاب سقطت عن الحجية ، وموافقة الكتاب من المرجحات.
الرابعة : أنها مخالفة للعامّة ، لأن أكثرهم لولا كلهم مطبقون على النقض به (1)فالطائفة الثانية ساقطة عن الاعتبار.
وأمّا الطائفة الثالثة الدالّة على انتقاض الوضوء بالمذي الخارج عن شهوة ، فهي غير صالحة لتقييد الطائفة الاولى في نفسها ، مضافاً إلى أنها مبتلاة بالمعارض الراجح. أمّا عدم صلاحيتها للتقييد في نفسها ، فلأن المذي إذا كان هو الماء الرقيق الخارج عند الملاعبة والتقبيل ونحوهما ، والجامع هو الشهوة كما في بعض اللّغات (2)بل هو المصرح به في مرسلة ابن رباط ، حيث فسرت المذي بما يخرج من شهوة (3)ومن هنا كان يستحيي علي علیه السلام أن يسأل النبي صلی اللّه علیه و آله عن حكم المذي كما في بعض الأخبار (4)كانت الطائفة الثالثة والأولى متعارضتان بالتباين لدلالة الثالثة على أن المذي وهو الماء الخارج عند الشهوة ناقض للوضوء ، وتدل الاولى على أن المذي بهذا المعنى غير ناقض له ، وقد تقدم أن الترجيح مع الطائفة الاولى من جهات.
وإذا كان المذي أعم مما يخرج عند الشهوة أو لا معها ، فلا إشكال في أن الظاهر المنصرف إليه والفرد الغالب من المذي خصوص ما يخرج عند الشهوة ، ولا يمكن معه الجمع بين الطائفتين بحمل الاولى على الثالثة ، لاستلزامه تخصيص الطائفة الاولى مع ما هي عليه من الكثرة والتواتر الإجمالي على الفرد النادر لندرة المذي الخارج من دون شهوة ولا يعد هذا من الجمع العرفي بين المتعارضين ، فالطائفتان متعارضتان بالتباين والترجيح مع الطائفة الأُولى كما مرّ.
والوذي (1) والودي (2) والأوّل هو ما يخرج بعد الملاعبة ،
وأما معارضتها بالمعارض الراجح ، فلأجل أنها معارضة مع الطائفة الرابعة بالتباين ، وهي مرجحة على الطائفة الثالثة بالمرجحات الأربعة المتقدِّمة من الشهرة وموافقة الكتاب والسنة ومخالفة العامة.
(1) اشتملت عليه مرسلة ابن رباط المتقدِّمة ، ومن المحتمل القريب أن يكون الوذي هو الودي ، وغاية الأمر أنه قد يعبّر عنه بالذال المعجمة ، وأُخرى بالدال غير المعجمة ، ويدلُّ على ما ذكرناه صحيحة ابن سنان الآتية (1)لدلالتها على حصر الخارج من الإحليل في المني والمذي والودي ، إذ لو كان هناك ماء آخر وهو الوذي لم يكن الحصر بحاصر. ويؤيده ما ذكره الطريحي في مجمع البحرين من أن ذكر الوذي مفقود في كثير من كتب اللّغة (2)، ولم نعثر عليه في أقرب الموارد بعد الفحص عنه. وعلى الجملة الوذي هو الودي ويأتي في التعليقة الآتية أن الودي ليس من الأسباب الناقضة للوضوء.
ثم لو قلنا بأنه غير الودي كما تقتضيه المرسلة المتقدِّمة ، فلا بد من الرجوع فيه إلى إطلاق الكتاب والأخبار الحاصرة للنواقض في الأُمور المتقدِّمة ، وهما يقتضيان عدم انتقاض الوضوء بالوذي.
(2) وردت كلمة الودي في روايات ثلاث :
إحداها : مرسلة ابن رباط عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « يخرج من الإحليل المني والوذي والمذي والودي ، فأما المني فهو الذي يسترخي له العظام ، ويفتر منه الجسد وفيه الغسل ، وأما المذي فيخرج من شهوة ولا شيء فيه ، أما الودي فهو الذي يخرج بعد البول ، وأما الوذي فهو الذي يخرج من الأدواء ولا شيء فيه » (3).
والثاني ما يخرج بعد خروج المني ، والثالث ما يخرج بعد خروج البول.
وثانيتها : حسنة زرارة عن أبي عبد اللّه علیه السلام « إن سال من ذكرك شيء من مذي أو ودي وأنت في الصلاة ، فلا تغسله ولا تقطع له الصلاة ، ولا تنقض له الوضوء وإن بلغ عقبيك ، فإنّما ذلك بمنزلة النخامة ، وكل شيء خرج منك بعد الوضوء فإنّه من الحبائل أو من البواسير وليس بشيء ، فلا تغسله من ثوبك إلاّ أن تقذره » (1).
وثالثتها : صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « ثلاث يخرجن من الإحليل وهنّ المني وفيه الغسل ، والودي فمنه الوضوء ، لأنه يخرج من دريرة البول ، قال : والمذي ليس فيه وضوء إنما هو بمنزلة ما يخرج من الأنف » (2).
أمّا المرسلة فهي إنما اشتملت على تفسير الودي ولم تتعرض لحكمه ، اللّهمّ إلاّ أن يستفاد ذلك مما ذكره علیه السلام في المذي بقرينة السياق.
وأما الحسنة والصحيحة فهما متعارضتان ، لدلالة إحداهما على انتقاض الوضوء بالودي ودلالة الأُخرى على عدمه. وفي الوسائل أن الشيخ حمل الصحيحة على من ترك الاستبراء بعد البول ، لأنه إذا خرج منه شيء حينئذ فهو من بقية البول لا محالة. واستجوده في الحدائق (3)ولعل الشيخ قدس سره نظر في ذلك إلى رفع المعارضة بالجمع الدلالي ، للأخبار الواردة في البلل المشتبه الخارج بعد البول وقبل الاستبراء منه ، إلاّ أنه مما لا يمكن المساعدة عليه ، لأن ترك الاستبراء من البول إنما يقتضي الحكم بناقضية البلل إذا اشتبه ودار أمره بين البول والمذي مثلاً ، وأما عند العلم بأن البلل الخارج وذي أو مذي أو غيرهما فلا موجب للحكم بانتقاض الوضوء به ، للعلم بعدم كونه بولاً. فالصحيح أن يقال : إن الروايتين متعارضتان ولا بدّ من علاج التعارض بينهما ، والترجيح مع الحسنة للوجوه المتقدِّمة في المذي من الشهرة وموافقة الكتاب والسنّة ومخالفة العامّة.
[465] مسألة 4 : ذكر جماعة من العلماء استحباب الوضوء عقيب المذي والودي والكذب والظلم والإكثار من الشعر الباطل (1) ،
(1) الموارد التي ذكرها الماتن قدس سره ونقل استحباب الوضوء بعدها عن جماعة من العلماء على قسمين :
فان في جملة منها ربما يوجد القائل بانتقاض الوضوء بها من أصحابنا ولا يوجد القائل به في جملة منها.
أمّا ما لا يوجد القائل بانتقاض الوضوء به كمس الكلب وغيره ، فالأمر بالوضوء بعده وإن كان ورد في بعض الأخبار كما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « من مسّ كلباً فليتوضّأ » (1)إلاّ أنه لا بدّ من حملها على التقية ، وذلك لإطلاق الأخبار الحاصرة للنواقض في البول والغائط والريح والمني والنوم ، فان رفع اليد عن أمثال تلك المطلقات الدالّة على الحصر إذا ورد نص على خلافها ، وإن كان من الإمكان بمكان كما التزمنا بذلك في الصوم وقيدنا إطلاق قوله علیه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام « لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث ( أربع ) خصال : الطعام والشراب ، والنساء ، والارتماس في الماء » (2)بما دلّ على بطلانه بالحقنة بالمائعات ، أو الكذب على اللّه أو رسوله أو الأئمة علیهم السلام أو بغيرهما من المفطرات ، وذلك لأن الإطلاق في الصحيحة وإن كان من القوة بمكان ولكنها بلغت من القوة ما بلغت لا يمكنها أن تعارض مع النص الدال على خلافها ، إلاّ أن الأخبار الحاصرة في المقام أقوى من الأخبار الدالّة على الانتقاض بمس الكلب ونحوه ، إذ الأخبار الحاصرة وردت لبيان أن الوضوء لا ينتقض بتلك الأشياء الشائع القول بانتقاض الوضوء بها ، كالقبلة والمس والضحك وغيرها ، وأنه إنما ينتقض بالبول والغائط والريح والمني والنوم ، ولذلك يتقدم عليها لا محالة. هذا
مضافاً إلى النصوص الواردة في عدم انتقاض الوضوء بجملة من تلك الأُمور (1)ومعه تحمل الأخبار الواردة في انتقاض الوضوء بها على التقيّة.
وأمّا ما يوجد القائل بانتقاض الوضوء به من أصحابنا فهو ستة أُمور :
منها : التقبيل ، حيث نسب إلى ابن الجنيد القول بانتقاض الوضوء بالتقبيل المحرم إذا كان عن شهوة (2)، واستدلّ عليه بموثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « إذا قبّل الرجل مرأة من شهوة أو مس فرجها أعاد الوضوء » (3)وهي كما ترى أعم لعدم تقييدها القبلة بما إذا كانت محرمة ، ولم ترد رواية في انتقاض الوضوء بخصوص القبلة عن حرام. على أنها معارضة بغير واحد من الأخبار المعتبرة الدالّة على عدم انتقاض الوضوء بالقبلة ، منها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال : « ليس في القبلة ولا المباشرة ولا مسّ الفرج وضوء » (4)ومنها : غير ذلك من الأخبار.
ودعوى : أن الصحيحة مطلقة فيقيد بالموثقة الدالّة على انتقاض الوضوء بالقبلة الصادرة عن شهوة وتحمل الصحيحة على القبلة لا عن شهوة.
مندفعة بأن حمل الصحيحة على القبلة الصادرة لا عن شهوة ليس من الجمع العرفي بينهما ، لأن الغالب في القبلة صدورها عن شهوة ، والقبلة لا عن شهوة فرد نادر لا يمكن حمل الصحيحة عليه ، هذا مضافاً إلى الأخبار الحاصرة لأنها أيضاً معارضة مع الموثقة.
ومنها : مسّ الدُّبر والقُبْل والذّكر ، والانتقاض بذلك أيضاً منسوب إلى ابن الجنيد فيما إذا مس عن شهوة باطن فرجه أو باطن فرج غيره محللاً كان أم محرماً (5)كما نسب
إلى الصدوق فيما إذا مس الإنسان باطن دبره وإحليله (1)، واستدل عليه بالموثقة المتقدِّمة ، وموثقة عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سئل عن الرجل يتوضأ ثم يمسّ باطن دبره قال : نقض وضوءه ، وإن مس باطن إحليله فعليه أن يعيد الوضوء ، وإن كان في الصلاة قطع الصلاة ويتوضأ ويعيد الصلاة ، وإن فتح إحليله أعاد الوضوء وأعاد الصلاة (2).
وهذه الموثقة مضافاً إلى معارضتها مع الأخبار المتقدِّمة الحاصرة للنواقض في البول والغائط وأخواتهما معارضة بغير واحد من الأخبار الواردة في عدم انتقاض الوضوء بمس الفرج والذكر منها : صحيحة زرارة المتقدِّمة عن أبي جعفر علیه السلام قال : « ليس في القبلة ولا المباشرة ولا مس الفرج وضوء » (3)ومنها : موثقة سماعة قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل يمس ذكره أو فرجه أو أسفل من ذلك وهو قائم يصلي يعيد وضوءه؟ فقال : لا بأس بذلك إنما هو من جسده » (4)ومنها غير ذلك من الأخبار ، ويظهر من التعليل في موثقة سماعة أنه لا فرق في عدم انتقاض الوضوء بين مس باطن الفرجين ومس ظاهريهما ، لأن الباطن كالظاهر من جسده ، ومعه لا بدّ من حمل الموثقة على التقية. وبما ذكرناه يظهر الجواب عن الموثقة المتقدِّمة أيضاً.
ومنها : القهقهة ، وقد حكي القول بالانتقاض بها أيضاً عن ابن الجنيد مقيداً بما إذا كان متعمداً وفي الصلاة ، لأجل النظر أو سماع أمر يضحكه (5)واستدل عليه بموثقة سماعة قال : « سألته عما ينقض الوضوء؟ قال : الحدث تسمع صوته أو تجد ريحه ، والقرقرة في البطن إلاّ شيئاً تصبر عليه ، والضحك في الصلاة والقيء » (6)وهي أيضاً
محمولة على التقية ، لمعارضتها مع الأخبار الحاصرة للنواقض ، وما دلّ على أن القهقهة غير ناقضة للوضوء كحسنة زرارة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « القهقهة لا تنقض الوضوء وتنقض الصلاة » (1).
ويظهر من قوله علیه السلام « وتنقض الصلاة » أن القهقهة المحكومة بعدم كونها ناقضة للوضوء هي القهقهة التي لو كانت صادرة في أثناء الصلاة انتقضت بها الصلاة فالقهقهة في أثنائها غير ناقضة للوضوء وإن انتقضت بها الصلاة. وتوهم إن الحسنة إنما دلت على عدم انتقاض الوضوء بالقهقهة فتحمل الموثقة على انتقاضه بالتبسم والضحك من دون قهقهة جمعاً بين الروايتين سخيف غايته ، إذ لا يحتمل أن ينتقض الوضوء بالضحك دون القهقهة ، لأنها إذا لم توجب الانتقاض لم ينتقض بالتبسم والضحك بطريق أولى.
