الهادی إلی الطریقة الوسطی فی شرح العروة الوثقی کتاب الزکاة جلد 1

ghaemiyeh.com

هویة الكتاب

الهادي إلی الطريقة الوسطی في شرح العروة الوثقی

کتاب الزكاة

الجزء الأول

لمؤلفة المحقق والفقيه المدقق

سماحة آية الله سيد علي محمد دستغيب الحسيني الشيرازي

محرر الرقمي : روح اله قاسمي

اشارة

الفهرس

في وجوب الزكاة ... 15

الفرع الأوّل في أنّ الزكاة من ضروريّات الدين ... 17

الفرع الثاني فيمن أنكر وجوب الزكاة ... 19

الفرع الثالث في مانع الزكاة ... 34

الفرع الرابع في أنّه هل يوجد في الاسلام واجب ماليّ آخر؟ ... 37

الفرع الخامس في الحقّ المعلوم ... 40

فيما يشترط في وجوب الزكاة: «الأوّل»: البلوغ ... 44

الفرع الأوّل في الزكاة في مال الطفل في الذهب و الفضّة ... 44

الفرع الثاني في الزكاة في غلاّت الطفل ... 47

الفرع الثالث فيما اذا بلغ الطفل أثناء السنة ... 48

«الثاني»: العقل ... 50

فرع في عدم الفرق بين كون الجنون تمام الحول أو بعضه ... 52

«الثالث»: الحرّيّة ... 53

«الرابع»: أن يكون مالكا ... 56

«الخامس»: تمام التمكّن من التصرّف ... 59

فرع فيما هو المدار في التمكّن ... 65

«السادس»: النصاب ... 67

في استحباب اخراج الزكاة في غلاّت غير البالغ للوليّ الشرعي ... 67

الفرع الأوّل في أنّه هل تستحبّ الزكاة في غلاّت غير البالغ؟ ... 67

الفرع الثاني في استحباب اخراج زكاة مال الطفل اذا اتّجر به ... 69

في أنّه يستحبّ للوليّ الشرعي اخراج زكاة مال التجارة للمجنون ... 71

في وجوب الزكاة على المغمى عليه في أثناء الحول و كذا السكران ... 72

فيما لو شكّ حين البلوغ في مجيء وقت التعلّق ... 74

الفرع الأوّل فيما يتعلّق بالبلوغ ... 78

الفرع الثاني فيما يتعلّق بالعقل ... 79

في أنّ ثبوت الخيار للبائع و نحوه لايمنع من تعلّق الزكاة ... 80

الفرع الأوّل في أنّ الملكيّة تحصل بالعقد ... 80

الفرع الثاني في عدم جواز التصرّف المتلف في المبيع في البيع الخياري ... 84

في عدم الفرق في عدم وجوب الزكاة في العين الموقوفة بين أن يكون عامّا أو خاصّا ... 85

فيما اذا تمكّن من تخليص المغصوب أو المسروق أو المجحود بسهولة ... 86

فيما اذا أمكنه استيفاء الدين بسهولة و لم يفعل ... 89

في أنّ زكاة القرض على المقترض بعد قبضه لا المقرض ... 95

الفرع الأوّل فيما لو تبرّع المقرض عن المقترض ... 97

الفرع الثاني فيما لو شرط المقترض زكاته على المقرض ... 98

فيما اذا نذر التصدّق بالعين الزكويّة ... 101

الفرع الأوّل فيما اذا نذر التصدّق بالعين الزكويّة مطلقا و كان أثناء الحول ... 101

الفرع الثاني فيما اذا كان النذر بعد حلول الحول ... 105

الفرع الثالث فيما اذا كان النذر موقّتا ... 106

الفرع الرابع فيما اذا كان النذر معلّقا على شرط ... 108

فيما لو استطاع الحجّ بالنصاب ... 110

فيما لو مضت سنتان أو أزيد على ما لم يتمكّن من التصرّف فيه ... 112

فيما اذا عرض عدم التمكّن من التصرّف بعد تعلّق الزكاة ... 114

في وجوب الزكاة على الكافر ... 116

الفرع الأوّل في أنّه هل الكفّار مكلّفون بالفروع؟ ... 117

الفرع الثاني فيما اذا أدّى الكافر الزكاة ... 123

الفرع الثالث في أنّه هل للامام أو نائبه أخذ الزكاة من الكافر قهرا؟ ... 125

الفرع الرابع فيما لو أتلف الكافر الزكاة ... 129

فيما لو أسلم الكافر بعد ما وجبت عليه الزكاة ... 132

فيما اذا اشترى المسلم من الكافر تمام النصاب بعد تعلّق الزكاة ... 137

فصل في الأجناس التي تتعلّق بها الزكاة / 139

فيما يستحبّ فيه الزكاة: «أحدها»: الحبوب و الثمار ... 150

«الثاني»: مال التجارة ... 153

«الثالث»: الخيل الاناث ... 155

«الرابع»: الأملاك و العقارات التي يراد منها الاستنماء ... 157

فيما لو تولّد حيوان بين حيوانين ... 157

فصل في زكاة الأنعام الثلاثة / 159

فيما يشترط في وجوب الزكاة في الأنعام: «الأوّل»: النصاب ... 159

في نُصب الابل ... 159

فرع فيما اذا بلغ النصاب الى مائة و احدى و عشرين ... 163

في النصاب السادس اذا لم يكن عنده بنت مخاض يجزي عنها ابن اللبون ... 166

الفرع الأوّل فيما اذا لم يكن عنده بنت مخاض ... 166

الفرع الثاني في أنّه هل الحكم خاصّ بمن لم تكن عنده بنت مخاض؟ ... 167

الفرع الثالث فيما اذا لم يكونا عنده ... 168

في نُصب البقر ... 170

الفرع الأوّل فيما يجب في نصاب الثلاثين ... 171

الفرع الثاني في محلّ التبيع و المسنّة و معناهما ... 173

في نُصب الغنم ... 174

فرع في الفائدة بين النصاب الرابع و الخامس ... 177

في أنّ البقر و الجاموس جنس واحد ... 179

في المال المشترك اذا بلغ نصيب كلّ منهم النصاب ... 179

فيما اذا كان مال المالك الواحد متفرّقا ... 181

في أقلّ أسنان الشاة التي تؤخذ في الغنم و الابل ... 181

الفرع الأوّل في سنّ الشاة التي تؤخذ في الغنم و الابل ... 182

الفرع الثاني في سنّ الجذع ... 183

الفرع الثالث في دفع الزكاة من غير النصاب ... 185

الفرع الرابع في أنّ الخيار للمالك لا للساعي و لا للفقير ... 187

الفرع الخامس في اخراج الزكاة بالقيمة ... 189

في أنّ المدار في القيمة على وقت الأداء لا وقت الوجوب ... 193

فيما اذا كان جميع النصاب في الغنم من الذكور ... 194

في عدم الفرق بين الصحيح و المريض، و السليم و المعيب و الشابّ و الهرم في دخول في النصاب ... 196

«الشرط الثاني»: السوم طول الحول ... 198

الفرع الأوّل في تحديد السوم ... 200

الفرع الثاني فيما يشترط في سقوط الزكاة عن المعلوفة ... 202

«الشرط الثالث»: أن لاتكون عوامل و لو في بعض الحول ... 204

«الشرط الرابع»: مضيّ الحول عليها، جامعة للشرائط ... 205

فيما لو اختلّ بعض الشروط في أثناء الحول قبل الدخول في الثاني عشر ... 218

فيما اذا حال الحول مع اجتماع الشرائط فتلف من النصاب شيء ... 221

فيما اذا ارتدّ الرجل المسلم ... 223

فيما لو كان مالكا للنصاب لا أزيد - كأربعين شاة مثلاً - فحال عليه أحوال ... 225

فيما اذا حصل لمالك النصاب في الأنعام ملك جديد ... 228

فيما لو أصدق زوجته نصابا و حال عليه الحول ... 234

فيما اذا قال ربّ المال: «لم يحل على مالي الحول» ... 237

فيما اذا اشترى نصابا و كان للبائع الخيار ... 238

فصل في زكاة النقدين / 241

فيما يشترط في وجوب الزكاة في النقدين: «الأوّل»: النصاب ... 241

في نصاب الذهب ... 241

في نصاب الفضّة ... 248

الفرع الأوّل في النصاب الثاني في الذهب ... 248

الفرع الثاني في نصاب الفضّة ... 250

«الثاني»: أن يكونا مسكوكين بسكّة المعاملة ... 254

«الثالث»: مضيّ الحول بالدخول في الشهر الثاني عشر ... 258

فرع في تبديل النصاب أو تغييره أثناء الحول ... 261

في أنّه لايجب الزكاة في الحليّ و لا في أواني الذهب و الفضّة ... 263

في أنّه لا فرق في الذهب و الفضّة بين الجيّد منها و الرديء ... 266

في تعلّق الزكاة بالدراهم و الدنانير المغشوشة اذا بلغ خالصهما النصاب ... 269

فرع في وجوب الفحص اذا شكّ في بلوغ الخالص حدّ النصاب ... 272

في أنّه اذا كان عنده نصاب من الجيّد لايجوز أن يخرج عنه من المغشوش ... 273

فيما لو كان عنده نصاب من الدراهم المغشوشة بالذهب ... 274

فيما لو كان عنده ثلاثمائة درهم مغشوشة ... 277

فيما اذا ترك نفقة لأهله ممّا يتعلّق به الزكاة و غاب و بقي الى آخر السنة ... 278

في أنّه اذا كان عنده أموال زكويّة من أجناس مختلفة و كان كلّها أو بعضها أقلّ من النصاب فلايجبر الناقص منها بالجنس الآخر ... 280

فصل في زكاة الغلاّت الأربع / 283

فيما يعتبر في وجوب الزكاة في الغلاّت: «الأوّل»: بلوغ النصاب ... 288

«الثاني»: التملّك بالزراعة فيما يزرع أو انتقال الزرع الى ملكه ... 293

في وقت تعلّق الزكاة بالغلاّت ... 294

في أنّ المناط في اعتبار النصاب هو اليابس من المذكورات ... 302

في مثل البربن و شبهه ... 303

فيما اذا أراد المالك التصرّف في المذكورات بسرا أو رطبا أو حصرما أو عنبا ... 304

فيما لو كانت الثمرة مخروصة على المالك فطلب الساعي الزكاة منه ... 306

في وقت الاخراج الذي يجوز للساعي مطالبة المالك فيه ... 307

في دفع القيمة حتّى من غير النقدين من أيّ جنس كان ... 308

في عدم تكرّر زكاة الغلاّت بتكرّر السنين اذا بقيت أحوالاً ... 310

في مقدار الزكاة الواجب اخراجه في الغلاّت ... 311

الفرع الأوّل فيما لو سقي بالأمرين المذكورين ... 316

الفرع الثاني فيما لو شكّ في صدق الاشتراك و عدمه ... 319

فيما لو أخرج شخص الماء بالدوالي على أرض مباحة مثلاً عبثا أو لغرض فزرعه آخر و كان الزرع يشرب بعروقه ... 321

في أنّه يجب الزكاة بعد اخراج ما يأخذه السلطان باسم المقاسمة ... 322

الفرع الأوّل فيما يأخذه السلطان من المحصول باسم المقاسمة ... 326

الفرع الثاني فيما يأخذه السلطان باسم الخراج ... 329

الفرع الثالث في أنّ السلطان أعمّ من العادل و الجائر ... 332

في اعتبار خروج المؤن جميعها ... 333

الفرع الأوّل في أنّ النصاب يعتبر بعد اخراج المؤونة ... 350

الفرع الثاني في المراد بالمؤونة ... 354

في أنّ قيمة البذر اذا كان من ماله المزكّى أو المال الذي لا زكاة فيه من المؤن ... 355

الفرع الأوّل فيما اذا كان البذر من المال الذي فيه زكاة ... 355

الفرع الثاني فيما اذا كان البذر من المال المزكّى ... 357

في أنّ أجرة العامل من المؤن ... 358

فيما لو كان مع الزكوي غيره ... 359

فيما اذا كان للعمل مدخليّة في ثمر سنين عديدة ... 360

في أنّ حكم النخل و الزروع في البلاد المتباعدة حكمها في البلد الواحد ... 361

الفرع الأوّل فيما اذا كان نخل يطلع في عام مرّتين ... 363

الفرع الثاني في أنّه هل يعتبر اجتماع النصاب في الملك في زمان واحد ... 366

في أنّه اذا كان عنده تمر يجب فيه الزكاة لايجوز أن يدفع عنه الرطب ... 368

فيما لو مات الزارع مثلاً بعد زمان تعلّق الوجوب ... 370

فيما لو مات الزارع أو مالك النخل و الشجر و كان عليه دين ... 371

فيما اذا اشترى نخلاً أو كرما أو زرعا مع الأرض أو بدونها قبل تعلّق الزكاة ... 372

فرع فيما لو علم المشتري بعدم أداء الزكاة ... 384

فيما اذا تعدّد أنواع التمر مثلاً و كان بعضها جيّدا أو أجود ... 386

في أنّ الزكاة متعلّقة بالعين، لكن لا على وجه الاشاعة ... 387

فرع في كيفيّة تعلّق الزكاة بالعين ... 390

فرع فيما لو باع المال الزكوي قبل أداء الزكاة ... 399

في أنّه يجوز للساعي من قبل الحاكم الشرعي خرص ثمر النخل ... 401

الفرع الأوّل في معنى الخرص و صفته ... 401

الفرع الثاني في الخرص في النخل و الكرم ... 402

الفرع الثالث في الخرص في الزرع ... 404

الفرع الرابع في فائدة الخرص و وقته ... 407

الفرع الخامس في الخارص ... 408

الفرع السادس في أنّه هل يكون الخرص معاملة خاصّة؟ ... 409

فيما اذا اتّجر بالمال الذي فيه الزكاة قبل أدائها ... 411

في أنّه يجوز للمالك عزل الزكاة و افرازها من العين ... 413

فصل فيما يستحبّ فيه الزكاة / 419

«الأوّل»: مال التجارة ... 419

فرع في عدم الفرق في مال التجارة بين النقدين و غيرهما ... 430

فيما يشترط في زكاة مال التجارة ... 432

الفرع الأوّل في أنّ المراد برأس المال ماليّته ... 444

الفرع الثاني في أنّ المدار في الأمتعة المتفرّقة عدّها تجارة واحدة ... 445

الفرع الثالث في أنّ زكاة مال التجارة تتعلّق بالعين أو القيمة؟ ... 446

الفرع الرابع فيما اذا كانت السلعة تبلغ النصاب بأحد النقدين دون الآخر ... 448

فيما اذا كان مال التجارة من النصب التي تجب فيها الزكاة ... 450

في أنّه اذا ظهر في مال المضاربة ربح كانت زكاة رأس المال على ربّ المال ... 453

فرع في استحباب الزكاة في حصّة العامل ... 455

في أنّ الزكاة الواجبة مقدّمة على الدين ... 456

فيما اذا كان مال التجارة أحد النصب الماليّة و اختلف مبدأ حولهما ... 459

«الثاني»: كلّ ما يكال أو يوزن ممّا أنبتته الأرض عدا الغلاّت الأربع ... 460

«الثالث»: الخيل الاناث بشرط أن تكون سائمة و يحول عليها الحول ... 463

«الرابع»: حاصل العقار المتّخذ للنماء ... 466

«الخامس»: الحليّ ... 469

«السادس»: المال الغائب أو المدفون الذي لايتمكّن من التصرّف فيه ... 469

«السابع»: اذا تصرّف في النصاب بالمعاوضة ... 471

كتاب الزكاة

التي وجوبها من ضروريّات الدين و منكره مع العلم به كافر، بل في جملة من الأخبار أنّ مانع الزكاة كافر.

الشرح:

الزكاة لغة: الطهارة و الزيادة و النموّ.

قال في مجمع البحرين: «و قد تكرّر ذكر «الزكاة» في الكتاب و السنّة، و هي امّا مصدر «زَكَى» اذا نمى؛ لأنّها تستجلب البركة في المال و تنميه و تفيد النفس فضيلة الكرم، و امّا مصدر «زَكا» اذا طهر؛ لأنّها تطهّر المال من الخبث و النفس البخيلة من البخل. و في الشرع: صدقة مقدّرة بأصل الشرع ابتداءً ثبت في المال أو في الذمّة للطهارة لهما، فزكاة المال طهر للمال و زكاة الفطرة طهر للأبدان. انتهى».(1)


1) - مجمع البحرين 1: 205.

و في الكتاب جاءت بمعنى التطهير و النموّ:

فمن الأوّل قوله تعالى: «خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم و تزكّيهم بها»(1).

و من الثاني قوله تعالى: «ذلكم أزكى لكم و أطهر»(2)أي أنمى لكم و أعظم بركة.

و في الأخبار جيء بهما أيضا، كقول علي عليه السلام :

«المال تنقصه النفقة و العلم يزكو على الانفاق».(3)

زكّى عمله: أي طهّره و وفّره.

قال في المدارك: «قال في المعتبر: «و في الشرع اسم لحقّ يجب في المال يعتبر في وجوبه النصاب». فاندرج في الحقّ الزكاة و الخمس و غيرهما من الحقوق، و خرج بالواجب في المال ما ليس كذلك كحقّ الشفعة و التحجير و نحوهما، و خرج بالقيد الأخير الكفّارة و غيرها من الحقوق الماليّة التي لايعتبر فيها النصاب، و اندرجت فيه زكاة الفطرة؛ لأنّ النصاب معتبر فيها، امّا قوت السنة أو ملك أحد النصب. و نقض في طرده بالخمس في نحو الكنز و الغوص ممّا يعتبر فيه النصاب، و في عكسه بالزكاة المندوبة. و أجيب بأنّ اللام في النصاب للعهد، و المعهود نصاب الزكاة، و بأنّ المراد بالوجوب هنا مطلق الثبوت و هو يتناول الواجب بالمعنى المصطلح عليه و المندوب. و الأمر في هذه التعاريف هيّن. انتهى».(4)


1) - التوبة 9: 103.

2) - البقرة 2: 232.

3) - نهج البلاغة / الحكمة 147.

4) - مدارك الأحكام 5: 5 و 6.

فروع:

الفرع الأوّل : في أنّ الزكاة من ضروريّات الدين

وجوب الزكاة من ضروريّات الدين، فانّه ثابت بالكتاب و السنّة و الاجماع:

أمّا الكتاب ففي عدّة آيات: منها قوله عزّوجلّ: «و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة»(1)، و قوله تعالى: «و ويل للمشركين الذين لايؤتون الزكاة»(2). و قد قرنها بالصلاة في سبع و عشرين آية.

و أمّا السنّة فروايات كثيرة نذكر بعضها:

منها صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : نزلت آية الزكاة «خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم و تزكّيهم بها» في شهر رمضان، فأمر رسول اللّه صلى الله عليه و آلهمناديه فنادى في الناس: انّ اللّه (تبارك و تعالى قد)(3)فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة - الى أن قال: - ثمّ لم يعرض(4)لشيء من أموالهم حتّى حال عليهم الحول من قابل، فصاموا و أفطروا، فأمر مناديه فنادى في المسلمين: أيّها المسلمون، زكّوا أموالكم تقبل صلواتكم! قال: ثمّ وجّه عمّال الصدقة و عمّال الطسوق(5)».(6)

و منها صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:


1) - البقرة 2: 43.

2) - فصّلت 41: 6 و 7.

3) - ما بين القوسين ليس في الكافي.

4) - في المصدر الفقيه: يتعرّض. و في الكافي: يفرض. (هامش الوسائل)

5) - الطسوق: جمع طسق، و هو ضريبة توضع على الخراج. القاموس المحيط

6) - وسائل الشيعة 9: 9 / الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.

«انّ اللّه عزّوجلّ فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم، و لو علم أنّ ذلك لايسعهم لزادهم، انّهم لم يؤتوا من قبل فريضة اللّه عزّوجلّ، ولكن أوتوا مِن منع مَن منعهم حقّهم، لا ممّا فرض اللّه لهم، و لو أنّ الناس أدّوا حقوقهم لكانوا عائشين بخير».(1)

بيان: قوله عليه السلام : «ولكن أوتوا من منع من منعهم حقّهم ... » يعني لايكون فقر الفقراء لقلّة نصيبهم الذي جعله اللّه في مال الأغنياء، بل لأنّ الأغنياء لم يؤدّوا حقّهم، و لو أنّهم أدّوا حقّ الفقراء لكان كافيا لهم و لم يصيبوا بالفقر.

و منها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ اللّه عزّوجلّ فرض الزكاة كما فرض الصلاة، فلو أنّ رجلاً حمل الزكاة فأعطاها علانية لم يكن عليه في ذلك عيب، و ذلك أنّ اللّه عزّوجلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به، ولو علم أنّ الذي فرض لهم لايكفيهم لزادهم، و انّما يؤتى الفقراء فيما أوتوا مِن منع مَن منعهم حقوقهم، لا من الفريضة».(2)

و منها ما رواه محمّد بن الحسين الرضي (في نهج البلاغة) عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال في كلام له:

«تعاهدوا أمر الصلاة و حافظوا عليها - الى أن قال: - ثمّ انّ الزكاة جعلت مع الصلاة قربانا لأهل الاسلام ، فمن أعطاها طيّب النفس بهافانّها تجعل له كفّارة، و من النار حجابا و وقاية ... ».(3)

و منها ما رواه أيضا فقال:

«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : سوسوا ايمانكم بالصدقة، و حصّنوا أموالكم


1) - وسائل الشيعة 9: 10 / الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 9: 10 / الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 9: 15 / الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 15 - نهج البلاغه / الخطبة 199.

بالزكاة، و ادفعوا أمواج البلاء بالدعاء».(1)

و منها صحيحة أبي بصير قال:

«كنّا عند أبي عبداللّه عليه السلام و معنا بعض أصحاب الأموال فذكروا الزكاة، فقال أبو عبداللّه عليه السلام : انّ الزكاة ليس يحمد بها صاحبها، و انّما هو شيء ظاهر، انّما حقن بها دمه و سمّي بها مسلما، و لو لم يؤدّها لم تقبل له صلاة. الحديث».(2)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:

«ما من عبد منع من زكاة ماله شيئا الاّ جعل اللّه ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار مطوّقا في عنقه ينهش من لحمه حتّى يفرغ من الحساب، و هو قول اللّه عزّوجلّ: «سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة»، يعني ما بخلوا به من الزكاة».(3)

و أمّا الاجماع، فقال في التذكرة: «و أجمع المسلمون كافّة على وجوبها في جميع الأعصار، و هي أحد أركان الاسلام الخمسة. انتهى».(4)

الفرع الثاني : فيمن أنكر وجوب الزكاة

قد أفتى الفقهاء بأنّ من أنكر حكما ضروريّا كان كافرا:

قال المفيد: «و يجتنب الأكل و الشرب في آنية مستحلّي شرب الخمور و كلّ


1) - وسائل الشيعة 9: 15 / الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث16 - نهج البلاغه / الحكمة 146.

2) - وسائل الشيعة 9: 47 / الباب 7 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 9: 22 / الباب 3 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

4) - تذكرة الفقهاء 5: 7.

شراب مسكر. انتهى».(1)

و قال أيضا: «فمن شرب الخمر ممّن هو على ظاهر الملّة مستحلاًّ لشربها خرج عن ملّة الاسلام و حلّ دمه بذلك، الاّ أن يتوب قبل قيام الحدّ عليه، و يراجع الايمان. انتهى».(2)

و قال في الخلاف: «من ترك الصلاة معتقدا أنّها غير واجبة كان كافرا يجب قتله بلا خلاف. انتهى».(3)

و قال في النهاية: «من شرب الخمر مستحلاًّ لها حلّ دمه و وجب على الامام أن يستتيبه، فان تاب أقام عليه حدّ الشراب ان كان شربه، و ان لم يتب قتله - الى أن قال: - و من استحلّ الميتة أو الدم أو لحم الخنزير ممّن هو مولود على فطرة الاسلام فقد ارتدّ بذلك عن الدين و وجب عليه القتل بالاجماع. انتهى».(4)

و قال في المعتبر: «من أفطر مستحلاًّ فهو مرتدّ ان كان ممّن عرف قواعد الاسلام . انتهى».(5)

و قال في الوسيلة: «فان شربها (الخمر) مستحلاًّ لها فقد ارتدّ و وجب قتله الاّ أن يتوب، و على الامام أن يستتيبه، فان شربها غير مستحلّ كان عليه الحدّ ثمانونجلدة. انتهى».(6)

و في السرائر بعد نقل كلام الشيخ في النهاية قال: «و الأولى و الأظهر أنّه يكون مرتدّا و يحكم فيه بحكم المرتدّين؛ لأنّه قد استحلّ ما حرّمه اللّه تعالى و نصّ عليه


1) - المقنعة: 581.

2) - نفس المصدر: 799.

3) - الخلاف 5: 359 / المسألة 9.

4) - النهاية: 711 - 713.

5) - المعتبر في شرح المختصر 2: 681.

6) - الوسيلة: 416.

في محكم كتابه. انتهى».(1)

و قال في المهذّب: «و اذا استحلّ انسان شرب شيء من الخمر حلّ دمه، و كان على الامام عليه السلام أن يستتيبه، فان تاب أقام عليه الحدّ ان كان شربه، و ان لم يتب قتله. انتهى».(2)

و قال في المراسم: «فأمّا من أباح المسكر فانّه يستتاب، فان تاب و الاّ قتل. انتهى».(3)

و قال أبو الصلاح الحلبي في الكافي في حدّ الخمر و الفقّاع: «و ان كان مستحلاًّ فهو كافر يجب قتله. انتهى».(4)

و قال في اللمعة: «و يقتل مستحلّ الخمر اذا كان عن فطرة، و قيل: يستتاب. انتهى».(5)

و قد ذكر صاحب الوسائل في باب ثبوت الارتداد و القتل على من شرب الخمر مستحلاًّ عن محمّد بن محمّد المفيد في الارشاد، قال: «روت العامّة و الخاصّة أنّ قدامة بن مظعون شرب الخمر فأراد عمر أن يحدّه، فقال: لايجب عليّ الحدّ؛ انّ اللّه يقول: «ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيماطعموا اذا ما اتّقوا و آمنوا»(6)فدرأ عنه عمر الحدّ، فبلغ ذلك أميرالمؤمنين عليه السلام فمشى الى عمر فقال: ليس قدامة من أهل هذه الآية و لا من سلك سبيله في ارتكاب ما حرّم اللّه، انّ الذين آمنوا و عملوا الصالحات لايستحلّون حراما فاردد قدامة فاستتبه ممّا قال، فان تاب فأقم عليه الحدّ، و ان لم يتب فاقتله فقد خرج من


1) - السرائر 3: 476.

2) - المهذّب 2: 535.

3) - الينابيع الفقهيّة 23: 115.

4) - نفس المصدر: 72.

5) - نفس المصدر: 448.

6) - المائدة 5: 93.

الملّة، فاستيقظ عمر لذلك و عرف قدامة الخبر، فأظهر التوبة و الاقلاع فدرأ عنه القتل و لم يدر كيف يحدّه، فقال لعلي عليه السلام : أشر عليّ. فقال: حدّه ثمانين جلدة، انّ شارب الخمر اذا شربها سكر و اذا سكر هذى و اذا هذى افترى، فجلده عمر ثمانين جلدة».(1)

حقيقة الكفر و الكافر:

ذكروا في كتاب الطهارة أنّ الكافر هو من أنكر الألوهيّة أو التوحيد أو الرسالة أو ما كان من ضروريّات الدين.

قال في الشرائع: «العاشر [من النجاسات] الكافر، و ضابطه كلّ من خرج عن الاسلام أو من انتحله و جحد ما يعلم من الدين ضرورة، كالخوارج و الغلاة. انتهى».(2)

و قال في المدارك: «المراد بمن خرج عن الاسلام : من باينه كاليهود و النصارى، و بمن انتحله و جحد ما يعلم من الدين ضرورة: من انتمى اليه و أظهر التديّن به لكن جحد بعض ضروريّاته. و قد نقل المصنّف رحمه الله في المعتبر و غيره اتّفاق الأصحاب على نجاسة ماعدا اليهود و النصارى من أصناف الكفّار، سواءكان كفرهم أصليّا أو ارتدادا. انتهى».(3)

ثمّ اعلم أنّ المسلم هو من أقرّ باللّه و توحيده و رسالة النبيّ الأكرم محمّد بن عبداللّه صلى الله عليه و آله و التصديق بما جاء به في القرآن المجيد و ما يعلم من الدين ضرورته كحبّ ذي القربى من علي و فاطمة و الحسن و الحسين و أبناء الحسين الى الحجّة القائم عليهم السلام و وجوب الصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ و نحوها، فمن أنكر وجوده تعالى أو توحيده أو رسالة النبيّ الأكرم محمّد بن عبداللّه صلى الله عليه و آله أو أنكر آية من آيات


1) - وسائل الشيعة 28: 220 / الباب 2 من أبواب حدّ المسكر / الحديث 1.

2) - شرائع الاسلام 1: 53.

3) - مدارك الأحكام 2: 294.

القرآن مع علمه بأنّها من القرآن، أو كان عدوّا لأهل البيت عليهم السلام أو أنكر ما علم من الدين ضرورته بحيث يرجع انكاره الى انكار الرسالة و ما أرسل به مع العلم بذلك فهو كافر أو مرتدّ.

و الدليل على ذلك الكتاب و السنّة القطعيّة. أمّا الكتاب فقد صرّح في آيات عديدة بأنّ من أنكر وجوده تعالى أو توحيده و أشرك به فهو كافر، و أنّ أهل الكتاب و هم اليهود و النصارى و المجوس كافرون؛ لأنّهم كذّبوا و أنكروا آيات القرآن و رسالة النبيّ الأكرم محمّد بن عبداللّه صلى الله عليه و آله، و أنّ من أنكر المعاد فهو كافر. و قد جاء في عدّة سور - منها سورة التوبة(1)- بأنّ الذين استهزأوا بآيات اللّه في العلانية أو الخفاء فهم الكافرون. و أمّا المسلم فهو الذي شهد أنّه لا اله الاّ اللّه و أنّ محمّدا صلى الله عليه و آله رسول اللّه و لم يعلم منه النفاق، و لازم الاقرار بأنّ محمّدا صلى الله عليه و آلهرسول اللّه التصديق بالقرآن و آياته و من جملتها المعاد و حبّ ذي القربى.

ثمّ انّ المراد من الكفر هو كفر الجحود و الانكار، فانّ الكفر في كتاب اللّه على خمسة أوجه كما في الخبر عن الصادق عليه السلام :

« ... فمنها كفر الجحود، و الجحود على وجهين، و الكفر بترك ما أمراللّه، و كفر البراءة، و كفر النعم. فأمّا كفر الجحود فهو الجحود بالربوبيّة و هو قول من يقول: «لا ربّ و لا جنّة و لا نار» ... «انّ الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لايؤمنون»(2)يعني بتوحيد اللّه تعالى، فهذا أحد وجوه الكفر. و أمّا الوجه الآخر من الجحود على معرفة و هو أن يجحد الجاحد و هو يعلم أنّه حقّ قد استقرّ عنده و قد قال اللّه عزّوجلّ: «و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم


1) - التوبة 9: 64 - 66.

2) - البقرة 2: 6.

ظلما و علوّا»(1)، و قال اللّه عزّوجلّ: «و كانوا من قبلُ يستفتحون على الذين كفروا فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة اللّه على الكافرين»(2). فهذا تفسير وجهي الجحود. و الوجه الثالث من الكفر: كفر النعم، و ذلك قوله تعالى يحكي قول سليمان عليه السلام : «هذا من فضل ربّي ليبلوني ءأشكر أم أكفر و من شكر فانّما يشكر لنفسه و من كفر فانّ ربّي غنيّ كريم»(3)، و قال: «لئن شكرتم لأزيدنّكم و لئن كفرتم انّ عذابي لشديد»(4)، و قال: «فاذكروني أذكركم و اشكروا لي و لاتكفرون»(5). و الوجه الرابع من الكفر ترك ما أمر اللّه عزّوجلّ به و هو قول اللّه عزّوجلّ: «و اذ أخذنا ميثاقكم لاتسفكون دماءكم و لاتخرجون أنفسكم من دياركم ثمّ أقررتم و أنتم تشهدون، ثمّ أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم و تخرجون فريقا منكم من دياره متظاهرون عليهم بالاثم و العدوان و ان يأتوكم أسارى تفادوهم و هو محرّم عليكم اخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم»(6). فكفّرهم بترك ما أمر اللّه عزّوجلّ به و نسبهم الى الايمان و لم يقبله منهم و لم ينفعهم عنده فقال: «فما جزاء من يفعل ذلك منكم الاّ خزي في الحياة الدنيا و يوم القيامة يردّون الى أشدّ العذاب و ما اللّه بغافل عمّا تعملون». و الوجه الخامس من الكفر كفر البراءة، و ذلك قوله عزّوجلّ يحكي قول


1) - النمل 27: 14.

2) - البقرة 2: 89.

3) - النمل 27: 40.

4) - ابراهيم 14: 7.

5) - البقرة 2: 152.

6) - البقرة 2: 84 و 85.

ابراهيم عليه السلام : «كفرنا بكم و بدا بيننا و بينكم العداوة و البغضاء أبدا حتّى تؤمنوا باللّه وحده»(1)، يعني تبرّأنا منكم. و قال يذكر ابليس و تبرئته من أوليائه من الانس يوم القيامة: «انّي كفرت بما أشركتمون من قبل»(2)، و قال: «انّما اتّخذتم من دون اللّه أوثانا مودّة بينكم في الحياة الدنيا ثمّ يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض و يلعن بعضكم بعضا»(3)يعني يتبرّأ بعضكم من بعض».(4)

و أمّا السنّة: فقد ورد روايات مستفيضة بأنّ الاسلام غير الايمان و أنّ الايمان يشارك الاسلام و الاسلام لايشارك الايمان، و أنّ الاسلام ما عليه الناس و الايمان ما استقرّ في القلب و معرفة الامام عليه السلام . ففي موثّقة سماعة قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : أخبرني عن الاسلام و الايمان أهما مختلفان؟ فقال: انّ الايمان يشارك الاسلام و الاسلام لايشارك الايمان. فقلت:فصفهما لي! فقال: الاسلام شهادة أن لا اله الاّ اللّه و التصديق برسول اللّه صلى الله عليه و آله، به حقنت الدماء و عليه جرت المناكح و المواريث و على ظاهره جماعة الناس، و الايمان الهدى و ما يثبت في القلوب من صفة الاسلام و ما ظهر من العمل به، و الايمان أرفع من الاسلام بدرجة، انّ الايمان يشارك الاسلام في الظاهر و الاسلام لايشارك الايمان في الباطن و ان اجتمعا في القول و الصفة».(5)

و في صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:


1) - الممتحنة 60: 4.

2) - ابراهيم 14: 22.

3) - العنكبوت 29: 25.

4) - أصول الكافي 2: 392 / باب وجوه الكفر / الحديث 1.

5) - أصول الكافي 2: 49 / باب أنّ الايمان يشرك الاسلام / الحديث 1.

«الايمان اقرار و عمل، و الاسلام اقرار بلا عمل».(1)

و في صحيحة جميل بن درّاج قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ: «قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا و لمّايدخل الايمان في قلوبكم»، فقال لي: ألاترى أنّ الايمان غير الاسلام ».(2)

و في صحيحة علي بن الحكم عن سفيان بن السمط قال:

«سأل رجل أبا عبداللّه عليه السلام عن الاسلام و الايمان: ما الفرق بينهما؟ - الى أن قال: - فقال: الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس: شهادة أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا صلى الله عليه و آله عبده و رسوله و اقام الصلاة و ايتاء الزكاة و حجّ البيت و صيام شهر رمضان فهذا الاسلام . و قال: الايمان معرفة هذا الأمر مع هذا فان أقرّ بها و لم يعرف هذا الأمر كان مسلما و كان ضالاًّ».(3)

و في صحيحة حمران بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سمعته يقول: الايمان ما استقرّ في القلب و أفضى به الى اللّه عزّوجلّ و صدّقه العمل بالطاعة للّه و التسليم لأمره، و الاسلام ما ظهر من قول أو فعل و هو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلّها و به حقنت الدماء و عليه جرت المواريث و جاز النكاح و اجتمعوا على الصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ، فخرجوا بذلك من الكفر و أُضيفوا الى الايمان. و الاسلام لايشرك الايمان و الايمان يشرك


1) - أصول الكافي 2: 48 / باب أنّ الاسلام يحقن به الدم /الحديث 2.

2) - أصول الكافي 2: 48 / باب أنّ الاسلام يحقن به الدم / الحديث 3.

3) - أصول الكافي 2: 49 / باب أنّ الاسلام يحقن به الدم / الحديث 4.

الاسلام و هما في القول و الفعل يجتمعان ... ».(1)

قال المحقّق الهمداني: «المعتبر في الاسلام - الذي به يخرج من حدّ الكفر، و تترتّب عليه الآثار العمليّة على ما يستفاد من النصوص و الفتاوى بعد التأمّل و التدبّر - انّما هو الشهادة بالتوحيد و الرسالة و تصديق الرسول صلى الله عليه و آله في جميع أحكامه على سبيل الاجمال، المستلزم للتديّن بالأحكام الضروريّة الثابتة في الشريعة من وجوب الصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ و نحوها من الضروريّات التي لاتكاد تختفي شرعيّتها على من تديّن بهذا الدين، فمثل هذه الأشياء و ان لم يكن الاعتراف بحقّيّتها تفصيلاً من مقوّمات الدين لكنّ التديّن بها و عدم انكارها شرط في تحقّق الاسلام ، فانّ انكار مثل هذه الأمور المعروف ثبوتها في الشريعة يناقض الاعتراف الاجمالي بصدق النبي صلى الله عليه و آله و حقّيّة شريعته. انتهى».(2)

و أمّا كفر انكار الضروري - و من جملته انكار وجوب الزكاة - فهل هو عنوان مستقلّ في عرض انكار الألوهيّة و الرسالة أو أنّ كفره لرجوعه الى انكارالرسالة و ما جاء به من الكتاب؟ ظاهر ما تقدّم من الكتاب و السنّة هو الثاني و لازمه العلم بأنّ انكار هذا مستلزم لانكار الرسالة، و لم يكن هناك احتمال الشبهة في حقّه.

و ذهب عدّة من الفقهاء الى أنّ انكار الضروري سبب مستقلّ للكفر و استدلّ لهم بأمور:

منها: انّ الاسلام عرفا و شرعا عبارة عن التديّن بهذا الدين الخاصّ الذي يراد منه مجموع حدود شرعيّة منجّزة على العباد، فمن خرج من ذلك و لم يتديّن به كان كافرا غير مسلم، سواء لم يتديّن به أصلاً أو تديّن ببعضه دون بعض أيّ بعض كان.


1) - أصول الكافي 2: 51 / باب أنّ الايمان يشرك الاسلام / الحديث 5.

2) - مصباح الفقيه 7: 269 و 270.

و فيه أوّلاً: انّ الظاهر من الروايات المتقدّمة في الفرق بين الاسلام و الايمان هو أنّ الاسلام عبارة عن شهادة أن لا اله الاّ اللّه و التصديق برسول اللّه صلى الله عليه و آله و ما على ظاهره جماعة الناس من الفرق كلّها، و من المعلوم أنّ المسلمين من غير الشيعة أنكروا الولاية و الوصاية و الخلافة بلا فصل لعليّ و أولاده المعصومين عليهم السلام ، مع أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله قد نصبه للخلافة في غدير خمّ بلا شكّ و لا ريب، و أنّهم أنكروا عصمة الأنبياء و نبيّ الاسلام و عصمة الأئمّة المعصومين مع أنّهم هم الذين عصمهم اللّه من الزلل و أنّ النبيّ و الأوصياء من بعده مطهّرون من كلّ رجس الذي من جملته الجهل و الخطأ و السهو فطهّرهم تطهيرا، و أنّهم أنكروا كثيرا من الأحكام التي قد صدرت من النبيّ صلى الله عليه و آله تفصيلاً أو اجمالاً و فصّلها الأوصياء من بعده، و مع ذلك كلّه قدأمضى الامام عليه السلام اسلام هم و نفى عنهم الايمان.

و ثانيا: يرد عليه ما أجاب به بعض الأعلام من النقض بأنّ مقتضاه كفر من أنكر واحدا من أحكام الاسلام ، سواء كان ضروريّا أو غيره، و سواء كان عالما بكونهمن الاسلام أو جاهلاً مقصّرا أو قاصرا حتّى أنّه يجوز تكفير كلّ مجتهد لغيره اذا أفتى بخلاف ما أفتى به هذا المجتهد؛ لأنّه بفتواه بخلاف هذا المجتهد الفقيه أنكر ما أفتى به هذا، و لايمكن أن يلتزم بهذا أحد.

و منها: الأخبار الدالّة على أنّ انكار حكم من الأحكام الشرعيّة سبب للكفر: كصحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قيل لأميرالمؤمنين عليه السلام : من شهد أن لا اله الاّ اللّه و أنّ محمّدا صلى الله عليه و آله رسول اللّه كان مؤمنا؟ قال عليه السلام : فأين فرائض اللّه؟ قال: و سمعته يقول: كان علي عليه السلام يقول: لو كان الايمان كلاما لم ينزل فيه صوم و لا صلاة و لا حلال و لا حرام. قال: و قلت لأبي جعفر عليه السلام : انّ عندنا قوما يقولون: اذا شهد أن لا اله الاّ اللّه و أنّ محمّدا صلى الله عليه و آلهرسول اللّه فهو مؤمن!

قال: فلمَ يضربون الحدود و لمَ تقطع أيديهم؟ و ما خلق اللّه عزّوجلّ خلقا أكرم على اللّه عزّوجلّ من المؤمن؛ لأنّ الملائكة خدّام المؤمنين و أنّ جوار اللّه للمؤمنين و أنّ الجنّة للمؤمنين و أنّ الحور العين للمؤمنين. ثمّ قال: فما بال من جحد الفرائض كان كافرا؟».(1)

و الجواب: انّ الظاهر أنّه عليه السلام بصدد بيان شرافة الايمان و علوّ درجته و أنّه اذا استقرّ في القلب و خلط لحمه و دمه لم يرتكب كبيرة من الكبائر، و صار عبدا للّه، و خرج عنه روح العصيان و العناد، و هو مطيع و مسلم لأوامر اللّه، فكيف ينكر و يجحد الفرائض، و من المعلوم أنّ من جحد الفرائض فروحه عاصٍ و لايكون مؤمنا؟! و يمكن أن يكون قوله عليه السلام «ما بال من جحد الفرائض كان كافرا» اشارة الى أنّ لازم الشهادتين التصديق بما جاء به الرسول صلى الله عليه و آله، فمن أنكر الفرائض كيفيكون مصدّقا، فيكون انكاره راجعا الى انكار الرسالة، و هذا كفر.

و صحيحة حمّاد بن عثمان عن عبدالرحيم القصير قال:

«كتبت مع عبدالملك بن أعين الى أبي عبداللّه عليه السلام أسأله عن الايمان، ما هو؟ فكتب اليّ مع عبدالملك بن أعين: سألت - رحمك اللّه - عن الايمان، و الايمان هو الاقرار باللسان و عقد في القلب و عمل بالأركان، و الايمان بعضه من بعض و هو دار، و كذلك الاسلام دار و الكفر دار، فقد يكون العبد مسلما قبل أن يكون مؤمنا و لايكون مؤمنا حتّى يكون مسلما، فالاسلام قبل الايمان و هو يشارك الايمان، فاذا أتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى اللّه عزّوجلّ عنها كان خارجا من الايمان ساقطا عنه اسم الايمان و ثابتا عليه اسم الاسلام ، فان تاب و استغفر عاد الى دار الايمان و لايخرجه الى الكفر الاّ الجحود و الاستحلال أن يقول


1) - أصول الكافي 2: 59 / الباب 17 من كتاب الايمان و الكفر / الحديث 2.

للحلال: هذا حرام و للحرام: هذا حلال، و دان بذلك، فعندها يكون خارجا من الاسلام و الايمان، داخلاً في الكفر، و كان بمنزلة من دخل الحرم ثمّ دخل الكعبة و أحدث في الكعبة حدثا فأخرج عن الكعبة و عن الحرم فضربت عنقه و صار الى النار».(1)

و الجواب عن هذا الخبر كالخبر السابق، فانّ المراد بالجحد و الاستحلال ولو بقرينة الخبر السابق و الأخبار السابقة في تفسير الاسلام و الكفر، الجحد و الاستحلال اللذان يرجعان الى انكار الرسالة، كما أنّ المراد من قوله عليه السلام «و كان بمنزلة من دخل الحرم ثمّ دخل الكعبة و أحدث في الكعبة حدثا» هو أنّ من دخلالكعبة و تغوّط فيها عمدا صار كافرا؛ لأنّ هذا الفعل يساوي انكار الألوهيّة و الرسالة.

و صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يرتكب الكبيرة من الكبائر فيموت، هل يخرجه ذلك من الاسلام ؟ و ان عذّب كان عذابه كعذاب المشركين أم له مدّة و انقطاع؟ فقال: من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنّها حلال أخرجه ذلك من الاسلام و عذّب أشدّ العذاب، و ان كان معترفا أنّه أذنب و مات عليه أخرجه من الايمان و لم يخرجه من الاسلام و كان عذابه أهون من عذاب الأوّل».(2)

و الجواب عن هذه الصحيحة أيضا كالجواب عن السابقتين، فانّ الاسلام عبارة عن شهادة أن لا اله الاّ اللّه و أنّ محمّدا صلى الله عليه و آله رسول اللّه و التصديق بما جاء به، فمن ارتكب كبيرة مستحلاًّ لها يساوي من أنكر و جحد الرسول و ما جاء به و لذلك عذّب أشدّ العذاب.


1) - أصول الكافي 2: 52 / باب أنّ الاسلام قبل الايمان / الحديث 1.

2) - أصول الكافي 2: 302 / باب الكبائر / الحديث 23.

و موثّقة مسعدة بن صدقة قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: الكبائر: القنوط من رحمة اللّه، و اليأس من روح اللّه، و الأمن من مكر اللّه، و قتل النفس التي حرّم اللّه، و عقوق الوالدين، و أكل مال اليتيم ظلما، و أكل الربا بعد البيّنة، و التعرّب بعد الهجرة، و قذف المحصنة، و الفرار من الزحف. فقيل له: أرأيت المرتكب للكبيرة يموت عليها، أتخرجه من الايمان؟ و ان عذّب بها فيكون عذابه كعذاب المشركين، أو له انقطاع؟ قال: يخرجمن الاسلام اذا زعم أنّها حلال و لذلك يعذّب أشدّ العذاب، و ان كان معترفا بأنّها كبيرة و هي عليه حرام و أنّه يعذّب عليها و أنّها غير حلال، فانّه معذّب عليها و هو أهون عذابا من الأوّل و يخرجه من الايمان و لايخرجه من الاسلام ».(1)

و الجواب كالسابق.

و صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كلّ شيء يجرّه الاقرار و التسليم فهو الايمان، و كلّ شيء يجرّه الانكار و الجحود فهو الكفر».(2)

و معناها بقرينة ما سبق من الأخبار أنّ الاقرار و التسليم لأوامر اللّه تعالى و نواهيه ايمان و كذا ما كان من عند اللّه من الكتاب و السنّة القطعيّة، و أنّ الانكار و الجحود بها كفر؛ لرجوعه الى انكاره تعالى و انكار رسوله صلى الله عليه و آله أو الاستخفاف بهما.

و صحيحة بريد العجلي عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن أدنى ما يكون العبد به مشركا؟ قال: فقال: من قال للنواة


1) - أصول الكافي 2: 298 / باب الكبائر / الحديث 10.

2) - أصول الكافي 2: 391 / باب الكفر / الحديث 15.

انّها حصاة، و للحصاة انّها نواة ثمّ دان به».(1)

لعلّ مراده عليه السلام من اعتقد شيئا من الدين و هو يعلم أنّه ليس من الدين فهو من الشرك، و لو كان مثل اعتقاد أنّ النواة حصاة و أنّ الحصاة نواة ثمّ دان به.

و خبر سليم بن قيس قال:

«سمعت عليّا (صلوات اللّه عليه) يقول - و أتاه رجل فقال له: ما أدنى ما يكون به العبد مؤمنا و أدنى ما يكون به العبد كافرا و أدنى مايكون به العبد ضالاًّ؟ فقال له: قد سألت فافهم الجواب! - : أمّا أدنى ما يكون به العبد مؤمنا أن يعرّفه اللّه تبارك و تعالى نفسه فيقرّ له بالطاعة، و يعرّفه نبيّه صلى الله عليه و آله فيقرّ له بالطاعة، و يعرّفه امامه و حجّته في أرضه و شاهده على خلقه فيقرّ له بالطاعة. قلت له: يا أميرالمؤمنين، و ان جهل جميع الأشياء الاّ ما وصفت؟ قال: نعم، اذا أُمر أطاع و اذا نهي انتهى. و أدنى ما يكون به العبد كافرا من زعم أنّ شيئا نهى اللّه عنه أنّ اللّه أمر به و نصبه دينا يتولّى عليه و يزعم أنّه الذي أمره به و انّما يعبد الشيطان. و أدنى ما يكون به العبد ضالاًّ أن لايعرف حجّة اللّه تبارك و تعالى و شاهده على عباده الذي أمر اللّه عزّوجلّ بطاعته و فرض ولايته. قلت: يا أميرالمؤمنين، صفهم لي! فقال: الذين قرنهم اللّه عزّوجلّ بنفسه و نبيّه فقال: «يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم». قلت: يا أميرالمؤمنين جعلني اللّه فداك، أوضح لي! فقال: الذين قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله في آخر خطبته يوم قبضه اللّه عزّوجلّ اليه: انّي قد تركت فيكم أمرين لن تضلّوا بعدي ما ان تمسّكتم بهما: كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، فانّ اللطيف الخبير قد عهد اليّ أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض كهاتين - و


1) - أصول الكافي 2: 398 / باب الشرك / الحديث 1.

جمع بين مسبّحتيه - و لاأقول كهاتين - و جمع بين المسبّحة و الوسطى - فتسبق احداهما الأخرى فتمسّكوا بهما لاتزلّوا و لاتضلّوا و لاتقدّموهم فتضلّوا».(1)

و لعلّ معنى قوله عليه السلام «أدنى ما يكون به العبد كافرا ... » من ظنّ و تخيّل بأنّالمنهيّ عنه من اللّه، مأمور به و نصبه دينا يتولّى عليه. و مفهومه أنّ الكافر من علم بأنّه منهيّ عنه و مع ذلك يأخذه بعنوان المأمور به و يدين به.

و نظير هذا الخبر، ما رواه زرارة من الخبر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لو أنّ العباد اذا جهلوا وقفوا و لم يجحدوا لم يكفروا».(2)

و ما رواه محمّد بن مسلم في الخبر قال:

«كنت عند أبي عبداللّه عليه السلام جالسا عن يساره و زرارة عن يمينه، فدخل عليه أبو بصير فقال: يا أبا عبداللّه، ما تقول فيمن شكّ في اللّه؟ فقال: كافر يا أبا محمّد. قال: فشكّ في رسول اللّه؟ فقال: كافر. قال: ثمّ التفت الى زرارة فقال: انّما يكفر اذا جحد».(3)

و كذا خبر أبي اسحاق الخراساني قال:

«كان أميرالمؤمنين عليه السلام يقول في خطبته: لاترتابوا فتشكّوا، و لاتشكّوا فتكفروا».(4)

فتحصّل أنّ الأخبار المذكورة التي استدلّوا بها على سببيّة الانكار للضروري من حيث هو للكفر، لا دلالة لها على ذلك ولو بقرينة الأخبار الأخر التي فسّرت الاسلام و الكفر. نعم، انّها تدلّ على كفر من أنكر شيئا من الدين الذي يرجع


1) - أصول الكافي 2: 414 / باب أدنى ما يكون به العبد مؤمنا / الحديث 1.

2) - أصول الكافي 2: 391 / باب الكفر / الحديث 19.

3) - أصول الكافي 2: 400 / باب الشكّ / الحديث 3.

4) - أصول الكافي 2: 400 / باب الشكّ / الحديث 2.

انكاره الى انكار الرسالة مع علمه بذلك.

فمن الوجوه التي استدلّوا بها على السببيّة، تسالمهم على كفر النواصب و الخوارج متمسّكين لذلك بانكارهم الضروري، فلولا سببيّة الانكار من حيث هو للكفر لم يكن لاطلاق حكمهم بكفر الطائفتين وجه، ضرورة أنّ أغلبهم خصوصاالمتأخّرين منهم المقلّدين لأسلافهم الذين نشأوا على عداوة أهل البيت عليهم السلام ربّما يتقرّبون بها الى اللّه و رسوله، بناءً منهم على ارتداد أهل بيت العصمة و الطهارة؛ لجهالتهم بما أنزل اللّه تعالى في حقّهم على لسان رسوله ممّا ينافي ذلك، فلايكون انكارهم منافيا للتصديق الاجمالي بالرسالة.

و فيه: انّه اشتهر بينهم من استثناء صورة الشبهة، فانّ جهّال الفرقتين خصوصا القاصرين منهم من نسائهم و صبيانهم الذين لم يبلغهم فضائل أهل البيت، و يتقرّبون الى اللّه و رسوله بعداوتهم من أوضح موارد الشبهة، و هذا دليل على أنّ الحكم بكفر الطائفتين لمنافاة انكارهم بالتصديق بالنبي صلى الله عليه و آله و ما جاء به، لا من باب السببيّة.

الفرع الثالث : في مانع الزكاة

قد ورد في بعض الأخبار ثبوت الكفر و الارتداد و القتل بمنع الزكاة، و أنّ أداءها موجب لحقن الدم و أن يسمّى مسلما، كصحيحة أبي المغراء عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):

«انّ الزكاة ليس يحمد بها صاحبها، انّما هو شيء ظاهر، انّما حقن بها دمه، و بها سمّي مسلما».(1)


1) - وسائل الشيعة 9: 31 / الباب 4 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.

و موثّقة سماعة بن مهران عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ اللّه عزّوجلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء فريضة لايحمدونالاّ بأدائها و هي الزكاة، بها حقنوا دماءهم، و بها سمّوا مسلمين ... الحديث».(1)

و صحيحة أبان بن تغلب عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:

«دمان في الاسلام حلال من اللّه عزّوجلّ لايقضي فيهما أحد حتّى يبعث اللّه قائمنا أهل البيت، فاذا بعث اللّه عزّوجلّ قائمنا أهل البيت حكم فيهما بحكم اللّه تعالى ذكره: الزاني المحصن يرجمه، و مانع الزكاة يضرب عنقه».(2)

و خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«من منع قيراطا من الزكاة فليس بمؤمن و لا مسلم، و هو قول اللّه عزّوجلّ: «ربّ ارجعون لعلّي أعمل صالحا فيما تركت»».(3)

و خبر آخر له عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«من منع قيراطا من الزكاة فليمت ان شاء يهوديّا أو نصرانيّا».(4)

و ما عن الفقيه من الخبر عن الصادق عليه السلام (في وصيّة النبي صلى الله عليه و آله لعليّ عليه السلام ) قال:

«يا علي، كفر باللّه العظيم من هذه الأمّة عشرة: - و عدّ منهم - مانع الزكاة ... ثمّ قال: يا علي، من منع قيراطا من زكاة ماله فليس بمؤمن و لابمسلم و لا كرامة. يا علي، تارك الزكاة يسأل اللّه الرجعة الى الدنيا، و ذلك قوله عزّوجلّ: «حتّى اذا جاء أحدهم الموت قال ربّ


1) - وسائل الشيعة 9: 32 / الباب 4 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 9: 33 / الباب 4 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 9: 32 / الباب 4 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 9: 33 / الباب 4 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 5.

ارجعون ... »».(1)

لكن يجب حمل هذه الروايات على ما اذا أنكر وجوبها جمعا بينها و بين ما تقدّم من الأخبار، أو يحمل على ما في الرواية من وجوه الكفر و أنّه على خمسة أوجه فمنها الكفر بترك ما أمر اللّه، و لذلك ورد التعبير به في تارك الصلاة و تارك الحجّ بل ورد في بعض الروايات الحكم بكفر من ارتكب الكبيرة من المعاصي. و لايبعد أن يراد بالكفر فيها البغي الموجب لجواز قتله، فانّ الزكاة كانت تكليفا ماليّا في الاسلام و كانت تؤخذ من قبل الحكومة، فمانعها باغٍ على الحكومة الحقّة، فاذا كان الامام باسط اليدين ولكن من وجب عليه الزكاة لم يعطها عامله فكأنّه بغى على الحكومة.

قال العلاّمة في التذكرة: «و لو اعتقد وجوبها، و منعها فهو فاسق يضيّق الامام عليه و يقاتله حتّى يدفعها؛ لأنّه حقّ واجب عليه، فان أخفى ماله حبسه حتّى يظهره، فاذا ظهر عليه أخذ منه قدر الزكاة لا أزيد عند علمائنا أجمع، بل يعزّره - و به قال أبو حنيفة و مالك و الشافعي في الجديد - ؛ لقوله عليه السلام : «ليس في المال حقّ سوى الزكاة». و لأنّ منع العبادة لايوجب عليه مالاً كسائر العبادات و الكفّارات - الى أن قال: - و لايحكم بكفر المانع مع اعتقاد وجوبها عند علمائنا، و به قال عامّة أهل العلم. و قال أحمد في رواية: «انّه يكفّر لقتاله عليها». و هو لايدلّ على الكفر بل على ارتكاب المحرّم و لأنّ الزكاة من فروع الدين فلايكفّر تاركها كالحجّ. و قال عبداللّه بن مسعود: «ما تارك الزكاة مسلم»، و هو محمول على الترك مستحلاًّ. و عليه يحمل قول الصادق عليه السلام : « من منع قيراطا من الزكاة فليس بمؤمن و لا مسلم - الى أن قال: - و منعها مع المكنة و اعتقاد التحريم يشتمل على اثم كبير، و لاتقبل صلاته في أوّل الوقت». قال الباقر عليه السلام : « بينا رسول اللّه صلى الله عليه و آله في المسجد اذ قال: قم يافلان قم يا فلان، حتّى أخرج خمسة نفر، فقال: أخرجوا من مسجدنا لاتصلّوا فيه


1) - وسائل الشيعة 9: 34 / الباب 4 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 7.

و أنتم لاتزكّون. انتهى».(1)

الفرع الرابع : في أنّه هل يوجد في الاسلام واجب ماليّ آخر؟

هل هنا واجب ماليّ آخر عدا الخمس و الزكاة أو لا؟

قال في التذكرة: «ليس في المال حقّ واجب سوى الزكاة و الخمس، و هو قول أكثر العلماء؛ لقوله عليه السلام : «ليس في المال حقّ سوى الزكاة» - الى أن قال: - و الشيخ رحمه الله أوجب ذلك أيضا في الخلاف و استدلّ بالاجماع من الفرقة و الآية - و نمنع الاجماع - و نقله الشيخ عن الشافعي أيضا. انتهى».(2)

الظاهر عدم وجوب حقّ ماليّ آخر عدا الخمس و الزكاة، و ذلك لصحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«انّ اللّه عزّوجلّ فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم، و لو علم أنّ ذلك لايسعهم لزادهم. الحديث».(3)

و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ اللّه عزّوجلّ فرض الزكاة كما فرض الصلاة - الى أن قال: - و لو علم أنّ الذي فرض لهم لايكفيهم لزادهم. الحديث».(4)

و صحيحة ابن مسكان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ اللّه عزّوجلّ جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم، و لولا


1) - تذكرة الفقهاء 5: 8 و 9.

2) - نفس المصدر: 11.

3) - وسائل الشيعة 9: 10 / الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 9: 10 / الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

ذلك لزادهم، و انّما يؤتون مِن منع مَن منعهم».(1)

و خصوص خبر معمّر بن يحيى أنّه سمع أبا جعفر عليه السلام يقول:

«لايسأل اللّه عبدا عن صلاة بعد الفريضة، و لا عن صدقة بعد الزكاة، و لا عن صوم بعد شهر رمضان».(2)

و الجابر لضعف الخبر الشهرة، كما قال العلاّمة في التذكرة و هو قول أكثر العلماء.

و ما يمكن أن يستدلّ بها للوجوب أمور:

منها قوله تعالى: «و آتوا حقّه يوم حصاده و لاتسرفوا انّه لايحبّ المسرفين»(3).

قال الشيخ في الخلاف: «يجب في المال حقّ سوى الزكاة المفروضة، و هو ما يخرج يوم الحصاد؛ لقوله تعالى: «و آتوا حقّه يوم حصاده» فأوجب اخراج حقّه يوم الحصاد، و الأمر يقتضي الوجوب. انتهى ملخّصا».(4)

و أجيب عن الآية الشريفة أوّلاً باحتمال أن يكون المراد بالحقّ الزكاة المفروضة كما ذكره جمع من المفسّرين، و أن يكون المعنى فاعزموا على أداء الحقّ يوم الحصاد، و اهتمّوا به حتّى لاتؤخّروه عن أوّل وقت يمكن فيه الايتاء.

و ثانيا بحمل الأمر على الاستحباب، كما يدلّ عليه قوله عليه السلام في رواية معاويةبن شريح:

«في الزرع حقّان: حقّ تؤخذ به و حقّ تعطيه - الى أن قال: - أمّا الذي تؤخذ به فالعشر و نصف العشر، و أمّا الذي تعطيه فقول اللّه


1) - وسائل الشيعة 9: 13 / الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 9.

2) - وسائل الشيعة 10: 247 / الباب 1 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 16.

3) - الأنعام 6: 141.

4) - الخلاف 2: 5 / مسألة 1.

عزّوجلّ: «و آتوا حقّه يوم حصاده»، يعني من حضرك(1)الشيء بعد الشيء، و لاأعلمه الاّ قال: الضغث(2)ثمّ الضغث حتّى يفرغ».(3)

و صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم و أبي بصير كلّهم عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ:«و آتوا حقّه يوم حصاده»، فقالوا جميعا:

«قال أبو جعفر عليه السلام : هذا من الصدقة، تعطي المسكين القبضة بعد القبضة، و من الجذاذ الحفنة(4)بعد الحفنة حتّى يفرغ. الحديث».(5)

و المتبادر من الصدقة في قوله عليه السلام «هذا من الصدقة» الصدقة المستحبّة، كما أنّ المتبادر من قوله عليه السلام «و حقّ تعطيه» الاستحباب لمكان الاعطاء.

و قد روى السيّد المرتضى عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: «و آتوا حقّه يوم حصاده»: «قال: «ليس ذلك الزكاة، ألا ترى أنّه تعالى قال:«و لاتسرفوا انّه لايحبّ المسرفين»» و هذه نكتة منه عليه السلام مليحة؛ لأنّ النهي عن السرف لايكون الاّ فيما ليس بمقدّر، و الزكاة مقدّرة. انتهى».(6)

و منها خبر العيّاشي عن سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام في قوله:«و آتوا حقّه يوم حصاده» قال:

«حقّه يوم حصاده عليك واجب، و ليس من الزكاة، تقبض منه الضغث من السنبل لمن يحضرك من السؤّال، و لاتحصد بالليل و لاتجذّ بالليل؛ لأنّ اللّه يقول: «و آتوا حقّه يوم حصاده»، فاذا أنت


1) - في نسخة: من حصدك. هامش الوسائل

2) - الضغث: ملأ اليد من الحشيش المختلط.

3) - وسائل الشيعة 9: 196 / الباب 13 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 2.

4) - الحفنة: ملأ الكفّ.

5) - وسائل الشيعة 9: 195 / الباب 13 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 1.

6) - الانتصار: 208.

حصدته بالليل لم يحضرك سؤّال، و لايضحّى بالليل».(1)

و فيه: انّه مع ضعف سنده معارض بما تقدّم من الأخبار و الترجيح لها، مضافا الى أنّ الوجوب هنا لتأكيد الاستحباب بقرينة قوله عليه السلام : «فاذا أنت حصدته بالليل لم يحضرك سؤّال» فمعناه اذا لم يحضره السائل لايكون الاعطاء و لايجب، فيفهم منه أنّ سؤال السائل يوجب الاعطاء، و هو اشارة الى قوله تعالى: «و أمّا السائل فلاتنهر»، و حيث انّ اعطاء السائل مستحبّ فهنا أيضا مستحبّ. و يؤكّد هذا المعنى ما رواه الكليني في الصحيح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لاتصرم بالليل، و لاتحصد بالليل، و لاتضحّ بالليل، و لاتبذر بالليل، فانّك ان فعلت لم يأتك القانع و المعترّ. فقلت: ما القانع و المعترّ؟ قال: القانع: الذي يقنع بما أعطيته، و المعترّ: الذي يمرّ بك فيسألك، و ان حصدت بالليل لم يأتك السؤّال و هو قول اللّه: «و آتوا حقّه يوم حصاده» عند الحصاد، يعني: القبضة بعد القبضة اذا حصدته، فاذا خرج فالحفنة بعد الحفنة، و كذلك عند الصرام، و كذلك البذر، لاتبذر بالليل؛ لأنّك تعطي في البذر كما تعطي في(2)الحصاد».(3)

الفرع الخامس : في الحقّ المعلوم

قال الصدوق في الهداية في باب الحقّ المعلوم: «سئل الصادق عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ: «و في أموالهم حقّ معلوم، للسائل و المحروم» قال: هذا شيء سوى الزكاة و هو شيء يجب أن يفرضه على نفسه كلّ يوم أو كلّ جمعة أو كلّ شهر أو


1) - وسائل الشيعة 9: 200 / الباب 14 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 7.

2) - في نسخة: تعطي من البذر كما تعطي من ... هامش الوسائل

3) - وسائل الشيعة 9: 198 / الباب 14 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 1.

كلّ سنة». انتهى».(1)

و الدليل على قوله رحمه الله روايات:

منها موثّقة سماعة بن مهران عن أبي عبداللّه عليه السلام قال (في حديث):

«ولكنّ اللّه عزّوجلّ فرض في أموال الأغنياء حقوقا غير الزكاة، فقال عزّوجلّ: «و الذين في أموالهم حقّ معلوم، للسائل»، فالحقّ المعلوم غير الزكاة، و هو شيء يفرضه الرجل على نفسه في ماله، يجب عليه أن يفرضه على قدر طاقته و سعة ماله، فيؤدّي الذي فرض على نفسه ان شاء في كلّ يوم، و ان شاء في كلّ جمعة، و ان شاء في كلّ شهر، و قد قال اللّه عزّوجلّ أيضا: «أقرضوا اللّه قرضا حسنا»، و هذا غير الزكاة، و قد قال اللّه عزّوجلّ أيضا: «ينفقوا ممّا رزقناهم سرّا و علانية»، و الماعون أيضا و هو القرض يقرضه، و المتاع يعيره، و المعروف يصنعه، و ممّا فرض اللّه عزّوجلّ أيضا في المال من غير الزكاة قوله عزّوجلّ: «و الذين يصلون ما أمراللّه به أن يوصل»، و من أدّى ما فرض اللّه عليه فقد قضى ما عليه، و أدّى شكر ما أنعم اللّه عليه في ماله اذا هو حمده على ما أنعم اللّه عليه فيه ممّا فضّله به من السعة على غيره، و لما وفّقه لأداء ما فرض اللّه عزّوجلّ عليه و أعانهعليه».(2)

و منها صحيحة اسماعيل بن جابر عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ:«و الذين في أموالهم حقّ معلوم، للسائل و المحروم»، أهو سوى الزكاة؟ فقال:

«هو الرجل يؤتيه اللّه الثروة من المال فيخرج منه الألف و الألفين و الثلاثة الآلاف، و الأقلّ و الأكثر، فيصل به رحمه، و يحمل به الكلّ


1) - الينابيع الفقهيّة 5: 22.

2) - وسائل الشيعة 9: 46 / الباب 7 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 2.

عن قومه».(1)

و منها موثّقة عمّار الساباطي أنّ الصادق عليه السلام قال له:

«يا عمّار، أنت ربّ مال كثير! قال: نعم، جعلت فداك. قال: فتؤدّي ما افترض اللّه عليك من الزكاة؟ فقال: نعم. قال: فتخرج الحقّ المعلوم من مالك؟ قال: نعم. قال: (فتصل قرابتك؟)(2). قال: نعم. قال: فتصل اخوانك؟ قال: نعم. قال: يا عمّار، انّ المال يفنى، و البدن يبلى، و العمل يبقى، و الديّان حيّ لايموت، يا عمّار، أما انّه ما قدّمت فلن يسبقك، و ما أخّرت فلن يلحقك».(3)

و منها غيرها، و قد جمعها في الوسائل في الباب السابع من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

و الجمع بين هذه الروايات و ما تقدّم من الروايات في الفرع الرابع هو الاستحباب المؤكّد، و الظاهر أنّه لم يقل بوجوبها أحد من الأصحاب. و بناءً عليه فالفرض هنا بمعنى التقدير كما أنّ الوجوب بمعنى الثبوت.

قال في الجواهر: «ثمّ انّ الظاهر عدم وجوب شيء في المال ابتداءً غير الزكاة و الخمس، بل لا خلاف محقّق أجده في غير الضغث بعد الضغث كما ستسمع الكلام فيه؛ للأصل و العموم و السيرة القطعيّة التي هي أقوى من الاجماع، بل يمكن دعوى الضرورة فيه، خصوصا بعد ملاحظة ما ورد من النصوص في فرض الزكاة، و أنّه لو علم اللّه عدم سدّ حاجة الفقراء بها لافترض غيرها، و نحوها ممّا سيمرّ عليك بعضها في تضاعيف المباحث. نعم، يستحبّ مؤكّدا الانفاق ممّا أنعم اللّه به عليه، بل ينبغي أن يلزم نفسه بشيء معلوم على حسب وسعه و طاقته ينفقه


1) - وسائل الشيعة 9: 48 / الباب 7 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 5.

2) - ما بين القوسين ليس في موضع من الكافي. هامش الوسائل

3) - وسائل الشيعة 9: 50 / الباب 7 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 10.

في كلّ يوم أو في كلّ أسبوع أو في كلّ شهر. - ثمّ انّه بعد نقل أخبار الباب قال: - و الصدوق في الفقيه انّما عبّر بمضمون كلامهم عليهم السلام ، فمراده مرادهم عليهم السلام ، فما عن الذخيرة من أنّ ظاهر هذه العبارة الوجوب في غير محلّه كما هو واضح. انتهى ملخّصا».(1)


1) - جواهر الكلام 15: 8 - 10.

و يشترط في وجوبها أمور: «الأوّل»: البلوغ، فلاتجب على غير البالغ في تمام الحول - فيما يعتبر فيه الحول - و لا على من كان غير بالغ في بعضه، فيعتبر ابتداء الحول من حين البلوغ. و أمّا ما لايعتبر فيه الحول من الغلاّت الأربع فالمناط البلوغ قبل وقت التعلّق و هو انعقاد الحبّ و صدق الاسم على ما سيأتي.

الشرح:

فروع:

الفرع الأوّل : في الزكاة في مال الطفل في الذهب و الفضّة

قال في الشرائع: «فالبلوغ يعتبر في الذهب و الفضّة اجماعا. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «أجمع علماؤنا كافّة على أنّه يشترط في وجوب الزكاة في الذهب و الفضّة الكمال، فلاتجب زكاتهما على صبيّ و لا على مجنون؛ لقوله عليه السلام : «رفع القلم عن الصبي حتّى يبلغ، و عن المجنون حتّى يفيق»، و لأنّ أوامر الزكاة لاتتناول المجنون و الصبي، و تكليف الولي بذلك منفيّ بالأصل، و لما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: « ليس في مال اليتيم زكاة». انتهى».(2)

لاتجب الزكاة في مال الطفل في الذهب و الفضّة، و الدليل عليه مضافا الىالاجماع المدّعى روايات عامّة:

منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:


1) - شرائع الاسلام 1: 140.

2) - مدارك الأحكام 5: 15.

«ليس في مال اليتيم زكاة».(1)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن مال اليتيم؟ فقال: ليس فيه زكاة».(2)

و منها صحيحة عاصم بن حميد عن أبي بصير - يعني المرادي - عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«ليس على مال اليتيم زكاة».(3)

و منها صحيحة يونس بن يعقوب قال:

«أرسلت الى أبي عبداللّه عليه السلام : انّ لي اخوة صغارا، فمتى تجب على أموالهم الزكاة؟ قال: اذا وجبت عليهم الصلاة وجبت الزكاة. قلت: فما لم تجب عليهم الصلاة؟ قال: اذا اتّجر به فزكّه».(4)

و منها صحيحة محمّد بن القاسم بن الفضيل قال:

«كتبت الى أبي الحسن الرضا عليه السلام أسأله عن الوصي: أيزكّي زكاة الفطرة عن اليتامى اذا كان لهم مال؟ قال: فكتب عليه السلام : لا زكاة على يتيم».(5)

و خصوص صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم أنّهما قالا:

«ليس على مال اليتيم في الدين و المال الصامت شيء، فأمّا الغلاّتفعليها الصدقة واجبة».(6)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام في مال اليتيم، عليه زكاة؟ فقال:


1) - وسائل الشيعة 9: 85 / الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 8.

