موسوعة الإمام الخوئی جلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

عنوان قراردادی : عروه‌الوثقی . شرح

عنوان و نام پديدآور : التنقیح في شرح‌العروة الوثقی/ [محمدکاظم‌بن عبدالعظیم یزدی]؛ تقریرا لابحاث ابوالقاسم الموسوی الخوئی؛ تالیف علی الغروی.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثار‌الامام‌الخوئی (قدس‌سره)؛ [بی‌جا]: التوحید للنشر، 1418ق.= 1998م.= 1377 -

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسوعه الامام الخوئی.

شابک : ج.1 964-6084-03-6 : ؛ ج. 2، چاپ دوم 964-6084-10-9 : ؛ ج.٬3چاپ سوم 964-6084-05-2 : ؛ ج.٬4 چاپ سوم ‌964-6084-04-4 : ؛ ج. 5، چاپ سوم 964-6084-08- 7 : ؛ ج.6 964-6084-17-6 : ؛ ج.7 964-6084-19-2 : ؛ ج.8 964-6084-18-4 : ؛ ج.9 964-6084-21-4 : ؛ ج.10 964-6084-20-6 :

يادداشت : عربی.

يادداشت : ج.1 - 10(چاپ سوم: 1428ق.= 2007م.= 1386 ).

يادداشت : ج. 1، 7 ، 9 ، 10 کتاب حاضر توسط موسسه احیاء آثار‌الامام‌الخوئی (قدس‌سره) منتشر شده است.

یادداشت : کتابنامه..

مندرجات : ج. 1. التقلید.- ج. 2، 4 ، 6 ، 7 و 9. الطهاره

موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه‌الوثقی -- نقد و تفسیر

موضوع : فقه جعفری -- قرن 14

شناسه افزوده : غروی، علی، 1280 - 1376.

شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمد کاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه‌الوثقی. شرح

شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)

رده بندی کنگره : BP183/5/ی‌4ع‌4021373 1377

رده بندی دیویی : 297/342

شماره کتابشناسی ملی : م‌78-8589

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اطلاعات رکورد کتابشناسی : فهرست قبلی

المؤلف: الشيخ علي الغروي

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه

المطبعة: توحيد

الطبعة: 0

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 1418 ه.ق

ISBN (ردمك): 964-6084-03-6

المكتبة الإسلامية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ

وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ

مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ

اشارة

التَّنْقِيحُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی

تقرير الإبحاث

الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره

«1317 - 1413 ه»

التقليد

تأليف آية اللّه الشهيد الشيخ ميرزا علي الغروي قدس سره

طبعة منقحة

مؤسسة الخوئي الإسلامية

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية

الجزء الأول

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+

تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م

المطبعة: نينوي

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

6 - 03 - 6084 - 964 : ISBN

Email:info@alkhoei.net

www.alkhoei.com

www.alkhoei.net

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة المؤسسة

اشارة

مؤسسة الخوئي الإسلامية هي مؤسسة فكرية ثقافية علمية تعنى بنشر الثقافة والفكر الإسلامي السمح تطبيقاً لمنهج رسول الرحمة محمد صلى الله عليه واله وأهل بيته؛ ك-ان تأسيسها سنة 1417هجري ومن اهتماماتها الرئيس إحياء ونشر آثار الإمام الخوئي قدس سره الفكرية والعلمية وغيرها من جميع الجهات .

يعرفُ الكل الإمام الخوئي قدس سره بلقب زعيم الحوزة العلمية وهذا اللقب جاء له من الإمام السيد محسن الحكيم قدس سره لأسباب من جملتها أنه أجتمع عند الإمام الخوئي قدس سره الآلاف من العلماء والفضلاء والمجتهدين فقرروا دروسه وألفوا في ذلك العديد من المؤلفات - بالإضافة إلى ما سجّله قلمه الشريف - التي أصبحت تلك الكتب اليوم مصدراً ومدار البحث العلمي والتدريس في الحوزات العلمية الشيعية حيث لا يستغني عن مراجعتها أحد .

مما فرض على مؤسسة الخوئي الإسلامية أن تنهض بإخراج هذه الآثار العلمية في مسلسلات فقهية وأصولية وتفسيرية - من أبحاث الإمام الخوئي قدس سره التي ألقاها على الفضلاء من طلاب الحوزة العلمية في النجف الأشرف - بتنسيق فريد ومزايا تليق بهذا المستوى من الآثار العلمية.

وكان شروعه قدس سره بتدريس الفقه من فروع العروة الوثقى للسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي رحمه الله في 27 ربيع الأول من سنة 1377هجري مبتدئاً بكتاب الاجتهاد والتقليد.

كما كان شروعه قدس سره بتدريس علم الأصول في سنة 1352هجري .

موسوعة الإمام الخوئي :

تقدم المؤسسة موسوعة الإمام الخوئي في خمسين مجلداً من أبحاث فقهية وأصولية وتفسيرية ومجموعة من الرسائل العلمية في مجلدات مترابطة وهي كما يلي :

1- التنقيح في شرح العروة الوثقى : تقرير آية الله الشهيد الشيخ ميرزا علي الغروي رحمه الله في مجلد واحد يبحث عن الاجتهاد والتقليد وتسع مجلدات في الطهارة.

2- المستند في شرح العروة الوثقى : تقرير آية الله الشهيد الشيخ مرتضى البروجردي رحمه الله في عشر مجلدات تبحث عن الصلاة ومجلدان في الصوم ومجلدان في الزكاة

و مجلد واحد في الخمس ومجلد واحد في الإجارة.

3- المعتمد في شرح العروة الوثقى وفي شرح المناسك : تقرير آية الله الشهيد السيد محمد رضا الموسوي الخلخالي رحمه الله في أربع مجلدات تبحث في الحج.

4 - المباني في شرح العروة الوثقى : تقرير العلامة الشهيد حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد تقي الخوئي رحمه الله في مجلدين تبحث في النكاح ومجلد واحد في المضاربة والمساقاة.

5- الفهارس العامة : في مجلد واحد وهي فهارس شرح العروة الوثقى من إخراج و تحقيق اللجنة العلمية .

6- مصباح الفقاهة : تقرير آية الله الشيخ ميرزا محمد علي التوحيدي رحمه الله مجلد واحد يبحث في المكاسب المحرمة.

7 - التنقيح في شرح المكاسب : تقرير آية الله الشهيد الشيخ ميرزا علي الغروي رحمه الله في مجلدين يبحث البيع وثلاث مجلدات في الخيارات .

8 - مباني تكملة المنهاج : وهو من تأليف الإمام الخوئي قدس سره يبحث في مجلدين شرح تكملة منهاج الصالحين في القضاء والشهادات والحدود والقصاص والديات .

9 - محاضرات في أصول الفقه : تقرير آية الله الشيخ محمد اسحاق الفياض حفظه الله يبحث في أربع مجلدات مباحث أصول الفقه قسم الألفاظ .

10- مصباح الأصول : تقرير آية الله الشهيد السيد محمد سرور الواعظ البهسودي رحمه الله يبحث في مجلدين مباحث أصول الفقه قسم الحجج والأصول العملية.

11- مجمع الرسائل : تشتمل على ست رسائل علمية في مواضيع مختلفة وهي كالتالي:

أ- رسالة في الرضاع : تقرير آية الله الشيخ محمد تقي الإيرواني رحمه الله وآية الله السيد محمد مهدي الموسوي الخلخالي حفظه الله.

ب- رسالة في الأرث : تقرير العلامة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد الجواهري حفظه الله .

ج- رسالة في الأمر بين الأمرين : تقرير آية الله الشيخ محمد تقي الجعفري رحمه

الله يبحث في موضوع كلامي .

د- رسالة في كليات علم الرجال : تأليف الإمام الخوئي قدس سره .

و- رسالة في نفحات الإعجاز: تأليف الإمام الخوئي قدس سره .

ي- رسالة في اللباس المشكوك : تأليف الإمام الخوئي قدس سره .

12- البيان في تفسير القرءآن : مدخل لعلوم القرءان الكريم وتفسير سورة الفاتحة تأليف الإمام الخوئي قدس سره .

وبهذه تتم موسوعة الإمام الخوئي في خمسين مجلداً .

مزايا هذه الموسوعة :

1- بذل الجهد في تقويم المتن والشرح وضبطه وتصحيحه مع التحفظ والتحرز - مهما أمكن - على حفظ نصوص هذه الكتب وأسلوبها البياني .

2- تحديد النصوص وجعل العلامات المناسبة لها .

3- ضبط وإلحاق تعليقات الإمام الخوئي قدس سره على حاشية العروة الوثقى.

4- تخريج الآيات القرءانية والأحاديث الشريفة والأقوال والآراء وغيرها وإرجاعها إلى مصادرها الأصلية. وتعيين ما أشير إليه في الكتب من صفحات حول : ( ما تقدم ) و ( ما يأتي ) وما أحيل فيه إلى سائر الأبحاث الفقهية والأصولية والرجالية والتفسيرية وغيرها.

5- تنظيم فهارس عامة لمجلدات شرح العروة الوثقى تشمل أهم موضوعات الكتب ومصادرها و آياتها ورواياتها.

هذا وقد قمنا بتشكيل لجان مختلفة للتحقيق والتنقيح؛ منها اللجنة العلمية ولجنة المقابلة ولجنة إستخراج المصادر ولجنة الطباعة ولجنة تقويم النص وغيرها من اللجان؛ وقد شاركنا في هذا المجهود العظيم والكبير عدة من فضلاء ومحققين وأساتذة الحوزة العلمية حيث لا يسعني إلا تقديم الشكر الجزيل والثناء العظيم لهم وأدعوا الله عز وجل أن يحفظهم جميعاً وجزاهم الله خير الجزاء.

أرى من اللازم عليّ أن أخص بالشكر منهم سماحة العلامة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد صادق سيبويه حفظه الله حيث كان له الدور والمجهود الكبير في تحقيق وإخراج هذه الموسوعة بهذه الحلة الجديدة فلله دره وعليه أجره.

وهناك نشاطات أخرى للمؤسسة نذكر جملة منها :

1- إعداد وتنظيم الأشرطة الصوتية لبحث الخارج للإمام الخوئي قدس سره لعلم

الأصول الدورة السابعة وهي الأخيرة و لجملة من أبواب الفقه.

2- طبع كتب من جملتها : منهاج الصالحين بجزئيه ؛ المسائل الشرعية بجزئيه، مناسك الحج مع بعض الملحقات، المسائل المنتخبة، رثاء القيم إرجوزة في الإمامة، توضيح المسائل؛ استفتاءات والأخيران باللغة الفارسية وكل هذه الكتب من تأليف الإمام الخوئي قدس سره .

كما طبعنا بعض تقارير درسه الشريف لبعض طلابه التي لم نضعها في الموسوعة وهي : مصابيح الأصول تقرير آية الله الشهيد السيد علاء الدين بحر العلوم رحمه الله؛ في مجلد واحد من مباحث الألفاظ لعلم الأصول.

جواهر الأصول تقرير آية الله الشيخ فخر الدين الزنجاني حفظه الله؛

3- تأسيس موقع الكتروني يحتوي على تراث الإمام الخوئي قدس سره العلمي والفكري والإجتماعي والمؤسساتي والسياسي وغيرها حيث بذلنا ما بوسعنا ليحتوي على كل ما يتعلق بالإمام الخوئي قدس سره من نشاط؛ ويوجب سهولة الإستفادة من كل هذا التراث الكبير والكم الهائل من الكتب والأشرطة وغيرها .

4- الإجابة على الأسئلة الشرعية التي تردنا من مقلدي الإمام الخوئي قدس سره من أنحاء العالم بواسطة لجنة شرعية من أساتذة الحوزة العلمية.

5- المشاركة في المؤتمرات والندوات العلمية والفكرية التي تدعوا إلى الحوار بين الأديان والتقريب بين المذاهب الإسلامية وإشاعة روح التعايش والسلم؛ ترسيخاً لمنهج وفكر مدرسة الإمام الخوئي قدس سره ومدرسة النجف الأشرف .

6- تأسيس مركز دراسات وأرشفة حياة الإمام الخوئي قدس سره ونشاطاته وكل ما يتعلق به .

هذا ولا يفوتنا التنبيه على أن هذه الطبعة الرابعة من موسوعة الإمام الخوئي مزوّدة بجدول الخطأ والصواب وتصحيح بعض الأخطاء السابقة مما زاغ عنه البصر.

وفي الختام نسأل المولى العلي القدير أن يتقبل هذا الجهد منا ومن الجميع وان يسجّله في صحيفة أعمالنا آمين رب العالمين

مؤسسة الخوئي الإسلامية

جواد الخوئي

13 / رجب / 1430

مقدمة موسوعة الإمام الخوئي

للعلّامة السيد مرتضى الحكمي

المرجعية بدايتها ونهايتها. مقومات المرجعية ومراحلها. دعم مدرسة أهل البيت عليهم السلام. ركائز الحكم الاسلامي مفهوم النيابة العامة . مفهوم الولاية المطلقة الولاية في القرآن. مناقشات حول الولاية المطلقة ولاية الفقيه المرجعيّة العُليا. مُعطيات مرجعية الإمام الخوئي العليا مسؤوليات مرجعيّة الإمام الخوئي. بين الحكومة الاسلامية وحاكميّة الاسلام حياته السياسية خصائصه السلوكية والذاتية. سياسته الحوزوية. سياسته الفتوائية واقع الاجتهاد عند الامام الخوئي. موقف الامام الخوئي من الاجتهاد السياسي. الاتجاهات التجدّديّة . منهجية الإمام الخوئي في إحياء العلوم إبداعاته في علوم القرآن . النهج التفسيري للإمام الخوئي. موضوع الناسخ والمنسوخ إعجاز القرآن على مفهوم جديد نزعة التعايش المذهبي في تفسيره. وجهات النظر حول تفسير البيان. تفاعلات حول القراءات والأحرف السبعة . مردودات الباحثين. اشادات المعنيِّين بعلوم القرآن. من إبداعاته في الأصول. من إبداعاته في الفقه والقواعد الفقهية. من إبداعاته في الفلسفة الاسلامية. من إبداعاته في علم الرّجال. خاتمة المطاف. عوداً على بدء.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الإمام الخوئي قائداً للدين ورائداً للعلم

اشارة

قائداً للدين ورائداً للعلم (1)

الواقع : إنّ الإشادة بشخصيّة الإمام الخوئي الكفوءة ذات الأبعاد الشاسعة، المشحونة بالروائع والأحداث، وملابسات الأمور يصعب الإلمام بها، والبتّ فيها .

فإن أو فى المتحدِّث عن تاريخ حياته العامة، فانّه يقصر عن الإيفاء بمكانته العلمية، وإن استطاع أن يلم بقدر من ذلك، فانه يذهل أمام بطولاته الجهادية والسياسية ، ومجمل مواهبه، وميزاته ، وعبقريّاته .

والحق: إن حياة الإمام الخوئي - كلها - مزاياً علميّة ، وجهادية، وسلوكية تفرد بها ، كما تفرد بما أوتي من إبداعات علمية ، كشفت عما وهبه الله من قوة الابتكار، وعمق التفكير وتوقد الذهن ودقة النظر، تلك العوامل التي كوّنت منه الشخصية الملهمة. وجمعت فيه عناصر النبوغ في العلوم العقلية والنقليّة، على مستوى القمة من العلم والإبداع.

كان يتحلّى بالجهد في رفع مستوى العلم والإجتهاد، تذوب زعامته في الجهاد العلمي والسياسي والاجتماعي ، ودعم الصحوة الاسلامية بالريادة والقيادة.

تنزع شخصيته إلى الوحدة الاسلامية، والتعايش المذهبي في توحيد ثقافة المسلمين . وعقيدتهم بالثوابت من الاسلام، حاول في كلّ ذلك بلورة العقائد الاسلامية المأثورة حتى أصبح موئلاً للمسلمين .


1) ولد عام 1317 ه، وتوفي عام 1413ه.

المرجعيّة - بدايتها ونهايتها:

بدأت المرجعية في الاسلام بالرجوع إلى النبي صلی الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام، فيما شرعه الله في هذه الآيات: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ...) (1)(وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ...)(2)لخلافتهم عن الرسول ، وبما أودعهم من علم وقضاء وحكم، ثم إلى النواب الأربعة في النيابة الخاصة في الغيبة الصغرى، ثم إلى الأمثل من الفقهاء الذين حقت أهليتهم للنيابة العامة في عصر الغيبة الكبرى.

وبذلك يحق لنا أن نقول : بدأ الدين بالوحي والبلاغ، وانتهى إلى الفتوى والتقليد، وبتعبير آخر بدأ بالتمسك بالرسالة الإلهية، وخُتِمَ بالأخذ من الرسالة العملية للفقهاء.

مقومات المرجعية ومراحلها :

1 - المرجعية الدينية وتستلزم القدرة على الإجتهاد والإفتاء، وتيسير الأحكام للمكلفين .

2 - المرجعية العلمية : وتتطلب التأهل لإدارة الحوزة العلمية، ورفع مستواها، ومحاولة تطوير العلوم الاسلامية، وتحويرها بما يُلقى عليها من دروس اجتهادية حرّة مستجدة في مباني الفقه والأصول، والتفسير، والرّجال - وهي من معدات الإجتهاد - وبما يعد لها من أبحاث، ومجتهدين.

3 - المرجعية العامة : وتتحقق بالتأهل لتلك المقومات العلمية والدينية، لتكون قاعدة صلدة، قادرة على أداء مسؤولياتها، في تقوية الدين والإيمان، والثبات عليه .

4 - المرجعية العليا وتستقر على ركائز القيادة العامة، التي تميزها الأعلمية، والاقتدار الفائق على حفظ رقعة الاسلام، وتحصن المسلمين، في مختلف الأحداث العالمية التي تهددهم وتهدفهم، وتحاول الإطاحة بهم، وتعمل على نهب ثرواتهم، وسحق


1) النساء : 65.

2) النساء: 83.

مقدساتهم، والتلاعب بمقدراتهم، كما تمكنهم من الوقوف صفاً واحداً، ويدا واحدة على أعدائهم، بالتماسك، والنفر، والجهاد والوقوف وراء هذه المرجعية العليا التي تميزت بأفضل ما تميزت به المرجعيات الأخرى، وأن تعدّ لهم ما استطاعوا من قوة، وفي مقدماتها وحدة الكلمة ووحدة القيادة والتمسك بكلمة التوحيد .

وعلى ذلك تدرّج الإمام الخوئي من مرحلة إلى أخرى، حتى حاز المرجعية العليا، بجدارة، وتفوّق، وحتى قاد الثورة على الظلم والطغيان.

وهكذا تدرّج الإمام الخوئي، في نبوغه طالباً للعلم، ثم أستاذاً للعلوم، ثم محققاً يعد المجتهدين، ثم زعياً يقود المسلمين في العالم الاسلامي.

فكان السيد الخوئي - في مرجعيّته العالمية - شديد الاحتياط في الدين، وشديد الحذر والتحفظ في السياسة، وحديد النظر فيما يجري من أمور ، لا يقدم على شيء يستغله الحكام في مجرى السياسة وحركاتها.

وبقي طيلة حياته ؛ مدافعاً عن الاسلام والمسلمين، مُسانداً للحوزات العلمية من أن تمتد إليها يد الاستعمار وأذنابه بالتحرّف.

دعم مدرسة أهل البيت :

ومن الثابت أنّ لأهل البيت عليهم السلام مدرسة وطريقة ، وليست مذهباً كسائر المذاهب التي نجمت عن اجتهاد المجتهدين، وما يُسمّى بمذهب أهل البيت عليهم السلام - تجوزاً - ليس إلا واقع الاسلام، وأصله الذي بنى عليه الرسول رسالته التشريعية والاعتقادية.

فإنّ أهل البيت عليهم السلام ليسوا إلّا حملة الرسالة وحماتها ، لا يختلفون في أقوالهم وأفعالهم عما جاء به الرسول صلی الله عليه وآله وسلم ، ولذلك اقتضت عصمتهم وإمامتهم بعد الرسول صلی الله عليه وآله وسلم . وكانوا أحد التقلين المتماثلين الذين يجب التمسك بهما.

والواقع انهم ليسوا برواة كغيرهم - بل هم يفرغون عن سنة النبي صلی الله عليه وآله وسلم ، تلك التي ضاعت بين السنن والمذاهب فأكدوا عليها من غير رأي أو اجتهاد.

وكان الإمام الخوئي يسعى جاهداً في أداء ما مضى عليه أهل البيت عليهم السلام . وكان

يتعامل مع هذه المسؤولية على مستوى ما يتطلبه عصره، من فهم وتحليل، وإبداع في العلوم الاسلامية، وقيام بالنيابة العامة، كما أحيى بفقاهته فقه آل محمد في عصره.

ويصرِّح في عقيدته الولائية لأهل البيت عليهم السلام عن علي وفاطمة وابنتهما عليهم السلام بقوله :

1 - علي بن أبي طالب : ( انّه بمنزلة نفس الرسول الأكرم صلی الله عليه وآله وسلم وخليفته المنصوص

عليه، في حديث الغدير، وغيره).

2 - فاطمة الزهراء : ( وهي معصومة بضررة ،مذهبنا ، ولولا علي لما وجد لها كفؤ، لأنها سيدة نساء العالمين، على ما نطقت به الروايات ) .

3 - زينب (انّها شريكة أخيها الحسين عليه السلام في الذبّ عن الاسلام، والجهاد في سبيل الله ، لا تخضع عند الجبابرة ... تقول حقاً وصِدقاً )(1).

وانبرى الإمام الخوئي للإشادة بشيخ الأزهر الشريف على فتواه الشهيرة في جواز التعبد بالمذهب الخامس الإمامي، فقهاً وعقيدةً، دعماً للوحدة بين المسلمين، ولمدرسة أهل البيت عليهم السلام ، ولحقِّهم المُضاع.

ركائز الحكم الاسلامي :

اشارة

وعلى ضوء انّ الدين الاسلامي دين خالد كان ينبغي أن يؤزر بحجة خالدة هي القرآن والعترة الالام ، ويعزّز بحكم اسلامي يرتكز على الإمامة والنيابة العامة .

هذا المنطلق يحق لنا أن نعرف : إنّ النيابة العامة هي التي صدرت عن الإمام الغائب، وهي التي أعطت الولاية العامة للنوّاب ، وهي التي أوجدت المرجعية القائمة.

ولهذا حق لنا أن نبحث عن أمور ثلاثة على الترتيب :

ومن

1 - النيابة العامة

2 - الولاية المطلقة

3 - المرجعية العليا.


1) معجم رجال الحديث وطبقات الرواة بتقديم الكاتب، انظر تراجم رقم 7850 و 15661 و 15625.

الأول - مفهوم النيابة العامة :

ولا بد لنا من الخوض في تفصيل ذلك من أن نطرح قبل كل شيء - موضوع النيابة العامة التى نشأت عنها الولاية والمرجعية، واحدة تلو الأخرى.

وعند انتهاء أمد النيابة الخاصة بالنوّاب الأربع في الغيبة الصغرى، وغياب الامام المهدي الغيبة الكبرى لحكمة من الله ، ومصلحة للمسلمين: «ما دامت دولة الدنيا للفاسقين» (1)حيث: «لا يجد المؤمن ملجاً يلتجئ إليه من الظلم، فيبعث الله رجلاً من عترتي فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلما وجوراً ) (2).

فلم يقطع الإمام الغائب عن الأمّة هدايته وإمامته في مختلف العصور ، ولم يتركهم بلا راع يرعاهم، ودون حجّة تأخذ بأيديهم وهو الإمام الذي : «يستضيئون بنوره، وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلّاها السحاب»(3). وقد أناب عنه رواة أحاديثهم بهذه التصريحات:

1 - «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا ، فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم» (4)، ممن يليق بهم أن يكونوا حجّة على الناس.

وفي هذا النص دلالات واضحة لا يمكن الخروج عليها بحال من الأحوال :

أ - إنّ هذه النيابة العامة التي جعلت النوّاب حجة على الناس، إنما أعطوها من دون أصالة، أو استقلال.

ب - وقد خصوا بها - بوصفهم - رواة أحاديثهم، ليرجعوا إليها في تصريف الأمور، وتدبير الحوادث، ممن يستطيعون أن يصلوا إلى أحكام الله بالإجتهاد والفتوى .

ج - لم تكن هذه النيابة التي أعطتهم الولاية على الناس مطلقة حد الإطلاق الذي يغنيهم عن أن يكون الامام الغائب حجّة عليهم، وأن لا يحرزوا رضاه، وهو


1) بحار الأنوار 246/1.

2) المستدرك على الصحيحين 465/4.

3) تفسير البرهان 381/1.

4) وسائل الشيعة ج 18 باب 11 من صفات القاضي ح 9 ، وإكمال الدين 162/2.

غائب عنهم .

د - إنّ هذه الولاية لم تنتزع من المعصوم الولاية المطلقة التي تستدعي انتقال العصمة ، والعلم بالغيب ، والإعجاز ، والخصائص الأخرى الخارقة التي خوّلته الولاية المطلقة على حدّها. غير أنه لا يمنع ذلك من انتقال هذه الولاية بحكم النيابة العامة على مستوى الزعامة الكبرى، وعلى حدّ مسؤولية الحكم وسعتها، ومختلف شؤونها (1)وأحوالها . وهذه الولاية، وإن كانت من الموضوعات، وليست من الأحكام، إلّا أنّه لا يمكن أن يكون هؤلاء الرواة نقلة إلى غيرهم، وقد أرجع إليهم - بالذات - النظر في الحوادث كلّها. ولذلك كان المقصود بهم المجتهدون من أصحاب الحكم والفتوى، كما أن المقصود من الفقيه هو الأفقه في الدين والأبصر بمقدرات الأمة ومستلزماتها، ليصح الرجوع إليه دون غيره، ولأنه يشمله رجوع الجاهل إلى العالم، باعتباره أوصل ممن يجهل مبلغ علمه وفقاهته .

2 - «مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه» (2)، وقد أعطى الفقهاء مسؤولية الحكم، بما فيه التصدي للفتوى، والأمور العامة التي تنتاب حياة المسلمين وبقاءهم.

3 - «فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه ، مُخالفاً على هواه، مُطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يُقلّدوه» (3)هذا المنصب الخطير.

ولا يعنينا سند ذلك (4)، لأنّ العقل يحكم بضرورة هذه المزايا والشروط، لمن يريد أن يحكم الناس بالنيابة وغيبة الإمام الغائب تقتضي أن يكون له نواب عامون كما كان له نواب خاصون. والدليل على وجود النواب الأربعة هو الدليل على وجود نواب آخرين بالنيابة العامة، يُنتخبون بالوصف، لا بالإسم . فإذا لم يحرز رضاه بالحاكم القائم، أو إذنه له ، فلا دليل على نيابته أبداً.


1) الحاكمية في الاسلام لآية الله السيد محمد مهدي الخلخالي / 192.

2) مستدرك الوسائل 188/3 باب 11 من أبواب صفات القاضي ح16، وتحف العقول / 238.

3) وسائل الشيعة 18 / 94 ح 20 .

4) راجع الحاكمية في الاسلام ملحق رقم 3.

الثاني - مفهوم الولاية المطلقة :

اشارة

وهل هناك اتجاه لبعض الفقهاء أن يساوي بين ولاية المعصوم - نبياً كان أو إماماً - وولاية الفقيه المبسوط اليد على المسلمين، من دون أي تفاوت أو فرق بينهما، على أن منها ما تكون على مستوى النبوة والإمامة ، ومنها ما تكون على مستوى النيابة العامة عن المعصوم عليه السلام .

ومهما تكن هذه الولاية الممنوحة لهم ، فانّ احداهما حجّة على الأخرى. إذ لا يمكن تصعيد النبوّة إلى مقام الربوبيّة في الولاية، ولا تصعيد الإمامة إلى منزلة النبوة فيها، كما لا يمكن تصعيد الفقاهة إلى أيّة منزلة ولائية من هذه المنازل، حتى ولو كانت مجاري الأمور على أيدي العلماء، وحقٌّ للعوام أن يقلدوهم هذا المنصب الإلهي . فالولاية التي تقومها العصمة والعلم بالغيب والقدرة على الإعجاز لا تكون كالولاية التي تقومها العدالة، وتبررها النّيابة العامة هي نفسها التي أعطيت للنبوة والإمامة، لمكانة الشروط التي لا يمكن أن تؤتى أحداً، والشروط التي يمكن أن تتأتى لكل أحد. وهذه المزايا التي أعطيت للنبوة أو الإمامة كانت تأهّلاً لهم لهذه الولاية التي اختصّوا بها .

وما ينتقل من الولاية عن النبي صلی الله عليه وآله وسلم إلى الإمام عليه السلام ؛ عامله المشترك هو الإمامة التي تتواجد في النبي والإمام معاً. وأما ما ينتقل إلى الفقيه فلم تكن هذه الإمامة قاسمها المشترك بينهما ؛ بل هو النيابة العامة، وزعامة المسلمين في مجاري الأمور، وتصاريف الأحداث.

وقد جعل الله في النبوة والإمامة الولاية التكوينية، دعماً لها، ودليلاً على صدقها وتثبيتها . وأما الفقيه فليس له أية ولاية تكوينية، أو تشريعية، بل له ولاية الفتوى والحكم والزعامة على قدر نيابته في قيادة الأمة وريادتها .

الولاية في القرآن :

وقد فصلت في هذه الآية : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (1)الولاية بوضوح :


1) النساء: 59.

1 - ولاية الله : (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ) (1)وهي ولاية الإطاعة، التي تشمل العبودية المختصة بالله .

2 - ولاية النبي صلی الله عليه وآله وسلم : (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (2)ولاية تمتد إلى الأعراض والنفوس والأموال.

3 - ولاية الإمام عليه السلام : (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (3)والتلازم بين هذه الولاية والإطاعة، واشتراكهما بين النبي والأئمة للمشاكلة في الولاية، والمسانخة بين النبي وبين خلفائه في العلم والقدرة على الإعجاز بإذن الله ؛ وذلك تصديقاً للنبوة، وتثبيتاً للإمامة ، وشرط العصمة، باعتبارها القائمة على الرسالة على واقعها والمحافظة لها .

4 - ولاية الفقيه فبإذن من الإمام الغائب الذي نصبهم نوّاباً عنه، ، ليكونوا حجّة على الناس، ويكون حجّة عليهم، وولاية الأفقه هو القدر المتيقن من الفقهاء كما مر .

وهكذا تتسع الولاية المطلقة من غير حدود الله، وفي حد النبوة والإمامة للنبي صلی الله عليه وآله وسلم والإمام عليه السلام ، وفي حد النيابة العامة للفقيه الذي قد يُخطئ في فقاهته ويُصيب، وهو معذور في ذلك. أما النبي والإمام فهما النص الإلهي الذي لا ريب فيه. وبسط يد الفقيه لا يجعله في مصاف الأنبياء والأئمة في الحكم والتشريع. والولاية المطلقة لا يمكن انتقالها - بإطلاقها - إلى النيابة الخاصة، فضلاً عن النيابة العامة، إلا على قدر الزعامة، وبسط اليد والقدرة .

ويفصل الإمام الصادق عليه السلام الفارق بين مدارج هذه الولاية، واختصاصاتها في هذه الرواية: «إنّ الله تبارك وتعالى أدب نبيه، فانتهى إلى ما أراد ، قال : وإنك لعلى خلق عظيم، ففوّض إليه دينه ، فقال : ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» (4). ومعنى ذلك أنّ هذه الولاية لا تنتقل بعينها إلى غيره ؛ لأنه يفقد هذا الخلق العظيم في الدين .


1) الكهف: 44.

2) الأحزاب : 6.

3) النساء : 59.

4) البحار 17 / 5 - 6.

وكان يرى الإمام الخوئي : ولاية الله مطلقة بإطلاق ذاته ، وولاية الرسول متسعة باتساع نبوّته وخاتميتها، وولاية الأئمة المعصومين عليهم السلام قائمة على مستوى إمامتهم، وولاية الفقيه محدّدة بحدود فقاهته ومسؤوليته في الزعامة. إلا أنه يفقد أموراً فتقيّد بأمثال هذه الفوارق :

1 - البداءة بالجهاد مختص بالإمام الأصل (1).

2 - ليس للفقيه ولاية على الفقهاء الآخرين (2).

3 - لا يعفو عن الحدود التي الله من هو الحدود التي الله من هو دون الإمام عليه السلام (3).

4 - للنبي والإمام الولاية التكوينية (4)

5 - وحق التصرف في بعض الأحكام الإلهية على أساس: (ولاية التفويض) كما مرّ.

6 - إطلاق ولاية التصرّف في الأموال والنفوس للنبي والإمام دون غيرهم(5)، ونفي هذه الولاية للفقيه الجامع للشرائط (6).

7 - لم يُعط الفقيه الولاية التكوينية، فإنّها مختصة بالنبي تصديقاً للنبوة، وبالامام المعصوم تثبيتاً للإمامة .

8 - وليس للفقيه ولاية التشريع، بل له ولاية الحكم والفتوى، وهي أقل درجة من ولاية التفويض.

مناقشات حول الولاية المطلقة :

يذهب عامة الفقهاء إلى أن ولاية النبي والأئمة ولاية مطلقة، تشمل التصرف في النفوس والأموال. إلّا أنّ بعضهم يشترط في ذلك مصلحة المسلمين (7).


1) تحرير الوسيلة للإمام الخميني 463/1 مسألة 2.

2) ولاية الفقيه، للإمام الخميني / 66.

3) مباني تكملة المنهاج ، للإمام الخوئي / 177 و 244.

4) الحاكميّة في الاسلام / 61 ، نقلاً عن أصول الكافي 265/1.

5) المكاسب المحرمة للشيخ الأعظم الأنصاري / 153.

6) كتاب البيع للإمام الخميني 489/2.

7) الحاكمية في الاسلام موضوع ولاية التصرف في النفوس والأموال، نقلاً عن المحقق الأيرواني في حاشية المكاسب / 155.

والواقع : ان مقتضى النبوة والإمامة : أن يتصرّف النبي والإمام في النفوس والأموال بكل ما هو من مصلحة المسلمين. على أنّ ولاية الله المطلقة - عدا ولاية العبودية - هي التي انتقلت إليهم ، فلا يمكن تحديدها ، أو تقييد اطلاقها بشيء من التضييق .

ومن الغفلة عن مقام النبوة والإمامة أن نتصرف في ولايتهم، بمصلحة - نقدرها نحن بعقولنا - وإن أمكن من جهة أخرى، إناطة ذلك بما هو الضروري من التصرف. ومن المصلحة أن تكون ولايتهم نافذة على الأمة، من دون تصرف منا في إطلاقها وسعتها.

ويفرق العلامة بحر العلوم بين ولاية التصرف بمعنى نفوذ تصرف النبي والإمام في نفوس الرعيّة وأموالهم ، فله ذلك، وبين أن تكون له أنحاء التصرف فيهم، حسبما تتعلّق به إرادته لعدم نهوض الأدلة عليه (1). وذلك بمعنى الفرق بين فعلية النفوذ وشأنيّته ، ولعلّه يشير بذلك إلى اقتضاء التصرّف وضرورته - كما قلنا - وحينئذ يلزمه اطاعته .

ولاية الفقيه :

أما عن الولاية المطلقة للفقيه الجامع للشرائط، فيجيب الإمام الخوئي على ذلك بقوله : ( في ثبوت الولاية المطلقة للفقيه الجامع للشرائط خلاف، ومعظم فقهاء الإمامية يقولون بعدم ثبوتها . وإنما تثبت في الأمور الحسبية فقط) (2).

وهو وإن لم يرجح أحد القولين في هذا المقام، إلا أنه يوجب إقامة الحدود (حفظاً للنظام)، والحدود لا يمكن أن يقيمها إلّا الحاكم المبسوط اليد. ولا يتأتى ذلك بيسر إلا بعد إقامة حكم إسلامي يقوى على ذلك. ولهذا نعرف مدى رأيه في اتساع الأمور الحسبية، وولاية الفقيه .

ففي كتاب القضاء يصرح: (القضاء واجب كفائي، وذلك لتوقف حفظ النظام المادي والمعنوي عليه) (3).


1) بلغة الفقيه 217/3.

2) مسائل وردود 5/1 فتاوى الإمام الخوئي وآراؤه.

3) مباني تكملة المنهاج 40/1.

وفي مكان آخر يصرح أيضاً : (يجوز للحاكم الجامع للشرائط إقامة الحدود ... إنّ إقامة الحدود إنما شرعت للمصلحة العامة، دفعاً للفساد وانتشار الفجور والطغيان بين الناس. وهذا ينافي اختصاصه بزمان دون زمان وليس لحضور الإمام دخل في ذلك قطعاً. فالحكمة المقتضية لتشريع الحدود تقتضي بإقامتها في زمان الغيبة، كما تقتضي بها زمان الحضور ...) (1).

وعلى هذا الاتساع في ولاية الأمور الحسبية تفرّد الإمام الخوئي بالقول - في عصرنا الحاضر - بوجوب الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة : (... إنّ الظاهر عدم سقوط وجوب الجهاد في عصر الغيبة، وثبوته في كافة الأعصار لدى توفّر شروطه ... إنا لو قلنا بمشروعيّة أصل الجهاد في عصر الغيبة فهل يعتبر فيها إذن الفقيه الجامع للشرائط أو لا؟ يظهر من صاحب الجواهر قدس سره ، اعتباره بدعوى عموم ولايته بمثل ذلك زمن الغيبة . وهذا كلام غير بعيد ... فانّه يتصدّى لتنفيذ هذا الأمر من باب الحسبة، على أساس أن تصدي غيره يوجب الهرج والمرج ، ويؤدّي إلى عدم تنفيذه بشكل مطلوب کامل) (2).

وفي أهمية حفظ النظام، وحتى في توقفه على لزوم تعاطي حرفة الطبابة ، يُفتي : (فانّها وإن كانت واجبة بالعرض باعتبار توقف النظام عليها ، كسائر أنواع الحرف والصناعات الدخيلة في حفظ النظام...) (3)، يجوز أخذ الأجرة على الطبابة، وإن كانت من الواجبات الكفائية، ضماناً لحقوق الفرد والمجتمع، وذلك لاستتباب النظام.

ثمّ على أساس شمول هذه الولاية الحسبية - أيضاً - جميع الأمور العامة للمسلمين، السياسية منها والاجتماعية والدينية والجهادية والقضائية : قام الإمام الخوئي - فيما قام به - من إصدار أحكام سياسية، عُرف بها .

وولاية الحسبة كما عرفها تلميذه ومقرّره في التعليق على أبحاثه في الاجتهاد والتقليد :


1) مباني تكملة المنهاج 224/1 مسألة 177.

2) منهاج الصالحين، للإمام الخوئي، ج 1، قسم العبادات، 365 - 366 .

3) مستند العروة الوثق، كتاب الإجارة، باب أخذ الأجرة على الطبابة، من تقريرات الأبحاث الفقهيّة للإمام الخوئي . رجعت إليها (سلسلة مفاهيم اسلامية) برقم (50) في كراسة الملاح الأساسية لنظرية السوق التجارية في الاسلام) / 6.

17

(هي بمعنى القربة المقصود منها التقرب إلى الله تعالى، وموردها هي: كلّ معروف علم إرادة وجوده في الخارج شرعاً من غير موجد معيّن) (1).

الثالث - المرجعية العليا :

والحق أنّ المرجعية العُليا - تلك التي تمثل النيابة العامة - وإن لم تكن كالحكومة الاسلامية في بسط يدها ، إلا أنها استطاعت - طوال التاريخ - أن تسعى لحاكمية الاسلام في أعماق المجتمع الاسلامي.

وكانت هذه المرجعيّة منذ عصر الغيبة الكبرى تنوب عن الإمامة بالنيابة العامة. فكان الكيان الديني الذي خلّفه الإمام الغائب، فأصدر توقيعه الشريف فيها: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنّهم حجّة عليكم، وأنا حجة الله علیکم) (2).

ومما يبعث على التفسير والتحليل أكثر فأكثر هو الإشعار ب- (الحوادث الواقعة التي لا بد وأن تكون الحوادث السياسية والاجتماعية، وهي من أهم ما ينتاب حياة المسلمين في كلّ ،عصر وإلا فإنّ أحكام العبادات - مثلاً - لا يعنيها هذا النص، كما أنّ الاشعار بقوله : (فارجعوا فيها إليهم هو الذي ولد لهم أرضيّة هذه المرجعية ، فأطلق عليهم - بعد ذلك - مراجع الدين، تسمية خاصة بهم.

فالمرجعية المتأصلة كانت ولا تزال - هي الحافظة للاسلام وكيان المسلمين، تُدافع عن حقوقهم وترعى مصالحهم، وتدير الحوزات العلمية، ومراكز التعليم والثفاقة، وتُعدّ الفقهاء، والنوّاب المأذونين، ومراجع التقليد، وقادة المسلمين الذين يقفون دون انهيارهم في الفكر والعقيدة ، ويدعمهم باستقلال الرأي أمام المذاهب والتيارات، وحيال السلطات الجائرة، والحكومات الظالمة، يحكم فيهم بشرائع الله وسننه وهي التي تقيم لهم الحكومة الاسلامية العتيدة .

وأمر التقليد في هذه المرجعية ، كان العامل الجذري في هذه الحاكمية، إذ لم تقبل أفعال


1) فقه الشيعة (الاجتهاد والتقليد) تقرير آية الله الخلخالي لأبحاث أستاذه الإمام الخوئي.

2) وسائل الشيعة ج 18 باب 11 من أبواب صفات القاضي ح 9.

المكلّفين إلّا بالتقليد والرّجوع إلى الفقيه الجامع للشرائط، وهو معنى حاكمية الاسلام على المسلمين، كما هو السبيل الأقوم إلى وحدة المسلمين تحت راية واحدة، وشدّهم إلى الاسلام.

وهذه المرجعية - منذ الغيبة الكبرى - هي التي أذِنَ لها أن تخلف الإمام الغائب، وتُباشر حاكميّة الاسلام، وتُفقه المسلمين، وتوعيهم بالدِّين.

وقد عهد إلى المسلمين أن يستظلوا بها إنقياداً للنيابة العامة، في إطار المرجعية العليا، التي وضع خطوطها وخيوطها الإمام الغائب عليه السلام ، فهي وإن لم تكن لتقيم الحكومة الاسلامية في أكثر أدوارها، إلا أنها كانت تُعنى بحاكمية الاسلام، وإعلاء كلمة المسلمين .

والواقع : إنّ هذه المرجعية العليا : هي التي أقامها الإمام الغائب لشيعته خلفاً له على المسلمين.

معطيات مرجعية الإمام الخوئي العليا :

وعندما انتهت إلى الإمام الخوئي هذه المرجعيّة العُليا - بكل معضلاتها وثقلها - في جيل مثقل بالضغوط والإعصار والملابسات أخذ يتابع في خطواته سيرة الأئمة المجاهدين، وسياستهم في مختلف أدوار حياتهم وإمامتهم في إدارة هذه المرجعية، والنهوض بها، لهدف حاكمية الاسلام ذاتها .

فكان من الأئمة من يُجاهد في سبيل الله بالسيف، وكان منهم من يصالح أعداء الاسلام ومناوئيه حقناً للدماء، وصلاحاً للمسلمين، وكان منهم من يشهر سلاح العلم والعقيدة، وكان آخرهم من جعل النيابة العامة سبيلاً إلى إمامته حتى ميعاد ظهوره وقيامه .

وكان الإمام الخوئي - وهو عالم بزمانه (1)يقيم هذه الأدوار التي عاشها ، وق--ام بمسؤولياته فيها، قد تبنّى كل ذلك، من دعم للجهاد، ونهوض بالعلم، واستجابة لحاجات المسلمين العقيديّة، والثقافية والسياسية والإجتماعية . كلّ ذلك في اطار هذه


1) تحف العقول، للحرّاني / 261 .

المرجعية، تلك التي اتسعت أرجاء العالم، الذي يعيش فيه المسلمون، تحت وطأة مختلف الأنظمة والسلطات الجائرة.

وظلّ الإمام الخوئي المرجع الأعلى للمسلمين، يحتل صدارة المرجعية علماً وعملاً وجهاداً، وسيظلّ ما تركه من آثار لا تمحوها الأيام، مناراً على قمة الحوزات العلمية الخالدة. وقد ألحق بها كثيراً من الجهد الاجتماعي والثقافي، يتسع لمشاريع إنسانية ترعى مصالح المسلمين في أنحاء العالم.

وكانت تتسع مرجعية الإمام الخوئي ما اتسع الاسلام من شمولية وتعميم لكل الشؤون في كل ما يرجع إلى نصرة الاسلام في عامة الميادين، ويتمثل في:

1 - الجهاد العلمي : فيا خلّف من آثار علميّة، أعد بها العلماء والمجتهدين، ومراجع الدِّين، وفيا خلّف من ابتكارات في الرأي والمبنى وإبداعات في العلوم الاسلامية وتطويرها .

2 - الجهاد السياسي في دعم الحركات الاسلامية، التي لاذت بالمرجعية، وانطلقت منها لصالح الاسلام والمسلمين .

3 - الدّعم الثقافي : في إيجاد المؤسسات الثقافية والتعليمية، ومكتبات عامة و مدارس مرحليّة، ودور للنشر ومراكز للعبادة في مختلف عواصم العالم. وفي المحتوى الثقافي أيضاً، أن أناط إلى أحد تلاميذه: أن يضع رسائل مشبعة في الأصول الاعتقادية : من المبدأ والمعاد، والنبوة والإمامة، والعدل الإلهي وحياة المهدي المنتظر، بإسلوب عصري يلائم ثقافة الشباب المتطلع في البلاد الاسلامية . فتناولها الشباب الجامعي قبل غيرهم بكل إعجاب وتقدير (1).

4 - الدّعم الإجتماعي: في إيجاد مبرّات خيرية، ومراكز صحية، وإمدادات إجتماعية، ومجتمعات سكنية انتشرت في عواصم العالم (2).


1) كتبها العلّامة الشيخ محمد حسن آل ياسين نجل آية الله العظمى شيخ الفقهاء الشيخ محمد رضا آل ياسين، ووضع مقدمتها الكاتب.

2) وأهم هذه المؤسسات مؤسسة الإمام الخوئي المركزية في لندن، بنظارة نجليه الفاضلين الاستاذ السيد عبد الصاحب والعلّامة السيد عبدالمجيد الخوئي.

5 - الدعم الإقتصادي : في تدويل الأموال والوجوه الشرعية من الطبقات المترفة والمرفهة إلى الطبقات المعدمة والمعسرة . والعمل على أن يكون بيت المال ثروة عامة تجري في عروق المجتمع، وتدور في قلب الحوزاة العلميّة، لتكون غنيّة عن سطوة السلطان، بعيدة عن نفوذه.

مسؤوليات مرجعيّة الإمام الخوئي :

وكان الإمام الخوئي: زعيماً حكياً، حديد النظر، عالماً بزمانه ، يترسم خطى الأئمة الهداة عليهم السلام واحداً بعد آخر، فيما يشبه زمانه بزمانهم، يتصرف في الأمور وفق تصرفهم حراسةً على حياة المسلمين العقلية والثقافية والعقيدية .

كما كان يرى : أنّ الحوزة العلمية حصناً للإسلام، ومنطلقاً للصمود، باعتبارها وديعة الإمام الغائب على امتداد الغيبة الكبرى.

كان يرى أنّ المرجعيّة هي المسؤولة عن المسلمين، وهي ترعى واقعيتين :

1 - واقعيّة مكنونة : (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) (1)والله هو الحافظ لها : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (2)وقد أوعد أنه يحفظه بحراسته وصيانته.

2 - واقعية إعتقادية : وهي التي ينبغي للناس أن يحافظوا هم عليها (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (3).

فإنّ ما يداهم الناس من أخطار على الدِّين فهي على ما عند الناس من دين وإيمان وعقيدة . وأما ما هو الحجّة عليهم، فلا تناله الأخطار : (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) (4)، وإنما يأتي الباطل - من كل حدب وصوب - على ما عند الناس من

دين وإيمان.


1) الأنفال: 39.

2) الحجر: 9.

3) الرعد: 11.

4) فصلت: 42.

وقد أدرك الإمام الخوئي هذه الأخطار فأقدم على دعم الدين على صعيدين :

1 - صعيد الكتاب والسنّة بما أحيى من علوم القرآن، وبما بنى على الكتاب والسنة من أحكام .

2 - وعلى صعيد الدعوة إلى الاسلام ونصرة الدين وإعزازه، ونصرة المسلمين وحمايتهم .

بين الحكومة الإسلامية وحاكمية الإسلام :

كانت ولا تزال - هذه المرجعيّة العُليا - تستهدف حاكمية الإسلام في أوساط المسلمين. ومن هذا المنطلق: يظهر أنّ هناك فرقاً بين الحكومة الاسلامية، كدولة ذات سيادة واستقلال، وبين حاكميّة الاسلام، كعقيدة ومبدأ يعتنقه المسلمون، ويتعبدون به. وعلى أساس هذا الفارق، فأيّتهما تكون الهدف والغاية وأيتهما تكون الوسيلة والطريق :

1 - البنية الشكلية : وهي التي تتقوم بالسلطات التنفيذية، والأنظمة الإدارية، والطاقات البشرية، المجندة لها .

2 - البنية التحتية : وتتقوم بالرسالة الاسلامية، المتمثلة في التشريعات الإلهية والأحكام الدينية، والمفاهيم الإعتقادية.

وفي الحقيقة : إنّ البنية الأولى : هي الوسيلة والطريق، والبنية الثانية هي الهدف والغاية .

وكلما كانت الوسيلة أتقن وأقوم كان الوصول إلى الهدف أقرب إلى المستوى المنشود. ثم إنه قد لا تتوقف حاكمية الاسلام ونفوذه الواقعي على إقامة حكومة إسلامية ذات بنية شكلية، عندما تتعذر إقامتها، شأن جميع الأديان السماوية، التي فقدت شكلية الحكم في عمل الأنبياء، خلافاً للدين الإسلامي، الذي كُتِبَ له الخلود، فاقتضى ذلك إقامة خلافة إلهية تحكم المسلمين، كما تحكمهم الرسالة الاسلامية نفسها.

ومن المسلّم : أن محتوى الرسالة الاسلامية يبتنى على ثلاثة أمور :

1 - العقائد الأصول ، وما نشأ عنها من الفلسفة الاسلامية (علم الكلام) وهي تبتني

على محاسبات العقل (1)، ومأثورات النقل المعتبر .

2 - الفقه الإسلامي، وأساسه شرائع الله ، وما يتفرع عنها من أحكام عامة تنتظم بها الحياة العملية للناس.

3 - الأخلاق الدينية ، وهي المناهج السلوكية، والمثل التربوية، تلك التي تعمل على تهذيب النفس وتكاملها : «إنّما بُعِثتُ لأتمم مكارم الأخلاق» (2).

ومن يدعي التضلّع في معرفة الاسلام، وليس له أدنى اختصاص بتلك المحتويات، فلا يمكن أخذ الاسلام - على واقعه - عنه .

وتلك هي أسس الرسالة الاسلامية ومحتواها ، ورسالة الاسلام - بكل أبعادها - هي التي تبعث على مكارم الأخلاق . وفرائضها هي التي تنمي هذه المكارم، فتكوِّن خُلقاً ينطوي عليه الانسان.

والواقع : إنّ الشريعة الاسلامية هي التي جاءت لتقويم السلوك الانساني مع الانسان الآخر، ومع نفسه، ومع الله بما شرح له من وظائف سلوكية، وآداب اجتماعية، وتكاليف عبادية

وإنّ الانسان المسلم لا يمكنه أن يرتبط مع الله ، ويكون ظالماً لنفسه، أو لأحد من عباده، أو أن يكون ظالماً لله بالشرك والجحود (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (3).

و من هذا المنطلق يمكن أن توجد حاكميّة اسلامية، دون أن تكون - هناك - حكومة إسلاميّة أو حاكم إسلامي، كما يمكن أن تكون - بالفعل - دولة إسلامية، ولا تكون للإسلام فيها مصداقية، أو واقعية تغطّي حياة المسلمين وشؤونهم، كما كان الأمر في أكثر الحكومات الإسلامية الحاضرة والبائدة.

ثمّ أنّه ما قيمة تلك الحكومات الاسلامية التي تفقد حاكمية الاسلام وسلطانها ، كأكثر أدوار الخلافة الاسلامية التي اتُّخِذَ الاسلام فيها دعماً لها، دون أن يُتخذ الاسلام


1) راجع (دراسة علمية) لكتاب دلائل الصدق للإمام الشيخ محمد حسن المظفر ج 2، ط دار العلم بالقاهرة، بقلم الكاتب .

2) مكارم الأخلاق، للطبرسي / 8 .

3) لقمان: 13.

هدفاً يتحقق في حياة المسلمين.

وأكثر الحكومات الاسلامية، كانت تصرف جلّ اهتماماتها وقدراتها للإبقاء على أنفسها، في مختلف شؤونها السياسية والإدارية ما كانت تستنزف الجهد المضني في سبيل تركزها، ودعم حاكميتها.

وانطلاقاً من إحساس الأمة الاسلامية - في سلفها - بضرورة الحكم الاسلامي الذي بدأه النبي، واستغلت بعد ذلك بالإجماع الذي رضخ له المسلمون، واختلفوا أيضاً في مفهومه ومغزاه :

1 - الإجماع - عند الإمامية - مجراه في فروع الأحكام الفقهية، الكاشف عن قول المعصوم عليه السلام ، ووجوده فيه، ورضاه به ، وذلك بقاعدة اللطف الإلهي ، وهو دليل حجيّته ، فهو إجماع فقهي ذو حجة شرعية ينجز العمل به .

2 - الإجماع - عند السنّة - والمراد به طاعة الأمراء، وترك الخروج عليهم. ودليل حجيته الآيات والروايات (1)اللاتي أقحمت فيه، وهو إجماع سياسي، بوصفه مستنداً للخلافة، وتولي الأمور. وفي واقع الأمر هو دليل نفسه، لضعف الاستدلال بما استدل عليه.

وقد عاش الإمام الخوئي ظروفاً عصيبة، متشعِّبة الاتجاهات والنزعات، وهو يريد للأمة عزّتها، ومنعتها ، وعودتها إلى نهجها الاسلامي القويم، لتكون كلمة الله هي العليا.

على أن الإسلام : لم يفقد أسلوب الحكم السياسي والضمان الإجتماعي الأفضل، والمذهب الإقتصادي العادل والشامل.

حياته السياسية :

وتطالعنا حياته الكريمة بمؤشّرات ونماذج من الجهاد السياسي، فيما قام به من مناهضات على مستوى الجهاد الديني.

وكان ينظر إلى عالم السياسة بالنظرة الدينية . ويرى عرض السياسة على الدين، وهو


1) الأصول العامة للفقه المقارن، للعلّامة السيد محمد تقي الحكيم / 257 و 261 .

المحكِّم فيهما. ولم ينس المسلمون خروجه على السياسات الاستعمارية القائمة في إيران وغيرها، وطعنه في مشروعيّتها، وشجب سياساتها، والتالب عليها في تصريحات خطيرة، قال فيها : (... نحن نقف إلى جانب الشعوب الاسلامية في صراعها مع الحكومات الجائرة. إننا ننشد الخير والصلاح لأمتنا . وقد نهضنا للوقوف مع الحق، وصد تيار الظلم والخيانة . ونشتدّ في كفاحنا إذا اشتد الخطر المحدق بنا. إننا لا نتصوّر حكماً أسوأ من التغلغل اليهودي في إيران إننا لا نطالب بدماء الأبرياء بقدر ما نطالب بالأهداف التي قُتلوا من أجلها . إنّ العلماء الأعلام لا يمكنهم أن يتخلّفوا عن كفاح الأمة الإيرانية، أو يعزلوا أنفسهم عن مآسيها . إنّ اليهود لم يتمكنوا من السيطرة الاقتصادية، إلا بعد أن أشاعوا في الشعب الإيراني التحلّل والإنشقاق . إن أبشع صور الكبت هو مصادرة الحريات الدينية لشعب متدين. إنّ الحكومات التي لا تقوى على حلّ مشاكل الناس، تجد الحل الحاسم في رفع شعارات الحديد والنار . إنّ الشعب الإيراني يهدف إلى حكم يضمن حريته ، وإلى حياة تتّسم بالخير والرخاء. إنّ تنازلنا عن هذه الأهداف معناه توافقنا على هذا الحكم الجائر) (1).

وقد خاض الإمام الخوئي معارك إعلاميّة كثيرة في مناهضة الحكم الملكي القائم في إيران، وأدّى مسؤوليته في خلق أرضيّة لقيام حكومة إسلامية فيها، تضمن بعث الاسلام من جديد وإحياء سننه ، وأحكامه، وحدوده، والأخذ بنظمه الاجتماعية والسياسية والإقتصادية.

وكان يرى أنّ من أهم مسؤولياته في هذه المرجعية : التصدي للأحداث التي تنتاب حياة المسلمين، وتعترض سبيلهم. يناضل خصوم الاسلام ويدعم الحركات الاسلامية السليمة التي تؤمن بالمرجعيّة، وتلوذ بها . كما شدّد النكير على السياسات المناوءة في العراق قياماً بالولاية الحسبيّة، ومسؤوليات النيابة العامة، تلك التي أوجبت عليه هذه الحماية في الثورة الشعبانية ، التي أعلن عنها : (لا شكّ أنّ الحفاظ على بيضة الاسلام، ومراعاة مقدساته، واجب على كل مسلم وأهيب بكم أن تكونوا مثالاً صالحاً للقيم


1) التصريحات الخطيرة حول التغلغل اليهودي في إيران للإمام الخوئي، تقرير الكاتب.

الاسلامية الرفيعة، فعليكم الحفاظ على ممتلكات الناس وأموالهم وأعراضهم. وكذلك جميع المؤسسات العامة، لأنها ملك الجميع - في 18 شعبان المعظم سنة 1411 ه- - النجف الأشرف - الخوئي) (1).

وقام أيضاً بإصدار حكم سياسي ثوري وتنظيمي لتنصيب هيئة تنفيذية عليا من العلماء يمثلون المرجعية الجهادية، بما نص عليه : فانّ البلاد تمرّ هذه الأيام بمرحلة عصيبة، تحتاج فيها إلى حفظ النظام، واستتباب الأمن والاستقرار، والإشراف على الأمور العامة والشؤون الدينية والإجتماعية، تحاشياً من خروج المصالح العامة من الادارة الصحيحة الى التسيب والضياع من أجل ذلك نجد أن المصلحة العامة للجميع تقتضي منا تعيين لجنة عُليا تقوم بالإشراف على إدارة الشؤون كلّها، بحيث يمثل رأيها رأينا ... فعلى أبنائنا المؤمنين إتباعهم والإنصياع إلى أوامرهم، وإرشاداتهم، ومساعدتهم في إنجاز هذه المهمّة - في 21 شهر شعبان المعظم سنة 1411 ه - النجف الأشرف - الخوئي) (2).

وقد أشاد بمواقفه السياسية في إيران والعراق قائد الثورة الاسلامية آية الله الخامنه إي في بيانه الصادر عقب وفاته ما ترجمته : (كان هذا الرّجل العظيم ممن يعمل منذ بدء النهضة الاسلامية في إيران - بقيادة الإمام الخميني - على توجهات الحوزة العلمية في النجف إلى حوادث ايران، إذ كان يسعى - جاهداً - مواكبة هذه الحركة العظيمة لرجال الدين والشعب المسلم، كما كان في الثورة الدموية في رمضان 1413 ه- قطب رحى النهضة الاسلامية، ومركز صدور الحكم بالقيام الاسلامي في العراق) (3).

ومن الخلفيات السياسية لهذه الحركة أن اغتيل نجله الشهيد، انتقاماً منه في حادث مفتعل، بعد رحلة الإمام الخوئي بعامين (4).

وكان الاسلام لم يفقد - عنده - أسلوب الحكم السياسي، والضمان الاجتماعي


1) مجلة الموسم اللبنانية، العدد 11 ، المجلد الثالث سنة 1412 / 998 - 999 .

2) مجلة الموسم اللبنانية، العدد 11، المجلد الثالث، سنة 1412 / 998 - 999.

3) البيانية الرسمية الصادرة عن سماحته .

4) ذكرى السيّد محمّد تقي الخوئي / 51 .

الأفضل، والمذهب الاقتصادي السليم والعادل.

والاعتقاد بأنّ السياسة لا تجتمع مع الدين خطأ محض وفرية على الدين، ما دام الدين هو السياسة الإلهية في خلقه .

ثم ان المرجعية هي التي تعطي الأمة الوعي السياسي، لما يدور حولها، والوعي الثقافي والاعتقادي، وكانت الحافظة عليها بمدادها وجهادها، وبقائها عبر الأجيال.

ولم ينس المسلمون - أيضاً - مناهضته للشيوعية العالمية ، بفتواه الخالدة: (الانتماء إلى فلسفة الشيوعيّة كفر أو الانتماء إلى مبادئها الإقتصادية فسق).

خصائصه السلوكية والذاتية :

كان يترفع عن طلب الجاه، وحبّ الرئاسة، لا يستسيغ لنفسه أن يجري وراء الزعامة، تلك التي انتهت إليه ، وأتته منقادة طائعة، وهو راغب عنها، تعشقاً للعلم، وتفرغاً للعبادة، وتقشّفاً في العيش، وزهداً في الحياة، وإيثاراً للناس.

وهكذا عرفته الأوساط العلمية نادرةً من نوادر العلم والتقوى والإيثار، وقائداً فذّاً من قادة الرأي، يمتاز بقوة الابتكار، وعمق التفكير وتوقد الذهن، ودقة الإحساس، وهي العوامل التي كونت منه الشخصية الموهوبة والزّعيم الملهم كما أسلفنا - . وكان عَلَماً من أعلام الإسلام يخفق على قمه الحوزة العلمية في النجف الأشرف، تدور على حوزته الدراسية رحى التحصيل، فكان صاحب الآراء القيّمة، والنظريات العلمية

الحديثة.

سياسته الحوزوية :

والحديث عن حوزته العلميّة، وما تميزت به من كفاءات في صياغة أجيال من الفقهاء والمجتهدين، الذين فقههم في الدين، وأعدّهم أقطاباً للعلم، وأبطالاً للحركة، وقادة للمرجعية، ذلك لأنه كانت براعته في تطوير العلوم الاسلامية التي خاضها ؛ هي التي أمكنته من أن يحدث فيها تفتحاً علمياً عميقاً، درج عليه العلماء من تلامذته، وهم يفتحون - بدورهم - آفاقاً علمية جديدة في مختلف العلوم الإسلامية، ومعارفها .

وقد أحدث الإمام الخوئي في الحوزة العلمية حركة علمية جبارة، دفع بأمثال العلّامة المظفّر إلى أن يضع في أصول الفقه كتاباً يقارب فيه بين الدراسة على مستوى السطوح، وبين خارجها ينشد فيه الإبداع والتجدّد . ولذلك عرض عامة الجزء الأول من كتابه (أصول الفقه) على الإمام الخوئي. وكان يلاحظ عليه ما يساعده على إدخال التقارب بين الدراسات الأصولية المختلفة المراحل.

وقد أشاد الإمام الخوئي في مقدّمة الكتاب بقوله : (إنّ الكتب الأصولية التي نسخ كثير من مسائلها، وأقوالها، هي التي يدرسها الطالب المبتدئ والمتوسط اليوم، ولذلك فإنّ الطالب حينما يصل إلى الدرس العالي، يجد أنّه لا علاقة بين ما تعلمه، وبين ما يتعلّمه . وكنتُ منذ زمن بعيد أرغب أن يؤلّف كتاب في هذا العلم تلائم أبحاثه الأبحاث العالية، ويعمّم تدريسه على طلاب العلوم الدينية، حتى قدّم العلّامة الحجة الشيخ محمّدرضا المظفر - دامت تأييداته - ما رتبه من مباحث أصولية في القسم الأوّل من كتابه (مبادئ علم الأصول) ترتيباً جميلاً ، فألفيته - بحمد الله - وافياً بالمقصود، وجامعاً لموجز من القواعد والأصول، التي تدور عليها الأبحاث في عصرنا الحاضر. وجدير بطالب العلم أن يدرس هذا الكتاب ليتهيأ بذلك للإنفتاح على الدراسات العالية. ونسأل الله أن يوفق المؤلف - دام فضله - لإنجاز القسم الثاني من كتابه . والله ولي التوفيق - حرّره في الليلة الحادية عشر من شهر ربيع الأول سنة 1377 ه - الخوئي) (1).

على أنّ الكتاب الذي أشاد به ، وأوصى طلاب العلم بدراسته، لا يمثل كلّه وجهة نظر الإمام الخوئي في علم الأصول، وما أبدع فيه من تجديد حرفاً بحرف. ولأستاذنا الحجّة المظفّر مختارات في الأصول لم يتخلّ عنها بحال من الأحوال.

ومن المسلّم : أنه تخرج على يديه العشرات من الفضلاء المبرزين، الذين بلغ كثير منهم درجة الاجتهاد ، ولتكاثر حوزته ، واتساع المهاجرين إليها، لم يعد من المقدور عدهم وإحصاؤهم ، عدى الأعلام منهم ممن اشتهروا بآثارهم، وعُرفوا بمكانتهم في الأوساط العلميّة والمرجعية الدينية، وإدارة الحوزات العلمية .


1) أصول الفقه للعلّامة الشيخ محمّدرضا المظفّر ، مقدّمة الطبعة الأولى، وكان ذلك بخط الكاتب.

ويوعز كلّ ذلك إلى منهجيّة الإمام الخوئي في التدريس، وطريقته في إعداد الفحول من العلماء. فقد اجتهد في تطعيمهم بالمباني العلمية، بما يستدر أفهامهم، ويُضاعف من تفتحهم، وحرصهم على التزوّد من العلم. وكان سماحته أهم مصادر الحركة العلمية في النجف الأشرف.

ومن الأعلام الذين أشادوا بشخصيته العلمية والتعليمية، فقيه أهل بيت العصمة، بقوله، فكم ربي بها أعلاماً ، نمى جوانب عالية في طاقاتهم الراقية، فرجعوا إلى مقاعدهم المشيدة، مبشرين ومنذرين بحقائق الشرع، وتعليم جوامع الفروع، أو بقوا إلى حين مدرّسين في جوامع الحوزة ، أو مصابيح رواق الروضة) (1).

وقد ألمح إلى شخصيّته أحد الأعلام من تلامذته: (وكان - أعلى الله مقامه - نموذج السلف الصالح ، لعبقريته الفذة، ومواهبه الكثيرة وملكاته الشريفة، التي أهلته لأن يعدّ من الطليعة من علماء الامامية ، الذين كرسوا حياتهم لنصرة الدين والمذهب) (2).

وقد قدّر أحد تلامذته النابهين - وهو السيد الشهيد الصدر - مكانة أستاذه ، قائلاً : في علاقاته الروحية معه ... هي من أشرف وأطهر وأقدس العلاقات في حياتي ... هذا الأستاذ الذي بصرتُ نور العلم في حوزته ، وذقت معنى المعرفة على يده. وإن أعظم ما ينعم الله على الانسان - بعد الإيمان - العلم، ولئن كنتُ قد حصلت على شيء من هذه النعمة، فإنّ فضل ذلك يعود إليه . فلستُ إلا ثمرة من ثمرات جهوده، وفيضه الشريف، وولداً من أولاده الروحيين) (3).


1) مجلّة النور ، العدد 17 ، السنة 1413ه، من بيان آية الله العظمى السيد البهشتي .

2) نفس المصدر، آية الله العظمى السيد السيستاني وهو اليوم من أشهر المراجع في العالم الاسلامي.

3) مجلة الموسم اللبنانية، العدد 11 سنة 1412 / 996. ورأيت ذلك بخط يده، وفيه اضافات منها : (... إني أتعامل مع السيد الخوئي - دام ظله - وسأظل كذلك - كما يتعامل الإبن أبيه، والتلميذ مع أستاذه، والطالب مع مرجعه، ولا يجوز مسّ مقام المرجعية العليا ... إني أبتهل إلى المولى سبحانه وتعالى أن يمتعنا بدوام وجود السيد الأستاذ والاستظلال بظله الوارف والقيام بواجب البنوة له).

وممن تحدّث عن شخصيته من أعلام المدرسين ، إذ قال : (وكان في عنفوان شبابه يمتاز بالنبوغ والذكاء، وقوة الابتكار، وكانت هذه المزايا هي التي جعلته يبدأ بتدريس الخارج سنة 1350 ه وكان من تلاميذه البارزين آية الله بهجت) (1).

وتحدّث عن مقالاته العلمية والتعليمية أستاذ جامعي وحوزوي، حيث قال : (... فمنذ وصولي إلى النجف الأشرف حضرتُ أبحاث عدد كبير منهم، إلى أن وُفقتُ - بعد جهد واختبار طويلين - أن أختار أوحدهم، وأعمقهم ، وأدقهم، وأكثرهم فائدة العالم الذي استفدت منه كثيراً... ويمكنني القول أنّ شطراً كبيراً من علومي في الفقه والأصول وغيرهما يعود الفضل فيها إليه ... إنّه آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي

الخوئي) (2)

أبو القاسم الكرجي، أستاذ في جامعة طهران.

.

وقد أعطى ستة إجازات علمية تشهد باجتهاده المبكّر، من أعاظم العلماء، وجهابذة الأساتذة، وهم : آيات الله النائيني، والإصفهاني، والعراقي، وميرزا علي آقا الشيرازي، والسيد أبو الحسن الإصفاني، والشيخ جواد البلاغي، ترجع تواريخها إلى سنة 1350 - 1352 هجرية، وهي في غاية الوصف وبالغ التعظيم (3).

سياسته الفتوائية :

كان في سياسته الفتوائية : أن يتحرّز عن الإفتاء بالأحكام الثانوية، لأنه يرى كفاية الأحكام الأولية، بما سار عليه الرسول الأعظم صلی الله عليه وآله وسلم في إصلاح المجتمع الجاهلي المتردي، من دون أن يلجأ إلى غيرها من الأحكام الإضطرارية .

غير أن الإمام الخوئي يرى أنّ الأحكام الثانوية البديلة إنما تكون في ظروفها النادرة بقوّة الأحكام الأولية، من حيث الفعلية والتنجيز ، ولا يتحقق ذلك إلا بتبدل الموضوع إلى موضوع جديد، وتبدل الأحكام بتبعه .


1) ذكرى الامام الخوئي (يادنامه آية الله العظمی خوئی) / 35 ، بقلم آية الله السبحاني، وهو من أعلام المدرسين .

2) دائرة المعارف الاسلامية قسم التحقيقات الاسلامية / 204، وهو الأستاذ الدكتور الشيخ

3) کتاب (مشهد الامام علي)، ترجمة شخصية الإمام الخوئي، بقلم الكاتب.

واقع الإجتهاد عند الإمام الخوئي :

كان يرى أنّ الإجتهاد يتّسع نطاقه لكل ما يصلح أن يكون من معدات الإجتهاد ومقوماته من قريب أو بعيد. إجتهاداً في الفقه والأصول على مستوى التهذيب والتشذيب، والإبداع واجتهاداً في التفسير، وخاصة منها آيات الأحكام واجتهاداً في الرّجال، بما يخرجها عن حدّ الجمود والتقليد .

ولو قُدِّر لمجتهد أن يقلد فقيهاً في قاعدة من القواعد الفقهية، أو في مبنى من المباني الأصولية، أو يتابع رجالياً اجتهد في توثيق من التوثيقات، أو يتعبد بمذهب من مذاهب المفسرين وأقوالهم، لكان - في نهاية الأمر - مقلّداً لغيره في أحكامه واستنباطاته وفتواه، إلا فيما هو ضروري أو ثابت . بل لا بد لكل مجتهد - مطلق الإجتهاد - من أن يختار أصوله ومبانيه وعامة ما تسعه رقعة الإجتهاد ليصح له أن يجتهد من دون تقليد، ويكون حكمه حكم الله الذي ينبغي أن لا يُردّ .

وهكذا كان الإمام الخوئي مجتهداً، بنى اجتهاده على أصول ومبانٍ جديدة مختارة، حتى في معدات الإجتهاد ومقدماته، لئلا يكون مقلداً في شيء من ذلك، إلا ما هو تعبدي من الدين، أو توقيفي من العلم، كما ظهر ذلك في ممارسته للعلوم الاسلامية، التي تناولها من جذورها بالبحث والتدريس والعرض الشامل على الطلاب.

ولهذا استطاع أن يكون صاحب مدرسة في الإجتهاد، ونهج في عرض العلوم الاسلامية، بكل دقة وتفوّق.

موقف الإمام الخوئي من الإجتهاد السياسي :

إن الاجتهاد على ضوء السياسة إنما يرتكز على تغليب السياسة على الدين، وهو من أخطر أنواع الإجتهاد في مقابل النص، وهو ما كان يأباه الإمام الخوئي.

على أنّ الشيعة لم تكن لتفصل الدين عن السياسة في أئمتها عليهم السلام وقادتها وفقهائها في فقه الإمامة والسياسة. وكان للتشيع منذ فجر التاريخ الاسلامي رؤية سياسية مستقلة مناهضة لكل السياسات التي تتاجر بالدين، وهي لا تستند إلى ركن ركين. ويرى أنّ في الدين سياسات كفوءة، قادرة على أن تقود المسلمين إلى حياة حرّة كريمة تغنيهم عن

الإنصهار في سياسات واردة غير مشروعة .

وإذا كان الاجتهاد على ضوء السياسة، مما يدفع إلى الاستقلال، ومقارعة الطغاة ومناهضة أعداء الدين في دعاياتهم وسياساتهم، أو تبرير حكمهم، فانّ هذه السياسة هي ما وُصِفَ به الأئمة الهداة من أنّهم «ساسة العباد وأركان البلاد» (1).

والعقيدة الشيعية لم تر أن تحكّم السياسة على الدين، بل ترى أن تحتكم في أمر السياسة إلى الدين. ولم تكن لتغلّب المتغيرات السياسية على ثوابت الاسلام، ومسلّمات أصوله. وفي رؤية الإمام الخوئي أن يكون الدين هو الحكم في السياسة، والمرجع لها، حتى تجري السياسة وراء الدين، ولا يجري وراءها تبعاً لها.

والعقيدة الشيعية ترفض الاجتهاد من أجل السياسة، المتخذة لصالح الحكام، ولتبرير حكمهم على أنها كانت ولا تزال - تجتهد في السياسة نفسها على ضوء الدين وتتعرف على ما يحيط بها من ملابسات الأمور «العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس» (2).

الاتجاهات التجدّديّة :

كانت شخصيّته ذات نزعة تجدّديّة خارقة ترعى المستجدّات العلمية والفكرية ويطفو عليها، بما كان يدرك من أنّ الدين كله ثورة على الأوضاع كلّها. ومن هذا المنطلق، وجد أنّ أفضل الجهاد في سبيل الله أن يبدأه بالعلم والعقيدة، فألهبت فيه تلك النزعة حركة الجهاد في العلم، والعمل الجهادي الدائب وقد استطاع أن يحقق بذلك الثورة العلمية في أروقة العلم والمعرفة .

منهجيّة الإمام الخوئي في إحياء العلوم :

كانت منهجيته في مختلف العلوم الاسلامية التي مارسها، وأودعها في الحوزة العلمية، هي نزعة التحقيق والابتكار، والخروج عن الجمود والسلفية مهما أمكن.


1) زيارة الإمام الهادي.

2) تحف العقول، للحرّاني / 261 .

إبداعاته في علوم القرآن :

وفي الوقت الذي كان يسعى جاهداً - للحفاظ على مقدرات الحوزة العلمية، ومتطلباتها، وإصلاح مناهجها ، كان يطرح فيها أمهات العلوم الاسلامية تنشيطاً لحركتها ورسالتها العلمية والاسلامية، وفي مقدمتها دراسته للقرآن الكريم، والإنارة بعلومه، في حين كانت الحوزة العلمية عازفة عن الإهتمام بها، بما فيها آيات الأحكام - الجانب الفقهي في القرآن - وكانت تتجه فيها إلى نزعة التقليد، وفي علم الحديث والرّجال أيضاً، وكل ذلك من ركائز الاجتهاد وأركانه .

فحفّز الامام الخوئي الحوزة العلميّة على أن تتجه إلى هذه العلوم، فكان قدوة لها، وكان من ثمار ذلك، وإمثولتها، كتاب (البيان في تفسير القرآن) الذي ألقى الكثير من بحوثها على الفضلاء من طلّابه ، ليتدرّجوا على اسلوبها ومناهجها، وكتاب (معجم رجال الحديث - وطبقات الرواة). كما عقد العزم على إعداد حقل آخر من العلوم الاسلامية، وهو فقه الخلاف المقارن، وخاصة في (فقه القرآن على المذاهب الخمس) (1). إلا أنه لم تواته ذلك للظروف العصيبة غير الملائمة، من تمزق الحوزة وإجلاء الفضلاء المبرزين ممن يستطيعون أن يعوا دقائق هذه العلوم، ويهتدوا إلى لبابها.

المنهج التفسيري للإمام الخوئي :

كان الإمام الخوئي، وآية الله الطباطبائي مؤلّف (الميزان في تفسير القرآن) زميلي دراسة في علوم القرآن عند آية الله البلاغي في النجف الأشرف، وهو إمام المفسرين في عصره، وقد وصفه الإمام الخوئي ب (بطل العلم المجاهد) (2).

وقد غلب - في بعض الأبحاث - الجانب الفلسفي في كتاب (الميزان)، وغلب على (البيان) الجانب الفقهي فيها .

(... وعلى ما أعهد فانّه كان محيطاً بالأبحاث الفلسفيّة، إذ كلّما دعت المناسبة ضمن


1) لاحظ مقدّمة البيان (بين يدي الكتاب) للسيد الحكمي.

2) البيان في تفسير القرآن للإمام الخوئي / 119.

أبحاثه إلى الإشارة إلى المباحث العقلية، فانّه يبدي رأيه فيها كخبير مُضطلع ...) (1).

ومن خصائص تفسيره أنّه أنكر النسخ في آيات الأحكام، تلك التي ادعي نسخها. وقد عالجها آية آية من الناحية التفسيرية والفقهية، وأرجع موضوعاتها، إلى التقييد والتخصيص، وإخراج الخاص والمقيّد من شمول العام والمطلق، فيما يصطلح عليه - أيضاً - بالنسخ الجزئي، إلا في مورد واحد من نسخ الحكم بين آيتين :

1 - الناسخ: آية الاشفاق (2).

2 - المنسوخ آية النجوى (3).

موضوع الناسخ والمنسوخ :

اشارة

وقد وقع النسخ الثابت في القرآن في مورد واحد بين آيتي النجوى والاشفاق، إلا أن مفسري أهل السنّة اتسعوا في هذا النسخ، وعدوا أقسامه إلى ثلاثة :

1 - نسخ التلاوة دون الحكم :

وهو ما أتى به عمر ، وادعى أنه من القرآن فلم يُقبل منه : (إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البته نكالاً من الله . والله عزيز حكيم)(4).

وليس هذا من النسخ في شيء.

أ - لم يثبت أنه آية من القرآن، ولم يدخل في المصحف، حتى يخرج منه . وما هو مرفوض أن يكون من القرآن لا يسمّى نسخاً. وقد ذكر الإمام الخوئي في صيانة القرآن من التحريف : (إنّ القول بنسخ التلاوة ، وهو بعينه القول بالتحريف)(5).


1) ذكرى الامام الخوئي (يادنامه آية الله العظمی خوئی)/ 185 ، بيان الدكتور السيد جعفر الشهيدي من الأساتذة والمحققين في جامعة طهران، وهو من تلاميذ حوزة الإمام الخوئي في النجف الأشرف.

2) المجادلة : 13.

3) المجادلة: 15.

4) البيان في تفسير القرآن / 220 و 304 - 305.

5) نفس المصدر / 219.

ب - وحكم الرّجم إنّما ثبت بالسنّة، فلم يكن حكماً قرآنيّاً، حتى تنسخ تلاوته ويبقى حكمه.

2 - نسخ التلاوة والحكم:

ويستدلّ على ذلك ينسخ الرضعات العشر بالرضعات الخمس التي جاءت بها عائشة. وادّعت أنّ ناسخها ومنسوخها كلاهما من القرآن: (عشر رضعات معلومات) (1)، رُويت عن عائشة أنها قالت: كان في القرآن أن ما يحرم من الرضاع عشر رضعات، ثم نسخ ونزل أنّ ما يحرم خمس رضعات).

وعلى رأي الامام الخوئي أنّ هذين القسمين يعدان من القول بتحريف القرآن تلاوة وحكماً (2).

وقد علق الامام الخوئي ردّا على هذا النسخ: (ومن هنا ذهب إلى كل منهما طائفة فانّه بعد الاعتراف بنسخ التحديد بالعشر ، ونزول التحديد بالخمس كيف يسوغ الافتاء بأنّ الحد هو العشر استناداً إلى القرآن المنسوخ) كما لا يجوز الافتاء بخمس رضعات ولا بالعشر لعدم وجود هذا النسخ في القرآن (3).

ونسخ التلاوة للآية القرآنية بعد نسخ حكمها أمر محال في التشريع، كما هو الأمر في آيتي النجوى والإشفاق . إذ أنّ الأحكام هي التي تُنسخ فترفع عن كاهل العباد، دون تلاوة الآيات المرفوع حكمها، ليبقى الناسخ والمنسوخ كلاهما من حيث دلالتيهما على النسخ الواقع في القرآن.

3 - نسخ الحكم دون التلاوة:

ومن أهم ما يستند إلى ذلك، هو آية النجوى، وآية الاشفاق. وعلى ما قدمنا لم يبق من أنواع النسخ في القرآن إلا نوع واحد، وهو نسخ الحكم دون التلاوة.


1) البيان في تفسير القرآن / 223 و 304.

2) نفس المصدر / 304.

3) أحكام الرّضاع في فقه الشيعة، تقرير آيتي الله الأيرواني والخلخالي / 120، وهو من أبحاث الامام الخوئي وفي مقدّمة الكتاب بقلم : الكاتب / 10.

وذكر مؤلف كتاب (النسخ في القرآن) شقاً آخر من النسخ، وهو : (النسخ قبل دخول الوقت) بقوله : (ثمة واقعة خامسة يستدلون بها هي الإجماع على أنّ الله تعالى أمرنا بالصوم عاماً، جاز أن ينسخه بعد شهر واحد، وذلك نسخ للصوم في باقي العام قبل دخول وقته).

ثم قال : (بقيت واقعة وحيدة يُروى منها أقوى أدلتهم، وهي الصلوات الخمس المكتوبات للخمسين التي فُرِضَت ليلة المعراج - على ما هو مشهور - في الأحاديث الصحاح التي ذكرت قضيّة المعراج، وما كان فيها من لقاء محمد صلی الله عليه وآله و سلم لموسى عليه السلام ، واستتبعه هذا اللِّقاء من تكرار التوجه إلى الله بطلب التخفيف حتى أصبحت خمساً، وكانت خمسين .. وجعل أجرهن - مع ذلك - أجر خمسين ... إن الحديث يُروى عن الله عزّ وجلّ، بعد النسخ إلى خمس أنه قال: «هي خمس وهي خمسون لا يُبدل القول

لدي») (1).

ونقل مثل ذلك : صاحب البحار عن الصادق عليه السلام قال: (جزى الله موسى عن هذه الأمة خيراً) (2).

وهذا هو معنى البداء الذي تقول به الشيعة، ويعبِّر عنه القرآن بالمحو والإثبات : (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) وهو إثبات تقدير، ومحوه بتقدير آخر، قبل نزوله ووقوعه (3).

ويمكن أن يُناقش هذا الفرض من النسخ بأنّه لم تنزل به آية ليتحقق النسخ. وقد حدّد الإمام الخوئي معنى النسخ وعرّفه بقوله : (هو رفع أمر ثابت في الشريعة الاسلامية بارتفاع أمده وزمانه ... وإنما قيّدناه بالرفع بالأمر الثابت في الشريعة ليخرج به ارتفاع الحكم بسبب ارتفاع ،موضوعه كإرتفاع وجوب الصوم بانتهاء رمضان) (4).


1) النسخ في القرآن للدكتور مصطفى زيد 1 / 186 - 187.

2) البحار 18 / 330 - 331.

3) البيان في تفسير القرآن / 407 ، راجع تفاصيل موضوع البداء.

4) البيان في تفسير القرآن / 296.

إعجاز القرآن على مفهوم جديد :

وحين تحدى القرآن بلغاء العرب، وخفّف عليهم ثقل المعارضة (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ...) (1)، ودعاهم إلى صنع ما عرض عليهم من نماذج قرآنية ليسهل عليهم معارضته ومشاكلته . فالمعنى الجديد في إعجاز القرآن ه-و إثبات استغناء القرآن عن كل ثقافة، وحاجتها هي إليه، وهو فوق الفكر البشري وانه من عالم العلم الإلهي المطلق (2).

نزعة التعايش المذهبي في تفسيره :

نهج هذا النهج الوحدوي في جميع آيات الأحكام التي نسخها المفسِّرون . وقد بدأ بإزالة هذا الاختلاف من رحاب القرآن، وهو كتاب الهداية والتوحيد. فوضع اطروحته في صيانة القرآن، وعصمته من التحريف - زيادة ونقصاناً - وقد نهج في التقارب بين المذاهب الاسلامية، والتخفيف من حدة التوتر بينها . وحاول التعايش والوحدة بين طوائف المسلمين، بالرجوع إلى أصل الاسلام وعصر الرسول. وقد عالج هذه الوحدة

بتوحيد عقائد الأمة وثقافتها من خلال الكتاب العزيز، وطرح ذلك من زاويتين :

الأولى: ما ألقاه خصوم الاسلام من التخرصات والشبهات حول القرآن، وقد أكد في هذا العرض على إعجاز القرآن في حقائقه وتشريعاته وهداياته .

الثانية : ما أصاب الكتاب العزيز من انطباعات المفسّرين للآيات التي بدا لهم النسخ فيها، من دون تمييز بين النسخ الجزئي، والنسخ الكلي . فإن كان النسخ صحيحاً - عندهم - كان من شأنه تعطيل كثير من الأحكام القرآنية، وسقوطها عن العمل بها، وإن يكن هذا النسخ غير صحيح، فتبق آياتها متعارضة، ومختلفة فيما بينها من دون تخريج. وقد عالج الإمام الخوئي تلك الآيات، ورفع عنها التعارض والتناسخ . وأدلى بعاصمية القرآن من هذا النسخ المدعى.


1) البقرة: 23.

2) راجع مقدمة البيان (بين يدي الكتاب) للكاتب.

وجهات النظر حول تفسير البيان :

1 - (وسيجد القارئ - أيضاً - أن كثيراً ما استعين بالآية على فهم أختها، واستر شد القرآن إلى إدراك معاني القرآن، ثمّ اجعل الأثر المروي مرشداً إلى هذه الاستفادة) (1).

2 - (وإنّي أسأل الله أن ينفع بكم، وأن يجعل لكم جهداً مذكوراً، في جمع الشمل، وإنارة الطريق أمام عامة المسلمين ، تظلّهم نعمة الأخوّة، ويستأنفوا أداء رسالتهم الكبرى، في إسعاد أهل الأرض، وتحقيق قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)) (2).

3 - (وإذا لم يكن الكتاب فريداً في موضوعاته ، فإنّه يقدّم للقارئ وجهة نظر المؤلِّف الذي عرف من هو ، وما هي مكانته - كما يحمله من حيث يشعر ولا يشعر - على الإيمان بأن طبيعة الاسلام لا تنفك عن العلم والعقل. وهنا تكن قيمة الكتاب، وفائدته العلمية والعمليّة) (3).

4 - (ويمتاز هذا الكتاب - أيضاً - بمحاولة إسلامية يستهدفها وينشدها، تلك هي مناهضته للمنازعات المذهبية التي جعلت من القرآن مسرحاً لها. ومع أن آياته الباهرات جاءت هدى للناس ،ورحمة تدعوهم إلى التوحيد والتماسك، وتوجههم إلى حياة عقلية واحدة، تؤطّر المسلمين، وتجمعهم على شريعة واحدة، لئلا تفرّق بهم السبل ، أو تمزّقهم الأهواء) (4).

تفاعلات حول القراءات والأحرف السبعة :

وقد أحدثت منهجيته هذه في التفسير تفاعلات حول الأحرف السبعة والقراءات،


1) البيان في تفسير القرآن / 22 ، وصف المؤلّف لتفسيره.

2) نفس المصدر / 13 ، إشادة العالم الأزهري : أحمد حسن الباقوري في مقدمة (بين يدي الكتاب) للكاتب.

3) نفس المصدر / 16 ، إشادة العلّامة الشيخ محمد جواد مغنية في مقدمة (بين يدي الكتاب) للكاتب .

4) نفس المصدر / 13، من مقدّمة البيان - للسيد الحكمي.

ورفض أن تكون متواترة عن الرّسول، قياساً على تواتر القرآن.

وقد ناقش الإمام الخوئي أدلّة القائلين بتواتر القراءات واستخلص إلى القول: (بأنّ تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات، لأنّ الاختلاف في كيفية الكلمة لا تنافي الاتفاق على أصلها ... وان الواصل إلينا بتوسط القرّاء إنما هو خصوصيات قراءاتهم. أما أصل القرآن فهو واصل إلينا بالتواتر بين المسلمين) (1).

ورضى - في ذلك - بأقوال المعنيين بعلوم القرآن من أمثال الزركشي في البرهان: (القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان فالقرآن هو الوحي الإلهي المنزل على محمد صلی الله عليه وآله و سلم للبيان والإعجاز ، والقراءات اختلاف ألفاظ الوحي في الحروف ... والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة. أما تواترها عن النبي صلی الله عليه وآله و سلم ، ففيه نظر) (2).

وأنكر الإمام الخوئي حجّيّة القراءات واستدل على ذلك بقوله : (إنّ كلّ واحد من هؤلاء القراء يحتمل فيه الغلط والاشتباه، ولم يرد دليل من العقل، ولا من الشرع على وجوب اتِّباع قارئ منهم بالخصوص).

وفي جواز القراءة بها في الصّلاة ، قال : والحق أنّ الذي تقتضيه القاعدة الأولية هو عدم جواز القراءة في الصلاة بكل قراءة لم تثبت القراءة أنها من النبي الأكرم صلی الله عليه وآله وسلم أو من أحد من المعصومين عليهم السلام لأن الواجب في الصلاة قراءة القرآن، فلا تكفي قراءة شيء لم يحرز كونه قرآنا) (3)، بل قد تبطل الصلاة به.

قال الامام الخوئي : (وقد يتخيّل أنّ الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن هي القراءات السبع، فيتمسّك لاثبات كونها من القرآن بالروايات التي دلّت على أن القرآن نزل على سبعة أحرف) (4).


1) البيان في تفسير القرآن / 173 - 174 .

2) نفس المصدر.

3) نفس المصدر / 183.

4) نفس المصدر / 176.

مردودات الباحثين :

وقد ناقش الامام الخوئي - فيما ذهب إليه - باحث مصري (1)بقوله : ويمثل رأي الشيعة الإمامية طرفاً آخر في قضيّة الأحرف السبعة .

قد عبّر عن رأيهم - في تفصيل ووضوح - السيد أبو القاسم الخوئي، في كتابه (البيان في تفسير القرآن) تناقضات الرواة الواردة عن الأحرف السبعة ، وقال : (قال الصادق أن القرآن ،واحد نزل من عند الواحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة. وقال - أيضاً - ان الصادق عليه السلام حكم بكذب الرواية المشهورة بين الناس : نزل القرآن بسبعة أحرف، ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد وقريب من هذا - أيضاً - ما رواه ابن أبي داود عن ابن مسعود حين أعلن رضاه عن جمع عثمان للمصحف)(2).

واستطرد القول : (أمّا الأساس الذي بنى عليه الشيعة موقفهم من هذا الحديث وغيره هو أن المرجع بعد بعد النبي صلی الله عليه وآله وسلم في أمور الدين إنما هو كتاب الله، وأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) (3).

وعلّق على ذلك بقوله : (وهذا القول لم يسلم أيضاً من التناقض، فالمعروف أن ترتيب المراجع في أمور الدين يجعلها هكذا القرآن، ثم السنّة، ولكنه جعل النبي أولاً، ثم القرآن، ثمّ أهل البيت . وعلى أية حال، فإنّ لكل جماعة مسوغاتها في تقرير آرائها) (4).

وقد فات الباحث : أن النبي صلی الله عليه وآله وسلم هو القائل: «إني تارك فيكم الثِّقلين : كتاب الله وأهل بيتي» (5)، وفي هذا الحديث - أيضاً - تقديم النبي صلی الله عليه وآله وسلم على القرآن . فأما سنة النبي صلی الله عليه وآله وسلم عند الإمامية، فهي كل ما أثر منها عن أهل البيت عليهم السلام .

وعقب - أيضاً - على القول بتناقضات الروايات التي فصلها الامام الخوئي بقوله : ( لا تعدو أن تكون ملاحظات شكلية، ما دامت نتيجة المواقف - دائماً - الأمر، أو


1) تاريخ القرآن / 30، للدكتور عبدالصبور شاهين.

2) نفس المصدر.

3) نفس المصدر.

4) نفس المصدر.

5) مناقب علي بن أبي طالب، لابن المغازلي الشافعي / 234.

الإخبار أو الترخيص بالقراءة على سبعة أحرف. وإنّما يهوّن شأن هذه الشكليات كثرة الطرق التي انتقل بها هذا الحديث، فلا معنى لهذه الكثرة ما لم توجد اختلافات يسيرة، تنتهي دائماً - نهاية واحدة ، فالثابت المتواتر - في نظرها - هو هذه النهاية التي أجمع هذا الجمهور من الرواة والأسانيد)(1).

ولم يلاحظ مؤلّف تاريخ القرآن ما أورده الإمام الخوئي من تصريحات نفاة تواتر القراءات، من أئمة الحديث والتفسير وعلوم القرآن وما أورده من تضعيف القراء عن طرقهم .

ويهون عليه التناقض، وهو من القضايا العقليّة الضرورية التي تنتهي إليها بديهيات الأمور. وتواتر هذه التناقضات هو الذي يفنّد تواتر كل واحد من أطراف هذه الأحاديث، وتناقضات الروايات هو عين اختلاف النصوص في ألفاظها . وذلك هو الذي يهون في شكليات الأحاديث.

ومضى في انتقاده أن قال: (وأخطر قضيّة في هذا النص - بعد نفي الأحرف الستة - القول : بأنّ الاختلاف قد جاء من قبل الرواة، وهي لازمة لنفي الأحرف. ومقتضى ذلك القول بعدم التوقيف ، واعتبار ما ورد من القراءات والأوجه في القرآن تحريف وعبث من الرواة. ومعاذ الله أن يُقال هذا بحق أصحاب القرآن فهم هم ورعاً وضبطاً في الرواية والآراء ...) (2).

ويمكن التعليق على أقواله بأمور :

1 - لم يتفق القوم على معنى محدّد ومحصل للأحرف السبعة ليكون يسراً للأمة .

2 - إنّ الاختلافات في مصداقها، قد أورثت البلبلة، وجعل الأمة في حيرة من أمرها .

3 - إن النبي صلی الله عليه وآله وسلم قد أورث عترته مسؤولية الحفاظ على القرآن: (في كلّ خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين، وتأويل


1) تاريخ القرآن / 31.

2) نفس المصدر / 25 - 26 .

الجاهلين) (1). ولم يعط هذه المسؤولية لأي صحابي، أو تابعي لهم.

4 - لم يتناقض كل رواية من الصحابة مع نفسه ليتّهموا بالتحلل من الضبط، وإنما اختلف أحدهم مع الآخر ومحاكمة الأحاديث ونقدها وتمحيصها، هو غير محاكمة الرواة و تضعيفهم، والطعن فيهم على أنّه ليس ذلك ببدع في كتب الرجال، كما مرّ في حقل (أضواء على القرّاء) وتضعيفهم عن طرقهم (2).

5 - وليس أبدع، ولا أكثر طبيعية من هذا القول : (نزل القرآن على حرف واحد من عند الواحد، وهو معنى قوله تعالى : (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (3)) .

6 - وإن عثمان لم يعد يتحمّل اختلاف النسخ للقرآن، فأحرقها إلا نسخة واحدة، خوفاً من الاختلاف، ولم يكن هذا الأمر طعناً في الصحابة ولا في القراءات السبعة، ولا تعريضاً بأهل القرآن ورواة الأحاديث، وهو أقوى دلالة ودراية من روايات الصادقين عليهماالسلام تلك التي أوردها الإمام الخوئي. وقد نقل الدكتور نفسه آنفاً: (وقريب من هذا ما رواه ابن أبي داود، عن ابن مسعود، حين أعلن رضاه عن جمع عثمان للمصحف)(4). وقد تمسك الإمام الخوئي بأقوال أهل البيت عليهم السلام (الذين لا يُقاس بهم أحد وهم موضع سره، ولجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه) (5)، بينما تمسك الدكتور بنقول الصحابة في مقابل ذلك.

اشادات المعنيين بعلوم القرآن :

1 - أشاد مؤلّف كتاب تاريخ القرآن في مكان آخر من هذا البحث، بالإمام الخوئي، فقال : (وهذه الأوجه السبعة هي التي صنّفها من قبل الإمام ابن قتيبة بنصها، وإن كان


1) الصواعق المحرقة لابن حجر العسقلاني / 90.

2) البيان في تفسير القرآن.

3) النساء : 62.

4) تاريخ القرآن / 30.

5) نهج البلاغة : الخطبة 2.

ابن الجزري يؤكد أنّ ذلك عنده من محض معاناته وإمعانه .

وقد علّق الخوئي على هذا الحصر للأحرف السبعة، فيما قرره ابن قتيبة ، وابن الجزري تعليقاً منطقياً ذكياً، فات الأقدمين ملاحظته ، قال : إن كثيراً من القرآن موضع اتفاق بين القرّاء، وليس مورداً للإختلاف فإذا أضفنا موضع الاتفاق إلى موارد الاختلاف بلغ ثمانية . ومعنى هذا أن القرآن نزل على ثمانية أحرف. وهذا احتمال لم يأخذه القدماء في اعتبارهم، حين حصروا وجوه الاختلاف) (1).

واحتج صاحب تاريخ القرآن برأي الإمام الخوئي في صيانة القرآن وعاصميّته من التحريف بالزيادة والنقصان وما ورد من إشادات في القرآن لفضائل علي عليه السلام ، قال : (وبحسبنا في دفع هذه الروايات أن نعيد - هنا - ذكر ما قاله أحد مجتهدي المعاصرين، وهو السيد الخوئي في أثناء حديثه عمّا قيل من أن علياً عليه السلام كان له مصحف غير المصحف الموجود ، وأنه كان مشتملاً على ألفاظ ليست موجودة في القرآن الذي هو بين أيدينا كهذه الابعاض الموضوعة وغيرها مما سوف نعرض له - قال : إن الصحيح أن تلك الزيادات كانت تفسيراً بعنوان التأويل) (2).

2 - وقد أشاد بمنهج الامام الخوئي في التفسير صاحب كتاب (القرآن والتفسير) تحت عنوان (منهج الخوئي في التفسير بقوله : (لقد كانت أولى علامات المنهج عند السيد الخوئي أنّه بعد أن عرّف التفسير بأنه : ايضاح مراد الله تعالى في كتابه العزيز)، قال: (فلا يجوز الاعتماد فيه على الظنون والاستحسان، ولا على شيء لم يثبت أنه حجة من طريق العقل، أو من طريق الشرع للنهي عن اتِّباع الظنّ، وحرمة إسناد شيء إلى الله بغير إذنه ، قال تعالى : (قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) وقال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ، إلى غير ذلك من الآيات والروايات الناهية عن العمل بغير العلم والروايات الناهية عن التفسير بالرأي).

وتحت عنوان (تمسكه بظاهر القرآن والفرق بينه وبين الرأي) نقل عنه قوله : وقال


1) تاريخ القرآن / 38.

2) نفس المصدر / 171 ، نقلاً عن البيان في تفسير القرآن / 172 - 173.

لا بد للمفسِّر من أن يتبع الظواهر التي يفهمها العربي الصحيح، وقد أقام الأدلّة في البحث الذي خصصه لحجيّة ظواهر الكتاب ص 281 وما بعدها من القرآن والسنة المتواترة، والعقل، وأبطل في هذا البحث حجج الذين منعوا من العمل بالظاهر. وهو في هذا البحث فرّق بين التفسير بالرأي المنهي عنه والتفسير بالظاهر. وذلك لأن الظاهر هو التفسير بما يفهمه العرب من اللّفظ، أو بما تدلّ عليه القرائن المتصلة والمنفصلة، فان حمل اللفظ على ظاهره بعد الفحص عن القرائن المتصلة والمنفصلة من الكتاب والسنة، أو الدليل العقلي لا يُعدّ من التفسير بالرأي. بل ولا من التفسير نفسه ؛ لأنّ التفسير هو كشف القناع، فلا يكون حمل اللفظ على ظاهره تفسيراً، لأنّه ليس بمستور حتى يُكشف .

إذن فهو يرفض التفسير بالرأي، ولكنّه يقبل التفسير بالظاهر لهذا الفرق بينهما، الذي يتلخص في أنّ التفسير بالرأي هو العمل بالعمومات أو المطلقات من غير فحص عن المخصص أو المقيد، بينما التفسير بالظاهر أخذ بظاهر اللفظ ولكن بعد الفحص عن المخصص أو المقيد .

وأدام البحث أيضاً تحت عنوان (تفسير القرآن بالقرآن) بما صرح به الامام الخوئي، وسيجد القارئ أن كثيراً ما استعين بالآية على فهم اختها ، واسترشد بالقرآن إلى ادراك معاني القرآن، ثم أجعل الأثر المروي مرشداً إلى هذه الاستفادة، ونجد هذا المنهج شائعاً في تفسيره (1).

وكمثل عليه أنه ينقل عن الطبري وتفسير البرهان للسيد هاشم البحراني في كلمة الرّحمن الرّحيم : انّ بعض الروايات تقول: الرّحمن اسم خاص معناه عام والرّحيم اسم عام ومعناه خاص، وأنه مختص بالآخرة أو المؤمنين. فردّ هذه الروايات مستدلاً باستعمال القرآن لفظ الرّحيم من غير اختصاص بالمؤمنين، أو بالآخرة، مثل: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، ومثل : (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ، وأمثالها مما يدلّ على عدم اختصاص الرّحيم بالمؤمنين، كذلك فان كثيراً من الروايات والأدعية تقول رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما .


1) القرآن والتفسير / للدكتور عبدالله محمود شحاته / 221.

وانتهى إلى البحث تحت عنوان (اعتماده السنة الصحيحة): (وهو يعتمد في تفسيره على السنة الصحيحة عن النبي صلی الله عليه وآله وسلم أو عن أهل بيته عليهم السلام الذي أوصى النبي صلی الله عليه وآله وسلم بوجوب التمسك بهم، فقال: «إني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً ...» مسند أحمد 12/3، 17، 26، 59.

ولا فرق عنده في السنة الثابتة بين المتواتر منها والآحاد، فهو يذهب إلى حجية الخبر الواحد الثقة ، ص 423) (1).

وتحت عنوان : (اعتماد حكم العقل)، فقال في هذا الباب: (ويتبع المفسر ما حكم به العقل الفطري الصحيح، فأنّه حجّة من الداخل، كما أنّ النبي صلی الله عليه وآله وسلم حجة من الخارج، ص 422).

وهذا الذي قاله عن الدليل العقلي هو ما التزم به الشيعة الإمامية في ذهابهم إلى: حجيّة العقل، وجعل الأدلّة عندهم أربعة : الكتاب والسنة، والإجماع، والعقل .

وشواهد أدلّة العقل في تفسيره، والإحتكام إلى العقل الفطري السليم أ أكثر من أن تخص، ولا حاجة لضرب الأمثال لها، فانّ أكثر أدلته عقيلة) (2).

وهكذا اختار الامام الخوئي هذا الاتجاه في التفسير، خلافاً لما اختاره المفسِّرون من أن يوسعوا آفاق القرآن بآرائهم، واستحسانهم، تاركين ألفاظه الله، ومعانيه لأنفسهم، وفاتهم أنّ التصرف في معنى القرآن تصرف في الوحي بتحريفه عن أكمل وجوه اعجازه، وبالتالي هبوطه إلى مستوى الفكر البشري القاصر، وإقصائه عن المسحة الإلهية . فكان من الطبيعي أن يختار هذا المنهج في التفسير، جرياً وراء إعجاز القرآن وخصائص الوحي (3).

وقد سُئل الإمام الخوئي عن تفسير القرآن بالقرآن فأفتى: (أحسن التفسير تفسير


1) نفس المصدر / 222.

2) القرآن والتفسير / 220 - 223، نقلاً عن البيان.

3) راجع مقدّمة (قبس من تفسير القرآن) للحجّة الشهيد السيّد محمّد تقي الخوئي - بقلم السيد الحكمي.

القرآن بالقرآن، حيث فهم الآية من خلال آيات أخرى) (1).

من إبداعاته في الأصول :

ولقد أجال النظر في هذا العلم، سواء فيما يرجع إلى تنسيقه من الخلط والفوضى، أو ما يرجع إلى تحريره من الحشو والزوائد. تبنى فيه مباني بلور حقائقها وأدلتها حتى انتهى بها إلى غاية ما وصل إليه هذا العلم من تقدّم وتجديد . وكان منها هذه النماذج :

أ - الوضع : وهذا التلازم بين اللفظ والمعنى ، يتم ذلك بالنطق من جهة، والقصد من جهة أخرى. وعلى أساس هذا الوضع تكون الدلالة الحاصلة بينهما دلالة تصديقية، غير تصوّرية . ويتعهد المتكلم بها عند النطق بالألفاظ.

بدء نشوء اللغة

وفي نشوء اللغة - في صحة الوضع - أشاد الدكتور الفضلي بالنظرية التجريبية للإمام الخوئي، وتفضيلها على نظرية (جسبرسن) الاستقرائية من الماحه إلى عزل الأطفال قبل تعليم اللغة من أسرهم ومحيطهم، واختراعهم لغة خاصة بهم (2).

والحقيقة : أنه يوم خلق الله آدم وحواء، وأسكنهما الجنة، في رغد من العيش، بعيداً عن معاناة الحياة وملابساتها، كان لا بد من أن ينطقها، كما أنطق الله كلّ شيء. (أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) (3)، بل علمه البيان بمجرد خلقه : (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) (4).

ويبدو أنّ هذه المعرفة الحياتية، قد حصل عليها آدم وحواء ، واتسعت - بعد ذلك -


1) مسائل وردود 144/1.

2) مجلة النور اللندنية، السنة الثالثة، العدد 29 السنة 1413 ه / 28. والشيخ عبدالهادي الفضلي من أساتذة الجامعات السعودية، وهو من تلاميذ الإمام الخوئي في حوزته العلمية بالنجف الأشرف.

3) فصِّلت: 21.

4) الرحمن: 1 - 4 .

في أبنائهما وسلالتهما، على مستوى ما اتسعت الحياة ومتشابكاتها، فكان واضع اللغة الله ، بادئ ذي بدء ويُؤثر أنّ آدم انّما سُمي بآدم، لأنّه خُلِقَ مِن أديم وملهمها هو الأرض.

وقد ساعد على ذلك ما أنطق الله الأحجار حين انحدارها من الجبال لطقطقتها، والأشجار حين اشتدّت بها الرّيح بحفيفها، والمياه حين تلاطمت بخريرها ، وكذلك الطيور بزغردتها، والعجماوات بخوارها ، وعوائها، وزئيرها، والرّعد بر عديده، وما إلى ذلك من الأصوات التي صنعت منها أسماء الأصوات التي تحاكيها.

ومن جهة أخرى، إذا كانت أصوات الطبيعة وضجيجها هي الباعث في كلّ لغة ساعدت على وضع كثير من مفرداتها - لكانت لغة واحدة، إلا أنها كانت ولا تزال - مختلفة .

ولو أنها كانت موضوعة على غير انسجام، لم تكن لها كل تلك الخصائص التي جمعتها على نسق واحد، ذات هيآت لصيغها المختلفة ، صيغة الماضي والمضارع والأمر، وصيغ لاسم الزمان، والظروف المكانية، وأسماء الآلات في أوزان مختلفة، تختص بها دون غيرها . ولذلك وُجِدَت منسجمة، ومتسقة غير عشوائية . فيها أسرار لغوية وبلاغية مطردة .

وهكذا كان المعلم الأوّل، هو الله ، والملقّن هو الطبيعة المستعان بها، وواضعها - قبل ذلك - هو الحكيم العالم .

ثم استطاع الانسان أن يجد المعاني المجرّدة، يتلقى أسماءها، كالتعبير عن العقل والعلم والفهم والشعور والإدراك، وهي من الدخائر النفيسة الدفينة، الوادعة، التي لا جلبة لها، ولا ضوضاء.

ولذلك فكان من المسلّم أن تكون - هناك - إمدادات غيبية مجردة، فطر عليها الانسان.

وقد وصل في ذلك إلى وضع لغات غليظة للقوة الغصبيّة، باعتبار آثارها من الزمجرة والهياج، ولصفة الشجاعة، وما ينشأ عنها من تفاعلات.

وكان احتكاك الشعوب بعضها ببعض، وتعارفها واختلاطها، وتعاملها فيما بينها، قد أحدثت التطور السريع.

ولا بدّ لنا أن نقول بارتباط اللغة بالهندسة الفكرية، والوعي الانساني، واستطلاعاته، وإلا لما كانت - مثلاً - للّغة العربية كلّ هذه الضوابط المطردة، والقواعد العامة التي لا تخلو عامتها من حكمة وتعقل وتجريد .

علاقة اللفظ بالمعنى

وهناك اتجاهات أصوليّة تعرّض لها علماء الأصول في الترابط بين المعنى واللفظ، وتتلخص في هذه الموارد :

1 - اختصاص اللفظ بالمعنى بعد الوضع والتخصيص(1).

2 - جعل اللفظ علامة على إرادة المعنى (2).

3 - علاقة اللفظ بالجعل والاعتبار، على أساس واقع خارجي(3).

4 - الاتحاد بين اللفظ والمعنى في عالم الاعتبار (4).

5 - العلقة الحاصلة بين اللفظ والمعنى بواسطة جعل اللفظ (5).

6 - الربط بالملازمة والعلقة الحاصلة بين اللفظ والمعنى بالجعل (6).

إلا أنه ليست مشكلة البحث مما تقتصر على الترابط بين اللفظ والمعنى، بعد الاطِّلاع عليها ، بقدر ما تكون المشكلة فيمن وضعها، وأوجد فيها هذه العلقة والترابط .

أما بعد الوضع، فلا بد وأن يكون بينهما هذا الترابط الدائم، والعلقة التصورية


1) كفاية الأصول.

2) الإصفهاني.

3) العراقي.

4) البجنوردي.

5) المشكيني.

6) الخوئي.

والارتكازية أوّلاً ، ثم العلقة التصديقية المتقنة بمجرد تصوّر اللفظ، وتداعي المعنى من مرحلة التصوّر إلى التصديق .

ب - جواز التمسك بالشبهات المصداقية في العام بضم الوجدان إلى الأصل، ولو باستصحاب العدم الأزلي.

ج - الشهرة غير جابرة للخبر الضعيف، إذ لا يمكن لغير الحجة أن يجعل الغير حجّة ، إلا في الموارد التي تكون هذه الشهرة جابرة لنقاط الضعف، أو تكون مؤثرة على اختلاف مواردها.

من إبداعاته في الفقه والقواعد الفقهية :

أ - يرى أنّ المكره على القتل لم يتعلّق به القصاص، بل يجب عليه إعطاء الدية (1).

ب - ضمان العاقلة في دفع الدية حكمه تكليفي، وهو لا يختلف عن وجوب نفقة الأقارب. أما الحكم الوضعي فعلى الجاني نفسه.

ج - يرى عدم اطلاق قاعدة: «الحدود تدراً الشبهات» وتختص بمورد معيّن : (المراد بالشبهة عن قصور أو تقصير في المقدّمات الموجبة لسقوط الحد هو الجهل مع اعتقاد الحلية (2).

د - موضوع رؤية الهلال يرى أن بداية الشهر القمري بداية واحدة، لا يمكن أن يكون حلول الشهر القمري حلولاً نسبيّاً يختلف فيه أفق عن أفق، بل يكون خروجه عن المحاق، ودخوله فيه دفعي غير تدريجي حتى يُقاس على مشارق الشمس ومغاربها . وأما القمر فإن يدخل في المحاق فهو نهاية شهر منصرم، وإن يخرج منه فهو بداية شهر جديد ومُقبل (3).

ه - عدم تنجيس المتنجس.


1) مباني تكملة المنهاج ، ج 1، مسألة 13/17.

2) نفس المصدر، ج 1 مسألة 134 و 169.

3) منهاج الصالحين، قسم العبادات / 278، نقلاً بالمضمون والاختصار.

وعدم تحريم الموسيقى بقول مطلق، بل بتفصيل يرجع إلى إيقاعها، وسماعها، واستعمال آلاتها، وبيعها واقتنائها، فأفتى: (تختلف الآلات الموسيقية : بعضها لَهويّة، فلا يجوز استعمالها ولا بيعها ولا شراؤها ، وبعضها الآخر غير هوي، فلا بأس ببيعه وشرائه ، والنوع اللهوي يرجع وصفه إلى أهل الخبرة من العُزف. كما ذكرنا - سابقاً - الموسيق المحرمة هي الأغاني التي تناسب حفلات اللهو والرّقص مثلاً، ويستعمل لها . وأما الألحان غير اللهوية فليست محرّمة، كالتي تُستعمل في العزاء، أو الحرب، أو ما شاكلها) (1).

ز - الافتاء بحرمة التدخين، مع الإضرار الموجب لحرمته، وتأثيره على الجنين (2).

ح - ومسائل ترجع إلى البنوك والشركات من المسائل التي تواكب الحياة الحضارية، مما أدى إلى رفع الحيرة عن المسلمين (3).

ط - تطبيقات فقهية لقاعدة الإلزام. فلو التزم قوم أو طائفة بقاعدة من القواعد الشرعيّة فانّ لغيرهم إلزامهم بها (4).

وقد تطرّق في المسائل المستحدثة إلى أعقد المسائل الفقهية التي يواجهها الجيل الحاضر : كالتلقيح الصناعي، والتشريح، والترقيع، والعقم المؤقت، وعدم اعتبار الاختبارات الطبية في إلحاق النّسب، والأدوية الممزوجة بمادة الكحول، وحكم الشطرنج، ونقض حكم الحاكم.

وإحساساً منه بمتطلبات العصر الحاضر وضروراتها وقيام الحكومات الاسلامية، والتزام بعضها بإجراء الحدود والتعزيرات، ألف كتاب (تكملة المنهاج) في القضاء المستدل.

و من القواعد الفقهية التي نظر إليها قاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، واعتبر أن قصة سمرة ابن جندب لا تستند إلى هذه القاعدة بقوله : (فانّ ما يستفاد من الرواية الواردة أمران :


1) منية السائل (استفتاءات الإمام الخوئي) / 171 - 173.

2) نفس المصدر / 206.

3) المصدر السابق.

4) مسائل وردود، ج 1، وكتاب منية السائل (فتاوى الإمام الخوئي).

أحدهما : عدم جواز دخول سمرة على الأنصاري بغير استئذان.

ثانيهما : حكمه بقلع العذق .

والإشكال المذكور مبني على أن يكون الحكم الثاني بخصوصه، أو منضماً إلى الحكم الأوّل مستنداً إلى نفي الضّرر . وكان الحكم الثاني الناشئ عن ولايته على أموال الأمة وأنفسهم ، دفعاً لمادة الفساد، أو تأديباً له لقيامه معه مقام العناد واللجاج، كما يدلّ عليه قوله : (إقلعها وارم بها وجهه ، وقوله السمرة : (فاغرسها حيث شئت)، مع أن الظاهر - والله العالم - سقوط العذق بعد القلع عن الإثمار ، وعدم الانتفاع بغرسه في مكان آخر، فهذان الكلامان ظاهران في غضبه على سمرة، وكونه في مقام التأديب - كما هو في محله - لمعاملته معه معاملة المعاند ، التارك للدنيا والآخرة ، وللإطاعة والأدب معاً، كما يظهر من مراجعة القضية بتفصيلها . فتلخّص : أنّ حكمه بقلع العذق لم يكن مستنداً إلى قاعدة نفي الضرر ) (1).

ويعتقد أنه أبيح للنبي ذلك، منعاً لإيذائه، والتمرد عليه، إلى حد أن يكون سمرة مهدور المال في هذه الشجرة، ومسلوب الملكية لها .

من إبداعاته في الفلسفة الإسلامية :

كان الإمام الخوئي يحسن الفلسفة، ويأخذ بها دعماً للدين، ودحضاً للشبهات، وقد قرّر عنه أحد تلاميذه موضوع (الأمر بين الأمرين) (2)وهو من مدرسة أهل البيت التي تفردت بها، كما تطرق إلى أكثر الفلسفات التي عنى بها القرآن، من أمثال مسؤولية العباد عن أفعالهم، وعقيدة المحو والإثبات (البداء)، وأقسام القضاء المحتوم والمعلّق، وصفات الله الكمالية والجلالية والذاتية والأفعالية، تبعاً لما جاء في القرآن (3).


1) مصباح الأصول 32/2، تقرير العلّامة البهبودي.

2) الأستاذ الجعفري، صاحب الآراء والدراسات الفلسفية العالية.

3) البيان في تفسير القرآن / 110، 407، 440، 248، 549، 565، 566 ، قسم التعليقات.

من إبداعاته في علم الرّجال :

قد يبدو أن التحدّث عن رجال الحديث من الحقول الاختصاصية التي لا يمكن أن يتدارسها إلّا النزر من ذوي الخبرة والاختصاص والمتمرسين بالمعرفة الرجالية القدامى، الذين اسبغوا على هذا العلم التوقيفية والتعبد، أولئك الذين ظلت خبراتهم، ودراياتهم حجّة قاطعة على من تخلف عنهم بينما ظلّت أقوال المتأخرين، وخبراتهم حجة اجتهادية، يمكن مناقشتها ، والنظر فيها، والحكم لها أو عليها.

علم الرّجال بين النص والإجتهاد :

ويمكن أن تكون الحجّة في الأخذ بما ركز عليه الروّاد الأوائل في الكتب الأصول، كأساس موثوق به، وهو قرب عهدهم بالأئمة والرّجال، وبمناهج الحديث، وطبقات المحدثين بالمصادر التي مكنتهم من المعرفة الخاصة بأحوالهم.

كما يمكن أن تكون الحجّة في إمكانية النظر والإجتهاد في كلّ ما جاؤوا به من مبانٍ وأحكام على مصائر الرجال، فيما أمكن لموضوعات هذا العلم من أن تنسلخ عن إطار أصولها، وقواعدها التقليدية الموروثة، ونطاق نصوصها ، وأحكامها التوقيفية، وما أمكن - أيضاً - لتفريعاته ولواحقه من أن تدخل في عِداد المسائل الاجتهادية لهذا العلم، كان ذلك هو الجانب الرّجالي الذي ظلّت دراسته والنظر فيه من مقومات الأخذ بالتشريع الاسلامي، الذي يعتمده المجتهدون في ممارستهم لعمليات الإجتهاد والإفتاء .

وما أثبته الرجاليون القدامى من الترجمة الرجالية في حق المحدثين والرواة، فأمر موثوق به، لا ملزم إلى مناقشته والنظر فيه إلّا أنّ ما وضعوه من القواعد الرجالية التي استندوا إليها في مجال التعديل والتوثيق فهو أمر يمكن مؤاخذته، والنقض عليه، فإنّ هذا الجانب إنّما يستند إلى الرأي والإجتهاد ويقع ضمن قاعدة، أو مبنى رجالي، لا يتبناه الرجاليون المحدثون، أو قد يسعهم مناقشته، والطعن في حجيته.

ولا بد من أن ندرك أنّ مصادر التشريع وأصوله التي تستند إليه أحكام الفقه الإسلامي، وإن اختلفت أو تعدّدت إلا أن غالبية هذه الأحكام التفصيلية إنما تستند في تشريعها واستنباطها على مصدر واحد، يتسع دوره ونطاقه هو السنة المروية، فإنّ

الأخذ بها لابد من أن يتوفّر فيها الدليل المؤمن الذي يضمن سلامتها من الضعف والدّس، وصيانتها من الوضع والاختلاق . وعلى هذا الأساس من الحذر والحيطة نشأ البحث على معيار يمكن أن يركن إليه في التأكد من سلامة سند الحديث ومسلسلاته، ليضمن حكماً أو بعض حكم من التشريع الاسلامي المطلوب. ومن هنا نتبين مهمة هذا العلم وعطاءاته .

وقد استطاع الإمام الخوئي أن يطوّر هذا العلم، ويجلي الصدأ عنه، ويبني قواعد رجالية مستجدّة كالتوثيق الجماعي. وقد أقصى من الحجّيّة قواعد مألوفة كالتوثيق بالوكالة المالية ومسائل أخرى كانت من اجتهادات الرجاليين، يمكن نقضها والخروج عليها.

كما استطاع أن يبعث على دراسته في الأوساط العلمية من جديد لعاملين :

1 - خلو الدراسات الحوزوية من هذا الاختصاص، والإعراض عنه .

2 - الإحساس بضرورة دراسته على أسس جديدة فيما لم يكن توقيفياً، بل اجتهادياً منهم .

وبهذا استطاع أن يكون صاحب نهج مستقل في علم الرّجال، أو فيمن يروون، أو روي عنهم .

و ناقش جملة من القواعد الرجالية ، التي استند إليها الرّجاليون في تقرير مصائر الرّجال (1).

وقد أحدث ذلك هزّة علميّة حول الرّجال في أروقة العلم، وخاصة بين طلابه الذين استدرجهم إلى ممارسة هذا العلم النافع، فظهرت دراسات رجالية جديدة في كتب مستقلة لطلابه ، وأهمها :

1 - تهذيب المقال في تنقيح كتاب الرجال، لآية الله الأبطحي .

2 - ثقات الرّواة، لآية الله السيد حسن الموسوي الإصفهاني.

3 - الثقات في أسانيد كامل الزيارات لآية الله الشيخ غلام رضا عرفانيان .


1) راجع الكتاب الأول والمدخل وما قدّم له بعنوان ( على أعتاب الكتاب)، للكاتب.

52

وبهذا دفع بهذا العلم إلى أجيال علميّة مستقبلية.

خاتمة المطاف :

لقد اتخذ كبار الفقهاء المتأخّرين، من عصر الفقيه الأعظم السيد الطباطبائي اليزدي العروة الوثقى - مداراً للأبحاث الاجتهادية في الفقه، تعليقاً عليها، أو شرحاً لها، وهي التي استوعبت أكثر الكتب الفقهيّة من تقريرات الإمام الخوئي في هذه الموسوعة من آثاره، مارس فيها فقاهته ومهارته وأعلميّته - بأعلى المستويات - بقوة الاستدلال وعمق البحث والمناقشة والاجتهاد، تلك التي أعدّ بها الفقهاء والمراجع، تمن درج-وا عليها من تلامذته الذين كتب لتقريراتهم - بعد ملاحظة ما تيسر منها - تقاريظ تليق بشأنهم.

إلا أن لزعيم الحوزة العلمية ومبدعها، أبحاث فقهيّة تقريرية أخرى، تدور حول (المكاسب المحرمة) للشيخ الأعظم الأنصاري، وهي على قمة من الدقة والتحقيق، والدراسة ، والشرح المستوفى بتقرير آية الله المرحوم الشيخ التوحيدي .

وكان حصيلة جهاده العلمي والتعليمي - طيلة حياته - أن أصبح جلّ مراجع التقليد المعلن عنهم من تلاميذه:

1 - سيد الفقهاء والمجتهدين آية الله العظمى السيستاني، من مراجع التقليد المشهورين في العالم الاسلامي.

2 - شيخ الفقهاء والمحدثين آية الله العظمى بهجت من مراجع التقليد في قم المشرّفة .

3 - المرجع آية الله العظمى الشيخ وحيد الخراساني، في قم المشرّفة.

4 - المرجع آية الله العظمى الشيخ ميرزا جواد التبريزي، في قم المقدسة .

وكان يرى الامام كاشف الغطاء أنه أعلم معاصريه، وهو أصغرهم سناً، وأكبرهم حوزةً، وذلك في بيان صدر - بتوقيعه - في مدرسته العلمية بالنجف الأشرف.

عوداً علی بدء:

وكان الإمام الخوئي على قمّة المرجعية العليا ذات النيابة العامة، التي خوّلته أن يحمل راية الاسلام ورسالته في العلم والجهاد والعقيدة والسياسة، وفي الجهد الثقافي والاجتماعي، على نحو مشاريع عامة حققت متطلبات المسلمين في أنحاء العالم جهد المستطاع.

وكانت وفاته ثلمة في الإسلام لا يسدّها شيء، وإن بقيت آثاره خالدة لا تمحوها الأيام. وقد وقعت عليه ظلامات كثيرة، وقضى نحبه وهو مظلوم. والله نسأل أن يجزيه عن الاسلام الجزاء الأوفى.

وقد قامت «مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي بتنسيق هذه الآثار في مسلسل موسوعي تميز بالتحقيق والضبط ، والتخريج وتصحيح الأخطاء، وإخراجها بصورة فنية، وطباعة حديثة أنيقة، وفهارس عامة ..

وكان الباعث على هذه الفكرة حفيد الإمام الخوئي (1)، نجل الشهيد السعيد السيِّد محمد تقي الخوئي .. ويستحق هذا الجهد العظيم الذي نهض بأعبائه الأفاضل المحققون، وبذلوا قصارى جهدهم كل شكر وأجر وتقدير ..

و من الله نستمد العون، ونرجو من وليّه الإمام الغائب (عجل الله تعالی فرجه الشريف) القبول والرّضا.

والله من وراء القصد.

مرتضى الحكمي

طهران - 1/ ذي الحجة الحرام / 1417 ه


1) فضيلة السيد جواد الخوئي.

الصورة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسّلام على أشرف الأولين والآخرين محمد، وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم إلى يوم الدين.

وبعد ، فقد سبق أن وعدنا روّاد العلم الشريف المعاودة إلى تحرير مسائل الاجتهاد والتقليد من كتاب «العروة الوثقى» للإمام الفقيه محمّد كاظم الطباطبائي طاب رمسه .

وبعد أن فرغنا من تنسيقها وإعدادها - منذ عهد غير بعيد - عزمنا على طبعها إجابة للطلب المتواصل من جم غفير من رجال العلم وحملة الفقه - دامت تأييداتهم - غير أنّ الاهتمام والانصراف إلى نشر كتابنا «التنقيح» أجزاء متتالية حال دون ذلك.

ولما أن تكرّر الطّلب من شتّى الجهات الذي ظلّ يحفّزنا على إخراجها آونة بعد أخرى، بادرنا إلى نشرها قبل إصدار الجزء الرابع متكلين في ذلك على الله سبحانه ومستمدين من تأييداته، إنه نعم الوهاب.

المؤلف

ص: 63

کتاب الاجتهاد والتقليد

اشارة

ص: 64

ص: 65

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى اللّه على محمّد خير خلقه وآله الطاهرين.

وبعد فيقول المعترف بذنبه المفتقر إلى رحمة ربّه محمد كاظم الطباطبائي : هذه جملة مسائل مما تعم به البلوى وعليها الفتوى ، جمعت شتاتها وأحصيت متفرقاتها عسى أن ينتفع بها إخواننا المؤمنون وتكون ذخراً ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون واللّه وليّ التوفيق.

[ الاجتهاد والتقليد ]

[1] مسألة 1 : يجب على كل مكلف (1).


(1) وهل هذا الوجوب شرعي ( نفسي أو طريقي أو غيري ) أو أنه عقلي؟

الصحيح أنه عقلي ومعنى ذلك أن العقل يدرك أن في ارتكاب المحرّم وترك الواجب من دون استناد إلى الحجة استحقاقاً للعقاب ، كما أن في ارتكاب المشتبهات احتمال العقاب لتنجز الأحكام الواقعية على المكلفين بالعلم الإجمالي أو بالاحتمال كما يأتي تفصيله فلا مناص لدى العقل من تحصيل ما هو المؤمّن من العقاب وهذا يحصل بأحد الأُمور الثلاثة :

فإن المجتهد إمّا أن يعمل على طبق ما قطع به بالوجدان كما في القطعيات والضروريات وهو قليل ، وإمّا أن يعمل على طبق ما قطع بحجيته من الأمارات والأُصول. كما أن المقلد يستند إلى فتوى المجتهد وهو حجة عليه على ما يأتي في مورده. وأما العامل بالاحتياط فهو يأتي بعمل يسبب القطع بعدم استحقاقه العقاب.

إذن وجوب الأُمور الثلاثة عقلي بمناط وجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب. ويترتب عليه بطلان عمل المكلف التارك للاجتهاد والتقليد والاحتياط ، على ما نبينه في الفرع السابع إن شاء اللّه.

وليس هذا الوجوب غيرياً ولا طريقياً ولا نفسياً.

أمّا عدم كونه غيرياً فلأنّ مقدّمة الواجب على ما بيّناه في محلّه ليست بواجبة شرعاً ، وليس أمرها مولوياً بوجه وإنّما هي واجبة عقلاً لعدم حصول الواجب إلاّ بها.

على أنّا لو سلمنا وجوب المقدمة فليس الاحتياط مقدمة لأي واجب فان ما أتى به المكلّف إما أنه نفس الواجب أو أنه أمر مباح ، وهو أجنبي عن الواجب رأساً لا أنه مقدمة لوجود الواجب وتحققه ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون أصل الوجوب معلوماً وكان التردد في متعلقه كما في موارد الاحتياط المستلزم للتكرار ، وبين أن يكون أصل الوجوب محتملاً كما في موارد الاحتياط غير المستلزم للتكرار ، ومعه كيف يكون الاحتياط مقدمة لوجود الواجب.

نعم ، ضمّ أحد الفعلين إلى الآخر مقدمة علمية للامتثال ، لأن به يحرز الخروج عن عهدة التكليف المحتمل. وكذلك الحال في الاحتياط غير المستلزم للتكرار ، لا أنه مقدمة وجودية للواجب ليجب أو لا يجب ، هذا كلّه في الاحتياط.

وكذلك الاجتهاد والتقليد ، لأنهما في الحقيقة عبارتان عن العلم بالأحكام ومعرفتها ، ولا يكون معرفة حكم أي موضوع مقوماً لوجود ذلك الموضوع ومقدمة لتحققه بحيث لا يتيسّر صدوره ممن لا يعلم بحكمه ، فهذا كرّد السلام فإنه ممكن الصدور ممن لا يعلم بحكمه ، وكذلك الحال في غيره من الواجبات إذ يمكن أن يأتي بها المكلف ولو على سبيل الاحتياط من دون أن يكون عالماً بحكمها ، فلا يتوقف وجود الواجب على معرفته بالاجتهاد أو التقليد.

نعم ، لا يتمكن المكلف في بعض الموارد من الإتيان بالعمل إلاّ إذا علم بما اعتبر فيه من القيود والشروط ، كما في الموضوعات المركبة مثل الصلاة والحج فإن الجاهل بأحكامهما غير متمكن على اصدارهما ، إلاّ أنه من الندرة بمكان.

وأمّا عدم كونه وجوباً طريقياً فلأن المراد به ما وجب لتنجيز الواجب أو التعذير عنه وليس الاحتياط منجزاً للواقع بوجه ، لما سيأتي (1)من أن الأحكام الواقعية إنما تنجزت بالعلم الإجمالي أو بالاحتمال لمكان الشبهة قبل الفحص ، أو لوجود الأمارات القائمة عليها في مظانها كما تأتي الإشارة إليه. فالأحكام متنجزة قبل وجوب الاحتياط لا أنها تنجزت بسببه ، فلا معنى للوجوب الطريقي بمعنى المنجزية فيه ، كما لا معنى له بمعنى المعذرية لأنه لا يتصوّر في الاحتياط مخالفة للواقع ليكون وجوبه معذراً عنها ، لأنه عبارة عن إتيان الواقع على وجه القطع والبت فلا تتحقق فيه مخالفة الواقع أبداً. إذن لا معنى محصل للوجوب الطريقي في الاحتياط.

وأمّا الاجتهاد والتقليد فقد يبدو للنظر أنهما كالاحتياط لا معنى للوجوب الطريقي فيهما بالإضافة إلى التنجيز ، لأن الأحكام الشرعية كما أشرنا إليه تنجزت قبل الأمر بهما من جهة العلم الإجمالي أو الاحتمال ، لا أنها تنجزت بسببهما. ثمّ على فرض عدم العلم الإجمالي من الابتداء أو انحلاله بالظفر بجملة معتد بها ، يستند التنجيز إلى الأمارات القائمة على الأحكام في مظانها لأن بها يستحق المكلف العقاب على مخالفة الواقع لا أنها تتنجز بالاجتهاد ، ومن هنا لو ترك الاجتهاد رأساً كانت الأحكام متنجزة في حقّه واستحق بذلك العقاب على تقدير مخالفة عمله الواقع ، هذا في الاجتهاد.

ومنه يظهر الحال في التقليد ، لتنجز الأحكام الواقعية بوجود فتوى من وجب على العامي تقليده وإن ترك تقليده ، لا أنها تتنجز بالتقليد. فالوجوب الطريقي بمعنى التنجيز لا محصل له بالإضافة إلى الاجتهاد والتقليد.

نعم ، الوجوب الطريقي بمعنى المعذرية فيهما صحيح ، كما إذا أفتى المجتهد بما أدى إليه رأيه وعمل به مقلّدوه ولكنه كان مخالفاً للواقع ، فإن اجتهاده حينئذٍ كتقليد مقلديه معذران عن مخالفة عملهما للواقع ، إلاّ أن ذلك لا يصحح القول بالوجوب الطريقي في الاجتهاد وعدليه وهو ظاهر ، هذا.

ولكن الصحيح أن يقال : إن الكلام قد يفرض في موارد العلم الإجمالي بالأحكام


1) راجع ص : 6.

وقد يفرض في موارد عدمه من الابتداء أو وجوده وانحلاله بالظفر بمقدار معتد به من الأحكام.

أمّا الصورة الأُولى : فالحال فيها كما بيّناه لأنه لا معنى للوجوب الطريقي حينئذٍ فإن مفروض الكلام تنجز الأحكام الواقعية بالعلم الإجمالي فلا مجال لتنجزها ثانياً بالأمر بالاحتياط أو التقليد أو الاجتهاد.

وأمّا الصورة الثانية : فلا مانع فيها من الالتزام بكون وجوب الاحتياط وعدليه طريقياً أي منجزاً للواقع وذلك : لأن أدلة الأُصول الشرعية كما بيّناه في محلّه غير قاصرة الشمول لموارد الشبهات الحكمية قبل الفحص ، ومقتضى ذلك أن الأحكام الواقعية لا تتنجز على المكلفين في ظرف عدم وصولها. إذن يكون التنجز مستنداً إلى وجوب الاحتياط أو إلى تحصيل الحجة بالتقليد أو الاجتهاد بحيث لولا الأمر بها لم يكن أي موجب لتنجز الواقع على المكلفين. ومن ثمة قلنا في محله إن إيجاب الاحتياط طريقي لا محالة ، لما أشرنا من أن أدلة الأُصول الشرعية شاملة لموارد الاحتياط وهو يقتضي عدم تنجز الأحكام قبل الوصول ، فلو وجب معه الاحتياط فمعناه أن الواقع منجز على المكلف بحيث لو ترك الواقع بتركه العمل بالاحتياط لاستحق العقاب على مخالفته ، وهو معنى الوجوب الطريقي.

ثمّ إن بما حققناه ينكشف أن مجرد وجود الحجة الواقعية لا يترتب عليه التنجيز بوجه ، لولا أدلة وجوب الاحتياط أو تحصيل الحجة بالتقليد أو الاجتهاد ، فإن الحجة الواقعية لا تزيد على الأحكام الواقعية في أنها لا تصحح العقاب ما لم تصل إلى المكلّف.

ثمّ إن كون التقليد في موارد عدم العلم الإجمالي واجباً طريقياً يبتني على أن يكون معناه تعلم فتوى المجتهد أو أخذها ، وأمّا بناءً على ما هو الصحيح عندنا من أنه العمل استناداً إلى فتوى المجتهد فالتقليد نفس العمل ولا معنى لكونه منجزاً للواقع ، فالمنجز على هذا هو الأمر بالتعلم بالتقليد أو الاجتهاد.

وأمّا عدم كونه وجوباً نفسياً فلعلّه أوضح من سابقيه وذلك لأنه لا وجه له سوى توهّم أن تعلم الأحكام الشرعية واجب بدعوى استفادته من مثل ما ورد من أن

« طلب العلم فريضة » (1)وقوله عزّ من قائل ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (2)وغيرهما مما يمكن الاستدلال به على هذا المدعى كما ذهب إليه الأردبيلي قدس سره وتبعه بعض المتأخرين ، إلاّ أنّا بيّنا في محله أن تعلم الأحكام ليس بواجب نفسي وإنما التعلم طريق إلى العمل ومن هنا ورد في بعض الأخبار « أن العبد يؤتى به يوم القيامة فيقال له : هلاّ عملت؟ فيقول : ما علمت فيقال له : هلاّ تعلمت » (3)فترى أن السؤال أوّلاً إنما هو عن العمل لا عن التعلم ، ومنه يستكشف عدم وجوبه النفسي وأنه طريق إلى العمل وإلاّ لكان اللاّزم سؤال العبد أوّلاً عن التعلم بأن يقال له ابتداءً : « هلاّ تعلّمت » وتفصيل الكلام في عدم وجوب التعلم موكول إلى محلّه.

على أنّا لو سلّمنا وجوب التعلم فالحكم بالوجوب النفسي في تلك الطرق وجعل الاحتياط عدلاً للاجتهاد والتقليد مما لا محصّل له ، وذلك لأن الاحتياط إنما هو الإتيان بالمأمور به فهو امتثال للحكم حقيقةً ، لا أن الاحتياط تعلّم له ، لضرورة أن المحتاط جاهل بالحكم أو بالمأمور به إلاّ أنه قاطع بالامتثال وجازم بإتيانه المأمور به على ما هو عليه ، فلا وجه للوجوب النفسي في الاحتياط. نعم ، لا بأس به في التقليد والاجتهاد نظراً إلى أنهما تعلّم للأحكام ، هذا إذا فسّرنا التقليد بما يرجع إلى تعلم فتوى المجتهد.