ومنها : الدم الخارج من السبيلين المحتمل مصاحبته بشيء من البول أو الغائط أو المني ، وهذا أيضاً منسوب إلى ابن الجنيد (2)وقد استدل عليه بقاعدة الاحتياط بتقريب أن الواجب إنما هو الدخول في الصلاة مع الطهارة اليقينية ، ومع احتمال استصحاب الدم شيئاً من النجاسات الناقضة للوضوء يشك في الطهارة فلا يحرز أن الصلاة وقعت مع الطهارة ، بل لا يجوز معه الدخول في الصلاة ، لأن المأمور به إنما هو الدخول فيها مع الطهارة اليقينية. وفيه : أن مقتضى استصحاب عدم خروج شيء من النواقض مع الدم أن المكلف لم تنتقض طهارته ويجوز له الدخول في الصلاة ، كما أن صلاته وقعت مع الطهارة اليقينية بالاستصحاب.
ومنها : الحقنة ، وانتقاض الوضوء بها أيضاً منسوب إلى ابن الجنيد (3)ولم نقف في ذلك له على دليل إلاّ أن يستند إلى الأخبار الواردة في أن الوضوء لا ينقضه إلاّ ما خرج من طرفيك الأسفلين أو من طرفيك اللّذين أنعم اللّه بهما عليك (4)نظراً إلى أن
والقيء والرّعاف والتقبيل بشهوة ومسّ الكلب ومسّ الفرج ، ولو فرج نفسه ومسّ باطن الدُّبر ، والإحليل ، ونسيان الاستنجاء قبل الوضوء والضحك في الصّلاة ، والتخليل إذا أدمى. لكن الاستحباب في هذه الموارد غير معلوم (1) والأولى أن يتوضّأ برجاء المطلوبية ،
إطلاقها يشمل مثل ماء الحقنة فيما إذا خرج بعد الاحتقان. وفيه : أن المراد بما يخرج من الطرفين ليس إلاّ خصوص البول والغائط والمني لا الخارج منهما على الإطلاق كما تقدم في المذي وأخواته.
ومنها : المذي ، حيث ذهب ابن الجنيد إلى أن المذي إذا كان من شهوة أوجب الوضوء (1)وقد تقدّم الكلام (2)على ذلك والجواب عنه فلا نعيد.
فالمتحصل : أن الأخبار الواردة في انتقاض الوضوء بغير البول والغائط وأخواتهما فيما وجد القائل به من أصحابنا يحتمل فيها أمران : الحمل على التقيّة والاستحباب في نفسها ، وإن كان المتعيّن هو الأول لمعارضتها مع الأخبار الدالّة على عدم انتقاض الوضوء بها وموافقتها للعامة كما مر ، كما أنها فيما لا يوجد به القائل من أصحابنا محمولة على التقية فحسب ، هذا على أن الوضوء مما يبتلي به المكلف ثلاث مرات في كل يوم على الأقل ، فلو كان ينتقض بشيء من تلك الأُمور لاشتهر وبان ، وعدم الاشتهار في أمثال ذلك بنفسه دليل على الخلاف.
(1) لما تقدم من أن الأخبار الواردة في انتقاض الوضوء بتلك الأُمور محمولة على التقيّة ، لمعارضتها مع الأخبار الدالّة على خلافها وموافقتها للعامّة كما مرّ.
وربما يورد عليه بأن علاج المتعارضين بحمل أحدهما على التقيّة تصرّف راجع إلى أصالة الجهة ، مع أن المتيقن عند تعارض أصالتي الظهور والجهة سقوط الاولى دون الثانية ، فمع إمكان الجمع العرفي بينهما وإسقاط أصالة الظهور لا وجه لحمل أحدهما
ولو تبيّن بعد هذا الوضوء كونه محدثاً بأحد النواقض المعلومة كفى ولا يجب عليه ثانياً (1)
على التقية ، وحيث إن الأخبار الآمرة بالوضوء بعد المذي أو غيره من الأُمور المتقدِّمة ظاهرة في الوجوب والمولوية ، فمقتضى الجمع بين الطائفتين أن يلغى ظهورها في الوجوب بحملها على الاستحباب لا حملها على التقية كما لا يخفى ، هذا.
والصحيح ما أفاده الماتن قدس سره وذلك لأن الروايات الواردة في المقام ليست بظاهرة في الحكم المولوي ، وإنما ظاهرها أن الوضوء يفسد وينتقض بالمذي أو غيره بل بعضها صريح في ذلك فلاحظ. كما أن الأخبار المعارضة لها ظاهرة في نفي الفساد والانتقاض ، وظاهر أن الانتقاض وعدم الانتقاض أمران متناقضان ولا معنى للفساد أو الانتقاض استحباباً. إذن لا بدّ من حمل الطائفة الأُولى على التقية فلا يبقى بذلك معنى ومقتض للحكم بالاستحباب. نعم لا بأس بالتوضؤ برجاء المطلوبية كما في المتن.
(1) إذا بنينا على استحباب الوضوء بعد المذي وغيره من الأُمور المتقدِّمة ، وفرضنا أن المكلف توضأ بعد المذي أو غيره ثم انكشف كونه محدثاً بأحد النواقض المعلومة صحّ وضوءه وكفى في رفع حدثه ، لأنه أتى به صحيحاً وإن اعتقد استحبابه وعدم رافعيته للحدث ، وذلك لأنه من الخطأ في التطبيق وهو غير مضر بصحة الوضوء ، إذ لا يعتبر في صحته قصد رفع الحدث به. وكذا إذا بنينا على عدم استحبابه وفرضنا أن المكلف توضأ برجاء الأمر والمحبوبية الفعليتين ، ثم انكشف أنه محدث بأحد النواقض واقعاً فإنّه يحكم بصحة وضوئه وارتفاع حدثه ، حيث أتى به على وجه صحيح ، والمفروض حدثه ، ووضوءه متعلق للأمر الفعلي واقعاً.
نعم ، قد يستشكل في الحكم بصحته بأنه من العبادات ، ولا يكون العمل عبادة إلاّ إذا قصد به التقرب إلى اللّه وكان أمراً صالحاً وقابلاً للتقرب به ، فمع احتمال أن العمل لغو وغير مستحب كما هو معنى احتمال الاستحباب وعدمه لم يحرز قابلية العمل للتقرب به ، ومعه لا يمكن الحكم بصحته وكفايته في رفع الحدث.
كما أنه لو توضأ احتياطاً لاحتمال حدوث الحدث ثم تبيّن كونه محدثاً كفى ولا يجب ثانياً (1).
ويرد على ذلك ما قدمناه في محله ، من أن العبادة إنما تمتاز عن بقية الواجبات التوصلية باعتبار إضافتها إلى المولى جلّ شأنه نحو إضافة بعد اشتراكها معها في لزوم الإتيان بذواتها ، وهذا متحقق في المقام ، لأنه أتى بذات العمل وهو الوضوء وقد أضافها إلى اللّه سبحانه ، حيث أتى بها برجاء استحبابها ومعه لا بدّ من الحكم بصحّته إذ لا يستفاد من أدلّة اعتبار قصد الأمر في العبادات إلاّ إضافتها إلى المولى فحسب وقد ورد في بعض الأخبار : « أن العبد ليصلي ركعتين يريد بهما وجه اللّه عزّ وجلّ فيدخله اللّه بهما الجنّة » (1)وفي آخر : « إذا كان أول صلاته بنية يريد بها ربّه فلا يضره ما دخله بعد ذلك » (2)والمفروض أن المكلف في المقام إنما أتى بالوضوء بنية يريد بها ربّه وهذا يكفي في صحته.
ودعوى أنه أتى به مقيداً باستحبابه ، فاذا انكشف عدم كونه مستحباً واقعاً وقع باطلاً لا محالة ، مندفعة بما سيأتي في مورده من أن الوجوب والاستحباب صفتان للأمر الصادر من المولى وليسا من أوصاف العمل المأمور به ، فتقييد العمل بأحدهما لا معنى محصل له ، وغاية الأمر أن يكون الداعي والمحرك له إلى نحو الوضوء هو الاستحباب أو الوجوب بحيث لو كان علم بانتفائه لم يكن يأت به جزماً. إذن فالمقام من تخلف الداعي لا التقييد وتخلف الدواعي غير مضر بصحة العبادة بوجه. والخلاصة أن الوضوء المأتي به برجاء الأمر الفعلي أو الاستحباب الواقعي محكوم بالصحة وهو يكفي في رفع الحدث ، قلنا باستحباب الوضوء بعد الأُمور المتقدِّمة أم لم نقل.
(1) الوجه في ذلك قد ظهر مما سردناه في الفرع المتقدم فلا نطيل.
فإن الوضوء إمّا شرط في صحّة فعل كالصلاة والطواف (1) وإما شرط في كماله كقراءة القرآن (2)
فصل
في غايات الوضوءات الواجبة وغير الواجبة
(1) لوضوح أنّ الوضوء شرط لصحّة الصلاة والطواف ، لا أنه شرط لوجوبهما ويدلّ عليه جملة وافرة من النصوص منها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال : « لا صلاة إلاّ بطهور » (1)ومنها : ما رواه علي بن مهزيار في حديث « أن الرجل إذا كان ثوبه نجساً لم يعد الصلاة إلاّ ما كان في وقت ، وإذا كان جنباً أو على غير وضوء أعاد الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته .... » (2)ومنها حديث لا تعاد (3)ومنها غير ذلك من النصوص ، هذا بالإضافة إلى الصلاة.
وأما الطواف فمن جملة الأخبار الواردة فيه صحيحة محمد بن مسلم قال : « سألت أحدهما علیهماالسلام عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهور ، قال : يتوضّأ ويعيد طوافه ... » (4)ومنها : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه علیه السلام « سألته عن رجل طاف ثم ذكر أنه على غير وضوء؟ قال : يقطع طوافه ولا يعتد به » (5)إلى غير ذلك من النصوص.
(2) وليس شرطاً في صحتها ، ويدلُّ عليه رواية محمد بن الفضيل عن أبي الحسن
وإمّا شرط في جوازه كمس كتابة القرآن (1) أو رافع لكراهته كالأكل (2)
( علیه السلام ) قال : « سألته : أقرأ المصحف ثم يأخذني البول فأقوم فأبول وأستنجي وأغسل يدي وأعود إلى المصحف فأقرأ فيه؟ قال : لا ، حتى تتوضّأ للصلاة » (1)ورواية الصدوق في الخصال في حديث الأربعمائة عن علي علیه السلام « لا يقرأ العبد القرآن إذا كان على غير طهر « طهور » حتى يتطهّر » (2)وفيما رواه أحمد بن فهد في عدة الداعي « أن قراءة القرآن متطهراً في غير صلاة خمس وعشرون حسنة ، وغير متطهر عشر حسنات » (3).
نعم ، الاستدلال بهذه الأخبار على استحباب التوضؤ لقراءة القرآن مبني على التسامح في أدلّة السنن ، لضعف أسانيدها. ثم إن مقتضى الروايتين السابقتين وإن كان كراهة القراءة على غير وضوء لا استحبابها مع الوضوء ، إلاّ أنهما تدلاّن على أن القراءة من غير وضوء أقل ثواباً من القراءة مع الوضوء لوضوح أن القراءة على غير وضوء إذا كانت مكروهة فالقراءة مع الوضوء أفضل وأكمل منها من غير وضوء فالنتيجة أن القراءة مع الوضوء أكمل وأكثر ثواباً من غيره.
(1) كما يأتي عليه الكلام (4).
(2) الظاهر أن في العبارة سقطاً ، والصحيح : كالأكل للجنب ، أو أن المراد بها بيان مورد الكراهة على سبيل الموجبة الجزئية ، وذلك لعدم دلالة الدليل على كراهة الأكل قبل التوضؤ إلاّ بالإضافة إلى الجنب كما يأتي في محله ، وأما ما في جملة من الأخبار من أن الوضوء قبل الطعام وبعده يذيبان الفقر (5)أو أنهما يزيدان في الرزق (6)وأن من سرّه أن يكثر خير بيته فليتوضّأ عند حضور طعامه (7)وغير ذلك من المضامين الواردة في
1) الوسائل 6 : 196 / أبواب قراءة القرآن ب 13 ح 1.
2) الوسائل 6 : 196 / أبواب قراءة القرآن ب 13 ح 2.
3) الوسائل 6 : 196 / أبواب قراءة القرآن ب 13 ح 3.
4) في ص 473.
5) الوسائل 24 : 334 / أبواب آداب المائدة ب 49 ح 1 ، 2 ، 3.
6) الوسائل 24 : 334 / أبواب آداب المائدة ب 49 ح 1 ، 2 ، 3.
7) الوسائل 24 : 334 / أبواب آداب المائدة ب 49 ح 1 ، 2 ، 3.
