ghaemiyeh.com
سرشناسه : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
عنوان قراردادی : عروهالوثقی . شرح
عنوان و نام پديدآور : التنقیح في شرحالعروة الوثقی/ [محمدکاظمبن عبدالعظیم یزدی]؛ تقریرا لابحاث ابوالقاسم الموسوی الخوئی؛ تالیف علی الغروی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدسسره)؛ [بیجا]: التوحید للنشر، 1418ق.= 1998م.= 1377 -
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسوعه الامام الخوئی.
شابک : ج.1 964-6084-03-6 : ؛ ج. 2، چاپ دوم 964-6084-10-9 : ؛ ج.٬3چاپ سوم 964-6084-05-2 : ؛ ج.٬4 چاپ سوم 964-6084-04-4 : ؛ ج. 5، چاپ سوم 964-6084-08- 7 : ؛ ج.6 964-6084-17-6 : ؛ ج.7 964-6084-19-2 : ؛ ج.8 964-6084-18-4 : ؛ ج.9 964-6084-21-4 : ؛ ج.10 964-6084-20-6 :
يادداشت : عربی.
يادداشت : ج.1 - 10(چاپ سوم: 1428ق.= 2007م.= 1386 ).
يادداشت : ج. 1، 7 ، 9 ، 10 کتاب حاضر توسط موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدسسره) منتشر شده است.
یادداشت : کتابنامه..
مندرجات : ج. 1. التقلید.- ج. 2، 4 ، 6 ، 7 و 9. الطهاره
موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- قرن 14
شناسه افزوده : غروی، علی، 1280 - 1376.
شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمد کاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی. شرح
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021373 1377
رده بندی دیویی : 297/342
شماره کتابشناسی ملی : م78-8589
اطلاعات رکورد کتابشناسی : فهرست قبلی
المؤلف: الشيخ علي الغروي
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه
المطبعة: توحيد
الطبعة: 0
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1418 ه.ق
ISBN (ردمك): 964-6084-10-9
المكتبة الإسلامية
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ
وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ
مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ
التَّنْقِيحُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
التَّنْقِيحُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
تقرير الإبحاث
الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره
«1317 - 1413 ه»
الطهارة
تأليف آية اللّه الشهيد الشيخ ميرزا علي الغروي قدس سره
طبعة منقحة
مؤسسة الخوئي الإسلامية
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية
الجزء الثاني
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+
تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م
المطبعة: نينوي
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
9 - 10 - 6084 - 964 : ISBN
Email:info@alkhoei.net
www.alkhoei.com
www.alkhoei.net
الصورة
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ كتاب الطّهارة ]
فصل في المياه الماء إمّا مطلق أو مضاف كالمعتصر من الأجسام ، أو الممتزج بغيره ممّا يخرجه عن صدق اسم الماء (1).
كتاب الطّهارة
(1) ينقسم المائع إلى قسمين : قسم يصح سلب عنوان الماء عنه بما له من المعنى ولا يطلق عليه الماء بوجه لا على نحو الحقيقة ولا على نحو المجاز ، وهذا كما في اللبن والدهن والنفط والدبس وغيرها. والقسم الآخر ما يصح إطلاق الماء عليه ، وهو أيضاً قسمان :
أحدهما : ما لا يصح إطلاق لفظ الماء عليه بما له من المعنى على نحو الحقيقة من غير إضافته إلى شيء. نعم ، يصح أن يطلق عليه بإضافته إلى شيء ما كماء الرمّان فإنّ الماء من غير إضافته إلى الرمان لا يطلق عليه حقيقة فلا يقال : إنّه ماء إلاّ على سبيل العناية والمجاز ، وهذا القسم يسمى بالماء المضاف.
ثانيهما : ما يصح إطلاق لفظ الماء عليه على وجه الحقيقة ولو من غير إضافته إلى شيء ، وإن كان ربّما يستعمل مضافاً إلى شيء أيضاً ، إلاّ أن استعماله من غير إضافةٍ أيضاً صحيح وعلى وجه الحقيقة ، وهذا كماء البحر والبئر ونحوهما ، فإن إطلاق الماء عليه من غير إضافته إلى البحر أو البئر إطلاق حقيقي فإنّه ماء ، ويصح أيضاً أن
والمطلق أقسام : الجاري والنابع غير الجاري والبئر والمطر والكرّ والقليل (1).
يستعمل مضافاً إلى البحر فيقال : هذا ماء بحر أو ماء بئر ، وهذا بخلاف القسم السابق فإنّه لا يستعمل مجرّداً ، ولا يصح إطلاقه عليه إلاّ بإضافته إلى شيء ، ويسمّى هذا القسم بالماء المطلق.
ومن هنا يظهر أن تقسيم الماء إلى مطلق ومضاف من قبيل تقسيم الصلاة إلى الصحيحة والفاسدة ، بناء على أن ألفاظ العبادات أسامٍ للصحيحة منها دون الأعم فهو تقسيم لما يستعمل فيه الماء والصلاة ولو مجازاً ، وليس تقسيماً حقيقياً ليدل على أن إطلاق الماء على المضاف إطلاق حقيقي.
وبما ذكرناه تعرف أن أقسام المائع ثلاثة :
أحدها : هو ما لا يمكن إطلاق الماء عليه لا على وجه الحقيقة ولا على وجه المجاز ، ولم ينقل عن أحد دعوى كونه مطهّراً أو غيره من الآثار المترتبة على المياه شرعاً ، فهو خارج عن محل الكلام رأساً.
وثانيها : المضاف وتأتي أحكامه عن قريب إن شاء اللّه تعالى.
وثالثها : الماء المطلق وهو المقصود بالكلام هنا.
(1) المعروف بين الأصحاب تقسيم الماء المطلق إلى أقسام ثلاثة : الجاري وماء البئر والمحقون بكلا قسميه من الكر والقليل ، وكأنهم 5 نظروا في تقسيمهم هذا إلى مياه الأرض ، ولذا لم يعدّوا منها ماء المطر وعنونوه بعنوان آخر مستقل.
وقد قسمة في المتن إلى الجاري والنابع غير الجاري والبئر والكر والقليل ، وهذا هو الصحيح ، لأن النابع غير الجاري مما لا يصدق عليه شيء من عنواني الجاري والبئر ، فهو قسم آخر مستقل ولا وجه لإدراجه تحت أحدهما كما صنعوه ، ومن هنا لا تجري الأحكام الخاصة المترتبة على الجاري والبئر في النابع المذكور ، ككفاية
وكل واحد منها مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر مطهّر من الحدث والخبث (1)
الغسل مرة من البول في الجاري ووجوب نزح الجميع أو سائر المقدرات في البئر ، فإنّه على القول به يختص بالبئر ولا يأتي في النابع بوجه.
وعلى الجملة إن كان نظر المشهور في تقسيمهم هذا ، إلى الأحكام الخاصة المترتبة على كل واحد من الأقسام فلا بدّ من إضافة النابع غير الجاري إلى تقسيمهم فلا يصح الاقتصار على تثليث الأقسام كما عرفت ، وإن كان نظرهم في ذلك إلى خصوص الانفعال وعدمه من الآثار وتقسيم الماء بهذا اللحاظ ، فحينئذٍ لا بدّ من تثليث الأقسام ولكن لا كما ذكروه ، بل بأن يقسّم الماء إلى كر وغير كر ، وغير الكر إلى ما له مادة وما ليس له مادة ، والكر والقليل الذي له مادة لا ينفعلان بملاقاة النجس ، والقليل الذي ليس له مادة ينفعل لا محالة.
وعلى كل تقدير فلا بدّ من إضافة ماء الحمّام أيضاً في كل من تقسيمي المعروف والمتن ، إذ لماء الحمّام مباحث خاصة كما تأتي في محلّه. فإن عدم انفعال الأحواض الصغيرة في الحمّامات إنّما هو من جهة اتصالها بالمادة الجعلية فيها وهي عالية عن سطح الحياض ، مع أن اعتصام السافل بالعالي كاعتصام العالي بالسافل على خلاف المرتكز عند العقلاء ، ويحتاج إلى دليلٍ لاعتبار التساوي بين الماءين في الاعتصام بنظرهم.
وعليه فلا بدّ من تربيع الأقسام بأن يقال : الماء إما كر أو غير كر ، والثاني إما أن يكون له مادة أو لا يكون ، وما له المادة إما أن تكون مادته أصلية وإما أن تكون جعلية.
(1) قد تسالم المسلمون كافة على طهارة الماء المطلق في نفسه ومطهّريته لغيره من الحدث والخبث ، بجميع أقسامه من ماء البحر والمطر والبئر وغيرها ، ولم ينقل من أحد منهم الخلاف في ذلك إلاّ عن جماعة منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص ، وعبد اللّه
ابن عمر حيث نسب إليهم الخلاف في مطهّرية ماء البحر عن الحدث (1)، وصحة النسبة وعدمها موكولة إلى غير المقام. وهذا مضافاً إلى التسالم المتقدم ذكره وأن الضرورة قاضية بطهارة الماء في نفسه ومطهّريته لغيره يمكن أن يستدل عليه ببعض الآيات وجملة من الروايات الواردة في المقام.
فمنها قوله تعالى ( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ) (2)حيث إنّه سبحانه في مقام الامتنان وبيان نعمائه على البشر ، وقد عدّ منها الماء ووصفه بالطهور ، وظاهر صيغة الطهور هو ما يكون طاهراً في نفسه ومطهّراً لغيره على ما اعترف به جمع كثير.
هذا وقد نوقش في الاستدلال بالآية المباركة من جهات :
الجهة الأُولى : هي ما نقل عن بعض أهل اللغة من أن الطهور بمعنى الطاهر (3)، وعليه فلا تدل الآية على مطهرية الماء لغيره. وعن بعض آخر أن الطهور فعول وهو من إحدى صيغ المبالغة كالأكول ومعناه : أن طهارة الماء أشد من طهارة غيره من الأجسام فهو طاهر بطهارة شديدة بخلاف غيره من الأجسام ، فالآية لا دلالة لها على مطهّرية الماء.
وهذان الإيرادان فاسدان.
أمّا الأول : فلأجل أن الطهور غير ظاهر في الطاهر من دون أن يكون مطهراً لغيره ، وإلاّ فلو صحّ إطلاق الطهور على ما هو طاهر في نفسه خاصة لصحّ استعماله في غير الماء من الأجسام أيضاً فيقال : الشجر أو الخشب طهور أو يقال : البواطن طهور وظاهر الحيوانات طهور مع أن الإطلاق المذكور من الأغلاط الفاحشة.
وأمّا الثاني : فلأن الطهور وإن كان فعولاً وهو من صيغ المبالغة بمعنى أنّها ربّما
يستعمل في المبالغة كما في مثل الأكول ، إلاّ أنّه في المقام ليس بهذا المعنى جزماً. وتوضيح ذلك : أن استعمال الطهور بمعنى أشد طهارة وكونه أنظف من غيره وإن كان صحيحاً ، وربّما يستعمل بدله لفظ أطهر فيقال : إن هذا الشيء أطهر لك كما في قوله تعالى ( هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ) (1)أي أوقع في الجهات الشهوية من غيرها. وقوله تعالى ( شَراباً طَهُوراً ) (2)أي أشد نظافة إلاّ أن ذلك كلّه في الأُمور الخارجية التي لها واقع ، كما في الطهارة الخارجية بمعنى النظافة فيقال : هذا الثوب أطهر من ثوبك أي أشدّ نظافة من ثوبك.
وأمّا في الأُمور الاعتبارية التي لا واقع لها إلاّ حكم الشارع واعتباره كما في الطهارة المبحوث عنها في المقام والملكية والزوجية وغيرها من الأحكام الوضعية التي اعتبرها وجعلها في حق المكلفين ، فهي مما لا يعقل اتصافه بالأشدية والأقوائية كما ذكرناه في بحث الأحكام الوضعية ، فلا يصح أن يقال : إن ملكك بالدار أشدّ من ملكك بالكتاب أو إن حكم الشارع بالطهارة في هذا الشيء أشدّ من حكمه بها في الشيء الآخر ، فإنّ الشارع إن حكم فيهما بالطهارة أو بالملكية فهما على حد سواء ، وإلاّ فلا طهارة ولا ملكية في البين أصلاً ، ففي الأُمور الاعتبارية لا معنى للاتصاف بالشدّة والضعف ، بل الأمر فيها يدور دائماً بين الوجود والعدم والنفي والإثبات ، وعليه فلا يعقل استعمال الطهور في الآية بمعنى المبالغة.
وتوهّم أن شدّة الطهارة في الماء باعتبار أنّه لا ينفعل بملاقاة النجس ما لم يتغير.
يدفعه أولاً : أنّ هذا مما يختص ببعض أفراد المياه ولا يعم جميعها ، مع أن الطهور وصف لطبيعي الماء أين ما سرى.
وثانياً : أنّ استعمال لفظ الطهور لو كان بلحاظ عدم الانفعال بملاقاة النجس لصحّ حمله على البواطن ، بل على ظاهر الحيوان أيضاً على قولٍ مع أنّه من الاغلاط.
وممّا يدلّنا على ما ذكرناه : ما ورد في الأخبار من أن التراب أحد الطهورين (1)فإنّه لو أُريد من الطهور فيها ما هو طاهر في نفسه لما صحّ هذا الاستعمال قطعاً ، فإن سائر الأجسام أيضاً من الطاهرات كالخشب والمدر فما وجه تخصيصه التراب والماء بذلك؟ كما هو الحال أي لا يصح الاستعمال المذكور فيما لو أُريد منه المبالغة ، لأن التراب نظير غيره من الأجسام ، وليس فيها أشدية في الطهارة كما لا يخفى.
أضف إلى ذلك كلّه ما في بعض الروايات من أن التيمم طهور (2)فإنّه صريح فيما ادعيناه في المقام من عدم كون هيئة الطهور موضوعة للطاهر أو للمبالغة ، فإن التيمم ليس إلاّ ضربه ومسحة وما معنى كونهما طاهرين أو كونهما أشد طهارة؟ وعليه فلا مجال لهذين الإيرادين بوجه.
وإذا بطل هذان المعنيان تتعين إرادة المعنى الثالث ، وهو كونه بمعنى ما يتطهر به نظير السحور والفطور والحنوط والوضوء والوقود ، بمعنى ما يتسحر به أو ما يفطر به وهكذا غيرهما. وبعبارة اخرى ما يكون منشأ للطهارة أو التسحر والجامع ما يحصل به المبدأ ، وبهذا المعنى استعمل في الخبرين المتقدمين. وعليه فالطهور يدل بالدلالة المطابقية على أن الماء مطهّر لغيره ومنشأ لطهارة كل شيء ، وبالدلالة الالتزامية يدل على طهارة نفسه ، فإن النجس لا يعقل أن يكون منشأ للطهارة في غيره. ولعلّ من فسّره من الفقهاء ومنهم صاحب الجواهر قدس سره : بما يكون طاهراً في نفسه ومطهّراً لغيره (3)، أراد ما ذكرناه من دلالته على المطهرية بالمطابقة وعلى طهارته بالالتزام ، وإلاّ فلم توضع هيئة الطهور « فعول » للمعنى الجامع بين الطاهر والمطهّر.
ودعوى أن الروايتين وردتا في الطهارة الحدثية ، وهي المراد من مادة الطهور فيهما والكلام في الأعم من الطهارة الحدثية والخبثية.
1) كما ورد مضمونه في صحيحة محمد بن حمران ، وجميل بن دراج جميعاً عن أبي عبد اللّه علیه السلام المرويّة في وسائل الشيعة 3 : 385 / أبواب التيمم ب 23 ح 1.
2) ورد مضمون ذلك في صحيحتي زرارة المروية في الوسائل 3 : 381 / أبواب التيمم ب 21 ح 1 ومحمد بن مسلم المروية في الوسائل 3 : 370 / أبواب التيمم ب 14 ح 15.
3) الجواهر 1 : 64.
مندفعة بأنهما وإن وردتا في الحدثية من الطهارة ، إلاّ أن الكلام في المقام إنّما هو في هيئة صيغة الطهور لا في مادتها ، سواء أكانت مادتها بمعنى الخبثية أم كانت بمعنى الحدثية ، فالتكلّم في مادتها أجنبي عمّا هو محط البحث في المقام. وقد عرفت أن الهيئة في الطهور بمعنى ما تنشأ منه الطهارة وما يحصل به المبدأ.
الجهة الثانية من المناقشات : أنّ الآية على تقدير دلالتها فإنّما تدلّ على طهورية الماء المنزل من السماء وهو المطر ، فلا دلالة فيها على طهورية مياه الأرض من ماء البحر والبئر ونحوهما.
وهذه المناقشة لا ترجع إلى محصّل ، وذلك لما ورد في جملة من الآيات وبعض الروايات (1)من أن المياه بأجمعها نازلة من السماء ، إما بمعنى أن اللّه خلق الماء في السماء فهناك بحار وشطوط ثم أنزله إلى الأرض فتشكّل منه البحار والأنهار والشطوط والآبار ، أو بمعنى أن اللّه خلق الماء في الأرض إلاّ أنّه بعد ما صار أبخرة باشراق الشمس ونحوه صعد إلى السماء فاجتمع وصار ماء ، ثم نزل إلى الأرض كما هو مذهب الحكماء والفلاسفة ، وهذا المعنى لا ينافي نزول الماء من السماء لأنّه بمعنى نزول أمره من السماء. ويدلُّ عليه قوله تعالى ( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ ) (2)فإنّه لم يتوهّم أحد ولا ينبغي أن يتوهّم نزول نفس الحديد من السماء.
ومن جملة الآيات الدالّة على ما ادعيناه من نزول المياه بأجمعها من السماء قوله تعالى ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) (3)وقوله تعالى ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ) (4)وقوله تعالى :
1) ففي البرهان المجلد 3 ص 112 عن تفسير علي بن إبراهيم ما هذا نصه : « ثم قال : وعنه ( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ ... ) فهي الأنهار والعيون والآبار » ولا يرد عدم اشتمال الرواية على ماء البحر ، فإنّه إنّما يتشكل من الأنهار ، فلا يكون قسماً آخر في مقابلها.
2) الحديد 57 : 25.
3) الحجر 15 : 21.
4) الزمر 39 : 21.
( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ ) (1)إلى غير ذلك من الآيات. فهذه المناقشة ساقطة.
الجهة الثالثة من المناقشات : أن الماء في الآية المباركة نكرة في سياق الإثبات وهي لا تفيد إلاّ أن فرداً من أفراد المياه طهور ، ولا دلالة فيها على العموم.
ويدفعها : أن اللّه سبحانه في مقام الامتنان على جميع طوائف البشر لا على طائفة دون طائفة ، وهذا يقتضي طهارة جميع المياه. على أن طهورية فرد من أفراد المياه من دون بيانه وتعريفه للناس مما لا نتعقل فيه الامتنان أصلاً ، بل لا يرجع إلى معنى محصل ، فالآية تدل على طهورية كل فرد من أفراد المياه.
ومن جملة الآيات التي يمكن أن يستدل بها على طهورية الماء ، قوله تعالى ( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) (2)وهذه الآية سليمة عن بعض المناقشات التي أوردوها على الآية المتقدمة ، كاحتمال كون الطهور بمعنى الطاهر أو بمعنى المبالغة. نعم ، يرد عليها أيضاً مناقشة الاختصاص بماء السماء ومناقشة عدم دلالتها على العموم لكون الماء نكرة في الآية المباركة ، والجواب عنهما هو الجواب فلا نعيد.
ثم إنّه ربّما تورد على الاستدلال بهذه الآية مناقشة أُخرى كما تعرض لها في الحدائق (3)وغيره. وملخّصها عدم دلالة الآية على التعميم ، لا لأجل أن الماء نكرة بل لأنّها وردت في طائفة خاصة ، وهم المسلمون الذين كانوا يحاربون الكفّار في وقعة بدر ، ومع اختصاص المورد لا يمكن التعدي عنه.
والجواب عن ذلك : أن هناك روايات دلتنا على أن ورود آية من آيات الكتاب في مورد ، أو تفسيرها بمورد خاص لا يوجب اختصاص الآية بذلك المورد ، لأن القرآن يجري مجرى الشمس والقمر ، ويشمل جميع الأطوار والأعصار من دون أن يختص
بقوم دون قوم ، بل وفي بعض الأخبار أن الآية لو اختصت بقوم تموت بموت ذلك القوم (1)، وفي رواية (2)أن الإمام علیه السلام طبّق قوله تعالى ( الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) (3)على أنفسهم وقال : إنها وردت في رحم آل محمّد صلی اللّه علیه و آله وقد تكون في قرابتك ثم بيّن علیه السلام أن مرادنا من ورود الآية في مورد أنّه مصداق وممّا ينطبق عليه تلك الآية ، لا أن الآية مختصة به. فهذه الشبهة أيضاً مندفعة فلا مانع من الاستدلال بها من تلك الجهات.
تزييف الاستدلال : ولكن الإنصاف أن الآيتين ممّا لا دلالة له على المطلوب والوجه في ذلك : أن الطهور والطهارة مما لم تثبت له حقيقة شرعية ولا متشرعية في زمان نزول الآيتين ، ولم يعلم أن المراد من الطهور هو المطهّر من النجاسات ولم يظهر أنّه بمعنى الطهارة المبحوث عنها في المقام ، ولعلّ المراد منها أن اللّه منّ عليكم بخلق الماء وجعله طاهراً عن الأوساخ المنفّرة ، ومطهّراً من الأقذار العرفية ، فإن الإنسان ليس كالحيوان بحيث لو لم يرَ الماء شهراً أو شهوراً متمادية لا يكون مورداً للتنفّر عرفاً ولا يستقذره العقلاء ، بل هو يحتاج في تنظيف بدنه ولباسه وأوانيه وغيرها إلى استعمال ماء طهور ، فهو طاهر في نفسه ومطهّر عن الأقذار وقد جعله اللّه تعالى كذلك من باب
1) فروى العياشي في تفسيره [ ج 1 ص 10 ] بإسناده عن أبي جعفر علیه السلام انّه قال : « القرآن نزل أثلاثاً ثلث فينا وفي أحبائنا ، وثلث في أعدائنا وعدو من كان قبلنا ، وثلث سنة ومثل ، ولو أن الآية إذا نزلت في قوم ثم مات أُولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء ولكن القرآن يجري أوله على آخره » الحديث. رواه في الوافي المجلد التاسع في باب متى نزل القرآن وفيم نزل من أبواب القرآن وفضائله [ ص 1769 ]. ونقل في مرآة الأنوار ص 5 من الطبعة الحديثة مضمونه عن تفسير العياشي تارة وعن تفسير فرات بن إبراهيم اخرى. ونقل غير ذلك من الأخبار التي تدل على ما ذكرناه ، فليراجع.
2) وهي ما رواه في الكافي 2 : 156 / 28 عن عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام ( الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) قال : نزلت في رحم آل محمد صلی اللّه علیه و آله وقد تكون في قرابتك ثم قال : فلا تكوننّ ممّن يقول للشيء إنّه في شيء واحد.
3) الرعد 13 : 21.
الامتنان ، إذ لولاه لوقع الإنسان موقع التنفّر والاستقذار ، فالآية ناظرة إلى بيان هذا المعنى لا بمعنى أن الماء مطهّر من النجاسات المصطلحة المبحوث عنها في المقام ، لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية والمتشرعية في شيء من الطهارة والطهور ، بل ولعلّ أحكام النجاسات لم تكن ثابتة في الشريعة المقدسة حين نزول الآيتين أصلاً ، حيث إن تشريع الأحكام كان على نحو التدريج لا محالة.
ويؤيد ذلك أن الآيات القرآنية لم تشتمل على شيء من عناوين النجاسات وقذارتها إلاّ في خصوص المشركين لقوله تعالى ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) (1). على أن فيه أيضاً كلاماً في أن المراد بالنجس هل هو النجاسة الظاهرية المصطلحة ، أو أنه بمعنى النجاسة المعنوية وقذارة الشرك كما يناسبها تفريعه تعالى بقوله ( فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) فإنّ النجس الظاهري لا مانع من دخوله وإدخاله المسجد على المعروف كما يأتي في محلّه.
وكيف كان فلا دلالة في الآيتين على المطلوب. أجل ، لا نضايق من إلحاق النجاسة الحدثية أعني الجنابة بالأقذار العرفية في دلالة الآية على طهورية الماء بالإضافة إليها والوجه في ذلك : أن الصلاة كانت مشروعة من ابتداء الشريعة المقدسة قطعاً ولا صلاة إلاّ بطهور ، وقد استعمل الطهور في الاغتسال عن الجنابة في قوله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (2)فإنّه في مقابل التيمم عن الجنابة عند عدم وجدان الماء في قوله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) وبهذا نلحق الاغتسال عن الجنابة إلى مفاد الآيتين ، كما يناسبه مورد الآية الثانية ، فمعناها : أن اللّه أنزل عليكم الماء ليزيل عنكم أقذاركم من الدماء والأوساخ الطارئة في الجدال ، وأحداثكم إذا ابتليتم بالجنابة.
وقد يقال : إن المراد بالطهور في الآية الاولى هو المطهّر من الأحداث والأخباث كما
أن المراد بالتطهير في الآية الثانية هو التطهير منهما ، ويستدل على ذلك بما ورد في جملة من الروايات النبويات : من أن اللّه خلق الماء طهوراً لا ينجّسه شيء إلاّ ما غيّر ريحه أو طعمه ، وفي بعضها أو لونه أيضاً (1).
ولا يخفى ما فيه أمّا أولاً : فلأن هذه الأخبار لم ترد تفسيراً للآيتين فلا وجه لحملهما عليها. وأمّا ثانياً : فلضعف سندها فإنّها بأجمعها مروية من طرق العامة ولم يرد شيء منها من طرقنا.
وعلى الجملة لا دلالة للآية الأُولى على مطهّرية الماء بالمعنى المبحوث عنه في المقام ، وإنّما هي في مقام الامتنان بتكوين الماء لإزالة الأقذار والأوساخ ، ومن هذا يظهر عدم دلالة الآية الثانية أيضاً على مطهّرية الماء بعين الاشكال المتقدم ، وتزيد الآية الثانية على الاولى بمناقشة اخرى وهي اختصاصها بماء المطر ، لأنّها على ما قدّمناه نزلت في وقعة بدر حيث لم يكن عند المسلمين ماء فأنزل اللّه الماء عليهم من السماء ليتطهّروا به فتختص الآية بماء المطر ، ولا تقاس بالآية المتقدمة لأنّها كما عرفت وردت في مقام الامتنان على جميع طوائف البشر ، وهو يقتضي طهارة كل فرد من أفراد المياه ، فإنّها بأجمعها نازلة من السماء على ما أسمعناك آنفاً ، هذا.
ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بوجهين :
أحدهما : أن الغالب في استعمال ماء المطر في إزالة الحدث أو الخبث هو استعماله بعد نزوله ووقوعه على الأرض واجتماعه في الغدران أو الأواني ، وأمّا استعماله حين نزوله
1) المروية في الوسائل 1 : 135 / أبواب الماء المطلق ب 1 ح 9 عن المحقق في المعتبر ، والحلّي في أول سرائره. ونقلها في المستدرك 1 : 190 أبواب الماء المطلق ب 3 ح 10 عن عوالي اللئالي عن الفاضل المقداد قال : قال النبي صلی اللّه علیه و آله وقد سئل عن بئر بضاعة خلق اللّه ... وفي سنن البيهقي المجلد الأوّل ص 259 عن رسول اللّه « الماء لا ينجسه شيء إلاّ ما غلب عليه طعمه أو ريحه » وفي ص 260 عن أبي أمامة عن النبي صلی اللّه علیه و آله قال : « انّ الماء طاهر إلاّ أن تغيّر ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيها ». وفي كنز العمّال [ 9 : 396 / 26652 ] : الماء لا ينجسه شيء إلاّ ما غلب على ريحه أو طعمه. وهي كما ترى غير مشتملة على جملة « خلق اللّه الماء طهوراً ».
في شيء من رفع الحدث أو الخبث فهو نادر جدّاً ، ومن الظاهر أن حكم ماء المطر بعد نزوله حكم سائر مياه الأرض ولا يختلف حكمه عن حكمها.
وثانيهما : أن الضمير في قوله تعالى ( لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) إنّما يرجع إلى الماء لا إلى الماء بقيد نزوله من السماء وهو نظير قولنا : قد أرسلت إليكم ماءً لتشربوه ، أي لتشربوا نفس الماء ، لا الماء بقيد الإرسال ، فالآية تدل على مطهّرية جميع أفراد المياه لو لا ما ذكرناه من المناقشة المتقدمة. نعم ، لا بأس بدلالة هذه الآية أيضاً على مطهّرية الماء عن الأحداث كدلالة الآية المتقدمة ، لما ورد من أن بعض المسلمين في وقعة بدر أُصيب بالجنابة فأنزل اللّه الماء ليتطهّروا به عن الجنابة.
فذلكة الكلام : أن الآيتين تدلاّن على طهارة الماء في نفسه ، لما مرّ من أنهما في مقام الامتنان بتكوين الماء وجعله مزيلاً للأقذار والأوساخ. ومن البيّن أنّه لا امتنان في إزالة الأوساخ بالنجس ، فإنّه يوجب تنجس البدن أو الثياب أو غيرهما زائداً على ما فيهما من الأقذار. فلا محيص من دلالتهما على طهارة الماء في نفسه كما دلّتا على مطهّرية الماء من حدث الجنابة ، بل لولاهما أيضاً لأمكننا استفادة مطهّرية الماء عن الأحداث مطلقاً من قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ) ( ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (1)أي بالماء لقوله تعالى في ذيل الآية المباركة ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) فالماء مطهّر من الأحداث صغيرة كانت أم كبيرة وأمّا أنّه مطهّر على نحو الإطلاق حتى من الأخباث فلا يمكن استفادته من الآيات ، فلا بدّ فيه من مراجعة الروايات الواردة في المقام.
أمّا ما يستفاد منه طهارة الماء في نفسه فهو طوائف من الأخبار يمكن دعوى تواترها إجمالاً ، وإليك بعضها :
1) المائدة 5 : 6.
منها : ما دلّ على أن الماء كلّه طاهر حتى تعلم أنّه قذر (1)فإنّه يدل على طهارة الماء في نفسه ، سواء قلنا بدلالته على حكم واحد وهو الطهارة الواقعية الثابتة على الماء في نفسه أو الطهارة الظاهرية الثابتة عليه حال الشكّ في طهارته ، أم قلنا بدلالته على كلا الحكمين وأنّ الطهارة ثابتة على الماء واقعاً ، وهي محكومة بالاستمرار ظاهراً إلى زمان العلم بقذارته بالاستصحاب أو بقاعدة الطهارة على الخلاف في مفاده ، وعلى كل يدل على أن الماء طاهر ، وغاية ما هناك أنّه على تقدير كونه ناظراً إلى إثبات الطهارة الواقعية على الماء يدل على طهارته بالمطابقة ، وعلى تقدير أنّه متكفّل لبيان الطهارة الظاهرية في الماء يدل على طهارته بالالتزام.
ومنها : ما دلّ على أن الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجّسه شيء (2)والوجه في دلالته على طهارة الماء أنّه لو لا طهارة الماء في نفسه لم يبق معنى لقوله علیه السلام لا ينجسه شيء على تقدير بلوغه قدر كر ، فإن النجس لا يتنجس ثانياً والتنجس من طواري الأشياء الطاهرة.
ومنها : ما دلّ على أن الماء يطهِّر ولا يُطهَّر (3).
ومنها : كل رواية دلّت على تطهير الأواني والألبسة وغيرهما من المتنجسات بالماء (4)، لدلالتها على طهارة الماء في نفسه إذ لا يمكن تطهير المتنجس بالنجس.
ومنها : ما دلّ على أن ماء البئر واسع لا يفسد شيء (5)والوجه في دلالته واضح ، إذ مع نجاسة الماء في نفسه لا معنى لقوله علیه السلام لا يفسده شيء ، لما عرفت من أن النجس لا يتنجّس ثانياً.
ومنها : ما دلّ على أن بني إسرائيل كانوا إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا
لحومهم بالمقاريض وقد وسّع اللّه تعالى عليكم بأوسع ما بين السماء والأرض ، وجعل لكم الماء طهوراً (1)ودلالته على طهارة الماء ظاهرة.
ومنها : غير ذلك من الأخبار ، كما لا تخفى على المتتبع الخبير.
وأمّا ما دلّ من الأخبار على مطهّرية الماء من الحدث والخبث فهي أيضاً كثيرة قد وردت في موارد متعدّدة وأبواب مختلفة ، كالروايات الآمرة بالغسل والوضوء بالماء (2)وما دلّ على مطهّرية الماء عن نجاسة البول (3)وولوغ الكلب (4)وغيرهما من النجاسات ، وبعض الأخبار المتقدمة عند الاستدلال على طهارة الماء في نفسه وسنتعرّض إلى تفاصيل هذه الأخبار عند التكلّم في آحاد النجاسات وتطهيرها بالماء فلا نطيل.
نعم ، لا دلالة لها بأجمعها على حصول الطهارة بمجرد الغسل بالماء وإن لم تنفصل غسالته أو لم يتعدّد الغسل ، لعدم كونها في مقام البيان من تلك الجهات فلا إطلاق لها بالإضافة إليها ، والمتّبع فيها دلالة الدليل الموجود في كل مسألة بخصوصها.
هل الطهورية الثابتة للمياه بالروايات والآيات تختص بخصوص الماء النازل من السماء ولو بحسب أصله أو أنّها ثابتة لمطلق المياه ، ولو كانت مخلوقة لنا بإعجاز أو بتركيب بضم أحد جزئية إلى الآخر؟ الصحيح هو الثاني ، لأن المفروض أنّه ماء بالنظر العرفي وهو صادق عليه صدقاً حقيقياً ، ومعه لا وجه للتردّد والشكّ.
[73] مسألة 1 : الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر (1) لكنّه غير
والذي يحتمل أن يكون مانعاً عن ذلك هو ما تقدّم (1)من قوله تعالى ( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ) بتوهّم اختصاصها بالماء النازل من السماء ولكنك عرفت أن الطهور فيها ليس بمعناه المصطلح عليه في المقام ، ونحن إنّما أثبتنا الطهورية للماء بواسطة الأخبار المتقدمة ، هذا.
ثم لو سلّمنا دلالتها على طهورية الماء فهي حكم ثبت بالآية لطبيعي المياه والطبيعة صادقة على ذلك الفرد كما تقدم. وإنّما خص الماء النازل من السماء بالذكر لأجل غلبته وكثرة وجوده ، ونحن قد ذكرنا في محلّه أن المطلق لا يختص بالأفراد الغالبة لأجل كثرة وجودها ، بل يشملها كما يشمل الأفراد النادرة. وبالجملة إذا ثبت أنّه ماء وشملته الإطلاقات فلا محالة يكون طهوراً كغيره. فإذا فرضنا أن الهواء أحدث بخاراً ، وانجمد ذلك البخار على زجاجة لمكان حرارة أحد طرفيها وبرودة الآخر ، وهذا كثيراً ما يتفق في البلاد الباردة ثمّ أثّرت فيه الحرارة وتبدل البخار المنجمد ماءً وأخذ بالتقاطر فلا محالة يكون الماء المجتمع منه طهوراً ، مع أنّه لم ينزل من السماء. ولا نظن فقيهاً بل ولا متفقهاً يفتي بوجوب التيمم عند انحصار الماء بذلك. وعلى هذا إذا حصلنا الماء من أي مائع مضاف ، كماء الرمان أو البرتقال أو غيرهما بالتصعيد بحيث صار ما فيه من الماء بخاراً ، وتصاعد إلى الفوق دون شيء من أجزاء الرمان أو البرتقال أو مادة حلاوتهما فإنهما لا يتصاعدان وأخذنا البخار بالتقطير فهو ماء مطلق طهور كغيره. واحتفظ بهذا فإنه ينفعك في بحث المضاف إن شاء اللّه.
(1) لا ينبغي الإشكال كما لم يستشكل أحد في أن المضاف في نفسه طاهر فيما إذا كان ما أضيف إليه طاهراً ، بخلاف ما إذا كان المضاف إليه نجساً أو متنجساً كما إذا عصرنا لحم كلب واستخرجنا ماءه ، أو عصرنا فاكهة متنجسة فإن الماء الحاصل منهما محكوم بالنجاسة حينئذٍ.
1) في ص 7.
مطهّر لا من الحدث ولا من الخبث ولو في حال الاضطرار (1)
(1) الكلام في ذلك يقع في مسألتين :
المسألة الأُولى : في أن المضاف يرفع الحدث أو لا يرفعه حتى في حالة الاضطرار؟ المشهور عدم كفاية المضاف في رفع الحدث ولو اضطراراً ، خلافاً لما حكي عن الصدوق ( طاب ثراه ) من جواز الوضوء والغسل بماء الورد (1)وقد استدلّوا على ذلك بوجوه :
الأول : دعوى الإجماع على عدم كفاية المضاف في الوضوء والغسل. وأمّا ما ذهب إليه الصدوق قدس سره فقد ردّوه بأنّه مسبوق وملحوق بالإجماع على خلافه. ويدفعها ما ذكرناه غير مرة من أن الإجماع في أمثال المقام مما لا يمكن الاعتماد عليه لأنّا نعلم أو نظن ولا أقل من أنا نحتمل استناد المجمعين في ذلك إلى أحد الأدلة المذكورة في المقام ، ومعه كيف يكون إجماعهم تعبدياً وكاشفاً عن قول المعصوم علیه السلام .
الثاني : ما صرّح به في الفقه الرضوي (2)من عدم جواز رفع الحدث بالمضاف. وفيه : أن كتاب الفقه الرضوي على ما ذكرناه غير مرة أشبه بكتب الفتوى ، ولم يثبت كونه رواية فضلاً عن اعتباره.
الثالث : أن المضاف أيضاً لو كان كالمطلق من مصاديق الطهور للزم على اللّه سبحانه أن يأتي في الآية المتقدمة بما هو أعم من الماء ليشمله ويشمل المضاف لأنّه في مقام الامتنان ، وحيث إنه تعالى خصّ الطهور بالماء فمنه يعلم أن المضاف ليس بطهور وإلاّ لم يكن لتركه في مقام الامتنان وجه. والجواب عن ذلك :
أوّلاً : أن الطهور في الآية لم يثبت كونه طهوراً شرعياً كما هو المطلوب ، وإنّما هو
طهور تكويني مزيل للقذارات والأوساخ كما تقدّم ، والمضاف ليس له هذا المعنى بل هو بنفسه من الأوساخ كمائي الرمّان والبطّيخ ونحوهما ، ولذا لا بدّ من إزالتهما عن الثياب وغيرها إذا تلوّثت بأمثالهما من المياه المضافة.
وثانياً : هب أنّه بمعنى الطهور شرعاً ، ولكنه لا يستكشف من عدم ذكر المضاف في الآية المباركة أنّه ليس من مصاديق الطهور ، إذ لعلّ عدم ذكره في الآية من أجل قلّة وجود المضاف ، كيف وهو لا يتحصل لأغلب الناس ليشربوه فضلاً عن أن يزيلوا به الأحداث فإنّه يحتاج إلى مئونة زائدة ويسار.
فالصحيح أن يستدل على عدم طهورية المضاف بقوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) ( ... فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (1)حيث حصر سبحانه الطهور في الماء والتراب فلا طهور غيرهما ، بل ولا حاجة إلى الاستدلال بالآية المباركة في المقام ، لكفاية ما ورد في الروايات الدالّة على تعيّن الوضوء والغسل بالماء ووجوب التيمم على تقدير فقدانه في إثبات المرام ، ففي رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام « عن الرجل يكون معه اللّبن ، أيتوضّأ منه للصلاة؟ قال : لا ، إنّما هو الماء والصعيد » (2)ونظيرها ما نقله عبد اللّه بن المغيرة عن بعض الصادقين قال : « إذا كان الرجل لا يقدر على الماء وهو يقدر على اللّبن » فلا يتوضّأ باللّبن ، إنّما هو الماء أو التيمّم » (3)فإنّ اللّبن وإن كان من المائعات التي لا يطلق عليها الماء ولو على وجه المضاف وهو خارج عن محل الكلام ، إلاّ أنّ تعليله علیه السلام بقوله إنّما هو الماء والصعيد أو إنّما هو الماء أو التيمم يقتضي انحصار الطهور بهما كما لا يخفى.
لا يخفى أن الأصحاب ( قدس اللّه أسرارهم ) نقلوا الآية المتقدمة في مؤلفاتهم بلفظه « إن لم تجدوا » « فإن لم تجدوا » وهو على خلاف لفظة الآية الموجودة في الكتاب ، بل
لا توجد هاتان اللفظتان في شيء من آيات الكتاب العزيز ، فإن ما وقفنا عليه في سورتي النساء (1)والمائدة (2)« فَلَمْ تَجِدُوا » كما أن الموجود في سورة البقرة ( وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً ... ) (3)، فراجع. وظنّي أنّ الاشتباه صدر من صاحب الحدائق قدس سره (4)وتبعه المتأخرون عنه في مؤلفاتهم اشتباهاً ولا غرو فإنّ العصمة لأهلها ، وكيف كان فما ذهب إليه المشهور هو الصحيح.
وخالفهم في ذلك الصدوق قدس سره وذهب إلى جواز الوضوء والغسل بماء الورد (5)، ووافقه على ذلك الكاشاني (6)قدس سره ونسب إلى ظاهر ابن أبي عقيل جواز التوضّؤ بالماء الذي سقط فيه شيء غير محرّم ولا نجس وغيّره في أحد أوصافه الثلاثة حتى أُضيف إليه ، مثل ماء الورد وماء الزعفران وغيرهما مما ورد في محكي كلامه إلاّ أنّه قيّده بصورة الاضطرار (7)ولعلّه يرى مطهّرية المضاف مطلقاً ، وإنّما ذكر الأُمور المشار إليها في كلامه من باب المثال.
فأما الصدوق قدس سره فقد استدلّ على ما ذهب إليه بما رواه محمد بن يعقوب عن علي بن محمد ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن أبي الحسن علیه السلام قال « قلت له : الرجل يغتسل بماء الورد ويتوضأ به للصّلاة؟ قال : لا بأس بذلك » (8).
المناقشة في سند الرواية : وقد نوقش في هذه الرواية سنداً ودلالة بوجوه : فأما في سندها فبوجهين : فتارة باشتماله على سهل بن زياد لعدم ثبوت وثاقته. نعم قال
بعضهم : إن الأمر في سهلٍ سهلٌ ، ولكنك عرفت عدم ثبوت وثاقته. وأُخرى باشتماله على محمد بن عيسى عن يونس ، وقد قالوا بعدم الاعتبار بما يرويه محمد بن عيسى عن يونس فالسند ضعيف. وعن الشيخ قدس سره أنّه خبر شاذ شديد الشذوذ وإن تكرر في الكتب والأُصول فإنّما أصله يونس عن أبي الحسن علیه السلام ولم يروه غيره وقد أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره.
المناقشة في دلالتها : وأمّا في دلالتها فأيضاً نوقش بوجهين :
أحدهما : وهو من الشيخ قدس سره على ما ببالي أن الوضوء والغسل في الرواية لم يظهر كونهما بالمعنى المصطلح عليه ولعلّهما بمعناهما اللغوي ، أعني الغسل المعبّر عنه في الفارسية ب- « شستشو كردن » ولو لأجل التطيب بماء الورد للصلاة كما قد استعملا بهذا المعنى في كثير من الموارد ، ولا مانع من الاغتسال والتوضؤ بالمعنى المذكور بماء الورد (1).
وهذه المناقشة كما ترى خلاف ظاهر الوضوء والغسل ، لا سيما مع تقييدهما في الرواية بقوله : للصلاة ، فإن ظاهره هو الوضوء الواجب لأجل الصلاة أو الغسل اللاّزم لأجلها ، دون معناهما اللغوي.
وثانيهما : أن ماء الورد على ثلاثة أقسام :
أحدها : ما اعتصر من الورد كما يعتصر من الرمان وغيره ولم يشاهد هذا في الأعصار المتأخّرة ، ولعلّه كان موجوداً في الأزمنة السالفة.
وثانيها : الماء المقارن للورد ، كالماء الذي القي عليه شيء من الورد ، وأدنى المجاورة يكفي في صحة الإضافة والإسناد فيصح أن يطلق عليه ماء الورد ، فإنّه لأجل المجاورة يكتسب رائحة الورد ويتعطّر بذلك لا محالة ولكن هذا لا يخرج الماء المقترن بالورد عن الإطلاق ، كما كان يخرجه في القسم السابق ، وهذا لوضوح أن مجرد التعطر بالورد
1) التهذيب 1 : 219.
باكتساب رائحته لا يكون مانعاً عن إطلاق الماء عليه حقيقة ، وهو نظير ما إذا أُلقيت عليه ميتة طاهرة كميتة السمك واكتسب منها رائحة نتنة ، فإن ذلك لا يخرجه عن الإطلاق ويصح استعماله في الوضوء والغسل قطعاً. نعم ، يدخل الماء بذلك تحت عنوان المتغيّر وهو موضوع آخر له أحكام خاصة ، والمتغير غير المضاف إذ المضاف على ما أسمعناك سابقاً هو الذي خلطه أمر آخر على نحو لا يصح أن يطلق عليه الماء حقيقة بلا إضافته إلى شيء كما في ماء الرمان وفي القسم المتقدم من ماء الورد ، إلاّ على سبيل العناية والمجاز. وأمّا إذا كان الماء أكثر مما أُضيف إليه بحيث صحّ أن يطلق عليه الماء بلا إضافته كما صحّت إضافته إلى الورد أيضاً ، فهو ماء مطلق كما عرفت في نظائره من ماء البحر أو البئر ونحوهما.
وثالثها : ماء الورد المتعارف في زماننا هذا ، وهو الماء الذي يلقى عليه مقدار من الورد ثم يغلي فيتقطر بسبب البخار ، وما يؤخذ من التقطير يسمى بماء الورد ، وهذا القسم أيضاً خارج عن المضاف ، لما قدمناه من أن مجرد الاكتساب وصيرورة الماء متعطّراً بالورد لا يخرجه عن الإطلاق ، فإنّه إنّما يصير مضافاً فيما إذا خلطه الورد بمقدار أكثر من الماء حتى يسلب عنه الإطلاق كما في ماء الرمان ، وليس الأمر كذلك في ماء الورد فإن أكثره ماء والورد المخلوط به أقل منه بمراتب ، وهو نظير ما إذا صببنا قطرة من عطور كاشان على قارورة مملوءة من الماء فإنّها توجب تعطر الماء بأجمعه ، مع أن القطرة المصبوبة بالإضافة إلى ماء القارورة في غاية القلة. فأمثال ذلك لا يخرج الماء عن الإطلاق ، وإنّما يتوهّم إضافته من يتوهّمها من أجل قلته ، فلو كان المضاف كثير الدوران والوجود خارجاً لما حسبناه إلاّ ماءً متغيراً بريح طيب ، ومن هنا لو فرضنا بحراً خلقه اللّه تعالى بتلك الرائحة لما أمكننا الحكم بإضافته بوجه.
فإلى هنا ظهر أن لماء الورد أقساماً ثلاثة : الأول منها مضاف والقسمان الأخيران باقيان على إطلاقهما ، وعليه فلا محيص من حمل الرواية على القسمين الأخيرين ، فإن القسم المضاف منها لا يوجد في الأعصار المتأخرة ولعلّه لم يكن موجوداً في زمان الأئمة علیهم السلام أيضاً فلا تشمله الرواية ، وجواز الوضوء والغسل في القسمين الأخيرين على طبق القاعدة ، هذا.
ثم لو شككنا في ذلك ولم ندر أن المراد بماء الورد في الرواية هل هو خصوص القسمين المطلقين ، أو الأعم منهما ومن قسم المضاف فنقول : إن مقتضى إطلاق الرواية جواز الغسل والوضوء بجميع الأقسام الثلاثة المتقدمة مطلقها ومضافها ، ومقتضى إطلاق الآية المباركة ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ) وغيرها مما دلّ على انحصار الطهور بالماء والتراب وجوب الوضوء والغسل بالماء وبالتيمم على تقدير فقدانه مطلقاً ، سواء أكان متمكناً من القسم المضاف أم لم يكن ، فلا يكون وجوده مانعاً عن التيمم بحسب إطلاق الآية المباركة ، والنسبة بينهما عموم من وجه فيتعارضان في مادة اجتماعهما وهي ما إذا لم يكن هناك ماء وكان متمكناً من القسم المضاف ، فإنّها مورد للتيمّم بحسب إطلاق الآية المباركة ، ومورد للوضوء حسب ما يقتضيه إطلاق الرواية وبذلك تسقط الرواية عن الاعتبار ويحكم بوجوب التيمم مع وجود القسم المضاف وذلك لما بيناه في محله من أن الرواية إذا كانت معارضة للكتاب بالعموم من وجه فمقتضى القاعدة سقوطها عن الاعتبار لمخالفتها للكتاب في مادة الاجتماع وهذه المناقشة هي الصحيحة.
وربّما يجاب عن الاستدلال بالرواية بوجه آخر وهو : أن لفظة « ورد » يحتمل أن تكون بكسر الواو وسكون الراء ، وماء الورد بمعنى الماء الذي ترد عليه الدواب وغيرها للشراب ، ولعلّ السائل كان في ذهنه أن مثله مما تبول فيه الدواب ، ولأجله سأله عن حكم الوضوء والغسل به ، وعليه فالرواية مجملة لا يمكن الاستدلال بها على شيء.
ويدفعه : ان هذا الاحتمال ساقط لا يعتنى به ، لأنّه إنّما يتجه فيما لو كانت الأخبار الواجب اتباعها مكتوبة في كتاب وواصلة إلى أرباب الحديث بالكتابة ، فبما أنّها ليست معرّبة ومشكّلة يمكن أن يتطرق عليها احتمال الكسر والفتح وغيرهما من الاحتمالات ، ولكن الأمر ليس كذلك فإنّهم أخذوا الأخبار عن رواتها الموثوق بهم بالقراءة ، ووصلت إليهم سماعاً عن سماع وقراءةً بعد قراءة على الكيفية التي وصلت إليهم ، وحيث إن راوي هذه الرواية وهو الصّدوق قدس سره قد نقلها بفتح الواو حيث استدلّ بها على جواز الوضوء بالجلاّب فيجب اتباعه في نقله ، ولا يصغي معه إلى
احتمال كسر الواو ، فإنّه يستلزم فتح باب جديد للاستنباط لتطرق هذه الاحتمالات في أكثر الأخبار ، وهو يسقطها عن الاعتبار ، هذا كلّه فيما ذهب إليه الصّدوق (طاب ثراه).
وأمّا ابن أبي عقيل ، وهو الذي ذهب إلى جواز الوضوء بالمضاف فقد يستدل عليه بما رواه عبد اللّه بن المغيرة عن بعض الصادقين قال : « إذا كان الرجل لا يقدر على الماء وهو يقدر على اللبن فلا يتوضأ باللبن إنّما هو الماء أو التيمم فإن لم يقدر على الماء وكان نبيذ ، فإنّي سمعت حريزاً يذكر في حديث : أن النبي صلی اللّه علیه و آله قد توضأ بنبيذ ولم يقدر على الماء » (1).
وأُجيب عنها بأن المراد بالنبيذ فيها ليس هو النبيذ المعروف لأنّه نجس فكيف يصح الوضوء بمثله ، حتى أن ابن أبي عقيل أيضاً لا يرضى بذلك ، بل المراد به على ما في بعض الأخبار (2)هو الماء المطلق الذي تلقى عليه تمرة أو تمرتان أو كف من التمر حتى يكتسب بها ما يمنع عن تسرع الفساد إليه ، من دون أن يخرج بذلك عن الإطلاق ، فضلاً عن أن يتصف بالاسكار أو يحكم عليه بالنجاسة.
ولا يخفى ما في هذا التأويل والجواب من المناقشة فإنّ ما يسمّى بالنبيذ لو كان كما ذكره المجيب ماءً مطلقاً لوضوح أنّ إلقاء كف من التمر على الماء لا يخرجه عن الإطلاق لما كان معنى محصل لقوله علیه السلام في الرواية : « فإن لم يقدر على
1) الوسائل 1 : 202 / أبواب الماء المضاف ب 2 ح 1.
2) وهو رواية الكلبي النسابة ، أنّه سأل أبا عبد اللّه علیه السلام عن النبيذ؟ فقال : حلال فقال : إنّا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك. فقال : شه شه تلك الخمرة المنتنة. قلت : جُعلت فداك فأي نبيذ تعني؟ فقال : إن أهل المدينة شكوا إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله تغير الماء وفساد طبائعهم ، فأمرهم أن ينبذوا فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له ، فيعمد إلى كف من تمر فيقذف به في الشن فمنه شربه ومنه طهوره. فقلت : وكم كان عدد التمر الذي في الكف؟ قال : ما حمل الكف فقلت : واحدة أو اثنتين؟ فقال : ربّما كانت واحدة وربّما كانت اثنتين ، فقلت : وكم كان يسع الشن ماء؟ فقال : ما بين الأربعين إلى الثمانين إلى ما فوق ذلك. فقلت : بأي الأرطال؟ فقال : أرطال مكيال العراق. الوسائل 1 : 203 / أبواب الماء المضاف ب 2 ح 2.
الماء وكان نبيذ ... » فإن النبيذ على هذا ماء مطلق ، فما معنى عدم القدرة على الماء كما هو واضح ، فهذا الجواب على خلاف مفروض الرواية حيث فرض فيها عدم القدرة على الماء ، ففرض النبيذ من الماء المطلق والقدرة عليه خلاف مفروضها.
فالصحيح في الجواب عن الرواية أن يقال : إنّه لم يعلم أن عبد اللّه بن المغيرة رواها عن أحد المعصومين علیهم السلام فإنّه نقلها عن بعض الصادقين والمراد به بعض العدول ، لأن صيغة الصادقين التي هي صيغة جمع في الرواية لمكان البعض لم يرَ استعمالها وإرادة الأئمة منها في شيء من الموارد. نعم ، الصادقين بصيغة التثنية يطلق على الباقر والصادق علیهماالسلام من باب التغليب كالشمسين والقمرين ، وقد عرفت أن الصادقين في المقام ليس بتثنية. وبالجملة أن تعبيره ببعض الصادقين مشعر بعدم إرادته المعصوم علیه السلام هذا أوّلاً.
وثانياً : لو سلمنا أنّه رواها عن الإمام علیه السلام فلم يظهر أن ذيلها وهو ما اشتمل على حكم الوضوء بالنبيذ منه علیه السلام ولعلّه مما أضافه عبد اللّه بن المغيرة من عنده نقلاً عن حريز. ولم يعلم أن الواسطة بين النبي صلی اللّه علیه و آله وحريز من هو؟ وهذا الاحتمال يسقط الرواية عن الاعتبار ، ومعه لا يمكن إثبات حكم مخالف للقواعد بمثلها.
وثالثاً : هب أن ذيل الرواية من الإمام علیه السلام لكنه لم يظهر منها إمضاؤه لما نقله عن حريز ، فإنّه لو كان مورداً لامضائه لما كان وجه لاسناده إلى حريز ، بل كان يحكم بعدم البأس من قبله ، فإسناده ذلك إلى حريز مشعر بعدم رضائه وأنّه نقله تقية حيث ظهر من حكمه بعدم جواز الوضوء باللّبن أنّه لا يرضى بالوضوء بالنبيذ النجس بطريق أولى ، وكأنّه تصدى لدفع هذا الاستظهار بإظهاره الموافقة مع العامّة بنقل ما حكاه حريز عن النبيّ صلی اللّه علیه و آله وهذا بناءً على صحّة ما نسبه بعض أصحابنا إلى العامّة من ذهابهم إلى جواز الوضوء بالنبيذ (1).
1) ففي الخلاف 1 : 55 بعد حكمه بعدم جواز الوضوء بشيء من الأنبذة المسكرة ما هذا نصّه : وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة بجواز التوضي بنبيذ التمر إذا كان مطبوخاً عند عدم الماء وهو قول أبي يوسف. وقال محمد : يتوضّأ به ويتيمّم. وقال الأوزاعي : يجوز التوضي بسائر الأنبذة.
ولكنا لم نقف عليه في الفقه على المذاهب الأربعة ولا نكتفي بذلك في الجزم بعدم صحّة النسبة ، فلا بدّ في تحقيق ذلك من مراجعة كتبهم المفصلة (1). وعلى الجملة فلا يثبت بهذه الرواية على علاتها حكم مخالف لما كاد أن يكون ضرورياً من مذهب الشيعة ، هذا كلّه في المسألة الاولى.
المسألة الثانية : في أن المضاف يرفع الخبث أو لا يرفعه : المعروف بين الأصحاب أنّ المضاف لا يكتفى به في إزالة الأخباث والقذارات الشرعية ، ويمكن إسناد المخالفة في هذه المسألة إلى المحدِّث الكاشاني قدس سره حيث ذهب إلى عدم سراية
1) المسألة خلافية بينهم ، نصّ على ذلك الترمذي في صحيحه ج 1 ص 147 حيث قال : وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ ، منهم سفيان وغيره. وقال بعض أهل العلم : لا يتوضأ بالنبيذ ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وفي المحلّى لابن حزم المجلد الأول ص 202 بعد أن حكم بعدم جواز الوضوء بغير الماء كالنبيذ ما نص عبارته : وهذا قول مالك ، والشافعي وأحمد ، وداود ، وقال به الحسن ، وعطاء بن أبي رياح ، وسفيان الثوري ، وأبو يوسف ، وإسحاق وأبو ثور ، وغيرهم. وعن عكرمة أن النبيذ وضوء إذا لم يوجد الماء ، ولا يتيمّم مع وجوده. وقال الأوزاعي لا يتيمّم إذا عدم الماء ما دام يوجد نبيذ غير مسكر ، فإن كان مسكراً فلا يتوضأ به. وقال حميد صاحب الحسن بن حي : نبيذ التمر خاصة يجوز التوضؤ به والغسل المفترض في الحضر والسفر ، وجد الماء أو لم يوجد ولا يجوز ذلك بغير نبيذ التمر ، وجد الماء أو لم يوجد. وقال أبو حنيفة في أشهر قوليه : انّ نبيذ التمر خاصّة إذا لم يسكر فإنّه يتوضأ به ويغتسل فيما كان خارج الأمصار والقرى خاصّة عند عدم الماء ، فإن أسكر فإن كان مطبوخاً جاز الوضوء به والغسل كذلك ، فإن كان نيئاً لم يجز استعماله أصلاً في ذلك ولا يجوز الوضوء بشيء من ذلك ، لا عند عدم الماء ولا في الأمصار ولا في القرى أصلاً وإن عدم الماء ، ولا بشيء من الأنبذة غير نبيذ التمر ، لا في القرى ولا في غير القرى ، ولا عند عدم الماء. والرواية الأُخرى عنه : إن جميع الأنبذة يتوضأ بها ويغتسل ، كما قال في نبيذ التمر سواء سواء. وقال محمد بن الحسن يتوضأ بنبيذ التمر عند عدم الماء ويتيمّم معاً.
النجاسة إلى ملاقيها ، وأن غسل ملاقي النجاسة غير واجب إلاّ في بعض الموارد كما في الثوب والبدن للدليل ، وأمّا في الأجسام الصيقلية كالزجاج ونحوه فيكفي في طهارتها مجرد إزالة عين النجاسة ولو بخرقة أو بدلك وأمثالهما ، بلا حاجة معها إلى غسلها فالأجسام نظير بواطن الإنسان وظاهر الحيوان لا يتنجس بشيء (1).
وذهب السيد المرتضى (2)والشيخ المفيد (3)قدس سرهما إلى أن غسل ملاقي النجاسات وإن كان واجباً شرعاً ، إلاّ أن الغسل لا يلزم أن يكون بالماء بل الغسل بالمضاف بل بكل ما يكفي في إزالة العين ، وصدق عنوان الغسل وإن كان
خارجاً عن المضاف أيضاً كافٍ في طهارته كالغسل بالنفط أو بالاسپرتو إذا قلنا بعدم نجاسته في نفسه ، فإنّهما مائعان وليسا بماء ولا مضاف ، فهناك مقامان للكلام :
ما ذهب إليه الكاشاني ( قدس سره )
أحدهما : فيما سلكه الكاشاني قدس سره وأن ملاقاة النجاسة بشيء هل توجب سراية النجاسة إليه ، بحيث يجب غسل ذلك الشيء بعد إزالة العين عنه أو أنّها لا توجب السراية ولا دليل على وجوب غسله بعد إزالة العين عنه ، فاللاّزم هو الإزالة دون غسل المحل إلاّ فيما دلّ دليل على وجوب غسله كالبدن والثوب ، وينبغي أن تضاف الأواني أيضاً إلى البدن والثوب ، لقيام الدليل على لزوم غسل الآنية التي يشرب فيها الخمر أو يأكل فيها الكفار أطعمة نجسة كاللّحم النجس (4)ولعلّه قدس سره إنّما ذكر البدن والثوب من باب المثال ، وإن كان ظاهر كلامه الاختصاص. وكيف كان فقد ادعى عدم دلالة دليلٍ على وجوب الغسل في ملاقي النجاسات بعد إزالة العين عنه.
ويدفعه : ان العرف يستفيد من الأوامر الواردة في موارد خاصة بغسل ملاقي النجاسات بعد إزالة عينها عدم اختصاص ذلك بموردٍ دون مورد ، فإذا لاحظوا الأمر بغسل الثوب والبدن والفرش والأواني وغيرها بعد إزالة العين عنها بشيء فهموا منه عمومية ذلك الحكم وجريانه في كل شيء لاقاه نجس ، وأمّا أن الغسل الواجب لا بدّ وأن يكون بالماء أو يكفي فيه الغسل بالمضاف أو بشيء آخر أيضاً ، فهو مطلب آخر يأتي بعد هذه المسألة.
وثانياً : قد ورد في موثقة عمار بن موسى الساباطي : « أنّه سأل أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل يجد في إنائه فأرة ، وقد توضأ من ذلك الإناء مراراً أو اغتسل منه أو غسل ثيابه ، وقد كانت الفأرة متسلخة؟ فقال إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ، ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الإناء ، فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ويعيد الوضوء والصلاة ... » (1)وهي تدلنا على وجوب الغسل في ملاقي النجس بلا فرق في ذلك بين أفراده وموارده لعموم الرواية ، حيث اشتملت على لفظة « كل » في قوله : « ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ».
ثم إنّ الفرق بين هذا الوجه والوجه المتقدم لا يكاد يخفى ، فإن الاستدلال هناك إنّما كان بفهم العرف واستفادته عموم الحكم من ملاحظة الأمر بالغسل في الموارد المخصوصة ، وأمّا هنا فإنّما نستدل على عمومية الحكم بدلالة الموثقة عليها وإن لم يكن هناك استفادة العموم عرفاً من ملاحظة خصوصيات الموارد ، وكم فرق بين الاستدلال بالخبر والاستدلال بالفهم العرفي من ملاحظة الموارد الخاصة ، فما ذهب إليه المحدث الكاشاني ( طاب ثراه ) ممّا لا يمكن المساعدة عليه وهو متفرد فيما سلكه في المقام ، ولا نعلم موافقاً له من الأصحاب ، ومن هنا طعن عليه كاشف الغطاء قدس سره على ما ببالي في شرحه للقواعد بأنّه يأتي بفتيا غريبة ومسائل لم يقل بها الأصحاب.
وأمّا ما أشار إليه في ضمن كلامه من عدم تنجس باطن الإنسان وظاهر الحيوان
1) الوسائل 1 : 142 / أبواب الماء المطلق ب 4 ح 1.
وكفاية زوال العين فيهما بلا حاجة إلى غسلهما ، فهو وإن كان كما أفاده على خلاف في الأخير لتردّده بين عدم التنجس رأساً وتنجسه مع طهارته بمجرّد زوال العين عنه ، إلاّ أن الحكم بعدم وجوب الغسل شرعاً لا يثبت بهذين الموردين. وقياس غيرهما عليهما مما لا اعتبار به عندنا.
وثانيهما : فيما ذهب إليه السيد والمفيد قدس سرهما من أن ملاقاة النجاسة وإن كانت موجبة للسراية ولوجوب غسل ما لاقاها ، إلاّ أن الغسل بإطلاقه يكفي في تطهير المتنجسات بلا حاجة إلى غسلها بالماء وقد استدلّ على ذلك بوجوه :
الوجه الأوّل : ما ورد من إطلاقات الأمر بالغسل في المتنجسات (1)من غير تقييده بالماء ، فمنها يظهر كفاية مطلق الغسل في تطهير المتنجسات.
وقد يجاب عن ذلك بأن المطلقات الآمرة بغسل المتنجسات تنصرف إلى الغسل بالماء ، لمكان قلة الغسل بغير الماء وندرته وكثرة الغسل بالماء وأغلبيته.
وفيه : أن كثرة الأفراد وقلّتها لا تمنع عن صدق الاسم على الأفراد النادرة والقليلة ، وبعبارة اخرى الغسل ليس من المفاهيم المشكّكة حتى يدّعى أن صدقه على بعض أفراده أجلى من بعضها الآخر ، بل الغسل كما يصدق على الغسل بالماء كذلك يصدق على الغسل بغيره حقيقة ، كالغسل بماء الورد بناءً على أنّه مضاف ، إذ الغسل ليس إلاّ بمعنى إزالة النجاسة والقذارة ، وهي صادقة على كل من الغسلين ، وبعد صدق الحقيقة على كليهما فلا تكون قلة وجود أحدهما خارجاً موجبة للانصراف كما هو ظاهر.
فالصحيح في الجواب أن يقال : المستفاد من ملاحظة الموارد التي ورد فيها الأمر
1) كما في صحيحتي محمد عن أحدهما علیهماالسلام وابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه علیه السلام لاشتمالهما على الأمر بالغسل مرتين. وهو مطلق وهما مرويتان في الوسائل 3 : 395 / أبواب النجاسات ب 1 ح 1، 2 وأيضاً ورد ذلك في موثقة عمار المتقدمة ، فراجع.
بالغسل بالماء ، وتتبع الأخبار الواردة في مقامات مختلفة أنّ الغسل لا بدّ وأن يكون بالماء ، ولا يكتفى بغيره في تطهير المتنجسات وبها تقيد المطلقات ، أعني ما دلّ على لزوم الغسل مطلقاً ، فنحملها على إرادة الغسل بالماء ، ولنذكر جملة من تلك الموارد :
منها : ما ورد في الاستنجاء بالأحجار (1)حيث حكم علیه السلام بكفاية الأحجار في التطهير من الغائط ، ومنع عن كفايته في البول وأمر بغسل مخرج البول بالماء ، فلو كان غير الماء أيضاً كافياً في تطهير المخرج لما كان وجه لحصره بالماء.
ومنها : الموارد التي سئل فيها عن كيفية غسل الكوز والإناء إذا كان قذراً ، حيث أمر علیه السلام بغسله ثلاث مرات (2)يصب فيه الماء فيحرك فيه ثم يفرغ منه ، ثم يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثم يفرغ منه ، وهكذا ثلاث مرات.
ومنها : أمره علیه السلام بغسل الثوب بالماء في المركن مرتين ، وفي الماء الجاري مرة واحدة (3).
ومنها : أمره علیه السلام بتعفير الإناء أولاً ثم غسله بالماء (4).
ومنها : أمره بغسل الأواني المتنجسة بالماء (5).
ومنها : أمره بصب الماء في مثل البدن إذا تنجس بالبول ونحوه (6)، وبهذه المقيّدات نرفع اليد عن المطلقات المقتضية لكفاية الغسل مطلقاً. وببيان آخر إذا ثبت وجوب
1) راجع رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر علیه السلام المروية في الوسائل 1 : 317 / أبواب أحكام الخلوة ب 9 ح 6.
2) ورد ذلك في موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه علیه السلام المروية في الوسائل 3 : 496 / أبواب النجاسات ب 53 ح 1.
3) كما في صحيحة محمد بن مسلم المروية في الوسائل 3 : 397 / أبواب النجاسات ب 2 ح 1.
4) كما في صحيحة الفضل أبي العباس عن أبي عبد اللّه علیه السلام المروية في الوسائل 3 : 415 / أبواب النجاسات ب 12 ح 2.
5) كما في موثقة عمار بن موسى المروية في الوسائل 3 : 494 / أبواب النجاسات ب 51 ح 1.
6) كما في صحيحة الحسين بن أبي العلاء المروية في الوسائل 3 : 395 / أبواب النجاسات ب 1 ح 4 وغيرها.
الغسل بالماء في الموارد المنصوصة المتقدمة فيثبت في جميعها ، لعدم القول بالفصل حتى من السيد قدس سره لأن من قال باعتبار الغسل بالماء في الموارد المتقدمة قال به في جميع الموارد ، وكيف كان فلا نعتمد على شيء من المطلقات الواردة في المقام.
الوجه الثاني : الإجماع ، حيث استدلّ به السيد المرتضى قدس سره على كفاية الغسل بالمضاف في تطهير المتنجسات ، وهذا الإجماع مضافاً إلى أنّه مما لا يوافقه فيه أحد من الأصحاب غير الشيخ المفيد قدس سره إجماع على أمر كبروي وهو أن الأصل في كل ما لم يدلّ دليل على حرمته أو نجاسته هو الحلية والطهارة ، وقد طبقها هو قدس سره على المقام بدعوى أنّه لم يرد دليل على المنع من تطهير المتنجس بالمضاف ، فهو أمر جائز وحلال والمغسول محكوم بالطهارة ، وصدور أمثال ذلك منه ( طاب ثراه ) في المسائل الفقهية غير عزيز.
ثم إن الإجماع الذي ادعاه على الكبرى المتقدمة وإن كان كما أفاده تاماً إلاّ أن الاشكال كلّه في تطبيقها على المقام ، وذلك لأنّا إن قلنا بما سلكه المشهور من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية ، فإن المورد من موارد استصحاب النجاسة بعد غسله بالمضاف ، ومعه لا تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة والحلية وهو ظاهر. نعم ، إذا بنينا على ما سلكناه من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية لمعارضته دائماً باستصحاب عدم الجعل على ما حققناه في محلّه فلا مانع من تطبيق الكبرى الإجماعية على المقام من تلك الناحية ، إذ لا استصحاب هناك حتى يمنع عن جريان قاعدة الطهارة بعد غسل المتنجس بالمضاف ، أو عن جريان البراءة عن حرمة أكله أو شربه ، كما أن مقتضى البراءة جواز الصلاة فيه ، بناءً على ما حققناه في محلّه من جريان البراءة عند دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، وبها ندفع اشتراط الغسل بالماء إلاّ أنّا ندعي قيام الدليل الاجتهادي على بقاء النجاسة بعد الغسل بالمضاف ، وهو الأخبار المتقدمة الواردة في مقامات مختلفة ، لأنّها دلّت على تقييد إطلاقات الغسل بالماء ، وكيف كان فلا تنطبق الكبرى الإجماعية على المقام.
الوجه الثالث : أن الغرض من وجوب الغسل في المتنجسات ليس إلاّ إزالة النجاسة عن المحل ، والإزالة كما تتحقق بالغسل بالماء كذلك تحصل بالغسل بالمضاف
أو بغيره من المائعات.
والجواب عن ذلك : أنّ هذه الدعوى مصادرة لأنّها عين المدّعى ، فمن أخبرنا أنّ الغرض من وجوب الغسل مجرّد إزالة العين كيف ما اتفقت كيف ولو صحت هذه الدعوى لتمّ ما ذهب إليه الكاشاني قدس سره من عدم وجوب الغسل رأساً (1)، فإنّ الإزالة كما تحصل بالغسل تحصل بالدلك والمسح أيضاً ، إذن فما الموجب لأصل وجوب الغسل ، فهذا الوجه استحساني صرف ، والسيد أيضاً لا يرتضي بذلك ، لأنّه يرى أصل الغسل واجباً كما مرّ ، ولا يكتفي بمجرد إزالة العين في حصول الطهارة.
الوجه الرابع : قوله تعالى ( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) (2)بتقريب انه سبحانه أمر نبيّه الأكرم صلی اللّه علیه و آله بتطهير ثيابه ، ولم يقيّد التطهير بالماء. فمنها يظهر أنّ المطلوب مجرد التطهير سواءً كان بالماء أو بشيء آخر.
وفيه : أن الآية لا دلالة لها على المدعى بوجه ، لأنّا إن حملنا التطهير في الآية المباركة على معناه اللغوي ، وهو إزالة الأوساخ والقذارات كما هو المناسب لمقام النبوّة ، فإنّه لا تناسبها الوساخة والقذارة في البدن والثياب المسببتان لإثارة التنفّر والانزعاج ، وهو خلاف غرض النبي صلی اللّه علیه و آله بل خلاف قوله أيضاً فإنّه الذي أمر الناس بالنظافة وعدّها من الإيمان بقوله : « النظافة من الإيمان » (3).
ويؤيّده أنّ أحكام النجاسات لعلّها لم تكن ثابتة في الشريعة المقدسة حين نزول الآية المباركة ، فإن السور القصار إنّما نزلت حين البعثة ، ولم يكن كثير من الأحكام وقتئذٍ ثابتة على المكلفين ، فلا تكون الآية مربوطة بالمقام ، لأن البحث إنّما هو في الطهارة الاعتبارية ، لا في إزالة القذارة والوساخة التي هي معنى التطهير لغة.
وكذا الحال فيما إذا حملنا التطهير في الآية على ما نطقت به الأخبار الواردة في
تفسيرها (1)حيث دلت على أن المراد منها عدم التسبب لتنجس الثياب باطالتها وترك تشميرها كي تحتاج إلى تطهيرها ، فمعنى الآية : قصّر ثيابك لئلاّ تطول وتتلوث بما على الأرض من النجاسات ، وتحتاج إلى تطهيرها ، وليس المراد بها تطهير ثيابه صلی اللّه علیه و آله بعد تنجسها نظير قوله تعالى ( يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (2)فإن معناه ليس هو تطهيرهم بعد صيرورتهم غير طاهرين ، فالآية أجنبية عن المقام.
وإن حملنا التطهير فيها على التطهير شرعاً ، الذي هو مورد الكلام ، فلا يمكن الاستدلال بها في المقام أيضاً ، فإن الآية على هذا إنّما دلت على لزوم تطهير الثياب وأمّا أن التطهير يحصل بأي شيء فهي ساكتة عن بيانه ولا دلالة لها على كيفية التطهير ، وأنّه لا بدّ وأن يكون بالماء أو بالأعم منه ومن المضاف أو بكل ما يزيل العين وإن لم يكن من المضاف أيضاً ، فلا يستفاد منها شيء من هذه الخصوصيات ، فلو دلت فإنّما تدل على مسلك الكاشاني قدس سره من عدم اعتبار الغسل رأساً (3)، ولا يرضى به المستدلّ.
الوجه الخامس : الروايات الواردة في جواز التطهير بالمضاف وهي أربع :
إحداها : مرسلة المفيد قدس سره حيث قال بعد حكمه بجواز الغسل بالمضاف : إنّ ذلك مرويّ عن الأئمة علیهم السلام (4).
1) رواها في الكافي 6 : 455 / 1 ، ونقلها عنه في البرهان في المجلد الرابع ص 399 400 ، كما نقل غيرها فإليك شطر منها : ( منها ) ما عن علي بن إبراهيم ( ثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) قال تطهيرها تشميرها ، أي قصرها ، ويقال شيعتنا مطهرون. ( منها ) ما عن معلى بن خنيس عن أبي عبد اللّه في رواية ، واللّه تعالى يقول ( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) قال : وثيابك ارفعها ولا تجرها ( منها ) : ما عن رجل من أهل اليمامة كان مع أبي الحسن علیه السلام أيام حبس ببغداد ، قال قال لي أبو الحسن : إن اللّه تعالى قال لنبيه صلی اللّه علیه و آله ( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) وكانت ثيابه طاهرة ، وإنّما أمره بالتسنيم.
2) الأحزاب 33 : 33.
3) مفاتيح الشرائع 1 : 77.
4) كما نقله في الحدائق 1 : 402 نقلاً عن المحقق.
ثانيتها : رواية غياث عن أبي عبد اللّه علیه السلام عن أبيه عن علي علیه السلام قال : لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق (1).
ثالثتها : صحيحة حكم بن حكيم بن أخي خلاد الصيرفي أنه سأل أبا عبد اللّه علیه السلام فقال له : « أبول فلا أُصيب الماء وقد أصاب يدي شيء من البول فأمسحه بالحائط وبالتراب ، ثم تعرق يدي فأمسح وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي ، فقال : لا بأس به » (2).
رابعتها : مرسلة الكليني قدس سره حيث قال : روي أنّه لا يغسل بالريق شيء إلاّ الدم (3)وهذه جملة الأخبار التي استدلّ بها على جواز غسل المتنجس بالمضاف ولا يتمّ شيء من ذلك.
أمّا مرسلة الكليني فقد نطمئن بعدم كونها رواية أُخرى غير ما ورد من أنّ الدم يغسل بالبصاق كما في رواية غياث ، بل هي هي بعينها.
وأمّا مرسلة المفيد فهي التي طالبه بها المحقق قدس سره إذ لا أثر منها في شيء من كتب الروايات ، ولعلّها صدرت منه اشتباهاً وهو غير بعيد ، كما نشاهده من أنفسنا حيث قد نطمئن بوجود رواية في مسألة وليس منها عين ولا أثر.
وأمّا رواية حكم بن حكيم فهي وإن كانت صحيحة بحسب السند إلاّ أنها أجنبية عمّا نحن فيه رأساً ، إذ الكلام في مطهّرية المضاف دون المسح على الحائط والتراب ، بل لا قائل بمطهرية المسح من الفريقين في غير المخرجين لأن العامة إنّما يرون (4)المسح
1) الوسائل 1 : 205 / أبواب الماء المضاف ب 4 ح 2.
2) الوسائل 3 : 401 / أبواب النجاسات ب 6 ح 1.
3) الوسائل 1 : 205 / أبواب الماء المضاف ب 4 ح 3.
4) كما جرت على ذلك سيرتهم عملاً ، فإن الحائط عندهم كالأحجار عندنا في الاستنجاء بلا فرق في ذلك عندهم بين مخرج الغائط والبول ، كما في مغني المحتاج : 1 / 43 والفقه على المذاهب الأربعة ص 97 - 100 من الجزء الأول. نعم حكى فيه عن المالكية القول بكراهة الاستنجاء على جدار مملوك له. بل سووا بين المخرجين في الاستنجاء بالأحجار أو بغيرها في جميع الأحكام والمستحبات. فهذا هو الشوكاني قال في نيل الأوطار المجلد 1 ص 94 قال أصحابنا : ويستحب أن لا يستعين باليد اليمنى في شيء من أحوال الاستنجاء إلاّ لعذر ، فإذا استنجى بماء صبه باليمنى ومسح باليسرى ، وإذا استنجى بحجر فإن كان في الدبر مسح بيساره ، وإن كان في القبل وأمكنه وضع الحجر على الأرض ، أو بين قدميه بحيث يتأتى مسحه أمسك الذكر بيساره ومسحه على الحجر ، وإن لم يمكنه واضطر إلى حمل الحجر حمله بيمينه وأمسك الذكر بيساره ومسح بها ، ولا يحرك اليمنى ..
على الحائط مطهّراً في خصوص المخرجين دون غيرهما ، فالرواية مخالفة لجميع المذاهب فلا محيص من طرحها أو تأويلها. نعم ، هي على تقدير تماميتها سنداً كما هي كذلك ودلالة من جملة الأدلّة الدالّة على عدم منجسية المتنجس. ويأتي الكلام عليها في محلّه إن شاء اللّه تعالى.
وأمّا الرواية الثانية : فهي ضعيفة السند بغياث بن إبراهيم ، إذ لا يعمل على ما يتفرّد به من رواياته (1)، هذا على أنّها مختصة بالبصاق والدم ، ولو فرض أنّها عامّة شاملة لغير الدم أيضاً عارضها ما نقله نفس غياث في رواية أُخرى له من أن البصاق لا يغسل به غير الدم (2)وعليه فتكون الرواية أخص من المدعى ، فإنّ السيد يرى جواز الغسل بمطلق المضاف دون خصوص البصاق ، كما أنّه يرى المضاف مطهّراً من جميع النجاسات لا في خصوص الدم ، فعلى تقدير تمامية الرواية لا بدّ من الاقتصار على موردها وهو مطهّرية البصاق في خصوص إزالة الدم ، وهو ما ذكرناه من أخصية الدليل عن المدعى.
والمتحصل : أن ما ذهب إليه المشهور من عدم رافعية المضاف في شيء من الحدث والخبث هو الصحيح.
1) هكذا ذكره المحقق قدس سره في المعتبر كما في الجزء الأوّل من الحدائق من الطبعة الأخيرة ص 406 ، ولكن الحق انّ الرجل موثق قد وثقه النجاشي قدس سره [ 305 / 833 ] ، وكونه بتري المذهب لا ينافي وثاقته كما ان الظاهر أن موسى بن الحسن الواقع في سند الرواية هو موسى بن الحسن بن عامر الثقة لأنّه المعروف والمشهور ، وقد روى سعد عنه في عدّة مواضع ، إذن فالرواية موثقة.
2) الوسائل 1 : 205 / أبواب الماء المضاف ب 4 ح 1.
وإن لاقى نجساً تنجس وإن كان كثيراً ، بل وإن كان مقدار ألف كر فإنّه ينجس بمجرّد ملاقاة النجاسة ولو بمقدار رأس إبرة في أحد أطرافه فينجس كلّه (1).
وأمّا ما ذهب إليه ابن أبي عقيل من جواز الغسل بالمضاف عند الاضطرار فلعلّه اعتمد في ذلك على الرواية المتقدمة (1)الدالّة على أن المضاف يرفع الحدث عند عدم الماء ، فإن النبي صلی اللّه علیه و آله توضأ بالنبيذ عند عدمه ، حيث يستفاد منها كفاية المضاف في رفع الخبث عند عدم الماء بطريق أولى ، ولكنا قدمنا أن المضاف لا يكفي في شيء من رفع الحدث والخبث بلا فرق في ذلك بين وجود الماء وعدمه وأنّ الرواية مؤولة ولم يثبت أنها من الإمام علیه السلام وقد ورد في بعض الأخبار المعتبرة التي قدمنا نقلها في أوائل الكتاب : « أنّ بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض ، وقد وسع اللّه عليكم بأوسع ما بين السماء والأرض وجعل لكم الماء طهوراً ، فانظروا كيف تكونون » (2)وهي قد دلّت على حصر الطهور في الماء بقرينة اقتصاره علیه السلام عليه في مقام الامتنان ، فلا طهور غيره من المائعات بلا فرق في ذلك بين صورتي الاختيار والاضطرار.
(1) والكلام في ذلك يقع في مقامين :
أحدهما : في أصل انفعال المضاف بملاقاة النجاسة.
وثانيهما : في أنّه على تقدير انفعاله هل يفرق فيه بين كثيره وقليله؟ فإذا كان بمقدار الكر فحكمه حكم الماء المطلق أو انه لا فرق بين قلته وكثرته؟
أمّا المقام الأول : فقد تسالموا على أن المضاف ينفعل بملاقاة النجاسة ، ولم يستشكل في ذلك أحد من الأصحاب ، ويدلُّ عليه جميع ما دلّ على عدم جواز استعمال سؤر
الكلب والخنزير والكافر والكتابي على تقدير نجاسته ، بل الناصب على ما في بعض الروايات (1)ولو لا نجاسة تلك الأسآر بمباشرة أحد هذه المذكورات لم يكن وجه للمنع من استعمالها ، وإطلاق تلك الأخبار يشمل ما إذا كان السؤر من المائعات المضافة ، إذ المراد بالسؤر مطلق ما باشره جسم حيوان ولو بغير الشرب ، فلا اختصاص له بالماء ولا بالمباشرة بالشرب ، فالذي تحصّل إلى هنا : أن ملاقاة النجاسة تقتضي نجاسة ملاقيها مطلقاً ، والحكم بعدم الانفعال في بعض الملاقيات يحتاج إلى دليل وهو مفقود في المقام.
أمّا المقام الثاني : فالصحيح أنّه لا فرق في انفعال المضاف بين قلّته وكثرته والوجه في ذلك : أن المستفاد من روايات الأسآر أن نجاسة الملاقي من آثار نجاسة الملاقي كما يستفاد هذا من موثقة عمّار المتقدمة (2)حيث دلت بعمومها على وجوب غسل كل ما لاقاه متنجس ، فنجاسة الملاقي بنفسها تقتضي نجاسة كل ما لاقاه كثيراً كان الملاقي أم قليلاً ، ماءً كان أو مضافاً ، والخروج عن ذلك يحتاج إلى دليل ، ومن يدعي عدم انفعال الملاقي للنجس في موردٍ فعليه إثبات عدم تأثره وانفعاله بالملاقاة وقد أثبتنا ذلك في الكر من الماء بما يأتي في محله. وأمّا غيره كالماء القليل أو المضاف قليله وكثيره فلم يقم دليل على عدم انفعاله بملاقاة النجس ، فمقتضى ما ذكرناه من القاعدة عدم الفرق في انفعال المضاف بالملاقاة بين قليله وكثيره.
ومما يوضح ما ذكرناه ويؤكده : الاستثناء الواقع في بعض روايات الأسآر (3)حيث إنه بعد ما منع عن استعمال سؤر الكلب في الشرب استثنى منه ما إذا كان السؤر حوضاً كبيراً يستقى منه ، فإن الاستقاء قرينة على أن المراد بالحوض الكبير هو
1) وهي موثقة ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه علیه السلام في حديث قال : « وإياك أن تغتسل من غسالة الحمّام ، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت فهو شرهم ، فإن اللّه تبارك وتعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب وأنّ الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه » المروية في الوسائل 1 : 220 / أبواب الماء المضاف ب 11 ح 5.
2) الوسائل 1 : 142 / أبواب الماء المطلق ب 4 ح 1.
3) الوسائل 1 : 226 / أبواب الأسآر ب 1 ح 7.
الحوض المحتوي على الماء لأنّه الذي يستقى منه للحيوان أو لغيره ، والحوض الكبير يشمل الكر بل الأكرار ، فالرواية دلت على نجاسة السؤر في غير ما إذا كان كراً من الماء ، بلا فرق في ذلك بين ما كان ماءً ولم يكن كراً وما إذا لم يكن ماءً أصلاً ، كما إذا كان مضافاً ، قليلاً كان أم كثيراً ، فالخارج عن الحكم بنجاسة الملاقي للنجس ليس إلاّ الكر من الماء.
ويدلُّ على ذلك أيضاً أمران :
أحدهما : ما ورد في بعض الأخبار من أن الفأرة إذا وقعت في السمن فماتت فيه فإن كان جامداً فألقها وما يليها وكُلْ ما بقي ، وإن كان ذائباً فلا تأكله ، واستصبح به والزيت مثل ذلك (1)حيث إننا نقطع من قوله علیه السلام والزيت مثل ذلك أن الحكم المذكور أعني نجاسة ملاقي النجس ليس مما يختص بالسمن أو الزيت وإنّما هو مستند إلى ميعانهما وذوبانهما ، فكل مائع له ذوبان يحكم بنجاسته إذا لاقى نجساً بلا فرق في ذلك بين كثرته وقلته.
وبعبارة اخرى السمن والزيت وإن كانا خارجين من المضاف ، إلاّ أنّا نقطع بعدم خصوصية لهما في الحكم ، وأنّه مستند إلى ذوبان الملاقي وميعانه مضافاً كان أم لم يكن وعلى الأوّل قليلاً كان أم كثيراً.
وثانيهما : موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سُئل عن الخنفساء والذباب والجراد ، والنملة ، وما أشبه ذلك يموت في البئر ، والزيت ، والسمن ، وشبهه ، قال : كل ما ليس له دم فلا بأس » (2)حيث يظهر من قوله علیه السلام وشبهه أنّه لا خصوصية للزيت والسمن المذكورين في الرواية ، بل المراد منهما مطلق المائع والرواية دلت على أنّ المائع إذا وقعت فيه ميتة ما لا نفس له لم يحكم بانفعاله وأقرت السائل فيما هو عليه من أن وقوع الميتة مما له نفس سائلة في شيء من المائعات
نعم ، إذا كان جارياً من العالي (1)إلى السافل ولاقى سافله النجاسة لا ينجس
يقتضي نجاسته ، وقد دلت بإطلاقها على عدم الفرق في المائع بين المضاف والمطلق وبين كثرته وقلته.
ومما يؤيد به المدعى روايتان : إحداهما ما عن السكوني (2)وثانيتهما : رواية زكريا ابن آدم (3)وقد اشتملتا على السؤال عن حكم المرق الكثير الذي وجدت فيه ميتة فأرة كما في أُولاهما ، أو قطرت فيه قطرة خمر أو نبيذ مسكر كما في ثانيتهما وقد حكم علیه السلام في كلتيهما بأن المرق يهراق ، وأمّا اللحم فيغسل ويؤكل حيث دلتا على انفعال المضاف أعني المرق وهو ماء اللّحم مع فرض كثرته عند ملاقاته النجس ، ولا استبعاد في كون المرق بمقدار كر لما حكاه سيدنا الأستاذ ( أدام اللّه إظلاله ) من أن العرب في مضايفهم ربّما يطبخون بعيراً في القدور ، والقدر الذي يطبخ فيه البعير يشتمل على مرق يزيد عن الكر قطعاً ، ولا سيما على ما يأتي منّا في محلّه من تحديد الكر بسبعة وعشرين شبراً.
ودعوى انصراف الأخبار عن المضاف الكثير لقلّة وجوده لو سلّمت فإنّما تتمّ في البلدان والأمصار دون القرى والبوادي ، لأنّهم كثيراً ما يجمعون الألبان (4)في القدور أو غيرها بما يزيد عن الكر بكثير. فإذا دلّت الأخبار على انفعال المضاف بقليله وكثيره بالملاقاة ، فلا يفرق فيه الحال بين أن يكون كراً أو أزيد منه فإنّه ينفعل بملاقاة النجس مطلقاً حسب الأدلة المتقدمة.
ثم إن قلنا بعدم انفعال المضاف الكثير فإن قلنا بعدم انفعاله أصلاً فهو كما مرّ مخالف للأدلّة المتقدمة ، وإن قلنا بانفعاله لا في تمامه بل في حوالي النجاسة الواقعة فيه وأطرافها ، فيقع الكلام في تحديد ذلك وأنّه يتنجس بأي مقدار ، مثلاً إذا وقعت قطرة
العالي منه كما إذا صبّ الجُلاّب من إبريق على يد كافر ، فلا ينجس ما في الإبريق وإن كان متّصلاً بما في يده (1).
دم في مرق كثير فهل نقول بتنجس المرق بمقدار شبر أو نصف شبر من حوالي تلك القطرة فيه أو بأزيد من ذلك أو أقل؟.
لا سبيل إلى تعيين شيء من ذلك ، إذ لو قدّرنا الانفعال بمقدار شبر مثلاً ، فلنا أن نسأل عن أنّه لماذا لم يقدّر شبر ومقدار إصبع ، وهكذا فيتعيّن أن يحكم بنجاسة جميعه وهذا أيضاً من أحد الأدلة على انفعال المضاف الكثير بملاقاة النجس.
(1) إن ما ذكرناه آنفاً من انفعال المضاف بملاقاة النجس يختص بما إذا عدّ المضاف بأسفله وأعلاه شيئاً واحداً عرفاً ، كما إذا كان واقفاً وقد لاقى أحد طرفيه نجساً ، فيحكم بنجاسة الجميع لأنّه شيء واحد عرفاً. وأمّا إذا كان متعدداً بالنظر العرفي ، كما إذا جرى المضاف من طرف إلى طرف بقوة ودفع ولاقى أسفله نجساً ، فلا نحكم بنجاسة الطرف الأعلى منه لأن السافل منه حينئذٍ مغاير لعاليه عرفاً وأحدهما غير الآخر في نظره ، ومن هنا لو فرضنا إبريق ماء يصب منه الماء على ماء سافل وقد وقعت قطرة دم أو نجس آخر في ذلك الماء السافل لا نحكم بنجاسة العالي لأجل اتصاله بما وقع فيه نجس ، أو إذا فرضنا أن الماء يندفع من أسفله إلى أعلاه ، وتنجس أعلاه بنجس فلا نحكم بنجاسة أسفله ، لتعددهما ومغايرتهما عرفا كما في الفوارات والأنابيب المستعملة فعلاً.
وعليه فلا وقع لكون الماء عالياً أو سافلاً أو مساوياً ، لما يأتي في محله من أن الميزان في عدم سراية النجاسة والطهارة من أحد طرفي الماء إلى الآخر ، إنّما هو جريان الماء بالدفع سواء أكان من الأعلى إلى الأسفل أو من الأسفل إلى الأعلى ، فإنّ السيلان والاندفاع يجعلان الماء متعدداً بالنظر العرفي ، فسافله غير عالية وهما ماءان فلا تسري النجاسة من أحدهما إلى الآخر ، كما لا تسري الطهارة من أحدهما إلى الثاني على ما يأتي في مورده فلا يتقوى ولا يعتصم بسافله ، ومن هنا إذا صببنا ماء إبريقٍ على ماء سافل منه وهو كرّ ثم وقعت نجاسة على الإبريق ، فلا نحكم بطهارة ما فيها لتقوّيه بالماء السافل واتصاله به لأنهما ماءان ، بل لو لم يكن دليل على تقوّي السافل
[74] مسألة 2 : الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن إطلاقه نعم ، لو مزج معه غيره وصعّد كماء الورد يصير مضافاً (1)(1)
بالعالي كما في ماء الحمّام إذ الماء في الحياض في الحمّامات يجري إليها من المادة الجعلية وهي أعلى سطحاً من الحياض ، لم نلتزم بالتقوّي فيه أيضاً ، إذ قد عرفت أن الدفع والجريان يجعلان الماء متعدداً ، ويمنعان عن تقوّي عالية بسافله وسافله بأعلاه ، إلاّ أنّهم علیهم السلام حكموا بالتقوّي في الأحواض الصغيرة وأن ماءها يعتصم بالخزانة وبالمادّة الجعلية وإن كانت أعلى سطحاً من الحياض إلحاقاً لماء الحمّام بالجاري ، ولأجل ذلك نلتزم بالتقوّي فيه تعبداً.
(1) كما إذا صيّرناه بخاراً وانقلب البخار ماء ، ولا إشكال في ذلك غير ما أسلفناه من أن الماء الحاصل بالتصعيد ماء جديد قد وجد بعد انعدام الماء الأوّل ، إذ المفروض أنّه انقلب بخاراً والبخار غير الماء عرفاً ، فإن الماء أخذ فيه السيلان ولا سيلان في البخار ، فالحاصل منه ماء مغاير للماء السابق وعليه فلا يحكم عليه بالطهور لاختصاص الطهورية بالماء النازل من السماء وهو المطر.
ودعوى أن الاستحالة غير مؤثرة في مثله لأنّه قبل استحالته كان ماء ، وكذا بعد استحالته فهو عين الماء السابق ولم تحدث الاستحالة فيه شيئاً.
مندفعة : بأن الأمر لو كان كما ادعيت ، فلما ذا أفتى قدس سره في المسألة الرابعة بطهارة المطلق أو المضاف النجس بالتصعيد ، إذ المفروض أن الاستحالة لم تحدث فيه شيئاً لأنّه كان ماء قبل تصعيده ، وكذا بعد تصعيده.
لا يقال : إن البخار كالغبار ، فكما أنّه لم يفت فقيه بل ولم يتوهّم متفقة ولا عاقل بطهارة التراب الحاصل من الغبار إذا أُثير من تراب متنجس ، بدعوى أن التراب
1) (*) في إطلاقه منع ظاهر ، والمدار على الصدق العرفي. ومنه تظهر حال المسألة الثالثة.
[75] مسألة 3 : المضاف المصعّد مضاف (1)
[76] مسألة 4 : المطلق أو المضاف النجس يطهر بالتصعيد (1)لاستحالته
المتنجس قد استحال غباراً وانقلب الغبار تراباً ، فهو موضوع جديد غير التراب السابق فليكن الحال كذلك في البخار.
لأنّه يقال : القياس مع الفارق ، لأن الغبار عين التراب عرفاً ، ولا فرق بينهما إلاّ في الاجتماع والافتراق إذ التراب هو الغبار المجتمع ، والغبار هو التراب المتشتت في أجزاء دقيقة صغار ، وأين هذا من البخار لأنّه أمر مغاير للماء عندهم لما قدّمناه من أن السيلان مأخوذ في مفهوم الماء عرفاً ولا سيلان في البخار.
والظاهر أنّه لا مدفع لهذا الإشكال إلاّ ما أسلفناه من عدم اختصاص الطهورية بالماء النازل من السماء ، وإنّما هي حكم مترتب على طبيعي المياه أينما سرى ، والمفروض أن الماء الحاصل بالتصعيد مما تصدق عليه الطبيعة ، فإذن لا وجه للتوقف في الحكم بطهوريته. ومن هنا أشرنا سابقاً إلى أن الماء المصعد من المضاف ماء مطلق طهور وكذا نفتي بذلك في المصعّد من النجس فانتظره.
(1) لا يمكن المساعدة على ما أفاده قدس سره في هذه المسألة بوجه ، لعدم صدق المضاف على المصعّد من المضاف ، أمّا في بعض الموارد فبالقطع واليقين ، كما إذا امتزج الطين بالماء حتى أخرجه عن الإطلاق فصار وحلا ، ثم صعّدناه وحصلنا ماءه فإنّه ماء مطلق قطعاً لعدم تصاعد شيء من الأجزاء الترابية بالتصعيد ، وأمّا في بعض الموارد الأُخر ، كما في تصعيد ماء الورد ، فلما قدّمناه سابقاً من أن مجرد تعطر الماء واكتسابه رائحة من روائح الورد أو غيره لا يخرجه عن الإطلاق ، فلا وجه لعدم طهورية المصعّد منه وإن كان تعطّر بالورد.
1) (*) بل الحكم كذلك في الأعيان النجسة فيما إذا لم يكن المصعّد بنفسه من أفرادها كما في المسكرات
بخاراً ثم ماء (1).
(1) قد عرفت أن هذا هو الحق الصراح الذي يدعمه البرهان ، فإن الحاصل بالتصعيد موجود مغاير للموجود السابق وهو ماء مطلق ، فلا وجه للتوقف في الحكم بطهوريته ، إذ لا تختص ذلك بالماء النازل من السماء كما مرّ إلاّ أن له لازماً لا ندري أن السيد قدس سره هل يلتزم به أو لا ، وهو الحكم بطهارة الماء المصعّد من الأعيان النجسة ، كالمصعد من الخمر والبول والميتة النجسة كالكلب ، وإن كان مقتضى ما ذكره قدس سره في الكلام على الاستحالة من طهارة بخار البول هو الالتزام بذلك مطلقاً.
والحق أنّه لا مانع من الحكم بطهارته في جميع الموارد ، اللّهم إلاّ أن ينطبق على المصعّد عنوان آخر نجس ، وهذا كما في المصعّد من الخمر المعبّر عنه عندهم بالعَرَق فإنّه كأصله مسكر محكوم بالنجاسة شرعاً (1).
1) وهذا لا ينافي ما ذكرناه في الجزء الثاني من كتاب الطّهارة ذيل مسألة 201 من أنّ مقتضى القاعدة طهارة المادّة المتّخذة من الخمر المعبّر عنها بجوهر الخمر ( اسپرتو ) التي تتحصّل بتبخيرها ، وذلك لأنّ العَرَق الذي حكمنا بنجاسته هو الذي يُعدّ من جملة الخمور وشربه أمر متعارف عند أهله ، ولا فرق بينه وبين غيره من الخمور إلاّ في أنّه يشتمل على المادة الألكليّة بنسبة الأربعين في المائة في العَرَق العراقي فما زاد ، وأمّا بقيّة الخمور فمنها ما يشتمل على المادة الألكليّة بنسبة العشرة في المائة ، ومنها غير ذلك ممّا لا حاجة إلى ذكره. كما أنها في الفقّاع بنسبة الخمسة في المائة كذا في بعض الكتب الكيمياوية الحديثة وأمّا الاسپرتو وجوهر الخمر فهو عبارة عن نفس المادّة الألكليّة التي منها تتكوّن المسكرات على اختلاف أقسامها وهي غير قابلة للشرب بوجه ، وهذا هو الذي حكمنا بطهارته على طبق القاعدة. فالعَرَق والأسپرتو موضوعان متغايران وإن اشتركا في بعض مقدّمات صنعهما وتحصيلهما.
[77] مسألة 5 : إذا شكّ في مائع أنّه مضاف أو مطلق فإن علم حالته السابقة أُخذ بها (1)وإلاّ فلا يحكم عليه بالإطلاق ولا بالإضافة ، لكن لا يرفع الحدث والخبث ، وينجس بملاقاة النجاسة إن كان قليلاً ، وإن كان بقدر الكر لا ينجس ، لاحتمال (2)كونه مطلقاً والأصل الطّهارة (1).
(1) للمسألة صور عديدة :
الصورة الأُولى : الشكّ في إطلاق المائع وإضافته من جهة الشبهة الموضوعية. وهو قسمان :
أحدهما : ما إذا علم إطلاق الماء سابقاً ، ثم القي عليه مقدار ملح أو غيره ، وشكّ في أن الخليط هل كان بمقدار منّ مثلاً كي يخرجه عن الإطلاق ، أو أنّه أقل من ذلك فالماء باقٍ على إطلاقه؟ ففي هذه الصورة لا إشكال في جواز الرجوع إلى استصحاب بقاء الإطلاق السابق.
ثانيهما : عكس ذلك بأن علم إضافة الماء سابقاً ، ثم صبّ عليه مقدار من الماء فشكّ في أن الماء هل كان بمقدار كر مثلاً حتى يخرجه من الإضافة إلى الإطلاق ، أو أنّه كان أقل من ذلك فهو باق على إضافته؟ وفي هذه الصورة يرجع إلى استصحاب بقاء الإضافة السابقة ، ويترتب عليه جميع أحكام المضاف كما كان يترتب عليه أحكام الماء المطلق في الصورة المتقدمة.
الصورة الثانية : ما إذا كان الشكّ في الإطلاق والإضافة من جهة الشبهة الحكمية كما إذا ألقينا مناً من الحليب على منّ من الماء ، وشككنا في أن المركب منهما هل هو من
مصاديق الماء عرفاً ، أو لا ينطبق عليه هذا المفهوم وإن لم يطلق عليه الحليب أيضاً فالشبهة مفهومية حكمية ، وقد تعرضنا لتفصيلها في محلّه ولا نعيد وحاصله : أن الاستصحاب لا يجري في الشبهات المفهومية في شيء ، أمّا الاستصحاب الحكمي فلأجل الشكّ في بقاء موضوعه وارتفاعه ، وأمّا الاستصحاب الموضوعي فلأنه أيضاً ممنوع إذ لا شكّ لنا في الحقيقة في شيء ، لأن الأعدام المنقلبة إلى الوجود كلّها والوجودات الصائرة إلى العدم بأجمعها معلومة محرزة عندنا ، ولا نشكّ في شيء منهما ومعه ينغلق باب الاستصحاب لا محالة لأنّه متقوّم بالشكّ في البقاء. وقد مثّلنا له في محلّه بالشكّ في الغروب ، كما إذا لم ندر أنّه هو استتار قرص الشمس أو ذهاب الحمرة عن قمة الرأس ، فاستصحاب وجوب الصوم أو الصلاة لا يجري لأجل الشكّ في بقاء موضوعه ، والموضوع أيضاً غير قابل للاستصحاب إذ لا شكّ لنا في شيء ، فإن غيبوبة القرص مقطوعة الوجود وذهاب الحمرة مقطوع العدم ، فلا شكّ في أمثال المقام إلاّ في مجرد الوضع والتسمية ، وأن اللفظ هل وضع على مفهوم يعم استتار القرص أو لا؟
هذا وإن شئت قلنا : إن استصحاب الحكم لا يجري في الشبهات المفهومية ، لأنّه من الشبهة المصداقية لدليل حرمة نقض اليقين بالشكّ ، وذلك لأجل الشكّ في بقاء موضوع الحكم وارتفاعه ، فلا ندري أن رفع اليد عن الحكم في ظرف الشكّ نقض لليقين بالشكّ ، كما إذا كان الموضوع باقياً بحاله ، أو أنّه ليس من نقض اليقين بالشكّ كما إذا كان الموضوع مرتفعاً وكان الموجود موضوعاً آخر غير الموضوع المحكوم بذلك الحكم ، فلم يحرز اتحاد القضيتين : المتيقنة والمشكوكة ، وهو معتبر في جريان الاستصحاب.
واستصحاب الموضوع أيضاً لا يجري في تلك الشبهات ، لعدم اشتماله على بعض أركانه وهو الشكّ ، فلا شكّ إلاّ في مجرد التسمية ، وعليه فلا بدّ من مراجعة سائر الأُصول ، وهي تقتضي في المقام بقاء الحدث والخبث وعدم ارتفاعهما بما يشكّ في كونه ماء.
وأمّا انّه هل ينفعل بملاقاة النجاسة أو لا ينفعل ، وتجري فيه قاعدة الطهارة أو
لا تجري؟ ففيه تفصيل وذلك لأنّا إن قلنا بما بنى عليه شيخنا الأُستاذ قدس سره (1)من أن الاستثناء إذا علّق على عنوان وجودي وكان المستثنى منه حكماً إلزامياً أو ملزوماً له كما في المقام ، فلا بدّ من إحراز ذلك العنوان الوجودي في الخروج عن الإلزام أو ملزومه ، مثلاً إذا نهى السيد عبده عن أن يأذن لأحد في الدخول عليه إلاّ لأصدقائه فلا يجوز له الإذن لأحد في الدخول إلاّ بعد إحراز صداقته ، فلا محالة نلتزم بعدم جريان قاعدة الطهارة في المقام ، لأن المستثنى من الحكم بالانفعال عنوان وجودي أعني الكر من الماء وهو غير محرز على الفرض ، وإحرازه معتبر في الحكم بعدم الانفعال. وأمّا إذا لم يتم ما أفاده كما لا يتم ذلك لما بيناه في الأُصول ويأتي تفصيله في محلّه فلا مانع من جريان قاعدة الطهارة فيه للشك في طهارته ، هذا فيما إذا كان الخليط بمقدار كر ، وأمّا إذا كان أقل منه فهو محكوم بالانفعال بالملاقاة مطلقاً كان أم مضافاً ولا شكّ في نجاسته.
الصورة الثالثة : ما إذا توارد على المائع الملاقي للنجس حالتان متضادتان ، كما إذا علمنا بإطلاقه في زمان وإضافته في زمان آخر وشككنا في المتقدم والمتأخر منهما ، وقد عرفت أن الاستصحاب الحكمي غير جار في المقام لأجل الشكّ في بقاء موضوعه وارتفاعه ، ومعه لا يجري الاستصحاب في الأحكام لأنّه من الشبهة المصداقية. وأمّا الاستصحاب الموضوعي فهو أيضاً لا يجري في المقام ، لأنّه بناء على ما ذهب إليه صاحب الكفاية قدس سره لا مجرى له أصلاً ، لعدم إحراز اتصال زمان اليقين بالشكّ وإحرازه معتبر عنده (2)، وأمّا بناء على المختار فهو وإن كان يجري في نفسه ، إلاّ أنّه يسقط من جهة المعارضة باستصحاب مقابله ، والنتيجة على كلا المسلكين عدم جريان الاستصحاب على كل تقدير.
وأمّا قاعدة الطهارة في نفس الماء عند الشكّ في انفعاله فالكلام فيها هو الكلام المتقدم في الصورة الثانية ، إذ لا مجرى لها على مسلك شيخنا الأُستاذ قدس سره كما
لا مانع من جريانها على مسلكنا. وكذا الحال في الرجوع إلى سائر الأُصول من استصحاب الحدث والخبث ، فإن حالها حال الصورة المتقدمة من هذه الجهات.
الصورة الرابعة : ما إذا شكّ في إطلاق المائع وإضافته من غير علم بحالته السابقة أو من غير وجود الحالة السابقة أصلاً ، وجريان الاستصحاب في هذه الصورة لإثبات النجاسة مبني على القول بجريان الأصل في الأعدام الأزلية كما بنينا عليه في محلّه وفاقاً لصاحب الكفاية قدس سره (1)وعليه فلا بدّ من الحكم بنجاسة المائع المشكوك بالملاقاة.
وذلك لأن مقتضى الأدلة المتقدمة أن المائعات كلّها يتنجس بالملاقاة وإنّما خرج عنها عنوان الكر من الماء ، فهناك عام قد خصص بعنوان وجودي والمفروض أنا أحرزنا وجود الكر خارجاً ، ولا ندري هل وجد معه الاتصاف بصفة المائية أيضاً أم لم يوجد معه ذاك الاتصاف؟ والأصل أنّه لم يتصف به ولم يوجد معه الاتصاف ، لأنّه قبل أن يوجد لم يكن متصفاً بالماء ، والاتصاف إنّما هو بعد خلقته لا قبلها ، فإن الاتصاف بالماء ليس قديماً بل هو أمر حادث مسبوق بالعدم بالضرورة فيستصحب عدم اتصافه به ، وأنّه الآن كما كان لا اتصافه بعدمه كما لا يخفى ، فإذا ثبت عدم اتصافه بعنوان المخصص وهو الماء الكر ، فيبقى المائع تحت عموم ما دلّ على انفعال المائعات بالملاقاة ، كما ذكرنا نظيره في الشكّ في قرشية المرأة وعدمها.
وأمّا إذا منعنا عن جريان الأصل في الأعدام الأزلية كما عليه شيخنا الأُستاذ قدس سره (2)خلافاً لصاحب الكفاية وما اخترناه ، فلا مانع من الحكم بطهارة المائع المشكوك بقاعدة الطهارة أو استصحابها ، فإن المانع عنهما ليس إلاّ استصحاب عدم المائية المقتضي لإحراز موضوع النجاسة ، وقد فرضنا عدم جريانه ، وكم لجريان الأصل في الأعدام الأزلية من فوائد وثمرات في باب الطهارة ، وتأتي الإشارة إليها في مواردها إن شاء اللّه تعالى.
[78] مسألة 6 : المضاف النجس يطهر بالتصعيد كما مرّ (1) ، وبالاستهلاك في الكر أو الجاري (2)
هذا كلّه إذا كان المائع المشكوك بمقدار الكر ، وهو الذي أفتى فيه السيد قدس سره بالطهارة بقاعدة الطهارة أو باستصحابها ، وذكرنا نحن أنّها تبتني على القول بعدم جريان الأصل في الأعدام الأزلية ، وأمّا إذا كان قليلاً فلا ينبغي الإشكال في الحكم بانفعاله بالملاقاة ماء كان أم مضافاً.
ثم إنّه إذا حكمنا بطهارة المائع المشكوك فيه بأصالة الطهارة أو باستصحابها فلا يثبت بها أنّه ماء ليرتفع به الحدث أو الخبث وعليه فلا مانع من استصحاب بقائهما ، والحكم بعدم كفاية المائع المشكوك فيه في رفعهما.
(1) قد قدّمنا الكلام في ذلك وذكرنا أن هذا هو الصحيح ، لأجل استحالة المضاف بخاراً وانقلاب البخار ماء بتأثير الهواء ، وهو عند العرف ماء جديد حصل من البخار وليس عين الماء السابق كما لا يخفى.
(2) غرضه منهما هو التمثيل ، ومراده مطلق العاصم ولو كان ماء بئر أو مطر ، ونظره في ذلك إلى حصر طريق التطهير في المائعات المضافة المتنجسة بالتصعيد والاستهلاك في ماء معتصم.
وقد حكي عن العلاّمة قدس سره أنّها كما تطهر بهما تطهر بأمر ثالث أيضاً ، وهو اتصالها بما له الاعصام من كر أو مطر ونحوهما ، ولم نعثر على من يوافقه في ذلك من الأصحاب ، كما لم يقم دليل على مدعاه فإن الآيات المتقدمة قد عرفت عدم دلالتها على مطهرية الماء من الأخباث شرعاً ، وعلى تقدير دلالتها على ذلك لا تعرض لها على كيفية التطهير كما مرّ.
وأمّا الروايات فلا دلالة فيها أيضاً على مدعاه. أمّا ما ورد من « أن اللّه وسّع عليكم
بجعل الماء طهوراً فإن بني إسرائيل ... » (1)فلأنها لو دلّت على أن الماء مطهّر من الأخباث فلا تدل على كيفية التطهير بالماء ، إذ لا تعرض فيها لذلك بوجه. وأمّا قوله علیه السلام الماء يطهّر ولا يطهر (2)فلأنه إنّما يدل على أن الماء طهور ، وأمّا أنّه مطهر لأي شيء أو بائه كيفية فلا ، وهو نظير أن يقال : إن اللّه سبحانه يرزق ولا يُرزق فإنّه يدل على استناد الرزق إلى اللّه تعالى وأمّا أنّه يرزق أي شيء ، بنتاً أو ابناً أو مالاً وأن رزقه على نسق واحد ، فلا يمكن استفادته منه بوجه لإمكان اختلافه حسب اختلاف الموارد كما هو الواقع.
نعم ، يمكن الاستدلال على ما ذهب إليه العلاّمة بما رواه هو قدس سره في مختلفه مرسلاً عن بعض علماء الشيعة عن أبي جعفر علیه السلام من أنّه أشار إلى غدير ماء وقال : إن هذا لا يصيب شيئاً إلاّ وطهّره (3)كما استدلّ بها على كفاية مجرد الاتصال بالكر في تطهير القليل كما يأتي في محلّه.
وبمرسلة الكاهلي عن أبي عبد اللّه علیه السلام في حديث « .... أن كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر » (4)والاستدلال بهما مع ما فيهما من الإرسال يتوقف على حمل الإصابة والرؤية فيهما على مفهومهما العرفي ، ولا نحملهما على معنى آخر بقرينة حالية أو مقالية حتى ولو كانت هي المناسبة بين الحكم وموضوعه ، وحينئذٍ يمكن أن يقال : المضاف المتصل بالكر أو المطر مما أصابه الكر أو رآه المطر.
إلاّ أن إبقاءهما على معناهما العرفي غير ممكن لاستلزامه القول بطهارة مثل الخشب ، فيما إذا كان كلا طرفيه نجساً واتصل أحدهما بالكر أو المطر دون الآخر ، أو
1) وهي صحيحة داود بن فرقد المروية في الوسائل 1 : 133 / أبواب الماء المطلق ب 1 ح 4.
2) المصدر السابق ح 6.
3) المختلف 1 : 15 ذكر بعض علماء الشيعة : أنّه كان بالمدينة رجل يدخل إلى أبي جعفر محمد ابن عليّ علیهماالسلام وكان في طريقه ماء فيه العذرة والجيف ، وكان يأمر الغلام يحمل كوزاً من ماء يغسل رجله إذا أصابه فأبصره يوماً أبو جعفر علیه السلام فقال : إن هذا لا يصيب شيئاً إلاّ طهّره فلا تعد منه غسلاً.
4) الوسائل 1 : 146 / أبواب الماء المطلق ب 6 ح 5.
كان المتنجس أحد طرفيه خاصة واتصل طرفه الطاهر بالكر أو المطر دون الطرف المتنجس ، حيث يصح أن يقال عرفاً إنه مما أصابه الماء أو رآه المطر ، مع أنّه لا وجه لطهارة الطرف الآخر الذي لم يلاقه الماء أو المطر ، وهل يطهر المتنجس من دون أن يلاقي شيئاً من المطهرات؟ فدعوى أن الماء أو المطر إذا أصابا السطح العالي من المضاف يحكم بطهارة السطح السافل منه أمر لا وجه له ، وعليه فلا بدّ بملاحظة المناسبة بين الحكم وموضوعه من حمل الإصابة والرؤية في المرسلتين على معناهما التحقيقي دون العرفي المسامحي ، وأن إصابة كل موضع من الأجسام المتنجسة للماء أو رؤية المطر له إنّما توجب طهارة ذلك الموضع بخصوصه ، دون الموضع الذي لم يصبه الماء أو لم يره المطر ، هذا كلّه في المضاف.
وأمّا الماء المتنجس فهو وإن التزمنا بطهارته بمجرد الاتصال بالعاصم كراً كان أو مطراً ، ولا نعتبر في تطهيره ملاقاة العاصم بجميع أجزائه ، إلاّ أنّه إما من جهة الإجماع ولا إجماع في المضاف لاختصاصه بالماء ، وإما من جهة صحيحة ابن بزيع (1)الدالّة على طهارة ماء البئر بعد ذهاب تغيره معللاً بأن له مادة ، لأن العلّة متحققة في غير البئر أيضاً ، كما يأتي تفصيله في محلّه ، واختصاصها بالماء ظاهر.
وقد تبيّن أن ما ادعاه العلاّمة في المقام مما لم يقم عليه دليل ، فطريق تطهير المضاف منحصر بالتصعيد واستهلاكه في ماء معتصم.
ثم إن في المقام عنوانين : أحدهما : المضاف وثانيهما : التغير. وأحكام التغير وإن كانت تأتي في محلّها على وجه البسط إن شاء اللّه إلاّ أنّا نشير إلى بعضها في المقام على وجه الاختصار فنقول :
تارة : يمتزج المضاف النجس بالمطلق المعتصم ويستهلك فيه ، بمعنى أنّه ينعدم في المطلق بنفسه ووصفه من غير أن يؤثر فيه شيئاً بل هو باق على إطلاقه ، غير أنّه كان منّاً مثلاً قبل الامتزاج ، وقد زاد على وزنه بذلك فصار منّاً وزيادة ، ومثل هذا الماء لا إشكال في طهارته لا من جهة طهارة المضاف النجس بالامتزاج ، بل من جهة ارتفاع
1) الوسائل 1 : 141 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 12 وص 1 : 172 ب 14 ح 6.
[79] مسألة 7 : إذا القي المضاف النجس في الكر فخرج عن الإطلاق إلى الإضافة تنجس إن صار مضافاً قبل الاستهلاك وإن حصل الاستهلاك والإضافة دفعة لا يخلو الحكم بعدم تنجسه عن وجه ، لكنّه مشكل (1)(1)
الموضوع إذ لا وجود للمضاف النجس أصلاً ، والماء مطلق معتصم تشمله الإطلاقات. ومن هنا يظهر أن قولنا : يطهر المضاف النجس بالاستهلاك مبني على المسامحة فإنّه لا مضاف حتى يطهر.
وأُخرى : يمتزج المضاف بالمطلق ويستهلك فيه أيضاً ولكنه بنفسه لا بوصفه فيحدث أثراً في لون المطلق أو طعمه أو غير ذلك من التغيرات. وهل هذا يوجب تنجس المطلق بتغيره بأوصاف المتنجس أو لا يوجبه؟ فيه وجهان مبنيان على ما يأتي في محلّه من أن التغير يقتضي نجاسة الماء مطلقاً أو أنّها تختص بالتغير بأوصاف النجس ، وأمّا التغير بالمتنجس فلا دليل على كونه موجباً للنجاسة ، ويأتي منّا في محلّه إن شاء اللّه تعالى أن الثاني هو الصحيح ، وعليه فلا يكون تأثير المضاف في تغيّر المطلق موجباً لانفعاله بعد وضوح أن التغير غير الإضافة ، وهي لا تحصل بالتغيّر وإنّما يحدث التغير أثراً في وصف المطلق ، لا أنّه يسبب الإضافة كما نشاهده في ماء الشط فإن لونه متغيّر بالوحل مع انه مطلق ، ولا يعد من المضاف. وستعرف ان التغير بأوصاف غير النجس لا يوجب التنجيس.
وثالثة : يمتزج المضاف بالمطلق ، ويستهلك الماء في المضاف على عكس الصورتين المتقدمتين ، ولا كلام في انفعال الماء في هذه الصورة ، لأنّه مضاف وقد لاقى نجساً فيتنجس لا محالة.
(1) قد خص الكلام بالكر وهو المعتصم بنفسه ولم يعممه إلى المعتصم بمادته
1) (*) الظاهر أنّ يحكم بنجاسته على تقدير إمكان الفرض ، لكن الأظهر استحالته كما يستحيل الفرض الأول
كالجاري وإن عممه إليه في الفرع المتقدم ، حيث قال : وبالاستهلاك في الكر والجاري وسيتّضح وجه تخصيصه هذا في طي تفاصيل الصور إن شاء اللّه تعالى.
ثم إن للمسألة صوراً ثلاثاً لم يتعرض الماتن لإحداها :
الصورة الأُولى : ما إذا حصل الاستهلاك قبل الإضافة بأن يستهلك المضاف في الكر أوّلاً ثم يوجب إضافته ثانياً بعد مدّة وزمان ، وتصوير ذلك من الوضوح بمكان كما إذا مزجنا نصف مثقال من النشاء في مقدار قليل من الماء ، فإنّه يستهلك في الماء حين امتزاجهما ، ثم إذا أوصلنا إليه حرارة يتثخن بذلك وينقلب الماء مضافاً ، وهذه الصورة هي التي لم يتعرض السيد قدس سره لحكمها ، ولعلّه من أجل وضوح المسألة حيث لا موجب للحكم بالنجاسة في مفروض الكلام ، فإن المضاف النجس بعد ملاقاته الكر وقبل انقلاب الكر مضافاً قد حكم عليه بالطهارة لاستهلاكه في الكر ، فإذا انقلب الكر إلى الإضافة فهو ماء مضاف لم يلاق نجساً ، فلا وجه للحكم بنجاسته.
الصورة الثانية : ما إذا حصلت الإضافة قبل الاستهلاك على عكس الصورة المتقدمة ، وقد حكم في المتن بنجاسة الكر في هذه الصورة لأنّه خرج عن الإطلاق إلى الإضافة حين ملاقاته للمضاف النجس ، وغير المطلق ينفعل بملاقاة النجاسة ولو كان بمقدار كر وهو ظاهر ، ولا ينفع استهلاك المضاف بعد ذلك إذ لم يرد عليه مطهر شرعي بعد نجاسته ، وخروج الماء من الإضافة إلى الإطلاق ليس من أحد المطهرات شرعاً فهو ماء مطلق محكوم بالنجاسة على كل حال.
الصورة الثالثة : ما إذا حصلت الإضافة والاستهلاك في زمان واحد معاً وذكر في المتن أن الحكم بطهارة الماء حينئذٍ لا يخلو عن وجه ولكنه مشكل ، والوجه الذي أشار إليه هو أن الماء في حال الملاقاة وقبل استهلاك المضاف فيه ماء مطلق معتصم فلا وجه لانفعاله ، وأمّا بعد استهلاك المضاف فيه المساوق لانقلاب المطلق مضافاً فلا مضاف نجس حتى يلاقي الماء وينجسه لاستهلاكه في المطلق على الفرض ، هذا.
وقد أورد عليه شيخنا الأُستاذ قدس سره في هامش العروة بأن المضاف في كلا الشقين يستحيل أن يستهلك في الماء الملقى عليه وذكرنا نحن أيضاً في تعليقتنا على
الكتاب أن الصورة الثانية كالثالثة غير معقولة ، ثم على تقدير إمكان الصورتين فالماء محكوم بالنجاسة دون الطهارة.
فلنا في المقام دعويان إحداهما : أن الصورتين مستحيلتان ، وثانيتهما : أن الحكم فيهما على تقدير إمكانهما هو النجاسة دون الطهارة.
وقبل الشروع في إثبات الدعويين ينبغي أن يعلم أن مفروض كلام السيد قدس سره هو صورة ملاقاة المضاف النجس للماء الذي هو بمقدار الكر خاصة ، لا ما يزيد عليه ولا الجاري ولا غيرهما مما له مادة أو ما في حكمها مما يعتصم به على تقدير انفعاله ، وذلك لأن الماء إذا كان أكثر من كر واحد وحصلت الإضافة في مقدار منه بحيث كان غير المتغير كراً فلا يبقى وجه للحكم بالانفعال في الجميع ، فإن غير المقدار المضاف منه باق على طهارته وهذا ظاهر. نعم ، المقدار المتغير منه محكوم بالنجاسة ما دام متغيراً فإذا زال عنه تغيره بنفسه نحكم عليه بالطهارة لاتصاله بالكر. وقد دلتنا على ذلك صحيحة ابن بزيع الواردة في البئر (1)، لدلالتها على أن ماء البئر إذا تغير ينزح حتى يذهب ريحه ويطيب طعمه ، وانّه يطهر بذلك معللاً بأن له مادة ، والعلّة المذكورة متحققة في المقام أيضاً ، ولأجل هذا لم يضف قدس سره الجاري على الكر في عنوان المسألة كما أضافه عليه في الفرع المتقدم على هذا الفرع. وإذا عرفت ذلك فلنرجع إلى ما كنّا بصدده فنقول :
أمّا الصورة الأُولى : وهي ما إذا استهلك المضاف في الماء ولم يوجب إضافته بالفعل وإنّما صار سبباً لصيرورته مضافاً بعد زمان ، فلا إشكال في معقوليتها وإمكانها ، وأن حكمها هو الطهارة وسيأتي نظيره في أحكام التغير فيما إذا لاقت النجاسة ماء ولم تغيره حين ملاقاته وإنّما أوجبت تغيره بعد مضي زمان.
وأمّا الصورة الثالثة : فهي كما أشرنا إليه غير معقولة ، بيان ذلك : أن المراد بالاستهلاك هو انعدام المستهلك انعداماً عرفياً ، على نحو يعد المركب من المضاف والماء شيئاً واحداً عرفاً فكأن المضاف لا وجود له أصلاً ، لاندكاكه في ضمن المطلق
1) الوسائل 1 : 141 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 12 ، وفي ص 172 ب 14 ح 6.
إذا كان قليلاً بالإضافة إلى الماء بحيث لا يقال إن المركب منهما شيئان ، ومن هنا لو باع حليباً مزجه بشيء من الماء فليس للمشتري دعوى بطلان المعاملة ، وأن المبيع ليس بحليب بل حليب وغير حليب والوجه فيه : أن الماء بعد استهلاكه واندماجه في الحليب يعد المركب منهما شيئاً واحداً. نعم ، يثبت للمشتري في المثال خيار تخلف الشرط وهو أمر آخر ، ولو لا ما ذكرناه لبطل أغلب البيوع ، فإن المبيع كالخبز والسمن وأمثالهما يختلط بشيء آخر غالباً ولو بمثقال من تراب أو مقدار من الدردي والمفروض أنّه يوجب تعدّد المركّب وبه تفسد البيوع ، مع أن صحة المعاملة في مثلهما ليست مورداً للخلاف ، ولا وجه له إلاّ أن المركب من الدقيق والتراب أو السمن والدردي شيء واحد عرفاً من جهة الاستهلاك والاندماج ، وإن كان لا يخرج بذلك عن التعدّد عقلاً والتركب من جزئين واقعاً ولكنهما شيء واحد عرفاً كما مرّ ، وليس ذلك من جهة التسامحات العرفية في التطبيق وإنّما هو كما ذكرناه في محلّه من جهة سعة المفهوم عندهم على نحو يعم الماء المختلط بمقدار يسير من التراب ، أو السمن الممتزج بشيء قليل من الدردي وهكذا ... فإذا تبينت ذلك فنقول :
إن ملاقاة المضاف للمطلق لا يخلو عن إحدى صور ثلاث لا رابع لها :
الاولى : أن يستهلك المضاف في المطلق لكثرته وقلّة المضاف على وجه يراهما العرف ماء واحداً ، ولا يكون بنظرهم مركباً من ماء ومضاف ، ولا تأمّل في مثله في الحكم بطهارة الماء ، إذ لا وجود للمضاف والمفروض أن الماء عاصم لا ينفعل بشيء.
الثانية : أن يستهلك المطلق في المضاف لكثرته وقلة المطلق ، وفي هذه الصورة أيضاً لا إشكال في الحكم بنجاسة الماء وانفعاله لأنّه مضاف ولو كان ذلك بضرب من المسامحة ، إذ لا وجود حينئذٍ للمطلق حتى ينفعل فإنّه انعدم في المضاف عرفاً.
الثالثة : أن لا يستهلك شيء منهما في الآخر لتوازنهما في الكثرة والقلة وعدم غلبة أحدهما على الآخر بحيث يراهما العرف شيئين ، وربّما يولد اجتماعهما أمراً ثالثاً نظير اجتماع الخل والسكر في السكنجبين ، والماء في هذه الصورة أيضاً محكوم بالنجاسة إذ لا يطلق عليه الماء ، لأن الفرض عدم استهلاك المضاف في الماء وتعددهما بالنظر العرفي ، فإذا لم يكن مطلقاً فهو مضاف لا محالة غاية الأمر لا بمرتبة عالية منه تستهلك
المطلق ، بل بمرتبة نازلة من ذلك وملاقاة مثله للنجس توجب الانفعال ، وهذه الصور هي التي نتعقلها في المقام ولا نتعقل صورة رابعة لها بأن يفرض حصول كل من الاستهلاك والإضافة في زمان واحد معاً ، والوجه في استحالتها أن فرض استهلاك المضاف في المطلق فرض أن المضاف لا وجود له مع المطلق عرفاً كما عرفت في معنى الاستهلاك. وفرض حصول الإضافة أن العرف لا يرى للمطلق وجوداً وانّه عندهم مضاف ، وهما أمران لا يجتمعان ففرض الاستهلاك والإضافة معاً خلف ظاهر.
فإذا عرفت استحالة هذه الصورة وأن فرض الاستهلاك فرض عدم حصول الإضافة وفرض الإضافة فرض عدم حصول الاستهلاك ، تظهر لك استحالة الصورة الثانية أيضاً وذلك لأنّا إذا فرضنا خروج المطلق إلى الإضافة لغلبة المضاف ، فكيف يتصوّر انقلابه إلى الإطلاق بعد ذلك بالاستهلاك إذ المطلق قد استهلك في المضاف ولا وجود له كما تقدم في معنى الاستهلاك ، وما لا وجود له كيف يتغلّب على المضاف ويقلبه إلى الإطلاق بالاستهلاك. نعم ، لا مانع من انقلاب المضاف مطلقاً على غير وجه الاستهلاك كما إذا اختلط الوحل بالماء وأوجب إضافته ، فإنّه إذا مضى عليه زمان تترسب الأجزاء الترابية وتنفك عن الماء لا محالة وبه ينقلب إلى الإطلاق ولكنّه لا بالاستهلاك كما لا يخفى ، هذا كلّه في الدعوى الاولى واستحالة الصورتين.
وأمّا الدعوى الثانية : وهي أنّه على تقدير إمكان حصول الإضافة والاستهلاك معاً لا وجه لحكمه قدس سره بالطهارة ، فالوجه فيها أن مستند حكم الماتن بطهارة الماء حينذاك ، أن المطلق قبل ملاقاته للمضاف باق على إطلاقه واعتصامه ، وأمّا بعد ملاقاتهما وانقلاب المطلق مضافاً فلأنّه وإن انقلب إلى الإضافة على الفرض إلاّ أنّه بعد كونه كذلك لم يلاق مضافاً آخر نجساً حتى يحكم بنجاسته ، فالماء محكوم بالطهارة لا محالة.
وهذا الذي اعتمد عليه الماتن في المقام لا يتم إلاّ بالالتزام بإمكان أمر مستحيل ووقوعه ، وهو فرض ملاقاة المضاف النجس للمطلق بجميع أجزائه دفعة واحدة حقيقية ، بأن يلاقي كل جزء من المضاف لكل جزء من المطلق دفعة واحدة ويستهلك كل جزء منه في جزء من المضاف في آن واحد عقلي.
[80] مسألة 8 : إذا انحصر الماء في مضاف مخلوط بالطين ففي سعة الوقت يجب عليه أن يصبر حتى يصفو ويصير الطين إلى الأسفل ، ثم يتوضّأ على الأحوط (1)وفي ضيق الوقت يتيمم ، لصدق الوجدان مع السعة دون الضيق (1).
وهذا كما ترى أمر مستحيل ، إذ لا يمكن تلاقي كل واحد من أجزاء أحدهما لجزء من أجزاء الآخر دفعة ، وإنّما يلاقي بعض أجزاء المضاف لبعض أجزاء المطلق أوّلاً ثم تلاقي الأجزاء الباقية منه لأجزاء المطلق ثانياً وهكذا ، فالدفعة العقلية غير ممكنة إلاّ في مثل تكهرب الماء وسراية القوة الكهربائية إلى جميع الأجزاء المائية فإن الدفعة فيه أوضح ، ولكنها فيه أيضاً غير عقلية لأن للقوة الكهربائية أيضاً سيراً لا محالة لاستحالة الطفرة إلاّ أنّه سريع. نعم ، الدفعة العرفية معقولة كما ذكروها في الغسل ارتماساً ، لتعذر وصول الماء إلى جميع البدن دفعة حقيقية ، فإذا استحالت ملاقاة أجزاء كلّ منهما مع الآخر دفعة حقيقية فلا محيص من الحكم بنجاسة الماء ، وذلك لأن الجزء الأوّل من المطلق إذا لاقاه جزء من المضاف النجس وصيّره مضافاً يتنجّس لا محالة وإذا تنجس جزء منه تنجست الأجزاء الباقية منه أيضاً لأنّها أقل من كر ، فتنفعل بملاقاة النجاسة لما مرّ من أن مفروض كلام الماتن ( طاب ثراه ) هو الماء البالغ كراً خاصة ، فإن الباقي إذا كان بمقدار كر أيضاً لما كان لنجاسة الجزء الملاقي للمضاف وجه بعد زوال تغيره ، لاتصاله بالعاصم وهو مانع من انفعال الجزء المضاف. وعلى الجملة الماء في الصورة المفروضة محكوم بالنجاسة ، والذي يسهل الخطب أن الفرض فرض أمر مستحيل.
(1) لا تبتني هذه المسألة على تفسير الوجدان بوجود الماء خارجاً أو بالقدرة عليه ، ليكون عدم الوجدان بمعنى عدم الماء في الخارج أو عدم القدرة عليه (2)بل تبتني بكلا هذين المعنيين على أن الاعتبار في وجوب الوضوء على الواجد بالمعنيين ووجوب التيمم على الفاقد بالمعنيين ، بمجموع الوقت أو بخصوص زمان العمل
والامتثال ، فإن جعلنا المناط بالوجدان والفقدان في تمام الوقت فلا إشكال في وجوب الوضوء على المكلف في المقام ، فلا بدّ له من أن يصبر حتى يصفو الماء فإن المفروض أنّه يصير واجداً إلى آخر الوقت بكلا معنيي الوجدان ، كما أنّه إذا جعلنا المناط بالوجدان والفقدان في خصوص وقت العمل فلا تأمل في وجوب التيمم عليه في المسألة لأنّه حين قيامه إلى الصلاة ليس بواجد بكلا المعنيين ، لفرض إضافة الماء حينذاك فلا قدرة له على الماء كما أن الماء ليس بموجود خارجاً.
ومقتضى ظهور الآية المباركة ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ... فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (1)هو الثاني وأن الاعتبار في الوجدان والفقدان بزمان القيام إلى العمل ، نظير وجوب القصر على المسافر والتمام على الحاضر ، فإن المدار فيهما على كون المكلف حاضراً أو مسافراً في زمان العمل ، فعلى الأول يتم وعلى الثاني يقصّر وإن صار مسافراً أو حاضراً بعد ذلك ، هذا كلّه حسبما تقتضيه القاعدة.
وأمّا ما يستفاد من الأخبار : فقد ورد في بعضها الأمر بالانتظار فيما إذا احتمل الوجدان إلى آخر الوقت (2)ومعه لا يجوز البدار ، وقد أفتى السيد قدس سره بجوازه في مبحث التيمم عند احتمال الوجدان إلى آخر الوقت ، وعدمه فيما إذا علم بحصوله على تقدير الانتظار إلى آخر الوقت (3)كما في ما نحن فيه إلاّ أنّه لم يجر على هذا في المقام حيث لم يفت بوجوب الانتظار للوضوء جزماً وإنّما أوجبه احتياطاً ، ولعلّ الوجه في ذلك ظهور الآية المتقدمة في أن الاعتبار في وجوب التيمم بفقدان الماء حين القيام إلى العمل ، وقد استظهرنا نحن من روايات هذا الباب أن المدار في وجوب التيمّم على الفقدان في تمام الوقت ، ومن هنا نحكم في المقام بوجوب الانتظار للوضوء. هذا كلّه مع سعة الوقت ، وأمّا مع الضيق فلا ينبغي التأمل في وجوب التيمم لأنّه فاقد للماء
[81] مسألة 9 : الماء المطلق بأقسامه (1)
بكلا معنيي الفقدان.
ثمّ لا يخفى ان ذكر هذه المسألة في المقام في غير محلّه ، لأنّها من فروع مسألة التيمم ولا ربط لها بمسألة المضاف ، فكان الأولى تأخيرها إلى بحث التيمم.
(1) قد قسمنا الماء بلحاظ الانفعال وعدمه إلى أقسام ثلاثة :
أحدها : ما لا ينفعل لاعتصامه بمادته كما في البئر ، والجاري ، والحمّام.
وثانيها : ما لا ينفعل لاعتصامه بنفسه وكثرته كما في الكر.
وثالثها : ما لا مادّة له ولا كثرة فيه وهو قابل للانفعال.
وهذه الأقسام بأجمعها ينفعل إذا تغير بأحد أوصاف النجس من الطعم والرائحة واللون بملاقاته. والمستند في ذلك هو الروايات المستفيضة الواردة من طرقنا وهي من الكثرة بمكان ربّما يدعى تواترها ، ومعها لا حاجة إلى الاستدلال بالنبويات المروية بطرق العامة من قوله صلی اللّه علیه و آله « خلق اللّه الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه » (1)ولا يحتمل فيها الانجبار لوجود ما يعتمد عليه من طرقنا ، كما لا نحتاج إلى التمسك بما رواه في دعائم الإسلام عن علي علیه السلام « في الماء الجاري يمر بالجيف والعذرة والدم يتوضأ منه ويشرب وليس ينجسه شيء ما لم يتغير أوصافه : طعمه ولونه وريحه » (2)لإرسال رواياته ، وإن كان مصنفه وهو قاضي نعمان المصري فاضلاً ومن أجلاء عصره. والأخبار الواردة من طرقنا على طوائف ثلاث :
الطائفة الأُولى : ما دلّ على انفعال طبيعي الماء بالتغير بأحد أوصاف النجس كصحيحة حريز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء واشرب ، فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضّأ منه ولا تشرب » (1)وموثقة سماعة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن الرجل يمر بالماء وفيه دابة ميتة قد أنتنت؟ قال : إذا كان النتن الغالب على الماء فلا يتوضّأ ولا يشرب » (2)والمذكور فيهما كما ترى طبيعي الماء على وجه الإطلاق.
الطائفة الثانية : ما دلّ على انفعال ما لا مادّة له وهو الكر بالتغير بأوصاف النجس ، كصحيحة عبد اللّه بن سنان قال : « سأل رجل أبا عبد اللّه علیه السلام وأنا حاضر عن غدير أتوه وفيه جيفة؟ فقال : إن كان الماء قاهراً ولا توجد منه الريح فتوضأ » (3)وما رواه زرارة قال قال أبو جعفر علیه السلام : « إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شيء تفسخ فيه أو لم يتفسخ إلاّ أن يجيء له ريح تغلب على ريح الماء » (4)ورواية حريز عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام « أنّه سُئل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب؟ فقال : إن تغيّر الماء فلا تتوضأ منه ، وإن لم تغيره أبوالها فتوضأ منه ، وكذلك الدم إذا سال في الماء وأشباهه » (5). ومحل الاستشهاد فيها هو قوله علیه السلام وكذلك الدم إلى قوله وأشباهه. وأمّا صدرها وهو الذي دلّ على نجاسة أبوال الدواب فلعلّه محمول على التقيّة ، لأن العامّة ذهبوا إلى نجاسة أبوال البغال والحمير ونحوهما (6)وهذه الروايات قد اشتملت على الماء النقيع وهو الماء النازح
1) الوسائل 1 : 137 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 1.
2) الوسائل 1 : 139 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 6.
3) الوسائل 1 : 141 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 11.
4) الوسائل 1 : 140 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 8.
5) الوسائل 1 : 138 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 3.
6) قال ابن حزم في المحلّى المجلد 1 ص 168 البول كلّه من كل حيوان : إنسان أو غير إنسان ممّا يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه نحو ما ذكرنا كذلك ، أو من طائر يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه فكل ذاك حرام أكله وشربه إلى أن قال : وفرض اجتنابه في الطهارة والصلاة ، إلاّ ما لا يمكن التحفّظ منه إلاّ بحرج فهو معفو عنه كونيم الذباب ، ونجو البراغيث. وقال أبو حنيفة : أمّا البول فكله نجس سواء كان مما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل لحمه ، إلاّ أن بعضه أغلظ نجاسة من بعض. فبول كل ما يؤكل لحمه من فرر. أو شاة أو بعير ، أو بقرة. أو غير ذلك لا ينجس الثوب ، ولا تعاد منه الصلاة إلاّ أن يكون كثيراً فاحشاً فينجس وتعاد منه الصلاة أبداً. ولم يحد أبو حنيفة في المشهور عنه في الكثير حداً ، وحده أبو يوسف بان يكون شبراً في شبر. قال : فلو بالت شاة في بئر تنجست وتنزح كلّها. قالوا : وأمّا بول الإنسان وما لا يؤكل لحمه فلا تعاد منه الصلاة ، ولا ينجس الثوب إلاّ أن يكون أكثر من قدر الدرهم البغلي ، فإن كان كذلك نجس الثوب ، وأعيدت منه الصلاة أبداً ، فإن كان قدر الدرهم البغلي فأقل لم ينجس الثوب ولم تعد منه الصلاة وأمّا الروث فإنّه سواء كلّه كان مما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل لحمه من بقر كان أو من فرس أو من حمار أو غير ذلك. وإن كان في الثوب منه أو النعل ، أو الخف ، أو الجسد أكثر من قدر الدرهم البغلي بطلت الصلاة وأعادها أبداً وإن كان قدر الدرهم البغلي فأقلّ لم يضرّ شيئاً إلى أن قال : وأمّا بول ما لا يؤكل لحمه ونجوه ، ونجو ما يؤكل لحمه فكل ذلك نجر. وقال مالك : بول ما لا يؤكل لحمه ونجوه نجس وبول ما يؤكل لحمه ونجوه طاهران. وقال داود : بول كل حيوان ونجوه أكل لحمه أو لم يؤكل فهو طاهر ، حاشا بول الإنسان ونجوه فقط ، فهما نجسان. وقال الشافعي : مثل قولنا الذي صدرناه به. راجع المجلد 1 ص 16 الفقه على المذاهب الأربعة.
حتى الجاري منه ينجس إذا تغير بالنجاسة في أحد أوصافه الثلاثة من الطعم
المجتمع في الغدران وماء الغدير وغير ذلك من المياه البالغة كراً من دون أن تكون لها مادّة.
الطائفة الثالثة : ما دلّ على انفعال ماله مادّة كالبئر إذا تغير بأحد أوصاف النجس ، وهي كصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا علیه السلام قال : « ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه لأن له مادّة » (1)وهي واردة في ماله مادّة وهو ظاهر ، وبهذه الطوائف الثلاث نبني على انفعال مطلق الماء إذا تغيّر بأحد أوصاف النجس.
1) الوسائل 1 : 141 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 12 ، وص 172 ب 14 ح 6.