وأمّا إذا فسّرناه بما يأتي في محلّه من أنه الاستناد في العمل إلى فتوى الغير ، وأن تعلم الفتوى ليس من التقليد في شي‌ء ، فلا يمكن أن يقال : إن التقليد تعلّم للأحكام بل


1) الوسائل 27 : 25 / أبواب صفات القاضي ب 4 ح 15.

2) النحل 16 : 43 ، الأنبياء 21 : 7.

3) هذه مضمون ما رواه الشيخ في أماليه قال : حدثنا محمد بن محمد يعني المفيد قال أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد قال حدثني محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن أبيه عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد قال : سمعت جعفر بن محمّد علیه السلام وقد سئل عن قوله تعالى ( قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ) فقال : إن اللّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة : عبدي أكنت عالماً؟ فإن قال : نعم ، قال له : أفلا عملت بما علمت؟ وإن قال : كنت جاهلاً قال له : أفلا تعلّمت حتى تعمل؟ فيخصمه فتلك الحجة البالغة. راجع تفسير البرهان ج 1 ص 560 من الطبع الحديث وكذا في البحار ج 2 ص 29 و180 من الطبعة الثانية عن أمالي المفيد.

في عباداته ومعاملاته (1) أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً (2).


التقليد هو الاستناد إلى فتوى المجتهد والتعلم طريق إليه.

وأما احتمال أن يكون الوجوب النفسي في تلك الطرق مستنداً إلى المصلحة الواقعية الباعثة على الإيجاب الواقعي ، فيدفعه : أنه إنما يتم فيما إذا أثبتنا وجوبها شرعاً فإنه في مقام التعليل حينئذٍ يمكن أن يقال : إن وجوبها منبعث عن نفس المصلحة الواقعية ، إلاّ أنه أول الكلام لعدم قيام الدليل على وجوب الاجتهاد والاحتياط. نعم ، لا بأس بذلك في التقليد بناءً على دلالة الأدلة على وجوبه الشرعي كما بنى عليه بعض مشايخنا المحققين قدس سره (1).

فالمتحصّل إلى هنا : أن الاجتهاد وعدليه لا يحتمل فيها الوجوب الشرعي الأعم من النفسي والغيري والطريقي ، وإنما وجوبها متمحّض في الوجوب العقلي بالمعنى الّذي قررناه آنفاً.

(1) بل وفي عادياته. بل في كل فعل يصدر منه على ما يأتي من الماتن قدس سره في المسألة التاسعة والعشرين فلاحظ.

(2) لأن الأحكام الواقعية متنجزة على كل مكلف بوجوداتها ، فلا يمكن معه الرجوع إلى البراءة العقلية أو النقلية أو استصحاب عدم التكليف في موارد الاحتمال وذلك للعلم الإجمالي بوجود أحكام إلزامية في الشريعة المقدسة إذ لا معنى للشريعة العارية عن أي حكم. ولا تجري الأُصول النافية في أطراف العلم الإجمالي أصلاً في نفسها ، أو أنها تتساقط بالمعارضة.

ثمّ لو فرضنا أن المكلف ليس له علم إجمالي بوجود أيّ حكم إلزامي من الابتداء أو أنه كان إلاّ أنه قد انحلّ بالظفر بجملة معتد بها من الأحكام ، أيضاً لم يجز له الرجوع إلى الأُصول النافية في موارد احتمالها ، وذلك لأنه من الشبهة قبل الفحص وقد بيّنا في محلّه أنه لا مورد للأصل في الشبهات الحكمية قبل الفحص ، فإن الحكم الواقعي يتنجز حينئذٍ بالاحتمال.


1) رسالة في الاجتهاد والتقليد ( الأصفهاني ) : 17.

والنتيجة : أن الأحكام الواقعية متنجّزة على كل مكلف إمّا للعلم الإجمالي وإمّا بالاحتمال ، وإذا لم تجر البراءة في الأحكام الواقعية عقلاً ولا نقلاً ولا استصحاب العدم ، لم يكن بدّ من الخروج عن عهدة امتثالها ، حيث إن في مخالفتها استحقاق العقاب ، وطريقه منحصر بالاجتهاد والتقليد والاحتياط وذلك لأن المكلف إمّا أن يستند في عمله إلى ما علم بحجيته وجداناً أو تعبداً فهو الاجتهاد ، وبالعمل به يقطع بأنه قد ترك الحرام وأتى بالواجب ، ويجزم بخروجه عن عهدة ما توجه إليه من الأحكام.

وإمّا أن يستند في أعماله إلى قول الغير وهو المعبّر عنه بالتقليد ، إلاّ أن القطع بفراغ الذمة بسببه إنما هو فيما إذا كان قول الغير ثابت الحجية عنده بالاجتهاد ولو بالارتكاز لارتكاز رجوع الجاهل إلى العالم عند العقلاء ، وذلك لأن قول الغير ليس بحجة عليه في نفسه ولا يمكن أن تثبت حجية قول الغير بالتقليد وقول الغير ، لأن هذا القول كالقول الأول يتوقف حجيته على دليل ، فلو توقفت حجية قول الغير على التقليد وقول الغير لدار أو تسلسل ، لأنا ننقل الكلام إلى القول الثاني ونقول إن حجيته إمّا أن تستند إلى الاجتهاد أو إلى التقليد وقول الغير ، فعلى الأول نلتزم به في القول الأول من دون تبعيد المسافة وإثبات حجيته بالقول الثاني ، وعلى الثاني ينقل الكلام إلى القول الثالث فإن حجيته إمّا أن تثبت بالاجتهاد أو بالتقليد وقول الغير. فعلى الأول نلتزم به في القول الأول من دون تبعيد المسافة ، وعلى الثاني ننقل الكلام إلى القول الرابع ، وهكذا إلى ما لا نهاية له.

فالمتحصل : أن التقليد لا يمكن أن يكون تقليدياً بوجه. نعم ، لا بأس بالتقليد في فروعه كجواز تقليد غير الأعلم أو البقاء على تقليد الميت كما يأتي في محلّه ، إلاّ أن أصل مشروعية التقليد لا بدّ أن يكون بالاجتهاد ، فالمقلد باجتهاده يعمل على فتوى المجتهد وهو يعمل على ما قطع بحجيته من الأمارات والأُصول.

وإمّا أن يعمل بالاحتياط بأن يأتي بما يحتمل وجوبه ويترك ما يحتمل حرمته ، إلاّ أن الاحتياط لا يتمشى في جميع المقامات ، إمّا لعدم إمكانه كما في موارد دوران الأمر بين المحذورين ، وموارد كثرة أطراف الاحتياط بحيث لا يتمكن المكلف من إتيانها وإمّا لاحتمال عدم مشروعيته كما إذا كان محتمل الوجوب عبادة واحتمل المكلف عدم

جواز الامتثال الإجمالي في العبادات عند التمكن من امتثالها تفصيلاً اجتهاداً أو تقليداً وحيث إنها عبادة يعتبر فيها قصد القربة ولا يتمشى ذلك مع احتمال الحرمة فلا يسوغ للمكلف الاحتياط في مثلها ، اللّهُمَّ إلاّ أن يبنى على جوازه بالاجتهاد أو يقلّد من يفتي بجوازه في تلك المقامات. فالاحتياط لا يكون طريقاً إلى القطع بالفراغ في جميع الموارد.

وبما سردناه ظهر أن طريق الخروج عن عهدة الأحكام الواقعية المنجّزة على المكلفين وإن كان منحصراً بالاجتهاد والتقليد والاحتياط ، إلاّ أن الأخير ليس في عرض الأوّلين بحسب المرتبة بل في طولهما. نعم ، يصح عدّه في عرضهما من حيث العمل ، لأن العمل إما أن يكون بالاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط ، كما ظهر أن التقليد أيضاً كذلك لأنه في طول الاجتهاد بحسب المرتبة لا في عرضه. فالاجتهاد هو الأصل الوحيد وهو التصدي لتحصيل القطع بالحجة على العمل ، لأن به يقطع بعدم العقاب على مخالفة الواقع.

مباحث الاجتهاد

اشارة

ويقع الكلام فيه من جهات :

1 - تعريف الاجتهاد :

الاجتهاد مأخوذ من الجُهد بالضم وهو لغة : الطاقة ، أو أنه من الجَهد بالفتح ومعناه : المشقة ويأتي بمعنى الطاقة أيضاً ، وعليه فالاجتهاد بمعنى بذل الوسع والطاقة سواء أخذناه من الجَهد بالفتح أو الجُهد بالضم وذلك لأن بذل الطاقة لا يخلو عن مشقة وهما أمران متلازمان ، هذا بحسب اللغة.

وأمّا في الاصطلاح فقد عرّفوه : باستفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي وتعريف الاجتهاد بذلك وإن وقع في كلمات أصحابنا ( قدّس اللّه أسرارهم ) إلاّ أن الأصل في ذلك هم العامة ، حيث عرّفوه بذلك لذهابهم إلى اعتبار الظن في الأحكام الشرعية ، ومن هنا أخذوه في تعريف الاجتهاد ووافقهم عليه أصحابنا مع عدم ملائمته لما هو المقرّر عندهم من عدم الاعتبار بالظن في شي‌ء ، وأن العبرة إنما هي بما جعلت

له الحجية شرعاً سواء أكان هو الظن أو غيره ، فتفسير الاجتهاد بذلك مما لا تلتزم به الإمامية بتاتاً. بل يمكن المناقشة فيه حتّى على مسلك العامة لأن الدليل في الأحكام الشرعية عندهم غير منحصر بالظن فهو تفسير بالأخص. وعليه فهذا التعريف ساقط عند كلتا الطائفتين.

ومن هنا فسّره المتأخرون من أصحابنا بأنه ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعية. وتعريف الاجتهاد بذلك وإن لم ترد عليه المناقشة المتقدمة ، إلاّ أن الاجتهاد بهذا المعنى ليس من أطراف الوجوب التخييري الثابت للاجتهاد والتقليد والاحتياط ، وذلك لأن الأحكام الواقعية على ما بيّناه سابقاً قد تنجّزت بالعلم الإجمالي أو بالاحتمال ولأجله قد استقل العقل بلزوم تحصيل العلم بالفراغ ، وهو لا يتحصل إلاّ بالاحتياط أو بتحصيل العلم بالأحكام من دون متابعة الغير كما في الاجتهاد ، أو بمتابعته كما في التقليد ، حيث إن المكلف بتركه تلك الطرق يحتمل العقاب في كل ما يفعله ويتركه لاحتمال حرمته أو وجوبه ، والعقل مستقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ، ومن البديهي أن المجتهد أعني من له ملكة الاستنباط من غير أن يستنبط ويتصدى لتحصيل الحجة ولا في حكم واحد ، كغيره يحتمل العقاب في كل من أفعاله وتروكه ، ومعه لا بدّ له أيضاً إما أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو يحتاط.

وبهذا ينكشف أن الاجتهاد الّذي يعدّ عِدلاً للتقليد والاحتياط ليس هو بمعنى الملكة ، وإنما معناه : تحصيل الحجة على الحكم الشرعي بالفعل ، أعني العمل والاستنباط الخارجيين لأنه المؤمّن من العقاب ولا أثر في ذلك للملكة ، وتوضيحه :

أن ملكة الاجتهاد غير ملكة السخاوة والشجاعة ونحوهما من الملكات ، إذ الملكة في مثلهما إنما تتحقق بالعمل وبالمزاولة كدخول المخاوف والتصدي للمهالك ، فإن بذلك يضعف الخوف متدرّجاً ويزول شيئاً فشيئاً حتى لا يخاف صاحبه من الحروب العظيمة وغيرها من الأُمور المهام ، فترى أنه يدخل الأمر الخطير كما يدخل داره. وكذلك الحال في ملكة السخاوة فإن بالإعطاء متدرّجاً قد يصل الإنسان مرتبة يقدّم غيره على نفسه ، فيبقى جائعاً ويطعم ما بيده لغيره. والمتحصل أن العمل في أمثال تلك الملكات متقدم على الملكة ، وهذا بخلاف ملكة الاجتهاد لأنها إنما تتوقف على جملة

من المبادئ والعلوم كالنحو والصرف وغيرهما ، والعمدة علم الأُصول فبعدما تعلّمها الإنسان تحصل له ملكة الاستنباط وإن لم يتصدّ للاستنباط ولا في حكم واحد ، إذن العمل أي الاستنباط متأخر عن الملكة ، فلا وجه لما قد يتوهم من أنها كسائر الملكات غير منفكة عن العمل والاستنباط ، فمن حصلت له الملكة فلا محالة اشتغل بالاستنباط ، وعليه فبمجرّد حصول الملكة له يحصل له الأمن عن العقاب. بل الاستنباط كما عرفت متأخر عن الملكة من غير أن يكون له دخل في حصولها. نعم تتقوى الملكة بالممارسة والاستنباط بعد تحققها في نفسها لا أنها تتوقف عليه في الوجود.

إذن الاجتهاد بمعنى الملكة لا يترتب عليه الأمن من العقاب ولا يكون عِدلاً للتقليد والاحتياط.

فالصحيح أن يعرّف الاجتهاد بتحصيل الحجة على الحكم الشرعي ، وهو بهذا المعنى سليم عن كلتا المناقشتين المتقدمتين.

بقي شي‌ء : وهو أن المجتهد بمعنى من له الملكة قبل أن يستنبط شيئاً من الأحكام هل يجوز تقليده؟ وهل يحرم عليه تقليد الغير؟ وهل يترتب عليه غير ذلك من الأحكام المترتبة على الاجتهاد ، أو أنها مختصة بالمجتهد الّذي تصدى لتحصيل الحجة على الأحكام أعني المستنبط بالفعل ، ولا يعمّ من له الملكة إذا لم يتصدّ للاستنباط خارجاً؟ ولكنه بحث خارج عن محل الكلام ، لأن البحث إنما هو في الاجتهاد الّذي هو عديل التقليد والاحتياط وهو من أطراف الواجب التخييري. وأما أن الأحكام المتقدمة تترتب على من له ملكة الاستنباط أو لا تترتب فيأتي عليه الكلام في البحث عن شرائط المقلد إن شاء اللّه.

ثمّ إن التعريف الّذي قدّمناه للاجتهاد مضافاً إلى أنه سليم عن المناقشتين المتقدمتين ، يمكن أن تقع به المصالحة بين الأخباريين والأُصوليين ، وذلك لأن الفريقين يعترفان بلزوم تحصيل الحجة على الأحكام الشرعية ولا استيحاش للأخباريين عن الاجتهاد بهذا المعنى ، وإنما أنكروا جواز العمل بالاجتهاد المفسّر باستفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي ، والحق معهم لأن الاجتهاد بذلك المعنى بدعة ولا يجوز العمل على

طبقه ، إذ لا عبرة بالظن في الشريعة المقدسة ، بل قد نهى اللّه سبحانه عن اتّباعه في الكتاب العزيز وقال عزّ من قائل ( وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) (1)وقال ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ ... ) (2)إلى غير ذلك من الآيات.

وأمّا تحصيل الحجّة على الأحكام فهو مما لا بدّ منه عند كل من اعترف بالشرع والشريعة ، لبداهة أن الأحكام الشرعية ليست من الأُمور البديهية الّتي لا يحتاج إثباتها إلى دليل. نعم ، قد يقع الخلاف في بعض المصاديق والصغريات ، مثلاً لا يرى الأُصولي شيئاً حجة وهو حجة عند المحدّثين ، أو بالعكس إلاّ أنه غير مضرّ بالاتفاق على كبرى لزوم تحصيل الحجة على الحكم ، كيف فإنه قد وقع نظيره بين كل من الطائفتين ، فترى أن المحدّث الأسترآبادي يرى عدم حجية الاستصحاب في الأحكام الكلّية إلاّ في استصحاب عدم النسخ (3)ويرى غيره خلافه ، هذا كلّه في الاجتهاد.

وكذلك الحال في التقليد ، إذ لا موقع لاستيحاش المحدّثين منه لأنه على ما فسّرنا الاجتهاد به من الأُمور الضرورية والمرتكزة عند العقلاء ، حيث إن من لا يتمكن من تحصيل الحجة على الحكم الشرعي أو أنه تمكن ولكنه لم يتصد لتحصيلها جاهل به كما أن من حصّلها عالم بالحكم ، وجواز رجوع الجاهل إلى العالم من الضروريات الّتي لم يختلف فيها اثنان ، وهو أمر مرتكز في الأذهان وثابت ببناء العقلاء في جميع الأعصار والأزمان.

والمتحصل إلى هنا : أن الاجتهاد بمعنى تحصيل الظن بالحكم الشرعي كما يراه المحدّثون بدعة وضلال ، إلاّ أن الأُصوليين لا يريدون إثباته وتجويزه ولا يدّعون وجوبه ولا جوازه بوجه ، بناءً على عدم تمامية مقدمات الانسداد كما هو الصحيح وأمّا الاجتهاد بمعنى تحصيل الحجة على الحكم الشرعي فهو أمر لا يسع المحدّث إنكاره وهو الّذي يرى الأُصولي وجوبه. فما أنكره المحدّثون لا يثبته الأُصوليون كما أن ما


1) يونس 10 : 36.

2) الحجرات 49 : 12.

3) الفوائد المدنية : 141 - 143.

يريد الأُصولي إثباته لا ينكره المحدّثون. إذن يظهر أن النزاع بين الفريقين لفظي وهو راجع إلى التسمية فإن المحدّث لا يرضى بتسمية تحصيل الحجة اجتهاداً وأما واقعة فكلتا الطائفتين تعترف به كما مر.

2 - مبادئ الاجتهاد :

يتوقف الاجتهاد على معرفة اللغة العربية ، لوضوح أن جملة من الأحكام الشرعية وإن لم يتوقف معرفتها على معرفة اللّغة كوجوب مقدمة الواجب وغيره من موارد الأحكام العقلية الاستلزامية ، إلاّ أنه لا شبهة في أن أكثر الأحكام يستفاد من الكتاب والسنة وهما عربيان ، فلا مناص من معرفة اللّغة العربية في استنباطها منهما حتى إذا كان المستنبط عربي اللّسان ، لأن العربي لا يحيط بجميع اللغة العربية وإنما يعرف شطراً منها فلا بدّ في معرفة البقية من مراجعة اللّغة. ولا نقصد بذلك أن اللغوي يعتبر قوله في الشريعة المقدسة كيف ولم يقم دليل على حجيته ، وإنما نريد أن نقول إن الرجوع إلى اللّغة من الأسباب المشرفة للفقيه على القطع بالمعنى الظاهر فيه اللّفظ ولا أقل من حصول الاطمئنان بالظهور وإن لم يثبت أنه معناه الحقيقي بقوله ، وذلك لأن الفقيه إنما يدور مدار الظهور ولا يهمّه كون المعنى حقيقة أو مجازاً.

ثمّ إن بهذا الملاك الّذي أحوجنا إلى معرفة اللّغة العربية نحتاج إلى معرفة قواعدها لأنها أيضاً مما يتوقف عليه الاجتهاد وذلك كمعرفة أحكام الفاعل والمفعول ، لضرورة أن فهم المعنى يتوقف على معرفتها. نعم ، لا يتوقف الاجتهاد على معرفة ما لا دخالة له في استفادة الأحكام من أدلتها ، وذلك كمعرفة الفارق بين البدل وعطف البيان وغير ذلك مما يحتوي عليه الكتب المؤلفة في الأدب.

وأمّا علم المنطق فلا توقف للاجتهاد عليه أصلاً ، لأن المهم في المنطق إنما هو بيان ما له دخالة في الاستنتاج من الأقيسة والأشكال كاعتبار كلّية الكبرى وكون الصغرى موجبه في الشكل ، مع أن الشروط الّتي لها دخل في الاستنتاج مما يعرفه كل عاقل حتى الصبيان ، لأنك إذا عرضت على أيّ عاقل قولك : هذا حيوان ، وبعض الحيوان موذٍ ، لم يتردد في أنه لا ينتج أن هذا الحيوان موذٍ.

وعلى الجملة المنطق إنما يحتوي على مجرد اصطلاحات علمية لا تمسها حاجة المجتهد بوجه ، إذ ليس العلم به ممّا له دخل في الاجتهاد بعد معرفة الأُمور المعتبرة في الاستنتاج بالطبع.

والّذي يوقفك على هذا ، ملاحظة أحوال الرواة وأصحاب الأئمة ( عليهم أفضل الصّلاة ) لأنهم كانوا يستنبطون الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة من غير أن يتعلموا علم المنطق ويطّلعوا على مصطلحاته الحديثة.

والعمدة فيما يتوقف عليه الاجتهاد بعد معرفة اللّغة العربية وقواعدها علمان :

أحدهما : علم الأُصول ، ومساس الحاجة إليه في الاجتهاد مما لا يكاد يخفى لأن الأحكام الشرعية ليست من الأُمور الضرورية الّتي لا يحتاج إثباتها إلى دليل ، وإنما هي أُمور نظرية يتوقف على الدليل والبرهان ، والمتكفل لأدلة الأحكام وبراهينها من الحجج والأمارات وغيرهما مما يؤدي إلى معرفة الأحكام الشرعية علم الأُصول وما من حكم نظري إلاّ ويستنبط من تلك الأدلة ، فعلى المستنبط أن يتقنها ويحصّلها بالنظر والاجتهاد لأنها لو كانت تقليديةً لأدى إلى التقليد في الأحكام لأن النتيجة تتبع أخسّ المقدمتين كما تأتي الإشارة إليه في محله.

وثانيهما : علم الرجال ، وذلك لأن جملة من الأحكام الشرعية وإن كانت تستفاد من الكتاب إلاّ أنه أقل قليل ، وغالبها يستفاد من الأخبار المأثورة عن أهل البيت علیهم السلام وعلى ذلك إن قلنا بأن الأخبار المدوّنة في الكتب الأربعة مقطوعة الصدور ، أو أنها ممّا نطمئن بصدورها لأن الأصحاب عملوا على طبقها ولم يناقشوا في إسنادها وهذا يفيد الاطمئنان بالصدور ، فقد استرحنا من علم الرجال لعدم مساس الحاجة إلى معرفة أحوال الرواة كما سلك ذلك المحقق الهمداني قدس سره حيث قال :

ليس المدار عندنا في جواز العمل بالرواية على اتصافها بالصحة المطلوبة ، وإلاّ فلا يكاد يوجد خبر يمكننا إثبات عدالة رواتها على سبيل التحقيق لولا البناء على المسامحة في طريقها والعمل بظنون غير ثابتة الحجية. بل المدار على وثاقة الراوي أو الوثوق بصدور الرواية

وإن كان بواسطة القرائن الخارجية الّتي عمدتها كونها مدونة في الكتب الأربعة أو مأخوذة من الأُصول المعتبرة مع اعتناء الأصحاب بها وعدم إعراضهم عنها ، إلى أن قال : ولأجل ما تقدمت الإشارة إليه جرت سيرتي على ترك الفحص عن حالهم. انتهى.

وإنما اللاّزم حينئذٍ مراجعة أن الرواية هل هي معمول بها عندهم ، لتكون حجة أو أنها معرض عنها لتسقط عن الاعتبار. ومعه لا تمسّ الحاجة إلى علم الرجال إلاّ في بعض الموارد ، كما إذا لم يظهر لنا عمل الأصحاب على طبق الرواية أو إعراضهم عنها.

وأمّا إذا بنينا على ما هو الصحيح عندنا ، من أن عمل الأصحاب والمشايخ ( قدّس اللّه أسرارهم ) على طبق رواية لا يكون جابراً لضعف دلالتها ، إذ المتبع حسب سيرة العقلاء هو الظهور ، ومن الظاهر أن عملهم على طبق الرواية لا يجعلها ظاهرة في المعنى المراد كما لا ينجبر بعملهم ضعف سندها ، فإن السيرة العقلائية الّتي هي العمدة في حجية الخبر وكذا الأخبار التي ادعينا تواترها إجمالاً ، وبعض الآيات المذكورة في محلّها إنما تدل على اعتبار الخبر الموثوق أو الممدوح رواته ، أو الرواية الّتي يطمأن بصدورها عنهم لو اتفق في مورد وأمّا الخبر الضعيف فلم يدلنا دليل على اعتباره إذا عمل المشهور على طبقه. فلا محالة تزداد الحاجة إلى علم الرجال ، فإن به يعرف الثقة عن الضعيف وبه يتميز الغث عن السمين ، ومعه لا مناص من الرجوع إليه للتفتيش عن أحوال الرواة الواقعين في سلسلة السند واحداً بعد واحد ليظهر أنه موثوق به ليؤخذ بخبره أو أنه ضعيف لئلاّ يعتمد على إخباره ، حتى الرواة الواقعين في السند بعد ابن أبي عمير وزرارة وأضرابهما ممّن ادّعوا الإجماع على تصحيح ما يصح عنهم في الرجال ، وذلك لأن هذا الإجماع ليس بأزيد من الإجماعات المنقولة الّتي لا نعتمد عليها في الأحكام.

على أنه غير معلوم المراد وهل أُريد به أن السند إذا كان معتبراً إلى تلك الجماعة لم ينظر إلى من وقع بعدهم في سلسلة السند من الرواة ، بل يحكم باعتبارها ولو كان الراوي الواقع بعدهم غير معلوم الحال عندنا ليكون ذلك توثيقاً إجمالياً لهؤلاء الرواة أو أن المراد به توثيق أصحاب الإجماع في أنفسهم ليكون معناه أن الجماعة المذكورين

ثقات أو عدول وإن كان بعضهم واقفياً أو فطحياً أو غيرهما من الفرق ، ولم يرد توثيق لبعضهم مع قطع النظر عن هذا الإجماع ، فالسند إذا تمّ من غير ناحيتهم فهو تام من جهتهم أيضاً لأنهم ثقات أو عدول ، وأمّا من وقع في السند بعدهم فلا يكاد يستفاد توثيقه من الإجماع بوجه. وبما أن كُلا من الأمرين محتمل الإرادة في نفسه ، فيصبح معقد الإجماع مجملاً ولا يمكننا الاعتماد عليه إلاّ في المقدار المتيقن منه وهو الأخير.

والمتحصّل : أن علم الرجال من أهم ما يتوقف عليه رحى الاستنباط والاجتهاد. وأما غير ما ذكرناه من العلوم فهو فضل لا توقف للاجتهاد عليه.

3 - أقسام الاجتهاد :

اشارة

للاجتهاد تقسيمان :

أحدهما : تقسيمه إلى الاجتهاد الفعلي والاجتهاد بالقوة والملكة ، وذلك لأن الإنسان قد يكون له ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعية إلاّ أنه لم يُعمل بعدُ قدرته في الاستنباط أو أن استنبط شيئاً قليلاً من الأحكام ، وقد يكون ذا ملكة الاجتهاد ويعمل قدرته أيضاً في الاستنباط ويكون عالماً للأحكام الشرعية بالفعل وإن لم يكن علمه علماً وجدانياً بل مستنداً إلى الأدلة والحجج.

ثانيهما : تقسيمه إلى مطلق وتجزي ، وذلك لأن الملكة قد لا تختص بباب دون باب على ما تأتي الإشارة إليه ويسمّى صاحبها مجتهداً مطلقاً ، وقد تختص ببعض الأبواب دون بعض فلا يتمكن إلاّ من استنباط جملة من الأحكام لا جميعها ويسمّى صاحبها بالمتجزّي في الاجتهاد.

وحيث إن الاجتهاد موضوع لجملة من الأحكام ، فيقع الكلام في أنها هل تترتب على جميع الأقسام المتقدمة أو تختص ببعضها دون بعض ، وذلك لأن للاجتهاد أحكاماً ثلاثة :

الأول : حرمة رجوع المجتهد إلى الغير في الفتوى بالاستناد إليها في مقام الامتثال لوجوب اتباع نظره على نفسه.

الثاني : جواز رجوع الغير إليه أعني تقليده والاستناد إلى آرائه في مقام العمل.

الثالث : نفوذ قضائه وتصرفاته في أموال القصّر والتصدي لغير ذلك مما هو من مناصب الفقيه الجامع للشرائط.

ثمّ إن المناسب للبحث في المقام إنما هو خصوص الحكم الأول دون الثاني والأخير لأنهما يناسبان بحثي التقليد والقضاء ، حيث يقع فيهما الكلام في أن القاضي ومن يرجع إليه في التقليد هل يعتبر أن يكونا مجتهدين بالفعل أو يكفي كونهما ذا ملكة الاجتهاد وإن لم يستنبطا ولو حكماً واحداً؟ وكذا نتكلم في أن المتجزّي في الاجتهاد هل ينفذ قضاؤه ويجوز أن يتصدى للأُمور الحسبية وأنه هل يجوز تقليده أو أن القاضي ومن يرجع إليه في التقليد يعتبر أن يكونا مجتهدين مطلقين؟ إلاّ أنّا في المقام نشير إلى هذين البحثين أيضاً على نحو الاختصار فنقول :

لا ريب ولا إشكال في أن المجتهد المطلق الّذي قد استنبط جملة وافية من الأحكام يحرم عليه الرجوع إلى فتوى غيره ، ويجوز أن يراجع إليه في التقليد ويتصدى للقضاء ويتصرف في أموال القصّر ونحوه ، وهذا القسم من الاجتهاد هو القدر المتيقن في ترتب الأحكام المذكورة عليه. وإنما الكلام في من له الملكة المطلقة إلاّ أنه لم يتصد للاستنباط أصلاً أو استنبط شيئاً قليلاً من الأحكام ، وفي المتجزّي الّذي يتمكن من استنباط بعض الأحكام دون بعض إذا استنبط جملة منها بالفعل ، فالبحث يقع في مرحلتين :

1 - الاجتهاد بالقوة والملكة

والكلام فيه من جهات :

الاولى : في جواز رجوعه إلى الغير.

الثانية : في جواز الرجوع إليه.

الثالثة : في نفوذ قضائه وجواز تصدّيه للأُمور الحِسبية.

أمّا الجهة الاولى : فلا يترتب على البحث عنها أية ثمرة إلاّ بالإضافة إلى نفس من له الملكة ليفتي في تلك المسألة بالحرمة أو الجواز ، وذلك لأن صاحب الملكة ليس له أن يقلّد في مسألة جواز رجوع من له الملكة إلى الغير وعدمه ، فإن مشروعية التقليد

بالإضافة إليه أول الكلام ، فلا مناص من أن يرجع إلى الأدلة حتى ينتهي نظره إلى جواز رجوع مثله إلى الغير أو حرمته ، فتكلمنا عليه وإثباتنا جواز تقليده أو حرمته لا يكاد أن تترتب عليه ثمرة سوى أن تترجح عنده أدلة الجواز أو التحريم ليفتي على طبق الأُولى أو الثانية ، هذا.

وقد يقال بجواز رجوعه إلى الغير نظراً إلى أن الاجتهاد بالقوة والملكة ليس بعلم فعليّ للأحكام ، بل صاحبها جاهل بها بالفعل وإن كان له ملكة الاستنباط والاجتهاد ، ولا مانع من رجوع الجاهل إلى العالم. وهذا القول منسوب إلى صاحب المناهل قدس سره (1).

وعن شيخنا الأنصاري قدس سره في رسالته الموضوعة في الاجتهاد والتقليد دعوى الاتفاق على عدم الجواز لانصراف الإطلاقات الدالة على جواز التقليد عمّن له ملكة الاجتهاد ، واختصاصها بمن لا يتمكن من تحصيل العلم بها (2).

وما أفاده قدس سره هو الصحيح وذلك لأن الأحكام الواقعية قد تنجزت على من له ملكة الاجتهاد بالعلم الإجمالي أو بقيام الحجج والأمارات عليها في محالّها وهو يتمكن من تحصيل تلك الطرق ، إذن لا بدّ له من الخروج عن عهدة التكاليف المتنجزة في حقه ولا يكفي في ذلك أن يقلّد الغير ، إذ لا يترتب عليه الجزم بالامتثال فإنه من المحتمل أن لا تكون فتوى الغير حجة في حقه لوجوب العمل بفتيا نفسه ونظره ، فلا يدري أنها مؤمّنة من العقاب المترتب على مخالفة ما تنجز عليه من الأحكام الواقعية والعقل قد استقل بلزوم تحصيل المؤمّن من العقاب ومع الشك في الحجية يبني على عدمها ، فإن الشك في الحجية يساوق القطع بعدمها على ما بيّناه في محله (3).

ولا يقاس صاحب الملكة بمن ليست له ملكة الاجتهاد بالفعل إلاّ أنه يتمكن من تحصيلها لاستعداده وقابليته ولو بالاشتغال بالدراسة سنين متمادية ، وذلك لأنه غير متمكن حقيقة من تحصيل العلم التعبدي بالأحكام ولا يحتمل حرمة التقليد عليه بأن


1) المناهل : 699 سطر 11.

2) الاجتهاد والتقليد : 53.

3) مصباح الأُصول 2 : 111.

يحتمل وجوب الاجتهاد في حقه ، كيف فإن الاجتهاد واجب كفائي وليس من الواجبات العينية كما هو مقتضى قوله عزّ من قائل ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (1). لدلالته على أن الاجتهاد وتحصيل العلم بالأحكام إنما يجب على طائفة من كل فرقة لا على الجميع. وهذا بخلاف صاحب الملكة إذ من المحتمل أن يجب عليه الاجتهاد وجوباً تعيينياً لتمكنه من تحصيل العلم بالأحكام ويحرم عليه التقليد لانصراف أدلة الجواز عنه ، حيث إن ظاهرها أن جواز التقليد يختص بمن لا يتمكن من تحصيل العلم بالأحكام فمثل قوله عزّ من قائل ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (2)يختص بمن لا يكون من أهل الذكر ولو بالقوة ، لوضوح أنه لو كان خطاباً للمتمكن من تحصيل العلم بالأحكام لم يناسبه الأمر بالسؤال بل ناسب أن يأمره بتحصيل العلم بها فإن مثله لا يخاطب بذلك الخطاب. وهكذا الكلام في بقية أدلته لوضوح اختصاصها بمن لا يتمكن من تحصيل الحجة على الحكم حتى السيرة العقلائية الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم.

ودعوى : أن السيرة شاملة للمقام لأن صاحب الملكة ليس بعالم بالفعل ، مما لا يمكن التفوّه به أصلاً ، لأنه كيف يسوغ دعوى أن العقلاء يُلزمون صاحب الملكة بالرجوع إلى من يحتمل انكشاف خطئه إذا راجع الأدلة. بل قد يكون قاطعاً بأنه لو راجع الأدلة لخطّأه في كثير من استدلالاته ، ومثله لا يكون مشمولاً للسيرة العقلائية يقيناً ولا أقل من احتمال اختصاصها بمن لا يتمكن من الرجوع إلى الأدلة.

والمتحصّل : أن من له ملكة الاجتهاد سواء لم يتصدّ للاستنباط أصلاً أو استنبط شيئاً قليلاً من الأحكام لا بدّ له من أن يتّبع نظره ويرجع إلى فتيا نفسه ولا يجوز أن يقلد غيره ، والإجماع المدعى في كلام شيخنا الأنصاري قدس سره أيضاً مؤيد لما ذكرناه ، لعدم كونه إجماعاً تعبدياً.

أمّا الجهة الثانية : فالصحيح عدم جواز الرجوع إليه لأن الأدلة اللفظية المستدل بها


1) التوبة 9 : 122.

2) النحل 16 : 43.

على جواز التقليد من الآيات والروايات ، أُخذت في موضوعها عنوان العالم والفقيه وغيرهما من العناوين غير المنطبقة على صاحب الملكة ، إذ لا يصدق عليه العالم أو الفقيه لعدم كونه كذلك بالفعل. نعم ، له قدرة المعرفة والعلم بالأحكام. وكذلك الحال في السيرة العقلائية لأنها إنما جرت على رجوع الجاهل إلى العالم ، وقد عرفت أن صاحب الملكة ليس بعالم فعلاً فرجوع الجاهل إليه من رجوع الجاهل إلى مثله ، هذا إذا لم يتصد للاستنباط بوجه.

وأمّا لو استنبط من الأحكام شيئاً طفيفاً فمقتضى السيرة العقلائية جواز الرجوع إليه فيما استنبطه من أدلته ، فإن الرجوع إليه من رجوع الجاهل إلى العالم حيث إن استنباطه بقيّة الأحكام وعدمه أجنبيان عمّا استنبطه بالفعل. نعم ، قد يقال إن الأدلة اللفظية رادعة عن السيرة وأنها تقتضي عدم جواز الرجوع إليه ، إذ لا يصدق عليه عنوان الفقيه أو العالم بالأحكام. اللّهُمَّ إلاّ أن يستنبط جملة معتداً بها بحيث يصح أن يقال إنه عالم أو فقيه. ولكنه يأتي أن الأدلة اللفظية لا مفهوم لها وأنها غير رادعة عن السيرة فانتظره.

وأمّا الجهة الثالثة : فالصحيح عدم نفوذ قضائه وتصرفاته في أموال القصّر وعدم جواز تصدّيه لما هو من مناصب الفقيه ، وذلك لأن الأصل عدمه لأنه يقتضي أن لا يكون قول أحد أو فعله نافذاً في حق الآخرين إلاّ فيما قام عليه الدليل ، وهو إنما دلّ على نفوذ قضاء العالم أو الفقيه أو العارف بالأحكام أو غيرها من العناوين الواردة في الأخبار ، ولا يصدق شي‌ء من ذلك على صاحب الملكة كما يأتي تفصيل هذه الجهة وسابقتها عند التعرض لأحكام التقليد والقضاء إن شاء اللّه ، هذا كلّه في إحدى مرحلتي البحث في المقام.

2 - التجزِّي في الاجتهاد

أعني من استنبط بعض الأحكام بالفعل ولا يتمكن من استنباط بعضها الآخر. والكلام فيه أيضاً من جهات :

الجهة الاولى : في إمكان التجزي واستحالته.

قد يقال باستحالة التجزي في الاجتهاد ، نظراً إلى أنه ملكة كملكة الشجاعة أو السخاوة وغيرهما من الملكات ، والملكة كيف نفساني بسيط غير قابل للتجزية والتقسيم من التنصيف أو التثليث أو غيرهما ، وإنما القابل لذلك هو الكم فدائماً يدور أمر الملكة بين الوجود والعدم ولا يعقل أن تتحقق متبعّضة بأن يقال : إن لفلان نصف ملكة الشجاعة أو نصف ملكة الاجتهاد ، إذن المتصدّي للاستنباط إمّا أن يكون مجتهداً مطلقاً ، وإما أن لا يتصف بالاجتهاد أصلاً فالتجزي في الاجتهاد أمر غير معقول هذا.

لكن المغالطة في هذه الدعوى بينة ، لوضوح أن مدعي إمكان التجزّي لا يريد بذلك أن ملكة الاجتهاد قابلة للتجزية ، وأن للمتجزي نصف الملكة أو ثلثها فإنه كما مرّ غير معقول ، نظير دعوى أن زيداً له نصف ملكة الشجاعة مثلاً ، بل مراده أن متعلق القدرة في المتجزّي أضيق دائرة من متعلقها في المجتهد المطلق لأنها فيه أوسع وتوضيحه : أن القدرة تتعدد بتعدد متعلقاتها ، فإن القدرة على استنباط حكم ، مغايرة للقدرة على استنباط حكم آخر ، وهما تغايران القدرة على استنباط حكم ثالث نظير القدرة على بقية الأفعال الخارجية ، فإن القدرة على الأكل غير القدرة على القيام وهما غير القدرة على التكلم وهكذا. كما أن من الواضح أن الأحكام تختلف بحسب سهولة المدرك والاستنباط وصعوبتهما ، فربّ حكم اختلفت فيه الأقوال وتضاربت أدلته وأخباره ، وحكمٍ مدركه رواية واحدة ظاهرة الدلالة وتامة السند ، ومن البديهي أن الاستنباط في الأوّل أصعب وفي الثاني أسهل. إذن يمكن أن يحصل للإنسان ملكة وقدرة على الاستنباط في مسألة لسهولة مقدماتها ومداركها ، ولا يحصل له ذلك في مسألة أخرى لصعوبة مباديها ومأخذها.

فالفرق بين الاجتهاد المطلق والتجزي إنما هو في أن أفراد القدرة ومتعلقاتها في المتجزّي أقل منها في المجتهد المطلق. فلا وجه للمناقشة في إمكان التجزّي بل في وقوعه ، فترى أن الرجل لقوّة استعداده وكثرة ممارسته في الأُمور العقلية ومباديها يتمكن من استنباط الأحكام الراجعة إلى مقدمة الواجب أو اقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضدّه أو اجتماع الأمر والنهي أو غيرها من الأحكام الراجعة إلى المباحث

العقلية ، ولا يتمكن من ذلك فيما يرجع إلى الروايات ومباحث الألفاظ مثلاً ، لعدم تبحّره في تلك الأبحاث وعدم مؤانسته معها ، وربما يكون الأمر بالعكس. كما أنه قد يتمكن من استنباط الأحكام المربوطة بالمعاملات ، لقلّة رواياتها وعدم توقفه إلاّ على جملة من القواعد العامة وهي واضحة لديه ، ويعجز عن الاستنباط في أبواب العبادات لكثرة ما فيها من الأحاديث المتعارضة ، هذا.

بل لا يبعد أن يقال : إن المطلق من الاجتهاد مسبوق بالتجزي دائماً وأن أي مجتهد مطلق ، كان متجزّياً في زمان ثمّ قوي وترقى شيئاً فشيئاً حتى تمكن من استنباط أكثر الأحكام أو كلها ، وذلك لأن دعوى أن الرجل قد أصبح مجتهداً مطلقاً من ساعته أو ليلته من غير أن يكون مسبوقاً بالتجزي في زمان ، مما لا شاهد له بل هي أمر غير عادي ولا نستعهد وقوعه بوجه. ولعلّه إلى ذلك أشار صاحب الكفاية قدس سره بقوله : بل يستحيل حصول اجتهاد مطلق عادة غير مسبوق بالتجزّي (1).

نعم ، ليس ذلك من المستحيلات العقلية نظير اجتماع الضدين أو النقيضين ، وذلك لأن المسائل الفقهية في عرض واحد ولا تقدم لبعضها على بعض آخر زماناً أو رتبة بأن يكون التمكن من استنباط بعضها مقدمة للقدرة على استنباط بعضها الآخر ، حتى يتوهم أن المتأخر يستحيل أن يتحقق قبل حصول المتقدم ، حيث إن تحقق ذي المقدمة من دون مقدمته في المقام يستلزم الطفرة المحال ، فأي مانع لدى العقل من أن تحصل ملكة الاجتهاد المطلق دفعة واحدة ولو بالاعجاز والإفاضة من اللّه ( جلت عظمته ) هذا كلّه في إمكان التجزّي ووقوعه.

الجهة الثانية : جواز رجوعه إلى الغير فيما استنبطه وعدمه

قد اتضح الحال في ذلك مما سردناه في الاجتهاد بالقوة والملكة ، بل الأمر في المتجزّي أوضح بحيث لو قلنا بجواز رجوع من له ملكة الاجتهاد إلى الغير فرضاً لم نتمكن من الالتزام به في المقام ، لأن المتجزّي عالم بما استنبطه من الأحكام بل قد يكون أعلم من غيره ، ورجوعه إلى الغير وقتئذٍ من رجوع العالم إلى العالم أو إلى الجاهل باعتقاده ، لأنه قد يرى خطأه وهل يسوغ أن يرجع إلى من يعتقد خطأه في


1) كفاية الأُصول : 467.

استنباطاته واجتهاده ، فيبني مثلاً على صحّة الصلاة الّتي يعتقد فسادها لرجوعه إلى فتوى من يرى صحتها ، وهذا مما لا سبيل إلى الالتزام به. وكذلك الحال بالإضافة إلى الأدلة اللفظية ، لما تقدم من أنها مختصة بمن لا يتمكن من تحصيل الحجة على الحكم فلا يشمل من يتمكن من تحصيلها فضلاً عمّن تصدى لذلك واستنبط جملة من المسائل والأحكام.

الجهة الثالثة : جواز الرجوع إليه وتقليده فيما استنبطه من الأحكام

قد أسلفنا أن الموضوع للحكم بجواز الرجوع والتقليد ، إنما هو عنوان العالم أو الفقيه أو غيرهما من العناوين الّتي لا تنطبق على من استنبط مسألة أو مسألتين ونحوهما ، فيشترط في جواز الرجوع إلى المتجزي أن يستنبط جملة معتداً بها من المسائل على نحو يصدق عليه عنوان الفقيه والعالم ، هذا كلّه حسبما تقتضيه الأدلة اللفظية في المقام.

وأما السيرة العقلائية فهي تقتضي جواز الرجوع إليه فيما استنبطه وإن كان قليلاً غايته ، لأنه من رجوع الجاهل إلى العالم ، حيث إن استنباطه واطلاعه على بقية المسائل وعدمهما أجنبيان عمّا علم به واستنبطه. وهذه السيرة هي المتبعة في المقام ويأتي عند التكلم على شرائط المجتهد أن الأدلة اللفظية غير رادعة عنها بوجه.

الجهة الرابعة : نفوذ قضائه وجواز أن يتصدى للأُمور الحِسبية وعدمهما.

والصحيح عدم نفوذ قضاء المتجزّي وعدم جواز أن يتصدى للأُمور الحِسبية ، لأن الموضوع في لسان الأدلة المثبتة لهذه الأحكام ، إنما هو عنوان العالم والفقيه والعارف وغيرها من العناوين الّتي لا يصدق على من استنبط حكماً أو حكمين ونحوهما ، فلا ينفذ قضاء المتجزّي حتى يستنبط جملة معتداً بها من الأحكام ، ويصدق عليه العناوين المأخوذة في لسان الأخبار كما يأتي تفصيله في محلّه إن شاء اللّه.

3 - التخطئة والتصويب

لا شبهة ولا خلاف في الأُمور النفس الأمرية والواقعية الّتي لا يتوقف تحققها على

اعتبار أيّ معتبر وفرض فارض ، وقد أطبقت كلماتهم (1)على أن العقل قد يصيبها في إدراكه وقد يخطأ بلا فرق في ذلك بين أن يكون الأمر الواقعي من قبيل الجواهر والأعراض كأكثر الموجودات الخارجية وأن يكون من غيرهما ، لأنّا بيّنا في محلّه أن الأُمور الواقعية قد تكون موجودة في الخارج كالذوات الجوهرية والعرضية ، وقد تكون ثابتة لا موجودة ، وهذا كما في الاستحالة والإمكان وغيرهما من الأُمور العقلية ، حيث إن استحالة اجتماع الضدين أو النقيضين ثابتة في الواقع ونفس الأمر من غير أن يتوقف على الاعتبار ، إلاّ أنها ليست موجودة في الخارج كالجواهر والأعراض.

وكيف كان لا سبيل إلى القول بالتصويب في تلك الأُمور ، لأنه يستلزم اجتماع الضدين أو النقيضين ، فإنه إذا بنى أحد على إمكان إعادة المعدوم مثلاً وبنى آخر على استحالتها لا مناص من أن يكون أحد هذين النظرين خطأً وغير مطابق للواقع ، إذ لازم إصابتهما في كلتا النظرتين أن يكون إعادة المعدوم ممكنة ومستحيلة ، وهذا ما ذكرناه من لزوم اجتماع الضدين أو النقيضين المحال فالتخطئة في تلك الأُمور مما لا كلام فيه.

وإنما الكلام في الأُمور الاعتبارية والشرعيات ، وأنها كالامور الواقعية مورد للتخطئة أو لا بدّ فيها من الالتزام بالتصويب؟

نسب القول بالتصويب إلى جماعة من الأشاعرة والمعتزلة (2)

آخرون : المصيب فيها واحد ومن عداه مخطئ ، لأن الحكم في كل واقعة لا يكون إلاّ معيناً لأن الطالب يستدعي مطلوباً وذلك المطلوب هو الأشبه عند اللّه في نفس الأمر.

وفي فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت المطبوع بهامش المستصفى للغزالي ج 2 ص 380 : كل مجتهد في المسألة الاجتهادية أي فيما يسوغ فيه الاجتهاد مصيب عند القاضي أبي بكر والشيخ الأشعري كما قال أهل العراق وقال أهل خراسان لم يثبت عن الأشعري ونسب إلى الإمام حجة الإسلام الغزالي 1 والمزني من كبار أصحاب الشافعي 2 وغيرهما. ولا يذهب عليك ما في هذا القول من الإشارة إلى ضعف هذه النسبة فلا تغفل.

وهؤلاء ظنّوا أن لا حكم لله تعالى في تلك الواقعات إلاّ أنه إذا وصل رأي المجتهد إلى أمر فهو الحكم عند اللّه تعالى ... إلى أن قال : وبعض منهم قالوا الحكم من الأزل هو ما أدى إليه رأي المجتهد وعليه الجبائي من المعتزلة ونسبته إلى جميع المعتزلة لم تصح ، كيف والحسن أو القبح عندهم في مرتبة الذات فما فيه حسن واقعي هو الواجب لا يمكن أن يكون محرماً وما فيه القبح الواقعي فهو محرم لا غير ولا ينقلب الحسن والقبح الذاتيان ، وإذا كان كل مجتهد مصيباً فالحق عندهم متعدد فعلى كل من أدى اجتهاده إلى حكم فهو الحكم ، وإذا أدى رأي آخر إلى آخر فهو الحكم عليه ...

وأنهم ذهبوا إلى أن

1) نعم ، ذهب عبد اللّه بن الحسن العنبري إلى أن كل مجتهد مصيب في العقليات كما في الفروع. كذا في المستصفى ج 2 ص 358 وكتاب الإحكام في أُصول الأحكام ( للآمدي ) ج 4 ص 239.

2) ففي كتاب الإحكام في أصول الأحكام ( لابن حزم الأندلسي الظاهري ) ج 5 ص 70 : ذهبت طائفة إلى أن كل مجتهد مصيب وأن كل مفت محق في فتياه على تضاده.

كل مجتهد مصيب ، وتبدل الرأي في الأحكام من باب التبدل في الموضوع كتبدل المسافر حاضراً أو العكس.

والصحيح أن يقال : قد يطلق التصويب ويراد به أن قيام الطرق والأمارات سبب لحدوث المصلحة فيما أدّتا إليه ، وأن تلك المصلحة تستتبع جعل الحكم على طبقها فلا حكم واقعي وراء ما أدت إليه الأمارة عند المجتهد ، والنتيجة أن الأحكام الواقعية تابعة لآراء المجتهدين ، وجعل الحكم متأخر عن قيام الأمارة عليه ، وهذا هو المعبّر عنه بالتصويب الأشعري إلاّ أنه أمر غير معقول ، وذلك لأنه لو لم يكن هناك حكم مجعول واقعاً قبل قيام الأمارة ، فالأمارة تحكي عن أيّ شي‌ء ، وأنها تؤدّي إلى أيّ حكم وهل يعقل الكشف من دون مكشوف والحكاية من غير محكي؟ فلو توقف ثبوته على قيام الأمارة عليه لدار ، على أن لازمه اختصاص الأحكام الشرعية بمن قامت عنده الأمارة ، وهو خلاف التسالم والأخبار الدالة على أن لله سبحانه في كل واقعة حكماً يشترك فيه العالم والجاهل ومن قامت عنده الأمارة ومن لم تقم.

وقد يراد به أن في الواقع أحكاماً مجعولة حسبما فيها من المصالح المقتضية لجعلها

وهي الّتي تحكي عنها الأمارات ، إلاّ أن قيام الأمارة سبب لحدوث مصلحة فيما أدّت إليه أقوى مما فيه من المصلحة الواقعية ، ولذا يكون الحكم الفعلي المجعول على طبق الأمارة ومؤداها دون الواقع ، لأن الأحكام الواقعية ليست بفعلية بل هي صورية وإنشائية ، ولا تتصف بالفعلية إلاّ فيما إذا أدّت الأمارة إليها فمن لم يقم عنده أمارة على الحكم لم يكن حكم فعلي في حقّه. وهذا هو المعبّر عنه بالتصويب المعتزلي ، وهو وإن كان أمراً معقولاً في نفسه فإنه لا مانع من أن تكون الأحكام الواقعية إنشائية تتوقف فعليتها على قيام الأمارة على طبقها ، وأن تكون مختصة بالعالمين بها دون الجاهلين نظير اختصاص بعض الأحكام ببعض المكلفين دون بعض كأحكام النساء المختصة بهنّ دون الرجال.

إلاّ أن الإجماع قد انعقد على أن الأمارة لا تكون مغيّرة للواقع ولا تمسّ كرامته بوجه ، بل ادّعى شيخنا الأنصاري قدس سره أن وجود الحكم المشترك بين الجاهل والعالم ممّا تواترت عليه الأخبار والآثار (1)ومعه لا يبقى مجال لتوهم اختصاص الأحكام بالعالمين بها ، بل هي تعمّهم والجاهلين فحالها حال بقية الأُمور الواقعية الّتي قد تصاب وقد تخطأ.

على أن ذلك هو الّذي تقتضيه إطلاقات الأدلة في نفسها ، كما دلّ على حرمة الخمر ونجاستها أو على مملّكية شي‌ء أو سببيّته للضمان أو غير ذلك من الأحكام ، لأن مقتضى إطلاقها عدم اختصاص مداليلها بالعالمين ، وأن الخمر محرّمة وموت المورّث سبب لملكية الوارث ، علم بهما أم لم يعلم ، قام هناك طريق على الخلاف أم لم يقم هذا.

وقد يتوهّم أن تعميم الأحكام للجاهلين لازمه اجتماع حكمين متضادين على موضوع واحد وهو مستحيل ، وذلك لأن مقتضى إطلاق الدليل لو كان ثبوت الحكم الواقعي حتى على الجاهلين ، فالجاهل محكوم بذلك الحكم الواقعي لا محالة ، كما أنه


1) لعلّه قدس سره ينظر بذلك إلى الأخبار الآمرة بالتوقف أو الاحتياط أو غيرها مما يدلنا بالدلالة الالتزامية على أن الأحكام الواقعية مشتركة بين العالمين والجاهلين وإلاّ فلم ترد على ذلك رواية واحدة فيما عثرنا عليه فضلاً عن أن تكون متواترة.

محكوم بحكم آخر يخالفه أو يماثله وهو الحكم الظاهري المدلول عليه بالأمارات أو الأُصول الجارية في حق الجاهل بالحكم الواقعي ، إذن يكون المكلف مورداً لحكمين متنافيين أو متماثلين.

إلاّ أن هذه الشبهة قد أجبنا عنها في أوائل بحث الظن مفصّلاً وبيّنا أن الأحكام الواقعية غير متنافية مع الأحكام الظاهرية فليراجع (1)هذا كلّه بالإضافة إلى الأحكام الواقعية.

أما الأحكام الظاهرية فلها مرحلتان :

مرحلة الجعل : أعني جعل الحكم على موضوعه المقدّر الوجود كما هو شأن القضايا الحقيقية ، سواء أكان موضوعها أمراً متحققاً وموجوداً في الخارج أم لم يكن له وجود أصلاً ، لأن الحكم إنما جعل عليه على تقدير وجوده وتحققه ، ومن هنا قلنا إن القضية الحملية مرجعها إلى القضية الشرطية وبالعكس.

ومرحلة الفعليّة : الّتي نعبّر عنها بمرتبة المجعول ونريد بها ما إذا وجد موضوع الحكم وتحقق خارجاً.

أما مرحلة الجعل فلا ينبغي الإشكال في أن الأحكام الظاهرية كالأحكام الواقعية في تلك المرحلة فقد تخطأ وقد تصاب ، وذلك لأن القول فيها بالتصويب أيضاً يستلزم اجتماع الضدين أو النقيضين ، فترى أن مثل الاستصحاب مورد للآراء المتخالفة ، فمنهم من ذهب إلى حجيته مطلقاً كصاحب الكفاية (2)وغيره ، ومنهم من ذهب إلى عدم اعتباره في الشبهات الحكمية كما اخترناه ، ومنهم من فصّل بين الشك في المقتضي والشك في الرافع ، ومنهم من ذهب إلى غير ذلك من التفاصيل المذكورة في محلّها. ومن البديهي عدم إمكان مطابقة الأقوال المذكورة للواقع بأجمعها لأنه يستلزم جعل الحجية على الاستصحاب وعدم جعلها ، وهو ما قدّمناه من المحذور فلا مناص من أن يكون أحدها مطابقاً للواقع دون غيره. فالأحكام الظاهرية في مرحلة جعلها مما


1) مصباح الأُصول 2 : 109.

2) كفاية الأُصول : 387.

لا يمكن فيه الالتزام بالتصويب.

وأمّا بحسب مرحلة الفعلية فالأحكام الظاهرية فيها ممّا لا يتصوّر فيه التردد والخطأ ، ولا بدّ فيها من الالتزام بالتصويب لأن الاختلاف فيها في تلك المرحلة يستند دائماً إلى التبدل في الموضوع ، ولعلّه لأجل ذلك أخذوا العلم في تعريفهم للفقه وقالوا : الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية ... وتوضيح ما ذكرناه : أن أحداً إذا بنى على وجوب الاحتياط مثلاً عند دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين لمكان العلم الإجمالي بوجوب أحدهما وعدم انحلاله ، وبنى آخر على جريان البراءة عن الأكثر لانحلال العلم الإجمالي باليقين بوجوب الأقل والشك في وجوب الزائد عليه ، أو اختلفا في جريان البراءة عن حرمة وطء الزوجة بعد انقطاع دمها وقبل الاغتسال فقال أحدهما بجريانها لعدم جريان استصحاب الحرمة عنده ، وقال الآخر بعدم جريانها لأنه مورد لاستصحاب الحرمة المتيقنة قبل انقطاع حيضها ، أو اختلفا في غير ذلك من الأحكام الظاهرية فلا ينبغي التأمل في عدم إمكان مطابقة كلتا النظريتين للواقع ، لاستلزامه كون الاستصحاب أو البراءة مثلاً حجة في مورد وعدم كونه حجة فيه ، فإحداهما خطأ بحسب مرحلة الجعل والثبوت فلا مجال للتصويب في تلك المرحلة كما مرّ.

وأمّا بحسب مرحلة المجعول والوظيفة الفعلية أعني ظرف تحقق الموضوع في الخارج وهو الشك في الأصول ، فليس ما بنى عليه كل منهما قابلاً للتردد والشبهة عنده ، لأن المجتهد إذا بنى على عدم انحلال العلم الإجمالي في المثال فوظيفته الاحتياط لمكان العلم الإجمالي وكونه منجزاً للتكليف ولا يتصوّر في ذلك الخطأ ، كما أن وظيفة من يرى انحلال العلم الإجمالي حينئذٍ هو البراءة للشك في وجوب الزائد على الأقل بالوجدان ، وكذا الحال في المثال الثاني وغيره من الموارد ، فكل مجتهد عالم بالإضافة إلى الأحكام الظاهرية الفعلية لعلمه بتحقق موضوعاتها ، وهو مصيب فيما هو الوظيفة الفعلية وإن كان يحتمل الخطأ في عقيدته ومسلكه بحسب مرحلة الجعل كما مرّ. إذن صحّ أن يقال : إن كل مجتهد مصيب في الأحكام الظاهرية حسب مرحلة الفعلية والمجعول.

وعلى الجملة أن الحكم الظاهري قد أُخذ في موضوعه الشك ، فمن لم يتم عنده انحلال العلم الإجمالي فهو يحتمل العقاب على ترك الأكثر فوظيفته الاحتياط ، ومن أحرز الانحلال فيشمله حديث الرفع وجداناً فهو لا يحتمل العقاب. وكذلك مسألة الحائض فإن من تمّ عنده الاستصحاب لا يمكنه الرجوع إلى البراءة لأنه غير شاك في الحكم ، ومن لم يتم عنده فهو لم يصله الحكم وتجري في حقه البراءة ، إذن لا خطأ في الأحكام الظاهرية في مرحلة المجعول ، وإنما الاختلاف فيها من جهة الاختلاف والتبدل في الموضوع ، هذا كلّه في الشبهات الحكمية.

وبذلك ظهر الحال في الشبهات الموضوعية لأن من قامت البينة عنده على نجاسة شي‌ء فوظيفته الاجتناب عنه لقيام البينة على نجاسته ، كما أن من لم تقم عنده البينة على نجاسته وظيفته الحكم بطهارته حسب قاعدة الطهارة لتحقق موضوعها بالوجدان ، أعني الشك في طهارته وهو أمر غير قابل للخطإ كما تقدم.

فالاختلاف في الأحكام الظاهرية من باب التبدل في الموضوع وليس من الاختلاف على موضوع واحد كما في الأحكام الواقعية والأُمور النفس الأمرية.

4 - الإجزاء

إذا تبيّن أن المجتهد قد يصيب في استنباطاته فيطابق رأيه الواقع ، وقد يخطأ وهو معذور ، تحققت مسألة أُخرى في المقام وهي إجزاء الأحكام الظاهرية عن الأحكام الواقعية على تقدير خطئها وعدمه ، وذلك لأنا لو التزمنا بالتصويب في الأحكام الشرعية ، لم يبق مجال لمسألة الإجزاء عند انكشاف خطأ الأحكام الظاهرية ، لأنه لا موضوع معه لانكشاف الخلاف فإن كل مجتهد مصيب كما يأتي تفصيله ، والتبدل في الرأي من باب تبدل الحكم الواقعي بتبدل موضوعه وليس من باب انكشاف الخلاف ، فلا موقع للتكلم في الإجزاء حينئذٍ. نعم ، إذا بنينا على التخطئة كما هو الصحيح تحقق الموضوع لتلك المسألة وأمكن التكلم على أن الحكم الظاهري عند انكشاف خطئه وخلافه ، هل يجزي عن الواقع فلا تجب إعادته أو قضاؤه أو لا؟

فنقول : إن انكشاف الخلاف في الأحكام الظاهرية قد يكون بالعلم وعدم مطابقتها

مع الواقع وجداناً ، بأن يقطع المجتهد مثلاً على أن فتواه السابقة مخالفة للواقع ، وقد ادعي الإجماع على عدم الإجزاء في تلك الصورة وذلك لعدم امتثال الحكم الواقعي وبقائه بحاله.

وقد يكون بقيام حجة معتبرة على الخلاف. وهل يجزي الإتيان بالمأمور به الظاهري عن الواجب واقعاً ، إعادة أو قضاءً أو لا يجزي؟ فيه خلاف ، فقد يقال بالإجزاء مطلقاً وأُخرى يلتزم بعدمه كذلك ، وفصّل الماتن قدس سره بين العبادات والمعاملات بالمعنى الأخص أعني العقود والإيقاعات ، وبين غيرهما من الأحكام الوضعية والتكليفية. حيث ذكر في المسألة الثالثة والخمسين :

إذا قلّد من يكتفي بالمرة مثلاً في التسبيحات الأربع ، واكتفى بها أو قلّد من يكتفي في التيمم بضربة واحدة ، ثمّ مات ذلك المجتهد فقلّد من يقول بوجوب التعدد ، لا يجب عليه إعادة الأعمال السابقة. وكذا لو أوقع عقداً أو إيقاعاً بتقليد مجتهد يحكم بالصحة ، ثمّ مات وقلّد من يقول بالبطلان يجوز له البناء على الصحة. نعم ، فيما سيأتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني. وأمّا إذا قلّد من يقول بطهارة شي‌ء كالغسالة ، ثمّ مات وقلّد من يقول بنجاسته فالصلوات والأعمال السابقة محكومة بالصحة وإن كانت مع استعمال ذلك الشي‌ء وأمّا نفس ذلك الشي‌ء إذا كان باقياً فلا يحكم بعد ذلك بطهارته. وكذا في الحلية والحرمة فإذا أفتى المجتهد الأول بجواز الذبح بغير الحديد مثلاً فذبح حيواناً كذلك فمات المجتهد وقلّد من يقول بحرمته ، فإن باعه أو أكله حكم بصحة البيع وإباحة الأكل ، وأمّا إذا كان الحيوان المذبوح موجوداً فلا يجوز بيعه ولا أكله وهكذا.

وحاصله : أن في العقود والإيقاعات وكذلك العبادات ، يجوز للمقلد أن يرتّب آثار الصحة عليهما ولو بحسب البقاء ، بأن يعمل فيهما على فتوى المجتهد السابق وإن علم مخالفتهما للواقع بحسب فتوى المجتهد الّذي قلّده ثانياً ، وهذا بخلاف الأحكام الوضعية أو التكليفية فإن العمل فيهما على فتوى المجتهد السابق يختص بصورة انعدام

موضوعهما ، وأمّا مع بقائه فلا بدّ من العمل على فتوى المجتهد الّذي قلّده ثانياً ، هذا.

إلاّ أنه لا يرجع إلى محصّل معقول ، فإن فتوى المجتهد السابق إن كانت حجة على مقلديه وجاز تطبيق العمل عليها بحسب البقاء ، فهي كذلك في كلا الموردين وإن لم تكن كذلك ولم يجز تطبيق العمل عليها بقاءً ، فهي أيضاً كذلك في كليهما. اللّهم إلاّ أن يدعى أن الإجزاء على خلاف القاعدة ولا يمكن الالتزام به إلاّ بدليل وقد قام الدليل عليه وهو الإجماع في العبادات والمعاملات بالمعنى الأخص دون غيرهما. وسيأتي الجواب عن ذلك قريباً إن شاء اللّه ، فهذا التفصيل لا أساس له. إذن لا بدّ من الالتزام إمّا باجزاء الأحكام الظاهرية مطلقاً وإمّا بعدمه كذلك.

وتفصيل الكلام في المسألة : أن حجية الطرق والأمارات لو قلنا إنها من باب السببية دون الطريقية بأن يكون قيام الأمارة سبباً لحدوث مصلحة في المؤدى ، ففي المعاملات بالمعنى الأخص أعني العقود والإيقاعات وكذا المعاملات بالمعنى الأعم كما في الطهارة والنجاسة والجامع الأحكام الوضعية بأجمعها ، لا يتحقق انكشاف خلاف قط ووجهه : أن الأحكام الوضعية ليست متعلقة بأفعال المكلفين لتكون كالأحكام التكليفية تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها ، بل الأحكام الوضعية تتعلق بالموضوعات الخارجية غالباً كما في الملكية والزوجية ونحوهما ، فلا معنى لكون متعلقاتهما ذات مصلحة أو مفسدة بل الأحكام الوضعية تتبع المصالح والمفاسد في جعلها وإنشائها. فإذا أدى اجتهاده مثلاً إلى أن المعاطاة مفيدة للملكية اللاّزمة ، ثمّ قامت عنده الأمارة على أنها لا تفيد إلاّ الإباحة لاشتراط الصيغة في البيع ، كانت الأمارة القائمة على كون المعاطاة مفيدة للملك موجبة لحدوث مصلحة في الحكم بالملكية اللاّزمة في المعاطاة ، كما أنها إذا قامت على الإباحة أوجبت حدوث مصلحة في الحكم بالإباحة بسببها ، ومعه لا معنى لانكشاف الخلاف في الأحكام الوضعية ، إذ المصلحة في الحكم بالملكية إنما تحققت بقيام الحجة على أن المعاطاة تفيد الملكية ، كما أن المصلحة في الحكم بالإباحة كذلك ، إذن ما معنى انكشاف الخلاف في مثلها ، فإن ذلك من باب التبدل في الموضوع كتبدل الحاضر مسافراً أو العكس ، إذ المجتهد قبل أن تقوم عنده الأمارة على الإباحة مثلاً كان ممن قامت عنده الحجة على حصول الملكية

بالمعاطاة ، وهو موضوع لاتصاف الحكم بالملكية بالصلاح ، وليس هذا من انكشاف الخلاف في شي‌ء ، وعلى ذلك لا مناص من الالتزام فيها بالإجزاء.

وأمّا الأحكام التكليفية ، فإن كانت السببية فيها بمعنى أن قيام الأمارة من الأسباب الموجبة لحدوث المصلحة في الفعل الّذي أدّت الأمارة إلى وجوبه مثلاً ، من غير أن تكون موجبة لانسلاخ الواقع عن مصلحته وانصراف المصلحة إلى المؤدي ، بل مع بقاء الواقع على مصلحته تتولّد مصلحة أُخرى فيما دلت الأمارة على وجوبه ، فالالتزام بها بهذا المعنى لا ينافي الطريقية بوجه ، غاية الأمر أن الأمارة تدل على أن مصلحة أُخرى متحققة في شي‌ء آخر أيضاً ، إذن يتحقق فيها انكشاف الخلاف لأن الأمارة المؤدّية إلى وجوب القصر على المكلف في مورد وإن كانت موجبة لحدوث مصلحة فيه حقيقة ، إلاّ أن مصلحة الواقع أعني وجوب التمام باقية بحالها ، فلو قامت الحجة عند المكلف بعد ذلك على وجوب التمام ، انكشف أن المكلف العامل بالأمارة إنما استوفى مصلحة أُخرى غير المصلحة القائمة بالواجب الواقعي ، وحيث إنها باقية بحالها ولم تستوف على الفرض ، فلا بدّ من الإتيان بالواجب الواقعي بعد ذلك إعادةً أو قضاءً ، ومن هنا قلنا إن السببية بهذا المعنى غير منافية للطريقية ولا مستلزمة للقول بالاجزاء.

وأما إذا كانت السببية في الأحكام التكليفية بمعنى كون الأمارة سبباً لسلب المصلحة عن التمام وانصرافها إلى ما أدّت الأمارة إلى وجوبه ، بأن تكون الأمارة القائمة على وجوب القصر في المثال موجبة لسلب المصلحة عن التمام وصرفها إلى القصر ، أو كانت السببية بمعنى كون الأمارة موجبة لحدوث مصلحة في المؤدى بها يتدارك مصلحة الواجب الواقعي الفائتة عن المكلف على الفرض ، فلم يتصوّر فيها انكشاف الخلاف بل لا بدّ من الالتزام فيها بالأجزاء ، فإن قيام الأمارة على الخلاف حينئذٍ من باب التبدل في الموضوع كما عرفته في الأحكام الوضعية ، إذ المصلحة في القصر إنما هي بالإضافة إلى من قامت الحجة عنده على وجوبه ، كما أن الموضوع لتحقق المصلحة في الإتمام إنما هو من قامت الحجة عنده على وجوب التمام ، وقد كان المكلف قبل قيام الأمارة عنده على وجوب التمام مندرجاً في الموضوع الأول ، واندرج

في الثاني بعد قيام الامارة على وجوبه ، هذا بناءً على الصرف.

وأما على التدارك فالأمر أيضاً كذلك لأن المكلف لم يفته شي‌ء من المصلحة على ذلك ، سواء انكشف الخلاف في الوقت أو في خارجه ، هذا كلّه بناءً على السببية في الطرق والأمارات.

وأمّا على القول الآخر وهو كون الحجج والأمارات معتبرة من باب الطريقية كما هو الصحيح حيث إن حجية الطرق والأمارات في الشريعة المقدسة ليست تأسيسية وجعلية ، وإنما هي إمضائية في الجميع بمعنى أن أية أمارة كانت معتبرة عند العقلاء على ما استكشفنا من سيرتهم قد أبقاها الشارع على حجيتها وأمضى اعتبارها ، والعقلاء إنما كانوا يعاملون مع بعض الأشياء معاملة العلم والقطع من حيث كونهما منجّزين على تقدير الإصابة ومعذّرين على تقدير الخطأ وهو معنى الطريقية والكاشفية ، وليس عند العقلاء طريق اعتبروه من باب السببية أي لكونه سبباً لإيجاد مصلحة في المؤدى ليمضيها الشارع كذلك ويبقيها بحالها ، كما أن الشارع لم يعتبر حجية الحجج والأمارات تأسيساً ليتوهم أنها صارت حجة من باب السببية عند الشارع ، إذن ليست من السببية عين ولا أثر في شي‌ء من الطرق ، واعتبارها إنما هو من باب المنجّزية والمعذّرية أي الطريقية فحسب.

فهل مقتضى القاعدة في موارد تبدل الرأي أو العدول من مجتهد إلى مجتهد آخر متخالفين في الفتوى أو غير ذلك من الموارد الّتي يجمعها انكشاف الخلاف في الأحكام الظاهرية ، هو الاجزاء إلاّ فيما دل الدليل على عدمه ، أو أن القاعدة تقتضي وجوب الإعادة أو القضاء وعدم الإجزاء في الأحكام الظاهرية إلاّ أن يدل عليه دليل؟

فنقول قبل الشروع في تحقيق المسألة : إن كلامنا في أن العمل على طبق الاجتهاد السابق أو فتوى المجتهد الأوّل مجزئ عن الواقع عند انكشاف الخلاف ، إنما هو في الموارد الّتي لو علمنا فيها بمخالفة العمل المأتي به على طبق الحجة السابقة مع الواقع لوجبت إعادته أو قضاؤه. وأمّا الموارد الّتي لا يجب فيها الإعادة ولا القضاء حتى مع العلم بالمخالفة فهي خارجة عن محل الكلام. وذلك كما إذا صلّى من دون سورة معتقداً أن فتوى مجتهده ذلك ، ثمّ علم أن فتواه وجوب السورة في الصلاة ، فإنه لا تجب عليه

إعادة صلاته أو قضاؤها لحديث لا تعاد (1)حتّى فيما إذا كان عمله على خلاف فتوى كل من المجتهد السابق والمجتهد الّذي يجب أن يقلّده بالفعل ، كما إذا أفتى كلاهما بوجوب السورة مثلاً.

وعلى الجملة أن محل النزاع هو ما إذا كان النقص الواقع في العمل مستلزماً للبطلان كما إذا كان في الأركان ، وأمّا موارد فقدان العمل لجزء أو شرط غير ركني لا يبطل العمل بتركه إذا كان مستنداً إلى الحجة ، فهي أجنبية عن محلّ الخلاف. نعم خروج تلك الموارد إنما هو على مسلكنا من أن حديث لا تعاد لا يختص الناسي فحسب ، بل يعمّ الجاهل القاصر إذا كان عمله مستنداً إلى حجة شرعية مخالفة للواقع. وأمّا بناءً على عدم شموله الجاهل كما ذهب إليه شيخنا الأستاذ قدس سره وأصرّ على اختصاص الحديث بالناسي فحسب (2)

وما أفاده 1 لا يمكننا المساعدة عليه وذلك لأن كون الجاهل مكلفاً بنفس الواقع وإن كان صحيحاً كما أُفيد ، إلاّ أن ذلك إنما هو فيما أمكن التدارك في حقه ، لا فيما لم يتمكن من تداركه ، مثلاً إذا ترك السورة في صلاته لعدم وجوبها عنده فدخل في الركوع وقامت الحجة وقتئذٍ على وجوب السورة في الصلاة ، لم يكلف بإتيان الواقع نفسه لعدم تمكنه من التدارك ، لأنه قد دخل الركن ومضى محلّ السورة ، بل لا بدّ من إيجاب الإعادة عليه فيقال له : أعد أو لا تعد ولا يكلف بقراءة السورة بوجه. وعلى هذا لا مانع من شمول الحديث للجاهل كالناسي لأنه أيضاً مكلف بالإعادة لدى العقل ، والشارع قد ألغى وجوبها عنه للامتنان.

والمتحصّل أنه لو أخل بشي‌ء من أجزاء الصلاة أو شرائطها استناداً إلى حجة معتبرة عنده ، ثمّ عدل عن اجتهاده وبنى على اعتبار ما تركه في الصلاة ، لم تجب إعادتها. فالحديث يشمل الجاهل القاصر أيضاً إلاّ في موارد دل النص على وجوبها ، كما إذا كبّر قائماً وكانت وظيفته الجلوس أو العكس ، لما في موثقة عمار « قال : سألت أبا عبد اللّه 7 عن رجل وجبت عليه صلاة من قعود فنسي حتى قام وافتتح الصلاة وهو قائم ثمّ ذكر؟ قال : يقعد ويفتتح الصلاة وهو قاعد. [ ولا يعتد بافتتاحه الصلاة وهو قائم ] وكذلك إن وجبت عليه الصلاة من قيام فنسي حتى افتتح الصلاة وهو قاعد ، فعليه أن يقطع صلاته ويقوم فيفتتح الصلاة وهو قائم ولا يقتدى [ ولا يعتد ] بافتتاحه وهو قاعد ». وسائل الشيعة 5 : 503 / أبواب القيام ب 13 ح 1.

فهي أيضاً مندرجة في محل الكلام

1) وهو صحيحة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال : « لا تعاد الصّلاة إلاّ من خمسة : الطهور والوقت ، والقبلة ، والركوع ، والسجود » وسائل الشيعة 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 2 ح 8.

2) وذكر في وجه ذلك ما حاصله : أن مورد النفي والإثبات في الصحيحة إنما هو الإعادة كما ترى فهي إنما تدل على نفي وجوب الإعادة عمّن هو مأمور بالإعادة امتناناً وهو الناسي لا غيره ، لعدم إمكان تكليفه بالواقع نفسه ، فناسي السورة مثلاً لا يكلف بإتيانها ولا يمكن أن يوجّه عليه الأمر بقراءتها لفرض نسيانها وإنما يكلّف بالإعادة فيقال له : أعد صلاتك أو لا تعدها. ففي هذه الموارد ينفى وجوب الإعادة عن الناسي في الصلاة للحديث. وأما الجاهل القاصر فهو قد أخل بما أخل به وتركه معتمداً لاجتهاده أو فتوى مقلده ، ومن الواضح أن تارك السورة متعمداً لجهله بوجوبها إنما يكلّف بإتيان الواقع نفسه ، لا أنه يكلف بإعادته فيقال له : اقرأ السورة ، لما هو الصحيح المقرر عندنا من أن الأحكام الواقعية مشتركة بين العالمين والجاهلين ولا يقال له أعد صلاتك. ومع كونه مكلفاً بالإتيان بنفس الواجب والواقع لا يكلف بالإعادة لينفي عنه وجوبها. إذن يختص الحديث بالناسي فحسب ، ولا يمكن التمسك به في الجاهل القاصر [ كتاب الصلاة 3 : 5 ] هذا.

فيتكلّم في أن العمل على طبق الحجة السابقة هل يجزي عن الواقع؟ لأن الترك حينئذٍ لا يستند إلى النسيان حتى يجري فيه الحديث.

كما أنّ محل الكلام إنما هو فيما إذا كان بطلان العمل مستنداً إلى استكشاف المجتهد أو استنباط المجتهد الثاني من الأدلة بطلان الأعمال الصادرة على طبق الحجة السابقة بأن يفتي ببطلانها ، لا ما إذا كان مستنداً إلى الاحتياط وأصالة الاشتغال إذ الحكم ببطلان الأعمال المتقدمة لو استند إلى الاحتياط وقاعدة الاشتغال ، لم يكن عدم وجوب القضاء في خارج الوقت مورداً للكلام والإشكال وذلك لأنه بأمر جديد وموضوعه الفوت ، ومع إتيان العمل في الوقت على طبق الحجة الشرعية لا يمكن إحراز الفوت بوجه لاحتمال أن يكون ما أتى به مطابقاً للواقع ، ومع عدم إحرازه يرجع إلى أصالة البراءة عن وجوب القضاء فهذه الصورة أيضاً ينبغي أن تكون خارجة عن محل النزاع.

فتلخص : أن مورد الكلام هو ما إذا كان العمل المأتي به على طبق الحجة السابقة فاقداً لجزء أو شرط ركني يبطل العمل بالإخلال به وكان بطلانه مستنداً إلى الإفتاء به لا إلى أصالة الاشتغال والاحتياط ، فهل مقتضى القاعدة حينئذٍ هو الحكم ببطلان الأعمال الصادرة على طبق الحجة السابقة وعدم كونها مجزئة عن المأمور به الواقعي أو أن الأمر بالعكس؟

الصحيح هو الأول ، لأن الصحة إنما تنتزع عن مطابقة العمل للمأمور به فإذا فرضنا عدم مطابقتهما حكم ببطلانه ، والحكم بأن غير الواقع مجزئ عن الواقع يحتاج إلى دليل ، ولا دليل عليه.

وقد يقال : إن الاجزاء هو المطابق للقاعدة ويستدل عليه بوجوه :

منها : أن انكشاف الخلاف إذا كان بقيام حجة معتبرة على الخلاف ، لا علم بكون الاجتهاد السابق على خلاف الواقع كما هو الحال فيما إذا كان الانكشاف بالعلم الوجداني بالخلاف ، بل الاجتهاد السابق كاللاّحق ، فكما يحتمل أن يكون الاجتهاد الثاني مطابقاً للواقع كذلك يحتمل أن يكون الاجتهاد الأول كذلك فهما متساويان ، وإن كان يجب عليه وعلى مقلديه أن يطبقوا أعمالهم على الاجتهاد اللاّحق دون السابق. وهذا لأجل أن الاجتهاد اللاّحق لا يكشف عن عدم حجية الاجتهاد السابق في ظرفه ، لأن انكشاف الخلاف في الحجية أمر غير معقول كما يأتي بيانه ، بل بمعنى أن السابق يسقط عن الحجية في ظرف الاجتهاد الثاني مع بقائه على حجيته في ظرفه وعليه فالتبدل في الحجية من التبدل في الموضوع ومعه لا وجه لبطلان الأعمال المتقدمة المطابقة مع الاجتهاد السابق لفرض أنه متصف بالحجية في ظرف الاجتهاد اللاّحق.

وتوضيحه : أن الأحكام الظاهرية وإن كانت كالأحكام الواقعية بحسب الجعل والإنشاء ، فتجعل الحجية على الحجج والأمارات كما تجعل الحرمة مثلاً على موضوعاتها على نهج القضايا الحقيقية ، فلا يفرق الحال بينهما في تلك المرحلة إلاّ أن الأحكام الظاهرية تغاير الأحكام الواقعية في شي‌ء وهو أنه لا يترتب على الأحكام الظاهرية في مرحلة جعلها وإنشائها أثر بوجه ، بل إنشاؤها كعدمه لأن النتيجة المطلوبة من جعلها إنما هي المنجّزية والمعذّرية وهاتان إنما تترتبان على الحجية الفعلية ولا تتصف الحجية بها أي بالفعلية إلاّ بعد وصولها إلى المكلف صغرىً وكبرى بحيث لو وصلته الكبرى دون الصغرى أو العكس لم يكد يترتب على الحجية شي‌ء من التنجيز والتعذير ، مثلاً إذا علم المجتهد أن البينة حجة في الشريعة المقدسة ، ولم يعلم قيامها على نجاسة موضوع خارجي ، أو علم بأنها قامت على نجاسته إلاّ أنه لم

تصل إليه حجية البينة ، لم تكن نجاسة الموضوع الخارجي متنجزة في حقه ، وإنما هو أمر مشكوك الطهارة والنجاسة فيحكم بطهارته حقيقة.

وعلى الجملة أن التنجيز والتعذير يترتبان على الحجية الواصلة لا على مجرد الحجية الإنشائية. ومن هنا ذكرنا في بعض أبحاثنا أن الأُصول العملية والأحكام الظاهرية مما لا يتحقق له شبهة مصداقية ، حيث إن موضوعها الشك وهو أمر وجداني ، إمّا أن يوجد وإما أن لا يوجد في الخارج. وبعبارة اخرى أن الحجية إن وصلت إلى المكلف بكبراها وصغراها فلا موضوع للأصل العملي ، وإن لم تصله بإحدى مقدمتيها فموضوع الأصل العملي وهو الشك موجود حقيقةً ، مثلاً إن البينة في المثال إن كانت وصلت حجيتها إلى المكلف بكلتا المقدمتين فلا يبقى للاستصحاب مجال ، إذ لا شك في نجاسة الموضوع الخارجي حينئذٍ ، وإذا لم تصل جرى فيه الاستصحاب للشك في طهارته ونجاسته.

وإذا عرفت أن الحجية متقومة بالوصول ولا أثر لغير الواصلة ، ظهر أنه لا موجب لاستكشاف عدم حجية الاجتهاد السابق عند تبدل الرأي والاجتهاد ، بل الاجتهاد الأوّل متصف بالحجية في ظرفه ولا يمكن رفع اليد عنه إلاّ بعد وصول الحجة الثانية فإن بوصولها تسقط الحجة السابقة عن الاعتبار مع بقائها على وصف الحجية في ظرفها ، لا أن الثانية تكشف عن عدم حجية السابقة في ظرفها. وكذلك الحال فيما إذا ظفرنا بما يدلنا على خلاف الاستصحاب الجاري في المثال ، لأنه لا يكشف عن عدم حجية الاستصحاب في ظرفه فإنه متصف بها في وقته ، وإنما يسقط عنها بالظفر بما دلّ على الخلاف. ومن هنا قلنا إن انكشاف الخلاف في الحجية أمر غير معقول والتبدل في الحجية دائماً من التبدل في الموضوع وعلى ذلك لا موجب لإعادة الأعمال الصادرة على طبق الاجتهاد الأوّل أو قضائها ، لكونها صادرة على طبق الحجة الفعلية في زمانها ، هذا.

ولا يخفى أن هذه الدعوى وإن كانت صحيحة في نفسها ، لأن الحجية متقومة بالوصول ، وهذا لا بمعنى استحالة إنشائها فإن إمكان إنشاء الحجية كإنشاء غيرها من الأحكام الشرعية على نهج القضايا الحقيقية بمكان من الوضوح ، بل بمعنى أن الأثر المرغوب منها وهو التنجيز والتعذير لا يترتب عليها إلاّ بعد وصولها وفعليتها ولا

معنى لانكشاف الخلاف في الحجية وإنما التبدل تبدل في الموضوع كما عرفت.

إلاّ أن الإجزاء في محل الكلام لا يكاد يترتب على الدعوى المذكورة بوجه ، وذلك لأن قيام الحجة الثانية وإن كان لا يستكشف به عن عدم حجية الاجتهاد الأول مثلاً في ظرفه ، إلاّ أن مقتضاها ثبوت مدلولها في الشريعة المقدسة من الابتداء لعدم اختصاصه بعصر دون عصر. إذن العمل المأتي به على طبق الحجة السابقة باطل ، لأنه مقتضى الحجة الثانية ومعه لا بدّ من إعادته أو قضائه.

واحتمال المخالفة مع الواقع وإن كان تشترك فيه الحجتان إلاّ أن هذا الاحتمال يلغى في الحجة الثانية حسب أدلّة اعتبارها ، ولا يلغى في الأُولى لسقوطها عن الاعتبار ، ومجرد احتمال المخالفة يكفي في الحكم بالإعادة أو القضاء لأنه لا مؤمّن معه من العقاب وحيث إن العقل مستقل بلزوم تحصيل المؤمّن فلا مناص من الحكم بوجوب الإعادة على طبق الحجة الثانية ، لأن بها يندفع احتمال الضرر بمعنى العقاب ، هذا كلّه في الإعادة.

وأمّا القضاء فهو أيضاً كذلك ، لأن مقتضى الحجة الثانية أن ما أتى به المكلف على طبق الحجة السابقة غير مطابق للواقع ، فلا بدّ من الحكم ببطلانه ومعه يصدق فوت الفريضة وهو يقتضي وجوب القضاء ، وعلى ذلك لا بدّ من الحكم بعدم الاجزاء في موارد التبدل في الرأي أو موت المجتهد والرجوع إلى مجتهد آخر ، بلا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات بالمعنى الأخص أو المعاملات بالمعنى الأعم ، ولا بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية.

ومنها : ما استدل به بعض مشايخنا المحققين 5 حيث ذهب إلى الاجزاء وعدم انتقاض الآثار السابقة في أمثال المقام ، واستدل على ذلك في كل من الأحكام التكليفية والوضعية بوجه ، وحاصل ما ذكره في رسالة الاجتهاد والتقليد (1)وفي تعليقته على المكاسب في مسألة ما إذا اختلف المتعاقدان اجتهاداً أو تقليداً في شروط الصيغة :


1) رسالة في الاجتهاد والتقليد ( الأصفهاني ) : 188.

أن الأحكام الوضعية الأعم مما في موارد المعاملات بالمعنى الأعم والمعاملات بالمعنى الأخص إنما تتعلق بحسب الغالب على الأجسام والموضوعات الخارجية كما مرّ ، ومن الظاهر أن الجسم الخارجي لا معنى لقيام المصلحة به حتى يكون الأحكام الوضعية تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها ، فلا مناص من أن تكون تابعة للمصالح في جعلها واعتبارها ، فإذا أدت الحجة إلى أن المعاطاة مملّكة أو أن الصيغة الفارسية كافية في العقود ، فقد وجدت المصلحة في جعل الملكية في المعاطاة أو الزوجية في العقد غير العربي وهكذا ، فإذا قامت الحجة الثانية على أن المعاطاة مفيدة للإباحة أو أن العربية معتبرة في الصيغة ، لم يستكشف بذلك أن الملكية في المعاطاة أو الزوجية في العقد الفارسي غير متطابقين للواقع ، وذلك لأن الأحكام الوضعية لا واقع لها سوى أنفسها والمفروض أنها تتحقق بقيام الحجة الأُولى ، فلا يستكشف بسببها أن جعل الملكية في المعاطاة مثلاً لم يكن على وفق المصلحة إذ لو لم تكن هناك مصلحة تدعو إلى جعلها واعتبارها لم يمكن للشارع أن يعتبرها بوجه.

نعم ، يستكشف بالحجة الثانية أن المصلحة من لدن قيامها إنما هي في جعل الإباحة في المعاطاة لا في جعل الملكية ، أو أنها في جعل الزوجية في العقد العربي لا الفارسي ، فقيام الحجة الثانية على الخلاف إنما هو من باب التبدل في الموضوع وليس من باب انكشاف الخلاف في السابقة باللاّحقة ، ومع كون الثانية موجبة للتبدل في الموضوع لا مناص من الالتزام بالإجزاء في الأحكام الوضعية.

اللّهُمَّ إلاّ أن نقول : إن الأحكام الوضعية منتزعة من الأحكام التكليفية وغير مجعولة في نفسها ، كما عليه شيخنا الأنصاري قدس سره فإن حال الوضعية حينئذٍ حال التكليفية فيتصوّر فيها انكشاف الخلاف كما كان يتصوّر في التكليفية ، إلاّ أنه مما لا يسعنا الالتزام به لما ذكرناه في محلّه.

وأمّا الأحكام التكليفية ، فهي وإن كانت تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها ويتصوّر فيها كشف الخلاف ، إلاّ أن الحجة الثانية إنما يتّصف بالحجية بعد انسلاخ الحجية عن السابقة بموت المجتهد أو بغيره من الأسباب ، فالحجة الثانية لم تكن بحجة في ظرف الحجة السابقة ، وإنما حجيتها تحدث بعد سلب الحجية عن سابقتها وإذا كان

الأمر كذلك ، استحال أن يكون الحجة المتأخرة والحادثة موجبة لانقلاب الأعمال المتقدمة عليها بزمان ، وهي الأفعال الصادرة على طبق الحجة السابقة حتى بناءً على الطريقية.

نعم ، هي إنما تكون مؤثرة بالإضافة إلى الأفعال الّتي يصدرها المكلف بعد اتصاف الثانية بالاعتبار ، لأنها لو لم تكن مطابقة معها بطلت ، أمّا الأعمال الصادرة قبل اتصافها بالحجية فلا يعقل أن تكون مؤثرة فيها بوجه ، لأن حجيتها حادثة وليست منها عين ولا أثر في ظرف صدور الأعمال المتقدمة كما مرّ ، بل قد يكون الموضوع للحجة المتأخرة ، وهو المجتهد المفتي ببطلان الأعمال المتقدمة غير متولد في تلك الأزمنة أو لو كان لم يكن مجتهداً أو كان ولم يكن بأعلم ، ومعه كيف تكون فتواه المتأخرة وجوداً وحجيةً موجبة لقلب الأعمال السابقة عليها بزمان لتجب إعادتها أو قضاؤها ، لأن الإعادة أو القضاء وإن كانا من الأُمور المتأخرة عن الحجة الثانية إلاّ أنهما من لوازم بطلان الأعمال المتقدمة ، ولا يعقل أن يكون الملاك المؤثر في بطلانها أي الأعمال السابقة مخالفتها للحجة المتأخرة ، إذ قد عرفت عدم إمكان تأثير المتأخر في المتقدم ، بل الملاك مخالفتها للحجة السابقة والمفروض عدمها. وعليه لا مناص من الالتزام في الأحكام التكليفية أيضاً بالاجزاء.

ثمّ إن هذا البيان الّذي حررناه في تقريب الإجزاء في الأحكام التكليفية ، يأتي في الأحكام الوضعية بعينه ، إلاّ أنها تمتاز عن التكليفية بالوجه السابق الّذي قرّبناه بما لا مزيد عليه لأنه لا يأتي في التكليفية وهو ظاهر. هذه خلاصة ما أفاده قدس سره في الموضعين بتوضيح منّا في تقريبه (1).

والجواب عن ذلك ، أمّا في الأحكام الوضعية فلأنها وإن كانت تابعة للمصالح في جعلها ، ولا واقع لها إلاّ أنفسها كما حققه قدس سره ولا يتصوّر فيها انكشاف الخلاف بعد تحققها ، إلاّ أن الكلام في أنها هل تحققت من الابتداء أم لم تتحقق ، وأن المعاطاة الصادرة في الزمان المتقدم هل أفادت الملكية أم لا ، حيث إن المكلف بعد سقوط الحجة السابقة عن الحجية واتصاف الثانية بها وهي الّتي تدل على أن


1) حاشية المكاسب ( الأصفهاني ) : 74.

المعاطاة مفيدة للإباحة يشك في أن الملكية هل حصلت بالمعاطاة الصادرة منه أم لم تحصل. والحجة الثانية تكشف عن أن الملكية لم تحصل من الابتداء لأنها تخبر عن أن الملكية بسبب المعاطاة غير مجعولة في الشريعة المقدسة لعدم الفرق في مدلولها بين الزمان السابق واللاّحق. وعليه فحال الأحكام الوضعية حال الأحكام التكليفية بعينها ولا تختص الأحكام الوضعية بوجه.

وأمّا الأحكام التكليفية فلأن المكلف بعد ما سقطت الحجة السابقة عن حجيتها واتصفت الثانية بالاعتبار ، يشك في وجوب إعادة الأعمال الّتي أتى بها على طبق الحجة السابقة أو قضائها ، إذ لا علم له بمطابقتها للواقع ، وحيث إن الإعادة أو القضاء في ظرف الحجة المتأخرة عمل من أعمال المكلف ، وهو لا يدري حكمه فلا مناص من أن يحرز ذلك بإحراز أن إعماله السابقة كانت مطابقة للواقع أم لم تكن ، وحيث لم يحرز مطابقتهما إحرازاً وجدانياً فلا بدّ من أن يحرزها بالحجة التعبدية ، وليست الحجة عليه هي السابقة لسقوطها عن الاعتبار ، وليس له أن يعتمد عليها بعد قيام الحجة الثانية ، فيتعيّن أن تكون هي الحجة المتأخرة لاعتبارها في حقه ، وبما أنها تدل على بطلانها وعدم كونها مطابقة مع الواقع فتجب إعادتها أو قضاؤها.

وأمّا ما أفاده من أن الحجة المتأخرة لا يعقل أن تكون مؤثرة في الأعمال المتقدمة عليها فيرد عليه :

أوّلاً : النقض بما إذا فرضنا رجلين فاسقين تابا واتصفا بالعدالة فشهدا على ملكية شي‌ء لشخص منذ أسبوع ، أو بنجاسته من أوّل الشهر الماضي ، أو بزوجية امرأة من السنة الماضية ، فهل ترد شهادتهما نظراً إلى أن الشهادة المتصفة بالحجية المتأخرة عن تلك الأُمور لا يعقل أن تؤثر في الأُمور السابقة عليها. وكذا إذا صلّى فشك في أنه ركع أم لم يركع فبنى على أنه قد ركع بقاعدة التجاوز أو بصحة صلاته بقاعدة الفراغ ، وبعد هذا شهد العادلان اللّذان كانا فاسقين حال الصلاة وقد تابا بعد ذلك ، بأنه قد نقص ركوعاً أو ركعة ، أفلا يحكم ببطلان الصلاة نظراً إلى أن حجية الشهادة متأخرة عن الصلاة فلا تؤثر في الأمر المتقدم عليها.

وثانياً الحل وحاصله : أن المراد بأن الحجة المتأخرة لا يمكن أن تؤثر في الأعمال

المتقدمة ، إن كان هو أن الحجة المتأخرة لا تؤثر في بطلانها ولا يقلب الصحيح باطلاً فلا ينبغي التأمل في صحته. بل الأمر كذلك حتى في الحجة المقارنة فضلاً عن المتأخرة ، وذلك لأن المدار في الصحة والبطلان إنما هو مطابقة المأتي به مع الواقع وعدمها دون الحجة المقارنة أو المتأخرة ، مثلاً إذا كان المكلف جنباً وتيمم لعذر ثمّ أحدث بالأصغر وتوضأ فصلّى لفتوى مقلده على أن الوظيفة هو الوضوء حينئذ إلاّ أنه تيمم فصلّى لغفلته عن فتوى مقلّده ثمّ بلغ مرتبة الاجتهاد فجزم من الأدلّة بأن الوظيفة هو التيمم حالئذٍ دون الوضوء ، أفلا يحكم بصحة صلاته بدعوى كونها غير مطابقة للحجة المقارنة ، مع جزم المكلف واستكشافه أن الواجب الواقعي هو الصلاة مع التيمم. فلا ريب في أن المدار في الصحة والبطلان على مطابقة الواقع وعدمها دون الحجة المقارنة أو المتأخرة ، فإنّ شيئاً منهما غير مؤثر في البطلان كما أُفيد.

وإن أُريد به أن الحجة المتأخرة غير مؤثرة في الأعمال المتقدمة ولو بالكشف عن مطابقتها مع الواقع وعدمها فهو أمر مخالف للوجدان ، لأن مدلول الحجة المتأخرة غير مختص بعصر ، فإنها تكشف عن أن الحكم الواقعي هو وجوب الصلاة مع التيمم في المثال دون الصلاة مع الوضوء ، وهذا لا يختص بعصر دون عصر ، فالحجة المتأخرة تكشف عن بطلان الأعمال السابقة ووجوب إعادتها أو قضائها. ودعوى أن الحجة المتأخرة غير مؤثرة في الأعمال السابقة عليها أوّل النزاع وليست كبرى مسلمة ، بل قد عرفت أنها على خلاف الوجدان. فإذا أمكن أن تكون الحجة الثانية كاشفة عن مطابقة الأعمال المتقدمة مع الواقع ، أتى ما قدّمناه من أن العامي يشك حينئذٍ في وجوب الإعادة أو القضاء ، وإحراز وظيفته يتوقف على استكشاف كون الأعمال السابقة مطابقة للواقع وعدمها ، إلى آخر ما قدمناه فلا نعيد.

وبما سردناه يندفع ما ربما يتوهّم من أن الحكم بعدم الإجزاء عملاً بالحجة الثانية ترجيح بلا مرجح ، لأن الحجة السابقة كانت حجة في ظرفها كما أن الثانية حجة في ظرفها فلا موجب لتقديم إحداهما على الأُخرى.

والوجه في الاندفاع : أن الحجة السابقة قد سقطت عن الحجية في ظرف الرجوع بخلاف الحجة الثانية ، وهذا هو المرجح لها على سابقتها.

والمتحصل إلى هنا : أن القاعدة تقتضي وجوب الإعادة أو القضاء فيما إذا كان العمل المأتي به على طبق الحجة السابقة فاقداً لجزء ركني حسبما تدل عليه الحجة الثانية وكان بطلان العمل عند المجتهد الثاني من جهة الإفتاء به ، لا من جهة الاحتياط وقاعدة الاشتغال.

ومنها : أن قضاء العبادات السابقة على كثرتها أمر عسر وموجب للحرج على المكلفين وهما منفيان في الشريعة المقدسة ، وذلك لأن العمل على طبق الحجة السابقة قد يطول وقد يقرب طيلة الحياة ، كما إذا عدل عن فتوى مقلده بموت أو بغيره من الأسباب المسوّغة في أواخر عمره وقلّد مجتهداً يرى بطلان أعماله المتقدمة ، ولا شبهة في أن قضاء تلك الأعمال أمر حرجي.

وفيه : أن هذا الدليل لو تمّ فإنما يتمّ في القضاء ولا يأتي في الإعادة لأنه في مثل الصلاة إذا عدل إلى فتوى المجتهد الّذي يرى بطلانها ولم يفت بعد وقت الصلاة لم يكن في إعادتها حرج بوجه. نعم ، قد يتحقق الحرج في الحج لو قلنا بوجوب إعادته والإتيان به مطابقاً لفتوى المجتهد الثاني.

وكيف كان ، فقد بيّنا في محلّه أن الحرج كالضرر المنفيين في الشريعة المقدسة والمدار فيهما إنما هو على الحرج والضرر الشخصيين لا النوعيين ، والحرج الشخصي أمر يختلف باختلاف الموارد والأشخاص ، فكل مورد لزم فيه من الحكم بوجوب الإعادة أو القضاء حرج على المكلف ، فلا مناص من أن يلتزم بعدم وجوبهما كما إذا لزم منه وجوب قضاء العبادة خمسين سنة مثلاً وكان ذلك حرجياً على المكلف. وأمّا الموارد الّتي لا يلزم فيها من الحكم بوجوبهما حرج عليه ، فلا مقتضي للحكم بعدم وجوب الإعادة أو القضاء ، كما إذا بنى على أن التيمم ضربة واحدة فتيمم وصلّى ثمّ عدل عن ذلك غداً فبنى على أنه ضربتان ، ومن الواضح أن قضاء عبادة اليوم الواحد مما لا عسر فيه ولا حرج ، ومعه لا موجب لنفي وجوب الإعادة أو القضاء لأنه لازم كون المدار على الحرج الشخصي دون النوعي هذا.

على أن الاستدلال بقاعدة نفي الحرج ليس من الاستدلال في محل الكلام ، لأن البحث إنما هو في موارد قيام الحجة التعبدية على الخلاف ، ولا كلام في أن الحرج

اللاّزم من الإعادة أو القضاء لا يختص به ، إذ قد يلزم الحرج في موارد انكشاف الخلاف بالعلم الوجداني ، فالنسبة بين موردي الكلام والقاعدة عموم من وجه لأن انكشاف الخلاف قد يكون بالحجة التعبدية ولا تكون الإعادة أو القضاء حرجياً بوجه ، وقد يكونان حرجيين ولا يكون الانكشاف بالحجة التعبدية بل بالعلم الوجداني كما عرفت ، وقد يكون الانكشاف بالحجة التعبدية وتكون الإعادة أو القضاء أيضاً حرجياً. والمتحصّل أن الاستدلال بالقاعدة على عدم وجوب الإعادة أو القضاء في مطلق موارد انكشاف الخلاف غير وجيه.

ومنها : دعوى الإجماع على أن العمل المأتي به على طبق الحجة الشرعية لا تجب إعادته ولا قضاؤه إذا قامت حجة أُخرى على خلافها. نعم ، لا إجماع على الإجزاء في الأحكام الوضعية عند بقاء موضوعها إلى ظرف الحجة المتأخرة ، كما إذا ذبح حيواناً بغير الحديد لجوازه على رأي مقلده ، ثمّ عدل إلى فتوى من لا يرى جوازه والذبيحة بحالها ، أو أنه اشترى داراً بالمعاطاة ولا يرى المجتهد الثاني انعقاد البيع بها لاشتراطه الصيغة في صحته ، إلى غير ذلك من الموارد.

والجواب عن ذلك : أن الإجماع المدعى لو كان محصّلاً لم نكن نعتمد عليه لما يأتي بيانه ، فما ظنك بما إذا كان إجماعاً منقولاً بالخبر الواحد وسرّه أن تحصيل الإجماع في المسألة دونه خرط القتاد ، إذ كيف يمكن استكشاف قوله علیه السلام في المقام ولم يتعرض أكثر الأصحاب للمسألة ولم يعنونوها في كلماتهم.

هذا على أنّا لو سلّمنا اتفاقهم ، أيضاً لم يمكننا الاعتماد عليه لأنّا نعلم أو نظن ولا أقل من أنّا نحتمل استنادهم في ذلك إلى بعض الوجوه المستدل بها في المقام ومعه لا يكون الإجماع تعبدياً كاشفاً عن قوله علیه السلام .

ومنها : السيرة المتشرعية ، بدعوى أنها جرت على عدم لزوم الإعادة أو القضاء في موارد العدول والتبدل في الاجتهاد ، حيث لا نستعهد أحداً يعيد أو يقضي ما أتى به من العبادات طيلة حياته إذا عدل عن رأيه أو عن فتوى مقلده ، وحيث لم يردع عنها في الشريعة المقدسة فلا مناص من الالتزام بالاجزاء وعدم وجوب الإعادة أو القضاء عند قيام حجة على الخلاف.

وفيه : أن موارد قيام الحجة على الخلاف وبطلان الأعمال الصادرة على طبق الحجة الأولية كما إذا كانت فاقدة لركن من الأركان ، من القلّة بمكان وليست من المسائل عامة البلوى ليستكشف فيها سيرة المتشرعة ، وأنهم بنوا على الاجزاء في تلك الموارد أو على عدمه.

على أنّا لو سلمنا استكشاف السيرة بوجه ، فمن أين يمكننا إحراز اتصالها بزمان المعصومين علیهم السلام إذ لا علم لنا بأن شخصاً واحداً فضلاً عن جماعة اتفق له العدول في عصرهم علیهم السلام وبنى على عدم إعادة الأعمال المتقدمة ولم يردع عنه الإمام علیه السلام حتى نستكشف اتصال السيرة بزمانهم وكونها ممضاة عندهم علیهم السلام ومن الممكن أن تكون السيرة مستندة إلى فتوى جماعة من الفقهاء ( قدّس اللّه أسرارهم ).

والّذي يوقفك على ذلك ، أن المسألة لو كانت عامة البلوى في عصرهم علیهم السلام لسئل عن حكمها ولو في رواية واحدة ، وحيث لم ترد إشارة إلى المسألة في شي‌ء من النصوص فنستكشف بذلك أن كثرة الابتلاء بها إنما حدثت في الأعصار المتأخرة ولم يكن منها في عصرهم علیهم السلام عين ولا أثر ، فالسيرة على تقدير تحققها غير محرزة الاتصال بعصرهم ولا سبيل معه إلى إحراز أنها ممضاة عندهم علیهم السلام أو غير ممضاة.

والخلاصة : أن مقتضى القاعدة وجوب الإعادة أو القضاء عند قيام الحجة على الخلاف ، اللّهُمَّ إلاّ في الصلاة إذا كان الإخلال بغير الوقت والقبلة والركوع والسجود والطهور وذلك لحديث لا تعاد على ما هو الصحيح من شموله للجاهل القاصر أيضاً كما تقدّم (1).

5 - هل الأُمور الثلاثة في عرض واحد؟

هل الاجتهاد والتقليد والاحتياط في عرض واحد ، وأن المتمكن من أحدها يتمكن من الامتثال بالآخرين أو أنها أُمور مترتبة ولا تصل النوبة إلى واحد منها إلاّ


1) راجع ص 33.

بعد تعذر الأمر السابق عليه؟

الكلام في ذلك يقع في جهات :

الاولى : أن المتمكن من الاجتهاد والتقليد هل له أن يمتثل بالاحتياط فهو في عرض الأولين أو أنه في طولهما؟

يأتي تحقيق ذلك عند التكلم على مشروعية الاحتياط ، ونبيّن هناك أن الاحتياط والامتثال الإجمالي في عرض الامتثال التفصيلي بالاجتهاد أو التقليد ، والمكلف مخير بينهما في مقام الامتثال فلا تقدم لهما على الاحتياط.

الثانية : أن المتمكن من الاحتياط هل له الامتثال بالتقليد أو الاجتهاد

وأنهما في عرضه أو أن الامتثال بهما إنما هو في فرض العجز عن الاحتياط بمعنى أنهما في طول الامتثال به؟

قد يحتمل في المقام أن الاحتياط أعني الإتيان بجميع المحتملات الموجب للقطع بالامتثال مقدّم على الاجتهاد والتقليد ، لعدم كونهما موجبين للجزم بامتثال الحكم الواقعي وغاية الأمر أنهما يوجبان الظن به ، ولا شبهة في أن الامتثال القطعي مقدّم على الظني لدى العقل وإن كان القطعي إجمالياً والظني تفصيلياً.

ويدفعه : أن الشارع بعد ما نزّل الأمارات الظنية منزلة العلم بأدلة اعتبارها ، لم ير العقل أي فرق بين الامتثال الموجب للقطع الوجداني بالفراغ بالإتيان بجميع المحتملات ، وبين الامتثال القطعي التعبدي بالإتيان بما قامت الحجة على وجوبه ، هذا إذا كان الاحتياط أمراً سائغاً ومأموراً به شرعاً ، وأما إذا كان مبغوضاً لاستلزامه الإخلال بالنظام أو لم يكن مأموراً به لكونه عسراً أو حرجياً ، فلا إشكال في عدم كفايته للامتثال أو عدم وجوب اختياره ، ومعه لا بدّ من الاجتهاد أو التقليد.

الثالثة : أن الاجتهاد هل هو مقدم على التقليد أو أنهما في عرض واحد؟

لا شبهة في عدم وجوب التصدي لتحصيل ملكة الاجتهاد لما يأتي قريباً من أن الاجتهاد ليس بواجب عيني على المكلفين ، بل المكلف له أن يرجع إلى فتوى من يجوز تقليده لأنه مقتضى إطلاق أدلة التقليد ، وللسيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع عنها في الشريعة المقدسة الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم وإن كان متمكناً من

تحصيل العلم بالمسألة ، فالتقليد وتحصيل الاجتهاد في عرض واحد ، هذا في غير الواجد للملكة.

وأمّا من له ملكة الاستنباط إذا لم يتصد للاجتهاد بالفعل ، فهل له التقليد من غيره أو يتعيّن عليه الاجتهاد؟ تقدم تفصيل الكلام في ذلك عند التكلم على أقسام الاجتهاد ، وقلنا إن من له الملكة لا يجوز له الرجوع إلى فتوى غيره وذلك لأن مقتضى العلم الإجمالي تنجز الأحكام الواقعية على من له ملكة الاجتهاد ، فلا بدّ عليه من الخروج عن عهدة التكاليف المنجّزة في حقه وتحصيل المؤمّن من العقاب ، ولا ندري أن فتوى الغير حجة في حقه ، وأن عمله على طبقه مؤمّن من العقاب لأنا نحتمل أن يجب عليه العمل على فتوى نفسه ونظره ، ومع الشك في الحجية يرجع إلى أصالة عدم الحجية كما برهنّا عليه في محله (1)وهذا بخلاف الفاقد للملكة لعدم احتمال وجوب الاجتهاد في حقه لما مرّ من أن الاجتهاد واجب كفائي وليس بواجب عيني على المكلفين.

6 - حكم الاجتهاد في نفسه

قد ظهر مما سردناه أن الاجتهاد الّذي هو عديل الاحتياط والتقليد واجب عقلي وأنه لا يتّصف بالوجوب الشرعي ( النفسي أو الغيري أو الطريقي ) اللّهُمَّ إلاّ بمعنى المعذرية على تقدير الخطأ. هذا في موارد وجود العلم الإجمالي المنجز للأحكام. نعم الاجتهاد في غير موارد العلم الإجمالي والأمارات واجب طريقي لأنه منجّز للواقع حيث لا منجّز سواه ، وكذلك الحال في التقليد والاحتياط.

وأما الاجتهاد في نفسه فهو واجب نفسي كفائي ، لوجوب التحفظ على الأحكام الشرعية وصيانتها عن الاندراس. وإن شئت قلت : إن الاجتهاد بالنظر إلى إعمال نفس المجتهد واجب عقلي والأمر به إرشادي لا محالة ، فإذا فرضنا أن المكلف يتمكن من التقليد والاحتياط تخير بين الأُمور الثلاثة ، كما إذا فرضنا عدم تمكنه منهما بأن لم يكن هناك مجتهد حي يجوز تقليده ولم يجز تقليد الميت ابتداءً وكان الاحتياط مخلاًّ


1) مصباح الأصول 2 : 109.

للنظام أو المكلف لم يعلم كيفيته ، تعيّن عليه الاجتهاد.

وأما بالنظر إلى رجوع الغير إليه ، فهو واجب على المكلفين وجوباً نفسياً كفائياً لبداهة وجوب حفظ الشريعة المقدسة عن الانطماس والاندراس ، ومن الظاهر أن إهمال الأحكام الشرعية وترك التصدي لاستنباطها في كل عصر ، يؤدي إلى انحلالها واضمحلالها لأنه لا سبيل إلى تحصيلها وامتثالها حينئذ غير التقليد من العلماء الأموات ، ويأتي في محلّه (1)أن تقليد الميت ابتداءً أمر غير مشروع ، أو الاحتياط ولكنه أيضاً لا سبيل إليه ، لأن الاحتياط لا يمكن الإلزام به في بعض الموارد ، لعدم إمكانه كموارد دوران الأمر بين المحذورين ، أو لعدم معرفة العامّي كيفيته وطريقته ، أو لاستلزامه العسر والحرج بل إخلال النظام ، أو لاحتمال عدم مشروعيته كما إذا كان محتمل الوجوب عبادة واحتمل المكلف عدم جواز امتثالها بالاحتياط عند التمكن من امتثالها التفصيلي بالاجتهاد أو التقليد ، فإن المكلف لا يتمكن معه من الاحتياط إلاّ أن يحرز مشروعيته بالتقليد أو الاجتهاد. نعم ، لا أثر للاجتهاد في خصوص تلك المسألة بالإضافة إلى الحكم بجواز الرجوع إليه ، لأنه وإن كان من رجوع الجاهل إلى العالم فتشمله السيرة لا محالة ، إلاّ أن مقتضى الأدلة اللفظية عدم جواز الرجوع إليه ، لعدم صدق عنوان الفقيه أو العالم بالأحكام بمجرد الاجتهاد في مسألة واحدة كما قدّمناه في الكلام على أقسام الاجتهاد. نعم ، له أثر بالإضافة إلى عمل نفسه ، لأن للمكلف أن يعمل على طبق نظره واجتهاده فيما استنبطه من الأحكام.

إذن الاجتهاد صيانة للأحكام عن الاندراس واحتفاظ على الشريعة المقدسة عن الاضمحلال ، وهو واجب كفائي وإلى ذلك أشار سبحانه بقوله عزّ من قائل ( وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (2)، حيث دلّ على أن كل طائفة من كل فرقة مأمور بالتفقه وتحصيل الأحكام الشرعية وتبليغها للجاهلين ، فهي ظاهرة الدلالة على وجوب تحصيل الأحكام الشرعية كفائياً ، ويؤيد ما ذكرناه ما ورد


1) راجع ص 73.

2) التوبة 9 : 122.

[2] مسألة 2 : الأقوى جواز العمل بالاحتياط مجتهداً كان أو لا (1)


من الأخبار في تفسير الآية المباركة فليراجع (1).

وكيف كان فقد دلّتنا الآية المباركة على عدم كون الاجتهاد واجباً عينيّاً على المكلفين كما هو المنسوب إلى جمع من الأقدمين وفقهاء حلب ( قدّس اللّه أسرارهم ) على أنه عسر على المكلفين بل دونه خرط القتاد. مضافاً إلى قيام السيرة على الرجوع إلى فتوى الرواة وغيرهم من العالمين بالأحكام حتى في عصرهم علیهم السلام من غير ردع عنها بوجه ، هذا تمام الكلام في الاجتهاد ويقع الكلام بعد ذلك في الاحتياط والتقليد.

مباحث الاحتياط

(1) يقع الكلام في ذلك تارة في المعاملات وأُخرى في العبادات :

أمّا المعاملات ، فلا شبهة ولا خلاف في جواز الاحتياط بل في حسنه في المعاملات بالمعنى الأعم ، كما إذا احتاط في تطهير المتنجّس ، بالغسل مرتين لشكّه في أنه هل يطهر بالغسل مرة واحدة أو يعتبر فيه التعدد. ولا نعهد مخالفاً في الاحتياط في مثله سواء أكان المكلف متمكناً من الامتثال التفصيلي وتحصيل العلم بالحال أم لم يكن وسواء كان الاحتياط فيها مستلزماً للتكرار أم لم يكن.

وأمّا المعاملات بالمعنى الأخص أعني العقود والإيقاعات ، فالظاهر أن الاحتياط فيها كالاحتياط في المعاملات بالمعنى الأعم وأنه أمر حسن لا شبهة في مشروعيته مثلاً إذا شكّ المكلف في أن الطلاق هل يجوز أن يكون بالجملة الفعلية كبقية الصيغ بأن يقول : طلقتك ، أو أنه لا بدّ أن تكون بالجملة الاسمية بأن يقول : أنتِ طالق أو زوجتي طالق ، فلا مانع من أن يجمع بين الصيغتين ويحتاط بالتكرار.

نعم ، قد يستشكل في الاحتياط في المقام أعني المعاملات بالمعنى الأخص ، بأن


1) وسائل الشيعة 27 : 141 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 10.

الإنشاء يعتبر فيه الجزم به ولا يتحقق هذا بالاحتياط لأنه لا يدرى حين قوله : طلقتك مثلاً أن ما أراده من الطلاق هل يحصل به أو لا يحصل ، فلا يمكن أن يكون جازماً بإنشاء الطلاق بالاحتياط.

ويندفع بأن الإنشاء على ما حققناه في محلّه (1)عبارة عن إبراز الاعتبار النفساني بمبرز ، ولا شبهة في أن المتكلم بقوله : طلقتك قد قصد إبراز ما اعتبره في نفسه من بينونة زوجته وإطلاقها من جهته ، فهو جازم بالإنشاء حينئذٍ ولا تردد له في نيته وإنما يشك في أمر آخر خارج عن إنشائه وهو إمضاء الشارع وحكمه بصحة طلاقه ومن البديهي أنه أمر آخر غير راجع إلى إنشائه الطلاق.

نعم ، لو كان متردداً في إنشائه كما إذا قال : بعتك هذا المال إن كان اليوم جمعة ، لقلنا ببطلانه وإن تحقق شرطه بأن كان اليوم جمعة واقعاً ، وذلك لأن الشك في أن اليوم جمعة يسبّب الشك في أنه هل باع ما له أم لم يبع ، ومع عدم علمه ببيعه لا معنى لأن يكون جازماً بما قصده في نفسه من البيع والتمليك.

فالمتلخص : أن الاحتياط في كل من المعاملات بالمعنى الأعم والمعاملات بالمعنى الأخص مما لا تأمل في جوازه وحسنه ، وأمّا العبادات أعني الأُمور المعتبر فيها قصد القربة والامتثال فيقع الكلام فيها في مقامين :

أحدهما : في جواز الاحتياط غير المستلزم للتكرار.

وثانيهما : في جواز الاحتياط المستلزم للتكرار.

أمّا المقام الأوّل : فالصحيح أن العبادات كالمعاملات يجوز فيها الاحتياط ولو مع التمكن من الامتثال التفصيلي وتحصيل العلم بالمأمور به ، كما إذا شك في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو في وجوب السورة في الصلاة ، فإنه يجوز أن يحتاط بالإتيان بما يحتمل وجوبه ، إذ الامتثال الإجمالي كالتفصيلي على ما يأتي تحقيقه إن شاء اللّه ، هذا.

وقد يقال بعدم جواز الاحتياط مع التمكن من الامتثال التفصيلي في العبادات ، نظراً إلى احتمال وجوب قصد الوجه والتمييز ، ولا يمكن إتيان العبادة بقصد الوجه متميزة


1) محاضرات في أُصول الفقه 1 : 89.

عن غيرها بالاحتياط. وعمدة القائلين باعتبارهما هم المتكلمون ، بدعوى أن العقل مستقل بحسن الإتيان بالمأمور به بقصد الوجه متميزاً عن غيره وأنه لا حسن في العمل الفاقد للأمرين.

ويدفعه : أن اعتبار الأمرين في الواجبات يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه ، إذ لو كانا معتبرين في الواجبات لأشاروا علیهم السلام إلى اعتبارهما في شي‌ء من رواياتهم لكثرة الابتلاء بهما ، فمن عدم ورود الأمر بهما في الأخبار يستكشف عدم وجوبهما واقعاً ، هذا ولو شككنا في وجوبهما فأصالة البراءة تقضي بعدم اعتبارهما في الواجبات.

على أن الدعوى المتقدمة لو تمت فإنما يتم في الواجبات النفسية ، وأما الواجبات الضمنية فلا تأتي فيها بوجه لأن الحسن المدعى إنما هو في الإتيان بمجموع الأجزاء والشرائط بقصد الوجه والتمييز ، لا في كل واحد واحد من الأجزاء. إذن لا مانع من الإتيان بشي‌ء مما يحتمل أن يكون واجباً ضمنياً بالاحتياط وإن كان فاقداً لقصد الوجه والتمييز.

ثمّ إن لشيخنا الأستاذ قدس سره تفصيلاً في المقام ذكره في دورته الأخيرة وتوضيحه : أن العمل العبادي قد نعلم بتعلق الأمر به ونشك في وجوبه واستحبابه وهذا لا إشكال في جواز الاحتياط فيه لا مكان الإتيان فيها بالعمل بداعي أمر المولى للعلم بوجوده وتعلقه بالعمل ، وإن لم نعلم أنه وجوبي أو ندبي. نعم ، لا يمكننا الإتيان به بقصد الوجه إلاّ أنه غير معتبر في العبادات. وقد نعلم أن العمل عبادي بمعنى أنه على تقدير تعلق الأمر به يعتبر أن يؤتى به بقصد القربة ، من غير أن نعلم بكونه متعلقاً للأمر كما في الفرض السابق ، بأن نشك في أنه هل تعلق به الأمر الوجوبي أو الندبي أم لم يتعلق ، وهذا كما في الوضوء بعد الغسل في غير غسل الجنابة ، حيث إن الوضوء فعل عبادي يعتبر فيه قصد القربة قطعاً إلاّ أنا نشك في أنه هل تعلق به أمر في المقام أم لم يتعلق ، وأفاد أن في أمثال ذلك لا مجال للاحتياط بأن يؤتى به رجاءً مع التمكن من الامتثال التفصيلي والعلم بالمأمور به.

وهذا لا لاعتبار قصد الوجه والتمييز ، لما تقدم من عدم اعتبارهما في الواجبات بل

لما أفاده من أن الامتثال الإجمالي والاحتياط إنما هو في طول الامتثال التفصيلي لاعتبار أن يكون التحرك والانبعاث في الواجبات العبادية مستنداً إلى تحريك المولى وبعثه ، ولا يتحقق هذا مع الاحتياط لأن الداعي للمكلف نحو العمل والإتيان به حينئذ ليس إلاّ احتمال تعلق الأمر به ، فالانبعاث مستند إلى احتمال البعث لا إلى البعث نفسه ، فمع التمكن من الامتثال التفصيلي والعلم بالواجب لا تصل النوبة إلى الاحتياط.

ثمّ لو شككنا في ذلك ولم ندر أن الامتثال الإجمالي والاحتياط في عرض الامتثال التفضيلي أو في طوله ، بمعنى أن الانبعاث يعتبر أن يكون مستنداً إلى الأمر جزماً أو أن الانبعاث إذا استند إلى احتمال الأمر أيضاً يكفي في الامتثال ، فلا مناص من أن يرجع إلى قاعدة الاشتغال لأنه من الشك في كيفية الإطاعة والامتثال ، وأنه لا بدّ أن يكون تفصيلياً أو يكفي فيه الاحتياط ، فإن العمل عبادي على تقدير وجوبه فإذا شكّ في كيفية طاعته لا بدّ من الاحتياط. وقصد القربة والتعبد وإن كان مأخوذاً في المتعلق شرعاً عنده وعندنا ، والشك في اعتباره من الشك في الأقل والأكثر إلاّ أن اعتبار قصد القربة إذا كان معلوماً في مورد ، وشك في كيفية طاعته فهو يرجع إلى الشك في التعيين والتخيير وهو مورد لقاعدة الاشتغال. وبذلك منع جواز الاحتياط فيما إذا استلزم التكرار ، وزاد أن العلم بالتكليف موجود في مورده فلا بدّ من الخروج عن عهدته بما يراه العقل طاعة.

والجواب عنه : أنّا لا نشك في أن الامتثال الإجمالي في طول الامتثال التفصيلي أو في عرضه بل نجزم بأنهما في عرض واحد ، وسرّه أن الفارق بين العبادة وغيرها أن العمل العبادي لا بدّ أن يؤتى به مضافاً إلى المولى سبحانه ، بخلاف التوصلي لأن الغرض منه إنما هو ذات العمل من غير لزوم الإضافة إلى اللّه. والإضافة إلى اللّه سبحانه قد تتحقق بالإتيان بالمأمور به على وجه التفصيل ، وقد تتحقق بالإتيان به على وجه الإجمال لأنه أيضاً نحو إضافة إلى اللّه ، ومن هنا لا يشترط العقلاء في العمل بالاحتياط أن لا يتمكن المكلف من العلم بالواجب والإتيان به على وجه التفصيل وذلك لأنهم ببابك فلو سألتهم عن أن العبد إذا أتى بالعمل رجاءً لاحتماله أنه مطلوب لسيده فهل يعدّ ممتثلاً أو أنه لم يمتثل لفرض كونه متمكناً من الإتيان به على وجه

لكن يجب أن يكون عارفاً بكيفية الاحتياط بالاجتهاد أو بالتقليد (1).


التفصيل ، ترى أنهم متفقون على أنه إطاعة وانقياد للسيد. إذن الامتثال الإجمالي في عرض الامتثال التفصيلي لا في طوله ، هذا.

على أنا لو شككنا في ذلك فالمرجع هو البراءة دون الاشتغال إذ لا شكّ لنا في مفهوم العبادة ، وإنما الشك في واقعها وما يتّصف به العمل بالعبادة ، فمرجع الشك حينئذٍ إلى أن الشارع هل اعتبر في متعلق الأمر التحرك عن تحريكه مع التمكن من العلم بالواجب ، أو أنه اعتبر الأعم من التحرك عن تحريكه والتحرك عن احتمال الأمر والتحريك ، فالجامع بين الاحتمالين وهو لزوم الإتيان بالعمل بقصد الامتثال معلوم واعتبار كونه على وجه التفصيل أعني اعتبار كون التحرك مستنداً إلى تحريك المولى مشكوك فيه ، ومعه يرجع إلى البراءة عن اعتبار ما يشك فيه بناء على ما هو الصحيح عندنا من جريان البراءة في موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير.

والنتيجة : أن الاحتياط أمر جائز في العبادات بلا فرق في ذلك بين الاستقلالية والضمنية ، ولا بين ما إذا كان أصل المحبوبية معلوماً وما إذا لم تكن ، هذا كلّه في المقام الأوّل.

وأمّا المقام الثاني : أعني ما إذا كان الاحتياط في العبادة مستلزماً للتكرار ، فيأتي عليه الكلام عند تعرض الماتن له في المسألة الرابعة إن شاء اللّه.

(1) يشترط في العمل بالاحتياط العلم بموارده وكيفياته بالاجتهاد أو التقليد لأنه لولاه لم يتحقق الاحتياط المؤمّن من العقاب ، فإن الاحتياط في انفعال الماء القليل بالمتنجسات يقتضي التجنب عن الماء القليل الّذي لاقاه المتنجس وعدم استعماله في رفع الخبث أو الحدث ، فلو أصاب هذا الماء ثوب المكلف مثلاً فمقتضى الاحتياط عند انحصار الثوب به بناء على وجوب الصلاة عارياً عند انحصار الثوب بالنجس أن يكرّر الصلاة ، بأن يصلي عارياً تارة وفي ذلك الثوب اخرى ، وليس مقتضى الاحتياط أن يؤتى بالصلاة عارياً فحسب ، من جهة الاجتناب عن الماء الملاقي للمتنجس وما أصابه ذلك الماء. وإذا فرضنا في المثال أن الوقت لم يسع لتكرار الصلاة كشف ذلك

[3] مسألة 3 : قد يكون الاحتياط في الفعل كما إذا احتمل كون الفعل واجباً وكان قاطعاً بعدم حرمته (1) وقد يكون في الترك ، كما إذا احتمل حرمة فعل وكان قاطعاً بعدم وجوبه (2) وقد يكون في الجمع بين أمرين مع التكرار ، كما إذا لم يعلم أن وظيفته القصر أو التمام (3).


عن عدم قابلية المحل للاحتياط ووجب الامتثال تفصيلاً بتحصيل العلم بالمسألة.

ولو انحصر الماء بالماء القليل الّذي لاقاه المتنجّس فظاهر الحال يقتضي الاحتياط بالجمع بين التيمم والوضوء بذلك الماء المشكوك في طهارته ، إلاّ أن هذا الاحتياط على خلاف الاحتياط ، لأن الماء على تقدير نجاسته تستتبع تنجس أعضاء الوضوء ونجاسة البدن مانعة عن صحة الصلاة. فلا مناص في مثله من الامتثال التفصيلي بتحصيل العلم بالمسألة وجداناً أو تعبداً لعدم إمكان الاحتياط فيه. فمعرفة موارد الاحتياط وكيفياته مما لا بدّ منه عند الاحتياط.

(1) كما في الدعاء عند رؤية الهلال ، لاحتمال وجوبه مع القطع بعدم حرمته.

(2) كما في شرب التتن لاحتمال حرمته مع القطع بعدم وجوبه ، لأنه لم يكن موجوداً في عصرهم علیهم السلام أو لو كان ، فلا يحتمل وجوبه جزماً.

(3) أو أن وظيفته الظهر أو الجمعة وهكذا.

ثمّ إن ذلك قد يكون في عملين مستقلين كما مثّل ، وقد يكون في عمل واحد ، كما إذا دار الأمر بين وجوب الجهر والإخفات كما في صلاة الظهر يوم الجمعة للأمر بالإجهار فيها في جملة من الأخبار ، ومقتضى الاحتياط حينئذٍ أن يكرّر القراءة فيها مرتين فيقرأها إخفاتاً تارةً وإجهاراً اخرى ناوياً في إحداهما القراءة المأمور بها ، وفي ثانيتهما عنوان القرآنية لجواز قراءة القرآن في الصلاة ، هذا.

وقد يكون الاحتياط في الجمع في الترك ، كما إذا علم بحرمة أحد فعلين فإن الاحتياط يقتضي تركهما معاً. وقد يكون في الجمع بين الإتيان بأحد الفعلين وترك الآخر كما إذا علم إجمالاً بوجوب الأوّل أو حرمة الثاني. وهذان لم يتعرض لهما الماتن قدس سره .

[4] مسألة 4 : الأقوى جواز الاحتياط ولو كان مستلزماً للتكرار وأمكن الاجتهاد أو التقليد (1).


(1) كما إذا تردّد الواجب بين القصر والتمام أو الظهر والعصر أو غيرهما من الأمثلة ، فهل يجوز فيه الاحتياط بالتكرار مع التمكن من الامتثال التفصيلي بتحصيل العلم بالواجب أو لا يجوز؟

قد يقال بعدم الجواز نظراً إلى أنه مخلّ بقصد الوجه والتمييز ومناف للجزم بالنيّة ولأن التحرك عن الأمر الجزمي وامتثال الأمر تفصيلاً في مرتبة سابقة على التحرك عن احتماله كما يراه شيخنا الأستاذ قدس سره (1)ومع الشك في أنهما عرضيان أو أن الثاني في طول الأول يرجع إلى قاعدة الاشتغال ، ومقتضاها عدم جواز الاكتفاء بالاحتياط مع التمكن من الامتثال التفصيلي.

وهذه الوجوه قد قدّمنا عنها الجواب ولا حاجة إلى إعادته. بل لو سلّمناها في الاحتياط غير المستلزم للتكرار ، لم نتمكن من تتميمها في الاحتياط المستلزم للتكرار بوجه ، والوجه فيه أن الجزم بالنية لو قلنا باعتباره ، وإن كان لا يفرق في ذلك بين الاحتياط المستلزم للتكرار وغير المستلزم له ، لعدم تمكن المكلف من الجزم بها مع الاحتياط ، إلاّ أن الوجهين الباقيين لا يجريان في الاحتياط المستلزم للتكرار ، وذلك لأن المكلف إنما يأتي بالواجب المردد بين الفعلين لوجوبه ، بحيث لولا كونه واجباً لم يأت بشي‌ء من المحتملين ، فقصد الوجه أمر ممكن في المقام لأن معناه أن يؤتى بالعمل لوجوبه أو استحبابه وقد عرفت أن المكلف إنما يأتي بالعمل لوجوبه.

نعم ، الاحتياط المستلزم للتكرار فاقد للتمييز ، إذ لا يمكن معه تمييز أن أياً منهما واجب وأيهما مستحب أو مباح. كما أن المكلف إنما ينبعث إلى الإتيان بالواجب المردد بين الفعلين عن الأمر الجزمي المتعلق به ، وغاية الأمر أنه لا يتمكن من تطبيق الواجب على المأتي به ، لا أنه ينبعث إليه عن احتمال الأمر وذلك للعلم بوجوب


1) أجود التقريرات 2 : 44.

أحدهما على الفرض ، فهذان الوجهان لا يأتيان في المقام.

نعم ، قد يستشكل في الاحتياط في العبادات إذا كان مستلزماً للتكرار ، بأن الاحتياط بالتكرار يعدّ عند العقلاء لعباً وعبثاً بأمر السيد ، إذ المكلف مع قدرته على تحصيل العلم بواجبه وجداناً أو تعبداً وتمكنه من الإتيان به من غير ضم ضميمة ، يأتي به مع الضمائم في ضمن أفعال متعددة ، وما كان عبثاً ولعباً كيف يمكن أن يقع مصداقاً للامتثال ، لأن اللعب والعبث مذمومان والمذموم لا يقع مصداقاً للمأمور به والمحبوب.

ويندفع بأن الاحتياط مع التكرار ليس من اللغو والعبث عند تعلق الغرض العقلائي به ، كما إذا توقف تحصيل العلم بالواجب والامتثال التفصيلي على معونة زائدة كالمشي إلى مكان بعيد للمطالعة أو السؤال عمّن قلّده ، ولأجل الفرار عن تحمّل المشقّة يحتاط ويمتثل بالإجمال ، ومعه كيف يكون تكراره لغواً وعبثاً لدى العقلاء.

على أنه إذا عدّ في مورد لعباً وعبثاً ، كما إذا فرضنا أن القبلة اشتبهت بين أربع جهات والمكلف يتمكن من تحصيل العلم بالقبلة من غير صعوبة ، إلاّ أنه أراد العمل بالاحتياط فأتى بالصلاة إلى أربع جهات ، أي كرّرها أربع مرّات ، ولا سيّما إذا ترددت صلاته بين القصر والتمام ، لأن الاحتياط حينئذٍ إنما يتحقق بالإتيان بثمان صلوات وإذا فرضنا أن ثوبه الطاهر أيضاً مردّد بين ثوبين بلغ عدد الصلوات المأتي بها ستة عشر ، كما أنّا لو فرضنا تردّد المسجد أيضاً بين شيئين لا يصح السجود على أحدهما أو كان نجساً مثلاً بلغ عدد الصلوات المأتي بها احتياطاً اثنين وثلاثين ، وقلنا إنّ تكرار صلاة واحدة اثنين وثلاثين مرّة مع التمكن من الامتثال التفصيلي والإتيان بالواجب منها عبث ولعب ، لم يمنع ذلك من الحكم بصحة الامتثال لأن الواجب من الامتثال إنما يتحقق بواحدة من تلك الصلوات ، وهي الصلاة الواقعة إلى القبلة في الثوب والمسجد الطاهرين ، وهي صلاة صحيحة لا لعب فيها ولا عبث وإنما هما في طريق إحراز الامتثال لا أنهما في نفس الامتثال.

فالصحيح جواز الاحتياط في العبادات وإن كان مستلزماً للتكرار ، وعليه فيجوز ترك طريقي الاجتهاد والتقليد والأخذ بالاحتياط استلزم التكرار أم لم يستلزم.

[5] مسألة 5 : في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهداً أو مقلداً (1) لأن المسألة خلافية.

[6] مسألة 6 : في الضروريات لا حاجة إلى التقليد كوجوب الصلاة والصوم ونحوهما ، وكذا في اليقينيات إذا حصل له اليقين ، وفي غيرهما يجب التقليد إن لم يكن مجتهداً إذا لم يمكن الاحتياط ، وإن أمكن تخير بينه وبين التقليد (2).


(1) لأن جواز الاحتياط ليس من المسائل القطعية الّتي لا تحتاج إلى الاجتهاد والتقليد ، وإنما هو مورد الخلاف فلا مناص في الاستناد إلى الاحتياط من تحصيل العلم بجوازه ومشروعيته اجتهاداً أو تقليداً ، وسرّه أنه لو لم يقلّد من يجوّز الاحتياط ولم يجتهد في جوازه ، بل احتاط مع احتماله عدم الجواز لم يطمئن بعدم العقاب ، لفرض احتمال الحرمة وكونه مستحقاً للعقاب بارتكابه ، وحيث إن العقل يرى وجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ويجب أن يكون المكلف مأموناً من جهته ، فلا مناص من أن يستند في جوازه إلى التقليد أو الاجتهاد ، إذ لا مؤمّن غيرهما.

وبما ذكرناه يظهر أن طرق الامتثال وإن مرّ أنها ثلاثة إلاّ أنها في الحقيقة منحصرة بالتقليد والاجتهاد بل بخصوص الاجتهاد كما تقدم في محلّه ، فتارك طريقي الاجتهاد والتقليد أيضاً لا بدّ أن يكون مجتهداً أو مقلداً في جواز العمل بالاحتياط.