الأخبار ، فلا دلالة له على كراهة الأكل قبل الوضوء ، لأنها لو دلت فإنما تدل على استحباب الوضوء قبل الطعام وبعده. على أن المراد بالوضوء في تلك الروايات ليس هو الوضوء بالمعنى المصطلح عليه وإنما المراد به هو المعنى اللغوي أعني التنظيف والاغتسال والقرينة على ذلك أُمور :
منها : ما دلّ على أن التوضّؤ جميعاً بعد الطعام أمر فارق بين المشركين والمسلمين كصحيحة الوليد قال : « تعشينا عند أبي عبد اللّه علیه السلام ليلة جماعة فدعى بوضوء فقال : تعال حتى نخالف المشركين نتوضأ جميعاً » (1)وذلك لبداهة أن المشركين لا يتوضّؤون بالمعنى المصطلح عليه فرادى بعد الطعام ، ليكون التوضّؤ جميعاً بعد العشاء خلافاً للمشركين.
ومنها : الترغيب والحث على التوضؤ بعد الطعام جميعاً في طشت واحد كما في جملة من الروايات منها : الرواية المتقدِّمة ، ومنها : رواية الفضل بن يونس قال : « لما تغدى عندي أبو الحسن علیه السلام وجيء بالطشت بدأ به وكان في صدر المجلس فقال : ابدأ بمن على يمينك فلما توضأ واحد أراد الغلام أن يرفع الطشت ، فقال له أبو الحسن علیه السلام : دعها واغسلوا أيديكم فيها » (2)وما رواه البرقي في المحاسن عن عبد الرحمن بن أبي داود قال : « تغدينا عند أبي عبد اللّه علیه السلام فأتى بالطشت فقال : أما أنتم يا أهل الكوفة فلا تتوضؤون إلاّ واحداً واحداً ، وأما نحن فلا نرى بأساً أن نتوضّأ جماعة قال : فتوضأنا جميعاً في طشت واحد » (3). والوجه في الاستشهاد بها أن التوضّؤ بالمعنى المصطلح عليه لم يثبت وجوبه ولا رجحانه قبل الطعام أو بعده لعدم دلالة دليل عليه فلا معنى للحث عليه جماعة في طشت واحد والترغيب إلى تركه منفرداً ، اللّهمّ إلاّ أن يراد به معناه اللغوي وهو المدعى.
ومنها : الأخبار الدالّة على أن صاحب المنزل أول من يتوضأ قبل الطعام وآخر من يتوضّأ بعده ، كرواية محمّد بن عجلان عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « الوضوء
أو شرط في تحقق أمر كالوضوء للكون على الطهارة (1) أو ليس له غاية كالوضوء الواجب بالنذر ، والوضوء المستحب نفساً إن قلنا به كما لا يبعد (2).
قبل الطعام يبدأ صاحب البيت ... » (1)ورواية مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن أبيه علیه السلام قال : « صاحب الرحل يتوضأ أول القوم قبل الطعام وآخر القوم بعد الطعام » (2)وذلك لعدم دلالة دليل على استحباب أن يكون رب البيت أوّل مَنْ يتوضّأ بالمعنى المصطلح عليه قبل الطعام وآخر من يتوضّأ بعده ، وعليه فالمراد بالتوضّؤ في تلك الروايات هو التنظيف والتغسيل كما هو معناه اللغوي ، وبذلك صرح في رواية الموسوي قال قال هشام : « قال لي الصادق علیه السلام : والوضوء هنا غسل اليدين قبل الطعام وبعده » (3).
(1) يتضح الكلام في ذلك مما نبينه في التعليقة الآتية.
(2) قد مثّل للوضوء الذي لا غاية له بأمرين :
أحدهما : الوضوء الواجب بالنذر ، لأنه لا يعتبر في الإتيان به قصد الغاية. وفيه : أن نذر الوضوء يتوقف صحته على أن يكون الوضوء مستحباً في نفسه ، لوضوح أن النذر لا يشرع به ما ليس بمشروع في نفسه ، فلا مناص من أن يكون متعلقه راجحاً ومشروعاً مع قطع النظر عن النذر المتعلق به ، وما لم يثبت رجحانه كذلك لم يصح نذره. إذن لا معنى لعدّ ذلك قسماً آخر في مقابل الوضوء المستحب نفساً.
وثانيهما : الوضوء المستحب نفساً على القول به كما لم يستبعده الماتن قدس سره وعن جماعة إنكار الاستحباب النفسي للوضوء وأنه إنما يتصف بالاستحباب فيما إذا أتى به لغاية من الغايات المستحبة ، وأما الإتيان به بما هو مشتمل على الغسلتين والمسحتين في قبال ما يؤتي به لغاية من الغايات فلم تثبت مشروعيته.
والصحيح أن الوضوء مستحب في نفسه وفاقاً للماتن قدس سره وهذا لا
للحديث القدسي المروي في إرشاد الديلمي قال : « قال النبي صلی اللّه علیه و آله : يقول اللّه سبحانه : من أحدث ولم يتوضأ فقد جفاني ، ومن أحدث وتوضأ ولم يصلّ ركعتين فقد جفاني ، ومن أحدث وتوضأ وصلّى ركعتين ودعاني ولم أُجبه فيما سألني من أمر دينه ودنياه فقد جفوته ، ولست برب جاف » (1)ولا للمرسلة المرويّة عن الفقيه : « الوضوء على الوضوء نور على نور » (2)ولا لرواية محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « قال أمير المؤمنين علیه السلام : الوضوء بعد الطهور عشر حسنات فتطهّروا » (3)وذلك لعدم قابليتها للاستدلال بها لضعفها.
بل لقوله عزّ من قائل ( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) (4)بضميمة الأخبار الواردة في أن الوضوء طهور (5)وذلك لأن الآية المباركة دلتنا على أن الطهارة محبوبة لله سبحانه ، ولا معنى لحبه إلاّ أمره وبعثه ، فيستفاد منها أن الطهارة مأمور بها شرعاً. والمراد بالطهارة في الآية المباركة ما يعم النظافة العرفية ، وذلك لما ورد فيما رواه جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في قول اللّه عزّ وجلّ ( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) من أن الناس كانوا يستنجون بالكرسف
1) الوسائل 1 : 382 / أبواب الوضوء ب 11 ح 2.
2) الوسائل 1 : 377 / أبواب الوضوء ب 8 ح 8.
3) الوسائل 1 : 377 / أبواب الوضوء ب 8 ح 10 ، 246 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 6.
4) البقرة 2 : 222.
5) يستفاد ذلك من مثل صحيحة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال : « إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة ، ولا صلاة إلاّ بطهور » الوسائل 2 : 203 / أبواب الجنابة ب 14 ح 2 ، 1 : 372 / أبواب الوضوء ب 4 ح 1 ، 365 / أبواب الوضوء ب 1 ح 1. وصحيحته الأُخرى « لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة : الطهور ... » الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8. وحسنة الحلبي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « الصلاة ثلاثة أثلاث : ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود » الوسائل 6 : 310 / أبواب الركوع ب 9 ح 1 ، 6 : 389 / أبواب السجود ب 28 ح 2. وما رواه الصدوق في العيون والعلل عن الفضل بن شاذان عن الرضا علیه السلام قال : « إنما أُمر بالوضوء وبدئ به لأن يكون العبد طاهراً » الوسائل 1 : 367 / أبواب الوضوء ب 1 ح 9، إلى غير ذلك من الأخبار التي لا يسع المجال استقصاءها.
والأحجار ثم أُحدث الوضوء وهو خلق كريم ، فأمر به رسول اللّه وصنعه ، فأنزل اللّه في كتابه ( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) (1)وفي بعض الأخبار إن الناس كانوا يستنجون بالأحجار ، فأكل رجل من الأنصار طعاماً فلان بطنه فاستنجى بالماء ، فأنزل اللّه تبارك وتعالى فيه ( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) ويقال إن هذا الرجل كان البراء بن معرور الأنصاري (2)فان الاستنجاء بكل من الماء والأحجار وإن كان نظافة شرعية ، إلاّ أن الاستنجاء بالماء يزيد في التنظيف لأنه يذهب العين والأثر ، والأحجار لا تزيل إلاّ العين فحسب. فالآية المباركة دلّت على أن اللّه يحب التطهير بالماء ، وحيث إن ورود الآية في مورد لا يوجب اختصاصها بذلك المورد ، فيتعدى عنه إلى مطلق النظافات العرفية والشرعية. وعلى الجملة استفدنا من الآية المباركة إن النظافة بإطلاقها محبوبة لله وأنها مأمور بها في الشريعة المقدّسة. ويؤيده ما ورد من أن النظافة من الايمان (3)هذا كله في كبرى محبوبية الطهارة شرعاً.
وأمّا تطبيقها على الوضوء ، فلأنّ الطهارة اسم لنفس الوضوء أعني المسحتين والغسلتين ، لا أنها أثر مترتب على الوضوء كترتب الطهارة على الغسل في تطهير المتنجِّسات ، فإذا قلنا الصلاة يشترط فيها الطهارة فلا نعني به أن الصلاة مشروطة بأمرين ، وإنما المراد أنها مشروطة بشيء واحد وهو الغسلتان والمسحتان المعبّر عنهما بالطهارة ، وعلى هذا جرت استعمالاتهم فيقولون : الطهارات الثلاث ويريدون بها الوضوء والتيمم والغسل.
لا يقال : الطهارة أمر مستمر ولها دوام وبقاء بالاعتبار ، وليس الأمر كذلك في الوضوء لأنه يوجد وينصرم ، فكيف تنطبق الطهارة على الوضوء.
لأنه يقال : الوضوء كالطهارة أمر اعتبر له الدوام والبقاء ، ويستفاد هذا من جملة
من الروايات :
منها : ما في صحيحة زرارة : « الرجل ينام وهو على وضوء » (1)وذلك لأنه لو لم يكن للوضوء استمرار ودوام كما إذا فسّرناه بالمسحتين والغسلتين بالمعنى المصدري فما معنى أن الرجل ينام وهو على وضوء ، إذ الأفعال توجد وتنصرم وكون الرجل على وضوء فرع أن يكون الوضوء أمراً مستمراً بالاعتبار. وبعبارة اخرى : أن ظاهر قوله « وهو على وضوء » أن الرجل بالفعل على وضوء ، نظير ما إذا قيل زيد على سفر فإنّه إنّما يصح إذا كان بالفعل على سفر ومنه قوله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ) (2)وقوله ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ ) (3)أي كنتم كذلك بالفعل ، وهذا لا يستقيم إلاّ إذا كان المرتكز في ذهن السائل أن الوضوء له بقاء ودوام في الاعتبار. ونظيرها رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سمعته يقول : من طلب حاجة وهو على غير وضوء فلم تقض فلا يلومنّ إلاّ نفسه » (4)ومرسلة الصدوق عن الصادق علیه السلام « إني لأعجب ممن يأخذ في حاجة وهو على وضوء كيف لا تقضى حاجته ... » (5)وغيرهما من الأخبار.
ومنها : الأخبار الواردة في اشتراط الوضوء في الطواف ، كصحيحتي محمّد بن مسلم وعلي بن جعفر المتقدِّمتين (6)وغيرهما ، حيث دلّتنا تلك الروايات على أن الإنسان قد يكون على وضوء وقد يكون على غير وضوء ، ولا معنى لذلك إلاّ أن يكون للوضوء كالحدث والطهارة دوام عند الشارع.
ومنها : ما هو أصرح من السابقتين ، وهو الأخبار الواردة في أن الرعاف والقيء والقلس والمذي والوذي والودي وأمثال ذلك مما ورد في الأخبار غير ناقض
أما الغايات للوضوء الواجب فيجب للصلاة الواجبة أداء أو قضاء عن النفس أو عن الغير (1)
للوضوء (1)وأن البول والغائط والنوم والمني ناقض له (2)والوجه في صراحتها في المدعى : أن النقض إنما يتصوّر في الأمر الباقي والمستمر ، وأما ما لا وجود له بحسب البقاء فلا معنى لنقضه وعدم نقضه ، فمن هذا كلّه يظهر أن الغسلتين والمسحتين لا بالمعنى المصدري الإيجادي أمران مستمران ، وهما المأمور به فيما يشترط فيه الطهارة ، وهما المعبّر عنهما بالطهارة في عبارات الأصحاب كما تقدم ، فالوضوء بنفسه مصداق للطهارة والنظافة تعبداً ، فتشملها الكبرى المستفادة من الآية المباركة وهي محبوبية النظافة في الشريعة المقدسة وكونها مأموراً بها من قبله. فمن مجموع الآية والأخبار نستفيد أن الوضوء بنفسه من غير أن يقصد به شيء من غاياته أمر محبوب ومأمور به لدى الشرع ، كما أنه كذلك عند قصد شيء من غاياته ، فلا مانع من أن يتعلق به النذر وأن يؤتى به لذاته من غير نذر ولا قصد شيء من الغايات المترتبة عليه.
وبما ذكرناه ظهر أن قصد الكون على الطهارة هو بعينه قصد الكون على الوضوء لا أنه قصد أمر آخر مترتب على الوضوء ، لما عرفت من أن الوضوء هو بنفسه طهارة لا أن الطهارة أمر يترتب على الوضوء ، فمن قصد الوضوء فقد قصد الكون عليه فلا وجه لعد الكون على الطهارة من الغايات المترتبة على الوضوء.
(1) للأخبار الكثيرة ، وقد أسلفنا شطراً منها (3)فلاحظ ، ولقوله عزّ من قائل ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ... ) (4).