2) - وسائل الشيعة 9: 85 / الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 9: 85 / الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 9: 85 / الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 5.

5) - وسائل الشيعة 9: 84 / الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 4.

6) - وسائل الشيعة 9: 83 / الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 2.

«اذا كان موضوعا فليس عليه زكاة، فاذا عملت به فأنت له ضامن و الربح لليتيم».(1)

قال في الجواهر: «لا خلاف محقّق في أنّ البلوغ يعتبر في زكاة الذهب و الفضّة بل هو معتبر فيهما اجماعا بقسميه، بل المحكي منه مستفيض أو متواتر كالنصوص و ان كان الموضوع في كثير منها اليتيم الاّ أنّ الاجماع بقسميه أيضا على عدم الفرق بينه و بين غيره، مضافا الى ترك الاستفصال في صحيح يونس بن يعقوب. فلا اشكال حينئذ فيه من هذه الجهة، كما أنّه لا اشكال في أنّ المنساق من النصوص و الفتاوى الدالّة على اعتبار الحول كون مبدئه تحقّق البلوغ، فلا وجوب لما مضى من الأحوال قبله و لا للحول الذي بلغ في آخره؛ للأصل و غيره. انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

كما قال صاحب الجواهر مبدأ الحول عند تحقّق البلوغ، فلايعارضه صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سمعه يقول:

«ليس في مال اليتيم زكاة، و ليس عليه صلاة، و ليس على جميع غلاّته من نخل أو زرع أو غلّة زكاة، و ان بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة و لا عليه لما يستقبل حتّى يدرك، فاذا أدرك كانت عليهزكاة واحدة، و كان عليه مثل ما على غيره من الناس».(3)

و ذلك لأنّ قوله عليه السلام : «فاذا أدرك كانت عليه ... » تأكيد لقوله عليه السلام : «فليس عليه لما مضى ... »، و معناه أنّ اليتيم اذا أدرك يجب عليه الزكاة و ابتداءها من حين ادراكه و لايجامع لهذه السنة زكوات السنين الماضية بل عليه زكاة واحدة، و كان عليه في


1) - وسائل الشيعة 9: 83 / الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 15: 14.

3) - وسائل الشيعة 9: 86 / الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 11.

السنوات الآتية مثل ما على غيره من الناس. و لا فرق في هذا المعنى بين ما كان له الحول كالنقدين و الأنعام الثلاثة و ما لم يكن كالغلاّت، فاذا كان بدوّ صلاحها حين بلوغه وجب عليه زكاة واحدة لهذه السنة دون السنوات الماضية، و كان عليه في السنوات الآتية مثل ما على غيره من الناس.

الفرع الثاني : في الزكاة في غلاّت الطفل

قال: في الشرائع: «و يستحبّ الزكاة في غلاّت الطفل و مواشيه. و قيل: تجب. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «القول بالوجوب للشيخين و أتباعهما - الى أن قال: - الأصحّ الاستحباب في الغلاّت كما اختاره المرتضى و ابن الجنيد و ابن أبي عقيل و عامّة المتأخّرين. أمّا ثبوت الزكاة في المواشي وجوبا أو استحبابا فلم نقف له على مستند. انتهى ملخّصا».(2)

و قال العلاّمة في المختلف: «أوجب الشيخان، و أبو الصلاح و ابن البرّاجالزكاة في غلاّت الأطفال و المجانين و مواشيهم. و أوجب ابن حمزة الزكاة في مال الصبي. و قال السيّد المرتضى و ابن الجنيد و سلاّر و ابن ادريس و ابن أبي عقيل: انّ الزكاة على البالغين. انتهى ملخّصا».(3)

و استدلّ الشيخ على الوجوب في الغلاّت بصحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام أنّهما قالا:

«ليس على مال اليتيم في الدين و المال الصامت شيء، فأمّا الغلاّت


1) - شرائع الاسلام 1: 140.

2) - مدارك الأحكام 5: 21 و 22.

3) - مختلف الشيعة 3: 25 و 26.

فعليها الصدقة واجبة».(1)

ثمّ قال في التهذيب: «فأمّا ما رواه علي بن الحسن عن حمّاد عن حريز عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال: «سمعته يقول: ليس في مال اليتيم زكاة و ليس عليه صلاة و ليس على جميع غلاّته من نخل أو زرع أو غلّة زكاة، و ان بلغ فليس عليه لما مضى زكاة و لا عليه لما يستقبل حتّى يدرك، فاذا أدرك كانت عليه زكاة واحدة و كان عليه مثل ما على غيره من الناس»، فليس بمنافٍ للرواية الأولى؛ لأنّه قال عليه السلام : «و ليس على جميع غلاّته زكاة»، و نحن لانقول انّ على جميع غلاّته زكاة و انّما تجب على الأجناس الأربعة التي هي: التمر و الزبيب و الحنطة و الشعير، و انّما خصّ اليتامى بهذا الحكم لأنّ غيرهم مندوبون الى اخراج الزكاة عن سائر الحبوب، و ليس ذلك في أموال اليتامى، فلأجل ذلك خصّوا بالذكر. انتهى».(2)

و فيه: انّ الظاهر من الرواية هو نفي وجوب الزكاة عن مال الطفل في قبال وجوبها في مال البالغ، و من المعلوم أنّ الزكاة الواجبة تكون في الغلاّت الأربع و هي التمر و الزبيب و الحنطة و الشعير.

الفرع الثالث : فيما اذا بلغ الطفل أثناء السنة

قد عرفت اعتبار البلوغ في وجوب الزكاة، فلاتجب على الصبي مطلقا، فهذا واضح بالنسبة الى ما لايعتبر فيه الحول من الغلاّت الأربع، فالمناط البلوغ قبل وقت التعلّق، و هو انعقاد الحبّ و صدق الاسم على ما سيأتي ان شاء اللّه تعالى.

و أمّا ما يعتبر فيه الحول فان لم يكن الصبي حين تملّكه المواشي و النقدين


1) - وسائل الشيعة 9: 83 / الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 2.

2) - تهذيب الأحكام 4: 29 / الحديث 73،14.

بالغا الى تمام الحول فلا كلام في عدم وجوب الزكاة في ماله كما مرّ. انّما الكلام فيما اذا كان بعض الحول بالغا، كما لو كان نصف الحول بالغا، فالمعروف و المشهور عدم الوجوب، ولكن ناقش فيه المحقّق السبزواري- على ما يحكى عنه - نظرا الى أنّه لايستفاد من الأدلّة الاّ أنّه لا زكاة في مال الصبي ما لم يبلغ، و معنى ذلك أنّه حين الصبا لا أمر متوجّه اليه بالزكاة، و هذا كما ترى لايستلزم نفي الوجوب حين البلوغ بعد استكمال الحول؛ لعدم الدليل على اشتراط كون الحول في زمان البلوغ و التكليف.

و فيه: انّ المنساق من مثل قوله عليه السلام «ليس على (أو في) مال اليتيم زكاة» أنّ هذا المال الذي يكون ملكا للصبيّ لايكون موضوعا للزكاة، فاذا بلغ صار المال من حين البلوغ موضوعا للزكاة فيعتبر فيه الشرائط فمن جملتها أن يحول على هذا المال حينئذ سنة تامّة. و هذا نظير قوله عليه السلام :

«لا صدقة على الدين و لا على المال الغائب عنك حتّى يقع في يديك».(1)

فيكون ابتداء الحول بعد البلوغ كما هو المشهور.

و ربّما يستشهد له أيضا بالمروي المتقدّم في التهذيب، و أشكل فيه بأنّ صدرها يكون كغيره من الروايات الظاهرة فيما يدّعيه المشهور، و أمّا ذيلها الذي هو محلّ الاستشهاد، أعني قوله عليه السلام : «و ان بلغ ... »، فهو لايخلو من اجمال، فانّ من المحتمل بل المظنون كونه تفريعا على خصوص الفقرة السابقة عليه النافية للزكاة على جميع غلاّته من نخل و زرع و غيرهما، فالموصول في «ما مضى» و «ما يستقبل» كناية عن نفس الغلاّت، و المراد بالادراك بلوغها حدّ الكمال الذي يتعلّق به الزكاة، فالرواية على هذا أجنبيّة عن المدّعى.

ولكن الظاهر أنّ الموصول كناية عن الزمان الماضي و المستقبل، فالمراد بهذا


1) - وسائل الشيعة 9: 95 / الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 6.

الكلام أنّه ليس عليه في شيء من ماله و غلاّته لما مضى و ما يستقبل زكاة حتّى يدرك، و المراد بالادراك بلوغه أوان تعلّق الحقّ بماله، و هو في النقدين و الأنعام الثلاثة حلول الحول بعد البلوغ، و في الغلاّت بدوّ صلاحها.

«الثاني»: العقل، فلا زكاة في مال المجنون في تمام الحول أو بعضه ولو أدوارا، بل قيل: انّ عروض الجنون آنا ما يقطع الحول. لكنّه مشكل، بل لابدّ من صدق اسم المجنون و أنّه لم يكن في تمام الحول عاقلاً، و الجنون آنا ما بل ساعة و أزيد لايضرّ؛ لصدق كونه عاقلاً.

الشرح:

قال في الشرائع: «و قيل: حكم المجنون حكم الطفل، و الأصحّ أنّه لا زكاة في ماله الاّ في الصامت اذا اتّجر له الولي استحبابا. انتهى».(1)

قال في المدارك: «و القول بمساواة المجنون للطفل في وجوب الزكاة في غلاّته و مواشيه للمفيد في المقنعة و الشيخ في جملة من كتبه - الى أن قال: - و الأصحّ ما اختاره المصنّف رحمه الله من عدم ثبوت الزكاة في مال المجنون مطلقا الاّ في الصامت اذا اتّجر له الولي استحبابا. انتهى».(2)

أقول:

الظاهر عدم الاشكال في أنّ العقل كالبلوغ معتبر في تعلّق الزكاة في ماله و وجوبها، و ذلك أوّلاً لحديث رفع القلم عن المجنون و الطفل، فكما أنّ الطفل وضع عنه التكليف فالمجنون مثله، فانّ مدار التكليف العقل، و لذلك ورد في الحديث أنّه تعالى خاطب العقل فقال له: أقبل، فأقبل، ثمّ قال له: أدبر، فأدبر، فقال


1) - شرائع الاسلام 1: 140.

2) - مدارك الأحكام 5: 23.

تعالى: ايّاك آمر و ايّاك أنهى و ايّاك أعاقب و ايّاك أثيب.(1)

و عليه فالأمر المتعلّق بالزكاة في الكتاب و السنّة متوجّه الى خصوص العاقلين، فلا فرق في ذلك بين رفع الحكم التكليفي أو الوضعي، فاذا لم يكن الأوامر الواردة في الزكاة شاملة للصبيّ و المجنون، فلا دليل سواها يدلّ على التكليف الوضعي.

ان قلت: الروايات واردة في أنّ الزكاة حقّ للفقراء جعله اللّه في مال الأغنياء، قلت: نعم، قد خصّصت تلك الروايات بما ورد من أنّه «ليس في مال اليتيم زكاة» و بعد القول بأنّ مناطهما واحد ثبت المطلوب. و أيضا يدلّ على ذلك صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : امرأة من أهلنا مختلطة، أ عليها زكاة؟ فقال: ان كان عمل به فعليها زكاة، و ان لم يعمل به فلا».(2)

و خبر موسى بن بكر قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن امرأة مصابة و لها مال في يد أخيها، هل عليه زكاة؟ قال: ان كان أخوها يتّجر به فعليه زكاة».(3)

فيستفاد من هاتين الروايتين أنّ الزكاة مرفوعة عن مال المجنون، فما يتعلّق به الزكاة هو المال الذي يتّجر به استحبابا، لما سيأتي.

و ما قد يتوهّم بقرينة التفصيل في الصحيحة بين العمل بالمال و عدمه من أنّ المراد به خصوص النقدين، اذ الظاهر من العمل المضاربة و لاتصحّ الاّ في النقدين، مدفوع بأنّ السؤال عن الزكاة على المختلطة، فهو عامّ يشمل الأجناس التسعة، فالمراد بعدم العمل به في الجواب أعمّ من كونه قابلاً للعمل به و لم يعمل


1) - وسائل الشيعة 1: 39 - 41 / الباب 3 من أبواب مقدّمة العبادات.

2) - وسائل الشيعة 9: 90 / الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 90 / الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 2.

أو غير قابل له، فيعمّ الغلاّت و المواشي، مضافا الى أنّه يفهم من أخبار باب اليتيم و المجنون أنّ غرض الشارع بقاء مالهما لهما؛ لقصورهما، و لو تعلّقت الزكاة بمالهما أكلته الزكاة لتكرّرها في كلّ سنة.

قال في التذكرة: «العقل شرط في وجوب الزكاة، فلا زكاة على المجنون المطبق - الى أن قال: - لو كان الجنون يعتوره اشترط الكمال طول الحول، فلو جنّ في أثنائه سقط، و استأنف من حين عوده. انتهى».(1)

فرع : في عدم الفرق بين كون الجنون في تمام الحول أو بعضه

بعد أن كان العقل شرطا في تعلّق الزكاة على المال فلا فرق بين أن يكون الجنون في تمام الحول أو بعضه ولوأدوارا، و ذلك كالبلوغ و المالكيّة، فلو صار مجنونا في أثناء الحول فيما يعتبر فيه استأنف الحول. و كذا لو صار مجنونا قبل بدوّ الصلاح في الغلاّت ثمّ أفاق بعده، فلاتجب عليه الزكاة، بل ولو كان زمان الجنون قليلاً جدّا كساعة و نحوها، كما هو الحال في زوال الملكيّة. نعم، لو صدق عليه أنّه كان في تمام الحول عاقلاً لم يضرّ جنون ساعة و نحوها.


1) - تذكرة الفقهاء 5: 15و 16.

«الثالث»: الحرّيّة، فلا زكاة على العبد و ان قلنا بملكه من غير فرق بين القنّ و المدبّر و أمّ الولد و المكاتب المشروط، و المطلق الذي لم يؤدّ شيئا من مال الكتابة، و أمّا المبعّض فيجب عليه اذا بلغ ما يتوزّع على بعضه الحرّ النصاب.

الشرح:

قال في الشرائع: «و المملوك لاتجب عليه الزكاة، سواء قلنا يملك أو أحلنا ذلك. و لو ملّكه سيّده مالاً و صرّفه فيه لم تجب عليه الزكاة. و قيل: يملك و يجب عليه الزكاة. و قيل: لايملك و الزكاة على مولاه. و كذا المكاتب المشروط عليه. و لو كان مطلقا و تحرّر منه شيء وجبت عليه الزكاة في نصيبه اذا بلغ نصابا. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «لا ريب في عدم وجوب الزكاة على المملوك على القول بأنّه لايملك؛ لأنّ ما بيده يكون ملكا لمولاه و عليه زكاته، بل لا وجه لاشتراط الحرّيّة على هذا التقدير؛ لأنّ اشتراط الملك يغني عنه. و انّما الكلام في وجوب الزكاة على المملوك على القول بملكه، و الأصحّ أنّه لا زكاة عليه، لصحيحة عبداللّه بن سنان و حسنته. و صرّح المصنّف في المعتبر و العلاّمة في المنتهى بوجوب الزكاة على المملوك ان قلنا بملكه مطلقا أو على بعض الوجوه. و هو مدفوع بالرواية. انتهى ملخّصا».(2)

و قال العلاّمة في التذكرة: «الحرّيّة شرط في الزكاة، فلاتجب على العبد باجماع العلماء، و لانعلم فيه خلافا الاّ عن عطاء و أبي ثور فانّهما قالا: «على العبد

زكاة ماله». و هو خطأ؛ لأنّه غير مالك و لا متمكّن. انتهى».(3)


1) - شرائع الاسلام 1: 141.

2) - مدارك الأحكام 5: 24.

3) - تذكرة الفقهاء 5: 16.

أقول:

لاتجب الزكاة على المملوك و لا على سيّده، و ذلك لصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ليس في مال المملوك شيء ولو كان له ألف ألف، و لو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا».(1)

و صحيحة ثانية لعبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سأله رجل و أنا حاضر عن مال المملوك، أعليه زكاة؟ فقال: لا ولو كان له ألف ألف درهم، و لو احتاج لم يكن له من الزكاة شيء».(2)

و موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم أو أقلّ أو أكثر - الى أن قال: - قلت: فعلى العبد أن يزكّيها اذا حال عليه الحول؟ قال: لا، الاّ أن يعمل له فيها و لايعطى العبد من الزكاة شيئا».(3)

و خبر وهب بن وهب القرشي عن الصادق عن آبائه عن علي عليهم السلام قال:

«ليس في مال المكاتب زكاة».(4)

و لا فرق بين المكاتب و غيره، بل في غيره أولى.

و الظاهر من هذه الأخبار ملكيّة العبد الاّ أنّه محجور، و لذلك ورد في خبرعلي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال:

«ليس على المملوك زكاة الاّ باذن مواليه».(5)


1) - وسائل الشيعة 9: 91 / الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 91 / الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 9: 92 / الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 9: 92 / الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 5.

5) - وسائل الشيعة 9: 91 / الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 2.

و لو كان العبد لم يملك شيئا لم يكن ينبغي أن يقال الحرّيّة شرط في وجوب الزكاة، ثمّ انّه لا فرق بين القنّ و المدبّر و أمّ الولد و المكاتب المشروط و المطلق الذي لم يؤدّ شيئا من مال الكتابة؛ لاطلاق النصوص.

و أمّا المبعّض، فقال في المدارك: «وجوب الزكاة على المكاتب المطلق اذا تحرّر منه شيء و بلغ نصيب جزئه الحرّ نصابا فلا ريب فيه؛ لأنّ العموم يتناوله كما يتناول الأحرار. انتهى».(1)

و قال في الجواهر: «و لو كان المكاتب مطلقا و تحرّر منه شيء وجبت الزكاة في نصيبه اذا بلغ نصابا، بلا خلاف أجده بل عن الحدائق أنّه محلّ اتّفاق؛ لوجود المقتضي و ارتفاع المانع. انتهى».(2)

فيوزّع المال، فما يملكه بازاء الجزء الحرّ تجب فيه الزكاة اذا بلغ النصاب دون ما يقع بازاء الجزء الرقّ.


1) - مدارك الأحكام 5: 25.

2) - جواهر الكلام 15: 34.

«الرابع»: أن يكون مالكا، فلاتجب قبل تحقّق الملكيّة، كالموهوب قبل القبض، و الموصى به قبل القبول أو قبل القبض. و كذا في القرض لاتجب الاّ بعد القبض.

الشرح:

قال في المدارك: «أمّا اشتراط الملك فقال في المعتبر: انّ عليه اتّفاق العلماء؛ لأنّ وجوب الزكاة مشروط بملك النصاب. انتهى».(1)

و قال في الجواهر: «الملك شرط في الأجناس كلّها اجماعا في المحكي عن نهاية الإحكام، بل باتّفاق العلماء كما عن المعتبر، بل كافّة كما عن المنتهى، و لاينبغي التأمّل فيه اذا أريد عدمها في المباح و نحوه من غير المملوك؛ للأصل السالم عن معارضة اطلاق الأدلّة المنصرف الى غيره، بل الظاهر ذلك فيما كان الملك فيه بالجهة العامّة كالمملوك للفقراء و العلماء و نحوهم. انتهى».(2)

و الدليل على ذلك - مضافا الى ما مرّ - قوله تعالى: «خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم و تزكّيهم بها»(3)، و قوله عليه السلام في صحيحة أبي الصباح الكناني:

«انّما الزكاة على صاحب المال».(4)

و قوله عليه السلام في مكاتبة عليّ بن مهزيار:

«لاتجب عليه الزكاة الاّ في ماله».(5)

و ما يستفاد من أخبار باب الزكاة بكثرتها.

و بالجملة لا زكاة في غير المملوك كالمباحات الأصليّة التي لاتكون ملكا


1) - مدارك الأحكام 5: 25.

2) - جواهر الكلام 15: 35.

3) - التوبة 9: 103.

4) - وسائل الشيعة 9: 103 / الباب 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 9: 104 / الباب 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 2.

لأحد، و كذا لا زكاة فيما كان ملكا لجهة عامّة أو عنوان عامّ، كالوقف للمساجد و الفقراء و العلماء، و كذا الوقف الخاصّ كالوقف على الأولاد.

قال المصنّف: «لاتجب قبل تحقّق الملكيّة كالموهوب قبل القبض». فلو وهب شخص مالاً لشخص آخر فما لم يقبض لم يجز له التصرّف فيه، و لو مات الواهب قبل القبض كان المال للورثة.

قال في الجواهر: «لو وهب له نصاب لم يجر في الحول الاّ بعد القبض بلا خلاف أجده فيه بناءً على عدم حصول الملك قبله، كما أنّه لا خلاف في جريانه فيه بعده من حينه، و الوجه فيهما معا واضح، ضرورة عدم تناول خطاب الزكاة له في الأوّل؛ لعدم الملك و عدم جواز التصرّف له فيه، بخلاف الثاني، فانّ جميع الأدلّة شاملة له، و تسلّط الواهب على الفسخ في بعض الأحوال غير مانع من تماميّة الملك، فلايشكّ في شمول الأدلّة له حينئذ، كما أنّه لايشكّ في شمولها للواهب في الأوّل؛ لعدم الخروج عن الملك، فتجب الزكاة عليه حينئذ. انتهى».(1)

ثمّ انّه مثّل المصنّف لقوله: «لاتجب قبل تحقّق الملكيّة» مثالاً آخر و هو الموصى به قبل القبول.

قال في الشرائع: «و كذا لو أوصى له، اعتبر الحول بعد الوفاة و القبول. انتهى».(2)

و قال في المدارك: «لأنّه وقت انتقال الموصى به الى ملك الموصى له عند المصنّف و أكثر الأصحاب، و لو قلنا انّ القبول كاشف عن انتقال الملك من حين الوفاة كما ذهب اليه بعض الأصحاب أعتبر حصوله أيضا كما يعتبر التمكّن منالقبض، لما سيجيء من اعتبار التمكّن من التصرّف. انتهى».(3)


1) - جواهر الكلام 15: 37.

2) - شرائع الاسلام 1: 141.

3) - مدارك الأحكام 5: 27.

و قال في التذكرة: «الموصى له انّما يملك بأمرين: موت الموصي و القبول، فلو أوصى له بنصاب لم ينتقل اليه الاّ بهما، فاذا مات الموصي و قبل، ابتدأ الحول حينئذ؛ لأنّه حين الملك، و ينبغي اشتراط القبض أو التمكّن منه. انتهى».(1)

ثمّ انّه لاتجب الزكاة في القرض الاّ بعد القبض، و ذلك لصحيحة زرارة قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل دفع الى رجل مالاً قرضا، على من زكاته؟ على المقرض أو على المقترض؟ قال: لا، بل زكاتها ان كانت موضوعة عنده حولاً على المقترض. قال: قلت: فليس على المقرض زكاتها؟ قال: لايزكّى المال من وجهين في عام واحد، و ليس على الدافع شيء؛ لأنّه ليس في يده شيء، انّما المال في يد الآخر، فمن كان المال في يده زكّاه. قال: قلت: أفيزكّي مال غيره من ماله؟ فقال: انّه ماله مادام في يده، و ليس ذلك المال لأحد غيره. ثمّ قال: يا زرارة، أرأيت وضيعة ذلك المال و ربحه لمن هو؟ و على من؟ قلت: للمقترض. قال: فله الفضل و عليه النقصان، و له أن ينكح و يلبس منه و يأكل منه و لاينبغي له أن يزكّيه؟! بل يزكّيه فانّه عليه».(2)

و صحيحة يعقوب بن شعيب قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يقرض المال للرجل السنة و السنتين و الثلاث أو ما شاء اللّه، على من الزكاة؟ على المقرض أوعلى المستقرض؟ فقال: على المستقرض؛ لأنّ له نفعه و عليه زكاته».(3)


1) - تذكرة الفقهاء 5: 32.

2) - وسائل الشيعة 9: 100 / الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 102 / الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 5.

«الخامس»: تمام التمكّن من التصرّف، فلاتجب في المال الذي لايتمكّن المالك من التصرّف فيه بأن كان غائبا و لم يكن في يده و لا في يد وكيله، و لا في المسروق و المغصوب و المجحود، و المدفون في مكان منسيّ، و لا في المرهون، و لا في الموقوف، و لا في المنذور التصدّق به. و المدار في التمكّن على العرف. و مع الشكّ يعمل بالحالة السابقة و مع عدم العلم بها فالأحوط الاخراج.

الشرح:

الشرط الخامس: تمام التمكّن من التصرّف، و الدليل على ذلك صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لا صدقة على الدين و لا على المال الغائب عنك حتّى يقع في يديك».(1)

و صحيحة رفاعة بن موسى قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يغيب عنه ماله خمس سنين ثمّ يأتيه فلايردّ رأس المال، كم يزكّيه؟ قال: سنة واحدة».(2)

و صحيحة ابراهيم بن أبي محمود قال:

«قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام : الرجل يكون له الوديعة و الدين فلايصل اليهما ثمّ يأخذهما، متى يجب عليه الزكاة؟ قال: اذا أخذهما ثمّ يحول عليه الحول يزكّي».(3)

و موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الرجل يكون له الولد فيغيب بعض ولده


1) - وسائل الشيعة 9: 95 / الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 9: 94 / الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 9: 95 / الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

فلايدري أين هو و مات الرجل، كيف يصنع بميراث الغائب من أبيه؟ قال: يعزل حتّى يجيء. قلت: فعلى ماله زكاة؟ قال: لا، حتّى يجيء. قلت: فاذا هو جاء، أ يزكّيه؟ فقال: لا، حتّى يحول عليه الحول في يده».(1)

و موثّقة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:

«في رجل ماله عنه غائب لايقدر على أخذه قال: فلا زكاة عليه حتّى يخرج، فاذا خرج زكّاه لعام واحد، فان كان يدعه متعمّدا و هو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ به من السنين».(2)

و خبر سدير الصيرفي قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام : ما تقول في رجل كان له مال فانطلق به فدفنه في موضع فلمّا حال عليه الحول ذهب ليخرجه من موضعه فاحتفر الموضع الذي ظنّ أنّ المال فيه مدفون فلم يصبه، فمكث بعد ذلك ثلاث سنين، ثمّ انّه احتفر الموضع من جوانبه كلّه (كلّها خ ل) فوقع على المال بعينه، كيف يزكّيه؟ قال: يزكّيه لسنة واحدة؛ لأنّه كان غائبا عنه و ان كان احتبسه».(3)

و خبر اسحاق بن عمّار عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:

«سألته عن رجل ورث مالاً و الرجل غائب، هل عليه زكاة؟ قال: لا،حتّى يقدم. قلت: أيزكّيه حين يقدم؟ قال: لا، حتّى يحول عليه الحول (و هو عنده)(4)».(5)


1) - وسائل الشيعة 9: 93 / الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 9: 95 / الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 9: 93 / الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

4) - ما بين القوسين ليس في التهذيب.

5) - وسائل الشيعة 9: 94 / الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 3.

و خبر عيص بن القاسم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن رجل أخذ مال امرأته فلم تقدر عليه، أعليها زكاة؟ قال: انّما هو على الذي منعها».(1)

هذه الروايات و ان وردت في المال الغائب أو المنسي أو الممنوع من التصرّف كخبر العيص، الاّ أنّه يستفاد منها قاعدة كلّيّة و هو عدم التمكّن من التصرّف، فمن لم يتمكّن من التصرّف في ماله فلا زكاة عليه، سواء كان عدم تمكّنه من التصرّف في ماله لكونه غائبا نفسه أو ماله أو مجحودا أو مسروقا ماله، أو كان مدفونا في مكان منسيّ أو غير ذلك. فاذا تمكّن من التصرّف في ماله فيدور عليه الحول من حينه فلا زكاة للسنين الماضية.

قال في المدارك: «هذا الشرط مقطوع به في كلام الأصحاب، بل قال في التذكرة: انّه قول علمائنا أجمع، لصحيحتي عبداللّه بن سنان و ابراهيم بن أبي محمود و موثّقة زرارة. انتهى ملخّصا».(2)

و قال أيضا: «المغصوب اذا كان ممّا يعتبر فيه الحول و عاد الى مالكه يكون كالمملوك ابتداءً فيجري في الحول من حين عوده. انتهى».(3)

و قال في المعتبر: «الملك شرط وجوب الزكاة، و عليه اتّفاق العلماء، و التمكّن من التصرّف في المال شرط الزكاة، فلاتجب في المغصوب، و لا في المالالضائع، و لا في الموروث عن غائب حتّى يصل الى الوارث أو وكيله، و لا فيما سقط في البحر حتّى يعود الى مالكه فيستقبل به الحول، و به قال أبو حنيفة، و للشافعي فيه قولان؛ لأنّه مال مملوك. انتهى».(4)


1) - وسائل الشيعة 9: 94 / الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 5.

2) - مدارك الأحكام 5: 32.

3) - مدارك الأحكام 5: 34.

4) - المعتبر في شرح المختصر: 490.

و لقد أجاد في المستمسك حيث قال: «الذي نسب الى قطع الأصحاب تارة و الى فتوى علمائنا أخرى و الى الاجماع ثالثة و عن الحدائق نفي الخلاف فيه، اعتبار التمكّن من التصرّف في ثبوت الزكاة، فضلاً عن اعتباره في وجوب أدائها. و ان اختلفوا في كيفيّة اعتباره، فبعضهم - كالشرائع - جعله شرطا ثالثا زائدا على اشتراط الملك و تماميّته، و بعضهم - كالقواعد - اعتبر شرطا رابعا - زائدا على البلوغ و العقل و الحرّيّة - كمال الملك، و جعل التمكّن من التصرّف أحد شؤون الكمال المذكور. و المصنّف جعله شرطا زائدا على اشتراط المالكيّة. و المراد أنّه شرط لأصل تعلّق الزكاة، نظير الشرائط الثلاثة الأُوَل، و ليس كاشتراط المالكيّة، فانّها شرط لوجوب الأداء كما عرفت. انتهى».(1)

اشكال و دفع:

قد استشكل على اعتبار اشتراط التمكّن من التصرّف تارة بأنّه ان أريد جميع التصرّفات لزم انتفاء الزكاة مع عدم التمكّن من بعض التصرّفات لمانع - من بيع العين أو هبتها أو غيرهما - و لايمكن الالتزام به. و ان أريد بعض التصرّفات لم يكن وجه للحكم بعدم الزكاة في المغصوب و المجحود و الغائب؛ لامكان نقل العين الى الغاصب و الجاحد بالهبة و نقل الغائب الى شخص حاضر.

و أخرى بأنّه لا دليل على اعتبار الشرط المذكور؛ اذ النصوص المتقدّمة انّماتدلّ على انتفاء الزكاة في موارد خاصّة و لايمكن استفادة حكم كلّي منها. و الاجماع بنحو يصحّ الاعتماد عليه غير ثابت، الاّ في تلك الموارد أيضا.

فيدفع بأنّ التأمّل في قولهم عليهم السلام في الأخبار المذكورة يعطي قاعدة كلّيّة و هو عدم ثبوت الزكاة في المال المملوك اذا لم يمكن للمالك الوصول اليه امكانا عقليّا و تكوينيّا، فانّ المراد من المال الغائب في الروايات المذكورة، كون المال محبوسا


1) - مستمسك العروة الوثقى 9: 12 و 13.

عن المالك، ممنوعا منه لايقدر على أخذه و لايتمكّن من القلب و التقليب فيه تكوينا. و لايراد منه مجرّد الغيبة المقابل للحضور قطعا؛ اذ لايمكن الالتزام بأنّ من كانت له نقود أو زروع أو مواشٍ متفرّقة في القرى و الضياع لاتجب عليه زكاتها، حيث لم يحضر عند كلّ واحد منها طول سنته.

فالمتحصّل أنّ الممنوع من ماله منعا عقليّا لاتجب فيه الزكاة، سواء كان هناك منع شرعي أو لم يكن.

ان قلت: انّ الممنوع الشرعي ملحق بالممتنع العقلي، قلت: انّ الالحاق ثابت في باب التكاليف، فكما لايعقل التكليف بما يكون غير مقدور للمكلّف كتكليفه بالطيران في الهواء كذا لايعقل أن يكلّف بما يكون ممنوعا شرعا.

و أمّا لو جعل المنع العقلي موضوعا لحكم شرعي كما في المقام حيث جعل عدم التمكّن من التصرّف في المال تكوينا موضوعا لعدم وجوب الزكاة فلا دليل على الحاق ما كان ممنوعا شرعا به، بأن يقال: اذا نذر أن لاينقل ماله مطلقا فلايجب فيه الزكاة. و كذا يمكن أن يكون شيئا لم يتمكّن المالك من التصرّف فيه تكوينا و عقلاً كما لو غصب أو سرق أو جحد و مع ذلك يمكن له التصرّف فيه شرعا بأن يهبه للغاصب و غيره فهذا المال لاتجب فيه الزكاة؛ لأنّ مالكه ممنوع من التصرّف فيه عقلاً.

بقي الكلام في الموقوف و المرهون و المنذور التصدّق به:

أمّا الموقوف فانّه على الأصحّ مال فكّ ملكه عن مالكه و سبّل منفعته، و المال الموقوف و ان كان نتيجته تمليكا، الاّ أنّه للجهة و العنوان كالمساجد و العلماء أو تمليك على الأولاد نسلاً بعد نسل فانّهم ممنوعون من التصرّف في الرقبة ببيع أو هبة و غيرهما بل و تخريب، ففي الحقيقة انّ المال ملك ناقص و هذا غير المال الممنوع من التصرّف فيه عقلاً بل و شرعا، فانّه يرجع الى شرط المالكيّة.

قال في المدارك: «انّما لم تجب الزكاة في الوقف؛ لأنّها لو وجبت لوجبت في

العين فيخرج به عن الوقف. و علّله في المنتهى أيضا بعدم تمام الملك باعتبار مشاركة غيره من الطبقات في الاستحقاق، و كون الموقوف عليه ممنوعا من التصرّف في العين بغير الاستنماء. و هو حسن. انتهى».(1)

و أمّا الرهن و المال المرهون ففي وجوب الزكاة فيه أقوال ثلاثة: تعلّق الزكاة مطلقا، و عدمه مطلقا، و التفصيل بين القدرة على فكّه و عدمها.

قال في المدارك: «اختلف كلام الشيخ رحمه الله في وجوب الزكاة في الرهن، فقال في موضع من المبسوط: «لو رهن النصاب قبل الحول فحال الحول و هو رهن وجبت الزكاة، فان كان موسرا كلّف اخراج الزكاة و ان كان معسرا تعلّق بالمال حقّ الفقراء يؤخذ منه لأنّ حقّ المرتهن في الذمّة». و قال في موضع آخر منه: «لو استقرض ألفا و رهن ألفا لزمه زكاة الألف القرض دون الرهن؛ لعدم تمكّنه من التصرّف في الرهن». و في الخلاف ذهب الى وجوب الزكاة في المال المرهون لأنّه قادر على التصرّف فيه بأن يفكّ رهنه. انتهى ملخّصا».(2)

و قال المحقّق الهمداني: «و حكي عن ظاهر الشهيدين و جملة ممّن تأخّر عنهما القول بتعلّق الزكاة بالرهن اذا تمكّن من فكّه، كما هو مورد كلام الشيخمعلّلاً بصدق التمكّن من التصرّف فيه. و فيه: انّ القدرة على فكّ الرهن لايخرج الرهن - مادام كونه رهنا - عن كونه متعلّقا لحقّ مانع عن التصرّف فيه، و قد عرفت أنّ مثله مانع عن تعلّق الزكاة به، فالأقوى: عدم تعلّق الزكاة به مطلقا، سواء تمكّن من فكّه أم لا، كما هو ظاهر بعض و صريح بعض آخر. انتهى».(3)

الظاهر أنّ المال المرهون ملك للراهن و لايكون ملكا للمرتهن، و انّما للمرتهن حقّ على ذلك و لذا لايجوز للراهن التصرّف فيه الاّ باذن المرتهن، فانّه


1) - مدارك الأحكام 5: 36.

2) - نفس المصدر: 35 و 36.

3) - مصباح الفقيه 13: 80 و 81.

ممنوع من التصرّف في ماله شرعا، و بناءً عليه فلايبعد أن يقال: اذا كان الدين حالاًّ و الراهن يقدر على أدائه بلا منّة و لا مؤونة و لا استقراض فعليه الزكاة، و أمّا ان كان الدين مؤجّلاً أو حالاًّ ولكن لايقدر الراهن على فكّه بسهولة فلاتجب الزكاة، فانّ كون العين متعلّقة لحقّ الغير مانع من التصرّف فيها فيكون الانسان منقطعا من ماله شرعا و ان لم ينقطع عنه خارجا بأن كان العين في يده خارجا.

و أمّا المنذور التصدّق به فقال في الشرائع: «و لو نذر في أثناء الحول الصدقة بعين النصاب انقطع الحول لتعيّنه للصدقة. انتهى».(1)

و في الجواهر قال في شرح العبارة: «بلا خلاف أجده فيه؛ لتعيّنه للصدقة و عدم جواز التصرّف فيه بما ينافي النذر، فيكون ملكه غير تامّ فلاتشمله أدلّة الزكاة خصوصا بعد معارضتها بأدلّة النذر المفروض تعلّقه قبلها، فيرجّح عليها قطعا، كما أنّه لا خلاف و لا اشكال في تقدّمها عليه لو كان بعد تعلّقها، فتخرج حينئذ أوّلاً ثمّ يوفى بالنذر. انتهى».(2)

و الظاهر أنّ النذر لايخرج المال عن ملك صاحبه، بل يجب عليه الوفاء بنذره،فلو لم يف و عصى وجب عليه الزكاة، و تمام الكلام في ذلك يأتي في المسألة الثانية عشرة.

فرع : فيما هو المدار في التمكّن

قال المصنّف: «و المدار في التمكّن على العرف، و مع الشكّ يعمل بالحالة السابقة، و مع عدم العلم بها فالأحوط الاخراج».


1) - شرائع الاسلام 1: 141.

2) - جواهر الكلام 15: 42 و 43.

أمّا الأوّل - أي المدار في التمكّن على العرف - فهو صحيح، فانّ تشخيص الموضوع على العرف، فاذا قال الشارع: كلّ مسكر مائع حرام، فما علم المكلّف أنّ المائع الفلاني مسكر يجب عليه الاجتناب عنه، و اذا شكّ في مفهوم الاسكار من حيث السعة و الضيق فالمرجع العرف. فقد ورد فيما نحن فيه حكم الزكاة على المال المتمكّن من التصرّف فيه، فانّ هذا العنوان و ان لم يرد في شيء من الأخبار الاّ أنّه منتزع من الروايات المذكورة المتقدّمة، فاذا شكّ في صدق التمكّن على شيء للشكّ في مفهومه و دائرته من حيث الضيق و السعة فالمرجع في تعيين مداره العرف، مثلاً لو سرق ماله و الفرض أنّه يتمكّن من أخذه بسهولة غير أنّه يتساهل في الأخذ فهل يصدق عرفا أنّه متمكّن من التصرّف أم لا؟ فالمرجع في تشخيص ذلك وتعيينه العرف.

و أمّا الثاني - أي مع الشكّ في ذلك و عدم تشخيص العرف - فالمرجع عمومات الأمر بالزكاة، و ذلك لأنّ العمومات قد خصّص بما اذا لم يتمكّن من التصرّف، فمفهومه متردّد بين الأقلّ و الأكثر، و القدر المتيقّن منه الأقلّ كالمال الغائب الذي لايمكنه الوصول اليه أصلاً، أو يمكنه بمشقّة، و غيره أي ما يمكن لهالوصول اليه بسهولة الاّ أنّه يتساهل في ذلك، يشمله العمومات، فانّها حاكمة حتّى يحرز التخصيص.

ثمّ انّه لا محلّ هنا لاجراء الاستصحاب؛ لعدم اتّحاد القضيّة المتيقّنة و المشكوكة، فانّ ما كان متيقّنا سابقا و هو الأقلّ فالآن متيقّن، و ما هو الآن مشكوك فيه لم يكن له حالة سابقة متيقّنة.

نعم، لو كانت الشبهة موضوعيّة لم يكن هناك مانع لاجراء الاستصحاب، كما لو كان متمكّنا من التصرّف سابقا و احتمل أنّه سرقه سارق أثناء السنة شهرا واحدا فلم يكن متمكّنا من التصرّف في تمام الحول فحينئذ يجري الاستصحاب لتماميّة أركانه، و كذا لو كان مسروقا سابقا ثمّ أخذه المالك ثمّ شكّ في تأريخ الأخذ فانّه

يستصحب عدم الأخذ حتّى يتيقّن الأخذ.

«السادس»: النصاب، كما سيأتي تفصيله.

(مسألة 1): يستحبّ للوليّ الشرعي اخراج الزكاة في غلاّت غير البالغ - يتيما كان أو لا، ذكرا كان أو أنثى - دون النقدين. و في استحباب اخراجها من مواشيه اشكال، و الأحوط الترك. نعم، اذا اتّجر الوليّ بماله يستحبّ اخراج زكاته أيضا. و لايدخل الحمل في غير البالغ، فلايستحبّ اخراج زكاة غلاّته و مال تجارته. و المتولّي لاخراج الزكاة هو الولي، و مع غيبته يتولاّه الحاكم الشرعي، و لو تعدّد الولي جاز لكلّ منهم ذلك، و من سبق نفذ عمله. و لو تشاحّوا في الاخراج و عدمه قدّم من يريد الاخراج. و لو لم يؤدّ الولي الى أن بلغ المولّى عليه فالظاهر ثبوت الاستحباب بالنسبة اليه.

الشرح:في المسألة فرعان:

الفرع الأوّل : في أنّه هل تستحبّ الزكاة في غلاّت غير البالغ؟

قال في الشرائع: «و تستحبّ الزكاة في غلاّت الطفل و مواشيه. و قيل: تجب. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «الأصحّ استحباب الزكاة في غلاّت الطفل كما اختاره المرتضى و ابن الجنيد و ابن أبي عقيل و عامّة المتأخّرين. أمّا ثبوت الزكاة في المواشي وجوبا أو استحبابا فلم نقف له على مستند. انتهى ملخّصا».(2)


1) - شرائع الاسلام 1: 140.

2) - مدارك الأحكام 5: 22.

قد تقدّم في الفرع الأوّل من أوّل شرائط وجوب الزكاة دليل عدم وجوب الزكاة في مال اليتيم و من جملته غلاّت الطفل و مواشيه، و هنا نقول باستحباب الزكاة في غلاّت الطفل، و ذلك للجمع بين صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم و بين صحيحة أبي بصير. فالأولى عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام أنّهما قالا:

«ليس على مال اليتيم في الدين و المال الصامت شيء، فأمّا الغلاّت فعليها الصدقة واجبة».(1)

و الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سمعه يقول:

«ليس في مال اليتيم زكاة، و ليس عليه صلاة، و ليس على جميع غلاّته من نخل أو زرع أو غلّة زكاة، و ان بلغ اليتيم فليس عليه لمامضى زكاة و لا عليه لما يستقبل حتّى يدرك، فاذا أدرك كانت عليه زكاة واحدة، و كان عليه مثل ما على غيره من الناس».(2)

بناءً على عدم ثبوت اطلاق الوجوب في عرف الروايات على المنهيّ من تركه، بل ربّما كان الظاهر خلافه؛ لأنّه قد أطلق في الروايات بكثرة على ما أكّد استحبابه و ان لم يستحقّ بتركه العقاب، كما في المدارك(3).

و بناءً عليه لايبقى مورد لما أورده صاحب مستند العروة ب- «أنّا لو جمعنا بين هذين الكلامين فقلنا انّ الزكاة واجبة في مال اليتيم - حتّى لو قلنا انّ «واجبة» بمعنى «ثابتة» كما لايبعد - و قلنا انّه لا زكاة في مال اليتيم - أي ليست بثابتة كما هو مقتضى نفي الجنس - لكان الكلام في نظر العرف متهافتا و متناقضا. انتهى».(4)

ثمّ انّه اذا كانت الزكاة ثابتة على مال الطفل؛ فهو مأمور باخراجها من ماله أوّلاً و


1) - وسائل الشيعة 9: 83 / الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 9: 86 / الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 11.

3) - مدارك الأحكام 5: 22.

4) - مستند العروة 23: 54 و 55.

بالذات الاّ أنّه يمنعه صغره و حجره من التصرّف في ماله، و لذلك كان الخطاب متوجّها الى الولي ثانيا و بالعرض و نيابة عنه في الامتثال.

ثمّ انّ الظاهر من صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عدم خصوصيّة اليتيم و ان ذكر في أكثر الأخبار، و ذلك لما في صحيحة يونس بن يعقوب:

«انّ لي اخوة صغارا، فمتى تجب على أموالهم الزكاة؟ قال: اذا وجبت عليهم الصلاة وجبت الزكاة».(1)

و كذا لا فرق بين الذكر و الأنثى. و أمّا النقدين من مال الطفل فلايستحبّ فيهما الزكاة؛ لعدم الدليل، و كذا مواشيه.

الفرع الثاني : في استحباب اخراج زكاة مال الطفل اذا اتّجر به

يدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : هل على مال اليتيم زكاة؟ قال: لا، الاّ أن تتّجر به أو تعمل به».(2)

و موثّقة زرارة و بكير، عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«ليس على مال اليتيم زكاة الاّ أن يتّجر به، فان اتّجر به ففيه الزكاة، و الربح لليتيم، و على التاجر ضمان المال».(3)

و صحيحة يونس بن يعقوب قال:

«أرسلت الى أبي عبداللّه عليه السلام : انّ لي اخوة صغارا، فمتى تجب على أموالهم الزكاة؟ قال: اذا وجبت عليهم الصلاة وجبت الزكاة. قلت:


1) - وسائل الشيعة 9: 85 / الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 9: 87 / الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 89 / الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 8.

فما لم تجب عليهم الصلاة؟ قال: اذا اتّجر به فزكّه».(1)

قال في الشرائع: «اذا اتّجر له من اليه النظر استحبّ له اخراج الزكاة من مال الطفل. انتهى».(2)

و قال في المدارك: «هذا هو المشهور بين الأصحاب، بل قال المصنّف في المعتبر: انّ عليه اجماع علمائنا- الى أن قال: - و في المسألة قولان آخران: أحدهماالوجوب، ذكره المفيد في المقنعة، لكن قال الشيخ رحمه الله في التهذيب: انّه انّما يريد به الندب و الاستحباب دون الفرض و الايجاب؛ لأنّ المال لو كان لبالغ و اتّجر به لما وجب فيه الزكاة عنده وجوب الفرض فالطفل أولى، و هو حسن. و الثاني سقوط الزكاة في ذلك وجوبا و استحبابا، ذهب اليه ابن ادريس في سرائره و قال: انّ الرواية الواردة بالاستحباب ضعيفة، و هذا القول جيّد على أصله. انتهى ملخّصا».(3)

و فيه: انّ الروايات بين صحيحة و موثّقة و مع ذلك صريحة في ذلك. نعم، ظاهرها الوجوب الاّ أنّها تحمل على الاستحباب لعدم القائل بالوجوب حتّى المفيد. كما عرفت من الشيخ، مضافا الى أنّه لو كان يجب لظهر و شاع.

قال في الجواهر: «و لايجب، بلا خلاف محقّق أجده فيه، بل في المعتبر و المنتهى و نهاية الإحكام و ظاهر الغنية الاجماع عليه، و لعلّه كذلك، اذ ما في المقنعة ممّا ظاهره الوجوب يمكن حمله على ارادة الندب كما عن التهذيب، بل يشهد له تصريحه في باب زكاة أمتعة التجارة بأنّها سنّة مؤكّدة فيها على المأثور عن الصادقين عليهماالسلام ، فالأقوى عدم الوجوب؛ للأصل و اطلاق نفيها عن اليتيم


1) - وسائل الشيعة 9: 85 / الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 5.

2) - شرائع الاسلام 1: 140.

3) - مدارك الأحكام 5: 17 و 18.

كقوله عليه السلام في صحيح زرارة: «ليس في مال اليتيم زكاة»(1). انتهى ملخّصا».(2)

ثمّ انّ الروايات المتقدّمة لاتشمل الحمل فانّ لسانها اليتيم أو الصغير فهما منصرفان عن الجنين، كما أنّ معقد الاجماع و فتوى الفقهاء الصغير و الطفل، و هما يطلقان على الطفل الخارج من الرحم دون من كان في الرحم.

ثمّ انّ المتولّي لاخراج الزكاة هو الولي؛ لأنّه لايجوز لأحد أن يتصرّف في مالالطفل الاّ من كان مأذونا من قبل الشارع و هو الولي أعني الأب و الجدّ أو القيّم من قبلهما، و لو لم يكن ذلك فوليّه الحاكم الشرعي الذي هو وليّ من لا وليّ له. و لو تعدّد الولي جاز لكلّ منهم ذلك لاطلاق دليل ولايته. و من سبق نفذ عمله. و لو تشاحّوا في الاخراج و عدمه قدّم من يريد الاخراج؛ لاطلاق دليل الاخراج. و لو لم يؤدّ الولي الى أن بلغ المولّى عليه فالظاهر ثبوت الاستحباب بالنسبة اليه؛ لما تقدّم من أنّ الخطاب أوّلاً و بالذات متوجّه اليه.

(مسألة 2): يستحبّ للوليّ الشرعي اخراج زكاة مال التجارة للمجنون دون غيره، من النقدين كان أو من غيرهما.

الشرح:

يستحبّ للوليّ الشرعي اخراج زكاة مال التجارة للمجنون، و ذلك لصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : امرأة من أهلنا مختلطة، أعليها زكاة؟ فقال: ان كان عمل به فعليها زكاة، و ان لم يعمل به فلا».(3)

و خبر موسى بن بكر قال:


1) - وسائل الشيعة 9: 85 / الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 8.

2) - جواهر الكلام 15: 15 و 16.

3) - وسائل الشيعة 9: 90 / الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن امرأة مصابة و لها مال في يد أخيها، هل عليه زكاة؟ قال: ان كان أخوها يتّجر به فعليه زكاة».(1)

و ظاهر الخبرين و ان كان الوجوب الاّ أنّه يحمل على الاستحباب لعدم القول به من أحد. و أمّا في النقدين فلا وجوب و لا استحباب؛ لعدم الدليل، و أمّا في الغلاّت و المواشي، ففي الخلاف و النهاية و المقنعة و نحوها حكموا بوجوبهافيهما مثل الصبي، و قد مرّ الاشكال فيه، اذ لا دليل على الحاق المجنون بالصبي فيهما، لا في الوجوب و لا في الاستحباب.

قال في المدارك: «و الأصحّ عدم ثبوت الزكاة في مال المجنون مطلقا الاّ في الصامت اذا اتّجر له الوليّ استحبابا. انتهى».(2)

و ظاهر الخبرين استحباب الزكاة في مطلق ماله ان كان قد عمل به، و تخصيصها بالصامت بقرينة العمل لا وجه له.

(مسألة 3): الأظهر وجوب الزكاة على المغمى عليه في أثناء الحول و كذا السكران، فالاغماء و السكر لايقطعان الحول فيما يعتبر فيه، و لاينافيان الوجوب اذا عرضا حال التعلّق في الغلاّت.

الشرح:

قال في التذكرة: «و تجب الزكاة على النائم و الساهي و المغفل دون المغمى عليه؛ لأنّه تكليف و ليس من أهله. انتهى».(3)

و قال في المدارك: «و في الفرق نظر، فانّه ان أراد أنّ المغمى عليه ليس أهلاً للتكليف في حال الاغماء فمسلّم لكن النائم كذلك، و ان أراد كون الاغماء مقتضيا


1) - وسائل الشيعة 9: 90 / الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 2.

2) - مدارك الأحكام 5: 23.

3) - تذكرة الفقهاء 5: 16.

لانقطاع الحول و سقوط الزكاة كما ذكره في ذي الأدوار طولب بدليله. و بالجملة فالمتّجه مساواة الاغماء للنوم في تحقّق التكليف بالزكاة بعد زوالهما كما في غيرها من التكاليف، و عدم انقطاع الحول بعروض ذلك في أثنائه. انتهى».(1)

و قال بعض الأعلام تأييدا للعلاّمة في التذكرة: «يمكن أن يستدلّ له بما ورد من قوله عليه السلام في المغمى عليه: «ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر». و قد استفاضت الأخبار بهذا المضمون و أوضحها و أشملها ما رواه في العلل و الخصال عن موسى بن بكر قال: «قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يغمى عليه يوما أو يومين أو الثلاثة أو الأربعة أو أكثر من ذلك، كم يقضي من صلاته؟ قال: ألا أخبرك بما يجمع لك هذه الأشياء؟ كلّما غلب اللّه عليه من أمر فاللّه أعذر لعبده». قال: «و زاد فيه غيره أنّ أبا عبداللّه عليه السلام قال: «هذا من الأبواب التي يفتّح كلّ باب منها ألف باب». انتهى».(2)

و فيه ما قال صاحب المدارك، ان أراد أنّ المغمى عليه ليس أهلاً للتكليف فمسلّم، فانّه حال الاغماء لايتوجّه اليه الخطاب لما غلب اللّه عليه، و أمّا ان أراد كون الاغماء مقتضيا لانقطاع الحول و سقوط الزكاة، فبعيد عن شمول الروايات لذلك، فالمتّجه تحقّق التكليف بالزكاة بعد زوال الاغماء.

(مسألة 4): كما لاتجب الزكاة على العبد كذا لاتجب على سيّده فيما ملكه على المختار من كونه مالكا، و أمّا على القول بعدم ملكه فيجب عليه مع التمكّن العرفي من التصرّف فيه.

قد تقدّم في الشرط الثالث من شرائط وجوب الزكاة و هو الحرّيّة أنّ الزكاة


1) - مدارك الأحكام 5: 16.

2) - كتاب الزكاة 1: 82.

لاتجب على مال العبد، و قلنا بأنّ العبد و ان كان مالكا الاّ أنّه محجور، و لذا لم تجب الزكاة عليه و لا على مولاه.

(مسألة 5): لو شكّ حين البلوغ في مجيء وقت التعلّق، من صدق الاسم و عدمه أو علم تأريخ البلوغ و شكّ في سبق زمان التعلّق و تأخّره، ففي وجوب الاخراج اشكال؛ لأنّ أصالة التأخّر لاتثبت البلوغ حال التعلّق ولكن الأحوط الاخراج. و أمّا اذا شكّ حين التعلّق في البلوغ و عدمه أو علم زمان التعلّق و شكّ في سبق البلوغ و تأخّره أو جهل التأريخين فالأصل عدم الوجوب. و أمّا مع الشكّ في العقل، فان كان مسبوقا بالجنون و كان الشكّ في حدوث العقل قبل التعلّق أو بعده فالحال كما ذكرنا في البلوغ من التفصيل. و ان كان مسبوقا بالعقل، فمع العلم بزمان التعلّق و الشكّ في زمان حدوث الجنون فالظاهر الوجوب، و مع العلم بزمان حدوث الجنون و الشكّ في سبق التعلّق و تأخّره فالأصل عدم الوجوب، و كذا مع الجهل بالتأريخين. كما أنّ مع الجهل بالحالة السابقة و أنّها الجنون أو العقل كذلك.

الشرح:

لا بأس بالاشارة الى بعض مسائل الاستصحاب تذكارا و تهيّأً:

لزوم ترتيب الآثار الشرعي و العقلي على المتيقّن.

انّ مقتضى الأخبار الدالّة على حجّيّة الاستصحاب جعل الحكم المماثل على المستصحب، فاذا استصحبنا وجوب صلاة الجمعة فقلنا بأنّ صلاة الجمعة واجبة، فهي حكم شرعي ظاهري مماثل لما كان متيقّنا سابقا، يترتّب عليه آثاره الشرعيّة و العقليّة، فمن نذر أن يتصدّق ان كانت صلاة الجمعة واجبة يجب عليه الوفاء بنذره حينئذ. و من آثاره العقليّة وجوب الاطاعة و حرمة المخالفة، فما هو من آثار نفس

المستصحب سواء كان شرعيّا أو عقليّا يترتّب عليه و هذا لا كلام فيه.

و هذا جارٍ فيما اذا كان المستصحب موضوعا لحكم شرعي كحياة زيد و عدالته، فاذا استصحبنا حياة زيد التي كانت متيقّنة يترتّب عليها آثارها الشرعيّة كحرمة تقسيم أمواله و حرمة تزويج زوجته. و كذا لو استصحبنا عدالة زيد التي كانت متيقّنة يترتّب عليها آثارها الشرعيّة التي من جملتها جواز الاقتداء به، هذا.

الكلام حول الأصل المثبت:

قد يكون المستصحب موضوعا ليس لنفسه أثر شرعي، بل له أثر عادي و يكون لأثره العادي أثر شرعي. مثلاً لو كان المستصحب حياة زيد التي كانت متيقّنة، فأثرها العادي نبات لحيته، فلو نذر ان كان لحية زيد نبتت أن يتصدّق، فالوفاء بالنذر مترتّب على الأثر العادي المترتّب على المستصحب فهذا أصل مثبت لانقول به. و ذلك لأنّ مفاد الأخبار الدالّة على حجّيّة الاستصحاب التعبّد ببقاء المستصحب، دون التعبّد بلوازمه العقليّة و العاديّة المترتّبة على نفس المستصحب، و لايستفاد من أخبار الباب ترتّب الآثار الشرعيّة المترتّبة على المستصحب بواسطة الأثر العادي أو العقلي.

نعم، لو كان للاّزم العادي أو العقلي حالة سابقة متيقّنة كملزومه، فلايحتاج الى استصحاب الملزوم حينئذ بل نستصحب اللازم و نرتّب عليه آثاره الشرعيّة.

يستثنى من عدم حجّيّة الأصل المثبت موردان:

الأوّل: فيما لو كانت الواسطة خفيّة، فحينئذ أثر المستصحب بواسطة، يكون أثر نفس المستصحب في نظر العرف. مثال ذلك: اذا شكّ أنّه حينما اغتسل أو توضّأ كان على أعضائه مانع من وصول الماء الى البشرة فيستصحب عدم المانع فيصحّ غسله و وضوؤه. فبالتدقيق العقلي انّ الأثر الشرعي لايترتّب على عدم المانع بل على وصول الماء الى البشرة، ففي المثال ترتّب الأثر الشرعي الذي هوصحّة الطهارة على الأثر العقلي الذي هو وصول الماء الى البشرة، الذي يكون أثرا

عقليّا للمستصحب و هو عدم المانع، ولكن حيث يكون الواسطة خفيّة فالعرف يرى صحّة الطهارة أثرا شرعيّا لعدم المانع و الحاجب.

الثاني: فيما لو كانت الواسطة جليّة، الاّ أنّه كان بين المستصحب و الواسطة ارتباط قويّ لايمكن التفكيك بينهما، و العرف قائل بأنّه كما كان بينهما في عالم التكوين ارتباط غير ممكن التفكيك فيكون كذلك في عالم التشريع و التعبّد. و مثاله التعبّد بأبوّة زيد لعمرو، فانّه ملازم عرفا للتعبّد ببنوّة عمرو لزيد، فلو استصحبنا أبوّة زيد لعمرو و كان الأثر الشرعي يترتّب على بنوّة عمرو لزيد، فالعرف يرى الأثر المترتّب على هذا اللازم أثرا شرعيّا لنفس المستصحب.

الكلام حول أصالة تأخّر الحادث:

لو كان الشكّ في تحقّق حادث، سواء كان حكما أو موضوعا ذا حكم، فحينئذ يستصحب عدم تحقّق ذاك الحادث. و أمّا لو كان الحدوث مسلّما الاّ أنّ الشكّ في زمان حدوثه، فينقسم الى قسمين:

الأوّل: قد نلاحظه بالاضافة الى أجزاء الزمان من دون عناية الى شيء آخر. مثلاً لو شكّ أنّ الشيء الفلاني حدث أوّل الصبح أو حدث أوّل الظهر، فلا شكّ في استصحاب عدم تحقّقه في الزمان الأوّل و ترتيب آثاره.

و لو كان الأثر الشرعي مترتّبا على تأخّره، فيكون من الأصل المثبت؛ لأنّ تحقّق تأخّره يكون أثرا عقليّا لاستصحاب عدم حدوثه أوّل الصبح، و الفرض أنّ الأثر الشرعي مترتّب على هذا، فهو مترتّب على المستصحب بواسطة أثره العقلي.

و أمّا لو كان الأثر الشرعي مترتّبا على حدوثه في الزمان الثاني أي أوّل الظهر، فهو على صورتين:

الأولى: أن يكون الموضوع للأثر الشرعي مركّبا من جزأين عدم التحقّق الى أوّل الظهر و تحقّقه في أوّل الظهر، فحينئذ لا مانع من اجراء الاستصحاب، حيث انّ الموضوع للأثر الشرعي مركّب من جزأين، فجزؤه الأوّل مثبت بالاستصحاب

و الجزء الثاني ثابت بالوجدان.

الثانية: لو كان الموضوع للأثر الشرعي، الوجود المقيّد بكونه مسبوقا بالعدم، فلايجري الاستصحاب هنا؛ لأنّ الوجود المقيّد بكونه مسبوقا بالعدم، لازم عقلي لاستصحاب عدم تحقّق المستصحب في أوّل الصبح، فهو الأصل المثبت الذي لانقول بحجّيّته.

الثاني: نلاحظ الحادث بالاضافة الى حادث آخر علم بحدوثه أيضا و شكّ في تقدّم ذاك عليه و تأخّره عنه، كما اذا علم بعروض حكمين أو موت متوارثين، و شكّ في المتقدّم منهما و المتأخّر. فهذا أيضا على قسمين:

الأوّل: يكون الحادثان مجهولي التأريخ و نشكّ في المتقدّم منهما و المتأخّر. فالصور أربع: ففي صورة منها يجري الاستصحاب بلا اشكال، و هي ما اذا كان الأثر الشرعي لوجود أحدهما بنحو خاصّ، مثلاً كان الأثر على عدم تقدّم الحادث الأوّل على الحادث الثاني و لا غير، أي لايكون هناك موضوع آخر ذو أثر شرعي، كعدم تقدّم الحادث الثاني على الحادث الأوّل، أو عدم تقارنهما أو غير ذلك. ففي هذه الحالة يستصحب عدم تقدّم الحادث الأوّل على الثاني الذي كان مفاد «كان» التامّة و يترتّب عليه أثره الشرعي.

و في الصور الثلاث الأخر و هي ما اذا كان الأثر للوجود بمفاد «كان» الناقصة، أو كان الأثر لعدم أحدهما في زمان الآخر بمفاد «ليس» التامّة أو «ليس» الناقصة، ففي اجراء الاستصحاب اشكال.

الثاني: اذا كان أحد الحادثين معلوم التأريخ و الآخر مجهول التأريخ، فالصورأيضا أربع، فلا اشكال في صحّة اجراء الاستصحاب في صورة منها و هي ما اذا كان الأثر مترتّبا على الوجود بمفاد «كان» التامّة، فيستصحب عدم السبق.

و أمّا الصور الثلاث الأخر ففي اجراء الاستصحاب فيها اشكال.

في المسألة فرعان:

الفرع الأوّل : فيما يتعلّق بالبلوغ

و الصور المتصوّرة هنا ثلاث:

الأولى: اذا علم تأريخ البلوغ و شكّ في أصل التعلّق، أو علم تأريخ البلوغ و شكّ في سبق زمان التعلّق و تأخّره فالأصل الجاري فيها البراءة؛ لما أنّه حين البلوغ شكّ في تكليف الزكاة لعدم احراز موضوعه فالأصل عدمه، و لايجري استصحاب عدم التعلّق الى حين البلوغ في الأوّل؛ لأنّه لا أثر لذلك بل الأثر لما بعده و هو الأصل المثبت الذي لانقول به. و كذا لايجري استصحاب عدم سبق زمان التعلّق على البلوغ في الثاني؛ لأنّه لايثبت تأخّره عن زمان البلوغ الاّ على الأصل المثبت. و المصنّف احتاط في اخراج الزكاة لزوما؛ رعاية لما كان معروفا و مشهورا لدى جماعة من الفقهاء من أصالة تأخّر الحادث بحيث كانت أصلاً برأسها بل لعلّ ذلك معدود عندهم من المسلّمات على ما ذكره الشيخ(1). و فيه: انّه الأصل المثبت الذي يكون نتيجة استصحاب عدم التعلّق الى حين البلوغ أو استصحاب عدم سبق زمان التعلّق على البلوغ، و لانقول به.

الثانية: علم زمان التعلّق و شكّ حينئذ في أصل البلوغ، أو في تقدّمه و تأخّره، فالأصل الجاري هنا أيضا البراءة، و الدليل على ذلك أنّه حين البلوغ شكّ في تعلّق التكليف بالزكاة فالأصل عدمه، و لايجري استصحاب عدم البلوغ الى زمان التعلّق حتّى يثبت أنّ البلوغ كان بعد زمان التعلّق؛ لعدم حجّيّة مثل هذا الأصل، و كذا لايجري استصحاب عدم سبق زمان البلوغ الى زمان التعلّق حتّى يثبت تأخّر البلوغ عن زمان التعلّق؛ لما قلنا.


1) - راجع: مستند العروة 23: 68.

الثالثة: علم بالبلوغ و التعلّق و شكّ في المتقدّم منهما و المتأخّر لأجل الجهل بالتأريخين، و الأصل الجاري هنا أيضا البراءة من التكليف بالزكاة، و ذلك لأنّ الأثر الشرعي يترتّب على سبق زمان البلوغ، فنرفعه باستصحاب عدم سبق البلوغ. و يمكن أن يقال باستصحاب الصغر الى حين التعلّق، فانّ هذا الاستصحاب ذو أثر شرعي و هو عدم وجوب الزكاة عليه، و لاتعارضه أصالة عدم التعلّق الى حين البلوغ؛ لأنّ هذا الاستصحاب لايكون ذا أثر بل الأثر على نتيجته و هو التعلّق بعد البلوغ و هو الأصل المثبت. و يمكن اجراء استصحاب بقاء المال على ملك الصغير الى زمان التعلّق من غير معارض في الصور كلّها، و لاتصل النوبة الى الأصل الحكمي.

الفرع الثاني : فيما يتعلّق بالعقل

و الصور المتصوّرة هنا ثلاث:

الأولى: اذا كان مسبوقا بالجنون و كان الشكّ في حدوث العقل قبل التعلّق أو بعده فالحال كما ذكر في البلوغ، فتارة علم تأريخ حدوث العقل و شكّ في أصلالتعلّق حينه أو كان الشكّ في سبقه على التعلّق و عدمه. و أخرى علم تأريخ حدوث التعلّق و شكّ في تقدّم العقل عليه أو تأخّره عنه. و ثالثة علم بحدوث العقل و التعلّق و شكّ في المتقدّم منهما و المتأخّر لأجل الجهل بالتأريخين، فالحكم في هذه الحالات الثلاث البراءة، و يمكن اجراء استصحاب بقاء الجنون الى زمان التعلّق السليم عن المعارض و هو الاستصحاب الموضوعي و لاتصل النوبة الى الأصل الحكمي.

الثانية: اذا كان مسبوقا بالعقل فعرضه الجنون بعدما كان عاقلاً و شكّ في تقدّمه على التعلّق كي لاتجب الزكاة و تأخّره كي تجب. فقد فصل في المتن بين ما اذا

علم زمان التعلّق و أنّه في شهر رجب مثلاً و شكّ في تأريخ الجنون، ففي مثله يستصحب بقاء العقل الى هذا الزمان المعلوم الذي نتيجته وجوب الزكاة، و بين عكسه بأن علم زمان الجنون و شكّ في وقت التعلّق فانّه حيث يشكّ حينئذ في تعلّق التكليف حال العقل كان المرجع أصالة عدم الوجوب و مثله صورة الجهل بالتأريخين. و هو حسن.

الثالثة: فيما اذا كانت الحالة السابقة مجهولة و لم يعلم أنّها الجنون أو العقل، كما لو ملك شخص مقدارا من المال و شكّ من أوّل أمره أنّه هل كان عاقلاً أو مجنونا، و الظاهر حينئذ عدم وجوب الزكاة عليه. و الأصل الجاري البراءة؛ لعدم احراز الموضوع.

(مسألة 6): ثبوت الخيار للبائع و نحوه لايمنع من تعلّق الزكاة اذا كان في تمام الحول، و لايعتبر ابتداء الحول من حين انقضاء زمانه، بناءً على المختار من عدم منع الخيار من التصرّف. فلو اشترى نصابا من الغنم أو الابل مثلاً و كان للبائع الخيار، جرى في الحول من حين العقد لا من حين انقضائه.

الشرح:

في المسألة فرعان:

الفرع الأوّل : في أنّ الملكيّة تحصل بالعقد

قال في الشرائع: «و لو اشترى نصابا، جرى في الحول من حين العقد، لا بعد الثلاثة. و لو شرط البائع، أو هما، خيارا زائدا على الثلاثة، بني على القول بانتقال

الملك، و الوجه أنّه من حين العقد. انتهى».(1)


1) - شرائع الاسلام 1: 141.

و قال في المدارك: «خالف في ذلك الشيخ رحمه الله فحكم بعدم انتقال الملك في البيع المشتمل على خيار الاّ بعد انقضائه، فلايجري النصاب في الحول عنده اذا كان حيوانا الاّ بعد الثلاثة التي هي خيار الحيوان، و الأصحّ حصول الملك بالعقد فيجري في الحول من حينه. - الى أن قال: - و ربّما ظهر من العبارة (عبارة الشرائع) أنّ الخلاف في وقت الانتقال انّما وقع في الخيار المختصّ بالبائع أو المشترك بينه و بين المشتري، مع أنّ الظاهر تحقّق الخلاف فيه مطلقا، فانّ الشيخ رحمه الله حكم في الخلاف بأنّ المبيع لاينتقل الى ملك المشتري الاّ بانقضاء الخيار، سواء كان لهما أو لأحدهما. انتهى».(1)

فالأقوى ما اختاره المشهور من تحقّق النقل بنفس العقد و عدم دخل انقضاء الخيار فيه، و ذلك لموثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«حدّثني من سمع أبا عبداللّه عليه السلام و سأله رجل - و أنا عنده - فقال: رجل مسلم احتاج الى بيع داره فجاء الى أخيه فقال: أبيعك داري هذه، و تكون لك أحبّ اليّ من أن تكون لغيرك على أن تشترط لي ان أنا جئتك بثمنها الي سنة أن تردّ عليّ؟ فقال: لابأس بهذا، ان جاء بثمنها الى سنة ردّها عليه. قلت: فانّها كانت فيها غلّة كثيرة فأخذ الغلّة، لمن تكون الغلّة؟ فقال: الغلّة للمشتري، ألا ترى أنّه لو احترقت لكانت من ماله».(2)

و رواها الصدوق باسناده عن اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سأله عن رجل و أنا عنده فقال ... و ذكر الحديث».(3)

و موثّقة معاوية بن ميسرة قال:


1) - مدارك الأحكام 5: 28.

2) - وسائل الشيعة 18: 19 / الباب 8 من أبواب الخيار / الحديث 1.

3) - من لايحضره الفقيه 3: 205 / الحديث 3771.

«سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل باع دارا له من رجل، و كان بينه و بين الرجل الذي اشترى منه الدار حاصر، فشرط: انّك ان أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك. فأتاه بماله. قال: له شرطه. قال له أبو الجارود: فانّ ذلك الرجل قد أصاب في ذلك المال في ثلاث سنين! قال: هو ماله. و قال أبو عبداللّه عليه السلام : أرأيت لو أنّ الدار احترقت من مال من كانت تكون الدار دار المشتري».(1)

و موثّقة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال:

«قال علي عليه السلام : اذا صفق الرجل على البيع فقد وجب و ان لم يفترقا».(2)

و صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرّجل يشتري الدّابّة أو العبد و يشترط الى يوم أو يومين فيموت العبد و الدابّة أو يحدث فيه حدث، على من ضمان ذلك؟ فقال: على البائع حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام و يصير المبيع للمشتري».(3)

و رواية عبد الرحمن بن أبي عبداللّه قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل اشترى أمة بشرط من رجل يوما أو يومين فماتت عنده و قد قطع. الثمن على من يكون الضّمان؟ فقال: ليس على الذي اشترى ضمان حتّى يمضي شرطه».(4)

و مرسلة علي بن رباط عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 18: 20 / الباب 8 من أبواب الخيار / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 18: 7 / الباب 1 من أبواب الخيار / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 18: 14 / الباب 5 من أبواب الخيار / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 18: 14 / الباب 5 من أبواب الخيار / الحديث 1.