(2) قد أسبقنا في أوائل الكتاب أن لزوم كون المكلف في جميع أفعاله وتروكه مقلداً أو محتاطاً أو مجتهداً إنما هو بحكم العقل ، نظراً إلى استقلاله بوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ، لتنجز الأحكام الواقعية في حقه بالعلم الإجمالي أو بالاحتمال ، لأن الشبهة حكمية وقبل الفحص ، فالمكلف إذا خالف الحكم المنجّز في حقه استحق عليه العقاب ، وبما أن ما يأتي به ممّا يحتمل حرمته كما أن ما يتركه محتمل الوجوب في الواقع ، فهو يحتمل العقاب في أفعاله وتروكه ، وبهذا يستقل عقله بلزوم دفع هذا الاحتمال وتحصيل المؤمّن من العقاب على تقدير مخالفة عمله الواقع ، والمؤمّن كما مرّ منحصر بالطرق الثلاثة المتقدمة وإن كان مرجع الأولين أيضاً إلى الاجتهاد. ومن هذا يتّضح أن مورد التقليد وأخويه إنما هو ما يحتمل المكلف فيه العقاب ، وأما ما علم

[7] مسألة 7 : عمل العامي بلا تقليد ولا احتياط باطل (1)(1)


بإباحته أو بوجوبه أو حرمته فلا ، لعدم كونها مورداً لاحتمال العقاب كي يجب دفعه لدى العقل بالتقليد أو بغيره لجزمه بعدم العقاب أو بوجوده ، فعلى ذلك لا حاجة إلى التقليد في اليقينيات فضلاً عن الضروريات ، هذا تمام الكلام في الاحتياط ويقع الكلام بعد ذلك في التقليد.

مباحث التقليد

اشارة

(1) لم يرد بذلك البطلان الواقعي بأن تكون أعمال العامي من غير تقليد ولا احتياط فاسدة وإن انكشفت صحتها بعد ذلك ، كما إذا بلغ رتبة الاجتهاد وادي نظره إلى صحتها ، بل المراد به البطلان عقلاً وعدم جواز الاقتصار على ما أتى به من دون تقليد ولا احتياط ، وذلك لأن قاعدة الاشتغال تقضي حينئذٍ ببطلانه. مثلاً إذا عقد على امرأة بالفارسية من دون أن يعلم بصحته أو يقلّد من يفتي بها ، لم يجز له أن يرتّب على المرأة آثار الزوجية. وكذا إذا غسل المتنجّس مرّة واحدة وهو لا يعلم كفايتها لأنه ليس له أن يرتّب عليه آثار الطهارة لاحتمال بطلان العقد واقعاً ، وعدم صيرورة المرأة بذلك زوجة له أو عدم طهارة المغسول وبقائه على تنجسه ، فحيث إنه لم يحرز صحة العقد أو كفاية المرّة الواحدة ، فقاعدة الاشتغال تقتضي بطلانه وعدم كفاية الغسل مرة مع قطع النظر عن الاستصحاب الجاري فيهما.

وعلى الجملة إذا لم يحرز المكلف صحة عمله واحتمل معه الفساد ، فمقتضى قاعدة الاشتغال أعني حكم العقل بأن الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية ، عدم ترتيب آثار الصحة عليه.


1) (*) بمعنى أنه لا يجوز الاقتصار عليه في مقام الامتثال ما لم تنكشف صحته.

[8] مسألة 8 : التقليد هو الالتزام (1)(1)


معنى التقليد

(1) قد عرّف التقليد بوجوه :

منها : أن التقليد أخذ فتوى الغير للعمل به.

ومنها : أنه الالتزام بالعمل بفتوى الغير وإن لم يعمل به بعد ولا أخذ فتواه.

ومنها : غير ذلك من التفاسير.

والتحقيق : أن التقليد عنوان من عناوين العمل وطور من أطواره ، وهو الاستناد إلى قول الغير في مقام العمل ، بأن يكون قول الغير هو الّذي نشأ منه العمل وأنه السبب في صدوره ، فإن المقلّد في أعماله يتّكئ ويستند إلى قول الغير فهو المسئول عن وجهه دون العامل المقلّد.

معنى التقليد بحسب اللغة

ويرشدك إلى ذلك ملاحظة اللغة ، حيث إن التقليد بمعنى جعل الشخص أو غيره ذا قلادة فيقال : تقلد السيف أي ألقى حمالته في عنقه ، ومنه تقليد البدنة في الحج لأن معناه أنه علّق بعنقها النعل ليعلم أنها هدي فيكف عنها ، وفي حديث الخلافة : « قلّدها رسول اللّه علياً » (2)، أي جعلها قلادة له ، فمعنى أن العامي قلّد المجتهد أنه جعل أعماله على رقبة المجتهد وعاتقه وأتى بها استناداً إلى فتواه ، لا أن معناه الأخذ أو الالتزام أو غير ذلك من الوجوه ، لعدم توافق شي‌ء من ذلك معنى التقليد لغة. مثلاً إذا فسّرناه بالالتزام رجع معنى تقليد المجتهد إلى أن العامي جعل فتوى المجتهد وأقواله قلادة لنفسه ، لا أنه جعل أعماله قلادة على رقبة المجتهد. وقد عرفت أن المناسب لمعنى التقليد هو الثاني دون الأول ، فإن لازمه صحة إطلاق المقلّد على المجتهد دون العامي.


1) (*) بل هو الاستناد إلى فتوى الغير في العمل ، ولكنه مع ذلك يكفي في جواز البقاء على التقليد أو وجوبه تعلم الفتوى للعمل وكونه ذاكراً لها ..

2) كذا في مجمع البحرين في مادة ( قلّد ).

معنى التقليد بحسب الأخبار

ثمّ إن ما ذكرناه في معنى التقليد ، مضافاً إلى أنه المناسب للمعنى اللغوي قد أُشير إليه في جملة من الروايات كمعتبرة عبد الرحمن بن الحجاج قال : « كان أبو عبد اللّه علیه السلام قاعداً في حلقة ربيعة الرأي ، فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فأجابه ، فلمّا سكت قال له الأعرابي : أهو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة ولم يردّ عليه شيئاً ، فأعاد المسألة عليه فأجابه بمثل ذلك ، فقال له الأعرابي : أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة ، فقال أبو عبد اللّه علیه السلام : هو في عنقه قال أو لم يقل ، وكل مفتٍ ضامن » (1).

وكالأخبار المستفيضة الدالة على أن « من أفتى بغير علم فعليه وزر من عمل به » (2).

ويؤيد ذلك ما ورد في الحج « من أن كفارة تقليم الأظافر على من أفتى به » (3)لا على المباشر.

ومن ذلك يستكشف بوضوح أن ما ذكرناه في معنى التقليد هو المعنى المتفاهم العرفي من لفظة التقليد عند إطلاقها ، بل عليه جرت اللغة الدارجة في عصرنا حيث ترى يقولون : قلّدتك الدعاء والزيارة. إذن الاصطلاح الدارج واللغة والعرف متطابقة على أن التقليد هو الاستناد إلى قول الغير في مقام العمل ، هذا.

إلاّ أن صاحب الكفاية قدس سره لم يرتض بذلك وذهب إلى أن التقليد هو الأخذ والالتزام ، ومنع عن تفسيره بالعمل استناداً إلى رأي الغير ، نظراً إلى أن التقليد إذا كان نفس العمل على طبق فتوى الغير فأوّل عمل يصدر من المكلف يصدر من غير تقليد ، لأن ذلك العمل غير مسبوق بالتقليد الّذي هو العمل ، مع أن العمل لا بدّ أن يكون مسبوقاً بالتقليد ، لأن المكلف لا بدّ أن يستند في أعماله إلى حجة فكما أن المجتهد يستند إلى اجتهاده وهو أمر سابق على عمله ، كذلك العاميّ لا بدّ أن يستند إلى


1) وسائل الشيعة 27 : 220 / أبواب آداب القاضي ب 7 ح 2.

2) ورد بهذا المضمون في وسائل الشيعة 27 : 20 / أبواب صفات القاضي ب 4.

3) ورد بهذا المضمون في وسائل الشيعة 13 : 164 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 13.

التقليد ويلزم أن يكون تقليده سابقاً على عمله (1).

ويرد عليه : أن التقليد كما مرّ لون وعنوان للعمل ، فهو أمر مقارن معه ولا يعتبر فيه السبق زماناً ، فإذا عمل المكلّف عملاً مستنداً إلى فتوى الغير ، كان ذلك العمل مقروناً بالتقليد لا محالة وهو كاف في صحته ، ولا دليل على اعتبار سبق التقليد على العمل.

وقد يورد على تفسير التقليد بما ذكرناه ، بأن ذلك مستلزم للدور فإن مشروعية العبادة وصحتها من المقلد تتوقف على تقليده ، إذ لو لم يقلّد لم يتمكن من الإتيان بها بما أنها مأمور بها حتى تقع عبادة ، فلو كان تقليده متوقفاً على إتيانه بالعبادة لعدم تحقق التقليد إلاّ بالعمل ، لدار.

ويندفع بأن المتوقف عليه ، غير المتوقف عليه ، وذلك لأن مشروعية أي عمل عبادي أو غيره لا يمكن أن تكون ثابتة بالتقليد ، لعدم كونه مشرعاً في الدين. بل إنما تتوقف المشروعية على الدليل ولو كان هو فتوى مقلده. نعم ، إذا أتى المكلف بالعمل بعد العلم بمشروعيته مستنداً فيه إلى فتوى المجتهد ، انطبق عليه التقليد لا محالة. فالتقليد وإن كان متوقفاً على العمل إلاّ أنه لا يتوقف على التقليد بوجه ، فلا توقف في البين ، وعلى الجملة أن التقليد إنما يتحقق بالعمل على قول الغير ولا توقف له على الالتزام.

معنى التقليد عند اختلاف الفتاوى

وقد يقال : إنه إذا تعدد المجتهدون واختلفوا في الفتوى ، توقف التقليد على الالتزام بالعمل على إحدى الفتويين أو الفتاوى ، أو أن التقليد حينئذٍ ينتزع عن نفس الالتزام والدليل على وجوبه حكم العقل بلزوم تحصيل الحجة على امتثال الأحكام الشرعية.

بل عن بعضهم أن الخلاف في أن التقليد هو العمل أو الالتزام إنما هو فيما إذا اتحد المجتهد أو تعددوا واتفقوا في الفتوى ، وأما مع التعدد والتعارض بين الفتويين أو


1) كفاية الأُصول : 472.

الفتاوى ، فلا ينبغي التردد في أنه يجب الالتزام بإحدى الفتويين أو الفتاوى ، لأن موضوع الحجية لا يتحقق حينئذٍ إلاّ بالالتزام ، وهو مقدمة لتطبيق العمل على طبقها والوجه فيه : أن الحجة يمتنع أن يكون هو الجميع لاستلزامه الجمع بين المتناقضين ، ولا واحد معيّن لأنه بلا مرجح ، كما يمتنع الحكم بالتساقط والرجوع إلى غير الفتوى لأنه خلاف السيرة والإجماع ، إذن يتعيّن أن تكون الحجة ما يختاره المكلّف ويلتزم به وحاصله : أن الحجة في مفروض الكلام هي إحدى الفتويين أو الفتاوى تخييراً والتمييز حينئذٍ بالاختيار والالتزام ، هذا.

ويأتي منّا إن شاء اللّه في المسألة الثالثة عشرة عند تعرض الماتن قدس سره لمسألة ما إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة وحكمه فيها بالتخيير : أن الحجية التخييرية بأي معنى فسّرت أمر لا محصل له في المقام ، وأن الوظيفة حينئذٍ هو الاحتياط لسقوط الفتويين أو الفتاوى عن الحجية بالتعارض ، إذن لا توقف للتقليد على الالتزام فضلاً عن أن يكون التقليد نفس الالتزام عند تعدد المجتهد واختلافهم في الفتوى.

ثمّ إن التكلم في مفهوم التقليد لا يكاد أن يترتب عليه ثمرة فقهية ، اللّهُمَّ إلاّ في النذر ، وذلك لعدم وروده في شي‌ء من الروايات. نعم ، ورد في رواية الاحتجاج « فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مخالفاً على هواه ، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه » (1)إلاّ أنها رواية مرسلة غير قابلة للاعتماد عليها. إذن فلم يؤخذ عنوان التقليد في موضوع أي حكم لنتكلم عن مفهومه ومعناه. وأما أخذه في مسألتي البقاء على تقليد الميت ، والعدول من الحي إلى غيره فهو إنما يتراءى في كلمات الأصحاب ( قدّس اللّه أسرارهم ) حيث عنونوا المسألتين كما نقلناه ، ومن المعلوم أنهما بهذين العنوانين غير واردتين في الأخبار.

نعم ، سبق إلى بعض الأذهان أن حكم المسألتين مبني على معنى التقليد فيختلف الحال فيهما باختلافه ، لأنا لو فسّرناه بالالتزام وفرضنا أن المكلف التزم بالعمل بفتوى


1) وسائل الشيعة 27 : 131 / أبواب صفات القاضي ب 10 ح 20.

مجتهد ثمّ مات ذلك المجتهد ، فله أن يعمل على فتاواه لأنه من البقاء على تقليد الميت وليس تقليداً ابتدائياً له ، وهذا بخلاف ما إذا فسّرناه بالاستناد إلى فتوى المجتهد في مقام العمل ، لأنه حينئذٍ من تقليد الميت ابتداءً لعدم استناد المكلف إلى شي‌ء من فتاوى المجتهد الميت حال حياته ، وإنما التزم بأن يعمل على طبقها فلا يجوز أن يرجع إلى الميت حينئذٍ. وكذلك الكلام في المسألة الثانية لأنه إذا التزم بالعمل بفتيا مجتهد وفسّرنا التقليد بالالتزام حرم عليه العدول عن تقليده لأنه قد قلّده تقليداً صحيحاً ولا مرخّص له للعدول ، وهذا بخلاف ما إذا قلنا إن التقليد هو الاستناد إلى فتوى المجتهد في مقام العمل لأنه حينئذٍ لم يتحقق منه تقليد المجتهد ليحرم عليه العدول ، بل لا يكون رجوعه لغيره عدولاً من مجتهد إلى مجتهد آخر ، هذا.

ولكنّا سنبيّن قريباً أن المسألتين لا يختلف حكمهما بالاختلاف في معنى التقليد لعدم ابتنائهما عليه حيث إن لكل من المسألتين مبنى لا يفرق فيه الحال بين أن يكون التقليد بمعنى الالتزام أو بمعنى آخر كما يأتي في محلّه ، إذن صحّ ما ذكرناه من أن عنوان التقليد لم يرد في شي‌ء من الأدلة حتى نبحث عن مفهومه.

بقي شي‌ء وهو أن مسألة التقليد ليست تقليدية وتوضيحه : أنّا قد أسبقنا أن كل مكلّف يعلم علماً إجمالياً بثبوت أحكام إلزامية في الشريعة المقدسة من وجوب أو تحريم ، وبه تنجّزت الأحكام الواقعية عليه ، وهو يقتضي الخروج عن عهدتها لاستقلال العقل بوجوب الخروج عن عهدة التكاليف المتوجّهة إلى العبد من سيّده والمكلف لدى الامتثال إما أن يأتي بنفس الواجبات الواقعية ويترك المحرمات ، وإما أن يعتمد على ما يعذّره على تقدير الخطأ وهو ما قطع بحجيته ، إذ لا يجوز لدى العقل الاعتماد على غير ما علم بحجيته حيث يحتمل معه العقاب ، وعلى هذا يترتب أن العامي لا بدّ في استناده إلى فتوى المجتهد أن يكون قاطعاً بحجيتها في حقه ، أو يعتمد في ذلك على ما يقطع بحجيته ، ولا يسوغ له أن يستند في تقليده على ما لا يعلم بحجيته إذ معه يحتمل العقاب على أفعاله وتروكه وعليه لا يمكن أن تكون مسألة التقليد تقليدية ، بل لا بدّ أن تكون ثابتة بالاجتهاد. نعم ، لا مانع من التقليد في خصوصياته كما يأتي عليها الكلام ، إلاّ أن أصل جوازه لا بدّ أن يستند إلى الاجتهاد.

ما يمكن أن يعتمد عليه العامي

الّذي يمكن أن يعتمد عليه العامي في حجية فتوى المجتهد في حقّه أمران :

أحدهما : الارتكاز الثابت ببناء العقلاء ، حيث جرى بناؤهم في كل حرفة وصنعة بل في كل أمر راجع إلى المعاش والمعاد ، على رجوع الجاهل إلى العالم لأنه أهل الخبرة والاطلاع ، ولم يرد من هذه السيرة ردع في الشريعة المقدسة. وهذه السيرة والبناء وإن جاز أن لا يلتفت إليهما العامي مفصلاً ، إلاّ أنهما مرتكزان في ذهنه بحيث يلتفت إليهما ويعلم بهما تفصيلاً بأدنى إشارة وتنبيه.

وثانيهما : دليل الانسداد ، وتقريبه أن كل أحد يعلم بثبوت أحكام إلزامية في حقه كما يعلم أنه غير مفوّض في أفعاله بحيث له أن يفعل ما يشاء ويترك ما يريد ، وهذان العلمان ينتجان استقلال العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكاليف الواقعية المنجّزة بعلمه ، وطريق الخروج عنها منحصر في الاجتهاد والاحتياط والتقليد.

أما الاجتهاد ، فهو غير متيسّر على الكثير بل على الجميع ، لأن كل مجتهد كان برهة من الزمان مقلداً أو محتاطاً لا محالة ، وكونه مجتهداً منذ بلوغه وإن كان قد يتفق إلاّ أنه أمر نادر جدّاً ، فلا يمكن أن يكون الاجتهاد واجباً عينياً على كل أحد بل لعلّه خلاف الضرورة بين المسلمين.

وأمّا الاحتياط ، فهو كالاجتهاد غير ميسور له لعدم تمكنه من تشخيص موارده ، على أنّا لا نحتمل أن تكون الشريعة المقدسة مبتنية على الاحتياط. إذن يتعيّن على العامي التقليد لانحصار الطريق به. وبهذا الطريق يستكشف العقل أن الشارع قد نصب في الشريعة طريقاً آخر إلى الأحكام الواقعية بالإضافة إلى العامي فلا يسوغ له أن يأخذ بالعمل بمظنوناته ويترك مشكوكاته وموهوماته ، وذلك لأنه ليس للمقلّد ظنّ بالأحكام فإنه ليس من أهل النظر والاجتهاد. على أن ظنّه كشكّه ووهمه لا أقربية له إلى الواقع بالنسبة إلى شقيقيه ، لعدم ابتنائه على النظر في أدلة الأحكام فليس له طريق أقرب إلى الواقع من فتوى مقلّده.

وعلى الجملة أن دليل الانسداد وإن لم يتم بالإضافة إلى المجتهد ، فإن من يرى انسداد باب العلم الّذي من مقدماته عدم التمكن من الاجتهاد ، كيف يرخّص الرجوع

إلى فتوى من يرى انفتاحه ويدعي التمكن من الاجتهاد وذلك لعلمه بخطئه ومع تخطئته لا يتمكن العامّي من الرجوع إليه ، إلاّ أنه تام بالإضافة إلى العامّي كما عرفت هذا كلّه فيما يمكن أن يعتمد عليه العامي في المقام.

ما دلّ على جواز التقليد

وأما ما يمكن أن يستدل به المجتهد على جواز التقليد في الشريعة المقدسة فهو أُمور :

منها : السيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع عنها وقد تقدمت ، وهي تقتضي جواز التقليد والإفتاء كليهما.

ومنها : قوله عزّ من قائل ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (1)فإنها تدلنا على وجوب النفر حسبما تقتضيه لولا التحضيضية ، كما تدلنا على وجوب التفقه والإنذار لأنهما الغاية الداعية إلى الأمر بالنفر ، وتدلنا أيضاً على أن مطلوبية التفقه والإنذار ليست لأجل نفسيهما ، بل من جهة احتمال التحذر بواسطتهما ، فالغاية من ذينك الواجبين هو التحذر عند الإنذار ، وحيث إن الآية مطلقة فيستفاد منها أن التحذر عقيب الإنذار واجب مطلقاً ، سواء حصل العلم من إنذار المنذرين أم لم يحصل.

وتوضيحه : أن الحذر على ما يستفاد من مشتقاته وموارد استعمالاته ، عنوان للعمل وليس عبارة عن الخوف النفساني فحسب ، ومعناه التحفظ عن الوقوع فيما لا يراد من المخاوف والمهالك ، مثلاً إذا حمل المسافر سلاحه في الطريق المحتمل فيه اللّص أو السبع للمدافعة عن نفسه أو ماله يقال : إنه تحذّر فهو فعل اختياري وليس بمعنى الخوف كما مر ، وقد دلت الآية المباركة على وجوبه ، وبما أن التحذر غير مقيد فيها بصورة حصول العلم من إنذار المنذرين لكي يجب التحذر بالعلم المستند إلى الإنذار ، فلا مناص من الالتزام بوجوب التحذر عقيب الإنذار مطلقاً ، حصل للمتحذر علم من إنذار المنذرين أم لم يحصل.


1) التوبة 9 : 122.

وعلى الجملة أن للآية المباركة دلالات.

منها : دلالتها على وجوب التقليد في الأحكام ، لدلالتها على وجوب التحذر بانذار الفقيه وهو إنما يتحقق بالعمل على إنذاره وفتواه.

ومنها : دلالتها على وجوب الإفتاء ، وذلك لدلالتها على وجوب الإنذار فإن الإنذار قد يكون بالدلالة المطابقية وفد يكون ضمنياً أو بالالتزام ، وإفتاء المجتهد بالحرمة أو الوجوب يتضمن الإنذار باستحقاق العقاب عند تركه الواجب أو إتيانه الحرام.

ومنها : دلالتها على حجية إنذار الفقيه وإفتائه ، وذلك لأنه لو لم يكن إنذاره حجة شرعاً ، لم يكن أي مقتض لوجوب التحذر بالإنذار لقاعدة قبح العقاب بلا بيان فوجوب التحذّر عند إنذار الفقيه يستلزم حجية الإنذار لا محالة ، هذا.

وقد يقال : إن الفقاهة والاجتهاد في الصدر الأوّل غير الفقاهة والاجتهاد في العصور المتأخرة ، لأن التفقه في الأعصار السابقة إنما كان بسؤال الأحكام وسماعها عن المعصومين علیهم السلام ، ولم يكن وقتئذٍ من الاجتهاد بالمعنى المصطلح عليه عين ولا أثر ، إذن لا دلالة للآية المباركة على حجية إنذار الفقيه بالمعنى المصطلح لتدل على حجية فتواه ، وإنما تدل على حجية النقل والرواية ، لأن إنذار الفقيه بالمعنى المتقدم إنما هو بنقله الحكم الّذي سمعه من مصادره ، أو بإخباره عن أن الفعل يترتب على ارتكابه أو على عدم ارتكابه العقاب ، وأين هذا من التفقه بالمعنى المصطلح عليه لأنه أمر آخر يتوقف على إعمال الدقة والنظر.

وهذه المناقشة وإن أوردها بعض مشايخنا المحققين ( قدّس اللّه أسرارهم ) (1)إلاّ أنها مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك :

أما أوّلاً : فلأن الآية المباركة لمكان أخذها عنوان الفقاهة في موضوع وجوب التحذر ، ليست لها أيّة دلالة على حجية الخبر والرواية من جهتين :

إحداهما : أن حجية الرواية لا يعتبر فيها أن يكون الناقل ملتفتاً إلى معناها فضلاً


1) رسالة في الاجتهاد والتقليد ( الأصفهاني ) : 18.

عن أن يكون فقيهاً ، لكفاية الوثاقة في حجية نقل الألفاظ المسموعة عن المعصوم علیه السلام من غير أن يتوقف على فهم المعنى بوجه.

وثانيتهما : أن الراوي لا يعتبر في حجية رواياته أن يصدق عليه عنوان الفقيه ، لأنه إذا روى رواية أو روايتين أو أكثر لم يصدق عليه الفقيه وإن كان ملتفتاً إلى معناها لضرورة أن العلم بحكم أو بحكمين لا يكفي في صدق الفقيه مع حجية رواياته شرعاً.

اللّهُمَّ إلاّ أن يقال : إن الآية المباركة إذا دلت على حجية الخبر عند صدق الفقيه على ناقله ، دلت على حجيته عند عدم كون الراوي فقيهاً لعدم القول بالفصل ، إلاّ أن ذلك استدلال آخر غير مستند إلى الآية ، كيف وقد عرفت أن الآية قد أُخذ في موضوعها التفقه في الدين. فظهر بما سردناه أن دلالة الآية المباركة على حجية فتوى المجتهد وجواز التقليد أقرب وأظهر من دلالتها على حجية الخبر.

وأما ثانياً : فلعدم كون التفقه والاجتهاد في الأعصار السابقة مغايراً لهما في العصور المتأخرة ، بل الاجتهاد أمر واحد في الأعصار السابقة والآتية والحاضرة ، حيث إن معناه معرفة الأحكام بالدليل ولا اختلاف في ذلك بين العصور. نعم ، يتفاوت الاجتهاد في تلك العصور مع الاجتهاد في مثل زماننا هذا في السهولة والصعوبة حيث إن التفقه في الصدر الأوّل إنما كان بسماع الحديث ، ولم تكن معرفتهم للأحكام متوقفة على تعلم اللغة ، لكونهم من أهل اللسان أو لو كانوا من غيرهم ولم يكونوا عارفين باللغة كانوا يسألونها عن الإمام علیه السلام فلم يكن اجتهادهم متوقفاً على مقدمات ، أما اللغة فلما عرفت ، وأمّا حجية الظهور واعتبار الخبر الواحد وهما الركنان الركينان في الاجتهاد فلأجل أنهما كانتا عندهم من المسلّمات. وهذا بخلاف الأعصار المتأخرة لتوقف الاجتهاد فيها على مقدمات كثيرة ، إلاّ أن مجرد ذلك لا يوجب التغيير في معنى الاجتهاد ، فإن المهم مما يتوقف عليه التفقه في العصور المتأخرة إنما هو مسألة تعارض الروايات ، إلاّ أن التعارض بين الأخبار كان يتحقق في تلك العصور أيضاً ، ومن هنا كانوا يسألونهم علیهم السلام عمّا إذا ورد عنهم خبران متعارضان. إذن التفقه والاجتهاد بمعنى إعمال النظر متساويان في الأعصار السابقة واللاّحقة وقد كانا متحققين في الصدر الأول أيضاً. ومن هنا ورد في مقبولة عمر بن

حنظلة : « ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا ... » (1)وفي بعض الأخبار ورد الأمر بالإفتاء صريحاً (2).

فدعوى أن الفقاهة والاجتهاد بالمعنى المصطلح عليه لا عين ولا أثر له في الأعصار السالفة مما لا وجه له. ومعه لا موجب لاختصاص الآية المباركة بالحكاية والإخبار ، لشمولها الإفتاء أيضاً كما عرفت. فدلالة الآية على حجية الفتوى وجواز التقليد مما لا مناقشة فيه.

ومنها : قوله عزّ من قائل ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (3)حيث دلت على وجوب السؤال عند الجهل ، ومن الظاهر أن السؤال مقدمة للعمل فمعنى الآية المباركة : فاسألوا أهل الذّكر لأجل أن تعملوا على طبق الجواب ، لا أن المقصود الأصلي هو السؤال في نفسه لوضوح أنه لغو لا أثر له ، فلا مصحح للأمر به لو لم يكن مقدمة للعمل. فتدلنا الآية المباركة على جواز رجوع الجاهل إلى العالم وهو المعبّر عنه بالتقليد ، وعلى حجية فتوى العالم على الجاهل ، لأنه لو لم يكن قول العالم حجة على السائل لأصبح الأمر بالسؤال عنه لغواً ظاهراً.

ودعوى أن المراد بها وجوب السؤال عنهم حتى يحصل العلم للسائل من أجوبتهم ويعمل على طبق علمه ، وأن معنى الآية : فاسألوا لكي تعلموا فتعملوا بعلمكم ، من البعد بمكان وذلك لأن مثل هذا الخطاب إنما هو لبيان الوظيفة عند عدم العلم والمعرفة فهو في قبال العلم بالحال ، لا أنه مقدمة لتحصيل العلم ، مثلاً يقال : إذا لست بطبيب فراجع الطبيب في العلاج ، فإن المتفاهم العرفي من مثله أن الغاية من الأمر بالمراجعة ، إنما هو العمل على طبق قول الطبيب ، لا أن الغاية صيرورة المريض طبيباً وعالماً بالعلاج حتى يعمل على طبق علمه ونظره ، فقوله راجع الطبيب ، معناه : راجعه لتعمل على نظره لا لتكون طبيباً وتعمل بعلمك.


1) وسائل الشيعة 27 : 136 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 1.

2) كأمره علیه السلام لأبان بن تغلب حيث قال : اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس ... راجع رجال النجاشي ص 7.

3) الأنبياء 21 : 7.

إذن معنى الآية المباركة : أنه إذا لستم بعالمين فاسألوا أهل الذكر للعمل على طبق قولهم وجوابهم ، فلا مناقشة في دلالة الآية المباركة من هذه الجهة.

وقد يتوهم أن تفسير أهل الذكر في الأخبار ، بأهل الكتاب أو الأئمة علیهم السلام ينافي الاستدلال بها على جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم والفقيه في الأحكام.

ويندفع بأن ورود آية في مورد لا يقتضي اختصاصها بذلك المورد ، والآية المباركة قد تضمنت كبرى كليةً قد تنطبق على أهل الكتاب وقد تنطبق على الأئمة علیهم السلام وقد تنطبق على العالم والفقيه ، وذلك حسبما تقتضيه المناسبات على اختلافها باختلاف المقامات ، فإن المورد إذا كان من الاعتقاديات كالنبوّة وما يرجع إلى صفات النبي صلی اللّه علیه و آله فالمناسب السؤال عن علماء أهل الكتاب ، لعلمهم بآثارها وعلاماتها ، كما أن المورد لو كان من الأحكام الفرعية فالمناسب الرجوع فيه إلى النبي صلی اللّه علیه و آله أو الأئمة علیهم السلام وعلى تقدير عدم التمكّن من الوصول إليهم ، فالمناسب الرجوع إلى الفقهاء.

وعلى الجملة ، تضمنت الآية المباركة كبرى رجوع الجاهل إلى العالم المنطبقة على كل من أهل الكتاب وغيرهم ، فالاستدلال بها من تلك الناحية أيضاً مما لا خدشة فيه ، هذا.

ولكن الصحيح أن الآية المباركة لا يمكن الاستدلال بها على جواز التقليد ، وذلك لأن موردها ينافي القبول التعبدي ، حيث إن موردها من الأُصول الاعتقادية بقرينة الآية السابقة عليها وهي ( وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) . وهو ردّ لاستغرابهم تخصيصه سبحانه رجلاً بالنبوة من بينهم فموردها النبوة ويعتبر فيها العلم والمعرفة ولا يكفي فيها مجرد السؤال من دون أن يحصل به الإذعان. فلا مجال للاستدلال بها على قبول فتوى الفقيه تعبداً من دون أن يحصل منها العلم بالمسألة.

الآيات الناهية عن التقليد

ثمّ إن هناك آيات وردت في النهي عن التقليد وذمه كقوله عزّ من قائل ( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) (1)وقوله ( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) (2)وغير ذلك من الآيات إلاّ أنها أجنبية عمّا نحن بصدده ، فإن محل الكلام إنما هو التقليد في الأحكام الفرعية بالإضافة إلى العوام غير المتمكن من تحصيل العلم بالمسألة والآيات المباركة إنما وردت في ذم التقليد في الأُصول ، حيث كانوا يتبعون آباءهم في أديانهم ، مع أن الفطرة قاضية بعدم جواز التقليد من مثلهم ولو في غير الأصول وذلك لأنه من رجوع الجاهل إلى جاهل مثله ومن قيادة الأعمى لمثله ، فالذم فيها راجع إلى ذلك. مضافاً إلى أن الأُمور الاعتقادية يعتبر فيها العلم والمعرفة ولا يسوغ فيها الاكتفاء بالتقليد ، وليس في شي‌ء من الآيات المتقدمة ما يدل على النهي عن التقليد في الفروع عن العالمين بها ، لمن لا يتمكن من العلم بالأحكام.

وأمّا الآيات الناهية عن الظن ، فهي أيضاً كسابقتها في عدم الدلالة على حرمة التقليد لما بيّناه في محلّه من أن النهي في تلك الآيات ليس نهياً مولوياً ، وإنما هو إرشاد إلى ما استقل به العقل ، إذ الظن يقترن دائماً باحتمال الخلاف فالعمل به مقرون باحتمال العقاب لا محالة ، ودفع العقاب المحتمل مما استقل به من العقل ، والنهي في الآيات المباركة إرشاد إليه. ومن ثمة قلنا في محله إن حجية أي حجة لا بدّ من أن تنتهي إلى العلم ، إذ لو لم تكن كذلك لاحتمل معها العقاب والعقل مستقل بلزوم دفعه.

وعلى الجملة ، أن دلالة آية النفر على حجية الفتوى وجواز التقليد مما لا إشكال فيه ، ولا يعارضها شي‌ء من الآيات المباركة.

ومنها : الروايات الدالة على جواز العمل بالتقليد وحجية الفتوى في الفروع ، وهي كثيرة بالغة حدّ التواتر الإجمالي وإن لم تكن متواترة مضموناً. وبها يظهر أن الأدلة


1) المائدة 5 : 104.

2) البقرة 2 : 170.

اللفظية والسيرة والعقل مطبقة على جواز التقليد وحجية فتوى الفقيه. وتلك الأخبار على طوائف :

الاولى : الأخبار المشتملة على إرجاع الناس إلى أشخاص معينين أو إلى عنوان من العناوين المنطبقة عليهم ، كالارجاع إلى العمرى وابنه ، ويونس بن عبد الرحمن وزكريا بن آدم ، ويونس مولى آل يقطين ، والإرجاع إلى رواة حديثهم إلى غير ذلك من الروايات (1)

عبد العزيز بن المهتدي والحسن بن علي بن يقطين جميعاً عن الرضا 7 قال : « قلت : لا أكاد أصل إليك أسألك عن كل ما أحتاج إليه من معالم ديني أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال : نعم ».

عبد العزيز بن المهتدي قال : « قلت للرضا 7 إن شقتي بعيدة فلست أصل إليك في كل وقت ، فآخذ معالم ديني عن يونس مولى آل يقطين؟ قال : نعم ».

علي بن المسيب الهمداني قال : « قلت للرضا 7 : شقتي بعيدة ولست أصل إليك في كل وقت فممن آخذ معالم ديني؟ قال : من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا ».

إسحاق بن يعقوب قال : « سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان 7 أما ما سألت عنه أرشدك اللّه وثبّتك ... إلى أن قال : وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ». وسائل الشيعة 27 : 138 / أبواب صفات القاضي ب 11 ، ح 4 ، 9 ، 27 ، 33 ، 35.

. وحيث إن دلالتها على الإرجاع إلى هؤلاء مطلقة فتشمل ما إذا كان ما يؤدّونه في مقام الجواب ، ما وصل إليه نظرهم من الجمع بين الروايتين المتعارضتين أو حمل المطلق على المقيد أو التمسك بالعام عند الشك في التخصيص أو غير ذلك من أنحاء الاجتهاد والاستنباط ، وما إذا كان جوابهم بنقل الألفاظ الّتي سمعوها عنهم علیهم السلام .

وأظهر منها قوله علیه السلام في رواية إسحاق بن يعقوب : « وأما الحوادث


1) أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن علیه السلام قال : « سألته وقلت : من أُعامل؟ وعمّن آخذ؟ وقول من أقبل؟ فقال : العمري ثقتي فما أدى إليك عني ، فعني يؤدي وما قال لك عني فعني يقول فاسمع له وأطع فإنه الثقة المأمون ». قال : « وسألت أبا محمد علیه السلام عن مثل ذلك فقال : العمري وابنه ثقتان فما أديا إليك عني ، فعني يؤديان وما قالا لك فعني يقولان ، فاسمع لهما وأطعهما فإنهما الثقتان المأمونان ».

الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا » (1)وذلك لأن الحوادث الواقعة قد لا تكون منصوصة فلا يمكن أن يجاب فيها إلاّ بالاجتهاد وإعمال النظر. وأما التعبير فيها برواة الحديث دون العلماء أو الفقهاء ، فلعل السرّ فيه أن علماء الشيعة ليس لهم رأي من عند أنفسهم في قبال الأئمة علیهم السلام فإنهم لا يستندون إلى القياس والاستحسان والاستقراء الناقص وغير ذلك مما يعتمد عليه المخالفون ، وإنما يفتون بالروايات المأثورة عنهم علیهم السلام فهم في الحقيقة ليسوا إلاّ رواة حديثهم.

الثانية : الأخبار المشتملة على الأمر الصريح بافتاء بعض أصحابهم علیهم السلام كقوله لأبان بن تغلب : « اجلس في ( مسجد ) مجلس المدينة وأفت الناس فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك » (2)وقوله لمعاذ بن مسلم النحوي : « بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟ قلت : نعم وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج ، إني أقعد في المسجد فيجي‌ء الرجل فيسألني عن الشي‌ء فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون ، ويجي‌ء الرجل أعرفه بمودّتكم وحبكم فأُخبره بما جاء عنكم ، ويجي‌ء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو فأقول جاء عن فلان كذا ، وجاء عن فلان كذا فادخل قولكم فيما بين ذلك فقال لي : اصنع كذا فإني كذا أصنع » (3).

وهذه الطائفة لا إشكال في دلالتها على جواز الإفتاء في الأحكام ، كما أنها تدلنا على جواز التقليد والرجوع إلى مثل أبان أو معاذ ، إذ لو لم يجز تقليده بأن لم يكن فتواه حجة على السائل لم يكن فائدة في أمرهم علیهم السلام بإفتائه لأنه حينئذ لغو ومما لا أثر له.

الثالثة : الأخبار الناهية عن الإفتاء بغير علم وعن القضاء بالرأي والاستحسان والمقاييس ، وهي كثيرة عنون لها باباً في الوسائل وأسماه باب عدم جواز القضاء والحكم بالرأي والاجتهاد والمقاييس ونحوها من الاستنباطات الظنية في نفس


1) وسائل الشيعة 27 : 140 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 9.

2) المروية في رجال النجاشي ص 7 - 8.

3) وسائل الشيعة 27 : 148 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 36.

بالعمل بقول مجتهد معين وإن لم يعمل بعد ، بل ولو لم يأخذ فتواه ، فإذا أخذ رسالته والتزم بالعمل بما فيها كفى في تحقق التقليد (1).


الأحكام الشرعية (1). وهي تدل على حرمة الإفتاء بمثل القياس والاستحسان وغيرهما مما هو متداول عند المخالفين لأنه من الإفتاء بغير علم ، كما أنها تدل على جواز الإفتاء عن مدرك صحيح كالأخبار المأثورة عنهم علیهم السلام على ما هو المتعارف عند علماء الشيعة ( قدّس اللّه أسرارهم ).

(1) إن من يجوز تقليده إما أن يتحد وإما أن يتعدد ، وعلى الثاني إما أن يتفقوا في الفتوى وإما أن يختلفوا ، وعلى جميع هذه التقادير لا يرجع التقييد بالتعيين في كلامه قدس سره إلى محصل وذلك :

أمّا في صورة الاتحاد ، فلوضوح أنه لا تعدد لمن يجوز تقليده ليجب تعيينه أو لا يجب.

وأمّا عند التعدد مع الاتفاق في الفتوى ، فلما تأتي الإشارة إليه في المسألة الثامنة عشرة من أن الحجية إنما ترتبت على طبيعي فتوى الفقيه على نحو صرف الوجود وهذا ينطبق على القليل والكثير. إذن الحجة هو الجامع بين الفتويين أو الفتاوى سواء تساووا في الفضيلة أم اختلفوا ، فإن حال المقام حال الخبرين إذا دلّ كلاهما على حكم واحد ، حيث إن المجتهد إذا أفتى مستنداً إلى الجامع بينهما ، فقد استند إلى الحجة وإن لم يعيّن أحدهما ، إذ لا دليل على لزوم تعيين المستند بوجه ، بل التعيين أمر غير ممكن لأنه بلا مرجح ، فالحجة هو الجامع بين الروايتين.

وأمّا عند التعدد مع الاختلاف في الفتوى ، فلما يوافيك في المسألة الثالثة عشرة من أن الوظيفة حينئذٍ هو الاحتياط ، لسقوط الفتويين أو الفتاوى عن الحجية بالتعارض فلا حجة ليجب تعيينها أو لا يجب.

هذا كلّه إذا أُريد بالمعيّن ما يقابل المتعدد. وأمّا لو أُريد به ما يقابل المردد فالتقييد صحيح ، إلاّ أنه أمر لا حاجة إليه لأن المردد لا ماهية ولا وجود له ليكون قابلاً للحكم عليه بالحجية أو بغيرها.


1) وسائل الشيعة 27 : 35 / أبواب صفات القاضي ب 6.

[9] مسألة 9 : الأقوى جواز البقاء (1)على تقليد الميت ، ولا يجوز تقليد الميت ابتداء. (1)


اشتراط الحياة في المقلّد

اشارة

(1) قد اختلفوا في اعتبار الحياة في من يرجع إليه في التقليد وعدمه ، على أقوال ثلاثة :

أحدها : جواز تقليد الميت مطلقاً ابتداءً واستدامة. ونسب ذلك إلى الأخباريين ووافقهم من الأُصوليين المحقق القمي قدس سره في جامع الشتات في موردين حيث سئل في أحدهما عن جواز الرجوع إلى فتوى ابن أبي عقيل قدس سره فأجاب بما حاصله : أن الأقوى عندنا جواز تقليد الميت بحسب الابتداء فلا مانع من الرجوع إليه (2). وقال في ثانيهما : إن الأحوط الرجوع إلى الحي (3)، والاحتياط في كلامه من الاحتياط المستحب لافتائه بجواز تقليد الميت ابتداء.

وثانيها : عدم جواز تقليد الميت مطلقاً.

وثالثها : التفصيل بالمنع عن جواز تقليد الميت ابتداءً ، والقول بجوازه بحسب البقاء.

وتحقيق الكلام في هذه المسألة يستدعي التكلم في مقامين :

1 - تقليد الميت ابتداءً
اشارة

ذهبت العامة إلى جوازه ومن ثمّة قلّدوا أشخاصاً معيّنين من أموات علمائهم ، ووقع ذلك عند أصحابنا 5 مورد الكلام ، والمشهور بل المتسالم عليه عندهم عدم الجواز ، ونسب القول بالجواز إلى المحدّثين وإلى الميرزا القمي قدس سره كما مرّ.


1) (*) بل الأقوى وجوبه فيما تعين تقليد الميت على تقدير حياته.

2) جامع الشتات 2 : 420.

3) جامع الشتات 1 : 27.

والصحيح ، أن خلافه كمخالفة المحدّثين غير مانعين عن دعوى التسالم على عدم مشروعية تقليد الميت ابتداءً ، وسرّه أن المحقق القمي إنما جوّز تقليد الميت بحسب الابتداء تطبيقاً للمسألة على مسلكه وجرياً على ما هو الصحيح عنده من انسداد باب العلم بالأحكام ، وأن الامتثال الجزمي وهو الاحتياط متعذر على المكلفين ، وأن العقل يتنزل معه إلى امتثالها ظنا ، لأنّه المقدور في حقهم فالمتعين على المكلفين إنما هو العمل بالظن ، بلا فرق في ذلك بين الظن الحاصل من فتاوى العلماء الأحياء وبين الظن الحاصل من فتاوى أمواتهم.

وهذا فاسد مبنى وبناءً ، أمّا بحسب المبنى ، فلما ذكرناه في بحث الانسداد من أن دعوى انسداد باب العلم بالأحكام فاسدة من أساسها ، حيث إنها تبتني على أحد أمرين على سبيل منع الخلو :

أحدهما : دعوى عدم حجية الظواهر بالنسبة إلى غير المقصودين بالافهام.

وثانيهما : البناء على عدم حجية الخبر الموثوق به. وقد أثبتنا في محله حجية كل من الظواهر والخبر الموثوق به ، وقلنا إن حجية الظواهر غير مختصة بمن قصد إفهامه والخبر الموثوق به كالمقطوع صحته ، فدعوى الانسداد فاسدة مبنى.

وأمّا بحسب البناء ، فلأنا لو سلّمنا انسداد باب العلم كما يراه ، فهذا إنما يقتضي اعتبار الظن على خصوص المجتهد ، لأنه حينئذٍ يجب أن يعمل بظنه الحاصل من الأدلة ، وأما العامّي فلا ، لأنه كيف يحصل له الظن بالحكم الواقعي من فتوى الميت عند مخالفة الإحياء ، بل الأموات أيضاً معه في المسألة ، وبالأخص إذا كان الإحياء بأجمعهم أو بعضهم أعلم من الميت ، والاختلاف في الفتوى بين العلماء مما لا يكاد يخفى على أحد ، ومعه لا يحصل للعامّي أيّ ظن بأن ما أفتى به الميت مطابق للواقع ، وأن فتوى غيره من الأموات والأحياء مخالف له كيف فإنه يحتمل خطأه حينئذٍ.

فالصحيح بناء على هذا المبنى الفاسد ، أن يقال : إن العامّي يجب عليه العمل على فتوى المشهور في المسألة ، لأن فتواهم مفيدة للظن في حقه ، هذا كلّه بالنسبة إلى خلاف المحقق القمي.

وأما مخالفة المحدّثين فهي أيضاً كذلك ، وذلك لأنهم إنما رخّصوا في تقليد الميت

بحسب الابتداء ، بناءً على مسلكهم من إنكار مشروعية التقليد بالكلية ، وأن رجوع العامّي إلى المجتهد إنما هو من باب الرجوع إلى رواة الحديث ، كما في رواية إسحاق بن يعقوب « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا » (1). فالمفتي ينقل الرواية لا أنه يفتي حقيقة حسب رأيه ونظره ، ومن الظاهر أن حجية الرواية وجواز العمل بها لا يتوقفان على حياة الراوي بوجه ، لأنها حجة ويجوز العمل بها كان المحدّث حياً أو ميتاً.

وهذه الدعوى أيضاً فاسدة مبنى وبناءً ، أما بحسب المبنى ، فلما أسلفناه من أن المستفاد من الآيات والروايات أن الرجوع إلى المجتهد إنما هو من أجل أنه أهل الخبرة والاطلاع ، وأن لنظره دخلاً في جواز الرجوع إليه ، لا أنه من جهة كونه راوي الحديث. وقد دلت آية النفر على أن إنذار الفقيه حجة ، ومعناه أن الفقيه بما أنه فقيه وناظر في الأخبار وقد جمع بين متعارضاتها وخصص عموماتها وقيّد مطلقاتها يجوز الرجوع إليه ، فإنه لا يعتبر الفقاهة في الراوي كما مرّ ، فهو من رجوع الجاهل إلى العالم والفقيه ، لا من رجوع العامّي إلى رواة الحديث. فهذه الدعوى غير تامة مبنى.

وأما بحسب البناء ، فلأنا لو سلّمنا أن الرجوع إلى المجتهد من باب الرجوع إلى راوي الحديث ، فلا يمكننا إرجاع العامّي إلى فتوى الميت بعنوان راوي الحديث وذلك لأن كل شخص عامّي أو غيره على علم من أن المسائل الشرعية مورد الخلاف بين العلماء ( قدّس اللّه أسرارهم ) للاختلاف في مداركها وأخبارها ، وبالأخص إذا كان ممن له حظ من العلم وإن لم يبلغ مرتبة الاجتهاد ، لأنه إذا رجع إلى الكتب الفقهية رأى أن للشهيد قولاً وللشيخ قولاً آخر وهكذا ، ومع فرض التعارض في الأخبار لا يجوز للعامّي كالمجتهد أن يرجع إلى شي‌ء من المتعارضات. بل لا بدّ من ملاحظة المرجحات والأخذ بما له مرجح من المتعارضين ، وعلى تقدير تكافئهما يلاحظ أن مقتضى القاعدة هو التساقط أو التخيير. فعلى القول بأن الرجوع إلى المجتهد من الرجوع إلى راوي الحديث ، وفرض عدم المرجح في البين ، والقول بأن القاعدة تقتضي التخيير في المتكافئين ، لا بأس برجوعه إلى فتوى الميت فلا مجوّز للحكم بجواز رجوعه إلى


1) وسائل الشيعة 27 : 140 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 9.

الميت على نحو الإطلاق.

وملخص الكلام : أن مخالفة المحدّثين والمحقق القمي قدس سره ليست مخالفة في المسألة ومحل الكلام ، إذ لعلّها مبتنية على مسلكهما كما مرّ ، وأمّا أن المحقق لو كان بانياً على الانفتاح ، والمحدّثين لو كانوا بانين على أن الرجوع إلى المجتهد من باب الرجوع إلى العالم وأهل الاطلاع ، كانا يجوّزان تقليد الميت ابتداءً فلا علم لنا به ، وكيف كان فلا بدّ من التكلم فيما استدل به على جواز تقليد الميت ابتداءً.

أدلة المثبتين

وقد استدلوا عليه بوجوه :

منها : دعوى أن الآيات والروايات الواردة في حجية فتوى الفقيه غير مقيّدة بحال الحياة ، فمقتضى إطلاق الأدلة عدم الفرق في حجيتها بين الحياة والممات ، لأنها كما تشمل فتوى المجتهد الحي كذلك تشمل فتوى المجتهد الميت ، فالنتيجة هو التخيير لا محالة.

ويدفعه : أن الآيات والروايات على تقدير إطلاقهما وشمولهما فتوى الميت في نفسها لا يمكن التمسك بهما في المقام ، وذلك لما مرّ من أن العلماء أحياءهم وأمواتهم مختلفون في المسائل الشرعية ومع مخالفة فتوى الميت لفتوى الأحياء ، بل مخالفتها لفتوى الأموات بأنفسهم ، لا تشملها الإطلاقات بوجه لعدم شمول الإطلاق للمتعارضين ، هذا.

على أن الأدلة القائمة على حجية فتوى الفقيه وجواز الرجوع إليه لا إطلاق لها من تلك الناحية ليشمل فتوى الميت في نفسها ، وذلك لأنها إنما دلت على وجوب الحذر عند إنذار المنذر والفقيه ، أو على السؤال من أهل الذكر ، أو على الرجوع إلى راوي الحديث أو الناظر في الحلال والحرام ، أو غير ذلك من العناوين الواردة في الأخبار ولا شبهة في أن القضايا ظاهرة في الفعلية ، بمعنى أن قولنا مثلاً : العالم يجب إكرامه ظاهره أن من كان متصفاً بالعلم بالفعل هو الّذي يجب إكرامه ، لا الأعم من المتلبس بالفعل ، ومن انقضى عنه التلبس. إذن مقتضى الأدلة المتقدمة أن من كان متصفاً بالإنذار فعلاً أو بالفقاهة أو العلم أو غيرها من العناوين بالفعل ، هو الّذي يجوز تقليده. ولا إشكال

في أن الميت لا يتّصف بالإنذار أو أهل الذكر أو بغيرهما من العناوين المتقدمة بالفعل ، وإنما كان منذراً أو فقيهاً سابقاً إذ لا إنذار للميت ، ولا أنه من أهل الذكر إلى غير ذلك من العناوين المتقدمة ، وقد عرفت أن الأدلة غير شاملة لمن لم يكن متصفاً بالعناوين المأخوذة في الموضوع بالفعل.

وعلى الجملة ، أن الميت لما لم يكن منذراً أو متصفاً بغيره من العناوين المتقدمة بالفعل ، لم تشمله الأدلة القائمة على حجية فتوى المنذر ، ففتوى الميت خارجة عن مداليل الأدلة رأساً. ولا نريد بذلك دعوى أن الحذر يعتبر أن يكون مقارناً للإنذار وحيث إن هذا لا يعقل في فتوى الميت فإن الحذر متأخر عن إنذاره لا محالة فلا تشمله المطلقات ، بل نلتزم بعدم اعتبار التقارن بينهما قضاءً لحق المطلقات لعدم تقييدها بكون أحدهما مقارناً للآخر.

وإنما ندعي أن فعلية العناوين المذكورة وصدقها بالفعل ، هي المأخوذة في موضوع الحجية بحيث لو صدق أن الميت منذر بالفعل أو فقيه أو من أهل الذكر كذلك ، وجب الحذر من إنذاره وحكمنا بحجية فتواه وإن لم يكن الحذر مقارناً لانذاره ، كما إذا لم يعمل المكلف على طبقة بأن فرضنا أن المجتهد أفتى وأنذر وشمل ذلك زيداً مثلاً ثمّ مات المجتهد قبل أن يعمل المكلف على طبق فتواه ، فإنه حجة حينئذٍ ، لأن إنذاره المكلف إنما صدر في زمان كان المجتهد فيه منذراً بالفعل أي كان منذراً حدوثاً وإن لم يكن كذلك بحسب البقاء ، ويأتي في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت أن هذا كاف في حجية الفتوى ، ومن هنا قلنا إن المقارنة بين الإنذار والحذر غير معتبرة لإطلاق الأدلة من تلك الجهة. وأما إذا لم يصدق المنذر أو الفقيه أو بقية العناوين المتقدمة على الميت ولو بحسب الحدوث كما في التقليد الابتدائي ، نظير فتوى ابن أبي عقيل بالإضافة إلى أمثالنا فلا تشمله المطلقات لأن إنذاره ليس من إنذار المنذر أو الفقيه بالفعل.

ثمّ إن بما سردناه ظهر الجواب عن الأخبار الآمرة بالرجوع إلى أشخاص معيّنين كزكريا بن آدم ، ومحمّد بن مسلم ، وزرارة وأضرابهم حيث إن ظهورها في إرادة الإرجاع إلى الحي غير قابل المناقشة ، لأنه لا معنى للإرجاع إلى الميت والأمر بالسؤال أو الأخذ منه ، وذلك لوضوح أن الإرجاع فيها إنما هو إلى هؤلاء الأشخاص

بأنفسهم ، لا أن الإرجاع إلى فتاواهم ليقاس ذلك بالأخبار ويدعى أن الفتوى كالرواية لا يفرق الحال في حجيتها بين أن يكون المفتي حياً أو ميتاً ، كما هو الحال في راوي الحديث. إذن لا موضوع للإرجاع بعد موتهم فهذا الوجه غير تام.

ومنها : السيرة ، بتقريب أن العقلاء قد جرت سيرتهم على رجوع الجاهل إلى العالم ، ولا يفرّقون في ذلك بين العالم الحي والميت ، ومن هنا لو مرض أحدهم وشخّص مرضه لرجعوا في علاجه إلى القانون وغيره من مؤلفات الأطباء الأموات من غير نكير ، وحيث لم يردع عن هذه السيرة في الشريعة المقدسة فنستكشف أنها حجة وممضاة شرعاً.

ويرد على هذا الوجه : أن جريان السيرة على رجوع الجاهل إلى العالم مطلقاً وإن كان غير قابل للمناقشة ، إلاّ أنها لو لم تكن مردوعة بما يأتي من أن الأدلة الواردة في حجية فتوى الفقيه ظاهرة في فتوى أحيائهم ، لا تقتضي جواز تقليد الميت في نفسها وذلك لما مرّ من أن العامّي فضلاً عن غيره لا تخفى عليه المخالفة بين العلماء الأموات والأحياء في المسائل الشرعية بل بين الأموات أنفسهم ، ومع العلم بالمخالفة لا تشمل السيرة فتوى الميت بوجه ، لأن الأدلة ومنها السيرة غير شاملة للمتعارضين.

ومنها : الاستصحاب ، وذلك للقطع بحجية فتوى الميت قبل موته فإذا شككنا في بقائها على حجيتها وعدمه ، استصحبنا حجيتها وبه يثبت أن العمل على فتوى الميت مؤمّن من العقاب. نعم ، لولا هذا الاستصحاب تعيّن الرجوع إلى فتوى الحي بمقتضى قاعدة الاشتغال لأنها المتيقنة من حيث الحجية ، وهذا بخلاف فتوى الميت للشك في حجيتها بموته.

والجواب عن ذلك : أنا لو أغمضنا عن أنه من الاستصحابات الجارية في الأحكام لوضوح أن الشك إنما هو في سعة الحجية المجعولة وضيقها ، وقد بيّنا في محله عدم جريان الاستصحاب في الأحكام ، وفرضنا أن لنا يقيناً سابقاً بحجية فتوى الميت بالإضافة إلى الجاهل المعدوم في عصره ، بأن بنينا على أن حجية فتوى الميت إنما جعلت في الشريعة المقدسة على نحو القضايا الحقيقية ، وموضوعها الجاهل المقدّر الوجود لتشمل الجاهل الموجود في عصر المجتهد الميت والجاهل المعدوم الّذي سيوجد

بعد موته ، ولم ندّع أن اليقين بالحجية إنما هو بالإضافة إلى الجاهل الموجود في زمانه وإلاّ فلا يقين بحجية فتواه على من يريد تقليده ابتداءً بعد موته ، ولم نناقش بأن الحجية إنما ترتبت على الرأي والنظر ، ولا رأي بعد الممات كما ذكره صاحب الكفاية قدس سره (1)بأن قلنا إن الرأي حدوثه يكفي في حجيته بحسب البقاء ولا يعتبر استمراره في حجيته بعد الممات ، وأغمضنا عمّا هو الظاهر من الأخبار والآيات المتقدّمتين ، من أن الحجة إنما هو إنذار المنذر بالفعل لا من كان منذراً سابقاً وليس بمنذر بالفعل ، كما إذا قلنا إن الرجوع إنما يجب إلى فتوى المجتهد وأقواله ولا يجب الرجوع إلى ذات المجتهد ونفسه ، حتى تنتفي حجيته بموته كما هو الحال في الرواية إذ الحجية إنما تثبت للرواية ولم تثبت للراوي في ذاته ومن هنا لا تسقط عن الحجية بموته.

لم يمكننا المساعدة على جريان الاستصحاب في المقام ، وذلك لأن المراد بالحجية المستصحبة إن كان هو الحجية الفعلية فلا يقين بحدوثها ، لأن المتيقن عدم الحجية الفعلية بالإضافة إلى العامّي المتأخر عن عصر المجتهد الميت ، لوضوح أن الفعلية إنما تتحقق بوجود المكلف العامّي في عصر المجتهد ، والمفروض عدم تحققه فليست فتاوى الميت حجة فعلية على العامّي غير الموجود في عصره لتستصحب حجيتها الفعلية.

وإن أُريد بها الحجية التعليقية ، أعني الحجية الإنشائية فهي وإن كانت متيقنة على الفرض ، إلاّ أنها ليست بمورد للاستصحاب وذلك للشك في سعة دائرة الحجية المنشأة وضيقها وعدم العلم بأنها هي الحجية على خصوص من أدرك المجتهد وهو حي أو أنها تعم من لم يدركه كذلك.

وبعبارة اخرى إنا نشك في أن حجية رأي المجتهد وفتواه مقيدة بحالة حياته أو أنها غير مقيدة بها ، فلا علم لنا بثبوت الحجية الإنشائية بعد الممات ليمكن استصحابها حتى على القول بجريان الاستصحاب في الأحكام ، وذلك لأن الاستصحاب في المقام أسوء حالاً من الاستصحابات الجارية في الأحكام ، لأن تلك الاستصحابات إنما تدعى جريانها في الأحكام بعد تحقق موضوعاتها وفعليتها كحرمة وطء الخائض بعد


1) كفاية الأُصول : 477.

نقائها وقبل الاغتسال ، لأن الحرمة في المثال فعلية بوجود الحائض فعلى القول بجريان الاستصحاب في الأحكام لا مانع من استصحابها للقطع بثبوتها ، وهذا بخلاف المقام لأن الشك فيه إنما هو في سعة الحكم المنشأ وضيقه من دون أن يكون فعلياً في زمان ، ومعه لا يمكن استصحابه لعدم العلم بثبوت الجعل في زمان الشك فيه.

ومن هنا منعنا جريان الاستصحاب في أحكام الشرائع السابقة وعدم النسخ في الشريعة المقدسة ، ولو على القول بجريانه في الأحكام لرجوع الشك حينئذٍ إلى سعة جعل الحكم وضيقه ، وما عن المحدث الأسترآبادي من أن استصحاب عدم النسخ من الضروريات (1)أمر لا أساس له ، فلو وصلت النوبة إلى الشك في النسخ لمنعنا عن جريانه كما عرفت ، إلاّ أنه إنما لا يعتنى باحتماله لإطلاق الأدلة المثبتة للأحكام أو لما دلّ على استمرار أحكام محمد صلی اللّه علیه و آله إلى يوم القيامة.

والمتحصل : أن ما استدل به على جواز تقليد الميت من الابتداء لا يمكن تتميمه بوجه.

أدلة المانعين

وقد استدلوا على عدم جواز تقليد الميت ابتداءً بوجوه :

الأوّل : ما عن جملة من الأعاظم من دعوى الإجماع على عدم الجواز وأن ذلك مما امتازت به الشيعة عن أهل الخلاف ، لأنهم ذهبوا إلى جواز تقليد الأموات ، ومن هنا قلّدوا جماعة منهم في أحكامهم ، ولم تقبل الشيعة ذلك لاشتراطهم الحياة في من يجوز تقليده. وقد بيّنا أن مخالفة المحقق القمي والمحدّثين ليست من المخالفة في محل الكلام وإنما هي مبتنية على مسلكهما الفاسدين ، ولم يظهر ذهابهما إلى جواز تقليد الميت على القول بالانفتاح ، وكون الرجوع إلى المجتهد من الرجوع إلى أهل الخبرة والاطلاع.

وفيه : أن الإجماع المدعى على تقدير تحققه ليس إجماعاً تعبدياً قابلاً لاستكشاف قول المعصوم علیه السلام به ، كما إذا وصل إليهم الحكم يداً بيد عنهم علیهم السلام لاحتمال أن يستندوا في ذلك إلى أصالة الاشتغال أو إلى ظهور الأدلة في


1) الفوائد المدنية : 143.

اشتراط الحياة في من يجوز تقليده أو غير ذلك من الوجوه ، ومعه لا يمكن الاعتماد على إجماعهم ، لوضوح أن الاتفاق بما هو كذلك مما لا اعتبار به ، وإنما نعتبره إذا استكشف به قول المعصوم علیه السلام .

الثاني : أن الأدلة الدالة على حجية فتوى الفقيه ظاهرة الدلالة على اعتبار الحياة في جواز الرجوع إليه ، لظهور قوله عزّ من قائل ( وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ) (1). في إرادة إنذار المنذر الحي ، إذ لا معنى لانذار الميت بوجه. وأمّا صحة حمل المنذر على الكتاب أو النبي صلی اللّه علیه و آله فإنما هي بلحاظ أنهما إنما ينذران بأحكام اللّه سبحانه وهو حي ، ولما ورد « من أن الكتاب حي وأنه يجري مجرى الشمس والقمر » (2)، وكذا قوله ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) (3)لو تمت دلالته على حجية فتوى الفقيه ، وذلك لأن الميت لا يطلق عليه أهل الذكر بالفعل. وقوله : « أما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه » إذ الميت غير متّصف بشي‌ء مما ذكر في الحديث ، فإن لفظة « كان » ظاهرة في الاتصاف بالأوصاف المذكورة بالفعل ، لا الاتصاف بها في الأزمنة السابقة.

وأمّا الأخبار الآمرة بالرجوع إلى أشخاص معيّنين ، فقد تقدم أن ظهورها في إرادة الحي مما لا خدشة فيه ، لأن الميت لا معنى للإرجاع إليه.

وبما ذكرناه يظهر أن السيرة العقلائية المستدل بها على جواز الرجوع إلى الميت بحسب الابتداء مردوعة في الشريعة المقدّسة ، لظهور الأدلّة في اعتبار الحياة في من يرجع إليه في الأحكام وعدم جواز تقليد الميت ابتداء.

ويرد عليه : أن ظهور الأدلة في اشتراط الحياة في من يجوز تقليده وإن كان غير قابل للإنكار ، لما بيّنا من أن كل قضية ظاهرة في الفعلية بالمعنى المتقدم ، إلاّ أنها ليست بذات مفهوم لتدلّنا على حصر الحجية في فتوى الحي من المجتهدين وعدم حجية فتوى أمواتهم ، ومعه يمكن أن تكون فتوى الميت حجة كفتوى الحي ، غاية الأمر أن


1) توبة 9 : 122.

2) تفسير العياشي 1 : 11 / ح 5.

3) النحل 16 : 43.

الأدلّة المتقدمة غير دالة على الجواز ، لا أنها تدل على عدم الجواز ، وبين الأمرين بون بعيد.

وأمّا رواية الاحتجاج « من كان من الفقهاء ... » فهي وإن لم يبعد دلالتها على حصر الحجية في فتوى الفقيه المتصف بالأوصاف الواردة فيها ، إلاّ أنها لضعفها غير صالحة للاستدلال بها كما مرّ. إذن لا يستفاد من شي‌ء من الكتاب والسنة عدم جواز التقليد من الأموات. نعم ، لو كان الدليل منحصراً بهما لم يمكننا الحكم بجواز تقليد الميت لعدم الدليل عليه إلاّ أن الدليل غير منحصر بهما كما لا يخفى. ثمّ إن الأدلة وإن لم تكن لها دلالة على عدم الحجية ، إلاّ أنه ظهر بما قدّمناه أنه لا مجال للاستدلال بإطلاقها على حجية فتوى الميت إذ لا إطلاق لها ، بل الأمر كذلك حتى على تقدير إطلاقها لما عرفت من أنه غير شامل للمتعارضين على ما قدّمنا تقريبه.

الثالث : أن فتوى الميت لو قلنا بحجيتها لا يخلو إما أن نقول باعتبارها ، حتى إذا كان الميت مساوياً في الفضيلة مع الأموات والأحياء ولم يكن أعلم من كلتا الطائفتين وإمّا أن نقول بحجيتها فيما إذا كان الميت أعلم.

أمّا الصورة الأُولى : فالقول فيها بحجية فتوى الميت وجواز الرجوع إليه وإن كان أمراً ممكناً بحسب مرحلة الثبوت على ما التزمت به العامة وقلّدوا أشخاصاً معيّنين من الأموات ، إلاّ أنه لا يمكن الالتزام به بحسب مرحلة الإثبات لقصور الدليل ، وذلك لما تقدم من العلم بالاختلاف بين الأموات أنفسهم فضلاً عن الاختلاف بين الميت والأحياء ، وقد تقدم أن الأدلة غير شاملة للمتعارضين.

وأما دعوى أن المكلف عند تساوي المجتهدين في الفضيلة يتخير بينهما للإجماع الّذي ادعاه شيخنا الأنصاري قدس سره على ما يأتي في محلّه (1). فيدفعها : أن الإجماع على تقدير تسليمه أيضاً غير شامل لفتوى الميت ، لاختصاصه بالمتساويين من الأحياء فإن الأموات قد ادعوا الإجماع على عدم جواز تقليدهم كما مرّ ، ومعه كيف يمكن دعوى الإجماع على التخيير بينهم في أنفسهم أو بينهم وبين الأحياء. على


1) راجع ص 93.

أنّا لا نلتزم بالتخيير بوجه حتى إذا كان كلا المجتهدين حياً فضلاً عمّا إذا كان أحدهما ميتاً كما يأتي عن قريب إن شاء اللّه.

وأمّا الصورة الثانية : أعني ما إذا كان الميت أعلم من الكل فالحكم فيها بجواز الرجوع إليه وإن كان ممكناً بحسب مرحلتي الثبوت والإثبات ، للسيرة العقلائية الجارية على الرجوع إلى قول الأعلم من المتخالفين ، بلا فرق في ذلك بين الحي والميت ، ومن هنا قلنا إنهم إذا شخصوا المرض في المريض لراجعوا في العلاج إلى مثل القانون من الكتب الطبية للأطباء الأقدمين ، وقدّموه على قول غيره من الأطباء الأحياء إذا كان مؤلّفه أعلم ولا يراجعون إلى الحي حينئذٍ ، إلاّ أن السيرة مما لا يمكن الاستدلال بها في المقام ، وذلك لاستلزامها حصر المجتهد المقلد في شخص واحد في الأعصار بأجمعها لأن أعلم علمائنا من الأموات والأحياء شخص واحد لا محالة ، فإذا فرضنا أنه الشيخ أو غيره تعيّن على الجميع الرجوع إليه حسبما تقتضيه السيرة العقلائية ، وذلك للعلم الإجمالي بوجود الخلاف بين المجتهدين في الفتيا ويأتي أن مع العلم بالمخالفة يجب تقليد الأعلم فحسب من دون فرق في ذلك بين عصر وعصر ، وهو مما لا يمكن الالتزام به لأنه خلاف الضرورة من مذهب الشيعة ولا يسوغ هذا عندهم بوجه لتكون الأئمة ثلاثة عشر.

وبهذا تكون السيرة العقلائية مردوعة ، فلا يبقى أي دليل يدل على جواز تقليد الميت إذا كان أعلم من كلتا الطائفتين ، هذا كلّه في المقام الأول وهو تقليد الميت ابتداءً.

2 - البقاء على تقليد الميت
اشارة

والكلام فيه أيضاً يقع في صورتين :

إحداهما : ما إذا احتمل موافقة الميت مع المجتهد الحي في الفتوى ولم يعلم المخالفة بينهما.

وثانيتهما : ما إذا علمت المخالفة بينهما.

أما الصورة الأُولى : فيمكن أن يستدل فيها على جواز البقاء على تقليد الميت بجميع الوجوه المتقدمة في الاستدلال على جواز تقليده بحسب الابتداء.

أدلة المثبتين

الأوّل : الاستصحاب ، أعني استصحاب حجية فتوى الميت قبل موته ، ولا يرد عليه ما أوردناه على استصحابها في تقليده ابتداء ، من أن الحجية الفعلية مقطوعة الخلاف إذ لا وجود للمكلف في عصر المجتهد فضلاً عن عقله وغيره من الشروط وقد مرّ أن الفعلية متوقفة على وجود المكلف في عصر المجتهد ، والحجية الإنشائية على نحو القضية الحقيقية مردّدة بين الطويل والقصير ، والقدر المتيقن منها هي الحجية ما دام الحياة ، وأمّا جعلها لفتوى الميت حتى بعد الممات فهو مشكوك فيه من الابتداء والأصل عدم جعلها زائداً على القدر المتيقن.

والوجه في عدم وروده على استصحاب الحجية في المقام ، أن الحجية المستصحبة إنما هي الحجية الفعلية في محل الكلام لأن العامّي قد كان موجوداً في عصر المجتهد الميت واجداً لجميع الشرائط ، بل قد كان قلّده برهة من الزمان ولكنّا نشك في أن الحجية الفعلية هل كانت مطلقة وثابتة حتى بعد الممات ، أو أنها مقيدة بالحياة فلا مانع من استصحاب حجية فتواه بعد الممات.

وبهذا يتضح أن المستصحب هو الحكم الظاهري أعني حجية فتوى الميت قبل موته ، ومعه ليس هناك أيّ خلل في أركان الاستصحاب لليقين بالحجية الفعلية والشك في بقائها ، وليس المستصحب هو الحكم الواقعي الّذي أفتى به المجتهد حال الحياة ليرد عليه أن الاستصحاب يعتبر في جريانه اليقين بتحقق المستصحب وحدوثه لدى الشك في البقاء ، وهذا في موارد ثبوت المستصحب باليقين الوجداني من الظهور بمكان لأن المكلف حينما يشك في بقاء المستصحب يتيقن من حدوثه بالوجدان ، وكذا في موارد ثبوته بالعلم التعبدي ، كما إذا ثبتت نجاسة شي‌ء بالبينة أو ثبتت نجاسة العصير المغلي بالرواية وشككنا بوجه في بقائها ، فإن لنا حينئذٍ يقيناً في ظرف الشك بحدوث المستصحب وتحققه وإن كان يقيناً تعبدياً ، لوضوح أنه لا فرق في جريان الاستصحاب بين كون اليقين السابق وجدانياً أو تعبدياً ، كما لا فرق من هذه الناحية بين الشبهة الحكمية والشبهة الموضوعية.

وأمّا في موارد استصحاب الحكم الواقعي الثابت بفتوى المجتهد بعد موته فلا يقين

من حدوث المستصحب حينما يشك في بقائه وارتفاعه ، فلو أفتى المجتهد بنجاسة العصير العنبي بالغليان وشككنا فيها بعد موته للشك في حجية فتواه بعد الممات ، لم يكن لنا يقين وجداني لدى الشك من ثبوت النجاسة للعصير بالغليان حال حياة المجتهد ، وهذا أمر ظاهر لا يحتاج إلى البيان والاستدلال ، كما لا يقين تعبدي بنجاسته للشك في حجية فتوى الميت بعد موته ، وحيث إنه شك سار لاحتمال انقطاع حجية فتواه وطريقيتها بالممات ، فلا طريق لنا بالفعل إلى استكشاف نجاسة العصير بالغليان حتى نستصحبها إذا شككنا في بقائها وارتفاعها.

والمتلخص : أن استصحاب الحجية على مسلك المشهور مما لا شبهة فيه. نعم على ما سلكناه من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية لا يمكننا التمسك بالاستصحاب في المقام لأن الشبهة حكمية ، إذ الشك في أن الشارع هل جعل الحجية الفعلية مطلقة أو جعلها مقيّدة بالحياة ، فيكون استصحاب بقاء الحجية الفعلية معارضاً باستصحاب عدم جعل الحجية لفتوى الميت زائداً على القدر المتيقن وهو حال الحياة. إذن لا مجال للاستصحاب ولا بدّ من التماس دليل آخر على جواز البقاء.

الثاني : المطلقات ، لأن آية النفر تقتضي وجوب العمل على طبق إنذار المنذر إذا أنذر وهو حي ، ولم تدل على اختصاصه بما إذا كان المنذر باقياً على الحياة حال العمل بفتواه وإنذاره. وعلى الجملة أنها تدلنا بإطلاقها على أن إنذار الفقيه حجة مطلقاً سواء كان حياً عند العمل به أم لم يكن ، وكذلك آية السؤال والأخبار الآمرة بالأخذ من محمد بن مسلم أو زكريا بن آدم أو غيرهما ، لأنهما إنما دلتا على وجوب السؤال من أهل الذكر أو الأخذ من الأشخاص المعينين ، ولم يدلا على تقييد ذلك بما إذا كان أهل الذكر أو هؤلاء الأشخاص حياً عند العمل بقوله. نعم ، يعتبر أن يكون الأخذ والسؤال كالانذار حال الحياة ، وهو متحقق على الفرض.

فالمتحصل : أن المطلقات شاملة للميت والحي كليهما ، لعدم العلم بمخالفتهما في الفتوى على الفرض وأن مقتضاها جواز البقاء على تقليد الميت.

الثالث : السيرة العقلائية الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم فيما جهله من الحِرف والعلوم والموضوعات وغيرها ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون العالم باقياً على

حياته عند العمل بقوله وعدمه ، لوضوح أن المريض لو رجع إلى الطبيب وأخذ منه العلاج ثمّ مات الطبيب قبل أن يعمل المريض بقوله ، لم يترك العقلاء العمل على طبق علاجه ، وهذه السيرة لم يردع عنها في الشريعة المقدسة لأن ما قدّمناه من الردع يختص بسيرتهم الجارية على الرجوع إلى العالم الميت من الابتداء ، لأنها وإن كانت محرزة كما مرّ إلاّ أن قيام الضرورة على بطلان انحصار المقلد في شخص واحد رادع عنها كما عرفت وهذا لا يأتي في المقام كما ترى ، إذ لا يلزم من البقاء على تقليد الميت محذور الانحصار ، فالأدلة مقتضية لجواز البقاء ولا مانع عنه سوى الإجماع المدعى في كلام شيخنا الأنصاري قدس سره حيث استظهر من كلمات المجمعين وإطلاقها عدم جواز تقليد الميت مطلقاً ولو بحسب البقاء (1)إلاّ أنه غير صالح للمانعية ، وذلك لما عرفت من أنّا لم نعتمد على إجماعهم هذا في تقليد الميت الابتدائي فضلاً عن أن نستدل به على عدم جواز التقليد البقائي ، حيث إن جماً غفيراً ممن منعوا عن تقليد الميت ذهبوا إلى جوازه.

إذن الصحيح في تقليد الميت هو التفصيل بين الابتداء والبقاء فلا يجوز في الأول ويجوز في الثاني ، بل يجب في بعض الصور كما يأتي تفصيله إن شاء اللّه.

بقي أمران

أحدهما : أنه هل يشترط في جواز البقاء على تقليد الميت أو وجوبه ، العمل بفتواه قبل موته أو لا يشترط فيه العمل؟

قد يتوهّم والمتوهم كثير أن الحكم في المسألة يختلف بالاختلاف في معنى التقليد وتفسيره ، فإن قلنا إن التقليد هو الاستناد إلى قول الغير في مقام العمل وأنه لون من ألوانه فلا بدّ من اشتراط العمل في الحكم بجواز البقاء فإن تقليد الميت من دون العمل بفتواه قبل موته من التقليد الابتدائي لا محالة وقد عرفت عدم جوازه. وأمّا إذا فسّرناه بالأخذ أو الالتزام بالعمل بفتوى الغير ، فلا وجه لاشتراط العمل في الحكم بجواز البقاء ، بل يكفي فيه مجرد الالتزام بالعمل قبل موت المجتهد.


1) راجع ص 93.

وهذا التوهم لا يبتني على أساس صحيح فإن مسألتنا هذه غير مبتنية على ملاحظة معنى التقليد بوجه ، حيث إن البقاء على تقليد الميت بهذا العنوان لم يرد في آية أو رواية ليختلف بالاختلاف في معنى التقليد ، وإنما نلتزم بجوازه أو بعدمه من جهة الأدلة المتقدمة المثبتة لأحدهما. إذن لا بدّ من الرجوع إلى ما دلّ على جواز البقاء لنرى أنه هل يدلنا على شرطية العمل أو لا يدل.

فنقول : إن استندنا في الحكم بجواز البقاء على استصحاب الحجية فلا يشترط العمل في جواز البقاء ، لوضوح أن الاستصحاب لا يقتضي هذا الاشتراط حيث إن حجية فتوى المجتهد قبل موته غير مشروطة بالعمل ، لأنها تتصف بالفعلية بمجرّد تحقق موضوعها ، وهو المكلف بما له من الشروط من العقل والبلوغ وغيرهما ، سواء عمل بها المكلف أم لم يعمل ، ومع الشك في أن تلك الحجية مطلقة أو مقيدة بالحياة نستصحب حجيتها الفعلية بعد الممات.

وكذلك إذا كان المستند هو الإطلاقات أو السيرة العقلائية ، لأن مقتضى إطلاق الأدلة أن إنذار المنذر الحي أو قول أهل الذكر أو غيرهما من العناوين حجة على المكلف ، عمل به ما دام المنذر حياً أم لم يعمل به ، كما أن مقتضى السيرة أن الجاهل يجوز أن يرجع إلى العالم ويعمل على طبق قوله ونظره ، سواء سبق منه العمل بقوله في حياته أم لم يسبق. إذن التحقيق أن جواز البقاء على تقليد الميت أو وجوبه لا يشترط فيه العمل برأيه في حياته.

وثانيهما : أن البقاء على تقليد الميت هل يشترط في جوازه أو وجوبه أن يكون المقلّد ذاكراً لفتواه بعد موته ، بحيث لو نسيها حينئذٍ بعد ما أخذها وتعلّمها لم يجب أو لم يجز له البقاء ، أو أن الذكر كالعمل غير معتبر في جواز البقاء أو وجوبه؟ الصحيح اعتبار الذكر في البقاء ، وذلك لأن بالنسيان ينعدم أخذه السابق ورجوعه إلى الميت قبل موته لأنه لا يترتّب معه أثر عليهما ، فإن المقلّد حينئذٍ إنما يعلم أن الميت أفتى في مسألة العصير مثلاً إما بنجاسته على تقدير غليانه أو بطهارته ، وهو كالعلم الإجمالي بأن الحكم الواقعي إمّا هو الحرمة أو الإباحة ليس بمورد للأثر بل يحتاج إلى رجوع جديد ، وجواز الرجوع إلى الميت حينئذٍ يحتاج إلى دليل لأنه تقليد ابتدائي من

الميت ، ولا فرق بين الرجوع إليه وبين الرجوع إلى غيره من المجتهدين الأموات من الابتداء ، حيث إن كليهما رجوع إلى المجتهد بعد الموت وهو المعبّر عنه بالتقليد الابتدائي ، وقد تقدم عدم جوازه. ومعه يشترط في جواز البقاء على تقليد الميت أو وجوبه أن لا يكون المقلّد ناسياً لفتوى الميت ، هذا كلّه في الصورة الأُولى.

وأمّا الصورة الثانية : أعني ما إذا علمنا بالمخالفة بين المجتهد الميت والحي الّذي يسوغ الرجوع إليه في الفتوى ، فلا شبهة في أن العمل بما هو الموافق منهما للاحتياط مؤمّن من العقاب سواء أكان فتوى الميت أم الحي ، كما إذا أفتى أحدهما بالوجوب والآخر بالإباحة. وأمّا إذا فرضنا أن كلتا الفتويين على خلاف الاحتياط أو أن كلتيهما على وفق الاحتياط من جهة وعلى خلافه من جهة أُخرى ، فلا يخلو إما أن لا يعلم أعلمية أحدهما علم تساويهما أيضاً أم لم يعلم وإمّا أن يعلم أعلمية الميت من الحي أو العكس :

أمّا الصورة الاولى : أعني ما إذا لم يعلم أعلمية أحدهما مع العلم بمخالفتهما في الفتوى ، فلا يكاد أن يشك في أن الفتويين ساقطتان حينئذٍ عن الاعتبار لأن الإطلاقات كما مرّ غير شاملة للمتعارضين ، فلا حجية لفتوى الميت ولا الحي ومعه يتعيّن على المكلف الاحتياط ، لأن الأحكام الواقعية متنجزة في حقه ولا يمكنه الخروج عن عهدتها إلاّ بالاحتياط ، هذا إذا تمكن من الاحتياط.

وأمّا إذا لم يتمكّن من الاحتياط إما لدوران الأمر بين المحذورين وإمّا لعدم سعة الوقت للاحتياط ، كما إذا أفتى أحد المجتهدين بوجوب القصر في مورد وأفتى الآخر بوجوب التمام فيه ولم يسع الوقت للجمع بين القصر والتمام ، فهل حينئذٍ يجب الرجوع إلى أحدهما المعيّن لحجية نظره في حقه ، أو أن كلتا الفتويين ساقطتان عن الحجية كما في الصورة المتقدمة والوظيفة هو الامتثال الاحتمالي وهو العمل على طبق إحداهما مخيّراً لأن المكلف إذا لم يتمكن من الامتثال الجزمي في مورد تنزّل العقل إلى الامتثال الاحتمالي؟

الأخير هو الصحيح ، لعدم دلالة الدليل على حجية إحداهما المعيّنة بعد سقوط الإطلاقات عن الحجية بالمعارضة ، ومعه يتنزل العقل إلى الامتثال الاحتمالي لأنه

الميسور للمكلف ، وهذا هو التخيير في مقام الامتثال لا أنه من التخيير في المسألة الأصولية لمكان حجية إحداهما شرعا.

وأمّا الصورة الثانية : أعني ما إذا علمنا أعلمية أحدهما ، فالمتعين هو الرجوع إلى أعلمهما سواء كان هو الميت أم الحي ، وذلك لأن الإطلاقات وإن لم تشمل شيئا من فتواهما للمعارضة ، إلاّ أن السيرة العقلائية قد جرت على الرجوع إلى الأعلم من المتعارضين بلا فرق في ذلك بين الأعلم الحي والميت ، ولم يردع عنها في الشريعة المقدّسة. إذن لا مناص في المقام من التفصيل بين ما إذا كان الميت أعلم من الحي فيجب البقاء على تقليده ، وما إذا كان الأعلم هو الحي فلا يجوز البقاء على تقليد الميت.

هذا إذا لم تجر سيرة العقلاء على العمل بالاحتياط عند العلم بأعلمية أحد المجتهدين المتخالفين في الفتوى ، أو لم نحرز سيرتهم وإلاّ فالمتعين هو العمل على طبق الاحتياط ، هذا إذا علمت المخالفة بينهما أو لم تعلم.

وأما لو علمنا بموافقة المجتهد الميت مع الحي فلا يترتب أثر عملي على البحث عن جواز البقاء على تقليد الميت ، لوضوح أن العمل الصادر على طبق الفتويين محكوم بالصحة مطلقا ، قلنا بجواز البقاء على تقليد الميت أم لم نقل. اللّهُمَّ إلاّ على القول بوجوب الاستناد إلى الحجة في مقام الامتثال ، كما ذهب إليه شيخنا الأستاذ قدس سره حيث ذكر أن الحجج لا يكاد تتصف بالحجية بوجودها الخارجي وإنما تكون الحجة حجة فيما إذا استند إليها المكلف في عمله (1). وعليه لو قلنا بجواز البقاء على تقليد الميت جاز الاستناد إلى فتواه لا محالة ، بحيث لو استندنا إليها وكان الحكم الواقعي على خلافها لم نستحق العقاب على مخالفته لاستنادنا إلى الحجة على الفرض كما إذا لم نقل بجواز البقاء لم يجز الاستناد إلى فتوى الميت لعدم كونها معذّرة وحجة على الفرض وعلى ذلك ينبغي التكلم في موردين :

1 جواز البقاء على تقليد الميت عند العلم بموافقته مع الحي.

2 أن الاستناد إلى الحجة أمر لازم أو لا دليل على لزومه.


1) أجود التقريرات 2 : 70.

أمّا المورد الأول : فقد اتضح مما سردناه في المقام جواز البقاء على تقليد الميت عند العلم بموافقته مع الحي ، لأن الإطلاقات تشمل حينئذ فتوى كل من الحي والميت كما أنها تشمل كل حجتين متوافقتين كالبينتين الموافقتين في المفاد أو الروايتين المتحدتين في المدلول ، وإنما منعنا عن شمولها لهما عند العلم بمخالفتهما في الفتوى للتعارض المفروض عدمه في المقام ، ومع شمول أدلة الاعتبار فتوى كليهما لا موجب للمنع عن جواز البقاء على تقليد الميت بوجه.

وأمّا المورد الثاني : فالتحقيق أن الحجة لا دليل على لزوم الاستناد إليها في مقام الامتثال والوجه فيه أن الأثر المترتب على الحجية أمران :

أحدهما : تنجيز الواقع.

ثانيهما : التعذير عن مخالفته.

أمّا المنجزية ، فلم يناقش شيخنا الأستاذ قدس سره ولا غيره في أن الواقع إنما يتنجز بوجود الحجة ، وكونها في معرض الوصول بحيث لو فحص عنها المكلف لظفر بها ، ولا يتوقف كونها منجزة بعلم المكلف بها فضلا عن استناده إليها ، فإنها منجزة للواقع علم بها المكلف أم لم يعلم ، بحيث لو لم يعمل على طبقها استحق العقاب على مخالفة التكليف المنجّز في حقه بقيام الحجة عليه ، ومن ثمة قلنا بوجوب الفحص في الشبهات الحكمية لأن احتمال وجود الحجة في الواقع على نحو لو فحص عنها ظفر بها كاف في تنجز الواقع واستحقاق العقاب على مخالفته ، لوضوح أن العقاب مع كون الحجة في معرض الوصول ليس عقابا بلا بيان وإنما هو من العقاب مع البيان.

وأما التعذير فالأمر فيه أيضا كسابقه ، لأنا إذا منعنا عن البقاء على تقليد الميت ووجب على العامّي أن يراجع الحي وكان فتواهما على إباحة فعل وهو واجب واقعاً وتركه المكلف لا عن استناد إلى فتوى الحي بالإباحة بل لاشتهاء نفسه ورغبته مع العلم بقيام الحجة على الإباحة ، فهل يصح عقابه على مخالفته الواقع أو أن العلم بقيام الحجة على الإباحة يكفي في جواز الارتكاب وإن لم يستند إليها في مقام العمل؟

لا ينبغي التردد في عدم صحة عقابه لأنه بلا بيان بل هو من العقاب مع بيان العدم وهو أقبح من العقاب من دون بيان ، نعم إذا لم يعلم بافتائهما على الإباحة وتركه

[10] مسألة 10 : إذا عدل عن الميت إلى الحيّ لا يجوز له العود إلى الميت (1).


المكلف لاشتهاء نفسه استحق العقاب على مخالفة الواقع لمكان أنه منجز في حقه ولم يستند في مخالفته إلى مؤمّن فإن الأمن من العقاب إنما يحصل بالاستناد إلى الحجة أو العلم بقيامها على الإباحة ، هذا كلّه فيما إذا كانت فتواهما أو فتاوى المجتهدين المتعددين على خلاف الاحتياط.

وأمّا إذا كانت على وفق الاحتياط كما إذا أفتيا بوجوب السورة في الصلاة وأتى بها المكلف من باب الاحتياط لا الاستناد إلى فتواهما ، فلا إشكال في صحة عمله لأنه عمل بالاحتياط وموجب للقطع بالامتثال وإن لم يستند في عمله إلى شي‌ء من الحجتين أو الحجج ، إلاّ أنه خارج عن محل الكلام إذ البحث إنما هو في لزوم الاستناد عند اتفاق فتوى الميت والحي أو الفتاوى ، فالعمل بالاحتياط أجنبي عمّا نحن بصدده.

والمتحصل : أن الاستناد إلى الحجة لا دليل على لزومه ، سواء علمنا بالموافقة بين الحي والميت أو المجتهدين المتعددين أم لم نعلم بالوفاق أو علمنا بالخلاف.

إذن لا أثر للبحث عن جواز البقاء على تقليد الميت عند العلم بموافقتهما. نعم ، لو قلنا بعدم جواز البقاء على تقليد الميت واستند المكلف في عمله إلى فتواه ، كان هذا تشريعاً محرّماً لأنه إسناد للحجية إلى ما لم يعتبره الشارع حجة وقابلاً للاستناد إليه وهذا بخلاف ما إذا جوزنا البقاء إلاّ أنه أمر آخر غير راجع إلى التقليد في محل الكلام.

ثمّ إن بما سردناه في تقليد الميت بحسب البقاء يظهر الحال في تقليده بحسب الابتداء عند العلم بموافقته مع الحي ، لأنه أيضاً لا يترتب عليه ثمرة إلاّ على القول بلزوم الاستناد إلى الحجة في مقام الامتثال وقد تقدم فساده.

أحكام العدول

(1) والوجه في ذلك : أن التقليد عند الماتن قدس سره هو الالتزام فإذا عدل المكلف عن الميت إلى الحي فقد رفع يده عن التزامه وأبطل تقليده من الميت فكأنه لم يراجع إليه من الابتداء ، ومعه لو عدل من الحي إلى الميت كان هذا تقليداً ابتدائياً من الميت ، وهو ممنوع كما مرّ.

[11] مسألة 11 : لا يجوز العدول عن الحي إلى الحي إلاّ إذا كان الثاني أعلم (1).


وفيه : أن مسألة البقاء على تقليد الميت ليست واردة في آية أو رواية حتى يلاحظ أن معناه الالتزام ، كي يترتب عليه عدم جواز العدول إلى الميت في المقام أو أنه بمعنى العمل حتى يجوز فلا يختلف حكم المسألة بالاختلاف في معنى التقليد ، هذا.

وقد يقال : إن الوجه في عدم جواز العدول إلى الميت قاعدة الاشتغال ، لأن الأمر في المقام يدور بين التعيين والتخيير ، إذ الشك في أن فتوى الحي حجة تعيينية أو تخييرية لاحتمال أن تكون فتوى الميت أيضاً حجة ، والعقل يستقل حينئذٍ بلزوم الأخذ بما يحتمل تعيّنه لأنه مقطوع الحجية والآخر مشكوك الاعتبار ، والشك في الحجية يساوق القطع بعدمها.

ويرد عليه : أن هذا إنما يتم فيما إذا كان المجتهد الحي أعلم من الميت. وأمّا لو فرضنا أن الميت أعلم من الحي مع العلم بالمخالفة بينهما ، فلا يحتمل تعين فتوى الحي عليه بل الأمر بالعكس لاحتمال تعيّن البقاء على تقليد الميت الأعلم ولا أقل من تساويهما في الاحتمال ، فأين هناك دوران الأمر بين التعيين والتخيير؟

ولو فرضنا تساوي الميت والحي مع العلم بالمخالفة بينهما ، فمقتضى القاعدة سقوط فتواهما عن الاعتبار للمعارضة ولا يبقى معه أيضاً لدوران الأمر بين التعيين والتخيير مجال. فالصحيح أن يلاحظ حال العدول فإن كان عدول المكلف إلى الحي عدولاً صحيحاً شرعياً ، لم يكن أي مسوغ للعدول عنه إلى الميت حالئذٍ فإن صحة العدول إنما تكون في موردين :

أحدهما : فيما إذا كان الحي أعلم من الميت.

وثانيهما : فيما إذا كان الميت أعلم إلاّ أن المكلف نسي فتواه.

إذ معه لا مسوّغ للبقاء على تقليد الميت والمفروض أن عدوله إلى الحي صحيح ومع فرض صحة العدول لا مجوّز بوجه للعدول عنه إلى تقليد الميت. نعم ، إذا لم يصح عدوله إلى الحي لأن الميت أعلم أو لأن المكلف ذاكر لفتواه فلا مناص من أن يعدل إلى الميت ، ولا يضرّه الرجوع إلى الحي حينئذٍ لأنه كالعدم لبطلانه شرعاً.

(1) إذا قلّد المكلّف مجتهداً ثمّ أراد العدول عن تقليده إلى مجتهد آخر ، فإن كان

ذلك المجتهد الّذي يريد العدول إلى تقليده أعلم ممن كان يقلّده أولاً ، جاز له البقاء على تقليد المجتهد الأول كما جاز له العدول إلى من هو أعلم منه وذلك لعدم العلم بالمخالفة بينهما في الفتوى ، ويأتي أنه إذا لم يعلم المخالفة بين فتوى الأعلم وغير الأعلم جاز تقليد غير الأعلم ولا يجب الفحص عن المخالفة بينهما ، على ما يأتي بيانه إن شاء اللّه. (1)نعم ، إذا عدل ثمّ علم بالمخالفة بينهما لم يجز له أن يرجع إلى الأول ، لأنه يشترط في جواز تقليد غير الأعلم عدم العلم بالمخالفة بينه وبين الأعلم في الفتوى.

وأما إذا كان المجتهد الثاني مساوياً في الفضيلة مع المجتهد الأول ، فأيضاً يتخير المكلف بين البقاء على تقليد الأول وبين الرجوع إلى الثاني لعدم العلم بالمخالفة بينهما وأما لو عدل ثمّ التفت إلى المخالفة بينهما ، أو علم بالمخالفة قبل العدول فبناءً على ما يأتي من أن القاعدة تقتضي التساقط حينئذٍ ، لم يجز البقاء على تقليد المجتهد الأول ولا الرجوع إلى المجتهد الآخر لسقوط فتواهما عن الحجية بالمعارضة ، وأما على المسلك المشهور من أن القاعدة تقتضي التخيير عند تعارض الحجتين ، فيقع الكلام في المقام في أن التخيير هل هو استمراري وقتئذ بمعنى أن المكلف يتخير بين البقاء على تقليد المجتهد الأول والرجوع إلى المجتهد الآخر كما كان مخيراً بينهما حدوثاً فلا مانع من العدول عن الحي إلى الحي ، أو أن التخيير ابتدائي فحسب فلا يجوز العدول من الحي إلى الحي. والتكلم على ذلك وأن التخيير استمراري أو ابتدائي وإن كان لا يناسبه ما اخترناه من التساقط إلاّ أنّا نتعرض له تتميماً للفائدة.

حكم التخيير عند تساوي المجتهدين

ذهب جماعة إلى عدم جواز العدول عن الحي إلى الحي ، بل عن غير واحد حكاية الإجماع عليه واختاره شيخنا الأنصاري قدس سره في رسالة الاجتهاد والتقليد (2)وعن المحقق والشهيد الثانيين التصريح بجوازه تبعاً للمحكي عن النهاية وعليه بنى بعض مشايخنا المحققين ( قدّس اللّه أسرارهم ) (3).


1) راجع ص 133.

2) الاجتهاد والتقليد : 65.

3) الاجتهاد والتقليد ( الأصفهاني ) : 148.

واستدلّ للجواز بوجهين.

أدلة القول بجواز العدول

أحدهما : الإطلاقات ، لأن ما دلّ على حجية فتوى المجتهد وجواز الأخذ بها غير مقيد بما إذا لم يرجع إلى غيره ، فمقتضى الإطلاق حجية فتوى المجتهد وإن أخذ العامّي بفتوى غيره ، هذا.

وفيه : أنّا قد تعرضنا لحال التمسك بالإطلاق في التكلم على التعادل والترجيح (1)وبيّنا أن الإطلاق غير شامل للمتعارضين لأنه يستلزم الجمع بين المتنافيين ، ولا أنه يشمل أحدهما المعيّن دون الآخر لأنه بلا مرجح ، ولا لأحدهما غير المعين لما سيأتي من أن الحجية التخييرية مما لا يمكن المساعدة عليه (2).

وثانيهما : الاستصحاب ، وذلك لأن المكلف قبل الأخذ بفتوى أحدهما كان مخيّراً بين الأخذ بهذا أو بذاك ، لفرض أن المجتهدين متساويان وفتوى كل منهما واجدة لشرائط الحجية ، فإذا رجع إلى أحدهما وشككنا لأجله في أن فتوى الآخر باقية على حجيتها التخييرية أو أنها ساقطة عن الاعتبار ، حكمنا ببقاء حجيتها التخييرية بالاستصحاب ، ومقتضى ذلك أن المكلف مخيّر بين البقاء على تقليد المجتهد الأول والعدول إلى المجتهد الّذي يريد العدول إليه.

وهذا الاستدلال يمكن المناقشة فيه من جهات :

الجهة الاولى : أن الاستصحاب ، على ما بيّناه في محله (3)يعتبر في جريانه اتحاد القضية المتيقنة والمشكوك فيها ، ولا يتحقق هذا إلاّ ببقاء الموضوع فيه ، ولم يحرز بقاؤه في المقام ، وذلك لأن الحكم بالتخيير إن قلنا إن موضوعه من لم يقم عنده حجة فعلية فلا شبهة في أن ذلك يرتفع بالأخذ بإحدى الفتويين لأنها صارت حجة فعلية


1) مصباح الأُصول 3 : 366.

2) راجع ص 132.

3) مصباح الأُصول 3 : 227.

بأخذها ، فلا موضوع لاستصحاب التخيير وهو ظاهر ، وإن قلنا إن موضوعه من تعارض عنده الفتويان ، نظير من تعارض عنده الخبران أو جاءه حديثان متعارضان الّذي هو الموضوع للحكم بالتخيير في تعارض الروايتين على القول به ، فهو أمر يرتفع بالرجوع إلى إحدى الفتويين. فلو شككنا بعد ذلك في بقاء الحكم بالتخيير وارتفاعه لم يكن مانع من استصحابه بوجه ، ولكنا لم نحرز أن الموضوع أيهما حيث إن مدعي التخيير في المسألة إنما يروم إثباته بالإجماع أو السيرة وهما دليلان لبيان وليسا من الأدلة اللفظية ، لنستظهر أن موضوع الحكم فيها مَن تعارض عنده الفتويان كما استظهروا ذلك في تعارض الروايتين وقالوا إن مقتضى الروايات أن موضوع الحكم بالتخيير مَن جاءه حديثان متعارضان ، أو تعارض عنده الخبران وهذا باق بحاله قبل الأخذ بأحدهما وبعده ، بحيث لو لم يكن لتلك الروايات عموم أو إطلاق مثبت للتخيير بعد الأخذ بأحدهما أمكننا استصحابه لبقاء موضوعه. وهذا بخلاف المقام لدوران الموضوع فيه بين ما هو مقطوع البقاء وما هو مقطوع الارتفاع. وقد ذكرنا غير مرة أن في مثله لا مجال للاستصحاب بالكلية لأنه لا يجري في الموضوع ولا في حكمه ، أمّا عدم جريانه في الحكم فلأجل الشك في بقاء موضوعه ، وأما عدم جريانه في الموضوع فلأجل أن استصحابه بوصف أنه كذلك عبارة أُخرى عن استصحاب الحكم نفسه ، وأما ذاته لا بوصف أنه موضوع فهو ليس بمورد للاستصحاب فإنه لا شك فيه ، حيث إنه مقطوع البقاء أو مقطوع الارتفاع.

الجهة الثانية : أن الاستصحاب إن تمّ فإنما يتم فيما إذا كانت الحالة السابقة هو التخيير ، ولا يتم فيما إذا كان المجتهد الأول أعني من يريد العدول عنه أعلم ممن يريد العدول إليه ، إلاّ أنه ترقي متدرجاً حتى بلغ مرتبة المجتهد الأول وساوى معه في الفضيلة ، لأنا إذا شككنا حينئذٍ في تعين البقاء على تقليد الأول وجواز الرجوع إلى المجتهد الثاني ، لم يمكننا استصحاب التخيير بوجه إذ ليست له حالة سابقة لتستصحب بل الحالة السابقة هو التعيين لما فرضناه من أنه أعلم من المعدول إليه. إذن الاستدلال بالاستصحاب أخص من المدعى.

الجهة الثالثة : أن الاستصحاب غير تام في نفسه ، لأنه من الاستصحابات الجارية

في الأحكام وقد بيّنا غير مرّة أن الأحكام الكلّية ليست مورداً للاستصحاب لابتلائه بالمعارض دائماً على ما قرّرناه في محلّه.

الجهة الرابعة : أنّا لو أغمضنا عن ذلك وبنينا على جريان الاستصحاب في الأحكام أيضاً لم يكن مجال لاستصحاب التخيير في المقام ، لأنه مبتلى بالمعارض وهو استصحاب الحجية الفعلية للفتوى المأخوذ بها وتوضيحه :

أن الحجية التخييرية لا معنى محصل لها ، حيث إن الحجة بمعنى الطريقية والوسطية في الإثبات أعني جعل ما ليس بعلم علماً تعبداً ، إذن ما معنى كون الحجة تخييرية؟ فإن أُريد بها أن الجامع بين ما أدى من الأمارات إلى حرمة شي‌ء وما أدى إلى وجوبه قد جعل علماً تعبداً وطريقاً مستكشفاً عن الواقع على ما ذكرناه في الواجبات التخييرية وقلنا إن الواجب التخييري هو الجامع بين الفعلين والخصوصيات الفردية أو النوعية كلّها خارجة عن حيّز الطلب إلاّ أن المكلف له أن يطبقه على هذا وذاك ، فهو وإن كان أمراً معقولاً في نفسه إلاّ أنه في الحجية مما لا محصّل له ، فإن اعتبار الطبيعي الجامع بين ما دلّ على وجوب شي‌ء وما دلّ على حرمته ، علماً تعبداً وحجة كاشفة عن الواقع معناه أن الجامع بين المتنافيين قد جعل طريقاً إلى الواقع ، ولا معنى لجعل الجامع بين الضدّين مثلاً طريقاً وكاشفاً عن الواقع فلا معنى للحجية التخييرية ، اللّهُمَّ إلاّ أن يرجع إلى إيكال أمر الحجية إلى اختيار المكلف بأن يتمكن من أن يجعل ما ليس بحجة حجة بأخذه فتوى أحد المتساويين ، لأنه حينئذٍ قد جعل الفتوى المأخوذ بها حجة فعلية وطريقاً إلى الواقع بعد ما لم يكن كذلك ، والحجية التخييرية بهذا المعنى صحيحة إلاّ أنها ليست مورداً للاستصحاب لابتلائه بالمعارض ، وذلك لأن فتوى أحد المتساويين إذا اتصفت بالحجية الفعلية لأخذ المكلف بها ، وشككنا في أن فتوى المجتهد الآخر هل يجوز الأخذ بها أو لا يجوز جرى هناك استصحابان متعارضان ، أحدهما : استصحاب جواز الأخذ بفتوى المجتهد الآخر الّذي نشك في جواز الأخذ بها بقاءً ، لأنه مسبوق بالجواز على الفرض. وثانيهما : استصحاب حجية ما اتصف بالحجية الفعلية بالأخذ به ، لأن الأصل عدم سقوطه عن الحجية بالرجوع إلى المجتهد الآخر ، فاستصحاب بقاء التخيير بالنسبة إلى ما لم يأخذ به قبل ذلك

معارض باستصحاب بقاء الحجية الفعلية فيما أخذ به.

وأما ما عن شيخنا الأنصاري قدس سره من أن استصحاب الحجية التخييرية حاكم على استصحاب بقاء الحجية في أحدهما المعين (1)فمما لا يمكن المساعدة عليه ، لما عرفت من أن الحجية التخييرية لا معنى لها سوى إيكال أمر الحجية إلى اختيار المكلف ، بأن تتصف الفتوى بالحجية الفعلية بأخذها ، ومن الظاهر أن عدم الحجية الفعلية بهذا المعنى ليس من الآثار الشرعية المترتبة على بقاء الحجية التخييرية ليكون استصحابها حاكماً على استصحاب بقاء الحجية التعيينية ، وإنما هو من الآثار العقلية الّتي لا يترتب على الاستصحاب بوجه ، هذا.

والصحيح أن استصحاب الحجية التخييرية غير جار في نفسه ، لأنه بمعنى استصحاب الحجية الشأنية أعني الحجية على تقدير الأخذ بها ، وهو من الاستصحاب التعليقي ولا نقول به حتى إذا قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية في موارد الأحكام التخييرية ، ومع عدم جريان الاستصحاب إذا شككنا في حجية فتوى المجتهد الّذي يريد العدول إليه لا مناص من الحكم بعدم حجيتها لأن الشك في الحجية يساوق القطع بعدمها ، هذا.

ثمّ إن لشيخنا المحقق قدس سره كلاماً في المقام وحاصله : أن مقتضى حجية الطرق والأمارات على الطريقية كما هي الأصح ، أن تكون فتوى المجتهد منجّزة للواقع على تقدير الإصابة ومعذّرة عنه على تقدير الخطأ ، وإذا فرضنا أن الفتويين متعارضتان لم يكن معنى لكونهما منجّزتين لعدم احتمال الإصابة في كلتيهما وإنما هي تحتمل في إحداهما. نعم ، لا مانع من أن تكونا معذّرتين ومبرئتين للذمة معاً ، لأن التعارض إنما يمنع عن تصديق دليل الحجية من حيث منجزيتهما للواقع ، إذ لا واقع فيهما ولا يمنع عن تصديقه من حيث معذّريتهما بوجه ، ومعنى ذلك أن الشارع جعلهما معذّرتين تخييراً أي اقتنع عن الواقع بموافقة أحدهما مع دوران عقاب الواقع على مخالفتهما معاً ، وهذا المعنى من الحجية مما لا بدّ من الالتزام به في المقام ، للإجماع والعلم بعدم خروج وظيفة المكلف عن إحدى الفتويين ، وعدم تساقطهما والرجوع إلى غير


1) رسالة في الاجتهاد والتقليد : 87.

فتوى المجتهد ، والمفروض أن الطريق للمقلّد منحصر في اتباع فتوى المجتهد. بل يمكن استفادة ذلك من نفس دليل الحجية لما عرفت من أن التعارض لا يمنع إلاّ عن تصديقه من حيث المنجّزية ، ولا يمنع عن تصديق دليل الحجية من حيث معذّريتهما معاً. فعلى ما ذكرناه من أن الفتويين قد جعلهما الشارع حجتين تخييراً بالمعنى المتقدم إذا شكّ المكلّف بعد العمل بإحدى الفتويين في أن ما أخذ به هل تعيّن في حقه أم أن كلا منهما باقية على ما كانت عليه من المنجّزية والمعذّرية ، كان مقتضى الاستصحاب بقاءهما على تلك الصفة المجعولة وهي الحجية التخييرية بالمعنى الّذي عرفت.

ومن هذا يتضح أن استصحاب الحكم الّذي أخذه المكلف قبل ذلك لا يوجب تعينه عليه ، لوضوح أنه كان ثابتاً من الابتداء ولم يكن ثبوته مانعاً عن ثبوت الآخر فكيف يمنع عن ثبوته بقاء ، فاستصحاب الحجية الفعلية لقول المجتهد الأول لا ينافي استصحاب الحجية التخييرية لفتوى المجتهد الآخر ، فإن حال الحكمين بحسب البقاء حالهما بحسب الحدوث ، ومعه لا حاجة إلى ما أفاده الشيخ الأجل قدس سره من أن استصحاب الحجية التخييرية حاكم على استصحاب الحكم المختار. بل بناء على الطريقية ليس هناك حاكم ولا محكوم ولا حكم شرعي ، وإنما الموجود منجّزية الفتويين ومعذّريتهما ، ومن الظاهر أن حجية الفتوى المأخوذ بها بالمعنى المتقدم ، غير مانعة عن حجية الأُخرى بوجه وكلتاهما في عرض واحد.

نعم ، لو قلنا بلزوم الالتزام بالحكم فيتحقق هناك حاكم ومحكوم ، لأن الحكم بالالتزام بهذا أو بذاك أمر ، ووجوب القصر أو وجوب الإتمام أمر آخر ، إلاّ أن وجوب الالتزام لو ثبت فإنما يخص التقليد ولا يأتي في العمل بالخبرين ، بل لا يمكن تصديقه في التقليد أيضاً ، لأنه يبتني على أن يكون التقليد هو الالتزام وقد مرّ أنه العمل دون الالتزام.

أضف على ذلك أن الالتزام لا معنى محصّل له إلاّ أن يتعلق بالحكم الفعلي ، لأن الالتزام مقدمة للعمل بمتعلقه فلا مناص من أن يكون متعلقه أمراً صالحاً للبعث نحو العمل ، ولا يعقل أن يكون كلا الحكمين فعلياً تعيينياً ، لأنهما متعارضان. إذن لا مناص من أن يكون الحكمان فعليين تخييريين تحقيقاً للالتزام بهذا أو بذاك ، ومعه لا يكون استصحاب الحكم المختار موجباً للتعين وإنما يقتضي الاستصحاب بقاء كل من

الحكمين على ما كان عليه أولاً. انتهى ما أردنا نقله ملخّصاً موضّحاً (1).

ويرد عليه : أنّا بيّنا فيما سبق وسنبين قريباً أيضاً أن الحجية التخييرية لا معنى محصل لها سوى إيكال أمر الحجية إلى اختيار المكلف ، بحيث يتمكن من أن يجعل ما ليس بحجة حجة باختياره وأخذه ، ومرجعه إلى حجية كل من الفتويين مشروطة بالأخذ بها ، ومعنى الحجية بناءً على ما هو الصحيح من الطريقية ، هو الكاشفية والوسطية في الإثبات أعني جعل ما ليس بعلم علماً تعبداً ، ونتيجة ذلك أن المجعول شرعاً إنما هو إحراز الواقع تعبداً لا المنجزية والمعذرية لأنهما من الأحكام العقلية المترتبة على الحجية بالمعنى الّذي ذكرناه ، لا أن الحجية هي المنجزية والمعذرية. ويترتب على هذا أن المكلف إذا أخذ بإحدى الفتويين كانت الفتوى المأخوذة حجة فعلية عليه ، ولازمها أن يكون الحكم الّذي أدّت إليه الفتوى المأخوذة متنجزاً عليه ومع صيرورة الفتوى الأُولى حجة فعلية لا تبقى الفتوى الثانية على الحجية التخييرية بوجه ، كما أن الحكم الفرعي قد تنجز على المكلف بأخذه الفتوى المؤدّية إليه ، وهو حكم تعييني منجّز عليه ولا معنى معه لبقاء الفتوى الثانية على الحجية التخييرية.

فبهذا يتّضح أن الفتوى الثانية بعد ما اتصفت الفتوى الأُولى بالحجية الفعلية من جهة أخذ المكلف بها ، لا يعقل اتصافها بالحجية التخييرية حدوثاً كما لا يعقل بقاؤها عليها ، سواء أكان المستصحب حجية الفتوى المأخوذ بها سابقاً أو كان هو الحكم الفرعي الّذي أدت إليه الفتوى المأخوذ بها. بل ذلك في الحكم الفرعي أوضح لأنه حكم تعييني منجّز على المكلف بأخذه الفتوى المؤدية إليه ، فإن التخيير إنما هو في الحجية والمسألة الأُصولية دون الحكم الفرعي لتعينه بالأخذ بما أدت إليه. إذن كان استصحاب الحجية الفعلية أو الحكم الفرعي المتنجز معارضاً لاستصحاب الحجية التخييرية الثابتة على الفتوى الثانية كما ذكرناه. وبهذا يظهر أن هناك حكماً فعلياً شرعياً وهو الحكم الفرعي الّذي أدت إليه الفتوى المأخوذ بها وتعبدنا به الشا رع بمقتضى حجيتها ، فإن حال المقام حال بقية الأحكام الثابتة بالحجج والأمارات الشرعية.


1) رسالة في الاجتهاد والتقليد ( الأصفهاني ) : 148.

ثمّ إن الموافقة الالتزامية وإن لم يقم دليل على وجوبها ، إلاّ أن لتعارض الحجتين خصوصية مستتبعة للالتزام بناءً على القول بالتخيير ، وذلك لما قدّمناه من أن الحجية التخييرية لا معنى لها سوى إيكال أمر الحجية إلى المكلف بحيث يتمكن من جعل ما ليس بحجة حجة ، وذكرنا أن معنى ذلك أن الحجية الفعلية متوقفة على أخذ المكلف واختياره ، ولا معنى للأخذ والاختيار سوى الالتزام بتطبيق العمل على طبق إحدى الفتويين أو غيرهما من الأمارات المتعارضة ، فوجه الحاجة إلى الالتزام في تلك الموارد أن موضوع الحجية التخييرية لا يتحقق من دونه وليس ذلك مستنداً إلى أن التقليد هو الالتزام أو إلى القول بوجوب الموافقة الالتزامية في الأحكام.

ثمّ إن كون الحجية منوطة بالاختيار إنما يخص القول بالتخيير عند تعارض الحجتين ، لوضوح أن حجية الحجة إذا لم تكن معارضة غير منوطة بالاختيار بل يتوقف فعليتها على العلم بها فحسب.

وبما سردناه يظهر أن متعلق الالتزام إنما هو الاستناد إلى الفتوى المأخوذ بها في مقام الامتثال ولا يلزم أن يكون متعلقه حكماً تخييرياً كما أفاده قدس سره حتى بناء على وجوب الموافقة الالتزامية أو تفسير التقليد بالالتزام ، وذلك أما بناء على وجوب الموافقة الالتزامية فلأن متعلق الالتزام إنما هو الحكم الواقعي ، فإن كان معلوماً تفصيلياً للمكلف فهو ، وأمّا إذا كان معلوماً إجمالياً له فلا مناص من أن يلتزم بالحكم الواقعي على إجماله وتردده.

وأمّا بناءً على أن التقليد هو الالتزام فمن الظاهر أن الالتزام إنما يتعلق بالعمل على طبق الفتوى المأخوذ بها ، والاستناد إليها في مقام الامتثال. والمتلخص أن الالتزام لا يلزم أن يتعلق بالحكم الفعلي أو التخييري ليدعى أن استصحاب الحكم المختار لا يكون موجباً للتعين وأن مقتضى الاستصحاب بقاء كل من الحكمين على ما كان عليه أولاً.

فعلى ما بيّناه يكون استصحاب الحكم الّذي أفتى به المجتهد الأول وكذا استصحاب الحجية التعيينية لفتواه معارضاً باستصحاب الحجية التخييرية لفتوى المجتهد الآخر.

تتميم : قد أسلفنا (1)أن المعنى المتحصل للتخيير عند تعارض الطرق والأمارات على القول به هو تفويض أمر الحجية إلى المكلف وجعلها تابعة لاختياره ، بحيث يتمكن من جعل ما ليس بحجة حجة بالالتزام بالعمل على طبقه ، فهو تخيير في المسألة الأُصولية أعني الحجية كما تقدم وغير راجع إلى التخيير الواقعي أو الظاهري في الأحكام.

أمّا أنه ليس من التخيير الواقعي في المسألة الفرعية بأن يكون المكلف مخيراً واقعاً بين الإتيان بفعل وتركه أو الإتيان بفعل آخر نظير التخيير في الأماكن الأربعة بين القصر والتمام ، فلأن مفروض الكلام أن الفتويين متعارضتان وقد ذكرنا في محلّه (2)أن معنى التعارض تنافي مدلولي الدليلين بحسب الجعل ، لعدم إمكان جعلهما معاً فيكون كل منهما مكذباً للآخر. إذن لا يحتمل مطابقة كلتيهما للواقع لاستلزامه الجمع بين الضدّين أو النقيضين بل إحداهما غير مطابقة للواقع قطعاً وثانيتهما يحتمل أن تكون مطابقة للواقع كما يحتمل أن تكون مخالفة له وهذا بخلاف التخيير الواقعي في المثال فإن كلاّ من الفعلين واجب تخييري واقعاً.

وأمّا عدم كونه من التخيير الظاهري فللعلم بأن المكلف مأمور بالعمل بفتوى هذا المجتهد معيناً أو فتوى المجتهد الآخر ولا نحتمل أن يكون مخيراً واقعاً بين العمل بهذا أو بذاك ، ومع انتفاء الشك الّذي هو الموضوع للأحكام الظاهرية لا مجال للتخيير الظاهري بوجه.

وكيف كان فالتخيير في المقام من التخيير في الحجية بالمعنى المتقدم ، والمتعارضان حجتان شأنيتان فإذا اختار المكلف إحداهما فصارت فعلية ، وشككنا في أن الفتوى الثانية هل سقطت عن الحجية الشأنية ليزول بذلك التخيير أو أنها باقية بحالها ، فلنا أن نستصحب بقاءها على الحجية التخييرية إلاّ أنها معارضة باستصحاب الحجية الفعلية للفتوى المأخوذ بها ، بل باستصحاب الحكم الفرعي الّذي أدّت إليه الفتوى المذكورة فالاستصحابان متعارضان كما بيّناه. على أنه قد تقدم أن استصحاب الحجية الشأنية


1) راجع ص 96.

2) مصباح الأُصول 3 : 354.

من الاستصحاب التعليقي ولا نقول به (1).

أدلة القول بعدم جواز العدول

واستدل للقول بعدم جواز العدول أيضاً بوجوه :

الأوّل : الاستصحاب وتقريبه : أن الفتوى المأخوذ بها قد صارت حجة فعلية في حق المقلّد بأخذها ، أو أن الحكم الّذي أدت إليه الفتوى المأخوذ بها قد تعين عليه وحيث لا ندري أن الأخذ أو الالتزام علّة محدثة ومبقية أو أنه محدثة فحسب ، فنشك في بقاء الفتوى المأخوذ بها على حجيتها الفعلية وسقوطها عنها برجوع المقلّد إلى فتوى المجتهد الآخر ، أو نشك في بقاء الحكم الفرعي على تعينه فنستصحب حجيتها الفعلية أو بقاء الحكم على تعينه ، ومقتضى هذا عدم جواز العدول.

وقد ظهر مما بيّناه آنفاً عدم تمامية هذا الاستصحاب لأنه من الاستصحابات الجارية في الشبهات الحكمية وقد بنينا على عدم جريانها فلاحظ. ونزيده أن استصحاب الحكم الفرعي مضافاً إلى ما يرد عليه من المناقشة المتقدمة غير جارٍ في نفسه ، لأنه يعتبر في الاستصحاب أن يكون المكلف حينما يشك في البقاء متيقناً من المستصحب بحسب الحدوث وهذا غير متحقق في المقام ، لأن المكلف بعد ما عدل عن فتوى المجتهد الأول لا علم له بحجية فتواه في حقه لأن اليقين بالحجية إنما هو ما دام باقياً على تقليده.

الثاني : أن جواز العدول يستلزم العلم بالمخالفة القطعية في بعض المواضع ، وذلك كما إذا أفتى أحد المجتهدين بوجوب القصر على من سافر أربعة فراسخ غير مريد للرجوع ليومه وأفتى الآخر بوجوب التمام فيه ، وقلّد المكلف أحدهما فقصّر في صلواته ثمّ عدل إلى فتوى ثانيهما فأتم فيها ، لأنه يستلزم العلم ببطلان صلواته المقصورة أو صلواته غير المقصورة لعدم مطابقتها للواقع. بل لو وقع ذلك في الصلاتين المترتبتين كما في الظهرين مثلاً على ما مثّل به بعضهم ، لعلمنا ببطلان الثانية علماً تفصيلياً إمّا لبطلان الصلاة الأُولى فالثانية أيضاً باطلة وإمّا لبطلان الثانية في نفسها.


1) راجع ص 97.

والجواب عن ذلك : أن هذه المناقشة لا تختص بالمقام بل تأتي بعينها في موارد العدول الواجب أيضاً ، كما إذا فرضنا في المثال أن المجتهد الثاني أعلم من الأول أو أن الأول مات أو جنّ أو أنه عدل عن فتواه بعد ما عمل المكلف على طبقها ، فإن العدول في تلك الموارد واجب ولا إشكال فيه.

والّذي ينبغي أن يقال في حل الشبهة في مطلق العدول : إن المكلف إذا عدل إلى الفتوى المتأخرة فمقتضى القاعدة الأولية أن يعيد أعماله الّتي أتى بها على طبق الفتوى المتقدمة ، لأن بالفتوى الثانية يستكشف عدم كونها مطابقة للواقع من الابتداء. نعم لو قام هناك دليل دلّ على صحة ما أتى به على طبق الحجة السابقة ، أي دلّ على إجزائها عن الواقع كما ذهب إليه بعضهم لم تجب عليه الإعادة لصحتها وصحة الأعمال اللاّحقة المترتبة على صحتها ، وهذا من غير فرق بين أن يكون العدول سبباً للعلم بالمخالفة التفصيلية أو الإجمالية وبين أن لا يكون. وأما لو لم يقم دليل على صحة الأعمال السابقة وإجزائها عن الواقع ، فلا مناص من الإعادة حتى لا يحصل العلم بالمخالفة من غير معذّر. والإجزاء وإن لم يقم دليل عليه على نحو الكلية إلاّ أن حديث لا تعاد على ما قدّمناه في أوائل الكتاب (1)يقتضي عدم وجوب الإعادة فيما إذا كان الخلل الواقع في الصلاة في غير الخمسة المستثناة في الحديث ، لأنه على ما حققناه هناك لا يختص بالناسي كما ذهب إليه شيخنا الأستاذ قدس سره بل يعم الجاهل القاصر أيضاً ومن أظهر موارده المقام ، هذا كلّه في وجوب الإعادة وعدمه.

وأما القضاء فحيث إنه بأمر جديد وموضوعه الفوت ، فلا مناص في وجوبه من إحراز الفوت وجداناً أو تعبداً ، فإذا فرضنا أن المجتهد المعدول إليه قد استند فيما أفتى به على خلاف فتوى المجتهد المعدول عنه ، إلى دليل حجة في مدلوله المطابقي والالتزامي ، فلا محالة يثبت به لوازمه ويحرز به الفوت ويجب على المكلف القضاء وأما لو شككنا في ذلك فمقتضى البراءة عدم وجوب القضاء ، فإن استصحاب عدم الإتيان بالواجب في وقته لا يثبت به الفوت.

وقد اتضح بما سردناه أن هذا الدليل إنما يقتضي وجوب الإعادة أو هي مع القضاء


1) راجع ص 33.

إذا لم يقم دليل على عدمه ولا دلالة له على عدم جواز العدول.

الثالث : أن العدول يستلزم أحد أمرين على سبيل منع الخلو ولا يمكن المساعدة على شي‌ء منهما :

أحدهما : التبعيض في المسألة الكلّية.

وثانيهما : نقض آثار الوقائع السابقة.

وتوضيحه : أن أحد المجتهدين إذا أفتى بوجوب القصر على من سافر أربعة فراسخ غير قاصد للرجوع في يومه وأفتى الآخر بوجوب التمام فيه ، فإذا قلّد المكلف أحدهما فقصّر في صلاته ثمّ عدل إلى الآخر وأتم فيها ، فلا يخلو إما أن نلتزم بصحة كلتا صلاتية فمعنى ذلك أنه قلد أحد المجتهدين في واقعة من تلك المسألة وقلد الآخرين في الوقائع المستقبلة منها ، وهو معنى التبعيض في المسألة الكلّية ولا دليل على صحة التقليد في مثله. وإمّا أن نلتزم ببطلان صلاته الّتي أتى بها أوّلاً لأنه قد عدل إلى المجتهد الآخر في كلي المسألة ، ومعنى ذلك الالتزام بانتقاض آثار الأعمال الصادرة على طبق الفتوى السابقة ، ومعه يجب على المكلف إعادة الصلوات الّتي صلاّها قصراً لعدم مطابقتها للحجة الفعلية.

وفيه : أن مورد التقليد والفتوى إنما هو المسألة الكلّية دون كل جزئي من جزئياتها فلا يلزم من العدول التبعيض في المسألة الكلّية ، وإنما يلزم منه نقض آثار الوقائع المتقدمة وهو أمر لا مناص من الالتزام به لمخالفتها لما هو الحجة الفعلية على المكلف ، اللّهُمَّ إلاّ أن يقوم دليل على إجزائها ، وهذا لا يقتضي عدم جواز العدول وليس في الالتزام به أي محذور ، كما هو الحال في موارد العدول الواجب على ما بيّناه في الوجه السابق فلاحظ.

الرابع : ما عن المحقق القمي قدس سره من دعوى الإجماع على عدم الجواز (1). ويدفعه : أن الإجماع لو كان محصّلاً لم يكن قابلاً للاستدلال به فضلاً عمّا إذا كان من الإجماعات المنقولة الّتي لا نلتزم باعتبارها ، وذلك للقطع ولا أقل من احتمال أن


1) القوانين 2 : أواخر باب الاجتهاد والتقليد.

المجمعين استندوا في ذلك إلى أحد الوجوه المستدل بها في المسألة ، ومعه لا يكون الإجماع تعبدياً يستكشف به قول المعصوم علیه السلام .

على أن المسألة من المسائل المستحدثة الّتي لا سبيل فيها إلى استكشاف الاتفاق بل يمكن الجزم بعدم حصوله لذهاب جمع من المحققين إلى الجواز.

الخامس : قاعدة الاشتغال ، وذلك لأن الأمر في المقام يدور بين التعيين والتخيير في الحجية والعقل قد استقل بلزوم الأخذ بما يحتمل تعينه ، وذلك للقطع بأن الفتوى المأخوذ بها حجة معتبرة في حق المكلف وإنما التردد في أنها حجة تعيينية أو تخييرية وذلك للشك في جواز العدول إلى فتوى المجتهد الآخر. إذن حجية فتوى المجتهد الأول مقطوع بها فيؤخذ بها ، وفتوى المجتهد الآخر مشكوكة الحجية والشك في الحجية يساوق القطع بعدمها. والسّر في ذلك أن الواقع منجّز على المكلفين من جهة العلم الإجمالي بالأحكام ، ومعه يستقل العقل بلزوم امتثالها وإتيانها أو إتيان ما جعله الشارع مبرئاً للذمّة تعبداً حتى يحصل به الأمن من العقاب ، فلو اقتصر المكلف حينئذٍ على ما لم يقطع بحجيته لم يكن مأموناً من العقاب لعدم علمه بامتثال الحكم الواقعي أو الإتيان بما هو مسقط له ومبرء لذمته.

ودعوى : أن استصحاب التخيير يثبت أن العمل على طبق الفتوى الثانية أيضاً مؤمّن ومبرء للذمّة ، فتكون معلوم الحجية كالفتوى السابقة كما عن شيخنا الأنصاري وغيره (1).

مندفعة بالمنع عن استصحاب الحجية التخييرية للوجوه المتقدمة ولا نعيد ، هذا كلّه بناء على ما هو الصحيح من أن حجية الحجج والأمارات إنما هي من باب الطريقية.

وأما بناءً على حجيتها من باب السببية والموضوعية فالأمر أيضاً كما ذكرناه ، لأن الفتويين المتعارضتين تدخلان في باب التزاحم حينئذٍ وبما أن الفتوى المأخوذ بها محتملة الأهمية تتقدم على الفتوى الثانية ، ويتعين الأخذ بها لأن الأهمية واحتمالها من


1) رسالة في الاجتهاد والتقليد : 87.

[12] مسألة 12 : يجب تقليد الأعلم مع الإمكان على الأحوط (1)(1) .


المرجحات في باب التزاحم. وبعبارة اخرى المكلف في الحكمين المتزاحمين لما لم يتمكن من امتثالها معاً ، لم يمكن التحفظ على إطلاق خطابيهما إلاّ أنه لا موجب لسقوطهما على نحو الإطلاق ، لأنه متمكن من أحدهما ، إذن لا مناص من تقييد إطلاق كل منهما بعدم الإتيان بالآخر ونتيجته التخيير بينهما في مقام الامتثال ، وإذا فرضنا أن أحدهما أهم أو محتمل الأهمية لزم التحفظ على إطلاق الخطاب فيه وتقييد الإطلاق في الآخر المهم بصورة عدم الإتيان بالأهم أو محتمل الأهمية.

وهذا الوجه متين وعليه لا مسوّغ للعدول في مفروض الكلام بناءً على التخيير في الدليلين المتعارضين ، اللّهُمَّ إلاّ أن يكون المجتهد الثاني اعلم لأن المكلف إن علم بالمخالفة بينهما وجب عليه العدول وإن لم يعلم بها جاز له البقاء على تقليد الأوّل كما جاز له العدول إلى المجتهد الأعلم كما مرّ.

وأما بناءً على ما هو الصحيح من التساقط عند التعارض فالفتويان تتساقطان ويجب على المكلف الاحتياط إن أمكن وإلاّ تخيّر بين العمل بهذا أو بذاك ، لتنزل العقل إلى الامتثال الاحتمالي عند العجز عن الامتثال الجزمي كلما تقدم ، وهذا تخيير في مقام الامتثال وليس من التخيير في المسألة الأُصولية لمكان حجية إحداهما شرعاً.

وجوب تقليد الأعلم

(1) هذا هو المعروف بين أصحابنا 5 وعن ظاهر السيد في ذريعته انه من المسلّمات عند الشيعة. بل عن المحقق الثاني دعوى الإجماع عليه ، ونسب إلى جمع ممّن تأخر عن الشهيد الثاني قدس سره عدم الوجوب وجواز الرجوع إلى غير الأعلم ، وتفصيل الكلام في ذلك يقع في موردين :

أحدهما : فيما يستقل به عقل العامي في نفسه أي من غير تقليد في المسألة وأن وظيفته هل هي الرجوع إلى تقليد الأعلم أو التخيير بينه وبين تقليد غير الأعلم؟


1) (*) بل وجوبه مع العلم بالمخالفة ولو إجمالاً فيما تعم به البلوى ، هو الأظهر.

وثانيهما : فيما تقتضيه وظيفة المجتهد حسبما يستظهره من الأدلة الاجتهادية وأنه هل يمكنه الإفتاء بجواز الرجوع إلى غير الأعلم أو ليس له سوى الحكم بوجوب تقليد الأعلم؟

أمّا المورد الأوّل : فلا ينبغي التوقف في أن العامّي يستقل عقله بلزوم الرجوع إلى الأعلم عند العلم بالمخالفة بينه وبين غير الأعلم في الفتوى ، وذلك لدوران الأمر بين أن تكون فتوى كل من الأعلم وغيره حجة تخييرية ، وبين أن تكون فتوى الأعلم حجة تعيينية للعلم بجواز تقليد الأعلم على كل حال سواء استند في أصل مشروعيته إلى الارتكاز وبناء العقلاء أم استند إلى دليل الانسداد ، ففتوى الأعلم إما أنها في عرض فتوى غير الأعلم فالمكلف يتخير في الرجوع إلى هذا وذاك أو أنها متقدمة على غيرها ، وحيث إن فتواه متيقنة الحجية وفتوى غير الأعلم مشكوكة الاعتبار فيستقل عقل العامّي بوجوب تقليد الأعلم وعدم جواز الرجوع إلى غيره للشك في حجية فتواه وهو يساوق القطع بعدمها ، فإن غير ما علم حجيته يقترن دائماً باحتمال العقاب ، والعقل يستقل بلزوم دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب.

إذن النتيجة وجوب تقليد الأعلم حسبما يدركه عقل العامّي واجتهاده ، وقد قدّمنا أن مسألة جواز التقليد ليست تقليدية.

وأمّا المورد الثاني : فتفصيل الكلام فيه أن للمسألة صوراً ثلاثاً :

الاولى : ما إذا علمت موافقة الأعلم وغير الأعلم في الفتوى بجميع خصوصياتها.

الثانية : ما إذا علمت مخالفتهما في الفتوى كما إذا أفتى الأعلم بوجوب شي‌ء وأفتى غير الأعلم بحرمته أو بإباحته.

الثالثة : ما إذا شككنا في ذلك ولم يعلم موافقتهما أو مخالفتهما.

أما الصورة الأُولى : أعني صورة العلم بالموافقة فهي وإن كانت من الندرة بمكان إلاّ أنها لو اتفقت في مورد لم يجب فيها تقليد الأعلم بوجه ، وذلك لأن الحجية على ما تقدم من أدلتها إنما ثبتت لطبيعي فتوى العالم أو الفقيه على نحو صرف الوجود والعامّي إذا عمل بفتياهما فقد عمل على طبق فتوى الفقيه ، وهذا يكفي في الامتثال ، إذ لم يقم دليل على وجوب تعيين المجتهد المقلد له وتمييزه ، فإن حال المقام حال ما إذا قام

خبران على وجوب شي‌ء فإن المجتهد إذن أفتى بالوجوب مستنداً إلى الجامع بين الخبرين فقد استند إلى الحجة وعمل على طبقها من دون أن يجب عليه تعيين ما عمل به وأنه أيهما.

وأما الصورة الثانية : أعني ما إذا علمت المخالفة بينهما ولو على سبيل الإجمال ، كما إذا علم بمخالفتهما في المسائل الّتي هي محل الابتلاء ، وكان فتوى غير الأعلم على خلاف الاحتياط ، أو كان كل منهما موافقاً للاحتياط من جهة ومخالفاً له من جهة فقد قدّمنا أن المعروف بين أصحابنا وجوب تقليد الأعلم ، وعن شيخنا الأنصاري قدس سره أنه لم ينقل فيه خلاف عن معروف (1). بل ادعى بعضهم عليه الإجماع. وذهب جماعة ومنهم صاحب الفصول إلى جواز الرجوع إلى غير الأعلم (2).

أدلّة عدم وجوب تقليد الأعلم

واستدل عليه بوجوه : عمدتها التمسك بإطلاق الأدلة الواردة في جواز الرجوع إلى الفقيه وحجية رأيه وفتواه ، فإن قوله عزّ من قائل ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ) (3)والأخبار الآمرة بالرجوع إلى يونس بن عبد الرّحمن أو زكريا بن آدم وأمثالهما ، وكذا سائر الأدلة الدالة على جواز تقليد الفقيه ، لم يتقيد بما إذا كان العالم أو الفقيه أعلم من غيره. بل مقتضى إطلاقها جواز الرجوع إلى كل من الأعلم وغيره إذا صدق عليه عنوان العالم أو الفقيه أو غيرهما من العناوين الواردة في الروايات علمت مخالفتهما أو موافقتهما في الفتوى أم لم تعلم ، هذا.

بل ربّما يقال : إن الغالب بين أصحابهم علیهم السلام الّذين أرجعوا الناس إلى السؤال عنهم في الأخبار المتقدمة ، هو المخالفة في الفتوى لندرة التوافق بين جمع كثير ومع غلبة الخلاف لم يقيّدوا علیهم السلام الرجوع إليهم بما إذا لم تكن فتوى من أرجع إليه مخالفة لفتوى غيره من الفقهاء ، مع العلم العادي باختلافهم أيضاً في


1) رسالة في الاجتهاد والتقليد : 71.

2) الفصول الغروية : 423.

3) التوبة 9 : 122.

الفضيلة ، لعدم احتمال تساوي الجميع في العلمية والفقاهة ، وهذه قرينة قطعية على أن الأدلة المتقدمة مطلقة ، وأن فتوى غير الأعلم كفتوى الأعلم في الحجية والاعتبار وإن كانت بينهما مخالفة.

وفيه : أن الغلبة المذكورة لا يمكن أن تكون قرينة على المدعى ، والوجه فيه أن المخالفة في الفتوى وإن كانت كثيرة ، بل هي الغالب كما ذكر وكذلك اختلافهم في الفضيلة والعلم ، إلاّ أن العلم بالمخالفة أمر قد يكون وقد لا يكون ولم يفرض في شي‌ء من الأخبار الآمرة بالرجوع إلى الرواة المعيّنين علم السائل بالخلاف ، وكلامنا في الصورة الثانية إنما هو في فرض العلم بالمخالفة بين الأعلم وغيره ، فالأخبار المذكورة لو دلت فإنما تدل على المدعى بالإطلاق لا أنها واردة في مورد العلم بالمخالفة لتكون كالنص في الدلالة على حجية فتوى غير الأعلم في محل الكلام ، فليس في البين إلاّ الإطلاق.

ويرد على التمسك بالإطلاق : انا ذكرنا غير مرّة في البحث عن حجية الخبر والتعادل والترجيح (1)وغيرهما ، أن إطلاق أدلّة الحجية لا يشمل المتعارضين ولا مجال فيهما للتمسك بالإطلاق ، بلا فرق في ذلك بين الشبهات الحكمية والموضوعية كما إذا ورد خبران دلّ أحدهما على وجوب شي‌ء والآخر على حرمته أو قامت بينة على طهارة شي‌ء والأُخرى على نجاسته ، فإنه لا يشمل أدلة اعتبار الخبر أو البينة أو غيرهما من الحجج والأمارات شيئاً منهما ، وسرّه أن شمولها لكلا المتعارضين يستلزم الجمع بين الضدين أو النقيضين ، وشمولها لأحدهما المعيّن دون الآخر بلا مرجح ولأحدهما المخيّر أعني أحدهما لا بعينه لا دليل عليه ، لأن مفاد أدلة الاعتبار إنما هو الحجية التعيينية لا حجية هذا أو ذاك. إذن مقتضى القاعدة هو التساقط في كل دليلين متعارضين ، اللّهُمَّ إلاّ أن يقوم دليل على ترجيح أحدهما أو على التخيير كالأخبار العلاجية وهو مختص بالخبرين المتعارضين ، ولا دليل عليه في سائر الدليلين المتعارضين ، والمقام من هذا القبيل فاطلاقات أدلة التقليد غير شاملة لفتوى الأعلم وغيره مع المعارضة ، بل لا بدّ من الحكم بتساقطهما كما في غير المقام ، هذا.


1) مصباح الأُصول 3 : 366.