ولأجزائها المنسيّة (1) بل وسجدتي السهو على الأحوط (1)(2) ويجب أيضاً للطواف الواجب (3) وهو ما كان جزءاً للحج أو العمرة ، وإن كانا مندوبين (4) فالطواف المستحب ما لم يكن جزءاً من أحدهما لا يجب الوضوء له (5) نعم هو شرط في
(1) كالسجدة الواحدة والتشهد فإنّه لا بدّ من قضائها على كلام في التشهّد بمعنى أن الأجزاء المنسية يؤتى بها بعد الصلاة ، فقضاؤها بمعنى الإتيان بها كما هو معنى القضاء بحسب اللغة (2). والوجه في وجوب الوضوء للأجزاء المنسية من الصلاة كما قدمناه في الكلام على اشتراط الطهارة في الصلاة (3)هو أن الأجزاء المنسية هي بعينها الأجزاء المعتبرة في الصلاة ، وإنما اختلّ محلها وأُتي بها بعد الصلاة ، فما دلّ على اعتبار الوضوء في الصلاة وأجزائها هو الدليل على اعتباره في الأجزاء المنسية ، لأنها هي هي بعينها.
(2) وأما على الأظهر فلا ، لأن سجدتي السهو خارجتان عن الصلاة وليستا من أجزائها ، وإنما وجبتا لنسيان شيء مما اعتبر في الصلاة ، ومن هنا لا تبطل الصلاة إذا لم يؤت بهما بعد الصلاة ، وعليه لا يشترط الوضوء فيهما إلاّ على سبيل الاحتياط.
(3) كما دلت عليه صحيحتا محمد بن مسلم وعلي بن جعفر المتقدِّمتان (4)وغيرهما من النصوص.
(4) ادعي الإجماع على أن الحج والعمرة يجب إتمامهما بالشروع فيهما ، ويدلُّ عليه قوله عزّ من قائل ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (5)ولم نقف على ما يدل عليه من الأخبار.
(5) دلّت على ذلك صحيحة محمد بن مسلم المتقدِّمة حيث ورد فيها « عن رجل
صحّة صلاته. ويجب أيضاً بالنذر (1) والعهد واليمين ، ويجب أيضاً لمس كتابة القرآن إن وجب بالنذر أو لوقوعه في موضع يجب إخراجه منه ، أو لتطهيره إذا صار متنجساً (2) وتوقف الإخراج أو التطهير على مس كتابته ، ولم يكن التأخير بمقدار الوضوء موجباً لهتك حرمته.
طاف طواف الفريضة وهو على غير طهور قال : يتوضأ ويعيد طوافه ، وإن كان تطوعاً توضّأ وصلّى ركعتين » (1)ونظيرها غيرها من الأخبار الواردة في المقام ، نعم يعتبر الوضوء في صلاة الطواف ، وبهذه الأخبار يقيد المطلقات الدالّة على أن الطواف يعتبر فيه الوضوء.
(1) بناء على ما هو الصحيح من استحباب الوضوء في نفسه ، وأما إذا أنكرنا استحبابه كذلك فلا ينعقد النذر به إلاّ إذا قصد به شيء من غاياته.
(2) والجامع ما إذا وجب مس الكتاب ، والكلام في هذه المسألة يقع من جهات :
الاولى : هل يحرم مس كتابة القرآن من غير وضوء؟ المشهور بين المتقدِّمين والمتأخِّرين حرمة المس من غير طهر ، بل عن ظاهر جماعة دعوى الإجماع في المسألة ، وخالفهم في ذلك الشيخ (2)وابن البراج (3)وابن إدريس (4)والتزموا بكراهته. وعن جملة من متأخري المتأخرين الميل إليه ، وما ذهب إليه المشهور هو الصحيح.
وهذا لا لقوله عزّ من قائل ( لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) (5)لأن معنى الآية المباركة أن الكتاب لعظمة معاني آياته ودقة مطالبه لا ينال فهمها ولا يدركها إلاّ من طهّره اللّه سبحانه ، وهم الأئمة علیهم السلام لقوله سبحانه : ( إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ
الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1)وليست لها أية دلالة على حصر جواز المس للمتطهر ، لأن المطهَّر غير المتطهِّر وهما من بابين ، ولم يرَ إطلاق المطهر على المتطهر كالمغتسل والمتوضي في شيء من الكتاب والأخبار. على أن الضمير في يَمَسُّهُ إنما يرجع إلى الكتاب المكنون وهو اللّوح المحفوظ ، ومعنى أن الكتاب المكنون لا يمسّه إلاّ المطهّرون هو ما قدّمناه من أنه لا يناله ولا يصل إلى دركه إلاّ الأئمة المعصومون علیهم السلام . أذن الآية أجنبية عن المقام بالكلية ، هذا كلّه بالإضافة إلى نفس الآية المباركة.
وأما بالنظر إلى ما ورد في تفسيرها ، ففي رواية إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن علیه السلام قال : « المصحف لا تمسّه على غير طهر ولا جنباً ولا تمس خطّه ، ولا تعلّقه ، إن اللّه تعالى يقول ( لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) » (2)ومقتضى هذه الرواية أن الضمير في يَمَسُّهُ راجع إلى الكتاب الموجود بين المسلمين وأن المراد بالمس هو المس الظاهري ، إلاّ أنها غير قابلة للاستدلال بها لضعف سندها من وجوه منها : أن الشيخ رواها بإسناده عن علي بن حسن بن فضال وطريق الشيخ إليه ضعيف. بل ودلالتها أيضاً قابلة للمناقشة ، وذلك لأنها قد اشتملت على المنع من تعليق الكتاب ومس ظاهره من غير طهر ، وحيث لا قائل بحرمة التعليق من غير وضوء فلا مانع من أن يجعل ذلك قرينة على إرادة الكراهة من النهي ولو بأن يقال : إن الكتاب لمكان عظمته وشموخ مقاصده ومداليله لا يدركه غير المعصومين علیهم السلام ولذا يكره مسه وتعليقه من غير طهر. إذن لا يمكن الاستناد إلى الرواية في الحكم بحرمة المس وإرجاع الضمير إلى الكتاب الموجود بين المسلمين. ولا لرواية حريز عمن أخبره عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « كان إسماعيل بن أبي عبد اللّه عنده فقال : يا بني اقرأ المصحف فقال : إني لست على وضوء فقال : لا تمس الكتابة
ومس الورق وأقرأه » (1)وذلك لإرسالها.
بل لموثقة أبي بصير قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عمن قرأ في المصحف وهو على غير وضوء؟ قال : لا بأس ولا يمس الكتاب » (2)فان دلالتها على ما ذهب إليه المشهور من حرمة مس كتابة القرآن على غير المتطهر غير قابلة للمناقشة.
الجهة الثانية : هل ينعقد النذر بمس الكتاب؟ قد يقال إن صحة نذر المس يتوقف على رجحانه في نفسه ولا رجحان في مس الكتاب. وفيه أن بعض أفراد المس وإن كان كذلك إلاّ أن من أفراده ما لا شبهة في رجحانه ، كما إذا نذر مس الكتاب بتقبيله لأنه كتقبيل الضرائح المقدسة ويد الهاشمي ، أو مَن قصد به النبي صلی اللّه علیه و آله تعظيم للشعائر ولا تأمل في رجحانه.
الجهة الثالثة : إذا بنينا على عدم استحباب الوضوء في نفسه ، فهل يصح أن يؤتى به لغاية المس؟ قد يقال إن الغاية وما يتوقف عليه الوضوء ليس هو المس نفسه بل الغاية جواز المس ومشروعيته فليست الغاية فعلاً اختيارياً صادراً من المكلفين وإنما هي حكم شرعي ، وحيث إن الوجوب الغيري لا يتعلق إلاّ بما هو مقدّمة للفعل الصادر من المكلفين ، وليس الأمر في المقام كذلك لما عرفت ، فلو وجب المس بالنذر أو بغيره لم يكن ذلك الوجوب كافياً في تشريع الوضوء والأمر به (3).
ويرد عليه : أن مقدمة الواجب قد تكون مقدّمة لذات الواجب وقد تكون مقدّمة للواجب بوصف الوجوب ، وكلتاهما مقدّمة للواجب ، ومن هنا ذكرنا في التكلم على وجوب مقدمة الواجب وعدمه أن مقدّمات الصحّة أيضاً داخلة في محل الكلام ، مع أنها ليست مقدّمة لوجود الواجب وذاته كتطهير البدن والثياب بالنسبة إلى الصلاة فلا فرق بين مقدّمة ذات الواجب ومقدمة الواجب بوصف الوجوب ، فعلى القول بوجوب مقدّمة الواجب يتصف كلتا المقدمتين بالوجوب ، ولا مانع على ذلك من أن
وإلاّ وجبت المبادرة من دون الوضوء (1)
يقصد بالوضوء خصوص المس الواجب لأنه مقدّمة لحصّة خاصّة منه وهو المس المتصف بالوجوب ، إذ لا يتحقّق إلاّ بالوضوء كما لا تتحقّق الصلاة الواجبة إلاّ بطهارة البدن وغيرها من المقدّمات.
(1) لتزاحم حرمة هتك الكتاب مع حرمة المس من دون وضوء ، وحيث إن الحرمة في الهتك أقوى وآكد فتسقط الحرمة عن المس ويحكم بوجوب المبادرة إلى الإخراج أو التطهير من دون وضوء ، ولا يجب التيمم حينئذ وإن كان ميسوراً للمكلف على وجه لا ينافي المبادرة ولا يستلزم هتك الكتاب ، كما إذا تيمم حال نزوله في البالوعة ، والوجه في ذلك أن التيمم إنما يسوغ عند فقدان الماء حقيقة أو العجز من استعماله ولم تثبت مشروعيته في غير الصورتين ، مثلاً إذا توقف إنقاذ الغريق على دخول المسجد والمكث فيه ، وفرضنا أن المكلف جنب لا يتمكن من الغسل لضيق المجال بحيث لو اغتسل لم يتمكن من إنقاذه ، لم يجز له التيمم لعدم مشروعيته لضيق الوقت بعد كون المكلف واجداً للماء.
بل قد يستشكل في مشروعية التيمم لضيق وقت الصلاة ، لأنه إنما شرع في حق فاقد الماء والعاجز عن استعماله فحسب ، فيحتاج جوازه لضيق الوقت إلى دليل آخر ولا دليل عليه ، هذا.
نعم ، يمكن أن يقال بوجوب التيمم لضيق وقت الصلاة ، للضرورة والإجماع القائمين على أن الصلاة لا تسقط بحال ، وهي مشروطة بالطهور وحيث لا يتمكن المكلف من الغسل أو الوضوء فلا مناص من أن يتيمم للصلاة. ويمكن الاستدلال عليه بقوله عزّ من قائل ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) (1)أي إلى منتصفه ، لدلالتها على أن الصلاة لا بدّ من إقامتها على كل حال بين حدي الدلوك والغسق ، وحيث أنها مشروطة بالطهور والمكلف غير متمكن من الغسل أو الوضوء
1) الإسراء 17 : 78.
ويلحق به أسماء اللّه وصفاته الخاصّة (1) دون أسماء الأنبياء والأئمة علیهم السلام وإن كان أحوط ، ووجوب الوضوء في المذكورات ما عدا النذر وأخويه إنما هو على تقدير كونه محدثاً وإلاّ فلا يجب. وأما في النذر وأخويه فتابع للنذر ، فان نذر كونه على الطهارة لا يجب إلاّ إذا كان محدثاً ، وإن نذر الوضوء التجديدي وجب وإن كان على وضوء.
ولو لضيق وقت الصلاة ، فدلت الآية المباركة على وجوب التيمم في حقه إذ لا تتحقق الصلاة المأمور بها من دونه. نعم لا دليل على مشروعيته لضيق الوقت في غير الصلاة. والمتحصل أن ما ذكره الماتن من وجوب المبادرة من دون الوضوء هو الصحيح ولا يجب عليه التيمم لما عرفت.
(1) إن اعتمدنا في الحكم بحرمة مس الكتاب على موثقة أبي بصير المتقدِّمة (1)لم يمكننا الحكم بحرمة المس في غيره ، لاختصاص الموثقة بالكتاب ولا سبيل لنا إلى ملاكات الأحكام الشرعية لنتعدى عنه إلى غيره.
وأما لو كان المدرك قوله عزّ من قائل ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) (2)فلا مانع من التعدي إلى أسماء اللّه وصفاته الخاصة ، لدلالة الآية المباركة على أن المنع عن مس كتابة القرآن إنما هو لكرامته ، فيصح التعدي منه إلى كل كريم ، وأسماء اللّه وصفاته من هذا القبيل. بل لازم ذلك التعدي إلى أسماء الأنبياء والأئمة علیهم السلام بل وإلى أبدانهم الشريفة والكعبة المشرفة وغيرها لكرامتها وشرافتها عند اللّه سبحانه ، وكل ذلك مما لا يمكن الالتزام به ، والذي يسهّل الخطب أن الآية كما تقدم أجنبية عن ما نحن فيه ، والمستند في المنع هو الموثقة وهي تختص بالكتاب ، ومعه فالحكم بإلحاق أسماء اللّه وصفاته وأسماء الأنبياء والأئمة بالكتاب مبني على الاحتياط.