«إن حدث بالحيوان قبل ثلاثة أيّام فهو من مال البائع».(1)

و بازائها صحيحة ابن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«و ان كان بينهما شرط أيّاما معدودة فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع».(2)

قال في الجواهر: «انّها لاتصلح لمعارضة الروايات المتقدّمة؛ لرجحانها بالكثرة و المطابقة للأصول، و الاجماع المنقول، و ظاهر الكتاب، و الشهرة بين الأصحاب و مخالفة أكثر الجمهور، فتعيّن التأويل في هذه، بحمل الصيرورة فيها على اللزوم جمعا بين الأخبار. انتهى».(3)

قال الشيخ مرتضى الأنصاري في كتاب المكاسب: «فالأقوى هو المشهور (أي انّ المبيع يملك بالعقد و أثر الخيار تزلزل الملك بسبب القدرة على رفع سببه فالخيار حقّ لصاحبه في ملك الآخر)؛ لعموم أدلّة حلّ البيع و أكل المال اذا كانت تجارة عن تراضٍ و غيرهما ممّا ظاهره كون العقد علّة تامّة لجواز التصرّف الذي هو من لوازم الملك. و يدلّ عليه لفظ الخيار في قولهم عليهم السلام «البيّعان بالخيار»، و ما دلّ على جواز النظر في الجارية في زمان الخيار الى ما لايحلّ له قبل ذلك، فانّه يدلّ على الحلّ بعد العقد في زمن الخيار - الى أن قال: - و استدلّ للقول الآخر بما دلّ على كون تلف المبيع من مال البائع في زمان الخيار، فيدلّ بضميمة قاعدة «كون التلف من المالك؛ لأنّه مقابل الخراج» على كونه في ملك البائع، مثل صحيحة ابن سنان و رواية عبدالرحمن بن أبي عبداللّه و مرسلة ابن رباط - الى أن قال: - فهذه الأخبار امّا أن تجعل مخصّصة لأدلّة المشهور بضميمة قاعدة تلازم الملك و الضمان، أو لقاعدة التلازم بضميمة أدلّة المسألة، فيرجع بعد التكافؤ الى


1) - وسائل الشيعة 18: 15 / الباب 5 من أبواب الخيار / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 18: 20 / الباب 8 من أبواب الخيار / الحديث 2.

3) - جواهر الكلام 23: 82.

أصالة عدم حدوث الملك بالعقد قبل انقضاء الخيار. لكن هذا فرع التكافؤ المفقود في المقام من جهات، أعظمها الشهرة المحقّقة المؤيّدة بالاجماع المحكي عن السرائر. انتهى».(1)

الفرع الثاني : في عدم جواز التصرّف المتلف في المبيع في البيع الخياري

لايجوز التصرّف المتلف في المبيع في البيع الخياري لمن عليه الخيار فيما اذااشترط البائع على المشتري الخيار الى سنة، فان جاء بالثمن فهو، و الاّ يسقط خياره. كما اذا باع داره التي تساوي ألف دينار بخمسمائة دينار و اشترط الاشتراط المذكور، فانّ تقليل الثمن في ذلك لمكان جعل الخيار قرينة قطعيّة على عدم جواز التصرّف المتلف في المبيع في مدّة الخيار، بل قامت السيرة القطعيّة الارتكازيّة على ذلك، حيث انّ من احتاج الى نقد يبيع متاعه الذي يحتاج اليه و لايريد أن يخرجه من ملكه بل يبيعه بعنوان البيع الخياري و يجمع بذلك بين قضاء حاجته بثمنه و بين عدم خروج متاعه عن ملكه، و الاّ لو كان قصده النقل و الانتقال لباعه من الأوّل بثمن كان ضعف الثمن الذي كان في صورة اشتراط الخيار.

ثمّ انّ الظاهر أنّ التصرّف المتلف في المبيع في البيع الخياري حرام و منهيّ عنه بالنهي التكليفي، فلو خالف و باعه أو وهبه عصى الاّ أنّه لايكون البيع و الهبة ونحوهما من النقل و الانتقال حراما، و ذلك لأنّ الفرض أنّ المشتري قد ملك المبيع، فلو باعه أو وهبه فقد صدر من أهله و وقع في محلّه غير أنّه عاصٍ لمخالفة الشرط، كما أنّ البائع يتصرّف في الثمن؛ لأنّه صار مالكا. نعم، لو أتلفه و رجع


1) - كتاب المكاسب 6: 164 - 172.

البائع بالثمن يجب على المشتري اعطاء بدله.

فالمتحصّل ممّا مرّ أنّ ثبوت الخيار للبائع و نحوه لايمنع من تعلّق الزكاة اذا كان في تمام الحول، و لايعتبر ابتداء الحول من حين انقضاء زمانه؛ لعدم منع الخيار من التصرّف. فلو اشترى نصابا من الغنم أو الابل مثلاً و كان للبائع الخيار، جرى في الحول من حين العقد لا من حين انقضائه.

(مسألة 7): اذا كانت الأعيان الزكويّة مشتركة بين اثنين أو أزيد يعتبر بلوغ النصاب في حصّة كلّ واحد فلاتجب في النصاب الواحد اذا كان مشتركا.

سيجيء تفصيله ان شاء اللّه تعالى في المسألة الثالثة من فصل زكاة الأنعام عند تعرّض الماتن له.

(مسألة 8): لا فرق في عدم وجوب الزكاة في العين الموقوفة بين أن يكون الوقف عامّا أو خاصّا، و لاتجب في نماء الوقف العامّ. و أمّا في نماء الوقف الخاصّ فتجب على كلّ من بلغت حصّته حدّ النصاب.

الشرح:

قد تقدّم في الشرط الخامس من شرائط وجوب الزكاة، أي التمكّن من التصرّف، أنّه لاتجب الزكاة في العين الموقوفة بلا فرق بين الوقف العامّ و الخاصّ. و أمّا نماء الوقف العامّ فان كان في مثل تعزية الحسين عليه السلام أو الأمور العامّة المنفعة كاحداث الطرق و الحمّامات و المستشفيات فلا زكاة، و لو كان مصرفه العلماء و الفقراء و الأيتام و نحوها فما لم يقبضوا لايجب عليهم الزكاة، فاذا وصل الى أيديهم فيجب على من بلغ سهمه النصاب و كذا في نماء الوقف الخاصّ.

قال الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري: «و لا زكاة في عين الوقف بلا خلاف

ظاهرا - كما عن الكفاية - لعدم جواز التصرّف فيه الاّ بالاستنماء، بل لعدم الملكيّة في الوقف العامّ، و تعلّق حقّ البطون اللاحقة في الخاصّ، لكنّ المحكي عن وقف التذكرة بعد نقل الخلاف في انتقال ملكيّة الوقف الى الموقوف عليه: «انّه يظهر فائدة الملك في وجوب الزكاة في الغنم الموقوفة». و كيف كان فلو نتجت الأنعام الموقوفة و ملك الموقوف عليه منه نصابا و حال عليه الحول وجبت الزكاة بلا اشكال ظاهرا. انتهى».(1)

(مسألة 9): اذا تمكّن من تخليص المغصوب أو المسروق أو المجحود - بالاستعانة بالغير أو البيّنة أو نحو ذلك - بسهولة فالأحوط اخراج زكاتها. و كذا لو مكّنه الغاصب من التصرّف فيه، مع بقاء يده عليه، أو تمكّن من أخذه سرقة، بل و كذا لو أمكن تخليصه ببعضه، مع فرض انحصار طريق التخليص بذلك أبدا. و كذا في المرهون ان أمكنه فكّه بسهولة.

الشرح:

قال في المدارك: «و انّما تسقط الزكاة في المغصوب و نحوه اذا لم يمكن تخليصه و لو ببعضه فتجب فيما زاد على الفداء. انتهى».(2)

و قال الشهيد في البيان: «المانع الثاني: القهر، فلايجب في المغصوب و المسروق و المبيع في يد من يمنعه ظلما والمجحود مع عدم امكان الاستنقاذ. و لو أمكن وجب، و لو صانعه ببعضه وجب في المقبوض، و في اجراء امكان المصانعة مجرى التمكّن نظر، و كذا الاستعانة بظالم. أمّا الاستعانة بالعادل فيمكن. انتهى».(3)


1) - كتاب الزكاة: 50.

2) - مدارك الأحكام 5: 34.

3) - البيان: 279.

و قال الشهيد الثاني في الروضة: «فلا زكاة على الممنوع منه شرعا، كالراهن غير المتمكّن من فكّه ولو ببيعه ... أو قهرا كالمغصوب و المسروق و المجحود اذا لم يمكن تخليصه و لو ببعضه فيجب فيما زاد على الفداء، أو بالاستعانة ولو بظالم. انتهى».(1)

و قال في الجواهر: «بأنّه منافٍ لاطلاق الأدلّة، ضرورة صدق كونه مغصوبا على كلّ حال، اللّهمّ الاّ أن يقيّد ذلك بقوله عليه السلام في الموثّق: «و ان كان يدعه متعمّدا و هو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ به من السنين». انتهى».(2)

و قال المحقّق الهمداني: «و قد عرفت أيضا أنّ الأظهر عدم العبرة بتمكّنه من استنقاذ المال من الغاصب و اثبات اليد عليه، بل المدار على كونه بالفعل تحت تصرّفه. فما عن غير واحد من أنّ الزكاة انّما تسقط في المغصوب و نحوه اذا لم يمكن تخليصه ولو بدفع بعضه، فتجب حينئذ فيما زاد على الفداء، ضعيف. انتهى».(3)

و التحقيق أنّه و ان كان يقال بأنّ الظاهر من الروايات المتقدّمة المذكورة في الشرط الخامس من شرائط وجوب الزكاة أي التمكّن من التصرّف، أنّ الاعتبار بالتمكّن الفعلي، و كذا ظاهر فتوى الفقهاء بل صريحهم الاّ من بعضهم كالسيّد السند في المدارك و الشهيد في البيان و الشهيد الثاني في الروضة. ولكن الظاهر أنّ الروايات الواردة في الباب لم يكن فيها تمكّن التصرّف أو عدم تمكّنه حتّى يقال بأنّ المراد امكان التصرّف الفعلي، بل الوارد فيها مال مدفون في مكان فنسي صاحبه موضعه، أو مال موروث غاب عنه وارثه، أو مال أخذ من صاحبه فلم يقدر عليه، أو مال غائب عنه لايقدر على أخذه، و قد تقدّم أنّ المستفاد من جميعها أنّه


1) - الروضة البهيّة 2: 13.

2) - جواهر الكلام 15: 52.

3) - مصباح الفقيه 13: 77.

يعتبر في وجوب الزكاة امكان التصرّف للمالك في المال. فالمستند هو ظاهر الروايات، فانّ التأمّل فيها يرشدنا الى أنّ الظاهر من عدّ القدرة على المال ما يفهم منه العرف، فانّ العرف يشهد بأنّ الوصول الى المال بكلّ ما لا مشقّة فيه يصدقعليه تمكّن التصرّف في المال. و يؤيّده بل يدلّ عليه موثّقة عبداللّه بن بكير عن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنّه قال:

«في رجل ماله عنه غائب لايقدر على أخذه قال: فلا زكاة عليه حتّى يخرج، فاذا خرج زكّاه لعام واحد، فان كان يدعه متعمّدا و هو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ به من السنين».(1)

و كذا خبر دعائم الاسلام عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام أنّه قال في الدين يكون للرجل على الرجل:

«ان كان غير ممنوع منه يأخذه متى شاء بلا خصومة و لا مدافعة، فهو كسائر ما في يده من ماله يزكّيه، و ان كان الذي عليه يدافعه و لايصل اليه الاّ بخصومة فزكاته على من هو في يديه، و كذلك المال الغائب، و كذلك مهر المرأة يكون على زوجها».(2)

و ذهب في مستند العروة الى أنّ المعتبر في وجوب الزكاة هو التمكّن الفعلي؛ لاناطة الزكاة في غير واحد من الأخبار بكون المال عنده حتّى يحول الحول أو ما يعطي هذا المعنى من كونه تحت يده و في تصرّفه، و مقتضى الاطلاق عدم الفرق بين ما لو أمكن تحصيله بسهولة أو لم يمكن، فلا وجوب على التقديرين. ثمّ أشار الى رواية عبداللّه بن بكير - التي تقدّمت آنفا - ، و قال ب- «أنّها مخدوشة سندا؛ لتطرّق احتمال الارسال فيها، و دلالة؛ لأنّ الظاهر أنّها ناظرة الى المال الذي كان


1) - وسائل الشيعة 9: 95 / الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 7.

2) - مستدرك الوسائل 7: 53 / الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

تحت يده و سلطنته من أوّل الأمر، و لايرتبط بما نحن فيه. انتهى ملخّصا».(1)

و جوابه يعلم ممّا قلنا آنفا.

(مسألة 10): اذا أمكنه استيفاء الدين بسهولة و لم يفعل لم يجب عليه اخراج زكاته بل و ان أراد المديون الوفاء و لم يستوف اختيارا، مسامحة أو فرارا من الزكاة، و الفرق بينه و بين ما ذكر من المغصوب و نحوه أنّ الملكيّة حاصلة في المغصوب و نحوه، بخلاف الدين فانّه لايدخل في ملكه الاّ بعد قبضه.

الشرح:

قال في المدارك: «اختلف الأصحاب في وجوب الزكاة في الدين اذا كان تأخيره من قبل صاحبه بأن يكون على باذل يسهل على المالك قبضه منه متى رامه، بعد اتّفاقهم على سقوط الزكاة فيه اذا كان تأخيره من قبل المدين. فقال ابن الجنيد و ابن ادريس و ابن أبي عقيل: «لاتجب الزكاة فيه أيضا». و قال الشيخان بالوجوب. و المعتمد الأوّل. لنا التمسّك بمقتضى الأصل، و الروايات المتضمّنة لسقوط الزكاة في مال القرض عن المقرض، فانّه من أنواع الدين، و للروايات المعتبرة، و ما احتجّ به الشيخ في التهذيب لقوله برواية درست و عبدالعزيز، ففيه: انّهما ضعيفتان. انتهى ملخّصا».(2)

الظاهر أنّه لا خلاف و لا اشكال في عدم وجوب الزكاة على الدين الذي لم يكن تأخيره من قبل صاحبه؛ بل لجهة أخرى.

و في الجواهر: «بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا الى الأصل و عدم امكان التصرّف و غيره. انتهى».(3)


1) - مستند العروة 23: 82 و 83.

2) - مدارك الأحكام 5: 39 و 40.

3) - جواهر الكلام 15: 59.

انّما الكلام فيما اذا كان تأخيره من قبل صاحبه؛ فذهب الشيخان في المقنعة والخلاف و المبسوط و الجمل و العقود و المرتضى - على ما حكي - الى وجوب الزكاة على مالكه، و المشهور قائل بعدم الوجوب. و العمدة نقل الأخبار:

فطائفة منها ناطقة بعدم وجوب الزكاة مطلقا، كصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: ليس في الدين زكاة؟ فقال: لا».(1)

و خبر علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال:

«ليس على الدين زكاة الاّ أن يشاء ربّ الدين أن يزكّيه».(2)

و الطائفة الثانية واردة في وجوب الزكاة اذا أخذه و قبضه الدائن و حال عليه الحول، كصحيحة ابراهيم بن أبي محمود قال:

«قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام : الرجل يكون له الوديعة و الدين فلايصل اليهما ثمّ يأخذهما. متى يجب عليه الزكاة؟ قال: اذا أخذهما ثمّ يحول عليه الحول يزكّي».(3)

و موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«قلت لأبي ابراهيم عليه السلام : الدين عليه الزكاة؟ فقال: لا، حتّى يقبضه. قلت: فاذا قبضه، أيزكّيه؟ قال: لا، حتّى يحول عليه الحول في يده».(4)

و موثّقة سماعة قال:

«سألته عن الرجل يكون له الدين على الناس، تجب فيه الزكاة؟ قال:


1) - وسائل الشيعة 9: 96 / الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 9: 99 / الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 14.

3) - وسائل الشيعة 9: 95 / الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 9: 96 / الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 3.

ليس عليه فيه زكاة حتّى يقبضه، فاذا قبضه فعليه الزكاة. الحديث».(1)

و خبر محمّد بن حمزة عن الاصبهاني قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : يكون لي على الرجل مال فأقبضه منه، متى أزكّيه؟ قال: اذا قبضته فزكّه. الحديث».(2)

و الجمع بين هاتين الطائفتين يقتضي عدم وجوب الزكاة على صاحب الدين مادام لم يقبضه، سواء كان قادرا على قبضه أو لم يكن، فاذا قبضه يجب عليه الزكاة اذا حال عليه الحول في يده.

و الطائفة الثالثة قائلة بالفصل بين ما اذا كان تأخيره من قِبل صاحبه فتجب الزكاة و بين غيره فلاتجب، كصحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في الرجل ينسئ أو يعير(3)فلايزال ماله دينا، كيف يصنع في زكاته؟ قال: يزكّيه. الحديث».(4)

قال العلاّمة الخوئي رحمه الله: «و الصحيح «ينسئ أو يعين» و كلمة يعير بدل «يعين» غلط كما يفصح عنه قوله بعد ذلك: «فلايزال ماله دينا»؛ اذ لا دين في العارية بل المملوك نفس العين الخارجيّة المستعارة لا الدين في الذمّة. انتهى ملخّصا».(5)

و خبر عبدالعزيز قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يكون له الدين، أيزكّيه؟ قال: كلّ دين يدعه هو اذا أراد أخذه فعليه زكاته، و ما كان لايقدر على أخذه فليس عليه زكاة».(6)


1) - وسائل الشيعة 9: 97 / الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 9: 98 / الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 10.

3) - في نسخة: «يعين». و كذلك في المصدر.

4) - وسائل الشيعة 9: 98 / الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 11.

5) - مستند العروة 23: 88 و 89.

6) - وسائل الشيعة 9: 96 / الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 5.

قال في مستند العروة: «و الرواية مذكورة في الوسائل و التهذيب(1)كما أثبتناه، غير أنّ الأردبيلي(2)حاول تصحيحها، فاستظهر أنّ النسخة مغلوطة و الصواب: ميسرة بن عبدالعزيز - الذي عرفت أنّه ممدوح - لا: ميسرة عن عبدالعزيز. و ما ذكره قدس سرهمحتمل في نفسه غير أنّه عريّ عن أيّ شاهد. انتهى».(3)

ولكن قال في المعجم: «و في نسخة أخرى: ميسرة بن عبدالعزيز و الظاهر هو الصحيح. انتهى».(4)

و خبر عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ليس في الدين زكاة الاّ أن يكون صاحب الدين هو الذي يؤخّره، فاذا كان لايقدر على أخذه فليس عليه زكاة حتّى يقبضه».(5)

قال في مستند العروة: «و أمّا السند فليس فيه من يُغمَز فيه عدا اسماعيل بن مرار، و قد تقدّم غير مرّة أنّه موثّق لوجوده في تفسير علي بن ابراهيم، و عدا عمر بن يزيد فانّه قد يستشكل فيه؛ نظرا الى اشتراكه بين عمر بن محمّد بن يزيد بيّاع السابري - الذي وثّقه النجاشي صريحا و كذا الشيخ - و بين عمر بن يزيد بن ظبيان الصيقل الذي لم يوثّق، فهذا الاسم مردّد بين رجلين كليهما لهما كتاب و من أصحاب الصادق عليه السلام . ولكنّه توهّم باطل. و الظاهر أنّ المراد من جميع ما يرويه في التهذيب بعنوان عمر بن يزيد هو السابري الذي تعرّض له في المشيخة. انتهى ملخّصا».(6)

و خبر اسماعيل بن عبدالخالق قال:


1) - تهذيب الأحكام 4: 31 / الباب 9 (باب زكاة مال ... ) / الحديث 82،6.

2) - جامع الرواة 2: 285.

3) - مستند العروة 23: 86.

4) - معجم رجال الحديث 19: 110.

5) - وسائل الشيعة 9: 97 / الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 7.

6) - مستند العروة 23: 86 و 87.

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام : أ على الدين زكاة؟ قال: لا، الاّ أن تفرّ به، فأمّا ان غاب عنك سنة أو أقلّ أو أكثر فلاتزكّه الاّ في السنة التي يخرج فيها».(1)

قال في مستند العروة: «و هي صحيحة السند أيضا، فانّ الطيالسي الموجود فيه مذكور في أسناد كامل الزيارات. انتهى».(2)

و خبر الدعائم عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام أنّه قال في الدين يكون للرجل على الرجل:

«ان كان غير ممنوع منه يأخذه متى شاء بلا خصومة و لا مدافعة، فهو كسائر ما في يده من ماله يزكّيه، و ان كان الذي عليه يدافعه و لايصل اليه الاّ بخصومة فزكاته على من هو في يديه، و كذلك المال الغائب، و كذلك مهر المرأة يكون على زوجها».(3)

و مقتضى الجمع بين هذه الطائفة و نتيجة الطائفتين السابقتين، وجوب الزكاة على الدائن اذا قدر على قبضه و لم يقبضه مسامحة، و عدم وجوب الزكاة عليه اذا لم يقدر على قبضه.

و أمّا العلاّمة الخوئي رحمه الله فقد جمع أوّلاً بين الطائفة الأولى و الثالثة بالاطلاق و التقييد الذي نتيجته وجوب الزكاة على دين يقدر على أخذه ثمّ قال: «و بازائها طائفة جعل الاعتبار فيها بالقبض و أنّه ما لم يقبض الدين لا زكاة فيه و ان كان قادراعلى الأخذ - الى أن قال: - و حيث انّ هذه الطائفة صريحة أو لها قوّة ظهور يجعلها كالصريح في نفي الزكاة ما لم يتحقّق القبض خارجا و انّ مجرّد القدرة ما لم تقترن بالقبض لا أثر لها في الوجوب فلا جرم تتقدّم على الطائفة السابقة - التي أقصاها


1) - وسائل الشيعة 9: 99 / الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 13.

2) - مستند العروة 23: 88.

3) - مستدرك الوسائل 7 : 53 / الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

الظهور في الوجوب مع القدرة - تقدّم النصّ أو الأظهر على الظاهر، فتحمل تلك على الاستحباب - الى أن قال: - و مع الغضّ و تسليم المعارضة بين الطائفتين فتتساقطان، و المرجع حينئذ اطلاق الطائفة الأولى النافية للزكاة عن الدين. انتهى».(1)

ولكنّ الظاهر أنّ الروايات التي علّقت وجوب الزكاة على القبض تقيّد اطلاق الروايات النافية لوجوب الزكاة على الدين، و الروايات التي علّقت وجوب الزكاة على القدرة على القبض تقيّد اطلاق روايات القبض. و هذا جمع عرفي لا اشكال فيه.

انّما الاشكال فيما ورد عن علي بن جعفر في الصحيح عن أخيه عليه السلام قال:

«سألته عن الدين يكون على القوم المياسير اذا شاء قبضه صاحبه، هل عليه زكاة؟ قال: لا، حتّى يقبضه و يحول عليه الحول».(2)

و الجمع بين هذه الصحيحة و بين روايات الطائفة الثالثة المتقدّمة هو حملها على الاستحباب، كما عليه المشهور. و قد عرفت من هذا التفصيل أنّ الفارق بين الدين و المغصوب هو النصّ الوارد فيه دون المغصوب.


1) - مستند العروة 23: 89 و 90.

2) - وسائل الشيعة 9: 100 / الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 15.

(مسألة 11): زكاة القرض على المقترض بعد قبضه لا المقرض، فلو اقترض نصابا من أحد الأعيان الزكويّة و بقي عنده سنة وجب عليه الزكاة. نعم، يصحّ أن يؤدّي المقرض عنه تبرّعا، بل يصح تبرّع الأجنبي أيضا، و الأحوط الاستئذان من المقترض في التبرّع عنه و ان كان الأقوى عدم اعتباره. و لو شرط في عقد القرض أن يكون زكاته على المقرض فان قصد أن يكون خطاب الزكاة متوجّها اليه لم يصحّ، و ان كان المقصود أن يؤدّي عنه صحّ.

الشرح:

الظاهر أنّه لا خلاف في أنّ الزكاة في القرض على المقترض لا المقرض.

قال في الجواهر: «فلاتجب في القرض حتّى يرجع الى صاحبه بل على المستقرض بلا خلاف كما عن الخلاف و السرائر و غيرهما، بل في التنقيح: هو مذهب الأصحاب، مشعرا بالاجماع عليه، و لعلّه كذلك بشهادة التتبّع لكلمات الأصحاب، فانّي لاأجد فيها خلافا في ذلك كالنصوص. انتهى».(1)

و يدلّ على ذلك صحيحة زرارة قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل دفع الى رجل مالاً قرضا، على من زكاته؟ على المقرض أو على المقترض؟ قال: لا، بل زكاتها ان كانت موضوعة عنده حولاً على المقترض. قال: قلت: فليس على المقرض زكاتها؟ قال: لايزكّى المال من وجهين في عام واحد، و ليس على الدافع شيء؛ لأنّه ليس في يده شيء، انّما المال في يد الآخر، فمن كان المال في يده زكّاه. قال: قلت: أفيزكّي مال غيره من ماله؟ فقال: انّه ماله مادام في يده، و ليس ذلك المال لأحد غيره. ثمّقال: يا زرارة، أرأيت وضيعة ذلك المال و ربحه لمن هو؟ و على


1) - جواهر الكلام 15: 57.

من؟ قلت: للمقترض. قال: فله الفضل و عليه النقصان، و له أن ينكح و يلبس منه و يأكل منه و لاينبغي له أن يزكّيه؟! بل يزكّيه فانّه عليه».(1)

و صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن رجل عليه دين و في يده مال لغيره، هل عليه زكاة؟ فقال: اذا كان قرضا فحال عليه الحول فزكّه».(2)

و صحيحة يعقوب بن شعيب قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يقرض المال للرجل السنة و السنتين و الثلاث أو ما شاء اللّه، على من الزكاة؟ على المقرض أو على المستقرض؟ فقال: على المستقرض؛ لأنّ له نفعه و عليه زكاته».(3)

و صحيحة الحسن بن عطيّة قال:

«قلت لهشام بن أحمر: أحبّ أن تسأل لي أبا الحسن عليه السلام : انّ لقوم عندي قروضا ليس يطلبونها منّي، أفعليّ فيها زكاة؟ فقال: لاتقضى و لاتزكّى، زكّ!».(4)

و خبر العلاء قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يكون عنده المال قرضا فيحول عليهالحول، عليه زكاة؟ فقال: نعم».(5)

و مرسلة أبان بن عثمان قال:


1) - وسائل الشيعة 9: 100 / الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 101 / الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 9: 102 / الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 9: 102 / الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 6.

5) - وسائل الشيعة 9: 102 / الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 7.

«سألت أحدهما عليهماالسلام عن رجل عليه دين و في يده مال وفى بدينه و المال لغيره، هل عليه زكاة؟ فقال: اذا استقرض فحال عليه الحول فزكاته عليه اذا كان فيه فضل».(1)

فرعان:

الفرع الأوّل : فيما لو تبرّع المقرض عن المقترض

لو أدّى المقرض الزكاة عنه تبرّعا صحّ، سواء أذن له المقترض في ذلك أم لا، و ذلك لصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل استقرض مالاً فحال عليه الحول و هو عنده، قال:

«ان كان الذي أقرضه يؤدّي زكاته فلا زكاة عليه، و ان كان لايؤدّي أدّى المستقرض».(2)

قال في المدارك: «و لو تبرّع المقرض بالاخراج عن المقترض فالوجه الاجزاء، سواء أذن له المقترض في ذلك أم لا، و به قطع في المنتهى قال: «لأنّه بمنزلة أداء الدين». و يدلّ عليه صريحا صحيحة منصور بن حازم، و اعتبر الشهيد في الدروس و البيان في الاجزاء اذن المقترض، و الرواية مطلقة. انتهىملخّصا».(3)

و ربّما علّل بأنّها دين كسائر الديون التي يجوز التبرّع في وفائها.

و فيه أوّلاً: انّ أداء الزكاة عمل عباديّ و لايقبل النيابة عن الحيّ، و ان كان يقبل الوكالة الاّ أنّه للنصّ الوارد في ذلك.


1) - وسائل الشيعة 9: 101 / الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 9: 101 / الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 2.

3) - مدارك الأحكام 5: 38.

و ثانيا: انّ الخطابات في باب التعبّديّات متوجّه الى من هو مكلّف بتلك العبادة، فعليه في مرحلة الامتثال أن يؤدّيها مباشرة و الاّ لم يمتثل الأمر، مضافا الى

أنّه فرق بين الزكاة و الدين، فانّها ليست دينا كسائر الديون، لأنّ المالك في الدين شخص معيّن فيمكنه ابراء المديون فضلاً عن أن يسلّمه متبرّع. و أمّا الزكاة فليس لها مالك خاصّ الاّ عنوان الفقراء لا شخص خاصّ منهم و لذا لايعامل معهم معاملة المالك بالنسبة الى الزكاة و لايمكن ابراء ذمّة المالك منهم. فالعلّة المنحصرة في سقوط الزكاة عن المقترض بأداء المقرض النصّ و هو مطلق بالنسبة الى الاستئذان و عدمه.

ثمّ انّ الظاهر عدم الفرق بين المقرض المتبرّع و الأجنبي، و ذلك لأنّ المقرض فعلاً أجنبيّ كسائر الناس؛ لعدم العلاقة بينه و بين المال، و ما كان قد انقطع فعلاً.

الفرع الثاني : فيما لو شرط المقترض زكاته على المقرض

لو شرط المقترض في عقد القرض أن يكون زكاته على المقرض - بأن يؤدّي عنه - صحّ؛ لأنّه شرط سائغ يشمله قوله عليه السلام : «المؤمنون عند شروطهم» و لا مانع مننفوذه الاّ توهُّم أنّ الشرط المزبور ينجرّ الى الربا للزوم الزيادة ولكنّه واضح الدفع؛ لأنّ الشرط الذي يجيء من ناحيته و ينتج منه الربا هو الذي ينتفع به المقرض، و هنا ينتفع المقترض، و لابأس به. نعم، لاتفرغ ذمّة المقترض عن الزكاة الاّ بأداء المقرض خارجا لا بمجرّد الشرط.

قال في الجواهر: «و جواز التبرّع بها كما هو مقتضى اطلاق صحيح منصور بن حازم و غيره و أفتى به جماعة من غير اعتبار اذن المالك انّما يقتضي صحّة اشتراط الالزام بها و التأدية عنه على أن يكون المقترض مشغول الذمّة بها، ولكن

يستحقّ التأدية بالاشتراط، فان وفى له و الاّ فهو مشغول الذمّة. انتهى».(1)

و أشكل أوّلاً بأنّ هذا الشرط مخالف للكتاب و السنّة؛ لأنّ مقتضى أدلّة وجوب الزكاة ثبوتها على المالك و في ماله الزكوي، مضافا الى أنّ الزكاة عبادة فلاتقبل النيابة عن الحيّ.

و يردّ بعدم مخالفته للكتاب و السنّة بل هو موافق لهما؛ لأنّ المقترض يشترط على المقرض بأنّ الزكاة التي فرض اللّه عليّ في كتابه و سنّته أدّها نيابة عنّي، و قد ثبت جواز النيابة في ذلك و أداء الزكاة من مال آخر. و يمكن أن يستدلّ لصحّة الشرط بصحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: باع أبي من هشام بن عبدالملك أرضا له بكذا و كذا ألف دينار، و اشترط عليه زكاة ذلك المال عشر سنين، و انّما فعل ذلك لأنّ هشاما كان هو الوالي».(2)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«باع أبي أرضا من سليمان بن عبدالملك بمال فاشترط في بيعهأن يزكّي هذا المال من عنده لستّ سنين».(3)

اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ الشرط كان للسنين الماضية التي حالت على النقدين في يد الوالي.

و أشكل ثانيا بأنّ عقد القرض جائز، لجواز رجوع المقرض على المقترض متى شاء ان لم يكن له أجل، فكيف يكون الشرط في ضمن هذا العقد لازما!؟

ولكنّه يردّ بأنّ عقد القرض لازم و لاينافيه جواز رجوع المقرض الى المقترض و انّما ينافيه رجوعه الى العين المقترضة فهو لايجوز. سلّمنا كونه جائزا


1) - جواهر الكلام 15: 58.

2) - وسائل الشيعة 9: 173 / الباب 18 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 174 / الباب 18 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 2.

ولكن ليس هنا اشكال في كون الشرط لازما مادام العقد باقيا، فتأمّل.

ثمّ انّ المصنّف قسّم الشرط على قسمين: فتارة يشترط أن يؤدّي عنه فانّه يصحّ كما ذكر. و أخرى أن يكون الخطاب متوجّها ابتداءً الى المقرض بدلاً عن المقترض، فانّه لايصحّ. و ذلك لمخالفته للكتاب و السنّة، فانّ الخطاب متوجّه الى المقترض الذي يكون صاحب المال.

و ذهب العلاّمة الخوئي في وجه عدم صحّته الى «أنّه شرط لأمر غير مقدور، لوضوح أنّ تعلّق الوجوب و توجيه الخطاب بالزكاة فعل من أفعال الشارع و خارج عن تحت قدرة المشروط عليه و اختياره بالكلّيّة، فلايمكن صدوره من هذا الشخص بتاتا كي يكون موافقا للكتاب و السنّة مرّة و مخالفا أخرى. انتهى».(1)

هذا الذي ذكره صحيح بالدقّة العقليّة، ولكنّ الظاهر أنّ العرف يرى عدم صحّة هذا الشرط لكونه مخالفا للكتاب و السنّة.


1) - مستند العروة 23: 99.

(مسألة 12): اذا نذر التصدّق بالعين الزكويّة، فان كان مطلقا غير موقّت و لا معلّقا على شرط لم تجب الزكاة فيها و ان لم تخرج عن ملكه بذلك، لعدم التمكّن من التصرّف فيها، سواء تعلّق بتمام النصاب أو بعضه. نعم، لو كان النذر بعد تعلّق الزكاة وجب اخراجها أوّلاً ثمّ الوفاء بالنذر. و ان كان موقّتا بما قبل الحول و وفى بالنذر فكذلك لاتجب الزكاة اذا لم يبق بعد ذلك مقدار النصاب، و كذا اذا لم يف به و قلنا بوجوب القضاء بل مطلقا؛ لانقطاع الحول بالعصيان. نعم، اذا مضى عليه الحول من حين العصيان وجبت على القول بعدم وجوب القضاء. و كذا ان كان موقّتا بما بعد الحول، فانّ تعلّق النذر به مانع عن التصرّف فيه. و أمّا ان كان معلّقا على شرط، فان حصل المعلّق عليه قبل تمام الحول لم تجب، و ان حصل بعده وجبت، و ان حصل مقارنا لتمام الحول ففيه اشكال و وجوه: ثالثها: التخيير بين تقديم أيّهما شاء، و رابعها: القرعة.

الشرح:

انّ نذر التصدّق بالعين الزكويّة قد يكون مطلقا أي غير موقّت بوقت و لا معلّقا على شرط، و قد يكون موقّتا أو معلّقا.

و الأوّل على نوعين: اذ تارة: يكون النذر أثناء الحول أي قبل تعلّق الزكاة. و أخرى: بعد حلول الحول و صيرورة الأمر بالزكاة فعليّا.

و هنا فروع:

الفرع الأوّل : فيما اذا نذر التصدّق بالعين الزكويّة مطلقا و كان أثناء الحول

اذا نذر التصدّق بالعين الزكويّة، فان كان مطلقا غير موقّت و لا معلّقا علىشرط و كان أثناء الحول فهل تجب الزكاة فيها أم لا لانقطاع الحول؟ ذهب المصنّف الى عدم وجوب الزكاة فيها، لعدم التمكّن من التصرّف فيها.

قال في الشرائع: «و لو نذر في أثناء الحول الصدقة بعين النصاب انقطع الحول، لتعيّنه للصدقة. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «نذر الصدقة بعين النصاب امّا أن يكون بعد الحول أو في أثنائه، و في الأوّل يجب اخراج الزكاة و التصدّق بالباقي قطعا، و في الثاني ينقطع الحول لما ذكره المصنّف من تعيّنه للصدقة و امتناع التصرّف فيه بغيرها، و أولى منه ما لو جعله صدقة بالنذر لخروجه عن ملكه بمجرّد النذر فيما قطع به الأصحاب. انتهى».(2)

و قال في الجواهر: «و لو نذر في أثناء الحول الصدقة بعين النصاب تمامه أو بعضه نذرا غير موقّت و غير معلّق على شرط انقطع الحول بلا خلاف أجده فيه لتعيّنه للصدقة و عدم جواز التصرّف فيه بما ينافي النذر فيكون ملكه غير تامّ، فلاتشمله أدلّة الزكاة خصوصا بعد معارضتها بأدلّة النذر المفروض تعلّقه قبلها، فيرجّح عليها قطعا، كما أنّه لا خلاف و لا اشكال في تقدّمها عليه لو كان بعد تعلّقها، فتخرج حينئذ أوّلاً، ثمّ يوفى بالنذر، و أولى من ذلك في سقوط الزكاة ما لو جعله صدقة أو ضحايا كما ذكره غير واحد من الأصحاب بناءً على خروجه بذلك عن الملك، بل في المدارك أنّه قطع به الأصحاب و ان كان لنا فيه نظر. انتهى».(3)

و قد صرّح في الجواهر بعدم وجدان الخلاف في المسألة و تبعه المحقّق الهمداني، قال: «بلا خلاف فيه و لا اشكال».(4)

و قال العلاّمة الخوئي: «دعوى عدم الخلاف مشكلة بل في غير محلّها، فانّ المسألة غير معنونة في كلمات القدماء من الأصحاب و لم يتعرّض اليها أحد فيما


1) - شرائع الاسلام 1: 141.

2) - مدارك الأحكام 5: 31.

3) - جواهر الكلام 15: 42 و 43.

4) - مصباح الفقيه 13: 55.

نعلم بعد مراجعة الجوامع الفقهيّة عدا ما نسبه في مفتاح الكرامة الى جماعة معلومين: أوّلهم الشيخ في المبسوط و بعده جماعة منهم المحقّق في الشرائع كما سمعت، و الاّ فكلمات الأكثرين خالية عن التعرّض لهذا الشرط، حتّى أنّ صاحب الحدائق - الذي دأبه التعرّض لفروع كثيرة - أهمل هذه المسألة و لم يتعرّض لنذر الصدقة - الى أن قال: - فلم يعلم أنّ اعتباره متسالم عليه بينهم بل مقتضى اطلاق كلامهم عند بيان شرائط الزكاة و عدم التعرّض لذلك هو عدم الاعتبار، و لاينقطع الحول بفقده. انتهى».(1)

و كيف كان، فاذا نذر أثناء الحول و وفى بنذره قبل مضيّ الحول فلا اشكال في عدم الزكاة؛ لأنّه خرج عن ملكه الاّ أن يكون الباقي نصابا. و أمّا لو نذر و لم يف به فتارة يكون بنحو نذر النتيجة و أخرى بنحو نذر الفعل.

فالأولى ما لو نذر أنّ هذا ملك لزيد، فانّه و ان منع من تعلّق الزكاة لو صار ملكا للمنذور له الاّ أنّ الكلام و الاشكال في صحّة هذا و الخروج من ملك الناذر بنذره، فانّ الأسباب الناقلة للملك معلومة فليس منها نذر النتيجة، و لو تنزّلنا و قلنا بأنّه كالهبة أو هبة ولكنّ المعلوم أنّ الهبة لاتكون سببا مستقلاًّ للملك الاّ أن يتعقّبه القبض فكيف يكون نذر النتيجة سببا مستقلاًّ للملك مع عدم القبض؟ و لذا نقول: لو نقل الواهب الشيء الموهوب بالبيع و غيره يقع الانتقال و كذلك يقع النقل في نظيره يعني نذر النتيجة.

و أمّا نذر الفعل، نذرا مطلقا غير معلّق على شرط و لا موقّت بوقت، فيجبالوفاء به من غير اشكال. انّما الكلام في أنّه هل يكون وجوب الوفاء به مانعا من تعلّق الزكاة أو لا؟ ذهب المشهور الى مانعيّته و استدلّوا على ذلك بوجوه:

أحدها: ما ذكره في الجواهر من أنّ وجوب الوفاء بالنذر موجب لقصر الملك و عدم كونه ملكا تامّا فلاتشمله أدلّة الزكاة.


1) - مستند العروة 23: 40.

و فيه: انّ الوجوب التكليفي المتعلّق بالمال لايخرجه عن الملك، و لذا لو مات صاحبه يكون المال ارثا، و لو غصبه غاصب يكون ضامنا، و لو باعه أو وهبه ينتقل المال الاّ أنّه يكون عاصيا لعدم وفائه بالنذر.

ثانيها: ما يقال من أنّ تعلّق النذر بشيء الموجب للوفاء به يمنع عن كلّ فعل يضادّه و ينافيه من الأفعال التكوينيّة أو الاعتباريّة من بيع أو هبة أو غيرهما، فانّها بأجمعها ممنوعة فهي غير مقدورة شرعا فكانت كالممنوع عقلاً فيوجب ذلك بطلان البيع لا محالة؛ لأنّ القدرة فيه على التسليم شرط في صحّة المعاملة، فلا جرم يكشف ذلك عن قصور في الملك نظير الوقف الذي ليس له التسلّط على رقبة المال؛ لعدم تماميّة الملك، فلأجله لاتتعلّق الزكاة.

و فيه: ما قلنا في الجواب عمّا ذكره صاحب الجواهر من أنّ الوجوب التكليفي الذي منه الوفاء بالنذر لايمنع المالك من التصرّف في ماله و لايخرج المال بذلك عن ملكه، و ان كان يضادّه و ينافيه. و هذا نظير من وجب عليه نفقة زوجته و ماله منحصر فيها، فلو انتقل ماله ببيع أو هبة أو تصرّف فيه بغيرهما فالانتقال أو التصرّف فيه صحيح الاّ أنّه يكون آثما لتخلّفه عن الانفاق على زوجته. و ما ذكر من أنّ القدرة على التسليم شرط في صحّة المعاملة، فالشيء المنذور الذي يجب الوفاء بنذره يكون غير مقدور التسليم شرعا فكان كالممنوع عقلاً، ففيه: انّ المراد من قدرة التسليم في المعاملة التي تكون شرطا في صحّتها هو القدرة تكوينا، و ذلك لأنّ العرف لايرى البيع الذي أنشأه المالك و قبله المشتري بيعا تامّا مع كونهلم يقدر على تسليمه كالطيران في الهواء، و أمّا ما كان عليه تكليف شرعي فلايرى العرف أنّه غير مقدور حتّى يقول ببطلان البيع. و لم يدلّ أيّ دليل على اعتبار القدرة الشرعيّة على التسليم في صحّة البيع بحيث لايكون منافيا لواجب آخر.

ثالثها: انّ نذر التصدّق على الفقراء يوجب حقّا لهم على المال كحقّ المرتهن على المال المرهون، فكما أنّ الراهن لايتمكّن من التصرّف في ماله؛ لتعلّق حقّ

المرتهن به، كذلك الناذر لايتمكّن من التصرّف في ماله؛ لتعلّق حقّ الفقراء به و لايجب فيه الزكاة.

و فيه: انّه فرق بين المال المرهون و المنذور التصدّق، فالمال المرهون وثيقة للمرتهن بازاء ما أقرضه بمعنى أنّ الراهن لو لم يقض دينه فللمرتهن أخذ دينه من المال المرهون بخلاف ما لو نذر التصدّق به للفقراء، فانّه لايجوز لهم الأخذ منه.

رابعها: انّ الفعل المتعلّق للنذر أعني التصدّق بما أنّه يجعله للّه يصير ملكا للّه تعالى أو متعلّقا لحقّه فيوجب قطع الحول؛ لاشتراط الزكاة بالملكيّة التامّة كما سبق.

و فيه: انّ معنى «للّه عليّ أن أتصدّق بكذا من مالي» هو الالتزام على نفسه فيما بينه و بين اللّه بأن يعطي ماله أو مقدارا منه الى الفقراء و كأنّه جعل على هذا الالتزام شاهدا و هو اللّه تعالى، و لذلك قال عليه السلام : «فِ بنذرك» أي فِ بما ألزمت على نفسك فيما بينك و بين اللّه، فأين هذا من ملك اللّه أو تعلّق حقّ للّه تعالى؟

فتحصّل أنّ الظاهر عدم انقطاع الحول اذا كان النذر أثناءه، الاّ أنّه يجب الوفاء بالنذر، فاذا وفى به و أعطى ما عليه سقطت الزكاة؛ لرجحان النذر، و ان لم يفِ به وجبت الزكاة، فان أعطاها بقي على ذمّته النذر.

الفرع الثاني : فيما اذا كان النذر بعد حلول الحول

اذا كان النذر بعد حلول الحول و صيرورة الأمر بالزكاة فعليّا، فتارة يتعلّق النذر بماعدا العين الزكويّة فيجمع بين اخراج الزكاة و العمل بالنذر. و أخرى يتعلّق النذر بما يعمّ العين الزكويّة، كما لو نذر التصدّق بتمام هذا المال أو على نحو يشمل بعض النصاب و ان لم يستوعب كلّه. ففي حكم النذر في هذه الصورة وجوه ثلاثة: عدم انعقاد النذر مطلقا، و انعقاده مطلقا، و الفصل في عدم انعقاده

بالنسبة الى الزكاة و انعقاده بالنسبة الى ماعداها.

استدلّ للقول بعدم انعقاد النذر مطلقا، بأنّ المال قد تعلّق به الزكاة فلايبقى موضوع للنذر حتّى يكون متعلّقا له. و يجاب بأنّ المال و ان تعلّق به الزكاة الاّ أنّ الزكاة المخرجة منه مقدار معلوم كشاة من أربعين شاة اذا كان ماله الزكويّة أربعين شاة، فأيّ اشكال في انعقاد النذر بالنسبة الى غير الواحدة من الشاة؟ كما قد يتّفق هذا الفصل في المسائل المختلفة من أبواب الفقه، فمن باع متاعا كان مشتركا بينه و بين غيره فضولة و من غير اجازة من صاحبه فلم يجز الغير، فيبطل البيع بالنسبة الى سهم الغير و يصحّ في سهم البائع، و غير ذلك.

و استدلّ للقول بانعقاد النذر مطلقا، بعدم التنافي بين الأمر بالزكاة و وجوب الوفاء بالنذر في هذا المال المعيّن؛ بناءً على جواز اعطاء الزكاة من مال آخر كما سيأتي، فيؤدّي الزكاة من مال آخر ثمّ يفي بنذره في هذا المال.

فما ذهب اليه المصنّف من الفصل غير تامّ؛ لعدم التنافي بين الحكمين كما عرفت.

الفرع الثالث : فيما اذا كان النذر موقّتا

اذا كان النذر موقّتا بوقت خاصّ فتارة يكون الوقت قبل الحول و أخرى يكون بعده. أمّا الأوّل، فان وفى بالنذر فلا اشكال في سقوط الزكاة ان لم يبق نصاب كما هو المفروض.

و أمّا ان لم يف فتارة نقول بوجوب القضاء و أخرى لم نقل به. فان قلنا بوجوب القضاء فيكون حكمه كما في النذر المطلق، فعلى مذهب المشهور انقطع الحول لعدم التمكّن من التصرّف في ماله شرعا، فالممنوع الشرعي كالممنوع العقلي. و أمّا على المذهب الآخر فلاينقطع الحول؛ لأنّ الوجوب التكليفيّ

المتعلّق بالمال لايخرجه عن ملكه.

و أمّا ان قلنا بعدم وجوب القضاء فذهب الماتن الى عدم وجوب الزكاة لانقطاع الحول بالعصيان، ثمّ استدرك بأنّه اذا مضى عليه الحول من حين العصيان وجبت الزكاة.

فنقول: أمّا على القول الآخر من أنّ الوجوب التكليفيّ المتعلّق بالمال لم يخرجه عن ملكه، فمعلوم أنّ الحول لم ينقطع بمجرّد النذر، فاذا تمّ الحول وجبت الزكاة.

و أمّا على قول المشهور فيمكن أن يقال بأنّ مجرد النذر أوجب انقطاع الحول الاّ أنّه اذا مضى الوقت يبدأ الحول من حينه كما في المتن؛ بناءً على أنّ مراد الماتن من حين العصيان هو حين مضيّ الوقت.

و أمّا العلاّمة الخوئي فقد أنكره و قال: «الظاهر عدم القطع لعدم الدليل؛ لأنّ الحكم التكليفيّ العارض أثناء الحول الزائل بانعدام الموضوع - لكونه موقّتا بوقت قد مضى و سقط التكليف - فقاطعيّته للحول و مانعيّته عن تعلّق الزكاة لدىاستجماع الشرائط مشكلة جدّا، لعرائها عن أيّ دليل، فلو كان له مال وجب صرفه أثناء الحول ساعة أو ساعتين في أداء الدين للمطالبة أو لنفقة واجبة، فعصى و لم يصرف فالحكم بالقاطعيّة بمجرّد ذلك في غاية الاشكال كما لايخفى هذا. انتهى ملخّصا».(1)

ولكنّ الظاهر أنّ الدليل الذي أقام على عدم انقطاع الحول هو الدليل على مذهبه، لا على مذهب المشهور، فالمشهور قائل بأنّ مجرّد النذر قاطع للحول، فعليه فما ذهب اليه الماتن صحيح بناءً على صحّة قولهم.

فلو كان الوقت بعد الحول فحكمه حكم النذر المطلق، فعلى القول الآخر لايوجب قطع الحول، و أمّا على القول المشهور فيمنع من تعلّق الزكاة؛ لأنّ زمان


1) - مستند العروة 23: 104.

الواجب و ان كان متأخّرا الاّ أنّ العبرة في هذا المنع بنفس الوجوب الحاصل من حين تعلّق النذر - الذي كان قبل حلول الحول - لوجوب حفظه مقدّمة لصرفه في ظرفه، فتعلّق النذر مانع عن التصرّف فيه؛ لأنّ المنع التشريعي بمثابة المنع التكويني في المانعيّة عن تعلّق الزكاة كما تقدّم.

الفرع الرابع : فيما اذا كان النذر معلّقا على شرط

اذا كان النذر معلّقا على شرط، فتارة حصل المعلّق عليه قبل تمام الحول و أخرى حصل بعد الحول. ففي الصورة الأولى يكون حكمه حكم النذر المطلق على اختلاف القولين و قد مضى.

و أمّا على الصورة الثانية فذهب الماتن الى وجوب الزكاة نظرا الى استجماع شرائط التكليف حين حلول الحول من غير أيّ مانع آنذاك؛ اذ المانع من التصرّف كان وجوب الوفاء بالنذر فلم يتحقّق لعدم تحقّق المعلّق عليه في ظرف تحقّق الزكاة. ولكنّ الظاهر أنّه اذا حصل المعلّق عليه بعد حلول الحول كشف عن أنّ وجوب الوفاء بالنذر كان محقّقا، الاّ أنّ الفرق بين هذه الصورة و بين النذر المطلق و ما به التحقّق، هو جواز التصرّف في المال ظاهرا قبل تحقّق المعلّق عليه، لعدم تحقّق الوجوب بخلاف النذر المطلق بناءً على ما ذهب اليه المشهور.

و أمّا على المختار من عدم مانعيّة النذر لوجوب الزكاة فلا موجب لسقوط وجوب الزكاة الاّ فيما اذا حصل المعلّق عليه قبل تماميّة الحول و صرف المال في المنذور له.

و أمّا ان حصل المعلّق عليه مقارنا لتمام الحول، لم تجب الزكاة بطريق أولى على مبنى المشهور؛ لأنّه اذا قلنا بعدم وجوب الزكاة اذا حصل المعلّق عليه بعد تمام الحول فعدم وجوبها في صورة التقارن أولى.

و المصنّف استشكل في هذه الصورة و ذكر أنّ فيها وجوها: أوّلها وجوب الزكاة. ثانيها عدم الوجوب. و ثالثها التخيير بين تقديم أيّهما شاء. و رابعها القرعة.

ولكنّ الظاهر عدم الاشكال في ذلك و عدم تماميّة تلك الوجوه؛ لأنّ موضوع القرعة، الموضوعات المشتبهة التي ليست موردا للاستصحاب أو أصل آخر و لايكون هناك أمارة، و الاّ لم تكن مشتبهة. و ما نحن فيه من الشبهة الحكميّة لعدم العلم بحكمه عند الشارع، و لاتكون محلاًّ لاجراء القرعة.

و أمّا التخيير، فان كان مراده التخيير في باب التزاحم الذي يكون التنافي بين الدليلين في مرحلة الفعليّة - دون الجعل - الناشئ من عجز المكلّف من الجمع بينهما في مقام الامتثال، ففيه: انّه يمكن الجمع بينهما بأن يؤدّي الزكاة من مال آخرو يصرف هذا المال فيما نذر له.

و ان كان مراده التخيير في باب التعارض الذي يكون التنافي بين الدليلين و تكاذبهما في مقام الجعل، فكان كلّ منهما يكذّب الآخر بمدلوله الالتزامي، كما لو دلّ أحدهما على وجوب شيء و الآخر على حرمته أو عدم وجوبه، ففيه: انّه غير منطبق على المقام، اذ لاتنافي بين ما دلّ على وجوب الزكاة لمن كان مالكا للنصاب في تمام الحول و بين دليل وجوب الوفاء بالنذر. غايته ادّعاء عدم امكان الجمع بينهما حتّى يكون من باب التزاحم، و قد تقدّم آنفا أنّه يمكن الجمع بينهما و لايكون من باب التزاحم أيضا.

(مسألة 13): لو استطاع الحجّ بالنصاب، فان تمّ الحول قبل سير القافلة و التمكّن من الذهاب وجبت الزكاة أوّلاً، فان بقيت الاستطاعة بعد اخراجها وجب و الاّ فلا. و ان كان مضيّ الحول متأخّرا عن سير القافلة وجب الحجّ و سقط وجوب الزكاة. نعم، لو عصى و لم يحجّ وجبت بعد تمام الحول. و لو تقارن خروج القافلة مع تمام الحول وجبت الزكاة أوّلاً لتعلّقها بالعين، بخلاف الحجّ.

الشرح:

قسّم المصنّف من حصلت له الاستطاعة بملكيّة النصاب على ثلاثة أقسام:

فتارة يكون سير القافلة و التمكّن من الذهاب قبل تماميّة الحول فحكم بوجوب الحجّ و سقوط الزكاة، فان عصى و لم يحجّ وجبت بعد تمام الحول.

و أخرى عكس ذلك أي يكون سير القافلة و التمكّن من الذهاب بعد تمام الحول، فقال بوجوب الزكاة أوّلاً، فان بقيت الاستطاعة بعد اخراجها وجب الحجّ.

و ثالثة يتقارنان فيكون زمان سير القافلة و خروج الرفقة متّحدا مع زمان حلول الحول، فأفتى بوجوب الزكاة أوّلاً لتعلّقها بالعين بخلاف الحجّ.

أقول:

لو استطاع الحجّ بالنصاب فتارة يلزم عليه التهيّؤ من تبديل الأنعام بالنقد الرائج و مراجعة الدوائر الحكوميّة و أخذ جواز السفر و غيره و الحال أنّه لم يتمّ الحول، ففي هذه الصورة وجب عليه التهيّؤ للحجّ، و ان أخّر و فات استقرّ عليه الحجّ، ثمّ اذا حال على المال الزكوي الحول وجبت الزكاة. فلو كان وقت التهيّؤ واسعا فهل يجب عليه التسريع بمعنى تبديل المال الزكوي حتّى يفوت عنه موضوع وجوب الزكاة أم لا؟ الأظهر عدم وجوب التسريع؛ لأنّ ذمّته صارت مشغولة بالحجّ بهذا المال - و الفرض أنّ استطاعته حصلت بهذا المال - فيحرم عليه تفويت الاستطاعةعن نفسه، فحينئذ لا معنى لوجوب الزكاة عليه حين حلول الحول.

و أخرى لم يأت وقت التهيّؤ و حال عليه الحول، فيجب عليه اخراج الزكاة، فان بقي مستطيعا يجب عليه الحجّ أيضا و الاّ فلا. و لو فرض تقارنهما أي اتّحد وقت الحجّ و زمان حلول الحول، فلو لم يكن له غير هذا المال لم يكن مستطيعا؛ لتعلّق حقّ الفقراء و هو مقدّم رتبة.

قال في الجواهر: «و لو استطاع الحجّ بالنصاب و كان مضيّ الحول متأخّرا عن أشهر الحجّ وجب الحجّ بلا اشكال، فلو عصى و لم يحجّ حتّى تمّ الحول وجبت الزكاة و استقرّ الحجّ في ذمّته و ان ذهبت استطاعته بتقصيره. أمّا اذا كان الحول قبل مضيّ أشهر الحجّ وجبت الزكاة و سقط الحجّ - الى أن قال: - و الخمس كالزكاة لايمنعه الحجّ اذا كان مستقرّا قبل عام الاستطاعة. نعم، لو ربح في عامها و استطاع سقط الخمس في ذلك العام ضرورة اعتبار خروج المؤونة في وجوبه، و الحجّ في تلك السنة منها، و اذا اجتمع الزكاة و الدين في التركة قدّمت الزكاة اذا كانت في العين، و كذا الخمس دون غيرهما من الحقوق كالكفّارة و نحوها ممّا لا تعلّق لها بالعين، فانّها كباقي الديون التي توزع التركة عليها مع القصور. انتهى ملخّصا».(1)


1) - جواهر الكلام 15: 47 و 48.

(مسألة 14): لو مضت سنتان أو أزيد على ما لم يتمكّن من التصرّف فيه - بأن كان مدفونا و لم يعرف مكانه، أو غائبا، أو نحو ذلك - ثمّ تمكّن منه استحبّ زكاته لسنة، بل يقوى استحبابها بمضيّ سنة واحدة أيضا.

الشرح:

اذا كان المال غائبا عنه و ان كان احتبسه، ثمّ أصابه بعد سنة أو أزيد يستحبّ له الزكاة لسنة واحدة. و الدليل على ذلك صحيحة سدير الصيرفي قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام : ما تقول في رجل كان له مال فانطلق به فدفنه في موضع فلمّا حال عليه الحول ذهب ليخرجه من موضعه فاحتفر الموضع الذي ظنّ أنّ المال فيه مدفون فلم يصبه، فمكث بعد ذلك ثلاث سنين، ثمّ انّه احتفر الموضع من جوانبه كلّه فوقع على المال بعينه، كيف يزكّيه؟ قال: يزكّيه لسنة واحدة؛ لأنّه كان غائبا عنه و ان كان احتبسه».(1)

فالمستفاد من التعليل في الصحيحة هو أنّ المناط في الزكاة لسنة واحدة بعد التمكّن من التصرّف، مجرّد الغيبة و ان كان لسرقة أو غصب أو جحد أو نسيان أو غيرها، كما أنّ المستفاد من هذا التعليل هو التعدّي من حيث الزمان أيضا فيشمل حتّى ما اذا كان زمان الغيبة سنة واحدة.

و يدلّ على استحباب الزكاة لسنة واحدة في الجملة: صحيحة رفاعة بن موسى قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يغيب عنه ماله خمس سنين ثمّ يأتيه فلايردّ رأس المال، كم يزكّيه؟ قال: سنة واحدة».(2)


1) - وسائل الشيعة 9: 93 / الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 94 / الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 4.

و موثّقة عبداللّه بن بكير عن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:

«في رجل ماله عنه غائب لايقدر على أخذه قال: فلا زكاة عليه حتّى يخرج، فاذا خرج زكّاه لعام واحد، فان كان يدعه متعمّدا و هو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ من السنين».(1)

و ظاهر الروايات و ان كان الوجوب الاّ أنّها تحمل على الاستحباب جمعا بينها و بين ما سبق من الروايات الدالّة على عدم الوجوب اذا لم يتمكّن من التصرّف في المال، فاذا تمكّن منه و حال عليه الحول وجبت الزكاة، كموثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الرجل يكون له الولد فيغيب بعض ولده فلايدري أين هو و مات الرجل، كيف يصنع بميراث الغائب من أبيه؟ قال: يعزل حتّى يجيء. قلت: فعلى ماله زكاة؟ قال: لا، حتّى يجيء. قلت: فاذا هو جاء، أيزكّيه؟ فقال: لا، حتّى يحول عليه الحول في يده».(2)

قال في الجواهر: «فان مضى عليه سنون و عاد زكّاه لسنة واحدة استحبابا بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في المدارك، بل في التذكرة: انّه مستحبّ عندنا، بل في محكي المنتهى اذا عاد المغصوب أو الضالّ الى ربّه استحبّ له أن يزكّيه لسنة واحدة، ذهب اليه علماؤنا؛ لموثّق زرارة و خبر سدير المحمول ما فيهما عليه (أي على الاستحباب)؛ للأصل و ما سمعته ممّا يدلّ على اشتراط التمكّن من الاجماع السابق و غيره، فما عن بعض متأخّري المتأخّرين من الوجوب كما عنبعض العامّة بل ربّما استظهر ذلك من نهاية الإحكام واضح الضعف. نعم، ربّما ظهر من المنتهى عدم اعتبار مضيّ السنين في الاستحباب كالمبسوط، و نفى عنه


1) - وسائل الشيعة 9: 95 / الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 7.

2) - وسائل الشيعة 9: 93 / الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 2.

البأس في المدارك و يكفي حينئذ مضيّ السنتين كما هو صريح البيان و محكي جامع المقاصد و المفاتيح - الى أن قال: - بل قد يقال بدلالته (موثّق زرارة) على كفاية الغيبة عاما فصاعدا. انتهى ملخّصا».(1)

(مسألة 15): اذا عرض عدم التمكّن من التصرّف بعد تعلّق الزكاة أو بعد مضيّ الحول متمكّنا فقد استقرّ الوجوب، فيجب الأداء اذا تمكّن بعد ذلك، و الاّ فان كان مقصّرا يكون ضامنا، و الاّ فلا.

الشرح:

اذا حال على ماله الزكويّ المشروط بحلول الحول و كان متمكّنا من التصرّف فيه، أو تعلّق به الزكاة كذلك فقد استقرّ الوجوب، فان عرض عليه عدم التمكّن من التصرّف فتارة يرفع المانع و يتمكّن من التصرّف فيه، فيؤدّي ما كان وجب عليه. و أخرى يستمرّ العجز، فحينئذ ان لم يكن مقصّرا في أدائه و حفظه لم يضمن، كما لو كمل الحول آخر النهار فاحتفظ عليه الى أن يجد صباحا من يؤدّي الزكاة اليه، فسرق جوف الليل، فلا شيء عليه، كما يكون ذلك حكم الأمانات الشرعيّة.

نعم، هناك فرق بين الزكاة أو المال الموصى به، و بين الأمانات الشرعيّة و هو ما اذا وجد المستحقّ فلم يؤدّ الزكاة فحفظها الى أن يجد الأفضل، الذي هو أمر مستحبّ، ثمّ تلف يضمن و ان لم يكن مقصّرا، و كذلك الوصي، و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل بعث بزكاة ماله لتقسّم فضاعت، هل عليه ضمانها حتّى تقسّم؟ فقال: اذا وجد لها موضعا فلم يدفعها فهو لها ضامن حتّى يدفعها، و ان لم يجد لها من يدفعها اليه فبعث بها الى


1) - جواهر الكلام 15: 57.

أهلها فليس عليه ضمان؛ لأنّها قدخرجت من يده، و كذلك الوصي الذي يوصى اليه يكون ضامنا لما دفع اليه اذا وجد ربّه الذي أمر بدفعه اليه، فان لم يجد فليس عليه ضمان».(1)

و صحيحة زرارة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل بعث اليه أخ له زكاته ليقسّمها فضاعت! فقال: ليس على الرسول و لا على المؤدّي ضمان. قلت: فانّه لم يجد لها أهلاً ففسدت و تغيّرت، أيضمنها؟ قال: لا، ولكن ان عرف لها أهلاً فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن (حتّى يخرجها)(2)».(3)

قال في الجواهر: «لو لم يتمكّن حتّى تلفت بتلف جميع النصاب أو كانت معزولة أو تلف بعض النصاب لم يضمن؛ لأنّ الزكاة في العين لا في الذمّة، فهي حينئذ في يده كالأمانة لاتضمن الاّ بالتعدّي أو التفريط. نعم، لو أتلف النصاب بعد الحول قبل امكان الأداء وجبت الزكاة عليه، سواء قصد بذلك الفرار أم لا، كما أنّها لاتسقط بموته كذلك، سواء تمكّن من الأداء أم لا، و التمكّن من الدفع الى الامام أو النائب تمكّن من الأداء، فهو ضامن و ان لم يطالباه، و لو دفعها الى الساعي فتلفت فلا ضمان كما سيأتي. انتهى».(4)

و قال في موضع آخر منه: «اذا تمكّن من ايصالها أي الزكاة الى مستحقّها فلم يفعل فقد فرّط، فاذا فرّط فان تلفت لزمه الضمان بلا خلاف في الثاني و لا اشكال، ضرورة معلوميّة هذا الحكم في الأمانات التي هذه من جملتها، بناءً على


1) - وسائل الشيعة 9: 285 / الباب 39 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.

2) - في التهذيب: حين أخّرها.

3) - وسائل الشيعة 9: 286 / الباب 39 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.

4) - جواهر الكلام 15: 51.

أنّها في العين. و أمّا الأوّل فلا ريب فيه على تقدير عدم جواز التأخير له؛ اذ هو حينئذ كالغاصب. أمّا على الجواز كما هو مقتضى جملة من النصوص المعتبرة على ما تعرفه في محلّه فلعلّ الضمان فيه حينئذ للاجماع المحكي ان لم يكن المحصّل، و صحيحي ابن مسلم و زرارة، و بهما يقيّد اطلاق ما دلّ على عدم الضمان بالارسال و نحوه. و لاتضادّ بين الجواز و الضمان الذي لم يعتبر فيه الاثم في شيء من الأدلّة. انتهى ملخّصا».(1)

(مسألة 16): الكافر تجب عليه الزكاة، لكن لاتصحّ منه اذا أدّاها. نعم، للامام عليه السلام أو نائبه أخذها منه قهرا. و لو كان قد أتلفها فله أخذ عوضها منه.

الشرح:

قال في الجواهر: «و الكافر تجب عليه الزكاة بلا خلاف معتدّ به فيه بيننا؛ لأنّها من الفروع التي قد حكي الاجماع في كتب الفروع و الأصول على خطابه بها؛ للعموم و غيره، و خصوص قوله تعالى: «ويل للمشركين، الذين لايؤتون الزكاة»و غيره ممّا هو محرّر في محلّه، و تسقط عنه بالاسلام كما نصّ عليه غير واحد، بل لم نجد فيه خلافا و لا توقّفا قبل الأردبيلي و الخراساني و سيّد المدارك. انتهى».(2)

و قال في الشرائع: «و الكافر تجب عليه الزكاة، لكن لايصحّ منه أداؤها، فاذا تلفت لايجب عليه ضمانها و ان أهمل. انتهى».(3)

و قال في المدارك: «أمّا الوجوب فلاطلاق الأمر، و ظاهر قوله تعالى: «و ويل للمشركين، الذين لايؤتون الزكاة». و أمّا أنّه لايصحّ منه الأداء، فعلّله في المعتبر


1) - جواهر الكلام 15: 145.

2) - نفس المصدر: 61.

3) - شرائع الاسلام 1: 142.

بأنّه مشروط بنيّة القربة و لاتصحّ منه. و فيه بحث و ان كان الحكم لا اشكال فيه، للأخبار المستفيضة المتضمّنة لبطلان عبادة المخالف فضلاً عن الكافر، و الاجماع على أنّ الكافر لايدخل الجنّة - الى أن قال: - فالوجوب على الكافر متحقّق فيجب بقاؤه تحت العهدة الى أن يحصل الامتثال أو يقوم على السقوط بالاسلام دليل يعتدّ به. انتهى».(1)

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في أنّه هل الكفّار مكلّفون بالفروع؟

الظاهر أنّهم مكلّفون بالفروع كما هم مكلّفون بالأصول، و الدليل على ذلك الكتاب:

فمنه آيات خاصّة كقوله تعالى: «و ويل للمشركين، الذين لايؤتون الزكاة و هم بالآخرة هم كافرون».(2)

و قوله تعالى: «ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلّين، و لم نك نطعمالمسكين، و كنّا نخوض مع الخائضين، و كنّا نكذّب بيوم الدين».(3)

و قوله تعالى: «فوربّك لنسألنّهم أجمعين، عمّا كانوا يعملون، فاصدع بما تؤمر و أعرض عن المشركين».(4)

و قوله تعالى: «فلا صدّق و لا صلّى، ولكن كذّب و تولّى».(5)

فانّ الظاهر من هذه الآيات أنّهم مخاطبون بالفروع كما هم مخاطبون


1) - مدارك الأحكام 5: 41 و 42.

2) - فصّلت 41: 6 و 7.

3) - المدّثّر 74: 42 - 46.

4) - الحجر 15: 92 - 94.

5) - القيامة 75: 31 و 32.

بالأصول.

و منه اطلاقات و عمومات أدلّة الأحكام، كقوله تعالى: «و للّه على الناس حجّ البيت من استطاع اليه سبيلاً».(1)

و قوله تعالى: «قل تعالوا أتل ما حرّم ربّكم عليكم ألاّتشركوا به شيئا و بالوالدين احسانا و لاتقتلوا أولادكم من املاق نحن نرزقكم و ايّاهم و لاتقربوا الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و لاتقتلوا النفس التي حرّم اللّه الاّ بالحقّ ذلكم وصّيكم به لعلّكم تعقلون».(2)

و العموم من هذه الآيات واضح و لاينافيها أنّ الخطاب في كثير من الآيات خاصّ بالمؤمنين كقوله تعالى: «انّ الذين آمنوا و عملوا الصالحات و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة. الآية».(3)

و قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام».(4)

و قوله تعالى: «انّ الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا».(5)

و يدلّ على ذلك أيضا السنّة: كصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ما كلّف اللّه العباد الاّ ما يطيقون، انّما كلّفهم في اليوم و الليلة خمس صلوات، و كلّفهم من كلّ مائتي درهم خمسة دراهم، و كلّفهم صيام شهر في السنة، و كلّفهم حجّة واحدة، و هم يطيقون أكثر من ذلك. الحديث».(6)

و خبر معاذ بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام :


1) - آل عمران 3: 97.

2) - الأنعام 6: 151.

3) - البقرة 2: 277.

4) - البقرة 2: 183.

5) - النساء 4: 103.

6) - وسائل الشيعة 1: 28 / الباب 1 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 37.

«أنّه سئل عن الدين(1)الذي لايقبل اللّه من العباد غيره، و لايعذرهم على جهله! فقال: شهادة أن لا اله الاّ اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه صلى الله عليه و آله، و الصلوات الخمس، و صيام شهر رمضان، و الغسل من الجنابة، و حجّ البيت، و الاقرار بما جاء من عند اللّه جملة، و الائتمام بأئمّة الحقّ من آل محمّد. الحديث».(2)

و صحيحة سليمان بن خالد قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : أخبرني عن الفرائض التي فرض اللّه على العباد، ما هي؟ قال: شهادة أن لا اله الاّ اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه، و اقام الصلوات الخمس، و ايتاء الزكاة، و حجّ البيت، و صيام شهر رمضان، و الولاية، فمن أقامهنّ و سدّد و قارب و اجتنب كلّ مسكر(3)دخل الجنّة».(4)

و الروايات الكثيرة الواردة في أنّه بني الاسلام على خمس: على الصلاة و الزكاة و الحجّ و الصوم و الولاية(5)، مضافا الى أنّ النبي صلى الله عليه و آله أرسل ليدعو الناس الى الاسلام .

و استدلّ المخالف بوجوه:

منها الأخبار الدالّة على توقّف التكليف على الاقرار و التصديق بالشهادتين، كصحيحة زرارة قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام : أخبرني عن معرفة الامام منكم واجبة على جميع الخلق؟ فقال: انّ اللّه عزّوجلّ بعث محمّدا صلى الله عليه و آله الى الناس


1) - كلمة «الدين» ليست في المصدر. هامش الوسائل

2) - وسائل الشيعة 1: 28 / الباب 1 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 38.

3) - في المصدر: «منكر»، و هو الأنسب. هامش الوسائل

4) - وسائل الشيعة 1: 19 / الباب 1 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 17.

5) - وسائل الشيعة 1: 13 - 29 / الباب 1 من أبواب مقدّمة العبادات.

أجمعين رسولاً و حجّة للّه على جميع خلقه في أرضه، فمن آمن باللّه و بمحمّد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و اتّبعه و صدّقه فانّ معرفة الامام منّا واجبة عليه، و من لم يؤمن باللّه و برسوله و لم يتّبعه و لم يصدّقه و يعرف حقّهما فكيف يجب عليه معرفة الامام و هو لايؤمن باللّه و رسوله و يعرف حقّهما؟! قال: قلت: فما تقول فيمن يؤمن باللّه و رسوله و يصدّق رسوله في جميع ما أنزل اللّه، يجب على أولئك حقّ معرفتكم؟ قال: نعم، أليس هؤلاء يعرفون فلانا و فلانا؟ قلت: بلى. قال: أترى أنّ اللّه هو الذي أوقع في قلوبهم معرفة هؤلاء؟ واللّه ما أوقع ذلك في قلوبهم الاّ الشيطان، لا واللّه ما ألهَمَ المؤمنين حقَّنا الاّ اللّه عزّوجلّ».(1)

فانّه متى لم تجب معرفة الامام قبل الايمان باللّه و رسوله فبطريق أولى لاتجب معرفة الفروع المتلقّاة من الامام.