وقد يقال كما تعرّضنا له في محلّه (1)أن القاعدة تقتضي التخيير بين المتعارضين وذلك لأن الأمر يدور بين رفع اليد عن أصل الدليلين وبين رفع اليد عن إطلاقيهما مع التحفظ على أصلهما ومتى دار الأمر بينهما يتعين الثاني لا محالة ، لأنه لا موجب لرفع اليد عن الدليلين بالكلية. فإذا ورد خبران دلّ أحدهما على وجوب القصر في مورد مثلاً ودلّ الآخر على وجوب التمام فيه ، لم يمكننا العمل بهما معاً للعلم الخارجي بعدم وجوب صلاة واحدة في يوم واحد مرتين ، فيدور الأمر لا محالة بين رفع اليد عن أصل الدليلين والحكم بتساقطهما وبين التحفظ على أصليهما ورفع اليد عن إطلاقيهما المقتضي للتعيين وقد مرّ أن الثاني هو المتعين حينئذٍ فإن الأوّل بلا موجب ، ونتيجة الأخذ بالوجوب في كليهما ورفع اليد عن إطلاقه هو الحكم بوجوب كل منهما مخيراً. بل الأمر كذلك حتى في الدليل الواحد بالإضافة إلى أفراد موضوعه ، كما إذا ورد أكرم العلماء وعلمنا خارجاً أن زيداً وصديقه مثلاً لا يشملهما حكم واحد أبداً ، فدار الأمر بين الحكم بعدم وجوب إكرامهما للتساقط وبين التحفظ على الوجوب في كليهما ورفع اليد عن إطلاقهما في التعيين ، فإنه يتعيّن حينئذٍ الأخير وهو يقتضي الحكم بوجوب كل منهما تخييراً. ومعه لا مقتضي في المقام لرفع اليد عن حجية فتوى الأعلم وغيره أعني الحكم بتساقطهما ، بل لا بدّ من الأخذ بالحجية في كلتا الفتويين ورفع اليد عن إطلاقهما المقتضي للتعيين ، وهذا ينتج حجية كل منهما على وجه التخيير.

ويرده : أن موارد التعارض بين الدليلين الّتي منها المقام لا يمكن قياسها بما إذا كان لكل من الدليلين نصاً وظاهراً وأمكن الجمع بينهما بحمل الظاهر من كل منهما على نص الآخر فإن القياس مع الفارق ، إذ في تلك الموارد لا مقتضي لرفع اليد عن كلا الوجوبين ، بل يؤخذ بنص كل من الدليلين في الوجوب ويطرح ظاهرهما في التعيين وتكون النتيجة هو الوجوب التخييري كما مرّ. وأما في أمثال المقام الّتي ليس للدليلين فيها نص وظاهر بل دلالتهما بالظهور والإطلاق ، فلا مناص من الحكم بتساقطهما فإن الحجية في المتعارضين إذا كانت بالإطلاق أعني إطلاق أدلة الحجية لشمولها لهذا وذاك وهذه الفتيا وتلك ، فحيث إن لكل منهما إطلاقاً من جهة أُخرى أيضاً وهي حجية كل


1) نفس المصدر.

منهما أُخذ بالآخر أم لم يؤخذ به ، ولا يمكن الأخذ بإطلاقهما من كلتا الجهتين لاستلزامه الجمع بين الضدين أو النقيضين ، كان رفع المعارضة بينهما منحصراً برفع اليد عن إطلاق أحدهما أو كليهما وهذا يتصوّر بوجوه :

أحدها : أن يرفع اليد عن إطلاق الأدلة الدالة على الحجية في أحدهما دون الآخر ، بأن نلتزم بحجية أحد المتعارضين دون الآخر رأساً.

وثانيها : أن يتحفظ بإطلاق الأدلة الدالة على الحجية في كلا المتعارضين فيلتزم بحجية فتوى غير الأعلم مطلقاً سواء أُخذ بفتوى الأعلم أم لم يؤخذ بها ، وبحجية فتوى الأعلم مقيدة بما إذا لم يؤخذ بفتوى غير الأعلم بأن تكون حجية إحداهما مطلقة وحجية الأُخرى مقيدة.

ثالثها : عكس الصورة الثانية بأن تكون حجية فتوى الأعلم مطلقة أُخذ بفتوى غير الأعلم أم لم يؤخذ بها ، وحجية فتوى غير الأعلم مقيدة بما إذا لم يؤخذ بفتوى الأعلم.

رابعها : أن يتحفظ على إطلاق الأدلة في كليهما فيلتزم بحجية كل منهما مقيدة بما إذا لم يؤخذ بالآخر.

وحيث إن شيئاً من ذلك لا مرجح له ، فلا يمكننا التمسك بالإطلاق في شي‌ء من المتعارضين لا في أصل الحجية ولا في إطلاقها وتقييدها ، وهو معنى التساقط كما قدّمناه.

الوجه الثاني : أن وجوب تقليد الأعلم عسر على المكلفين وذلك للحرج في تشخيص مفهوم الأعلم وفي تمييز مصاديقه وفي وجوب تعلم آرائه وفتاواه ، وهذا لأنه لو وجب تقليد الأعلم وجب على كل مكلف أن يتعلم فتاواه ويحصّل آراءه من مظانها ، وهذا فيه حرج على أهل البلاد فضلاً عن سكنة القرى والبوادي ، فالاقتصار على تقليد الأعلم فيه حرج عظيم وهو مرفوع في الشريعة المقدّسة.

والجواب عنه : أن شيئاً من تلك المراحل لا يستلزم الحرج ، أما تشخيص مفهوم الأعلم فلما يأتي من أن المراد به هو من كان أقوى استنباطاً للأحكام وأمتن استنتاجاً لها من أدلتها ، وهذا يتوقف على معرفته بالقواعد والكبريات وعلى حسن سليقته في

تطبيقها على صغرياتها ، ولا يكفي أحدهما ما لم ينضم إليه الآخر ، فالأعلم في الأحكام الشرعية كالأعلم في بقية الصنائع والعلوم كالهندسة والطب وغيرهما ، فكما أنه لا حرج في تشخيص مفهوم الأعلم في تلك الموارد فإن الأعلم فيها هو من علم بقواعدها وكبرياتها وكان له حسن سليقة في تطبيقها على مواردها وصغرياتها ، ولا يكفي فيه مجرد القوة على الكبريات أو الإحاطة بالفروع بل يتوقف على أن يكون الطبيب مثلاً مع ما له من الإحاطة بجميع أقسام المرض وأدويتها وطرق معالجتها متمكناً من تطبيق تلك القواعد على مواردها ، فكذلك الحال في علم الفقه كما بيّناه.

إذن لا حرج في تشخيص مفهوم الأعلم بوجه. وأما تمييز مصاديقه وأفراده فهو أيضاً ممّا لا حرج فيه ، وذلك فإن الأعلمية نظير غيرها من الأُمور تثبت بالعلم الوجداني وبالشياع المفيد له وبالبينة ، وهذا لا يمسّه أي حرج.

وأما تعلم فتاواه فلأنه يتيسّر بأخذ رسالته ، ونشرها من السهولة بمكان وبالأخص في زماننا هذا وما يقاربه ، وهذا لا نرى فيه حرجاً بوجه. على أنا لا نلتزم بوجوب الرجوع إلى الأعلم مطلقاً بل في صورة العلم بالمخالفة بينه وبين غير الأعلم في الفتوى الّتي هي محل الكلام ، والعلم بالمخالفة إنما يتحقق فيما إذا علم فتوى كليهما ، وهذا كما ترى ليست فيه شائبة أي حرج.

الوجه الثالث : سيرة المتشرعة ، حيث جرت على رجوعهم فيما يبتلون به من المسائل إلى أي شخص عالم بحكمها من غير أن يفحصوا عن الأعلم بتلك المسألة فلو كان تقليد الأعلم واجباً عندهم لزم عليهم الفحص عن وجوده.

وفيه : أنه إن أُريد بذلك صورة عدم العلم بالمخالفة بين فتوى الأعلم وفتوى غير الأعلم ، فلا يبعد دعوى قيام السيرة فيها على عدم الفحص عن الأعلم. وأما لو أُريد بذلك صورة العلم بالمخالفة بينهما كما هي محل الكلام ، فلا مجال فيها لدعوى السيرة بوجه. بل هي دعوى ظاهرة الفساد فإن الأمر بالعكس والسيرة جارية على الرجوع إلى الأعلم عند العلم بالمخالفة كما هو المشاهد في غير الأحكام ، مثلاً إذا عين الطبيب دواءً وخالفه في ذاك من هو أعلم منه ، لم يعتمدوا على معالجته هذه بوجه وإنما يتبعون رأي الأعلم فلاحظ.

الوجه الرابع : أن الأئمة علیهم السلام قد أرجعوا جماعة من العوام إلى أشخاص معينين من أصحابهم كيونس بن عبد الرحمن ، ومحمد بن مسلم وغيرهما مع أنهم علیهم السلام موجودون بين الناس ، فإذا كانت فتاوى هؤلاء حجة معتبرة مع وجود نفس الامام علیه السلام كانت فتاواهم حجة عند وجود الأعلم بطريق أولى ، فإن الأعلم لا يزيد عن نفس الإمام علیه السلام .

والجواب عنه : أن الاستدلال بذلك إنما يتم فيما إذا قلنا بوجوب تقليد الأعلم مطلقاً ، وأما لو خصصنا وجوبه بصورة العلم بالمخالفة بين الأعلم وغيره كما هو الصحيح على ما يأتي بيانه فلا وقع لهذا الاستدلال بوجه ، إذ الإمام علیه السلام إنما أرجع إليهم السائل لعدم العلم بمخالفتهم معه علیه السلام فيما يفتون به ، ولا يحتمل أن يرجعه إليهم مع العلم بمخالفتهم مع الإمام علیه السلام فالاستدلال بالأولوية ساقط.

هذا تمام الكلام في الوجوه المستدل بها على حجية فتوى غير الأعلم وقد عرفت ضعفها ، ولا بدّ بعد ذلك من التكلم فيما استدل به على وجوب تقليد الأعلم ، فإن تمّ فهو وإلاّ فلا مناص من المراجعة إلى ما يقتضيه الأصل العملي في المسألة.

أدلة وجوب تقليد الأعلم

وقد استدل على وجوب تقليد الأعلم بوجوه :

الأوّل : أن مشروعية التقليد في الأحكام الشرعية إنما أثبتناها بالكتاب والسنة أو بدليل الانسداد أو السيرة كما مرّ ، وقد أشرنا أن المطلقات الواردة في الكتاب والأخبار غير شاملة للمتعارضين ، فإذا سقطت فتوى غير الأعلم عن الحجية بالمعارضة يتعيّن الرجوع إلى الأعلم وذلك للعلم بعدم وجوب الاحتياط. وأما دليل الانسداد فلا يمكن أن يستنتج منه جواز تقليد غير الأعلم فإن النتيجة ليست كلّية ، وإنما يستنتج منه حجية فتوى عالم ما ، فإن العقل بعد المقدمات قد استقل أن الشارع نصب طريقاً للعامّي لا محالة ، وليس ذلك هو الاحتياط لأنه غير ميسور في حقه ، ولا أنه الظن لأنه لا ظن للمقلد أو لا أثر له ، فيتعيّن أن يكون الطريق فتوى عالم ما ، والقدر المتيقن

فتوى الأعلم فيحتاج حجية فتوى غير الأعلم إلى دليل.

وأما السيرة العقلائية فهي غير جارية على الرجوع إلى غير الأعلم ، بل قد جرت على الرجوع إلى الأعلم عند العلم بالمخالفة كما هو المشاهد في غير الأحكام من الحِرف والعلوم ، وحيث إن تلك السيرة لم يردع عنها في الشريعة المقدسة فنستكشف بذلك أنها ممضاة عند الشارع.

ويستثنى من ذلك ما إذا كانت فتوى الأعلم على خلاف الاحتياط وكانت فتوى غير الأعلم موافقة له ، كما إذا أفتى الأعلم بالإباحة في مورد وأفتى غير الأعلم بالوجوب ، فإن العقلاء في مثل ذلك وإن كانوا يرجعون إلى غير الأعلم أحياناً إلاّ أنه لا لأن فتواه حجة عندهم ، بل لأنه عمل بالاحتياط فيأتون به برجاء درك الواقع. إذن لا يمكن إسناد ما أفتى به غير الأعلم إلى اللّه ، والإتيان به بقصد الأمر والوجوب. وهذا الوجه هو الّذي نعتمد عليه في الحكم بوجوب تقليد الأعلم في محل الكلام.

الثاني : ما عن المحقق الثاني قدس سره من دعوى الإجماع على عدم جواز الرجوع إلى غير الأعلم.

ويدفعه : أن ذلك من الإجماعات المنقولة وقد بيّنا في محلّه أن الإجماعات المنقولة لا اعتبار بها. على أن المسألة لا يحتمل أن تكون إجماعية كيف وقد ذهب جمع إلى جواز تقليد المفضول كما مرّ. بل لو سلّمنا أن المسألة اتفاقية أيضاً لا يمكننا الاعتماد عليه لاحتمال استنادهم في ذلك إلى بعض الوجوه المستدل بها ومعه لا يكون الإجماع تعبدياً يستكشف به رأي المعصوم علیه السلام .

الثالث : الروايات :

منها : مقبولة عمر بن حنظلة الّتي رواها المشايخ الثلاثة 5 قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما ، إلى أن قال : فإن كان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم فقال : الحكم

ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث » (1)حيث دلت على وجوب تقديم الأفقه على غيره.

ويرد على الاستدلال بهذه الرواية وجوه :

الأوّل : أن الرواية ضعيفة السند بعمر بن حنظلة ، إذ لم يرد في حقه توثيق ولا مدح ، وإن سميت روايته هذه بالمقبولة وكأنها مما تلقّته الأصحاب بالقبول وإن لم يثبت هذا أيضاً. نعم ، ورد في المواقيت عن يزيد بن خليفة أنه قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام إن عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت فقال أبو عبد اللّه علیه السلام إذاً لا يكذب علينا » (2)فلو كانت هذه الرواية معتبرة لدلتنا على أن الرجل موثق غايته كيف وموثّقه الإمام علیه السلام إلاّ أن تلك الرواية أيضاً ضعيفة فإن يزيد هذا كعمر لم تثبت وثاقته.

الثاني : أن الرواية أجنبية عن المقام لأن ترجيحه علیه السلام بالأفقهية وغيرها من الصفات الواردة في الرواية إنما هو في الحكمين ، ومن الظاهر أن المرافعات والخصومات لا مناص من فصلها ولا معنى فيهما للحكم بالتخيير لاستلزامه بقاء الترافع بحاله ، ومعه كيف يصح التعدي عن فصل الخصومات الّذي لا مناص عنه في موارد الترافع إلى أمثال المقام الّتي لا مانع فيها من الحكم بالتخيير ، فالرواية كما لا يتعدى عن موردها إلى الروايتين المتعارضتين ، كذلك لا يمكن التعدي عنه إلى الفتويين المتعارضتين لجواز كون المكلف مخيراً في الموردين.

ويؤكّد ما ذكرناه أن الإمام علیه السلام قد رجّح أحدهما بالأورعية والأصدقية أيضاً ، وهذا كما ترى لا يجري في المقام للقطع بأن الأصدقية أو الأورعية لا تكون مرجّحة في الروايتين أو الفتويين المتعارضتين ، إذ لا أثر للأصدقية في حجية الفتوى بوجه. نعم ، ذهب بعضهم إلى تقديم الأورع في المجتهدين المتساويين في الفضيلة ويأتي عليه الكلام في محله إن شاء اللّه (3).


1) وسائل الشيعة 27 : 106 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 1.

2) وسائل الشيعة 4 : 133 / أبواب المواقيت ب 5 ح 6.

3) راجع ص 140.

والمتحصل : أن الأفقهية وبقية الأوصاف الواردة في الرواية من مرجحات الحكمين فهي راجعة إلى القضاء وأجنبية عن باب الفتوى بالكلّية.

الثالث : أن الأعلمية المبحوث عنها في المقام إنما هي الأعلمية المطلقة لبداهة أن الأعلمية النسبية والإضافية غير كافية في تعيّن الرجوع إليه ، فإن كون شخص أعلم من غيره مع وجود من هو أعلم من كليهما لا يترتب عليه أي أثر في المقام ، والأفقهية الّتي ذكرت مرجحة في الرواية إنما هي الأفقهية الإضافية لقوله علیه السلام الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما ، ومعناه أن كون أحد الحاكمين أفقه من غيره مرجح في باب القضاء ، إذ لا يعتبر في الحاكم الأعلمية المطلقة ، وأين هذا من الأعلمية فيما نحن فيه ، فالأعلمية المرجّحة في باب القضاء وتعارض الحاكمين غير الأعلمية المعتبرة في المقام.

ومنها : ما عن علي علیه السلام في عهده إلى مالك الأشتر : « اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك » (1).

وهذا على فرض العمل به في مورده ، أجنبي عن اعتبار الأعلمية في محل الكلام لأنه إنما دلّ على اعتبار الأفضلية الإضافية في باب القضاء وأن القاضي يعتبر أن يكون أفضل بالإضافة إلى رعية الوالي المعيّن له ، ولا يعتبر فيه الأفضلية المطلقة. وهذا أيضاً يختص بباب القضاء ولا يأتي في باب الإفتاء ، لأن المعتبر فيه هو الأعلمية المطلقة على ما اتضح مما بيّناه في الجواب عن الاستدلال بالمقبولة المتقدمة.

ومنها : ما رواه في البحار عن كتاب الاختصاص قال قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : « من تعلّم علماً ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو يصرف به الناس إلى نفسه يقول : أنا رئيسكم فليتبوأ مقعده من النار ، إن الرئاسة لا تصلح إلاّ لأهلها فمن دعا الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه لم ينظر اللّه إليه يوم القيامة » (2).


1) نهج البلاغة 434.

2) البحار 2 : 110.

وهذه الرواية لو لم نناقش في دلالتها بأنها راجعة إلى دعوى الخلافة فإنها الرئاسة الّتي لا تصلح إلاّ لأهلها ، وإلاّ فالرئاسة المجردة عن دعوى الخلافة والإمامة لا يشترط فيها الأعلمية بوجه ، فهي من الأحاديث النبوية الواصلة إلينا مرسلة والمراسيل غير صالحة للاعتماد عليها أبداً.

ومنها : ما رواه أيضاً في البحار عن الجواد علیه السلام أنه قال مخاطباً عمه : « يا عمّ إنه عظيم عند اللّه أن تقف غداً بين يديه فيقول لك : لم تفتي عبادي بما لم تعلم وفي الأُمة من هو أعلم منك » (1).

وهذه الرواية وإن كانت تدل على اعتبار الأعلمية المطلقة في المفتي إلاّ أنها ضعيفة سنداً لإرسالها. إذن لا يمكن الاستدلال بها بوجه ، فالاستدلال بالأخبار أيضاً ساقط.

الرابع : أن فتوى الفقيه إنما اعتبرت للطريقية إلى الأحكام الواقعية ، وحيث إن فتوى الأعلم أقرب إلى الواقع من فتوى غير الأعلم لسعة إحاطته واطلاعه على ما لا يطلع به غيره من المزايا والخصوصيات ، فلا مناص من الأخذ بها دون فتوى غير الأعلم.

بل ذكر بعض مشايخنا المحققين : أن نسبة العالم إلى الأعلم نسبة الجاهل إلى العالم إذ المراد بالأعلمية ليس هو قوة العلم وشدته نظير بعض العوارض النفسية والخارجية ، فيقال : زيد أبيض من عمرو أو أنه أشجع أو أسخى من فلان ويريدون به شدة بياضه وقوة شجاعته بالإضافة إلى عمرو ، وهذا بخلاف المقام وذلك لأن علم الأعلم وغير الأعلم بالنسبة إلى الوظائف الظاهرية على حد سواء وليس ذلك أقوى في أحدهما من الآخر. نعم ، يتصوّر هذا في المعارف فيقال : إن معرفة زيد باللّه أو يوم المعاد أشد وأقوى من معرفة عمرو مثلاً لوصول أحدهما مرتبة عين اليقين والآخر مرتبة علم اليقين ، وأما الأحكام الشرعية فلا يتصوّر فيها ذلك لأن علم كل منهما على حدّ سواء ، وليس العلم في أحدهما أشد وأقوى منه في الآخر بحيث لا يزول بتشكيك المشكك لقوة مبنى عرفانه.


1) البحار 50 : 100.

بل المراد بالأعلمية أن يكون أحد المجتهدين أقوى وأدق نظراً في تحصيل الحكم عن مداركه وأمتن استنباطاً لها عن مبادئ تحصيله بأن يكون أعرف بالقواعد والكبريات وكيفية تطبيقها على صغرياتها لحسن سليقته. إذن فالأعلم مطلع على جملة من المزايا والخصوصيات الدخيلة في عرفانه لكيفية تطبيق الكبريات على صغرياتها وفي حسن سليقته بخلاف غير الأعلم ، فنسبة الأعلم إلى غير الأعلم كنسبة العالم إلى الجاهل ، ولا مسوّغ لتقليد الجاهل بوجه (1).

ويرد على ذلك : أن المراد بالأقربية إن كان هو الأقربية الطبعية والاقتضائية بمعنى أن الأعلم من شأنه أن تكون فتواه أقرب إلى الواقع من فتوى غيره ، فالصغرى صحيحة والأمر كما ادعى إلاّ أنه لا كبرى تنطبق على تلك الصغرى ، حيث إن الأقربية الطبعية لم تجعل ملاكاً للتقليد ولا لوجوبه.

وإن أُريد بالأقربية ، الأقربية الفعلية بأن تكون الفتيا الصادرة عن الأعلم أقرب إلى الواقع بالفعل بالإضافة إلى فتوى غير الأعلم ، فالصغرى غير مسلمة ولا مثبت لدعوى الأقربية ، إذ لا يمكن أن يقال : إن فتيا الأعلم أقرب إلى الواقع مطلقاً ، كيف وقد يكون فتوى غير الأعلم موافقة للمشهور ولفتيا الأساطين والمحققين كشيخنا الأنصاري وصاحب الجواهر وغيرهما ممن هو أعلم من الحي بمراتب ، ومع كون فتوى الأعلم على خلاف المشهور كيف تكون أقرب إلى الواقع من فتوى غير الأعلم.

هذا ثمّ لو تنزلنا عن ذلك وبنينا على أن فتوى الأعلم أقرب من فتوى غيره ، إلاّ أنّا نطالب الدليل على أن الأقربية مرجحة ، ولم يقم أي دليل على أن الملاك في التقليد ووجوبه هو الأقربية إلى الواقع ، إذ العناوين المأخوذة في لسان الأدلة كعنوان العالم والفقيه وغيرهما صادقة على كل من الأعلم وغير الأعلم وهما في ذلك سواء لا يختلفان وهذا يكفي في الحكم بجواز تقليدهما.

وعلى الجملة أن الأقربية كما أنها ليست مرجحة في الروايتين المتعارضتين ومن هنا قد تعارض الصحيحة مع الموثقة ، ولا في البينتين المتنافيتين لوضوح أن إحداهما


1) رسالة في الاجتهاد والتقليد ( الأصفهاني ) : 54.

لا تتقدّم على الأُخرى بمجرّد كونها أقرب إلى الواقع كما إذا كانت أوثق من الأُخرى مع أن حجية الطرق والأمارات من باب الطريقية إلى الواقع ، فكذلك الحال في الفتويين المتعارضتين كما عرفت.

وأما ما أفاده شيخنا المحقق قدس سره من أن نسبة العالم إلى الأعلم نسبة الجاهل إلى العالم ، فهو وإن كان صحيحاً على ما أوضحناه آنفاً إلاّ أنه بالإضافة إلى المزايا والخصوصيات الدخيلة في حسن السليقة والاستدلال ، وأما بالإضافة إلى الاستنباط أصله وردّ الأصل إلى الفرع فهما على حدّ سواء ، كيف وكلاهما مجتهد ومن ثمّة لا يسوغ له الرجوع إلى الأعلم بل قد يخطئه ، وجاز تقليده على تقدير فقد الأعلم. والمتحصل : أن العالم والأعلم بالإضافة إلى العناوين الواردة في أدلة التقليد ، متساويان ولا موجب لتقديم أحدهما على الآخر.

فالصحيح في الحكم بوجوب تقليد الأعلم ، هو السيرة العقلائية الّتي استكشفنا إمضاءَها من عدم الردع عنها في الشريعة المقدسة.

الشك في حجية فتوى غير الأعلم

إذا أثبتنا حجية فتوى غير الأعلم عند العلم بالمخالفة بينه وبين الأعلم في الفتوى أو أثبتنا عدم حجيتها فلا كلام ، وأما لو شككنا في حجيتها وعدمها فهل الأصل يقتضي التخيير بينهما أو أنه يقتضي الأخذ بما يحتمل تعينه وهو فتوى الأعلم؟ وهذا بعد الفراغ عن أن العامّي غير مكلف بالاحتياط لعدم قدرته عليه أو لاستلزامه سدّ باب التقليد بالكلّية ، فالكلام إنما هو بعد العلم بعدم وجوب الاحتياط على العامّي.

فقد يقال : إن الأصل عند دوران الأمر بين الحجية التعيينية والتخييرية يقتضي التخيير ، فإن حاله حال دوران الأمر بينهما في الأحكام فكما أن الأمر لو دار بين كون صلاة الجمعة مثلاً واجبة تعيينية وبين أن تكون واجبة تخييرية بأن يكون المكلف مخيراً بين صلاتي الجمعة والظهر ، دفعنا احتمال التعين في الجمعة بالبراءة إذ الإلزام بالجامع معلوم والشك في اعتبار الخصوصية الزائدة عليه أعني خصوصية الجمعة وحيث إنه تقييد وكلفة زائدة فيدفع وجوبها بالبراءة ، فكذلك الحال في المقام فإن

أصل الحجية الجامعة بين التعيينية والتخييرية معلوم وخصوصية إحداهما مشكوك فيها والبراءة تقتضي عدمها. إذن النتيجة أن الحجية تخييرية وللمكلف أن يرجع إلى فتوى الأعلم أو يرجع إلى فتوى غير الأعلم.

والصحيح أن الأصل عند دوران الأمر بين الحجية التعيينية والحجية التخييرية يقتضي الأخذ بما يحتمل تعينه ، ولا وجه لقياسه بما لو دار الأمر بين التعيين والتخيير في الأحكام لأنه مع الفارق ، وتوضيح ذلك : أن الحجية قد يراد بها تنجز الواقع فحسب كما إذا لم يكن الواقع منجّزاً على المكلف لو لا الحجة الواصلة إليه ، فإن المورد لولا تلك الحجة مورد لأصالة الإباحة أو الطهارة أو غيرهما ، ولم يتنجز الواقع على المكلف إلاّ بما قامت عنده من الحجة فلم يترتب عليها سوى تنجز الواقع فحسب.

وقد يراد بها التعذير فقط كما إذا كان الواقع منجّزاً على المكلف مع قطع النظر عن قيام الحجة عنده ، إما بالعلم الإجمالي الكبير لأنه يعلم أن في الشريعة المقدسة أحكاماً إلزامية يجب الخروج عن عهدتها ، وإما بالعلم الإجمالي الصغير المتحقق في بعض الموارد كالعلم الإجمالي بوجوب صلاة الجمعة أو الظهر يوم الجمعة ، فإن الواقع منجّز عليه قبل الحجة الواصلة إليه ، فلا يراد منها إلاّ التعذير على تقدير الخلاف.

فهناك مقامان للكلام :

المقام الأوّل : ما إذا كان الواقع غير منجز على المكلف ، لأن المورد تجري فيه الأُصول النافية للتكليف ، وإنما يتنجز بالحجة الواصلة إليه وقد دار الأمر فيه بين الحجية التعيينية والتخييرية ، والتحقيق أن الأصل يقتضي التخيير حينئذٍ وذلك لأن حال المقام حال الدوران بين التعيين والتخيير في الأحكام ، وقد ذكرنا في محلّه أنه مورد للتخيير وذلك للعلم بالإلزام بالجامع بين الشيئين أو الأشياء والشك في مدخلية الخصوصية في الواجب وعدمها ، وهو على ما ذكرناه في محلّه من الشك في الإطلاق والاشتراط ومعه تجري البراءة عن التقييد لأنه كلفة زائدة وضيق ، وحيث إن التقييد بالخصوصية مشكوك فيه للمكلف فيدفع بالبراءة ، فإن العقاب على المجهول حينئذٍ عقاب بلا بيان. وفي المقام التكليف بالجامع بينهما أعني أحدهما لا بعينه معلوم لا شك

فيه ، وإنما الشك في أن خصوصية هذا أو ذاك هل لها مدخلية في متعلق الوجوب أو لا مدخلية لها ، ولا شبهة في أن اعتبار الخصوصية كلفة زائدة وموجب للضيق على المكلف فمقتضى أصالة البراءة أن الخصوصية غير معتبرة في متعلق الوجوب. وعلى الجملة أن دوران الأمر بين التعيين والتخيير من الشك في الإطلاق والتقييد بعينه. إذا عرفت هذا فنقول :

إن الحجية في مفروض الكلام لما كانت بمعنى التنجيز فقط ، ودار أمرها بين التعيينية والتخييرية كان ما أدّت إليه إحدى الفتويين لا على التعيين منجّزاً على المكلف بحيث لو تركهما معاً استحق العقاب عليه ، لأنه ترك للواجب المنجّز على الفرض وأما ما أدّت إليه إحداهما المعينة فلا علم بتنجّزه بحيث لو تركه المكلف يستحق العقاب عليه ولو مع الإتيان بما أدّت إليه فتوى الآخر ، فحيث إن المكلف يعلم بتنجز ما أدّت إليه إحدى الفتويين غير المعينة ويشك في تنجّز ما أدّت إليه إحداهما المعينة وهو تكليف زائد مشكوك فيه ، فمقتضى أصالة البراءة عدم توجه التكليف بالخصوصية الزائدة المشكوك فيها فإن العقاب عليها عقاب بلا بيان. ومعه يتخيّر المكلف بين أن يأخذ بهذا أو بذاك ، ولا يمكنه ترك العمل على طبقهما معاً. وأما ترك العمل بهذا بخصوصه أو ذاك كذلك فهو مرخص فيه حسبما تقتضيه أصالة البراءة عن التقييد. فالأصل في دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية بمعنى المنجّز يقتضي التخيير كما هو الحال في التكاليف الشرعية.

المقام الثاني : ما إذا كان الواقع منجّزاً على المكلف بالعلم الإجمالي الكبير أو العلم الإجمالي المتحقق في بعض الموارد ، ولم يترتب على حجية الحجة سوى التعذير على تقدير الخلاف ، ودار الأمر بين الحجية التعيينية والتخييرية والأصل حينئذٍ يقتضي الأخذ بما يحتمل تعينه ، وذلك لأن الواقع منجّز على المكلف ولا مناص من أن يخرج عن عهدته ، ولا إشكال في أن العمل على طبق ما يحتمل تعينه في الحجية معذّر قطعاً لأنه إما حجة معينة أو أنه أحد فردي الحجة التخييرية. وأما العمل بما يحتمل أن يكون حجة تخييرية فلم يحرز كونه معذّراً ، إذ نحتمل أن لا تكون حجة أصلاً فلا يؤمن من العقاب بالاعتماد عليه ، والعقل قد استقل بلزوم دفع الضرر المحتمل بمعنى

العقاب وهذا هو الّذي يقال : الشك في الحجية يساوق القطع بعدمها. وحيث إنّا بيّنا في أوائل الكتاب (1)أن الأحكام الواقعية متنجّزة على كل مكلف بالعلم الإجمالي الكبير للعلم بأن في الشريعة أحكاماً إلزامية وجوبية أو تحريمية ، فتكون حجية الحجج الّتي منها فتوى الفقيه معذّرة فحسب ، وقد عرفت أن دوران الأمر بين الحجة التعيينية والتخييرية بهذا المعنى مورد لقاعدة الاشتغال والأصل فيه يقتضي التعيين.

ومن هنا يتّضح أن وجوب تقليد الأعلم على هذا التقدير إنما هو من باب الاحتياط ، لا أنه مستند إلى الأدلّة الاجتهادية فإن مفروضنا أن الأدلة لم يستفد منها وجوب تقليد الأعلم وعدمه وانتهت النوبة إلى الشك ، وإنما أخذنا بفتوى الأعلم لأن العمل على طبقها معذّر على كل حال فهو أخذ احتياطي تحصيلاً للقطع بالفراغ لا أن فتواه حجة واقعية ، هذا.

وربما يقال : الاستصحاب قد يقتضي جواز الرجوع إلى فتوى غير الأعلم فيكون الاستصحاب هو المعذّر على تقدير المخالفة ، وذلك كما في المجتهدين المتساويين في الفضيلة فإن المكلف مخيّر بينهما ، فلو قلّد أحدهما تخييراً ثمّ تجدّدت الأعلمية للآخر فإنه إذا شكّ في جواز تقليد غير الأعلم فمقتضى الاستصحاب هو الجواز وبقاء فتوى غير الأعلم على حجيتها ، وبذلك نلتزم بجواز تقليده مطلقاً لأنه لو ثبت جواز تقليد غير الأعلم وحجية فتواه في موردٍ ثبتت في بقية الموارد لعدم القول بالفصل ، إذ لا يحتمل أن تكون فتوى غير الأعلم حجة في بعض الموارد وغير حجة في بعضها حيث إنها لو كانت قابلة للحجية فهي كذلك في جميع الموارد ، ولو لم تكن كذلك فليست بحجة في الجميع.

والجواب عن ذلك بوجوه :

أما أوّلاً : فلأن استصحاب الحجية لفتوى غير الأعلم أو جواز تقليده من الاستصحابات الجارية في الأحكام ، وقد بيّنا غير مرة أن الشبهات الحكمية والأحكام الكلّية الإلهية ليست مورداً للاستصحاب.


1) راجع ص 6.

وأما ثانياً : فلأن الاستصحاب على تقدير جريانه في الشبهات الحكمية ليست له حالة سابقة في المقام فإن التخيير بين المجتهدين المتساويين لم يثبت بدليل ، بل مقتضى القاعدة في المتعارضين هو التساقط على ما مرّ غير مرة. فالحجية التخييرية غير ثابتة من الابتداء.

وأما ثالثاً : فلأنا لو بنينا على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية وعلى ثبوت التخيير في المجتهدين المتساويين أيضاً ، لم يمكننا استصحاب التخيير بوجه وذلك لأنه من إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر ، وسرّه أن موضوع الحكم بالتخيير إنما هو تساوي المجتهدين في الفضيلة ، ومع تجدد الأعلمية لأحدهما لا موضوع للتخيير لنستصحبه ، لأن التخيير لم يثبت لفتوى المجتهدين في ذاتها وإنما ثبت لفتواهما بما أنهما متساويان ، ومع التبدل وزوال موضوعه لا معنى لاستصحاب التخيير بوجه.

وأما رابعاً : فلأن استصحاب التخيير مع الغض عن جميع المناقشات المتقدمة معارض باستصحاب وجوب تقليد الأعلم تعييناً في بعض الموارد ، كما إذا فرضنا شخصين أحدهما متمكن من الاستنباط ومجتهد في الأحكام دون الآخر فقلّد العامّي المجتهد منهما لوجوبه عليه تعييناً ثمّ بعد ذلك تجدد للآخر الاجتهاد ، إلاّ أن الأول أعلم منه فإنه إذا شكّ حينئذٍ في جواز الرجوع إلى من تجدد له الاجتهاد أو تعيّن البقاء على تقليد الأول لأعلميته ، كان مقتضى الاستصحاب تعيّن البقاء على فتوى الأعلم لا محالة لأنه الحالة السابقة على الفرض ، فإذا وجب تقليد الأعلم في مورد واحد وجب في جميع الموارد لعدم القول بالفصل ، فالاستصحابان متعارضان ومعه لا يمكن الاعتماد على شي‌ء من الاستصحابين ، ومقتضى قاعدة الاشتغال تعيّن تقليد الأعلم وقتئذٍ.

وأما خامساً : فلأن استصحاب الحجية في بعض الموارد غير صالح لأن تثبت به حجية فتوى غير الأعلم مطلقاً ، والوجه في ذلك أن المثبت لحجية فتوى غير الأعلم في بعض الموارد إنما يمكن أن يثبت به حجيتها مطلقاً وفي جميع الموارد ، فيما إذا كان من الأدلة الاجتهادية كالخبر الواحد مثلاً للملازمة الواقعية بين كونها حجة في بعض

الموارد وكونها حجة مطلقاً المستكشفة بعدم القول بالفصل ، فإن الأدلة الاجتهادية كما أنها معتبرة في مداليلها المطابقية كذلك تعتبر في مداليلها الالتزامية على ما بيّناه في محلّه. وأما إذا كان المثبت لحجيتها هو الأصل العملي كالاستصحاب ، فلا يترتب عليه سوى حجية فتوى غير الأعلم في مورد جريانه فحسب ، وذلك لتقوّمه باليقين السابق والشك اللاّحق ، ولا معنى للتمسك به فيما ليس هناك يقين سابق وشك لاحق. اللّهُمَّ إلاّ أن نقول بالأصل المثبت فإنه باستصحاب حجية فتوى غير الأعلم في بعض الموارد يثبت حجيتها مطلقاً للملازمة الثابتة بينهما بعدم القول بالفصل.

وقد يفصّل في المقام بين ما إذا كانت الأمارات الشرعية الّتي منها فتوى الفقيه حجة من باب الكاشفية والطريقية ، فيلتزم بالأخذ بما يحتمل تعيّنه عند دوران الأمر بين التعيين والتخيير كما قررنا تقريبه ، وبين ما إذا قلنا باعتبارها من باب السببية والموضوعية فيقال إن القاعدة تقتضي التخيير وقتئذٍ ، وذلك لأن الحجية الثابتة لفتوى غير الأعلم كالحجية الثابتة لفتوى الأعلم بناء على السببية وإن كانت مشتملة على المصلحة والملاك ، إذ الحجية حسبما يستفاد من الآيات والأخبار مترتبة على فتوى الفقيه وهو ينطبق على كلا المجتهدين ، إلاّ أن الحجية لفتوى غير الأعلم ليست بفعلية بالوجدان ، فإن فتوى الأعلم مانعة عن الحجية الفعلية لغيرها.

وسرّه أن الحجية الفعلية في كلتا الفتويين أمر غير معقول ، ولا نحتمل أن تكون الأعلمية مانعة عن الفعلية في فتوى الأعلم. إذن يتعيّن أن تكون الأعلمية مانعة عن الفعلية في فتوى غير الأعلم ، وعلى الجملة أن حجية فتوى غير الأعلم ليست بفعلية بالوجدان وأما الحجية بالإضافة إلى فتوى الأعلم فيحتمل أن تكون فتوى غير الأعلم مانعة عن فعليتها كما يحتمل فعليتها. إذن تكون فعلية الحجية في فتوى الأعلم مشكوكة ومقتضى قاعدة قبح العقاب بلا بيان عدم وجوب اتباعها ، والنتيجة أن الحجية بالإضافة إلى كلتا الفتويين ليست بفعلية وغاية الأمر أن عدم الفعلية في إحداهما بالوجدان وفي الأُخرى بالأصل فلا يجب اتباع هذه ولا تلك. وحيث إن العقل مستقل بعدم جواز ترك العمل على كلتيهما لأن المتعذر إنما هو استيفاء كلتا المصلحتين ، وأما استيفاء إحداهما فهو ميسور للمكلف فلا يرخّص العقل في تركهما

معاً لأنه تفويت اختياري بلا سبب ، فلا مناص من اتباع إحدى الفتويين تخييراً.

والكلام في الجواب عن ذلك يقع في جهات :

الاولى : أن السببية هل يمكن الالتزام بها في حجية الطرق والأمارات أو أنها باطلة بأقسامها؟ وقد قرّرنا في محلّه (1)أن السببية بجميع أقسامها حتى السببية المنسوبة إلى بعض العدلية أعني بها الالتزام بالمصلحة في السلوك ، باطلة ولا نطيل الكلام بإعادته.

الثانية : أن القاعدة في موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير على القول بالسببية ، هل تقتضي التساقط أو أنها تقتضي التخيير؟ وقد قدّمنا الكلام في ذلك أيضاً في محلّه وقلنا إن القاعدة تقتضي التساقط في المتعارضين حتى على القول بالسببية وحيث إن حجية فتوى الأعلم وغير الأعلم من باب التعارض ، لعدم إمكان جعل الحجية لكلتا الفتويين لاستلزامه الجمع بين الضدين أو النقيضين ، فدليل الحجية في كل منهما ينفي الحجية عن الأُخرى بالالتزام ، فهما متعارضان ولا مناص من الحكم بتساقطهما.

وليس المقام من باب التزاحم وعدم قدرة المكلف على امتثالهما معاً ، بل هما متنافيان بحسب الجعل فإذا سقطت الفتويان عن الحجية لم تبق هناك أية مصلحة حتى يستقل العقل بلزوم استيفاء إحدى المصلحتين ووجوب اتباع إحدى الفتويين تخييراً ومن الظاهر أن الأمر بالاتباع إنما هو فيما ثبتت حجيته من الطرق ولا يمكن التفوّه بأن المصلحة قائمة بذواتها وإن لم تكن حجة شرعاً ، لأنه أي مصلحة في اتباع فتوى من لم يحكم بحجيتها لكفره أو فسقه أو لغيرهما من الجهات.

الثالثة : أنّا لو بنينا على أن المقام من صغريات باب التزاحم ، فهل تقتضي القاعدة التخيير في المتزاحمين أو أنها تقتضي الأخذ بما يحتمل أهميته ، وحيث أن المصلحة القائمة بالعمل على فتوى الأعلم تحتمل أهميتها فيتعيّن الرجوع إليه عند دوران الأمر بين تقليده وتقليد غير الأعلم؟


1) مصباح الأُصول 2 : 95.

ذكرنا في محلّه (1)أن المتزاحمين إذا علمنا أهمية أحدهما لم يكن أي مسوّغ لرفع اليد عن الآخر المهم بالكلّية ، بل اللاّزم أن يرفع اليد عن إطلاقه فحسب ، فإن الضرورات تتقدر بقدرها ، والتنافي بينهما يرتفع بتقييد إطلاق المهم بما إذا ترك الإتيان بالأهم فلا مقتضي لرفع اليد عن المهم رأساً ، ومن هنا ذكرنا أن الترتب أمر ممكن وأنه على طبق القاعدة ، إذ لا منافاة بين الأمر بالأهم على نحو الإطلاق وبين الأمر بالمهم على تقدير ترك الأهم ، هذا إذا علمنا أهمية أحدهما معيناً.

وأما إذا كانا متساويين فلا مناص من رفع اليد عن الإطلاق في كليهما وتقييده بما إذا لم يأت بالآخر ، إذ بذلك يرتفع التنافي بينهما وهو الترتب من الجانبين وتكون النتيجة أن المكلف مخيّر بينهما.

وأما إذا احتملنا الأهمية في أحدهما المعيّن دون الآخر فإطلاق ما لا يحتمل أهميته مقيّد لا محالة. وأما إطلاق ما نحتمل أهميته فلا علم لنا بتقييده ، لأنه على تقدير كونه أهم يبقى إطلاقه بحاله كما أنه يقيد إذا كان مساوياً مع الآخر ، فإذا شككنا في ذلك فلا مانع من التمسك بإطلاقه لعدم العلم بورود التقييد عليه ، هذا كلّه في كبرى المسألة.

وأما تطبيقها على محل الكلام فلا شبهة في أن الأهمية غير محرزة في فتوى الأعلم وإلاّ لتعيّن الرجوع إليه ، إذ الكلام فيما إذا لم نعلم بذلك وشككنا في تعيّنه إلاّ أن احتمال الأهمية موجود بالوجدان وهذا بخلاف فتوى غير الأعلم إذ لا يحتمل فيها الأهمية بوجه. إذن لا مانع من التمسك بإطلاق الأدلة المتقدمة القائمة على حجية فتوى الفقيه لعدم العلم بتقييدها بالإضافة إلى فتوى الأعلم ، كما علمنا بتقييدها بالإضافة إلى فتوى غير الأعلم ، ومع وجود الدليل الاجتهادي والإطلاق لا تصل النوبة إلى الأصل العملي حتى يقال : إن احتمال فعلية الأمر باتباع فتوى الأعلم مندفع بالبراءة لقبح العقاب من دون بيان.

مضافاً إلى أن البراءة غير جارية في نفسها ، وذلك لأن العقل كما أنه يستقل بقبح مخالفة التكليف وعصيانه كذلك يستقل بقبح تفويت الملاك ، وقد فرضنا أن اتباع كل


1) محاضرات في أُصول الفقه 3 : 120.

من الفتويين يشتمل على المصلحة الملزمة ، إلاّ أن المكلف لو عمل بفتوى الأعلم فهو معذور في تركه التصدي لاستيفاء المصلحة القائمة بفتوى غير الأعلم ، وذلك لاستناده إلى العجز ، فإن المصلحة في اتباع فتوى الأعلم إما أنها مساوية للمصلحة في اتباع فتوى غير الأعلم أو أنها راجحة عليها.

وأما لو عكس ذلك واتبع فتوى غير الأعلم ، فلا معذّر له عن عدم اتباعه لفتوى الأعلم لأن المصلحة في كلتا الفتويين وإن كان يحتمل تساويها فلا يكون اتباعه لأحدهما مفوّتاً لشي‌ء ، إلاّ أن من المحتمل أن تكون مصلحة الاتباع لفتوى الأعلم أزيد من المصلحة القائمة باتباع فتوى غيره ، فيكون اختياره لغير الأعلم مفوّتاً للمصلحة الزائدة من غير عجز أو معذّر آخر لدى العقل وهو قبيح ، فحيث إنه يحتمل العقاب في أتباعه لفتوى غير الأعلم فالعقل مستقل بلزوم دفعه ، وحينئذٍ يتعيّن العمل على طبق فتوى الأعلم كما ذكرناه ، فالمقام ليس من موارد التمسك بالبراءة ومن هنا قلنا إن احتمال العجز عن امتثال أي تكليف غير مسوّغ لتركه وسرّه ما ذكرناه من استقلال العقل بلزوم تحصيل الملاكات الملزمة على كل حال ، ومع الشك في القدرة يحتمل العقاب لاحتمال أنه قادر على الامتثال واقعاً وأنه مكلف بالتحصيل ومعه لا بدّ له من أن يتصدى للامتثال ليقطع بتمكنه أو عجزه.

وعلى الجملة لا مجال للبراءة في تلك المقامات لأن فيها احتمال العقاب والعقل مستقل بلزوم دفعه ، فلا يكتفى بالشك في القدرة وعدمها.

فتلخص : أن تقليد الأعلم عند العلم بمخالفته لغير الأعلم في الفتوى هو المتعيّن هذا إذا كانت فتواه موافقة للاحتياط أو كان كل من الفتويين موافقاً للاحتياط من جهة ومخالفاً له من جهة.

وأما إذا كانت فتوى غير الأعلم موافقة للاحتياط دون فتوى الأعلم ، فالعقل وإن كان يرخّص في اتباعها وقتئذٍ ، إلاّ أنه من جهة كونه محصّلاً للعلم بالامتثال لأنه معنى الاحتياط والإتيان بالعمل رجاءً ، لا أنه مستند إلى حجية فتوى غير الأعلم بحيث يجوز إسنادها إلى اللّه سبحانه ، وذلك لما قد عرفت من تعيّن الرجوع إلى فتوى الأعلم عند العلم بالمخالفة بينه وبين غير الأعلم في الفتوى ، هذا كلّه في الصورة الثانية.

وأما الصورة الثالثة : وهي ما إذا لم تحرز المخالفة بين فتوى الأعلم وفتوى غير الأعلم فهل يجوز الرجوع إلى فتوى غير الأعلم أو يجب تقليد الأعلم حتى في هذه الصورة ، كما في صورة العلم بالمخالفة بينهما؟ الكلام في هذه الصورة يقع من جهتين :

الاولى : فيما يقتضيه الأصل العملي في المسألة.

الثانية : فيما تقتضيه الأدلة الاجتهادية.

أما الجهة الاولى : فلا ينبغي الإشكال في أن الأصل يقتضي تعيّن الرجوع إلى فتوى الأعلم لما مرّ من أن الأحكام الواقعية منجزة على المكلفين بالعلم الإجمالي بوجودها ، والعمل بفتوى المجتهد إنما هو للتعذير عن المخالفة للواقع ، والعمل بفتوى الأعلم معذّر قطعاً ومعذرية العمل بفتوى غير الأعلم مشكوك فيها. ومع دوران الأمر بين التعيين والتخيير الأصل يقتضي التعيين كما مرّ في الصورة الثانية ، إلاّ أن الأصل لا يعارض الدليل فلا مناص من ملاحظة الأدلة الاجتهادية لنرى أنها تدلّنا على جواز الرجوع إلى غير الأعلم أو لا تدل.

أما الجهة الثانية : فيقع الكلام فيها أولاً فيما يستدل به على عدم جواز الرجوع إلى فتوى غير الأعلم عند الشك في مخالفتها لفتوى الأعلم وتعيّن الرجوع إلى تقليد الأعلم ، وثانياً فيما استدل به على جواز تقليده.

وقد استدلّوا على عدم الجواز في هذه الصورة بما استدلوا به على عدم جوازه في صورة العلم بالمخالفة بينهما في الفتوى ، من أن الأدلة غير شاملة لفتوى غير الأعلم وكذا الإجماع ، والأقربية ، ومقبولة عمر بن حنظلة ، وعهد أمير المؤمنين علیه السلام إلى مالك الأشتر وغيرها.

ويرد على الجميع : أن شيئاً من ذلك لم تتم دلالته على وجوب تقليد الأعلم عند العلم بالمخالفة بينه وبين غير الأعلم ، فضلاً عن أن تدل على تعينه عند عدم العلم بالمخالفة بينهما. ونزيده : أن الاستدلال بعدم شمول الأدلة لفتوى غير الأعلم ، والأقربية والمقبولة لو تمّ فإنما يختص بصورة العلم بالمخالفة ، وأما مع الشك في المخالفة واحتمال موافقتهما فلا تعارض لئلاّ تشملها الأدلة كما لا معنى للأقربية وقتئذٍ ، وكذا المقبولة موردها فرض العلم بالمخالفة ، فالاستدلال بها على تعيّن الرجوع إلى الأعلم في صورة

عدم العلم بالمخالفة مما لا وجه له ، هذا.

وأما ما استدل به على جواز الرجوع إلى فتوى غير الأعلم ، إذا لم يعلم المخالفة بينه وبين الأعلم فهو أُمور :

الأوّل : إطلاقات الأدلة القائمة على حجية فتوى الفقيه من الآية والأخبار المتقدمتين وقد خرجنا عنها في صورة العلم بالمخالفة وبقيت صورة العلم بالموافقة بينهما وكذا صورة الشك في المخالفة مشمولة لإطلاقها ، حيث دلت على جواز تقليد الفقيه من غير تقييده بما إذا كان أعلم.

وقد يناقش في الاستدلال بالمطلقات بأن صورة العلم بالمخالفة قد خرجت عنها كما عرفت ، ومع الشك في الموافقة والمخالفة لا مجال للتمسك بإطلاقها ، لأنه من التمسك بالعموم والإطلاق في الشبهات المصداقية وذلك لاحتمال مخالفتهما في الفتوى واقعاً.

وأُجيب عن ذلك بأن التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية وإن لم يجز إذا كان المخصص لفظياً ، إلاّ أنه في المخصصات اللبية مما لا مانع عن التمسك به ، والأمر في المقام كذلك فإن صورة العلم بالمخالفة إنما خرجت عن المطلقات من جهة أن شمول أدلة الحجية للمتعارضين يستلزم الجمع بين الضدين أو النقيضين ، ومع كون المخصص لبياً لا مانع من التمسك بالعموم.

ويرد على هذا الجواب : ما قررناه في محلّه (1)من أنه لا فرق في عدم جواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية بين أن يكون المخصص لفظياً أو لبياً ، فإن التقييد والتخصيص يعنونان العام بعنوان ما لا محالة ، لاستحالة الإهمال في مقام الثبوت كاستحالة الإطلاق بعد العلم بالتقييد ، إذن يتعيّن أن يكون المطلق أو العام مقيداً بغير عنوان المخصص ، ولم يحرز أن العنوان المقيد صادق على المورد المشكوك فيه ، ومع عدم إحرازه لا مجال للتمسك بالإطلاق أو العموم.

والصحيح في الجواب أن يقال : إن المناقشة غير واردة في نفسها وذلك لأن الشبهة وإن كانت مصداقية كما مرّ إلاّ أن هناك أصلاً موضوعياً يحرز به أن المورد المشتبه من


1) محاظرات في أُصول الفقه 5 : 196.

الأفراد الباقية تحت العموم ، وذلك لأن إحراز فردية الفرد قد يكون وجدانياً وقد يكون بالتعبّد ، ومن هنا قلنا في محله إن المرأة المشكوكة قرشيتها ببركة أصالة عدم القرشية داخلة تحت الأدلة الدالة على أن المرأة تحيض إلى خمسين ، وفي المقام أيضاً نقول : إن المخالفة بين المجتهدين أمر حادث مسبوق بالعدم ، ومع الشك في تحققها يبنى على عدمها بمقتضى استصحاب العدم الأزلي ، لأن الأصل عدم تحقق المخالفة بينهما فببركة هذا الأصل يمكننا إحراز أن المشتبه من الأفراد الباقية تحت العموم. بل إحراز ذلك بالاستصحاب النعتي أيضاً ممكن في المقام لأن المجتهدين كانا في زمان ولم يكونا مخالفين في الفتوى ولو من جهة عدم بلوغهما مرتبة الاجتهاد ، ومقتضى الأصل أنهما الآن كما كانا سابقاً.

وربما يورد على هذا الاستدلال بأن التمسك بالمطلقات يشترط فيها الفحص عن المقيد والمعارض والجامع مطلق ما ينافي إطلاق الدليل ولا يجوز التمسك بها من دون فحص ، وحيث إن فتوى الأعلم يحتمل أن تكون مخالفة لفتوى غير الأعلم فلا مناص من أن يفحص ليظهر أنهما متخالفتان حتى لا تشملهما المطلقات أو أنهما متوافقتان فعلى الأوّل لا يجوز الرجوع إلى غير الأعلم وعلى الثاني يجوز.

ويدفعه : أن التمسك بالإطلاق وإن كان يعتبر فيه الفحص عن مقيداته ومعارضاته بل عن مطلق ما ينافي الدليل بحكومة ونحوها ، إلاّ أنه خاص بالشبهات الحكمية ، فلا يسوغ التمسك بعموم الدليل قبل الفحص عن مخصصة ، ولا يعتبر ذلك في الشبهات الموضوعية بوجه ، مثلاً إذا قامت بينة على ملكية دار لزيد لم يعتبر في حجيتها الفحص عمّا يعارضها من البينات ولو مع العلم بوجود عدول يحتمل شهادتهم بأن الدار ليست لزيد. ومقامنا هذا من هذا القبيل ، لأنه من الشبهات الموضوعية لأن مفروض الكلام العلم بعدم اعتبار فتوى غير الأعلم في فرض المخالفة وإنما نشك في أنهما متخالفان أو متوافقان فالشبهة موضوعية.

والوجه في عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية هو أن ما يقتضي لزوم الفحص في الشبهات الحكمية عن المنافيات أحد أمرين على سبيل منع الخلو :

أحدهما : أن ديدن الأئمة علیهم السلام جرى على التدرج في بيان الأحكام

الشرعية وما اعتبر فيها من القيود والشروط ، ولم يبيّنوها بقيودها وخصوصياتها في مجلس واحد مراعاة للتقية ومحافظة على أنفسهم وتابعيهم عن القتل أو غيره من الأذى أو لغير ذلك من المصالح ، ومن هنا ترى أن العام يصدر من إمام والمخصص من إمام آخر ، أو أن حكماً يصدر من أحدهم علیهم السلام فيصدر منه نفسه أو من إمام آخر خلافه ، ومع العلم بحال المتكلم وديدنه لا تجري في كلامه أصالة عدم القرينة قبل الفحص ، أو أنها لو جرت وانعقد لكلامه ظهور في نفسه لم تجر فيه أصالة حجية الظهور الّتي هي أصل عقلائي لاختصاصها بما إذا لم تجر عادة المتكلم على التدرج في بيان مراداته ومقاصده ، ومع عدم جريانها لا يعتمد على ظواهر كلامه لعدم حجيتها حينئذٍ.

ثانيهما : العلم الإجمالي بأن العمومات والمطلقات الواردتين في الكتاب والسنّة قد ورد عليهما مقيدات ومخصصات كثيرة ، حتى ادعي أن الكتاب لا يوجد فيه عام لم يرد عليه تخصيص ، فلأجل ذلك وجب الفحص عن المنافيات حتى يخرج المورد عن الطرفية للعلم الإجمالي بالتخصيص والتقييد.

وهذان الوجهان كما ترى لا يأتي شي‌ء منهما في المقام : أما مسألة جريان عادة المتكلم على عدم بيان القيود والخصوصيات الدخيلة في حكمه في مجلس واحد فلأجل أنه لا موضوع لها في المقام ، حيث إن فتوى أحد المجتهدين ليست مبينة ومقيدة أو حاكمة على فتوى المجتهد الآخر بل فتوى كل منهما تصدر عن اجتهاده ونظره ولا ربط لإحداهما إلى الأُخرى بوجه.

وأما العلم الإجمالي بالتقييد ، فلأنه ليس هناك أي علم إجمالي بالمخالفة في الفتوى بين المجتهدين لاحتمال موافقتهما بل قد يقطع بها كما في أكثر العوام لاعتقادهم أن الشريعة واحدة فلا اختلاف في أحكامها وفتاوى المجتهدين ، أو لو فرضنا أن الخواص قد علموا بينهما بالمخالفة ولو على سبيل الإجمال وفي بعض الموارد ، فليس لهم علم بالمخالفة في المسائل الّتي هي مورد الابتلاء ، والمراد بالمخالفة ما قدّمناه وهو أن يكون فتواهما متنافيتين مع كون فتوى غير الأعلم مخالفة للاحتياط وهي مما لا علم به ولو إجمالاً ومع عدم جريان شي‌ء من الوجهين في المقام لا مقتضي لوجوب الفحص

ويجب الفحص عنه (1).


بوجه ، فلا مانع من التمسك بالإطلاق من غير فحص عمّا يخالفه.

الثاني : أن الأئمة علیهم السلام قد أرجعوا عوام الشيعة إلى أصحابهم كزكريا بن آدم ، ويونس بن عبد الرحمن وأضرابهما وهم على تقدير كونهم متساوين في الفضيلة فلا أقل من أن بينهم الإمام علیه السلام الّذي لا يحتمل فيه الخطأ ، فإذا جاز تقليد غير الأعلم مع وجود من لا يحتمل فيه الخطأ والاشتباه عند عدم العلم بالمخالفة بينهما جاز تقليد غير الأعلم مع وجود الأعلم المحتمل فيه الخطأ والاشتباه ، لأنه لا سبيل له إلاّ إلى الأحكام الظاهرية المحتملة المخالفة للواقع بطريق أولى.

الثالث : السيرة العقلائية الجارية على الرجوع إلى غير الأعلم في جميع الحِرف والصنائع عند عدم العلم بمخالفته لمن هو أعلم منه ، لعدم التزامهم بالرجوع إلى الأعلم مطلقاً حتى يبقى غير الأعلم عاطلاً. وهذا أمر نشاهده في مراجعاتهم إلى الأطباء والمهندسين وغيرهم من أرباب العلوم والفنون ، وحيث لم يردع عنها في الشريعة المقدسة ، فنستكشف أنها ممضاة عند الشارع. نعم ، عند العلم بالمخالفة لا بدّ من الرجوع إلى الأعلم كما مرّ ، هذا كلّه في وجوب تقليد الأعلم.

والمتحصل : أنه لا دليل على وجوب تقليده في هذه الصورة وإن كان ظاهر عبارة الماتن وجوب تقليد الأعلم مطلقاً ولو في صورة عدم العلم بالمخالفة.

وجوب الفحص عن الأعلم

(1) المكلف إذا ميّز الأعلم من المجتهدين فلا كلام ، وأما إذا لم يشخّصه بعينه ، فإن أراد أن يحتاط في عمله بالجمع بين الفتويين لم يجب عليه الفحص عن أعلمهما ، لعدم وجوب تعيّن المجتهد المقلّد حينئذٍ. وأما إذا لم يرد العمل بالاحتياط وجب عليه الفحص عنه لوجوب تقليد الأعلم على الفرض ، فإذا عمل بفتوى أحدهما من غير فحص عن أعلميته لم يقطع بفراغ ذمته ، لاحتمال أن يكون الأعلم غيره ومعه يحتمل العقاب لعدم إحراز أن ما عمل على طبقه معذّر واقعاً. إذن وجوب الفحص عن

الأعلم وجوب إرشادي إلى عدم وقوع المكلف في معرض احتمال المخالفة والعقاب.

ثمّ إنه إذا فحص عن الأعلم وظفر به فهو ، وأما إذا لم يميّز الأعلم من المجتهدين المتعددين فإن كان متمكناً من الاحتياط وجب ، لما تقدم من أن الأحكام الواقعية متنجزة على المكلفين بالعلم الإجمالي بوجود أحكام إلزامية في الشريعة المقدسة ولا طريق إلى امتثالها سوى العمل على طبق فتوى الأعلم ، والمفروض أنه مردد بينهما أو بينهم ، وبما أنه متمكن من الاحتياط يتعيّن عليه الاحتياط تحصيلاً للعلم بالموافقة لاستقلال العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب على ما هو الحال في موارد العلم الإجمالي بأجمعها. ولا أثر في هذه الصورة للظن بالأعلمية أو احتمالها في أحدهما أو أحدهم وذلك لما تقدم من أن أدلة الاعتبار قاصرة الشمول للمتعارضين ، ومعه لا دليل على حجية شي‌ء من الفتويين ليكون الظن بها أو احتمالها موجباً للأخذ به. بل اللاّزم وقتئذٍ هو الاحتياط حتى يقطع بفراغ ذمته عمّا اشتغلت به من الأحكام الإلزامية المعلومة بالإجمال.

وأما إذا لم يتمكن من الاحتياط إمّا لأن أحدهما أفتى بوجوب شي‌ء والآخر بحرمته أو أنه أفتى بوجوب القصر والآخر بوجوب التمام ، إلاّ أن الوقت لم يسع للجمع بين الصلاتين فيتخيّر بينهما ، للعلم بوجوب تقليد الأعلم وهو مردد بين شخصين أو أشخاص من غير ترجيح لبعضهم على بعض ، وفي هذه الصورة إذا ظن بالأعلمية أو احتملها في أحدهما أو أحدهم تعيّن الأخذ بفتوى من ظن أو احتمل أعلميته.

ولا يقاس هذه الصورة بالصورة المتقدمة أعني ما إذا تمكن من الاحتياط ، لأن التعارض هناك قد أوجب تساقط الفتويين عن الحجية فلم يجعل شي‌ء منهما حجة على المكلف حتى يميز بالظن أو الاحتمال ، وهذا بخلاف المقام لأنه لا مناص للمكلف من أن يتبع إحدى الفتويين ، إذ لا يكلف بالاحتياط لفرض أنه متعذر في حقه ، ولا ترتفع عنه الأحكام المتنجزة لتمكنه من العمل بإحداهما. إذن لا بدّ له من اتباع إحدى الفتويين ، وحيث إنه يحتمل الأعلمية أو يظنها في أحدهما أو أحدهم فيدور أمره بين أن يكون كل من الفتويين حجة تخييرية في حقه ، وبين أن تكون فتوى من يظن

أعلميته أو يحتملها حجة تعيينية ، وقد عرفت أن العقل مستقل بلزوم الأخذ بما يحتمل تعينه للعلم بأنه معذّر على كل حال ولا علم بمعذّرية الآخر ، هذا كلّه فيما إذا علم المكلف باختلافهما أو اختلافهم في الفتوى علماً تفصيلياً أو إجمالياً مع العلم باختلافهما في الفضيلة.

وأما لو علم بالاختلاف ، ولم يعلم اختلافهما في الفضيلة فلا بدّ أيضاً من الفحص لعين ما مرّ في الصورة المتقدمة. وإذا لم يميّز الأعلم إما لعدم تمكنه من الفحص أو لأنه فحص ولم يظفر به فإن كان متمكناً من الاحتياط وجب كما عرفت ، وإلاّ تخير. اللّهُمَّ إلاّ أن يظن بالأعلمية أو احتملها في أحدهما المعيّن أو أحدهم ، لأن المتعيّن حينئذٍ هو الأخذ بفتوى من ظن أو احتمل أعلميته لما مرّ ولا نعيده.

ولا يصح في هذه الصورة التمسك باستصحاب عدم أعلمية أحدهما عن الآخر نظراً إلى القطع بعدمها قبل أن يصل مرتبة الاجتهاد ، فإذا شككنا في انقلابه واتصافه بالأعلمية بعد الاجتهاد استصحبنا عدمها وبه نثبت التخيير حتى مع الظن بالأعلمية أو احتمالها في أحدهما.

وذلك لأن معنى هذا الاستصحاب أن من ظن أو احتمل أعلميته لم يحصّل قوة زائدة على قوة الآخر ، وهذا كما ترى معارض باستصحاب عدم تحصيل الآخر قوة تساوي قوة من ظنت أو احتملت أعلميته. على أنه لا يثبت به التساوي ، ومعه لا يمكن الحكم بالتخيير بينهما لأن موضوعه التساوي الغير المحرز في المقام.

وأما لو علم باختلافهما في الفضيلة على نحو الإجمال ولم يعلم اختلافهما في الفتوى ، أو لم يعلم اختلافهما أصلاً لا في الفضيلة ولا في الفتوى فلا يجب الفحص فيهما عن الأعلم لعدم وجوب تقليده. بل يتخيّر المكلف بينهما ، فإن مقتضى إطلاق الأدلة حجية فتوى كل من الأعلم وغير الأعلم. ودعوى أن ذلك من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية قد قدّمنا الجواب عنها عند التكلم على وجوب تقليد الأعلم فراجع.

[13] مسألة 13 : إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخيّر بينهما (1)(1) التخيير عند تساوي المجتهدين


التخيير عند تساوي المجتهدين

(1) إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة أو احتملنا الأعلمية في كل منهما فالكلام قد يقع في صورة عدم العلم بالمخالفة بينهما فيما هو محل الابتلاء ، وأُخرى في صورة العلم بمخالفتهما.

أما الصورة الأُولى : كما هي الغالبة في العوام ، فلا ينبغي التأمل في أن المكلف يجوز له أن يقلّد هذا أو ذاك وأنه يتخيّر بينهما لأن غير الأعلم إذا جاز تقليده عند عدم العلم بالمخالفة بينه وبين الأعلم ، جاز أن يقلّد كلا من المجتهدين المتساويين في تلك الصورة بطريق أولى ، ولا مانع من أن تشمل إطلاقات أدلة الحجية فتوى كل من المجتهدين المتساويين ونتيجته أن المكلف له أن يقلّد هذا أو ذاك.

ومعنى الحجية على ما حققناه في محلّه (2)هو جعل ما ليس بعلم علماً تعبداً أعني جعل الطريقية إلى الواقع ، وأثرها تنجيز الواقع على تقدير المصادفة والتعذير عنه على تقدير الخطأ ، وحيث إن التخيير في المقام مستند إلى العلم الإجمالي وعلى تقدير انحلاله فهو مستند إلى الاحتمال ، فالواقع متنجز على المكلف من غير ناحية فتوى المجتهدين ومعه يكون أثر الحجية هنا هو المعذّرية عن مخالفة الواقع على تقدير مخالفة الفتوى للواقع. إذن لا مانع من اتصاف كل من فتوى المجتهدين المتساويين بالحجية بمعنى المعذرية لإطلاق أدلتها ، ونتيجته أن المكلف مخير بينهما وله أن يرجع إلى هذا أو ذاك. بل الأمر كذلك حتى إذا كان أحدهما أعلم ، إذ لا علم بالمخالفة بينهما ومجرّد احتمال المخالفة غير مانع عن الحجية فإن الأصل عدمها.

ثمّ إن معنى جواز الرجوع إلى هذا أو إلى ذاك أن المكلف مخير في الأخذ وأن له أن


1) (*) مع عدم العلم بالمخالفة ، وإلاّ فيأخذ بأحوط القولين ولو فيما كان أحدهما أورع.

2) مصباح الأُصول 2 : 104.

يأخذ بهذا أو بذاك ، لا أن الحجية تخييرية. بل الحجية بمعنى الطريقية إلى الواقع والمعذّرية عنه على تقدير الخلاف ثابتة لكلتا الفتويين ، فهما حجتان تعيينيتان في نفسيهما وإن كان تنجز الحكم والمنع عن جريان البراءة مستنداً إلى أمر آخر كالعلم الإجمالي أو الاحتمال قبل الفحص ، هذا كلّه عند عدم العلم بالمخالفة بينهما.

وأما الصورة الثانية : أعني ما إذا علمنا بالمخالفة بينهما فالمعروف فيها بين الأصحاب 5 هو التخيير وما يمكن أن يستدل به على ذلك وجوه :

الأوّل : إطلاقات الأدلة القائمة على حجية فتوى الفقيه فإنها كما تشمل فتوى هذا المجتهد كذلك تشمل فتوى المجتهد الآخر والنتيجة هو التخيير بينهما.

وفساد هذا الوجه مستغن عن البيان ، لما مرّ غير مرة من أن إطلاق أدلة الاعتبار لا يمكن أن يشمل المتعارضين ، لأن شمولها لأحدهما من غير مرجح وشمولها لهما معاً يستلزم الجمع بين الضدين أو النقيضين.

الثاني : السيرة العقلائية بدعوى أنها جرت على التخيير في أمثال المقام ومن هنا لم يسمع توقفهم في العمل برأي واحد من أهل الخبرة والاطلاع إذا خالفه منهم آخر. بل السيرة المتشرعية أيضاً جارية على ذلك لأنهم يعتمدون على فتوى أحد المجتهدين المتساويين ولا يتوقفون في ذلك بوجه.

ويدفعه : أنه إن أُريد بالسيرة جريان سيرة العقلاء على التخيير عند العلم بالمخالفة بين المجتهدين المتساويين في الفضيلة فهي دعوى باطلة ، فإنها خلاف ما هو المشاهد منهم خارجاً لأنهم لا يعتمدون على قول مثل الطبيب عند العلم بمخالفته لقول طبيب آخر عند المعالجة بل يحتاطون في أمثالها إن أمكنهم الاحتياط. وإن أُريد بالسيرة سيرة المتشرعة فهي على تقدير ثبوتها ولم تثبت لم يحرز كونها متصلة بزمان المعصومين علیهم السلام إذ من أخبرنا أن مجتهدين كانا في الفضيلة على حد سواء وعملت المتشرعة على فتوى كليهما مخيراً ، ولم يردع الأئمة علیهم السلام عن فعلهم ذلك لنستكشف بذلك أن السيرة ممضاة من قبلهم وهي الّتي وصلت إلينا يداً بيد ، بل من الجائز أن تكون السيرة على تقدير كونها كذلك ناشئة من فتوى المفتين من أصحابنا بالتخيير.

الثالث : دعوى الإجماع على التخيير في المسألة.

وفيه : أنه إجماع منقول بالخبر الواحد ، ولا يمكننا الاعتماد عليه ، على أن الاتفاق غير مسلّم في المسألة ، لأنها من المسائل المستحدثة ولم يتعرض لها الفقهاء في كلماتهم فكيف يمكن معه دعوى الإجماع على التخيير بين المجتهدين المتساويين. بل لو فرضنا العلم باتفاقهم أيضاً لم يمكننا الاعتماد عليه ، إذ لا يحتمل أن يكون اتفاقهم هذا إجماعاً تعبدياً يستكشف به قول المعصوم علیه السلام وإنما هو أمر مستند إلى أحد الوجوه المذكورة في المسألة. فالمتحصّل إلى هنا أن التخيير بين المجتهدين المتساويين لم يقم عليه دليل. بل الحجية التخييرية أمر غير معقول في مقام الثبوت.

الحجية التخييرية غير معقولة

لأنها بمعنى جعل الحجية على هذا وذاك يستلزم الجمع بين الضدين أو النقيضين لأن مرجعه إلى أن الشارع قد اعتبر المكلف عالماً بالحرمة وعالماً بعدمها ، أو عالماً بحرمة شي‌ء وعالماً بوجوبه ، ومن هنا قلنا إن إطلاق أدلة الحجية غير شاملة لكلتا الفتويين لاستلزام حجيتهما معاً الجمع بين الضدين أو النقيضين.

وأما الحجية التخييرية بمعنى جعل الحجية على الجامع بين الفتويين ، أعني عنوان أحدهما الّذي هو عنوان انتزاعي ، فهي أيضاً غير متصورة في المقام لأن التكليف بل الصفات الحقيقية كلها كالشوق والعلم وإن كان أمراً قابل التعلق للعناوين الانتزاعية كعنوان أحدهما الجامع بين فردين ، لأن الشوق يمكن أن يتعلق بأحد فعلين أو شيئين آخرين ، وكذلك العلم الإجمالي لأنه يتعلّق بأحدهما. بل قد التزمنا بذلك في الواجبات التخييرية ، وقلنا إن التكليف فيها إنما تعلّق بعنوان أحدهما وأن الفعل المأتي به في الخارج فرد للواجب لا أنه الواجب بنفسه ، إلاّ أن ذلك في الحجية أمر غير معقول ، لأنه لا معنى لاعتبار المكلف عالماً بالحرمة أو عالماً بعدمها ، واعتباره عالماً بوجوب شي‌ء أو عالماً بحرمته ، لأنه معنى جعل الحجية على أحدهما.

على أنّا ذكرنا في محلّه أن كلا من المتعارضين ينفي معارضه بالالتزام. إذن يكون معنى الإفتاء بحرمة شي‌ء أنه ليس بواجب كما أن معنى الإفتاء بوجوبه أنه ليس بحرام فالفتويان المتعارضتان بين نفي وإثبات ، وجعل الحجية على الجامع بين النفي والإثبات

أمر غير ممكن ، فالحجية التخييرية بهذا المعنى أيضاً غير معقولة.

مضافاً إلى أنّا لو سلمنا أنها أمر ممكن بحسب الثبوت ، فلا ينبغي التردد في عدم إمكانها بحسب الإثبات ، فإن الأدلة لا تساعدها بوجه والوجه فيه : أن أدلة الحجية إنما تدل على حجية فتوى كل فقيه متعينةً ومعناها أن إنذار هذا المنذر وفتوى ذلك الفقيه حجة معينة ولا دلالة لها بوجه على أن الحجة فتوى هذا أو فتوى ذاك على نحو التخيير.

وأما جعل الحجية على كل منهما مشروطاً بعدم الأخذ بالآخر ليكون كل منهما حجة تعيينية مشروطة بعدم الأخذ بالآخر ، فهو أيضاً كسابقه والوجه فيه : أن التكليف بكل واحد من الضدين مشروطاً بعدم الأخذ بالآخر أي تركه ، وإن كان أمراً ممكناً في نفسه فإنه الترتب من الجانبين وقد بيّنا في محلّه أن الترتب من الجانب الواحد إذا أثبتنا إمكانه فهو من الجانبين أيضاً ممكن فيكون كل من الضدين واجباً مشروطاً بترك الآخر ، ولا يلزمه طلب الجمع بين الضدين على ما حققناه في موضعه.

كما لا يتوجه عليه أن لازمه الالتزام باستحقاق عقابين عند تركهما معاً لتحقق الشرط في وجوبهما. وهو من العقاب على ما لا يكون بالاختيار لعدم تمكن المكلف من الجمع بين الفعلين ، وذلك لما بيّناه هناك من أن العقابين ليسا مستندين إلى ترك الجمع بين الفعلين فلا يقال له لماذا لم تجمع بينهما حتى يرد أنه غير مقدور للمكلف ، بل مستند إلى الجمع في الترك فيقال له لماذا تركت هذا عند ترك ذاك وبالعكس ، ولا شبهة في أن كلا من ترك الآخر وفعله عند ترك الأول مقدور ، إلاّ أن ذلك في الحجية أيضاً غير معقول وذلك لأن لازمه أن يتصف كل منهما بالحجية الفعلية إذا ترك المكلف الأخذ بهما معاً لحصول شرط الحجية في كليهما وهو عدم الأخذ بالآخر. وقد مرّ أن جعل الحجية على كل من الفتويين أمر غير معقول إذ لا معنى لاعتبار المكلف عالماً بالحرمة وعالماً بالوجوب. فالحجية التخييرية بهذا المعنى أيضاً غير معقولة.

معنى آخر للحجية التخييرية

بقي الكلام في الحجية التخييرية بمعنى آخر وهو جعل الحجية على كل من الفتويين مثلاً مشروطاً بالأخذ بها لا مشروطاً بعدم الأخذ بالآخر كما في سابقه وهذا

المعنى من الحجية التخييرية أمر معقول بحسب الثبوت والحجية في كل منهما تعيينية حينئذٍ مقيدة بالأخذ بها من دون أن يترتب عليها المحذور المتقدم ، لأنه إذا لم يأخذ بهذا ولا بذاك لم يتصف شي‌ء منهما بالحجية لأنها مشروطة بالأخذ كما عرفت ، إلاّ أنه لا دليل عليه في مرحلة الإثبات لوضوح أن ما دلّ على حجية فتوى الفقيه غير مقيد بالأخذ بها ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق في حجيتها بين الأخذ بها وعدمه. ومعه يكون شمول أدلة الحجية لإحداهما عند الأخذ بها معارضاً بشمولها للأُخرى حال عدم الأخذ بها ، وقد مرّ أن الأدلة غير شاملة للمتعارضين. نعم ، لو قام هناك دليل على الحجية مقيدة بالأخذ بها كما إذا كانت الأخبار الدالة على التوسعة عند التعارض وأن المكلف له أن يأخذ بأيهما شاء من باب التسليم ، معتبرة سنداً وعممنا الحكم لغير الروايتين من المتعارضين لم يكن مانع ثبوتي عن الالتزام بالحجية التخيرية بهذا المعنى ، إلاّ أنها لم يقم عليها دليل كما عرفت.

بقي الكلام فيما ربّما يظهر من كلام بعضهم من الإجماع على أن العامّي ليس له العمل بالاحتياط ، بل دائماً يجب أن يستند في أعماله إلى فتوى من يجوز تقليده من المجتهدين. وهو أيضاً لا يمكن الاستدلال به على التخيير في محل الكلام وذلك لأنه من الإجماع المنقول بالخبر الواحد وهو مما لا اعتبار به. على أن الإجماع المدعى لا يقتضي الالتزام بالتخيير ولو مع الجزم بانعقاده لأن عدم العمل بالاحتياط كما أنه يجتمع مع الحجية التخييرية كذلك يجتمع مع الالتزام بسقوط الفتويين عن الحجية واختيار العمل على إحداهما من جهة تنزل العقل إلى الامتثال الاحتمالي عند عجز المكلف من الامتثال جزماً ، ولعلّ الشارع قد اكتفى بالعمل على طبق إحداهما المحتملة المطابقة للواقع.

والمتحصل إلى هنا : أن الحجية التخييرية لا يمكن تتميمها بدليل. إذن يجب على العامّي الاحتياط للعلم بتنجز الأحكام الواقعية في حقه. ووجوب الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي على طبق القاعدة ، هذا إن تمكن من الاحتياط.

وأما لو لم يتمكن من العمل بالاحتياط إمّا لأن أحدهما أفتى بوجوب القصر مثلاً والآخر بوجوب التمام والوقت لا يسعهما ، وإما لأن أحدهما أفتى بوجوب شي‌ء والآخر بحرمته ، وإما للإجماع على عدم جواز الاحتياط فلا مناص من الحكم

إلاّ إذا كان أحدهما أورع فيختار الأورع (1).


بوجوب العمل على طبق إحدى الفتويين مخيراً ، وهو من التخيير العقلي في مقام الامتثال لتنزل العقل إلى الامتثال الاحتمالي عند العجز عن الامتثال الجزمي.

الأورعية ليست مرجحة

(1) قد أسلفنا أن المجتهدين إذا كان أحدهما أعلم من الآخر ولم يعلم المخالفة بينهما في الفتوى جاز الرجوع إلى كل منهما ، لأنه لا مانع من شمول أدلة الحجية لهما حينئذٍ وكذا إذا علمنا بموافقتهما في الفتوى إلاّ أن تعيين المجتهد المقلّد عند العلم بتوافقهما لا يترتب عليه أي أثر ، لعدم دلالة الدليل على لزوم الاستناد إلى أحدهما المعيّن وقتئذٍ.

ولا شبهة في أن الأورعية ليست مرجحة في هاتين الصورتين سواء أُريد منها الأورعية في مقام العمل بأن يكون أحدهما مجتنباً عن المشتبهات دون الآخر ، أم أُريد بها الأورعية في الاستنباط إما بمعنى أن فحص أحدهما عن الدليل في استنباطاته أكثر من المقدار المعتبر في الفحص عنه ، وإما بمعنى عدم إفتاء أحدهما في المسائل الخلافية واحتياطه فيها دون الآخر. وذلك لأنه بعد حجية كلتا الفتويين وشمول الأدلة لفتوى الأورع وغير الأورع لاشتمالهما على شرائط الحجية ، لا يفرق بينهما بوجه وذلك لأن الدليل على حجية الفتوى إذا كان قيام السيرة على رجوع الجاهل إلى العالم ، فمن المعلوم أن العقلاء لا يقدّمون أحداً من أهل الخبرة على الآخر بمجرد كونه أورع لاشتمال كل منهما على ما هو الملاك المعتبر في رجوع الجاهل إلى العالم عندهم ، وهذه السيرة لم يردع عنها في الشريعة المقدسة. وإن كان الدليل هو الأدلة اللفظية من الآيات والروايات ، فلا كلام في أنها مطلقة ولا موجب لتقييدها بالأورعية أبداً. إذن لا أثر للأورعية في الصورتين.

وأما ما ربما يتوهّم من أن مقبولة عمر بن حنظلة دلّت على لزوم الترجيح بالأورعية لقوله علیه السلام : « الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ... » فمندفع :

أما أولاً : فلأنها ضعيفة السند وغير قابلة للاستدلال بها كما مرّ.

وأما ثانياً : فلأن مفروض الرواية هو العلم بالمخالفة بين الحاكمين وصورة التعارض بينهما ، وأين هذا ممّا نحن فيه ، أعني ما إذا لم يعلم المخالفة بين المجتهدين.

وأما ثالثاً : فلأنها واردة في باب القضاء ولم يقم دليل على أن ما كان مرجحاً هناك فهو مرجح هنا أعني باب التقليد والفتوى ، والسّر فيه ظاهر ، حيث إن الخصومة لا بدّ من فصلها ، ولا سبيل إلى التوقف والاحتياط في القضاء والمرافعات ، وأما التقليد فهو أمر قابل للاحتياط فيه. إذن لا تكون الأورعية مرجحة كيف والأعلمية ليست مرجحة في تلك الصورة على ما قدّمناه في التكلم على وجوب تقليد الأعلم ، مع أن العلم هو الملاك في حجية فتوى العالم فما ظنك بالأورعية.

ثمّ إن مما ذكرناه في الجواب عن الاستدلال بالمقبولة يظهر الجواب عن الاستدلال بغيرها من الأخبار الواردة في القضاء المشتملة على الترجيح بالأورعية (1)ولا نعيد.

وأما إذا كانا متساويين في الفضيلة فهل تكون الأورعية مرجحة؟ فيه خلاف وتفصيل الكلام في ذلك أن للمسألة صوراً ثلاثاً :

الاولى : ما إذا علمنا بموافقتهما في الفتوى. وفي هذه الصورة لا أثر لتعيين المجتهد المقلّد ، إذ لا دليل على لزوم الاستناد إلى أحدهما المعيّن عند الموافقة ومعه لا تكون الأورعية مرجحة بوجه.

الثانية : ما إذا لم يعلم المخالفة بينهما وهل تكون الأورعية مرجحة حينئذٍ؟ ذكر الماتن قدس سره أن المجتهدين المتساويين إذا كان أحدهما أورع وجب اختيار الأورع منهما ، إلاّ أن الصحيح أن الأورعية ليست مرجحة في هذه الصورة أيضاً وقد ظهر وجهه مما قدمناه فيما إذا لم يعلم المخالفة بين الأعلم وغير الأعلم.

الثالثة : ما إذا علمنا بالمخالفة بينهما. مقتضى إطلاق كلام الماتن أن الأورعية أيضاً مرجحة حينئذٍ ، والّذي يمكن أن يستدل به على أن الأورعية مرجحة في هذه الصورة أمران :


1) وسائل الشيعة 27 : 106 / أبواب صفات القاضي ب 5 ح 1 ، 20.

أحدهما : مقبولة عمر بن حنظلة وغيرها من الأخبار المشتملة على الترجيح بالأورعية في باب القضاء ، بدعوى دلالتها على أن اللاّزم عند المعارضة هو الأخذ بما يقوله أورعهما.

ثانيهما : الإجماع على أن العامّي ليس له العمل بالاحتياط بل دائماً لا بدّ أن يستند في أعماله إلى فتوى من يجوز تقليده من المجتهدين ، كما لعلّه ظاهر كلام بعضهم. وهذا يقتضي الترجيح بالأورعية على ما يأتي تقريبه.

وكلا الوجهين غير قابل للمساعدة عليه :

أما الاستدلال بالمقبولة ونحوه : فلأنها واردة في القضاء وقد ذكرت الأورعية مرجحة فيها للحكمين ، وأين هذا مما نحن فيه أعني ما إذا تعارضت فتوى الأورع لفتوى غير الأورع مع تساويهما في الفضيلة. وقد قدّمنا أن المرجح في باب الحكومة لا يلزم أن يكون مرجحاً في باب التقليد أيضاً لأنه قياس ولا نلتزم بالقياس.

ويقرّب ما ذكرناه أن المقبولة ونحوها قد اشتملت على الترجيح بالأعدلية والأفقهية والأصدقية والأورعية ، وظاهرها أن كلا من تلك الصفات مرجح بالاستقلال ، لا أن المرجح مجموعها وإن كانت قد جمعت في البيان ، وعليه لو قلنا بشمولها للفتويين المتعارضتين فلا مناص من الحكم بتساقطهما فيما إذا كان أحد المجتهدين أفقه مثلاً والآخر أورع ، لاشتمال كل منهما على مرجح فيتساقطان. وهذا لا يلتزم به الخصم فإن الأعلم هو المتعين عند التعارض وإن كان غير الأعلم أورع. وهذه قرينة كاشفة عن أن المقبولة ونحوها غير شاملة للفتويين المتعارضتين ، هذا مضافاً إلى ما تقدم من أن المقبولة ضعيفة السند.

وأما الإجماع المدعى : فإن قلنا إنه تام في نفسه فلا مناص من أن تكون الأورعية مرجحة في المقام ، لأن العامّي مكلف حينئذٍ بالرجوع إلى أحد المجتهدين المتساويين في الفضيلة ، فإذا كان أحدهما أورع كما هو الفرض دار الأمر بين أن تكون فتوى كل منهما حجة تخييرية ، وأن تكون فتوى الأورع حجة تعيينية ، وقد قدّمنا سابقاً أن الأمر في الحجية إذا دار بين التعيين والتخيير وجب الأخذ بما يحتمل تعينه للقطع بحجيته والشك في حجية الآخر ، وقد مرّ غير مرة أن الشك في الحجية يساوق القطع

بعدمها فالأورعية مرجحة لا محالة.

وأما لو قلنا إن الإجماع المدعى غير تام كما أن الأمر كذلك لأن غاية ما هناك أن يقوم الإجماع على أن الشارع بالإضافة إلى جميع المكلفين لا يرضى بالعمل بالاحتياط ، لأنه يستلزم العسر والحرج أو اختلال النظام أو غير ذلك من الوجوه وأما العمل بالاحتياط في مورد واحد ، أعني الأخذ بما هو الموافق للاحتياط من الفتويين المتعارضتين ، أو بالإضافة إلى شخص واحد فلا نحتمل قيام إجماع تعبدي على حرمته. وعليه لو أفتى أحدهما في مسألة بالوجوب ، وأفتى فيها الآخر بالجواز وجب تطبيق العمل على الفتوى بالوجوب ، كما أن المجتهد الثاني إذا أفتى في مسألة أُخرى بالوجوب وأفتى فيها المجتهد الأول بالجواز وجب تطبيق العمل على الفتوى بالوجوب ، وهذا في الحقيقة تقليد من كلا المجتهدين إذا كانت فتواه مطابقة للاحتياط. إذن فهذان الوجهان ساقطان.

والّذي ينبغي أن يقال في المقام : إن الأورعية ليست مرجحة في الفتويين المتعارضتين ، وذلك أما مع التمكن من الاحتياط فلأن الأدلة كما تقدم لا تشمل شيئاً من المتعارضين ، فالفتويان ساقطتان عن الحجية ووظيفة العامّي حينئذٍ هو الاحتياط إذ مع عدم حجية المتعارضين لا معنى للترجيح بالأورعية لأنه لا حجة حتى ترجح إحداهما على الأُخرى ، وإنما وجب الاحتياط لأنه مما يستقل به العقل في أطراف العلم الإجمالي المنجز للواقع.

وأما مع عدم التمكن من الاحتياط فقد يقال : إن المتعين هو العمل بفتوى الأورع من المجتهدين المتساويين في الفضيلة ، وذلك لدوران الأمر في الحجية بين التعيين والتخيير فإن فتوى كل منهما إمّا حجة تخييرية أو أن فتوى الأورع حجة تعيينية ومقتضى القاعدة هو الأخذ بما يحتمل تعينه وهو فتوى الأورع في محل الكلام ، لأن العمل بها معذّر يقيناً ، وأما العمل بفتوى غير الأورع فلم يعلم كونه معذّراً على تقدير الخلاف لأجل الشك في حجيتها وهو يساوق القطع بعدم الحجية كما مرّ.

وناقش في ذلك بعض مشايخنا المحققين 5 بما حاصله : أن القاعدة إنما تقتضي الأخذ بما يحتمل تعينه فيما إذا استند احتمال التعيين إلى أقوائية الملاك في أحدهما عن الملاك في الآخر كما في الأعلمية ، إذ الملاك في حجية الفتوى والنظر هو العلم والفقاهة وهما في الأعلم أقوى منهما في غير الأعلم ، والأصل يقتضي التعيين في مثله وأما إذا كان احتمال التعيّن مستنداً إلى أمر خارج عن الملاك ولم يستند إلى أقوائيته في أحدهما ، فلا يقتضي الأصل فيه التعيين لتساويهما فيما هو ملاك الحجية على الفرض والأمر في المقام كذلك إذ الملاك في حجية الفتوى هو العلم وهو أمر مشترك فيه بين الأورع وغيره ، وكون أحدهما آتياً بصلاة الليل مثلاً أو متورعاً في الشبهات لا ربط له بما هو الملاك في الحكم بحجية نظره وفتواه ، فمثله لا يمكن أن يكون مرجحاً في مقام الحجية أبداً (1).

وفيه : أن الأورعية قد يفرض القطع بعدم كونها ذات دخالة في حكم الشارع بحجية الفتوى بوجه ، وهي خارجة حينئذٍ عن محل الكلام فإن حالها على هذا حال الهاشمية والأسنّية وصباحة الوجه وغيرها ، فكما أن تلك الصفات ليست مرجحة لإحدى الفتويين من غير ريب ، كذلك الحال في الأورعية على الفرض.

وقد يحتمل أن تكون مرجحة لإحداهما ، وهذا لا لأنها ذات دخالة فيما هو الملاك للحجية ، بل من جهة أن الشارع جعلها مرجحة لإحداهما كما جزم بها شيخنا الأنصاري قدس سره (2)فإن جزمه بها وإن لم يكن حجة على غيره ، إلاّ أنه يكفي في إثارة الاحتمال بالوجدان. إذن يحتمل أن تكون الأورعية مرجحة لإحداهما ومعه لا مناص من اختيار الأورع ، وذلك لأن الملاك فيما استقلّ به العقل من الأخذ بما يحتمل تعينه إنما هو حصول اليقين بفراغ الذمة عن التكليف المنجّز على تقدير العمل به ، والأمر في المقام كذلك لأن العمل على فتوى الأورع معذّر يقيناً ومعذّرية فتوى غير الأورع غير معلومة للشك في حجيتها ، وهو يساوق القطع بعدم الحجية كما مرّ ، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون المرجح أمراً خارجياً كما في المقام وبين أن يكون أمراً


1) رسالة في الاجتهاد والتقليد ( الأصفهاني ) : 64.

2) رسالة في الاجتهاد والتقليد : 83.

[14] مسألة 14 : إذا لم يكن للأعلم فتوى في مسألة من المسائل يجوز في تلك المسألة الأخذ من غير الأعلم وإن أمكن الاحتياط (1).


راجعاً إلى أقوائية الملاك.

إذن الصحيح في الجواب أن يقال : إن مقامنا هذا ليس من موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير ، وسرّه أن ما سردناه من أن المكلف يتخيّر بينهما لا يستند إلى أن فتواهما حجتان تخييريتان لما تقدم من أنهما ساقطتان عن الحجية بالتعارض ، فليست هناك حجة لتكون الأورعية مرجحة لإحداهما على الأُخرى ، بل يستند إلى ما بيّناه من أن العقل يتنزل إلى الامتثال الاحتمالي عند عدم تمكن المكلف من الامتثال الجزمي ، فالتخيير عقلي ومن الظاهر أن العمل على طبق فتوى الأورع والعمل بفتوى غير الأورع كلاهما امتثال احتمالي فلا موجب لتقدم أحدهما على الآخر بوجه.

(1) ما أسبقناه من وجوب تقليد الأعلم إنما هو فيما إذا كانت له فتوى في المسألة وكانت مخالفة لفتوى غير الأعلم ، وأما إذا لم تكن له فتوى بالفعل لاحتياجها إلى فحص زائد مثلاً كما قد يجاب بذلك في الاستفتاءات ويقال : إن المسألة تحتاج إلى مزيد تأمل ، بحيث لو سألناه عن الحكم في تلك المسألة أجاب بقوله : لا أدري ، فلا مانع من الرجوع إلى فتوى غير الأعلم ، لأنه أيضاً يصدق عليه الفقيه والعالم ، وإنما المانع عن حجيتها فتوى الأعلم بخلافها ، ومع فرض أن الأعلم ليست له فتوى في المسألة ، تشملها إطلاقات الأدلة من الكتاب والسنة ، كما أنه لا مانع من الرجوع إلى غير الأعلم حسب السيرة العقلائية ، لأنه من رجوع الجاهل إلى العالم.

ثمّ لا يخفى أن الأعلم إذا لم يكن له فتوى بالحكم الواقعي في المسألة إلاّ أنه أفتى فيها بالحكم الظاهري ، كما إذا أفتى بوجوب الاحتياط لم يجز للمكلف أن يرجع في ذلك المورد إلى فتوى غير الأعلم لوجود فتوى الأعلم بالاحتياط ، إذ لا يشترط في وجوب تقليده أن تكون له فتوى بالحكم الواقعي ، بل إفتاؤه بالحكم الظاهري أيضاً يمنع عن حجية فتوى غير الأعلم.

نعم ، حكم الأعلم بالاحتياط قد يستند إلى عدم علمه بالحكم الواقعي في المسألة كما في الشبهات قبل الفحص عن الدليل من دون أن يرى فتوى غير الأعلم خطأ ، بل

[15] مسألة 15 : إذا قلّد مجتهداً كان يجوّز البقاء على تقليد الميت فمات ذلك المجتهد لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة ، بل يجب الرجوع إلى الحي الأعلم في جواز البقاء وعدمه (1).


كان بحيث يحتمل مطابقتها للواقع ، وأنه أيضاً لو فحص عن الدليل أفتى بما أفتى به غير الأعلم وإنما لم يفت في المسألة لعدم جزمه بالحكم الواقعي ، وكون الشبهة قبل الفحص وهو مورد للاحتياط. وفي مثله لا مانع من أن يرجع العامّي إلى فتوى غير الأعلم لأنه ليست للأعلم فتوى في المسألة مخالفة لفتوى غير الأعلم ولا أنه يخطئه في نظره.

وما ذكرناه من عدم جواز الرجوع إلى فتوى غير الأعلم إنما هو فيما إذا حكم الأعلم بوجوب الاحتياط جزماً منه بانسداد الطرق الموصلة إلى الحكم الواقعي وتخطئة لفتوى غير الأعلم وعدم إيجابه للاحتياط كما في موارد العلم الإجمالي وتعارض الأدلة ، كما إذا سافر أربعة فراسخ غير قاصد للرجوع في يومه ، أو خرج إلى ما دون المسافة من محل إقامته أو غير ذلك من الموارد ، لتعارض الأدلة ووجود العلم الإجمالي بوجوب القصر أو التمام وهذه الموارد هي الّتي قلنا بعدم جواز الرجوع فيها إلى فتوى غير الأعلم ، والجامع ما إذا خطّأ الأعلم غير الأعلم في فتياه.

ثمّ إنه إذا جاز الرجوع إلى غير الأعلم فلا مناص من أن يراعى الأعلم فالأعلم ولا يجوز أن يرجع إلى غير الأعلم مطلقاً ، بل إلى غير الأعلم بالإضافة إلى الأعلم الّذي قد قلّده مع اشتراط أن يكون أعلم بالإضافة إلى غيره من المجتهدين ، وذلك لعين الأدلة المتقدمة في وجوب تقليد الأعلم مطلقاً ويأتي فيه جميع ما ذكرناه هناك. وإذا فرضنا أن الأعلم الإضافي أيضاً لا فتوى له في المسألة رجع إلى غير الأعلم بالإضافة إليه مع اشتراط أن يكون أعلم بالإضافة إلى غيره من المجتهدين. وعلى الجملة لا بدّ من مراعاة الأعلم فالأعلم.

مسألة البقاء يجب فيها تقليد الأعلم الحي

(1) لسقوط فتوى الميت عن الحجية بموته ، ولا يجوز للمقلّد أن يعتمد على فتاواه بفتوى نفسه بجواز البقاء لأنه دور ظاهر ، بل اللاّزم أن يرجع إلى الحي الأعلم في

جواز رجوعه إلى الميت وعدمه ، ثمّ إن الحي الأعلم إذا بنى على جواز البقاء أو على وجوبه ، جاز للمقلد أو وجب عليه العمل بآراء الميت فيما قد تعلّمه منه حال الحياة وكان متذكراً له بعد موته ، سواء أكان ذلك حكماً تكليفياً من وجوب شي‌ء أو حرمته ونحوهما أم حكماً وضعياً كالصحة والحجية وأمثالهما من الأحكام الوضعية ، مثلاً إذا كان الميت بانياً على حجية الخبر الواحد الثقة جاز للمقلد أيضاً أن يبني على حجيته تبعاً لمن قلّده ، وهذا لعلّه مما لا كلام فيه.

وإنما الكلام في أن الميت لو كان بانياً على جواز البقاء ، وأفتى الحي الأعلم أيضاً بجوازه فهل يجوز للمقلّد أن يبقى على تقليد الميت في مسألة جواز البقاء أو أن لها خصوصية بها تمتاز عن بقية المسائل والأحكام الوضعية ، ولا يجوز فيها البقاء على تقليد الميت؟ وتفصيل الكلام في هذه المسألة : أن الحي الأعلم إما أن يفتي بجواز البقاء على تقليد الميت أو بوجوبه أو بحرمته ، كما أن الميت إما أنه كان يفتي بجواز البقاء أو بوجوبه أو بحرمته فهذه تسع صور :

ولا ينبغي التوقف في أن الحي الأعلم بعد ما بنى على عدم جواز البقاء على تقليد الميت ، لم يترتب أي أثر على فتوى الميت سواء أفتى بجواز البقاء أو بوجوبه أو بحرمته ، لسقوط فتواه عن الحجية بموته ، ومعه يجب على المقلّد أن يتبع فتوى الحي في تلك المسألة ولا مانع من أن يرجع إلى الميت إذا أفتى الحي بجوازه ، وليس له أن يعتمد على فتوى الميت بنفس فتواه بجواز البقاء لأنه دور ظاهر.

وبذلك اتضح حكم الصور الثلاث أعني ما إذا كان الميت بانياً على جواز البقاء أو وجوبه أو حرمته ، وفرضنا أن الحي بنى على حرمته ، وعلى الجملة أن مع حكم الحي بحرمة البقاء لا يبقى مجال لملاحظة أن الميت يفتي بأي شي‌ء ، وهذه المسألة نظير ما يأتي من أن غير الأعلم إذا أفتى بحرمة العدول حتى إلى الأعلم وبنى الأعلم على الجواز ، لم يصغ إلى فتوى غير الأعلم بوجه فحكم تلك الصور ظاهر لا إشكال فيه.

إذن يقع الكلام في الصور الباقية وهي ست ، ثنتان منها أعني ما إذا أفتى الميت بحرمة البقاء وبنى الحي على جوازه أو وجوبه ، يأتي عليهما الكلام بعد الفراغ عن التكلم في الصور الأربع الآتية إن شاء اللّه ، فالكلام متمحض فيما إذا أفتى كل من الميت والحي بجواز البقاء أو بوجوبه وهي أربع صور :

فتوى الحي والميت بجواز البقاء

الصورة الأُولى : ما إذا أفتى الحي الأعلم بجواز البقاء على تقليد الميت وذهب الميت أيضاً إلى جوازه فهل يجوز في هذه الصورة البقاء على تقليد الميت في مسألة جواز البقاء أو لا يجوز؟

فقد يقال بعدم جواز البقاء في مسألة جواز البقاء نظراً إلى اللغوية واستلزام ذلك أخذ الحكم في موضوع نفسه ، حيث إن جواز البقاء حكم فلا يصح أن يقال : يجوز البقاء على تقليد الميت في مسألة جواز البقاء.

وهذه المسألة قد تفرض فيما إذا اتحد نظر الميت والحي فيما هو الموضوع للحكم بجواز البقاء بأن رأي كل منهما أن تعلّم فتاوى الميت أو الالتزام بالعمل بها حال حياته يكفي في جواز البقاء على تقليده ، أو أنهما اتفقا على أن التعلم أو الالتزام لا يجدي في جواز البقاء بل يعتبر فيه العمل بها حال حياته ، وفي هذه الصورة لا يجوز البقاء على تقليد الميت في مسألة جواز البقاء ، وذلك لأن فتوى الحي بجواز البقاء قد جعلت فتاوى الميت حجة معتبرة في جميع المسائل الفرعية غير مسألة البقاء إذن يكون جعل الحجية لفتوى الميت بجواز البقاء لإثبات حجية فتاواه في المسائل الفرعية لغواً ومن تحصيل الحاصل ، لوضوح أنه لا معنى للتنجيز بعد التنجيز ، ولا للمعذّرية بعد المعذّرية ، وقد فرضنا أن فتاواه صارت حجة شرعية أي معذّرة ومنجّزة بفتوى الحي بجواز البقاء ، فلا حاجة معه إلى جعل الحجية عليها مرة ثانية بتوسيط حجية فتوى الميت بجواز البقاء لفتوى الحي بجوازه ، فإنه من اللغو الظاهر وتحصيل الحاصل المحال.

وأُخرى تفرض المسألة فيما إذا اختلف نظر الميت والحي فيما هو الموضوع للحكم بجواز البقاء إلاّ أن دائرة موضوعه كانت بنظر الحي أوسع منها عند الميت ، كما إذا كان العمل بفتوى المجتهد حال حياته معتبراً عند الميت في جواز البقاء على تقليده ، وأما الحي فهو رأى أن الالتزام أو التعلم أيضاً يكفي في جوازه ، وفي هذه الصورة أيضاً لا مجال لتوسيط حجية فتوى الميت بجواز البقاء لإثبات حجية فتاواه في بقية المسائل ، وذلك لأن حجية فتاوى الميت فيما عمل به المقلّد حال حياته مستندة إلى فتوى الحي بجواز البقاء ، فإنها بذلك تتصف بالاعتبار ويكون جعل الحجية لفتوى

الميت بجواز البقاء لأجل إثبات حجية فتاواه في بقية المسائل لغواً وتحصيلاً للحاصل المحال ، لأنه من التنجيز بعد التنجيز والتعذير بعد التعذير.

وثالثة تفرض المسألة فيما إذا اختلف نظر الميت والحي كما في الصورة المتقدمة إلاّ أن دائرة الموضوع للحكم بجواز البقاء كانت عند الميت أوسع منها لدى الحي ، كما إذا رأى الميت كفاية التعلم أو الالتزام في تلك المسألة والحي اعتبر فيها العمل ، فهل في هذه الصورة يجوز البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء فيما إذا عمل بتلك المسألة حال حياته كما إذا بقي على تقليد ميت آخر لفتواه بجواز البقاء أو أن هذه الصورة كالصورتين المتقدمتين لا يجوز فيها البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء؟

قد يقال بعدم الجواز للزوم اللغوية ولاستحالة أخذ الحكم في موضوع نفسه فلا يمكن أن يقال بجواز البقاء على تقليد الميت في مسألة جواز البقاء.

والتحقيق أن في هذه الصورة لا مانع من البقاء في مسألة البقاء والسرّ فيه ما قدّمناه من أن فتاوى الميت قد جعلت حجة شرعية بفتوى الحي بجواز البقاء فكأنه حيّ لم يمت ، وقد مرّ أن الحي إذا أفتى بجواز البقاء على تقليد الميت جاز للمقلّد أن يتبع آراء المجتهد الميت في جميع ما أفتى به من الأحكام التكليفية أو الوضعية ، ومنها حجية فتوى الميت بجواز البقاء بالإضافة إلى من تعلّم فتاواه أو التزم بالعمل على طبقها وإن لم يعمل بها بوجه. نعم ، لا بدّ من أن يكون المكلف واجداً لشرطية العمل بفتوى الميت في تلك المسألة أعني مسألة جواز البقاء ، بأن يكون قد عمل بها حال حياة الميت كما إذا قلّده في تلك المسألة وبقي على تقليد مجتهد ثالث من الأموات في المسائل الّتي لم يعمل بها وإنما تعلّمها أو التزم بها ، وذلك لأنه لو لم يكن واجداً لهذا الاشتراط ، أي لم يكن قد عمل بتلك المسألة لم تكن فتوى الميت بجواز البقاء على من تعلّم المسألة أو التزم بها شاملة له وحجة في حقّه بفتوى الحي بجواز البقاء ، لفرض أنه اشترط فيه العمل والمقلّد لم يعمل بفتوى الميت في تلك المسألة ، وهذا بخلاف ما إذا عمل بها فإن فتوى الميت تتصف بالحجية في حقه ، وثمرتها جواز البقاء على تقليد الميت حتى فيما لم يعمل به من المسائل وإنما تعلمها أو التزم بالعمل بها. وهذا نظير ما ذكرناه في التكلّم على حجية الخبر من أنّا إذا بنينا على حجية خبر العدل الواحد ، وعثرنا على خبر

عدل دلّ على حجية مطلق خبر الثقة وإن لم يكن عادلاً التزمنا بحجية الخبر الصادر عن مطلق الثقة لدلالة الحجة على حجيته. والحال في المقام أيضاً كذلك فإن البقاء على تقليد الميت فيما لم يعمل به ، بل تعلّمه أو التزم به وإن لم يقم دليل على جوازه لدى الحي لما فرضناه من أنه إنما يرى جوازه فيما عمل به المقلّد حال حياة الميت ، إلاّ أنه قامت عنده الحجة على جوازه فيما لم يعمل به أيضاً ، وهي فتوى الميت بجواز البقاء فيما لم يعمل به ، فإن المقلّد قد عمل بتلك المسألة قبل موت الميت ، إذن كانت حجية فتوى الميت فيما لم يعمل به مستندة إلى فتوى الحي بجواز البقاء فيما عمل به من المسائل.

ثمّ إن ما ذكرناه فيما إذا استند عدم فتوى الحي بجواز البقاء فيما لم يعمل به إلى الاحتياط والأخذ بالقدر المتيقن مما دلّ على جواز البقاء أمر ظاهر لا اشكال فيه لوضوح أن حجية الحجج لا مناص من أن تكون قطعية بأن تكون ثابتة بالأدلة المفيدة للعلم واليقين ولا حجية مع الشك ، وحيث إن الحي لم يتم عنده دليل على حجية فتوى الميت فيما لم يعمل به المقلّد ويشك في حجيتها مع التعلم أو الالتزام فلا يمكنه الحكم باعتبارها إلاّ مع العمل على طبقها ، لا أنه حكم بحرمة البقاء مع التعلم أو الالتزام ليقال : إن الحي إذا حرّم البقاء على تقليد الميت عند عدم العمل بفتواه كيف يسوغ للمقلّد البقاء على تقليده مع التعلم أو الالتزام.

وأما إذا استند في ذلك إلى الدليل على عدم جواز البقاء إلاّ مع العمل بفتوى الميت قبل موته ، فقد يقال بعدم جواز البقاء في هذه الصورة على تقليد الميت فيما تعلّمه أو التزم بها من المسائل وذلك لحرمة البقاء على تقليد الميت لدى الحي ، لأن مفروض الكلام أن الدليل قام عنده على المنع ، ومع أن الحي منع المقلّد عن البقاء لا معنى لجواز البقاء على تقليد الميت بفتواه.

وفيه : أن البقاء على تقليد الميت وإن كان محرّماً لدى الحي إلاّ أنه إنما يمنع عن البقاء فيما لم يعمل به من المسائل بما أنه بقاء في طبعه ونفسه ، وأما البقاء على تقليد الميت فيما لم يعمل به لا بما أنه بقاء ، بل بتوسيط حجية فتوى الميت فلا حرمة له لدى الحي وذلك لأن المحرّم هو الّذي يصدق عليه البقاء في طبعه ، وأما لا بما هو كذلك بل بعنوان ما قامت الحجة على جوازه أعني فتوى الميت به فمما لا حرمة له. وهذا كما إذا بنى الميت على وجوب السورة في الصلاة وبنى الحي على عدم وجوبها ، فإن الحي

بتوسيط أن فتوى الميت حجة في نظره ، أيضاً يرى وجوب السورة ولكن لا في نفسها وطبعها بل بعنوان ثانوي وهو فتوى الميت بالوجوب أو قيام الحجة به. وكما إذا رأى الميت كفاية التوضؤ مع الجبيرة وبنى الحي على تعين التيمم وعدم كفاية الوضوء مع الجبائر ، فإن الوضوء وإن كان غير مجزئ عند الحي بالعنوان الأولي إلاّ أنه بعنوان أن الحجة قامت بصحته مجزئ لا محالة. ولهذا نظائر كثيرة يطول بذكرها الكلام ، بل هذا قد يقع بين مجتهدين معاصرين فيسأل أحدهما عن وجوب السورة عند معاصره ويجيب بأنه يرى عدم وجوبها وأما عنده فهي واجبة ، فإنه حينئذٍ بعنوان أن المعاصر أفتى بعدم وجوب السورة يلتزم بعدم وجوبها فضلاً عن الميت والحي.

والمتحصل : أنه لا مانع من القول بجواز البقاء على تقليد الميت في مسألة جواز البقاء ، ولا يرد عليه محذور اللغوية ولا أخذ الحكم في موضوع نفسه.

أما اللغوية فلما تقدم من أن حجية فتوى الميت بفتوى الحي بجواز البقاء نتيجتها جواز البقاء على تقليده حتى فيما لم يعمل به من المسائل ، ومع ترتب مثل هذه الثمرة على حجية فتوى الميت لا معنى لدعوى اللغوية بوجه.

وأما أخذ الحكم في موضوع نفسه فالوجه في عدم وروده أن ما ادعيناه في المقام هو أن فتوى الحي بجواز البقاء قد جعلت فتاوى الميت حجة شرعية بلا فرق في ذلك بين الأحكام التكليفية والوضعية ، وأن أثر تلك الحجية جواز البقاء على تقليده حتى فيما لم يعمل به من المسائل. إذن هناك أحكام ثلاثة مترتبة على موضوعاتها الثلاثة :

أحدها : وجوب السورة في الصلاة.

ثانيها : حجية فتوى الميت بجواز البقاء.

ثالثها : حجية فتوى الحي بجواز البقاء.

وهذه الأحكام مترتبة في الثبوت ، فإنه بثبوت حجية فتوى الحي بجواز البقاء تثبت حجية فتوى الميت كما مرّ ، وإذا ثبتت حجية فتاواه فقد ثبت وجوب السورة في الصلاة أو غير ذلك من الأحكام ، ومعنى ذلك أنّا أخذنا حجية فتوى الميت بالجواز في موضع الحكم بحجية فتوى الحي به ، حيث قلنا يجوز البقاء على تقليد الميت في مسألة جواز البقاء.

ودعوى أن ذلك من أخذ الحكم في موضوع نفسه مغالطة ظاهرة ومجرد لفظ لا معنى تحته ، فإن المستحيل إنما هو أن يؤخذ حكم في موضوع شخصه ، فإن مرجعه إلى كون الحكم مفروض التحقق حين جعله وإنشائه. وليس في المقام من ذلك عين ولا أثر ، فإن المتحقق فيما نحن فيه أن حجية فتوى الميت بجواز البقاء مترتبة على حجية فتوى الحي به كما أن ثبوت وجوب السورة في الصلاة أو غيره مترتب على حجية فتوى الميت بالجواز ومعه قد أُخذ حكم في موضوع حكم آخر ، فإن حجية فتوى الميت غير حجية فتوى الحي وإحداهما مأخوذة في موضوع الأُخرى كما لا يخفى هذا كلّه في الصورة الأُولى.

فتوى الحي والميت بوجوب البقاء

الصورة الثانية : وهي ما إذا أفتى كل من الميت والحي بوجوب البقاء على تقليد الميت ، وحكمها حكم الصورة المتقدمة ويأتي فيها التفصيل المتقدم هناك ، فإذا فرضنا أن الميت والحي متحدان فيما هو الموضوع للحكم بوجوب البقاء ، أو أنهما اختلفا في ذلك وكانت دائرة الموضوع عند الحي أوسع منها لدى الميت ، لم يجب البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء لاستلزام ذلك اللغوية وجعل التنجيز بعد التنجيز والتعذير بعد التعذير ، وأما إذا اختلفا وكانت دائرة الموضوع عند الميت أوسع منها لدى الحي فلا مانع من البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء ولا يرد عليه محذور اللغوية أو أخذ الحكم في موضوع نفسه.

فتوى الحي بوجوب البقاء والميت بجوازه

الصورة الثالثة : وهي ما إذا أفتى الحي بوجوب البقاء وبنى الميت على جوازه فهل يجوز للعامّي أن يرجع إلى الحي في تلك المسألة ليجب عليه البقاء على تقليد الميت وحيث إن الميت يجوّز البقاء والعدول فيعدل إلى الحي بفتوى الميت بالجواز؟

فقد يقال بالمنع عنه نظراً إلى أن معنى حكم الحيّ بوجوب البقاء أن فتوى الميت حجة تعيينية وأن المقلّد ليس له أن يعدل إلى غيره ، كما أن معنى حكم الميت بجواز

البقاء أن فتوى الميت حجة تخييرية وأن للمقلّد أن يبقى على تقليده أو يعدل إلى الحي ومن الظاهر أن الحجة التعيينية والتخييرية غير قابلتين للاجتماع ، ولا يمكن أن يقال إن فتوى الميت حجة تعيينية وتخييرية ، لأنه يشبه الجمع بين المتناقضين. إذن لا يعقل أن تشمل فتوى الحي بوجوب البقاء على تقليد الميت لفتوى الميت بجواز البقاء وجواز العدول عنه. بل تختص بسائر المسائل غير تلك المسألة من فتاواه فلا يجوز للعامّي العدول من البقاء على تقليد الميت إلى الحيّ ، هذا والصحيح أن المقلّد له أن يعدل إلى الحي بفتوى الميت بالجواز.

ودعوى أن ذلك يستلزم الجمع بين الحجية التعيينية والتخييرية ، مندفعة بأنه إنما يلزم فيما إذا اتحد نظر الميت والحي فيما هو الموضوع للحكم في مسألة البقاء ، أو أنهما اختلفا في ذلك وكانت دائرة موضوعه عند الحي أوسع منها لدى الميت ، وأما إذا اختلفا في ذلك وكانت دائرة موضوع الحكم عند الميت أوسع منها لدى الحي ، كما إذا أفتى الميت بجواز البقاء مع تعلم الفتوى وإن لم يعمل بها ، وأفتى الحي بوجوب البقاء مع العمل فلا يلزم محذور الجمع بين الحجيتين ، وذلك لأن فتوى الحي بوجوب البقاء قد جعلت فتاوى الميت متصفة بالحجية فيما عمل به المقلّد ، وقد فرضنا أنه عمل بفتوى الميت بالجواز في مسألة البقاء ، وإذا اتصفت فتوى الميت بالحجية في تلك المسألة جاز للمقلّد كل من العدول والبقاء فيما أفتى به المجتهد الميت حتى فيما لم يعمل به وتعلّم حكمه من المسائل.

ومن الظاهر أنه ليس في المسائل الّتي لم يعمل بها المقلّد حال حياة الميت اجتماع الحجيتين ، لأن كون فتوى الميت حجة تعيينية إنما هو في المسائل الّتي عمل بها المقلّد دون ما لم يعمل به ، فليس فيها سوى فتوى الميت بجواز البقاء وهي حجة تخييرية فحسب فأين يلزم في تلك المسائل اجتماع الحجيتين.

على أنه لا مانع من اجتماع الحجية التعيينية والتخييرية في مورد واحد ، فإن الحجية التعيينية إنما ثبتت لفتوى الميت ببركة فتوى الحي بوجوب البقاء بما هي فتوى الميت بمعنى أن الجهات الّتي ساقت الحي إلى الحكم بوجوب البقاء ككون الميت أعلم أو حرمة العدول عنه نظراً إلى أن الموت كمال ، فلا يوجب سقوط فتواه عن الاعتبار على

ما ترشدنا إليه السيرة وغيرها أو غيرهما من الجهات إنما دلت على أن فتوى الميت بما هي كذلك حجة تعيينية ، ولا ينافي ذلك كونها حجة تخييرية بلحاظ أن الحجة قامت على جواز العدول وتوسيط فتوى الميت بالجواز.

ونظيره ما إذا أفتى غير الأعلم بوجوب تقليد الأعلم والأعلم أفتى بجواز تقليد غير الأعلم ، فإن فتوى غير الأعلم في نفسها وبعنوان أنها فتواه وإن لم تكن بحجة حتى لو سألناه نفسه عن جواز تقليده لأجاب بعدم الجواز لوجوب تقليد الأعلم عنده ، إلاّ أنها بعنوان أن الحجة قامت على حجيتها والأعلم أفتى بجواز الرجوع إليه متصفة بالحجية من غير أن يكون بين الحكمين أي تهافت ، لأنهما بعنوانين مختلفين وهو من اجتماع عدم الحجية بالعنوان الأولي والحجية بالعنوان الثانوي. وما إذا ذهب الميت إلى أن خبر الثقة حجة في الموضوعات الخارجية كما أنه حجة في الأحكام الشرعية ، وبنى الحي على عدم اعتباره في الموضوعات وأن الحجة فيها هي البينة ، فإن خبر الثقة بما أنه كذلك لا يتصف بالحجية لدى الحي ، إلاّ أنه بعنوان أن الحجة قامت على حجيته وأن الميت أفتى باعتباره ، حجة شرعية لا محالة لأن الحجة قامت على حجيته.

والمتلخص : أنه لا مانع من اجتماع الحجية وعدم الحجية بعنوانين ، فإذا أمكن هذا في تلك الموارد أمكن في محل الكلام أيضاً. إذن لا مانع من أن تكون فتوى الحي بعنوانها الأولي غير متصفة بالحجية وتكون متصفة بالحجية التخييرية بعنوان أن الحجة قامت على حجيتها ، وكذلك الحال في فتوى الميت بأن تتصف بالحجية التعيينية والتخييرية في مورد واحد ، ومعه لا بأس أن يحكم بوجوب البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء لفتوى الحي بوجوبه على تقدير العمل أو التعلم مثلاً ، والمفروض أن المقلّد قد عمل بفتواه هذه أو تعلمها منه حال الحياة فتتصف فتوى الميت بالحجية حتى في مسألة البقاء ويجب عليه أن يبقى على تقليده ، وحيث أنه أفتى بجواز البقاء والعدول إلى الحي فله أن يعدل إلى الحي كما مرّ.

ودعوى أن المجعول في الواقع إما هو الحجية التعيينية أو التخييرية ، فلا يمكن القول بحجية فتوى الميت تعييناً ليترتب عليه الحجية التخييرية ، مما لا يصغي إليه وذلك : أما

في المسائل الّتي لم يعمل بها المقلّد أو لم يتعلم حكمها فلوضوح أن الحي إنما يرى وجوب البقاء على تقليد الميت فيما عمل به المقلّد أو تعلّم حكمه دون ما لم يعمل به أو لم يتعلّم حكمه ، فلا مانع في تلك المسائل من الالتزام بجواز البقاء استناداً إلى فتوى الميت الثابتة حجيتها بفتوى الحي كما عرفت.

وأما في المسائل الّتي عمل بها المقلّد أو تعلّم حكمها ، فلأن الحجية الواقعية بما أنها واقعية مما لا أثر له ، إذ الغرض من جعلها إنما هو تنجيز الواقع أو التعذير عنه ، وهذا لا يتحقق إلاّ مع الوصول ، وعليه فمنجز الواقع أو المعذّر عن مخالفته ليس إلاّ فتوى الحي الواصلة إلى المكلف على الفرض ، وبما أنه يرى وجوب البقاء على تقليد الميت وجب على المقلّد أن يرجع إلى فتاواه ، وحيث أنه أفتى بجواز العدول والبقاء فجاز للمكلف أن يعدل إلى الحي بفتوى الميت به ، وإذا عدل إلى الحي فإن كانت الحجية التخييرية هي المجعولة واقعاً فهو ، وأما لو كانت الحجية المجعولة هي التعيينية ، فهي غير واصلة إلى المكلف بل الواصل خلافها لقيام فتوى الميت بجواز البقاء. وفي ظرف عدم وصول الحجية التعيينية لا مانع من جعل الحجية التخييرية بأن تكون الحجة هو ما يختاره المكلف من الفتويين ، لما تقدم من أن الحجية التخييرية غير معقولة إلاّ أن يرجع إلى جعل الحجية على ما يختاره المكلف من الأمرين أو الأُمور.

فتوى الحي بجواز البقاء والميت بوجوبه

الصورة الرابعة : وهي ما إذا بنى الحي على جواز البقاء وأفتى الميت بوجوبه ، فهل يجوز للمقلّد أن يرجع إلى فتوى الميت في مسألة البقاء حتى يجب عليه البقاء على تقليد الميت في بقية المسائل الفرعية ، أو أن المقلّد لو رجع إلى تقليد الميت لم يجب عليه البقاء في بقية المسائل؟

الصحيح أن يقال : إن فتوى الحي بجواز البقاء على تقليد الميت وجواز العدول عنه إن كان بمعنى أن فتوى الميت حجة تخييرية وعدلها فتوى الحي ، والمكلف مخيّر بينهما بالمعنى المتقدم في التكلم على الحجية التخييرية بين المجتهدين المتساويين بأن يكون الاختيار في الأخذ بهذا أو بذاك بيد المكلف ، ويكون كل منهما حجة تعيينية بعد

الأخذ به والتعبير عنها بالحجية التخييرية إنما هو بمناسبة أن الاختيار بيد المكلف وله أن يأخذ بهذا أو بذاك ، وإذا أخذ بأحدهما كانت حجة تعيينية في حقه ، فليس للمقلّد بعد أن أخذ بفتوى الميت في مسألة البقاء لكونه قد عمل بها في حياته أو تعلّم حكمها أن يعدل إلى الحي ، لأن فتوى الميت قد اتصفت بالحجية التعيينية بأخذها ومعها يجب البقاء في بقية المسائل أيضاً.

وإذا كان فتوى الحي بجواز البقاء بمعنى أن المكلف يتخيّر حدوثاً وبقاءً بين البقاء على تقليد الميت والعدول عنه ، فكما يجوز له أن يعدل إلى الحي بعد موت المجتهد المقلّد أو يبقى على تقليده ، كذلك يجوز له ذلك بعد الأخذ بأحدهما والعمل على طبقه مدّة من الزمان ، جاز للمقلّد العدول إلى الحي وإن رجع إلى الميت في مسألة البقاء لأنه معنى كونه مخيراً بحسب الحدوث والبقاء. وهذا المعنى هو الصحيح وذلك لأن الأخذ بفتوى المجتهد بعد موته وسقوطها عن الحجية بسببه لا يزيد على الأخذ بها في حياته وقبل سقوطها عن الحجية بموته ، فكما أن الأخذ السابق لا يوجب بقاء فتاوى الميت على حجيتها التعيينية بعد موته ، ومن هنا جاز للمقلّد بعد موت المجتهد بل وجب عليه العدول إلى الحي فليكن الأخذ المتأخر عن سقوط فتاواه عن الحجية وموته أيضاً كذلك ، فليس الأخذ بعد موته موجباً لأن يتصف فتاواه بالحجية التعيينية ، فالمقلّد يتخيّر بين العدول والبقاء حدوثاً وبقاءً ومعه إذا رجع إلى الميت في مسألة البقاء ، لم يجب عليه أن يبقى على تقليده في بقية المسائل الفرعية ، بل له أن يعرض عن البقاء في تلك المسألة ويعدل إلى الحي سواء في ذلك بين أن يكون نظر الميت والحي متحدين فيما هو الموضوع للحكم في مسألة البقاء وبين أن يكون مختلفاً فلاحظ ، هذا كلّه في هذه الصور.

اختلاف الحي والميت في مسألة البقاء

وأما الصورتان اللّتان وعدنا التعرض لهما بعد الفراغ عن الصور الأربع المتقدمة فهما ما إذا أفتى الحي بجواز البقاء أو بوجوبه وأفتى الميت بحرمته ، فهل للمقلّد أن يبقى على تقليد الميت في مسألة البقاء لحجية فتاواه بفتوى الحي بجواز البقاء أو بوجوبه

والمفروض أنه قد عمل بها حال حياة المجتهد الميت أو أنه تعلّم حكمها ، ليلزم من بقائه على تقليده في تلك المسألة حرمة البقاء على تقليده ، أو أن المقلّد ليس له البقاء على تقليده في مسألة البقاء ، ويجوز له أو يجب عليه البقاء على تقليده في بقية المسائل الفرعية؟ وبعبارة اخرى تجويز الحي أو إيجابه البقاء على تقليد الميت هل يشمل مسألة البقاء أيضاً حتى يلزم منه حرمة البقاء في بقية المسائل أو لا يشملها ، فله أن يبقى على تقليد الميت في بقية المسائل؟

الثاني هو الصحيح لأنه لا مانع من البقاء على تقليد الميت في المسائل الفرعية غير مسألة البقاء والوجه فيه : أن فتاوى الميت قد سقطت عن الحجية بموته فلا تتصف بالاعتبار ، إلاّ إذا أفتى الحي بحجيتها التخييرية كما إذا جوّز البقاء على تقليده أو التعيينية كما إذا أوجبه ، وفتوى الميت بحرمة البقاء لا يمكن أن تتصف بالحجية في مسألة البقاء بفتوى الحي بجواز البقاء أو بوجوبه ، لأن شمول تجويز الحي أو إيجابه لفتوى الميت بحرمة البقاء ، يستلزم عدم شموله لها ويلزم من حجية فتوى الميت عدم حجيتها ، وما استلزم فرض وجوده عدمه فهو محال. والوجه في هذا الاستلزام أن الميت يفتي بحرمة البقاء ، فلو كانت فتواه هذه حجة شرعية بأن شملتها فتوى الحي بجواز البقاء لزم منها عدم حجية فتاواه الّتي منها فتواه بحرمة البقاء. إذن لا يمكن أن تشمل فتوى الحي بالجواز أو الوجوب لفتوى الميت بحرمة البقاء ، وهذا بخلاف سائر فتاواه ، فإنه لا محذور في حجيتها بشمول فتوى الحي لها ، هذا.

على أنّا لا نحتمل شمول فتوى الحي بجواز البقاء أو بوجوبه لفتوى الميت بحرمته وذلك لأن في الواقع ومقام الثبوت لا يخلو إما أن يكون البقاء على تقليد الميت محرّماً لارتفاع حجية فتاواه بموته ، وإما أن يكون جائزاً بالمعنى الأعم ولا تكون حجية فتاواه ساقطة بموته ولا ثالث ، فإن كان البقاء محرّماً واقعاً كانت فتوى الحي بجواز البقاء مخالفة للواقع ومعه لا تتصف بالحجية الشرعية لمخالفتها للواقع على الفرض وإذا سقطت فتوى الحي عن الحجية لم تكن فتوى الميت بحرمة البقاء حجة بوجه لسقوط فتاواه عن الحجية بموته ، وإنما تتصف بالاعتبار إذا أفتى الحي بحجيتها وقد فرضنا أنها ساقطة عن الحجية لمخالفتها للواقع ، فهي غير معتبرة في نفسها فما ظنك بأن تكون

موجبة لحجية فتوى الميت بحرمة البقاء. وأما إذا كان جائزاً بحسب الواقع ففتوى الحي بجواز البقاء مطابقة للواقع إلاّ أن فتوى الميت بحرمة البقاء مخالفة له فلا تكون حجة بوجه. إذن لنا علم تفصيلي بعدم حجية فتوى الميت بحرمة البقاء سواء أكانت مطابقة للواقع أم مخالفة له وفتوى الحي بجواز البقاء بالمعنى الأعم غير محتملة الشمول لفتوى الميت بحرمة البقاء ، ومع عدم احتمال حجيتها بحسب الواقع ومقام الثبوت كيف يعقل أن يشملها دليل الحجية وهو فتوى الحي في مقام الإثبات.

ونظير ذلك ما ذكرناه في التكلم على حجية الخبر من أن الخبر الواحد إذا دلّ على عدم حجية الخبر الواحد ، لم تشمله الأدلة القائمة على حجية الخبر ، لأنه يلزم من شمولها له وحجيته عدم شمولها له وعدم حجيته. على أنّا لا نحتمل حجيته بحسب الثبوت ، لأنه لا يخلو إما أن لا يكون الخبر الواحد حجة شرعاً وإما أن يكون حجة ولا ثالث ، فعلى الأول لا حجية للخبر النافي لحجية الخبر لما فرضناه من عدم حجية الخبر واقعاً وهو أيضاً خبر واحد فلا يثبت به مدلوله ، وعلى الثاني أيضاً لا يتصف النافي بالحجية لأنه على خلاف الواقع لما فرضناه من حجية الخبر واقعاً ، فعلى كلا التقديرين لا حجية للخبر النافي لحجيته والأدلة غير شاملة له في مرحلة الإثبات بعد عدم احتمال حجيته في مرحلة الثبوت.

وببيان أوضح وأحسن أن معنى فتوى الحي بجواز البقاء بالمعنى الأعم أن المقلّد له أن يبقى على تقليد الميت في المسائل الفرعية ، كما أن معناها عدم جواز البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء ، ولا يعقل أن تشمل فتوى الحي بالجواز كلتا المسألتين أعني مسألة البقاء وسائر المسائل ، لوضوح أنها إن شملت لمسألة حرمة البقاء فمعناها عدم جواز البقاء على تقليد الميت في بقية المسائل فإن الميت أفتى بحرمة البقاء ، وإن شملت بقية المسائل الفرعية فمعناها عدم جواز البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء وإلاّ حرم عليه البقاء في بقية المسائل.

ففتوى الحي بالجواز إما أن تشمل مسألة البقاء فحسب ، وإما أن تشمل سائر المسائل الفرعية ولا يمكن الجمع بينهما في الشمول إلاّ أن فتوى الحي بحجية فتوى

الميت لا يمكن أن تشمل مسألة البقاء وذلك لاستحالته في نفسه ، وذلك لأن احتمال المطابقة للواقع معتبر في حجية الحجج لوضوح أن حجيتها لا تجامع القطع بمخالفتها للواقع ، ولا يحتمل أن تكون فتوى الميت بحرمة البقاء مطابقة للواقع وتكون فتوى الحي بحجية فتوى الميت شاملة لمسألة البقاء ، لأن البقاء على تقليد الميت إما أن يكون محرّماً في الواقع وإما أن يكون جائزاً ، فعلى الأول لا يمكن البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء لأنه أمر محرّم واقعاً ، وفتوى الحي بجوازه ساقطة عن الحجية لمخالفتها للواقع على الفرض ، وعلى الثاني تسقط فتوى الميت بحرمة البقاء عن الحجية لمخالفتها للواقع. وإذن لنا علم تفصيلي بسقوط فتوى الميت بحرمة البقاء عن الحجية على كلا التقديرين ، وأن فتوى الحي بالجواز غير شاملة لمسألة البقاء. وإذا فرضنا أن فتوى الحي لم تشمل مسألة البقاء فلا مانع من أن تشمل البقاء على تقليد الميت في سائر المسائل كما لعلّه ظاهر.

ثمّ إن بما ذكرناه اتضح الفرق بين هذه المسألة ومسألة ما إذا أفتى الميت بوجوب البقاء والحي بجوازه ، وحاصل الفرق أنه لا يمكن الجمع بين حرمة البقاء على فتوى الميت وجواز البقاء عليها ، فإذا أفتى الميت بحرمة البقاء وأفتى الحي بجوازه لم يكن البقاء على تقليد الميت في هذه المسألة من جهة فتوى الحي بالجواز ، وهذا بخلاف ما إذا أفتى الميت بوجوب البقاء ، وأفتى الحي بجوازه ، فإنه لا مانع من الجمع بينهما ونتيجة ذلك أن يتخيّر المكلف بين العدول من الميت إلى الحي ، لأن فتوى الميت بالوجوب كسائر فتاواه قد سقطت عن الحجية بموته ، وأن يبقى على تقليد الميت حتى في فتواه بوجوب البقاء ونتيجته أن تكون فتوى الميت حجة تعيينية من جهة اختيار المقلّد والتزامه. نعم ، إذا قلنا بأن فتوى الحي بجواز البقاء مرجعها إلى التخيير الاستمراري ، وأن المقلّد متى ما أراد الرجوع إلى الحي جاز له ذلك ، لم يمكن البقاء على تقليد الميت في حكمه بوجوب البقاء ، فإن معنى الحكم بوجوبه عدم جواز الرجوع عنه إلى الحي وهذا لا يجتمع مع فتوى الحي بجواز البقاء والرجوع مستمراً.

[16] مسألة 16 : عمل الجاهل المقصّر الملتفت باطل وإن كان مطابقاً (1)للواقع (1).


حكم عمل الجاهل المقصِّر والقاصر

(1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين :

أحدهما : أن الجاهل يستحق العقاب على أعماله إذا لم تكن مطابقة للواقع ، بل مطلقاً أو لا يستحق عليها العقاب؟

وثانيهما : أن أعمال الجاهل القاصر أو المقصّر صحيحة أو باطلة؟

أما المقام الأول : فلا ينبغي التردد في أن الجاهل القاصر لا يستحق العقاب على شي‌ء من أعماله سواء أكانت مطابقة للواقع أم مخالفة له ، كما إذا استند إلى أمارة شرعية أو فتوى من يجوز تقليده وكانتا مخالفتين للواقع ، وذلك لقصوره وقتئذٍ لاستناده في أعماله إلى الحجة الشرعية على الفرض.

وأما الجاهل المقصّر فهو على عكس الجاهل القاصر يستحق العقاب على أعماله إذا كانت مخالفة للواقع ، وذلك لأنه قد قصّر في الفحص والسؤال وخالف الواقع من غير أن يستند فيه إلى حجة شرعية. بل الأمر كذلك حتى إذا كان عمله المخالف للواقع مطابقاً لفتوى من يجب عليه تقليده في ظرف العمل أو في زمان الرجوع إليه ، فإن الحجة بوجودها الواقعي غير كافية في المعذورية وعدم استحقاق العقاب على مخالفة الواقع ، بل إنما تكون معذّرة فيما إذا استند إليها المكلف في عمله ، والاستناد إلى الحجة مفروض العدم في محل الكلام. بل يمكن الالتزام باستحقاق المقصّر العقاب حتى إذا كان عمله مطابقاً للواقع إلاّ أنه يختص بما إذا كان ملتفتاً حال العمل ، وذلك لأنه مع الالتفات واحتمال صحة العمل وفساده ، إذا أتى به غير مبال بمخالفته للواقع لكان ذلك مصداقاً بارزاً للتجري القبيح ، وبذلك يستحق العقاب على عمله وإن كان مطابقاً للواقع.


1) (*) الظاهر هو الصحة في هذا الفرض.

وأما المقام الثاني : فحاصل الكلام فيه أن التكلم على أعمال الجاهل المقصّر من عباداته ومعاملاته وأنها تقع صحيحة أو فاسدة ، إنما يخص أفعاله الّتي يترتب على صحتها أو فسادها أثر عملي بالإضافة إلى زماني الحال أو الاستقبال ، كما إذا أتى بالعبادة جاهلاً بحكمها في أول وقتها والتفت إلى حكمها في أثنائه أو في خارجه ، فإنه إذا قلنا ببطلانها ترتب عليه الحكم بوجوب إعادتها أو قضائها كما يترتب على القول بصحتها عدم وجوب الإعادة أو القضاء. وكما إذا عامل معاملة معاطاتية غير عالم بحكمها ، ثمّ فسخ البائع المعاملة فإنا لو قلنا بفساد المعاملة ، وجب على كل من البائع والمشتري ردّ ما أخذه إلى مالكه ومع تلفه يرد عليه بدله ، ولو قلنا بجواز المعاملة لأجل أن المعاطاة مفيدة للملكية الجائزة القابلة للانفساخ بفسخها وجب على كل منهما ردّ ما أخذه إلى بائعه ، وإن قلنا إن المعاملة لازمة وأن المعاطاة مفيدة للملك اللاّزم لم يجب على المشتري ولا على البائع ردّ العين أو عوضها بوجه. وكذلك الحال في المعاملات بالمعنى الأعم ، كما إذا غسل المتنجّس بالبول مرّة واحدة في الكثير ، ثم التفت وتردد في اعتبار التعدد فيه لأنّا لو قلنا باعتبار التعدد حتى في الغسل بالماء الكثير ، وجب غسل المتنجّس مرّة ثانية في مفروض الكلام كما يجب غسل ما لاقاه المتنجس مع الرطوبة قبل الغسلة الثانية ، وهذا بخلاف ما لو قلنا بكفاية المرّة في الماء الكثير. وكذا إذا ذبح ذبيحة بغير الحديد بالاختيار ، ثمّ التفت إلى شرطية الحديد وهي باقية بحالها لأنّا لو قلنا بكونها ميتة حرم أكلها وبطلت الصلاة في أجزائها كما أنه لو لم نقل بكونها كذلك حلّ أكلها وجازت الصلاة في أجزائها.