[466] مسألة 1 : إذا نذر أن يتوضأ لكل صلاة وضوءاً رافعاً للحدث وكان متوضئاً يجب عليه نقضه ثم الوضوء ، لكن في صحة مثل هذا النذر على إطلاقه تأمّل (1).
(1) لا إشكال في أن النذر يعتبر الرجحان في متعلقه ، لوضوح أن ما يلتزم الناذر أن يأتي به لله سبحانه لو لم يكن أمراً محبوباً له لم يكن معنى للالتزام بالإتيان به لأجله ، إلاّ أنه لا يعتبر في صحته أن يكون أرجح من غيره ، فلو نذر أن يزور مسلم علیه السلام ليلة الجمعة مثلاً صحّ نذره ، لرجحان زيارته ومحبوبيتها عند اللّه فإنّها زيارة من استشهد لإحياء الشريعة المقدّسة سفارة من الحسين بن علي علیهماالسلام وإن كانت زيارة الحسين علیه السلام أفضل وأرجح من زيارته علیه السلام فالنذر لا يعتبر في صحّته سوى الرجحان في متعلقة وإن استلزم ترك أمر آخر أرجح منه.
نعم ، إذا كان للفعل الراجح مقدّمة مرجوحة تلازمه كان الفعل المقيد بها أيضاً مرجوحاً لا محالة فلا يصح النذر في مثله ، وحيث إن الوضوء الرافع للحدث يتوقف على نقض الطهارة في حق المتطهر ، لأن الرفع إعدام بعد الوجود ، ونقض الطهارة أمر مرجوح لاستحباب البقاء على الوضوء في جميع الحالات والأزمنة كما يدل عليه قوله عزّ من قائل ( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) (1)كان النذر المتعلق به نذر فعل مرجوح لمقدمته فيبطل ، إلاّ إذا كان نقض الطهارة وإحداث الحدث مشتملاً على الرجحان ، كما إذا فرضنا أن البقاء على الطهارة يستتبع الابتلاء بمدافعة الأخبثين وبنينا على كراهتها فان النذر يصح حينئذ لرجحان ما يتوقف عليه الوضوء الرافع للحدث في حق المتطهر أعني نقض الطهارة ، كما أن نذره من المحدث كذلك. وعلى الجملة بطلان النذر في مفروض الكلام مستند إلى المقدمة المرجوحة الملازمة لمتعلقه وليس من جهة استلزامه ترك أمر آخر أرجح منه.
1) البقرة 2 : 222.
[467] مسألة 2 : وجوب الوضوء لسبب النذر أقسام : أحدها : أن ينذر أن يأتي بعمل يشترط في صحّته الوضوء كالصلاة (1).
الثاني : أن ينذر أن يتوضأ إذا أتى بالعمل الفلاني غير المشروط بالوضوء (2) مثل أن ينذر أن لا يقرأ القرآن إلاّ مع الوضوء (3) فحينئذ لا يجب عليه القراءة لكن لو أراد أن يقرأ يجب عليه أن يتوضأ. الثالث : أن ينذر أن يأتي بالعمل الكذائي مع الوضوء (4) كان ينذر أن يقرأ القرآن مع الوضوء ، فحينئذ يجب الوضوء والقراءة. الرابع : أن ينذر الكون على الطهارة (5). الخامس : أن ينذر أن يتوضأ من غير نظر إلى الكون على الطهارة (6) وجميع هذه الأقسام صحيح ، لكن
(1) فالنذر لم يتعلق بالوضوء وإنما يجب الإتيان به لتوقف الفعل المنذور عليه والنذر في هذه الصورة مطلق وهو ظاهر.
(2) النذر مقيد حينئذ ، لأنه إنما التزم به على تقدير إرادة القراءة مثلاً ولم يلتزم به على نحو الإطلاق ، فيجب عند إرادتها.
(3) لا تخلو العبارة عن تسامح ظاهر ، لأن الكلام إنما هو في نذر الوضوء مقيداً بشيء لا في نذر ترك القراءة إلاّ مع الوضوء ، وإن كان ما ذكره قدس سره عقداً سلبياً لتعلق النذر بالوضوء على تقدير إرادة القراءة حيث إن له عقدين : إيجابياً وهو نذر الوضوء عند إرادة القراءة مثلاً ، وسلبياً لازم له وهو أن لا يقرأ القرآن إلاّ مع الوضوء ، والمراد هو العقد الإيجابي وإن عبّر عنه بما يدل على العقد السلبي. وهو قابل للمناقشة فإن القراءة مستحبة مع الوضوء وعدمه ، وإن كانت القراءة مع الوضوء أرجح من القراءة من غير الوضوء. إذن لا رجحان في ترك القراءة ليتعلق النذر به.
(4) فيكون متعلق النذر هو الوضوء مع الفعل الآخر.
(5) أي ينذر الوضوء لغاية الكون على الطهارة.
(6) بأن ينذر الإتيان بالوضوء من دون قصد شيء من غاياته ، وهذا يتصوّر على نحوين :
ربما يستشكل في الخامس من حيث إن صحته موقوفة على ثبوت الاستحباب النفسي للوضوء ، وهو محل إشكال لكن الأقوى ذلك.
[468] مسألة 3 : لا فرق في حرمة مس كتابة القرآن على المحدث بين أن يكون باليد أو بسائر أجزاء البدن ولو بالباطن كمسها باللسان أو بالأسنان (1) والأحوط ترك المس بالشعر أيضاً (1)وإن كان لا يبعد عدم حرمته (2).
أحدهما : أن ينذر الوضوء قاصداً به الطبيعي المنطبق على ما قصد به شيء من غاياته وما لم يقصد به ، ولا ينبغي الاستشكال في صحة ذلك ، لأنه نذر أمر راجح في الشريعة المقدسة وإن قلنا بعدم الاستحباب النفسي في الوضوء ، لأن المتعلق هو الطبيعي الصادق على ما قصد به شيء من الغايات المترتبة عليه ، والوضوء بقصد شيء من غاياته مما لا كلام في استحبابه.
وثانيهما : أن ينذر الوضوء قاصداً به خصوص الحصة التي لا يؤتى بها بقصد شيء من غاياته ، وصحة النذر في هذه الصورة تبتني على القول بالاستحباب النفسي له ، إذ لو لا ذلك كان النذر نذر عمل لا رجحان له فيبطل. وهذا القسم الأخير هو المورد للاستشكال في كلام الماتن « لكن ربما يستشكل في الخامس » دون القسم السابق فلاحظ.
(1) لإطلاق الدليل.
(2) الصحيح أن يفصّل بين الشعر الخفيف والكثيف ، لأن الشعر القليل غير مانع عن صدق المس بالبدن أو اليد ونحوهما ، فلو مس الكتابة بشعر لحيته الخفيف أو بشعر ذراعه مثلاً صدق أنه مس الكتابة بذراعه أو بوجهه ، فيشمله الدليل الدال على حرمة مس الكتابة من غير طهر ، وأما الشعر الطويل أو الكثيف فلا يصدق على المس به مس الكتابة باليد أو غيرها ، لأنه في حكم المس بالأمر الخارجي وهو غير مشمول للدليل.
1) (*) بل الأظهر ذلك فيما إذا عدّ الشعر من توابع البشرة عرفاً ، وأما في غيره فلا بأس بترك الاحتياط.
[469] مسألة 4 : لا فرق بين المس ابتداء أو استدامة فلو كان يده على الخط فأحدث يجب عليه رفعها فوراً ، وكذا لو مس غفلة ثم التفت أنه محدث (1).
[470] مسألة 5 : المس الماحي للخط أيضاً حرام فلا يجوز له أن يمحوه باللسان أو باليد الرطبة (2).
[471] مسألة 6 : لا فرق بين أنواع الخطوط حتى المهجور منها كالكوفي (3) وكذا لا فرق بين أنحاء الكتابة من الكتب بالقلم أو الطبع أو القص بالكاغذ أو الحفر أو العكس (4).
(1) لشمول النهي عن مسها للمس ابتداء واستدامة بالارتكاز.
(2) لأنه محو بالمسّ حيث يمسّه فيمحيه ، والمسّ من دون طهارة حرام.
(3) لأن الحرمة إنما ترتبت على مسِّ كتابة القرآن النازل على النبي صلی اللّه علیه و آله سواء أكانت مكتوبة بالخط الكوفي أو النسخ أو النستعليق أو بغيرها من أنحاء الخطوط القديمة أو المستحدثة ، وكذلك يحرم مسها وإن كانت مكتوبة بغير الخط العربي.
(4) أنحاء الكتابة ثلاثة : أحدها : الخط البارز وهو الذي يعلو على سطح القرطاس أو الجلد أو غيرهما.
ثانيهما : الخط العادي وهو الذي لا يعلو على القرطاس أو غيره من الأجسام القابلة للكتابة عليها عند النظر ، وهذا هو المتعارف الغالب في الكتابة.
ثالثها : الخط المحفور وهو الذي يحفر على الخشب أو الصفر أو غيرهما.
أما القسمان الأولان فلا ينبغي الاستشكال في حرمة مسهما ، لأنهما من الكتابة القرآنية القابلة للمس وهو حرام على غير المتطهر.
وأما القسم الثالث فقد يستشكل في حرمته كما عن شيخنا الأنصاري قدس سره نظراً إلى أن الكتابة بالحفر غير قابلة للمس ، لقيام الخط فيها بالهواء ولا يصدق عليه
[472] مسألة 7 : لا فرق في القرآن بين الآية والكلمة ، بل والحرف (1) وإن كان يكتب ولا يقرأ كالألف في قالوا وآمنوا (2) بل الحرف الذي يقرأ ولا يكتب (1)إذا كتب كما في الواو الثاني من داود إذا كتب بواوين ، وكالألف في رحمن ولقمن إذا كتب كرحمان ولقمان (3).
[473] مسألة 8 : لا فرق بين ما كان في القرآن أو في كتاب (4)
المس عرفاً (2)والصحيح أن المحفور كغيره ولا فرق بينهما بوجه ، وما ادعاه قدس سره لو تمّ فهو من التدقيقات الفلسفية التي لا سبيل لها إلى الأحكام الشرعية والوجه فيما ذكرناه أن العرف يرى الخط في هذا القسم عبارة عن أطراف الحفر المتصلة بالسطح وهو أمر قابل للمس.
(1) لما تقدم من أن الحرمة إنما ترتبت على مس القرآن النازل على النبي صلی اللّه علیه و آله آية كانت أو كلمة أو حرفاً.
(2) لأنه جزء من كتابة القرآن وإن لم يكن مقروءاً.
(3) الصحيح أن يفصل بين ما يعد صحيحاً حسب قواعد الكتابة فلا يجوز مسه ، لأنه جزء من كتابة القرآن كالألف في رحمن ولقمن إذا كتب كرحمان ولقمان ، وإنما كتب في القرآن على غير تلك الكيفية تبعاً للخليفة الثالث حيث إنه كتب رحمن ولقمن ، واحتفظ بكتابته إلى الآن ، كما أنه كتب « ما لهذا » هكذا : « مال هذا » (3)وهو غلط ، وبين ما يعد غلطاً بحسب القواعد ، لأنه إذا كان غلطاً زائداً لم يحرم مسه لخروجه عن كتابة القرآن.
(4) لما مرّ من أن الحرمة حسبما يقتضيه الفهم العرفي إنما ترتبت على القرآن النازل
على النبي صلی اللّه علیه و آله سواء انضمّ إلى باقي حروفه وآياته كما إذا كان في المصحف ، أم انفصل بأن كان في كتاب فقه أو لغة أو غيرهما ، هذا.
وعن الشهيد قدس سره التصريح بجواز مس الدراهم البيض المكتوب عليها شيء من الكتاب ، مستدلاً على ذلك بما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال : « سألته هل يمس الرجل الدرهم الأبيض وهو جنب؟ فقال : إي إني واللّه لأُوتى بالدرهم فآخذه وإنِّي لجنب » (1)وذكر أن عليه سورة من القرآن ، وبما أنّا لا نحتمل أن تكون للدراهم خصوصية في الحكم بالجواز فيمكن الاستدلال بالرواية على جواز مس كتابة القرآن في غير المصحف مطلقاً.
ويرد عليه أن الرواية ضعيفة السند ، وذلك لأن البزنطي من أصحاب الرضا والجواد علیهماالسلام ومحمد بن مسلم من أصحاب الباقر والصادق علیهماالسلام فليسا من أهل طبقة واحدة حتى يروي البزنطي عن محمد بن مسلم من غير واسطة. ويؤيده أن البزنطي ليس في ترجمته أنه يروي عن محمد بن مسلم إذن في البين واسطة وحيث لم تذكر في السند فالرواية مرسلة لا اعتبار بها ، ولعلّه لذلك عبّر الشهيد عنها بالخبر ولم يوصف في كلام صاحب الحدائق قدس سره بالصحيحة أو الموثقة وعبّر عنها المحقق الهمداني بالرواية (2)هذا ويمكن أن يضعف الرواية بوجه آخر وهو أن الرواية نقلها المحقق قدس سره عن كتاب جامع البزنطي (3)ولم يثبت لنا اعتبار طريقه إلى هذا الكتاب ، هذا.