والرائحة واللّون (1) بشرط أن يكون بملاقاة النجاسة ، فلا يتنجّس إذا كان
(1) وقد وقع النزاع في أن سبب النجاسة بالتغيّر هل هو التغيّر بالطعم والرائحة خاصّة كما هو المصرح بهما في أكثر روايات الباب ، أو أن التغيّر باللون أيضاً سبب للانفعال؟
وقد يدعى (1)عدم ذكر اللون في شيء من الأخبار الواردة في المقام ، ولأجله يستشكل في إلحاقه بالطعم والريح. والتحقيق أن الأمر ليس كما ادعي ، فإن اللون كأخويه مذكور في جمله من الأخبار ، فدونك رواية أبي بصير المتقدمة المشتملة على قوله علیه السلام وكذا الدم (2)فإن التغيّر بالدم على ما يستفاد منه عرفاً ليس إلاّ التغيّر باللون دون الطعم أو الريح ، ورواية العلاء بن الفضيل قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الحياض يبال فيها؟ قال : لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول » (3)لأنّها نصّت على أن التغيّر باللون أيضاً سبب للانفعال.
ثم على تقدير المناقشة في الروايتين بضعفهما فحسبك صحيحة محمد بن الحسن الصفار في كتاب بصائر الدرجات عن محمد بن إسماعيل يعني البرمكي عن علي بن الحكم عن شهاب بن عبد ربّه قال : « أتيت أبا عبد اللّه علیه السلام أسأله ، فابتدأني فقال : إن شئت فسل يا شهاب ، وإن شئت أخبرناك بما جئت له ، قلت : أخبرني ، قال : جئت تسألني عن الغدير يكون في جانبه الجيفة ، أتوضأ منه أو لا؟ قال : نعم قال : توضأ من الجانب الآخر ، إلاّ أن يغلب الماء الريح فينتن. وجئت تسأل عن الماء الراكد من الكر (4)ممّا (5)لم يكن فيه تغيّر أو ريح غالبة ، قلت : فما التغيّر؟ قال : الصفرة
بالمجاورة كما إذا وقعت ميتة قريباً من الماء فصار جائفاً (1).
فتوضأ منه ، وكلما غلب [ عليه ] كثرة الماء ، فهو طاهر (2)وهي أيضاً صريحة : في أن التغيّر باللّون وهو الصفرة يوجب الانفعال.
هذا على أن التغيّر باللون في النجاسات يلازم التغيّر بالطعم أو الريح ولا يوجد التغيّر باللون إلاّ والتغيّر بالطعم أو الريح موجود معه ، ولا تقاس النجاسات الخارجية بالإصباغ فإن التغيّر بسببها يمكن أن يكون باللون خاصة ، وهذا بخلاف التغيّر بالنجاسات كما في الميتة واللحم ، لأنّها إذا أثرت في تغيّر لون الماء بالصفرة أو بغيرها فلا ينفك عن التغيّر بالطعم والريح ، ولعلّه لأجل هذا التلازم لم يتعرض علیه السلام فيما تقدم من صحيحة ابن بزيع للتغير باللون.
(1) اشترط الفقهاء ( قدس اللّه أسرارهم ) في انفعال الماء بالتغيّر أن يكون التغيّر مستنداً إلى ملاقاة الماء للنجس ، وأمّا إذا نشأ بغير الملاقاة من المجاورة والسراية فهو لا يؤثر في الانفعال ، كما إذا كانت الميتة قريبة من الماء فأنتنت وسرى النتن إلى الماء وهذا هو الصحيح ، فإنّ الروايات الدالّة على نجاسة الماء بالتغيّر بين ما وردت في خصوص ملاقاة الماء المتغيّر للنجس بوقوع الميتة أو البول في الماء ، كما في بعض الأخبار (3). أو تفسخ الميتة فيه كما في بعضها الآخر (3). وصراحتها في ملاقاة الماء للنجس غير محتاجة إلى البيان ، وبين ما لم ترد في ذلك المورد ، إلاّ أنّها دلّت على إرادة الملاقاة بواسطة القرائن الخارجية كصحيحة ابن بزيع ، فإنّها وإن لم ترد في ملاقاة النجس للماء ، وقوله علیه السلام فيها « ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلاّ أن يتغيّر ... » مطلق يشمل التغيّر بالملاقاة والمجاورة ، إلاّ أن القرينة قامت على ارادة التغيّر بالملاقاة خاصّة.
وبيان تلك القرينة هو أن الشيء في قوله علیه السلام لا يفسده شيء لم يرد به مطلق ما يصدق عليه مفهوم الشيء بل المراد به هو الذي من شأنه أن ينجس الماء إلاّ أنّه لا ينجس ماء البئر لأنّه واسع. كما هو الحال في قوله علیه السلام : « الماء طاهر لا ينجسه شيء » ، وقوله : « إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شيء » ، لوضوح عدم إرادة الأشياء الأجنبية عن التنجيس من لفظة الشيء فيهما ، ومن البين أن تقرب الماء من الميتة مثلاً ليس مما شأنه التنجيس ، ولم يثبت كونه موجباً للانفعال ما لم تتصل الميتة بالماء لبعدها أو لوجود مانع في البين.
فمن ذلك يظهر أن المراد من قوله علیه السلام : « ماء البئر واسع لا يفسده شيء » : أنّه لا تفسده ملاقاة النجاسة إلاّ أن توجب تغيره ، وبذلك تظهر صحّة ما ذهب إليه الأصحاب من أن الموجب للانفعال هو التغيّر الحاصل بالملاقاة لا بالمجاورة ونحوها.
إذا لاقى الماء جزء من النجس ولم يكن ذلك الجزء موجباً للتغيّر في الماء ، وكان له جزء آخر يوجب التغيّر إلاّ أنّه لم يلاق الماء ، كما إذا لاقى الماء شعر الميتة أو عظمها ولم يلاق لحمها ، والشعر والعظم لا ينتنان بمرور الأيام ولا يحدثان التغيّر في شيء بخلاف اللّحم لتسرع الفساد إليه ، فهل مثل هذه الملاقاة توجب الانفعال؟.
الظاهر أنّه لا ، لأن ما لاقى الماء لا يوجب التغيّر وما يوجب التغيّر لم يلاق الماء وقد اشترطنا في نجاسة الماء أن يستند تغيره إلى ملاقاة النجس الذي يوجب التغيّر لا إلى مقارنة نجس آخر كما هو المستفاد من الأخبار ، ومثل ذلك ما إذا وقع نصف النجس في الماء وكان نصفه الآخر خارجاً عنه والنصف الداخل لم يكن سبباً للتغيّر بل كان سببه المجموع من النصف الداخل في الماء والنصف الخارج عنه ، فإن الظاهر عدم انفعال الماء بذلك ، لأن الملاقي لم يوجب التغيّر وما أوجبه لم يلاق الماء ، ويعتبر في انفعال الماء استناد التغيّر إلى ملاقاة النجس الذي يوجب التغيّر.
فما عن المحقق الهمداني من أن التغيّر سبب للانفعال في هذه الصورة إذ يصدق عرفاً أن يقال : إن الماء لاقى نجساً يوجب التغيّر (1)لا يمكن المساعدة عليه لأن ما يصدق
1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 10 السطر 19.
وأن يكون التغيّر بأوصاف النجاسة دون أوصاف المتنجس (1) فلو وقع فيه دبس
عرفاً هو أن الماء لاقى ميتة ولكن النجاسة إنّما ترتبت على عنوان ملاقاة النجس الذي يوجب التغيّر ، وهذا العنوان لم يحصل في المقام ، وهو نظير ما إذا لم يكن الملاقي للماء سبباً للتغيّر بنفسه ، وإنّما أوجبه بانضمام شيء آخر إليه ، كما إذا ألقي مقدار من دم وصبغ أحمر على ماء ، واستند تغيره إليهما بحيث لو كان الدم وحده لما تأثر به الماء ، فإنّه لا يوجب الانفعال كما يأتي في كلام الماتن ( طاب ثراه ) والوجه فيه أن ما لاقاه الماء من النجس لا يوجب التغيّر ، وما يوجبه وهو مجموعهما ليس بنجس كما هو ظاهر.
(1) وقع الخلاف في أن التغيّر هل يعتبر أن يكون بأحد أوصاف النجس ، أو أن التغيّر بأوصاف المتنجس أيضاً كاف في الانفعال؟.
والظاهر أن صورة انتشار أجزاء النجس في المتنجس الذي يوجب انتشار تلك الأجزاء في الماء على تقدير ملاقاته إياه خارجة عن محل الكلام. والوجه في خروجها ظاهر ، لأن التغيّر فيها مستند إلى أوصاف النجس دون المتنجس ، كما إذا صببنا مقداراً من الدم في ماء وحللناه فيه ثم ألقينا ذلك الماء على ماء آخر ، فتغيّر الماء الثاني بعين الأجزاء الدموية المنتشرة في الماء الأول بالتحليل ، كما أن صورة خروج الماء عن الإطلاق بملاقاة المتنجس خارجة عن محل النزاع قطعاً. فالذي وقع فيه الكلام له صورتان :
إحداهما : ما إذا تغيّر شيء بالنجاسة من غير أن تنتشر فيه أجزاء النجس ، ثم لاقى هذا المتغيّر بالنجس ماءً وغيّره بالوصف الحاصل فيه بالتغيّر ، كما إذا وقعت ميتة في الماء ولم تتفسخ فيه وتغيّر الماء بريحها ثم ألقينا ذلك الماء في ماء آخر كر وتغيّر بما في الماء من نتن الميتة من دون انتشار أجزاء الميتة في شيء من الماءين.
وثانيتهما : ما إذا لاقت نجاسة شيئاً ونجّسته ، ثم لاقى المتنجس كراً من الماء فغيّره بأحد أوصاف نفسه دون أوصاف النجس ، كما هو الحال في العطور إذا لاقتها يد كافر
مثلاً ثم ألقيناها في حوض من الماء فإنّها تغيّر الماء بريحها لا محالة.
ولنقدم الكلام في الصورة الثانية ، لأن التغيّر فيها إذا صار موجباً للانفعال فهو يوجب الانفعال في الصورة الأُولى بطريق أولى.
فنقول : إنّه نسب القول بالنجاسة في صورة التغيّر بأوصاف المتنجس إلى الشيخ الطوسي قدس سره واستدلّ عليه بالنبوي المعروف : « خلق اللّه الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلاّ ما غيّر لونه ، أو طعمه ، أو ريحه » (1). فإن قوله صلی اللّه علیه و آله إلاّ ما غيّر يشمل النجس والمتنجس كليهما.
وفيه : أن الحديث نبوي قد ورد بغير طرقنا ، كما صرح به صاحب المدارك (2)وأمضاه صاحب الحدائق 0 (3)فلا يعتد به ، وإنّما نقول بالنجاسة في مفروض الكلام لو قلنا بها من جهة الروايات الواردة من طرقنا ، كما في صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع : « ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه ، ... » بدعوى أنّ قوله علیه السلام : « لا يفسده شيء إلاّ أن يتغيّر » أيضاً شامل لكل من النجس والمتنجس.
بل الصحيح عدم تمامية هذا الاستدلال أيضاً ، لاختصاص الرواية بالتغيّر بالنجس دون المتنجس ، ويدلُّ عليه استثناؤه علیه السلام في الصحيحة بقوله : « إلاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه ، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه ». فإن هذا الإطلاق والاستعمال : « حتى يذهب الريح ويطيب طعمة » إنّما يصح إذا كان التغيّر الحاصل بالطعم أو الريح تغيّراً بريح كريهة أو طعم خبيث ، إذ مع فرض طيب الطعم أو الريح لا معنى لطيبة ثانياً. وكراهة الريح والطعم تختص بالتغيّر الحاصل بالنجاسات ، وأمّا المتنجسات فربّما يكون ريحها في أعلى مرتبة اللطافة والطيب ، كما في العطور المتنجسة أو طعمها كما في السكر والدبس المتنجسين ، ولا يصح في مثلهما أن يقال : ينزح حتى
يذهب الريح ويطيب طعمه. وبالجملة فالمقدار المتيقن منها هو الحكم بالانفعال في التغيّر بالنجس ، فلا بدّ من الاقتصار عليه ، هذا كلّه في هذه الرواية. وأمّا سائر الروايات فهي بأجمعها كما عرفت واردة في التغيّر بأعيان النجاسات من الميتة والبول ونحوهما ، ولا يستفاد من شيء منها انفعال الماء بالتغيّر بالمتنجسات فراجع.
وحيث قلنا بعدم الانفعال في الصورة الثانية فلا بدّ من التكلّم في الصورة الأُولى أيضاً ، ليرى أن التغيّر فيها يوجب الانفعال أو لا يوجبه ، وهي ما إذا تغيّر الماء بملاقاة المتنجس ولكن لا بأوصاف نفسه بل بأوصاف النجس ، وقد أشار إليه في المتن بقوله : نعم لا يعتبر أن يكون ... والمعروف انّه يوجب الانفعال وقد استدلّ عليه بوجوه :
أحدها : أن تغيّر الماء بالأعيان النجسة قليل ، ولا يوجد إلاّ نادراً ولا يصح حمل إطلاقات التغيّر على الفرد النادر ، فلا محيص من تعميمه إلى التغيّر بالمتنجسات أيضاً فيما إذا أوجبت تغيّر الماء بأوصاف النجس ، والوجه في ذلك : أنّ الميتة أو غيرها من النجاسات إذا وقعت في كر أو أكثر منه فهي إنّما تغيّر جوانبها الملاصقة لها في شيء من أوصافها الثلاثة أوّلاً ، ثم تغيّر حوالي ما يتصل بها وما جاورها ثانياً ، ثم تلك المجاورات تغيّر مجاوراتها الملاصقة وهكذا ... إلى أن ينتهي إلى آخر الماء ، فالميتة مثلاً تغيّر الماء بواسطة المجاورات المتنجسة لا بنفسها وبلا واسطة ، فلا محيص من تعميم التغيّر الموجب للانفعال إلى التغيّر بأوصاف النجس إذا حصل بملاقاة المتنجس.
وهذا الوجه وإن ذكر في كلمات الأكثرين ولكنّه لا يخلو عن مناقشة ، لأنّ سراية التغيّر إلى مجموع الماء وإن كانت بواسطة المتنجسات لا بعين النجاسة كما ذكر ، إلاّ أن الدليل لم يدلنا على نجاسة الماء المتغيّر بملاقاة المتنجس وإن كان التغيّر بأوصاف النجس ، فإن الدليل إنّما قام على انفعال الماء المتغيّر بملاقاة نفس النجس ، فلا بدّ من الاقتصار عليه.
ثانيها : صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع المتقدمة ، فإن إطلاق قوله علیه السلام فيها « لا يفسده شيء إلاّ أن يتغيّر ... » يشمل كل ما هو صالح للتنجيس ، ومن الظاهر أن المتنجس الحامل لأوصاف النجس كالماء المتغيِّر بأوصاف النجاسة صالح لأن يكون منجساً ، ومن هنا ينجس ملاقيه من الماء القليل واليد وغيرهما ، فإطلاق
الرواية يشمل النجس والمتنجس إذا لاقى ماء البئر وغيره بأحد أوصاف النجاسة وإنّما خرجنا من إطلاقها فيما إذا غيّره بأوصاف نفسه من أجل ما استفدناه من القرينة الداخلية كما مرّ ، وهذا الوجه هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه في المقام.
ثالثها : وهو وجه عقلي حاصله : أن الماء المتنجس الحامل لأوصاف النجس إذا لاقى كراً وغيّره بأحد أوصاف النجس فهو لا يخلو عن أحد أوجه ثلاثة :
فإمّا أن نقول ببقاء كل من الملاقي والملاقى على حكمهما ، فالماء المتنجس نجس والكر المتغيّر طاهر ، وهو مما نقطع ببطلانه فإن الماء الواحد لا يحكم عليه بحكمين ، أو نقول بطهارة الجميع ، وهو أيضاً مقطوع الخلاف لما ثبت بغير واحد من الأدلّة الآتية في محلّها من أن الماء المتغيّر لا يطهر من دون زوال تغيّره ، والقول بطهارة الجميع في المقام قول بطهارة الماء المتغيّر وهو الذي لاقى كراً مع بقاء تغيره ، وهو خلاف ما ثبت بالأدلة التي أشرنا إليها آنفاً ، أو نقول بنجاسة الجميع وهو المطلوب.
والجواب عن ذلك أن هذا الوجه ينحل إلى صور ثلاث :
الاولى : أن يكون الماء المتغيّر موجباً لتغيّر الكر بأحد أوصاف النجاسة مع استهلاكه في الكر لكثرته وقلّة المتغيّر.
الثانية : الصورة مع استهلاك الكر في المتغيّر لكثرته بالإضافة إلى الكر ، كما هو الحال في ماء الأحواض الصغيرة في الحمّامات ، فإنّه إذا تغيّر بنجس ولاقاه الكر الواصل إليه بالأنابيب ، فلا محالة يوجب تغيّر الواصل واستهلاكه لقلته بالإضافة إلى ماء الحياض ، فإنّه يصل إليه تدريجاً لا دفعة.
الثالثة : الصورة من دون أن يستهلك أحدهما في الآخر لتساويهما في المقدار. وهذه صور ثلاث :
أمّا الصورة الأُولى : فنلتزم فيها بطهارة الجميع ولا منافاة في ذلك للأدلّة الدالّة على عدم طهارة المتغيّر إلاّ بارتفاع تغيّره ، وذلك لأنّها إنّما تقتضي نجاسته مع بقاء التغيّر على تقدير بقاء موضوعه ، وهو الماء المتغيّر لا على تقدير الارتفاع وانعدام موضوعه بالاستهلاك في كر طاهر.
وأمّا الصورة الثانية : فنلتزم فيها بنجاسة الجميع ، ولا ينافيه ما دلّ على اعتصام الكر وحصر انفعاله بالتغيّر بملاقاة الأعيان النجسة ، والكر لم يلاق عين النجس في المقام ، وذلك لأن ما دلّ على اعتصام الكر إنّما يقتضي طهارته مع بقاء موضوعه وهو الكر الملاقي لغير العين النجسة لا مع انعدامه باستهلاكه في المتغيّر.
وأمّا الصورة الثالثة : فيتعارض فيها ما دلّ على انفعال الكر المتغيّر بملاقاة العين النجسة ، واعتصامه في غير تلك الصورة ، مع ما دلّ على أن المتغيّر لا يطهر إلاّ بارتفاع تغيّره ، فإن مقتضى الأول طهارة الماء في مفروض الكلام ، لأنّه لم يتغيّر بملاقاة عين النجس ، ومقتضى الثاني نجاسته لبقاء تغيّره على الفرض ، وبما أن الماء الواحد لا يحكم عليه بحكمين متضادين فيدور الأمر بين أن نحكم عليه بالنجاسة لنجاسة المتنجس ، أو نحكم عليه بالطهارة لطهارة الكر ، وإذ لا ترجيح في البين فيتساقطان ويرجع إلى قاعدة الطهارة في الماء ، بلا فرق في ذلك بين القول بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية وعدمه ، إذ بناء على القول بجريانه أيضاً كان الاستصحابان متعارضين ، فيرجع بالنتيجة إلى قاعدة الطهارة.
وبذلك يظهر أن الوجه الصحيح في الحكم بالنجاسة في المقام منحصر بإطلاق صحيحة ابن بزيع.
نعم ، إن هناك وجهاً رابعاً يمكن أن يستدل به على نجاسة الكر المتغيّر بأوصاف النجس بملاقاة المتنجس ، وهو الاستدلال بصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع من ناحية أُخرى غير إطلاقها ، وحاصله : أنّ الإمام علیه السلام قد أمر فيها بنزح ماء البئر حتى يطيب طعمه وتذهب رائحته ، ومن الظاهر البيّن أن تقليل الماء المتغيّر بأخذ مقدار منه لا يوجب ارتفاع التغيّر عن الباقي من الرائحة أو الطعم ، وهو من البداهة بمكان لا يحتاج إلى زيادة التوضيح ، فالنزح لا يكون رافعاً لتغيّر الماء الباقي في البئر وعليه يتعيّن أن يكون الوجه في قوله علیه السلام « ينزح حتى ... » شيئاً آخر ، وهو أن البئر لما كانت ذات مادّة نابعة كان نزح المتغيّر منها وتقليله موجباً لأن ينبع الماء الصافي من مادتها ، ويزيد على المقدار الباقي من المتغيّر في البئر ، وبإضافته تقل الرائحة والطعم من الباقي ، وكلما نزح منه مقدار أخذ مكانه الماء الصافي النابع من
نجس فصار أحمر أو أصفر لا ينجس ، إلاّ إذا صيره مضافاً. نعم ، لا يعتبر أن يكون بوقوع عين النجس فيه ، بل لو وقع فيه متنجس حامل لأوصاف النجس فغيّره بوصف النجس تنجس أيضاً. وأن يكون التغيّر حسياً (1).
مادّتها حتى إذا كثر النابع بتقليل المتغيّر غلب على الباقي وأوجب استهلاكه في ضمنه وبذلك صحّ أن يقال ينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه.
ومن هذا يظهر أن النابع من المادّة لا يحكم بطهارته عند ملاقاته للباقي من المتغيّر فيما إذا تغيّر بملاقاته ، وإنّما يطهر إذا غلب النابع على الباقي وأوجب زوال رائحته وتبدل طعمه لقوله علیه السلام « ينزح حتى يذهب ... » فقوله هذا يدلنا على ما قدمناه من أن الماء النابع الملاقي للمتنجس المتغيّر غير محكوم بالطهارة ، لتغيّره بأوصاف النجس من الريح والطعم بملاقاة المتنجس الحامل لتلك الأوصاف ، وإنّما يطهر حتى يذهب ... فالرواية دلت على أن أي ماء لاقى متنجساً حاملاً لأوصاف النجس ، وتغيّر بها فهو محكوم بالانفعال للقطع بعدم خصوصية في ذلك لماء البئر.
ثم لا يخفى أن مورد هذه الصحيحة من قبيل الصورة الثانية من الصور المتقدِّمة في الوجه العقلي ، وهي ما إذا لاقى متنجس حامل لأوصاف النجس ماءً وغيّره بأوصاف النجس مع استهلاك الماء في المتغيّر ، وقد ذكرنا انا نلتزم فيها بنجاسة الجميع من غير أن ينافي هذا الأدلّة الدالّة على اعتصام الكر إلاّ بالتغيّر بملاقاة عين النجس ، لأنّه فرع بقاء موضوع الكر ، ولا يتم مع استهلاكه وانعدامه ، ويستفاد هذا من الصحيحة المتقدمة حيث دلت على أن النابع محكوم بالنجاسة لملاقاته المتغيّر الباقي في البئر واستهلاكه فيه إلاّ أن يكثر ويغلب عليه.
(1) لا ينبغي الإشكال في أن التغيّر الدقي الفلسفي الذي لا يدرك بشيء من الحواس لا يوجب الانفعال شرعاً ، كما إذا وقع مقدار قليل من السكر أو غيره في الماء ، لأنّه عقلاً يحدث تغيراً فيه لا محالة ، إلاّ أنّه غير قابل للإدراك بالحواس ، فمثله إذا حصل
من النجس لا يستلزم النجاسة قطعاً ولا كلام في ذلك.
وإنّما المهم بيان أن التغيّر المأخوذ في لسان الدليل هل هو طريق إلى كم خاص من النجس ، ليكون هذا الكم هو الموجب للانفعال وأن التغيّر بأحد الأوصاف طريق إليه ولا موضوعية له في الحكم بالانفعال حتى لا يدور الحكم مدار فعلية التغيّر وهو القول بكفاية التغيّر التقديري أو أن التغيّر بنفسه موضوع للحكم بالانفعال لا أنّه طريق ، وهذا لاختلاف النجاسات في التأثير ، فيمكن أن يكون مقدار خاص من دم مؤثراً في تغيّر الماء ، ولا يكون دم آخر بذلك المقدار مؤثراً فيه لشدّة الأوّل وضعف الثاني وغلظة أحدهما ورقّة الآخر هذا في اللون ، وكذلك الحال في غيره من الأوصاف ، فإن اللحوم مختلفة فبعضها يتسرع إليه النتن في زمان لا ينتن فيه بعضها الآخر مع تساويهما بحسب الكم والمقدار ، فيدور الحكم مدار فعلية التغيّر؟
الصحيح هو الثاني : لأن جعل التغيّر طريقاً إلى كم خاص من النجس وهو الموضوع للحكم بالانفعال إحالة إلى أمر مجهول ، إذ لا علم لنا بذلك الكم ، على أنّه خلاف ظاهر الأدلّة ، لظهورها في أن التغيّر بنفسه موضوع لا أنّه طريق إلى أمر آخر هو الموضوع للحكم بالانفعال ، إذ القضايا ظاهرة في الفعلية طراً. ومع هذا كلّه ربّما ينسب إلى بعض الأصحاب القول بكفاية التغيّر التقديري في الحكم بالانفعال.
وتفصيل الكلام في المقام : أن التقدير الذي نعبّر عنه بكلمة لو إما أن يكون في المقتضي كما إذا وقع في الكر مقدار من الدم الأصفر بحيث لو كان أحمر لأوجد التغيّر في الماء ، ففي هذه الصورة المقتضي للتغيّر قاصر في نفسه.
وإما أن يكون في الشرط ، كما إذا وقعت ميتة في الماء في أيام الشتاء بحيث لو كانت الملاقاة معه في الصيف تغيّر بها الماء ، فإن الحرارة توجب انفتاح خلل الميتة وفرجها فيخرج عنهما النتن وبه يفسد الماء ، كما أن البرودة توجب الانقباض وتسد الخلل فيمنع عن انتشار نتنها ، فالحرارة شرط في تغيّر الماء بالنتن وهو مفقود فالقصور في الشرط.
وإمّا أن يكون التقدير في المانع ، كما إذا صبّ مقدار من الصبغ الأحمر في الماء ثم
وقع فيه الدم ، فإن الدم يقتضي تغيّر لون الماء لولا ذلك المانع وهو انصباغ الماء بالحمرة قبل ذلك ، أو جعلت الميتة قريبة من الماء حتى نتن بالسراية وبعد ما صار جائفاً وقعت عليه ميتة ، فإنّها تغيّر الماء بالنتن لولا اكتسابه النتن بالسراية قبل ذلك فعدم التغيّر مستند إلى وجود المانع في هذه الصورة ، هذه هي صور التقدير ولا نتعقل له صورة غيرها.
أمّا الصورتان : الاولى والثانية : فلا ينبغي الإشكال في عدم كفاية التقدير فيهما لأنّ الانفعال قد علق على حصول التغيّر في الماء والمفروض أنّه غير حاصل لا واقعاً ولا ظاهراً ، إما لقصور المقتضي وإما لفقدان شرطه ، ومثله لا يوجب الانفعال وإن نسب إلى العلاّمة قدس سره القول بكفاية ذلك ، حيث جعل التغيّر طريقاً إلى كم خاص من النجس (1).
وأمّا الصورة الثالثة : فالتحقيق أن التقدير بهذا المعنى كاف في الحكم بالانفعال إذ الفرض أن التغيّر حاصل واقعاً لتمامية المقتضي والشرط ، غاية الأمر أن الحمرة أو النتن يمنع عن إدراكه وإلاّ فالأجزاء الدموية موجودة في الماء وإن لم يشاهدها الناظر لحمرته ، وهو نظير ما إذا جعل أحد على عينيه نظارة حمراء ، أو جعل الماء في آنية حمراء فإنّه لا يرى تغيّر الماء إلى الحمرة بالدم حيث إنّه يرى الماء أحمر لأجل النظارة أو الآنية ، والأحمر لا ينقلب إلى الحمرة بإلقاء الدم عليه مع أنّه متغيّر واقعاً.
وأظهر من جميع ذلك ما إذا فرضنا حوضين متساويين كلاهما كر وقد صبغنا أحدهما بصبغ أحمر ، وفرضنا أيضاً مقداراً معيناً من الدم فنصفناه ، وألقينا كل نصف منه على كل واحد من الحوضين ، وتغيّر بذلك الحوض غير المنصبغ بالصبغ أفلسنا نحكم حينئذٍ بتغيّر المنصبغ أيضاً بالدم؟ لأن الماءين متساويان ، وما القي على أحدهما إنّما هو بمقدار الملقى على الآخر وإن لم نشاهد تغيّر الثاني لاحمراره بالصبغ (2)وكيف
1) نسب السيِّد الحكيم قدس سره في المستمسك 1 : 121 إلى العلامة في القواعد 1 : 183.
2) فإن الماء كما ادعوه لا لون له غير لون الماء كما أن الشعر لا لون له غير البياض ، وإنّما يرى الماء أو الشعر أحمر أو أصفر أو بغيرهما من الألوان لأجل ما يدخلهما من الأجزاء المتلونة ، فهما كالزجاجة التي تتلون بما في جوفها من المواد. فهي حمراء إذا كان في جوفها شيء أحمر أو سوداء إذا كان في جوفها شيء أسود وهكذا ، مع أنّ لون الزجاجة هو البياض ، فالشعر إنّما يرى أسود لما جعل فيه من مادّة سوداء ، ولذا يرى بلونه الطبيعي في الشيبة لانتهاء مادّة السوداء في الشيبوبة ، وكذا الحال في الماء.
فالتقديري لا يضر ، فلو كان لون الماء أحمر أو أصفر فوقع فيه مقدار من الدم كان يغيّره لو لم يكن كذلك لم ينجس (1)وكذا إذا صُبّ فيه بول كثير لا لون له بحيث لو كان له لون غيّره. وكذا لو كان جائفاً فوقع فيه ميتة كانت تغيّره لو لم يكن جائفاً وهكذا ، ففي هذه الصور ما لم يخرج عن صدق الإطلاق محكوم بالطهارة على الأقوى.
كان فالصحيح في الصورة الثالثة كفاية التقدير كما بنى عليه سيدنا الأستاذ مدّ ظلّه في تعليقته المباركة على الكتاب ، فإنّ الصورتين اللّتين أشار إليهما ( دام ظلّه ) من قبيل الصورة الثالثة ، فراجع.
ثم إنّا كما نلتزم بالنجاسة في التغيّر التقديري إذا كان موجوداً واقعاً وقد منع مانع عن إدراكه بإحدى الحواس الظاهرية ، كذلك نلتزم بالطهارة في عدم التغيّر التقديري مع وجود التغيّر ظاهراً. وتوضيح ذلك :
أنّا أسمعناك سابقاً أن التغيّر إنّما يوجب النجاسة فيما إذا استند إلى ملاقاة نفس النجس على نحو الاستقلال ، وأمّا إذا استند إليه وإلى شيء آخر فهو غير مؤثر في الانفعال ، ونعبّر عنه بعدم التغيّر التقديري وإن كان متغيراً ظاهراً ، كما إذا تغيّر الماء بمجموع الدم والصبغ الأحمر بوقوعهما عليه معاً ، أو وقع أحدهما فيه أوّلاً وأثّر بما لا يدرك بالحواس ، ثم وقع فيه الآخر واستند تغيّره إلى مجموعهما من دون أن يستند إلى كل واحد منهما في نفسه ، فصورة عدم التغيّر تقديراً وصورة التغيّر متعاكستان وإن كان الحكم في كلتا الصورتين هو الطهارة ، اللّهم إلاّ أن يستند عدم إدراك التغيّر في صورة التغيّر التقديري إلى وجود مانع عن الإدراك كما قدمنا ، أو يستند عدم التغيّر
1) (*) الحكم بالنجاسة فيه وفي الفرض الثالث لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.
[82] مسألة 10 : لو تغيّر الماء بما عدا الأوصاف المذكورة من أوصاف النجاسة مثل الحرارة والبرودة ، والرقة والغلظة ، والخفّة والثّقل ، لم ينجس ما لم يصر مضافاً (1).
التقديري في هذه الصورة صورة عدم التغيّر التقديري إلى قصور الشرط فإنّه لا محيص حينئذٍ من الالتزام بالنجاسة. وهذا كما إذا لاقى الماء ميتة في أيام الصيف وتغيّر بها ، إلاّ أن ملاقاتهما لو كانت في الشتاء لما كانت مؤثرة في تغيّره إذ لا يمكن أن يقال بعدم التغيّر التقديري في مثله بدعوى أن التغيّر غير مستند إلى الميتة وحدها ، بل إليها وإلى حرارة الهواء ، ويشترط في الانفعال استناد التغيّر إلى ملاقاة النجس باستقلاله ، وذلك لأنّ العُرف لا يرى حرارة الهواء مقتضية للتغيّر وإنّما المقتضي له عندهم هو الميتة ، فالتغيّر مستند إليها مستقلا. نعم ، الحرارة شرط في تسرع النتن إلى الماء ، وإنّما نلتزم بعدم التغيّر التقديري فيما إذا استند عدمه إلى قصور المقتضي كما قدمناه بأمثلته.
ولا يخفى أن ما ذكرناه في هذه الصورة المعبّر عنها بعدم التغيّر التقديري مع تغيّر الماء ظاهراً مما لم نقف على تعرض له في كلمات الأصحاب 5 فافهم ذلك واغتنمه.
(1) كما إذا وقع مقدار بول صاف في كر من الماء وأحدث فيه البرودة لبرودة البول جدّاً أو الحرارة إذا كان حاراً شديداً. والصحيح أنّه لا يقتضي الانفعال لأن التغيّر الموجب للانفعال منحصر في الأوصاف الثلاثة : الرائحة والطعم واللون ، على خلاف في الأخير ولم يذكر في روايات الباب سائر الأوصاف. فالروايات تقتضي عدم انفعال الماء بسائر الأوصاف ، ولا سيما صحيحة ابن بزيع لدلالتها على حصر سبب النجاسة في أمرين : التغيّر بالرائحة ، والتغيّر بالطعم ، وقد ألحقنا اللون بهما لدلالة سائر الأخبار ولا دليل على رفع اليد عن إطلاق الصحيحة المذكورة « ماء البئر واسع لا يفسده
[83] مسألة 11 : لا يعتبر في تنجسه أن يكون التغيّر بوصف النجس بعينه فلو حدث فيه لون أو طعم أو ريح غير ما بالنجس ، كما لو اصفرّ الماء مثلاً بوقوع الدم تنجس. وكذا لو حدث فيه بوقوع البول أو العذرة رائحة أُخرى غير رائحتهما ، فالمناط تغيّر أحد الأوصاف المذكورة بسبب النجاسة وإن كان من غير سنخ وصف النجس (1).
شيء » في غير الأوصاف الثلاثة كالبرودة والحرارة والخفة والثقل ونحوها بل إطلاق هذه الصحيحة يقيد إطلاق قوله علیه السلام في بعض الأخبار « أن يتغيّر » أو ما هو بمضمونه (1).
ومن ذلك يظهر أن ما نسب إلى صاحب المدارك قدس سره (2)من استدلاله بإطلاقات التغيّر في الحكم بنجاسة الماء المتغيّر بما عدا الأوصاف الثلاثة ، مع ذهابه إلى عدم دلالة الأخبار على انفعال الماء بالتغيّر في اللون مما لا يمكن المساعدة عليه ، لما عرفت من أن إطلاقات التغيّر مقيدة بإطلاقات الأخبار الدالّة على عدم انفعال الماء بغير التغيّر بأحد الأوصاف الثلاثة كما مرّ ، هذا.
ثم لو أغمضنا عن ذلك وتمسّكنا بإطلاقات الأخبار ، فإخراج التغيّر باللّون ممّا لا موجب له ، فإنّ الإطلاق كما يشمل سائر الأوصاف كذلك يشمل اللون وهذا ظاهر.
(1) لأن التغيّر قسمان : تغيّر يحصل بانتشار النجس في الماء بريحه أو طعمه أو لونه ويسمّى ذلك بالتغيّر بالانتشار وبالتركب المزجى وهو يوجب اتصاف الماء بأوصاف النجس بلا نقص أو بمرتبة نازلة من أوصافه لانتشارها وتوسّعها في الماء ، فوقوع الدم في الماء يوجب تلونه إما بالحمرة التي هي لون الدم بعينه وإمّا بالصفرة التي هي مرتبة
نازلة من الحمرة لأجل كثرة الماء.
وتغيّر يحصل بالتأثير ، بأن تحدث عند ملاقاة النجس للماء صفة لم تكن ثابتة في الماء ولا فيما لاقاه قبل ملاقاتهما ، وإنّما يحصل بتأثير أحدهما في الآخر ، كما في ملاقاة النورة للماء فإن كلا منهما فاقد للحرارة في نفسه ولكن إذا لاقى أحدهما الآخر تحدث منهما الحرارة ، ويسمّى ذلك بالتغيّر بالتأثير من دون انتشار النجس في الماء ، والكلام في أن التغيّر بالتأثير هل هو كالتغيّر بالانتشار؟
تبتني هذه المسألة على دعوى انصراف الأخبار إلى التغيّر بالانتشار كما ذكره صاحب الجواهر قدس سره وادعى عدم شمول الأخبار للتغيّر بالتأثير (1).
ويدفعها : أنّه لا منشأ لهذا الانصراف لإطلاق الأخبار ولا سيما صحيحة ابن بزيع لأن قوله علیه السلام فيها « إلاّ أن يتغيّر » يعم التغيّر بالانتشار والتغيّر بالتأثير.
وأمّا ما في ذيلها من قوله علیه السلام « حتى يذهب ... » فهو إنّما يقتضي أن يكون الاعتبار بالتغيّر بأوصاف نفس النجس كما قدمناه ، ولا دلالة له على اعتبار خصوص التغيّر بالانتشار حيث إن قوله علیه السلام « حتى يذهب ... » بلحاظ أن الغالب في الآبار هو التغيّر بالانتشار لوقوع الميتة فيها أو غيرها من النجاسات ويعبّر عمّا تغيّر بالميتة بما فيه النتن والرائحة ، وأمّا غير الآبار فالتغيّر فيه لا يختص بالانتشار ، وحيث لا دليل على التقييد فمقتضى إطلاقات الأخبار أن التغيّر بالتأثير كالتغير بالانتشار ، بل مقتضى رواية العلاء بن الفضيل : « لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول » (2)أن المناط في عدم انفعال الماء غلبته على النجس ، كما أن الميزان في الانفعال عدم غلبة الماء على النجس ، سواء أكانا متساويين أم كان النجس غالباً على الماء ، بلا فرق في ذلك بين حدوث التغيّر بالانتشار وحدوثه بالتأثير ، والرواية وإن كانت ضعيفة السند بمحمد ابن سنان وغير صالحة للاعتماد عليها إلاّ أنّها مؤيدة للمطلقات. نعم ، التغيّر بالتأثير
[84] مسألة 12 : لا فرق بين زوال الوصف الأصلي للماء أو العرضي فلو كان الماء أحمر أو أسود لعارض فوقع فيه البول حتى صار أبيض تنجس ، وكذا إذا زال طعمه العرضي أو ريحه العرضي (1).
في النجاسات من حيث الطعم والرائحة لعلّه مما لم يشاهد إلى الآن ، فالغالب منه هو التغيّر باللون وهو أمر كثير التحقق والوقوع ، وعلى الجملة لا بدّ لمدعي الانصراف أن يقيم الدليل على مدعاه ولا دليل عليه بل الدليل على خلافه موجود ، كما في الإطلاقات المؤيدة برواية العلاء المتقدمة.
(1) هذه المسألة تبتني على دعوى انصراف الأدلّة إلى صورة حدوث التغيّر في أوصاف الماء بما هو ماء ، وهذه الدعوى فاسدة لا يعتنى بها لمكان إطلاقات الأخبار حيث إنّها تقتضي نجاسة الماء المتغيّر في شيء من أوصافه الثلاثة بملاقاة النجس بلا فرق في ذلك بين كون الأوصاف المذكورة أصلية ، وكونها عرضية ، ففي صحيحة ابن بزيع : « ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه ... » وهي تقتضي نجاسة البئر بتغيّر شيء من ريحه أو طعمه ، وإطلاقها يشمل جميع الآبار مع ما هي عليه من الاختلاف باختلاف الأماكن بالبداهة ، فربّ بئر يشرب من مائها وهو حلو صاف بل يتعيش به في بعض البلاد ، وبئر لا يستفاد من مائها في الشرب لأنّه مالح أو أميل إلى المرارة ، لمروره على أرض مالحة أو ذات زاج وكبريت ، وماء بعضها مرّ كما في بعض البلاد ، ومن البيّن أن هذه الأوصاف خارجة عن ذات المياه وعارضة عليها باعتبار أراضي الآبار ، إلاّ أن مقتضى إطلاق الصحيحة أن تغيّر شيء من الأوصاف المذكورة يوجب انفعال البئر إذ يصدق أن يقال : إنّها بئر تغيّر ريحها أو طعمها فتنجس.
ثم لا يخفى أن هذه المسألة والمسألة المتقدمة غير مرتبطتين ولا تبتنيان على مبنى واحد كما عرفت ، وأن كلا منهما تبتني على دعوى غير ما تبتني عليه الأُخرى كما أن
[85] مسألة 13 : لو تغيّر طرف من الحوض مثلاً تنجس ، فإن كان الباقي أقل من الكرّ تنجس الجميع وإن كان بقدر الكرّ بقي على الطهارة وإذا زال تغيّر ذلك البعض طهر الجميع ولو لم يحصل الامتزاج على الأقوى (1).
الكلام في المسألة السابقة كان راجعاً إلى ما هو المنجس للماء ، وأنّه هو الذي ينتشر في الماء أو أعم منه ومن المؤثر من غير انتشار؟ والبحث في هذه المسألة بحث عن الماء وأنّه إذا زال عنه وصفه العرضي هل يحكم عليه بالنجاسة كما هو الحال فيما إذا زال عنه وصفه الذاتي؟ فالمسألتان من واديين فلا تغفل.
(1) فهل يحكم بطهارته لأجل اتصاله بالكر وهو عاصم ولا يشترط فيه الامتزاج أو لا يحكم بطهارته حتى يمتزج مع الكر المتصل به لعدم كفاية مجرد الاتصال في طهارة ما زال عنه تغيره؟
ربّما يستدل على طهارته من دون مزج بأن الماء الواحد لا يحكم عليه بحكمين متضادين بالإجماع ، فإمّا أن يقال بنجاسة الجميع أو يقال بطهارته ، لا سبيل إلى الأوّل لمكان الأدلّة الدالّة على اعتصام الكر غير المتغيّر بشيء لأن الباقي على الفرض كر لم يتغيّر في أحد أوصافه ، فيتعيّن الثاني أعني القول بطهارة الجميع وهو المطلوب.
وفيه : أن هذه الدعوى الماء الواحد لا يحكم عليه بحكمين لم تثبت بدليل وعهدتها على مدّعيها ، ولا يقين لنا بصدورها من المعصوم علیه السلام فأي مانع من الالتزام بنجاسة الجانب المتغيّر من الماء وطهارة الباقي ، فالقول بطهارة الجميع كالقول بنجاسة الجميع يحتاج إلى إقامة الدليل عليه.
ويمكن أن يستدل على طهارة الجميع بالأخبار الواردة في ماء الحمّام لدلالتها على طهارة ماء الأحواض الصغيرة بمجرد اتصاله بمادته ، وإطلاقاتها تشمل الدفع والرفع والحدوث والبقاء ولتوضيح ذلك نقول :
الروايات الواردة في ماء الحمّام على طائفتين :
إحداهما : ما دلّ على أن سبيله سبيل الجاري (1)وهذه الطائفة خارجة عن محل الكلام.
وثانيتهما : ما دلّ على اعتصام ماء الحمّام لاتصاله بالمادّة ، وهي موثقة حنان قال : « سمعت رجلاً يقول لأبي عبد اللّه علیه السلام : إنّي أدخل الحمّام في السحر وفيه الجنب وغير ذلك فأقوم فأغتسل ، فينتضح عليّ بعد ما أفرغ من مائهم؟ قال : أليس هو جار؟ قلت : بلى ، قال : لا بأس » (2). حيث نفت البأس في صورة جريانه واتصاله بمادته فإن جريانه إنّما هو باعتبار اتصاله بالمادّة بانبوب ونحوه ، وهي لأجل ترك الاستفصال مطلقة فتعم الدفع والرفع بمعنى أنّه إذا اتصل بالمادّة يطهر سواء أكان الماء متنجساً قبله أم لم يكن وسواء وردت عليه النجاسة بعد اتصاله أم لم ترد ، فهو محكوم بالطهارة على كل حال ، وهي كما ترى تقتضي عدم اعتبار الامتزاج ، فإنّ المادّة بمجرّد اتصالها بماء الحياض لا تمتزج به بل يتوقّف على مرور زمان لا محالة. وبالجملة أنّها تدل على كفاية الاتصال.
وبتلك الطائفة الثانية نتعدى إلى أمثال المقام ونحكم بطهارة الماء بأجمعه عند زوال التغيّر عن الجانب المتغيّر :
إمّا للقطع بعدم الفرق بين ماء الحمّام وغيره في أن مجرد الاتصال بالعاصم يكفي في طهارة الجميع ، إذ لا خصوصية لكون المادّة أعلى سطحاً من الحياض.
وإمّا من جهة تنصيص الأخبار بعلّة الحكم بقولها : لأن لها مادّة ، والعلّة متحقِّقة في المقام أيضاً ، إذ المفروض أن للجانب المتغيّر جانباً آخر كرّاً وهو بمنزلة المادّة له.
وإمّا من جهة دلالة الأخبار المذكورة على أن عدم انفعال ماء الحياض مستند إلى اتصالها بالمادّة المعتصمة فهي لا تنفعل بطريق أولى ، وبما أن الجانب الآخر كر معتصم في مفروض الكلام ، فالاتصال به أيضاً يوجب الطهارة لا محالة. وهذا الاستدلال هو
1) كما في صحيحة داود بن سرحان : قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : ما تقول في ماء الحمّام؟ قال : هو بمنزلة الماء الجاري » وورد في رواية ابن أبي يعفور « إنّ ماء الحمّام كماء النهر يطهر بعضه بعضاً » المرويّتين في الوسائل 1 : 148 / أبواب الماء المطلق ب 7 ح 1 ، 7.
2) الوسائل 1 : 213 / أبواب الماء المضاف ب 9 ح 8.
الذي ينبغي أن يعتمد عليه دون الإجماع المدعى للعلم بمدرك المجمعين ، ولا الروايات النبويات لعدم ورودها من طرقنا بل ولم توجد من طرقهم أيضاً.
ومن جملة ما يمكن أن يستدل به في المقام : صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع « ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه ، لأن له مادّة » (1)والمراد بأن ماء البئر واسع ... أنّه ليس بمضيّق كالقليل حتى ينفعل بالملاقاة فيكون مرادفاً لعدم فساده في قوله علیه السلام لا يفسده شيء ... وكيف كان فقد دلت على طهارة ماء البئر إذا زال عنه تغيّره لأجل اتصاله بالمادّة ، وبتعليلها يتعدى عن البئر إلى غيرها من الموارد.
وعن شيخنا البهائي قدس سره (2)أن الرواية مجملة ، إذ لم يظهر أن قوله علیه السلام « لأن له مادّة » علّة لأي شيء فإن المتقدم عليه أُمور ثلاثة : ماء البئر واسع لا يفسده شيء ، فينزح حتى يذهب ، ومجموع الجملتين.
فإن أرجعنا العلّة إلى صدرها فمعناه : أن ماء البئر واسع لا يفسده شيء لأن له مادّة ، فتدل على أن ما له مادّة لا ينفعل بشيء ، وأمّا أنّه إذا تنجس ترتفع نجاسته بأي شيء فلا تعرض له في الرواية ، فتختص بالدفع ولا تشمل الرفع.
وإذا أرجعناها إلى ذيلها فيكون حاصل معناه : أن البئر ليست كالحياض بحيث إذا نزح منها شيء بقي غير المنزوح منها على ما كان عليه من الأوصاف ، بل البئر لاتصالها بالمادّة إذا نزح منها مقدار تقل رائحة مائها ويتبدل طعمه لامتزاجه بالماء النابع من المادّة ، فالعلّة تعليل لزوال الرائحة والطعم بالنزح ، وعليه فهي أجنبية عن الحكم الشرعي ، وإنّما وردت لبيان أمر عادي يعرفه كل من ابتلى بالبئر غالباً ، وهو تقليل رائحة المتغيّر وطعمه في الآبار بالنزح.
ويحتمل أن يرجع التعليل إلى طهارة ماء البئر ومطهّريتها بعد زوال تغيّرها بالنزح ، إذ لو لا ذلك لما كان للأمر بنزح البئر وجه ، فإن زوال تغيّرها إن لم يكن
مجدياً في رفع نجاستها فلا غرض لنا في نزح مائها ، وأي مانع من بقائها على تغيّرها وحيث أمروا علیهم السلام بنزحها فمنه نستكشف أن الغرض إذهاب رائحة مائها وطعمه حتى يطهر لأجل اتصاله بالمادّة ، وعلى هذا تعم الرواية لكل من الدفع والرفع وتكون مبينة لعلّة ارتفاع النجاسة عنها بعد انفعالها وهي اتصالها بالمادّة المعتصمة التي لا تنفعل بملاقاة النجس.
ويحتمل أن تكون العلّة راجعة إلى أمر رابع ، وهو مجموع الصدر والذيل بالمعنى المتقدم ومعناه : أن ماء البئر واسع لا يفسده شيء وترتفع نجاسته بالنزح ، وكلاهما من أجل اتصاله بالمادّة. وهذه جملة الاحتمالات التي نحتملها في الرواية بدواً ، وبها تتصف بالإجمال لا محالة.
والصحيح منها : ما ذكرناه من أن الرواية تدل على كفاية مجرد الاتصال بالمادّة في طهارة الماء بعد زوال تغيّره بيان ذلك : أن إرجاع التعليل إلى صدر الرواية خلاف الظاهر وإن كان لا بأس به على تقدير اتصاله بالصدر لما ذكرناه في تعقب الاستثناء جملاً متعدّدة ، من أن رجوعه إلى خصوص الجملة الأُولى خلاف الظاهر حيث لا خصوصية للاستثناء في ذلك وحال سائر القيود المتعقبة للجمل هو حال الاستثناء بعينه ، فإذا ورد صم وسافر يوم الخميس ، فرجوع يوم الخميس إلى الجملة المتقدِّمة خاصّة خلاف الظاهر على ما فصّلناه في محلّه (1). كما ان رجوع التعليل إلى ذيل الصحيحة بالمعنى المتقدم حتى يكون تعليلاً لأمر عادي يعرفه كل أحد مستبعد عن منصب الإمام علیه السلام جدّاً ، فإن ما هذا شأنه غير جدير بالتعليل ، حيث إنّ وظيفة الإمام علیه السلام إنّما هي بيان الأحكام ، وأمّا بيان علاج المتغيّر وإزالة خاصيتها فهو غير مناسب لمقام الإمامة ، ولا تناسبه وظيفته.
فيدور الأمر بين احتمال رجوعها إلى الذيل بالمعنى الثاني الشامل لكل من الدّفع والرّفع ، واحتمال رجوعها إلى مجموع الصدر والذيل ، وعلى كل تدل الرواية على كفاية الاتصال بالمادّة في طهارة المتغيّر بعد زوال تغيّره ، وذلك لأن الإمام ( علیه السلام )
1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 304.
[86] مسألة 14 : إذا وقع النجس في الماء فلم يتغيّر ، ثم تغيّر بعد مدّة فإن علم استناده إلى ذلك النجس تنجس ، وإلاّ فلا (1).
بصدد بيان طهارة ماء البئر بعد زوال تغيره لأجل اتصاله بالمادّة فإن ماء البئر إذا نزح منه شيء وإن امتزح بما نبع من المادّة لا محالة إلاّ أنّه علیه السلام لم يعلل طهارته بامتزاجهما بل عللها بأن له مادّة بمعنى أنّها متصلة بها ، ونستفيد من ذلك أن مجرّد الاتصال بالعاصم يكفي في طهارة أي ماء من دون أن يعتبر فيها الامتزاج وإن كان هو يحصل بنفسه في البئر لا محالة. والنزح حتى يذهب .. مقدمة لزوال تغيّره واتصاله بالمادّة ، ومن هنا لو زال عنه تغيّره بنفسه أو بعلاج آخر غير النزح نلتزم بطهارته أيضاً لاتصاله بالمادّة ، وهو ماء لا تغيّر فيه وعليه فيتعدى من البئر إلى كل ماء متغيّر زال عنه التغيّر وهو متصل بالمادّة.
(1) ما أفاده قدس سره هو الصحيح ، لأن الكر لا ينفعل بملاقاة النجس إلاّ إذا تغيّر به في أحد أوصافه بالمباشرة ، فإذا لاقى نجساً وتغيّر به فلا إشكال في نجاسته وإذا لاقاه ولم يحدث فيه تغيّر بسبب النجس أصلاً فلا كلام في طهارته كما لا إشكال في نجاسته فيما إذا وقع فيه نجس ولم يتغيّر به حين وقوعه وإنّما تغيّر لأجله ، ولو كان بعد إخراجه من الماء كما قد يتّفق ذلك في بعض الأدوية فإذا اتفق نظيره في النجاسات فلا محالة نحكم بانفعال الماء ، لإطلاق الأخبار وعدم تفصيلها بين الملاقاة المؤثرة بالفعل والملاقاة المؤثرة بعد مدة ، هذا كلّه فيما إذا علمنا استناد التغيّر المتأخر إلى النجس.
وأمّا إذا لم ندر أنّ التغيّر المحسوس مستند إلى وقوع النجس أو أنّه من جهة وقوع جيفة طاهرة في الماء مثلاً ، فالحكم فيه هو الطهارة لأجل الاستصحاب الموضوعي أعني استصحاب عدم تغيّره المستند إلى النجس ، ومعه لا تصل النوبة إلى الاستصحاب الحكمي. والموضوع في الأصل الموضوعي ليس هو التغيّر ليقال إن عدم استناد التغيّر إلى ملاقاة النجس ليس له حالة سابقة إذ الماء بعد تغيّره لم يمر عليه زمان لم يستند
[87] مسألة 15 : إذا وقعت الميتة خارج الماء ووقع جزء منها في الماء وتغيّر بسبب المجموع من الداخل والخارج تنجس بخلاف ما إذا كان تمامها خارج الماء (1).
تغيّره فيه إلى ملاقاة النجس حتى يستصحب بقاؤه على ما كان عليه ، وذلك لأن الموضوع للأحكام إنّما هو نفس الماء لأنّه الذي إذا تغيّر بالنجاسة ينجس فالاستصحاب يجري في الماء على نحو الاستصحاب النعتي فيقال : إن الماء قد كان ولم يكن متغيراً بالنجس والآن كما كان.
هذا على أنّا أثبتنا في محلّه جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية فلنا أن نستصحب عدم استناد التغيّر إلى ملاقاة النجس على نحو استصحاب العدم الأزلي بناء على أن الموضوع في الاستصحاب هو التغيّر دون الماء ، فإنّ التغيّر وإن كان وجدانيّاً لا محالة ، إلاّ أن استناده إلى ملاقاة النجاسة مشكوك فيه ، والأصل أنّه لم يستند إلى ملاقاة الماء للنجس.
ولا يعارضه استصحاب عدم استناد التغيّر إلى غير ملاقاة النجس إذ لا أثر له شرعاً ، والموضوع للأثر هو التغيّر المستند إلى ملاقاة النجس فإنّه موضوع للحكم بالنجاسة كما أن عدم التغيّر بملاقاة النجس موضوع للحكم بالطهارة ، وأمّا التغيّر بسبب آخر غير ملاقاة النجس فلا أثر يترتب عليه شرعاً.
وعلى الجملة الماء محكوم بالطهارة بمقتضى الاستصحاب النعتي أو المحمولي ، وإنّما تنتهي النوبة إلى قاعدة الطهارة فيما إذا قلنا بعدم جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية وبنينا على أن عنوان التغيّر هو الموضوع في الاستصحاب ، فإنّه لا سبيل إلى الاستصحاب حينئذٍ ولا بدّ من التمسك بذيل قاعدة الطهارة.
(1) قد قدّمنا في بعض الأبحاث المتقدمة (1)أن التغيّر إذا علم استناده إلى الجزء الخارج خاصة فلا ينبغي الإشكال في عدم تنجس الماء به ، لما تقدّم من أن التغيّر لا بدّ
1) في ص 61.
[88] مسألة 16 : إذا شكّ في التغيّر وعدمه أو في كونه للمجاورة أو بالملاقاة أو كونه بالنجاسة أو بطاهر لم يحكم بالنجاسة (1).
من أن يستند إلى ملاقاة النجاسة بالمباشرة لا بالمجاورة ، كما لا كلام في تنجس الماء به إذا علمنا استناده إلى الجزء الداخل فقط ، وأمّا إذا استند إلى مجموع الداخل والخارج فالظاهر أنّه لا يوجب الانفعال لعدم استناد التغيّر إلى ملاقاة النجاسة بالمباشرة ، فإن للجزء الخارج المجاور أيضاً دخالة في التأثير ، وقد أشرنا إليه سابقاً وقلنا إن القول بالنجاسة في هذه الصورة يلزمه القول بالنجاسة فيما إذا استند التأثير إلى خصوص الجزء الخارج أيضاً ، إذ يصح أن يقال إن الماء لاقى الميتة وتغيّر وهو مما لا يمكن الالتزام به.
(1) كما إذا شككنا في أصل حدوث الحمرة أو علمنا به قطعاً ، ولم ندر أنّه بالمجاورة أو بالملاقاة ، أو علمنا أنّه بالملاقاة وشككنا في أنّه مستند إلى غسل الدم الطاهر فيه أو إلى غسل الدم النجس. ففي جميع هذه الصور يحكم بطهارة الماء لعين ما قدمناه فيما إذا وقع النجس في الماء وأوجب تغيّره بعد مدة ، وشككنا في أنّه مستند إلى ملاقاة النجاسة أو إلى شيء آخر ، وحاصله : أن الاستصحاب يقتضي البناء على عدم حصول التغيّر في الماء إذا شكّ في أصل حدوثه ، وكذلك إذا شكّ في حصول التغيّر بملاقاة النجس ، وهو أصل موضوعي لا مجال معه للاستصحاب الحكمي ، هذا بناء على أن الموضوع في الاستصحاب هو الماء.
وأمّا بناء على أن الموضوع هو التغيّر ، وعلم بوجود أصل التغيّر ، فمقتضى الاستصحاب الجاري في العدم الأزلي عدم حصول انتساب التغيّر إلى ملاقاة النجاسة ، ومقتضاه عدم نجاسة الماء. وعلى تقدير المنع من جريان الأصل في الأعدام الأزلية تنتهي النوبة إلى قاعدة الطهارة في الماء. هذه خلاصة ما قدّمناه سابقاً وعليك بتطبيقه على محل الكلام.
[89] مسألة 17 : إذا وقع في الماء دم وشيء طاهر أحمر فاحمرّ بالمجموع ، لم يحكم بنجاسته (1).
(1) ما أفاده في المتن هو الصحيح والوجه فيه : أن الطاهر والنجس الواقعين في الماء تارة يكون كل واحد منهما قابلاً لأن يؤثر بمجرده في الماء ، ويحدث فيه التغيّر في شيء من أوصافه الثلاثة ولو ببعض مراتبها النازلة كأحداث الصفرة فيه. وأُخرى لا يكون كل واحد منهما قابلاً لإحداث التغيّر في الماء بل يستند تغيره إلى مجموعهما.
أمّا الأوّل : فكما إذا صببنا مقداراً من الدم الطاهر ومقداراً من الدم النجس على ماء واحمرّ الماء بذلك ، وكان كل واحد من الدمين قابلاً لأن يؤثر في لون الماء بوحدته ولو ببعض مراتبه ، إلاّ أنّهما اجتمعا في مورد من باب الاتفاق وأثّرا في احمرار الماء معاً فاستندت الحمرة إلى كليهما ، ولا إشكال في نجاسة الماء في هذه الصورة قطعاً ، لأن المفروض أن كل واحد منهما قد أثّر في تغيّر الماء بالدم فالحمرة مستندة إلى كل واحد منهما عرفاً ، كما أن النور قد يستند إلى كلا السراجين عرفاً إذا أسرجناهما في مكان واحد ، فالتغيّر الحسي مستند إلى كل من الطاهر والنجس فيتنجس به الماء. والظاهر أن هذه الصورة خارجة عن محط نظر الماتن قدس سره .
وأمّا الثاني : فكما إذا القي على الماء شيئان أحدهما طاهر والآخر نجس ، واستند تغيّر الماء إلى مجموعهما من دون أن يكون كل منهما مؤثراً فيه بالاستقلال ولو ببعض المراتب النازلة ، ففي هذه الصورة لا يحكم بنجاسة الماء لعدم استناد التغيّر إلى خصوص ملاقاة النجس بل إليها وإلى غيرها ، وهو لا يكفي في الحكم بالانفعال ، ولعلّ هذه الصورة هي مراد السيد ( طاب ثراه ) أو أن نظره إلى الصورة المتقدمة ، إلاّ أنّه حكم فيها بعدم النجاسة من أجل التدقيق الفلسفي لاستحالة استناد البسيط إلى شيئين ، وهذا يجعل تأثير كل واحد من الطاهر والنجس تقديرياً لاستحالة تأثيرهما فعلاً واللّه العالم بحقائق الأُمور.
[90] مسألة 18 : الماء المتغيّر إذا زال تغيّره بنفسه من غير اتصاله بالكرّ أو الجاري لم يطهر نعم ، الجاري والنابع إذا زال تغيّره بنفسه طهر لاتصاله بالمادّة ، وكذا البعض من الحوض إذا كان الباقي بمقدار الكرّ كما مرّ (1).
(1) أي من غير إلقاء كر عليه أو من غير اتصاله بالجاري ونحوهما. والكلام فيه في مقامين :
أحدهما : فيما إذا كان الماء قليلاً.
وثانيهما : فيما إذا كان معتصماً.
أمّا المقام الأوّل : فالكلام فيه تارة من حيث الأدلّة الاجتهادية ، وأُخرى من حيث الأُصول العملية. أمّا من حيث الدليل الاجتهادي فقد ادعي الإجماع على أن الماء المتغيّر القليل إذا زال عنه تغيّره بنفسه يبقى على نجاسته. وهذا الإجماع المدعى إن تمّ فهو ، وعلى تقدير أن لا يتم الإجماع التعبدي فيتمسك في الحكم بالنجاسة بالإطلاقات على ما ستعرف ، ومع الغض عنها فتنتهي النوبة إلى الأُصول العملية ويأتي تفصيلها في البحث عن المتغيّر الكثير إن شاء اللّه.
وأمّا المقام الثاني : فالكلام فيه أيضاً تارة من ناحية الأصل العملي ، وأُخرى من جهة الدليل الاجتهادي. أمّا من ناحية الأُصول العملية فقد استدلّ على نجاسة الماء المذكور بعد زوال تغيّره بالاستصحاب للعلم بنجاسته حال تغيّره ، فإذا شككنا في بقائها وارتفاعها بزوال تغيّره بنفسه فمقتضى الاستصحاب بقاؤها. وجريان الاستصحاب في المقام يبتني على القول بجريانه في الأحكام الكلية الإلهية وعدم تعارضه باستصحاب عدم الجعل في أزيد من المقدار المتيقن ، وأمّا بناء على ما سلكناه من المنع عن جريان الاستصحاب في الأحكام فالاستصحاب ساقط لا محالة ونأخذ بالمقدار المتيقن من الحكم بالنجاسة ، وهو زمان بقاء التغيّر بحاله ، ونرجع فيما زاد عليه إلى قاعدة الطهارة في كل من الكر والقليل.
وأمّا من جهة الأدلّة الاجتهادية فقد استدلّ على طهارة المتغيّر الكثير بعد زوال تغيّره من قبل نفسه بوجوه :
منها : ما ورد من أن الماء إذا بلغ كراً لم يحمل خبثاً (1). فإنّه بعمومه يشمل الدفع والرفع كليهما فكما أنّه لا يحمل الخبث ويدفعه كذلك يرفعه إذا كان عليه خبث ، وإنّما خرجنا عن عمومه في زمان التغير خاصة للأدلّة الدالّة على نجاسة الماء المتغيّر ، فإذا زال عنه تغيّره فلا بدّ من الحكم بطهارته لأن المرجع في غير زمان التخصيص إلى عموم العام دون الاستصحاب ، إذ العموم والإطلاق يمنعان عن الاستصحاب بالبداهة كما بيّنّاه في بحث الأُصول وفي بحث الخيارات من كتاب المكاسب (2).
والجواب عن ذلك بوجهين : فتارة بضعف سند الرواية ، وأُخرى بضعف دلالتها لأن ظاهر قوله علیه السلام « لم يحمل » أنّه يدفع الخبث ولا يتحمّله إذا القي عليه لا أنّه يرفعه بعد تحميل الخبث عليه بوجه. ثم لو تنزلنا فلا أقل من إجمال الرواية لتساوى احتمالي شمولها للرفع وعدمه.
كذا قيل ولكنه قابل للمناقشة لأن « لم يحمل » بمعنى لا يتّصف وهو أعم من الرفع والدفع كما سيظهر وجهه عند التعرض لحكم الماء القليل المتنجس المتمم كراً إن شاء اللّه (3).
ومنها : أن الحكم بالنجاسة إنّما أُنيط على عنوان المتغيّر شرعاً بحسب الحدوث
1) المستدرك 1 : 198 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 6 عن عوالي اللئالي عن النبي صلی اللّه علیه و آله ونسبه المحقق قدس سره في المعتبر [ 1 : 52 53 ] إلى السيد والشيخ وقال : إنّا لم نروه مسنداً والذي رواه مرسلاً المرتضى والشيخ أبو جعفر وآحاد ممّن جاء بعده ، والخبر المرسل لا يعمل به. وكتب الحديث عن الأئمة علیهم السلام خالية منه أصلاً. وفي سنن البيهقي ص 260 المجلد 1 إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث « لم يحمل خبثاً » وكذا في سنن أبي داود كما قدّمنا في محلّه فراجع ص 204.
2) مصباح الفقاهة 6 : 327.
3) في ص 204.
والبقاء كما في غيرها من الأحكام وموضوعاتها ، مثلاً حرمة شرب الخمر أُنيطت على عنوان الخمر حدوثاً وبقاءً ، فكما أن الحرمة تدور مدار وجود موضوعها وترتفع بارتفاعه ، فلتكن النجاسة أيضاً مرتفعة عند ارتفاع موضوعها وهو التغيّر.
وهذا الاستدلال مجرد دعوى لا برهان لها ، لأن الدليل إنّما دلّ على أن الماء إذا تغيّر يحكم عليه بالنجاسة ، وأمّا أن التغيّر إذا ارتفع ترتفع نجاسته فهو مما لم يقم عليه دليل ولا يستفاد من شيء من الأخبار ، فهي ساكتة عن حكم صورة ارتفاع التغيّر عن الماء ، بل يمكن أن يقال إن مقتضى إطلاقاتها نجاسة الماء المتغيّر مطلقاً زال عنه تغيّره أم لم يزل.
ومنها : صحيحة ابن بزيع لقوله علیه السلام فيها : « حتى يذهب الريح ويطيب طعمه » حيث إنّه علیه السلام بيّن أن العلّة في طهارة ماء البئر هي زوال التغيّر عن طعمه ورائحته فيستفاد منها أن كل متغيّر يطهر بزوال تغيّره.
وهذا الاستدلال يبتني على أمرين : أحدهما : أن تكون « حتى » تعليلية لا غائية فكأنه علیه السلام قال ينزح ماء البئر ويطهر بذلك لعلّة زوال ريحه وطعمه. وثانيهما : أن يتعدى من موردها وهو ماء البئر إلى جميع المياه وإن لم يكن لها مادّة وهذان الأمران فاسدان.
أمّا الأمر الأوّل : فلأن المنع فيه ظاهر ، لأن ظاهر « حتى » في الرواية أنّه غاية للنزح بمعنى أنّه ينزح إلى مقدار تذهب به رائحته ويطيب طعمه ، كما هو ظاهر غيرها من الأخبار. نعم احتمل شيخنا البهائي قدس سره كونها تعليلية كما تقدّم نقله (1)وربّما يستعمل بهذا المعنى أيضاً في بعض الموارد فيقال : أسلم حتى تسلم إلاّ أن حملها على التعليلية في المقام خلاف الظاهر من جهة سائر الأخبار ، وظهور نفس كلمة « حتى » في إرادة الغاية دون التعليل.
1) في ص 77.
وأمّا الأمر الثاني : فلأنّا لو سلّمنا أن كلمة « حتى » تعليلية فلا يمكننا التعدِّي عمّا له مادّة وهو البئر إلى غيره مما لا مادّة له ، فإن التعليل ربّما يكون بأمر عام كما ورد (1)في الخمر من أنّ اللّه لم يحرّم الخمر لاسمه بل لخاصيته التي هي الإسكار ، وفي مثله لا مانع من التعدِّي إلى كل مورد وجد فيه ذلك الأمر لأنّه العلّة للحكم فيدور مداره لا محالة. وأُخرى يكون التعليل بأمر خاص فلا مجال للتعدي في مثله أصلاً كما هو الحال في المقام فإنّه علیه السلام علل حكمه هذا بذهاب الريح وطيب طعمه ، والمراد بالريح هو ريح ماء البئر خاصة لقوله قبل ذلك : « إلاّ أن يتغيّر ريحه .... » فإن الضمير فيه كالضمير في قوله : ويطيب طعمه يرجعان إلى ماء البئر لا إلى مطلق الماء ، ومع اختصاص التعليل لا وجه للتعدي عن مورده ، بل مقتضى إطلاق قوله علیه السلام « لا يفسده شيء إلاّ أن يتغيّر ... » أن تغيّر ريح الماء أو طعمه يوجب التنجيس مطلقاً سواء أزال عنه بعد ذلك أم لم يزل ، نظير إطلاق ما دلّ على نجاسة ملاقي النجس ، فإنّه يقتضي نجاسة الملاقي مطلقاً سواء أشرق عليه الشمس مثلاً أم لم تشرق وسواء أكانت الملاقاة باقية أم لم تكن ، وكذا إطلاق ما دلّ على عدم جواز التوضؤ بما تغيّر ريحه أو طعمه (2)، فإنّه بإطلاقه يشمل ما إذا زال عنه التغير أيضاً ومن هنا لا نحكم بجواز التوضؤ من مثله.
وعلى الجملة لا يمكن التعدي من الصحيحة إلى غير موردها لاختصاص تعليلها ولا أقل من احتمال التساوي والإجمال ، فلا يبقى حينئذٍ في البين ما يقتضي طهارة المتغيّر بعد زوال تغيّره بنفسه ، حتى يعارض التمسك بالاطلاقين المقتضيين لنجاسته فالترجيح إذن مع الأدلّة الدالّة على نجاسته.
1) في صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي قال : « إن اللّه عزّ وجلّ لم يحرم الخمر لاسمها ولكن حرمها لعاقبتها » وفي رواية أُخرى : « حرمها لفعلها وفسادها » ، الوسائل 25 : 342 / أبواب الأشربة المحرمة ب 19 ح 1 ، 3.
2) كما في صحيحة حريز ، وروايتي أبي بصير ، وأبي خالد القماط وغيرها من الأخبار المروية في الوسائل 1 : 137 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 1 ، 3 ، 4.
فصل في الماء الجاري الماء الجاري وهو : النابع السائل (1) على وجه الأرض ، فوقها أو تحتها كالقنوات
فصل في حكم الماء الجاري
(1) قد اعتبر المشهور في موضوع الجاري أمرين : النبع والسيلان على وجه الأرض فوقها أم تحتها ، كما في بعض القنوات ، والنسبة بين العنوانين عموم من وجه لتصادقهما في الماء الجاري الفعلي الذي له مادّة ، وافتراقهما في العيون ، لأنّها نابعة ولا سيلان فيها ، وفيما يجري من الجبال من ذوبان ما عليها من الثلوج فإنّه سائل لا نبع فيه. وعلى هذا التعريف لا يكفي مجرد النبع من غير السيلان في تحقق موضوع الجاري عندهم كما في العيون ، وإن كانت معتصمة لأجل مادتها ، فلا يترتب عليها الأحكام الخاصة المترتبة على عنوان الجاري ، ككفاية غسل الثوب المتنجس بالبول فيه مرة واحدة ، وكذا السائل من غير نبع لا يكون داخلاً في موضوع الجاري كما مر. هذا ما التزم به المشهور.
وقد يقال بكفاية النبع ومجرد الاستعداد والاقتضاء للجريان لولا المانع كارتفاع أطرافه ونحوه ، وعدم اعتبار الجريان الفعلي في مفهوم الجاري وعليه فالعيون أيضاً داخلة في موضوع الجاري ، لأنّها نابعة ، ومستعدة للجريان لولا ارتفاع أطرافها (1).
وعن ثالث كفاية مجرد السيلان الفعلي ، وإن لم يكن له نبع ولا مادّة أصلاً.
والصحيح ما التزم به المعروف من اعتبار كلا الأمرين في موضوع الجاري أمّا اعتبار الجريان فعلاً : فلأنّه الظاهر المتبادر من إطلاقه دون ما فيه استعداد الجريان وقابليته لولا المانع ، فالروايات المشتملة على عنوان الجاري منصرفة إلى ما يكون
1) المسالك 1 : 12.
جارياً بالفعل ، فلا تشمل ما هو كذلك شأناً واقتضاءً ، ولعلّ من يرى دخول العيون في الجاري ينظر إلى اعتصامها بمادتها ، وهو حق إلاّ أن الكلام فيما هو موضوع الجاري لتترتّب عليه أحكامه الخاصة لا في الماء المعتصم.
وأمّا اعتبار النبع فقد ذكروا أن الجاري لا يطلق إلاّ على ما يكون نابعاً عن الأرض ويكون له مادّة ، وأمّا مجرد السيلان فهو لا يكفي في إطلاق الجاري عليه ، نعم الجاري لغة أعم من أن يكون له مادّة ونبع أم لم يكن حتى أنّه يشمل الجاري من المزملة والأنابيب ، وما يراق من الحب على وجه الأرض إلاّ انّه عرفاً يختص بما له مادّة ونبع ، وهو الذي يقابل سائر المياه. وقد ادعى الإجماع في جامع المقاصد وغيره على اعتبار النبع في الجاري وذكر ان الأصحاب لم يخالفوا فيه غير ابن أبي عقيل حيث اكتفى بمجرد السيلان والجريان وإن لم يكن له مادّة ونبع (1).
والتحقيق في المقام أن يقال : إن أراد ابن أبي عقيل بهذا الكلام كفاية مطلق الجريان في صدق الجاري وإن لم يكن لجريانه استمرار ودوام ، كجريان الماء على وجه الأرض بإراقة الكوز والإبريق ونحوهما ، فالإنصاف أنّه مخالف لمفهوم الماء الجاري عرفاً ، وإن أراد أن الماء إذا كان له جريان على وجه الدوام فهو يكفي في صدق عنوان الجاري عليه وإن لم يكن له مادّة ونبع ، فالظاهر أن ما أفاده هو الحق الصريح ولا مناص من الالتزام به. والوجه في ذلك : أن توصيف ماء بالجريان مع أنّه لا ماء في العالم إلاّ وهو جار فعلاً أو كان جارياً سابقاً ، لا معنى له إلاّ أن يكون الجريان ملازماً له دائماً ليصح بذلك توصيفه بالجاري وجعله قسماً مستقلا مع أن الجريان ربّما يتحقق في غيره أيضاً وهو كتوصيف زيد بكثرة الأكل أو السفر لأنّه إنّما يصح فيما إذا كان زيد كذلك غالباً أو دائماً لا فيما إذا اتصف به في مورد ، وكذا الحال في توصيفه بغيرهما من العناوين. وعليه فلا يصح توصيف الماء بالجريان إلاّ فيما كان الجريان وصفاً لازماً له ولا يفرق في هذا بين أن يكون له مادّة ونبع كما في القنوات وأن لا يكون له شيء منهما كما في الأنهار المنهدرة عن الجبال المستندة إلى ذوبان ثلوجها شيئاً فشيئاً باشراق
1) جامع المقاصد 1 : 110.
لا ينجس بملاقاة النجس ما لم يتغيّر ، سواء كان كرّاً أو أقل (1)
الشمس وحرارة الهواء ، فهو جار مستمر من دون أن يكون له مادّة ولا نبع. ومنع صدق الجاري على مثله مخالف للبداهة والوجدان كما في شطي الدجلة والفرات حيث لا مادّة لهما على ما ذكره أهله وإنّما ينشئان من ذوبان ثلوج الجبال ، ونظائرهما كثيرة غير نادرة ، نعم ، الجريان ساعة أو يوماً لا يصحح صدق عنوان الجاري على الماء فالنبع والمادّة بالمعنى المصطلح عليه غير معتبرين في مفهوم الجاري بوجه ، نعم يعتبر فيه النبع بمعنى الدوام والاستمرار ، هذا كلّه في موضوع الجاري.
بقي الكلام في اعتبار أمر آخر في موضوعه وهو أن الجريان هل يلزم أن يكون بالدفع والفوران أو أنّه إذا كان على نحو الرشح أيضاً يكفي في صدق موضوعه؟ ويأتي الكلام على ذلك بعد بيان أحكام الجاري إن شاء اللّه.
(1) قد ذكروا أن الجاري لا ينفعل بملاقاة النجاسة ما لم يتغيّر بأحد أوصاف النجس ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الجاري بمقدار كر أو أقل وذهب العلاّمة في أكثر كتبه (1)والشهيد الثاني قدس سرهما (2)إلى انفعاله فيما إذا كان أقل من كر.
أمّا تنجسه فيما إذا تغيّر بأحد أوصاف النجس ، فقد تكلمنا فيه على وجه التفصيل فراجع ، وأمّا عدم انفعاله بملاقاة النجس إذا لم يتغيّر به وكان بقدر كر فالوجه فيه ظاهر ، إذ الكر لا ينفعل بالملاقاة مطلقاً ، كان جارياً أم كان واقفاً ، وإنّما الكلام في عدم انفعاله بالملاقاة عند كونه قليلاً ويقع الكلام فيه في مقامين :
أحدهما : فيما دلّ على أن الجاري لا ينفعل بملاقاة النجس وإن كان قليلاً.
وثانيهما : في معارضة ذلك لما دلّ على انفعال الجاري بالملاقاة فيما إذا كان قليلاً.
أمّا الكلام في المقام الأوّل : فقد استدلّ المحقق الهمداني قدس سره على اعتصام
الجاري القليل بما ورد في عدّة من الأخبار من أنّه لا بأس ببول الرجل في الجاري لأن ظاهرها السؤال عن حكم الماء الذي يبال فيه لا عن حكم البول في الماء وقد دلت على نفي البأس عنه ، وهذا بظاهره يقتضي عدم انفعال الجاري بالبول مطلقاً وإن كان قليلاً (1).
ويدفعه : أن هذه الأخبار أجنبية عن الدلالة على المدعى غير رواية واحدة منها وتوضيحه أن الروايات المذكورة على طائفتين :
إحداهما : وهي الأكثر ناظرة إلى بيان حكم البول في الجاري من حيث حرمته وكراهته ، ولا نظر لها إلى بيان حكم الجاري من حيث الانفعال وعدمه ، لأن السائل فيها إنّما سأل عن البول في الجاري ، لا عن الماء بعد البول فيه ، فمن هذه الطائفة صحيحة الفضيل عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « لا بأس بأن يبول الرجل في الماء الجاري ... » (2)ورواية ابن مصعب قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل يبول في الماء الجاري؟ قال : لا بأس به إذا كان الماء جارياً » (3)ونظيرهما غيرهما فراجع. فإنّهما ناظرتان إلى بيان حكم البول في الجاري من حيث الحرمة والكراهة ولا نظر فيهما إلى طهارة الماء ونجاسته بالبول.
اللّهمّ إلاّ أن يقال بدلالتهما على طهارة الجاري بالالتزام ، لأن بيان انفعال الجاري بوقوع البول فيه إنّما هو وظيفة الإمام علیه السلام وبيانه عليه ، فلو كان الجاري ينفعل بذلك لكان على الإمام علیه السلام أن يبين نجاسته ، وحيث إنّه سكت عن بيانها ، فيعلم منه عدم انفعال الجاري بملاقاة النجس ، كما يدعى ذلك في الأخبار الدالّة على كفاية الغسل في الجاري مرّة (4)ويقال إن غسل النجس في الجاري لو كان سبباً
1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 7 السطر 35.
2) الوسائل 1 : 143 / أبواب الماء المطلق ب 5 ح 1.
3) الوسائل 1 : 143 / أبواب الماء المطلق ب 5 ح 2.
4) منها صحيحة محمد بن مسلم قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الثوب يصيبه البول؟ قال : اغسله في المركن مرتين فإن غسلته في ماء جار فمرّة واحدة » ، المروية في الوسائل 3 : 397 / أبواب النجاسات ب 2 ح 1.
لانفعاله لبيّنه علیه السلام لأنّه من وظائف الإمام ، فمن عدم بيانه يظهر أن الجاري لا ينفعل بملاقاة النجس.
ويدفعه : أن بيان حكم الماء من حيث نجاسته وطهارته وإن كان وظيفة الإمام علیه السلام إلاّ أنّه ليس بصدد بيانهما في هذه الأخبار ، ولا في روايات كفاية الغسل مرة في الجاري ، ومع أنّه علیه السلام ليس في مقام البيان كيف يسند إليه الحكم بطهارة الجاري.
ومما يدلنا على ذلك أنّه علیه السلام في تلك الأخبار قد أمر بغسل الثياب في المركن مرتين ولم يبيّن نجاسة الماء الموجود في المركن ، مع أنّه ماء قليل ، ولا إشكال في انفعاله بالملاقاة ، فهل يصح الاستدلال على طهارة الماء الموجود في المركن بعدم بيانه علیه السلام نجاسة الماء.
وثانيتهما : ما تضمّن السؤال عن حكم الماء الجاري الذي يبال فيه ، ولا بأس بدلالتها على عدم انفعال الجاري بملاقاة النجس مطلقاً ولو كان قليلاً ، وهي موثقة سماعة قال : « سألته عن الماء الجاري يبال فيه؟ قال : لا بأس به » (1)ودلالتها على طهارة الجاري القليل ظاهرة لإطلاقها.
ودعوى : أن الجاري القليل في غاية الندرة وقليل الوجود وهو بحكم المعدوم والأخبار ناظرة إلى الجاري كثير الدوران والوجود ، وهو الجاري الكثير فلا تشمل الجاري القليل. مدفوعة : بأنّها إنّما تتم في بعض الأمكنة ولا تتم في جميعها وقد شاهدنا الجاري القليل في بلادنا وغيرها كثيراً ، فالروايات تشمل لكل من الجاري الكثير والقليل.
هذا ويمكن أن يقال : لا دلالة على اعتصام الجاري في الطائفة الثانية أيضاً ، لأن السؤال في مثلها كما يمكن أن يكون عن الموضوع والمسند إليه ، كذلك يمكن أن يكون عن المحمول والمسند ، فكما يصح إرجاع « لا بأس به » إلى الماء الجاري الذي هو المسند إليه ، كذلك يمكن إرجاعه إلى البول المستفاد من جملة « يبال فيه » الذي هو
1) الوسائل 1 : 143 / أبواب الماء المطلق ب 5 ح 4.
المسند وبذلك تصير الرواية مجملة ونظير هذا في الأخبار كثير :
منها : ما في صحيحة الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل يغتسل بغير إزار حيث لا يراه أحد؟ قال : لا بأس » (1). فإن قوله علیه السلام لا بأس يرجع إلى الاغتسال لا إلى الرجل الذي هو المسند إليه.
ومنها : ما ورد في صلاة النافلة : من أن الرجل يصلي النافلة قاعداً وليست به علّة في سفر أو حضر فقال : لا بأس به (2)فإنّه يرجع إلى صلاة النافلة حال الجلوس لا إلى الرجل كما هو ظاهر ، وكيف كان فيحتمل أن يكون الضمير في المقام أيضاً راجعاً إلى البول في الماء الجاري لا إلى الماء الجاري نفسه ، بل مغروسية كراهة البول في الماء في الأذهان تؤكد رجوع قوله « لا بأس به » إلى البول في الماء الجاري.
واستدلّ على اعتصام الجاري القليل ثانياً بمرسلة الراوندي عن علي علیه السلام : « الماء الجاري لا ينجسه شيء » (3)ورواية الفقه الرضوي : « كل ماء جار لا ينجسه شيء » (4)وخبر دعائم الإسلام عن علي علیه السلام في الماء الجاري يمر بالجيف والعذرة والدم : « يتوضأ منه ويشرب منه وليس ينجسه شيء ... » (5).
ولا فرق بين الأوليين إلاّ في أن دلالة إحداهما بالعموم ، ودلالة الأُخرى بالإطلاق ، ولا إشكال في دلالة الروايات المذكورة على المدعى إلاّ أن مرسلة الراوندي ضعيفة بإرسالها ، ورواية الدعائم أيضاً مما لا يصح الاعتماد عليه ، وهذا لا لأجل ضعف مصنفه وهو القاضي نعمان المصري فإنّه فاضل جليل القدر ، بل من جهة إرسال رواياته على ما قدمناه في بحث المكاسب مفصّلاً (6)وأمّا الفقه الرضوي فهو لم
1) الوسائل 2 : 43 / أبواب آداب الحمّام ب 11 ح 1.
2) كما في رواية سهل بن اليسع المروية في الوسائل 5 : 492 / أبواب القيام ب 4 ح 2.
3) نوادر الراوندي : 39 ( المستدرك 1 : 191 / أبواب الماء المطلق ب 5 ح 4 ).
4) فقه الرضا : 5 ( المستدرك 1 : 192 / أبواب الماء المطلق ب 5 ح 6 ).
5) دعائم الإسلام : 111 ( المستدرك 1 : 191 / أبواب الماء المطلق ب 5 ح 2 ).
6) مضمون رواية الدعائم وإن ورد في كتاب الجعفريات : 1 أيضاً وكنّا نعتمد على ذلك الكتاب في سالف الزمان إلاّ أنّا رجعنا عنه أخيراً لأن في سند الكتاب موسى بن إسماعيل ولم يتعرضوا لوثاقته في الرجال فلا يمكن الاعتماد عليه.
يثبت حجيته بل لم تثبت أنّه رواية ليدعى انجبارها بعمل المشهور على ما أشرنا إليه غير مرة.
واستدلّ على اعتصام الماء الجاري ثالثاً والمستدل هو المحقق الهمداني (1)بما ورد في تطهير الثوب المتنجس بالبول من الأمر بغسله في المركن مرتين وفي الماء الجاري مرة واحدة (2)، وقد استدلّ بها بوجهين :
أحدهما : أن الجاري لو كان ينفعل بملاقاة النجس لبيّنه علیه السلام حيث إن بيان نجاسة الأشياء وطهارتها وظيفة الإمام ، وبما أنّه في مقام البيان ، وقد سكت عن بيانه ، فنستفيد منه عدم انفعال الجاري بالملاقاة.
وثانيهما : أن من شرائط التطهير بالماء القليل أن يكون الماء وارداً على النجس ولا يكفي ورود النجس على الماء لأنّه ينفعل بملاقاة النجس ومع الانفعال لا يمكن أن يطهر به المتنجس بوجه ، وهذا كما إذا وضع أحد يده المتنجسة على ماء قليل فإنّه ينجس القليل لا محالة فلا يطهر به المتنجس بوجه ، وهذا ظاهر وقد استفدنا ذلك من الأخبار الآمرة بصب الماء على المتنجس مرّة أو مرّتين (3). وهذه الرواية قد فرضت ورود النجاسة على الجاري لقوله علیه السلام : « اغسله في المركن مرّتين فإن غسلته في ماء جار فمرّة واحدة ». فلو لا إلحاقه علیه السلام الجاري مطلقاً إلى الكر الذي لا ينفعل بوقوع النجس عليه ، لم يكن وجه لحكمه علیه السلام بطهارة الثوب المتنجس بالبول فيما إذا غسلناه في الجاري ، بل اللاّزم أن يحكم حينئذٍ بانفعال الجاري القليل لوقوع النجس عليه ، فالرواية دلت بالدلالة المطابقية على عدم انفعال الجاري بملاقاة النجس تنزيلاً له منزلة الكر في الاعتصام ، سواء أوقع الجاري على النجس أم
وقع النجس عليه.
أمّا الجواب عن أوّل الوجهين فبما تقدّم من أن بيان طهارة الأشياء ونجاستها وإن كان وظيفة الإمام ، إلاّ أن استفادة الطهارة من عدم حكمه علیه السلام بالنجاسة إنّما يتم فيما إذا كان علیه السلام في مقام البيان من تلك الناحية ، وليس الإمام في الرواية بصدد بيان أن الجاري لا ينفعل بالملاقاة ، وإنّما هو بصدد بيان أن المتنجس بالبول لا بدّ من أن يغسل في المركن مرتين وفي الجاري مرة واحدة ، ومع عدم كونه في مقام البيان كيف يمكن أن يتمسك بإطلاق كلامه.
وأمّا الجواب عن ثاني الوجهين فهو أن ما أفاده من اعتبار ورود الماء القليل على النجس في التطهير به أوّل الكلام ، وهي مسألة خلافية لا يمكن أن يستدل بها على شيء وسيأتي منّا في محلّه (1)عدم اعتبار ذلك في غير الغسلة التي يتعقبها طهارة المحل وفي غسل الثوب المتنجس بالبول في المركن لإطلاق صحيحة محمد بن مسلم فانتظره ، هذا أوّلاً.
وثانياً : هب أنّا اعتبرنا ورود الماء على النجس في التطهير به ، إلاّ أنّه لا مانع من الالتزام بتخصيص ما دلّ على اعتبار ذلك بإطلاق تلك الصحيحة ، فبها نخرج عمّا يقتضيه دليل اعتبار الورود في خصوص الجاري القليل ، فإن اعتباره على تقدير القول به لم يثبت بدليل لفظي مطلق حتى تقع بينهما المعارضة ، وسيتّضح ذلك في محلّه زائداً على ذلك إن شاء اللّه.
ثم إنّه ليس فيما ذكرناه أيّ تناف للالتزام بنجاسة الغسالة ، ولا مانع من أن نكتفي بورود النجس على الماء في التطهير به ونلتزم بنجاسة غسالته بعد غسله فلا تغفل.
واستدلّ على اعتصام الجاري القليل رابعاً بصحيحة داود بن سرحان قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام ما تقول في ماء الحمّام؟ قال : هو بمنزلة الماء الجاري » (2)وقد شبّه ماء الحمّام بالماء الجاري مطلقاً ، فيستفاد منها أن الجاري بإطلاقه معتصم
سواء أكان قليلاً أم كان كثيراً.
وقد يناقش في دلالتها بأن وجه الشبه فيها غير معلوم ، ولم يعلم أن الإمام علیه السلام شبّه ماء الحمّام بالجاري في أيّ شيء فالرواية مجملة.
وهذه المناقشة لا ترجع إلى محصّل لأنّ تشبيه ماء الحمّام بالجاري موجود في غيرها من الأخبار أيضاً ، والمستفاد منها أن التشبيه إنّما هو من حيث الاعتصام ، وذلك دفعاً لما ربّما يتوهّم من أن ماء الحمّام قليل في حدِّ نفسه فينفعل بالملاقاة لا محالة ومعه كيف يتطهّر به بمجرّد اتصاله بمادته بالانبوب أو بغيره ، فإنّ للحمّامات المتعارفة مادّة جعلية بمقدار الكر بل بأضعافه وتتصل بما في الأحواض الصغيرة بالأنابيب أو بغيرها ، وفي مثلها قد يتوهّم الانفعال نظراً إلى أنّ المادّة الجعلية أجنبية ومنفصلة عمّا في الحياض ، ومجرّد الاتصال بالانبوب لا يكفي عند العرف في الاعتصام لاختلاف سطحي الماءين فتصدّى علیه السلام لدفع ذلك بأن ماء الحمّام كالجاري بعينه ، فكما أنّه عاصم لاتصاله بمادته كذلك ماء الحمّام غاية الأمر أن المادّة في أحدهما أصلية وفي الآخر جعلية.
فالصحيح في الجواب أن يقال : إن نظرهم علیهم السلام في تلك الروايات إلى دفع توهّم الانفعال بتنزيل ماء الحمّام منزلة الماء الجاري ، ومن الظاهر أن المياه الجارية في أراضي العرب والحجاز منحصرة بالجاري الكثير ، ولا يوجد فيها جار قليل وإن كان يوجد في أراضي العجم كثيراً ، فالتنظير والتشبيه بلحاظ أن الجاري الكثير كما أنّه معتصم لكثرته ، ويتقوّى بعضه ببعض لا بمادته فإنّها ليست بماء كما يأتي كذلك ماء الحمّام يتقوّى بعضه ببعض ، ولو لأجل مجرّد الاتصال بانبوب أو بغيره ، فوزان هذه الرواية وزان ما ورد من : « أنّ ماء الحمّام كماء النهر يطهّر بعضه بعضاً » (1)بمعنى أنّه يمنع عن عروض النجاسة عليه لكثرته في نفسه لا لأجل مادته. فإذن لا نظر في الرواية إلى اعتصام الجاري بالمادّة مطلقاً قليلاً كان أم كثيراً وتشبيه
1) كما في رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « قلت أخبرني عن ماء الحمّام يغتسل منه الجنب ، والصبيّ ، واليهودي ، والنصراني ، والمجوسي؟ فقال : إنّ ماء الحمّام كماء النهر يطهّر بعضه بعضاً » المروية في الوسائل 1 : 150 / أبواب الماء المطلق ب 7 ح 7.
ماء الحمّام به من هذه الجهة.
فإلى هنا لو كنّا نحن وهذه الأدلّة لحكمنا بانفعال الجاري القليل كما ذهب إليه العلاّمة واختاره الشهيد الثاني في بعض كتبه ، إلاّ أنّا لا نسلك مسلكهما ، لا لأجل تلك الأدلّة المزيّفة ، بل لأجل ما أراحنا وأراح العالم كلّه ، وهو صحيحة محمد بن إسماعيل ابن بزيع حيث دلت على عدم انفعال ماء البئر معلّلاً بأن له مادّة ، ولو لا تلك الصحيحة لما كان مناص من الالتزام بما ذهب إليه المشهور من انفعال ماء البئر ولو كان ألف كر.
والوجه في الاستدلال بها في المقام : أن من الظاهر الجلي أن إضافة الاعتصام إلى ماء وتعليله بأن له مادّة ، إنّما تصح فيما إذا كان قليلاً في نفسه ، فإنّه لو كان كثيراً فهو معتصم بنفسه لا محالة من غير حاجة إلى إسناد اعتصامه إلى شيء آخر وهو المادّة وبهذا دلّتنا الصحيحة على أن القليل إذا كان له مادّة فهو محكوم بالاعتصام ، فإذا فرضنا القليل متنجساً واتصل به المادّة فنحكم بطهارته وعصمته لا محالة. هذا إجمال الاستدلال بالصحيحة ، وإن شئت توضيحه فنقول إنّ الاستدلال بالصحيحة من جهتين :
إحداهما : أن الصحيحة دلت على أن ما له مادّة ترتفع النجاسة الطارئة عليه بالتغيّر فيما إذا زال عنه تغيره ، فماء البئر يرفع النجاسة العارضة عليه ، لقوله علیه السلام : « فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه لأن له مادّة » بلا فرق في ذلك بين كثرته وقلته ، لإطلاقها. وإذا ثبت بالصحيحة أن ماء البئر يرفع النجاسة الطارئة عليه ، فيستفاد منها أنّه دافع للنجاسة أيضاً بالأولوية القطعية عرفاً ، من دون فرق في ذلك بين كثرته وقلته ، لأنّ ما يصلح للرفع فهو صالح للدفع أيضاً بالأولوية القطعية وبعد هذا كلّه نتعدى من مورد الصحيحة وهو ماء البئر إلى كل ما له مادّة كالجاري والعيون لعموم تعليلها.
وثانيتهما : أنّا قدّمنا أن ماء البئر إذا زال عن تغيّره ، يحكم بطهارته لاتصاله بالمادّة وعليه فلا يترتّب على الحكم بنجاسة ماء البئر عند ملاقاته النجس ثمرة ، فيصبح لغواً ظاهراً ، فإنّه أي أثر للحكم بنجاسة ماء البئر في آن واحد عقلي وما فائدة ذلك الحكم
حيث إنّه حين الحكم بنجاسته يحكم بطهارته أيضاً لاتصاله بالمادّة ، وما هذا شأنه كيف يصدر عن الحكيم. وبهذه القرينة القطعية تدلّنا الصحيحة على اعتصام ماء البئر مطلقاً كثيراً كان أم قليلاً وبعد ذلك نتعدّى منها إلى كل ما له مادّة لعموم تعليلها كما مرّ ، هذا كلّه في المقام الأول.
وأمّا الكلام في المقام الثاني : فملخصه أن ما يحتمل أن يكون معارضاً لأدلّة اعتصام الجاري ، هو مفهوم قوله علیه السلام : « الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجّسه شيء » (1)، فإنّه دلّ بمفهومه على أن الماء إذا لم يبلغ قدر كر ينفعل بالملاقاة مطلقاً سواء أكان جارياً أم لم يكن ، وقوله علیه السلام : كر (2)في جواب السؤال عن الماء الذي لا ينجسه شيء من النجاسات ، لأنّه صريح في أنّ غير الكر من المياه ينفعل بملاقاة البول وأمثاله من النجاسات ولو كان جارياً ، ولكن لا تعارض بينهما في الحقيقة وذلك لأن الوجهين المتقدمين في تقريب الاستدلال بالصحيحة يجعلان الصحيحة كالنص فتصير قرينة وبياناً بالإضافة إلى الروايتين المذكورتين ، حيث إنّهما حصرا علّة الاعتصام في الكر ، والصحيحة دلّت على عدم انحصارها فيه وبيّنت أن هناك علّة أُخرى للاعتصام ، وهي الاستمداد من المادّة. وبهذا تتقدم الصحيحة على الروايتين ، ولا يبقى بينهما معارضة بالعموم من وجه حتى يحكم بتساقطهما والرجوع إلى عموم الفوق كالنبويّات التي بيّنّا ضعف سندها ، أو إلى قاعدة الطهارة أو يحكم بعدم تساقطهما والرجوع إلى المرجحات السندية على تفصيل في ذلك موكول إلى محلّه.
ثم لو تنزلنا وبنينا على أنّهما متعارضان ، بأن قطعنا النظر عن ذيل الصحيحة واقتصرنا على صدرها وهو قوله علیه السلام : « ماء البئر واسع لا يفسده شيء » يمكننا الاستدلال أيضاً بصدرها على طهارة ماء البئر على وجه الإطلاق ، فإنّ النسبة بينه وبين ما دلّ على انفعال القليل عموم من وجه ، لأن أدلّة انفعال القليل تقتضي نجاسة القليل بالملاقاة جارياً كان أم غير جار ، وصدر الصحيحة يقتضي عدم نجاسة
ماء البئر ونحوه مما له مادّة قليلاً كان أم كثيراً فيتعارضان في مادّة الاجتماع وهي ماء البئر القليل ، والترجيح أيضاً مع الصحيحة لما بيّنا في محلّه من أن تقديم أحد العامين من وجه على الآخر إذا استلزم إلغاء ما اعتبر من العنوان في الآخر كان ذلك مرجحاً للآخر ويجعله كالنص فيتقدم على معارضه (1).
والمقام من هذا القبيل لأنّا إذا قدمنا الصحيحة على أدلّة انفعال الماء القليل فلا يلزم منه إلاّ تضييق دائرة أدلّة الانفعال ، وتقييدها بغير البئر ونحوه مما له مادّة وهو مما لا محذور فيه ، لأن التخصيص والتقييد أمران دارجان. وأمّا إذا عكسنا الأمر وقدّمنا أدلّة انفعال القليل على الصحيحة فهو يستلزم الحكم بنجاسة القليل حتى لو كان ماء بئر فينحصر طهارة البئر بما إذا كان كراً ، وهو معنى إلغاء عنوان ماء البئر عن الموضوعية ، فإن الكر هو الموجب للاعتصام كان في البئر أم في غيره فاعتصام البئر مستند إلى كونه كراً ، لا إلى أنّه ماء بئر ، فيصبح أخذ عنوان ماء البئر في الصحيحة لغواً ومما لا أثر له. وحيث إن حمل كلام الحكيم على اللغو غير ممكن ، فيكون هذا موجباً لصيرورة الصحيحة كالنص ، وبه تتقدّم على معارضاتها.
ونظير هذا في الأخبار كثير منها : ما ورد من أن كل شيء يطير فلا بأس بخرئه وبوله (2)، وهو عام يشمل الطير المأكول لحمه وما لا يؤكل لحمه كاللقلق والخفافيش ، بناء على أن لها نفساً سائلة ، وورد أيضاً أن البول والخرء من كل ما لا يؤكل لحمه محكومان بالنجاسة (3)، وهو أيضاً عام يشمل الطير غير المأكول لحمه
1) مصباح الأُصول 3 : 389.
2) كما في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « كل شيء يطير فلا بأس ببوله وخرئه » المروية في الوسائل 3 : 412 / أبواب النجاسات ب 10 ح 1.
3) أمّا نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه فلصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « اغسل ثوبك من بول كل ما لا يؤكل لحمه » وغيرها من الأخبار المروية في الوسائل 3 : 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2 ، 3 وأمّا خرؤه فلأجل عدم الفرق بينه وبين بوله بحسب الارتكاز المتشرعي ، على أنّه يمكن استفادة ذلك من عدّة روايات أُخر تأتي في محلّها إن شاء اللّه تعالى كما يأتي ما يدل على نجاسة الخرء في بعض الموارد الخاصة كالكلب والإنسان فانتظره. راجع ص 373.
وسواء كان بالفوران أو بنحو الرشح. ومثله كل نابع وإن كان واقفاً (1).
وغير الطير كالهرة ، والنسبة بينهما عموم من وجه فيتعارضان في مادّة اجتماعهما ، وهو الطير غير المأكول لحمه ، فإن قدّمنا الأول على الثاني فلا يلزم منه إلاّ تضيق الدليل الثاني وتخصيصه بغير الطير ولا محذور في التخصيص ، وأمّا إذا عكسنا الأمر ، وقدّمنا الثاني على الأول فيلزم منه تقييد الطير الذي لا بأس بخرئه وبوله بما يؤكل لحمه ، وأمّا ما لا يؤكل لحمه من الطير فهو محكوم بنجاسة كلا مدفوعيه ، وعليه يصبح عنوان الطير المأخوذ في لسان الدليل لغواً ، فإن الحكم وهو الطهارة مترتبة على عنوان ما يؤكل لحمه طيراً كان أو غير طير فأية خصوصية للطير ، وكلام الحكيم يأبى عن اللّغو ، وهذا يصير قرينة على كون الأوّل كالنص وبه يتقدّم على الثاني ويخصِّصه بغير الطائر.
ثم إنّك عرفت أن التعدي من البئر إلى كل ما له مادّة إنّما هو بتعليل الصحيحة ، إلاّ أنّ مقتضاه اختصاص الحكم بالاعتصام في الجاري بما إذا كان له مادّة على نحو الفوران أو على نحو الرشح ، وأمّا الجاري الذي ينشأ من الموارد الثلجية كما هو الأكثر في الأنهار على ما قيل فهو غير داخل في تعليل الرواية إذ لا مادّة له ، ولكنا لما قدّمناه من صدق عنوان الجاري على مثله فلا نرى مانعاً من ترتيب آثار الجاري عليه ككفاية الغسل فيه مرة.
(1) هل يعتبر في الجريان أن يكون بالدفع والفوران أو أنّه إذا كان بنحو الرشح أيضاً يكفي في تحقق موضوع الجاري؟
مقتضى إطلاق صحيحة ابن بزيع عدم الفرق بين الفوران والرشح بعد اشتمال كل واحد منهما على المادّة المعتبرة ، بل الغالب هو الرشح في أكثر البلاد ، إذ الغالب أن الماء يجتمع في الأمكنة المنخفضة ويترشح من عروق الأرض شيئاً فشيئاً ، ويتراءى ذلك في الأراضي المنخفضة في أطراف الشطوط والأنهار على وجه الوضوح.
[91] مسألة 1 : الجاري على الأرض من غير مادّة نابعة أو راشحة إذا لم يكن كراً ينجس بالملاقاة.
نعم ، إذا كان جارياً من الأعلى إلى الأسفل لا ينجس أعلاه (1)بملاقاة الأسفل للنجاسة ، وإن كان قليلاً (2).
نعم ، نقل صاحب الحدائق عن والده قدس سرهما الاستشكال في الآبار الموجودة في بلاده أعني البحرين لأجل أنّها رشحية ، فإنّه كان يطهّر تلك الآبار بإلقاء الكر عليها لا بالنزح. ثم أورد على والده بأنّه يرى كفاية الإلقاء ولو على وجه الافتراق كما إذا أخذ كل واحد من جماعة مقدار ماء يبلغ مجموعة الكر وألقوه في البئر مع أن المطهّر وهو إلقاء الكر يعتبر أن يقع على البئر مرة واحدة على وجه الاجتماع (3). وما ذهب إليه والده قدس سره مما لا يسعنا الالتزام به لإطلاق الصحيحة المتقدمة.
(1) قد أسلفنا أن الميزان في الانفعال وعدمه هو الاتصال بالمادّة وعدم الاتصال بها ، كما هو مقتضى الصحيحة المتقدمة بلا خصوصية للجاري من غيره ، فإن كل ما له مادّة من العيون والأنهار والآبار محكوم بعدم الانفعال لاستمداده من المادّة دائماً ، فغير المستمد محكوم بالانفعال.
ويستثنى من ذلك ما إذا كان القليل غير المستمد من المادّة جارياً من الأعلى إلى الأسفل ، فإن أعلاه لا يتنجس بملاقاة الأسفل للنجاسة ، هذا هو المعروف بينهم وقد قدّمنا (4)نحن أن الميزان في ذلك ليس هو العلو أو السفل وإنّما المدار على خروج الماء بالقوّة والدفع بلا فرق بين العالي وغيره ، فإنّه يمنع عن سراية النجاسة إلى العالي من سافله أو العكس ، وذكرنا أن الوجه فيه هو أن العرف بحسب ارتكازاتهم يرون الماء متعدداً حينئذٍ فلا تسري النجاسة من أحدهما إلى الآخر ، فلو صبّ ماء من
[92] مسألة 2 : إذا شكّ في أن له مادّة أم لا وكان قليلاً ، ينجس بالملاقاة (1)
الإبريق على يد كافر مثلاً لا يحكم بتنجس ما في الإبريق بملاقاة الماء لليد القذرة ، وكذا في الفوارات إذا تنجس أعلاه بشيء لا نحكم بنجاسة أسفله ، هذا كلّه فيما إذا علمنا باتصال الجاري بالمادّة أو عدم اتصاله.
(1) يمكن أن يقال بطهارة الماء حينئذٍ مع قطع النظر عن استصحاب العدم الأزلي الآتي تفصيله ، وذلك لأن الشكّ في أن للماء مادّة أو أنّه لا مادّة له يساوق الشكّ في نجاسته وطهارته على تقدير ملاقاة النجس ، ومقتضى قاعدة الطهارة طهارته لقوله علیه السلام « كلّ شيء نظيف » (1)أو « الماء كلّه طاهر حتى يعلم أنّه قذر » (2)هذا وقد استدلّ على نجاسة الماء المذكور بوجوه :
الأوّل : التمسك بالعام في الشبهة المصداقية بناءً على جوازه ، كما ربّما يظهر من الماتن في بعض الفروع (3)، وإن صرح في بعضها (4)الآخر بعدم ابتنائه على التمسك بالعام في الشبهات المصداقية ، بأن يقال في المقام : إنّ مقتضى عموم ما دلّ على انفعال القليل بملاقاة النجس ، نجاسة كل ماء قليل لاقته النجاسة ، وقد خرج عنه القليل الذي له مادّة ، ولا ندري أن القليل في المقام من أفراد المخصص وأن له مادّة حتى لا ينفعل ، أو أنّه باق تحت العموم ولا مادّة له فينفعل بالملاقاة ، فنتمسك بعموم الدليل
1) كما في موثقة عمار المروية في الوسائل 3 : 467 / أبواب النجاسات ب 37 ح 4.
2) كما في صحيحة حماد بن عثمان المرويّة في الوسائل 1 : 134 / أبواب الماء المطلق ب 1 ح 5.
3) منشأ الظهور ملاحظة الفروع التي تبتني بظاهرها على التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية أو يحتمل فيها ذلك ، كما يجدها المتتبع في تضاعيف الكتاب [ منها : م / 299 ] ومنها مسألتنا هذه كما هو ظاهر.
4) كما في مسألة 50 من مسائل النكاح [3682] فيما إذا شكّ في امرأة في أنّها من المحارم أو من غيرها ، حيث قال : فمع الشكّ يعمل بمقتضى العموم لا من باب التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية ، بل لاستفادة شرطية الجواز أو المحرمية أو نحو ذلك ....
وبه نحكم بانفعاله.
هذا ولكنا قد قررنا في الأُصول بطلان التمسك بالعام في الشبهات المصداقية وذكرنا أنّه مما لا أساس له بلا فرق في ذلك بين العموم والإطلاق لتساويهما من هذه الجهة ، فالتمسك بإطلاق قوله علیه السلام « الماء إذا بلغ ... » المقتضي لانفعال القليل بالملاقاة غير سائغ في الشبهات المصداقية.
الثاني : قاعدة المقتضي والمانع ، كما ذهب إليها بعض المتقدمين على ما نسب إليه وبعض المتأخرين ممن قارب عصرنا ، حيث ذهب إلى أنّها المستند لاعتبار الاستصحاب ، وتقريبها في المقام أن يقال : إن ملاقاة النجاسة للماء القليل مقتضية للانفعال ، واتصاله بالمادّة مانع عن الانفعال وكلما علمنا بوجود المقتضي وشككنا في ما يمنع عن تأثيره نبني على عدم المانع وعلى وجود المعلول.
وقد ذكرنا في بحثي العموم والاستصحاب (1)أن هذه القاعدة أيضاً لا ترجع إلى أساس متين ، والعقلاء لا يبنون على وجود المعلول عند إحراز المقتضي والشكّ في وجود مانعه ، بل المتّبع هو الاستصحاب والأخذ بالمتيقن السابق عند الشكّ في بقائه.
الثالث : ما أسسه شيخنا الأُستاذ قدس سره ورتّب عليه فروعاً كثيرة في الأبواب الفقهية منها المقام وحاصله : أن الاستثناء من الحكم الإلزامي أو ما يلازمه كالنجاسة الملازمة لحرمة الشرب والوضوء والغسل وغيرها من أحكام النجاسات إذا تعلق بعنوان وجودي فهو عند العرف بمثابة اشتراط إحراز ذلك العنوان الوجودي في ارتفاع الحكم الإلزامي أو ما يلازمه ولا يكفي في ارتفاعها مجرد وجوده الواقعي (2)، وكان قدس سره يمثّل له بما إذا نهى المولى عبده من أن يأذن لأحد في الدخول عليه إلاّ لأصدقائه فشكّ العبد في صداقة زيد وعداوته لمولاه ، فإنّه ليس له أن يتمسّك بالبراءة عن حرمة الترخيص لزيد في الدخول ، بلحاظ أن الشبهة تحريمية موضوعية وهي مورد للبراءة باتفاق من الأخباريين والأُصوليين وذلك لأن العرف في مثله يرى
لزوم إحراز عنوان الصداقة في جواز الاذن والترخيص ، فالمشكوك محرّم الاذن وإن كان في الواقع صديقاً له. وقد طبقها قدس سره على المقام بأن الاستثناء عن ملزوم الحكم الإلزامي وهو النجاسة قد تعلق بأمر وجودي أعني اتصاله بالمادّة ، فهو بمنزلة اشتراط إحراز الاتصال في الحكم بعدم النجاسة والانفعال ، وحيث إن الاتصال غير محرز في المقام فهو محكوم بالنجاسة لا محالة وإن كان متصلاً بها واقعاً ، وإنّما نحكم بالطهارة في خصوص القليل الذي أحرزنا اتصاله بالمادّة.
هذا ولا يخفى أنّا ذكرنا في محلّه أن هذه القاعدة كالقاعدتين السابقتين لا أساس لها. نعم ، الأمر في خصوص ما مثّل به للمقام كما أفاده فإنّه لا يمكن فيه إجراء البراءة وهذا لا لما أسّسه قدس سره بل لأجل استصحاب عدم حدوث الصداقة بين زيد ومولاه ، لأن الصداقة حادثة قطعاً وليست من الأُمور الأزلية غير المسبوقة بالعدم ومعه لا يبقى للبراءة مجال لاشتراط جريانها بعدم أصل حاكم عليها في البين. وتفصيل الكلام في الجواب عمّا بنى عليه موكول إلى محلّه.
الرابع : استصحاب عدم اتصاف القليل بالاتصال بالمادّة باستصحاب العدم الأزلي ، وتوضيح ذلك : أن الصور المتصورة للمسألة أربع :
الاولى : أن نعلم أن القليل الذي نشك في اتصاله وعدمه مسبوق بالاتصال بالمادّة ونشك في بقاء اتصاله حين ملاقاته النجس كما يتفق ذلك غالباً في المياه الجارية والأنابيب المعمولة في زماننا هذا ، وفي هذه الصورة لا إشكال في جريان استصحاب اتصاله بالمادّة وعدم انقطاعها عنه.
الثانية : أن نعلم أنّه مسبوق بالانقطاع ، كما إذا القي مقدار من الماء لم يبلغ الكر على حفيرة وقد وقعت فيها نجاسة أيضاً ، فشككنا في أن الحفيرة بئر ولها مادّة لئلاّ ينفعل الماء الملقى عليها بوقوع النجاسة عليه أو أنّها صورة بئر لا مادّة لها فالماء غير متصل بها ومحكوم بالانفعال ، وفي هذه الصورة أيضاً لا إشكال في جريان استصحاب عدم الاتصال بالمادّة.
الثالثة : ما إذا لم تحرز حالته السابقة من الاتصال والانقطاع ، وهذه الصورة هي
مورد الوجوه الثلاثة المتقدمة دون الصورتين الأوليين كما أن هذه الصورة هي التي ندعي جريان استصحاب العدم الأزلي فيها ، على ما ذهب إليه صاحب الكفاية قدس سره ومثّل له بما إذا شكّ في قرشية المرأة وذكر أن المرأة حينما وجدت لا ندري أنّها هل اتصفت بالقرشية أم لم تتصف بها ولم تكن متصفة بها قبل وجودها قطعاً والأصل عدم اتصافها بتلك الصفة حين وجودها أيضاً (1).
وعلى هذا التقريب يقال في المقام : إن هذا القليل لم يكن متصفاً بالاتصال قبل خلقته ، ونشك في اتصافه به حين خلقته ووجوده فالأصل أنّه لم يتصف بالاتصال حين خلقته أيضاً ، فهو ماء قليل بالوجدان وغير متصل بالمادّة بالأصل ، فبضم الوجدان إلى الأصل يتم كلا جزئي الموضوع للحكم بالانفعال.
هذا ، وقد أورد عليه شيخنا الأُستاذ قدس سره (2)بالمنع من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية وبنى منعه هذا على مقدّمات :
الاولى : أن تخصيص العام بالمتصل أو بالمنفصل يوجب تعنون العام بعنوان غير عنوان الخاص لا محالة ، فإذا كان العنوان المأخوذ في الخاص وجودياً كان العام مقيداً بعنوان عدمي ، وإذا كان عدميا كان العام مقيداً بعنوان وجودي ، وذلك لأنّ الحاكم الملتفت إلى أن موضوع حكمه كالعالم مثلاً له قسمان : العادل والفاسق ، والإهمال في الواقع أمر غير معقول فهو إما أن يرى عدم دخل شيء من الخصوصيتين في موضوع حكمه وإما لا ، وعلى الثاني إما أن يكون ما له دخل من الخصوصية في موضوع الحكم أمراً وجودياً أو عدميا ، وهذه أقسام ثلاثة لا رابع لها لدورانها بين النفي والإثبات فالحصر فيها عقلي. أمّا القسم الأول وهو ما إذا كان موضوع الحكم مطلقاً وغير مقيد بشيء من الخصوصية : الوجودية والعدمية ، فهو أمر لا يجتمع مع التخصيص ، لأنّه يرجع إلى الجمع بين النقيضين ، فإن الموجبة الكلية تناقضها السالبة الجزئية لا محالة ، فإذا ثبت التخصيص في وجوب إكرام العالم وأن العالم الفاسق لا يجب
إكرامه ، امتنع معه أن يجب إكرام مطلق العالم سواء أكان عادلاً أم كان فاسقاً ، كما أنّه يمتنع أن يختص وجوب الإكرام بالفاسق ، فلا مناص من تقييد موضوع وجوب الإكرام بعدم كونه فاسقاً. وهذا معنى ما ذكرناه من أن تخصيص العام بعنوان وجودي يستلزم تقييده بأمر عدمي.
الثانية : أن الموضوع إذا كان مركباً ، فإمّا أن يتركّب من غير العرض ومحلّه ، وإمّا أن يكون مركّباً من العرض ومحلّه.
أمّا على الأوّل : كما إذا كان الموضوع مركباً من جوهرين أو من جوهر وعرض في موضوعه ، أو من عرضين في موضوع واحد ، أو في موضوعين فلا موجب لأخذ أحد الجزءين نعتاً للجزء الآخر بل اللاّزم هو اجتماع الجزءين في الخارج بلا دخل خصوصية أُخرى.
وأمّا على الثاني كأخذ الكرية والماء في موضوع الاعتصام وعدم الانفعال بمجرد ملاقاة النجاسة ، فلا مناص من أن يؤخذ العرض في الموضوع على نحو وجوده النعتي ، فإنّه لا سبيل إلى أخذه على نحو الوجود المحمولي ، فإنّ انقسام الشيء باعتبار أوصافه ونعوته في مرتبة سابقة على انقسامه باعتبار مقارناته ، فإذا كان التخصيص موجباً لتقييد موضوع العام ورافعاً لإطلاقه فإمّا أن يرجع التقييد إلى التقييد بلحاظ الانقسام الأولى ، فيكون الموضوع مقيداً بالوجود النعتي ، أو العدم النعتي المعبّر عنهما بمفاد كان وليس الناقصتين وإما أن يرجع إلى التقييد بلحاظ الانقسام الثانوي ، ليكون المأخوذ في الموضوع الوجود أو العدم المحمولي المعبّر عنهما بمفاد كان وليس التامتين.
لا سبيل إلى الثاني ، فإنّه مع تقييده بهذا الاعتبار إما أن يبقى الموضوع على إطلاقه بالاعتبار الأول ، أو يكون مقيداً به أيضاً. أمّا الأول فهو مستحيل ، إذ كيف يمكن أن يقيد الماء في موضوع المثال بأن يكون معه كريّة ومع ذلك يبقى على إطلاقه من جهة الاتصاف بالكرية وعدمه وهل هذا إلاّ تهافت وتناقض ، وأمّا الثاني فهو أيضاً لا يمكن من الحكيم لاستلزامه اللغو ، فإن التقييد بالاعتبار الأول يغني عن التقييد بالاعتبار الثاني.
ويترتّب على ما ذكرناه أن موضوع الحكم إذا كان مركباً من وجود العرض ومحلّه كما في المثال ، أو مركباً من عدم العرض ومحلّه كما فيما كان الاستثناء من العام عنواناً وجودياً ، ففي جميع ذلك لا مناص من أن يكون الدخيل في الموضوع الوجود أو العدم النعتيين ، دون الوجود أو العدم المحموليين.
الثالثة : أن العدم الأزلي وإن كان ثابتاً وحقاً فإن كل ممكن مسبوق بالعدم لا محالة فزيد لم يكن في وقت وعلمه وعدالته لم تكونا وهكذا ... إلاّ أن هذا العدم عدم محمولي لا نعتي ، فيصح أن يقال : علم زيد لم يكن ، ولا يصح أن نقول : زيد كان غير عالم ومتصفاً بعدم العلم فإنّه لم يكن موجوداً ليتصف بالوصف الوجودي أو العدمي ، فالعدم الأزلي محمولي دائماً ، ولا يصح فيه النعتي بوجه وذلك من جهة أن العدم النعتي كالوجود النعتي يحتاج إلى وجود الموضوع لا محالة.
ويترتّب على هذه المقدّمات : أن التخصيص بعنوان وجودي يقتضي تعنون العام بعنوان عدمي لا محالة بمقتضى المقدمة الأُولى ، وأن العدم المأخوذ في الموضوع عدم نعتي بمقتضى المقدمة الثانية ، وأن العدم النعتي كالوجود النعتي يحتاج إلى وجود الموضوع لا محالة ، والتقابل بينهما تقابل العدم والملكة ، وعلى ذلك فلا يمكن استصحاب العدم النعتي إذ المفروض عدم العلم به سابقاً بل هو مشكوك فيه من أوّل الأمر ، وأمّا العدم المحمولي فهو وإن كان متيقناً إلاّ أنّه لا يثبت العدم النعتي. فإشكال جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية هو الإثبات خاصة لا أن العدم قبل وجود موضوعه مغاير للعدم بعد وجود موضوعه ، فإنّ العدم عدم ، وبقاؤه غير مغاير لحدوثه بل بقاء له.
ولا يخفى أنّ المقدّمة الأُولى والثالثة من هذه المقدّمات ممّا لا ينبغي الشكّ في صحته ، وكذلك المقدمة الثانية فيما إذا كان المأخوذ في موضوع الحكم وجود العرض وذلك لا لما ذكره قدس سره فإنّه يندفع بأن التقييد بكل من الاعتبارين يغني عن التقييد بالاعتبار الآخر ، كما هو الحال في كل أمرين متلازمين ، فإن التقييد بأحدهما لا يبقي مجالاً للإطلاق بالإضافة إلى الثاني منهما. بل لأجل أن وجود العرض في نفسه
عين وجوده لموضوعه ، إذ ليس للعرض وجودان أحدهما لنفسه وثانيهما لموضوعه بل له وجود واحد وهو عين وجوده لموضوعه وكونه وصفاً ونعتاً لمعروضه ، فإذا كان المأخوذ وجود العرض في موضوع خاص ، كالكرية المأخوذة للماء في موضوع الاعتصام وعدم الانفعال بملاقاة النجس ، فلا محالة يكون الدخيل في الموضوع هو اتصاف الماء بالكرية على نحو مفاد كان الناقصة ، فإن وجود الكرية في الماء هو بعينه اتصاف الماء بالكرية ، لما عرفت من أن وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه ، وأمّا إذا كان الدخيل في الموضوع هو عدم العرض كما هو الحال فيما إذا كان الخارج من العموم عنواناً وجودياً فإن العام يتعنون حينئذٍ بوصف عدمي لا محالة فلا موجب للالتزام بكون الدخيل في الموضوع هو العدم النعتي.
وبيان ذلك : أن ما أفاده من أن تركب الموضوع من العرض ومحلّه يستلزم أخذ الاتصاف بالعرض في موضوع الحكم ، وإن كان متيناً لما قدّمناه من أن وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه ، إلاّ أنّه يختص بوجود العرض أعني العرض الوجودي ، وأمّا العدمي فلا يأتي فيه ما ذكرناه لأن العدم لا وجود له حتى يقال : إن وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه ، فإذا تركب الموضوع من عدم العرض ومحلّه فلا يستفاد منه في نفسه أن الاتصاف بالعدم مأخوذ في موضوع الحكم فإنّه أعم ويحتاج اعتبار الاتصاف به إلى مئونة زائدة ، فإن قامت قرينة على اعتباره فهو وإلاّ لما اعتبرنا في موضوع الحكم غير المحل وعدم العرض ولو على نحو العدم المحمولي فإذا ورد لا تكرم فساق العلماء وضممناه إلى العام ، فيستفاد منهما أن موضوع وجوب الإكرام هو العالم الذي لا يكون فاسقاً ، لا العالم المتصف بعدم الفسق لأنّه يحتاج إلى دليل وهو مفقود ، وعليه فلا مانع من استصحاب عدم الاتصاف بالفسق الثابت قبل وجود زيد ، إذ لم يكن الاتصاف قبل وجوده والآن كما كان. نعم ، لا يثبت بذلك الاتصاف بعدم الفسق ، إلاّ أنا في غنى عنه فإنّه ليس بموضوع للأثر ، وإنّما الأثر مترتب على العالم الذي لا يكون متصفاً بالفسق على نحو العدم المحمولي ، والمفروض أن له حالة سابقة كما مرّ ، وكم فرّق بين الموجبة معدولة المحمول وبين السالبة المحصلة لأن الاتصاف معتبر في الأُولى دون الثانية.
وإلى ما ذكرنا أشار صاحب الكفاية (1)فيما ذكره من أن العام لا يتعنون بعد التخصيص بعنوان خاص ، بل هو بكل عنوان غير عنوان المخصص يشمله الحكم بمعنى أن العالم في مفروض المثال لا بدّ وأن لا يكون فاسقاً ، ولم يؤخذ فيه أي عنوان غير هذا العنوان ، وإن كان ذلك العنوان هو الاتصاف بالعدم على نحو مفاد ليس الناقصة ، فالخارج هو الذي اعتبر فيه الاتصاف بالفسق على وجه النعت دون الباقي تحت العموم.
والأمر في المقام كذلك حيث إن أدلّة انفعال الماء القليل قد خصصت بالقليل الذي له مادّة ، وهو يوجب تعنون الباقي بالماء القليل الذي لا يكون له مادّة لا القليل المتصف بعدم المادّة ، وعليه فلنا أن نستصحب عدم المادّة في ظرف الشكّ إذ لم تكن له مادّة قبل وجوده والآن كما كان ، وهو استصحاب العدم المحمولي ، لأنّه الذي يترتب عليه الأثر عند تركب الموضوع من المحل وعدم العرض ، ما دام لم تقم قرينة خارجية على اعتبار الاتصاف بالعدم ، هذا تمام كلامنا في هذه الصورة.
الرابعة : ما إذا كان القليل مسبوقاً بحالتين متضادتين أعني الاتصال بالمادّة في زمان وعدم الاتصال بها في زمان آخر ، واشتبه المتقدم منهما بالمتأخر ، ولم يجر فيه شيء من استصحابي الاتصال وعدمه للتعارض أو لعدم المقتضي ، فهل هناك أصل آخر يحكم به على الماء بالطهارة؟.
قد يقال : إن مقتضى الاستصحاب في الماء طهارته ، لأنّه قبل أن يغسل به المتنجس كان طاهراً قطعاً ، فهو الآن كما كان وإن كنّا نشك في اتصاله بالمادّة وعدمه ، كما أن مقتضى الاستصحاب في المتنجس المغسول به نجاسة المغسول وعدم ارتفاع نجاسته بالغسل به ، ولا معارضة بين الاستصحابين كما ذكرناه غير مرّة لأنّا وإن علمنا بالملازمة الواقعية بين طهارة الماء وطهارة المتنجس المغسول به ، إلاّ أن التفكيك بينهما في مقام الظاهر بالأصل مما لا مانع عنه بوجه (2)وهذا نظير ما ذكره السيد ( قدس
سره ) في ماء يشك في كريته مع عدم العلم بحالته السابقة.
ثمّ إنّ التفكيك بين طهارة الماء وطهارة المغسول به في محل الكلام إنما يتم إذا كان الحكم بنجاسة القليل المحتمل اتصاله بالمادّة في الصورة السابقة مستنداً إلى جريان الاستصحاب في العدم الأزلي ، وأمّا بناء على استناده إلى صحّة التمسّك بالعام في الشبهات المصداقية أو تمامية قاعدة المقتضي والمانع أو صحّة ما أسّسه شيخنا الأُستاذ قدس سره من أخذ الإحراز فيما علّق عليه الترخيص فلا بدّ من الحكم في المقام بنجاسة الماء أيضاً لأنّه قليل ، ولا ندري أن له مادّة ومقتضى عموم انفعال القليل أو قاعدة المقتضي والمانع أو عدم إحراز اتصاله بالمادّة هو الحكم بنجاسته.
ولا يبقى بعد ذلك للحكم بطهارته بالاستصحاب أو بغيره مجال ، ولا يلزم حينئذٍ التفكيك بين الماء والمغسول به بل كلاهما محكومان بالنجاسة ، وهذا بخلاف ما إذا اعتمدنا في الحكم بنجاسة الماء عند الشكّ في أنّ له مادّة على استصحاب عدم اتصاله بالمادّة على نحو العدم الأزلي ، فإنّ التفكيك بناء عليه تام لا إشكال فيه. والوجه فيه : أنّ الاستصحاب المذكور لا يجري في المقام لسبقه بحالتين متضادتين ، ومعه لا يجري شيء من استصحابي الاتصال وعدمه ، إما للتعارض وإما لعدم المقتضي على خلاف في ذلك بيننا وبين صاحب الكفاية قدس سره (1)وعليه فلا مانع من استصحاب الطهارة في الماء كما لا مانع من استصحاب بقاء النجاسة في المغسول به ، فيلزم التفكيك بين طهارة الماء وطهارة المغسول به.
ثم إن الحكم بنجاسة المغسول به بالاستصحاب في المقام يبتني على اعتبار ورود الماء على المتنجس في التطهير بالقليل ، وأمّا إذا قلنا بعدم اعتباره ، وكفاية ورود المتنجس على الماء فلا ينبغي التأمل في طهارة المغسول به ، إذ المفروض كفاية الغسل به حتى لو لم تكن له مادّة في الواقع فلا يبقى مجال للتفكيك.
ثم إنّا إذا اعتبرنا ورود الماء على النجس في التطهير بالقليل فلا بدّ من أن نلاحظ دليل اعتبار ذلك ، فإن كان دليله ما اعتمد عليه بعضهم من أن القليل ينفعل بمجرّد
1) كفاية الأُصول : 421.
[93] مسألة 3 : يعتبر في عدم تنجس الجاري اتصاله بالمادّة (1) فلو كانت المادّة من فوق تترشح وتتقاطر ، فإن كان دون الكر ينجس. نعم إذا لاقى محل الرشح للنجاسة لا ينجس.
اتصاله بالنجس ، فلا يمكن تطهير المتنجس به فيما إذا ورد على الماء ، فلا بدّ من اعتبار ورود الماء عليه لئلاّ ينفعل بمجرد الاتصال فنحكم في المقام أيضاً بطهارة المغسول به وإن ورد على الماء ، لأن الماء لا ينفعل في المقام بمجرد اتصاله بالنجس وملاقاته معه كما لا ينفعل بعده ، وذلك بحكم الاستصحاب القاضي بطهارة الماء عند الشكّ في انفعاله ، فهو طاهر حين الاتصال وبعده فلا مانع من تطهير المغسول به مطلقاً.
نعم ، إذا اعتمدنا في الحكم باعتبار ورود الماء على النجس على الروايات الناطقة بذلك لقوله علیه السلام : « صبّ عليه الماء مرّتين » (1)ونحوه فلا محيص من الالتزام بعدم طهارة المتنجس إذا ورد على الماء للشكّ في حصول شرط طهارة المغسول به لأن الماء إن كان له مادّة حين الغسل فهو طاهر يطهّر المتنجس المغسول به لا محالة وإن لم تكن له مادّة فالمغسول به محكوم بالنجاسة لعدم حصول شرط التطهير به وهو ورود القليل على النجس ، وبما أنّا نشك في بقاء نجاسته وارتفاعها فمقتضى استصحابها نجاسة المغسول به ، كما أن مقتضى استصحاب الطهارة في الماء طهارته فالتفكيك حينئذٍ صحيح.
(1) بأن ينفصل الخارج عن المادّة ، كما مثّل به بقوله : فلو كانت المادّة. فإنّه إذا انفصل عنها فالمياه المجتمعة المنفصلة عن مادتها غير البالغة حدّ الكر ماء قليل ينفعل بملاقاة النجاسة لا محالة. نعم ، القطرة المتصلة بالمادّة محكومة بالاعتصام ما لم تنفصل عنها ، كما أشار إليه بقوله : نعم ، إذا لاقى ..
1) الوسائل 3 : 395 / أبواب النجاسات ب 1 ح 3 ، 4 ، 7.
[94] مسألة 4 : يعتبر في المادّة الدوام فلو اجتمع الماء من المطر أو غيره تحت الأرض ، ويترشح إذا حفرت لا يلحقه حكم الجاري (1).
والوجه فيما ذكرناه أن ظاهر قوله علیه السلام في صحيحة ابن بزيع « لأن له مادّة » أن يكون للماء مادّة بالفعل بأن يتصل بها فعلاً ، وأمّا ما كان متصلاً بها في وقت مع انفصاله عنها بالفعل فهو خارج عن مدلول الرواية كما عرفت. هذا في الانفصال بالطبع وكذلك الحال في الانفصال بالعرض كانسداد المنبع من اجتماع الوحل والطين لأنّه لانفصاله عن المادّة محكوم بعدم الاعتصام ، وقد أشار إليه الماتن في المسألة الخامسة كما يأتي.
(1) الظاهر أن مراده بالدوام على ما يساعد عليه تفريعه بقوله فلو اجتمع ... كون المادّة طبيعية موجبة لجريان الماء على وجه الأرض بطبعها ، وأمّا المادّة الجعلية الموجبة لجريان الماء ورشحه بالجعل دون الطبع فهي غير كافية في الاعتصام ، كما إذا جعلنا مقداراً من الماء في أرض منخفضة الأطراف ، أو اجتمع فيها ماء المطر ، فإنّه يوجب الرشح في جوانبها وجريان الماء لا محالة إلاّ أنّها غير عاصمة ، وذلك لأن ظاهر قوله في صحيحة ابن بزيع : « لأن له مادّة » أن يكون للماء مادّة متصلة فعلاً يجري الماء عنها بطبعها. فالجعلية أو غير المتصلة منها لا تصدق عليها المادّة الفعلية كما هو ظاهر.
ذكر الشهيد قدس سره في الدروس أن الجاري لا يشترط فيه الكرية على الأصح. نعم ، يشترط فيه دوام النبع (1)وقد وقع هذا مورداً للإشكال والكلام عند الأصحاب فنقول في شرح مراده قدس سره إن الدوام في كلامه هذا يحتمل أُموراً :
الأوّل : ما عن الشهيد الثاني قدس سره في روض الجنان من حمل الدوام على
1) الدروس : 15.
الاستمرار في النبع ، وأن ما ينبع في بعض فصول السنة دون بعضها الآخر لا يحكم عليه بالاعتصام (1).
ويضعّف هذا الاحتمال أمران :
أحدهما : ما أورده عليه صاحب الحدائق قدس سره من أن اشتراط دوام النبع في المادّة على خلاف إطلاق صحيحة ابن بزيع ، لأن المادّة فيها غير مقيدة بدوام النبع فهو مضافاً إلى أنّه مما لا شاهد له من الأخبار ولا يساعد عليه الاعتبار قد دلّ الدليل على خلافه (2).
وثانيهما : أن استمرار النبع إن أُريد به الاستمرار إلى الأبد فهو مما لا يوجد في أنهار العالم إلاّ نادراً ، على أن إحراز ذلك أمر غير ميسور ، فبأي شيء يحرز دوام نبعه إلى الأبد ، وإن أُريد به الاستمرار المقيد بوقت خاص فيقع الكلام في تعيين ذلك الوقت ، وأن الزمان الذي لا بدّ من أن يستمر الجاري إلى ذلك الزمان أيّ زمان ، فهذا الاحتمال في غاية السقوط. ومن هنا طعن عليه المحقق الثاني قدس سره بقوله : إن أكثر المتأخرين عن الشهيد ( طاب ثراه ) ممن لا تحصيل لهم فهموا هذا المعنى من كلامه ...
الثاني : أن يراد بالدوام استمرار النبع حين ملاقاة النجس ، لا على وجه الإطلاق. ولعلّ هذا هو الظاهر من اعتبار الدوام ، ولا بأس به في نفسه إلاّ أنّه ليس أمراً زائداً على ما اعتبرناه في الجاري من الاتصال بالمادّة ، حيث قلنا إن الماء إذا انقطع عنها يحكم بانفعاله على تقدير قلته وعليه فيصبح اعتبار الدوام في كلامه قيداً توضيحياً وإن كان أمراً صحيحاً في نفسه.
الثالث : ما نسب احتماله إلى بعضهم من إرادة الاحتراز عمّا ينبع آناً وينقطع آناً لفتور مادته وضعفها ، وأن مثله ينفعل إذا لاقى نجساً لعدم إحراز اتصاله بالمادّة حال ملاقاة النجس ، ولعلّها لاقته حين انقطاع نبعها.
هذا ولا يخفى أن ذلك أيضاً ليس بشرط جديد وراء شرط الاتصال وأمّا الحكم عليه بالانفعال على تقدير ملاقاته النجس فيدفعه ما أشرنا إليه سابقاً من أن الجاري إذا كان مسبوقاً بحالتين متضادتين أعني الاتصال وعدمه ، فهو وإن كان لا يجري فيه استصحاب الاتصال وعدمه إلاّ أن استصحاب الطهارة في الماء مما لا مانع عنه بوجه فبه يحكم بطهارته بل ولا أقل من قاعدة الطهارة ، فالماء لا يحكم عليه بالانفعال.
الرابع : ما حكاه صاحب الحدائق قدس سره (1)عن بعض الأفاضل من المحدثين من أن يراد به نبع المادّة دائماً ، أو بعد أخذ مقدار من مائها وقد ذكر في توضيح ذلك أن المواد على أنحاء ثلاثة :
إحداها : ما تكون نابعة على وجه الاستمرار بالفعل بأن تنبع ويجرى ماؤها على وجه الأرض كما في العيون الجارية.
وثانيتها : ما تكون نابعة على نحو الاستمرار أيضاً ولكنه لا بالفعل بل بالاقتضاء بمعنى أن تكون نابعة إلى أن يبلغ الماء حداً معيناً ، وهو تساوي الماء الخارج المجتمع منها في البئر للماء الموجود في مادتها وفي عروق الأرض ، وحينئذٍ تقف ولا تنبع إلاّ أن يؤخذ مقدار من مائها لينزل به سطح الماء ، فتنبع ثانياً بدل المتحلل مما أُخذ منه من الماء إلى أن يتصاعد الماء إلى السطح السابق وهكذا ... فللمادّة اقتضاء النبع دائماً ، وهذا هو الغالب في المواد فإن نبعها لو كان دائمياً وغير منقطع في زمان لأوجب غرق العالم بالماء.
وثالثتها : ما تكون نابعة إلاّ أنّه إذا أخذنا منها ماءها ينقطع نبعها وتقف ولا تنبع ثانياً إلاّ بعد حفر جديد ثم تنبع بمقدار ، وإذا أخذنا منها ذلك المقدار تقف ولا تنبع إلاّ بعد حفر آخر وهكذا .... كما يتفق ذلك في بعض الأراضي والبلدان ، فالنبع في القسمين الأولين دائمي فعلاً أو بحسب الاقتضاء ، وأمّا في الثالث فلا دوام للنبع فيه بوجه بل ولا تصدق على مثله المادّة أصلاً ، لأنّ المادّة من المدد والإمداد والمفروض أنّها لا تمد الماء بعد أخذه فلا يستمد منها في شيء ، والماء الحاصل منها غير مستند إلى
1) الحدائق 1 : 196.
المادّة فينفعل بالملاقاة لا محالة ، ومن هنا ذكر أن شمول الأخبار المستفاد منها حكم الجاري لهذه الصورة غير واضح. وعلى هذا الاحتمال كان اعتبار دوام النبع عبارة أُخرى عن اعتبار اتصال الماء بالمادّة لأن المادّة إذا لم تمدّ الماء فلا محالة تكون منقطعة وغير متصلة بالماء.
الخامس : أن يراد بالدوام نبع المادّة وجريانها فعلاً ، وأمّا إذا لم تنبع بالفعل ولو لأجل مانع لا لأجل ضعفها وفتورها ، بل لحصر أطرافها على ما هو الغالب في الآبار إذ المادّة إنما تنبع إلى أن يساوي المقدار الخارج منها المجتمع في البئر للماء الموجود في المادّة وفي عروق الأرض ، وينقطع النّبع بعد ذلك فيحكم عليه بالانفعال ، وعلى الجملة لا يكفي اقتضاء النبع في الحكم بالاعتصام بل يعتبر فيه فعلية النّبع.
وفساد هذا الاحتمال من الظهور بمكان لأن احتمال اعتبار الجريان الفعلي إنما يصح فيما إذا كان الحكم مترتباً في لسان الدليل على عنوان الجاري ويقال وقتئذٍ إن حكمه لا يأتي في مثل الآبار المسدودة الأطراف لعدم الجريان الفعلي فيها ، ولكن الحكم في الدليل إنما رتب على عنوان ماله المادّة ، ومن الظاهر أن الآبار المذكورة مما له مادّة قطعاً ، وهذا العنوان صادق عليها بلا ريب وليس اعتصام الآبار متفرعاً على اعتصام الجاري حتى يحتمل فيها اعتبار الجريان الفعلي أيضاً بل الأمر بالعكس ، وإنما استفدنا حكم الجاري من قوله علیه السلام لأن له مادّة في صحيحة ابن بزيع الواردة في البئر حيث تعدينا من موردها إلى كل ماله مادّة.
وأمّا اعتبار فعلية النبع وعدم كفاية الاقتضاء بالمعنى المتقدم وهو كون المادّة بحيث يخرج منها بدل المتحلل من الماء ويستمد منه ، فلم يقم عليه دليل بل الغالب في الآبار أن مادّتها تقتضي النبع بمقدار المتحلل من مائها ولا تنبع فيها دائماً فإنه يؤدي إلى غرق العالم كلّه.
السادس : أن يراد بالدوام ما ذكره الماتن قدس سره في الكتاب وهو أن تكون المادّة طبيعية موجبة للجريان بطبعها في مقابل المواد الجعلية كما إذا جعلنا مقداراً من الماء على مكان منخفضة الأطراف أو فاض البحر أو النهر واجتمع الماء من فيضانهما في الغدران وأوجب النبع في الأمكنة المنخفضة عنها ، فإنها أيضاً مواد فعلية تنقطع بعد
[95] مسألة 5 : لو انقطع الاتصال بالمادّة (1) كما لو اجتمع الطين فمنع من النبع كان حكمه حكم الراكد ، فإن أُزيل الطين لحقه حكم الجاري ، وإن لم يخرج من المادّة شيء ، فاللاّزم مجرد الاتصال.
[96] مسألة 6 : الراكد المتصل بالجاري كالجاري (1)(2) فالحوض المتصل بالنهر بساقية يلحقه حكمه ، وكذا أطراف النهر ، وإن كان ماؤها واقفاً.
[97] مسألة 7 : العيون التي تنبع في الشتاء مثلاً وتنقطع في الصيف يلحقها الحكم في زمان نبعها (3).
[98] مسألة 8 : إذا تغيّر بعض الجاري دون بعضه الآخر فالطرف المتصل
مدّة كيوم أو أُسبوع ونحوهما وهذا بخلاف المواد الطبيعية في الآبار والأنهار وهي التي تنصرف إليها لفظة المادّة في صحيحة ابن بزيع كما قدمناه.
وهذه احتمالات ستة في كلام الشهيد ( طاب ثراه ) وقد ظهر ما هو الصحيح منها من سقيمها وأمّا أنّ أيّاً منها قد أراده الشهيد قدس سره فهو أعلم بمراده واللّه سبحانه هو العالم بحقيقة الحال.
(1) هذا هو انقطاع النبع بالعرض ، وقد قدّمنا حكمه في المسألة الثالثة من هذا الفصل ، فراجع.
(2) وحكمه حكم الجاري في الاعتصام بلا خلاف لاتصاله به قليلاً كان أم كثيراً وأمّا الأحكام الخاصّة المترتّبة على عنوان الجاري ككفاية الغسل به مرّة في المتنجس بالبول فهي لا تترتّب عليه ، وذلك لعدم صدق الجاري على الراكد وهو ظاهر ، اللّهمّ إلاّ أن نقول بكفاية المرّة في الكر أيضاً وهو أمر آخر.