وأما أفعاله الّتي لا يترتب أثر عملي على صحتها وفسادها بالإضافة إلى زماني الحال أو الاستقبال فهي خارجة عن محل الكلام ، لأنه لا أثر للبحث عن صحتها وعدمها ، وهذا كما إذا شرب العصير العنبي بعد غليانه وقبل تثليثه ثمّ التفت وتردد في جوازه وحرمته ، فإنه لا أثر للحكم بحرمته وحليته ، لوضوح أنه لو كان محرّماً فقد مضى ويعاقب على فعله ذلك لحرمته ، وإن كان حلالاً فلا يعاقب بشي‌ء فلا أثر لهما بالإضافة إلى زماني الحال أو الاستقبال.

إذا عرفت ذلك فنقول : إن الماتن ذهب إلى بطلان عمل الجاهل المقصّر الملتفت

وإن كان مطابقاً للواقع ، والظاهر أنه استند في ذلك إلى أن المقصّر الملتفت لا يتمشى منه قصد التقرب في عباداته ، وذلك بقرينة قوله عند الحكم بصحة عمل الجاهل القاصر أو المقصّر الغافل : وحصل منه قصد القربة.

والصحيح أن عمل الجاهل المقصّر كالقاصر محكوم بالصحة ملتفتاً كان أم لم يكن إذا كان مطابقاً للواقع ، وذلك أما في التوصليات فلأجل أن الأُمور التوصلية لا يعتبر فيها غير الإتيان بها مطابقة للواقع ، والمفروض أن المقصّر أو غيره أتى بما أتى به مطابقاً للواقع.

وأما في العبادات فلأن العبادة كالواجب التوصلي وإنما تفترقان في أن العبادة زائداً على لزوم إتيانها بذاتها يعتبر إضافتها إلى المولى جلّ شأنه نحو إضافة ، وهذا أمر ممكن الصدور من الجاهل ، أما غير الملتفت فظاهر وأما الملتفت فلأنه إذا أتى بها برجاء أنها مما أمر به اللّه سبحانه تحققت به الإضافة نحوه ، فإذا كانت مطابقة للواقع كما هو مفروض الكلام وقعت صحيحة لا محالة.

نعم ، الّذي لا يتمكن منه الجاهل الملتفت إنما هو الجزم بأن ما يأتي به مأمور به من اللّه لتردده وعدم علمه بذلك بحيث لو أتى به جازماً بأنه مأمور به في الشريعة المقدسة فقد شرّع. إلاّ أنّا قد أسبقنا (1)عند التكلم على مشروعية الاحتياط أن الجزم بالنية غير معتبر في صحة العبادات وأن الإتيان بها برجاء أن لا يكون تاركاً للعبادة على تقدير وجوبها في الواقع يكفي في صحتها وسقوط أمرها وامتثاله إذا كانت مطابقة للواقع ، وهذا يبتني على مسألة جواز الامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي وتحصيل العلم بالمأمور به ، وقد أسمعناك جوازه فراجع.

إذن لا موجب للحكم ببطلان عمل الجاهل المقصّر الملتفت إذا انكشفت مطابقته للواقع.

نعم ، ذكر شيخنا الأنصاري قدس سره أن ظاهر كلام السيد الرضي قدس سره في مسألة الجاهل بوجوب القصر وظاهر تقرير أخيه السيد المرتضى ( قدّس


1) راجع ص 51.

سرّه ) : ثبوت الإجماع على بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها (1)، إلاّ أنه غير صالح للاستدلال به وذلك لأنه من الإجماع المنقول الّذي لا نقول باعتباره ، فالإجماع غير متحقق في نفسه ، وعلى تقدير تحققه لم يحرز أنه إجماع تعبدي كاشف عن قول المعصوم علیه السلام لاحتمال استناد المجمعين إلى عدم تمشي قصد القربة من الجاهل الملتفت أو إلى اعتبار الجزم بالنية في العبادات أو غير ذلك من الوجوه.

نعم ، لا ينبغي التأمل في أن عمل الجاهل محكوم بالبطلان في مرحلة الظاهر لدى العقل ما لم ينكشف مطابقته للواقع ، لأن العقل لا يكتفي بما أتى به الجاهل مع التردد في صحته ومطابقته للواقع ، لأن العلم بالاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية إلاّ أنه حكم عقلي في مرحلة الظاهر ويرتفع إذا انكشفت مطابقة ما أتى به الجاهل للواقع.

والمتلخص : أن عمل الجاهل القاصر والمقصّر الملتفت وغير الملتفت في الحكم سواء.

ثمّ إن انكشاف المطابقة للواقع قد يكون وجدانياً وهذا من القلّة بمكان ، لأنه لا يتفق للعامّي العلم الوجداني بمطابقة عمله للواقع إلاّ في الضروريات والقطعيات والمسائل الواضحة وهي قليلة في الغاية. وقد يكون بالتعبد وهو الأكثر ، وذلك لأنه إذا لم يكن للعامّي علم وجداني بالمطابقة فلا مناص من أن يستكشف مطابقة عمله للواقع بالرجوع إلى فتوى المجتهد فإن بالمطابقة أو المخالفة معها يستكشف تعبداً مطابقة عمله للواقع أو مخالفته له ، وهذا هو الّذي يتمكن منه المقلّد غالباً. وعليه فإن كان المجتهد الّذي كان يجب عليه أن يقلّده في زمان العمل والمجتهد الّذي يجب عليه تقليده في زمان الرجوع شخصاً واحداً فهو ، وأما إذا تعددا وكان المجتهد الّذي يجب الرجوع إليه في ظرف العمل غير المجتهد الواجب تقليده في زمان الرجوع ، فإن كان عمله موافقاً لكلتا الفتويين فلا كلام في صحته ، كما أنه إذا كان مخالفاً لكلتيهما لم تكن شبهة في فساده ووجوب إعادته. وإنما الكلام فيما إذا كان مطابقاً لفتوى أحدهما ومخالفاً لفتوى الآخر ، فهل اللاّزم تطبيق عمل الجاهل لفتوى المجتهد الّذي كان يجب


1) رسالة في الاجتهاد والتقليد : 49.

تقليده في ظرف العمل أو أن اللاّزم تطبيقه لفتوى المجتهد الّذي يجب تقليده في زمان الرجوع أو المدار على مطابقته لكلتا الفتويين ومع فرض المخالفة لإحداهما يحكم ببطلانه؟

الصحيح أن المدار في ذلك على مطابقة العمل لفتوى المجتهد الواجب تقليده في زمان الرجوع ، ولا عبرة بفتوى المجتهد الّذي كان يجب عليه تقليده في زمان العمل ، وسرّه ما قدّمناه في مباحث الاجزاء وغيرها من هذا الكتاب (1)وفي بحث الأُصول (2)من أن الأحكام الواقعية لا تتغير عمّا هي عليه بفتوى المجتهد أو بقيام الأمارة على خلافها ، اللّهُمَّ إلاّ على القول بالسببية ولا نقول بها ، وحيث إن الإعادة وعدمها فعل من أفعال المكلف وهو لا يدري حكمها عند الالتفات إلى عمله السابق الصادر عن الجهل ، فلا مناص له من أن يرجع في حكمها إلى من يجب تقليده في زمان الابتلاء بالشك في وجوب الإعادة ، وهو المجتهد الّذي يجب تقليده في زمان الرجوع وذلك لإطلاق أدلة التقليد ، فإنه إذا أفتى بصحة ما أتى به المكلف جاهلاً بحكمه ، فمعناه أن إعادته الّتي يشك المكلف في وجوبها بالفعل غير واجبة في حقه ، كما أنه إذا أفتى بفساده كان معناه وجوب الإعادة عليه. وأما فتوى المجتهد الّذي كان يجب عليه تقليده في ظرف العمل فلا يترتب على فتواه بصحة ذلك العمل أو فساده أثر بالإضافة إلى المكلف عند الشك في وجوب إعادته ، لأنها قد سقطت عن الحجية بموت المجتهد أو بنسيانه أو بغيرهما من أسباب السقوط ، والفتوى غير المتصفة بالحجية لا يترتب عليها أثر بوجه.

إذن فالمتعيّن الرجوع إلى من يجب عليه تقليده في ظرف الرجوع ، لشكه في وجوب إعادة الفعل الّذي أتى به سابقاً وهو مما يجب أن يسأل حكمه عن الفقيه الّذي تتصف فتواه بالحجية في حقه لدى السؤال وهو المجتهد الفعلي لا السابق الّذي سقطت فتواه عن الحجية على الفرض ، وقد مرّ أن فتواه بالصحة تلازم الحكم بعدم وجوب


1) راجع ص 40.

2) مصباح الأُصول 2 : 96.

الإعادة كما أن فتواه بالفساد ملازمة للحكم بوجوبها ، وتوضيح ذلك :

أن المجتهد الّذي تجب المراجعة إليه في ظرف الرجوع وإن لم تكن فتواه متصفة بالحجية من الابتداء وإنما حدثت حجيتها بعد ذلك ، إما لأنه لم يكن لها موضوع سابقاً لعدم كونه مجتهداً في ظرف العمل ، وإما لعدم كونه واجداً لبعض الشروط كالأعلمية أو العدالة ونحوهما ، إلاّ أن ما تتضمنه تلك الفتوى بعد ما اتصفت بالحجية حكم كلّي إلهي لا يختص بوقت دون وقت ، بل يعمّ الأزمنة المتقدمة والمتأخرة ، مثلاً إذا أفتى بوجوب التيمم على المتيمم بدلاً عن غسل الجنابة إذا أحدث بالأصغر ولم يجوّز الوضوء في حقه ، شملت فتواه هذه الأزمنة السابقة واللاّحقة لأن مضمونها حكم عام قد استكشفه المجتهد من أدلته ولا اختصاص له بعصر دون عصر. فإن مقتضى تلك الفتوى أن حكم اللّه المجعول في حق المتيمم بدلاً عن غسل الجنابة إذن أحدث بالأصغر هو التيمم دون الوضوء ، ولازمه بطلان الصلوات الّتي أتى بها المكلف سابقاً مع التوضؤ بعد التيمم بدلاً عن غسل الجنابة ، فبالفتوى المتأخرة الحادثة حجيتها يستكشف بطلان الأعمال السابقة في ظرف الصدور. والحكم ببطلانها وإن لم يترتب أثر عليه بالإضافة إلى الأزمنة المتقدمة ، إلاّ أن له أثراً بالإضافة إلى زمان الحال والأزمنة الآتية ، لأن لازمه وجوب الإعادة أو القضاء.

وملخص الكلام أن وجوب إعادة الأعمال السابقة وعدمه من المسائل الّتي يجب الرجوع فيها إلى الفقيه الّذي تتصف فتاواه بالحجية وليس ذلك إلاّ المجتهد الفعلي لسقوط فتوى المجتهد السابق في ظرف العمل عن الحجية بالموت أو نحوه ، لوضوح أنه لو لم تسقط فتاواه عن الحجية لم يجز له تقليد المجتهد الحاضر ، وقد فرضنا أن فتوى المجتهد الفعلي بطلان الصلاة مع الوضوء في تلك المسألة ، ومضمونها أن ذلك هو حكم اللّه الواقعي العام غير المختص بوقت دون وقت.

نعم ، لا مناص من الالتزام بعدم وجوب الإعادة أو القضاء في الموارد الّتي قام الدليل فيها على عدم الوجوب ، وذلك كما إذا أخلّ في الصلاة بغير الأركان من أجزائها أو شرائطها بأن صلّى بلا سورة أو أتى بالتسبيحات الأربع مرة واحدة وكانت فتوى المجتهد الفعلي وجوب السورة أو وجوب التسبيحات ثلاث مرات ، وذلك لحديث

لا تعاد لدلالته على عدم وجوب الإعادة إلاّ من الخمسة المذكورة في الحديث وليست منها السورة أو التثليث في التسبيحات الأربع ، بل لا تجب إعادة الصلاة في أمثال المقام وإن كان عمله مخالفاً لكلتا الفتويين ، كما إذا أفتى كل من المجتهد السابق واللاّحق بوجوب السورة أو التثليث في التسبيحات الأربع. إذن ، الإخلال بغير الخمسة الواردة في الحديث غير موجب لبطلان الصلاة ولا لإعادتها إلاّ فيما دلّ الدليل على وجوب الإعادة فيه كما إذا كبّر جالساً وكانت وظيفته الصلاة قائماً ، أو كبّر قائماً وكانت وظيفته الصّلاة جالساً وذلك للنص (1)هذا بالإضافة إلى الجاهل القاصر.

وأما المقصّر فإن كان ملتفتاً حال العمل ومتردداً في وجوب السورة مثلاً في الصلاة ، فلا يشمله حديث لا تعاد لاختصاصه بما إذا حدث الشك في صحة العمل بعد الإتيان به بحيث لولا انكشاف الخلاف بعد ذلك لم تجب إعادته أو قضاؤه ، وليس الأمر كذلك في الجاهل المقصّر الملتفت حال العمل لأنه شاك في صحة عمله من حينه وقبل أن يأتي به ، ومقتضى أن الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية أعني قاعدة الاشتغال ، وجوب الإعادة في أمثال المقام انكشف له الخلاف أم لم ينكشف كما أنه لو لم يأت به حتى خرج وقته وجب عليه القضاء لعدم إتيانه بما هو المأمور به الظاهري في حقه بقاعدة الاشتغال ، فقد فاتت عنه الصلاة ووجب عليه قضاؤها ظاهراً.

وأما المقصّر غير الملتفت فقد ادعوا الإجماع على بطلان عمله وانّه كالعالم والمتعمد في ترك الواجب ومعه لا يفرق بين قسمي الجاهل المقصّر أعني الملتفت وغير الملتفت في بطلان عملهما وعدم كونهما مشمولين للحديث ، هذا إذا تمّ الإجماع كما ادعي.

وأما لو لم يتم أو قلنا إن القدر المتيقن منه أن المقصّر كالمتعمد من حيث استحقاقه العقاب وتنجز التكليف عليه لا من حيث صحة العمل وبطلانه ، فلا مانع من شمول الحديث للمقصر غير الملتفت في نفسه وبه يحكم بصحة عمله وإن كان مخالفاً لفتوى كلا المجتهدين.


1) وسائل الشيعة 5 : 503 / أبواب القيام ب 13 ح 1.

وأما الجاهل القاصر أو المقصر الّذي كان غافلاً حين العمل وحصل منه قصد القربة ، فإن كان مطابقاً لفتوى المجتهد الّذي قلّده بعد ذلك كان صحيحاً (1)والأحوط مع ذلك مطابقته لفتوى المجتهد الّذي كان يجب عليه تقليده حين العمل (1).

[17] مسألة 17 : المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد والمدارك للمسألة وأكثر اطلاعاً لنظائرها وللأخبار وأجود فهماً للأخبار ، والحاصل أن يكون أجود استنباطاً والمرجع في تعيينه أهل الخبرة والاستنباط (2).


(1) فقد اتضح تفصيل ذلك مما سردناه في التعليقة المتقدمة فلاحظ.

ما يراد من الأعلم :

(2) ليس المراد بالأعلمية في المقام أن يكون المجتهد أشد اقتداراً في القواعد والكبريات أعني المبادئ الّتي بها تستنتج الأحكام ، كما إذا كان المجتهد في المطالب الأُصولية أقوى من غيره ، ولا أن المراد بها أكثرية الإحاطة بالفروع والتضلع في الكلمات والأقوال ، كما إذا تمكن من الجواب عن أية مسألة ترد عليه ولو من الفروع الّتي لا يبتلى بها إلاّ نادراً ، أو لا يتحقق في الخارج أصلاً مع التطلع على أقوالها وموارد التعرض للمسألة في كلماتهم ، بل المراد بالأعلمية كون المجتهد أشد مهارة عن غيره في تطبيق الكبريات على صغرياتها ، وأقوى استنباطاً وأمتن استنتاجاً للأحكام عن مبادئها وأدلتها ، وهو يتوقف على علمه بالقواعد والكبريات وحسن سليقته في تطبيقها على صغرياتها ، ولا يكفي أحدهما ما لم ينضم إليه الآخر.

والوجه في هذا التفسير : أن حال الأعلم في علم الفقه حال الأعلم في بقية الحِرف والعلوم ، فكما أن الأعلم في الطب والهندسة والتجارة وغيرها هو الّذي يكون أعرف من غيره بتطبيق الكبريات على صغرياتها ، وأقوى استنباطاً لها عن قواعدها وهو


1) (*) العبرة في الصحة بمطابقة العمل للواقر. والطريق إليها هو فتوى من يجب الرجوع إليه فعلاً.

موقوف على المعرفة بالكبريات وحسن السليقة في تطبيقها على مصاديقها ، ولا يكفي في الأعلمية مجرد كون الطبيب أقوى في الكبريات أو أكثر اطلاعاً على الأمثال والفروع. بل لا بدّ مضافاً إلى إحاطته بأقسام المرض وطرق معالجتها وأدويتها أن يكون أعرف بتطبيق كبرياتها على مصاديقها ، فكذلك الحال في المقام. فلا اعتبار فيما نحن فيه بأكثرية الإحاطة بالفروع والأقوال والكلمات لأنها غير راجعة إلى الأعرفية في التطبيق ، لوضوح أنها ليست إلاّ حفظ الفتاوى والفروع وأجنبية عن الاستنباط بالكلّية ، كما أن شدة الاقتدار العلمي بالكبريات غير راجعة إلى الأعرفية في الاستنباط ، فإن ربّ شخص له اليد الطولى في الأُصول ، إلاّ أنه ضعيف في التطبيق والاستنباط ، هذا.

بل الأمر كما ذكرناه وإن فرضنا أن الأعلم بحسب الهيئة أعني هيئة أفعل يشمل الأقوائية في القواعد والكبريات أو الأكثرية من حيث الإحاطة بالفروع والكلمات وذلك لأن الحكم بوجوب تقليد الأعلم لم يرد في شي‌ء من الأدلة اللفظية ليلاحظ أن الأعلم هل هو ظاهر لدى العرف فيما يشمل الأعلمية من حيث القواعد والكبريات أو الإحاطة بالفروع والأقوال أو غير ظاهر في ذلك ، وإنما الحكم بوجوب تقليده مستند إلى بناء العقلاء أو العقل من باب قاعدة الاشتغال على ما قدّمنا تفصيله ، ولا شبهة في أن الأعلم الّذي يجب تقليده لدى العقلاء أو العقل إنما هو بالمعنى الّذي ذكرناه أعني الأعرف بتطبيق الكبريات على مصاديقها ، لأن الطبيب الأعلم عندهم من يكون أعرف بتطبيق الكبريات الطبية على صغرياتها كما مرّ.

وبما ذكرناه يظهر أن كثرة العلم بالمسائل والفروع بحيث يكون معلومه بحسب العدد أكثر من غيره ، غير راجعة إلى الأعلمية فإنها أمر خارج عن الأعرفية في التطبيق. مضافاً إلى أن العالمية والأعلمية إنما تلاحظان بالإضافة إلى شي‌ء واحد فيقال : زيد عالم بمسألة كذا وعمرو أعلم بها منه. وأما إذا كان هناك شيئان يعلمهما أحد المجتهدين ولم يعلم الآخر إلاّ بأحدهما فلا يصح أن يقال : إن الأول أعلم من الآخر بل هما متساويان في العلم بأحدهما ، وفي الآخر أحدهما عالم والآخر لا علم له به أصلاً لا أن الأول أعلم.

[18] مسألة 18 : الأحوط عدم تقليد المفضول حتى (1)في المسألة الّتي توافق فتواه فتوى الأفضل (1).


وأما الأشدية في المراتب العلمية بأن يقال : إن من انكشف له حكم المسألة انكشافاً جزمياً فهو مقدّم على من انكشف له حكمها انكشافاً ظنيا مثلاً ، أو إن من انكشف له حكمها من أدلتها ظنا يتقدم على من لم يحصل له الظن بحكمها من أدلتها أو الأقوائية بحسب المبنى ، كما إذا كان أحد المجتهدين قوياً في مبانيه العلمية بحيث لا يشك فيها بتشكيك المشككين ، ولا يرفع اليد عنها بالمناقشة في أدلتها بخلاف الآخر ، فلا يمكن حمل الأعلم على شي‌ء منهما ، وذلك لأنهما غير راجعين إلى الأعرفية في التطبيق. على أن الاجتهاد إنما يدور مدار قيام الحجة على الحكم وعدمه سواء انكشف بها الحكم الشرعي جزمياً أو ظنيا أم لم ينكشف ، وسواء أمكن التشكيك في مباني المجتهد أم لم يمكن ، فلا توقف للاجتهاد على شدة الانكشاف وضعفه ، ولا على قوة المباني وعدمها فلاحظ.

(1) ذكرنا في المسألة الثانية عشرة أن الأعلم إنما يجب تقليده فيما إذا علمت المخالفة بينه وبين غير الأعلم في الفتوى ، وأما مع العلم بالموافقة بينهما أو احتمالها فلا يجب تقليد الأعلم بوجه ، لأن الحجية إنما ثبتت لطبيعي فتوى العالم أو الفقيه على نحو صرف الوجود ، فإذا عمل المقلّد بفتياهما فقد عمل على طبق الحجة أعني فتوى الفقيه ، ولم يقم دليل على وجوب تعيين المجتهد المقلّد وتمييزه حينئذٍ وهو نظير ما إذا ورد روايتان ودلتا على وجوب شي‌ء معيّن وأفتى المجتهد بوجوبه استناداً إلى الجامع بين الروايتين ، فإنه حينئذٍ قد عمل على طبق الحجة الشرعية ، ولا يجب عليه أن يعيّن ما عمل به منهما ، فما يظهر من الماتن من لزوم تعيين المجتهد المقلّد في مفروض الكلام مما لا مستند له ، وتوضيح ذلك :

أن المجتهدين المتعددين إذا اتفقوا في الاجتهاد لم يقم أي دليل على أن العامّي يجب أن يستند إلى فتاواهم في مقام العمل ، تساووا في الفضيلة أم اختلفوا وقد تكلمنا على


1) (*) لا بأس بتركه في هذا الفرض.

ذلك في محلّه (1)فلا نعيد ، إلاّ أنّا لو قلنا بوجوب الاستناد فهل الواجب أن يستند إلى خصوص فتوى أحدهم المعيّن ، أو يكفي الاستناد إلى الجامع أو المجموع؟

الصحيح أن الاستناد إلى فتوى أي واحد من المجتهدين المتفقين في الاجتهاد يجزي في مقام الامتثال ، وذلك لشمول أدلة الحجية لفتوى كل واحد منهم في محل الكلام وسرّه أن الحجية نظير غيرها من الأحكام الوضعية أو التكليفية قد جعلت لطبيعي الدليل وهو قابل الصدق على الواحد والكثير. إذن فموضوع الحجية في المقام إنما هو طبيعي فتوى العالم أو الفقيه وهو قابل الانطباق على فتوى كل من المجتهدين وبهذا تتصف كل واحدة من الفتاوى المتفقة بالمنجّزية والمعذّرية ، ويسوغ للمكلف أن يستند إلى فتوى هذا بخصوصها وإلى فتوى ذاك كذلك.

كما أن له أن يستند إلى الطبيعي الملغى عنه الخصوصيات والمشخصات والكثرات والمميزات لأنه الموضوع للحجية ، كما هو الحال في بقية الحجج المتفقة في المضمون وبهذا يظهر أن الاستناد إلى مجموع الفتاوى غير صحيح ، لأن المجموع بما هو مجموع أعني اعتبار ضم كل واحدة منها إلى الأُخرى في مقام الاستناد ينافي حجية كل من الفتاوى في نفسها ، لما ذكرناه من أن كل واحدة من الفتاوى حجة على استقلالها فلا معنى لانضمام بعضها إلى بعضها الآخر في مقام الاستناد ، وبعبارة اخرى أن كل واحدة منها معذّرة ومنجّزة لا أنها جزؤهما. وأما الاستناد إلى المجموع لا بما هو كذلك ، بل بمعنى الجميع بأن يستند إلى هذا في نفسه وإلى ذاك كذلك وهو المعبّر عنه بالعموم الاستغراقي ، فلا يرد عليه المحذور المتقدم لعدم كون الاستناد إلى الفتوى الثانية منافياً لحجية الاولى باستقلالها إلاّ أنه لغو لا أثر له ، فإنه بعد حجية كل واحدة من الفتاوى في نفسها وجواز الاستناد إليها باستقلالها لا حاجة إلى الاستناد إلى الأُخرى بوجه.

ودعوى أن ذلك يستلزم توارد العلل المتعددة على معلول واحد. مندفعة بأن الداعي على الإتيان بالعمل أو تركه إنما هو ثبوت التكليف به أو بتركه ، فالامتثال مستند إلى التكليف الواحد وإن قامت عليه حجج متعددة.


1) راجع ص 107.

[19] مسألة 19 : لا يجوز تقليد غير المجتهد وإن كان من أهل العلم (1)، كما أنه يجب على غير المجتهد التقليد وإن كان من أهل العلم (2).

[20] مسألة 20 : يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني كما إذا كان المقلّد من أهل الخبرة وعلم باجتهاد شخص (3) وكذا يعرف بشهادة عدلين (*) من أهل الخبرة (4).


(1) لأن الأدلة المتقدمة المسوّغة للتقليد غير شاملة للتقليد من غير المجتهد لاختصاصها بالعالم أو الفقيه أو غيرهما من العناوين الواردة في لسان الدليل غير الصادقة على غير المجتهد.

(2) على ما فصلنا الكلام فيه في أول الكتاب وقلنا إن كل مكلف لا بدّ أن يكون في أعماله أو تروكه مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً ، كما أن المجتهد ليس له أن يقلّد الغير ، إذ لا تشمله الأدلة المسوّغة للتقليد. وأما الواجد لملكة الاجتهاد إذا لم يتصد للاستنباط أصلاً أو أنه استنبط جملة قليلة من الأحكام فقد بيّنا في التكلّم على أقسام الاجتهاد أن الصحيح عدم مشروعية التقليد في حقه ، كما أنه لا يجوز التقليد منه إذا لم يتصد للاستنباط أصلاً فليراجع (2).

طرق معرفة الاجتهاد

(3) لأنه حجة بذاته ، كما يثبت بالاطمئنان لأنه علم عادي وهو حجة عقلائية ولم يردع عنها في الشريعة المقدسة.

(4) قد استدلّ على حجية البينة بوجوه :

منها : دعوى الإجماع على اعتبارها في الشريعة المقدسة. وفيه : أن هذا الإجماع على تقدير ثبوته ليس من الإجماعات التعبدية ، لاحتمال استناده إلى أحد الوجوه


1) (*) لا يبعد ثبوته بشهادة عدل واحد ، بل بشهادة ثقة أيضاً مع فقد المعارض ، وكذا الأعلمية والعدالة.

2) راجع ص 16.

المذكورة في المقام فلا يستكشف به قول المعصوم علیه السلام بوجه.

ومنها : أن الشارع قد جعل البينة حجة في موارد الترافع والخصومات وقدّمها على غير الإقرار من معارضاتها ، وإذا ثبتت حجية شي‌ء في موارد القضاء مع ما فيها من المعارضات ، ثبتت حجيته في سائر الموارد مما ليس لها معارض فيه بطريق أولى.

ويرد عليه : أن الدعوى والخصومة مما لا مناص من حلّه بشي‌ء ، لأن بقاء الترافع بحاله ينجر إلى اختلال النظام فما به ترتفع المخاصمات لا يلزم أن يكون حجة حتى في غير المرافعات ، ومن هنا أن اليمين تفصل بها الخصومة شرعاً ولا تعتبر في غير المرافعات فالأولوية لا تبتني على أساس صحيح.

ومنها : موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : سمعته يقول : « كل شي‌ء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة ، أو المملوك عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع قهراً ، أو امرأة تحتك وهي أُختك أو رضيعتك والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة » (1). لدلالتها على أن اليد في مثل الثوب والمملوك وأصالة عدم تحقق النسب أو الرضاع في المرأة ، حجة معتبرة لا بدّ من العمل على طبقها إلاّ أن يعلم أو تقوم البينة على الخلاف. إذن يستفاد منها أن البينة حجة شرعية في إثبات الموضوعات المذكورة في الموثقة ، وبما أن كلمة « الأشياء » من الجمع المحلى باللاّم وهو من أداة العموم ، ولا سيما مع التأكيد بكلمة « كلها » فنتعدى عنها إلى بقية الموضوعات الّتي يترتب لها أحكام ومنها الاجتهاد والأعلمية.

وحيث إن مورد الموثقة هو الموضوعات الخارجية لا يصغي إلى دعوى أن الموثقة إنما دلت على اعتبار البينة في الأحكام فلا يثبت بها حجيتها في الموضوعات ، فالموثقة تدلنا على حجية البينة في الموضوعات مطلقاً. ويؤيدها رواية عبد اللّه بن سليمان عن أبي عبد اللّه علیه السلام في الجبن قال : « كل شي‌ء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أن فيه ميتة » (2).

وحيث إن سندها غير قابل للاعتماد عليه جعلناها مؤيدة للموثقة ، هذا.


1) وسائل الشيعة 17 : 89 / أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 4.

2) وسائل الشيعة 25 : 118 / أبواب الأطعمة المباحة ب 61 ح 2.

وقد تعرضنا للاستدلال بهذه الموثقة في كتاب الطهارة عند التكلم على طرق ثبوت النجاسة (1)وذكرنا أن الرواية وإن عبّر عنها في كلام شيخنا الأنصاري قدس سره بالموثقة ، إلاّ أنّا راجعنا حالها فوجدناها ضعيفة حيث لم يوثق مسعدة في الرجال ، بل قد ضعّفه المجلسي (2)والعلاّمة (3)وغيرهما. نعم ، ذكروا في مدحه أن رواياته غير مضطربة المتن وأن مضامينها موجودة في سائر الموثقات ولكن شيئاً من ذلك لا يدل على وثاقة الرجل فهو ضعيف على كل حال.

والأمر وإن كان كما ذكرناه إلاّ أن التحقيق أن الرواية موثقة ، وذلك لأن مسعدة بن صدقة من الرواة الواقعة في طريق كامل الزيارات وقد بنى أخيراً سيدنا الأُستاذ ( أدام اللّه إظلاله ) على وثاقة رجاله وذلك لتصريح ابن قولويه في ديباجته بأنه روى في ذلك الكتاب الأخبار غير المتصفة بالشذوذ والّتي رواها الثقات من أصحابنا. ولا يضرّه ما حكى عن المجلسي والعلاّمة وغيرهما من تضعيف الرجل ، وذلك لأن العلاّمة والمجلسي وغيرهما من المتأخرين المضعفين على جلالتهم وتدقيقاتهم لا يعتني بتضعيفاتهم ولا بتوثيقاتهم المبتنيتين على اجتهاداتهم ، ولا يحتمل أن يكون توثيق العلاّمة أو تضعيفه من باب الشهادة والاخبار فضلاً عن المجلسي أو غيره لبعد عصرهم عن الرواة. نعم ، لو علمنا أن توثيقه أو تضعيفه مستند إلى الحس والاخبار أو احتملنا ذلك في حقهم ، لم يكن توثيقاته أو تضعيفاته قاصرة عن توثيق أو تضعيف مثل الشيخ والنجاشي وغيرهما من المتقدمين ، فالرواية لا إشكال فيها من تلك الجهة.

نعم ، يمكن المناقشة في الاستدلال بها من جهة الدلالة وذلك لأن « البينة » لم تثبت لها حقيقة شرعية ولا متشرعية ، وإنما استعملت في الكتاب والأخبار بمعناها اللغوي وهو ما به البيان والظهور على ما فصلناه في كتاب الطهارة فلاحظ (4)ومعه لا يمكن أن يستدل على حجية البينة المصطلح عليها ، بالموثقة لعدم كونها مستعملة فيها بمعنى شهادة العدلين.


1) في المسألة [129]

2) رجال المجلسي : 320 / 1860.

3) الخلاصة ( العلاّمة ) : 260.

4) في المسألة [129].

فالصحيح أن يستدل على حجية البينة بالمعنى المصطلح عليه بما بيّناه في البحث عن طرق ثبوت النجاسة وحاصله : أنّا علمنا من الخارج أن النبي صلی اللّه علیه و آله كان يعتمد على إخبار العدلين في موارد الترافع من غير شك واعتماده صلی اللّه علیه و آله عليها يدلنا على أن شهادة العدلين أيضاً من مصاديق الحجة وما به البيان ، فإنه لولا كونها كذلك لم يجز له أن يعتمد عليها أبداً ، فبهذا نستكشف أنها حجة مطلقاً من دون أن يختص اعتبارها بموارد الخصومة والقضاء لأن اعتماد الشارع عليها يدلّنا على أن خبر العدلين حجة معتبرة في مرتبة سابقة على القضاء لا أنه اتصف بالحجية بنفس القضاء ، هذا.

ثمّ إن الاجتهاد والأعلمية كما أنهما يثبتان بالبينة كذلك يثبتان بالخبر الواحد وذلك لما بيّناه في محلّه من أن خبر العدل الواحد كما أنه حجة معتبرة في الأحكام الشرعية كذلك يعتمد عليه في الموضوعات الخارجية وهذا للسيرة الجارية على الاعتماد عليه عند العقلاء مطلقاً ولم يردع عنها في الشريعة المقدسة. بل لا تتوقف حجيته على عدالة المخبر لكفاية الوثاقة في حجية الخبر وإن استشكل الماتن في حجية الخبر الواحد في الموضوعات في جملة من الموارد.

وقد يتخيّل أن الموثقة المتقدمة (1)كافية في الردع عن العمل بالخبر الواحد في الموضوعات الخارجية حيث ورد في ذيلها : « والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة » نظراً إلى أنه دلّ على حصر المثبت بالاستبانة وقيام البينة ، فلو كان الخبر الواحد أيضاً حجة مثبتة للموضوعات الخارجية كالبينة لبيّنه علیه السلام ويدفعه ، أوّلاً : أن الموثقة ليست بصدد الحصر أبداً وذلك لوضوح أن الأشياء كما أنها تثبت بالاستبانة والبينة كذلك تثبت بالاستصحاب والإقرار وحكم الحاكم وغيرها ، فلو كانت بصدد حصر المثبت فيهما لاستلزم ذلك تخصيص الأكثر المستهجن.

وثانياً : أن البينة في الموثقة كما قدّمناه بمعنى الحجية وما به البيان وهذا هو الّذي دلّت الموثقة على حجيته في قبال العلم الوجداني والاستبانة ، وأما تطبيق ذلك على


1) راجع ص 172.

إذا لم تكن معارضة بشهادة آخرين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد (1) وكذا يعرف بالشياع المفيد للعلم ، وكذا الأعلمية تعرف بالعلم أو البينة غير المعارضة ، أو الشياع المفيد للعلم.


مصاديقه وأن ما به البيان أي شي‌ء فالموثقة غير ناظرة إلى بيانه ، فلا مناص من أن يحرز مصاديقه من الخارج فإذا أقمنا الدليل على اعتبار الخبر في الموضوعات الخارجية استكشفنا بذلك أنه أيضاً مصداق لكبرى الحجية وما به البيان ، كما استكشفنا حجية البينة المصطلح عليها من الخارج على التقريب المتقدم فلاحظ.

وثالثاً : لو سلمنا أن البينة في الموثقة بمعناها المصطلح عليه ، فعدم ذكر الخبر الواحد في قبال العلم والبينة إنما هو من جهة خصوصية في موردها وهي أن الحلّية في مفروضها كانت مستندة إلى قاعدة اليد في مسألة الثوب ، ومن الواضح أن الخبر الواحد غير معتبر مع اليد فكأنه علیه السلام كان بصدد بيان ما يعتبر في جميع الموارد على وجه الإطلاق. وعلى الجملة أن الموثقة غير رادعة عن السيرة العقلائية وتمام الكلام في ذلك موكول إلى محلّه.

ودعوى أن الاجتهاد ليس من الأُمور الحسية ، وأن القوة والملكة إنما يستكشفان بالحدس والاختبار ، والشهادة والاخبار إنما تقبلان في المحسوسات ولا اعتبار بهما في الحدسيات أبداً.

مندفعة بأن الاجتهاد كالعدالة وغيرها من الأُمور الّتي تقبل فيها الشهادة والاخبار ، والوجه فيه مع أن الملكة غير قابلة للحسّ ، أن تلك الأُمور من الأُمور الحدسية القريبة من الحس ، لأنها مما يقل فيه الخطأ وتكون مقدماته موجبة للحدس غالباً ، والاخبار عن مثلها كالاخبار عن الأُمور المحسوسة في الاعتبار عند العقلاء.

(1) لأن أدلة الاعتبار غير شاملة للمتعارضين ، فإن شمولها لهما معاً يستلزم الجمع بين الضدين أو النقيضين ، وشمولها لأحدهما دون الآخر بلا مرجح ، وهذا معنى ما يقال : إذا تعارضا تساقطا ، فلا يتصف شي‌ء منهما بالحجية والاعتبار.

[21] مسألة 21 : إذا كان مجتهدان لا يمكن تحصيل العلم بأعلمية أحدهما ولا البينة ، فإن حصل الظن بأعلمية أحدهما تعين تقليده (1)بل لو كان في أحدهما احتمال الأعلمية يقدم كما إذا علم أنهما إما متساويان أو هذا المعين أعلم ، ولا يحتمل أعلمية الآخر فالأحوط تقديم من يحتمل أعلميته (1).


(1) ذكرنا عند التكلم على مسألة وجوب الفحص عن الأعلم ، أنه إذا لم يشخّص الأعلم من المجتهدين ، ولم يتمكن من تحصيل العلم بأعلمية أحدهما مع العلم بمخالفتهما في الفتوى فإن تمكن من الاحتياط وجب ، لما مرّ غير مرة من أن الأحكام الواقعية قد تنجّزت على المكلفين بالعلم الإجمالي بوجود أحكام إلزامية في الشريعة المقدسة ، ولا طريق للعامّي إلى امتثالها سوى العمل على طبق فتوى الأعلم وهو مردد بين شخصين ، ومعه لا مناص من الاحتياط تحصيلاً للعلم بالموافقة لاستقلال العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب كما هو الحال في بقية موارد العلم الإجمالي. ولا أثر للظن بالأعلمية أو احتمالها في أحدهما حينئذٍ ، لأن أدلة الحجية غير شاملة للمتعارضين ومعه لم يجعل شي‌ء من الفتويين المتعارضتين حجة على المكلف ليجب الأخذ بما ظن أو احتمل حجيته ، بل الوظيفة وقتئذٍ هو الاحتياط حتى يقطع بخروجه عن عهدة ما علم به من التكاليف الإلزامية.

وأما إذا لم يتمكن من الاحتياط إما لعدم سعة الوقت للجمع بين الفتويين ، وإما لأن أحدهما أفتى بوجوب شي‌ء والآخر بحرمته ، فلا محالة يتخيّر بينهما للعلم بوجوب تقليد الأعلم وهو مردد بين شخصين ولا مرجح لأحدهما على الآخر وفي هذه الصورة إذا ظنّ بأعلمية أحدهما أو احتملها وجب الأخذ به. ولا يقاس هذه الصورة بالصورة المتقدمة ، فإن في تلك الصورة أوجب التعارض سقوط فتوى كلا المجتهدين عن الحجية فلم يجعل شي‌ء منهما حجة على المكلف ليتميز بالظن أو الاحتمال ، وأما في


1) (*) الظاهر أنه مع عدم العلم بالمخالفة يتخيّر في تقليد أيهما شاء ، ومع العلم بها ولو إجمالاً يأخذ بأحوط القولين ، ولا اعتبار بالظن بالأعلمية فضلاً عن احتمالها ، هذا فيما إذا أمكن الأخذ بأحوطهما ، وإلاّ وجب تقليد من يظن أعلميته أو يختص باحتمال الأعلمية على الأظهر.

[22] مسألة 22 : يشترط في المجتهد أُمور : البلوغ (1).


هذه الصورة فبما أنه غير متمكن من الاحتياط لم يجب عليه إلاّ العمل بفتوى أحدهما لعدم تكليفه بالاحتياط لتعذره ولا ترتفع عنه الأحكام لتنجزها عليه بالعلم الإجمالي ، فلا مناص إلاّ من اتباع إحدى الفتويين ، فإذا احتمل أو ظن بأعلمية أحدهما دار أمر المكلف بين التعيين والتخيير ، وقد تقدم أن العقل يستقل بلزوم الأخذ بما يحتمل تعينه ، للعلم بأنه معذّر على كل حال ومعذّرية الآخر غير محرزة.

وبما سردناه اتضح أن الظن بالأعلمية أو احتمالها إنما يكون معيّناً لتقليد من ظن بأعلميته أو احتمل إذا لم يتمكن من الاحتياط دون ما إذا كان متمكناً منه ، فما أفاده الماتن في المقام لا يمكن المساعدة على إطلاقه. كما أن ما أفاده في المسألة الثامنة والثلاثين من أن المكلف في تلك المسألة إذا لم يتمكن من الاحتياط تخير بينهما وإذا أمكنه فالأحوط هو الاحتياط ، لا يمكن المساعدة على إطلاقه أيضاً لما عرفته من أن المكلف إنما يتخيّر بينهما عند عدم التمكن من الاحتياط ، إذا لم يظن أو لم يحتمل أعلمية أحدهما ، وإلاّ فالمتعيّن تقليد المظنون أو المحتمل أعلميته ، هذا كلّه مع العلم بالمخالفة بينهما في الفتوى.

وأما إذا لم يعلم المخالفة بينهما ، فقد مرّ أنه لا يجب تقليد معلوم الأعلمية وقتئذٍ فضلاً عن المظنون أو المحتمل أعلميته.

شرائط المرجعية للتقليد

اشارة

قد اشترطوا في من يرجع إليه في التقليد أُموراً :

1 - البلوغ :
اشارة

(1) لم يقم أي دليل على أن المفتي يعتبر فيه البلوغ ، بل مقتضى السيرة العقلائية الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم عدمه لعدم اختصاصها بما إذا كان العالم بالغاً بوجه ، فإذا كان غير البالغ صبياً ماهراً في الطبابة لراجعه العقلاء في معالجاتهم من غير شك ، كما أن الإطلاقات يقتضي الجواز لصدق العالم والفقيه وأهل الذكر ونحوها

على غير البالغ كصدقها على البالغين.

واستبعاد أن يكون المقلّد للمسلمين صبياً مراهقاً إذا كان واجداً لسائر الشرائط مما لا وقع له ، كيف ومن الأنبياء والأوصياء ( عليهم أفضل السّلام ) من بلغ مرتبة النبوة أو الإمامة وهو صبي ، فإذا لم تكن الصباوة منافية للنبوة والإمامة فلا تكون منافية للمرجعية أبداً.

ولم نستفد من مذاق الشارع أن تصدي غير البالغ للإفتاء والمرجعية أمر مرغوب عنه في الشريعة المقدسة.

وأما ما ورد من أن « عمد الصبي وخطأه واحد » (1)وأنه « رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم » (2)فهما أجنبيان عن محل الكلام ، إذ المراد من أن عمد الصبي خطأ على ما ورد في ذيل الرواية الأُخرى (3)بهذا المضمون : « أن ديته في القتل خطأ على عاقلته » وليس معناه أن كل ما صدر عن الصبي فهو بحكم الخطأ في الشريعة المقدسة ، بحيث لو تكلّم الصبي في أثناء صلاته متعمداً لم تبطل صلاته بناء على شرعية عبادته لأنه بحكم الخطأ. إذن الرواية أجنبية عن جواز التقليد من الصبي.

كما أن الرواية الثانية كذلك ، لأن كون الصبي مرفوعاً عنه القلم ، أي عدم كونه مؤاخذاً بأفعاله وتروكه ، لا يقتضي عدم جواز تقليده والحكم ببطلان أقواله وعدم اعتبار فتاواه ، على ما تعرضنا للروايتين في التكلم على شرائط المتعاقدين (4)وذكرنا أن كون عمد الصبي خطأ وكونه مرفوعاً عنه القلم لا يقتضيان بطلان أقواله وأفعاله حتى يحكم ببطلان ما أوجده من العقود والإيقاعات.

إذن لم يثبت عندنا ما يمنع عن السيرة العقلائية بوجه ، فإن كان عدم جواز التقليد من الصبي مورداً للتسالم والإجماع القطعي فهو ، وإلاّ فلا مانع من الرجوع إليه في التقليد إذا كان واجداً لبقية الشرائط المعتبرة في المقلّد ، وحيث لا سبيل لنا إلى إحراز


1) وسائل الشيعة 29 : 400 / أبواب العاقلة ب 11 ح 2.

2) مضمونها في وسائل الشيعة 1 : 45 / أبواب مقدمة العبادات ب 4 ح 11.

3) وسائل الشيعة 29 : 400 / أبواب العاقلة ب 11 ح 3.

4) مصباح الفقاهة 3 : 393.

والعقل (1)


التسالم على عدم الجواز فلا مانع من تقليد غير البالغ بوجه.

بقي هناك أمران :

أحدهما : أن محل الكلام في المقام أن البلوغ هل يعتبر في زمن العمل بفتوى المجتهد أو لا يعتبر ، وأما إذا كان المجتهد بالغاً في زمان العمل بفتواه إلاّ أنه إنما تصدى للاستنباط قبل البلوغ فلا شبهة في جواز الرجوع إليه وهو خارج عن مورد النزاع بالكلّية.

وثانيهما : أنّا لو قلنا باشتراط البلوغ في المقلّد ، وأخذ العامّي الفتوى منه قبل بلوغه ثمّ بلغ فمات ، فله أن يبقى على تقليده فيما أخذه أو تعلمه وذلك لما قدّمناه في التكلم على مسألة جواز البقاء أن عنوان البقاء على تقليد الميت غير وارد في شي‌ء من الأدلة حتى يتوقف جوازه على ملاحظة معنى التقليد وتفسيره. بل يكفي في جوازه أخذ الفتوى وتعلمها حال الحياة. وذلك لأن المقلّد يصدق عليه الفقيه أو غيره من العناوين الواردة في لسان الدليل ، ومقتضى السيرة والإطلاقات حجية فتاواه وجواز الرجوع إليه في الأحكام ، وغاية الأمر أنّا اعتبرنا فيه البلوغ أيضاً وقيّدنا حجية فتاواه بالبلوغ ، والمفروض أنه قد بلغ قبل أن يعمل العامّي بفتواه ، وبما أن الأخذ والتعلم قد تحققا حال حياة المجتهد فلا يكون تقليده من تقليد الميت الابتدائي.

2 - العقل :

(1) وعن شيخنا الأنصاري قدس سره ما ظاهره أن اعتبار العقل في المجتهد المقلّد أمر لا خلاف فيه وأنه مورد للاتفاق (1).

ويدلُّ على اعتباره جميع الأدلة المتقدمة المستدل بها على حجية فتوى الفقيه من الآيات والأخبار والسيرة العقلائية ، وذلك لوضوح أن الموضوع في الأدلة اللفظية هو


1) رسالة في الاجتهاد والتقليد : 57.

والإيمان (1)


الفقيه والعالم والعارف ونحوها ، ولا ينبغي الارتياب في عدم صدق شي‌ء منها على غير العاقل ، فإنه لا ميزان لفهمه ولا لشي‌ء من أعماله وأقواله.

وكذلك السيرة العقلائية لأنها جرت على رجوع الجاهل إلى عالم مثلهم في العقل والدراية ، ولم نتحقق جريان سيرتهم على رجوع الجاهل إلى من يفعل ما يفعله ويتكلم بما يتكلم به من غير دراية ولا ميزان ويهرول في العقود والأسواق ويضرب هذا ويهتك ذاك ، ويأكل ما تمكن من أكله.

إذن لا شبهة في أن المقلّد يعتبر فيه العقل بحسب الحدوث. وإنما الكلام في اشتراط العقل فيه بحسب البقاء وأنه هل يشترط في حجية فتاواه بقاؤه على العقل والدراية بحيث لو أخذ العامّي منه الفتوى حال درايته وعقله إلاّ أنه جنّ بعد ذلك ، أو أنه كان مجنوناً أدوارياً قد يعقل وقد يجنّ وأخذ منه الفتوى حال إفاقته لم يجز له البقاء على تقليده والعمل بفتياه ، أو أن العقل غير معتبر في حجية الفتوى بحسب البقاء وللمكلف العمل بفتواه وإن طرأ عليه الجنون بعد الأخذ منه؟

لا مجال لاستفادة اعتبار العقل بقاءً من الأدلة اللفظية والسيرة العقلائية ، بل مقتضى الإطلاقات عدم اشتراطه بقاءً ، والسيرة أيضاً غير مخالفة لذلك نظير ما مرّ من عدم اشتراط الحياة في حجية الفتوى بحسب البقاء ، ومعه يحتاج اعتبار العقل في المقلّد بحسب البقاء إلى دليل. ويأتي تمام الكلام في ذلك عند التكلم على شرطية الاجتهاد والإيمان وغيرهما من الشرائط المتقدمة والآتية بحسب البقاء فانتظره.

3 - الإيمان :

(1) استدلوا على اعتباره بأُمور :

منها : دعوى إجماع السلف والخلف على شرطية الايمان في المقلّد.

ويدفعه : أن الإجماع المدعى ليس من الإجماعات التعبدية حتى يستكشف به قول

المعصوم علیه السلام لاحتمال أن يكون مستنداً إلى أحد الوجوه الآتية في الاستدلال ، ومعه لا مجال للاعتماد عليه.

منها : مقبولة عمر بن حنظلة حيث ورد فيها : « ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ... » (1)وحسنة أبي خديجة بقوله علیه السلام فيها : « ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا ... » (2).

وفيه : أن الروايتين إنما وردتا في الترافع والقضاء ، وقد مرّ في التكلم على اعتبار الأعلمية أنه لا ملازمة بين بابي القضاء والفتوى حتى يعتبر في كل منهما ما اعتبر في الآخر من الشروط ، على أنهما دلتا على اعتبار كون القاضي من الشيعة نظراً إلى أن غير الشيعة لا يروي عنهم علیهم السلام وإنما يروي عن المفتين في مذهبه وعمّن اعتنق به في عقيدته ، أو لو روى عنهم لم يكن يحكم بحكمهم ولا أنه عارف بأحكامهم وقضاياهم عادة ، لا أن ذلك حكم تعبدي صدر عنهم علیهم السلام وعلى الجملة أن اعتبار الايمان في الروايتين من جهة أن الموضوع للحكم بالحجية فيهما هو ما إذا حكم الحاكم بحكمهم لأنه الّذي جعله علیه السلام حاكماً على الناس ، وغير الاثني عشري إنما يحكمون بأحكام أنفسهم لا بحكمهم علیهم السلام فإذا فرضنا في مورد أن المفتي من غير الشيعة إلاّ أنه يحكم بحكمهم لعرفانه بأحكامهم وقضاياهم كما هو مفروض الكلام لم يكن وجه لأن تشمله الروايتان ، هذا.

على أن مقبولة عمر بن حنظلة ضعيفة السند على ما بيّناه في التكلم على اعتبار الأعلمية فلاحظ (3).

ومنها : روايتا علي بن سويد وأحمد بن حاتم بن ماهويه فقد ورد في أولهما : « كتب إليّ أبو الحسن علیه السلام وهو في السجن : ذلا تأخذنّ معالم دينك عن غير شيعتنا فإنك إن تعدّيتهم أخذت دينك عن الخائنين ... » (4)وفي ثانيتهما جواباً عمّا كتبه أحمد بن


1) وسائل الشيعة 27 : 136 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 1.

2) وسائل الشيعة 27 : 13 / أبواب صفات القاضي ب 1 ح 5.

3) راجع ص 141.

4) وسائل الشيعة 27 : 150 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 42.

حاتم وأخوه إلى أبي الحسن الثالث علیه السلام « فاصمدا في دينكما على كل مسنّ في حبنا ، وكل كثير القدم في أمرنا ، فإنهما كافوكما إن شاء اللّه تعالى » (1)وذلك للنهي في الرواية الأُولى عن الرجوع إلى غير الشيعة ، والأمر في الثانية بالاعتماد على المسنّ في حبهم وكثير القدم في أمرهم علیهم السلام .

ويدفعه : أن الروايتين ضعيفتا السند ، فإن في سند أولاهما محمد بن إسماعيل الرازي وعلي بن حبيب المدائني وكلاهما لم يوثق في الرجال ، كما أن في سند الثانية جملة من الضعاف منهم أحمد بن حاتم بن ماهويه.

مضافاً إلى أن الظاهر أن النهي في الرواية الأُولى عن الأخذ من غير الشيعة إنما هو من جهة عدم الوثوق والاطمئنان بهم لأنهم خونة حيث خانوا اللّه ورسوله صلی اللّه علیه و آله وخانوا أماناتهم كما في الرواية ، وأين هذا مما هو محل الكلام ، لأن البحث إنما هو في جواز الرجوع إلى من كان واجداً لجميع الشرائط وتصدى لاستنباط الأحكام عن أدلتها على الترتيب المقرر عندنا ولم يكن فيه أي نقص غير أنه لم يكن شيعياً ومعتقداً بالأئمة علیهم السلام .

وأما الرواية الثانية فهي غير معمول بها قطعاً ، للجزم بأن من يرجع إليه في الأحكام الشرعية لا يشترط أن يكون شديد الحب لهم أو يكون ممن له ثبات تام في أمرهم علیهم السلام فإن غاية ما هناك أن يعتبر فيه الايمان على الوجه المتعارف بين المؤمنين ، إذن لا بدّ من حملها على بيان أفضل الأفراد على تقدير تماميتها بحسب السند.

ويؤكد ما ذكرناه : أن أخذ معالم الدين كما أنه قد يتحقق بالرجوع إلى فتوى الفقيه كذلك يتحقق بالرجوع إلى رواة الحديث ، ومن الظاهر أن حجية الرواية لا تتوقف على الايمان في رواتها ، لما قررناه في محلّه من حجية خبر الثقة ولو كان غير الاثني عشري من سائر الفرق ، إذن فليكن الأخذ بالرجوع إلى فتوى الفقيه أيضاً كذلك.

على أنّا لو سلّمنا جميع ذلك وبنينا على شرطية الايمان والإسلام في حجية الفتوى


1) وسائل الشيعة 27 : 151 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 45.

والعدالة (1)


بحسب الحدوث ، فلا ملازمة بينها وبين اعتبارهما في حجيتها بقاء أيضاً ، بحيث لو أخذ العامّي فتوى المجتهد حال استقامته وإيمانه ثمّ انحرف عن الحق لم يجز له أن يبقى على تقليده لسقوط فتواه عن الاعتبار ، فإنه يحتاج إلى دليل آخر غير ما دلّ على اعتبارهما في الحدوث.

فالمتحصل إلى هنا : أنه لم يدلنا دليل لفظي معتبر على شرطية الايمان في المقلّد ، بل مقتضى إطلاق الأدلة والسيرة العقلائية عدم الاعتبار لأن حجية الفتوى في الأدلة اللفظية غير مقيدة بالايمان ولا بالإسلام كما أن السيرة جارية على الرجوع إلى العالم مطلقاً ، سواء أكان واجداً للايمان والإسلام أم لم يكن وهذا يتراءى من سيرتهم بوضوح لأنهم يراجعون الأطباء والمهندسين أو غيرهم من أهل الخبرة والاطلاع ولو مع العلم بكفرهم.

ومع هذا كلّه لا ينبغي التردد في اعتبار الايمان في المقلّد حدوثاً وبقاءً كما يأتي وجهه عن قريب فانتظره.

4 - العدالة :

(1) اشتراط العدالة كاشتراط البلوغ والإيمان لا يكاد يستفاد من شي‌ء من السيرة والأدلة اللفظية المتقدمتين ، وذلك لأن مقتضى إطلاق الآية والأخبار عدم الفرق في حجية إنذار الفقيه أو قول العالم أو رأي العارف بالأحكام بين عدالته وفسقه ، كما أن السيرة الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم غير مقيدة بما إذا كان العالم عادلاً بوجه.

نعم ، مقتضى السيرة وغيرها من الأدلة القائمة على حجية الخبر الواحد اشتراط الوثاقة في المقلّد وذلك حتى يجوز الاعتماد على إخباره عن رأيه ونظره ، ولا يشترط فيه زائداً على الوثوق شي‌ء.

نعم ، قد يستدل على اعتبار العدالة بالإجماع. وفيه : أنه ليس من الإجماع التعبدي في شي‌ء ، ولا يمكن أن يستكشف به قول الإمام علیه السلام لاحتمال استنادهم في ذلك إلى أمر آخر كما ستعرف.

وقد يستدل عليه برواية الاحتجاج المروية عن التفسير المنسوب إلى العسكري علیه السلام حيث ورد فيها : « فأما من كان الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه مخالفاً على هواه ، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه ... » (1).

ويدفعه أوّلاً : أن الرواية ضعيفة السند ، لأن التفسير المنسوب إلى العسكري علیه السلام لم يثبت بطريق قابل للاعتماد عليه فإن في طريقه جملة من المجاهيل كمحمّد بن القاسم الأسترآبادي ، ويوسف بن محمد بن زياد ، وعلي بن محمد بن سيار فليلاحظ هذا إذا أُريد بالتفسير المنسوب إلى العسكري علیه السلام هو الّذي ذكره الصدوق قدس سره بإسناده عن محمد بن القاسم الأسترآبادي ، والظاهر أنه مجلّد واحد كما لا يخفى على من لاحظ التفسير الموجود بأيدينا اليوم. وأما لو أُريد به هو الّذي ذكره محمّد بن علي بن شهرآشوب على ما نقله في المستدرك فالسند إليه صحيح لأنه ذكر الحسن بن الخالد البرقي أخو محمد بن خالد من كتبه تفسير العسكري من إملاء الإمام علیه السلام والحسن بن خالد ممن وثقه النجاشي (2)وللمشايخ إليه طرق صحيحة إلاّ أن الظاهر أنه غير التفسير الّذي ذكره الصدوق بإسناده عن محمد بن القاسم الأسترآبادي ، لأنه نقل أن التفسير الّذي عدّ من كتب البرقي مائة وعشرون مجلداً ، وهذا لم يصل إلينا أبداً وإنما الموجود بأيدينا مجلّد واحد يتطابق لما نقله الصدوق قدس سره .

وثانياً : أن الرواية إنما وردت لبيان ما هو الفارق بين عوامنا وعوام اليهود في تقليدهم علمائهم ، نظراً إلى أن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح وأكل الحرام والرشاء وتغيير الأحكام ، والتفتوا إلى أن من فعل ذلك فهو فاسق لا يجوز أن يصدق على اللّه ، ولا على الوسائط بين الخلق وبين اللّه ، ومع هذا قلّدوا علماءهم واتبعوا آراءهم ، فلذلك ذمهم اللّه سبحانه بقوله عزّ من قائل ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ ) حيث فسّر في نفس الرواية بقوم من اليهود. ثمّ بيّن علیه السلام أن عوامنا أيضاً كذلك إذا عرفوا من علمائهم


1) وسائل الشيعة 27 : 131 / أبواب صفات القاضي ب 10 ح 20.

2) رجال النجاشي : 61 / 139.

الفسق الظاهر والعصبية الشديدة والتكالب على الدنيا وحرامها ، فمن قلّد مثل هؤلاء فهو مثل اليهود الّذين ذمهم اللّه بالتقليد لفسقة علمائهم فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه إلى أن قال وذلك لا يكون إلاّ بعض فقهاء الشيعة لا كلهم.

وحاصل كلامه علیه السلام لو صحت الرواية : أن التقليد إنما يجوز ممن هو مورد الوثوق ومأمون عن الخيانة والكذب والاعتماد على قوله واتباع آرائه غير مذموم عند العقلاء وذلك كما إذا لم يعلموا منه الكذب الصراح وأكل الحرام. وهذا كما ترى لا دلالة له على اعتبار العدالة في المقلّد ، لأن الوثاقة كافية في صحة الاعتماد على قوله فإن بالوثوق يكون الرجوع إليه صحيحاً عند العقلاء ، وعلى الجملة أن الرواية لا دلالة لها على اعتبار العدالة في المقلّد.

على أنّا لو سلمنا دلالة الرواية على اعتبار العدالة في المفتي بحسب الحدوث فلا دلالة لها على اعتبارها فيه بقاءً ، كما إذا قلّده حال عدالته ثمّ طرأ عليه الفسق والانحراف ، هذا.

إلاّ أن مقتضى دقيق النظر اعتبار العقل والإيمان والعدالة في المقلّد بحسب الحدوث والبقاء ، والوجه في ذلك أن المرتكز في أذهان المتشرعة الواصل ذلك إليهم يداً بيد عدم رضى الشارع بزعامة من لا عقل له أو لا ايمان أو لا عدالة له ، بل لا يرضى بزعامة كل من له منقصة مسقطة له عن المكانة والوقار ، لأن المرجعية في التقليد من أعظم المناصب الإلهية بعد الولاية ، وكيف يرضى الشارع الحكيم أن يتصدى لمثلها من لا قيمة له لدى العقلاء والشيعة المراجعين إليه ، وهل يحتمل أن يرجعهم إلى رجل يرقص في المقاهي والأسواق أو يضرب بالطنبور في المجامع والمعاهد ويرتكب ما يرتكبه من الأفعال المنكرة والقبائح ، أو من لا يتديّن بدين الأئمة الكرام ويذهب إلى مذاهب باطلة عند الشيعة المراجعين إليه. فإن المستفاد من مذاق الشرع الأنور عدم رضى الشارع بامامة من هو كذلك في الجماعة ، حيث اشترط في إمام الجماعة العدالة فما ظنّك بالزعامة العظمى الّتي هي من أعظم المناصب بعد الولاية.

إذن احتمال جواز الرجوع إلى غير العاقل أو غير العادل مقطوع العدم ، فالعقل والإيمان ، والعدالة معتبرة في المقلّد حدوثاً ، كما أنها معتبرة فيه بحسب البقاء لعين ما

والرجولية (1).


قدّمناه في اعتبارها حدوثاً.

ولعلّ ما ذكرناه من الارتكاز المتشرعي هو المراد مما وقع في كلام شيخنا الأنصاري قدس سره من الإجماع على اعتبار الايمان والعقل والعدالة في المقلّد (1)إذ لا نحتمل قيام إجماع تعبدي بينهم على اشتراط تلك الأُمور.

5 - الرجولية :

(1) استدلوا على عدم جواز الرجوع إلى المرأة في التقليد بحسنة (2)

ثمّ إن في طريق الصدوق إلى أحمد بن عائذ الراوي عن أبي خديجة ، حسن بن على الوشاء وهو ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات ومقتضى ما بنى عليه سيدنا الأُستاذ ( أدام اللّه اظلاله ) من أن الرجال الواقعين في أسانيده موثقون بتوثيق ابن قولويه هو الحكم بصحة الرواية وتوصيفها بها وإنما عبّرنا عنها بالحسنة نظراً إلى عدم توثيق حسن بن علي الوشاء في كتب الرجال وإنما ذكروا أنه خيّر ومن وجوه هذه الطائفة فلا تذهل.

أبي خديجة سالم

1) رسالة في الاجتهاد والتقليد : 57.

2) إن أبا خديجة سالم بن مكرم الجمال ممن وثقه النجاشي [ رجال النجاشي : 188 / 501 ] وضعّفه الشيخ [ الفهرست : 79 / 327 ] ولكنه وثقه في موضع آخر ، على ما نقله العلاّمة قدس سره وقد وقع في أسانيد كامل الزيارات أيضاً. وتضعيف الشيخ قدس سره ، غير مضر بوثاقته ، لأن تضعيفه هذا إن كان مقارناً لتوثيقه زماناً كما لو فرضنا أنه وثقه وضعّفه في وقت واحد ، فلا يمكن أن يشمل دليل الحجية شيئاً من تضعيفه وتوثيقه لتعارضهما ، ودليل الاعتبار لا يشمل المتعارضين. إذن يبقى توثيق النجاشي وابن قولويه في كامل الزيارات سليماً عن المعارض. وإذا فرضنا أن تضعيفه كان صادراً قبل توثيقه أيضاً لم يكن مورداً للاعتبار ، لأن توثيقه بعد التضعيف عدول عن تضعيفه السابق لا محالة لعدم احتمال أن الرجل عند الشيخ قدس سره ثقة وضعيف ، لوضوح أن الثابت عنده أحدهما فالتوثيق المتأخر منه عدول عن تضعيفه. كما أن تضعيفه لو كان صادراً بعد توثيقه لكان ذلك عدولاً عن توثيقه السابق ومعارضاً لتوثيق النجاشي وغيره ، وحيث لم يعلم تاريخهما وأن المتأخر أيهما اندرج ذلك في الشبهات المصداقية للتضعيف ، لعدم ثبوت تضعيف الشيخ وعدوله عن توثيقه ، كما لم يثبت عدوله عن تضعيفه فلا يعتمد معه على شي‌ء من قولي الشيخ فيرجع إلى توثيق النجاشي وغيره من دون معارض في البين.

ابن مكرم الجمال قال : قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق علیه السلام « إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم ... » (1)لدلالتها على اعتبار الرجولية في باب القضاء ، ومن المعلوم أن منصب الإفتاء لو لم يكن بأرقى من القضاء ، فلا أقل من أنهما متساويان ، إذ القضاء أيضاً حكم وإن كان شخصياً وبين اثنين أو جماعة رفعاً للتخاصم ، والفتوى حكم كلّي يبتلي به عامة المسلمين فإذا كانت الرجولية معتبرة في باب القضاء كانت معتبرة في باب الإفتاء بالأولوية.

ويرد على هذا الوجه : أن أخذ عنوان الرجل في موضوع الحكم بالرجوع إنما هو من جهة التقابل بأهل الجور وحكامهم حيث منع علیه السلام عن التحاكم إليهم والغالب المتعارف في القضاء هو الرجولية ، ولا نستعهد قضاؤه النساء ولو في مورد واحد ، فأخذ عنوان الرجولية من باب الغلبة لا من جهة التعبد وحصر القضاوة بالرجال ، فلا دلالة للحسنة على أن الرجولية معتبرة في باب القضاء فضلاً عن الدلالة عليها في الإفتاء ، لو سلمنا أن القضاء والفتوى من باب واحد. على أنه لم يقم أي دليل على التلازم بينهما ليعتبر في كل منها ما اعتبر في الآخر بوجه.

وأيضاً استدلوا عليه بمقبولة عمر بن حنظلة المتقدمة (2)حيث ورد فيها : « ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا ».

وقد ظهر الجواب عنها بما بيّناه في الحسنة المتقدمة ، مضافاً إلى أنها ضعيفة السند كما مرّ ، على أن قوله علیه السلام « من كان » مطلق ولا اختصاص له بالرجال. إذن لم يقم دليل على أن الرجولية معتبرة في المقلّد ، بل مقتضى الإطلاقات والسيرة العقلائية عدم الفرق بين الإناث والرجال ، هذا.

والصحيح أن المقلّد يعتبر فيه الرجولية ، ولا يسوغ تقليد المرأة بوجه ، وذلك لأنّا قد استفدنا من مذاق الشارع أن الوظيفة المرغوبة من النساء إنما هي التحجب والتستر ، وتصدي الأمور البيتية ، دون التدخل فيما ينافي تلك الأُمور ، ومن الظاهر أن التصدي للإفتاء بحسب العادة جعل للنفس في معرض الرجوع والسؤال لأنهما


1) وسائل الشيعة 27 : 13 / أبواب صفات القاضي ب 1 ح 5.

2) في ص 141.

والحرية - على قول - (1)


مقتضى الرئاسة للمسلمين ، ولا يرضى الشارع بجعل المرأة نفسها معرضاً لذلك أبداً كيف ولم يرض بامامتها للرجال في صلاة الجماعة فما ظنك بكونها قائمة بأمورهم ومديرة لشؤون المجتمع ومتصدية للزعامة الكبرى للمسلمين.

وبهذا الأمر المرتكز القطعي في أذهان المتشرعة يقيد الإطلاق ، ويردع عن السيرة العقلائية الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم مطلقاً رجلاً كان أو امرأة.

6 - الحرية :

(1) لا يمكننا المساعدة على هذا الاشتراط سواء استندنا في مسألة جواز التقليد إلى السيرة العقلائية أم إلى الأدلة اللفظية ، أما إذا استندنا إلى السيرة فلأجل أن العقلاء يراجعون فيما يجهلونه إلى العالم به ، ولا يفرّقون في ذلك بين العبيد والأحرار ، وهذا أمر غير قابل للتردد فيه ، لأنه المشاهد من سيرتهم بوضوح.

وأما إذا اعتمدنا على الأدلة اللفظية فلأن قوله عزّ من قائل ( فَلَوْ لا نَفَرَ ... ) (1)يدلنا على وجوب التحذر عند إنذار الفقيه ولم يقيد ذلك بما إذا كان المنذر حراً. وكذا الحال في غيرها من الأدلة اللفظية ، ومقتضى إطلاقها عدم اعتبار الحرية في المقلّد.

ولا يأتي في المقام ما أشرنا إليه في شرطية العدالة ويأتي تفصيله عند التكلم على طهارة المولد (2)من أن المرتكز في أذهان المتشرعة أن من كان به منقصة دينية أو دنيوية مسقطة له عن الوقار والأنظار لا يجوز أن يتصدى للمرجعية والإفتاء ، لأنه من أعظم المناصب الإلهية بعد الولاية ، ولا يرضى الشارع أن يتصداها من له منقصة كما مرّ ، وذلك لأن العبودية ليست منقصة بوجه ، فإن العبد قد يكون أرقى مرتبة من غيره ، بل قد يكون ولياً من أولياء اللّه سبحانه كما كان بعض العبيد كذلك. وقد يبلغ العبد مرتبة النبوة كلقمان. فإذا لم تكن العبودية منافية لشي‌ء من مرتبتي الولاية


1) التوبة 9 : 122.

2) في ص 196.

وكونه مجتهداً مطلقاً فلا يجوز تقليد المتجزي (1)


والنبوة ، فهل تكون منافية لمنصب الإفتاء الّذي هو دونهما كما لا يخفى.

7 - الاجتهاد المطلق :

(1) قد قدمنا الكلام في ذلك عند التكلم على الاجتهاد (1)وذكرنا أن المتجزي ليس له أن يرجع إلى الغير في أعمال نفسه ، لأنه عالم فيما استنبطه ورجوعه إلى غيره من رجوع العالم إلى العالم ، لا من رجوع الجاهل إليه ، ولا مسوّغ للتقليد في مثله وكيف يمكن دعوى جواز رجوعه إلى من يرى خطأه واشتباهه ، لأن مرجعه إلى أنه مع علمه ببطلان صلاته مثلاً يجب أن يبني على صحتها لرجوعه إلى فتوى من يراها صحيحة ، وهذا مما لا يمكن الالتزام به ، هذا بحسب السيرة.

وأما الأدلة اللفظية فقد أسبقنا هناك أن أدلة جواز التقليد واتباع فتوى الغير مختصة بمن لم يتمكن من تحصيل الحجة على الحكم الشرعي ، فما ظنك بالمتجزي الّذي قد حصّلها بالفعل في مورد أو موردين أو أكثر.

وأما جواز الرجوع إليه فقد منع عنه الماتن بقوله : وكونه مجتهداً مطلقاً فلا يجوز تقليد المتجزي. وما أفاده قدس سره بناء على الاستدلال على وجوب التقليد بدليل الانسداد هو الصحيح ، وذلك لأن بطلان غير التقليد من الطرق وانسدادها على العامّي المقلّد يقتضي وجوب رجوعه إلى عالم ما ، إذ النتيجة جزئية ، والمقدار المتيقن منها هو الرجوع إلى المجتهد المطلق دون المتجزي كما أفاده.

كما أن الحال كذلك فيما لو استدللنا على وجوبه بالأدلة اللفظية من الكتاب والسنّة لأن قوله عزّ من قال ( فَلَوْ لا نَفَرَ ... ) (2)دلّ على أن الحذر إنما يجب عند إنذار المنذر الفقيه ، ولا دلالة لها بوجه على وجوبه عند إنذار كل منذر وإن لم يصدق أنه فقيه. كما أن الأخبار الآمرة بالرجوع إلى أشخاص معينين دلتنا على الرجوع إلى يونس بن عبد الرحمن وأمثاله من أكابر الفقهاء والرواة ، ولم تدلنا على جواز الرجوع إلى من


1) راجع ص 21.

2) التوبة 9 : 122.

عرف مسألة أو مسألتين ، ولم يكن من إضراب هؤلاء الأكابر من الرواة.

نعم ، مقتضى السيرة العقلائية عدم الفرق في رجوع الجاهل إلى العالم بين أن يكون مجتهداً مطلقاً أو متجزئاً ، لوضوح أن جاهلهم بشي‌ء يرجع إلى العالم به وإن لم يكن له معرفة بغيره من الأُمور ، فتراهم يراجعون الطبيب الأخصّائي بالعيون مثلاً وإن لم يكن له خبرة بغيرها من الجهات ، وكذلك من له معرفة ببعض المسائل دون بعض وإن كان قليلاً. بل قد يقدمون نظر المجتهد المتجزّي على قول المجتهد المطلق عند المعارضة ، كما إذا كان المتجزي أعلم من المجتهد المطلق لممارسته ودقته في العلوم العقلية وكونه أقوى استنباطاً منه فيما يرجع إلى تلك المباحث من المسائل كوجوب مقدمة الواجب وبحثي الضد والترتب وغيرها ، وإن لم يكن له قوة بتلك المثابة في المسائل الراجعة إلى مباحث الألفاظ كغيرها.

وعلى الجملة لا فرق بحسب السيرة العقلائية بين المجتهد المطلق والمتجزي بوجه ومقتضى ذلك جواز تقليده فيما استنبطه من الأحكام وإن كانت قليلة غير مصححة لإطلاق الفقيه عليه ، وهذا لعلّه مما لا كلام فيه.

وإنما الكلام في أن السيرة هل ردع عنها في الشريعة المقدسة أو لا رادع عنها بوجه. وما يمكن أن يكون رادعاً عنها إنما هو الكتاب والسنة ، لوضوح أن غيرهما مما يمكن الاستدلال به على جواز التقليد غير صالح للرادعية أبداً.

أما الكتاب فقوله عزّ من قائل ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (1)وإن كان صالحاً للرادعية وذلك لأن ظاهر الأمر بالسؤال أن السؤال عن أهل الذكر واجب تعييني ، وأن الواجب على غير العالم أن يسأل أهل الذكر متعيناً ، لا أنه واجب مخير بأن يكون غير العالم مأموراً بالسؤال من أهل الذكر أو غيرهم مخيراً بينهما ، ومن الواضح أن أهل الذكر غير صادق على من علم مسألة أو مسألتين. إذن الآية المباركة قد أوجبت الرجوع إلى المجتهد المطلق متعيناً ، وهذا ينافي جواز الرجوع إلى المتجزي لأن مرجعه إلى التخيير بينهما وقد فرضنا أن الآية دلت على تعين الرجوع إلى المجتهد


1) الأنبياء 21 : 7.

المطلق. إلاّ أنّا قد أسبقنا في محلّه (1)أن الآية المباركة لا دلالة لها على وجوب التقليد وأن السؤال مقدمة للعمل بقول أهل الذكر تعبداً ، وبيّنا أن ظاهرها أن السؤال مقدمة لحصول العلم ومعنى الآية : فاسألوا لكي تعلموا. فإن سياقها يقتضي أن يكون المراد من أهل الذكر علماء اليهود ، وأن اللّه سبحانه قد أمر الجهلاء بالسؤال عنهم لكونهم عالمين بكتبهم. ومن هنا ورد في آية أُخرى ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ ) (2)أي إذا لم يكن لكم علم بالبراهين والكتب فاسألوا علماء اليهود. ولا يحتمل أن يكون السؤال عنهم لأجل التعبد بقولهم ، إذ لا حجية لأقوالهم فيتعين أن يكون من باب المقدمة لحصول العلم. نعم ، ورد تفسير أهل الذكر بالأئمة علیهم السلام إلاّ أنه كما بيّناه سابقاً لا ينافي تفسيره بعلماء اليهود ، لأنهم علیهم السلام أيضاً من مصاديق أهل الذكر فراجع ، هذا.

على أن الآية المباركة إنما وردت إلزاماً لأهل الكتاب بالرجوع إلى علمائهم فيما يرجع إلى النبي صلی اللّه علیه و آله ومن البيّن أنه لا معنى للتعبد في أمر النبوة وغيرها مما يرجع إلى الأُصول ، فإن المطلوب فيها هو الإذعان والاعتقاد ولا يكفي فيها التعبّد بوجه.

وأما آية النفر فدلالتها على وجوب التقليد وإن كانت ظاهرة كما مرّ ، إلاّ أنها ليست بظاهرة في الحصر لتدل على أن وجوب الحذر يترتب على إنذار الفقيه ، ولا يترتب على إنذار العالم الّذي لا يصدق عليه الفقيه ومعه لا تكون الآية المباركة صالحة للرادعية.

وأما الروايات فهي أيضاً كذلك ، حتى إذا فرضنا أن الرواة المذكورين فيها من أجلاء الفقهاء وكبرائهم ، إلاّ أنها غير ظاهرة في الانحصار لتدل على عدم جواز الرجوع إلى غيرهم من العلماء.

نعم ، هناك روايتان ظاهرتان في الانحصار.


1) راجع ص 68.

2) النحل 16 : 43 44.

إحداهما : رواية الاحتجاج المروية عن العسكري علیه السلام « وأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه ... » لأن ظاهرها حصر المقلّد في الفقهاء المتصفين بالأوصاف الواردة في الحديث فلا يجوز تقليد غير الفقيه.

إلاّ أنها كما قدّمنا (1)ضعيفة سنداً. على أن دلالتها على الحصر أيضاً مورد المناقشة لأن الرواية ليست بصدد بيان أن المقلّد يعتبر أن يكون فقيهاً ، وإنما هي بصدد بيان الفارق بين علماء اليهود وعلمائنا وعوامهم وعوامنا ، حيث قيل له علیه السلام إذا كان هؤلاء العوام من اليهود لا يعرفون الكتاب إلاّ بما يسمعونه من علمائهم فكيف ذمهم اللّه سبحانه بتقليدهم والقبول من علمائهم بقوله عزّ من قائل ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ ) وهل عوام اليهود إلاّ كعوامنا يقلّدون علمائهم ... فقال علیه السلام بين عوامنا وعوام اليهود فرق من جهة وتسوية من جهة ، وبيّن أن الفرق بينهما في أن عوام اليهود قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح ... والتفتوا أن من فعل ذلك فهو فاسق لا يجوز تقليده ، ومع هذا اتبعوا آراءهم فلذلك ذمهم اللّه سبحانه وبيّن أن عوامنا أيضاً كذلك إذا عرفوا من علمائهم الفسق الظاهر ، فمن قلّد مثل هؤلاء فهو مثل اليهود الّذين ذمهم اللّه بتقليدهم لفسقة علمائهم وأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ... فللعوام أن يقلّدوه. فالرواية بصدد بيان الفارق بين الفاسق والعادل ، وليست بصدد بيان أن الفقاهة معتبرة في المقلّد.

وثانيتهما : مقبولة عمر بن حنظلة المتقدِّمة (2)حيث ورد فيها : « ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً » حيث دلت على أن القاضي يعتبر أن يكون عارفاً بأحكامهم وناظراً في حلالهم وحرامهم ، ومن الظاهر أن من عرف مسألة أو مسألتين لا يصدق عليه العارف بأحكامهم لأن ظاهره العموم والرواية ظاهرة في حصر القضاوة بمن عرف أحكامهم وبما أن منصب القضاء منصب الفتوى بعينه فلا مناص من أن يعتبر فيه ما اعتبر في باب القضاء ، والنتيجة عدم جواز المراجعة إلى المجتهد المتجزي لعدم كونه


1) راجع ص 184.

2) راجع ص 115.

عارفاً بأحكامهم.

ويرد على الاستدلال بالمقبولة أُمور :

الأوّل : أن الرواية ضعيفة السند لعدم توثيق عمر بن حنظلة. وما ورد في توثيقه أيضاً ضعيف فلاحظ.

الثاني : أن الاستدلال بها يتوقف على العلم بأن الأُمور المعتبرة في باب القضاء معتبرة في باب الفتوى أيضاً لاتحادهما ، ولا علم لنا بذلك لأن القضاوة ترتبط بأبواب كثيرة من الفقه ، فيمكن أن يعتبر في المتصدي لها العلم بجملة وافية من أحكامهم وأين هذا من محل الكلام ، لوضوح أن العلم بمسألة لا يتوقف على العلم بسائر المسائل الفقهية.

الثالث : أنها معارضة في نفس موردها بحسنة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال المتقدمة (1)قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق علیه السلام : « إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه » لدلالتها على أن العلم ببعض أحكامهم وقضاياهم كاف من باب القضاء ، وهذا متحقق في المتجزي كالمجتهد المطلق. وهي معارضة للمقبولة.

وقد يقال كما قيل إن الظاهر من كلمة « من » وإن كان هو التبعيض بل لا يصح أن تكون بيانية في الرواية ، لأن المتعين حينئذٍ أن يقال : أشياء من قضايانا ، للزوم التطابق بين المبين والبيان إلاّ أن مدخولها وهو قضايانا بمعنى أحكامهم وعلومهم بما أنه أمر كثير بل أُمور غير متناهية بالإضافة إلى البشر ، فلا مناص من أن يكون الشي‌ء من تلك الأُمور أيضاً كثيراً في نفسه ، وإن كان قليلاً بالإضافة إلى أحكامهم ومن هنا لا يصح أن يقال : القطرة شي‌ء من البحر أو أن من ملك فلساً واحداً ، أن عنده شيئاً من المال.

والمعروف عن صاحب الجواهر قدس سره أنه قيل له عند احتضاره وانكشاف الغطاء عنه - : عنده شي‌ء من علم جعفر علیه السلام مع أنه ( قدّس


1) راجع ص 186.

سرّه ) من أكابر الفقهاء وأعلامهم. إذن الحسنة والمقبولة متطابقتان في الدلالة على أن القاضي لا بدّ أن يكون عارفاً بجملة معتد بها من الأحكام ، وهذا غير متحقق في المجتهد المتجزي الّذي استنبط مسألة أو مسألتين ونحوهما.

ويرد عليه : أن الشي‌ء من الأمر الكثير وإن كان ظاهراً فيما هو كثير في نفسه إلاّ أن الوارد في الرواية على طريق الكليني (1)والصدوق (2)قدس سرهما « من قضائنا » وعلى طريق الشيخ في التهذيب (3)« من قضايانا » فمن المحتمل أن يكون الصحيح المطابق للواقع نسختي الكافي والفقيه أعني « من قضائنا » ومعه لا دلالة للرواية على إرادة معرفة الكثير من أحكامهم ، فإن القضاء بمعنى الحكم في مقام الترافع وأحكامهم الواصلة إلينا في الترافع والخصومات ، ليست بكثيرة في نفسها ليقال إن الشي‌ء من الكثير أيضاً كثير في نفسه بل هي أحكام قليلة. إذن تدلنا الرواية على أن معرفة حكم أو حكمين في موارد الترافع أيضاً تكفي في صحة القضاء ، لأنه أيضاً شي‌ء من أحكامهم.

على أن الرواية على طريق الشيخ ضعيفة لوقوع معلى بن محمد في سندها وهو ضعيف ، وكذا على طريق الكليني قدس سره . نعم ، هي على طريق الصدوق حسنة لأنه رواها بإسناده عن أحمد بن عائذ عن أبي خديجة. وفي طريقه إلى ابن عائذ الحسن بن علي الوشاء وهو ممدوح ، وقد عرفت أنها مشتملة على « قضائنا » فلم يثبت اشتمال الرواية على « قضايانا » في نفسه. ولا شبهة في أن « شيئاً من قضائنا » يصدق على القليل أيضاً كما تقدم ، هذا كلّه مع قطع النظر عن وقوع معلى بن محمد والحسن بن علي الوشاء في أسانيد كامل الزيارات وإلاّ فهما موثقان بتوثيق ابن قولويه ، فطريق الشيخ والكليني أيضاً صحيح كما أن الرواية صحيحة لا أنها حسنة كما مرّ. فالحسنة معارضة للمقبولة ، وهي غير معتبرة في موردها فضلاً عن أن تدل على عدم جواز الرجوع إلى المتجزي في الاجتهاد.


1) الكافي 7 : 412 / باب كراهية الارتفاع إلى قضاة الجور ح 4.

2) من لا يحضره الفقيه 3 : 2 / أبواب القضايا والأحكام ب 1 ح 1.

3) تهذيب الأحكام 6 : 219 / 516.

والحياة فلا يجوز تقليد الميت ابتداءً. نعم يجوز البقاء (1)كما مرّ (1) وأن يكون أعلم


إذن السيرة العقلائية ثابتة ولم يرد ردع عنها في الشريعة المقدسة ، فإن تمّ هناك إجماع على عدم جواز الرجوع إلى المتجزي فهو ، وإلاّ فلا مانع من تقليده فيما استنبطه من الأحكام وإن كان قليلاً غايته ، هذا.

على أنّا لو سلمنا دلالة الكتاب والسنة على عدم جواز الرجوع إلى من لم يتصف بالفقاهة أيضاً لم يمكننا الحكم بعدم جواز تقليد المتجزي مطلقاً ، وذلك لأن النسبة بين المجتهد المطلق وعنوان الفقيه ، وكذا بينه وبين المتجزي عموم من وجه ، فإن عنوان الفقيه إنما يصدق باستنباط جملة معتداً بها من الأحكام ، ومعه قد يجوز التقليد من المجتهد المتجزي ، كما أنه قد لا يجوز التقليد من المجتهد المطلق ، فإن المجتهد إذا استنبط جملة معتداً بها من الأحكام ، ولم يتمكن من الاستنباط في غيرها لقصور باعه وملكته فهو متجزّ لا محالة ، إذ ليست له ملكة استنباط الأحكام على إطلاقها إلاّ أنه ممن يجوز تقليده لصدق عنوان الفقيه عليه ، لما فرضناه من أنه استنبط جملة معتداً بها من الأحكام وهي موجبة لصدق الفقيه عليه ، ومقتضى الكتاب والسنة جواز تقليد الفقيه كما مرّ. وإذا فرضنا أن المجتهد متمكن من استنباط الأحكام على إطلاقها من دون أن تختص قدرته بباب دون باب إلاّ أنه لم يتصد للاستنباط ولا في مورد واحد فلا شبهة في أنه مجتهد مطلق لقدرته عليه في جميع الأبواب والموارد ، ومع ذلك لا مسوّغ للرجوع إليه ، إذ لا يطلق عليه الفقيه لعدم كونه عالماً بالأحكام الشرعية بالفعل.

وعلى الجملة إذا كان المدار في جواز التقليد وعدمه هو صدق عنوان الفقيه فهو قد يصدق على المتجزي ، وقد لا يصدق على المجتهد المطلق ، ومعه لا مسوّغ للحكم بعدم جواز الرجوع إلى المتجزي مطلقاً.

8 - الحياة :

(1) كما تقدم في المسألة التاسعة ، فلاحظ.


1) (*) بل يجب في بعض الصور كما تقدم [ في المسألة 9 ].

فلا يجوز على الأحوط (1)تقليد المفضول مع التمكن من الأفضل (1) ، وأن لا يكون متولداً من الزنا (2) وأن لا يكون


9 - الأعلمية :

(1) على ما أسلفنا تفصيله في المسألة الثانية عشرة فليراجع.

10 - أن لا يكون متولداً من الزنا :

(2) وهذا لا للإجماع المدعى في المقام ، لأنه على تقدير ثبوته ليس من الإجماع التعبدي ، ولا لدوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية ، لأن المتولد من الزنا كغيره مشمول للأدلة اللفظية ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بينهما كما لا يخفى.

وكذلك الحال بالنسبة إلى السيرة العقلائية ، لعدم اشتراطهم طهارة المولد في من يرجع إليه الجاهل.

بل لأن كون المجتهد متولداً من الزنا منقصة ، وقد تقدم أن الشارع لا يرضى بزعامة من له منقصة بوجه ، كيف ولم يرض بامامة مثله للجماعة فما ظنك بتصدّيه للزعامة الكبرى للمسلمين ، لأن منصب الفتوى من أعظم المناصب الإلهية بعد الولاية وإن لم يكن المتولد من الزنا مقصّراً في ذاته ، كما إذا كان عادلاً بل في غاية التقى والورع ، إلاّ أن نقصه من تلك الناحية موجب لحرمانه عن التصدي للزعامة العظمى كما عرفت.

وبذلك يتضح الفرق بين أمثال هذه الشروط مما يعد منقصة وشيناً ، وبين الموت الّذي قلنا بعدم كونه موجباً لسقوط فتوى الميت عن الحجية في بعض الصور ، وذلك لأن الموت لا يعدّ نقصاً بوجه ، لأنه كمال وترق للنفس وانتقال من النشأة الزائلة إلى النشأة الآخرة ، ولذا اتصف به الأنبياء والأوصياء. ومن هنا قلنا بجواز تقليد الميت إذا أخذ منه الفتوى حال حياته ثمّ طرأه الموت.


1) (*) بل على الأظهر مع العلم بالمخالفة كما مرّ.

مقبلاً (1)على الدنيا وطالباً لها مكبّاً عليها مجدّاً في تحصيلها ففي الخبر : من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه (1).


11 - أن لا يكون مقبلاً على الدنيا

(1) الظاهر أنه قدس سره يريد بذلك اعتبار أمر آخر زائداً على شرطية العدالة لأن اشتراط تلك الأُمور لو كان راجعاً إلى شرطية العدالة لم يكن وجه لتكرارها وكان ذكرها مستدركاً لا محالة ، وقد استند في ذلك على رواية الاحتجاج المتقدِّمة (2).

ويدفعه : ما تقدم من أن الرواية ضعيفة السند ، مضافاً إلى أنها قاصرة الدلالة على المدعى فإنه لا مساغ للأخذ بظاهرها وإطلاقها ، حيث إن لازمه عدم جواز الرجوع إلى من ارتكب أمراً مباحاً شرعياً لهواه ، إذ لا يصدق معه أنه مخالف لهواه لأنه لم يخالف هواه في المباح ، وعليه لا بدّ في المقلّد من اعتبار كونه مخالفاً لهواه حتى في المباحات ومَن المتصف بذلك غير المعصومين علیهم السلام فإنه أمر لا يحتمل أن يتصف به غيرهم ، أو لو وجد فهو في غاية الشذوذ ، ومن ذلك ما قد ينسب إلى بعض العلماء من أنه لم يرتكب مباحاً طيلة حياته ، وإنما كان يأتي به مقدمة لأمر واجب أو مستحب ، إلاّ أنه ملحق بالمعدوم لندرته. وعلى الجملة إن أُريد بالرواية ظاهرها وإطلاقها لم يوجد لها مصداق كما مرّ. وإن أُريد بها المخالفة للهوى فيما نهى عنه الشارع دون المباحات فهو عبارة أُخرى عن العدالة وليس أمراً زائداً عليها ، وقد ورد « أن ورع الناس من يتورع عن محارم اللّه » (3)ومع التأمل في الرواية يظهر أن المتعيّن هو


1) (*) على نحو يضر بعدالته.

2) راجع ص 184.

3) فضل بن عياض عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : قلت له : من الورع من الناس؟ قال : الّذي يتورع عن محارم اللّه ... وفي مرفوعة أبي شعيب عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : أورع الناس من وقف عند الشبهة ... المرويتان في وسائل الشيعة 27 : 162 / أبواب صفات القاضي ب 12 ح 29 ، 30.

الأخير فلا يشترط في المقلّد زائداً على العدالة شي‌ء آخر.

نعم ، لا بدّ أن تكون العدالة في المرجع واقعية ، ويلزم أن يكون مستقيماً في جادة الشرع مع المحافظة التامة والمراقبة عليه مراقبة شديدة ، لأنه مخطرة عظيمة ومزلّة الأقدام ومن اللّه سبحانه الاعتصام.

تنبيهات

التنبيه الأول : أن الشرائط المعتبرة في المرجع للتقليد من الاجتهاد والأعلمية والإيمان وغيرها هل تعتبر في حجية فتاواه حدوثاً فحسب ولا تعتبر فيها بحسب البقاء فلو تبدلت بعد تحققها إلى ما يضادها أو يناقضها لم يكن مانع من البقاء على تقليده كما هو الحال في شرطية الحياة لأنها إنما تعتبر في المجتهد حدوثاً ، ومن هنا لو مات جاز ، بل وجب البقاء على تقليده في بعض الصور ، أو أنها معتبرة حدوثاً وبقاءً بحيث لو تبدل علمه بالجهل أو عدالته بالفسق وهكذا ، لم يجز البقاء على تقليده؟

والوجه في هذا التردد أنّا نحتمل أن تكون الفتوى كالرواية ، فكما أن الراوي إذا كان عادلاً أو مورداً للوثوق حين روايته كفى ذلك في حجية رواياته ولا يضرها صيرورته فاسقاً أو مرتداً بعد ذلك ، نحتمل أن تكون حجية الفتوى أيضاً كذلك. وقد سبق أن تكلمنا على ذلك في بعض الشروط ولم نتكلم عليه في بعضها الآخر. وتفصيل الكلام في هذه المسألة يقع في جهات :

الاولى : فيما يقتضيه الأصل العملي في المسألة ، وأنه هل يقتضي اعتبار الشروط المذكورة بحسب الحدوث والبقاء أو يقتضي اعتبارها حدوثاً فقط؟

الثانية : فيما تقتضيه الأدلة الاجتهادية في نفسها.

الثالثة : فيما تقتضيه الأدلة بلحاظ القرينة الخارجية.

أما الجهة الأُولى : فقد يقال : إن مقتضى استصحاب الحجية الثابتة لفتوى المجتهد بحسب الحدوث ، جواز البقاء على تقليده بعد تبدل الشرائط المذكورة إلى ما يضادها أو يناقضها ، للقطع بحجيتها حال استجماعه الشرائط ، فإذا ارتفعت وزالت وشككنا في بقائها على حجيتها وعدمه استصحبنا بقاءها على حجيتها.

وفيه : أن هذا الاستصحاب وإن كان جارياً في نفسه لتمامية أركانه ، لما تقدم من أنّا نحتمل أن تكون الشرائط المذكورة مما يكفي حدوثه في اتصاف الفتوى بالحجية بقاءً كما هو الحال في شرطية الحياة ، فلنا في المقام يقين بالحجية سابقاً ونشك فيها بحسب البقاء فلا مانع من استصحابها بعد زوال الشرائط وارتفاعها وهذا يقتضي عدم اعتبار الشرائط بقاءً. إلاّ أنّا لا نلتزم بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية ، ومعه لا مناص من الحكم باعتبار الشرائط بحسب الحدوث والبقاء وذلك للشك في حجية الفتوى بعد زوال الشرائط ، والشك في الحجية يساوق القطع بعدمها ، إذ مع الشك فيها يقطع بعدم كون الفتوى معذّرة ولا منجّزة لتقوم الحجية بالوصول ، ومع عدم وصولها نقطع بعدمها.

أما الجهة الثانية : فالإنصاف أن الأدلة الاجتهادية المستدل بها على حجية فتوى الفقيه غير قاصرة الشمول لصورة زوال الشرائط وارتفاعها ، وذلك لإطلاقها كما تقدم في شرطية الحياة. فإن مقتضى إطلاق قوله عزّ من قائل ( فَلَوْ لا نَفَرَ ... ) أن إنذار الفقيه بعد استجماعه الشرائط يتصف بالحجية سواء أكان باقياً على تلك الشرائط بعد الإنذار أم لم يكن ، وكذا غيره من الأدلة اللفظية فلاحظ.

وأما السيرة العقلائية فهي أيضاً كذلك ، لأنها جرت على رجوع الجاهل إلى العالم سواء في ذلك أن يكون العالم باقياً على علمه وخبرويته بعد الرجوع أم لم يكن ، مثلاً إذا راجعوا الطبيب وأخذوا منه العلاج والدواء وقد جن بعد ذلك لم يترددوا في جواز العمل على طبق معالجته ، ومعه لا بدّ من الحكم بأن الشرائط إنما تعتبر حدوثاً ولا تعتبر بحسب البقاء.

نعم ، ادعى شيخنا الأنصاري قدس سره الإجماع على أن الشرائط المذكورة كما أنها معتبرة بحسب الحدوث كذلك تعتبر في حجية الفتوى بقاءً (1).

وفيه : أنه إجماع منقول لا ينبغي الاعتماد عليه ، ولا سيما مع ذهاب جمع إلى عدم اعتبارها بحسب البقاء ، لوضوح أن مع مخالفة الجماعة لا يبقى أيّ مجال لدعوى


1) رسالة في الاجتهاد والتقليد : 68.

الإجماع على الشرطية بقاءً.

أما الجهة الثالثة : فالّذي ينبغي أن يقال : إن الشرائط المذكورة معتبرة في المقلّد حدوثاً وبقاءً ، وذلك لأنه مقتضى ما ارتكز في أذهان المتشرعة حسبما استكشفته من مذاق الشارع من عدم رضائه أن يكون المتصدي للزعامة الكبرى للمسلمين مَن به منقصة دينية أو دنيوية يعاب بها عليه وتسقطه عن أنظار العقلاء المراجعين إليه فلا يحتمل أن يرضى بكونه جاهلاً أو منحرفاً عن الشريعة الّتي يدعو الناس إلى سلوكها فضلاً عن أن يكون راضياً بكونه مجنوناً أو كافراً أو غير ذلك من الأوصاف الرذيلة. فلا وجه لمقايسة هذه الشرائط لشرطية الحياة ، لأن ضدها أعني الموت ليس بمنقصة دينية ولا دنيوية ، وإنما هو كمال للنفس وتجرد من هذه النشأة وانتقال إلى نشأة اخرى أرقى من تلك النشأة بكثير ، ومن هنا اتصف به الأنبياء والأوصياء. وأين هذا من انقلاب العالم جاهلاً أو صيرورة العادل فاسقاً أو مرتداً ، لأن ذلك منقصة غير لائقة بالزعامة الدينية الكبرى كما مرّ.

إذن فالأدلة الدالة على اعتبار تلك الشرائط حدوثاً هي الأدلة بنفسها على اعتبارها بقاءً.

التنبيه الثاني : أن المجتهد قد يستنبط الأحكام الشرعية عن المدارك المتعارفة المتداولة بين المجتهدين أعني الكتاب والسنّة ويدخل فيها الإجماع لرجوعه إليها إذ لا يعتمد عليه إلاّ إذا استكشفنا به رأي المعصوم علیه السلام وكذلك العقل أيضاً في بعض الموارد ، ولا إشكال حينئذٍ في جواز تقليده إذا استجمع بقية الشروط. وقد يتصدّى لتحصيلها بالطرق غير المتعارفة كالعلوم الغريبة من الجفر والرمل أو الاستخارة والقرعة وغيرها مما لم يقم دليل على حجيته في الشريعة المقدسة ، ولا ينبغي التأمل في عدم جواز تقليده ، وذلك أما بحسب الأدلة اللفظية فلأنه لا يصدق عليه الفقيه ، ولا يقال إنه فقيه في الدين ، أو ناظر في حلالهم وحرامهم وعارف بأحكامهم.

كما أن العقلاء ليست لهم سيره في الرجوع إلى مثله ، وهذا لعلّه مما لا إشكال فيه. وإنما الكلام فيما إذا استنبطها بطريق ثالث غير الطرق المتعارفة والغريبة ، كما إذا بنى

على انسداد باب العلم والعلمي ووجوب العمل بالظن على الكشف أي أن العقل يستكشف حينئذٍ أن الشارع قد اعتبر الظن حجة وطريقاً إلى أحكامه أو على الحكومة بكلا معنييها أعني استقلال العقل بوجوب العمل بالظن حال الانسداد كاستقلاله بوجوب العمل بالقطع حال الانفتاح ، أو تنزله من لزوم الامتثال الجزمي إلى كفاية الامتثال الاحتمالي ، فهل يسوغ تقليده في تلك الصورة أو لا؟

قد يقال كما عن صاحب الكفاية قدس سره بعدم الجواز ، وذلك أما على الحكومة فلأجل أن المجتهد على هذا المسلك جاهل بالأحكام وهو معترف بجهله وهل يرجع الجاهل إلى جاهل مثله؟ ومقدمات الانسداد إنما تتم عند المجتهد لا العامّي ، لأن من إحدى مقدماته انحصار الطريق بالظن ، ولا ينحصر طريق الامتثال للعامّي به ، إذ له أن يرجع إلى فتوى المجتهد الباني على الانفتاح.

وكذلك الحال على تقدير انحصار المجتهد بمن يرى الانسداد لتمكن العامّي من الاحتياط وإن بلغ العسر والحرج ، فإن العامّي لا قدرة له على إبطال الاحتياط المستلزم لهما فلا ينحصر الطريق في حقه بالظن ، اللّهُمَّ إلاّ أن يتمكن العامّي من إبطال الاحتياط إذا كان مستلزماً للحرج وهذا دونه خرط القتاد ، أو يكون الاحتياط موجباً لاختلال النظام فإن العقل يستقل معه بعدم الجواز ، وهذا بخلاف المجتهد إذ لا يجوز له أن يرجع إلى الغير الّذي يرى خطأه وجهله بالأحكام ، وهو متمكن من ابطال وجوب العمل بالاحتياط أو جوازه ، هذا كلّه على الحكومة.

وكذلك الأمر على الكشف فإن المجتهد وإن كان يرى نفسه عالماً بالأحكام الشرعية إلاّ أن حجية الظن المستكشفة بمقدمات الانسداد إنما تختص بمن تمت عنده المقدمات ولا تتم إلاّ عند المجتهد دون العامّي ، لما عرفت من أن الطريق في حقه غير منحصر بالظن لتمكنه من تقليد المجتهد الباني على الانفتاح كتمكنه من العمل بالاحتياط (1).

والصحيح عدم الفرق في جواز التقليد بين المجتهد القائل بالانسداد والقائل بالانفتاح ، وذلك لأن القائل بالانسداد قد يكون أعلم من المجتهد الباني على الانفتاح


1) كفاية الأُصول : 464.

وقد يكون القائل بالانفتاح أعلم من الباني على الانسداد.

أما الصورة الثانية : فلا ينبغي التردد في عدم جواز تقليد المجتهد الباني على الانسداد ، وهذا لا لأن القائل بالانسداد لا مسوّغ لتقليده ، بل لما مرّ من أن مقتضى السيرة العقلائية لزوم الأخذ بقول الأعلم عند العلم بالمخالفة بينه وبين غير الأعلم فإن المقام من هذا القبيل ، حيث إن الأعلم يدعي الانفتاح وحجية خبر الثقة وظواهر الكتاب والسنّة حتى بالإضافة إلى من لم يقصد إفهامه ، ويدعي غير الأعلم الانسداد ومع العلم بالمخالفة يتعيّن الرجوع إلى قول الأعلم وهو يرى الانفتاح فلا يجوز تقليد غير الأعلم حينئذٍ حتّى لو بني على الانفتاح.

وأما الصورة الاولى : أعني ما إذا كان الأعلم هو المجتهد القائل بالانسداد نظير المحقق القمي قدس سره بالإضافة إلى بعض معاصريه فلا ينبغي التأمل في وجوب تقليده وذلك لأنه الأعلم على الفرض ، وعند العلم بالمخالفة يتعيّن الرجوع إلى الأعلم.

ودعوى أن مقدمات الانسداد إنما تتم عند المجتهد دون العامّي.

مندفعة بأنها كما تتم عند المجتهد تتم عند العامّي المقلّد أيضاً لأجل انحصار طريقه بالعمل بالظن إذ ليس له أن يقلّد المجتهد الباني على الانفتاح ، لأن المجتهد الأعلم يرى خطأه وجهله ومع ذهاب المجتهد الواجب تقليده ومتابعته إلى خطأ القائل بالانفتاح وحكمه بجهله كيف يسوغ للمقلّد الرجوع إليه. فإن المجتهد الأعلم وإن كان يعترف بجهله إلاّ أنه يدعي جهل القائل بالانفتاح ، فإنه أشد جهالة من الباني على الانسداد لأنه بسيط لالتفاته إلى جهله بخلاف القائل بالانفتاح لأنه غير ملتفت إلى جهله فهو جاهل مركب ، كما أنه غير متمكن من الاحتياط ، وذلك لأن العامّي وإن لم يتمكن من إبطاله إلاّ أنه يرجع في جوازه وعدمه إلى الأعلم وهو يدعي عدم جوازه أو عدم وجوبه ، أو أنّا نفرض العامّي متمكناً من إبطال وجوب الاحتياط عند استلزامه العسر والحرج ، إذن ينحصر طريقه بالعمل بالظن.

ونتيجة ذلك أنه لا فرق بين المجتهد القائل بالانفتاح والمجتهد الباني على الانسداد بناءً على الحكومة فضلاً عن القول بالكشف.

التنبيه الثالث : لا شبهة في جواز الرجوع إلى المجتهد فيما إذا علم بالأحكام الشرعية علماً وجدانياً ، لأنه يصدق عليه الفقيه لعلمه بالأحكام الشرعية حقيقة والرجوع إليه من رجوع الجاهل إلى العالم والفقيه ، وكذلك الحال فيما إذا لم يكن عالماً بها بالوجدان إلاّ أنه استنبطها من الأمارات المعتبرة شرعاً ، فإنه أيضاً لا إشكال في الرجوع إليه بناءً على ما هو الصحيح من أن اعتبار الحجج والأمارات من باب الطريقية والكاشفية وجعل ما ليس بعلم علماً ، بلا فرق في ذلك بين الحجج التأسيسية والإمضائية وإن لم نعثر إلى الآن على ما يكون حجة تأسيسية لأنها إمضائية بأجمعها والشارع يتصرف فيها بإضافة قيد أو حذفه ، فإن المجتهد وقتئذٍ عالم بالأحكام الشرعية كما أنه فقيه وإن كان علمه بها علماً تعبدياً لا وجدانياً ، ولا فرق بين العلم الوجداني والتعبدي بعد شمول الأدلة القائمة على جواز التقليد لمن استنبط الأحكام من الأمارات الشرعية لصدق أنه فقيه وعالم بالأحكام تعبداً.

وأما بناءً على ما نسب إلى المشهور من الالتزام بجعل الحكم المماثل على طبق مؤدى الأمارات ، فأيضاً لا كلام في جواز الرجوع إليه ، لأن المجتهد على هذا المسلك عالم بالأحكام الظاهرية وإن لم يكن عالماً بالحكم الواقعي ، ومن هنا قالوا إن ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم ، وبهذا دفعوا المناقشة المعروفة في أخذ العلم بالأحكام الشرعية في تعريف الفقه ، بأن الأحكام الشرعية بأكثرها ظنية. نعم ، ذكرنا في محلّه أن جعل الحكم المماثل في موارد الطرق والأمارات مما لا أساس له ، لما أشرنا إليه من أن الحجية إمضائية ولا يعتبر العقلاء جعل الحكم المماثل في شي‌ء من الحجج ، وإنما يعاملون معها معاملة العلم فحسب.

ثمّ لو تنزلنا عن ذلك وسلمنا أن الحجية في السند بمعنى جعل الحكم المماثل فلا مجال للالتزام به في حجية الدلالة ، لأنها تستند إلى حجية الظهور ولا شبهة في أنها عقلائية ، وقد عرفت أن العقلاء لا يعتبرون في الحجية جعل المماثل بوجه والاستنباط وإن كان يتوقف على كل من حجية السند والدلالة ، إلاّ أن الحجية في الدلالة ليست بمعنى جعل المماثل قطعاً ، فالقول بذلك لا يبتني على دليل ، إلاّ أنّا لو قلنا بذلك جاز تقليد المجتهد لصدق أنه فقيه وعالم بالأحكام كما عرفت ، ولعلّ هذا مما لا إشكال فيه.

وإنما الكلام فيما لو سلكنا مسلك صاحب الكفاية قدس سره وقلنا إن المجعول في باب الحجج والأمارات هو المعذّرية أو المنجّزية دون الطريقية ولا الحكم المماثل ، فإن المجتهد حينئذٍ ليس بعالم بالأحكام الواقعية ولا الظاهرية ، كما أنه ليس بفقيه ومعه كيف يسوغ تقليده وهل هذا إلاّ من رجوع الجاهل إلى جاهل مثله؟

وأجاب عن ذلك صاحب الكفاية بأن المجتهد وقتئذٍ وإن لم يكن عالماً بالأحكام الواقعية ولا الظاهرية ، إلاّ أنه عالم بموارد قيام الدليل والحجة على الحكم الشرعي ومتمكن من تشخيصها ، وبهذا الوجه يصح تقليده ويجوز الرجوع إليه (1)هذا.

ولا يخفى أن الالتزام بما سلكه صاحب الكفاية قدس سره من أن المجعول هو التنجيز والتعذير وإن كان لا يمكن المساعدة عليه ، لما بيّناه في محلّه من أن المجعول في باب الأمارات هو الكاشفية والطريقية دون المعذّرية والمنجّزية ، لأن قبح العقاب من دون البيان ووجوب دفع الضرر المحتمل قاعدتان عقليتان وغير قابلتين للتخصيص بوجه. فإذا قام الخبر الواحد مثلاً على وجوب شي‌ء أو حرمته فلا مناص من أن نلتزم بتنجّز الواقع واستحقاق العقاب على تقدير المخالفة ، ولا يتم ذلك إلاّ بناءً على حجية الخبر حتى ينقلب به موضوع عدم البيان إلى البيان ، ولا يقبح العقاب على مخالفته. إذن التنجيز أمر مترتب على الحجية لا أنه بمعنى الحجية ، وسرّه أنه مع قطع النظر عن حجية الخبر مثلاً لا موجب للالتزام بتنجّز الواقع على المكلف ، بل مقتضى قاعدة قبح العقاب من دون بيان عدم التنجّز ، وعدم استحقاق العقاب على مخالفته لأنه بلا بيان ، وقد عرفت أن قبح العقاب حينئذٍ حكم عقلي غير قابل للتخصيص بوجه.

وكذلك الحال فيما إذا قام الخبر مثلاً على إباحة شي‌ء في مورد واحتملنا فيه الضرر بمعنى العقاب ، فإنه لا شبهة في معذورية المكلف وعدم استحقاقه العقاب على تقدير مخالفة الواقع ، ولا تتم هذا إلاّ بعد حجية الخبر فإنه لو لا كونه حجة لم يكن بدّ من الاحتياط ، لوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب وهو أيضاً حكم عقلي غير قابل للتخصيص. إذن المعذّرية كالمنجّزية مترتبة على الحجية لا أنها بمعنى الحجية ، ومعه


1) كفاية الأُصول : 465.

لا مناص من أن تكون الحجية أمراً موجباً للقلب والتصرف فيما هو الموضوع للقاعدتين ، وليس ذلك إلاّ الطريقية والكاشفية فإن بهما ينقلب موضوع عدم البيان إلى البيان ويتبدل احتمال الضرر إلى العلم بعدمه ، ولو لا ذلك كان الالتزام بالتنجيز في الصورة الأُولى والتعذير في الثانية تخصيصاً في الحكمين العقليين وهما غير قابلين للتخصيص كما مرّ ، وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محلّه.

فتحصّل : أن الالتزام بما سلكه قدس سره مما لا مسوّغ له إلاّ أنه على تقدير القول به لا وجه للمناقشة في جواز تقليد المجتهد بما قدّمنا تقريبه. وهذا لا لما أفاده صاحب الكفاية قدس سره من تسليم عدم صدق العالم أو الفقيه على المجتهد عندئذٍ وأنه إنما يجوز تقليده لكونه عالماً بموارد قيام الحجة ، وذلك لأنه تمحل في الجواب حيث إن الدليل إنما دلّ على جواز تقليد الفقيه أو العالم بالأحكام أو غيرهما من العناوين الواردة في لسان الدليل ، فإذا سلّمنا أن المجتهد لا يصدق عليه شي‌ء من تلك العناوين المسوّغة للتقليد لم يمكننا الحكم بجواز تقليده وإن فرضناه عالماً بغير الأحكام الشرعية من الأُمور.

بل من أجل أن المجتهد على هذا المسلك أيضاً يصدق عليه الفقيه والعالم وسرّه أن مفهوم الفقيه غير مقيّد بخصوص العلم بالأحكام الواقعية أو الظاهرية ، بل إنما هو أعم منهما والعلم بقيام الحجة على الأحكام ، وإن فسّرنا الحجية بمعنى المنجّزية والمعذّرية ويدلنا على ذلك أن الأخبار المتقدمة في محلّها قد دلتنا على إرجاع الأئمة علیهم السلام شيعتهم إلى آحاد الرواة وكبراء أصحابهم كيونس بن عبد الرحمن وزكريا بن آدم وغيرهما ، ولا شبهة في أنه بناء على هذا المسلك وتخصيص الفقيه بخصوص العالم بالأحكام لا يصدق عليهم الفقيه ولا العالم لعدم علمهم بالأحكام الواقعية ولا الظاهرية ، وإنما كانوا يعلمون موارد قيام الحجة على الأحكام الشرعية ، فإن أصحابهم علیهم السلام لو سلّمنا علمهم بصدور الأخبار عنهم علیهم السلام بأن كان السند قطعياً في حقهم ، لاستماعهم الرواية من نفس الإمام علیه السلام فلا نسلّم كون دلالتها أيضاً قطعية لهم ، لأنها تستند إلى حجية الظهور وهي بمعنى المنجّزية والمعذّرية على الفرض ، وحيث أن النتيجة تتبع أخسّ المقدمتين فنستنتج من ذلك

عدم كون الرواة عالمين بالأحكام الواقعية ولا الظاهرية.

على أن السند أيضاً لا يكون قطعياً دائماً بالإضافة إلى الرواة ، فإن الرواة من أصحابهم قد ينقل الرواية عن راوٍ مثله ، فلا فرق بين المجتهد من أصحابهم علیهم السلام والمجتهد المتأخر عن عصرهم إلاّ في أن الواسطة في روايات أصحاب الأئمة علیهم السلام أقل منها في روايات غيرهم من الرواة.

وبما بيّناه ظهر أن العلم بالأحكام الواقعية أو الأحكام الظاهرية غير معتبر في مفهوم الفقاهة وإنما هو أعم من ذلك ومن العلم بقيام الحجة على الحكم ، إذ لو لا ذلك لم يوجد في العالم مصداق للفقيه ، ولم يصح إطلاقه على أحد من أصحابهم علیهم السلام ولا غيرهم فلا يتحقق معه موضوع لما دلّ على جواز الرجوع إلى من تفقّه في الدين أو عرف شيئاً من أحكامهم.

وعلى الجملة لا فرق في جواز الرجوع إلى المجتهد بين القول بأن المجعول في الحجج والأمارات هو الطريقية والكاشفية ، والقول بأنه الحكم المماثل ، والقول بأنه المنجّزية والمعذّرية ، لما ظهر من أن الرجوع إلى المجتهد على جميع هذه المسالك من رجوع الجاهل إلى الفقيه ، هذا كلّه في الرجوع إلى المجتهد في موارد الطرق والأمارات.

أما الرجوع إليه في موارد الأُصول العملية فقد يتوهّم أن ذلك من رجوع الجاهل إلى مثله ، لأن المجتهد في تلك الموارد كالعامّي لا علم له بالأحكام الواقعية ولا الظاهرية.

وهو توهم فاسد فإن الأُصول العملية قسمان : قسم منها تعبدي شرعي كما في الاستصحاب وأصالتي البراءة والإباحة ، وقسم منها عقلي.

أما الأُصول العملية التعبدية فلا ينبغي التأمل في أن الرجوع فيها إلى المجتهد من رجوع الجاهل إلى الفقيه والوجه فيه : أن الفقاهة ليست إلاّ معرفة الأحكام المترتبة على الموضوعات الخارجية ، والشك موضوع خارجي ويصدق الفقاهة على معرفة حكمه ، لوضوح عدم الفرق في صدقها بين العلم بالأحكام المترتبة على موضوعاتها بعناوينها الأولية ، وبين العلم بالأحكام المترتبة على موضوعاتها بعناوينها الثانوية.

وبعبارة اخرى أن الدين عبارة عن مجموع الأحكام الصادرة من الشارع وهي قد

تترتب على الشي‌ء بعنوانه الاولى ويعبّر عنها بالأحكام الواقعية. وقد تترتب على الشي‌ء بعنوانه الثانوي ، ويعبّر عنها بالأحكام الظاهرية. إذن قوله عزّ من قائل ( لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ... ) يشمل تحصيل العلم بحكم الشك كما يشمل العلم بأحكام سائر الموضوعات الخارجية.

وقد يقال : إن ما ذكرتموه إنما يتم في مثل أصالتي الإباحة والبراءة وغيرهما مما يكون فيه الموضوع هو الشك ، لأن العامّي حيث إنه جاهل وشاك في حرمة شي‌ء وإباحته ، فله أن يرجع في حكم شكّه هذا إلى المجتهد لأنه عالم بحكم ذلك الموضوع الّذي هو الشك ، من حرمة أو جواز ولا يتم في الاستصحاب لأن موضوعه ليس هو الشك الساذج بل اليقين السابق والشك اللاّحق ، وليس للعامّي يقين سابق وشك لاحق وإنما ذلك للمجتهد فحسب ، ومع أن العامّي ليس بمورد للاستصحاب لعدم تحقق موضوعه في حقه ما معنى رجوعه إلى المجتهد في حكمه ، مثلاً إذا شكّ العامّي في حرمة وطء زوجته بعد انقطاع دمها وقبل الاغتسال لم يكن له يقين سابق بحكم كما ليس له شك لاحق بوجه ، وإنما هما للمجتهد كما عرفت.

وهذه المناقشة قد تعرضنا لها في محلّها (1)وأجبنا عنها بما حاصله : أن الاستصحاب هو الجري على طبق الحالة السابقة ، والجري أعم من الإفتاء والعمل لعدم اختصاصه بالجري العملي ، فإذا كان للمجتهد يقين سابق بحرمة الوطء في المثال وشك في زوالها بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال ، فله الجري على طبق الحالة السابقة بحسب الحكم والفتوى بأن يفتي بحرمة الوطء في المقام بناء على جريانه في الشبهات الحكمية وإلاّ فلا استصحاب كي يناقش في جريانه وإن فرضنا أن العامّي لغفلته وعدم التفاته لم يكن له يقين سابق ولا شك لاحق ، فإن الفتوى إذا صدرت من أهلها فللعامّي أن يرجع إليها في أعماله ، لأنه من رجوع الجاهل إلى الفقيه ، فالاستصحاب محقق للإفتاء الّذي هو المورد لرجوع العامّي إلى الفقيه ، لا أن العامّي يرجع إلى المجتهد في حكم الاستصحاب ليرد أن موضوعه غير متحقق في حق العامّي كما مرّ.

وأما القسم العقلي من الأُصول فهو أمران : فإن العقل إما أن يستقل بقبح العقاب


1) مصباح الأُصول 3 : 7.

وعدم تنجز الواقع وهذا له موردان :

أحدهما : الشبهات البدوية.

وثانيهما : موارد العلم الإجمالي إذا لم يمكن فيها الاحتياط ، كما في دوران الأمر بين المحذورين.

وإما أن يستقل بصحة العقاب وتنجز الواقع وهو المعبّر عنه بوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ، وهذا كما في موارد العلم الإجمالي مع التمكن من الاحتياط.

ثمّ إن العامّي إن استقل عقله بشي‌ء منهما كما إذا استقل بقبح العقاب من دون البيان أو بصحة العقاب كما في موارد احتمال الضرر بمعنى العقاب ، فلا مسوّغ لتقليده لأنه إنما يجوز فيما لم يستقل عقل العامّي بشي‌ء ، إذ مع معرفته وعلمه بالحكم في مورد لا مناص من أن يتبع علمه ونظره ولا يجوز أن يرجع إلى الغير. وبما أن موارد القاعدتين مما لا يتمكن العامّي من تشخيصها لعدم قدرته من تشخيص موارد عدم البيان من موارد البيان وتشخيص موارد احتمال العقاب عن موارد عدم احتماله ، فلا مناص من أن يرجع في تشخيصها إلى المجتهد العالم بمواردهما فإذا بيّن له أن الرواية المعتبرة دلت على وجوب القصر ورواية اخرى كذلك دلت على وجوب التمام وهو متمكن من الاحتياط ، استقل عقله بتنجز الحكم الواقعي في حقه وصحة العقاب على مخالفته ، كما أنه إذا بيّن له أن وجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو حرمة شرب التتن لم يرد فيه البيان استقل عقل العامّي بعدم تنجّزهما في حقه وقبح العقاب على مخالفتهما. وعلى الجملة أن المقلّد بعد ما أحرز صغرى القاعدتين بالتقليد يطبّق عليها كبراهما في نفسه من غير أن يحتاج فيه إلى التقليد ، هذا إن استقل عقله بشي‌ء.

وأما إذا لم يستقل عقله بشي‌ء من القاعدتين فلا مناص من أن يرجع إلى المجتهد في كبراهما كما كان يرجع إليه في صغراهما ، إلاّ أن رجوعه إليه في كبرى القاعدتين أو صغراهما ليس من باب رجوع الجاهل إلى الفقيه ، لأن تشخيص صغريات القاعدتين أو كبراهما ليس من الأحكام الشرعية ليكون العلم بها تفقّهاً في الدين ، وإنما هو من باب رجوع الجاهل إلى العالم وأهل الاطلاع فإنه الّذي جرت عليه السيرة العقلائية.

التنبيه الرابع : أن العامّي إذا لم يتمكن من الرجوع إلى المجتهد الجامع للشرائط إما لعدم وجود مجتهد أصلاً ، وإما لعدم كونه جامعاً للشرائط ، وإما لتعسر الوصول إليه كما في أيام التقية ونحوها فماذا وظيفته حينئذٍ؟

لا شبهة في أن لكل مكلف علماً إجمالياً بثبوت أحكام إلزامية وجوبية أو تحريمية في الشريعة المقدسة وأنها مما لا بدّ من الخروج عن عهدتها بوجه ، إما بالعلم الوجداني بامتثالها وإما بالعلم التعبدي به كما إذا عمل بفتوى من قلّده ، وبما أنه لا يتمكن من تقليد المجتهد الجامع للشرائط من الأحياء وجب أن يراجع الأموات فإذا كان أحدهم أعلم من غيره تعيّن عليه تقليده من الابتداء ، لا أنه يجب عليه الاحتياط وعلى تقدير عدم تمكنه منه يرجع إلى أعلم الأموات.

والوجه فيما ذكرناه أن السيرة العقلائية الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم غير مقيدة بما إذا كان العالم حياً ، فلا فرق بحسبها بين تقليد الأحياء والأموات ، ولا بين التقليد الابتدائي والاستمراري.

وأما الأدلة اللفظية فهي وإن كانت ظاهرة في إرادة الحي ومن هنا قلنا باختصاصها به ، إلاّ أنها ليست بذات مفهوم لتدلنا على الحصر وعدم جواز تقليد الميت ، وإنما منعنا عن تقليد الأعلم من الأموات بحسب الابتداء لمانع خارجي وهو استلزم القول بوجوب تقليد الأعلم من الأموات ، انحصار المرجعية في شخص واحد وهو مما قامت على خلافه الضرورة من مذهبنا ، كيف وقد امتاز مذهب الشيعة عن مذهب أهل السنة والجماعة بعدم حصر المرجعية في شخص واحد أو أشخاص معينين على ما بيّناه عند التكلم على تقليد الميت الابتدائي (1). وهذا المحذور بما أنه عقلي لا إطلاق له فلا مناص من أن يقتصر فيه على المورد المتيقن وهو ما إذا تمكن المكلف من تقليد المجتهد الحي الجامع للشرائط فمع عدم التمكن من ذلك وجب أن يراجع أعلم الأموات ، ولا محذور في استلزام ذلك حصر المرجعية في شخص واحد ، لأن ما قامت الضرورة على خلافه إنما هو حصر المرجعية مطلقاً ، وأما حصرها في بعض الحالات والطوارئ وعند اقتضاء الضرورة ذلك فمما لا نرى فيه أي محذور. وعلى الجملة


1) راجع ص 83.

[23] مسألة 23 : العدالة عبارة عن ملكة (1)إتيان الواجبات وترك المحرّمات (1).


المكلف في مفروض الكلام إذا شخّص الأعلم من الأموات وجب أن يقلّده ، ولا يجب عليه الاحتياط.

وإذا لم يشخّص أعلمهم كما إذا احتملنا الأعلمية في كل واحد من الأموات أو أحرزنا تساوي الجميع في الفضيلة سقطت فتاواهم عن الاعتبار ، لأنها متعارضة في نفسها وقد مرّ غير مرة أن أدلة الاعتبار غير شاملة للمتعارضين ، ومعه يجب على المكلف الاحتياط والإتيان بكل ما يحتمل وجوبه وترك ما يحتمل حرمته.

وإذا فرضنا أن العامّي غير متمكن من ذلك ولو لاستلزامه العسر والحرج فيتنزل إلى مرتبة اخرى من الاحتياط وهو الاحتياط في كل ما له أهمية عند الشارع وهو مورد لاهتمامه ، كما في النفوس والأعراض والأموال الخطيرة ، مثلاً إذا احتمل حرمة امرأة معينة في حقه من جهة الشبهة الحكمية كما إذا شك في أن الحرمة تنتشر بعشر رضعات أو أن الناشر خمسة عشر رضعة احتاط بترك تزويجها. وأما في غير ما علمنا باهتمام الشارع به أو علمنا باهتمامه إلاّ أن المكلف لم يتمكن فيه من الاحتياط لأنه عسر في حقه ، فلا مناص من أن يخرج عن عهدة التكاليف المتنجّزة عليه بالعلم الإجمالي بوجه آخر ، للعلم بعدم كونه مهملاً في الشريعة المقدسة بحيث له أن يفعل ما أراده ويترك ما أراده ، وبما أنه لا يتمكن من الاحتياط الكلي في المسألة ولا من التبعيض فيه ، تخيّر في الرجوع إلى أحد العلماء الأموات تخييراً عملياً ، كما هو الحال فيما إذا لم يحرز أعلمية أحد العلماء الإحياء أو أحرز تساويهم في الفضيلة ، فإن المكلف يحتاط إن أمكنه وإلاّ يتخيّر بينهم عملاً على ما قدّمنا تفصيله في محلّه (2). وعلى الجملة لا فرق وقتئذٍ بين الأحياء والأموات من تلك الجهة.

تعريف العدالة

(1) وقع الكلام في أن العدالة المعتبرة في جملة من الموارد كالتقليد والشهادة


1) (*) بل عبارة عن الاستقامة في جادة الشرع وعدم الانحراف عنها يميناً وشمالاً.

2) راجع ص 171.

والقضاء والطلاق وإمام الجماعة وغيرها ما حقيقتها؟ واختلفت كلماتهم في بيانها إلى أقوال :

منها : ما نسب إلى المشهور بين المتأخرين من أن العدالة : ملكة أو هيئة راسخة ، أو حالة ، أو كيفية باعثة نحو الإطاعة بالإتيان بالواجبات وترك المعاصي والمحرمات.

ومنها : أن العدالة هي : الإتيان بالأعمال الخارجية من الواجبات واجتناب المحرمات الناشي عن الملكة النفسانية ، فهي على ذلك أمر عملي وليست من الصفات النفسانية ، وإن كان ذلك العمل مسبباً عن الصفة النفسانية وباقتضائها ، فهذا التعريف ناظر إلى المسبب والمقتضى كما أن التعريف السابق ناظر إلى السبب والمقتضي ، بمعنى أن العدالة على التعريف المتقدم هو السبب والمقتضي للعمل ، وعلى هذا التعريف هو العمل المسبب والمقتضى للملكة النفسانية التي هي السبب ، هذا.

ويمكن أن يقال : التعريفان راجعان إلى شي‌ء واحد لأن الملكة بما هي ، ليست هي العدالة الّتي تعتبر في جملة من الموارد في الشريعة المقدسة ، بل المعتبر هي الملكة المتلبسة بالعمل أي المقترنة بالإتيان بالواجبات وترك المحرمات ، وذلك لأن ارتكاب المعصية في الخارج لغلبة الهوى على الملكة يستتبع الفسق من غير نكير ، وبناءً على أن العدالة هي الملكة بما هي ، يلزم اجتماع العدالة والفسق في شخص واحد في زمان واحد ، ومن هنا يصح أن يقال : العدالة هي الأعمال الخارجية الناشئة عن الملكة النفسانية. فالمراد بالتعريفين شي‌ء واحد وإن كان أحدهما ناظراً إلى بيان اعتبار التلبس بالعمل دون الآخر.

ومنها : أن العدالة : نفس الأعمال الخارجية من فعل الواجبات وترك المحرمات من دون اعتبار اقترانها بالملكة أو صدورها عنها ، فالعدالة هي الاستقامة عملاً في جادة الشرع وعدم الجور والانحراف عنها يميناً ولا شمالاً.

ومنها : أن العدالة هي : الإسلام وعدم ظهور الفسق في الخارج ، وعلى ذلك لا بدّ من الحكم بعدالة أكثر المسلمين ، وإن لم نعاشرهم بوجه ، وذلك لاسلامهم وعدم ظهور الفسق منهم عندنا.

ومنها : أن العدالة هي : حسن الظاهر فحسب ، وعلى ذلك لا يمكننا الحكم بعدالة

أكثر المسلمين كما على التعريف المتقدم لتوقفه على إحراز حسن الظاهر ، المتوقف على المعاشرة في الجملة ولو برؤيته آتياً بالواجبات وغير مرتكب للمعاصي مرتين أو ثلاثاً أو أكثر ، هذا.

والصحيح أن حسن الظاهر والإسلام مع عدم ظهور الفسق ، معرّفان للعدالة لا أنهما العدالة نفسها ، لإمكان أن يكون الفاسق في أعلى مراتب الفسق باطناً متحفظاً على جاهه ومقامه لدى الناس ، فهو مع أنه حَسَن الظاهر محكوم بالفسق في الواقع لارتكابه المعاصي ، ولا مساغ للحكم بعدالة مثله بوجه لقوله عزّ من قائل ( أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) (1)مشيراً إلى مرتكبي المعاصي ولو في الباطن. وكذلك الحال في الإسلام وعدم ظهور الفسق ، فإن هذا العنوان بنفسه يدلنا على أن الفسق أمر واقعي قد يظهر وقد لا يظهر ، فمع أن المكلف فاسق في الواقع لارتكابه المعصية في الباطن كيف يمكن أن يكون عادلاً من جهة عدم ظهور الفسق منه. إذن هما طريقان ومعرفان للعدالة لا أنهما العدالة نفسها ، ويأتي الكلام على معرّف العدالة وطريق استكشافها قريباً إن شاء اللّه.

وعلى الجملة القولان الأخيران ساقطان ، ومعه لا بدّ من التكلم في أن العدالة هي الأعمال الخارجية من دون اعتبار صدورها عن الملكة النفسانية ، أو أنه يعتبر في العدالة أن تكون الأعمال صادرة عن الملكة؟

فنقول : لم تثبت للعدالة حقيقة شرعية ولا متشرعية ، وإنما هي بمعناها اللغوي أعني الاستقامة وعدم الجور والانحراف ، وهي قد تستند إلى الأُمور المحسوسة فيقال : هذا الجدار عدل أو مستقيم أو أن العصا مستقيم ، فتكون العدالة والاستقامة من الأُمور المحسوسة. وقد تسند إلى الأُمور غير المحسوسة فيراد منها الاستقامة المعنوية وذلك كالعقيدة والفهم والأخلاق ، فيقال : عقيدة فلان مستقيمة أي غير مشوشة أو أن فهمه مستقيم في قبال اعوجاجه ، أو أخلاقه مستقيمة أي لا إفراط فيها ولا تفريط. وقد تسند إلى الذوات فيقال : زيد عادل ومعناه أنه مستقيم في الخروج عن عهدة التكاليف المتوجهة إليه ، وحيث إن الشارع يراه مستقيماً في جادة الشرع فهو عادل


1) النور 24 : 4 ، الحشر 59 : 19.

شرعاً وغير منحرف عن جادته. فالعدالة المطلقة وهي المنسوبة إلى الذوات هي : الاستقامة العملية كما يقتضيه معناها اللغوي مع قطع النظر عن الروايات.

والمتحصل : أن العدالة ليست لها حقيقة شرعية وإنما استعملت في الكتاب والأخبار بمعناها اللغوي أعني الاستقامة وعدم الاعوجاج والانحراف وغاية الأمر أن موارد استعمالها مختلفة. كما ظهر أن العدالة ليست من الأوصاف النفسانية ، وإنما هي صفة عملية لأنها في اللغة كما عرفت هي الاستقامة وعدم الجور ، وفي الشرع هي الاستقامة في جادته. وإلى ذلك أُشير في جملة من الآيات المباركة كما في قوله عزّ من قائل ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا ) (1)وقوله ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ) (2)لإضافة العدالة فيهما إلى الذات بلحاظ استقامتها في جادة الشرع وتطابق أعمالها لأحكامه.

وتوضيح ما ذكرناه : أن ترك المحرمات والإتيان بالواجبات قد يستند إلى عدم المقتضي لفعل الحرام أو ترك الواجب ، كما إذا لم تكن له قوة شهوية أو غضبية باعثة إلى فعل الحرام أو ترك الواجب ، ولم تكن له رغبة في طبعه إلى إيجاده كما في أكل القاذورات ونحوها من المحرمات ، فإنه أمر قد يتفق فلا تكون للمكلف رغبة إلى فعل الحرام. وهذا لا بدّ من أن يفرض في المحرمات أو في الواجبات غير العبادية ، لعدم كفاية الإتيان بالواجب لا عن مقتض وداع إلهي يدعو إليه في العبادات ، والوجه فيه غير خفي.

ثمّ إن ذلك مجرّد فرض لا وقوع له أو لو كان متحققاً فهو من الندرة بمكان ، وذلك لأن البشر لا يخلو عن القوة الغضبية والشهوية وهما داعيتان له نحو الحرام لا محالة على الاختلاف في مراتبهما. وكيف كان إذا فرضنا أن ترك الحرام مستند إلى عدم المقتضي لفعله لم يتحقق بذلك العدالة بوجه ، لأن المكلف وإن لم ينحرف حينئذٍ عن جادة الشرع ، إلاّ أنه لم يسلك جادته برادع عن المحرمات ، وإنما سلكها لا عن مقتض لارتكابها وعدم موافقة المحرّم شيئاً من قواه ، بحيث لو كان له مقتض لفعلها


1) النساء 4 : 3.

2) النساء 4 : 129.

لارتكبها ، فمثله ليس بسالك لجادة الشرع وإن لم يكن منحرفاً عنها أيضاً ، فهو في الحقيقة خارج عن موضوع العدالة والفسق.

أما أنه ليس بعادل فلأنه لم يسلك جادة الشرع برادع عن المحرمات والانحرافات وأما أنه ليس بفاسق فلأنه لم يخرج عن جادة الشرع بفعل المحرمات.

وقد يكون ترك المحرمات وفعل الواجبات مستنداً إلى الرادع عن المعصية مع وجود المقتضي لارتكابها ، والرادع عن ارتكاب المعصية مع وجود المقتضي لفعلها قد يكون تسلّط القوة العاقلة على العقل العملي ، بمعنى أن العقل قد يكون مسيطراً على النفس سيطرة تامة فيلاحظ الأعمال الّتي يريد المكلف إصدارها ، فيصدر ما هو محبوب منها لله سبحانه فلا يصدر من المكلف غيره أبداً ، كما حكى ذلك عن السيد الرضي قدس سره وأنه لم يرتكب مباحاً طيلة حياته فضلاً عن الحرام والمكروه والمكلف في هذه الصورة وإن كان سالكاً لجادة الشرع أتم سلوك ، إلاّ أن سلوكه هذا لم يستند إلى خوفه من العقاب وإلاّ لم يكن له أيّ مانع من أن يرتكب المباح والمفروض أنه لا يرتكبه وإنما يرتكب ما هو محبوب لدى اللّه عزّ وجلّ ومثل ذلك من السلوك لا يعتبر في موضوع الأحكام الشرعية قطعاً ، لاستلزامه تعطيل الأحكام الشرعية في جملة من المقامات فإنه يختص بالأوحدي ، لوضوح أن العدالة بهذا المعنى تلو مرتبة العصمة ، فلا يراد بالعدالة المعتبرة في إمام الجماعة أو الشاهد أو الفتوى أو غيرها مما يعتبر فيه العدالة هذا المعنى بتاتاً.

وقد يكون الرادع عن ارتكاب المعصية مع وجود المقتضي لها رجاء الثواب أو الخوف من العقاب ، كما لعلّه الغالب في آحاد المكلفين لأنهم إنما يجتنبون المعاصي خوفاً من عذابه سبحانه ، وهذا المعنى من العدالة هو المراد منها في موضوع جملة من الأحكام الشرعية ، فمن سلك جادة الشرع برادع الخوف من العذاب أو رجاء الثواب مع فرض وجود المقتضي له للانحراف ، فهو مستقيم في الجادة ومصداق للعادل شرعاً ولغة ، هذا.

ثم إن الرادع عن ارتكاب المحرّم إذا لم يكن هو الخوف أو الرجاء ، فلا يخلو إما أن يكون أمراً محرّماً في نفسه كالرياء ، لأنه إذا أتى بالواجب التعبدي بداعي الرياء وإراءة

عمله للناس لكي يحتسب من العاملين بالوظائف الشرعية والمنقادين لأوامر اللّه سبحانه ونهيه ، فقد عمل محرّماً لأن الرياء شرك عملي مبغوض لدى اللّه سبحانه ومن البديهي أن ذلك لا يكون من العدالة في شي‌ء فإنه إنما أتى بما أتى به أو ترك ما تركه برادع الرياء ولولاه لترك الواجب ، وقد فرضنا أن الرياء محرّم ومرتكبه محكوم بالفسق والانحراف عن جادة الشرع. وإما أن يكون أمراً مباحاً ، كما إذا ردعته عن ارتكاب المحرم شرافته وجاهة لأنه لو ارتكبه سقط عن أعين الناس ، والمكلف وقتئذٍ وإن لم ينحرف عن جادّة الشرع ولم يرتكب الحرام ، إلاّ أنه لم يسلكها بداع الخوف وسلوك مسلك العبودية ، وإنما سلكها تحفظاً على شؤونه وجاهة ، فهذه الصورة أيضاً خارجة عن موضوعي الفسق والعدالة والمكلف حينئذٍ ليس بعادل ولا بفاسق.