ثم إن دلالة الرواية أيضاً قابلة للمناقشة ، وذلك لأنه إنما دلّت على أن الجنب أو المحدث يجوز أن يأخذ الدرهم المكتوب عليه شيء من الكتاب ، وأما أن الجنب يجوز أن يمس تلك الآية المكتوبة عليه فلا ، إذ ليست في الرواية أية دلالة عليه فمن الجائز أن تكون الرواية ناظرة إلى دفع توهم أن الجنب لا يجوز أن يأخذ الدرهم الذي فيه
بل لو وجدت كلمة من القرآن في كاغذ ، أو نصف الكلمة كما إذا قص من ورق القرآن أو الكتاب يحرم مسها أيضاً (1).
[474] مسألة 9 : في الكلمات المشتركة بين القرآن وغيره المناط قصد الكاتب (2).
شيء من الكتاب حيث قال علیه السلام « إي إني واللّه لأُوتى بالدرهم فآخذه وإني لجنب » فهذه الرواية ساقطة. وأما ما رواه إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم علیه السلام قال « سألته عن الجنب والطامث يمسان أيديهما الدراهم البيض؟ قال : لا بأس » (1)فهي وإن دلت على أن الجنب والطامث يجوز أن يمسا الدراهم إلاّ أنه لم يثبت اشتمالها على شيء من الكتاب ، بل الظاهر اشتمالها على اسم اللّه سبحانه. على أنها معارضة برواية عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « لا يمس الجنب درهماً ولا ديناراً عليه اسم اللّه » (2)مع الغض عن سندها ، لاشتماله على أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد وهو ممن لم يوثق في الرجال.
(1) لإطلاق موثقة أبي بصير ، لأن المنع عن مس الكتاب يشمل الآية والكلمات بل الحروف ، اللّهمّ إلاّ أن يخرج عن القرآنية بحيث لا يصدق عليه عنوان الكتاب ، كما إذا قطعت حروفه وانفصل بعضها عن بعضها الآخر ، فان كل واحد من الحروف المنفصلة حينئذ لا يطلق الكتاب عليه ولا يقال إنه قرآن بالفعل ، بل يقال : إنه كان قرآناً سابقاً ومعه لا موجب لحرمة مسه.
(2) كما هو الحال في غير الكلمات القرآنية من المشتركات كأعلام الأشخاص ، مثلاً لفظة محمد تشترك بين اسم النبي صلی اللّه علیه و آله وغيره من المسمّين بها ، ولا تتميز إلاّ بقصد الكاتب بحيث لا تترتب عليها آثارها إلاّ إذا قصد بها النبي صلی اللّه علیه و آله فجملة « قال موسى » مثلاً إنما يحرم مسها إذا كتب قاصداً
[475] مسألة 10 : لا فرق فيما كتب عليه القرآن بين الكاغذ ، واللوح ، والأرض ، والجدار ، والثوب ، بل وبدن الإنسان (1) فإذا كتب على يده لا يجوز مسه عند الوضوء ، بل يجب محوه أوّلاً ثم الوضوء (2).
[476] مسألة 11 : إذا كتب على الكاغذ بلا مداد (3) فالظاهر عدم المنع من مسه ، لأنه ليس خطاً. نعم لو كتب بما يظهر أثره بعد ذلك فالظاهر حرمته كماء البصل فإنّه لا أثر له إلاّ إذا أُحمي على النار.
بها القرآن ، وأما لو قصد بها شيء غيره أو لم يقصد بها شيء أصلاً ، كما إذا قصد بكتابتها تجربة خطّه ، فلا مقتضي لحرمة مسها بوجه ، وهذا بخلاف الكلمات المختصة بالكتاب لأنها محرمة المس مطلقاً ، قصد بكتابتها القرآن أم لا هذا.
(1) لحرمة مس الكتابة مطلقاً ، سواء كانت الكتابة على القرطاس أو على شيء آخر.
(2) أو يتوضأ بصبّ الماء على بشرته ، أو برمس يده في الماء من دون مس ، لأن مسها مس لكتابة القرآن من غير وضوء وهو حرام.
(3) أعني الكتابة من غير أن يظهر أثرها على القرطاس وهي أحد أقسام الكتابة ولا إشكال في عدم حرمة المس حينئذ لأنه من السالبة بانتفاء موضوعها ، حيث لا خط ولا كتابة كي يحرم مسهما.
القسم الثاني من الكتابة ما إذا كتب بالمداد أعني ما يظهر أثره على القرطاس بالكتابة ، وهذا لا إشكال في حرمة مسه كما عرفت.
القسم الثالث : ما إذا كتب بما لا يظهر أثره بالكتابة وإنما يظهر بالعلاج ، كما إذا كتب باللبن أو بماء البصل إذ لا يظهر أثر الكتابة بهما إلاّ إذا أُحمي على النار ، فهل يحرم مس هذا القسم من الكتابة قبل أن يظهر بالعلاج؟ استظهر الماتن حرمته وهو الصحيح لأنّ الكتابة موجودة قبل العلاج ، لوضوح أن الحرارة ليست من أسباب تكونها وإنما هي سبب لبروزها وكونها قابلة للاحساس ، والحرمة إنما ترتبت على مسِّ الكتابة
[477] مسألة 12 : لا يحرم المسّ من وراء الشيشة (1) وإن كان الخطّ مرئيّاً وكذا إذا وضع عليه كاغذ رقيق يرى الخط تحته. وكذا المنطبع في المرآة ، نعم لو نفذ المداد في الكاغذ حتى ظهر الخط من الطرف الآخر لا يجوز مسّه (2) خصوصاً إذا كتب بالعكس فظهر من الطرف الآخر طرداً.
[478] مسألة 13 : في مس المسافة الخالية التي يحيط بها الحرف كالحاء أو العين مثلاً إشكال أحوطه الترك (1)(3).
[479] مسألة 14 : في جواز كتابة المحدث آية من القرآن بإصبعه على الأرض أو غيرها إشكال ، ولا يبعد عدم الحرمة (2)(4) فإن الخط يوجد بعد المسّ.
سواء أكانت بارزة أم لم تكن.
(1) لضرورة أن المحرم إنما هو مس الكتابة ومس الشيشة ليس مساً للكتابة حقيقة لوجود الحائل على الفرض.
(2) لأنّ الحرمة إنما ترتبت على مس كتابة القرآن من دون فرق في ذلك بين الكتابة المقلوبة وغيرها ، فان الخط الظاهر في الجانب الآخر من الخطوط القرآنية فيحرم مسها مع الحدث ، وأظهر من ذلك ما إذا كتب مقلوباً فظهر من الطرف الآخر طرداً لأنه كتابة قرآنية بلا ريب.
(3) والأقوى جوازه ، لعدم كون الممسوس كتابة القرآن.
(4) علّله قدس سره بأن الخط يوجد بعد المس فلا يقع المس على الكتابة. وفيه أن الخط وإن كان معلولاً للمس ويوجد المس فيوجد الخط إلاّ أن تأخره رتبي لا زماني ، ولا أثر للتقدم والتأخر الرتبيين بوجه ، لأن الموضوع للأحكام الشرعية إنما هو الأُمور الواقعة في الزمان وليس التقدم والتأخر زمانياً في المقام ، لوضوح أن الخط غير متأخر عن المس بحسب الزمان وإنما هما متقارنان ويوجدان في زمان واحد ، ولا
وأمّا الكتب على بدن المحدث وإن كان الكاتب على وضوء فالظاهر حرمته (1)خصوصاً إذا كان بما يبقى أثره (1).
مناص معه من الحكم بالحرمة في المسألة ، لدلالة الموثقة المتقدِّمة على عدم جواز مس الكتابة مع الحدث ، سواء أكان مقارناً مع الخط أم كان متأخراً عنه في الزمان.
(1) للكتب على بدن المحدث صورتان : إذ قد يبقى أثر الكتابة وقد يزول كما إذا كتب بالماء مثلاً ، لأنّه يرتفع بعد الكتابة ويجف ، وقد حكم قدس سره بالحرمة في كلتا الصورتين كما أنه حكم بالجواز في الفرع المتقدم على ما نحن فيه. ويا ليته عكس الأمر في المسألتين وحكم بالحرمة في الفرع المتقدم وبالجواز في الصورتين ، وذلك لأن الوجه فيما صنعه الماتن من الحكم بالتحريم في الصورتين ، أن المس بعد الحكم بحرمته لا يفرق فيه بين أن يكون بالتسبيب أو بالمباشرة ، والكاتب في مفروض المسألة وإن لم يرتكب المس المحرم بالمباشرة لأنه متطهر على الفرض ، إلاّ أنه بكتابته أوجد المس في بدن المحدث فان مس المحدث للكتابة مسبب عن فعل الكاتب ، وقد عرفت أن إيجاد المس محرم مطلقاً ، سواء أكان بالمباشرة أم بالتسبيب.
ويتوجّه عليه : أن الحرمة على ما دلّت عليه الموثقة إنما ترتبت على مس كتابة القرآن مع الحدث ، والمس إنما يتحقق إذا كان هناك جسمان لاقى أحدهما الآخر ، ولا يتحقّق هذا في المقام ، وذلك لأن المراد بالكتابة ليس هو الخطوط والنقوش في نفسهما كيف وهما من الأعراض ، والمس إنما يقع على الجواهر بما لها من الطوارئ والأعراض ولا يقع على العرض نفسه ، بل المراد بها هو الخطوط مع معروضاتها من القرطاس أو الخشب أو الحديد أو غيرها من الأجسام الخارجية ، وعليه فالكاتب إنما أوجد الكتابة في بدن المحدث وهو كما إذا أوجدها في القرطاس أو الحديد ، ومعه ليس في البين سوى الخطوط على بدنه وهو المعبّر عنه بالممسوس ، فأين هناك الجسم الآخر الماس حتى يقال إن الكاتب أوجد المس بالتسبيب ويحكم عليه بالحرمة ، فإن المس
1) (*) فيه إشكال ، وإن كان الأحوط تركه.
[480] مسألة 15 : لا يجب منع الأطفال (1) والمجانين من المسّ إلاّ إذا كان مما يعد هتكاً ، نعم الأحوط عدم التسبيب لمسهم (2).
لا يتحقّق إلاّ بتلاقي الجسمين وليس في المقام إلاّ جسم واحد كما عرفت.
نعم ، إذا مس المحدث ذلك الموضع بيده أو بغيرها من أعضائه صدق عليه مس الكتابة ، ومن هنا قلنا إن المتوضئ يجب أن يمحو الآية المكتوبة على مواضع وضوئه أوّلاً ثم يتوضأ ، لأن مسه مس صادر عن المحدث وهو حرام. وعليه فالظاهر عدم حرمة الكتابة على بدن المحدث في كلتا الصورتين.
(1) لأن المنع عن المس خاص بالمكلفين ، والأطفال والمجانين غير مكلفين بالاجتناب عنه فهو في حقهم مباح ، ومع إباحة الفعل الصادر عن الصبي أو المجنون لا مقتضي لوجوب منعهم عن المس.
(2) هذا أحد الأقوال في المسألة ، أعني المنع عن التسبيب لمسهم مطلقاً. وقد يفصّل بين ما إذا كان التسبيب باعطائهم له ومناولتهم إياه ، بأن كان التسبيب بإيجاد مقدمة من مقدمات أفعالهم ، وبين التسبيب بإصدار نفس العمل من الغير كما إذا أخذ إصبع الصبي أو المجنون ووضعها على الكتاب ، بالمنع في الصورة الثانية دون الاولى.
والصحيح عدم حرمة التسبيب في كلتا الصورتين ، وذلك لأنّا وإن قدمنا في محله أن مقتضى الفهم العرفي والارتكاز عدم الفرق في العصيان والمخالفة بين إيجاد العمل المحرم بالمباشرة وبين إيجاده بالتسبيب ، لأن كليهما يعد عصياناً للنهي عرفاً وبالارتكاز ، إلاّ أن ذلك يختص بما إذا كان العمل محرماً في حق المباشر ، وأما إذا كان العمل مباحاً وغير مبغوض بوجه فلا مانع من إيجاد الفعل بالتسبيب إليه ، والأمر في المقام كذلك ، لأن المس الصادر عن غير المكلفين إنما يصدر على الوجه الحلال فلا مانع من إيجاد المس بيده.
اللّهمّ إلاّ أن يعلم أهمية الحكم بحيث لا يرضى الشارع بتحقق العمل في الخارج ولو من غير المكلفين ، كما إذا دلّ عليه دليل خارجاً ومعه لا بدّ من الحكم بوجوب
ولو توضّأ الصبي المميز فلا إشكال في مسه ، بناء على الأقوى من صحة وضوئه وسائر عباداته (1).
[481] مسألة 16 : لا يحرم على المحدث مسّ غير الخط من ورق القرآن حتى ما بين السطور والجلد والغلاف (2) نعم يكره ذلك (3) كما أنه يكره تعليقه وحمله.
[482] مسألة 17 : ترجمة القرآن ليست منه بأيّ لغة كانت فلا بأس بمسِّها على المحدث (4) ،
ردعهم فضلاً عن حرمة التسبيب إليه ، وهذا قد ثبت في جملة من الموارد كشرب الخمر والزنا واللواط والقتل وغيرها من الأفعال القبيحة للعلم بعدم رضا الشارع بتحققها في الخارج ، إلاّ أنه لم يقم دليل على ذلك في المقام ، فالصحيح جواز التسبيب في كلتا الصورتين المتقدِّمتين.