(3) قد عرفت أن احتمال عدم اعتصام تلك العيون في زمان نبعها مدفوع بوجهين عمدتهما إطلاق صحيحة ابن بزيع فما أفاده في المتن هو الصحيح.
1) (*) في الاعتصام وعدم انفعاله بالملاقاة.
بالمادّة لا ينجس بالملاقاة وإن كان قليلاً ، والطرف الآخر حكمه حكم الرّاكد إن تغيّر تمام قطر ذلك البعض المتغيّر ، وإلاّ فالمتنجس هو المقدار المتغيّر فقط ، لاتصال ما عداه بالمادّة (1).
(1) قد أسلفنا أن الجاري وغيره إذا تغيّر في شيء من أحد أوصافه بتمامه يحكم عليه بالنجاسة ، وطريق تطهيره كما أشرنا إليه هو أن يتصل بالمادّة بعد زوال تغيّره وأمّا إذا تغيّر بعضه فلا يخلو إما أن يتغيّر بعض الجاري في تمام قطر الماء أعني به عرضه وعمقه ، وإما أن يتغيّر في بعض قطره.
أمّا على الأوّل : فلا ينبغي الإشكال في أن الماء المتصل بالمادّة المتقدم على المقدار المتغيّر معتصم بتمامه قليلاً كان أم كثيراً لاتصاله بالمادّة وهو ظاهر ، وأمّا الماء المتأخر عن المتغيّر بعرضه وعمقه فإن كان كراً فلا كلام أيضاً في اعتصامه وطهارته ، وعليه فالمتقدم والأخير طاهران والمتنجس هو الوسط ، وأمّا إذا كان قليلاً فهو محكوم بالانفعال لاتصاله بالنجس وهو البعض المتغيّر بعرضه وعمقه ، وعليه فالوسط والأخير محكومان بالنجاسة والمتقدم هو الطاهر. وقد تأمل صاحب الجواهر قدس سره في الحكم بنجاسة الماء المتأخر في هذه الصورة بعد ما ضعّف الحكم بالطهارة فيه فإنه يصدق عليه عنوان الجاري واقعاً ، فلا وجه للحكم بانفعاله لأنّه جار غير متغيّر. على أنّا لو احتملنا عدم دخوله في عنوان الجاري فهو معارض باحتمال دخوله فيه ، فالاحتمالان يتعارضان فيتساقطان ، ويرجع معه إلى قاعدة الطهارة فيه هذا ما ذكره قدس سره في المقام (1).
والذي ينبغي أن يقال : إن الموضوع للحكم بالاعتصام ليس هو عنوان الجاري كما عرفته سابقاً وإنما حكم عليه بعدم الانفعال لأن له مادّة على ما استفدناه من صحيحة ابن بزيع ، وقد أسلفنا أن المادّة بمعنى ما يمد الماء وما منه يستمد بخروج المقدار المتحلل
1) الجواهر 1 : 89.
من الماء ، والمادّة بهذا المعنى غير متحقّقة في الماء المتأخر فإنّه لا يستمد من المادّة بوجه لانفصاله عنها فلا يصدق أنّه ماء له مادّة فحكمه حكم الراكد فينفعل إذا كان قليلاً وهذا بخلاف الماء المتصل بالمادّة المتقدم على البعض المتغيّر ، لأنّه يستمد من المادّة دائماً ويصدق حقيقة أن له مادّة ، فالحكم بطهارة الماء المتأخر بلا وجه.
ثم لو فرضنا إجمال الدليل ولم نستفد من مجموع صدر الصحيحة وذيلها دوران الاعتصام مدار الاتصال بالمادّة بالمعنى المتقدم ، واحتملنا كفاية صدق الجاري على الماء في الحكم بالاعتصام ، فالمقام من أحد موارد إجمال المخصص الذي يتردد الأمر فيه في غير المقدار المتيقن بين استصحاب حكم المخصص وبين الرجوع إلى حكم العام وهو نزاع معروف ، وذلك لأن الدليل قد دلّ بعمومه على انفعال كل ماء قليل بملاقاة النجس وقد خرج عنه القليل الذي له مادّة ، وحيث إنّا فرضنا إجمال المخصص المذكور وكان المتيقن منه هو القليل الذي يستمد من مادته فلا محيص من الاقتصار عليه في الحكم بالاعتصام ، وأمّا ما لا استمداد فيه من المادّة فيدور الأمر فيه بين استصحاب حكم المخصص والحكم بعدم الانفعال ، لأنّه قبل أن يتغيّر المتوسط منه بالنجس كان متصلاً بمادته ، وكان مشمولاً للمخصص قطعاً ، وبين الرجوع إلى عمومات انفعال القليل ، فإن رجّحنا أحدهما على الآخر فهو ، وأمّا إذا توقفنا عن ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر فيرجع إلى قاعدة الطهارة لا محالة.
ولعلّ صاحب الجواهر قدس سره يرجّح استصحاب حكم المخصص في أمثال المقام الذي لا يكون الزمان مأخوذاً فيه على وجه التقييد كما ذهب إليه جملة من الأعلام كشيخنا الأنصاري وصاحب الكفاية وغيرهما 5 بدعوى أن الشكّ إنما هو في حكمه بعد التخصيص لا في مقدار ما وقع عليه التخصيص أو أنّه يتوقّف عن الترجيح ويرجع إلى قاعدة الطهارة. وحيث إنّا اخترنا في محلّه الرجوع إلى العام مطلقاً سواء أُخذ الزمان فيه ظرفاً أم على وجه التقييد ، فالمتعيّن هو الحكم بانفعال الماء المتأخر أيضاً بمقتضى عمومات انفعال القليل. والذي يسهّل الخطب عدم إجمال المخصص بوجه ، لأنّ الصحيحة بصدرها وذيلها دلّت على أن المناط في الاعتصام هو اتصال الماء بالمادّة ، وهذا غير صادق على الماء المتأخر عن المتغيّر كما
الراكد بلا مادّة إن كان دون الكر ينجس بالملاقاة من غير فرق بين النجاسات (1).
عرفت ، هذا كلّه على الأوّل.
وأمّا على الثاني : وهو تغيّر بعض الجاري في بعض قطره ، فالمتقدم والمتأخر كلاهما طاهران ، كان المتأخر بمقدار كر أم لم يكن ، وذلك لأجل اتصاله بالمادّة بالمعنى المتقدم فإن المفروض عدم تغيّر المتوسط بتمامه ، وإنما تغيّر ببعضه دون بعضه كما إذا غسلنا شاة مذبوحة في الشط وتغيّر بذلك بعض جوانب الماء ، لأن المتنجس حينئذٍ هو خصوص البعض المتغيّر دون سابقه ولاحقه. هذا تمام الكلام في الجاري.
فصل في الراكد بلا مادّة
(1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات :
الجهة الاولى : أن الراكد إذا كان بمقدار كر فلا خلاف في اعتصامه وعدم انفعاله بملاقاة النجس ، ويأتي الكلام فيه مفصلاً بعد بيان حكم القليل إن شاء اللّه تعالى.
الجهة الثانية : أن الغرض من البحث عن انفعال القليل في المقام إنما هو إثبات انفعاله على نحو الموجبة الجزئية في قبال ابن أبي عقيل القائل بعدم انفعاله رأساً ، وأمّا أنّه هل ينفعل بالنجس والمتنجس كليهما أو لا ينفعل بالمتنجس؟ وأنّه هل ينفعل بالدم الذي لا يدركه الطرف؟ وغير ذلك من التفاصيل فهي مباحث أُخر يأتي الكلام عليها في طي مسائل مستقلة إن شاء اللّه.
الجهة الثالثة : فيما دلّ على انفعال القليل بالملاقاة ، ويقع الكلام فيها في مقامين :
أحدهما : في بيان ما يدل على انفعاله.
وثانيهما : في معارضته لما دلّ على عدم الانفعال.
أمّا المقام الأول : فالمعروف بين الأصحاب المتقدمين منهم والمتأخرين أن القليل ينفعل بملاقاة النجس ، وخالفهم في ذلك ابن أبي عقيل فذهب إلى عدم انفعاله بشيء (1)، ووافقه على ذلك المحدث الكاشاني قدس سره (2).
والذي يقتضي الحكم بانفعال القليل عدّة روايات ربّما يدعى بلوغها ثلاثمائة رواية كما حكاه شيخنا الأنصاري قدس سره في طهارته عن بعضهم (3). وهي وإن لم تبلغ تلك المرتبة من الكثرة إلاّ أن دعوى تواترها إجمالاً قريبة جدّاً ، لأنّ المنصف يرى من نفسه أنّه لا يحتمل الكذب في جميع هذه الروايات ، على أن فيها صحاحاً وموثقات ومعهما لا يهمنا إثبات تواترها الإجمالي فإنهما كافيتان في إثبات الحكم شرعاً.
ومن تلك الأخبار صحيحة محمد بن مسلم وغيرها الواردة بمضمون « أن الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شيء ». وهذا المضمون قد ورد ابتداءً في بعضها (4)وبعد السؤال عن الماء الذي تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب في بعضها الآخر (5)وفي ثالث بعد السؤال عن الوضوء من الماء الذي تدخله الدجاجة والحمامة وأشباههما وقد وطأت عذرة (6).
وصحيحة إسماعيل بن جابر قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الماء الذي لا ينجسه شيء فقال : كر ... » (1).
وصحيحته الأُخرى « عن الماء الذي لا ينجسه شيء؟ قال : ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته » (2)وقد أسندها في الحدائق إلى عبد اللّه بن سنان (3)ولعلّه من سهو القلم.
وصحيحة محمد بن مسلم قال : « سألته عن الكلب يشرب من الإناء قال : اغسل الإناء » (4)ومن الظاهر أن الكلب إنما يشرب من وسط الإناء ولا يمسه فلا وجه للحكم بغسله إلاّ نجاسة الماء الموجود فيه ، فإنّ الكلب نجّس الماء بإصابته وهو قد لاقى الإناء وأوجب نجاسته ، وبهذا تدلنا هذه الرواية وغيرها من الأخبار الآمرة بغسل الآنية التي شرب منها الحيوان النجس على انفعال القليل بملاقاة النجس إلى غير ذلك من الأخبار ، وستأتي جملة أُخرى منها في مطاوي هذا البحث وفي البحث عن تنجس الماء القليل بالمتنجس ، هذا كلّه في المقام الأول.
وأمّا المقام الثاني : فقد عرفت أن ابن أبي عقيل ذهب إلى عدم انفعال القليل كالماء الكثير ، ووافقه على ذلك المحدث الكاشاني ( طاب ثراه ) واستدلّ عليه بوجوه من الأخبار وغيرها.
فمنها : ما استدلّ به الكاشاني قدس سره من قوله صلی اللّه علیه و آله : « خلق اللّه الماء طهوراً لا ينجّسه شيء إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه » (5)وادّعى أنّها مستفيضة وقد دلت على حصر موجب الانفعال بالتغيّر في أحد الأوصاف الثلاثة
وأن ما لا تغيّر فيه لا انفعال فيه قليلاً كان أم كثيراً.
وهذا الاستدلال من عجائب ما صدر عن الكاشاني ( طاب ثراه ) لأنّه من أحد المتضلعين في الأخبار وقد ادعى مع ذلك استفاضة الروايات المتقدمة عن النبي صلی اللّه علیه و آله ولم يرد شيء منها من طرقنا وإنما رواها العامة بطرقهم فلا رواية حتى تستفيض فهذه الدعوى سالبة بانتفاء موضوعها على أنّها لم تبلغ مرتبة الاستفاضة من طرق العامة أيضاً وإنما رووها بطريق الآحاد ومثل هذا لا يكاد يخفى على المحدّث المذكور فهو من غرائب الكلام.
ومنها : ما ورد من طرقنا بمضمون أن الماء لا ينجسه شيء إلاّ أن يتغيّر طعمه أو ريحه أو لونه حيث حصر علّة الانفعال بالتغيّر في أحد الأوصاف الثلاثة وهو كما في رواية القماط أنّه سمع أبا عبد اللّه علیه السلام يقول : « في الماء يمرّ به الرجل وهو نقيع فيه الميتة والجيفة فقال أبو عبد اللّه علیه السلام إن كان الماء قد تغيّر ريحه أو طعمه فلا تشرب ولا تتوضأ منه وإن لم يتغيّر ريحه وطعمه فاشرب وتوضّأ » (1)وصحيحة حريز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه علیه السلام أنّه قال : « كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء واشرب فإذا تغيّر الماء وتغيّر الطعم فلا تتوضّأ منه ولا تشرب » (2)وصحيحة عبد اللّه بن سنان قال : « سأل رجل أبا عبد اللّه علیه السلام وأنا حاضر عن غدير أتوه وفيه جيفة؟ فقال : إن كان الماء قاهراً ولا توجد منه الريح فتوضأ » (3)إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الدالّة على انحصار المناط في الانفعال بالتغيّر قليلاً كان الماء أم كثيراً ، فالقلّة لا تكون علّة للانفعال بالملاقاة ما دام لم يتغيّر في أحد أوصافه.
ويدفعه عدم ورود شيء من هذه الأخبار في خصوص القليل حتى تعارض الأخبار المتقدمة الدالّة على انفعال القليل بالملاقاة ، فإنّ الموضوع فيها هو النقيع والغدير وأشباههما مما هو أعم من القليل والكثير ، بل ظاهر هذه العناوين هو
خصوص الكثير فإن النقيع وأمثاله إنما يطلق على الماء الذي يبقى مدّة في الفلوات والقليل ليس له بقاء كذلك. وغاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال بهذه الأخبار أنها مطلقة لعدم استفصالها بين القليل والكثير وترك الاستفصال دليل العموم.
والجواب عن ذلك : أنها وإن كانت مطلقة لما ذكر ، إلاّ أنّه لا بدّ من رفع اليد عن إطلاقها بالأخبار المتقدمة التي ادعينا تواترها إجمالاً لدلالتها على انفعال القليل بمجرد ملاقاة النجس وإن لم يتغيّر شيء من أوصافه ، وهذا كما دلّ على نجاسة ماء الإناء إذا أصابته قطرة من الدم (1)أو أصابته يده وهي قذرة (2)أو شرب منه الكلب والخنزير (3)ومن الظاهر أن ملاقاة هذه الأُمور للماء القليل لا يوجب تغيّره في شيء مع أنّه ينفعل بملاقاتها. وهذه الأخبار تكفي في تقييد إطلاق الروايات المتقدمة.
وممّا يدلّنا على هذا ما ورد في صحيحة صفوان بن مهران الجمال من سؤاله علیه السلام عن مقدار الماء وحكمه بعدم الانفعال على تقدير بلوغ الماء نصف الساق والوجه في دلالتها أنّه لو لم يكن هناك فرق بين القليل والكثير لما كان وجه لسؤاله علیه السلام عن مقدار الماء. « قال صفوان الجمال سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الحياض التي ما بين مكة إلى المدينة تردها السباع وتلغ فيها الكلاب وتشرب منها الحمير ويغتسل فيها الجنب ويتوضأ منها؟ قال : وكم قدر الماء؟ قال : إلى نصف الساق ، وإلى الركبة ، فقال : توضأ منه » (4). وقد دلت هذه الرواية على عدم انفعال الكر بورود السباع وولوغ الكلاب ونحوهما ، فإن الماء في الصحاري إذا بلغ نصف الساق يشتمل على أضعاف الكر غالباً ، إذ الصحاري مسطحة وليست مرتفعة الأطراف كالحياض الموجودة في البيوت فإذا بلغ فيها الماء نصف الساق فهو يزيد عن الكر بكثير.
ويدلّ على تقييد المطلقات المتقدمة أيضاً ما ورد من الأخبار في تحديد الماء العاصم بالكر كما في صحيحة إسماعيل بن جابر قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الماء الذي لا ينجسه شيء فقال كر ... » (1)وغيرها ممّا هو بهذا المضمون لأنّها تدل على أن القليل ينفعل بملاقاة النجس وإن لم يحصل فيه تغيّر ، وهذه الأخبار وإن كانت معارضة للمطلقات المتقدمة بالعموم من وجه إلاّ أنّها تتقدم على المطلقات وتوجب تقيدها لا محالة. والوجه في ذلك هو أن هذه الأخبار دلتنا على أن هناك شيئاً يوجب انفعال القليل دون الكثير وليس هذا هو التغيّر قطعاً لأنّه كما ينجس القليل كذلك يوجب انفعال الكثير لما دلّ على تنجس ماء البئر ونحوه بالتغيّر في أحد أوصافه كما عرفته سابقاً ، ولا سيما أن أغلب الآبار كر ، وعليه فلا بدّ من تقييد ما دلّ على اعتصام البئر والكر ونحوهما كإطلاق قوله لأنّ له مادّة (2)وقوله كر (3)بما إذا لم يتغيّر بشيء من أوصاف النجس.
وقد صرّح بما ذكرناه في صحيحة شهاب بن عبد ربّه المروية عن بصائر الدرجات حيث قال علیه السلام في ذيلها : « وجئت تسئل عن الماء الراكد من الكر (4)
مضافاً إلى الأخبار المتقدمة التي استدللنا بها على ذلك في ص 57 فإن فيها غنى وكفاية في الحكم بنجاسة الماء المتغيّر.
أضف إلى ذلك موثقة أبي بصير قال : « سألته عن كر من ماء مررت به وأنا في سفر قد بال فيه حمار أو بغل أو إنسان قال : لا توضأ منه ولا تشرب » الوسائل 1 : 139 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 5 ، لأنّها بعد ما قيدناها بالأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالّة على عدم نجاسة الكر بملاقاة النجس من غير تغيّر كالصريحة في إرادة تغيّر الكر ببول الإنسان فيه.
وأمّا نهيه 7 عن شربه أو التوضؤ منه إذا بال فيه بغل أو حمار فهو محمول على الكراهة أو التقيّة.
ويؤيدها ما ورد في غير واحد من الأخبار من النهي عن التوضؤ أو الشرب من الغدير والنقيع فيما إذا تغيّرا بوقوع الجيفة فيهما [ الوسائل 1 : 139 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 4 ، 6 ، 11 ، 13 ] إذ النقيع ، والغدير في الصحاري يشتملان عادة على أزيد من الكر بكثير ولا سيّما على المختار من تحديده بسبعة وعشرين شبراً ، فليلاحظ.
مما لم1) الوسائل 1 : 159 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 7.
2) الوسائل 1 : 141 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 12 ، وكذا في ص 172 / أبواب الماء المطلق ب 14 ح 7.
3) كما في صحيحة إسماعيل بن جابر المتقدمة آنفاً.
4) قد اعتمدنا في نقل الصحيحة مشتملة على كلمة « من الكر » والاستدلال بها على نجاسة الكر المتغيّر بأوصاف النجس على نقل صاحب الوسائل قدس سره ولما راجعنا البحار [ 77 : 24 ] ونفس بصائر الدرجات [ 258 / 13 ] ظهر أن نسخ الكتاب مختلفة وفي بعضها « من البئر » وبذلك تصبح الرواية مجملة وتسقط عن الاعتبار. والذي يسهل الخطب أن مدرك الحكم بنجاسة الكر المتغيّر غير منحصر بهذه الصحيحة وذلك لقيام الضرورة والتسالم القطعي حتى من الكاشاني قدس سره على نجاسة الماء المتغيّر ولو كان كراً.
يكن فيه تغيّر أو ريح غالبة قلت فما التغيّر؟ قال : الصفرة ، فتوضأ منه وكلما غلب كثرة الماء [ عليه ] فهو طاهر (1).
وإذا قيدنا أدلّة اعتصام الكر وشبهه بما لا تغيّر فيه فتنقلب النسبة بين المطلقات وأخبار اعتصام الكر إلى العموم المطلق ، وتكون أخبار اعتصام الكر غير المتغيّر أخص مطلقاً من المطلقات لأنّها بإطلاقها دلت على عدم انفعال غير المتغيّر كراً كان أم قليلاً ، والروايات الواردة في الكر تدل على عدم انفعال خصوص الكر الذي لا تغيّر فيه ، وبما أنّها أخص مطلقاً من المطلقات فلا محالة نقيدها بالكر ، والنتيجة أن ما لا يكون كراً ينفعل بملاقاة النجاسة ، فالذي يوجب انفعال خصوص القليل دون الكثير هو ملاقاة النجس في غير صورة التغيّر.
وإلى هنا تلخص أن الروايات العامة لا تنفع المحدث المزبور في المقام.
وأمّا الأخبار الخاصة فمما يستدل به على مسلك المحدث الكاشاني قدس سره عدّة روايات.
منها : ما رواه محمد بن ميسر قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق ، ويريد أن يغتسل منه وليس معه إناء يغرف به ويداه قذرتان قال : يضع يده ثم يتوضّأ ثم يغتسل ، هذا ممّا قال اللّه عزّ وجلّ :
1) الوسائل 1 : 162 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 11.
ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » (1)وقد دلت على عدم انفعال القليل بملاقاة المتنجس أعني يدي الرجل القذرتين ولذا صح منه الوضوء والغسل وهي كما ترى واردة في خصوص القليل كما هو ظاهر.
وقد يناقش فيها كما في طهارة المحقق الهمداني قدس سره بأنّها وردت تقية لموافقتها لمذهب العامة ، حيث جمعت بين الوضوء وغسل الجنابة وهما مما لا يجتمعان في مذهب الشيعة (2). ولا يخفى ضعف هذه المناقشة كما نبّه عليه هو قدس سره أيضاً إذ المراد بالوضوء في الرواية ليس هو الوضوء بالمعنى المصطلح عليه بل هو بمعناه اللغوي ، وهو المعبّر عنه في الفارسية ب- « شستشو كردن » فأين اجتماع الوضوء مع الغسل.
فالصحيح في الجواب أن يقال : إن القليل في الرواية ليس بمعناه المصطلح عليه عند الفقهاء فإنه اصطلاح منهم 5 ولم يثبت أن القليل كان بهذا المعنى في زمانهم علیهم السلام بل هو بمعناه اللغوي الذي هو في مقابل الكثير ، ومن البيّن أن القليل يصدق حقيقة على الكر والكرين بل وعلى أزيد من ذلك في الصحاري بالإضافة إلى ما في البحار والبركان ، وعليه فالرواية غير واردة في خصوص القليل. نعم ، أن إطلاقها يشمل ما دون الكر أيضاً ، ولكنك عرفت أن الأخبار الواردة في انفعال القليل بالملاقاة البالغة حد التواتر تقتضي تقييد المطلقات وتخصيصها بغير ذلك لا محالة ، ولعلّ السؤال في الرواية من أجل أن جماعة من العامة ذهبوا إلى نجاسة الغسالة في الجنابة ولو مع طهارة البدن (3)
وفي المجلد 1 من بدائع الصنائع للكاشاني الحنفي ص 68 : ان أبا يوسف جعل نجاسة المستعمل في الوضوء والغسل خفيفة لعموم البلوى فيه لتعذر صيانة الثياب عنه. ولكونه محل الاجتهاد فأوجب ذلك خفة في حكمه والحسن جعل نجاسته غليظة لأنّها نجاسة حكمية وانها أغلظ من الحقيقية ألا ترى انه عفي عن القليل من الحقيقية دون الحكمية كما إذا بقي على جسده لمعة يسيرة.
وقال ابن حزم في المجلد 1 من المحلّى ص 185 : انّ أبا حنيفة ذهب إلى عدم جواز الغسل والوضوء بالماء المستعمل في الوضوء والغسل وإن شربه مكروه ، وقال : روي عنه يعني أبا حنيفة انه طاهر والأظهر عنه انه نجس وهو الذي روي عنه نصاً وانه لا ينجس الثوب إذا أصابه الماء المستعمل إلاّ أن يكون كثيراً فاحشاً. ونقل عن أبي يوسف انه فصل بين ما إذا كان المقدار الذي أصاب الثوب من الماء المستعمل شبراً في شبر فقد نجسه وما إذا كان أقل من ذلك فلم ينجسه ، ثم نقل عن أبي حنيفة وأبي يوسف كليهما ان الرجل الطاهر إذا توضأ في بئر فقد نجس ماءها كلّه فيجب نزحها ولا يجزيه ذلك الوضوء بلا فرق في ذلك بين أن يتوضأ للصلاة قبل ذلك وما إذا لم يتوضأ لها ، فإن اغتسل فيها أيضاً أنجسها كلها سواء أكان جنباً قبل ذلك أم لم يكن ، وإنّما اغتسل فيها من غير جنابة بل ولو اغتسل في سبعة آبار نجسها كلّها.
وعن أبي يوسف انه ينجسها كلّها ولو اغتسل في عشرين بئراً ، وفي ص 147 مشيراً إلى أبي حنيفة وأصحابه ما هذا نصه : ومن عجيب ما أوردنا عنهم قولهم في بعض أقوالهم : انّ ماء وضوء المسلم الطاهر النظيف أنجس من الفأرة الميتة.
ولم يتعرّض في الفقه عل المذاهب الأربعة [ ج 1 ص 38 ] لهذا القول بل عدّ الماء المستعمل من قسم الطاهر غير الطهور قولاً واحداً. نعم ذهب جماعة إلى ذلك.
ففي المغني لابن قدّامة الحنبلي ج 1 ص 18 : الماء المنفصل عن أعضاء المتوضي والمغتسل في ظاهر المذهب طاهر غير مطهر لا يرفع حدثاً ولا يزيل نجساً وفي ص 20 قال : جميع الأحداث سواء فيما ذكرنا ..
وفي كتاب الأُم للشافعي ج 1 ص 29 : إذا توضّأ بما توضّأ به رجل لا نجاسة على أعضائه لم يجزه لأنّه ماء قد توضي به ، وكذا لو توضأ بماء قد اغتسل فيه رجل ، والماء أقل من قلتين لم يجزه .. ثم قال : لو أصاب هذا الماء الذي توضأ به من غير نجاسة على البدن ثوب الذي توضّأ به أو غيره أو صبّ على الأرض لم يغسل منه الثوب ، وصلّى على الأرض لأنّه ليس بنجس ... وتابعه الغزالي في الوجيز ج 1 ص 3 فقال : الماء المستعمل في الحدث طاهر غير طهور على القول الجديد.
وفي المدونة لمالك ج 1 ص 4 قال مالك : لا يتوضّأ بماء قد توضي به مرّة ولا خير فيه فإذا لم يجد رجل إلاّ ماء قد توضي به مرة فأحب إلى أنّه يتوضأ به إذا كان طاهراً ولا يتيمّم وإذا أصاب الماء الذي توضي به مرة ثوب رجل فلا يفسد عليه ثوبه إذا كان الماء طاهراً. وقد نسب ذلك أيضاً إلى مالك في بداية المجتهد لابن رشد المالكي ج 1 ص 28.
بل ذهب أبو حنيفة وغيره إلى نجاسة غسالة1) الوسائل 1 : 152 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 5.
2) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 15 السطر 28.
3) وفي عمدة القارئ شرح البخاري ، للعيني الحنفي ج 3 ص 72 « باب استعمال فضل وضوء الناس » اختلف الفقهاء فيه : فعن أبي حنيفة ثلاث روايات ( الاولى ) : ما رواه عنه أبو يوسف انّه نجس مخفف ( الثانية ) رواية الحسن بن زياد عنه انه نجس مغلظ ( الثالثة ) : رواية محمد بن الحسن عنه انه طاهر غير طهور ، وهو اختيار المحققين من مشايخ ما وراء النهر الفتوى عندنا.
الوضوء أيضاً فإنّهم يشترطون في الطهارة أن يكون الماء عشرة في عشرة (1)
هذا ولكن المعروف من أبي حنيفة وأصحابه في كتبهم المعدة للإفتاء والاستدلال تقدير الكثير بأمر آخر ، وهو كون الماء بحيث إذا حرك أحد طرفيه لا يتحرك الآخر. وقد نصّ بذلك في بداية المجتهد ج 1 لابن رشد ص 24 ، وفي التذكرة 1 ص 19 عن أبي حنيفة وأصحابه انّه كلّما يتيقن أو يظن وصول النجاسة إليه لم يجز استعماله وقدره أصحابه ببلوغ الحركة. ثم ضعفه بعدم الضبط فلا يناط به ما يعم به البلوى ، وفي المجلد 1 من المحلّى ص 153 عن أبي حنيفة ان الماء ببركة إذا حرك أحد طرفيها لم يتحرك طرفها الآخر فإنّه لو بال فيها ما شاء أن يبول فله أن يتوضأ منها ويغتسل فإن كانت أقل من ذلك لم يكن له ولا لغيره أن يتوضأ منها ولا أن يغتسل. وأيضاً في المجلد 1 من المحلّى ص 143 عن أبي حنيفة ما حاصله انّ وقوع شيء من النجاسات في الماء الراكد ينجس كلّه قلّت النجاسة أو كثرت ويجب إهراقه ولا تجوز الصلاة بالوضوء أو بالاغتسال منه كما لا يجوز شربه كثر ذلك الماء أو قلّ اللّهمّ إلاّ أن يكون بحيث إذا حرّك أحد طرفيه لم يتحرّك الآخر فإنه طاهر حينئذٍ ويجوز شربه كما يجوز التطهير به.
وقال في بدائع الصنائع المجلد 1 ص 72 انّهم اختلفوا في تفسير الخلوص فاتفقت الروايات عن أصحابنا انّه يعتبر الخلوص بالتحريك وهو انّه إن كان بحال لو حرك طرف منه يتحرك الطرف الآخر فهو مما يخلص وإن كان لا يتحرك فهو مما لا يخلص ... وقد أورد في المحلّى ص 143 عي أبي حنيفة وأصحابه بأن الحركة في قولهم ان حرك طرفه لم يتحرك ... بماذا تكون فليت شعري هل تكون بإصبع طفل ، أم بتبنة ، أو بعود مغزل ، أو بعوم عائم ، أو بوقوع فيل ، أو بحصاة صغيرة ، أو بانهدام جرف؟! نحمد اللّه على السلامة من هذه التخاليط.
وهو يبلغ1) عثرنا على ذلك في المجلد 24 من التفسير الكبير للفخر الرازي ص 95 حيث قال : وأمّا تقدير أبي حنيفة بعشر في عشر فمعلوم انّه مجرّد تحكّم. ويطابقه ما في المجلد 1 من الفقه على المذاهب الأربعة ص 28 من قوله : الحنفية قالوا إن الماء ينقسم إلى قسمين كثير وقليل فالأول كماء البحر ، والأنهار ، والترع ، والمجاري الزراعية ومنه الماء الراكد في الأحواض المربعة البالغة مساحتها عشرة أذرع في عشرة بذراع العامة ...
مائة شبر في سعته ، ومن هنا لا يغتسلون في الغدران والنقيع لعدم بلوغهما الحد المذكور اللّهمّ إلاّ أن يكون نهراً أو بحراً ، ولأجل هذا سأله الراوي عن الاغتسال في مياه الغدران والنقيع بتخيل انفعالهما بالاغتسال وأجابه علیه السلام بأنها معتصمة وأزيد من الكر. وعدم اعتصام الكر حرجي ولو في بعض الموارد ( وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) .
ومنها : صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر هل يتوضأ من ذلك الماء؟ قال : لا بأس » (1)وتقريب الاستدلال بها أن شعر الخنزير نجس ، والغالب أن الماء يتقاطر من الحبل على الماء الموجود في الدلو ، فلو كان القليل ينفعل بملاقاة النجس لتنجس ماء الدلو بما يتقاطر عليه من الماء الملاقي لشعر الخنزير ، مع أن الإمام علیه السلام نفى البأس عن التوضؤ به ، وهذا يدل على عدم انفعال القليل. ويدفع هذا الاستدلال :
أوّلاً : أن الرواية شاذة ، فهي لو تمت وصحت فلا يعارض بها الأخبار المشهورة التي دلت على عدم اعتصام القليل ، والشهرة في الرواية من مرجحات المتعارضين بل ذكرنا في الأُصول إنها تلغي ما يقابلها عن الحجية رأساً (2).
وثانياً : أن من الجائز أن يكون الحبل المفروض اتخاذه من شعر الخنزير غير متصل بالدلو على نحو يصل إليه الماء ويتقاطر منه على الدلو ولعلّ وجه السؤال عن حكم ذلك حينئذٍ هو احتمال بطلان الوضوء لأجل أن الخنزير وشعره مبغوضان في الشرع. وقد أفتى جمع من الفقهاء قدس سرهم بحرمة استعمال نجس العين حتى في غير ما يشترط فيه الطهارة كلبسه في غير حال الصلاة ، فإذا حرم استعمال شعر الخنزير مطلقاً ، كان من المحتمل بطلان الوضوء الذي هو أمر عبادي بالاستقاء له بما هو مبغوض ، ولأجل هذا الاحتمال سأله علیه السلام عن حكم الوضوء بذلك الماء
وأجابه علیه السلام بعدم البأس به.
وثالثاً : أن دلالة الرواية على اعتصام القليل لو تمت فإنّما هي بالإطلاق ، ولا مانع من تقييده بما دلّ على انفعال القليل بالملاقاة ، ولا بعد في بلوغ ما في بعض الدلاء المستعمل في سقي المزارع كراً ، ولا سيما إذا بنينا على أن مكعّبه ما يكون سبعة وعشرين شبراً.
ورابعاً : لو أغمضنا عن جميع ذلك ، وفرضنا الصحيحة صريحة في ملاقاة شعر الخنزير لماء الدلو مع فرض قلته ، فأيضاً لا دلالة لها على عدم انفعال القليل بملاقاة النجس ، وذلك لجواز أن تكون الصحيحة ناظرة إلى عدم نجاسة شعر الخنزير ، كما ذهب إليه السيد المرتضى قدس سره (1)وغيره واستدلّ عليه بهذه الصحيحة ، وعليه فيتعيّن حملها على التقية لذهاب جماعة من العامة إلى عدم نجاسة شعر الخنزير والكلب (2). وكيف كان فلا يمكن الاستدلال بها على تساوي الماء القليل والكثير في الاعتصام ، وقد قدّمنا أن ما في صحيحة صفوان الجمّال (3)من سؤاله علیه السلام عن مقدار الماء وحكمه بعدم الانفعال على تقدير بلوغ الماء نصف الساق أوضح شاهد على الفرق بين الماء القليل والكثير.
ومنها : رواية أبي مريم الأنصاري قال : « كنت مع أبي عبد اللّه علیه السلام في حائط له فحضرت الصلاة فنزح دلواً للوضوء من ركيّ له فخرج عليه قطعة عذرة يابسة ، فأكفأ رأسه وتوضأ بالباقي » (4)حيث دلت على عدم انفعال القليل بملاقاة
1) الناصريات : 182 السطر 16.
2) ففي الفقه على المذاهب الأربعة المجلد 1 ص 8 أن المالكية قالوا بطهارة جميع الأشياء المذكورة « الشعر والوبر والصوف والريش » من أي حيوان سواء أكان حيّاً أم ميّتاً مأكولاً أم غير مأكول ولو كلباً أو خنزيراً وسواء أكانت متصلة أم منفصلة ... وفي ص 11 أن المالكية ذهبوا إلى طهارة كل حي ولو كان كلباً أو خنزيراً ووافقهم الحنفية على طهارة عين الكلب ما دام حيّاً على الراجح إلاّ أن الحنفية قالوا بنجاسة لعابه تبعاً لنجاسة لحمه بعد موته.
3) الوسائل 1 : 162 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 12.
4) الوسائل 1 : 154 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 12.
النجس ، ولذا توضّأ علیه السلام بباقي الماء في الدلو.
وقد حملها الشيخ تارة على أن الدلو كان بمقدار كر (1)وهو لا يخلو عن غرابة.
واخرى على أن العذرة عذرة غير الإنسان من سائر الحيوانات المأكول لحمها. ويبعّده : أنّ العذرة قد أخذت فيها الرائحة الكريهة كما في مدفوع الإنسان والهرة والكلب ، ولا تطلق العذرة على مدفوع سائر الحيوانات المحللة لعدم اشتماله على الرائحة الكريهة وإنّما يعبّر عنها بالروث.
وثالثة على أن المراد بالباقي هو الباقي في البئر دون الماء الباقي في الدلو. ويدفعه : أن ظاهر الرواية أنّه أكفأ رأس الدلو حتى يتوضأ بالماء الباقي في الدلو لا أنّه أراق جميع ماء الدلو. على أن هذا الاحتمال بعيد في نفسه.
ورابعة حملها على التقية. ولا يخفى أن غرضه قدس سره بهذه الوجوه هو التحفظ على الرواية وعدم طرحها مهما أمكن العمل بها ولو بحملها على وجوه بعيدة لا أنه ( طاب ثراه ) لم يلتفت إلى بعد تلك الوجوه على ما هو عليه من الدقة والجلالة.
فالصحيح في الجواب أن يقال : إن الرواية ضعيفة السند من جهة بشير الراوي عن أبي مريم لتردده بين الثقة وغيره ، وإن كان أبو مريم موثقاً في نفسه فلا اعتبار بالرواية.
ومنها : ما عن زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال : « قلت له راوية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرذ أو صعوة ميتة؟ قال : إذا تفسّخ فيها فلا تشرب من مائها ولا تتوضّأ وصبّها وإن كان غير متفسّخ فاشرب منه وتوضأ واطرح الميتة إذا أخرجتها طريّة وكذلك الجرّة وحبّ الماء والقربة وأشباه ذلك من أوعية الماء وقال : قال أبو جعفر علیه السلام : إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجّسه شيء ، تفسخ فيه أو لم يتفسخ إلاّ أن يجيء له ريح تغلب على ريح الماء » (2)والجواب عنها أنها ضعيفة سنداً ومتناً ، فأما ضعفها سنداً فلوقوع علي بن حديد في
طريقها ، وأمّا بحسب متنها فلاشتمالها على ما لا يقول به أحد حتى ابن أبي عقيل وهو تنجس الماء بتفسخ الميتة وعدمه تفسخها ، فإن من يرى انفعال القليل بالملاقاة ومن لا يرى انفعاله بها لا يفرق بين ما إذا تفسخ فيه النجس وما إذا لم يتفسخ. هذا أوّلا.
وأمّا ثانياً : فلاشتمالها على الفرق بين مقدار الراوية والزائد عليه مع أنّه لا فرق بينهما ، فإن الفرق إنّما هو بين الكر والقليل والراوية أقلّ من الكر فطرح الرواية متعيّن هذا (1).
على أنّ هاتين الروايتين وأشباههما على تقدير صحتها في نفسها لا يمكن أن تقابل بها الأخبار المتواترة الدالّة على انفعال الماء القليل بالملاقاة ، لأن الشهرة تستدعي إلغاء ما يقابلها عن الاعتبار رأسا ، وعليه فالمقتضي لانفعال القليل موجود وهو تام والمانع عنه مفقود.
ثم إن المحدث الكاشاني على ما نقله في الحدائق (2)استدلّ على ما ذهب إليه بوجوه آخر لا يخلو بعضها عن دقة وإن كان ضعيفاً.
منها : أن القليل لو قلنا بانفعاله بالملاقاة لما أمكن تطهير شيء من المتنجسات به وهو مقطوع الفساد وذلك لأن الجزء المتصل من القليل بالمتنجس ينفعل بملاقاته على الفرض فلا تحصل به الطهارة. وأمّا غير الجزء المتصل بالمتنجس فلا ربط بينه وبين المتنجس حتى يطهر به ويمكن تقريب ما أفاده بوجهين :
أحدهما : أن يقال إن الجزء المتصل من القليل بالمتنجس ينفعل بمجرد الملاقاة على الفرض ، ومع انفعاله لا يحصل به التطهير ، إذ يشترط في المطهّر أن يكون طاهراً في نفسه ، وهكذا نقول في الجزء الثاني منه إذا اتصل بالمتنجس وكذا في الجزء الثالث وهكذا ...
وثانيهما : أن الجزء المتصل بالمتنجس إذا انفعل بالملاقاة فهو يوجب تنجس المغسول به ثانياً ، لأنّه نجس وهو يوجب التنجيس لا محالة وهكذا كلّما غسلناه به فلا تحصل به الطهارة ، والقول بتنجسه بالملاقاة وطهارته بالانفصال عنه مستبعد جدا ، لأن الانفصال ليس من أحد المطهرات.
والجواب عن التقريب الأول : أن ما ذكره من الصغرى والكبرى ممنوعتان.
أمّا الصغرى وهي انفعال الماء القليل بمجرّد اتصاله بالمتنجس فلأن المقصود بالكلام في المقام كما أشرنا إليه في أوائل البحث إنّما هو إثبات انفعال القليل في الجملة وعلى نحو الموجبة الجزئية لا في كل مورد وكل حال ، ويكفي في ثبوت ذلك انفعال القليل بالملاقاة المتنجس فيما إذا ورد عليه النجس ، وأمّا إذا كان الماء وارداً على النجس ، فهب أنّا التزمنا بما أفاده من عدم انفعاله بالملاقاة ، لما أشار إليه من عدم إمكان تطهير المتنجس بالقليل على تقدير انفعاله ، فهذا المحذور إنما يلزم فيما إذا قلنا بانفعال القليل مطلقا ، دون ما إذا خصصناه بصورة ورود النجس عليه ، ويأتي تفصيل ذلك في محلّه إن شاء اللّه (1).
وعلى الجملة إن الالتزام بعدم انفعال القليل عند وروده على النجس تخصيصا لأدلة انفعال القليل في تلك الصورة بما دلّ على حصول الطهارة بالغسل بالقليل لا ينافي ما نحن بصدد إثباته في المقام من انفعال الماء القليل بملاقاة النجس في الجملة وعلى نحو الموجبة الجزئية ، إذ يكفي في ثبوته انفعال القليل في صورة ورود النجس عليه ، هذا كلّه أوّلا.
وثانياً : أنّه يشترط في التطهير إزالة عين النجاسة عن المتنجس ، وإذا زالت عين النجس عن المغسول فلا محالة يبقى متنجسا ، ولنا أن نمنع عن انفعال القليل بملاقاة المتنجس بدعوى اختصاص الإجماع والأدلّة الدالّة على انفعال القليل بما إذا لاقته عين النجس ، ولم يدلنا دليل على انفعاله بملاقاة المتنجس كما ذهب إلهى المحقق الخراساني قدس سره (2)وهذا غير القول بعدم منجسية المتنجس ، لأنّا وإن قلنا
بمنجسية المتنجسات كالنجاسات ، إلاّ أن لنا أن نلتزم بعدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجسات ، لاختصاص ما دلّ على انفعاله بملاقاة الأعيان النجسة ، وعليه فلا يتنجس القليل عند اتصاله بالمتنجس حتى يلزم محذور عدم إمكان تطهير المتنجس بالماء القليل.
وهذا الوجهان وإن كان لا يلتزم بشيء منهما على ما ستعرف ، إلاّ أن الغرض من ذكرهما هو أن حصول الطهارة عند الغسل بالماء القليل لا ينافي الالتزام بانفعال القليل ، فإن المقصود إثبات انفعاله في الجملة لا في كل مورد.
وأمّا منع الكبرى على تقدير تمامية الصغرى ، فلأن الدليل إنّما أثبت اشتراط عدم نجاسة الماء قبل غسل المتنجس ، وأمّا عدم تنجسه حتى بغسله فلا ، ولم يستفد ذلك من أي دليل إذ الماء لا بدّ وأن لا يحتمل القذارة بل الغسل به حتى يحتمل قذارة المتنجس المغسول به ، وأمّا عدم تحمله القذارة حتى بغسله فيه فلم يقم على اعتباره دليل. بل الأمر في القذارات العرفية كما ذكرناه قطعاً فإن الماء إذا لم يكن متقذراً بالقذارة العرفية ، وغسل به شيء متقذر عرفاً فلا محالة يتحمل الماء تلك القذارة ويرفعها عن المغسول به ، والقذارة تنتقل منه إلى الماء بالغسل فإذا كان هذا حال القذارة العرفية فلتكن القذارة الشرعية أيضاً كذلك.
بل الحاكم كما وصفناه في أحجار الاستنجاء أيضا ، إذ يشترط فيها أن لا تكون متنجسة قبل الاستنجاء بها ، مع أنها تتنجس بالاستنجاء فتقلع النجاسة عن المحل ويتصف بها كما يتصف المحل بالطهارة ، والماء في المقام أيضاً كذلك فإنه ينفعل بنجاسة المغسول به ، ويتحملها بعد ما لم يكن كذلك قبل غسله فيطهر الثوب ويتنجس الماء. وهو قدس سره سلّم ذلك في الأحجار وإنما استشكل في خصوص المقام.
وأمّا الجواب عن التقريب الثاني : فهو انّا إن استثنينا الغسالة عما دلّ على انفعال الماء القليل ، فلا يبقى مجال لانفعال القليل باتصاله بالمتنجس وتنجس المغسول به ثانياً وهذا ظاهر ، وأمّا إذا لم نستثن ذلك وقلنا بنجاستها فأيضاً نلتزم بعدم تنجس المغسول بالماء القليل ثانياً ، وذلك بتخصيص ما دلّ على تنجيس المتنجس بما دلّ على جواز التطهير بالقليل.
ومنها : أي من جملة ما استدلّ به الكاشاني ( طاب ثراه ) أن دلالة الأخبار على انفعال الماء القليل بالمفهوم ، ودلالة الأخبار الخاصة أو العامة على عدم انفعاله بالمنطوق ، والدلالة المنطوقية تتقدّم على الدلالة المفهومية كما أن النص يتقدم على الظاهر كذا أفاده قدس سره .
ولا يخفى عدم تمامية شيء من الصغرى والكبرى في كلامه.
أمّا عدم تمامية الصغرى فلأجل أن الدليل على انفعال الماء القليل غير منحصر في مفهوم قوله علیه السلام الماء إذا بلغ ... فإن هناك روايات خاصة قد دلت على انفعال القليل بمنطوقها.
وأمّا منع الكبرى : فلما بيّنا في محلّه من أن كون الدلالة بالمنطوق لا يكون مرجّحا لأحد المتعارضين على الآخر ، بل قد تتقدم الدلالة المفهومية على المنطوق كما إذا كان المفهوم أخص مطلقاً من المنطوق وبذلك نقدّم الأخبار الدالة على انفعال القليل وإن كانت الدلالة بالمفهوم على ما دلّ على عدم انفعاله بالمنطوق من العموم أو الإطلاق لأن الأولى أخص مطلقاً من الثانية. على أن المعارضة للدلالة المفهومية ترجع إلى معارضة الدلالة المنطوقية لاستحالة التصرف في المفهوم بما هو ، فإنّه معلول وملازم للخصوصية المذكورة في المنطوق ، وعليه فالمعارضة بين المنطوقين دائماً كما ذكرناه وتفصيل ذلك موكول إلى علم الأُصول.
ومنها : أن اختلاف الروايات الواردة في تحديد الكر يكشف كشفاً قطعياً عن عدم اهتمام الشارع بالكر ، حيث حدّ في بعضها بسبعة وعشرين شبراً وفي بعضها الآخر بستة وثلاثين وفي ثالث باثنين وأربعين شبراً وسبعة أثمان شبر ، وعليه فلا مناص من حملها على بيان استحباب التنزه عمّا لم يبلغ حدّ كر لما بينها من الاختلاف الكثير.
ويدفعه : أن اختلاف الأخبار الواردة في التحديد لا يكشف عن عدم اهتمام الشارع بوجه ، بل المتعيّن حينئذ أن يؤخذ بالمقدار المتيقن ويحمل الزائد المشكوك فيه على الاستحباب.
ومنها : أن الماء القليل لو كان ينفعل بالملاقاة لبيّن الشارع كيفية التحفظ عليه وأمر بحفظه عن ملاقاة النجاسات والمتنجسات ، كأيدي المجانين والصبيان المتقذّرة غالبا ولم يرد من الشارع رواية في ذلك. وأيضاً استلزم ذلك نجاسة جميع مياه البلدتين المعظّمتين مكة والمدينة لانحصار مائهما في القليل غالباً ، وتصل إليه أيدي الأطفال ونظائرها مما هو متنجس على الأغلب ، ومعه كيف يصنع أهل البلدتين. بل بذلك يصبح جعل أحكام الماء في حقهم من الطهارة وغيرها لغواً ظاهراً.
أمّا ما ذكره أولاً فالجواب عنه أن بيان كيفية التحفظ على الماء القليل غير لازم على الشارع بوجه ، فإن التحفظ عليه كالتحفظ على الأموال والذي يلزم على الشارع هو بيان حكم القليل ، وبعد ما صرّح بأعلى صوته على أن الماء القليل ينفعل بملاقاة النجس والمتنجس على ما نطقت به الأخبار المتقدمة في محلّها فعلى المكلف أن يجنّبه عن ملاقاة ما يوجب تنجسه من أيدي المجانين والأطفال وغيرهما ممن تغلب النجاسة في شفتيه أو يديه.
وأمّا ما ذكره ثانياً فيردّه أن الشارع قد حكم بطهارة كل ما يشك في نجاسته ، ومن الظاهر أنه لا علم وجداني لأحد بنجاسة مياه البلدتين ، وإنما يحتمل نجاستها كما يحتمل طهارتها ، فإن دعوى العلم بنجاسة الجميع جزافية محضة.
لا يقال : لا استبعاد في دعوى العلم الوجداني بنجاسة مياه البلدتين نظراً إلى أن النجاسة من الأُمور السارية كما نشاهده بالعيان عند ما نسي أحد نجاسة يده مثلاً فإنّه إلى أن يلتفت إليها قد نجّس أشياء كثيرة من ثيابه وبدنه وأوانيه وغيرها. هذا بضميمة ملاحظة الأماكن التي جرت عادتهم على جعل المياه القليلة عليها في البلدتين ، حيث إن المياه فيهما تجعل على ظروف وأوان مثبتة في بيت الخلاء ، وقد جعل عندها آنية اخرى يأخذ بها المتخلي من مياه الأواني المثبتة فيستنجي ويطهر بدنه ، وليست أواني المياه في البلدتين كالحباب المتعارفة عندنا مما يمكن تطهيره بالمطر أو الشمس أو بإلقاء كر عليه ، فإنّها كما بيّناه مثبتة في بيت الخلاء ، وهي مسقّفة لا تصيبها شمس ولا مطر ولا يلقى عليها كر. وملاحظة كثرة الواردين عليهما من حجاج وزوّار ، وهي على طوائف مختلفة من فرق السنّة والشيعة وفيهم أهل البوادي والقرى وغيرهم ممن
لا يبالي بالنجاسة وربما يعتقد بكفاية مطلق إزالة العين في التطهير ، فإذا قلنا مع ذلك كلّه بانفعال الماء القليل وتنجس ما في تلك الأواني المثبتة بنجاسة يد أحد الواردين أو الأطفال والمجانين ، فلا محالة تسري النجاسة منها إلى جميع الأشياء الموجودة في البلدتين ، ومن البيّن أن دعوى العلم القطعي بنجاسة يد أحد الواردين والمتخلين من هؤلاء الجماعات قريبة لا سبيل إلى إنكارها ، وقد عرفت أن ذلك يستلزم العلم بنجاسة جميع المياه وغيرها مما يوجد في البلدتين.
لأنّه يقال : هذه الدعوى وإن كانت صحيحة كما ذكرت ، إلاّ أنها تتوقف على القول بانفعال القليل بكل من النجس والمتنجس ، إذ لو اقتصرنا في انفعاله بملاقاة الأعيان النجسة كما ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية قدس سره أو منعنا عن كون المتنجس منجّساً مطلقاً ولو مع الواسطة كما يأتي تفصيل ذلك في محلّه إن شاء اللّه ، لم يبق في البين إلاّ احتمال النجاسة وهو مورد لقاعدة الطهارة. نعم ، لو قلنا بانفعال القليل بكل من النجاسات والمتنجسات ، وقلنا أيضاً بتأثير المتنجس في التنجيس على الإطلاق مع الواسطة وبدونها لكانت الشبهة المذكورة وهي دعوى العلم الوجداني بنجاسة المياه القليلة بل جميع الأشياء في العالم ، مما لا مدفع له. وإنكار العلم الوجداني حينئذ مكابرة بيّنة ، بل ذكر المحقق الهمداني قدس سره أن من أنكر حصول العلم الوجداني له بنجاسة كل شيء ، وهو يلتزم بمنجسية المتنجسات ، فلا حق له في دعوى الاجتهاد والاستنباط فإنّه لا يقوى على استنتاج المطالب من المبادئ المحسوسة فضلاً عن أن يكون من أهل الاستدلال والاجتهاد (1). والأمر كما أفاده لما مرّ من أن النجاسة مسرية فإن العلم بنجاسة يد أحد الواردين على أماكن الاجتماع كالمقاهي والمطاعم والبلدتين المعظمتين أو شفتيه حاصل لكل أحد ، وهو يستلزم العلم بنجاسة كل شيء (2)والجواب عن هذه الشبهة منحصر بما ذكرناه.
1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 579 السطر 15.
2) وينقل عن بعض الأفاضل في النجف انّه كان يتيمّم بدلاً عن الوضوء دائماً قبل مدّ أنابيب الماء بدعوى العلم بنجاسة جميع المياه ، فإن السقائين كانوا يضعون القربة على الأرض وهي متنجسة بالبول والعذرة وبذلك كانت تتنجس القربة وما عليها من القطرات التي تصيب ماء القربة عند قلبها لتفريغها.
الجهة الرابعة : أن ما ذكرنا من انفعال القليل بالملاقاة هل يختص بملاقاة الأعيان النجسة أو يعم ملاقاة المتنجسات أيضاً؟.
ذهب المحقق صاحب الكفاية قدس سره إلى أن المتنجس لا ينجس القليل (1)ووافقه على ذلك شيخنا المحقق الكبير الشيخ محمد حسين الأصفهاني قدس سره في بحثه الشريف مستدلاً بأن مدرك انفعال القليل بالملاقاة إما هو الإجماع وهو غير متحقق في ملاقاة المتنجسات على نحو يفيد القطع بالحكم كما هو المطلوب في الأدلّة اللبّية ، والمقدار المتيقن منه هو خصوص ملاقاة الأعيان النجسة ، وإما الروايات الواردة في تحديد الكر ، وهي وإن دلت على انفعال القليل بما لا ينفعل به الكثير ، إلاّ أن مدلولها تعليق العموم لا السلب العام فمفهومها ان القليل ينجسه شيء ما ، فإن السالبة الكلية تناقضها الموجبة الجزئية وليس هذا الشيء هو التغيّر قطعاً ، لأنّه ينجّس الكثير أيضاً ولا اختصاص له بالقليل ، فتعيّن أن يكون هو ملاقاة النجاسات كما هي المتيقن ، وإذا ثبت منجسية شيء منها ثبت منجسية غيره من الأعيان النجسة أيضاً لعدم القول بالفصل ، أو لما دلّ من الأخبار الخاصة على منجسية الأعيان النجسة وأمّا المتنجسات فلا يستفاد منها أنها كالنجاسات كما أسلفناه في الأصول. وإما هو الأخبار الخاصة وهي إنما تختص بعين النجاسات من الكلب والدم والبول وغيرها من الأعيان النجسة ، كما أنها المنسبق من الشيء في الأخبار العامة ولا أقل أنها القدر المتيقن منه كما أشرنا إليه آنفا ، وعلى الجملة لا دليل على انفعال القليل بالمتنجسات.
ولا يخفى أنه وإن لم ترد رواية في خصوص انفعال القليل بملاقاة المتنجسات إلاّ أن مقتضى إطلاق غير واحد من الأخبار أن القليل ينفعل بملاقاة المتنجسات كما ينفعل بملاقاة الأعيان النجسة ، وإليك جملة منها :
1) نقل عنه في المستمسك 1 : 146.
منها : ما رواه أبو بصير عنهم علیهم السلام قال : « إذا أدخلت يدك في الإناء قبل أن تغسلها فلا بأس ، إلاّ أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة فإن أدخلت يدك في الماء وفيها شيء من ذلك فأهرق ذلك الماء » (1)حيث دلت على أن ملاقاة اليد المصابة ببول أو مني تنجس الماء القليل مطلقاً سواء أكان فيها عين البول أو المني موجودة أم لم تكن.
ومنها : صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر قال : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن الرجل يدخل يده في الإناء وهي قذرة؟ قال يكفئ الإناء » (2)ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين صورتي وجود عين النجاسة في اليد ، وزوالها عنها.
ومنها : موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « إن أصاب الرجل جنابة فأدخل يده في الإناء فلا بأس إذا لم يكن أصاب يده شيء من المني » (3)ومفهومها أن اليد إذا أصابها شيء من المني وأدخلها في الإناء ففيه بأس وإطلاق مفهومها يشمل ما إذا كانت عين المني موجودة في اليد ، وما إذا زالت عينها.
ومنها : موثقة أُخرى لسماعة قال : « سألته عن رجل يمس الطست أو الركوة ثم يدخل يده في الإناء قبل أن يفرغ على كفّيه؟ قال : يهريق ... وإن كانت أصابته جنابة فأدخل يده في الماء فلا بأس به إن لم يكن أصاب يده شيء من المني ... » (4)ومفهومها أنّه إذا أصابها شيء من المني ففيه بأس ، وإطلاق مفهومها يعمّ صورتي وجود عين المني في يده وزوالها عنها ، وقد صرح علیه السلام بهذا المفهوم بعد ذلك بقوله : وإن كان أصاب يده في الماء قبل أن يفرغ على كفيه فليهرق الماء كلّه.
ومنها : ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن الجنب يحمل الركوة أو التور فيدخل إصبعه فيه؟ قال : إن كانت يده قذرة فأهرقه ... » (5)وهي أيضاً مطلقة تشمل صورتي وجود عين النجس ، وزوالها عن اليد.
وعلى الجملة أن الأخبار مطلقة ، والإطلاق يكفي في الحكم بانفعال الماء القليل بالمتنجسات ، ومعه لا تسعنا المساعدة لما ذهب إليه صاحب الكفاية قدس سره من التفصيل بين ملاقاة النجاسات والمتنجسات كما لا وجه لما ادعاه من عدم دلالة دليل على منجسية المتنجس للقليل ، فإن إطلاقات الأخبار تكفي دليلاً على المدعى ، ومجرد أن انفعال القليل بملاقاة الأعيان النجسة هو المقدار المتيقن من المطلقات ، لا يمنع عن التمسك بإطلاقاتها لما قررناه في الأُصول من أن وجود القدر المتيقن في البين غير مضر بالإطلاق (1).
وقد يتوهّم تقييد تلك المطلقات بما ورد في رواية أبي بصير المتقدمة من قوله علیه السلام « إلاّ أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة فإن أدخلت يدك في الماء وفيها شيء من ذلك فأهرق ذلك الماء ... » حيث قيّد علیه السلام الحكم بانفعال الماء بما إذا أدخل يده في الماء وفيها شيء من قذر بول أو جنابة ، ووجود القذر في اليد إنما يكون بوجود عين البول والجنابة فيها دون ما إذا زالت عينهما عن اليد ، فمقتضى الرواية عدم انفعال الماء القليل بملاقاة مثل اليد المتنجسة فيما إذا زالت عنها عين القذر من البول والمني فالمتنجس لا يوجب التنجيس وبها نقيّد إطلاق سائر الأخبار.
ولا يخفى عدم إمكان المساعدة عليه ، وذلك لأن للقذر إطلاقين : فربما يطلق ويراد منه المعنى الاشتقاقي بمعنى الحامل للقذارة ، وعليه فإضافته إلى البول والجنابة إضافة بيانية كخاتم فضة أي قذر من بول أو جنابة ولا بأس بالاستدلال المتقدم حينئذ ، فإن مفهوم الرواية أنّه إذا لم يكن في اليد بول أو جنابة فلا بأس بإدخالها الإناء.
واخرى يطلق ويراد منه المعنى المصدري أي القذارة ، وبهذا تكون إضافته إلى البول والجنابة اضافة نشوية ومعناه أن في اليد قذارة ناشئة من بول أو جنابة ، وعليه لا يتم الاستدلال المذكور بوجه لأن اليد حينئذ وإن كانت خالية عن البول والجنابة إلاّ أنها محكومة بالقذارة الناشئة من ملاقاة البول أو الجنابة ، فصح أن يقال فيها شيء من القذر ، وبما أنه لا قرينة على تعيين إرادة أحد المعنيين فتصبح الرواية بذلك مجملة ولا يصح الاستدلال بها على التقييد.
1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 370.
هذا كلّه على أن الرواية غير خالية عن المناقشة في سندها حيث إن في طريقها عبد اللّه بن المغيرة ولم يظهر أنه البجلي الثقة ، فالرواية ساقطة عن الاعتبار.
ونظيرها في توهم التقييد رواية علي بن جعفر (1)إلاّ أن شذوذها واشتمالها على ما لا يلتزم به الأصحاب ، وهو تفصيلها في الحكم بالانفعال وعدمه بين صورتي وجدان ماء آخر وعدم وجدانه ، يمنع عن رفع اليد بها من المطلقات.
والمتحصل : أن التفصيل في انفعال الماء القليل بين ملاقاة النجاسات والمتنجسات غير وجيه.
نعم ، يمكن أن نفصّل في المقام تفصيلاً آخر إن لم يقم إجماع على خلافه وهو التفصيل بين ملاقاة القليل للنجاسات والمتنجسات التي تستند نجاستها إلى ملاقاة عين النجس ، وهي التي نعبّر عنها بالمتنجس بلا واسطة وبين ملاقاة المتنجسات التي تستند نجاستها إلى ملاقاة متنجس آخر أعني المتنجس مع الواسطة ، بالالتزام بالانفعال في الأول دون الثاني ، إذ لم يقم دليل على انفعال القليل بملاقاة المتنجس مع الواسطة ، حتى أنّه لا دلالة عليه في رواية أبي بصير المتقدمة بناء على إرادة المعنى الثاني من القذر فيها وذلك لأن القذر لم ير إطلاقه على المتنجسات غير الملاقية لعين النجس أعني المتنجس بملاقاة متنجس آخر ، فإنّه نجس ولكنه ليس بقذر.
والذي يمكن أن يستدل به على انفعال القليل بملاقاة مطلق المتنجس ولو كان مع الواسطة أمران :
أحدهما : التعليل الوارد في ذيل بعض الأخبار الواردة في نجاسة سؤر الكلب ، وقد ورد ذلك في روايتين :
1) وهي ما عن علي بن جعفر علیه السلام « عن جنب أصابت يده جنابة من جنابته فمسحها بخرقة ثم أدخل يده في غسله قبل أن يغسلها هل يجزؤه أن يغتسل من ذلك الماء؟ قال علیه السلام : إن وجد ماء غيره فلا يجزؤه أن يغتسل به وإن لم يجد غيره أجزأه » المروية في قرب الاسناد : 180 / 666.
إحداهما : صحيحة البقباق قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن فضل الهرة والشاة والبقرة والإبل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباغ فلم أترك شيئاً إلاّ سألت عنه؟ فقال : لا بأس به حتى انتهيت إلى الكلب؟ فقال : رجس نجس لا تتوضّأ بفضله وأصيب ذلك الماء ، واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء » (1).
وثانيتهما : ما عن معاوية بن شريح قال : « سأل عذافر أبا عبد اللّه علیه السلام وأنا عنده عن سؤر السنور والشاة والبقرة والبعير والحمار والفرس والبغل والسباع يشرب منه أو يتوضأ منه؟ فقال : نعم ، اشرب منه وتوضأ منه قال : قلت له الكلب؟ قال : لا. قلت أليس هو سبع؟ قال : لا واللّه إنه نجس ، لا واللّه إنه نجس » (2)وتقريب الاستدلال بهاتين الروايتين انّه علیه السلام علل الحكم بعدم جواز التوضؤ والشرب من سؤر الكلب بأنه رجس نجس.
فيعلم من ذلك أن المناط في التنجس وعدم جواز الشرب والوضوء هو ملاقاة الماء للنجس فنتعدّى من الكلب الذي هو مورد الرواية إلى غيره من أفراد النجاسات ومن الظاهر أن النجس كما يصح إطلاقه على الأعيان النجسة كذلك يصح إطلاقه على المتنجسات حيث لم يؤخذ في مادّة النجس ولا في هيئته ما يخصّه بالنجاسة الذاتية بل يعمها والنجاسة العرضية فالمتنجس نجس حقيقة ، فإذا لاقاه شيء من القليل فقد لاقى نجساً ويحكم عليه بالنجاسة وعدم جواز الشرب والوضوء منه ، فالروايتان تدلاّن على منجسية المتنجسات للقليل سواء أكانت مع الواسطة أم بلا واسطة.
ولكن للمناقشة في الاستدلال بهما مجال واسع أمّا في الرواية الأُولى فلأنها وإن كانت صحيحة سنداً إلاّ أن دلالتها ضعيفة ، والوجه فيه : أن الرجس إنما يطلق على الأشياء خبيثة الذوات ، وهي التي يعبّر عنها في الفارسية ب- « پليد » كما في قوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (3)ولا يصح إطلاقه على المتنجِّسات فهل ترى
صحّة إطلاقه على عالم هاشمي ورع لتنجس بدنه. وكيف كان فإن إطلاق الرجس على المتنجس من الأغلاط ، وعليه فالرواية مختصة بالأعيان النجسة ولا تعم المتنجسات.
على أن الرواية غير مشتملة على التعليل حتى يتعدى منها إلى غيرها بل هي مختصة بالكلب ولا تعم سائر الأعيان النجسة فما ظنك بالمتنجسات ومن هنا عقّبه علیه السلام بقوله « اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء » فإنّه يختص بالكلب وهو ظاهر. ولازم التعدي عن مورد الصحيحة إلى غيره هو الحكم بوجوب التعفير في ملاقي سائر الأعيان النجسة أيضاً وهو ضروري الفساد ، ومع عدم إمكان التعدي عن موردها إلى سائر الأعيان النجسة كيف يتعدى إلى المتنجسات. وعلى الجملة لو كنّا نحن وهذه الصحيحة لما قلنا بانفعال القليل بملاقاة غير الكلب من أعيان النجاسات فضلاً عن انفعاله بملاقاة المتنجسات.
وأمّا في الرواية الثانية : فلأنها ضعيفة سنداً بمعاوية بن شريح بل يمكن المناقشة في دلالتها أيضاً ، وذلك لأن النجس وإن صحّ إطلاقه على المتنجس على ما أسلفناه آنفاً إلاّ أنّه علیه السلام ليس في الرواية بصدد بيان أن النجس منجّس وإنما كان بصدد دفع ما توهّمه السائل حيث توهّم أن الكلب من السباع ، وقد دفعه علیه السلام بأن الكلب ليس من تلك السباع التي حكم بطهارة سؤرها.
الأمر الثاني : صحيحة زرارة التي رواها علي بن إبراهيم بطريقه الصحيح وقد حكى فيها الإمام علیه السلام عن وضوء النبي صلی اللّه علیه و آله فدعا بوعاء فيه ماء فأدخل يده فيه بعد أن شمّر ساعده ، وقال : هكذا إذا كانت الكف طاهرة ... (1)فإنّها دلت بمفهومها على أن الكف إذا لم تكن طاهرة فلا يسوغ إدخالها الماء ولا يصح منه الوضوء ، ولا وجه له إلاّ انفعال القليل بالكف المتنجسة ، وبإطلاقها تعم ما إذا كانت نجسة بعين النجاسة وما إذا كانت نجسة بالمتنجس الذي نعبّر عنه بالمتنجس مع الواسطة.
1) الوسائل 1 : 287 / أبواب الوضوء ب 15 ح 2.
وهذه الرواية أحسن ما يستدل به في المقام لصحّة سندها وتمامية دلالتها على عدم الفرق بين المتنجس بلا واسطة والمتنجس مع الواسطة. ولكن الصحيح أن الرواية مجملة لا يعتمد عليها في إثبات المدعى وذلك لاحتمال أن يكون الوجه في اشتراطه علیه السلام طهارة الكف في إدخالها الإناء عدم صحّة الوضوء بالماء المستعمل في رفع الخبث حتى على القول بطهارته ذلك لأنّ العامّة ذهبوا إلى نجاسة الماء المستعمل في رفع الخبث حتى على القول بطهارته ذلك لأنّ العامّة ذهبوا إلى نجاسة الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر ، بل والمستعمل في رفع الحدث الأصغر أيضاً عند أبي حنيفة ، وقد ذهب إلى أن نجاسته مغلّظة (1)وأمّا عند الإمامية فالماء القليل المستعمل في رفع الحديث مطلقاً محكوم بالطهارة سواء استعمل في الأكبر منه أم في الأصغر. نعم ، في جواز رفع الحدث الأكبر ثانياً بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر خلاف عندهم فذهب بعضهم إلى جوازه ، ومنعه آخرون ، ويأتي ما هو الصحيح في محلّه إن شاء اللّه تعالى. وأمّا الماء المستعمل في رفع الحدث الأصغر وهو الماء المستعمل في الوضوء فلم يقع خلاف بين الأصحاب في طهارته ، وفي جواز استعماله في الوضوء ثانياً وثالثاً وهكذا ، هذا كلّه في المستعمل في رفع الحدث.
وأمّا الماء القليل المستعمل في رفع الأخباث أعني به الغسالة فقد وقع الخلاف في طهارته ونجاسته بين الأعلام ، إلاّ أنه لا يجوز استعماله في رفع شيء من حدثي الأكبر والأصغر حتى على القول بطهارته ، وقد تعرّض له الماتن عند تعرّضه لما يعتبر في الماء المستعمل في الوضوء. والماء الموجود في الإناء في مورد الرواية ماء مستعمل في رفع الخبث على تقدير نجاسة الكف فإنّه بمجرد إدخالها الإناء يصير الماء مستعملاً في الخبث. فإن صدق هذا العنوان واقعاً غير مشروط بقصد الاستعمال لكفاية مجرد وضع المتنجس في الماء في صدق المستعمل عليه كما هو ظاهر ، وبهذا تصبح الرواية مجملة لعدم العلم بوجه اشتراطه علیه السلام الطهارة في الكف ، وأنه مستند إلى أن المتنجس ولو مع الواسطة ينجّس القليل ، أو أنه مستند إلى عدم كفاية المستعمل في
1) قد قدّمنا نقل أقوالهم في الماء المستعمل في الغسل والوضوء سابقاً ونقلنا ذهاب أبي حنيفة إلى النجاسة المغلظة عن ابن حزم في المجلد 1 من المحلى وإن لم يتعرض له في الفقه على المذاهب الأربعة فراجع ص 126.
حتى برأس إبرة من الدم الذي لا يدركه الطرف (1).
رفع الخبث في الوضوء وإن كان طاهراً في نفسه.
فالرواية مجملة لا يمكن الاستدلال بها على منجّسية المتنجس للقليل مطلقاً ، فاذن لا دليل على انفعال القليل بالمتنجس مع الواسطة ، فيختص الانفعال بما إذا لاقى القليل عين النجس ، أو المتنجس بعين النجس والتفصيل بين المتنجس بلا واسطة والمتنجس مع الواسطة متعيّن ، إذا لم يقم إجماع على خلافه كما ادعاه السيد بحر العلوم قدس سره فإن تمّ هذا الإجماع فهو ، وإلاّ فالتفصيل هو المتعيّن وعلى الأقل لا يسعنا الإفتاء بانفعال القليل بملاقاة المتنجس مع الواسطة ، والاحتياط مما لا ينبغي تركه.
(1) هذه هي الجهة الخامسة من الكلام في هذه المسألة ، والكلام فيها في انفعال القليل بمقدار من الدم الذي لا يدركه الطرف كانفعاله بالدم الزائد على هذا المقدار وعدم انفعاله به.
وقد ذهب الشيخ الطوسي قدس سره إلى عدم انفعاله بالمقدار المذكور من الدم ومستنده في ذلك ما رواه هو قدس سره في مبسوطه (1)واستبصاره (2)والكليني في الكافي في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى بن جعفر علیه السلام قال : « سألته عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعاً صغاراً فأصاب إناءه هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال : إن لم يكن شيئاً يستبين في الماء فلا بأس ، وإن كان شيئاً بيّناً فلا تتوضأ منه ... » (3)والرواية صحيحة لا إشكال في سندها وإنما الكلام في دلالتها ومفادها وقد احتمل فيها وجوه :
الأوّل : ما عن شيخنا الأنصاري قدس سره من حمله الرواية على الشبهة
المحصورة وموارد العلم الإجمالي بوقوع قطرة من الدم في شيء ، ولا يدري أنه داخل الإناء أعني الماء أو أنه خارجه ، وبما أن أحد طرفي العلم وهو خارج الإناء خارج عن محل الابتلاء ، فالعلم المذكور كلا علم ، ومن هنا حكم علیه السلام بعدم نجاسة ماء الإناء (1).
الثاني : ما ذكره الشيخ الطوسي قدس سره من حمله الرواية على الماء الموجود في الإناء والتفصيل في نجاسته بين ما إذا كان ما وقع فيه من الدم بمقدار يستبين في الماء فينفعل وما إذا لم يكن بمقدار يستبين فلا ينفعل.
الثالث : ما احتمله صاحب الوسائل وقوّاه شيخنا شيخ الشريعة الأصفهاني قدس سرهما في بحثه الشريف من حمل الرواية على الشبهات البدوية وأن المراد بالإناء هو نفسه دون مائه ولا الأعم من نفسه ومائه وقد فرض الراوي العلم بإصابة قطرة من الدم لنفس الإناء وتنجسه بذلك قطعاً ، إلاّ أنه شكّ في أنها هل أصابت الماء أيضا أو أصابت الإناء فحسب ، ففصّل الإمام علیه السلام بين صورتي العلم بإصابة القطرة لماء الإناء فحكم فيها بالانفعال وجهله باصابتها فحكم بطهارته ، فالمراد بالاستبانة هو العلم بوقوع القطرة في الماء ، فإذا لم يكن معلوما فهو مشكوك فيه فليحكم عليه بالطهارة.
وهذا الاحتمال الذي قوّاه شيخنا شيخ الشريعة قدس سره هو المتعين بناء على النسخة المطبوعة سابقاً المعروفة بالطبع البهادري المشتملة على زيادة قوله علیه السلام ولم يستبن في الماء بعد قوله فأصاب إناءه. فإن تقابل قوله علیه السلام ولم يستبن في الماء بقوله « أصاب إناءه » يوجب ظهور الإناء في نفس الظرف دون المظروف والماء ، ومعناها حينئذ أن القطرة أصابت الإناء قطعاً ولكنه يشك في أنها أصابت الماء أيضاً أم لم تصبه ، فيرجع في الماء إلى قاعدة الطهارة.
ولكن النسخة مغلوطة قطعاً ، والزيادة ليست من الرواية كما في الطبعة الأخيرة من الوسائل ، وعليه ففي الرواية احتمالات ثلاثة أبعدها ما ذكره شيخنا الأنصاري
1) فرائد الأُصول 2 : 421.
( قدس سره ) فيدور الأمر بين الاحتمالين الباقيين أعني ما احتمله الشيخ الطوسي قدس سره وما قوّاه شيخنا شيخ الشريعة ( طاب ثراه ) وحيث لا معيّن لأحدهما في البين فتصبح الرواية مجملة لا يمكن الاعتماد عليها.
بل يمكن أن يقال : إن ما احتمله شيخنا شيخ الشريعة قدس سره هو الأظهر من سابقه ، فإن إطلاق الإناء على الماء وإن كان صحيحاً بإحدى العلاقات المسوّغة للتجوّز كالحالية والمحلية ، إلاّ أنه بالنتيجة معنى مجازي للإناء لا مقتضي للمصير إليه بعد إمكان حمله على معناه الحقيقي ، فنحمله على ذلك المعنى وهو الظرف كما حمله عليه شيخنا المتقدم ، ويلزمه التفصيل بين صورتي العلم بالنجاسة كما في الإناء والجهل بها كما في الماء ، فهو شبهة موضوعية بدوية يحكم فيها بالطهارة كما هو واضح ، وهذا الاحتمال هو المتعيّن.
وأمّا ربما يقال من أن قاعدة الطهارة أو استصحابها كادت أن تكون من الأُمور البديهية ، ومثلها لا يخفى على مثل علي بن جعفر علیه السلام فحمل الرواية على الشبهات الموضوعية بعيد ، ولا محيص من حملها على إرادة معنى آخر.
فهو مما لا يصغي إليه فإن قاعدة الطهارة أو استصحابها إنما صارت من الواضحات في زماننا لا في زمانهم ، حيث إنها مما ثبت بتلك الروايات لا بشيء آخر قبلها ، هذا.
على أن المورد قد احتف بما يوجب الظن بالإصابة ، ولعلّه الذي دعا علي بن جعفر إلى السؤال فإنّه إذا رعف وامتخط وأصاب الدم الإناء ، فهو يورث الظن باصابته للماء أيضاً ولمكان هذا الظن سأله علیه السلام عن حكمه. وقد وقع نظير ذلك في بعض روايات الاستصحاب أيضاً حيث سأله زرارة عن أن الخفقة والخفقتين توجب الوضوء أو لا؟ وأنه إذا حرّك في جنبه شيء وهو لا يعلم ... فإن استصحاب الطهارة في الشبهات الموضوعية والحكمية مما لا يكاد يخفى على زرارة وأضرابه ولكنه إنما صار واضحاً بتلك الأخبار ، ولعلّ الذي دعاه للسؤال عن الشبهتين ملاحظة ما يثير الظن بالمنام في مورد السؤال أعني تحريك شيء في جنبه وهو لا يعلم ، فالإشكال مندفع بحذافيره والرواية إما مجملة وإما ظاهرة فيما قدّمناه ، فلا دلالة فيها على التفصيل المذكور بوجه ، ومقتضى الإطلاقات والعمومات الدالّة على انفعال القليل
سواء كان مجتمعاً أم متفرقاً مع اتصالها بالسواقي (1)فلو كان هناك حفر متعددة فيها الماء واتصلت بالسواقي ، ولم يكن المجموع كراً إذا لاقى النجس واحدة منها تنجس الجميع ، وان كان بقدر الكر لا ينجس ، وإن كان متفرقاً على الوجه المذكور ، فلو كان ما في كل حفرة دون الكر وكان المجموع كراً ولاقى واحدة منها النجس لم تنجس ، لاتصالها بالبقية.
بالملاقاة انفعاله بملاقاة الدم الذي لا يدركه الطرف أيضا.
نعم ، ان في المقام شيئاً ولعلّه مراد الشيخ الطوسي قدس سره وإن كان بعيداً ، وهو أن النجس دماً كان أو غيره كالعذرة إذا لم يطلق عليه عنوانه عند العرف لدقته وصغره ، فلا نلتزم في مثله بانفعال القليل إذا لاقى مثله ، وهذا كما في الكنيف والأمكنة التي فيها عذرة فإن كنسها أو هبوب الرياح إذا أثار منها الغبار ، ووقع ذلك الغبار على موضع رطب من البدن كالجبين المتعرق أو من غيره ، فلا يوجب تنجس الموضع المذكور مع أن فيه أجزاء دقيقة من العذرة أو من غيرها من النجاسات.
ولكن هذا لا يحتاج فيه إلى الاستدلال بالرواية فإن المدرك فيه انصراف إطلاقات ما دلّ على نجاسة العذرة ونحوها عن مثله وعدم دخوله تحتها ، لأن المفروض عدم كونه عذرة لدى العرف لدقته وصغره.
(1) وذلك لأن الاتصال مساوق للوحدة ، وهي المعيار في عدم انفعال الماء إذا بلغ قدر كر وانفعاله فيما إذا لم يبلغه ، فما عن صاحب المعالم قدس سره من عدم اعتصام الكر فيما إذا كان متفرقاً ، ولو مع اتصالها بالسواقي والأنابيب (1) فمما لم نقف له على وجه محصل ، إذ لا مجال لدعوى انصراف الإطلاقات عن مثله ، وهذا من الوضوح بمكان إلاّ فيما إذا اختلف سطح الماءين لما أسلفناه من أن العالي منهما إذا اندفع بقوة ودفع وتنجس بشيء لا ينجس سافلهما كما عرفت تفصيله.
1) المعالم ( فقه ) : 12.
[99] مسألة 1 : لا فرق في تنجس القليل بين أن يكون وارداً على النجاسة أو موروداً (1).
(1) هذه هي الجهة السادسة من الكلام في المقام وتفصيل ذلك أن السيد المرتضى قدس سره فصّل في انفعال القليل بملاقاة النجس ، بين ورود الماء على النجس أو المتنجس فلا ينفعل وبين ورودهما عليه فينفعل (1).
وهذا التفصيل مبني على أن أدلّة انفعال القليل بالملاقاة لا يفهم منها عرفاً إلاّ سراية النجاسة من الملاقي إلى الماء القليل في خصوص ما إذا وردت النجاسة عليه دون ما إذا ورد الماء على النجس ، وذلك لأن روايات اشتراط اعتصام الماء ببلوغه كراً لا تدل على انفعال القليل بكل فرد من أفراد النجاسات والمتنجسات كما مرّ ، فضلاً عن أن يكون لها إطلاق أحوالي يقتضي انفعال القليل بالملاقاة بأي كيفية كانت. بل لو سلمنا دلالتها على الانفعال بكل فرد فرد من النجاسات والمتنجسات لم يكن لها إطلاق أحوالي كي تدل على نجاسة القليل حالة وروده على النجس.
وأمّا الأخبار الخاصة الدالّة على انفعال القليل بمجرد الملاقاة فهي كلّها واردة في موارد ورود النجاسة على الماء ، فلا دلالة لها على انفعال القليل فيما إذا ورد الماء على النجس هذا.
ولكن الإنصاف أن العرف يستفيد من أدلّة انفعال القليل بملاقاة مثل الكلب والعذرة وغيرهما من المنجسات ، أن الحكم بالنجاسة والانفعال مستند إلى ملاقاة النجس للماء ، بلا خصوصية في ذلك لوروده على النجس أو لورود النجس عليه ، فلا خصوصية للورود بحسب المتفاهم العرفي في التنجيس ، لأنه يرى الانفعال معلولاً للملاقاة خاصة ، كما هو الحال فيما إذا كان ملاقي النجس غير الماء كالثوب واليد ونحوهما ، فإنّه إذا دلّ دليل على أن الدم إذا لاقى ثوباً ينجس الثوب مثلاً فالعرف لا يفهم منه إلاّ أن ملاقاة الدم للثوب هي العلّة في تنجسه ، فهل ترى من نفسك أن
1) الناصريات : 179 السطر 11.
العرف يستفيد من مثله خصوصية لورود الدم على الثوب.
ويؤيد ما ذكرناه اعتراف السيد المرتضى قدس سره بوجود المقتضي لتنجس الماء في كلتا الصورتين ، إلاّ أنه تشبث بإبداء المانع من تنجسه فيما إذا كان الماء وارداً على النجس ، بتقريب أن الماء القليل لو كان منفعلاً بملاقاة النجس مطلقاً لما أمكننا تطهير شيء من المتنجسات به ، وهذا باطل بالضرورة.
والجواب عنه ما أشرنا إليه سابقاً من أن الالتزام بالتخصيص ، أو دعوى حصول الطهارة به حينئذٍ وإن اتصف الماء بالنجاسة في نفسه ، يدفع المحذور برمته.
ويؤيد ما ذكرناه أيضاً ويستأنس له بجملة من الروايات :
منها : ما قدمناه من صحيحة البقباق (1)حيث علل فيها الإمام علیه السلام نجاسة سؤر الكلب بأنه رجس نجس ، دفعاً لما تخيله السائل من أنه من السباع ، فلو كان لورود النجاسة خصوصية في الانفعال لذكره الإمام علیه السلام لأنه في مقام البيان.
ومنها : تعليله علیه السلام في رواية الأحول (2)طهارة ماء الاستنجاء بأن الماء أكثر بعد قوله علیه السلام : « أو تدري لم صار لا بأس به » ولم يعللها بورود الماء على النجس ، فلو كان بين الوارد والمورود فرق لكان التعليل بما هو العلّة منهما أولى.
هذا كلّه مع وجود الإطلاق في بعض الروايات ، وفي ذلك كفاية فقد دلت رواية أبي بصير (3)على نجاسة الماء الملاقي لما يبلّ ميلاً من الخمر من غير تفصيل بين ورود الخمر على الماء وعكسه.
الجهة السابعة : فيما ذهب إليه بعض المحققين من المتأخرين من التفصيل في انفعال القليل بين صورتي ملاقاة الماء لشيء من النجاسات والمتنجسات واستقراره معه
وملاقاته لأحدهما وعدم استقراره معها ، كما إذا وقعت قطرة ماء على أرض نجسة فطفرت عنها إلى مكان آخر بلا فصل فالتزم بعدم انفعال القليل في صورة عدم استقراره مع النجس.
واستدلّ عليه برواية عمر بن يزيد قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام أغتسل في مغتسل يبال فيه ويغتسل من الجنابة ، فيقع في الإناء ما ينزو من الأرض؟ فقال : لا بأس به » (1). فإنّها دلت على أن الماء الذي لاقى أرضاً متنجسة أو النجس الموجود فيها ولم يستقر معه بل انفصل عنه بمجرد الاتصال ، لا ينفعل بملاقاتهما حيث إن ظاهرها أن ما ينزو إنما ينزو من الأرض النجسة التي يغتسل فيها وهو المكان الذي يبال فيه ويغتسل فيه من الجنابة ، ودلالتها على هذا ظاهرة.
وقد تحمل الرواية على أن السؤال فيها عن حكم الملاقي لأطراف العلم الإجمالي فإن البول والغسالة إنما وقعا على قطعة من الأرض لا على جميعها ولا يدري أن ما نزى على إنائه هل نزى من القطعة النجسة أو من القطعة الطاهرة من الأرض ، وعليه فمدلول الرواية أجنبي عن محل الكلام بل إنها تدل على أن الماء الملاقي لأحد طرفي العلم الإجمالي غير محكوم بالنجاسة.
ولكن هذا الحمل بعيد غايته ، فإن ظاهر الرواية أن النزو إنما هو من المكان النجس ، لا أنه يشك في أنه نزى من النجس أو الطاهر فإن أرادته تتوقف على مئونة زائدة وإضافة أنه نزى من مكان لا يعلم أنه نجس أو طاهر ، وإطلاق السؤال والجواب وعدم اشتمالها على الزيادة المذكورة يدفع هذا الاحتمال. وكيف كان فالمناقشة في دلالة الرواية مما لا وجه له. وإنما الاشكال كلّه في سندها لأنها ضعيفة بمعلى بن محمد (2)لعدم ثبوت وثاقته ، فالاستدلال بها على التفصيل المذكور غير تام. وربّما
1) الوسائل 1 : 213 / أبواب الماء المضاف ب 9 ح 7.
2) هكذا أفاده مدّ ظلّه ولكنه عدل عن ذلك أخيراً وبنى على أن الرجل موثق لوقوعه في أسانيد كامل الزيارات ، ولا يقدح في ذلك ما ذكره النجاشي [ 418 / 1117 ] في ترجمته من انّه مضطرب الحديث والمذهب لأن معنى الاضطراب في الحديث أن رواياته مختلفة فمنها ما لا يمكن الأخذ بمدلوله ومنها ما لا مانع من الاعتماد عليه ، لا أن اضطرابه في نقله وحكايته. إذن لا ينافي الاضطراب في الحديث وثاقته ولا يعارض به توثيق ابن قولويه.
[100] مسألة 2 : الكر بحسب الوزن ألف ومائتا رطل بالعراقي وبالمساحة ثلاثة وأربعون شبراً (1)إلاّ ثمن شبر ، فبالمن الشاهي وهو ألف ومائتان وثمانون مثقالاً يصير أربعة وستين مناً إلاّ عشرين مثقالاً (1).
[101] مسألة 3 : الكر بحقّة الاسلامبول وهي مائتان وثمانون مثقالاً مائتا حقّة واثنتان وتسعون حقّة ونصف حقّة (2)
[102] مسألة 4 : إذا كان الماء أقل من الكر ولو بنصف مثقال ، يجري عليه حكم القليل.
يستدل بها على عدم منجسية المتنجس مطلقاً ، ولعلّنا نتعرض لها عند التكلّم على منجسية المتنجس إن شاء اللّه تعالى.
(1) لا خلاف بين أصحابنا في أن الماء البالغ قدر كر لا يتنجس بملاقاة شيء من النجاسات والمتنجسات ما دام لم يطرأ عليه التغيّر في أحد أوصافه الثلاثة كما عرفت أحكامه مفصلاً ، وإنما الكلام في تحديد الكر وقد حدّد في الروايات بنحوين بالوزن وبالمساحة.
فأمّا بحسب الوزن : فقد حدّدته الرواية (3)الصحيحة إلى ابن أبي عمير والمرسلة بعده بألف ومائتي رطل ، وفي صحيحة (4)محمد بن مسلم أن الكر ستمائة رطل ، وذهب المشهور إلى تحديده بالوزن بألف ومائتي رطل عراقي ، وعن السيد المرتضى (5)
والصّدوق في الفقيه (1)تحديده بألف وثمانمائة رطل بالعراقي بحمل الرطل في رواية ابن أبي عمير على الرطل المدني فإنّه يوازي بالرطل العراقي رطلاً ونصف رطل فيكون الألف ومائتا رطل بالأرطال المدنية ألفاً وثمانمائة رطل بالعراقي.
والكلام في المقام يقع تارة على مسلك المشهور من معاملتهم مع مراسيل ابن أبي عمير معاملة المسانيد لأنّه لا يروي إلاّ عن ثقة ، فاعتماده على رواية أحد ونقلها عنه توثيق لذلك الراوي وهو لا يقصر عن توثيق مثل الكشي والنجاشي من أرباب الرجال ، وأُخرى على مسلك غير المشهور كما هو المنصور من عدم الاعتماد على المراسيل مطلقاً كان مرسلها ابن أبي عمير أو غيره لا لأجل أن توثيقه بنقل الرواية عن أحد يقصر عن توثيق أرباب الرجال ، بل لأجل العلم الخارجي بأنه قد روى عن غير الثقة أيضاً ولو من باب الاشتباه والخطأ في الاعتقاد ، وهذا ممّا نعلم به جزماً. وإذن يحتمل أن يكون البعض في قوله عن بعض أصحابنا ، هو البعض غير الموثق الذي روى عنه ابن أبي عمير في موضع آخر مسنداً ، ومع الشبهة في المصداق لا يبقى مجال للاعتماد على مراسيله.
فأما على مسلك المعروف فالصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من حمل الأرطال في الروايات على الأرطال العراقية وتحديد الكر بألف ومائتي رطل بالعراقي ، دون ما ذهب إليه السيد والصدوقان من تحديدهم الكر بألف وثمانمائة رطل بالعراقي بحمل ألف ومائتي رطل في الروايات على الأرطال المدنية ، والوجه في ذلك هو أن ما ذهبوا إليه في المقام هو الذي يقتضيه الجمع بين مرسلة ابن أبي عمير وصحيحة محمد بن مسلم ، وهذا لا لما قالوا من أن الجمع بين الروايات مهما أمكن أولى من طرحها ، أو أن الأخذ بأحد احتمالاتها وتعيّنه أولى من طرحها بأجمعها للإجمال كما عن جملة من الأصحاب ، لما قلنا في محلّه من أن هذه القاعدة لا ترجع إلى أساس صحيح وأن العبرة بظهور الرواية لا بالجمع بين الروايات. بل الوجه فيما ذكرناه أن كل واحدة من المرسلة والصحيحة قرينة لتعيين المراد من الأُخرى.
1) الفقيه 1 : 6.
بيان ذلك : أن الرِّطل بكسر الراء وفتحه لغة بمعنى : الوزن رطله ، كذا أي وزنه بكذا ، ثم جعل إسماً لمكيال معيّن يكال به طريقاً إلى وزن خاص ، كما هو الحال في زماننا هذا في كيل الجص حيث إنه موزون ولكنهم يكيلونه بمكيال خاص بجعله طريقاً إلى وزن معيّن تسهيلاً لأمرهم وكذا في اللبن على ما نشاهده في النجف فعلاً. وكيف كان فهذا المكيال الخاص كالمن في زماننا هذا له معان ، فكما أن المن يطلق على الشاهي تارة وعلى التبريزي اخرى وعلى الاستامبولي ثالثة وعلى العراقي رابعة ، كذلك الرطل في زمانهم علیهم السلام كان يطلق على العراقي مرة وهو ألف وثلاثمائة درهم ، وأُخرى على المدني وهو ألف وتسعمائة وخمسون درهماً ، وثالثة على المكي وهو ضعف العراقي أعني ألفين وستمائة درهم. وقد استعمل في كل من هذه المعاني في الأخبار على ما يستفاد من بعض الروايات. وعليه فهو مجمل مردد في الروايتين بين محتملات ثلاثة ، ولا وجه لحملة على المكي في صحيحة محمد بن مسلم بدعوى أنه من أهل الطائف والإمام علیه السلام تكلّم بلغة السامع ، إذ لا عبرة بعرف السامع في المحاورات والمتكلّم إنما يلقي كلامه بلغته وحسب اصطلاحه ، ولا سيما إذا لم يكن مسبوقاً بالسؤال وهم علیهم السلام كانوا يتكلّمون بلغة المدينة. هذا على أن محمد بن مسلم على ما ذكره بعض آخر كوفي قد سكن بها ، وكيف كان فالرطل في الروايتين مجمل في نفسه إلاّ أن كل واحدة منهما معينة لما أُريد منه في الأُخرى ، حيث إنّ لكل منهما دلالتين إيجابية وسلبية ، وهي مجملة بالإضافة إلى إحدى الدلالتين وصريحة بالإضافة إلى الأُخرى وصراحة كل منهما ترفع الإجمال عن الأُخرى وتكون مبيّنة لها لا محالة.
فصحيحة محمد بن مسلم لها دلالة على عقد إيجابي ، وهو أن الكر ستمائة رطل وعلى عقد سلبي وهو عدم كون الكر زائداً على ذلك المقدار وهي بالإضافة إلى عقدها السلبي ناصّة لصراحتها في عدم زيادة الكر عن ستمائة رطل ولو بأكثر محتملاته الذي هو الرطل المكي ، فهو لا يزيد على ألف ومائتي رطل بالأرطال العراقية ، إلاّ أنها بالنسبة إلى عقدها الإيجابي مجملة إذ لم يظهر المراد بالرطل بعد ، هذا حال الصحيحة.
وأمّا المرسلة فلها أيضاً عقدان إيجابي وهو أن الكر ألف ومائتا رطل وسلبي وهو
عدم كون الكر أقل من ذلك المقدار ، وهي صريحة في عقدها السلبي لدلالتها على أن الكر ليس بأقل من ألف ومائتي رطل قطعاً ولو بأقل محتملاته الذي هو الرطل العراقي ، ومجملة بالإضافة إلى عقدها الإيجابي لإجمال المراد من الرطل ، ولم يظهر أنه بمعنى العراقي أو المدني أو المكي. وحيث إن الصحيحة صريحة في عقدها السلبي لدلالتها على عدم زيادة الكر على ألف ومائتي رطل بالعراقي ، فتكون مبينة لإجمال المرسلة في عقدها الإيجابي ، وتدل على أن الرطل في المرسلة ليس بمعنى المدني أو المكي ، وإلاّ لزاد الكر عن ستمائة رطل حتى بناء على إرادة المكي منه ، لوضوح أن ألفاً ومائتي رطل مدنيّاً كان أم مكيّاً يزيد عن ستمائة رطل ولو كان مكيّاً.
فهذا يدلنا على أن المراد من ألف ومائتي رطل في المرسلة هو الأرطال العراقية لئلاّ يزيد الكر عن ستمائة رطل كما هو صريح الصحيحة ، بل قد استعمل الرطل بهذا المعنى في بعض (1)الأخبار من دون تقييده بشيء ولما سئل عمّا قصده بيّن علیه السلام أن مراده منه هو الرطل العراقي. بل ربما يظهر منها أن الشائع في استعمالات العرب هو الرطل العراقي حتى في غير العراق من دون أن يتوقف ذلك على نصب قرينة عليه.
كما أن المرسلة لما كانت صريحة في عدم كون الكر أقل من ألف ومائتي رطل على جميع محتملاته كانت مبيّنة لإجمال الصحيحة في عقدها الإيجابي وبياناً على أن المراد بالرطل فيها خصوص الأرطال المكية ، إذ لو حملناه على المدني أو العراقي لنقص الكر عن ألف ومائتي رطل بالأرطال العراقية وهذا من الوضوح بمكان ، وبالجملة أن النص من كل منهما يفسّر الإجمال من الأُخرى وهذا جمع عرفي مقدم على الطرح بالضرورة. على أن محمد بن مسلم على ما ذكره بعضهم طائفي ، ولعلّه علیه السلام تكلّم بعرفه واصطلاحه.
فما ذهب إليه المشهور في تحديد الكر بالوزن هو الحق الصراح بناء على المسلك المعروف من معاملة الصحيحة مع مراسيل مثل ابن أبي عمير دون ما اختاره السيد والصدوقان قدس سرهم.
وأمّا بناء على مسلك غير المشهور كما هو الصحيح عندنا من عدم الاعتماد على
1) الوسائل 1 : 203 / أبواب الماء المضاف ب 2 ح 2.
المراسيل مطلقاً ، فالصحيح أيضاً ما ذهب إليه المشهور بيان ذلك : أن المرسلة ساقطة عن الاعتبار على الفرض فلا رواية في البين غير الصحيحة المتقدمة الدالّة على تحديد الكر بستمائة رطل ، وقد مرّ أن للرطل إطلاقات فهو في نفسه من المجملات ، ولكنّا ندّعي أن الصحيحة دالّة على مسلك المشهور والرطل فيها محمول على المكي فيكون الكر ألفاً ومائتي رطل بالعراقي. وإثبات هذا المدعى من وجوه :
الأوّل : أن الرطل فيها لو حمل على غير المكي لكانت الصحيحة على خلاف الإجماع القطعي من الشيعة فلا بدّ من طرحها ، فإنّه لا قائل من الأصحاب بأن الكر ستمائة رطل بالأرطال العراقية أو المدنية. نعم ، نسب إلى الراوندي قدس سره تحديد الكر بما بلغ مجموع أبعاده الثلاثة عشرة أشبار ونصف (1)، ولو صحت النسبة فهو أقل من ستمائة رطل بكثير.
الثاني : أن الأخبار الواردة في تحديد الكر بالمساحة تدل على أن الكر لا يقل عن سبعة وعشرين شبراً لأنه أقل التقديرات الواردة في الأخبار كستة وثلاثين وثلاثة وأربعين إلاّ ثمن شبر ، وهو لا يوافق ستمائة رطل غير مكي حيث إنّا وزنّاه غير مرّة ووجدنا سبعة وعشرين شبراً مطابقاً لألف ومائتي رطل عراقي المعادلة لستمائة رطل مكي.
ويؤيد ما ذكرناه صحيحة علي بن جعفر (2)الدالّة على أن الماء البالغ ألف رطل لا يجوز الوضوء به ولا شربه إذا وقع فيه بول ، فانّا لو حملنا الرطل في الصحيحة على غير المكي لكان مقدار ألف رطل كراً عاصماً وهو خلاف ما نطقت به الرواية المتقدمة.
الثالث : أنّا بيّنا في الأُصول أن المخصص المنفصل إذا كان مجملاً لدورانه بين الأقل والأكثر لا يسري إجماله إلى العام بل لا بدّ من تخصيص العام بالمقدار المتيقن منه ، ويرجع إلى عمومه في المقدار المشكوك فيه (3)، ومقامنا هذا من هذا القبيل لإجمال كلمة الرطل في الصحيحة لدورانه بين الأقل والأكثر ، والعام دلّنا على أن الماء إذا لاقى
نجساً ينجس كما هو مقتضى الأخبار الخاصة المتقدمة من غير تقييد الماء بالقليل ، وقد علمنا بتخصيص ذلك العام بالكر وهو مجمل والمقدار المتيقن منه ألف ومائتا رطل عراقي وهو مساوق لستمائة رطل مكي ونلتزم فيه بعدم الانفعال ، وأمّا فيما لم يبلغ هذا المقدار فهو مشكوك الخروج لإجمال المخصص على الفرض ، فلا بدّ فيه من الرجوع إلى مقتضى العام أعني انفعال مطلق الماء بملاقاة النجس.
وإن شئت توضيح ما ذكرناه قلنا إن الأخبار الواردة في الماء على طوائف :
فمنها : ما جعل الاعتبار في انفعال الماء بالتغيّر وأنّه لا ينفعل بملاقاة شيء من المنجسات ما دام لم يطرأ عليه تغيير ، وهذا كما في صحيحة حريز « كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب فإذا تغيّر الماء وتغيّر الطعم فلا توضأ منه ولا تشرب » (1)ودلالتها على حصر العلّة للانفعال في التغيّر ظاهرة.
ومنها : ما دلّ على أن الماء ينفعل بملاقاة النجس وإن لم يحصل فيه تغيّر لأن مفروض هذه الطائفة هو الماء الذي لا تغيّر فيه في شيء ، وهذا كصحيحة شهاب بن عبد ربّه قال : « أتيت أبا عبد اللّه علیه السلام أسأله فابتدأني فقال : إن شئت فاسأل يا شهاب وإن شئت أخبرناك بما جئت له قال : قلت له : أخبرني جعلت فداك قال : جئت تسألني عن الجنب يسهو فيغمز « فيغمس » يده في الماء قبل أن يغسلها؟ قلت : نعم قال : إذا لم يكن أصاب يده شيء فلا بأس » ... (2)حيث دلّت على انفعال الماء بإصابة اليد المتنجسة.
وموثقة عمار بن موسى عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال بعد قوله سئل عمّا تشرب منه الحمامة ، وعن ماء شرب منه باز ، أو صقر أو عقاب؟ فقال : كل شيء من الطير يتوضأ مما يشرب منه ، إلاّ أن ترى في منقاره دماً فإن رأيت في منقاره دماً فلا توضأ منه ولا تشرب (3)وقد دلّت على انفعال الماء بإصابة منقار الطيور إذا كان فيه
دم كما دلّت على انفعاله بإصابة منقار الدجاجة الذي فيه قذر بناء على رواية الشيخ حيث زاد على الموثقة « وسئل عن ماء شربت منه الدجاجة قال : إن كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه ولم يشرب ... » إلى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتبع في تضاعيف الأبواب ومن البديهي أن إصابة هذه الأشياء للماء لا توجب تغيراً فيه وهو ظاهر. والنسبة بين هاتين الطائفتين هي التباين لدلالة إحداهما على أن المدار في الانفعال على التغيّر فحسب ، وثانيتهما دلت على أن المناط فيه هو ملاقاة النجس دون غيرها إذ لا يتصوّر في مواردها التغيّر بوجه فهما متعارضتان.
ثم إنّ هناك طائفتين أُخريين مخصصتين للطائفة الثانية إحداهما غير مجملة وثانيتهما مجملة.
أمّا ما لا إجمال فيه فهو صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع (1)المخصصة للطائفة الثانية بما لا مادّة له ، وأن ما له مادّة لا ينفعل بالملاقاة وإنما ينفعل بالتغيّر ، ومنها يظهر أن المراد بالماء في تلك الطائفة هو الماء الذي لا مادّة له ، وهو كما ترى مما لا إجمال فيه. فإذا خصصنا الطائفة الثانية بتلك الصحيحة انقلبت النسبة بين الطائفتين المتعارضتين من التباين إلى العموم المطلق لدلالة أُولاهما على حصر الانفعال في التغيّر مطلقاً كان للماء مادّة أم لم يكن ودلت ثانيتهما على حصره في الملاقاة في خصوص ما لا مادّة له وهي أخص مطلقاً من الاولى فيخصصها وتدل على أن الماء الذي لا مادّة له ينفعل بالملاقاة.
وأمّا المخصّص المجمل فهو الروايات الواردة في الكر لدلالتها على عدم انفعال الكر بالملاقاة ولكنها مجملة فإن للكرّ إطلاقات كما تقدم. وبما إن إجمال المخصص المنفصل لا يسري إلى العام فنخصصه بالمقدار المتيقن من الكر وهو ألف ومائتا رطل عراقي وأمّا ما ينقص عن هذا المقدار فلا محالة يبقى تحت العموم المقتضي لانفعال ما لا مادّة له بالملاقاة.
1) الوسائل 1 : 141 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 12 ، وص 172 / أبواب الماء المطلق ب 14 ح 6.
وأمّا تحديده بالمساحة فقد اختلفت فيه الأقوال فمن الأصحاب من حدّده بما يبلغ مائة شبر ، وحكي ذلك عن ابن الجنيد (1).
ومنهم من ذهب إلى تحديده بما بلغ مكعبه ثلاثة وأربعين شبراً إلاّ ثمن شبر ، وهذا هو المشهور بين الأصحاب.
وثالث اعتبر بلوغ مكعب الماء ستة وثلاثين شبراً ، وهو الذي ذهب إليه المحقق (2)وصاحب المدارك 0 (3).
ورابع اكتفى ببلوغ المكعب سبعة وعشرين شبراً ، وهذا هو المعروف بقول القميين (4)وقد اختاره العلاّمة (5)والشهيد (6)والمحقق الثانيان (7)والمحقق الأردبيلي (8)ونسب إلى البهائي أيضاً (9)، وهو الأقوى من أقوال المسألة.
وهناك قول خامس وهو الذي نسب إلى الراوندي قدس سره من اعتبار بلوغ مجموع أبعاد الماء عشرة أشبار ونصف (10). هذه هي أقوال المسألة (11)
إلاّ أن المصرح به في حواشي المدارك للوحيد البهبهاني 1 أنه لا قائل بهذا الوجه بخصوصه فهذا يدلنا على أنّه احتمال احتمله المجلسي والوحيد 0 في الرواية فلا ينبغي عدّه من الأقوال ، مع أن الرواية ضعيفة لأن الرجل زيدي بتري لم يوثق في الرجال بل عن التهذيب أنه متروك العمل بما يختص بروايته. إذن يشكل الاعتماد على روايته مضافاً إلى ما أورده الشيخ في استبصاره على دلالتها من المناقشة باحتمال أن يكون المراد بالركي فيها هو المصنع الذي كان يعمل في الطرق والشوارع لأن يجتمع فيها ماء المطر وينتفع بها المارّة ولم يعلم أن المصانع مدورة لأن من الجائز أن يكون بعضها أو الكثير منها مربعاً ولا سيّما في المصانع البنائية التي يعمل على شكل الحياض المتعارفة في البيوت.
.1) المختلف 1 : 21.
2) المعتبر 1 : 46.
3) المدارك 1 : 51.
4) المختلف 1 : 21.
5) المختلف 1 : 22.
6) الروض : 140 سطر 18.
7) حكاه في الحدائق 1 : 221.
8) مجمع الفائدة والبرهان 1 : 260.
9) حبل المتين : 108.
10) المختلف 1 : 22.
11) ويظهر من السيد إسماعيل الطبرسي شارح نجاة العباد أن هناك قولاً سادساً : وهو بلوغ مكعب الماء ثلاثة وثلاثين شبراً وخمسة أثمان ونصف ثمن حيث نسبه إلى المجلسي والوحيد البهبهاني قدس سرهما أخذاً برواية حسن بن صالح الثوري بحملها على المدور ، بتقريب أن القطر فيها ثلاثة ونصف فيكون المحيط أحد عشر شبراً فإن نسبة القطر إلى المحيط نسبة السبعة إلى اثنين وعشرين ، فنصف القطر شبر وثلاثة أرباعه ، ونصف المحيط خمسة أشبار ونصف فإذا ضربنا أحدهما في الآخر كان الحاصل تسعة أشبار ونصف ثمن ، وإذا ضربنا ذلك الحاصل في ثلاثة ونصف صار المتحصل ثلاثة وثلاثين شبراً وخمسة أثمان ونصف ثمن تحقيقاً.
أمّا ما حكي عن ابن الجنيد فهو مما لا ينبغي أن يصغي إليه إذ لم نجد ما يمكن أن يستند إليه في ذلك ولو رواية ضعيفة ، وكم له قدس سره من الفتيا الشبيهة بآراء العامة ، ولعلّ الروايات الواردة من طرقنا لم تصل إليه.
كما أن ما نسب إلى الراوندي قول ضعيف مطرود لا قائل به سواه بل هو غلط قطعاً ، لأن بلوغ مجموع الأبعاد إلى عشرة ونصف قد ينطبق على مسلك المشهور كما إذا كان كل واحد من الأبعاد الثلاثة ثلاثة أشبار ونصف ، فإن مجموعها عشرة ونصف ومكسّرها ثلاثة وأربعون شبراً إلاّ ثمن شبر ، وهو في هذه الصورة كلام صحيح ، وقد لا ينطبق عليه ولا على غيره من الأقوال كما إذا فرضنا طول الماء تسعة أشبار وعرضه شبراً واحداً وعمقه نصف شبر ، فإن مجموعها عشرة أشبار ونصف ، إلاّ أنّه بمقدار تسع ما هو المعتبر عند المشهور تقريباً لأن مكسّرة حينئذٍ أربعة أشبار ونصف بل لو فرضنا طول الماء عشرة أشبار ، وكلاً من عرضه وعمقه ربع شبر لبلغ مجموعها عشرة أشبار ونصف ، ومكسّره نصف شبر وثمن شبر ، إلاّ أن هذه المقادير مما لم يقل أحد باعتصامه ، فما ذهب إليه الراوندي غلط جزماً. فيبقى من الأقوال ما ذهب إليه القميون وقول المشهور وما ذهب إليه المحقق وصاحب المدارك قدس سرهم.
والصحيح من هذه الأقوال هو قول القميين أعني ما بلغ مكسّرة سبعة وعشرين شبراً ، والدليل على ذلك صحيحة إسماعيل بن جابر قال : قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام الماء الذي لا ينجسه شيء؟ قال : ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته (1). والاستدلال بها يتوقف على تقديم أُمور :
الأوّل : أنّ المراد بالسعة فيها ليس هو الطول والعرض بل ما يسعه سطح ذلك الشيء على ما يتفاهم منه عرفاً.
الثاني : أنّ كل ذراع من أي شخص عادي شبران متعارفان على ما جرّبناه غير مرة ووجدناه بوجداننا ، وبهذا المعنى أيضاً أُطلق الذراع في الأخبار الواردة في المواقيت (2). فما ادعاه المحقق الهمداني قدس سره من أن الذراع أكثر من شبرين (3)مخالف لما نجده بوجداننا ، فإنّه يشهد على أن الذراع شبران ، ولعلّه قدس سره وجد ذلك من ذراع نفسه وادعى عليه الوجدان ، وعلى هذا فمعنى الرواية أن الكر عبارة عن أربعة أشبار عمقه وثلاثة أشبار سعته.
الثالث : أنّ ظاهر قوله علیه السلام ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته هو أنّ مفروض كلامه علیه السلام هو المدوّر ، حيث فرض أن سعته ذراع وشبر مطلقاً أي من جميع الجوانب والأطراف ، وكون السعة بمقدار معيّن من جميع النواحي والأطراف لا يتصوّر إلاّ في الدائرة ، لأنها التي تكون نسبة أحد أطرافها إلى الآخر بمقدار معيّن مطلقاً لا تزيد عنه ولا تنقص ، وهذا بخلاف سائر الإشكال من المربّع والمستطيل وغيرهما حتى في متساوي الأضلاع ، فإن نسبة أحد أطرافها إلى الآخر لا تكون بمقدار معيّن في جميعها ، إذ البعد المفروض بين زاويتين من المربع وأمثاله أزيد من البعد الكائن بين نفس الضلعين من أضلاعه ، وعلى الجملة أن ما تكون نسبة أحد جوانبه إلى
الآخر بمقدار معيّن في جميع أطرافه ليس إلاّ الدائرة. على أن مقتضى طبع الماء هو ذلك ، وإنما يتشكل بسائر الأشكال بقسر قاسر كوضعه في الأواني المختلفة إشكالها.
وبعبارة اخرى : أن ظاهر الرواية أن ما يحويه خط واحد ولا يختلف مقدار البعد بين طرفين من أطرافه أبداً لا بدّ أن يبلغ الماء في مثله ذراعين في عمقه وذراع وشبر سعته ، وهذا لا ينطبق على غير الدائرة فإن البيضي وإن كان بخط واحد أيضاً إلاّ أن البعد فيه يختلف باختلاف أطرافه والمربع والمستطيل وغيرهما مما يحويه أكثر من خط واحد ، وبهذا كلّه يتعيّن أن يكون مفروض كلامه علیه السلام هو المدوّر لا غيره. فإذا عرفت هذه الأُمور وعرفت أن مفروض كلامه علیه السلام هو المدوّر وقد فرضنا أنّ عمقه أربعة أشبار وسعته ثلاثة أشبار ، فلا بدّ في تحصيل مساحته من مراجعة ما هو الطريق المتعارف عند أوساط الناس في كشف مساحة الدائرة.
وقد جرت طريقتهم خلفاً عن سلف كما في البنائين وغيرهم على تحصيل مساحة الدائرة بضرب نصف القطر في نصف المحيط ، وقطر الدائرة في المقام ثلاثة أشبار فنصفه واحد ونصف ، وأمّا المحيط فقد ذكروا أن نسبة قطر الدائرة إلى محيطها مما لم يظهر على وجه دقيق ونسب إلى بعض الدراويش أنّه قال : يا من لا يعلم نسبة القطر إلى المحيط إلاّ هو. إلاّ أنهم على وجه التقريب والتسامح ذكروا أن نسبة القطر إلى المحيط نسبة السبعة إلى اثنين وعشرين. ثم إنهم لما رأوا صعوبة فهم هذا البيان على أوساط الناس فعبروا عنه ببيان آخر ، وقالوا إن المحيط ثلاثة أضعاف القطر. وهذا وإن كان ينقص عن نسبة السبعة إلى اثنين وعشرين بقليل إلاّ أن المسامحة بهذا المقدار لا بدّ منها كما نشير إليه عن قريب.
فعلى هذه القاعدة يبلغ محيط الدائرة في المقام تسعة أشبار ، لأن قطرها ثلاثة أشبار ، ونصف المحيط أربعة أشبار ونصف ، ونصف القطر شبر ونصف ، فيضرب أحدهما في الآخر فيكون الحاصل سبعة أشبار إلاّ ربع شبر ، وإذا ضرب الحاصل من ذلك في العمق وهو أربعة أشبار يبلغ الحاصل سبعة وعشرين شبراً بلا زيادة ولا نقصان إلاّ في مقدار يسير كما عرفت ، وهو مما لا محيص من المسامحة فيه ، لأن النسبة بين القطر والمحيط مما لم تظهر حقيقتها لمهرة الفن والهندسة فكيف يعرفها العوام غير
المطلعين من الهندسة بشيء إلاّ بهذا الوجه المسامحي التقريبي. وهذه الزيادة نظير الزيادة والنقيصة الحاصلتين من اختلاف أشبار الأشخاص ، فإنّها لا تتفق غالباً ولكنها لا بدّ من التسامح فيها ، ولعلّنا نتعرض إلى ذلك عند بيان اختلاف أوزان المياه خفة وثقلاً إن شاء اللّه.
ثم لو أبيت عن صراحة الصحيحة في تحديد الكر بسبعة وعشرين شبراً فصحيحة إسماعيل بن جابر الثانية صريحة الدلالة على المدعى وهو ما رواه عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن الماء الذي لا ينجسه شيء؟ فقال كرّ قلت : وما الكر؟ قال : ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار » (1). والوجه في صراحتها أنها وإن لم تشتمل على ذكر شيء من الطول والعرض والعمق إلاّ أن السائل كغيره يعلم أن الماء من الأجسام وكلّ جسم مكعب يشتمل على أبعاد ثلاثة لا محالة ولا معنى لكونه ذا بعدين من غير أن يشتمل على البعد الثالث ، فإذا قيل ثلاثة في ثلاثة مع عدم ذكر البعد الثالث علم أنه أيضاً ثلاثة كما يظهر هذا بمراجعة أمثال هذه الاستعمالات عند العرف. فإنّهم يكتفون بذكر مقدار بعدين من أبعاد الجسم إذا كانت أبعاده الثلاثة متساوية فتراهم يقولون خمسة في خمسة أو أربعة في أربعة إذا كان ثالثها أيضاً بهذا المقدار. وعليه إذا ضربنا الثلاثة في الثلاثة فتبلغ تسعة ، فإذا ضربناها في ثلاثة فتبلغ سبعة وعشرين شبراً.
ويؤيد ما ذكرناه أنّا وزنّا الكر ثلاث مرات ووجدناه موافقاً لسبعة وعشرين فالوزن مطابق للمساحة التي اخترناها ، هذا كلّه في الاستدلال على القول المختار ويقع الكلام بعد ذلك في معارضاته وما أُورد عليه من المناقشات.
فربما يناقش في سند الصحيحة الأخيرة بأنها قد نقلت في موضع من التهذيب عن عبد اللّه بن سنان (2)، وكذا في الاستبصار على ما حكي عنه (3)وفي موضع آخر من
التهذيب عن محمد بن سنان (1)، وفي الكافي عن ابن سنان (2)فالرواية مرددة النقل عن محمد بن سنان أو عن عبد اللّه بن سنان وحيث لا يعتمد على رواية محمد بن سنان لضعفه وعدم وثاقته ، فالرواية لا تكون موثقة ومورداً للاعتماد.
ويدفعه : أن المحدث الكاشاني قدس سره قد صرّح في أوّل كتابه الوافي بأن ابن سنان قد يطلق على محمد بن سنان (3)، وظاهره أن ابن سنان إذا ذكر مطلقاً فالمراد منه عبد اللّه بن سنان إلاّ أنّه في بعض الموارد يطلق على محمد بن سنان أيضاً ، وذكر أنّه لأجل ذلك لا يطلق هو قدس سره ابن سنان على عبد اللّه بن سنان إلاّ مع التقييد لئلاّ يقع الاشتباه في فهم المراد من اللفظ ، وهذه شهادة من المحدّث المزبور على أن المراد من ابن سنان مهما أُطلق هو عبد اللّه بن سنان ، بل قد أسندها نفس الشيخ في استبصاره ، وموضع من التهذيب إلى عبد اللّه بن سنان. فالمتعيّن حينئذٍ حمل ابن سنان على عبد اللّه بن سنان ، وأمّا ما في موضع آخر من التهذيب من إسنادها إلى محمد بن سنان فهو محمول على اشتباه الكتاب أو على سهو القلم ، فإن التهذيب كثير الأغلاط والاشتباه. أو يحمل على أنها رواية أُخرى مستقلة غير ما نقله عبد اللّه بن سنان فهناك روايتان (4)
كما أن من المستبعد أن لا يروي عبد اللّه بن سنان عن الصادق 7 من دون واسطة فإن المناسبة تقتضي أن يروي عنه 7 مشافهة لا عن أصحابه ومع الواسطة.
وقد تصدّى شيخنا البهائي 1 للجواب عن هذه المناقشة بما لا مزيد عليه ولم يتعرّض لها سيِّدنا الأُستاذ ( مدّ ظلّه ) في بحثه ولأجل هذا وذاك لم نتعرض لها ولدفعها في المقام فمن أراد تفصيل الجواب عنها فليراجع كتاب مشرق الشمسين للبهائي 1 [ ص 93 ].
.1) التهذيب 1 : 37 / 101.
2) الكافي 3 : 3 / 7.
3) لاحظ الوافي 1 : 21.
4) هذا وقد يدعى أن ملاحظة طبقات الرواة تقتضي الحكم بتعيّن إرادة محمد بن سنان من ابن سنان الواقع في سند الصحيحة ، لأن الراوي عنه هو البرقي وهو مع الرجل من أصحاب الرضا علیه السلام ومن أهل طبقة واحدة ، وعبد اللّه بن سنان من أصحاب الصادق علیه السلام وطبقته متقدمة على طبقتهما فكيف يصح أن يروي البرقي عمّن هو من أصحاب الصادق علیه السلام من دون واسطة.
هذا كلّه على أنه لم يقم دليل على ضعف محمد بن سنان ، أعني أبا جعفر الزاهري لأنه المراد به في المقام دون ابن سنان الذي هو أخو عبد اللّه بن سنان الضعيف وعدم توثيقه ، كيف وهو من أحد أصحاب السر ، وقد وثقه الشيخ المفيد وجماعة وقورن في المدح (1)بزكريا بن آدم وصفوان في بعض الأخبار وهو كاف في الاعتماد على رواياته ، وأمّا ما يتراءى من القدح في حقه فليس قدحاً مضراً بوثاقته ولعلّه مستند إلى إفشائه لبعض أسرارهم علیهم السلام (2).
وأمّا ما توهّم معارضته للصحيحتين المتقدمتين فهو روايتان :
إحداهما : ما عن الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « إذا كان الماء في الركي كراً لم ينجسه شيء قلت : وكم الكر؟ قال : ثلاثة أشبار ونصف طولها في ثلاثة أشبار ونصف عمقها في ثلاثة أشبار ونصف عرضها » (3). فالرواية دلت على أن الكر ثلاثة وأربعون شبراً إلاّ ثمن شبر كما هو مذهب المشهور فتعارض الصحيحتين المتقدمتين.
1) وقد روى الكشي عن أبي طالب عبد اللّه بن الصلت القمي قال : دخلت على أبي جعفر الثاني علیه السلام في أواخر عمره يقول : جزى اللّه صفوان بن يحيى ومحمد بن سنان وزكريا بن آدم عنِّي خيراً فقد وفوا لي ... نقله في المجلد الأول من تنقيح المقال ص 448 سطر 2.
2) الرجل وإن وثقه الشيخ المفيد قدس سره [ في الإرشاد 2 : 248 ] وجماعة وروى الكشي [ في ص 503 / 964 ] له مدحاً جليلاً بل قد وثقه ابن قولويه لوقوعه في أسانيد كامل الزيارات وله روايات كثيرة في الأبواب المختلفة ولكن سيدنا الأُستاذ ( مدّ ظلّه ) عدل عن توثيقه وبنى على ضعفه لأن الشيخ قدس سره ذكر انّه قد طعن عليه وضعف [ في رجاله 364 / 5394 ] وضعفه النجاشي قدس سره صريحاً [ في رجاله 328 / 888 ] ومع التعارض لا يمكن الحكم بوثاقته. إذن فالرجل ضعيف.
3) الوسائل 1 : 160 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 8.
ولا يخفى أن الرواية نقلت عن الكافي (1)والتهذيب (2)بلا زيادة البعد الثالث ونقلت عن الاستبصار بتلك الزيادة (3)، فلا بدّ من حمل الزيادة على سهو القلم فإن الكافي الذي هو أضبط الكتب الأربعة ، والتهذيب الذي ألّفه نفس الشيخ قدس سره غير مشتملين على الزيادة المذكورة. بل عن ابن المشهدي في هامش الاستبصار أن الرواية غير مشتملة على تلك الزيادة في النسخة المخطوطة من الاستبصار بيد والد الشيخ محمد بن المشهدي صاحب المزار المصححة على نسخة المصنف ، فالزيادة ساقطة. وفي الطبعة الأخيرة من الوسائل نقل الرواية بتلك الزيادة وأسندها إلى الكافي والتهذيب واستدرك الزيادة في الجزء الثالث فراجع. فإذا أسقطنا الزيادة عن الرواية فتبقى مشتملة على بعدين فقط ، وإذن لا بدّ من حملها على المدوّر بعين ما قدمناه في الصحيحة المتقدمة لأنه مقتضى طبع الماء في نفسه على أن الركي بمعنى البئر وهو على ما شاهدناه مدوّر غالباً لأنه أتقن وأقوى من سائر الأشكال الهندسية.
مضافاً إلى أن المراد بالعرض فيها ليس هو ما يقابل الطول فإنّه اصطلاح حديث للمهندسين ، وإنما أُريد منه السعة بمعنى ما يسعه سطح الشيء كما في قوله تعالى ( عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ) (4)فإنّ الإمام علیه السلام قد تعرّض للسعة والعمق. وكون السعة بمقدار معيّن من جميع الجوانب والأطراف لا يوجد في غير الدائرة كما قدمناه في الصحيحة المتقدمة. فإذا أخذنا مساحتها بضرب نصف قطرها في نصف محيطها بالتقريب المتقدم ، يبلغ سبعة وعشرين بزيادة ما يقرب من ستة أشبار والكر بهذا المقدار مما لا قائل به من الشيعة ولا من السنة وهذه قرينة قطعية على عدم إرادة ظاهر الرواية ، فلا محيص من رفع اليد عنها وحملها على أحد أمرين :
أحدهما : أن يحمل على أن الإمام علیه السلام أراد الاحتياط ببيان مقدار شامل على الكر قطعاً.
وثانيهما : أن يحمل على أمر آخر أدق من سابقه ، وهو أن الركي الذي هو بمعنى البئر لا يكون مسطح السطح غالباً ، بل يحفر على شكل وسطه أعمق من جوانبه ولا سيّما في الآبار التي ينزح منها الماء كثيراً فإن إدخال الدلو وإخراجه يجعل وسط البئر أعمق ، وهو يوجب إحالة ما فيه من التراب إلى الأطراف والجوانب وعليه فالماء الموجود في وسط الركي أكثر من الماء في أطرافه ، إلاّ أن الزائد بدل التراب لا أنه معتبر في الكرية والاعتصام إذ المقدار المعتبر فيه سبعة وعشرون شبراً فالزيادة مستندة إلى ما ذكرناه.
ويمكن حمل الرواية على أمر ثالث وهو حملها على بيان مرتبة أكيدة من الاعتصام والكرية نظير الحمل على بيان مرتبة أكيدة من الاستحباب في العبادات ، هذا كلّه مضافاً إلى ضعف الرواية لعدم وثاقة الرجل.
وثانيتهما : رواية أبي بصير قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الكر من الماء كم يكون قدره؟ قال : إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه في الأرض فذلك الكر من الماء (1)وهي أيضاً تقتضي اعتبار بلوغ مكعّب الماء ثلاثة وأربعين شبراً إلاّ ثمن شبر ، وهو الذي التزم به المشهور فيعارض بها الصحيحة المتقدمة التي اعتمدنا عليها في بيان الوجه المختار.
وقد أجاب صاحب المدارك (2)وشيخنا البهائي (3)قدس سرهما عن هذه الرواية بضعف سندها لاشتماله على أحمد بن محمد بن يحيى وهو مجهول في الرجال.
وأورد عليه في الحدائق بأن الرواية وإن كانت ضعيفة لما ذكر إلاّ أنه على طريق الشيخ في التهذيب ، وأمّا على طريق الكليني قدس سره في الكافي فالسند صحيح لأنّه رواها عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن عثمان بن عيسى عن ابن مسكان عن أبي بصير ، ومن الظاهر أنه أحمد بن محمد بن عيسى لرواية محمد بن يحيى العطار
عنه وروايته عن عثمان بن عيسى. وأحمد بن محمد بن عيسى ثقة جليل وممّن يعتمد على روايته ، وإنما الضعيف هو أحمد بن محمد بن يحيى الواقع في طريق الشيخ قدس سره ورواها في الوسائل بطريق الكليني قدس سره فراجع (1)فلا إشكال في الرواية من هذه الجهة.
ثم إن صاحب المدارك وشيخنا البهائي قدس سرهما ناقشا في سند الرواية من ناحية أُخرى وهي أن الراوي عن ابن مسكان وهو عثمان بن عيسى واقفي لا يعتمد على نقله فالسند ضعيف.
ويرده أنه وإن كان واقفياً كما أُفيد إلاّ أنه موثق في النقل عندهم ، ويعتمدون على رواياته بلا كلام على ما يستفاد من كلام الشيخ قدس سره في العدّة (2)بل نقل الكشي قولاً بأنه ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم (3). أضف إلى ذلك أنه ممّن وثقه ابن قولويه لوقوعه في أسانيد كامل الزيارات. ومع الوثوق لا يقدح كونه واقفياً أو غيره. نعم ، بناء على مسلك صاحب المدارك قدس سره من اعتبار كون الراوي عدلاً إمامياً لا يعتمد على رواية الرجل لعدم كونه إمامياً.
وقد ناقشا في الرواية ثالثاً : بأن أبا بصير مردد بين الموثق والضعيف فالسند ضعيف لا محالة.
والإنصاف أن هذه المناقشة مما لا مدفع له إذ يكفي فيها مجرد الاحتمال وعلى مدعي الصحة إثبات أن أبا بصير هو أبو بصير الموثق ، ولا ينبغي الاعتماد والوثوق على شيء مما ذكروه في إثبات كونه الموثق في المقام. وقد اعترف بذلك صاحب الحدائق أيضاً إلاّ أنه ميّزه بقرينة أن أكثر روايات ابن مسكان إنما هو عن أبي بصير الموثق ، والكثرة والغلبة مرجحة لأحد الاحتمالين على الآخر لأن الظن يلحق الشيء بالأعم الأغلب.
ولا يخفى أن هذه القرينة كغيرها مما ذكروه في المقام مما لا يفيد الاطمئنان
والوثوق ، والاعتماد عليه غير صحيح ، وبذلك تكون الرواية ضعيفة لا محالة (1).
ثم لو أغمضنا عن سندها فهي قاصرة الدلالة على مسلك المشهور لأن الرواية غير مشتملة على ذكر الطول والعرض والعمق ، وإنما ذكر فيها كون الماء ثلاثة أشبار ونصف في مثله أي مثل الماء ثلاثة أشبار ونصف في عمقه ، وظاهرها هو الدائرة كما بيّناه في صحيحتي إسماعيل بن جابر فيستفاد منها أن الكر ما يقرب من ثلاثة وثلاثين شبراً وهو ممّا لا قائل به كما مرّ. فلا بدّ من حملها على اختلاف سطح الماء الراكد إذ الماء في الصحاري لا يتمركز في الموارد المسطحة بل في الأراضي منخفض الوسط ، فوسطه أعمق من جوانبه ، ولعلّ الزائد عن سبعة وعشرين إنما هو بهذا اللّحاظ. فالرواية غير معارضة للصحيحتين المتقدمتين.
وأمّا ما عن شيخنا البهائي قدس سره في الحبل المتين من إرجاع الضمير في « مثله » إلى ثلاثة أشبار ونصف باعتبار المقدار ودعوى أن الموثقة مشتملة على ذكر الأبعاد الثلاثة وهي حينئذٍ صريحة الدلالة على مسلك المشهور (2). فيدفعه : أنه تكلف محض لاستلزامه التقدير في الرواية في موضعين :
أحدهما : في مرجع الضمير بتقدير المقدار.
وثانيهما : بعد كلمة « مثله » بتقدير لفظة « في » لعدم استقامة المعنى بدونهما وهو كما ترى تكلف والتزام من غير ملزم فالصحيح ما ذكرناه من إرجاع الضمير في « مثله » إلى الماء وعدم اشتمال الموثقة على الأبعاد الثلاثة. إذن لا بدّ من حملها على اختلاف سطح الماء الراكد كما مرّ.
بقي الكلام في ما رواه زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال « قلت له : راوية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرذ أو صعوة ميتة ، قال : إذا تفسخ فيها فلا تشرب من مائها ولا تتوضّأ وصبّها ، وإن كان غير متفسّخ فاشرب منه وتوضأ ... » (3). وهي أيضاً تدل
على ما اخترناه لأن أكثر الراوية بحسب المقدار هو ما يسع سبعة وعشرين شبراً من الماء ، وهي وإن شملت بإطلاقها لما يسع أقل من مقدار سبعة وعشرين شبراً ، لأن الراوية تختلف بحسب الصغر والكبر وهي تطلق على جميعها إطلاقاً حقيقياً ، إلاّ أنه لا بدّ من رفع اليد عن إطلاقها بمجموع الروايات المتقدمة الدالّة على أن الكر ليس بأقل من سبعة وعشرين شبراً ، وبها نقيد إطلاقها ونخصصها بما تسع مقدار سبعة وعشرين شبراً من الماء.
وأيضاً يمكن تقييدها بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة الدالّة على تحديد الكر بستمائة رطل ، لما عرفت من تعيّن حملها على الأرطال المكية ، فمفاد الصحيحة حينئذٍ اعتبار بلوغ الماء ألفاً ومائتي رطل عراقي ، وقد أسلفنا أنّا وزنّا الكر غير مرة ووجدناه موافقاً لسبعة وعشرين شبراً فهي تنفي الاعتصام عمّا هو أقل من ذلك المقدار.
هذا ولكن الرواية ضعيفة السند بعلي بن حديد. نعم ، ان لزرارة رواية أُخرى متحدة المضمون مع هذه الرواية وهي صحيحة السند إلاّ أنها غير مسندة إلى الإمام علیه السلام وكأنّ مضمونها حكم من زرارة نفسه وقد نقلها في الوسائل عن الكليني قدس سره فليلاحظ إذن فما أسنده إلى الإمام علیه السلام غير صحيح وما هو صحيح غير مسند إلى الإمام علیه السلام .
فتحصّل : أن الصحيح في تحديد الكر هو تحديده بسبعة وعشرين شبراً وهو الذي ذهب إليه القميون 5.
وتؤكده مرسلة عبد اللّه بن المغيرة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « الكر من الماء نحو حبيّ هذا ، وأشار إلى حبّ من تلك الحباب التي تكون بالمدينة » (1). والوجه في تأكيدها أن فرض حب يسع بمقدار ثلاثة وأربعين شبراً أو ستة وثلاثين شبراً من الماء فرض أمر غير معهود خارجاً ، بخلاف ما يسع بمقدار سبعة وعشرين شبراً لأنه أمر موجود متعارف شاهدناه وهو موجود بالفعل أيضاً عند بعض طباخي العصير. وهذه الرواية مؤكدة لما اخترناه من مذهب القميين وغير قابلة لأن يستدل بها في
1) الوسائل 1 : 166 / أبواب الماء المطلق ب 10 ح 7.
شيء لا لنا ولا علينا لضعفها بالإرسال كما لا يخفى.
أعني التحديد بالوزن وبالمساحة ، وقد حدّ بحسب الوزن بألف ومائتي رطل بالعراقي كما مرّ ، وبحسب المساحة بثلاثة وأربعين شبراً إلاّ ثمن شبر تارة كما هو المشهور ، وبستّة وثلاثين اخرى وبسبعة وعشرين ثالثة وهو الذي ذهب إليه القميون واخترناه آنفاً ، وألف ومائتا رطل عراقي يقرب من سبعة وعشرين شبراً لما قدّمناه من أنا وزنا الكر من الماء الحلو والمرّ غير مرة فوجدناهما بالغين سبعة وعشرين شبراً. فمسلك المشهور في تحديد الكر بالمساحة لا يوافق لتحديده بالوزن والاختلاف بينهما غير قليل بل بينهما بون بعيد. ومنه يظهر عدم إمكان جعل التحديد بالمساحة معرّفاً لتحديده بالوزن على مسلك المشهور ، فإن التفاوت بينهما ممّا لا يتسامح به لكثرته ومعه كيف يجعل أحدهما طريقاً ومعرّفاً لما هو ناقص عنه بكثير ، وإن ذهب إلى ذلك جماعة نظراً منهم إلى أن الوزن غير متيسّر لأكثر الناس ، ولا سيما في الصحاري والأسفار إذ لا ميزان فيها ليوزن به الماء ، كما لا يتيسّر سائر أدواته وهذا بخلاف التحديد بالمساحة فإن شبر كل أحد معه وله أن يمسح الماء بشبره ، ولأجل سهولته جعله الشارع طريقاً معرّفاً إلى ما هو الحد الواقعي من الوزن ، وقد عرفت أن هذا على مسلك المشهور غير ميسور لكثرة الفرق وبعد الفاصلة بينهما.
وأمّا على ما اخترناه في التحديد بالمساحة أعني سبعة وعشرين شبراً فلا يخلو :
إمّا أن يتطابق كل من التحديدين مع الآخر تطابقاً تحقيقياً أبداً.
وإمّا أن يزيد التحديد بالمساحة على التحديد بالوزن كذلك أي دائماً.
وإمّا أن ينعكس ويزيد التحديد بالوزن على التحديد بالمساحة في جميع الموارد.
وإمّا أن يزيد الوزن على المساحة تارة وتزيد المساحة على الوزن اخرى فهذه وجوه أربعة. ومنشأها أمران :
أحدهما : أن الكر ليس من قبيل الأحكام الشخصية ليختلف باختلاف الأشخاص
بأن يكون الماء كراً في حق أحد وغير كر في حق آخر لوضوح أنه من الأحكام العامة ، فلو كان كراً فهو كر في حق الجميع كما إذا لم يكن كراً فهو كذلك في حقّ الجميع. وهذا إنما يتحقق فيما إذا جعلنا المدار في سبعة وعشرين شبراً على أشبار أقصر الأشخاص المتعارفين بأن لا يعد عرفاً أقصر عن المعتاد ، فالمدار على أقل شبر من أشبار مستوي الخلقة وهو يتحقق في حق جميع الأشخاص مستوين الخلقة ، فإذا بلغ الماء سبعة وعشرين شبراً بأقل شبر من أشبار مستوى الخلقة فهو بالغ حدّ الكر أعني سبعة وعشرين في حق جميع المستوين خلقة كما أنه إذا لم يبلغ هذا المقدار بالأشبار المذكورة فهو غير كر في حق الجميع.
وهذا بخلاف ما لو جعلنا المدار على شبر كل شخص في حق نفسه فإنّه يختلف الكر حينئذٍ باختلاف الأشبار قصراً وطولاً فربما يكون الماء الواحد بالغاً سبعة وعشرين شبراً بشبر واحد ولا يبلغه بشبر غيره ، فيكون الماء الواحد كراً في حق أحد وغير كر في حق آخرين. وقد ذكرنا نظير ذلك في القدم والخطوة المعتبرين في المسافة المسوّغة للقصر حيث حدّدوا الفرسخ بالأميال والميل بالأقدام ، وقلنا في بحث صلاة المسافر إن المراد بهما أقصر قدم وخطوة من أشخاص مستوين الخلقة.
والسر في ذلك ما أشرنا إليه من أن الكر والقصر ليسا من الأحكام الشخصية ليختلفا باختلاف الأشخاص ، وإنما هما من الأحكام العامة غير المختصة بشخص دون شخص ، فلو جعلنا المدار على شبر كل شخص أو قدمه في حق نفسه للزم ما ذكرناه من كون الماء كراً في حق أحد وغير كر في حق آخر ، وكذا الحال في القدم.
نعم ، إنما يصح ذلك في الأحكام الشخصية كما إذا أمر المولى عبيده بالمشي عشرين قدماً أو بغسل وجوههم ، فإن اللاّزم على كل واحد منهم في المثال أن يمشي كذا مقداراً بإقدامه لا بإقدام غيره ، أو يغسل وجه نفسه وإن كان أقل سعة من وجه غيره ، وهذا من الوضوح بمكان.
وثانيهما : أن المياه مختلفة وزناً فإن الماء المقطّر أو النازل من السماء أخف وزناً من المياه الممتزجة بالمواد الأرضية من الجص والنشادر والزاج والملح والكبريت ونحوها لأنه يتثاقل بإضافة المواد الخارجية الأرضية بحيث لو قطرناه بالتبخير لخف عما كان
عليه أوّلاً ، لأن لطبيعي المياه وزناً واحداً وإنما يختلف باختلاف المواد الممتزجة معه.
وما يقال من أن بعض المياه أخف وزناً في طبعه عن بعضها الآخر ، مجرد دعوى لا مثبت لها.
فإذا تمهد هذان الأمران فلا محالة ترتقي الوجوه إلى الأربعة كما قدّمناه ، فإن الوزن والمساحة إما أن يتطابقا تطابقاً حقيقياً بأن يساوي ما يبلغ سبعة وعشرين شبراً بأشبار شخص مستوي الخلقة ألفاً ومائتي رطل عراقي بلا زيادة ونقصان ، وإما أن يزيد الوزن على المساحة ، وإما أن ينعكس وتزيد المساحة على الوزن ، وإما أن يختلفا فيزيد الوزن على المساحة في بعض الموارد وتزيد المساحة على الوزن في بعض الموارد الأُخر لاختلاف المياه خفة وثقلاً ، فرب ماء صاف خفيف فتزيد المساحة عليه ورب ماء ثقيل يزيد على المساحة بكثير.
أمّا الصورة الاولى : فلا ينبغي الإشكال فيها إذ لا مانع من تحديد شيء واحد بأمرين متحدين لتلازمهما واتحادهما بلا زيادة لأحدهما على الآخر ولا نقصان وهو ظاهر.
وأمّا الصورة الثانية : فلا محيص فيها من جعل المناط بالمساحة فالوزن يكون معرّفاً لها وطريقاً إليها ، ولا بأس بالمقدار الزائد إذا لم يكن بكثير لأن جعل معرِّف يطابق المعرَّف تطابقاً تحقيقياً غير ممكن فلا بدّ من جعل المعرِّف أمراً يزيد على المعرَّف بشيء من باب الاحتياط.
وأمّا الصورة الثالثة : فهي مع الصورة المتقدمة متعاكستان فلا بدّ فيها من جعل المدار على الوزن وبما أن الوزن لا طريق إلى معرفته غالباً ولا سيما في البراري والصحار جعلت المساحة طريقاً ومعرّفاً إليه ، وذلك لأن المساحة وإن كانت لا تتيسّر معرفتها للجميع على وجه دقيق ، لاستلزامه معرفة شيء من الهندسة ولا سيما في المسدّس والمخمّس والإهليلجي والمخروط أو مختلفة الأضلاع وبالأخص فيما إذا كان السطح الذي وقف عليه الماء مختلفاً في الشكل ، فإن معرفة المساحة في أمثال ذلك مما لا يتيسّر لأكثر أهل العلم إلاّ بمراجعة قواعد الهندسة والمحاسبة الدقيقة فضلاً عن العوام ، إلاّ أنه مع ذلك معرفة المساحة أيسر من معرفة الوزن ، ولا سيما في المربّعات
[103] مسألة 5 : إذا لم يتساو سطوح القليل ينجس العالي بملاقاة السافل كالعكس. نعم لو كان جارياً من الأعلى (1)إلى الأسفل لا ينجس العالي بملاقاة السافل ، من غير فرق بين العلو التسنيمي والتسريحي (1).
والمدوّرات والمستطيلات ولأجل هذا جعلت المساحة معرّفة للوزن والزيادة اليسيرة لا تضر في المعرّف كما مرّ.
وأمّا الصورة الرابعة : التي هي الصحيحة المطابقة للواقع لاختلاف المياه في الثقل حسب اختلاطها بالمواد الأرضية ، فربما يزيد الوزن على المساحة وأُخرى ينعكس ولا بدّ في مثلها من جعل المدار على حصول كل واحد من التحديدين وأن أيهما حصل كفى في الاعتصام ، ولا مانع من تحديد شيء واحد بأمرين بينهما عموم من وجه ليكتفى بأيهما حصل في الاعتصام.
ودعوى عدم معقولية التحديد بأمرين بينهما عموم من وجه أمر لا أساس له وعلى هذا نكتفي بأيهما حصل في المقام ففي المياه الخفيفة الصافية تحصل المساحة قبل الوزن ، كما أن المياه الثقيلة على عكس الخفيفة يحصل فيها الوزن قبل المساحة. ولعلّ السر في ذلك أن المياه الصافية غير المختلطة بالمواد الخارجية للطافتها يتسرع إليها التغيّر والفساد في زمان لا يتغيّر فيه المياه المختلطة بمثل الملح ونحوه كما يشاهد ذلك في الماء الحلو وماء البئر لأن الأول يفسد قبل فساد الثاني بزمان ، ولأجل ذلك اعتبر الشارع في المياه الخفيفة أن يكون أكثر من غيره حتى لا يتغيّر لأجل كثرته قبل أن يتغيّر غيره.