و ما رواه القمّي في الصحيح في تفسير قوله تعالى: «و ويل للمشركين، الذين لايؤتون الزكاة»(2)عن أبان بن تغلب قال:

«قال لي أبو عبداللّه عليه السلام : يا أبان أترى أنّ اللّه عزّوجلّ طلب من المشركين زكاة أموالهم و هم يشركون به حيث يقول: «و ويل للمشركين الذين لايؤتون الزكاة و هم بالآخرة هم كافرون»؟ قلت له: جعلت فداك، فسّره لي! فقال: ويل للمشركين الذين أشركوا بالامام الأوّل، و هم بالأئمّة الآخرين كافرون. يا أبان، انّما دعا اللّه العباد الى الايمان به، فاذا آمنوا باللّه و برسوله افترض عليهم


1) - أصول الكافي 1: 203 / باب معرفة الامام / الحديث 3.

2) - فصّلت 41: 6 و 7.

الفرائض».(1)

و ما رواه في الاحتجاج في احتجاج أميرالمؤمنين عليه السلام على زنديق:

« ... و أمّا قوله: «قل انّما أعظكم بواحدة» فانّ اللّه جلّ ذكره أنزل عزائم الشرائع و آيات الفرائض في أوقات مختلفة كما خلق السماوات و الأرض في ستّة أيّام، و لو شاء أن يخلقها في أقلّ من لمح البصر لخلق، ولكنّه جعل الأناة و المداراة مثالاً لأمنائه و ايجابا للحجّة على خلقه، فكان أوّل ما قيّدهم به: الاقرار بالوحدانيّة و الربوبيّة و الشهادة بأن لا اله الاّ اللّه، فلمّا أقرّوا بذلك تلاه بالاقرار لنبيّه صلى الله عليه و آله بالنبوّة و الشهادة له بالرسالة، فلمّا انقادوا لذلك فرض عليهم الصلاة ثمّ الصوم ثمّ الحجّ ثمّ الجهاد ثمّ الزكاة ثمّ الصدقات وما يجري مجراها من مال الفيء ... ».(2)

و الجواب أوّلاً: انّ الخبر الأخير في مقام بيان التدرّج في نزول الأحكام في صدر الاسلام .

و ثانيا: لانقول بأنّ الكافر يجب عليه الصلاة في حال كفره أو يجب عليه الزكاة و الحجّ و غيرهما في حال كفره، بل نقول بأنّه كما يجب عليه الاقرار و الايمان باللّه يجب عليه الاقرار و الايمان بالرسالة والولاية و الأحكام و العمل بها الاّ أنّ الرتبة محفوظة، فيجب عليه قبول الاسلام أوّلاً ثمّ الولاية ثمّ العمل بالأحكام.

قال المحقّق الهمداني: «انّ المنفي في الصحيحة انّما هو وجوب تحصيل معرفة الامام عليه السلام على من لم يعرف اللّه و رسوله في حال جهله باللّه و الرسول و هو محال، كما يدلّ عليه تعجّب الامام عليه السلام . و لايدّعيه أحد من العدليّة، و انّما المدّعى أنّه يجب على من لايعرف اللّه و رسوله أن يعرف اللّه و من هو منصوب من قبله


1) - تفسير نور الثقلين 4: 538 / الحديث 6.

2) - الاحتجاج 1: 601.

تعالى في تبليغ أحكامه، و يجب عليه أن يطيعه في جميع أوامره و نواهيه، و هذا من المستقلاّت العقليّة التي لاتقبل التخصيص، و موضوع الوجوب بنظر العقل ليس الاّ نفس المكلّف، و قد حمل وجوب معرفة النبي صلى الله عليه و آله و الامام عليه السلام في الأخبار المتواترة على أشخاص المكلّفين، و لم يؤخذ وصف الاسلام في شيء منها قيدا لوجوب معرفة الامام عليه السلام ، كما لايخفى على من راجعها. انتهى».(1)

و منها لزوم تكليف ما لايطاق، اذ تكليف الجاهل بما هو جاهل به تصوّرا و تصديقا عين تكليف ما لايطاق.

و فيه: انّ العلم أو التمكّن منه شرط للتنجّز لا لنفس التكليف لاشتراك العالم و الجاهل في أصل التكليف، كيف و جعل العلم بالتكليف مأخوذا في موضوعه يستلزم الدور!

و قال المحقّق الهمداني: «و فيه أوّلاً: النقض بتكليفه بالاسلام ، فانّه جاهل به تصديقا. و حلّه: انّه ان أريد من قبح تكليف الجاهل قبح توجيه الخطاب اليه و الطلب منه، ففيه: انّ الخطاب أوّلاً و بالذات انّما يوجّه الى الجاهل، فان علم منه تكليفه تفصيلاً أو اجمالاً، يتنجّز الطلب في حقّه، و يجب عليه الخروج من عهدته عقلاً، و الاّ فهو معذور ما لم يكن مقصّرا، فلايعقل أن يكون توجيه الخطاب اليه مشروطا بعلمه. و ان أريد قبح تنجيزه عليه بمعنى مؤاخذته على مخالفة ما أمره به ولو لم يعلم حكمه من الخطاب أو لم يصله الخطاب الموجّه اليه، ففيه: انّه انّما يقبح بالنسبة الى القاصر دون المقصّر الذي يجب عليه الفحص و السؤال، و لذا لم يقل أحد بمعذوريّة الجاهل بالأحكام الشرعيّة اذا عمل بالبراءة قبل الفحص عن الطرق الشرعيّة. انتهى».(2)

و منها استحالة تكليف الكافر بالعبادات، لعدم صحّتها منه.


1) - مصباح الفقيه 3: 272.

2) - نفس المصدر: 272 و 273.

و فيه: انّ المستحيل تكليف الكافر بالعبادات في حال كفره، و لانقول به، بل نقول: يجب عليه قبول الاسلام ثمّ العمل بما جاء به من عند اللّه.

و قال المحقّق الهمداني: «انّ الممتنع انّما هو أمره بايجادها صحيحة في حال كفره، و لايدّعيه أحد، و انّما المدّعى أنّه يجب عليه في حال كفره أن يوجدها صحيحة، كما أنّه يجب على المحدث بعد دخول الوقت أن يصلّي صلاة صحيحة، و لا استحالة فيه، كما هو ظاهر. انتهى».(1)

و منها الأخبار الدالّة على طلب العلم، كقولهم عليهم السلام : «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم»، فانّ موردها المسلم دون مجرّد العاقل البالغ.

و فيه: العقل حاكم بأنّ الجاهل باللّه و برسوله و بالأئمّة عليهم السلام يجب عليه تحصيل العلم بذلك و بعده يجب عليه تحصيل العلم بالأحكام كما هو ظاهر الخبر، و هذا لا اشكال فيه. انّما الكلام في وجوب العلم بالفروع بعد العلم بالأصول.

الفرع الثاني : فيما اذا أدّى الكافر الزكاة

قال في الشرائع: «و الكافر تجب عليه الزكاة لكن لايصحّ منه أداؤها. انتهى».(2)

و قال في المدارك: «و أمّا أنّه لايصحّ منه الأداء فعلّله في المعتبر بأنّه مشروط بنيّة القربة و لاتصحّ منه. و فيه بحث و ان كان الحكم لا اشكال فيه؛ للأخبار المستفيضة المتضمّنة لبطلان عبادة المخالف فضلاً عن الكافر، و الاجماع على أنّ الكافر لايدخل الجنّة، و لو وقعت منه عبادة صحيحة لأثيب عليها و لزم دخوله الجنّة لايصال الثواب اليه؛ اذ لايقع في غيرها اجماعا كما نقله جماعة. انتهى».(3)


1) - مصباح الفقيه 3: 274.

2) - شرائع الاسلام 1: 142.

3) - مدارك الأحكام 5: 41 و 42.

و قال المحقّق الهمداني: «لكن لايصحّ منه أداؤها؛ لكونها من العبادات المشترطة بالقربة التي قد يظهر من كلماتهم التسالم على اشتراطها بالايمان، كما ربّما يشهد له النصوص المستفيضة - ان لم تكن متواترة - الدالّة على اشتراط قبول الأعمال بالولاية، و أنّ من لم يوال الأئمّة عليهم السلام فتكون أعماله بدلالتهم لم يكن له على اللّه شيء، فيلزمه بطلان عمله، و الاّ يلزم استحقاق الأجر عليه، و هو خلاف صريح الأخبار، فليتأمّل. انتهى».(1)

و استدلّ على عدم الصحّة بقوله تعالى: «و ما منعهم أن تُقبل منهم نفقاتهم الاّ أنّهم كفروا باللّه و برسوله و لايأتون الصلاة الاّ و هم كسالى و لاينفقون الاّ و هم كارهون».(2)

و بالنصوص المستفيضة بل المتواترة الدالّة على اشتراط قبول الأعمال بالولاية، كصحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كلّ من دان اللّه عزّوجلّ بعبادة يجهد فيها نفسه و لا امام له من اللّه فسعيه غير مقبول، و هو ضالّ متحيّر، و اللّه شانئ لأعماله - الى أن قال: - و ان مات على هذه الحال مات ميتة كفر و نفاق، و اعلم يا محمّد، أنّ أئمّة الجور و أتباعهم لمعزولون عن دين اللّه، قد ضلّوا و أضلّوا، فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف، لايقدرون ممّا كسبوا على شيء، ذلك هو الضلال البعيد».(3)


1) - مصباح الفقيه 13: 91.

2) - التوبة 9: 54.

3) - وسائل الشيعة 1: 118 / الباب 29 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 1.

أقول:

كلامنا فيما لو أدّى الزكاة الى مستحقّيها أي الى أهل الولاية ثمّ أسلم فهل يجب عليه أداؤها ثانيا بناءً على عدم سقوط ما سبق بالنسبة الى الزكاة؟ الظاهر أنّه لايجب، و ذلك لصحيحة بريد بن معاوية العجلي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«كلّ عمل عمله و هو في حال نصبه و ضلالته، ثمّ منّ اللّه عليه و عرّفه الولاية، فانّه يؤجر عليه، الاّ الزكاة فانّه يعيدها؛ لأنّه وضعها في غير مواضعها؛ لأنّها لأهل الولاية، و أمّا الصلاة و الحجّ و الصيام فليس عليه قضاء».(1)

فتعليله عليه السلام بأنّه وضعها في غير مواضعها و لذلك يعيدها، يرشدنا بعدم لزوم الاعادة لو وضعها في مواضعها و هي مستحقّي الشيعة. هذا فيمن كان مسلما و لم يعرف ولاية وليّ اللّه فيواليه، و أمّا الكافر فان كان معتقدا بوجوده تعالى و وحدانيّته فيأتي منه نيّة القربة، و لو لم يكن معتقدا به تعالى، فيسقط عنه؛ لأنّ حقّ

الفقراء وصل اليهم.

الفرع الثالث : في أنّه هل للامام أو نائبه أخذ الزكاة من الكافر قهرا؟

ففي محكي المنتهى: «لو أخذ الامام الزكاة ثمّ أسلم سقطت عنه؛ لأنّه واجب أخرج على وجهه فلايتعقّب القضاء. انتهى».(2)

و قال في المسالك: «تظهر فائدة التلف فيما لو أراد الامام أو الساعي أخذ


1) - وسائل الشيعة 1: 125 / الباب 31 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 15: 64.

الزكاة منه قهرا، فانّه يشترط فيه بقاء النصاب، فلو وجده قد أتلفه لم يضمنه الزكاة و ان كان بتفريطه ... و ان وجده تامّا أخذها كما يأخذها من المسلم الممتنع عن أدائها. انتهى».(1)

أقول:

لو بنينا على وجوب الزكاة على الكافر لتكليفه بالفروع كالأصول كما عليه المشهور و هو الحقّ، فللامام أو نائبه أخذها قهرا فتبرأ بذلك ذمّة الكافر بطبيعة الحال؛ لانتفاء الموضوع. و قد يناقش تارة بأنّ الزكاة عبادة تفتقر الى قصد التقرّب المتعذّر من الكافر، فكيف يسوغ أخذها قهرا ممّن لاتصحّ عبادته؟ و أجيب بأنّ تعذّر رعاية العباديّة لاتسوّغ اهمال حقوق الفقراء و عدم استنقاذها من الممتنع بعد أن كان الحاكم الشرعي وليّا عليهم في استيفاء أموالهم كما هو الحال في المسلم الممتنع.

و أخرى بأنّ الزكاة تتعلّق بالعين، فاختيار التعيين في المدفوع بيد صاحب المال دون غيره، و لا دليل على صحّة ما عيّنه الحاكم الشرعي فيما يأخذه منه قهرا.

و أجيب بامكان الاستدلال عليه بأدلّة التقاصّ من الممتنع، فانّ المالك أو من له الولاية على المال المغصوب كوليّ الصغير يجوز له الاستنقاذ و التقاصّ ولو من غير الجنس ممّا يعادله في الماليّة، فكذا فيما نحن فيه.

و ثالثة بأنّا ولو سلّمنا تكليف الكفّار بالفروع الاّ أنّ المفروض سقوط الزكاة بمجرّد اختيار الاسلام ، و لاسيّما اذا كانت العين تالفة؛ اذ في السقوط مع البقاء تأمّل كما ستعرف، و أمّا مع التلف فلا كلام و لا خلاف في السقوط، و عليه فبأيّ موجب تؤخذ الزكاة منه قهرا بعد أن لم تصحّ منه حال الكفر و لم يطلب منه حال الاسلام ؟ اذن فتكليفه بالزكاة لو سلّم لايستدعي المطالبة منه قهرا بوجه.


1) - مسالك الأفهام 1: 363.

و فيه: لو سلّم تكليفه بالزكاة و أنّ الزكاة تتعلّق بالعين، و أنّها متعلّقة حقّ الفقراء، و أنّ فيها حيثيّتين: حيثيّة الصدور عبادة و حيثيّة الوصول الى المستحقّ،فاذا امتنع الأوّل لايسوغ اهمال الثاني، و أنّ المتصدّي لحقوق الفقراء و استنقاذها من أيدي الممتنعين الامام و نائبه، فما معنى قوله رحمه الله: «فبأيّ موجب يؤخذ الزكاة منه قهرا ... ».

نعم، هناك روايات تدلّ على أنّه لايكون على الكافر الذمّي سوى الجزية، كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام :

«في أهل الجزية يؤخذ من أموالهم و مواشيهم شيء سوى الجزية؟ قال: لا».(1)

و صحيحة زرارة عن محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«و ليس للامام أكثر من الجزية ان شاء الامام وضع ذلك على رؤوسهم، و ليس على أموالهم شيء، و ان شاء فعلى أموالهم و ليس على رؤوسهم شيء. فقلت: فهذا الخمس؟ فقال: انّما هذا شيء كان صالحهم عليه رسول اللّه صلى الله عليه و آله».(2)

و صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم قال:

«سألته عن أهل الذمّة ماذا عليهم ممّا يحقنون به دماءهم و أموالهم؟ قال: الخراج، و ان أخذ من رؤوسهم الجزية فلا سبيل على أرضهم، و ان أُخذ من أرضهم فلا سبيل على رؤوسهم».(3)

هذا مضافا الى ما ادّعاه العلاّمة الخوئي رحمه الله من «أنّ السيرة العمليّة خلفا عن سلف قائمة على عدم مطالبته بها؛ اذ لم يعهد لا في عصر النبي صلى الله عليه و آله و لا في عهد


1) - وسائل الشيعة 15: 151 / الباب 68 من أبواب جهاد العدوّ / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 15: 150 / الباب 68 من أبواب جهاد العدوّ / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 15: 150 / الباب 68 من أبواب جهاد العدوّ / الحديث 2.

الخلفاء جباية الزكوات من الكفّار، و لم ينقل ذلك في تأريخ و لا رواية، بل كانتالجباية خاصّة بمن يعتنق الاسلام فحسب. انتهى».(1)

و يستفاد من هذه الأحاديث و فتوى الفقهاء أنّ على الامام أو نائبه أخذ الخراج و الجزية من الكفّار الذمّيّين على حسب طاقتهم و المصلحة. و يمكن أن يقال: هذا فيمن له في ماله الزكوي زكاة، الاّ أنّه أخذ منه بعنوان الجزية لا بعنوان الزكاة و لايقدّر بقدر معيّن، و لايبعد أن يقال - بل هو الأقرب - انّ للامام أن يشترط عليهم اعطاء الزكاة بما لها من الأحكام في عقد الجزية كما صنع رسول اللّه صلى الله عليه و آله بأهل خيبر فيما صالحهم به، ففي رواية صفوان بن يحيى و أحمد بن محمّد بن أبي نصر جميعا قالا:

«ذكرنا له الكوفة و ما وضع عليها من الخراج و ما سار فيها أهل بيته، فقال: من أسلم طوعا تركت أرضه في يده و أخذ منه العشر ممّا سقي بالسماء و الأنهار، و نصف العشر ممّا كان بالرشاء فيما عمروه منها، و ما لم يعمروه منها أخذه الامام فقبّله ممّن يعمره، و كان للمسلمين و على المتقبّلين في حصصهم العشر أو نصف العشر و ليس في أقلّ من خمسة أوسق شيء من الزكاة، و ما أخذ بالسيف فذلك الى الامام يقبّله بالذي يرى، كما صنع رسول اللّه صلى الله عليه و آله بخيبر قبّل سوادها و بياضها - يعني أرضها و نخلها - و الناس يقولون: لاتصلح قبالة الأرض و النخل. الحديث».(2)

قال المحقّق الهمداني: «ان كان أخذ الزكاة من الذمّي و المعاهد داخلاً فيما شرط عليهم، فلا كلام فيه، و الاّ فالزامهم بدفعها أو أخذها منهم بمحض ثبوتها في شرع الاسلام مشكل؛ لأنّه ينافي تقريرهم على ما هم عليه؛ لأنّ قضيّة ذلك عدم


1) - مستند العروة 23: 127.

2) - وسائل الشيعة 15: 157 / الباب 72 من أبواب جهاد العدوّ / الحديث 1.

مزاحمتهم فيما يرونه ملكا لهم بسبب أو نسب أو معاملة فاسدة، بل ترتيب أثر الملكيّة الصحيحة على ما يرونه في مذهبهم ملكا لهم، كما في ثمن الخمر و الخنزير، و ميراث العصبة، و الاّ لكان وجوب اخراج الزكاة من أموالهم لدى انتقالها الى مسلم بهبة أو بيع أو ارث و نحوه من أظهر الثمرات، ولكن الظاهر عدم التزام أحد بها. و أمّا بالنسبة الى الحربي، فانّه و ان جاز أخذ أمواله جميعها منه قهرا، ولكن الزامه بدفع الزكاة أو أخذ شيء منه بهذا العنوان، بحيث يترتّب عليه أثره، بأن يتعيّن صرفه الى مصرفها المعيّن، فلايخلو من اشكال، فليتأمّل. انتهى».(1)

أقول:

كلامه متين في اشتراط الزكاة عليهم فيما شرط عليهم من الجزية و الخراج، و كذا ما قال رحمه الله في الزامهم بدفعها بمحض ثبوتها في شرع الاسلام . الاّ أنّا نقول: لو بنينا على وجوب الزكاة عليهم كالأصول و أنّ الزكاة في عين أموالهم الزكويّة و أنّها حقّ الفقراء و المساكين و غيرهم، فما المانع من أخذها منهم و ترتيب الآثار عليها؟ فان كان هناك مصلحة في عدم ذكر الزكاة لم تذكر و لم تؤخذ بعنوانها بل بعنوان الجزية و الخراج. و يمكن أن يقال بأنّ من جملة مصارف الزكاة «المؤلّفة قلوبهم» و هم الكفّار الذين اذا أعطوا شيئا من الزكاة يميلون الى الاسلام ، فعليه تؤخذ الزكاة منهم و يردّ اليهم، أو يعلّمونهم ثمّ يهبونها لهم.

الفرع الرابع : فيما لو أتلف الكافر الزكاة

قال في القواعد: «و لو هلكت بتفريطه حال كفره فلا ضمان. انتهى».(2)


1) - مصباح الفقيه 13: 95.

2) - الينابيع الفقهيّة 5: 417.

و قال في مفتاح الكرامة: «به صرّح في الشرائع و التذكرة و البيان و كشف الالتباس و غيرها و هو قضيّة اطلاق ما في الدروس حيث قال: «و لو تلف النصاب قبل الاسلام أو بعده و لم يحل الحول لم يضمن». و استشكله أيضا صاحب المدارك. و قال في المسالك: « ... فلو وجده قد أتلفه لم يضمنه الزكاة و ان كان بتفريطه. انتهى».(1)

و قال الشيخ في النهاية: «الزكاة المفروضة في شريعة الاسلام واجبة على كلّ مكلّف حرّ بالغ، رجلاً كان أو امرأة. و هم ينقسمون قسمين: قسم منهم اذا لم يُخرجوا ما يجب عليهم من الزكاة، كان ثابتا في ذمّتهم. و هم جميع من كان على ظاهر الاسلام . و الباقون هم الذين متى لم يخرجوا ما يجب عليهم من الزكاة لم يلزمهم قضاؤه. و هم جميع من خالف الاسلام . فانّ الزكاة و ان كانت واجبة عليهم بشرط الاسلام و لم يخرجوها لكفرهم، فمتى أسلموا لم يلزمهم اعادتها. انتهى».(2)

و قال في المبسوط: «فأمّا شرائط الضمان فاثنان: الاسلام ، و امكان الأداء؛ لأنّ الكافر و ان وجبت عليه الزكاة لكونه مخاطبا بالعبادات فلايلزمه ضمانها اذا أسلم. انتهى».(3)

و في السرائر نفس ما في النهاية، فانّه قال: «الزكاة المفروضة في شريعة الاسلام واجبة - الى أن قال: - فاذا لم يخرجوا الزكاة لكفرهم، فمتى أسلموا لاتجبعليهم اعادتها. انتهى».(4)

و قال في الوسيلة: «الكافر اذا أسلم، فانّه تسقط عنه الزكاة التي كانت واجبة


1) - مفتاح الكرامة 3 كتاب الزكاة: 31.

2) - النهاية: 174.

3) - المبسوط 1: 190.

4) - السرائر 1: 440 و 441.

عليه كافرا. انتهى».(1)

و قال في الدروس: «و لايمنع الدين من وجوبها ولو لم يملك سوى وفائه، و لا الكفر. نعم، لو أسلم استأنف الحول، أمّا الردّة فان كانت عن فطرة انقطع الحول، و الاّ فلا ما لم يقتل أو يمت - الى أن قال: - و امكان الأداء شرط في الضمان لا الوجوب كالاسلام ، فلو تلف النصاب قبل التمكّن من الأداء فلا ضمان، و لو تلف البعض فبالنسبة، و كذا لو تلف قبل الاسلام أو بعده و لم يحل الحول. انتهى».(2)

و قال في الجواهر: «لولا ظهور الاجماع على عدم الضمان مع الاسلام اذا كان هو المتلف لتوجّه الضمان؛ لعدم ثبوت جُبّ الاسلام الخطاب بما في ذمّته من أموال الناس. و في المنتهى: «لو أخذ الامام أو الساعي الزكاة في حال كفره ثمّ أسلم سقطت عنه، أمّا لو أخذها غيرهما فلاتسقط». و لعلّ مراده الرجوع بالمأخوذ مع بقاء العين. انتهى ملخّصا».(3)

و أمّا الشيخ مرتضى الأنصاري في شرح قول العلاّمة في الارشاد: «و شرط الضمان الاسلام و امكان الأداء، فلو تلفت بعد الوجوب و امكان الأداء، ضمن المسلم، لا الكافر» فقال: « أمّا ضمان المسلم فعن التذكرة أنّ عليه علماؤنا أجمع»؛ لأنّ الاهمال مع التمكّن تفريط يوجب الضمان عند التلف مطلقا، و لحسنتي ابن مسلم و زرارة(4). و أمّا عدم ضمان الكافر - و ان فرّط في الاتلاف - فلاشتراطالاسلام في الضمان على ما ذكره المصنّف و الشهيدان قدس سرهم. و الوجه فيه غير واضح - و قد أطال الكلام في تقريب عدم الضمان، ثمّ قال: - و يبقى الكلام في دليل ما ذكروه من اشتراط الاسلام في الضمان، و ليس بواضح كما اعترف به غير واحد.


1) - الينابيع الفقهيّة 5: 249.

2) - الدروس الشرعيّة 1: 230 و 231.

3) - جواهر الكلام 15: 64.

4) - وسائل الشيعة 9: 286 / الباب 39 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1 و 2.

انتهى».(1)

و قال المحقّق الهمداني: «فالقول بتحقّق الضمان [أي ضمان الزكاة اذا تلفت من مال الكافر] - كما ربّما يستشعر من كلمات غير واحد من المتأخّرين - لعلّه أقوى. ولكن البحث عنه - كالبحث عن وجوب أصل الزكاة على الكافر بعد الالتزام بسقوطها عنه بالاسلام - قليل الفائدة. انتهى».(2)

و بعد التأمّل فيما ذكرناه من فتوى العلماء و ما تقدّم في الفروع الثلاثة المتقدّمة تجد صحّة ما ذهب اليه الماتن من قوله: «و لو كان قد أتلفها فله أخذ عوضها منه». و ذلك لقاعدة الضمان بالاتلاف. و الاشكال بأنّ الكافر لايتمكّن من الأداء فقد تقدّم جوابه.

(مسألة 17): لو أسلم الكافر بعد ما وجبت عليه الزكاة سقطت عنه و ان كانت العين موجودة، فانّ الاسلام يجبّ ما قبله.

الشرح:

قال في المدارك: «و قد نصّ المصنّف في المعتبر و العلاّمة في جملة من كتبه على أنّ الزكاة تسقط عن الكافر بالاسلام و ان كان النصاب موجودا؛ لقوله عليه السلام :«الاسلام يجبّ ما قبله». و يجب التوقّف في هذا الحكم؛ لضعف الرواية المتضمّنة للسقوط سندا و متنا، و لما روي في عدّة أخبار صحيحة من أنّ المخالف اذا استبصر لايجب عليه اعادة شيء من العبادات التي أوقعها في حال ضلالته سوى الزكاة فانّه لابدّ أن يؤدّيها، و مع ثبوت هذا الفرق في المخالف فيمكن اجراؤه في الكافر. و بالجملة فالوجوب على الكافر متحقّق فيجب بقاؤه تحت العهدة الى


1) - كتاب الزكاة: 67 - 69.

2) - مصباح الفقيه 13: 95.

أن يحصل الامتثال أو يقوم على السقوط بالاسلام دليل يعتدّ به، على أنّه ربّما لزم من هذا الحكم عدم وجوب الزكاة على الكافر كما في قضاء العبادة؛ لامتناع أدائها في حال الكفر و سقوطها بالاسلام ، الاّ أن يقال: انّ متعلّق الوجوب ايصالها الى الساعي و ما في معناه في حال الكفر، و ينبغي تأمّل ذلك. انتهى».(1)

و قال في الجواهر: «و تسقط عنه بالاسلام كما نصّ عليه غير واحد، بل لم نجد فيه خلافا و لا توقّفا قبل الأردبيلي و الخراساني و سيّد المدارك - الى أن قال: - لأنّ الاسلام يجبّ ما قبله المنجبر سندا و دلالة بعمل الأصحاب الموافق لقوله تعالى: «قل للذين كفروا ان ينتهوا يُغفَر لهم ما قد سلف»(2)، بل يمكن القطع به بملاحظة معلوميّة عدم أمر النبي صلى الله عليه و آله لأحد ممّن تجدّد اسلام ه من أهل البادية و غيرهم بزكاة ابلهم في السنين الماضية، بل ربّما كان ذلك منفرا لهم عن الاسلام ، كما أنّه لو كان شيء منه لذاع و شاع، كيف و الشائع عند الخواصّ فضلاً عن العوامّ خلافه. فمن الغريب ما في المدارك من التوقّف في هذا الحكم لضعف الخبر المزبور سندا و متنا. انتهى».(3)

و قال في مفتاح الكرامة: «نصّ عليه المفيد في كتاب الاشراف و الشيخ وابن ادريس و كذا ابن حمزة و سائر المتأخّرين، و ما وجدنا من خالف أو توقّف قبل صاحب المدارك و صاحب الذخيرة ... بل في المعتبر و التذكرة و كشف الالتباس و المسالك أنّها تسقط عنه بالاسلام و ان كان النصاب موجودا. انتهى».(4)

قال العلاّمة الخوئي: «لا اشكال كما لا خلاف في السقوط لو أسلم و كانت


1) - مدارك الأحكام 5: 42.

2) - الأنفال 8: 38.

3) - جواهر الكلام 15: 61.

4) - مفتاح الكرامة 3 كتاب الزكاة: 30.

العين تالفة؛ للسيرة القطعيّة القائمة على ذلك في عصر النبي صلى الله عليه و آله و الوصي عليه السلام و غيرهما من المتصدّين للأمر؛ اذ لم يعهد من أحد منهم مطالبة من أسلم بدفع ما فاته من الزكوات في حال الكفر، لا زكاة أموالهم و لا زكاة أبدانهم - أي زكاة الفطرة - و لم ينقل ذلك و لا في رواية ضعيفة. انتهى».(1)

و يستفاد من هذه الكلمات أنّهم يستدلّون على ادّعائهم بالاجماع و السيرة و الكتاب و السنّة. أمّا الاجماع ففيه: انّ كاشفيّته عن رأي الامام غير معلوم؛ للظنّ القوي باستناد المجمعين الى الكتاب و السنّة. أضف الى ذلك أنّ المسألة لم تكن من المسائل الأصليّة المتلقّاة عن المعصومين عليهم السلام ، و لذا لم تذكر في المقنعة و المقنع و الهداية و نحوها بل هي من المسائل التفريعيّة و ليس الاجماع في مثلها حجّة. و السيرة فسيأتي البحث عنها. و تتّضح دلالة الكتاب و الاشكال فيها في البحث عن دلالة حديث الجبّ. و أمّا السنّة فهي حديث الجبّ. فمعنى «جبّ» قطع و محا.

قال في النهاية: «انّ الاسلام يجبّ ما قبله و التوبة تجبّ ما قبلها، أي يقطعان و يمحوان ما كان قبلهما من الكفر و المعاصي و الذنوب. انتهى».(2)

و قد رواه في المستدرك عن عوالي اللئالي عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال:

«الاسلام يجبّ ما قبله».(3)

و نقله من تفسير علي بن ابراهيم في قوله تعالى: «و قالوا لن نؤمن لك حتّى تفجر لنا. الآية»(4)عن أمّ سلمة ( في حديث) أنّها قالت لرسول اللّه صلى الله عليه و آلهفي فتح مكّة:


1) - مستند العروة 23: 128.

2) - النهاية في غريب الحديث لابن الأثير: أنظر مادة «جبب».

3) - مستدرك الوسائل 7: 448 / الباب 15 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 2.

4) - الاسراء 17: 90.

«بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه، سعد بك جميع الناس الاّ أخي، من بين قريش و العرب، رددت اسلام ه، و قبلت اسلام الناس كلّهم! فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: يا أمّ سلمة، انّ أخاك كذّبني تكذيبا لم يكذّبني أحد من الناس، هو الذي قال لي: «لن نؤمن لك - الآية الى قوله تعالى - كتابا نقرؤه ». قالت أمّ سلمة: بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه! ألم تقل: انّ الاسلام يجبّ ما قبله؟ قال: نعم. فقبل رسول اللّه صلى الله عليه و آله اسلام ه».(1)

و قال العلاّمة الخوئي: «انّ سند الحديث ضعيف؛ لعدم روايته من طرقنا لا في كتب الحديث و لا في الكتب الاستدلاليّة للفقهاء المتقدّمين كالشيخ و من سبقه و لحقه، ماعدا ابن أبي جمهور الاحسائي في عوالي اللئالي الذي لايخفى ما في المؤلِّف و المؤلَّف، حتّى طعن فيه من ليس من شأنه الطعن كصاحب الحدائق. و دعوى الانجبار موهونة جدّا بل غير قابلة للتصديق، اذ كيف يحتمل استناد المشهور الى رواية لم يذكروها لا في كتبهم الروائيّة و لا الاستدلاليّة كما سمعت. - و استشكل في دلالته بأنّ - الحديث رواه في مجمع البحرين بمتن آخر و هو:«الاسلام يجبّ ما قبله، و التوبة تجبّ ما قبلها من الكفر و المعاصي و الذنوب». و قصور الدلالة على هذا و كونها أجنبيّة عمّا نحن بصدده واضح لايخفى، فانّها تشير حينئذ الى مطلب آخر و هو الغفران عن ذنب الكفر كما أنّ التوبة توجب العفو عن سائر الذنوب. انتهى ملخّصا».(2)

ولكن بعض الأعلام أنكر ضعف سنده، و نقله عن عدّة كتب(3)في ضمن


1) - مستدرك الوسائل 7: 448 / الباب 15 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 3.

2) - مستند العروة 23: 129 - 131.

3) - عن كنز العمّال: 1 / الحديث 243 و 247 و 297. و عن صحيح مسلم: 1 / باب أنّ الاسلام يهدم ماقبله. و عن الدرّ المنثور: 3 / في ذيل قوله تعالى: «قل للذين كفروا ... » و عن المستمسك في صلاة القضاء.

وقائع متعدّدة ثمّ قال: «و الظاهر أنّه متواتر اجمالاً بمعنى أنّه يحصل العلم اجمالاً بصدور هذا المضمون عن النبي صلى الله عليه و آله ولو في ضمن قصّة من تلك القصص الكثيرة، و أنّه ليس جميع هذه القصص كاذبة بأنّ تواطؤ الأشخاص على جعل هذا المضمون في ضمن القصص المختلفة. انتهى».(1)

و أمّا الاشكال في دلالته بما في ذيله المنقول في مجمع البحرين، ففيه: انّ الظاهر أنّ الذيل ليس جزءا من الحديث بل هو تفسير منه قد أخذه من تفسير النهاية و اللسان؛ اذ لم يوجد هذا الذيل (أي: من الكفر و المعاصي و الذنوب) في نقل سوى ما في تفسير النهاية و اللسان.

و محتملات الحديث ثلاثة:

الأوّل: أن يراد به أنّ الاسلام يرفع الكفر.

الثاني: أن يراد أنّ الاسلام يرفع آثار الكفر كنجاسة البدن و مهدوريّة الدم و المال.

الثالث: رفع تبعات الخطيئات الصادرة منه حال الكفر كقضاء الصلاة و الصومو الزكاة، و حدّ شرب الخمر و غيرها. فاحتمال الأوّل بعيد في غايته؛ لأنّه من توضيح الواضحات، و كذا الثاني بعده فيبقى الثالث.

أقول:

من مجموع ما نقل من الكتاب و السنّة و الاجماع و السيرة تطمئنّ النفس بأنّ بناء الاسلام دعوة الناس و ترغيبهم الى الانتحال به و حثّهم عليه، و لم يكن سيرة النبي و الأئمّة عليهم السلام الانفار و ردّ الناس، و لو لم يكن الاسلام يعفو عن الزكاة كما عفى عن قضاء الصلاة و الصوم لم يرغبوا فيه الاّ القليل، فانّ من كان عمره سبعين سنة و هو يملك خمسين شاة لو لم يعف عنه الزكاة لكان وجب عليه خمسون شاة


1) - كتاب الزكاة 1: 138 و 139.

لكلّ سنة شاة، فأنّى لهم بانتحال الاسلام بالرغبة و فراغ البال.

(مسألة 18): اذا اشترى المسلم من الكافر تمام النصاب بعد تعلّق الزكاة وجب عليه اخراجها.

الشرح:

بناءً على أنّ الكافرين مكلّفون بالفروع كما هم مكلّفون بالأصول، و أنّ الزكاة في العين الزكويّة و أنّ الفقراء شركاء فيها أو أنّها متعلّقة لحقّهم. مضافا الى صحيحة عبدالرحمن البصري قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل لم يزكّ ابله أو شاءه(1)عامين فباعها، على من اشتراها أن يزكّيها لما مضى؟ قال: نعم، تؤخذ منها(2)زكاتهاو يتبع بها البائع أو يؤدّي زكاتها البائع».(3)


1) - في المصدر: شاته.

2) - في المصدر: منه.

3) - وسائل الشيعة 9: 127 / الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

فصل : في الأجناس التي تتعلّق بها الزكاة

تجب الزكاة في تسعة أشياء: الأنعام الثلاثة، و هي: الابل و البقر و الغنم. و النقدين و هما: الذهب و الفضّة. و الغلاّت الأربع و هي: الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب. و لاتجب فيماعدا ذلك على الأصحّ.

الشرح:

قال في الشرائع: «تجب الزكاة في الأنعام الثلاث: الابل و البقر و الغنم. و في الذهب و الفضّة، و الغلاّت الأربع: الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب. و لاتجب فيماعدا ذلك. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «أمّا وجوب الزكاة في هذه الأنواع التسعة فقال العلاّمة رحمه الله في التذكرة و المنتهى: «انّه مجمع عليه بين المسلمين. و الأخبار به مستفيضة». و أمّا أنّها لاتجب فيماعدا ذلك فقال في المعتبر: «انّه مذهب الأصحاب عداابن الجنيد. و نقل عن ابن الجنيد أنّه قال: «تؤخذ الزكاة في أرض العشر من كلّ ما دخل القفيز من حنطة و شعير و سمسم و أرز و دُخن و ذرة و عدس و سُلت


1) - شرائع الاسلام 1: 142.

و سائر الحبوب». و هو ضعيف. انتهى».(1)

و قال في الجواهر في وجوب الزكاة على التسعة المذكورة: «بلا خلاف أجده فيه بين المسلمين فضلاً عن المؤمنين، بل هو من ضروريّات الفقه ان لم يكن من ضروريّات الدين، و النصوص به مع ذلك متواترة، كتواترها في أنّه لاتجب فيماعدا ذلك. انتهى».(2)

و قال العلاّمة الخوئي: «لكن دعوى التواتر مشكلة؛ لاستدعائها أن يبلغ عدد الرواة في كلّ طبقة حدّا يمتنع عادة اشتباههم أو تواطؤهم على الكذب، و ليس في المقام كذلك، فانّ الرواة في طبقة الامام عليه السلام لايزيدون على أربعه عشر، على أنّ الطبقة في أوّل السند لاتشتمل على أكثر من ثلاثة أنفار - الشيخ و الكليني و الصدوق - فانّ كلّها تنتهي اليهم، و ما بينهما من الطبقات متوسّطات، و هذا المقدار لاينطبق عليه ضابط التواتر كما لايخفى. نعم، الروايات مستفيضة و متظافرة لا أنّها متواترة دلّت على وجوب الزكاة في التسعة دون غيرها. انتهى».(3)

و أمّا الروايات فهي على طائفتين:

الطائفة الأولى ناطقة بوجوب الزكاة في تسعة أشياء و عدم وجوبها في شيء سوى ذلك من الحبوب و غيرها:

فمنها صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : أنزلت آية الزكاة «خذ من أموالهم صدقةتطهّرهم و تزكّيهم بها» في شهر رمضان، فأمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله مناديه فنادى في الناس: انّ اللّه تبارك و تعالى قد فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة، ففرض اللّه عليكم من الذهب و الفضّة، و


1) - مدارك الأحكام 5: 45.

2) - جواهر الكلام 15: 65.

3) - مستند العروة 23: 133 و 134.

الابل و البقر و الغنم، و من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و نادى فيهم بذلك في شهر رمضان، و عفا لهم عمّا سوى ذلك. الحديث».(1)

و منها صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالا:

«فرض اللّه عزّوجلّ الزكاة مع الصلاة في الأموال، و سنّها رسول اللّه صلى الله عليه و آله في تسعة أشياء، و عفا عمّا سواهنّ: في الذهب و الفضّة، و الابل و البقر و الغنم، و الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و عفا عمّا سوى ذلك».(2)

و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«ما أنبتت الأرض من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب - الى أن قال: - و ليس فيما أنبتت الأرض شيء الاّ في هذه الأربعة أشياء».(3)

و منها صحيحة زرارة و بكير ابني أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«ليس في شيء أنبتت الأرض من الأرز و الذرة(4)و الحمّص و العدس و سائر الحبوب و الفواكه غير هذه الأربعة الأصناف و ان كثر ثمنه زكاة، الاّ أن يصير مالاً يباع بذهب أو فضّة تكنزه ثمّ يحول عليهالحول و قد صار ذهبا أو فضّة فتؤدّي عنه من كلّ مائتي درهم خمسة دراهم، و من كلّ عشرين دينارا نصف دينار».(5)

و منها موثّقة زرارة قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن صدقات الأموال، فقال: في تسعة أشياء،


1) - وسائل الشيعة 9: 53 / الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 55 / الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 9: 63 / الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 8.

4) - في نسخة زيادة: و الدخن. هامش الوسائل

5) - وسائل الشيعة 9: 63 / الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 9.

ليس في غيرها شيء: في الذهب و الفضّة، و الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و الابل و البقر و الغنم السائمة - و هي الراعية - و ليس في شيء من الحيوان غير هذه الثلاثة الأصناف شيء، و كلّ شيء كان من هذه الثلاثة الأصناف فليس فيه شيء حتّى يحول عليه الحول منذ يوم ينتج».(1)

و منها خبر الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سئل عن الزكاة، قال: الزكاة على تسعة أشياء: على الذهب و الفضّة، و الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و الابل و البقر و الغنم، و عفا رسول اللّه صلى الله عليه و آله عمّا سوى ذلك».(2)

و منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الصدقة، فيما هي؟ قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: في تسعة: الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و الذهب و الفضّة، و الابل و البقر و الغنم، و عفا عمّا سوى ذلك».(3)

و منها مرسلة أبي سعيد القمّاط عمّن ذكره عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«أنّه سئل عن الزكاة، فقال: وضع رسول اللّه صلى الله عليه و آله الزكاة على تسعة و عفا عمّا سوى ذلك: الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و الذهب و الفضّة، و البقر و الغنم و الابل. فقال السائل: فالذرة؟ فغضب عليه السلام ثمّ قال: كان واللّه على عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله السماسم و الذرة و الدخن و جميع ذلك. فقال: انّهم يقولون: انّه لم يكن ذلك على عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله، و انّما وضع على تسعة لما لم يكن بحضرته غير ذلك!


1) - وسائل الشيعة 9: 57 / الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 9.

2) - وسائل الشيعة 9: 58 / الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 11.

3) - وسائل الشيعة 9: 60 / الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 17.

فغضب، ثمّ قال: كذبوا، فهل يكون العفو الاّ عن شيء قد كان، و لا واللّه ما أعرف شيئا عليه الزكاة غير هذا، فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر».(1)

و منها خبر أبي بكر (عبداللّه بن محمّد) الحضرمي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«وضع رسول اللّه صلى الله عليه و آله الزكاة على تسعة أشياء: الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و الذهب و الفضّة، و الابل و البقر و الغنم، و عفا رسول اللّه صلى الله عليه و آله عمّا سوى ذلك».(2)

و منها خبر زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«الزكاة على تسعة أشياء: على الذهب و الفضّة، و الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و الابل و البقر و الغنم، و عفا رسول اللّه صلى الله عليه و آله عمّا سوى ذلك».(3)

و خبر الحسن بن شهاب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«وضع رسول اللّه صلى الله عليه و آله الزكاة على تسعة أشياء و عفا عمّا سوى ذلك:على الذهب و الفضّة، و الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و الابل و البقر و الغنم».(4)

و منها خبر محمّد بن الطيّار(5)قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عمّا تجب فيه الزكاة، فقال: في تسعة أشياء: الذهب و الفضّة، و الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و الابل و البقر و الغنم، و عفا رسول اللّه صلى الله عليه و آلهعمّا سوى ذلك. فقلت: أصلحك اللّه،


1) - وسائل الشيعة 9: 54 / الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 9: 55 / الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 9: 57 / الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 8.

4) - وسائل الشيعة 9: 57 / الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 10.

5) - في نسخة من الاستبصار: محمّد بن جعفر الطيّار. هامش الوسائل

فانّ عندنا حبّا كثيرا! قال: فقال: و ما هو؟ قلت: الأرز. قال: نعم، ما أكثره! فقلت: أفيه الزكاة؟ فزبرني، قال: ثمّ قال: أقول لك: انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله عفا عمّا سوى ذلك و تقول لي: انّ عندنا حبّا كثيرا، أفيه الزكاة؟!».(1)

و منها خبر جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سمعته يقول: وضع رسول اللّه صلى الله عليه و آله الزكاة على تسعة أشياء، و عفا عمّا سوى ذلك: على الفضّة و الذهب ، و الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و الابل و البقر و الغنم، فقال له الطيّار - و أنا حاضر - : انّ عندنا حبّا كثيرا يقال له: الأرز! فقال له أبو عبداللّه عليه السلام : و عندنا حبّ كثير. قال: فعليه شيء؟ قال: لا، قد أعلمتك أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله عفا عمّا سوى ذلك».(2)

الطائفة الثانية لاتنفي الزكاة عن غير التسعة المذكورة بل في بعضالروايات يأمر بالزكاة فيه:

منها صحيحة علي بن مهزيار قال:

«قرأت في كتاب عبداللّه بن محمّد الى أبي الحسن عليه السلام : جعلت فداك، روي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال: وضع رسول اللّه صلى الله عليه و آله الزكاة على تسعة أشياء: الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و الذهب و الفضّة، و الغنم و البقر و الابل، و عفا رسول اللّه صلى الله عليه و آله عمّا سوى ذلك. فقال له القائل: عندنا شيء كثير يكون بأضعاف ذلك. فقال: و ما هو؟ فقال له: الأرز. فقال أبو عبداللّه عليه السلام : أقول لك: انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وضع الزكاة على تسعة أشياء و عفا عمّا سوى ذلك، و تقول: عندنا أرز و عندنا


1) - وسائل الشيعة 9: 58 / الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 12.

2) - وسائل الشيعة 9: 58 / الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 13.

ذرة، و قد كانت الذرة على عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله؟! فوقّع عليه السلام : كذلك هو، و الزكاة على كلّ ما كيل بالصاع. و كتب عبداللّه: و روى غير هذا الرجل عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سأله عن الحبوب، فقال: و ما هي؟ فقال: السمسم و الأرز و الدخن، و كلّ هذا غلّة كالحنطة و الشعير. فقال أبو عبداللّه عليه السلام : في الحبوب كلّها زكاة».(1)(2)

و منها صحيحة محمّد بن اسماعيل قال:

«قلت لأبي الحسن عليه السلام : انّ لنا رطبة و أرزا، فما الذي علينا فيها؟ فقال عليه السلام : أمّا الرطبة فليس عليك فيها شيء، و أمّا الأرز فما سقت السماء العشر، و ما سقي بالدلو فنصف العشر من كلّ ما كلت بالصاع، أو قال: و كيل بالمكيال».(3)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألته عن الحرث، ما يزكّى منها؟ قال عليه السلام : البرّ و الشعير و الذرة و الدخن و الأرز و السلت و العدس و السمسم، كلّ هذا يزكّى و أشباهه».(4)

و منها صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام :

« ... و قال: كلّ ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة. و قال: جعل رسول اللّه صلى الله عليه و آلهالصدقة في كلّ شيء أنبتت الأرض الاّ ما كان في الخضر و البقول، و كلّ شيء يفسد من يومه».(5)

و منها خبر أبي مريم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 9: 55 و 61 / الباب 8 و 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 6 و 1.

2) - فروع الكافي 3: 503 / الباب 274 ما يزكّى من الحبوب / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 9: 62 / الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة/ الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 9: 62 / الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة/ الحديث 4.

5) - وسائل الشيعة 9: 63 / الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 6.

«سألته عن الحرث، ما يزكّى منه؟ فقال: البرّ و الشعير و الذرة و الأرز و السلت و العدس، كلّ هذا ممّا يزكّى. و قال: كلّ ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة».(1)

و قد عرفت التنافي بين الطائفتين من الروايات، و احتملوا لرفع التنافي ثلاثة احتمالات:

الأوّل: أنّها تعارض الطائفة الأولى؛ لأنّهما بين النفي و الاثبات، فيحمل ما دلّ على الزكاة في غير التسعة على التقيّة بقرينة ما ذهب اليه أبو حنيفة و غيره.

ذكره في الانتصار و تبعه في الحدائق و قرّبه في مصباح الفقيه.

قال السيّد المرتضى: «و ممّا ظنّ انفراد الاماميّة به: القول بأنّ الزكاة لاتجب الاّ في تسعة أصناف: الدنانير و الدراهم و الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الابل والبقر و الغنم، و لا زكاة فيماعدا ذلك. و باقي الفقهاء يخالفون في ذلك. و حكي عن ابن أبي ليلى و الثوري و ابن حيّ أنّه ليس في شيء من الزروع زكاة الاّ الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و هذه موافقة للاماميّة. و أبو حنيفة و زفر يوجبان العشر في جميع ما أنبتت الأرض الاّ الحطب و القصب و الحشيش. و أبو يوسف و محمّد يقولان: «لايجب العشر الاّ فيما له ثمرة باقية و لا شيء في الخضراوات». و قال مالك: «الحبوب كلّها فيها الزكاة و في الزيتون». و قال الشافعي: «انّما تجب فيما ييبس و يقتات و يدّخر مأكولاً و لا شيء في الزيتون». و الذي يدلّ على صحّة مذهبنا - مضافا الى الاجماع - أنّ الأصل براءة الذمّة من الزكوات، و انّما يرجع الى الأدلّة الشرعيّة في وجوب ما يجب منها، و لا خلاف فيما أوجبت الاماميّة الزكاة فيه، و ماعداه فلم يقم دليل قاطع على وجوب الزكاة فيه، فهو باقٍ على الأصل - الى أن قال: - فان قيل: كيف تدّعون اجماع الاماميّة و ابن الجنيد يخالف في ذلك، و يذهب الى أنّ الزكاة واجبة في جميع الحبوب التي تخرجها الأرض و ان زادت


1) - وسائل الشيعة 9: 62 / الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

على التسعة الأصناف التي ذكرناها؟ و روى في ذلك أخبارا كثيرة عن أئمّتكم عليهم السلام ، و ذكر أنّ يونس كان يذهب الى ذلك. قلنا: لا اعتبار بشذوذ ابن الجنيد و لا يونس و ان كان يوافقه، و الظاهر من مذهب الاماميّة ما حكيناه، و قد تقدّم اجماع الاماميّة و تأخّر عن ابن الجنيد و يونس. و الأخبار التي تعلّق ابن الجنيد بها الواردة من طريق الشيعة الاماميّة معارضة بأظهر و أكثر و أقوى منها من رواياتهم المعروفة المشهورة. و يمكن حملها بعد ذلك على أنّها خرجت مخرج التقيّة، فانّ الأكثر من مخالفي الاماميّة يذهبون الى أنّ الزكاة واجبة في الأصناف كلّها، و انّما يوافق الاماميّة منهم الشاذّ النادر. و ممّا يقوّي مذهبنا في هذه المسألة أنّ الذرة و العدس و كثيرا من الحبوب الخارجة من الحنطة و الشعير و التمر كانت معروفة بالمدينة و أكنافها، و ما نقل أحد من أهل السير عن أحد ممّن بعثه النبي صلى الله عليه و آله لأخذ الصدقة أنّهأخذ في جملة ما أخذ عدسا و لا ذرة، كما رووا و عيّنوا الحنطة و الشعير و التمر، فدلّ ذلك على أنّه خارج من أصناف ما يؤخذ منه الزكاة. انتهى».(1)

و قال في الحدائق: «لا خلاف بين الأصحاب في وجوب الزكاة في الغلاّت الأربع المشهورة و هي التمر و الزبيب و الحنطة و الشعير، انّما الخلاف فيما زاد على هذه الأربع ممّا دخله الكيل و الوزن كالأرز و الدخن و السمسم و نحوها، فالأشهر الأظهر أنّه لا زكاة فيها، و نقل عن ابن الجنيد القول بالوجوب فيها. و حكاه الكليني و الشيخ عن يونس بن عبدالرحمن من قدماء أصحابنا- الى أن قال: - و الأصحاب قد جمعوا بين الأخبار بحمل هذه الأخبار الأخيرة على الاستحباب، و الأظهر عندي حمل هذه الأخبار الأخيرة على التقيّة التي هي في اختلاف الأحكام الشرعيّة أصل كلّ بليّة، فانّ القول بوجوب الزكاة في هذه الأشياء مذهب الشافعي و أبي حنيفة و مالك و أبي يوسف و محمّد كما نقله في المنتهى. انتهى


1) - الانتصار: 206 و 210 و 211.

ملخّصا».(1)

و قال المحقّق الهمداني: «و أمّا ما نسب الى المشهور من الحمل على الاستحباب، فهو أيضا لايخلو من اشكال؛ نظرا الى ما في الأخبار المزبورة من الاشارة الى موافقة الأخبار المثبتة للزكاة في سائر الأجناس للعامّة و مناسبتها للتقيّة، ضرورة أنّ مثل هذا الحكم الذي هو عمدة ما يتعلّق به سلطنة السلاطين بعد اشتهاره لدى العامّة و استقرار سيرة سلاطينهم على أخذ الزكاة من سائر الحبوب، لم يكن يسع الامام عليه السلام انكاره بل كان عليه اظهار الموافقة لهم كما وقع الأمر كذلك في هذه الأخبار، فلايبقى لهذه الأخبار - بعد أن علم بأنّ ظاهرها الذي هو موافق للعامّة، مخالف للواقع - ظهور في كونها مسوقة لبيان الحكم الواقعي؛كي يصلح أن يكون التصريح بنفي الزكاة فيماعدا التسعة في الأخبار الحاصرة للزكاة فيها، قرينة على ارادة الاستحباب من هذه الأخبار. انتهى».(2)

و ان كان يتردّد في الحمل على التقيّة، و في الأخير رأى أنّ بعض تلك الأخبار يحمل على التقيّة و بعضها على الاستحباب. فراجع.

الثاني: ما ذهب اليه المشهور من حمل الطائفة الثانية من الأخبار على الاستحباب.

قال المفيد في المقنعة: «و يزكّى سائر الحبوب ممّا أنبتت الأرض، فدخل القفيز و المكيال بالعشر و نصف العشر كالحنطة و الشعير سنّة مؤكّدة دون فريضة واجبة، و ذلك أنّه قد ورد في زكاة سائر الحبوب آثار عن الصادقين عليهم السلام مع ما ورد عنهم في حصرها في التسعة الأشياء المتقدّم ذكرها، و قد ثبت أنّ أخبارهم لاتتناقض فلم يكن لنا طريق الى الجمع بينها الاّ اثبات الفرض فيما أجمعوا على وجوبه فيه و حمل ما اختلفوا فيه مع عدم ورود التأكيد في الأمر به على السنّة


1) - الحدائق الناضرة 12: 99 - 102.

2) - مصباح الفقيه 13: 104.

المؤكّدة على ما بيّنّاه في أوّل هذا الباب، اذ كان الحمل لهما على الفرض معا تتناقض به الألفاظ الواردة فيه، و اسقاط أحدهما ابطال الاجماع و اسقاط الآخر ابطال اجماع الفرقة المحقّة على المنقول في معناه و ذلك فاسد و في فساده صحّة ما أوردناه من الفتوى. انتهى».(1)

قال العلاّمة في القواعد: «كلّ ماعدا ما ذكرنا من الغلاّت يستحبّ فيه الزكاة كالعدس و الماش و الأرز و غيرها ممّا تنبته الأرض من مكيل و موزون، و حكمه في قدر النصاب و اعتبار السقي و قدر المخرج و اسقاط المؤن حكم الواجب، و لا زكاة في الخضراوات. انتهى».(2)

و قال في مفتاح الكرامة: «الاستحباب فيما ذكر خيرة المقنعة و النهاية و المبسوط و الجمل و العقود و المراسم و الوسيلة و الغنية و السرائر و الاشارة و جميع ما تأخّر عن ذلك بل في الغنية الاجماع على ذلك - الى أن قال: - لكنّ علم الهدى في الانتصار حمل الأخبار في المقام على التقيّة و هو الذي استظهره صاحب الحدائق و كذا صاحب المصابيح لولا ما شاع بين الأصحاب من الحكم بالاستحباب. انتهى».(3)

الثالث: ما رواه في الكافي عن يونس بأنّه قال:

«معنى قوله «انّ الزكاة في تسعة أشياء و عفا عمّا سوى ذلك»: انّما كان ذلك في أوّل النبوّة، كما كانت الصلاة ركعتين ثمّ زاد رسول اللّه صلى الله عليه و آلهفيها سبع ركعات، و كذلك الزكاة وضعها و سنّها في أوّل نبوّته على تسعة أشياء ثمّ وضعها على جميع الحبوب.


1) - الينابيع الفقهيّة 5: 34.

2) - نفس المصدر: 424 و 425.

3) - مفتاح الكرامة 3: 127.

انتهى».(1)

و فيه: ما ذكر السيّد المرتضى في الانتصار و قد تقدّم آنفا بأنّ «الذرة و العدس و كثيرا من الحبوب الخارجة من الحنطة و الشعير و التمر كانت معروفة بالمدينة و أكنافها، و ما نقل أحد من أهل السير عن أحد ممّن بعثه النبي صلى الله عليه و آله لأخذ الصدقة أنّه أخذ في جملة ما أخذ عدسا و لا ذرة، كما رووا و عيّنوا الحنطة و الشعير و التمر، فدلّ ذلك على أنّه خارج من أصناف ما يؤخذ منه الزكاة. انتهى».(2)

و الظاهر أنّ ما ذهب اليه المشهور من استحباب الزكاة فيماعدا التسعة ممّاأنبتته الأرض غير الخضراوات و البقولات مطابق للاحتياط، و لعلّ انكار الامام عليه السلام في بعض الروايات للزكاة على ماعدا التسعة راجع الى انكار الوجوب.

نعم، يستحبّ اخراجها من أربعة أنواع أخر. أحدها: الحبوب ممّا يكال أو يوزن، كالأرز و الحمّص و الماش و العدس و نحوها، و كذا الثمار كالتفّاح و المشمش و نحوهما، دون الخضر و البقول كالقَتّ و الباذنجان و الخيار و البطّيخ و نحوها.

الشرح:

تقدّم دليل استحباب الزكاة في الحبوب ممّا يكال أو يوزن كالأرز و الحمّص و الماش و العدس و نحوها. و أمّا الثمار كالتفّاح و المشمش و نحوهما، و كذا الخضر و البقول كالقَتّ و الباذنجان و الخيار و البطّيخ و نحوها، فلا دليل على استحباب الزكاة فيها بل الدليل على عدمها.

فيدلّ على عدم الزكاة في الخضر و البقول صحيحة محمّد بن مسلم عن


1) - فروع الكافي 3: 502 / الباب 273 / الحديث 2.

2) - الانتصار: 210.

أبي جعفر عليه السلام :

«أنّه سئل عن الخضر، فيها زكاة؟ و ان بيعت بالمال العظيم؟ فقال: لا، حتّى يحول عليه الحول».(1)

و صحيحة الحلبي قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : ما في الخضر؟ قال: و ما هي؟ قلت: القضب(2)و البطّيخ و مثله من الخضر. قال: ليس عليه شيء الاّأن يباع مثله بمال فيحول عليه الحول ففيه الصدقة. و عن الغضاة(3)من الفرسك(4)و أشباهه، فيه زكاة؟ قال: لا. قلت: فثمنه؟ قال: ما حال عليه الحول من ثمنه فزكّه».(5)

و صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«جعل رسول اللّه صلى الله عليه و آله الصدقة في كلّ شيء أنبتت الأرض الاّ ما كان في الخضر و البقول و كلّ شيء يفسد من يومه».(6)

و موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ليس على البقول و لا على البطّيخ و أشباهه زكاة الاّ ما اجتمع عندك من غلّته فبقي عندك سنة».(7)

و خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ليس على الخضر و لا على البطّيخ و لا على البقول و أشباهه زكاة الاّ


1) - وسائل الشيعة 9: 66 / الباب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.

2) - القضب: كلّ ما اقتضب و أكل طريّا. مجمع البحرين.

3) - الغضات الغضاة: جمع غض و شيء غضيض أي طري القاموس.

4) - الفرسك - كزبرج - : الخوخ أو ضرب منه أحمر و بالفارسيّة هلو أو شفتالو.

5) - وسائل الشيعة 9: 67 / الباب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 2.

6) - وسائل الشيعة 9: 67 / الباب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 4.

7) - وسائل الشيعة 9: 68 / الباب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 7.

ما اجتمع عندك من غلّته فبقي عندك سنة».(1)

و يدلّ على عدم الزكاة في الفواكه: صحيحة زرارة عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام أنّهما قالا:

«عفا رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن الخضر. قلت: و ما الخضر؟ قالا: كلّ شيء لايكون له بقاء: البقل و البطّيخ و الفواكه و شبه ذلك ممّا يكون سريع الفساد».(2)

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر أو أبي عبداللّه عليهماالسلام :

«في البستان يكون فيه الثمار ما لو بيع، كان مالاً، هل فيه صدقة؟ قال: لا».(3)

و لايشملها قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

«الصدقة في كلّ شيء أنبتت الأرض».(4)

لأنّه عليه السلام استثنى منها «الخضر و البقول و كلّ شيء يفسد من يومه» و الخضر يطلق على الفواكه أيضا كما أطلقه عليه السلام عليها في صحيحة زرارة المتقدّمة آنفا. مضافا الى شمول قوله عليه السلام : «و كلّ شيء يفسد من يومه» للفواكه أيضا.


1) - وسائل الشيعة 9: 69 / الباب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 10.

2) - وسائل الشيعة 9: 68 / الباب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 9.

3) - وسائل الشيعة 9: 67 / الباب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 9: 67 / الباب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 4.

«الثاني»: مال التجارة على الأصحّ.

الشرح:

قال في المدارك: «اختلف علماؤنا في زكاة مال التجارة، فذهب الأكثر و منهم الشيخان و المرتضى و ابن ادريس و أبو الصلاح و ابن البرّاج و ابن أبي عقيل و سلاّر و سائر المتأخّرين الى أنّها مستحبّة. و حكى المصنّف عن بعض علمائنا قولاً بالوجوب، و هو الظاهر من كلام ابن بابويه في من لايحضره الفقيه، فانّه قال: و اذا كان مالك في تجارة و طلب منك المتاع برأس مالك و لم تبعه تبتغي بذلك الفضل فعليك زكاته اذا حال عليه الحول. و المعتمد الاستحباب. انتهى».(1)

و الدليل على ذلك الجمع بين صحيحة اسماعيل بن عبدالخالق قال:

«سأله سعيد الأعرج - و أنا أسمع - فقال: انّا نكبس الزيت و السمن نطلب به التجارة فربّما مكث عندنا السنة و السنتين، هل عليه زكاة؟ قال: ان كنت تربح فيه شيئا أو تجد رأس مالك فعليك زكاته، و ان كنت انّما تربّص به لأنّك لاتجد الاّ وضيعة فليس عليك زكاة حتّى يصير ذهبا أو فضّة، فاذا صار ذهبا أو فضّة فزكّه للسنة التي اتّجرت فيها».(2)

و صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل اشترى متاعا فكسد عليه و قد زكّى ماله قبل أن يشتري المتاع، متى يزكّيه؟ فقال: ان كان أمسك متاعه يبتغي به رأس ماله فليس عليه زكاة، و ان كان حبسه بعدما يجدرأس ماله فعليه الزكاة بعدما أمسكه بعد رأس المال. قال: و سألته عن


1) - مدارك الأحكام 5: 49.

2) - وسائل الشيعة 9: 70 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.

الرجل توضع عنده الأموال يعمل بها! فقال: اذا حال عليها الحول فليزكّها».(1)

و بين صحيحة سليمان بن خالد قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن رجل كان له مال كثير فاشترى به متاعا ثمّ وضعه فقال: هذا متاع موضوع، فاذا أحببت بعته فيرجع اليّ رأس مالي و أفضل منه، هل عليه فيه صدقة و هو متاع؟ قال: لا حتّى يبيعه. قال: فهل يؤدّي عنه ان باعه لما مضى اذا كان متاعا؟ قال: لا».(2)

و صحيحة زرارة قال:

«كنت قاعدا عند أبي جعفر عليه السلام - و ليس عنده غير ابنه جعفر عليه السلام - فقال: يا زرارة، انّ أباذرّ و عثمان تنازعا على عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله، فقال عثمان: كلّ مال من ذهب أو فضّة يدار و يعمل به و يتّجر به ففيه الزكاة اذا حال عليه الحول. فقال أبوذرّ: أمّا ما يتّجر به أو دير و عمل به فليس فيه زكاة. انّما الزكاة فيه اذا كان ركازا كنزا موضوعا، فاذا حال عليه الحول ففيه الزكاة، فاختصما في ذلك الى رسول اللّه صلى الله عليه و آله، قال: القول ما قال أبوذرّ. الحديث».(3)

فالمنفي في هاتين الروايتين وجوب الزكاة كما هو ظاهر منهما ولو بقرينة ما تقدّم.


1) - وسائل الشيعة 9: 71 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 9: 75 / الباب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 9: 74 / الباب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.

«الثالث»: الخيل الاناث، دون الذكور و دون البغال و الحمير و الرقيق.

الشرح:

يدلّ على استحباب الزكاة في الخيل الاناث السائمة الجمع بين صحيحة محمّد بن مسلم و زرارة عنهما جميعا عليهماالسلام قالا:

«وضع أمير المؤمنين عليه السلام على الخيل العتاق الراعية في كلّ فرس في كلّ عام دينارين، و جعل على البراذين دينارا».(1)

و بين صحيحة زرارة عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام (في حديث) قالا:

«و ليس في شيء من الحيوان زكاة غير هذه الأصناف التي كتبنا(2)».(3)

قال في المدارك: «استحباب الزكاة في الخيل الاناث مجمع عليه بين الأصحاب. انتهى».(4)

و قال في الجواهر: «و كذا تستحبّ في الخيل الاناث اجماعا محصّلاً و محكيّا في الخلاف و الغنية و التذكرة. انتهى».(5)

و الدليل على عدم الزكاة لما دون الخيل السائمة، من الخيل المعلوفة و من البغال و الحمير، صحيحة زرارة قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : هل في البغال شيء؟ فقال: لا. فقلت: فكيف صار على الخيل و لم يصر على البغال؟ فقال: لأنّ البغال لاتلقح و


1) - وسائل الشيعة 9: 77 / الباب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.

2) - في المصدر: سمّيناها. (هامش الوسائل)

3) - وسائل الشيعة 9: 79 / الباب 17 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

4) - مدارك الأحكام 5: 51.

5) - جواهر الكلام 15: 74.

الخيل الاناث ينتجن، و ليس على الخيل الذكور شيء. قال(1): فما في الحمير؟ قال: ليس فيها شيء. قال: قلت: هل على الفرس أو البعير يكون للرجل يركبهما شيء؟ فقال: لا، ليس على ما يعلف شيء، انّما الصدقة على السائمة المرسلة في مَرجها عامها الذي يقتنيها فيه الرجل، فأمّا ما سوى ذلك فليس فيه شيء».(2)

و ليس على الرقيق زكاة لصحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام أنّهما سئلا عمّا في الرقيق، فقالا:

«ليس في الرأس شيء أكثر من صاع من تمر اذا حال عليه الحول، و ليس في ثمنه شيء حتّى يحول عليه الحول».(3)

الاّ أن يراد به التجارة فيستحبّ؛ للجمع بين موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ليس على الرقيق زكاة الاّ رقيق تبتغي به التجارة فانّه من المال الذي يزكّى».(4)

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام (في حديث) قالا:

«و ليس في شيء من الحيوان زكاة غير هذه الأصناف التي كتبنا».(5)


1) - في نسخة زيادة: قلت. هامش الوسائل

2) - وسائل الشيعة 9: 78 / الباب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 9: 79 / الباب 17 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 9: 79 / الباب 17 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 9: 79 / الباب 17 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

«الرابع»: الأملاك و العقارات التي يراد منها الاستنماء، كالبستان و الخان و الدكّان و نحوها.

الشرح:

قال في الشرائع: «العقار المتّخذ للنماء يستحبّ الزكاة في حاصله. و لو بلغ نصابا و حال عليه الحول وجبت الزكاة. و لاتجب في المساكن و لا في الثياب و لا الآلات و لا الأمتعة المتّخذة للقنية. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «العقار لغة: الأرض، و المراد هنا ما يعمّ البساتين و الخانات و الحمّامات و نحو ذلك على ما صرّح به الأصحاب. و استحباب الزكاة في حاصلها مقطوع به في كلامهم، و لم أقف له على مستند، و قد ذكره في التذكرة و المنتهى مجرّدا عن الدليل، ثمّ قال في التذكرة: «و لايشترط فيه الحول و لا النصاب للعموم». و استقرب الشهيد في البيان اعتبارهما. و لابأس به؛ اقتصارا فيما خالف الأصل على موضع الوفاق ان تمّ، و على هذا فانّما يثبت الاستحباب فيه اذا كان الحاصل عرضا غير زكويّ، أمّا لو كان نقدا فانّ الزكاة تجب فيه مع اجتماع الشرائط و يسقط الاستحباب. انتهى».(2)

أقول: ما ذهب اليه صاحب المدارك حسن.

(مسألة 1): لو تولّد حيوان بين حيوانين يلاحظ فيه الاسم في تحقّق الزكاة و عدمها، سواء كانا زكويّين أو غير زكويّين أو مختلفين، بل سواء كانا محلّلين أو محرّمين أو مختلفين، مع فرض تحقّق الاسم حقيقة لا أن يكون بمجرّد الصورة،و لايبعد ذلك، فانّ اللّه قادر على كلّ شيء.


1) - شرائع الاسلام 1: 158 و 159.

2) - مدارك الأحكام 5: 185.

الشرح:

لو تولّد حيوان بين حيوانين يلاحظ فيه الاسم في تحقّق الزكاة و عدمها، و ذلك لأنّ الحكم ورد على الابل و البقر و الشاة، فما صدق عليه الابل حقيقة تجب فيه الزكاة و ان تولّد من الابل و الفرس مثلاً.

قال في الشرائع: «لو تولّد حيوان بين حيوانين أحدهما زكاتيّ، روعي في الحاقه بالزكاتي اطلاق اسمه. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «انّما كان المعتبر اطلاق الاسم؛ لأنّه مناط الحكم. و كذا الكلام لو كان تولّده من حيوانين محلّلين غير زكويّين، أو من محلّل و محرّم. و لو كانا محرّمين و جاء بصفة الزكوي احتمل حلّه و وجوب الزكاة فيه؛ لاطلاق الاسم الذي هو مدار الحكم، و استوجه الشارح تحريمه؛ لكونه فرع محرّمين فتنتفي الزكاة. انتهى».(2)

أقول:

الظاهر أنّه لا فرق بين ما تولّد من محلّلين أو محرّمين اذا صدق عليه اسم الزكوي؛ لما تقدّم.

قال في مستند العروة: «لا دليل على التبعيّة في الأحكام الاّ فيما عدّ من الأجزاء ولو بنحو من التوسعة، كما في البيض الذي ورد فيه أنّه من محلّل الأكل محلّل و من محرّمه محرّم. و أمّا المولود الذي هو موجود مستقلّ و لايكاد يعدّ بعد الولادةجزءا ممّن تولّد منه بتاتا، فلا دليل على متابعته لوالديه في الأحكام أبدا، بل مقتضى القاعدة حينئذ ملاحظة الاسم. انتهى».(3)


1) - شرائع الاسلام 1: 142.

2) - مدارك الأحكام 5: 52.

3) - مستند العروة 23: 144.

فصل : في زكاة الأنعام الثلاثة

و يشترط في وجوب الزكاة فيها - مضافا الى ما مرّ من الشرائط العامّة - أمور: «الأوّل»: النصاب، و هو في الابل اثناعشر نصابا: الأوّل: الخمس، و فيها شاة. الثاني: العشر، و فيها شاتان. الثالث: خمسه عشر، و فيها ثلاث شياه. الرابع: العشرون، و فيها أربع شياه. الخامس: خمس و عشرون، و فيها خمس شياه. السادس: ستّ و عشرون، و فيها بنت مخاض و هي الداخلة في السنة الثانية. السابع: ستّ و ثلاثون، و فيها بنت لبون و هي الداخلة في السنة الثالثة. الثامن: ستّ و أربعون، و فيها حقّة و هي الداخلة في السنة الرابعة. التاسع: احدى و ستّون، و فيها جذعة و هي التي دخلت في السنة الخامسة. العاشر: ستّ و سبعون، و فيها بنتا لبون. الحادي عشر: احدى و تسعون، و فيها حقّتان.الثاني عشر: مائة و احدى و عشرون، و فيها في كلّ خمسين حقّة، و في كلّ أربعين بنت لبون، بمعنى أنّه يجوز أن يحسب أربعين أربعين و في كلّ منها بنت

لبون، أو خمسين خمسين و في كلّ منها حقّة. و يتخيّر بينهما مع المطابقة لكلّ منهما، أو مع عدم المطابقة لشيء منهما، و مع المطابقة لأحدهما الأحوط مراعاتها بل الأحوط مراعاة الأقلّ عفوا، ففي المائتين يتخيّر بينهما لتحقّق المطابقة لكلّ منهما، و في المائة و الخمسين الأحوط اختيار الخمسين، و في المائتين و أربعين الأحوط اختيار الأربعين، و في المائتين و ستّين يكون الخمسون أقلّ عفوا، و في المائة و أربعين يكون الأربعون أقلّ عفوا.