(1) سيأتي تحقيق ذلك في محلِّه إن شاء اللّه (1).
(2) لاختصاص المنع بمسِّ الكتابة ، وعدم الدليل على حرمة المس في غير الخط.
(3) اعتمد في ذلك وفي كراهة التعليق على رواية إبراهيم بن عبد الحميد المتقدِّمة (2)الناهية عن مس المصحف ومسّ خطّه وتعليقه ، فانّ المصحف في قبال الخط يشمل الجلد والورق والغلاف ، وقد تقدّم الكلام على هذه الرواية فليلاحظ.
(4) لأن المراد بالقرآن هو الذي أنزله اللّه سبحانه على النبي صلی اللّه علیه و آله وهو عربي اللغة كما في قوله عزّ من قائل ( إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (3)فالنهي عن مسِّه على غير الوضوء لا يشمل ترجمته ، لأنها ترجمة القرآن لا أنها القرآن نفسه.
نعم لا فرق في اسم اللّه تعالى بين اللغات (1).
[483] مسألة 18 : لا يجوز وضع الشيء النجس على القرآن وإن كان يابساً لأنه هتك وأمّا المتنجِّس فالظاهر عدم البأس به (1)مع عدم الرطوبة فيجوز للمتوضِّئ أن يمسّ القرآن باليد المتنجِّسة ، وإن كان الأولى تركه (2).
[484] مسألة 19 : إذا كتبت آية من القرآن على لقمة خبز لا يجوز للمحدث أكله (3) وأمّا المتطهر فلا بأس خصوصاً إذا كان بنيّة الشفاء أو التبرّك.
(1) لعدم اختصاص اسمه تعالى بكلمة اللّه ، بل كلّ ما عبّر به عن الذات المقدّسة ولو في غير اللغة العربية فهو اسمه.
(2) لا ضابط كلي في كلا طرفي النفي والإثبات ، لأن المدار على صدق الهتك الذي بمعنى الوهن وعدم الاعتناء بالشيء وهذا يختلف باختلاف الموارد ، فقد ترى عدم صدق الهتك على وضع نجس العين على الكتاب ، كما إذا كان جلده من ميتة الأسد لأنه غالي القيمة وعزيز الوجود ، أو وضعنا المصحف في صندوق صنع من جلد الميتة تحفظاً عليه ، فإنّه لا يعدّ هتكاً للكتاب بل هو تجليل وتعظيم له واعتناء بشأنه ، وقد يصدق عليه الهتك كما إذا وضع عليه العذرة أو ما يشبهها من النجاسات ، لأنه هتك عظيم وإن لم تسر النجاسة إليه ليبوستها ، بل قد يتحقّق الهتك بوضع جسم طاهر عليه ، كما إذا وضع عليه روث البقر أو الغنم أو غيرهما من الحيوانات المحلّلة. إذن فالمدار على صدق الهتك وعدمه من دون فرق في ذلك بين الأعيان النجسة والمتنجِّسة والأعيان الطاهرة.
(3) لأنه بأكله يمس كتابة القرآن بباطن فمه ، ولا فرق في المس المحرم بين المس بظاهر البدن وباطنه. نعم هذا يتوقّف على صدق القرآن على الكتابة وهي في فمه ، وأما
1) (*) المدار في الحرمة على صدق الهتك ، وقد يتحقق ذلك في بعض أفراد المتنجِّس بل في بعض أفراد الطاهر أيضاً.
إذا سقطت عن القرآنية لتفرّق أجزائها وزوال هيئتها المعتبرة فلا مانع من أكلها ، إذ لا يحرم أكل اللّقمة على المحدث إلاّ لاستلزامه المسّ الحرام ، وإذا لم تبق الكتابة بحالها فلا موضوع ليستلزم الأكل مسّه ، اللّهمّ إلاّ أن يكون أكلها على وجه الإهانة فيحرم لأنه هتك.
هذا ما أردنا إيراده في الجزء الثالث من كتابنا ، والحمدُ لله أوّلاً وآخرا.
فهرس الموضوعات
فصل في المطهِّرات... 1
فصل في المطهِّرات... 1
الطهارة
فصل في المطهِّرات... 1 - 251
1 - الماء... 1
دليل مطهرية الماء للجوامد... 1
تطهير المضاف النجس... 3
اشتراط زوال العين في التطهير بالماء... 4
عدم اعتبار زوال اللون والرائحة في التطهير بالماء خلافا للعلامة... 4
اشتراط عدم تغير الماء أثناء الاستعمال في التطهير... 6
اشتراط طهارة الماء في التطهير به... 9
اشتراط عدم خروج الماء عن الاطلاق... 10
اعتبار التعدد في المتنجس بالبول وفي الظروف والتعفير فيما ولغ فيه الكلب... 11
اعتبار العصر في الغسل بالمطر والجاري والكثير... 14
الكلام في اعتبار ورود الماء على المتنجس دون العكس... 15
التفصيل بين الغسلة المطهرة والغسلة غير المطهرة... 17
اشتراط طهارة الماء قبل الغسل ولا يضر تنجّسه بوصوله إلى المحل النّجس... 18
اشتراط اطلاق الماء في التطهير به حتى حين الاستعمال... 18
حكم تغير الماء بالاستعمال... 19
حكم استعمال الغسالة في التطهير... 21
اعتبار التعدد في تطهير الثوب والبدن من البول إذا كان الماء قليلا... 23
نقد أدلة القائلين بكفاية الغسل مرة... 23
التعرض لتفصيل صاحب المعالم والمدارك في المقام... 25
هل الحكم بالتعدد يخص الثوب والبدن؟... 26
هل تكفي الصبة الواحدة المستمرة عن الغسلتين؟... 27
هل الحكم بوجوب التعدد يختص ببول الآدمي؟... 28
اختصاص وجوب الغسل مرتين بغير مخرج البول... 28
الكلام في وجوب إزالة العين قبل الغسلتين... 28
شهرة كفاية الغسل مرة في التطهير من بول الرضيع... 30
هل يعتبر العصر في التطهير من بول الصبي؟... 31
هل الرش كالصب في التطهير من بول الصبي؟... 31
هل الحكم بكفاية الغسل مرة يعم الصبية أو يختص بالصبي؟... 32
عدم اختصاص الحكم بالصبي الذي بلغ سنتين... 32
كفاية الغسل مرة في المتنجس بالمتنجس بالنجس؟... 39
وجوب غسل الأواني ثلاث مرات في الماء القليل... 40
تطهير الإناء المولوغ فيه بالتعفير بالتراب وبالغسل مرتين... 41
الاستدلال على ما ذهب إليه ابن الجنيد من لزوم غسل إناء الولوغ سبع مرات... 42
حكاية اعتبار تجفيف الإناء بعد الغسلات عن المفيد... 43
معنى التعفير... 44
لزوم التعفير بالتراب وعدم كفاية الرماد والأشنان و... 45
هل يلحق اللطع بالولوغ... 46
وجوب الغسل سبع مرات من ولوغ الخنزير... 47
استحباب غسل ظروف الخمر سبع مرات... 48
الكلام في اعتبار طهارة التراب قبل التعفير... 50
كيفية تعفير الإناء الضيق... 51
عدم جريان حكم التعفير في غير الظروف... 52
عدم تكرار التعفير بتكرر الولوغ... 53
لزوم تقديم التعفير على الغسلتين... 54
كفاية الغسل مرة إذا غسل الإناء بالماء الكثير... 54
اعتبار التعفير في الغسل بالماء الكثير... 59
كيفية غسل الإناء ثلاث مرات... 60
إذا شك في متنجس أنه من الظروف أو من غيرها... 61
كيفية تطهير المتنجس الذي لا يرسب فيه الماء... 63
كيفية تطهير المتنجس الذي يرسب فيه الماء... 63
هل يعتبر في التطهير الدلك والفرك بعد الغسل... 64
كيفية تطهير المتنجس الذي يرسب فيه الماء ولا يقبل العصر... 65
في اعتبار التعدد والعصر وانفصال الغسالة في الغسل بالكثير... 68
عدم اعتبار العصر ونحوه في المتنجس ببول الرضيع... 70
كيفية تطهير الدهن المتنجس... 73
كيفية تطهير اللحم المتنجس... 77
كيفية تطهير الطحين والعجين والحليب النجس... 79
كيفية تطهير التنور المتنجس... 80
تطهير الأرض الصلبة أو المفروشة بالآجر والحجر... 80
إذا صبغ ثوب بالدم لا يطهر ما دام يخرج منه الماء الأحمر... 81
عدم لزوم توالي الغسلات فيما يعتبر فيه التعدد... 82
حكم تنجس الفلز من الذهب وغيره... 84
كيفية تطهير الظروف الكبار التي لا يمكن نقلها... 90
عدم الحاجة إلى العصر في تطهير شعر المرأة ولحيته الرجل... 92
حكم ما يبقى بين الأسنان من الطعام النجس... 95
طهارة آلات التطهير بالتبعية... 97
2 - الأرض... 98
مطهرية الأرض باطن القدم والنعل والخف خلافا لما يظهر من الطوسي (قدس سره) 98
أخبار مطهرية الأرض... 99
عدم اختصاص مطهرية الأرض بالرجل والبشرة... 102
اشتراط زوال عين النجس في مطهرية الأرض... 104
كفاية مسمى المشي أو المسح في مطهرية الأرض... 107
عدم الفرق في مطهرية الأرض بين التراب والرمل والحجر... 109
اعتبار طهارة الأرض في مطهريتها... 112
اعتبار جفاف الأرض في مطهريتها... 114
الاشكال في مطهرية الأرض للجورب... 116
كفاية زوال العين في مطهرية الأرض وإن بقي الأثر... 117
الاشكال في طهارة ما بين أصابع الرجل... 119
كفاية المسح على الحائط... 120
إذا شك في طهارة الأرض بنى على طهارتها... 121
3 - الشمس... 123
هل الشمس مطهر أو موجب للعفو عن النجاسة؟... 123
هل تختص مطهرية الشمس بالأرض؟... 123
هل تختص مطهرية الشمس بنجاسة البول؟... 133
الكلام في تطهير الشمس للحصر والبواري... 133
هل يشترط الرطوبة المسرية في مطهرية الشمس؟... 136
اعتبار استناد الجفاف إلى إشراق الشمس من دون حجاب... 137
تطهير الشمس باطن الأرض المتصل بالظاهر... 141
اشتراط زوال العين في مطهرية الشمس... 144
4 - الاستحالة... 147
معنى الاستحالة... 147
دليل مطهرية الاستحالة... 148
الكلام في مطهرية الاستحالة للمتنجس... 149
الشك في الاستحالة في الأعيان النجسة... 154
الشك في الاستحالة في المتنجسات... 157
عدم كون النار من المطهرات... 158
5 - الانقلاب... 159
كون الانقلاب من مصاديق الاستحالة... 159
أخبار طهارة الخمر بالانقلاب... 160
هل يشترط في طهارة الخمر بالانقلاب عدم وصول نجاسة خارجية إليه... 162
عدم طهارة العنب أو التمر المتنجس إذا صار خلا... 163
طهارة العنب أو التمر المتنجس إذا صار خمرا ثم انقلب خللا... 163
مطهرية الانقلاب للخمر ولو انقلبت إلى شيء آخر غير الخل... 164
عدم طهارة الخمر بإزالة سكرها بإلقاء شيء فيها... 165
طهارة بخار البول وكذا بخار الماء المتنجس... 167
عدم مطهرية الانقلاب للمتنجس واختصاصه بالنجس... 168
الفرق بين تفرق الأجزاء بالاستهلاك وبين الاستحالة... 171
إذا شك في الانقلاب بقي على النجاسة... 173
6 - ذهاب الثلثين... 173
الكلام في تقدير الثلثين بالوزن أو الكيل أو المساحة... 174
مغايرة الوزن للكيل والمساحة وعدم اتحاده معهما... 174
الكلام فيما تقتضيه الأدلة الاجتهادية من اعتبار الوزن أو الكيل والمساحة... 175
الكلام فيما تقتضيه الأصول العملية من اعتبار الوزن أو الكيل والمساحة... 177
ثبوت ذهاب الثلثين بالعلم وبالبينة... 178
ثبوت ذهاب الثلثين بخبر العدل الواحد... 179
ثبوت ذهاب الثلثين بقول ذي اليد... 179
عدم طهارة الثوب والبدن ولا نفس القطرة الواقعة عليهما بذهاب ثلثيها... 180
إذا كان في الحصرم حبة أو حبتان من العنب فعصر واستهلك لا ينجس بالغليان 183
الكلام في طهارة العصير المغلي بإلقائه في عصير آخر ذهب ثلثاه ثم ذهب ثلثا المجموع 184
حرمة العصير الذي ذهب ثلثاه من غير غليان ثم غلى بعد ذلك... 186
عدم حرمة العصير التمري أو الزبيبي إذا غلى... 187
هل يطهر العصير العنبي المغلي بانقلابه خلا... 188
هل ينجس الخل العنبي - إذا زالت حموضته وصار ماء مضافا - بالغليان... 190
عدم الدليل على حرمة العصير التمري بالغليان... 191
7 - الانتقال... 191
عدم صدق الانتقال اصطلاحا على المنتقل إلى النبات أو الشجر من البول... 191
صور الانتقال من حيث الاستناد إلى المنتقل عنه وعدمه... 191
حكم دم البق الخارج منه بعد قتله... 195
8 - الاسلام... 196
الكلام في طهارة نجاسة الكافر الخارجية بعد اسلامه... 197
مطهرية الاسلام لمطلق الكفار... 199
الكلام في طهارة المرتد الفطري وسائر أحكامه إذا تاب... 199