(1) قد عرفت أن الماء على أقسام ثلاثة : لأنه إما متصل بالمادّة فهو معتصم بمادته إلاّ أن يتغيّر في أحد أوصافه الثلاثة ، وإما غير متصل بها وهو إما أن يكون كراً فهو
1) (*) تقدّم أن المناط في عدم التنجس هو الدفع.
[104] مسألة 6 : إذا جمد بعض ماء الحوض والباقي لا يبلغ كرّاً ، ينجس بالملاقاة ولا يعصمه ما جمد ، بل إذا ذاب شيئاً فشيئاً ينجس أيضاً وكذا إذا كان هناك ثلج كثير فذاب منه أقل من الكر فإنّه ينجس بالملاقاة ولا يعتصم بما بقي من الثلج (1).
معتصم بكثرته لا ينفعل إلاّ أن يطرأ عليه التغيّر ، وإما أن لا يكون كراً فهو غير معتصم بمادته ولا بكثرته وينفعل بمجرد ملاقاة النجس. وإطلاق ما دلّ على الانفعال في هذا القسم بمجرد الملاقاة يعم ما إذا كان سطح بعضه أعلى من الآخر لأنه ماء واحد قليل إذا لاقى أحد أطرافه نجساً يحكم بنجاسة الجميع دون خصوص الجزء الملاقي منه للنجس ، لأن الدليل دلنا على انفعال الماء الواحد بأجمعه إذا لاقى أحد أطرافه نجساً على تقدير قلته وعلى عدم انفعاله على تقدير كثرته ، فالماء الواحد إما أن يكون نجساً بأجمعه أو يكون طاهراً كذلك ولا يمكن أن يكون بعضه نجساً وبعضه الآخر طاهراً.
نعم ، إنما يخرج عن هذا الإطلاق فيما إذا جرى الماء بدفع وقوة بالارتكاز العرفي ونظرهم ، حيث إن الماء الخارج بالدفع وإن كان ماء واحداً حقيقة إلاّ أن العرف يراه ماءين متعدِّدين ، ومع التعدّد لا وجه لسراية النجاسة من أحدهما إلى الآخر ، فالمضاف الذي يصب على يد الكافر من إبريق ونحوه لا يتنجس منه إلاّ المقدار الملاقي مع اليد ، وأمّا ما في الإبريق فلا وإن كان متصلاً بالسافل النجس لأنه عرفاً ماء آخر غير ما لاقى يد الكافر لمكان دفعه وقوته ، وكذا الماء الخارج من الفوّارات فإن العالي منه إذا تنجس بشيء لا تسري نجاسته إلى سافله لأجل خروجه بالدفع.
وبما ذكرناه يظهر أن المدار في عدم انفعال الجزء غير الملاقي على خروج الماء بقوة ودفع لا على العلو والسفل ، فلو جرى الماء بطبعه على الأرض ولم يكن جريانه بقوة ودفع ولاقى شيء منه نجساً حكم بنجاسة جميعه لوحدة الماء عرفاً ، فالميزان في عدم سراية النجاسة من أحد الأطراف إلى الآخر هو جريان الماء بالقوة والدفع كما مرّ.
(1) والوجه في ذلك أن المستفاد من أدلّة اعتصام الكر هو أن الكر من الماء هو
[105] مسألة 7 : الماء المشكوك كريته مع عدم العلم بحالته السابقة في حكم القليل على الأحوط (1)وإن كان الأقوى عدم تنجسه بالملاقاة. نعم ، لا يجري عليه حكم الكر ، فلا يطهّر ما يحتاج تطهيره إلى إلقاء الكر عليه ولا يحكم بطهارة متنجس غسل فيه. وإن علم حالته السابقة يجري عليه حكم تلك الحالة (1).
الذي لا ينفعل بشيء ، وهذا العنوان لا يصدق على الجامد ، لأن الماء هو ما فيه اقتضاء السيلان فهو يسيل لو لم يمنع عنه مانع وساد كما في مياه الأحواض لأنها تسيل لولا ارتفاع أطرافها ، وهذا بخلاف الجامد ، لأنه بطبعه وإن كان ماء إلاّ أنه ليس بسائل فعلي بحسب الاقتضاء فلا يشمله دليل اعتصام الماء الكر ، فإذا جمد نصف الكر ولاقى الباقي نجساً فيحكم بنجاسته كما يحكم بنجاسة ما يذوب من الجامد شيئاً فشيئاً ، إلاّ على القول بكفاية التتميم كرّاً وسيأتي الكلام عليه في محلّه إن شاء اللّه.
(1) الماء الذي يشك في كريته إذا علم حالته السابقة من القلة أو الكثرة ، فلا كلام في استصحاب حالته السابقة فعلاً ويترتب عليه آثارهما.
وأمّا إذا لم يعلم حالته السابقة فقد حكم في المتن بطهارته إذا لاقى نجساً إما باستصحابها أو بقاعدة الطهارة إلاّ أنه منع عن ترتيب آثار الكرية عليه ، فلم يحكم بطهارة ما غسل به من المتنجسات ، واستصحب نجاسة المغسول به كما لم يحكم بكفاية إلقائه على ما يتوقف تطهيره بإلقاء كر عليه. والتفكيك بين المتلازمين في الأحكام الظاهرية غير عزيز ، فطهارة الماء وإن استلزمت طهارة ما يغسل به واقعاً إلاّ أن المفكك بينهما في مقام الظاهر هو الاستصحابان المتقدمان. نعم ، احتاط قدس سره بالتجنب عنه وإلحاقه بالقليل ، وقد خالفه في ذلك جماعة من الأصحاب وذهبوا إلى
1) (*) بل على الأظهر.
نجاسة الماء المشكوك كريته الذي لم تعلم حالته السابقة من الكرية والقلة بوجوه قدّمناها كما قدمنا ما هو الصحيح منها (1).
منها : التمسك بعموم ما دلّ على انفعال الماء بالملاقاة ، وقد خرج عنه الكر ، وكرية الماء في المقام مشكوكة.
وفيه : أن العام وإن دلّ على انفعال الماء بالملاقاة إلاّ أن التمسك بالعموم في المقام غير صحيح ، لأنه تمسك بالعموم في الشبهات المصداقية وهو غير سائغ ، إذ قد خرج عنه عنوان الكر وكرية الماء مشكوكة في مفروض الكلام فهو شبهة مصداقية للعام لا محالة.
ومنها : التمسك بقاعدة المقتضي والمانع. وقد أسلفنا أن تلك القاعدة لا ترجع إلى أساس صحيح إلاّ أن يراد منها استصحاب عدم المانع.
ومنها : ما أفاده شيخنا الأُستاذ قدس سره من أن الاستثناء في المقام قد تعلق على عنوان الكر وهو عنوان وجودي ، وكلما تعلق الاستثناء على عنوان وجودي وكان المستثنى منه حكماً إلزامياً أو ملزوماً له ، فهو بمثابة اشتراط إحراز ذلك العنوان الوجودي في الخارج عن الإلزام أو ملزومه لدى العرف هذا ، ولكنّا أشرنا إلى أن العرف لا يستفيد من أمثاله دخالة إحراز العنوان الوجودي في الخروج عن المستثنى منه بوجه.
ومنها : الاستصحاب وهو يجري في الموضوع تارة وفي وصفه اخرى.
أمّا الأول : فهو بأن يقال إن هذا المكان لم يكن فيه كر في زمان باليقين والآن كما كان ، لكن هذا الاستصحاب إنما يترتب عليه آثار عدم وجود الكر في ذلك المكان ولا يثبت به عدم كرية الماء الموجود فيه بالفعل إلاّ على القول بالأُصول المثبتة.
ونظير ذلك ما ذكره شيخنا الأنصاري قدس سره من أن استصحاب وجود الكر في مكان لا يثبت به أن الماء الموجود فيه بالفعل كر لأنه مثبت بالإضافة إليه ، فإن
1) راجع ص 101.
كرية الماء الموجود فيه من الآثار المترتبة على بقاء الكر في المكان المذكور عقلاً (1).
وأمّا الثاني : فتقريبه أن يقال : إن هذا الماء الذي نراه بالفعل لم يكن متصفاً بالكرية قبل خلقته ووجوده ، لضرورة أن الكرية من الأوصاف الحادثة المسبوقة بالعدم ، فإذا وجدت ذات الماء وشككنا في أن الاتصاف بالكرية أيضاً وجد معها أم لم يوجد فالأصل عدم حدوث الاتصاف بالكرية مع الذات.
وهذا الاستصحاب خال عن المناقشة والإيراد غير أنه مبني على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية ، وحيث إنّا أثبتنا جريان الاستصحاب فيها في محلّه فنلتزم في المقام بالاستصحاب المزبور وبه نحكم على عدم كرية الماء الذي نشك في كريته وعدمها.
وأمّا ما ذكره شيخنا الأُستاذ قدس سره من أن العدم قبل وجود الموضوع والذات محمولي وهو بعد تحقق الذات والموضوع نعتي ، فقد عرفت عدم تماميته لأن المأخوذ في موضوع الأثر هو عدم الاتصاف لا الاتصاف بالعدم ، فراجع (2).
ثم إن في المقام كلاماً وهو التفصيل في جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية بين عوارض الماهية وعوارض الوجود بالالتزام بجريان الاستصحاب في الثاني دون الأول ، وحاصل هذا التفصيل : أن المستصحب إذا كان من عوارض الوجود كالبياض والسواد ونحوهما ، فلا ينبغي الإشكال في جريان الاستصحاب في عدمه الأزلي لوضوح أن عدم مثل ذلك العارض قبل وجود موضوعه ومعروضه يقيني لا محالة فلا مانع من استصحاب عدمه المتيقن والبناء على أنه لم ينقلب إلى الوجود بوجود موضوعه.
وأمّا إذا كان من عوارض الماهية فلا مجال فيه لاستصحاب عدمه الأزلي بوجه فإنّه لا يقين سابق بعدم العارض المذكور حتى قبل وجود موضوعه ومعروضه إذ المفروض أنه من عوارض الماهية وطوارئها ، فهو على تقدير ثبوته عارض ولازم له
ولو قبل وجوده في الخارج (1).
وهذه الكبرى المدعاة قد طبقت على مثل العشرة كالعشرة من الرجال لأنها من عوارض الماهية دون الوجود ، وعلى الكرية المبحوث عنها في المقام ، لأنها أيضاً من عوارض ماهية الماء لا من عوارض وجوده ، حيث إن الكرية مرتبة وسيعة من مراتب طبيعة الماء فلا يصدق أن يقال إن كرية هذا الماء لم تكن قبل وجوده لأنه كر قبل وجوده وبعده ، لا أنه يتصف بالكرية بعد وجوده فلا مجال لاستصحاب العدم الأزلي في مثله ، فهنا مقامان للكلام :
أحدهما : في أصل الكبرى المدعاة.
وثانيهما : في تطبيقها على محل الكلام.
أمّا المقام الأوّل : فحاصل الكلام فيه أنه لا معنى لعروض شيء على الماهية لنعبّر عنه وعن أمثاله بعوارض الماهية ، لأنها في نفسها ليست إلاّ هي فهي في نفسها معدومة وثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له ، ومع معدومية المعروض كيف يصح أن يقال إن له عرضاً موجوداً في الخارج. اللّهم إلاّ أن يراد من عوارضها ما ينتزعه العقل عنها في نفسها لو خليت وطبعها كالامكان في الإنسان ، لأن العقل إذا لاحظه في نفسه يرى أنه عادم بكلتا جهتي الوجوب والامتناع ، فيدرك إمكانه لا محالة ويعبّر عنه بعارض الماهية نظراً إلى أن الإمكان لا يعرض على الإنسان بعد وجوده ، لأنه محكوم بالإمكان مطلقاً وجد في الخارج أم لم يوجد ويعبّر عنه أيضاً بالخارج المحمول بمعنى أنه خارج عن ذاتيات الماهية وليس من مقوماتها إلاّ أنه محمول عليها ، من غير حاجة في حمله إلى ضم ضميمة خارجية كما يحتاج إلى ضمها في حمل مثل العالم على الذات ، إذ لا يصح ذلك إلاّ بعد ضم العلم إليها ويعبّر عنه بالمحمول بالضميمة.
وكيف كان فإن أُريد من عوارض الماهية ما ينتزعه العقل منها في نفسها ، فلا ينبغي التأمل في عدم جريان الاستصحاب في أمثال ذلك إلاّ أنه غير مستند إلى مغايرة الموجود للمعدوم والفرق بين عوارض الوجود وعوارض الماهية.
1) نهاية الأفكار 4 : 200.
بل الوجه فيه عدم العلم بالحالة السابقة في مثله ، فان عوارض الماهية بهذا المعنى أزلية غير مسبوقة بالعدم ، فإذا شككنا في ثبوت الإمكان للعنقاء مثلاً فلا نتمكن من استصحاب عدمه أزلاً ، إذ لا يقين لنا بعدم ثبوته له في زمان حتى نستصحبه ، لأنه لو كان ممكناً فهو كذلك من الأزل وإن لم يكن ممكناً فهو غير ممكن من الأزل ، وهي كالملازمات العقلية نظير ملازمة وجوب المقدمة لوجوب ذيها حيث إنها على تقدير ثبوتها أزلية غير مسبوقة بالعدم ، كما أشرنا إليه في أواخر بحث مقدمة الواجب.
وعلى الجملة : عدم جريان استصحاب العدم الأزلي في هذه الصورة من أجل عدم العلم بالحالة السابقة ، ومن الظاهر أن جريانه في الأعدام الأزلية لا يزيد بشيء على جريانه في العدم أو الوجود النعتيين وجريانه فيهما مشروط بالعلم بالحالة السابقة فهذا ليس تفصيلاً في جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية بوجه.
وإن أُريد من عوارض الماهية ما يعرض الشيء في مطلق وجوده ذهناً كان أم خارجاً ، كما هو أحد الاصطلاحين في عوارض الماهية كالزوجية العارضة للأربعة أينما وجدت ، فإنّها إن وجدت في الذهن فهي زوج ذهناً وإن وجدت في الخارج فهي زوج خارجاً فهي لا تنفك عن الأربعة في الوجود ، في مقابل ما يعرض الشيء في وجوده الخارجي خاصة كالحرارة العارضة للماء في الخارج ، لبداهة عدم عروضها عليه في الذهن فهو اصطلاح محض ، وإلاّ فهو من عوارض الوجود الأعم من الذهني والخارجي لا من عوارض الماهية ، لأن عارض الوجود على أقسام منها ما يعرض وجود الشيء ذهناً فقط كما في قولنا الإنسان نوع ، لأنه نوع في وجوده الذهني دون الخارجي ، ومن هنا يعبّر عنه بالمحمولات الثانوية ، بمعنى أن النوع إنما يحمل على الإنسان بعد تصوره وتلبسه بالوجود ذهناً ، فأوّلاً يتصور الإنسان وثانياً يحمل عليه النوع ، ومنها ما يعرض الشيء في وجوده الخارجي خاصة كما في عروض الحرارة على النار ، ومنها ما يعرض الشيء في مطلق وجوده إن ذهناً فذهناً وإن كان خارجاً فخارجا.
وكيف كان فعدّ مثل ذلك من عوارض الماهية مع أنه من عوارض الوجود اصطلاح محض لا واقعية له. وعليه فان صحّ جريان استصحاب العدم الأزلي في
عوارض الوجود صح جريانه فيما يعرض الأعم من الوجود الخارجي والذهني أيضاً هذا كلّه في الكلام على أصل الكبرى.
وأمّا الكلام في تطبيقها على الكرية فبيانه : أن الكرية من مقولة الكم المتصل ، فإنّها عبارة عن كثرة الماء الواحد بحد تبلغ مساحته سبعة وعشرين شبراً ، أو يبلغ وزنه ألفاً ومائتي رطل عراقي ، والكم من إحدى المقولات العرضية التسعة التي هي من عوارض الوجود ، وبهذا يتضح أن الكرية من عوارض وجود الماء خارجاً وليست من عوارض الماهية ولا من عوارض الأعم من الوجود الخارجي والذهني ، وذلك لأن الماء في نفسه وماهيته لم يؤخذ فيه كم خاص ، إذ كما أن القليل تصدق عليه ماهية الماء كذلك الكر وأضعافه كالبحار ، كما أن تصور الماء لا يلازم وجود الكرية في الذهن.
نعم ، القلة والكرية من عوارض وجوده الخارجي فصح أن يقال : إن هذا الماء لم يكن كرّاً قبل وجوده ، كما أنه لم يكن متصفاً بغير الكرية من الأوصاف الخارجية ، فإن الأوصاف إذا لم تكن من عوارض ماهية الشيء فهي حادثة مسبوقة بالعدم لا محالة وقد عرفت أن الكرية ليست من عوارض ماهية الماء. فإذا علمنا بوجود الماء وتحققه وشككنا في تحقق الكرية معه فنستصحب عدمها الأزلي ، فالإنصاف أنه لا مانع من جريان الاستصحاب في العدم الأزلي فيما نحن فيه ، بل إن جريان الاستصحاب في عدم الكرية أولى من جريانه في عدم القرشية فليلاحظ.
هذا كلّه على أنّا نقول : إن الحكم بقلة الماء المشكوك كريته وعدم اعتصامه لا يتوقف على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية ، فإن الأصل يجري في عدم كرية المشكوك حتى على القول بعدم جريانه فيها أي في الأعدام الأزلية ، والسر في ذلك أن الأصل في عدم كرية المشكوك يجري في العدم النعتي دون المحمولي ، وتوضيح ذلك :
أن جملة من الآيات المباركة كما عرفت قد نطقت بأن المياه كلّها نازلة من السماء وذكر المستكشفون العصريون أن أصل مياه الأرض هو المطر ، وبعد ما نزلت المياه من السماء وهي قطرات تشكلت منها البحار والأنهار والكر وغيرها بضم بعضها إلى
بعض ، وعلى هذا نقطع بأن المياه الموجودة في الأرض كلّها مسبوقة بالقلة لا محالة لوضوح أن الكر والبحار لم تنزل من السماء كرّاً وبحاراً وإنما تنزل منه القطرات وتتشكل الأنهار والكر وغيرهما من تلك القطرات الواقعة على وجه الأرض ، فالمياه بأجمعها مسبوقة بعدم الكرية فحينئذٍ نشير إلى الماء المشكوك ونقول : إنه كان في زمان ولم يكن كرّاً ونشك في اتصافه بالكر وعدمه فالأصل أنه باق على اتصافه بعدم الكرية ، ومجرى هذا الأصل كما ترى هو عدم الكرية على وجه النعت ومعه لا يتوقف الحكم بعدم كرية المشكوك في المقام على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية.
ودعوى : أن لازم هذا البيان القطع بأن المياه الكائنة في الأرض بأجمعها مسبوقة بالاعتصام لأن أصلها المطر وهو معتصم كما يأتي عن قريب ، فعند الشك في عصمة ماء وعدمها نستصحب اعتصامه.
مدفوعة بأنها تبتني على جريان الاستصحاب في القسم الثالث من الكلي ، لأن العصمة عند نزول المياه تتحقق في ضمن فرد وهو المطر وهي قد انعدمت قطعاً لنزولها على الأرض ، ونشك في تبدلها إلى العصمة في ضمن فرد آخر وهو الكر فالاستصحاب فيه من القسم الثالث من الكلي ولا نقول بجريانه.
ثم لو تنزلنا وبنينا على عدم جريان الاستصحاب في عدم الكرية على وجه النعت بدعوى أنه من التدقيقات العقلية والأخبار لا تشمل مثلها ، ولا في عدمها المحمولي بدعوى أن الكرية من عوارض الماهية ، فهل نلتزم بما أفتى به في المتن من الحكم بطهارة الماء ونجاسة المغسول به كل بحسب الأصل الجاري فيه بخصوصه؟ الالتزام بما أفاده في المتن هو المتعيّن.
وتحقيق هذا الكلام وتأسيس الأصل فيه إنما ينفع على غير مسلكنا من عدم جريان الأصل في العدم الأزلي ، وينفع على مسلكنا أيضاً في غير هذه المسألة ، لأن الشك في كرية الماء قد يفرض فيما إذا كان الماء مسبوقاً بحالتين متضادتين بأن علمنا بكريته في زمان وقلته في زمان آخر واشتبه المتقدم منهما بالمتأخر ، إذ لا مجال في مثله لاستصحاب العدم الأزلي للقطع بانقطاع العدم وانقلابه إلى الوجود ، ولا لاستصحاب العدم النعتي لأن القلة السابقة فيه تبدلت بالكرية قطعاً.
ومعه لا مجال لشيء من استصحابي القلة والكرية ، إما للمعارضة أو لعدم المقتضي لجريانهما رأساً لعدم إحراز اتصال زمن الشك بزمان اليقين على الخلاف ، وعليه فلا بدّ من تأسيس أصل آخر يرجع إليه في المسألة وهو قاعدة الطهارة في الماء أو استصحابها لأنه مسبوق بالطهارة وبهما نحكم بطهارته ، وهو ظاهر ويبقى الكلام بعد هذا في موردين :
أحدهما : ما إذا غسلنا متنجساً بالماء المشكوك كريته من غير مراعاة شرائط الغسل بالقليل من الصب أو الغسل مرتين ، بأن غمسناه في الماء أو غسلناه فيه مرة واحدة ، فهل يحكم بطهارة كل من الماء والمغسول به معاً أو بنجاستهما كذلك أو يفصل بينهما بالحكم بطهارة الماء ونجاسة المغسول به؟
الأخير هو الصحيح ، أمّا طهارة الماء فلما مرّ من أنه مشكوك الطهارة والنجاسة ومقتضى قاعدة الطهارة طهارته ، بل الاستصحاب أيضاً يقتضي طهارته لجريانه في الأحكام الجزئية والشبهات الموضوعية ، على ما دلت عليه صحيحة زرارة الواردة في الاستصحاب فراجع. وأمّا نجاسة المغسول بالماء المذكور فلأجل إنّا أيّ مطهّر فرضناه شرعاً فوقوعه على المغسول المتنجس أمر حادث مسبوق بالعدم لا محالة ، فإذا شككنا في وقوع المطهّر على المغسول به وعدمه فنستصحب عدم وقوعه عليه وبه يحكم ببقائه على نجاسته ، وإن كانت الملازمة الواقعية بينهما من حيث الطهارة والنجاسة تمنع التفكيك المزبور بالحكم بطهارة أحدهما ونجاسة الآخر ، ولكن التفكيك بين المتلازمين ظاهراً لاقتضاء أصليهما ذلك مما ليس بعزيز ، ولا مانع من العمل بكل واحد من الأصلين المخالف أحدهما للواقع ما لم يستلزم العمل بهما مخالفة عملية قطعية لحكم ، ولا تلزم المخالفة العملية في المقام من العمل بكل واحد من الاستصحابين فيجوز شرب الماء المذكور والتوضؤ به شرعاً وتبطل الصلاة في المغسول به لنجاسته.
وثانيهما : ما إذا ألقينا الماء المشكوك كريته على ماء نجس لتطهيره فهل يحكم بطهارة كليهما أو بنجاستهما أو فيه تفصيل؟ ذهب في المتن إلى عدم تطهيره للنجس والصحيح أن يفصّل في المسألة فإن المائين في مفروض المقام إما أن يتصل أحدهما بالآخر فحسب ، وإما أن يمتزجا ويتداخل أجزاؤهما.
وعلى الأوّل إمّا أن نلتزم بعدم كفاية مجرد الاتصال في تطهير الماء المتنجس وإما أن نلتزم بكفايته ، فان قلنا بعدم كفاية الاتصال فالماء المتنجس باق على نجاسته ، حيث لا مقتضي لزوالها كما أن الماء المشكوك كريته باق على طهارته باستصحابها ، وأمّا إذا قلنا بكفاية مجرد الاتصال فالظاهر أنه لا مانع من جريان كل واحد من استصحابي الطهارة والنجاسة فنحكم بطهارة أحد طرفي الماء وبنجاسة الآخر كما التزمنا بذلك في الماء والثوب المتنجس المغسول به ، اللّهم إلاّ أن يدعى الإجماع على أن الماء الواحد لا يحكم عليه بحكمين متضادين ولو كانا ظاهريين ، فان الاستصحابين يتعارضان حينئذٍ فيرجع إلى قاعدة الطهارة.
وعلى الثاني أعني صورة امتزاجهما وتداخل أجزائهما ، فإمّا أن يندك الماء المتنجس في الماء المشكوك كريته لقلة الأوّل وكثرة الثاني ، وإما أن يندك الماء المشكوك كريته في الماء المتنجس لكثرته وقلة الأول ، وإما أن لا يندك أحدهما في الآخر لتساويهما أو زيادة أحدهما على الآخر على وجه لا يوجب الاندكاك وهذه صور ثلاث :
أمّا الصورة الاولى : فلا ينبغي الإشكال في الحكم بطهارة كلا الماءين ، فإنّه لا وجود استقلالي للماء المتنجس في قبال المشكوك كريته لفرض اندكاكه فيه وانعدامه عرفاً ، والماء المشكوك كريته محكوم بالطهارة باستصحابها.
وأمّا الصورة الثانية : فهي مع الصورة المتقدمة متعاكستان فلا بدّ من الحكم فيها بنجاسة الجميع ، لاندكاك الطاهر وهو الماء المشكوك كريته في ضمن المتنجس وهو محكوم بالنجاسة.
وأمّا الصورة الثالثة : فالاستصحابان فيها متعارضان وبعد تساقطهما يرجع إلى قاعدة الطهارة ، وهذا لا لأجل الإجماع على أن الماء الواحد لا يحكم عليه بحكمين متضادين كما ادعوه في الماء المتمم كرّاً ، فإنّه إنما لا يتصف بهما واقعاً لتلازمهما من حيث الطهارة والنجاسة ، وأمّا بحسب الحكم الظاهري فلا مانع من الحكم بنجاسة بعضه وطهارة بعضه الآخر كل بحسب الأصل الجاري فيه.
وإنما لا نحكم بهما في المقام للقطع بأن الأجزاء المتداخلة لا يختلف حكمها طهارة ونجاسة ولو ظاهراً ، وعليه فيتعارض الاستصحابان فيرجع إلى قاعدة الطهارة.
[106] مسألة 8 : الكر المسبوق بالقلة إذا علم ملاقاته للنجاسة ولم يعلم السابق من الملاقاة والكرية إن جهل تاريخهما أو علم تاريخ الكرية حكم بطهارته ، وإن كان الأحوط التجنّب (1)، وإن علم تاريخ الملاقاة حكم بنجاسته. وأمّا القليل المسبوق بالكرية الملاقي لها ، فان جهل التاريخان أو علم تاريخ الملاقاة حكم فيه بالطهارة مع الاحتياط المذكور ، وإن علم تاريخ القلة (2)حكم بنجاسته (1).
ويمكن أن يقال بعدم جريان استصحاب الطهارة في نفسه ، لأن الاستصحاب أصل عملي والأُصول العملية إنما تجري فيما ترتب عليها أثر عملي ، ومن هنا سمِّيت بالأُصول العملية ، ومن الظاهر أن الحكم بالطهارة في جملة من الأجزاء المتداخلة في الماء المجتمع ممّا لا تترتّب عليه ثمرة عملية ، لوضوح أن أثر الطهارة في الماء إما هو شربه أو التوضؤ به أو غيرهما من الآثار ، ومن البيّن أنه لا يترتب شيء منها على الأجزاء المتداخلة في مفروض الكلام لنجاسة الأجزاء الأُخر واتحادهما وجوداً ، وعليه فاستصحاب النجاسة يبقى بلا معارض ، فلا مناص حينئذٍ من الحكم بنجاسة الجميع.
(1) للمسألة صورتان :
إحداهما : ما إذا كان الماء مسبوقاً بالقلة في زمان ، وطرأ عليه بعد ذلك أمران : أحدهما الكرية ، وثانيهما الملاقاة ، وشككنا في المتقدم والمتأخر منهما وفيها مسائل ثلاث :
الاولى : ما إذا كان الحادثان كلاهما مجهولي التاريخ.
الثانية : ما إذا علمنا تاريخ الكرية دون الملاقاة.
الثالثة : ما إذا علمنا تاريخ الملاقاة دون الكرية.
وثانيتهما : ما إذا كان الماء مسبوقاً بالكرية ثم عرضه أمران : أحدهما القلة ، وثانيهما الملاقاة ، وشككنا في السبق واللحوق ، وفيها أيضاً مسائل ثلاث :
الاولى : ما إذا كان تاريخ كل من الملاقاة والقلة مجهولاً.
الثانية : ما إذا علم تاريخ الملاقاة دون القلّة.
الثالثة : ما إذا علم تاريخ القلة دون الملاقاة.
ولنقدم الصورة الثانية لاختصارها على خلاف ترتيب المتن فنقول :
أمّا المسألة الاولى : أعني ما إذا كان الحادثان كلاهما مجهولي التاريخ فقد حكم فيها بطهارة الماء في المتن وذكر أن الأحوط التجنب. والوجه فيما ذهب إليه هو أنه ( قدس اللّه نفسه ) بنى تبعاً لشيخنا الأنصاري قدس سره (1)على جريان الاستصحاب في كل من الحادثين مجهولي التاريخ في نفسه وسقوطه بالمعارضة ، فيتعارض استصحاب عدم حدوث كل واحد منهما إلى زمان حدوث الآخر باستصحاب عدم حدوث الآخر ، فيرجع إلى قاعدة الطهارة لا محالة. فعدم اعتبار الاستصحابين عنده مستند إلى المعارضة لا إلى قصور المقتضي.
وما بنى عليه في هذه المسألة وإن كان متيناً بحسب الكبرى لما حققناه في الأُصول بما لا مزيد عليه ، إلاّ أنها غير منطبقة على المقام وذلك لأن أصالة عدم تحقق القلة ( الكرية ) إلى زمان الملاقاة هي المحكمة مطلقاً سواء جهل تاريخهما معاً أم جهل تاريخ أحدهما.
أمّا إذا جهل تاريخ كلا الحادثين فلأنه لا مانع من جريان استصحاب عدم القلة إلى زمان الملاقاة ، ولا معارض له في البين فان استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة غير جار في نفسه إذ لا تترتب عليه ثمرة عملية ، حيث إن الملاقاة أو عدمها في زمان الكرية ممّا لا أثر له شرعاً ، والأُصول العملية إنما تجري لإثبات أثر أو نفيه ولا تجري من دونهما ، هذا كلّه مع الإغماض عما يأتي من المناقشة في جريان استصحاب عدم
1) فرائد الأُصول 2 : 667.
الملاقاة إلى زمان القلة فانتظرها.
على أنّا سواء قلنا بجريان استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة أم لم نقل به لا وجه للاحتياط في المقام فتوى حيث لا أساس علمي له ، إلاّ على نحو الاحتياط المطلق الجاري في جميع موارد الاحتمال حتى مع وجود الدليل الاجتهادي على خلافه ، إذ لا مجال له بحسب الأصل الجاري في المسألة حتى بناء على تعارض استصحابي عدم حدوث كل من الملاقاة والقلة إلى زمان حدوث الآخر ، لأن المرجع بعد تعارض الأصلين إنما هو قاعدة الطهارة ومعها لا وجه للاحتياط. وأمّا إذا علم تاريخ الملاقاة دون القلة فلأجل المحذور المتقدم بعينه كما يأتي في المسألة الآتية.
وأمّا المسألة الثانية : وهي ما إذا كان تاريخ الملاقاة معلوماً دون تاريخ القلة ، فقد ألحقها في المتن بالمسألة المتقدمة وحكم فيها أيضاً بالطهارة مستنداً في ذلك إلى ما بنى عليه تبعاً للشيخ قدس سره من عدم جريان الأصل فيما علم تاريخه من الحادثين فإنّه إذا لم يجر استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان حدوث القلة للعلم بتاريخ الملاقاة فلا محالة تبقى أصالة عدم حدوث القلة إلى زمان الملاقاة سليمة عن المعارض ومقتضاها الحكم بطهارة الماء.
ويدفعه : أن التفصيل بين مجهولي التاريخ وما علم تاريخ أحدهما على خلاف التحقيق ، لما بيّناه في محلّه من أنه لا فرق في جريان الأصلين بين الصورتين. نعم ، في صورة العلم بتاريخ أحدهما كما إذا علمنا بحدوث القلة يوم الجمعة مثلاً إنما لا يجري الاستصحاب فيه بالإضافة إلى عمود الزمان للعلم بزمانها ، وأمّا بالإضافة إلى الحادث الآخر المجهول تاريخه فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه ، والقلة بالإضافة إلى الملاقاة هي التي يترتب عليها الأثر شرعاً [ لا ] بالإضافة إلى قطعات الزمان ، إذ الفرض أن الحكم مترتب على القلة في زمان الملاقاة ، فلا فرق في جريان الأصل في الحادثين بين الجهل بتاريخ كليهما ، وبين العلم بتاريخ أحدهما ، هذا بحسب كبرى المسألة.
وأمّا في خصوص المقام فقد عرفت أن الأصل لا يجري في عدم الملاقاة إلى زمان
القلة ، لا للعلم بتاريخ الملاقاة بل لعدم ترتب أثر عملي عليه فتبقى أصالة عدم حدوث القلة إلى زمان الملاقاة سليمة عن المعارض. ويأتي في الاحتياط في هذه المسألة ما قدّمناه في المسألة المتقدمة فراجع.
وأمّا المسألة الثالثة : وهي ما إذا كان تاريخ القلة معلوماً دون الملاقاة ، فقد ذهب الماتن إلى نجاسة الماء جرياً على مسلكه من عدم جريان الأصل فيما علم تاريخه من الحادثين ، فلا تجري أصالة عدم حدوث القلة إلى زمان الملاقاة للعلم بتاريخ القلّة وتبقى أصالة عدم حدوث الملاقاة إلى زمان حدوث القلّة بلا معارض ومقتضاها الحكم بنجاسة الماء.
وفيه مضافاً إلى المناقشة المتقدمة في كبرى ما أفاده من التفصيل ، أن أصالة عدم حدوث الملاقاة إلى زمان القلة غير جارية في نفسها سواء قلنا بجريان الأصل فيما علم تاريخه أيضاً أم لم نقل لعدم ترتب ثمرة عملية عليها ، فعلى مسلكه قدس سره لا بدّ من التمسك بقاعدة الطهارة ، وأمّا على مسلكنا من جريان الأصل فيما علم تاريخه فلا مناص من استصحاب عدم حدوث القلة إلى زمان حدوث الملاقاة ومقتضاه كما عرفت هو الحكم بطهارة الماء.
نعم ، قد يتوهّم الحكم بنجاسة الماء في هذه الصورة بوجهين :
أحدهما : أن نلتزم باعتبار الأُصول المثبتة ، فإن استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة يثبت حينئذٍ تحقق الملاقاة بعد عروض القلة وهو يقتضي نجاسة الماء.
وثانيهما : أن تكون أصالة تأخر الحادث أصلاً عقلائياً برأسها بأن يكون بناؤهم على تأخر الحادث عند الشك في تقدمه وتأخره عن الحادث الآخر ، وهو أيضاً يقتضي الحكم بحدوث الملاقاة متأخرة عن القلة الموجب لنجاسة الماء.
ولكنه قدس سره لا يلتزم بالأُصول المثبتة ، كما أن أصالة تأخر الحادث لا أساس لها وهو كلام لا يبتني على دليل ، والمقدار الثابت منها أنه إذا علم وجود شيء في زمان وشك في أنه حدث قبل ذلك الزمان أو في ذلك الزمان بعينه ، فيبني على عدم حدوثه قبل الزمان الذي علمنا بوجوده فيه قطعاً ، وأمّا أنه متأخر عن الحادث
الآخر أيضاً فلم يثبت بناء من العقلاء على ذلك.
على أنه لو سلمنا حجية الأصل المثبت ، وبنينا على جريان استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة وإثباته تأخر الملاقاة ، فلنا أن ندعي أنها معارضة باستصحاب عدم الملاقاة بعد زمان القلة ، فكما أن الأول يثبت حدوث الملاقاة بعد عروض القلّة كذلك الثاني يثبت حدوثها قبل عروض القلة فيتعارضان ويتساقطان.
أمّا الصورة الأُولى : وهي ما إذا كان الماء قليلاً ثم طرأ عليه أمران : الكرية والملاقاة واشتبه السبق واللحوق فقد عرفت أن فيها مسائل ثلاث :
الاولى : ما إذا جهلنا تاريخ كل واحد من الحادثين.
الثانية : ما إذا علم تاريخ الكرية فحسب.
الثالثة : ما إذا علم تاريخ الملاقاة دون الكرية.
أمّا المسألة الأُولى : فقد ذهب الماتن فيها إلى طهارة الماء ، وقال إن الأحوط التجنب ، والوجه فيما ذهب إليه إما هو ما سلكه شيخنا الأنصاري قدس سره من جريان الأصل فيهما في نفسه وسقوطه بالمعارضة فيرجع إلى قاعدة الطهارة في المقام. وإما ما سلكه بعضهم من عدم جريان الأصل في مجهولي التاريخ رأساً كما ذهب إليه صاحب الكفاية قدس سره فإنّه على هذا لا بدّ من الرجوع إلى قاعدة الطهارة من الابتداء.
وأمّا المسألة الثانية : فقد ألحقها الماتن بالمسألة المتقدمة وحكم فيها بالطهارة أيضاً ، وهو يبتني على التفصيل بين مجهولي التاريخ وما علم تاريخ أحد الحادثين بالمنع عن جريان الأصل فيما علم تاريخه ، فان الاستصحاب على هذا المسلك غير جار في عدم حدوث الكرية إلى زمان حدوث الملاقاة فيبقى استصحاب عدم حدوث الملاقاة إلى زمان الكرية بلا معارض ويحكم على الماء بالطهارة ، أو يبتني على ما سلكه صاحب الكفاية قدس سره من عدم جريان الاستصحاب في أمثال المقام رأساً فيرجع إلى قاعدة الطهارة لا محالة (1).
1) كفاية الأُصول : 419.
وأمّا المسألة الثالثة : فقد حكم فيها الماتن بالنجاسة ، والوجه فيه منحصر بما ذهب إليه شيخنا الأنصاري قدس سره (1)من التفصيل في جريان الأصل بين مجهولي التاريخ وما علم تاريخ أحد الحادثين بالمنع عن جريان الأصل فيما علم تاريخه. وحيث إنّا علمنا تاريخ الملاقاة في المقام فلا يجري الاستصحاب في عدمها إلى زمان الكرية. فإذن يبقى استصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة بلا معارض وبذلك يحكم على الماء بالنجاسة ، هذا كلّه فيما اعتمد عليه السيد قدس سره في المقام.
وقد ألحق شيخنا الأُستاذ قدس سره في تعليقته المباركة صورة الجهل بتاريخ كليهما بصورة العلم بتاريخ الملاقاة ، فحكم في كلتا الصورتين بالنجاسة كما حكم بالطهارة في خصوص صورة العلم بتاريخ الكرية ، والوجه في إلحاقه ذلك هو ما ذكره قدس سره في مباحثه الأُصولية من أن الاستصحاب وإن كان يجري في مجهولي التاريخ كما عرفت إلاّ أن أحد الأصلين مما لا يترتب عليه أثر شرعي في خصوص المقام (2)، وتوضيحه : أن استصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة يترتب عليه شرعاً نجاسة الماء كما هو واضح ، وأمّا استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية فهو مما لا أثر يترتب عليه في نفسه إلاّ أن يضم إليه أن الملاقاة حصلت بعد الكرية ، وبدونه لا يترتب أثر على عدم الملاقاة إلى زمان الكرية فهذا الأصل غير جار في نفسه ، وبه تصبح أصالة عدم الكرية إلى زمان الملاقاة بلا معارض وهي تقتضي النجاسة كما مر وهذا هو المنشأ لعدوله قدس سره إلى الاحتياط في المقام حين تصحيح تعليقته حيث علّق على قول الماتن « وإن كان الأحوط التجنب » ما نصّه : هذا الاحتياط في صورة العلم بتاريخ الكرية ضعيف جدّاً ، وكذا في المسألة الآتية إذا علم تاريخ الملاقاة ثم عدل عنه وكتب « لا يترك هذا الاحتياط ».
هذا ويمكن أن يكون لإلحاقه وجه آخر وإن لم يتعرض له في كلامه وهو انّا لو قلنا بجريان كل من الأصلين في المقام وسقوطهما بالمعارضة أيضاً لا يمكننا الرجوع إلى
قاعدة الطهارة على مسلكه قدس سره من اعتبار إحراز الكرية في الحكم بالاعتصام ، بدعوى أن الاستثناء إذا تعلق على عنوان وجودي ، وكان المستثنى منه حكماً إلزامياً أو ملزوماً له فهو عند العرف بمثابة اعتبار إحراز ذلك العنوان الوجودي في الخروج عن المستثنى منه فكأنه علیه السلام صرّح بانفعال مطلق الماء بالملاقاة إلاّ ما أحرز كريته وقاعدة الطهارة لا تحرز الكرية بوجه.
ولكن ما أفاده قدس سره لا يمكن المساعدة عليه لعدم تمامية الوجه الأخير ، لما قدمناه في محلّه من أن إحراز العنوان الوجودي غير معتبر في الخروج عن الإلزام والمستثنى منه ، وأمّا الوجه الأول فيرده كفاية نفي الأثر وهو عدم نجاسة الماء في جريان الأصل.
والصحيح في المقام أنه لا أساس لما ذهب إليه الماتن قدس سره من التفصيل بين مجهولي التاريخ أو ما علم تاريخ الكرية وبين ما علم بتاريخ الملاقاة ، كما لا وقع لما صنعه شيخنا الأُستاذ قدس سره من التفصيل بين مجهولي التاريخ أو ما علم بتاريخ الملاقاة وبين ما علم بتاريخ الكرية.
وتوضيح ذلك : أنّا إن منعنا من جريان الاستصحاب في مجهولي التاريخ من الابتداء ، بدعوى عدم إحراز اتصال زمان الشك باليقين ، وأن المورد شبهة مصداقية لدليل اعتبار الاستصحاب كما عليه صاحب الكفاية قدس سره أو بنينا على عدم جريانه من جهة المعارضة كما هو الصحيح ، فيحكم بطهارة الماء لأنه مشكوك النجاسة ومثله محكوم بالطهارة بالخصوص ، وبعموم قوله علیه السلام « كل شيء نظيف ... » (1)، وكذا فيما علم بتاريخ الكرية دون الملاقاة أو العكس إذا قلنا بجريان الأصل في كل من معلوم التاريخ ومجهوله ، لما بيّناه في محلّه من أن الأصل فيما علم تاريخه إنما لا يجري بالإضافة إلى عمود الزمان للعلم بزمانه ، وأمّا بالإضافة إلى الحادث الآخر كما هو الموضوع للأثر شرعاً فهو مشكوك فيه لا محالة ، ولا مانع من جريان أصالة العدم فيه أيضاً ، فالأصلان يتعارضان فيسقطان ويرجع إلى قاعدة
1) الوسائل 3 : 467 / أبواب النجاسات ب 37 ح 4.
الطهارة كما في مجهولي التاريخ (1).
وأمّا بناءً على عدم جريان الأصل فيما علم تاريخه ، فان علمنا بتاريخ الكرية دون الملاقاة فاستصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية بلا معارض وهو يقتضي طهارة الماء أيضاً. وإن علم بتاريخ الملاقاة دون الكرية فينعكس الأمر ويبقى استصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة بلا معارض ، ومقتضاه نجاسة الماء كما اعتمد عليه السيِّد قدس سره . والحكم بالطهارة في هذه الصورة كما في بعض تعاليق الكتاب يبتني على عدم التفرقة في جريان الاستصحاب بين مجهولي التاريخ وما علم تاريخ أحدهما كما هو الحق.
وعلى الجملة الحكم في جميع الصور المتقدمة هو الطهارة إن لم نفصل في جريان الأصل وعدمه بين مجهولي التاريخ وما علم تاريخ أحدهما.
هذا كلّه مع قطع النظر عما ذكرناه في بحث خيار العيب (2)وحاصل ما ذكرناه هناك : أن الموضوع المتركب من جزئين أو أكثر إن أُخذ فيه عنوان انتزاعي زائد على ذوات الأجزاء من الاجتماع والمقارنة والسبق ونحوها ، فلا يمكن في مثله إحراز أحد الجزئين بالأصل والآخر بالوجدان كما لا يبعد ذلك في الحكم بصحة الجماعة فإن ما ورد في الروايات من أنه إذا جاء الرجل مبادراً والإمام راكع أو وهو راكع وغيرهما ممّا هو بهذا المضمون (3)ظاهر في اعتبار عنوان المعية والاقتران ، لأن الواو للمعية والحالية فيعتبر في صحة الجماعة أن يكون ركوع المأموم مقارناً لركوع الإمام. فإذا ركع المأموم وشكّ في بقاء الإمام راكعاً ، وأحرزنا أحدهما وهو ركوع المأموم بالوجدان فلا يمكننا إثبات المقارنة بإجراء الأصل في ركوع الامام ، والحكم بصحة الجماعة من جهة ضميمته إلى الوجدان ، وذلك لأن الأصل لا يحرز به إلاّ ذات الركوع
دون وصف المقارنة المعتبر في صحة الجماعة ، إلاّ على القول بالأُصول المثبتة. وعليه فاستصحاب ركوع الإمام غير جار في نفسه ، فلا تصل النوبة إلى معارضة ذلك باستصحاب عدم وصول المأموم إلى حد الركوع في زمان ركوع الإمام.
وأمّا إذا لم يؤخذ في الموضوع المركب شيء زائد على ذوات الأجزاء من العناوين البسيطة الانتزاعية ، بل اعتبر أن يكون هذا الجزء موجوداً في زمان كان الجزء الآخر موجوداً فيه ، ففي مثله يمكن إحراز أحد جزئي الموضوع بالوجدان والجزء الآخر بالأصل ، فلا مانع في المثال من استصحاب بقاء ركوع الإمام إذ به يحرز أحد جزئي الموضوع ، وقد أحرزنا جزأه الآخر وهو ركوع المأموم بالوجدان فبضم الأصل إلى الوجدان يلتئم كلا جزئي الموضوع ، لأن الأثر إنما يترتب على وجود الجزئين وقد أحرزناهما بالأصل والوجدان.
وهل يمكن أن يتمسك في مثله باستصحاب عدم تحقق ركوع المأموم في زمان ركوع الإمام بدعوى : أن المحرز بالوجدان ليس إلاّ ذات ركوع المأموم ، وأمّا ركوعه في زمان ركوع الإمام فهو بعد مشكوك فيه ، والأصل عدم تحققه في ذلك الزمان ، وهو يعارض استصحاب ركوع الإمام فيتساقطان؟
لا ينبغي الشك في أنه لا يمكن ذلك والوجه فيه أمران : أحدهما نقضي والآخر حلِّي :
أمّا النقضي : فهو أن لازم ذلك إلغاء الأصل عن الاعتبار في جميع الموضوعات المركبة حتى ما نص على جريان الأصل فيه من تلك الموضوعات ، مثلاً الموضوع في صحّة الصلاة يتركب من ذات الصلاة ، ومن اتصاف المصلي بالطهارة ، وقد نصت صحيحة زرارة على أن الرجل إذا شك في وضوئه لأجل الشك في أنه نام يستصحب وضوءه ويصلي بهذا الوضوء (1)، مع أن مقتضى ما تقدم بطلان الصلاة في مفروض الصحيحة لأن استصحاب بقاء الوضوء إلى زمان تحقق الصلاة والحكم بصحة الصلاة ، معارض باستصحاب عدم تحقق الصلاة في زمان الطهارة ، لأن ما أحرزناه
1) الوسائل 1 : 245 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1.
بالوجدان إنما هو وجود أصل الصلاة لا الصلاة في زمان الجزء الآخر ، فإنّها في ذلك الزمان مشكوك فيها والأصل عدمها ، فالأصلان يتعارضان فلا يمكن الحكم بصحة الصلاة. مع أن استصحاب الطهارة لأن يترتب عليها آثارها ومنها صحة الصلاة بها ممّا لا إشكال فيه ، إذ به يحرز وجود أحد الجزئين تعبداً بعد إحراز الآخر بالوجدان وهو مورد للنص الصحيح.
وأمّا الحلّي : فهو أن الأصالة المدعاة مما لا أصل له وهي من الأغلاط وسره أن مفروض الكلام عدم اعتبار أيّ شيء زائد على ذوات الأجزاء في الموضوعات المركبة ، وإنما اعتبر فيها وجود هذا ووجود ذاك فحسب ، وهو مما لا إشكال في حصوله عند تحقق أحدهما بالوجدان وإحراز الآخر بالأصل ، إذ بهما يلتئم كلا جزئي الموضوع ، ومعه لا مجرى لأصالة عدم تحقق ركوع المأموم في زمان ركوع الإمام أو عدم تحقق الصلاة في زمان الطهارة إذ لا أثر عملي لاستصحابهما ، فإن الأثر يترتب على وجود الركوعين أو وجود الصلاة والطهارة بأن يكون هذا موجوداً والآخر أيضاً موجوداً ، ولا أثر لتحقق الصلاة في زمان الطهارة أو ركوع المأموم في زمان ركوع الإمام ، وعليه إذا وجد أحدهما بالوجدان والآخر بالاستصحاب فقد وجد كلا جزئي الموضوع وبه نقطع بترتب الأثر ، فلا شك لنا بعد ذلك في ترتبه حتى نجري الأصل في عدم تحقق الصلاة في زمان الطهارة ، ومنه يتضح أن استصحاب ركوع الإمام أو الطهارة بلا معارض ، هذا كلّه بحسب الكبرى.
وأمّا تطبيقها على المقام فهو أن موضوع الحكم بالانفعال مركب من الملاقاة وعدم الكرية ، ولا ينبغي الإشكال في عدم اعتبار عنوان الاجتماع فيه قطعاً ، بأن يعتبر في الانفعال مضافاً إلى ذات القلة والملاقاة عنوان اجتماع أحدهما مع الآخر الذي هو من أحد العناوين الانتزاعية فإن ظاهر قوله علیه السلام « إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيء » (1)أن ما ليس بكر تنجسه ملاقاة شيء من النجاسات ، فالموضوع للانفعال هو
1) كما ورد مضمونه في صحيحة معاوية بن عمار وغيرها من الأخبار المروية في الوسائل 1 : 159 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 6.
[107] مسألة 9 : إذا وجد نجاسة في الكر ولم يعلم أنها وقعت فيه قبل الكرية أو بعدها (1)يحكم بطهارته ، إلاّ إذا علم تاريخ الوقوع (1).
نفس القلة والملاقاة ، ولا دلالة فيه على اعتبار عنوان الاجتماع بوجه.
بل لو قلنا باعتباره لما جرى استصحاب عدم الكرية في الماء غير المسبوق بالحالتين أيضاً ، لوضوح أن استصحاب عدمها لا يثبت عنوان اجتماع الملاقاة مع القلة عدم الكرية. وعليه إذا أحرزنا الملاقاة بالوجدان فلا مانع من إحراز الجزء الآخر أعني عدم الكرية بالأصل ، إذ به يتحقق كلا جزئي الموضوع للانفعال. ودعوى : أنه معارض بأصالة عدم تحقق الملاقاة في زمان عدم الكرية ، قد عرفت اندفاعها بأن الأصالة المذكورة مما لا أساس له ، إذ لا أثر شرعي ليترتب على عدم الملاقاة في زمان القلة ، بل الأثر مترتب على وجود القلة والملاقاة ، وقد أحرزناهما بالأصل والوجدان ، ومعهما نقطع بترتب الأثر ولا يبقى عندئذٍ شك في ترتبه حتى يرجع إلى استصحاب عدم الملاقاة في زمان القلة.
ثم إن لازم جريان استصحاب عدم الكرية عند إحراز الملاقاة بالوجدان هو الحكم بالنجاسة في جميع الصور الثلاث المتقدمة ، وهذا هو المنشأ لحكم سيدنا الأُستاذ ( أدام اللّه اظلاله ) بالاحتياط الوجوبي في تعليقته المباركة في جميع الصور الثلاث ، فان ما قدمناه آنفاً وإن اقتضى الحكم بالنجاسة جزماً ولكن جرت عادته ( مدّ ظلّه ) على عدم الإفتاء في بعض الموارد إلاّ على سبيل الحكم بالاحتياط فافهم ذلك واغتنمه.
(1) لولا قوله قدس سره إلاّ إذا علم تاريخ الوقوع لحملنا المسألة على مسألة أُخرى مغايرة للمسألة المتقدمة ، فإن مفروضها أي المسألة المتقدمة هو العلم بالحالة
1) (*) هذه المسألة مندرجة في المسألة السابقة
[108] مسألة 10 : إذا حدثت الكرية والملاقاة في آن واحد حكم بطهارته وإن كان الأحوط الاجتناب (1).
السابقة في الماء من الكرية والقلة ، وعليه فيمكن حمل هذه المسألة التي بأيدينا على ما إذا لم نعلم الحالة السابقة في الماء ، وإنما علمنا بطروّ أمرين عليه : الكرية والملاقاة أو القلة والملاقاة ، وبهذا تتغاير المسألتان. إلاّ ان قوله قدس سره إلاّ إذا علم تاريخ الوقوع لا يلائم حمل المسألة على ما ذكرناه ، إذ لا فرق فيما لم يعلم حالته السابقة بين العلم بتاريخ أحد الحادثين كالوقوع وعدمه. نعم ، يختلف الحال بذلك فيما علم حالته السابقة على ما ذهب إليه الماتن تبعاً لشيخنا الأنصاري قدس سره (1)من التفصيل في جريان الأصل بين مجهولي التأريخ وما علم تاريخ أحدهما ، إذ مع العلم بتاريخ الوقوع في المسألة لا يجري فيه الاستصحاب للعلم بتاريخه ، ويبقى استصحاب قلة الماء إلى زمان الوقوع بلا معارض وهو يقتضي النجاسة ، هذا في الماء المسبوق بالقلة وكذا الحال في المسبوق بالكرية إلاّ أن استصحابها يقتضي الحكم بطهارة الماء كما هو ظاهر ، فهذه المسألة مستدركة لأنها عين المسألة المتقدمة فلا وجه لإعادتها ، ولعلّها من سهو القلم.
(1) صور المسألة ثلاث :
فتارة تحدث الملاقاة بعد الكرية ولو بآن فلسفي ، ولا إشكال في عدم انفعال الماء بذلك لكرية الماء حين ملاقاة النجس.
وأُخرى تحدث قبل الكرية ولو بآن عقلي ، ولا كلام في انفعال الماء بذلك لقلة الماء حين ملاقاة النجس بناء على ما يأتي في محلّه من عدم كفاية تتميم القليل بالكر النجس.
1) فرائد الأُصول 2 : 667.
وثالثة تحدث الملاقاة والكرية معاً وهو مورد الكلام في المقام ، كما إذا فرضنا انبوبين في أحدهما بول وفي الآخر ماء كر ، وقد أوصلناهما للماء في آن واحد فحصلت الملاقاة والكرية معاً بلا تقدم من أحدهما على الآخر ولو بآن ، فهل يحكم بطهارة الماء حينئذٍ أو بنجاسته؟
فيه قولان مبنيان على أن أدلة اعتصام الكر كقوله علیه السلام « كر ... » في جواب السؤال عن الماء الذي لا ينجسه شيء (1)وقوله « إذا بلغ الماء قدر كر ... » (2)وغيرهما من الأخبار ، هل تدل على اعتبار سبق الكرية على الملاقاة في الاعتصام أو لا يستفاد منها ذلك بوجه ، بل الكرية عاصمة عن الانفعال ولو حصلت مقارنة للملاقاة؟.
صريح كلام السيد قدس سره هو الثاني حيث حكم بطهارة الماء المذكور وإن احتاط بالاجتناب ، ومنشأ احتياطه هو احتمال اعتبار سبق الكرية في الاعتصام. وذهب شيخنا الأُستاذ قدس سره إلى نجاسة الماء في مفروض المسألة ، ولكن ما ذهب إليه السيد هو الصحيح.
وأمّا ما ذكره شيخنا الأُستاذ قدس سره فان اعتمد في ذلك على الوجه العقلي من لزوم تقدم الموضوع على حكمه عقلاً ، حيث إن ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له ، فبما أن الكر موضوع للحكم بعدم الانفعال بالملاقاة ، فلا بدّ أن يتحقق الكرية خارجاً في زمان متقدم على الملاقاة حتى يحكم عليها بعدم الانفعال بالملاقاة وبما أن التقدم غير متحقق في المسألة فيحكم على الماء بالانفعال.
ففيه : أن الموضوع لا بدّ من أن يتقدم على حكمه رتبة لا بحسب الزمان ، بل الموضوع وحكمه متقارنان زماناً ، ونظيرهما العلّة ومعلولها لتقارنهما زماناً وإن كانت
[109] مسألة 11 : إذا كان هناك ماءان أحدهما كر والآخر قليل ولم يعلم أن أيّهما كر ، فوقعت نجاسة في أحدهما معيّنا أو غير معيّن لم يحكم بالنجاسة (1)وإن كان الأحوط في صورة التعيّن الاجتناب (1).
العلّة متقدمة على معلولها رتبة ، فالتقدم الزماني في الموضوع والعلّة غير معتبر بل مستحيل ، وقد صرّح هو قدس سره بعدم اعتبار التقدم الزماني في بحث الترتّب وعلى هذا بني أساسه في محلّه وذكر أن الأمر بالمهم وإن كان مترتباً على عصيان الأمر بالأهم ، إلاّ أنه لا يستلزم تقدم عصيان الأمر بالأهم على الأمر بالمهم زماناً ، لأن الموضوع متقدم على حكمه رتبة لا زماناً ، فعصيان الأمر بالأهم ونفس الأمر بالمهم وامتثاله يتحقق في زمان واحد معاً ، وإن كان بعضها متقدماً على بعض آخر رتبة.
وإن اعتمد في ذلك على مقام الإثبات ، ودلالة الأخبار بدعوى استفادة لزوم السبق من الروايات ، فهو مناف لإطلاقات الأخبار ، فإنّها دلت على اعتصام الكر مطلقاً سواء أكان متقدماً على الملاقاة أم مقارناً معها (2).
(1) قد حكم في المتن بطهارة ملاقي النجاسة في المسألة مطلقاً ، واحتاط بالاجتناب في صورة تعيّن الملاقي للنجاسة ، وحكم شيخنا الأُستاذ قدس سره في تعليقته بنجاسة ملاقي النجاسة إذا كان معيناً ، ووافق الماتن في الحكم بطهارة ملاقي النجاسة على تقدير عدم تعينه.
والوجه فيما أفاده في صورة عدم تعيّن ملاقي النجاسة من الحكم بالطهارة هو أن ملاقي النجاسة إن كان هو الكثير ، فلا يترتب على ملاقاتها أثر قطعاً ، وملاقاتها مع
القليل المتعيّن عند اللّه غير معلومة عندنا من الابتداء ، فهو أي القليل مشكوك الملاقاة معها ، فيحكم بطهارته تعبداً كما يحكم بطهارة الكثير وجداناً. وأمّا إذا لاقت النجاسة أحد الماءين معيناً ، فالوجه في حكم السيد قدس سره بطهارته هو ما اعتمد عليه في الحكم بطهارة الماء المردد بين الكر والقليل فيما إذا لاقى نجساً ولم يعلم حالته السابقة ، وقد اعتمد فيها على قاعدة الطهارة أو استصحابها لعدم صحة التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية ، وإن منع عن ترتيب آثار الكرية عليه من كفاية الغسل فيه مرة أو من دون عصر أو إلقائه على النجس.
وأمّا الوجه فيما حكم به شيخنا الأُستاذ من النجاسة في هذه الصورة فهو ما أسسه هو قدس سره من أن الاستثناء إذا تعلق على عنوان وجودي وكان المستثنى منه حكماً إلزامياً أو ملزوماً له فهو بمثابة اعتبار إحراز ذلك العنوان الوجودي في الخروج عن المستثنى منه عرفاً ، ففي المقام لا بدّ من إحراز الكرية في الحكم بعدم الانفعال ، لأن الاستثناء عن انفعال الماء بالملاقاة إنما تعلق بعنوان الكرية وهو عنوان وجودي ، وبما أنه غير محرز في مفروض المسألة فيحكم على الماء بالانفعال (1)وحكمهما ( قدس اللّه أسرارهما ) على مسلكهما في محلّه.
والصحيح أن يفصّل في المقام بالحكم بالنجاسة فيما إذا كان ملاقي النجاسة معيناً إلاّ مع سبق العلم بكريته ، والحكم بالطهارة فيما إذا لم يكن معيناً. وتفصيل ذلك : أن النجاسة إذا لاقت أحدهما المعين فلا يخلو إما أن يعلم كريته وكرية الماء الآخر غير الملاقي للنجاسة سابقاً ، وإما أن يعلم بقلتهما كذلك أي سابقاً ، وإما أن لا يعلم حالتهما السابقة وهذه صور ثلاث ، وهناك صور اخرى يظهر حكمها مما نبيّنه في حكم الصور المتقدمة إن شاء اللّه.
فان علمنا بكريتهما سابقاً فلا إشكال في استصحاب كرية الملاقي المعين للنجاسة ونتيجته الحكم بطهارته مع الملاقاة ، والعلم الإجمالي بعروض القلة على أحد الماءين لا يترتّب عليه سوى احتمال انقلاب المعين عن الكرية السابقة إلى القلة ، ومع الاحتمال
1) أجود التقريرات 1 : 464.
يجرى استصحاب كريته ، ولا يعارضه استصحاب الكرية في الماء الآخر ، لأنه غير جار في نفسه لعدم ترتب أثر شرعي عليه ، فإنّه لم يلاق نجساً حتى يجري فيه استصحاب الكرية. فهذا العلم الإجمالي لا يزيد على احتمال تبدل المعين وانقلابه من الكرية السابقة إلى القلة احتمالاً بدوياً.
ودعوى : أن الأصل عدم تحقق الملاقاة في زمان كرية الماء. مندفعة : بما أسلفناه في المسألة المتقدمة من أنه لا أساس للأصالة المذكورة بوجه ، ولا أثر لها في الموضوعات المركبة بعد إحراز أحد جزئيها وجداناً كالملاقاة في المقام والجزء الآخر بالأصل لارتفاع الشك بذلك.
وأمّا إذا علمنا بقلة الماءين سابقاً فينعكس الحال ، ونستصحب قلة الملاقي المعيّن وأثره الحكم بنجاسته ، لأنه قليل لاقى نجساً ولا يجري استصحاب القلة في الماء الآخر حتى يعارض استصحاب القلة في الملاقي المعين ، لأنه لم يلاق نجساً حتى يستصحب قلته كما عرفت.
وأمّا إذا جهلنا حالتهما السابقة فقد عرفت أن السيد حكم بطهارة الملاقي في مثله بقاعدة الطهارة أو استصحابها ، وإن منع عن ترتيب آثار الكرية عليه ، ولكن الماء محكوم بالنجاسة في هذه الصورة على ما سلكناه من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية ، لأن اتصاف الملاقي بالكرية أمر مسبوق بالعدم ، وبما أنّا نشك فيه فالأصل عدمه ، فهو ماء لم يتصف بالكرية فيتنجس بملاقاة النجاسة لا محالة هذا ، بل لا مانع من استصحاب عدم كريته على وجه النعت لما قدمناه من أن المياه بأجمعها مسبوقة بالقلة لا محالة ، فإن أصلها المطر وهو إنما ينزل قطرات ثم يتشكل منها الكر وغيره فاذا شككنا في بقائه على حاله جرى استصحاب قلته وهو استصحاب نعتي.
فتلخص أن احتياط الماتن على مسلكه غير لزومي ، وأمّا على مسلكنا فالاحتياط بالاجتناب هو الأظهر ، هذا كلّه فيما إذا كان ملاقي النجاسة معيناً.
وأمّا إذا لاقت النجاسة أحدهما غير المعين فكلا الماءين محكوم بالطهارة ، وذلك لأن ما لاقته النجاسة واقعاً إن كان هو الكر فلا أثر لتلك الملاقاة ، لأن الكر عاصم
[110] مسألة 12 : إذا كان ماءان أحدهما المعيّن نجس فوقعت نجاسة لم يعلم وقوعها في النجس أو الطاهر لم يحكم بنجاسة الطاهر (1).
وإن كان هو القليل فهي على تقدير تحققها وإن كانت مؤثرة في الانفعال إلاّ أنها مشكوكة من الابتداء والأصل عدمها. وليس هذا من موارد الشك في التقدم والتأخر في شيء ، بل الشك فيه في تحقق أحد الجزءين أعني الملاقاة بعد إحراز الجزء الآخر والأصل يقتضي عدمه فيحكم بطهارة كلا الماءين أحدهما وهو الكر بالوجدان والآخر أعني القليل غير المعين بالتعبد.
ولا يعارض هذا الاستصحاب باستصحاب عدم بلوغ الملاقي للنجس غير المعين عندنا حد الكر ، إذ لا أثر لهذا الاستصحاب في نفسه بعد العلم بطهارة الكر وجداناً وبطهارة القليل تعبداً ، ولا يثبت بذلك ملاقاة النجاسة للقليل الموجود في البين ليحكم بانفعاله.
وتزيد المسألة وضوحاً بملاحظة أن حالها حال ما إذا كان عندنا ماءان أحدهما المعين كر والآخر المعين قليل ، فإنّه إذا طفرت قطرة بول على أحدهما إجمالاً فلا كلام في الحكم بطهارة القليل حينئذٍ وعدم وقوع القطرة عليه ، لأن ملاقاة القطرة للكر لا أثر لها وملاقاتها للقليل مشكوكة من الابتداء ، والأصل عدم ملاقاتها للقليل ولا مجال في مثله لاستصحاب عدم بلوغ ما وقعت عليه القطرة كرّاً ، لأنه لا يثبت وقوع القطرة على القليل. هذا على أنّا لو سلمنا جريان الأصل في ذلك فلا محالة تقع المعارضة بينه وبين استصحاب عدم وقوع القطرة على القليل فيتساقطان ونرجع إلى قاعدة الطهارة في القليل ، فاذا كان هذا حال الماءين مع العلم بكرية أحدهما بعينه فليكن الماءان مع العلم بكرية أحدهما لا بعينه أيضاً كذلك ، فما أفاده السيد في هذه الصورة من الحكم بالطهارة هو الصحيح.
(1) ما أفاده في المتن من عدم نجاسة الطاهر منهما متين ، والوجه فيه : أن العلم
[111] مسألة 13 : إذا كان كر لم يعلم أنه مطلق أو مضاف فوقعت فيه نجاسة لم يحكم بنجاسته (1)(1) وإذا كان كرّان أحدهما مطلق والآخر مضاف وعلم وقوع النجاسة في أحدهما ، ولم يعلم على التعيين يحكم بطهارتهما (2).
الإجمالي إنما ينجز المعلوم فيما إذا جرت في أطرافه الأُصول في نفسها وتساقطت بالمعارضة ، وإلاّ فهو ليس علة تامة للتنجز بنفسه كما ذكرناه في الأُصول ، وليس الأمر كذلك في المقام لأن الأصل لا يجري في طرف النجس فيبقى استصحاب عدم ملاقاة الماء الطاهر للنجس بلا معارض ، ومعه لا يترتب على العلم الإجمالي بملاقاة أحدهما للنجس أثر.
(1) حكم الماتن قدس سره بطهارته من دون أن يرتب عليه آثار الماء المطلق وقد حكم في نظير المقام أعني الماء المشكوك كريته بالطهارة ولم يرتب عليه آثار الكرية ، وهو نظير ما ذكره شيخنا الأنصاري قدس سره في مبحث القطع من أن المائع إذا تردد بين البول والماء حكم بطهارته ، ولا يترتب عليه آثار الماء كجواز التوضي منه (2)، وهذا كلّه على مسلكه متين. وأمّا على مسلكنا من جريان الأصل في الأعدام الأزلية فلا محيص من الحكم بنجاسة المائع في المقام كما قلنا بها في نظائره ، لأن ما خرج عن الحكم بالانفعال بملاقاة النجاسة إنما هو عنوان الكر من الماء ، وعنوان الماء أمر حادث مسبوق بالعدم ، والأصل عدم تحققه في المائع الموجود ، فيحكم بانفعاله إلاّ أن يكون مسبوقاً بالإطلاق.
(2) هذه المسألة كالمسألة المتقدمة بعينها وهي ما إذا كان هناك ماءان أحدهما كر والآخر قليل واشتبه أحدهما بالآخر ولاقت أحدهما نجاسة. وما قدمناه في تلك المسألة من التفصيل يأتي فيها حرفاً بحرف ، فراجع.
[112] مسألة 14 : القليل النجس المتمّم كرّاً بطاهر أو نجس ، نجس على الأقوى (1).
القليل المتمم كرّاً
(1) قد اختلفوا في تطهير الماء النجس القليل على أقوال ثلاثة :
أحدها : ما ذهب إليه المشهور من أن تتميم القليل النجس كرّاً سواء كان بالماء الطاهر أو النجس لا يوجب طهارته ، بل ينحصر طريق تطهيره باتصاله بالكر أو الجاري أو ما الحق بهما وهو المطر.
وثانيها : ما ذهب إليه السيد (1)وابن حمزة قدس سرهما (2)من كفاية تتميمه كرّاً بالماء الطاهر ، وعدم كفاية التتميم بالماء النجس.
وثالثها : ما ذهب إليه ابن إدريس قدس سره من كفاية التتميم كرّاً مطلقاً كان بالماء الطاهر أو النجس (3). وهذه هي أقوال المسألة :
والذي ينبغي أن يتكلّم فيه في المقام إنما هو ما ذهب إليه المشهور ، وما اختاره صاحب السرائر قدس سره لأنّا إما أن نقول بعدم كفاية التتميم كرّاً مطلقاً كما التزم به المشهور ، وإما أن نقول بكفاية التتميم كذلك أي مطلقاً كما اختاره ابن إدريس. وأمّا التفصيل بين التتميم بالطاهر والتتميم بالنجس كما هو قول السيد وابن حمزة قدس سرهما فهو مما لا وجه له ، لأنّا على تقدير القول بكفاية التتميم كرّاً لا نفرق فيه بين الماء الطاهر والنجس ، ولا بين التتميم بالمطلق والمضاف إذا لم يوجب زوال الإطلاق عن الماء ، بل نتعدّى إلى كفاية التتميم بالأعيان النجسة أيضاً كالبول فيما إذا لم يوجب التغيّر في الماء ، فإن صفة الكرية على هذا القول هي العاصمة عن الانفعال وهي التي تقتضي الطهارة مطلقاً سواء حصلت بالماء أو بغيره ، وسواء حصلت بالطاهر أو
بالنجس ، بل ملازمة القول بكفاية التتميم بالأعيان النجسة ، ووضوح بطلان هذا الالتزام هي التي تدلنا على صحة ما ذهب إليه المشهور من عدم كفاية التتميم كرّاً مطلقاً كما تأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه.
وكيف كان فلا بدّ من النظر إلى أدلّة الأقوال ، فقد استدل المرتضى قدس سره على ما ذهب إليه من كفاية التتميم بالماء الطاهر بوجهين :
أحدهما : أن بلوغ الماء كرّاً يوجب استهلاك النجاسة الطارئة عليه وانعدامها بلا فرق في ذلك بين سبق الكرية على طرو النجاسة ولحوقها.
وهذا الوجه كما ترى مصادرة ظاهرة ، إذ أي تلازم عقلي بين كون الكرية السابقة على طرو النجاسة موجبة لاستهلاكها وارتفاعها ، وبين كون الكرية اللاّحقة كذلك لتجويز العقل أن لا تكون الكرية اللاّحقة رافعة للنجاسة وموجبة لاستهلاكها. على أن المسألة ليست بعقلية فالمتبع فيها ظواهر الأدلة الشرعية كما لا يخفى.
وثانيهما : أن العلماء أجمعوا على طهارة الكر الذي فيه شيء من الأعيان النجسة بالفعل مع احتمال أن تكون النجاسة طارئة عليه قبل كريته ، فلولا كفاية بلوغ الماء كرّاً مطلقاً في الحكم بطهارته لما أمكن الحكم بطهارة الماء المذكور.
وهذا منه قدس سره عجيب ، فإن طهارة الكر الذي وجد فيه نجاسة مسألة ذات شقوق وصور ، وقد حكمنا في بعضها بالطهارة وناقشنا في بعضها ، وإنما حكمنا بالطهارة في البعض لأجل استصحاب الطهارة أو قاعدتها ، وهو حكم ظاهري فكيف يمكن بذلك إثبات الطهارة الواقعية في المقام ، والقول بأن تتميم النجس كرّاً موجب لطهارة الماء واقعاً. فهذا الوجه كالوجه السابق مصادرة.
واستدل صاحب السرائر قدس سره (1)على مذهبه من كفاية التتميم كرّاً مطلقاً ولو بالماء النجس بما ورد عنهم علیهم السلام من قولهم « إذا بلغ الماء كرّاً لم يحمل خبثاً » (2)وذكر أن كلمة « خبثاً » نكرة واقعة في سياق النفي وهي تفيد العموم فتشمل
الخبث المتقدم والمتأخر ، ومعنى لم يحمل : أنه لا يتصف بالخبث ، فان العرض محمول على معروضه وصفة له والكر لا يتصف بالخبث مطلقاً كما هو معنى الاعتصام.
والوجه في عدم استدلال ابن إدريس وغيره من الأصحاب في المقام بما هو المعروف في الاستدلال به على اعتصام الكر من قولهم علیهم السلام « إذا بلغ الماء قدر كر أو قدر راويتين لا ينجسه شيء » (1)ظاهر ، وهو أن نجس من باب التفعيل وهو بمعنى الإحداث والإيجاد. نجّسه بمعنى أوجد النجاسة وأحدثها ولا ينجّسه أي لا يوجد النجاسة ولا يحدثها في الكرّ ، فتختص هذه الأخبار بالنجاسة الطارئة بعد كرية الماء ، ولا تشمل النجاسة السابقة على الكرية ، وهذا بخلاف الرواية المتقدمة لأنها تقتضي عدم اتصاف الكر بالخبث مطلقاً ، فان كان في الماء نجاسة سابقة فمعنى عدم اتصافه بها كرّاً أنه يلقي النجاسة عن نفسه ، كما أنها إذا كانت متأخرة معناه أن الكر يدفع النجاسة ولا يقبلها.
وربّما يتوهّم أن الرواية لا تشمل الرفع والدفع ، لأن معنى الدفع أن الكر طاهر في نفسه لا يقبل عروض النجاسة عليه ، كما أن معنى الرفع أن الكر نجس إلاّ أنه يرفع النجاسة عن نفسه ، وهذان المعنيان لا يتحققان في شيء واحد ولا يمكن إرادتهما في استعمال فأرد ، لأن إطلاق أن الكر لا يحمل الخبث وإرادة الرفع والدفع منه معاً يؤول إلى أن الماء الكر الواحد طاهر ونجس في زمان واحد وهو أمر مستحيل.
إلاّ أن المعنى الذي فسرنا به الرواية عند تقريب الاستدلال بها يدفع هذه المناقشة لأن « لا يحمل » بمعنى لا يتصف أعم من أن يكون في الماء نجاسة قبل كريته أو بعده. نعم ، إذا كانت عليه نجاسة قبل كريته فمعنى عدم اتصافه بالخبث : أنه يلقيه عن نفسه كما ان معناه بالإضافة إلى النجاسة الطارئة بعد كريته أنه يدفعها ولا يقبلها كما مرّ.
ويظهر صدق ما ادعيناه بالمراجعة إلى موارد الاستعمالات عرفاً ، فتراهم يقولون فرس جموح إذا ركب رأسه وأبى من الركوب عليه ، ولو ركبه أحد ألقاه مِن على
1) لاحظ الوسائل 1 : 158 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 1 ، 2 ، 5 ، 6 وكذا في ص 140 ب 3 ح 8.
ظهره ، فهو كما يصدق فيما إذا استعصى من الركوب عليه ابتداء كذلك يصدق فيما إذا استعصى وألقى الراكب مِن على ظهره بعد الركوب عليه.
وذكر المحقق الهمداني قدس سره أن الرواية إذا عرضناها على العرف يستفيدون منها أن الخبث لا يتجدد في الكر لا أنه يرفع الخبث السابق على كرّيّته (1). ولكنه أيضاً مما لا يمكن المساعدة عليه ، لما عرفت من أن « لم يحمل » بمعنى لا يتصف وهو أعم ، فالرواية بحسب الدلالة غير قابلة للمناقشة.
وإنما الاشكال كلّه في سندها لأنها مرسلة ، ولم توجد في شيء من جوامعنا المعتبرة ، ولا في الكتب الضعيفة على ما صرح به المحقق قدس سره في المعتبر (2)بل وكتب العامة أيضاً خالية منها. نعم ، مضمونها يوجد في رواياتهم كما رووا أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل خبثاً (3)إذ لا بدّ من حمل القلتين على الكر حتى لا تنافيها روايات الكر. ونظيرها من طرقنا ما ورد من أن « الماء إذا كان أكثر من راوية لا ينجسه شيء » (4)هذا على أنها لو كانت موجودة في جوامعنا أيضاً لم نكن نعتمد عليها لإرسالها.
نعم ، ذكروا في تأييد الرواية وتقويتها : أنها وإن كانت مرسلة إلاّ أن صاحب السرائر ادعى الإجماع على نقلها ، وأنها مما رواه الموافق والمخالف وهذه شهادة منه على صحّة الرواية سنداً.
ولا يخفى عليك أن هذه النسبة قد كذبها المحقق قدس سره بقوله : إن كتب الحديث خالية عنه أصلاً ، حتى أن المخالفين لم يعلموا بها إلاّ ما يحكى عن ابن حي
1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 23 السطر 24.
2) المعتبر 1 : 52 53.
3) قد قدّمنا نقلها [ في ص 84 ] عن المجلّد الأوّل من سنن البيهقي ص 260 : « إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث ( خبثاً ) ».
4) رواها زرارة عن أبي جعفر علیه السلام في حديث قال : « وقال أبو جعفر علیه السلام إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شيء ... » الحديث. وهي مروية في الوسائل 1 : 140 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 9.
وهو زيدي منقطع المذهب ، وما رأيت شيئاً أعجب من دعوى ابن إدريس إجماع المخالف والمؤالف على نقلها وصحتها. ولم يعمل على طبقها ولم ينقلها أحد من الموافق والمخالف. ومن هذا ظهر أنّا لو قلنا باعتبار الإجماعات المنقولة أيضاً لا نقول باعتبار هذا الإجماع الذي نقله ابن إدريس فضلاً عما إذا لم نقل باعتبارها كما لا نقول ، لأنها إخبارات حدسية. وعلى الجملة الرواية غير تامة من حيث السند.
ثم لو تنزلنا وبنينا على صحة سندها أيضاً لم يمكن الركون إليها ، لأنها معارضة بما دلّ على التجنب عن غسالة الحمام معللاً بأن فيها غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لأهل البيت وهو شرهم (1)فإن إطلاقها يشمل ما إذا بلغت الغسالة كرّاً بما يرد عليها من المياه المتنجسة ، كما لا يبعد ذلك في الحمامات القديمة والنسبة بينها وبين المرسلة عموم من وجه فيتعارضان في الغسالة المتممة كرّاً فيتساقطان.
وكذلك معارضة بما دلّ على انفعال الماء القليل بملاقاة النجس ، والنسبة بينها وبين المرسلة أيضاً عموم من وجه ، وتفصيل ذلك : أن لأدلة انفعال القليل إطلاقاً من جهتين.
إحداهما : أن القليل إذا تنجس تبقى نجاسته إلى الأبد ما لم يطرأ عليه مزيل شرعي ، بلا فرق في ذلك بين المتمم كرّاً وغيره من أفراد القليل ، لوضوح أن التتميم كرّاً لم يثبت كونه مزيلاً للنجاسة شرعاً.
وثانيتهما : أن القليل ينفعل بملاقاة النجس مطلقاً سواء بلغ كرّاً بتلك الملاقاة أم لم يبلغه. ورواية ابن إدريس على تقدير تمامية سندها ودلالتها ، معارضة بتلك الأدلّة المطلقة من جهتين ، إذ المرسلة كما عرفت تقتضي طهارة المتمم كرّاً لما قدمناه من
1) كما في موثقة ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه علیه السلام في حديث قال : « وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام ، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت وهو شرهم ، فان اللّه تبارك وتعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب وإن الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه » المروية في الوسائل 1 : 220 / أبواب الماء المضاف ب 11 ح 5.
تصوير الجامع بين رفع النجاسة ودفعها ، ولا معارضة بينها وبين أدلة الانفعال بالإضافة إلى دفع النجاسة اللاّحقة بوجه ، وأمّا بالنسبة إلى رفع النجاسة السابقة على الكرية فبينها وبين أدلّة انفعال القليل معارضة ، والنسبة بينهما عموم من وجه.
أمّا فيما إذا كان المتمم بالكسر نجساً فلأن أدلّة الانفعال تقتضي بإطلاقها من الجهة الاولى بقاء نجاسة القليل مطلقاً إلى أن ترتفع برافع شرعي سواء تمم كرّاً بالنجس أم كان باقياً على قلته ومقتضى المرسلة أن بلوغ الماء كرّاً يوجب الاعتصام والطهارة مطلقاً سواء أكانت الكرية سابقة على ملاقاة النجس أم كانت لاحقة عليها. فيتعارضان في القليل المتمم كرّاً.
وأمّا إذا كان المتمم بالكسر طاهراً فلأجل أن أدلّة الانفعال تقتضي بإطلاقها من الجهة الثانية نجاسة القليل بالملاقاة سواء بلغ كرّاً بتلك الملاقاة أيضاً أم لم يبلغه. كما أن المرسلة تقتضي طهارة الماء البالغ كرّاً واعتصامه سواء أكانت الكرية لاحقة على ملاقاة النجس أم سابقة عليها فيتعارضان في المتمم كرّاً بطاهر فيتساقطان ، فلا يمكن الاستناد إلى المرسلة في الحكم بطهارة المتمم كرّاً ، ولا إلى ما يعارضها في الحكم بنجاسته. نعم ، بناء على ذلك يحكم بطهارة المتمم كرّاً وذلك من جهة الرجوع إلى عمومات الفوق وهو ما دلّ على عدم انفعال الماء مطلقاً إلاّ بالتغيّر في أحد أوصافه الثلاثة كما دلّ على عدم جواز الشرب والوضوء من الماء إذا غلب عليه ريح الجيفة وتغيّر طعمه وعلى جوازهما فيما إذا غلب الماء على ريح الجيفة (1)وما نفى البأس عن ماء الحياض إذا غلب لون الماء لون البول (2).
وهذه العمومات تقتضي طهارة الماء مطلقاً ، وقد خرجنا عنها في القليل غير البالغ
1) كما في صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب ، فاذا تغيّر الماء وتغيّر الطعم فلا توضأ منه ولا تشرب » المروية في الوسائل 1 : 137 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 1.
2) كما في رواية العلاء بن الفضيل قال « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الحياض يبال فيها؟ قال : لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول » المروية في الوسائل 1 : 139 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 7.
كرّاً بملاقاة النجس ، لما دلّ على انفعال القليل بالملاقاة ، وأمّا غيره من الأفراد فيبقى تحت العمومات لا محالة ومنها الماء المتمم كرّاً بطاهر أو نجس ، إذ لا تشمله أدلة انفعال القليل ، لابتلائها بالمعارض وهو المرسلة المتقدمة ، وبعد تساقطهما لا وجه لرفع اليد عما تقتضيه العمومات المتقدمة وقد عرفت أنها تقتضي طهارة الماء المتمم كرّاً مطلقاً كان المتمم طاهراً أم كان نجساً ، هذا إذا تمت مرسلة السرائر سنداً ودلالة.
وأمّا إذا لم تتم دلالتها كما عليه بعضهم أو سندها كما قدمناه فوصلت النوبة إلى الأُصول العملية فهل يحكم بطهارة المتمم كرّاً مطلقاً أو فيما إذا تمم بطاهر أو بنجاسته كذلك؟.
يختلف هذا باختلاف المباني في المسألة فعلى مسلك المشهور من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية لا مانع من استصحاب نجاسة كلا الماءين إذا كان المتمم أيضاً نجساً ، ولا معارض للاستصحاب في شيء منهما ، ولعلّ هذا هو الوجه فيما أفاده الشيخ قدس سره من عدم الإشكال في نجاسة المتمم كرّاً فيما إذا تمم بنجس (1)، وأمّا إذا كان المتمم بالكسر طاهراً سواء امتزج بالمتمم بالفتح أم لم يمتزج فلا محالة يكون استصحاب النجاسة في المتمم بالفتح معارضاً لاستصحاب الطهارة في المتمم بالكسر أمّا في صورة امتزاجهما فالمعارضة ظاهرة لأنهما حينئذٍ ماء واحد وموضوع فأرد لدى العرف ، وأمّا في صورة عدم الامتزاج فللإجماع القطعي على أن الماء الواحد لا يكون محكوماً بحكمين واقعاً ولا ظاهراً فيسقط الاستصحابان ويرجع إلى قاعدة الطهارة.
وأمّا على مسلكنا من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية ، فلا يبقى لجريان استصحابي النجاسة والطهارة مجال في شيء من الصورتين ، بل يرجع إلى قاعدة الطهارة مطلقاً سواء تممناه بالماء الطاهر أو النجس ، وسواء حصل بينهما الامتزاج أم لم يحصل كما ذهب إليه ابن إدريس قدس سره (2).
ثم إنه ربما يستدل على طهارة المتمم كرّاً بالأخبار الواردة في اعتصام الكر بمضمون أن الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شيء (1). فان « لا ينجسه » على ما شرحناه سابقاً (2)وإن كان بمعنى عدم إحداث النجاسة في الكر ، فلا دلالة لها على أن الكرية ترفع النجاسة المتقدمة عليها ، إلاّ أنّا أشرنا سابقاً إلى أن الكرية موضوعة للحكم بالاعتصام مطلقاً تحقّقت مقارنة للملاقاة بحسب الزمان أم تقدّمت عليها كذلك وذكرنا أن الموضوع يعتبر أن يتقدم على حكمه رتبة وطبعاً ، ولا يعتبر فيه أن يتقدم على حكمه زماناً ، وعليه بنينا الحكم بالطهارة في الماء الذي طرأت عليه الكرية والملاقاة في زمان واحد معاً.
وكيف كان فمقتضى الأخبار المتقدمة اعتصام الكر مطلقاً وحيث أن الكرية حاصلة في المقام فلا بدّ من الحكم بطهارة المتمم بالكر لبلوغه حد الكر ولو بالملاقاة ، وكذا في المتمم بالفتح للإجماع القطعي على أن الماء الواحد لا يتصف بحكمين ولا سيما بعد الامتزاج وانتشار الأجزاء الصغار من كل واحد منهما في الآخر ، وهي غير قابلة للتجزي خارجاً وإن كانت قابلة له عقلاً ، فلا محيص من الحكم بطهارة كل جزء من الماء المتمم بالفتح الذي لاقاه جزء من الماء المحكوم بالطهارة لأنه ماء واحد.
هذا غاية تقريب الاستدلال بالأخبار المتقدمة ، ومع ذلك كلّه لا يمكن المساعدة عليه بوجه. وذلك لأن التقدم الرتبي وإن كان مصححاً لموضوعية الموضوع وتقدم الكرية أيضاً رتبي ، إلاّ أن هذا إنما يقتضي الطهارة في الماء إذا لم يستند حصول الكرية إلى نفس ملاقاة النجس كما في انبوبين في أحدهما ماء كر وفي الآخر بول ، وأوصلناهما إلى ماء قليل في زمان واحد معاً ، فاستندت كريته إلى أمر آخر غير ملاقاة النجس وهو الماء الموجود في أحد الأُنبوبين. وأمّا إذا استندت كريته إلى ملاقاة النجس فلا وجه للحكم بطهارته ، لأن المستفاد من روايات الباب أن يكون الماء بالغاً حد الكر مع قطع النظر عن ملاقاة النجس ، إذ لو حصلت الكرية بالملاقاة كما في المقام لصدق
فصل في ماء المطر ماء المطر حال تقاطره من السماء (1)
صدقاً حقيقياً أن النجس لاقى القليل ، لقلة الماء حين ملاقاة النجس ، وهو موضوع للحكم بالانفعال ، وهذا بخلاف ما إذا حصلت بأمر آخر غير الملاقاة كما في الأُنبوبين فإن الماء كر حينئذٍ مع قطع النظر عن الملاقاة ، لاتصاله بالكر حين ملاقاة النجس ، فلا يصدق أن النجس لاقى ماء قليلاً ، ولأجل صدق الملاقاة مع القليل يحكم بنجاسة المتمم كرّاً وإن ترتبت الكرية على ملاقاتهما ، فهو كر محكوم بالانفعال ، وظاهر الأخبار أن العاصم هو الكر غير المحكوم بالنجاسة.
فصل في ماء المطر
(1) قد ادعوا الإجماع على اعتصام ماء المطر حال تقاطره من السماء ، وعدم انفعاله بملاقاة شيء من النجاسات والمتنجسات ما لم يتغيّر في أحد أوصافه الثلاثة على تفصيل قدمناه سابقاً (1)، بل هو اتفاقي بين المسلمين كافة ولم يقع في ذلك خلاف إلاّ في بعض خصوصياته من اعتبار الجريان التقديري أو الفعلي مطلقاً أو من الميزاب إلى غير ذلك من الخصوصيات ، كما لا إشكال في أن المطر يطهّر المتنجسات القابلة للتطهير. وبالجملة حال ماء المطر حال الكر في الاعتصام والتطهير ، وأمّا الكلام في كيفية التطهير بالمطر وشرائطه من التعدد أو التعفير فيما يعتبر في تطهيره أحدهما أو عدمهما ، وكفاية مجرّد رؤية المطر لمثله فتفصيلها موكول إلى بحث كيفية تطهير المتنجسات (2)، وإنما نتعرض في المقام لبعضها على نحو الاختصار حسبما يتعرض له السيد قدس سره فالكلام في المقام في اعتصام ماء المطر ، ومطهريته للمتنجسات
القابلة للتطهير.
فنقول : قد ذهب المشهور إلى اعتصام ماء المطر ومطهريته ، واستدلوا عليه بمرسلة الكاهلي الدالّة على أن كل شيء يراه المطر فقد طهر (1).
ويدفعه : ما ذكرناه غير مرة من أن المراسيل غير قابلة للاعتماد عليها. ودعوى انجبارها بعمل الأصحاب ، ساقطة صغرى وكبرى. أمّا الأُولى : فلعدم إحراز اعتمادهم على المراسيل ، ولا سيما في المقام لوجود غيرها من الأخبار المعتبرة التي يمكن أن يعتمد عليها في المسألة. وأمّا الثانية فلأجل المناقشة التي ذكرناها في محلّها فراجع.
فالصحيح أن يستدل على ذلك بروايات ثلاث :
الأُولى : صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في ميزابين سالا أحدهما بول والآخر ماء المطر فاختلطا فأصاب ثوب رجل ، لم يضرّه ذلك » (2)فإنّها دلت على عدم انفعال المطر بإصابة البول. نعم ، لا بدّ من رفع اليد عن إطلاقها حيث تشمل صورة تساوي الماء والبول وهو يستلزم خروج ماء المطر عن الإطلاق بل وتغيّره بالبول فضلاً عما إذا كان الماء أقل من البول فإنّه يوجب استهلاك الماء في البول ، والوجه في ذلك هو ما دلّ على نجاسة المتغيّر بالنجس وما دلّ على نجاسة البول ، بل لا محيص من حمل الصحيحة على صورة كثرة الماء مع قطع النظر عن نجاسة المتغيّر بالبول وذلك لأجل القرينة الداخلية الموجودة في نفس الصحيحة. وبيانها أن فرض جريان ماء المطر من الميزاب إنما يصح مع فرض كثرة المطر إذ لا سيلان له مع القلّة ولا سيما في السطوح القديمة المبناة من اللبنة والطين ، فان المطر القليل يرسب في مثلهما ومعه لا يمكن أن يسيل ، كما أن سيلان البول من الميزاب يستند غالباً إلى بول رجل أو صبي على السطح ، لا إلى أبوال جماعة لأن السطح لم يعد للبول فيه ، فهذا الفرض في نفسه يقتضي غلبة المطر على البول لكثرته وقلّة البول وعليه فلا تشمل الصحيحة صورة تساوي الماء والبول أو صورة غلبة البول على الماء ، حتى يلزم التخصيص في أدلة نجاسة المتغير بالبول أو نجاسة البول.
كالجاري فلا ينجس ما لم يتغيّر وإن كان قليلاً (1) ،
الثانية : صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه علیه السلام « انّه سأل عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب؟ فقال : لا بأس به ما أصابه من الماء أكثر منه » (1). وقد دلّت هذه الصحيحة على عدم نجاسة المطر المتقاطر على داخل البيت مع العلم بملاقاته البول في ظهره وقد علّله علیه السلام بأن ما أصابه من الماء أكثر بمعنى أن الماء غالب على نجاسة السطح. والمراد بالسطح في الرواية هو الكنيف وهو الموضع المتخذ للبول فان قوله علیه السلام « يبال عليه » وصف للسطح ، أي المكان المعد للبول كما ربما يوجد في بعض البلاد. لا بمعنى السطح الذي يبول عليه شخص واحد بالفعل. فالمتحصل منها أن ماء المطر إذا غلب على الكنيف ، ولم يتغيّر بما فيه من البول وغيره كما في صورة عدم غلبته فهو محكوم بالطهارة والاعتصام.
الثالثة : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى علیه السلام قال : « سألته عن البيت يبال على ظهره ، ويغتسل من الجنابة ثم يصيبه المطر أيؤخذ من مائه فيتوضأ به للصلاة؟ فقال : إذا جرى فلا بأس به. قال وسألته عن الرجل يمر في ماء المطر وقد صُبّ فيه خمر فأصاب ثوبه هل يصلّي فيه قبل أن يغسله؟ فقال : لا يغسل ثوبه ولا رجله ويصلي فيه ولا بأس » (2)وقد دلت هذه الصحيحة أيضاً على عدم انفعال ماء المطر بملاقاة النجس كالخمر فيما إذا تقاطر عليه ، بل الأمر كذلك حتى في الماء المتصل بما يتقاطر عليه المطر كالماء المتصل بالجاري والكر ونحوهما ، وبهذه الصحاح الثلاث يحكم باعتصام ماء المطر وعدم انفعاله بالملاقاة.
(1) هذه العبارة كعبائر سائر الأعاظم 5 غير واقعة في محلها ، لأن كون ماء المطر كالجاري ليس مدلول آية ولا رواية ، وغاية ما هناك أنه ماء عاصم كالكر ونحوه ، وأمّا أنه كالجاري من جميع الجهات ، ولو في الأحكام الخاصة المترتبة على عنوان الجاري فلم يقم عليه دليل.
سواء جرى من الميزاب أو على وجه الأرض أم لا (1).
(1) نسب إلى الشيخ الطوسي قدس سره اعتبار الجريان من الميزاب في عدم انفعال ماء المطر (1)، كما نسب إلى ابن حمزة اعتبار الجريان الفعلي في اعتصامه فلا اعتصام في المطر غير الجاري مطلقاً أو غير الجاري من الميزاب (2).
ولا يمكن المساعدة على شيء منهما ، فإنّه إن أُريد بذلك اعتبار الجريان الفعلي من الميزاب وأن ما لا يجري من الميزاب بالفعل لا يحكم عليه بالاعتصام. ففيه : أنه أمر لا يحتمل اعتباره بل ولا يناسب أن يحتمله متفقة فضلاً عن الفقيه ، فان لازمه عدم اعتصام المطر في سطح لا ميزاب له ، أو له ميزاب إلاّ أنه مرتفع الأطراف ، وهو يسع مقداراً كثيراً من الماء فان المطر في مثله أيضاً لا يجري من الميزاب ولو مع كثرته وغزارته ، وكذا إذا نزل المطر على الأرض فإنّه على هذا محكوم بعدم الاعتصام لعدم جريانه من الميزاب وإن كان كثيراً. وهذه الأُمور كما ترى لا يمكن التزامها. وأمّا الروايتان المشتملتان على لفظة الميزاب فلا دلالة لهما على اعتبار الجريان الفعلي من الميزاب بوجه ، لأنه إنما ذكر فيهما في كلام الإمام علیه السلام تبعاً لذكرهما في كلام السائل لا لأجل مدخلية ذلك في الحكم بالاعتصام.
وكذا احتمال اعتبار الجريان الفعلي ولو من غير الميزاب فإنّه مما لا محصل له ، إذ لازمه عدم اعتصام المطر إذا وقع على أرض رملية فان المطر لا يجري في مثلها وإن دام يوماً وليلة بغزارة لعدم تماسك أجزائها ، ويختص اعتصامه بما إذا وقع على أرض صلبة يجري فيها المطر ، وهذا مما نقطع بفساده فكيف يمكن الالتزام باعتصام المطر في السطوح الصلبة وبعدمه فيما يتصل بها من السطوح الرخوة ، فهذان الاحتمالان باطلان.
نعم ، اعتبار الجريان الشأني والتقديري كما نسب إلى المحقق الأردبيلي قدس سره (3)أمر محتمل في نفسه بأن يكون المطر بمقدار لو نزل على سطح صلب جرى
عليه ، وإن لم يتصف بالجريان فعلاً لعدم تماسك أجزاء الأرض التي وقع عليها المطر فان هذا الاحتمال من الإمكان بمكان لا استبعاد فيه ، وإن كان إثباته يتوقف على اقامة الدليل عليه.
نعم ، إذا قلنا إن صدق عنوان المطر يتوقف على الجريان خارجاً فلا نحتاج في اعتبار الجريان في اعتصامه إلى دليل ، لأنه على الفرض مقوم لصدقه وعنوانه. وأمّا إذا منعنا هذا التوقف بصدق المطر ولو مع عدم الجريان كما إذا نزل بالرشح فلا محالة يتوقف اعتبار الجريان في اعتصام المطر على إقامة دليل ، ولا بدّ حينئذٍ من ملاحظة روايات الباب كصحيحة علي بن جعفر المتقدمة المشتملة على قوله علیه السلام « إذا جرى فلا بأس به ... ».
فيقع الكلام في دلالتها على اشتراط الجريان ولو بالقوة والشأن في اعتصام المطر وعدمها. والصحيح عدم دلالتها على ذلك : لأن معنى الجريان المذكور في الصحيحة أحد أمرين :
أحدهما : ما ذكره شيخنا الهمداني قدس سره من أن المراد بالجريان جريان الماء من السماء ، وعدم انقطاع المطر ، فالصحيحة تدل على أن اعتصام ماء المطر مختص بما إذا تقاطر من السماء (1). وما أفاده قدس سره لا يخلو عن بعد فان الجريان لا يطلق على نزول المطر من السماء.
وثانيهما : أن يكون بمعنى الجريان الفعلي ولكنه في خصوص موردها وهو الكنيف لا على وجه الإطلاق بيان ذلك : أن مورد السؤال في الصحيحة هو البيت الذي يبال على ظهره ، وظاهرها أن ظهره اتخذ مبالاً كما جرت عليهم عادتهم في القرون المتقدمة ومن البديهي أن مثله مما يرسب فيه البول وينفذ في أعماقه لكثرة البول عليه ، فاذا نزل عليه مقدار من الماء ولم يجر عليه يتأثر بآثار البول في السطح ويتغيّر بها لا محالة ولأجل هذا اعتبرت الكثرة وجريان ماء المطر عليه لئلاّ يقف فيتغيّر بآثار الأبوال فإنّه يوجب الانفعال ولا سيما أن السطح المتخذ مبالاً لا يخلو عادة من عين العذرة وغيرها من أعيان النجاسات. وبالجملة الماء الذي يرد على مثله يتغيّر بسببها إلاّ أن
1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 646 السطر 11.
يجري ولا يقف عليه. فهذه الصحيحة من جملة أدلّة القول المختار من أن التغيّر بالمتنجس الحامل لأوصاف النجس كالسطح في الرواية يوجب الانفعال ، ولم ترد الصحيحة لبيان كبرى كلية حتى يقال إن المورد لا يكون مخصصاً ، وإنما وردت في خصوص الكنيف فلا يستفاد منها اعتبار الجريان الفعلي في المطر بوجه.
بل المدار في الصحيحة على صدق عنوانه عرفاً. بأن لا يكون قطرة أو قطرتين ونحوهما ، فاذا صدق عليه عنوان المطر فمجرد إصابته يكفي في الحكم بطهارة المتنجس إن لم يكن حاملاً لعين النجاسة ، وأمّا مع وجود العين فيه فيشترط في اعتصام المطر ومطهريته لمثله أن يكون قاهراً على النجس لئلاّ يتغيّر به كما دلت عليه صحيحة هشام ، حيث ورد فيها « لأن الماء أكثر » وأمّا غير الصحيحة المتقدمة من الأخبار المشتملة على لفظة الجريان فدلالتها على اعتبار الجريان أضعف ، مضافاً إلى ما في سند بعضها من الضعف.
منها : ما رواه الحميري عن عبد اللّه بن الحسن عن جده علي بن جعفر « ... وسألته عن الكنيف يكون فوق البيت ، فيصيبه المطر فيكف فيصيب الثياب أيصلى فيها قبل أن تغسل؟ قال : إذا جرى من ماء المطر فلا بأس » (1)وهي كما أشرنا إليه ضعيفة سنداً ودلالة. أمّا سنداً فلأجل عدم توثيق عبد اللّه بن الحسن في الرجال. وأمّا دلالة فلأن السائل قد فرض أن في الكنيف مائعاً يجري عليه ، فأجابه علیه السلام بأن ما فرض جريانه إن كان من ماء المطر فهو محكوم بالطهارة وإن كان من البول فلا ، فالجريان مفروض في مورد السؤال والحكم بالطهارة معلق على كونه من ماء المطر لا من غيره ، فلا دلالة في الرواية على اعتبار الجريان في الحكم باعتصام المطر.
ومنها : صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى علیه السلام قال : « سألته عن المطر يجري في المكان فيه العذرة فيصيب الثوب أيصلّى فيه قبل أن يغسل؟ قال : إذا جرى به المطر فلا بأس » (2)والوجه في ضعف دلالتها أن الراوي فرض وجود العذرة في المكان ، ومن الظاهر أن الماء الذي يرد على العذرة يتغيّر بها في أقل
بل وإن كان قطرات بشرط صدق المطر عليه. وإذا اجتمع في مكان وغسل فيه النجس طهر وإن كان قليلاً لكن ما دام يتقاطر عليه من السماء (1).
زمان فينفعل بملاقاتها. اللّهم إلاّ أن يجري ولا يقف عليها ولا سيما إذا كانت العذرة رطبة ، فإن تأثيرها في تغيّر الماء الوارد عليها أسرع من يابسها ، فمفاد الرواية على هذا أن ماء المطر ينفعل إذا تغيّر بالعذرة ، وإذا لم يتغيّر بها كما إذا جرى عليها فهو ماء معتصم ، فلا دلالة في شيء من الأخبار على اعتبار الجريان في المطر ، بل الميزان في الاعتصام هو صدق عنوان المطر عرفاً.
(1) لا ينبغي الإشكال في صدق عنوان المطر على الماء المتقاطر من السماء إذا لم يكن قطرات يسيرة كما مر ، وذكرنا أنه معتصم بلا خلاف ، ولا إشكال أيضاً في أن الماء الموجود في الأرض أو السطح المجتمع من المطر كالمطر في الاعتصام ما دام يتقاطر عليه من السماء ، ويدلُّ عليه صحيحة هشام المتقدمة الواردة في عدم انفعال الماء السائل من الميزاب حال تقاطر المطر عليه فان السائل ليس إلاّ المجتمع في السطح من المطر ، وكذا صحيحة علي بن جعفر لدلالتها على جواز الوضوء ممّا يجتمع من المطر في الكنيف. هذا كلّه فيما إذا تقاطر المطر على الماء المجتمع من السماء.
وأمّا إذا انقطع عنه المطر ولم يتقاطر عليه فهل يحكم باعتصامه أيضاً بدعوى أنه ماء مطر ، أو أن حكمه حكم الماء الراكد ، فلا ينفعل إذا كان بمقدار كر وينفعل على تقدير قلته؟
الثاني هو الصحيح لأن إضافة الماء إلى المطر بيانية لا نشوية ، ومعناه الماء الذي هو المطر لا الماء الذي كان مطراً في زمان ، وقد عرفت أن المطر اسم للماء النازل من السماء دون الماء المستقر في الأرض ، وإنما ألحقناه بالمطر حال تقاطره بالروايات. وعليه فلا دليل على اعتصامه فيما إذا انقطع عنه تقاطر المطر ، فان مجرّد كون الماء ماء مطر في
[113] مسألة 1 : الثوب أو الفراش النجس إذا تقاطر عليه المطر ونفذ في جميعه طهر (1)
زمان لو كان كافياً في الاعتصام للزم الحكم باعتصام جميع المياه الموجودة في العالم لأن أصلها المطر على ما نطقت به جملة من الآيات وبعض الروايات وحقّقه الاستكشاف الجديد ، فهل يرضى فقيه أن يفتي باعتصام ماء الحب مثلاً بدعوى أنه كان ماء مطر في زمان. وما ذكرناه هو الوجه فيما أفتى به في المتن من طهارة الماء المجتمع في الأرض ما دام يتقاطر عليه من السماء دون ما إذا انقطع عنه التقاطر ، هذا كلّه في اعتصام ماء المطر.
(1) وتوضيح الكلام في المقام أن المتنجس تارة غير الماء من الأجسام كالثوب والفرش ونحوهما ، وأُخرى هو الماء. أمّا الأجسام المتنجسة فيمكن الاستدلال على زوال نجاستها بماء المطر بصحيحة هشام بن سالم الواردة في سطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فتصيب الثوب قال علیه السلام لا بأس به ما أصابه من الماء أكثر منه (1)فان الوكوف هو التقاطر من سقف أو إناء ونحوهما ، ووكوف السطح على الغالب إنما يكون بعد نزول المطر ورسوبه فيه ، ومن هنا يكف مع انقطاع المطر عنه وليس هذا إلاّ من جهة رسوب المطر فيه. ووكوفه بعد الانقطاع لو لم يكن أغلب فعلى الأقل ليس من الفرد النادر ولعلّه ظاهر ، والصحيحة دلت بإطلاقها على عدم البأس بالقطرات النازلة من السطح المتنجس بالبول سواء كانت بعد انقطاع المطر أم قبله. وهذا يدلنا على طهارة السطح بإصابة المطر ، فإنّه لو كان باقياً على نجاسته كان الماء الراسب فيه متنجساً بعد انقطاع المطر عنه. لأنه ماء قليل لاقى سطحاً متنجساً. وحيث حكم علیه السلام بطهارته بعد الانقطاع فيستفاد منه طهارة السطح بوقوع
1) الوسائل 1 : 144 / أبواب الماء المطلق ب 6 ح 1.
ولا يحتاج إلى العصر أو التعدّد وإذا وصل إلى بعضه دون بعض طهر ما وصل إليه. هذا إذا لم يكن فيه عين النجاسة ، وإلاّ فلا يطهر إلاّ إذا تقاطر عليه بعد زوال عينها (1).
المطر عليه.
وعلى الجملة أن القطرات النازلة من السطح لا يطلق عليها المطر حقيقة لأنه عبارة عن الماء النازل من السماء بالفعل ، وأمّا بعد الانقطاع فلا يقال إنه ماء مطر كذلك ، بل ماء كان مطراً في زمان ، كما أن ماء البئر إنما يسمى بماء البئر ما دام موجوداً فيها ، وأمّا إذا خرج منها فلا يقال إنه ماء بئر بالفعل ، بل يقال إنه كان ماء بئر في زمان. ومع هذا كلّه حكم علیه السلام بطهارتها ، وهو لا يستقيم إلاّ بطهارة السطح بإصابة المطر ، فهذه الصحيحة تدل على أن المطر يطهّر الأجسام المتنجسة باصابتها. هذا فيما إذا لم نعتمد على المراسيل كما هو الصحيح وإلاّ كفتنا مرسلة الكاهلي الدالّة على أن كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر (1)هذا تمام الكلام في تطهير الأجسام المتنجسة بالمطر وأمّا الماء المتنجس فيأتي الكلام على تطهيره بالمطر في المسألة الآتية عند تعرض الماتن إن شاء اللّه.
(1) إذا كان المتنجس مما يعتبر في غسله العصر كالثياب أو التعدّد كما في أواني الخمر حيث ورد الأمر بغسلها ثلاث مرات ، فهل يعتبر ذلك في غسله بالمطر أيضاً؟
فإن قلنا بصحّة المراسيل واعتبارها ولو بدعوى انجبارها بعمل الأصحاب فلا نعتبر في الغسل بالمطر شيئاً من العصر والتعدّد ، وذلك لأن النسبة بين مرسلة الكاهلي وما دلّ على اعتبار التعدّد أو العصر عموم من وجه ، إذ المرسلة بعمومها دلت على أن كل شيء رآه المطر فقد طهر سواء أكان ذلك الشيء مما يعتبر فيه العصر أو التعدّد أم لم يكن ، كما أن مقتضى إطلاق ما دلّ على اعتبار العصر أو التعدّد عدم الفرق في ذلك بين
1) الوسائل 1 : 146 / أبواب الماء المطلق ب 6 ح 5.
أن يصيبه المطر وأن يغسل بماء آخر فيتعارضان في مثل غسل آنية الخمر بالمطر والترجيح مع المرسلة لما قررناه في محله من أن العموم مقدم على الإطلاق في المتعارضين (1)فإن دلالة المرسلة بالوضع والعموم لمكان لفظة كل ، فلا يعتبر في إصابة المطر شيء من التعدّد والعصر بل نكتفي في تطهيره بمجرد رؤية المطر.
وأمّا إذا لم نعتمد على المراسيل فربما يستدل على عدم اعتبار العصر في التطهير بالمطر بأن الدليل على اعتبار العصر في الغسل انّما هو أدلة انفعال القليل ، فان الماء الداخل في جوف المتنجس قليل لاقى متنجساً فيتنجس لا محالة ، ومع بقائه في جوف المتنجس المغسول به لا يمكن تطهيره بوجه ، فلا بدّ من إخراجه عنه بالعصر ومن هنا قلنا بنجاسة الغسالة. وهذا الوجه كما ترى يختص بالماء القليل الذي رسب في المتنجس المغسول به. وأمّا إذا كان عاصماً كالمطر فلا ينفعل بملاقاة المتنجس ليجب إخراجه عنه بالعصر في تطهير المتنجسات ، بل الماء يطهّرها بالملاقاة ، فدليل اعتبار العصر في الغسل قاصر الشمول للغسل بالمطر.
ولا يخفى أن مدرك اعتبار العصر ليس هو ما ذكره المستدل ليختص بالماء القليل. بل الوجه في اعتباره كما يأتي في محلّه (2)أن الغسل لا يصدق بدون العصر ، ومجرّد إدخال المتنجس في الماء وإخراجه عنه أعني ترطيبه لا يسمّى غسلاً في لغة العرب ولا في غيرها من اللغات حتى يعصر أو يدلك ونحوهما ، فالغسل المعتبر لا يتحقق بغير العصر ، ولا يفرق في ذلك بين الغسل في الكر والجاري والمطر وبين الغسل بالقليل. فالصحيح في وجه عدم اعتبار العصر والتعدد في الغسل بالمطر أن يتمسك بصحيحة هشام بن سالم الدالّة على كفاية مجرد اصابة المطر للمتنجس في تطهيره معللاً بأن الماء أكثر. حيث دلت على طهارة السطح الذي يبال عليه إذا رسب فيه المطر ، فيستفاد منها أن للمطر خصوصية من بين سائر المياه تقتضي كفاية اصابته وقاهريته في تطهيره المتنجسات ، بلا حاجة فيه إلى تعدد أو عصر.
[114] مسألة 2 : الإناء المتروس بماء نجس كالحب والشربة ونحوهما إذا تقاطر عليه طهر ماؤه وإناؤه بالمقدار الذي فيه ماء وكذا ظهره وأطرافه إن وصل إليه المطر حال التقاطر (1).
(1) قد عرفت أن المطر يطهّر الأجسام المتنجسة باصابته إياها ، وأمّا الماء المتنجس فهل يطهّره المطر إذا نزل عليه؟.
فربّما يقال بعدم مطهّريته للماء نظراً إلى عدم ورود تطهير الماء بالمطر في شيء من الأخبار ، ودعوى : أن المطر إذا أصاب السطح الفوقاني من الماء يصدق أنه شيء رآه المطر وكل شيء رآه المطر فقد طهر كما في المرسلة ، مندفعة : بأن لازم ذلك أن يقال بطهارة المضاف أيضاً إذا أصابه المطر ، كما نسب إلى العلاّمة قدس سره في بعض كتبه ، ولا يلتزمون بطهارة المضاف بذلك ، لأن المطر إنما يصيب السطح الفوقاني من المضاف دون غيره من السطوح والأجزاء الداخلية منه ، فلا يصدق أن المطر رأى المضاف بتمامه وهذا بعينه يجري في الماء المتنجس أيضاً.
والتحقيق أن الماء المتنجس كسائر الأجسام المتنجسة يطهر بإصابة المطر. ويمكن أن يستدل عليه بصحيحة هشام بن الحكم الواردة في ميزابين سالا في أحدهما بول وفي الآخر ماء المطر (1)، وتقريب الاستدلال بها أن البول الملاقي للمطر أو غيره من المياه لا يستهلك فيه دفعة بأن يعدمه الماء بمجرد اختلاطهما ، وإنما يستهلكه بعد مرحلتين ، وتوضيحه : أن الماء إذا وصل إلى البول وزاد حتى صار بقدره على نحو تساويا في المقدار فهو يخرجه عن البولية ، كما أن الماء يخرج بذلك عن الإطلاق ويصيران مائعاً مركباً من البول والماء ، فلا يصدق عليه أنه ماء ، كما لا يقال إنه بول وهذه مرحلة. ثم إذا زاد الماء عن البول فتزول عنه الإضافة وبه يصير ماء متغيراً
1) تقدّمت في ص 211.
ولا يعتبر فيه الامتزاج بل ولا وصوله إلى تمام سطحه الظاهر ، وإن كان الأحوط ذلك (1).
متنجساً بالبول. وهذه مرحلة ثانية فهو ماء نجس لا ترتفع نجاسته إلاّ بزوال تغيّره وبالاتصال بماء عاصم ، فاذا نزل عليه المطر بعد ذلك ، وبه زاد الماء عن سابقه فهو يوجب استهلاك البول في الماء ، فالاستهلاك في مرتبة متأخرة عن الاختلاط بمرحلتين ، وقد ذكرنا أن الماء يتنجس بالبول في المرحلة الثانية ، والإمام حكم بطهارته لنزول المطر عليه ، فالصحيحة تدل على أن الماء المتنجس يطهر بنزول المطر عليه.
ومعها لا حاجة إلى التمسك بالمرسلة أو الإجماعات المنقولة ، هذا فيما إذا لم نقل باعتبار المراسيل كما أسلفناه ، وأمّا إذا اعتمدنا عليها فالأمر سهل لدلالة مرسلة الكاهلي على طهارة كل شيء رآه المطر سواء أكان ماء أم كان موجوداً آخر.
(1) الوجه في ذلك أمران :
أحدهما : عموم التعليل الوارد في صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع حيث علل الحكم بطهارة ماء البئر بعد زوال تغيره بقوله « لأن له مادّة » أي متصل بها ، والمراد بالمادّة على ما يقتضيه الفهم العرفي مطلق العاصم ، فلا خصوصية للمادّة في الحكم بطهارة الماء المتصل بها ، وبما أن المطر من أحد أفراد العاصم كفى اتصاله بالماء في الحكم بطهارته من غير حاجة فيه إلى الامتزاج كما هو الحال في البئر.
وثانيهما : إطلاق صحيحة هشام المتقدمة ، فإن إطلاقها يشمل المطر المختلط بالبول بعد زوال تغيره ، سواء امتزج معه أيضاً أم لم يمتزج لعدم تقييدها الطهارة بالامتزاج (1).
1) وقد قدمنا أن الماء المختلط بمائع آخر إذا كان بقدره يخرج في المرحلة الأُولى عن الإطلاق
[115] مسألة 3 : الأرض النجسة تطهر بوصول المطر إليها بشرط أن يكون من السماء ولو بإعانة الريح وأمّا لو وصل إليها بعد الوقوع على محل آخر كما إذا ترشح بعد الوقوع على مكان فوصل مكاناً آخر لا يطهر. نعم ، لو جرى على وجه الأرض فوصل إلى مكان مسقّف بالجريان إليه طهر (1).
(1) تعرّض قدس سره لعدّة فروع في هذه المسألة وتفصيلها :
أن المطر ربما : ينزل من السماء على وجه مستقيم ويصيب المتنجس بلا وساطة شيء ، وهو مطهّر للمتنجس بلا إشكال.
وأُخرى : ينزل على وجه غير مستقيم كالمنحني ويصيب المتنجس أيضاً بلا واسطة شيء كما إذا أطارته الريح وأدخلته مكاناً مسقفاً ، فأصاب الأرض المتنجسة أو غيرها بلا توسط شيء في البين وهذا أيضاً لا كلام في أنه مطهّر لما أصابه من المكان المسقف وغيره.
وثالثة : ينزل على وجه مستقيم أو غير مستقيم ويصيب المتنجس أيضاً ولكنه مع الواسطة وهذا على قسمين :
لأن المطر إذا وقع على شيء ثم بواسطته وصل إلى محل آخر فتارة ينفصل عما أصابه أولاً ويصل إلى المحل الثاني وهو متصل بالمطر ، وهذا كالمطر الجاري من الميزاب لأنه أصاب السطح أولاً وانفصل عنه بجريانه ، مع اتصاله بالمطر لتقاطره من السماء وعدم انقطاعه ، وهذا أيضاً لا كلام في أنه مطهّر لما أصابه لأجل اتصاله بالمطر وهو مورد صحيحة هشام المتقدمة.
[116] مسألة 4 : الحوض النجس تحت السماء يطهر بالمطر وكذا إذا كان تحت السقف وكان هناك ثقبة ينزل منها على الحوض ، بل وكذا لو أطارته الريح حال تقاطره فوقع في الحوض ، وكذا إذا جرى من ميزاب فوقع فيه (1).
وأُخرى يصل إلى الموضع الثاني من غير أن يكون متصلاً بالمطر لانقطاعه كما إذا وقع المطر على سطح ثم طفرت منه قطرة وأصابت محلا آخر فهل هذا أيضاً يوجب طهارة ما أصابه ثانياً؟
الصحيح أنه لا يقتضي الطهارة بوجه ، لأن القطرة بعد انفصالها ليست بماء مطر بالفعل. نعم ، كان مطراً سابقاً ولا دلالة في شيء من الصحاح الثلاث المتقدمة على اعتصام الماء الذي كان مطراً في زمان ، كما لا دلالة لها على مطهّريته ، وما ذكرناه بحسب الكبرى مما لا إشكال فيه ، وإنما الكلام في بعض صغرياتها ، وهو ما إذا وقع المطر على شيء ، وتقاطر منه على موضع آخر حين نزول المطر من السماء ، كما إذا وقع المطر على أوراق الأشجار أوّلاً ثم تقاطر منها على أرض أو متنجس آخر حين تقاطر المطر ، فهل هذا يوجب طهارة مثل الأرض ونحوها مما وصل إليه المطر بعد مروره على شيء آخر؟
الصحيح أنه أيضاً يقتضي الطهارة وذلك لأجل صدق المطر على القطرات الواقعة على الأرض حقيقة وبلا عناية ولا مسامحة بعد مرورها على الأوراق في حال تقاطر المطر ، إذ يصح أن يقال إن المطر أصاب من كان قاعداً تحت الشجرة وأوراقها حقيقة من غير مسامحة أصلاً. ومن هنا ذكر سيدنا الأُستاذ ( مدّ ظلّه ) في تعليقته المباركة على المسألة الخامسة أن عدم الحكم بالطهارة في مفروض المسألة مبني على الاحتياط.
(1) قد أسلفنا أن المطر كما يطهّر الأجسام كذلك يطهّر المياه ، وإنما الكلام في تعيين المقدار الذي يكفي منه في تطهيرها ، فهل تكفي القطرة الواحدة من المطر في تطهير مثل
الحياض ، أو لا بدّ في تطهيرها من نزول المطر بمقدار يمتزج به جميع أجزاء الماء المتنجس ، أو أن هناك قولاً وسطاً؟.
قد يقال : بكفاية القطرة الواحدة من المطر في تطهير المياه المتنجسة مستنداً إلى إطلاق المرسلة المتقدمة الدالّة على طهارة كل شيء رآه المطر ، وقد فرضنا أن المطر رأى الحوض المتنجس فيطهر ، لأن الكلام إنما هو في كفاية القطرة الواحدة فيما إذا صدق المطر على ما هو النازل من السماء حقيقة ، كما إذا نزل من السماء بمقدار يطلق عليه المطر عرفاً ووقعت قطرة منه على الحوض بنفسه أو بإطارة الريح.
ويدفعه : أن المرسلة مضافاً إلى ضعف سندها قاصرة الدلالة على المدعى ، لأن المطر في مفروض الكلام إنما رأى الحوض بمقدار قطرة ولم يرَ جميعه ، فان حال المياه من تلك الجهة حال بقية الأجسام فإذا وقعت قطرة منه على جسم كالخشب فهل يصدق أن المطر رأى الخشب بتمامه ، أو يقال إن المطر رآه بمقدار قطرة ، ومن هنا لا تجد من نفسك الحكم بطهارة الخشب بذلك كما لم يلتزم به الأصحاب لعدم إصابة المطر بتمام الخشب.
فالقول بكفاية القطرة الواحدة في تطهير المياه في جانب الإفراط ، كما أن القول باعتبار الامتزاج في جانب التفريط ، وقد أسلفنا دلالة صحيحتي هشام ومحمد بن إسماعيل بن بزيع على عدم اعتبار الامتزاج ، فأوسط الأقوال أن يقال إن ماء المطر إذا أصاب السطح الظاهر من الحوض بتمامه أو بمعظمه على وجه يصح عرفاً أن يقال : ماء المطر موجود على سطح الحوض كفى هذا في الحكم بطهارة الجميع ، لأن السطح الفوقاني من الماء قد طهر بما فيه من المطر ، وإذا طهر السطح الفوقاني منه طهرت الطبقات المتأخرة أيضاً لأن لها مادّة ، وقد عرفت أن المراد بالمادّة مطلق الماء العاصم ومنه ماء المطر. نعم ، مجرد وقوع قطرة أو قطرات على الحوض لا يكفي في طهارة الجميع ، لاستهلاكها في ماء الحوض عرفاً ، ومن هنا اشترطنا نزول المطر بمقدار لا يستهلك في الماء المتنجس ليصح أن يقال لدى العرف ماء المطر موجود على السطح الظاهر من الحوض.
[117] مسألة 5 : إذا تقاطر من السقف لا يكون مطهراً بل وكذا إذا وقع (1)على ورق الشجر ثم وقع على الأرض. نعم ، لو لاقى في الهواء شيئاً كورق الشجر أو نحوه حال نزوله لا يضر ، إذا لم يقع عليه ثم منه على الأرض فبمجرّد المرور على الشيء لا يضر (1).
[118] مسألة 6 : إذا تقاطر على عين النجس ، فترشح منها على شيء آخر لم ينجس (2) إذا لم يكن معه عين النجاسة ولم يكن متغيراً.
[119] مسألة 7 : إذا كان السطح نجساً فوقع عليه المطر ونفذ وتقاطر من السقف لا تكون تلك القطرات نجسة (3) وإن كان عين النجاسة موجودة على السطح ووقع عليها ، لكن بشرط أن يكون ذلك حال تقاطره من السماء ، وأمّا إذا انقطع ثم تقاطر من السقف مع فرض مروره على عين النجس فيكون نجساً ، وكذا الحال إذا جرى من الميزاب بعد وقوعه على السطح النجس (1).
(1) يظهر حكم هذه المسألة مما بيّناه في المسألة الثالثة فلا نعيد.
(2) لعدم انفعال ماء المطر بملاقاة العين النجسة واعتصامه ما دام لم يطرأ عليه التغيّر.
(3) لاعتصام ماء المطر كما مر.
(4) إذا انقطع المطر ولم ينقطع الوكوف كما هو الغالب ، لرسوب المطر في السطح فهل يحكم بنجاسة قطرات الوكوف؟.
الظاهر أنها غير محكومة بالنجاسة ، لأن القطرات وإن كانت متصلة بالسقف وهو رطب متصل بالعذرة أو بغيرها من النجاسات الكائنة في السطح ، إلاّ أنه لا دليل على تنجس تمام الجسم الرطب كالسطح في المقام بملاقاة أحد أطرافه نجساً في غير
1) (*) على الأحوط.
[120] مسألة 8 : إذا تقاطر من السقف النجس يكون طاهراً إذا كان التقاطر حال نزوله من السماء سواء كان السطح أيضاً نجساً أم طاهراً (1).
[121] مسألة 9 : التراب النجس يطهر بنزول المطر عليه إذا وصل إلى أعماقه حتى صار طيناً.
[122] مسألة 10 : الحصير النجس يطهر بالمطر وكذا الفراش المفروش على الأرض ، وإذا كانت الأرض التي تحتها أيضاً نجسة تطهر إذا وصل إليها. نعم ، إذا كان الحصير منفصلاً عن الأرض يشكل طهارتها بنزول المطر عليه إذا تقاطر منه عليها ، نظير ما مرّ (1)من الاشكال فيما وقع على ورق الشجر وتقاطر منه على الأرض.
[123] مسألة 11 : الإناء النجس يطهر إذا أصاب المطر جميع مواضع النجس منه نعم ، إذا كان نجساً بولوغ الكلب يشكل طهارته بدون التعفير لكن بعده إذا نزل عليه يطهر من غير حاجة إلى التعدّد.
المائعات من المضاف والأدهان ونحوهما ، فان ملاقاة النجاسة لجزء من أجزائها تقتضي نجاسة الجميع بالتعبد ، وأمّا في غيرها فلم يقم على ذلك دليل ، فاذا لاقى أحد أطراف الثوب نجساً وهو رطب لا موجب للحكم بنجاسة تمام الثوب ، وكذلك في غيره من الأجسام وإلاّ لزم الحكم بنجاسة جميع شوارع البلد فيما إذا رطبت بنزول المطر ونحوه وتنجس بعضها بعذرة أو بمشي كلب أو بغيرهما ، لاتصال الشوارع والأراضي وهي رطبة وهذا كما ترى لا يلتزم به أحد. نعم ، إذا مرّت القطرة على العذرة بعد انقطاع المطر ثم وكفت يحكم بنجاستها ، لملاقاتها مع النجس.
(1) إذا كان السطح والسقف أو السقف خاصة نجساً فنزل المطر على السطح حتى رسب فيه ثم أخذ بالتقاطر على داخل البيت. فان كان ذلك حال تقاطر المطر من السماء فهي محكومة بالطهارة كما استفدناها من صحيحة هشام المتقدِّمة لأن القطرات
1) (*) الظاهر أن حكمه حكم الورق وسبق منه قدس سره الجزم بالعدم بدون إشكال.
ماء الحمّام بمنزلة الجاري بشرط اتصاله بالخزانة (1).
ماء واحد وهو معتصم. وأمّا إذا رسب المطر في السطح لا إلى تمامه بل إلى نصف قطره ، وانقطع بعد ذلك ثم رسب في النصف الآخر ثم وكف فهو محكوم بالنجاسة لا محالة ، لأن القطرة الملاقية للسقف بعد انقطاع المطر عنها ماء قليل فيحكم عليها بالانفعال ، إما لنجاسة السقف أو لنجاسته ونجاسة السطح معاً. وبما تلوناه في المقام يظهر الحال في باقي الفروع المذكورة في المتن فليلاحظ.
فصل في ماء الحمّام
(1) قد وقع الخلاف في اعتصام ماء الحمام مطلقاً أو بشرط بلوغ مادته كراً أو غير ذلك على أقوال أربعة :
الأوّل : ما ذهب إليه المشهور من اشتراط اعتصام ماء الحمام ببلوغ مادته كراً في نفسها.
الثاني : عدم اشتراطه بشيء وأنه ماء معتصم بلغت مادته كراً أم لم تبلغه ، وهذان القولان متقابلان بالسلب والإيجاب الكليين.
الثالث : التفصيل بين ما إذا بلغ مجموع مادته وما في الحياض الصغار كرّاً فيعتصم وما إذا لم يبلغه مجموعهما فيبقى على عدم الاعتصام.
الرابع : التفصيل بين الدفع والرفع ، وأن ماء الحياض إذا كان طاهراً في نفسه ، وبلغ المجموع منه ومن مادته كراً فيحكم عليه بالاعتصام ، ولا ينفعل بما ترد عليه من النجاسات فلا يعتبر بلوغ المادّة كراً في نفسها بالإضافة إلى الدفع. وأمّا إذا كان ماء
الحياض نجساً فيشترط في ارتفاع نجاسته باتصال المادّة إليه أن تكون المادّة بنفسها كراً ، فلا ترتفع بها نجاسة ماء الحياض فيما إذا لم تبلغ الكر بنفسها وإن بلغ مجموعهما كراً. هذه هي أقوال المسألة.
ومنشأ اختلافها هو اختلاف الأنظار فيما يستفاد من روايات الباب ، وأن مثل قوله علیه السلام ماء الحمام بمنزلة الجاري كما في صحيحة داود بن سرحان (1)ناظر إلى تنزيل ماء الحمام منزلة الجاري من جميع الجهات ، حتى من جهة عدم الحاجة في اعتصامه إلى بلوغ مادته كراً ، أو أنه ناظر إلى تنزيله منزلة الجاري من بعض الجهات؟ وحاصل التنزيل أن الاتصال بالمادّة الجعلية كالاتصال بالمادّة الأصلية يكفي في الاعتصام ، ولا يقدح فيه علو سطح المادّة عن سطح الحياض كما يأتي تفصيله عن قريب إن شاء اللّه. وليعلم قبل الخوض في تحقيق المسألة أن ما ينبغي أن يعتمد عليه من روايات المقام هو صحيحة داود بن سرحان المتقدمة ، فإن غيرها ضعاف ولا يمكن الاستدلال بها على شيء.
إلاّ أن شيخنا الأنصاري قدس سره ذهب إلى تصحيح رواية بكر بن حبيب (2)مدعياً أنه بكر بن محمد بن حبيب ، وقد عبّر عن الابن باسم أبيه فأطلق عليه بكر بن حبيب وهو ممن وثقه الكشي في رجاله ، وهو غير بكر بن حبيب الضعيف (3).
ولا يخفى عدم إمكان المساعدة عليه ، لأن بكر بن محمّد بن حبيب على تقدير أن تكون له رواية عنهم علیهم السلام وليس الأمر كذلك لعدّه ممّن لم يرو عنهم إنما يروي عن الجواد علیه السلام لمعاصرته إياه ولا يمكنه الرواية عن الباقر علیه السلام الذي هو المراد من أبي جعفر الواقع في الحديث لأن من جملة من وقع في
1) قال : قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام ما تقول في ماء الحمام؟ قال : هو بمنزلة الماء الجاري. المروية في الوسائل 1 : 148 / أبواب الماء المطلق ب 7 ح 1.
2) وهي ما عن صفوان بن يحيى عن منصور بن حازم عن بكر بن حبيب عن أبي جعفر علیه السلام قال : « ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة » المروية في الوسائل 1 : 149 / أبواب الماء المطلق ب 7 ح 4.
3) كتاب الطهارة : 8 السطر 23.
السند منصور بن حازم وهو ممن روى عن الصادق والكاظم علیهماالسلام وهذه قرينة على أن الراوي عنه علیه السلام هو بكر بن حبيب الضعيف ، هذا.
وقد يصحح الحديث بطريق آخر ، وهو أن في سند الرواية صفوان وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه ، فلا ينظر إلى من وقع بعده في سلسلة السند لقيام الإجماع على أنه لا يروي إلاّ عن ثقة.
ويدفعه : ما أشرنا إليه غير مرة في نظائر المقام من أن صفوان أو غيره من أصحاب الإجماع ربما ينقل عن رجل كبكر في الحديث ، ويصرّح على أن روايتي عنه مستندة إلى وثاقته ، فيكون هذا توثيقاً للرجل ، وبه نحكم على اعتبار رواياته كتوثيق غيره من أهل الرجال. وأُخرى لا يصرّح بذلك ، وانّما يقوم الإجماع على أنه لا يروي إلاّ عن ثقة ، ومثله لا يكون دليلاً على وثاقة الرجل ، وهذا للعلم القطعي بأن صفوان أو غيره من أضرابه روى عن غير الثقة ولو في مورد واحد ولو لأجل الغفلة والاشتباه ، ويحتمل أن يكون الرجل في الحديث مثلاً من جملة ما روى صفوان فيه عن غير الثقة ، فمجرد رواية مثله عن رجل لا يقتضي وثاقة الرجل عندنا.
على أنّا في غنى عن رواية بكر حيث لا تنفعنا صحتها كما لا يضرّنا ضعفها وذلك : لأن المستفاد من صحيحة داود بن سرحان المتقدمة حسب المتفاهم العرفي أن تنزيل ماء الحمام منزلة الجاري إنما هو من جهة اتصال ماء الحمام بالمادّة ، وقد شبّهه علیه السلام بالجاري بجامع اتصالهما بالمادّة ، إذ لا شباهة لأحدهما بالآخر من غير هذه الجهة ، فاعتبار المادّة في الحمام يستفاد من نفس الصحيحة المذكورة من دون حاجة في ذلك إلى رواية بكر. وإذا عرفت ذلك فنقول :
استدل من أنكر اعتبار بلوغ المادّة كراً في نفسها أو بضميمتها إلى ماء الحياض بعموم المنزلة المستفادة من الصحيحة المتقدمة ، لأنها دلت على أن ماء الحمام كالجاري من جميع الجهات والكيفيات. ولا تعتبر الكثرة في اعتصام المادّة بوجه كما أسلفناه سابقاً ، بل قد تكون رشحية كما في بعض الآبار ولا يكون فيها فوران أصلاً ، لأنها رطوبات أرضية تجتمع وتكون ماء.
والجواب عن ذلك أن الصحيحة المتقدمة أو رواية بكر على تقدير اعتبارها غير ناظرتين إلى تنزيل ماء الحمام منزلة الجاري من جميع الجهات ، بل نظرهما إلى دفع ما ربما يقع في ذهن السائل من عدم اعتصام ماء الحياض باتصالها بمادتها ، لما ارتكز عندهم من عدم تقوى السافل بالعالي لتعددهما وتغايرهما عرفاً ، ومعه لا يبقى وجه لاعتصام ماء الحياض وتوضيح ذلك : أنّا قدّمنا (1)في بعض المباحث المتقدمة أن العالي لا ينفعل بانفعال الماء السافل ، لأن العالي والسافل وإن كانا متحدين عقلاً لاتصالهما وهو مساوق للوحدة بالنظر الدقي العقلي ، حيث إن المتصل جسم واحد عقلاً إلاّ أن الأحكام الشرعية غير منوطة بالنظر الدقي الفلسفي ، بل المتبع فيها هو الأنظار العرفية ، والعرف يرى العالي غير السافل وهما ماءان متعددان عنده ، ومن هنا لا يحكم بنجاسة العالي فيما إذا لاقى السافل نجساً حتى في المضاف كماء الورد إذا صبّ من إبريق على يد الكافر مثلاً ، فإنّه لا يحكم بنجاسة ما في الإبريق لأجل اتصاله بالسافل المتنجس بملاقاة يد الكافر ، وأدلّة انفعال القليل منصرفة عن مثله لعدم ملاقاة العالي للنجاسة عرفاً ، وبالجملة أنهما ماءان فكما لا تسرى قذارة السافل إلى العالي منهما كذلك نظافة العالي لا تسري إلى السافل لتعددهما بالارتكاز.
وعلى هذا كان للسائل أن يتوهّم عدم طهارة المياه الموجودة في الحياض الصغار بمجرد اتصالها بموادها الجعلية التي هي أعلى سطحاً من الحياض فإنهما ماءان ، ولا سيما عند جريان الماء من الأعلى إلى الأسفل ، ولعلّ هذا هو المنشأ لسؤالهم عن حكم ماء الحياض. وقد تصدى علیه السلام لدفع هذه الشبهة المرتكزة بأن ماء الحياض متصل بالمادّة الجعلية كاتصال المياه الجارية بموادها الأصلية ، فماء الحمام بمثابة الجاري من حيث اتصاله بالمادّة المعتصمة فيتقوّى ما في الحياض بالآخر بالتعبد. ولو لا هذه الأخبار لحكمنا بانفعال ماء الحياض الصغار ، فإنّه لا خصوصية للماء الموجود في الحياض من سائر المياه ، وبلوغ مادتها كراً لا يقتضي اعتصام ماء الحياض لتعددهما كما عرفت.
1) في ص 38.
وعلى الجملة الأخبار الواردة في اعتصام ماء الحمام ناظرة بأجمعها إلى دفع الشبهة المتقدمة ، وليست بصدد تنزيله منزلة الجاري من جميع الجهات وبيان أن لماء الحمام خصوصية تمنع عن انفعاله بالملاقاة بلغت مادته كراً أم لم تبلغه.
هذا على أن الحمامات المصنوعة في البلاد إنما أُعدّت لاستحمام أهل البلد وعامة الواردين والمسافرين ومثلها يشتمل على أضعاف الكر ، بحيث لو أُضيف عليها مثلها من الماء البارد لم تنسلب عنها حرارتها لكي تكفي في رفع حاجة الواردين على كثرتهم ، وفرض حمام عمومي تشتمل مادته على مقدار كر خاصة أو أقل منه حتى يسأل عن حكمه فرض أمر لا تحقق له خارجاً. فمنشأ السؤال عن حكمه ليس هو قلة الماء في مادته أو كثرته ، كما أنه ليس هو احتمال خصوصية ثابتة لماء الحياض تمنع عن انفعاله بملاقاة النجس مع فرض قلته ، وعليه فلا يبقى وجه للسؤال إلاّ ما أشرنا إليه آنفاً.
وعلى الجملة إن غاية ما يستفاد من الأخبار المتقدمة أن المادّة الجعلية العالية سطحاً عن الماء القليل كالمادّة الأصلية المتساوية سطحاً معه فلا دلالة لها على سائر الجهات ، فلا بدّ في استفادة سائر الأحكام والخصوصيات من مراجعة القواعد العامة التي قدمناها سابقاً ، وهي تقتضي التفصيل بين الرفع والدفع. بيان ذلك : أن ماء الحياض إذا كان طاهراً في نفسه ، وكان المجموع منه ومن الموجود في مادته بالغاً حد الكر فهو ماء معتصم يكفي في دفع النجاسة عن نفسه فلا ينفعل بطروّها عليه ، وأمّا إذا كان ماء الحياض متنجساً فبلوغ المجموع منه ومن مادته كراً لا يكفي في الحكم بالاعتصام ، فان بلوغ المجموع من النجس والطاهر كراً المعبّر عنه بالمتمم كرّاً بنجس لا يكفي في تطهير النجس كما أسلفناه في محلّه (1)، فيشترط في طهارة ماء الحياض لأجل اتصاله بمادته أن تكون المادّة بالغة كراً بنفسها ، لما قدّمناه من أن تطهير الماء النجس منحصر باتصاله بالكر الطاهر على الأظهر ، أو بامتزاجه معه أيضاً كما قيل ، أو
1) راجع ص 206.
فالحياض الصغار فيه إذا اتصلت بالخزانة لا تنجس بالملاقاة إذا كان ما في الخزانة وحده أو مع ما في الحياض بقدر الكر ، من غير فرق بين تساوي سطحها مع الخزانة أو عدمه ، وإذا تنجس ما فيها يطهر بالاتصال بالخزانة بشرط كونها كراً وإن كانت أعلى وكان الاتصال بمثل المزمَّلة (1) ، ويجري هذا الحكم في غير الحمّام أيضاً ، فإذا كان في المنبع الأعلى مقدار الكر أو أزيد وكان تحته حوض صغير نجس ، واتصل بالمنبع بمثل المزمَّلة يطهر ، وكذا لو غسل فيه شيء نجس ، فإنّه يطهر مع الاتصال المذكور (2).
بنزول المطر عليه ونحوهما من أفراد الماء العاصم ، فيشترط بحسب الرفع أن تكون المادّة بالغة حد الكر بنفسها. فما في المتن من الحكم بكفاية بلوغ المجموع من ماء الحياض والمادّة حدّ الكر في الدفع ، واعتبار بلوغ المادّة إليه بنفسها في الرفع هو الصحيح.
(1) قد اتضح مما تلوناه عليك في المقام أنه لا فرق في الحكم باعتصام ماء الحمام بين تساوي سطحي المادّة وماء الحياض واختلافهما ، وغاية الأمر أن الحكم المذكور في صورة تساوي السطحين على طبق القاعدة ، وفي صورة اختلافهما على خلافها وإنما التزمنا به لأجل الصحيحة المتقدمة.
(2) وهل يختص الحكم المذكور أعني كفاية الاتصال بماء آخر مع اختلاف سطحي الماءين بماء الحمام ولا يتعدى عنه إلى غيره؟
ليس في شيء من الصحيحة المتقدمة ، ولا في رواية بكر بن حبيب على تقدير اعتبارها ما يمكن به التعدي إلى سائر الموارد ، فإن الصحيحة دلت على أن ماء الحمام بمنزلة الجاري ، واشتملت رواية بكر على أنه لا بأس بماء الحمام إذا كان له مادّة ، وهما كما ترى مختصتان بماء الحمام.
وأمّا ما في شذرات المحقق الخراساني ( قده ) من الاستدلال في التعدي عن ماء الحمّام إلى سائر الموارد ، بما ورد في بعض روايات الباب من تعليل الحكم بطهارة ماء
الحمّام بقوله لأن له مادّة (1)فيتعدى بعمومه إلى كل ماء قليل متصل بمادته بمثل المزمّلة ونحوها ، فهو من عجائب ما صدر منه قدس سره لأن التعليل المدعى مما لم نقف على عين منه ولا أثر في شيء من رواياتنا صحيحها وضعيفها ، ولم ندر من أين جاء به قدس سره .
نعم ، يمكن أن يستدل عليه أي على التعدي بأن الحكم إذا ورد على موضوع معيّن مخصوص فهو وإن كان يمنع عن أسرائه إلى غيره من الموضوعات لأنه قياس إلاّ أن الأسئلة والأجوبة ربما تدلاّن على عدم اختصاص الحكم بمورد دون مورد ومقامنا هذا من هذا القبيل ، لما أسلفناه من أن الوجه في السؤال عن ماء الحمام ليس هو احتمال خصوصية لاستقرار الماء في الحمام أعني الخزانة والحياض الصغار الواقعتين تحت القباب بشكل خاص المشتملين على سائر خصوصيات الحمام ، وإنما الوجه في السؤال هو ما ارتكز في أذهان العرف من عدم تقوّي السافل بالعالي ، وقد دفعه علیه السلام بأن اتصال السافل بالعالي يكفي في الاعتصام ، ولا مانع من تقوّي أحدهما بالآخر ولو مع اختلاف سطحي الماءين ولا يضره التعدد العرفي.
وهو كما ترى لا يختص بمورد دون مورد ، وهل ترى من نفسك الحكم بعدم اعتصام ماء الحياض المتصلة بالمادّة الجعلية فيما إذا خرب الحمام بحيث لم يصدق عليه أنه حمام؟ وحيث إنّا لا نحتمل ذلك بالوجدان فنتعدى منه إلى كل ماء قليل متصل بشيء من المواد ولو في غير الحمّام كماء الآنية إذا اتصل بالمادّة أو بمزمّلة أو بانبوب ونحوهما.