فالمتحصل : أن العدالة هي : الاستقامة في جادة الشرع بداعي الخوف من اللّه أو رجاء الثواب ، وهي كما ترى صفة عملية وليست من الأوصاف النفسانية بوجه لوضوح أنها هي الاستقامة في الجادة بداعي الخوف أو رجاء الثواب ، وليس هناك ما يكون ملكة وصفة نفسانية بعد ظهور أن الخوف ليس هو العدالة يقيناً حتى يتوهّم أنها من الصفات النفسانية.

بقي في المقام أمران

أحدهما : أن الاستقامة بالمعنى المتقدم يعتبر أن تكون مستمرة بأن تصير كالطبيعة الثانوية للمكلف ، فالاستقامة في حين دون حين كما في شهر رمضان أو المحرّم أو غيرهما دون بقية الشهور ليست من العدالة في شي‌ء ، فإن المكلف لا يكون مستقيماً بذلك في الجادة ولا سالكاً لها بداع الخوف أو رجاء الثواب. وبعبارة اخرى أن المكلف وقتئذٍ لا يمكن الوثوق باستقامته ، لأنه قد يستقيم وقد لا يستقيم ، مع أن المعتبر في العادل أن يوثق بدينه ولا يتحقق ذلك إلاّ بالاستمرار في الاستقامة ، وكذلك الحال فيما إذا استقام بالإضافة إلى بعض المحرمات دون بعض ، ولعلّ ما ذكرناه من اعتبار الاستمرار في فعل الواجبات وترك المحرمات هو الّذي أراده القائل بالملكة ولم يرد أنها ملكة كسائر الملكات ، واللّه العالم بحقيقة الحال.

ثانيهما : أن الاستقامة مع الاستمرار عليها الّتي فسّرنا بها العدالة المعتبرة في جملة من الموارد ، لا يضرها ارتكاب المعصية في بعض الأحيان لغلبة الشهوة أو الغضب فيما إذا ندم بعد الارتكاب ، لأنه حال المعصية وإن كان منحرفاً عن الجادة إلاّ أنه إذا تاب رجع إلى الاستقامة ، وقد قال عزّ من قائل في توصيف المتقين ( إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا ) (1)فالشيطان قد يمس العادل كما يمس غيره ، وقد قيل : إن الجواد قد يكبو ، إلاّ أنه إذا تذكر ندم ورجع إلى الاستقامة والعدل.

والمتحصّل : أن الاستقامة الدائمية بمعنى عدم صدور الحرام من المكلف منذ بلوغه إلى آخر عمره غير معتبرة في العدالة. كما لا تعتبر فيها الاستقامة الخارقة للعادة ، كما إذا فرضنا أن الكذبة الواحدة تترتب عليها جملة كثيرة من المنافع الدنيوية والأُخروية ، وفرضنا أيضاً أن النبي أو الوصي علیه السلام أخبرنا أن اللّه لا يعاقب المكلف بتلك الكذبة إذ يشفع له الشفعاء يوم القيامة ، فإنه لا يعتبر ترك مثل ذلك في العدالة لاختصاصه كسابقه بقليل من المكلفين بل لا يتحققان إلاّ في الأوحدي ، ولا يحتمل أن تكون العدالة بهذا المعنى معتبرة في موضوعات الأحكام الشرعية لاستلزامه التعطيل كما مرّ ، هذا.

وقد ذهب شيخنا الأنصاري قدس سره (2)وجمع ممن تقدمه وتأخر عنه إلى أن العدالة زائداً على ما بيّناه من العمل والاستقامة في سلوك جادة الشرع ، يعتبر فيها أن يستند العمل إلى الملكة النفسانية بأن تدعو المكلف إليه وتبعثه على ملازمة الطاعة وترك المعصية ، فالعمل المجرّد من الملكة لا يكون من العدالة في شي‌ء ، وحيث إن الملكة من الصفات النفسانية والأُمور غير المحسوسة فلا مناص من أن نستكشفها بما جعله الشارع معرّفاً إلى وجودها وكاشفاً عنها من حسن الظاهر أو غيره ، وهذا قد استدل عليه بوجوه :

الأوّل : أن الشك في أن الملكة معتبرة في العدالة أو ليست كذلك من الشك في سعة مفهوم العدالة وضيقه وتردده بين السعة والضيق ، ولا مناص معه من الأخذ بالمقدار


1) الأعراف 7 : 201.

2) رسالة في العدالة : 327.

المتيقن منه في ترتب الآثار عليه وهو المضيّق ، وأما الزائد على ذلك أعني الموسّع فلا وذلك للشك في أن الآثار المرغوبة من العدالة هل يترتب عليه في الشريعة المقدسة أو لا ، ومقتضى الأصل عدم ترتبها عليه. إذن فجواز الايتمام في صلاة الجماعة ونفوذ القضاء والشهادة وغيرها من آثار العدالة إنما تترتب على ترك المحرّمات والإتيان بالواجبات إذا كان الباعث إليهما هو الملكة النفسانية ، وأما مجرد ترك الحرام أو الإتيان بالواجب من دون ملكة تدعو إليهما فمقتضى الأصل عدم ترتب الآثار عليه.

ويرد على هذا الوجه :

أولاً : أن العدالة ليست من المفاهيم المجملة المرددة بين السعة والضيق حتى يجب الأخذ بالمقدار المتيقن منها كما ذكر ، وإنما هي مفهوم مبيّن لما تقدم ويأتي أيضاً من أنها بحسب اللغة والأخبار هي الاستقامة العملية في جادة الشرع وأن هذا هو الّذي أُخذ في موضوع الأحكام الشرعية وهو مفهوم موسع ، فإذا شككنا في تقييده بالملكة فلا محالة ندفع احتمال التقييد بالأصل.

وثانياً : أن ما أفاده قدس سره من الأخذ بالمضيّق والقدر المتيقن وعدم ترتب الأثر على الموسّع بالأصل ، إنما يتم في الآثار الّتي أُخذت العدالة في موضوعها بالقرينة المتصلة كما في الشاهد بقوله عزّ من قائل ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ) (1)وذلك لأن العدالة إذا قلنا باجمالها فالمقدار المتيقن من الموضوع المقيد بذلك القيد المجمل ، هو الشاهد الّذي يستقيم في أعماله عن الملكة النفسانية الداعية إلى الطاعة لأنه الّذي نقطع بترتب الأثر عليه ، وأما الشاهد الّذي يستقيم في أعماله لا عن ملكة فنشك في ترتب الأثر عليه والأصل عدمه أي عدم نفوذ شهادته. ولا يتم فيما أُخذت العدالة في موضوع الحكم بالقرينة المنفصلة كما في بابي الفتوى والقضاء ، فإن الأدلة القائمة على حجية فتوى الفقيه من السيرة وغيرها مطلقة ولم يقيد فيها اعتبارها بما إذا كان المنذر أو العالم عادلاً ، وإنما استفدنا اعتبار العدالة بدليل منفصل كالضرورة أو رواية الاحتجاج أو غيرهما مما استدل به على اعتبارها فإذا فرضنا أن مفهوم العدالة مجمل مردد بين الموسّع والمضيّق فلا مناص من أن يقتصر في تقييد المطلقات بالمقدار المتيقن


1) الطلاق 65 : 2.

من المقيد ، فإن المخصص المنفصل إذا كان مجملاً اقتصر في تخصيص العموم به على المقدار المتيقن منه ، وهو المنذر الّذي لا يستقيم في أعماله للقطع بعدم جواز تقليده لأنه مقتضى دليل المقيد والمخصص.

وأما إذا كان مستقيماً في أعماله ولم ينحرف عن جادة الشرع يميناً ولا شمالاً غير أن استقامته لم تكن عن ملكة نفسانية فنشك في تقييد المطلقات به ، ومع الشك في التخصيص والتقييد الزائدين يتمسك بعموم العام أو إطلاق المطلق ، وبه يحكم بجواز التقليد ممن له الاستقامة العملية وإن لم يكن واجداً للملكة النفسانية بوجه.

الثاني : الأخبار الواردة في أن إمام الجماعة يشترط فيه الوثوق بدينه (1)فإن المستفاد من تلك الأخبار أن العدالة المعتبرة في مثل إمام الجماعة يعتبر فيها الوثوق بالديانة ولا يحصل الوثوق بها بالاستقامة العملية المجردة عن الملكة ، فإن من ترك المحرمات وأتى بالواجبات لا عن ملكة لا يمكننا الوثوق بدينه ، لأنه من الجائز أن يرتكب مثله المعصية في المستقبل ويخالف أمر اللّه ونهيه ، وهذا بخلاف ما إذا عمل عن ملكة نفسانية إذ معها يمكننا الوثوق بدينه.

والجواب عن ذلك : المنع عن عدم حصول الوثوق بدين من نرى أنه يأتي بواجباته ويترك المحرمات ، لأنّا إذا عاشرناه مدّة ورأينا أنه يخاف حيواناً من الحيوانات المؤذية أو أنه يخاف الجن مثلاً ولا يتمكن من الدخول في موضع فيه ذلك الحيوان ولا يسكن مكاناً خالياً من الانس ، وقد مرت على ذلك برهة من الزمان علمنا علماً جزمياً أن الرجل يخاف من ذلك الحيوان أو الجن في الأزمنة المستقبلة ، ويحصل لنا الوثوق بذلك في حقه. وكذلك الحال فيما إذا عاشرناه مدة ورأينا يخاف اللّه سبحانه ولا يرتكب


1) منها ما رواه أبو علي بن راشد قال : قلت لأبي جعفر علیه السلام : إن مواليك قد اختلفوا فأُصلي خلفهم جميعاً؟ فقال : لا تصل الاخلف من تثق بدينه. وفي رواية الشيخ ، زاد : وأمانته. المروية في وسائل الشيعة 8 : 309 / أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 2 وما رواه يزيد بن حماد عن أبي الحسن علیه السلام قال قلت له : أُصلي خلف من لا أعرف؟ فقال : لا تصل إلاّ خلف من تثق بدينه الحديث. المروية في وسائل الشيعة 8 : 319 / أبواب صلاة الجماعة ب 12 ح 1 وغيرهما من الروايات.

محرماً ، ويواظب وظائفه وواجباته تيقنا من دينه لا محالة وحصل لنا الوثوق بديانته بلا فرق في ذلك بين القول باعتبار الملكة في العدالة وعدمه ، لأنهما أجنبيان عن حصول الوثاقة بدين المتصف بالعدالة.

الثالث : الروايات الواردة في العدالة لأنها قد أُخذت في موضوعها أوصافاً وعناوين خاصة لا تنطبق إلاّ على صاحب الملكة وذلك كالعفاف ، والستر والصلاح ، والمأمونية ، والمرضي ، والخيّر ، والصائن (1)

عبد اللّه بن المغيرة قال « قلت للرضا 7 : رجل طلق امرأته ، وأشهد شاهدين ناصبيين قال : كل من ولد على الفطرة ، وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته » نفس المصدر [ ح 5 ].

عمار بن مروان عن أبي عبد اللّه 7 : « في الرجل يشهد لابنه ، والابن لأبيه والرجل لامرأته فقال : لا بأس بذلك إذا كان خيراً » الحديث. نفس المصدر [ ح 9 ].

أبو بصير عن أبي عبد اللّه 7 قال : « لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً » الحديث. نفس المصدر [ ح 10 ].

إسماعيل بن أبي زياد السكوني عن جعفر عن أبيه 8 : « أن شهادة الأخ لأخيه تجوز إذا كان مرضياً ومعه شاهد آخر » نفس المصدر [ ح 19 ].

عبد اللّه بن أبي يعفور قال : « قلت لأبي عبد اللّه 7 : بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال : أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد ... » الحديث. نفس المصدر [ ح 1 ]. إلى غير ذلك من الأخبار.

مع الإجماع على عدم اعتبارها زائدة على العدالة.

وفيه : أن العناوين المذكورة غير منطبقة على الأفعال النفسانية فضلاً عن أن تنطبق على الصفات النفسانية. وتفصيل ذلك : أن كون الرجل مرضياً بمعنى أن يكون أفعاله مما يرضى به الناس ، كما إذا لم يظلمهم ، ولم يكذبهم ، ولا أنه عمل عملاً ينافي لرضاهم


1) يونس بن عبد الرحمن عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن البينة إذا أُقيمت على الحق أيحل للقاضي أن يقضي بقول البينة؟ فقال : خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ فيها بظاهر الحكم : الولايات ، والمناكح ، والذبائح ، والشهادات ، والأنساب ، فإذا كان ظاهر الرجل ظاهر مأموناً جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه ». المروية في وسائل الشيعة 27 : 392 / أبواب الشهادات ب 41 ح 3.

فهو من صفات الأعمال الخارجية وليس من الصفات النفسانية في شي‌ء. نعم ، الرضا صفة نفسانية ، إلاّ أنه أجنبي عن المتصف بالعدالة لأنه أمر قائم بالغير ، إذ العادل هو المرضي ، والراضي عن أفعاله هو الغير. ومعنى كونه صالحاً أن لا يكون فاسد العمل ولا مفسداً به فهو أيضاً من صفات الأعمال الخارجية.

وكذلك كونه مأموناً فإن الأمن وإن كان بمعنى اطمئنان النفس وسكونها في مقابل اضطرابها وتشويشها ، إلاّ أنه أمر قائم بالغير دون المتصف بالعدالة ، لأنه المأمون وهو إنما يتحقق بكونه مستقيماً في أعماله ووظائفه بعدم أكله أموال الناس وترك الخيانة في إعراضهم ونفوسهم حتى يطمئنوا به.

وأما الستر فهو بمعنى التغطية وكون المكلف ساتراً ، إما بمعنى أنه ساتر لعيوبه عن اللّه سبحانه فهو بهذا المعنى عبارة أُخرى عن اجتنابه المعاصي لئلاّ ينهتك سرّه وتظهر عيوبه لدى اللّه ، وإما بمعنى كونه مستوراً لدى الناس ومعناه أنه لا يتجاسر بالمعاصي ولا يتجاهر بها لدى الناس ، فهذا أيضاً من عناوين الأعمال الخارجية وليس من الصفة النفسانية في شي‌ء.

كما أن الخيّر هو الّذي كانت أعماله خيراً ، والصائن من ترك المعاصي مع وجود المقتضي لارتكابها.

والعفة بمعنى الامتناع عمّا لا يحل ، ففلان عفيف أي ممتنع عمّا لا يحل كأذى الناس وغيره من المحرمات الإلهية ، ويأتي للعفاف بيان زائد على ذلك عند التكلم على الوجه الرابع.

والمتحصل : أن العناوين المذكورة غير منطبقة على الصفات النفسانية بوجه.

الرابع : صحيحة (1)عبد اللّه بن أبي يعفور قال : قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام :


1) هكذا عبّروا عنها في كلماتهم إلاّ أن الأمر ليس كذلك لأنها قد رويت بطريقي الصدوق والشيخ قدس سرهما وكلا الطريقين ضعيف. أما طريق الصدوق قدس سره فلأن فيه أحمد بن محمد ابن يحيى العطّار وقد مرّ غير مرّة عدم ثبوت وثاقته. وأما طريق الشيخ قدس سره فلأن فيه محمد بن موسى الهمداني وهو وإن كان ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات ومقتضى ذلك وثاقته إلاّ أنه معارض بتضعيفه ، وهذا لا لأنه مستثنى من كتاب نوادر الحكمة ، لأنه مستند إلى توهّم أن الرجل قد وضع أصلي زيد النرسي والزرّاد وهذا خطأ لأن أصلهما مما رواه عنهما ابن أبي عمير وقد عثروا على طريق معتبر إليهما من دون أن ينتهي إلى الرجل على ما نبّه عليه السيد الطباطبائي والسيد الصدر كما لا يخفى على من راجع ترجمة زيد الزرّاد ، بل لما ذكره ابن الوليد من أن الرجل كان يضع الحديث. فإنه مما لا يمكن حمله على وضعه خصوص أصلي الزيدين لإطلاقه. إذن لا يمكن الاعتماد على روايات الرجل بوجه.

« بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال : أن تعرفوه بالستر والعفاف ، وكف البطن والفرج واليد واللسان ، ويعرف باجتناب الكبائر الّتي أوعد اللّه عليها النار من شرب الخمر ، والزنا ، والربا ، وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك ، والدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه وتفتيش ما وراء ذلك ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته في الناس ، ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن ، وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين ، وأن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم إلاّ من علّة ... » (1).

وتقريب الاستدلال بها يتوقف على مقدمتين :

إحداهما : أن يكون قوله علیه السلام « أن تعرفوه بالستر والعفاف » معرّفاً منطقياً بأن تكون الجملة المذكورة حداً أو رسماً للعدالة وبياناً لماهيتها نظير قولنا : حيوان ناطق في الجواب عن أن الإنسان ما هو. إذن العدالة عين الاشتهار والمعروفية بالستر والعفاف وغيرهما مما ذكر في الحديث.

ثانيتهما : أن يكون العفاف والستر من الصفات النفسانية. فإنه إذا ضممنا إحدى المقدمتين المذكورتين إلى الأُخرى أنتجت أن العدالة ملكة ومن الصفات النفسانية كما ادعوه. وكلتا المقدمتين ممنوعتان :

أما المقدّمة الاولى : فلأن الجملة المذكورة معرّف أُصولي لغوي أعني ما ينكشف به الشي‌ء ، وليست معرّفاً منطقياً بمعنى الحد أو الرسم وكون المعرِّف عين المعرَّف وذلك :


1) وسائل الشيعة 27 : 391 / أبواب الشهادات ب 41 ح 1.

أما أوّلاً : فلأن ظاهر قوله علیه السلام أن تعرفوه بعد قول السائل : بم تعرف عدالة الرجل؟ أنه إنما سأل عمّا يعرف ويستكشف به العدالة لا أنه علیه السلام سأل عن حقيقتها وماهيتها ، فإن المعرّف المنطقي اصطلاح حديث بين المنطقيين ، ومن البعيد أن يكون مراد السائل بقوله : بم تعرف. هو السؤال عن حقيقة العدالة وأن معرّفها على اصطلاح المنطقيين أي شي‌ء؟ فإن وزانه وزان قولنا : بم يعرف الشي‌ء الكذائي أو الشخص المعيّن ، فإن المراد بمثله في المحاورات العرفية الدارجة هو السؤال عمّا ينكشف به الشي‌ء وما يدل عليه ، لا السؤال عن حدّه ورسمه. إذن حمل الجملة المذكورة على المعرّف المنطقي بعيد.

وأما ثانياً : فلأنه لم يذكر في الجواب أن العدالة هي الستر والعفاف ، وإنما قال علیه السلام « أن تعرفوه بالستر والعفاف » فقد جعل المعرّف اشتهار الرجل ومعروفيته بهما لا نفس الستر والعفاف ، ومن البديهي أن الاشتهار والمعروفية بهما ليسا بحقيقة العدالة وإنما حقيقتها لو كانت الجملة معرّفاً منطقياً هو الستر والعفاف لا المعروفية بهما كما لا يخفى.

وعلى الجملة أن ما ادعيناه من أن المعرّف ظاهر في المعرّف الأُصولي ليس لأن السؤال راجع إلى المعرّف بظاهره فحسب ، ليتوهّم أن ذلك غير مانع من أن يجيب علیه السلام أولاً ببيان حقيقة العدالة تفضلاً لمكان جهل السائل بحقيقتها ، وثانياً ببيان الطريق إلى معرفتها بقوله : والدلالة على ذلك ... بل هو مستند إليه وإلى ظهور نفس الجواب في ذلك بالتقريب المتقدم ، فلاحظ فإن المعروفية والاشتهار بالستر والعفاف ليسا بحقيقة العدالة كما مرّ.

كما أن ما ادعوه من أنه من الصفات النفسانية إنما هو نفس العفاف والستر وأما المعروفية بهما فلم يتوهّم أحد كونها من الصفات النفسانية أبداً.

وعلى الجملة أن الجملة المذكورة معرّف أُصولي لغوي وليست معرّفاً منطقياً بوجه ، كما أنه المراد بقوله علیه السلام : « والدلالة على ذلك ... » بمعنى أنه من المعرّف اللغوي لا المنطقي فإن المراد بالدلالة هو ما ينكشف به اجتناب الكبائر ، ولا يحتمل أن يراد بها المعرّف المنطقي بأن يكون اجتناب الكبائر عين كونه ساتراً لجميع عيوبه

لوضوح المغايرة والاثنينية بين الدال والمدلول.

وأما المقدمة الثانية : فلما بيّناه في الوجه السابق من أن العفاف هو الامتناع عمّا لا يحل ، وهو من الأفعال الخارجية لا النفسانية فضلاً عن أن تكون من الصفات النفسانية ، فإن العفيف من لم يرتكب الحرام في الخارج. نعم ، ذكر علماء الأخلاق أن العفة من صفات النفس إلاّ أنه اصطلاح مستحدث بينهم ، ولا يمكننا حمل العفاف الوارد في كلمات الأئمة علیهم السلام عليه. نعم ، العفاف أعني ترك ما لا يحل ، فعل من الأفعال الاختيارية ، ومن الظاهر أن الفعل الاختياري له مبادئ من الأُمور النفسانية حتى مثل الأكل والشرب وغيرهما من الأفعال المتعارفة ، إلاّ أن ذلك غير مسوّغ للقول بأن تلك الأفعال الّتي منها الأكل ونحوه ، من الصفات النفسانية كما هو ظاهر.

وأما الستر فهو أيضاً كما مرّ بمعنى التغطية وهي كناية عن عدم ارتكاب المحرمات فكان بينه وبينها حاجزاً وغطاء ، فمعنى كونه ساتراً أنه مغطى ومجتنب عن المحرمات ولعلّه بهذا الاعتبار يُدعى اللّه سبحانه بالستّار لدفع البلية والهلكة. فإن معناه : يا من يكون حاجزاً بيننا وبين البلية ، ادفع عنّا البلاء بسترك وحجزك. وكيف كان فهو أيضاً من الأفعال الخارجية.

وأما كف البطن واليد والفرج وغيرها من الأفعال المذكورة في الرواية فكونها من الأفعال الخارجية دون الأفعال النفسية فضلاً عن صفاتها ، أمر ظاهر لا خفاء فيه.

ثمّ إن بما بيّناه في المقام اندفع ما ذكره شيخنا الأنصاري قدس سره من أن قوله علیه السلام « أن تعرفوه بالستر والعفاف » معرّف منطقي للعدالة ، وبيان لماهيتها وحقيقتها وذكر في وجهه : أن الستر والعفاف والكف قد وقع مجموعها المشتمل على الصفة النفسانية معرّفاً للعدالة ، فلا يجوز أن يكون أخص منها بل لا بدّ من مساواته. وقد يكون أعم إذا كان من المعرّفات الجعلية كما جعل علیه السلام في هذه الصحيحة الدليل على هذه الأُمور كون الشخص ساتراً لعيوبه.

ودعوى : أن ظاهر السؤال وقوعه من الأمارة المعرّفة للعدالة بعد معرفة مفهومها تفصيلاً ، والصفات المذكورة ليست أمارة ، بل هي على هذا القول عينها فيدور الأمر

بين حمل السؤال على وقوعه عن المعرّف المنطقي لمفهومها بعد العلم إجمالاً وهو خلاف ظاهر السؤال ، وبين خلاف ظاهر آخر وهو حمل الصفات المذكورة على مجرد ملكاتها ، فتكون ملكاتها معرفة وطريقاً للعدالة وحينئذٍ فلا يصلح أن يراد بها إلاّ نفس اجتناب الكبائر المسبب عن ملكة العفاف والكف وهو القول الثاني.

مدفوعة : ببعد إرادة مجرد الملكة من الصفات المذكورة بخلاف إرادة المعرّف المنطقي الشارح لمفهوم العدالة ، فإنه غير بعيد خصوصاً بملاحظة أن طريقية ملكة ترك المعاصي لتركها ، ليست أمراً مجهولاً عند العقلاء محتاجاً إلى السؤال ، وخصوصاً بملاحظة قوله فيما بعد : والدليل على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لعيوبه ، فإنه على ما ذكر يكون أمارة على أمارة ، فيكون ذكر الأمارة الاولى أعني الملكة خالية عن الفائدة مستغنى عنها بذكر أمارتها ، إذ لا حاجة غالباً إلى ذكر أمارة تذكر لها أمارة أُخرى بخلاف ما لو جعل الصفات المذكورة عين العدالة فإن المناسب بل اللاّزم أن يذكر لها طريق أظهر وأوضح للناظر في أحوال الناس (1). انتهى ما أردنا نقله.

والوجه في الاندفاع يتلخص في أُمور :

الأوّل : ما قدمناه من أن ظاهر الرواية أن المعرّف معرّف أُصولي لغوي وليس معرّفاً منطقياً بوجه.

الثاني : أن الستر والعفاف وغيرهما مما ورد في الرواية ليس من الأفعال النفسية فضلاً عن أن يكون من صفاتها.

الثالث : أن ما أفاده لو تمّ فإنما يتم فيما إذا جعل المعرّف نفس الستر والعفاف أو غيرهما مما ورد في الرواية ، وقد عرفت أن المعرّف هو الاشتهار والمعروفية بتلك الأوصاف لا نفسها ، والاشتهار والمعروفية لم يتوهّم أحد كونها من الصفات النفسانية وبهذا يظهر أن المعرّف في الرواية لا مناص من أن يكون معرّفاً أُصولياً ولا مجال لتوهّم كونه معرّفاً منطقياً ، لأن العدالة ليست هي المعروفية والاشتهار بتلك الصفات كما أنهما ليسا من التعريف باللاّزم المساوي وإن ذهب إليه بعض مشايخنا المحققين


1) رسالة في العدالة : 327.

( 5 ) مدعياً أن الاستقامة العملية في جادة الشرع تلازم الكف والاجتناب عن المعاصي ، وأن السرّ في التعريف باللاّزم أن اللاّزم أقرب إلى الفهم عن ملزومه غالباً ، فالكف والاجتناب معرّفان منطقيان للعدالة (1).

والوجه فيما ذكرناه أن الاشتهار والمعرّفية بالستر والعفاف ليسا من لوازم الاستقامة العملية بوجه وإنما هما معرّفان وكاشفان تعبديان عن العدالة فحسب.

إذن الصحيح أن الرواية ليست لها أية دلالة على اعتبار الملكة في العدالة بل لا نظر لها إلى بيان حقيقة العدالة بنفسها أو بلازمها وإنما أوكلته إلى الراوي نفسه ، لوضوح معناها عند كل من يفهم اللغة العربية أعني الاستقامة وعدم الانحراف كما مرّ ، ولعلّه لذلك لم يسأله الراوي أيضاً عن حقيقة العدالة ، فهي ساكتة عن بيانها بنفسها أو بلازمها وإنما سيقت لبيان كاشفها ومعرّفها ، لأنه مورد السؤال عن الإمام علیه السلام وقد جعلت الكاشف عنها هو الاشتهار والمعروفية والستر وغيرهما مما ورد في الحديث. إذن هي كواشف تعبدية عن العدالة ، وأما أن العدالة أي شي‌ء فالرواية ساكتة عن بيانها ، إذ لا يكاد أن يستفاد منها غير أنها كواشف عن العدالة وأن الارتباط بينها وبين العدالة من ارتباط المعرِّف والمعرَّف والكاشف والمنكشف وحيث إن معرفة كون المكلف معروفاً بالعفاف يتوقف على الصحبة وطول المعاشرة فقد جعل علیه السلام الاجتناب عن الكبائر الّتي أوعد اللّه عليها النار طريقاً وكاشفاً عن المعروفية بترك المحرمات والإتيان بالواجبات وذلك بداعي التسهيل للمكلفين.

ثمّ إن كونه مجتنباً عن الكبائر لما لم يكن أمراً ظاهراً في نفسه وكان محتاجاً إلى طول المعاشرة ، لأن المكلف قد يجتنب عن المفطرات مثلاً وبذلك يحسبه الناس صائماً وغير مرتكب للمحرّم ، إلاّ أنه يمكن أن لا ينوي الصوم أصلاً أو يأتي به رياءً ليكون تاركاً للواجب وآتياً بالمحرّم من دون أن يلتفت الناس إليه ، احتاج ذلك أيضاً إلى طريق كاشف عنه بالسهولة ولو بالتعبد. وقد جعل علیه السلام الكاشف عن ذلك كون الرجل ساتراً لجميع عيوبه وهذا هو المعبّر عنه بحسن الظاهر في كلماتهم ، بأن لا يكذب عندهم ولا يغتاب ولا يعامل معاملة ربوية ويتحفظ على جميع عيوبه ، ولا


1) رسالة في الاجتهاد والتقليد ( الأصفهاني ) : 82.

يرتكب المحرمات في مجامع المسلمين ومنظرهم. وأما الواجبات فلم تعتبر الرواية الإتيان بها لدى الناس طريقاً معرّفاً إلى ذلك إلاّ الصلاة ، حيث دلت على أن الإتيان بالفرائض في المجامع علناً وبمرأى ومنظر من المسلمين أمر لا بدّ منه ، وأنه كاشف تعبدي عن أن فاعلها مجتنب عن المحرمات بحيث لو لم يتعاهد الفرائض في المجامع لم يحكم بعدالته ، لاحتمال أنه لم يصل أصلاً ومقتضى الرواية أن حمل فعل المسلم على الصحة لا يأتي في مثلها لأنها عمود الدين ولا خير في من لا صلاة له أو لغير ذلك من الوجوه ، ولعظمتها وأهميتها اعتبر في العدالة أن يكون الرجل متعاهداً بالحضور في جماعة المسلمين. نعم ، لا بأس في غير الفرائض من الصلوات المسنونات بالإتيان بها خفاءً بل هو الأرجح فيها كما لا يخفى.

وعلى الجملة دلتنا الرواية على أن الرجل متى ما تعاهد الإتيان بالفرائض في المجامع العامة ، وكان ساتراً لجميع عيوبه المعبّر عنه بحسن الظاهر في كلماتهم حكم بعدالته. ولا دلالة فيها على اعتبار الملكة فيها بوجه. إذن العدالة كما قدّمناه بمعنى الاستقامة العملية في جادة الشرع.

نعم ، لا بدّ أن تكون الاستقامة مستمرة وكالطبيعة الثانوية للإنسان حتى يصدق أنه مستقيم ، فإن الاستقامة في بعض الأوقات دون بعض لا يوجب صدق الاستقامة كما أشرنا إليه آنفاً واحتملنا أن يكون هذا هو المراد بالملكة في كلام من اعتبرها في العدالة ، فإن بذلك ترتفع المخاصمة من البين وتقع المصالحة بين الطرفين. والّذي يسهّل الخطب أن الرواية ضعيفة السند وغير قابلة للاستدلال بها على شي‌ء.

بقي في المقام أمران

أحدهما : لا كلام ولا شبهة في أن الكبائر وهي الّتي أوعد اللّه عليها النار في كتابه كما في الرواية المتقدمة هادمة للعدالة ومانعة عن تحققها ، وأما الصغائر فهل هي كالكبائر أو لا؟ فيه كلام بين الأعلام.

العدالة والصغائر

المعروف أن الصغائر غير قادحة في العدالة إلاّ بالإصرار على ارتكابها ، فإن

الإصرار على الصغيرة بنفسه من الكبائر ولا صغيرة مع الإصرار. ومقتضى إطلاق كلام الماتن في المقام أن العدالة يعتبر فيها التجنب عن كل من الصغائر والكبائر وأن ارتكاب أي منهما قادح في تحققها. وذكر في المسألة الثانية عشرة من شرائط إمام الجماعة أن المعتبر في العدالة عدم الإصرار على الصغائر لا عدم ارتكابها أصلاً ، وهما كلامان متنافيان وما أفاده في المقام هو الصحيح ، ولا فرق بين المعاصي الكبيرة والصغيرة وأن ارتكاب أية معصية ينافي العدالة والاستقامة في جادة الشرع.

ويدلنا على ذلك ملاحظة نفس العدالة بمفهومها ، حيث إن ارتكاب المعصية على إطلاقها انحراف عن الجادة وتعد وطغيان وخروج عن زي العبودية ، ومانع عن كون مرتكبها خيّراً أو مأموناً أو عفيفاً أو غير ذلك من العناوين المتقدمة بلا فرق في ذلك بين الصغائر والكبائر ، وكذلك الحال بالإضافة إلى ستر العيوب لو تمت الرواية المتقدمة فإن ارتكاب الصغائر ينافي ستر العيوب ولا يتصف مرتكبها بأنه ساتر لعيوبه فإن المعصية من العيوب وكيف لا يكون معصية اللّه سبحانه عيباً وهي خروج عن وظيفة العبودية. فإذا فرضنا مثلاً أن أحداً يتطلع دار جاره وينظر إلى من يحرم عليه النظر إليه ، سلب ذلك عنه العفة والمأمونية والخير والصلاح فلا يقال إنه عفيف أو مأمون أو خيّر ، مع أنه من الصغائر التي لم يتوعد عليها بالنار في الكتاب. إذن نفس العدالة بمفهومها يقتضي عدم الفرق بين الكبائر والصغائر.

ومن هنا ذهب جمع إلى أن المعاصي كلّها كبيرة في نفسها فإن معصية الكبير كبيرة على كل حال ، وإنما تقسّم المعاصي إلى الصغائر والكبائر من جهة مقايستها بما هو أعظم منها ، وذلك لوضوح أن معصية الزنا أكبر وأعظم من معصية الغيبة ، كما أن معصية قتل النفس المحترمة أعظم من معصية الزنا وهكذا. وعلى الجملة المعاصي منافية للعدالة بإطلاقها ، هذا.

واستدل لما ذهب إليه المشهور من أن الصغائر غير قادحة في العدالة بوجوه :

الأوّل : وهو العمدة رواية عبد اللّه ابن أبي يعفور المتقدمة (1)لما ورد فيها من قوله : « وتعرف باجتناب الكبائر الّتي أوعد اللّه عليها النار » بتقريب أن الاجتناب عن


1) راجع ص 220.

الصغائر أيضاً لو كان معتبراً في العدالة لم يكن للحصر باجتناب الكبائر وجه.

ويرد على ذلك : أن الاستدلال بها إنما يتم فيما لو حملنا فيها المعرّف على المعرّف المنطقي وقلنا إن حقيقة العدالة وماهيتها هو اجتناب الكبائر ، فإن الاجتناب عن الصغائر أيضاً لو كان مقوّماً للعدالة لم يكن للحصر باجتناب الكبائر وجه ، إلاّ أنّا ذكرنا أن المعرّف أُصولي لغوي فالاجتناب عن الكبائر والمعروفية بالفقه والستر وغير ذلك مما ورد في الرواية دوال وكواشف عن العدالة ، وعليه فلا مانع من أن يكون الاجتناب عن الكبائر معرّفاً وكاشفاً عن العدالة ويكون الاجتناب عن الصغائر أيضاً معتبراً في العدالة ، وذلك لأن المعرّف إنما يعتبر عند الشك والتردد ، وإلاّ فمع العلم مثلاً بأن الرجل يشرب الخمر خفاء أو أنه كافر باللّه حقيقة وإنما غش المسلمين بإظهاره الإسلام عندهم ، لا معنى لجعل حسن الظاهر والمعروفية بما ورد في الرواية معرّفاً وكاشفاً عن العدالة ، فعلى ذلك إذا علمنا انه يرتكب الصغائر جزمنا بفسقه وانحرافه عن جادة الشرع ولم يترتب أثر على المعرّف بوجه. وإذا لم نعلم بارتكابه لها وشككنا في عدالته وفسقه ، كانت المعروفية بالستر والعفاف واجتنابه الكبائر معرّفان وكاشفان عن عدالته هذا.

على أن الرواية قد ورد في ذيلها : « والدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه » ومعنى ذلك أن الستر لجميع العيوب معتبر في استكشاف العدالة. ومن البديهي أن النظر إلى الأجنبية ولا سيما في مجامع الناس من العيوب ، وكيف لا فإنه معصية لله وإن لم يتوعد عليه بالنار في الكتاب ، فإذا لم يكن ساتراً لعيبه لم تشمله الرواية في نفسها. وعلى الجملة الرواية بنفسها تدلنا على أن الاجتناب عن الصغائر معتبر في العدالة ، لعدم صدق الساتر للعيوب مع ارتكاب الصغائر ومع عدمه لا طريق لنا إلى استكشاف اجتنابه عن الكبائر ، لأنه مع الإتيان بالصغيرة يحتمل أن يأتي بالكبيرة أيضاً. إذن استكشاف أن الرجل مجتنب عن الكبائر منحصر بما إذا ستر جميع عيوبه ، فالرواية بنفسها يقتضي اعتبار الاجتناب عن كل من الصغيرة والكبيرة (1).


1) وقد قدمنا [ في ص 263 ] أنها ضعيفة السند وغير صالحة للاستدلال بها على شي‌ء.

الثاني : أن الصغائر مورد لعفو اللّه سبحانه وقد وعد العفو عنها على تقدير التجنب عن الكبائر وقال عزّ من قائل ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ... ) (1)ومع الوعد بالعفو عن الصغيرة على التقدير المذكور كان ترك الكبائر كالتوبة مانعاً عن العقاب ، فلا يمكن أن يكون ارتكابها موجباً للفسق ومنافياً للعدالة وذلك لأن التوبة وهي رافعة للمعصية وعقابها فإن التائب من ذنب كمن لا ذنب له لا تجتمع مع الفسق أي لا تضر معها المعصية ، بالعدالة فما ظنك بالاجتناب عن الكبائر الّذي دافع للمعصية والعقاب ، لأنه يوجب العفو من الابتداء فهو لا يجتمع مع الفسق ، ولا تضر معه المعصية بالعدالة بطريق أولى ، فإن ارتفاع الفسق بالدفع أولى من ارتفاعه بالرفع ، والعدالة تزول بالكبيرة وتعود بالتوبة ، ولكنها لا تزول بالصغيرة من الابتداء.

وفيه : أوّلاً : منع التلازم بين العفو عن المعصية وعدم الفسق ، فإن الفسق كما اتضح في تفسير العدالة هو الخروج عن وظيفة العبودية والانحراف عن الجادة ، والعفو عنه أمر آخر غير مانع عن كونه فسقاً وانحرافاً ، فإن لله سبحانه أن يعفو عن أعظم المعاصي تفضلاً أو لشفاعة نبي أو وصي أو مؤمن أو لصدقة تصدّق بها أو إحسان صنعة أو لغير ذلك من أسباب العفو والغفران ، إلاّ أن العفو عن أي معصية لا يمنع عن حصول الفسق بارتكابها. ويتضح ما ذكرناه بملاحظة الموالي العرفية وعبيدهم ، أفلا يعدّون مخالفة العبد وعصيانه لسيده عصياناً وتمرداً إذا كان السيد ممن لا يعاقب عبده بوجه؟ فإن العفو شي‌ء والفسق والانحراف بارتكاب الصغيرة شي‌ء آخر ، فلا تلازم بين العفو وعدم الفسق أبداً.

وثانياً : هب أن العفو مانع عن الفسق ، إلاّ أنه لا سبيل لنا إلى إحراز ذلك في من يرتكب الصغائر ، فإن العفو عنها قد علق في الكتاب العزيز على اجتناب الكبائر ومن أين لنا إحراز أن مرتكب الصغيرة لا يرتكب الكبائر طيلة حياته. وذلك فإن المراد بقوله عزّ من قائل ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ... ) ليس هو الاجتناب عنها آناً ما ، لأنه أمر حاصل لكل شخص حتى لأفسق الفسقة بل المراد به الاجتناب عنها أبداً. نعم ، لا


1) النساء 4 : 31.

يضر ارتكابها إذا ندم وتاب ، وهذا مما لا سبيل لنا إلى إحرازه ، ومن المحتمل أن يرتكب فاعل الصغيرة الكبيرة أيضاً بعد ذلك ، ومعه لا عفو عن الصغيرة ، إذن يكون الصغائر كالكبائر مانعة عن العدالة.

لا يقال : إن استصحاب عدم ارتكابه الكبائر طيلة حياته هو المحقق لشرط العفو عن الصغائر وهو المثبت لعدالته.

فإنه يقال : إن استصحاب عدم الارتكاب إنما يفيد في إحراز عدم ارتكابه المحرمات وأما الواجبات إذا شككنا مثلاً أنه يخمّس أو لا يخمّس أو يصلي أو يحج أو غير ذلك من الواجبات ، فاستصحاب العدم ينتج العكس لاقتضائه عدم الإتيان بالواجبات إذن لا سبيل لنا إلى إحراز أن الرجل لا يرتكب الكبائر ، ومع عدم إحرازه لا يمكن التمسك بالعموم لأنه من الشبهات المصداقية حينئذٍ.

الثالث : ما ذكره المحقق الهمداني قدس سره حيث إنه بعد ما ذهب إلى أن العدالة هي الاستقامة في جادة الشرع ، وأن ارتكاب المعصية خروج عن جادته ولم يفرّق في ذلك بين الكبائر والصغائر ، فصّل في الصغائر بين ما كان صدورها عن عمد والتفات تفصيلي إلى حرمتها ، فإنها حينئذٍ كالكبائر فادحة في العدالة ، وبين ما إذا صدرت لا عن التفات إلى حرمتها كما إذا صدرت غفلة أو لعذر من الأعذار العرفية ، وذكر أنها غير قادحة في العدالة وقتئذٍ.

وحاصل ما ذكره في تقريبه موضّحاً : أن ارتكاب الصغائر قد يكون مع العمد والالتفات إلى حرمتها وكونها معصية من دون أن يكون هناك أي عذر من الأعذار العرفية من خجل أو حياء ونحوهما ، ولا شبهة أنه حينئذٍ يوجب الفسق والانحراف عن جادة الشرع فهو مناف للاستقامة فيها. وقد يكون ارتكابها مستنداً إلى عدم الالتفات إلى حرمتها حال الارتكاب ، لأن الذنوب الّتي ليست في أنظار الشرع كبيرة قد يتسامحون في أمرها فكثيراً ما لا يلتفتون إلى حرمتها ، أو يلتفتون إليها إلاّ أنهم يكتفون في ارتكابها بأعذار عرفية مسامحة كترك الأمر بالمعروف ، والخروج عن مجلس الغيبة ونحوها حياءً ، أو لاستدعاء صديق ونحوها مع كونهم كارهين لذلك في نفوسهم ، والظاهر عدم كون مثل ذلك منافياً لاتصافه بالفعل عرفاً بكونه من أهل

الستر والعفاف والخير والصلاح وغير ذلك من العناوين المعلّق عليها قبول شهادته في أخبار الباب.

وأما الكبائر مثل الزنا ، واللواط ، وشرب الخمر ، وقتل النفس ، ونظائرها مما يرونها كبيرة ، فإنها غير قابلة عندهم للمسامحة ، ولا يقبلون فيها الاعتذار بالأعذار العرفية من خجل واستدعاء صديق ونحوهما. فالّذي يعتبر في تحقق وصف العدالة أن يكون الشخص مجتنباً عن كل ما هو كبيرة شرعاً أو في أنظار أهل العرف ، وكذا الصغائر الّتي يؤتى بها مع الالتفات إلى حرمتها من غير استناده إلى شي‌ء من الأعذار العرفية دون الصغائر الّتي لا يلتفت إلى حرمتها أو يستند ارتكابها إلى معذّر عرفي فإن تلك المعصية كلا معصية بالنظر العرفي وتسامحاتهم ، حيث إن مفهوم العدالة والفسق كسائر المفاهيم الّتي يغتفر فيها التسامحات العرفية ، كما في إطلاق الصاع من الحنطة على الحنطة المدفوعة فطرة المشتملة على شي‌ء يسير من ترب أو تبن ونحوه مما يتسامح فيه ، وإطلاق الماء على ما ليس بماء خالص حقيقة لاختلاطه بشي‌ء من الملح أو التراب أو غيرهما ، والذهب على ما امتزج بغيره من الصفر ونحوه مما يخرجه عن الخلوص ، إلى غير ذلك مما يراه العرف مصداقاً لشي‌ء توسعة في المفهوم مع أنه ليس بمصداق له عقلاً وحقيقة.

وعلى الجملة أن حكمهم متبع في تشخيص موضوعات الأحكام ، وإن كان مبنياً على هذا النحو من المسامحات الغير الموجبة لكون الإطلاق مجازياً في عرفهم. اللّهُمَّ إلاّ أن يدل دليل شرعي على خطئهم في مسامحتهم ، كما في الكبائر الّتي يستصغرها العرف ويتسامحون في أمرها أي يرونها صغيرة كالكذبة في مقام المزاح أو الغيبة أو غيرهما مما يعدّونه صغيرة لدى العرف وهو من الكبائر واقعاً ، فإن ارتكاب مثلها موجب للفسق والانحراف ، وتلك الموارد من باب تخطئة الشرع للعرف ، وهذا بخلاف الصغائر لما عرفت من أنه من باب التوسعة في المفهوم ، والأنظار المسامحية العرفية متبعة فيها كما مرّ (1).

ولا يخفى أن ما أفاده قدس سره لا يرجع إلى محصّل وذلك لأن العدالة بمفهومها


1) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 675.

أمر يعرفه كل عارف باللسان ، وأنها كما بيّناه عبارة عن الاستقامة العملية في جادة الشرع ، والأنظار العرفية وتسامحاتهم إنما تتبع في مفاهيم الألفاظ ، فإن التوسعة والتضييق في استفادة المفاهيم من ألفاظها راجعان إلى العرف ، ومن هنا نرتب آثار الماء على المياه الممتزجة بالزاج والجص وغيرهما مما لا يخلو منه الماء عادة ، وكذا آثار الذهب على ما هو ذهب وغيره ، وذلك لأن مفهوم الماء والذهب عند إطلاقهما أعم من الخالص والخليط بغيرهما بمقدار يسير. وأما تطبيق المفاهيم العرفية على مصاديقها ومواردها فلم يقم فيه أيّ دليل على اعتبار النظر العرفي وفهمه. وقد ذكرنا أن مفهوم العدالة أمر يعرفه أهل اللسان ، ومع وضوح المفهوم المستفاد من اللفظ لا يعبأ بالتسامحات العرفية في تطبيقه على مصاديقه ، ومن هنا لا يعتنى بتسامحاتهم في المفاهيم المحددة كثمانية فراسخ في السفر الموضوع لوجوب القصر في الصلاة ، وسبعة وعشرين شبراً في الكر ونحوهما ، حيث يعتبر في القصر أن لا يكون المسافة أقل من ثمانية فراسخ ولو بمقدار يسير لا يضر في إطلاق الثمانية لدى العرف ، وكذا يعتبر في الكر أن لا يكون أقل من سبعة وعشرين شبراً ولو بإصبع وهكذا. وحيث إن مفهوم العدالة أمر غير خفي فلا مناص من أن ينطبق ذلك على مصاديقه انطباقاً حقيقياً عقلياً ، ولا يكفى فيه التطبيق المسامحي العرفي بوجه.

وعلى هذا نقول : إذا كان ارتكاب الصغيرة لا عن عذر وغفلة فلا شبهة في أنه يوجب الفسق والانحراف ، ويمنع عن صدق الخيّر والعفيف والكاف بطنه وغيرها من العناوين الواردة في الأخبار. وأما إذا كان عن غفلة فلا كلام في أن ارتكابها غير مضر للعدالة ، لأنه من الخطأ المرفوع في الشريعة المقدسة من دون فرق في ذلك بين الكبائر والصغائر.

وأما إذا كان عن عذر عرفي فإن بلغ ذلك مرتبة يراه الشارع أيضاً عذراً في الارتكاب ، كما إذا بلغ مرتبة العسر والحرج ، نظير ما لو قدّم له الظالم ماءً متنجّساً وهدّده بضربة أو هتكه أو إخراجه عن البلد على تقدير مخالفته ، جاز له ارتكابه ولم يكن ذلك موجباً للفسق والانحراف أيضاً بلا فرق في ذلك بين الكبيرة والصغيرة. وأما لو لم يبلغ العذر العرفي مرتبة يراه الشارع معذّراً فلا مناص من الحكم بحرمة ارتكابه

وعصيانه واستلزامه الفسق والانحراف ، وعدّ العرف ذلك معذّراً وتسامحهم في عدّ ارتكابه معصية لا يترتب عليهما أثر شرعي أبداً.

إذن الصحيح أن ارتكاب المعصية كبيرة كانت أم صغيرة تستتبع الفسق والانحراف وينافي العدالة سواء استند إلى عذر عرفي أم لم يستند ، هذا كلّه في عدم الفرق بين المعاصي في استلزامها الانحراف الّذي هو ضد العدالة ، وأما تقسيمها إلى الكبيرة والصغيرة وبيان الفارق بينهما فيأتي الكلام فيه عند تعرض الماتن له في التكلم على صلاة الجماعة واعتبار العدالة في الإمام إن شاء اللّه.

الأمر الثاني : في اشتراط المروّة في العدالة وعدمه.

العدالة والمروّة

المعروف على ما نسب إليهم أن ارتكاب خلاف المروّة مما يقدح في العدالة فيعتبر فيها أن لا يرتكب المكلّف شيئاً ينافي مروّته بأن لا يرتكب ما يخالف العادة المتعارفة وما يعدّ عيباً لدى الناس ، وإن لم يكن محرّماً شرعياً في نفسه كما إذا خرج أحد الأعلام حافياً إلى الأسواق أو جلس في الطرقات أو ارتكب غير ذلك مما ينافي عادة الناس. ويختلف هذا باختلاف الأماكن والبلدان ، فقد يكون الخروج إلى السوق مثلاً من دون عمامة عيباً في بلد ولا يكون عيباً في بلد آخر ، فمع ارتكاب ما يعدّ عيباً في ذلك المحل لا بدّ من الحكم بزوال العدالة. نعم ، لا يتصف الرجل بذلك بالفسق لأنه لم يرتكب شيئاً من المحرّمات ولم ينحرف عن جادة الشرع ، فلا يترتب عليه الآثار المترتبة على الفسق كما لا يترتب عليه الآثار المترتبة على العدالة.

والصحيح أن ارتكاب خلاف المروّة غير مضرّ بالعدالة ، لأن ما استدل به على اعتبارها في العدالة أمران كلاهما ضعيف ، ولا سيما أن القائلين باعتبارها ممن ذهبوا إلى أن الصغائر غير قادحة في العدالة ، ولعمري أنه من العجائب حيث إن ذهاب العدالة بارتكاب أمر مباح قد رخّص الشارع في الإتيان به ، وعدم ذهابها بارتكاب ما منع عن ارتكابه عجيب.

وكيف كان فقد استدل على اعتبار المروّة بأمرين :

أحدهما : ما ورد في رواية ابن أبي يعفور المتقدمة (1)من قوله علیه السلام : « والدليل على ذلك أن يكون ساتراً لجميع عيوبه ... » وذلك بتقريب أن العيوب فيها مطلقة فتعم العيوب العرفية والشرعية ، فإذا ارتكب المكلف ما هو عيب لدى العرف فلا يصدق أنه ساتر لجميع عيوبه ، فلا يمكن الحكم بعدالته.

ويدفعه : أنها وإن كانت مطلقة في نفسها إلاّ أن مقتضى مناسبة الحكم والموضوع وكون الإمام علیه السلام هو الملقي للكلام قرينة متصلة ظاهرة في صرفها إلى العيوب والنقائص الشرعية ، لأن كونه صادراً من الإمام علیه السلام يقتضي أن يراد بها ما هو العيب لدى الشارع لا ما هو كذلك لدى الغير. إذن لا يكون ارتكاب ما هو خلاف المروّة منافياً للعدالة بوجه.

وثانيهما : أن من لم يخجل من الناس ولم يستحي عن غير اللّه سبحانه بأن لم يبال بالنقائص العرفية لم يخجل ولم يستحي من اللّه وذلك لأن عدم مبالاته بتلك الأُمور يكشف عن أنه ممن لا حياء له.

وفيه : أن عدم مبالات الإنسان بالأُمور الدارجة لدى الناس وعدم استحيائه وخجله عن غير اللّه سبحانه لا كاشفية له عن عدم استحيائه من اللّه ، وذلك لأنه قد يكون ذلك مستنداً إلى كونه متفانياً في اللّه وفي الأُمور الأُخروية ومتمحّضاً فيما يرجع إلى النشأة الباقية ، ولأجله لا يعتني بغير اللّه جلت عظمته ولا يهمه الأُمور الدنيوية ولا يبالي بما هو ممدوح أو مذموم لدى الناس ، ومعه كيف يكون عدم مبالاته بالأُمور المتعارفة والدنيوية كاشفاً عن عدم خجله واستحيائه من اللّه سبحانه. إذن لا تلازم بين الأمرين. والإنصاف أن هذا الوجه أضعف من سابقه ، وعلى الجملة أن ارتكاب ما ينافي المروّة غير قادح للعدالة.

نعم ، ارتكاب ما يعدّ خلاف المروّة قد يكون أمراً غير مناسب للمرتكب بل هتكاً في حقه ، كما إذا خرج أحد المراجع العظام إلى الأسواق بلا عباء أو جلس في الطرقات ، أو دخل المقاهي وبالأخص إذا اقترنه بعض الأُمور غير المناسبة ، فإنه


1) راجع ص 220.

وتعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علماً أو ظنا (1).


لا شبهة في أنه هتك في حقه وموجب لسقوطه عن الأنظار ، ومثله ينافي العدالة لا محالة إلاّ أنه لا لأنه خلاف المروّة والتعارف بل من جهة أنه محرّم شرعاً ، إذ كما يحرم على المكلف أن يهتك غيره كذلك يحرم عليه أن يهتك نفسه ، لأنه أيضاً مؤمن محترم. وأما إذا كانت العيوب العرفية غير مستلزمة للهتك فلا دليل على أن عدم ارتكابها معتبر في العدالة.

كاشفية حسن الظاهر

(1) الكلام في ذلك يقع في موضعين :

أحدهما : أن حسن الظاهر هل يكشف عن العدالة في الجملة أو لا؟

وثانيهما : أن كاشفية حسن الظاهر مقيّدة بما إذا أوجبت العلم أو الظن بالملكة ولو بمعنى الخوف النفساني من اللّه كما في كلام جملة من الأعلام ومنهم الماتن قدس سره حيث قال : حسن الظاهر يكشف عن الملكة علماً أو ظنا. أو أن كاشفيته غير مقيّدة بشي‌ء ، وأنه كاشف عن العدالة مطلقاً أفادت العلم أو الظن بالملكة أم لم تفد ، بل ومع الظن بعدم الملكة أيضاً؟

أما الموضع الأول : فالصحيح كما هو المعروف بينهم أن حسن الظاهر كاشف عن العدالة ، وهذا مضافاً إلى أنه المتسالم عليه بين الأصحاب وأنه لولاه لم يمكن كشف العدالة ولو بالمعاشرة ، لاحتمال أن يكون الآتي بالواجبات غير قاصد للقربة بل وغير ناوٍ للواجب ، فلا يمكن الحكم بأن المكلف أتى بالواجب إلاّ من جهة حسن الظاهر يمكن أن يستدل عليه بجملة من الأخبار :

منها : صحيحة عبد اللّه بن المغيرة قال : « قلت لأبي الحسن الرضا علیه السلام : رجل طلّق امرأته ، وأشهد شاهدين ناصبيين قال : كل من ولد على الفطرة وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته » (1).


1) وسائل الشيعة 27 : 393 / أبواب الشهادات ب 41 ح 5.

ومنها : موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً » (1).

ومنها : صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « في أربعةٍ شهدوا على رجل محصن بالزنا فعدل منهم اثنان ، ولم يعدل الآخران ، فقال : إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أُجيزت شهادتهم جميعاً ... » (2)إلى غير ذلك من الروايات. فإنها دلتنا على أن من حَسن ظاهره ولم يكن معروفاً بشهادة الزور ونحوها من المحرمات حكم بعدالته ورتب عليها آثارها ، وإن لم يتحقق لنا حاله بأزيد من ذلك بحيث احتملنا ارتكابه المعاصي واقعاً.

ثمّ إن هناك جملة أُخرى من الروايات استدل بها على أن حسن الظاهر كاشف عن العدالة ، إلاّ أنها لمكان ضعفها سنداً أو كونها ظاهرة في أصالة العدالة لا كاشفية حسن الظاهر عن العدالة ، غير صالحة للاستدلال بها في المقام ومن هنا نجعلها مؤيدة للمدعى وإليك بعضها :

منها : ما رواه يونس بن عبد الرحمن عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن البينة إذا أُقيمت على الحق أيحل للقاضي أن يقضي بقول البينة؟ فقال : خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ فيها بظاهر الحكم : الولايات والمناكح ، والذبائح ، والشهادات ، والأنساب ، فإذا كان ظاهر الرجل ظاهراً مأموناً جازت شهادته ، ولا يسأل عن باطنه » (3)وهي ضعيفة بإرسالها.

ومنها : ما رواه إبراهيم بن زياد الكرخي عن الصادق جعفر بن محمد علیه السلام قال : « من صلّى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة فظنوا به خيراً وأُجيزوا شهادته » (4)وهي ضعيفة بجعفر بن محمد بن مسرور (5)

ولكن هذا الاحتمال بعيد جدّاً ، فإن علي بن محمد بن جعفر بن موسى بن مسرور لم يسمع منه على ما ذكره النجاشي ، وجعفر بن محمد بن قولويه لم يرو عن علي بن محمد بن جعفر بن موسى بن مسرور ، وإنما روى كتابه عن أخيه علي كما روى عن أخيه في كامل الزيارات كثيراً ، وليس في كلام النجاشي أن جعفر بن محمد بن قولويه روى عن أخيه علي بن محمد بن جعفر بن موسى بن مسرور وعليه لم يثبت أن قولويه اسمه مسرور ، بل الثابت خلافه.

وغيره من المجاهيل.

1) وسائل الشيعة 27 : 395 / أبواب الشهادات ب 41 ح 10.

2) وسائل الشيعة 27 : 397 / أبواب الشهادات ب 41 ح 18.

3) وسائل الشيعة 27 : 392 / أبواب الشهادات ب 41 ح 3.

4) وسائل الشيعة 27 : 395 / أبواب الشهادات ب 41 ح 12.

5) نعم احتمل الوحيد قدس سره في التعليقة انه جعفر بن محمد بن قولويه لأن قولويه اسمه مسرور ، فإن النجاشي ذكر في ترجمة علي بن محمد بن جعفر بن موسى بن مسرور أنه روى عنه أخوه جعفر بن محمد بن قولويه [ رجال النجاشي : 262 / 685 ].

ومنها : رواية علقمة قال : « قال الصادق علیه السلام وقد قلت له : يا ابن رسول اللّه أخبرني عمّن تقبل شهادته ومن لا تقبل؟ فقال : يا علقمة كل من كان على فطرة الإسلام جازت شهادته. قال فقلت له : تقبل شهادة مقترف بالذنوب؟ فقال : يا علقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلاّ شهادة الأنبياء والأوصياء لأنهم المعصومون دون سائر الخلق ، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً ، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر وشهادته مقبولة ... » (1)وهي ضعيفة بعلي ابن محمد بن قتيبة ، على أنها تناسب أصالة العدالة لا كاشفية حسن الظاهر عن العدالة كما لا يخفى. إلى غير ذلك من الروايات.

اعتبار المعاشرة وعدمه :

هل تعتبر المعاشرة في كاشفية حسن الظاهر عن العدالة؟ أو أن مجرد كون الرجل ساتراً لعيوبه ، متعاهداً للحضور في جماعة المسلمين ونحو ذلك مما يجمعه حسن الظاهر كاف في استكشاف عدالته ، وإن لم نعاشره بوجه؟

قد يقال باعتبار المعاشرة في كاشفيته ويستدل عليه بوجهين :

أحدهما : أن ستر العيوب إنما يتحقق في موارد كانت معرضاً للظهور أي في مورد قابل للظهور ، نظير الأعدام والملكات لوضوح أنها لو لم تكن قابلة للظهور فهي متسترة في نفسها ، لا أن المكلف قد سترها ، فعدم ظهورها لأجل فقدان المقتضي لا من جهة المانع وهو الستر ، وإحراز أن المكلف قد سترها في مورد كانت معرضاً


1) وسائل الشيعة 27 : 395 / أبواب الشهادات ب 41 ح 13.

للظهور لا يتحقق إلاّ بالمعاشرة ، فإنه لولاها لم يعلم كونها في مورد قابل للظهور. إذن لا بدّ من المعاشرة والمصاحبة بمقدار لو كان في المكلف نقص ديني لظهر ، فهي معتبرة في كاشفية حسن الظاهر عن العدالة.

وثانيهما : موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « من عامل الناس فلم يظلمهم وحدّثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم كان ممن حرمت غيبته وكملت مروءته وظهر عدله ووجبت اخوّته » (1)وبهذا المضمون روايتا الخصال عن عبد اللّه بن أحمد الطائي عن أبيه (2)وعيون الأخبار (3)تركنا نقلهما لضعف إسنادهما ، لدلالتها على أن العدالة تتوقف على عدم ارتكاب الأُمور المذكورة فيها بعد المعاملة والتحديث والمواعدة ، وهي كما ترى تتوقف على المعاشرة.

ويرد على الوجه الأول : أن ستر العيوب يكفي في صدقه وتحققه أن يسترها المكلف في حضوره لجماعة المسلمين مثلاً وعدم ارتكابه ما ينافي ذلك قبل إقامة الجماعة وبعدها وهو بمرأى من المسلمين ، لأنه قد يبتلي قبلها أو بعدها بما هو مورد للظهور فإذا ستر عيوبه ولم يرتكب أمراً ينافي عدالته ، صدق أنه حَسن الظاهر وأنه ساتر لجميع عيوبه فلا يحتاج كاشفية الستر إلى أزيد من ذلك بوجه.

وأما الوجه الثاني : فيرد عليه :

أوّلاً : أن الموثقة أجنبية عن المدعى ، حيث إنها لم تدل على أن العادل لا بدّ له من أن يعامل الناس فلا يظلمهم ويحدّثهم فلا يكذبهم ويواعدهم فلا يخلفهم ، لأن عدم ارتكاب الظلم والكذب وخلف الوعد متفرع على الأفعال المذكورة في الموثقة تفرع النتيجة على الشرط ، بأن يعاملهم ويكون نتيجة معاملته عدم ظلمهم ، ويحدّثهم وتكون نتيجته أن لا يكذبهم وهكذا نظير القضايا الشرطية ، ولم تدل على أن ارتكاب الأفعال المذكورة معتبر في حصول العدالة. وبعبارة واضحة أن قوله علیه السلام « من عامل الناس .... » في قوة قوله : من ترك ظلم الناس على فرض معاملتهم. ولم


1) وسائل الشيعة 12 : 278 / أبواب أحكام العشرة ب 152 ح 2.

2) وسائل الشيعة 27 : 396 / أبواب الشهادات ب 41 ح 15.

3) المصدر السابق.

يرتكب الكذب على تقدير تحدّثهم وهكذا ، فالمعاملة والتحدّث والمواعدة كالمقدّمة والتوطئة لترك الظلم والكذب وخلف الوعد ، لا أنها أُمور مطلوبة في نفسها ومعتبرة في تحقق العدالة ، إذ من البيّن عدم توقفها على شي‌ء من الأفعال المذكورة ، ولم يقل أحد أن العدالة لا تتحقق إلاّ بالتحديث للناس أو مواعدتهم ومعاملتهم بحيث لو لم تصدر منه لم يحكم بعدالته ، فلا دلالة للموثقة على أن المعاشرة معتبرة في العدالة ، وإنما تدلنا على أن من صدر منه تلك الأفعال ولم يرتكب الظلم والكذب وخلف الوعد فهو محكوم بالعدالة ومعه لا تنافي بين الموثقة والروايات المتقدمة الدالة على أن حسن الظاهر يكشف عن العدالة ، وإن لم تكن هناك أية معاشرة في البين ، كما إذا كان منزوياً لا يشاهد إلاّ في أوقات الصلاة.

وثانياً : أن الموثقة لا دلالة لها بوجه على حصر العدالة في من عامل الناس ولم يظلمهم ... فإنها إنما تدل على أن من لم يظلم الناس إذا عاملهم ... فهو ممن كملت عدالته وتمت مروّته ، ولا تنفي العدالة عن غيره إذا وجد سبب من أسبابها ، كما إذا تعاهد حضور الجماعة وستر عيوبه ، فإن مقتضى رواية ابن أبي يعفور المتقدمة أنهما كاشفان عن العدالة كما مرّ ، فلا تنافي بين الموثقة والأخبار المتقدمة ورواية ابن أبي يعفور. فمقتضى الجمع بين الأخبار الثلاث على تقدير صحة الأخيرة أن يقال : العدالة إنما تستكشف بأحد أمرين : إما حضور الجماعة وتعاهد الصلوات في أوقاتها وستر العيوب ، وإما عدم الظلم والكذب وخلف الوعد عند الابتلاء بالمعاشرة بالمعاملة والتحدّث والمواعدة. إذن لم يدلنا دليل على أن المعاشرة معتبرة في استكشاف العدالة بحسن الظاهر ، هذا كلّه في الموضع الأول.

أما الموضع الثاني : فالصحيح أن كاشفية حسن الظاهر عن العدالة لا يعتبر فيها إفادته العلم أو الظن بالملكة ولو بمعنى الخوف النفساني من اللّه ، بحيث لو ظننا أن حسن الظاهر في مورد مستند إلى الرياء أو غيره من الدواعي غير القربية أيضاً قلنا باعتباره وكشفه عن العدالة ، وذلك لعدم الدليل على أن كاشفية حسن الظاهر مقيّدة بما إذا أفادت العلم أو الظن بالملكة فهو تقييد للروايات المتقدمة من غير مقيد.

وما استدل به على ذلك روايتان :

إحداهما : مرسلة يونس بن عبد الرحمن المتقدمة (1)« إذا كان ظاهره مأموناً جازت شهادته ». نظراً إلى أن كون الظاهر مأموناً بمعنى كونه مطابقاً للواقع فحسن الظاهر إنما يكشف عن العدالة إذا حصل لنا الوثوق بكونه مطابقاً للواقع ، وهذا معنى كشف الظاهر عن الملكة علماً أو ظنا.

وثانيتهما : ما رواه الكليني بإسناده عن أبي علي بن راشد قال : « قلت لأبي جعفر علیه السلام إن مواليك قد اختلفوا فأُصلي خلفهم جميعاً؟ فقال : لا تصل إلاّ خلف من تثق بدينه » (2)وفي رواية الشيخ « إلاّ خلف من تثق بدينه وأمانته ». لدلالتها على عدم جواز الصلاة إلاّ خلف من يوثق بدينه ، ومعه لا يكون حسن الظاهر كاشفاً عن العدالة إلاّ إذا علمنا أو ظننا كونه مطابقاً للواقع وإلاّ كيف يحصل الوثوق بدينه.

ولا يمكن المساعدة على شي‌ء من الروايتين.

أما الرواية الأُولى فلأنها ضعيفة السند بإرسالها ، وقاصرة الدلالة على المدعى حيث إن المأمونية جعلت وصفاً لظاهر الرجل ، ومعنى ذلك أن يكون ظاهره ظاهراً موثوقاً به بأن يرى عاملاً بالوظائف الشرعية مرتين أو ثلاثاً أو أكثر ليظهر حسن ظاهره وعدم ارتكابه المعاصي والمحرمات ، فإن ذلك لا يظهر برؤيته كذلك مرة واحدة. وليست المأمونية صفة لواقعة كي نطمئن أن ظاهره مطابق للواقع وغير متخلف عنه.

وأما الرواية الثانية فلأنها أيضاً ضعيفة السند بسهل بن زياد الواقع في كلا طريقي الكليني والشيخ ، وما ذكره بعضهم من أن الأمر في سهل سهل ليس بشي‌ء ، بل الأمر في سهل ليس بسهل على ما مرّ منا غير مرّة فلاحظ. وبمضمون هذه الرواية روايتان تركنا التعرض لهما لضعفهما من حيث السند. كما أنها قاصرة الدلالة على المدعى ، إذ المراد بالوثوق بدين الرجل هو أن يكون الإمام ، إمامياً اثنى عشرياً للروايات المانعة عن الصلاة خلف المخالفين ، وفي بعضها أنهم عنده علیه السلام بمنزلة الجدر (3)ولم


1) راجع ص 219.

2) وسائل الشيعة 8 : 309 / أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 2.

3) وسائل الشيعة 8 : 309 / أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 1.

وتثبت بشهادة العدلين (1)(1)


يرد منه أن يكون ظاهره مطابقاً للواقع.

وأما الوثوق بالأمانة كما في رواية الشيخ فلأنه لم يؤخذ في موضوع جواز الاقتداء بما أنه صفة نفسانية خاصة ، للقطع بجواز الصلاة خلف من ثبتت عدالته بالبينة أو بالاستصحاب مع عدم اطمئنان النفس بعدالة الإمام. إذن المراد بالوثوق بالأمانة هو الطريق الكاشف عن أمانته وإن كان غير الوثوق ومعه تكون الأخبار المتقدمة الدالة على أن حسن الظاهر طريق تعبدي في استكشاف العدالة ، حاكمة على هذه الرواية لدلالتها على أن الأمانة والعدالة لا ينحصر استكشافهما بالوثوق.

فالمتحصل : أن حسن الظاهر كاشف عن العدالة في نفسه. وإن لم يكن فيه أي كشف عن الملكة علماً أو ظنا.

طرق ثبوت العدالة

(1) لما تقدّم (2)من أن البينة بمعنى شهادة العدلين وإن لم يرد ما يدل على اعتبارها بالخصوص ، إلاّ أنها حجة عقلائية أمضاها الشارع بعمله ، لما بيّناه في البحث عمّا يثبت به الاجتهاد والنجاسة من أن البينة بمعنى ما يتبيّن به الشي‌ء ، وقد استعملت بهذا المعنى في غير واحد من الآيات المباركة ، وورد عن النبي صلی اللّه علیه و آله أنه إنما يقضي بالأيمان والبينات ، أي بمطلق ما يتبيّن به الشي‌ء لأنه صلی اللّه علیه و آله قد طبّق البينة عليها في المرافعات وعمله صلی اللّه علیه و آله هذا يكشف عن حجية البينة بالمعنى المصطلح عليه ، إلاّ في موارد دلّ الدليل فيها على عدم اعتبارها ، كما في الزنا والدعوى على الميت إذ البينة إنما تعتبر فيهما بضميمة شي‌ء آخر ولا يكفي فيهما من دون ضميمة.

فالمتحصل : أن البينة المصطلح عليها حجة ببناء العقلاء الّذي أمضاه الشارع كما


1) (*) تقدم أنه لا يبعد ثبوتها بشهادة عدل واحد ، بل بمطلق الثقة وإن لم يكن عدلاً.

2) راجع ص 173.

مرّ ، من دون فرق في ذلك بين الشهادة القولية والفعلية ، لاستقرار سيرتهم على العمل بالشهادة الفعلية كالقولية ، فإذا رأينا عدلين قد ائتما رجلاً في الصلاة مع العلم بكون ذلك منهما صادراً بالاختيار وبداعي انعقاد الجماعة كشف ذلك عن عدالته.

بل ذكرنا في محلّه (1)أن الموضوعات الخارجية كما تكفي فيها البينة الاصطلاحية تكفي فيها شهادة العدل الواحد ، إلاّ فيما خرج بالدليل كما في موارد الترافع ونحوه بل لا تعتبر العدالة أيضاً لكفاية الوثوق في الاعتبار ، فإن عمدة الدليل على حجية خبر الثقة في الأحكام الشرعية هو السيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع عنها في الشريعة المقدسة ، وهي بعينها قائمة على اعتباره في الموضوعات من غير أن يردع عنها الشارع كما بيّناه في البحث عمّا تثبت به النجاسة ، وما يثبت به الاجتهاد والأعلمية.

نعم ، في كفاية شهادة العدلين في العدالة والاجتهاد ونظائرهما إشكال آخر وحاصله : أن الشهادة إنما تعتبر في الأُمور المحسوسة بإحدى الحواس ، والعدالة والاجتهاد ونظائرهما أُمور مختفية عن الحواس ، ولا اعتبار بالشهادة في الحدسيات لأن المشهود به يعتبر أن يكون أمراً قابلاً للاحساس.

ويندفع بما أشرنا إليه من أن الشهادة إنما لا تعتبر في الأُمور المتمحّضة في الحدسية وأما الأُمور الحدسية القريبة من الإحساس فلا مانع من اعتبار الشهادة فيها بوجه لإمكان استكشافها بآثارها ، كما هو الحال في الملكات والصفات النفسانية بأجمعها كالجبن والشجاعة والسخاوة ، فكما إذا شاهدنا أحداً يقدم على المخاوف والأُمور الخطيرة مراراً متعددة ، استكشفنا شجاعته كاستكشاف جبنه من عكسه ، كذلك الحال في العدالة والاجتهاد وما شابههما ، فإذا رأينا أحداً يتمكن من الجمع بين الروايتين وله التصرف والتحقيق في غير مورد من المسائل ، أو أنه ساتر لعيوبه ومتعاهد للصلوات في أوقاتها وظاهره حَسَن في جملة من الموارد ، استكشفنا أنه واجد للاجتهاد والعدالة أو لملكتهما على القول بالملكة.

ثمّ إن العدالة تمتاز عن الاجتهاد وغيره في أن لها طريقاً آخر لاستكشافها دون الاجتهاد ونظائره وهو حُسن الظاهر كما مرّ.


1) في المسألة [214].

وبالشياع المفيد للعلم (1) .

[24] مسألة 24 : إذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط يجب على المقلّد العدول إلى غيره (2).


(1) لأن العدالة كالاجتهاد والأعلمية وغيرهما مما لا ينبغي التوقف في ثبوته بالعلم الوجداني لأنه حجة ذاتية من غير جعل ، كما لا إشكال في ثبوتها بالاطمئنان البالغ مرتبة العلم العادي الّذي لا يعتني العقلاء باحتمال الخلاف فيه لكونه موهوماً غايته ، لجريان السيرة العقلائية على الاعتماد عليه في أُمورهم من غير أن يردع عنها في الشريعة المقدسة ، ولا تشمله الأدلة الناهية عن العمل بالظن لخروجه عن موضوعها في نظرهم لأنه علم عندهم ، ومن هنا يعاملون معه معاملة العلم الوجداني.

ثمّ إنه لا فرق في حجية العلم الوجداني أو الاطمئناني العادي بين أسبابه ، فلا فرق بين حصوله من الشياع أو من غيره لأنه متى ما حصل للمكلف علم عادي أو وجداني بالعدالة أو غيرها ، جاز له أن يرتّب عليه آثار العدالة أو غيرها مما تعلق به علمه.

(2) نسب إلى بعضهم القول بكفاية استجماع المجتهد للشرائط حدوثاً في جواز البقاء على تقليده ، وإن عرضه ما يوجب فقده للشرائط عدا الحياة فلا يعتبر كونه واجداً لها بقاءً في جواز تقليده بحسب البقاء.

والصحيح كما هو المعروف بين أصحابنا أن جواز تقليد المجتهد متوقف على استجماعه للشرائط حدوثاً وبقاءً ، ومتى زالت عنه بأجمعها أو ببعضها سقط عن قابلية الرجوع إليه في الفتوى ووجب العدول عنه إلى غيره ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون فقد الشرط مستلزماً لزوال الرأي كزوال العقل والاجتهاد الموجب لزوال عنوان الفقيه ، وبين أن يكون مستلزماً لزوال الوصف مع بقاء الرأي كزوال الأعلمية والعدالة ونحوهما. وقد بيّنا الوجه في ذلك في التنبيه الأول من تنبيهات الشرائط المعتبرة في المجتهد (1)ولا نعيد ، ويأتي أيضاً في المسألة الثانية والأربعين إن شاء اللّه فلاحظ.


1) راجع ص 200.

[25] مسألة 25 : إذا قلّد من لم يكن جامعاً ، ومضى عليه برهة من الزمان كان كمن لم يقلّد أصلاً (1) فحاله حال الجاهل القاصر (2) أو المقصّر (3).

[26] مسألة 26 : إذا قلّد من يحرّم البقاء على تقليد الميت فمات وقلّد من يجوّز البقاء ، له أن يبقى على تقليد الأول في جميع المسائل إلاّ مسألة حرمة البقاء (4).


(1) لبطلان تقليده على الفرض.

(2) هذا إذا كان معذوراً في تقليده ، كما إذا قلّده بشهادة البينة مثلاً على عدالته أو أعلميته ثمّ علم خطأها.

(3) كما إذا لم يكن له معذّر في تقليده ، وحيث إنّا بيّنا (1)سابقاً أن الجاهل القاصر والمقصّر في صحة عملهما عند مطابقته للواقع على حدّ سواء ، كما مرّ أن الأحكام الظاهرية غير مجزئة عن الواقع عند انكشاف الخلاف ، فلا مناص من أن نلتزم على كلا التقديرين بصحة عمل المقلّد في مفروض المسألة إذا كان مطابقاً للواقع ، وبطلانه فيما إذا خالفه إلاّ في موارد يجري فيها حديث لا تعاد. وقد مرّ أن طريق استكشاف المطابقة للواقع إنما هو مطابقة العمل لفتوى من يجب الرجوع إليه بالفعل.

(4) قد أسلفنا عند الكلام على مسألة جواز البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء ، أن المجتهد الحي إذا أفتى بجواز البقاء على تقليد الميت وأفتى الميت بحرمته ، جاز للمقلّد البقاء على تقليد الميت بفتوى المجتهد الحي بالجواز في جميع المسائل غير مسألة البقاء ، وذلك لسقوط فتوى الميت عن الحجية بموته ، وإنما يتصف بالاعتبار من جهة فتوى الحي بجواز البقاء بالمعنى الأعم الشامل للوجوب.

ولا يمكن أن تشمل فتوى الحي بالجواز مسألة البقاء الّتي أفتى فيها الميت بالحرمة والوجه فيه : أن معنى فتوى الحي بجواز البقاء إن العامّي يجوز أن يبقى على تقليد الميت في المسائل الفرعية ، ويلزمه عدم جواز البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء ، إذ


1) راجع ص 163.

[27] مسألة 27 : يجب على المكلف العلم بأجزاء العبادات وشرائطها وموانعها ومقدماتها ، ولو لم يعلمها لكن علم إجمالاً أن عمله واجد لجميع الأجزاء والشرائط وفاقد للموانع صح وإن لم يعلمها تفصيلاً (1).


لا يعقل أن يشمل فتوى الحي بجواز البقاء لكلتا المسألتين أعني مسألة البقاء وسائر المسائل الفرعية ، لأنها إن شملت مسألة حرمة البقاء فمعناه عدم جواز البقاء في بقية المسائل لأن الميت أفتى بحرمة البقاء ، كما أنها إن شملت سائر المسائل فمعناه عدم جواز البقاء في مسألة حرمة البقاء ، وإلاّ لحرم البقاء على تقليد الميت في سائر المسائل.

إذن فتوى المجتهد الحي بجواز البقاء إما أن تكون شاملة لمسألة حرمة البقاء فحسب ، وإما أن تكون شاملة لسائر المسائل الفرعية لعدم إمكان الجمع بينهما في الشمول.

إلاّ أن فتوى الحي بالجواز يستحيل أن تشمل مسألة حرمة البقاء ، وذلك لأنّا لا نحتمل حجية فتوى الميت بحرمة البقاء ومطابقتها للواقع بوجه. مع أن الحجية يعتبر فيها احتمال المطابقة للواقع إذ لا تجتمع الحجية مع القطع بكونها مخالفة للواقع ، والوجه في ذلك أن البقاء على تقليد الميت لا يخلو إما أن يكون محرّماً في الواقع ، وإما أن يكون جائزاً ولا ثالث ، فإن كان محرّماً بحسب البقاء ، فكيف يمكن البقاء على تقليد الميت في مسألة حرمة البقاء لأنه محرّم على الفرض ، وإن كان البقاء جائزاً في الواقع ففتوى الميت بحرمة البقاء ليست مطابقة للواقع فلا يعقل أن تكون حجة حينئذٍ. إذن فلنا علم تفصيلي بأن فتوى الحي بالجواز غير شاملة لمسألة حرمة البقاء ، وأن فتوى الميت بحرمته ليست بحجة على كل حال ومع عدم شمول فتوى الحي بالجواز لمسألة حرمة البقاء يتعيّن أن تكون شاملة لسائر المسائل الفرعية من دون مزاحم.

وجوب التعلم وموارده

(1) سبق أن ذكرنا في التكلم على جواز الاحتياط أن المكلف يجوز أن يمتثل الأحكام المتوجهة إليه امتثالاً إجمالياً بالاحتياط ، ولو مع التمكن من الامتثال التفصيلي بتحصيل العلم بما هو الواجب أو المستحب ولا سيّما إذا لم يستلزم الاحتياط تكرار

العمل. وذلك إذ لا يعتبر في العبادة سوى الإتيان بالعمل مضافاً به إلى اللّه سبحانه وهذا متحقق في موارد العمل بالاحتياط ، فإذا فرضنا أن المكلف لو لم يحصّل العلم بإجزاء العبادة وشرائطها ، يتمكن من الاحتياط والإتيان بالعمل واجداً لجميع أجزائه وشرائطه وفاقداً لموانعه على نحو يقطع بحصول الامتثال ، لم يجب عليه تعلم الأجزاء والشرائط بوجه. وإليه أشار الماتن بقوله : ولو لم يعلمها لكن علم إجمالاً ...

وأما إذا لم يتمكن من الإتيان بالمأمور به على نحو يقطع بحصول الفراغ لعدم علمه بما هو الجزء أو الشرط أو المانع ، واحتمل أن يكون العمل المأتي به واجداً لمانعه أو فاقداً لشي‌ء من أجزائه وشرائطه ، وجب أن يتعلم أجزاء العبادة وشرائطها وموانعها لا محالة ، وذلك لما قدّمناه في أوائل الكتاب من أن الأحكام الواقعية متنجّزة على المكلفين بالعلم الإجمالي بوجود أحكام إلزامية في الشريعة المقدسة ، ومعه يجب تحصيل العلم بالفراغ اقتضاءً لقاعدة الاشتغال ، ولا يتحقق هذا إلاّ بتحصيل العلم بإجزاء العبادة وغيرها من الأُمور المعتبرة فيها ، فإنه لولاه لم يحصل له الأمن من احتمال العقاب ، والعقل يلزمه بذلك لوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ، هذا.

إلاّ أن وجوب التعلم بقاعدة الاشتغال لا يستتبعه سوى الإتيان بالواجب مع العلم بما اعتبر فيه من جزء أو شرط أو مانع ، وأما لزوم التعلم قبل تحقق الشرط في الواجبات المشروطة ، أو قبل دخول الوقت في الواجبات الموقتة فلا لكفاية التعلم بعدهما ، ومن هنا لا يتعلم الحجاج واجباتهم في الحج قبل استطاعتهم بل قبل اشتغالهم بالمناسك وإنما يتعلمونها حال الذبح أو الوقوف أو غيرهما من واجباتهم ، إذ بذلك يحصل العلم بالامتثال ويأمنون به عن احتمال العقاب ، ومعه لا حاجة إلى التعلم قبلهما ، هذا إذا كان متمكناً من التعلم بعد دخول الوقت في الموقتات أو بعد تحقق الشرط في الواجبات المشروطة.

وأما إذا لم يتمكن من التعلم بعدهما بحيث لو ترك التعلم قبل دخول الوقت أو قبل تحقق الشرط لم يتمكن من التعلم بعدهما فهو على قسمين :

لأن التعلم حينئذٍ قد يكون مقدمة إحرازية للامتثال ، ولا يترتب على تركه إلاّ عدم إحرازه فحسب مع تمكنه من الإتيان بنفس الواجب في وقته ، بحيث لو علم به

لامتثله امتثالاً جزمياً وحيث لا يعلم به فيمتثله امتثالاً احتمالياً.

وقد يكون مقدمة وجودية للواجب لا إحرازية كما في الصورة المتقدمة بمعنى أنه لو لم يتعلّم الواجب قبل دخول وقته أو قبل تحقق شرطه لم تكن له أي قدرة على الإتيان بالمكلف به بعد فعلية أمره بدخول وقته أو بتحقق شرطه ، وهذا كما إذا فرضنا جاهلاً لا يتمكن من الصلاة بعد دخول وقتها إلاّ أن يتعلمها قبل دخوله لاشتمالها على القراءة وغيرها مما لا مناص من أن يتعلمه الجاهل باللغة قبل حصول شرط الواجب أو دخول وقته.

أما القسم الأول : فلا ينبغي التأمل في أن من علم أو احتمل ابتلاءه بالواجب بعد دخول وقته أو حصول شرطه في الأزمنة المستقبلة وجب أن يتعلمه قبلهما لوجوب امتثاله عليه في ظرفه ، ولا يمكنه إحراز ذلك إلاّ بالتعلم قبلهما. إذن فالعقل يستقل بلزوم التعلم قبل مجي‌ء وقت الواجب أو فعلية شرطه لوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ، ولا يحصل الأمن إلاّ بالتعلم قبلهما فوجوب التعلم قبل وقت الواجب أو حصول شرطه مما لا إشكال فيه في هذا القسم.

وإنما الإشكال في وجوب التعلم قبلهما في القسم الأخير وذلك لأن المكلف بعد دخول وقت الواجب أو حصول شرطه غير مكلّف بالعمل لعجزه ، ولا شبهة في أن القدرة من شرائط الخطاب والتكليف ، كما أنه غير مكلّف به قبل مجي‌ء وقت الواجب أو حصول شرطه ، ومع عدم وجوب ذي المقدمة لا معنى للحكم بوجوب التعلم من باب المقدمة.

وتوضيحه : أن القدرة المعتبرة في التكاليف قد تكون دخيلة في الملاك كما أنها دخيلة في الخطاب ، بحيث لا يبقى أي ملاك عند عدمها. وقد تكون دخيلة في الخطاب من غير أن تكون دخيلة في الملاك ، بحيث يبقى العمل مشتملاً على الملاك والغرض الملزم في كلتا حالتي العجز والتمكن وإن كان الخطاب ساقطاً مع العجز.

ولا ينبغي التأمل في وجوب التعلم قبل مجي‌ء وقت الواجب أو حصول شرطه في الصورة الثانية ، وذلك لأن تركه حينئذٍ مفوّت للملاك الملزم في ظرفه وتفويت الملاك كتفويت الواجب والخطاب قبيح لدى العقل وموجب لاستحقاق العقاب عليه ، فإن

الملاك روح التكليف وما به قوامه وهو الداعي إلى جعله وإنشائه ، ولا مسوّغ معه لترك التعلم قبل الوقت أو قبل تحقق الشرط.

وأما الصورة الأُولى : فهي الّتي وقع الكلام عنها في المقام نظراً إلى أن الملاك والتكليف إذا كان كلاهما مشروطاً بالقدرة بحيث لا يبقى أي ملاك ولا خطاب عند فقدها ، وفرضنا أن المكلف لو لم يتعلم الواجب قبل مجي‌ء وقته أو فعلية شرطه لم يتمكن منه بعدهما فلما ذا يجب تعلمه قبلهما؟ لوضوح أنه لا تكليف بالعمل قبلهما حتى تجب مقدمته وهو التعلم على الفرض كما أنه لا مقتضي لوجوبه بعدهما ، إذ لا قدرة للمكلف بعد مجي‌ء الوقت أو فعلية الشرط ، ومع العجز لا خطاب ولا ملاك ، ومن الظاهر أن مع عدم وجوب ذي المقدمة لا معنى لوجوب مقدمته. نعم ، المكلف لو تعلم الواجب قبلهما كان متمكناً من العمل في ظرفه إلاّ أنه مما لا ملزم له ، فإن الواجب على المكلف إنما هو امتثال التكاليف الثابتة في ذمته ولا تكليف عليه بإيجاد موضوعاتها بجعل نفسه متمكناً من المأمور به حتى يتوجه عليه الخطاب ، ولأجل هذه المناقشة التجأ المحقق الأردبيلي ومن تبعه إلى الالتزام بالوجوب النفسي في المقام وذهبوا إلى أن التعلم واجب نفسي والعقاب إنما هو على ترك التعلم نفسه لا أنه على ترك الواجب الواقعي.

وفيه : أن الأدلة المستدل بها على وجوب التفقه والتعلم ظاهرة في أن التعلم واجب طريقي ، وأنه مقدمة لامتثال الأحكام الواقعية ولا يكاد يستفاد منها أنه واجب نفسي أبداً (1). وعليه فلا دليل في شي‌ء من المقدمات المفوّتة على وجوب تحصيلها قبل مجي‌ء وقت الواجب أو حصول شرطه حتى يتمكن من الواجب بعدهما ، وذلك لما مرّ من أنه قبل الوقت لا تكليف بذي المقدمة حتى تجب مقدماته وبعده أيضاً الأمر كذلك لعدم


1) لاحظ الرواية الواردة في تفسير قوله عزّ من قائل ( قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ) . حيث ورد فيها : « إن اللّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة : عبدي أكنت عالماً؟ فإن قال : نعم ، قال اللّه : أفلا عملت بما علمت؟ وإن قال : كنت جاهلاً قال له : أفلا تعلّمت حتى تعمل؟ فيخصم فتلك الحجة البالغة. المروية في البحار ج 2 ص 29 وص 180 من الطبع الحديث. وفي تفسير البرهان في ج 1 ص 560 بأدنى اختلاف في اللّفظ فإنها ظاهرة في أن التعلم إنما يجب من باب الطريق إلى العمل.

القدرة على الواجب وانتفاء كل من الملاك والخطاب ، ووجوب حفظ القدرة قبل مجي‌ء الوقت أو حصول الشرط للفعل الواجب بعدهما ، لم يقم عليه دليل فللمكلف أن يهريق ما بيده من الماء قبل الوقت ، ولو مع العلم بعدم تمكنه منه للغسل أو الوضوء بعد فعلية الواجب بمجي‌ء وقته أو تحقق شرطه.

والصحيح أن التعلم خاصة ليس كسائر المقدمات المفوّتة ، وأنه أمر واجب قبل الوقت في الموقتات وقبل حصول الشرط في الواجبات المشروطة ، وذلك لإطلاق الأدلة القائمة على وجوبه ، ولدلالتها على أن ترك الواجب إذا استند إلى ترك التعلم استحق المكلف العقاب عليه ، سواء أكان تركه قبل دخول الوقت أو حصول الشرط أم بعدهما فدلنا ذلك على أن التعلم مأمور به مطلقاً ، وإن لم يدخل وقت الواجب ولا تحقق شرطه ، وحيث إن مفروضنا أن فوات الواجب في ظرفه مستند إلى ترك التعلم قبلهما فمقتضى إطلاق الأدلة وجوبه وأن المكلف معاقب بتركه الواجب فلا مسوّغ لترك التعلم ، وإن لم يكن هناك أي تكليف متوجه إلى ذي المقدمة. ومعنى ذلك أن وجوب التعلم طريقي وأنه إنما وجب للإتيان بالواجبات لا لأنه مطلوب نفسي كسائر الواجبات ، فإذا تركه المكلف عوقب بمخالفته للمكلف به الواقعي ولا يعاقب بتركه التعلم أبداً.

وتظهر الثمرة فيما إذا استند ترك الواجب إلى أمر آخر ولم يستند إلى ترك التعلم فإن المكلف حينئذٍ لا يعاقب بشي‌ء ، وإنما يعاقب بتركه إذا استند إلى ترك التعلم كما مرّ ، هذا كلّه فيما إذا علم المكلف بأنه سيبتلي بالواجب بعد مجي‌ء وقته أو علم أن شرطه سيتصف بالفعلية في المستقبل.

وأما إذا لم يعلم بذلك وإنما احتمل الابتلاء به في ظرفه فالأمر أيضاً كذلك لما قررناه في بحث البراءة ، من أن التكليف المحتمل إذا كان في معرض الوقوف عليه لم تجر البراءة العقلية عنه ، وذلك لأن وظيفة المولى ليست سوى التصدي لبيان أحكامه وجعلها في مورد لو فحص عنها المكلف لظفر بها ، فإذا جعل تكاليفه في مورد العثور عليها تمت الوظيفة من قبله وانتهت النوبة إلى وظيفة العبد ، أعني لزوم الخروج عن عهدة التكاليف المتوجهة إليه من سيده ، ومعه لا مؤمّن له من العقاب على مخالفة التكليف

[28] مسألة 28 : يجب تعلّم مسائل الشك والسهو (1).


الصادر عنه إلاّ أن يفحص عنه في مظانّه فلا مجال للبراءة العقلية مع الاحتمال.

وأما البراءة الشرعية فمقتضى إطلاق أدلتها وإن كان جريانها في أمثال المقام لقوله علیه السلام : « رفع ما لا يعلمون » (1)ومنه ما نحن بصدده ، إلاّ أن الأدلة القائمة على وجوب التعلم واستحقاق العقاب على مخالفة التكليف الواقعي فيما إذا استند تركه إلى ترك التعلم ، مانعة عن جريان البراءة في تلك الموارد لدلالتها على وجوب الفحص والتعلم حينئذٍ ، لاستناد ترك الواجب إلى ترك الفحص والتعلم على الفرض فلا سبيل إلى شي‌ء من البرائتين ، فمقتضى إطلاق الأدلة وجوب التعلم قبل دخول الوقت أو تحقق الشرط مطلقاً سواء علم بابتلائه بالواجب في المستقبل أم احتمله.

(1) قد اتضح الحال في هذه المسألة مما سردناه في المسألة المتقدمة ، وحاصل الكلام فيها : أن المكلف إذا تمكن من الامتثال الإجمالي والاحتياط بأن أحرز امتثاله للتكليف المتوجه إليه بالاحتياط كما إذا أتم صلاته مثلاً بالبناء على أحد طرفي الشك ثمّ أتى بها ثانياً ، أو قطع صلاته فاستأنفها من الابتداء ، لم يجب عليه تحصيل العلم بمسائل الشك والسهو ، لجواز الامتثال الإجمالي ولو مع التمكن من الامتثال التفصيلي على ما أسلفناه في الاحتياط.

وإذا لم يتمكن من إحراز الامتثال بالاحتياط ، وجب تعلّم المسائل المذكورة بعد دخول وقت الصلاة أو قبله على التفصيل المتقدم في المسألة السابقة ، وذلك لعلمه بالابتلاء أو احتماله على الأقل ، فعلى ذلك يبتني وجوب تعلم مسائل الشك والسهو وعدمه على جواز إبطال الصلاة وقطعها عمداً وحرمته ، إذ لو جاز قطعها وإبطالها كذلك يتمكن المكلف من إحراز امتثال الأمر بها على سبيل الاحتياط فلا يجب معه تعلّم المسائل عليه كما عرفت. وهذا بخلاف ما لو قلنا بعدم جواز قطعها وإبطالها ، لأن إحراز الامتثال حينئذٍ يتوقف على تعلم المسائل الراجعة إلى الشك لعدم تمكنه من


1) وسائل الشيعة 23 : 237 / أبواب الأيمان ب 16 ح 3 ، وقد بيّنا ما يرجع إلى الاستدلال بها في المسألة [416].

قطع الصلاة واستينافها ، وعدم جواز البناء على أحد طرفي الشك وإتمامها مع الإعادة لاحتمال أن يكون المتيقن في حقه هو البناء على الطرف الآخر ، وقد قطعها بالبناء على عكس ذلك ، وهذا لاحتمال أن يكون ما أتى به ناقصاً عن الواجب أو زائداً عليه ويكون مع الإتيان به قد نقص عن صلاته أو زاد فيها متعمداً وهو موجب لبطلانها.

فعلى ما سلكه المشهور في تلك المسألة من حرمة قطع الصلاة وإبطالها يجب على كل مكلف أن يتعلّم المسائل الراجعة إلى الشك والسهو ، لأنه لا سبيل إلى إحراز امتثال الأمر بالصلاة سوى التعلم كما مرّ. هذا إذا علم بابتلائه بمسائل الشك والسهو.

وأما لو احتمل الابتلاء بها يجب تعلّم مسائلهما أيضاً أو لا لمكان استصحاب عدم الابتلاء بها في الأزمنة المستقبلة ونتيجته عدم وجوب تعلم المسائل المذكورة عليه؟

الصحيح أنه لا مانع من جريان الاستصحاب في نفسه ، لأنه على ما بيّناه في محلّه (1)كما يجري في الأُمور الحالية يجري في الأُمور الاستقبالية ، ومع حكم الشارع بعدم ابتلاء المكلف بتلك المسائل وكونه كالعالم بعدم الابتلاء ، لا وجه لوجوب تعلمها وتحصيلها فإن المجعول في الاستصحاب إنما هو الطريقية والوسطية في الإحراز أعني جعل ما ليس بعلم علماً تعبداً كما هو الحال في جميع الطرق والأمارات ، لا الحكم المماثل ليرد أن عدم الابتلاء بتلك المسائل ليس أثراً شرعياً في نفسه ، ولا أنه ذا أثر شرعي كي يتعبد به لدى الشك ، فالاستصحاب تام في نفسه ولا مانع عن جريانه سوى الأدلة القائمة على وجوب التفقه والتعلم ، لأنها بإطلاقها يقتضي عدم جريانه في المقام. لدلالتها على وجوب التعلم وجوباً طريقياً في كل مورد استند ترك الواجب في أوانه إلى ترك التعلم لدلالتها على أن المكلف يستحق العقاب بذلك على ترك الواجب وحيث إن المقام كذلك وأن ترك الواجب مستند إلى ترك التعلم ، فلا مناص من الحكم بوجوب تعلّم مسائل الشك والسهو حتى مع الاحتمال ، هذا إذا لم يكن هناك علم إجمالي بالابتلاء ببعض تلك المسائل. وأما معه فلا مجال للاستصحاب أبداً لعدم جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي بالمعارضة.


1) مصباح الأُصول 3 : 89.

بالمقدار الّذي هو محل الابتلاء غالباً (1) نعم لو اطمأن من نفسه أنه لا يبتلي بالشك والسهو صحّ عمله (1)وإن لم يحصل العلم بأحكامهما (2).


إذن لا بدّ من تعلّم مسائل الشك والسهو لوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب.

(1) لا وجه لاعتبار الغلبة في الابتلاء ، فإن المدار في وجوب التعلّم هو العلم بالابتلاء أو احتماله ، بلا فرق في ذلك بين كون المسألة مورداً لابتلاء الناس غالباً وعدمه ، فالتقييد بذلك في غير محلّه. نعم ، لا يختص وجوب التعلّم بموارد العلم بالابتلاء لوجوبه مع الاحتمال أيضاً كما عرفت.

(2) قد اتضح مما ذكرناه في التعليقة المتقدمة أن تعلم المسائل الّتي يبتلى بها المكلف علماً أو احتمالاً أمر واجب بالوجوب الطريقي ، إما لوجوب دفع الضرر المحتمل أو لإطلاقات الأخبار كما مرّ ، إلاّ أن ذلك من حيث الوجوب وكون ترك التعلّم موجباً لاستحقاق العقاب على مخالفة الواقع. وأما من حيث الصحة والبطلان فالمدار فيهما على مطابقة الواقع ومخالفته ، مثلاً إذا فرضنا أن المكلف ترك التعلّم قبل الوقت ولم يكن متمكناً منه بعد دخوله ولا من الامتثال الإجمالي والاحتياط ، وبالأخص إذا كان مطمئناً بعدم الابتلاء بالمسائل الّتي لم يتعلّم حكمها ، إلاّ أنه ابتلي بها في وقت العمل وبنى على أحد طرفي الشك والاحتمال وأتمّ صلاته رجاءً وكان عمله هذا مطابقاً للواقع ، حكمنا بصحة صلاته فإنه لا يعتبر في العبادة إلاّ الإتيان بها مضافاً إلى اللّه والمفروض أنها قد أُتيت كذلك فلا مجال لتوهّم بطلانها من جهة ترك التعلّم ، فلو ظنّ أنه قد ركع ولم يعلم أن الظن حجة في أفعال الصلاة كالركعات إلاّ أنه بنى على عدم الاعتبار وأتى بالركوع رجاءً وأتمّ صلاته ، وانكشف بعد هذا أن فتوى مقلّده أيضاً عدم الاعتناء بالظن في الأفعال صحّت صلاته كما مرّ.


1) (*) بل يصح مع احتمال الابتلاء أيضاً إذا لم يتحقق الابتلاء به خارجاً ، أو تحقق ولكنه قد أتى بوظيفة الشك أو السهو رجاءً.

بقي شي‌ء :

وهو أن المنسوب إلى شيخنا الأنصاري قدس سره في رسالته العملية الحكم بفسق من ترك تعلّم مسائل الشك والسهو ، وهذه الفتيا منه قدس سره يحتمل أن يستند إلى أحد أُمور :

الأوّل : أن يقال : إن الوجه في ذلك أن ترك تعلّم المسائل المذكورة مع العلم بالابتلاء أو احتماله ، من أظهر مصاديق التجري على المولى سبحانه لكشفه عن أنه غير معتنٍ بأحكام اللّه وتكاليفه ولا مبال بأوامره ونواهيه ، والتجري مضافاً إلى أنه موجب لاستحقاق العقاب عليه ، من المحرمات في الشريعة المقدسة ، ولا شبهة في أن ارتكاب المحرّم موجب للفسق والانحراف.

وفيه : أن هذا الوجه مما لا يلتزم به الشيخ قدس سره ولا ينبغي الالتزام به لعدم قيام الدليل على حرمة التجري وإن كان موجباً لاستحقاق العقاب عليه ، والفسق إنما يتحقق بارتكاب المعاصي والمحرمات ، وقد عرفت أنه مفقود في المقام.

والثاني : أن التجري وإن لم يكن محرّماً في نفسه إلاّ أنه يكشف عن عدم ملكة العدالة لا محالة ، لأنه مع وجودها لا يقدم المكلف على ما فيه احتمال المخالفة والمعصية ، فبالتجري يستكشف أن المتجري على نحو يقدم على معصية اللّه ومخالفته ولا رادع نفساني له عن ارتكابها ، وقد اعتبر هو قدس سره وجماعة كثيرين وجود الملكة النفسانية في العدالة كما مرّ وقالوا إن من لا ملكة له لا عدالة له ومن لم يكن بعادل فهو فاسق لا محالة.

وهذا الاحتمال يبعّده أمران :

أحدهما : ما قدّمناه (1)من أن العدالة ليست إلاّ الاستقامة العملية في جادّة الشرع وأنه لم يدلّنا دليل على اعتبار شي‌ء آخر في العدالة وراء الإتيان بالواجبات وترك المحرمات ليسمى بالملكة النفسانية.

وثانيهما : أن القول باعتبار الملكة لا يستلزم إنكار الواسطة بين الفسق والعدالة ولا


1) راجع ص 215.

يستتبع الحكم بأن من ليس بعادل فهو فاسق ، وذلك لوضوح أن من لم يرتكب بعد بلوغه شيئاً من المعاصي والمحرمات ، ولم يحصل له أيضاً ملكة العدالة فهو ليس بعادل ولا بفاسق. أما أنه ليس بعادل فلأجل عدم تحصيله الملكة على الفرض ، وأما عدم كونه فاسقاً فلأن الفسق يتوقف على ارتكاب المعصية ، بل اشترط بعضهم أن تكون المعصية من الكبائر ولو كانت هي الإصرار على الصغائر ، ومع عدم ارتكاب شي‌ء من المعاصي لا موجب للفسق أبداً ، وعليه فهب أن المتجري ليست له ملكة العدالة وأنه ليس بعادل فرضاً ، إلاّ أنه لا مقتضي للحكم بفسقه مع عدم صدور فسق منه على الفرض.

الثالث : أن الوجه في ذلك أن التعلّم واجب نفسي فتركه يستلزم الفسق وإن لم يبتل المكلف بمسائل الشك والسهو أصلاً.

ويندفع بأن الشيخ قدس سره لا يلتزم بالوجوب النفسي في التعلّم ، وإنما يراه واجباً بالوجوب الطريقي الّذي لا يترتب على مخالفته إلاّ التجري لا الفسق.

الرابع : وهو أنسب الوجوه المذكورة في المقام أن يقال : إن التجري وإن لم يكن محرّماً في الشريعة المقدسة ، إلاّ أن المتجري لا يمكن الحكم بعدالته لأن العدالة كما تقدمت هي الاستقامة في جادة الشرع ، وكون الحركة بإذن الشارع وترخيصه فالعادل هو الّذي لا يقدم على عمل لم يرخّص فيه الشارع. ومن الظاهر أن التجري بترك التعلّم وإن لم يكن محرّماً لعدم وجوبه النفسي على الفرض ، إلاّ أنه غير مرخّص فيه من قبله فالإقدام عليه إقدام على ما لم يرخّص فيه الشارع ، ولا يطلق على المتجري والمرتكب لما لم يأذن به اللّه عنوان الصالح أو الخيّر ، ولا يعدّ من الموثوقين بدينه وكيف يوثق بدينه وهو لا يبالي بالدين ولا يعتني باحتمال مخالفة اللّه وعصيانه كما لا يصدق عليه غير ذلك من العناوين الواردة في الروايات.

وكذا الحال في غير المقام من موارد التجري وعدم كون الفعل مرخّصاً فيه من اللّه كما إذا ارتكب أحد الفعلين المعلومة حرمة أحدهما ، فإن شرب ما في أحد الإناءين مع العلم الإجمالي بحرمته وإن لم يكن محرّماً شرعياً ، لاحتمال إباحته وكون المحرّم هو الآخر ، إلاّ أنه غير مرخّص فيه من قبل الشارع ، وكذا إذا علم بنجاسة أحد ثوبيه

[29] مسألة 29 : كما يجب التقليد في الواجبات والمحرّمات يجب في المستحبّات ، والمكروهات ، والمباحات ، بل يجب تعلّم حكم كل فعل يصدر منه سواء كان من العبادات ، أو المعاملات ، أو العاديات (1).


علماً إجمالياً وصلّى في أحدهما ، فإنه وإن لم يمكن الحكم بأنه لم يأت بالصلاة وأنه تارك لها لاحتمال أن يكون النجس هو الثوب الآخر ، إلاّ أنه مما لم يأذن به اللّه فمثله لا يطلق عليه شي‌ء من العناوين المتقدمة ولا بدّ من الحكم بفسقه ، فهذا الوجه هو الصحيح وما أفاده قدس سره في غاية المتانة.

(1) إذا احتمل معها حكماً إلزامياً أيضاً ، كما إذا احتمل أن يكون ما هو المستحب واجباً واقعاً ، أو يكون المكروه أو المباح حراماً كذلك ، فإنه عند احتمال حكم إلزامي معها لا بدّ من تحصيل المؤمّن على ترك ما يحتمل وجوبه أو ارتكاب ما يحتمل حرمته ، ولا مؤمّن سوى الاجتهاد والتقليد والاحتياط.

وأما لو جزم بالجواز وإن لم يعلم بأنه مباح أو مستحب أو مكروه فلا حاجة فيه إلى التقليد ولا إلى قرينية ، اللّهُمَّ إلاّ أن يريد الإتيان بالعمل بعنوان الاستحباب مثلاً فإنه يحتاج معه إلى أحد الطرق الثلاثة ، إذ لو لم يستند في عمله إلى أحدها لكان الإتيان به بذلك العنوان من التشريع المحرّم ، هذا بالإضافة إلى غير العامّي من المكلفين.

وأما بالإضافة إلى العامّي فإن احتمل الوجوب وشيئاً من الأحكام غير الإلزامية كما إذا احتمل استحبابه أو إباحته أو كراهته مع القطع بعدم حرمته فلا حاجة فيه إلى التقليد لتمكن العامّي حينئذٍ من الاحتياط ، فله أن يأتي بالعمل برجاء الوجوب فإنه يكفي في التوصليات من غير نكير ، وكذلك الحال في العبادات لما مرّ من أن العبادة لا يعتبر فيها إلاّ الإتيان بالعمل مضافاً به إلى اللّه وهو أمر يتحقق عند الإتيان به رجاءً ، وقد قدّمنا جواز الامتثال الإجمالي ولو مع التمكن من الامتثال التفصيلي فلاحظ (1). كما أنه لو احتمل الحرمة وشيئاً من الأحكام الثلاثة مع القطع بعدم


1) راجع ص 49.

[30] مسألة 30 : إذا علم أن الفعل الفلاني ليس حراماً ، ولم يعلم أنه واجب أو مباح أو مستحب أو مكروه يجوز له أن يأتي به لاحتمال كونه مطلوباً وبرجاء الثواب ، وإذا علم أنه ليس بواجب ، ولم يعلم أنه حرام أو مكروه أو مباح ، له أن يتركه لاحتمال كونه مبغوضاً (1).

[31] المسألة 31 : إذا تبدل رأي المجتهد لا يجوز للمقلّد البقاء على رأيه الأول (2).


الوجوب أيضاً يتمكن العامّي من الاحتياط من غير حاجة إلى التقليد فيه.

نعم ، إذا احتمل وجوب شي‌ء وحرمته وإباحته ، أو هما وكراهته أو استحبابه تعيّن التقليد في حقه ، لعدم قابلية المورد للاحتياط وعدم تمكن المكلف منه مجتهداً كان أم مقلّداً.

ومما سردناه ظهر أن الأدعية والأوراد المنقولة في كتب الأدعية المتداولة بين الناس لا يسوغ أن يؤتى بها بإسناد محبوبيتها إلى اللّه سبحانه أي بعنوان أنها مستحبة ، إلاّ مع القطع بكونها مستحبة أو التقليد فيها ممن يفتي بذلك ، وإلاّ كان الإتيان بها كذلك من التشريع المحرّم. نعم ، لا بأس بالإتيان بها رجاءً فإنه لا يحتاج معه إلى التقليد كما مرّ.

(1) قد اتضح الحال في تلك المسألة مما بيّناه في التعليقة المتقدمة ، وقلنا إن مع احتمال الوجوب وشي‌ء من الأحكام الثلاثة مع القطع بعدم الحرمة ، أو احتمال الحرمة وأحدها مع القطع بعدم الوجوب يتمكن العامّي من الاحتياط والإتيان بالعمل رجاءً أو تركه باحتمال مبغوضيته من غير حاجة إلى التقليد فيه.

(2) لعدم بقاء الرأي السابق على الحجية بعد تبدله وانكشاف كونه مخالفاً للواقع من الابتداء بالفتوى الثانية على الخلاف ، ومن هنا ذكرنا في التكلّم على إجزاء الأحكام الظاهرية عن الواقع أن حجية الفتوى الثانية وإن كانت حادثة إلاّ أن مدلولها غير مختص بعصر دون عصر ، وبها يستكشف عدم كون الفتوى السابقة مطابقة للواقع من الابتداء.

[32] مسألة 32 : إذا عدل المجتهد عن الفتوى إلى التوقف والتردد يجب على المقلّد الاحتياط أو العدول إلى الأعلم بعد ذلك المجتهد (1)(1)

[33] مسألة 33 : إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلّد تقليد (2)أيّهما شاء (2) ويجوز التبعيض في المسائل (3).


(1) لعدم حجية الفتوى مع العدول عنها وعدم إحراز كونها مطابقة للواقع وحيث لا فتوى للمجتهد المقلّد بالفعل فيجب على مقلّديه الاحتياط أو الرجوع إلى مجتهد آخر جامع لشرائط الحجية حتى يقطع بفراغ ذمته عمّا اشتغلت به من الأحكام المتنجزة عليه بالعلم الإجمالي.

(2) وقد مرّ تفصيل الكلام في التخيير بين المجتهدين المتساويين في المسألة الثالثة عشرة ولا نعيد.

(3) قد اتضح مما ذكرناه في المسألة الثالثة عشرة من أن المكلف مخيّر بين المجتهدين المتساويين عند عدم العلم بالمخالفة بينهما ، جواز التبعيض في المسائل فإن للمقلّد أن يقلّد أحدهما في مسألة ويقلّد الآخر في مسألة أُخرى لعدم العلم بالمخالفة بينهما في الفتوى ، بل يجوز له التبعيض في الرجوع بالإضافة إلى أجزاء عمل واحد وشرائطه بأن يقلّد أحدهما في الاكتفاء بالمرّة الواحدة في غسل الثياب ويقلّد الآخر في جواز المسح منكوساً مثلاً ، أو يقلّد أحدهما في عدم وجوب السورة ويقلّد الآخر في الاكتفاء بالتسبيحات الأربع مرّة واحدة وهكذا. وذلك لأن فتوى كلا المجتهدين حجة معتبرة وله أن يستند في أعماله إلى أيهما شاءه. هذا إذا خصصنا جواز التخيير بين المجتهدين المتساويين بما إذا لم يعلم المخالفة بينهما في الفتوى كما مرّ.

وأما لو عممنا القول بالتخيير إلى صورة العلم بالمخالفة بينهما ، فالمقلّد وإن جاز أن يبعّض في التقليد ويقلّد أحدهما في عمل أو باب ويقلّد الآخر في باب أو عمل آخرين كما لو رجع في عباداته إلى مجتهد وفي معاملاته إلى مجتهد آخر ، إلاّ أنه لا يتمكن من


1) (*) على تفصيل تقدم [ في المسألة 12 ].

2) (**) مرّ حكم هذه المسألة [ في المسألة 13 ].

وإذا كان أحدهما أرجح من الآخر في العدالة أو الورع أو نحو ذلك فالأولى بل الأحوط اختياره (1).


التبعيض في التقليد بالإضافة إلى مركب واحد ، بأن يقلّد في بعض أجزائه أو شرائطه من أحدهما ويقلّد في بعضها الآخر من المجتهد الآخر ، كما لو قلّد أحدهما في عدم وجوب السورة في الصلاة فلم يأت بها في صلاته ورجع إلى أحدهما الآخر في الاكتفاء بالتسبيحات الأربع مرّة واحدة مع العلم بالمخالفة بينهما في الفتوى.

والوجه في ذلك : أن صحة كل جزء من الأجزاء الارتباطية مقيّدة بما إذ أتى بالجزء الآخر صحيحاً ، فمع بطلان جزء من الأجزاء الارتباطية تبطل الأجزاء بأسرها. وإن شئت قلت : إن صحة الأجزاء الارتباطية ارتباطية ، فإذا أتى بالصلاة فاقدة للسورة مع الاكتفاء بالمرّة الواحدة في التسبيحات الأربع واحتمل بعد ذلك بطلان ما أتى به لعلمه بأنه خالف أحد المجتهدين في عدم إتيانه بالسورة كما خالف أحدهما الآخر في اكتفائه بالمرّة الواحدة في التسبيحات الأربع ، فلا محالة يشك في صحة صلاته وفسادها فلا مناص من أن يحرز صحتها ويستند في عدم إعادتها إلى الحجة المعتبرة ، لأن مقتضى قاعدة الاشتغال لزوم الإعادة وبقاء ذمته مشتغلة بالمأمور به ، ولا مجتهد يفتي بصحتها لبطلانها عند كليهما وإن كانا مختلفين في مستند الحكم بالبطلان لاستناده عند أحدهما إلى ترك السورة متعمداً ويراه الآخر مستنداً إلى تركه التسبيحات الأربع ثلاثاً ، ومع بطلانها عند كلا المجتهدين وعدم إفتائهما بصحة الصلاة لا بدّ للمكلف من إعادتها وهو معنى بطلانها.

(1) مرّ في المسألة الثالثة عشرة أن الأورعية ونحوها ليست من المرجحات في المقام.

[34] مسألة 34 : إذا قلّد من يقول بحرمة العدول حتى إلى الأعلم ، ثمّ وجد أعلم من ذلك المجتهد فالأحوط العدول (1)إلى ذلك الأعلم ، وإن قال الأول بعدم جوازه (1).

[35] مسألة 35 : إذا قلّد شخصاً بتخيل أنه زيد فبان عمراً فإن كانا متساويين في الفضيلة ولم يكن على وجه التقييد ، صح وإلاّ فمشكل (2)(2)


(1) لا أثر لفتوى المجتهد بحرمة العدول عند وجود من هو أعلم منه ، والوجه فيه : أن المقلّد إنما جاز له تقليد المجتهد المفتي بحرمة العدول من جهة فتوى الأعلم بجواز تقليد غير الأعلم إذا لم يعلم المخالفة بينهما في الفتوى ، لوضوح أنه لا معنى لجواز تقليده بفتوى نفسه لاستلزامه الدور الظاهر. ومعه لا بدّ من ملاحظة أن المقلّد عالم بالمخالفة بينهما أولاً ، فعلى تقدير علمه بالمخالفة يجب عليه العدول إلى فتوى الأعلم لعدم جواز تقليد غير الأعلم عند العلم بالمخالفة بينهما ، وإذا لم يكن له علم بالمخالفة يجوز أن يبقى على تقليد المجتهد غير الأعلم كما يجوز أن يعدل إلى الأعلم ، فعلى كلا التقديرين لا أثر لفتوى غير الأعلم بحرمة العدول.

الفارق بين الداعي والتقييد

(2) فصّل الماتن قدس سره عند تساوي المجتهدين في الفضيلة بين ما قلّد أحدهما على وجه التقييد ، كما إذا كان بحيث لو علم أن من قلّده زيد مثلاً لم يكن يقلّده بوجه لأنه إنما يريد أن يقلّد عمراً بخصوصه ، وما إذا قلّد أحدهما على وجه الداعي كما إذا كان بحيث لو علم أن من قلّده زيد أيضاً كان يقلّده ، بالاستشكال في صحة التقليد في الصورة الأُولى والحكم بصحته في الثانية.

ويرد على ما ذكره : أن التقليد من الأُمور غير القابلة للتقييد وتوضيحه : أن مورد الخطأ قد يكون من الأُمور المتقوّمة بالقصد بحيث ينتفي بانتفائه فإنها ليست شيئاً آخر


1) (*) بل هو الأظهر مع العلم بالمخالفة على ما مرّ‌

2) (**) لا إشكال فيه ، إذ لا أثر للتقييد في أمثال المقام.

وراء القصد ، ويعبّر عنها بالعناوين القصدية وهذا كما في التأديب والهتك ونحوهما. وقد يكون من العناوين غير القصدية ، بحيث قد يتعلّق بها القصد ويصيب وقد يتعلّق بها القصد ويخطأ ، وهي قد تتحقق في الأُمور الاعتبارية وقد تتحقق في الأُمور التكوينية الخارجية ، وهذه أقسام ثلاثة :

أما القسم الأول : وهي العناوين القصدية فلا شبهة في أنها ليست من الموارد القابلة للتفصيل بين الداعي والتقييد ، بل المتعيّن فيها هو الحكم بالبطلان على كل حال لتقوم العمل فيها بالقصد وهو منتف على الفرض ، سواء أتى بالعمل على وجه الداعي أو التقييد ، مثلاً إذا اشتغل بالصلوات القضائية فاعتقد زوال الشمس ودخول وقت الفريضة فأتى بالصلاة قاصداً بها الأداء ، ثمّ انكشف خلافه لعدم دخول وقتها ، بطلت صلاته ولا يمكن أن تقع قضاءً لأنه لم يقصد بها القضاء كما لا يمكن أن تقع أداءً لأن الوقت لم يدخل على الفرض ، ولا مجال لتصحيحها بأن المكلف لما كان بصدد الإتيان بالقضاء كان بحيث لو علم بعدم دخول وقت الصلاة أتى بها قضاءً فقصده الأداء من باب الداعي لا التقييد ، وأن ما أتى به محكوم بالصحة فيحسب قضاء. ومثله ما لو صلّى ركعتين ناوياً بهما الفرض والوجوب لاعتقاد دخول وقت الفريضة ثمّ ظهر خلافه ، أو نوى بهما التنفل معتقداً عدم طلوع الفجر ثمّ ظهر طلوعه فإنهما حينئذٍ لا تقعان نافلة في الصورة الأُولى ، ولا فريضة في الثانية ، لعدم قصدهما فلا بدّ من الحكم ببطلانهما.

كما أنه لو أنشأ الهبة لم يقع به البيع لعدم تعلّق القصد به فإن عناوين المعاملات من العناوين القصدية وإنما يقع به الهبة لو كان قصدها لتمامية شرائطها ، والمتحصّل : أن في العناوين القصدية إنما يقع ما قصد منها من الأُمور فيما إذا كان واجداً لشرائطه وإذا لم يكن كذلك حكم ببطلانها ، وعلى الجملة أن العناوين القصدية لا مجال فيها للتفصيل بين أن يكون قصد العنوان من باب الداعي والتقييد ، بل هي أظهر موارد ما يقال : ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع.

أما القسم الثاني : وهي الأُمور غير القصدية المتحققة في الأُمور الاعتبارية كالمعاملات فهو على أقسام ثلاثة :

وذلك لأن التخلّف والخطأ قد يقعان فيما هو خارج عن المعاملة والالتزام ، كما لو اشترى مالاً بقصد الربح فيه أو ينزل عنده ضيف وهكذا ، والخطأ والتخلّف غير موجبين للبطلان في هذا القسم بالاتفاق ، ويعبّر عنه بتخلّف الداعي في كلماتهم وهو أيضاً ليس بمورد للتفصيل بين الداعي والتقييد.

وقد يقع التخلّف في متعلّق الالتزام المعاملي ، والمتعلّق قد يكون أمراً كلياً ، وقد يكون شخصياً.

أما الصورة الأُولى : كما لو اشترى دورة كتاب كالتهذيب على أنه طبعة النجف مثلاً ودفعه إليه عند تسليمه من غير تلك الطبعة ، فلا كلام في أنه من التخلّف في مقام الأداء ولا يستتبع ذلك بطلان المعاملة ولا الخيار للمشتري ، وإنما له أن يطالب البائع بما تعلّقت به المعاملة لأن ما دفعه إليه غير ما اشتراه منه المشتري. والاشتراط في هذه الصورة من باب التقييد دائماً ، ولا يعقل أن يكون من باب الداعي بوجه ، لأنه يوجب التقييد في متعلّق الالتزام ويحصّصه بحصّة خاصة غير منطبقة على الحصة الفاقدة لها إلاّ أن تخلفه غير موجب للبطلان ولا الخيار. نعم ، للمشتري مطالبة البائع بالمبيع ، كما أن له أن يرضى بالتبديل وهو أمر آخر وراء المعاملة.

أما الصورة الثانية : كما إذا اشترى كتاباً معيناً في الخارج على أنه طبعة كذا وانكشف أنه ليس من تلك الطبعة ، فالاشتراط فيها يستحيل أن يكون من باب التقييد أبداً ، وذلك لأن متعلّق المعاملة جزئي خارجي لا إطلاق له ، ولا معنى للتقييد فيما هو مقيد في نفسه ، إذ التقييد إنما يتصوّر فيما كان موسّعاً في نفسه وقابلاً للانقسام إلى قسمين أو أكثر وهذا غير معقول في الجزئي الخارجي ، فإن الكتاب المعيّن إما أن يكون من طبعة كذا من الابتداء وإما أن لا يكون ، ويستحيل أن يكون من تلك الطبعة تارةً ومن طبعة غيرها تارة أُخرى ، فإرجاع الاشتراط في الجزئيات الخارجية إلى التقييد غير معقول. نعم ، يمكن أن يرجع الاشتراط في مثلها إلى أصل الالتزام بأن يقال : إن أصل الالتزام المعاملي معلّق على أن يكون الكتاب المعيّن من طبعة كذا ، إلاّ أن إرجاعه إلى ذلك يقتضي بطلان المعاملة لأن التعليق مبطل في العقود حتى إذا كان المعلّق عليه حاصلاً في الواقع.

معنى الاشتراط

إذن يقع الكلام في معنى الاشتراط فنقول : إن معناه في الأُمور الجزئية حسبما يقتضيه الاستقراء والارتكاز أحد أمرين على سبيل منع الخلو :

أحدهما : تعليق الالتزام بالمعاملة ، وعدم الرجوع فيها على تحقق الشرط في الخارج ، وهذا كما في اشتراط كون الفرس من جياد الخيل أو الكتاب المعيّن من طبعة كذا ، وغير ذلك من الأوصاف والقيود الخارجة عن الاختيار ، فإن معنى اشتراطها حسبما يفهمه العرف بارتكازهم أن التزامي بالبيع معلّق على كون الفرس كذا أو الكتاب من طبعة كذا ، فعند التخلّف يثبت للمشروط له الخيار في الالتزام بالمعاملة وفسخها.

ثانيهما : تعليق أصل الالتزام المعاملي على التزام الطرف الآخر بتحقق الشرط في الخارج لا على وجوده خارجاً وهذا كما في الموارد الّتي لا يجري فيها الخيار ، كما إذا اشترطت الزوجة على زوجها أن يكون اختيار المسكن بيدها فإن النكاح لا يجري فيه الخيار ، فمعنى الاشتراط فيه أن التزام الزوجة بالنكاح والزوجية معلّق على التزام الزوج بأن يكون اختيار المسكن بيدها ، فالزوج بقوله قبلت ، يبرز أمرين أحدهما التزامه بأصل الزواج ، وثانيهما التزامه بالعمل في الخارج ، وليست نتيجته الخيار عند تخلّف الزوج عمّا التزم به في المعاملة ، فإن النكاح كما مرّ مما لا يجري فيه جعل الخيار عند العقلاء ولا في الشريعة المقدسة بل ولا في الأديان السابقة ، فالاشتراط في مثله ليس بمعنى التعليق في الالتزام بالمعاملة ، وإنما هو من التعليق في أصل الالتزام المعاملي. ومثل هذا التعليق غير مضر بصحة العقد ، لأنه تعليق على التزام الطرف الآخر لا على وجود الشرط في الخارج نظير التعليق في الإيجاب لأنه من التعليق على قبول المشتري للالتزام المعاملي. وهذا بخلاف الصورة المتقدمة ، لأن كون الفرس أو الكتاب من جياد الخيل أو من طبعة النجف أمر خارج عن الاختيار ولا معنى للالتزام بما هو غير مقدور للملتزم ، فما قدّمناه لا يأتي إلاّ فيما هو داخل تحت الاختيار. وهذان قسمان ولا يخلو أمر الاشتراط من أحدهما.

نعم ، الأمران قد يجتمعان في بعض الموارد ، كما في اشتراط الأمر الاختياري للمشروط عليه في العقود الجاري فيها جعل الخيار كالبيع والإجارة ، نظير بيع الدار على أن يخيط المشتري ثوب البائع ، وذلك لأنه من تعليق أصل البيع على التزام المشتري بالخياطة وتحققها في الخارج ، ونتيجته وجوب الخياطة على المشتري بعد المعاملة ، وثبوت الخيار للبائع على تقدير التخلّف وعدم تحقق الخياطة خارجاً.

وقد ظهر مما سردناه في معنى الاشتراط أن ما ذكره بعضهم من أن الاشتراط بمعنى الالتزام في الالتزام ، مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك لأن الالتزام المستقل الّذي ليس له أي ارتباط بالمعاملة لا معنى لأن يكون شرطاً لها أبداً حسبما عرفته من الارتكاز والاستقراء ، فإن الشرط يعتبر أن يكون مرتبطاً بالالتزام المعاملي ، والربط إنما هو بأحد الأمرين المتقدمين ، ولا ثالث لهما كما مرّ ، هذا كلّه في الأُمور الاعتبارية غير القصدية.

أما القسم الثالث : وهي الأُمور غير القصدية المتحققة في الأُمور الخارجية كشرب المائع على أنه ماء ، أو ضرب أحد على أنه كافر وهكذا ، فقد ظهر الحال فيه مما بيّناه في القسم المتقدم ، وحاصله : أن الأُمور الخارجية أيضاً ليست مورداً للتقييد ، فإن الموجود الشخصي والأمر الخارجي لا إطلاق له ليكون قابلاً لتقييده ، والشرب والضرب الخارجيان لا يعقل أن يقعا على أزيد من شي‌ء واحد إما الماء وإما المائع الآخر ، أو الكافر أو غير الكافر ، فلا معنى في مثله للداعي والتقييد بأن يقال : إن شرب المائع إن كان على نحو التقييد بأن كان بحيث لو علم أنه غير الماء لم يشربه أو لو علم أن المضروب غير كافر لم يضربه ، فلم يصدر منه شرب ولا ضرب ، وذلك لأن الشرب والضرب قد وقعا في الخارج على الفرض ، فالترديد بين الداعي والتقييد غير جارٍ في الأُمور الخارجية أبداً. نعم ، اعتقاد أن المائع ماء أو أن المضروب كافر من الدواعي الباعثة إلى الفعل. إذن فالمقام من قبيل تخلّف الداعي والخطأ في مبادئ الإرادة فحسب. إذا عرفت هذه المقدمة فنقول :

التقليد والاقتداء ليسا من العناوين القصدية ، ولا أنهما من الأُمور الاعتبارية وإنما هما من الأُمور الخارجية ، لوضوح أن الاقتداء بمعنى تبعية شخص لآخر والتقليد هو

العمل استناداً إلى فتوى الغير ، فإذا اقتدى إماماً في صلاته أو قلّد مجتهداً في أعماله ، لم يجر فيهما الترديد بين الداعي والتقييد ، لأنهما أمران خارجيان لا إطلاق لهما ليقيد أو لا يقيد ، فإن العمل عن استناد إلى فتوى الغير وكذلك الاقتداء ، إما أن يكونا مضافين إلى زيد وأما أن يضافا إلى عمرو ، ولا يعقل أن يكون العمل الخارجي تقليداً من شخصين أو اقتداءً لإمامين ، ومعه لا يصح أن يقال إن تقليده أو اقتداءه لو كان على وجه التقييد أي بحيث لو علم أن المجتهد أو المقتدي ليس بعمرو لم يقلّده أو لم يأتم به ، لم يصدر منه تقليد ولا اقتداء ، وذلك لضرورة أنهما متحققان في الخارج سواء أكان على وجه التقييد أم على وجه الداعي. نعم ، اعتقاد أنه زيد من الدواعي الباعثة إلى تقليده أو الاقتداء به فهو من باب تخلّف الداعي والخطأ في مقدمات الإرادة وليس من التقييد بوجه ، وهو نظير ما لو توضأ بالماء معتقداً أنه حلو ثمّ انكشف أنه مرّ فهل يسوغ أن يقال إن وضوءه في المثال لو كان على وجه التقييد أي بحيث لو علم أنه مرّ لم يتوضأ لم يصدر منه الوضوء ، فإنه لو علم بالحال وإن كان لم يتوضأ ، إلاّ أنه قد توضأ على الفرض ولو لجهله بالحال. إذن التفصيل في المقام بين ما إذا كان التقليد على وجه التقييد ، وما إذا كان على وجه الداعي كما صنعه الماتن مما لا محصّل له.

بل الصحيح في أمثال المقام والاقتداء أن يفصّل على وجه آخر وهو أن يقال : إن من قلّده أو ائتم به باعتقاد أنه زيد مثلاً إما أن يكون ممن يجوز تقليده والاقتداء به لمكان علمه وعدالته من غير أن يعلم بالمخالفة بينه وبين زيد في الفتوى وهو أعلم منه ولو إجمالاً ، وإما أن لا يكون كذلك لفسقه أو لعدم عدالته أو للعلم بينهما بالمخالفة. فعلى الأول يصح تقليده واقتداؤه لقابلية من ائتم به أو قلّده للإمامة والتقليد ، وعلى الثاني يحكم ببطلانهما لعدم أهلية من قلّده أو ائتم به لهما ، ومعه يندرج المقام في كبرى المسألة الآتية أعني ما لو قلّد من ليس له أهلية الفتوى ويأتي فيه ما سنذكره في تلك المسألة إن شاء اللّه.

نعم ، إذا لم تكن في صلاة المأموم زيادة ركنية ولم تكن صلاته فاقدة إلاّ لمثل القراءة ونحوها كانت صلاته محكومة بالصحة لحديث لا تعاد ، فما ذكرناه من التفصيل يختص بما إذا اشتملت صلاته على زيادة ركنية ونحوها مما تبطل به الصلاة ، كما إذا شكّ بين

[36] مسألة 36 : فتوى المجتهد تعلم بأحد أُمور :

الأول : أن يسمع منه شفاهاً (1).

الثاني : أن يخبر بها عدلان (2).


الواحدة والثنتين ورجع فيه إلى الإمام فإنه يندرج في محل الكلام ويأتي فيه التفصيل المتقدم فلاحظ.

طرق تعلّم الفتوى

(1) لا شبهة في حجية إخبار المجتهد عمّا أدى إليه فكره وتعلّق به رأيه ، لأنه مقتضى قوله عزّ من قائل ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (1)لدلالته على حجية الإنذار من المنذرين المتفقهين ، وليس الإنذار إلاّ الاخبار عن حرمة شي‌ء أو وجوبه حسبما أدى إليه رأي المنذر ، وقوله ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (2)حيث دلّ على حجية جوابهم على تقدير تمامية الاستدلال به.

وكذا يدل عليه الأخبار الواردة في موارد خاصة تقدّمت في أوائل الكتاب المشتملة على الإرجاع إلى آحاد الرواة لاقتضائها حجية الأجوبة الصادرة منهم لا محالة.

وكذلك تقتضيه السيرة العقلائية الجارية على حجية إخبار أهل الخبرة عن رأيهم ونظرهم من غير أن يطالبوا بالدليل على تطابق أخبارهم لأنظارهم ، لوضوح أن الطبيب مثلاً لا يسأل عن الدليل على أن ما أخبر به هو المطابق لتشخيصه. إذن إخبار المجتهد عن آرائه وفتاواه مما تطابقت على حجيته السيرة والآيات والروايات.

(2) لما قدمناه في محلّه من حجية إخبار البينة إلاّ في موارد قام فيها الدليل على عدم اعتبارها ، كما في الشهادة بالزنا وغيره من الموارد المعتبرة فيها شهادة الزائد عن البينة المصطلح عليها.


1) التوبة 9 : 122.

2) النحل 16 : 43 ، الأنبياء 21 : 7.

الثالث : إخبار عدل واحد بل يكفي إخبار شخص موثق (1) ، يوجب قوله الاطمئنان وإن لم يكن عادلاً (2).

الرابع : الوجدان في رسالته ولا بدّ أن تكون مأمونة من الغلط (3).

[37] مسألة 37 : إذا قلّد من ليس له أهلية الفتوى ، ثمّ التفت وجب عليه العدول (4)


(1) على ما بيّناه في محلّه من أن الخبر الواحد ، كما أنه حجة معتبرة في الأحكام كذلك معتبر في الموضوعات الخارجية ، بل لا ينبغي التأمل في حجية إخبار الثقة في محل الكلام ، وإن لم نقل باعتباره في الموضوعات الخارجية ، وذلك لأن الاخبار عن الفتوى إخبار عمّا هو من شؤون الأحكام الشرعية ، لأنه في الحقيقة إخبار عن قول الإمام مع الواسطة ، ولا فرق في حجية نقل الثقة وإخباره بين أن يتضمن نقل قول المعصوم علیه السلام ابتداءً وبين أن يتضمن نقل الفتوى الّتي هي الاخبار عن قوله علیه السلام لأن ما دلّ على حجية إخبار الثقة عن الإمام علیه السلام غير قاصر الشمول للاخبار عنهم مع الواسطة.

(2) لا يعتبر في حجية إخبار الثقة أن يفيد الاطمئنان الشخصي بوجه على ما بيّناه في محلّه. اللّهُمَّ إلاّ أن يكون القيد تفسيراً للموثق ويراد به الاطمئنان النوعي فلاحظ.

(3) أما إذا كانت الرسالة بخطّه ، أو جمعها غيره وهو أمضاها ولاحظها فللأدلة المتقدمة الدالة على حجية إخبار المجتهد عمّا أدى إليه فكره ، لأنه لا فرق في إخباره عمّا تعلّق به رأيه بين التلفظ والكتابة.

وأما إذا لم تكن بخطّه كما إذا كتبها غيره ، لأنه أمر قد يتفق فيجمع الثقة فتاوى المجتهد ويدوّنها في موضع ، فلأجل أنها من إخبار الثقة الّذي قدمنا حجيته.

(4) لبطلان تقليده ، سواء استند فيه إلى معذّر شرعي أم لم يستند.

ودعوى : أن المورد على التقدير الأول من كبرى مسألة إجزاء الأحكام الظاهرية إذا انكشف عدم مطابقتها للواقع.

وحال الأعمال السابقة حال عمل الجاهل غير المقلّد (1) وكذا إذا قلّد غير الأعلم وجب على الأحوط (1)العدول إلى الأعلم وإذا قلّد الأعلم ثمّ صار بعد ذلك غيره أعلم وجب العدول إلى الثاني على الأحوط.


مندفعة بما قدّمناه (2)في الكلام على تلك المسألة من عدم كون الحكم الظاهري مجزئاً عن الواقع. إذن لا أثر يترتب على تقليده السابق في كلتا الصورتين ، وإن كان تقليده في الصورة الأُولى محكوماً بالصحة ظاهراً. ولعلّ تعبير الماتن بالعدول أيضاً ناظر إلى ذلك. نعم ، التقليد في الصورة الثانية باطل واقعاً وظاهراً فهو من التقليد الابتدائي دون العدول ، وكذلك الحال في الفرعين المذكورين بعد ذلك فلاحظ.

(1) كما مرّ في المسألة السادسة عشرة والخامسة والعشرين ، ويوافيك تفصيله في المسألة الأربعين إن شاء اللّه.

(2) بل على الأظهر كما قدّمناه في التكلّم على وجوب تقليد الأعلم عند العلم بالمخالفة في الفتوى بينه وبين غير الأعلم ، فتقليده من غير الأعلم محكوم بالبطلان ورجوعه إلى الأعلم تقليد ابتدائي حقيقة لا أنه عدول. نعم ، إذا لم يعلم بأعلمية الأعلم أو بالمعارضة في الفتوى بينه وبين غير الأعلم كان تقليده من غيره محكوماً بالصحة ظاهراً ، ولكنه يجب عليه العدول إلى الأعلم عند العلم بالأمرين المتقدمين هذا.