كفاية إظهار الشهادتين في الحكم بإسلام الكافر... 205
قبول اسلام الصبي المميز... 208
حكم تعرض المرتد الفطري نفسه للقتل... 210
9 - التعبية... 211
تبعية فضلات الكافر المتصلة ببدنه له في الطهارة إذا أسلم... 211
تبعية ولد الكافر له في الاسلام... 211
تبعية الأسير للمسلم الذي أسره... 212
تبعية ظروف الخمر له بانقلابه خلا... 213
تبعية أطراف البئر له بعد التطهير والنزح... 214
تبعية الآلات المعمولة في تطهير العصير له... 215
تبعية يد الغاسل وآلات الغسل في تطهير النجاسات... 215
تبعية ما يجعل مع العنب أو التمر للتخليل... 215
10 - زوال العين... 216
الاستدلال بالسيرة على طهارة بدن الحيوان بزوال العين عنه... 216
الاحتمالات في طهارة سؤر الحيوان مع العلم بنجاسة فمها عادة... 217
بيان الثمرة المترتبة على النزاع في المسألة... 221
الكلام في تنجس البواطن وطهارتها... 222
عدم الحكم بطهارة ما شك في كونه من الباطن بعد زوال العين... 224
كون مطبق الشفتين والجفنين من الباطن... 226
11 - استبراء الجلال... 227
نجاسة بو الجلال ومدفوعه... 228
معنى الجلل... 229
ما يحصل به الاستبراء عن الجلل... 230
حكم الشك في حدوث الجلل... 233
حكم الشك في بقاء الجلل... 234
مدة الاستبراء في الحيوانات... 235
12 - حجر الاستنجاء... 236
13 - خروج الدم من الذبيحة... 236
14 - نزح البئر... 237
15 - تيمم الميت... 237
16 - الاستبراء بالخرطات... 238
17 - زوال التغير... 238
18 - غيبة المسلم... 238
شروط مطهرية غيبة المسلم... 241
فروع في المطهرات... 243
ليس من المطهرات الغسل بالمضاف وإزالة العين وغيرهما... 243
جواز الانتفاع - سوى البيع - بجلد الميتة... 245
جواز استعمال جلد المذكى وإن لم يدبغ... 245
طهارة اللحم والجلد المأخوذين من أسواق المسلمين أو من أيديهم... 246
استحباب غسل الملاقي في موارد... 247
فصل : طرق ثبوت الطهارة... 252
ثبوت الطهارة بالبينة مع اتحاد السبب عند الشاهد والمشهود عنده... 252
ثبوت الطهارة بإخبار الوكيل في التطهير... 253
ثبوت الطهارة بإخبار عدل واحد... 254
عدم ثبوت الطهارة مع تعارض البينتين... 254
تقدم البينة على غيرها من الطرق عند التعارض... 254
الحكم بنجاسة الإناءين النجسين إن قامت البينة على طهارتها أحدهما غير المعين 255
الحكم بالطهارة إذا شك بعد التطهير في أنه أزال العين أم لا... 259
إذا شك في أن للنجاسة عينا أم لا... 260
وظيفة الوسواسي... 261
فصل : حكم الأواني... 262
جواز استعمال الظروف المعمولة من جلد الميتة في غير ما يشترط فيه الطهارة... 262
حكم استعمال جلد الميتة مما لا نفس له... 263
حرمة استعمال الظروف المغصوبة في الوضوء وغيره... 264
حكم التوضؤ من الإناء المغصوب مع انحصار الماء بما فيه... 265
حكم التوضؤ من الإناء المغصوب مع عدم الانحصار... 269
طهارة الأخبار الواردة في أواني أهل الكتاب... 273
حرمة اللحوم والجلود التي كانت بأيدي غير المسلمين... 274
حكم الشك في أن هذا الشيء جلد أم لا؟... 275
حكم استعمال أواني الخمر... 275
معروفية حرمة استعمال أواني النقدين خلافا للخلاف... 278
نقل الروايات الواردة في المقام... 278
الجواب عن توهم اختصاص حرمة الشرب بآنية الفضة... 281
حرمة سائر الاستعمالات غير الأكل والشرب... 282
الكلام في بيع أواني النقدين... 286
حكم صياغة الأواني من النقدين وأخذ الأجرة عليها... 287
حكم استعمال إناء الصفر الملبس بأحد النقدين... 287
حكم استعمال الإناء المفضض والمطلي والمموه... 288
جواز استعمال الممتزج من أحدهما مع عدم صدق اسمهما عليه... 290
جواز استعمال غير الأواني المعمول من الذهب أو الفضة... 291
المراد بالإناء... 295
عدم الفرق في حرمة الأكل من إناء النقدين بني مباشرته للفم أو أخذ اللقمة منه 297
عدم سراية حرمة الأكل والشرب إلى المأكول والمشروب... 298
معنى الافطار على الحرام... 299
حكم انحصار ماء الوضوء أو الغسل في إحدى الآنيتين... 302
حكم التوضؤ أو الاغتسال من إناء النقدين جهلا بالحكم أو الموضوع... 308
حكم الاضطرار إلى استعمال أواني النقدين أو الآنية المغصوبة... 311
هل يجب كسر إناء النقدين؟... 313
إذا شك في آنية أنها من النقدين أم لا... 314
فصل : أحكام التخلي... 316
الاستدلال على وجوب ستر العورة... 316
عمومية وجوب ستر العورة لوجوبه حتى عن الصبي المميز... 319
حرمة النظر إلى عورة الغير حتى الصبي المميز... 319
معنى العورة في الرجل والمرأة... 320
عدم وجوب ستر حجم العورة... 321
وجوب ستر العورة حتى عن الكافر... 322
الخلاف في حرمة النظر إلى عورة الكافر... 322
المراد من الناظر المحترم... 325
حرمة نظر المولى إلى عورة مملوكته في موارد... 325
عدم وجود ستر الفخذين والأليتين... 327
عدم الفرق بين أفراد الساتر... 328
حرمة النظر إلى عورة الغير من وراء الشيشة وفي المرآة... 328
حرمة الوقوف في مكان يعلم بوقوع نظره على عورة الغير... 329
وجوب التستر عند الشك في وجود ناظر أو كونه محترما... 330
عدم وجوب الغض عما شك في كونه عورة إنسان أو حيوان... 330
حرمة النظر إلى دبر الخنثى... 331
حكم ما لو اضطر إلى النظر إلى عورة الغير... 332
حرمة استقبال المتخلي للقبلة وكذا استدباره لها... 333
حرمة الاستقبال والاستدبار بمقاديم البدن أيضا... 335
عدم الفرق في حرمة استقبال المتخلي بين الأبنية والصحاري... 336
عدم حرمة استقبال المتخلي لبيت المقدس... 337
عدم حرمة الاستقبال والاستدبار حال الاستبراء والاستنجاء... 337
حكم دوران الأمر بين التخلي مع ترك التستر أو الاستقبال... 339
حكم التخلي مع اشتباه القبلة... 340
جواز إقعاد الطفل للتخلي إلى القبلة... 341
عدم وجوب التشريق أو التغريب حال التخلي... 343
الكلام في حرمة الاستقبال على المتواتر بوله... 344
عند اشتباه القبلة بين الأربع لا يجوز أن يدور ببوله... 345
حرمة التخلي في ملك الغير والوقف الخاص وعلى قبر المؤمن... 347
المراد بمقام البدن... 348
حرمة التخلي في المدارس التي لا يعلم كيفية وقفها... 349
فصل : في الاستنجاء... 350
لزوم غسل موضع البول بالماء... 351
عدم كفاية الغسل مرة لتطهير موضع البول... 352
أفضلية غسل موضع البول ثلاث مرات... 358
التخيير بين غسل مخرج الغائط بالماء أو مسحه بالأحجار... 359
الكلام في كفاية التمسح بأقل من الثلاث إذا حصل النقاء به... 363
كفاية الحجر الواحد ذي الجهات الثلاث... 369
كفاية كل قالع للنجاسة ولو كان أصابع المتخلي... 370
اعتبار الطهارة في حجر الاستنجاء... 373
عدم اعتبار البكارة في حجر الاستنجاء... 375
لزوم إزالة الأثر مع العين في غسل موضع الغائط بخلافه في التمسح بالأحجار... 376
حرمة الاستنجاء بالمحترمات وعدم كفايته في التطهير... 376
اعتبار عدم رطوبة ما يتمسح به... 379
تعين الماء وعدم كفاية الأحجار فيما إذا خرجت مع الغائط نجاسة أخرى... 379
إذا شك في خروج نجاسة أخرى مع الغائط... 380
إذا شك في أنه استنجى أم لا بعد الخروج من الخلاء... 382
إذا شك في الاستنجاء وهو في الصلاة... 384
إذا شك في الاستنجاء بعد تمام الصلاة... 385
عدم وجوب الدلك في الاستنجاء من البول وإن احتمل وجود المانع كالمذي... 386
كفاية مسح مخرج الغائط بالأرض... 387
جواز الاستنجاء بماء يشك في كونه عظما أو روثا أو من المحترمات... 388
فصل : كيفية الاستبراء... 389
اعتبار انقطاع البول في تحقيق الاستبراء... 389
كيفية الاستبراء والمسحات المعتبرة فيه... 390
اعتبار الترتيب في المسحات التسع... 392
طهارة الرطوبة المشتبهة بعد الاستبراء... 395
عدم الدليل على وجوب الاستبراء وكذا استحبابه... 395
اختصاص الاستبراء بالرجال... 397
استبراء مقطوع الذكر... 397
نجاسة الرطوبة المشتبهة مع ترك الاستبراء ولو اضطرارا... 398
عدم لزوم المباشرة في الاستبراء... 401
إذا شك في الاستبراء بنى على عدمه... 401
إذا علم بخروج المذي وشك في خروج البول معه... 402
إذا خرجت رطوبة مشتبهة بين البول والمني... 402
فصل : مستحبات التخلي ومكروهاته... 407
ابتناء استحباب جملة من هذه الأمور أو كراهتها على التسامح في أدلة السنن... 407
يستحب أن يطلب خلوة أو يبعد حتى لا يرى شخصه... 407
يستحب أن يقدم رجله اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج... 408
استحباب ستر الرأس حال التخلي... 408
استحباب التقنع والتسمية عند كشف العورة... 409
يستحب أن يتكئ على رجله اليسرى ويفرج اليمنى... 409
استحباب التنحنح قبل الاستبراء وقراءة الأدعية المأثورة... 410
يستحب أن يقدم الاستنجاء من الغائط على الاستنجاء من البول... 414
استحباب جعل المسحات بالأحجار وترا... 414
استحباب الاستنجاء والاستبراء باليد اليسرى... 414
كراهة استقبال الشمس بالبول والغائط... 415
كراهة استقبال الريح والجلوس في الشوارع... 416
كراهة الجلوس في المشارع ومنزل القافلة ودروب المسجد... 416
كراهة الجلوس عند أبواب الدور وتحت الشجرة والبول قائما... 419
كراهة البول في الحمام وعلى الأرض الصلبة وفي الماء وثقوب الحشرات... 420
كراهة التطميح بالبول والأكل والشرب حال التخلي... 421
كراهة الاستنجاء باليمن وباليسار إذا كان عليه خاتم... 422
كراهة طول المكث في بيت الخلاء والتخلي على قبر المؤمنين... 422
كراهة حبس البول أو الغائط... 427
استحباب البول عند الصلاة والنوم وقبل الجماع وبعد الانزال وقبل الركوب على الدابة وقبل ركوب السفينة 429
فصل : موجبات الوضوء ونواقضه... 429
1 - 2 - ناقضية البول والغائط... 429
3 - ناقضية الريح... 434
4 - ناقضية النوم... 437
5 - ناقضية زوال العقل... 445
6 - ناقضية الاستحاضة... 449
عدم ناقضية المذي والوذي والودي... 451
النواقض عند العامة والتزام بعض علمائنا باستحباب الوضوء عقيب بعضها... 457
فصل : غايات الوضوء... 464
اشتراط الصلاة والطواف بالوضوء... 464
استحباب الوضوء لقراءة القرآن... 464
ارتفاع كراهة أكل الجنب بالوضوء... 465
معنى الوضوء في الروايات الآمرة بالوضوء قبل الطعام... 465
استحباب الوضوء نفسا... 467
وجوب الوضوء لقضاء الأجزاء المنسية وسجدتي السهو... 472
وجوب الوضوء لمس المصحف... 473
أقسام وجوب الوضوء بسبب النذر... 479
عدم الفرق في حرمة مس الكتاب بين المس باليد أو بسائر أجزاء البدن... 480
عدم الفرق في حرمة المس بين كونه ابتداء أو بقاء... 481
عدم الفرق في حرمة المس بين أنواع الخطوط... 481
حرمة مس المحدث حروف القرآن... 482
فروع في القيام... 482
أمّا الصورة الاولى... 6
الصورة