1) نقله أدام اللّه أظلاله عن بعض مشايخه المحققين ( قدس اللّه أسرارهم ) وهذا وإن لم نعثر عليه في الشذرات المطبوعة إلاّ أن مقتضى ما نقله المحقق المتقدم ذكره أنه كان موجوداً في النسخة المخطوطة الأصلية وقد أسقط عنها لدى الطبع أو انّه نقله عن مجلس بحثه واللّه العالم بحقيقة الحال.
ماء البئر النابع بمنزلة الجاري لا ينجس إلاّ بالتغيّر ، سواء كان بقدر الكر أو أقل ، وإذا تغيّر ثم زال تغيّره من قبل نفسه طهر لأن له مادّة (1).
فصل في ماء البئر
(1) الكلام في ذلك يقع في مقامين :
أحدهما : في أن ماء البئر هل ينفعل بملاقاة النجاسة أو أنه معتصم ولا ينفعل إلاّ بالتغير؟ إذ لا خلاف في نجاسته بالتغير كما لا إشكال في أنه يطهر بزواله.
وثانيهما : أنه إذا قلنا باعتصامه فهل يحكم بوجوب نزح المقدّرات تعبداً فيما إذا وقع فيه شيء من النجاسات أو غيرها مما حكم فيه بالنزح كما ذهب إليه الشيخ قدس سره وإن بنى على عدم اعتصام ماء البئر أيضاً (1)، أو نحملها على الاستحباب؟.
أمّا الكلام في المقام الأول فحاصله أن في المسألة أقوالاً أحدها : انفعال ماء البئر مطلقاً وهو الذي التزم به مشهور المتقدمين. ثانيها : عدم انفعاله مطلقاً وهو كالمتسالم عليه بين المتأخرين. ثالثها : التفصيل بين بلوغ ماء البئر حد الكر فيعتصم وبين عدم بلوغه كراً فلا يعتصم ، وقد نسب هذا التفصيل إلى الشيخ حسن البصروي (2)، وهو من أحد علمائنا الأقدمين وكأنه قدس سره لم يرَ خصوصية لماء البئر ، وحاله عنده حال سائر المياه ، وقد قدمنا في محلّه أنها لا تنفعل بملاقاة النجاسة إذا كانت بمقدار كر ومن هنا أورد بعض المتأخرين على المتقدمين ، القائلين بانفعال ماء البئر مطلقاً ، بأن الكر على تقدير كونه خارج البئر محكوم عندكم بالطهارة والاعتصام ، فلما ذا بنيتم
على نجاسته وانفعاله فيما إذا كان في البئر فهل لبعض الأمكنة خصوصية تقتضي الحكم بعدم اعتصام الماء الكثير؟ وهذا عجيب غايته.
ثم إن هناك تفصيلاً آخر نقل عن الجعفي قدس سره وهو أيضاً من أحد أصحابنا الإمامية ، وقد فصّل بين ما إذا كان ماء البئر بمقدار ذراعين في ذراعين وحكم فيه بعدم الانفعال ، وما إذا كان أقل من ذلك وحكم فيه بالانفعال وعدم الاعتصام (1). والظاهر بل الواقع أنه عين التفصيل المنسوب إلى البصروي ، وغاية الأمر أنه يرى الكر أربعة أشبار في أربعة ، وليس هذا تفصيلاً مغايراً للتفصيل المتقدم بوجه. وهذه هي أقوال المسألة عند أصحابنا الإمامية.
وأمّا العامّة فقد اتفق أرباب المذاهب الأربعة منهم على نجاسة ماء البئر بالملاقاة وإنما اختلفوا في بعض خصوصياته ، فالمالكية والحنفية التزما بنجاسته مطلقاً واختلفا في مقدار الواجب من النزح باختلاف النجاسات كميتة الإنسان وغيرها. والشافعية والحنابلة ذهبا إلى نجاسته فيما إذا كان أقل من قلتين وطهارته فيما إذا كان بقدرهما ومرجع ذلك إلى التفصيل بين بلوغ ماء البئر حد الكر وعدمه لأنهم حدوا الكر بقلتين. واختلفا في أن الشافعية فصّل في نجاسة ماء البئر على تقدير كونه أقل من قلتين بين ما إذا استند وقوع النجاسة في البئر إلى اختيار المكلف فحكم فيه بالنجاسة ، وما إذا لم يستند إليه كما إذا أطارتها الريح في البئر ، فذهب فيه إلى عدم انفعاله (2)هذه أقوال ذوي المذاهب المعروفة عندهم ، وأمّا غيرهم من علمائهم فلا بدّ في الوقوف على أقوالهم من مراجعة كتبهم. وكيف كان فالمتبع عندنا دلالة الأخبار.
وقد استدلّ المتأخرون على طهارة ماء البئر واعتصامه فيما إذا لم يتغيّر بالنجاسة بعدّة روايات.
منها : صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع المروية بعدّة طرق عن الرضا علیه السلام قال : « ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلاّ أن يتغيّر ريحه. أو طعمه فينزح حتى
يذهب الريح ، ويطيب طعمه لأن له مادّة » (1)حيث دلت على أن ماء البئر واسع الحكم والاعتصام وغير مضيق بما إذا بلغ كراً كما في سائر المياه فلا ينفعل مطلقاً وهذا معنى قوله « لا يفسده شيء » وأمّا قوله علیه السلام لأن له مادّة فهو إما علة لقوله « واسع » فيدل على أن اعتصام البئر مستند إلى أن له مادّة ، وإما علة لقوله « فيطهر » المستفاد من قوله « فينزح » أي ينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه فيطهر لأن له مادّة ، فتدل على أن ماء البئر يرفع النجاسة الطارئة عليه بعد زوال تغيّره لاتصاله بالمادّة ، ومنه يظهر أنه يدفع النجاسة أيضاً بطريق أولى لأن الدفع أهون من الرفع.
وعلى الجملة يستفاد من تلك الصحيحة أن ماء البئر معتصم لا ينفعل بملاقاة النجاسة لمكان مادته. ودعوى : أن ماء البئر واسع بمعنى أنه كثير وهو واسع الماء لا بمعنى أنه معتصم وواسع الحكم ، تندفع : بأنه على خلاف الفهم العرفي من مثلها فان العرف يستفيد منه أنه واسع الحكم على خلاف غيره من المياه ولا ينسبق إلى أذهانهم أنه واسع الماء.
وأمّا ما ذكره الشيخ الطوسي قدس سره من أن معنى قوله « لا يفسده شيء » أنه لا يفسده شيء إفساداً غير قابل للإصلاح والزوال ، فإن البئر تقبل الإصلاح بنزح المقدرات (2).
فيدفعه : ما أفاده المحقق الهمداني قدس سره (3)بتفسير منّا من أن هذا الكلام لو كان صدر من متكلّم عادي لأجل تفهيم المعنى المدعى كان مضحكاً عند أبناء المحاورة فكيف يصدر مثله عن الإمام الذي هو أفصح المتحاورين وقال : ولعمري إن طرح الرواية وردّ علمها على أهلها أولى من إبداء هذا النحو من الاحتمالات العقلية التي لا يكاد يحتمل المخاطب إرادتها من الرواية خصوصاً في جواب المكاتبة. وعليه فمعناه ما قدّمناه من أنه واسع لا ينفعل بشيء من النجاسات فالمناقشة في دلالتها ساقطة.
وأمّا المناقشة في سندها بدعوى : أن دلالتها وإن كانت تامة كما مر إلاّ أنها كانت بمرأى من المتقدمين ، ومع ذلك لم يفتوا على طبقها وأعرضوا عنها ، وإعراض المشهور يسقط الرواية عن الاعتبار إذ قد اشترطنا في حجية الأخبار أن لا تكون معرضاً عنها عند الأصحاب.
فيمكن المناقشة فيه كبرى وصغرى. أمّا بحسب الكبرى : فلما قدمنا في بحث الأُصول من أن حجية الرواية غير مشروطة بذلك ، وإعراض الأصحاب عن رواية صحيحة لا يكون كاسراً لاعتبارها ، كما أن عملهم على طبق رواية ضعيفة لا يكون جابراً لضعفها (1). وأمّا الصغرى : فلأجل أن المتقدمين لم يعرضوا عن الصحيحة بوجه بل اعتنوا بها كمال الاعتناء ، فأوّلها بعضهم كما عن الشيخ الطوسي قدس سره وربما يظهر من استبصاره أيضاً ، وبعضهم رأى المعارضة بينها وبين ما دلّ على نجاسة البئر ورجّح معارضها عليها لأنه أكثر بحسب العدد ، ويعتبر في تحقق الإعراض أن لا تكون الرواية معارضة بشيء. وهذا كما في صحيحة زرارة الواردة فيمن صلّى العصر ثم التفت إلى انّه لم يأت بالظهر. حيث دلت على أنه يجعلها ظهراً ، فإنّها أربع مكان أربع (2)وهي مع عدم ابتلائها بالمعارض غير معمول بها عند الأصحاب ، فبناء على أن اعراض المشهور عن رواية يسقطها عن الاعتبار لا يمكن العمل على طبق الصحيحة المتقدمة ، كما أنه بناء على مسلكنا لا مانع من العمل على طبقها. وأمّا إذا كانت الرواية معارضة بشيء فالعمل بمعارضها لا يوجب تحقق الاعراض عن الرواية ، إذ لعلّهم لم يعملوا بها لرجحان معارضها عندهم ، فالرواية في المقام مما لا مناقشة في شيء من سنده ولا في دلالته.
وعلى الجملة الصحيحة حصرت موجب النجاسة في البئر بالتغيّر فملاقاة النجاسة لا توجب انفعالها ، كما دلت على أن وجود المادّة ترفع نجاستها بعد زوال تغيّرها
ومقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك كلّه بين كثرة الماء في البئر وقلته.
ومن جملة الروايات الدالّة على عدم انفعال البئر بالملاقاة صحيحة علي بن جعفر عن أخيه علیه السلام قال : « سألته عن بئر ماء وقع فيها زبيل ( زنبيل ) من عذرة رطبة أو يابسة ، أو زبيل من سرقين أيصلح الوضوء منها؟ قال : لا بأس » (1). حيث دلت على عدم انفعال ماء البئر بملاقاة العذرة. لعدم جواز الوضوء من الماء المتنجس بالضرورة ، وتوضيح دلالتها : أن السائل فرض أن العذرة كانت بمقدار زنبيل فان الزنبيل ينسج من أوراق الأشجار وأمثالها ولا معنى لكونه من العذرة ليكون السؤال عن وقوع زنبيل معمول من العذرة في البئر ، بل السؤال إنما هو عن وقوع عذرة فيها هي بقدر زنبيل وأنه يقتضي انفعالها أو لا يقتضيه ، وأجابه علیه السلام بقوله لا بأس. أي لا بأس بالوضوء من الماء الذي لاقته عذرة بقدر الزنبيل ، فدلالتها على عدم انفعال البئر بملاقاة العذرة واضحة.
والمناقشة فيها بأن ما لاقى الماء قطعاً هو الزنبيل ، ولم يعلم أن العذرة أيضاً لاقت الماء ، فلا دلالة لها على اعتصام ماء البئر عن الانفعال.
ساقطة أساساً لما عرفت من أن المفروض هو ملاقاة العذرة للماء ، وهي بقدر الزنبيل لا أن الملاقي له هو الزنبيل الذي فيه عذرة حتى يناقش في ملاقاة العذرة للماء وإلاّ لكان الأنسب أن يسأل عن زنبيل فيه عذرة لا عن زنبيل من العذرة كما في الصحيحة ، هذا أوّلاً.
وثانياً : لو سلمنا أن السؤال عن زنبيل فيه عذرة فكيف لا تلاقي العذرة للماء بعد فرض ملاقاة الزنبيل له. فهل ينسج الزنبيل من حديد وشبهه كي يمنع عن إصابة الماء للعذرة؟ فإنّه يصنع من الأوراق وهي لا تكون مانعة عن سراية الماء إلى جوفه.
وثالثاً : لو أغمضنا عن ذلك أيضاً ، فكيف يسأل علي بن جعفر عن ملاقاة الزنبيل لماء البئر مع وضوح أن الزنبيل ليس من الأعيان النجسة ، ولم يفرض تنجسه حتى يوجب انفعال ماء البئر ، ولا يكاد يخفى مثل ذلك عليه فهذه المناقشة ساقطة.
1) الوسائل 1 : 172 / أبواب الماء المطلق ب 14 ح 8.
وتوهّم أن المراد بالعذرة عذرة ما يؤكل لحمه من الشاة والبقر ونحوهما دون عذرة الإنسان أو غيره مما لا يؤكل لحمه.
مندفع : أولاً : بأن العذرة مرادفة للخرء وهو الذي يعبّر عنه في الفارسية بلفظة مخصوصة ويختص استعمالها بمدفوع الإنسان أو ما يشابهه في النجاسة والريح الكريهة من مدفوع سائر الحيوانات كمدفوعي الكلب والهرة ونحوهما ، وقد أُطلقت عليه في بعض الروايات أيضاً فراجع (1)، ولا يطلق على مدفوع ما يؤكل لحمه ، وانّما يطلق عليه السرقين الذي هو معرب سرگين.
وثانياً : أن سؤال الراوي عن حكم زنبيل من سرقين بعد سؤاله عن الزنبيل من العذرة ، ينادي بأعلى صوته على أن المراد بالعذرة ليس هو عذرة ما يؤكل لحمه وهي التي يعبّر عنه في لغة العرب بالسرقين ، وإلاّ لم يكن وجه لسؤاله عنه ثانياً ، فهذا التوهّم أيضاً لا أساس له.
ودعوى أن المراد نفي البأس بعد النزح المقدّر لأنه مقتضى الجمع العرفي بين المطلق والمقيد ، فإن الصحيحة قد دلت على نفي البأس بالتوضؤ بماء البئر بعد ملاقاة النجس مطلقاً ، فلا مناص من تقييدها بالأخبار الدالّة على لزوم النزح بملاقاة النجس.
فيدفعها أن الأخبار الآمرة بالنزح لا دلالة لها على النجاسة. إذن فلا وقع لهذا الاحتمال ولعمري أن مثل هذه الاحتمالات يوجب سد باب الاستنباط من الأخبار.
ومنها : صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في الفأرة تقع في البئر فيتوضأ الرجل منها ، ويصلي وهو لا يعلم ، أيعيد الصلاة ويغسل ثوبه؟ فقال : لا يعيد الصلاة ، ولا يغسل ثوبه » (2)وقد دلت على عدم انفعال ماء البئر بوقوع الفأرة فيه ، فان الظاهر من وقوع الفأرة في البئر إنما هو موتها فيها ، كما يقال وقع فلان في
1) ففي صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنّور أو كلب ... » الحديث. حيث أُطلقت العذرة على مدفوعي السنّور والكلب لما فيهما من الرائحة الكريهة. المروية في الوسائل 3 : 475 / أبواب النجاسات ب 40 ح 5.
2) الوسائل 1 : 173 / أبواب الماء المطلق ب 14 ح 9.
البئر أي مات فيها ، حيث لا موجب لتوهّم انفعال ماء البئر بخروج الفأرة منها حية. ثم إن لفظة فاء في قوله علیه السلام « فيتوضأ » تدل على أن مفروض كلام السائل هو التوضؤ بعد وقوع الفأرة فيه ، وهو الذي حكم علیه السلام فيه بطهارة البئر وعدم إعادة الصلاة وعدم وجوب الغسل ، وأمّا إذا لم يدر أن وضوءه كان قبل وقوع الفأرة في البئر أم كان بعده فهو خارج عن كلامه ، فدلالتها على عدم انفعال البئر ظاهرة. نعم ، لا إطلاق لها حتى تشمل صورة تغيّر البئر بوقوع الفأرة فيها أيضاً ، لأن عدم تعرضه علیه السلام لنجاسة ماء البئر على تقدير تغيّره ، لعلّه مستند إلى أن وقوع مثل الفأرة في البئر لا يوجب تغيّر مائها بوجه.
ومنها : رواية أُخرى لمعاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سمعته يقول : لا يغسل الثوب ، ولا تعاد الصلاة مما وقع في البئر إلاّ أن ينتن فإن أنتن غسل الثوب وأعاد الصلاة ، ونزحت البئر (1). وقد دلت أيضاً على عدم انفعال ماء البئر بملاقاة النجاسة في غير صورة التغيّر بها ، وهو المراد من قوله إلاّ أن ينتن ولعلّه إنما عبّر به ولم يعبّر بالتغيّر من أجل أن الغالب فيما يقع في البئر هو الميتة من آدمي أو فأرة ونحوهما ، والميتة تغيّر الماء بالنتن.
ومنها : موثقة أبي بصير قال قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : « بئر يستقى منها ويتوضأ به ، وغسل منه الثياب وعجن به ، ثم علم أنه كان فيها ميّت ، قال : لا بأس ولا يغسل منه الثوب ولا تعاد منه الصلاة » (2). والوجه في دلالتها ظاهر ، والمراد بالميت فيها إما ميت الإنسان كما هو الظاهر منه في الإطلاقات. وإما مطلق الميت في مقابل الحي. وإنما لم تتعرض لنجاسة البئر على تقدير تغيّرها بالميت من جهة أن مفروض كلام السائل هو صورة عدم تغيّرها بها حيث قال : ثم علم أنه كان ... فان الماء لو كان تغيّر بالميت لالتفت عادة إلى وجود الميت فيه حال الاشتغال والاستعمال بشيء من طعمه أو ريحه أو لونه كما لا يخفى ، فلا إطلاق لها بالإضافة إلى صورة التغيّر
بالنجس. وهذه جملة الأخبار الواردة في عدم انفعال البئر بملاقاة النجاسة. ولمكان إطلاقها لا يفرق في الحكم بالاعتصام بين قلة مائها وكثرته.
نعم ، ورد في موثقة عمار تقييد الحكم باعتصام البئر بما إذا كان فيها ماء كثير. حيث قال : « سئل أبو عبد اللّه علیه السلام عن البئر يقع فيها زبيل عذرة يابسة ، أو رطبة ، فقال : لا بأس إذا كان فيها ماء كثير » (1)وبها يقيد إطلاقات سائر الأخبار ويفصّل بين ما إذا كان ماء البئر كثيراً فيعتصم وما إذا كان قليلاً فيحكم بانفعاله ، وفي الحدائق أسند الرواية إلى أبي بصير (2)إلاّ أنه من اشتباه القلم.
والجواب عن ذلك بوجهين : أحدهما : أن لفظة الكثير لم تثبت لها حقيقة شرعية ولا متشرعية بمعنى الكر ، وإنما هي باقية على معناها اللغوي. ولعلّ الوجه في تقييده علیه السلام بذلك أن ماء البئر لو كان في مورد الرواية بقدر كر أو أقل ، لتغيّر بوقوع زبيل العذرة عليه لكثرتها. ومن هنا قيّده بما إذا كان ماؤها غزيراً وأكثر من الكر فهي في الحقيقة مفصلة بين صورتي تغيّر ماء البئر وعدمه لا أنها تفصل بين الكر والقليل.
وثانيهما : أن صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قد حصرت سبب الانفعال في ماء البئر بالتغيّر ، ودلت على طهارته بزوال تغيّره مطلقاً بلغ حدّ الكر أم لم يبلغه ولصراحتها نرفع اليد عما دلّ على اشتراط الكرية في البئر ونحمل الرواية المتقدمة على ما ذكرناه آنفاً. وأمّا رواية الحسن بن صالح الثوري (3)التي دلت على عدم انفعال الماء في الركي إذا بلغ كراً فقد عرفت أنها ضعيفة لا نعمل بها في موردها فضلاً عن أن نقيد بها الروايات المتقدمة.
هذا كلّه فيما دلّ على عدم انفعال ماء البئر مطلقاً ، وقد عرفت أنها تامة سنداً ودلالة ، فلا بدّ بعد ذلك من صرف عنان الكلام إلى بيان ما يعارضها من الأخبار
الواردة في انفعاله ليرى أن الترجيح معها أو مع معارضها.
فنقول : قد استدلوا على نجاسة ماء البئر بملاقاة النجاسة بأربع طوائف من الأخبار :
الطائفة الأُولى : الروايات المتضافرة البالغة حدّ التواتر إجمالاً التي دلت على وجوب نزح المقدرات المختلفة باختلاف النجاسات الواقعة في البئر ، لأنها ظاهرة في أن الأمر بالنزح إرشاد إلى نجاسة البئر والنزح مقدمة لتطهيرها ، لا أن النزح واجب شرطي للوضوء والغسل والشرب من ماء البئر عند وقوع النجاسة عليه مع بقائه على الطهارة في نفسه. هذا على أن في الروايات قرائن دلتنا على أن النزح إنما وجب لإزالة النجاسة عن البئر.
فمنها : تفصيله علیه السلام في غير واحد من الروايات المذكورة بين تغيّر ماء البئر بالنجاسة فأوجب فيه النزح إلى أن يزول عنه تغيّره ، وبين عدم تغيّره فأمر فيه بنزح أربعين دلواً أو سبعة دلاء أو غير ذلك على حسب اختلاف النجاسات. وهذه قرينة قطعية على أن الغرض من إيجاب النزح إنما هو التطهير ، لأن البئر إذا تغيّرت بالنجاسة لا تطهر إلاّ بزواله كما تطهر في غير صورة التغيّر بنزح المقدرات.
فمن تلك الأخبار موثقة سماعة ، قال : « سألته عن الفأرة تقع في البئر أو الطير؟ قال : إن أدركته قبل أن ينتن نزحت منها سبع دلاء » (1). وما عن أبي خديجة ، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سئل عن الفأرة تقع في البئر قال : إذا ماتت ولم تنتن فأربعين دلواً ، وإذا انتفخت فيه أو نتنت نزح الماء كلّه » (2).
ومنها : أي من جملة القرائن ترخيصه علیه السلام في التوضؤ من البئر التي وقع فيها حيوان مذبوح بعد نزح دلاء يسيرة منها وهذا كما في صحيحة علي بن جعفر
قال : « وسألته عن رجل ذبح دجاجة أو حمامة فوقعت في بئر ، هل يصلح أن يتوضأ منها؟ قال : ينزح منها دلاء يسيرة ثم يتوضأ منها ... » (1)لأن قوله علیه السلام ثم يتوضأ منها قرينة على أن نزح الدلاء المذكورة إنما كان مقدمة لتطهير البئر ومن هنا جاز التوضؤ منها بعده ولم يجز قبل نزحها.
ومنها : ما اشتملت عليه بعض الأخبار من كلمة « يطهرها » كما في صحيحة علي ابن يقطين ، عن أبي الحسن موسى بن جعفر علیه السلام قال : « سألته عن البئر تقع فيها الحمامة ، والدجاجة والفأرة أو الكلب ، أو الهرة؟ فقال : يجزيك أن تنزح منها دلاء ، فإن ذلك يطهّرها إن شاء اللّه تعالى » (2)وصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال : « كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا علیه السلام عن البئر تكون في المنزل للوضوء فيقطر فيها قطرات من بول ، أو دم ، أو يسقط فيها شيء من عذرة كالبعرة ونحوها ، ما الذي يطهّرها حتى يحلّ الوضوء منها للصلاة؟ فوقّع علیه السلام بخطه في كتابي : ينزح دلاء منها » (3). فان قوله علیه السلام في الرواية الأُولى « يطهرها » صريح في نجاسة البئر بوقوع شيء من النجاسات المذكورة فيها وأن النزح يطهرها ، كما أن قول السائل في الرواية الثانية « ما الذي يطهرها » يكشف عن أن نجاسة البئر بملاقاة النجاسة كانت مفروغاً عنها عنده ، وقرره الإمام علیه السلام على اعتقاده حيث بيّن مطهّرها وهو نزح دلاء يسيرة ، ولم يردع عن اعتقاده ذلك.
وعلى الجملة أن هذه الأخبار بضميمة القرائن المتقدمة صريحة الدلالة على أن البئر تنفعل بملاقاة النجس ، وأن النزح لإزالة النجاسة عنها.
الطائفة الثانية : ما دلّ على منع الجنب من أن يقع في البئر ويفسد ماءها ، كما في صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه علیه السلام المروية بطريقين قال : « إذا أتيت البئر وأنت جنب فلم تجد دلواً ولا شيئاً تغرف به ، فتيمّم بالصعيد فان ربّ
الماء ربّ الصعيد ، ولا تقع في البئر ، ولا تفسد على القوم ماءهم (1)وقد مرّ أن الإفساد بمعنى التنجيس على ما بيّناه في شرح قوله علیه السلام « ماء البئر واسع لا يفسده شيء » في صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع ، فالرواية دلت على أن البئر تنفعل بوقوع الجنب فيها ، لنجاسة بدنه.
الطائفة الثالثة : ما دلّ على لزوم التباعد بين البئر والبالوعة (2)بخمسة أذرع أو بسبعة على اختلاف الأراضي من كونها سهلة أو جبلاً ، واختلاف البئر والبالوعة من حيث كون البئر أعلى من البالوعة أو العكس ، ولا وجه لهذا الاعتبار إلاّ انفعال البئر بالملاقاة ، إذ لو كانت معتصمة لم يفرق في ذلك بين تقارب البالوعة منها وتباعدها عنها. على أن في بعضها تصريحاً بالانفعال إذا كان البعد بينهما أقل من الحد المعتبر.
الطائفة الرابعة : ما دلّ بمفهومه على انفعال البئر إذا وقع فيها ما له نفس سائلة كصحيحة أبي بصير ، قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عما يقع في الآبار ، فقال : أمّا الفأرة وأشباهها فينزح منها سبع دلاء إلى أن قال : وكل شيء وقع في البئر ليس له دم مثل العقرب ، والخنافس وأشباه ذلك فلا بأس » (3). ومفهومها أن الشيء الواقع في البئر إذا كان له دم ففيه بأس. وهذه جملة ما استدل به على عدم اعتصام ماء البئر.
أمّا الطائفة الأُولى : فأُورد عليها تارة : بأن اختلاف الأخبار الواردة في النزح يشهد على أن النزح مستحب ، ومن هنا لم يهتموا علیهم السلام بتقديره على وجه دقيق ، وقد حدّد في بعض الأخبار (4)بمقدار معيّن في نجاسة ، وحدّد في بعض آخر بمقدار آخر في تلك النجاسة بعينها ، وبهذا تحمل الروايات المذكورة على الاستحباب هذا.
1) الوسائل 1 : 177 / أبواب الماء المطلق ب 14 ح 22.
2) الوسائل 1 : 197 / أبواب الماء المطلق ب 24 ح 1 ، 2 ، 3.
3) الوسائل 1 : 185 / أبواب الماء المطلق ب 17 ح 11.
4) كما في رواية ابن أبي عمير عن كردويه وصحيحة حريز عن زرارة فإن الأُولى دلّت على وجوب نزح ثلاثين دلواً والثانية على وجوب نزح عشرين دلواً في نجاسة واحدة كالدم والخمر ، ونظيرهما غيرهما. المرويّتين في الوسائل 1 : 179 / أبواب الماء المطلق ب 15 ح 4. 3.
ولا يخفى أن اختلاف الأخبار في بيان الضابطة والمقادير على ما ذكرناه غير مرة لا يكون قرينة على حملها على الاستحباب بوجه ، بل الصناعة العلمية تقتضي الأخذ بالأقل وحمله على الوجوب إذ لا معارض له في شيء ، ويحمل المقدار الأكثر على الاستحباب فهذا الجمع غير وجيه.
وأُخرى : بأن مقتضى الجمع العرفي بين الطائفتين هو حمل أخبار الطهارة على طبيعيها في مقابل النجاسة ، وحمل أخبار النجاسة على مرتبة ضعيفة منها لا تمنع عن شربه ولا عن الوضوء والغسل به ، ولا ترتفع بغير النزح ، ولا نحملها على مرتبة قوية من النجاسة كي تمنع عن استعمال الماء مطلقاً ، وتقع المعارضة بين الطائفتين.
وفيه أولاً : أن الجمع على هذا الوجه ليس بجمع عرفي يفهمه أهل اللسان إذا عرضنا عليهم المتعارضين ولا يكادون يفهمون من الطهارة طبيعيها ولا من النجاسة مرتبة ضعيفة منها.
وثانياً : أن الجمع بذلك جمع غير معقول ، لاستحالة اجتماع الطهارة مع النجاسة ولو بمرتبة ضعيفة منها لأنهما ضدّان واجتماعهما مستحيل ، وهل يجتمع البياض مع مرتبة ضعيفة من السواد.
فالصحيح في المقام أن يقال : إن الطائفتين من أظهر أنحاء المتعارضين فان كل واحدة منهما تنفي ما تثبته الأُخرى فلا محيص فيهما من الترجيح بمرجحات باب المعارضة المقررة في بحث التعادل والترجيح فان قلنا بدلالة الآية المباركة ( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ) (1)وقوله تعالى ( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) (2)على طهارة جميع أقسام المياه فالترجيح مع الطائفة الدالّة على طهارة ماء البئر لأنها موافقة للكتاب والطائفة الأُخرى مخالفة له ، وموافقة الكتاب أوّل مرجح في باب المعارضة. وأمّا إذا لم نقل بذلك وناقشنا في دلالتهما على الطهارة بالمعنى المصطلح
عليه كما قدّمناه سابقاً (1)فلا محالة تصل النوبة إلى المرجح الثاني وهو مخالفة العامة. وقد مرّ (2)أن المذاهب الأربعة مطبقة على انفعال ماء البئر بالملاقاة وكذا غيرها من المذاهب على ما وقفنا عليه من أقوالهم ، فالترجيح أيضاً مع ما دلّ على طهارة البئر لأنها مخالفة للعامة فلا مناص حينئذٍ من حمل أخبار النجاسة على التقية.
هذا على أن في الأخبار المذكورة قرينة على أنهم علیه السلام لم يكونوا بصدد بيان الحكم الواقعي وإنما كانوا في مقام الإجمال والتقية ، وهذا كما في صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع حيث سأل عما يطهّر البئر فأجاب علیه السلام بقوله : « ينزح دلاء منها » (3)، فان الدلاء جمع يصدق على الثلاثة لا محالة. ولا قائل من الفريقين بمطهرية الدلاء الثلاثة للبئر والزائد عنها غير مبين في كلامه علیه السلام . فمن ذلك يظهر أنه علیه السلام لم يكن في مقام بيان الحكم الواقعي لأن الإجمال غير مناسب لمقام الإمامة ولمقام البيان ، بل ولا يناسب لمقام الإفتاء أيضاً ، فإن فقيهاً إذا سئل عن الغسل الذي يطهر به الثوب لم يناسبه أن يجيب بأن الثوب إذا غسل يطهر ، مع أنه يعتبر التعدّد في غسله ، فإنّه مجمل وهو في مقام الإفتاء وبصدد البيان.
وكيف كان فهذه الأخبار محمولة على التقية. وبهذا يشكل الإفتاء باستحباب النزح أيضاً ، إذ بعد ما سقطت أخبار وجوب النزح عن الاعتبار ، وحملناها على التقية لم يبق هناك شيء يدل على الاستحباب. وبعبارة اخرى الأخبار الآمرة بالنزح ظاهرة في الإرشاد إلى نجاسة البئر بالملاقاة ، وقد رفعنا اليد عن ظاهرها بما دلّ على طهارة البئر وعدم انفعالها بشيء ، وعليه فحمل تلك الأخبار على خلاف ظاهرها من الاستحباب أو الوجوب التعبديين مع بقاء البئر على طهارتها يتوقف على دليل. نعم ، لو كانت ظاهرة في وجوب النزح تعبّداً لحملناها على الاستحباب بعد رفع اليد عن ظواهرها بما دلّ على طهارة البئر ، وعدم وجوب النزح تعبّداً.
ونظير المقام الأخبار الواردة من طرقنا في أن القيء ، والرعاف (1)ومسّ الذّكر والفرج والقبلة (2)يوجب الوضوء كما هي كذلك عند العامّة (3). فإنّها ظاهرة في الإرشاد إلى ناقضية الأُمور المذكورة للوضوء ، فاذا رفعنا اليد عن ظواهرها بالأخبار الدالّة على حصر النواقض في ست (4)وليس منها تلك الأُمور ، وبنينا على أن الرعاف وأخواته لا تنقض الوضوء ، فلا يمكن حمل الأخبار المذكورة على استحباب الوضوء بعد الرعاف وأخواته ، فإنّه إنما يمكن فيما إذا كانت الأخبار ظاهرة في وجوب الوضوء بتلك الأُمور ، وإذا لم نتمكن من العمل بظاهرها لأجل معارضها فلنحملها على الاستحباب ، وأمّا بعد تسليم أنها ظاهرة في الإرشاد إلى الناقضية فلا يبقى في البين ما يدل على استحباب الوضوء إذا رفعنا اليد عنها بمعارضها ، وحيث إنه خلاف ظاهر الأخبار فلا يصار إليه إلاّ بدليل.
وتوهّم أن أخبار الطهارة معرض عنها عند أصحابنا الأقدمين ، يندفع بما قدمناه في
1) كما في موثقة زرعة عن سماعة ، قال : « سألته عما ينقض الوضوء قال : الحدث تسمع صوته أو تجد ريحه ، والقرقرة في البطن إلاّ شيئاً تصبر عليه ، والضحك في الصلاة والقيء. وموثقة أبي عبيدة الحذاء عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « الرعاف والقيء والتخليل يسيل الدم إذا استكرهت شيئاً ينقض الوضوء ». وصحيحة الحسن بن علي بن بنت إلياس قال : « سمعته يقول : رأيت أبي صلوات اللّه عليه وقد رعف بعد ما توضأ دماً سائلاً فتوضأ ». المرويات في الوسائل 1 : 263 / أبواب نواقض الوضوء ب 6 ح 11 ، 12 ، وفي المصدر نفسه ص 267 ب 7 ح 13.
2) كما في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « إذا قبّل الرجل المرأة من شهوة أو مس فرجها أعاد الوضوء ». وفي الموثق عن عمار بن موسى ، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال « سئل عن الرجل يتوضأ ثم يمس باطن دبره؟ قال : نقض وضوءه ، وإن مسّ باطن إحليله فعليه أن يعيد الوضوء ، وإن كان في الصلاة قطع الصلاة ويتوضأ ويعيد الصلاة وإن فتح إحليله أعاد الوضوء وأعاد الصلاة ». المرويتين في الوسائل 1 : 272 / أبواب نواقض الوضوء ب 9 ح 9 ، 10.
3) راجع المجلد 1 من الفقه على المذاهب الأربعة ص 81 - 85.
4) الوسائل 1 : 248 / أبواب نواقض الوضوء ب 2 ، 3 ، 4.
الاستدلال على طهارة البئر من المناقشة فيه كبرى وصغرى ، فراجع (1).
وأمّا الطائفة الثانية : وهي ما دلّ على منع الجنب من الوقوع في البئر ، فالجواب عنها أن صحيحة ابن أبي يعفور لم تفرض نجاسة بدن الجنب والغالب طهارته ، ولا سيما في الأعصار المتقدمة ، حيث كانوا يغتسلون بعد تطهير مواضع النجاسة من أبدانهم إذ لم يكن عندهم خزانة ولا كر آخر وانّما كانوا يغتسلون بالماء القليل ، ومعه لا محيص من تطهير مواضع النجاسة قبل الاغتسال حتى لا يتنجس به الماء ولا يبطل غسله ومع عدم نجاسة بدن الجنب لا وجه لانفعال البئر بوقوعه فيها ، إلاّ أن نلتزم بما ذهب إليه أبو حنيفة وبعض أصحابه من نجاسة الماء المستعمل في غسل الجنابة ولو مع طهارة بدن الجنب (2)إلاّ أنه كما سنوقفك عليه في محلّه مما لا يمكن التفوه به ، فان اغتسال الجنب ليس من أحد المنجسات شرعاً.
ثم لو سلمنا نجاسة بدن الجنب فلما ذا لم يعلل علیه السلام منعه من الاغتسال في الآبار ببطلان الغسل حينئذٍ ، إذ لو كان بدن الجنب متنجساً فلا محالة يتنجس به الماء والغسل بالماء المتنجس باطل ، وإنما علله بقوله « ولا تفسد على القوم ماءهم » مع أن الغسل قد يتحقق في مورد لا قوم فيه ، أو نفرضه في بئر داره وهي ملكه ، وبهذا وذاك يظهر أن المراد بالإفساد في الرواية ليس هو التنجيس ، بل المراد به أحد أمرين :
أحدهما : أن الطباع البشرية تنزعج عن الماء الذي اغتسل فيه أحد ، وتتنفر عن شربه واستعماله في الأغذية ، ولا سيما بملاحظة أن البدن لا يخلو عن العرق والدسومة والوساخة ، وعليه فالمراد بالإفساد إلغاء الماء عن قابلية الانتفاع به ، فغرضه علیه السلام نهي الجنب عن الوقوع في البئر كي لا يستلزم ذلك تنفر القوم وعدم رغبتهم في استعمال مائها وبقاء الماء بذلك بلا منفعة.
وثانيهما : أن الآبار كالأحواض تشتمل على مقدار من الوحل والوساخة المجتمعة في قعرها ، فلو ورد عليها أحد لأوجب ذلك إثارة الوحل وبه يتلوث الماء ويسقط عن
الانتفاع به ، وهو معنى الإفساد.
وأمّا الطائفة الثالثة : وهي الأخبار الواردة في لزوم التباعد بين البئر والبالوعة فهي أيضاً على طائفتين : فمنها ما لا تعرّض فيه لنجاسة ماء البئر بعد كون البالوعة قريبة منها ، وإنما اشتمل على لزوم التباعد بينهما بمقدار ثلاثة أذرع أو أكثر. ومنها ما اشتمل على نجاسة البئر أيضاً بتقاربها من البالوعة.
أمّا الطائفة الأُولى : فهي لا تدل على نجاسة ماء البئر بالملاقاة وإنما اعتبر التباعد بينه وبين البالوعة تحفظاً على نظافة مائها وذلك بقرينية طائفتين من الأخبار إحداهما ما دلّ على عدم انفعال البئر بالملاقاة. وثانيتهما : ما دلّ على أن تقارب البالوعة من البئر لا يوجب كراهة الوضوء ولا الشرب من مائها ، وهي صحيحة محمد بن القاسم عن أبي الحسن علیه السلام « في البئر يكون بينها وبين الكنيف خمس أذرع ، أقل أو أكثر ، يتوضأ منها؟ قال : ليس يكره من قرب ولا بعد يتوضأ منها ويغتسل ما لم يتغيّر الماء » (1)فهاتان الطائفتان قرينتان على حمل هذه الطائفة من أخبار تباعد البئر والبالوعة على التنزه من الأقذار ، والتحفظ على النظافة التي ندب إليها في الشرع واهتم بها الشارع المقدس ، ولأجل هذا الاهتمام حكم بلزوم التباعد بينهما بمقدار ثلاثة أذرع أو سبعة حيث إن عروق الأرض متصلة والقذارة تسري من بعضها إلى بعض ، فالاستدلال بهذه الطائفة على انفعال البئر ساقط.
وأمّا الطائفة الثانية : فهي صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم ، وأبي بصير كلهم قالوا : « قلنا له : بئر يُتوضأ منها يجري البول قريباً منها أينجّسها؟ قال : فقال : إن كانت البئر في أعلى الوادي والوادي يجري فيه البول من تحتها فكان بينهما قدر ثلاثة أذرع ، أو أربعة أذرع لم ينجّس ذلك شيء وإن كان أقل من ذلك نجّسها » (2)وهي كما ترى صريحة في نجاسة البئر بتقاربها من البالوعة فيما إذا لم يكن بينهما قدر ثلاث أذرع أو أربعة.
ويدفعها : أن الرواية مخالفة لضرورة المذهب وللإجماع القطعي بين المسلمين لبداهة أن التقارب من البئر بما هو تقارب ليس من أحد المنجسات شرعاً فان المناط في التنجيس إنما هو سراية النجاسة إلى ملاقيها ، وعليه فان علمنا بالسراية في المقام فنحكم بنجاسة البئر لا محالة وإلاّ فلا موجب للحكم بنجاستها ، وهذا كما إذا وقعت النجاسة في البالوعة في زمان قريب بحيث لا تسري منها إلى البئر في تلك المدة اليسيرة.
ودعوى أن الإمام علیه السلام بصدد بيان الضابط للعلم بسراية النجاسة على غالب الناس ، فان كون التباعد أقل من ثلاثة أذرع أو أربعة يوجب العلم بالسراية في الأغلب ، كما أن كونه أكثر منهما يوجب عدم حصول العلم بالسراية.
مندفعة : أولاً : بأن تحديد حصول العلم بالسراية بذلك جزاف لأن العلم بالسراية قد يحصل في ثلاثة أذرع ، وقد يحصل العلم بعدم السراية في أقل منها ، فدعوى أن العلم بعدم السراية يحصل في الثلاثة ولا يحصل في أقل منها ولو بنصف ذراع مما لا أساس له.
وثانياً : أن حمل تحديده علیه السلام على ذلك ليس بأولى من حمله على ما ذكرناه آنفاً من إرادة التحفظ على نظافة الماء ، لأنها مورد لاهتمام الشارع حتى لا يستقذره الناس فيحمل التنجيس على القذارة العرفية دون الشرعية ، ومن هنا ورد الأمر بسكب الماء فيما إذا وقع فيه فأرة أو عقرب وهي صحيحة هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن الفأرة والعقرب وأشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حياً هل يشرب من ذلك الماء ويتوضأ منه؟ قال : يسكب منه ثلاث مرات ، وقليله وكثيره بمنزلة واحدة ... » (1). فان من الضروري الذي لم يختلف فيه اثنان في الآونة الأخيرة عدم نجاسة العقرب ، ولا سيما إذا خرج عن الماء حياً وكذلك الفأرة إذا خرجت حية ، فلا وجه لحكمه علیه السلام بالسكب ثلاث مرات إلاّ دفع الاستقذار عن السطح الظاهر من الماء ، فان الطباع البشرية مجبولة على التنفر
1) الوسائل 1 : 188 / أبواب الماء المطلق ب 19 ح 5.
عن السطح الظاهر من الماء عند وقوع شيء عليه كالذباب إذا وقع في الماء ولا يستقذرون جميعه على ما يدعون. وحيث إن الأمر كما سمعت والنظافة مورد لاهتمام الشارع ، فلا مانع من حمل الطائفة الثانية أيضاً من روايات تباعد البئر والبالوعة على التحفظ على نظافة الماء وعدم قذارته ، فلو أبيت إلاّ عن صراحة الرواية في نجاسة البئر فلا محيص من حملها على التقية ، لأنها موافقة للعامة إذ الرواية حينئذٍ نظير غيرها من الأخبار الدالّة على نجاسة البئر بالملاقاة وقد مرّ أنها محمولة على التقية.
فالضابط الكلي في جميع الطوائف المتقدمة المدعى دلالتها على نجاسة البئر ، أنها إن لم تكن صريحة في نجاسة البئر وكانت قابلة لضرب من التأويل ، فنحملها على تحصيل النظافة ودفع الاستقذار الطبعي عن الماء. وإذا كانت صريحة الدلالة على النجاسة أو كالصريح بحيث لم يمكن رفع اليد عن ظهورها فلا بدّ من حملها على التقية ، فأمر الأخبار المذكورة يدور بين التقية والتأويل ، وكل ذلك لتمامية الروايات الدالّة على طهارة البئر ، ولا محيص من الالتزام بذلك ما لم تتغيّر البئر بالنجاسة.
وتوهّم أن طهارة البئر على خلاف إجماع المتقدمين من الأصحاب ، والالتزام بها خرق للاتفاق القطعي بينهم. يندفع : بأن إجماعهم على نجاسة البئر ليس إجماعاً تعبدياً كاشفاً عن قول المعصوم علیه السلام لأن مستند حكمهم هو الروايات المتقدمة ومع وضوح المستند أو احتماله لا وقع للإجماع بوجه ولا بدّ من مراجعة ذلك المستند ، وقد أسمعناك بما لا مزيد عليه عدم دلالة شيء من الأخبار المتقدمة على المدعى لحملها على التقية أو على التحفظ على نظافة الماء.
وأمّا الطائفة الرابعة : وهي صحيحة أبي بصير المتقدمة فقد يجاب عنها بأن البأس ليس بمعنى النجاسة ولا يدل عليها بوجه ، وإنما معناه أن وقوع ما له نفس سائلة ليس كوقوع ما لا نفس سائلة له ، بل فيه بأس وشيء ، وليكن هذا هو استحباب النزح في مثله ، فان وقوع ما لا نفس له لا يوجب استحباب النزح ولا شيئاً آخر. وفيه : أن الرواية بقرينة سائر الأخبار الدالّة على نجاسة البئر بوقوع الميتة فيها ظاهرة في أن ما وقع في البئر إذا كان له نفس سائلة يوجب نجاستها.
فالصحيح في الجواب أن يقال : إن الجمع بينهما وبين ما دلّ على عدم انفعال ماء البئر يقتضي حمل الرواية على ما إذا أثّر وقوع ما له نفس سائلة في تغيّر ماء البئر لأن ما دلّ على عدم انفعالها قد استثنى صورة التغيّر كما مرّ ، فالمعنى حينئذٍ أن ما وقع في البئر إذا لم يكن له نفس سائلة كميتة السمك ونحوها فلا يتنجس به البئر مطلقاً أوجب تغيّرها أم لم يوجبه. إذن التغيّر بغير النجس لا يقتضي النجاسة وهو ظاهر. وأمّا إذا وقع فيها ما له نفس سائلة فان أوجب تغيّرها فيحكم بنجاستها وإلاّ فهي باقية على طهارتها.
ثم إن أبيت إلاّ عن أن ظاهر الرواية نجاسة البئر بوقوع ما له نفس سائلة مطلقاً تغيّر به ماء البئر أم لم يتغيّر وأن الجمع بالوجه المتقدم على خلاف ظاهرها فلا محيص من حمل الرواية على التقية ، كما صنعناه في بعض الطوائف المتقدمة ، وبما ذكرناه يمكن الحكم باستحباب النزح شرعاً لأن النظافة أمر مرغوب فيه وقد ندب إليها في الشريعة المقدّسة.
وعلى الجملة لا دلالة في شيء من الطوائف المتقدمة على انفعال البئر بالملاقاة ، فما ذهب إليه المتأخرون من اعتصامها مطلقاً هو الصحيح. هذا كلّه في المقام الأوّل ومنه يظهر الحال في المقام الثاني أيضاً كما يأتي تفصيله.
الأوّل : أنه إذا قلنا بانفعال البئر ، ووجوب نزح المقدرات فهل تطهر الآلات من الدلو والحبل بل وأطراف البئر ولباس النازح ويداه وغيرها مما يلاقي الماء بنزحه عادة تبعاً لطهارة البئر؟ نعم ، لا وجه لتوهّم الطهارة بالتبع في ما يلاقي الماء على خلاف الغالب والعادة ، كما إذا طفرت قطرة من ماء البئر ووقعت على ثوب غير النازح.
الحق كما ذهب إليه المشهور طهارة الآلات وكل ما يلاقي ماء البئر عادة تبعاً لطهارة البئر بالنزح ، والوجه في ذلك أن الآلات وملحقاتها مورد للابتلاء غالباً ، كما أن نجاستها مما يغفل عنه عامة الناس ، ومثلها لو كان نجساً لنبّه عليه في الروايات
فالسكوت وعدم البيان آيتا طهارة الآلات وأخواتها بتبع طهارة البئر.
وفي الحدائق استدل على ذلك بالبراءة عن وجوب الاجتناب عن الآلات بعد نزح المقدرات (1)، إلاّ أن فساده غني عن البيان ، لأن النجاسة بعد ما ثبتت يحتاج رفعها إلى مزيل ، ومع الشك في بقائها لا مجال لإجراء البراءة عنها كما لا يخفى.
واستدل المحقق قدس سره على طهارة الآلات على ما حكي عنه وهو من جملة القائلين بانفعال البئر من المتأخرين بأن الآلات ونظائرها لو لم تطهر بتبع طهارة البئر لم يبق لاستحباب نزح الزائد مجال (2)، وتوضيح ذلك : أن الأخبار كما مرّ قد اختلفت في بيان نزح المقدرات ففي نجاسة واحدة ورد تقديران مختلفان أحدهما أكثر من الآخر ، وقد جمعوا بينهما بحمل الأقل على الوجوب وحمل الأكثر على الاستحباب ، فاذا بنينا على انفعال ماء البئر بالملاقاة وعلى عدم طهارة الدلو وغيره من الآلات بالتبع ، ونزحنا المقدار الواجب كثلاثين دلواً مثلاً ، فبمجرد ملاقاة الدلو للماء يتنجس ماء البئر ثانياً فيجب تطهيرها بنزح مقدرها ، ومعه لا يبقى مجال للعمل بالاستحباب بنزح الزائد عن المقدار الواجب كأربعين دلواً ونحوها. وما أفاده قدس سره في غاية المتانة ، فما ذهب إليه الأصحاب من طهارة الآلات وأخواتها بالتبع هو المتعيّن.
الثاني : إذا تغيّر ماء البئر فلا إشكال في كفاية إخراج الجميع أو المقدار الذي يزول به التغيّر ولو بغير النزح المتعارف من الأسباب ، كما إذا نزحنا ماءها بالمكائن الجديدة أو غار ماؤها ثم ترشح منها ماء جديد لا تغيّر فيه ، أو ألقينا فيها دواء أوجب فيها التبخير فنفد ماؤها بذلك إلى غير ذلك من الأسباب. والوجه في كفاية مطلق الإخراج وعدم لزوم النزح شيئاً فشيئاً ، هو أن المستفاد من صحيحة محمد بن إسماعيل ابن بزيع أن البئر إذا تغيّر لا بدّ من إعدام مائها إلى أن يطيب طعمه ويزول عنه الريح وهذا هو المحصل للغرض سواء أكان بسبب النزح أم بالدواء أو بغيرهما من الأسباب
وكذا الحال فيما وجب نزح الجميع ، وذلك للعلم بأن الغرض منه عدم بقاء شيء من الماء النجس في البئر بلا فرق في ذلك بين الأسباب.
وأمّا إذا وقع فيها ما يوجب نزح أربعين أو خمسين أو غيرهما من المقدرات غير نزح الجميع ، فهل يكفي في تطهيرها نزح المقدر مرة واحدة بمثل دلو كبير يسع الأربعين أو غيره من المقدرات أو بالمكائن الجديدة ونحوها ، أو لا بدّ فيه من نزح المقدر دلواً فدلواً إلى أن ينتهي ويتم؟
التحقيق هو الثاني ، لأنه مقتضى الجمود على ظواهر الأخبار حيث دلت على نزح أربعين دلواً ونحوه ، ولا يستفاد منها كفاية مطلق الإخراج والإعدام ، ولا سيما أنّا نحتمل بالوجدان أن يكون للنزح التدريجي خصوصية دخيلة في حصول الغرض واقعاً ، فإن المادّة يمكن أن تدفع بدل المتحلل من الماء إذا نزح شيئاً فشيئاً ، وليس الأمر كذلك فيما إذا نزح منها مقدار ثلاثين أو أربعين دلواً مرة واحدة ، فإن المادّة لا تدفع الماء بهذا المقدار دفعة ، ومن المحتمل أن يكون لخروج الماء من المادّة بمقدار المتحلل بالنزح مدخلية في حصول الغرض شرعاً.
ثم إن صريح رواية الفقه الرضوي (1)أن المراد بالدلو في مقدرات البئر هو ما يسع أربعين رطلاً من الماء ، ولكن المشهور لم يعملوا على طبقها بل أفتوا بكفاية الدلو المتعارف. على أن الرواية كما نبهنا عليه غير مرة ضعيفة في نفسها بل لم يثبت كونها رواية أصلاً ، فالصحيح كفاية أقل الدلاء المتعارفة ، وذلك لما أشرنا إليه مراراً من أن المقادير المختلفة بحسب القلة والكثرة أو الزائد والناقص لا بدّ من أن يكتفى فيها بالمتعارف الأقل نظراً إلى أنه تقدير في حق عامة الناس ، وغير مختص بطائفة دون طائفة.
الثالث : أن اتصال الماء النجس بالكر أو الجاري وغيرهما من المياه العاصمة يطهّره كما عرفت ، فهل يكفي ذلك في تطهير الآبار المتنجسة أيضاً على القول بانفعالها
1) فقه الرضا : 92 « وإذا سقط في البئر فأرة أو طائر أو سنور وما أشبه ذلك فمات فيها ولم يتفسخ نزح منه سبعة أدل من دلاء هجر والدلو أربعون رطلاً ».
ونزح المقدرات في صورة عدم التغيّر مستحب (1) وأمّا إذا لم يكن له
أو أن طريق تطهيرها يختص بالنزح؟.
الثاني هو الظاهر ، لأن العمدة في كفاية الاتصال بالكر والجاري وأمثالهما إنما هو التعليل الوارد في صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع « لأن له مادّة » حيث تعدينا بعمومه إلى كل ماء عاصم ، فاذا بنينا على نجاسة البئر ورفعنا اليد عن هذه الصحيحة باعراض المشهور عنها أو بتأويلها ، لم يبق هناك دليل على كفاية الاتصال بالعاصم وينحصر طريق تطهير البئر بالنزح. اللّهمّ إلاّ أن يرد عليها عاصم على وجه يستهلك فيه ماؤها كما إذا كانت البئر مشتملة على مقدار كر وأُلقي عليها كران أو أكثر ، فإنّه يستهلك ماء البئر حينئذٍ وبه يحكم بطهارته.
وقد بقي في المقام فروع أُخر كلّها مبتنية على نجاسة البئر بالملاقاة ، وحيث إنّا أنكرنا انفعالها لم نحتج إلى التعرض لما يبتني عليه من الفروع.
(1) لا منشأ للحكم باستحباب النزح بعد حمل النصوص الواردة في ذلك على التقية ، وذلك لما قدمناه من أن الأخبار الآمرة بالنزح ظاهرة في الإرشاد إلى انفعال البئر بالملاقاة ، وقد رفعنا اليد عن هذا الظهور بما دلّ على عدم انفعالها ، وعليه فحملها على خلاف ظاهرها من الوجوب التعبدي أو الاستحباب يحتاج إلى دليل وهو مفقود ، فلا مناص من حملها على التقية لموافقتها للعامة ، ومعه لا وجه للحكم باستحباب النزح.
اللّهمّ إلاّ إن نحمل الأخبار على التحفظ على نظافة المياه ودفع الاستقذار العرفي بنزح شيء من ماء البئر كما أسلفناه في الجواب عن الطائفة الرابعة مما استدلوا به على انفعال البئر بالملاقاة بقرينة بعض الأخبار ، فإنّه لا مانع حينئذٍ من الحكم باستحباب النزح لأن النظافة أمر مرغوب فيه شرعاً بل هي مورد لاهتمام الشارع كما مر.
مادّة نابعة فيعتبر في عدم تنجسه الكرية وإن سمي بئراً ، كالآبار التي يجتمع فيها ماء المطر ولا نبع لها (1).
[124] مسألة 1 : ماء البئر المتصل بالمادّة إذا تنجس بالتغيّر فطهره بزواله ولو من قبل نفسه (2) فضلاً عن نزول المطر عليه أو نزحه حتى يزول. ولا يعتبر خروج ماء من المادّة في ذلك.
[125] مسألة 2 : الماء الراكد النجس كراً كان أو قليلاً يطهر بالاتصال بكرّ طاهر أو بالجاري أو النابع غير الجاري وإن لم يحصل الامتزاج على الأقوى ، وكذا بنزول المطر (3).
(1) لأنه ماء محقون حينئذٍ ، ومقتضى أدلّة انفعال القليل نجاسته بالملاقاة إلاّ أن يكون كراً ، ومجرّد تسميته بئراً لا يكاد ينفع في الحكم باعتصامه ما لم تكن له مادّة.
(2) لما ذكرناه في الفرع الثاني من الفروع المتقدمة من أنه لا خصوصية للنزح في تطهير ماء البئر فيما إذا تغيّر ، أو وقع فيها ما يقتضي وجوب نزح الجميع على تقدير القول بانفعالها فان المستفاد من صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع أن الغرض من النزح إنما هو إعدام ماء البئر وإذهاب تغيّره سواء استند ذلك إلى النزح أم إلى سبب غيره ، كما لا فرق في طهارته بعد زوال تغيّره بين خروج الماء من مادته وعدمه ، لأن مقتضى إطلاق الصحيحة المتقدمة كفاية مجرد الاتصال في طهارته سواء خرج شيء من مادته أم لم يخرج.
(3) قد قدمنا في بحث تطهير الماء المتنجس بالمطر أن مقتضى عموم التعليل الوارد في صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع كفاية الاتصال بمطلق العاصم ، فإن خصوصية المادّة ملغاة بمقتضى الفهم العرفي ، كما أن مقتضى إطلاقها عدم اعتبار الامتزاج
[126] مسألة 3 : لا فرق بين أنحاء الاتصال في حصول التطهير فيطهر بمجرّده ، وإن كان الكر المطهر مثلاً أعلى والنجس أسفل ، وعلى هذا فإذا ألقى الكر لا يلزم نزول جميعه ، فلو اتصل ثم انقطع كفى (1). نعم ، إذا كان الكر الطاهر أسفل والماء النجس يجري عليه من فوق لا يطهر الفوقاني بهذا الاتصال (2).
[127] مسألة 4 : الكوز المملوء من الماء النجس إذا غمس في الحوض يطهر ولا يلزم صب مائه وغسله (3).
واستدللنا على عدم اعتباره أيضاً بإطلاق صحيحة هشام المتقدِّمة ، فراجع (1). ويمكن الاستدلال على كفاية الاتصال بمطلق العاصم أيضاً بأخبار ماء الحمام حيث قوينا أخيراً عدم اختصاصها بمائه ، وبنينا على شمولها لكل ماء متصل بالماء المعتصم.
(1) ويدلُّ على ذلك أمران : أحدهما : صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع. وثانيهما : أخبار ماء الحمام ، لدلالتهما على أن مجرد الاتصال بالمادّة كاف في طهارة الماء المتنجس مطلقاً اتحد سطحاهما أم اختلف وكان الكر المطهر مثلاً أعلى.
(2) لعدم تقوي العالي بالسافل على ما قدمناه في بحثي المضاف والجاري (2).
(3) الظاهر أن نظر الماتن قدس سره إلى تطهير الكوز نفسه بالماء الكثير لا إلى تطهير مائة ، لأنه كغيره من المياه المتنجسة وقد تقدم منه قدس سره طهارتها بمجرد الاتصال بالكر أو بغيره من المياه العاصمة من غير اعتبار الامتزاج فلا وجه لإعادته ثانياً.
وما أفاده من طهارة الكوز إذا غمس في الكثير هو الصحيح فلا يلزم تعدّد غسله وذلك لما يأتي في محله من اختصاص موثقة عمار الآمرة بغسل الأواني والكوز ثلاث مرات بالماء القليل ، ومعه يبقى التطهير بالكثير تحت إطلاقات غسل المتنجسات بالماء وهي تقتضي كفاية الغسل مرة واحدة. وحيث إن الكوز مملوء من الماء النجس فبمجرّد غمسه في الكر يصدق أنه انغسل بالكثير وبه يحكم على طهارته.
[128] مسألة 5 : الماء المتغيّر إذا القي عليه الكر فزال تغيّره به ، يطهر ولا حاجة إلى إلقاء كر آخر بعد زواله (1) لكن بشرط أن يبقى الكر (2) الملقى على حاله من اتصال أجزائه وعدم تغيّره ، فلو تغيّر بعضه قبل زوال تغيّر النجس ، أو تفرق بحيث لم يبق مقدار الكر متصلاً باقياً على حاله تنجس ولم يكف في التطهير. والأولى إزالة التغيّر أوّلاً ثم إلقاء الكر أو وصله به.
[129] مسألة 6 : تثبت نجاسة الماء كغيره بالعلم (3).
(1) لحصول شرط طهارته وهو زوال تغيّره واتصاله بالماء المعتصم وإن استند زوال تغيّره إلى إلقاء العاصم عليه ، ولا دليل على اعتبار كون الاتصال بعد زوال التغيّر.
(2) بأن يكون المطهر زائداً على مقدار الكر بشيء حتى لا ينفعل بتغيّر بعضه قبل زوال تغيّر النجس ، لوضوح أن تغيّر بعض أجزائه يقتضي انفعال الجميع على تقدير عدم زيادة المطهر على الكر لأنه ماء قليل لاقى ماء متنجساً بالتغيّر فينجس.
(3) قد وقع الخلاف بين الأعلام فيما تثبت به نجاسة الأشياء : فمنهم من اكتفى بمطلق الظن بالنجاسة ، ونسب ذلك إلى الحلبي (1)، ومنهم من ذهب إلى أنها لا تثبت إلاّ بالعلم الوجداني ، ونسب ذلك إلى ابن البراج (2)، وهذان القولان في طرفي النقيض حيث لم يعتمد ابن البراج على البيِّنة وخبر العادل فضلاً عن مطلق الظن بالنجاسة.
والمشهور بين الأصحاب عدم ثبوت النجاسة بمطلق الظن وأنه لا ينحصر ثبوته بالعلم الوجداني ، ولعلّ القائل باعتبار العلم في ثبوت النجاسة يرى اعتبار العلم في حدوثها وتحققها لا في بقائها ، فإن استصحاب النجاسة مما لا إشكال فيه بينهم ، وقد
ادعى المحدث الأمين الأسترآبادي قدس سره الإجماع على حجية الاستصحاب في الموضوعات (1).
وتحقيق الحال أن الاكتفاء بمطلق الظن لا دليل عليه إلاّ ما توهّمه القائل باعتباره من أن أكثر الأحكام الشرعية ظني ، والنجاسة من جملتها فيكتفى فيها بالظن.
وفيه : أنه إن أُريد بذلك أن الأحكام الشرعية لا يعتبر في ثبوتها العلم الوجداني فهو صحيح إلاّ أنه لا يثبت حجية مطلق الظن في الأحكام. وإن أُريد به أن مطلق الظن حجة في ثبوت الأحكام الشرعية ففساده أظهر من أن يخفى ، فإنّه لا عبرة بالظن إلاّ فيما ثبت اعتباره فيه بالخصوص كالقبلة والصلاة ، اللّهم إلاّ أن نقول بتمامية مقدمات الانسداد ، فيكون الظن حجة حينئذٍ ، إلاّ أنها لو تمت فإنّما تقتضي حجية الظن في الأحكام دون الموضوعات فهذا القول ساقط.
كما أن اعتبار خصوص العلم الوجداني في ثبوتها لا دليل عليه ، ولعلّ الوجه في اعتباره تعليق الحكم بالنجاسة في بعض الأخبار على العلم بها كما في قوله علیه السلام : « كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر فاذا علمت فقد قذر ... » (2). وقوله علیه السلام : « ما أُبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم » (3).
وفيه : أنه لا يقتضي اعتبار العلم الوجداني في ثبوت النجاسة ، فإن العلم بالنجاسة غاية للحكم بالطهارة كأخذ العلم بالحرمة غاية للحكم بالحلية في قوله علیه السلام : « كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام ... » (4)ومن الظاهر أن المراد به ليس هو العلم الوجداني فحسب ، وإلاّ لا نسد باب الأحكام الشرعية لعدم العلم الوجداني في أكثرها ، بل المراد بالعلم فيها أعم من الوجداني والتعبدي.
1) الفوائد المدنية : 143.
2) الوسائل 3 : 467 / أبواب النجاسات ب 37 ح 4 ، 5.
3) الوسائل 3 : 467 / أبواب النجاسات ب 37 ح 4 ، 5.
4) ورد ذلك في روايات أربع : الأُولى والثانية صحيحة عبد اللّه بن سليمان ومرسلة معاوية بن عمار المرويتان في الوسائل 25 : 117 / أبواب الأطعمة المباحة ب 61 ح 1 ، 7. والثالثة والرابعة موثقة مسعدة بن صدقة وصحيحة عبد اللّه بن سنان عن الصادق علیه السلام المرويتان في الوسائل 17 : 89 / أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 4، 1.
وبالبيِّنة (1)
وتوضيحه : أن العلم المأخوذ غاية في تلك الأخبار طريقي محض وغير مأخوذ في الموضوع بوجه ، والعلم الطريقي يقوم مقامه ما ثبت اعتباره شرعاً كالبينة وخبر العادل واليد وغيرها ، فإن أدلّة اعتبارها حاكمة على ما دلّ على اعتبار العلم في ثبوت النجاسة أو غيرها ، فهذا القول أيضاً ساقط ، فلا بدّ من ملاحظة الأُمور التي قيل بثبوت النجاسة بها. فان كان في أدلّة اعتبارها ما دلّ بعمومه على حجيتها حتى في مثل النجاسة فنأخذ بها ، وإلاّ فنرجع إلى استصحاب الطهارة أو قاعدتها. فمن جملة تلك الأُمور البيِّنة :
(1) فهل يعتمد على إخبار البيِّنة بنجاسة شيء مسبوق بالطهارة أو جهلت حالته السابقة بحيث لو لا تلك البيِّنة لحكمنا بطهارته؟ لا ينبغي الإشكال في اعتبارها وأن النجاسة تثبت بها شرعاً ، وإنما الكلام في مدرك ذلك فقد استدلوا على اعتبار البيِّنة بوجوه :
الوجه الأوّل : الإجماع على اعتبارها بين الأصحاب. ويدفعه : أن الإجماع على تقدير تحقّقه ليس إجماعاً تعبدياً قطعاً حتى يكشف عن قول المعصوم علیه السلام لاحتمال استناد المجمعين إلى أحد الوجهين الآتيين.
الوجه الثاني : الأولوية القطعية بتقريب : أن الشارع جعل البيِّنة حجة في موارد الترافع والمخاصمة ، وقد قدمها على ما في قبالها من الحجج كاليد ونحوها غير الإقرار لأنه متقدم على البيِّنة ، وما ثبتت حجيته في موارد القضاء مع ما فيها من المعارضات فهو حجة في غيرها من الموارد التي لا معارض له بطريق أولى.
وبالجملة اعتبار البيِّنة شرعاً أمر غير قابل للإنكار. نعم ، ربما قيد اعتبارها في الشريعة المقدسة ببعض القيود حسب اختلاف المقامات وأهميتها عند الشارع وعدمها ، فاعتبر في ثبوت الزنا بالبينة أن يكون الشهود أربعة ، كما اعتبر أن تكون
الشهادة من الرجال في ثبوت الهلال وأسقط شهادة النساء في ذلك.
وللمناقشة في هذه الأولوية مجال واسع ، لأن الخصومة والمرافعة لا بدّ من حلّها وفصلها بشيء ، حيث إن في بقائها بحالها ينجر الأمر إلى اختلال النظام ، فما به ترتفع المخاصمات لا يلزم أن يكون حجة على الإطلاق حتى في غير موارد المرافعة ، ومن هنا ترى أن الأيمان مما تفصل به الخصومات شرعاً مع أنها لا تعتبر في غير موارد المرافعة ، وعلى الجملة لا تقاس الخصومة بغيرها فالأولوية لا أساس لها.
الوجه الثالث : رواية مسعدة بن صدقة : « كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة ، أو المملوك عندك ولعلّه حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهراً ، أو امرأة تحتك وهي أُختك أو رضيعتك ، والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك ، أو تقوم به البيِّنة » (1).
فإنّها اشتملت على أُمور ثلاثة ، ودلت على أن اليد في الثوب وأصالة عدم تحقق النسب أو الرضاع في المرأة ، والإقرار على العبودية في العبد حجة معتبرة لا بدّ من العمل على طبقها إلاّ أن يعلم أو تقوم البيِّنة على خلافها ، فمنها يستفاد أن البيِّنة حجة شرعاً ومعتبرة في إثبات الموضوعات المذكورة في الحديث من الملكية والأُختية والحرية ، فيترتب عليها أحكامها وحيث إن كلمة « الأشياء » جمع محلّى باللاّم وهو من ألفاظ العموم ولا سيما مع تأكيده بكلمة « كلّها » فنتعدى عنها إلى سائر الموضوعات التي لها أحكام ومنها النجاسة ، لأنها يترتب عليها جملة من الأحكام كحرمة الشرب والأكل وعدم جواز الوضوء والغسل به ، وإذا قامت البيِّنة على نجاسة شيء فلا مانع من أن نرتب عليها أحكامها.
ودعوى : أن الرواية إنما دلت على اعتبار البيِّنة في الأحكام فلا يثبت بها اعتبارها في غيرها.
مدفوعة : بأن موردها خصوص الموضوعات التي لها أحكام حيث وردت في ثوب
1) الوسائل 17 : 89 / أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 4.
يشك في كونه ملكاً للبائع أو مغصوباً ، وفي عبد لا يدرى أنه حر أورق وفي امرأة يشك في أنها أجنبية أو من المحارم ، وكل ذلك من الموضوعات التي يترتّب عليها أحكام وعلى الجملة أن الرواية تقتضي حجية البيِّنة في الموضوعات.
ويؤيدها رواية عبد اللّه بن سليمان الواردة في الجبن : « كل شيء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان عندك أن فيه ميتة » (1)وموردها الجبن الذي يشك في حرمة أكله ، إلاّ أنها ضعيفة السند ومن هنا جعلناها مؤيدة للمدعى.
ولا يخفى عليك ضعف هذا الاستدلال وذلك : لأن الرواية وإن عبّر عنها في كلام شيخنا الأنصاري قدس سره بالموثقة (2)إلاّ أنّا راجعنا إلى حالها فوجدناها ضعيفة (3)حيث لم يوثق مسعدة في الرجال ، بل قد ضعفه المجلسي (4)والعلاّمة (5)وغيرهما. نعم ، ذكروا في مدحه أن رواياته غير مضطربة المتن ، وأن مضامينها موجودة في سائر الموثقات. ولكن شيئاً من ذلك لا يدل على وثاقة الرجل ، فهو ضعيف على كل حال ولا يعتمد على مثلها في استنباط الحكم الشرعي ، وعليه فلا دليل على اعتبار البيِّنة في الموضوعات.
والذي يمكن أن يقال : إن لفظة « البيِّنة » لم تثبت لها حقيقة شرعية ولا متشرعية وإنما استعملت في الكتاب والأخبار بمعناها اللغوي وهو ما به البيان وما به يثبت الشيء ، ومنه قوله تعالى ( بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ ) (6)، وقوله ( حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) (7)
1) الوسائل 25 : 118 / أبواب الأطعمة المباحة ب 61 ح 2.
2) فرائد الأُصول 2 : 734.
3) الأمر وإن كان كما قررناه إلاّ أن الرجل ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات وقد بنى أخيراً سيِّدنا الأُستاذ دام ظلّه على وثاقة الرواة الواقعين في أسانيد الكتاب المذكور ومن هنا عدل عن تضعيف الرجل وبنى على وثاقته. إذن فالرواية موثقة.
4) رجال المجلسي ( الوجيزة ) : 320.
5) الخلاصة : 260.
6) فاطر 35 : 25.
7) البيِّنة 98 : 1.
وقوله ( إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ) (1)وغيرها من الموارد ، ومن الظاهر أنها ليست في تلك الموارد إلاّ بمعنى الحجة وما به البيان ، وكذا فيما ورد عن النبي صلی اللّه علیه و آله من قوله : « إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان » (2)أي بالأيمان والحجج وما به يبيّن الشيء ، ولم يثبت في شيء من هذه الموارد أن البيِّنة بمعنى عدلين ، وغرضه صلی اللّه علیه و آله من قوله : « إنما أقضي ... » على ما نطقت به جملة من الأخبار (3)بيان أن النبي صلی اللّه علیه و آله وسائر الأئمة علیهم السلام سوى خاتم الأوصياء ( عجّل اللّه في فرجه ) لا يعتمدون في المخاصمات والمرافعات على علمهم الوجداني المستند إلى النبوة أو الإمامة ، وإنما يقضون بين الناس باليمين والحجة سواء أطابقت للواقع أم خالفته كما هو صريح ما ورد عن النبي صلی اللّه علیه و آله في مخاصمة امرئ القيس (4)نعم ، يقضي قائمهم علیه السلام على طبق الواقع من دون أن يعتمد على شيء (5).
وعلى الجملة لم يثبت أن البيِّنة بمعنى عدلين في شيء من تلك الاستعمالات وإنما هي بمعناها اللغوي كما مر ، والبيِّنة بهذا المعنى اصطلاح بين العلماء ، ولعلّه أيضاً كان ثابتاً في الدور الأخير من زمانهم علیهم السلام . وعلى ما ذكرناه فالرواية المتقدمة لا دلالة
1) هود 11 : 28.
2) كما في صحيحة هشام عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان ... » الوسائل 27 : 232 / أبواب كيفية الحكم ب 2 ح 1.
3) الوسائل 27 : 233 / أبواب كيفية الحكم ب 2 ح 3 ، ب 1 ح 4.
4) عن عدي عن أبيه قال : « اختصم امرئ القيس ورجل من حضرموت إلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في أرض. فقال : ألك بيِّنة؟ قال : لا ، قال : فيمينه ، قال : إذن واللّه يذهب بأرضي ، قال : إن ذهب بأرضك بيمينه كان ممّن لا ينظر اللّه إليه يوم القيامة ، ولا يزكيه وله عذاب أليم قال : ففزع الرجل وردها إليه » الوسائل 27 : 235 / أبواب كيفية الحكم ب 3 ح 7.
5) صحيحة أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر علیه السلام في حديث قال : « إذا قام قائم آل محمد صلی اللّه علیه و آله حكم بحكم داود علیه السلام لا يسأل بيِّنة. المروية في الوسائل 27 : 230 / أبواب كيفية الحكم ب 1 ح 4.
وبالعدل الواحد على إشكال (1)لا يترك فيه الاحتياط (1).
لها على اعتبار البيِّنة بمعنى شهادة عدلين بل لا بدّ من إحراز حجيتها من الخارج.
نعم ، لما علمنا خارجاً أن الشارع كان يعتمد على إخبار العدلين في المخاصمات وفي موارد القضاء بين الناس استكشفنا من ذلك أن إخبار العدلين أيضاً من مصاديق الحجة وما به البيان ، وبهذا نحرز أنه حجة على نحو الإطلاق من غير أن يختص اعتباره بموارد الخصومة والقضاء ، لأن اعتماد الشارع عليه يدلنا على أن إخبار العدلين حجّة معتبرة في مرتبة سابقة على القضاء ، لا أنه صار حجة بنفس القضاء.
ويؤيده مقابلة الأيمان بالبينات في الرواية المتقدمة ، فإن الأيمان تختص بموارد القضاء ، وقد وقعت في مقابلة البيِّنات : أي أقضي بينكم بما يعتبر في خصوص القضاء وبما هو معتبر في نفسه على نحو الإطلاق ، وهذا غاية ما أمكننا من إقامة الدليل على حجية البيِّنة في الموضوعات ، وما ذكرناه إن تمّ فهو وإلاّ فلا دليل على ثبوت النجاسة بالبينة كما عرفت.
ثم انّ هذا كلّه فيما إذا لم نقل باعتبار خبر العدل الواحد في الموضوعات وإلاّ فلا حاجة إلى إثبات حجية البيِّنة فيها كما هو ظاهر. نعم ، تظهر ثمرة حجية البيِّنة في نفسها فيما إذا قامت على نجاسة ما أخبر ذو اليد عن طهارته وسيجيء بيان ذلك عن قريب.
(1) المعروف أن خبر الواحد لا يكون حجّة في الموضوعات ، وذهب جماعة إلى حجّيته فيها كما هو حجّة في الأحكام وهذا هو الصحيح ، والدليل على اعتباره في الموضوعات هو الدليل على حجيته في الأحكام ، والعمدة في ذلك هو السيرة العقلائية القطعية ، لأنهم لا يزالون يعتمدون على أخبار الآحاد فيما يرجع إلى معاشهم
1) (*) الأظهر ثبوتها به بل لا يبعد ثبوتها بمطلق قول الثقة وإن لم يكن عدلاً.
ومعادهم ، وحيث لم يردع عنها في الشريعة المقدسة فتكون حجّة ممضاة من قبل الشارع بلا فرق في ذلك بين الموضوعات والأحكام.
وقد يتوهّم كما عن غير واحد منهم أن السيرة مردوعة بما ورد في ذيل رواية مسعدة المتقدِّمة من قوله علیه السلام « والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيِّنة » حيث حصر ما يثبت به الشيء في الاستبانة وقيام البيِّنة عليه فلو كان خبر العادل كالبينة معتبراً شرعاً لبيّنه علیه السلام لا محالة ، ويدفعه :
أوّلاً : أن الرواية ليست بصدد حصر المثبت فيهما لوضوح أن النجاسة وغيرها كما تثبت بهما كذلك تثبت بالاستصحاب وبأخبار ذي اليد كما يأتي عن قريب.
وثانياً : أن الرواية غير صالحة للرادعية لضعفها.
وثالثاً : أن عدم ذكر إخبار العادل في قبال البيِّنة والعلم إنما هو لأجل خصوصية في مورد الرواية ، وهي أن الحلية في مفروض الرواية كانت مستندة إلى قاعدة اليد في مسألة الثوب ومن المعلوم أنه لا اعتبار لإخبار العادل مع اليد ، وكأنه علیه السلام بصدد بيان ما هو معتبر في جميع الموارد على وجه الإطلاق.
ورابعاً : البيِّنة في الرواية كما تقدم بمعنى الحجة وما به البيان وهو الذي دلت الرواية على اعتباره في قبال العلم الوجداني ، وأمّا أن الحجة أي شيء فلا دلالة للرواية عليه ، ولا بدّ من إحراز مصاديقها من الخارج ، وقد استكشفنا حجية إخبار العدلين من اعتمادهم علیهم السلام عليه في المخاصمات ، فاذا أقمنا الدليل من السيرة أو غيرها على اعتبار خبر العدل أيضاً فلا محالة يدخل تحت كبرى الحجة وما به البيان ، ويكون معتبراً في جميع الموارد على نحو الإطلاق بلا فرق في ذلك بين الموضوعات والأحكام.
بل يمكن أن يستدل على حجية إخبار العادل في الموضوعات بمفهوم آية النبإ على تقدير أن يكون لها مفهوم. نعم ، الاستدلال على حجية الخبر في الموضوعات الخارجية بالأخبار الواردة في موارد خاصة في غاية الإشكال فلا يمكن أن يستدل عليه بما دلّ
وبقول ذي اليد وإن لم يكن عادلاً (1).
على اعتبار خبر الثقة في دعوى أن المرأة امرأته (1)، وما ورد في جواز الاعتماد على أذان المؤذن الثقة (2)وغير ذلك مما ورد في موارد معينة. فإن غاية ما يثبت بذلك هو اعتبار خبر الثقة في تلك الموارد خاصة ولا يمكن التعدي عنها إلى غيرها ، والعمدة في اعتباره هو السيرة العقلائية وهي كما مرّ غير مختصة بمورد دون مورد.
بل وعليها لا نعتبر العدالة أيضاً في حجية الخبر لأن العقلاء لا يخصصون اعتباره بما إذا كان المخبر متجنباً عن المعاصي وغير تارك للواجبات ، إذ المدار عندهم على كون المخبر موثوقاً به وإن كان فاسقاً أو خارجاً عن المذهب ، بل ولا نعتبر الوثوق الفعلي أيضاً في إخباره ، فان اللاّزم أن يكون المخبر موثوقاً به في نفسه سواء أفاد إخباره الوثوق للسامع فعلاً أم لم يفده.
وكيف كان فلا ينبغي الإشكال في اعتبار خبر العدل في الموضوعات ومع ذلك فالأولى رعاية الاحتياط.
(1) اعتبار قول ذي اليد في طهارة ما بيده ونجاسته على ما ذكره صاحب الحدائق قدس سره أمر اتفاقي بين الأصحاب ولا خلاف فيه عندهم (3)وإنما الكلام في
1) موثقة زرعة عن سماعة قال : « سألته عن رجل تزوّج أمة ( جارية ) أو تمتع بها ، فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال : إن هذه امرأتي وليست لي بيِّنة ، فقال : إن كان ثقة فلا يقربها وإن كان غير ثقة فلا يقبل منه » المروية في الوسائل 20 / 300 أبواب عقد النكاح ب 23 ح 2.
2) كما ورد في جملة من الأخبار وقد عقد لها في الوسائل باباً وفي بعضها : « المؤذن مؤتمن » وفي آخر : « المؤذنون أُمناء المؤمنين على صلاتهم وصومهم ولحومهم ودمائهم ... » المرويتين في الوسائل 5 : 378 / أبواب الأذان والإقامة ب 3 ح 2، 7. ويستفاد اعتبار أذان الثقة أيضاً عما ورد في عيون الأخبار عن أحمد بن عبد اللّه القزويني ( القروي ) عن أبيه المروية في الوسائل 4 : 281 / أبواب المواقيت ب 59 ح 2. وما رواه الفضل بن شاذان في العلل عن الرضا علیه السلام المروي في الوسائل 5 : 418 / أبواب الأذان والإقامة ب 19 ح 14.
3) الحدائق 5 : 252.
مدركه ، والمستند في ذلك هو السيرة العقلائية القطعية ، ولعلّ منشأها أن ذا اليد أعرف بطهارة ما في يده وأدرى بنجاسته ، هذا. على أنه يمكن أن يستدل على اعتبار إخباره بالطهارة بما علل به جواز الشهادة استناداً إلى اليد من أنه « لو لا ذلك لما بقي للمسلمين سوق » (1)وتقريب ذلك : أنّا نعلم بنجاسة جملة من الأشياء بالوجدان كنجاسة يد زيد ولباسه ولا سيما في الذبائح ، للعلم القطعي بنجاستها بالدم الذي يخرج عنها بعد ذبحها ، فلو لم نعتمد على إخبار ذي اليد بطهارة تلك الأشياء بعد تنجسها للزم الحكم بنجاسة أكثر الأشياء وهو يوجب اختلال النظام ، ومعه لا يبقى للمسلمين سوق.
وأمّا إخباره بالنجاسة فيمكن أن يستدل على اعتباره بالأخبار الناهية عن بيع الدهن المتنجس للمشتري إلاّ مع الاعلام بنجاسته ليستصبح به تحت السماء (2)لأنها دلت دلالة تامّة على أن إخبار البائع وهو ذو اليد بنجاسة المبيع حجة على المشتري ومعتبر في حقه ، ومعه لا يجوز للمشتري أكل الدهن المتنجس ، ولا غيره من التصرّفات المتوقفة على طهارته التي كانت جائزة في حقه لولا إعلام البائع بنجاسته فلو لم يكن إخباره حجة على المشتري لكان إخباره بها كعدمه ولم يكن لحرمة استعماله فيما يشترط فيه الطهارة وجه ، ولم أرَ من استدل بهذه الأخبار على اعتبار قول ذي اليد ، مع أنها هي التي ينبغي أن يعتمد عليها في المقام ، وأمّا غيرها من الأخبار التي استدل بها على اعتباره فلا يخلو عن قصور في سندها أو في دلالتها.
1) وهو رواية حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « قال له رجل : إذا رأيت شيئاً في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنه له؟ قال : نعم ، قال الرجل : أشهد أنه في يده ولا أشهد أنه له فلعلّه لغيره ، فقال أبو عبد اللّه علیه السلام : أفيحل الشراء منه؟ قال : نعم ، فقال أبو عبد اللّه علیه السلام : فلعلّه لغيره ، فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك ثم تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه ، ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك ثم قال أبو عبد اللّه علیه السلام لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق » المروية في الوسائل 27 : 292 / أبواب كيفية الحكم ب 25 ح 2.
2) ففي صحيحة معاوية بن وهب : « والزيت يستصبح به ». وفي موثقته : « وبينه لمن اشتراه ليستصبح به ». وفي بعض الروايات : « فأسرج به ». وفي بعضها الآخر : « فيبتاع للسراج ». المرويات في الوسائل 17 : 97 / أبواب ما يكتسب به ب 6 ح 1 ، 4 ، 3 ، 5.
منها : ما رواه عبد اللّه بن بكير قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل أعار رجلاً ثوباً فصلى فيه وهو لا يصلي فيه قال : لا يُعلمه ، قال : قلت : فإن أعلمه؟ قال : يعيد » (1)حيث دلت على أن إخبار المعير أعني من بيده الثوب بأنه مما لا يصلي فيه حجة في حق المستعير وأنه يوجب الإعادة في حقه ، إلاّ أنها قاصرة الدلالة على اعتبار قول ذي اليد ، إذ لا تجب إعادة الصلاة على من صلّى في النجس جاهلاً ثم علم بوقوعها فيه ، فضلاً عمّا إذا لم يعلم بذلك بل أخبر به ذو اليد.
ومنها : غير ذلك من الروايات فليلاحظ. وعلى الجملة إن السيرة العقلائية ولزوم الاختلال ، والأخبار الواردة في وجوب إعلام المشتري بنجاسة الدهن ، تقتضي اعتبار قول ذي اليد مطلقاً.
وقد استثني من ذلك مورد واحد وهو إخبار ذي اليد بذهاب ثلثي العصير بعد غليانه فيما إذا كان ممن يرى حلية شربه قبل ذهاب الثلثين أو كان يرتكبه لفسقه وذلك لأجل النص (2). بل وفي بعض الأخبار اشتراط الايمان والورع أيضاً في اعتبار الإخبار عن ذهاب ثلثي العصير (3)الذي هو إخبار عن حليته وعن طهارته أيضاً إذا قلنا بنجاسة العصير العنبي بالغليان ، وهذه مسألة أُخرى سنتكلّم عليها في محلّها (4)إن شاء اللّه ، والكلام فعلاً في اعتبار قول ذي اليد في غير ما قام الدليل فيه على عدم اعتباره.
1) الوسائل 1 : 488 / أبواب النجاسات ب 47 ح 3.
2) صحيحة معاوية بن عمار قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ويقول قد طبخ على الثلث وأنا أعرف أنه يشربه على النصف أفأشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال : لا تشربه ، قلت : فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث ولا يستحله على النصف ، يخبرنا أن عنده بختجاً على الثلث وقد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يشرب منه؟ قال : نعم. المروية في الوسائل 25 : 293 / أبواب الأشربة المحرمة ب 7 ح 4.
3) ففي موثقة عمار : « إن كان مسلماً ورعاً ( مأموناً ) فلا بأس » وفي رواية على بن جعفر عن أخيه علیه السلام « لا يصدق إلاّ أن يكون مسلماً عارفاً » المرويتين في الوسائل 25 : 294 / أبواب الأشربة المحرمة ب 7 ح 6 ، 7.
4) ذيل المسألة [370] السادس : ذهاب الثلثين ....
ولا تثبت بالظن المطلق على الأقوى (1).
[130] مسألة 7 : إذا أخبر ذو اليد بنجاسته وقامت البيِّنة على الطهارة قدّمت البيِّنة (1)(2). وإذا تعارض البيِّنتان تساقطتا إذا كانت بيِّنة الطهارة مستندة إلى العلم وإن كانت مستندة إلى الأصل تقدّم بيِّنة النجاسة (3).
(1) قد تقدّم الكلام في وجه ذلك ، فراجع.
(2) فان قلنا إن البيِّنة بما هي لا اعتبار بها والمعتبر هو إخبار العادل والثقة وبهذا صارت البيِّنة أيضاً حجة ، لأنها إخبار عادل انضم إليه إخبار عادل آخر ، فأخبار ذي اليد متقدم على البيِّنة وذلك : لأن مدرك اعتبار الخبر الواحد هو السيرة وبناء العقلاء ومن الظاهر أنه لا بناء منهم على اعتباره عند معارضة أخبار ذي اليد ، ومن هنا لا يعتنى بإخبار العادل إذا أخبر بغصبية ما في يد أحد أو بوقفيته.
وأمّا إذا قلنا باعتبار البيِّنة بما هي بيِّنة ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله كان يقضي بالحجج وقد طبّقها على شهادة عدلين ، فالبينة تتقدم على إخبار ذي اليد لإطلاق دليل اعتبارها ، وقد كان النبي صلی اللّه علیه و آله يقدّمها على قول ذي اليد في موارد المخاصمة وكان يقضي فيها بالبيِّنات. مع أن الغالب فيها قيام البيِّنة على خلاف قول ذي اليد. وهذه ثمرة مهمة بين القول باعتبار البيِّنة بما هي ، والقول باعتبارها من أجل حجّية خبر العادل.
(3) إذا قامت بيِّنة على نجاسة شيء وبيِّنة اخرى على طهارته فلا يخلو : إما أن تستند إحدى البيِّنتين إلى العلم الوجداني وثانيتهما إلى الأصل بناء على جواز الشهادة استناداً إلى الأصل ، وإمّا أن يستند كل منهما إلى الأصل ، وإما أن يستندا إلى العلم الوجداني فالصور ثلاث :
1) (*) هذا إذا علم أو احتمل استناد البيِّنة إلى الحس أو ما بحكمه ، وبذلك يظهر الحال في بقية المسائل.
[131] مسألة 8 : إذا شهد اثنان بأحد الأمرين وشهد أربعة بالآخر (1) يمكن بل لا يبعد (1)تساقط الاثنين بالاثنين ، وبقاء الآخرين.
أمّا الصورة الاولى : فلا كلام في أن البيِّنة المستندة إلى العلم متقدمة على البيِّنة الأُخرى المستندة إلى الأصل ، لأن الأصل إنما يجري مع الشك ، ولا شك مع قيام البيِّنة على طهارة شيء أو نجاسته ، فلا مستند للشهادة في البيِّنة المستندة إلى الأصل.
وأمّا الصورة الثانية : وهي صورة استناد البينتين إلى الأصل ، فإن استندت بيِّنة الطهارة إلى أصالة الطهارة ، واستندت بيِّنة النجاسة إلى الاستصحاب قدمت بيِّنة النجاسة ، فإنّه تثبت بها النجاسة السابقة فيجري في مورده الاستصحاب ، وهو حاكم على أصالة الطهارة. وإن استند كل منهما إلى الاستصحاب فلا محالة يقع التعارض بينهما بالإضافة إلى الحالة السابقة ، فإن إحدى البينتين تخبر بالدلالة الالتزامية عن نجاسة الشيء سابقاً كما أن البيِّنة الأُخرى تخبر عن طهارته السابقة بالدلالة الالتزامية ومن الظاهر أن الشيء الواحد يستحيل أن يتصف بحالتين متضادتين في زمان واحد فتتعارض البيِّنتان وتتساقطان بالمعارضة ، ويرجع إلى قول ذي اليد إن كان ، أو إلى غيره من مثبتات الطهارة أو النجاسة.
وكذلك الحال في الصورة الثالثة أعني صورة استناد البينتين إلى العلم الوجداني لأن الشيء الواحد لا يمكن أن يكون طاهراً ونجساً في زمان واحد فتتعارض البيِّنتان وتتساقطان ، لما قدّمناه في محله من أن دليل الاعتبار لا يشمل كلا المتعارضين لاستحالة اجتماع الضدين أو النقيضين ، ولا أحدهما المعيّن لأنه بلا مرجح ، ولا أحدهما لا بعينه لأنه ليس فرداً ثالثاً غيرهما ، سواء أكانت الشبهة موضوعية أم كانت حكمية فلا بدّ من الرجوع إلى غير البيِّنة من المثبتات.
(1) بأن كان عدد إحدى البينتين أكثر من عدد الأُخرى ، وقد احتمل في المتن بل لم
1) (*) بل هو بعيد جدّاً.
يستبعد تقديم بيِّنة الأكثر بدعوى : أن الاثنين يعارض الاثنين من الأربعة فيبقى الاثنان الآخران منها سليماً عن المعارض.
إلاّ أن هذه الدعوى لا يمكن تتميمها بدليل ، وذلك لأن دليل اعتبار البيِّنة إنما دل على اعتبار الشهادات والبيِّنات الخارجية ، ومن الظاهر أنه يستحيل أن يشمل كل بيِّنة خارجية حتى ما كان منها متعارضاً ، لأن شموله لأحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح ، وشموله لهما مستلزم للجمع بين المتناقضين أو الضدين فلا محيص من سقوط المتعارضين عن الاعتبار ، ونسبة دليل الاعتبار إلى كل من الأكثر والأقل على حد سواء ، فان كل اثنين من الأربعة تعارض شهادتهما شهادة البيِّنة الأُخرى ، فمقتضى المعارضة سقوط المتعارضين عن الاعتبار كانا متساويين في العدد أم كانا مختلفين.
وعلى الجملة حال البيِّنتين المتعارضتين حال الخبرين المتعارضين ، فكما أن رواية إذا عارضها روايتان لا يمكن أن يقال : إن واحدة منهما تعارض الرواية الواحدة وتبقى الثانية سليمة عن المعارض ، لأن نسبة دليل الاعتبار إلى كل من المتعارضين على حد سواء ، والرواية الواحدة معارضة لكل من الروايتين فيسقط المتعارضان معاً عن الاعتبار ، فكذلك الحال في البيِّنتين المتعارضتين ، ومن الغريب أنه قدس سره لم يلتزم بذلك في الخبرين والتزم به في المقام.
نعم ، ذكرنا في محلّه أن إحدى الروايتين المتعارضتين إذا كانت مشهورة أي واضحة وظاهرة عند الجميع سقطت النادرة من الاعتبار إلاّ أن هذا أجنبي عن الترجيح بالأكثرية ، حيث إنها لا توجب سقوط معارضها عن الاعتبار فالشهرة الموجبة للترجيح أو السقوط بمعنى الظهور والوضوح لا بمعنى الكثرة العددية.
أجل ، ورد في بعض فروع القضاء وهو ما إذا ادعى أحد مالاً على آخر وأقام بيِّنة وأقام من عليه المال أيضاً بيِّنة على خلاف المدعي ، ووصلت النوبة إلى الاستحلاف ولم يكن ترجيح لأحدهما على الآخر ، أن الحلف يتوجه إلى من كانت بينته أكثر (1)
1) صحيحة أبي بصير قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل يأتي القوم فيدعي داراً في أيديهم ويقيم البيِّنة ، ويقيم الذي في يده الدار البيِّنة أنه ورثها عن أبيه ولا يدري كيف كان أمرها؟ قال : أكثرهم بيِّنة يستحلف وتدفع إليه » المروية في الوسائل 27 : 249 / أبواب كيفية الحكم ب 12 ح 1.
[132] مسألة 9 : الكرية تثبت بالعلم والبيِّنة (1) وفي ثبوتها بقول صاحب اليد وجه (1)وإن كان لا يخلو عن إشكال (2).
ولكن ذلك ليس من جهة أن الكثرة العددية توجب سقوط معارضتها عن الاعتبار وإلاّ لم تصل النوبة إلى الاستحلاف بل هو من جهة الترجيح في الاستحلاف مع فرض بقاء البينتين على اعتبارهما في ذاتهما ، وفي بعض الروايات أن الاستحلاف يستخرج بالقرعة (2). وكيف كان الترجيح بالكثرة العددية لا يرجع إلى محصل.
(1) إذ لا امتياز للكرية من بين سائر الموضوعات الخارجية فلا إشكال في أنها تثبت بالبينة كما تثبت بالعلم الوجداني.
(2) التحقيق أن الكرية لا تثبت باخبار ذي اليد ، ولا تقاس الكرية بالطهارة والنجاسة ، حيث إنّا أثبتنا اعتبار قوله فيهما بالسيرة المستمرة إلى زمانهم علیهم السلام وببعض الأخبار المتقدمة ، وأمّا في المقام فلم ترد فيه رواية وأمّا السيرة فهي أيضاً غير متحققة ، فإن السيرة العملية مقطوعة العدم إذ الكرية بالكيفية المتعارفة في زماننا لم تكن ثابتة في زمانهم علیهم السلام حتى يقال بأن السيرة العملية جرت على قبول قول ذي اليد في الكرية ، فلو أخبر مالك الدار عن أن الماء الموجود في الحوض كر لا دليل على اعتبار قوله.
وأمّا دعوى السيرة الارتكازية بتقريب أن المتشرعة بارتكازهم لا يفرّقون في قبول قول ذي اليد بين الطهارة والكرية ، وأن الكرية أيضاً لو كانت متحققة في زمانهم علیهم السلام لكانوا يعتمدون على إخباره بالكرية نظير الإجماع التقديري الذي ادعاه شيخنا الأنصاري قدس سره في دليل الانسداد (1).
فهي أيضاً لا ترجع إلى ركن وثيق وذلك : لأن الارتكاز إن رجع إلى المكلفين بأنفسهم كان حكمه حكم الأُمور الموجودة خارجاً ، نظير اشتراط التساوي في المالية في باب المعاملات ، لأن المعاملة مبادلة في أشخاص العوضين مع التحفظ على مقدار ماليتهما ، حيث إن البشر يحتاج إلى تبديل الأعيان بالضرورة لاحتياج بعضهم إلى اللباس وآخر إلى الفراش ، وثالث إلى المأكول ، فيتبادلون لرفع احتياجاتهم مع التحفظ على مالية الأموال ، فاشتراط التساوي بين العوضين أمر ارتكازي للعقلاء بأنفسهم ، فلو باع ما يسوى فلساً بدرهم يثبت للمشتري خيار تخلف الشرط الارتكازي وهو كالشرط المصرح به حقيقة ، وبهذا أثبتنا خيار الغبن في محله حيث لم نجد دليلاً آخر عليه هذا ، فيما إذا كان الارتكاز راجعاً إلى نفس المكلفين.
وأمّا إذا لم يرجع إلى المكلفين بأنفسهم فلا اعتبار به وهذا كالارتكاز على قبول قول ذي اليد في الإخبار عن الكرية ، إذ السيرة بما هي لا تكون حجة بل يتوقف اعتبارها على أمر آخر أجنبي عن المكلفين ، وهو تقريرهم وعدم ردعهم علیهم السلام عنها ، واستكشاف ذلك إنما يمكن فيما إذا كان العمل بمرأى ومسمع منهم علیهم السلام فان في مثله إذا لم يردعوا عنها استكشف عنه إمضاؤهم بذلك العمل وهذا غير متحقق في السيرة الارتكازية ، لأنّا لو سلمنا أن المتشرعة في عصرهم علیهم السلام لو أخبرهم ذو اليد بكرية ماء لعملوا به لم يترتب على ذلك أثر شرعي فإن السيرة بما هي لا حجية فيها كما مر بل تتوقف على الإمضاء وعدم الردع عنها ، ولا علم لنا بأن الأئمة لم يكونوا يردعون عن عملهم بإخبار ذي اليد عن الكرية
1) فرائد الأُصول 1 : 184.
كما أن في إخبار العدل الواحد أيضاً إشكالاً (1)(1).
[133] مسألة 10 : يحرم شرب الماء النجس إلاّ في الضرورة
على تقدير تحقّقها في زمانهم ، فالإنصاف أن السيرة في الكرية غير تامّة.
ويزيد هذا الاشكال ويقوى في إخبار ذي اليد عما هو خارج عن تحت اختياره بالقبلة في داره أو في غيرها ، لأن الدار وإن كانت تحت يده إلاّ أن كون الكعبة في هذا الطرف أو في الجانب الآخر أمر أجنبي عنه بالمرة فلا تثبت القبلة باخباره ، اللّهم إلاّ أن يوجب الوثوق أو كان المخبر بنفسه موثوقاً به.
(1) قد عرفت عدم الإشكال في اعتبار خبر العدل الواحد في الموضوعات الخارجية كالأحكام ، وأسلفنا أن الكرية لا امتياز لها عن بقية الموضوعات وعليه فخبر العدل الواحد مما لا إشكال في اعتباره في الكرية كغيرها.
(2) للروايات المتضافرة (2)وإن لم ينقل صاحب الوسائل في هذا الباب غير رواية
1) (*) ولا يبعد ثبوتها به بل باخبار مطلق الثقة.
2) كصحيحة حريز ورواية أبي خالد القماط الناهيتين عن شرب الماء الذي تغيّر بريح الجيفة أو بغيرها من النجاسات المرويتين في الوسائل 1 : 137 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 1 ، 4 ونظيرهما موثقة سماعة المروية في الباب المذكور [ ح 6 ] وصحيحة علي بن جعفر وموثقة سعيد الأعرج الناهيتان عن شرب ماء الجرة التي فيها ألف رطل وقع فيه أوقية بول أو التي تسع مائة رطل يقع فيها أوقية من دم ، المرويتان في الوسائل 1 : 156 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 16 ، 8. وموثقتا سماعة وعمار الساباطي الآمرتان بإهراق الماءين اللذين وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو والتيمم بعد ذلك المرويتان في الوسائل 1 : 151 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 2، 14. وموثقة أبي بصير حيث ورد في ذيلها : « فإن أدخلت يدك في الماء وفيها شيء من ذلك ( قذر بول أو جنابة ) فأهرق ذلك الماء ». ونظيرها صحيحة ابن أبي نصر وموثقة سماعة المرويات في الوسائل 1 : 152 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 1. 7 ، 10 فان الماء النجس لو جاز شربه لم يكن لأمره علیه السلام بالإهراق في تلك الروايات وجه إلى غير ذلك من الأخبار.
ويجوز سقيه للحيوانات (1) بل وللأطفال أيضاً (2).
واحدة (1)على أن حرمة شرب الماء النجس مما لم يقع فيه خلاف بين الأصحاب بل كادت أن تلحق بالواضحات.
(1) وهذا للاتفاق على جواز سقي الماء النجس للحيوانات ، لأنها خارجة عن سنخ البشر ولم يدلنا دليل على حرمة سقيه للحيوان. نعم ، لا تبعد كراهته كما تستفاد من بعض الأخبار (2).
(2) قد وقع الإشكال في جواز سقي الماء النجس للأطفال بعد الاتفاق على جواز سقيه للحيوان وعلى حرمة سقيه للمكلفين. وربما قيل بعدم الجواز نظراً إلى أن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد الواقعيتين ، وحرمة شرب النجس على المكلفين تكشف عن وجود مفسدة في شربه ، وعليه فلا يجوز سقيه للأطفال لأنهم وإن لم يكلفوا بالاجتناب عن شربه ، لعدم قابليتهم للتكليف إلاّ أن مفسدة شربه باقية بحالها ، ولا يرضى الشارع بإلقاء الأطفال في المفسدة.
وللمناقشة في ذلك مجال واسع :
أمّا أوّلاً : فلأن المفاسد والمصالح إنما نعترف بهما في الأحكام أو في متعلقاتها ، ومع عدم الحكم لا طريق إلى كشف المفسدة والمصلحة ، ولعلّ المفسدة مختصة بالشرب
1) وهي موثقة سعيد الأعرج التي قدمنا نقلها وقد رواها في الوسائل في الباب المتقدم وأيضاً في ص 169 ب 13 ح 2.
2) هو ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن البهيمة تسقى أو تطعم ما لا يحل للمسلم أكله أو شربه أيكره ذلك؟ قال : نعم ، يكره ذلك » المروية في الوسائل 25 : 309 / أبواب الأشربة المحرمة ب 10 ح 5.
الصادر عن المكلفين فلا مفسدة في شرب الأطفال أصلاً ، فحكمه حكم شرب الماء الطاهر بالإضافة إليهم.
وأمّا ثانياً : فلأ لو سلمنا وجود المفسدة في شرب غير المكلفين فلا نسلم أنها بمرتبة تقتضي حرمة التسبيب إليها ، فلا يحرم على المكلفين إيجادها بواسطة الأطفال والمجانين وذلك لأن المفسدة الكائنة في الأفعال على نحوين :
فتارة : تبلغ مفسدتها من الشدة والقوة مرتبة لا يرضى الشارع بتحققها خارجاً ولو بفعل غير المكلفين ، وهذا نظير شرب الخمر حيث يحرم سقيه الصبيان ، وفي مثله يجب الردع والزجر فضلاً عن جواز التسبيب إليه ، وكذا في مثل اللواط والزنا ونظائرهما ، وقد لا يرضى بمطلق وجوده وصدوره ولو من غير الإنسان فضلاً عن الأطفال كما في القتل فإنّه مبغوض مطلقاً ولا يرضى بصدوره ولو كان بفعل حيوان أو جماد ، فيجب على المكلفين ردع الحيوان ومنع الجماد عن مثله.
وأُخرى : لا تبلغ المفسدة تلك الدرجة من الشدّة ، وفي مثلها لم يدل دليل على حرمة إيجادها بفعل غير المكلفين ، لأن المبغوض إنما هو صدورها عن المكلفين ، ولا دليل على مبغوضية مطلق وجودها عند الشارع ، وما نحن فيه من هذا القبيل حيث لم يقم دليل على مبغوضية شرب النجس على الإطلاق فلا مانع من سقيه للأطفال ، ولا سيما إذا كانت النجاسة مستندة إلى نفس الأطفال ، لتنجس أيديهم أو أفواههم الموجب لتنجس الماء بملاقاتهما ، هذا كله في السقي.
وهل يجب الإعلام بنجاسته إذا شربه أحد المكلفين جهلاً أو نسياناً؟
الظاهر عدم وجوبه ، وذلك لعدم الدليل عليه ، لأن أدلّة وجوب النهي عن المنكر مختصة بما إذا كان الفاعل عالماً ملتفتاً إلى حرمة عمله ، بل قد تجب مدافعته حينئذٍ وردعه مع تحقق شرائطه ، وأمّا إذا صدر عن الجاهل بحرمته فلم يدل دليل على وجوب إعلامه وردعه ، ولو مع العلم بفعلية المفسدة في حقه ، لأنه لا يصدر على وجه مبغوض لجهل فاعله وهو غير محرم عليه ظاهراً ، فلا يدخل اعلامه تحت عنوان
ويجوز بيعه مع الإعلام (1).
النهي عن المنكر لعدم كون الفعل منكراً في حقه ، ولا تحت عنوان تبليغ الأحكام الكلية الإلهية وهو ظاهر.
هذا كلّه في موارد إباحة الفعل ظاهراً وأظهر منه الحال في موارد الإباحة الواقعية كما إذا صدر الفعل عن نسيان أو غفلة ، فإن الناسي والغافل غير مكلّفين واقعاً ، ولا يصدر الفعل عنهما على وجه حرام.
وهل يحرم التسبيب إلى شرب الماء النجس وإصداره عن المكلّفين ، كما إذا قدّم الماء النجس إلى غيره ليشربه وهو جاهل؟
الأوّل هو الصحيح ، لأن التسبيب إلى الحرام حرام وإن قلنا بعدم وجوب الاعلام وذلك : لأن النهي المتعلق بشيء يدلنا بحسب الارتكاز العرفي أن مبغوض الشارع مطلق وجوده سواء أكان مستنداً إلى المباشرة أم إلى التسبيب ، فاذا نهى السيد عبده عن الدخول عليه فيستفاد منه بالارتكاز العرفي أن المبغوض عنده مطلق الدخول سواء أكان بمباشرة العبد كما إذا دخل عليه بنفسه أم كان بتسبيبه ، كما إذا غرّ غيره وأدخله على مولاه ، وقد ذكرنا في محله أن الأخبار الناهية عن بيع الدهن المتنجس إلاّ مع الإعلام للمشتري (1)شاهدة على أن النهي عن عمل يكشف عن مبغوضية إيجاده على الإطلاق من دون فرق في ذلك بين صدوره عنه بالمباشرة وصدوره بالتسبيب.
(1) وهو كما أفاده في المتن ، وتفصيل الكلام فيه موكول إلى محلّه (2). ويأتي إجمال القول فيه عند تعرّض الماتن لحكم بيع الميتة إن شاء اللّه.
الماء المستعمل في الوضوء طاهر مطهِّر من الحدث والخبث (1).
فصل في الماء المستعمل
(1) قد يستعمل الماء في تنظيف البدن أو اللباس أو غير ذلك من القذارات العرفية من دون أن يحكم بنجاسته ، وقد يستعمل في إزالة الخبث مع الحكم بنجاسته ، وهذان القسمان لا خلاف في حكمهما ، فإن الأول طاهر ومطهّر بخلاف الثاني ، وفي غير ذلك قد يستعمل الماء في رفع الحدث الأصغر ، وقد يستعمل في ما لا يرتفع به الحدث أو الخبث وهذا كالغسل المندوب دون أن يكون المغتسل محدثاً بالأكبر ، أو كان محدثاً به ولكنه بنينا على عدم ارتفاعه به ، وكالوضوء التجديدي. وقد يستعمل في رفع الحدث الأكبر وقد يستعمل في رفع الخبث من دون أن يحكم بنجاسته كماء الاستنجاء فهذه أقسام أربعة ، ويقع الكلام هنا في القسم الأول ، وهو الماء المستعمل في الوضوء وسيجيء الكلام على الأقسام الأُخر إن شاء اللّه. فنقول :
لا ينبغي الإشكال في طهارة الماء المستعمل في رفع الحدث الأصغر وجواز استعماله في الوضوء والغسل ثانياً ، لإطلاقات طهارة الماء ، ومطهّريته ، ولما ورد في ذيل رواية أحمد بن هلال الآتية (1)حيث قال : « وأمّا الماء الذي يتوضأ الرجل به فيغسل به وجهه ويده في شيء نظيف فلا بأس أن يأخذه غيره ويتوضأ به » (2)ولما ورد في بعض
وكذا المستعمل في الأغسال المندوبة (1)
الأخبار من أن النبي صلی اللّه علیه و آله كان إذا توضأ أخذ ما يسقط من وضوئه فيتوضؤون به (1)إلى غير ذلك من الأخبار.
وعلى الجملة أن طهارة المستعمل في الوضوء من ضروريات الفقه بل قيل إنها من ضروريات المذهب.
نعم ، نسب إلى أبي حنيفة (2)القول بنجاسته نجاسة مغلّظة تارة ومخففة اخرى وإن حكي عنه القول بطهارته أيضاً إلاّ أن الحكاية ضعيفة ، والذي نقله ابن حزم وغيره عنه هو القول بنجاسته نجاسة مغلّظة أو مخففة ، وهو عجيب غايته فإنّه لا مسوّغ للقول بنجاسته فضلاً عن الحكم بغلظتها أو بخفتها. وربما فصل بين ما إذا كان الماء المستعمل بمقدار كثير فحكم بنجاسته ، وما إذا كان بمقدار يسير كالقطرات المترشحة منه على الثوب أو البدن فحكم بطهارته منّة منه على الناس فان نجاسته حرجية.
(1) هذا هو القسم الثاني من أقسام الماء المستعمل ، وهو الماء الذي يستعمل على وجه الندب أو الوجوب من غير أن يرتفع به حدث أو خبث ، وهذا كالمستعمل في الغسل الواجب بنذر وشبهه والمستعمل في الأغسال المستحبة وفي الوضوء ندباً كالوضوء التجديدي ، فإن الماء لم يستعمل في شيء من هذه الموارد في رفع الحدث أو الخبث. أمّا بالنسبة إلى الوضوء التجديدي فالأمر ظاهر ، وأمّا بالنسبة إلى الأغسال المستحبة سواء وجبت بالعارض أم لم تجب فعدم ارتفاع الحدث بها إما لفرض أن
المغتسل لم يكن محدثاً ، أو من جهة البناء على أنها لا تؤثر في رفع الحدث ، وسيأتي الكلام على هذا في محلّه (1).
وحكم هذا القسم حكم الماء غير المستعمل ، فيصح استعماله في رفع الحدث بكلا قسميه كما يكتفى به في إزالة الأخباث. وبالجملة أن حاله بعد الاستعمال كحاله قبله فلا مانع من استعماله ثانياً فيما قد استعمل فيه أوّلاً من الغسل المستحب والوضوء التجديدي وهكذا ثالثاً ورابعاً ... والوجه في ذلك هو إطلاقات مطهرية الماء ، هذا.
وقد نسب إلى المفيد قدس سره استحباب التنزه عن المستعمل في الطهارة المندوبة من الغسل والوضوء بل المستعمل في الغسل المستحب كغسل اليد للأكل (2)وأورد عليه الأصحاب بأنه لا دليل من الأخبار ولا من غيرها على استحباب التنزه عن الماء المستعمل ، وأجاب عن ذلك شيخنا البهائي قدس سره في الحبل المتين (3)بأن المستند فيما ذكره المفيد هو ما رواه محمد بن علي بن جعفر عن الرضا علیه السلام في حديث قال : « من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومن إلاّ نفسه ... » (4)فإن إطلاق الغسل في قوله « من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه ... » يعم الغسل الواجب والمندوب ، وتعجب عن أن الأصحاب كيف لم يلتفتوا إلى هذا الحديث قائلاً بأن أكثرهم لم يتنبهوا له.
وأورد عليه في الحدائق (5)بأن صدر الرواية وإن كان مطلقاً كما عرفت إلاّ أن ذيلها قرينة على أن مورد الرواية إنما هو ماء الحمام ، حيث ورد في ذيلها : « فقلت : إن أهل المدينة يقولون : إن فيه شفاء من العين فقال : كذبوا ، يغتسل فيه الجنب من الحرام والزاني والناصب الذي هو شرهما وكل من خلق اللّه ، ثم يكون فيه شفاء من العين » وعليه فظاهر الرواية كراهة الاغتسال من ماء الحمام الذي يغتسل فيه الجنب وغيره
من المعدودين في الحديث ، ولا دلالة لها على كراهة الاغتسال في مطلق الماء المستعمل في الغسل.
هذا على أن الرواية على تقدير تمامية الاستدلال بها مختصة بكراهة الاغتسال من المستعمل في الغسل ، ولا دلالة لها على كراهة الغسل من المستعمل في الوضوء ، وقال : إن الاستدلال بصدر الرواية من دون ملاحظة أن ذيلها قرينة على صدرها من أحد المفاسد المترتبة على تقطيع الحديث ، وفصل بعضه عن بعض ، فما ذكره المفيد قدس سره مما لا دليل عليه.
ولكن الإنصاف أن ذيل الرواية أجنبي عن صدرها ، وهما أمران لا قرينية في أحدهما على الآخر ، وبما أن صدرها مطلق فلا مانع من أن يعتمد عليه ، ويكون هو المدرك لقول المفيد قدس سره كما ذكره البهائي قدس سره .
نعم ، يمكن المناقشة في دلالة الرواية على استحباب التنزه من الماء المستعمل بوجه آخر ، وهو أن هذه الرواية ونظائرها إنما وردت لإرشاد الناس إلى الأخذ بمصالحهم والتجنب عما يضرهم ، ومن جملته الاحتفاظ على صحة أبدانهم بالاجتناب عن استعمال ما اجتمعت فيه الأوساخ التي قد تؤدي إلى سراية الأمراض ، والقرآن كما أنه متكفل بإرشاد البشر إلى المصالح الأُخروية والدنيوية ، ومكمّل لنظامهما على وجه أتم كذلك الأئمة علیهم السلام فإنّهم أقران الكتاب ينظرون إلى جهات المصالح والمفاسد كلّها ، ومن أهمها جهة التحفظ على الصحة ، ونظير هذه الرواية ما ورد : من أن شرب الماء في الليل قاعداً كذا وقائماً كذا (1).
ولكنه لا دلالة في شيء منها على استحباب تلك الأُمور ولا على كراهة خلافها لأنها كما عرفت في مقام الإرشاد ولم ترد لبيان الحكم المولوي ، ومن هنا نتعدّى من
1) ففي المحاسن عن محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال أمير المؤمنين علیه السلام : « لا تشربوا الماء قائماً ». وفي رواية السكوني عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « شرب الماء من قيام بالنهار أقوى وأصح للبدن ». وفي مرسلة الصدوق : « أنه أدرّ للعروق وأقوى للبدن ». راجع الوسائل 25 : 242 / أبواب الأشربة المباحة ب 7 ح 12 ، 1 ، 7.
وأمّا المستعمل في الحدث الأكبر فمع طهارة البدن لا إشكال في طهارته ورفعه للخبث (1) والأقوى جواز استعماله في رفع الحدث أيضاً وإن كان الأحوط مع وجود غيره التجنب عنه (2).
مورد الحديث الرضوي إلى كل مورد فيه احتمال سراية المرض من الجذام أو غيره كالتوضؤ ممّا اغتسل فيه غيره كما نتعدّى إلى مطلق الماء المستعمل ولو في غير الأغسال الشرعية ، كالمستعمل في الغسل العرفي.
وعلى الجملة أن التجنب عن مطلق الماء المستعمل أولى لأنه يمنع عن سراية الأمراض ، وعليه يتم ما أورده الأصحاب في المقام من أنه لا مدرك لما ذهب إليه المفيد قدس سره .
(1) هذا هو القسم الثالث من أقسام الماء المستعمل ولا اشكال ولا كلام في طهارته وفي كفايته في رفع الخبث لإطلاقات طهورية الماء ، ولم يخالف في ذلك أحد من الأصحاب غير ابن حمزة في الوسيلة حيث نسب إليه القول بنجاسته (1)وهو من الغرابة بمكان.
(2) وقع الكلام في أن الماء المستعمل في الحدث الأكبر هل يرتفع به الحدث ثانياً وثالثاً وهكذا؟
فقد يقال بعدمه بدعوى : أن الوضوء والغسل يشترط فيهما أن لا يكون الماء مستعملاً في الحدث الأكبر قبل ذلك. وهذه الدعوى على تقدير تماميتها تختص بما إذا كان المستعمل قليلاً ، وأمّا إذا كان عاصماً كالكر والجاري ونحوهما فالظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في جواز رفع الحدث به ثانياً وثالثاً وهكذا.
1) الوسيلة : 74.
ويدلُّ عليه السيرة المستمرة المتصلة بزمان المعصومين علیهم السلام إذ الخزانات في الحمّامات المتعارفة في زماننا هذا المشتملة على أضعاف الكر من الماء ، وإن لم تكن موجودة في زمانهم علیهم السلام فان المتعارف في الحمامات في تلك الأزمنة إنما كان هو الأحواض الصغيرة المتصلة بموادها الجعلية بالأنابيب أو بغيرها ، إلاّ أن المياه المجتمعة في الغدران في الطرق والفلوات المشتملة على أزيد من الكر بكثير مما لا سبيل إلى إنكار وجودها في زمانهم. وقد تكاثرت الأسئلة عن حكم اغتسال الجنب في تلك المياه وأجابوا علیهم السلام بصحة الغسل فيها على نحو الإطلاق اغتسل فيها جنب قبل ذلك أم لم يغتسل وهي تكشف عن أن الاغتسال فيها كان متعارفاً عندهم.
ففي صحيحة صفوان بن مهران الجمال قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الحياض التي ما بين مكة إلى المدينة تردها السباع ، وتلغ فيها الكلاب وتشرب منها الحمير ، ويغتسل فيها الجنب ويتوضأ منها؟ قال : وكم قدر الماء؟ قال : إلى نصف الساق وإلى الركبة ، فقال : توضأ منه » (1). ومن الظاهر أن الماء في الغدران إذا بلغ نصف الساق أو الركبة فلا محالة يزيد عن الكر بكثير ، وكيف كان فلا إشكال في صحة الغسل والوضوء في المياه المعتصمة وإن اغتسل فيها من الجنابة.
وإنما الكلام في صحة الغسل أو الوضوء ثانياً من الماء القليل المستعمل في رفع الحدث الأكبر وانّه هل يتحمل القذارة المعنوية بحيث لا يصلح لرفع الحدث ثانياً أو أنه باق على نظافته؟ وقد وقع هذا محلا للخلاف بين الأعلام والمشهور جواز استعماله في رفع الحدث ثانياً وثالثاً.
وعن الصدوقين (2)والمفيد (3)والشيخ الطوسي (4)وغيرهم 5 عدم الجواز ، وقد استدل عليه بعدّة روايات أظهرها رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه
( علیه السلام ) « قال : لا بأس بأن يتوضأ بالماء المستعمل ، فقال : الماء الذي يغسل به الثوب ، أو يغتسل به الرجل عن الجنابة لا يجوز أن يتوضأ منه وأشباهه ، وأمّا [ الماء ] الذي يتوضأ الرجل به فيغسل به وجهه ويده في شيء نظيف ، فلا بأس أن يأخذه غيره ويتوضأ به » (1). وهي قد دلت على عدم جواز الوضوء والغسل بالماء المستعمل في رفع الحدث مطلقاً كان الحدث جنابة أو حيضاً أو غيرهما بناء على أن قوله « وأشباهه » معطوف على الضمير المجرور ، ولذا ذكرنا أنها أظهر من غيرها فإن سائر الروايات على تقدير تماميتها تختص بالمستعمل في غسل الجنابة.
والكلام في هذه الرواية يقع في موضعين :
أحدهما : في سندها.
ثانيهما : في دلالتها.
أمّا الموضع الأوّل : فقد نوقش فيه بضعف الرواية لأن في سندها أحمد بن هلال العبرتائي وقد طعن فيه من ليس من دأبه الخدشة في السند ، حيث إن الرجل نسب إلى الغلو تارة وإلى النصب اخرى وقال شيخنا الأنصاري : وبعد ما بين المذهبين لعلّه يشهد بأنه لم يكن له مذهب رأساً. وقد صدر عن العسكري علیه السلام اللعن في حقه (2)فهو ملعون زنديق فالرواية ساقطة عن الاعتبار ، هذا وقد تصدى شيخنا الأنصاري قدس سره لإبداء القرائن على أن الرواية موثقة وإن كان أحمد بن هلال ملعوناً لا مذهب له.
1) الوسائل 1 : 215 / أبواب الماء المضاف ب 9 ح 13.
2) عن الكشي فيما نقله عن القسم بن العلاء أنه خرج إليه : « قد كان أمرنا نفذ إليك في المتصنع ابن هلال ، لا رحمه اللّه بما قد علمت لم يزل لا غفر اللّه له ذنبه ، ولا أقاله عثرته ، يداخل في أمرنا بلا اذن منّا ولا رضى ، يستبد برأيه فيتحامى من ذنوب ، لا يمضي من أمرنا إياه إلاّ بما يهواه ويريد ، أرداه اللّه بذلك في نار جهنم فصبرنا عليه حتى بتر اللّه بدعوتنا عمره ، وكنّا قد عرّفنا خبره قوماً من موالينا في أيامه. لا رحمه اللّه وأمرناهم بإلقاء ذلك إلى الخاص من موالينا ، ونحن نبرأ إلى اللّه من ابن هلال ، لا رحمه اللّه ومن لا يبرأ منه ، وأعلم الإسحاقي سلمه اللّه وأهل بيته بما أعلمناك من حال هذا الفاجر ». المجلد 1 من تنقيح المقال ص 99.
القرينة الاولى : أن الراوي عن أحمد بن هلال هو الحسن بن علي وهو من بني فضال ، وقد ورد عن العسكري علیه السلام الأمر بأخذ رواياتهم فيجب الأخذ برواية الحسن بن علي ، وقد ذكر قدس سره نظير ذلك في رواية داود بن فرقد (1)الواردة في باب توقيت الصلاة الدالّة على اختصاص أول الوقت بالظهر وآخره بالعصر ، حيث وثقها بأن الرواية وإن كانت ضعيفة في نفسها إلاّ أن أحد رواتها من بني فضال وقد أُمرنا بالأخذ برواياتهم.
هذا ، ثم أضاف على ما ذكره في المقام أنه يمكن أن يوثق الرواية بوجه آخر ، وهو أن حسين بن روح قد استدل على اعتبار كتب الشلمغاني بما ورد عن العسكري علیه السلام في حق بني فضال فقال : أقول في حق الشلمغاني ما قاله العسكري علیه السلام في بني فضال من قوله : « خذوا ما رووه وذروا ما رأوه » فكما أنه طبّق كلامه علیه السلام على الشلمغاني مع أنه خارج عن مورد النص ، فكذلك نحن لا بأس بأن نطبّق كلامه علیه السلام على أحمد بن هلال فان تعدي حسين بن روح عن مورد النص يكشف عن عدم خصوصية في ذلك لبني فضال. وعلى الجملة أن الرجل ممن ينطبق عليه كلام العسكري علیه السلام كما كان ينطبق على الشلمغاني.
وللمناقشة في ما أفاده مجال واسع وذلك :
أمّا أوّلاً : فلأن الحسن بن علي الواقع في سند الرواية لم يعلم أنه من بني فضال ، بل ربّما يستظهر عدم كونه منهم لاختلاف الطبقة فراجع.
وأمّا ثانياً : فلأجل أن المستفاد مما ذكره علیه السلام في بني فضال أن الخروج عن الاستقامة إلى الاعوجاج غير قادح في صحة الرواية إذا كانت روايته حال الاستقامة ، فحالهم فيما رووه حال سائر الرواة الموثقين كزرارة ومحمد بن مسلم وأضرابهما ممن تقبل رواياتهم. إذن فلا يدل ذلك إلاّ على وثاقتهم في أنفسهم لا أنهم لا يروون إلاّ عن الثقات ، فكما أن زرارة ومحمد بن مسلم وأمثالهما إذا رووا عن غير الثقة لا يعتمد على رواياتهم فكذلك بنو فضال. وليس معنى ما صدر عنه ( عليه
1) الوسائل 4 : 127 / أبواب المواقيت ب 4 ح 7.
السلام ) أن الخروج عن الاستقامة والدين إلى الانحراف والزندقة يزيدان في الأهمية والاعتبار ويستلزمان قبول روايته ، ولو كانت عن ضعيف ليكون بنو فضال وأضرابهم أشرف وأوثق من زرارة ومحمد بن مسلم وأضرابهما. وحيث إن الحسن بن علي روى هذه الرواية عن أحمد بن هلال وهو فاسد العقيدة كما مرّ فلا يعتمد على روايته ولا تتصف بالحجية والاعتبار.
وأمّا ثالثاً : فلأن أحمد بن هلال لم تثبت وثاقته في زمان حتى يكون انحرافه بعد استقامته ، ومعه كيف يحكم بقبول رواياته بملاك قبول روايات بني فضال فهذه القرينة ساقطة.
القرينة الثانية : أن سعد بن عبد اللّه الأشعري روى هذه الرواية عن الحسن بن علي عن أحمد بن هلال وهو الذي طعن في الرجل بالنصب قائلاً إني لم أرَ من رجع من التشيع إلى النصب إلاّ هذا الرجل ، وهو لا يروي عن غير الشيعة حسب تعهده ومن هنا لم يرو عمّن لقي الإمام ولم يرو عنه كما حكي وعلى هذا فروايته عن الرجل في المقام يكشف عن أن الرواية إنما كانت في كتاب معتبر مقطوع الانتساب إلى مصنفه بحيث لا يحتاج إلى ملاحظة حال الواسطة أو أنها كانت محفوفة
بقرائن موجبة للوثوق بها. إذن فتكون معتبرة لا محالة.
ويدفعه أمران : أحدهما : أن عدم روايته عن غير الشيعة ولو مرة طيلة حياته أمر لم يثبت ، فإن غاية ما هناك أنّا لم نجدها ولم نقف عليها فلا سبيل لنا إلى نفي وجودها رأساً.
وثانيهما : هب أنه لا يروي عن غير الشيعة لشدة تعصبه في حقهم علیهم السلام إلاّ أن غاية ذلك أن يثبت أن أحمد بن هلال كان شيعياً حينذاك ، ومن الظاهر أن مجرد كون الرجل شيعياً لا يلازم وثاقته ليعتمد على روايته ، فرواية سعد عن الرجل لا تكون قرينة على اعتبار روايته.
القرينة الثالثة : أن أحمد بن هلال إنما نقل الرواية عن ابن محبوب والظاهر أنه نقلها قراءة عليه عن كتابه الموسوم بالمشيخة ، وهو كتاب معتبر عند الأصحاب وقد
ذكر الغضائري وهو الذي يقدح في السند كثيراً أن روايات أحمد بن هلال ساقطة عن الاعتبار إلاّ ما رواه عن كتاب المشيخة لابن محبوب ونوادر ابن أبي عمير فإنّه معتمد عليه عندهم (1)، وعن السيد الداماد قدس سره أن ما نقله أحمد عن المشيخة وابن أبي عمير معتمد عليه عند الأصحاب وملحق بالصحاح (2).
والجواب عن ذلك : أنّا لو سلمنا أن اعتماد الأصحاب على رواية ضعيفة يوجب الانجبار ، وأن ما رواه أحمد عن كتاب المشيخة معتمد عليه عندهم فإثبات صغرى ذلك في المقام في نهاية الإعضال ، إذ لا علم لنا أن أحمد روى هذه الرواية بالقراءة عن كتاب المشيخة ، ولعلّه رواها عنه بنفسه لا من كتابه المسمى بالمشيخة. إذن يتوقف اعتبارها على وثاقة الرواة وقد فرضنا عدمها ، واستظهار أنه رواها عن كتاب المشيخة بالقراءة كما في كلام شيخنا الأنصاري قدس سره (3)ممّا لم يظهر وجهه.
القرينة الرابعة : أن المشايخ الثلاثة اعتمدوا على رواية أحمد ، ونقلوها في الكافي والتهذيب ومن لا يحضره الفقيه ، وكذا القميون كالصدوقين وابن الوليد وسعد بن عبد اللّه الأشعري وغيرهم يعتمدون على روايته ، ومن الظاهر أن اعتماد هؤلاء على نقل أحد لا يقصر عن توثيق أهل الرجال ، ومن هنا عدوا عمل هؤلاء الأكابر واعتمادهم على أية رواية من أمارات الصحة حسب اصطلاح الأقدمين ، وبذلك تكون الرواية معتبرة.
والجواب عن ذلك أمّا أوّلاً : فبأن المراد باعتماد المشايخ والقميين إن كان هو نقلهم للرواية في كتبهم فمن الظاهر أن مجرد نقل رواية لا يوجب الاعتماد عليها ، ومن هنا لا نعتمد على جميع ما نقلوه في كتبهم من الأخبار ، لأنها ليست بأجمعها صحاحاً وموثقات بل فيها من الضعاف ما لا يحصى ، فلا يستكشف من مجرّد نقل هؤلاء اعتمادهم على الرواية.
وإن أُريد بالاعتماد عمل القميين والمشايخ على طبقها ، فالمقدار الثابت إنما هو عمل الصدوقين والشيخين بها ، ولم يثبت عمل غيرهم بالرواية حتى أن سعد بن عبد اللّه راوي هذا الحديث لم يظهر منه العمل بها وإنما اكتفى بنقلها ، وعمل هؤلاء الأربعة لا يوجب الانجبار في قبال غيرهم من الأصحاب من قدمائهم ومتأخريهم حيث إنهم ذهبوا إلى خلافها.
ونسب العلاّمة قدس سره إلى مشهور المتقدمين والمتأخرين القول بجواز الاغتسال من الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر (1)، وفيهم السيد المرتضى (2)والشهيدان (3)والمحقق (4)ونفس العلاّمة (5)وغيرهم من أجلاء الأصحاب ومحققيهم فماذا يفيد عمل أربعة من الأصحاب في مقابل عمل هؤلاء الأكابر. وعلى الجملة أن المقام ليس من صغريات كبرى انجبار ضعف الرواية بعمل المشهور على تقدير صحة الكبرى في نفسها.
وأمّا ثانياً : فلأنه لم يعلم أن عمل الصدوقين بالرواية لأجل توثيقهما لأحمد بن هلال ، لأنّا نحتمل لو لم نظن أن يكون ذلك ناشئاً عن بنائهما على حجية كل رواية رواها إمامي لم يظهر منه فسق ، أعني العمل بأصالة العدالة في كل مسلم إمامي ، وقد اعتقدا أن الرجل إمامي لأن سعد بن عبد اللّه لا يروي عن غير الإمامي ، وهذا هو الذي احتملناه فيما ذكره الصدوق قدس سره في صدر كتابه من لا يحضره الفقيه من أني إنما أورد في هذا الكتاب ما هو حجة بيني وبين ربي (6)، وفسرناه بأنه التزم أن يورد في كتابه ما رواه كل إمامي لم يظهر منه فسق ، لأنه الحجة على عقيدته.
والمتحصل أن الرواية ضعيفة جدّاً ولا يمكن أن يعتمد عليها بوجه (1)هذا كلّه في الموضع الأوّل.
وأمّا الموضع الثاني : أعني به البحث عن دلالة الرواية ، فملخص الكلام فيه أن دلالة الرواية كسندها قاصرة ، وذلك لأن قوله علیه السلام « الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة ... » وإن كان مطلقاً في نفسه من جهة طهارة الثوب ونجاسته ، ومن جهة طهارة بدن الرجل ونجاسته ، وأمّا ما ذكره بعضهم من أن المراد بالثوب هو الثوب الوسخ فالنهي عن التوضؤ بالماء المستعمل في غسله محمول على التنزه فيدفعه : أنه تقييد على خلاف الإطلاق فلا يصار إليه فالإطلاق محكّم من هذه الجهة ، إلاّ أنه لا مناص من الخروج عن كلا الإطلاقين بالقرينة الداخلية والخارجية فنقول : المراد بالثوب هو خصوص الثوب المتنجس ، كما أن المراد بالرجل هو خصوص الجنب الذي في بدنه نجاسة دون مطلق الثوب والجنب وذلك للقرينة الخارجية والداخلية.
أمّا القرينة الخارجية فهي الأخبار الكثيرة الواردة لبيان كيفية غسل الجنابة الآمرة بأخذ كف من الماء ، وغسل الفرج به ثم غسل أطراف البدن (2)حيث إنها دلت على أن غسل الفرج وإزالة نجاسته معتبر في صحة غسل الجنب فالمراد بالجنب في الرواية هو الذي في بدنه نجاسة. واحتمال أنه يغسل فرجه في مكان ويغتسل في مكان آخر
1) وقد عدل عن ذلك أخيراً سيدنا الأُستاذ أدام اللّه أظلاله وبنى على وثاقة الرجل لوقوعه في أسانيد كامل الزيارات ولبعض الوجوه الأُخر التي تعرض لها في محلها وعدم منافاة رميه بالنصب والغلو واستظهار كونه ممن لا دين له وكذا الذم واللعن الواردين في حقه مع الوثاقة في النقل كما لعلّه ظاهر. فإن الوثاقة هي المدار في الحجية والاعتبار دون العدالة والإيمان ولم يرد في حقه ما ينافي الوثاقة فلاحظ.
2) ورد ذلك في عدة روايات منها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام قال : « سألته عن غسل الجنابة؟ قال : تبدأ بكفيك فتغسلهما ثم تغسل فرجك ... » ومنها صحيحة زرارة قال : « قلت كيف يغتسل الجنب؟ فقال : إن لم يكن أصاب كفه شيء غمسها في الماء ثم بدأ بفرجه فأنقاه بثلاث غرف ... » ومنها غير ذلك من الأخبار المروية في الوسائل 2 : 229 / أبواب الجنابة ب 26 / 1 ، 2.
فلا تبقى نجاسة على بدنه حين الاغتسال بعيد غايته. وكذلك الأخبار المفصلة بين الكر والقليل في نجاسة الماء الذي اغتسل فيه الجنب (1)إذ لو لم تكن في بدنه نجاسة لم يكن وجه لنجاسة الماء باغتساله فيه مطلقاً ، فالتفصيل بين القليل والكثير يدل على أن المراد بالجنب خصوص الجنب الذي كانت في بدنه نجاسة ، ولذا فصّل في نجاسة الماء بين صورتي قلة الماء وكثرته.
وأمّا القرينة الداخلية فهي قوله علیه السلام في ذيل الرواية « وأمّا الذي يتوضأ به الرجل فيغسل به وجهه ويده في شيء نظيف فلا بأس ... » حيث دل على أن المناط في جواز الوضوء والغسل بالماء المستعمل نظافته ونجاسته ، وأن حكمه بعدم الجواز فيما غسل به الثوب أو اغتسل به من الجنابة إنما هو في صورة نجاسة الثوب وبدن الجنب الموجبة لنجاسة الماء الملاقي لشيء منهما ، وأمّا إذا كان الماء طاهراً لعدم نجاسة الثوب وبدن الجنب فلا مانع من الاغتسال والتوضؤ به ، فلا إطلاق في الرواية حتى يدل على عدم جواز استعمال الماء المستعمل في غسل الجنابة أو غسل الثياب في رفع الحدث مطلقاً حتى فيما إذا لم يكن الثوب أو بدن الجنب متنجساً.
نعم ، هذه الرواية على تقدير تماميتها سنداً ودلالة تقتضي عدم جواز رفع الحدث بالماء المستعمل مطلقاً سواء استعمل في رفع الجنابة أم في رفع غيرها من الأحداث وهذا بخلاف سائر الأخبار لأنها على تقدير تماميتها لا تدل إلاّ على عدم جواز رفع الحدث بخصوص الماء المستعمل في الجنابة دون غيرها. والتعدي إلى المستعمل في غير الجنابة من الأحداث يحتاج إلى ثبوت الملازمة بين الأمرين وإثباتها مشكل جدّاً ودعوى الإجماع على ذلك أشكل.
1) كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه علیه السلام « وسئل عن الماء تبول فيه الدواب ، وتلغ فيه الكلاب ، ويغتسل فيه الجنب ، قال : إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء ». وصحيحة صفوان بن مهران الجمال قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الحياض التي ما بين مكة إلى المدينة تردها السبار. وتلغ فيها الكلاب ، وتشرب منها الحمير ، ويغتسل فيها الجنب ، ويتوضأ منها ، قال : وكم قدر الماء؟ قال : إلى نصف الساق ، وإلى الركبة فقال : توضأ منه ». وغير ذلك من الأخبار المروية في الوسائل 1 : 158 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 1 ، 12.
على أن سائر الروايات لا دلالة لها على المنع من استعمال الماء المستعمل في رفع الجنابة أيضاً. كما نبينه عن قريب إن شاء اللّه.
ومن جملة الأخبار صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام قال : « سألته عن ماء الحمام ، فقال : ادخله بإزار ، ولا تغتسل من ماء آخر إلاّ أن يكون فيهم جنب أو يكثر أهله فلا يدرى فيهم جنب أم لا » (1)وقد دلت على أن اغتسال الجنب في ماء الحمام يمنع عن الاغتسال به ثانياً وسندها صحيح ، وأمّا دلالتها فقد نوقش فيها من وجوه :
الأوّل : ما عن صاحب المعالم قدس سره من أن الاستثناء من النهي إنما يوجب ارتفاع الحرمة فحسب ولا يثبت به الوجوب أو غيره ، فمعنى الرواية حينئذ أن الاغتسال من ماء آخر غير منهي عنه إذا كان في الحمام جنب لا أنه يجب ذلك فلا تدل على عدم جواز الاغتسال بماء الحمام إذا كان فيه جنب (2).
ولكن هذه المناقشة ساقطة لأن الاغتسال من ماء آخر غير ماء الحمام مما لا وجه لحرمته مع العلم بعدم الجنب فيه فضلاً عن صورة الشك في أن فيه جنباً ، فالمراد بالنهي ليس هو النهي المولوي التحريمي أو التنزيهي ، بل أُريد به دفع ما قد يتوهّم من وجوب الغسل من ماء آخر لتقذر ماء الحمام ، فمعنى الرواية : لا يلزمك إتعاب النفس والاغتسال من ماء آخر غير ماء الحمام إلاّ مع العلم بوجود الجنب فيه أو مع مظنة وجوده لكثرة من يغتسل فيه ، فان الغسل من ماء آخر حينئذٍ لازم ومتعيّن إذ الاستثناء من عدم اللزوم يثبت اللزوم. واستعمال النهي بهذا المعنى عند العرف كثير فتراهم ينهون أحداً من فعل ويريدون به عدم لزومه عليه. نعم ، لو كان النهي مولوياً تكليفياً لما كان الاستثناء منه دالاّ على الوجوب كما عرفت ، هذا.
وقد أجاب في الحدائق عما أورده صاحب المعالم قدس سره بان الاستثناء من الوجوب يدل على حرمة الشيء عرفاً واستشهد بكلام نجم الأئمة قدس سره من أن
الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي ، ومثّل له بقوله : اقتلوا المشركين إلاّ أهل الذمة ، وقولهم لا تضرب أحداً إلاّ زيداً ، فان الاستثناء في الأول يدل على حرمة قتل الذمي كما يدل على وجوب ضرب زيد في الثاني (1).
وفيما أجاب به منع ظاهر ، فان الاستثناء من التحريم لا يثبت إلاّ ارتفاعه وأمّا ثبوت غيره من الوجوب والإباحة ونحوهما فلا ، ولا دلالة في كلام نجم الأئمة إلاّ على أن الاستثناء من الإثبات نفي وبالعكس ، ونحن نعترف بذلك ونقول إن الحرمة منتفية في صورة وجود الجنب في الحمام وأمّا ثبوت الوجوب فلا لأنه أعم منه ، اللّهم إلاّ أن تقوم قرينة خارجية على ثبوته كما هو الحال في المثال المتقدم ، فان قتل النفس المحترمة محرّم فإذا لم يكن واجباً فهو باق على حرمته. وبالجملة استفادة الحرمة في المثال إنما هي بالقرينة الخارجية ، لا لأجل أن الاستثناء من الوجوب يدل على التحريم.
والصحيح أن الرواية في نفسها لا تدل على عدم جواز استعمال الماء المستعمل في رفع الحدث به ثانياً ، والوجه في ذلك : أنه علیه السلام بعد ما فرض أن الرجل دخل الحمام ورتب عليه وجوب الائتزار لحرمة كشف العورة ، نهى عن الاغتسال من ماء آخر فعلم منه أنه كان في الحمام ماءان فلا بدّ من تعيين الماء الآخر الذي نهى عن الاغتسال فيه فنقول :
المياه الموجودة في الحمامات على ثلاثة أقسام :
أحدها : ماء الخزانة.
وثانيها : ماء الأحواض الصغيرة المتصل بالخزانة التي هي المادّة الجعلية له.
وثالثها : ما يجتمع من الغسالات في مكان منخفض أو في بئر معدة للغسالة في نفس الحمامات.
والماء الآخر الذي نهى عن الاغتسال فيه لا يمكن أن يكون ماء الخزانة ، وذلك لوجهين :
1) الحدائق 1 : 443.
أحدهما : أن الاغتسال في نفس الخزانة لم يكن مرسوماً في زمانهم كما أنه غير متعارف في زماننا في الحمامات ذات الأحواض الصغيرة ، فإنّهم كانوا يغتسلون حول الحياض حسبما كان متعارفاً عندهم.
وثانيهما : أن ماء الخزانة أكثر من الكر بمراتب ، وأي مانع من الاغتسال في مثله وإن اغتسل فيه جنب؟ فان النزاع كما قدّمناه يختص بالماء المستعمل القليل ، وأمّا المياه المعتصمة فلا مانع من رفع الحدث بها وإن اغتسل فيها من الجنابة.
كما أنه لم يرد به ماء الأحواض الصغيرة ، لعدم تعارف الاغتسال في الحياض ، بل ولا يتيسّر الدخول فيها لصغرها وإنما كانوا يأخذون الماء منها بالأكف والظروف ويغتسلون حولها.
نعم ، قد يتوهّم إرادة ماء الحياض لأحد وجهين :
أحدهما : نجاسة ماء الحياض لأنه قليل ينفعل بملاقاة الأواني أو الأكف المتنجسة.
وثانيهما : أن ماء الحياض من أحد مصاديق الماء المستعمل في رفع الحدث ، وذلك لترشح قطرات الماء المستعمل في رفع الحدث عليه ، فإنّهم كما مرّ كانوا يغتسلون حول الأحواض ، وبذلك يصير ماؤها مستعملاً في رفع الحدث وهو لا يكفي في رفع الحدث ثانياً.