الشرح:

النصاب في الابل اثناعشر، يدلّ على ذلك روايات كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«ليس فيما دون الخمس من الابل شيء، فاذا كانت خمسا ففيها شاة الى عشرة، فاذا كانت عشرا ففيها شاتان، فاذا بلغت خمسه عشر ففيها ثلاث من الغنم، فاذا بلغت عشرين ففيها أربع من الغنم، فاذا بلغت خمسا و عشرين ففيها خمس من الغنم، فاذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض(1)الى خمس و ثلاثين، فان لم يكن عنده ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فان زادت على خمس و ثلاثين بواحدة ففيها بنت لبون الى خمس و أربعين، فان زادت واحدة ففيها حقّة، و انّما سمّيت حقّة لأنّها استحقّت أن يركب ظهرها، الى ستّين، فان زادت واحدة ففيها جذعة الى خمس و سبعين، فان زادت واحدةففيها ابنتا لبون الى تسعين، فان زادت واحدة فحقّتان الى عشرين و مائة، فان زادت على العشرين و المائة واحدة ففي كلّ خمسين حقّة


1) - ابن مخاض: قيل للفصيل اذا استكمل الحول و دخل في الثانية؛ لأنّه فصل عن أمّه و ألحقت أمّه بالمخاض.

و في كلّ أربعين ابنة لبون».(1)

و نحوها صحيحتا أبي بصير و عبدالرحمن بن الحجّاج و خبر زرارة.(2)

و لاتعارضها صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم و أبي بصير و بريد العجلي و الفضيل كلّهم، عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالا في صدقة الابل:

«في كلّ خمس شاة الى أن تبلغ خمسا و عشرين، فاذا بلغت ذلك ففيها ابنة مخاض، ثمّ ليس فيها شيء حتّى تبلغ خمسا و ثلاثين، فاذا بلغت خمسا و ثلاثين ففيها ابنة لبون، ثمّ ليس فيها شيء حتّى تبلغ خمسا و أربعين، فاذا بلغت خمسا وأربعين ففيها حقّة طروقة الفحل، ثمّ ليس فيها شيء حتّى تبلغ ستّين، فاذا بلغت ستّين ففيها جذعة، ثمّ ليس فيها شيء حتّى تبلغ خمسا و سبعين، فاذا بلغت خمسا و سبعين ففيها ابنتا لبون، ثمّ ليس فيها شيء حتّى تبلغ تسعين، فاذا بلغت تسعين ففيها حقّتان طروقتا الفحل، ثمّ ليس فيها شيء حتّى تبلغ عشرين و مائة، فاذا بلغت عشرين و مائة ففيها حقّتان طروقتا الفحل، فاذا زادت واحدة على عشرين و مائة ففي كلّ خمسين حقّة و في كلّ أربعين ابنة لبون، ثمّ ترجع الابل على أسنانها، و ليس على النيّف شيء، و لا على الكسور شيء. الحديث».(3)

لأنّهما تحملان على اضمار «و ان زادت واحدة» في جميع هذه الأعداد؛ لاتّفاق العلماء كافّة على أنّ بنت اللبون انّما تجب في ستّ و ثلاثين و الحِقّة في ستّ و أربعين و هكذا الى الآخر.


1) - وسائل الشيعة 9: 108 / الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 109 و 110 / الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 2،4،3.

3) - وسائل الشيعة 9: 111 / الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 6.

و في المعتبر بعد نقل الصحاح المرويّة عن زرارة و أبي بصير و عبدالرحمن بن الحجّاج الى قوله عليه السلام : «فاذا زادت واحدة فابنتا لبون الى تسعين، فاذا زادت واحدة فحقّتان الى عشرين و مائة» قال: «هذا مذهب علماء الاسلام ، فان زادت ففي كلّ خمسين حقّة و في كلّ أربعين بنت لبون، و به قال علماؤنا و الشافعي و أحمد. انتهى».(1)

و قال في التذكرة: «أوّل نصب الابل خمس، وفيها شاة، فلايجب فيما دونها شيء، ثمّ عشر، و فيه شاتان، ثمّ خمس عشرة، و فيه ثلاث شياه، ثمّ عشرون، و فيه أربع شياه، و هذا كلّه باجماع علماء الاسلام . فاذا بلغت خمسا و عشرين، فأكثر علمائنا على أنّ فيها خمس شياه الى ستّ و عشرين، ففيها حينئذ بنت مخاض ... و قال ابن أبي عقيل منّا: «في خمس و عشرين بنت مخاض، و هو قول الجمهور كافّة». و قال ابن الجنيد: «يجب بنت مخاض أو ابن لبون، فان تعذّر فخمس شياه». - ثمّ قال: - اذا بلغت ستّا و ثلاثين ففيها بنت لبون الى خمس و أربعين، فاذا زادت واحدة ففيها حقّة الى ستّين، فاذا زادت واحدة و بلغت احدى و ستّين ففيها جذعة الى خمس و سبعين، فاذا صارت ستّا و سبعين ففيها بنتا لبون الى تسعين، فاذا صارت احدى و تسعين فيها حقّتان الى مائة و عشرين، و هذا كلّه لا خلاف فيه بين العلماء. - ثمّ قال: - اذا زادت على مائة و عشرين ولو واحدة وجب في كلّ خمسين حقّة و في كلّ أربعين بنت لبون، فتجب هنا ثلاث بنات لبون الى مائة وثلاثين ففيها حقّة و بنتا لبون الى مائة و أربعين ففيها حقّتان و بنت لبون الى مائة و خمسين ففيها ثلاث حقاق، و على هذا الحساب بالغا ما بلغ عند علمائنا، و عند العامّة اختلاف. انتهى ملخّصا».(2)

و قد ظهر أنّ الاختلاف بيننا و بينهم في موضعين:


1) - المعتبر في شرح المختصر 2: 500.

2) - تذكرة الفقهاء 5: 57 - 59.

الأوّل فيما اذا بلغ الابل خمسا و عشرين فالجمهور قائل بأنّ فيها بنت مخاض، و الفقهاء منّا غير ابن أبي عقيل و ابن الجنيد قالوا بأنّ فيها خمس شياه فاذا زادت واحدة و بلغ ستّا و عشرين ففيها بنت مخاض.

الثاني فيما اذا بلغ الابل مائة و أحد و عشرين فما زاد. و بناءً عليه فجواز حمل صحيحة الفضلاء على التقيّة كما ذهب اليه الشيخ بعد احتمال الاضمار، بعيد في الغاية كما هو واضح.

فرع : فيما اذا بلغ النصاب الى مائة و احدى و عشرين

قد تقدّم أنّه اذا بلغ النصاب الى مائة و احدى و عشرين، ففي كلّ خمسين حقّة و في كلّ أربعين بنت لبون، و هذا لا كلام فيه. انّما الاشكال و الخلاف في أنّه هل يتخيّر المالك مطلقا بين أن يحسب و يعدّ خمسين خمسين و يعطي لكلّ خمسين حقّة أو أربعين أربعين و يعطي لكلّ أربعين بنت لبون، أو يتعيّن عليه أن يحسب و يعدّ بنحو يستوعب المال و لايبقى عفو الاّ من الواحد الى التسع، فقد يتعيّن الخمسون و قد يتعيّن الأربعون و قد يجب العدّ بهما و قد يتخيّر؟ فهنا قولان.

قال في الشرائع: «فاذا بلغت مائة و احدى و عشرين، فأربعون أو خمسون أو منهما. انتهى».(1)

و قال في المسالك: «أشار بذلك الى أنّ النصاب بعد بلوغها ذلك يصير أمرا كلّيّا لاينحصر في فرد، و أنّ التقدير بالأربعين و الخمسين ليس على وجه التخيير مطلقا، بل يجب التقدير بما يحصل به الاستيعاب، فان أمكن بهما تخيّر، و ان لم يمكن بهما وجب اعتبار أكثرهما استيعابا؛ مراعاة لحقّ الفقراء، و لو لم يمكن الاّ


1) - شرائع الاسلام 1: 143.

بهما وجب الجميع، فعلى هذا يجب تقدير أوّل هذا النصاب، و هو المائة و احدى و عشرون بالأربعين، و المائة و الخمسون بالخمسين، و المائة و سبعون بهما، و يتخيّر في المائتين و في الأربعمائة يتخيّر بين اعتباره بهما و بكلّ واحد منهما. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «ما ذكره الشهيد في المسالك أحوط، الاّ أنّ الظاهر التخيير في التقدير بكلّ من العددين مطلقا كما اختاره قدس سره في فوائد القواعد و نسبه الى ظاهر الأصحاب، لاطلاق قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «فان زادت على العشرين و المائة واحدة ففي كلّ خمسين حقّة و في كلّ أربعين ابنة لبون». و يدلّ عليه صريحا اعتبار التقدير بالخمسين خاصّة في روايتي عبدالرحمن و أبي بصير المتقدّمتين، ولو كان التقدير بالأربعين متعيّنا في المائة و احدى و عشرين و ما في معناها لما ساغ ذلك قطعا. انتهى».(2)

و في الجواهر بعد نقل كلام المحقّق الثاني و الشهيد الثاني في المسالك قال: «بل قيل: انّ ذلك خيرة المبسوط و الخلاف و الوسيلة و السرائر و التذكرة والمنتهى و نهاية الإحكام و التحرير بقرينة ما ذكروه بعنوان التمثيل، بل لعلّه الظاهر من المصنّف خصوصا مع قوله فيما يأتي: «و لو أمكن في عدد» الى آخره. بل لعلّه ظاهر القواعد أيضا، حيث قال: «و يتخيّر المالك لو اجتمعا». بل هو المحكي صريحا عن ايضاح النافع و تعليقه و كفاية الطالبين و كشف الالتباس و الميسية و الموجز الحاوي، كما أنّه يشهد له - مع أنّه الموافق للاحتياط و فيه مراعاة لحقّ الفقراء - الاتّفاق عليه ظاهرا في البقر، و صحيح الفضلاء فيه أيضا. لكن المحكي عن ظاهر المقنع و المقنعة و النهاية و المراسم و الاشارة و النافع و الارشاد و التبصرة و التلخيص و البيان و اللمعة و المفاتيح التخيير مطلقا، كما هو صريح


1) - مسالك الأفهام 1: 365.

2) - مدارك الأحكام 5: 58.

المدارك و المحكي عن مجمع البرهان و فوائد القواعد لثاني الشهيدين ناسبا له فيها الى ظاهر الأصحاب كالرياض؛ لاطلاق الأدلّة. انتهى».(1)

أقول:

لايظهر من قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «فان زادت على العشرين و المائة واحدة ففي كلّ خمسين حقّة و في كلّ أربعين ابنة لبون» التخيير، و كذا من قوله عليه السلام في صحيحة الفضلاء: «فاذا زادت واحدة على عشرين و مائة ففي كلّ خمسين حقّة و في كلّ أربعين ابنة لبون»، بل الظاهر منه أنّه ينظر بأنّ العدد يقسّم على أحدهما أو كليهما أو بعضه على أربعين و بعضه على خمسين، كما أوضحه الشهيد في المسالك.

و لاينافيه قوله عليه السلام في صحيحتي أبي بصير و عبدالرحمن بن الحجّاج: «فاذا كثرت الابل ففي كلّ خمسين حقّة»؛ لأنّه مجمل فيحمل على ما في الصحاح الأخر من قوله عليه السلام : «ففي كلّ خمسين حقّة و في كلّ أربعين ابنة لبون». و لأنّه لو يعمل بهفاللازم اهمال الأربعين فيما اذا بلغت الابل أربعين و مائة و هذا خلاف النصّ و الفتوى. و يمكن أن يقال حيث انّ قوله عليه السلام : «فاذا كثرت الابل ... » مجمل، فالمراد بعض مصاديق الكثير ممّا يستوعبه الخمسون.


1) - جواهر الكلام 15: 80 و 81.

(مسألة 1): في النصاب السادس اذا لم يكن عنده بنت مخاض يجزي عنها ابن اللبون، بل لايبعد اجزاؤه عنها اختيارا أيضا، و اذا لم يكونا معا عنده تخيّر في شراء أيّهما شاء.

الشرح:

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : فيما اذا لم يكن عنده بنت مخاض

في النصاب السادس اذا لم يكن عنده بنت مخاض يجزي عنها ابن اللبون، و الدليل على ذلك قوله عليه السلام في صحيحتي زرارة و أبي بصير:

«فاذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض الى خمس و ثلاثين، فان لم يكن عنده ابنة مخاض فابن لبون ذكر».(1)

و كذا قوله عليه السلام في صحيحة ثانية لزرارة:

«و من وجبت عليه ابنة مخاض و لم تكن عنده و كان عنده ابن لبون ذكر فانّه يقبل منه ابن لبون و ليس يدفع معه شيئا».(2)

و هذا لا خلاف فيه.

قال في المدارك: «أمّا اجزاء ابن اللبون الذكر عن بنت المخاض اذا لم تكنعنده و ان أمكنه شراؤها فقال في التذكرة: «انّه موضع وفاق». و تدلّ عليه روايتا زرارة و أبي بصير. انتهى ملخّصا».(3)


1) - وسائل الشيعة 9: 108 و 109 / الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1 و 2.

2) - وسائل الشيعة 9: 128 / الباب 13 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

3) - مدارك الأحكام 5: 81.

الفرع الثاني : في أنّه هل الحكم خاصّ بمن لم تكن عنده بنت مخاض؟

هل الحكم خاصّ بمن لم تكن عنده بنت مخاض فالبدليّة طوليّة أو أنّ أحدهما في عرض الآخر فيجزي عنها حتّى اختيارا و مع كونه واجدا لها؟

قال في المدارك: «و حكى الشارح قولاً باجزاء ابن اللبون عن بنت المخاض مطلقا، و هو ضعيف. انتهى».(1)

قال في المسالك: «و ذهب بعض الأصحاب الى اجزائه عنها مطلقا، و ما هنا أجود. انتهى».(2)

و قال في الجواهر: «في القواعد و غيرها الاجتزاء به اختيارا، بل في التنقيح الفتوى على الاجزاء مطلقا اختيارا و اضطرارا، و عن ايضاح النافع أنّه المشهور، و عن الغنية: «عندنا أنّ بنت المخاض يساويها في القيمة ابن اللبون الذكر» خلافا لظاهر جماعة و صريح أخرى، فلايجزي الاّ اذا لم يكن عنده بنت مخاض. لكن الأوّل لايخلو من قوّة؛ لقيام علوّ السنّ مقام الأنوثة، و لذا لم يكن فيه جبران اجماعا كما عن التذكرة بخلاف دفع بنت اللبون، و به صرّح في الخبر الآتي، و لانسياق عدم ارادة الشرط حقيقة من عبارة النصّ، و الاّ لاقتضى عدم اجزائها عنه اذالم تكن موجودة حال الوجوب و ان وجدت بعده، بناءً على أنّ الشرط عدم كونها عنده حينه لا حال الأداء مع معلوميّته، بل صرّح في المدارك بتعيّن اخراجها حينئذ. انتهى».(3)

و الأقوى أنّ الحكم خاصّ بمن لم تكن عنده بنت مخاض فبدليّة ابن لبون


1) - مدارك الأحكام 5: 82.

2) - مسالك الأفهام 1: 374.

3) - جواهر الكلام 15: 116 و 117.

عنها طوليّة، و ذلك لأنّه عليه السلام قيّد الاجزاء بعدم كون بنت مخاض عنده، فانّه قال في صحيحتي زرارة و أبي بصير: «فان لم يكن عنده بنت مخاض فابن لبون ذكر». و في صحيحة أخرى لزرارة: «و من وجبت عليه ابنة مخاض و لم تكن عنده و كان عنده ابن لبون ذكر فانّه يقبل منه ابن لبون و ليس يدفع معه شيئا».

و ما استدلّ به لاجزاء ابن لبون عن بنت مخاض اختيارا، من قيام علوّ السنّ مقام الأنوثة، ففيه: انّه استحسان، و لو كان ذلك حقّا لجرى في النصب قبله و بعده.

و ما قال ثانيا من «انسياق عدم ارادة الشرط ... » ففيه: الظاهر أنّه عليه السلام قيّد اجزاء ابن لبون بعدم وجودها عنده، و هذا محلّ الكلام، فانّ حدّ القيد عدم وجودها عنده حال الاعطاء، و لذا لانقول بوجوب شرائها و ان كان متمكّنا منه، اذ الشرط هنا أن لاتكون عنده.

الفرع الثالث : فيما اذا لم يكونا عنده

و لو لم يكونا عنده لا بنت مخاض و لا ابن لبون، فهل يكون مخيّرا في ابتياع أيّهما شاء؟

قال في المدارك: «و أمّا أنّه يتخيّر في ابتياع أيّهما شاء اذا لم يكونا عنده فظاهر المصنّف في المعتبر و العلاّمة في جملة من كتبه أنّه موضع وفاق بين علمائنا و أكثر العامّة، و استدلّوا عليه بأنّه بشراء ابن اللبون يكون واجدا له دون بنت المخاض فيجزيه. و حكى في المعتبر عن مالك أنّه يتعيّن شراء بنت المخاض؛ لأنّ مع عدمهما لايكون واجدا لابن اللبون فيتعيّن عليه ابتياع ما يلزم الذمّة و هو بنت المخاض، و لأنّهما استويا في العدم فلايجزي ابن اللبون كما لو استويا في الوجود. و ضعف الدليلين ظاهر. و ربّما ظهر من عبارة الشارح تحقّق الخلاف في ذلك بين علمائنا. و كيف كان فلا ريب أنّ شراء بنت المخاض مع الامكان أولى و

أحوط. انتهى».(1)

أقول:

الظاهر أنّه عليه السلام بيّن حكم ما اذا لم تكن عنده ابنة مخاض و قال باجزاء ابن لبون ان كان عنده و سكت عمّا لم يكونا عنده بل لم يكن بصدد بيان ما لم يكونا عنده و أراد أن يبتاع أحدهما مع وجودهما، فحينئذ يرجع الى الحكم الأوّل أي بنت مخاض. و ما يقال من أنّ قوله عليه السلام : «فان لم يكن عنده بنت مخاض فابن لبون ذكر» شامل لما نحن فيه، فالظاهر عدم ظهور له فيه، و على الأقلّ من الشكّ فيرجع الى الحكم الكلّي بأنّ من كان مالكا لستّ و عشرين ابلاً فعليه بنت مخاض.


1) - مدارك الأحكام 5: 82.

و أمّا في البقر فنصابان: الأوّل: ثلاثون، و فيها تبيع أو تبيعة و هو ما دخل في السنة الثانية. الثاني: أربعون، و فيها مسنّة و هي الداخلة في السنة الثالثة. و فيما زاد يتخيّر بين عدّ ثلاثين ثلاثين و يعطي تبيعا أو تبيعة و أربعين أربعين و يعطي مسنّة.

الشرح:

لا خلاف و لا اشكال في أنّ للبقر نصابين: أحدهما: ثلاثون، فلا شيء فيما دونه. و الآخر: أربعون، و ليس فيما بينهما شيء.

و في المدارك في شرح قول المحقّق في الشرائع: «و في البقر نصابان: ثلاثون و أربعون دائما» قال: «يريد بذلك أنّ الثلاثين لاينحصر في الأوّل و لا الأربعين في الثاني، بل يتعلّق الحكم بكلّ ثلاثين و كلّ أربعين، فالنصاب في الحقيقة واحد كلّي و هو أحد العددين، و نقل العلاّمة في التذكرة على ذلك اجماع العلماء. انتهى».(1)

قال في التذكرة: «فانّ في البقر نصابين: الأوّل: ثلاثون، فلا زكاة فيما نقص عن ثلاثين من البقر باجماع علمائنا، و هو قول عامّة أهل العلم. النصاب الثاني: أربعون، و عليه الاجماع فانّا لانعلم فيه مخالفا. انتهى ملخّصا».(2)

و يجب في كلّ ثلاثين بقرة تبيع و في كلّ أربعين مسنّة. و الدليل على ذلك صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم و أبي بصير و بريد و الفضيل عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالا في البقر:

«في كلّ ثلاثين بقرة تبيع حوليّ، و ليس في أقلّ من ذلك شيء، و في أربعين بقرة مسنّة، و ليس فيما بين الثلاثين الى الأربعين شيء حتّىتبلغ أربعين، فاذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنّة، و ليس فيما بين


1) - مدارك الأحكام 5: 58.

2) - تذكرة الفقهاء 5: 73 و 74.

الأربعين الى الستّين شيء، فاذا بلغت الستّين ففيها تبيعان الى السبعين، فاذا بلغت السبعين ففيها تبيع و مسنّة الى الثمانين، فاذا بلغت ثمانين ففي كلّ أربعين مسنّة الى تسعين، فاذا بلغت تسعين ففيها ثلاث تبائع حوليّات، فاذا بلغت عشرين و مائة ففي كلّ أربعين مسنّة، ثمّ ترجع البقر على أسنانها، و ليس على النيّف شيء و لا على الكسور شيء. الحديث».(1)

فرعان:

الفرع الأوّل : فيما يجب في نصاب الثلاثين

ذهب المصنّف الى أنّ في الثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة.

و قال في المدارك: «هذا قول العلماء كافّة».(2)

و قال في المختلف: «المشهور أنّ في ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة، اختاره الشيخان و ابن الجنيد و السيّد المرتضى و سلاّر و باقي المتأخّرين. و قال ابن أبي عقيل و علي بن بابويه: «في ثلاثين تبيع حوليّ(3)»، و لم يذكرا التبيعة. لنا: أنّه أشهر بين الأصحاب، و لأنّ التبيعة أفضل من التبيع، فايجابها يستلزم ايجاب التبيع دون العكس فهو أحوط فيتعيّن التخيير بينهما. احتجّا بما رواه زرارة و محمّد بنمسلم و أبو بصير و بريد و الفضيل (في الحسن) عن الباقر و الصادق عليهماالسلام قالا: «في البقر في كلّ ثلاثين بقرة تبيع حوليّ». و الجواب: أنّه غير مانع عن ايجاب الأزيد


1) - وسائل الشيعة 9: 115 / الباب 4 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

2) - مدارك الأحكام 5: 81.

3) - في الصحاح: «التبيع ولد البقرة في أوّل سنة، و الأنثى: تبيعة. و الحوليّ كلّ ذي حافر أوّل سنة، الأنثى: حوليّة». و مثله في مجمع البحرين.

على وجه التخيير. انتهى».(1)

و في الشرائع: «في كلّ ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، و في كلّ أربعين مسنّة. انتهى».(2)

و في الجواهر بعد نقل ما في الشرائع قال: «لصحيح الفضلاء المتقدّم و ان كان غير مشتمل على التخيير بين التبيع و التبيعة الاّ أنّه رواه في المعتبر كذلك، قال: «و من طريق الأصحاب ما رواه زرارة و محمّد بن مسلم و أبو بصير و الفضيل عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قال: «في البقر في كلّ ثلاثين تبيع أو تبيعة، و ليس في أقلّ من ذلك شيء حتّى تبلغ ستّين، ففيها تبيعان أو تبيعتان، ثمّ في سبعين تبيع أو تبيعة و مسنّة و في تسعين ثلاث تبائع»»، و لعلّه عثر عليه فيما عنده من الأصول كذلك كما هو مظنّة ذلك، بل أرسل في الخلاف أخبارا بذلك على أنّه في الصحيح المزبور على ما رواه الكليني و الشيخ في المرتبة الرابعة، قال: «فاذا بلغت تسعين ففيها ثلاث تبيعات حوليّات» مضافا الى دعوى أولويّة التبيعة من التبيع؛ لكونها أكثر نفعا، بل عن المنتهى لا خلاف في اجزاء التبيعة عن الثلاثين للأحاديث و لأنّها أفضل بالدرّ و النسل، بل لعلّ ظاهر الغنية و التذكرة و المنتهى و المدارك و المفاتيح الاجماع على ذلك على ما حكي عن بعضها، بل كاد يكون صريحها أو بعضها مؤيّدا ذلك كلّه بالشهرة المحكيّة في المختلف و غيره، بل و المحصّلة، بل لم نجد مخالفا صريحا. انتهى».(3)


1) - مختلف الشيعة 3: 52 و 53.

2) - شرائع الاسلام 1: 146.

3) - جواهر الكلام 15: 114 و 115.

الفرع الثاني : في محلّ التبيع و المسنّة و معناهما

انّ الظاهر من صحيحة الفضلاء أنّ التبيع هو الذي دخل في السنة الثانية، كما تقدّم تفسيره بذلك في الوسائل، و قال في الشرائع: «هو الذي تمّ له حول»(1)و ان فسّر في الصحاح و مجمع البحرين بأنّه ولد البقرة في أوّل سنة، و فسّر الحوليّ فيهما بأنّه كلّ ذي حافر أوّل سنة، الاّ أنّ الجمع بين التبيع و الحوليّ في الصحيحة دليل على أنّ المراد من التبيع هو الذي تمّ له حول؛ لأنّ معنى التبيع ولد البقرة في الحول، و لو كان الحوليّ بذلك المعنى أيضا لزم أن يكون التوصيف لغوا، فلا بدّ من أن يكون المراد من الحوليّ اكمال الحول بالدخول في السنة الثانية.

ثمّ انّه اذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنّة، و هي التي دخلت في السنة الثالثة، و ليس فيما بين الأربعين و الستّين شيء، فاذا بلغت ستّين ففيها تبيعان الى سبعين، فاذا بلغت سبعين ففيها تبيع و مسنّة، و اذا بلغت ثمانين ففي كلّ أربعين مسنّة، فاذا بلغت تسعين ففيها ثلاث تبائع، فاذا بلغت مائة ففيها تبيعان و مسنّة، و اذا بلغت مائة و عشرة ففيها مسنّتان و تبيع، و اذا بلغت مائة و عشرين ففي كلّ أربعين مسنّة و هكذا، كما في صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالا:

«في البقر في كلّ ثلاثين بقرة تبيع حوليّ و ليس في أقلّ من ذلك شيء، و في أربعين بقرة مسنّة و ليس فيما بين الثلاثين الى الأربعين شيء حتّى تبلغ أربعين، فاذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنّة و ليس فيما بين الأربعين إلى الستّين شيء، فاذا بلغت الستّين ففيها تبيعانالى السبعين، فإذا بلغت السبعين ففيها تبيع و مسنّة إلى الثمانين، فاذا بلغت ثمانين ففي كلّ أربعين مسنّة إلى تسعين، فاذا بلغت تسعين


1) - شرائع الاسلام 1: 147.

ففيها ثلاث تبائع حوليّات، فاذا بلغت عشرين و مائة ففي كلّ أربعين مسنّة، ثمّ ترجع البقر على أسنانها و ليس على النيّف شيء و لا على الكسور شيء. الحديث».(1)

و ظاهرها عدم العفو بعد الستّين الاّ لفواصل العقود. و حذف المائة و المائة و العشرة فيها لايضرّ بهذا الاستظهار؛ لأنّه لابأس به في المحاورات العرفيّة.

و أمّا في الغنم فخمسة نصب: الأوّل: أربعون و فيها شاة. الثاني: مائة و احدى و عشرون، و فيها شاتان. الثالث: مائتان و واحدة، و فيها ثلاث شياه. الرابع: ثلاثمائة و واحدة، و فيها أربع شياه. الخامس: أربعمائة فما زاد، ففي كلّ مائة شاة. و ما بين النصابين في الجميع عفو، فلايجب فيه غير ما وجب بالنصاب السابق.

الشرح:

يدلّ على ما ذكره المصنّف صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم و أبي بصير و بريد و الفضيل عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام في الشاء:

«في كلّ أربعين شاة شاة، و ليس فيما دون الأربعين شيء، ثمّ ليس فيها شيء حتّى تبلغ عشرين و مائة، فاذا بلغت عشرين و مائة ففيها مثل ذلك شاة واحدة، فاذا زادت على مائة و عشرين ففيها شاتان، وليس فيها أكثر من شاتين حتّى تبلغ مائتين، فاذا بلغت المائتينففيها مثل ذلك، فاذا زادت على المائتين شاة واحدة ففيها ثلاث شياه، ثمّ ليس فيها شيء أكثر من ذلك حتّى تبلغ ثلاثمائة، فاذا بلغت ثلاثمائة ففيها مثل ذلك ثلاث شياه، فاذا زادت واحدة ففيها أربع


1) - وسائل الشيعة 9: 114 / الباب 4 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

شياه حتّى تبلغ أربعمائة، فاذا تمّت أربعمائة كان على كلّ مائة شاة، و سقط الأمر الأوّل، و ليس على ما دون المائة بعد ذلك شيء، و ليس في النيّف شيء. و قالا: كلّ ما لم يحل عليه الحول عند ربّه فلا شيء عليه، فاذا حال عليه الحول وجب عليه».(1)

الظاهر أنّه لا خلاف في النصب الثلاثة الأولى، و هي أربعون و فيها شاة، ثمّ مائة و احدى و عشرون و فيها شاتان، ثمّ مائتان و واحدة و فيها ثلاث شياه.

قال في المدارك: «هذه النصب الثلاثة مجمع عليها بين الأصحاب، بل قال المصنّف في المعتبر و العلاّمة في المنتهى أنّه لا خلاف فيها بين العلماء الاّ ما حكى الشعبي عن معاذ أنّه قال: «في مائتين و أربعين ثلاث شياه». قال: و الحكاية ضعيفة؛ لأنّها مخالفة للاجماع. انتهى».(2)

نعم، قال في الفقيه: «و ليس على الغنم شيء حتّى تبلغ أربعين شاة، فاذا بلغت أربعين و زادت واحدة ففيها شاة الى عشرين و مائة. انتهى»(3)ولكنّه ضعيف؛ لعدم دليل يدلّ على قوله بل الدليل على خلافه كما تقدّم قوله عليه السلام في صحيحة الفضلاء: «في كلّ أربعين شاة شاة».

و في صحيحة محمّد بن قيس:

«ليس فيما دون الأربعين من الغنم شيء، فاذا كانت أربعين ففيهاشاة».(4)

اختلف الأصحاب فيما اذا بلغت ثلاثمائة و واحدة.

قال في الشرائع: «ثمّ ثلاثمائة و واحدة، فاذا بلغت ذلك، قيل: يؤخذ من كلّ


1) - وسائل الشيعة 9: 116 / الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

2) - مدارك الأحكام 5: 59.

3) - من لايحضره الفقيه 2: 26 / الحديث 1607.

4) - وسائل الشيعة 9: 117 / الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 2.

مائة شاة. و قيل: بل تجب أربع شياه حتّى تبلغ أربعمائة فتؤخذ من كلّ مائة شاة بالغا ما بلغ و هو الأشهر. انتهى».(1)

قال في المدارك: «ذهب المفيد و المرتضى و ابن بابويه و ابن أبي عقيل و سلاّر و ابن حمزه و ابن ادريس الى أنّ الواجب في الثلاثمائة و واحدة ثلاث شياه، و أنّه لايتغيّر الفرض من مائتين و واحدة حتّى تبلغ أربعمائة، و نقله في التذكرة عن الفقهاء الأربعة. و ذهب الشيخ و ابن الجنيد و أبو الصلاح و ابن البرّاج الى أنّه

يجب فيها أربع شياه ثمّ لايتغيّر الفرض حتّى تبلغ خمسمائة. احتجّ الأوّلون بصحيحة محمّد بن قيس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «ليس فيما دون الأربعين من الغنم شيء، فاذا كانت أربعين ففيها شاة الى عشرين و مائة، فاذا زادت واحدة ففيها شاتان الى المائتين، فاذا زادت واحدة ففيها ثلاث من الغنم الى ثلاثمائة، فاذا كثرت الغنم ففي كلّ مائة شاة. الحديث».(2)احتجّ الشيخ و أتباعه بصحيحة الفضلاء المتقدّمة. و المسألة قويّة الاشكال؛ لأنّ الروايتين معتبرتا الاسناد، و الجمع بينهما مشكل جدّا، و من ثمّ أوردهما المصنّف في المعتبر من غير ترجيح. و قال العلاّمة في المنتهى بأنّ طريق الحديث الأوّل (صحيحة محمّد بن قيس) أوضح من الثاني (صحيحة الفضلاء)، و اعتضد بالأصل، و هو غير بعيد مع أنّ الرواية الثانية مخالفة لما عليه الأصحاب. و لو كانا متكافئين في السند و المتنلأمكن حمل رواية محمّد بن قيس على التقيّة لموافقتها لمذهب العامّة، أو حمل الكثرة الواقعة فيها على بلوغ الأربعمائة و يكون حكم الثلاثمائة و واحدة مهملاً في الرواية. انتهى ملخّصا».(3)


1) - شرائع الاسلام 1: 143.

2) - وسائل الشيعة 9: 116 / الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 2.

3) - مدارك الأحكام 5: 60 - 63.

أقول:

الظاهر أنّه يمكن الجمع بينهما بحمل الكثرة الواقعة في صحيحة محمّد بن قيس على بلوغ الأربعمائة، و حكم الثلاثمائة و واحدة غير مذكور هنا صريحا فلاينافي صحيحة الفضلاء.

فرع : في الفائدة بين النصاب الرابع و الخامس

اذا كان يجب في أربعمائة ما يجب في ثلاثمائة و واحدة فأيّ فائدة في الزائد؟ و بعبارة أخرى اذا كان يجب في أربعمائة ما يجب في ثلاثمائة و واحدة فأيّ فائدة في جعلهما نصابين؟ و ينسحب مثل هذا السؤال في الثلاثمائة و واحدة على القول الآخر أي قول الصدوق المنكر للنصاب الرابع؛ اذ لايجب فيها الاّ ما يجب في النصاب الذي قبله أي المائتين و واحدة و هي ثلاث شياه و لاتتغيّر الفريضة حتّى تبلغ الشياه أربعمائة، فحينئذ يتوجّه السؤال على هذا القول أيضا عن فائدة جعل الثلاثمائة و واحدة نصابا مستقلاًّ.

و قد أجاب عنها المحقّق في الشرائع بأنّه تظهر الفائدة في الوجوب والضمان.(1)أمّا الوجوب فلأنّ محلّه في الأربعمائة مجموعها و فيما نقص عنها الثلاثمائة و واحدة خاصّة و الزائد عفو، فانّ الأربعمائة اذا كانت نصابا فمحلّ الوجوب هو هذا المجموع، لأنّ المجموع نصاب فلايجوز التصرّف فيها قبل اخراج الزكاة. و لو فرض أنّه نقص منها واحدة فمحلّ الوجوب عندئذ هي الثلاثمائة و واحدة؛ لأنّها النصاب و ما بينهما عفو يجوز التصرّف فيه. و هذه الثمرة مبنيّة على القول بعدم جواز التصرّف في العين الزكويّة قبل الاخراج الذي مستنده


1) - شرائع الاسلام 1: 143.

دعوى الشركة الحقيقيّة بين المالك و الفقير في نفس العين، و أنّ المال مشترك بينهما بنسبة الزكاة على سبيل الاشاعة؛ لوضوح عدم جواز التصرّف في المال المشاع قبل الافراز. و سيأتي البحث عن ذلك، و أنّ المال الزكويّ مشترك بين المالك و الفقير بنحو الاشاعة أو غيرها.

و أمّا الضمان فقال في المدارك: «فهو متفرّع على محلّ الوجوب، فاذا تلفت من أربعمائة واحدة بعد الحول بغير تفريط سقط من الفريضة جزء من مائة جزء من شاة، و لو كانت ناقصة عن الأربعمائة و لو واحدة و تلف منها شيء لم يسقط من الفريضة شيء مادامت ثلاثمائة و واحدة؛ لما عرفت من أنّ الزائد عن ذلك ليس محلاًّ للفريضة و انّما هو عفو. و لو تلفت الشاة من الثلاثمائة و واحدة سقط من الفريضة جزء من خمسة و سبعين جزءا من شاة ان لم تجعل الشاة الواحدة جزءا من النصاب و الاّ كان الساقط منه جزءا من خمسة و سبعين جزءا و ربع جزء، فظهرت الفائدة في كثرة الفريضة للفقير في قلّة الفائت و للمتصدّق في العكس، و ذلك كلّه واضح لكن يمكن المناقشة في عدم سقوط شيء من الفريضة في صورة النقص عن الأربعمائة؛ لأنّ مقتضى الاشاعة توزيع التالف علىالحقّين و ان كان الزائد على النصاب عفوا، اذ لا منافاة بينهما كما لايخفى على المتأمّل. انتهى».(1)


1) - مدارك الأحكام 5: 64.

(مسألة 2): البقر و الجاموس جنس واحد، كما أنّه لا فرق في الابل بين العراب و البخاتي، و في الغنم بين المعز و الشاة و الضأن. و كذا لا فرق بين الذكر و الأنثى في الكلّ.

الشرح:

البقر والجاموس جنس واحد؛ لصدق البقرة عليهما و لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قلت له: في الجواميس شيء؟ قال: مثل ما في البقر».(1)

و لا فرق في الابل بين العراب و البخاتي؛ لصدق اسم الابل عليهما و لصحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام (في حديث) قال:

«قلت: فما في البخت السائمة شيء؟ قال: مثل ما في الابل العربيّة».(2)

و لا فرق أيضا في الغنم بين المعز و الشاة و الضأن؛ لأنّ موضوع الحكم في صحيحة الفضلاء و غيرها الغنم و الشاة و هما شاملان للمعز و الضأن، و كذا لا فرق بين الذكر و الأنثى في الكلّ؛ لاطلاق الأدلّة.

(مسألة 3): في المال المشترك اذا بلغ نصيب كلّ منهم النصاب وجبت عليهم، و ان بلغ نصيب بعضهم وجبت عليه فقط. و اذا كان المجموع نصابا و كان نصيب كلّ منهم أقلّ لم يجب على واحد منهم.

الشرح:


1) - وسائل الشيعة 9: 115 / الباب 5 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 114 / الباب 3 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

يدلّ على ذلك رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:

«قلت له: مائتي(1)درهم بين خمس أناس أو عشرة حال عليها الحول و هي عندهم، أيجب عليهم زكاتها؟ قال: لا، هي بمنزلة تلك - يعني جوابه في الحرث - ليس عليهم شيء حتّى يتمّ لكلّ انسان منهم مائتا درهم. قلت: و كذلك في الشاة و الابل و البقر والذهب و الفضّة و جميع الأموال؟ قال: نعم».(2)

مضافا الى أنّ كلّ انسان خوطب باخراج زكاة ماله الزكوي الذي بلغ حدّ النصاب، و هذا واضح لا اشكال و لا خلاف فيه.

و في المدارك في شرح قول المحقّق في الشرائع: «و لايضمّ مال انسان الى غيره و ان اجتمعت شرائط الخلطة و كانا في مكان واحد، بل يعتبر في مال كلّ واحد بلوغ النصاب» قال: «هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب، و يدلّ عليه أنّ ملك النصاب شرط في وجوب الزكاة كالحول، فكما لايبنى حول انسان على غيره فكذا النصاب، و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمّد بن قيس عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال: «و لايفرّق بين مجتمع، و لايجمع بين متفرّق» و قال جمع من العامّة: «انّ الخلطة - بكسر الخاء - تجعل المالين مالاً واحدا، سواءً كانت خلطة أعيان كأربعين بين شريكين، أو خلطة أوصاف كالاتّحاد في المرعى و المشرب و المراح و الفحل و الحالب و المحلب مع تميّز المالين». و هو باطل؛ لانتفاء الدليل عليه. انتهى».(3)


1) - في المصدر: مائتا. هامش الوسائل

2) - وسائل الشيعة 9: 151 / الباب 5 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 2.

3) - مدارك الأحكام 5: 66.

(مسألة 4): اذا كان مال المالك الواحد متفرّقا و لو متباعدا، يلاحظ المجموع، فاذا كان بقدر النصاب وجبت و لايلاحظ كلّ واحد على حدة.

الشرح:

و هذا أيضا لا اشكال و لا خلاف فيه.

قال في الشرائع: «و لايفرّق بين مالي المالك الواحد ولو تباعد مكانهما. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «قال في التذكرة: «و لا فرق في ذلك بين أن يكون بين المالين مسافة القصر أو لا عند علمائنا أجمع». و يدلّ عليه اطلاق قوله عليه السلام : «في أربعين شاة شاة»، فانّها تتناول المجتمعة و المتفرّقة، و قوله عليه السلام في الرواية المتقدّمة: «و لايفرّق بين مجتمع» يعني في الملك. انتهى».(2)

(مسألة 5): أقلّ أسنان الشاة التي تؤخذ في الغنم و الابل من الضأن الجذع، و من المعز الثني. و الأوّل ما كمل له سنة واحدة و دخل في الثانية. و الثاني ما كمل له سنتان و دخل في الثالثة. و لايتعيّن عليه أن يدفع الزكاة من النصاب بل له أن يدفع شاة أخرى، سواء كانت من ذلك البلد أو غيره و ان كانت أدون قيمة من أفراد ما في النصاب، و كذا الحال في الابل و البقر. فالمدار في الجميع الفردالأوسط من المسمّى لا الأعلى و لا الأدنى. و ان كان لو تطوّع بالعالي أو الأعلى كان أحسن و زاد خيرا. و الخيار للمالك لا الساعي أو الفقير، فليس لهما الاقتراح عليه، بل يجوز للمالك أن يخرج من غير جنس الفريضة بالقيمة السوقيّة من النقدين أو غيرهما. و ان كان الاخراج من العين أفضل.


1) - شرائع الاسلام 1: 144.

2) - مدارك الأحكام 5: 66 و 67.

الشرح:

و في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في سنّ الشاة التي تؤخذ في الغنم و الابل

المشهور أنّ أقلّ أسنان الشاة التي تؤخذ في الغنم و الابل الجذع من الضأن و الثني من المعز.

قال في الشرائع: «و الشاة التي تؤخذ في الزكاة، قيل: أقلّها الجذع من الضأن أو الثني من المعز. و قيل: ما يسمّى شاة. و الأوّل أظهر. انتهى».(1)

قال في الجواهر: «ذهب اليه الشيخ و بنو حمزة و زهرة و ادريس و الفاضل و الشهيدان و العليّان و المقداد و القطيفي على ما حكي عن بعضهم، بل هو المشهور نقلاً على لسان جماعة و تحصيلاً، بل في الرياض: ليس فيه مخالف يعرف، بل في الخلاف و الغنية الاجماع عليه. و قيل: ما تسمّى شاة. لكن عن جماعة أنّه لم يعرف القائل بذلك، و لعلّه كذلك و ان اختاره جماعة من متأخّري المتأخّرين، و ربّما كان في المحكي عن المنتهى و التحرير نوع ميل اليه، و علىكلّ حال فالأوّل أظهر؛ للاجماع المحكي المعتضد بما عرفت. انتهى».(2)

قال الشيخ في الخلاف: «المأخوذ من الغنم: الجذع من الضأن و الثني من المعز. فلايؤخذ منه دون الجذعة و لايلزمه أكثر من الثنيّة. دليلنا اجماع الفرقة. انتهى ملخّصا».(3)

و قال ابن زهرة في الغنية: «و المأخوذ من الضأن الجذع و من المعز الثني و


1) - شرائع الاسلام 1: 147.

2) - جواهر الكلام 15: 130.

3) - الخلاف 2: 24 / المسألة 20.

لايؤخذ دون الجزع و لايلزم فوق الثني بدليل الاجماع المشار اليه. انتهى».(1)

و استدلّ على اعتبار الجذعة و الثنيّة بالشهرة و بالاجماع المنقول في الخلاف و الغنية، و برواية سويد بن غفلة فانّه قال:

«أتانا مصدّق رسول اللّه صلى الله عليه و آله و قال: نهينا أن نأخذ المراضع و أمرنا أن نأخذ الجذعة و الثنيّة».(2)

و بمرسلة العوالي المحكيّة في الجواهر عن النبيّ صلى الله عليه و آله: «أنّه أمر عامله أن يأخذ الجذع من الضأن و الثني من المعز».(3)

و فيه: انّ هذا الاجماع على فرض تحصيله ليس بحجّة؛ لعدم كونه كاشفا عن رأي الامام، و الحال أنّه منقول، و لذا لم يذكر في الكتب المعدّة لنقل المسائل الأصليّة المأثورة عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام كالمقنعة و النهاية و المقنع و الهداية. نعم، ذكرها الشيخ في خلافه، و مبسوطه الذي هو كتاب تفريعي. و أمّا خبر سويد بن غفلة فانّه من الأخبار العامّيّة، و الخبر المنقول عن العوالي ففيه ما فيه. و بازائها اطلاق الشاة في قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «في خمس من الابل شاة» و قوله عليه السلام في صحيحة الفضلاء: «في أربعين شاة شاة»، مع أنّ كونه عليه السلام في مقام البيان يقتضي كفاية ما يسمّى شاة. نعم، تنصرف عن مثل الصغار و السخال، و انصرافها عمّا ذكر لايقتضي عدم صدقها على ما بقي من سنته شهر أو أقلّ أو أكثر.

الفرع الثاني : في سنّ الجذع

ثمّ انّه لو بنينا على اعتبار هذا القيد أي الجذع في الشاة، فتفسيره بما كمل له


1) - الينابيع الفقهيّة 5: 240.

2) - جواهر الكلام 15: 130.

3) - نفس المصدر.

سنة واحدة و دخل في الثانية غير ظاهر؛ لذهاب بعضهم الى أنّ الجذع ما كمل له ستّة أشهر و دخل في السابع، و البعض الآخر قال بأنّه ما كمل له سبعة أشهر و دخل في الثامن، و فسّره الآخرون بما فسّره به المصنّف، و غير ذلك من التفاسير.

قال في الجواهر: «و المراد بالجذع من الضأن ما كمل له سبعة أشهر، و الثني من المعز ما كملت له سنة كما في الدروس و البيان و التنقيح و فوائد الشرائع و ايضاح النافع و تعليقه و تعليق الارشاد و الميسيّة و المسالك و الروضة و كذا السرائر على ما حكي عن بعضها. و اقتصر الصدوقان و الشيخان في المقنعة و النهاية و المصباح و علم الهدى في الجمل و سلاّر و ابنا زهرة و حمزة و الفاضلان في النافع و الارشاد و فخر الاسلام (في كتاب الحجّ) على أنّه يجزي في الهدي من الضأن الجذع لسنته. و المحكي عن أكثر أهل اللغة أنّ الجذع ما دخل في السنة الثانية. نعم، عن المغرب و الأزهري: الجذع من المعز لسنة و من الضأن لثمانية أشهر. و أرسل بعضهم عن ابن الأعرابي أنّ الجذع لستّة أشهر أو الى سبعة اذا كان ابن شابّين، و اذا كان ابن هرمين يكون لثمانية الى عشرة. و في الصحاح: و قيل في ولد النعجة: انّه يجذع في ستّة أشهر أو تسعة أشهر. و أمّا الثني من المعز فقدعرفت التصريح بأنّه الداخل في الثانية، و في شرح الاصبهاني نسبته مع ذلك الى الصدوقين و الشيخين و علم الهدى و سلاّر و ابني زهرة و ادريس و الفاضلين، قال: و هو الموافق للمفردات للراغب، و نسبه ابن الأثير في النهاية الى أحمد بن حنبل، لكن المشهور عند اللغوييّن أنّه الداخل في الثالثة و به صرّح في محكي المبسوط في أسنان الغنم و التذكرة. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

قد ذكر في كتاب الزكاة من المقنع و المقنعة و الهداية و الكافي و الانتصار و


1) - جواهر الكلام 15: 131 - 133.

جمل العلم و العمل أنّ في نصاب الابل و الغنم الشاة و اكتفوا به، و لو كان الجذع واجبا لذكروه. نعم، في كتاب الحجّ ورد النصّ به و قد أفتى هؤلاء و قالوا بأنّه يجزي في الهدي من الضأن الجذع لسنته.

و كيف كان فنقول: لو بنينا على اعتبار هذا القيد أي الجذع في الشاة، فمن حيث انّ تفسير الجذع مختلف فيه فيكون مجملاً، فاذا كان هناك عامّ أو مطلق و خصّص العامّ أو قيّد المطلق بالمجمل فيؤخذ بالمتيقّن منه و نخصّص العامّ أو نقيّد المطلق، و ذلك لأنّ اللازم في المخصّص المنفصل أن يكون أقوى من العامّ؛ اذ العامّ حجّة لاترفع اليد عنه الاّ بحجّة أقوى، و كذا المقيّد بالنسبة الى المطلق، كما نقول في «أكرم العلماء» المخصّص بالتخصيص المنفصل المجمل كقوله «لا تكرم الفسّاق من العلماء» بأنّ القدر المخرج المقطوع به العلماء الذين ارتكبوا الكبيرة. و العامّ هنا الشاة و قد خصّص بما روي عن سويد بن غفلة أنّ الشاة المأخوذة لابدّ أن يكون جذعا، و حيث انّه لايمكن تحصيل القدر المخرج المقطوع به الذي لا خلاف فيه يرجع الى العرف؛ فما يسمّى بالجذع عندهم بلا خلاف يؤخذ به والاّ يرجع الى عمومات الشاة، هذا في الجذع.

أمّا الثني من المعز فالظاهر أنّه لايوجد خلاف معتدّ به فيما تمّ له سنة و دخل في الثانية، و لو شكّ في ذلك و دار الأمر بين ما كان دخل في الثانية أو في الثالثة فالحكم كما في الجذع.

الفرع الثالث : في دفع الزكاة من غير النصاب

و لايتعيّن عليه أن يدفع الزكاة من النصاب بل له أن يدفع شاة أخرى، سواء كانت من ذلك البلد أو غيره، و كذا الحال في الابل و البقر و ان كان أدون قيمة لأفراد ما في النصاب؛ لاطلاق النصّ و الفتوى.

قال في الشرائع: «و يجوز أن يدفع من غير غنم البلد و ان كان أدون قيمة، و يجزئ الذكر والأنثى؛ لتناول الاسم له. انتهى».(1)

و قال في الجواهر: «للاطلاق السالم عن معارضة قاعدة الشركة في العين و غيرها، بل لا خلاف أجده فيه عدا ما يحكى عن مبسوط الشيخ و خلافه. نعم، خالف الشهيدان و الكركي و أبو العبّاس و الصيمري على ما حكي عن بعضهم في زكاة الغنم، فلم يجوّزوا الدفع من غير غنم البلد الاّ أن تكون أجود أو بالقيمة؛ لقاعدة الشركة، مع أنّ الأقوى خلافه وفاقا للمصنّف و الفاضل؛ للاطلاق الذي يستفاد منه اجزاء مسمّى ما قدّر الشارع به تلك النسبة عن الحصّة المشاعة التي في النصاب. انتهى ملخّصا».(2)

و قال المحقّق الهمداني في مصباح الفقيه: «ظاهر النصوص و الفتاوى وقوع مطلق الشاة التي يأخذها المصدّق مصداقا للفريضة الواجبة عليه لا خصوص ما هي أجزاء النصاب، و كيف لا، مع ذهاب المشهور الى كفاية الجذع من الضأن في زكاة الغنم، مع أنّه يمتنع كونه من أجزاء النصاب بناءً على ما هو المشهور من تفسيره بما كمل له سبعة أشهر. انتهى».(3)

و قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «ظاهر قوله «في كلّ أربعين شاة شاة» ثبوت واحد غير معيّن في المجموع، فيكون الواجب كلّيّا صادقا على كلّ واحدة لا جزءا مشاعا، مع أنّ هذا أيضا غير مراد؛ لجواز دفع شاة أخرى من غير النصاب على وجه الأصالة دون القيمة اتّفاقا على الظاهر. انتهى».(4)

و أمّا قول المصنّف: «فالمدار في الجميع الفرد الوسط من المسمّى لا الأعلى و


1) - شرائع الاسلام 1: 149.

2) - جواهر الكلام 15: 166 و 167.

3) - مصباح الفقيه 13: 281.

4) - كتاب الزكاة: 201.

لا الأدنى»، ففيه: اذا كان المدفوع من نفس النصاب، فلاينبغي التأمّل في جواز دفع الأدنى بعد فرض صدق الطبيعة عليها كصدقها على المتوسّط بوجه، بل الحال كذلك في المدفوع من خارج النصاب أيضا، فانّ الاطلاق غير قاصر الشمول له كالمتوسّط و الأعلى بمناط واحد.

الفرع الرابع : في أنّ الخيار للمالك لا للساعي و لا للفقير

الخيار للمالك، لا الساعي أو الفقير فليس لهما معارضة المالك. و ذلكلصحيحة بريد بن معاوية قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: بعث أمير المؤمنين عليه السلام مصدّقا من الكوفة الى باديتها، فقال له: يا عبداللّه، انطلق و عليك بتقوى اللّه وحده لا شريك له، و لاتؤثر دنياك على آخرتك، و كن حافظا لما ائتمنتك عليه، راعيا لحقّ اللّه فيه، حتّى تأتي نادي بني فلان، فاذا قدمت فانزل بمائهم - الى أن قال: - فاذا أتيت ماله فلاتدخله الاّ باذنه فانّ أكثره له، فقل: يا عبداللّه، أتأذن لي في دخول مالك؟ فان أذن لك فلاتدخله دخول متسلّط عليه فيه و لا عنف به، فاصدع المال صدعين ثمّ خيّره أيّ الصدعين شاء، فأيّهما اختار فلاتعرض له، ثمّ اصدع الباقي صدعين ثمّ خيّره فأيّهما اختار فلاتعرض له، و لاتزال كذلك حتّى يبقى ما فيه وفاءً لحقّ اللّه في ماله، فاذا بقي ذلك فاقبض حقّ اللّه منه، و ان استقالك فأقله ثمّ اخلطهما و اصنع مثل الذي صنعت أوّلاً حتّى تأخذ حقّ اللّه في ماله. الحديث».(1)


1) - وسائل الشيعة 9: 129 / الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

قال في الشرائع: «و ليس للساعي التخيير، فان وقعت المشاحّة قيل: يقرع حتّى يبقى السنّ التي تجب عليه. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «المراد أنّ الساعي ليس له التخيير في أخذ ما شاء مع تعدّد ما هو بصفة الواجب في النصاب، و لا ريب في ذلك؛ لأنّ فيه تحكّما على المالك غير مأذون فيه. و القول باستعمال القرعة حتّى تبقى السنّ التي تجب - بأن يقسّم ما جمع الوصف قسمين، ثمّ يقرع بينهما، ثمّ يقسّم ما خرجت عليه القرعة، و هكذا حتّى يبقى قدر الواجب - للشيخ و جماعة، و لم نقف لهم في ذلك على مستندعلى الخصوص. و الأصحّ تخيير المالك في اخراج ما شاء اذا كان بصفة الواجب، كما اختاره المصنّف في المعتبر، و العلاّمة في جملة من كتبه؛ لحصول الامتثال باخراج ما يطلق عليه الاسم، و يؤيّده ما روى البريد العجلي في الصحيح عن الصادق عليه السلام . انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

بل تكون الصحيحة دليلاً على أنّ الاختيار للمالك، و ليس للساعي المعارضة له، و كذا الفقير؛ لأنّه مصرف محض و المالك انّما هو الكلّي دون الشخص فليس له المطالبة فضلاً عن المعارضة، و ان قلنا بأنّ المال مشترك فيه بنحو الاشاعة بين المالك و بين المستحقّ للصحيحة المذكورة، فبها يخرج عمّا تقتضيه قاعدة الشركة بأنّه لايجوز لأحد الشريكين التصرّف فيه بدون اذن الآخر.


1) - شرائع الاسلام 1: 147.

2) - مدارك الأحكام 5: 95 و 96.

الفرع الخامس : في اخراج الزكاة بالقيمة

يجوز للمالك أن يخرج الزكاة من غير الجنس بعنوان القيمة، سواء كان التقويم بأعيان الأثمان أو بجنس آخر. و الدليل على الأوّل صحيحة محمّد بن خالد البرقي قال:

«كتبت الى أبي جعفر الثاني عليه السلام : هل يجوز أن أخرج عمّا يجب في الحرث من الحنطة و الشعير، و ما يجب على الذهب، دراهم بقيمة ما يسوى، أم لايجوز الاّ أن يخرج من كلّ شيء ما فيه؟ فأجاب عليه السلام : أيّما تيسّر يخرج».(1)

و صحيحة علي بن جعفر قال:

«سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن الرجل يعطي عن زكاته عن الدراهم دنانير و عن الدنانير دراهم بالقيمة، أيحلّ ذلك؟ قال: لابأس به».(2)

فمورد الروايتين و ان كان هو الحنطة و الشعير و الدراهم و الدنانير ولكن يستفاد منهما عرفا عدم خصوصيّة للمورد و أنّ الاعتبار في الانتقال الى القيمة بمطلق الجنس الزكوي. و يؤيّد هذا المتفاهم أوّلاً قول الراوي في الصحيحة الأولى: «أم لايجوز الاّ أن يخرج من كلّ شيء ما فيه». و الظاهر أنّ مراده ممّا سأل أوّلاً عن الحنطة و الشعير و الدراهم و الدنانير بعنوان المثال و الاحتياج. و ثانيا ظاهر قوله: «أيّما تيسّر يخرج» اعطاء قاعدة كلّيّة، لا بيان مورد سؤال السائل.

قال في الشرائع: «و يجوز أن يخرج من غير جنس الفريضة بالقيمة السوقيّة، و


1) - وسائل الشيعة 9: 167 / الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 167 / الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 2.

من العين أفضل، و كذا في سائر الأجناس. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «أمّا جواز اخراج القيمة في الزكاة عن الذهب و الفضّة و الغلاّت فقال في المعتبر: «انّه قول علمائنا أجمع». و يدلّ عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر، و في الصحيح عن البرقي. و أمّا زكاة الأنعام فقد اختلف فيها كلام الأصحاب، فذهب المفيد في المقنعة الى عدم الجواز، و مال اليه في المعتبر، و ذهب الشيخ و العلاّمة و أكثر المتأخّرين الى الجواز. و المنع أجود. انتهى ملخّصا».(2)

و قد أجاب عنه في مستند العروة بجواب حسن فقال: «و ان أبيت الاّ الجمود على ظاهر النصّ فلازمه الاقتصار على مورده من الحنطة و الشعير و عدم التعدّي لا الى الأنعام و لا الى غيرهما من سائر الغلاّت - أعني التمر و الزبيب - مع أنّ الأصحاب قد تعدّوا الى سائر الغلاّت قولاً واحدا. انتهى».(3)

و الدليل على الثاني معتبرة محمّد بن الوليد عن يونس بن يعقوب قال:

«قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها ثيابا و طعاما، و أرى أنّ ذلك خير لهم! قال: فقال: لابأس».(4)

قال في مستند العروة: «فانّ المراد بمحمّد بن الوليد هو الخزّاز البجلي الذي له كتاب و وثّقه النجاشي صريحا بقرينة روايته عن يونس، دون الشباب الصيرفيالغير الثقة و ان كان في نفس الطبقة؛ لعدم روايته عن يونس، مضافا الى معروفيّة الأوّل و اشتهاره الموجب لانصراف اللفظ عند الاطلاق اليه، فلا مناقشة في السند.


1) - شرائع الاسلام 1: 147.

2) - مدارك الأحكام 5: 90 و 91.

3) - مستند العروة 23: 191.

4) - وسائل الشيعة 9: 168 / الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 4.

انتهى».(1)

و أمّا من حيث الدلالة فاستشكل في مستند العروة ب- «أنّها ناظرة الى ما اذا عيّن زكاته و أفرزها خارجا و عزلها ليعطيها لعائلة من عوائل المسلمين، و من المعلوم عدم جواز التصرّف في الزكاة بعد الافراز و العزل الاّ باذن ممّن بيده الأمر. فلأجل ذلك احتاج السائل الى الاستجازة من الامام عليه السلام في التصرّف المزبور، و لذا قال: «فأشتري لهم منها» أي من تلك الزكاة، و لم يقل: فأشتري لهم من مالي. انتهى ملخّصا».(2)

ولكنّ الظاهر أنّه لابأس في دلالة الرواية، فانّ الزكاة في قول السائل: «أعطيهم من الزكاة» أعمّ من الأجناس الزكويّة و من قيمتها، و من المعلوم أنّ من وجب عليه الشاة اذا أراد أن يعطي بدلها ثيابا أو طعاما يقوّمها أوّلاً بالنقود ثمّ يشتري الطعام و الثياب و غيرهما، أو يعطيهما ايّاه من عنده بما قوّم الشاة اذا كان الطعام و الثياب و ما شابههما عنده. هذا مضافا الى ما تقدّم من صحيحتي محمّد بن خالد البرقي و علي بن جعفر من أنّه عليه السلام أجاز تبديل الزكاة بالنقدين، و هذا دليل على جواز التبديل مطلقا، و أنّ الظاهر عدم خصوصيّة في النقدين الاّ من حيث كونهما أنفع غالبا.

قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «ثمّ انّ الظاهر المشهور جواز اخراج القيمة من أيّ جنس كان، كما هو صريح معقد اجماع الخلاف بل صريح الغنية أيضا بعد الملاحظة. و يمكن أن يستدلّ له بعموم قوله في الصحيحة: «أيّما تيسّر يخرج»؛بناءً على حمل «أيّ» على العموم المطلق لا العموم بالنسبة الى الجنس الزكوي و الدراهم. و يؤيّدها رواية قرب الاسناد (محمّد بن الوليد عن يونس بن يعقوب) المتقدّمة المنجبرة بكثير ممّا مرّ. فالقول بالاقتصار على الدراهم أو على مطلق


1) - مستند العروة 23: 191 و 192.

2) - نفس المصدر: 192.

النقدين، اقتصارا في مخالفة الأصل على مورد اليقين، و التفاتا الى رواية سعيد بن عمر المتقدّمة المحتملة لمحامل أخر، لايخلو عن نظر، سيّما بعد امكان دعوى عدم القول بالفصل، فانّ ظاهر الأصحاب المجوّزين لاخراج القيمة عدم الفرق بين النقدين و غيرهما، كما يظهر من الحدائق الاعتراف و كذا عن الذخيرة. و المسألة لاتخلو عن اشكال، فلاينبغي ترك الاحتياط في أصلها و فرعها. انتهى».(1)

أقول:

أشار رحمه الله الى رواية سعيد بن عمر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت: يشتري الرجل من الزكاة الثياب و السويق و الدقيق و البطّيخ و العنب فيقسّمه؟ قال: لايعطيهم الاّ الدراهم كما أمر اللّه».(2)

و قال رحمه الله: «ولكنّ الرواية - بعد تسليم سندها - متروكة الظاهر؛ لأنّ الحصر في الدراهم خلاف الاجماع حتّى في زكاة الدراهم، فلا بدّ من حمل النهي على محامل و من جملتها الكراهة، بمعنى أفضليّة اخراج العين. انتهى ملخّصا».(3)

و قيل: «و يدلّ على الجواز من غير النقدين خبر قرب الاسناد عن يونس بن يعقوب، و كذا يدلّ عليه صرف الزكاة في المصارف الثمانية، و احجاج الغير بها، و تجهيز الميّت، و الاحتساب بها من الدين و نحو ذلك، فلو فرض احتياج الميّتالى الكفن و كان الكفن موجودا عند المالك فهل لايجوز تكفين الميّت به بل يجب شراؤه من الغير بالنقدين؟ و لو كان دين الفقير من غير النقدين لايجوز احتسابه أو أداؤه من الزكاة؟ انتهى ملخّصا».(4)


1) - كتاب الزكاة: 182 و 183.

2) - وسائل الشيعة 9: 168 / الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 3.

3) - كتاب الزكاة: 181.

4) - كتاب الزكاة 1: 216.

(مسألة 6): المدار في القيمة على وقت الأداء، سواء كانت العين موجودة أو تالفة، لا وقت الوجوب، ثمّ المدار على قيمة بلد الاخراج ان كانت العين تالفة، و ان كانت موجودة فالظاهر أنّ المدار على قيمة البلد التي هي فيه.

الشرح:

الظاهر أنّ المدار في القيمة على وقت الأداء، سواء كانت العين موجودة أو تالفة؛ لأنّه وقت الانتقال، كما في المدارك و التذكرة و البيان و زكاة الشيخ الأعظم و زكاة المحقّق الهمداني.

و قال في الجواهر: «فالمعتبر في القيمة وقت الاخراج؛ لأنّها انّما أجزأت بدلاً و ليست واجبة بالأصالة عندنا، فهي من قبيل العوض، فالمعتبر فيه وقت الاخراج. انتهى».(1)

و في المستمسك: «اذا لم يكن التلف مستوجبا للضمان فلا شيء عليه، و ان كان مستوجبا للضمان و كانت الفريضة قيميّة تكون المسألة من صغريات مسألة الضمان بالتلف، و أنّ القيمة المضمون بها قيمة يوم التلف أو يوم الأداء أو أعلى القيمة أو قيمة يوم الضمان أو غير ذلك. و ان كانت الفريضة مثليّة فالقيمة قيمة يوم الأداء؛ لظاهر النصوص المتقدّمة. انتهى».(2)

فالأقوى في باب الضمان في القيميّات أيضا قيمة يوم الأداء، فانّه مقتضى كون على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي.

و أمّا بالنسبة الى البلد فالمدار على قيمة بلد الاخراج مطلقا، سواء كانت العين تالفة أو موجودة. و ذلك كما تختلف القيمة بحسب الأزمنة تختلف بحسب الأمكنة أيضا، و كما أنّ المدار في الأزمنة زمان الاخراج فكذلك في الأمكنة مكان


1) - جواهر الكلام 15: 129.

2) - مستمسك العروة 9: 86.

الاخراج؛ لأنّها المعدودة عرفا بدلاً من العين و يكون أداؤها أداءً للعين بمرتبتها النازلة.

(مسألة 7): اذا كان جميع النصاب في الغنم من الذكور يجوز دفع الأنثى و بالعكس، كما أنّه اذا كان الجميع من المعز يجوز أن يدفع من الضأن و بالعكس و ان اختلفت في القيمة. و كذا مع الاختلاف يجوز الدفع من أيّ الصنفين شاء، كما أنّ في البقر يجوز أن يدفع الجاموس عن البقر و بالعكس، و كذا في الابل يجوز دفع البخاتي عن العراب و بالعكس، تساوت في القيمة أو اختلفت.

الشرح:

ظاهر قوله عليه السلام في صحيحة الفضلاء المتقدّمة «في كلّ أربعين شاة شاة» اطلاق الشاة على الذكر و الأنثى و الضأن و المعز كما يطلق الغنم على ذلك كلّه، و بناءً عليه يجوز دفع الأنثى في الغنم و ان كان جميع النصاب من الذكور و بالعكس، كما أنّه اذا كان الجميع من المعز يجوز أن يدفع من الضأن و بالعكس و ان اختلفت في القيمة. و كذا يجوز الدفع من أيّ الصنفين شاء مع الاختلاف.

كما أنّ الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة الفضلاء المتقدّمة: «في كلّ ثلاثين بقرةتبيع» اطلاق البقرة على الذكر و الأنثى، و من قوله عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدّمة في المسألة الثانية: «قال: قلت له: في الجواميس شيء؟ قال: مثل ما في البقر» يظهر أنّ الجاموس و البقر مساويان فيجوز أن يدفع الجاموس عن البقر و ان كان جميع النصاب من البقر، و أن يدفع البقر عن الجاموس و ان كان جميع النصاب من الجاموس، و يتخيّر لو كان مختلطا منهما، كما أنّ الابل يطلق على الذكر و الأنثى و على البخاتي و العراب؛ لقوله عليه السلام في صحيحة الفضلاء المتقدّمة في المسألة الثانية عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام (في حديث) قال:

«قلت: فما في البخت السائمة شيء؟ قال: مثل ما في الابل

العربيّة».(1)

فيجوز دفع البخاتي عن العراب و بالعكس، تساويا في القيمة أو اختلفا.

قال في الشرائع: «و النصاب المجتمع من المعز و الضأن، و كذا من البقر و الجاموس، و كذا من الابل العراب و البخاتي تجب فيه الزكاة. و المالك بالخيار في اخراج الفريضة من أيّ الصنفين شاء. انتهى».(2)

و قال في المدارك: «اطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في جواز الاخراج من أحد الصنفين بين ما اذا تساوت قيمتهما أو اختلفت، و بهذا التعميم جزم المصنّف في المعتبر و العلاّمة في جملة من كتبه. و هو متّجه؛ لصدق الامتثال باخراج مسمّى الفريضة، و انتفاء ما يدلّ على اعتبار ملاحظة القيمة مطلقا كما اعترف به الأصحاب في النوع المتّحد. و اعتبر الشهيدان التقسيط مع اختلاف القيمة، و هو أحوط، و على هذا فلو كان عنده عشرون بقرة و عشرون جاموسة و قيمة المسنّة من أحدهما اثناعشر و من الآخر خمسه عشر أخرج مسنّة من أيّ الصنفين شاءقيمتها ثلاثه عشر و نصف. انتهى».(3)

أقول:

لايجب التقسيط؛ لاطلاق قوله عليه السلام في صحيحة الفضلاء: «في كلّ أربعين بقر مسنّة» و تساوي البقر و الجاموس في ذلك شرعا، و عدم الدليل على التقسيط مع اختلاف القيمة.

و لقد أجاد السيّد الحكيم في الردّ على القول بالتقسيط في المستمسك فقال: «و مع الاختلاف يجوز الدفع من أيّ الصنفين شاء؛ لاطلاق ما دلّ على وجوب الفريضة و صدقها على ما ذكر. و عن الشهيدين و المحقّق الثاني و غيرهم - بل


1) - وسائل الشيعة 9: 114 / الباب 3 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

2) - شرائع الاسلام 1: 149.

3) - مدارك الأحكام 5: 102.

نسب الى المشهور - وجوب فريضة قيمتها مقسّطة؛ لأنّه الذي تقتضيه قاعدة الشركة. و فيه: انّ ذلك لاتقتضيه القاعدة المذكورة، و انّما الذي يقتضي ذلك أن يكون المملوك للمستحقّ هو الجزء المشاع في جميع أفراد النصاب بمعنى جزء من أربعين جزءا من أربعين شاة مثلاً. لكنّه غير ظاهر الدليل في الغنم فضلاً عن غيره، و لذا لايلتزم بالتقسيط مع الاختلاف في الجودة و الرداءة بلا اشكال، كما في الجواهر، بل لاينبغي التأمّل فيه، ضرورة غلبة الاختلاف جدّا، فلو احتيج الى تقويم كلّ واحد من أفراد النصاب لزم الهرج و المرج المعلوم من سيرة المعصومين عليهم السلام و من مصحّح بريد السابق و غيره عدمُهما، كما لايخفى. انتهى».(1)

(مسألة 8): لا فرق بين الصحيح و المريض، و السليم و المعيب، و الشابّ والهرم في الدخول في النصاب و العدّ منه، لكن اذا كانت كلّها صحاحا لايجوز دفع المريض، و كذا لو كانت كلّها سليمة لايجوز دفع المعيب. و لو كانت كلّ منها شابّا لايجوز دفع الهرم، بل مع الاختلاف أيضا الأحوط اخراج الصحيح من غير ملاحظة التقسيط. نعم، لو كانت كلّها مراضا أو معيبة أو هرمة يجوز الاخراج منها.

الشرح:

ظاهر قوله عليه السلام : «في كلّ أربعين شاة شاة» اطلاق الشاة على الصحيح و المريض و السليم و المعيب و الشابّ و الهرم في الدخول في النصاب و العدّ منه. و هكذا يكون الحال في الابل و البقر. و أمّا في مقام الدفع فان كانت الشياه كلّها شبابا صحاحا، لايجوز أن يدفع الهرم و المريض و المعيب، و ذلك لقوله عليه السلام في


1) - مستمسك العروة 9: 87 و 88.

صحيحة أبي بصير:

«و لاتؤخذ هرمة و لا ذات عوار الاّ أن يشاء المصدّق».(1)

و موردها و ان كان هو الابل الاّ أنّه لاينبغي التأمّل في عدم خصوصيّة لها و أنّ الحكم عامّ لجميع الأنعام بمقتضى الفهم العرفي، فالتخيير الثابت الذي تقدّم أنّه ثابت للمالك يقيّد بهذه الصحيحة فلايكون للمالك خيار في دفع الهرمة أو ذات عوار و هي التي بها عيب أو مرض.

و لو كانت الشياه مختلطة من الهرم و الشابّ و الصحيح و المعيب و السالم و المريض، فلاتؤخذ الهرمة و لا ذات عوار لعدم قصور الصحيحة لتشمل هذه الصورة.

نعم، لو كانت الشياه كلّها هرمة أو ذوات أعوار فيجوز الاخراج منها؛ لأنّموضوع الزكاة أوّلاً و بالذات هذه الشياه التي بلغت النصاب، و الصحيحة منصرفة عن مثلها قطعا. هذا في الغنم، و أمّا الابل فاذا بلغت النصاب يجب فيها الشاة التي تكون شابّة صحيحة سليمة و ان كانت الآبال كلّها مريضة أو معيبة أو هرمة، و ذلك للصحيحة المذكورة و لاتقاس هذه بما لو كانت الشياه كلّها مريضة أو معيبة أو هرمة كما هو واضح.