ثمّ إن وجوب تقليد الأعلم وإن كان عند الماتن من باب الاحتياط لعدم جزمه بالوجوب في التكلّم على تلك المسألة إلاّ أنه إنما يتم في تقليد الأعلم ابتداءً ، وأما العدول إلى الأعلم فلا يمكن الحكم فيه بالوجوب من باب الاحتياط ، لأنه مخالف للاحتياط لمكان القول بحرمة العدول حتى إلى الأعلم ، فمقتضى الاحتياط هو الأخذ بأحوط القولين في المسألة.


1) (*) بل على الأظهر فيه وفيما بعده مع العلم بالمخالفة على ما مرّ.

2) راجع ص 28.

[38] مسألة 38 : إن كان الأعلم منحصراً في شخصين (1)، ولم يمكن التعيين فإن أمكن الاحتياط بين القولين فهو الأحوط ، وإلاّ كان مخيراً بينهما (1).


(1) ذكرنا في ذيل التكلم على مسألة وجوب تقليد الأعلم ، وفي المسألة الإحدى والعشرين أن الأعلم إذا لم يشخّص من بين شخصين أو أشخاص متعددين فإن تمكن المكلف من الاحتياط وجب ، لتنجز الأحكام الواقعية بالعلم الإجمالي بوجود أحكام إلزامية في الشريعة المقدسة ولا طريق إلى امتثالها غير العمل بفتوى الأعلم وهو مردد بين شخصين أو أشخاص ، وحيث إنه متمكن من الاحتياط فلا بد أن يحتاط تحصيلاً للعلم بالموافقة ودفعاً للضرر المحتمل بمعنى العقاب ، لاستقلال العقل بوجوبه على ما هو الحال في جميع موارد العلم الإجمالي. ولا أثر في هذه الصورة للظن بالأعلمية في أحدهما أو أحدهم لأنه من موارد العلم الإجمالي واشتباه الحجة باللاحجة وليس الظن مرجّحاً في أطراف العلم الإجمالي بوجه ، وإنما وظيفة المكلف أن يحتاط حتّى يقطع بخروجه عن عهدة ما علم به من التكاليف الإلزامية.

وأما إذا لم يتمكن من الاحتياط ، لأن أحدهما أفتى بوجوب شي‌ء والآخر بحرمته أو أفتى أحدهما بوجوب القصر والآخر بوجوب التمام ولم يسع الوقت للجمع بينهما فلا مناص من التخيير حينئذٍ للعلم بوجوب تقليد الأعلم وهو مردد بين المجتهدين من غير ترجيح لأحدهما على الآخر. وأما إذا كان هناك مرجح لأحدهما للظن بأعلميته دون الآخر فالمتعين في حقه الأخذ بفتوى من يظن أعلميته.

ولا يقاس هذه الصورة بالصورة المتقدمة أعني صورة التمكن من الاحتياط لأنها من موارد العلم الإجمالي ولا أثر للظن فيها كما مر ، وهذا بخلاف هذه الصورة ، لأن المكلف لا يتمكن فيها من الاحتياط فلا يمكن أن يؤمر به ، وإنما يجب عليه العمل بإحداهما ، بمعنى أن وظيفته هو الامتثال الاحتمالي وقتئذ فإذا ظن بأعلمية أحدهما دار أمره بين الامتثال الظني والاحتمالي ولا شبهة في أن الامتثال الظني مقدّم على الاحتمالي.


1) (*) فإن لم يعلم بالمخالفة بينهما تخير ابتداء ، وإلاّ فإن أمكن الاحتياط أخذ بأحوط القولين ، وإلاّ قلّد مظنون الأعلمية ، ومع عدم الظن تخير بينهما إن احتمل الأعلمية في كل منهما ، وإلاّ قلّد من يحتمل أعلميته.

[39] مسألة 39 : إذا شك في موت المجتهد أو في تبدل رأيه أو عروض ما يوجب عدم جواز تقليده ، يجوز له البقاء (1) إلى أن يتبيّن الحال (2).

[40] مسألة 40 : إذا علم أنه كان في عباداته بلا تقليد مدة من الزمان ولم يعلم مقداره (3) فإن علم بكيفيتها وموافقتها للواقع ، أو لفتوى المجتهد الّذي يكون مكلفاً بالرجوع إليه فهو.


وبهذا ظهر أن ما أفاده الماتن من التخيير عند عدم التمكن من الاحتياط إنما يتم إذا لم يظن أعلمية أحدهما ، وأما معه فلا مجال للتخيير بل المتعين هو الأخذ بفتوى من يظن أعلميته.

(1) للاستصحاب.

(2) ولا يجب عليه التبين لعدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية.

العلم بإتيان العبادات من غير تقليد والشك في مقدارها

(3) أو أتى بأعماله من التقليد غير الصحيح وجرى عليه برهة من الزمان فهل تجب إعادة أعماله السابقة أو لا؟ للمسألة صور :

الاولى : ما إذا انكشفت مخالفة ما أتى به للواقع.

الثانية : ما إذا انكشفت مطابقة ما أتى به للواقع.

الثالثة : ما لو لم ينكشف له الخلاف ولا الوفاق.

أما الصورة الأُولى : فحاصل الكلام فيها أن المدار في الحكم بصحة العمل وفساده إنما هو مطابقته للواقع ومخالفته له ، والطريق إلى استكشاف ذلك إنما هو فتوى المجتهد الّذي يجب عليه تقليده عند الالتفات دون المجتهد الّذي كان يجب تقليده في زمان العمل ، لسقوط فتاواه عن الحجية بالموت أو بغيره من الأسباب فمع مطابقة عمله لما أفتى به المجتهد الفعلي عند الالتفات يحكم بصحته ، كما أنه يحكم ببطلانه إذا خالفه وهذا لعلّه مما لا كلام فيه.

وإنما الكلام في أن الإعادة هل يختص وجوبها بما إذا كان عمل المكلف فاقداً

للأركان فحسب ، ولا تجب إذا كان فاقداً لغيرها من الأُمور المعتبرة في المأمور به ، كما كان هذا هو الحال فيما إذا أتى بأعماله عن التقليد الصحيح ثمّ انكشفت مخالفته للواقع كما في موارد العدول وتبدل الرأي ، أو أن الأعمال السابقة تجب إعادتها مطلقاً سواء استند قصورها إلى فقدها لأركانها أو إلى فقدها لغيرها من الأُمور المعتبرة في المأمور به؟

لا شبهة في أن عمل العامي في محل الكلام إذا كان مخالفاً للواقع لفقده شيئاً من الأركان المقوّمة للمأمور به ليس له أن يجتزئ به في مقام الامتثال لأنه محكوم بالفساد والبطلان وتجب عليه إعادته أو قضاؤه ، لأنه لم يأت بما هو الواجب في حقه وإن كان عمله مطابقاً لفتوى المجتهد الّذي كان يجب تقليده في زمان العمل ، لما أشرنا إليه من أن المدار في استكشاف مطابقة العمل أو مخالفته للواقع مطابقة العمل المأتي به لفتوى المجتهد الّذي يجب أن يقلّده بالفعل ، لسقوط فتوى المجتهد السابق عن الحجية على الفرض. فإذا أفتى بأن الواجب على من أحدث بالأكبر وتيمم لعدم تمكنه من الاغتسال ثمّ أحدث بالأصغر هو الوضوء دون التيمم ، والمفروض أن المكلف تيمم لصلاته ، كشف ذلك عن أن عمله كان مخالفاً للواقع لفقده الطهور الّذي هو ركن الصلاة فوجوب الإعادة أو القضاء في هذه الصورة مما لا ينبغي التوقف فيه ، حتى على القول بعدم وجوب الإعادة في موارد تبدل الاجتهاد والعدول لما ادّعي من الإجماع والسيرة فيهما على عدم وجوبهما. وذلك لأنا لو سلمناهما والتزمنا في تلك الموارد بالاجزاء فهو أمر قلنا به على خلاف القاعدة ، لأنها تقتضي وجوب الإعادة وعدم الاجتزاء بما أتى به ، ومعه لا بد من الاقتصار فيهما على موردهما ، وهو ما لو صدر العمل عن الاستناد إلى فتوى من يعتبر قوله في حقه ، أو على الأقل صدر عن العلم بفتواه بأن كانت وصلت الحجة إليه ، وأما من لم يستند في عمله إلى حجة شرعية ولا أن فتوى المجتهد السائغ تقليده وصلت بيده فلا تشمله السيرة ولا الإجماع بوجه.

وأما إذا كان عمل العامي مخالفاً للواقع لفقده شيئاً من الأجزاء والشرائط غير الركنيتين ، كما إذا أتى بالتسبيحات الأربع مرّة واحدة ، أو صلّى من دون سورة وقد أفتى المجتهد الفعلي بوجوب التسبيحات ثلاث مرات أو بوجوب السورة في الصلاة

فالصحيح عدم وجوب الإعادة والقضاء إذا لم يكن ملتفتاً حال عمله ومتردداً في صحته حين اشتغاله به ، وذلك لحديث لا تعاد لأنه يشمل الناسي والجاهل القاصر والمقصّر كليهما.

والّذي يمكن أن يكون مانعاً عن شموله للجاهل المقصّر أمران قد قدّمنا الكلام فيهما عند التكلم على الإجزاء (1)وفي المسألة السادسة عشرة إلاّ أن الإعادة لمّا لم تكن خالية عن الفائدة تكلمنا عليهما أيضاً في المقام ، والأمران :

أحدهما : الإجماع المدعى على أن الجاهل المقصّر كالعامد ، نظراً إلى أن ذلك غير مختص بالعقاب وكون الحكم متنجّزاً في حق المقصّر وعدم معذّرية جهله بل يعمّه والبطلان كليهما ، ومقتضاه الحكم ببطلان عمل الجاهل المقصّر كالمتعمد كما يحكم باستحقاقه العقاب ، ويشهد لذلك أن الجاهل المقصّر لو لم يكن كالمتعمد لم تكن حاجة إلى استثنائه في الموضعين ، وهما ما لو أجهر في موضع الإخفات أو أخفت في موضع الجهر وما لو أتم في موضع القصر ، حيث حكموا بصحة عمله في الموضعين مدعياً الإجماع على صحته. وذلك لأنه لو كان عمله محكوماً بالصحة في نفسه لم تكن حاجة إلى التشبث بالإجماع على صحته في الموردين.

ويمكن المناقشة في هذا الوجه بأن القدر المتيقن من الإجماع المدعى أن الجاهل المقصِّر كالمتعمد من حيث استحقاقه العقاب ، وهو أمر موافق للقاعدة نلتزم به وإن لم يكن هناك إجماع بوجه ، وذلك لاستقلال العقل به فإن الحكم قد تنجّز عليه بالعلم الإجمالي على الفرض ، فإذا لم يخرج عن عهدته استحق العقاب على مخالفته. وأما الإجماع على بطلان عمله وأنه كالمتعمد في مخالفة الواقع فلم يثبت بوجه فإن الإجماع المدعى ليس بإجماع تعبدي ليتمسك بإطلاق معقده ، وإنما يستند إلى حكم العقل أو ما يستفاد من الأدلة الشرعية من أن الجاهل المقصّر يعاقب بمخالفته للواقع ، وهما إنما يقتضيان كونه كالمتعمد من حيث العقاب لا البطلان ، فإن المدار في الصحة والفساد كما تقدم موافقة العمل أو مخالفته للواقع ، فإذا فرضنا أن عمله مطابق للواقع إلاّ من ناحية بعض الأجزاء والشرائط غير الركنيتين والإخلال به لم يكن موجباً للإعادة


1) راجع ص 166.

والبطلان لم يكن وجه لوجوب الإعادة أو القضاء عليه.

على أن فقهائنا 5 لم يلتزموا بذلك ولم يجروا أحكام المتعمد على الجاهل المقصّر في جملة من الموارد :

منها : ما لو اعتقد زوجية امرأة فوطأها ، فإن المتولّد من ذلك الوطء يلحق بأبيه مع أنه على ذلك زنا في الواقع والمتولد منه ولد زنا. إلاّ أنهم لا يلتزمون بإجراء أحكام الزنا عليه ، ولا يرتّبون على الولد أحكام المتولّد من الزنا.

ومنها : ما لو عقد على امرأة ذات بعل أو معتدةٍ معتقداً عدم كونها كذلك ، فإنهم لم يحكموا بحرمتها عليه مع أنه على ذلك من العقد على المعتدة أو ذات بعل متعمداً.

ومنها : ما لو أفطر في نهار شهر رمضان عن جهل تقصيري ، فانّا لا نلتزم فيه بالكفارة ، مع أن الجاهل المقصّر لو كان كالمتعمد وجبت عليه الكفارة لا محالة.

فمن هذا يستكشف عدم تحقق الإجماع على بطلان عمل الجاهل المقصّر بوجه.

وثانيهما : أن الظاهر المستفاد من قوله علیه السلام « لا تعاد الصّلاة ... » (1)أن المكلّف الّذي تترقب منه الإعادة وهو قابل في نفسه ومورد لا يجابها لا تجب عليه الإعادة تفضلاً من الشارع ، فيما إذا كان عمله فاقداً لغير الخمسة المذكورة في الحديث فإن المكلّف الّذي تترقب منه الإعادة بمعنى أن من شأنه أن تجب في حقه ، هو الّذي ينفى عنه وجوبها ولا يكلّف بالإتيان بنفس المأمور به ، وأما من لا تترقب منه الإعادة ولا أن من شأنه أن يكلّف بها ، لأنه مكلّف بإتيان الواقع نفسه فلا معنى للأمر عليه بالإعادة أو ينفى عنه وجوبها بالحديث ، لأنه مأمور بالإتيان بنفس الواجب الواقعي وهذا بخلاف ما لو لم يكن مكلفاً بالواقع والإتيان بنفس المأمور به. ولا يتحقق هذا في غير الناسي بوجه ، لأنه لنسيانه وعدم قدرته على الإتيان بالواجب نفسه قابل للأمر بالإعادة ، ومعه يصح أن ينفى عنه وجوبها عند التفاته إلى عمله فيصح أن يقال : أيها الناسي للسورة في صلاتك أعدها أو لا تعدها تفضلاً.

وأما الجاهل فهو مكلّف بالواجب نفسه فإن الأحكام الواقعية غير مختصة بالعالمين


1) وسائل الشيعة 6 : 389 / أبواب السجود ب 28 ح 1.

بها ، وغاية الأمر أن الجهل معذّر من حيث العقاب إذا كان مستنداً إلى القصور ، ومع أنه مكلّف بالواقع وهو أيضاً متمكن من الإتيان به لا معنى للأمر بإعادته ، ومع عدم قابلية المورد للأمر بالإعادة لا يمكن أن ينفى عنه وجوبها بالحديث فإنه حينئذٍ من توضيح الواضح لأنه غير مكلّف بالإعادة في نفسه فما معنى نفي وجوبها عنه بالحديث. إذن الحديث غير شامل للجاهل بأقسامه. وهذا الوجه هو الّذي ذكره شيخنا الأُستاذ قدس سره وأصرّ عليه (1).

إلاّ أنه كالوجه السابق مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك :

أما أوّلاً : فلأنه لو تمّ فإنما يختص بالجاهل الملتفت الّذي يتردد في صحة عمله وبطلانه ، لأنه متمكن من الإتيان بالواجب الواقعي ولو بالاحتياط. وأما الجاهل المعتقد صحة عمله من جهة التقليد أو غيره فهو والناسي سواء ، لعدم قابليته للتكليف بالواجب نفسه لعدم قدرته على الإتيان به ولو بالاحتياط فإنه يعتقد صحته ، ومن الظاهر أن التمكن من الامتثال شرط لازم لكل تكليف وخطاب ، فإذا لم يكن المكلّف مأموراً بالواقع فلا مانع من الأمر بالإعادة في حقه كما مرّ فإذا صحّ تكليفه بالإعادة صحّ أن ينفى عنه وجوبها بالحديث.

وأما ثانياً : فلأن الجاهل إذا صلّى من دون سورة حتى دخل في الركوع واحتمل أن تكون السورة واجبة في الصلاة ، فهل يكلّف بإتيان الواقع نفسه مع عدم إمكان تداركه لتجاوزه عن محلّه؟ لا ينبغي الشبهة في عدم كونه مكلفاً بنفس المأمور به لعدم إمكان تداركه ومعه يدور الأمر بين الحكم بوجوب المضي في صلاته والحكم بوجوب الإعادة عليه. إذن وجوب الإعادة لا ينحصر بالناسي والجاهل المعتقد صحّة عمله ، بل يجري في حق الجاهل الملتفت أيضاً إذا تجاوز عن محل الواجب المقرر له ولم يتمكن من تداركه ، ومع إمكان إيجاب الإعادة في حقّه لا مانع من أن ينفى عنه وجوب الإعادة بالحديث. نعم ، الجاهل الملتفت الّذي يشك في صحة عمله حال اشتغاله به من دون أن يتجاوز عن محلّه يكلّف بالإتيان بنفس الواجب لقدرته عليه ، ومعه لا معنى لإيجاب الإعادة في حقّه أو ينفى عنه وجوبها بالحديث. وهذا هو معنى قولنا


1) كتاب الصلاة 3 : 5.

فيما تقدم من أن الحديث إنما يشمل الموارد الّتي لو لا فيها انكشاف الخلاف لم تجب الإعادة على المكلّف ، وذلك كما في الموارد الّتي أتى فيها الجاهل بالعمل معتقداً صحته لا الموارد الّتي تجب فيها الإعادة وإن لم ينكشف الخلاف لاستناد وجوبها إلى أمر آخر كما في الموارد الّتي أتى فيها الجاهل بالعمل متردداً في صحته من الابتداء ، فإنه حينئذٍ مكلّف بالإتيان بالواجب على نحو يقطع بالامتثال ، فمع الشك في حصوله لا بدّ له من الإعادة وإن لم ينكشف له الخلاف فإن الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية.

والمتحصل إلى هنا : أنه لا مانع من الحكم بصحة عمل الجاهل من غير تقليد صحيح أو من غير تقليد بوجه إذا كان مخالفاً للواقع من جهة غير الأركان من الأُمور المعتبرة في المأمور به لحديث لا تعاد ، فإنه كما يشمل الناسي يشمل الجاهل القاصر والمقصّر كليهما ، اللّهُمَّ إلاّ أن يكون متردداً في صحة عمله مع التمكن من التدارك هذا كلّه فيما يقتضيه الحديث في نفسه.

وأما بالنظر إلى القرينة الخارجية فلا مناص من أن نلتزم بعدم شمول الحديث للجاهل المقصّر ، بيان ذلك : أن الأجراء والشرائط على الغالب إنما يستفاد جزئيتها أو شرطيتها من الأوامر الواردة بالإعادة عند الإخلال بها ، كما دلّ على أنه إذا تقهقه أو تكلّم في صلاته أعادها ، وقد مرّ غير مرة أن الأمر بالإعادة في تلك الموارد حسب المتفاهم العرفي من مثله ، أمر إرشادي إلى بطلان العمل لفقده جزءاً أو شرطاً مما اعتبر في المأمور به ، وإن شئت قلت : إنه أمر إرشادي إلى جزئية شي‌ء أو شرطيته أو مانعيته ، وليس أمراً مولوياً بوجه. فإذا كان الأمر كذلك وأخرجنا الناسي وكلا من الجاهل القاصر والمقصر عن تلك الأدلة الآمرة بالإعادة الدالة على الجزئية أو الشرطية أو المانعية ، لم يندرج تحتها غير العالم المتعمد في ترك الأجزاء والشرائط أو الإتيان بالموانع ، ومعنى ذلك أن لزوم الإعادة والجزئية والشرطية خاصان بالعالم والعمل الفاقد لشي‌ء مما اعتبر فيه من الأجزاء والشرائط إنما يحكم بفساده فيما لو صدر من العالم المتعمد دون الناسي والجاهل بكلا قسميه المتقدمين فإن عملهم صحيح من غير حاجة إلى الإعادة. ومن البيّن أن تخصيص أدلة الشرطية والجزئية والمانعية أعني ما دلّ على الإعادة عند الإخلال بشي‌ء مما اعتبر في المأمور به ، بالعالم

المتعمد حمل للمطلق على المورد النادر ، إذ الإخلال بالمأمور به على الأغلب يستند إلى الجهل القصوري أو التقصيري أو يستند إلى النسيان ، وأما الإخلال متعمداً فهو أمر نادر بل لعلّه مما لا تحقق له في الخارج ، وذلك فإن المسلم ليس له أي غرض في الإتيان بالعمل فاقداً لبعض أجزائه وشرائطه عن عمد والتفات. نعم ، يمكن أن يعصي ولا يأتي بواجباته أصلاً ، وأما أنه يأتي بواجبه متعمداً في إبطاله ونقصه فهو أمر لا تحقق له أو لو كان فهو من الندرة بمكان. ولا ينبغي الشك في أن حمل المطلق على المورد النادر كذلك إلغاء له كلية ، وحيث إن الحديث لا يحتمل شموله للجاهل المقصّر دون الناسي والجاهل القاصر ، فلا مناص من أن يلتزم باختصاصه بالناسي والجاهل القاصر وعدم شموله للجاهل المقصّر حتى لا يلزم حمل المطلق على المورد النادر.

فبهذه القرينة لا بدّ من أن نلتزم في المقام بوجوب الإعادة والقضاء ، فإن الكلام إنما هو في الجاهل المقصر لتركه التقليد أو تقليده على غير الموازين المقررة شرعاً.

ثمّ إن بما سردناه في المقام اتضح أن العامد أيضاً غير مشمول للحديث وهذا لا لأنه لو شمل التارك عن عمد والتفات لم يكن للجزئية أو الشرطية معنى صحيح ، لما فرضناه من عدم بطلان العمل بترك شي‌ء من الأُمور المعتبرة فيه مع العمد والالتفات.

فإن هذا يمكن الجواب عنه بأن المكلّف لما أتى بالعمل فاقداً للجزء أو الشرط غير الركنيين فقد استوفى جملة من المصلحة الداعية إلى الأمر به ، وإن كان فاتته للمصلحة الباقية في المأمور به من دون أن يتمكّن من تداركها ، وبهذا المقدار من المصلحة يحكم بصحة عمله وإن كان يستحق العقاب لتفويته الواجب المشتمل على المصلحة التامة من دون أن يتمكن من تداركها ، بل لما مرّ من أن ظاهر الحديث أن وجوب الإعادة المستند إلى انكشاف الخلاف هو المرتفع عن المكلفين لا وجوب الإعادة المستند إلى أمر آخر ، ومعنى ذلك اختصاص الحديث بما إذا كان المكلّف بانياً على صحة ما أتى به ومعتقداً عدم فساده ، فلا يشمل ما إذا كان متردداً في صحته حين اشتغاله فضلاً عمّا إذا كان عالماً ببطلانه من الابتداء لتعمده في ترك جزئه أو شرطه ، فهو حين ما يأتي بالعمل مكلّف بالإتيان بنفس المأمور به لا بإعادته كما تقدم. إذن لا مجال لتوهّم شمول الحديث للإخلال العمدي بوجه ، هذا كلّه في هذه الصورة.

وأما الصورة الثانية : وهي ما إذا انكشفت مطابقة عمله للواقع لتوافق فتوى المجتهد الّذي يجب أن يقلّده بالفعل لما أتى به من دون تقليد من أحد أو عن التقليد غير الصحيح فلا مناص من الحكم بصح/ته ، لأنه أتى بالواجب الواقعي من دون نقص وتمشى منه قصد القربة على الفرض ، وقد مرّ أن العبادة لا يعتبر في صحتها سوى الإتيان بالعمل مضافاً به إلى اللّه فالعمل في هذه الصورة لا تجب إعادته ولا قضاؤه.

وأما الصورة الثالثة : وهي ما إذا لم ينكشف له الحال وتردد في أن إعماله هل كانت مطابقة للواقع حتى لا تجب إعادتها أو كانت مخالفة له حتى تجب إعادتها أو قضاؤها؟ فهل تجري قاعدة الفراغ بالإضافة إلى إعماله المتقدمة ليحكم بصحتها أو لا؟ ذكرنا عند التكلّم على قاعدة الفراغ أن جملة من الروايات الواردة في القاعدة وإن كانت مطلقة كقوله علیه السلام في موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام : « كلّما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو » (1)وقوله فيما رواه عن الصادق علیه السلام : « كلّما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكراً فامضه ولا إعادة عليك فيه » (2)لعدم تقييدهما بما إذا التفت المكلّف إلى الأُمور المعتبرة في عمله حال الاشتغال به وإن كان يشك في صحته بعد العمل فإنه أمر غالب الاتفاق ، إذ العامل يأتي بالعمل وهو ملتفت إلى الأُمور المعتبرة فيه من الأجزاء والشرائط إلاّ أنه إذا مضت عليه برهة من الزمان نسي كيفية عمله ولم يتذكر أنه كيف أتى به بل قد ينسى الإنسان في اليوم ما أكله في اليوم السابق عليه ، مع الجزم بالتفاته إليه حين اشتغاله بأكله.

إلاّ أن في روايتين من رواياتها اعتبرت الالتفات والأذكرية حال العمل في جريان القاعدة :

إحداهما : حسنة بكير بن أعين قال « قلت له : الرجل يشك بعد ما يتوضأ؟ قال : هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك » (3).

وثانيتهما : رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه علیه السلام أنه قال : « إن شكّ


1) وسائل الشيعة 8 : 237 / أبواب الخلل في الصلاة ب 23 ح 3.

2) وسائل الشيعة 1 : 471 / أبواب الوضوء ب 42 ح 6.

3) وسائل الشيعة 1 : 471 / أبواب الوضوء ب 42 ح 7.

الرجل بعد ما صلّى فلم يدر أثلاثاً صلّى أم أربعاً ، وكان يقينه حين انصرف أنه كان قد أتم؟ لم يعد الصلاة وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك » (1)ورواها الحلّي في آخر السرائر عن كتاب محمد بن علي ابن محبوب عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم (2). وهاتان الروايتان تدلان على أن قاعدة الفراغ يعتبر في جريانها الأذكرية والالتفات إلى الأُمور المعتبرة في العمل حين الاشتغال به ليكون احتمال المطابقة للواقع على القاعدة وموافقاً للطبع والعادة ، فلا تجري في موارد احتمال الصحة من باب المصادفة الاتفاقية واليانصيب أو الحظ والبخت. وعلى ذلك لا يمكن التمسك بالقاعدة في المقام وذلك لفرض غفلة المكلّف عن الأُمور المعتبرة في الواجب لأنه أتى به من دون تقليد من أحد أو عن التقليد غير الصحيح ، واحتمال صحة عمله إنما هو من باب الصدفة والاتفاق لا من جهة كون الصحة مطابقة للطبع والعادة.

وأما ما عن شيخنا الأستاذ قدس سره من أن الأذكرية المستفادة من قوله علیه السلام « هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك » إنما ذكرت حكمة للتشريع لا علّة للحكم بالمضي (3)فقد أجبنا عنه في محلّه بأنه خلاف ظاهر الروايتين. ولا يمكن استفادته منهما لدى العرف لظهورهما في التعليل ، ولأجل ذلك بيّنا هناك أن القاعدة ليست تعبدية محضة ، وإنما هي من جهة الأمارية وما تقتضيه العادة والطبع فإن المتذكّر والملتفت إلى ما يعتبر في عمله يأتي به صحيحاً مطابقاً لما يتذكره عادة.

وعلى الجملة أن القاعدة تعتبر فيها الأذكرية وهي مفقودة في المقام ، فإذا لم تجر القاعدة في محل الكلام فلا مناص من أن يرجع إلى الأُصول العملية فنقول :

أما بحسب الإعادة فمقتضى قاعدة الاشتغال هو الوجوب لتنجّز التكليف في حقه بالعلم الإجمالي أو الاحتمال وهو يقتضي الخروج عن عهدة امتثاله لا محالة ، وحيث إنه لم يحرز فراغ ذمته فمقتضى علمه بالاشتغال وجوب الإعادة حتى يقطع بالفراغ.

وأما بحسب القضاء فمقتضى ما ذكرناه في محلّه من أن القضاء بأمر جديد وأن


1) وسائل الشيعة 8 : 246 / أبواب الخلل في الصلاة ب 27 ح 3.

2) السرائر 3 : 614.

3) أجود التقريرات 2 : 481.

وإلاّ فيقضي (1)المقدار الّذي يعلم معه بالبراءة على الأحوط ، وإن كان لا يبعد جواز الاكتفاء بالقدر المتيقن (1).


موضوعه الفوت الّذي هو من الأُمور الوجودية دون العدمية المحضة وإن كان ينتزع من عدم الإتيان بالمأمور به في وقته ويعبّر عنه بالذهاب عن الكيس ، عدم وجوبه في المقام لعدم إحراز موضوعه الّذي هو الفوت ، فإنه من المحتمل أن يكون أعماله مطابقة للواقع ولو من باب الصدقة والاتفاق.

وأما بناء على أن القضاء بالأمر الأول وأن الإتيان بالعمل في وقته من باب تعدد المطلوب ، وأن إتيانه في الوقت مطلوب والإتيان بأصله مطلوب آخر ، أو بناء على أن الفوت أمر عدمي وهو نفس عدم الإتيان بالمأمور به في وقته فلا مناص من الالتزام بوجوب القضاء ، وذلك أما بناء على أن الفوت أمر عدمي فلوضوح أن استصحاب عدم الإتيان بالمأمور به في وقته يقتضي وجوب القضاء ، إذ به يثبت أن المكلّف لم يأت بالمأمور به في وقته.

وأما بناء على أن القضاء بالأمر الأول فلأن المأمور به حينئذٍ ليس من الموقتات وإنما هو موسّع طيلة الحياة ، وإن كان الإتيان به في الوقت مطلوباً أيضاً على الفرض ومع الشك في الإتيان بالمأمور به وعدمه مقتضى قاعدة الاشتغال وجوب الإعادة حتى يقطع بالفراغ ، فما ذكرناه من عدم وجوب القضاء يتوقف على أن يكون القضاء بالأمر الجديد ، ويكون موضوعه الّذي هو الفوت أمراً لازماً لعدم الإتيان بالمأمور به لا أمراً عدميا كما مرّ.

دوران الفائت بين الأقل والأكثر :

(1) إذا علم المكلّف أن إعماله الّتي أتى بها من دون تقليد أو عن التقليد غير الصحيح مخالفة للواقع حسب فتوى المجتهد الّذي يحب أن يقلّده بالفعل ، ووجبت


1) (*) وجوب القضاء ينحصر بموارد العلم بمخالفة المأتي به للواقع وكون تلك المخالفة موجبة للقضاء بنظر من يجب الرجوع إليه فعلاً.

عليه إعادتها أو قضاؤها حتى إذا كانت المخالفة في غير الأركان ، لما تقدم من أن حديث لا تعاد غير شامل للجاهل المقصّر ، وإن اعتقد صحة عمله فإن علم بالمقدار الّذي تجب إعادته أو قضاؤه فهو ، وأما إذا شكّ في مقداره وترددت الفائتة وأعماله المحكومة بالبطلان بين الأقل والأكثر ، فهل يجوز أن يقتصر في قضائها بالمقدار المتيقن ويدع قضاء ما يشك في فوته وبطلانه أو لا بدّ من أن يأتي بمقدار يظن معه بالبراءة أو بمقدار يتيقّن معه بالفراغ؟ فيه وجوه وأقوال ذهب إلى كل فريق.

والظاهر أن محل الكلام في كل مورد تردد فيه أمر الواجب بين الأقل والأكثر هو ما إذا علم بتنجز التكليف على المكلّف في زمان وتردد بين الأقل والأكثر لا ما إذا شكّ في أصل ثبوته ، كما إذا علم أنه لم يصلّ من حين بلوغه إلى اليوم ، ولم يدر أنه مضى من بلوغه شهر واحد ليجب عليه قضاء صلوات شهر واحد أو أنه مضى شهران ليجب قضاء صلوات شهرين ، فإن الشك في مثله إنما يرجع إلى أصل توجه التكليف بالزائد على قضاء صلوات شهر واحد ، ومثله ما لو نام مدة فاتته فيها صلوات ثمّ انتبه ولم يدر مقدارها.

والوجه في خروج أمثال ذلك مما هو محل الكلام مع أن الواجب فيها مردد بين الأقل والأكثر ، هو أن الظاهر أن عدم وجوب القضاء زائداً عن المقدار المتيقن في تلك الموارد مما لا خلاف فيه فإن الشك فيه من الشك في التكليف بقضاء الزائد عن المقدار المتيقن ، وهو مورد للبراءة سواء قلنا إن القضاء بأمر جديد أم قلنا إنه مستند إلى الأمر الأول ، وسواء كان موضوعه الفوت أو عدم الإتيان بالمأمور به في وقته. ومع رفع احتمال الزيادة بالبراءة لا يبقى للقول بوجوب القضاء حتى يظن بالفراغ أو يتيقّن به مجال. وإذا جرت البراءة عن الزائد على القدر المتيقن في المثال مع العلم بفوات جملة من الفرائض فيه بالوجدان جرت عن الزائد على القدر المتيقن في المقام الّذي لا علم وجداني لنا بالفوات فيه وإنما هو محتمل واقعاً بحسب فتوى المجتهد بطريق أولى.

والظاهر أن القائلين بوجوب القضاء حتى يظن أو يقطع بالفراغ أيضاً غير قاصدين لتلك الصورة ، وإنما النزاع في المقام فيما إذا كان التكليف متنجّزاً وذلك كما إذا علم أنه

مضت من بلوغه سنة واحدة مثلاً وأنه كان مكلفاً فيها بالصلاة ولكنه فاتت عنه جملة من صلواتها وهي مرددة بين الأقل والأكثر. أو علم أنه مدة معينة كان يأتي بأعماله من دون تقليد أو عن التقليد غير الصحيح ، ولا يدري أن إعماله الّتي أتى بها وهي مخالفة لفتوى المجتهد الفعلي أيّ مقدار ، للجزم بأنه لم يأت بتمام أعماله مطابقاً للتقليد غير الصحيح. وهذه الصورة هي محط الكلام ، والصحيح أنه يقتصر بقضاء المقدار الّذي تيقن فواته وبطلانه وأما الزائد المشكوك فيه فيدفع وجوب القضاء فيه بالبراءة ، وذلك لأن القضاء بالأمر الجديد ، وموضوعه الفوت وهو مشكوك التحقق في المقدار الزائد عن القدر المتيقن ، والأصل عدم توجه التكليف بالقضاء زائداً على ما علم بفوته وتوضيحه :

أن المكلّف في محل الكلام وإن علم بتنجز التكليف عليه سنة واحدة وكان يجب أن يصلّي في تلك المدة مع التيمم مثلاً لا مع الوضوء ، إلاّ أنه عالم بسقوط هذا التكليف في كل يوم للقطع بامتثاله أو عصيانه ، فسقوط التكليف المنجّز معلوم لا محالة وإنما الشك في سببه ، وأنه الامتثال أو العصيان لأنه جاهل مقصّر على الفرض ، وحيث إن القضاء بأمر جديد ، وموضوعه الفوت وهو معلوم التحقق في مقدار معيّن ، والزائد عليه مشكوك ، فالشك في وجوب قضائه شك في توجه التكليف الزائد فيدفع بالبراءة.

واستصحاب عدم الإتيان بالمأمور به في المدة الزائدة لا يترتب عليه إثبات عنوان الفوت كما مرّ غير مرّة. نعم ، لو قلنا إن الفوت أمر عدمي وهو عين عدم الإتيان بالمأمور به ، أو قلنا إن القضاء بالأمر الأول وجب قضاء أعماله بمقدار يتيقن معه بالبراءة وذلك لاستصحاب عدم الإتيان في المقدار الزائد المشكوك فيه ، أو لقاعدة الاشتغال. ولكن الصحيح أن الفوت أمر وجودي ولا أقل من الشك في ذلك وهو كاف فيما ذكرناه كما أن القضاء بالأمر الجديد ، هذا كلّه في الدليل على ما اخترناه من جواز الاقتصار على المقدار المتيقن وعدم وجوب الإتيان بالزائد المشكوك فيه.

وأما الوجه في الحكم بلزوم القضاء بمقدار يقطع معه بالفراغ فهو ما نسب إلى المحقق صاحب الحاشية قدس سره وحاصله : أن في موارد دوران الأمر بين الأقل والأكثر الاستقلاليين مقتضى القاعدة وإن كان هو الاقتصار بالمقدار المتيقن ودفع

احتمال الزائد بالبراءة ، لأن التكليف انحلالي ففي غير المقدار المتيقن يرجع إلى الأصل فلا موجب معه للاحتياط ، إلاّ أن ذلك فيما إذا تعلّق الشك بثبوت تكليف واقعي زائداً على المقدار المتيقن. وأما إذا شكّ في وجود تكليف منجّز واصل للمكلف زائداً على القدر المتيقن فهو مورد للاحتياط. وذلك لأن احتمال التكليف المنجَّز منجِّز ، لأنه مساوق لاحتمال الضرر ، ودفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب مما استقل العقل بوجوبه وهذا كما في غالب الفسقة فترى أنه يوماً يترك الصلاة ويعلم بفوات فرائضه ووجوب قضائها لا محالة ثمّ يتركها في اليوم الثاني كذلك فيعلم أيضاً أنه فوّت فرائضه كما يعلم بوجوب قضائها وهكذا في اليوم الثالث والرابع إلى مدة ، ثمّ بعد ذلك يشك في أن القضاء المتنجّز وجوبه عليه في كل يوم بعلمه والتفاته هو المقدار الأقل أو الأكثر فإنه مورد للاحتياط ، لاحتماله زائداً على القدر المتيقن وجود تكليف منجّز آخر وقد عرفت أن احتماله مساوق لاحتمال العقاب ، ووجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب مما لا شبهة فيه لدى العقل.

ولا يقاس ذلك بمثل ما إذا تردد الدين بين الأقل والأكثر ، لأن الشك في مثله إنما هو في أصل توجه التكليف بالمقدار الزائد ، لعدم علمه أن ما أخذه من الدائن مرّة واحدة خمسة دراهم أو ستة مثلاً وهذا بخلاف المقام ، لاحتمال أن يكون هناك تكليف منجّز واصل في وقته ، إذ التكليف بقضاء الصلوات المتعددة تدريجي لا محالة ، لأن موضوعه وهو الفوت أي فوت الصلوات المتعددة ، من الأُمور التدريجية فإن المكلّف يأتي بصلاته في هذا اليوم لا عن التقليد الصحيح أو من دون تقليد فيعلم بفواتها فيكلّف بقضاء ما فاتته في ذلك اليوم ، ثمّ إذا أتى اليوم الثاني أيضاً يفوت صلاته فيكلّف بقضاء ما فاته في ذلك اليوم وهكذا في اليوم الثالث والرابع ، وبعد برهة مضت كذلك يتردد في أن القضاء المتنجّز وجوبه في حقّه هو المقدار الأقل أو الأكثر فهو من الشك في وجود تكليف زائد متنجّز واصل ومعه يكون المورد مورداً للاشتغال ، فإن الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية فلا بدّ حينئذٍ من القضاء بمقدار يتيقّن معه بالفراغ. ويتوجه عليه :

أوّلاً : أن ما أفاده لو تمّ فإنما يتم فيما إذا كان التنجّز سابقاً على زمان الشك والتردد

بين الأقل والأكثر كما في المثال ، لتنجّز الأمر بقضاء الصلوات الفائتة في الزمان السابق على الشك في أن الفائت هو الأكثر أو الأقل. وأما إذا كان زمان التنجز متحداً مع زمان الشك والتردد ، كما إذا نام وحينما استيقظ شكّ في أن نومه هل استمر يوماً واحداً ليجب عليه قضاء صلوات يوم واحد ، أو أنه طال يومين ليجب عليه قضاء صلوات يومين ، فإن وجوب القضاء لم تتنجز عليه حينئذٍ إلاّ في زمان الشك والتردد ، ولا يكون الاحتمال معه إلاّ احتمال تكليف واقعي لم يصل إلى المكلف ، وليس من احتمال التكليف المتنجّز بوجه ، إذ لم يتنجز عليه شي‌ء قبل هذا الزمان. ومقامنا أيضاً من هذا القبيل ، لأن مفروضنا أن المكلف اعتقد صحة ما أتى به لا عن تقليد أو عن التقليد غير الصحيح ، ولم يعلم أن إعماله مخالفة للواقع ليتنجز عليه قضاؤها وإنما علم بالمخالفة بعد صدورها ، وفي الوقت نفسه يتنجز عليه وجوب القضاء مردداً بين الأقل والأكثر ومعه كيف يكون ذلك من احتمال التكليف المنجز ، إذ في أي وقت تنجز عليه وجوب القضاء ليكون احتماله في زمان الشك والتردد بين الأقل والأكثر احتمالاً للتكليف المنجز ، وإنما هو من احتمال وجود تكليف واقعي وهو مندفع بالبراءة ، وعلى الجملة لم يتنجز عليه وجوب القضاء شيئاً فشيئاً وعلى نحو التدريج في كل يوم كما هو الحال في المثال ، وإنما تنجز عند العلم بالمخالفة وهو زمان الشك والتردد في أن ما فاته هو الأقل أو الأكثر فهو حين توجه التكليف مردد بينهما ، فيدفع احتمال التكليف الزائد بالبراءة فما أفاده قدس سره غير منطبق على المقام.

ثانياً : أن ما أفاده لا يرجع إلى محصّل ، لأن التنجز يدور مدار المنجز حدوثاً وبقاءً فيحدث بحدوثه كما أنه يرتفع بارتفاعه ، ومن هنا قلنا بجريان الأُصول في موارد قاعدة اليقين ، لزوال اليقين بالشك الساري لا محالة ومع زواله يرتفع التنجز ، إذ لا معنى للتنجز من غير منجز ، فلا يكون مانع من جريان الأُصول في موردها ، فإذا علم بنجاسة شي‌ء ، ثمّ شك في مطابقة علمه ومخالفته للواقع جرت فيه قاعدة الطهارة ، ولا يعامل معه معاملة النجاسة بوجه ، إذ لا منجز لها بقاء ، وعلى ذلك فالمكلف فيما مثّل به وإن كان علم بوجوب قضاء الصلوات في اليوم الأول ، ولأجله تنجز عليه وجوب القضاء ، إلاّ أنه عند الشك والتردد بين الأقل والأكثر لا علم له بما

فاتته من الصلوات وإذا زال العلم زال التنجز لا محالة. ولا يكفي العلم السابق بحدوثه في التنجز بحسب البقاء ، ومن ثمة إذا استدان من زيد متعدداً وتردّد في أنه الأقل أو الأكثر جرت البراءة عن وجوب ردّ الأكثر مع العلم بتنجز وجوب ردّ الدين حين استلامه من الدائن ، وإنما تردد بعد وصوله وتنجز الأمر بالأداء ، ولا وجه له سوى ما قدّمناه من أن التنجز يرتفع بارتفاع المنجز الّذي هو العلم ، فإن وجوب دفع ما أخذه إنما كان متنجزاً ما دام عالماً بالحال فإذا زال زال التنجز لا محالة ، وجرى الأصل بالإضافة إلى المقدار الزائد المشكوك فيه.

وعلى الجملة الشك في المقام من الشك في أصل ثبوت التكليف الزائد فتجري فيه البراءة الشرعية والعقلية ، وليس من احتمال التكليف المنجز ، فإن التنجز إما أن يستند إلى العلم الوجداني أو التعبدي أو إلى العلم الإجمالي أو إلى كون الشبهة قبل الفحص ومع وجود شي‌ء من ذلك يكون الاحتمال من احتمال التكليف المنجز ، ومع عدم تحقق شي‌ء منها أو زواله لا معنى للتنجز وكون احتمال التكليف من احتمال التكليف المنجز.

بقي الكلام فيما سلكه المشهور في المسألة من وجوب القضاء بمقدار يظن معه بالفراغ ، ولم يظهر لنا مستندهم في ذلك بوجه لأنّا إن ألحقنا أمثال المقام بموارد قاعدة الاشتغال على ما قدّمنا تقريبه آنفاً ، فاللاّزم هو الحكم بوجوب القضاء بمقدار يقطع معه بالفراغ ولا مرخّص للاكتفاء معه بالظن به ، وإن قلنا إنها ملحقة بموارد البراءة كما هو الصحيح فلا يجب سوى القضاء بالمقدار المتيقن دون الأكثر ولو ظنّاً ، فما سلكه المشهور في المسألة لا وجه موجّه له.

نعم ، يمكن أن يوجّه كلامهم بأن أمثال المقام وإن كانت مورداً للبراءة في نفسها ، إلاّ أنهم التزموا فيها بالاشتغال نظراً إلى أن إجراء البراءة عن المقدار الزائد في تلك المقامات يستلزم كثيراً العلم بالوقوع في مخالفة التكليف الواقعي. وقد صرّحوا بذلك في جملة من الموارد ، كما إذا شكّ في استطاعته أو في بلوغ المال حدّ النصاب ، أو شكّ في ربحه أو في الزيادة على المئونة ، وقالوا إنها وإن كانت مورداً للبراءة في نفسها ، إلاّ أن إجراءها يستلزم العلم بالمخالفة ، لأن كل من شكّ في الاستطاعة أو الربح أو في الزيادة على المئونة أو البلوغ حد النصاب لو أجرى البراءة عن التكاليف المحتملة في تلك

الموارد ، كوجوب الحج أو الخمس أو الزكاة لفاتت التكاليف الواقعية عن جملة من المكلفين بها واقعاً. والسر في ذلك أن امتثال التكاليف المذكورة غالباً يتوقف على الفحص فإن موضوعاتها مما لا يحصل العلم بها بغيره ، إذن إجراء البراءة في أمثال ذلك قبل الفحص يستلزم الوقوع في مخالفة الواقع كثيراً. ولعلّهم قد ألحقوا المقام أيضاً بتلك الموارد نظراً إلى أن الرجوع فيه إلى البراءة عن الزائد يستتبع فوات القضاء عن جملة ممن هو مكلف به واقعاً ، ومن هنا التزموا بالاشتغال في أمثال المقام وإن كانت في نفسها مورداً للبراءة كما ذكرناه.

ثمّ إن مقتضى ذلك وإن كان هو القضاء بمقدار يتيقن معه بالفراغ إلاّ أن إيجابه يستلزم العسر والحرج ، لأن احتمال التكليف باب موسّع وأمر خفيف المئونة فلو أوجبنا معه الاحتياط لوجب عند كل محتمل وهو أمر عسر ، ومن هنا لم يوجبوا الاحتياط بمقدار يوجب اليقين بالفراغ ، ولم يرخّصوا الاكتفاء بالاحتمال بالرجوع إلى البراءة عن الزائد ، لاستلزامه تفويت الواجب عمّن هو مكلّف به واقعاً ، واعتبروا الظن بالفراغ لأنه أوسط الأُمور وخير الأُمور أوسطها ، فإن هذا هو الحال في كل مورد تعذّر فيه الامتثال اليقيني على المكلّف ، فإن العقل يتنزل وقتئذٍ إلى كفاية الامتثال الاطمئناني ثمّ الامتثال الظني بل يكتفي بالامتثال الاحتمالي عند تعذر المراتب المتقدمة عليه ، ولا يتنزّل العقل إلى الامتثال الاحتمالي من الامتثال اليقيني ابتداءً على ما ذكروه في التكلّم على دليل الانسداد. إذن يلتئم مدرك المشهور من ضم أمر بأمر أعني قاعدة الاشتغال المنضمة إلى قاعدة نفي الحرج.

ويرد على ذلك أولاً : أن جريان البراءة في تلك الموارد وإن كان يستلزم العلم بالوقوع في مخالفة الواقع ، إلاّ أن الكلام في أن هذا العلم يحصل لأي شخص؟ أفيحصل العلم به للعامّي المتردد أو يحصل للمفتي بإجراء البراءة في تلك المقامات؟

أما المقلّد فلا علم له بالوقوع في مخالفة الواقع عند إجراء البراءة عن وجوب الحج أو الخمس أو الزكاة ، وإنما يحتمل المخالفة كما يحتمل الموافقة ، وأما المفتي بالجواز فهو وإن كان يحصل له العلم بذلك لأنه يعلم علماً إجمالياً أن جملة ممن يتمسك بالبراءة في تلك الموارد يقعون في مخالفة الواقع ويفوّتون بها التكاليف المتوجهة إليهم واقعاً ، إلاّ أن

[41] مسألة 41 : إذا علم أن أعماله السابقة كانت مع التقليد ، لكن لا يعلم أنها كانت عن تقليد صحيح أم لا بنى على الصحة (1).


علم المجتهد إجمالاً بمخالفة عمل العامّي للواقع لا يترتب عليه أيّ أثر ، لأنه إنما يفتي بلحاظ وظيفة المقلّد وما يقتضيه وظيفته في نفسه ، وحيث إنه شاك لا علم له بالمخالفة فله أن يتمسك بالبراءة عن التكليف المشكوك فيه.

بل لو علم المجتهد علماً تفصيلياً بوقوع المقلّد في مخالفة الواقع بتجويز المجتهد للرجوع إلى البراءة عند الشك في الموضوعات الخارجية ، أيضاً لم يترتب أثر عليه كما إذا علم أن زيداً مستطيع أو أنه مديون أو يده متنجّسة ، غير أن المقلّد لم يكن عالماً بذلك فإن له أن يتمسك بالبراءة أو قاعدة الطهارة حتى لو سألنا المفتي عن وظيفة العامّي حينئذٍ لأجاب بأنه يتمكن من الرجوع إلى الأُصول العملية ، والسرّ فيه ما بيّناه من أن المدار في جواز الرجوع إلى الأصل إنما هو شك المكلّف في نفسه.

ثانياً : أنّا لو سلمنا أن المقام من موارد الاشتغال دون البراءة لم يكن للاكتفاء بالظن وجه صحيح. ودعوى أن وجوب الاحتياط بالمقدار الموجب لليقين بالفراغ عسر حرجي ، مندفعة : بما مرّ غير مرة من أن المدار في تلك القاعدة إنما هو الحرج الشخصي دون النوعي. والاحتياط أعني الإتيان بالأكثر قد لا يكون حرجياً على المقلّد بوجه ، كما إذا دار أمر الفائت بين صلاتين أو ثلاث ، فإنه لا حرج على المكلّف في الإتيان بالمحتمل الأكثر ، ومع أنه لا حرج شخصي على المكلّف لا وجه للتنزل من الواجب أعني الامتثال اليقيني إلى الامتثال الظني أبداً. وإذا فرضنا أن الاحتياط حرجي على المكلّف وجب أن يحتاط ويأتي بالأكثر إلى أن يكون الزائد حرجياً في حقه لا أنه يتنزل إلى الامتثال الظني كما أُفيد.

فالصحيح ما ذكرناه من جواز الاقتصار في تلك الموارد بالمقدار الأقل وإجراء البراءة عن الأكثر.

الشك في أن العمل هل صدر عن تقليد صحيح؟

(1) كما إذا علم أنه قد استند في أعماله الّتي أتى بها سابقاً إلى تقليد مجتهد يقيناً ، غير

أنه يشك في أن تقليده ذلك صحيح وأنه موافق للموازين المقررة في الشريعة المقدسة أو غير مطابق لها؟ والشك في صحة التقليد السابق وفساده قد يتصوّر بالإضافة إلى التقليد نفسه ، وأنه مطابق للموازين أو غير مطابق لها ، وقد يتصوّر بالإضافة إلى أعماله الّتي أتى بها عن التقليد المشكوك صحته وفساده ولأجله يشك في وجوب إعادتها أو قضائها وعدمه فالكلام يقع من جهتين :

الجهة الأُولى : ما إذا شكّ المكلّف في أن تقليده السابق هل كان مطابقاً للموازين الشرعية أو لم يكن؟ إن التقليد السابق بما أنه عمل قد صدر وتصرّم فلا أثر يترتب على صحته وفساده في نفسه سوى مشروعية العدول إلى المجتهد الآخر وعدمها على تقدير حياة المجتهد السابق أو مشروعية البقاء على تقليده وعدمها على تقدير موته.

والتحقيق أن الشك من هذه الجهة مما لا أثر له ، وذلك لأن المجتهد في مفروض المقام قد يكون مستجمعاً للشرائط المعتبرة في المرجعية لدى الشك إلاّ أنه يشك في أن استناده إلى فتاواه هل كان موافقاً للقواعد الشرعية أو أنه استند في ذلك إلى هوي نفسه أو غيره من الدواعي غير المسوّغة للاستناد ، وقد لا يكون بل يشك في استجماعه لها وعدمه.

أما الصورة الأُولى : فالشك فيها في أن الاستناد إلى فتوى ذلك المجتهد هل كان موافقاً للموازين أم لم يكن ، أمر لا أثر له وذلك لأن المدار في الحكم بصحة التقليد وجواز العمل على طبقه إنما هو بكون المجتهد ممن يجوز تقليده في نفسه ، بأن يكون الرجوع إليه موافقاً للموازين الشرعية واقعاً ، وأما أن الاستناد أيضاً إلى فتوى ذلك المجتهد لا بدّ أن يكون مطابقاً للموازين الشرعية فلم يقم عليه أيّ دليل. فلو فرضنا أن المكلّف استند إلى فتوى مجتهد جامع للشرائط لا لمدرك شرعي يسوقه إليه بل لاتباع هوى نفسه ورغبته ، التزمنا بصحة عمله وتقليده مع العلم بأن استناده إلى فتوى المجتهد لم يكن مطابقاً للموازين ، وذلك لأنه من التقليد المطابق للقواعد واقعاً فلو قلنا بحرمة العدول عن تقليد المجتهد الجامع للشرائط ، أو قلنا بجواز البقاء على تقليده إذا مات مشروطاً بتعلّم فتاواه أو بالعمل بها حال حياته لم يجز في المثال

العدول عن تقليد ذلك المجتهد كما جاز للمكلّف البقاء على تقليده ، لأن الأدلة المستدل بها على عدم جواز العدول عن تقليد المجتهد ، أو على جواز البقاء على تقليده غير قاصرة الشمول للمقام ، لأنه تقليد صحيح واقعاً وإن لم يكن استناده إلى فتاواه مطابقاً للموازين. فالشك في هذه الصورة في أن الاستناد مطابق للقواعد أو غير مطابق لها لا يترتب عليه شي‌ء من الأثرين المتقدّمين ، أعني جواز العدول وعدم جواز البقاء على تقليده ، لما عرفت من حرمة العدول وجواز البقاء ولو مع العلم بعدم كون الاستناد مطابقاً للموازين فضلاً عمّا إذا شكّ في ذلك ، ففي هذه الصورة لا أثر للشك في كيفية الاستناد وكونه غير مطابق للموازين ككونه مطابقاً لها.

وأما الصورة الثانية : أعني ما إذا شكّ في صحة تقليده وفساده مع الشك في أن المجتهد الّذي قلّده مستجمع للشرائط أو غير مستجمع لها لأجل الشك في اجتهاده أو ورعه وعدالته أو غيرهما من الشرائط فلا مناص فيها من الفحص عن استجماعه للشرائط ولا يجوز فيها البقاء على تقليده حتى فيما إذا قلّده على طبق الموازين الشرعية ، كما إذا قطع باجتهاده أو شهد عليه عدلان ، إلاّ أنه بعد ذلك شك شكاً سارياً في اجتهاده واحتمل أن يكون علمه السابق جهلاً مركباً ، أو ظهر له فسق الشاهدين واقعاً.

والوجه في وجوب الفحص على المكلّف وعدم جواز البقاء له على تقليده هو أنه يشك في حجية نظره وفتواه ، ولا مسوّغ معه للبقاء على تقليده كما لا مسوّغ لتقليده بحسب الحدوث ، لعدم الفرق في ذلك بين الحدوث والبقاء. ففي هذه الصورة أيضاً لا أثر للشك في صحة التقليد وفساده بالإضافة إلى الأثرين المتقدّمين أعني حرمة العدول وجواز البقاء لما قد عرفت من أنه لو كان عالماً من صحة تقليده لاستناده إلى علمه الوجداني أو التعبدي لم يجز له البقاء على تقليده ، كما لا يجوز تقليده حدوثاً فضلاً عمّا إذا شكّ فيها ، كما يجب عليه العدول عن تقليده ، فبالإضافة إلى التقليد في نفسه ، وجواز العدول والبقاء لا أثر للشك بوجه.

الجهة الثانية : ما إذا شكّ في صحة تقليده وفساده بالإضافة إلى أعماله الّتي أتى بها على طبقه فيشك في وجوب إعادتها أو قضائها ، وقد مرّ غير مرة أن المدار في صحة

العمل وفساده إنما هو بكونه مطابقاً للواقع أو مخالفاً له ، فإذا أحرز المكلّف أن أعماله الّتي أتى بها مطابقة للواقع لأنه عمل فيها بالاحتياط ، أو أتى بالسورة أو التسبيحات الأربع ثلاثاً من باب الرجاء بحيث لم يكن أيّ نقص في عمله لم تجب عليه إعادته أو قضاؤه ، كما أنه إذا علم بمخالفتها للواقع فيما يرجع إلى الأركان من الطهور والركوع أو غيرهما مما ورد في حديث لا تعاد وجبت إعادتها أو قضاؤها ، لعدم إتيانه بما هو المأمور به على الفرض ، ومقتضى حديث لا تعاد وجوب الإعادة إذا أخل بالأركان في صلاته. وأما لو علم بمخالفتها للواقع في غير الأركان من الأجزاء والشرائط المعتبرة في المأمور به ، كما إذا أخلّ بالسورة أو اكتفى بالتسبيحات الأربع مرة واحدة ، فإن كان جهله قصورياً عذريا كما إذا اعتمد على علمه الوجداني أو التعبدي كالبينة ثمّ شك شكاً سارياً في مطابقته للواقع أو ظهر له فسق البينة ، فمقتضى حديث لا تعاد عدم وجوب الإعادة لشموله للجاهل القاصر على ما بيّناه عند التكلّم على حكم الجاهل القاصر والمقصّر. وأما إذا كان جاهلاً مقصّراً ، كما لو قلّد باشتهاء من نفسه أو لغير ذلك من الدواعي غير المسوّغة للتقليد فلا يشمله حديث لا تعاد ، وحيث أن أعماله غير مطابقة للواقع فلا مناص من إعادتها أو قضائها ، ولعلّ هذا مما لا كلام فيه.

وإنما الكلام فيما إذا كانت المخالفة في غير الأركان ، إلاّ أنه شكّ في أنه جاهل قاصر أو مقصّر للشك في أن استناده إلى فتوى ذلك المجتهد هل كان استناداً صحيحاً شرعياً فهو جاهل قاصر ويشمله الحديث ومقتضاه عدم وجوب الإعادة في حقه ، أو أنه استناد غير شرعي فهو مقصّر والحديث لا يشمله فلا بدّ من الحكم بوجوب الإعادة أو القضاء ، فهل تجب الإعادة أو القضاء في مفروض الصورة أو لا تجب؟

الصحيح أن يفصّل في هذه الصورة بما فصّلنا به في الجهة الأُولى المتقدمة بأن يقال : إن منشأ الشك في المقام إن كان هو الشك في أن استناده كان مطابقاً للموازين الشرعية أم لم يكن ، مع العلم بأن من قلّده مستجمع للشرائط المعتبرة في المرجعية بحيث يجوز للمكلّف أن يقلّد ذلك المجتهد بالفعل ، حكم بصحة عمله ولم تجب عليه الإعادة ولا القضاء لفرض أنه مطابق لفتوى من يجوز تقليده واقعاً ، ولو مع العلم بأن استناده إلى فتاواه لم يكن مطابقاً للموازين الشرعية. وأما إذا نشأ الشك في صحة تقليده

وفساده من الشك في أن من قلّده سابقاً مستجمع للشرائط أو غير مستجمع لها ، فلا مناص من الالتزام بوجوب الإعادة أو القضاء في حقه لما مرّ من أن حديث لا تعاد غير شامل للجاهل المقصر ، هذا.

ويمكن أن يقال : إن حديث لا تعاد وإن كان لا يشمل المقصّر في نفسه إلاّ أن ذلك مستند إلى القرينة الخارجية ، أعني استلزام شموله له حمل الأخبار الواردة في الأجزاء والشرائط بلسان الأمر بالإعادة عند الإخلال بها على المورد النادر وهو العالم المتعمد في تركهما ، وحيث لا يمكن الالتزام به خصصنا الحديث بالجاهل المقصّر ، وبما أن المخصص وهو المقصّر عنوان وجودي فمع الشك في تحققه وإن كانت الشبهة مصداقية ، ولا يجوز التمسك فيها بالعموم. إلاّ أنّا ذكرنا في محلّه (1)أن المخصص المنفصل أو المتصل إذا كان من العناوين الوجودية وشككنا في حصوله وتحققه أمكننا إحراز عدمه بالاستصحاب ، وحيث إن الباقي تحت العموم هو من لم يتصف بذلك العنوان الوجودي كالمقصّر والقرشية ونحوهما ، فنحرز باستصحاب عدم حدوث الاتصاف بالمقصرية والقرشية أن المشكوك فيه من الأفراد الباقية تحت العموم وأنه مشمول له ومع ثبوت أن الجاهل غير مقصّر بالاستصحاب ، يشمله حديث لا تعاد وبه نحكم بعدم وجوب الإعادة أو القضاء في مفروض الكلام.

بقيت صورة واحدة وهي ما إذا كان هناك مجتهدان أحدهما المعيّن مستجمع للشرائط المعتبرة في المرجعية دون الآخر ، والمكلّف بعد ما أتى بأعماله شكّ في أن تقليده كان مطابقاً للموازين الشرعية أم لم يكن ، أي إنه قلّد من هو مستجمع للشرائط وقابل للتقليد منه ، أو أنه قلّد الآخر غير المستجمع للشرائط من جهة تقصيره في ذلك واتباعه هوى نفسه؟

وفي هذه الصورة أيضاً يحكم بصحة أعماله ولا تجب عليه الإعادة والقضاء لحديث لا تعاد ، لما تقدم من أن الخارج عن الحديث إنما هو عنوان المقصر وهو عنوان وجودي ، ومع الشك في تحققه لا مانع من الرجوع إلى استصحاب عدمه ، فإن به يحرز أن المورد مندرج تحت العموم ومقتضاه عدم وجوب الإعادة أو القضاء ، هذا.


1) محاضرات في الأُصول 5 : 207.

[42] مسألة 42 : إذا قلّد مجتهداً ثمّ شكّ في أنه جامع للشرائط أم لا ، وجب عليه الفحص (1).


بل لا مانع في هذه الصورة من الحكم بصحة أعماله السابقة بقاعدة الفراغ وذلك لأن صورة العمل غير محفوظة ، حيث إن ذات العمل وإن كانت محرزة إلاّ أنه يشك في كيفيته وأنه أتى به عن الاستناد إلى التقليد الصحيح أعني تقليد من يجوز تقليده أو عن الاستناد إلى التقليد غير الصحيح ، ومعه يشمله قوله علیه السلام « كلما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكراً فامضه » (1)وغيرها من الروايات الواردة في القاعدة. نعم ، إذا كانت صورة العمل محفوظة ، كما إذا قلّد شخصاً معيناً ثمّ شكّ في أنه كان زيداً الجامع للشرائط أو أنه كان عمراً الفاقد لها لم تجر قاعدة الفراغ في شي‌ء من أعماله للعلم بأنه أتى بها مطابقة لفتوى شخص معيّن ، إلاّ أنه يحتمل صحتها ومطابقتها للواقع من باب الصدفة والاتفاق ، لاحتمال أن يكون من قلّده زيداً المستجمع للشرائط. وعليه إذا كان شكّه هذا في الوقت وجبت عليه الإعادة بمقتضى قاعدة الاشتغال.

هذا ما تقتضيه القاعدة في نفسها إلاّ أن مقتضى حديث لا تعاد عدم وجوب الإعادة في هذه الصورة أيضاً. وإذا شكّ في صحتها وفسادها خارج الوقت لم تجب عليه القضاء ، لأنه كما مرّ بأمر جديد ، وموضوعه فوت الفريضة في وقتها ولم يحرز هذا في المقام ، ولو من جهة احتمال المطابقة صدفة ومن باب الاتفاق ، ومع الشك يرجع إلى البراءة عن وجوبه.

ومما ذكرناه في المقام يظهر الحال في المسألة الخامسة والأربعين فلاحظ.

الشك في أن المجتهد جامع للشرائط أو لا

(1) قد يحرز المكلّف أن من قلّده جامع للشرائط المعتبرة في المرجعية لعلمه بذلك أو لقيام البينة عليه ، إلاّ أنه بعد ما قلّده في أعماله يشك في استجماعه للشرائط بقاءً لاحتمال زوال عدالته أو اجتهاده أو غيرهما من الشرائط ، وقد يحرز استجماعه


1) وسائل الشيعة 1 : 471 / أبواب الوضوء ب 42 ح 6.

للشرائط حدوثاً إلاّ أنه يقطع بارتفاعها وعدم استجماعه لها بقاءً ، لزوال عدالته أو اجتهاده أو غيرهما من الأُمور المعتبرة في المقلّد ، وثالثة يحرز المكلّف أن من قلّده واجد للشرائط حدوثاً غير أنه يشك بعد تقليده في أنه هل كان واجداً لها من الابتداء أو لم يكن ، لاحتمال خطئه في العلم بعدالته أو لانكشاف فسق البينة الّتي قامت على عدالته مثلاً ، ولأجل ذلك يشك في أنه هل كان واجداً لها من الابتداء أم لم يكن. وهذه صور ثلاث :

أما الصورة الاولى : فلا ينبغي التأمل في جواز البقاء على تقليد من قلّده من الابتداء لاستصحاب بقائه على الشرائط المعتبرة ، وعدم طروّ ما يوجب زوالها عنه فيبقى على تقليده إلى أن يعلم بارتفاعها وزوالها.

أما الصورة الثانية : فهل يسوغ للمكلّف البقاء على تقليد من قلّده من الابتداء في المسائل الّتي عمل بها حال استجماعه للشرائط المعتبرة أو المسائل الّتي تعلمها حينئذاك أو لا يجوز؟

مقتضى القاعدة هو الجواز وذلك لما ذكرناه في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت من أن المعتبر أن يكون المجتهد المقلّد حال الأخذ منه ممن تنطبق عليه العناوين الواردة في لسان الدليل ، فإذا كان واجداً للشرائط عند الأخذ منه صدق أن الفقيه أنذره ، كما يصح أن يقال : إنه سأله عن العالم وهكذا ، وافتقادها بعد الأخذ منه غير مضر ، ومن هنا قلنا بجواز البقاء على تقليد الميت فيما عمل به أو تعلمه من المسائل قبل موته ، فإذا بنينا على أن الأخذ من المجتهد حال استجماعه الشرائط يكفي في جواز البقاء على تقليده إذا مات ولا يضرّه افتقادها بعد الأخذ والتعلّم ، كان البقاء على تقليد المجتهد في المسائل الّتي عمل بها أو تعلّمها حال استجماعه الشرائط المعتبرة موافقاً للقاعدة مطلقاً وإن افتقد شيئاً منها أو كلّها بعد ذلك.

إذن فلا فرق بين المقام وبين البقاء على تقليد الميت بوجه فكما جوّزنا البقاء على تقليد المجتهد إذا مات ، وبيّنا أنه مقتضى الأدلة المتقدمة من السيرة والآية والروايات بل قلنا إن البقاء قد يكون محكوماً بالوجوب ، فكذلك لا بدّ من أن نلتزم به في المقام ونحكم بجواز البقاء على تقليد الميت إذا افتقد شيئاً من الشرائط المعتبرة غير الحياة

كالاجتهاد والعدالة وغيرهما ، لأنه أيضاً في الحقيقة من الموت غير أن ذلك موت معنوي وذاك موت ظاهري.

وعلى الجملة أن الفتوى كالرواية والبينة فكما أن الراوي أو الشاهد إذا زالت عدالته أو وثاقته بل وإسلامه لم يضرّ ذلك بحجية رواياته أو شهاداته الصادرة عنه حال استجماعه للشرائط ، كيف وقد ورد في بني فضال « خذوا بما رووا وذروا ما رأوا » (1)كذلك الحال في المجتهد إذا افتقد شيئاً من الشرائط بعد ما أخذ عنه الفتوى حين وجدانه لها ، لم يضر ذلك بحجية فتاواه أبداً ، هذا ما تقتضيه القاعدة في المقام.

إلاّ أنه لا يسعنا الالتزام به وذلك لوجود الفارق بين مسألة البقاء على تقليد الميت ومسألة البقاء على تقليد المجتهد الحي إذا افتقد شيئاً من الشرائط المعتبرة في المرجعية وهو ما استكشفناه من مذاق الشارع من عدم ارتضائه بإعطاء الزعامة الدينية لمن ليس له عقل أو لا عدالة أو لا علم له ، لأنه قد اعتبر تلك الأُمور في القاضي والشاهد فكيف لا يعتبرها في الزعامة الدينية ، مع أن منصب الإفتاء من أعظم المناصب الشرعية بعد الولاية.

والسّر في ذلك أن الاتصاف بنقيض الشرائط المعتبرة أو ضدّها غير الحياة منقصة دينية أو دنيوية ، ولا يرضى الشارع الحكيم أن تكون القيادة الإسلامية لمن اتصف بمنقصة يعيّر بها لدى المسلمين ، على أن ذلك هو الّذي يساعده الاعتبار فإن المتصدي للزعامة الدينية إذا لم يكن سالكاً لجادة الشرع لم يتمكّن من قيادة المسلمين ليسلك بهم ما لا يسلكه بنفسه ، أترى أن من يشرب الخمور أو يلعب بالطنبور أو يرتكب ما يرتكبه من المحرمات يردع غيره عن ارتكاب تلك الأُمور؟

وهذا مما لا يفرق فيه بين الحدوث والبقاء فإن العدالة والعقل وغيرهما من الأُمور المتقدمة في محلّها كما تعتبر في المقلّد حدوثاً كذلك يعتبر فيه بقاءً ، فإن ما دلّ على اعتبارها حدوثاً هو الّذي دلّ على اعتبارها بحسب البقاء ، وهو عدم رضى الشارع بزعامة من لم يستجمع الشرائط على ما استكشفناه من مذاقه. فالدليل على اعتبار تلك الشروط في كل من الحدوث والبقاء شي‌ء واحد.


1) وسائل الشيعة 27 : 142 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 13.

إذن لا يمكننا الالتزام بجواز البقاء على تقليد من عرضه الفسق أو الجنون أو غيرهما من الموانع ، ولا يقاس افتقاد تلك الشرائط بزوال الحياة المعتبرة أيضاً في المقلّد بحسب الحدوث ، فإن الموت لا يعدّ نقصاً دينياً أو دنيوياً أبداً ، بل هو انتقال من نشأة إلى نشأة فهو في الحقيقة ترقّ من هذا العالم إلى عالم أرقى منه بكثير ومن هنا اتصف به الأنبياء والأوصياء علیهم السلام ومعه لا مانع من البقاء على تقليد المجتهد الميت وأين هذا مما نحن فيه ، فلا بدّ في تلك الموارد من العدول إلى مجتهد آخر مستجمع للشرائط المعتبرة في المقلّد كما أشرنا إليه في المسألة الرابعة والعشرين فليلاحظ.

أما الصورة الثالثة : وهي ما إذا قلّد مجتهداً مع العلم بكونه واجداً للشرائط المعتبرة وجداناً أو تعبداً وبعد ذلك شكّ في استجماعه لها من الابتداء ، لاحتماله الخطأ في علمه أو لعلمه بفسق الشاهدين ، وكيف كان فقد شك في أنه واجد للشرائط بقاءً سارياً إلى كونه كذلك بحسب الحدوث أيضاً ، ففي هذه الصورة ليس للمقلّد البقاء على تقليد المجتهد ، لأنه وإن كانت فتاواه حجة حدوثاً لمكان العلم الوجداني أو التعبدي بتوفر الشروط فيه ، إلاّ أنها قد سقطت عن الحجية بقاءً لزوال العلم أو لسقوط البينة عن الاعتبار ، والمكلّف كما أنه يحتاج إلى وجود الحجة والمؤمّن له من العقاب المحتمل حدوثاً كذلك يحتاج إليها بحسب البقاء فإن مقتضى تنجز التكاليف الواقعية بالعلم الإجمالي بها استحقاق المكلّف العقاب على تقدير المخالفة ، وهو يحتمل بالوجدان العقاب فيما يرتكبه أو يتركه وقد استقلّ العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ، ولا مناص معه من أن يستند إلى حجة مؤمّنة من العقاب دائماً ، وحيث إن فتوى مقلّده ساقطة عن الحجية بقاءً فليس له أن يعتمد عليها بحسب البقاء.

نعم ، لو قلنا إن قاعدة اليقين كالاستصحاب حجة معتبرة ، وأن النهي عن نقض اليقين بالشك شامل لكلتا القاعدتين جاز للمكلّف البقاء على تقليد من قلّده في مفروض الكلام ، لأن حجية فتاواه مسبوقة باليقين ولا اعتداد بالشك بعده لأنه ملغى عند الشارع بقاعدة اليقين ، إلاّ أنّا أسبقنا في محلّه أن الأخبار الناهية عن نقض اليقين بالشك لا يعم كلتا القاعدتين ، فلا مناص من أن يختص بقاعدة اليقين أو الاستصحاب ، وحيث إن بعضها قد طبق كبرى عدم نقض اليقين بالشك على مورد

[43] مسألة 43 : من ليس أهلاً للفتوى يحرم عليه الإفتاء (1).


الاستصحاب فلا يمكننا دعوى اختصاصها بالقاعدة فيكون الأخبار مختصة بالاستصحاب ، وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محلّه.

فتوى من لا أهلية له للفتوى :

(1) قد يراد ممن لا أهلية له من ليست له ملكة الاجتهاد ، وقد يراد به من لا أهلية له للفتوى من سائر الجهات ككونه فاسقاً أو غير أعلم ونحوهما.

أما من ليست له ملكة الاجتهاد ولكنه يفتي الناس بالقياس والاستحسان ونحوهما فلا ينبغي التردد في أن افتاءه حرام ، لأنه إسناد للحكم إلى اللّه سبحانه من غير حجة ودليل ، حيث إنه لم يأذن له بذلك فلا محالة يكون إفتاؤه افتراءً على اللّه لأنه عزّ من قائل قد حصر الأمر في شيئين : ما أذن به ، وما هو افتراء. وقال ( قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ ) (1).

هذا مضافاً إلى الروايات المصرحة بحرمته وهي من الكثرة بمكان عقد لها باباً في الوسائل وأسماه باب عدم جواز القضاء والإفتاء بغير علم بورود الحكم من المعصومين علیهم السلام (2)بل لو قال مثله إن نظري كذا أو فتواي هكذا ارتكب معصية ثانية لكذبه ، فإن مفروضنا أنه لا نظر ولا رأي له وبذلك يندرج في من قضى ولو بالحق وهو لا يعلم (3).

وأما من كان له ملكة الاجتهاد ولم تكن له الأهلية من سائر الجهات فلا كلام في جواز إخباره عن نظره وفتواه لعدم كونه كذباً على الفرض ، فإن مفروضنا أنه واجد


1) يونس 10 : 59.

2) وسائل الشيعة 27 : 20 / أبواب صفات القاضي ب 4.

3) عن أحمد عن أبيه رفعه عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال « القضاة أربعة : ثلاثة في النار وواحد في الجنة : رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار ، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة. » وسائل الشيعة 27 : 22 / أبواب صفات القاضي ب 4 ح 6.

لملكة الاجتهاد وأن له نظراً وفتوى ، كما لا شبهة في أن إفتاءه مما أذن به اللّه ، فإن ما أفتى به حسب نظره واجتهاده حكم اللّه سبحانه في حقه فهو ممن قضى بالحق وهو يعلم فلا افتراء في إسناده الحكم إلى اللّه ، وإنما الكلام في أن افتاءه ذلك تمويه وإغراء للجاهل وإضلال للسائل ليحرم من تلك الجهة أو أنه لا إغراء ولا إضلال في إفتائه بوجه؟

التحقيق أن السائل إذا كان جاهلاً بالحكم فحسب ، كما إذا علم بعدم عدالة المجتهد مثلاً إلاّ أنه لم يعلم أن فتوى المجتهد إنما تعتبر فيما إذا استجمع العدالة وغيرها من الشرائط ، وجب على المفتي إرشاده وذلك لوجوب تبليغ الأحكام للجاهلين بأن يبيّن للسائل أن الحجة في حقّه هي فتوى المجتهد الجامع للشرائط الّتي منها العدالة إذ لو لا ذلك لكان إفتاؤه إغراءً للجاهل وإضلالاً له وهو حرام.

وأما إذا كان جاهلاً بالموضوع دون حكمه بأن علم أن العدالة معتبرة في فتوى المجتهد وحجيتها ، إلاّ أنه لم يعلم أن المجتهد فاقد للعدالة وإن كان المجتهد عالماً بفسقه عند نفسه ، فافتاؤه ذلك أمر جائز وليس فيه أي إغراء وإضلال كما أنه ليس بافتراء ولا كذب ، وذلك كلّه لأنه الحكم الواقعي في حقه فلا مانع من أن يخبر عن نظره وفتواه ، ومفروضنا أن السائل غير جاهل بالحكم ليجب إرشاده وتبليغه فليس في البين إلاّ أن إفتاءه ذلك وإخباره عن الحكم ليس بحجة على السائل واقعاً وإن كان يعتقد حجيته وليس هذا من الإغراء بوجه. ولا يقتضي ذلك عدم جواز الإفتاء للمجتهد فإنه في الموضوعات الخارجية ، نظير ما إذا اعتقد عدالة شخصين فاسقين في الواقع وقد أخبراه بنجاسة شي‌ء مثلاً فإن أخبارهما وإن لم يكن بحجة عليه واقعاً وإنما يعتقد حجيته بتوهّم أنهما عادلان ، إلاّ أن أخبارهما عن النجاسة مما لا حرمة له لفرض صدقهما في أخبارهما ، ومقامنا من هذا القبيل.

نعم ، لا يجوز للفاسقين أن يشهدا الطلاق وإن اعتقد المجري للطلاق أو الزوجان عدالتهما ، وذلك لأن المرأة بحضورهما ترتّب على نفسها آثار الطلاق الصحيح وأنها مخلاة عن الزوج ، فيزوّج نفسها من غيره إذا انقضت عدتها مع أنها امرأة ذات بعل وهذا بخلاف أمثال المقام فإنه لا يتصوّر أي محذور في إفتاء غير العادل وإن اعتقد الجاهل عدالته ، ولا يجب عليه أن ينبّه السائل بفسقه أبداً ، اللّهُمَّ إلاّ أن يكون التصدي

وكذا من ليس أهلاً للقضاء يحرم عليه القضاء بين النّاس (1).


للإفتاء ظاهراً في الإنباء عن عدالته كما قد يتفق في بعض المقامات ، بحيث لو أفتى المجتهد بعد السؤال لكان ظاهره الاخبار عن عدالته واستجماعه الشرائط فإنه من قبيل إظهار العدالة ممن لا عدالة له وهو كذب حرام.

قضاؤه من لا أهلية له للقضاء :

(1) إن من ليس له أهلية القضاء يحرم أن يتصدى للقضاوة لأنه ليس بمنصوب لها ولو على نحو العموم ، ومعه لو تصدى لذلك تعيّن أن يكون من الشق الثالث من الشقوق الثلاثة الواردة في قوله علیه السلام مخاطباً لشريح : « قد جلست مجلساً لا يجلسه إلاّ نبي ، أو وصي نبي ، أو شقي » (1) لوضوح أنه ليس بنبي ولا أنه من أوصيائه فإن مفروضنا عدم أهليته للقضاء.

نعم ، لا بأس بإبداء نظره في أمر المترافعين بأن يقول : قولك هذا هو الصحيح بنظري أو ليس بصحيح عندي. وأما القضاء الّذي هو الاخبار عن الحكم المشخّص الثابت في الشريعة المقدسة في مورد الترافع فلا ، فإن الفرق بين القضاء والفتوى إنما هو في أن المفتي بفتواه يخبر عن الأحكام الإلهية الكلّية الثابتة لموضوعاتها وذلك كنجاسة الخمر وصحة البيع بغير العربية ونحوهما ، والقضاء أيضاً هو الاخبار عن الحكم الإلهي الثابت في الشريعة المقدسة إلاّ أنه حكم مشخّص وليس حكماً كلياً بوجه فالقاضي يخبر عن أن هذا ملك زيد وذاك ملك عمرو. ولا يتيسّر ذلك لمن ليس له أهلية القضاء فإنه ليس إخباره إخباراً عن الحكم الإلهي الثابت في الشريعة المقدسة. بل لو أخبر بقصد أن ما أخبر به هو الحكم الإلهي المشخّص في الواقعة فقد شرّع وهو حرام. وعلى الجملة من ليس له أهلية القضاء يحرم أن يتصدى للقضاوة بقصد أن يرتب عليها الأثر.

ويدلُّ على ما ذكرناه صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال :


1) وسائل الشيعة 27 : 17 / أبواب صفات القاضي ب 3 ح 2.

« اتقوا الحكومة فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي » (1)لدلالتها على أن القضاء من المناصب المختصة بالنبي صلی اللّه علیه و آله والوصي علیه السلام فلا يشرع لغيرهما إلاّ بالاذن من قبلهما على نحو الخصوص أو العموم فإن المأذون من قبلهما يشمله عنوان الوصي ، بناءً على أن المراد به مطلق من عهد إليه أو أنه مندرج في عنوانه إلاّ أن القضاء المأذون فيه من قبلهما في طول قضائهما ومتفرع على ولايتهما في القضاء. وظاهر الصحيحة أن ولاية القضاء لم تثبت لغيرهما في عرضهما لا أنها لم تثبت لغيرهما حتى إذا أذنا في القضاء ، والقدر المتيقن ممن اذن له في القضاء هو المجتهد الجامع للشرائط ، أعني من له أهلية القضاء إذن فغيره ممن لا أهلية له يبقى مشمولاً للصحيحة النافية لمشروعية القضاء عن غير النبي والوصي علیه السلام .

وأيضاً يدل عليه صحيحة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال قال : قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق علیه السلام : « إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه » (2)

ثمّ إنّا قد أسبقنا شطراً مما يرجع إلى وثاقة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال في ذيل ص 224 وذكرنا أن الشيخ قد ضعّفه في فهرسته ، ووثقه في موضع آخر على ما نقله عنه العلاّمة 1 إلاّ أن شيئاً من تضعيفه وتوثيقه غير قابل للاعتماد عليه وذلك لأن المتأخر منهما عدول عن المتقدم عليه ، وحيث إنّا لا نعلم أن الصادر متأخراً أيّهما فيكون كل من قولي الشيخ شبهة مصداقية للتضعيف والتوثيق ، وبذلك يسقطان عن الاعتبار ، ويبقى توثيق النجاشي وابن قولويه للرجل سليماً عن المعارض.

وهذا الّذي ذكرناه وإن كان صحيحاً في نفسه إلاّ أنه إنما يتم فيما إذا لم يصدر المتأخر منهما حال غفلته عمّا ذكره أولاً فإن مع التوجه والالتفات إليه لم يعقل صدور ضده أو نقيضه إلاّ عدولاً عمّا ذكره أولاً. وأما مع احتمال كونه غافلاً عمّا ذكره أولاً فلا يمكننا الحكم بأن المتأخر عدول عن سابقه لمكان غفلته ، كما لا يمكننا رفع هذا الاحتمال بأصالة عدم الغفلة المتسالم عليها عند العقلاء وذلك لأن التشبث بأصالة عدم الغفلة إنما يصح فيما إذا شككنا في أن كُلاًّ من تضعيفه وتوثيقه هل صدر عنه مع الغفلة أو الالتفات؟ وبها نبني على أنه ضعّفه مع الالتفات إليه ووثقه كذلك وأما انه عند ما أخذ بتضعيفه مثلاً مع الالتفات لم يكن غافلاً عن الأمر المتقدم عليه ، فهو مما لا يمكن إثباته بأصالة عدم الغفلة عند العقلاء.

ومن هنا تصدى سيدنا الأُستاذ أدام اللّه إظلاله لإثبات وثاقة الرجل ودفع ما قد يتوهّم من معارضة توثيق النجاشي وابن قولويه بتضعيف الشيخ له في فهرسته بطريق آخر وأفاد في الأمر الثالث من الأُمور الّتي تعرض لها في ترجمة الرجل من رجاله ما إليك نصه :

والصحيح أن يقال : إن تضعيف الشيخ لا يمكن الأخذ به في نفسه في المقام فشهادة النجاشي وابن قولويه ، وعلي بن الحسن بلا معارض بيان ذلك : ان سالم ابن أبي سلمة المتقدم قد عرفت قول النجاشي فيه : ان حديثه ليس بالنقي وأن ابن الغضائري ضعفه ، وقد ذكر النجاشي أن له كتاباً أخبر بها عدة من أصحابنا بالسند المتقدم في ترجمته ، ومع ذلك لم يتعرّض له الشيخ حتى في رجاله ، مع أن موضوعه أعم مما في الفهرست ، أفهل يمكن أن العدة المخبرين للنجاشي بكتاب سالم ابن أبي سلمة لم يخبروا الشيخ فلم يعلم الشيخ لا بنفسه ليذكر في رجاله ، ولا بكتابه ليذكره في فهرسته؟ فينحصر سرّ عدم تعرضه له تخيله أنه هو سالم بن مكرم ، فإنه اعتقد أن مكرماً كنيته أبو سلمة على ما صرّح به في عبارته المتقدمة ، وقد تعرض له في الفهرست والرجال ، وعليه فيكون تضعيفه لسالم بن مكرم مبنياً على أنه متحد مع سالم بن أبي سلمة الّذي مرّ كلام النجاشي وابن الغضائري فيه ، وحيث إنه 1 أخطأ في ذلك فإن سالم بن أبي سلمة رجل آخر غير سالم ابن مكرم فالتضعيف لا يكون راجعاً إلى سالم بن مكرم الّذي ليس هو بابن أبي سلمة بل هو نفسه مكنى بأبي سلمة على زعمه فتوثيق النجاشي وابن قولويه ، ومدح ابن فضال تبقى بلا معارض ... [ معجم رجال الحديث 8 : 25 ].

لدلالتها على أن جواز القضاوة ومشروعيتها تحتاج إلى

1) وسائل الشيعة 27 : 17 / أبواب صفات القاضي ب 3 ح 3.

2) وسائل الشيعة 27 : 13 / أبواب صفات القاضي ب 1 ح 5.

جعلهم وإذنهم علیهم السلام وقد مرّ أن المتيقن هو الاذن لمن له أهلية القضاء.

ويؤيده ما تقدم من رواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام « قال قال : أمير المؤمنين لشريح : يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلاّ نبي أو وصي نبي أو شقي » (1)لدلالتها على الاختصاص ، وإنما جعلناها مؤيدة لضعفها بيحيى بن المبارك الواقع في سندها.


1) وسائل الشيعة 27 : 17 / أبواب صفات القاضي ب 3 ح 2.

إذن لا دليل على مشروعية القضاء لمن لا أهلية له ، ومقتضى الأصل عدم نفوذ حكم شخص على شخص آخر ، كما أن مقتضى الروايات المتقدمة حرمة صدور القضاء ممن لا أهلية له ، وهو أصل ثانوي وإن كان الأصل الأولي يقتضي جوازه وإباحته ، فعلى هذا الأصل الثانوي يكون القضاء والحكم بعنوان الأهلية من التشريع المحرّم لأنه عنوان للفعل الخارجي.

وهل يعتبر الاجتهاد في الأهلية للقضاء أو أن المستفاد من الأدلة الواردة في المقام ثبوت الاذن لمطلق العالم بالقضاء وإن كان علمه مستنداً إلى التقليد دون الاجتهاد؟

الأوّل هو المشهور بين الأصحاب 5 بل ادعى عليه الإجماع في كلام جماعة منهم الشهيد الثاني في مسالكه (1)وإلى الثاني ذهب صاحب الجواهر قدس سره مدعياً أن المستفاد من الكتاب والسنة صحة الحكم بالحق والعدل والقسط من كل مؤمن وإن لم يكن له مرتبة الاجتهاد ، واستدل عليه بجملة من الآيات والروايات :

أما الآيات فكقوله عزّ من قائل ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) (2)وقوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا ) (3)ومفهوم قوله ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) (4)( هُمُ الظّالِمُونَ ) (5)( هُمُ الْكافِرُونَ ) (6)إلى غير ذلك من الآيات الكريمة فإن إطلاقها يقتضي عدم الفرق بين المجتهد ومن لم يبلغ مرتبة الاجتهاد.

وأما الروايات : فمنها : قوله علیه السلام « القضاة أربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنة ، رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار ، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو


1) مسالك الافهام 2 : 283.

2) النساء 4 : 58.

3) المائدة 5 : 8.

4) المائدة 5 : 47.

5) المائدة 5 : 45.

6) المائدة 5 : 44.

في النار ، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار ، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة » (1).

ومنها : صحيحة أبي خديجة قال « بعثني أبو عبد اللّه علیه السلام إلى أصحابنا فقال : قل لهم إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شي‌ء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق ، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا فإني قد جعلته عليكم قاضياً ، وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر » (2).

ومنها : صحيحته المتقدمة آنفاً (3)عن الصادق علیه السلام « إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ... ».

ومنها : صحيحة الحلبي قال « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : ربما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشي‌ء فيتراضيان برجل منّا فقال : ليس هو ذاك إنما هو الّذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط » (4)إلى غير ذلك من النصوص الّتي ادعى قدس سره بلوغها بالتعاضد أعلى مراتب القطع ، ودلالتها على أن المدار في الحكم والقضاء بالحق الّذي هو عند النبي وأهل بيته علیهم السلام بلا فرق في ذلك بين أن يكون المتصدّي للقضاء مجتهداً أو من لم يبلغ مرتبة الاجتهاد لأنهم أيضاً عالمون بالقضاء والأحكام بالتقليد ، فإن المراد بالعلم في صحيحة أبي خديجة المتقدمة أعم من الوجداني والتعبدي ، وإلاّ لم تشمل الصحيحة حتى للمجتهد لعدم علمه الوجداني بالأحكام ، ومن الظاهر أن المقلّد أيضاً عالم بالأحكام تعبداً لحجية فتوى المجتهد في حقه.

بل ذكر قدس سره أن ذلك لعلّه أولى من الأحكام الاجتهادية الظنية ، ثمّ أيّد


1) وسائل الشيعة 27 : 22 / أبواب صفات القاضي ب 4 ح 6.

2) وسائل الشيعة 27 : 139 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 6.

3) راجع ص 297.

4) وسائل الشيعة 27 : 15 / أبواب صفات القاضي ب 1 ح 8.

ما ذكره بقوله : بل قد يدعى أن الموجودين في زمن النبي صلی اللّه علیه و آله ممن أمر بالترافع إليهم قاصرون عن مرتبة الاجتهاد وإنما كانوا يقضون بما سمعوه من النبي صلی اللّه علیه و آله فدعوى قصور من علم جملة من الأحكام مشافهة أو بالتقليد عن منصب القضاء بما علمه خالية عن الدليل. وردّ الإجماع المدعى في كلماتهم بقوله : وأما دعوى الإجماع الّتي قد سمعتها فلم أتحققها بل لعلّ المحقق عندنا خلافها (1). انتهى ما أردنا نقله.

وقد يجاب عن ذلك بأن استدلاله قدس سره هذا ليس إلاّ تمسكاً بالإطلاق ويكفي في تقييده ورفع اليد عن المطلقات الواردة في المقام ، مقبولة عمر بن حنظلة الصريحة في اعتبار النظر والاجتهاد في الحاكم ، حيث ورد فيها « ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً ... » (2)والتوقيع الشريف بخط مولانا صاحب الزمان علیه السلام ... ، « وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة اللّه ... » (3). لدلالتهما على لزوم الرجوع إلى رواة الحديث وهم المطّلعون بالأحكام الشرعية بواسطة الروايات المأثورة عنهم علیهم السلام والنظر في مداليلها ورفع معارضاتها أو الجمع بينها وهو المعبّر عنه في الاصطلاح بالاجتهاد ومن هنا يظهر أن المقبولة قد دلت على اعتبار النظر والاجتهاد في القاضي بجميع جملاتها الثلاث أعني قوله علیه السلام روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا. فالاستدلال بها غير مختص بالجملة الوسطانية فحسب ، فإن رواية الحديث والمعرفة بالأحكام مستتبعان أيضاً للاجتهاد بالتقريب المتقدم. ثمّ إنه وإن كانت المطلقات والمقيد كلاهما مثبتين إلاّ أن المقيد لما ورد في مقام البيان اقتضى ذلك تقديمه على المطلقات وتقييدها به لا محالة.


1) جواهر الكلام 40 : 15.

2) وسائل الشيعة 27 : 136 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 1.

3) وسائل الشيعة 27 : 140 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 9.

ويرد عليه : أن رواية عمر بن حنظلة ضعيفة السند كما مرّ غير مرة وإن كانت الرواية متلقاة عند الأصحاب بالقبول ومن ثمة سميت بالمقبولة ، وكذلك الحال في التوقيع الشريف فإن في سنده إسحاق بن يعقوب ومحمد بن محمد بن عصام ولم تثبت وثاقتهما. نعم ، محمد بن محمد شيخ الصدوق قدس سره إلاّ أن مجرد الشيخوخة لمثله لا يقتضي التوثيق أبداً.

هذا مضافاً إلى إمكان المناقشة في دلالته ، فإن الإرجاع إلى رواة الحديث ظاهره الإرجاع إليهم بما هم رواة لا بما أنهم مجتهدون ، والنسبة بين الراوي والمجتهد عموم من وجه ، وإن كان يمكن إطلاق الرواة على المجتهدين بعناية أنهم في الحقيقة رواة الأئمة علیهم السلام ومستفيدين من آثارهم وعلومهم وليسوا في عرضهم بوجه إلاّ أنه إطلاق مسامحي ، ولا يقاس هذا بالإرجاع إلى آحاد الرواة كالارجاع إلى محمد بن مسلم أو يونس بن عبد الرحمن أو زكريا بن آدم وغيرهم ممن أرجعوا إليهم بأشخاصهم على ما بيّناه في أوائل الكتاب ، والفرق واضح لا يخفى على الفطن فهذا الجواب مما لا يمكن المساعدة عليه.

فالصحيح في الجواب أن يقال : إن الآيات المباركة ليست بصدد تعيين الحاكم وإنما هي بصدد بيان أن القضاوة لا بدّ أن تكون بالعدل والقسط فلا مجال للتمسك بإطلاقها.

وأما الروايات فهي أيضاً كذلك ، لأنها إنما وردت في قبال المخالفين للدلالة على عدم جواز الترافع إلى أهل الجور والفسوق ، وأن الايمان معتبر في القضاة. وأما أن القاضي يعتبر أن يكون مجتهداً أو يكفي كونه عالماً بالقضاء بالتقليد الصحيح أو أن القاضي يعتبر أن يكون رجلاً فلا يجوز الترافع إلى النساء أو غير ذلك من الأُمور فليست الروايات بصدد بيانها بوجه ، فصحّ ما ذكرناه من أن القدر المتيقن من المنصوبين للقضاء من قبلهم علیهم السلام هو المجتهد دون المقلّد وهو المتيقن الخروج عن الأصل. مضافاً إلى إمكان المناقشة في صحة إطلاق العالم بالقضاء والأحكام على من تعلمها بالتقليد فلاحظ ، وعلى الأقل أنه منصرف عن مثله.

وحكمه ليس بنافذ (1) ولا يجوز الترافع إليه (2) ولا الشهادة عنده (3) ، والمال الّذي يؤخذ بحكمه حرام (1)وإن كان الآخذ محقاً (4).


(1) لفرض عدم أهليته للقضاء كي ينفذ حكمه.

(2) لأنه من أظهر مصاديق الركون إلى الظلمة وهو حرام بل هو من التشريع المحرّم ، لأنه إمضاء عملي لقضاوة من تصدى لها ممن لا أهلية له للقضاء. هذا إذا كان عدم أهليته من جهة عدم استجماعه الشرائط المعتبرة في القضاء غير الايمان. وأما إذا كان عدم الأهلية من جهة عدم كونه مؤمناً كقضاة العامة وحكّامهم فيدل على عدم جواز الترافع إليه مضافاً إلى ما قدمناه ، الأخبار الناهية عن التحاكم إلى حكّام الجور وقضاة العامة. وقد عقد لها باباً في الوسائل فليراجع (2). هذا إذا كان الترافع إلى من ليس له أهلية القضاء لغاية فصل الخصومة ولزوم التبعية بحكمه في الشريعة المقدسة.

وأما إذا ترافعا إليه لا لغاية الفصل شرعاً بل من جهة تراضي المتحاكمين بقوله بحيث لو صدّق المدعي تنازل المنكر فيما أنكره ، كما أنه لو صدّق المنكر تنازل المدعي عمّا ادعاه مع بقاء حق الدعوى للمدعي لعدم تحقق الفيصلة شرعاً على الفرض فهو مما لا ينبغي التأمل في جوازه ، لأنه خارج عن القضاء ومندرج تحت المصالحة كما لعلّه ظاهر.

(3) لعين ما عرفته في التعليقة المتقدمة ، لأنه نوع ركون إلى الظلمة وأنه إمضاء عملي لقضاوته ، والمفروض عدم أهليته للقضاء فالشهادة عنده تشريع عملي محرّم.

(4) المال الّذي يؤخذ بحكمه إن كان كلياً ولم يكن للمحكوم له ولا لغيره تشخيصه واختيار تطبيقه على ما في الخارج ، فلا شبهة في حرمته وعدم جواز التصرف فيه كما لو تنازعا في دين مؤجل قبل حلول أجله فادعاه أحدهما وأنكره الآخر ، وتحاكما عند من لا أهلية له للقضاء وحكم بلزوم أدائه إلى المدعي وأنه صاحب الدين ومستحقه


1) (*) هذا إذا كان المال كلياً في الذمة ولم يكن للمحكوم له حق تعيينه خارجاً ، وأما إذا كان عيناً خارجية أو كان كلياً وكان له حق التعيين فلا يكون أخذه حراماً.

2) وسائل الشيعة 27 : 11 / أبواب صفات القاضي ب 1.

وكان الأمر كذلك واقعاً ، فإن المال الّذي اشتغلت به ذمة المنكر بالاستدانة كلّي لا يتشخّص إلاّ بتشخيص المالك نفسه أعني المديون ، فإذا شخّصه الحاكم الجائر أو الدائن قبل حلول الأجل فهو تشخيص غير شرعي وليس للدائن أن يتصرف فيه لوضوح أنه مال المديون ولم يطرأ عليه ما يوجب دخوله في ملك الدائن.

وأما إذا كان المال عيناً شخصية ، كما إذا غصبها أحد أو أخذها بعنوان الإجارة أو العارية ثمّ أنكرها ، أو كان ديناً معجّلاً أو مؤجّلاً حلّ أجله وحكم الحاكم الّذي ليس له أهلية القضاء بردّه إلى صاحب المال ، فلا مانع من أخذه بوجه لأنه بعينه وخصوصياته مال لمالكه ، أو أن له أن يأخذه ويحسبه من دينه لحلول أجله. بل له أن يأخذه ممن هو عنده قهراً وقوة أو بحيلة ووسيلة. وعلى الجملة لا مانع في هذه الصورة من أن يأخذ مالك المال بماله مستنداً إلى حكم من ليست له أهلية ، لجواز استنقاذه منه ولو بأسباب أُخر غير حكم الحاكم فإنه ماله ويجوز أن يتصرف فيه ، وغاية الأمر أنه ردّه إليه بإكراه الحاكم الجائر ، ولا يشمله حديث رفع الإكراه ، لأنه على خلاف الامتنان لاستلزامه الضرر على صاحب المال. نعم ، ترافعهما عند من لا أهلية له وحكّام الجور محرّم كما مرّ. والحاصل أن الترافع إلى حكّام الجور وإن كان محرّماً مطلقاً بلا فرق في ذلك بين الدين والعين إلاّ أن المال المأخوذ بحكمهم إنما يحرم إذا كان ديناً مؤجّلاً لا عيناً كما عرفت ، هذا.

وقد يقال بالحرمة في جميع الصور المتقدمة من الدين والعين الشخصية ويستدل عليه بمقبولة عمر بن حنظلة : « وما يحكم به فإنما يأخذه سحتاً » أو « فحكم له فإنما يأخذه سحتاً ». فإن إطلاقها يقتضي عدم الفرق بين الكلّي والشخصي بل الإطلاق هو ظاهر صدرها حيث سئل فيها عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث ، فإن الميراث في مقابل الدين ظاهره العين ، وحمل الميراث على الدين بعيد جدّاً.

ثمّ إن المقبولة وإن كان موردها التحاكم إلى السلطان أو القضاء إلاّ أن عموم تعليلها : لأنه أخذ بحكم الطاغوت ، يقتضي عدم الفرق بينهما وبين ما إذا كان الحاكم من المؤمنين الفاقدين لشرائط القضاء لأنه يشمل كل طاغ ، والمتصدي للقضاء المحرّم طاغ.

ولا يعارضها ما رواه الحسن بن علي بن فضال قال « قرأت في كتاب أبي الأسد إلى أبي الحسن الثاني علیه السلام وقرأته بخطّه سأله : ما تفسير قوله تعالى ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ ) فكتب بخطّه : الحكّام : القضاة ، ثمّ كتب تحته : هو أن يعلم الرجل أنه ظالم فيحكم له القاضي فهو غير معذور في أخذه ذلك الّذي قد حكم له إذا كان قد علم أنه ظالم » (1)وذلك لأنه إنما ورد في تفسير الآية الشريفة لا في بيان موضوع الحرمة مطلقاً ، ولا مانع من اعتبار الظلم في صدق الباطل دون صدق الحرمة ولو بعنوان آخر.

ويرد عليه أوّلاً : أن المقبولة ضعيفة السند كما مرّ وغير صالحة للاستدلال بها بوجه.

وثانياً : أنها ضعيفة الدلالة على المدعى ، لأن المستفاد من كلمات أهل اللغة أن للسحت إطلاقين فإنها قد تطلق على ما لا يحل كسبه ، وقد يطلق على ما هو خبيث الذات من المحرّمات ، ولا يصدق شي‌ء منهما في المقام ، لأن المال بعينه للمحكوم له وكونه مورداً لحكم الجائر بالرّد إليه لا يحتمل أن يكون مستلزماً لخروجه عن ملكه فلا يكون أخذه من الانتقال المحرّم ، والسحت هو الانتقال من الغير على الوجه المحرّم فإنه معنى ما لا يحل كسبه. كما أنه ليس محرّماً خبيث الذات ، وما لم يكن كذلك لا يطلق عليه السحت وإن حرم بعنوان آخر طار عليه ، فمن أفطر بطعام مملوك له في نهار شهر رمضان لم يصح أن يقال : إنه آكل السحت أو أنه أكل سحتاً ، وإن كان إفطاره هذا محرّماً.

وثالثاً : أن الميراث غير مختص بالعين الشخصية بل إنما هو مطلق يشملها كما يشمل العين المشتركة الّتي تتوقف فيها الحلية على رضى الطرفين بتقسيمها ، إذن لا مانع من حمل الميراث على العين المشتركة وهي لا تنقسم بتقسيم الحاكم الجائر ، فإذا كان هو المباشر أو الآمر بتقسيم الميراث بين المتنازعين لم يجز للمحكوم له التصرف في قسمته ، لعدم خروج العين عن الاشتراك بتقسيمه فيكون المأخوذ بحكمه كما في الدين سحتاً. على أن مورد المقبولة هي الشبهة الحكمية فلا أثر لدعوى أن مورد


1) وسائل الشيعة 27 : 15 / أبواب صفات القاضي ب 1 ح 9.

المنازعة عين شخصية.

ثمّ إنّا لو أغمضنا عن ذلك وبنينا على تمامية المقبولة بحسب السند والدلالة فالوجه في عدم كونها معارضة برواية ابن فضال المتقدمة بناء على عدم المناقشة في سندها لأن في سندها محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن عيسى وهو مما استثناه ابن الوليد عن رواياته كما تقدم أن الرواية إنما وردت تفسيراً للآية المباركة وقد دلت على أن المراد فيها بالحكّام هو القضاة ، فعلى تقدير تمامية الرواية لا بدّ من الأخذ بها في مورد الآية وهو حرمة أكل المال بالباطل ، ولا يستفاد منها بوجه أن المراد بالحاكم في جميع الموارد الّتي منها حرمة الأخذ بحكمه هو قضاة الجور.

وأما دعوى أن المراد بالقضاة في الرواية قضاة العدل ولو من جهة الجمع العرفي بينها وبين المقبولة.

فيدفعها : تفسيرها بقضاة الجور في رواية أبي بصير قال : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ ) فقال : يا أبا بصير إن اللّه عزّ وجلّ قد علم أن في الأُمة حكّاماً يجورون أما إنه لم يعن حكّام أهل العدل ولكنه عنى حكّام أهل الجور ، يا أبا محمد إنه لو كان لك على رجل حق فدعوته إلى حكّام العدل فأبى عليك إلاّ أن يرافعك إلى حكّام أهل الجور ليقضوا له ، لكان ممن حاكم إلى الطاغوت وهو قول اللّه عزّ وجلّ ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ ) (1).

وهذه الرواية وإن كان في سندها عبد اللّه بن بحر فهي ضعيفة لأجله ووقوعه في سند كامل الزيارات على نسخة غير مفيد لأن مع اختلاف النسخة لا يثبت التوثيق. ويؤيده أن ابن الغضائري قد ضعّف الرجل صريحاً ، إلاّ أن الرواية المتقدمة أيضاً ضعيفة لما مرّ فالكلام فيهما إنما هو مع الغض عن الضعف في سنديهما.

فإلى هنا تحصّل أن الترافع إلى الحكّام الجائرين وإن كان محرّماً مطلقاً إلاّ أن حرمة الترافع غير مستلزمة لحرمة المال المأخوذ بحكمهم في الأعيان الشخصية كما تقدم.


1) وسائل الشيعة 27 : 12 / أبواب صفات القاضي ب 1 ح 3.

إلاّ إذا انحصر استنقاذ حقّه بالترافع عنده (1).

[44] مسألة 44 : يجب في المفتي (2) والقاضي العدالة (3)


(1) لأن حكم الحاكم الشرعي لا يعتنى به في المحاكمات ولا يرتب الأثر عليه ، إما مطلقاً كما في زماننا هذا وما شابهه أو عند أحد المترافعين ، كما إذا لم يرض إلاّ بالتحاكم إلى القضاة أو لم يوجد حاكم مستجمع للشرائط أو وجد وتعسّر الوصول إليه ، أو غير ذلك من الموارد الّتي لو لم يترافع عند من لا أهلية له لذهب حقه أو ماله ، ومعه يجوز الترافع عنده كما يجوز أن يتصرف في المال المأخوذ بحكمه. وذلك للضرورة فإن الضرورات تبيح المحظورات ، وللضرر بترك المرافعة عند من ليس له أهلية القضاء وحديث نفي الضرر حاكم على جميع أدلة الأحكام الّتي منها ما دلّ على عدم جواز الترافع عند من لا أهلية له ، وعدم جواز التصرف في المال المأخوذ بحكمه ، فإن حرمتهما إذا كانت مستلزمة للضرر على المكلّف ارتفعت بمقتضى الحديث.

وبذلك يظهر أنه لا وجه لما عن الأكثر من المنع والاستدلال عليه بإطلاقات الأدلة وأن الترافع إليه أمر منكر وهو حرام أو أنه إعانة على الإثم ، لأنها على تقدير تماميتها في نفسها ولا تتم محكومة بما دلّ على نفي الضرر في الشريعة المقدسة ، فلاحظ.

(2) كما مرّ ومرّ الوجه فيه.

اعتبار العدالة في القاضي :

(3) وذلك لأن القضاء من المناصب الّتي لها أهميتها في الشريعة المقدسة بعد الولاية ، بل هو من المناصب المختصة بالنبي وأوصيائه علیهم السلام وهم قد ينصبون شخصاً معيّناً للقضاء وقد ينصبون على نحو العموم ، ولا يحتمل أن يجعل الشارع الحكيم هذا المنصب العظيم لمن هو خارج عن طريقته ، كيف وقد اعتبرنا العدالة في إمام الجماعة والشاهد فكيف بالقضاء الّذي هو أهم منهما.

هذا وقد ورد فيما رواه الصدوق بإسناده الصحيح عن سليمان بن خالد عن أبي

وتثبت العدالة بشهادة عدلين (1)، وبالمعاشرة المفيدة للعلم بالملكة ، أو الاطمئنان بها ، وبالشياع المفيد للعلم (2)(1)

[45] مسألة 45 : إذا مضت مدة من بلوغه وشكّ بعد ذلك في أن إعماله كانت عن تقليد صحيح أم لا ، يجوز له البناء على الصحة في أعماله السابقة (2)


عبد اللّه علیه السلام « اتقوا الحكومة فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي » (3)ومن الظاهر أن الفاسق لا يسمح أن يكون وصي نبي.

بل يمكن الاستدلال عليه بما ورد في صحيحة أبي خديجة قال : « بعثني أبو عبد اللّه إلى أصحابنا فقال قل لهم : إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شي‌ء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق ، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا فإني قد جعلته عليكم قاضياً وإياكم أن تخاصموا بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر » (4)لأنها وإن وردت في قضاة العامة وحكّامهم إلاّ أن في تعليق الحكم على صفة الفسق إشعاراً قوياً على أن الفاسق ليس له أهلية القضاء.

بل يمكن أن يقال : إن التحاكم إلى الفاسق من أظهر أنحاء الركون إلى الظلمة وقد نهي عنه في الشريعة المقدسة. وبهذا كلّه نقيد إطلاق صحيحة أبي خديجة : « ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا » (5).

ثمّ إن بما ذكرناه يظهر أن القاضي يعتبر أن يكون محرز العدالة فالمجهول حاله من حيث العدالة كالمعلوم فسقه غير صالح للقضاء لعدم العلم بأهليته.

(1) تقدم الكلام فيما تثبت به العدالة في المسألة الثالثة والعشرين فليراجع.

(2) كما إذا صام أو صلّى مدة من الزمان ثمّ شكّ في أنه هل أتى بها عن التقليد


1) (*) مرّ أن الأظهر ثبوتها بشهادة عدل واحد بل بمطلق الثقة أيضاً.

2) (**) بل يكفي الاطمئنان.

3) وسائل الشيعة 27 : 17 / أبواب صفات القاضي ب 3 ح 3.

4) وسائل الشيعة 27 : 139 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 6.

5) وسائل الشيعة 27 : 13 / أبواب صفات القاضي ب 1 ح 5.

وفي اللاّحقة يجب عليه التصحيح فعلاً (1)


الصحيح أو عن تقليد غير صحيح أو لم يقلّد فيها أصلاً ، فإنه مضافاً إلى جريان حديث لا تعاد في الصلاة بإحراز موضوعه وعدم كون الجاهل مقصّراً بالاستصحاب على ما قدّمنا تقريبه في المسألة الواحدة والأربعين ، يمكن الحكم بصحة أعماله السابقة بقاعدة الفراغ لأجل أن صورة العمل غير محفوظة ، وذلك فإن ذات العمل وإن كانت معلومة إلاّ أن الشك في كيفيته وأنه أتى به مستنداً إلى فتوى من يجب تقليده أو لا عن استناد إليها ومعه يحكم بصحته بالقاعدة. وعلى الجملة أنه كلّما احتمل أن يكون المكلف به واقعاً منطبقاً على ما أتى به المكلف من العمل وشكّ في صحته وفساده حكم بصحته بالقاعدة.

نعم ، إذا كانت صورة العمل محفوظة بأن علم مثلاً أنه كان يصلّي من غير سورة أو من دون وضوء بل مع التيمم ، وشكّ في صحته وفساده من جهة احتمال مطابقته للواقع أي فتوى من يجب تقليده من باب الصدفة والاتفاق ، لم تجر فيه قاعدة الفراغ لا في هذه المسألة ولا في المسألة الواحدة والأربعين على ما بيّناه في التكلّم على قاعدة الفراغ ومعه إذا كان شكّه هذا في الوقت وجبت إعادة أعماله. وأما لو كان خارج الوقت فلا دليل على وجوب قضائها لأن القضاء بالأمر الجديد وموضوعه فوت الفريضة في وقتها وهو غير محرز في المقام ، لاحتمال أن تكون أعماله مطابقة للواقع ولو صدفة.

(1) إذ لا سبيل إلى تصحيحها بإجراء قاعدة الفراغ في الأعمال المتقدمة ، لما أسلفنا في محلّه من أن القاعدة لا تثبت لوازمها العقلية ، ولا الآثار الشرعية المترتبة على تلك اللوازم ، ومن الظاهر أن كون الأعمال الآتية واجدة لشرطها من اللّوازم العقلية لكون الأعمال الماضية واجدة له ، حتى إذا بنينا على أن القاعدة من الأمارات كما هو الصحيح وذلك لما قدّمناه في موضعه من أن الأمارات كالأُصول في عدم حجية مثبتاتها ، اللّهُمَّ إلاّ أن تكون الأمارة من مقولة الحكاية كالخبر ونحوه. وعليه يجب على المكلّف التصحيح بالإضافة إلى الأعمال اللاّحقة بالرجوع إلى مجتهد جامع للشرائط بالفعل.

[46] مسألة 46 : يجب على العامّي أن يقلّد الأعلم في مسألة وجوب تقليد الأعلم أو عدم وجوبه (1)ولا يجوز أن يقلّد غير الأعلم إذا أفتى بعدم وجوب تقليد الأعلم. بل لو أفتى الأعلم بعدم وجوب تقليد الأعلم يشكل جواز الاعتماد عليه (1)فالقدر المتيقن للعامّي تقليد الأعلم في الفرعيات (2).


التقليد في مسألة تقليد الأعلم :

(1) لأنها كغيرها من المسائل الفرعية الّتي يجب فيها الرجوع إلى الأعلم لاستقلال العقل به ، من باب الاحتياط والأخذ بالمقدار المتيقن للشك في حجية فتوى غير الأعلم وهو يساوق القطع بعدمها. ولا ينافي ذلك ما قدّمناه من أن مسألة التقليد ليست بتقليدية ، فإنه راجع إلى أصل وجوب التقليد الّذي استقل به العقل على ما قدّمناه في أوائل الكتاب ، وأما وجوب تقليد الأعلم وعدمه فهما من المسائل التقليدية لا محالة لعدم كون العامّي متمكناً من استنباط وجوبه وعدمه.

نعم ، قدّمنا ويأتي أن العامّي يستقل عقله بوجوب تقليد الأعلم إلاّ أنه من باب الاحتياط والأخذ بالقدر المتيقن عند دوران الأمر في الحجية بين التعيينية والتخييرية لا من باب قيام الدليل عنده على حجية فتاواه ، فإذا فرضنا أن الحجة كفتوى الأعلم قامت على عدم وجوب تقليد الأعلم في المسائل الفرعية وأن فتوى غير الأعلم كفتوى الأعلم لم يبق أي مجال للاحتياط وجاز الرجوع إلى غير الأعلم فإنه في الحقيقة تقليد من الأعلم الّذي أفتى بالجواز.

(2) لا يمكن المساعدة على ما أفاده الماتن في المقام ، بل الصحيح أن فتاوى غير الأعلم تتصف بالحجية بفتوى الأعلم بجواز الرجوع إليه ، وهذا مما لا مانع من الالتزام به فإن العامّي في رجوعه إلى فتوى غير الأعلم استند إلى ما قطع بحجيته وهو فتوى الأعلم ولا يجب على المكلّف غير العمل على طبق ما قطع باعتباره ، وقد فرضنا أن فتوى غير الأعلم مما قامت على حجيتها فتوى الأعلم المعلومة حجيتها.


1) (*) لا إشكال فيه أصلاً.

وحيث إن العامّي كما أشرنا إليه في التعليقة المتقدمة لم يقم عنده دليل على عدم حجية فتوى غير الأعلم ، وإنما قلنا بوجوب تقليد الأعلم في حقه من باب الاحتياط والأخذ بالمقدار المتيقن عند دوران الأمر في الحجية بين التعيينية والتخييرية ، ومع الفتوى المقطوعة حجيتها لا يبقى مجال للاحتياط ، ولا مانع معها من الرجوع إلى فتوى غير الأعلم.

نعم ، إذا فرضنا أن العامّي يتمكن من الاستنباط في تلك المسألة وادي نظره إلى عدم جواز تقليد غير الأعلم وإن أفتى الأعلم بجوازه ، لم يجز له الرجوع إلى غير الأعلم بفتوى الأعلم بالجواز. وأما العامّي غير المتمكن من استنباط ذلك فلا بدّ من أن يرجع إلى الأعلم في تلك المسألة ، فإذا أفتى بجواز الرجوع إلى غير الأعلم اتصفت فتاوى غير الأعلم بالحجية بفتواه ، نظير حجية خبر الثقة فيما إذا أثبتنا حجية الخبر الواحد بالأخبار المتواترة إجمالاً وأخذنا بما هو القدر المتيقن من مداليلها وهو خبر العدل الإمامي ، وبعد هذا أخبر الثقة العدل بحجية خبر الثقة وإن لم يكن عدلاً إمامياً فإنه يثبت بذلك حجية خبر الثقة بعد ما لم يكن حجة على ما بيّناه في التكلّم على حجية الخبر ، وعلى الجملة لا مانع من أن يقلّد غير الأعلم بعد تقليده من الأعلم وإفتائه بجواز الرجوع إليه ، هذا.

على أن الاستشكال في حجية فتوى غير الأعلم لا تترتب عليه ثمرة في محل الكلام ، وذلك لأن الشبهة في ذلك إن كانت من الأعلم فالمفروض أن الأعلم أفتى بجواز تقليد غير الأعلم ولم يستشكل في جوازه ، وإن كانت من غير الأعلم فالمفروض عدم حجية فتاواه إذ الحجة على العامّي إنما هي فتوى الأعلم فحسب ، فإذا أفتى الأعلم بجواز تقليد غير الأعلم لم يكن أي مانع من تقليده وكان هذا في الحقيقة تقليداً من الأعلم.

[47] مسألة 47 : إذا كان مجتهد ان أحدهما أعلم في أحكام العبادات والآخر أعلم في المعاملات فالأحوط تبعيض (1)التقليد وكذا إذا كان أحدهما أعلم في بعض العبادات مثلاً والآخر في البعض الآخر (1).


التبعيض في التقليد :

(1) قد اتضح مما ذكرناه في مسألة وجوب تقليد الأعلم وجوب التبعيض في التقليد فيما إذا كان هناك مجتهدان أحدهما أعلم في العبادات مثلاً والآخر في المعاملات لكثرة اطلاع أحدهما بالمصادر والأخبار وتضلعه في الفروع والنظائر وقدرته على الجمع بين متعارضات الروايات ، والآخر كان أكثر اطلاعاً على القواعد الأُصولية والكبريات ، ومن هنا كان الأول أعلم في العبادات والآخر في المعاملات فإنه يجب على المقلّد أن يبعّض في تقليده بأن يقلّد الأعلم في العبادات في العبادات ، ويقلّد الأعلم في المعاملات ، في المعاملات والوجه فيه هو الأدلة الدالة على وجوب تقليد الأعلم كما قدّمناها في محلّها. هذا كلّه عند العلم بالمخالفة بينهما.

وأما مع عدم العلم بالمخالفة فمقتضى ما قدّمناه من جواز تقليد غير الأعلم أو المتساويين حينئذٍ ، جواز التبعيض في تقليدهما دون وجوبه لجواز أن يقلد العامّي أحدهما في مورد ويقلّد الآخر في مورد آخر ، لعدم العلم بالمخالفة بينهما بل الحال كذلك بالنسبة إلى أجزاء عمل واحد وشرائطه ، فللمكلف أن يقلّد من أحدهما في الاكتفاء بالمرة الواحدة في غسل الثياب أو في عدم وجوب السورة في الصلاة ، ويقلّد الآخر في جواز المسح منكوساً مثلاً أو الاكتفاء في التسبيحات الأربع بالمرّة الواحدة وذلك لأنه استند في عمله وقتئذٍ إلى ما هو حجة في حقه.

نعم ، لو قلنا بالتخيير بين الأعلم وغير الأعلم أو المتساويين حتى مع العلم بالمخالفة في الفتوى بينهما ، فالعامّي وإن جاز أن يبّعض في تقليده بأن يقلّد أحدهما في باب أو عمل ويقلّد الآخر في باب أو عمل آخر كما في فعلين أو بابين مستقلين كالعبادات والمعاملات ، إلاّ أنه لا يتمكن من التبعيض في تقليدهما بالإضافة إلى أجزاء عمل


1) (*) بل الأظهر ذلك مع العلم بالمخالفة على ما مرّ ، وكذا الحال فيما بعده.

[48] مسألة 48 : إذا نقل شخص فتوى المجتهد خطأ يجب عليه إعلام من تعلّم منه وكذا إذا أخطأ المجتهد في بيان فتواه يجب عليه الإعلام (1)(1)


واحد وشرائطه ، وذلك لأن صحة الأجزاء في المركبات الارتباطية ارتباطية لا محالة وصحة كل جزء من أجزائها مقيدة بصحة الجزء الآخر فمع بطلان أحد أجزاء المركب تبطل بقية أجزائه ، وعليه لو أتى بالصلاة فاقدة للسورة مع الاكتفاء في التسبيحات الأربع بالمرة الواحدة ، واحتمل بعد ذلك فساد صلاته لعلمه في كل من السورة والتسبيحات بمخالفة المجتهد الآخر ، وجب أن يستند في تركه الإعادة أو القضاء إلى ما هو حجة في حقه كفتوى المجتهد ، لأن مقتضى قاعدة الاشتغال لزوم الإعادة أو القضاء وعدم فراغ الذمة بما أتى به من الصلاة للشك في صحتها ، وليس في البين من يفتي بصحة عمله وعدم وجوب الإعادة لأن ما أتى به غير صحيح عند كل من المجتهدين ، وإن كان الوجه في فساده مختلفاً عندهما فإن أحدهما يرى بطلانها مستنداً إلى الإخلال بالسورة ويراه الآخر مستنداً إلى الإخلال بالتسبيحات الأربع ثلاثاً ومع بطلان العمل عند كليهما وعدم الفتوى بالصحة لا بدّ من إعادته أو قضائه كما عرفت.

حكم الخطأ في بيان الفتوى :

(1) يقع الكلام في هذه المسألة تارة فيما إذا نقل فتوى المجتهد بالإباحة ثمّ ظهر أن فتواه هو الحرمة أو الوجوب أو أن المجتهد أخطأ في بيان فتواه فأفتى بالإباحة مع أن فتواه الحرمة أو الوجوب ، كما إذا سئل عن العصير العنبي إذا غلى فأفتى بعدم حرمته وظهر بعد ذلك أن فتواه حرمته وإنما الجائز عنده هو العصير الزبيبي واشتبه أحدهما بالآخر.

وأُخرى فيما إذا نقل فتوى المجتهد بالحرمة أو الوجوب ثمّ ظهر أن فتواه هي الإباحة أو أنه أفتى السائل بهما ثمّ التفت أن فتواه الجواز ، كما لو سئل عن الانتفاع بالميتة فأفتى


1) (*) الأظهر هو التفصيل بين ما إذا نقل فتواه بإباحة شي‌ء ثمّ بان أن فتواه هي الوجوب أو الحرمة وبين ما إذا نقل فتواه بالوجوب أو الحرمة ثمّ بان أن فتواه كانت الإباحة ، فعلى الأوّل يجب الاعلام دون الثاني ، وكذا الحال بالإضافة إلى المجتهد نفسه.

بحرمته ثمّ انكشف أنه يفتي بجوازه وإنما يرى حرمة بيع الميتة واشتبه عليه الانتفاع بالبيع. ويقع الكلام في هاتين الصورتين في أن الناقل أو المجتهد هل يجب عليهما إعلام الجاهل بالحال وبيان أن الأمر قد اشتبه عليهما أو لا يجب؟

أما الصورة الاولى : فلا ينبغي التوقف في وجوب الاعلام في تلك الصورة لأنه بفتواه بالإباحة أو بنقله الفتوى بها قد سبّب إلى الوقوع في الحرام أعني ترك الواجب أو فعل الحرام. وقد ذكرنا في محلّه أن المستفاد حسب المتفاهم العرفي من دليل الحرمة في جميع الموارد إنما هو مبغوضية انتساب العمل المحرّم إلى المكلفين ، بلا فرق في ذلك بين الانتساب بالمباشرة والانتساب بالتسبيب ، ومن هنا قلنا إن تقديم الطعام النجس إلى الجاهل ليأكله أمر حرام ، لأن النهي والتحريم وإن كانا قد تعلقا بأكل النجس إلاّ أن العرف يفهم من ذلك أن أكل النجس مبغوض مطلقاً سواء صدر ذلك عن المكلّف بالمباشرة أم صدر بالتسبيب ، كتقديمه الطعام النجس إلى من يحرم عليه أكل النجس واقعاً وإن كان بالفعل معذوراً لجهله ، وكذلك الحال فيما إذا نهى عن الدخول عليه فإن العرف يفهم من مثله عدم الفرق في مبغوضية الدخول عليه بين صدوره بالمباشرة كما إذا دخل عليه بنفسه وبين صدوره بالتسبيب كما إذا أدخل الغير عليه.

إذن مقتضى أدلة المحرّمات عدم جواز التسبيب إلى الحرام. بل العقل أيضاً مستقل بذلك لأن ما هو الملاك في المنع عن العمل بالمباشرة موجود في العمل بالتسبيب ، وبما أن المجتهد أفتى بإباحة الحرام أو الواجب أو أن الناقل نقل الفتوى بالإباحة فيهما فقد سبّبا إلى وقوع المكلّف في ترك الواجب أو فعل الحرام ، وغاية الأمر أنهما ما داما غافلين ومستمرين في اشتباههما معذوران في التسبيب إلى الحرام ، فإذا ارتفعت غفلتهما والتفتا إلى الحال وجب عليهما إعلام الجاهل وبيان أن الفعل واجب أو حرام وأن الإفتاء بالإباحة أو نقلها إنما صدرا غفلة ونحوها.

ويؤيد ذلك بل يدل عليه ما ورد من أن المفتي ضامن كما في صحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج قال : « كان أبو عبد اللّه علیه السلام قاعداً في حلقة ربيعة الرأي فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فأجابه فلما سكت قال له الأعرابي : أهو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة ، ولم يردّ عليه شيئاً فأعاد المسألة عليه ، فأجابه بمثل ذلك

فقال له الأعرابي : أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة ، فقال أبو عبد اللّه علیه السلام هو في عنقه قال أو لم يقل ، وكل مفتٍ ضامن » (1)والمراد بالمفتي مطلق من ينقل الحكم فيشمل المجتهد والناقل كليهما.

بل ورد في بعض الأخبار أن كفارة تقليم المحرم أظفاره على من أفتى بجوازه (2)وتدل عليه أيضاً صحيحة أبي عبيدة الحذاء قال : « قال أبو جعفر علیه السلام : من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، ولحقه وزر من عمل بفتياه » (3)وكذلك غيرها من الأخبار الدالة على حرمة الفتوى بغير علم وذلك لأن الفتوى بالإباحة في المقام أيضاً من غير علم وإن كان المجتهد أو الناقل معذورين ما داما مشتبهين أو غافلين إلاّ أنه إذا ارتفعت الغفلة وجب عليهما إعلام الجاهل بالحال كما مرّ ، هذا.

وقد أسبقنا عند التكلّم على معنى التقليد أن كون المفتي ضامناً هو الموافق لمعنى التقليد ومفهومه ، لأنه بمعنى جعل الشخص ذا قلادة فكأنّ العامّي جعل أعماله الّتي استند فيها إلى فتوى ذلك الشخص قلادة ووضعها على رقبته ، وإذا كان الأمر كذلك فلا مناص من الحكم بوجوب الاعلام في المقام ، لأنه لو تركه بعد ما زالت غفلته ضمن ما أتى به الجاهل من المحرّمات أو ما تركه من الواجبات وكان وزر ذلك عليه.

نعم ، لا مجال للاستدلال في المقام بما دلّ على وجوب تبليغ الأحكام الشرعية وحفظها عن الاندراس ، وذلك لأنها إنما دلت على وجوب تبليغها فحسب ويتحقق ذلك ببيان الأحكام الشرعية على نحو يتمكن العامّي من الوصول إليه حتى لا يندرس الدين بلا فرق في ذلك بين المجتهد وغيره من المكلّفين ، وأما إيصالها إلى كل فرد فرد من آحاد المكلّفين ولو بدقّ أبوابهم فلم يقم على وجوبه دليل ولم يلتزم به الأئمة علیهم السلام فما ظنك بغيرهم ، وإنما التبليغ كذلك كان لازماً على النبي صلی اللّه علیه و آله بالمقدار الممكن منه دون بقية المكلّفين ، ويتحقق بيان الأحكام


1) وسائل الشيعة 27 : 220 / أبواب آداب القاضي ب 7 ح 2.

2) وسائل الشيعة 13 : 164 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 13.

3) وسائل الشيعة 27 : 20 / أبواب صفات القاضي ب 4 ح 1.

الشرعية على النحو المزبور في حق المجتهد بطبع رسالته العملية وجعلها مورداً يتمكن من الوصول إليه ، أو بجلوسه في بيته وتهيئه للجواب عند السؤال عن الأحكام الشرعية. وهذا بخلاف المقام لأن المطلوب فيه ليس هو التحفظ على الأحكام الشرعية عن الاندراس ببيانها على نحو يتمكن المكلّف من الوصول إليها ، بل المراد إيصال الحكم إلى العامّي الجاهل بشخصه ، وهذا مما لا تقتضيه الأدلة الواردة في وجوب تبليغ الأحكام الشرعية فالاستدلال بتلك الأدلة مما لا وجه له في المقام ، هذا كلّه في الصورة الأُولى.

أما الصورة الثانية : فالصحيح أن الاعلام غير واجب حينئذٍ ، إذ لا دليل على وجوبه ، فإذا سئل المجتهد عن الصوت المرجّع مثلاً فأفتى بحرمته وأنه غناء وظهر بعد ذلك أن فتواه فيه الإباحة وأن المحرّم هو الصوت المرجّع المطرب ، لم يجب عليه إعلام السائل بالحال ، لأنه أو الناقل وإن سبّب ترك العمل للمكلّف إلاّ أنه تسبيب إلى التزام المكلّف بترك أمر مباح أو بإتيان عمل غير واجب ولا حرام وهو مما لا محذور فيه بل هو أمر مستحسن لأنه موافق للاحتياط ، فما استدللنا به على حرمة التسبيب غير جار في المقام.

وأما الاستدلال على وجوب الاعلام في هذه الصورة بما دلّ على وجوب تبليغ الأحكام وحفظها عن الاندراس فيرد عليه :

أوّلاً : ما قدّمناه من أن تلك الأدلة إنما تقتضي وجوب تبليغ الأحكام بمعنى بيانها على نحو يتمكن من الوصول إليها ولا دلالة لها على وجوب إيصالها إلى آحاد المكلّفين الّذي هو المطلوب في المقام.

وثانياً : أن الآيات والأخبار المستدل بهما على وجوب تبليغ الأحكام مختصة بالأحكام الإلزامية ، ولا تعمّ الأحكام الترخيصية إما لاقترانها بالقرينة في نفسها كقوله عزّ من قائل ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ ... ) (1)فإنه يدل على أن كتمان ما هو سبب للهداية


1) البقرة 2 : 159.

[49] مسألة 49 : إذا اتفق في أثناء الصّلاة مسألة لا يعلم حكمها يجوز له أن يبني على أحد الطرفين (1)بقصد أن يسأل عن الحكم بعد الصلاة ، وأنه إذا كان ما أتى به على خلاف الواقع يعيد صلاته ، فلو فعل ذلك وكان ما فعله مطابقاً للواقع ، لا يجب عليه الإعادة (1).


هو المبغوض المحرّم لدى اللّه ، وما به الهداية الأحكام الإلزامية فحسب وقوله ( وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (2)لوضوح أن الإنذار لا يتحقق إلاّ ببيان الأحكام الإلزامية ، إذ لا إنذار في الأحكام الترخيصية. وإما لما أسلفناه من أن التعلّم واجب طريقي وليس بواجب نفسي ، والوجه في هذا الوجوب الطريقي هو التحفظ على المصالح لئلاّ تفوت ، والتجنب عن الوقوع في المفاسد ، ومن الظاهر عدم وجوب التعليم إلاّ فيما وجب فيه التعلّم ، لأنه لا معنى لوجوبه من دون وجوب التعلّم ، ثمّ إن التعليم إنما يجب وجوباً طريقياً في خصوص الأحكام الإلزامية لما مرّ من أن الأحكام الترخيصية من المباحات والمستحبات والمكروهات لا يجب فيها التعلّم والتقليد ، لأنه لا مفسدة في ارتكابها أو تركها ، ومع عدم وجوب التعلّم لا معنى لوجوب التعليم.

والمتلخّص : أن الأدلة المستدل بها على وجوب تبليغ الأحكام وتعليمها مختصة بالأحكام الإلزامية ولا تعمّ الترخيصية بوجه ، ومن هنا لا يجب على المجتهد الإفتاء بالإباحة في المباحات بل له الإفتاء فيها بالاحتياط لمكان أنها خلاف المشهور أو لغير ذلك من الوجوه المناسبة للاحتياط.

إذا ابتلي في أثناء الصلاة بما لا يعلم حكمه

(1) ذكرنا فيما تقدم (3)أن المسائل الّتي يبتلى بها المكلّف يجب أن يتعلّمها كما مرّ فإذا تعلمها قبل الابتلاء بها فهو ، وأما إذا لم يتعلّم مسائل الشك والسهو مثلاً وابتلي بها


1) (*) كما يجوز له قطع الصلاة واستئنافها من الأول.

2) التوبة 9 : 122.

3) راجع ص 250.

وهو في أثناء الصلاة فإن أمكنه الاحتياط في عمله ، كما إذا شكّ في قراءة الفاتحة بعد ما دخل في قراءة السورة ولم يعلم أن بذلك تحقق التجاوز عن الفاتحة لتعددهما أو لم يتحقق لأنهما شي‌ء واحد مثلاً ، أو شكّ في قراءة آية بعد ما دخل في آية أُخرى فإن الاحتياط بالإتيان بالقراءة أو الآية المشكوكة ثانياً أمر ممكن إذا أتى بها رجاءً لعدم كونها مخلة بصحة الصلاة ، لأنها ليست من الأركان الموجبة لبطلان الصلاة بزيادتها ونقيصتها.

وأما لو لم يتمكن من الاحتياط كما إذا أهوى إلى السجود فشكّ في أنه ركع أم لم يركع ، ولم يعلم أن الدخول في مقدمة الجزء المترتب على المشكوك فيه محقق للتجاوز أو لا بدّ في صدقه من الدخول في الجزء المترتب نفسه ، فإن الاحتياط بالإتيان بالركوع ثانياً غير ممكن ولو رجاءً لأنه من المحتمل أن يكون المكلّف آتياً بالركوع واقعاً أو بالتعبد لقاعدة التجاوز وكفاية الدخول في مقدمة الجزء المترتب ، ومعه يكون الإتيان بالركوع ثانياً زيادة ركنية مبطلة للصلاة ، كما لا يتمكن من قطع الصلاة واستئنافها من الابتداء ، لاحتمال أن تكون صلاته صحيحة واقعاً والمشهور حرمة قطع الفريضة فللمسألة صورتان :

وذلك لأن المكلّف قد يكون مأموراً بالتعلم قبل ذلك لتمكنه منه واطمئنانه أو احتماله الابتلاء بالمسألة ويتركه بالاختيار. وقد لا يكون مكلفاً بتعلمها لغفلته أو لعلمه واطمئنانه بعدم ابتلائه بالمسألة.

أما الصورة الاولى : فلا شبهة في تنجّز التكليف الواقعي في تلك الصورة لتمكن المكلّف من التعلم واطمئنانه أو احتماله الابتلاء ، وإنما تركه بالاختيار فلا مناص له من أن يخرج عن عهدة التكليف المتوجه إليه لقدرته على الإتيان بالمأمور به وغاية الأمر أنه غير متمكن من إحراز الامتثال. وحيث إن المسألة اتفقت في أثناء الصلاة وأن مفروضنا عدم جواز قطعها واستئنافها من الابتداء الموجب لحصول القطع بالامتثال كما هو المشهور بينهم ( قدّس اللّه أسرارهم ) فلا مناص من أن يبني على أحد طرفي الشك حال الصلاة ويتمها رجاءً بقصد أن يسأل المسألة بعد الصلاة. فإن أفتى مقلّده بصحتها فهو ، لا تجب عليه إعادتها لأنه أتى بها رجاءً أي مضيفاً بها إلى اللّه وهو كافٍ في صحة عمله وعباديته. وإذا أفتى بالفساد يعيدها أو يقضيها خارج الوقت. بمعنى أنه

يرتكب قطع الفريضة احتمالاً وإن قلنا بعدم جواز قطعها جزماً برفعه اليد عن صلاته.

وأما الصورة الثانية : فليس فيها الحكم متنجّزاً على المكلّف وله أن يبني على أحد طرفي الشك حال الصلاة وإتمامها رجاءً على الكيفية المتقدمة في الصورة السابقة ، كما أن له قطع الصلاة واستئنافها من الابتداء ، وذلك لأن حرمة قطع الصلاة غير مستفادة من الأدلة اللفظية حتى يتمسك بإطلاقها وإنما مدركها الإجماع والقدر المتيقن منه ما إذا تمكن المكلف من إتمام الصلاة جازماً بصحتها ولو من جهة كونه متمكناً من التعلّم قبل العمل ، ولا سبيل للمكلّف إلى ذلك في المقام لأنه من المحتمل بطلانها في الواقع باختياره أحد طرفي الشك في مقام العمل ومعه كيف يمكنه إحراز أنه أتمها صحيحة والمفروض أنه لم يكن مكلفاً بالتعلّم قبل العمل.

وهذا بخلاف الصورة المتقدمة لأنها مشمولة للإجماع بلا كلام ومن ثمة ذهب بعضهم إلى وجوب تعلّم مسائل الشك والسهو. بل ادعى شيخنا الأنصاري قدس سره فسق تارك تعلمها ، فإن هاتين الدعويين لا وجه لهما سوى عدم جواز قطع الصلاة على من وجب عليه تعلّم مسائل الشك والسهو ، لأنه لو جاز له قطع الصلاة تمكن المكلّف حينما عرضه الشك في صلاته من أن يقطع ما بيده ويستأنفها ابتداءً ومعه لماذا يجب عليه تعلّم المسائل الراجعة إلى الشك والسهو ، ولماذا يتصف المكلّف بالفسق بترك تعلمها.