ويندفع ذلك بأن مقتضى غير واحد من الأخبار عدم انفعال ماء الحياض لاتصاله بالخزانة وهي كالمادّة الأصلية له ، كما أن الاغتسال لا يقع في نفس الحياض. والقطرات المنتضحة فيها تستهلك في مائها لقلتها ولا يصدق الماء المستعمل على ماء الحياض ولا يصح أن يقال إنه ماء استعمل في رفع الحدث ، ولا يلتزم القائل بالمنع بعدم جواز رفع الحدث بأمثال ذلك من المياه التي تنتضح فيها قطرات الماء المستعمل في الجنابة كيف وقد ورد في غير واحد من الأخبار عدم البأس بما ينتضح من قطرات ماء الغسل في الإناء (1)
وفي موثقة سماعة « فما انتضح من مائه في إنائه بعد ما صنع ما وصفت لك فلا بأس » ونظيرهما صحيحة شهاب بن عبد ربّه وغيرهما من الأخبار المروية في الوسائل 1 : 211 / أبواب الماء المضاف ب 9 ح 1 ، 4 ، 6.
.1) ففي صحيحة الفضيل قال : « سئل أبو عبد اللّه علیه السلام عن الجنب يغتسل فينتضح من الأرض في الإناء؟ فقال : لا بأس هذا ممّا قال اللّه تعالى ( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ).
أضف إلى ذلك كلّه أن ماء الحياض الصغار هو بعينه ماء الخزانة التي يعبّر عنها بالمادّة وهو متصل بها ، فلا يصح أن يطلق عليه ماء آخر بمعنى غير ماء الخزانة ، فارادة ماء الحياض أيضاً غير ممكنة ، وإن أصرّ شيخنا الهمداني قدس سره على تعينه (1). فإذا سقط احتمال إرادة القسمين المتقدمين يتعين أن يراد به المياه المجتمعة من الغسالة فهو الذي نهى علیه السلام عن الاغتسال فيه بقوله : « ولا تغتسل من ماء آخر ».
ويدلُّ على ذلك مضافاً إلى بطلان إرادة القسمين المتقدمين عدة روايات :
منها : ما عن حمزة بن أحمد عن أبي الحسن الأوّل علیه السلام قال : « سألته أو سأله غيري عن الحمّام؟ قال : ادخله بمئزر ، وغض بصرك ، ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمّام ، فإنه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب ، وولد الزنا ، والناصب لنا أهل البيت ، وهو شرّهم » (2).
ومنها : موثقة ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام ففيها تجتمع غسالة اليهودي ... » وروايته عنه علیه السلام قال : « لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها غسالة الحمّام ، فان فيها غسالة ولد الزنا ... » (3). ومنها غير ذلك من الأخبار الواردة بمضمون صحيحة محمد بن مسلم الصريحة في النهي عن الغسل في غسالة الحمام ويظهر منها على كثرتها أن الاغتسال من مجتمع الغسالة كان أمراً متعارفاً ومرسوماً في تلك الأزمنة ، وإن ذكر شيخنا
الهمداني قدس سره عدم معهودية الاغتسال من غسالة الحمّام (1). فالمتحصل إلى هنا أن النهي في الصحيحة المتقدمة إنما تعلق على الاغتسال من ماء الغسالة.
ثم إن هذا النهي تنزيهي لا محالة إذ الغسالة معرض لاحتمال وجود النجاسة ، وذلك لأن الغسالة وإن ذهب جماعة إلى نجاستها بدعوى أن الظاهر مقدم فيها على الأصل كما قدمه الشارع على أصالة الطهارة في البلل المشتبه الخارج بعد البول ، وقد أفتى بها جماعة منهم العلاّمة قدس سره في القواعد (2)على ما ببالي إلاّ أن التحقيق طهارتها وذلك لدلالة غير واحد من الأخبار.
منها : صحيحة محمد بن مسلم ، قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره ، أغتسل من مائه؟ قال : نعم ، لا بأس أن يغتسل منه الجنب ، ولقد اغتسلت فيه ثم جئت فغسلت رجلي وما غسلتهما إلاّ بما لزق بهما من التراب » (3)إذ لو كانت الغسالة نجسة لم تكن رجله علیه السلام محكومة بالطهارة لبعد عدم ملاقاتها للغسالة النجسة الموجودة في الحمام فهي تدل على طهارة الغسالة ما دام لم يعلم نجاستها وإنما منع علیه السلام عن الاغتسال فيها في الصحيحة المتقدمة تنزيهاً فإن الغسالة مورد لاحتمال النجاسة.
وتوهم : أن المنع من الاغتسال فيها مستند إلى كونها ماء مستعملاً في رفع الحدث الأكبر.
مندفع : بأن الغسالة تجتمع من مجموع المياه المستعملة في الحمام كالمستعمل في إزالة الأوساخ وفي تطهير الثياب ، كما كان هو المتداول إلى قرب عصرنا في الحمامات ، ومن الظاهر أن المستعمل في رفع الجنابة يندك في ضمنها ويستهلك فيها فلا يصدق عليها أنها ماء مستعمل في رفع الحدث.
والذي يدل على ما ذكرناه من استناد المنع إلى احتمال النجاسة لا إلى أن الماء مستعمل في رفع الحدث أن الإمام علیه السلام لم يفرض في الرواية اغتسال الجنب في الحمام بل استثنى صورة وجود الجنب فيه أو احتماله وإن لم يغتسل أصلاً ، كما إذا أراد تنظيف بدنه عن الأوساخ من دون أن يغتسل من الجنابة ، فمن ذلك يظهر أن المنع مستند إلى احتمال النجاسة لعدم خلو بدن الجنب عن النجاسة غالباً ، وهي توجب نجاسة الغسالة لا محالة.
ومن جملة الأخبار ما دلّ على التفصيل في انفعال الماء باغتسال الجنب بين الكثير والقليل كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه علیه السلام « وسئل عن الماء تبول فيه الدواب ، وتلغ فيه الكلاب ، ويغتسل فيه الجنب؟ قال : إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء » (1). ولا إشكال في سندها كما أن دلالتها على عدم ارتفاع الحدث بالماء القليل المستعمل في غسل الجنابة ظاهرة ، ولكنه لا دلالة فيها على أن الماء المستعمل في غسل الجنابة بما هو لا يكفي في رفع الحدث به ثانياً ، حيث إنها إنما دلت على عدم كفايته من أجل انفعال الماء ، وهو لا يكون إلاّ مع فرض تنجس بدن الجنب حينما يريد أن يغتسل للجنابة كما هو الغالب فينفعل الماء القليل بملاقاة بدن الجنب ومن هنا فصّل علیه السلام بين الكر والقليل وعلله بأن الكر لا ينجسه شيء ، أي بخلاف القليل فإنّه ينفعل بملاقاة النجس أعني بدن الجنب.
أو أنه لأجل ما ذهب إليه بعض العامة من تنجس الماء باغتسال الجنب فيه ، فأراد سلام اللّه عليه بيان أن الكر لا ينفعل بشيء من ملاقاة النجاسة أو اغتسال الجنب فيه وعلى كل حال فلا دلالة فيها على أن الماء القليل إذا استعمل في غسل الجنابة لا يرتفع به الحدث ثانياً ، مع فرض أنه طاهر غير متنجس.
ومن جملتها صحيحة ابن مسكان ، قال : « حدثني صاحب لي ثقة أنه سأل أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل ينتهي إلى الماء القليل في الطريق ، فيريد أن يغتسل
1) الوسائل 1 : 158 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 1.
وليس معه إناء والماء في وهدة فإن هو اغتسل رجع غسله في الماء كيف يصنع؟ قال : ينضح بكفّ بين يديه ، وكفّاً من خلفه وكفّاً عن يمينه وكفّاً عن شماله ، ثم يغتسل » (1)وبهذا المضمون رواية أُخرى مروية عن جامع البزنطي (2)فليراجع.
وتقريب الاستدلال بهما أن السائل إنما سأله علیه السلام عن كيفية الغسل في مفروض المسألة ، لما ارتكز في ذهنه من عدم صحة رفع الجنابة بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر ، وإلاّ لم يكن وجه لسؤاله ، وهو علیه السلام قد أقرّ السائل على هذا الارتكاز حيث لم يردعه عنه وصار بصدد العلاج وبيان طريق يمنع عن رجوع الماء المستعمل إلى مركزه ، فالروايتان تدلاّن بالتقرير على عدم ارتفاع الحدث بالماء المستعمل في غسل الجنابة.
وفيه أن الاستدلال بالروايتين يتوقف على إثبات أُمور :
الأوّل : أن المراد بالاغتسال فيهما هو الغسل عن الجنابة دون الاغتسال العرفي بمعنى إزالة الأوساخ ولا الأغسال المستحبة شرعاً.
الثاني : أن السائل قد ارتكز في ذهنه عدم جواز رفع الحدث بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر.
الثالث : أن الإمام علیه السلام أقرّ السائل على ما ارتكز في ذهنه ولم يردعه عنه.
وجميع ذلك غير مسلم. ونحن لو سلمنا ثبوت الأمرين الأوّلين بدعوى أن ظاهر الاغتسال هو الاغتسال المعدود من وظائف المسلمين دون غيره ، وأنه لو لم يرتكز في ذهنه عدم جواز رفع الحدث بالماء المستعمل في غسل الجنابة لم يكن وجه لسؤاله لم نتمكن من المساعدة على ثبوت الأمر الثالث بوجه لأنه علیه السلام لم يقر السائل على ارتكازه ولا أنه تصدى لبيان العلاج ، وذلك لوضوح أن نضح الماء إلى الجوانب المذكورة في الروايتين لو لم يكن معداً لسرعة جريان الغسالة ورجوعها إلى مركز الماء ، فعلى الأقل لا يكون مانعاً عن رجوعها ، فإن الأرض إذا كانت رطبة تقتضي
ذلك سرعة جريان الماء عليها إلاّ في بعض الأراضي كما إذا كانت رخوة ، إلاّ أن كون النضح في بعض الموارد النادرة كذلك لا يصحح الإطلاق في جواب الإمام علیه السلام مع كثرة الأراضي الصلبة ، والنضح والرشح فيها يوجبان سرعة رجوع الغسالة كما عرفت.
فما أفاده علیه السلام لم يكن تعليماً لطريق يمنع رجوع الغسالة إلى الماء ، بل لو كان علیه السلام بهذا الصدد لم يكن محتاجاً إلى الأمر بالنضح أصلاً ، فإنّه في مندوحة من ذلك بأمره بأن يجعل الرمل أو التراب بين موضع غسله ومركز الماء. أو بأمره بالاكتفاء بأقل ما يجتزأ به في الغسل ، وهو صبّ الماء على بدنه قليلاً وإيصاله إلى جميع أطرافه بالمسح من دون أن تجري غسالته على الماء.
فمن هذا كلّه يظهر أنه علیه السلام لم يكن بصدد العلاج ، وإنما أمر بالنضح لأن ترتفع الكراهة به ، أو لأن لا يتقذر الماء عرفاً ، وقد ورد الأمر بالنضح في الوضوء أيضاً ، ولعلّه من أحد آداب الوضوء والغسل بالماء القليل. وعليه فلا دلالة في الرواية على التقرير ، بل تدل على ردع السائل عن ارتكازه ، وكأنه علیه السلام نبّه على أن رجوع الغسالة إلى الماء لا يمنع عن الاغتسال به ، نعم ، يستحب مراعاة النضح وغيره من الآداب المستحبة في الوضوء والغسل.
ويؤكد ما ذكرناه بل تدل عليه صريحاً صحيحة علي بن جعفر عن أبي الحسن الأول علیه السلام قال : « سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع أيغتسل منه للجنابة أو يتوضأ منه للصلاة؟ إذا كان لا يجد غيره والماء لا يبلغ صاعاً للجنابة ولا مداً للوضوء وهو متفرق فكيف يصنع ، وهو يتخوف أن تكون السباع قد شربت منه؟ فقال : إن كانت يده نظيفة فليأخذ كفّاً من الماء بيد واحدة فلينضحه خلفه ، وكفّاً أمامه وكفّاً عن يمينه وكفّاً عن شماله ، فإن خشي أن لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرات ، ثم مسح جلده بيده ، فان ذلك يجزيه ، وإن كان الوضوء غسل وجهه ، ومسح يده على ذراعيه ، ورأسه ورجليه وإن كان الماء متفرقاً فقدر أن يجمعه وإلاّ اغتسل من هذا ومن هذا ، وإن كان في مكان واحد وهو قليل لا يكفيه لغسله فلا عليه أن يغتسل
ويرجع الماء فيه فان ذلك يجزيه » (1).
والوجه في دلالتها قوله علیه السلام « فلا عليه أن يغتسل ويرجع الماء فيه ... » فإنّه صريح في جواز رجوع الغسالة إلى الماء وجواز رفع الحدث ثانياً بالماء المستعمل في غسل الجنابة.
هذا وقد يبدو للنظر شبه مناقضة في الحديث ، حيث إنه علیه السلام فرض الماء قليلاً لا يكفيه لغسله ثم ذكر أنه لا عليه أن يغتسل ويرجع الماء فيه.
ويدفعه : أن المراد من عدم كفاية الماء لغسله هو عدم كفايته للغسل المتعارف وهو صبّ الماء على البدن واستيعابه لتمام البدن بنفسه ، والمراد بالاغتسال في قوله « لا عليه أن يغتسل ... » وهو الاغتسال على نحو آخر بأن يصب الماء على بدنه قليلاً ويوصله إلى تمام بدنه بالمسح (2).
وقد يقال باختصاص الصحيحة بصورة الاضطرار ، لقول السائل في صدرها « إذا كان لا يجد غيره » وعليه فلا يجوز الاغتسال بالماء المستعمل في رفع الحدث في غير صورة الاضطرار ووجدان ماء آخر غيره.
ويندفع ذلك أوّلاً : بأن الصحيحة إن اختصت بصورة الاضطرار فصحيحة ابن مسكان المتقدمة أيضاً تختص بها ، وهي التي عارضناها بصحيحة علي بن جعفر المتقدمة ، والوجه في ذلك : أن المفروض في تلك الصحيحة عدم تمكن الرجل من الاغتسال بماء آخر ولا من ذلك الماء بوجه ، وليس معه إناء ليأخذ به الماء ويغتسل في مكان بعيد كي لا ترجع غسالته إلى مركز الماء ، فهو مضطر من الاغتسال بالماء في موضع قريب ترجع غسالته إليه فهما متعارضتان وواردتان في صورة الاضطرار ، وقد
1) الوسائل 1 : 216 / أبواب الماء المضاف ب 10 ح 1.
2) كما انّه لا تنافي بين قوله علیه السلام : فإن خشي أن لا يكفيه ، وقوله غسل رأسه ثلاث مرات ، لأن المراد من خوف عدم كفايته هو خوف عدم كفايته مشتملاً على بقية مندوبات الغسل أعني غسل رأسه ثلاثاً وبدنه مرتين ، ومعناه أنّه إذا خشي عدم كفاية الماء لذلك فيكتفي بغسل رأسه ثلاثاً فلا يغسل بدنه مرتين.
وأمّا المستعمل في الاستنجاء (1)
دلت إحداهما على الجواز كما دلت الأُخرى على المنع.
وثانياً : أن فرض ورود الصحيحة في مورد الاضطرار بمعنى عدم وجدان ماء آخر في البين لا يكون فارقاً فيما نحن بصدده ، لأن الفارق إنما هو تمكن المكلف من الاغتسال بالماء وعدمه ، دون وجود ماء آخر وعدمه ، وقد فرضنا تمكنه من الاغتسال بالماء على نحو لا ترجع غسالته إلى مركز الماء ، بأن يصب الماء على بدنه ويوصله إلى جميع أطرافه بالمسح ، ومع تمكنه من الغسل بهذه الكيفية لو كان رجوع الغسالة إلى مركز الماء مخلًّا بصحة غسله فكيف رخّص علیه السلام في اغتساله منه؟ لاستلزامه رجوع الغسالة إلى الماء ، هذا كلّه في جواز الغسل ثانياً بالماء المستعمل في غسل الجنابة وقد عرفت طهارته وجواز استعماله في كل ما يشترط فيه الطهارة من شربه والتوضؤ والاغتسال به وغيرها.
وأمّا القطرات المنتضحة في الإناء حين الاغتسال فهي غير مانعة عن الغسل من ماء الإناء حتى على القول بعدم جواز رفع الحدث بالماء المستعمل في غسل الجنابة. والوجه في ذلك : أن القطرات الناضحة لقلتها تندك في ماء الإناء وتستهلك فيه ، فلا تجعله من الماء المستعمل في رفع الحدث. على أن المسألة منصوصة ، وقد ورد في غير واحد من الأخبار عدم البأس بذلك منها : صحيحة الفضيل قال : سئل أبو عبد اللّه علیه السلام عن الجنب يغتسل فينتضح من الأرض في الإناء؟ فقال : لا بأس ، هذا ممّا قال اللّه تعالى ( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) . (1)
(1) هذا هو القسم الرابع من أقسام الماء المستعمل ، فهل هو كالمستعمل في رفع
1) الوسائل 1 : 211 / أبواب الماء المضاف ب 9 ح 1.
ولو من البول (1) فمع الشروط الآتية طاهر (2).
الحدث الأكبر والأصغر من حيث طهارته ، وجواز استعماله في كل ما يشترط فيه الطهارة من شربه واستعماله في رفع الحدث والخبث؟
فيه خلاف بين الأعلام. ويقع الكلام في طهارته ونجاسته أوّلاً ، وبعد إثبات طهارته نتكلم ثانياً في كفايته في رفع الحدث والخبث وعدمها. وبناء على القول بطهارته لا بدّ في منع كفايته في رفعهما من إقامة الدليل عليه ، فان مقتضى القاعدة كفاية الماء الطاهر في رفع كل من الحدث والخبث ، وينعكس الأمر إذا قلنا بنجاسته فان جواز استعماله في رفع الحدث والخبث وعدم تنجيسه لما لاقاه يتوقف على إقامة الدليل عليه ، فان القاعدة تقتضي عدم كفاية الماء المتنجس في رفع شيء من الحدث والخبث.
(1) سنشير إلى الوجه في إلحاق الماء المستعمل في الاستنجاء من البول بالماء المستعمل في الاستنجاء من الغائط ، مع عدم صدق الاستنجاء في البول فانتظره.
(2) لا ينبغي الإشكال في أن القاعدة تقتضي نجاسة الماء المستعمل في الاستنجاء لأنه ماء قليل لاقى نجساً وهو ينفعل بالملاقاة ، كما أن مقتضى القاعدة منجسية كل من النجس والمتنجس لما لاقاه ، ولا سيما إذا كان المتنجس من المائعات فان تنجيس المتنجس وإن كان مورد الخلاف بين الأصحاب ، إلاّ أن منجسية الماء المتنجس أو غيره من المائعات مما لا خلاف فيه بينهم ، وذلك لموثقة عمار الآمرة بغسل كل شيء أصابه ذلك الماء (1)وعليه فالماء المستعمل في الاستنجاء نجس ومنجس لكل ما لاقاه هذا كلّه حسبما تقتضيه القاعدة.
1) عمّار بن موسى الساباطي « أنه سأل أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل يجد في إنائه فأرة وقد توضأ من ذلك الإناء مراراً ، أو اغتسل منه ، أو غسل ثيابه ، وقد كانت الفأرة متسلخة فقال : إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ، ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ... » المروية في الوسائل 1 : 142 / أبواب الماء المطلق ب 4 ح 1.
وأمّا بالنظر إلى الأخبار : فقد دلّ غير واحد منها على عدم نجاسة الملاقي لماء الاستنجاء ، أو على عدم البأس به على اختلاف ألسنتها ، وهذه الأخبار وإن وردت في خصوص الثوب إلاّ أن الظاهر أن لا خصوصية له ولا فرق بينه وبين سائر الملاقيات.
وكيف كان لا إشكال في طهارة الملاقي لماء الاستنجاء ولا خلاف فيها بينهم. وإنما الكلام في وجه ذلك ، وأن طهارته هل هي مستندة إلى طهارة الماء المستعمل في الاستنجاء ، وإلى أن عدم نجاسته من جهة عدم المقتضي لها فالسالبة سالبة بانتفاء موضوعها ، وخروج الملاقي لماء الاستنجاء عما دلّ على تنجس الملاقي للمائع المتنجس خروج موضوعي ، أو أنها مستندة إلى ما دلّ عليها تخصيصاً لما دلّ على منجسية النجاسات والمتنجسات فماء الاستنجاء وإن كان في نفسه محكوماً بالنجاسة إلاّ أنه لا ينجس ملاقيه؟ ولا بدّ في استكشاف ذلك من مراجعة روايات الباب.
فمنها : ما عن يونس بن عبد الرحمن ، عن رجل ، عن الغير أو عن الأحول أنه قال لأبي عبد اللّه علیه السلام في حديث : « الرجل يستنجي فيقع ثوبه في الماء الذي استنجى به؟ فقال : لا بأس ، فسكت فقال : أو تدري لم صار لا بأس به؟ قال : قلت : لا واللّه ، فقال : إن الماء أكثر من القذر » (1). وهذه الرواية لولا ما في ذيلها من التعليل لأمكن أن يرجع نفي البأس في كلامه علیه السلام إلى الثوب ومعنى نفي البأس عن الثوب طهارته ، وعليه كانت الرواية ساكتة عن بيان طهارة الماء المستعمل ونجاسته إلاّ أن التعليل المذكور يدلنا على أن نفي البأس راجع إلى الماء المستعمل في الاستنجاء لأنه أكثر من القذر فلا يتغيّر به ، ولأجل طهارته لا ينجس الثوب فالسالبة سالبة بانتفاء موضوعها وأن عدم نجاسة الملاقي من جهة أنه لا مقتضي لها.
ولكن الرواية مع ذلك مخدوشة سنداً ودلالة : أمّا بحسب السند ، فلجهالة الرجل الذي روى عنه يونس فهي في حكم المرسلة ودعوى أن يونس من أصحاب الإجماع فمراسيله كمسانيده ، ساقطة بما مرّ مراراً من عدم إمكان الاعتماد على المراسيل كان مرسلها أحد أصحاب الإجماع أم كان غيره.
1) الوسائل 1 : 222 / أبواب الماء المضاف ب 13 ح 2.
وأمّا بحسب الدلالة ، فلأنها في حكم المجمل حيث إن التعليل الوارد في ذيلها كبرى لا مصداق لها غير المقام ، فان معناه أن القليل لا ينفعل بملاقاة النجس إلاّ أن يتغيّر به وتقدم بطلان ذلك بأخبار الكر وغيرها مما دلّ على انفعال القليل بمجرد ملاقاة النجس وإن لم يتغيّر به ، والتغيّر إنما يعتبر في الكر فهذه الرواية ساقطة.
ومنها : حسنة محمد بن النعمان الأحول بل صحيحته قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام أخرج من الخلاء فأستنجي بالماء فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به؟ فقال : لا بأس به » (1)وهذه الرواية وإن كانت تامة بحسب السند إلاّ أن دلالتها كالسابقة في الضعف ، وذلك لأن قوله « لا بأس به » يحتمل أن يكون راجعاً إلى وقوع ثوبه في الماء ، ويحتمل أن يرجع إلى نفس الثوب ، فلا دلالة لها على طهارة الماء المستعمل في الاستنجاء.
ومنها : موثقة محمد بن النعمان عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « قلت له : أستنجي ثم يقع ثوبي فيه وأنا جنب؟ فقال : لا بأس به » (2). وهذه الرواية إن قلنا إنها ناظرة إلى نفي البأس عما لاقته غسالة المني بقرينة قوله « وأنا جنب » فتخرج عما نحن بصدده ، وهي حينئذٍ من أحد أدلة عدم انفعال الماء القليل بالملاقاة ، وأمّا إذا قلنا إنها ناظرة إلى نفي البأس عما لاقاه ماء الاستنجاء كما هو الأظهر لأن إضافة قوله « وأنا جنب » مستندة إلى ما كان يتوهم في تلك الأزمنة من نجاسة الماء الملاقي لبدن الجنب فحال هذه الرواية حال سابقتها من حيث عدم تعرضها لطهارة الماء المستعمل في الاستنجاء ونجاسته.
ومنها : صحيحة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به أينجّس ذلك ثوبه؟ قال : لا » (3) وهي صريحة الدلالة على طهارة الملاقي لماء الاستنجاء ، ولكنها غير متعرضة لطهارة نفس ذلك الماء ونجاسته ، ولم تدل على أن عدم نجاسة الثوب مستند إلى طهارة الماء ، أو مستند إلى تخصيص ما دلّ على منجسية المتنجسات.
فتحصّل إلى هنا أن الأخبار الواردة في المقام كلها ساكتة عن بيان طهارة ماء الاستنجاء وإنما دلت على طهارة ملاقيه فحسب.
وعليه فيقع الكلام في الحكم بطهارة الماء المستعمل في الاستنجاء من جهة استلزام الحكم بطهارة الملاقي الحكم بطهارة نفس الماء ، أو من جهة الملازمة العرفية بين طهارة الملاقي وطهارة الملاقي.
أمّا من ناحية استلزام الحكم بطهارة الملاقي طهارة نفس الماء فلا ينبغي الإشكال في أنه لا ملازمة بينهما عقلاً ، لاحتمال أن يكون الماء نجساً ، وإنما لم ينجس الملاقي تخصيصاً لعموم ما دلّ على منجسية المتنجسات ، فلا مناص من التمسك بعموم ما دلّ على انفعال الماء القليل بالملاقاة ، ولا مجال للتمسك بعموم ما دلّ على منجسية النجس والمتنجس كي تثبت بأصالة عدم تخصيصه طهارة ماء الاستنجاء ، ويستكشف بذلك أن خروجه عن ذلك العموم تخصصي لا تخصيصي ، فإنّه لو كان نجساً لكان الحكم بطهارة ملاقيه موجباً لتخصيص العموم.
والوجه في عدم إمكانه ما أشرنا إليه في محله من أن التمسك بالعموم إنما يسوغ فيما إذا شكّ في حكم فرد بعد إحراز فرديته والعلم بدخوله في موضوع العموم ، كما إذا شككنا في وجوب إكرام زيد العالم ، فإنه لا مانع في مثله من التمسك بعموم إكرام العلماء مثلاً بمقتضى بناء العقلاء وبه يثبت وجوب إكرامه ، وأمّا إذا انعكس الحال وعلمنا بالحكم في مورد وشككنا في أنه من أفراد العام ، كما إذا علمنا بحرمة إكرام زيد وترددنا في أنه عالم أو جاهل ، فلم يثبت بناء من العقلاء على التمسك بأصالة العموم لإثبات أنه ليس بعالم.
ومقامنا هذا من هذا القبيل ، لأنّا علمنا بعدم منجسية ماء الاستنجاء بمقتضى الأخبار المتقدمة وإنما نشك في أنه من أفراد الماء المتنجس ليكون عدم منجسيته تخصيصاً في عموم ما دلّ على منجسية الماء المتنجس ، أو أنه طاهر حتى يكون خروجه عن ذلك العموم تخصصاً ، فلا يمكننا التمسك بأصالة العموم لإثبات طهارة ماء الاستنجاء ، بل لا مناص من الرجوع إلى عموم ما دلّ على انفعال القليل بالملاقاة
ويرفع الخبث أيضاً لكن لا يجوز استعماله (1)في رفع الحدث (1) ولا في الوضوء
وبه يحكم بنجاسته ونلتزم بتخصيص ما دلّ على منجسية الماء المتنجس في خصوص ماء الاستنجاء ، فإن عمومه ليس من الأحكام العقلية غير القابلة للتخصيص ، وعليه فالمتعيّن هو ما ذهب إليه الشهيد قدس سره كما يأتي عن قريب من أن ماء الاستنجاء نجس لا يجوز استعماله في رفع شيء من الحدث والخبث. نعم ، ثبت العفو عن الاجتناب عن ملاقيه حسب الأخبار المتقدمة.
وأمّا من جهة الفهم العرفي فلا ينبغي التأمل في أن العرف يستفيد من حكمه علیه السلام بعدم نجاسة الثوب الملاقي لماء الاستنجاء عدم نجاسته بأتم استفادة ، حيث لم يعهد عندهم وجود نجس غير منجس. ويزيد ذلك وضوحاً ملاحظة حال المفتي والمستفتي ، فإنّه إذا سأل العامي مقلده عما أصابه ماء الاستنجاء وأجابه بأنّه لا بأس به فهل يشك السائل في طهارة ماء الاستنجاء حينئذٍ. فكما أن الحكم بنجاسة ملاقي شيء يدل بالملازمة العرفية على نجاسة ذلك الشيء نفسه كذلك الحكم بطهارة الملاقي يدل بالملازمة العرفية على طهارة ما لاقاه ، فلا سبيل إلى إنكار الملازمة العرفية بين الملاقي والملاقى من حيث الطهارة والنجاسة ، فاذا ورد أن ملاقي بول الخفاش مثلاً طاهر يستفاد منه عرفاً طهارة بول الخفاش أيضاً.
وبهذا الفهم العرفي نحكم بطهارة ماء الاستنجاء شرعاً ، فيجوز شربه كما يجوز استعماله في كل ما يشترط فيه الطهارة من الغسل والوضوء ورفع الخبث على ما هو شأن المياه الطاهرة ، إلاّ أن يقوم دليل خارجي على عدم كفايته في رفع الحدث أو الخبث.
فاذا عرفت طهارة ماء الاستنجاء فيقع الكلام في أنه مع الحكم بطهارته شرعاً هل يكفي في رفع الخبث والحدث أو لا يكفي في رفعهما أو أن فيه تفصيلاً؟
(1) الأقوال في المسألة ثلاثة :
1) (*) على الأحوط.
والغسل المندوبين
الأوّل : نجاسة ماء الاستنجاء وعدم جواز استعماله في رفع شيء من الخبث والحدث. نعم ، ثبت العفو عن الاجتناب عن ملاقيه بالروايات ذهب إليه الشهيد قدس سره (1)وكل من رأى نجاسته.
الثاني : طهارته وجواز استعماله في رفع كل من الحدث والخبث ، اختاره صاحب الحدائق قدس سره وقوّاه ونسبه إلى المحقق الأردبيلي قدس سره (2)في شرح الإرشاد مستنداً إلى أنه ماء محكوم بالطهارة شرعاً فيترتب عليه جميع الآثار المترتبة على المياه الطاهرة.
الثالث : الحكم بطهارته وكفايته في رفع الخبث دون الحدث ، ذهب إليه الماتن قدس سره وجملة من محققي المتأخرين ، للإجماعات المنقولة على أن الماء المستعمل في إزالة الخبث لا يرفع الحدث.
وقد ظهر بطلان القول الأول بما ذكرناه في المسألة المتقدمة ، لأن الالتزام بنجاسة ماء الاستنجاء على خلاف ما تقتضيه الأخبار المتقدمة عرفاً فلا مناص من الحكم بطهارته.
وأمّا القولان الآخران فالأشبه بالقواعد منهما هو الذي اختاره صاحب الحدائق قدس سره وذلك لعدم ثبوت ما يمنع عن استعمال ماء الاستنجاء في رفع الحدث بعد الحكم بطهارته شرعاً ، سوى الإجماعات المدعى قيامها على أن الماء المستعمل في إزالة الخبث لا يرفع الحدث كما ادعاه العلاّمة قدس سره (3)وتبعه جملة من الأعلام كصاحب الذخيرة (4)وغيره. وهذه الإجماعات مختلفة فقد اشتمل بعضها على كبرى
كلية طبقوها على ماء الاستنجاء ، كالإجماع المدعى على أن الماء المزيل للنجاسة لا يرفع الحدث ، حيث طبقوه على ماء الاستنجاء لأنه أيضاً ماء مزيل للنجاسة. واشتمل بعضها الآخر على دعوى الإجماع على عدم رافعية خصوص ماء الاستنجاء.
ولا يمكن الاعتماد على شيء من تلك الإجماعات ، وذلك :
أمّا أوّلاً : فلما أثبتناه في محله من عدم حجية الإجماعات المنقولة والإجماعات المدعاة في المقام من هذا القبيل ، فان المراد بالإجماع المنقول هو الإجماع الذي لم يبلغ نقله حد التواتر كي يفيد القطع بقول المعصوم علیه السلام وإن نقله غير واحد منهم ، ومن الظاهر أن ما ادعاه العلاّمة وغيره من الإجماع غير مفيد للقطع بحكم الإمام بعدم جواز استعمال ماء الاستنجاء في رفع الحدث ، بل ولا يفيد الظن الشخصي أيضاً بالحكم ، وغاية ما هناك أن يفيد الظن نوعاً وهو مما لا يمكن الاعتماد عليه.
وأمّا ثانياً : فلأن بعض مدعي الإجماع في المسألة استند في حكمه ذلك إلى رواية عبد اللّه بن سنان ، ومع العلم بمدرك المجمعين أو احتماله كيف يكون الإجماع تعبدياً كاشفاً عن قول الإمام علیه السلام بل يكون الإجماع مدركياً ولا بدّ من مراجعة مدركه ، فاذا ناقشنا فيه سنداً أو دلالة يسقط الإجماع عن الاعتبار ، ومن ذلك يظهر أنّا لو علمنا باتفاقهم أيضاً لم يمكن أن نعتمد عليه لأنه معلوم المدرك أو محتملة فلا يحصل العلم من مثله بقول الإمام علیه السلام .
وأمّا ثالثاً : فلأن من المحتمل أن دعواهم الإجماع إنما هي من جهة ذهابهم إلى نجاسة الغسالة مطلقاً ، وعلى ذلك فحكمهم بعدم ارتفاع الحدث بماء الاستنجاء على القاعدة ، فإن النجس لا يكفي في رفع الحدث ، فليس هذا من الإجماع التعبدي في شيء.
وأمّا رواية عبد اللّه بن سنان (1)التي استند إليها بعض المانعين فهي التي قدمنا نقلها (2)عن أحمد بن هلال حيث ورد فيها « الماء الذي يغسل به الثوب ، أو يغتسل به
الرجل من الجنابة لا يجوز أن يتوضأ منه وأشباهه » وتقريب الاستدلال بها أن ذكر الوضوء في الرواية إنما هو من باب المثال والغرض مطلق رفع الحدث به فيعم الغسل أيضاً ، كما أن الثوب ذكر فيها من باب المثال فان المستعمل في غسل غير الثوب أيضاً محكوم بهذا الحكم ، ويدلُّ عليه ذيل الحديث « وأمّا الذي يتوضأ الرجل به فيغسل وجهه ويده في شيء نظيف فلا بأس ... » أو نلحق الغسل بالوضوء من جهة قوله علیه السلام « وأشباهه » أي لا يجوز الوضوء وأشباه الوضوء كالغسل ، فالرواية تدل على أن الماء إذا غسل فيه شيء طاهر نظيف فلا بأس باستعماله في الوضوء والغسل وأمّا إذا غسل فيه شيء غير نظيف فلا يصح استعماله في رفع الحدث مطلقاً ، ومن ذلك يظهر حكم ماء الاستنجاء أيضاً فإن مقتضى الرواية عدم كفايته في رفع شيء من الغسل والوضوء حيث غسل به شيء قذر.
ويدفعه : أن الرواية كما قدمناها ضعيفة سنداً ودلالة ، أمّا بحسب السند ، فلأجل أحمد بن هلال الواقع في طريقها فإنّه مرمي بالنصب تارة وبالغلو اخرى ، وبما أن البعد بين المذهبين كبعد المشرقين استظهر شيخنا الأنصاري (1)قدس سره أن الرجل لم يكن له دين أصلاً (2).
وأمّا بحسب الدلالة ، فلأن الاستدلال بها إنما يتم فيما إذا قلنا بطهارة الغسالة مطلقاً أو بطهارة بعضها ونجاسة بعضها الآخر ، حيث يصح أن يقال حينئذٍ إن الرواية دلت بإطلاقها على أن الحدث لا يرتفع بالغسالة مطلقاً ولو كانت محكومة بالطهارة كماء الاستنجاء. وأمّا إذا بنينا على نجاسة الغسالة فلا يمكن الاستدلال بها على عدم كفاية ماء الاستنجاء في رفع الحدث ، حيث لا بدّ حينئذٍ من الاقتصار على مورد الرواية وهو الغسالة النجسة ، ولا يمكن التعدي عنه إلى ماء الاستنجاء لأنه محكوم بالطهارة ولعلّه علیه السلام إنما منع عن استعمال الغسالة في رفع الحدث من جهة نجاستها فالرواية لا تشمل ماء الاستنجاء كما أن أكثر المانعين لولا جلهم ذهبوا إلى نجاسة
وأمّا المستعمل في رفع الخبث غير الاستنجاء فلا يجوز استعماله في الوضوء والغسل ، وفي طهارته ونجاسته خلاف والأقوى أن ماء الغسلة المزيلة للعين نجس ، وفي الغسلة غير المزيلة الأحوط الاجتناب (1)(1)
الغسالة مطلقاً ، ومن هنا ناقشنا في تمامية الإجماع المدعى على المنع فان اتفاقهم هذا مستند إلى نجاسة الغسالة عندهم وليس إجماعاً تعبدياً.
فالمتحصل أن ما ذهب إليه صاحب الحدائق ونسبه إلى الأردبيلي قدس سره من كفاية ماء الاستنجاء في رفع الحدث والخبث هو الأوفق بالقواعد ، وإن كان الأحوط مع التمكن من ماء آخر عدم التوضؤ والاغتسال منه ، كما أن الاحتياط يقتضي الجمع بينهما وبين التيمم في سعة الوقت لهما ، ويقتضي تقديمهما على التيمم مع الضيق ، فان الاكتفاء بالتيمم حينئذٍ خلاف الاحتياط.
(1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين :
أحدهما : في جواز استعماله في رفع الخبث والحدث.
وثانيهما : في طهارته ونجاسته.
أمّا المقام الأوّل : فالكلام فيه هو الكلام في ماء الاستنجاء بعينه ، فان قلنا بنجاسته فلا يجوز شربه ولا استعماله في رفع الخبث والحدث ، كما أنه إذا قلنا بطهارته تصح إزالة الخبث به ويجوز استعماله في رفع الحدث كما يجوز شربه لأنه ماء طاهر. ولا دليل على عدم جواز استعماله في رفع الحدث غير الإجماعات المنقولة ورواية ابن هلال ، وقد تقدم الكلام عليهما.
وأمّا المقام الثاني : فملخص الكلام فيه أن الغسالة إن كانت متغيرة بالنجاسة في أحد أوصافها فلا ينبغي الإشكال في نجاستها وهو خارج عن محل النزاع ، وأمّا إذا لم تتغيّر بأوصاف النجس فقد وقع الخلاف في طهارتها بين الاعلام ، فذهب في المتن إلى
1) (*) وإن كان الأظهر طهارة الغسالة التي تتعقبها طهارة المحل ، فحكمها حكم ماء الاستنجاء المحكوم بالطهارة.
التفصيل بين غسالة الغسلة المزيلة للعين فحكم بنجاستها ، وبين غسالة الغسلة غير المزيلة إمّا لإزالة العين قبلها بشيء أو لأجل عدم العين للنجاسة فاحتاط فيها بالاجتناب. وذهب جماعة إلى نجاستها مطلقاً ، والتزم جماعة أُخرى بطهارتها كذلك ومنهم صاحب الجواهر قدس سره حيث استدلّ على طهارتها بوجوه وأصر عليها غايته ، بل جعل طهارتها من الواضحات (1)، وهناك قول رابع وهو التفصيل بين غسالة الغسلة التي تتعقبها طهارة المحل فهي طاهرة سواء أكانت مزيلة للعين أم لم تكن ، وبين غيرها مما لا تتعقبه طهارة المحل فهي نجسة ، فإذا كان المتنجس مما يكفي في تطهيره الغسل مرة واحدة فغسالة الغسلة الأُولى طاهرة لتعقبها بطهارة المحل ، وأمّا إذا احتاج تطهيره إلى تعدد الغسلات فغسالة الغسلة الأخيرة هي المحكومة بالطهارة لتعقبها بالطهارة دون غيرها من الغسلات ولعلّ هذا التفصيل هو الصحيح.
ولا يخفى أن القول بطهارة الغسالة لا يحتاج إلى إقامة الدليل إذ الأصل في المياه هو الطهارة ونجاستها تحتاج إلى دليل. فان قام دليل على نجاسة الغسالة فهو ، وإلاّ فلا مناص من الالتزام بطهارتها ، ولا بدّ في ذلك من النظر إلى أدلّة القائلين بالنجاسة ، وقد استدلوا على ذلك بوجوه :
أحدها : ما ادّعاه العلاّمة قدس سره من الإجماع على نجاسة الماء القليل المستعمل في غسل الجنابة والحيض إذا كان على بدن المغتسل نجاسة كما نقله في الحدائق (2).
وثانيها : عموم ما دلّ على انفعال الماء القليل بملاقاة النجس.
وثالثها : الأخبار الدالّة على نجاسة الغسالة بخصوصها كما يأتي عن قريب.
أمّا الوجه الأول : فيدفعه : أن الإجماع المدعى من الإجماع المنقول بخبر الواحد وهو مما لا يمكن الاعتماد عليه ، ولا سيما في أمثال المقام فان مورد كلام العلاّمة قدس سره هو الماء الذي يستعمله الجنب والحائض وعلى بدنهما نجاسة من دم أو
مني ، وهما لا يزولان بمجرّد صب الماء على البدن ومعه يحكم بنجاسة الماء لملاقاته لعين النجس ، وليس في هذا أي تناف للقول بطهارة الغسالة التي لم تكن معها عين فللقائل بالطهارة أن يلتزم بنجاستها فيما إذا كانت معها عين النجس.
وأمّا الوجه الثاني : فيرده أن منطوق ما دلّ على أن الماء إذا بلغ كراً لا ينجّسه شيء سالبة كلية ، وهي عام أفرادي ولها إطلاق بحسب الأحوال أيضاً ، ومفادها أن كل شيء صدق عليه عنوان الماء عرفاً إذا بلغ قدر كر لا ينفعل بشيء في جميع حالاته كوروده على النجس وبالعكس وغير ذلك ، وأمّا مفهومه فهو كما بيناه في بحث انفعال القليل وبعض المباحث الأُصولية موجبة جزئية ، ومفادها أن الماء غير البالغ قدر كر ينفعل بشيء ، وليس لها عموم أفرادي ولا إطلاق أحوالي ، فلا يستفاد منها في نفسها انفعال الماء القليل بملاقاة كل واحد من أفراد النجاسات.
نعم ، أثبتنا عمومها بمعونة القرينة الخارجية وهي الاستقراء التام في أفراد النجاسات ، والإجماع القطعي على عدم الفرق بين آحادها من الكلب والميتة وغيرهما ، وأيضاً ألحقنا المتنجسات بالأعيان النجسة بما دلّ على أن المتنجس منجّس إما مطلقاً أو فيما إذا لم يكن مع الواسطة كما قرّبناه في محلّه (1). وبهذا كله نحكم بثبوت العموم ، وأن الماء القليل ينفعل بملاقاة كل واحد من أفراد النجاسات والمتنجسات. وأمّا الإطلاق الأحوالي أعني انفعال الماء القليل بملاقاة النجس في جميع حالاته فلا يستفاد من المفهوم لأنه موجبة جزئية ، ولا دليل على العموم من القرائن الخارجية. فإذن لا دليل لنا على انفعال الماء القليل حال كونه غسالة.
وتوضيح ذلك : أن المتنجس إذا كان مما يعتبر في تطهيره تعدد الغسل كالثوب المتنجس بالبول والأواني ونحو ذلك مما فيه عين النجس ، كما إذا كان في المتنجس عين النجاسة ولم تكن تزول بصب الماء عليه مرة واحدة ، والجامع أن لا تكون الغسلة الأُولى متعقبة بطهارة المحل نلتزم فيه بنجاسة الغسالة لأنه ماء قليل لاقى نجساً ولا يفرق في ذلك بين حالاته بحسب الذوق العرفي كما بيناه في رد تفصيل السيد
1) في ص 137.
المرتضى قدس سره بين ورود القليل وكونه موروداً (1)فإن العرف لا يرى فرقاً بينهما بارتكازه ، وإنما يرى انفعاله معلولاً لمطلق الملاقاة ولو حال كونه غسالة وارداً أو موروداً.
وأمّا إذا كان المتنجس مما لا يعتبر في تطهيره تعدد الغسل كالمتنجس بغير البول فيما إذا كانت نجاسته حكمية ، وكذا فيما إذا كانت عينية ولكن زالت عينها قبل غسله والجامع أن تكون الغسلة الأُولى متعقبة بطهارة المحل فلا يمكن الحكم فيه بنجاسة الغسالة ، والوجه فيه أن القول بنجاسة الغسالة حينئذٍ يستلزم الالتزام بأحد محذورين : فإمّا أن نلتزم بطهارة الماء القليل حين ملاقاته للمتنجس وما دام في المحل ويحكم بنجاسته عند انفصاله عنه بالعصر أو بغيره ، وإمّا أن نقول بانفعاله من حين وصوله للمتنجس ونجاسته مطلقاً قبل انفصاله عنه وبعده ، إلاّ أن خروجه من المتنجس يوجب الحكم بطهارة المتنجس كما هو صريح بعضهم. ولا يمكن الالتزام بشيء منهما :
أمّا أوّلهما : فلأن القليل لو كان محكوماً بالطهارة حال اتصاله بالمتنجس لم يكن وجه لنجاسته بعد الانفصال ، فلنا أن نسأل عن أنه لماذا تنجس بعد خروجه عن المحل مع فرض طهارته قبل الانفصال؟
ودعوى : أن السبب في تنجسه إنما هي ملاقاته للمتنجس ، وهي تقتضي انفعال الماء القليل على ما دلّ عليه مفهوم روايات الكر.
مندفعة : بأن أخبار الكر إنما تدل بمفهومها على نجاسة القليل من حين ملاقاته للنجس أو المتنجس ، ولا دلالة لها على انفعالها بعد ملاقاة النجس بزمان من دون أن يتنجس به حين ملاقاته ، فهذا الالتزام بعيد عن الفهم العرفي.
وأمّا ثانيهما : فلأن طهارة المحل مع فرض نجاسة الماء المستعمل في تطهيره أمر بعيد ، وكيف يطهر بغسله بالماء النجس ، وذلك لأنّا إذا بنينا على نجاسة الماء حال اتصاله بالمتنجس لزم الحكم بنجاسة المقدار المتخلف منه في الثوب بعد عصره
1) في شروط التطهير بالماء قبل المسألة [308].
وانفصال غسالته ، فان الماء لا ينفصل عن الثوب بتمامه ، ومع نجاسته كيف يحكم بطهارة المحل فلا مناص من الحكم بنجاسته ، وكذا الحال فيما إذا كان المتنجس بعض الثوب ، فان غسله يستلزم عادة سراية الماء إلى غير الموضع المتنجس منه ولو بمقدار يسير ، وإذا حكمنا بنجاسة الماء فلا محالة يوجب نجاسة غير الموضع المتنجس أيضاً فهذا الوجه كالوجه السابق بعيد عن الأنظار العرفية ، وإن كانا غير مستحيلين عقلاً بحيث لو قام دليل على طهارة الثوب بذلك لم يكن مانع من الالتزام بطهارة المحل ونجاسة غسالته ، كيف وقد عدّ الماتن قدس سره خروج الغسالة من شرائط التطهير بالماء ، والتزم كغيره من الأعلام بانفعال الماء القليل حين اتصاله بالثوب وقد عرفت بعده ، وإن لم يكن في الاستبعاد بمثابة الوجه الأول فلا مناص حينئذٍ من الالتزام بطهارة الغسالة.
ولا يمكن الاستدلال على نجاسته في هذه الصورة بعموم أدلّة انفعال القليل بالملاقاة ، وذلك لأنّا وإن بنينا على عدم التفرقة عرفاً في انفعال الماء القليل بين حالاته ، إلاّ أنه إنما يتم في الغسالة غير المتعقبة بطهارة المحل دون ما تتعقبه الطهارة لاستلزام القول بانفعاله حال كونه غسالة الالتزام بأحد المحذورين المتقدمين ، وقد عرفت استبعادهما حسب الفهم العرفي ، ونحتمل وجداناً أن تكون للماء القليل حال كونه غسالة خصوصية تقتضي الحكم بعدم الانفعال ، ومقتضى القاعدة طهارة الغسالة ، لأنها الأصل الأولي في المياه حتى يقوم دليل على نجاستها ، وليس للمفهوم إطلاق أحوالي حتى يتشبث به في الحكم بنجاسة القليل في جميع حالاته.
وأمّا الوجه الثالث : فقد استدلوا على نجاسة الغسالة بعدة روايات :
منها : رواية عبد اللّه بن سنان المتقدمة (1)حيث دلت على أن الماء الذي غسل به الثوب أو اغتسل فيه من الجنابة لا يصح استعماله في الوضوء وأشباهه ، فلو كانت الغسالة طاهرة لم يكن وجه لمنع استعمالها في الوضوء.
وترد هذا الاستدلال جهتان : إحداهما : ضعف سندها كما تقدم ، وثانيتهما : المناقشة
1) في ص 283.
في دلالتها ، وذلك لأن المنع فيها من استعمال الغسالة في رفع الحدث حكم تعبدي وغير مستند إلى نجاستها. ومن هنا التزم جمع بطهارة ماء الاستنجاء ومنعوا عن استعماله في رفع الحدث. فلا دلالة للرواية على نجاسة الغسالة بوجه.
هذا غاية ما يمكن أن يقال في المنع عن دلالة الرواية على نجاسة الغسالة ، إلاّ أن الصحيح أن دلالة الرواية غير قابلة للمناقشة فيما نحن فيه كما اتضح في التكلّم على استعمال الماء المستعمل في الاستنجاء في رفع الحدث الأكبر أو الخبث (1). فالصحيح في المنع عن الاستدلال بالرواية هي الجهة الأُولى فقط أعني ضعفها بحسب السند.
ومنها : ما عن العيص بن القاسم ، قال : « سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء؟ فقال : إن كان من بول أو قذر ، فيغسل ما أصابه » (2)وقد رواها في الوسائل عن الشهيد في الذكرى وعن المحقق في المعتبر ، ونقلها صاحب الحدائق عن الشيخ في الخلاف (3)وكأنه الأصل فيها ، ومع هذا لم يسندها في الوسائل إلى الشيخ.
ثم إن للرواية ذيلاً وهو « وإن كان وضوء الصلاة فلا يضره » ولكن لم يثبت كونه من الرواية ومن هنا لم ينقله صاحب الوسائل قدس سره وأسنده في الحدائق إلى بعضهم قائلاً « وزاد بعضهم في آخر هذه الرواية ... إلخ » وكيف كان فقد دلت الرواية على نجاسة الغسالة ، ولأجلها حكم علیه السلام بغسل ما أصابه من الطشت.
ويدفعه أيضاً أمران : أحدهما : المناقشة في سندها ، حيث لم يعلم أن الشيخ نقلها من كتاب العيص وهو الذي يعبّر عنه بالوجادة ، لاحتمال أن ينقلها عن شخص آخر نقلها عن العيص ، وذلك الشخص المتوسط مجهول عندنا. فالرواية مقطوعة لا يعتمد عليها في شيء. نعم ، لو ثبت أن الشيخ نقلها عن كتاب العيص لم يكن مناص من الحكم بصحتها لأن طريق الشيخ إلى كتاب العيص حسن على ما صرح به في الحدائق وغيره (4)إلاّ أنه لم يثبت كما عرفت ، ولم يظهر أن الرواية كانت مورداً لاعتماده ( قدس
1) في ص 307.
2) الوسائل 1 : 215 / أبواب الماء المضاف ب 9 ح 14.
3) الحدائق 1 : 478.
4) بل طريقه إليه صحيح. ثم إن الطريق وإن وقع فيه ابن أبي جيد وهو ممن لم يذكر بمدح ولا قدح إلاّ انّه لما كان من مشايخ النجاشي قدس سره وهو قد التزم بأن لا يروي عمّن فيه غمز أو ضعف إلاّ مع واسطة بينه وبينه فيستفاد منه توثيق جميع مشايخه الذين روى عنهم من دون واسطة ومنهم ابن أبي جيد فلاحظ.
سره ) فإنّها لو كانت كذلك عنده لأوردها في كتابيه في الأخبار ، ولم يوردها إلاّ في الخلاف (1)، وكأنه نقلها على وجه التأييد ، فإن الفقيه قد يتوسع في الكتب الاستدلالية بما لا يتوسع في كتب الأخبار.
وثانيهما : المناقشة في دلالتها بأن الأمر بالغسل فيها مستند إلى نجاسة ما في الطشت لا إلى نجاسة الغسالة ، وتوضيحه : أنه قد علق الحكم بغسل ما أصابه في الرواية ، بما إذا كان الوضوء من بول أو قذر ، والبول من الأعيان النجسة يبس أم لم ييبس.
وأمّا ما عن المحقق الهمداني من أن البول قد يغسل بعد جفافه ولا تبقى له عين حينئذٍ (2)فظاهر الفساد لوضوح أن البول من الأعيان النجسة سواء أكان رطباً حال غسله أم كان يابساً.
وكذا الحال في القذر ، لأنه أيضاً بمعنى عين النجاسة من عذرة أو دم ونحوهما على ما تساعد عليه المقابلة بالبول ، إذ القذر بفتح الذال غير القذر بكسره فإن الثاني بمعنى المتنجس وما يتحمّل القذارة ، وعلى هذا لا بدّ في غسلهما من إزالة عينهما وبذلك يتنجس الماء المزال به عين النجاسة لملاقاته لعين النجس ، وأمّا ما يصب على المتنجس مستمراً أو ثانياً أو ثالثاً فهو ماء طاهر كما مر إلاّ أنه يتنجس بعد وقوعه في الطشت بما فيه من الغسالة الملاقية لعين النجس ، فنجاسة ما في الطشت مستندة إلى امتزاج الغسالة الثانية أو الثالثة مع القليل الملاقي لعين النجس قبل زوالها ، وغير مستندة إلى نجاسة الغسالة كما لا يخفى ، فنجاسة الماء في الطشت في مفروض الرواية مما لا خلاف فيه حتى من القائلين بطهارة الغسالة ، فلا يمكن الاستدلال بها على نجاسة الغسالة في محل الكلام.
ومنها : موثقة عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سئل عن الكوز والإناء يكون قذراً كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل؟ قال : يغسل ثلاث مرات ، يصب فيه الماء فيحرك فيه ، ثم يفرغ منه ، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ، ثم يفرغ ذلك الماء ، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ منه وقد طهر ... » الحديث (1)فلو كانت الغسالة طاهرة لم يكن وجه لوجوب إفراغ الماء عن الإناء في المرتبة الثالثة.
والجواب عن هذا أن مجرد جعل الماء في الإناء لا يوجب صدق عنوان الغسل بالماء القليل ولا يتحقق بذلك مفهومه ، مثلاً إذا أخذ ماء بكفه أو جعل الماء في إناء ليشربه لا يقال إنه غسل كفه أو إناءه بالماء ، بل يتوقف صدق عنوان الغسل على إفراغهما منه ، فالأمر بالافراغ من جهة تحقق عنوان الغسل الواجب ثلاث مرات في تطهير الإناء بالماء القليل ، وغير مستند إلى نجاسة الغسالة.
ومنها : الأخبار الناهية عن غسالة الحمّام (2)فإن الغسالة لو كانت طاهرة لم يكن وجه للنهي عن غسالة الحمام ، وهذه الأخبار وإن كانت معارضة بما دلّ على طهارة غسالته (3)إلاّ أنها عللت طهارتها باتصال الغسالة بالمادّة أو بماء الحياض الصغار المتصلة بالمادّة بالأنابيب ، ومنها يظهر أن الغسالة محكومة بالنجاسة لولا اتصالها بمادتها.
ولكن الاستدلال بهذه الأخبار إنما ينفع في مقابل القائلين بطهارة الغسالة مطلقاً كما التزم بها صاحب الجواهر قدس سره (4)لأن تلك الأخبار كما بيناها تدل على
1) الوسائل 3 : 497 / أبواب النجاسات ب 53 ح 1.
2) كما في موثقة ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه علیه السلام في حديث قال : « وإيّاك أن تغتسل من غسالة الحمام ... » وفي روايته الأُخرى : « لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمّام » وغيرهما من الأخبار المروية في الوسائل 1 : 220 / أبواب الماء المضاف ب 11 ح 5، 4.
3) كصحيحة محمد بن مسلم وغيرها من الأخبار الدالّة على طهارة ماء الحمام المعللة في بعضها « بأن ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضاً » ، « وأنه بمنزلة الجاري » وفي بعضها : « إذا كانت له مادّة » وغيرها من الأخبار المروية في الوسائل 1 : 148 / أبواب الماء المطلق ب 7 ح 2 ، 7 ، 1 ، 4.
4) الجواهر 1 : 348.
نجاسة الغسالة في نفسها ، ولا ينفع على مسلكنا من التفصيل بين الغسلة المتعقبة بطهارة المحل وسائر الغسالات ، وذلك لأن غسالة الحمام مجمع غسالات متعددة كغسالة المني والدم والكافر والناصب وغيرها من الأعيان النجسة ، والماء القليل إذا صبّ على عين النجاسة ينفعل بملاقاتها ، وأمّا الغسالات الأُخر المتعقبة بطهارة المحل فهي وإن كانت طاهرة في نفسها إلاّ أنها تتنجس في خصوص المقام من جهة اجتماعها مع الغسالة الملاقية لعين الدم أو المني وغيرهما ، وبذلك ينفعل مجمع الغسالة في الحمّامات.
ولا إطلاق في هذه الروايات كي يتمسك به في الحكم بنجاسة الغسالة مطلقاً لاختصاص الأخبار بغسالة الحمام ، وهي تلاقي الأعيان المختلفة ، فلا تشمل الغسالة غير الملاقية لعين النجس من الغسلة المتعقبة بطهارة المحل.
فالمتحصّل من جميع ذلك أنه لا دلالة في شيء من الأخبار المتقدمة على نجاسة الغسالة على الإطلاق ، فالغسالة من الغسلة المتعقبة بطهارة المحل باقية على طهارتها من غير حاجة إلى إقامة الدليل على طهارتها.
بقي هنا شيء وهو أن شيخنا الهمداني قدس سره ذكر في ضمن كلامه في المقام أن استثناء الأصحاب خصوص ماء الاستنجاء عن عموم انفعال القليل بالملاقاة يشعر باختصاصه بالخروج وعدم طهارة غيره من الغسالات ، فإنّها أيضاً لو كانت طاهرة لم يبق وجه لاستثناء خصوص ماء الاستنجاء ، لأنه من أحد أفرادها. فتخصيصهم له بالذكر يدلنا على مسلمية نجاسة الغسالة عندهم (1).
وهذا الذي أفاده متين إلاّ أن غاية ما يترتب على ذلك هو استكشاف نجاسة خصوص ما كان كنفس ماء الاستنجاء من الغسالات الملاقية لعين النجس دون الغسالة غير الملاقية له ، لأن ماء الاستنجاء غسالة لاقت لعين البول والعذرة بل ويتغيّر بهما كثيراً ولو في قطراته الأولية ومقتضى القاعدة نجاسته ، ولكنهم حكموا
1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 64 السطر 35.
[134] مسألة 1 : لا إشكال في القطرات التي تقع في الإناء عند الغسل ولو قلنا بعدم جواز استعمال غسالة الحدث الأكبر (1).
بطهارته تخصيصاً لما دلّ على نجاسة الغسالة الملاقية لعين النجس ، فكأنهم ذكروا أن الغسالة الملاقية لأعيان النجاسات نجسة غير غسالة الاستنجاء ، لما دلّ على طهارتها مع ملاقاتها للبول والعذرة ، وليس في هذا أدنى دلالة على نجاسة الغسالة غير الملاقية للنجس.
(1) لا إشكال في أن القطرات الواقعة في الإناء من الماء المستعمل في رفع الجنابة غير مانعة عن الاغتسال بالماء الموجود في الإناء ، وهذا على القول بجواز رفع الحدث بالماء المستعمل في الجنابة ظاهر ، وأمّا على القول بالمنع فالأمر أيضاً كذلك لعدم شمول أدلّة المنع لماء الإناء. بيان ذلك : ان ما دلّ على عدم جواز رفع الحدث بالماء المستعمل في الجنابة أحد أمرين :
أحدهما : الإجماع على أن الماء المستعمل في رفع الجنابة لا يرفع الحدث كما ادّعاه بعضهم ، وهو مضافاً إلى عدم تماميته في نفسه ، لوجود المخالف في المسألة لا يقتضي المنع عن استعمال ماء الإناء ، لأن الإجماع لم ينعقد على عدم جواز رفع الحدث بما وقعت عليه قطرات من الماء المستعمل ، لذهاب أكثر الأصحاب إلى الجواز فالإجماع على المنع غير متحقق قطعاً.
وثانيهما : رواية عبد اللّه بن سنان التي دلّت على عدم جواز الوضوء وأشباهه من الماء المستعمل في رفع الجنابة أو في رفع الخبث ، وهي أيضاً على تقدير صحتها سنداً لا تشمل المقام ، وذلك لأن الموضوع للمنع فيها هو عنوان الماء المستعمل في إزالة الخبث أو في رفع الحدث ، ومن البديهي أن نضح قطرات يسيرة في ماء الإناء لا يوجب صدق عنوان الماء المستعمل عليه ، لاستهلاك القطرات في ضمنه ، وهذا لا بمعنى استهلاك الماء في الماء فإن الشيء لا يستهلك في جنسه بل يوجب ازدياده ، بل
بمعنى أنه يوجب ارتفاع عنوانه ، فلا يصدق على ماء الإناء أنه ماء مستعمل في إزالة الخبث أو في رفع الحدث ، فأدلة المنع لا تشمله. ثم على تقدير تسليم شمولها لماء الإناء ففيما ورد في المسألة من الأخبار غنى وكفاية (1)لدلالتها على عدم البأس بما ينتضح من قطرات ماء الغسل في الإناء.
وما ذكرناه في المقام إذا كان المنتضح قطرة أو قطرات يسيرة ممّا لا إشكال فيه وإنما الاشكال فيما إذا كانت كثيرة ، كما إذا جمع غسالته وألقاها على ماء آخر ، وهو بمقدار ثلثه أو نصفه بحيث لم يستهلك أحدهما في الآخر فهل يصح الوضوء والغسل من مثله؟
ذهب شيخنا الأنصاري قدس سره إلى الجواز (2)وهو الصحيح ، والسر في ذلك : أن عدم ارتفاع الحدث بالماء المستعمل في رفع الجنابة على خلاف القاعدة ومناف لطهوريته ، فان الماء المستعمل طاهر ومقتضى إطلاق طهوريته جواز الاكتفاء به في رفع الحدث ، فهب أنّا خرجنا عن مقتضى القاعدة برواية عبد اللّه بن سنان ، وقد عرفت أن موضوع المنع فيها هو عنوان الماء المستعمل ، ومن الظاهر أن الماء إذا تركب من المستعمل وغير المستعمل لم يصدق عليه عنوان المستعمل بوجه ، لأن المستعمل جزؤه لا جميعه كما هو الحال في غيره من المركبات ، فان الذهب مثلاً لا يصدق على المركب من الفضة والذهب كما لا يصدق عليه الفضة أيضاً ، وكذا في غيره فان المركب من شيء لا يصدق عليه عنوان ذلك الشيء ، ومع عدم صدق عنوان الماء المستعمل على المركب من الماءين يبقى تحت إطلاقات طهورية الماء لا محالة ومقتضاها جواز الاكتفاء به في رفع الحدث.
وعلى الجملة الماء المستعمل إما أن يستهلك في ضمن ماء الإناء لقلته ، وإما أن
[135] مسألة 2 : يشترط في طهارة ماء الاستنجاء أُمور :
الأوّل : عدم تغيره في أحد الأوصاف الثلاثة (1).
يندك ماء الإناء في المستعمل لكثرته ، وإما ان يتركب الماء من كل منهما من دون استهلاك أحدهما في الآخر. فعلى الأوّل لا إشكال في الجواز لعدم صدق عنوان المستعمل عليه قطعاً. وعلى الثاني لا إشكال في المنع لصدق أنه ماء مستعمل جزماً. وأمّا على الثالث فلا مانع فيه أيضاً من الجواز ، لفرض عدم صدق المستعمل على المركب منه ومن غيره إذ المركب من الداخل والخارج خارج.
(1) وإلاّ فهو محكوم بالنجاسة ، لعموم ما دلّ على نجاسة الماء المتغير بأوصاف النجس ، والسر في هذا الاشتراط هو أن السؤال والجواب في روايات الباب ناظران إلى ناحية ملاقاة الماء القليل للعذرة فحسب ، ولا نظر لهما إلى سائر الجهات ، لأن انفعال القليل بالملاقاة كان مرتكزاً في أذهان الرواة ولأجله سألوهم عن حكم الماء القليل في الاستنجاء الملاقي لعين النجس وأجابوا بعدم انفعاله ، فلا يستفاد منها طهارته فيما إذا تغيّر بأوصاف النجس أيضاً ، فإن التغيّر ليس أمراً غالبياً في ماء الاستنجاء بل هو نادر جدّاً فيخرج عن إطلاقات الأخبار لا محالة.
ثم إن أبيت عن ذلك وجمدت على ظواهر الأخبار بدعوى أنها مطلقة ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق في طهارة ماء الاستنجاء بين صورتي تغيره وعدمه ، وأغمضت عن عموم ما دلّ على نجاسة الماء المتغيّر ، وعدم معهودية ماء متغيّر لم يحكم عليه بالنجاسة شرعاً من القليل والكثير وماء الأنهار والآبار والأمطار ، ولم تلتفت إلى أن السؤال والجواب في الأخبار ناظران إلى عدم سببية ملاقاة النجاسة للانفعال في ماء الاستنجاء.
قلنا : إن النسبة على هذا بين أخبار ماء الاستنجاء ، وما دلّ على نجاسة الماء المتغيّر عموم من وجه ، لأن الطائفة الأُولى تقتضي طهارة ماء الاستنجاء مطلقاً تغيّر بالنجس
الثاني : عدم وصول نجاسة إليه من خارج (1).
الثالث : عدم التعدي الفاحش على وجهٍ لا يصدق معه الاستنجاء (2).
الرابع : أن لا يخرج مع البول أو الغائط نجاسة أُخرى مثل الدم (3). نعم ، الدم
أم لم يتغيّر به ، كما أن الطائفة الثانية دلت على نجاسة الماء المتغيّر كذلك سواء استعمل في الاستنجاء أم لم يستعمل ، فتتعارضان بالإطلاق في مادّة الاجتماع ، والترجيح مع الطائفة الثانية لأن فيها ما هو عام وهو صحيحة حريز : « كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب ... » (1)وبما أن دلالته بالوضع فيتقدم على إطلاق الطائفة الاولى لا محالة ، وبذلك يحكم بنجاسة ماء الاستنجاء عند تغيّره بأوصاف النجس.
(1) بأن كانت يده متنجسة قبل الاستنجاء أو كان المحل كذلك أو تنجس بشيء أصابه حال الاستنجاء ، والوجه في هذا الاشتراط هو أن أدلّة طهارة ماء الاستنجاء إنما تقتضي عدم انفعاله بملاقاة عين الغائط أو البول حال الاستنجاء ، وأمّا عدم انفعاله بوصول النجاسة إليه خارجاً فلم يقم عليه دليل ، فيشمله عموم انفعال الماء القليل بملاقاة النجس.
(2) هذا في الحقيقة مقوّم لصدق عنوان الاستنجاء وليس من أحد الشروط وإنما ذكروه تنبيهاً ، وحاصله اعتبار أن يكون الماء المستعمل مما يصدق عليه أنه ماء مستعمل في الاستنجاء الذي هو بمعنى غسل موضع الغائط المعبّر عنه بالنجو وهذا إنما يصدق فيما إذا لم يتجاوز الغائط عن الموضع المعتاد ، وأمّا إذا تجاوز عنه كما إذا كان مبتلى بالاسهال فأصاب الغائط فخذه أيضاً ، فلا يصدق على غسل الفخذ عنوان الاستنجاء بوجه فيبقى الماء تحت عموم ما دلّ على انفعال الماء القليل ، ولعلّ هذا مما لا خلاف فيه.
(3) بمعنى أنه كما يشترط في طهارة ماء الاستنجاء أن لا تصل إليه نجاسة من
1) الوسائل 1 : 137 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 1.
الذي يعد جزءاً من البول (1)أو الغائط لا بأس به (1).
الخامس : أن لا يكون فيه الأجزاء من الغائط (2) بحيث يتميز أمّا إذا كان معه
الخارج ، كذلك يشترط فيها عدم وصول النجاسة إليه من الداخل كالدم الخارج مع الغائط أو البول وهذا كما أفادوه ، لما مرّ من أن الاستنجاء بمعنى غسل موضع النجو وهو الغائط ، وأمّا غسل الدم فهو ليس من الاستنجاء في شيء.
(1) لا وجه لهذا الاستثناء ، لأن الدم الخارج من الغائط مثلاً إن كان منعدماً في ضمنه بالاستهلاك فلا كلام في طهارة الماء حينئذٍ ، إلاّ أنه خارج عن اختلاط الدم بالغائط حيث لا دم ليعد جزءاً من الغائط. وأمّا إذا لم يستهلك فيه وكان موجوداً معه فتعود المناقشة المتقدمة ويقال : الاستنجاء بمعنى غسل موضع النجو ، ولا يصدق على غسل الدم وموضعه ، فلا مناص من الحكم بنجاسته فهذا الاستثناء مشكل.
وأشكل منه ما إذا خرج الدم مع البول ، وذلك لأنه لم يدل دليل لفظي على الماء المستعمل في إزالته ، إذ الاستنجاء كما مرّ بمعنى غسل موضع النجو أو مسحه بالأحجار ، والنجو هو ما يخرج من الموضع المعتاد من غائط أو ريح وهو لا يشمل البول. وغسله ليس من الاستنجاء في شيء إلاّ أنّا ألحقنا البول بالغائط من جهة الملازمة العرفية ، لعدم معهودية الاستنجاء من الغائط في مكان ، ومن البول في مكان آخر إذا العادة جرت على الاستنجاء منهما في مكان واحد ، وقد حكم على الماء المستعمل في إزالتهما بالطهارة ، فيستفاد من ذلك طهارة الماء المستعمل في إزالة البول أيضاً ، والمقدار المسلّم من هذه الملازمة هو طهارة الماء المستعمل في إزالة نفس البول. وأمّا المستعمل في البول مع الدم فلم تتحقق فيه ملازمة ، فان خروج الدم معه أمر قد يتفق ، وليس أمراً دائمياً أو غالبياً ، فلا يمكن الحكم بطهارته.
(2) والوجه في هذا هو أنّ المتعارف في الاستنجاء ما إذا بقي من النجاسة في الموضع شيء يسير بحيث لا يوجد شيء من أجزائها المتمايزة في الماء وهو الذي حكمنا
1) (*) على نحو يستهلك في البول أو الغائط.
دود أو جزء غير منهضم من الغذاء أو شيء آخر لا يصدق عليه الغائط فلا بأس به.
[136] مسألة 3 : لا يشترط في طهارة ماء الاستنجاء سبق الماء على اليد وإن كان أحوط (1).
[137] مسألة 4 : إذا سبق بيده بقصد الاستنجاء ثم أعرض ثم عاد لا بأس إلاّ إذا عاد بعد مدة ينتفي معها صدق التنجس بالاستنجاء فينتفي حينئذٍ حكمه (2).
[138] مسألة 5 : لا فرق في ماء الاستنجاء بين الغسلة الأُولى والثانية في البول الذي يعتبر فيه التعدّد (3).
فيه بالطهارة ، وأمّا إذا كان الباقي في الموضع كثيراً خارجاً عن العادة على نحو وجد بعض أجزائها في الماء متميزاً حين الاستنجاء أو بعد الفراغ عنه ، فلا يمكن الحكم فيه بطهارة الماء وذلك لأن الأجزاء الموجودة في الماء نجاسة خارجية ، وملاقاتها توجب الانفعال فلا مناص من الحكم بنجاسته. وأمّا ما دلّ على طهارة ماء الاستنجاء فهو إنما دلّ على أن ملاقاة الماء القليل لعين النجاسة في موضعها لا توجب الانفعال ، دون ما إذا كانت الملاقاة في غير موضع النجس.
(1) هذا هو الشرط السادس الذي اشترطه بعضهم في طهارة ماء الاستنجاء إلاّ أن جملة من المحققين ( قدس اللّه أسرارهم ) لم يرتضوا باشتراطه ، وهو الصحيح فان كلا من سبق الماء على اليد وسبق اليد على الماء أمر متعارف في الاستنجاء ، والإطلاق يشملهما وهو المحكم في كلتا الصورتين. نعم ، لو أصابت يده الغائط لا لأجل الاستنجاء بل بداعي أمر آخر لم يحكم عليها بالطهارة ، لعدم صدق الاستنجاء عليه.
(2) لأجل عدم صدق الاستنجاء في حقه.
(3) ليس الوجه في ذلك هو الإطلاق كما في بعض الكلمات ، حيث لا دليل لفظي على طهارة الماء المستعمل في إزالة البول حتى يتمسك بإطلاقه ، بل مستنده هو الملازمة العرفية التي قدمنا تقريبها آنفاً ، فإن العادة جرت على الاستنجاء من البول والغائط في
[139] مسألة 6 : إذا خرج الغائط من غير المخرج الطبيعي فمع الاعتياد كالطبيعي (1)ومع عدمه حكمه حكم سائر النجاسات في وجوب الاحتياط من غسالته (1).
[140] مسألة 7 : إذا شكّ في ماء أنه غسالة الاستنجاء أو غسالة سائر النجاسات يحكم عليه بالطهارة (2)(2) وإن كان الأحوط الاجتناب.
مكان واحد مرة أو مرتين ، وقد حكم على المستعمل في إزالتهما بالطهارة.
(1) قد فصّل الماتن قدس سره بين ما إذا كان خروج الغائط من غير الموضع المعتاد اعتيادياً ، كما إذا انسد مخرجه لمرض أو علاج ، وجعلت له ثقبة اخرى ليخرج منها غائطه فحكم فيه بطهارة الغسالة ، وما كان خروجه عنه اتفاقياً ، كما إذا أصاب بطنه سكين فخرج من موضع إصابته غائط فحكم في غسالته بالنجاسة ، لأنه أمر اتفاقي لا يطلق عليه الاستنجاء.
ولكن ما أفاده في نهاية الإشكال ، لأن الاستنجاء لا يصدق على غسل موضع الغائط أو مسحه في ما إذا خرج من غير موضعه ، إذ النجو هو ما خرج من الموضع المعتاد من ريح أو غائط ، وليس معناه مطلق ما خرج من البطن ، فالغائط الخارج من غير موضعه ليس بنجو ، وغسله أو مسحه لا يسمى استنجاء ، من دون فرق في ذلك بين كون الموضع العرضي اعتيادياً وعدمه ، هذا ولا أقل من انصراف الأخبار إلى الاستنجاء المتعارف.
(2) لقاعدة الطهارة لأجل الشك في تأثر الماء وانفعاله ، أو لاستصحابها لعلمه بطهارة الماء قبل استعماله ، وما ذكره قدس سره يتوقف على القول بأن التخصيص ولو كان بمنفصل يوجب تعنون الباقي تحت العام بعنوان وجودي أو ما هو كالوجودي
[141] مسألة 8 : إذا اغتسل في كر كخزانة الحمام أو استنجى فيه لا يصدق عليه غسالة الحدث الأكبر أو غسالة الاستنجاء أو الخبث (1).
وعليه فان عموم انفعال الماء القليل بملاقاة النجس قد خصص بماء الاستنجاء ، فلا محالة يتعنون الباقي بعنوان المستعمل في سائر النجاسات ، أو بغير المستعمل في الاستنجاء ، لأن عنوان الغير نظير العنوان الوجودي ، فيقال القليل المستعمل في سائر النجاسات أو غير المستعمل في الاستنجاء ينفعل بملاقاة النجس ، ومن الظاهر أن صدق هذا العنوان على الغسالة المفروضة غير محرز ، لاحتمال أنه من المستعمل في الاستنجاء ، ومع الشك في الانطباق لا يمكن التمسك بالعام ، فيرجع فيه إلى قاعدة الطهارة كما مر.
وأمّا بناء على ما سلكناه من أن التخصيص بعنوان وجودي إنما يوجب تعنون العام بالعنوان العدمي ، فإذا ورد أكرم العلماء ثم خصص بلا تكرم فساقهم ، يكون الباقي تحت العموم معنوناً بالعالم الذي ليس بفاسق على نحو سلب الوصف ، لأن الظاهر من مثله عرفاً أن صفة الفسق مانعة من الإكرام ، فالعالم الذي لا تكون معه تلك الصفة هو الباقي تحت العموم لا العالم المقيد بالعدالة أو بغير الفسق ، وعليه فالماء القليل في المقام المحكوم بالانفعال على تقدير ملاقاة النجس إنما يتقيد بأن لا يكون مستعملاً في الاستنجاء وهو عنوان عدمي ولا وجه لتقييده بما يكون مستعملاً في سائر النجاسات أو بغير المستعمل في الاستنجاء.
وحينئذٍ لا مانع من إحراز أن المشكوك من أفراد العموم بالاستصحاب ، لأن الماء المشكوك فيه لم يكن متصفاً بصفة ماء الاستنجاء في زمان وهو الآن كما كان ، فهو ماء قليل لاقى نجساً بالوجدان وليس بماء الاستنجاء بحكم الاستصحاب ، فبضم الوجدان إلى الأصل نحرز أنه من الأفراد الباقية تحت العام ويحكم عليه بالانفعال ، ومعه لا يبقى لقاعدة الطهارة أو لاستصحابها مجال.
(1) إذا بنينا على أن الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر أو في الاستنجاء أو في
سائر الأخباث على تقدير طهارته كما في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل لا يرفع الحدث فهل يختص هذا بالماء القليل أو يعم الكثير أيضاً؟
الصحيح أن المنع يختص بالقليل ، والمسألة اتفاقية بين الأصحاب. وقد ذكر المحقق قدس سره في المعتبر أن هذا المنع عن الاستعمال حتى في الكثير لو تمّ لمنع من الاغتسال في البحر أيضاً فيما اغتسل فيه جنب أو استنجى به أحد ، فإنّه على هذا لا يفرق بين كر وأكرار ، وهو مما لا يمكن الالتزام به ، فالمنع مختص بالقليل.
بل إن رواية عبد اللّه بن سنان (1)التي هي سند القول بالمنع إنما دلت على تقدير تسليم دلالتها على عدم جواز رفع الحدث بالماء الذي اغتسل به الجنب أو أُزيل به الخبث ، ومن الظاهر أن هذا كما ذكره شيخنا الأنصاري قدس سره (2)يختص بالماء الذي مسّ بدن الجنب وأصابه ، إذ لو لا مماسته وإصابته للبدن إما بوروده على الماء أو بورود الماء عليه لم يصدق عليه أنه ماء اغتسل به الجنب ، ومن الظاهر أن ذلك لا يصدق في مثل البحر والنهر والخزانة ونحوها إلاّ على خصوص الناحية التي اغتسل فيها الجنب ، ولا يصدق على الناحية الأُخرى التي لم يمس بدنه ولا أصابه فهل ترى صدق عنوان الاغتسال به على كأس منه إذا أخذناه من غير الناحية التي اغتسل فيها الجنب. وكذا الحال فيما إذا صبّ الكر على بدنه ، لأن ما ارتفع به حدثه ، واغتسل به هو المقدار الذي مسّ بدنه دون غيره.
نعم ، لو كانت العبارة المذكورة في الرواية « اغتسل فيه » بدل جملة « اغتسل به » لصدق ذلك على جميع ماء النهر فإنّه ماء اغتسل فيه الجنب. فعلى هذا فالمقتضي للمنع في غير الطرف الذي اغتسل فيه الجنب قاصر في نفسه ، بل نقول إذا كان الماء القليل في ساقية طولها عشرون ذراعاً مثلاً ، واغتسل الجنب في طرف منه لا يصدق على الطرف الآخر عنوان الماء الذي اغتسل به جنب ، وكذا فيما إذا استنجى أو غسل ثوبه في ناحية منه ، وعليه فالمنع يختص بالأجزاء التي مست بدن الجنب عرفاً دون غيره.
ثم لو تنزّلنا عن ذلك فهناك صحيحتان قد دلتا على عدم المنع من استعمال الماء الكثير في غسل الجنابة وإن اغتسل به الجنب.
إحداهما : صحيحة صفوان بن مهران الجمال قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الحياض التي ما بين مكة إلى المدينة تردها السباع ، وتلغ فيها الكلاب ، وتشرب منها الحمير ، ويغتسل فيها الجنب ويتوضأ منها؟ قال : وكم قدر الماء؟ قال : إلى نصف الساق وإلى الركبة ، فقال : توضأ منه » (1)وذلك لوضوح أنه لا موضوعية لبلوغ الماء نصف الساق أو الركبة بل المراد بذلك بلوغه حدّ الكر ، فان الماء الذي يرده الجنب في الصحاري ويغتسل فيه يبلغ حدّ الكر لا محالة ، وقد رخّص علیه السلام في رفع الحدث به ، وإن اغتسل فيه الجنب.
وثانيتهما : صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال : « كتبت إلى من يسأله عن الغدير يجتمع فيه ماء السماء ، ويستقى فيه من بئر فيستنجي فيه الإنسان من بول أو يغتسل فيه الجنب ما حدّه الذي لا يجوز؟ فكتب لا توضأ من مثل هذا إلاّ من ضرورة إليه » (2)والوجه في الاستدلال بها أن النهي فيها محمول على الكراهة ، لعدم الفرق عند القائلين بالمنع بين حالتي التمكن والاضطرار.
وقد ورد في رواية محمّد بن علي بن جعفر المتقدمة (3)« من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومنّ إلاّ نفسه ... » (4)وهي أيضاً قرينة على إرادة الكراهة من النهي في الصحيحة المتقدمة ، لأنها في مقام الإرشاد إلى التحفظ من سراية الجذام.
ثم إنه إذا بنينا على أن الماء الذي رفع به الحدث الأكبر أو استعمل في إزالة الخبث لا يجوز استعماله في رفع الحدث ثانياً ، وقلنا باختصاص هذا الحكم بغير الكر من جهة الصحيحتين فلا موجب للتعدي من الكر إلى غيره من المعتصمات ، لأن الدليل قد دلّ
[142] مسألة 9 : إذا شكّ في وصول نجاسة من الخارج أو مع الغائط يبني على العدم (1).
[143] مسألة 10 : سلب الطهارة أو الطهورية عن الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر أو الخبث استنجاءً أو غيره ، إنما يجري في الماء القليل دون الكر فما زاد كخزانة الحمّام ونحوها (2).
[144] مسألة 11 : المتخلّف في الثوب بعد العصر من الماء طاهر فلو أُخرج بعد ذلك لا يلحقه حكم الغسالة. وكذا ما يبقى في الإناء بعد إهراق ماء غسالته (3).
بإطلاقه على المنع من رفع الحدث بكل ماء استعمل في غسل الجنابة أو في رفع الخبث ، وإنما خرجنا عن هذا العموم بهاتين الصحيحتين في خصوص الكر ، وأمّا بقية المعتصمات فلم يقم على عدم المنع منها دليل ، فان اعتصام ماء وعدم انفعاله لا ينافي عدم جواز استعماله في رفع الحدث ، فالمطر وذو المادّة وإن كانا لا ينفعلان بشيء إلاّ أن ذلك لا يوجب ارتفاع الحدث بهما فيما إذا صدق عليهما عنوان الماء المستعمل في غسل الجنابة أو في رفع الخبث ، اللّهمّ إلاّ أن يقوم إجماع قطعي على عدم الفرق في ذلك بين الكر وغيره من المياه المعتصمة.
(1) قد عرفت أن طهارة ماء الاستنجاء مشروطة بعدم وصول نجاسة خارجية إليه فإن أحرزنا ذلك فهو ، وأمّا إذا شككنا في إصابتها فالأصل أنه لم يلاق نجاسة أُخرى وأنها لم تصل إليه ، وبالجملة النجاسة التي قد استنجى منها غير مؤثرة في نجاسة الماء ، وغيرها مدفوع بالأصل.
(2) هذا على سبيل منع الخلو ، يريد بذلك سلب الطهارة والطهورية عن بعض أقسامه وسلب الطهورية عن بعضها الآخر ، ولكنه تكرار للمسألة المتقدمة.
(3) هناك أمران :
أحدهما : طهارة المتخلف في الثوب بعد عصره بالمقدار المتعارف.
وثانيهما : أن المتخلف فيه إذا أخرج بعد ذلك لا يكون غسالة فلا يلحقه حكمها
[145] مسألة 12 : تطهر اليد تبعاً بعد التطهير فلا حاجة إلى غسلها ، وكذا الظرف الذي يغسل فيه الثوب ونحوه (1).
وليس الأمر الثاني متفرعاً على الأول بأن يكون عدم كونه غسالة مستنداً إلى طهارته لأنه ليس كل غسالة نجسة حتى يتوهّم أن الماء إذا حكم عليه بالطهارة فهو ليس بغسالة ، وهذا كغسالة الاستنجاء وغسالة الغسلة المتعقبة بطهارة المحل على ما اخترناه.
وعليه فتفريعه قدس سره بقوله : فلو أُخرج ... إلخ في غير محله ، فلو انّه كان عكس الأمر وقال إن المتخلف في الثوب ليس بغسالة فهو طاهر كان أولى ، وكيف كان فلا إشكال في حكم المسألة ، فإنّه لا إشكال في أن المتخلف في الثوب بعد عصره ماء آخر وليس من الغسالة في شيء ، فإن الغسالة هي ما يغسل به الشيء ، والذي غسل به الثوب مثلاً هو الماء المنفصل عنه بالعصر المتعارف ، ولم يغسل بالماء الذي لم ينفصل عنه ، لما تقدم من أن مفهوم الغسل متقوم بإصابة الماء للمغسول به وانفصاله عنه ، فلا يتحقق الغسل من دون انفصال الماء ، فالغسالة هي الماء المنفصل عنه بالعصر ، وبخروجها يتصف المحل بالطهارة وإن كان رطباً ، لوضوح عدم اشتراط صدق الغسل بيبوسة المحل ، ومع صدقه لا مناص من الحكم بطهارة المحل ، ومعه تتصف الأجزاء المتخلفة فيه بالطهارة ، ولا يصدق عليها عنوان الغسالة إذا انفصلت عن الثوب بعد ذلك. وكذا الحال في غسل الأواني إذ الماء بعد إصابتها وانفصاله عنها وهما المحققان لمفهوم الغسل يبقى فيها شيء من أجزائه وهو طاهر ولا يعدّ من الغسالة كما مرّ ، فلو كثرت الأواني أو الثياب واجتمع من مياهها المتخلّفة فيها مقدار أمكن به الوضوء أو الغسل ، لم يكن مانع من استعماله فيهما بعد الحكم بطهارته وعدم صدق الغسالة عليه.
(1) وقد استدلّ على طهارة اليد والظرف بالملازمة ، واستبعاد الحكم بنجاستهما مع طهارة المغسول من دون أن يتنجس بهما ، فبالسكوت في مقام الحكم بطهارة المغسول
وعدم التعرّض لحكم اليد والظرف يستكشف طهارتهما بتبع طهارة المغسول ، وقد ذكروا نظير ذلك في يد الغاسل وفي السدة والخرقة في غسل الميت ، وحكموا بطهارتها بالتبعية ، هذا.
ولكن الصحيح أنه لا دليل على طهارة اليد والظرف بتبع طهارة المتنجس المغسول. نعم ، الغالب غسلهما حين غسل المتنجس ، وعليه فطهارتهما مستندة إلى غسلهما كما أن طهارة المغسول مستندة إلى غسله ، حيث لا يعتبر غسلهما عليحدة ولا مانع من تطهيرهما معه فيحكم بطهارة الجميع مرة واحدة. نعم ، لو أصاب الماء أعالي اليد والظرف في الغسلة الأُولى فيما يحتاج فيه إلى تعدد غسله ، ولم يبلغه الماء في الغسلة المطهّرة لم يمكن الحكم بطهارتهما بالتبعية لعدم الدليل عليه ، وبعبارة اخرى إنما نحكم بطهارة اليد والمركن عند تطهير الثياب مثلاً ، لانغسالهما بغسل الثوب ، لا لأجل تبعيتهما للثوب في الطهارة إذ لا شاهد على الطهارة بالتبعية في المقام ، هذا كلّه في اليد والظرف. وأمّا طهارة يد الغاسل أو السدة والخرقة فسيأتي الكلام عليها في محلّه إن شاء اللّه.
بقيت هناك شبهة وهي أن مقتضى صحيحة محمّد بن مسلم (1)كفاية غسل المتنجس بالبول في المركن مرتين في تطهيره ، ومقتضى ما قدمناه هو الحكم بطهارة المركن أيضاً ، لانغساله بغسل الثوب فيه مرتين ، مع أن الحكم بطهارة مثله لا يستقيم إلاّ على القول بالتبعية ، فإن الوجه في طهارته لو كان هو انغساله بغسل الثوب فيه لم يمكن الحكم بطهارته بمجرد غسله مرّتين ، لأن المركن من قبيل الأواني ، وهي لا تطهر إلاّ بغسلها ثلاث مرات على ما نطقت به موثقة عمار (2)فالحكم بطهارته بغسل الثوب فيه مرّتين لا وجه له غير القول بطهارته بتبع طهارة الثوب.
ويدفعها : أن الآنية في لغة العرب عبارة عن الظروف المستعملة في خصوص الأكل والشرب أو فيما هو مقدمة لهما كالقدر ، ولم يظهر لنا مرادفها في الفارسية وليس معناها
[146] مسألة 13 : لو اجري الماء على المحل النجس زائداً على مقدار يكفي في طهارته فالمقدار الزائد بعد حصول الطهارة طاهر وإن عدّ تمامه غسلة واحدة ولو كان بمقدار ساعة ، ولكن مراعاة الاحتياط أولى (1).
[147] مسألة 14 : غسالة ما يحتاج إلى تعدد الغسل كالبول مثلاً إذا لاقت شيئاً ، لا يعتبر فيها التعدد وإن كان أحوط (2).
مطلق الظروف ، وعليه فلا يعتبر في تطهير المركن غسله ثلاث مرات ، لاختصاص ذلك بالآنية. بل وكذلك الحال في ما ورد من النهي عن استعمال أواني الذهب والفضة فإن الحرمة مختصة بما هو معد للأكل والشرب أو لما هو مقدمة لهما ، ولا تعم مطلق الظروف وإن لم تكن آنية. وعلى الجملة ينحصر الوجه في طهارة المركن واليد بما أشرنا إليه آنفاً من انغسالهما بغسل الثوب ونحوه.
(1) فان الماء الجاري عليه زائداً على المقدار المعتبر في غسله وطهارته لا يعد من الغسالة في شيء فلا يحكم بنجاسته على تقدير القول بنجاستها ، كما لا نمنع عن جواز استعماله في رفع الحدث إذا قلنا بالمنع في الغسالات ، والوجه فيه : أن المعتبر في تطهير المتنجس هو إجراء الماء عليه على نحو يعدّ غسلاً عرفاً ، وقد أسلفنا أن الغسل يتحقّق بخروج الغسالة وانفصال الماء عن المغسول به ، وعليه إذا أجرينا الماء على متنجس وأزلنا به عين النجس ثم انفصلت عنه غسالته فقد طهر بحكم الشرع ، فالماء الجاري عليه بعد المقدار الكافي في طهارته ماء ملاق للجسم الطاهر ، ولا يعد من الغسالة كي لا يرتفع بها الحدث على القول به ، بل الغسالة هي الماء الخارج بعد إجراء الماء عليه بمقدار يكفي في غسله ، وأمّا ما ذكره الماتن من الاحتياط باحتمال عد مجموع ما يخرج منه غسالة لاتصاله فهو ضعيف غايته.
(2) إنما تعرض قدس سره لهذه المسألة في المقام لمناسبة طفيفة ، وحقها أن تؤخر إلى مبحث المطهرات ، ويتكلّم هناك في أن التعدد في الغسل يعتبر في أي غسالة ولا
يعتبر في أيها ، وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محلّه ، وإنما نتكلّم عنها بمقدار يناسب المقام فنقول : الكلام في هذه المسألة يقع من جهتين :
إحداهما : من جهة الأصل العملي ، وأنه إذا شككنا في طهارة شيء ونجاسته بعد غسله مرة واحدة لاختلاف النجاسات في ذلك حيث يعتبر في بعضها الغسل مرتين كما في البول ، وتكفي المرة الواحدة في بعضها الآخر كما يعتبر في بعضها الغسل سبع مرّات فهل يرجع فيه إلى استصحاب النجاسة للعلم بتحققها سابقاً والشك في زوالها بالغسل مرة ، أو أن المرجع حينئذٍ هي قاعدة الطهارة؟ وهذه المسألة تبتني على جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلهية وعدمه ، فعلى الأول يرجع في المقام إلى استصحاب النجاسة حتى نتيقن بزوالها ، كما أنه على الثاني يرجع إلى قاعدة الطهارة.
وثانيتهما : من جهة الدليل الاجتهادي وأنه إذا بنينا على جريان استصحاب النجاسة في أمثال المقام فهل هناك دليل اجتهادي من عموم أو إطلاق يقتضي كفاية الغسل مرة كي يمنع عن جريان الأصل العملي حينئذٍ؟ هذه الجهة هي التي يقع الكلام فيها في المقام ، وأمّا الجهة الأُولى فتحقيقها موكول إلى محلّه وقد ذكرنا فيه أن الصحيح عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلهية فنقول :
الصحيح أن في المقام إطلاقات تقتضي الاكتفاء في تطهير المتنجسات بالغسل مرة واحدة وهي مانعة عن جريان استصحاب النجاسة ، وبها نحكم بكفاية الغسل مرة فيما لاقته غسالة متنجسة ، ولا تجري أحكام المتنجس إلى غسالته فلا نعتبر التعدد في غسالة ما يعتبر فيه التعدّد. ومن هنا اتفق الأصحاب 5 على عدم وجوب التعفير فيما لاقاه الماء المستعمل في تطهير ما ولغ فيه الكلب وعلى كفاية غسله مرّة واحدة. وعلى الجملة أن مقتضى تلك الإطلاقات الاكتفاء بالغسل مرة واحدة في تطهير أي متنجس من أي نجس. وتستفاد هذه الإطلاقات من الأوامر الواردة في غسل المتنجسات من دون تقييده بمرّتين أو أكثر ، وإليك بعضها :
منها : صحيحة زرارة قال : « قلت أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من مني فعلّمت أثره إلى أن أُصيب له الماء فأصبت وحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئاً وصلّيت ثم إني ذكرت بعد ذلك؟ قال : تعيد الصلاة وتغسله. قلت : فانّي لم أكن رأيت
[148] مسألة 15 : غسالة الغسلة الاحتياطيّة استحباباً يستحب الاجتناب عنها (1).
موضعه وعلمت أنه أصابه فطلبته فلم أقدر عليه فلما صليت وجدته ، قال : تغسله وتعيد ... » الحديث (1)حيث اشتملت على الأمر بغسل الثوب المتنجس من دون أن يقيده بمرتين أو أكثر.
ومنها : موثقة عمار الساباطي ، عن أبي عبد اللّه علیه السلام « أنه سئل عن رجل ليس عليه إلاّ ثوب ولا تحل الصلاة فيه ، وليس يجد ماء يغسله كيف يصنع؟ قال : يتيمم ويصلي فإذا أصاب ماءً غسله وأعاد الصلاة » (2)وقد دلت على أن الثوب إذا لم تحل فيه الصلاة لنجاسته لا لأجل مانع آخر ككونه مما لا يؤكل لحمه بقرينة قوله بعد ذلك : وليس يجد ماء يغسله يطهر بمطلق غسله من دون تقييده بمرتين أو أكثر.
ومنها : ما عن أبي الحسن علیه السلام « في طين المطر أنه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام إلاّ أن يعلم أنه قد نجسه شيء بعد المطر ، فإن أصابه بعد ثلاثة أيام فاغسله وإن كان الطريق نظيفاً لم تغسله » (3)ومنها غير ذلك من الأخبار الواردة في أبواب النجاسات الآمرة بمطلق الغسل في تطهير المتنجسات يقف عليها المتتبع في تلك الأبواب ، هذا كلّه على أن القذارة الشرعية كالقذارات العرفية ، فكما يكتفى في الثانية بإزالتها بالغسل فلتكن الأُولى أيضاً كذلك من دون أن يتوقف على تعدد الغسل.
(1) وذلك لأن حال ماء الغسالة حينئذٍ حال المغسول به بعينه فكما أن استحباب الاجتناب عنه بملاك احتمال نجاسته ، لأن قاعدة الطهارة أو استصحابها تقتضي طهارته فكذلك غسالته بناء على نجاسة الغسالة أو عدم جواز استعمالها في رفع الحدث ، فإن قاعدة الطهارة وإن كانت تقتضي طهارتها إلاّ أن ملاك استحباب الاجتناب وهو احتمال نجاسة الغسالة أو عدم كفايتها في رفع الحدث يرجح الاجتناب عنها ، كما كان يقتضي ذلك في نفس المغسول به.
الماء المشكوك نجاسته طاهر (1) إلاّ مع العلم بنجاسته سابقاً ، والمشكوك إطلاقه لا يجري عليه حكم المطلق (2) إلاّ مع سبق إطلاقه ، والمشكوك إباحته محكوم بالإباحة إلاّ مع سبق ملكية الغير أو كونه في يد الغير المحتمل كونه له (3).
فصل في الماء المشكوك
(1) حتى يعلم نجاسته ولو بالاستصحاب كما إذا كان مسبوقاً بالنجاسة ويدلُّ على ذلك قوله علیه السلام في موثقة عمار : « كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر فإذا علمت فقد قذر ... » (1)وقوله علیه السلام « الماء كلّه طاهر حتى يعلم أنه قذر » (2)ويدلُّ عليه أيضاً جميع ما دلّ على حجية الاستصحاب بضميمة ما دلّ على طهارة الماء في نفسه.
(2) لأن الشك في إطلاق مائع وإضافته بعينه هو الشك في أنه ماء أو ليس بماء فلا بدّ في ترتيب الآثار المرغوبة من الماء عليه من رفع الحدث أو الخبث من إثبات أنه ماء ، فإن أحرزنا ذلك ولو بالاستصحاب فهو ، وإلاّ فلا يمكننا ترتيب شيء من آثار الماء عليه.
(3) للبحث في ذلك جهتان :
إحداهما : حلية التصرفات فيه من أكله وشربه وصبه وغيرها من الانتفاعات المترقبة منه.
وثانيتهما : صحة بيعه وغيرها من الآثار المتوقفة على الملك.
أمّا الجهة الاولى : فلا ينبغي الإشكال في جواز الانتفاعات والتصرفات الواقعة فيه ، لقوله علیه السلام : « كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام » (1)وقد يقال كما أشار إليه شيخنا الأنصاري قدس سره في ذيل تنبيهات البراءة بأن الأموال خارجة عن أصالة الحلية والأصل فيها حرمة التصرف حتى يعلم حليته للإجماع ولرواية محمّد بن زيد الطبري : « لا يحل مال إلاّ من وجه أحلّه اللّه » (2)حيث دلت على أن الأموال محكومة بالحرمة حتى يتحقق سبب حليتها ، ومع الشك في وجود السبب المحلل يجري الأصل في عدمه (3).
ولكن الصحيح أن الأموال كغيرها فتجري فيها أصالة الحل ما لم يعلم حرمتها بدلالة دليل أو قيام أصل مثبت لحرمتها ، وذلك لأن الإجماع المدعى لا نطمئن بكونه تعبدياً كاشفاً عن رأي الإمام.
وأمّا الرواية فيدفعها : أوّلاً : ضعف سندها حيث إن جملة ممن وقع في طريقها مجاهيل والمجلسي قدس سره وإن قوّى وثاقة سهل بن زياد (4)، إلاّ أنها لم تثبت كما لم تثبت وثاقة غيره من رجال السند.
وثانيا : أن الرواية قاصرة الدلالة على المدعى ، لأن المراد من قوله علیه السلام « لا يحل مال ... » إلخ لو كان هو ما ادعاه المستدل من أن كل مال محكوم بحرمة التصرّف فيه حتى يتحقق سبب حليته لم تكن فيه جهة ارتباط بالسؤال ، حيث إن
1) قدّمنا أن هذه الجملة وردت في عدة روايات وبيّنا مواضعها في تعليقة ص 259 ، فراجع.
2) والرواية هي عن محمد بن الحسن وعن علي بن محمد جميعاً عن سهل عن أحمد بن المثنى عن محمد بن زيد الطبري قال : « كتب رجل من تجّار فارس من بعض موالي أبي الحسن الرضا علیه السلام يسأله الاذن في الخمس فكتب إليه : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم إن اللّه واسع كريم ضمن على العمل الثواب ، وعلى الضيق الهم ، لا يحل مال إلاّ من وجه أحله اللّه ، إن الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالنا ، وعلى موالينا ( أموالنا ) وما نبذله ، ونشتري من أعراضنا ممن نخاف سطوته ... » الحديث المروي في الوسائل 9 : 538 / أبواب الأنفال ب 3 ح 2.
3) فرائد الأُصول 1 : 371.
4) رجال المجلسي ( الوجيزة ) : 224.
السائل إنما سأله عن الإذن في التصرف في الخمس ، وهل له ربط بحرمة التصرف في الأموال حتى يتحقق سبب حليته ، فالظاهر أن مراده علیه السلام بذلك الإشارة إلى قوله عزّ من قائل ( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) (1)فان الخمس ملكهم علیهم السلام فلو أرادوا الإذن لأحد في التصرف فيه لم يجز ذلك إلاّ في ضمن معاملة عن تراض من هبة أو بيع أو غيرهما من الأسباب المحللة للتصرف وإلاّ كان من أكل المال بالباطل. ثم اعتذر علیه السلام عن إيقاع المعاملة على الخمس بأن الخمس عوننا على ديننا ودنيانا فلا نتمكن من هبته ولا من غيرها من المعاملات ، وهذا لا لأجل عدم جوازها شرعاً ، بل لأن الخمس عونهم على معيشتهم وبذلهم فلو خرج من أيديهم لم يتمكنوا من المعيشة والبذل ، وعليه فالرواية أجنبية عن المقام رأساً.
وثالثاً : لو أغمضنا عن سندها ودلالتها فأصالة الإباحة والحلية من أحد الأسباب المحللة للتصرف في المال المشكوك إباحته ، هذا كلّه في الجهة الأُولى.
وأمّا الجهة الثانية : أعني جواز ترتيب الآثار المتوقفة على الملك فالتردد في أن المال ملكه أو ملك غيره يتصوّر على وجوه :
الأوّل : ما إذا كان المال مسبوقاً بالإباحة والحلية الأصليتين ، وقد علم بسبق أحد إليه بالحيازة ولا يعلم أنه هو نفسه أو غيره ، ولا مانع في هذه الصورة من استصحاب بقاء المال على إباحته السابقة إلى زمان الشك ، وهو يقتضي الحكم بحلية المال له فعلاً ومعناه عدم تسلّط الغير عليه بالحيازة وإلاّ لم يكن مباحاً في حقه ، وبعد ذلك يتملكه بالحيازة ، فيثبت بالاستصحاب أنه مال لم يتملكه غيره وهو الموضوع للتملّك شرعاً وبضمه إلى الوجدان أعني تملكه يثبت أنه ملكه ، ويترتب عليه جميع آثار الملكية من الانتفاعات والمعاملات.
الثاني : ما إذا كان المال حينما وجد وجد مملوكاً له أو لغيره من غير أن تكون له حالة سابقة متيقنة ، ولا يجوز في هذه الصورة ترتيب آثار الملك عليه ، وهذا كما في
1) النساء 4 : 29.
البيضة لا يدري أنها لدجاجته أو لدجاجة غيره أو الثمرة لشجرته أو لشجرة غيره أو الصوف لغنمه أو لغنم غيره ، إلى غير ذلك من الأمثلة ، وفي هذه الصورة يجري استصحاب عدم دخوله في ملكه بسبب من الأسباب ، فإن الملكية إنما تتحقق بأسبابها وهي مشكوكة التحقق في المقام والأصل عدم تحققها ، ولا يعارض هذا الاستصحاب باستصحاب عدم دخوله في ملك الغير بأسبابه ، فإنّه لا يثبت به دخوله في ملك نفسه.
هذا ثم لو سلمنا جريان كلا الأصلين وتساقطهما بالمعارضة ، فلنا أن نجري الأصل في النتيجة المترتبة عليهما ، لأنه إذا شككنا في صحة بيعه حينئذٍ من جهة تعارض الأصلين نستصحب عدم انتقاله إلى المشتري ، وهو معنى فساد البيع. وعلى الجملة لا يجوز في هذه الصورة شيء من التصرفات المتوقفة على الملك ، وأمّا سائر التصرفات من أكله وشربه وأمثالهما فلا إشكال في جريان أصالة الحل والحكم بجوازها ، لأنها مشكوكة الحرمة حينئذ وكل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام.
الثالث : ما إذا كان المال ملكاً لأحد سابقاً ثم علم بانتقاله إما إليه أو إلى غيره ، وفي هذه الصورة أيضاً لا يمكن ترتيب شيء من الآثار المتوقفة على الملك ، لاستصحاب عدم دخول المال في ملكه بأسبابه ، لأن الملك يتوقف على سبب لا محالة وهو أمر حادث مشكوك والأصل عدمه ، ولا يعارضه استصحاب عدم دخوله في ملك الغير لأنه لا يثبت دخوله في ملك نفسه ، ثم على تقدير جريانهما وتساقطهما بالمعارضة لا مانع من الرجوع إلى الأصل الجاري في النتيجة أعني أصالة عدم انتقاله إلى المشتري إذا شككنا في صحة بيعه كما ذكرناه في الصورة المتقدمة.
هذا على أنّا لو قلنا بجريان الاستصحاب في القسم الثالث من الكلي لم يكن مانع من استصحاب ملكية الغير في المقام ، لأن ذلك الكلي كان متحققاً في ضمن فرد أعني المالك السابق وهو قد ارتفع قطعاً ، ونشك في قيام غيره مقامه فنستصحب كلي ملك الغير ، وبهذا يثبت عدم كونه ملكاً له ، إلاّ أنّا لا نقول بالاستصحاب في القسم الثالث من الكلي.
وأمّا بالإضافة إلى سائر التصرفات فهل تجري فيها أصالة الحل؟
قد يقال بجريانها ، لأنها مشكوكة الحرمة والحلية ، ومقتضى عموم كل شيء لك حلال إباحتها كما في الصورتين المتقدمتين ، إلاّ أن الصحيح عدم جريانها في هذه الصورة ، وذلك لأن المال كان ملكاً لغيره على الفرض ، ومقتضى قوله تعالى ( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) (1)وقوله علیه السلام « لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه » (2)عدم حليته له إلاّ بالتجارة عن تراض أو بطيب نفسه ، والأصل عدم انتقاله بهما ، وبه نحكم بعدم حلية التصرفات في المال ولا يبقى معه مجال لأصالة الحلية كما هو ظاهر ، ولا تقاس هذه الصورة بالصورتين المتقدمتين ، لعدم العلم فيهما بكون المال ملكاً لغيره سابقاً حتى يجري استصحاب عدم انتقاله بالتجارة أو بطيب نفسه.
الرابع : ما إذا كان المال مسبوقاً بملكيتين بأن علم أنه كان ملكه في زمان وكان ملك غيره في زمان آخر ، واشتبه المتقدم منهما بالمتأخر ، ففي هذه الصورة يجري استصحاب كل واحد من الملكيتين ويتساقطان بالمعارضة على مسلكنا ، ولا يجري شيء منهما على مسلك صاحب الكفاية قدس سره لعدم إحراز اتصال زمان الشك بزمان اليقين ، فلا أصل بالإضافة إلى الملكية ولا سبيل لإثباتها ، فلا يجوز في هذه الصورة شيء من التصرفات المتوقفة على الملك ، وأمّا سائر التصرفات فتجري أصالة الحل بالإضافة إليها كما مرّ للشك في حرمتها ، وليس في البين أصل يحرز به بقاء ملك الغير حتى يوجب حرمتها كما في الصورة المتقدمة.
1) النساء 4 : 29.
2) قد ورد مضمونه في موثقة زرعة عن سماعة عن أبي عبد اللّه علیه السلام « أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في حديث قال : من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها فإنّه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفس منه ». ورواه في الكافي بسند صحيح وفيما عن الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أنه قال في خطبة الوداع « أيها الناس ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) ولا يحل لمؤمن مال أخيه إلاّ عن طيب نفس منه » المرويتين في الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلِّي ب 3 ح 1، 3. وفي الباب 3 من أبواب الأنفال في حديث محمد بن زيد الطبري « ولا يحل مال إلاّ من وجه أحله اللّه » كما قدمنا نقلها في تعليقة ص 2. وغيره من الأخبار المروية في الباب المذكور.
[149] مسألة 1 : إذا اشتبه نجس أو مغصوب في محصور كإناء في عشرة يجب الاجتناب عن الجميع (1)وإن اشتبه في غير المحصور كواحد في ألف (1) مثلاً لا يجب الاجتناب عن شيء منه (2).
(1) أمّا في المشتبه بالنجس فلاحتمال نجاسة كل واحد من المشتبهين ، والوضوء بالنجس غير سائغ. وهل يتمكن من التوضؤ بكل منهما بأن يتوضأ من أحدهما ثم يغسل مواضع الوضوء بالماء الثاني ، ويتوضأ منه حتى يقطع بالتوضؤ من ماء طاهر؟ فهي مسألة أُخرى يأتي عليها الكلام في محلّها إن شاء اللّه. وأمّا في المشتبه بالمغصوب فلاحتمال حرمة التصرف في كل واحد من المشتبهين فضلاً عن التوضؤ به.
(2) ما أفاده قدس سره يتوقف على مقدمتين :
إحداهما : إثبات التفرقة بين الشبهة المحصورة وغير المحصورة بوجوب الاجتناب في الأُولى دون الثانية ، وهي ممنوعة لما حققناه في محلّه (2)من أن العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي منجّز لمتعلقه مطلقاً كانت أطرافه كثيرة أم لم تكن ، فيما إذا أمكنت الموافقة والمخالفة القطعيتين أو إحداهما ولم يكن في البين مانع من ضرر أو حرج ، فلا اعتبار بكثرة الأطراف ولا بقلتها. بل لا مفهوم محصل للشبهة غير المحصورة في نفسها أصلاً فضلاً عن الحكم بعدم وجوب الاجتناب فيها ، وتحقيق الحال في ذلك موكول إلى علم الأُصول.
وثانيتهما : إثبات أن الألف دائماً من الشبهة غير المحصورة بعد تسليم سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز في مثلها ، ودون إثبات ذلك خرط القتاد ، لأن الألف في مثل
[150] مسألة 2 : لو اشتبه مضاف في محصور يجوز أن يكرّر الوضوء أو الغسل إلى عدد يعلم استعمال مطلق في ضمنه فاذا كانا اثنين يتوضأ بهما ، وإن كانت ثلاثة أو أزيد يكفي التوضؤ باثنين ، إذا كان المضاف واحداً ، وإن كان المضاف اثنين في الثلاثة يجب استعمال الكل ، وإن كان اثنين في أربعة تكفي الثلاثة. والمعيار أن يزاد على عدد المضاف المعلوم بواحد (1). وإن اشتبه في غير المحصور جاز استعمال كل منها (1)كما إذا كان المضاف واحداً في ألف. والمعيار أن لا يعدّ العلم الإجمالي علماً ، ويجعل المضاف المشتبه بحكم العدم ، فلا يجري عليه حكم الشبهة البدوية أيضاً ولكن الاحتياط أولى (2).
العلم بنجاسة إناء واحد من ألف إناء ليس من غير المحصورة في شيء. بل قد يكون أكثر من الألف أيضاً كذلك ، كما إذا علم بنجاسة حبة من حبات الأرز في طعامه ، وهو مشتمل على آلاف حبة ، ولا نظن أحداً يفتي بعدم وجوب الاجتناب حينئذٍ بدعوى أنه من الشبهة غير المحصورة. نعم ، لا مانع من عدّ العلم بحرمة امرأة من ألف نساء من الشبهة غير المحصورة ، إلاّ أنك عرفت عدم الفرق في تنجيز العلم الإجمالي بين المحصورة وغيرها فعلى ما ذكرناه لا يجوز التوضؤ من شيء من الأواني في ما مثّل به في المتن.
(1) وذلك لأنه يوجب القطع بالتوضؤ من المطلق. ثم إن الوجه في جواز الوضوء منها بتلك الكيفية هو أن التوضؤ من المضاف ليس كالوضوء من المغصوب محرماً شرعاً ، فلا مانع من التوضؤ به مقدمة للعلم بالتوضؤ من المطلق ، وهذا بخلاف المشتبه بالمغصوب ، لأن التوضؤ منه حرام فلا يجوز جعله مقدمة للعلم بالامتثال.
(2) هذه المسألة تبتني على ما هو محل الخلاف بين الأعلام من أن الشبهة غير المحصورة بناء على عدم وجوب الاجتناب عن أطرافها هل يكون العلم فيها كلا علم ، أو أن الشبهة فيها كلا شبهة؟ مثلاً إذا علمنا بحرمة أحد أُمور غير محصورة
1) (*) بل اللاّزم هو الاحتياط بتكرار الوضوء حتى يعلم بحصول التوضؤ بالماء المطلق.
يفرض العلم بحرمته كعدمه ، فكأنه لا علم بحرمتها من الابتداء فحالها حال الشبهات البدوية فلا مناص من الرجوع إلى الأُصول العملية المختلفة حسب اختلاف مواردها ففي المثال يرجع إلى أصالة الحل لأجل الشك في حرمتها ، أو أن الشبهة يفرض كلا شبهة ، فكأنّ الفرد المحرم غير متحقق واقعاً فلا محرّم في البين ، ولا بدّ من الحكم بحلية الجميع إذ المحرّم محكوم بالعدم على الفرض وغيره حلال.
وعلى هذا فان قلنا في المقام إن العلم بإضافة ما في أحد الأواني كلا علم فلا يمكننا الحكم بصحة التوضؤ من شيء منها لأن العلم بإضافة واحد منها وإن كان كالعدم إلاّ أن الأصل الجاري في المقام إنما هو أصالة الاشتغال ، وذلك لاحتمال إضافة كل واحد من الأطراف ، ومعه لا يمكن الحكم بصحة الوضوء ، فلا بدّ من الاحتياط بمقتضى قاعدة الاشتغال حتى يقطع بطهارته وفراغ ذمته.
وأمّا إذا قلنا إن الشبهة كلا شبهة ، وأن المضاف الموجود في البين كالعدم فنحكم بصحة التوضؤ من كل واحد من الأواني ، وذلك للعلم بإطلاق الجميع ، فان المضاف منها معدوم والباقي كلّه ماء مطلق ، فلا تدخل الأطراف في الشبهات البدوية ولا نحتاج فيها إلى إجراء الأُصول.
هذا ولا يخفى أنه إن كان ولا بدّ من تعيين أحد هذين الاحتمالين فالمتعين منهما هو الأوّل ، وذلك لأن احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على كل واحد من الأطراف أمر وجداني فلا بدّ معه من وجود المؤمّن ، ولا مؤمّن إلاّ الأصل الجاري فيه ، وقد فرضنا أن الأصل في المقام هو أصالة الاشتغال دون البراءة.
نعم ، لو تمّ ما ذكروه في وجه عدم وجوب الاجتناب عن أطراف العلم الإجمالي من أن العقلاء لا يعتنون بالاحتمال إذا كان ضعيفاً من جهة كثرة الأطراف ، صح ما ذكر من أن الشبهة في أطراف الشبهة غير المحصورة كلا شبهة ، إلاّ أنه لا يتم لما ذكرناه في محلّه من أن ضعف الاحتمال إنما يوجب عدم الاعتناء به فيما إذا تعلق بمضرة دنيوية. وأمّا إذا تعلق بأمر أُخروي أعني به العقاب فلا يفرق في لزوم الحاجة معه إلى المؤمّن بين ضعفه وقوته ، فان احتمال العقاب ولو كان ضعيفاً يجب دفعه عقلاً وتمام الكلام في محلّه.
[151] مسألة 3 : إذا لم يكن عنده إلاّ ماء مشكوك إطلاقه وإضافته ولم يتيقن أنه كان في السابق مطلقاً (1) يتيمم للصلاة ونحوها (2) ، والأولى الجمع بين التيمّم والوضوء به.
[152] مسألة 4 : إذا علم إجمالاً أن هذا الماء إما نجس أو مضاف يجوز شربه (3)
والذي يهوّن الأمر أن العلم الإجمالي منجّز للتكليف مطلقاً كانت الشبهة محصورة أم غير محصورة ، فلا تصل النوبة إلى تعيين أحد الاحتمالين المتقدمين.
(1) وإلاّ يجب التوضؤ به لاستصحاب إطلاقه.
(2) لأن مقتضى استصحاب العدم الأزلي عدم اتصاف المائع بالإطلاق ، لأنه صفة وجودية كنّا على يقين من عدمها ومن عدم اتصاف المائع بها قبل وجوده ونشك في اتصافه بها حين حدوثه ، والأصل عدم حدوثها وعدم اتصاف المائع بها ، ومع عدم تمكن المكلف من الطهارة المائية ينتهي الأمر إلى الطهارة الترابية وهذا مما لا إشكال فيه على ما اخترناه من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية.
وأمّا إذا قلنا بعدم جريانه أو فرض الكلام فيما إذا كانت للمائع حالتان مختلفتان فكان متصفاً بالإطلاق في زمان وبالإضافة في زمان آخر واشتبه المتقدم منهما بالمتأخر ففيه اشكال ، حيث لا مجرى لاستصحاب العدم الأزلي في هذه الصورة ، للقطع بتبدله إلى الوجود واتصاف المائع به جزماً ، وإنما لا ندري زمانه ، ويتولّد من ذلك علم إجمالي بوجوب الوضوء في حقه كما إذا كان المائع مطلقاً أو بوجوب التيمم لاحتمال كونه مضافاً ، ولا أصل يحرز به أحدهما فهل مثل هذا العلم الإجمالي أعني ما كانت أطرافه طولية كالوضوء والتيمم يقتضي التنجيز ويترتب عليه وجوب الاحتياط؟ يأتي حكمه في المسألة الخامسة إن شاء اللّه.
(3) إذ لا علم تفصيلي ولا إجمالي بحرمته ، لأن العلم الإجمالي بأنه نجس أو مضاف لا أثر له بالإضافة إلى جواز شربه لعدم فعلية متعلقه على كل تقدير فان المضاف ممّا
ولكن لا يجوز التوضؤ به (1) ، وكذا إذا علم أنه إما مضاف أو مغصوب (2) ، وإذا علم أنه إما نجس أو مغصوب ، فلا يجوز شربه أيضاً ، كما لا يجوز التوضؤ به (3) والقول بأنه يجوز التوضؤ به ضعيف جدّاً (4).
يجوز شربه. نعم ، نحتمل حرمته بدواً وهو مدفوع بأصالة الإباحة.
(1) للعلم التفصيلي ببطلانه ، فإنّه كما لا يجوز الوضوء بالماء النجس كذلك يبطل بالماء المضاف.
(2) فيجوز شربه إذ لا علم بحرمته تفصيلاً ولا على نحو الإجمال ، ويدور أمره بين الإباحة والحرمة ابتداء ومقتضى أصالة الحل إباحته ، ولكن لا يجوز الوضوء به ، للعلم ببطلانه على كل تقدير ، إذ الوضوء بكل من المضاف والمغصوب باطل.
(3) للعلم بحرمة شربه وبعدم جواز الوضوء به إما من جهة كونه نجساً وإما لكونه غصباً.
(4) ذهب إلى ذلك بعض المحققين وهو الشيخ محمد طه نجف وتبعه المحقق الشيخ علي آل صاحب الجواهر 0 في هامش المتن ، وقد جوّزا التوضؤ بالماء في مفروض المسألة ومنعا عن شربه ، وقد بنيا هذه المسألة على ما ذكره المشهور في مبحث اجتماع الأمر والنهي ، وادعى عليه الإجماع في مفتاح الكرامة من أن الغصب لا يمنع عن صحة العبادة بوجوده الواقعي ، وإنما يمنع عنها بوجوده العلمي المحرز للمكلف ، وبما أن الغصب غير محرز في المقام لا على نحو التفصيل وهو ظاهر. ولا على نحو الإجمال لأن العلم الإجمالي إنما يتعلق بالجامع بين الأطراف أعني الجامع بين الغصب والنجس ، ولم يتعلق بخصوص الغصب ولا بخصوص النجس وعليه فلا يترتب أثر على أحد طرفي العلم الإجمالي في المقام ، لعدم بطلان الوضوء على تقدير كون الماء مغصوباً. نعم ، يبطل على تقدير كونه نجساً ، إلاّ أن نجاسته مشكوك فيها ومقتضى أصالة الطهارة طهارته من جهة التوضؤ به.
وبتقريب آخر : تنجيز العلم الإجمالي يتوقف على تعارض الأُصول في أطرافه وتساقطها ومع عدم جريانها لا يكون مؤمّن في البين ، واحتمال التكليف من دون مؤمّن يقتضي تنجز الواقع فلا محيص من الاحتياط ، وليس الأمر كذلك في المقام فإن حرمة شربه لا شك فيها ، وأصالة الإباحة لصحة الوضوء به لا مجرى لها في نفسها لما مرّ من أن الغصب بوجوده الواقعي غير مانع من صحة العبادة فلا تجري فيه أصالة الإباحة للقطع بصحة العبادة معه ، فتبقى أصالة الطهارة بالنسبة إلى الوضوء بلا معارض ، ومقتضاها جواز الوضوء به.
وبما ذكرناه في تقريب ما ذهبا إليه يندفع ما قد يورد عليهما من النقض بما إذا علم إجمالاً بغصبية أحد الماءين ، فإنّه لا خلاف عندهم في عدم جواز التوضؤ من الماءين حينئذٍ والمقام أيضاً كذلك.
والوجه في الاندفاع أن الغصبية في المثال محرزة وواصلة إلى المكلف بالعلم الإجمالي وبه تتنجز في حقه ، ويجب الاجتناب عن المغصوب من الماءين ، وقد عرفت أن الغصب المحرز بشيء من علمي التفصيلي والإجمالي مانع عن صحة العبادة.
فالصحيح في دفع ذلك أن يقال : أوّلاً : أن ما ذهبا إليه فاسد مبنى ، ولا يمكن المساعدة عليه بوجه ، لما بيّناه في بحث اجتماع الأمر والنهي (1)من أنّا إذا قلنا بالامتناع وتقديم جانب الحرمة ، وكانت المبغوضية ناشئة عن مثل الماء في الوضوء والمكان في المسجد ، فلا محالة تكون المبغوضية مانعة عن صحة العبادة بوجودها الواقعي وإن لم يعلم بها المكلف ، وذلك لعدم إمكان التقرب بما هو مبغوض واقعاً.
وثانياً : أن تطبيق المبنى المتقدم لو تمّ في نفسه على محل الكلام غير صحيح وذلك لأن الغصب بوجوده الواقعي وإن لم يمنع عن صحة العبادة كما هو المفروض ، إلاّ أنه مانع لا محالة عن جواز سائر التصرفات من رشّه واستعماله في إزالة القذارة وسقيه للحيوان أو للمزارع وغيرها من الانتفاعات لحرمة التصرف في مال الغير من دون اذنه ، كما أن النجاسة الواقعية مانعة عن صحة العبادة بلا خلاف. ومن هذا يتولّد
1) محاضرات في أُصول الفقه 4 : 233.
[153] مسألة 5 : لو أُريق أحد الإناءين المشتبهين من حيث النجاسة أو الغصبية لا يجوز التوضؤ بالآخر وإن زال العلم الإجمالي (1) ، ولو أُريق أحد المشتبهين من حيث الإضافة لا يكفي الوضوء بالآخر ، بل الأحوط الجمع (1)بينه وبين التيمم (2).
علم إجمالي بأن الماء في مفروض المسألة إما لا يجوز التوضؤ به كما إذا كان نجساً وإما لا يجوز التصرف فيه كما إذا كان مغصوباً وإجراء أصالة الطهارة حينئذٍ لإثبات طهارته من جهة الوضوء معارضة بأصالة الإباحة الجارية لإثبات حلّية التصرّف فيه ، ومع تعارض الأُصول وتساقطها لا مناص من الاحتياط لعدم المؤمّن في البين.
(1) والوجه في ذلك هو ما ذكرناه في الأُصول من أن تنجيز الواقع لا ينفك عن العلم الإجمالي ما دام باقياً ، وإراقة أحد الماءين لا توجب زوال العلم وارتفاعه ، لأن العلم بحدوث نجاسة مرددة بين الماء المراق وغيره موجود بعد الإراقة أيضاً. نعم ، ليس له علم فعلي بوجود النجاسة في البين لاحتمال أن يكون النجس هو المراق إلاّ أنه لا ينافي بقاء العلم الإجمالي بالنجاسة. وبعبارة أخصر أصالة الطهارة في أحد الإناءين حدوثاً معارضة بأصالة الطهارة في الآخر حدوثاً وبقاءً.
(2) ما أفاده قدس سره من أحد المحتملات في المسألة ، وهناك احتمالان آخران :
أحدهما : جواز الاكتفاء بالتوضؤ بالباقي منهما من غير حاجة إلى ضم التيمم إليه.
وثانيهما : وجوب التيمم فحسب. وهذه هي الوجوه المحتملة في المسألة.
والوجه فيما ذهب إليه في المتن من إيجاب الجمع بين الطهارتين هو دعوى أن العلم الإجمالي كما يقتضي التنجيز فيما إذا كانت أطرافه عرضية كذلك يقتضي تنجيز متعلقه
1) (*) وإن كان لا يبعد جواز الاكتفاء بالتيمم
فيما إذا كانت طولية كالوضوء والتيمم في هذه المسألة وفي المسألة الثالثة ، وذلك للعلم بوجوب الوضوء إن كان الباقي مطلقاً وبوجوب التيمم إن كان مضافاً ، ومقتضاه الجمع بين الطهارتين.
وأمّا مبنى جواز الاكتفاء بخصوص التوضؤ من الباقي فالظاهر انحصاره في الاستصحاب ، حيث إن التوضؤ به كان واجباً قبل فقدان أحدهما للاحتياط واشتباه المطلق بالمضاف ، والأصل أنه باق على وجوبه بعد فقدان أحد الطرفين.
ويدفعه : أن الوضوء لا بدّ من أن يكون بالماء المطلق شرعاً ، واستصحاب وجوب التوضؤ بالباقي لا يثبت أنه ماء مطلق فلا يحرز بهذا الاستصحاب أنه توضأ بالماء المطلق.
وأمّا مبنى الاحتمال الأخير وهو الذي نفينا عنه البعد في تعليقتنا فهو أن العلم الإجمالي لا ينجز متعلقه فيما إذا كانت أطرافه طولية. بيان ذلك : أن وجوب الوضوء إنما هو مترتب على عنوان واجد الماء ، كما أن وجوب التيمم مترتب على عنوان فاقد الماء ، لأنه مقتضى التفصيل في قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) إلى قوله ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (1). ثم إن المراد بالفقدان ليس هو الفقدان الحقيقي ، وإنما أُريد به عدم التمكن من استعمال الماء وإن كان حاضراً عنده وذلك للقرينة الداخلية والخارجية.
أمّا القرينة الداخلية : فهي ذكر المرضي في سياق المسافر والجنب فان الغالب وجود الماء عند المريض ، إلاّ أنه لا يتمكن من استعماله لا أنه لا يجده حقيقة. نعم ، لو كان اقتصر في الآية المباركة بذكر المسافر فقط دون المرضى لكان حمل عدم الوجدان على الفقدان الحقيقي بمكان من الإمكان ، فإن المسافر في البراري والفلوات كثيراً ما لا يجد الماء حقيقة.
وأمّا القرينة الخارجية : فهي الأخبار الواردة في وجوب التيمم على من عجز عن
1) المائدة 5 : 6.
[154] مسألة 6 : ملاقي الشبهة المحصورة لا يحكم عليه بالنجاسة لكن الأحوط الاجتناب (1)
استعمال الماء لمرض أو ضرر ونحوهما. والمراد بالتمكن من استعمال الماء ليس هو التمكن من غسل بدنه ، بل المراد به أن يتمكن المكلف من استعماله في خصوص الغسل أو الوضوء ، لوضوح أن الماء إذا انحصر بماء الغير وقد أذن مالكه في جميع التصرفات في مائه ولو في غسل بدنه ، ولكنه منعه عن استعماله في خصوص الغسل والوضوء يتعيّن عليه التيمم لصدق عدم تمكنه من استعمال الماء وإن كان متمكناً من غسل بدنه فاذا تمهد ذلك فنقول :
المكلف في مفروض المسألة يشك في ارتفاع حدثه على تقدير التوضؤ بالمائع الآخر لاحتمال أن يكون مضافاً ، ومعه لا مناص من استصحاب حدثه ، لما بنينا عليه في محله من جريان الاستصحاب في الأُمور المستقبلة ، ومقتضى هذا الاستصحاب أن التوضؤ من الباقي كعدمه ، وأن الشارع يرى أن المكلف فاقد الماء حيث إنه لو كان واجداً بتمكنه من استعمال المائع الباقي لم يبطل غسله أو وضوؤه ولم يحكم الشارع ببقاء حدثه ، فبذلك يظهر أنه فاقد الماء ووظيفته التيمم فحسب سواء توضأ بالباقي أم لم يتوضأ به ، ولا يعارض هذا الاستصحاب باستصحاب بقاء حدثه على تقدير التيمم ، إذ لا يثبت به أن المكلف واجد للماء وأن المائع الباقي مطلق. وعلى الجملة وجوب التيمم مترتب على عدم تمكن المكلف من رفع حدثه بالماء ، فاذا حكم الشارع ببقاء حدثه وعدم ارتفاعه بالتوضؤ من المائع الباقي يترتب عليه وجوب التيمم لا محالة.
(1) لا يمكن الحكم بنجاسة كل واحد من الأطراف في موارد العلم بنجاسة أحد
1) (*) هذا إذا كانت الملاقاة بعد العلم الإجمالي ، وإلاّ وجب الاجتناب عن الملاقي أيضاً على تفصيل ذكرناه في محلّه.
شيئين أو أشياء ، لعدم إحراز نجاسته واقعاً لفرض الجهل به ، ولا بحسب الظاهر لعدم ثبوتها بأمارة ولا أصل فالحكم بنجاسة كل واحد منهما تشريع محرم. نعم ، إنما نحتمل نجاسته ، لاحتمال انطباق المعلوم بالإجمال على كل واحد من الأطراف ، إلاّ أنه محض احتمال ، فاذا كان هذا حال كل واحد من الأطراف فما ظنك بما يلاقي أحدها ، فإن الحكم بنجاسته من التشريع المحرم. فاذا وقع في كلام فقيه كالمتن أن ملاقي الشبهة المحصورة لا يحكم عليه بالنجاسة فليس معناه أن أطراف الشبهة محكومة بالنجاسة دون ملاقي بعضها كما قد يوهمه ظاهر العبارة في بدء النظر ، بل معناه أن الملاقي لا يجب الاجتناب عنه ويجوز استعماله فيما هو مشروط بالطهارة بخلاف نفس الأطراف وإن شئت قلت : إن ملاقي الشبهة يحكم بطهارته دون أطرافها ، وفي الاستدراك بكلمة « لكن » أيضاً إشعار بما بيّناه من المراد وإلاّ فلا معنى لكون الاجتناب أحوط.
الصورة الأُولى : ما إذا حصلت الملاقاة بعد حدوث العلم الإجمالي بالنجاسة ، كما إذا علمنا بنجاسة أحد الإناءين مثلاً ، وبعد ما تنجز الحكم وسقطت الأُصول فيهما بالمعارضة لاقى أحدَهما شيء ثالث فهل يحكم بطهارة الملاقي حينئذٍ للشك في نجاسته أو يجب الاجتناب عنه كالملاقى؟
الصحيح أن يفصّل في هذه الصورة بين ما إذا لم يختص أحد الأطراف بأصل غير معارض فنلتزم فيه بطهارة الملاقي وبين ما إذا كان لبعض الأطراف أصل كذلك فنلتزم فيه بوجوب الاجتناب عنه.
وتوضيحه : أن لهذه الصورة شقين لأن الأُصول في أطراف العلم الإجمالي قد تكون متعارضة بأجمعها سببية كانت أم مسببية ، موضوعية أم حكمية ، عرضية أم طولية كما إذا علمنا بنجاسة أحد الماءين ، لأن استصحاب عدم ملاقاة النجس في كل واحد منهما وهو أصل موضوعي وفي مرتبة سابقة على غيرها من الأُصول معارض باستصحاب عدم الملاقاة في الآخر وهما أصلان عرضيان ، وكذا الحال في استصحاب الطهارة في كل واحد منهما وهما أصلان حكميان ثم في المرتبة الثانية قاعدة الطهارة
في كل منهما تعارضها قاعدة الطهارة في الآخر وهي أصل سببي ، وفي المرتبة الثالثة تتعارض أصالة الإباحة في أحدهما بأصالة الإباحة في الآخر ، وعلى الجملة لا يمكن الرجوع في هذه الصورة إلى شيء من تلك الأُصول.
وقد يختص أحد أطرافه بأصل غير معارض بشيء ، وهذا كما إذا علمنا بنجاسة هذا الماء أو ذاك الثوب ، فان استصحاب عدم ملاقاة النجاسة في أحدهما معارض باستصحاب عدمها في الآخر ، كما أن قاعدة الطهارة كذلك ، إلاّ أن الماء يختص بأصل آخر لا معارض له في طرف الثوب ، وهو أصالة الإباحة المقتضية لحلّية شربه ، وحيث إنها غير معارضة بأصل آخر فلا مانع من جريانها ، وذلك لما ذكرناه في محله من أن تنجز الحكم في أطراف العلم الإجمالي غير مستند إلى نفسه وإنما هو مستند إلى تعارض الأُصول في أطرافه وتساقطها ، فان احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على كل واحد من الأطراف حينئذٍ من غير مؤمّن عبارة أُخرى عن تنجز الواقع بحيث يترتب العقاب على مخالفته ، وأمّا إذا جرى في أحد أطرافه أصل غير معارض فلا يكون العلم الإجمالي منجزاً فإن الأصل مؤمّن من احتمال العقاب على تقدير مصادفته الواقع وبما أنه غير معارض فلا مانع من جريانه لعدم العلم التفصيلي ولا العلم الإجمالي في مورده. وقد ذكرنا في محله أن الأصل الجاري في كل من الطرفين إذا كان مسانخاً للأصل الجاري في الآخر واختص أحدهما بأصل طولي غير معارض بشيء لا مانع من شمول دليل ذلك الأصل الطولي للطرف المختص به بعد تساقط الأصلين العرضيين بالمعارضة فنقول :
أمّا الشق الأوّل : فملاقي أحد أطراف الشبهة محكوم بالطهارة فيه وذلك لقاعدة الطهارة واستصحاب عدم ملاقاته النجس ، فإنّهما في الملاقي غير متعارضين بشيء لأنه على تقدير نجاسته يكون فرداً آخر من النجس غير الملاقي ، واستناد نجاسته إليه لا يقتضي أن تكون نجاسته هي بعينها نجاسة الملاقي الذي هو طرف للعلم الإجمالي لأن النجاسة كالطهارة ، فكما إذا طهّرنا متنجساً بالماء نحكم بطهارته كما كنّا نحكم بطهارة الماء ، فكل واحد من الماء والمغسول به فرد من الطاهر باستقلاله ، إذ ليست طهارة الثوب بعينها طهارة الماء وإن كانت ناشئة منها ، فكذلك الحال في نجاسة الملاقي
الناشئة من نجاسة الملاقي ، وحيث إنّا نشك في حدوث فرد آخر من النجس ، ولا علم بحدوثه لاحتمال طهارة الملاقي واقعاً فالأصل يقتضي عدمه.
ودعوى : أن هناك علماً إجمالياً آخر ، وهو العلم بنجاسة الملاقي أو الطرف الآخر ومقتضاه الحكم بوجوب الاجتناب عن الملاقي كالملاقى.
مدفوعة : بأن العلم الإجمالي وإن كان ثابتاً كما ذكر إلاّ أن العلم الإجمالي بنفسه قاصر عن تنجيز الحكم في جميع أطرافه ، بل التنجيز مستند إلى تساقط الأُصول في أطراف العلم الإجمالي بالمعارضة ، وعليه فلا يترتب أثر على هذا العلم الإجمالي الأخير ، لأن الحكم قد تنجز في الطرف الآخر بالعلم الإجمالي السابق ونحتمل انطباق النجاسة المعلومة بالإجمال عليه ، والمتنجز لا يتنجز ثانياً ، فيبقى الأصل في الملاقي غير مبتلى بالمعارض فلا مانع من جريان قاعدة الطهارة أو استصحاب عدم ملاقاة النجس فيه.
وأمّا الشق الثاني : فلا مناص فيه من الاجتناب عن الملاقي كالملاقى ، وذلك لأن استصحاب عدم الملاقاة في الماء أو قاعدة الطهارة فيه وإن كان معارضاً بمثله في الثوب فيتساقطان بالمعارضة وتبقى أصالة الحلية في الماء لجواز شربه سليمة عن المعارض إلاّ أن الثوب إذا لاقاه شيء ثالث يتشكل من ذلك علم إجمالي آخر ، وهو العلم بنجاسة الملاقي للثوب أو بحرمة شرب الماء ، فالأصل الجاري في الماء يعارضه الأصل الجاري في ملاقي الثوب ، للعلم بمخالفة أحدهما للواقع ، وبذلك يتنجز الحكم في الأطراف فيجب الاجتناب عن ملاقي الثوب كما يجب الاجتناب عن الماء.
الصورة الثانية : ما إذا حصلت الملاقاة والعلم بها قبل حدوث العلم الإجمالي ، كما إذا علمنا بملاقاة شيء لأحد الماءين في زمان وبعد ذلك علمنا بنجاسة أحدهما إجمالاً فهل يجب الاجتناب عن الملاقي في هذه الصورة؟
قد اختلفت كلمات الأعلام في المقام فذهب صاحب الكفاية قدس سره (1)إلى وجوب الاجتناب عن الملاقي حينئذٍ من جهة أن العلم الإجمالي قد تعلق بنجاسة هذا
1) كفاية الأُصول : 363.
الطرف أو بنجاسة الملاقي والملاقي معاً ، فأحد طرفي العلم واحد والطرف الآخر اثنان لتقدم الملاقاة والعلم بها على حدوث العلم الإجمالي. وهو نظير العلم الإجمالي بنجاسة هذا الإناء الكبير أو ذينك الإناءين الصغيرين ، أو العلم بفوات صلاة الفجر أو بفوات صلاتي الظهرين بعد خروج وقتها ، فإن قاعدة الحيلولة كما لا تجري بالإضافة إلى صلاة الظهر ، لمعارضتها بمثلها بالإضافة إلى صلاة الفجر كذلك لا تجري بالنسبة إلى صلاة العصر ، لتعارضها بمثلها بالإضافة إلى صلاة الفجر. وعلى الجملة : وحدة أحد طرفي العلم الإجمالي وتعدد الآخر لا يمنع عن تنجز الحكم في الجميع.
وقد تنظّر في ذلك شيخنا الأُستاذ (1)تبعاً لشيخنا الأنصاري 0 (2)وذهبا إلى عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي في هذه الصورة أيضاً. وذلك من جهة أن العلم الإجمالي وإن كان حاصلاً بوجوب الاجتناب عن هذا الماء أو الماء الآخر وملاقيه ، إلاّ أن الشك في نجاسة الملاقي مسبب عن الشك في نجاسة الملاقي ، والأصل الجاري في السبب متقدم بحسب المرتبة على الأصل الجاري في المسبب ، وبما أن الأصل السببي الجاري في الملاقي في المرتبة السابقة مبتلى بالمعارض أعني الأصل الجاري في الطرف الآخر فيتساقطان ويبقى الأصل في المسبب سليماً عن المعارض وأمّا العلم الإجمالي الآخر المتعلق بنجاسة الملاقي أو الطرف الآخر فقد عرفت الجواب عنه في الصورة الاولى فلا نعيد.
ومما ذكرناه يظهر فساد قياس المقام بالعلم الإجمالي بفوات صلاة الفجر أو الظهرين أو بنجاسة الإناء الكبير أو الإناءين الصغيرين ، فان الشك في إحدى صلاتي الظهرين أو الإناءين الصغيرين غير مسبب عن الشك في الآخر بل كلاهما في عرض واحد وطرف للعلم الإجمالي في مرتبة واحدة ، وهذا بخلاف المقام لأن الشك في الملاقي مسبب عن الشك في الملاقي ، والأصلان الجاريان فيهما طوليان فاذا سقط الأصل المتقدم بالمعارضة فلا محالة يبقى الأصل المسببي سليماً عن المعارض.
هذا ولكن الظاهر أنه لا يمكن تتميم شيء من هذين القولين على إطلاقهما ، لأن لهذه الصورة أيضاً شقين :
أحدهما : ما إذا كان المنكشف بالعلم الإجمالي المتأخر عن الملاقاة وعن العلم بها متقدماً عليهما ، كما إذا علمنا بحدوث الملاقاة يوم الخميس وفي يوم الجمعة حصل العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين يوم الأربعاء فالكاشف وهو العلم الإجمالي وإن كان متأخراً عن الملاقاة والعلم بها إلاّ أن المنكشف متقدم عليهما.
وثانيهما : ما إذا كان المنكشف بالعلم الإجمالي المتأخر عن الملاقاة وعن العلم بها مقارناً معهما ، وهذا كما إذا علمنا بوقوع ثوب في أحد الإناءين يوم الخميس وفي يوم الجمعة حصل العلم الإجمالي بوقوع قطرة دم على أحد الإناءين حين وقوع الثوب في أحدهما.
أمّا الشق الأول : فالحق فيه هو ما ذهب إليه شيخنا الأنصاري قدس سره من عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي ، وهذا لا من جهة تقدم الأصل الجاري في الملاقي على الأصل في الملاقي رتبة ، فإن ذلك لا يستقيم من جهة أن أدلّة اعتبار الأُصول إنما هي ناظرة إلى الأعمال الخارجية ومتكفلة لبيان أحكامها ، ومن هنا سميت بالأُصول العملية ، وغير ناظرة إلى أحكام الرتبة بوجه ، ومع فعلية الشك في كل واحد من الملاقي والملاقى لا وجه لاختصاص المعارضة بالأصل السببي بعد تساوي نسبة العلم الإجمالي إليه وإلى الأصل المسببي.
نعم ، التقدم الرتبي إنما يجدي على تقدير جريان الأصل في السبب بمعنى أن الأصل السببي على تقدير جريانه لا يبقي مجالاً لجريان الأصل المسببي ، وأمّا على تقدير عدم جريانه فهو والأصل المسببي على حد سواء. بيان ذلك : أن الأصل السببي إنما يرفع موضوع الأصل الجاري في المسبب فيما إذا كانت بينهما معارضة ، والمعارضة في المقام غير واقعة بين الأصل السببي والمسببي ، وإنما المعارضة بين كل من الأصل الجاري في السبب والمسبب وبين الأصل الجاري في الطرف الآخر ، ومن الظاهر أن نسبة العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي والملاقى أو الطرف الآخر على حد سواء بالإضافة إلى الجميع وليست فيها سببية ولا مسببية. نعم ، الشك في الملاقي مسبب عن الشك في الملاقي.