قال في الشرائع: «و لاتؤخذ المريضة و لا الهرمة و لا ذات العوار. انتهى».(2)

قال في المدارك: «الهرم أقصى الكبر، و العوار مثلثة العيب، قاله في القاموس. و الحكم بالمنع من أخذ هذه الثلاثة مذهب الأصحاب، بل قال في المنتهى: «انّه لايعرف فيه خلافا»، و استدلّ عليه بقوله تعالى: «و لاتَيَمّموا الخبيثَ منه تُنفقون»(3). و ما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال: «لايؤخذ في الصدقة هرمة


1) - وسائل الشيعة 9: 125 / الباب 10 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 3.

2) - شرائع الاسلام 1: 147.

3) - البقرة 2: 267.

و لا ذات عوار و لا تيس الاّ أن يشاء المصدّق»، و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمّد بن قيس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «لاتؤخذ هرمة و لا ذات عوار الاّ أن يشاء المصدّق». و مقتضى الروايتين جواز أخذ ذلك اذا أراده المصدّق. و انّما يمنع من أخذ هذه الثلاثة اذا كان في النصاب صحيح أو فتيّ أو سليم من العوار، أمّا لو كان كلّه كذلك فقد قطع الأصحاب بجواز الأخذ منه. انتهى».(1)

و قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «اعلم أنّه لا خلاف في أنّه لايجوز أخذ المريضة مطلقا، و لا الهرمة - و هي البالغة أقصى الكبر - و لا ذات العوار. و يدلّ على الأخرى - مضافا الى ما دلّ على الأولى من أنّه مقتضى اشاعة الفريضة في النصاب - صحيحة أبي بصير في حديث الابل. و الظاهر أنّ المراد بالاستثناء ما اذارأى الساعي المصلحة في أخذها، أو المصدَّق - بالفتح - دفعها من باب القيمة. ثمّ انّه لو كان جميع النصاب موصوفا بأحد الثلاثة لم يلزم المالك بشراء السليم. انتهى ملخّصا».(2)

الشرط الثاني: السوم طول الحول، فلو كانت معلوفة و لو في بعض الحول لم تجب فيها ولو كان شهرا بل أسبوعا. نعم، لايقدح في صدق كونها سائمة في تمام الحول عرفا علفها يوما أو يومين. و لا فرق في منع العلف عن وجوب الزكاة بين أن يكون بالاختيار أو بالاضطرار - لمنع مانع من السوم، من ثلج أو مطر أو ظالم غاصب أو نحو ذلك - و لا بين أن يكون العلف من مال المالك أو غيره باذنه أو لا باذنه، فانّها تخرج بذلك كلّه عن السوم. و كذا لا فرق بين أن يكون ذلك باطعامها للعلف المجزوز أو بارسالها لترعى بنفسها في الزرع المملوك. نعم، لاتخرج عن صدق السوم باستئجار المرعى، أو بشرائه اذا لم يكن مزروعا، كما


1) - مدارك الأحكام 5: 94 و 95.

2) - كتاب الزكاة: 194.

أنّها لايخرج عنه بمصانعة الظالم على الرعي في الأرض المباحة.

الشرح:

يشترط في وجوب الزكاة في الأنعام أن تكون سائمة، فلاتجب الزكاة في المعلوفة، اجماعا بقسميه، كما في الجواهر: «بل في محكي المعتبر أنّه قول العلماء كافّة الاّ مالك، و محكي المنتهى لا خلاف فيه بين المسلمين. انتهى».(1)

و يدلّ على ذلك صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام (في حديث زكاة الابل) قال:

«و ليس على العوامل شيء، انّما ذلك على السائمة الراعية».(2)

و صحيحة ثانية عنهم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام (في حديث زكاة البقر)

قال:

«ليس على النيّف شيء، و لا على الكسور شيء، و لا على العوامل شيء، انّما الصدقة(3)على السائمة الراعية».(4)

و صحيحة ثالثة عنهم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالا:

«ليس على العوامل من الابل و البقر شيء، انّما الصدقات على السائمة الراعية. الحديث».(5)

و صحيحة زرارة قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : هل على الفرس أو البعير تكون للرجل يركبها شيء؟ فقال: لا، ليس على ما يعلف شيء، انّما الصدقة على السائمة


1) - جواهر الكلام 15: 92.

2) - وسائل الشيعة 9: 118 / الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

3) - في الاستبصار: انّما ذلك.

4) - وسائل الشيعة 9: 119 / الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 9: 120 / الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 5.

المرسلة في مرجها عامها الذي يقتنيها فيه الرجل، فأمّا ما سوى ذلك فليس فيه شيء».(1)

فرعان:

الفرع الأوّل : في تحديد السوم

اختلفوا في تحديد السوم، فبعضهم اعتبر التحديد بالغلبة في مجموع السنة كالشيخ في المبسوط و الخلاف و المحقّق في المعتبر، و اختار المحقّق في الشرائع و جملة ممّن تأخّر عنه لزوم استمرار السوم في تمام الحول. و ذهب المشهور الى اناطة الوصفين بالصدق العرفي.

قال الشيخ في المبسوط: «و لا زكاة في شيء من العوامل منها، و لا المعلوف مثل ما قلناه في الابل سواء، فان كانت المواشي معلوفة أو للعمل في بعض الحول و سائمة في بعضه حكم للأغلب، فان تساويا فالأحوط اخراج الزكاة، فان قلنا: لايجب فيها الزكاة كان قويّا؛ لأنّه لا دليل على وجوب ذلك في الشرع، و الأصل براءة الذمّة. انتهى».(2)

و قال في الشرائع: «و لا بدّ من استمرار السوم جملة الحول، فلو علّفها بعضا ولو يوما استأنف الحول عند استئناف السوم، و لا اعتبار باللحظة عادة. و قيل: يعتبر في اجتماع السوم و العلف الأغلب، و الأوّل أشبه. انتهى».(3)

و قال في المدارك: «الأصحّ الرجوع في ذلك الى العرف كما اختاره العلاّمة و


1) - وسائل الشيعة 9: 119 / الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 3.

2) - المبسوط 1: 198.

3) - شرائع الاسلام 1: 144.

من تأخّر عنه. انتهى».(1)

و قال العلاّمة في التذكرة: «و الأقرب عندي اعتبار الاسم، فان بقي عليها اسم السوم وجبت و الاّ سقطت. انتهى».(2)

قال الشهيد في المسالك: «و الأجود الرجوع في ذلك الى العرف، فان خرجت بالعلف عن كونها سائمة عرفا استؤنف الحول و الاّ فلا، و العرف الآن لايقضيبالخروج عنه باليوم في السنة و لا في الشهر، و هو اختيار الدروس. انتهى».(3)

استدلّ المحقّق في المعتبر للقول الأوّل و اعتبار التحديد بالغلبة في مجموع السنة بأنّ «اسم السوم لايزول بالعلف اليسير، و لأنّه لو اعتبر السوم في جميع الحول لما وجبت الاّ في الأقلّ و لأنّ الأغلب يعتبر في سقي الغلاّت فيعتبر في السوم. و استدلّ للقول الثاني عن الشافعي بانقطاع الحول بالعلف ولو يوما اذا نوى العلف و علف؛ لأنّ السوم شرط كالملك، فكما ينقطع بزوال الملك ينقطع بزوال السوم، و لأنّ العلف مسقط و السوم موجب فاذا اجتمعا سقطت الزكاة، ثمّ قال: و ما ذهب اليه الشافعي جيّد؛ لأنّ السوم شرط الوجوب فكان كالنصاب، و قولهم العلف اليسير لايقطع الحول ممنوع فانّه لايقال للمعلوفة سائمة في حال علفها. انتهى».(4)

و أجاب عن القولين في المدارك فقال: «و في الأدلّة من الجانبين نظر: أمّا الأوّل ممّا استدلّ به للشيخ فلأنّ عدم زوال اسم السوم بالعلف اليسير لايقتضي اعتبار الأغلب، فانّ غيره قد لايكون يسيرا. و أمّا الثاني فلمنع الملازمة و بطلان اللازم. و أمّا الثالث فلأنّه قياس محض. و أمّا قوله: انّ السوم شرط الوجوب فكان


1) - مدارك الأحكام 5: 69.

2) - تذكرة الفقهاء 5: 48.

3) - مسالك الأفهام 1: 369.

4) - المعتبر في شرح المختصر 2: 506.

كالنصاب، فيتوجّه عليه أنّ النصاب قد وقع التنصيص على اعتبار ملكه طول الحول فينقطع بخروجه عن الملك في أثنائه، بخلاف السوم؛ لعدم التصريح باعتبار دوامه فيرجع في صدق اسم الوصف الى العرف. و قوله: انّه لايقال للمعلوفة سائمة في حال علفها، غير جيّد؛ اذ الظاهر عدم خروجها بالعلف اليسير عن كونها سائمة عرفا كما لاتخرج القصيدة العربيّة عن كونها عربيّة باشتمالها على بعض الألفاظ الأعجميّة. انتهى».(1)

فالحقّ هو القول الثالث أي الرجوع في ذلك الى العرف؛ لأنّه اذا اعتبر الشارع في وجوب الزكاة أن يكون سائمة و لم يحدّ للسائمة و المعلوفة حدّا يعرف به فمعلوم أنّه أرجع الأمر الى العرف كما في نظائره في أبواب الفقه. فما يحرز عند العرف أنّها معلوفة أو سائمة فبها، و اذا شكّ في أنّها صارت معلوفة بعدما كانت سائمة فيرجع الى العمومات أو المطلقات و هي قوله عليه السلام : «انّما الصدقات على السائمة الراعية».(2)

الفرع الثاني : فيما يشترط في سقوط الزكاة عن المعلوفة

اذا صدق على الغنم أنّها معلوفة لا سائمة فيشترط أن يكون العلف مملوكا و ان كان من مال غير المالك؛ لأنّ مناط خروج الغنم عن وجوب الزكاة في الروايات أن تكون معلوفة، فمتى صدق عليها المعلوفة لاتجب فيها الزكاة، سواء كان العلف من مال مالكه أو غير مالكه باذن المالك أو بدون اذنه. و لا فرق بين أن يكون اطعامها العلف بالاختيار أو بالاضطرار؛ لمنع مانع من السوم، من ثلج أو مطر أو


1) - مدارك الأحكام 5: 69.

2) - وسائل الشيعة 9: 119 و 120 / الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1 و 2 و 5.

ظالم غاصب أو نحو ذلك. و كذا لا فرق بين أن يكون ذلك باطعامها للعلف المجزوزة أو بارسالها لترعى بنفسها في الزرع المملوك.

قال في الشرائع: «و لو اعتلفت من نفسها بما يعتدّ به بطل حولها؛ لخروجها عن اسم السوم، و كذا لو منع السائمة مانع كالثلج فعلّفها المالك أو غيره، باذنه أو بغير اذنه. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «يتحقّق العلف باطعامها شيئا مملوكا كالتبن و الزرع، و شراء المرعى الذي يستنبته الناس و ارسالها فيه، لابمصانعة الظالم على الكلاء المباح، لانتفاء التسمية، و متى انتفى السوم سقطت الزكاة، سواء اعتلفت الدابّة بنفسها أو علّفها المالك أو غيره، باذنه أو بغير اذنه، من مال المالك أو غيره. و استشكل الشارح الحكم لو علّفها الغير من مال نفسه، من اطلاق النصّ المقتضي لسقوط الزكاة في المعلوفة و من أنّ الحكمة المقتضية لسقوط الزكاة مع العلف المؤونة اللازمة من ذلك الموجبة للتخفيف و هي منتفية في هذه الصورة. و هو استشكال ضعيف، فانّ هذه المناسبات لاتصلح لمعارضة اطلاق النصّ. انتهى».(2)

و ما قاله السيّد في المدارك جيّد مطابق للنصّ.

و لذلك قال في الجواهر: «و السوم لغة: الرعي، و وصف السائمة بالراعية في النصّ للكشف، و لا مدخليّة للمؤونة فيه و عدمها، و لذا صدق عليها الاسم و ان صانع المالك الظالم على رعيها في الكلاء بالكثير، بل و كذا لو استأجر أرضا للرعي، بل قال بعض مشايخنا: انّه كذلك حتّى لو اشترى لها مرعى؛ لأنّ الظاهر أنّ الرعي في المرعى سوم ملكا كان أو غيره. انتهى».(3)

الشرط الثالث: أن لاتكون عوامل و لو في بعض الحول بحيث لايصدق عليها أنّها ساكنة فارغة عن العمل طول الحول، و لايضرّ اعمالها يوما أو يومين في السنة كما مرّ في السوم.

الشرح:

لا بدّ في وجوب الزكاة على الأنعام الثلاثة مضافا الى كونها سائمة، أن لاتكون عوامل، و الظاهر أنّه لا خلاف في ذلك بل ادّعي عليه الاجماع.

قال في المدارك: «هذا الحكم مجمع عليه بين العلماء كافّة الاّ من شذّ من العامّة. انتهى».(4)

و قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، و النصوص المعتبرة دالّة عليه أيضا - الى أن قال: - و الكلام في صدق العوامل كالكلام في السائمة حتّى أنّ خلاف الشيخ هناك يأتي مثله هنا. انتهى».(5)

و قال المحقّق الهمداني: «بلا خلاف فيه على الظاهر، و يدلّ عليه أخبار معتبرة مستفيضة كصحيحة الفضلاء. انتهى ملخّصا».(6)

و تدلّ عليه جملة من النصوص التي تقدّمت في السوم. نعم، بازائها موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«سألته عن الابل تكون للجمّال أو تكون في بعض الأمصار، أتجري عليها الزكاة كما تجري على السائمة في البرّيّة؟ فقال: نعم».(7)

و موثّقة أخرى له قال:

«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الابل العوامل، عليها زكاة؟ فقال: نعم،


1) - شرائع الاسلام 1: 144 و 145.

2) - مدارك الأحكام 5: 70.

3) - جواهر الكلام 15: 96.

4) - مدارك الأحكام 5: 79.

5) - جواهر الكلام 15: 110 و 111.

6) - مصباح الفقيه 13: 187.

7) - وسائل الشيعة 9: 120 / الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 7.

عليها زكاة».(1)

و لايبعد أن يكون الأصل في هاتين اسحاق بن عمّار، يعني أنّهما حديث واحد فلاتعارضان الأحاديث الكثيرة، كما ذكره الشيخ، فتحملان على الاستحبابأو على التقيّة كما ذهب اليه الشيخ، و أضاف بأنّ الأولى لا تصريح فيها بكونها عوامل و لا معلوفة.(2)

ثمّ انّ المرجع في كونها عوامل أو فارغة العرف كما تقدّم في السوم، و في موارد الشبهة فالمرجع عمومات الزكاة أو اطلاقاتها كما في السوم.

قال المحقّق الهمداني: «ثمّ انّ الكلام في صدق العوامل - على ما صرّح به في الجواهر و غيره - كالكلام في السائمة. و احالة اتّصافها بكونها عاملة على العرف هيهنا أوضح، فالمدار على اتّصافها بهذا الوصف عرفا. انتهى ملخّصا».(3)

الشرط الرابع: مضيّ الحول عليها، جامعة للشرائط. و يكفي الدخول في الشهر الثاني عشر، فلايعتبر تمامه، فبالدخول فيه يتحقّق الوجوب، بل الأقوى استقراره أيضا، فلايقدح فقد بعض الشروط قبل تمامه، لكنّ الشهر الثاني عشر محسوب من الحول الأوّل فابتداء الحول الثاني انّما هو بعد تمامه.

الشرح:

و من جملة شرائط وجوب الزكاة في الأنعام مضيّ الحول عليها جامعة للشرائط الماضية، بلا خلاف فيه بين الأصحاب.

قال في الجواهر: «بل عند أهل العلم كافّة الاّ ما حكي عن ابني عبّاس و مسعود في محكي المنتهى، بل لا خلاف بين العلماء فيه و في اعتباره في زكاة مال التجارة


1) - وسائل الشيعة 9: 121 / الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 8.

2) - نفس المصدر.

3) - مصباح الفقيه 13: 188 و 189.

في محكي التذكرة، بل في شرح المفاتيح أنّه ضروري، و النصوص فيه ان لم تكن متواترة فهي في غاية الاستفاضة. انتهى».(1)

و يدلّ عليه روايات:

منها صحيحة الفضلاء(2)عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالا:

«ليس على العوامل من الابل و البقر شيء - الى أن قال: - و كلّ ما لم يحل عليه الحول عند ربّه فلا شيء عليه فيه، فاذا حال عليه الحول وجب عليه».(3)

و منها صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : أنزلت آية الزكاة في شهر رمضان، فأمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله مناديه فنادى في الناس: انّ اللّه تعالى قد فرض عليكم الزكاة - الى أن قال: - ثمّ لم يعرض لشيء من أموالهم حتّى حال عليهم الحول. الحديث».(4)

و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«ليس في صغار الابل شيء حتّى يحول عليها الحول من يوم تنتج».(5)

ثمّ المهمّ في هذه المسألة البحث عمّا به يستقرّ الوجوب، فنقول:

لا خلاف في تحقّق الوجوب، و تنجّز التكليف بأداء الزكاة بمضيّ أحدعشر شهرا، و الدخول في الشهر الثاني عشر، ولكنّهم اختلفوا في أنّه هل يستقرّ الوجوب بدخول الشهر الثاني عشر أو يبقى متزلزلاً الى أن يتمّ الشهر.


1) - جواهر الكلام 15: 97.

2) - زرارة بن أعين و محمّد بن مسلم و أبي بصير و بريد العجلي و الفضيل بن يسار.

3) - وسائل الشيعة 9: 121 / الباب 8 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 9: 122 / الباب 8 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 3.

5) - وسائل الشيعة 9: 122 / الباب 9 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

قال المحقّق الهمداني: «اختلفوا في أنّه هل يستقرّ الوجوب بذلك أو يبقىمتزلزلاً الى أن يكمل الثاني عشر، فان بقي المال على الشرائط كشف عن استقرار الوجوب بالأوّل، و ان اختلّت كلاًّ أو بعضا كشف عن عدم كونها واجبة، كما لو حاضت المرأة في أثناء اليوم من شهر رمضان؟ ظاهر فتاوى الأصحاب بل صريح كثير منها الأوّل، و مال الشهيدان و المحقّق الكركي و الميسي و غيرهم - على ما حكي عن بعضهم - الى الثاني. انتهى».(1)

ذهب المشهور الى أنّه يستقرّ الوجوب عند هلال الشهر الثاني عشر ولو لم تكمل أيّام الحول.

و قال في المدارك: «هذا مذهب علمائنا أجمع، قاله في المعتبر. و قال في التذكرة: حولان الحول هو مضيّ أحدعشر شهرا كاملة على المال، فاذا دخل الشهر الثاني عشر وجبت الزكاة و ان لم تكمل أيّامه، بل يجب بدخول الثاني عشر عند علمائنا أجمع. انتهى».(2)

احتُجّ للقول الأوّل بصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قلت له: رجل كانت له مائتا درهم فوهبها لبعض اخوانه أو ولده أو أهله فرارا بها من الزكاة، فعل ذلك قبل حلّها بشهر! فقال: اذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال عليه(3)الحول و وجبت عليه فيها الزكاة».(4)

مضافا الى الاجماعات المنقولة كما تقدّمت في كلام صاحب المدارك.

و للقول الثاني بأنّ لفظ «الحول» و كذا «العام» و «السنة» المتكرّر ذكرها عند


1) - مصباح الفقيه 13: 164.

2) - مدارك الأحكام 5: 72.

3) - في المصدر: عليها. هامش الوسائل

4) - وسائل الشيعة 9: 164 / الباب 12 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 2.

بيان شرائط الزكاة عرفا و لغة و شرعا عبارة عن تمام السنة.

و أجيب(1)عن الصحيحة بأنّ قوله عليه السلام فيها: «اذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال عليها الحول» مبنيّ على التوسعة و التجوّز بتنزيل التلبّس بالجزء الآخر من الشيء منزلة اتمامه، و المتبادر من هذا التنزيل ارادته من حيث شرطيّته لتنجّز التكليف بالزكاة و صيرورتها حقّا للفقير، لا في جميع الآثار، فلا ينافيه اعتبار بقاء المال جامعا لشرائط النصاب الى تمام الحول في أصل تحقّق التكليف، بحيث لو اختلّ شيء منها قبل انقضاء عدد أيّامها لا باختيار المكلّف، كشف عن عدم تحقّقه في الواقع، نظير شرطيّة بقاء المرأة طاهرة عن الحيض الى الغروب لوجوب الصوم من أوّل النهار.

أقول:

ما ذكر من الرواية لحجّة القول الأوّل قطعة من الصحيحة الطويلة لزرارة، فلنذكرها بتمامها من الكافي:

«عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام : رجل كان عنده مائتا درهم غير درهم أحدعشر شهرا ثمّ أصاب درهما بعد ذلك في الشهر الثاني عشر، فكملت عنده مائتا درهم؟ أعليه زكاتها؟ قال: لا، حتّى يحول عليه الحول و هي مائتا درهم، فان كانت مائة و خمسين درهما فأصاب خمسين بعد أن يمضي شهر، فلا زكاة عليه حتّى يحول على المائتين الحول. قلت: فان كانت عنده مائتا درهم غير درهم، فمضى عليها أيّام قبل أن ينقضي الشهر ثمّ أصاب درهما فأتى على الدراهم مع الدرهم حول، أعليه زكاة؟ قال: نعم، و ان لم يمضعليها جميعا الحول فلا شيء عليه فيها.


1) - مصباح الفقيه 13: 165.

قال: و قال زرارة و محمّد بن مسلم: قال أبو عبداللّه عليه السلام : أيّما رجل كان له مال و حال عليه الحول فانّه يزكّيه. قلت: فان هو وهبه قبل حلّه بشهر أو بيوم؟ قال: ليس عليه شيء أبدا.

قال: و قال زرارة عنه عليه السلام : انّه قال: انّما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوما في اقامته، ثمّ خرج في آخر النهار في سفر فأراد بسفره ذلك ابطال الكفّارة التي وجبت عليه. و قال: انّه حين رأى الهلال الثاني عشر وجبت عليه الزكاة، ولكنّه لو كان وهبها قبل ذلك لجاز و لم يكن عليه شيء بمنزلة من خرج ثمّ أفطر، انّما لايمنع ما حال عليه، فأمّا ما لم يحل فله منعه، و لايحلّ له منع مال غيره فيما قد حلّ عليه.

قال زرارة: و قلت له: رجل كانت له مائتا درهم فوهبها لبعض اخوانه أو ولده أو أهله فرارا بها من الزكاة، فعل ذلك قبل حلّها بشهر؟ فقال: اذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال عليها الحول و وجبت عليه فيها الزكاة. قلت له: فان أحدث فيها قبل الحول؟ قال: جائز ذلك له. قلت: انّه فرّ بها من الزكاة! قال: ما أدخل على نفسه أعظم ممّا منع من زكاتها. فقلت له: انّه يقدر عليها. قال: فقال: و ما علمه أنّه يقدر عليها و قد خرجت من ملكه؟ قلت: فانّه دفعها اليه على شرط. فقال: انّه اذا سمّاها هبة جازت الهبة و سقط الشرط و ضمن الزكاة. قلت له: و كيف يسقط الشرط و تمضي الهبة و يضمن الزكاة؟ فقال: هذا شرط فاسد، و الهبة المضمونة ماضية، و الزكاة له لازمة عقوبة له. ثمّ قال: انّما ذلك له اذا اشترى بها دارا أو أرضا أو متاعا.

قال زرارة: قلت له: انّ أباك قال لي: من فرّ بها من الزكاة فعليه أن يؤدّيها. قال: صدق أبي، عليه أن يؤدّي ما وجب عليه، و

ما لم يجب عليه فلا شيء عليه فيه. ثمّ قال: أرأيت لو أنّ رجلاً أغمي عليه يوما ثمّ مات فذهبت صلاته، أكان عليه - و قد مات - أن يؤدّيها؟ قلت: لا، الاّ أن يكون أفاق من يومه. ثمّ قال: لو أنّ رجلاً مرض في شهر رمضان ثمّ مات فيه، أكان يصام عنه؟ قلت: لا. قال: فكذلك الرجل لايؤدّي عن ماله الاّ ما حال عليه الحول».(1)

قال في الوافي في بيان بعض فقرات الحديث: «قوله عليه السلام : «انّما هذا بمنزلة رجل» اشارة الى قوله عليه السلام : «أيّما رجل كان له مال و حال عليه الحول فانّه يزكّيه» و الصواب - ثمّ وهبه فانّه يزكّيه - و لعلّه سقطت كلمة «ثمّ وهبه» من قلم النسّاخ أو اكتفي عنها بدلالة ما بعدها عليها شبّه الفارّ من الزكاة بعد حول الحول بمن أفطر في اقامته، ثمّ سافر لابطال الكفّارة لاشتراكهما في ارادة اسقاط الواجب بعد ما تحقّق وجوبه و هذا ممّا لايجوز، ثمّ شبّه الفارّ منها قبل الحول بمن سافر ثمّ أفطر؛ لاشتراكهما في ارادة اسقاط الواجب قبل تحقّق وجوبه و هذا جائز.ثمّ شرح ذلك بقوله: «انّما لايمنع» يعني انّما ليس لمريد الفرار منع ما حال عليه الحول يعني ما وجب زكاته دون ما لم يحل ثمّ علّل ذلك بقوله: «و لايحلّ له منع مال غيره» يعني بالغير مستحقّ الزكاة، و ذلك لأنّه قد ثبت حقّ المستحقّ في ماله بعد الحلّ. و قوله: «هذا شرط فاسد» لمنافاته لمقتضى الهبة «عقوبة له» يعني انّها انّما لزمته لمحض العقوبة ليس لها موجب سواها «اذا اشترى بها» يعني من دون شرط فاسد فانّ العقوبة انّما لزمته بالشرط «من فرّ بها» يعني بالدراهم أو بالهبة و الشراء و نحوهما«و ما لم يجب عليه فلا شيء عليه فيه» الاّ على سبيل العقوبة فيما اذا شرط ما ينافي مقتضى المعاملة كما تبيّن. ثمّ نقول: لعلّ المراد بوجوب الزكاة و حول الحول برؤية هلال الثاني عشر الوجوب. و الحول لمريد الفرار يعني لايجوز الفرار حينئذ لاستقرار الزكاة في المال بذلك، كيف و الحول معناه معروف و الأخبار باطلاقه


1) - فروع الكافي 3: 517 و 518 / الباب 283 المال الذي لايحول ... / الحديث 4.

مستفيضة، و لو حملناه على معنى استقرار الزكاة فلايجوز تقييد ما ثبت بالضرورة من الدين بمثل هذا الخبر الواحد الذي فيه ما فيه، و انّما يستقيم بوجوه من التكلّف. و قد مضى أخبار أخر في الفرار من الزكاة في باب زكاة الذهب و الفضّة. انتهى».(1)

و في الحدائق قال: «و ظاهر المحدّث الكاشاني في الوافي الطعن في دلالة الخبر المذكور و حمله على مورده من حكم الفرار - و بعد نقل عبارته قال: - و هو جيّد لولا اتّفاق الأصحاب قديما و حديثا على العمل بمضمونه في الزكاة مطلقا لابخصوص هذا الفرد الذي ذكره - ثمّ قال: - و ممّا يؤيّد ما ذكره (طاب ثراه) صحيحة عبداللّه بن سنان قال: «قال أبو عبداللّه عليه السلام : لمّا نزلت آية الزكاة «خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم و تزكّيهم بها» و أنزلت في شهر رمضان فأمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله مناديه فنادى في الناس: انّ اللّه تعالى فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة، ففرض اللّه عليهم من الذهب و الفضّة و فرض عليهم الصدقة من الابل و البقر و الغنم و من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و نادى فيهم بذلك في شهر رمضان و عفا لهم عمّا سوى ذلك. قال عليه السلام : ثمّ لم يتعرّض لشيء من أموالهم حتّى حال عليهم الحول من قابل فصاموا و أفطروا فأمر مناديه فنادى في المسلمين: أيّها المسلمون، زكّوا أموالكم تقبل صلاتكم. قال عليه السلام : ثمّ وجّه عمّال الصدقة و عمّالالطسوق». و هو ظاهر كما ترى في اعتبار حول الاثنيعشر شهرا. و يمكن الجمع بين هذا الخبر و الخبر المتقدّم بما ذكره شيخنا الشهيد الثاني من حصول الوجوب بدخول الثاني عشر و ان كان لايستقرّ الاّ بتمامه. انتهى».(2)

قال المحقّق الهمداني: «ليس في هذه الصحيحة ما ينافي صحيحة زرارة المتقدّمة، فمن الجائز تحقّق الوجوب من ابتداء الشهر الثاني عشر، و كون تأخير


1) - كتاب الوافي 10: 134 و 135.

2) - الحدائق الناضرة 12: 71 و 72.

الأمر بدفعها لحكمة رآها النبي صلى الله عليه و آله. و الظاهر أنّ صحيحة زرارة حاكمة على سائر الأدلّة الدالّة على اعتبار الحول في الوجوب. ثمّ انّه يرد على ما ذكره المحدّث الكاشاني من أنّه «لايجوز تقييد ما ثبت بالضرورة من الدين بمثل هذا الخبر الواحد»: ان أراد بما ثبت بالضرورة من الدين اعتبار الحول بمعناه الحقيقي الذي هو عبارة عن اثنيعشر شهرا تامّا، فهذا ممّا لم يثبت بالضرورة، كيف و المشهور - ان لم يكن مجمعا عليه - خلافه! و ان أراد اعتباره بالمعنى الذي أريد منه في الأخبار، فيجوز التصرّف فيها بالخبر الواحد كما يتصرّف في الآية من القرآن أو السنّة المتواترة بالخبر المعتبر، خصوصا اذا كان بمنزلة التفسير لها، كما في المقام. و العمدة تحقيق مفاد هذه الصحيحة، فقوله عليه السلام : «فاذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال الحول» لم يقصد به حقيقته جزما؛ لأنّ الحول حقيقة، هو اثناعشر شهرا كاملاً. فهذا الكلام مبنيّ إمّا على التصرّف في لفظ الحول باستعماله في أحدعشر شهرا، و معناه أنّ الحول الذي اعتبره الشارع في باب الزكاة قد حال بمضيّ أحدعشر شهرا. و إمّا أن يكون المقصود بهذه الفقرة تنزيل التلبّس بالشهر الثاني عشر الذي به يتمّ الحول منزلة تمامه. فالأوّل بعيد و مخالف لسوق الرواية، فيكون المراد هو المعنى الثاني فينزّل أحدعشر شهرا منزلة الحول على الاطلاق، أي بالنسبة الى جميع مايعتبر وجوده في تمام الحول، و قضيّة ذلك استقرار الوجوب بدخول الثاني عشر كما هو ظاهر المشهور، أو في خصوص تعلّق التكليف بالزكاة مراعىً بعدم اختلال سائر الشرائط - كلاًّ أو بعضا - الى تمام السنة، أو من حيث حرمة التفويت و اتلاف متعلّق الزكاة، كما يظهر من المحدّث الكاشاني.

و الأوّل أقرب الى معناه الحقيقي، و الأخير أقرب الى مفهومه العرفي بالنظر الى خصوصيّة المورد، و ما يقتضيه الجمع بينه و بين غيره ممّا دلّ على اعتبار سائر الشرائط؛ اذ لايلزم على تقدير حمله على هذا المعنى التصرّف في ظاهر شيء من تلك الأدلّة، بخلاف سائر المحامل. لكن قد ينافيه بعض الفقرات المذكورة في

الرواية و من جملتها تنظيره بمن أفطر ثمّ سافر.

فيبقى أن يكون المراد عموم المنزلة أو خصوص الحكم التكليفي في مقام العمل الغير المنافي لكونه مراعىً ببقاء سائر الشرائط الخارجة عن تحت اختياره في بقيّة الحول. و المعنى الأوّل و ان كان أقرب الى معناه الحقيقي الاّ أنّه ربّما يبعّده استلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة في مثل هذا الحكم العامّ الابتلاء، و هو في غاية البعد، الاّ أنّ المعنى الثاني أيضا لايدفع المحذور المزبور؛ لأنّ جلّ الأخبار - ان لم يكن كلّها - يدلّ بظاهرها على عدم تعلّق التكليف بالزكاة قبل انقضاء السنة. و الالتزام بمقالة الكاشاني مخالف لظاهر فتاوى الأصحاب و صريح اجماعاتهم المنقولة و استلزامه ارتكاب التأويل في جملة من فقرات الرواية. فمع أنّه قد يستشعر من بعض الأخبار معهوديّة كون الشهر الثاني عشر لديهم هو الشهر الذي كان يؤدّي فيه الزكاة، فعلى هذا تكون الأخبار المشار اليها منزّلة على المعهود. و قد تلخّص ممّا ذكر أنّ ما نسب الى المشهور من استقرار الوجوب بدخول الشهر الثاني عشر هو الأظهر و ان كانت السنة التي تتكرّر الزكاة بتكرّرها لاتتمّ الاّ بتمامها، و اللّه العالم. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

قوله عليه السلام في الصحيحة: «فاذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال الحول» لم يقصد به حقيقته جزما؛ لأنّ الحول حقيقة هو اثناعشر شهرا كاملاً، كما نبّه عليه المحقّق المزبور. فالظاهر أنّ الراجح من الاحتمالات الثلاثة التي احتملها المحقّق الهمداني رحمه الله تنزيل التلبّس بالشهر الثاني عشر الذي به يتمّ الحول منزلة تمامه بالنسبة الى خصوص تعلّق التكليف بالزكاة مراعىً بعدم اختلال سائر الشرائط الى تمام السنة. و نتيجة هذا أنّه لو ارتفع بعض الشرائط لا عن اختياره كما لو جنّ أو


1) - مصباح الفقيه 13: 166 - 171.

نقص المال عن النصاب و نحو ذلك سقط الوجوب، الاّ أنّه لايجوز تبديلها و تفويتها باختياره كأن يهبها.

و استشكل العلاّمة الخوئي رحمه الله ب- «أنّه لم يظهر له وجه صحيح فانّ الصحيحة - و لاسيّما بملاحظة التشبيه بمن أفطر ثمّ سافر - ظاهرة في الوجوب المستقرّ، فلا دليل على اعتبار بقاء الشرائط الى نهاية السنة بعد ورود مثل هذا الدليل الحاكم المتضمّن لتفسير الحول بالدخول في الشهر الثاني عشر الكاشف عن أنّ هذا هو المراد ممّا دلّ على بقاء الشرائط الى نهاية الحول. انتهى».(1)

و فيه: انّ المعنى الذي اخترناه كما اختاره جماعة لاينافي الصحيحة و يطابق التشبيهين اللذين كانا فيها، فمن وهب ماله الزكويّ بعد هلال الشهر الثاني عشر لايسقط عنه الزكاة، كالمقيم الذي أفطر في شهر رمضان ثمّ سافر ليسقط عنه الكفّارة، و أمّا اذا تلف ماله بآفة سماويّة بعد الهلال فهو كمن أغمي عليه فانّه لا قضاء عليه. مضافا الى أنّه يدفع اشكال تأخير البيان عن وقت الحاجة في مثلهذا الحكم العامّ الابتلاء. و بهذا المعنى يندفع ما استشكل به صاحب المصباح ب- «أنّ جلّ الأخبار ان لم يكن كلّها يدلّ بظاهرها على عدم تعلّق التكليف بالزكاة قبل انقضاء السنة»؛ لأنّه يدلّ على ذلك مستقرّا لا مراعىً، فهذا القول لاينافي تلك الأخبار أصلاً، فانّها قائلة بأنّه لو اختلّ بعض الشرائط الى تمام السنة لم تجب الزكاة و الجمع بينها و بين هذه الصحيحة يعطي بأنّه يسقط وجوب الزكاة اذا اختلّ بعضها لا عن اختيار.

و قال المحقّق المزبور في تأييد القول باستقرار الوجوب اذا دخل الشهر الثاني عشر بأنّه: «قد يستشعر من بعض الأخبار معهوديّة كون الشهر الثاني عشر لديهم هو الشهر الذي كان يؤدّي فيه الزكاة، فعلى هذا تكون الأخبار المشار اليها منزّلة على المعهود».


1) - مستند العروة 23: 216.

و فيه: انّ القول المختار لاينافي الاستشعار المذكور، و نحن نقول: يجب الزكاة بدخول الشهر الثاني عشر الاّ أنّه لايجب الفور بأدائها و لايجب ارسال العاملين فورا. و لايخالف المختار فتوى العلماء و ان صرّح بعضهم بوجوبها بدخول الشهر الثاني عشر.

قال في فقه الرضا عليه السلام : «فان بقي الحنطة و الشعير بعد ما أخرج الزكاة - ما بقي - و حولت عليها السنة ليس عليها زكاة حتّى يباع و يحول على ثمنه حول. انتهى».(1)

و قال في المقنع: «و ليس في العطر و الزعفران و الخضر و الثمار و الحبوب زكاة حتّى تباع و يحول على ثمنه الحول. انتهى».(2)

و قال الصدوق في الهداية بالخير: «و ان بقي الحنطة و الشعير بعد ذلك - مابقي - فليس عليه شيء حتّى يباع و يحول عليه الحول. انتهى».(3)

و قال في المقنعة: «و لا زكاة في مال حتّى يحول عليه الحول - الى أن قال: - فأمّا الأنعام فانّما يجب الزكاة فيها على السائمة منها خاصّة اذا حال عليها الحول. انتهى».(4)

و قال السيّد في جمل العلم و العمل: «الواجب اخراج الزكاة في وقت وجوبها و هو تكامل الحول فيما اعتبر فيه الحول. انتهى».(5)

و قال في موضع آخر منه: «لا زكاة في شيء من الأنعام الاّ بعد أن تكون سائمة و يحول عليها الحول ... و لا زكاة في الصغار حتّى يحول عليها الحول من بعد


1) - الينابيع الفقهيّة 5: 4.

2) - نفس المصدر: 11.

3) - نفس المصدر: 19.

4) - نفس المصدر: 30.

5) - نفس المصدر: 67.

نتاجها. انتهى».(1)

و قال أبو الصلاح الحلبي في الكافي: «فأمّا فرض زكاة المال فيختصّ بكلّ حرّ بالغ كامل العقل بشرط أن يكون المال عينا أو ورقا بالغا نصابه حائلاً عليه الحول من غير أن يتخلّله نقصان و لاتبدّلت أعيانه. انتهى».(2)

و قال سلاّر في المراسم العلويّة: «فأمّا رأس الحول فيعتبر في النعم الغنم و الذهب و الفضّة و انّه اذا أتى الحول على نصاب من ذلك وجبت فيه الزكاة. انتهى».(3)

و قال القاضي ابن البرّاج: «اذا كان عنده نصاب و مات في بعض الحول و انتقل هذا النصاب الى وارثه، لايلزم الوارث الزكاة عن ذلك؛ لأنّه لم يحل الحولعليه في ملكه و عليه أن يستأنف الحول، فاذا حال الحول على هذا النصاب كانت عليه الزكاة. انتهى ملخّصا».(4)

و قال أيضا في المهذّب: «و اليوم الذي هو أوّل يوم من الشهر الثاني عشر هو أوّل وقت الوجوب ثمّ كلّما مضى من الشهر شيء ازداد تضييق الوجوب الى آخره، و ان لم يخرجها الى أن ينقضي الشهر الثاني عشر من الحول كانت في ذمّته. انتهى ملخّصا».(5)

و قال ابن حمزة في الوسيلة: «فاذا مرّ على المال أحدعشر شهرا و استهلّ الشهر الثاني عشر فقد وجبت الزكاة. انتهى».(6)

و قال الشيخ في النهاية: «و اذا استهلّ هلال الثاني عشر فقد حال على المال


1) - الينابيع الفقهيّة 5: 66.

2) - نفس المصدر: 103.

3) - نفس المصدر: 145.

4) - جواهر الفقه: 31.

5) - الينابيع الفقهيّة 5: 176.

6) - نفس المصدر: 250.

الحول و وجبت فيه الزكاة، فان أخرجه عن ملكه بعد دخول الشهر الثاني عشر وجبت عليه الزكاة و كانت في ذمّته. انتهى ملخّصا».(1)

و قال ابن زهرة في الغنية: «و من شرائط وجوب الزكاة في الذهب و الفضّة حؤول الحول و هو كامل في الملك. انتهى ملخّصا».(2)

و قال ابن ادريس في السرائر: «لا زكاة في الذهب و الفضّة حتّى يحول عليهما الحول، و اذا استهلّ هلال الثاني عشر فقد حال على المال الحول و وجبت الزكاة في المال، و ان أخرجه من ملكه بعد ذلك وجبت عليه الزكاة و كانت في ذمّته. انتهى ملخّصا».(3)

و قال المحقّق في الشرائع: «القول في وقت التسليم: اذا أهلّ الثاني عشر وجب دفع الزكاة و لايجوز التأخير الاّ لمانع، أو لانتظار من له قبضها. انتهى».(4)

و قال في المختصر النافع: «الشرط الثالث: الحول، و هو اثناعشر هلالاً و ان لم يكمل أيّامه. انتهى».(5)

و قال العلاّمة في القواعد: «الثاني: الحول، و هو مضيّ أحدعشر شهرا كاملة، فاذا دخل الثاني عشر وجبت. انتهى».(6)

و قال الشهيد الأوّل في اللمعة: «و الحول بمضيّ أحدعشر شهرا هلاليّة. انتهى».(7)

و أنت اذا تأمّلت فيما قلنا علمت وجه الجمع بين هذه الفتاوى. نعم، قول


1) - النهاية: 182.

2) - الينابيع الفقهيّة 5: 237.

3) - السرائر 1: 451 و 452.

4) - شرائع الاسلام 1: 167.

5) - المختصر النافع 1: 55.

6) - الينابيع الفقهيّة 5: 417.

7) - نفس المصدر: 439.

المحقّق في الشرائع صريح في استقرار الوجوب بدخول الشهر الثاني عشر.

(مسألة 9): لو اختلّ بعض الشروط في أثناء الحول قبل الدخول في الثاني عشر بطل الحول، كما لو نقصت عن النصاب، أو لم يتمكّن من التصرّف فيها أو عاوضها بغيرها و ان كان زكويّا من جنسها. فلو كان عنده نصاب من الغنم مثلاً و مضى ستّة أشهر فعاوضها بمثلها، و مضى عليه ستّة أشهر أخرى لم تجب عليه الزكاة، بل الظاهر بطلان الحول بالمعاوضة و ان كانت بقصد الفرار من الزكاة.

الشرح:

لو اختلّ بعض الشروط في أثناء الحول قبل الدخول في الثاني عشر بطل الحول بلا خلاف في ذلك الاّ من الشيخ في المبسوط فانّه قال: «لو بادل بجنسه بنى على حوله، و ان كان بغير جنسه، استأنف الحول. انتهى ملخّصا».(1)

و هو شاذّ بل عن السرائر: «انّ اجماعنا على خلاف ما ذهب اليه فيه. انتهى».(2)

و الدليل عليه الروايات الدالّة على شرطيّة الحول في وجوب الزكاة، و قد تقدّمت في المسألة السابقة.

قال المحقّق الهمداني: «و لو اختلّ أحد شروطها في أثناء الحول قبل أن يهلّ الشهر الثاني عشر الذي به يتحقّق الوجوب بطل الحول، مثل أن نقصت عن النصاب فأتمّها، أو عاوضها ولو بجنسها أي نوعها كالغنم بالغنم الشامل للمعز و الضأن، أو مثلها ممّا هو مساوٍ لها في الحقيقة و الأوصاف المصنّفة، كما لو بادل غنما ذكرا سائمة ستّة أشهر بمثلها كذلك، أو دينارا بدينار آخر من صنفه، على


1) - المبسوط 1: 206.

2) - السرائر 1: 452.

الأصحّ، خلافا لما حكي عن الشيخ في المبسوط، و استدلّ له بصدق أنّه ملك أربعين سائمة طول الحول. و فيه ما لايخفى، بعد قضاء الأدلّة باشتراط أن يحول عليه الحول و هو عند صاحبه، فانّ شيئا من البدل و المبدل عنه لم يحل عليه الحول عنده، كما هو واضح.

و ربّما يظهر من فخر المحقّقين فيما حكي من شرحه على الارشاد موافقته، فانّه قال: «و هو قول الشيخ، للرواية». و الظاهر أنّ مراده بالرواية هو عمومات أدلّة الزكاة، و الاّ فمن المستبعد وصول نصّ خاصّ جامع لشرائط الحجّيّة مختفٍ على غيره، مع أنّه لم يشر الى متنها أو سندها و لو اجمالاً. و كيف كان فيرد عليه: انّ بقاءه في ملك مالكه جامعا للشرائط حتّى يحول عليه الحول و هو في يده أيضا شرط،و هو منتفٍ في الفرض، كما هو واضح. انتهى ملخّصا».(1)

ثمّ انّ الظاهر بطلان الحول بالمعاوضة و ان كانت بقصد الفرار من الزكاة على المشهور على ما في الجواهر و الحدائق. و ذلك لانقطاع الملك به، فيعمّه ما دلّ على نفي الزكاة فيما لم يحل الحول عليه و هو عند صاحبه، الشامل باطلاقه لصورتي الفرار و عدمه. و خصوص ما ورد من جواز الفرار، كصحيحة عمر بن يزيد قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل فرّ بماله من الزكاة فاشترى به أرضا أو دارا، أعليه فيه شيء؟ فقال: لا، و لو جعله حليّا أو نقرا فلا شيء عليه، و ما منع نفسه من فضله أكثر ممّا منع من حقّ اللّه الذي يكون فيه».(2)

و صحيحة هارون بن خارجة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: انّ أخي يوسف وليَ لهؤلاء القوم أعمالاً أصاب فيها أموالاً


1) - مصباح الفقيه 13: 171 - 173.

2) - وسائل الشيعة 9: 159 / الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

كثيرة، و انّه جعل ذلك المال حليّا أراد أن يفرّ به من الزكاة، أعليه الزكاة؟ قال: ليس على الحليّ زكاة، و ما أدخل على نفسه من النقصان في وضعه و منعه نفسه فضله أكثر ممّا يخاف من الزكاة».(1)

و صحيحة زرارة قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : انّ أباك قال: من فرّ بها من الزكاة فعليه أن يؤدّيها. فقال: صدق أبي، انّ عليه أن يؤدّي ما وجب عليه، و ما لم يجب عليه فلا شيء عليه منه. الحديث».(2)

و لاتعارضها صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الحليّ، فيه زكاة؟ قال: لا، الاّ ما فرّ به من الزكاة».(3)

لأنّها تحمل على استحباب الزكاة جمعا بينها و بين ما تقدّم.

قال في المدارك: «و قال المرتضى في الانتصار و الشيخ في الجمل: ان بادل بالجنس أو بغيره فرارا وجبت الزكاة و الاّ فلا - الى أن قال: - و يدلّ على أنّ الفرار غير منافٍ للسقوط روايات. و ما استدلّ به السيّد من الاجماع و الأخبار التي عبّر عنها بأنّها أظهر و أقوى من الطائفة الأولى و أوضح طرقا، ففيه: انّ الاجماع لم يثبت و أمّا الروايات فعلى فرض صحّة سندها تحمل على الاستحباب جمعا بين الأدلّة. انتهى ملخّصا».(4)


1) - وسائل الشيعة 9: 160 / الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 9: 161 / الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 9: 162 / الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 7.

4) - مدارك الأحكام 5: 74 - 76.

(مسألة 10): اذا حال الحول مع اجتماع الشرائط فتلف من النصاب شيء، فان كان لا بتفريط من المالك لم يضمن و ان كان بتفريط منه - ولو بالتأخير، مع التمكّن من الأداء - ضمن بالنسبة. نعم، لو كان أزيد من النصاب و تلف منه شيء مع بقاء النصاب على حاله لم ينقص من الزكاة شيء، و كان التلف عليه بتمامه مطلقا، على اشكال.

الشرح:

اذا حال الحول مع اجتماع الشرائط فتلف النصاب كلّه بلا تفريط سقط الكلّ بلا خلاف و لا اشكال لما ستعرف من تعلّق الزكاة بالعين، و يدلّ عليه - مضافا الى ما عرفت - مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في الرجل يكون له ابل أو بقر أو غنم أو متاع فيحول عليها الحول فتموت الابل و البقر و الغنم و يحترق المتاع، قال: ليس عليه شيء».(1)

فانّها ظاهرة في موت الأنعام أو احتراق المتاع من قبل أنفسها من غير تفريط.

و أمّا ان تلف النصاب كلّه مع التفريط ضمن؛ اذ الزكاة تتعلّق بالعين فهي بحكم الأمانة في يد المالك، فحكمها حكم الأمانة. و قوله عليه السلام : «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» يقتضي الضمان خرجت منه اليد الأماني بالاجماع.

و أمّا اذا تلف البعض فامّا أن يكون الباقي بمقدار النصاب أو لا، و في كلّ منهما إمّا أن يكون بتفريط من المالك أو لا. فلو كان الباقي بمقدار النصاب، كان التلف على المالك و لم ينقص من الزكاة شيء، سواء كان بتفريط من المالك أو لم يكن، و الدليل على ذلك أنّ موضوع النصاب - و هو أنّ في كلّ أربعين شاة مثلاً - متحقّق في المقام بمقتضى الاطلاق؛ لصدقه على هذا الأربعين، فيعمّه الحكم. فلو تلف


1) - وسائل الشيعة 9: 127 / الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 2.

البعض و لم يكن الباقي بمقدار النصاب كما لو تلف من الأربعين شاة نصفها، فان لم يكن عن تفريط فلا ضمان على المالك بل يقسّط التلف عليهما بالنسبة فينقص عن الزكاة في المثال نصف الشاة؛ اذ نسبة التلف الى أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح فلا مناص من التقسيط. هذا على القول بكون التعلّق بنحو الاشاعة. و أمّا على القول بكونه بنحو الكلّي في المعيّن، فمقتضى القاعدة عدم وقوع التلف فيحقّ الفقراء.

قال في التذكرة: «فلو تلف بعض النصاب قبل امكان الأداء سقط عنه بقدر ما تلف. انتهى».(1)

و لو تلف بعض النصاب بتفريط منه ولو بالتأخير في الأداء مع التمكّن ضمن، و قد ادّعى في الجواهر على ذلك كلّه عدم الخلاف و الاشكال.

قال في الجواهر: «و لو حال الحول فتلف من النصاب شيء فان فرّط المالك ولو بتأخير الأداء مع التمكّن منه من دون مسوّغ شرعيّ ضمن، و ان لم يكن فرّط سقط من الفريضة بنسبة التالف من النصاب بلا خلاف و لا اشكال في ذلك كلّه، ضرورة كونه بعد حؤول الحول، و فرض الزكاة في العين أمانة في يده، فيجري عليه حكمها حينئذ، و لو تلف النصاب كلّه لم يكن عليه شيء مع عدم التفريط، و هو المراد من مرسلة ابن أبي عمير. بل لعلّ الظاهر من الفاء فيها وقوع ذلك بعد حؤول الحول بلا فصل يعتدّ به، فلا تأخير فيه للأداء. انتهى ملخّصا».(2)

و أمّا المصنّف فقد حكم فيما اذا تلف بعض النصاب بعدم الضمان ان لم يكن بتفريط منه، و ان كان بتفريط منه ضمنه بالنسبة.

و فيه: انّ المصنّف قائل بكون التعلّق من قبيل الكلّي في المعيّن فيجب عليه أن يلتزم بعدم سقوط الزكاة مادام مقدارها باقيا، كمن باع صاعا من صبرة معيّنة فانّ


1) - تذكرة الفقهاء 5: 191.

2) - جواهر الكلام 15: 109.

حقّ المشتري باقٍ مادام يبقى مقدار الصاع منها. و قد عرفت ادّعاء عدم الخلاف و الاشكال من صاحب الجواهر في الصورتين.

قال في مستند الشيعة: «لو تلف المال الذي فيه الزكاة مع عدم التمكّن من أداء الزكاة و من غير تفريط لا ضمان عليه و لا زكاة بالاجماع؛ له و للأصل، و لما عرفتمن تعلّق الزكاة بالعين، فيكون المال في يده بمنزلة الأمانة فلايضمن الاّ بتعدٍّ أو تفريط. انتهى».(1)

(مسألة 11): اذا ارتدّ الرجل المسلم، فامّا أن يكون عن ملّة أو عن فطرة، و على التقديرين: امّا أن يكون في أثناء الحول أو بعده، فان كان بعده وجبت الزكاة، سواء كان عن فطرة أو ملّة. ولكن المتولّي لاخراجها الامام عليه السلام أو نائبه. و ان كان في أثنائه و كان عن فطرة انقطع الحول و لم تجب الزكاة و استأنف الورثة الحول؛ لأنّ تركته تنتقل الى ورثته. و ان كان عن ملّة لم ينقطع و وجبت بعد حول الحول، لكن المتولّي الامام عليه السلام أو نائبه ان لم يتب، و ان تاب قبل الاخراج أخرجها بنفسه، و أمّا لو أخرجها بنفسه قبل التوبة لم تجز عنه الاّ اذا كانت العين باقية في يد الفقير فجدّد النيّة، أو كان الفقير القابض عالما بالحال، فانّه يجوز له الاحتساب عليه؛ لأنّه مشغول الذمّة بها اذا قبضها مع العلم بالحال و أتلفها أو تلفت في يده. و أمّا المرأة فلاينقطع الحول بردّتها مطلقا.

الشرح:

اذا ارتدّ الرجل المسلم، فامّا أن يكون عن ملّة أو عن فطرة. و على التقديرين امّا أن يكون في أثناء الحول أو بعده. أمّا لو كان بعد الحول فلاتسقط الزكاة قطعا، سواء كان عن فطرة أو ملّة. انّما الكلام في المتولّي لاخراجها، فان قلنا بأنّها لاتصحّ


1) - مستند الشيعة 9: 227.

من الكافر؛ لأنّها عبادة و تحتاج الى النيّة و لاتتمشّى منه، فلا جرم يتصدّى لاخراجها الامام أو نائبه. و ذلك لأنّه ممتنع عن أداء الزكاة، و الامام أو نائبه وليّ الممتنع، فامتناعه عدم توبته ليصحّ منه الزكاة بلا فرق بين المرتدّ الملّي أو الفطري،فقبول توبة المرتدّ الملّي واضح، و الفطري أيضا تقبل توبته في غير القتل و بينونة الزوجة و انتقال ماله الى الورثة، و الدليل على قبول توبته اطلاقات قبول التوبة و ما ورد من أنّ كلّ معترف بالشهادتين مسلم مكلّف بأحكام مثل الصلاة و الصيام و منها الزكاة، و بناءً عليه ان تاب قبل اعطاء زكاة ماله فهو المتصدّي لاخراجها و اعطائها، و ان لم يتب فهو ممتنع فالمتصدّي لاخراجها الحاكم الشرعي؛ لأنّه وليّ الممتنع.

و لايبعد أن يقال: انّ الولاية للوارث دون الحاكم؛ لانتقال المال اليه بعد الارتداد عن فطرة. فالمقام نظير الموت الحقيقي، فكما أنّ المالك لو مات بعد حلول الحول كان الخيار للوارث بلا خلاف فيه و لا اشكال، فكذا في الارتداد.

ثمّ انّه لو أخرجها بنفسه حال الارتداد ثمّ تاب، فان كانت العين باقية يجدّد النيّة، و ان كانت تالفة فلو احتسب الفقير القابض مع علمه بالحال فبها، و ان لم يحتسب مع كونه عالما بالحال فذمّته مشغولة، فيجوز للمالك أن يحتسب هذا الدين من الزكاة فلايجب عليه الدفع ثانيا. و أمّا مع جهل الفقير القابض، فلا بدّ من دفع الزكاة ثانيا و لم يكن ذمّة الفقير مشغولة؛ لأنّه كان مغرورا من قبل المالك؛ اذ هو الذي سلّطه على المال مجّانا و غرّه في اتلافه فكان قرار الضمان عليه.

و أمّا اذا كان الارتداد أثناء الحول، فان كان عن فطرة سقط الحول؛ لانتقال المال الى الوارث فيحول الحول عنده ابتداءً، و ان كان عن ملّة لايسقط الحول بل ينتظر حتّى يتمّ الحول مع بقاء الشرائط، فان تاب فهو يتصدّى بنفسه اخراج الزكاة، و ان لم يتب دخل في الممتنع، فالمتصدّي لاخراجها حينئذ الحاكم الشرعي. و أمّا المرأة فلاينقطع الحول بردّتها مطلقا؛ لعدم انقطاع ملكها بذلك.

قال العلاّمة في التذكرة: «المرتدّ ان كان عن فطرة خرجت أمواله عنه في الحال الى ورثته، و لاتقبل توبته، بل يقتل في الحال فيستأنف ورثته الحول من حينانتقال الملك اليهم و تمكّنهم منه. ثمّ ان كان عن غير فطرة انتظر به العود، فان عاد الى الاسلام بعد حلول الحول وجب عليه الزكاة بحلول الحول، و ان لم يعد فقتل بعد حلول الحول أو لحق بدار الحرب، وجب أن تخرج عنه الزكاة؛ لبقاء ملكه الى حين القتل، و منعه عن التصرّف فيه مستند الى اختياره لتمكّنه من الرجوع الى الاسلام - الى أن قال: - و الزكاة تدخلها النيابة و يأخذها الامام من الممتنع، فان أسلم بعد أخذها لم تلزمه اعادتها؛ لأنّها سقطت عنه بأخذها، و لو أخذها غير الامام و نائبه لم تسقط فانّه لا ولاية للآخذ عليه فلايقوم مقامه، بخلاف نائب الامام. و لو أدّاها في حال ردّته لم تجزئه؛ لأنّه كافر فلاتصحّ منه كالصلاة. انتهى».(1)

قال في الجواهر: «و اذا ارتدّ المسلم عن فطرة قبل الحول لم تجب الزكاة؛ لانقطاع الملك، و استأنف ورثته الحول؛ لانتقال الملك اليهم؛ اذ الردّة كالموت في ذلك، و ان كان الارتداد بعده وجبت الزكاة؛ لوجود المقتضي و ارتفاع المانع، و تولّى اخراجها الامام أو القائم مقامه، و ان لم يكن عن فطرة لم ينقطع الحول؛ لبقاء الملك، و وجبت الزكاة عند تمام الحول مادام باقيا؛ لأنّه مكلّف، و المنع من التصرّف في المال بتقصير منه، مع أنّه متمكّن منه بالاسلام ، و يتولّى اخراجها الامام أو من يقوم مقامه؛ لعدم صحّتها منه و ان كان مكلّفا بها، كما هو واضح. انتهى».(2)

(مسألة 12): لو كان مالكا للنصاب لا أزيد - كأربعين شاة مثلاً - فحال عليه أحوال، فان أخرج زكاته كلّ سنة من غيره تكرّرت؛ لعدم نقصانه حينئذ عن


1) - تذكرة الفقهاء 5: 20 و 21.

2) - جواهر الكلام 15: 110.

النصاب. و لو أخرجها منه أو لم يخرج أصلاً لم تجب الاّ زكاة سنة واحدة؛لنقصانه حينئذ عنه. و لو كان عنده أزيد من النصاب - كأن كان عنده خمسون شاة - و حال عليه أحوال لم يؤدّ زكاتها، وجب عليه الزكاة بمقدار ما مضى من السنين الى أن ينقص عن النصاب. فلو مضى عشر سنين - في المثال المفروض - وجب عشرة، و لو مضى أحدعشر سنة وجب أحدعشر شاة، و بعده لايجب عليه شيء؛ لنقصانه عن الأربعين. و لو كان عنده ستّ و عشرون من الابل و مضى عليه سنتان وجب عليه بنت مخاض للسنة الأولى، و خمس شياه للثانية. و ان مضى ثلاث سنوات وجب للثالثة أيضا أربع شياه. و كذا الى أن ينقص من خمسة فلاتجب.

الشرح:

ما ذهب اليه المصنّف في المسألة من الصور المتصوّرة و دلائلها واضح، و سيأتي المزيد من التوضيح.

قال في الشرائع: «و لو كان عنده نصاب فحال عليه أحوال، فان أخرج زكاته في كلّ سنة من غيره تكرّرت الزكاة فيه. و ان لم يخرجها وجب عليه زكاة حول واحد. و لو كان عنده أكثر من نصاب كانت الفريضة في النصاب و يجبر من الزائد. و كذا في كلّ سنة حتّى ينقص المال عن النصاب. فلو كان عنده ستّ و عشرون من الابل و مضى عليها حولان وجب عليه بنت مخاض و خمس شياه. فان مضى عليها ثلاثة أحوال وجب عليه بنت مخاض و تسع شياه. انتهى».(1)

قال الشيخ في المبسوط: «من كان عنده ستّ و عشرون من الابل فمرّت ثلاث سنين يلزمه بنت مخاض للسنة الأولى. ثمّ ينقص عن النصاب الذي يجب فيه بنت مخاض فيلزمه خمس شياه في السنة الثانية، و في الثالثة ينقص عن النصاب


1) - شرائع الاسلام 1: 148.

الذي فيه خمس شياه فيلزمه أربع شياه فيجتمع عليه بنت مخاض و تسع شياه. و من كان عنده خمس من الابل و مرّت به ثلاث سنين لم يلزمه أكثر من شاة واحدة؛ لأنّ الشاة استحقّت فيها فيبقى أقلّ من خمس فلايلزمه فيها شيء.

• و قال في موضع آخر: - فأمّا اذا كانت أربعين (شاة) و لم تلد منها شيء أصلاً وجبت فيها شاة، فلمّا حال عليها الحول الثاني و الثالث لم يلزمه أكثر من شاة واحدة؛ لأنّ المال قد نقص عن النصاب، و ان كان معه مائتا شاة و واحدة و مرّت به ثلاث سنين كان عليه سبع شياه؛ لأنّه يلزمه في السنة الأوّلة ثلاث شياه، و في كلّ سنة شاتان؛ لأنّ المال في الثاني و الثالث قد نقص عن مائتين و واحدة فلم يلزمه أكثر من شاتين، و على هذا الترتيب بالغا ما بلغ و بقا ما بقا. انتهى».(1)

أقول:

لو حال على المال الذي فيه الزكاة أحوال، فتارة يكون المال نصابا لا أزيد، و أخرى يكون أزيد من النصاب. ففي الأولى فتارة قد أدّى قيمة ما في ذمّته من الزكاة و أخرى لم يؤدّ شيئا، ففي هاتين الصورتين يجب عليه زكاة واحدة؛ لعدم نقصان النصاب. فلو كان عنده أربعون شاة فحال عليه ثلاثة أحوال فأدّى في الحولين منها قيمة الفريضة أو لم يؤدّ شيئا أصلاً ففي الحول الثالث يجب عليه شاة واحدة؛ لأنّ في كلّ أربعين شاة شاة. و أمّا لو كان عنده أزيد من النصاب فلم يؤدّ زكاته فيجب عليه لكلّ حول زكاة حتّى يسقط النصاب. فلو كان مالكا لخمس و أربعين شاة فمضى عليه ستّة أحوال و لم يزد عليها فقد وجب عليه ستّ شياه، فاذا صارت تسعا و ثلاثين شاة سقط النصاب و لم يجب عليه شيء في الحول الآتي. ثمّ انّ الظاهر أنّه لا خلاف و لا اشكال هنا.

و هكذا الكلام فيما لو كان عنده ستّ و عشرون ابلاً فحال عليه أحوال ثلاثة


1) - المبسوط 1: 197 و 202.

مثلاً فقد تقدّم فتوى الشيخ و صاحب الشرائع أنّه يجب عليه بنت مخاض و تسع شياه، فبنت مخاض للسنة الأولى و خمس شياه للسنة الثانية؛ لأنّها تصير بمنزلة خمس و عشرين ابلاً، و أربع شياه للسنة الثالثة؛ لأنّها تصير عشرين ابلاً، فجمعها بنت مخاض و تسع شياه.

(مسألة 13): اذا حصل لمالك النصاب في الأنعام ملك جديد، امّا بالنتاج و امّا بالشراء أو الارث أو نحوهما، فان كان بعد تمام الحول السابق قبل الدخول في اللاحق، فلا اشكال في ابتداء الحول المجموع ان كمل بها النصاب اللاحق. و أمّا ان كان في أثناء الحول، فامّا أن يكون ما حصل بالملك الجديد بمقدار العفو و لم يكن نصابا مستقلاًّ و لا مكمّلاً لنصاب آخر، و امّا أن يكون نصابا مستقلاًّ، و امّا أن يكون مكمّلاً للنصاب. أمّا في القسم الأوّل فلا شيء عليه، كما لو كان له هذا المقدار ابتداءً. و ذلك كما لو كان عنده من الابل خمسة فحصل له في أثناء الحول أربعة أخرى. أو كان عنده أربعون شاة، ثمّ حصل له أربعون في أثناء الحول. و أمّا في القسم الثاني فلايضمّ الجديد الى السابق، بل يعتبر لكلّ منهما حول بانفراده، كما لو كان عنده خمس من الابل ثمّ بعد ستّة أشهر ملك خمسة أخرى، فبعد تمام السنة الأولى يخرج شاة، و بعد تمام السنة - للخمسة الجديدة أيضا - يخرج شاة، و هكذا. و أمّا في القسم الثالث فيستأنف حولاً واحدا بعد انتهاء الحول الأوّل، و ليس على الملك الجديد في بقيّة الحول الأوّل شيء. و ذلك كما اذا كان عنده ثلاثون من البقر فملك في أثناء حولها أحدعشر، أو كان عنده ثمانون من الغنم فملك في أثناء حولها اثنين و أربعين. و يلحق بهذا القسم - على الأقوى - ما لو كان الملك الجديد نصابا مستقلاًّ و مكمّلاً للنصاباللاحق، كما لو كان عنده من الابل عشرون فملك في الأثناء ستّة أخرى، أو كان عنده خمسة ثمّ ملك أحد و عشرين و يحتمل الحاقه بالقسم الثاني.

الشرح:

اذا حصل لمالك النصاب في الأنعام ملك جديد، امّا بالنتاج و امّا بالشراء أو الارث أو نحوها فتارة كان بعد تمام الحول السابق، و أخرى كان أثناء الحول.

أمّا الأولى: فان كان الملك الجديد في آنٍ تمّ به الحول الأوّل أي مجموع اثنيعشر شهرا، فلا اشكال في ابتداء الحول للمجموع ان كمل بها النصاب اللاحق، فيستأنف للجميع حولاً واحدا كما لو ملك أربعين شاة، و عند انتهاء حولها ملك اثنتين و ثمانين شاة، أو ملك خمسا من الابل، و عند انتهاء حولها ملك خمسا أخرى، فيخرج شاة واحدة في الحول الأوّل، و شاتين في الحول الثاني.

و أمّا ان كان الملك الجديد في أثناء الحول، فتارة يكون بمقدار العفو و لم يكن نصابا مستقلاًّ و لا مكمّلاً لنصاب آخر، و أخرى يكون نصابا مستقلاًّ، و ثالثة يكون مكمّلاً للنصاب. ففي الصورة الأولى، لا شيء عليه و حاله حال ما لو ملك الكلّ ابتداءً، و هذا كما لو كان عنده خمس من الابل و بعد ستّة أشهر ملك أربعا أخرى فانّه لايجب عليه الاّ شاة واحدة. و نحوه ما لو كان مالكا في ابتداء الحول أربعين شاة و بعد ستّة أشهر مثلاً ملك أربعين أخرى، فانّ حاله حال ما لو ملك الثمانين من أوّل الأمر و ليس فيه الاّ شاة واحدة.

قال في الجواهر: «أمّا اذا لم تكن نصابا مستقلاًّ و لا مكمّلة لنصاب فلا شيء فيها قطعا؛ للأصل و ظاهر النصوص. و لعلّ من ذلك ما اذا ولدت له أربعون من الغنم أربعين؛ لعدم كون الأربعين بعد الأربعين نصابا مستقلاًّ و لا مكمّلة لنصابآخر؛ لأنّ الثمانين من الغنم ليست نصابا كما عرفت، فليس فيها حينئذ الاّ شاة، وفاقا للفاضل في منتهاه و تذكرته و قواعده و تحريره و نهايته و ثاني الشهيدين و سيّد المدارك و غيرهم على ما حكي عن بعضهم. و ربّما قيل بوجوب شاة لها أيضا، و احتمله في محكي المعتبر و جعله في الدروس وجها لقوله عليه السلام : «في كلّ

أربعين شاة شاة»، و لأنّه نصاب كامل وجبت الزكاة فيه مع الانفراد فكذا مع الانضمام. و فيه: انّ المراد من الأوّل النصاب المبتدأ (أي انّ الصحيحة ناظرة الى كلّ من يملك الأربعين، لا بمعنى أنّ الغنم الموجودة عند مالك واحد يحسب أربعين أربعين) و لذا ورد بأنّه «ليس في الغنم بعد الأربعين شيء حتّى تبلغ مائة و أحد و عشرين». انتهى ملخّصا».(1)

و في الصورة الثانية أعني النصاب المستقلّ فاللازم فيه مراعاة الحول لكلّ نصاب بحياله؛ أخذا باطلاق الدليل في كلّ منهما. كما لو كان عنده خمس من الابل، ثمّ بعد ستّة أشهر ملك خمسا أخرى، فبعد تمام السنة الأولى يخرج شاة، و بعد تمام السنة - للخمس الجديد أيضا - يخرج شاة، و هكذا.

قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده، بل الاجماع في محكي الخلاف و المنتهى و الانتصار و غيرها عليه، مضافا الى ظهوره من النصوص السابقة في مسألة ابتداء حولها، و من اطلاق الأدلّة الشامل لذلك و لغيره من متفاوت الملك زمانا و ان لم يكن بالولادة، فلو ولدت خمس من الابل خمسا أو أربعون من البقر أربعين، أو ثلاثين التي هي نصاب قبل الأربعين فكذا بعدها كان لكلّ حول بانفراده يؤدّى فريضته، و كذا لو ملك ذلك في الزمان المختلف، ضرورة عدم الفرق بين تجدّد الملك بالولادة و غيرها. انتهى».(2)

أمّا الصورة الثالثة - أعني ما اذا كان مكمّلاً لنصاب آخر كما لو كان عنده أربعون من الغنم ثمّ حصل له بعد ستّة أشهر اثنان و ثمانون بحيث بلغ المجموع النصاب الثاني أعني مائة و واحدا و عشرين، أو كان عنده ثلاثون من البقر فملك في أثناء حولها أحدعشر - فهل يلاحظ الحول بالنسبة الى النصاب الأوّل و ليس على الملك الجديد في بقيّة الحول الأوّل شيء أو يلاحظ بالاضافة الى النصاب


1) - جواهر الكلام 15: 104.

2) - نفس المصدر: 103 و 104.

الثاني و ليس على ما تقدّمه من أجزاء الحول الأوّل شيء أو هناك وجه آخر؟ ذهب المصنّف الى استئناف حول واحد لهما بعد انتهاء الحول الأوّل. و هو الأوجه، و ذلك - كما في الجواهر - لوجود المقتضي، و هو اندراجه في الأدلّة، و انتفاء المانع، و متى وجب اخراج زكاته منفردا امتنع اعتباره منضمّا الى غيره في ذلك الحول؛ للأصل، و قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

«لايزكّى المال من وجهين في عام واحد».(1)

قال في الجواهر: «و الأوجه عدم ابتداء حول الزائد حتّى ينتهي الحول الأوّل ثمّ استئناف حول واحد للجميع، وفاقا للفخر و الشهيدين و أبي العبّاس و المقداد و الكركي و الصيمري و سيّد المدارك و الخراساني و الفاضل البهبهاني و الأستاذ في كشفه و المولى في الرياض و المحدّث البحراني على ما حكي عن بعضهم. انتهى».(2)

و لابأس بتفصيل الكلام حول الصورة الثالثة، فنقول: انّ الأقوال فيها أربعة:

الأوّل - و هو الحقّ - ما تقدّم من ملاحظة الحول بالنسبة الى النصاب الأوّل الى أن يكمل الحول فتؤدّى زكاته ثمّ يحتسب حول الجميع. مثاله ما لو كان اثنان وعشرون من الابل أوّل المحرّم ثمّ ملك أربعة أخرى في شهر رجب، أو كان عنده في ذاك الوقت اثنتان و ثمانون شاة ثمّ ملك في رجب أربعين شاة، فاذا دخل المحرّم يعطي أربع شياه في الأوّل ثمّ يحتسب حول الجميع أعني ستّا و عشرين ابلاً الى أن يدخل المحرّم الآتي فيخرج بنت مخاض. و في الثاني يخرج عند هلال المحرّم شاة ثمّ يحتسب حول مائة و احدى و عشرين شاة من المحرّم الى أن يدخل المحرّم الآتي فيخرج من ماله شاتين للزكاة.

و الدليل على ذلك أنّ الحكم بالنسبة الى النصاب الأوّل فعليّ، و يشمل المثال


1) - وسائل الشيعة 9: 100 / الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 15: 105.