ثمّ إنه على كلتا الصورتين إذا رجع المكلّف إلى مقلّده وهو أفتى ببطلان ما أتى به من الصلاة وجبت إعادته كما مرّ.

وهل يختص وجوب الإعادة بما إذا كان العمل المأتي به فاقداً لشي‌ء من الأجزاء والشرائط الركنيتين أو أن الإعادة واجبة مطلقاً سواء أكان العمل المأتي به فاقداً لشي‌ء من الأُمور الركنية أو كان فاقداً لغيرها من الأجزاء والشرائط؟

الثاني هو الصحيح وذلك لأن العمل المأتي به ناقص حينئذٍ وغير مشتمل على الأُمور المعتبرة فيه ، ولا يجري في المقام حديث لا تعاد ، لما مرّ من أن مورده ما إذا كان العمل صحيحاً عند الفاعل ، بالتقليد أو الاجتهاد بحيث لو لم ينكشف له الخلاف لم تجب إعادته ، وليس الأمر كذلك في المقام لأن المكلّف تجب عليه الإعادة انكشف له الخلاف أم لم ينكشف ، لقاعدة الاشتغال القاضية بوجوب الإعادة والإتيان بالمأمور به

[50] مسألة 50 : يجب على العامّي في زمان الفحص عن المجتهد ، أو عن الأعلم أن يحتاط في أعماله (1)(1).

[51] مسألة 51 : المأذون والوكيل عن المجتهد في التصرف في الأوقاف أو في أموال القُصّر ، ينعزل بموت المجتهد (2) بخلاف المنصوب من قبله كما إذا نصبه متولياً للوقف أو قيّماً على القُصّر فإنه لا تبطل (2)توليته وقيمومته على الأظهر (3).


من الابتداء لمكان الشك في صحة ما أتى به من الصلاة.

(1) للعلم الإجمالي بوجود أحكام إلزامية في الشريعة المقدسة ، فإنه يقتضي تنجّزها على المكلّفين وبه يستقل العقل بلزوم الخروج عن عهدتها خروجاً قطعياً ولا يمكن ذلك إلاّ بالاحتياط ، ففي كل مورد احتمل فيه المكلّف حكماً إلزامياً وجب عليه الاحتياط تحصيلاً للمؤمّن ودفعاً للضرر المحتمل بمعنى العقاب على ما بيّناه في أوائل الكتاب عند قول الماتن : يجب على كل مكلّف .... أن يكون مجتهداً أو مقلّداً أو محتاطاً.

ثمّ إن أطراف الاحتياط في زمان الفحص عن المجتهد أو الأعلم هي أقوال من يحتمل اجتهاده أو أعلميته دون الوجوه المحتملة في المسألة ، فإذا علم اجتهاد أحد شخصين أو أعلميته كفى في الاحتياط الأخذ بأحوط قوليهما ، ولم يجب عليه الأخذ بأحوط الوجوه المحتملة في المسألة ، وذلك لعلمه بحجية أحد ذينك القولين في حقّه ومعه يكون العمل بأحوطهما مؤمّناً من العقاب.

المأذون والوكيل عن المجتهد :

(2) فإنه لا معنى لبقاء الاذن بعد موت المجتهد الآذن في التصرفات كما أن الوكالة تبطل بموت الموكّل لخروجه عن أهلية التصرف بالموت ، ومع عدم أهلية الموكّل للتصرف لا معنى للاستنابة والوكالة عنه ، إذ الوكيل هو الوجود التنزيلي للموكّل ومن هنا تنسب تصرفاته إلى موكّله ، وإليه يتوجّه الأمر بالوفاء بتلك التصرفات من بيع أو شراء أو إجارة ونحوها.

(3) يأتي في المسألة الثامنة والستين أن الفقيه لم تثبت له الولاية المطلقة في زمان


1) (*) ويكفي فيه أن يأخذ بأحوط الأقوال في الأطراف المحتملة إذا علم بوجود من يجوز تقليده فيها.

2) (**) فيه إشكال ، والاحتياط لا يترك.

الغيبة ليتمكن من نصب المتولي والقيّم ونحوهما ، إذن جعله المتولي أو القيّم في الحقيقة من التوكيل دون جعل التولية أو القيمومة. وقد تقدم أن بموت الموكّل تبطل وكالة الوكيل.

ودعوى : أن جعل القيمومة أو التولية ليس من جهة عموم الولاية للفقيه حتى يدفع بعدم الدليل عليه ، بل من جهة أن إعطاء هذه المناصب من الوظائف الراجعة إلى القضاة.

مندفعة بأن الفقيه إذا أنكرنا ثبوت الولاية المطلقة له فأنى له إعطاء هذه المناصب لغيره ، فإنه يحتاج إلى دليل ولم يدلنا أي دليل على أن القاضي يتمكن من إعطائها. وقوله في مقبولة عمر بن حنظلة : « فإني قد جعلته عليكم حاكماً » (1)أجنبي عن هذا المدعى ، لأنه بمعنى جعلته عليكم قاضياً كما ورد في صحيحة أبي خديجة حيث قال علیه السلام « فإني قد جعلته قاضياً » (2)ويأتي أن جعل القضاوة لا دلالة له بوجه على تمكن القاضي من إعطاء تلك المناصب لمن أراد ، بل إثباته يحتاج إلى دليل. على أن المقبولة ضعيفة السند كما مرّ وغير صالحة للاستدلال بها على شي‌ء.

ونظيره دعوى : أن جعل القيّم أو المتولي من الحاكم كجعلهما من اللّه فليست القيمومة أو التولية راجعة إلى ولاية الفقيه ، أو أن المنصب من اللّه والحاكم واسطة في الثبوت فلا موجب لانعدامه بموت المجتهد الحاكم.

فإن كُلاًّ من الدعويين بلا دليل ، لوضوح أن كلامنا ليس في أن الحاكم هل يمكن أن ينصب قيّماً أو متولياً ولا ينعدم بموته ، فإن إمكانه أمر لا مناقشة فيه وإنما الكلام في ثبوته وهو يحتاج إلى دليل ، ولم يدلّنا أي دليل على أن للمجتهد نصب القيّم أو المتولي. اللّهُمَّ إلاّ بناءً على ثبوت الولاية المطلقة له في عصر الغيبة ويأتي منّا أنها أيضاً مما لا دليل عليه.

بل لو سلمنا أن الفقيه له الولاية على النصب لا مناص من أن نلتزم بارتفاع القيمومة أو التولية الّتي جعلها المجتهد للقيّم والمتولي بموته ، فإن القدر المتيقّن من ثبوت


1) وسائل الشيعة 27 : 136 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 1.

2) وسائل الشيعة 27 : 13 / أبواب صفات القاضي ب 1 ح 5.

[52] مسألة 52 : إذا بقي على تقليد الميت من دون أن يقلّد الحي في هذه المسألة كان كمن عمل من غير تقليد (1).


الولاية إنما هو ولايته على النصب وهو حي ، وأما ولايته على نصب القيّم مثلاً ما دام كون القيّم حياً ، وإن مات المجتهد فهي مشكوكة الثبوت ، وحيث لا إطلاق يتمسّك به لإثباتها فمقتضى الأصل عدم ولايته كذلك بعد موته.

ودعوى : أن السيرة جارية على إعطاء هذه المناصب من القضاة وبقاء المنصوبين من قبلهم على القيمومة أو التولية حتى بعد موت القاضي الجاعل لهما وخروجه عن الأهلية وأن هذا هو المرسوم في القضاة بالفعل أيضاً.

مندفعة بأن السيرة على ذلك غير ثابتة ، وأن المقدار الثابت على تقدير القول بالولاية إن القضاة لهم نصب القيّم والمتولي حال حياتهم وارتفاعهما بموتهم ، وأما أن لهم أن ينصبوا تلك المناصب إلى الأبد ليبقى بعد مماتهم فلم يحرز سيرتهم عليه.

ولا يمكن استصحاب بقاء القيمومة أو التولية للقيّم والمتولي بعد موت المجتهد الجاعل لهما ، لأنه من الاستصحابات الجارية في الشبهات الحكمية وقد مرّ غير مرّة عدم جريانها لابتلائها بالمعارض دائماً ، بل الاستصحاب لا مجال له في المقام وإن قلنا بجريانه في الشبهات الحكمية ، لأنه من المحتمل أن تكون ولاية القيّم أو المتولي من آثار ولاية القاضي الجاعل وشؤونها ، ومعه إذا مات الجاعل ارتفعت ولاية القيّم والمتولي لا محالة. إذن الموضوع غير محرز البقاء ، ومع عدم إحراز بقائه لا معنى للاستصحاب.

(1) نظير من عمل بآراء غير الأعلم من دون أن يقلّد الأعلم فيه ، لوضوح أنه ليس من التقليد الصحيح ، وليس للعامّي أن يكتفي بما أتى به كذلك فإن فتوى الميت أو غير الأعلم مشكوكة الاعتبار ، والعمل بما يشك في حجيته غير مؤمّن من احتمال العقاب ولا يجتزئ به العقل في امتثال التكاليف المنجزة بالعلم الإجمالي بوجه. اللّهُمَّ إلاّ أن يرجع فيهما إلى الأعلم أو الحي المجوّزين تقليد غير الأعلم أو الميت بقاء ، فإن بذلك يستكشف أن إعماله كانت مطابقة للحجة فيحكم بصحتها.

[53] مسألة 53 : إذا قلّد من يكتفي بالمرة مثلاً في التسبيحات الأربع واكتفى بها أو قلّد من يكتفي في التيمم بضربة واحدة ثمّ مات ذلك المجتهد فقلّد من يقول بوجوب التعدد لا يجب عليه (1)إعادة الأعمال السابقة (1) ، وكذا لو أوقع عقداً أو إيقاعاً بتقليد مجتهد يحكم بالصحة ثمّ مات وقلّد من يقول بالبطلان يجوز له البناء (2)على الصحة. نعم ، فيما سيأتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني. وأما إذا قلّد من يقول بطهارة شي‌ء كالغسالة ثمّ مات وقلّد من يقول بنجاسته فالصلوات والأعمال السابقة محكومة بالصحة وإن كانت مع استعمال ذلك الشي‌ء. وأما نفس ذلك الشي‌ء إذا كان باقياً فلا يحكم بعد ذلك بطهارته ، وكذا في الحلية والحرمة ، فإذا أفتى المجتهد الأول بجواز الذبح بغير الحديد مثلاً فذبح حيواناً كذلك فمات المجتهد وقلّد من يقول بحرمته فإن باعه أو أكله حكم بصحة البيع وإباحة الأكل. وأما إذا كان الحيوان المذبوح موجوداً فلا يجوز بيعه ولا أكله وهكذا.


(1) قد أسلفنا تفصيل الكلام في هذه المسألة في أوائل الكتاب عند الكلام على الاجزاء فلا نعيد.


1) (*) الضابط في هذا المقام أن العمل الواقع على طبق فتوى المجتهد الأول إما أن يكون النقص فيه نقصاً لا يضر مع السهو أو الجهل بصحته ، وإما أن يكون نقصاً يضر بصحته مطلقاً ، ففي الأول لا تجب الإعادة وأما الثاني ففيه تفصيل ، فإذا قلّد من يقول بعدم وجوب السورة في الصلاة ثمّ قلّد من يقول بوجوبها فيها لم تجب عليه إعادة الصلاة الّتي صلاّها بغير سورة في الوقت فضلاً عن خارجه ، وأما في الثاني كالطهور فإن كان الاجتهاد الثاني من باب الأخذ بالمتيقن وقاعدة الاحتياط ، وجبت الإعادة في الوقت لا في خارجه ، وإن كان من جهة التمسك بالدليل ، فالظاهر وجوب الإعادة مطلقاً.

2) (**) إذا كان العقد أو الإيقاع السابق مما يترتب عليه الأثر فعلاً فالظاهر عدم جواز البناء على صحته في مفروض المسألة ، وكذا الحال في بقية موارد الأحكام الوضعية من الطهارة والملكية ونحوهما.

[54] مسألة 54 : الوكيل في عمل عن الغير كاجراء عقد أو إيقاع أو إعطاء خمس أو زكاة أو كفارة أو نحو ذلك يجب أن يعمل بمقتضى تقليد الموكل لا تقليد نفسه إذا كانا مختلفين ، وكذلك الوصي في مثل ما لو كان وصياً في استئجار الصلاة عنه يجب أن يكون على وفق فتوى مجتهد الميت (1).


الوكيل في عمل عن الغير :

(1) المكلّف إذا أراد تفريغ ذمة الغير عمّا اشتغلت به من التكاليف أو الوكيل في إجراء عقد أو إيقاع ونحوهما ، فهل يعتبر أن يراعي وظيفة نفسه الثابتة بالتقليد أو الاجتهاد ، أو أن الواجب أن يراعي وظيفة الغير؟ يختلف حكم المسألة باختلاف الموارد ، فإن تفريغ ذمة الغير قد يصدر من المتبرع ، وأُخرى من الولي ، وثالثة من الوصي ، ورابعة من الوكيل.

فإن كان المتصدي للتفريغ هو المتبرع أو الولي كالولد الأكبر إذا أراد تفريغ ذمة والده الميت عن الصلاة والصيام ، فلا مناص من أن يفرغا ذمة الميت بما هو الصحيح عندهما حتى يسوغ لهما الاجتزاء به في تفريغ ذمته وجوباً أو استحباباً. فإذا كان الميت بانياً على وجوب التسبيحات الأربع ثلاثاً أو على وجوب السورة في الصلاة دون المتبرع أو الولي ، جاز لهما الاقتصار في التسبيحات الأربع بالمرة الواحدة أو بالصلاة من دون سورة لأنهما محكومان بالصحة ومفرّغان ذمة الميت عندهما ، وكذلك الحال فيما إذا اختلفا في الأركان كما إذا بنى الميت اجتهاداً أو تقليداً على وجوب التوضؤ في بعض الموارد مع الجبيرة ، وبنى الولي أو المتبرع على وجوب التيمم فيه ، فإن اللاّزم أن يراعيا الصحيح عندهما لا الصحيح عند الميت.

وأما لو كان المتصدي للتفريغ هو الوكيل أو الوصي فلا مناص من أن يراعيا الصحيح عند الموصي أو الموكّل ، فإن الوكالة من إيكال الأمر إلى الغير فالموكّل أوكل العمل إلى وكيله ليقوم مقامه فيه ويعمل عمله ، فالوكيل وجود تنزيلي لموكّله وعمله عمله ومن هنا يصح إسناد عمله إلى الموكّل في العقود والإيقاعات ، ويكون قبضه

قبض الموكّل ، ومعه لا بدّ للوكيل من أن يراعي الصحة عند الموكّل ، وإلاّ فلم يأت بالعمل الموكول إليه.

وإن شئت قلت : عمل الوكيل عمل للموكّل بالتسبيب فلا مناص من أن يراعي فيه نظر ، كما هو الحال في فعله المباشري ، لأنه لا فرق في العمل بين المباشرة والتسبيب فلو وكّل أحداً في استئجار من يصلّي عن أبيه مثلاً وكان ممن يرى الترتيب في القضاء دون الوكيل ، لم يجز للوكيل استئجار أجير للقضاء إلاّ أن يراعي الترتيب فيه.

ومن ذلك يظهر الحال في الوصي ، لأنه أيضاً نائب عن الموصي في تصرفاته فليس له أن يأتي بأعماله حسب نظره واعتقاده ، إذ ليس العمل عمله ، فإذا أوصاه أن يستأجر أحداً للقضاء عنه لم يجز للوصي استئجاره للصلاة من دون سورة ، وإن كانت الصلاة من دونها صحيحة عنده ، بل يجب استئجاره لها مع السورة ، لأنها الواجبة عند الموصي بالاجتهاد أو التقليد ، فالمنصرف إليه من الوكالة والوصاية لدى العرف ما لم تقم قرينة على الخلاف إنما هو استنابة الموكّل أو الموصي للوكيل والوصي في عملهما الموجب لتفريغ ذمتهما على نظرهما. فلا يمكن قياسهما بالمتبرع والولي فإن التكليف من الابتداء متوجه إليهما وجوباً أو استحباباً فلا مناص من مراعاة نظرهما ، وهذا بخلاف الوصي والوكيل فإن التكليف غير متوجه إليهما ابتداءً وإنما هو توجّه إلى الموصي والموكّل وهما يعطيان السلطة في إعمالهما إلى الوكيل أو الوصي ، فهما نائبان عن الموكّل والموصي فيجب أن يراعيا نظرهما.

نعم ، يمكن المناقشة بالإضافة إلى الأجير ، بأن العمل العبادي الّذي يقع مورد الإجارة إنما هو العمل الصحيح الموجب لتفريغ ذمة المنوب عنه ، فإذا فرضنا أن العمل الّذي أتى به الأجير عن المستأجر باطل بنظره فكيف يتمشى منه قصد التقرب به وإن كان صحيحاً عند المستأجر والمنوب عنه ، ومع عدم تمشي قصد القربة ووقوع العمل باطلاً وغير موجب لتفريغ ذمة المستأجر لم تصح إجارته لعدم قدرته على العمل الّذي وقع مورداً للإجارة ، ومع كون العمل باطلاً عند الأجير لا يصح إجارته.

نعم ، لا مانع من صحة الإجارة فيما إذا كان الأجير محتملاً لصحة العمل ، لأنه

[55] مسألة 55 : إذا كان البائع مقلّداً لمن يقول بصحة المعاطاة مثلاً أو العقد بالفارسي ، والمشتري مقلّداً لمن يقول بالبطلان ، لا يصح البيع بالنسبة إلى البائع (1)أيضاً لأنه متقوّم بطرفين فاللاّزم أن يكون صحيحاً من الطرفين وكذا في كل عقد كان مذهب أحد الطرفين بطلانه ، ومذهب الآخر صحته (1).


يتمكّن حينئذٍ من إتيانه رجاءً وبما أنه صحيح عند المنوب عنه ، ومعه يحكم بصحة العمل ويكون موجباً لتفريغ ذمته ، فعلى ذلك أيضاً لا يعتبر في موارد الإجارة أن يكون العمل صحيحاً عند الأجير ، بل اللاّزم أن لا يكون باطلاً عنده فلاحظ.

اختلاف المتعاملين تقليداً أو اجتهاداً :

(1) قد يقال ببطلان المعاملة بالإضافة إلى كل من المتعاملين نظراً إلى أن المعاملة هي المعاقدة بين الالتزامين ولا إشكال في أنها قائمة بالطرفين ، فإذا حكم ببطلانها بالإضافة إلى المشتري مثلاً لم يكن مناص من الحكم ببطلانها بالإضافة إلى البائع أيضاً ، إذ لا معنى لصحتها بالإضافة إلى أحدهما وبطلانها بالإضافة إلى الآخر لأنها قائمة بالطرفين ، فلا يقاس أبواب العقود والمعاملات بالأحكام التكليفية ، لأنها يمكن أن تثبت في حق أحد دون آخر كالغسالة الّتي يرى بعضهم طهارتها وهي محكومة بالنجاسة عند غيره.

وقد يقال بصحتها بالإضافة إلى كليهما ، لأن المعاقدة والمعاملة أمران قائمان بطرفي المعاملة فإذا صححناها في طرف ، دلّ ذلك بالدلالة الالتزامية على صحتها في الطرف الآخر أيضاً.

ولا يمكن المساعدة على شي‌ء منهما ، وذلك لأن الحكم بالصحة في كلا الطرفين عند صحتها بالإضافة إلى أحدهما كما أصرّ عليه شيخنا المحقق في حاشيته على المكاسب (2)أو الحكم بالفساد عند الحكم بفسادها بالإضافة إلى أحدهما ، كما بنى


1) (*) بل يصح بالنسبة إليه ، وتقوّم البيع بالطرفين إنما هو بالإضافة إلى الحكم الواقعي دون الظاهري.

2) حاشية المكاسب ( الأصفهاني ) : 74.

عليه الماتن إنما هو بحسب الحكم الواقعي لوضوح أن مع فساد المعاملة واقعاً من طرف المشتري مثلاً لا معنى لصحتها من طرف البائع كما لا معنى لفسادها من أحد الطرفين مع صحتها من أحدهما. إلاّ أن كلامنا إنما هو إذا رأى أحدهما بطلان المعاملة بحسب الحكم الظاهري الثابت عنده بالتقليد أو الاجتهاد ، ورأى الآخر صحتها ظاهراً كذلك ، وليس محل الكلام ما إذا صحت المعاملة أو فسدت عند أحدهما واقعاً ولا تلازم بين الفساد من طرف ظاهراً وبين الفساد من الجانب الآخر.

فالصحيح بناءً على الطريقية في باب الأمارات دون السببية والموضوعية أن يلتزم بصحة المعاملة عند القائل بالصحة وفسادها عند القائل بالفساد في مرحلة الظاهر ، لقيام الطريق على الصحة عند أحدهما وعلى الفساد عند الآخر ، فلا مناص من أن يعمل كل منهما حسبما تقتضيه الوظيفة الظاهرية وما أدت إليه الأمارة القائمة عنده ، والتفكيك والاختلاف بين المتلازمين في مرحلة الظاهر أمر لا محذور فيه فنلتزم بأن المبيع مثلاً خرج عن ملك البائع ظاهراً وأنه المالك للثمن ، كما نلتزم بأن الثمن باق على ملك المشتري وأن المثمن غير داخل في ملكه بحسب الظاهر.

نعم ، هذا يؤدي إلى الاختلاف والنزاع بين المتعاملين فيرجع فيه إلى حكم الحاكم ويعمل على طبق الموازين المقررة في باب القضاء ، وإلاّ فالبائع مالك للثمن ويجوز له أخذه من المشتري ولو حيلة ، ولا وجه معه للحكم بالصحة ولا للحكم بالفساد من كلا الجانبين.

نعم ، ما ذهب إليه الماتن قدس سره من الحكم بالفساد في كلا الطرفين إنما يتم بناءً على ما لا يلتزم به هو قدس سره ولا غيره من المحققين من القول بالسببية والموضوعية في باب الطرق ، وذلك لأنّا إذا التزمنا بانقلاب الواقع عند قيام الأمارة على الخلاف كانت الصحة عند القائل بها والفساد عند الآخر حكماً واقعياً حسبما أدت إليه الأمارة القائمة عندهما ، فليس هناك حينئذٍ حكم ظاهري ليجوز التفكيك بين المتعاملين بحسب الصحة والفساد. فإذا فرضنا أن الحكم الواقعي هو الفساد وكانت الأمارة القائمة عند أحدهما على صحة المعاملة مستلزمة لقلب الواقع وتبدل الفساد بالصحة واقعاً ، والحكم بالصحة في أحد الطرفين واقعاً لا يجتمع مع الحكم بالفساد

[56] مسألة 56 : في المرافعات اختيار تعيين الحاكم بيد المدعي (1)


واقعاً في الطرف الآخر ، وكذا الحال فيما إذا كان الحكم الواقعي هو الصحة فإن الأمارة القائمة عند أحدهما على الفساد تستلزم قلب الواقع إلى مؤداها لا محالة وبها تتبدل المعاملة الصحيحة فاسدة واقعاً ، والحكم بالفساد في أحد الطرفين لا يجتمع مع الحكم بالصحة واقعاً في الطرف الآخر ، ومع عدم ثبوت صحتها وفسادها كانت النتيجة هو الفساد ، فلا يمكن الحكم بانتقال الثمن إلى البائع ولا بانتقال المثمن إلى المشتري كما أفاده الماتن قدس سره .

وأما بناءً على ما هو الصحيح عند محققي الأصحاب من القول بالطريقية ، فاللاّزم هو الحكم بالصحة عند أحدها حسبما أدت إليه الأمارة القائمة عنده والحكم بالفساد عند الآخر حسبما أداه الطريق القائم عنده كما عرفت.

(1) الوجه فيه : أن إثبات القضية المدّعاة إنما هو على المدعي وهو الّذي يحتاج في ذلك إلى إقامة الحجة والدليل ، وله أن يحتج عليها بما شاء ، ويستدل بأي دليل أراده فالاختيار في ذلك إليه ، وليس للمنكر أن يقترح له الدليل ويعيّن له الحجة في استدلاله بأن يقول : إني لا أقبل قولك إلاّ أن تستدل عليه بدليل كذا ، فإنه أمر غير مسموع لدى العقلاء ولا يعتنون به بوجه ، فإن المنكر لا يروم من المدعي سوى إثبات مدعاه ، سواء في ذلك أن يحتج المدعي بهذا أو بذاك ، كما أن الأمر كذلك في الاستدلالات العلمية ، فإن المخالف في المسألة لا يطالب من المخالف في المسألة إلاّ الدليل ومطلق ما به البيان وليس له أن يطالبه بدليل يقترح له ، بل الاختيار في ذلك إلى المستدل. إذن للمدعي أن يختار أحد الحاكمين ، ويستدل بحكمه ، ويحتج به على مدعاه.

ومن هنا ذكرنا في بحث التفسير أن أمر المعجزة إنما هو بيد مدعي النبوة وأنه ليس للناس أن يقترحوا المعجزة على مدعيها ، وقد ورد في بعض الروايات عن النبي صلی اللّه علیه و آله ما مضمونه أن اقتراح المعجزة غير راجع إلى الناس ، وليس أمر تعيينها بيدهم وإنما ذلك إلى اللّه فهو الّذي يعيّن معجزة للنبي (1).


1) راجع البرهان : تفسير سورة الإسراء الآية 90.

إلاّ إذا كان مختار المدعى عليه أعلم (1) بل مع وجود الأعلم وإمكان الترافع إليه الأحوط الرجوع إليه مطلقاً.

[57] مسألة 57 : حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه ولو لمجتهد آخر (2).


(1) يأتي في المسألة الثامنة والستين أن الأعلمية غير معتبرة في حجية القضاء ونفوذ حكم الحاكم في المترافعين ، بل الأعلم وغيره سيّان. إذن اختيار تعيين الحاكم بيد المدعي مطلقاً سواء أكان مختار المنكر أعلم أم لم يكن.

حكم الحاكم لا يجوز نقضه :

(2) قد يستدل عليه بالإجماع وأُخرى بما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة من قوله علیه السلام : « فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم اللّه ، وعلينا ردّ والرادّ علينا الرادّ على اللّه وهو على حد الشرك باللّه » (1).

ويرد عليهما : أن الإجماع ليس من الإجماع التعبدي الكاشف عن قوله علیه السلام لاحتمال استناد المجمعين إلى المقبولة أو غيرها من الوجوه المذكورة في المقام فلا يمكن الاستدلال به بوجه. وأما المقبولة فهي على ما أشرنا إليه غير مرة ضعيفة السند لعدم ثبوت وثاقة عمر بن حنظلة فلاحظ.

فالصحيح أن يستدل على ذلك بما علمنا بالضرورة من تشريع القضاء في الشريعة المقدّسة وقد دلّ عليه قوله عزّ من قائل ( وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) (2)ويستفاد أيضاً من الروايات المأثورة عنهم علیهم السلام بوضوح. كصحيحة أبي خديجة قال : « قال لي أبو عبد اللّه علیه السلام .... ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا


1) وسائل الشيعة 27 : 136 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 1.

2) النساء 4 : 58.

إليه » (1)وصحيحته الأُخرى قال : « بعثني أبو عبد اللّه علیه السلام إلى أصحابنا فقال : قل لهم إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شي‌ء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق ، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا فإني قد جعلته عليكم قاضياً ... (2)إلى غير ذلك من الروايات. بل لو لا مشروعية القضاء في الخصومات للزم اختلال النظام والهرج والمرج.

فمشروعية القضاء في الشريعة المقدسة من المسلّمات والقضاء بمعنى فصل الخصومة وحلّها. وقد قيل : إنما سمي ذلك بالقضاء ، لأن القاضي يقضي على الخصومة بفصلها ، فلا يجوز وصلها بعد فصلها فإن جوازه يستلزم لغوية القضاء. وحيث إن المستفاد من الروايات أن حكم الحاكم إذا صدر عن الميزان الصحيح معتبر مطلقاً ، وأن اعتباره ليس من جهة الأمارية إلى الواقع بل إنما هو لأجل أن له الموضوعية التامة في فصل الخصومات وحل المرافعات ، فلا مناص من الالتزام بعدم جواز نقضه مطلقاً سواء علمنا بعدم مطابقته للواقع أو بالخطإ في طريقه وجداناً أو تعبداً أم لم نعلم به بلا فرق في ذلك بين الشبهات الحكمية والموضوعية فلا يجوز للمتخاصمين إعادة الدعوى عند ذلك الحاكم مرة ثانية أو عند حاكم آخر رضيا بها أم لم يرضيا ، كما لا يجوز للحاكم سماعها.

ويدلنا على ذلك مضافاً إلى ما قدّمناه من الإطلاق وأن اعتبار الحكم من باب الموضوعية ، أن حكم الحاكم لو جاز نقضه عند العلم بمخالفته للواقع أو الخطأ في طريقه للزم عدم نفوذه غالباً في الترافع في الشبهات الموضوعية وبقاء التخاصم فيها إلى الأبد ، لعلم كل من المترافعين غالباً بعدم صدق الآخر أو عدم مطابقة بينته للواقع مع أنه لا مجال للتأمل في شمول الإطلاقات للشبهات الموضوعية ، ونفوذ حكم الحاكم فيها جزماً ، ومنه يظهر أن الإطلاقات شاملة للشبهات الحكمية أيضاً كذلك وأن حكم الحاكم نافذ فيها ولو مع العلم بالمخالفة للواقع أو الخطأ في طريقه ، هذا كلّه إذا صدر الحكم على الميزان الصحيح.


1) وسائل الشيعة 27 : 13 / أبواب صفات القاضي ب 1 ح 5.

2) وسائل الشيعة 27 : 139 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 6.

إلاّ إذا تبيّن خطؤه (1)


وأما لو حكم من دون أن يراعي الموازين الشرعية قصوراً أو تقصيراً كما إذا استند في حكمه إلى شهادة النساء في غير ما تصح فيه شهادتهن ، أو استند إلى بينة المنكر دون المدعي ، أو حكم بما هو ضروري الخلاف الكاشف عن قصوره في الاستنباط وعدم قابليته للقضاء فلا مانع من الترافع بعده ، إلاّ أن هذا ليس بنقض للحكم حقيقة لأن الخصومة لم تنفصل واقعاً حتى يجوز وصلها أو لا يجوز ، فإن الحكم غير الصادر على الموازين المقررة كالعدم فلا حكم لينقض.

(1) مقتضى الروايات الواردة في المقام وإن كان أن حكم الحاكم له الموضوعية التامة في فصل الخصومة والنزاع ، إلاّ أن مع التأمل فيها لا يكاد يشك في أن حكم الحاكم غير مغيّر للواقع عمّا هو عليه ، بل الواقع باق بحاله وحكم الحاكم قد يطابقه وقد يخالفه ، كيف وقد صرح بذلك في صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان ، وبعضكم ألحن بحجته من بعض ، فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنما قطعت له به قطعة من النار » (1)فإنها صريحة كما ترى في أن القضاء غير مبدّل للواقع وأن من حكم له الحاكم بشي‌ء إذا علم أن الواقع خلافه لم يجز له أخذه.

إذن لا يمكننا أن نرتّب آثار الواقع بحكم الحاكم عند العلم بعدم مطابقته للواقع بلا فرق في ذلك بين الشبهات الحكمية والموضوعية ، وسواء علمنا بالخلاف بالوجدان أم بالتعبد ، فإذا ترافعا في صحة بيع وفساده وادعى أحدهما أنه مائع متنجّس لملاقاته العصير قبل ذهاب ثلثيه أو لاقى عرق الجنب عن الحرام ، والحجة قامت عنده على نجاستهما ، وبنى الآخر على صحة البيع لطهارتهما عنده ، وحكم الحاكم بصحة المعاملة لبنائه على طهارة الملاقي في الصورتين وجب على مدعي البطلان أن يرتّب على المعاملة آثار الصحة تنفيذاً لحكم الحاكم ، إلاّ أنه ليس له أن يرتّب آثار الطهارة على المبيع لعلمه بنجاسته تعبداً.


1) وسائل الشيعة 27 : 232 / أبواب كيفية الحكم ب 2 ح 1.

كما أن الحاكم إذا حكم بالمال لأحد المتخاصمين في ملكية شي‌ء وجب على كليهما أن يرتّبا على المال آثار ملكية المحكوم له ظاهراً ، فيجب على المحكوم عليه دفع المال إلى المحكوم له لعدم جواز نقض الحكم كما مرّ ، إلاّ أنه أي المحكوم له لا يتمكن من أن يتصرف فيه سائر التصرفات إذا علم أن الحكم على خلاف الواقع كما أن المحكوم عليه يجوز أن يسرقه من المحكوم له إذا علم أن المال له وأن حكم الحاكم غير مطابق للواقع. بل لا يبعد الحكم بجواز التقاصّ له من مال المحكوم عليه إذا توفرت الشروط كما إذا علم أن المحكوم له قد ظلمه وادعى المال مع علمه بأنه ليس له. هذا.

وقد يقال بالتفصيل في الشبهات الموضوعية بين ما إذا استند الحاكم إلى اليمين فلا يجوز للمحكوم عليه السرقة والتقاصّ وإن علم أن حكمه ذلك مخالف للواقع وبين ما إذا استند إلى البينة فيجوز ، وذلك للأخبار الواردة في أن من كان له على غيره مال فأنكره فاستحلفه لم يجز له الاقتصاص من ماله بعد اليمين فان اليمين تذهب بالحق وهي عدّة روايات.

منها : ما رواه خضر النخعي « في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده قال : فإن استحلفه فليس له أن يأخذ شيئاً وإن تركه ولم يستحلفه فهو على حقه » (1).

ومنها : رواية عبد اللّه بن وضّاح وفيها : « ولو لا أنك رضيت بيمينه فحلّفته لأمرتك أن تأخذ من تحت يدك ، ولكنك رضيت بيمينه وقد ذهبت اليمين بما فيها ... » (2).

ومنها غير ذلك من الروايات.

والصحيح عدم الفرق في جواز الاقتصاص بين اليمين والبينة ، وذلك فإن الأخبار الدالة على أن اليمين تذهب بالحق على طائفتين : إحداهما : واردة في الاستحلاف وأن من له المال لو استحلف المنكر لم يجز له الاقتصاص من ماله بعد اليمين. وثانيتهما : ما ورد في أن المنكر لو حلف لم يجز لمن له المال الاقتصاص من ماله.


1) وسائل الشيعة 23 : 285 / أبواب الأيمان ب 48 ح 1.

2) وسائل الشيعة 27 : 246 / أبواب كيفية الحكم ب 10 ح 2.

أما الطائفة الأُولى : فهي وإن كانت تامة دلالة ، ولا يمكن حملها على أن الحق الّذي يذهب به اليمين هو حق الدعوى لا الحق المدعى ، لأنه خلاف ما ورد في بعضها كما في الرواية المتقدمة « وقد ذهبت اليمين بما فيها » أي بما في يدك. وقوله في رواية موسى بن أكيل النميري « ذهبت اليمين بحق المدعي » (1)كما أنها غير معارضة في مداليلها ، إلاّ أنها ضعيفة السند وغير قابلة للاستدلال بها بوجه.

أما الطائفة الثانية : فمنها : صحيحة سليمان بن خالد قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه وحلف ثمّ وقع له عندي مال آخذه ( فآخذه ) لمكان مالي الّذي أخذه وأجحده ، وأحلف عليه كما صنع؟ قال : إن خانك فلا تخنه ، ولا تدخل فيما عبته عليه » (2)إلاّ أنها معارضة بصحيحة أبي بكر الحضرمي قال « قلت له : رجل لي عليه دراهم فجحدني وحلف عليها أيجوز لي إن وقع له قبلي دراهم أن آخذه منه بقدر حقي؟ قال : فقال : نعم ... » (3)إذن لا مجال للتفصيل في الشبهات الموضوعية بين اليمين والبينة.

والمتحصل : أن بحكم الحاكم لا يجوز ترتيب آثار الواقع إذا علمنا مخالفته للواقع. نعم ، إذا لم يعلم أنه على خلافه أو مطابق له جاز ترتيب آثار الواقع بحكم الحاكم فلا مانع من ترتيب أثر الطهارة على المبيع ، أو مالية المال للمحكوم له في المثالين عند عدم العلم بمخالفة الحكم للواقع ، لأنه مقتضى السيرة القطعية فلاحظ.

ثمّ إن ما ذكرناه بناءً على ما استدللنا به من صحيحتي أبي خديجة المتقدمتين ظاهر لا اشكال فيه. وأما لو اعتمدنا على مقبولة عمر بن حنظلة فقد يتوهّم دلالتها على أن حكم الحاكم أمارة على الواقع ومعه لا مانع من ترتيب آثار الواقع بالحكم فيجوز لمدعي البطلان في المثال أن يرتّب آثار الطهارة على المبيع ، وكذلك المحكوم له يجوز أن يتصرف في المال وإن علم بعدم مطابقة الحكم للواقع ، فالأمارة القائمة على نجاسة الملاقي أو عدم كون المال للمحكوم له وإن كانت معارضة لحكم الحاكم وانهما أمارتان


1) وسائل الشيعة 27 : 244 / أبواب كيفية الحكم ب 9 ح 1.

2) وسائل الشيعة 17 : 274 / أبواب ما يكتسب به ب 83 ح 7.

3) ورد مضمونه في وسائل الشيعة 17 : 274 / أبواب ما يكتسب به ب 83 ح 5.

[58] مسألة 58 : إذا نقل ناقل فتوى المجتهد لغيره (1) ثمّ تبدل رأي المجتهد في تلك المسألة لا يجب على الناقل إعلام من سمع منه الفتوى الاولى وإن كان أحوط ، بخلاف ما إذا تبيّن له خطوة في النقل فإنه يجب عليه الاعلام (1)


متعارضتان ، إلاّ أن الحكم مقدم على الأمارة المخالفة لورود المقبولة في مورد تعارض الحجتين ، فإن موردها هو التنازع في الدين أو الميراث الظاهر في التنازع في الحكم الكلّي ، والاختلاف في الحكم الشرعي إنما يتصوّر مع الحجة والدليل ، ومعه لو قدمنا العمل بالحجة على الحكم استلزم ذلك تخصيص المورد وهو أمر غير جائز.

ويدفعه : مضافاً إلى أن المقبولة ضعيفة سنداً ولا دلالة لها على الأمارية وترتيب أثر الواقع لأنها إنما تدل على تقدم حكم الحاكم قضاءً للتخاصم ، أن جعل الأمارة والطريق مع العلم بالخلاف أمر لا معنى له ، وما معنى كون الحكم حجة وطريقاً مع القطع بكونه مخالفاً للواقع ، وكيف يمكن الالتزام بوجوب قبوله وحرمة ردّه مع العلم بأنه خلاف ما أنزله اللّه سبحانه.

ثمّ إن هذا كلّه في موارد الترافع والخصومات الأعم من الشبهات الحكمية والموضوعية. وهل ينفذ حكم الحاكم ويحرم نقضه في غير موارد الترافع أيضاً كثبوت الهلال ونصب القيّم والمتولي ونحوها؟ يأتي عليه الكلام في المسألة الثامنة والستين إن شاء اللّه ، ونبيّن هناك أنه لا دليل على نفوذ حكم الحاكم في غير موارد الترافع فليلاحظ.

تبدّل الرأي بعد نقل الفتوى :

(1) أو أن المجتهد أفتى بشي‌ء ثمّ تبدل رأيه كما تعرض له في المسألة التاسعة والستين فهل يجب على الناقل أو المجتهد نفسه إعلام المقلّدين ومن سمع منه الفتوى الأُولى أو لا يجب؟

وذلك فإن المجتهد قد يفحص عن أدلة المسألة ومداركها بالمقدار اللاّزم في الاجتهاد


1) (*) مرّ الكلام فيه [ في المسألة 48 ].

كما لو فحص عنها في مظانّها والأبواب المناسبة لتلك المسألة ولا يظفر بما يدله على الحرمة أو الوجوب ومن هنا يفتي في المسألة بالجواز ، ويقف بعد ذلك في غير الباب المناسب لها على ما يدله على الحرمة أو الوجوب فيضطر بذلك إلى العدول عن فتواه الاولى بالجواز.

وأحسن مثال لتلك الكبرى مسألة حرمة تمكين الزوجة الحائض زوجها من نفسها ، فإن قوله عزّ من قائل ( فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ) (1)خطاب للأزواج والأخبار الدالة على حرمة وطء الحائض في الأبواب المناسبة لها كلّها يختص بهم فمن فحص عن حرمة وطء الحائض لا يعثر في الأبواب المناسبة لها على دليل يدل على الحرمة بالإضافة إلى الزوجة لاختصاص الأدلة بالزوج ، ومن هنا وقع الكلام في أن الحائض هل يجوز أن تمكّن زوجها من نفسها ، كما إذا أراد الوقاع عصياناً من غير ناحية الإعانة على الإثم أو كان زوجها مجنوناً أو غير بالغ حتى يخرج عن شبهة الإعانة على الإثم لعدم حرمة الوطء بالإضافة إليها أو لا يجوز؟ فالمجتهد الفاحص عنها في مظانها لا يكاد تصله الحرمة بالإضافة إلى الزوجة ومعه يفتي بجواز تمكينها. إلاّ أنه إذا عثر في أبواب العدد على باب أن المعتدة بالأقراء إذا رأت الدم في أول الحيضة الثالثة جاز لها أن تتزوج ، ولم يجز لها أن تمكن من نفسها حتى تطهر ، ورأى الأخبار الدالة على حرمة التمكين على الحائض من نفسها اضطر إلى العدول والإفتاء بالحرمة في المسألة ، فهل في تلك الموارد المذكورة يجب على المجتهد أو ناقل الفتوى السابقة أعلام من سمع منه الفتوى الاولى بعد العدول أو لا يجب؟

والصحيح عدم وجوب الاعلام لعدم دلالة الدليل عليه والوجه فيه : أن المقلّد السامع للفتوى الاولى وإن كان يقع في مخالفة الواقع من جهة أخبار المجتهد أو الناقل إلاّ أن التسبيب إلى وقوعه في المحرّم إنما هو من اللّه سبحانه دون الناقل أو المجتهد ، فإن الفتوى الاولى للمجتهد حجة شرعية في ظرفها ، والمجتهد أو الناقل كان كلاهما مرخصين في بيانها ، فإن المقدار المعتبر من الفحص إنما هو الفحص عن المسألة في مظانها والأبواب المناسبة لها كما مرّ ، ولا يجب الفحص عنها في جميع الأبواب الفقهية


1) البقرة 2 : 222.

[59] مسألة 59 : إذا تعارض الناقلان في نقل الفتوى تساقطا وكذا البينتان وإذا تعارض النقل مع السماع من المجتهد شفاهاً قدم السماع (1)، وكذا إذا تعارض ما في الرسالة مع السماع ، وفي تعارض النقل مع ما في الرسالة قدّم ما في الرسالة مع الأمن من الغلط (1).


بوجه. ومن الظاهر أن حجية الفتوى السابقة مستندة إلى الشارع ، لأنه الّذي اعتبر الفتوى الأُولى حجة ، فالالقاء في مخالفة الواقع مستند إلى اللّه نظير ما ذكره ابن قبة في شبهته المعروفة وإن أجبنا عنها في محلّها ، ومع أن التسبيب من الشارع دون المجتهد أو الناقل لا مقتضي لوجوب الاعلام عليهما من ناحيته.

وأما وجوب تبليغ الأحكام الشرعية فهو إنما يقتضي وجوب الفتوى الثانية بجعلها في معرض الوصول إليها ، ولا يقتضي وجوب إيصالها إلى المقلّد الّذي سمع منه الفتوى الاولى من أحدهما ، وعليه فالاعلام في هذه الصورة لا دليل على وجوبه.

اللّهُمَّ إلاّ أن يكون وقوع المكلّف في الحرام أو ترك الواجب مستنداً إلى المجتهد أو الناقل بحسب البقاء ، وذلك كما إذا صلّى المقلّد من دون سورة بمرأى منهما استناداً إلى فتوى المجتهد أو النقل ، لأنهما حينئذٍ لو لم يبيّنا له وجوبها ولم ينبهاه بالعدول استند الحكم بوجوب الصلاة من دون سورة إليهما بقاءً ، وهو من التسبيب إلى الوقوع في مخالفة الواقع وهو حرام ولا مناص معه من الالتزام بوجوب الاعلام عليهما ، وهذا بخلاف ما إذا لم يستند ذلك إليهما بحسب البقاء. ولا يقاس هذه المسألة بما لو أفتى المجتهد خطأ أو نقل الناقل فتواه كذلك ، لأن التسبيب حينئذٍ من المجتهد أو الناقل. وأما في المقام أعني مسألة العدول وتبدل الرأي فالتسبيب مستند فيها إلى الشارع كما مرّ.

تعارض الناقلين في نقل الفتوى :

(1) وتفصيل الكلام في هذه المسألة أن فتوى المجتهد قد تثبت بالسماع إما من نفسه شفاهاً أو بالنقل عنه ، وقد تثبت بالبينة ، وثالثة بوجدانها في رسالته إذا كانت مأمونة


1) (*) في إطلاقه وإطلاق ما ذكر بعده إشكال بل منع.

من الغلط ، ولا كلام في ثبوتها بتلك الأُمور وإنما الكلام فيما إذا وقعت المعارضة بينها.

والتعارض قد يتحقق بين فردين من سنخ واحد ، كما إذا سمع منه الفتوى بالجواز مرّة والفتوى بالحرمة أُخرى ، أو أن الناقل نقل عنه الفتوى بالجواز ونقل آخر عنه الفتوى بالحرمة ، أو أن بيّنة أخبرت عن فتواه بالحرمة وبيّنة اخرى أخبرت عن فتواه بالجواز ، أو وجد في إحدى رسالتيه الفتوى بشي‌ء وفي الأُخرى الفتوى بشي‌ء آخر.

وفي هذه الصورة إذا كان أحدهما ناظراً إلى زمان والآخر إلى زمان آخر ، كما إذا حكى أحدهما عن فتوى المجتهد السابقة وحكى الآخر عن فتواه الفعلية واحتمل العدول في حقه ، وجب العمل على طبق المتأخر منهما لعدم المعارضة بينهما إذ لا معارض للمتأخر منهما زماناً سوى استصحاب عدم عدول المجتهد عن الفتوى السابقة وهو لا يعارض الدليل.

وإذا كان كلاهما ناظراً إلى زمان واحد كما لو وجد في إحدى رسالتيه المطبوعة في تاريخ معيّن فتواه في المسألة بالجواز ، وفي رسالته الأُخرى المطبوعة في ذلك التاريخ بعينه في مطبعة اخرى أفتى فيها بالحرمة ، أو بيّنة أخبرت عن أن فتواه الفعلية هي الجواز ، وأخبرت اخرى عن أن فتواه الفعلية هي الحرمة ، أو أن أحد الناقلين نقل إفتاءه الفعلية بالجواز والآخر نقل إفتاءه الفعلية بالحرمة. نعم ، هذا لا يتصور في السماع بالمشافهة لعدم إمكان فتويين متنافيتين في زمان واحد. أو كان أحدهما ناظراً إلى زمان والآخر إلى زمان آخر ، كما إذا حكى أحدهما عن فتواه السابقة وحكى الآخر عن فتواه الفعلية إلاّ أنّا لم نحتمل في حقه العدول عن فتواه السابقة ، فلا مناص من تساقطهما بالمعارضة كما هو مقتضى القاعدة في المتعارضين. هذا إذا وقع التعارض بين فردين من سنخ واحد كما عرفت.

وقد تتحقق المعارضة بين سنخين من الأُمور المتقدمة وهذا له صور ثلاث :

الاولى : أن يعارض السماع بالمشافهة مع الرسالة المأمونة من الغلط.

الثانية : أن يعارض الرسالة مع النقل بالخبر أو البيّنة.

الثالثة : أن يعارض السماع بالمشافهة مع النقل بالخبر أو البيّنة.

ذكر الماتن قدس سره أن السماع من المجتهد شفاهاً مقدّم على النقل والرسالة كما

أن الرسالة مقدمة على النقل.

والصحيح أن يقال : إن المتعارضين من تلك الأُمور إن كانا ناظرين إلى زمانين متعددين فلا تعارض بينهما حقيقة فيما إذا احتمل العدول في حقه ، بل اللاّزم وقتئذٍ هو الأخذ بالمتأخر منهما زماناً ، واستصحاب عدم العدول عن الفتوى السابقة لا يعارض الأمارة كما تقدم.

وإذا فرضناهما ناظرين إلى زمان واحد أو زمانين مع العلم أيضاً بعدم العدول كانت الأمارتان متعارضتين لا محالة ، وحينئذٍ إذا كانت المعارضة بين السماع من المجتهد شفاهاً وبين نقل الثقة أو البينة فإن لم يحتمل الخطأ فيما سمعناه من المجتهد كما لو اتحد المجلس وسئل فيه المجتهد عن المسألة واختلف فيما أجاب به عن السؤال فأخبر الثقة أو البينة عن أنه أفتى في المجلس بالجواز ، والمقلّد سمع منه الفتوى بالحرمة مثلاً فهما من الدليلين المتعارضين أحدهما قطعي والآخر ظني ، للقطع بعدم الخطأ في الفتوى المسموعة من المجتهد وأن ما سمعناه منه بالمشافهة من الحكم بالحرمة هو فتواه في المسألة ، ومعه يسقط النقل عن الحجية للعلم بعدم مطابقته للواقع ، لأنه إما كاذب أو مشتبه في نقله ، هذا إذا كانا ناظرين إلى زمان واحد.

وأما إذا كان كل منهما ناظراً إلى زمان ، وعلمنا عدم عدول المجتهد عن الفتوى السابقة فالأمر أيضاً كذلك ، لاستلزام العلم بفتواه الفعلية بالسماع العلم بأن فتواه السابقة أيضاً كذلك ، لأن مفروضنا العلم بعدم عدول المجتهد عن فتواه السابقة ، إذن يقع التعارض بين السماع والنقل في الزمان السابق فيتقدم السماع لأنه قطعي ، والنقل معلوم الخلاف كما مرّ.

وأما لو احتملنا الخطأ في فتواه الّتي سمعناها منه شفهاً ، كما إذا تعدد المجلس فسمعنا منه الفتوى بالجواز في مجلس ونقل عنه الثقة أو البينة الفتوى بعدم الجواز في مجلس آخر ، مع العلم بعدم عدوله عن فتواه السابقة ، فلا علم لنا حينئذٍ بكذب الناقل أو خطأه ، لأنه من المحتمل أن يكون الخطأ في فتوى المجتهد الّتي سمعناها عنه شفاهاً ، ومع هذا الاحتمال لا مانع من شمول أدلة الاعتبار لنقل الثقة أو البينة. وحيث إنّا نحتمل الخطأ في كل من الناقل والمجتهد تجري أصالة عدم الغفلة والخطأ في كل منهما ومقتضاها القطع التعبدي بصدور كلتا الفتويين لولا المعارضة ، لكنا علمنا بالخطإ في

إحداهما فلا مناص من الحكم بتساقطهما بالمعارضة.

ولا يقاس المقام بما إذا تعارض السماع من الإمام علیه السلام مع النقل فإنا إذا سمعنا الحكم من الإمام علیه السلام شفاهاً جزمنا بعدم مطابقة النقل للواقع لعدم احتمال الخطأ في الإمام علیه السلام وهذا بخلاف المقام لاحتمال صدور كلتا الفتويين عن المجتهد حتى مع السماع عنه مع العلم بالخطإ في إحداهما ، ولأجل هذا العلم الإجمالي تقع المعارضة بين الفتويين ويتساقطان فلا يمكن الأخذ بشي‌ء منهما ، فتقدم السماع على النقل إنما هو في صورة العلم بعدم خطأ المجتهد في الفتوى المسموعة عنه شفاهاً ، هذا كلّه فيما إذا كانت المعارضة بين السماع والنقل.

وأما إذا وقع التعارض بين السماع والرسالة فإن كانت الرسالة من غيره كما يتفق كثيراً فترى أن الثقة جمع فتاوى المجتهد في كتاب ، فالتعارض وقتئذٍ من تعارض النقل والسماع فيأتي فيه جميع ما قدّمناه في تعارضهما آنفاً.

وأما لو كانت الرسالة بخطه وكتابته أو بخط غيره ولكنها مما لاحظه المجتهد كما إذا جمعها غير المجتهد وهو قد راجعها ونظر فيها ، فالمعارضة من تعارض الفتويين الصادرتين من المجتهد إحداهما شفاهاً والأُخرى كتابة ، وأصالة عدم الخطأ وإن جرت في كل منهما في نفسه ، إلاّ أنه عند تعارضهما لا يبعد دعوى جريان السيرة العقلائية على عدم إجرائها في الفتوى المسموعة عنه شفاهاً ، وذلك لأن الخطأ فيها مظنون ولكنه في فتواه بالكتابة موهوم ، فإن الإنسان بالطبع يهتم ويحتفظ بخصوصيات المطلب عند الكتابة بما لا يحتفظ به في مكالماته شفاهاً ، ومن هنا يشتبه فيها كثيراً بخلاف الكتابة ولا سيما في مقام الاستدلال والاستنباط ، فبما أن الكتابة أضبط وأوثق إذا كانت مأمونة من الغلط لم تجر أصالة عدم الخطأ في معارضها وهي الفتوى بالمشافهة ، عند العقلاء.

ومن ذلك يظهر حكم ما إذا وقع التعارض بين النقل والرسالة ، فإن الكتابة كما تقدم أضبط من الفتوى بالمشافهة فضلاً عن نقلها ، فلا تجري فيها أصالة عدم الخطأ. وعلى الجملة إذا قدّمنا الرسالة على سماع الفتوى من المجتهد بالمشافهة تقدمت على النقل الحاكي عن تلك الفتوى الشفهية بطريق أولى فيحكم بخطإ الناقل ويعمل على طبق الرسالة.

[60] مسألة 60 : إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها ولم يكن الأعلم حاضراً فإن أمكن تأخير الواقعة إلى السؤال ، وجب ذلك (1)وإلاّ فإن أمكن الاحتياط تعين ، وإن لم يمكن يجوز الرجوع إلى مجتهد آخر الأعلم فالأعلم ، وإن لم يكن هناك مجتهد آخر ولا رسالته يجوز العمل بقول المشهور بين العلماء إذا كان هناك من يقدر على تعيين قول المشهور ، وإذا عمل بقول المشهور ثمّ تبيّن له بعد ذلك مخالفته لفتوى مجتهده فعليه الإعادة أو القضاء ، وإذا لم يقدر على تعيين قول المشهور يرجع إلى أوثق الأموات ، وإن لم يمكن ذلك أيضاً يعمل بظنه ، وإن لم يكن له ظن بأحد الطرفين يبني على أحدهما ، وعلى التقادير بعد الاطلاع على فتوى المجتهد إن كان عمله مخالفاً لفتواه فعليه الإعادة أو القضاء (1).


(1) بناءً على ما قدّمناه من جواز الرجوع إلى غير الأعلم فيما إذا لم يعلم المخالفة بينه وبين الأعلم جاز الرجوع إلى غير الأعلم في مفروض الكلام ، وإذا لم يتمكن من الرجوع إليه من جهة العلم الإجمالي بمخالفة فتاواه مع فتاوى الأعلم في المسائل المبتلى بها يلزمه تأخير الواقعة أو الاحتياط ، وإذا لم يمكن ذلك رجع إلى غير الأعلم حتى مع العلم بالمخالفة إجمالاً.

وإذا لم يتمكن من الرجوع إلى غير الأعلم أيضاً أخّر الواقعة إلى السؤال عن حكمها ، فإن التكاليف الواقعية قد تنجّزت في حقه ومعه يحتاج المكلّف في موارد التكليف إلى المؤمّن من العقاب لوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ، ولا يتحقق ذلك إلاّ بتأخير الواقعة.

وإذا لم يتمكن من تأخيرها احتاط إن أمكنه لأنه أمر سائغ محصّل للجزم بالامتثال وفراغ الذمة حتى مع التمكن من الرجوع إلى الأعلم فضلاً عمّا إذا لم يتمكن من الرجوع إليه ، وإذا لم يتمكّن من الاحتياط لدوران الأمر بين جزئية شي‌ء ومانعيته مثلاً رجع إلى فتوى غير الأعلم حتى مع العلم بالمخالفة بينه وبين الأعلم في المسألة إجمالاً ، وذلك لحجية فتوى غير الأعلم وقتئذٍ للسيرة العقلائية الجارية على الرجوع


1) بل يجوز له تقليد غير الأعلم حينئذٍ.

إلى غير الأعلم عند تعذر الرجوع إلى الأعلم وانسداد بقية الطرق ، وتشهد له ملاحظتهم في مثل معالجة المريض المبتلى بمرض خطير غير الممكن تأخير علاجه فإنهم إذا لم يتمكنوا من الرجوع إلى الطبيب الأعلم لراجعوا غير الأعلم من دون كلام ، وهذه الصورة مستثناة عن عدم حجية فتوى غير الأعلم عند العلم بالمخالفة بينه وبين الأعلم إجمالاً.

وإذا لم يتمكن من الرجوع إلى غير الأعلم أيضاً اندرج مفروض الكلام تحت كبرى الانسداد ، وذلك لأن مفروضنا تنجز التكليف على المكلّف وأنه غير مهمل كالبهائم فلا تجري البراءة في حقه ولا طريق له إليه كما أن الاحتياط غير متيسّر له ومعه ينحصر طريق الامتثال للمكلّف بالامتثال الاحتمالي لا محالة ، فإن العقل المستقل بلزوم امتثال التكليف المتوجه إلى العبد من سيده ، يتنزل إلى كفاية الامتثال الاحتمالي عند تعذر الامتثال التفصيلي.

ثمّ إن للامتثال الاحتمالي مراتب بحسب قوة الاحتمال وضعفه ومع التمكن من المرتبة الأقوى منه لا يجوز الاقتصار بالقوي وهكذا ، فأول تلك المراتب العمل بقول المشهور بين الأصحاب لقوة احتمال مطابقته للواقع في مقابل القول النادر ، فمع عدم التمكن من العمل به رجع إلى فتاوى الأموات مقدماً للأعلم منهم على غيره ولو بالإضافة إلى المحصورين لتعذر تشخيص الأعلم من الأموات جمعاً. وإذا تعذر ذلك أيضاً عمل بظنه ، ومع عدم التمكن منه أيضاً ولو لعدم ظنه بشي‌ء عمل بأحد طرفي الاحتمال لأنه الميسور في حقه ، والتكليف بغير الميسور غير ميسور. وهذا كلّه من الامتثال الاحتمالي والتنزل إليه لتعذر الامتثال التفصيلي على الفرض.

ثمّ إن العامّي بعد ما عمل بفتوى غير الأعلم أو قول المشهور أو غيرهما من المراتب المتقدمة يرجع إلى فتوى من يجب عليه تقليده ، فإن كان ما أتى به مطابقاً للواقع حسبما أفتى به مقلّده فهو ، وإلاّ وجب قضاء أعماله أو إعادتها بلا فرق في ذلك بين أن يكون بطلانها مستنداً إلى فقدها لجزء أو شرط ركنين ، وأن يكون مستنداً إلى فقدها لشي‌ء من الأجزاء والشرائط غير الركنيتين. وذلك لما فرضناه من عدم مطابقة عمله للواقع ، وعدم قيام الدليل على كونه مجزئاً عن الواجب الواقعي ، وحديث

[61] مسألة 61 : إذا قلّد مجتهداً ثمّ مات ، فقلّد غيره ثمّ مات فقلّد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميت أو جوازه فهل يبقى على تقليد المجتهد الأول أو الثاني؟ الأظهر الثاني (1)والأحوط مراعاة الاحتياط (1).


لا تعاد وإن كان يدل على عدم وجوب الإعادة من غير الأركان إلاّ أنه يختص بما إذا كان العامل معتقداً صحة عمله بحيث لو لم ينكشف له الخلاف لم تجب عليه الإعادة وليس العامل في المقام كذلك لعدم اعتقاد صحة عمله للشك في مطابقته للواقع ووجوب الإعادة في مثله غير مقيد بما بعد الانكشاف ، لأنه لو لم ينكشف الخلاف أيضاً وجبت إعادته لتردده في مطابقة عمله للواقع وعدمها ، وبهذا يظهر الفرق بين المقام وبين ما إذا عمل عن تقليد صحيح ثمّ عدل أو تبدل رأي مجتهده حيث قلنا بعدم وجوب الإعادة حينئذٍ إذا كان العمل فاقداً لغير الأركان من الأُمور المعتبرة فيه.

(1) ما ذكره الماتن قدس سره من أن الأظهر أن يبقى على تقليد المجتهد الثاني يبتني على أن المكلّف بتقليده المجتهد الثاني وعدوله عن المجتهد الميت قد انتهى أمد تقليده الأول ، فيكون رجوعه إلى المجتهد الأول بعد ذلك من التقليد الابتدائي غير الجائز ، وعليه فيتعيّن البقاء على تقليد الثاني جوازاً أو وجوباً. ولا فرق في ذلك بين القول بأن التقليد هو الالتزام أو نفس العمل ، غاية الأمر أنه على الثاني لا بدّ من فرض العمل بفتوى المجتهد الثاني أيضاً.

أقول : قد تقدّم أنه لا أثر لتفسير التقليد بالعمل أو الالتزام في الحكم بجواز البقاء وعدمه وفي سعة موضوعه وضيقه.

والصحيح أن يقال : إنه لا مناص من الحكم بوجوب البقاء على تقليد الميت الأول إذا أفتى المجتهد الثالث وهو الحي بوجوب البقاء ، فإن وجوب البقاء على تقليد الميت إنما هو في فرض أعلمية الميت ومعه إذا علم المكلّف بالمخالفة بين الميت الأول والثاني في الفتوى وجب عليه البقاء على تقليد الميت الأول ، لما قدّمناه من أن فتوى الأعلم هي الحجة عند العلم بالمخالفة بينه وبين غير الأعلم. وأما عدوله إلى الثاني فقد كان مستنداً إلى عدم تجويز المجتهد الثاني للبقاء على تقليد الميت حتى إذا كان أعلم ، إذن


1) (*) هذا إذا كان المقلَّد قائلاً بجواز البقاء ، وأما إذا كان قائلاً بوجوبه فالأظهر هو الأول.

فهو كان معذوراً في عدوله ولا يمنع هذا العدول المستند إلى فتوى الميت الثاني عن عدوله إلى الميت الأول ، لأنه كلا عدول عند المجتهد الثالث الّذي هو الحي ، لافتائه بوجوب البقاء على تقليد الميت الأول لأعلميته وعدم جواز العدول إلى الثاني ، ومع ذلك كيف يجوز البقاء على تقليد الثاني.

وإن شئت قلت : المفروض أن المجتهد الثالث يرى وجوب البقاء على تقليد المجتهد الأول لأنه كان أعلم من المجتهد الثاني ، ففتوى المجتهد الثاني لم تكن حجة في حق العامّي بنظر المجتهد الثالث حدوثاً ، ومع عدم حجيته حدوثاً في حال الحياة كيف يعقل أن تكون حجة بقاءً أي بعد موته لوضوح تبعية البقاء للحدوث. لأنّا إنما نتشبث في الاستدلال على حجية فتوى الميت بإطلاق الأدلة الدالة على حجية فتواه حال الحياة من جهة السيرة العقلائية الجارية على عدم الفرق بين صورتي موته وحياته فإذا لم تكن فتوى المجتهد حجة حدوثاً لم يمكن أن تتصف بالحجية بقاءً أي بعد موته. هذا بالإضافة إلى الميت الثاني.

وأما بالإضافة إلى الحي فإن كان الميت الأول كما أنه أعلم من الميت الثاني أعلم من الحي ، فلا ينبغي التردد في تعيّن البقاء على تقليده إذا علم المكلّف بالمخالفة في الفتوى بينهما ، وإذا لم يعلم بينهما بالمخالفة جاز له كل من البقاء على تقليد الميت الأول والعدول إلى الحي ، ولا يجب عليه الفحص عن مخالفتهما. نعم ، إذا اختار العدول إلى الحي ثمّ علم بالمخالفة بينه وبين الميت الأول ، وجب عليه العدول إلى الميت الأول لأنه أعلم على الفرض.

وأما إذا كان الحي أعلم من الميت الأول ، فإن لم يعلم المخالفة بينهما جاز للمكلّف كل من البقاء على تقليد الميت الأول والعدول إلى الحي ، وإن علم بينهما بالمخالفة تعيّن عليه العدول إلى تقليد المجتهد الحي لأنه أعلم على الفرض ، إلاّ أن محط كلام الماتن هو البقاء على تقليد الميت الأول بالإضافة إلى الميت الثاني لا بالإضافة إلى الحي ، هذا كلّه فيما إذا كان الميت الأول أعلم من الميت الثاني.

وإذا انعكس الأمر وكان المجتهد الثاني أعلم من الأول فإن كان المكلّف عالماً بالمخالفة بينهما في الفتوى ، كان المتعيّن في حقه الرجوع إلى الثاني فلم تكن فتوى المجتهد الأول حجة حتى فيما إذا كان حياً فضلاً عن موته ، ففي مثله لا يجوز البقاء على

تقليده لا قبل موت المجتهد الثاني ولا بعد موته.

وأما إذا لم يكن المكلّف عالماً بالمخالفة بين المجتهد الأول والثاني فكان يجوز له أن يبقى على تقليد الأوّل ولا يفحص عن فتوى المجتهد الثاني ، لكنه إذا رجع إليه وتعلم فتواه المخالفة لفتوى المجتهد الأول على الفرض فقد سقطت فتوى المجتهد الأول عن الحجية فلا يجوز الرجوع إلى تقليده بعد موت المجتهد الثاني. والنتيجة أن في موارد جواز البقاء على تقليد الميت إذا رجع المقلّد إلى الحي لم يكن له الرجوع إلى الميت بعد ذلك.

ثمّ إن المجتهد الثاني الميت إذا كان أعلم من الحي أيضاً تعيّن البقاء على تقليده ، وأما إذا كان الأعلم هو الحي دون الميت الثاني فلا محالة يجوز للمكلّف أن يبقى على تقليد الميت الثاني لعدم العلم بالمخالفة بينه وبين الأعلم منه وهو المجتهد الحي وأن يعدل إلى الحي لفرض أنه أعلم من الميت ، ومع عدم العلم بالمخالفة بينهما تتصف فتواهما بالاعتبار ، ولا يجب على المكلّف الفحص عن مخالفتهما كما تقدم. نعم ، إذا اختار المكلّف العدول إلى الميت الثاني ثمّ علم بالمخالفة بينهما تعيّن عليه العمل بفتوى الحي لأنه الأعلم على الفرض.

وهناك صورة ثالثة : وهي ما إذا كان الميت الأول والثاني متساويين في الفضيلة أو احتملنا الأعلمية في كل منهما والمكلّف علم بينهما بالمخالفة ، ففي هذه الصورة لا يجوز البقاء على تقليد كل منهما ، لأن العلم بالمخالفة يسقط الفتويين عن الاعتبار فإن كان المجتهد الثالث أعلم منهما تعيّن الرجوع إليه. وإذا كان مساوياً معهما في الفضيلة فحاله حالهما لسقوط فتواه عن الحجية عند العلم بالمخالفة ، فإن أدلة الاعتبار غير شاملة للمتعارضين فيجب على المكلّف الاحتياط إن أمكنه وإلاّ فيتخيّر بحسب العمل.

ثمّ إنك عرفت أن مسألة جواز التقليد لا يمكن أن تكون تقليدية ، بل لا بدّ أن تستند إلى قطع المكلّف واطمئنانه. نعم ، لا مانع من التقليد في خصوصياته ، وفي المقام إن استقل عقل العامّي بشي‌ء من جواز البقاء على تقليد الميت أو عدمه فهو ، وأما إذا لم يستقل كما هو الغالب لعدم تمكنه من استقلال عقله بشي‌ء فلا يمكنه الرجوع في ذلك إلى فتوى الميت لأنها مشكوكة الحجية ، لعدم استقلال عقله بحجيتها أو عدمها. ولا يمكن أن تثبت حجية قوله بقول نفسه ، لأنه دور واضح فلا يمكن إثبات جواز البقاء

[62] مسألة 62 : يكفي في تحقق التقليد (1)أخذ الرسالة والالتزام بالعمل بما فيها ، وإن لم يعلم ما فيها ولم يعمل (1) ، فلو مات مجتهده يجوز له البقاء (2) وإن كان الأحوط مع عدم العلم بل مع عدم العمل ولو كان بعد العلم ، عدم البقاء والعدول إلى الحي (3). بل الأحوط استحباباً على وجهٍ عدم البقاء مطلقاً ولو كان بعد العلم والعمل (4).


على تقليد الميت بالرجوع إلى تقليد الميت ، ومعه لو عمل بفتوى الميت وقلّده فهو كالعمل من دون تقليد وقد مرّ أن العمل من دون تقليد أو عدليه باطل ظاهراً بمعنى أنه مما لا يمكن الاقتصار عليه لدى العقل ، لعدم ثبوت أن فتوى الميت مؤمّنة من العقاب فالمتعيّن أن يرجع في ذلك إلى الحي.

ما هو المحقق للتقليد :

(1) قد عرفت أن التقليد هو العمل استناداً إلى قول الغير ، ولا يكفي في تحققه الالتزام وأخذ الرسالة بوجه.

(2) مرّ أن البقاء على تقليد الميت واجب أو جائز من دون أن يشترط فيه العمل سواء قلنا إن التقليد هو الالتزام أو فسّرناه بغيره من المعاني المتقدمة في محلّها ، فلا يتوقف جواز البقاء على أن يكون التقليد بمعنى الالتزام كما هو المتراءى من المتن. نعم يشترط في البقاء أن يكون المقلّد ذاكراً لفتوى الميت فلاحظ.

(3) لاحتمال عدم تحقق التقليد بالالتزام لأن معناه محل الخلاف كما مرّ ، إلاّ أن العدول إلى الحي وعدم البقاء على تقليد الميت عند عدم العمل بفتواه ولو كان بعد العلم بها إنما يكون موافقاً للاحتياط فيما إذا قلنا بجواز البقاء على تقليد الميت ، وأما لو قلنا بوجوبه كما إذا كان الميت أعلم من الحي مع العلم بالمخالفة بينهما في الفتوى ، فلا يكون العدول إلى الحي وعدم البقاء على تقليد الميت عند عدم العمل بفتواه احتياطاً أبداً. نعم ، إذا لم يكن ذاكراً لفتواه لم يجز له البقاء لأنه مشروط بالذكر وعدم نسيان فتوى الميت كما مرّ.

(4) لاحتمال عدم جواز البقاء على تقليد الميت مطلقاً فإن المسألة خلافية كما تقدم وهذا أيضاً فيما إذا لم يكن الميت أعلم.


1) (*) مرّ حكم هذه المسألة [ في المسألة 8 ].

[63] مسألة 63 : في احتياطات الأعلم إذا لم يكن له فتوى يتخيّر المقلّد بين العمل بها وبين الرجوع إلى غيره (1) الأعلم فالأعلم (1)(2).

[64] مسألة 64 : الاحتياط المذكور في الرسالة إما استحبابي ، وهو ما إذا كان مسبوقاً أو ملحوقاً بالفتوى ، وإما وجوبي وهو ما لم يكن معه فتوى ويسمّى بالاحتياط المطلق ، وفيه يتخيّر المقلّد بين العمل به ، والرجوع إلى مجتهد آخر.

وأما القسم الأول فلا يجب العمل به ، ولا يجوز الرجوع إلى الغير (3) بل يتخيّر بين العمل بمقتضى الفتوى ، وبين العمل به.


(1) أما جواز العمل بالاحتياط فلما أسلفنا عند التكلّم على الاحتياط من جواز الامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي فلاحظ. وأما جواز الرجوع إلى غيره فلأن الأعلم غير عالم بالحكم في مورد الاحتياط فلا بدّ معه من أن يرجع فيه إلى العالم بالمسألة. هذا إذا كان احتياط الأعلم مستنداً إلى عدم علمه بالحكم الواقعي وكون الشبهة قبل الفحص بحيث لا يخطّأ غير الأعلم فيما أفتى به. وأما لو كان احتياطه مستنداً إلى جزمه بانسداد الطريق إلى الحكم الواقعي بحيث يخطّأ غيره فيما أفتى به فلا مسوّغ معه للرجوع إلى غيره أبداً بل لا بدّ من الاحتياط ، لوجود فتوى الأعلم في الحكم الظاهري أعني وجوب الاحتياط ، إذ لا يشترط في وجوب الرجوع إليه أن يكون للأعلم فتوى في الحكم الواقعي.

(2) هذا فيما إذا علم المكلّف بالمخالفة بين الأعلم فالأعلم في الفتوى ، وأما إذا لم يعلم بها فلا يجب مراعاة الأعلم فالأعلم لحجية فتوى كل منهما في نفسه على ما أسلفناه في محلّه فلاحظ.

(3) لأنه في الحقيقة عدول عن تقليد الأعلم إلى تقليد غير الأعلم من غير مسوّغ لأن مفروضنا وجود الفتوى للأعلم في المسألة وهي حجة متعينة على الفرض


1) (*) هذا فيما إذا علم بالمخالفة بينهما ، وإلاّ فلا تجب مراعاة الأعلم فالأعلم.

[65] مسألة 65 : في صورة تساوي المجتهدين يتخيّر بين تقليد (1)أيّهما شاء كما يجوز له التبعيض حتى في أحكام العمل الواحد حتى أنه لو كان مثلاً فتوى أحدهما وجوب جلسة الاستراحة ، واستحباب التثليث في التسبيحات الأربع وفتوى الآخر بالعكس يجوز أن يقلّد الأول في استحباب التثليث ، والثاني في استحباب الجلسة (1).


واحتمال الخلاف في المسألة وعدم مطابقة الفتوى للواقع وإن كان موجوداً بالوجدان إلاّ أنه ملغى بأدلة اعتبار فتوى الأعلم تعبداً ، إذ لا مسوّغ للأخذ بخلاف فتوى الأعلم وهو الّذي أفتى به غيره وإن كان موافقاً للاحتياط ، لأنه مما قامت الحجة على خلافه ، ومن الظاهر أن تطبيق العمل على ما لا يجوز الاستناد إليه في مقام الامتثال تشريع محرّم ، فإذا أفتى الأعلم بعدم الوجوب في مورد وأفتى غير الأعلم فيه بالوجوب لم يجز للمقلّد أن يأتي بالعمل بعنوان الوجوب استناداً إلى فتوى غير الأعلم به ، لقيام الحجة وهي فتوى الأعلم بعدم جواز الاستناد إليه فيكون الإتيان به بعنوان الوجوب تشريعاً محرّماً وإن كان موافقاً للاحتياط. نعم ، العمل بالاحتياط أمر حسن بل هو مستحب كما أفتى به الأعلم إلاّ أنه غير الرجوع في المسألة إلى غير الأعلم فلاحظ.

(1) قد أسلفنا في المسألة الثالثة والثلاثين وكذا في السابعة والأربعين اختصاص جواز التبعيض في التقليد في عملين ، وكذا في أحكام العمل الواحد بما إذا لم يعلم المخالفة في الفتوى بين المجتهدين. وأما على القول بجواز التقليد لكل من المتساويين أو للأعلم وغير الأعلم حتى مع العلم بالمخالفة بينهما فالمقلّد إنما يجوز أن يقلّد كلا منهما في بابين أو عملين متعددين ، وليس له التبعيض في تقليدهما في أحكام العمل الواحد وقد ذكرنا الوجه في ذلك في المسألتين المذكورتين فليراجع.


1) (*) مع عدم العلم بالمخالفة ، وإلاّ فيأخذ بأحوط القولين كما مرّ ، وبذلك يظهر حال التبعيض.

[66] مسألة 66 : لا يخفى أن تشخيص موارد الاحتياط عسر على العامّي ، إذ لا بدّ فيه من الاطلاع التام (1) ومع ذلك قد يتعارض الاحتياطان فلا بدّ من الترجيح ، وقد لا يلتفت إلى إشكال المسألة حتى يحتاط ، وقد يكون الاحتياط في ترك الاحتياط ، مثلاً الأحوط ترك الوضوء بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر لكن إذا فرض انحصار الماء فيه الأحوط التوضؤ به بل يجب ذلك بناءً على كون احتياط الترك استحبابياً ، والأحوط الجمع بين التوضؤ به والتيمم. وأيضاً الأحوط التثليث في التسبيحات الأربع ، لكن إذا كان في ضيق الوقت ، ويلزم من التثليث وقوع بعض الصلاة خارج الوقت ، فالأحوط ترك هذا الاحتياط ، أو يلزم تركه ، وكذا التيمم بالجص خلاف الاحتياط لكن إذا لم يكن معه إلاّ هذا فالأحوط التيمم به ، وإن كان عنده الطين مثلاً فالأحوط الجمع ، وهكذا.

[67] مسألة 67 : محل التقليد ومورده هو الأحكام الفرعية العملية فلا يجري في أُصول الدين (2).


(1) على ما بيّنا تفصيله في المسألة الثانية عند التكلّم على الاحتياط فراجع.

محل التقليد ومورده :

اشارة

(2) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات :

1 - التقليد في أُصول الدين :

قد عرفت أن التقليد هو الاستناد إلى فتوى الغير في مقام العمل ، والوجه في وجوبه على ما قدّمناه استقلال العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ، ولا يتأتى هذا فيما اعتبر فيه اليقين والاعتقاد كما في الأُصول كالتوحيد والنبوة والمعاد لوضوح أنه لا عمل في تلك الأُمور حتى يستند فيها إلى قول الغير أو لا يستند ، فإن المطلوب فيها هو اليقين والاعتقاد ونحوهما مما لا يمكن أن يحصل بالتقليد فلا معنى له في مثلها ، بل لو عقد القلب في تلك الأُمور على ما يقوله الغير لم يكتف به بوجه ، إذ

المعتبر في الأُصول إنما هو اليقين والعرفان والاعتقاد ، وشي‌ء من ذلك لا يتحقق بعقد القلب على ما يقوله الغير. بل هذا هو القدر المتيقن مما دلّ على ذم التقليد واتباع قول الغير في الأُصول كقوله عزّ من قال ( إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) (1).

نعم ، هناك كلام آخر في أنه إذا حصل له اليقين من قول الغير يكتفي به في الأُصول أو يعتبر أن يكون اليقين فيها مستنداً إلى الدليل والبرهان؟ إلاّ أنه أمر آخر أجنبي عمّا نحن بصدده ، وإن كان الصحيح جواز الاكتفاء به إذ المطلوب في الاعتقاديات هو العلم واليقين بلا فرق في ذلك بين أسبابهما وطرقهما ، بل حصول اليقين من قول الغير يرجع في الحقيقة إلى اليقين بالبرهان ، لأنه يتشكّل عند المكلّف حينئذٍ صغرى وكبرى فيقول : هذا ما أخبر به أو اعتقده جماعة ، وما أخبر به جماعة فهو حق ، ونتيجتهما أن ذلك الأمر حق فيحصل فيه اليقين بأخبارهم.

2 - التقليد في الموضوعات الصرفة :

إذا رأى المجتهد أن المائع المعين خمر مثلاً أو أنه مما أصابته نجاسة ، فهل يجب على من قلّده متابعته في ذلك ويعامل مع المائع المعين معاملة الخمر أو ملاقي النجاسة؟

لا ينبغي التوقف في عدم جواز التقليد في الموضوعات الصرفة ، لأن تطبيق الكبريات على صغرياتها خارج عن وظائف المجتهد حتى يتبع فيها رأيه ونظره ، فإن التطبيقات أُمور حسية والمجتهد والمقلّد فيها سواء ، بل قد يكون العامّي أعرف في التطبيقات من المجتهد فلا يجب على المقلّد أن يتابع المجتهد في مثلها.

نعم ، إذا أخبر المجتهد عن كون المائع المعيّن خمراً ، أو عن إصابة النجس له وكان إخباره إخباراً حسياً ، جاز الاعتماد على إخباره إلاّ أنه لا من باب التقليد بل لما هو الصحيح من حجية خبر الثقة في الموضوعات الخارجية ، ومن ثمة وجب قبول خبره على جميع المكلّفين وإن لم يكونوا مقلّدين له كسائر المجتهدين.


1) الزخرف 43 : 23.

3 - التقليد في الموضوعات المستنبطة :

كالصلاة والصوم والزكاة وغيرها مما وقع الكلام في أنها أسام للصحيحة أو الأعم ، أو الموضوعات العرفية واللغوية كما في الغناء ونحوه فإذا بنى المجتهد على أن السورة لا يعتبر في مسمى الصلاة وأنها اسم للأجزاء والشرائط غير السورة ، أو أن الغناء هو الصوت المطرب لا ما اشتمل على الترجيع من غير طرب ، فهل يجب على العامّي أن يقلّده فيهما ، أو أن الموضوعات المستنبطة من الشرعية والعرفية وغيرهما خارجة عن الأحكام الشرعية ولا يجري فيها التقليد بوجه؟

الصحيح وجوب التقليد في الموضوعات المستنبطة الأعم من الشرعية وغيرها وذلك لأن الشك فيها بعينه الشك في الأحكام ، ومن الظاهر أن المرجع في الأحكام الشرعية المترتبة على تلك الموضوعات المستنبطة هو المجتهد ، فالرجوع فيها إليه عبارة أُخرى عن الرجوع إليه في الأحكام المترتبة عليها. مثلاً إذا بنى المجتهد على عدم صحة صلاة الرجل إذا كانت بحياله امرأة تصلي أو العكس إلاّ أن يكون الفاصل بينهما عشرة أذرع ، فمعنى ذلك أن الصلاة اسم للأجزاء والشرائط الّتي منها عدم كونها واقعة بحذاء امرأة تصلّي ، كما أن المجتهد إذا كتب في رسالته أن الغناء هو الصوت المشتمل على الترجيع سواء أكان مطرباً أم لم يكن ، فمعناه أن الحرمة الشرعية إنما ترتبت على الأعم من الصوت المطرب وغيره مشروطاً بأن يشتمل على الترجيع.

والمتحصّل : أن الرجوع في الموضوعات المستنبطة إلى المجتهد رجوع إليه في أحكامها والتقليد فيها من التقليد في الفروع.

4 - التقليد في مبادئ الاستنباط :

وهي العلوم الأدبية واللغة وعلم الرجال ، وهل يجوز للمجتهد أن يقلّد عالماً من علماء الأدب أو الرجال في شي‌ء من القواعد الأدبية أو في تفسير كلمة أو فيما يرجع إلى الرجال ، حتى يرتّب على ذلك حكماً من الأحكام الشرعية عند التصدي لاستنباطها عن مداركها؟

الصحيح عدم جريان التقليد في تلك الأُمور وذلك لأن مشروعية التقليد إنما ثبتت بالسيرة والكتاب والسنة ولا يشمل شي‌ء منها للمقام. أما الكتاب فلأن قوله عزّ من قائل ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ... ) (1)إنما يدل على مشروعية التقليد في الأحكام الشرعية الراجعة إلى الدين ، ومن الظاهر أن القاعدة الأدبية ، أو وثاقة راوٍ وعدمها ليست من الدين بوجه.

وأما السنة فلأن المستفاد من الروايات إنما هو مشروعية التقليد فيما يرجع إلى الحلال والحرام أو معالم الدين ونحوها ، ولا ينطبق شي‌ء من ذلك على القواعد الأدبية أو الرجالية لوضوح عدم كونها من الحلال والحرام ولا أنها من المعالم كما لا يخفى.

وأما السيرة العقلائية فلأنها وإن جرت على رجوع الجاهل إلى العالم ، ورجوع المجتهد إلى العالم بتلك القواعد أيضاً من رجوع الجاهل إلى العالم ، إلاّ أن ذلك على إطلاقه ليس مورداً للسيرة أبداً ، لاختصاصها بالمسائل النظرية المحتاجة إلى التدقيق والاستدلال كما في الطبابة والهندسة وغيرهما. وأما الأُمور الحسية الّتي لا يحتاج فيها إلى الدقة والاستنباط فلم تقم فيها السيرة على رجوع الجاهل إلى العالم ، وهذا كموت زيد وولادة ابنه ونحوهما فإنه إذا علم بها أحد باجتهاده وحدسه لم يكن أي مجوّز لتقليده ، لأنهما أمران حسيان لا يحتاجان إلى الاستنباط والاجتهاد ، ولا سيرة على رجوع الجاهل إلى العالم في مثلهما. ومبادئ الاستنباط من هذا القبيل ، لأن القواعد الأدبية راجعة إلى إثبات الظهور ، وهو من الأُمور الحسية فإذا بنى اللغوي أو غيره على أن اللفظة المعينة ظاهرة في معنى كذا بحدسه واجتهاده ، لم يجز اتباعه فيه لأنه لا دليل على مشروعية التقليد في الأُمور الحسية ، ومن هنا قلنا في محله إن اللغوي لا دليل على حجية قوله ونظره ، وكذلك الحال بالنسبة إلى علم الرجال ، لأن العدالة والوثاقة من الأُمور المحسوسة والاخبار عنها حدساً ليس بمورد للتقليد أبداً.


1) التوبة 9 : 122.

وفي مسائل أُصول الفقه ، ولا في مبادئ الاستنباط من النحو والصرف ونحوهما ، ولا في الموضوعات المستنبطة العرفية (1)أو اللغوية ولا في الموضوعات الصرفة ، فلو شكّ المقلّد في مائع أنه خمر أو خل مثلاً وقال المجتهد أنه خمر لا يجوز له تقليده. نعم ، من حيث إنه مخبر عادل يقبل قوله ، كما في إخبار العامّي العادل ، وهكذا. وأما الموضوعات المستنبطة الشرعية كالصلاة والصوم ونحوهما فيجري التقليد فيها كالأحكام العملية.


5 - التقليد في أُصول الفقه :

المجتهد الواجد لملكة الاستنباط في الأحكام إذا لم يتمكن من الاستنباط في المسائل الأُصولية بأجمعها أو ببعضها ، كمسألة حجية الاستصحاب أو الخبر الواحد أو التخيير في تعارض الروايتين أو غيرها ، فهل يجوز أن يقلّد في تلك المسائل ويستنبط الفروع الفقهية بذلك بأن يكون هذا متوسطاً بين المقلّد والمجتهد ، أو أن المسائل الأُصولية كالموضوعات الصرفة وغيرها مما لا مجال فيه للتقليد؟

الّذي ينبغي أن يقال : إن المجتهد إذا تمكن من الاستنباط في الأحكام الفرعية ولم يتمكن منه في المسائل الأُصولية جاز له التقليد في تلك المسائل وهو مما لا محذور فيه ، فإن الأدلة المتقدمة الدالة على مشروعية التقليد وجوازه كما أنها شاملة للتقليد في الفروع كذلك شاملة للتقليد في الأُصول.

أما الكتاب فلما مرّ من أنه إنما دلّ على مشروعية التقليد في الأُمور الراجعة إلى الدين ، ومن البديهي أن حجية الاستصحاب أو الخبر الواحد أيضاً راجعة إلى الدين فتعلّمها تفقّه في الدين ، فالانذار بها حجة بمقتضى الآية المباركة فإنها مطلقة من ناحية كون الحكم الشرعي المنذر به حكماً للعمل من دون واسطة كما في الأحكام الفقهية أو


1) (*) لا فرق في الموضوعات المستنبطة بين الشرعية والعرفية في أنها محل للتقليد ، إذ التقليد فيها مساوق للتقليد في الحكم الفرعي كما هو ظاهر.

حكماً للعمل مع الواسطة كما في المسائل الأُصولية.

وأما السنة فلأنها كما مرّ إنما دلت على مشروعية التقليد فيما يرجع إلى معالم الدين المنطبقة على المسائل الأُصولية أيضاً ، لوضوح أن حجية الخبر مثلاً من معالم الدين فلا مانع من الرجوع فيها إلى العالمين بها.

وأما السيرة فلأجل أنها جرت على رجوع الجاهل إلى العالم في الأُمور النظرية المبتنية على الاستدلال وإعمال الدقة والمسائل الأُصولية ، كذلك وبهذا نستنتج أن المسائل الأُصولية كالمسائل الفرعية قابلة للتقليد.

نعم ، لا يجوز للغير أن يقلّده فيما استنبطه كذلك لأنه في الحقيقة مقلّد في الحكم لوضوح أن النتيجة تتبع أخس المقدمتين ، فهو وإن كان مجتهداً في الفروع ومتمكناً من استنباطها إلاّ أنه مقلّد في الأُصول ، ومعه ينتهي الحكم الفرعي المستنبط إلى التقليد ولم يقم دليل على حجية النظر من مثله لغيره ، فلا يجوز للعامّي أن يقلّده فيما استنبطه كذلك ، هذا كلّه في كبرى المسألة.

وأما بحسب الصغرى وأنه هل يتحقق في الخارج شخص يتمكن من الاستنباط في الفروع الفقهية من دون أن يكون قادراً على الاستنباط في المسائل الأُصولية ، حتى يقلّد في تلك المسائل وبها يستنبط حكماً فرعيا بالاجتهاد أو لا يوجد لتلك الكبرى صغرى في الخارج؟

فالتحقيق أن مسألتنا هذه لا صغرى لها بوجه وتوضيحه : أنّا وإن ذكرنا في محلّه أن التجزي في الاجتهاد أمر ممكن بل لا كلام في وقوعه ، فلا مانع من أن يتمكن أحد من الاستنباط في باب أو مسألة لسهولة مأخذها دون مسألة أُخرى لصعوبتها ، بل قلنا إن التجزي مما لا بدّ منه في الاجتهاد المطلق عادة ، إلاّ أن ذلك فيما إذا كان المتجزي مجتهداً في مسألة حقيقة حتى فيما يتوقف عليه من المسائل الأُصولية وإن لم يكن كذلك في مسألة أُخرى لعجزه عن الاجتهاد فيها أو فيما يتوقف عليه. وأما أن المجتهد يتمكن من الاجتهاد في المسألة الفقهية وغير واجد لملكة الاجتهاد في المسألة الأُصولية الّتي

تتوقف عليها تلك المسألة الفقهية ، فهو مما لا وقوع له وذلك لأن الاجتهاد في الأحكام الشرعية ليس بأهون من الاجتهاد في المسائل الأُصولية ، فإذا فرضنا أن المجتهد يتمكن من الاستنباط في الفروع وتطبيق الكبريات على صغرياتها ، فلا مناص من أن يكون متمكناً من الاجتهاد في المسائل الأُصولية أيضاً وإن لم يتصد لاستنباطها ، وقد أسلفنا عند التكلّم على الاجتهاد أن واجد الملكة لا يجوز له التقليد بوجه لعدم شمول الأدلة له.

أما آية النفر فلأنها دلت على حجية إنذار المنذر بالإضافة إلى من لا يتمكن من التفقه في الدين دون من هو مثل المنذر في القدرة على التفقه والإنذار.

وأما آية السؤال فلأنها على تقدير دلالتها إنما تدل على حجية جواب العالم لمن ليس له سبيل إلى التعلّم غير السؤال ، ولم تدل على حجيته بالإضافة إلى من يتمكن من التعلّم بالاجتهاد.

وأما الروايات فلأن القدر المتيقن من مداليلها حجية فتوى الفقيه على من لا يتمكن من تحصيل العلم بالواقع ، وكذلك السيرة لعدم جريانها في من يتمكن من تحصيل العلم بنفسه ، فإن الطبيب المتمكن من الطبابة والعلاج لنفسه أو لأولاده مثلاً لا نستعهد رجوعه أو إرجاعه المريض إلى طبيب آخر ، فصاحب الملكة لا مسوّغ لتقليده. وقد مرّ (1)أن شيخنا الأنصاري قدس سره ادعى الإجماع على عدم جواز التقليد له ، فلا مناص من أن يجتهد أو يحتاط.

والمتحصل : عدم جواز التقليد في المسائل الأُصولية مطلقاً أما مع التمكن من الاجتهاد في الأحكام الفرعية فلأجل عدم انفكاكه عن التمكن من الاجتهاد في المسائل الأُصولية ، وقد عرفت أن واجد الملكة ليس له التقليد فيما يتمكن من الاجتهاد فيه ، وأما مع العجز عن الاجتهاد في الأحكام الفرعية فلأنه لا يترتب أي فائدة على التقليد في المسائل الأُصولية حينئذٍ.


1) راجع ص 17.

[68] مسألة 68 : لا يعتبر الأعلمية فيما أمره راجع إلى المجتهد إلاّ في التقليد (1) ، وأما الولاية على الأيتام والمجانين والأوقاف التي لا متولِّي لها والوصايا التي لا وصيّ لها ونحو ذلك فلا يعتبر فيها الأعلمية ، نعم الأحوط في القاضي أن يكون أعلم من في ذلك البلد أو في غيره مما لا حرج في الترافع إليه.


ما لا يعتبر فيه الأعلمية :

(1) قد أسلفنا أن من جملة الشرائط المعتبرة في من يرجع إليه في التقليد هو الأعلمية إما مطلقاً ، وإما فيما إذا علمت المخالفة بينه وبين غير الأعلم في الفتوى على الخلاف ، إلاّ أن ذلك إنما هو بالإضافة إلى التقليد في الفروع.

وهل تعتبر الأعلمية في غيره من الأُمور الراجعة إلى المجتهد كالولاية على القصّر من الصغار والمجانين وعلى الأوقاف الّتي لا متولي لها ، والوصايا الّتي لا وصي لها وغيرها من الأُمور الّتي لا مناص من تحققها في الخارج وهي المعبّر عنها بالأُمور الحسبية ، كبيع مال اليتيم عند اقتضاء الضرورة له ، أو تزويج الصغير أو الصغيرة مع اقتضاء المصلحة في حقهما ، وصرف سهم الإمام علیه السلام في موارده ونحوها أو لا تعتبر؟

يقع الكلام في ذلك تارة في غير القضاء من الأُمور الراجعة إلى المجتهد ، وأُخرى في القضاء.

أما المقام الأول : فالمشهور بين الأصحاب 5 عدم اعتبار الأعلمية في من يرجع إليه في تلك الأُمور ، فلا مانع من الرجوع فيها إلى غير الأعلم وهو الّذي اختاره الماتن قدس سره إلاّ أن ذلك يبتني على أن يكون للفقيه في زمان الغيبة ولاية مطلقة قد ثبتت له بدليل لفظي قابل للتمسك بإطلاقه عند الشك في اعتبار الأعلمية في المجتهد الّذي يرجع إليه في تلك الأُمور ، فيقال حينئذٍ إن الأدلة المثبتة للولاية غير مقيدة بالأعلمية ، فلا مانع من أن ندفع بإطلاقها احتمال اعتبار الأعلمية في تلك الأُمور.

إلاّ أنّا ذكرنا في التكلّم على ولاية الفقيه أن ما استدل به على الولاية المطلقة في

عصر الغيبة غير قابل للاعتماد عليه ومن هنا قلنا بعدم ثبوت الولاية له إلاّ في موردين وهما الفتوى والقضاء.

الولاية المطلقة للفقيه :

وتفصيل الكلام في ذلك : أن ما يمكن الاستدلال به على الولاية المطلقة للفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيبة أُمور :

الأول : الروايات كالتوقيع المروي عن كمال الدين وتمام النعمة ، والشيخ في كتاب الغيبة والطبرسي في الاحتجاج : « وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة اللّه ... » (1)نظراً إلى أن المراد برواة حديثنا هو الفقهاء دون من ينقل الحديث فحسب. وقوله علیه السلام : « مجاري الأُمور والأحكام بيد العلماء باللّه الامناء على حلاله وحرامه ... » (2). وقوله صلی اللّه علیه و آله : « الفقهاء أُمناء الرسل ... » (3)وقوله صلی اللّه علیه و آله : « اللّهُمَّ ارحم خلفائي ثلاثاً قيل يا رسول اللّه ومن خلفاؤك؟ قال : الّذين يأتون بعدي يروون حديثي وسنتي » (4)وغيرها من الروايات.

وقد ذكرنا في الكلام على ولاية الفقيه من كتاب المكاسب أن الأخبار المستدل بها على الولاية المطلقة قاصرة السند أو الدلالة وتفصيل ذلك موكول إلى محلّه. نعم يستفاد من الأخبار المعتبرة أن للفقيه ولاية في موردين وهما الفتوى والقضاء ، وأما ولايته في سائر الموارد فلم يدلنا عليها رواية تامة الدلالة والسند.

الثاني : أن الولاية المطلقة للفقهاء في عصر الغيبة إنما يستفاد من عموم التنزيل وإطلاقه ، حيث لا كلام من أحد في أن الشارع قد جعل الفقيه الجامع للشرائط قاضياً وحاكماً وقد نطقت به مقبولة عمر بن حنظلة حيث ورد فيها ( قوله علیه السلام ) :


1) وسائل الشيعة 27 : 140 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 9.

2) تحف العقول : 172 ومستدرك الوسائل 17 : 315 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 16.

3) مستدرك الوسائل 17 : 320 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 29.

4) وسائل الشيعة 27 : 139 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 7.

« فإني قد جعلته عليكم حاكماً ... » (1). وصحيحة أبي خديجة ، ففيها : « فإني قد جعلته عليكم قاضياً ... » (2)فإن مقتضى الإطلاق فيهما أن يترتب الآثار المرغوبة من القضاة والحكّام بأجمعها على الرواة والفقهاء ، ومن تلك الآثار تصدّيهم لنصب القيّم والولي على القصّر ، والمتولي على الأوقاف الّتي لا متولي لها والحكم بالهلال وغيرها.

وذلك لأنه لا شبهة ولا كلام في أن القضاة المنصوبين من قبل العامة والخلفاء كانوا يتصدون لتلك الوظائف والمناصب كما لا يخفى على من لاحظ أحوالهم وسبر سيرهم وسلوكهم.

ويكشف عن ذلك كشفاً قطعياً صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال : « مات رجل من أصحابنا ، ولم يوص فرفع أمره إلى قاضي الكوفة فصيّر عبد الحميد القيّم بماله ، وكان الرجل خلّف ورثة صغاراً ومتاعاً وجواري ، فباع عبد الحميد المتاع فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهن ، إذ لم يكن الميت صيّر إليه وصيته ، وكان قيامه فيها بأمر القاضي ، لأنهن فروج قال : فذكرت ذلك لأبي جعفر علیه السلام وقلت له : يموت الرجل من أصحابنا ولا يوصي إلى أحد ويخلف جواري فيقيم القاضي رجلاً منّا فيبيعهن أو قال : يقوم بذلك رجل منّا فيضعف قلبه لأنهن فروج فما ترى في ذلك؟ قال فقال : إذا كان القيّم به مثلك ومثل عبد الحميد فلا بأس (3). لأنها صريحة في أن القضاة كانوا يتصدون لنصب القيّم ونحوه من المناصب ، فإذا دلت الرواية على أن المجتهد الجامع للشرائط قد جعل قاضياً في الشريعة المقدسة ، دلتنا بإطلاقها على أن الآثار الثابتة للقضاة والحكّام بأجمعها مترتبة على الفقيه ، كيف فإن ذلك مقتضى جعل المجتهد قاضياً في مقابل قضاتهم وحكّامهم. لأن الغرض من نصبه كذلك ليس إلاّ عدم مراجعتهم إلى قضاة الجور ، ورفع احتياجاتهم عن قضاتهم ، فلو لم تجعل له الولاية المطلقة ولم يكن متمكناً من إعطاء تلك المناصب لم يكن جعل القضاوة له موجباً لرفع احتياجاتهم ، ومع احتياجهم واضطرارهم إلى الرجوع في تلك


1) وسائل الشيعة 27 : 136 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 1.

2) وسائل الشيعة 27 : 139 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 6.

3) وسائل الشيعة 17 : 363 / أبواب عقد البيع وشروطه ب 16 ح 2.

الأُمور إلى قضاة الجور لا معنى لنهيهم عن ذلك.

وعلى الجملة : أن الولاية من شؤون القضاء ، ومع الالتزام بأن المجتهد مخوّل للقضاء لا بدّ من الالتزام بثبوت الولاية المطلقة له وبجواز أن يتصدى لما يرجع إليها في عصر الغيبة.

والجواب عن ذلك : أن القضاء بمعنى إنهاء الخصومة ، ومن هنا سمي القاضي قاضياً لأنه بحكمه ينهى الخصومة ويتم أمرها ويفصله. وأما كونه متمكناً من نصب القيّم والمتولي وغيرهما أعني ثبوت الولاية له فهو أمر خارج عن مفهوم القضاء كلّية ، فقد دلتنا الصحيحة على أن الشارع نصب الفقيه قاضياً ، أي جعله بحيث ينفذ حكمه في المرافعات وبه يتحقق الفصل في الخصومات ويتم أمر المرافعات ، ولا دلالة لها بوجه على أن له الولاية على نصب القيّم والحكم بثبوت الهلال ونحوه. لما تقدم من أن القاضي إنما ينصب قاضياً لأن يترافع عنده المترافعان وينظر هو إلى شكواهما ويفصل الخصومة بحكمه ، وأما أن له إعطاء تلك المناصب فهو أمر يحتاج إلى دليل آخر ولا دليل عليه. فدعوى أن الولاية من شؤون القضاء عرفاً ممنوعة بتاتاً. بل الصحيح أنهما أمران ويتعلّق الجعل بكل منهما مستقلا.

وأما تصدي قضاة العامة لكل من القضاء وما يرجع إلى الولاية فهو أيضاً من هذا القبيل ، بمعنى أنهما منصبان مستقلان والخليفة ربما كان يعطي منصب القضاء لأحد ويعطي منصب الولاية لأشخاص آخرين ، وربّما كان من باب الاتفاق يعطي ذلك المنصب أيضاً للقاضي فيصير القاضي بذلك ذا منصبين مجعولين بجعلين لا أن أحدهما من شؤون الآخر ، بحيث يغني جعل أحدهما عن جعل الآخر ، وفي عصر الحكومة العثمانية الّتي هي قريبة العهد من عصرنا أيضاً كان الأمر كما ذكر ، ولم يكن الولاية فيه من شؤون القضاء لئلاّ يحتاج إلى الجعل بعد جعل القضاء.

وأما عدم ارتفاع الحاجة عن أصحابهم علیهم السلام فيما إذا كان الفقيه قاضياً فحسب ولم يكن له الولاية على بقية الجهات ففيه : أن هذه المناقشة إنما تتم فيما إذا لم يتمكن الفقيه المنصوب قاضياً شرعاً من التصرف في تلك الجهات أبداً ، وأما لو جاز له أن يتصدى لها لا من باب الولاية بل من باب الحِسبة على ما سيتضح قريباً

إن شاء اللّه ، فلا تبقى لأصحابهم أية حاجة في الترافع أو الرجوع إلى قضاة الجور ومعه يصح النهي عن رجوعهم إلى القضاة.

الثالث : أن الأُمور الراجعة إلى الولاية مما لا مناص من أن تتحقق في الخارج مثلاً إذا مات أحد ولم ينصب قيّماً على صغاره ولم يوص إلى وصي ليقوم بامورهم واحتيج إلى بيع مال من أمواله أو تزويج صغيرة من ولده ، لأن في تركه مفاسد كثيرة أو أن مالاً من أموال الغائب وقع مورد التصرف ، فإن بيع ماله أو تزويج الصغيرة أمر لا بدّ من وقوعه في الخارج ومَن المتصدّي لتلك الأُمور؟

فإن الأئمة علیهم السلام منعوا عن الرجوع إلى القضاة ، وإيقاف تلك الأُمور أو تأخيرها غير ممكن لاستلزامه تفويت مال الصغار أو الغائب أو انتهاك عرضهم ومعه لا مناص من أن ترجع الأُمور إلى الفقيه الجامع للشرائط ، لأنه القدر المتيقن ممن يحتمل أن يكون له الولاية في تلك الأُمور ، لعدم احتمال أن يرخّص الشارع فيها لغير الفقيه كما لا يحتمل أن يهملها لأنها لا بدّ من أن تقع في الخارج فمع التمكن من الفقيه لا يحتمل الرجوع فيها إلى الغير. نعم ، إذا لم يمكن الرجوع إليه في مورد ، تثبت الولاية لعدول المؤمنين.

والمتحصّل : أن الفقيه له الولاية المطلقة في عصر الغيبة ، لأنه القدر المتيقن كما عرفت.

والجواب عن ذلك : أن الأُمور المذكورة وإن كانت حتمية التحقق في الخارج وهي المعبّر عنها بالأُمور الحِسبية ، لأنها بمعنى الأُمور القربية الّتي لا مناص من تحققها خارجاً ، كما أن الفقيه هو القدر المتيقن كما مرّ إلاّ أنه لا يستكشف بذلك أن الفقيه له الولاية المطلقة في عصر الغيبة ، كالولاية الثابتة للنبي صلی اللّه علیه و آله والأئمة علیهم السلام . حتى يتمكن من التصرف في غير مورد الضرورة ، وعدم مساس الحاجة إلى وقوعها أو ينصب قيّماً أو متولياً من دون أن ينعزل عن القيمومة أو التولية بموت الفقيه ، أو يحكم بثبوت الهلال أو غير ذلك من التصرفات المترتبة على الولاية المطلقة ، بل إنما يستكشف بذلك نفوذ التصرفات المذكورة الصادرة عن الفقيه بنفسه أو بوكيله كما هو مفاد قوله علیه السلام في الصحيحة المتقدمة : « إذا كان القيّم

مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس ». فإن تلك الأُمور لا يمكن للشارع إهمالها كما لا يحتمل أن يرخّص فيها لغير الفقيه دون الفقيه ، فيستنتج بذلك أن الفقيه هو القدر المتيقن في تلك التصرفات وأما الولاية فلا. أو لو عبّرنا بالولاية فهي ولاية جزئية تثبت في مورد خاص ، أعني الأُمور الحِسبية الّتي لا بدّ من تحققها في الخارج ومعناها نفوذ تصرفاته فيها بنفسه أو بوكيله.

ومن هنا يظهر أن الفقيه ليس له الحكم بثبوت الهلال ولا نصب القيّم أو المتولي من دون انعزالهما بموته ، لأن هذا كلّه من شؤون الولاية المطلقة وقد عرفت عدم ثبوتها بدليل ، وإنما الثابت أن له التصرف في الأُمور الّتي لا بدّ من تحققها في الخارج بنفسه أو بوكيله ، ومعه إذا نصب متولياً على الوقف أو قيّماً على الصغير فمرجعه إلى التصرف فيهما بالوكالة ولا كلام في أن الوكيل ينعزل بموت موكّله وهو الفقيه في محل الكلام.

فذلكة الكلام :

أن الولاية لم تثبت للفقيه في عصر الغيبة بدليل وإنما هي مختصة بالنبي والأئمة علیهم السلام ، بل الثابت حسبما تستفاد من الروايات أمران : نفوذ قضائه وحجية فتواه ، وليس له التصرف في مال القصّر أو غيره مما هو من شؤون الولاية إلاّ في الأمر الحِسبي فإن الفقيه له الولاية في ذلك لا بالمعنى المدعى ، بل بمعنى نفوذ تصرفاته بنفسه أو بوكيله وانعزال وكيله بموته ، وذلك من باب الأخذ بالقدر المتيقن لعدم جواز التصرف في مال أحد إلاّ بإذنه ، كما أن الأصل عدم نفوذ بيعه لمال القصّر أو الغيّب أو تزويجه في حق الصغير أو الصغيرة ، إلاّ أنه لما كان من الأُمور الحِسبية ولم يكن بدّ من وقوعها في الخارج كشف ذلك كشفاً قطعياً عن رضى المالك الحقيقي وهو اللّه ( جلّت عظمته ) وأنه جعل ذلك التصرف نافذاً حقيقة ، والقدر المتيقن ممن رضى بتصرفاته المالك الحقيقي ، هو الفقيه الجامع للشرائط فالثابت للفقيه جواز التصرف دون الولاية.

وبما بيّناه يظهر أن مورد الحاجة إلى إذن الفقيه في تلك الأُمور الحِسبية ما إذا كان الأصل الجاري فيها أصالة الاشتغال ، وذلك كما في التصرف في الأموال والأنفس والأعراض ، إذ الأصل عدم نفوذ تصرف أحد في حق غيره.

ومن جملة الموارد الّتي تجري فيها أصالة الاشتغال ويتوقف التصرف فيها على إذن الفقيه هو التصرف في سهم الإمام علیه السلام لأنه مال الغير ولا يسوغ التصرف فيه إلاّ بإذنه. فإذا علمنا برضاه بالتصرف فيه ، وعدم وجوب دفنه أو إلقائه في البحر أو توديعه عند الأمين ليودعه عند أمين آخر وهكذا إلى أن يصل إلى الإمام علیه السلام عند ظهوره وذلك لأنه ملازم عادي لتفويته ولا يرضى علیه السلام به يقيناً ، وقع الكلام في أن المتصرف في سهمه علیه السلام بصرفه في موارد العلم برضاه هل هو الفقيه الجامع للشرائط أو غيره ، ومقتضى القاعدة عدم جواز التصرف فيه إلاّ بإذنه ، والمتيقن ممن نعلم برضاه علیه السلام وإذنه له في التصرف فيه ، هو الفقيه الجامع للشرائط ، لعدم احتمال إذن الشارع لغير الفقيه دون الفقيه.

وأما إذا كان الأصل الجاري في تلك الأُمور أصالة البراءة ، كما في الصلاة على الميت الّذي لا ولي له ولو بالنصب من قبل الإمام علیه السلام فإن الصلاة على الميت المسلم من الواجبات الكفائية على كل مكلّف ، ومع الشك في اشتراطها بإذن الفقيه نتمسك بالبراءة ، لأنها تقتضي عدم اشتراطها بشي‌ء ، ومع جريان أصالة البراءة لا نحتاج إلى الاستيذان من الفقيه.

وعلى الجملة : الولاية بعد ما لم تثبت بدليل وجب الرجوع في كل تصرف إلى الأصل الجاري في ذلك التصرف وهو يختلف باختلاف الموارد ، والاحتياج إلى إذن الفقيه إنما هو في موارد تجري فيها أصالة الاشتغال.

وبعد ما عرفت ذلك لا بدّ من التكلّم في أن الولاية بالمعنى المتقدم أعني جواز تصرفات الفقيه ونفوذها ، وتوقف تصرّف الغير على إذنه هل يشترط فيها الأعلمية أو أنها ثابتة لمطلق الفقيه؟

فنقول : أما الأعلمية المطلقة الّتي هي المعتبرة في باب التقليد فلا يحتمل اعتبارها في المقام ، فإن لازم ذلك أن تكون الولاية على مجهول المالك ومال الغيّب والقصّر من المجانين والأيتام والأوقاف الّتي لا متولي لها والوصايا الّتي لا وصي لها وغيرها من الأُمور الحِسبية في أرجاء العالم كلّه راجعة إلى شخص واحد ، ومن المستحيل عادة قيام شخص واحد عادي للتصدي بجميع تلك الأُمور على كثرتها في الأماكن المختلفة

من الربع المسكون ، فإن الولاية كالخلافة فلا بدّ فيها من الرجوع إلى الأعلم من جميع النقاط والقيام بها أمر خارج عن طوقه ، كما أن المراجعة من أرجاء العالم في الأُمور الحِسبية إلى شخص واحد في مكان معيّن من البلدان غير ميسورة للجميع.

على أن الأعلمية المطلقة لو كانت معتبرة في الولاية بالمعنى المتقدم لكان من اللاّزم أن يشار إلى اعتبارها في الأخبار الواردة عنهم علیهم السلام ولوصل إلينا يداً بيد واشتهر وذاع ، ولم يرد أدنى إشارة إلى اعتبارها في الروايات ولم يلتزم به الأصحاب 5 فاعتبار الأعلمية المطلقة غير محتمل بتاتاً.

وأما الأعلمية الإضافية كأعلم البلد وما حوله من النقاط الّتي يمكن الرجوع منها إلى ذلك البلد في تلك الأُمور ، فالمشهور بين الأعلام أيضاً عدم اعتبارها في الولاية بل ادعي ظهور الإجماع عليه في بعض الكلمات. إلاّ أن الصحيح هو القول بالاعتبار وذلك لعين ما قدّمناه في اشتراط إذن الفقيه في التصدي للأُمور الحِسبية ، وحاصل ما ذكرنا في وجهه أن مقتضى القاعدة عدم نفوذ تصرف أحد في حق غيره للاستصحاب أو أصالة الاشتغال كما مرّ. إلاّ أن الأُمور المذكورة لما لم يكن بدّ من تحققها في الخارج وكان من الضروري أن يتصرف فيها متصرف لا محالة ، دار الأمر بين أن يكون المتصرف النافذ تصرفه فيها أعلم البلد وأن يكون غيره من الفقهاء والأعلم الإضافي هو القدر المتيقن ممن يحتمل جواز تصرفه في تلك الأُمور.

وكذلك الحال في التصرف في سهم الإمام علیه السلام لأنه وإن كان معلوم المالك وهو الإمام علیه السلام إلاّ أنه من جهة عدم التمكن من الوصول إليه ملحق بمجهول المالك نظير سائر الأموال المعلوم مالكها فيما إذا لم يمكن الوصول إليه ، وقد تقدم أن القدر المتيقن ممن يجوز تصرفاته في تلك الموارد هو الأعلم إما مطلقاً كما في سهم الإمام علیه السلام وغيره مما لا مانع من الرجوع فيه إلى الأعلم مطلقاً وإما بالإضافة إلى البلد كما في الولاية ، لعدم التمكن فيها من الرجوع إلى الأعلم المطلق كما مرّ. فعلى ما بيّناه اعتبار الأعلمية الإضافية لو لم يكن أقوى في المسألة فلا ريب أنه أحوط ، هذا كلّه في اعتبار الأعلمية في غير القضاء من الولايات.

أما المقام الثاني : وهو اعتبار الأعلمية في القضاء فيقع الكلام فيه في الشبهات

الموضوعية تارة وفي الشبهات الحكمية اخرى.

أما الشبهات الموضوعية ، كما إذا كان الترافع في أداء الدين وعدمه أو في زوجية امرأة وعدمها أو نحوهما ، فاعتبار الأعلمية المطلقة في باب القضاء مقطوع العدم لاستحالة الرجوع في المرافعات الواقعة في أرجاء العالم ونقاطه على كثرتها وتباعدها إلى شخص واحد وهو الأعلم ، كما أن التصدي للقضاء في تلك المرافعات الكثيرة أمر خارج عن طوق البشر عادة ، فمورد الكلام والنزاع إنما هو اعتبار الأعلمية الإضافية كاعتبار أن يكون القاضي أعلم من في البلد وما حوله.

وهل تعتبر الأعلمية بهذا المعنى في القاضي أو لا تعتبر؟

المنسوب إلى الأشهر أو المشهور هو الاعتبار ، والتحقيق عدم اعتبار الأعلمية في باب القضاء وذلك لصحيحة أبي خديجة قال : « قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق علیه السلام إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم ... » (1)فإن قوله علیه السلام يعلم شيئاً من قضايانا كما أنه يصدق على الأعلم ، كذلك ينطبق على غير الأعلم من الفقهاء. نعم ، لا مجال للاستدلال على ذلك بأن « شيئاً » نكرة يصدق على العلم ببعض المسائل أيضاً ، وذلك لما قدمناه (2)من أن تنكير تلك اللفظة إنما هو من جهة عدم تمكن البشر من الإحاطة بجميع علومهم وقضاياهم علیهم السلام فإن الإنسان مهما بلغ من العلم والفقاهة لم يعرف إلاّ شيئاً من علومهم ، لا أنه من جهة أن العلم ولو بالمسألة الواحدة كاف في جواز الترافع عنده.

ودعوى : أن الرواية ليست بصدد البيان من تلك الجهة وإلاّ جاز التمسك بإطلاقها بالإضافة إلى العامّي الّذي علم مقداراً من المسائل الدينية بالتقليد ، مع أن الرواية غير شاملة له يقيناً. وهذا يدلنا على أنها ليست بصدد البيان من تلك الناحية.

مندفعة أوّلاً : بأن الظاهر من قوله علیه السلام « يعلم شيئاً من قضايانا » هو


1) وسائل الشيعة 27 : 13 / أبواب صفات القاضي ب 1 ح 5.

2) راجع ص 193.

العلم بها من دون واسطة بوجه فلا يصدق على من علم بقضاياهم بتوسط العلم بفتوى مجتهده ، كيف فإن العامّي قد يكون أكثر استحضاراً للفتوى من نفس المجتهد ومع ذلك لا يطلق عليه الفقيه والعالم بأحكامهم علیهم السلام وقضاياهم لدى العرف.

وثانياً : هب أن الرواية مطلقة وأنها تشمل العلم بها ولو مع الواسطة ، فإنه لا مانع من أن نقيد إطلاقها بالعلم الخارجي ، لأن منصب القضاء لا يرضى الشارع بتصدي العامي له يقيناً. فدعوى أن الرواية لا إطلاق لها مما لا وجه له.

وقد يقال : إن الرواية وإن كانت مطلقة في نفسها كما ذكر إلاّ أنها تقيد بما دلّ على اعتبار أن يكون القاضي أعلم ، وما يمكن أن يستدل به على التقييد روايات :

منها : مقبولة عمر بن حنظلة ، حيث ورد فيها : « الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما ... » (1)لتصريحها بأن المعتبر هو ما حكم به أفقههما وبها نقيد إطلاق الرواية المتقدمة. ويرد عليه :

أولاً : أن المقبولة ضعيفة السند ، لعدم ثبوت وثاقة عمر بن حنظلة على ما مرّ غير مرة.

وثانياً : أنها إنما وردت في الشبهات الحكمية ، لأن كلا منهما قد اعتمد في حكمه على رواية من رواياتهم كما هو المصرح به في متنها وكلامنا إنما هو في الشبهات الموضوعية دون الحكمية ، فالرواية على تقدير تماميتها في نفسها أجنبية عن محل الكلام.

وثالثاً : أن الرواية إنما دلت على الترجيح بالأفقهية فيما إذا ترافع المترافعان إلى حاكمين متعارضين في حكمهما ، وهب أنّا التزمنا حينئذٍ بالترجيح بالأعلمية ، وأين هذا من محل الكلام وهو أن الرجوع ابتداءً هل يجوز إلى غير الأعلم أو لا يجوز ، من دون فرض تعارض في البين ولا الرجوع بعد الرجوع ، فالمقبولة غير صالحة للتقييد.

ومنها : معتبرة داود بن الحصين عن أبي عبد اللّه علیه السلام « في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف فرضيا بالعدلين فاختلف


1) وسائل الشيعة 27 : 106 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 1.

العدلان بينهما ، عن قول أيهما يمضي الحكم؟ قال : ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما فينفذ حكمه ولا يلتفت إلى الآخر » (1).

وهذه الرواية وإن كانت سليمة عن المناقشة من حيث السند على كلا طريقي الشيخ والصدوق وإن اشتمل كل منهما على من لم يوثّق في الرجال ، فإن في الأول حسن بن موسى الخشاب ، وفي الثاني حكم بن مسكين ، وذلك لأنهما ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات. على أن حسن بن موسى ممن مدحه النجاشي قدس سره بقوله : من وجوه أصحابنا مشهور كثير العلم والحديث (2)والحسنة كالصحيحة والموثقة في الاعتبار فلا مناقشة فيها من حيث السند ، إلاّ أنها قاصرة الدلالة على المدعى وذلك للوجه الثاني والثالث من الوجوه الّتي أوردناها على الاستدلال بالمقبولة ، لأن المظنون بل المطمأن به أن موردها الشبهة الحكمية وأن اختلاف العدلين غير مستند إلى عدالة البينة عند أحدهما دون الآخر ، بل إنما هو مستند إلى اعتماد كل منهما في حكمه إلى رواية من رواياتهم علیهم السلام كما أنها وردت في الترافع إلى حكمين بينهما معارضة في حكمهما ، وأين هذا مما نحن فيه أعني الرجوع من الابتداء إلى القاضي غير الأعلم من دون تعارض.

ومنها : رواية موسى بن أكيل عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال « سئل عن رجل يكون بينه وبين أخ له منازعة في حق فيتفقان على رجلين يكونان بينهما فحكما فاختلفا فيما حكما قال : وكيف يختلفان؟ قلت : حكم كل واحد منهما للّذي اختاره الخصمان ، فقال : ينظر إلى أعدلهما وأفقههما في دين اللّه ، فيمضي حكمه » (3)ويرد على الاستدلال بها.

أولاً : أنها ضعيفة السند ، لأن فيه ذبيان بن حكيم وهو غير موثق بوجه.

وثانياً : أنها إنما وردت في الرجوع إلى الحكمين المتعارضين في حكمهما وهو أجنبي عن المقام ، كما أن موردها لعلّه الشبهة الحكمية واستناد كل منهما في حكمه إلى رواية.


1) وسائل الشيعة 27 : 113 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 20.

2) رجال النجاشي : 42 / 85.

3) وسائل الشيعة 27 : 123 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 5.

إذن فهذه الروايات بأجمعها غير صالحة لتقييد الصحيحة مضافاً إلى أن جميعها تشتمل على الترجيح بالأورعية والأعدلية ، ولا شبهة في أن الأورعية غير معينة للرجوع إلى الأورع عند وجود من هو أعلم منه. وبهذا يظهر أن مواردها صورة المعارضة دون الرجوع ابتداءً.

ومما استدل به على التقييد ما في عهد أمير المؤمنين علیه السلام إلى مالك الأشتر من قوله : « اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك » (1).

ويرد عليه : أوّلاً : أن العهد غير ثابت السند بدليل قابل للاستدلال به في الأحكام الفقهية وإن كانت عباراته ظاهرة الصدور عنه علیه السلام إلاّ أن مثل هذا الظهور غير صالح للاعتماد عليه في الفتاوى الفقهية أبداً.

وثانياً : أنه إنما يدل على لزوم اختيار أفضل الرعية للقضاء ، وأين هذا من اعتبار الأعلمية في محل الكلام ، لأن بين الأفضل والأعلم عموماً من وجه فإن الظاهر أن المراد بالأفضل هو المتقدم فيما يرجع إلى الصفات النفسانية من الكرم وحسن الخلق وسعة الصدر ونحوها مما له دخل في ترافع الخصمين وسماع دعواهما وفهمها ، دون الأعلمية في الفقاهة والاستنباط بالمعنى المتقدم في معنى الأعلم.

وثالثاً : أن ما ادعي من دلالة العهد على اعتبار الأعلمية لو تمّ فإنما يختص بالقاضي المنصوب نصباً خاصاً من قبل الإمام علیه السلام أو الوالي من قبله ، ومحل الكلام إنما هو القاضي المنصوب بالنصب العام من باب الولاية وأين أحدهما من الآخر.

والمتحصّل : أنه ليس هناك دليل يدلنا على تقييد الصحيحة المتقدمة ، فإطلاقها هو المحكّم كما ذكرناه.

وقد يتوهّم أن في الأخبار الواردة عنهم علیهم السلام ما دلّ على اشتراط الأعلمية في باب القضاء كما ذكره صاحب الوسائل قدس سره حيث عقد باباً وعنونه بباب أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم عند الشك في المسألة ، ولا في حضور من هو أعلم منه (2).


1) نهج البلاغة : 434.

2) وسائل الشيعة 27 : 215 / أبواب آداب القاضي.

ويردّه : أن صاحب الوسائل وإن عنون الباب كذلك إلاّ أنه لم ينقل في ذلك الباب رواية تدلنا على اشتراط الأعلمية في القاضي فلاحظ.

نعم ، ورد في بعض الروايات ذم من دعا الناس إلى نفسه وفي الأُمّة من هو أعلم منه ، كما ورد ذم من يفتي عباد اللّه وفي الأُمة من هو أعلم منه (1)إلاّ أن هاتين الروايتين مضافاً إلى ضعفهما من حيث السند أجنبيتان عن محل الكلام ، لأن أولاهما راجعة إلى ذم من ادعى الخلافة وفي الناس من هو أعلم منه ، وهو أمر لا شبهة فيه ، والثانية راجعة إلى اشتراط الأعلمية في باب التقليد ، فلا ربط لهما بالمقام ، هذا مضافاً إلى السيرة القطعية الجارية بين المتدينين على الرجوع في المرافعات إلى كل من الأعلم وغير الأعلم ، لعدم التزامهم بالرجوع إلى خصوص الأعلم.

ودعوى : أن المتشرعة لم يعلم جريان سيرتهم على الرجوع في المرافعات إلى غير الأعلم ، لأنه من المحتمل أن يكون كل من أرجع إليه الإمام علیه السلام في موارد الترافع هو الأعلم ولو في بلده.

مندفعة بأن هذه الدعوى لو تمت فإنما تتم في القضاة المنصوبين من قبله علیه السلام نصباً خاصاً ، وأما المنصوبون بالنصب العام المدلول عليه بقوله « انظروا إلى رجل روى حديثنا » ونحوه فليس الأمر فيهم كما ادعى يقيناً للعلم الخارجي بأنهم في الرجوع إلى تلك القضاة لا يفرّقون بين الأعلم وغيره. بل كما أنهم يراجعون الأعلم يراجعون غير الأعلم.

إذن لم يدلنا في الشبهات الموضوعية أي دليل على اشتراط الأعلمية في باب القضاء.

وأما الشبهات الحكمية : كما إذا كان منشأ النزاع هو الاختلاف في الحكم الشرعي كالخلاف في أن الحبوة للولد الأكبر أو أنها مشتركة بين الوراث بأجمعهم ، أو اختلفا في ملكية ما يشترى بالمعاطاة نظراً إلى أنها مفيدة للملكية أو للإباحة أو أنها مفيدة للملك اللاّزم أو الجائز فيما إذا رجع عن بيعه ، فالنزاع في أمثال ذلك قد ينشأ عن


1) راجع ص 150.

[69] مسألة 69 : إذا تبدل رأي المجتهد هل يجب عليه إعلام المقلّدين أم لا؟ فيه تفصيل فإن كانت الفتوى السابقة موافقة للاحتياط ، فالظاهر عدم الوجوب وإن كانت مخالفة فالأحوط الأعلام ، بل لا يخلو عن قوة (1)(1)


الجهل بالحكم لعدم علمهما بما أفتى به مقلّدهما وهو شخص واحد ومن هنا ادعى كل منهما ما يرجع إليه نفعه ، وقد ينشأ عن جزمهما بالحكم والفتوى غير أن أحدهما يدعي أن فتوى المجتهد هو اختصاص الحبوة بالولد الأكبر مثلاً ويدعي الآخر أن فتواه على خلاف ذلك ، ففي هاتين الصورتين كلتيهما يجب على المتخاصمين الرجوع إلى مقلّدهما في المسألة ، لأنه حكم شرعي يجب التقليد فيه ، فإذا حكم بأن الحبوة مشتركة بين الوراث مثلاً لم يجز له التحاكم عند حاكم آخر يرى اختصاصها به وذلك لبطلان ما ادعاه بفتوى مقلّده فهاتان الصورتان ليستا من موارد الرجوع إلى الحاكم بوجه.

إذن يتعيّن أن يكون مورد الرجوع إليه ما إذا كان كل من المترافعين مجتهداً في المسألة ، كما إذا أفتى أحدهما في مسألة الحبوة بالاختصاص وكانت فتوى الآخر فيها الاشتراك كبقية أموال المورّث ، فإن النزاع حينئذٍ لا يمكن فصله إلاّ بالرجوع إلى حاكم آخر ، ولا نرى أي مانع وقتئذٍ من الرجوع إلى غير الأعلم ، لإطلاق صحيحة أبي خديجة المتقدمة لصدق أنه ممن يعلم شيئاً من قضاياهم علیهم السلام . أو كان أحدهما مجتهداً ورأى أن الحبوة للولد الأكبر ، والآخر قد قلّد مجتهداً يرى أنها مشتركة ، أو كانا مقلّدين وقد قلّد أحدهما من يفتي بالاختصاص والآخر قلّد من يفتي باشتراكها ، ففي جميع هذه الموارد لا تنحل الخصومة إلاّ بالرجوع إلى حاكم آخر ومقتضى إطلاق الصحيحة عدم اشتراط الأعلمية فيه كما مرّ.

(1) قد ذكرنا تفصيل الكلام في هذه المسألة ، في المسألة الثامنة والخمسين فليلاحظ.


1) (*) في قوته على الإطلاق إشكال.

[70] مسألة 70 : لا يجوز للمقلّد إجراء أصالة البراءة أو الطهارة أو الاستصحاب في الشبهات الحكمية (1) وأما في الشبهات الموضوعية فيجوز (2) بعد أن قلّد مجتهده في حجيتها. مثلاً إذا شكّ في أن عرق الجنب من الحرام نجس أم لا؟ ليس له إجراء أصل الطهارة ، لكن في أن هذا الماء أو غيره لاقته النجاسة أم لا؟ يجوز له إجراؤها بعد أن قلّد المجتهد في جواز الاجراء.

[71] مسألة 71 : المجتهد غير العادل ، أو مجهول الحال ، لا يجوز تقليده وإن كان موثوقاً به في فتواه (3) ولكن فتاواه معتبرة لعمل نفسه (4) وكذا لا ينفذ حكمه ولا تصرفاته في الأُمور العامة. ولا ولاية له في الأوقاف والوصايا وأموال القصّر والغيّب (5).


(1) لما قدمناه في المسألة السابعة والستين من عدم جواز التقليد في المسائل الأُصولية سواء أكان متمكناً من الاستنباط في المسائل الفرعية أم لم يكن ، هذا إذا كان متمكناً من تشخيص موارد الأُصول والفحص المعتبر في جريانها. وأما إذا لم يتمكن منهما فلا شبهة في عدم كونها مورداً للتقليد بوجه.

(2) وذلك لأنها مورد للتقليد وهو من التقليد في الأحكام الفرعية حقيقة.

(3) لاشتراط جواز التقليد بالعدالة ، فمع العلم بانتفائها أو الشك فيها لا يجوز تقليده للعلم بانتفاء الشرط أو عدم إحرازه.

(4) لما تقدم في التكلّم على أقسام الاجتهاد من أن نظر المجتهد معتبر في أعمال نفسه ، وإن لم يجز تقليده لعدم توفر الشرائط فيه.

(5) لاشتراط العدالة في الأُمور المذكورة كما يعتبر في التقليد ، فمع إحراز عدمها أو عدم إحرازها لا يترتب عليها أحكامها.

[72] مسألة 72 : الظن بكون فتوى المجتهد كذا ، لا يكفي في جواز العمل (1) إلاّ إذا كان حاصلاً من ظاهر لفظه شفاهاً أو لفظ الناقل أو من ألفاظه في رسالته والحاصل أن الظن ليس حجة إلاّ إذا كان حاصلاً من ظواهر الألفاظ منه أو من الناقل (2).


(1) لعدم حجية الظن شرعاً وعقلاً.

(2) لحجية ظواهر الألفاظ على ما بيّناه في محلّه.

والحمد لله أوّلاً وآخراً وصلّى اللّه على نبيّنا محمّد وآله الطاهرين.

فهرس الموضوعات

فهرس الموضوعات

الموضوع / الصفحة

المقدّمة...

الاجتهاد والتقليد

مباحث الاجتهاد... 1

في أن وجوب الاجتهاد وعدليه عقلي أو شرعي... 1

كل مكلّف يجب أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً... 6

تعريف الاجتهاد... 8

ترتب الآثار على المجتهد غير المستنبط فعلاً... 10

مبادئ الاجتهاد... 12

أقسام الاجتهاد... 15

الاجتهاد بالقوة والملكة... 16

رجوع المجتهد بالقوة إلى الغير... 16

الرجوع إلى المجتهد بالقوة... 18

التجزي في الاجتهاد... 19

رجوع المتجزي إلى الغير... 21

الرجوع إلى المتجزي... 22

التخطئة والتصويب... 22

مباحث الإجزاء... 28

أدلة الإجزاء... 35

هل الأمور الثلاثة في عرض واحد؟... 44

وجوب الاجتهاد كفاية... 46

مباحث الاحتياط... 48

الاحتياط في المعاملات... 48

الاحتياط في العبادات غير المستلزم للتكرار... 49

تفصيل المحقق النائيني في جواز الاحتياط... 50

أقسام الاحتياط... 53

حكم الاحتياط المستلزم للتكرار... 54

التقليد في مسألة جواز الاحتياط... 56

التقليد في الضروريات واليقينيات... 56

مباحث التقليد... 57

العمل بلا تقليد واحتياط... 57

معنى التقليد... 58

معنى التقليد عند اختلاف الفتاوى... 60

مسألة التقليد ليست تقليدية... 62

أدلة جواز التقليد... 63

الآيات الناهية عن التقليد... 69

اشتراط الحياة في المرجع... 73

تقليد الميت ابتداء... 73

أدلة جواز تقليد الميت ابتداء... 76

أدلة عدم جواز تقليد الميت ابتداء... 80

البقاء على تقليد الميت... 83

أدلة جواز البقاء على تقليد الميت... 84

اشتراط العمل في جواز البقاء على تقليد الميت... 86

إشتراط الذكر في جواز البقاء على تقليد الميت... 87

أحكام العدول من مجتهد إلى آخر... 91

العود إلى الميت بعد العدول إلى الحي... 92

التخيير عند تساوي المجتهدين... 93

أدلة القول بجواز العدول... 94

أدلة القول بعدم جواز العدول... 102

تقليد الأعلم... 106

أدلة عدم وجوب تقليد الأعلم... 108

أدلة وجوب تقليد الأعلم... 112

الشك في حجية فتوى غير الأعلم... 119

وجوب الفحص عن الأعلم... 132

التخيير عند تساوي المجتهدين... 135

استحالة الحجية التخييرية... 137

الترجيح بالأورعية... 140

إذا لم يكن للأعلم فتوى... 145

تقليد الأعلم في مسألة البقاء... 146

حكم عمل الجاهل القاصر والمقصر... 160

معنى الأعلم... 167

تقليد غير الأعلم فيما توافق مع الأعلم... 169

طرق ثبوت الاجتهاد... 171

شروط المرجع... 177

1 - البلوغ... 177

2 - العقل... 179

3 - الإيمان... 180

4 - العدالة... 183

5 - الرجولية... 186

6 - الحرية... 188

7 - الاجتهاد المطلق... 189

8 - الحياة... 195

9 - الأعلمية... 196

10 - طهارة المولد... 196

11 - أن لا يكون مقبلا على الدنيا... 197

تنبيهات... 198

1 - اعتبار الشروط في المرجع بقاء... 198

2 - تقليد المجتهد القائل بالانسداد... 201

3 - التقليد في موارد استناد المجتهد إلى الأمارات... 203

الرجوع إلى المجتهد في موارد الأصول العملية... 206

4 - حكم تعذر الرجوع إلى المجتهد الجامع للشرائط... 209

معنى العدالة... 210

العدالة والصغائر... 226

العدالة والمروة... 233

كاشفية حسن الظاهر عن العدالة... 235

طرق ثبوت العدالة... 241

زوال شروط المرجع... 243

إذا قلد من يحرم البقاء على تقليد الميت فمات وقلد من يجوز البقاء... 244

وجوب التعلم... 245

تعلم مسائل الشك والسهو... 250

نسبة فسق تارك تعلم الأحكام إلى الأنصاري ( قدس سره )... 253

التقليد في المستحبات والمكروهات... 255

عدم جواز البقاء على رأي المجتهد مع تبدل فتواه... 256

حكم التقليد مع تساوي المجتهدين... 257

التبعيض في التقليد... 257

إذا قلد شخصا بتخيل أنه زيد فبان عمرا... 259

الفارق بين الداعي والتقييد... 259

معنى الاشتراط... 262

طرق ثبوت الفتوى... 265

تقليد من ليس أهلا للفتوى... 266

تعذر معرفة الأعلم... 268

الشك في موت المجتهد أو في تبدل رأيه... 269

العمل بلا تقليد... 269

شمول حديث لا تعادل للجاهل المقصر... 271

دوران الفائت بين الأقل والأكثر... 278

الشك في صحة التقليد... 285

إذا قلد مجتهدا ثم شك في أنه جامع للشرائط أم لا... 290

فتوى من لا أهلية له للفتوى... 294

قضاوة من لا أهلية له للقضاء... 296

اعتبار الاجتهاد في القاضي... 299

عدم نفوذ حكم من لا أهلية له للقضاء... 303

المال المأخوذ بحكم من لا أهلية له للحكم... 303

اعتبار العدالة في القاضي... 307

إذا مضت مدة فشك في أن أعماله كانت عن تقليد صحيح أم لا... 308

التقليد في مسألة تقليد الأعلم... 310

إذا كان هناك مجتهدان أحدهما أعلم في مورد والآخر في مورد آخر... 312

الخطأ في نقل الفتوى... 313

ابتلاء المصلي بمسألة يجهل حكمها... 317

وجوب الاحتياط في زمان الفحص عن المجتهد أو الأعلم... 320

انعزال الوكيل بموت المجتهد... 321

البقاء على تقليد الميت بلا رجوع إلى الحيّ... 322

إذا قلّد مجتهداً يخالف نظره فتوى من قلّده سابقاً... 323

الوكيل في العمل عن الغير... 324

إختلاف المتعاملين تقليداً أو اجتهاداً... 326

تعيين الحام في المرافعات... 328

نقض حكم الحاكم... 329

تبدّل الرأي بعد نقل الفتوى... 336

تعارض الناقلين في نقل الفتوى... 336

إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها ولم يكن الأعلم حاضراً... 340

تعاقب تقليد الأموات... 343

ما هو المحقق للتقليد... 345

أقسام الاحتياط في الرسائل العملية... 346

التبعيض في التقليد... 347

مورد التقليد ومحلّه... 348

1 - التقليد في أُصول الدين... 348

2 - التقليد في الموضوعات الصرفة... 349

3 - التقليد في الموضوعات المستنبطة... 350

4 - التقليد في مبادئ الاستنباط... 350

5 - التقليد في أُصول الفقه... 352

عدم اعتبار الأعمليّة في المجتهد لغير التقليد... 355

ولاية الفقيه المطلقة... 356

أدلّة ولاية الفقيه... 356

ولاية الفقيه في الأُمور الحسبية... 360

اعتبار الأعمليّة في القاضي... 363

إذا تبدّل رأي المجتهد هل يجب اعلام المقلدين... 368

تقليد المجتهد غير العادل أو مجهول الحال... 369

ثبوت الفتوى بالظنّ... 370