وبعبارة أُخرى أحد طرفي العلم مركب من أمرين يكون الشك في أحدهما مسبباً عن الشك في الآخر ، والأصل الجاري فيه متأخر عن الأصل الجاري في الآخر. وأمّا بالإضافة إلى الأصل الجاري في الطرف الآخر للعلم الإجمالي فلا تأخر ولا تقدم في البين ، وعليه فمقتضى العلم الإجمالي وجوب الاجتناب عن الجميع.
ودعوى : أن الأصل الجاري في الملاقي كما أنه متأخر عن الأصل في الملاقي كذلك متأخر عن الأصل في الطرف الآخر ، وذلك لتساوي الملاقي مع الطرف الآخر رتبة والمتأخر عن أحد المتساويين متأخر عن الآخر أيضاً.
تندفع : بأنها دعوى جزافية. إذ لا بدّ في التقدم والتأخر من ملاك يوجبه كأن يكون أحدهما علة والآخر معلولاً له وهذا إنما هو بين الملاقي والملاقى لا بين الملاقي والطرف الآخر ، حيث لا علّية ولا معلولية بينهما. بل الوجه في عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي حينئذٍ إنما هو تقدم المنكشف بالعلم الإجمالي على الملاقاة والعلم بها ، وإن كان الكاشف وهو العلم متأخراً عنهما ، فان الاعتبار بالمنكشف لا بالكاشف لوجوب ترتيب آثار المنكشف وهو نجاسة أحد الإناءين من زمان حدوثه فيجب في المثال ترتيب آثار النجاسة المعلومة بالإجمال من يوم الأربعاء لا من زمان الكاشف كما لا يخفى ، وعلى هذا فقد تنجزت النجاسة بين الإناءين والشك في طهارة كل منهما يوم الأربعاء قد سقط الأصل الجاري فيه بالمعارضة في الآخر ، وبقي الشك في حدوث نجاسة أُخرى في الملاقي ، والأصل عدم حدوثها ، ولا معارض لهذا الأصل لما عرفت من أن العلم الإجمالي الثاني المتولد من الملاقاة بنجاسة الملاقي أو الطرف الآخر مما لا أثر له.
نعم ، التفصيل الذي قدمناه هناك بين ما إذا اختص أحد الأطراف بأصل غير معارض وما إذا لم يختص به ، يأتي في هذه الصورة أيضاً حرفاً بحرف.
وأمّا الشق الثاني : فالحق فيه هو ما ذهب إليه صاحب الكفاية قدس سره من وجوب الاجتناب عن الملاقي أيضاً ، وذلك لاتحاد زمان حدوث النجاسة بين الإناءين والملاقاة ، فاذا علمنا بطرو نجاسة يوم الخميس إما على الملاقي والملاقى وإما على الطرف الآخر فهو علم إجمالي أحد طرفيه مركب من أمرين ، وطرفه الآخر متحد
نظير العلم الإجمالي بنجاسة الإناء الكبير أو الإناءين الصغيرين ، أو العلم بفوات صلاة الفجر أو صلاتي الظهرين. وأمّا اختلاف مرتبة الأصل في الملاقي والأصل الجاري في الملاقي فقد عرفت عدم الاعتبار به.
الصورة الثالثة : ما إذا حصلت الملاقاة قبل حدوث العلم الإجمالي وكان العلم بها متأخراً عن حدوثه ، كما إذا لاقى الثوب أحد الماءين يوم الأربعاء ولكنه لم يعلم بها وحصل العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما إجمالاً يوم الخميس وحصل العلم بالملاقاة يوم الجمعة ، فهل يحكم بطهارة الملاقي في هذه الصورة؟ فيه خلاف بين الأصحاب ولها أيضاً شقان.
أحدهما : ما إذا كان المنكشف بالعلم الإجمالي متقدماً على الملاقاة بحسب الزمان وإن كان الكاشف أعني العلم الإجمالي متأخراً عنهما ، كما إذا لاقى الثوب أحد الماءين يوم الأربعاء ، وعلمنا يوم الخميس بطروّ نجاسة على أحدهما يوم الثلاثاء وحصل العلم بالملاقاة يوم الجمعة.
وثانيهما : ما إذا كان المنكشف بالعلم الإجمالي متحداً مع الملاقاة زماناً بأن لاقى الثوب أحد الإناءين يوم الخميس ، وعلمنا يوم الجمعة بطروّ نجاسة على أحد الإناءين يوم الخميس ، وحصل العلم بالملاقاة حال طروّ النجاسة يوم السبت.
أمّا الشق الأوّل : فلا يجب فيه الاجتناب عن الملاقي ، فإن النجاسة المرددة قد تنجزت بالعلم الإجمالي المتأخر من حين حدوثها ، وبه تساقطت الأُصول في كل واحد من الإناءين ، فالعلم بالملاقاة بعد ذلك لا يولد إلاّ احتمال حدوث نجاسة جديدة في الملاقي ، والأصل عدم حدوثها.
وبعبارة اخرى : لم يتعلّق العلم الإجمالي إلاّ بنجاسة أحد الإناءين ولم يتعلّق بالملاقي بوجه. بل في زمان حدوثه قد يكون الملاقي مقطوع الطهارة ، أو لو كان مشكوك النجاسة كان يجري فيه الاستصحاب ، فالعلم بالملاقاة بعد ذلك لا يترتّب عليه غير احتمال حدوث فرد آخر من النجس والأصل عدمه. والتفصيل الذي قدمناه في الصورة الأُولى بين عدم اختصاص بعض الأطراف بأصل غير معارض
واختصاصه به جار في المقام أيضاً.
وأمّا الشق الثاني : فقد يقال بطهارة الملاقي فيه أيضاً ، ويظهر ذلك من بعض كلمات صاحب الكفاية قدس سره حيث ذكر أن العبرة بالكاشف دون المنكشف ، وبما أن العلم الإجمالي كان متقدماً على حصول العلم بالملاقاة فقد تنجزت النجاسة بذلك في الطرفين وتساقطت الأُصول قبل حدوث العلم بالملاقاة ، وعليه فلا يترتب على العلم بها إلاّ احتمال حدوث نجاسة جديدة ، والأصل عدمها وبذلك يفرق بين صورتي تقدم العلم بالملاقاة على العلم الإجمالي وتأخره عنه.
إلاّ أن هذا الكلام بمعزل عن التحقيق ، والسر في ذلك أن أي منجّز عقلي أو شرعي إنما يترتب عليه التنجيز ما دام باقياً ففي زمان حدوثه يترتب عليه التنجيز بحسب الحدوث فقط ، ولا يبقى أثره وهو التنجّز بعد زواله وانعدامه ، وعلى هذا بنينا انحلال العلم الإجمالي بوجود واجبات ومحرمات في الشريعة المقدسة بالظفر بواسطة الأمارات على جملة من الأحكام لا يقصر عددها عن المقدار المعلوم بالإجمال ، حيث قلنا إن التكليف فيما ظفرنا به من الأحكام متيقن الثبوت ، وفيما عداه مشكوك بالشك البدوي يرجع فيه إلى البراءة ، لارتفاع أثر العلم الإجمالي وهو التنجز بانعدامه.
وعلى الجملة أن العلم الإجمالي لا يزيد عن العلم التفصيلي بشيء ، فكما إذا علمنا بنجاسة شيء تفصيلاً ثم تبدل إلى الشك الساري يرجع إلى مقتضيات الأُصول ، ولا يمكن أن يقال إن النجاسة متنجزة بحدوث العلم التفصيلي ولا يرتفع أثره بعد ارتفاعه لوضوح أنه إنما يمنع عن جريان الأُصول ما دام باقياً لا مع زواله وانعدامه ، فكذلك العلم الإجمالي لا يترتب عليه أثر بعد انعدامه ، وفي المقام وإن حصل العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين ابتداء إلاّ أنّه يرتفع بعد العلم بالملاقاة المقارنة لحدوث النجاسة ويوجد علم إجمالي آخر متعلق بنجاسة الملاقي والملاقى أو الطرف الآخر ومقتضى ذلك وجوب الاجتناب عن كل واحد من الملاقي والملاقى.
هذا تمام الكلام في صور ملاقي الشبهة المحصورة والغالب منها هو الصورة الأُولى وقد مرّ أن الملاقي فيها محكوم بالطهارة.
[155] مسألة 7 : إذا انحصر الماء في المشتبهين تعيّن التيمم (1).
(1) الكلام هنا في مقامين :
الأوّل : في مشروعية التيمم وجوازه ، وهو مما لا إشكال فيه وقد ثبت ذلك بالنص ففي موثقة سماعة قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو ، وليس يقدر على ماء غيره؟ قال : يهريقهما جميعاً ويتيمم » (1)وبمضمونها موثقة عمار (2)وهل الحكم المذكور على طبق القاعدة أو أنه تعبّدي؟.
تظهر ثمرة الخلاف في إمكان التعدي عن موردهما وهو الماءان القليلان بمقتضى قوله : وقع في أحدهما قذر ، لأن الذي ينفعل بوقوع القذر فيه ليس إلاّ القليل فيصح على الأوّل دون الثاني ، ولا بدّ لتحقيق الحال في المقام من بيان صور التوضؤ والاغتسال بالماءين المشتبهين فنقول : إن لاستعمالهما صوراً ثلاثاً :
الاولى : أن يتوضأ بأحدهما ويصلي أوّلاً ، ثم يغسل مواضع إصابة الماء الأوّل بالماء الثاني ، ويتوضأ منه ويصلي ثانياً.
الثانية : أن يتوضأ بكل واحد من المشتبهين ، ويصلي بعد كل واحد من الوضوءين من غير تخلل غسل مواضع إصابة الماء الأول بالثاني بين الوضوءين ، أو يصلي بعدهما مرة واحدة.
الثالثة : أن يتوضأ بأحدهما من غير أن يصلي بعده ، ثم يغسل مواضع إصابة الماء الأول بالماء الثاني ، ويتوضأ منه ويصلي بعد الوضوءين مرة واحدة.
أمّا الصورة الاولى : فلا إشكال في أنها توجب القطع بفراغ الذمّة وإتيان الصلاة متطهراً بالطهارة الحدثية والخبثية حيث إنه طهّر مواضع إصابة الماء الأوّل بالثاني
وهي نظير اشتباه المطلق بالمضاف فان الوضوء منهما يوجب القطع بحصول الطهارة لا محالة ، ومعه لا ينبغي التأمّل في إجزاء ذلك ، بل لولا جواز التيمم حينئذٍ بمقتضى الروايتين المتقدمتين لقلنا بوجوب التوضؤ من المشتبهين على الكيفية المتقدمة لتمكن المكلف من الماء وعدم كونه فاقداً له ، إلاّ أن ملاحظة المشقة النوعية على المكلفين في التوضؤ بتلك الكيفية المتقدمة من الماءين المشتبهين دعت الشارع إلى عدم الحكم بتعيّن الوضوء حينئذٍ بتجويز التيمم في حقهم ، وما ذكرناه في هذه الصورة لا يختص بالماءين القليلين ويأتي في الكثيرين أيضاً كما هو ظاهر.
أمّا الصورة الثانية : فهي غير موجبة للقطع بإتيان الصلاة متطهراً ، لاحتمال أن يكون الماء الأوّل هو النجس ، ومعه يحتمل بطلان كلا وضوئيه ، أمّا وضوؤه الأوّل فمن جهة احتمال نجاسة الماء ، وأمّا وضوؤه الثاني فلأجل احتمال نجاسة مواضع الوضوء. وهذا أيضاً غير مختص بالقليلين كما هو ظاهر. فالمتعين حينئذٍ أن يتيمم أو يتوضأ على كيفية اخرى ، ولا يمكنه الاكتفاء بالتوضؤ من الماءين بهذه الكيفية وهذا أيضاً لا كلام فيه.
وإنما الإشكال في الصورة الثالثة : وأنه هل يمكن الاكتفاء بصلاة واحدة بعد التوضؤ من كلا الماءين المشتبهين وتخلل الغسل بينهما مع قطع النظر عن النص؟
ذكر صاحب الكفاية قدس سره (1)أن الماءين إن كانا قليلين فوجوب التيمم حينئذٍ على طبق القاعدة من غير حاجة فيه إلى النص ، وذلك للعلم التفصيلي بنجاسة بدن المتوضي أو المغتسل عند إصابة الماء الثاني إما لنجاسته أو لنجاسة الماء الأوّل وبما أن الثاني ماء قليل لا يكفي مجرد إصابته في طهارة بدنه فبعد غسل مواضع الوضوء أو الغسل بالماء الثاني يشك في طهارة بدنه فيستصحب نجاسته المتيقنة حال إصابة الماء الثاني. ولا يعارضه استصحاب طهارته المعلومة إجمالاً إما قبل الغسل بالماء الثاني أو بعده ، وذلك للجهل بتاريخها وعدم اتصال زمان الشك بزمان اليقين فيها ، وهذا بخلاف النجاسة فإن تاريخها معلوم ، وهو أول آن إصابة الماء الثاني بدنه
1) كفاية الأُصول : 179.
ولأجل أن التوضؤ من المشتبهين يوجب ابتلاء بدن المتوضئ بالنجاسة والخبث ، أمره الشارع بالتيمم حينئذٍ ، لأن الطهارة المائية لها بدل وهو التيمم ، ولا بدل للطهارة الخبثية فهي متقدمة على الطهارة المائية في نظر الشارع.
وأمّا إذا كانا كرين فوجوب التيمم على خلاف القاعدة ، ولا نلتزم به مع قطع النظر عن النص ، وذلك لأن ثاني الماءين إذا كان كراً ، ولم يشترط في التطهير به تعدد الغسل كان مجرد وصوله على تقدير طهارته إلى أعضاء المتوضئ موجباً لطهارتها ، ومعه يقطع بصحة الوضوء إما لطهارة الماء الأول فالتوضؤ به تام ، وإما لطهارة الماء الثاني وقد فرضنا أنه غسل به أعضاء الوضوء ثم توضأ فوضوؤه صحيح على كل تقدير.
نعم ، له علم إجمالي بنجاسة بدنه في أحد الزمانين إما عند وصول الماء الأول إلى بدنه أو حال وصول الماء الثاني إليه ، إلاّ أن هذا العلم الإجمالي لا أثر له ، للعلم الإجمالي بطهارة بدنه أيضاً ، ومع العلم بالحادثين والشك في المتقدم والمتأخر منهما لا يجري الاستصحاب في شيء منهما ، ومع عدم جريان الاستصحاب يرجع إلى قاعدة الطهارة ، وهي تقتضي الحكم بطهارة بدنه. هذا كلّه على مسلكه قدس سره من عدم جريان الأصل فيما جهل تاريخه.
وأمّا على ما سلكناه في محله (1)من عدم التفرقة في جريان الاستصحاب بين ما علم تأريخه وما جهل فالنص على خلاف القاعدة في كلتا صورتي قلة الماءين وكثرتهما ، وذلك لتعارض استصحاب الطهارة مع استصحاب النجاسة في صورة قلة الماءين ، فان المكلف كما يعلم بنجاسة بدنه في زمان كذلك يعلم بطهارة بدنه في زمان آخر ، لأن المفروض أنه غسل مواضع إصابة الماء الأول بالماء الثاني ، وبعد تساقط الاستصحابين يرجع إلى قاعدة الطهارة في كل من القليلين والكثيرين أو القليل والكثير.
ولكن التحقيق عدم جريان قاعدة الطهارة في شيء من الصورتين وأن النص فيهما على طبق القاعدة ، وذلك لمكان العلم الإجمالي بنجاسة بعض أعضاء المتوضئ ومقتضى ذلك عدم جواز الرجوع إلى أصالة الطهارة. وبيان ذلك : أن الماء الثاني كراً
1) مصباح الأُصول 3 : 194.
كان أم قليلاً إنما يرد على بدن المتوضئ متدرجاً ، لاستحالة وروده على جميع أعضائه دفعة واحدة حقيقة حتى في حالة الارتماس ، لأن الماء حينئذٍ إنما يصيب رجليه مثلاً أوّلاً ثم يصل إلى غيرهما من أعضائه شيئاً فشيئاً ، فيعلم المكلف بمجرد إصابة الماء الثاني لأحد أعضائه بنجاسة هذا العضو على تقدير أن يكون النجس هو الماء الثاني ، أو بنجاسة غيره كما إذا كان النجس هو الماء الأول ، ومقتضى هذا العلم الإجمالي وجوب غسل كل ما أصابه من الماءين ، ومعه لا مجال لقاعدة الطهارة في صورتي قلة الماءين وكثرتهما ، فالرواية في الصورة الثالثة كالثانية على طبق القاعدة ، ولا مانع من التعدي عن موردها إلى غيره.
والمقام الثاني : في أنه هل يجوز التوضؤ من الماءين المشتبهين على الكيفية المتقدمة في الصورة الأُولى أو أن المتعين هو التيمم؟
والأوّل هو الصحيح ، لأن الأمر وإن كان يقتضي التعيين في نفسه إلاّ أنه في المقام لما كان وارداً في مقام توهّم الحظر أوجب ذلك صرف ظهوره من التعيين إلى التخيير وذلك لأن المكلف حينئذٍ واجد للماء حقيقة كما قدمناه ، ومقتضى القاعدة تعيّن الوضوء ، ولكن الشارع نظراً إلى أن في التوضؤ من المشتبهين على الكيفية السابقة حرجاً نوعياً على المكلفين قد رخص في إتيان بدله وهو التيمم ، فالأمر به إنما ورد في مقام توهّم المنع عنه ، وهو قرينة صارفة لظهور الأمر في التعيين إلى التخيير.
وقد ذكر شيخنا الأُستاذ قدس سره في بعض تعليقاته على المتن عند حكم السيد قدس سره بجواز التوضؤ في موارد الحرج وتخييره المكلف بين الوضوء والتيمم أن هذا يشبه الجمع بين المتناقضين لأن موضوع وجوب التيمم إنما هو عنوان فاقد الماء كما أن موضوع وجوب الوضوء عنوان واجد الماء ، وكيف يعقل اجتماع عنواني الفاقد والواجد في حق شخص واحد؟ فالتخيير بين الوضوء والتيمم غير معقول.
وقد أجبنا عنه في محله بأن موضوع وجوب التيمم وإن كان فاقد الماء إلاّ أن باب التخصيص واسع ، ولا مانع من تجويز التيمم للواجد في مورد ولو لأجل التسهيل تخصيصاً في أدلة وجوب التوضؤ على الواجد ، فاذا كان الجمع بينهما ممكناً فالمتبع في
وهل يجب إراقتهما أو لا؟ الأحوط ذلك وإن كان الأقوى العدم (1).
[156] مسألة 8 : إذا كان إناءان أحدهما المعيّن نجس والآخر طاهر فاريق أحدهما ولم يعلم أنّه أيّهما فالباقي محكوم بالطهارة (1)وهذا بخلاف ما لو كانا
وقوعه دلالة الدليل ، وقد دلّ على جواز الاقتصار بالتيمم مع كون المكلف واجداً للماء ومقامنا هذا من هذا القبيل.
ثم إنه إذا كان عند المكلف ماء معلوم الطهارة فهل له أن يتوضأ من المشتبهين على الكيفية المتقدمة أو يجب التوضؤ مما علم طهارته؟
لا مانع من التوضؤ منهما وإن كان متمكناً من التوضؤ بما علم طهارته وذلك لما بنينا عليه في محله من أن الامتثال الإجمالي في عرض الامتثال التفصيلي ، ولا يتوقف على عدم التمكّن من الامتثال تفصيلاً (2)، ومقامنا هذا من صغريات تلك الكبرى وإن احتاط الماتن قدس سره بترك التوضؤ من المشتبهين. كما يأتي في المسألة العاشرة إلاّ أنه غير لازم كما عرفت.
(1) والوجه في هذا الاحتياط احتمال أن تكون الإراقة واجبة مقدمة لحصول شرط وجوب التيمم وهو كون المكلف فاقداً للماء ، ولكن لمّا كان يحتمل قوياً أن يكون الأمر بالإراقة في الموثقة إرشاداً إلى عدم ترتب فائدة على المشتبهين ، فإن منفعة الماء غالباً إما هو شربه أو استعماله في الطهارة وكلاهما منتفيان في مفروض المسألة لمكان العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما ، كان ذلك مانعاً عن حمل الرواية على الوجوب ، ومن هنا حكم قدس سره بعدم الوجوب.
(2) للشك في نجاسته شكاً بدوياً ، وهو مورد لقاعدة الطهارة ، حيث لا علم بنجاسته إجمالاً حتى يكون الأصل فيه معارضاً بالأصل في الطرف الآخر. اللّهمّ إلاّ
مشتبهين وأُريق أحدهما ، فإنّه يجب الاجتناب عن الباقي ، والفرق أن الشبهة في هذه الصورة بالنسبة إلى الباقي بدوية ، بخلاف الصورة الثانية فإن الماء الباقي كان طرفاً للشبهة من الأوّل وقد حكم عليه بوجوب الاجتناب (1).
[157] مسألة 9 : إذا كان هناك إناء لا يعلم أنه لزيد أو لعمرو والمفروض أنه مأذون من قبل زيد فقط في التصرف في ماله ، لا يجوز له استعماله (2) وكذا إذا علم أنه لزيد مثلاً لكن لا يعلم أنه مأذون من قبله أو من قبل عمرو (3).
أن يكون للمراق ملاق لأنه يولّد علماً إجمالياً بنجاسة الملاقي للمراق أو الإناء الباقي والأصلان فيهما متعارضان فلا مناص من تساقطهما ، وبذلك تتنجز النجاسة في كل واحد من الطرفين.
(1) لأن العلم الإجمالي قد نجز متعلقه في كل واحد من الطرفين وتساقطت الأُصول فيهما بالمعارضة ، وقد مرّ أن التنجز لا ينفك عن العلم الإجمالي ما دام باقياً وهو باق بعد إهراق أحدهما كما كان قبله ولا يرتفع بإراقته.
(2) ذلك لعموم أدلّة حرمة التصرف في مال الغير ، وإنما خرجنا عنه في صورة إذن المالك في التصرفات ، وإذن مالك هذا المال المعيّن الشخصي مشكوك فيه والأصل عدمه ، ولا ينافيه العلم خارجاً بإذن زيد في التصرف في ماله ، لأن الاعتبار في جريان الأصل في مورد إنما هو بالشك فيما يترتب عليه الأثر ، وهو إذن المالك في مفروض المسألة بما هو مالك دون إذنه بما هو زيد ، وإذن المالك مشكوك فيه والأصل يقتضي عدمه ، وهو نظير ما إذا رأينا أحداً قد مات وشككنا في حياة زيد وهو مقلَّدنا فان العلم بموت من لا ندري أنه زيد لا يمنع عن جريان الاستصحاب في حياة زيد لإثبات جواز تقليده وحرمة تزويج زوجته وغيرهما من الأحكام.
(3) للشك في إذن مالكه وهو زيد والأصل عدمه ، وأصالة عدم إذن غيره وهو عمرو مما لا أثر له ، واستصحابه لإثبات أن الآذن هو زيد يتوقف على القول بالأُصول المثبتة.
[158] مسألة 10 : في الماءين المشتبهين إذا توضأ بأحدهما أو اغتسل وغسل بدنه من الآخر ثم توضأ به أو اغتسل صحّ وضوءه أو غسله على الأقوى (1)، لكن الأحوط ترك هذا النحو مع وجدان ماء معلوم الطهارة ، ومع الانحصار الأحوط ضم التيمم أيضاً (1).
[159] مسألة 11 : إذا كان هناك ماءان توضأ بأحدهما أو اغتسل ، وبعد الفراغ حصل له العلم بأن أحدهما كان نجساً ولا يدري أنه هو الذي توضأ به أو غيره ، ففي صحة وضوئه أو غسله إشكال ، إذ جريان قاعدة الفراغ هنا محل إشكال (2)(2)
(1) قدمنا وجه ذلك في المسألة المتقدمة.
(2) الإشكال في جريان قاعدة الفراغ في وضوئه وغسله يبتني على اعتبار الالتفات حال العمل في جريانها ، وحيث إن مفروض المسألة عدم التفات المكلف إلى نجاسة أحد الماءين حال العمل فلا تجري فيها قاعدة الفراغ. وأمّا إذا لم نعتبر الالتفات في جريانها فلا إشكال في صحة وضوئه وغسله بمقتضى تلك القاعدة ، ولتحقيق الحال في اعتبار الالتفات وعدمه في جريان القاعدة محل آخر يطول بذكره الكلام ، إلاّ أنه لا بأس بالإشارة إلى القول المختار على وجه الاختصار فنقول :
الصحيح عدم جريان القاعدة في غير ما إذا كان العامل ملتفتاً حال عمله ، لأن منصرف الإطلاقات الواردة في جريانها أن تلك القاعدة أمر ارتكازي طبعي وليست قاعدة تعبدية محضة ، لأن كل من عمل عملاً ثم التفت إليه بعد إتيانه ولو بعد مدة
1) (*) نعم الأمر كذلك إلاّ أنه لا تصح الصلاة عندئذٍ للعلم الإجمالي بنجاسة بدنه بملاقاة الماء الأول أو الثاني وإن كان الثاني كراً على ما بيّناه في محله ، وحينئذٍ فلا بدّ من غسل تمام المحتملات حتى يحكم بصحة الصلاة ، وبذلك يظهر الحال في صورة الانحصار.
2) (**) والأظهر بطلان الوضوء فيما إذا كان الطرف الآخر أو ملاقيه باقياً ، وإلاّ فالوضوء محكوم بالصحة.
وأمّا إذا علم بنجاسة أحدهما المعيّن ، وطهارة الآخر فتوضأ ، وبعد الفراغ شكّ في أنه توضأ من الطاهر أو من النجس ، فالظاهر صحة وضوئه لقاعدة الفراغ (1). نعم ، لو علم أنه كان حين التوضؤ غافلاً عن نجاسة أحدهما يشكل جريانها.
يشك في كيفية عمله ، وأنه أتى به بأي وجه إلاّ أنه لو كان ملتفتاً حال عمله ، وكان غرضه هو الامتثال وإفراغ ذمته عن التكليف لم يحتمل في حقه النقص عمداً لأنه خلاف فرض التفاته ، ونقض لغرضه أعني إفراغ ذمّته واحتمال نقصه غفلة مندفع بأصالة عدم الغفلة ، وبهذا يحكم بصحة عمله إلاّ أن ذلك يختص بصورة التفات الفاعل حال عمله ، وكذلك الحال فيما إذا احتمل الالتفات حال عمله. وأمّا إذا كان عالماً بغفلته حين عمله ، فاحتمال عدم النقيصة في عمله لا يستند إلاّ إلى احتمال الصدفة غير الاختيارية ، وليس إتيانه العمل صحيحاً مطابقاً للارتكاز ، وعلى هذا لا بدّ من اعتبار احتمال الالتفات حال العمل في جريان القاعدة.
هذا على أن هناك روايتين : إحداهما : موثقة بكير بن أعين قال : « قلت له : الرجل يشك بعد ما يتوضأ ، قال : هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك » (1).
وثانيتهما : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه علیه السلام أنه قال : « إن شكّ الرجل بعد ما صلّى فلم يدر أثلاثاً صلّى أم أربعاً وكان يقينه حين انصرف أنه كان قد أتم ، لم يعد الصلاة ، وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك » (2). وهما تدلان على اعتبار الأذكرية والأقربية حال العمل أعني الالتفات إلى ما يأتي به من العمل في مقام الامتثال في جريان قاعدة الفراغ ، فلو تمّ إطلاق بقية الأخبار ولم تكن منصرفة إلى ما ذكرناه ففي هاتين الروايتين كفاية لتقييد إطلاقاتها بصورة الالتفات.
(1) لالتفات المكلف إلى نجاسة أحدهما المعيّن وطهارة الآخر ، وإنما يشك في صحة وضوئه بعد الفراغ ، للشك في أنه هل توضأ من الطاهر أو من النجس ، وهو مورد
[160] مسألة 12 : إذا استعمل أحد المشتبهين بالغصبية ، لا يحكم عليه بالضمان إلاّ بعد تبين أن المستعمل هو المغصوب (1).
لقاعدة الفراغ كغيره من مواردها ، اللّهم إلاّ أن يعلم بغفلته عن نجاسة أحدهما المعيّن حال العمل.
(1) وذلك لأن العلم الإجمالي إنما يكون منجزاً فيما إذا تعلق بحكم فعلي على كل تقدير أو بغيره مما هو تمام الموضوع للحكم الفعلي. وأمّا إذا لم يكن المعلوم بالإجمال حكماً فعلياً ولا تمام الموضوع للحكم الفعلي فلا يترتب عليه التنجز بوجه ، وهذا كما إذا علم أن أحد الميتين ميت آدمي ، فإن الميت الآدمي وإن كان تمام الموضوع لوجوب الدفن والكفن إلاّ أنه ليس بتمام الموضوع لوجوب غسل مس الميت ، لأن موضوعه هو مس الميت الإنساني ، ومن الظاهر أنه إذا مس أحد الميتين لا يحرز بذلك أنه مس بدن الميت الآدمي ، لاحتمال أن يكون الميت ميتاً غير آدمي. فالعلم الإجمالي المذكور لا يترتّب عليه أثر بالإضافة إلى وجوب غسل مس الميت.
ولهذه الكبرى أمثلة كثيرة ومنها ما مثل به في المتن ، لأن العلم بغصبية أحد الماءين مثلاً وإن كان يترتب عليه التنجيز بالإضافة إلى حرمة التصرف في المشتبهين ، لأن الغصب بما هو تمام الموضوع للحكم بحرمة التصرفات إلاّ أنه لا يترتب عليه أثر بالإضافة إلى الضمان ، لأن موضوع الحكم بالضمان مركب من أمرين : مال الغير وإتلافه أو الاستيلاء عليه ، وإتلاف أحد المشتبهين في المثال لا يوجب العلم بتحقق كلا جزئي الموضوع للحكم بالضمان ، لاحتمال أنه إتلاف لملك نفسه فلا يحرز به الاستيلاء على مال الغير ، وحيث إن الضمان مشكوك الحدوث فالأصل يقتضي عدمه.
ثم إن وجوب الموافقة القطعية في موارد العلم الإجمالي غير مستند إلى نفسه كما ذكرناه غير مرة ، وإنما يستند إلى تساقط الأُصول في أطرافه ، وهذا إنما يتحقق فيما إذا
كانت الأُصول الجارية في أطراف العلم الإجمالي نافية للتكليف. وأمّا إذا كانت مثبتة وموافقة للعلم الإجمالي أو اختلفت وكان بعضها مثبتاً له ، فلا مانع من جريان المثبت منها في أطراف العلم الإجمالي ، حيث لا يترتب عليه محذور على ما ذكرناه في محلّه وبذلك يبقى الأصل النافي سليماً عن المعارض ويسقط العلم الإجمالي عن التأثير. ومثاله ما إذا علمنا بنجاسة أحد الإناءين إذا كان كلاهما أو أحدهما مسبوقاً بالنجاسة حيث لا مانع حينئذٍ من استصحاب النجاسة فيما هو مسبوق بها ، وبعد ذلك لا مانع من الرجوع إلى أصالة الطهارة في الإناء الآخر لأنها غير معارضة بشيء ، ومن هذا تعرف أنه لا فرق فيما أفاده الماتن قدس سره من عدم الحكم بالضمان بين صورتي سبق العلم الإجمالي بالغصبية عن التصرف في أحدهما وتأخره عنه.
وأمّا ما قد يقال : من التفصيل في الضمان بين الصورتين بالحكم بعدم الضمان في صورة تقدم العلم الإجمالي على التصرّف في أحدهما ، لاستصحاب عدم حدوث الحكم بالضمان بعد تساقط أصالة الإباحة في كل واحد من الطرفين بالمعارضة ، والحكم بالضمان عند تقدم التصرف على العلم الإجمالي نظراً إلى أن العلم بغصبية الطرف المتلف أو الباقي يولد العلم بالضمان على تقدير أن يكون ما أتلفه هو المغصوب أو بحرمة التصرف في الطرف الباقي إذا كان هو المغصوب ، وهذا العلم الإجمالي يقتضي التنجيز ، لمعارضة أصالة عدم حدوث الضمان لأصالة الإباحة في الطرف الآخر.
فممّا لا يمكن المساعدة عليه لأن العلم بغصبية أحد الطرفين إذا كان متأخراً عن الإتلاف فهناك أصلان :
أحدهما : أصالة عدم حدوث الحكم بالضمان وهو أصل ناف مخالف للعلم الإجمالي.
وثانيهما : أصالة عدم كون الباقي ملكاً له أو لمن أذن له في التصرف فيه لو كان هناك مجيز حيث إن جواز التصرف في الأموال المتعارفة التي بأيدينا يحتاج إلى سبب محلل له من اشترائها وهبتها وإجازة مالكها وغيرها من الأسباب ، والأصل عدم تحقق السبب المحلل عند الشك فيه ، وهو أصل مثبت على وفق العلم الإجمالي بالتكليف ، فلا مانع من جريانه كما مر ، وبهذا تبقى أصالة عدم حدوث الضمان في
سؤر (1) نجس العين كالكلب والخنزير والكافر (1)نجس (2)
الطرف المتلف سليمة عن المعارض فلا يترتب على العلم الإجمالي بالضمان أو بحرمة التصرف في الطرف الآخر أثر.
وقياس المقام بالملاقي لأحد أطراف الشبهة المحصورة ، فإن الملاقاة إذا كانت متأخرة عن العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي أو الطرف الآخر يحكم بطهارة الملاقي لتساقط الأُصول في الطرفين ، فيبقى الأصل في الملاقي سليماً عن المعارض. وإذا كانت متقدمة على العلم الإجمالي يحكم بنجاسته فيما إذا فقد الملاقي أو خرج عن محل الابتلاء ، لتعارض الأصل في الملاقي مع الأصل الجاري في الطرف الآخر ، قياس مع الفارق فإن الأصلين في المقيس عليه نافيان للتكليف وهما على خلاف المعلوم بالإجمال ، وأين هذا من المقام الذي عرفت أن الأصل فيه مثبت للتكليف في أحد الطرفين ، ومعه لا تتساقط الأُصول ، وقد مرّ أن وجوب الموافقة القطعية مستند إلى تساقط الأُصول في أطراف العلم الإجمالي وغير مستند إلى نفسه.
فصل في الأسآر
(1) المراد بالسؤر في الاصطلاح (2)هو مطلق ما باشره جسم حيوان ، كان ذلك ماء أم غيره وسواء أكانت المباشرة بالفم أم بغيره من أعضائه.
(2) لأنه لاقى نجساً ، وقد قدمنا في بحث انفعال الماء القليل ، ويأتي في محله أيضاً أن ملاقاة النجس إذا كانت برطوبة مسرية تقتضي الحكم بنجاسة ملاقيه ، بلا فرق في
وسؤر طاهر العين طاهر (1) وإن كان حرام اللحم (2)
ذلك بين الماء القليل وغيره من الأجسام الرطبة. فإذا كان الحيوان المباشر من الأعيان النجسة كالكلب والخنزير فلا محالة ينجس الماء كما ينجس غيره من الأجسام الرطبة ، وكذا الحال في ملاقاة الكافر والمقدار المتيقن منه هو المشرك ومنكر الصانع وأمّا الكتابي فهو وإن كان مورد الخلاف من حيث طهارته ونجاسته على ما يأتي تفصيله في محلّه إن شاء اللّه (1)إلاّ أنه أيضاً على تقدير الحكم بنجاسته كبقية الحيوانات النجسة بالذات يوجب نجاسة ما باشره من الماء القليل ، وسائر الأجسام الرطبة.
(1) لطهارة الحيوان في ذاته ، ومعه لا مقتضي لنجاسة سؤره.
(2) ذهب بعضهم إلى وجوب الاجتناب عن سؤر الحيوانات الطاهرة التي لا يؤكل لحمها فيما عدا الإنسان والطيور وما لا يمكن التحرز عنه كالفأرة والهرة والحية ، من دون أن يحكم بنجاسة أسآرها وقد نسب ذلك إلى الشيخ في المبسوط (2)وغيره.
وعن الحلِّي قدس سره القول بنجاسة أسآرها بدعوى أنها وإن كانت طاهرة إلاّ أنه لا ملازمة بين طهارتها وطهارة أسآرها ، وأيّ مانع من أن تكون ملاقاة الحيوان الطاهر موجبة لنجاسة ملاقيه. (3)ويمكن أن يستدل على هذا بروايتين :
إحداهما : موثقة عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سئل عما تشرب منه الحمامة ، فقال : كل ما أكل لحمه فتوضأ من سؤره واشرب ... » (4).
وثانيتهما : صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « لا بأس أن تتوضأ مما شرب منه ما يؤكل لحمه » (5)حيث قد علق جواز استعمال السؤر فيهما على كون الحيوان مأكول اللّحم.
أو كان من المسوخ (1)أو كان جلاّلاً (2).
ولا إشكال في سندهما وكذلك دلالتهما أمّا على القول بمفهوم الوصف ودلالته على الانتفاء عند الانتفاء على ما قربناه أخيراً في بحث الأُصول (1)فظاهر ، وأمّا بناء على القول بعدم المفهوم للوصف فلأن الروايتين واردتان في مقام التحديد ، ولا مناص من الالتزام بالمفهوم في موارد التحديد ، ومقتضاه ثبوت البأس في سؤر الحيوانات الطاهرة التي لا يؤكل لحمها وعدم جواز استعماله في شيء ، هذا.
إلاّ أن هناك روايات كثيرة قد دلت على عدم البأس بسؤر ما لا يؤكل لحمه ومعها لا بدّ من حمل الروايتين على الكراهة ، ومن تلك الأخبار صحيحة البقباق قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن فضل الهرة والشاة والبقرة والإبل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم أترك شيئاً إلاّ سألته عنه؟ فقال : لا بأس به ... » (2)وهي صريحة الدلالة على طهارة سؤر السباع وإن لم يؤكل لحمها.
(1) قد وقع الكلام في طهارة سؤره ونجاسته ، ومنشأ الخلاف في ذلك هو الخلاف في طهارة نفس المسوخ ، وعلى القول بنجاسته لا إشكال في نجاسة سؤره كبقية الحيوانات النجسة ، وتحقيق الكلام في طهارته ونجاسته يأتي في بحث النجاسات إن شاء اللّه.
سؤر الجلال
(2) وسؤره أيضاً من جملة موارد الخلاف ، ومنشأه الخلاف في طهارة نفسه ، فان قلنا بنجاسته فهو ، وإلاّ فلا مقتضي للحكم بنجاسة سؤره وإن كان محرم الأكل.
وقد يقال : بنجاسة سؤره حتى على القول بطهارة نفسه نظراً إلى أن ريق فمه قد
نعم ، يكره سؤر حرام اللّحم (1) ما عدا المؤمن (2) والهرّة على قول (3) ، وكذا يكره
تنجس بإصابة عين النجس فإذا أصاب شيئاً آخر ينجسه لا محالة ، إلاّ أنّ هذا الكلام ممّا لا ينبغي التفوّه به.
أولاً : فلأن هذا لو تمّ لما اختص بالجلال وأتى في كل حيوان أصاب فمه نجساً من الجيف أو غيرها من النجاسات ولو مرة واحدة ، لأنها تكفي في نجاسة ريقه.
وثانياً : أنه إنما يقتضي نجاسة سؤر الجلال فيما إذا باشر الماء أو غيره من الأجسام الرطبة بفمه ولسانه دون ما إذا باشره بسائر أعضائه ، وقد عرفت أن السؤر بحسب الاصطلاح مطلق ما باشره جسم حيوان ولو بغير فمه.
وثالثاً : لم يدل دليل على نجاسة داخل الفم وريقه بعد زوال العين عنه ، فلا يوجب مباشرة الجلال نجاسة الماء ولا نجاسة غيره من الأجسام ، ولو كانت مباشرته بفمه ولسانه.
(1) لمفهوم صحيحة عبد اللّه بن سنان وموثقة عمار المتقدمتين في المسألة السابقة ومرسلة الوشاء عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه علیه السلام « أنه كان يكره سؤر كل شيء لا يؤكل لحمه » (1).
(2) للنصوص الواردة في استحباب التبرك بسؤر المؤمن وشربه وقد عقد له في الوسائل باباً ، ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه علیه السلام أن « في سؤر المؤمن شفاء من سبعين داء » (2).
(3) لما ورد في صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال « في كتاب عليّ
سؤر مكروه اللحم كالخيل والبغال والحمير (1). وكذا سؤر الحائض المتهمة (2)
( علیه السلام ) أن الهر سبع ولا بأس بسؤره ، وإني لأستحي من اللّه أن أدع طعاماً لأن الهر أكل منه » (1).
(1) لم ترد كراهة سؤر المذكورات في شيء من الأخبار. نعم ، يمكن أن يستدل عليه بما ورد في موثقة سماعة قال : « سألته هل يشرب سؤر شيء من الدواب ويتوضأ منه؟ قال : أمّا الإبل والبقر والغنم فلا بأس (2)حيث إنها في مقام البيان فيستفاد من اقتصاره على ذكر الأنعام الثلاثة أن في سؤر غيرها بأساً ، وبما أن صحيحة البقباق المتقدمة صريحة الدلالة على طهارة سؤر الحيوانات الطاهرة محرم الأكل ومحلّله فيكون هذا قرينة على أن المراد بالبأس في غير الأنعام الثلاثة هو الكراهة ، وبهذا يمكن الحكم بكراهة سؤر ما يكره أكل لحمه من الفرس والبغال والحمير لأنها غير الأنعام الثلاثة.
(2) لم ترد كراهة سؤر الحائض في شيء من رواياتنا ، وإنما دلت الأخبار على النهي عن التوضؤ بسؤرها ، وهو أجنبي عن المقام كيف وقد ورد التصريح بجواز شربه في جملة من الروايات (3).
ثم إنّ تقييد الحائض بالمتهمة لا دليل عليه. نعم ، ورد في موثقة عليّ بن يقطين (4)
1) الوسائل 1 : 227 / أبواب الأسآر ب 2 ح 2.
2) الوسائل 1 : 232 / أبواب الأسآر ب 5 ح 3.
3) كما في رواية عنبسة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « اشرب من سؤر الحائض ولا تتوضّ منه وفي صحيحة الحسين بن أبي العلاء « عن الحائض يشرب من سؤرها؟ قال : نعم ولا تتوضّ منه » الوسائل 1 : 236 / أبواب الأسآر ب 8 ح 1 ، 2 إلى غير ذلك من الأخبار.
4) عليّ بن يقطين عن أبي الحسن علیه السلام « في الرجل يتوضأ بفضل الحائض؟ قال : إذا كانت مأمونة فلا بأس » المروية في الوسائل 1 : 237 / أبواب الأسآر ب 8 ح 1. ثم إنّ الرواية وإن كانت موثقة من ابن فضال إلى آخر السند كما وصفناها إلاّ أن طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال ضعيف بعلي بن محمد بن الزبير ، فليلاحظ.
تقييد الحائض بما إذا كانت مأمونة ومقابلها ما إذا لم تكن بمأمونة ، لا ما إذا كانت متهمة ، فإنّها أخص من الأُولى ، فإذا وردتك امرأة ضيفاً وأنت لا تعرفها فهي غير مأمونة عندك لجهلك بحالها ولكنها ليست بمتهمة.
فالصحيح أن الكراهة إنما تختص بالتوضؤ بسؤرها إذا لم تكن بمأمونة ، وذلك لأن الأخبار الواردة في المقام على طوائف :
منها : ما دلّ على كراهة التوضؤ من سؤر الحائض مطلقاً كرواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته هل يتوضأ من فضل وضوء الحائض قال : لا » (1).
ومنها : ما دلّ على كراهته إذا لم تكن بمأمونة كما في موثقة علي بن يقطين المتقدمة وبها نقيد إطلاق الطائفة الأُولى فتختص الكراهة بما إذا كانت الحائض غير مأمونة.
وهناك طائفة أُخرى وهي صحيحة العيص بن القاسم قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن سؤر الحائض ، فقال : لا توضأ منه وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة ... » (2)، والمستفاد منها أن التوضؤ من سؤر الحائض مكروه مطلقاً ولو كانت مأمونة ، وذلك لأن التفصيل قاطع للشركة وقد فصلت الرواية بين الحائض والجنب ، وقيّدت جواز التوضؤ من سؤر الجنب بما إذا كانت مأمونة ولم تقيد الحائض بذلك ، فدلالة هذه الرواية على الكراهة مطلقاً أقوى من دلالة سائر المطلقات.
إلاّ أن الشيخ قدس سره نقل الرواية في كتابيه الاستبصار (3)والتهذيب (4)بإسقاط كلمة « لا » الواقعة في صدر الحديث ، وعليه فتدل الرواية على تقييد جواز الوضوء من سؤر كل من الحائض والجنب بما إذا كانت مأمونة ، ومعه إن قلنا بسقوط
بل مطلق المتهم (1).
الرواية عن الاعتبار وعدم إمكان الاعتماد عليها من أجل اضطراب متنها حسب نقلي الشيخ والكليني (1)قدس سرهما فهو. وأمّا إذا احتفظنا باعتبارها وقدمنا رواية الكافي المشتملة على كلمة « لا » على رواية التهذيب والاستبصار ، لأنه أضبط من كليهما ، فلا مناص من الالتزام بتعدد مرتبتي الكراهة ، وذلك لأن دلالة الرواية على الكراهة مطلقاً أقوى من غيرها كما مر ، لاشتمالها على التفصيل القاطع للشركة فنلتزم بمرتبة من الكراهة في سؤر مطلق الحائض كما نلتزم بمرتبة أشد منها في سؤر الحائض غير المأمونة جمعاً بين الطائفتين.
ولا يخفى أن الرواية وإن كانت صحيحة على طريق الكليني قدس سره فان تردد محمد بن إسماعيل بين النيسابوري البندقي والبرمكي المعروف بصاحب الصومعة غير مضر بصحة السند على ما نبهنا عليه في محله لوقوع هذا الطريق أعني محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان بعينه في أسانيد كامل الزيارات ، فلا مناص من الحكم باعتباره سواء أكان محمد بن إسماعيل الواقع فيه هو النيسابوري أو البرمكي أو غيرهما. إلاّ أنها قابلة للمناقشة على طريق الشيخ قدس سره فان في طريقه إلى علي بن الحسن بن فضال ، علي بن محمد بن الزبير وهو لم يوثق.
(1) قد عرفت أن الاتهام ليس بموضوع للحكم بالكراهة في الحائض فضلاً عن أن يتعدى عنها إلى غيرها ، وأمّا غير المأمون من مباشرة النجاسات فالتعدي عن الحائض إلى غيرها مشكل ، اللّهمّ إلاّ أن يستفاد من تعليق الحكم بالكراهة على وصف غير المأمونة أنه العلّة في الحكم بالكراهة حتى تدور مدار وصف الائتمان من مباشرة النجاسات.
1) الكافي 3 : 10 / 2.
النجاسات اثنتا عشرة : الأول والثاني : البول والغائط من الحيوان الذي لا يؤكل لحمه (1)
فصل في النجاسات
(1) لا كلام ولا خلاف في نجاسة البول والغائط من كل حيوان لا يؤكل لحمه بل كادت أن تكون ضرورية عند المسلمين في الجملة ، ومعها لا حاجة في إثبات نجاستهما إلى إقامة دليل عليها. إلاّ أنه مع هذا يمكن أن يستدل على نجاسة البول بما عن عبد اللّه بن سنان قال : قال أبو عبد اللّه علیه السلام « اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » (1)وهي حسنة (2)وإن عبّر عنها بالصحيحة في بعض الكلمات ، وفي روايته الأُخرى « اغسل ثوبك من بول كل ما لا يؤكل لحمه » (3)وقد اكتفى في الحدائق بنقل الرواية الأُولى ولم يتعرض للثانية ، ولعلّه للمناقشة في سندها.
وتقريب الاستدلال بهما أن الأمر بغسل الثوب من البول يدل على نجاسة البول بالملازمة العرفية ، لأن وجوب غسله لو كان مستنداً إلى شيء آخر غير نجاسة البول لوجب أن ينبه عليه. وحيث لم يبينه علیه السلام في كلامه فيستفاد منه عرفاً أن وجوب غسل الثوب مستند إلى نجاسة البول.
وبصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام قال : « سألته عن البول يصيب الثوب قال : اغسله مرّتين » (1)وغيرها من الأخبار الدالة على وجوب غسل الثوب أو البدن من البول.
وأمّا الخرء المعبّر عنه بالعذرة والغائط فلم ترد نجاسته في رواية عامة إلاّ أن عدم الفرق بين الغائط والبول بحسب الارتكاز المتشرعي كاف في الحكم بنجاسته ، هذا على أنه يمكن أن يستدل على نجاسته بالروايات الواردة في موارد خاصة من عذرة الإنسان والكلب ونحوهما (2)بضميمة عدم القول بالفصل بين أفراده. ويمكن أن يستأنس على ذلك بعدّة روايات أُخر.
منها : ما دلّ على أنه لا بأس بمدفوع ما يؤكل لحمه (3)لأنه يشعر بوجود البأس في مدفوع غيره.
ومنها : ما ورد من أنه لا بأس بمدفوع الطيور (4)فان فيه أيضاً إشعاراً بوجود البأس في مدفوع غير الطير مما لا يؤكل لحمه من الحيوانات.
1) الوسائل 3 : 395 / أبواب النجاسات ب 1 ح 1.
2) كصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال : إن كان لم يعلم فلا يعيد » الوسائل 3 : 475 / أبواب النجاسات ب 40 ح 5 وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى علیه السلام قال : « سألته عن الدجاجة والحمامة وأشباههما تطأ العذرة ثم تدخل في الماء يتوضأ منه للصلاة؟ قال : لا إلاّ أن يكون الماء كثيراً قدر كر من ماء ... » الوسائل 1 : 159 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 4 وصحيحة موسى بن القاسم عن علي بن محمّد علیه السلام في حديث قال : « سألته عن الفأرة والدجاجة والحمام وأشباهها تطأ العذرة ثم تطأ الثوب أيغسل؟ قال : إن كان استبان من أثره شيء فاغسله وإلاّ فلا بأس » الوسائل 3 : 467 / أبواب النجاسات ب 37 ح 3 إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في موارد خاصة.
3) كما في موثقة عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه » المروية في الوسائل 3 : 409 / أبواب النجاسات ب 9 ح 12.
4) كما في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « كل شيء يطير فلا بأس ببوله وخرئه » المروية في الوسائل 3 : 412 / أبواب النجاسات ب 10 ح 1.
إنساناً أو غيره ، برياً أو بحرياً ، صغيراً أو كبيراً (1) بشرط أن يكون له دم سائل حين الذبح (2) نعم ، في الطيور المحرمة الأقوى عدم النجاسة لكن الأحوط فيها أيضاً الاجتناب (3).
(1) وذلك لإطلاق حسنة عبد اللّه بن سنان وعموم روايته الأُخرى ، فإن مقتضاهما نجاسة البول من كل ما يصدق عليه عنوان ما لا يؤكل لحمه ، برِّياً كان أم بحرياً صغيراً كان أم كبيراً إنساناً أو غيره ، وهذا بحسب الكبرى مما لا إشكال فيه. نعم ، يمكن المناقشة صغروياً في خصوص الحيوانات البحرية نظراً إلى أنه لم يوجد من الحيوانات البحرية ما يكون له نفس سائلة. نعم ذكر الشهيد قدس سره أن التمساح كذلك (1)إلاّ أنه على تقدير صحته يختص بالتمساح. وأمّا ما ذهب إليه ابن الجنيد من عدم نجاسة بول الصبي قبل أن يأكل اللحم أو الطعام (2)فسيأتي بطلان مستنده في محلّه إن شاء اللّه.
(2) لما دلّ على طهارة البول والغائط مما لا نفس له كما يأتي عن قريب إن شاء اللّه.
(3) هل الطيور المحرمة كغيرها محكومة بنجاسة خرئها وبولها؟ فيه أقوال ثلاثة :
أحدها : ما ذهب إليه المشهور من نجاسة بولها وخرئها.
وثانيها : طهارة مدفوعها مطلقاً ذهب إليه العماني (3)والجعفي (4)والصدوق (5)وجملة من المتأخرين كالعلاّمة (6)وصاحب الحدائق (7)وغيرهما قدس سرهم.
وثالثها : التفصيل بالحكم بطهارة خرئها والتردد في نجاسة بولها ذهب إليه
المجلسي (1)وصاحب المدارك قدس سرهما (2).
ومنشأ الخلاف في ذلك هو اختلاف الأخبار فإن جملة منها دلت على نجاسة البول مطلقاً كصحيحة محمد بن مسلم قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الثوب يصيبه البول ، قال : اغسله في المركن مرتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة » (3)فإنّها بإطلاقها تشمل بول المأكول لحمه وغيره كما يشمل بول الطيور وسائر الحيوانات ، إذا لم نقل بانصرافها إلى بول الآدمي.
وجملة اخرى دلت على نجاسة البول في خصوص ما لا يؤكل لحمه كحسنة عبد اللّه ابن سنان المتقدمة ، وقد ألحقنا الخرء بالبول بعدم القول بالفصل.
وهناك طائفة ثالثة دلت على طهارة خرء الطائر وبوله مطلقاً سواء أكان محرم الأكل أم محلّله كموثقة أبي بصير المتقدِّمة (4)عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « كل شيء يطير فلا بأس ببوله وخرئه » (5). والنسبة بين الطائفة الثانية والثالثة عموم من وجه ، لأن الحسنة أخص من الموثقة من أجل اختصاصها بما لا يؤكل لحمه وأعم منها من جهة شمولها الطائر وغيره ، والموثقة أخص من الاولى لتقيد موضوعها بالطيران وأعم منها لشمولها الطائر بكلا قسميه المحلل والمحرم أكله فتتعارضان في الطائر الذي لا يؤكل لحمه ، فقد ذهب القائلون بعدم الفرق بين الطيور والحيوانات إلى ترجيح الحسنة على الموثقة بدعوى أنّها أشهر وأصح سنداً.
واستدلّ عليه شيخنا الأنصاري قدس سره (6)بوجه آخر حيث اعتمد على ما نقله العلاّمة في مختلفة من كتاب عمار من أن الصادق علیه السلام قال : « خرء الخطاف لا بأس به هو مما يؤكل لحمه ، لكن كره أكله لأنه استجار بك وآوى إلى
منزلك ، وكل طير يستجير بك فأجره » (1)بتقريب أنه علل عدم البأس بخرء الخطاف بأنه ممّا يؤكل لحمه ، وظاهره أن الخطاف لو لم يكن محلل الأكل كان في خرئه بأس فالمناط في الحكم بطهارة الخرء هو حلية الأكل من دون فرق في ذلك بين الطيور والحيوانات.
وأمّا المجلسي وصاحب المدارك 0 فقد استندا فيما ذهبا إليه إلى أن نجاسة الخرء في الحيوان إنما ثبتت بعدم القول بالفصل ، وهو غير متحقق في الطيور لوجود القول بالفصل فيها ، وعليه فلا مدرك لنجاسة خرء الطيور. وأمّا بولها فقد ترددا فيه ، للتردد في تقديم الحسنة على الموثقة ، هذا.
ولكن الصحيح من هذه الأقوال هو ما ذهب إليه العماني والصدوق وجملة من المتأخرين من طهارة بول الطيور وخرئها مطلقاً بيان ذلك : أنّ الرواية التي استدلّ بها شيخنا الأنصاري قدس سره ممّا لا يمكن الاعتماد عليه.
أمّا أولاً : فلأن الشيخ نقلها بإسقاط كلمة « خرء » (2)فمدلولها حينئذٍ أن الخطاف لا بأس به فهي أجنبية عن الدلالة على طهارة البول والخرء أو نجاستهما.
وأمّا ثانياً : فلأنها على تقدير أن تكون مشتملة على كلمة « خرء » لا تقتضي ما ذهب إليه ، لأنه لم يثبت أن قوله « هو مما يؤكل لحمه » علة للحكم المتقدم عليه أعني عدم البأس بخرء الخطاف ، ومن المحتمل أن يكون قوله هذا وما تقدمه حكمان بيّنهما الإمام علیه السلام من غير صلة بينهما ، بل الظاهر أنه علة للحكم المتأخر عنه أعني كراهة أكله أي الخطاف يكره أكله ، لأنه وإن كان مما يؤكل لحمه إلاّ أنّه يكره أكله لأنه استجار بك ، وفي جملة « ولكن كره أكله ... » شهادة على أن قوله « هو مما يؤكل لحمه » مقدمة لبيان الحكم الثاني كما عرفت فهذا الاستدلال ساقط.
وأمّا ما ذكروه وجهاً لتقديم الحسنة على الموثقة فهو أيضاً لا يرجع إلى محصل : أمّا الترجيح بأنها أشهر فقد ذكرنا في محلّه أنّ الشهرة بمعنى الوضوح والظهور ليست من
المرجّحات ، وإنما هي تلغي الرواية الشاذة عن الاعتبار رأساً (1)وهي بهذا المعنى غير متحققة في المقام لأن الشهرة في أخبار النجاسة ليست بمثابة تلغي أخبار الطهارة عن الاعتبار ، لأنها أخبار آحاد لا تتجاوز ثلاث أو أربع روايات.
وأمّا الترجيح بموافقة الكتاب والسنة بدعوى : أن ما دلّ على نجاسة بول الطير موافق للسنة أعني المطلقات الدالّة على نجاسة البول مطلقاً.
ففيه أوّلاً : أن المطلقات منصرفة إلى بول الآدمي ، ومعه لا يبقى لها عموم حتى يوافقه ما دلّ على نجاسة بول الطير.
وثانياً : لو لم نبن على الانصراف فأيضاً لا تكون موافقة السنّة مرجحة في أمثال المقام ، لأن موافقة الكتاب والسنّة إنّما توجب الترجيح فيما إذا كان عمومهما لفظياً. وأمّا إذا كان بالإطلاق ومقدمات الحكمة فلا أثر لموافقتهما ، لأن الإطلاق ليس من الكتاب والسنّة فالموافقة معه ليست موافقة لهما.
وأمّا الترجيح بالأصحية ، وأن الحسنة أصح سنداً من الموثقة فيدفعه : ما ذكرناه في بحث التعادل والترجيح من أن صفات الراوي لا تكون مرجحة في الرواية ، وإنما هي مرجحة في باب القضاء (2). على أنّا لو قلنا بترجيح الصحيحة على الموثقة فلا نقول بتقديم الحسنة عليها بوجه.
وبعد هذا لم يبق في البين سوى دعوى أن الروايتين تتساقطان بالمعارضة ، ويرجع إلى العموم الفوق ، إلاّ أن هذه الدعوى أيضاً ساقطة لأن الرجوع إلى العموم الفوق في المقام بعد الغض عن دعوى الانصراف مبني على القول بعدم انقلاب النسبة بعروض المخصص عليه ، وإلاّ فهو أيضاً طرف للمعارضة كالحسنة ، وذلك للعلم بتخصيص المطلقات بما دلّ على طهارة بول ما يؤكل لحمه من البقر والغنم ونحوهما فيكون حالها بعد هذا المخصص المنفصل حال الحسنة وغيرها مما دلّ على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه. وقد عرفت أن النسبة بينها وبين الموثقة عموم من وجه ، وبعد
تساقطهما في مادّة الاجتماع بالمعارضة يرجع إلى قاعدة الطهارة ، هذا كلّه على تقدير معارضة الحسنة والموثقة.
والذي يسهّل الخطب ويقتضي الحكم بطهارة بول الطيور أنه لا تعارض بين الطائفتين ، وذلك لأمرين :
أحدهما : أن الموثقة وإن كانت معارضة للحسنة بالعموم من وجه إلاّ أنها تتقدم على الحسنة ، لأنه لا محذور في تقديمها عليها ولكن في تقديم الحسنة على الموثقة محذور. بيان ذلك : أن تقديم الحسنة على الموثقة يوجب تخصيصها بما يؤكل لحمه من الطيور ، وبها يحكم بطهارة بوله مع أن الطيور المحللة لم يرَ لها بول حتى يحكم بطهارته أو إذا كان طير محلل الأكل وله بول فهو في غاية الندرة ، وعليه فيكون تقديم الحسنة موجباً لإلغاء الموثقة رأساً أو حملها على موارد نادرة وهو ركيك ، فإن الرواية لا بدّ من أن يكون لها موارد ظاهرة ، وهذا يجعل الموثقة كالنص فتتقدم على معارضها.
لكن الإنصاف أنه يمكن المناقشة في هذا الوجه بأن الطير المحلل أكله إنما لم يرَ له بول عليحدة ومستقلاًّ عن ذرقه. وأمّا توأماً معه فهو مشاهد محسوس كذرقه وممّا لا سبيل إلى إنكاره ، ولك أن تختبر ذلك في الطيور الأهلية كالدجاجة فكأنّ الطير ليس له مخرج بول عليحدة ، وإنما يدفعه توأماً لذرقه. ومن هنا يرى فيه مائع يشبه الماء وعليه فلا يوجب تقديم الحسنة جعل الموثقة بلا مورد ولا محذور في تقديمها.
ثانيهما : أن تقديم الحسنة على الموثقة يقتضي إلغاء عنوان الطير عن كونه موضوعاً للحكم بالطهارة ، حيث تدل على تقييد الحكم بطهارة البول والخرء بما إذا كان الطير محلّل الأكل ، وهو في الحقيقة إلغاء لعنوان الطير عن الموضوعية ، فإن الطهارة على هذا مترتبة على عنوان ما يؤكل لحمه سواء كان ذلك هو الطير أم غيره. وهذا بخلاف تقديم الموثقة على الحسنة ، فإنّه يوجب تقييد الحكم بنجاسة البول بغير الطير ، وهذا لا محذور فيه فان عنوان ما لا يؤكل لحمه لا يسقط بذلك عن الموضوعية للحكم بنجاسة البول في غير الطير ، وبما أن الموثقة صريحة في أن لعنوان الطير موضوعية وخصوصية في الحكم بطهارة البول ، فتصير بذلك كالنص وتتقدم على الحسنة.
وهذا الوجه هو الصحيح ، وبذلك يحكم بطهارة بول الطيور وخرئها وإن كانت
خصوصاً الخفّاش وخصوصاً بوله (1).
محرمة ، ولا يفرق في ذلك بين كون الحسنة عاما وبين كونها مطلقة وهو ظاهر ، ومن هنا لم يستدل شيخنا الأنصاري قدس سره على نجاسة بول الطيور المحرّمة بتقديم الحسنة ، وإنما استدلّ برواية أُخرى وقد قدّمنا نقلها كما قدّمنا جوابها (1).
ومن هذا يظهر أن ما ربّما يقال في المقام من أن الموثقة معرض عنها عند الأصحاب ، وهو موهن للموثقة كلام شعري لا أساس له فان المشهور إنما لم يعملوا بها لتقديم الحسنة بأحد الوجوه المتقدمة من الأشهرية والأصحية وموافقة السنة كما مر ، لا لإعراضهم عن الموثقة حتى تسقط بذلك عن الاعتبار.
هذا على أنّا لو سلمنا إعراضهم عن الموثقة فقد بيّنا في محله أن إعراض الأصحاب عن رواية معتبرة لا يكون كاسراً لاعتبارها كما أن عملهم على طبق رواية ضعيفة لا يكون جابراً لضعفها (2)، هذا كله في غير الخفاش.
(1) لا خصوصية زائدة في خرء الخفاش على خرء غيره من الطيور ، ولا وجه للاحتياط فيه بل الأمر بالعكس حتى لو بنينا على نجاسة خرء غيره من الطيور المحرمة كما إذا تمت دلالة الحسنة المتقدمة على نجاسته لا نقول بنجاسة خرء الخفافيش ، والوجه في ذلك أن ما لا نفس له خارج عما دلّ على نجاسة خرء الطيور وبولها ، ونحن قد اختبرنا الخفافيش زائداً على شهادة جماعة ولم نرَ لها نفساً سائلة فخرؤها غير محكوم بالنجاسة.
وأمّا بوله فقد التزم الشيخ قدس سره بنجاسته في المبسوط (3)، ولكن الصحيح أنه أيضاً كخرئه مما لا خصوصية له ، لعدم نجاسة البول مما لا نفس له حتى على القول بنجاسة بول سائر الطيور المحرمة.
ولا فرق في غير المأكول بين أن يكون أصليّاً كالسباع ونحوها أو عارضيّاً كالجلاّل وموطوء الإنسان والغنم الذي شرب لبن خنزيرة (1).
هذا فيما إذا ثبت أنه مما لا نفس له ، وكذا الحال فيما إذا شككنا في أنه من هذا القبيل أو من غيره ، لأن ما دلّ على نجاسة بول الطيور مخصص بما لا نفس له ، ومع الشك في أن الخفاش مما له نفس سائلة لا يمكن التمسك بعموم ذلك الدليل ، لأنه من التمسك بالعام في الشبهات المصداقية.
نعم ، ورد في رواية داود الرقي أن بول الخفاش نجس (1)إلاّ أنها غير قابلة للاعتماد.
أمّا أوّلاً : فلضعف سندها.
وأمّا ثانياً : فلمعارضتها برواية غياث : « لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف » (2)وهي إما أرجح من رواية الرقي أو مساوية لها.
وأمّا ثالثاً : فلأن الخفاش ليست له نفس سائلة كما مر ، وقد قام الإجماع على طهارة بول ما لا نفس له ، ولا نحتمل تخصيصه بمثل هذه الرواية الضعيفة المتعارضة ومن ذهب إلى نجاسته فإنّما استند إلى أن له نفساً سائلة ، ولم يعلم استناده إلى تلك الرواية ، وبعد ما بيّنا أنه مما لا نفس له لا يبقى وجه لنجاسة شيء من بوله وخرئه.
(1) فإن إطلاق حسنة عبد اللّه بن سنان وعموم روايته الأُخرى كما يشمل غير المأكول بالذات كالسباع والمسوخ كذلك يشمل ما لا يؤكل لحمه بالعرض ، كما إذا كان جلاّلاً أو موطوء إنسان أو ارتضع من لبن خنزيرة إلى أن يشتد عظمه لأن موضوع الحكم بنجاسة البول في الروايتين إنما هو عنوان ما لا يؤكل لحمه ، ومتى ما صدق على شيء من الحيوانات الخارجية فلا محالة يحكم بنجاسة بوله.
ونظير هذا البحث يأتي في الصلاة أيضاً حيث إن موثقة ابن بكير (3)دلّت على
1) عن داود الرقي قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فأطلبه فلا أجده؟ فقال : اغسل ثوبك » الوسائل 3 : 412 / أبواب النجاسات ب 10 ح 4.
2) الوسائل 3 : 413 / أبواب النجاسات ب 10 ح 5.
3) قال : « سأل زرارة أبا عبد اللّه علیه السلام عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر ، فأخرج كتاباً زعم أنه إملاء رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أن الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله ، فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شيء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحل اللّه أكله ... » الوسائل 4 : 345 / أبواب لباس المصلِّي ب 2 ح 1.
وأمّا البول والغائط من حلال اللّحم فطاهر (1) حتى الحمار والبغل والخيل (2)
بطلان الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، وقد وقع الكلام هناك في أن عنوان ما لا يؤكل لحمه عنوان مشير إلى الذوات الخارجية مما لا يؤكل لحمه بالذات ، أو أنه أعم مما لا يؤكل لحمه ولو بالعرض وقد ذكرنا هناك أنه عام يشمل الجميع ، ولا وجه لاختصاصه بما هو كذلك بالذات.
(1) للإجماع القطعي بين الأصحاب ، ولموثقة عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « كل ما أُكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه » (1)وصحيحة زرارة أنهما علیهماالسلام قالا : « لا تغسل ثوبك من بول شيء يؤكل لحمه » (2)، وما عن قرب الاسناد عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه علیه السلام أن النبي صلی اللّه علیه و آله قال : « لا بأس ببول ما أُكل لحمه » (3)، وما ورد في ذيل صحيحة عبد الرّحمن ابن أبي عبد اللّه من قوله « وكل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله » (4).
(2) قد وقع الخلاف في طهارة أبوالها وأرواثها فذهب المشهور إلى طهارتهما وخالفهم في ذلك من المتقدمين ابن الجنيد (5)والشيخ في بعض كتبه (6)، ومن المتأخرين الأردبيلي (7)وغيره فذهبوا إلى نجاستهما ، وأصر صاحب الحدائق قدس سره على نجاسة أبوالها (8). وتردد فيها بعض آخر.
1) الوسائل 3 : 409 / أبواب النجاسات ب 9 ح 12 ، 4 ، 17 ، 9.
2) الوسائل 3 : 409 / أبواب النجاسات ب 9 ح 12 ، 4 ، 17 ، 9.
3) الوسائل 3 : 409 / أبواب النجاسات ب 9 ح 12 ، 4 ، 17 ، 9.
4) الوسائل 3 : 409 / أبواب النجاسات ب 9 ح 12 ، 4 ، 17 ، 9.
5) المختلف 1 : 299.
6) النهاية : 51.
7) مجمع الفائدة والبرهان 1 : 301.
8) الحدائق 5 : 21.
ومنشأ الخلاف في ذلك هو اختلاف الأخبار ، حيث ورد في جملة منها وفيها صحاح وموثقات الأمر بغسل أبوال الخيل والحمار والبغل (1)وقد قدمنا في محله أن الأمر بالغسل إرشاد إلى النجاسة حسبما يقتضيه الفهم العرفي ، وورد في صحيحة الحلبي التفصيل بين أبوالها ومدفوعاتها ، حيث نفت البأس عن روث الحمير وأمرت بغسل أبوالها (2)وهي صريحة في عدم الملازمة بين نجاسة أبوال الحيوانات المذكورة ونجاسة مدفوعاتها كما توهمها بعضهم ، وقد تقدم أن الحكم بنجاسة المدفوع لم يقم عليه دليل غير عدم القول بالفصل بينه وبين البول ، والقول بالفصل موجود في المقام وعليه فلا نزاع في طهارة أرواثها ، وينحصر الكلام بأبوالها ، وقد عرفت أن مقتضى الأخبار المتقدمة نجاستها.
وفي قبال تلك الأخبار روايتان (3)تدلاّن على طهارتها إلاّ أنهما ضعيفتان فان صحّ اعتماد المشهور فيما ذهبوا إليه على هاتين الروايتين ، وتمت كبرى أن اعتماد المشهور على رواية ضعيفة يخرجها من الضعف إلى القوة وينجبر به ضعفها فلا مناص من الحكم بطهارة أبوال الحيوانات المذكورة ، ولا يعارضهما ما دلّ على نجاسة أبوالها كما توهّمه
1) كموثقة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل يمسّه بعض أبوال البهائم أيغسله أم لا؟ قال : يغسل بول الحمار والفرس والبغل ، فأما الشاة وكل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله ». وصحيحة الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن أبوال الخيل والبغال ، قال : اغسل ما أصابك منه ». المرويتين في الوسائل 3 : 409 / أبواب النجاسات ب 9 ح 9، 11. وموثقة سماعة قال : « سألته عن بول السنور والكلب والحمار والفرس؟ قال : كأبوال الإنسان ». المروية في الوسائل 3 : 406 / أبواب النجاسات ب 8 ح 7.
2) الوسائل 3 : 406 / أبواب النجاسات ب 9 ح 1.
3) إحداهما : رواية أبي الأغر النحاس قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام إني أعالج الدواب فربما خرجت بالليل وقد بالت وراثت فيضرب أحدها برجله أو يده فينضح على ثيابي فأصبح فأرى أثره فيه؟ فقال : ليس عليك شيء » وثانيتهما : رواية معلى بن خنيس وعبد اللّه بن أبي يعفور قالا : « كنّا في جنازة وقدامنا حمار فبال فجاءت الريح ببوله حتى صكّت وجوهنا وثيابنا فدخلنا على أبي عبد اللّه علیه السلام فأخبرناه ، فقال : ليس عليكم بأس » المرويتان في الوسائل 3 : 407 / أبواب النجاسات ب 9 ح 2 ، 14.
صاحب الحدائق قدس سره لأنهما صريحتان في الطهارة وأخبار النجاسة ظاهرة في نجاستها.
إلاّ أن الكلام في ثبوت الأمرين المتقدمين ، ودون إثباتهما خرط القتاد ، فان القدماء ليس لهم كتب استدلالية ، ليرى أنهم اعتمدوا على أي شيء ، ولعلّهم استندوا في ذلك على شيء آخر. كما أن عملهم على طبق رواية ضعيفة لا يكون جابراً لضعفها على ما مرّ منّا غير مرة.
وعلى هذا لا مناص من الحكم بنجاسة أبوالها ، وإن كان يلزمه التفصيل بين أرواثها وأبوالها ولا محذور فيه بعد دلالة الدليل ، وقد عرفت ما يقتضي طهارة أرواثها ، ولا ينافي ذلك ما دلّ بإطلاقه على طهارة بول كل ما يؤكل لحمه حيث لا مانع من تخصيصه بما دلّ على نجاسة أبوال الحيوانات الثلاثة.
بل يمكن أن يقال : إنه لا دلالة في تلك المطلقات على طهارة أبوال الحيوانات الثلاثة ، لقوة احتمال أن يراد مما يؤكل لحمه في تلك الروايات ما كان مستعداً للأكل بطبعه كالشاة والبقرة ونحوهما ، ومن البديهي أن الحيوانات المذكورة غير مستعدة للأكل ، وإنما هي معدة للحمل ، وإن كانت محللة شرعاً كما أُشير إلى هذا في بعض الروايات (1)هذا.
واستدلّ شيخنا الهمداني قدس سره على طهارة أبوال الحيوانات الثلاثة بما ورد في ذيل موثقة ابن بكير المتقدِّمة (2)حيث قال علیه السلام « يا زرارة هذا عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فاحفظ ذلك يا زرارة ، فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شيء منه جائز إذا علمت أنه ذكي وقد ذكاه الذبح ، وإن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كل شيء منه فاسد ، ذكاه الذبح أو لم يذكه ». بتقريب أن المراد بالحلية في هذه
الموثقة هي الحلية المجردة ، ولم يرد منها ما أُعد للأكل ، وقد دلت بصراحتها على جواز الصلاة في بول كل ما كان كذلك من الحيوانات ، ومنها الحمير والبغل والفرس ويستفاد منها طهارة أبوالها ، لضرورة بطلان الصلاة في النجس (1).
ويظهر الجواب عن ذلك بما نبّهنا عليه آنفاً ، وحاصله أن دلالة الموثقة على طهارة أبوال الدواب الثلاث إنما هي بالظهور والالتزام ، ولم تدل على هذا بصراحتها. وإذن فلا مانع من تخصيصها بالأخبار المتقدمة الصريحة في نجاسة أبوالها. وبعبارة اخرى : أن الموثقة إنما دلّت على جواز الصلاة في أبوال الدواب الثلاث من حيث إنها محلّل الأكل في طبعها وبالالتزام دلت على طهارتها ، والأخبار المتقدمة قد دلت بالمطابقة على نجاسة أبوالها ، فلا محالة تخصص الموثقة بما إذا كانت الحلية مستندة إلى استعدادها للأكل.
وعلى الجملة لا محذور في الحكم بنجاسة أبوال الحيوانات الثلاثة ، إلاّ أن ما يمنعنا عن ذلك ، ويقتضي الحكم بطهارة أبوالها ملاحظة سيرة الأصحاب من لدن زمانهم علیهم السلام الواصلة إلينا يداً بيد ، حيث إنها جرت على معاملتهم معها معاملة الطهارة ، لكثرة الابتلاء بها ، وبالأخص في الأزمنة المتقدمة فإنّهم كانوا يقطعون المسافات بمثل الحمير والبغال والفرس ، فلو كانت أبوالها نجسة لاشتهر حكمها وذاع ولم ينحصر المخالف في طهارتها بابن الجنيد والشيخ قدس سرهما ولم ينقل الخلاف فيها من غيرهما من أصحاب الأئمة والعلماء المتقدمين ، وهذه السيرة القطعية تكشف عن طهارتها ، وبها تحمل الأخبار المتقدمة الصريحة في نجاسة الأبوال المذكورة على التقيّة ، فإنّ العامّة ولا سيّما الحنفية منهم ملتزمون بنجاستها (2)وقد اعترف بما ذكرناه
1) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 575 السطر 25.
2) قدّمنا شطراً من أقوالهم في هذه المسألة في تعليقة ص 57 عن ابن حزم في المحلى وننقل جملة أُخرى من كلماتهم في المقام لمزيد الاطلاع : قال في بدائع الصنائع للكاشاني الحنفي ج 1 ص 161 بول ما لا يؤكل لحمه نجس وأمّا ما يؤكل لحمه فعند أبي حنيفة وأبي يوسف نجس وعند محمّد طاهر. وبهذا المنوال نسج في المبسوط ج 1 ص 54. وفي عمدة القارئ للعيني الحنفي شرح البخاري ج 3 ص 154 اختلف في الأبوال فعند أبي حنيفة والشافعي وأبي يوسف وأبي ثور وآخرين كثيرين الأبوال كلها نجسة إلاّ ما عفي عنه وقال أبو داود بن علية الأبوال كلها طاهرة من كل حيوان ولو غير مأكول اللحم عدا أبوال الإنسان. وفي إرشاد الساري للقسطلاني شرح البخاري ج 1 ص 300 ذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور إلى أن الأبوال كلّها نجسة إلاّ ما عفي عنه وفي فتح الباري لابن حجر شرح البخاري ج 1 ص 338 باب أبوال الإبل والدواب والغنم ذهب الشافعي والجمهور إلى القول بنجاسة الأبوال والأرواث كلّها من مأكول اللّحم وغيره وفي البداية لابن رشد المالكي ج 1 ص 82 اختلفوا في نجاسة بول غير الآدمي من الحيوان فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى انّها كلها نجسة وقال قوم بطهارتها وقال آخرون بتبعية الأبوال والأرواث للحوم فما كان منها محرم الأكل كانت أبواله وأرواثه نجسة وما كان مأكول اللحم فأبوالها وأرواثها طاهرة وبه قال مالك وفي البدائع ج 5 ص 37 في كتاب الذبائح لا تحل البغال والحمير عند عامة العلماء ويكره لحم الخيل عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا يكره وبه أخذ الشافعي وفي مجمع الأنهر لشيخ زاده الحنفي ج 3 ص 513 في الذبائح يحرم أكل لحوم الحمر الأهلية والبغال لأنه متولِّد من الحمار فان كانت امّه بقرة فلا يؤكل بلا خلاف وإن كانت امه فرساً فعلى الخلاف في أكل لحم الفرر. فعلى هذا بول الحمير والبغال والفرس نجس لحرمة أكل لحمها والأخير وإن كان مكروهاً عند أبي حنيفة إلاّ أنه يرى نجاسة الأبوال كلها حسب كلماتهم المتقدِّمة.
في الحدائق إلاّ أنه منع عن حمل أخبار النجاسة على التقية نظراً إلى أن الرواية ما لم تبتل بمعارض أقوى لم يجز حملها على التقية ، ولا معارض لأخبار النجاسة في المقام (1).
وما أفاده وإن كان صحيحاً في نفسه إلاّ أنه غير منطبق على المقام ، لقيام سيرة الأصحاب وعلمائنا الأقدمين على طهارتها ، وهي التي دعتنا إلى حمل أخبار النجاسة على التقية ، وبهذا اعتمدنا في الحكم بعدم وجوب الإقامة في الصلاة ، لأن الأخبار وإن كانت تقتضي وجوبها إلاّ أن سيرة أصحاب الأئمة علیهم السلام وعلمائنا المتقدمين تكشف عن عدم وجوبها في الصلاة حيث إنها لو كانت واجبة لظهر ، ولعدّ من الواضحات والضروريات ، لكثرة الابتلاء بها في كل يوم ، ونفس عدم ظهور الحكم في أمثالها يكشف كشفاً قطعياً عن عدمه.
1) الحدائق 5 : 25.
وكذا من حرام اللحم الذي ليس له دم سائل كالسمك المحرم ونحوه (1).
(1) قد اختلفوا في نجاسة أبوال ما لا يؤكل لحمه مما لا نفس له كالأسماك المحرمة والسلحفاة ولها بول كثير فذهب المشهور إلى طهارة بوله وخرئه ، وتردد المحقق في طهارتهما في بعض كتبه (1)، والكلام في مدرك ما ذهب إليه المشهور ، لأن مقتضى إطلاق ما دلّ على نجاسة أبوال ما لا يؤكل لحمه أو عمومه أعني روايتي عبد اللّه بن سنان (2)عدم الفرق في نجاستها بين كونها مما له نفس سائلة وعدمه ، فلا بدّ في إخراج ما لا نفس له من ذلك الإطلاق أو العموم من إقامة الدليل عليه.
فقد يتمسك في ذلك بالانصراف بدعوى : أن لفظتي البول والخرء منصرفتان عن بول ما لا نفس له وخرئه ، لأنهما منه بمنزلة عصارة النبات. وفساد هذا الوجه بمكان من الوضوح ، فإنّه لا مدخلية لكون الحيوان مما له نفس أو مما لا نفس له في صدق عنوان البول على بوله أو الخرء على مدفوعة ، فهذا الوجه مما لا يعتنى به.
والذي ينبغي أن يقال : إنه لا إشكال في طهارة الخرء مما لا نفس له لقصور ما يقتضي نجاسته ، لما مرّ من أن نجاسته في الحيوانات المحرمة التي لها نفس سائلة مستندة إلى عدم الفرق بين بولها وخرئها بالارتكاز ، والارتكاز مختص بما له نفس سائلة ، وعليه فالخرء من الحيوانات التي لا نفس لها خارج عن محل الكلام ، والنزاع مختص ببوله. وإذا قد عرفت ذلك فنقول :
إنّ الحيوانات المحرمة التي لا نفس لها إذا كان لها لحم معتد به كالأسماك المحرمة والحيات ونحوهما ، فلا محالة يشملها عموم ما دلّ على نجاسة أبوال ما لا يؤكل لحمه أو إطلاقه لأنها من أفراده ، وإذا لم يكن لها لحم كذلك كالخنفساء والذباب وأمثالهما لم يحكم بنجاسة بولها ، لأنها خارجة عمّا دلّ على نجاسة بول الحيوانات المحرمة ، فان في
مورد هذه الأدلّة قد فرض حيوان وله لحم محرم أكله فحكم بنجاسة بوله ، وهذا كما ترى يختص بما له لحم ، وعليه فهذه الأدلة قاصرة الشمول لما لا لحم له من الابتداء حيث لا لحم له ليحرم أكله ، فأبوال ما لا نفس له إذا كان من هذا القبيل مما لا دليل على نجاسته.
إلاّ أن هذا إنما يتم فيما إذا قلنا بانصراف ما دلّ على نجاسة مطلق البول إلى بول الآدمي كصحيحتي محمد بن مسلم المتقدِّمتين (1)وغيرهما ولا أقل من انصرافه عن بول الحيوانات التي لا لحم لها. وأمّا إذا لم يتم الانصراف فمقتضى تلك المطلقات نجاسة البول مطلقاً حتى مما لا لحم له فيما إذا كان محرم الأكل.
نعم ، يمكن أن يستدل على طهارة أبوال ما لا نفس له مطلقاً كان له لحم أم لم يكن بموثقة حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه علیه السلام قال : « لا يفسد الماء إلاّ ما كانت له نفس سائلة » (2)فقد دلت بإطلاقها على عدم تنجس الماء ببول ما لا نفس له ولا بدمه ولا بميتته ولا بغيرها مما يوجب نجاسة الماء إذا كانت له نفس سائلة ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون له لحم أم لم يكن.
وأصحابنا ( قدس اللّه أسرارهم ) وإن ذكروا هذه الرواية في باب عدم نجاسة الميتة مما لا نفس له إلاّ أنه لا يوجب اختصاصها بها ، فإنّها مطلقة ومقتضى إطلاقها عدم
1) في ص 374 ، 376.
2) الوسائل 3 : 464 / أبواب النجاسات ب 35 ح 2. ثم إن في سند الرواية أحمد بن محمد عن أبيه والظاهر أنه أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد وهو وإن كان من مشايخ الشيخ المفيد قدس سره إلاّ أنه لم تثبت وثاقته بدليل ، وكونه شيخ إجازة لا دلالة له على وثاقته فالوجه في كون الرواية موثقة أن في سندها محمد بن أحمد بن يحيى وللشيخ إليه طرق متعددة ، وهي وإن لم تكن صحيحة بأسرها إلاّ أن في صحة بعضها غنى وكفاية ، وذلك لأن الرواية إما أن تكون من كتاب الراوي أو من نفسه ، وعلى كلا التقديرين يحكم بصحة رواية الشيخ عن محمّد بن أحمد لتصريحه في الفهرست [ 144 / 612 ] بأن له إلى جميع كتب محمد بن أحمد ورواياته طرقاً متعددة وقد عرفت صحة بعضها ، وإذا صحّ السند إلى محمد بن أحمد بن يحيى صحّ بأسره لوثاقة الرواة الواقعة بينه وبين الإمام علیه السلام وبهذا الطريق الذي أبديناه أخيراً يمكنك تصحيح جملة من الروايات كذا أفاده ( دام ظله ).
[161] مسألة 1 : ملاقاة الغائط في الباطن لا توجب النجاسة كالنوى الخارج من الإنسان أو الدود الخارج منه ، إذا لم يكن معه شيء من الغائط وإن كان ملاقياً له في الباطن (1). نعم ، لو أدخل من الخارج شيئاً فلاقى الغائط في الباطن كشيشة الاحتقان إن علم ملاقاتها له ، فالأحوط الاجتناب (1)عنه. وأمّا إذا شكّ
تنجس الماء بشيء من أجزاء ما لا نفس له ، والنسبة بينها وبين ما دلّ على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه وإن كانت عموماً من وجه إلاّ أنها كذلك بالإضافة إلى غير بوله أيضاً من دمه وميتته ومع ذلك فهي مقدمة على معارضاتها مما دلّ على نجاسة الدم أو الميتة. والوجه فيه أن الموثقة حاكمة على غيرها مما دلّ على نجاسة البول أو الدم أو الميتة على وجه الإطلاق فإنّها فرضت شيئاً مفسداً للماء من أجزاء الحيوان. وحكمت عليه بعدم إفساده للماء فيما إذا لم يكن له نفس سائلة ، هذا.
وأيضاً يمكن الاستدلال على طهارته بالروايات الواردة في عدم نجاسة الميتة مما لا نفس له كموثقة عمار الساباطي ، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما أشبه ذلك يموت في البئر والزيت والسمن وشبهه ، قال : كل ما ليس له دم فلا بأس » (2)والمراد بما ليس له دم هو ما لا نفس سائلة له ، وإلاّ فلمثل الذباب دم قطعاً. وتقريب الاستدلال بها أنها دلت بإطلاقها على عدم انفعال الماء وغيره من المائعات بموت ما لا نفس له فيه سواء تفسخ أم لم يتفسخ ، ومن الظاهر أنه على تقدير تفسخه تنتشر أجزاؤه في الماء ومنها ما في جوفه من البول والخرء مع أنه علیه السلام حكم بطهارة المائع مطلقاً ، هذا وفي الرواية الأُولى غنى وكفاية.
(1) هذا الذي أفاده قدس سره لا يوافق ذيل كلامه ، لأنه لا فرق فيما لاقاه
في ملاقاته فلا يحكم عليه بالنجاسة ، فلو خرج ماء الاحتقان ولم يعلم خلطه بالغائط ولا ملاقاته له لا يحكم بنجاسته.
الغائط في الباطن بين ما دخل من طريق الحلق كما في النوى ، وبين ما دخل الجوف من طريق آخر كشيشة الاحتقان. نعم ، يمكن أن يقال في الدود الخارج من الإنسان أنه كسائر الحيوانات إما لا يتنجس أصلاً أو إذا قلنا بتنجسه يطهر بزوال العين عنه كما في الدود الخارج من الخلاء إذا لم يكن عليه أثر من النجاسات ، وأمّا النوى وشيشة الاحتقان فلم يظهر لنا الفرق بينهما وتفصيل الكلام في المقام أن لملاقاة النجاسة في الباطن صوراً أربع :
الصورة الأُولى : أن يكون الملاقي والملاقى من الداخل بأن تلاقي النجاسة المتكونة في الباطن أحد الأجزاء الداخلية للإنسان أو الحيوان نظير الدم الملاقي لمحله والغائط المماس لمكانة. وملاقي النجاسة في هذه الصورة محكوم بالطهارة ، وذلك مضافاً إلى قصور ما دلّ على نجاسة الملاقي عن الشمول لهذه الصورة كما سيظهر وجهه ، يمكن أن يستدل عليها بما دلّ على طهارة البلل الخارج من فرج المرأة (1)فإنّه يلاقي مجرى البول والدم والمني ، فلو كانت ملاقاة شيء من ذلك موجبة لنجاسة مواضعها الداخلية لكان البلل الملاقي لتلك المواضع محكوماً بالنجاسة لا محالة. وبما دلّ على طهارة المذي وأخواته (2)فإنّه أيضاً يلاقي مواضع البول والمني. وبما دلّ على وجوب غسل الظاهر
1) كما في الصحيح عن إبراهيم بن أبي محمود قال : « سألت أبا الحسن الرضا علیه السلام عن المرأة وليها قميصها أو إزارها من بلل الفرج وهي جنب أتصلِّي فيه؟ قال : إذا اغتسلت صلّت فيهما ». وعن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه ، عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن رجل مسّ فرج امرأته ، قال : ليس عليه شيء وإن شاء غسل يده » الوسائل 3 : 498 / أبواب النجاسات ب 55 ح 1، 3 وغيرهما من الأخبار.
2) كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام قال : « سألته عن المذي يصيب الثوب؟ قال : ينضحه بالماء إن شاء » وعن أبي بصير قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن المذي يصيب الثوب؟ قال : ليس به بأس » الوسائل 3 : 426 / أبواب النجاسات ب 17 ح 1 ، 5 وغيرهما.
في الاستنجاء وفي غيره دون البواطن (1)مع ملاقاتها للغائط وغيره من النجاسات ، ولم تثبت ملازمة ولا ارتكاز عرفي بين نجاسة الدم والبول والغائط في الخارج ونجاستها في الجوف ، وحيث إن النجاسة تستفاد من الأمر بغسلها ، ولم يرد أمر بغسل البواطن فيستكشف من ذلك طهارتها. وعلى الجملة لا دليل على نجاسة البواطن بوجه ، أو إذا قلنا بنجاستها فلا مناص من الالتزام بطهارتها بمجرّد زوال عين النجس.
الصورة الثانية : أن تكون النجاسة خارجية وملاقيها من الأجزاء الداخلية كما إذا شرب مائعاً متنجساً أو نجساً كالخمر فإنّه يلاقي الفم والحلق وغيرهما من الأجزاء الداخلية ، وملاقي النجاسة في هذه الصورة أيضاً محكوم بالطهارة ، فإن الأجزاء الداخلية لا تتنجس بملاقاة النجس الخارجي ، وهذا من غير فرق بين أن تكون الأجزاء الداخلية محسوسة كداخل الفم والأنف والأُذن وغيرها أم لم تكن ، والسرّ في ذلك ما تقدم في الصورة الاولى من أنه لا دليل على نجاسة الأعضاء الداخلية بملاقاة النجس ، وعلى تقدير تسليمها لا مناص من الالتزام بطهارتها بمجرّد زوال العين عنها. هذا مضافاً إلى ما ورد من عدم نجاسة بصاق شارب الخمر (2)لأن الفم لو كان يتنجس بالخمر كان بصاق شارب الخمر نجساً لا محالة.
1) ففي الصحيح عن إبراهيم بن أبي محمود ، قال : « سمعت الرضا علیه السلام يقول : يستنجي ويغسل ما ظهر منه على الشرج ولا يدخل فيه الأنملة ». وعن عمار الساباطي قال : « سئل أبو عبد اللّه علیه السلام عن رجل يسيل من أنفه الدم ، هل عليه أن يغسل باطنه يعني جوف الأنف؟ فقال : إنما عليه أن يغسل ما ظهر منه » الوسائل 3 : 437 / أبواب النجاسات ب 24 ح 1 ، 5 وغيرهما.
2) كما رواه عبد الحميد بن أبي الديلم قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام رجل يشرب الخمر فيبصق فأصاب ثوبي من بصاقه؟ قال : ليس بشيء » ونظيرها رواية الحسن بن موسى الحناط. المرويتان في الوسائل 3 : 473 / أبواب النجاسات ب 39 ح 1 ، 2.
الصورة الثالثة : أن يكون الملاقي خارجاً والنجاسة باطنية كما في الأسنان الصناعية الملاقية للدم المتكون في الفم أو الإبرة النافذة في الجوف وشيشة الاحتقان والنوى الداخل فيه إلى غير ذلك من الأجسام الخارجية الملاقية لشيء من النجاسات المتكونة في الباطن ، وهذه الصورة على قسمين :
أحدهما : ما إذا كان الملاقي أعني النجاسة الداخلية كائنة في الجوف ، وغير محسوسة بإحدى الحواس كالنجاسة التي لاقاها النوى أو شيشة الاحتقان أو الإبرة وغيرها.
وثانيهما : ما إذا كان قابلاً للحس بإحدى الحواس كالدم المتكون في الفم أو في داخل الأنف وغيرهما.
أمّا القسم الأوّل : فلا إشكال في أن الجسم الخارجي الملاقي لشيء من النجاسات الداخلية طاهر ، لأنه لا دليل على نجاسة الدم في العروق أو البول والغائط في محلهما فضلاً عن أن يكون منجساً لملاقيه ، والأدلة الواردة في نجاسة الدم والبول والغائط مختصة بالدم الخارجي أو البول والغائط الخارجيين ، لأن أمره علیه السلام بغسل ما يصيبه البول من البدن والثياب (1)لا يشمل لغير البول الخارجي ، فإن البول في الداخل لا يصيب الثياب أو البدن.
وكذلك ما دلّ على نجاسة الدم (2)وكذا أمره علیه السلام بالغسل في الغائط الذي
1) كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام قال : « سألته عن البول يصيب الثوب قال : اغسله مرتين » ورواية البزنطي ، قال : « سألته عن البول يصيب الجسد قال : صب عليه الماء مرّتين » الوسائل 3 : 395 / أبواب النجاسات ب 1 ح 1 ، 7 وغيرهما من الأخبار.
2) كما في صحيحة زرارة ، قال : « قلت له : أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من مني فعلّمت أثره إلى أن أُصيب له الماء فأصبت وحضرت الصلاة ، ونسيت أن بثوبي شيئاً وصليت ثم إني ذكرت بعد ذلك قال : تعيد الصلاة وتغسله ... » المروية في الوسائل 3 : 479 / أبواب النجاسات ب 42 ح 2.
يطأه الرجل برجله (1)
وصحيحة زرارة بن أعين قال : « قلت لأبي جعفر 7 رجل وطأ على عذرة فساخت رجله فيها ، أينقض ذلك وضوءه؟ وهل يجب عليه غسلها؟ فقال : لا يغسلها إلاّ أن يقذرها ، ولكنه يمسحها حتى يذهب أثرها ويصلِّي » وصحيحة محمد بن مسلم ، قال : « كنت مع أبي جعفر 7 إذ مرّ على عذرة يابسة فوطأ عليها فأصابت ثوبه ، فقلت : جعلت فداك قد وطأت على عذرة فأصابت ثوبك ، فقال : أليس هي يابسة؟ فقلت : بلى ، قال لا بأس ، إن الأرض يطهّر بعضها بعضاً » الوسائل 3 : 458 / أبواب النجاسات ب 32 ح 7 ، 2 إلى غير ذلك من الأخبار.
أو المني الذي أصابه (2)يختص بالغائط والمني الخارجيين ، ولا يحتمل إرادة الغائط في الجوف لأنه لا معنى لوطئه بالرجل ، وكذا الحال في المني.وكيف كان فلم يقم دليل على وجوب الغسل بملاقاة النجاسة في الجوف. ويدلُّ على ما ذكرناه الأخبار الواردة في طهارة القيء (3)فإن ملاقاة النجس الداخلي لو كانت موجبة للنجاسة لم يكن وجه للحكم بطهارة القيء لاتصاله في المعدة بشيء من النجاسات لا محالة.
وأمّا القسم الثاني : فهو على عكس القسم الأول والملاقي فيه محكوم بالنجاسة لأن ما دلّ على نجاسة ملاقي الدم مثلاً يشمله لا محالة فيصح أن يقال إن إصبعه لاقى الدم في فمه أو الطعام لاقى الدم في حلقه.
الصورة الرابعة : أن يكون الملاقي والملاقى من الخارج بأن يكون الباطن ظرفاً
1) كما في رواية الحلبي عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في الرجل يطأ في العذرة أو البول أيعيد الوضوء؟ قال : لا ولكن يغسل ما أصابه » المروية في الوسائل 1 : 274 / أبواب نواقض الوضوء ب 10 ح 2.
2) صحيحة محمد بن مسلم في حديث « في المني يصيب الثوب؟ قال : إن عرفت مكانه فاغسله ، وإن خفي عليك فاغسله كلّه » وعن عنبسة بن مصعب قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن المني يصيب الثوب فلا يدري أين مكانه قال : يغسله كله ، وإن علم مكانه فليغسله » الوسائل 3 : 423 / أبواب النجاسات ب 16 ح 1 ، 3 وغيرهما من الأخبار.
3) في موثقة عمار قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل يتقيأ في ثوبه أيجوز أن يصلي فيه ولا يغسله؟ قال : لا بأس به » ونظيرها روايته الأُخرى المرويتان في الوسائل 3 : 488 / أبواب النجاسات ب 48 ح 1 ، 2.
[162] مسألة 2 : لا مانع من بيع البول والغائط من مأكول اللّحم (1).
لملاقاتهما كما إذا ابتلع درهماً وشرب مائعاً متنجساً فتلاقيا في جوفه ثم خرج الدرهم نقياً ، وفي هذه الصورة لا يمكن الحكم بطهارة الملاقي بوجه ، لأن ما دلّ على وجوب غسل ما أصابه الدم أو الخمر مثلاً يشمل الدرهم حقيقة لأنه جسم خارجي لاقى نجساً فينجس.
ولا يصغي إلى دعوى أن الملاقاة في الباطن غير مؤثرة ، لأن مواضع الملاقاة داخلة كانت أم خارجة مما لا مدخلية له في حصول النجاسة ولا في عدمه ، وإلاّ لانتقض بما إذا كانت إحدى أصابعه متنجسة ، وكانت الأُخرى طاهرة فادخلهما في فمه وتلاقيا هناك ثم أخرجهما بعد ذهاب عين النجس عن الإصبع المتنجس في فمه ، فان لازم عدم تأثير الملاقاة في البواطن عدم نجاسة الإصبع الملاقي للإصبع النجس في المثال ، وهو أمر لا يتفوّه به أحد فالحكم بطهارة الملاقي في هذه الصورة غلط ظاهر.
ومما يدلنا على ذلك مضافاً إلى ما تقدم موثقة عمار الآمرة بغسل كل ما أصابه الماء المتنجس (1)لأنها بعمومها تشمل الدرهم في مفروض الكلام لأنه مما لاقاه المائع المتنجس ولو في الجوف ، فلا مناص من الحكم بنجاسته.
(1) في المقام مسائل ثلاث :
الاولى : جواز بيع البول والغائط مما يؤكل لحمه.
الثانية : عدم جواز بيعهما إذا كانا من محرم الأكل.
الثالثة : جواز الانتفاع بهما ولو كانا مما لا يؤكل لحمه ، لعدم الملازمة بين حرمة بيعهما وضعاً وبين عدم جواز الانتفاع بهما.
أمّا المسألة الأُولى : فالمعروف بينهم جواز بيع البول والروث من كل حيوان محلل
1) الوسائل 1 : 142 / أبواب الماء المطلق ب 4 ح 1.
شرعاً ، بل ولا ينبغي الإشكال في صحة بيع الأرواث مما يؤكل لحمه للسيرة القطعية المتصلة بزمان المعصومين ( عليهم السلام ) الجارية على بذل المال بإزائها ، وعلى جواز الانتفاع بهما في الإحراق والتسميد وغير ذلك. فالإشكال ينحصر ببوله وقد عرفت أن المشهور جواز بيعه ، وربما يستشكل في ذلك بوجهين :
أحدهما : أن البيع زائداً على ما اعتبروه في صحته يشترط فيه أن يكون العوضان مالاً بأن يكونا مما يرغب فيه الناس نوعاً ، ويبذلون المال بإزائه ومن هنا عرّفه في المصباح المنير بمبادلة مال بمال (1)وحيث إن الأبوال مستقذرة لدى العرف وإن كانت طاهرة شرعاً ، فلا يرغب فيها العقلاء بنوعهم ولا يبذلون المال بإزائها والتداوي بها لبعض الأمراض لا يقتضي ماليتها ، إذ لا يبتلى به إلاّ القليل ، ومثله لا يقتضي المالية في المال.
ويرد على هذا الوجه أُمور :
الأوّل : أن صحة المعاملات لا تتوقف على مالية العوضين نوعاً والعقلاء والعرف شاهدان على هذا المدعى ، لصحة بيع ما لا مالية له نوعاً كما إذا أراد شراء خط والده مع فرض أنه رديء ولا يساوي عند العقلاء بشيء إلاّ أنه يبذل بإزائه المال بداعي أنه خط والده ، فالمالية النوعية غير معتبرة في صحة البيع بوجه ، وأمّا تعريف المصباح المنير فلا اعتبار له لأنه في مقام شرح الاسم وليس بصدد بيان ما يعتبر في ماهية البيع وحقيقته.
الثاني : هب أن المالية معتبرة في العوضين إلاّ أن ذلك لا يمنع عن جواز بيع الأبوال لغرض التداوي بها لبعض الأمراض ، فحكم الأبوال حكم سائر الأدوية التي لا يبتلى بها إلاّ في بعض الأوقات ، ومعه يبذل بإزائها الأموال للاتجار بها لا لأجل الحاجة إليها فهل ترى بطلان بيع الأدوية ممن لا يحتاج إليها بالفعل؟ فالمنع عن بيع الأبوال من جهة أن الحاجة إلى التداوي بها قليلة مما لا يصغي إليه.
الثالث : هب أنّا سلمنا كلا الأمرين ، وقلنا بعدم صحة بيع الأبوال المذكورة إلاّ أن
1) المصباح المنير 1 : 69.
في صدق عنوان التجارة عن تراض على معاملة الأبوال غنى وكفاية ، وبذلك يحكم بصحتها ، والتجارة أعم من البيع وغير مقيدة بالمالية في العوضين.
وثانيهما : ما ربما يوجد في بعض الكتب من قوله صلی اللّه علیه و آله : « إن اللّه إذا حرّم أكل شيء حرّم ثمنه » (1)
وفي السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 13 باب تحريم بيع ما يكون نجساً لا يحل أكله عن خالد الحذاء عن بركة أبي الوليد عن ابن عباس قال : رأيت رسول اللّه 6 جالساً عند الركن فرفع بصره إلى السماء فضحك وقال لعن اللّه اليهود « ثلاثاً » إن اللّه تعالى حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإن اللّه إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه.
ورواه أبو داود في السنن ج 3 ص 280 / 3488 من الطبعة الحديثة عن ابن عباس.
وفي المسند لأحمد بن حنبل ج 1 ص 293 عن خالد الحذاء عن بركة بن العريان المجاشعي قال : سمعت ابن عباس يحدث قال : قال رسول اللّه 6 لعن اللّه اليهود ... إلخ وليست فيها كلمة « ثلاثاً » وفي ص 247 بهذا السند عن ابن عباس قال كان رسول اللّه 6 قاعداً في المسجد مستقبلاً الحجر فنظر إلى السماء فضحك ثم قال لعن اللّه ... إلخ من دون لفظة « ثلاثاً ».
وأبوال الحيوانات مما يحرم أكله وعليه فبيع الأبوال باطل ، وهذه الرواية على تقدير ثبوتها كما تدل على بطلان بيع أبوال الحيوانات المحللة كذلك تدل على بطلان بيع أرواثها بملاك حرمة أكلها.والذي يسهل الخطب أن هذه الرواية لم تصل إلينا بطرقنا وإنما نقلت من طرق العامة فهي ساقطة عن الاعتبار بل وفي جوهر النقي في حاشية سنن البيهقي (2)أن عموم هذه الرواية متروك اتفاقاً. فاذا كان هذا حال الرواية عندهم فكيف يسوغ لنا العمل على طبقها.
1) المستدرك 13 : 73 / أبواب ما يكتسب به ب 6 ح 8 عن عوالي اللئالي عن النبي صلی اللّه علیه و آله قال : « لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها وإن اللّه إذا حرّم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه » ونقله عن دعائم الإسلام أيضاً باختلاف يسير.
2) سنن البيهقي ج 6 ص 13 في الهامش. قلت عموم هذا الحديث « مشيراً به إلى الحديث المتقدم نقله عن البيهقي » متروك اتفاقاً بجواز بيع الآدمي والحمار والسنور.
وأمّا بيعهما من غير المأكول فلا يجوز (1)(1)
المسألة الثانية : هذه هي المسألة الثانية من المسائل الثلاث ، والكلام فيها يقع في مقامين :
(1) أحدهما : في جواز بيع الأبوال مما لا يؤكل لحمه.
وثانيهما : في جواز بيع خرئه وإنما جعلناه مستقلا في البحث ، لورود نصوص في خصوص بيع العذرة.
أمّا المقام الأوّل : وهو البحث عن بيع أبوال ما لا يؤكل لحمه فالمشهور المعروف بين الأصحاب عدم جوازه ، وقد يدعى عليه الإجماع أيضاً إلاّ أن الصحيح هو الجواز كما ذكرناه في بيع أبوال ما يؤكل لحمه ، وذلك لضعف مستند المانعين فإنّهم استدلوا على حرمة بيعها بوجوه :
الأوّل : الإجماع كما مرّ ويدفعه : أن المحصل منه غير حاصل والمنقول منه ليس بحجة. على أنّا نحتمل أن يكون مدرك المجمعين أحد الوجوه الآتية ، ومعه لا يكون الإجماع تعبدياً فيسقط عن الاعتبار ، حيث إن اعتباره ليس لأجل دلالة الدليل على حجيته بل إنما يعتمد عليه لكشفه عن رأي المعصوم علیه السلام ومع احتمال استنادهم إلى مدرك آخر لا يبقى له كشف عن رأيه علیه السلام .
الثاني : ما تقدم في المسألة الاولى من حيث اعتبار المالية في العوضين ، والأبوال مما لا مالية له ، وقد تقدم الجواب عن ذلك مفصلاً وناقشنا فيه صغرى وكبرى فلا نعيد.
الثالث : رواية تحف العقول (2)الناهية عن بيع النجس في قوله : « أو شيء من وجوه النجس فهذا كلّه حرام ومحرم ... ».
ويدفعها أوّلاً : أن مؤلف كتاب تحف العقول وهو حسن بن علي بن شعبة وإن
كان فاضلاً ورعاً ممدوحاً غايته إلاّ أنه لم يسند رواياته في ذلك الكتاب فرواياته ساقطة عن الاعتبار لإرسالها.
وثانياً : أن الرواية إنما دلّت على عدم جواز بيع النجس معللة بحرمة الانتفاع منه حيث قال : « لأن ذلك كله منهي عن أكله وشربه ولبسه ... » ومقتضى هذا التعليل دوران حرمة بيع النجس مدار حرمة الانتفاع منه ، وبما أن الأبوال مما يجوز الانتفاع به في التسميد والتداوي واستخراج الغازات منها كما قيل وغير ذلك كما يأتي تحقيقه في المسألة الثالثة فلا مناص من الالتزام بجواز بيعها.
الرابع : ما رواه الشيخ في خلافه (1)والعلاّمة في بعض كتبه من قوله صلی اللّه علیه و آله « إن اللّه إذا حرّم شيئاً حرم ثمنه ». وحيث إن الأبوال محرّمة من جميع الجهات أو في أكثر منافعها بحيث يصح أن يقال إن اللّه حرّمها على وجه الإطلاق فيكون ثمنها أيضاً محرماً. وهذه الرواية وإن كانت موجودة في بعض كتب الشيخ والعلاّمة 0 إلاّ أنّا لم نقف على مأخذها بعد التتبع الكثير في كتب أحاديثنا ، ولا في كتب العامّة. نعم عثرنا عليها في مسند أحمد حيث نقلها في موضع من كتابه عن ابن عباس في ذيل رواية الشحوم (2). ولكن الظاهر أن الرواية غير ما نحن بصدده لاشتمالها على كلمة « أكل » إلاّ أنها سقطت فيما نقله أحمد في ذلك المورد لأنه بنفسه نقلها في مواضع اخرى (3)من كتابه بإضافة لفظة « أكل » وإن اللّه إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه. كما نقلها غيره كذلك (4)مع أن الراوي عن ابن عباس في جميعها بركة المكنّى بأبي الوليد والراوي عنه واحد وهو خالد.
1) الخلاف 3 : 184 / 308 ، وص 185 / 310.
2) مسند أحمد ج 1 ص 322 عن خالد عن بركة أبي الوليد عن ابن عباس أن النبي صلی اللّه علیه و آله قال : لعن اللّه اليهود حرم عليهم الشحوم فباعوها فأكلوا أثمانها وإن اللّه إذا حرم على قوم شيئاً حرم عليهم ثمنه.
3) كما قدّمنا نقله في تعليقه ص 396.
4) كما قدّمنا نقله عن سنن البيهقي ، وعن سنن أبي داود سليمان بن أشعث السجستاني في ص 396.
نعم ، نقل الرواية الدميري في حياة الحيوان (1)بإسقاط كلمة « أكل » وأسندها إلى أبي داود ولكنه أيضاً خطأ فإن الموجود منها في نفس سنن أبي داود (2)مشتمل على كلمة « أكل » وعلى هذا فالرواية المستدل بها في المقام مما لا مأخذ له فلا مانع من بيع أبوال ما لا يؤكل لحمه.
وأمّا المقام الثاني : وهو البحث عن بيع الخرء من حيوان لا يؤكل لحمه فقد ظهر الحال فيه من مطاوي ما ذكرناه في المقام الأول ، فإنّه لا ملازمة بين النجاسة وبين عدم جواز بيعها بل مقتضى القاعدة صحة بيع النجاسات لأنها مشمولة للإطلاقات وأمّا دعوى الإجماع على بطلان بيع الغائط أو غيره من النجاسات فقد عرفت ضعفها ، هذا كله حسبما تقتضيه القاعدة.
وأمّا بالنظر إلى الأخبار الواردة في المقام فقد وردت في بيع الغائط عدة روايات.
منها : رواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « ثمن العذرة من السحت » (3).
ومنها : ما عن دعائم الإسلام من أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله نهى عن بيع العذرة (4)وظاهر النهي في باب المعاملات هو الإرشاد إلى بطلانها ، فمقتضى هاتين الروايتين بطلان بيع العذرة وفي قبالهما روايتان :
إحداهما : عن محمد بن مضارب عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « لا بأس ببيع
1) قال عند نقل استدلالهم على بطلان بيع ذرق الحمام وسرجين البهائم المأكولة وغيرها وحرمة ثمنه ما هذا نصه : واحتج أصحابنا بحديث ابن عباس ( رضي اللّه عنهما ) أن النبي صلی اللّه علیه و آله قال : « إن اللّه تعالى إذا حرم على قوم شيئاً حرم عليهم ثمنه » وهو حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح وهو عام إلاّ ما خرج بدليل كالحمار ، حياة الحيوان 1 : 374.
2) كما قدّمنا نقله في ص 396.
3) الوسائل 17 : 175 / أبواب ما يكتسب به ب 40 ح 1.
4) دعائم الإسلام 2 : 18 / 22.
العذرة » (1)وفي بعض نسخ المكاسب وتعليقاته محمد بن مصادف بدل مضارب وهو غلط.
وثانيتهما : عن سماعة قال : « سأل رجل أبا عبد اللّه علیه السلام وأنا حاضر فقال : إني رجل أبيع العذرة فما تقول؟ قال : حرام بيعها وثمنها وقال : لا بأس ببيع العذرة » (2). واختلفت الأنظار في الجمع بينهما ، وقد ذكروا في ذلك وجوهاً لا طائل تحتها ، ولا ترجع إلى محصل سوى ما ذكره الفاضل السبزواري قدس سره من حمل أخبار المنع على الكراهة (3). وتفصيل الكلام في ذلك :
أن رواية يعقوب بن شعيب ضعيفة بعلي بن مسكين أو سكن لأنه مجهول ، ورواية الدعائم لا اعتبار بها لإرسالها. ودعوى انجبارها بعمل الأصحاب مندفعة : بأن المشهور لم يعملوا بهاتين الروايتين ، لأنهم ذهبوا إلى بطلان بيع مطلق النجاسات بل المتنجسات أيضاً إلاّ في موارد معينة ، فلا محالة اعتمدوا في ذلك على مدرك آخر دونهما لأن مدلول الروايتين بطلان البيع في خصوص العذرة دون مطلق النجس. هذا مضافاً إلى أن عمل المشهور على طبق رواية ضعيفة لا يكون جابراً لضعفها على ما مرّ منّا غير مرّة ، فروايتا المنع ساقطتان.
وأمّا رواية محمّد بن مضارب فهي من حيث السند تامّة (4)ودلالتها على جواز بيع العذرة ظاهرة.
وأمّا رواية سماعة فإن قلنا إنها رواية واحدة فلا محالة تسقط عن الاعتبار لتنافي صدرها لذيلها فتكون مجملة ، وأمّا إذا قلنا بأنها روايتان وقد جمعهما الراوي في الرواية
1) الوسائل 17 : 175 / أبواب ما يكتسب به ب 40 ح 3 ، 2.
2) الوسائل 17 : 175 / أبواب ما يكتسب به ب 40 ح 3 ، 2.
3) كفاية الأحكام : 84.
4) وهذا لا لما قد يتوهّم من أنها حسنة نظراً إلى رواية بعض الثقات عنه أو ما روي من لطف الصادق علیه السلام في حقه وكونه مورداً لعنايته ، لأن شيئاً من ذلك لا يدرجه في الحسان بل لوقوعه في أسانيد كامل الزيارات فإنّه يكفي في الحكم بوثاقته عند سيدنا الأُستاذ ( مدّ ظلّه ).
فتكون الجملتان من قبيل الخبرين المتعارضين.
ويؤيد تعدّدها قوله : « وقال لا بأس ... » لأنها لو كانت رواية واحدة لم يكن وجه لقوله وقال ، بل الصحيح أن يقول حينئذ حرام بيعها وثمنها ولا بأس ببيع العذرة ويؤكده أيضاً الإتيان بالاسم الظاهر في قوله : « لا بأس ببيع العذرة » فإنّها لو كانت رواية واحدة لكان الأنسب أن يأتي بالمضمر بدلاً عن الاسم الظاهر بأن يقول لا بأس ببيعها ، وكيف كان فالظاهر أنها روايتان متعارضتان ومقتضى الجمع العرفي بينهما حمل المنع على الكراهة بإرادة المكروه من كلمة الحرام بقرينة قوله لا بأس ببيع العذرة كما هو الحال في كل مورد تعارض فيه كلمة الحرام ونفي البأس ، فإنّهم يجعلون الثاني قرينة على إرادة الكراهة من الحرام ، كما ذهب إليه السبزواري قدس سره ، هذا كلّه مع قطع النظر عن رواية يعقوب بن شعيب. وأمّا إذا اعتمدنا عليها فالأمر أيضاً كما عرفت فنحمل كلمة السحت أو الحرام على الكراهة بقرينة نفي رواية الجواز.
إلاّ أن شيخنا الأنصاري قدس سره استبعد حمل السحت على الكراهة (1)ولعلّه من جهة أن السحت بمعنى الحرام الشديد ، ولكن الأمر ليس كما أُفيد ، لأن السحت قد استعمل بمعنى الكراهة في عدة روايات :
منها : ما ورد من أن ثمن جلود السباع سحت (2).
ومنها : ما دلّ على أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن من السحت (3).
1) المكاسب 1 : 24.
2) المستدرك 13 : 120 / أبواب ما يكتسب به ب 31 ح 2 عن دعائم الإسلام عن علي علیه السلام أنه قال : « من السحت ثمن جلود السباع ». وفي المصدر السابق ص 106 ب 22 ح 3 عن الجعفريات عن علي علیه السلام قال : « من السحت ثمن الميتة إلى أن قال : ثمن القرد وجلود السباع ».
3) المستدرك 13 : 116 / أبواب ما يكتسب به ب 26 ح 2 عن ابن عباس في قوله تعالى ( أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ ) قال : اجرة المعلمين الذين يشارطون في تعليم القرآن وفي ص 117 ح 5 عن الجعفريات عن عليّ علیه السلام قال : « من السحت ثمن الميتة إلى أن قال وأجر القارئ الذي لا يقرأ القرآن إلاّ بأجر ».
ومنها : ما ورد من أن ما يأخذه الحجام مع المشارطة سحت (1)وقد حملوه على الكراهة الشديدة لمعارضتها بما دلّ على الجواز (2)بل وفي لسان العرب انّ السحت يستعمل في الحرام تارة ويستعمل في المكروه اخرى (3)، ومع ورود استعمال السحت بمعنى الكراهة في الأخبار ، وتصريح أهل اللغة بصحته لا محذور في حمله على الكراهة الشديدة في المقام.
هذا ثم لو سلمنا عدم إمكان الجمع العرفي بينهما فلا بدّ من الرجوع إلى المرجحات والترجيح مع الروايات الدالة على الجواز لأنها مخالفة للعامة ، كما أن ما دلّ على عدم جوازه موافق معهم لذهابهم قاطبة إلى بطلان بيع النجس (4)، وما نسبه العلاّمة قدس سره إلى أبي حنيفة من ذهابه إلى جواز بيع الغائط (5)على خلاف الواقع ، لأن بطلان بيع النجاسات إجماعي بينهم. بل يمكن ترجيح المجوّزة من جهة موافقتها للكتاب لأنها موافقة لعمومات حل البيع والتجارة عن تراض ، ومع التنزل عن ذلك
1) المستدرك 13 : 74 / أبواب ما يكتسب به ب 8 ح 1 عن الجعفريات عن علي علیه السلام أنه قال : « من السحت كسب الحجام » وعن العياشي عن الصادق والكاظم علیهماالسلام انّهما قالا : « إن السحت أنواع كثيرة منها كسب الحجام ».
2) الوسائل 17 : 104 / أبواب ما يكتسب به ب 9 ح 1 ، 4 وغيرهما.
3) لسان العرب 2 : 41.
4) ففي الوجيز للغزالي ج 1 ص 80 لا يجوز بيع الأعيان النجسة. وفي تحفة المحتاج لابن حجر الشافعي ج 2 ص 8 يشترط في المبيع طهارة عينه فلا يجوز بيع سائر نجس العين كالخمر والميتة والخنزير ولا يجوز بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره بالغسل كالخل واللبن والدهن في الأصح. وفي بداية المجتهد لابن رشد المالكي ج 2 ص 136 الأصل في تحريم بيع النجاسات حديث جابر عنه صلی اللّه علیه و آله إن اللّه حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. وفي المغني لابن قدامة الحنبلي ج 4 ص 302 أنه لا يجوز بيع السرجين النجس وعليه مالك والشافعي وجوزه أبو حنيفة ، ولنا أنه مجمع على نجاسته فلم يجز بيعه كالميتة. ونقل في حياة الحيوان للدميري ص 220 - 221 عن أبي حنيفة القول بجواز بيع السرجين ثم أورد عليه بأنه نجس العين فلم يجز بيعه كالعذرة فإنّهم وافقونا على بطلان بيعها ...
5) المنتهي 2 : 1008 السطر 41.
نعم ، يجوز الانتفاع بهما في التسميد ونحوه (1).
أيضاً فلا مناص من تساقطهما ، ومعه يرجع إلى العموم الفوق أعني إطلاقات حل البيع والتجارة وهي مقتضية لجواز بيع العذرة.
فالمتحصل أن الأبوال والغائط مما لا يؤكل لحمه كالأبوال والغائط من الحيوانات المحللة فلا إشكال في جواز بيعهما.
(1) هذه هي المسألة الثالثة ، والمعروف فيها بين الأصحاب حرمة الانتفاع بالأعيان النجسة إلاّ في موارد استثنوها في كلماتهم ، ويظهر من ملاحظتها أن منعهم عن الانتفاع يشمل المتنجسات أيضاً كما في الدهن المتنجس حيث رخصوا في الانتفاع به بالاستصباح مطلقاً أو مقيداً بكونه تحت السماء كما اعتبره بعضهم. ولكن الأظهر وفاقاً لشيخنا الأنصاري قدس سره عدم حرمة الانتفاع بالمتنجسات ولا بالأعيان النجسة ، ولا ملازمة بين نجاسة الشيء وحرمة الانتفاع به (1).
أمّا في المتنجسات : فلأنه لم يدل دليل على حرمة الانتفاع بها ، وما استدلّ به على حرمة الانتفاع بالأعيان النجسة على تقدير تماميته يختص بها كقوله عزّ من قائل ( وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) (2)بدعوى أن المراد بالرجز هو الرجس وهو يشمل المتنجس أيضاً ، وإطلاق الأمر بهجره يقتضي الاجتناب عن مطلق الانتفاع به. والوجه في اختصاصه بالعين النجسة أن الرجس بمعنى الدنيء « پليد » وهو لا يطلق على النجس بالعرض كالفاكهة المتنجسة ، هذا.
والصحيح أنّ الآية أجنبيّة عن الدلالة على حرمة الانتفاع بشيء من الأعيان
[163] مسألة 3 : إذا لم يعلم كون حيوان معيّن أنه مأكول اللحم أو لا لا يحكم بنجاسة بوله وروثه (1).
النجسة أو المتنجسة ، وذلك لأن المراد بالرجز في الآية المباركة إنما هو الفعل القبيح أو أنه بمعنى العذاب ، لأن إسناد الأمر بالهجر إليه بأحد هذين المعنيين إسناد إلى ما هو له من غير حاجة فيه إلى إضمار وتقدير ، وهذا بخلاف ما إذا أُريد به الأعيان القذرة ، لأنه إسناد إلى غير ما هو له ويحتاج فيه إلى الإضمار ، هذا على أن هجر الشيء عبارة عن اجتناب ما يناسبه من الآثار الظاهرة فلا يعم مطلق الانتفاع به وتفصيل الكلام في الجواب عن الاستدلال بالآية المباركة موكول إلى محلّه (2).
وأمّا النجاسات : فهي أيضاً كالمتنجسات لم يقم دليل على حرمة الانتفاع بها إلاّ في موارد خاصة كما في الانتفاع بالميتة بأكلها ، وفي الخمر بشربه أو بغيره من الانتفاعات ، وأمّا حرمة الانتفاع من النجس بعنوان أنه نجس فلم تثبت بدليل ، ومعه يبقى تحت أصالة الحل لا محالة.
وأحسن ما يستدل به على حرمة الانتفاع بالأعيان النجسة رواية تحف العقول لاشتمالها على النهي عن بيع وجوه النجس معللاً بعدم جواز الانتفاع به (2) ويدفعه : أنها ضعيفة وغير قابلة للاعتماد. وقد يستدل على ذلك بغير ما ذكرناه من الوجوه إلاّ أنها ضعيفة لا ينبغي تضييع الوقت الثمين بالتصدي لنقلها ودفعها.
(1) الشك في ذلك تارة من جهة الشبهة الحكمية ، كما إذا ولد حيوان مما يؤكل لحمه
وما لا يؤكل ولم يشبه أحدهما ، وكما إذا شككنا في الأرنب مثلاً أنه يحل أكل لحمه أو يحرم. وأُخرى من جهة الشبهة الموضوعية ، كما إذا شككنا في أن الموجود في الخارج غنم أو قرد ولم يعلم حاله لظلمة ونحوها.
أمّا الشبهات الحكمية : فالمرجع فيها إنما هو قاعدة الطهارة في كل من البول والخرء ، لأن النجاسة إنما علقت على كون الحيوان محرم الأكل شرعاً ولم نحرزه في المقام ، ولذا نشك في طهارة بوله ونجاسته ومقتضى قاعدة الطهارة طهارة كل من بوله وخرئه. نعم ، إنما يحكم بذلك بعد الفحص عن تشخيص حال الحيوان من حيث حرمة أكل لحمه وإباحته كما هو الحال في جريان الأصل في جميع الشبهات الحكمية.
وأمّا الشبهات الموضوعية : فحالها حال الشبهات الحكمية ، فيرجع فيها أيضاً إلى قاعدة الطهارة من غير اشتراط ذلك بالفحص نظير غيرها من الشبهات الموضوعية.
وقد خالف في ذلك صاحب الجواهر قدس سره حيث احتمل عدم جواز الرجوع إلى أصالة الطهارة قبل الفحص والاختبار بدعوى : أن الاجتناب عن بول ما لا يؤكل لحمه يتوقّف على الاحتراز عن بول ما يشك في حلية أكله ، وذكر أن حال المقام حال الشك في القبلة أو الوقت أو غيرهما مما علق الشارع عليه أحكاماً ، فكما أن الرجوع فيهما إلى الأصل غير سائغ قبل الفحص فكذلك الحال في المقام. نعم ، لا مانع من الحكم بطهارة ملاقيه لاستصحاب طهارته ، وقال إن المسألة غير منقحة في كلماتهم (1).
ولكن الصحيح عدم اعتبار الفحص في المقام نظير غيره من الشبهات الموضوعية لإطلاق الدليل أعني قوله علیه السلام « كل شيء نظيف ... » (2)وأمّا القبلة والوقت وأمثالهما فقياس المقام بها قياس مع الفارق ، لأنها من قيود المأمور به والتكليف فيها معلوم ، والتردد في متعلقه فلا بدّ فيها من الاحتياط ، وأمّا النجاسة في مدفوعي ما لا يؤكل لحمه فهي حكم انحلالي ، ولكل فرد من أفرادهما حكم مستقل ، وهي كغيرها
من الأحكام الشرعية مجعولة على نحو القضايا الحقيقية التي مرجعها إلى قضايا شرطية مقدمها وجود موضوعاتها كالبول والخرء في المقام وتاليها ثبوت محمولاتها ، وعليه فاذا وجد في الخارج شيء وصدق عليه أنه بول ما لا يؤكل لحمه فيترتّب عليه حكمه.
وأمّا إذا شككنا في ذلك ولم ندر أنه بول ما لا يؤكل لحمه ، فلا محالة نشك في نجاسته وهو من الشك في أصل توجه التكليف بالاجتناب عنه ، وغير راجع إلى الشك في المكلف به مع العلم بالتكليف ، لأن العلم بالحكم في بقية الموارد لا ربط له بالحكم في مورد الشك ، فلا وجه معه للزوم الاحتياط قبل الفحص ، هذا.
وقد يورد على الحكم بطهارة مدفوعي الحيوان المشكوك حرمته بوجهين :
أحدهما : أن ذلك إنما يتم فيما إذا قيل بحلية أكل لحمه بأصالة الحلية لأنه حينئذٍ محلل الأكل ، ومدفوع الحيوانات المحللة طاهر ، ولا يوافق القول بحرمة أكله كما في المتن لأصالة عدم التذكية أو استصحاب حرمته حال الحياة ، لنجاسة مدفوع الحيوانات المحرمة فكيف يحكم بطهارة بوله وخرئه؟.
والجواب عن ذلك أن نجاسة البول والخرء إنما تترتب على الحرمة الثابتة على الحيوان في نفسه ، لا من جهة عدم وقوع التذكية عليه أو من جهة حرمة أكل الحيوان حال حياته ، والحرمة الثابتة بالأصل ليست من هذا القبيل ، لأنها إنما ثبتت للحيوان بلحاظ الشك في حليته وحرمته من جهة الشك في التذكية أو من جهة استصحاب الحرمة الثابتة حال حياة الحيوان ، وعلى كل حال فهي أجنبية عن الحرمة الثابتة للحيوان في ذاته ونفسه.
وثانيهما : أن الحكم بطهارة البول والخرء مما يشك في حليته إنما يتم فيما إذا لم يكن هناك ما يقتضي نجاسة مطلق البول ، وأمّا معه كقوله علیه السلام في السؤال عن بول أصاب بدنه أو ثيابه : « صبّ عليه الماء أو اغسله مرّتين » (1)وغيره مما دلّ على
1) كما في صحيحة محمّد بن مسلم ورواية ابن أبي نصر البزنطي المرويتين في الوسائل 3 : 395 / أبواب النجاسات ب 1 ح 1 ، 7 ، وغيرهما.
وإن كان لا يجوز أكل لحمه بمقتضى الأصل (1)(1).
نجاسة البول مطلقاً فلا يمكن الحكم بطهارتهما. وهذه المطلقات وإن كانت مخصّصة ببول ما يؤكل لحمه بلا خلاف ، والحيوان المشكوك إباحته من الشبهات المصداقية حينئذٍ ، إلاّ أن مقتضى استصحاب عدم كونه محلل الأكل على نحو العدم الأزلي أنه من الأفراد الباقية تحت العام ، لأن الخارج وهو الحيوان المحلّل أكله عنوان وجودي وهو قابل لإحراز عدمه بالاستصحاب الجاري في الأعدام الأزلية ، وبه يحكم بدخوله تحت العمومات ومقتضاها نجاسة بوله وخرئه كما مرّ.
ويردّه : أن جريان الاستصحاب بلحاظ مقام الجعل يختص بما إذا كان المشكوك فيه من الأحكام الإلزامية أو ما يرجع إليها لأنها هي التي يتعلق عليها الجعل المولوي ، وأمّا الأحكام الترخيصية كالإباحة والحلية فهي غير محتاجة إلى الجعل ، بل يكفي في ثبوتها عدم جعل الإلزام من الوجوب أو التحريم ، وعليه فاستصحاب العدم الأزلي لإثبات عدم حلية الحيوان غير جار في نفسه ، ولا يمكن معه إحراز كون الفرد المشتبه من الأفراد الباقية تحت العام ولا يجوز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية ولا مناص حينئذٍ من الرجوع إلى قاعدة الطهارة للشك في طهارة البول.
وعلى الجملة لا ملازمة بين القول بحرمة أكل الحيوان وبين القول بنجاسة بوله فيمكن الحكم بطهارة بوله مع الحكم بحرمة لحمه ، كما يمكن الحكم بحلية لحمه لأصالة الحلية ونحوها مع الحكم بنجاسة بوله بمقتضى العمومات المتقدمة مع قطع النظر عما ذكرناه في الجواب.
(1) الشك في حرمة الحيوان على تقدير ذبحه قد يكون من جهة الشبهة الحكمية
1) (*) لا أصل في المقام يقتضي الحرمة ، أمّا مع العلم بقبول الحيوان للتذكية فالأمر ظاهر ، وأمّا مع الشك فيه فلأن المرجع حينئذٍ هو عموم ما دلّ على قبول كل حيوان للتذكية إذا كانت الشبهة حكمية ، واستصحاب عدم كون الحيوان المشكوك فيه من العناوين الخارجة إذا كانت الشبهة موضوعية.
وقد يكون من جهة الشبهة الموضوعية ، وعلى كلا التقديرين فقد يعلم قبوله للتذكية وقد يشك في ذلك.
أمّا إذا كان الشك من جهة الشبهة الحكمية أو الموضوعية مع العلم بقبول الحيوان للتذكية كما إذا شككنا في حرمة لحم الأرنب أو شككنا في أن الحيوان شاة أو ذئب لظلمة ونحوها ، وكثيراً ما يتفق ذلك في الطيور لأنها قابلة للتذكية إلاّ أن بعضها محرم الأكل ، فقد ذهب جماعة من المحققين 5 إلى حرمة كل لحم يشك في حلية حيوانه ، وذلك للأصل الثانوي ، إلاّ أنّا لم نقف على وجهه. مع أن مقتضى أصالة الإباحة حليته كغيره مما يشك في حرمته ، وغاية الأمر أن يقال إن الحرمة بعد ذبحه هي التي يقتضيها استصحاب الحرمة الثابتة عليه قبل ذبحه ، إلاّ أنه مما لا يمكن المساعدة عليه.
أمّا أوّلاً : فلتوقفه على حرمة لحم الحيوان حال حياته ، ولم نعثر على دليل يدل عليها ، فان قوله تعالى ( إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ ) (1)ناظر إلى الحيوان الذي طرأ عليه الموت فإنّه على قسمين : قسم تقع عليه التذكية وهو حلال ، وقسم لا تقع عليه وهو حرام وأمّا أكله من دون أن يطرأ عليه الموت قبل ذلك كابتلاع السمكة الصغيرة أو غيرها حية مما يحل أكل لحمه فلا دلالة للآية المباركة على حرمته.
وأمّا حرمة القطعة المبانة من الحي فهي مستندة إلى كون القطعة المبانة ميتة ، وكلامنا في حرمة أكل الحيوان دون الميتة. وعلى الجملة لم تثبت حرمة أكل الحيوان قبل ذبحه حتى نستصحبها عند الشك بعد ذبحه ، هذا كله على مسلك القوم وأمّا على مسلكنا من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلهية فعدم إمكان إثبات حرمة الأكل بالاستصحاب بعد ذبح الحيوان أظهر.
وأمّا ثانياً : فلأن الحرمة على تقدير تسليمها حال الحياة إنما تثبت على الحيوان بعنوان عدم التذكية ، وبعد فرض وقوع التذكية عليه خارجاً وقابليته لها يتبدل عدم التذكية إلى التذكية ، ومع زوال عنوان عدم التذكية تنتفي حرمته لا محالة.
وأمّا ثالثاً : فلأن استصحاب حرمة الأكل على تقدير جريانه في نفسه محكوم
1) المائدة 5 : 3.
بالعمومات الواردة في حلية كل حيوان وقعت عليه التذكية إلاّ ما خرج بالدليل كما دلّ على حلية ما يتصيد من الحيوانات البرية والبحرية (1)وكقوله تعالى ( قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ... ) (2)فإن مقتضاهما حلية جميع الحيوانات بالتذكية إلاّ ما خرج بالدليل ، وبما أن الشبهة حكمية فلا بدّ فيها من التمسك بالعام ما لم يقم دليل على خلافه.
وعليه فالأصل العملي واللفظي يقتضيان حلية الحيوان المشكوك فيه عند العلم بقابليته للتذكية ، وهذا من غير فرق بين الشبهات الحكمية والشبهات الموضوعية. نعم ، تمتاز الثانية من الاولى في أن التمسك بالعمومات فيها إنما هو ببركة الاستصحاب الجاري في العدم الأزلي ، لأن أصالة العدم الأزلي تقتضي عدم كونه من الحيوانات الخارجة عن تحتها كالكلب والخنزير وأشباههما.
وأمّا إذا شككنا في حرمته وحليته مع الشك في قابليته للتذكية كما في المسوخ فهل تجري حينئذٍ أصالة عدم التذكية؟
التحقيق عدم جريانها من دون فرق في ذلك بين كون الشبهة حكمية وكونها موضوعية ، وذلك لأن التذكية إن قلنا بكونها عبارة عن الأفعال الخارجية الصادرة من الذابح من فري الأوداج الأربعة بالحديد كما هو المستفاد من قوله علیه السلام « بلى » في رواية علي بن أبي حمزة قال « سألت أبا عبد اللّه وأبا الحسن ( علیهماالسلام )
1) كصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر علیه السلام قال : « من جرح صيداً بسلاح وذكر اسم اللّه عليه ثم بقي ليلة أو ليلتين لم يأكل منه سبع وقد علم أن سلاحه هو الذي قتله فليأكل منه إن شاء » الحديث. وما عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال : « كل من الصيد ما قتل السيف والرمح والسهم » الحديث. المرويتين في الوسائل 23 : 362 / أبواب الصيد ب 16 ح 1، 2. وفي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال « سألته عن صيد الحيتان وإن لم يسم عليه قال : لا بأس به » المروية في الوسائل 23 : 385 / أبواب الصيد ب 33 ح 1.
2) الأنعام 6 : 145.
عن لباس الفراء والصلاة فيها؟ فقال : لا تصل فيها إلاّ فيما كان منه ذكيا ، قال قلت : أو ليس الذكي مما ذكي بالحديد؟ قال : بلى إذا كان مما يؤكل لحمه » (1)وقوله علیه السلام « ذكّاه الذبح أو لم يذكه » (2)في موثقة ابن بكير حيث أسند التذكية إلى الذابح فلا شكّ لنا في التذكية للعلم بوقوعها على الحيوان ، وإنما نشك في حليته فنرجع فيه إلى أصالة الحل.
وإن قلنا إن التذكية أمر بسيط أو أنها مركبة من الأُمور الخارجية ومن قابلية المحل ، فأصالة عدم تحقق التذكية وإن كانت جارية في نفسها إلاّ أنها محكومة بالعمومات الدالة على قابلية كل حيوان للتذكية ، ففي صحيحة علي بن يقطين قال : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن لباس الفراء والسمور والفنك والثعالب وجميع الجلود قال : لا بأس بذلك » (3)ومعنى نفي البأس في جميع الجلود أنه لا مانع من لبسها مطلقاً ولو في حال الصلاة ، فتدل بالدلالة الالتزامية على تذكيتها ، إذ لو لم تكن كذلك لم يجز لبسها إما مطلقاً لو قلنا بعدم جواز الانتفاع بالميتة كما يأتي عن قريب أو في خصوص حال الصلاة.
وعلى الجملة الجلود على قسمين : فمنها ما نقطع بعدم قبول حيوانه للتذكية وإن وقع عليه الذبح بجميع ما يعتبر فيه شرعاً كما في جلد الكلب والخنزير ، أو نقطع بعدم تذكيته وإن كان قابلاً لها ومنه ما يقطع من الحي ، ولا إشكال في خروج جميع ذلك عن عموم نفي البأس في الجلود ، وقسم نقطع بوقوع التذكية عليه مع الشك في قابليته لها وعموم نفي البأس في جميع الجلود يشمله وبه نحكم بقبول كل حيوان للتذكية إلاّ ما خرج بالدليل ، ومع هذا العموم لا مجال لاستصحاب عدم التذكية.
ثم على تقدير جريانه فهل يترتب عليه النجاسة أيضاً أو لا يترتب عليه غير آثار عدم التذكية؟ فيه بحث طويل تعرضنا له في المباحث الأُصولية ، وحاصله : أن النجاسة لم تترتّب في شيء من الأدلّة على عنوان غير المذكى وإنما هي مترتبة على عنوان الميتة ، وهي كما نصّ عليه في المصباح عنوان وجودي وهو غير عنوان عدم
وكذا إذا لم يعلم أن له دماً سائلاً أم لا ، كما أنه إذا شكّ في شيء أنه من فضلة حلال اللّحم أو حرامه ، أو شكّ في أنه من الحيوان الفلاني حتى يكون نجساً أو من الفلاني حتى يكون طاهراً كما إذا رأى شيئاً لا يدري أنه بعرة فأر أو بعرة خنفساء ففي جميع هذه الصور يبني على طهارته (1).
التذكية (1). نعم ، هما متلازمان إلاّ أن عنوان الميتة لا يثبت باستصحاب عدم التذكية فلا يترتب على استصحاب عدمها الحكم بالنجاسة بوجه. نعم ، يترتب عليه الآثار المترتبة على عنوان عدم التذكية من حرمة أكله وبطلان الصلاة فيه ، ومن ثمة حكمنا بطهارة الجلود المجلوبة من بلاد الكفر وكذا اللحوم المشكوكة من حيث التذكية.
(1) قد يفرض هذا فيما إذا دار أمر الفضلة بين حيوان له نفس سائلة كالفأرة وبين ما لا نفس له كالخنفساء ، وقد يفرض مع العلم بأنه من الحيوان المعين كالحية ولكن يشك في أن لها نفساً سائلة حيث ادعى بعضهم أن لها نفساً سائلة وأنكره بعض آخر والمرجع في كلا الفرضين هو قاعدة الطهارة.
وقد يتخيل أنه بناء على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية لا بدّ من الحكم بالنجاسة مع الشك ، لأن ما دلّ بعمومه على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه وخرئه وإن خصص بما لا نفس له ، إلاّ أن استصحاب العدم الأزلي يقتضي بقاء الحيوان المشكوك فيه تحت العام وبذلك يحكم بنجاسة بوله وخرئه.
ولكن هذا الكلام بمعزل عن التحقيق ، لأن حال الموضوع وإن صحّ تنقيحه بإجراء الاستصحاب في العدم الأزلي وكبرى ذلك مما لا إشكال فيه ، إلاّ أن التمسك به في المقام ينتج إحراز خروج الفرد المشكوك فيه عن العام لإبقائه تحته ، وذلك لأن الخارج عنوان عدمي أعني ما لا نفس له ، فاذا شككنا في أنه مما له نفس سائلة فمقتضى الأصل أنه مما لا نفس له ، ويحرز بذلك دخوله تحت الخاص ويحكم عليه بطهارة بوله وخرئه ، والتمسك باستصحاب العدم الأزلي إنما ينتج في جواز التمسك بالعام فيما إذا كان
1) المصباح المنير : 584.
[164] مسألة 4 : لا يحكم بنجاسة فضلة الحية لعدم العلم بأن دمها سائل نعم ، حكي عن بعض السادة أن دمها سائل ، ويمكن اختلاف الحيات في ذلك. وكذا لا يحكم بنجاسة فضلة التمساح ، للشك المذكور وإن حكي عن الشهيد رحمه اللّه أن جميع الحيوانات البحرية ليس لها دم سائل إلاّ التمساح لكنه غير معلوم ، والكلية المذكورة أيضاً غير معلومة (1).
الثالث : المني من كل حيوان له دم سائل حراماً كان أو حلالاً (1)، برياً أو بحرياً (2).
الخارج عن عمومه عنواناً وجودياً حتى يحرز عدمه بالاستصحاب.
(1) قد ظهر حكم هذه المسألة مما أسلفناه في المسألة المتقدمة فلا نعيد.
(2) يقع الكلام في هذه المسألة في مسائل أربع :
الأُولى : في نجاسة المني من الإنسان.
والثانية : في نجاسة المنيّ من الحيوانات التي لا يؤكل لحمها مما له نفس سائلة كالسباع.
والثالثة : في نجاسة المنيّ من الحيوانات المحللة التي لها نفس سائلة.
والرابعة : في مني ما لا نفس له محلّلاً كان أم محرّماً.
أمّا المسألة الاولى : فلا ينبغي الإشكال في نجاسة المني من الإنسان رجلاً كان أو امرأة ، بل نجاسته مما قامت عليه ضرورة الإسلام ولم يخالف فيه أحد من أصحابنا وتدل على ذلك صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام قال : « سألته عن المذي يصيب الثوب؟ فقال : ينضحه بالماء إن شاء وقال : في المني يصيب الثوب قال : إن عرفت مكانه فاغسله وإن خفي عليك فاغسله كلّه » (2)وبهذا المضمون غيرها من الروايات.
وفي قبالها جملة من الأخبار تقتضي طهارة المني :
منها : صحيحة زرارة قال : « سألته عن الرجل يجنب في ثوبه أيتجفف فيه من غسله؟ فقال : نعم لا بأس به إلاّ أن تكون النطفة فيه رطبة ، فإن كانت جافة فلا بأس » (1).
ومنها : موثقة زيد الشحام قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الثوب تكون فيه الجنابة فتصيبني السماء حتى يبتل عليّ ، قال : لا بأس » (2)ومنها غير ذلك من الأخبار التي ظاهرها طهارة المني.
ويمكن تأويلها على نحو لا تنافي الأخبار الدالة على نجاسته ولو على وجه بعيد فتحمل الرواية الأُولى على تجففه بالموضع الطاهر من الثوب ، والثانية على صورة زوال عين المني فيطهر الثوب باصابته المطر.