الأوّل قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

«فاذا بلغت عشرين ففيها أربع من الغنم».(1)

و يشمل المثال الثاني قوله عليه السلام في صحيحة الفضلاء:

«في كلّ أربعين شاة شاة».(2)

فالمقتضي لامتداد النصاب الأوّل موجود فلايكون ملكه الجديد مانعا له، فاذا دخل المحرّم يجب عليه شاة لاثنتين و ثمانين شاة، و أربع شياه لاثنتين و عشرين ابلاً.

فان قلت: سلّمنا، ولكن عند حلول شهر رجب صدق عليه أنّه كان مالكا لستّ و عشرين ابلاً، أو مائة و احدى و عشرين شاة و قد حال عليه الحول فيجب عليه بنت مخاض للإبل و شاتان للغنم، قلت: نعم، الاّ أنّه ورد عنه عليه السلام في صحيحة زرارة:

«لايزكّى المال من وجهين في عام واحد».(3)

الثاني: ما حكي عن العلاّمة في القواعد من أنّه: «يجب فريضة الأوّل عند حوله، فاذا جاء حول الزيادة لوحظ ما يخصّها من فريضة نصاب المجموع، فاذا جاء الحول الثاني للأمّهات أخرج ما نقص من تلك الفريضة و هكذا. مثلاً اذا ملك أوّل محرّم اثنتين و عشرين من الابل ثمّ ملك في أوّل رجب أربعا أخرى مكمّلة للنصاب السادس الذي فيه بنت مخاض فحينئذ تجب عليه في أوّل محرّم أربع شياه زكاة عن العشرين، و الثنتان الزائدتان عليها عفو، ثمّ في شهر رجب تجب عليه بنت مخاض؛ لصدق أنّه مضى عليه الحول و هو مالك لستّ و عشرين من الابل، ولكن بما أنّه دفع زكاة العشرين منها في شهر محرّم حسب الفرض


1) - وسائل الشيعة 9: 108 / الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 116 / الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 100 / الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

فلايجب عليه حينئذ الاّ دفع ستّة أجزاء من ستّة و عشرين جزءا من بنت مخاض، و في أوّل محرّم يجب عليه عشرون جزءا من ستّة و عشرين جزءا من بنت مخاض، و هكذا. انتهى».(1)

و أجيب عنه بعدم الدليل على هذا النوع من التوزيع و التقسيط. نعم، لو تلف بعض الابل فينقص جزء من بنت المخاض مثلاً بنسبة التالف. و أمّا في مثل المقام فلا دليل عليه أصلاً. ضرورة أنّ الستّة الزائدة على العشرين انّما تستوجب دفع ستّة أجزاء من ستّة و عشرين جزءا من بنت مخاض فيما اذا كان حلول الحول منضمّا الى العشرين، لا ما اذا حال عليها بنفسها، و الاّ فليس فيها الاّ شاة واحدة فقط بمقتضى كونها مصداقا للنصاب الأوّل.

الثالث: تلزم مراعاة كلا النصابين و رعاية كلتا الزكاتين عملاً باطلاق الدليلين. و فيه: انّه بالنظر الى ما دلّ على أنّ المال الواحد لايزكّى في عام واحد من وجهين كما في صحيحة زرارة المتقدّمة، مردود و ان أفتى به بعض الفقهاء.

الرابع: يعتبر الحول بالاضافة الى النصاب الثاني، فيسقط اعتبار النصاب الأوّل عند ملك الزائد و يكون المجموع نصابا واحدا ابتداء حوله من حين حصول الملك الجديد - كشهر رجب مثلاً - كما اختار العلاّمة في المنتهى(2).

و فيه: انّه لا موجب لالغاء الحول بالاضافة الى النصاب الأوّل بعد تحقّق موضوعه و فعليّة حوله و كونه مشمولاً لاطلاق دليله. فرفع اليد عنه طرح للدليل بلا موجب و من غير سبب يقتضيه.

الصورة الرابعة: لو كان الملك الجديد نصابا مستقلاًّ و مكمّلاً للنصاب اللاحق، كما لو كان عنده في المحرّم من الابل عشرون فملك في شهر رجب ستّا أخرى، أو كان عنده خمس ابل فملك احدى و عشرين ابلاً، فاحتمل المصنّف


1) - جواهر الكلام 15: 105 - مستند العروة 23: 240.

2) - منتهى المطلب 8: 145.

الحاقه بالصورة الثانية.

فنقول: بالنسبة الى النصاب الأوّل فلا شكّ أنّه يجب عليه الزكاة أي أربع شياه في المثال الأوّل عند هلال المحرّم لوجود المقتضي و فقد المانع كما تقدّم. فاذا أخرج زكاة العشرين من الابل، فالأمر دائر بين الغاء الأشهر الماضية لستّ من الابل و ابتداء الحول للجميع من المحرّم، أو أخذ الحول لستّ من الابل على حدة، فاذا دخل شهر رجب أخرج شاة لزكاة الستّ، أو يحتسب المجموع في شهر رجب. لا سبيل الى الثالث؛ لأنّه يستلزم أداء الزكاة في حول واحد على وجهين و قد تقدّم قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «لايزكّى المال من وجهين في عام واحد». و أمّا العمل على الوجه الأوّل فيوجب الغاء ستّة أشهر من حول النصاب الجديد بلا وجه، فيبقى الوجه الثاني و هو الأقوى.

(مسألة 14): لو أصدق زوجته نصابا و حال عليه الحول وجب عليها الزكاة، و لو طلّقها بعد الحول قبل الدخول رجع نصفه الى الزوج، و وجب عليها زكاة المجموع في نصفها. و لو تلف نصفها يجب اخراج الزكاة من النصف الذي رجع الى الزوج، و يرجع بعد الاخراج عليها بمقدار الزكاة. هذا ان كان التلف بتفريط منها، و أمّا ان تلف عندها بلا تفريط فيخرج نصف الزكاة من النصف الذي عند الزوج؛ لعدم ضمان الزوجة حينئذ؛ لعدم تفريطها. نعم، يرجع الزوج حينئذ أيضا عليها بمقدار ما أخرج.

الشرح:

لو أصدق زوجته نصابا ففيه صور:

الأولى: لو حال عليه الحول قبل الدخول وجب عليها الزكاة، بناءً على ما هو الحقّ من أنّها تملك المهر كلّه بعقد النكاح و من أنّه لايشترط في وجوب الزكاة أن يكون ملكا مستقرّا، أو ملكا لازما، و ذلك لاطلاق دليل شرطيّة الملك. و لذلك

لو اشترى نصابا و كان للبائع فيه الخيار وجب عليه الزكاة و كذا لو وهبه نصابا و حال عليه الحول وجب على الموهوب له أن يؤدّي زكاة ماله. نعم، بناءً على القول بأنّ الزوجة لاتملك بالعقد الاّ نصف الصداق و أمّا النصف الآخر فانّما تملكه بالدخول فلاتجب عليها الزكاة؛ لأنّها لم تكن مالكة للنصاب طول الحول. ولكن المبنى فاسد؛ لظهور الدليل بملكيّتها تمام الصداق بمجرد العقد، كما هو مبرهن في محلّه.

قال المحقّق الهمداني: «و لو أمهر امرأة نصابا ملكته بالعقد، كما تعرفه في محلّه ان شاء اللّه. فلو أقبضها ايّاه و حال عليه الحول في يدها مستجمعا للشروط المعتبرة في الزكاة، وجب عليها الزكاة بلا اشكال؛ لعموم أدلّتها. و كونه في معرضالسقوط أو التشطير غير قادح في ذلك، كما في الهبة و غيرها. انتهى».(1)

و قال في الجواهر: «و لو أمهر امرأة نصابا ملكته بالعقد كما تعرفه في محلّه ان شاء اللّه، و حينئذ فلو أقبضها ايّاه و حال عليه الحول في يدها وجب عليها الزكاة بلا خلاف و لا اشكال فيه؛ لاطلاق الأدلّة السالم عن المعارض، و كونه في معرض السقوط أو التشطير غير قادح كما في الهبة و غيرها. انتهى».(2)

الثانية: لو طلّقها قبل الدخول و بعد حلول الحول فتارة يكون بعد اخراجها الزكاة و أخرى قبلها. فان كان بعد اخراجها الزكاة فيرجع الزوج بنصف الموجود و نصف قيمة التالف، فلو كان صداقها أربعين شاة فحال عليها الحول عندها فأدّت زكاتها، ثمّ طلّقها قبل الدخول فيرجع اليها بنصف التسع و ثلاثين من الغنم و بنصف قيمة التالف. و ذلك لأنّ الصداق حيث يكون عينا شخصيّة يشترك فيه الزوج و الزوجة بنحو الاشاعة. نعم، لو كان الصداق كلّيّا فيملك الزوج بعد الطلاق النصف من الصداق على سبيل الكلّي في المعيّن فيرجع حينئذ بتمام النصف أي


1) - مصباح الفقيه 13: 257.

2) - جواهر الكلام 15: 146.

عشرين من الشياه الموجودة على نحو الكلّي في المعيّن. فهو في غير ما نحن فيه؛ لأنّ الفرض هنا أنّ الصداق كان عينا شخصيّة، فاذا كانت العين تالفة رجع في حصّته الى القيمة.

قال المحقّق الهمداني: «و لو طلّقها قبل الدخول و بعد الحول فان كان ذلك بعد أن أخرجت الزكاة من العين رجع عليها بنصف الباقي و نصف قيمة المخرج، كما اعترف به الشهيد فيما حكي عنه و غيره. و حكي عن الشيخ في المبسوط، و ظاهر المصنّف في المعتبر أنّ عليها اعطاء النصف الذي هو حقّ الزوج موفّرا من الباقي و ليس لها اعطاء نصف الباقي قيمة نصف المخرج؛ لامكان استيفاء الزوجحقّه تماما من العين، فلا مقتضي للعدول الى القيمة. و فيه: انّ النصف الذي يملكه الزوج بالطلاق على ما تقتضيه أدلّته انّما هو نصف جميع ما فرض، أي الكسر المشاع في المجموع، فاذا تلف منه شيء أو أخرجه زكاة، فليس ما يعادل نصف الجميع من الباقي هو نصف جميعه حقيقة. انتهى».(1)

و أمّا ان كان قبل اخراجها الزكاة، فعليها أن ترجع نصف الصداق أي عشرين شاة في المثال الى الزوج و تعطي شاة للزكاة فيكون الباقي و هو تسع عشرة شاة لها، و الدليل كما تقدّم فيما لو طلّقها بعد اخراج الزكاة الاّ أنّه يرجع الزوج بقيمة نصف التالف و هنا يرجع بالعين؛ لعدم المانع و هو صرفه في الزكاة.

قال في مستند العروة: «لاينبغي التأمّل في وجوب زكاة المجموع عليها في نصفها و عدم ورود تلف في حصّة الزوج بوجه لينتقل الى البدل؛ لأنّ الصداق بعد الطلاق و حلول الحول مشتركا فيه بين ثلاثة: فنصف للزوج و جزء من أربعين جزءا للفقير و الباقي للزوجة. و لا تنافي بين هذه السهام بوجه فيدفع النصف للزوج و شاة للفقير و الباقي و هو تسع عشرة شاة للزوجة. انتهى ملخّصا».(2)


1) - مصباح الفقيه 13: 258.

2) - مستند العروة 23: 250.

الصورة الثالثة: لو طلّقها قبل الدخول و بعد حؤول الحول و قد تلف نصف الصداق قبل الاخراج فان كان التلف بتفريط منها وجب عليها الزكاة من مال آخر؛ لأنّ الزكاة في ذمّتها و يرجع الزوج اليها بالنصف الباقي؛ لأنّه أحرز للزوج بتلف النصف الآخر.

و أمّا لو لم يكن التلف بتفريط منها فيرجع الزوج اليها بالنصف الباقي؛ لأنّه ماله، ولكن الظاهر أنّ الزكاة ليست في ذمّتها، كما تقدّم.

قال في الشرائع: «و لو هلك النصف بتفريط كان للساعي أن يأخذ حقّه منالعين و يرجع الزوج عليها به؛ لأنّه مضمون عليها. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «انّما جاز للساعي الأخذ من العين لتعلّق الزكاة بها، و كما يجوز ذلك للساعي فكذا يجوز للمرأة، و تغرم للزوج نصف المخرج. انتهى».(2)

(مسألة 15): اذا قال ربّ المال: «لم يحل على مالي الحول» يسمع منه بلا بيّنة و لا يمين. و كذا لو ادّعى الاخراج، أو قال: «تلف منّي ما أوجب النقص عن النصاب».

الشرح:

اذا قال ربّ المال: «لم يحل على مالي الحول» يسمع منه بلا بيّنة و لا يمين، و كذا لو ادّعى الاخراج أو قال: «تلف منّي ما أوجب النقص عن النصاب»، و ذلك لاطلاق قوله عليه السلام في صحيحة بريد بن معاوية:

« ... ثمّ قل لهم: يا عباد اللّه، أرسلني اليكم وليّ اللّه لآخذ منكم حقّ اللّه في أموالكم، فهل للّه في أموالكم من حقّ فتؤدّوه الى وليّه، فان قال


1) - شرائع الاسلام 1: 148.

2) - مدارك الأحكام 5: 100.

لك قائل: لا، فلاتراجعه».(1)

قال في الجواهر: «مؤيّدا ذلك بأنّ الاخراج حقّ له، و لأنّه لايعلم غالبا الاّ من قبله؛ لعدم انحصار المستحقّ حتّى يستعلم، خصوصا و قد جاز احتسابها من دين و غيره ممّا يتعذّر الاشهاد عليه، و لأنّه عبادة فيقبل قوله في أدائها. انتهى ملخّصا».(2)

نعم، لو علم كذبه و بقاء الحقّ في ماله، كان على الحاكم و غيره الزامه باخراجه من باب الأمر بالمعروف، كالزامه بفعل الصلاة و غيرها من العبادات، و استيفاؤه من ماله لدى امتناعه من الاخراج من باب الحسبة. و لو شهد شاهدان بحلول الحول على ماله، أو شهدا بأنّ المال موجود غير تالف قُبل منهما؛ لعموم ما دلّ على قبول البيّنة، و لا معارض له حتّى الصحيحة المزبورة الظاهرة في غير المفروض.

(مسألة 16): اذا اشترى نصابا و كان للبائع الخيار فان فسخ قبل تمام الحول فلا شيء على المشتري، و يكون ابتداء الحول بالنسبة الى البائع من حين الفسخ. و ان فسخ بعد تمام الحول عند المشتري وجب عليه الزكاة. و حينئذ فان كان الفسخ بعد الاخراج من العين ضمن للبائع قيمة ما أخرج، و ان أخرجها من مال آخر أخذ البائع تمام العين، و ان كان قبل الاخراج فللمشتري أن يخرجها من العين و يغرم للبائع ما أخرج، و أن يخرجها من مال آخر، و يرجع العين بتمامها الى البائع.

الشرح:


1) - وسائل الشيعة 9: 130 / الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 15: 154.

اذا اشترى نصابا و كان للبائع الخيار، فان فسخ قبل تمام الحول فلا شيء على المشتري؛ لأنّ المال لم يكن في ملكه حولاً كاملاً. و أمّا البائع فيكون ابتداء حول النصاب نصابه من حين الفسخ؛ لرجوعه الى ملكه من حينه. و ان فسخ بعد تمام الحول عند المشتري وجب عليه الزكاة؛ لأنّه كان مالكا للمال و قد حال عليه الحول، و لا فرق في ذلك بين الملك المستقرّ و المتزلزل و الملك اللازم و الجائزكما تقدّم في المسألة الرابعه عشرة. و حينئذ فان كان الفسخ بعد الاخراج من العين ضمن للبائع قيمة ما أخرج، فانّه جمع بين الحقّين أي حقّ المستحقّين للزكاة الذي كان في النصاب، و حقّ البائع الفاسخ الذي كان له الخيار، فما أدّاه بعنوان الزكاة بحكم التالف. و ان أخرجها من مال آخر - لجواز أداء الزكاة من مال آخر - أخذ البائع تمام العين؛ لأنّه بالفسخ صار مالاً للبائع.

و أمّا ان كان الفسخ قبل اخراج الزكاة فالظاهر أنّ البائع يملك العين بتمامها و تنتقل الزكاة الى القيمة في ذمّة المشتري. و المصنّف ذهب الى التخيير للمشتري بين أن يخرجها من العين لتعلّق حقّ الفقراء بها و يغرم للبائع ما أخرج كما هو حكم المال التالف أو بحكم التالف، و بين أن يخرجها من مال آخر و يرجع العين بتمامها الى البائع. و لابأس به.

فصل : في زكاة النقدين

و هما الذهب و الفضّة. و يشترط في وجوب الزكاة فيهما - مضافا الى ما مرّ من الشرائط العامّة - أمور: «الأوّل»: النصاب. ففي الذهب نصابان: الأوّل: عشرون دينارا، و فيه نصف دينار. و الدينار مثقال شرعي، و هو ثلاثة أرباع الصيرفي. فعلى هذا النصاب الأوّل بالمثقال الصيرفي خمسه عشر مثقالاً، و زكاته ربع المثقال و ثمنه.

الشرح:

الذهب و الفضّة تجب فيهما الزكاة بالنصّ و الاجماع:

قال اللّه تعالى: «و الذين يكنزون الذهب و الفضّة و لاينفقونها في سبيل اللّه فبشّرهم بعذاب أليم»(1). و لايوعد بهذه العقوبة الاّ على ترك الواجب.

و في صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:

«ما من ذي مال ذهب أو فضّة يمنع زكاة ماله الاّ حبسه اللّه يوم القيامة


1) - التوبة 9: 34.

بقاع قرقر(1)، و سلّط عليه شجاعا أقرع(2)يريده و هو يحيد عنه(3)، فاذا رأى أنّه لايتخلّص منه أمكنه من يده فقضمها(4)كما يقضم الفجل، ثمّ يصير طوقا في عنقه، و ذلك قول اللّه عزّوجلّ «سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة». الحديث».(5)

قال في التذكرة: «و أجمع المسلمون كافّة على الوجوب مع الشرائط. انتهى».(6)

و يشترط في وجوب الزكاة فيهما ما مرّ من الشرائط العامّة من الملك و الحول و النصاب، اجماعا كما في التذكرة. و قد تقدّم النصوص الدالّة عليها. و يشترط فيهما أيضا أمور:

الأوّل: حدّ النصاب فيهما. فالمعروف و المشهور بين الخاصّة و العامّة أنّ حدّ النصاب في الذهب عشرون دينارا أي مثقالاً.

قال العلاّمة في التذكرة: «فأوّل نصاب الذهب عشرون مثقالاً، و عليه اجماع العلماء، الاّ ما حكي عن الحسن البصري و شيخنا علي بن بابويه، فانّهما قالا: لا شيء في الذهب حتّى يبلغ أربعين مثقالاً. انتهى».(7)

و يدلّ على قول المشهور الروايات المستفيضة الدالّة على ذلك صريحا:

كصحيحة الحسين بن يسار عن أبي الحسن عليه السلام (في حديث) قال:

«في الذهب في كلّ عشرين دينارا نصف دينار، فان نقص فلا زكاة


1) - الصحراء، أو المكان المستوي. و في نسخة: قفر. هامش الوسائل

2) - الحيّة العظيمة.

3) - يحيد عنه: يهرب و ينهزم عنه.

4) - القضم: كسر الشيء بأطراف الأسنان.

5) - وسائل الشيعة 9: 20 / الباب 3 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.

6) - تذكرة الفقهاء 5: 118.

7) - نفس المصدر: 119.

فيه».(1)

و موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):

«و من الذهب من كلّ عشرين دينارا نصف دينار، و ان نقص فليس عليك شيء».(2)

و موثّقة علي بن عقبة عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالا:

«ليس فيما دون العشرين مثقالاً من الذهب شيء، فاذا كملت عشرين دينارا ففيها نصف مثقال. الحديث».(3)

و صحيحة زرارة و بكير ابني أعين أنّهما سمعا أبا جعفر عليه السلام يقول في الزكاة:

«أمّا في الذهب فليس في أقلّ من عشرين دينارا شيء، فاذا بلغت عشرين دينارا ففيه نصف دينار. الحديث».(4)

أو تلويحا:

كصحيحة الحلبي قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الذهب و الفضّة، ما أقلّ ما تكون فيه الزكاة؟ قال: مائتا درهم و عدلها من الذهب».(5)

و صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الذهب، كم فيه من الزكاة؟ فقال: اذا بلغ قيمته مائتي درهم فعليه الزكاة».(6)

قال في التهذيب: «فليس في هذا الخبر منافاة لما قدّمناه من أنّ النصاب


1) - وسائل الشيعة 9: 138 / الباب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 9: 138 / الباب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 9: 138 / الباب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 9: 140 / الباب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 11.

5) - وسائل الشيعة 9: 137 / الباب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

6) - وسائل الشيعة 9: 137 / الباب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 2.

عشرون دينارا؛ لأنّه انّما أخبر عليه السلام عن قيمة الوقت، و في الوقت كان قيمة دينار على عشرة دراهم، ألاترى أنّهم في مواضع كثيرة من الديات و غيرها اعتبروا في مقابلة دينار عشرة دراهم، و جعلوا التخيير فيه على حدّ سواء، فكذلك حكم هذا الخبر؛ لأنّ قيمة مائتي درهم تجيء عشرين دينارا حسب ما قدّمناه. انتهى».(1)

و قد يظهر من بعض النصوص مفروغيّة هذا الحكم عند الرواة و مغروسيّته في أذهانهم: كصحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عمّا أخرج المعدن من قليل أو كثير، هل فيه شيء؟ قال: ليس فيه شيء حتّى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا».(2)

فانّ ظاهرها الفراغ عن أنّ النصاب هو العشرون.

و استدلّ علي بن بابويه لقوله بصحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالا:

«في الذهب في كلّ أربعين مثقالاً مثقال - الى أن قال: - و ليس في أقلّ من أربعين مثقالاً شيء».(3)

قال الشيخ في التهذيب: «قوله عليه السلام : «و ليس في أقلّ من أربعين مثقالاً شيء»يجوز أن يكون أراد به دينارا واحدا؛ لأنّ قوله: «شيء» محتمل للدينار و لما يزيد عليه و لما ينقص منه و هو يجري مجرى المجمل الذي يحتاج الى تفصيل، و اذا كنّا قد روينا الأحاديث المفصّلة أنّ في كلّ عشرين دينارا نصف دينار، و فيما يزيد عليه في كلّ أربعة دنانير عشر دينار حملنا قوله عليه السلام : «و ليس فيما دون أربعين دينارا شيء» أنّه أراد به دينارا واحدا؛ لأنّه متى نقص عن الأربعين انّما يجب فيه


1) - تهذيب الأحكام 4: 13 / الباب 2 من كتاب الزكاة / ذيل الحديث 28،16.

2) - وسائل الشيعة 9: 494 / الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 141 / الباب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 13.

دون الدينار. فأمّا قوله عليه السلام في أوّل الخبر: «في كلّ أربعين مثقالاً مثقال» ليس فيه تناقض لما قلناه؛ لأنّ عندنا أنّه يجب فيه دينار و ان كان هذا ليس بأوّل نصاب، و اذا حملنا هذا الخبر على ما قلناه كنّا قد جمعنا بين هذه الأخبار على وجه لاتنافي بينها. انتهى».(1)

و لم يرتض صاحب المدارك بهذا التوجيه و قال: «و لايخفى ما في هذا التأويل من البعد و شدّة المخالفة للظاهر و يمكن حمل هذه الرواية على التقيّة؛ لأنّها موافقة لمذهب بعض العامّة و ان كان أكثرهم على الأوّل. انتهى».(2)

و قال في المعتبر: «و الجواب عمّا احتجّ به بعض الأصحاب، انّ ما ذكرناه أشهر في النقل و أظهر في العمل، فكان المصير اليه أولى - ثمّ نقل ما ذكره الشيخ من التأويل و قال: - و هذا التأويل عندي بعيد، و ليس الترجيح الاّ بما ذكرناه. انتهى».(3)

و قال المحقّق الهمداني: «لولا مخالفة الاجماع و اعراض المشهور عن هذه الرواية، لكان الجمع بينها و بين غيرها من الروايات المزبورة بحمل الزكاة فيما دون الأربعين على الاستحباب أولى من ارتكاب هذا النحو من التكلّفات و ان كانأيضا لايخلو من اشكال؛ فانّ الأخبار بظاهرها متعارضة، و المقام مقام الترجيح لا الجمع، و من الواضح قصور هذه الرواية عن معارضة الروايات المشهورة بين الأصحاب فتوى و رواية من جميع الوجوه، فالأولى ردّ علمها الى أهله. انتهى».(4)

و عندي ما قاله الشيخ من التأويل في مقام الجمع بين الروايات لابأس به و ان كان ما ذكره هؤلاء الأعلام أقرب الى القواعد.


1) - تهذيب الأحكام 4: 13 و 14 / الباب 2 من كتاب الزكاة / الحديث 29،17.

2) - مدارك الأحكام 5: 112.

3) - المعتبر في شرح المختصر 2: 524.

4) - مصباح الفقيه 13: 289 و 290.

و في الجواهر بعد ذكر الروايتين المذكورتين قال: «فلابأس بطرحهما في مقابلة ما سمعت أو حملهما على ارادة الدينار الكامل الذي يجب في الأربعين و ان بعد. انتهى».(1)

و استدلّ أيضا بصحيحة زرارة قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل عنده مائة درهم و تسعة و تسعون درهما و تسعة و ثلاثون دينارا، أيزكّيها؟ فقال: لا، ليس عليه شيء من الزكاة في الدراهم و لا في الدنانير حتّى يتمّ أربعون دينارا، و الدراهم مائتا درهم. الحديث».(2)

و في الحدائق بعد ذكر الصحيحة قال: «و يشكل بأنّ هذه الرواية قد رواها الصدوق في الفقيه بما هذه صورته: قال زرارة: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : «رجل عنده مائة و تسعة و تسعون درهما و تسعه عشر دينارا، أيزكّيها؟ فقال: لا، ليس عليه زكاة في الدراهم و لا في الدنانير حتّى يتمّ. قال زرارة: و كذلك هو في جميع الأشياء». و بذلك يضعّف الاعتماد على رواية الشيخ للخبر المذكور، و لهذا انّ المحدّث الكاشاني في الوافي انّما نقل الخبر برواية الصدوق ثمّ نبّه على روايةالشيخ و قال: انّ ما في الفقيه هو الصواب. انتهى».(3)

فتحصّل أنّ ما عليه المشهور هو الأظهر و الأشهر نصّا و فتوىً، بل يمكن أن يقال بعدم الخلاف في ذلك.

قال في الجواهر: «و على كلّ حال فالأوّل أشهر فتوىً و رواية، بل هو المشهور نقلاً و تحصيلاً، بل عن الخلاف الاجماع عليه، بل عن الغنية لا خلاف فيه، و ظاهرها نفيه بين المسلمين، بل في المحكي عن السرائر اجماعهم عليه، و أنّ علي


1) - جواهر الكلام 15: 172.

2) - وسائل الشيعة 9: 141 / الباب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 14.

3) - الحدائق الناضرة 12: 83.

بن بابويه مخالف لهم، و عن التذكرة: اذا بلغ أحدهما - يعني النقدين - وجب فيه ربع العشر، فيجب في العشرين مثقالاً نصف دينار، و في المائتين من الفضّة خمسة دراهم، باجماع علماء الاسلام ، بل في مفتاح الكرامة الذي وجدناه فيما عندنا من المقنع و الهداية و الفقيه موافقة المشهور - الى أن قال: - و على كلّ حال، فلم نتحقّق الخلاف من غير الصدوق و غير أبيه، لكن عن المعتبر أنّه نسب الخلاف اليه و الى أبيه و جماعة، كما أنّه حكاه عن الخلاف عن قوم من أصحابنا، و لعلّهما أرادا الرواة و الاّ فالمنقول عن القدماء من أهل الفتاوى كالمفيد و السيّد و غيرهما التصريح بالمشهور. انتهى».(1)

ثمّ اعلم أنّ المثقال الشرعي ثلاثة أرباع الصيرفي (كما في مصباح الفقيه)(2)و على هذا فالنصاب الأوّل بالمثقال الصيرفي: خمسه عشر مثقالاً و زكاته ربع مثقال و ثمنه. و تقريبه هكذا:

الصورة

1


1) - جواهر الكلام 15: 169.

2) - مصباح الفقيه 13: 294.

«و الثاني»: أربعة دنانير، و هي ثلاثة مثاقيل صيرفيّة، و فيه ربع العشر، أي من أربعين واحد، فيكون فيه قيراطان؛ اذ كلّ دينار عشرون قيراطا، ثمّ اذا زاد أربعة فكذلك، و ليس قبل أن يبلغ عشرين دينارا شيء، كما أنّه ليس بعد العشرين قبل أن يزيد أربعة شيء و كذا ليس بعد هذه الأربعة شيء الاّ اذا زاد أربعة أخرى، و هكذا. و الحاصل أنّ في العشرين دينارا ربع العشر، و هو نصف دينار. و كذا في الزائد الى أن يبلغ أربعة و عشرين و فيها ربع عشره و هو نصف دينار و قيراطان. و كذا في الزائد الى أن يبلغ ثمانية و عشرين، و فيها نصف دينار و أربع قيراطات، و هكذا. و على هذا، فاذا أخرج بعد البلوغ الى عشرين فما زاد من كلّ أربعين واحدا فقد أدّى ما عليه، و في بعض الأوقات زاد على ما عليه بقليل، فلابأس باختيار هذا الوجه من جهة السهولة.

و في الفضّة أيضا نصابان: الأوّل: مائتا درهم، و فيها خمسة دراهم. و الثاني: أربعون درهما، و فيها درهم. و الدرهم نصف المثقال الصيرفي و ربع عشره. و على هذا، فالنصاب الأوّل مائة و خمسة مثاقيل صيرفيّة، و الثاني أحد و عشرون مثقالاً. و ليس فيما قبل النصاب الأوّل و لا فيما بين النصابين شيء على ما مرّ. و في الفضّة أيضا - بعد بلوغ النصاب - اذا أخرج من كلّ أربعين واحدا فقد أدّى ما عليه، و قد يكون زاد خيرا قليلاً.

الشرح:

فرعان:

الفرع الأوّل : في النصاب الثاني في الذهب

النصاب الثاني في الذهب أربعة، فاذا بلغ أربعة و عشرين دينارا ففيها ربع عشره و هو نصف دينار و قيراطان. و الدليل على ذلك موثّقة علي بن عقبة و عدّة

من أصحابنا عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالا:

«ليس فيما دون العشرين مثقالاً من الذهب شيء، فاذا كملت عشرين مثقالاً ففيها نصف مثقال الى أربعة و عشرين، فاذا كملت أربعة و عشرين ففيها ثلاثة أخماس دينار الى ثمانية و عشرين، فعلى هذا الحساب كلّما زاد أربعة».(1)

و خبر أبي عيينة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا جازت الزكاة العشرين دينارا ففي كلّ أربعة دنانير عُشر دينار».(2)

الصورة

2

قال في التذكرة: «النصاب الثاني للذهب: أربعة دنانير و فيها قيراطان، و للفضّة: أربعون درهما و فيها درهم واحد، و لا شيء في الزائد على النصاب الأوّل منهما ما لم يبلغ ما قلناه عند علمائنا كافّة. انتهى».(3)

و الظاهر أنّه لا خلاف الاّ من ابني بابويه، بأنّه ليس فيما دون العشرين من الذهب شيء، فاذا بلغ النصاب عشرين دينارا ففيه نصف دينار، ثمّ ليس بعد العشرين شيء الى أن زاد عليه أربعة مثاقيل، فاذا بلغ أربعة و عشرين دينارا ففي عشرين دينارا نصف دينار و هو ربع عشره أي جزء من أربعين جزءا و في أربعة


1) - وسائل الشيعة 9: 138 / الباب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 9: 139 / الباب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 6.

3) - تذكرة الفقهاء 5: 124.

دنانير أيضا ربع عشره و هو قيراطان؛ لأنّ الدينار يساوي عشرين قيراطا فنصفه عشرة قراريط. فاذا كان في عشرين دينارا، عشرة قراريط، ففي أربعة دنانير قيراطان، لأنّ أربعة دنانير تكون خُمس العشرين، ففيها خُمس عشرة قراريط أي قيراطان.

الصورة

3-1

و ليس فيما زاد على أربعة و عشرين دينارا شيء الى أن يبلغ ثمانية و عشرين دينارا، فاذا بلغ ذلك ففيه سبعة أعشار دينار، الحاصلة من تقسيم ثمانية و عشرين على أربعين.

الصورة

3-2

و لذلك قال المصنّف: فاذا أخرج بعد البلوغ الى العشرين فما زاد من كلّ أربعين واحدا فقد أدّى ما عليه، و في بعض الأوقات زاد على ما عليه بقليل، فلابأس باختيار هذا الوجه من جهة السهولة.

الفرع الثاني : في نصاب الفضّة

و في الفضّة أيضا نصابان: «الأوّل»: مائتا درهم و فيها خمسة دراهم. «الثاني»: أربعون درهما و فيها درهم، و ليس فيما قبل النصاب الأوّل و لا فيما بين النصابين شيء. و يدلّ على ذلك صحيحة الحلبي قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الذهب و الفضّة، ما أقلّ ما تكون فيه الزكاة؟

قال: مائتا درهم و عدلها من الذهب. قال: و سألته عن النيّف الخمسة و العشرة؟ قال: ليس عليه شيء حتّى يبلغ أربعين فيعطى من كلّ أربعين درهما درهما».(1)

و صحيحة رفاعة النخّاس قال:

«سأل رجل أبا عبداللّه عليه السلام فقال: انّي رجل صائغ أعمل بيدي، و انّه يجتمع عندي الخمسة و العشرة، ففيها زكاة؟ فقال: اذا اجتمع مائتا درهم فحال عليها الحول فانّ عليها الزكاة».(2)

و صحيحة الحسين بن يسار قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام : في كم وضع رسول اللّه صلى الله عليه و آله الزكاة؟ فقال: في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم، و ان نقصت فلا زكاة فيها. الحديث».(3)

و موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال: في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم من الفضّة، و ان نقصت فليس عليك زكاة. الحديث».(4)

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:

«في الفضّة اذا بلغت مائتي درهم خمسة دراهم، و ليس فيما دون المائتين شيء، فاذا زادت تسعة و ثلاثون على المائتين فليس فيها شيء حتّى تبلغ الأربعين، و ليس في شيء من الكسور شيء حتّىتبلغ الأربعين، و كذلك الدنانير على هذا الحساب».(5)


1) - وسائل الشيعة 9: 142 / الباب 2 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 143 / الباب 2 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 9: 143 / الباب 2 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 9: 143 / الباب 2 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 4.

5) - وسائل الشيعة 9: 144 / الباب 2 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 6.

و صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام (في حديث) قالا:

«في الورق في كلّ مائتين خمسة دراهم، و لا في أقلّ من مائتي درهم شيء، و ليس في النيّف شيء حتّى يتمّ أربعون فيكون فيه واحد».(1)

و صحيحة زرارة و بكير ابني أعين أنّهما سمعا أبا جعفر عليه السلام يقول:

«في الزكاة - الى أن قال: - ليس في أقلّ من مائتي درهم شيء، فاذا بلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك، و ليس في مائتي درهم و أربعين درهما غير درهم الاّ خمسة الدراهم، فاذا بلغت أربعين و مائتي درهم ففيها ستّة الدراهم، فاذا بلغت ثمانين و مائتي درهم ففيها سبعة الدراهم، و ما زاد فعلى هذا الحساب، و كذلك الذهب و كلّ ذهب. الحديث».(2)

و قال في التذكرة: «أوّل نصاب الفضّة مائتا درهم باجماع العلماء؛ لقول أحدهما عليهماالسلام : «ليس في الفضّة زكاة حتّى تبلغ مائتي درهم، فاذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم». - ثمّ قال: - لو نقص نصاب الذهب أو الفضّة شيئا يسيرا كالحبّة سقطت الزكاة عند علمائنا - ثمّ قال: - اذا بلغ أحدهما النصاب وجب فيه ربع العشر، فيجب في العشرين مثقالاً نصف دينار، و في المائتين من الفضّة خمسة دراهم باجماع علماء الاسلام . - الى أن قال: - النصاب الثاني للذهب: أربعة دنانير و فيها قيراطان، و للفضّة: أربعون درهما و فيها درهم واحد، و لا شيء في الزائد على النصاب الأوّل منهما ما لم يبلغ ما قلناه عند علمائنا كافّة. انتهىملخّصا».(3)

ثمّ انّ الدرهم نصف المثقال الصيرفي و ربع عشره، و على هذا فالنصاب


1) - وسائل الشيعة 9: 144 / الباب 2 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 7.

2) - وسائل الشيعة 9: 145 / الباب 2 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 10.

3) - تذكرة الفقهاء 5: 120 - 124.

الأوّل مائة و خمسة مثاقيل صيرفيّة، و الثاني واحد و عشرون مثقالاً:

الصورة

4

«الثاني»: أن يكونا مسكوكين بسكّة المعاملة، سواء كان بسكّة الاسلام أو الكفر، بكتابة أو غيرها، بقيت سكّتهما أو صارا ممسوحين بالعارض. و أمّا اذا كانا ممسوحين بالأصالة فلاتجب فيهما الاّ اذا تعومل بهما فتجب على الأحوط، كما أنّ الأحوط ذلك أيضا اذا ضربت للمعاملة و لم يتعامل بهما، أو تعومل بهما لكنّه لم يصل رواجهما الى حدّ يكون دراهم أو دنانير. و لو اتّخذ الدرهم أو الدينار للزينة فان خرج عن رواج المعاملة لم تجب فيه الزكاة، و الاّ وجبت.

الشرح:

يشترط كون النقدين مسكوكين بسكّة المعاملة، فلاتجب الزكاة في التبر(1)و السبائك(2)و النقار(3). و يدلّ على ذلك صحيحة علي بن يقطين عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:

«قلت له: انّه يجتمع عندي الشيء (الكثير قيمته)(4)فيبقى نحوا من سنة، أنزكّيه؟ فقال: لا، كلّ ما لم يحل عندك عليه الحول فليس عليك فيه زكاة، و كلّ ما لم يكن ركازا فليس عليك فيه شيء. قال: قلت: و ما الركاز؟ قال: الصامت المنقوش. ثمّ قال: اذا أردت ذلك فاسبكه فانّه ليس في سبائك الذهب و نقار الفضّة شيء من الزكاة».(5)

و المراد بالمنقوش هو المنقوش المعهود، لا مطلق النقش؛ اذ قلّما يوجد


1) - التبر: بكسر التاء فالسكون هو ما كان من الذهب غير مضروب. مجمع البحرين.

2) - سبكت الفضّة و غيرها أسبكها سبكا من باب قتل: أذبتها. السبيكة بالفارسيّة «شمش». نفس المصدر

3) - نقار: جمع النقرة بالضمّ: القطعة المذابة من الذهب و الفضّة يعني السبيكة. و في حديث الزكاة: «ليس في النقر زكاة» يريد به ما ليس بمضروب من الذهب و الفضّة. نفس المصدر

4) - ما بين القوسين ليس في الوسائل بل في التهذيب.

5) - وسائل الشيعة 9: 154 / الباب 8 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 2.

ذهب و لاسيّما الحليّ خال عن النقش نوعا ما، فيكشف ذلك عن أنّ المراد خصوص المسكوك.

و خبر جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه و أبي الحسن عليهماالسلام أنّه قال:

«ليس في التبر زكاة، انّما هي على الدنانير و الدراهم».(1)

و مرسلة جميل أنّه قال:

«ليس في التبر زكاة، انّما هي على الدنانير و الدراهم».(2)

قال في التذكرة: «يشترط في وجوب الزكاة في هذين أمور أربعة: الملك اجماعا و الحول كذلك و النصاب أيضا و كونهما مضروبين منقوشين دراهم و دنانير عند علمائنا خاصّة، فلا زكاة في السبائك و النقار و التبر و الحليّ، و أوجب الجمهور كافّة الزكاة في غير المنقوش كالتبر و النقار - و ان اختلفوا في الحليّ على ما يأتي - للعموم، و الخاصّ مقدّم. انتهى».(3)

و قال في الجواهر: «و من شرط وجوب الزكاة فيهما مضافا الى بلوغ النصاب كونهما مضروبين من سلطان الوقت أو مماثله دنانير أو دراهم منقوشين، بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به بعضهم، بل في الغنية و التذكرة و المدارك و محكي الانتصار، الاجماع عليه. انتهى».(4)

و المراد من النقش كونه بسكّة المعاملة كما هو ظاهر خبر علي بن يقطين و صريح روايتي جميل، و قد نصّ عليه غير واحد، بل هو من معقد اجماع المدارك.قال في المدارك: «هذا قول علمائنا أجمع، و خالف فيه العامّة، فأوجبوا الزكاة في غير المنقوش اذا كان نقارا. انتهى».(5)


1) - وسائل الشيعة 9: 156 / الباب 8 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 9: 155 / الباب 8 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 3.

3) - تذكرة الفقهاء 5: 118 و 119.

4) - جواهر الكلام 15: 180.

5) - مدارك الأحكام 5: 115.

و لا فرق في السكّة بين الكتابة و غيرها من عمارة و منارة و نحوهما، و لا بين كونها سكّة اسلام أو كفر، و لا فرق بين القديمة و الجديدة و بقاء الأثر و عدمه مع بقاء المعاملة بها، و لا بين الصافية و المغشوشة، و الغاء السكّة و عدمه، كلّ ذلك للاطلاق نصّا و فتوىً. و كذا لا فرق بين كون سكّتها باقية أو ممسوحة بالعارض؛ لذلك. و لو كانت ممسوحة أصالة فان كانت يقال لها الدرهم و الدينار أو تعومل بها و لو سابقا و في الزمن القديم و لم تكن تبرا يجب فيها الزكاة، و الاّ فلا. و لو كان النقش لغير المعاملة ثمّ اتّخذ بعد ذلك لها فالظاهر تعلّق الزكاة اذا كان ذهبا أو فضّة و صدق عليه السكّة. و لو اتّخذ المضروب بالسكّة للزينة كالحليّ و غيرها و تغيّرت بالاتّخاذ بثقب و نحوه بحيث لاتبقى المعاملة بها اتّجه عدم وجوب الزكاة فيها.

قال في مصباح الفقيه: «فهذا، أي اعتبار كونهما مسكوكين بسكّة المعاملة، بحيث اندرجا في مسمّى الدنانير و الدراهم، أي النقدين اللذين يتعامل بهما على اجماله، ممّا لا شبهة فيه. كما أنّه لا شبهة في عدم اعتبار حصول المعاملة بهما بالفعل، بل يكفي كونهما كذلك سابقا، كما صرّح به المصنّف و غيره فقالوا: «أو ما كان يتعامل بهما» اذ العبرة نصّا و فتوىً باندراجهما في مسمّى الدينار و الدرهم، و هذا ممّا لايختلف فيه الحال بين بقائهما على ما كانا عليه من المعاملة بهما و بين هجرهما و سقوط سكّتهما عن الاعتبار. كما أنّه لايتفاوت الحال فيه بين كون السكّة بالكتابة و بين غيرها من الأشكال، و لا بين كونها سكّة الاسلام أو الكفر، ولا بين عموم رواجها في سائر البلاد أو في خصوص بلد و لو من البلاد النائية، بلا خلاف في شيء منها على الظاهر، بل و لا بين سكّة السلطان و غيرها اذا جرت في المعاملة، كما صرّح به بعض. انتهى».(1)

و في المستمسك في ذيل قول المصنّف: «بقيت سكّتهما أو صارا ممسوحين


1) - مصباح الفقيه 13: 299.

بالعارض» قال: «هذا يتمّ لو لم يقدح المسح في صدق الدينار و الدرهم. و كأنّ المراد من المنقوش - في صحيح ابن يقطين - مطلق المسكوك. و كأنّه للاشكال في ذلك منع في الروضة - على ما حكي - من ثبوت الزكاة في الممسوح. لكنّ الظاهر تماميّة المقدّمتين معا. انتهى».(1)

قال الشهيد الثاني في شرح اللمعة: «فيشترط فيهما النصاب و السكّة، و هي النقش الموضوع للدلالة على المعاملة الخاصّة، بكتابة و غيرها، و ان هجرت فلا زكاة في السبائك و الممسوح و ان تعومل به، و الحليّ، و زكاته اعارته استحبابا. و لو اتّخذ المضروب بالسكّة آلة للزينة و غيرها لم يتغيّر الحكم و ان زاده أو نقصه مادامت المعاملة به على وجهه ممكنة. انتهى».(2)

و فيه: الظاهر أنّ مستنده رحمه الله في فتواه بعدم الزكاة في الدينار و الدرهم الممسوحين و ان تعومل بهما قوله عليه السلام في صحيحة علي بن يقطين: «الصامت المنقوش»، ولكن الظاهر أنّ المراد هو السكّة التي تعومل بها و يقال لها الدرهم أو الدينار و ان زال نقشها بالعارض، بل و ان لم يكن لها نقش أصلاً ولكن تعومل بها و يقال لها الدرهم أو الدينار و بالفارسيّة «پول». و قيد المنقوش في كلامه عليه السلام غالبيّ و لم يكن احترازيّا؛ لأنّ الدراهم و الدنانير المعمولة في تلك الأيّام بل وبعدها كانت منقوشة.

و في المستمسك في شرح قول المصنّف: «و أمّا اذا كانا ممسوحين بالأصالة فلاتجب فيهما الاّ اذا تعومل بهما فتجب على الأحوط» قال: «كما صرّح به جماعة كثيرة، منهم الشرائع و الارشاد، و صريح المدارك و ظاهر الذخيرة: الاجماع عليه. و عن غير واحد التصريح بعموم النفي لصورة جريان المعاملة به. و وجهه: التقييد بالمنقوش في الصحيح. لكن قد عرفت أنّ المراد منه المسكوك و ان لم يكن


1) - مستمسك العروة 9: 121 و 122.

2) - الروضة البهيّة 2: 30.

منقوشا. نعم، اذا لم يتعامل بها لم تجب الزكاة؛ لعدم كونها دراهم أو دنانير. و يشير الى ذلك خبر علي بن يقطين الوارد فيما سبك فرارا من الزكاة قال عليه السلام : «ألاترى أنّ المنفعة قد ذهبت فلذلك لاتجب الزكاة».(1)فانّ الظاهر من المنفعة الغرض المقصود من اقتناء الدراهم و الدنانير. انتهى».(2)

قال في الجواهر: «و كذا لا زكاة في الممسوح على ما نصّ عليه في الروضة، لكن قد يناقش ببقاء اسم الدرهم و الدينار، و اطلاق الزكاة في الذهب و الاستصحاب، و الوصف بالمنقوش في خبر ابن يقطين مع أنّه جارٍ مجرى الغالب فيما فيه المعاملة في ذلك الوقت و مع قوّة الظنّ بارادة الكناية بذلك عن الدراهم و الدنانير لم يعلم حجّيّة الوصف فيما زال عنه الوصف، و يمكن أن يريد الممسوح أصالة لا عارضا. انتهى».(3)

ثمّ انّه قال المصنّف: «و لو اتّخذ الدرهم أو الدينار للزينة فان خرج عن رواج المعاملة لم تجب فيه الزكاة و الاّ وجبت» و قد تقدّم منّا بأنّه لو تغيّرت بالاتّخاذ و بثقب و نحوه بحيث لاتبقى المعاملة بها اتّجه عدم وجوب الزكاة فيها. و ذلك لأنّالموضوع للزكاة السكّة، فاذا تبدّل موضوعها و صار حليّا تغيّر الحكم.

«الثالث»: مضيّ الحول بالدخول في الشهر الثاني عشر، جامعا للشرائط التي منها النصاب، فلو نقص في أثنائه عن النصاب سقط الوجوب، و كذا لو تبدّل بغيره من جنسه أو غيره، و كذا لو غيّر بالسبك سواء كان التبديل أو السبك بقصد الفرار من الزكاة أو لا على الأقوى و ان كان الأحوط الاخراج على الأوّل. و لو سبك الدراهم أو الدنانير بعد حول الحول لم تسقط الزكاة و وجب الاخراج


1) - وسائل الشيعة 9: 160 / الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 3.

2) - مستمسك العروة 9: 122.

3) - جواهر الكلام 15: 181.

بملاحظة الدراهم و الدنانير اذا فرض نقص القيمة بالسبك.

الشرح:

يشترط في وجوب زكاة النقدين مضيّ الحول بلا خلاف فيه و لا اشكال كما تقدّم و سيأتي. و تدلّ عليه روايات:

منها صحيحة علي بن يقطين عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:

«قلت له: انّه يجتمع عندي الشيء(1)فيبقى نحوا من سنة، أُزكّيه؟ قال: لا، كلّ ما لم يحل عليه عندك الحول فليس عليك فيه زكاة. الحديث».(2)

و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:

«الزكاة على المال الصامت الذي يحول عليه الحول و لم يحرّكه».(3)

و منها صحيحة رفاعة النخّاس قال:

«سأل رجل أبا عبداللّه عليه السلام فقال: انّي رجل صائغ أعمل بيدي و انّه يجتمع عندي الخمسة و العشرة، ففيها زكاة؟ فقال: اذا اجتمع مائتا درهم فحال عليها الحول فانّ عليها الزكاة».(4)

و منها صحيحة محمّد الحلبي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يفيد المال؟ قال: لايزكّيه حتّى يحول عليه الحول».(5)

و منها صحيحة عبداللّه بن سنان قال:


1) - في التهذيب زيادة «الكثير قيمته».

2) - وسائل الشيعة 9: 169 / الباب 15 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 9: 170 / الباب 15 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 9: 143 / الباب 2 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 9: 169 / الباب 15 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل كان له مال موضوع حتّى اذا كان قريبا من رأس الحول أنفقه قبل أن يحول عليه، أعليه صدقة؟ قال: لا».(1)

و منها معتبرة زرارة و بكير ابني أعين (في حديث) أنّهما سمعا أبا جعفر عليه السلام يقول:

«انّما الزكاة على الذهب و الفضّة الموضوع، اذا حال عليه الحول ففيه الزكاة و ما لم يحل عليه الحول فليس فيه شيء».(2)

و منها خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال:

«لاتجب الزكاة على المال حتّى يحول عليه الحول».(3)

و منها صحيحة زرارة قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام : رجل كان عنده مائتا درهم غير درهم أحدعشر شهرا، ثمّ أصاب درهما بعد ذلك في الشهر الثاني عشر، فكملتعنده مائتا درهم، أعليه زكاتها؟ قال: لا، حتّى يحول عليه الحول و هي مائتا درهم، فان كانت مائة و خمسين درهما فأصاب خمسين بعد أن مضى شهر فلا زكاة عليه حتّى يحول على المائتين الحول. قلت له: فان كانت عنده مائتا درهم غير درهم فمضى عليها أيّام قبل أن ينقضي الشهر ثمّ أصاب درهما فأتى على الدراهم مع الدرهم حول، أعليه زكاة؟ قال: نعم، و ان لم يمض عليها جميعا الحول فلا شيء عليه فيها. الحديث».(4)

قال في الجواهر: «و من شرط وجوبها فيهما أيضا حول الحول حتّى يكون


1) - وسائل الشيعة 9: 169 / الباب 15 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 9: 170 / الباب 15 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 9: 170 / الباب 15 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 9: 152 / الباب 6 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

النصاب موجودا فيه أجمع بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، و النصوص دالّة عليه عموما و خصوصا فيهما. انتهى».(1)

و أمّا الدخول في الشهر الثاني عشر فقد تقدّم البحث عنه تفصيلاً في الشرط الرابع من زكاة الأنعام. و تقدّم أيضا البحث عن اعتبار النصاب طول الحول، فلو نقص في أثنائه عن النصاب سقط الوجوب، و كذا لو تبدّل بغيره من جنسه أو غيره.

فرع : في تبديل النصاب أو تغييره أثناء الحول

لو بدّل النصاب أثناء الحول أو غيّره بالسبك لم تجب الزكاة، سواء كان التبديل أو السبك بقصد الفرار من الزكاة أو لا. و ذلك لصحيحة عمر بن يزيد قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل فرّ بماله من الزكاة فاشترى به أرضا أو دارا، أعليه فيه شيء؟ فقال: لا، و لو جعله حليّا أو نقرا فلا شيء عليه، و ما منع نفسه من فضله أكثر ممّا منع من حقّ اللّه الذي يكون فيه».(2)

و معتبرة علي بن يقطين عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:

«لاتجب الزكاة فيما سبك. قلت: فان كان سبكه فرارا من الزكاة؟ قال: ألاترى أنّ المنفعة قد ذهبت منه، فلذلك لايجب عليه الزكاة».(3)

و صحيحة هارون بن خارجة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: انّ أخي يوسف وليَ لهؤلاء القوم أعمالاً أصاب فيها أموالاً


1) - جواهر الكلام 15: 182.

2) - وسائل الشيعة 9: 159 / الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 160 / الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 2.

كثيرة، و انّه جعل ذلك المال حليّا أراد أن يفرّ به من الزكاة، أعليه الزكاة؟ قال: ليس على الحليّ زكاة، و ما أدخل على نفسه من النقصان في وضعه و منعه نفسه فضله أكثر ممّا يخاف من الزكاة».(1)

و بازائها صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الحليّ، فيه زكاة؟ قال: لا، الاّ ما فرّ به من الزكاة».(2)

و صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: الرجل يجعل لأهله الحليّ من مائة دينار و المائتي دينار، و أراني قد قلت ثلاثمائة دينار، فعليه الزكاة؟ قال: ليس فيه الزكاة. قال:قلت: فانّه فرّ به من الزكاة. فقال: ان كان فرّ به من الزكاة فعليه الزكاة، و ان كان انّما فعله ليتجمّل به فليس عليه زكاة».(3)

فتحمل هاتان الصحيحتان على الاستحباب جمعا، و ذلك لأنّ الروايات المتقدّمة صريحة في عدم وجوب الزكاة و ان كان قصده من جعل ماله حليّا الفرار من الزكاة.

و أمّا صحيحة زرارة قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : انّ أباك قال: من فرّ بها من الزكاة فعليه أن يؤدّيها. فقال: صدق أبي، انّ عليه أن يؤدّي ما وجب عليه، و ما لم يجب عليه فلا شيء عليه منه. ثمّ قال لي: أرأيت لو أنّ رجلاً أغمي عليه يوما ثمّ مات فذهبت صلاته، أكان عليه و قد مات أن يؤدّيها؟


1) - وسائل الشيعة 9: 160 / الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 9: 162 / الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 7.

3) - تهذيب الأحكام 4: 11 / الحديث 25 - و في الوسائل 9: 162/ الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 6 أورد بعضها.

قلت: لا. قال: الاّ أن يكون أفاق من يومه. ثمّ قال لي: أرأيت لو أنّ رجلاً مرض في شهر رمضان ثمّ مات فيه، أكان يصام عنه؟ قلت: لا. قال: و كذلك الرجل لايؤدّي عن ماله الاّ ما حلّ عليه».(1)

فالظاهر منها أنّ ما كان وجب عليه بأن حال عليه الحول ففيه الزكاة و ما لم يحل عليه الحول فلا زكاة فيه، فمراده عليه السلام أنّه ان جعل ما عنده من النقدين حليّا قبل الحول فلا زكاة فيه؛ لأنّه لم يجب و لايصدق الفرار؛ لأنّه لم يكن مكلّفا كالمغمى عليه، و من مات في مرضه في شهر رمضان. و لو حال عليه الحول فيجب فيه الزكاة و ان جعله حليّا. و بناءً على هذا التفسير لاتكون الصحيحة معارضة لما تقدّم من الروايات، بل تكون مؤيّدة لها.

قال في التذكرة: «لو فرّ بالسبك من الزكاة فان كان بعد الحول لم تسقط؛ لسبق الوجوب، و ان كان قبله فروايتان: أقربهما السقوط؛ لفوات الشرط، و الأخرى وجوب الزكاة؛ لقوله عليه السلام : «الاّ ما فرّ به من الزكاة»، و تحمل على الاستحباب، أو على ما اذا جعله بعد الحول. انتهى ملخّصا».(2)

فتحصّل أنّه لو بدّل النصاب أثناء الحول أو غيّره بالسبك و غيره لم تجب الزكاة. و أمّا لو سبك الدراهم و الدنانير بعد حؤول الحول لم تسقط الزكاة و وجب الاخراج بملاحظة الدراهم و الدنانير اذا فرض نقص القيمة بالسبك.

(مسألة 1): لايجب الزكاة في الحليّ و لا في أواني الذهب و الفضّة و ان بلغت ما بلغت، بل عرفت سقوط الوجوب عن الدرهم و الدينار اذا اتّخذا للزينة و خرجا عن رواج المعاملة بهما. نعم، في جملة من الأخبار أنّ زكاتها اعارتها.


1) - وسائل الشيعة 9: 161 / الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 5.

2) - تذكرة الفقهاء 5: 135.

الشرح:

لاتجب الزكاة في الحليّ و لا في أواني الذهب و الفضّة، و ذلك لصحيحة يعقوب بن شعيب قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الحليّ، أيزكّى؟ فقال: اذا لايبقى منه شيء».(1)

و صحيحة هارون بن خارجة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«ليس على الحليّ زكاة».(2)

و صحيحة محمّد الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الحليّ، فيه زكاة؟ قال: لا».(3)

و صحيحة رفاعة قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام و سأله بعضهم عن الحليّ، فيه زكاة؟ فقال: لا، و لو بلغ مائة ألف».(4)

و صحيحة محمّد الحلبي الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الحليّ، فيه زكاة؟ قال: لا».(5)

و صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: الرجل يجعل لأهله الحليّ من مائة دينار و المائتي دينار - و أراني قد قلت: ثلاثمائة - فعليه الزكاة؟ قال: ليس فيه زكاة. الحديث».(6)


1) - وسائل الشيعة 9: 156 / الباب 9 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 156 / الباب 9 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 9: 156 / الباب 9 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 9: 157 / الباب 9 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 4.

5) - وسائل الشيعة 9: 157 / الباب 9 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 5.

6) - وسائل الشيعة 9: 157 / الباب 9 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 6.

و خبر مروان بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الحليّ، عليه زكاة؟ قال: انّه ليس فيه زكاة و ان بلغ مائة ألف درهم، كان أبي يخالف الناس في هذا».(1)

و خبر العلاء قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : هل على الحليّ زكاة؟ فقال: لا».(2)

قال في التذكرة: «لا زكاة في الحليّ المباح استعماله كالسوار للمرأة و المنطقةللرجل عند علمائنا أجمع، و به قال في الصحابة، و في التابعين، و قالوا: زكاته اعارته كما يقوله علماؤنا. - و قال في موضع آخر منه: - الحليّ المحرّم استعماله كالمنطقة و حلية السيف للمرأة اذا قصدت لبسها، و السوار للرجل اذا قصد التحلّي به لا زكاة فيه عند علمائنا. و أطبق الجمهور كافّة على ايجاب الزكاة فيه. - و قال في موضع آخر: - لو فرّ من الزكاة، فان كان بعد الحول لم تسقط؛ لسبق الوجوب، و ان كان قبله فروايتان، أقربهما السقوط؛ لفوات الشرط. انتهى ملخّصا».(3)

و لاتجب الزكاة أيضا في أواني الذهب و الفضّة، كما يقتضيه ما دلّ على حصر الزكاة في الدراهم و الدنانير.

و في مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«زكاة الحليّ عاريته».(4)

و رواها الشيخ باسناده عن محمّد بن يعقوب الاّ أنّه قال:

«زكاة الحليّ أن يعار».(5)


1) - وسائل الشيعة 9: 158 / الباب 9 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 7.

2) - وسائل الشيعة 9: 158 / الباب 9 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 8.

3) - تذكرة الفقهاء 5: 129 و 132 و 135.

4) - وسائل الشيعة 9: 158 / الباب 10 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 9: 159 / الباب 10 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 2.

(مسألة 2): لا فرق في الذهب و الفضّة بين الجيّد منها و الرديء بل تجب اذا كان بعض النصاب جيّدا و بعضه رديئا. و يجوز الاخراج من الرديء و ان كان تمام النصاب من الجيّد، لكن الأحوط خلافه، بل يخرج الجيّد من الجيّد و يبعّض بالنسبة مع التبعّض، و ان أخرج الجيّد عن الجميع فهو أحسن. نعم، لايجوز دفع الجيّد عن الرديء بالتقويم بأن يدفع نصف دينار جيّد يسوّي دينارارديئا عن دينار، الاّ اذا صالح الفقير بقيمة في ذمّته ثمّ احتسب تلك القيمة عمّا عليه من الزكاة، فانّه لا مانع منه كما لا مانع من دفع الدينار الرديء عن نصف دينار جيّد اذا كان فرضه ذلك.

الشرح:

قال في الشرائع: «لا اعتبار باختلاف الرغبة مع تساوي الجوهرين، بل يضمّ بعضها الى بعض. و في الاخراج ان تطوّع بالأرغب، و الاّ كان له الاخراج من كلّ جنس بقسطه. انتهى».(1)

و في المدارك في شرح كلام المحقّق في الشرائع قال: «المراد بتساوي الجوهرين تساويهما في الجنسيّة، و معنى ضمّ بعضها الى بعض أنّه يجب ضمّ بعض أفراد الجنس الى بعض و ان تفاوتت قيمتها، كجيّد الفضّة و رديئها، و عالي الذهب و دونه، و لا ريب في ذلك؛ لاطلاق قوله عليه السلام : «في عشرين دينارا نصف دينار، و في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم» فانّ ذلك شامل لمتساوي القيمة و مختلفها. انتهى».(2)


1) - شرائع الاسلام 1: 151.

2) - مدارك الأحكام 5: 121.

أقول:

انّ الذهب و الفضّة - حسب ما سمعت عن مهرة الفنّ مؤيّدا ما نقله العلاّمة الخوئي رحمه الله عنهم - ذات واحدة، و لايختلف في حدّ نفسه باختلاف المعادن أو الأزمان و الأماكن، فلاينقسم في ماهيّته الى الجيّد و الرديء، و انّما ينتزع هذاالتقسيم من خارج مقام الذات، أي من كمّيّة الخليط الذي يمتزج بالذهب و الفضّة، فانّ الذهب الجيّد - أي الخالص عن كلّ مزيج - لايستعمل خارجا؛ اذ هو ليّن في طبعه فيحتاج بطبيعة الحال الى مزيج من نحاس أو غيره يستوجب صلابته و تماسك أجزائه، غاية الأمر أنّ ذلك الخليط كلّما كان أقلّ كان الذهب أجود. فالذهب الجيّد الراقي هو ما كان خليطه حمّصة و نصفا في كلّ مثقال (فانّ المثقال أربع و عشرون حمّصة). فاذا كان الخليط أكثر فهو دونه في الجودة.

في العصر الحاضر القطعة الذهبيّة المعروفة ب- «بهار آزادى» وزنها 5/5 حمّصات أقلّ من المثقالين و لها ثلاث حمّصات و نصف غير صافية.

الذهب النقي عياره 24 و له عشر الحمّص غير صافي، عيار 18 كلّ مثقاله ستّ حمّصات، عيار 22 حمّصان، و المثقال 608/4 غرامات.

و بناءً على ذلك: لا فرق في الذهب و الفضّة المسكوكتين بين الجيّد و الرديء، يعني بين ما كان خليطه أقلّ من الحمّصة أو أكثر، بل تجب اذا كان بعض النصاب جيّدا و بعضه رديئا؛ لأنّ الحكم ورد على السكّة التي تكون أو كانت موردا للمعاملة، و الجيّد منهما سكّة كما أنّ رديئهما أيضا سكّة.

و يجوز الاخراج من الرديء و ان كان أكثر النصاب جيّدا؛ لاطلاق قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «في عشرين دينارا نصف دينار، و في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم»؛ لأنّ الاختيار بيد المالك كما مرّ. و الأحسن أن يبعّض بالنسبة مع التبعّض، و أحسن منه اخراج الجيّد.

قال في المدارك: «ثمّ ان تطوّع المالك باخراج الأرغب فقد زاد خيرا، و ان

ماكس كان له الاخراج من كلّ جنس بقسطه. و قال الشيخ: انّ ذلك على الأفضل أيضا، فلو أخرج من الأدنى جاز؛ لحصول الامتثال باخراج ما يصدق عليه الاسم. و أولى بالجواز ما لو أخرج الأدنى بالقيمة. انتهى».(1)

و قال في الجواهر: «لا اعتبار باختلاف الرغبة مع تساوي الجوهرين في صدق الاسم و ان اختلفت القيمة و الأوصاف بذلك، بل يضمّ بعضها الى بعض بلا خلاف أجده فيه، بل نسبه بعضهم الى الأصحاب مشعرا بالاجماع عليه، و لعلّه كذلك مضافا الى اطلاق الأدلّة. و أمّا الكلام في كيفيّة الاخراج للزكاة، فالمشهور أنّه ان تطوّع المالك باعطاء الأرغب و نحوه من الأفراد الكاملة فقد أحسن و زاد خيرا و أنفق ممّا يجب، و الاّ كان الأفضل الاخراج من كلّ جنس بقسطه؛ للمحكي عن مبسوط الشيخ، و يجوز الاقتصار على الاخراج من جنس واحد. انتهى ملخّصا».(2)

و قال العلاّمة الخوئي: «لاينبغي الاشكال في جواز دفع الرديء و اخراجه زكاة اذا كان النصاب كلّه رديئا أو كان مؤلّفا منهما؛ بناءً على ما هو الصحيح في كيفيّة التعلّق بالعين من أنّها بنحو الشركة في الماليّة، و المتولّي للاخراج هو المالك. نعم، بناءً على الاشاعة و الشركة الحقيقيّة لا مناص من التبعيض؛ لأنّ كلّ جزء من النصاب مشترك - على هذا - بين المالك و الفقير بنسبة الواحد الى الأربعين، فالدفع من الرديء تفويت لحقّ الفقير بالاضافة الى الجيّد. انتهى ملخّصا».(3)

ثمّ انّه يجوز للمالك دفع ما كان مساويا للزكاة في القيمة من النقدين، فيجوز له دفع الدينار الرديء عن نصف دينار جيّد اذا كان فرضه ذلك و قيمته تساوي دينارا رديئا، كما يجوز له عكسه أي دفع الجيّد عن الرديء بالتقويم، بأن يدفع


1) - مدارك الأحكام 5: 121.

2) - جواهر الكلام 15: 192 و 193.

3) - مستند العروة 23: 286 و 287.

نصف دينار جيّد يساوي دينارا رديئا؛ لأنّ الاختيار بيد المالك و له ولاية التبديل و الاخراج من غير العين من النقود المتمحّضة في الثمنيّة مع مراعاة القيمة.

و أمّا المصنّف فقد فصّل بين دفع الجيّد عن الرديء بالتقويم بأن يدفع نصف دينار جيّد يساوي دينارا رديئا عن دينار فقال بعدم الجواز. فلو كانت عنده أربعون دينارا رديئة - التي فيها دينار واحد - لايجوز له دفع نصف دينار جيّد و ان كانت قيمته مساوية لقيمة الدينار الواحد من الرديء، و بين عكسه أي دفع الدينار الرديء عن نصف دينار جيّد. كما لو كان عنده عشرون دينارا جيّدة - التي فيها نصف الدينار - جاز له حينئذ دفع دينار واحد رديء عن نصف الدينار الذي هو فرضه فيما اذا تساويا في القيمة.

و كأنّه نظر الى أنّ فرضه في الأوّل دينار فتبديله بنصف دينار يخالف الفرض و ان تساويا في القيمة. و فرضه في الثاني نصف دينار، فاذا أخرج دينارا فقد أدّى ما عليه و زيادة. و جوابه قد علم ممّا تقدّم من أنّه يجوز للمالك دفع ما كان مساويا للزكاة في القيمة من النقدين.

(مسألة 3): تتعلّق الزكاة بالدراهم و الدنانير المغشوشة اذا بلغ خالصهما النصاب، و لو شكّ في بلوغه و لا طريق للعلم بذلك و لو للضرر لم تجب، و في وجوب التصفية و نحوها للاختبار اشكال، أحوطه ذلك و ان كان عدمه لايخلو عن قوّة.

الشرح:

قال في الشرائع: «الدراهم المغشوشة لا زكاة فيها حتّى يبلغ خالصها نصابا، ثمّ لاتخرج المغشوشة عن الجياد. انتهى».(1)


1) - شرائع الاسلام 1: 151.

و في التذكرة: «لاتجب الزكاة في المغشوشة حتّى يبلغ الصافي نصابا، و كذاالمختلط بغيره عند علمائنا، و به قال الشافعي و أحمد. انتهى».(1)

أقول:

قد تقدّم في بداية هذا الفصل أنّه تجب الزكاة في الذهب و الفضّة، ففي الذهب في كلّ عشرين دينارا نصف دينار و في الفضّة في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم، و ذكر الروايات الواردة في ذلك كصحيحة زرارة و بكير ابني أعين أنّهما سمعا أبا جعفر عليه السلام يقول في الزكاة:

«أمّا في الذهب فليس في أقلّ من عشرين دينارا شيء، فاذا بلغت عشرين دينارا ففيه نصف دينار. - الى أن قال: - ليس في أقلّ من مائتي درهم شيء، فاذا بلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم. الحديث».(2)

فمتعلّق الزكاة الذهب و الفضّة المسكوكان بسكّة المعاملة كما تقدّم البحث عنه تفصيلاً، فما صدق عليه الذهب و الفضّة المسكوكان كالدرهم و الدينار يجب فيه الزكاة و ما لم يصدق عليه ذلك لم يجب فيه الزكاة. و بناءً عليه فالدراهم و الدنانير المغشوشة اذا صدق عليها الذهب و الفضّة تجب فيها الزكاة و الاّ لم تجب و لذلك قال في الجواهر: «انّ الزكاة انّما تجب في الفضّة و الذهب المسكوكين دراهم و دنانير، و المركّب من كلّ منهما و غيره خارج عن الاسم، فلاتتعلّق به الزكاة، بل قد يمنع صدق اسم الدراهم و الدنانير على غير الخالص حقيقة. انتهى».(3)

الاّ أنّ الظاهر أنّه لا خلاف في وجوب الزكاة في الدراهم و الدنانير المغشوشة


1) - تذكرة الفقهاء 5: 126.

2) - وسائل الشيعة 9: 140 و 145 / الباب 1 و 2 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 11 و 10.

3) - جواهر الكلام 15: 195.

كما ادّعاه صاحب الجواهر بل قال: «نسبه غير واحد الى الأصحاب مشعرا بالاجماع عليه. انتهى».(1)

و دليلهم على ذلك ما رواه الكليني في الخبر عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن محمّد بن عبداللّه بن هلال عن العلاء بن رزين عن زيد الصائغ قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : انّي كنت في قرية من قرى خراسان يقال لها: بخارى، فرأيت فيها دراهم تعمل ثلث فضّة، و ثلث مسّ، و ثلث رصاص، و كانت تجوز عندهم و كنت أعملها و أنفقها؟ قال: فقال أبو عبداللّه عليه السلام : لا بأس بذلك اذا كانت تجوز عندهم. فقلت: أرأيت ان حال عليها الحول و هي عندي و فيها ما يجب عليّ فيه الزكاة، أُزكّيها؟ قال: نعم، انّما هو مالك. قلت: فان أخرجتها الى بلدة لاينفق فيها مثلها فبقيت عندي حتّى حال عليها الحول، أُزكّيها؟ قال: ان كنت تعرف أنّ فيها من الفضّة الخالصة ما يجب عليك فيها الزكاة فزكّ ما كان لك فيها من الفضّة الخالصة و دع ما سوى ذلك من الخبيث. قلت: و ان كنت لاأعلم ما فيها من الفضّة الخالصة الاّ أنّي أعلم أنّ فيها ما يجب فيه الزكاة؟ قال: فاسبكها حتّى تخلص الفضّة و يحترق الخبيث ثمّ يزكّى(2)ما خلص من الفضّة لسنة واحدة».(3)

و الرواية و ان كانت ضعيفة السند؛ لأنّ محمّد بن عبداللّه بن هلال فيه كلام، و زيد الصائغ مجهول، و ان كان القدماء من الأصحاب لم يعنونوا هذه المسألة في


1) - جواهر الكلام 15: 195.

2) - في الوسائل: تزكّي.

3) - فروع الكافي 3: 509 / الباب 278 / الحديث 9 - وسائل الشيعة 9: 153 / الباب 7 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

كتبهم، ليعلم أنّهم عملوا بها أو لا، الاّ أنّ الشيخ في الخلاف و المبسوط عنون المسألة و أفتى بوجوب الزكاة في الدراهم و الدنانير المغشوشة اذا كان خالصها نصابا و أفتى الفقهاء من بعده كذلك، و الظاهر أنّ مدرك فتواهم هو هذه الرواية، فيكون عملهم على ما فيها جابرا لسندها.