هذا على أنه يمكن حملهما على التقية ، لذهاب جماعة من العامة إلى طهارة المني إما مطلقاً كما ذهب إليه الشافعي (3)واستدل عليه بوجهين : أحدهما : ما رواه البيهقي عن النبي صلی اللّه علیه و آله من أنه قال : « لا بأس بالمني فإنّه من الإنسان بمنزلة البصاق والمخاط » وثانيهما : أن الحيوان من المني ولا إشكال في طهارته فكيف يزيد الفرع على أصله.
وإما في خصوص المني من الإنسان ومن سائر الحيوانات المحلّلة دون ما لا يؤكل لحمه كما التزم به الحنابلة واستدلوا عليها بما رووه عن عائشة « من أنها كانت تفرك المني من ثوب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ثم يذهب فيصلي فيه » (4)والشافعي وقرينه وإن كانا متأخرين عن عصر الصادق علیه السلام إلاّ أن مستندهما لعلّه كان شائعاً في ذلك العصر وكان العامل به كثيراً ، وبذلك صحّ حمل أخبار الطهارة على التقية. وكيف كان فهذه الأخبار مضافاً إلى معارضتها مع
الأخبار الكثيرة الواردة في نجاسة المني مخالفة لضرورة الإسلام ، ومعها لا يمكن الاعتماد عليها بوجه.
أمّا المسألة الثانية : فقد ادعي الإجماع على نجاسة المني من الحيوانات المحرمة التي لها نفس سائلة ، ويمكن أن يستدل عليها بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « ذكر المني وشدده وجعله أشد من البول ... » (1). فان الظاهر أن اللاّم في كل من المني والبول للجنس لبعد أن يكون للعهد الخارجي ، فتدل حينئذٍ على أن طبيعي المني أشد من طبيعي البول سواء أكانا من الإنسان أم من الحيوان ، وحيث إن بول الحيوانات المحرمة التي لها نفس سائلة نجس فلا محالة يحكم بنجاسة منيها لأنه أشد من بولها.
وملاحظة ذيل الصحيحة وإن كانت موجبة لصرفها إلى مني الإنسان حيث قال : « إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة ، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا اعادة عليك وكذلك البول » لأن ما يصيب ثوب المصلي من المني يبعد أن يكون من غيره من الحيوانات المحرمة ، إلاّ أن ذيلها مشتمل على حكم آخر غير الحكم الذي تكفله صدر الرواية فهو باق على عمومه ولا موجب لحملة على مني الإنسان.
ومن ذلك يظهر أنه لا وجه للاستدلال على نجاسة المني في هذه المسألة بالأخبار المتقدمة في المسألة الأُولى ، وذلك لانصرافها إلى مني الإنسان ، وبعد أن يصيب ثوب المصلي مني غيره من الحيوانات المحرمة ، بل نقل في الجواهر عن بعضهم أن الانصراف كالعيان (2)، وعليه ينحصر مدرك القول بنجاسة المني في هذه المسألة بما قدمناه من صحيحة محمد بن مسلم.
وأمّا المسألة الثالثة : أعني نجاسة المني من الحيوانات المحللة التي لها نفس سائلة
فلا دلالة في شيء من الأخبار على نجاسة المني في هذه المسألة ، أمّا الأخبار المتقدمة في المسألة الأُولى فلانصرافها إلى مني الإنسان كما مرّ ، وأمّا صحيحة محمد بن مسلم التي اعتمدنا عليها في المسألة الثانية ، فلاختصاصها بما إذا كان البول نجساً ، لأن معنى الأشدية أن المني يشترك مع البول في نجاسته إلاّ أن هذا أشدّ من ذاك ، وأبوال الحيوانات المحللة طاهرة فلا يكون المني منها نجساً.
وقد يتوهّم : أن الأشدية بلحاظ نجاسة المني منها مع طهارة أبوالها. ويندفع : بأن الأشدية لو كان هو ذلك لوجب أن يقول : نجاسة المني أوسع من نجاسة البول لاختصاصها بما لا يؤكل لحمه بخلاف نجاسة المني ، ولا يناسبه التعبير بالأشدية ، فان معناها كما عرفت هو اشتراك المني مع البول في نجاسته وكون أحدهما أشد من الثاني هذا.
ثم لو قلنا بشمول إطلاق الصحيحة للمقام أعني مني الحيوانات المحللة فتعارضها موثقتان :
إحداهما : موثقة عمار « كل ما أُكل لحمه لا بأس بما يخرج منه » (1)لأن إطلاقها يشمل المني أيضاً.
وثانيتهما : موثقة ابن بكير حيث ورد في ذيلها « فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شيء منه جائز » (2)وعموم كل شيء يشمل المني أيضاً وبعد تساقطهما يرجع إلى قاعدة الطهارة.
نعم ، قد استشكلنا سابقاً في الموثقة الأخيرة بأنها ناظرة إلى بيان صحة الصلاة في أجزاء ما يؤكل لحمه من ناحية عدم كونها مما لا يؤكل لحمه لا من سائر الجهات ، وإلاّ فعموم كل شيء شامل للدم أيضاً ، مع أن الصلاة فيه باطلة لنجاسته. نعم ، تصح فيه أيضاً من حيث عدم كونه من أجزاء ما لا يؤكل ، ولكن في الموثقة الاولى غنى وكفاية.
وأمّا المذي والوذي والودي فطاهر من كل حيوان إلاّ نجس العين (1)
فلو كنّا نحن وهذه الأخبار لحكمنا بطهارة المني في هذه المسألة إلاّ أن الإجماع القطعي قام على نجاسة المني من كل ما له نفس سائلة وإن كان محلل الأكل ، وهذا الإجماع يصير قرينة على التصرف في الموثقة بحملها على غير المني من البول والروث ونحوهما.
وأمّا المسألة الرابعة : فلم يقم على نجاسة المني مما لا نفس له دليل سواء كان محللاً أم محرماً ، وقد عرفت قصور الأدلة عن إثبات النجاسة في مني ما يؤكل لحمه إذا كان له نفس سائلة فضلاً عما لا نفس له ، مضافاً إلى ما ورد من أنه « لا يفسد الماء إلاّ ما كانت له نفس سائلة » (1)لأنها شاملة للمنيّ منه كما تشمل البول وغيره من أجزائه ، وبذلك نحكم بعدم نجاسة المني في الأسماك والحيات ونظائرهما.
تتميم : أن الفيومي في المصباح فسر المني بماء الرجل (2)، وفي القاموس فسره بماء كل من الرجل والمرأة (3)، ومن هنا توهّم بعضهم عدم شمول ما دلّ على نجاسة المني لمني غير الإنسان بدعوى قصور الأدلة عن إثبات نجاسته في نفسها إلاّ أن الظاهر أن تعريفهما من باب بيان أظهر الأفراد للقطع بعدم الفرق بين أفراده ، لأنه عبارة عن ماء دافق يخرج عند الشهوة على الأغلب وهذا لا فرق فيه بين الإنسان وغيره من الحيوانات ، فلا إجمال للفظ حتى يرجع فيه إلى تفسير اللغوي.
(1) أمّا المذي فقد ذهب العامة إلى نجاسته (4)حتى من يقول منهم بطهارة المني
1) وهو ما رواه حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه. المروية في الوسائل 3 : 464 / أبواب النجاسات ب 35 ح 2.
2) لاحظ المصباح المنير : 582.
3) القاموس 4 : 391.
4) أفتى فقهاء المذاهب الأربعة بنجاسة المذي الخارج من الإنسان كما في المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 47 وبدائع الصنائع للكاشاني الحنفي ج 1 ح ص 90 والمغني لابن قدامة الحنبلي ج 1 ص 731 ، وشرح صحيح الترمذي للقاضي ابن العربي المالكي ج 1 ص 176.
كالشافعية والحنابلة ، ولعمري إنه من عجائب الكلام فكيف يفتي بنجاسة المذي وطهارة المني؟ بل عن بعضهم نجاسة كل ما يخرج من الإنسان (1)حتى الدمعة إذا استندت إلى مرض لا ما استند إلى البكاء.
وأمّا عندنا فلم ينسب إلى أحد الخلاف في طهارته غير ابن الجنيد ، حيث ذهب إلى نجاسة المذي الخارج عقيب شهوة على ما حكي (2)، ولعلّه استند في ذلك إلى الأخبار إلاّ أن ما دلّ منها على نجاسة المذي مشتمل على قرائن تقتضي حملها على الاستحباب أو التقية.
فمنها : صحيحة محمد بن مسلم قال : « سألته عن المذي يصيب الثوب؟ فقال علیه السلام : ينضحه بالماء إن شاء ... » (3)وقرينة الاستحباب فيها ظاهرة.
ومنها : صحيحة الحسين بن أبي العلاء قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن المذي يصيب الثوب؟ قال : لا بأس به فلما رددنا عليه فقال : ينضحه بالماء » (4)وهي ظاهرة في طهارة المذي بحسب الحكم الواقعي إلاّ أنه أمره بالنضح لإصرار
السائل مماشاة مع المخالفين.
ومنها : صحيحة أُخرى لحسين بن أبي العلاء قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن المذي يصيب الثوب؟ قال علیه السلام إن عرفت مكانه فاغسله وإن كان خفي عليك مكانه فاغسل الثوب كلّه » (5)وهي محمولة على الاستحباب بقرينة روايته المتقدمة.
هذا مضافاً إلى الأخبار الصريحة الواردة في طهارة المذي (6)وما ورد في طهارة
1) الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 12 من الطبعة الاولى الحنفية قالوا : ان ما يسيل من البدن غير القيح والصديد ان كان لعلة ولو بلا ألم فنجس وإلاّ فطاهر وهذا يشمل النفط وهي القرحة التي امتلأت وحان قشرها وماء السرة وماء الاذن وماء العين ، فالماء الذي يخرج من العين المريضة نجس ولو خرج من غير ألم كالماء الذي يسيل بسبب الغرب وهو عرق في العين يوجب سيلان الدمع بلا ألم.
2) التذكرة 1 : 54.
3) المرويات في الوسائل 3 : 426 / أبواب النجاسات ب 17 ح 1 ، 2 ، 3.
4) المرويات في الوسائل 3 : 426 / أبواب النجاسات ب 17 ح 1 ، 2 ، 3.
5) المرويات في الوسائل 3 : 426 / أبواب النجاسات ب 17 ح 1 ، 2 ، 3.
6) ففي صحيحة بريد بن معاوية قال : « سألت أحدهما علیهماالسلام عن المذي فقال : لا ينقض الوضوء ولا يغسل منه ثوب ولا جسد إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق ». وفي صحيحة محمد بن مسلم ، قال : « سألت أبا جعفر علیه السلام عن المذي يسيل حتى يصيب الفخذ ، قال : لا يقطع صلاته ولا يغسله من فخذه ، إنه لم يخرج من مخرج المني ، إنما هو بمنزلة النخامة » وغيرهما من الأخبار المروية في الوسائل 1 : 276 / أبواب نواقض الوضوء ب 12 ح 1، 3. ومنها : صحيحة زرارة الآتية.
وكذا رطوبات الفرج (1)
البلل المشتبه الخارج بعد الاستبراء من البول أو المني (1)فإن المذي وأخواته أيضاً لو كانت نجسة لم يكن لطهارة البلل المشتبه وجه ، للعلم حينئذٍ بنجاستها على كل حال كان بولاً أو منياً أم كان مذياً أو شيئاً آخر من أخواته.
وأمّا الوذي والودي فلم يدل دليل على نجاستهما والأصل طهارتهما. بل ويمكن أن يستدل عليها بغير واحد من الأخبار.
منها : صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « إن سال من ذكرك شيء من مذي أو ودي ( وذي ) وأنت في الصلاة فلا تغسله ، ولا تقطع له الصلاة ولا تنقض له الوضوء وإن بلغ عقبيك ، فإنّما ذلك بمنزلة النخامة ، وكل شيء خرج منك بعد الوضوء ، فإنّه من الحبائل ، أو من البواسير ، وليس بشيء فلا تغسله من ثوبك إلاّ أن تقذره » (2).
نعم ، نسب إلى بعض العامّة وإن لم نقف عليه في كلماتهم نجاستهما كما التزموا بها في المذي بدعوى خروجها من مجرى النجاسة ويدفعه : أن البواطن لا دليل على تنجسها كما عرفته في محلّه.
(1) لصحيحة إبراهيم بن أبي محمود قال : « سألت أبا الحسن الرضا علیه السلام عن المرأة وليها ( عليها ) قميصها أو إزارها يصيبه من بلل الفرج وهي جنب ، أتصلِّي
والدبر (1) ما عدا البول والغائط.
الرابع : الميتة من كل ما له دم سائل حلالاً كان أو حراماً (2).
فيه؟ قال : إذا اغتسلت صلت فيهما » (1).
(1) وتدل عليه صحيحة زرارة المتقدمة.
(2) وهو مما لا إشكال فيه ، وقد وردت نجاستها في عدة روايات يمكن دعوى تواترها إجمالاً وإليك بعضها :
منها : ما ورد في السمن أو الزيت أو غيرهما تقع فيه الميتة أو تموت فيه الفأرة أو غيرها ، من الأمر بإهراقه أو الاستصباح به إذا كان مائعاً وإلقائه وما يليه إذا كان جامداً (2).
ومنها : ما ورد من الأمر بإعادة الوضوء وغسل الثوب فيما إذا توضأ من الماء القليل ثم وجد فيه ميتة (3).
ومنها : ما ورد في البئر من الأخبار الآمرة بنزحها لموت الفأرة أو الدجاجة
1) الوسائل 1 : 498 / أبواب النجاسات ب 55 ح 1.
2) ورد ذلك في عدّة كثيرة من الأخبار منها صحيحة زرارة أو حسنته عن الباقر علیه السلام قال : « إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه فان كان جامداً فألقها وما يليها وكل ما بقي ، وإن كان ذائباً فلا تأكله واستصبح به ، والزيت مثل ذلك ». ومنها غير ذلك من الأخبار المروية في الوسائل 24 : 194 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 43 ح 2. 3 ، وغيرهما. وكذا في الوسائل 17 : 97 / أبواب ما يكتسب به ب 6 ح 2. 2 ، 3.
3) كموثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه علیه السلام « عن رجل يجد في إنائه فأرة وقد توضأ من ذلك الإناء مراراً أو اغتسل منه أو غسل ثيابه وقد كانت الفأرة متسلخة ، فقال : إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ويعيد الوضوء والصلاة ... » المروية في الوسائل 1 : 142 / أبواب الماء المطلق ب 4 ح 1.
ونحوهما أو لوقوع الميتة فيها (1)فان النزح وإن لم يكن واجباً حينئذٍ لعدم نجاسة البئر بملاقاة النجس إلاّ أن نزح مائها ولو للاستحباب مستند إلى نجاسة ما وقع فيها من الميتة ، ومنها غير ذلك من الأخبار الكثيرة.
والإنصاف أنه لم ترد في شيء من أعيان النجاسات بمقدار ما ورد في نجاسة الميتة من الأخبار كما اعترف بذلك المحقق الهمداني قدس سره (2)ومن العجيب ما نسب إلى صاحب المعالم قدس سره من أن العمدة في نجاسة الميتة هو الإجماع وقصور الأخبار عن إثبات نجاستها (3)، وأعجب من ذلك ما حكي عن صاحب المدارك قدس سره (4)من المناقشة في نجاسة الميتة بدعوى انحصار مدرك القول بنجاستها في الإجماع ، واستظهر عدم تمامية الإجماع في المسألة ، وخروجاً عن وحشة التفرد فيما ذهب إليه نسب القول بطهارة الميتة إلى الصدوق قدس سره ، لأنه روى مرسلاً عن الصادق علیه السلام « أنه سئل عن جلود الميتة يجعل فيها اللّبن والماء والسمن ما ترى فيه؟ فقال : لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن وتتوضّأ منه وتشرب ، ولكن لا تصلّ فيها » (5)وقد التزم في أوائل كتابه أن لا يورد فيه إلاّ ما يفتي ويحكم بصحته ويعتقد أنه حجة فيما بينه وبين اللّه تعالت قدرته ، وبذلك صح إسناد القول بطهارة الميتة إليه ، وفيه :
أوّلاً : أن الدليل على نجاسة الميتة غير منحصر في الإجماع فإن الأخبار في نجاستها كثيرة بل متواترة.
1) كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام « عن البئر تقع فيها الميتة فقال : إن كان لها ريح نزح منها عشرون دلواً ... » المروية في الوسائل 1 : 195 / أبواب الماء المطلق ب 22 ح 1 وعن أبي بصير قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عما يقع في الآبار؟ فقال أمّا الفأرة وأشباهها فينزح منها سبع دلاء إلاّ أن يتغيّر الماء فينزح حتى يطيب ... » إلى غير ذلك من الأخبار المروية في الوسائل 1 : 185 / أبواب الماء المطلق ب 17 ح 11، 2 ، 3.
2) مصباح الفقيه ( الطهارة ) : 523 السطر 4.
3) المعالم ( فقه ) : 222.
4) المدارك 2 : 268.
5) الفقيه 1 : 9 / 15.
وثانياً : أن نجاسة البول مما لا مناقشة فيه عنده قدس سره وهي إنما استفيدت من الأمر بغسل ما أصابه ، ومعه فلما ذا لا يلتزم بنجاسة الميتة في المقام؟ وقد ورد في غير واحد من الأخبار الأمر بغسل ما أصابته الميتة برطوبة.
وأمّا ما نسبه إلى الصدوق قدس سره فالكلام فيه يقع في مقامين :
أحدهما : في صحة إسناد القول بالطهارة إلى الصدوق بمجرد نقله ما يقتضي بظاهره طهارة الميتة.
وثانيهما : في حجية تلك الرواية في حقنا ولو على تقدير عمله قدس سره بطبقها.
أمّا المقام الأوّل : فالصحيح عدم تمامية الإسناد ، لأن الصدوق وإن التزم بما نقلناه عنه في أوائل كتابه ، ويبعد عدوله عما بنى عليه إلاّ أن مقتضى ذلك أن تكون الرواية وغيرها مما نقله في كتابه رواية عدل معتبر عنده ، وأمّا الإفتاء على طبقها فلا ، لأنه يعتبر في الإفتاء ملاحظة معارضات الرواية ودفع المناقشات الواردة عليها ، وما رواه قدس سره معارض بغير واحد من الأخبار وكيف يفتي بكل ما رواه من الأخبار المتعارضة فهل يفتي بالمتناقضين. ولعلّه يرى طهارة الجلود بالدباغة كما هو أحد الأقوال فيها ، كما يحتمل أن تكون الجلود المسئول عنها في الرواية جلود ما لا نفس له وقد نقل أنها تستعمل في صنع ظروف السمن والماء ونحوهما ، ومع هذه الاحتمالات لا يمكن استكشاف عمله بالرواية وحكمه بطهارة الميتة.
وأمّا المقام الثاني : فحاصل الكلام فيه أن الرواية ضعيفة لإرسالها فلا يمكن أن يعتمد عليها بوجه وإن كانت معتبرة عند الصدوق قدس سره ولعلّ وجهه أن العدالة عنده قدس سره عبارة عن عدم ظهور الفسق ونحن لا نكتفي بذلك في حجية الأخبار ، بل نرى اعتبار توثيق الرواة. هذا مضافاً إلى أن الرواية شاذة في نفسها فلا يمكن العمل بها في مقابل الروايات المشهورة ، وعلى الجملة أن نجاسة الميتة مما لا يعتريه شك.
وكذا أجزاؤها المبانة منها وإن كانت صغاراً (1)،
(1) إن الميتة بعد ما أثبتنا نجاستها فتثبت النجاسة بالفهم العرفي على كل واحد من أجزائها وإن لم تصدق عليها عنوان الميتة عرفاً ، فيد الغنم وإن لم تكن غنماً وكذا غيرها من أجزائها إلاّ أن الدليل بعد ما دلّ على نجاسة الميتة فمعناه بحسب الفهم العرفي أن ما في ذلك الجسم محكوم بالنجاسة ، ولا دخالة للهيئة التركيبية في نجاستها. كما أن الأمر كذلك في غير الميتة أيضاً فإذا حكم الشارع بنجاسة الكلب وهو حي فلا يشك العرف في نجاسة كل ما له من الأجزاء ، فبنفس ذلك الدليل الذي دلّ على نجاسة الكلب تثبت نجاسة أجزائه أيضاً ، ولذا لا مناص من الحكم بنجاسة أجزاء الميتة كنفسها فاذا قطعنا حيواناً نصفين أو أربعة أجزاء مثلاً دفعة واحدة يحكم بنجاسة كلا النصفين أو الأجزاء لأنها ميتة.
ومن هنا يظهر أنه لا وجه لاستصحاب النجاسة في أجزاء الميتة.
أمّا أوّلاً : فلمكان الدليل الاجتهادي ، فإن نفس ذلك الدليل الذي دلّ على نجاسة الميتة يقتضي نجاسة أجزائها أيضاً من غير حاجة إلى استصحابها.
وأمّا ثانياً : فلأنه أخص من المدعى ، لاختصاصه بما إذا حصل الانفصال بعد الموت ، وأمّا إذا طرأ كل من الموت والانفصال دفعة واحدة كما إذا قطعنا الحيوان نصفين فأين هناك نجاسة سابقة ليمكن استصحابها. هذا على أن الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلهية غير جار لمعارضته باستصحاب عدم الجعل كما حققناه في محله.
وكيف كان فما حكي عن صاحب المدارك قدس سره من المناقشة في نجاسة أجزاء الميتة (1) مما لا وجه له.
1) المدارك 2 : 272.
عدا ما لا تحلّه الحياة منها كالصوف والشعر والوبر والعظم والقرن والمنقار والظفر والمخلب والريش والظلف والسن (1) والبيضة إذا اكتست القشر الأعلى (2).
(1) ما قدّمناه آنفاً من الوجه في نجاسة أجزاء الميتة وإن كان يقتضي نجاسة جميع أجزائها إلاّ أن النصوص الواردة في المقام قد دلت على استثناء ما لا تحلّه الحياة من أجزاء الميتة فلا يحكم عليها بالنجاسة ولا بغيرها من أحكام الميتة ، فيجوز الانتفاع بها على تقدير حرمة الانتفاع بالميتة.
ففي الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة ، إن الصوف ليس فيه روح » (1).
وفي رواية حسين بن زرارة قال : « كنت عند أبي عبد اللّه علیه السلام وأبي يسأله عن اللبن من الميتة ، والبيضة من الميتة ، وإنفحة الميتة؟ فقال : كل هذا ذكي » ، قال : يعني الكليني وزاد فيه علي بن عقبة وعلي بن الحسن بن رباط قال : « والشعر والصوف كلّه ذكي » (2)وفي رواية صفوان عن الحسين بن زرارة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « الشعر والصوف والريش وكل نابت لا يكون ميتاً ، قال : وسألته عن البيضة تخرج من بطن الدجاجة الميتة ، فقال : يأكلها » (3).
وفي صحيحة حريز قال قال أبو عبد اللّه علیه السلام لزرارة ومحمد بن مسلم : « اللّبن واللّبأ والبيضة والشعر والصوف والقرن والناب والحافر وكل شيء يفصل من الشاة والدابة فهو ذكي وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصلّ فيه » (4)إلى غير ذلك من الأخبار.
(2) اشترط الأصحاب ( قدس اللّه أسرارهم ) في الحكم بطهارة البيضة الخارجة
عن الميتة أن تكون مكتسية بالقشر الغليظ والكلام في ذلك يقع في مقامين :
أحدهما : فيما تقتضيه القاعدة.
وثانيهما : فيما تقتضيه الرواية الواردة في المقام.
أمّا المقام الأوّل : فالصحيح أنه لا فرق في طهارة البيضة بين صورتي اكتسائها القشر الأعلى وعدمه ، وذلك لقصور ما دلّ على نجاسة الميتة عن شمول بيضتها ، لأن أجزاء الميتة وإن كانت نجسة كنفسها إلاّ أن أدلة نجاستها غير شاملة لما هو خارج عن الميتة وإن كانت ظرفاً لوجوده من غير أن تتصل بشيء من أجزاء الميتة ، فالحكم بطهارة البيضة على وفق القاعدة في كلتا الصورتين.
هذا مضافاً إلى إطلاق نصوص الاستثناء لأنها دلت على استثناء البيضة من غير تقييدها بما إذا كانت مكتسية للقشر الغليظ.
وأمّا المقام الثاني : ففي موثقة غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في بيضة خرجت من است دجاجة ميتة قال علیه السلام إن كانت اكتست البيضة الجلد الغليظ فلا بأس بها » (1)وقد ضعفها صاحبا المدارك (2)والمعالم (3)وتبعهما غيرهما نظراً إلى أن غياث بن إبراهيم بتري ولم يزكّ بعدلين ، وهذه المناقشة إنما تتم على مسلكهما من عدم حجية غير الصحاح واعتبار تزكية الرواة بعدلين. وأمّا بناء على اعتبار خبر الثقة كما هو الصحيح فلا مجال للمناقشة في سندها لأنها موثقة وغياث بن إبراهيم وإن كان بترياً وهم طائفة من الزيدية إلاّ أن من المحتمل قوياً أن يكون ذلك غير غياث بن إبراهيم التميمي الواقع في سلسلة السند في المقام ، بل لو كان هو هذا بعينه أيضاً لم يكن يقدح في وثاقته. وأمّا محمد بن يحيى وهو الراوي عن غياث فهو أيضاً موثق وإن كان مردداً بين محمد بن يحيى الخزاز ومحمد بن يحيى الخثعمي إلاّ أنهما موثقان وأحمد بن محمد يروي عن كليهما.
سواء كانت من الحيوان الحلال أو الحرام (1)
وكيف كان فلا إشكال في سند الرواية ، وعلى هذا لا مناص من الالتزام بتقييد البيضة بما إذا اكتست القشر الأعلى ، إلاّ أن هذا بالإضافة إلى جواز أكلها لأن الرواية ناظرة إليه ومن هنا ذكروها في كتاب الأطعمة والأشربة ، وغير ناظرة إلى طهارتها فقد عرفت أن مقتضى القاعدة الأولية وإطلاقات الأخبار المتقدمة طهارة البيضة مطلقاً من غير تقييدها بشيء ، وحيث لا دليل على خلافها فلا يمكن تقييد البيضة باكتساء القشر الغليظ في الحكم بطهارتها.
نعم ، لا بدّ من تقييدها بذلك في الحكم بجواز أكلها ، وقد مرّ أن البيضة خارجة عن الميتة وأجزائها تخصصاً فهي محكومة بالطهارة بالذات ، ولا ينافي ذلك وجوب غسل ظاهرها لنجاستها العارضة بملاقاة الميتة مع الرطوبة.
(1) ذهب العلاّمة قدس سره إلى اشتراط حلية الحيوان في الحكم بطهارة بيضته مستنداً في ذلك إلى ورود جملة من الروايات في الدجاجة وهي مما يؤكل لحمه ، وإلى أن غيرها من المطلقات منصرفة إلى الحيوانات المحللة ، فإن ظاهرها هو السؤال عن جواز أكل البيضة ، ولا يجوز أكل شيء من أجزاء ما لا يؤكل لحمه (1).
هذا ولكن الصحيح أنه لا فرق في ذلك بين الحيوانات المحللة وغيرها لأن الأخبار المدعى انصرافها إلى الحيوانات المحلّلة أو التي وردت في مثل الدجاجة إنما وردت في جواز أكل البيضة ، ونحن لا نضايق القول باشتراط حلية الأكل في الحكم بجواز أكلها إلاّ أن هذا أجنبي عما نحن بصدده ، إذ الكلام في طهارة البيضة ، وقد عرفت أن الحكم بطهارتها لا يتوقّف على ورود رواية أصلاً لأنه على طبق القاعدة ، وليس مدركه هو الأخبار حتى يدعي أن ورودها في محلل الأكل يوجب تقييد الحكم بطهارة البيضة بما إذا كانت من الحيوان الحلال.
1) نهاية الأحكام 1 : 270 ، المنتهي 1 : 166.
وسواء أخذ ذلك بجز أو نتف أو غيرهما (1) نعم ، يجب غسل المنتوف من رطوبات
(1) نسب إلى الشيخ الطوسي قدس سره اعتبار الانفصال بالجز في الصوف والشعر والوبر والريش ونحوها ، وأنها إذا انفصلت بالنتف يحكم بنجاستها (1)والوجه في ذلك أحد أمرين :
أحدهما : أن الشعر والصوف وأمثالهما يستصحب عند انفصاله بالنتف جزءاً من أجزاء الميتة مما تحله الحياة ، وهو غير مستثنى عن نجاسة الميتة.
وثانيهما : رواية الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن علیه السلام قال : « كتبت إليه أسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ذكيا؟ فكتب علیه السلام لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب ، وكلما كان من السخال الصوف إن جز والشعر والوبر والإنفحة والقرن ولا يتعدى إلى غيرها إن شاء اللّه » (2)فإنّها قيدت الحكم في الصوف بما إذا انفصل بالجز. وفي كلا الوجهين ما لا يخفى.
أمّا الوجه الأول : فلأن استثناء الشعر والصوف ونحوهما يقتضي استثناء أصولهما المتصلة بهما أيضاً عند نتفهما ، إما لأنها كفروعها مما لا تحله الحياة ، وقد دلّت صحيحة الحلبي المتقدمة على استثناء ما لا روح فيه ، وأُصول الشعر والصوف وأخواتهما كذلك ، والتأذي بنتفها من جهة اتصالها بما له الحياة لا من جهة أنها مما تحلّه الحياة وإما لأجل الشك في حلول الحياة لها والشكّ في ذلك يكفي في الحكم بطهارتها.
وأمّا الوجه الثاني : فلأن غاية ما تقتضيه الرواية المذكورة إنما هو اشتراط الجز في خصوص الصوف في السخال ولا يمكن التعدي عنهما بوجه ، فالحكم بالاشتراط على وجه الإطلاق لا شاهد له ، هذا على أنها غير خالية عن القلق والاضطراب ، ومع ذلك كله اشترطت الجز في صوف السخال وهو بحيث إذا نتف ينفصل عما فوق الجلد
الميتة ويلحق بالمذكورات الإنفحة (1).
لدقته ولطافته ، ولم تشترط ذلك في الشعر الذي يستصحب شيئاً من أجزاء الحيوان عند انفصاله بالنتف.
مضافاً إلى ضعف سندها فهي غير قابلة للاعتماد. نعم ، يجب غسل ما ينفصل عن الميتة بالنتف ، لنجاسته العارضة باتصالها إلاّ أن النجاسة العرضية غير منافية لطهارته بالذات ، وإلى هذا أُشير في صحيحة حريز المتقدِّمة (1)في قوله علیه السلام « وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه ».
(1) بكسر الهمزة وفتح الفاء وقد تكسر وتشديد الحاء وتخفيفها وهي المعروف عند العامة بالمجبنة ويقال لها في الفارسية ( پنيرمايه ) ولا إشكال في طهارتها على ما دلّ عليه غير واحد من الأخبار. وإنما الكلام في موضوعها ومعناها فهل هي عبارة عن المظروف فحسب وهو المائع المتمايل إلى الصفرة يخرج من بطن الجدي حال ارتضاعه كما هو ظاهر جماعة ، أو أنها اسم لخصوص الظرف وهو الذي يتكوّن في الجدي حال ارتضاعه ويصير كرشاً بعد أكله العلف ، أو أنها اسم لمجموع الظرف والمظروف؟
تظهر ثمرة الخلاف في الحكم بطهارة كل من الظرف والمظروف على الاحتمالين الأخيرين. أمّا إذا كانت عبارة عن المجموع فلدلالة الأخبار الواردة في طهارة الإنفحة. وأمّا إذا كانت عبارة عن الظرف فقط فلأن المتكوّن في جوفها ليس من أجزاء الميتة ولا هو لاقى شيئاً نجساً فلما ذا يحكم بنجاسته. وهذا بخلاف ما إذا كانت عبارة عن المظروف فقط فإنّه لا يحكم حينئذٍ بطهارة ظرفها وجلدها. نعم ، الأخبار الواردة في طهارة الإنفحة تدل بالدلالة الالتزامية على طهارة السطح الداخل من الجلد أيضاً لاتصاله بالإنفحة ، كما يمكن أن نلتزم بنجاسة داخل الجلد أيضاً ولا نقول
1) في ص 423.
بنجاسة ملاقيه بمقتضى ما دلّ على طهارة المظروف.
ودعوى : أنّا لا نحتاج في إثبات طهارة المائع المظروف إلى التشبث بالأخبار ، لأنه أمر خارج عن الميتة وحاله حال البيضة فيحكم بطهارته حيث لا موجب لنجاسته.
مدفوعة : بأن الأمر وإن كان كما ذكر إلاّ أن قياس المقام بالبيضة قياس مع الفارق فان المظروف من قبيل المائعات ولو لا دلالة الروايات على طهارة ما يلاصقه من الجلد بالالتزام لتنجس بملاقاة الظرف لا محالة ، لأنه من أجزاء الميتة وهي نجسة بالذات ومع نجاسة المظروف لا يمكن الانتفاع به في شيء ، مع أن الروايات الواردة في المقام بظاهرها بل بصراحة بعضها (1)دلّت على أن الحكم بطهارة الإنفحة إنما هو لأجل أن ينتفع بها في الجبن.
هذا والصحيح في المقام أن يقال : إنه لا يسعنا تحقيق مفهوم اللفظة المذكورة إلاّ على سبيل الظن والتخمين ، ونظن أنها اسم لمجموع الظرف والمظروف ، لأنها لو لم تكن موضوعة بإزائهما وقلنا باختصاصها للمظروف فحسب ، فما هو اللفظ الذي وضع في لغة العرب بإزاء ظرفه؟ ومن البعيد جدّاً أن لا يكون للظرف في لغة العرب اسم موضوع عليه.
وكيف كان إذا لم ندر بما وضعت عليه لفظة الإنفحة وشككنا في حكمها ، فلا مناص من الأخذ بالمقدار المتيقن منها وهو المظروف وما يلاصقه من داخل الجلدة فحسب دون خارجها وهو مشمول لأدلة نجاسة الميتة وأجزائها. والاستدلال على طهارة الجلد بقاعدة الطهارة من غرائب الكلام لأنه مع دلالة الدليل الاجتهادي على نجاسة الجلد لا يبقى مجال للتشبث بالأصل العملي.
ومما ذكرناه في المقام يظهر اختصاص هذا الحكم بانفحة الحيوانات المحلّلة الأكل ، لأن الروايات بين ما ورد في خصوص ذلك وبين ما هو منصرف إليه ، وأمّا ما لا يؤكل لحمه كانفحة الذئب ونحوه فلا دليل على طهارتها فلا محالة تبقى تحت عمومات نجاسة الميتة ، وبذلك يحكم بنجاسة مظروفها لأنه وإن كان خارجاً عن الميتة وأجزائها إلاّ أنه مائع قد لاقى الميتة فلا محالة يتنجس بها.
1) وهي رواية أبي حمزة الثمالي المرويّة في الوسائل 24 : 179 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 33 ح 1.
وكذا اللّبن في الضرع (1) ولا ينجس بملاقاة الضرع النجس ، لكن الأحوط في اللّبن الاجتناب ، اللّبن في الضرع :
(1) لدلالة جملة من الأخبار المعتبرة على ذلك ، كما دلت بدلالتها الالتزامية على طهارة داخل الضرع أيضاً لملاصقته اللبن أو أنه نجس ولكنه غير منجس لملاقيه ، وقد ذهب إلى طهارة اللبن الشيخ (1)والشهيد (2)وصاحب الغنية (3)والصدوق (4)وغيرهم من الأعلام ( قدس اللّه أسرارهم ) بل ادعى الشهيد قدس سره ندرة القول بالنجاسة. وعن الخلاف الإجماع على طهارته (5)وذهب جماعة آخرون ومنهم العلاّمة (6)والمحقق (7)وابن إدريس (8)قدس سرهم إلى نجاسته.
والذي يمكن أن يستدل لهم به وجوه ثلاثة :
أحدها : أن نجاسة اللبن هي التي تقتضيه القاعدة أعني منجسية النجس لملاقيه وحيث إن اللبن لاقى الضرع وهو من أجزاء الميتة فيتنجس لا محالة.
وثانيها : رواية وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه علیه السلام « إن علياً سئل عن شاة ماتت فحلب منها لبن؟ فقال علي علیه السلام : ذلك الحرام محضاً » (9).
وثالثها : رواية الجرجاني المتقدمة التي دلت على حصر المستثنيات في خمسة وهي
الصوف من السخال إن جز والشعر والوبر والإنفحة والقرن وقال في ذيلها ولا يتعدّى إلى غيرها إن شاء اللّه. ومن الظاهر أن اللبن غير الخمسة المذكورة في الرواية. وهذه الوجوه بأجمعها ضعيفة.
أمّا الوجه الأول : فلأن قاعدة منجسية النجس ليست من القواعد العقلية غير القابلة للتخصيص ، وإنما هي من القواعد التعبدية وهي غير آبية عن التخصيص كما خصصناها في غير اللبن ، فاذا وردت رواية صحيحة على طهارة اللبن فلا محالة تكون موجبة لتخصيصها وليس في ذلك أي محذور.
وأمّا الوجه الثاني : فلأن الرواية ضعيفة جدّاً فان وهب بن وهب عامي وآية في الكذب بل قيل إنه أكذب البرية فلا يعتمد على روايته أو تحمل على التقية على تقدير صدورها لذهاب أكثر العامة إلى نجاسة اللبن والإنفحة وغيرهما مما يخرج من الميتة (1).
وأمّا الوجه الثالث : فلأنها ليست إلاّ رواية مطلقة فنقيدها بغير اللبن كما قيدناها بما دلّ على طهارة بقية المستثنيات. هذا على أنها أيضاً غير منقحة سنداً بل ومضطربة متناً ، وعليه فالقول بطهارة اللبن هو الأقوى.
والعجب من شيخنا الأنصاري قدس سره حيث إنه بعد ما استدلّ على طهارة اللّبن بما يقرب مما قدمناه آنفاً استقرب القول بنجاسة اللبن وقواه وحاصل ما أفاده في وجهه : أن رواية وهب وإن كانت ضعيفة إلاّ أنها منجبرة بمطابقتها للقاعدة المتسالم عليها أعني منجسية النجس وموافقة القاعدة جابرة لضعفها. وأمّا الروايات الواردة في طهارة اللبن وإن كانت بين صحيحة وموثقة إلاّ أنها مخالفة للقاعدة ، وطرح الأخبار الصحيحة المخالفة لأُصول المذهب وقواعده غير عزيز ، إلاّ أن تعضد بفتوى الأصحاب كما في الإنفحة أو بشهرة عظيمة توجب شذوذ المخالف ، وليس شيء من
1) كالحنابلة والشافعية والمالكية حيث ذهبوا إلى نجاسة كل ما يخرج من الميتة سوى البيض فإن الأولين ذهبا إلى طهارته على تفصيل في ذلك ، وأمّا الحنفية فقد ذهبوا إلى طهارة كل ما يخرج من الميتة من لبن وانفحة وغيرهما مما كان طاهراً حال الحياة راجع ج 1 من الفقه على المذاهب الأربعة ص 11 - 15.
خصوصاً إذا كان (1)من غير مأكول اللحم (1)
ذلك متحقِّقاً في المقام فالعمل على رواية وهب هو المتعين (2).
وهذا من غرائب ما صدر منه قدس سره لأن الرواية الضعيفة وإن قيل بانجبارها بعمل الأصحاب نظراً إلى أنهم أهل الخبرة والاطلاع ، فعملهم برواية يكشف عن وجود قرينة معها لم تصل إلينا وهي التي دلتهم على صحتها ، إلاّ أن انجبار ضعف الرواية بمطابقتها للقواعد التي ليست إلاّ عبارة عن العموم أو الإطلاق مما لم يقل به أحد ولم يعده هو قدس سره من موجبات الانجبار في محلّه. نعم ، العموم أو الإطلاق في نفسه أمر معتبر إلاّ أن الاعتبار أمر وانجبار ضعف الرواية به أمر آخر.
كما أن دعوى عدم العمل بالروايات الصحيحة المخالفة للقواعد ما لم تعتضد بعمل الأصحاب مما لا يمكن المساعدة عليه ، فان كسر الرواية الصحيحة بإعراض الأصحاب وإن كان مورد الخلاف بينهم إلاّ أن كسرها بمخالفة القاعدة مما لا نرى له وجهاً ، وليست الروايات الواردة في المقام معرضاً عنها عندهم كيف وقد اعتمد عليها جماعة من الأصحاب ، حيث ذهب أكثرهم إلى طهارة اللّبن حتى اعترض الآبي في كشف الرموز على دعوى ابن إدريس أن النجاسة مذهب المحصلين بأن الشيخين مخالفان والمرتضى واتباعه غير ناطقين فما أعرف من بقي معه من المحصلين (3).
وعلى الجملة الرواية إذا كانت معتبرة في نفسها ولم تكن معرضاً عنها عندهم فلا يضرها مخالفتها العموم أو الإطلاق ، بل القاعدة تقتضي أن تكون الرواية مخصصة للعموم أو مقيدة للإطلاق وتخصيص العمومات بالروايات غير عزيز ، فالإنصاف أن روايات الطهارة مما لا غبار عليه ولا وجه للقول بنجاسته.
(1) وهل تختص طهارة اللبن بما إذا كان من الحيوانات المحللة؟
ولا بدّ من غسل ظاهر الإنفحة الملاقي للميتة (1) هذا في ميتة غير نجس العين وأمّا فيها فلا يستثني شيء (2).
قد يقال إن اللبن كالبيضة فكما أن طهارتها غير مختصة بما إذا كانت من الحيوانات المحللة فكذلك الحال في اللبن. ولكن الظاهر أن اللبن كالإنفحة وتنحصر طهارته بما إذا كان من الحيوانات المحللة ، ولا يمكن قياسه بالبيضة لأنها كما مرّ خارجة من أجزاء الميتة وأدلة نجاستها لا تشمل البيضة من الابتداء ، وهذا بخلاف اللّبن لأنّه وإن كان أيضاً خارجاً من الميتة إلاّ أنه لا محالة يتنجس بملاقاة أجزائها لميعانه كالإنفحة إلاّ فيما دلت الرواية على طهارة اللبن ، فإنّها بالدلالة الالتزامية تدل على عدم منجسية ما يلاقيه من النجس أو على عدم نجاسته ، والرواية إنما دلت على طهارته فيما يؤكل لحمه كالشاة. وأمّا إطلاق بعض الأخبار فهو منصرف إلى الحيوانات المحللة ، لأنها ناظرة إلى الانتفاع بمثل اللبن والإنفحة مطلقاً كما هو قوله علیه السلام « لا بأس به » ولو من حيث أكله لأنه المنفعة الظاهرة منهما دون بقية الانتفاعات وهو إنما يسوغ في الحيوان الحلال.
(1) ظاهره أن الإنفحة عنده قدس سره اسم لمجموع الظرف والمظروف وقد عرفت أنه المظنون وعليه لا بدّ من غسل ظاهرها لنجاستها العرضية الحاصلة من ملاقاة الميتة.
(2) وذلك لأن الأدلة الدالة على نجاسة أي حيوان كالكلب والخنزير قد دلت على نجاسة جميع أجزائه ، فإن شعر الكلب مثلاً وإن لم يصدق عليه عنوان الكلب إلاّ أن معروض النجاسة ليس هو الهيئة التركيبية وإنما معروضها كل واحد واحد من أجزائه ، ولم يدل دليل على استثناء شيء من أجزاء الحيوانات النجسة.
وقد خالف في ذلك السيد المرتضى قدس سره وذهب إلى طهارة شعر الكلب والخنزير بل التزم بطهارة كل ما لا تحلّه الحياة كالعظم والوبر والقرن وغيرها (1).
1) الناصريات : 182 السطر 16.
[165] مسألة 1 : الأجزاء المبانة من الحي ممّا تحلّه الحياة كالمبانة من الميتة (1).
وفيه : أن الموت لو لم يكن موجباً للنجاسة فعلى الأقل ليس من مقتضيات الطهارة ، ونحن إنما التزمنا بطهارة ما لا تحله الحياة من أجزاء الحيوانات الطاهرة بعد موتها من جهة طهارته حال حياتها ، والموت إنما يعرض على ما له الحياة وأمّا ما لا روح فيه كالجماد فلا معنى لموته ، فما لا تحلّه الحياة من أجزاء الحيوانات الطاهرة باق على طهارته وحاله بعد طرو الموت على الحيوان كحاله قبله ، وقد ورد (1)أن النابت لا يكون ميتاً. وأمّا الحيوانات النجسة فأجزاؤها محكومة بالنجاسة من الابتداء وحالها قبل عروض الموت وبعده سيان لما عرفت من أن الموت ليس من أحد أسباب الطهارة.
وأمّا صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر هل يتوضأ من ذلك الماء؟ قال لا بأس » (2)فلا دلالة لها على عدم نجاسة شعر الخنزير بوجه ، بل ظاهرها مفروغية نجاسة الحبل عند السائل ولذا كان يسأله علیه السلام عن حكم التوضؤ بما يستقى به من البئر فعدم البأس إما من جهة عدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجس أو من جهة عدم إصابة الحبل أو الماء المتنجس به لماء الدلو ، وقد تقدم تفصيل الجواب عن هذه الرواية في بحث انفعال الماء القليل (3).
الأجزاء المبانة من الحي
(1) قد عرفت أن الميتة نجسة في الشريعة المقدسة بمختلف أدلتها من غير فرق في ذلك بين اتصال أجزائها وانفصالها ، كما أنها محرمة بمقتضى الآيات والروايات ، وعلى
الجملة للميتة حكمان ضروريان في الفقه وعليه فاذا فرضنا أن الشارع نزّل شيئاً منزلة الميتة يترتب عليه كلا الحكمين المتقدمين ، لأنهما من الآثار الظاهرة للميتة وليسا من الآثار النادرة أو الأحكام الخفية في الشرع.
هذا وقد يقال : إن الميتة عبارة عن كل ما ذهب عنه روحه من دون فرق في ذلك بين نفس الحيوان وأجزائه ، فكما يقال : هذا حيوان ميت كذلك يصح أن يقال : هذه يد ميتة أو رجل كذلك. فلو تمت هذه الدعوى شملت أحكام الميتة للأجزاء المبانة من الحي لصدق أنها ميتة.
ولكنها بعيدة عن الأنظار العرفية وإن كانت موافقة للذوق وصحيحة بالنظر العقلي أيضاً ، إلاّ أن أجزاء الميتة ليست عند العرف كنفسها بل الميتة بنظرهم هو الحيوان الذي ذهب عنه روحه ، فشمول الميتة في مثل قوله « سألته عن البئر يقع فيها الميتة فقال ... » (1)وقوله علیه السلام « لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة » (2)للأجزاء المبانة من الحي في غاية الإشكال ، فهذا الوجه غير تام.
والصحيح أن يقال : إن الأخبار الواردة في الصيد (3)وفي قطع أليات الغنم (4)قد دلّت على تنزيل الأجزاء المبانة من الحي منزلة الميتة ، ولا سيما بملاحظة تعليل الحكم
1) كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام « عن البئر يقع فيها الميتة فقال : إن كان لها ريح نزح منها عشرون دلواً وإذا دخل الجنب البئر ينزح منها سبع دلاء ». المروية في الوسائل 1 : 195 / أبواب الماء المطلق ب 22 ح 2.
2) صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام قال : « سألته عن آنية أهل الكتاب فقال : لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة والدم ولحم الخنزير » المروية في الوسائل 24 : 211 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 54 ح 6.
3) كصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « ما أخذت الحبالة فقطعت منه شيئاً فهو ميت ... » وغيرها من الأخبار المروية في الوسائل 23 : 376 / أبواب الصيد ب 24 ح 2، 3.
4) كما رواه الصدوق بإسناده الصحيح عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي قال : « سأل رجل أبا عبد اللّه علیه السلام وأنا عنده عن قطع أليات الغنم؟ فقال : لا بأس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك ، ثم قال : إن في كتاب علي علیه السلام أن ما قطع منها ميت لا ينتفع به » وغيرها من الأخبار المروية في الوسائل 24 : 71 / أبواب الذبائح ب 30 ح 1 ، 2 ، 3.
إلاّ الأجزاء الصغار كالثالول والبثور ، وكالجلدة التي تنفصل من الشفة أو من بدن الأجرب عند الحك ونحو ذلك (1).
بنجاستها بأنها ميتة كما ورد في صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر علیه السلام قال : قال أمير المؤمنين علیه السلام « ما أخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يداً أو رجلاً فذروه فإنّه ميت ... » (1)بل وفي نفس إسناد الحكم إلى علي علیه السلام تلويح إلى ذلك ، لأن الأجزاء المبانة لو كانت ميتة حقيقة وبالنظر العرفي كميتة الحيوان لم يكن وجه لإسناد كونها كذلك إلى علي علیه السلام إذا الميتة ميتة عند الجميع ، فمن ذلك يظهر أنها ليست ميتة بنظر العرف وإنما نزّلها علي علیه السلام منزلتها ، وبهذا يحكم بنجاستها وحرمتها لأنهما من الآثار الظاهرة للمنزّل عليه.
بل الأخبار الواردة في قطع أليات الغنم كالصريحة في نجاستها كقوله علیه السلام « أمّا تعلم أنها تصيب اليد والثوب وهو حرام » (2)لوضوح أن المراد بالحرمة فيها هي النجاسة للقطع بعدم حرمة إصابة النجس للثوب واليد.
بقي الكلام في شيء وهو أن الجزء إذا انقطع عنه روحه وأنتن إلاّ أنه لم ينفصل عن البدن فهل يحكم بنجاسته؟
الصحيح عدم نجاسته ، لعدم الدليل على ذلك ما لم ينفصل من البدن. أمّا الأدلة الواردة في نجاسة الميتة فقد عرفت عدم شمولها للأجزاء المبانة فضلاً عن الأجزاء المتصلة ، وأمّا روايات الصيد وقطع أليات الغنم فعدم شمولها للأجزاء المتصلة أوضح لاختصاصها بالأجزاء المنفصلة من الحيوان بآلة الصيد أو بالقطع.
(1) لعدم صدق الميتة على الأجزاء الكبيرة فضلاً عن الأجزاء الصغار كما لا
تشملها روايات الصيد وقطع أليات الغنم لاختصاصها بالجزء الكبير فلا دليل على نجاستها.
وقد يستدل على ذلك بصحيحة علي بن جعفر « عن الرجل يكون به الثالول أو الجرح هل يصلح له أن يقطع الثالول وهو في صلاته ، أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ويطرحه؟ قال علیه السلام : إن لم يتخوّف أن يسيل الدم فلا بأس ، وإن تخوّف أن يسيل الدم فلا يفعله » (1)بتقريب أنه علیه السلام بصدد بيان عدم مانعية الفعل المذكور في الصلاة من جميع الجهات ، لأنه علیه السلام لو كان بصدد بيان عدم قادحية الفعل المذكور بما هو فعل يسير في الصلاة لم يكن وجه لاشتراطه بعدم سيلان الدم حينئذٍ ، لأن الفعل اليسير في الصلاة غير قادح لها سواء أسال منه الدم أم لم يسل وهذه قرينة على أنه علیه السلام كان بصدد نفي مانعية الفعل المذكور من جميع الجهات ، وعليه فالرواية تدل على طهارة الثالول ، لأنه قد يقطعه بيده وهو في الصلاة ثم يطرحه ، فلو كان الثالول ميتة كان حمله في الصلاة بأخذه بيده ولو آناً قليلاً مبطلاً للصلاة ، كما أن يده قد تلاقي الثالول وهي رطبة فلو كان ميتة لأوجب نجاسة يده ونجاسة البدن تبطل الصلاة ، مع أنه علیه السلام نفى البأس عنه مطلقاً من غير استفصال.
هذا ولا يخفى أن الرواية وإن لم تكن خالية عن الإشعار بالمدعى إلاّ أنها عرية عن الدلالة عليه وإن أصرّ شيخنا الأنصاري قدس سره على دلالتها (2)والوجه فيما ذكرناه أن الرواية ناظرة إلى عدم قادحية الفعل المذكور في الصلاة لأنه فعل يسير وليست ناظرة إلى عدم قادحيته من جميع الجهات. واشتراط عدم سيلان الدم مستند إلى أن نتف الثالول يستلزم سيلانه غالباً ، وكأنها دلت على أن الفعل المذكور غير مانع عن الصلاة في نفسه إلاّ أن له لازماً تبطل به الصلاة فلا بأس به إذا لم يكن مقارناً معه. وأمّا نتف الثالول فلا يلازم ملاقاته اليد رطبة لإمكان إزالته بخرقة أو بقرطاس أو
[166] مسألة 2 : فأرة المسك المبانة من الحي طاهرة على الأقوى وإن كان الأحوط الاجتناب عنها (1).
بأخذه باليد مع يبوستها ، ولو صدق عليه حمل الميتة ولو آناً ما أمكن أن يقال بعدم قدحه في الصلاة ، لأن بطلانها بحمل الميتة ليس من المسلمات ، وإنما المتيقن منه قدح لبس الميتة ولو في شسع. وأمّا حمل الميتة بما لا يتستر به فقدحه غير متسالم عليه. فالصحيح أن يستدل على طهارة الثالول وأشباهه بما ذكرناه وتجعل الصحيحة مؤيدة للمدعى.
(1) أعني الجلدة وهي قد تكون من المذكى وأُخرى من الميتة وثالثة من الحي.
أمّا فأرة المذكى : فلا إشكال في طهارتها لأنها كبقية أجزاء الظبي عند تذكيته.
وأمّا فأرة الحي : فقد وقع الخلاف في طهارتها بين الأصحاب ولعلّ الوجه في نجاستها أن الفأرة من الأجزاء المبانة من الحي وهي كالميتة نجسة.
ويدفعه : ان مدرك الحكم بنجاسة الجزء المبان منحصر في روايات أليات الغنم وما أخذته الحبالة من الصيد كما مرّ وهي مختصة بموردها. وشمولها لمثل الفأرة مما ينفصل عن الحي بنفسه ويعد من ثمرته كما في الأشجار بعيد غايته ، بل الظاهر أن الغالب أخذ المسك من الفأرة المنفصلة من الحي وهو الذي تلتقطه سكنة البوادي في البادية. وأمّا غيره من الأقسام كما يؤخذ من دم الظبي حين ذبحه ويختلط بروثه فهو قليل غايته. فالصحيح في هذه الصورة أيضاً طهارة الفأرة كما ذهب إليه العلاّمة (1)والشهيد (2)قدس سرهما لما عرفت من أنه لا إطلاق ولا عموم في الروايات المتقدمة حتى يتمسك به في المقام.
وأمّا الفأرة المأخوذة من الميتة : فالصحيح أنها نجسة لأنها كبقية أجزاء الميتة وهي
نجسة ، كما أن الدم المتكوّن فيها كذلك لأنه من أجزاء الميتة ، اللّهم إلاّ أن يقال إن الدم المتكوّن فيها كان محكوماً بالطهارة حال حياة الحيوان ، وكل جزء حكم عليه بالطهارة حال حياته مما لا تحله الحياة فهو محكوم بطهارته بعد موته أيضاً ، وعليه فالدم المذكور طاهر دون جلدته.
ودعوى : أنها مما لا تحله الحياة فحالها حال الصوف وأشباهه.
ظاهرة الفساد : لأنها كبقية جلود الحيوانات مما تحله الحياة فلا وجه لطهارتها ، إلاّ أن يقال إن الفأرة بالإضافة إلى الظبي نظير البيضة بالنسبة إلى الدجاجة ، فكما أنها تتكوّن في جوف الدجاجة من دون أن تعد من أجزائها كذلك الحال في الفأرة بعينها فلا تكون من أجزاء الميتة.
ثم إنه إذا قلنا بنجاسة فأرة الميتة ولم يكن المسك المتكوّن فيها منجمداً حال حياة الظبي ، فلا محالة يتنجس مسكها إلاّ أنها نجاسة عرضية وإنما نشأت من ملاقاة الميتة وإن لم يمكن تطهيره ، وهذا بخلاف ما إذا كان مسكها منجمداً حال حياته لأنه طاهر في ذاته وتزول نجاسته العرضية الناشئة من ملاقاة الفأرة الرطبة النجسة بتطهيره ، هذا كله فيما تقتضيه القاعدة.
وأمّا بالنظر إلى النص الوارد في المقام ففي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى علیه السلام قال : « سألته عن فأرة المسك تكون مع من يصلي وهو في جيبه أو ثيابه؟ فقال : لا بأس بذلك » (1)واستدل بها في المدارك على طهارة مطلق الفأرة سواء انفصلت من الظبي في حياته أم أُخذ من المذكى أو من الميتة ، لإطلاق قوله علیه السلام لا بأس به وهو ملازم لطهارة الفأرة (2).
والاستدلال بها يتوقف على عدم جواز حمل النجس أو خصوص الميتة في الصلاة ، وهو في حيّز المنع لجواز حمل النجس بل وحمل الميتة في الصلاة كما يأتي في محله ، فعدم البأس بحمل الفأرة في الصلاة لازم أعم لطهارتها. هذا مع الإغماض عن
انصراف الفأرة إلى ما هو المتداول الكثير منها خارجاً وهو الفأرة التي تلقيها الظبية في حياتها كما مرّ. فاذن لا تشمل الصحيحة لما يؤخذ من الميتة.
وذهب كاشف اللثام إلى نجاسة مطلق الفأرة إلاّ الفأرة المأخوذة من المذكى فإنّها طاهرة كغيرها من أجزائه بخلاف ما أخذ من الميتة أو أسقطه الظبي حال حياته واستدل على ذلك بصحيحة عبد اللّه بن جعفر قال : « كتبت إليه يعني أبا محمد علیه السلام يجوز للرجل أن يصلي ومعه فأرة المسك؟ فكتب : لا بأس به إذا كان ذكيا » (1)حيث دلت على أنّ الظبي إذا لم يكن ذكيا سواء أكان حيّاً أم ميِّتاً ففي الصلاة في فأرة مسكه بأس ، وليس هذا إلاّ لكون الفأرة ميتة نجسة (2).
ودعوى : أن المنع عن الصلاة في شيء أعم من نجاسته وإن كانت صحيحة كما في الحرير وبعض أجزاء ما لا يؤكل لحمه من الحيوان ، إلاّ أن المنع في المقام لا يحتمل استناده إلى غير النجاسة.
والاستدلال بهذه الصحيحة على مدعى كاشف اللثام يبتني على أمرين :
أحدهما : أن يكون ضمير كان راجعاً إلى الظبي.
وثانيهما : أن يكون المذكى في قبال كل من الحي والميت لا في مقابل خصوص الميتة ، وكلاهما ممنوع.
أمّا الأوّل : فلأنه لم يسبق ذكر من الظبي في الرواية ، فيحتمل رجوع الضمير إلى الفأرة باعتبار أنها مما مع المصلي فيصح تذكير الضمير بهذا الاعتبار ، والرواية على هذا تدل على أن الفأرة قسمان : قسم طاهر بالذات وهو المذكى وقسم نجس كذلك وهو غير المذكى ، وقد عرفت نجاسة فأرة الميتة.
وأمّا الثاني : فلأن الظاهر أن الذكي في مقابل الميتة فحسب ، لأن المذكى والميتة قسمان للحيوان الذي زهق روحه وأمّا الحي فهو خارج عن المقسم لا أنه داخل في قسم غير المذكى فلا دلالة للرواية على نجاسة فأرة الحي ، وغاية ما يستفاد منها
نعم لا إشكال في طهارة ما فيها من المسك (1).
نجاسة فأرة الميتة وقد بيّنا أن نجاستها على طبق القاعدة من غير حاجة في ذلك إلى النص.
(1) نقل شيخنا الأنصاري قدس سره عن التحفة أن للمسك أقساماً أربعة :
أحدها : المسك التركي وهو دم يقذفه الظبي بطريق الحيض أو البواسير فينجمد على الأحجار ، ولم يتأمل قدس سره في الحكم بنجاسة هذا القسم لأنه دم منجمد وغاية الأمر أنه ذو ريح طيبة. ودعوى أن الدم قد استحال بالانجماد مدفوعة بأن الجمود فيه كانجماد سائر الدماء مما لا يوجب الاستحالة كما أن التعطر لا يوجبها.
وثانيها : المسك الهندي وهو دم يؤخذ بعد ذبح الظبي ويختلط مع روثه فيصير أصفر اللون أو أشقر ، وقد ألحق قدس سره هذا القسم بالقسم السابق وحكم بنجاسته أيضاً لأنه دم مختلط بشيء آخر ، ودعوى الاستحالة في هذا القسم أضعف من سابقه لأن مجرد خلط شيء بشيء لا يقتضي الاستحالة بوجه.
وثالثها : دم يجتمع في سرّة الظبي بعد صيده يحصل بشق موضع الفأرة وتغميز أطراف السرة حتى يجتمع فيها الدم ويجمد وقال قدس سره إنه طاهر مع تذكية الظبي ونجس لا معها.
ورابعها : دم يتكوّن في فأرة الظبي بنفسه ، ثم تعرض للموضع حكّة ينفصل بسببها الدم مع جلده وقد حكم بطهارته (1). والأمر كما أفاده وذلك للإجماع والسيرة القطعية المستمرة ، ولصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « كانت لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ممسكة إذا هو توضأ أخذها بيده وهي رطبة ، فكان إذا خرج عرفوا أنه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله برائحته » (2).
وأمّا المبانة من الميت ففيها إشكال (1) وكذا في مسكها (1)(2). نعم ، إذا أخذت من يد المسلم يحكم بطهارتها (2)ولو لم يعلم أنها مبانة من الحي أو الميت (3).
والمتيقن من المسك هو القسم الأخير ، والحكم بطهارته إما لتخصيص ما دلّ على نجاسة الدم مما له نفس سائلة كما إذا كان المسك عبارة عن الدم المنجمد وإما من باب التخصص بناء على ما ذكره بعضهم من أن أجزاء المسك عند تحليله غير الأجزاء الدموية وإن كانت الأجزاء المسكية متحققة في دم الظبي ، إلاّ أنها إذا وصلت إلى الفأرة أفرزت عن الأجزاء الدموية لاشتمال الفأرة على آلة الافراز ، إلاّ أن تحقيق ذلك مما لا يترتب عليه ثمرة عملية لأنه محكوم بالطهارة على كل حال.
كما أن القسم الثالث أيضاً كذلك فيما إذا كان اجتماع الدم في الفأرة حال حياة الظبي ثم ذبح ، لأنه حينئذٍ من الدم المتخلف وهو طاهر. ولا إطلاق لما دلّ على طهارته حتى يتمسك به في الحكم بطهارة سائر الأقسام. نعم ، لو ثبتت دعوى الاستحالة حكمنا بطهارة الجميع ولكن عرفت فسادها ، فسائر الأقسام من المسك محكوم بالنجاسة لأنه دم فتشمله أدلة نجاسته.
(1) عرفت الوجه في ذلك آنفاً.
(2) فيما إذا لم ينجمد مسكها حال حياة الظبي لنجاسته العرضية الحاصلة حينئذٍ بملاقاة الميتة ، وهذا بخلاف ما إذا كان جامداً كما عرفت تفصيله.
(3) لا بدّ من التعرض إلى صور الشك في طهارة الفأرة ونجاستها لتتميز موارد الحاجة إلى يد المسلم أو غيرها من أمارات التذكية عما لا حاجة فيه إلى أماراتها فنقول : صور الشك في ذلك ثلاث :
الاولى : أن يشك في أن الفأرة من الحي أو المذكى أو أنها من الميتة مع الشك في
حياة الظبي الذي أُخذت منه الفأرة.
الثانية : الصورة مع العلم بموت الظبي في زمان الشك.
الثالثة : أن يعلم بأخذ الفأرة بعد موت الظبي ويشك في أن موته هل كان مستنداً إلى التذكية أم إلى غيرها.
فعلى مسلك كاشف اللثام أعني القول بنجاسة فأرة غير المذكى يحكم بنجاستها في جميع الصور الثلاث للشك في وقوع التذكية على الظبي ، ومقتضى أصالة عدم التذكية نجاسة الفأرة إلاّ فيما إذا كانت هناك أمارة على التذكية من يد المسلم أو غيرها ، لأنها حاكمة على استصحاب عدمها ، فعلى مسلكه قدس سره تمس الحاجة إلى أمارات التذكية في جميع الصور الثلاث. وأمّا على ما سلكناه وهو التفرقة بين فأرة الحي والمذكى وبين فأرة الميتة فيختلف الحكم والحاجة إلى أمارات التذكية باختلاف صور المسألة.
أمّا الصورة الأُولى : فحيث لا نعلم فيها إلاّ بحدوث أمر واحد وهو انفصال الفأرة عن الظبي ولا علم لنا بموته لاحتمال بقائه على الفرض فاستصحاب حياة الظبي إلى زمان انفصال الفأرة بلا معارض ، ولا حاجة في إثبات طهارتها في هذه الصورة إلى يد المسلم أو غيرها من أمارات التذكية فإنّها كانت أم لم تكن يحكم بطهارة الفأرة بالاستصحاب.
وأمّا الصورة الثانية : وهي التي علمنا فيها بموت الظبي وشككنا في أن الفأرة هل أُخذت منه بعد موته أو قبله فلا حاجة فيها أيضاً إلى إثبات الطهارة بقيام أمارة على التذكية ، لأن في هذه الصورة حادثين أحدهما موت الظبي وثانيهما انفصال الفأرة منه وهما مسبوقان بالحياة والاتصال ، واستصحاب كل من الحياة والاتصال إلى زمان ارتفاع الآخر معارض بمثله ، فيتساقطان ويرجع إلى قاعدة الطهارة مطلقاً سواء علمنا بتأريخ أحدهما أم جهل كلا التاريخين.
وأمّا الصورة الثالثة : التي علمنا فيها بأخذ الفأرة بعد موت الظبي وترددنا في استناد موته إلى التذكية فيحكم فيها بعدم كون الفأرة من المذكى ، لأصالة عدم وقوع التذكية على الظبي المأخوذة منها الفأرة ، فيترتب عليها جميع آثار غير المذكى ومنها
[167] مسألة 3 : ميتة ما لا نفس له طاهرة كالوزغ والعقرب والخنفساء والسّمك وكذا الحيّة والتمساح ، وإن قيل بكونهما ذا نفس لعدم معلومية ذلك ، مع أنه إذا كان بعض الحيات كذلك لا يلزم الاجتناب عن المشكوك كونه كذلك (1).
النجاسة على المشهور ، إلاّ إذا أُخذت من يد المسلم فإنّها أمارة شرعية على التذكية في الجلود وهي حاكمة على أصالة عدمها ، فعلى ما سلكناه في المقام لا نحتاج في الحكم بطهارة الفأرة إلى أمارات التذكية إلاّ في الصورة الأخيرة.
ميتة ما لا نفس له :
(1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين :
أحدهما : في كبرى طهارة الميتة مما لا نفس له.
وثانيهما : في بعض صغرياتها مما وقع الكلام في أن له نفساً سائلة أو لا نفس له.
أمّا المقام الأوّل : فلم يستشكل أحد فيما نعلمه من الأصحاب في طهارة الميتة من كل حيوان محكوم بالطهارة حال حياته إذا لم تكن له نفس سائلة ، وتدل عليها جملة كثيرة من الأخبار.
منها : موثقة حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه علیه السلام قال : « لا يفسد الماء إلاّ ما كانت له نفس سائلة » (1)لأن الميتة هي القدر المتيقن منها ، لأنها إما مختصة بالميتة نظراً إلى أن الإفساد وعدمه مضافان فيها إلى الذات ، أعني ذات الحيوان الذي له نفس أو لا نفس له ، أو أنها أعم فتشمل الميتة وكل ما يضاف إليها من دمها وبولها وغيرهما كما استظهرناه سابقاً.
ومنها : موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما أشبه ذلك يموت في البئر والزيت والسمن وشبهه قال : كل ما ليس له دم فلا بأس » (2)
ومنها : ما عن أبي بصير في حديث : « وكل شيء وقع في البئر ليس له دم مثل العقرب والخنافس وأشباه ذلك فلا بأس » (1)ومنها غير ذلك من الأخبار ، إلاّ أنهم اختلفوا في الوزغ بعد تسليم أنه مما لا نفس له ، ولكن هذا الخلاف غير راجع إلى ما قدمناه من كبرى طهارة الميتة مما لا نفس له ، وإنما هو مستند إلى الخلاف في طهارة الوزغ حال حياته ونجاسته ، والكبرى المسلمة تختص بحيوان محكوم بالطهارة حال حياته دون الحيوانات النجسة وإن لم يكن لها نفس سائلة ، وهذا نظير ما قدّمناه في الشعر والصوف وغيرهما مما لا تحله الحياة ، وذكرنا أنها طاهرة من كل حيوان ميت كان محكوماً بالطهارة في حياته دون ما كان نجساً.
وكيف كان فقد ذهب جماعة إلى نجاسة الوزغ وزادوا بذلك نجاسة على الأعيان النجسة. بل عن بعضهم نجاسة الثعلب والأرنب والفأرة أيضاً إلاّ أنّا نتكلم في خصوص الوزغ هنا بمناسبة عدم كونه ذا نفس سائلة فنقول :
نسب القول بنجاسة الوزغ إلى الشيخ (2)والصّدوق (3)وابن زهرة (4)وسلار (5)وغيرهم 5 واعتمدوا في ذلك على روايات ثلاث :
الاولى : ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الفأرة والوزغة تقع في البئر قال : ينزح منها ثلاث دلاء » (6)بتقريب أن الأمر بالنزح ظاهر في وجوبه ووجوب النزح ظاهره الإرشاد إلى نجاسة الوزغ والفأرة لبعد كونه تعبداً صرفاً.
الثانية : رواية هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته
عن الفأرة والعقرب وأشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حياً هل يشرب من ذلك الماء ويتوضأ منه؟ قال : يسكب منه ثلاث مرات ، وقليله وكثيره بمنزلة واحدة ، ثم يشرب منه ويتوضأ منه ، غير الوزغ فإنّه لا ينتفع بما يقع فيه » (1)وظاهرها أن عدم جواز الانتفاع به مستند إلى نجاسة الوزغ.
الثالثة : رواية الفقه الرضوي : « فإن وقع في الماء وزغ أُهريق ذلك الماء ... » (2)لأنها كسابقتها ظاهرة في أن الأمر بالإهراق إرشاد إلى نجاسة الوزغ الموجبة لنجاسة الماء.
ولكن الصحيح طهارة الوزغة ولا يمكن المساعدة على شيء مما استدل به على نجاستها. أمّا الروايتان الأخيرتان فلضعفهما (3). وأمّا صحيحة معاوية فلأن ظهورها في نجاسة الوزغة وإن كان غير قابل للإنكار إلاّ أنه لا مناص من رفع اليد عن ظاهرها بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه علیه السلام قال : « سألته عن العظاية والحيّة والوزغ يقع في الماء فلا يموت أيتوضأ منه للصلاة؟ قال : لا بأس به ... » (4)وبها تحمل الصحيحة المتقدمة على التنزه لاشمئزاز النفس عن الماء الذي وقع الوزغ فيه. وكذا الحال في الروايتين الأخيرتين على تقدير صحة سندهما.
هذا ومع الإغماض عن ذلك وفرض التعارض بين ما دلّ على نجاسة الوزغ وطهارته فالمرجع هو صحيحة الفضل أبي العباس الدالة على طهارة كل حيوان ما عدا الكلب ، قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن فضل الهرة والشاة والبقرة والإبل
1) الوسائل 1 : 240 / أبواب الأسآر ب 9 ح 4 ، وأيضاً الوسائل 1 : 188 / أبواب الماء المطلق ب 19 ح 5 ،
2) فقه الرضا : 93.
3) الوجه في تضعيف الرواية الثانية هو عدم توثيق يزيد بن إسحاق الواقع في سندها في الرجال ولكن الرجل ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات ومقتضى ذلك هو الحكم بوثاقته ، ومعه تصبح الرواية صحيحة لا محالة.
4) الوسائل 3 : 460 / أبواب النجاسات ب 33 ح 1 ، وأيضاً الوسائل 1 : 238 / أبواب الأسآر ب 9 ح 1.
والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم أترك شيئاً إلاّ سألته عنه؟ فقال : لا بأس به حتى انتهيت إلى الكلب فقال رجس نجس لا تتوضأ بفضله وأصبب ذلك الماء واغسله بالتراب أوّل مرّة ثم بالماء » (1)هذا كلّه في المقام الأول.
وأمّا المقام الثاني : فقد قالوا إن الحية والتمساح مما لا نفس له كبقية الحيوانات البحرية وحشرات الأرض ، وأنكره بعضهم وادعى أنهما مطلقاً أو بعض أقسام الحية ذو نفس سائلة ، فإن ثبت شيء من الدعويين فهو ، وإلاّ فعلى ما سلكناه في محله من جريان الأصل في الأعدام الأزلية يحكم بطهارة ميتتها ، لأن جملة من الأخبار المعتبرة دلت على طهارة ميتة ما لا نفس له كما قدمناها ، وهي مخصصة لعموم ما دلّ على نجاسة الميتة فالخارج عن العام عنوان عدمي وهو ما لا نفس له ، والباقي تحته معنون بعنوان وجودي أعني ما له نفس سائلة ، ومقتضى أصالة عدم كون المصداق المشتبه مما له نفس سائلة طهارة ميتته بعد ما ثبت في محله من عدم جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية.
والفارق بين ما نحن فيه وغيره مما يتمسك فيه بأصالة العدم الأزلي في المصداق المشتبه لإدراجه تحت العموم ، هو أن الخارج عن العام في المقام عنوان عدمي والباقي معنون وجودي ، ومعه ينتج الأصل الجاري في العدم الأزلي إدراج الفرد المشتبه تحت الخاص ، وهذا بخلاف ما إذا كان الخارج عنواناً وجودياً والباقي معنوناً بعنوان عدمي فإن معه تنعكس الحال ، فالأصل الجاري في العدم الأزلي يثبت أن الفرد المشتبه داخل في حكم العام.
وأمّا على مسلك من لا يرى جريان الأصل في الأعدام الأزلية فالأمر في الموارد المشكوكة أيضاً كما عرفت ، لقاعدة الطهارة بعد عدم جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية. وهكذا الكلام في كل مورد شككنا في أنه مما له نفس أو لا نفس له ولو من
1) الوسائل 1 : 226 / أبواب الأسآر ب 1 ح 4 ، وأيضاً 3 : 413 / أبواب النجاسات ب 11 ح 1 إلاّ أنه ليس فيها تمام الحديث.
[168] مسألة 4 : إذا شكّ في شيء أنه من أجزاء الحيوان أم لا فهو محكوم بالطهارة وكذا إذا علم أنه من الحيوان لكن شكّ في أنه مما له دم سائل أم لا .
[169] مسألة 5 : المراد من الميتة أعم مما مات حتف أنفه أو قتل أو ذبح على غير الوجه الشرعي .
أجل تردده بين حيوانين أحدهما ذو نفس سائلة ، أو تردده بين كونه من الحيوان أو من غيره كما إذا لم ندر أن المطروح في الطريق جلد أو غير جلد.
(1) لأصالة عدم كونه من أجزاء الحيوان أو عدم كونه من أجزاء ما له نفس سائلة أو لأصالة الطهارة كما مرّ.
(2) لا يراد بالميتة فيما يترتّب عليها من الأحكام ما زهق روحه وانتهت حياته لأن ما زهق روحه بالأسباب الشرعية غير محكوم بحرمة الأكل والنجاسة وغيرهما من أحكام الميتة ، كما لا يراد بها ما مات حتف أنفه بانقضاء قواه الموجبة لحياته ، لعدم اختصاص أحكام الميتة بذلك وشمولها لما مات بمثل الخنق وأكل السم ونحوهما من أسباب الموت ، بل المراد بها أمر آخر متوسط بين الأمرين السابقين وهو ما مات بسبب غير شرعي ويعبّر عنه بغير المذكى سواء مات حتف أنفه أم بسبب آخر غير التذكية ولعلّ هذا مما لا خلاف فيه. وقد استشهد شيخنا الأنصاري قدس سره على ذلك بأُمور ، منها : موثقة سماعة « إذا رميت وسميت فانتفع بجلده وأمّا الميتة فلا » (1)حيث جعلت الميتة في مقابل المذكى أعني ما رمي وسمي.
ويمكن أن يستشهد عليه أيضاً بما تقدّم (2)من الأخبار الناهية عن أكل ما تقطعه الحبال ، وعن الانتفاع بما تقطع من أليات الغنم معللاً بأنها ميتة ، حيث أُطلقت الميتة
فيها على ما لم تقع عليه الذكاة شرعاً وهذا كله واضح.
وإنما الكلام في أن النجاسة وحرمة الأكل وغيرهما من الأحكام هل هي مترتبة على عنوان الميتة أو أن موضوعها هو ما لم يذك شرعاً؟ لأن الميتة وغير المذكى وإن كانا متلازمين واقعاً ولا ينفك أحدهما من الآخر من مقام الثبوت ، لأن الميتة والمذكى من الضدين لا ثالث لهما فان ما زهق روحه إما أن يستند موته إلى سبب شرعي فهو المذكى وإما أن يستند إلى سبب غير شرعي فهو الميتة ، إلاّ أن ما لم يذك عنوان عدمي والميتة عنوان وجودي وهما مختلفان في الاعتبار وفيما يترتب عليهما من الأحكام.
وتظهر الثمرة فيما إذا شككنا في لحم أو جلد أنه ميتة أو مذكى ، فإنّه على تقدير أن الأحكام المتقدمة مترتبة على عنوان ما لم يذك يحكم بنجاسته وحرمة أكله وغيرهما من الأحكام باستصحاب عدم تذكيته ، وهذا بخلاف ما إذا كانت مترتبة على عنوان الميتة لأنها عنوان وجودي لا يمكن إحرازه بالاستصحاب إذ لا حالة سابقة له.
وخالف في ذلك صاحب المدارك قدس سره فإنّه بنى على أن الأحكام المتقدمة مترتبة على عنوان ما لم يذك ، ومع هذا أنكر جريان استصحاب عدم التذكية لإثبات النجاسة وغيرها من الأحكام عند الشك في التذكية ، وذكر في وجه منعه أمرين :
أحدهما : أن الاستصحاب غير معتبر رأساً وعلى تقدير اعتباره فهو إنما يفيد الظن ولا تثبت النجاسة إلاّ بالعلم أو بالبينة لو سلم عموم أدلّتها ، فإنّه مورد الكلام عنده قدس سره .
وثانيهما : ما ورد في بعض الروايات من قوله علیه السلام : « ما علمت أنه ميتة فلا تصل فيه » (1)وقوله علیه السلام « وصل فيها حتى تعلم أنه ميتة بعينه » (2)لدلالته على أن النجاسة وسائر الأحكام المتقدمة إنما تترتب على ما علم أنه ميتة (3).
ويدفعه : أن الاستصحاب وإن لم يكن معتبراً في الأحكام الكلية الإلهية على ما اخترناه في محله ، إلاّ أن أدلة اعتباره غير قاصرة الشمول للشبهات الموضوعية بوجه.
ودعوى : أنه لا يفيد غير الظن من غرائب الكلام لأن اعتباره غير منوط بإفادة الظن فتثبت به النجاسة وغيرها من الأحكام ، فان المدار في ثبوت حكم بشيء على العلم بحجية ذلك الشيء لا على العلم بالحكم.
وأمّا الروايتان المتقدِّمتان فلا دلالة لهما على ما يرومه ، لأن غاية ما يستفاد منهما أن العلم بالميتة قد أُخذ في موضوع الحكم بالنجاسة وحرمة الأكل وغيرهما من الأحكام ، فحالها حال سائر المحرّمات التي أُخذ العلم في موضوعها كما في قوله علیه السلام « كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام » (1)إلاّ أنه علم طريقي قد أُخذ في موضوع الأحكام المتقدمة منجزاً للواقع لا موضوعاً لها ، نظير أخذ التبين في موضوع وجوب الصوم في قوله عزّ من قائل ( كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) (2). وقد أسلفنا في محله أن الاستصحاب بأدلة اعتباره صالح لأن يقوم مقام العلم الطريقي كما تقوم مقامه البينة والأمارات (3)ولو لا ذلك لم يمكن إثبات شيء من المحرمات الشرعية بالاستصحاب ولا بالبينة لفرض أخذ العلم بها في موضوعها.
ويمكن أن يقال : إن الروايتين ولا سيما صحيحة الحلبي إنما وردتا في مورد وجود الأمارة على التذكية ولا إشكال معه في الحكم بالطهارة والتذكية حتى يعلم خلافها وأين هذا من اعتبار العلم في موضوع الحرمة والنجاسة وغيرهما من أحكام الميتة.
فالمتحصل أنه لا إشكال في جريان استصحاب عدم التذكية على تقدير كون الأحكام المتقدمة مترتبة على عنوان غير المذكى عند الشك في التذكية. إذا عرفت ذلك فنقول :
إن حرمة الأكل وعدم جواز الصلاة حكمان مترتبان على عنوان غير المذكى وذلك لقوله تعالى ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ... وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ ) (4).
وموثقة ابن بكير حيث ورد في ذيلها « فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وكل شيء منه جائز إذا علمت أنه ذكي وقد ذكاه الذبح » (1)، وموثقة سماعة المتقدمة : « إذا رميت وسميت فانتفع بجلده » أي إذا ذكيتها ، وعليه إذا شككنا في تذكية لحم أو جلد ونحوهما نستصحب عدم تذكيته ونحكم بحرمة أكله وعدم جواز الصلاة فيه.
وأمّا النجاسة وحرمة الانتفاع على تقدير القول بها فهما من الآثار المترتبة على عنوان الميتة حيث لم يقم دليل على ترتّبهما على عنوان غير المذكى ومعه لا يمكن إثباتهما عند الشك في التذكية ، ويكفينا في ذلك :
أوّلاً : الشك في أن موضوعهما هل هو الميتة أو ما لم يذك فلا يمكن إثباتهما باستصحاب عدم التذكية فيرجع حينئذٍ إلى قاعدة الطهارة.
وثانياً : تصريح بعض أهل اللغة كالفيومي في مصباحه على أن الميتة ما مات بسبب غير شرعي (2)ومعه إذا شككنا في تذكية لحم مثلاً لا يمكن إثبات نجاسته وحرمة الانتفاع به بأصالة عدم التذكية لعدم كونهما من آثار ما لم يذك فلا أثر لها في نفسها وإجراؤها لإثبات عنوان الميتة أعني ما مات بسبب غير شرعي من أوضح أنحاء الأُصول المثبتة ، لأنه من إثبات أحد الضدين بنفي الآخر ، بل لو فرضنا جريان أصالة عدم التذكية لإثبات الميتة عارضها استصحاب عدم موته بسبب غير شرعي لإثبات تذكيته ، هذا.
وقد ذهب شيخنا الهمداني قدس سره (3)إلى أن النجاسة من آثار عدم التذكية واستدل عليه بمكاتبة الصيقل قال : « كتبت إلى الرضا علیه السلام إني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي ، فأُصلي فيها؟ فكتب علیه السلام إليَّ : اتخذ ثوباً لصلاتك ، وكتبت إلى أبي جعفر الثاني علیه السلام إني كنت كتبت إلى
أبيك علیه السلام بكذا وكذا ، فصعب عليّ ذلك ، فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشية الذكية ، فكتب علیه السلام إليَّ : كل أعمال البرّ بالصبر يرحمك اللّه ، فان كان ما تعمل وحشياً ذكيا فلا بأس » (1). فان المراد بنفي البأس نفي نجاسة الجلود بقرينة قوله في صدرها « فتصيب ثيابي » أي ينجسها ومن هنا أمره الرضا علیه السلام باتخاذ ثوب لصلاته ومقتضى تعليق الطهارة على كونها ذكية أن موضوع النجاسة هو ما لم يذك ، ومعه لا حاجة إلى تجشم دعوى أن الميتة هي غير المذكى.
ويردها أمران :
أحدهما : أن الرواية غير قابلة للاعتماد لجهالة أبي القاسم الصيقل.
وثانيهما : عدم تمامية دلالتها لأن الحصر فيها إضافي بمعنى أن عمله كان دائراً بين الميتة والمذكى ولم يكن مبتلى بغيرهما ، فحصره الطهارة في المذكى إنما هو بالإضافة إلى ما كان يبتلي به في مورد عمله وهذا لا ينافي ترتب النجاسة على عنوان الميتة دون غير المذكى.
ومما يدلنا على هذا دلالة قطعية أنه علیه السلام أخذ الوحشية في موضوع الحكم بطهارة الجلود وقال : فان كان ما تعمل وحشياً ذكيا فلا بأس ، ومن الضروري أنه لا دخالة للوحشية في طهارة المذكى بوجه ، وهذه قرينة قطعية على أن حكمه هذا إنما هو بلحاظ مورد عمل السائل ، فإنّه كان يدور بين جلود الميتة وبين جلود الوحشي الذكي فلا دلالة في ذلك على ترتب النجاسة على عنوان غير المذكى. والمتحصل أنه لا بدّ من التفكيك بين حرمة الأكل وعدم جواز الصلاة وبين النجاسة وحرمة الانتفاع ، فإن الأولين يترتبان على أصالة عدم التذكية بخلاف الثانيين.
وممن وافقنا على هذا صاحب الحدائق قدس سره حيث ذهب إلى طهارة ما يشك في تذكيته من اللّحوم والجلود وغيرهما نظراً إلى أصالتي الطهارة والحلية (2)وهو قدس سره وإن أصاب المرمى في النتيجة أعني الحكم بالطهارة إلاّ أنه أخطأ في
[170] مسألة 6 : ما يؤخذ من يد المسلم من اللحم أو الشحم أو الجلد محكوم بالطهارة (1)وإن لم يعلم تذكيته (1).
طريقها لأن استصحاب عدم التذكية لا يبقي مجالاً لقاعدتي الطهارة والحلية على مسلك القوم كما لا يبقي مجالاً لأصالة الحلية على مسلكنا كما لا يخفى.
وعلى ما ذكرناه لا تمس الحاجة إلى شيء من أمارات التذكية من يد المسلم وسوقه وإخبار البائع وغيرها عند الشك في تذكية شيء إلاّ بالإضافة إلى حلية أكله وجواز الصلاة فيه لا بالنسبة إلى طهارته وجواز الانتفاع به.
(1) لا ينبغي الإشكال في أن يد المسلم من الأمارات الحاكمة على أصالة عدم التذكية وتدل على اعتبارها جميع ما ورد في اعتبار سوق المسلمين ، لأنه وإن كان أمارة على التذكية إلاّ أن أماريته ليست في عرض أمارية يد المسلم ، وإنما هي في طولها بمعنى أن السوق جعلت أمارة كاشفة عن يد المسلم وهي الأمارة على التذكية حقيقة والسوق أمارة على الأمارة. وذلك لأن الغالب في أسواق المسلمين إنما هم المسلمون وقد جعل الشارع الغلبة معتبرة في خصوص المقام ، وألحق من يشك في إسلامه بالمسلمين للغلبة ، بل ولا اختصاص لذلك بالسوق فان كل أرض غلب عليها المسلمون تكون فيها الغلبة أمارة على إسلام من يشك في إسلامه كما في صحيحة إسحاق بن عمار عن العبد الصالح علیه السلام أنه قال : « لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الإسلام ، قلت فان كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال : إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس » (2).
والذي يدل على ما ذكرناه مضافاً إلى أن بعض الروايات الواردة في المقام مقيد
بسوق المسلمين (1)وهو يقتضي تقييد ما دلّ على اعتبار مطلق السوق بأسواق المسلمين أن أدلة اعتباره ليست على نحو القضية الحقيقية بأن تدل على اعتبار كل ما وجد وصدق عليه أنه سوق ولو كان لغير المسلمين حتى يتوهّم أن سوقهم أمارة على وقوع التذكية على المشكوك دون شوارعهم وجاداتهم ، لدخالة السقف وخصوصيته في الاعتبار وذلك لأنه مقطوع الفساد ، وإنما الأدلة دلت على اعتباره على نحو القضية الخارجية لأن السوق في رواياته قد يراد به سوق الجبل وأُخرى سوق آخر خارجي ، وتلك الأسواق الخارجية بأجمعها سوق المسلمين ولا إطلاق في القضايا الخارجية حتى يتمسك بها في إسراء حكمها إلى سوق غير المسلمين ، فما توهمه بعضهم من اعتبار السوق مطلقاً ولو كان لغير المسلمين تمسكاً في ذلك بإطلاق رواياته مما لا مساغ له.
فتحصل أن الأمارية تختص بأسواق المسلمين وهي أمارة على يد المسلم ، ومعنى كونها أمارة على ذلك عدم لزوم الفحص عن حال البائعين فيها وعدم وجوب السؤال عن أنهم مسلمون أو كفار ، إذ لو وجب ذلك للغي اعتبار عنوان السوق وسقط عن كونه أمارة ، لأن بالفحص يظهر أن البائع مسلم أو غير مسلم ويد الأول أمارة على التذكية بلا خلاف دون يد الثاني فما معنى اعتبار السوق حينئذٍ ، مع كثرة الأخبار الواردة في اعتباره. ففي صحيحة الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الخفاف التي تباع في السوق؟ فقال : اشتر وصل فيها حتى تعلم أنه ميتة بعينه » (2).
وفي صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر قال : « سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء لا يدري أذكيه هي أم غير ذكية ، أيصلي فيها؟ فقال : نعم ، ليس عليكم المسألة ، إن أبا جعفر علیه السلام كان يقول : إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم ، إن الدين أوسع من ذلك » (3)وفي صحيحته الأُخرى عن الرضا ( علیه السلام )
1) كما عن فضيل وزرارة ومحمد بن مسلم ، « أنهم سألوا أبا جعفر علیه السلام عن شراء اللّحوم من الأسواق ولا يدرى ما صنع القصابون فقال : كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين ولا تسأل عنه ». المروية في الوسائل 24 : 70 / أبواب الذبائح ب 29 ح 1.
2) الوسائل 3 : 490 / أبواب النجاسات ب 50 ح 2 ، 3.
3) الوسائل 3 : 490 / أبواب النجاسات ب 50 ح 2 ، 3.
وكذا ما يوجد في أرض المسلمين مطروحاً إذا كان عليه أثر الاستعمال (1) ، لكن الأحوط الاجتناب.
[171] مسألة 7 : ما يؤخذ من يد الكافر أو يوجد في أرضهم
قال : « سألته عن الخفاف يأتي السوق فيشتري الخف ، لا يدري أذكي هو أم لا ، ما تقول في الصلاة فيه وهو لا يدري أيصلي فيه؟ قال : نعم ، أنا اشترى الخف من السوق ويصنع لي وأُصلي فيه وليس عليكم المسألة » (1).
بل وفي بعض الأخبار الحث والترغيب على معاملة الطهارة والذكاة مع ما يؤخذ من أسواق المسلمين فعن الحسن بن الجهم قال : « قلت لأبي الحسن علیه السلام : أعترض السوق فأشتري خفاً لا أدري أذكي هو أم لا؟ قال : صل فيه قلت : فالنعل قال : مثل ذلك ، قلت إنى أضيق من هذا ، قال : أترغب عما كان أبو الحسن علیه السلام يفعله » (2).
وما ذكرناه مضافاً إلى أنه من لوازم اعتبار السوق كما عرفت هو الذي جرت عليه سيرة المسلمين لأنه لم يعهد منهم السؤال عن كفر البائع وإسلامه في شيء من أسواقهم ، وعليه فلا وجه للمناقشة في اعتبارها كما عن بعضهم.
ثم ان أمارية السوق لا يعتبر فيها الايمان لأن الأسواق في تلك الأزمنة كان أهلها من العامة الذين يرون طهارة الميتة بالدبغ لقلة الشيعة وتخفيهم في زمانهم علیهم السلام ومع هذا حكموا باعتبارها. هذه خلاصة أمارات التذكية وسوف نستوفي البحث عنها في مبحث الصلاة إن شاء اللّه (3).
(1) وتدل عليه صحيحة إسحاق بن عمار المتقدمة كما عرفت وجهها آنفاً.
محكوم بالنجاسة (1)إلاّ إذا علم سبق يد المسلم عليه (1).
[172] مسألة 8 : جلد الميتة لا يطهر بالدبغ (2).
(1) المنع عن ترتيب آثار الطهارة فيما هو مفروض المسألة وإن كان بالإضافة إلى حرمة أكله وعدم جواز الصلاة فيه مما لا غبار عليه ، لأنه مقتضى أصالة عدم التذكية فإن يد الكافر كلا يد ، إلاّ أنه بالإضافة إلى نجاسته وحرمة الانتفاع مما لا يمكن المساعدة عليه إذ ليست يد الكافر أمارة على أن ما فيها ميتة. نعم ، هي ليست بأمارة على التذكية فحسب واستصحاب عدمها لا يثبت أنه ميتة وهي الموضوع للحكم بالنجاسة وحرمة الانتفاع ، ومن هذا يظهر الحال في مثل الخف والجلد واللحم ونظائرها مما يجلب من بلاد الكفر فإنّه إذا احتملنا سبقها بيد المسلم أو بسوقه يحكم بطهارتها وجواز الانتفاع بها ، إذ لا يترتب على أصالة عدم التذكية إلاّ حرمة أكلها وعدم جواز الصلاة فيها.
(2) لم يستشكل أحد من الأصحاب في طهارة ميت المسلم بعد غسله كما لا خلاف في أن ميتة غير الآدمي غير قابلة للطهارة بشيء في غير جلدها فهذان حكمان اتفاقيان بينهم ، وإنما النزاع والخلاف في جلد ميتة غير الآدمي وأنه هل يقبل الطهارة بالدبغ؟
ذهب أكثر العامّة إلى أن ذكاة الجلد دباغته (2)ولم ينقل ذلك من أحد من أصحابنا
1) (*) لا يخلو الحكم بالنجاسة من إشكال بل منر. لأن النجاسة مترتبة على عنوان الميتة وهو لا يثبت باستصحاب عدم التذكية. نعم ، المأخوذ من يد الكافر أو ما يوجد في أرضهم لا يجوز أكله ولا الصلاة فيه ، وبذلك يظهر الحال في كل ما يشك في تذكيته وعدمها وإن لم يكن مأخوذاً من يد الكافر كاللّقطة في البر ونحوها في غير بلاد المسلمين.
2) ذهبت الحنفية إلى أن الدباغ يطهر جلود الميتة إذا كانت تحتمل الدبغ ووافقتهم الشافعية على ذلك إلاّ أنهم خصوا الدبغ المطهر بما له خرافة ولذع في اللسان وأيضاً نسب القول بمطهرية الدبغ إلى المحققين من المالكية كما في الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 26 27.
سوى ابن الجنيد (1)وعن المحدث الكاشاني الميل إليه (2)وأيضاً نسب ذلك إلى الصدوق قدس سره نظراً إلى أنّ فتاواه تتحد غالباً مع الفقه الرضوي وقد ورد التصريح فيه بطهارة الجلد بالدبغ كما يأتي عن قريب ، ولأجل أنه قدس سره أفتى في مقنعه (3)بجواز التوضؤ من الماء إذا كان في زق من جلد الميتة ، فإنّه لم يرد بذلك مطلق الميتة لأن القول بطهارتها مخالف للإجماع القطعي بينهم فيتعيّن إرادة الميتة المدبوغة لا محالة هذا.
وقد استدل على ذلك بأُمور :
منها : مرسلة الصدوق « سئل الصادق علیه السلام عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن والماء والسمن ما ترى فيه؟ فقال : لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن وتتوضأ منه وتشرب ولكن لا تصلي فيها » (4). فإن إطلاقها وإن كان يشمل الميتات كلها سواء دبغت أم لم تدبغ إلاّ أن قيام الإجماع القطعي ودلالة الأخبار المتقدمة على نجاسة الميتة يجعلان الرواية صريحة في إرادة خصوص الميتة المدبوغة. هذا على أن الجلود تفسد وتنتن بمرور الزمان ولا يمكن إبقاؤها من غير دباغة فجعل الماء أو غيره في الجلد يكشف عن أنه كان مدبوغاً في مورد السؤال.
ومنها : رواية الفقه الرضوي : دباغة الجلد طهارته (5).
ومنها : خبر الحسين بن زرارة عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في جلد شاة ميتة يدبغ فيصب فيه اللّبن أو الماء فأشرب منه وأتوضأ؟ قال : نعم وقال : يدبغ فينتفع به ولا يصلّى فيه » الحديث (6).
ولا يخفى أن هذه الأخبار مضافاً إلى ضعف أسنادها بل وعدم ثبوت كون بعضها
رواية فلا يمكن الاعتماد عليها في الخروج عن عمومات نجاسة الميتة معارضة بعدة روايات مستفيضة ، وفيها ما هو صريح الدلالة على عدم طهارة الجلد بالدباغة فتتقدم على تلك الأخبار ومعها لا مناص من حملها على التقية وإليك بعضها :
منها : صحيحة محمد بن مسلم قال : « سألته عن جلد الميتة أيلبس في الصلاة إذا دبغ؟ قال : لا وإن دبغ سبعين مرة » (1).
ومنها : ما رواه علي بن أبي المغيرة قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام الميتة ينتفع منها بشيء؟ فقال لا ، قلت : بلغنا أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله مرّ بشاة ميتة فقال : ما كان على أهل هذه الشاة إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها؟ فقال : تلك شاة كانت لسودة بنت زمعة زوجة النبي صلی اللّه علیه و آله وكانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها فتركوها حتى ماتت فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : ما كان على أهلها إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها أي تذكى » (2)فقد دلّت على حرمة الانتفاع بإهاب الميتة سواء دبغ أم لم يدبغ.
ومنها : خبر عبد الرحمن بن الحجاج قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام إني أدخل سوق المسلمين أعني هذا الخلق الذين يدّعون الإسلام فأشتري منهم الفراء للتجارة ، فأقول لصاحبها : أليس هي ذكية؟ فيقول : بلى فهل يصلح لي أن أبيعها على أنها ذكية؟ فقال : لا ولكن لا بأس أن تبيعها وتقول : قد شرط لي الذي اشتريتها منه أنها ذكية قلت : وما أفسد ذلك؟ قال استحلال أهل العراق للميتة ، وزعموا أن دباغ جلد الميتة ذكاته ، ثم لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك إلاّ على رسول اللّه » (3).
ومنها : ما عن أبي بصير قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الصلاة في الفراء فقال : كان علي بن الحسين علیه السلام رجلاً صرداً لا يدفئه فراء الحجاز لأن دباغها بالقَرَظ فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه ، فاذا
ولا يقبل الطهارة شيء من الميتات سوى ميت المسلم ، فإنّه يطهر بالغسل (1).
[173] مسألة 9 : السَّقط قبل ولوج الروح (2). نجس
حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذي يليه فكان يسأل عن ذلك فقال : إن أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة ويزعمون أن دباغه ذكاته » (1).
ومنها : صحيحة أو موثقة أبي مريم قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام السخلة التي مرّ بها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وهي ميتة ، فقال : ما ضر أهلها لو انتفعوا بإهابها ، قال : فقال أبو عبد اللّه علیه السلام لم تكن ميتة يا أبا مريم ولكنها كانت مهزولة فذبحها أهلها فرموا بها ، فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ما كان على أهلها لو انتفعوا بإهابها » (2).
ومنها : موثقة سماعة قال : « سألته عن جلود السباع أينتفع بها؟ فقال : إذا رميت وسميت فانتفع بجلده ، وأمّا الميتة فلا » (3)هذا على أنّا لو سلمنا مكافئتها مع الأخبار المتقدمة فتتعارضان والترجيح مع الطائفة الدالة على نجاسة الجلد ولو كان مدبوغاً لموافقتها السنة أعني عمومات نجاسة الميتة مطلقاً ، ومخالفتها للعامة كما مرّ.
(1) قد عرفت أن المسألة اتفاقية وتشهد لها جملة من النصوص منها : رواية إبراهيم بن ميمون قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل يقع ثوبه على جسد الميت ، قال : إن كان غسل فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه ، وإن كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه ، يعني إذا برد الميت » (4)ومنها غير ذلك من الأخبار.
(2) وأمّا بعده أي بعد ما تجاوز أربعة أشهر فلا إشكال في نجاسته لأنه ميتة.
وكذا الفرخ في البيض (1)(1)
(1) قد استدل على نجاسة الجنين إذا سقط قبل ولوج الروح فيه بوجوه :
الأوّل : أن الجنين حينئذٍ قطعة مبانة من الحي وقد تقدم أن حكمها حكم الميتة. وأُجيب عنه :
أولاً : بأن الجنين مخلوق مستقل نظير البيض في الدجاجة فلا يعد جزءاً من الحيوان أو الإنسان.
وثانياً : بأن الجنين على تقدير كونه جزءاً من امه فهو من الأجزاء التي لا تحلها الحياة ، وقد عرفت طهارتها.
وثالثاً : بأنه لا إطلاق فيما دل على نجاسة القطعة المبانة من الحي حتى يتمسك به لأن أدلّتها منحصرة بالأخبار الواردة فيما تقطعه الحبال وما ورد في قطع أليات الغنم ولا يشمل شيء منهما المقام أعني ما لم يسبق بالحياة وكان ميتة من الابتداء.
الثاني : ما استدل به المحقق الهمداني قدس سره (2)من قوله علیه السلام « ذكاة الجنين ذكاة امه » (3)بدعوى أن الرواية تدل على أن للجنين قسمين :
أحدهما مذكى والآخر ميتة والأول هو ما ذكي امه والميتة منه هو ما لم تقع على امه ذكاة ، وحيث إن المفروض في إسقاط الجنين عدم تذكية امه فلا محالة يحكم بنجاسته لأنه ميتة.
وهذا الاستدلال منه قدس سره غريب ، لأن غاية ما يمكن استفادته من
الحديث أن الآثار المترتبة على تذكية الام تترتب على جنينها الخارج من بطنها ميتاً وكذا آثار عدم التذكية مترتبة على الجنين الميت بموت أُمه إذا لم تقع عليها التذكية فالرواية إنما تعرضت لحكم الحيوان الميت في بطن امه ، وأمّا الجنين الخارج عن موضوع الحيوان لعدم ولوج الروح فيه وغير القابل للتذكية في نفسه فهو خارج عن مدلول الرواية رأساً.
الثالث : أن الجنين من مصاديق الميتة حقيقة ، لأن التقابل بين الموت والحياة تقابل العدم والملكة فلا يتوقف صدق الموت على سبق الحياة ، كما أن صدق الموات في الأراضي لا يتوقف على سبق عمرانها وصدق العمى لا يتوقف على سبق البصر وإنما يعتبر فيه قابلية المحل فحسب ، وعليه فتصدق الميتة على الجنين لأنه من شأنه أن يكون ذا حياة.
وردّ : بأنه ليس في شيء من أدلة نجاسة الميتة ما يشمل المقام ، حيث إنها إنما وردت في مثل الفأرة تقع في ماء أو زيت أو بئر أو الدابة الميتة ونحوهما مما كان مسبوقاً بالحياة ، فلا تشمل غير المسبوق بها كما في المقام.
وفيه : أن هذا الجواب إنما يتم بالإضافة إلى بعض الأخبار الواردة في نجاسة الميتة ولا يتم بالنسبة إلى الجميع ، فإن الجيفة في مثل صحيحة حريز عن الصادق علیه السلام « كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب فاذا تغيّر الماء وتغيّر الطعم فلا توضأ منه ولا تشرب » (1)مطلقة تشمل الجنين ، لاشتماله على النتن بل ويشمل المذكى أيضاً إذا أنتن إلاّ أنّا خرجنا عن إطلاقها في المذكى بما دلّ على طهارته مطلقاً ، وأمّا غيره فيبقى تحت إطلاقها ومنه الجنين. وظني أن هذا أحسن استدلال على نجاسة الجنين ، ومن ذلك يظهر حكم الفرخ في البيض ، لأنها أيضاً من الجيفة فلا مناص من الحكم بنجاسته ، هذا مضافاً إلى أن المسألة إجماعية كما ادعي.
1) الوسائل 1 : 137 / أبواب الماء المطلق ب 3 ح 1.
[174] مسألة 10 : ملاقاة الميتة بلا رطوبة مسرية لا توجب النجاسة على الأقوى وإن كان الأحوط غسل الملاقي ، خصوصاً في ميتة الإنسان قبل الغسل (1).
(1) في المسألة أقوال عديدة.
أحدها : ما ذهب إليه الكاشاني قدس سره من عدم نجاسة ميت الآدمي وإنما وجب غسله تعبداً أو أنه لجنابته الحاصلة بالموت (1).
وثانيها : ما نسب إليه أيضاً واختاره ابن إدريس في سرائره من أن الميت الآدمي وإن كان نجساً إلاّ أنه غير منجس لملاقيه ، سواء أكانت الملاقاة قبل غسله وبرده أم بعدهما ، وإن لم يكن ظاهر كلامه المحكي مساعداً على هذه النسبة حيث قال : إذا لاقى جسد الميت إناء وجب غسله ولو لاقى ذلك الإناء مائعاً لم ينجس المائع لأنه لم يلاق جسد الميت انتهى. وظاهره أن ملاقي النجس غير منجس لا أن الميت ليس بنجس. نعم ، ذكر ذلك في طي استدلاله فراجع (2).
وثالثها : ما ذهب إليه المشهور من نجاسة الميتة مطلقاً آدمياً كان أم غيره ومنجسيتها فيما إذا كانت الملاقاة حال رطوبتها دون ما إذا كانت في حالة الجفاف.
ورابعها : أن الميتة وإن كانت نجسة مطلقاً إلاّ أنها تمتاز عن بقية النجاسات في كونها منجسة سواء أكانت الملاقاة معها في حال الرطوبة أم مع الجفاف ذهب إليه العلاّمة (3)والشهيدان (4)وغيرهم.
وخامسها : أن ميت الآدمي نجس ومنجس لملاقيه مطلقاً كانت الملاقاة معه مع الرطوبة أم مع الجفاف. وهذا بخلاف سائر الميتات فإنّها إنما تنجس الملاقي فيما إذا
كانت الملاقاة معها في حال الرطوبة كغيرها من النجاسات ، وهذا القول أيضاً نسب إلى العلاّمة وجماعة.
هذه هي أقوال المسألة والصحيح منها ما ذهب إليه المشهور وأفتى به في المتن كما سيظهر وجهه.
أمّا القول الأوّل : فيندفع بما ورد من الأمر بغسل ما لاقاه ميت الآدمي من الثوب واليد وغيرهما ، لأن ظاهره الإرشاد إلى نجاسة الميت الموجبة لنجاسة ملاقيه ، ومن ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه علیه السلام في حديث قال : « سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت فقال : يغسل ما أصاب الثوب » (1)ورواية إبراهيم بن ميمون المتقدمة (2)وغيرهما من الأخبار.
ودعوى : أن الأمر بغسل ما لاقاه الميت أمر تعبدي لا يستكشف به نجاسته غير مسموعة ، لأن لازمها عدم إمكان القول بنجاسة أكثر النجاسات ، لأنّا إنما استفدناها من الأوامر الواردة بغسلها أو بغسل ما يلاقيها إلاّ في موارد نادرة ومنها الكلب حيث صرح بنجاسته في بعض أخبارها بقوله : رجس نجس (3)، فلا بدّ حينئذٍ من التزام طهارة غير الميت أيضاً من الأعيان النجسة من غير اختصاصها بميت الآدمي.
وأمّا القول الثاني : فيتوجه عليه ما قدمناه من الروايات ، لأنها ظاهرة في نجاسة الميت ومنجسيته للملاقي وإنكار دلالتها على ذلك مكابرة واضحة.
وأمّا القول الرابع : وهو دعوى منجسية الميتة لملاقيها مطلقاً ولو مع الجفاف فقد استدل عليه بإطلاق الأخبار الواردة في وجوب غسل ما يلاقي الميتة لعدم تقيدها بحالة الرطوبة. والجواب عن ذلك بوجوه :
الأوّل : أن إطلاقات الروايات منصرفة إلى صورة الملاقاة مع الرطوبة ، لأن هذا
هو المرتكز في الأذهان ، والارتكاز العرفي مانع عن انعقاد الظهور في روايات الباب في الإطلاق.
الثاني : أن الأخبار لو قلنا بإطلاقها معارضة بما رواه ابن بكير : « كل شيء يابس زكي » (1)والنسبة بينهما عموم من وجه ، لظهور أن المطلقات تقتضي نجاسة ملاقي الميتة مطلقاً كانت الملاقاة في حال رطوبتها أم في حال جفافها ولكنها مختصة بالميتة فحسب ، والرواية تعم الميتة وغيرها وتختص باليابس فقط ، فتتعارضان في مادّة اجتماعهما وهي صورة ملاقاة الميتة مع الجفاف وتتقدم الرواية على المطلقات ، لما ذكرناه في محله من أن ما كانت دلالته بالعموم لقوته تتقدم على ما كانت دلالته بالإطلاق (2)ومعه لا تصل النوبة إلى تساقطهما حتى يرجع إلى قاعدة الطهارة.
الثالث : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى علیه السلام قال : « سألته عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت ، هل تصلح له الصلاة فيه قبل أن يغسله؟ قال : ليس عليه غسله وليصل فيه ولا بأس » (3)فإنّها دلت بإطلاقها على عدم منجسية الميتة لملاقيها كانت الملاقاة في حال الرطوبة أم في حالة الجفاف ، والنسبة بينها وبين ما دلت على نجاسة الميتة مطلقاً هي التباين ، إلاّ أن الأخبار الآمرة بغسل ما يلاقي الماء أو السمن الذي تقع فيه الفأرة وتموت الدالة على نجاسة ملاقي الميتة الرطبة (4)قد قيدت إطلاق الصحيحة بما إذا كانت ميتة الحمار يابسة ، وبهذا انقلبت النسبة بينها وبين المطلقات من التباين إلى العموم المطلق ، لأن الصحيحة بعد تقييدها بالميتة الجافة تكون أخص مطلقاً من المطلقات ، فتقيد دلالتها على نجاسة الميتة بما إذا كانت رطبة وهذا هو انقلاب النسبة الذي صححناه في محلّه.
وبما ذكرناه في جواب هذا القول يظهر الجواب عن القول الخامس أيضاً ، وهو
[175] مسألة 11 : يشترط في نجاسة الميتة خروج الروح من جميع جسده فلو مات بعض الجسد ولم تخرج الروح من تمامه لم ينجس (1).
[176] مسألة 12 : مجرّد خروج الروح يوجب النجاسة وإن كان قبل البرد من غير فرق بين الإنسان وغيره (2).
دعوى نجاسة ملاقي الميت الآدمي مطلقاً مستنداً في ذلك إلى التوقيعين (1)وغيرهما من الأخبار الآمرة بغسل ملاقي الميت مطلقاً (2)فإنّه يندفع أوّلاً : بانصراف المطلقات إلى صورة رطوبة الميت بالارتكاز. وثانياً : أنها على تقدير تسليمها معارضة برواية ابن بكير المتقدمة والترجيح مع الرواية ، لأن دلالتها بالعموم.
(1) والوجه في ذلك أن أدلة نجاسة الميتة إنما تقتضي نجاستها فيما إذا صدق أن الحيوان أو الإنسان قد مات ، وهذا لا يكون إلاّ بخروج الروح عن تمام بدنه كما هو ظاهر ما ورد في نجاسة مثل الفأرة إذا وقعت في ماء أو بئر وماتت ، وعليه فلو كنّا نحن وهذه الأخبار التزمنا بطهارة الأجزاء المبانة من الحي ، لأنها ليست بحيوان خرج روحه عن تمام جسده ، إلاّ أن الأدلة اقتضت نجاستها ، حيث نزلتها منزلة الميتة كما قدّمناها في محلّها.
وأمّا إذا خرج الروح من بعض أعضاء الإنسان أو الحيوان وهو متصل بهما فلا يحكم بنجاسته ، لعدم كونه ميتة ولم يقم دليل على نجاسته.
(2) لإطلاقات أدلة نجاسة الميتة من الحيوان والإنسان منها صحيحة الحلبي
المتقدِّمة (1)وقد دلت على وجوب غسل الثوب الذي لاقى جسد الميت من غير تقييده بما إذا كان بعد البرد. وذهب الشيخ قدس سره (2)وجماعة إلى عدم نجاسة ميت الآدمي قبل برده بل نسب ذلك إلى الأكثر واستدل عليه بوجوه :
الأوّل : دعوى عدم صدق الميت مع حرارة البدن ، لعدم انقطاع علقة الروح ما دامت الحرارة باقية.
ويندفع : بأن لازم ذلك عدم ترتب شيء من أحكام الموت على الميت قبل برده من دفنه وغسله والصلاة عليه ، ولا نعرف في جواز ترتبها عليه حينئذٍ مخالفاً من الأصحاب ، كما يلزمه الالتزام بالطهارة وعدم الموت في ميتة سائر الحيوانات أيضاً قبل بردها ولم يلتزم بذلك أحد.
الثاني : دعوى الملازمة بين الغَسل بالفتح والغُسل بالضم فكما لا يجب الثاني قبل برد الميت فكذلك الأول.
ويتوجه عليه : أن الملازمة لم تثبت بينهما بل لا نشك في عدمها لأن مقتضى إطلاقات الأخبار وجوب الغَسل بالفتح من حين طرو الموت كما أن مقتضى صريح الروايات اختصاص وجوب الغُسل بالضم بما بعد برده ، فأين الملازمة بينهما؟
الثالث : ما ورد في ذيل رواية إبراهيم بن ميمون المتقدِّمة (3)من قوله علیه السلام « يعني إذا برد الميت » ، فإنّه صريح في عدم وجوب غسل ملاقي الميت قبل برده.
وفيه : أن من البعيد أن تكون هذه الجملة من كلام الإمام علیه السلام والمظنون بل المطمأن به أنها من كلام الراوي ، فإنّها لو كانت من كلامه علیه السلام لم يكن يحتاج إلى ضم كلمة التفسير وهي قوله : يعني ، بل كان اللازم حينئذٍ أن يقول : إذا برد.
ويؤيد ذلك أن الرواية نقلها الكليني في موضعين من كتابه بطريقين وهي وإن كانت مذيلة بالجملة المتقدمة في أحدهما (1)وهي التي نقلها عنه صاحب الوسائل قدس سره إلاّ أنها غير مذيلة بها في الموضع الآخر (2)فراجع فهذا الوجه ساقط.
الرابع : صحيحة إسماعيل بن جابر قال : « دخلت على أبي عبد اللّه علیه السلام حين مات ابنه إسماعيل الأكبر فجعل يقبّله وهو ميت فقلت : جعلت فداك أليس لا ينبغي أن يمس الميت بعد ما يموت ، ومن مسه فعليه الغسل؟ فقال : أمّا بحرارته فلا بأس إنما ذاك إذا برد » (3)بتقريب أن ظاهر نفي البأس عن مس الميت قبل برده عدم ترتب أثر عليه من النجاسة ووجوب الغسل لعدم احتمال حرمة تقبيل الميت كحرمة الغيبة وقتل النفس قبل برده.
ويرد عليه : أن الرواية ناظرة إلى نفي البأس من ناحية لزوم الغُسل بالضم وهو الذي وقع مورد السؤال في كلام السائل ، ودلت على عدم وجوب الغُسل بالضم قبل برده ، ولا نظر لها إلى نفي نجاسته وعدم وجوب الغَسل بالفتح بملاقاته وحالها حال غيرها من الأخبار الواردة في نفي وجوب الغُسل بالضم بتقبيل الميت قبل برده كما في رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال في حديث « وإن قبّل الميت إنسان بعد موته وهو حار فليس عليه غسل ... » (4).
على أنه لم تفرض في الرواية رطوبة الميت حال تقبيله وإنما نفت البأس عن مسه فحسب ولا ينافي هذا نجاسته ومنجسيته على تقدير رطوبته.
الخامس : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال : « مس الميت عند موته وبعد غسله والقبلة ليس بها بأس » (5)حيث دلت على عدم نجاسة الميت قبل برده بعين التقريب المتقدم في الرواية السابقة.
وترد على هذا الاستدلال أُمور :
الأوّل : أن الإمام علیه السلام إنما نفى البأس عن المس والقُبلة عند الموت أي في حالة النزع أعاذنا اللّه لديه لا بعد الموت ، ومن الظاهر أن الآدمي غير محكوم بالنجاسة حينئذٍ فالرواية خارجة عن محل الكلام ، وهو مس الميت قبل برده.
الثاني : أن الرواية إنما نفت البأس عن المس والقبلة بلحاظ ذاتهما ، وقد دلت على أنهما غير موجبين لشيء ، وهو لا ينافي اقتضاءهما للنجاسة بلحاظ رطوبة الميت.
الثالث : وهو الأولى في الجواب أن الصحيحة على تقدير تسليم دلالتها إنما تدل على عدم نجاسة الميت حينئذٍ بإطلاقها من حيث رطوبته وجفافه ، لعدم صراحتها في ذلك وقد قدمنا أن صحيحة الحلبي الواردة في لزوم غسل الثوب الذي أصاب الميت مختصة بصورة رطوبته ، وذلك إما للقرينة الداخلية والانصراف أو للقرينة الخارجية أعني رواية ابن بكير المتقدِّمة (1)وعليه فصحيحة الحلبي تقيد الصحيحة بما إذا كانت القبلة أو المس قبل البرد مع الجفاف دون ما إذا كانت مع الرطوبة ، فالصحيح أن نجاسة الميت غير مختصة بما بعد برده.
ثم إن هذا الحكم مطرد في جميع أفراد الآدميين إلاّ الأئمة علیهم السلام للأدلة الدالة على طهارة أبدانهم مطلقاً. وأمّا الشهيد فلم يقم دليل على طهارة بدنه بعد موته ، وإطلاق ما دلّ على نجاسة الميت تقضي بنجاسته وذهب صاحب الجواهر قدس سره إلى طهارة الشهيد وعدم نجاسته بالموت (2). وما ذهب إليه وإن كان يساعده الذوق إلاّ أن مقتضى القواعد الشرعية عدم الفرق بينه وبين غيره.
وعدم وجوب تغسيله ليدفن بدمائه وثيابه ويحشر يوم القيامة على الحالة التي دفن بها لا ينافي الحكم بنجاسة بدنه بالموت كالحكم بنجاسته بملاقاة الدم بناء على طهارة بدنه في نفسه ، أجل ، نلتزم بعدم نجاسة المرجوم أو المقتص منه بالموت ، لأنه مغسّل حقيقة فإن الشارع قدّم غسله على موته.
نعم ، وجوب غسل المس للميت الإنساني مخصوص بما بعد برده (1).
[177] مسألة 13 : المضغة نجسة (1)وكذا المشيمة ، وقطعة اللحم التي تخرج حين الوضع مع الطفل (2).
[178] مسألة 14 : إذا قُطع عضو من الحي وبقي معلقاً متصلاً به فهو طاهر ما دام الاتصال ، وينجس بعد الانفصال نعم ، لو قطعت يده مثلاً وكانت معلقة بجلدة رقيقة فالأحوط الاجتناب (2)(3)
(1) كما يأتي في محله.
(2) ليس الوجه في نجاستها كونها من الأجزاء المبانة من الحي ، وذلك لأنها مخلوقة مستقلة وغير معدودة من أجزاء الحيوان أو الإنسان كما مرّ في الجنين والبيضة ، بل الوجه الصحيح في ذلك عموم ما دلّ على نجاسة الجيفة وقد خرجنا عنه في المذكى وميتة ما لا نفس له بالنص وما عداهما باق تحت العموم ، وهذه المسألة عين المسألة المتقدمة أعني نجاسة السقط والفرخ في البيض.
(3) توضيحه : أن العضو تارة تخرج عنه روحه إلاّ انّه عرفاً يعد من توابع الإنسان أو الحيوان ، ويقال إنه من أجزائه كما مثلنا له سابقاً بالعضو المشلول والمفلوج أو ما قطع منه شيء وبقي مقدار آخر وهو متصل بالبدن ، فإنّه معدود من توابع ذي العضو عرفاً ويقال إنه يده أو عضوه الآخر ، وهو حينئذٍ محكوم بالطهارة لفرض طهارة الحيوان.
وأُخرى تنقطع عنه علاقة الروح إلاّ أنه على نحو لا يعدّ من توابع ذي العضو عرفاً
[179] مسألة 15 : الجند المعروف كونه خصية كلب الماء إن لم يعلم ذلك واحتمل عدم كونه من أجزاء الحيوان فطاهر وحلال وإن علم كونه كذلك فلا إشكال في حرمته ، لكنه محكوم بالطهارة لعدم العلم بأن ذلك الحيوان مما له نفس (1).
[180] مسألة 16 : إذا قلع سنّة أو قصّ ظفره فانقطع معه شيء من اللحم فان كان قليلاً جدّاً فهو طاهر وإلاّ فنجس (2).
كاليد المنقطعة المعلّقة بالبدن بجلد رقيق ، وهو حينئذٍ محكوم بالنجاسة وينجّس كلما باشره مع الرطوبة ، فالميزان في طهارة العضو المنقطع عنه روحه هو أن يعدّ من أجزاء ذي العضو عرفاً.
(1) ويقال : إنه مادّة تستعمل في طبخ بعض الحلويات وعلى أي حال فان لم يعلم أنه خصية الكلب حقيقة وإن سمي بهذا الاسم كما في وَرْد لسان الثور فلا إشكال في حليته وطهارته ، وأمّا إذا علمنا أنه خصية كلب الماء حقيقة فيحكم بطهارته أيضاً ، لما تقدم من أن ميتة الحيوانات البحرية طاهرة لأنها مما لا نفس له ، ولا أقل من الشك في أن لكلب الماء نفساً سائلة ولا مناص معه من الحكم بطهارة ميتته. نعم ، يحرم أكلها حينئذٍ ، لأن كلب الماء محرّم الأكل ولا سيما الخصية منه فإنّها محرمة وإن كانت مما يؤكل لحمه.
(2) والوجه في ذلك ما تقدم في مثل الثالول والبثور من أن أدلة نجاسة الأجزاء المبانة من الحي مختصة بما يعد جزءاً من الحي عرفاً فلا يشمل الثالول والقليل من اللّحم جدّاً ، لأنه لا يعدّ من أجزائه عرفاً ، فطهارته لقصور ما يقتضي نجاسته. وهذا بخلاف ما إذا لم يكن اللّحم قليلاً جدّاً.
[181] مسألة 17 : إذا وجد عظماً مجرداً وشكّ في أنه من نجس العين أو من غيره يحكم عليه بالطهارة حتى لو علم أنه من الإنسان ولم يعلم أنه من كافر أو مسلم (1).
(1) لقاعدة الطهارة وبها يحكم بطهارة المشكوك في كلا الموردين.
وقد يستشكل في الحكم بالطهارة في المورد الثاني بأن التقابل بين الكفر والإسلام إنما هو تقابل العدم والملكة ، فان كل من لم يعترف بأُصول الإسلام من التوحيد والنبوة والمعاد فهو كافر فالكفر أمر عدمي ، وعليه فبما أن الإسلام أمر وجودي مسبوق بالعدم فاستصحاب عدمه في مورد الشك يقتضي الحكم بالكفر ، لأنه ليس إلاّ عبارة عن مجرد عدم الإسلام في محل قابل له ، وقد أحرزنا قابلية المحل بالوجدان وإذا حكمنا بكفر من يشك في إسلامه فلا محالة يحكم بنجاسة عظمه.
إلاّ أن هذه المناقشة ساقطة. أمّا أوّلاً : فبالنقض بما إذا شكّ في إسلام أحد وكفره وهو حي ، فإن الأصحاب قد حكموا بطهارته من غير خلاف نجده. بل المتسالم عليه الحكم بإسلامه أيضاً في بعض الفروض كاللقيط في دار الإسلام أو في دار الكفر مع وجود مسلم فيها يحتمل تولده منه ، ومعه كيف يحكم بنجاسة عظمه بعد موته للشك في أنه عظم كافر أو مسلم.
وأمّا ثانياً : فبالحل : وحاصله أن الكفر وإن كان أمراً عدميا والتقابل بينه وبين الإسلام تقابل العدم والملكة ، إلاّ أنه كنظائره مثل العمى ليس من قبيل الموضوعات المركبة بأن يكون الكفر مركباً من قابلية المحل وعدم الإسلام ، والعمى عبارة عن قابلية المحل وعدم البصر ليحكم بكفر من يشك في إسلامه وبعمى من نشك في إبصاره بضم الوجدان إلى الأصل كما هو الحال في الموضوعات المركبة ، فاذا غسلنا المتنجس بماء يشك في طهارته حكمنا بطهارته لأنه غسل بماء حكم بطهارته بالتعبد.
[182] مسألة 18 : الجلد المطروح إن لم يعلم أنه من الحيوان الذي له نفس أو من غيره كالسمك مثلاً محكوم بالطهارة (1).
[183] مسألة 19 : يحرم بيع الميتة (2).
والسر فيما ذكرناه أن الكفر من قبيل البسائط وكذلك العمى ، ومن الظاهر أن استصحاب عدم الإسلام أو عدم البصر لا يثبت العنوان البسيط بل الأمر بالعكس فإنّه إذا شككنا في حدوث ذلك الأمر البسيط أعني الكفر والعمى ونظائرهما نستصحب عدم حدوثه فيحكم بعدم ترتب آثار ذلك الأمر البسيط من النجاسة أو غيرها ، ولا يعارضه أصالة عدم إسلامه إذ الإسلام ليس بموضوع للحكم بالطهارة وإنما الكفر موضوع للحكم بالنجاسة فإن كل إنسان محكوم بالطهارة غير الكافر فما أفتى به في المتن هو المتين.
(1) لأصالة عدم كون حيوانه مما له نفس سائلة وبها يحكم بطهارة جلده ولحمه.
(2) هذا هو المشهور المعروف بين الأصحاب وقد ذهب بعضهم إلى الجواز كما استشكل فيه بعض آخر ، ومنشأ الخلاف في ذلك إنما هو اختلاف الأخبار فقد ورد في بعضها ثمن الميتة سحت (1)وفي بعضها الآخر من السحت ثمن الميتة (2)وفي ثالث السحت ثمن الميتة (3)على اختلاف تعابيرها. وفي رواية البزنطي الواردة في أليات الغنم المقطوعة : « يذيبها ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها » (4)إلى غير ذلك من الأخبار المانعة عن بيع الميتة.
ولا معارض لتلك الأخبار غير رواية أبي القاسم الصيقل وولده قال : « كتبوا إلى الرجل علیه السلام جعلنا اللّه فداك إنّا قوم نعمل السيوف ليست لنا معيشة ولا
تجارة غيرها ونحن مضطرون إليها وإنما علاجنا من جلود الميتة من البغال والحمير الأهلية لا يجوز في أعمالنا غيرها ، فيحلّ لنا عملها وشراؤها وبيعها ومسها بأيدينا وثيابنا ونحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا فكتب علیه السلام اجعلوا ثوباً للصلاة » (1)فإنّها تدل على جواز بيع جلود الميتة المعمولة في أغماد السيوف.
وقد أجاب عنها شيخنا الأنصاري قدس سره بأنها محمولة على التقية لأنها الغالبة في المكاتبات (2).
ولا يمكن المساعدة عليه بوجه. أمّا أوّلاً : فلأن العامة ذهبوا إلى حرمة بيع الميتة النجسة (3)نعم ، يرون طهارتها بالدبغ (4)ومعه كيف تكون الرواية محمولة على التقية.
وأمّا ثانياً : فلأنه لا كلية في التقية في المكاتبات ، ولا موجب لحملها على التقية بعد إمكان الجمع بينها وبين الأخبار المانعة.
وقد يجمع بينهما كما أُشير إليه في كلام شيخنا الأنصاري قدس سره بحمل المجوزة على ما إذا كانت الميتة تابعة للمبيع في المعاملة ولا مانع عن بيعها تبعاً ، إذ المحرّم إنما هو بيعها مستقلة. ويبعّد هذا الجمع أمران :
أحدهما : أن نسبة الغمد إلى السيف ليست نسبة التابع إلى متبوعه بل هو أمر مستقل في المعاملات وقد تكون قيمته أغلى وأزيد من قيمة السيف.
وثانيهما : أنّا لو سلمنا أن الأغماد تابعة في مقام بيع السيوف فالمفروض في الرواية أنهم كانوا يشترون جلود الميتة ليجعلوها أغماداً ولم يردع علیه السلام عن شرائهم هذا مع أن شراءها لم يكن على وجه التبعية بوجه. فالإنصاف أن الرواية تامّة الدلالة
لكن الأقوى جواز الانتفاع بها فيما لا يشترط فيه الطهارة (1).
على جواز بيع الميتة وشرائها. وعليه فلا مناص من حمل المانعة على الكراهة جمعاً بينها وبين الطائفة المجوزة. ولو لا ضعف سند الرواية لحكمنا بكراهة بيع الميتة إلاّ أن ضعفها هو الذي يمنعنا عن الحكم بذلك. نعم ، ورد في بعض الروايات جواز بيع الميتة المختلطة بالمذكى ممن يستحلها (1)إلاّ أنها أجنبية عما نحن بصدده وإن التزمنا بمفادها في خصوص موردها وهو بيع الميتة المختلطة بالمذكى ممن يستحلها ، وعليه فلا مناص من الحكم بحرمة بيع الميتة كما في المتن.
(1) المعروف بينهم هو حرمة الانتفاع بالميتة ومنشأ اختلافهم هو الأخبار الواردة في المسألة ، فقد ورد المنع عن ذلك في عدة روايات.
منها : ما رواه علي بن أبي المغيرة قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام جعلت فداك الميتة ينتفع منها بشيء؟ فقال : لا ... » (2).
ومنها : موثقة سماعة قال : « سألته عن جلود السباع ينتفع بها؟ قال : إذا رميت وسميت فانتفع بجلده وأمّا الميتة فلا » (3).
وفي قبال هذه الطائفة طائفة أُخرى صريحة الدلالة على جوازه منها ما رواه ابن إدريس نقلاً من جامع البزنطي عن الرضا علیه السلام قال : « سألته عن الرجل
1) كصحيحة الحلبي قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام يقول : « إذا اختلط الذكي والميتة باعه ممن يستحل الميتة وأكل ثمنه ». ونظيرها صحيحته الأُخرى المرويتان في الوسائل 17 : 99 / أبواب ما يكتسب به ب 7 ح 1، 2.
2) الوسائل 3 : 502 / أبواب النجاسات ب 61 ح 2 ، وكذا 24 : 184 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 34 ح 1.
3) الوسائل 3 : 489 / أبواب النجاسات ب 49 ح 2 ، وكذا 24 : 185 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 34 ح 4.
تكون له الغنم يقطع من ألياتها وهي أحياء أيصلح له أن ينتفع بما قطع؟ قال : نعم يذيبها ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها » (1)لأنها صريحة في جواز الانتفاع بالميتة بالاستصباح ، وهاتان الطائفتان متعارضتان ومقتضى الجمع بينهما أحد أمرين :
أحدهما : حمل المانعة على الكراهة لأنها ظاهرة في الحرمة والطائفة المجوّزة صريحة في الجواز ، ومقتضى حمل الظاهر منهما على النص أن يلتزم بكراهة الانتفاع بالميتة وإلى هذا يشير ما ورد في صحيحة الوشاء قال : « سألت أبا الحسن علیه السلام فقلت : جعلت فداك إن أهل الجبل تثقل عندهم أليات الغنم فيقطعونها؟ فقال : حرام هي فقلت : جعلت فداك فيستصبح بها؟ فقال : أمّا علمت أنه يصيب اليد والثوب وهو حرام » (2)لأنه من الضروري عدم حرمة تنجيس اليد والثوب في الشريعة المقدّسة وبهذا تكون الرواية ظاهرة في أنه علیه السلام في مقام التنزه عن الانتفاع بالميتة.
وثانيهما : حمل المانعة على إرادة الانتفاع بالميتة كما ينتفع من المذكى باستعمالها في الأكل وغيره مما يشترط فيه الطهارة لأنه الظاهر من قول السائل ينتفع بها أي هل ينتفع بها كالانتفاع بالمذكّى؟ وهذا الجمع أقرب إلى الذوق ، وعليه فالمحرم خصوص الانتفاع بها فيما يشترط فيه الطهارة والتذكية. وأمّا ما لا يشترط فيه شيء منهما فالانتفاع فيه بالميتة محكوم بالجواز ، هذا.
ثم إن الماتن وإن أفتى بجواز الانتفاع بالميتة في المقام إلاّ أنه يأتي منه قدس سره في حكم الأواني ما يناقض ذلك فانتظره.
( هذا تمام الكلام في نجاسة الميتة. والحمد لله ربّ العالمين )
فهرس الموضوعات
الموضوع / الصفحة
الطّهارة
فصل في المياه... 1
انقسام الماء إلى مطلق ومضاف... 1
أقسام الماء المطلق... 2
الآيات الدالّة على طهورية الماء... 4
الروايات الدالّة على طهارة الماء... 12
الروايات الدالّة على مطهّرية الماء... 14
الماء المضاف... 15
أدلّة عدم مطهّرية المضاف من الحدث... 16
فتوى الصدوق بجواز الوضوء والغسل بماء الورد... 18
عدم مطهّر المضاف من الخبث... 24
في ما سلكه الكاشاني ( قدس سره ) من كفاية إزالة العين في التطهير... 25
في ما ذهب إليه السيد والمفيد ( قدس سرهما ) من كفاية الغسل بالمضاف في التطهير 27
الأخبار الدالّة على لزوم كون التطهير بالماء... 28
الأخبار الواردة في جواز التطهير بالمضاف... 31
انفعال المضاف بالملاقاة مع النجاسة وإن كان كثيراً... 34
عدم تنجس العالي من المضاف بملاقاة سافله للنجاسة... 38
عدم زوال الاطلاق بالتصعيد... 39
المضاف المصعّد... 40
طهارة المائع المتنجس بالتصعيد... 41
صور الشك في الإضافة والاطلاق... 42
طهارة المضاف النجس بالاستهلاك... 46
حكاية طهارة المضاف النجس باتصاله بكر أو مطر... 46
إلقاء المضاف النجس في الكر... 49
حكم الوضوء عند انحصار الماء في المخلوط بالطين... 54
أحكام الماء المتغيِّر... 56
انفعال الماء بأقسامه بالتغيّر بأحد الأوصاف الثلاثة... 56
تنجّس الماء المتغيّر بلون النجس ونزاع صاحب المدارك فيه... 59
التغيّر بالمجاورة ونقل كلام المحقق الهمداني في المقام... 60
التغيّر بأوصاف المتنجس ونقل كلام الشيخ الطوسي في المقام... 62
اعتبار التغيّر الحسّي... 67
حكم التغيّر أوصاف النجس... 72
دعوى الجواهر انصراف الأخبار إلى التغيّر بالانتشار لا التغيّر بالتأثر... 72
كفاية زوال الوصف العارضي للماء في تنجسه... 74
تغيّر بعض الماء... 75
التغيّر بعد الملاقاة بزمان... 79
التغيّر بسبب المجموع من الداخل والخارج... 80
الشك في التغيّر وعدمه أو كونه للمجاورة أو بالملاقاة أو كونه بالنجس أو بطاهر... 81
استناد التغيّر إلى الطاهر والنجس... 82
زوال التغيّر بنفسه... 83
فصل في الماء الجاري... 87
أدلّة اعتصام الجاري القليل... 89
عدم اعتبار الدفع والفوران في اعتصام الجاري... 99
الماء الجاري من غير مادة... 100
الشك في وجود المادة للماء... 101
اعتبار الاتصال بالمادة في اعتصام الجاري... 110
معنى دوام النبع الذي اعتبره الشهيد في الجاري... 111
الراكد المتصل بالجاري كالجاري... 115
حكم العيون التي تنبع في الشتاء دون الصيف... 115
تغيّر بعض الجاري... 116
فصل في الماء الراكد : القليل... 118
أخبار انفعال القليل... 119
أخبار عدم انفعال القليل... 120
ما استدلّ به الكاشاني ( قدس سره ) على عدم انفعال القليل... 120
وجوه أُخرى استدلّ بها الكاشاني ( قدس سره )... 131
انفعال القليل بالمتنجس ومناقشة الآخوند والإصفهاني ( قدس سرهما )... 137
التفصيل بين المتنجس مع الواسطة والمتنجس بدون واسطة... 140
انفعال القليل بالدم القليل خلافاً للشيخ الطوسي ( قدس سره )... 144
قول صاحب المعالم بعدم اعتصام الكر إذا كان متفرقاً... 147
التفصيل بين الوارد والمورود... 148
التفصيل بين استقرار النجس وعدمه... 149
أحكام الكرّ... 151
تحد الكرّ بالوزن... 151
تحديد الكرّ بالمساحة... 158
الكلام في بيان النسبة بين التحديدين... 170
تنجّس القليل بملاقاة السافل للنجاسة وبالعكس... 173
انجماد بعض الماء... 174
الشك في كرية الماء... 175
الشك في تقدّم الكرية أو الملاقاة... 184
الشك في تقدّم الملاقاة على الكرية... 194
حدوث الكرية والملاقاة معاً... 195
وقوع النجاسة فيما يعلم بكريته إجمالاً... 197
العلم الاجمالي بوقوع النجاسة في الطاهر أو النجس... 200
العلم الاجمالي بوقوع النجاسة في المطلق أو المضاف... 201
القليل النجس المتمم كرّاً... 202
فصل في ماء المطر... 210
الروايات الدالّة على اعتصام المطر... 211
عدم اعتبار الجريان من الميزاب في اعتصام ماء المطر خلافاً للطوسي وابن حمزة... 213
عدم اعتصام الماء المجتمع بعد انقطاع المطر إذا لم يكن كرّاً... 216
كيفية التطهير بالمطر... 217
عدم اعتبار العصر والتعدّد في التطهير بالمطر... 218
طهارة الماء المتنجس بنزول المطر عليه وعدم اعتبار الامتزاج... 220
تطهير الأرض بالمطر... 222
المقدار المعتبر في التطهير بالمطر... 223
تقاطر المطر من السقف أو من على ورق الشجر... 225
فروع التطهير بالمطر... 225
فصل في ماء الحماّم... 227
الأقوال في اعتصام ماء الحمّام... 227
مناقشة الأنصار في تصحيحه رواية بكر بن حبيب... 228
نقد الاستدلال ببعض الأخبار على اعتصام ماء الحمّام وإن لم تبلغ مادّته كرّاً... 229
التفصيل في اعتصام ماء الحمّام بين الرفع والدفع... 231
فصل في ماء البئر... 234
الأقوال في اعتصام ماء البئر... 234
أخبار اعتصام ماء البئر... 235
أخبار انفعال ماء البئر... 242
طهارة الآلات بالتتبع... 252
كفاية مطلق إخراج الماء وعدم لزوم النزح... 253
استحباب النزح عند عدم تغيّر البئر... 255
طهارة ماء البئر إذا زال تغيّره ولو من قبل نفسه... 256
طهارة الماء الراكد باتصاله بكر وإن لم يحصل الامتزاج... 256
كيفيّة تطهير الكوز... 257
تطهير الماء المتغيّر بالقاء الكرّ عليه... 258
طرق ثبوت النجاسة... 258
الكلام في كفاية مطلق الظن أو اعتبار العلم في ثبوت النجاسة... 258
ثبوت النجاسة بالبيّنة... 260
ثبوت النجاسة بخبر الواحد... 264
ثبوت النجاسة بقول ذي اليد... 266
تقدّم البينة على إخبار ذي اليد بالنجاسة... 269
تعارض البينتين في الأخبار بالنجاسة... 270
أكثرية إحدى البينتين في الأخبار بالنجاسة... 270
ما تثبت به الكرية... 272
شرب الماء النجس... 274
سقي الماء النجس للأطفال والحيوانات... 275
وجوب الإعلام بالنجاسة وحرمة التسبيب إلى شرب النجس... 276
جواز بيع الماء النجس مع الإعلام... 277
فصل في الماء المستعمل... 278
الماء المستعمل لرفع القذارة والنجس... 278
نسبة القول بنجاسة الماء المستعمل في الوضوء إلى أبي حنيفة... 279
الماء المستعمل في الطهارة المندوبة وما نسب إلى المفيد من استحباب التنزّه عنه... 279
الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر... 282
الماء المستعمل في الاستنجاء... 300
الماء المستعمل في رفع الخبث... 309
القطرات المنتضحة في الإناء عند الغسل... 318
شروط طهارة ماء الاستنجاء... 320
ما شك في كونه ماء الاستنجاء... 324
الماء المستعمل الكثير... 325
الماء المختلف بعد العصر... 328
الطهارة التبعية... 329
عدم اعتبار التعدّد في ملاقي الغسالة... 331
غسالة الغسلة الاحتياطية... 333
فصل في الماء المشكوك... 334
الماء المشكوك النجاسة... 334
الشك في إطلاق الماء... 334
الشك في إباحة الماء... 334
العلم الاجمالي بالنجاسة في شبهة محصورة... 339
العلم الاجمالي بالنجاسة في شبهة غير محصورة... 339
حكم ما لو اشتبه مضاف في محصور أو غير محصور... 340
حكم انحصار الماء في المشكوك إطلاقه وإضافته... 342
العلم الاجمالي بالنجاسة والإضافة... 342
العلم الاجمالي بنجاسة الماء أو غصبيته... 343
التوضؤ بالمشتبه بالمضاف... 345
ملاقي الشبهة المحصورة... 347
حكم انحصار الماء في المشتبهين من حيث وجوب التيمم أو التوضؤ... 356
إذا كان هناك إناءان أحدهما نجس والآخر طاهر فأُريق أحدهما... 360
استعمال الإناء مع الشك في الإذن... 361
العلم الاجمالي بنجاسة الماء بعد العمل... 362
استعمال أحد المشتبهين بالغصبية... 364
فصل في الأسئار... 366
سؤر نجس العين... 366
سؤر طاهر العين وإن حرم لحمه... 367
سؤر المسوخ والجلال... 368
سؤر المؤمن... 369
سؤر الهرة ومكروه اللحم والحائض والمتهم... 370
فصل في النجاسات... 373
بول وغائط ما لا يؤكل لحمه... 373
ذرق الطيور المحرّمة وأبوالها... 375
ذرق الخفاش وبوله... 380
بول وغائط ما يؤكل لحمه... 382
فضلة ما لا نفس له... 387
ملاقاة النجاسة في الباطن... 389
بيع البول والغائط... 394
الانتفاع بالبول والغائط... 403
بول وغائط حيوان يشك أنه مأكول اللحم... 404
الشك في حلِّيّة الحيوان... 407
نجاسة المني... 412
طهارة المذي والوذي والودي... 416
نجاسة الميتة... 419
الأجزاء المبانة من الميتة... 422
طهارة البيضة... 423
حكم الإنفحة... 427
حكم اللبن في الضرع... 429
الأجزاء المبانة من الحي... 433
فأرة المسك... 437
أقسام المسك... 440
صور الشك في طهارة الفأرة... 441
ميتة ما لا نفس له... 443
المراد من الميتة... 447
أمارات التذكية : يد المسلم... 452
أمارات التذكية : أرض المسلمين... 454
عدم مطهّريّة الدبغ... 455
نجاسة السقط... 458
ملاقاة الميتة بلا رطوبة... 461
اشتراط خروج الروح من جميع الجسد في نجاسة الميتة... 464
نجاسة الميت قبل البرد... 464
نجاسة المقطوع المعلق بالبدن... 468
حكم الجُند... 469
العضو المشكوك طهارته... 470
بيع الميتة... 471
الانتفاع بالميتة... 473
الصورة
الصورة