فرع : في وجوب الفحص اذا شكّ في بلوغ الخالص حدّ النصاب

اتّفق الأصوليّون و الأخباريّون على عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعيّة في الجملة، و الظاهر أنّ بناء الشارع على المسامحة في مثل النجاسة و الطهارة، و ما يشترى من سوق المسلمين، و في بعض أبواب المعاملات و بعض أبواب النكاح و غيرها، و لم يوجب الفحص عنها بل جعل المدار في اثبات النجاسة على العلم أو البيّنة و كذا فيما ذكر من الأمثلة، فمن شكّ في أنّ المتاع الذي اشتراه من فلان كان من ماله أو غصبه فيقول: انّه ماله و لايجب عليه الفحص، بل نهى الشارع عن الفحص في بعض الشبهات في أبواب النكاح و الرضاع. كما أنّ الظاهر أنّه لم يتسامح في بعض آخر الذي كان عنده ذا أهمّية بحيث يفهم منه وجوب الفحص، كالشكّ في استطاعة الحجّ و الشكّ في أنّ ماله بلغ حدّ النصاب، أو كان فائدة كسبه زائدة على مؤونة السنة ليجب فيه الخمس و في أمثال ذلك وجب الفحص اذا لم يكن حرجيّا.

قال في الجواهر: «نعم، يعتبر في الحكم بوجوبها العلم بالبلوغ نصابا، أمّا لو شكّ فلا وجوب؛ للأصل و غيره، بل المعروف أيضا عدم وجوب التصفية و نحوها للاختبار، بل عن المسالك لا قائل بالوجوب، و وجه ذلك كلّه أنّ مقدّمات الوجوب لايجب تحصيلها و لاتعرّفها، لكن قد يناقش بأنّ الأوّل مسلّم بخلاف الثاني، ضرورة معلوميّة الوجوب في مثله من مذاق الشارع، و أنّه ليس المراد

الوجوب اذا اتّفق حصول العلم بوجود الشرط، فلايجب حينئذ على من احتمل في نفسه الاستطاعة مثلاً أو ظنّها اختبار حاله، و لا على من علّق نذره على شيء مثلاً تعرّف حصوله و نحو ذلك؛ اذ هو كما ترى فيه اسقاط لكثير من الواجبات. نعم، هو كذلك حيث لايكون له طريق الى التعرّف، أو كان فيه ضرر عليه بحيث يسقط بمثله وجوب المقدّمة، و لعلّه لذلك مال بعض المحقّقين هنا الى وجوب التعرّف بالتصفية أو غيرها، و هو قويّ جدّا ان لم يكن اجماع على خلافه. انتهى».(1)

(مسألة 4): اذا كان عنده نصاب من الجيّد لايجوز أن يخرج عنه من المغشوش الاّ اذا علم اشتماله على ما يكون عليه من الخالص و ان كان المغشوش بحسب القيمة يساوي ما عليه الاّ اذا دفعه بعنوان القيمة اذا كان للخليط قيمة.

الشرح:

تقدّم في المسألة السابقة أنّ متعلّق الزكاة الذهب و الفضّة المسكوكان بسكّة المعاملة، فما صدق عليه ذلك كالدرهم و الدينار تجب فيه الزكاة و ما لم يصدقلم تجب. و بناءً عليه فالدراهم و الدنانير المغشوشة اذا صدق عليها الذهب و الفضّة المسكوكان تجب فيها الزكاة، و اذا لم يصدق لم تجب. و بعد ذلك نقول - كما تقدّم - : اذا كان عنده نصاب من الجيّد فان دفع الزكاة من النصاب فلا كلام، و أمّا ان أراد أن يدفع الزكاة من خارج النصاب فعليه دفع ما كان قيمته مساوية للجيّد. مثلاً لو كان عنده عشرون مثقالاً من الدينار الجيّد فلايجوز أن يدفع الزكاة من الدينار المغشوش الاّ اذا علم اشتماله على ما يكون عليه من الخالص أي نصف


1) - جواهر الكلام 15: 196.

الدينار الجيّد، أو تساوي قيمة الدينار المغشوش نصف الدينار الجيّد.

(مسألة 5): و كذا اذا كان عنده نصاب من المغشوش لايجوز أن يدفع المغشوش الاّ مع العلم على النحو المذكور.

قد تقدّم في المسألة الثالثة أنّه اذا كان عنده الذهب و الفضّة المغشوشان فلو صدق عليهما المسكوك أي يقال لهما الدرهم و الدينار المسكوكان تجب فيهما الزكاة اذا بلغ كلّ واحد منهما حدّ النصاب. نعم، لو كان خلطهما كثيرا جدّا كما تقدّم في خبر زيد الصائغ فاذا بلغ خالصهما نصابا تجب الزكاة منه و لايجوز أن يدفع المغشوش كما سيأتي في المسألة الثامنة.

(مسألة 6): لو كان عنده دراهم أو دنانير بحدّ النصاب و شكّ في أنّه خالص أو مغشوش فالأقوى عدم وجوب الزكاة و ان كان أحوط.

قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة الثالثة فلانعيد.

(مسألة 7): لو كان عنده نصاب من الدراهم المغشوشة بالذهب أو الدنانير المغشوشة بالفضّة لم يجب عليه شيء الاّ اذا علم ببلوغ أحدهما أو كليهما حدّ النصاب فيجب في البالغ منهما أو فيهما، فان علم الحال فهو و الاّ وجبت التصفية، و لو علم أكثريّة أحدهما مردّدا و لم يمكن العلم وجب اخراج الأكثر من كلّ منهما، فاذا كان عنده ألف و تردّد بين أن يكون مقدار الفضّة فيها أربعمائة و الذهب ستّمائة و بين العكس أخرج عن ستّمائة ذهبا و ستّمائة فضّة، و يجوز أن يدفع بعنوان القيمة ستّمائة عن الذهب، و أربعمائة عن الفضّة بقصد ما في الواقع.

الشرح:

كان البحث في المسائل الماضية عن الدراهم و الدنانير المغشوشة بغير الذهب أو الفضّة من سائر الفلزّات كالنحاس. و الكلام الآن في الدراهم المغشوشة بالذهب أو الدنانير المغشوشة بالفضّة، فنقول: تارة يكون الخليط قليلاً جدّا بحيث يصدق معه الدرهم و الدينار، فحينئذ اذا بلغت الدراهم أو الدنانير نصابا تجب فيها الزكاة كما لو كانت مغشوشة بالنحاس و نحوه و قد سبق دليله.

و أخرى كان الخليط كثيرا بحيث لم يصدق أنّه درهم أو دينار بل يقال انّه مخلوط من الدرهم و الدينار و مخلوط من الذهب و الفضّة، ففي هذه الصورة فان علم بعدم بلوغهما أو أحدهما حدّ النصاب لم يجب عليه شيء و ان كان يعادل المجموع مقدار عشرين دينارا. مثلاً لو كان له مقدار من النقود قد امتزج ما يعادل مائة درهم من الفضّة منها بما يعادل عشرة دنانير من الذهب بحيث كان المجموع عشرين دينارا، لم تجب الزكاة فيها، كما دلّت عليه النصوص على ما سيأتي، فيعتبر مراعاة النصاب في كلّ منهما بحياله.

و أمّا ان علم ببلوغ أحدهما أو كليهما حدّ النصاب و علم أيضا مقدار الذهب و الفضّة فيما بلغ حدّ النصاب فيجب اخراج الزكاة. و ان علم بلوغ النصاب و لم يعلم مقدار الذهب و الفضّة فيهما وجبت التصفية؛ للعلم باشتغال ذمّته فيجب العلم بفراغها. و أمّا ان شكّ في بلوغ النصاب فيهما أو في أحدهما فيلزمه الفحص و الاختبار بالتصفية؛ لما تقدّم في المسألة الثالثة. و يمكن أن يحتاط بالدفع من الخارج بعنوان القيمة بمقدار يتيقّن معه بالفراغ بلا حاجة الى التصفية.

و ثالثة لو علم أكثريّة أحدهما متردّدا و لم يمكن العلم، ففي هذه الصورة قد يفرض أنّ الأكثر - أي الذي مقداره أزيد من الآخر - غير بالغ حدّ النصاب الاّ على تقدير دون تقدير. و هذا كما لو كانت عنده ثمانمائة و عشرون من النقود و تردّد بين كون مقدار الفضّة فيها أربعمائة و الذهب أربعمائة و عشرين و بين العكس.

فهو يعلم تفصيلاً أنّ أربعمائة منها فضّة و أربعمائة منها ذهب و التردّد وقع على العشرين، فان كانت ذهبا ففيها الزكاة و ان كانت فضّة فليس فيها الزكاة؛ لأنّ النصاب الثاني للفضّة أربعون درهما. فحينئذ فان تمكّن له الفحص ليحصل له العلم وجب عليه؛ لما تقدّم، و ان لم يتمكّن أو كان الفحص له حرجيّا فلاتجب الزكاة في هذا المقدار؛ للبرائة.

و قد يفرض أنّ الأكثر - الذي مقداره أزيد من الآخر - يبلغ حدّ النصاب على كلّ تقدير، و هذا كما في المتن لو كان عنده ألف من النقود و تردّد بين أن يكون مقدار الفضّة فيها أربعمائة و الذهب ستّمائة و بين العكس، فما هو المتيقّن أنّ أربعمائة منها فضّة و أربعمائة منها ذهب و التردّد واقع على المائتين منها فانّها نصاب على التقديرين. و الظاهر أنّ ما ذهب اليه الماتن هو الصحيح، أي بدفع زكاة المائتين مرّتين: تارة بحسب الذهب و أخرى بحسب الفضّة؛ عملاً بالعلم الاجمالي بتعلّق أحد التكليفين، فيدفع عن ستّمائة ذهبا و ستّمائة فضّة. و يجوزالاقتصار في المائتين على حساب الذهب بعنوان القيمة، أي بقصد ما اشتغلت به الذمّة واقعا، المتردّد بين كونه نفس الفريضة ان كان ذهبا و قيمتها ان كان فضّة، فيدفع ستّمائة عن الأكثر قيمة و هو الذهب، و أربعمائة عن الفضّة.

و في المستند جوّز الاقتصار على الأقلّ قيمة و هو الفضّة، و قال في تقريبه: «انّ الزكاة و ان كانت حقّا متعلّقا بشخص العين الخارجيّة الاّ أنّها على سبيل الشركة في الماليّة، و للمالك ولاية التبديل و الاخراج من غير العين بعنوان القيمة، فهو مخيّر بين الأمرين - أي دفع العين و القيمة - فالحقّ و ان كان متعلّقا بالعين الاّ أنّ الواجب هو الجامع بين الأمرين، و بما أنّ القيمة - التي هي عدل الواجب التخييري - متردّدة بين الأقلّ و الأكثر - لتردّدها بين قيمة الذهب التي هي أكثر، و الفضّة التي هي أقلّ - فلا علم باشتغال الذمّة الاّ بالمقدار المتيقّن، و هو الأقلّ، و أمّا الزائد عليه فتعلّق التكليف به مشكوك من أوّل الأمر، فيرجع في نفيه الى أصالة

البراءة، فيكون المقام مثل ما لو لم يكن عنده من أوّل الأمر الاّ مقدار النصاب و كان متردّدا بين الذهب و الفضّة الذي يقتصر فيه على الأقلّ قيمة و يدفع الزائد بأصالة البراءة. انتهى».(1)

و فيه: انّ ما ذكره في المتن من لزوم دفع الأكثر؛ عملاً بالعلم الاجمالي بتعلّق أحد التكليفين - الذي هو دائر بين المتباينين، أعني نفس الذهب و الفضّة - رعاية لتنجيز العلم الاجمالي، جارٍ في القيمة أيضا، فانّ القيمة بدل العين، فكما أنّ العين متردّدة بين الذهب و الفضّة، فالقيمة أيضا متردّدة بين أن تكون قيمة الذهب أو قيمة الفضّة. فقصر النظر على القيمة مستقلاًّ و جعلها عدلاً للعين متردّد بين الأقلّ و الأكثر بعيد.

(مسألة 8): لو كان عنده ثلاثمائة درهم مغشوشة و علم أنّ الغشّ ثلثها مثلاً على التساوي في أفرادها يجوز له أن يخرج خمس دراهم من الخالص، و أن يخرج سبعة و نصفا من المغشوش، و أمّا اذا كان الغشّ بعد العلم بكونه ثلثا في المجموع لا على التساوي فيها فلا بدّ من تحصيل العلم بالبراءة، امّا باخراج الخالص، و امّا بوجه آخر.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة الثالثة أنّ وجوب الزكاة دائر مدار صدق الذهب و الفضّة المسكوكين على الدنانير و الدراهم أو مطلق النقود المخلوطة بغيرهما، فلو كان خلطهما كثيرا و مع ذلك يقال لهما الذهب و الفضّة المسكوكان تجب فيهما الزكاة، و القاعدة الأوّليّة تقتضي اخراج الزكاة من عين هذه النقود اذا بلغت النصاب الاّ أنّ خبر زيد الصائغ المذكور في المسألة الثالثة المنجبر ضعفه بعمل


1) - مستند العروة 23: 301.

المشهور قائل بوجوب الزكاة اذا بلغ الخالص منهما حدّ النصاب و أوجب اخراج الزكاة من الخالص منهما. و عليه لو كان عنده ثلاثمائة درهم مغشوشة و علم أنّ الغشّ ثلثها مثلاً - على التساوي في أفرادها - يجوز له أن يخرج خمسة دراهم من الخالص، و أن يخرج سبعة و نصفا من المغشوش. و أمّا اذا كان الغشّ بعد العلم بكونه ثلثا على المجموع - لا على التساوي فيها - فلا بدّ من تحصيل العلم بالبراءة: امّا باخراج الخالص و امّا بوجه آخر، كما هو قول الامام عليه السلام في خبر زيد الصائغ:

«فاسبكها حتّى تخلص الفضّة و يحترق الخبيث ثمّ تزكّي ما خلص من الفضّة لسنة واحدة».(1)

أو يدفع بمقدار يقطع باشتماله على خمسة خالصة؛ تحصيلاً للقطع بالفراغ عن عهدة التكليف المعلوم؛ لرجوع الشكّ حينئذ الى مرحلة الامتثال بعد القطع بالاشتغال، و الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة. نعم، لو أراد أن يدفع القيمة و كانت قيمة سبعة دراهم و نصف مغشوشة تساوي خمسة دراهم خالصة يجوز ذلك و ان لم يعلم أنّ في سبعة دراهم و نصف مغشوشة خمسة دراهم خالصة، و ذلك لأنّ الاعتبار في القيمة بالماليّة.

(مسألة 9): اذا ترك نفقة لأهله ممّا يتعلّق به الزكاة و غاب و بقي الى آخر السنة بمقدار النصاب لم تجب عليه الاّ اذا كان متمكّنا من التصرّف فيه طول الحول مع كونه غائبا.

الشرح:

الظاهر أنّه لا خلاف في المسألة الاّ من ابن ادريس في سرائره، كما في


1) - وسائل الشيعة 9: 153/ الباب 7 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

الجواهر.(1)

قال في الشرائع: «اذا ترك نفقة لأهله فهي معرّضة للاتلاف، تسقط الزكاة عنها مع غيبة المالك، و تجب لو كان حاضرا، و قيل: تجب فيها على التقديرين، و الأوّل مرويّ. انتهى».(2)

و الدليل على المسألة روايات:

منها موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال:

«قلت له: رجل خلّف عند أهله نفقة ألفين لسنتين، عليها زكاة؟ قال:ان كان شاهدا فعليه زكاة، و ان كان غائبا فليس عليه زكاة».(3)

و منها مرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل وضع لعياله ألف درهم نفقة فحال عليها الحول، قال:

«ان كان مقيما زكّاه، و ان كان غائبا لم يزكّ».(4)

و منها خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: الرجل يخلّف لأهله ثلاثة آلاف درهم نفقة سنتين، عليه زكاة؟ قال: ان كان شاهدا فعليها زكاة، و ان كان غائبا فليس فيها شيء».(5)

و الظاهر أنّ هذه الروايات ليست مخصّصة لاطلاق روايات وجوب الزكاة بل هي مساوقة لما دلّت من الروايات الكثيرة التي تقدّمت في محلّها على اشتراط التمكّن من التصرّف في تعلّق الزكاة، فمن خلّف عند أهله نفقة فسافر الى مكان بعيد سفرا طويل المدّة و كان المال في معرض التلف، لم يتمكّن من التصرّف فيه


1) - جواهر الكلام 15: 202.

2) - شرائع الاسلام 1: 152.

3) - وسائل الشيعة 9: 172 / الباب 17 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 9: 173 / الباب 17 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 9: 173 / الباب 17 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 3.

عادة و لم يكن عنده. و لذا قال في الشرائع: « ... فهي معرّضة للاتلاف».

قال في الجواهر: «بل قد يجول في الذهن أنّ مبنى هذه النصوص على خروج هذا الفرد عن تلك العمومات لاتخصيصها بها باعتبار تعريضه للتلف بالاتّفاق و الاعراض عنه لهذه الجهة الخاصّة، فكأنّه أخرجه عن ملكه، فلايصدق عليه أنّه حال الحول عليه و هو عنده، خصوصا مع عدم علمه بسبب غيبته عنه كيف صنع به عياله، و يمكن أن يكون بدّلوه بمال آخر أو اشتروا به ما يحتاجونه سنتين مثلاً، و غير ذلك من الاحتمالات التي تحصل له بالغيبة دون الحضور الذي ليس فيهسوى عزم منه على انفاق هذا المال، و بالجملة لايخفى على من له ذوق بالفقه و معرفة بخطاباتهم عليهم السلام أنّ المراد من هذا التفصيل أنّه لايصدق على هذا المال أنّه حال الحول عليه و هو عنده، خصوصا و ليس في هذه النصوص اشارة الى التخصيص، فيكون الحاصل أنّه يكفي في سقوط الزكاة عدم هذه العنديّة، كما أنّه يكفي في وجوبها هذه العنديّة مع الحضور و ان عزم على أنّه للانفاق، فتأمّل جيّدا فانّه دقيق، و ربّما كان في قول المصنّف: «معرّضة للاتلاف» اشارة الى بعض ذلك، و اللّه أعلم. انتهى».(1)

(مسألة 10): اذا كان عنده أموال زكويّة من أجناس مختلفة و كان كلّها أو بعضها أقلّ من النصاب فلايجبر الناقص منها بالجنس الآخر، مثلاً اذا كان عنده تسعه عشر دينارا و مائة و تسعون درهما لايجبر نقص الدنانير بالدراهم و لا العكس.

الشرح:

الظاهر أنّه لا خلاف في المسألة بل ادّعى عليه الاجماع غير واحد.


1) - جواهر الكلام 15: 203.

قال في المدارك: «هذا قول علمائنا أجمع (حكاه في المنتهى)(1)و وافقنا عليه أكثر العامّة. و قال بعضهم: «يضمّ الذهب و الفضّة؛ لأنّهما متّفقان في كونهما أثمانا». و قال آخرون: «يضمّ الحنطة و الشعير؛ لاشتراكهما في كونهما قوتا. انتهى».(2)

و يدلّ على ذلك صحيحة زرارة أنّه قال لأبي عبداللّه عليه السلام :

«رجل عنده مائة و تسعة و تسعون درهما و تسعه عشر دينارا، أيزكّيها؟ فقال: لا، ليس عليه زكاة في الدراهم و لا في الدنانير حتّى يتمّ. قال زرارة: و كذلك هو في جميع الأشياء».(3)

و يدلّ على عدم تتميم الجنس بغيره مطلقا قوله عليه السلام في صحيحة زرارة و بكير ابني أعين أنّهما سمعا أبا جعفر عليه السلام يقول في الزكاة:

«أمّا في الذهب فليس في أقلّ من عشرين دينارا شيء، فاذا بلغت عشرين دينارا ففيه نصف دينار. - الى أن قال: - ليس في أقلّ من مائتي درهم شيء، فاذا بلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم. الحديث».(4)

و لاينافيه خبر اسحاق بن عمّار عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:

«قلت له: تسعون و مائة درهم و تسعه عشر دينارا، أعليها في الزكاة شيء؟ فقال: اذا اجتمع الذهب و الفضّة فبلغ ذلك مائتي درهم ففيها الزكاة؛ لأنّ عين المال الدراهم، و كلّ ماخلا الدراهم من ذهب أو متاع فهو عرض مردود ذلك الى الدراهم في الزكاة و الديات».(5)


1) - ما بين القوسين ليس في الأصل. هامش المدارك

2) - مدارك الأحكام 5: 127.

3) - وسائل الشيعة 9: 150 / الباب 5 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 9: 140 و 145 / الباب 1 و 2 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 11 و 10.

5) - وسائل الشيعة 9: 139 / الباب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 7.

لأنّه مع ضعف السند يحمل على التقيّة أو على زكاة التجارة أو على ما عن الشيخ من احتمال ارادة بلوغ الفضّة خاصّة.

فصل : في زكاة الغلاّت الأربع

و هي كما عرفت الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب. و في الحاق السُلْت الذي هو كالشعير في طبعه و برودته و كالحنطة في ملاسته و عدم القشر له اشكال فلايترك الاحتياط فيه، كالاشكال في العَلَس الذي هو كالحنطة، بل قيل: انّه نوع منها في كلّ قشر حبّتان، و هو طعام أهل صنعاء فلايترك الاحتياط فيه أيضا، و لاتجب الزكاة في غيرها و ان كان يستحبّ اخراجها من كلّ ما تنبت الأرض ممّا يكال أو يوزن من الحبوب كالماش و الذرة و الأرز و الدخن و نحوها الاّ الخضر و البقول، و حكم ما يستحبّ فيه حكم ما يجب فيه في قدر النصاب و كمّيّة ما يخرج منه و غير ذلك.

الشرح:

تجب الزكاة في الغلاّت الأربع أي الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و قد مرّ البحث تفصيلاً عن ذلك فيما يجب فيه الزكاة و قلنا: انّ المشهور بين أصحابنا عدموجوب الزكاة فيما تنبت الأرض الاّ في الغلاّت الأربع و نطق بذلك أخبار كثيرة و قال أكثر العامّة بوجوبها في جميع الحبوب و به قال ابن الجنيد و يونس بن

عبدالرحمن منّا و يدلّ عليه أيضا أخبار مستفيضة حملها المفيد و الشيخ و من تابعهما على الاستحباب و السيّد المرتضى و صاحب الحدائق على التقيّة، و قلنا: انّ الأرجح في الجمع بين الطوائف من الأخبار الحمل على استحباب الزكاة في جميع ما تنبت الأرض من الحبوب.

و الكلام الآن في السلت و العلس و أنّه تجب فيهما الزكاة أو لا؟ و قد ذهب جمع من الفقهاء كالشيخ في الخلاف و المبسوط و العلاّمة في بعض كتبه و ابن ادريس و الشهيدين و الميسي الى الوجوب؛ لأنّ السلت عندهم كالشعير في طبعه و برودته و كالحنطة في ملاسته و عدم القشر، و أنّ العلس كالحنطة. و ذهب آخرون الى عدم الوجوب؛ لكونهما عندهم نوعين مستقلّين، أو لانصراف لفظ الحنطة و الشعير عنهما و ان اتّحدا معهما ماهيّة و حقيقة.

و الظاهر أنّه لاتجب الزكاة في السلت و العلس و ذلك لانحصار زكاة الغلاّت في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب في الروايات و الفتاوى كما تقدّم في محلّه، و ذكر السلت في عداد ما ينبت من الأرض من الحبوب و التقابل بينه و بين الحنطة و الشعير يظهر منه فرق السلت عن الحنطة و الشعير في الحقيقة و الماهيّة.

ففي صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألته عن الحرث، ما يزكّى منها؟ قال عليه السلام : البرّ و الشعير و الذرة و الدخن(1)و الأرز و السلت و العدس و السمسم، كلّ هذا يزكّى و أشباهه».(2)

و في صحيحة زرارة قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : في الذرة شيء؟ فقال لي: الذرة و العدس و السلت و الحبوب فيها مثل ما في الحنطة و الشعير، و كلّ ما كيل


1) - الدخن بالفارسيّة: اَرزَن.

2) - وسائل الشيعة 9: 62 / الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 4.

بالصاع فبلغ الأوساق التي تجب فيها الزكاة فعليه فيه الزكاة».(1)

و تقدّم حمل ماعدا الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب على الاستحباب؛ جمعا، كما احتمل بعض الحمل على التقيّة.

قال في الجواهر: «لاتجب الزكاة فيما يخرج من الأرض الاّ في الأجناس الأربعة: الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب. لكن يستحبّ فيماعدا ذلك من الحبوب ممّا يدخل في المكيال و الميزان كالذرة و الأرز و العدس و الماش و السلت و العلس بناءً على خروجهما عن الحنطة و الشعير. ولكن ذهب الشيخ و جمع من الأصحاب كالفاضل في بعض كتبه و الشهيدين و ثاني المحقّقين و الميسي و ابن ادريس، على ما حكي عن بعضهم، الى أنّ السلت كالشعير و العلس كالحنطة في الوجوب. و الأوّل أشبه و أشهر، بل عن كشف الالتباس و المفاتيح أنّه المشهور، بل عن الغنية الاجماع عليه؛ لأصالة عدم الوجوب، و حصره في التسعة في المستفيض من النصوص المنساق من الحنطة و الشعير فيه غيرهما. بل عن ابن دريد: «السلت حبّ يشبه الشعير أو هو بعينه، و العلس حبّة سوداء يخبز في الجدب أو يطبخ» - الى أن قال: - بل في ظاهر خبري زرارة و محمّد بن مسلم أنّ السلت غير الحنطة و الشعير و يتمّ بعدم الفصل بينه و بين العلس، كما أنّه يتمّ الحكم بالاستحباب فيهما بالنصوص العامّة و الخاصّة، لكن مع ذلك لاتخلو المسألة من اشكال؛ لنصّ بعض أهل اللغة على كونهما منهما. انتهى ملخّصا».(2)

و قال المحقّق الهمداني: «انّ الاعتماد على قول اللغويّين في مثل المقام لايخلو من الاشكال، فانّه انّما يرجع الى اللغة في تفسير مداليل الألفاظ لا في تحقيق ماهيّتها، و ليس الاشكال هيهنا في تفسير مفهوم السلت و العلس ... بل الاشكال في أنّ الماهيّتين المسمّيتين بذلك الاسمين في العرف هل هما متّحدتان


1) - وسائل الشيعة 9: 64 / الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 10.

2) - جواهر الكلام 15: 205 و 206.

بالنوع مع ما يسمّى في العرف حنطة أو شعيرا، أم مغايرتان لهما بالذات و ان تشابهتا في الصورة و بعض الخواصّ - الى أن قال: - و كيف كان فلم يحصل الوثوق من شيء ممّا ذكر بكون شيء منهما مصداقا حقيقيّا لمفهوم الحنطة و الشعير بحيث يتناوله اطلاق اسمه على الاطلاق، فمقتضى الأصل براءة الذمّة عن وجوب الزكاة فيهما، ولكن الاحتياط ممّا لاينبغي تركه. انتهى ملخّصا».(1)

و أمّا العلاّمة الخوئي فقد ذهب الى وجوب الزكاة فيهما و قال في تقريبه: «انّ هناك اطلاقات تضمّنت وجوب الزكاة في كلّ ما يكال، التي منها صحيحة زرارة: «كلّ ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة ... الخ» و نحوها غيرها ممّا مرّت الاشارة اليها في محلّها. و قد ورد التقييد عليها بما دلّ على حصر الزكاة في الغلاّت الأربع و أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد عفا عمّا سوى ذلك، فانّ هذا المقيّد ينحلّ الى عقدين: عقد ايجابي، و هو تعلّق الزكاة بالأربعة. و عقد سلبي، و هو عدم التعلّق بما سوى ذلك. و واضح أنّه لا تقييد بلحاظ العقد الأوّل، لكونهما متوافقين، بل لو لم يرد مثل هذا الدليل لكانت الاطلاقات وافية لاثبات تعلّق الزكاة بالغلاّت؛ لكونها ممّا يكال كما هو ظاهر. و انّما التقييد بلحاظ العقد السلبي الذي هو مخالف للمطلقات، أعني قوله: «عفا عمّا سوى ذلك» أي ما سوى الحنطة و الشعير و غيرهما من التسعة. فالزكاة قد ثبتت على الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، وخرج غير هذه الأربع من الغلاّت، بمعنى أنّ عموم «كلّ ما كيل ... فعليه الزكاة» قد خصّص بالعفو عن غير هذه الأربعة، فالاشكال في السلت و العلس و أنّهما من الحنطة و الشعير حتّى يشملهما حكم الزكاة، أو أنّهما من غير الحنطة و الشعير حتّى يكونا مشمولين للعفو فصار المخصّص مجملاً، و اجماله للشبهة في مفهوم الحنطة و الشعير. و قد تقرّر في الأصول أنّ المخصّص المتّصل المجمل مفهوما الدائر بين الأقلّ والأكثر يقتصر في التخصيص به على المقدار المتيقّن، و يرجع


1) - مصباح الفقيه 13: 330 و 331.

فيماعداه الى عموم العامّ؛ لعدم العلم بالخروج عن تحت العموم زائدا على المقدار المعلوم. فالمقدار المخرج من العموم أي من قوله عليه السلام : «كلّ ما كيل بالصاع ... فعليه الزكاة» ما لم يكن حنطة و لا شعيرا قطعا (و هو القدر المتيقّن) فما لم يعلم أنّه حنطة أو شعير داخل في العموم، أي «كلّ ما كيل ... » فيجب فيه الزكاة. فالسلت و العلس اللذان لم يعلم كونهما حنطة أو شعيرا صارا مشمولين لوجوب الزكاة. انتهى ملخّصا».(1)

و فيه أوّلاً: انّ السلت و العلس خارجان عن مفهوم الحنطة و الشعير عرفا و الاّ لم يختلف أهل اللغة في ذلك، فما صدق عليه الحنطة أو الشعير عرفا ففيه الزكاة، و ما لم يصدق لم تجب الزكاة فيه.

و ثانيا: قد ورد حصر الزكاة في عدّة روايات في هذه الأربعة ممّا أنبتت الأرض، فمنها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«ما أنبتت الأرض من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب ما بلغ خمسة أوساق - الى أن قال: - و ليس فيما أنبتت الأرض شيء الاّ في هذه الأربعة أشياء».(2)

و منها صحيحة ثانية لزرارة قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن صدقات الأموال؟ فقال: في تسعة أشياء ليس في غيرها شيء: في الذهب و الفضّة و الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الابل و البقر و الغنم السائمة و هي: الراعية. الحديث».(3)

و منها صحيحة ثالثة لزرارة و بكير ابني أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«ليس في شيء أنبتت الأرض من الأرز و الذرة والحمّص و العدس


1) - مستند العروة 23: 310 - 312.

2) - وسائل الشيعة 9: 176 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 9: 57 / الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 9.

و سائر الحبوب و الفواكه غير هذه الأربعة الأصناف و ان كثر ثمنه زكاة. الحديث».(1)

فاذا انحصرت الزكاة في هذه الأربعة أشياء، فما أحرز أنّه حنطة أو شعير وجبت فيه الزكاة و ما لم يحرز لم تجب. فيحمل العمومات على الاستحباب، كما أنّ المفهوم ممّا ورد من أنّه صلى الله عليه و آله عفا عمّا سوى التسعة هو الحصر في التسعة.

و يعتبر في وجوب الزكاة في الغلاّت أمران: «الأوّل»: بلوغ النصاب، و هو بالمنّ الشاهي - و هو ألف و مائتان و ثمانون مثقالاً صيرفيّا - مائة و أربعة و أربعون منّا الاّ خمسة و أربعين مثقالاً، و بالمنّ التبريزي - الذي هو ألف مثقال - مائة و أربعة و ثمانون منّا، و ربع منّ و خمسة و عشرون مثقالاً، و بحقّة النجف في زماننا(2)- و هي تسعمائة و ثلاثة و ثلاثون مثقالاً صيرفيّا و ثلث مثقال - ثمان وزنات و خمس حقق و نصف الاّ ثمانية و خمسين مثقالاً و ثلث مثقال، و بعيارالاسلام بول - و هو مائتان و ثمانون مثقالاً - سبع و عشرون وزنة و عشر حقق و خمسة و ثلاثون مثقالاً، و لاتجب في الناقص عن النصاب و لو يسيرا كما أنّها تجب في الزائد عليه يسيرا كان أو كثيرا.

الشرح:

يعتبر في وجوب الزكاة في الغلاّت بلوغ النصاب بلا خلاف و لا اشكال، و قد تقدّم في محلّه.

قال في الجواهر: «لا اشكال و لا خلاف في اعتبار بلوغ النصاب في الوجوب، بل الاجماع بقسميه عليه، كما أنّ النصوص متواترة فيه، بل هو ضروري.


1) - وسائل الشيعة 9: 63 / الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 9.

2) - يعني سنة 1326 ه- .ق.

انتهى».(1)

و نصاب الغلاّت خمسة أوسق، و الوسق ستّون صاعا، و يدلّ عليه صحيحة سعد بن سعد الأشعري قال:

«سألت أبا الحسن عن أقلّ ما تجب فيه الزكاة من البرّ و الشعير و التمر و الزبيب؟ فقال: خمسة أوساق بوسق النبي صلى الله عليه و آله. فقلت: كم الوسق؟ قال: ستّون صاعا. الحديث».(2)

و صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن التمر و الزبيب، ما أقلّ ما تجب فيه الزكاة؟ فقال: خمسة أوسق. الحديث».(3)

و صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام (فيحديث) قال:

«ليس فيما كان أقلّ من خمسة أوساق شيء».(4)

قال في الجواهر: «و الصاع أربعة أمداد، و المدّ رطلان و ربع بالعراقي، و رطل و نصف بالمدني فيكون النصاب حينئذ ألفين و سبعمائة رطل بالعراقي حاصلة من ضرب الخمس في الستّين، فتبلغ ثلاثمائة، فتضرب في التسعة أرطال فتبلغ المقدار المزبور، و ألف و ثمانمائة رطل بالمدني حاصلة من ضرب الثلاثمائة في الستّة. و ألف و مائة و سبعون درهما، لأنّ المدّ مائتا درهم و اثنان و تسعون درهما و نصف درهم. انتهى».(5)

قال في المستند: «ذكروا أنّ كلّ رطل يعادل مائة و ثلاثين درهما و أنّ كلّ عشرة


1) - جواهر الكلام 15: 207.

2) - وسائل الشيعة 9: 175 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 176 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 9: 176 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 4.

5) - جواهر الكلام 15: 209.

دراهم تساوي خمسة مثاقيل صيرفيّة و ربع المثقال، فالرطل الواحد يحتوي على ثمانية و ستّين مثقالاً و ربع المثقال. و بما أنّ الصاع الواحد يشتمل على تسعة أرطال عراقيّة، فهو اذن يتضمّن ستّمائة و أربعه عشر مثقالاً صيرفيّا و ربع المثقال، الحاصلة من ضرب التسعة في الثمانية و الستّين مثقالاً و ربع المثقال الذي كان هو وزن الرطل الواحد. و حينئذ فلو ضربنا هذا العدد في الثلاثمائة أصوع - التي هي حدّ النصاب كيلاً كما تقدّم - فانّ المجموع مائة و أربعة و ثمانون ألف مثقال و مائتين و خمسة و سبعين مثقالاً. و لمزيد من التوضيح يرجى ملاحظة هذه القاعدة:

الصورة

5

حدّ النصاب بحسب المثقال الصيرفي. انتهى ملخّصا».(1)

و قال بعض الأعلام: «و حيث انّ المثقال الصيرفي يساوي أربع غرامات و


1) - مستند العروة 23: 315 و 316.

ستّة أعشار الغرام (6/4) كما قيل فالنصاب يساوي ثمانمائة و سبعا و أربعين كيلوغرام و ستّمائة و اثنين و ستّين غراما (662/847). انتهى».(1)

ثمّ انّه لاتجب الزكاة في الناقص عن النصاب ولو يسيرا، و ذلك لصحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام (في حديث) قال:

«ليس فيما كان أقلّ من خمسة أوساق شيء».(2)

و صحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ليس فيما دون خمسة أوساق شيء، و الوسق ستّون صاعا».(3)و قوله عليه السلام في موثّقة زرارة و بكير:

«و ان نقص البرّ و الشعير و التمر و الزبيب أو نقص من خمسة أوساق صاع أو بعض صاع فليس فيه شيء».(4)

و خبر أبي بصير و الحسن بن شهاب قالا:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : ليس في أقلّ من خمسة أوساق زكاة، و الوسق ستّون صاعا».(5)

و مرسلة عبداللّه بن بكير عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«في زكاة الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب ليس فيما دون الخمسة أوساق زكاة. الحديث».(6)

و لايضمّ جنس منها الى آخر ليتمّ النصاب، و ذلك لصحيحة زرارة قال:

«قلت لأبي جعفر و لابنه عليهماالسلام : الرجل تكون له الغلّة الكثيرة من


1) - كتاب الزكاة 1: 342.

2) - وسائل الشيعة 9: 176 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 9: 177 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 9: 178 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 8.

5) - وسائل الشيعة 9: 178 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 9.

6) - وسائل الشيعة 9: 179 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 12.

أصناف شتّى، أو مال ليس فيه صنف تجب فيه الزكاة، هل عليه في جميعه زكاة واحدة؟ فقالا: لا، انّما تجب عليه اذا تمّ، فكان يجب في كلّ صنف منه الزكاة، يجب عليه في جميعه في كلّ صنف منه الزكاة، فان أخرجت أرضه شيئا قدر ما لايجب فيه الصدقة أصنافا شتّى لم تجب فيه زكاة واحدة. الحديث».(1)

و مقتضى اطلاق الأدلّة عدم الفرق في الناقص عن النصاب بين ما كان النقص يسيرا أو كثيرا.

و في الجواهر بعد تعيين النصاب بالصاع و الرطل و المثقال دقيقا قال: «و السبب في ضبط ذلك أنّ هذا التقدير عندنا على التحقيق دون التقريب، فلو حصل النقصان و لو قليلاً فلا زكاة؛ للأصل، و لقوله عليه السلام : «و ليس فيما دون الثلاثمائة صاع شيء» - و بعد ذكر صحيحة زرارة و بكير قال: - و عدم صدق التقدير حقيقة مع النقصان و لو يسيرا، و المسامحة العرفيّة ليست من الحقائق التي يحمل عليها الاطلاق، على أنّه قد صرّح بعدم العبرة بها في الجملة في الخبر المزبور. نعم، لا عبرة بما جرت العادة به من ممازجته للنصاب من غيره كالتراب اليسير و التبن كذلك و الشعير في الحنطة و نحو ذلك ممّا لايخرج به عن الاسم، بل أقصاه تعدّد الأصناف عرفا، أمّا اذا كان كثيرا لايتسامح فيه في العرف فلايغتفر، بل لو كان أجنبيّا قد مزج بصنف خالص عنه قدح في العفو و ان لم يكن كثيرا، فتأمّل جيّدا. و على كلّ حال فما عن بعض الجمهور من أنّ التقدير تقريب لا تحقيق لأنّ الوسق مجمل و هو يزيد و ينقص واضح الضعف؛ لأنّ المعتبر التقدير الشرعي لا اللغوي. انتهى».(2)

ثمّ انّه تجب في الزائد عليه يسيرا كان أو كثيرا، و ذلك لاطلاق الروايات


1) - وسائل الشيعة 9: 180 / الباب 2 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 15: 211.

الواردة في حدّ النصاب و حيث انّه قد بيّن فيها عدم وجوب الزكاة اذا كان ناقصا و لم يبيّن شيئا اذا كان زائدا ينكشف أنّ نصابه واحد، ففيما أنبتت الأرض من الغلاّت الأربع اذا بلغ خمسة أوسق فما زاد زكاة.

قال في الجواهر: «و أمّا ما زاد ففيه الزكاة و ان قلّ، بلا خلاف أجده فيه، كما عن المنتهى نفيه عنه أيضا بين العلماء، و النصوص دالّة عليه، فليس حينئذ في الغلاّت الاّ نصاب واحد. انتهى».(1)

و قال في مصباح الفقيه: «و يدلّ عليه اطلاق الروايات الدالّة على أنّ ما أنبتت الأرض من الغلاّت الأربع اذا بلغ خمسة أوسق ففيما سقته السماء منه العشر، و فيما كان منه يسقى بالدوالي نصف العشر. انتهى».(2)

«الثاني»: التملّك بالزراعة فيما يزرع أو انتقال الزرع الى ملكه قبل وقت تعلّق الزكاة، و كذا في الثمرة كون الشجر ملكا له الى وقت التعلّق أو انتقالها الى ملكه منفردة أو مع الشجر قبل وقته.

الشرح:

يشترط في وجوب الزكاة أن يكون مالكا للزراعة أو ينتقل الزرع الى ملكه قبل وقت تعلّق الزكاة، و ذلك لأنّ الخطاب متوجّه الى المالك و قد نصّ ذلك في بعض الروايات التي تقدّمت في محلّها، بل قد مرّ في الشرط الرابع من شرائط وجوب الزكاة أن يكون مالكا، فلاتجب قبل تحقّق الملكيّة، كالموهوب قبل القبض، و الموصى به قبل القبول أو قبل القبض على خلاف في ذلك. و كذا في القرض لاتجب الاّ بعد القبض.


1) - جواهر الكلام 15: 213.

2) - مصباح الفقيه 13: 343 و 344.

قال المحقّق الهمداني: «الظاهر عدم الخلاف في اشتراط تعلّق الزكاة في الغلاّت بنموّها في ملكه و عدم كفاية ملكيّتها حال التجفيف بحيث لو اشترى عنبا أو رطبا من السوق و جفّفهما، فصارا خمسة أوساق زبيبا أو تمرا، لوجب عليه زكاته، فانّ هذا ممّا لايظنّ بأحد الالتزام به، خصوصا فيما اذا لم يكن العنب أو الرطب الذي اشتراه - على تقدير بقائه على ملك مالكه - متعلّقا للزكاة، بأن كانالعنب الذي اشتراه ملكا لصغير، أو مملوكا لاشخاص لم يكن يبلغ نصيب كلّ منهم حدّ النصاب. انتهى».(1)

و كذا يشترط في وجوب الزكاة في التمر و الزبيب أن يكون مالكا للشجر الى وقت التعلّق أو انتقالها الى ملكه منفردة أو مع الشجر قبل وقته.

قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه، و النصوص جميعها متناولة له. انتهى».(2)

(مسألة 1): في وقت تعلّق الزكاة بالغلاّت خلاف، فالمشهور على أنّه في الحنطة و الشعير عند انعقاد حبّهما و في ثمر النخل حين اصفراره أو احمراره، و في ثمرة الكرم عند انعقادها حصرما، و ذهب جماعة الى أنّ المدار صدق أسماء المذكورات من الحنطة و الشعير و التمر، و صدق اسم العنب في الزبيب، و هذا القول لايخلو عن قوّة و ان كان القول الأوّل أحوط، بل الأحوط مراعاة الاحتياط مطلقا اذ قد يكون القول الثاني أوفق بالاحتياط.

الشرح:

قال في المختلف: «المشهور أنّ الزكاة تجب في الغلاّت اذا كانت ثمرة عند


1) - مصباح الفقيه 13: 358.

2) - جواهر الكلام 15: 251 و 252.

اصفرارها و احمرارها، وان كانت غلّة فعند اشتداد حبّها، و لايجب الاخراج الاّ عند الحصاد و الجذاذ اجماعا. و قال بعض علمائنا: انّما تجب الزكاة عند ما يسمّى تمرا و زبيبا و حنطة و شعيرا، و هو بلوغها حدّ اليبس. و اختاره ابن الجنيد. لنا: انّ البسر يسمّى تمرا لغة فيتعلّق به الوجوب. احتجّوا بأنّه يسمّى بسرا لا تمرا فيالعرف. و الجواب: الاعتبار بتسمية اللغة لا بالعرف. انتهى».(1)

و قال في القواعد: «الثاني (من شروط الغلاّت): بدوّ الصلاح و هو اشتداد الحبّ و احمرار الثمرة أو اصفرارها وانعقاد الحصرم على رأي. انتهى».(2)

و في مفتاح الكرامة في شرح القواعد قال: «هذا هو المشهور كما في المختلف و الايضاح و جامع المقاصد و تعليق النافع و فوائد الشرائع و الروضة و المسالك و ايضاح النافع و المصابيح و الحدائق و الرياض، و مذهب الأكثر كما في التنقيح و مجمع البرهان و المدارك، و الأشهر كما في الميسيّة، و أكثر الجمهور كما في المنتهى بل في التنقيح لم نعلم قائلاً بمذهب المحقّق قبله و في المهذّب البارع و المقتصر أنّه عليه الأصحاب يعني المشهور و هو خيرة المبسوط و الوسيلة و السرائر و كشف الرموز و كتب المصنّف السبعة و البيان و الدروس و التنقيح و جامع المقاصد و فوائد الشرائع و تعليق النافع و كفاية الطالبين و الموجز الحاوي و ايضاح النافع و غيرها و هو ظاهر المسالك و غيره و لم يرجّح الفاضل الميسي و لا المقدّس الأردبيلي و لا الصيمري و لا الكاشاني و استشكل في الحدائق و الرياض. و في الشرائع و النافع و المعتبر على ما نقل عنه أنّها تتعلّق بها اذا صار الزرع حنطة أو شعيرا و بالثمر اذا صار تمرا أو زبيبا - الى أن قال: - و ما ذهب اليه المحقّق قد يظهر من النهاية حيث قال: «و أمّا الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب فوقت الزكاة فيها حين حصولها بعد الحصاد و الجذاذ والصرام». و قد حملها


1) - مختلف الشيعة 3: 60.

2) - مفتاح الكرامة 3 كتاب الزكاة: 43.

صاحب كشف الرموز على وقت الاخراج لا وقت الوجوب، و هو بعيد. و قد يفوح ذلك أعني مذهب المحقّق من المقنع و الهداية و كتاب الاشراف و المقنعة و الغنية و الاشارة و غيرها لمكان حصرهم الزكاة في التسعة التي منها التمر والزبيب والحنطة و الشعير فيكون المعتبر عندهم صدق تلك الأسامي و لاتصدق حقيقة الاّ عند الجفاف. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الظاهر أنّ وقت وجوب الزكاة في الغلاّت حين صيرورتها حنطة و شعيرا و تمرا و زبيبا، و ذلك لأنّهم عليهم السلام قد سمّوها في الروايات التي وردت عنهم في وجوب الزكاة في الغلاّت الأربع، بالحنطة و الشعير و التمر و الزبيب. ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«ما أنبتت الأرض من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب - الى أن قال: - ففيه العشر. الحديث».(2)

و في صحيحة زرارة و بكير عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«و أمّا ما أنبتت الأرض من شيء من الأشياء فليس فيه زكاة الاّ في أربعة أشياء: البرّ و الشعير و التمر والزبيب. الحديث».(3)

و في مرسلة عبداللّه بن بكير عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«في زكاة الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب ليس فيما دون الخمسة أوساق زكاة. الحديث».(4)

و في خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال:


1) - مفتاح الكرامة 3 كتاب الزكاة: 43 و 44.

2) - وسائل الشيعة 9: 176 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 9: 178 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 8.

4) - وسائل الشيعة 9: 179 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 12.

«و العشر من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب اذا بلغ خمسة أوساق. الحديث».(1)

و هذا كان ثابتا للرواة حيث سألوا الأئمّة عليهم السلام عن الزكاة في الغلاّت:

فهذا سعد بن سعد الأشعري الثقة قال:

«سألت أبا الحسن عن أقلّ ما تجب فيه الزكاة من البرّ و الشعير و التمر و الزبيب. الحديث».(2)

و عبيد اللّه الحلبي الثقة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته: في كم الزكاة من الحنطة و الشعير و الزبيب و التمر؟ قال: في ستّين صاعا».(3)

و هو الظاهر من الروايات الواردة في وجوب الزكاة في تسعة أشياء كقوله عليه السلام في صحيحة عبداللّه بن سنان:

«ففرض اللّه عليكم من الذهب و الفضّة، و الابل و البقر و الغنم، و من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب».(4)

و في صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالا:

«فرض اللّه عزّوجلّ الزكاة مع الصلاة في الأموال و سنّها رسول اللّه صلى الله عليه و آله في تسعة أشياء، و عفا عمّا سواهنّ: في الذهب و الفضّة، و الابل و البقر و الغنم، و الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و عفا عمّا سوى ذلك».(5)

و قوله عليه السلام في صحيحة علي بن مهزيار:


1) - وسائل الشيعة 9: 179 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 13.

2) - وسائل الشيعة 9: 175 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 178 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 10.

4) - وسائل الشيعة 9: 53 / الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 9: 55 / الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 4.

«وضع رسول اللّه صلى الله عليه و آله الزكاة على تسعة أشياء: الحنطة و الشعير والتمر و الزبيب. الحديث».(1)

و غيرها ممّا ذكره الحرّ العاملي في الباب الثامن من أبواب ما تجب فيه الزكاة(2).

و من المعلوم أنّ الحنطة و الشعير لايصدق على ما اذا كان في حالة الانعقاد؛ اذ هو مادّة الحنطة و الشعير، كما أنّ العرف لايطلق اسم التمر الاّ على اليابس من ثمر النخل. و ما ادّعاه العلاّمة في المختلف من «أنّ البسر يسمّى تمرا لغة فيتعلّق به الوجوب»(3)، ففيه: انّه قد نصّ غير واحد من اللغويّين على أنّ التمر اسم لليابس من ثمر النخل.

قال في المصباح المنير: «التمر من ثمر النخل كالزبيب من العنب و هو اليابس باجماع أهل اللغة لأنّه يترك على النخل بعد أرطابه حتّى يجفّ أو يقارب ثمّ يقطع و يترك في الشمس حتّى ييبس. انتهى».

و قال في مجمع البحرين: «التمر: اليابس من ثمر النخل كالزبيب و العنب. انتهى».

و في الصحاح: «انّ ثمر النخل أوّله طلع ثمّ خلال ثمّ بَلَح ثمّ بسر ثمّ رطب ثمّ تمر. انتهى».

و قال العلاّمة الخوئي: «و هذا القول هو الأقوى؛ لتعليق الحكم في لسان الروايات بأجمعها على نفس هذه الأسماء و العناوين، و لم يرد في شيء منها - و لا في رواية ضعيفة - الاناطة بما قبل هذه الحالة من بدوّ الصلاح و نحوه. - و قال أيضا: - انّ اللفظ امّا ظاهر في اليابس منها، أو لا أقلّ من الشكّ، و ليس له ظهور قطّ


1) - وسائل الشيعة 9: 55 / الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 9: 53.

3) - مختلف الشيعة 3: 60.

في الانعقاد أو الاشتداد، و على التقديرين لا وجوب قبل صدق الاسم. انتهى».(1)

قال في مفتاح الكرامة: «ممّا استدلّ به للمشهور عمومات وجوب الزكاة خرج ما خرج و بقي ما بقي و يستدلّ لهم باجماع المنتهى، و صدق الحنطة و الشعير على الحبّ المشتدّ منهما لغة و ان منعته فلا شكّ في الصدق عرفا. انتهى ملخّصا».(2)

و أجيب بأنّه ان أريد بالعمومات ما كان من قبيل آية الصدقة و أشباهها، فهي أحكام مجملة لا مسرح للأخذ بعمومها بعد ورود الأخبار المستفيضة أو المتواترة المبيّنة لما تجب فيه الزكاة، و حصرها في الأجناس التسعة الزكويّة. و ان أريد بها ما كان من قبيل ما سقته السماء ففيه العشر، و ما سقي بالدوالي ففيه نصف العشر، ففيه: انّه لم يقصد بالموصول في مثل هذه الأخبار العموم أو الاطلاق، بل هي اشارة الى الأجناس الزكويّة المعهودة أي الغلاّت الأربع، كما أفصح عن ذلك قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «ما أنبتت الأرض من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، ما بلغ خمسة أوساق، ففيه العشر، و ما كان منه يسقى بالرشاء و الدوالي و النواضح، فنصف العشر».

و أمّا بالنسبة الى اجماع المنتهى حيث قال: «لاتجب الزكاة في الغلاّت الأربع الاّ اذا نمت في ملكه، فلو ابتاع غلّة أو استوهب أو ورث بعد بدوّ الصلاح لم تجب عليه الزكاة و هو قول العلماء كافّة. انتهى».(3)

ففيه: انّ الاجماع على اعتبار النموّ في الملك لا على بدوّ الصلاح المذكور. و ذلك لأنّه أشار في موضع آخر منه الى الخلاف في وقت تعلّق الوجوب فقال: «قالالشيخ: و يتعلّق الوجوب بالحبوب اذا اشتدّت و بالثمار اذا بدا صلاحها، و هو قول


1) - مستند العروة 23: 319 و 320.

2) - مفتاح الكرامة 3 كتاب الزكاة: 44.

3) - منتهى المطلب 8: 196.

أكثر الجمهور. و قال بعض أصحابنا: انّما يتعلّق الوجوب بها اذا صار الزرع حنطة أو شعيرا و الثمار تمرا أو زبيبا، و كان والدي رحمه الله يذهب الى هذا، و الوجه عندي الأوّل؛ لأنّه قد ورد وجوب الزكاة في العنب: «اذا بلغ خمسة أوسق زبيبا» و لأنّ النصّ يتناول الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و لا ريب في تسمية الحبّ اذا اشتدّ بالحنطة و الشعير، و في تسمية البسر بالتمر، فانّ أهل اللغة نصّوا على أنّ البسر نوع من التمر و كذا نصّوا على أنّ الرطب نوع من التمر. انتهى».(1)

و قد عرفت الخلاف في ذلك من نفسه فلايبقى مجال لادّعاء الاجماع.

و أمّا الاستدلال لهم بصدق الحنطة و الشعير على الحبّ بمجرّد اشتداده، و كذا اسم التمر على البسر و الرطب، ففيه: لو سلّم ذلك، فلا شبهة في انصراف أساميها في المحاورات العرفيّة و معاملاتها الى اليابس منها، فلايتبادر من الأمر بالتصدّق بشيء من هذه الأجناس الاّ ارادة يابسها. و ما حكي عن بعض اللغوييّن من كون البسر أو الرطب نوعا من التمر معارض بقول من عداه مع كونه ممّا يشهد العرف بخطئه، خصوصا في البسر.

و استدلّ أيضا للمشهور بروايات: منها صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ليس في النخل صدقة حتّى يبلغ خمسة أوساق، و العنب مثل ذلك حتّى يكون خمسة أوساق زبيبا».(2)

و فيه: انّ صدرها لا اطلاق فيه من هذه الجهة، فالظاهر أنّ الامام عليه السلام كان بصدد بيان قدر الزكاة في النخل و لم يكن بصدد بيان وقت وجوب الزكاة. و أمّا ذيلها فقدجعل الموضوع فيها العنب، لا الحصرم، كما هو المدّعى.

و منها صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام (في


1) - منتهى المطلب 8: 203 و 204.

2) - وسائل الشيعة 9: 177 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 7.

حديث) قال:

«سألته عن الزكاة في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، متى تجب على صاحبها؟ قال: اذا صرم(1)و اذا خرص».(2)

بتقريب أنّ وقت الخرص حين بدوّ الصلاح لا زمان التسمية، فيكشف عن تعلّق الوجوب آنذاك.

و فيه: الظاهر أنّ السؤال عن وقت وجوب الاخراج، لا وقت التعلّق؛ لأنّ الصرم بمعنى القطع، و يستفاد من عطف الخرص على الصرم أنّه اذا لم يرد صرمه يخرصه و يؤدّي زكاته.

و منها صحيحة أخرى لسعد:

« ... قلت: و هل على العنب زكاة أو انّما يجب عليه اذا صيّره زبيبا؟ قال: نعم، اذا خرصه أخرج زكاته».(3)

و أجيب بأنّ قوله «نعم» يحتمل فيه أن يكون تصديقا للجملة الثانية أعني قوله «انّما يجب عليه اذا صيّره زبيبا» فيصير مجملاً. و من المحتمل أيضا كون الخرص مصحّف الحرص بالمهملة من قولهم: «حرص المرعى» اذا لم يترك فيه شيئا، فيكون المراد بيان وقت الأداء.

ولكن الظاهر أنّ السائل كان قد علم أنّ الزكاة انّما تجب على الزبيب و أنّ وقت وجوبه فيما اذا صار زبيبا و انّما كان شكّه في العنب و أنّه هل يكون وقتوجوب الزكاة فيه عند صيرورته عنبا أو لا، فأجاب الامام عليه السلام ب- «نعم» أي «نعم، تجب الزكاة اذا صار عنبا» فقوله عليه السلام : «اذا خرصه أخرج زكاته» كناية عن احراز كونه بمقدار النصاب أي نصاب الزبيب؛ اذ طريق الاحراز في العنب هو الخرص.


1) - الصرم: قطع الثمار. الصحاح

2) - وسائل الشيعة 9: 194 / الباب 12 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 175 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 1.

فالظاهر أنّ المستفاد من الصحيحة كون وقت تعلّق الزكاة في الكرم اذا صار عنبا، كما يستفاد ذلك أيضا من صحيحة سليمان بن خالد المتقدّمة، و من صحيحة عبيد اللّه الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ليس في النخل صدقة حتّى يبلغ خمسة أوساق، و العنب مثل ذلك حتّى يبلغ خمسة أوساق زبيبا».(1)

(مسألة 2): وقت تعلّق الزكاة و ان كان ما ذكر على الخلاف السالف الاّ أنّ المناط في اعتبار النصاب هو اليابس من المذكورات، فلو كان الرطب منها بقدر النصاب لكن ينقص عنه بعد الجفاف و اليبس فلا زكاة.

الشرح:

انّ المناط في اعتبار النصاب هو اليابس من المذكورات، فلو كان الرطب منها بقدر النصاب لكن ينقص عنه بعد الجفاف و اليبس فلا زكاة بلا خلاف في ذلك.

قال في المنتهى: «و قد اتّفق العلماء على أنّه لايجب الاخراج في الحبوب الاّ بعد التصفية، و في التمر الاّ بعد التشميس و الجفاف. انتهى».(2)

و قال في التذكرة: «و النصاب المعتبر - و هو خمسة أوسق - انّما يعتبر وقت جفاف التمر، و يبس العنب و الغلّة، فلو كان الرطب خمسة أوسق، أو العنب أوالغلّة و لو جفّت تمرا أو زبيبا أو حنطة أو شعيرا نقص، فلا زكاة اجماعا و ان كان وقت تعلّق الوجوب نصابا. انتهى».(3)

الظاهر أنّ وقت وجوب الاخراج الذي لايجوز تأخيره بحيث لو أخّره كان ضامنا، وقت التصفية في الحنطة و الشعير و في العنب اذا صار زبيبا و في ثمرة


1) - وسائل الشيعة 9: 178 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 11.

2) - منتهى المطلب 8: 204.

3) - تذكرة الفقهاء 5: 148.

النخل اذا يبس و صار تمرا، و ذلك لما ورد في الروايات المعتبرة المستفيضة بأنّ أقلّ ما يجب فيه الزكاة خمسة أوساق، و الوسق ستّون صاعا، و الصاع تسعة أرطال، و الرطل كيل، و من المعلوم أنّه لايعدّ شيء من الغلاّت الأربع من المكيل الاّ بعد اليبس و الجفاف و قبله يباع خرصا أو وزنا، و لم يعهد بيع مثل العنب و الرطب كيلاً.

قال المحقّق الهمداني: «انّ وقت الاخراج هو الوقت الذي يجوز للساعي مطالبته، و ليس للمالك الامتناع من الدفع اليه لدى المطالبة، و أنّه لو أخّر الزكاة عنه مع التمكّن من ايصالها الى المستحقّ ضمن، و هذا متأخّر عن وقت الوجوب، سواء قلنا بتعلّق الوجوب من حين بدوّ الصلاح، أو قلنا بدورانه مدار التسمية. أمّا على الأوّل فواضح، بل و كذا على الثاني، فانّ التسمية تتحقّق في الزرع قبل الحصاد فضلاً عن التصفية، و في النخل أيضا قد تتحقّق قبل الاجتذاذ، مع أنّه لايجب الاخراج حينئذ - الى أن قال: - فما لم يستكمل الجميع و لم يبلغ أوان حصادها و جمع التمر و العنب المنشورين للتشميس و التجفيف، ليس للساعي مطالبة حقّ الفقير؛ لما أشرنا اليه من أنّ المنساق من أدلّة الزكاة ايجاب صرف الحصّة المفروضة للفقير في ثمرة النخل و الكرم و حاصل الزراعات عند بلوغ حدّها و وصول أوان تقسيمها بين الشركاء عادة. انتهى».(1)

(مسألة 3): في مثل البربن و شبهه من الدقل الذي يؤكل رطبا و اذا لم يؤكل الى أن يجفّ يقلّ تمره أو لايصدق على اليابس منه التمر أيضا المدار فيه على تقديره يابسا، و تتعلّق به الزكاة بقدر يبلغ النصاب بعد جفافه.

الشرح:


1) - مصباح الفقيه 13: 355 و 356.

بناءً على ما تقدّم من أنّ الزكاة انّما تجب في التمر و اذا لم يصدق على ثمرة النخل التمر لم تجب، ففي مثل البربن و شبهه من الدقل الذي يؤكل رطبا و اذا لم يؤكل الى أن يجفّ لايصدق على اليابس منه التمر، لاتجب فيه الزكاة.

قال في المدارك: «قال في التذكرة: النصاب المعتبر - و هو خمسة أوسق - انّما يعتبر وقت جفاف التمر و يبس العنب و الغلّة، فلو كان الرطب خمسة أوسق أو العنب أو الغلّة و لو جفّت تمرا أو زبيبا أو حنطة أو شعيرا نقص فلا زكاة اجماعا و ان كان وقت تعلّق الوجوب نصابا - ثمّ قال: - أمّا ما لايجفّ مثله و انّما يؤكل رطبا كالهلباث(1)و البربن و شبههما من الدقل فانّه تجب فيه الزكاة لقوله عليه السلام : «فيما سقت السماء العشر» و انّما تجب فيه اذا بلغ خمسة أوسق تمرا. و هل يعتبر بنفسه أو بغيره من جنسه؟ الأقرب الأوّل و ان كان تمره يقلّ، ثمّ نقل عن الشافعيّة وجها بأنّه يعتبر بغيره». و لا ريب في ضعفه. و لو لم يصدق على اليابس من ذلك النوع اسم التمر أو الزبيب اتّجه سقوط الزكاة فيه مطلقا. انتهى».(2)

(مسألة 4): اذا أراد المالك التصرّف في المذكورات بسرا أو رطبا أو حصرما أو عنبا بما يزيد على المتعارف فيما يحسب من المؤن وجب عليه ضمان حصّة الفقير كما أنّه لو أراد الاقتطاف كذلك بتمامها وجب عليه أداء الزكاة حينئذ بعد فرض بلوغ يابسها النصاب.

الشرح:

في المسألة صور:

الأولى: في أنّه هل يجوز التصرّف في هذه المذكورات بالمقدار المتعارف


1) - الهلباث: ضرب من التمر.

2) - مدارك الأحكام 5: 136.

ممّا جرت السيرة عليه، كصرفه لنفسه أو أهله أو ضيفه و نحو ذلك ممّا يحتاج اليه، فسيأتي الكلام عنها في المسألة السادسه عشرة.

الثانية: في أنّه هل يجوز التصرّف بما يزيد على المقدار المتعارف كبيع الرطب أو الحصرم و نحوه ممّا لايعدّ من المؤن؟

فنقول: أمّا على ما مرّ من أنّ وقت تعلّق الوجوب ما اذا صدق عليها الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، فلا ريب في جواز التصرّف بما يزيد على المقدار المتعارف قبل التسمية، و ذلك لعدم تعلّق الزكاة على الرطب أو الحصرم. نعم، قد تقدّم أنّه اذا صار عنبا تعلّق به الوجوب فهذا وقته و أمّا قبل ذلك كالحصرم فلا.

و أمّا على القول المشهور من أنّ وقت تعلّق الوجوب اذا انعقدت الحبّة في الحنطة و الشعير و اذا احمرّ أو اصفرّ النخل و اذا صار الكرم حصرما، فجواز التصرّف و عدمه دائر مدار القول بكيفيّة شركة الفقراء في العين الزكويّة، فان قلنا انّه بنحو الشركة الحقيقيّة فلايجوز التصرّف. و ان قلنا بنحو الشركة في الماليّة و للمالك ولاية التطبيق، أو بنحو الكلّي في المعيّن فيجوز التصرّف في الثاني الى أن يبقى مقدار حصّة الفقير. و في الأوّل مطلقا الاّ أنّ المالك ضامن لحصّة الفقير،بمعنى أنّ المقدار الذي تصرّف فيه محسوب من النصاب و لاتسقط الزكاة عنه بالتصرّف، فيجب عليه أن يدفع العشر أو نصف العشر من مجموع الباقي و التالف. فسيأتي التعرّض في كيفيّة الشركة.

الثالثة: فيما اذا أراد الاقتطاف بتمامها حال كونه بسرا أو رطبا أو حصرما، فهل يجب فيه الزكاة أو لا؟

فعلى قول المشهور يجب فيه الزكاة بعد فرض بلوغ يابسها النصاب؛ لأنّ الفرض أنّ وقت تعلّق الوجوب حال الانعقاد أو الاحمرار و الاصفرار و قد حصل، و ما دلّ على جواز الاخراج الى زمان التصفية أو اجتذاذ التمر أو اقتطاف الزبيب خاصّ بما اذا بقي على الشجر الى أن يصير تمرا أو زبيبا، و أمّا لو لم يتحفّظ عليه

فاقتطفه بسرا أو رطبا أو حصرما فلا دليل على جواز التأخير حينئذ بعد تعلّق الزكاة بها حسب الفرض. نعم، وجوب اخراج الزكاة معلّق على فرض بلوغ يابسها النصاب كما أشير اليه آنفا.

و أمّا على المختار من القول بالتسمية فلاتجب الزكاة لعدم صدق التمر أو الزبيب على ما اقتطفه من البسر أو الرطب أو الحصرم، الاّ اذا بقي حتّى صار الرطب تمرا. نعم، في خصوص العنب تجب الزكاة بعد الاقتطاف مع بلوغ اليابس حدّ النصاب، كما تقدّم.

(مسألة 5): لو كانت الثمرة مخروصة على المالك فطلب الساعي من قبل الحاكم الشرعي الزكاة منه قبل اليبس لم يجب عليه القبول، بخلاف ما لو بذل المالك الزكاة بسرا أو حصرما مثلاً فانّه يجب على الساعي القبول.

الشرح:

قد تقدّم أنّ وقت تعلّق وجوب الزكاة يكون عند التسمية أي اذا صدق عليه الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب على الأصحّ، و حينئذ ليس للساعي طلب الزكاة منه قبل اليبس و التسمية لعدم وجوبها عليه.

و أمّا على قول المشهور من تعلّق الزكاة عند انعقاد الحبّة أو الاحمرار و الاصفرار أو الحصرم، فلو كانت الثمرة مخروصة على المالك فطلب الساعي من قبل الحاكم الشرعي الزكاة منه قبل اليبس لم يجب عليه القبول؛ لما تقدّم من تأخّر وقت الاخراج الى زمان التصفية و الاقتطاف.

و أمّا لو بذل المالك الزكاة بسرا أو حصرما مثلاً فقد ذهب المصنّف بوجوب القبول على الساعي و لعلّه لمشروعيّة الدفع من المالك من زمان التعلّق و حصول الشركة بينه و بين الفقير و ان ساغ له التأخير الى زمان التصفية و الاقتطاف الاّ أنّه لا دليل على وجوبه و حفظ مال الفقير و تربيته و تنميته ثمّ التسليم اليه. و لازم

ذلك تضرّر المستحقّ في بعض الأوقات؛ اذ قيمة البسر أو الحصرم أقلّ من قيمة التمر و الزبيب غالبا، و يبعد أن يلتزم المشهور به، اللّهمّ الاّ أن يقال بما قال المستمسك فيه: «انّ مستحقّ الزكاة انّما يستحقّ في الحصرم حصرما و في البسر بسرا، فدفع حقّه اليه لا ضرر فيه، و ليس يستحقّ على المالك الابقاء كي يلزم تفويت الحقّ. نعم، لو كان الدفع في حال لاينتفع به أشكل الدفع؛ لأنّه اتلاف لماله. و من ذلك يظهر أنّه لو أراد المالك دفع الزكاة في الحبّ قبل الحصاد، أو الدياس، أو التصفية لم يجز للساعي الامتناع عن الأخذ، فلاحظ. انتهى».(1)

(مسألة 6): وقت الاخراج الذي يجوز للساعي مطالبة المالك فيه و اذاأخّرها عنه ضمن عند تصفية الغلّة و اجتذاذ التمر و اقتطاف الزبيب، فوقت وجوب الأداء غير وقت التعلّق.

الشرح:

تقدّم في المسألة الثانية شرح هذه المسألة. أضف اليه ما تذكّر به العلاّمة الخوئي في هذه المسألة من «أنّه تدلّ عليه السيرة القطعيّة المتّصلة الى زمان النبي صلى الله عليه و آله؛ اذ لم يعهد منه صلى الله عليه و آله و لا ممّن بعده من المتصدّين للأمر ارسال الساعي لمطالبة الزكاة قبل الوقت. و هو مقتضى صحيحة سعد بن سعد الأشعري قال: «سألته عن الزكاة في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، متى تجب على صاحبها؟ قال: اذا صرم و اذا خرص»،(2)فانّ زمان الصرم هو زمان الجذّ و القطف. و نحوه الكلام في الزبيب. و أمّا في الحنطة و الشعير فلا كلام في أنّه بعد التصفية، فلاتجب قبل ذلك، لا عند الحصاد و لا بعده و هو في سنبله. و تدلّ عليه أيضا معتبرة


1) - مستمسك العروة 9: 144.

2) - وسائل الشيعة 9: 194 / الباب 12 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 1.

أبي مريم الأنصاري عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «و آتوا حقّه يوم حصاده»(1)قال: «تعطي المسكين يوم حصادك الضغث، ثمّ اذا وقع في البيدر، ثمّ اذا وقع في الصاع العشر و نصف العشر».(2)دلّت على أنّ المراد بالحقّ في الآية المباركة الصدقة المستحبّة، فيعطي للمسكين يوم الحصاد ضغثا من الحنطة و هي في السنبلة. و أمّا الصدقة الواجبة المكنّى عنها بالعشر و نصف العشر - أعني الزكاة - فوقتها ما لو وقع في البيدر و الصاع، أي بعد التصفية. انتهى ملخّصا».(3)

(مسألة 7): يجوز للمالك المقاسمة مع الساعي مع التراضي بينهما قبل الجذاذ.

الشرح:

لوجود المقتضي و عدم المانع؛ لأنّه قد وجب عليه الزكاة على الفرض و لايجب تأخيره الى وقت الجذاذ فله الأداء و للساعي القبول كما تقدّم.

(مسألة 8): يجوز للمالك دفع الزكاة و الثمر على الشجر قبل الجذاذ منه أو من قيمته.

تقدّم الكلام فيه في المسألة الخامسة.

(مسألة 9): يجوز دفع القيمة حتّى من غير النقدين من أيّ جنس كان، بل يجوز أن تكون من المنافع كسكنى الدار مثلاً، و تسليمها بتسليم العين الى


1) - الأنعام 6: 141.

2) - وسائل الشيعة 9: 196 / الباب 13 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 3.

3) - مستند العروة 23: 331 و 332.

الفقير.

الشرح:

قد تقدّم الكلام في المسألة الخامسة من فصل زكاة الأنعام و قلنا بجواز دفع القيمة من غير النقدين من أيّ جنس كان؛ للنصّ، و يؤيّده ادّعاء الاجماع.

قال في المستمسك: «كما نسب الى الأصحاب بل عن الخلاف و الغنية الاجماع عليه. و يشهد له خبر يونس بن يعقوب المروي في قرب الاسناد: «قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها ثيابا و طعاما، و أرى أنّ ذلك خير لهم! قال: فقال عليه السلام : لابأس»(1). و عن المدارك الاستشكال فيه.بل عن الكافي: «التبديل انّما يجوز بالدراهم و الدنانير دون غيرهما ... » لكنّه ضعيف؛ لما عرفت. و لاسيّما مع اعتضاده بما دلّ على احتساب الدين منها. و خبر سعيد بن عمر عن أبي عبداللّه عليه السلام : «قلت: يشتري الرجل من الزكاة الثياب و السويق و الدقيق و البطّيخ و العنب فيقسّمه؟ قال: لايعطيهم الاّ الدراهم كما أمر اللّه»(2)متروك الظاهر في زكاة الدراهم فضلاً عن غيرها (مضافا الى أنّه ضعيف لضعف سعيد بن عمر). ثمّ انّ الكلام في دفع القيمة في الأنعام و في دفعها من غير النقدين انّما هو في جواز تقويم المالك للزكاة على نفسه و دفع قيمتها، سواء كان المدفوع اليه الفقير، أم الولي العامّ، أعني: الامام أو نائبه، لا في جواز المعاوضة عليها مع الولي و عدمه، فانّ ذلك ممّا لا اشكال فيه. انتهى ملخّصا».(3)

و يدلّ عليه أيضا ما ورد على جواز احجاج الغير بالزكاة، و جواز تكفين الميّت و تجهيزه منها، و ما دلّ على جواز تولّي المالك لصرفها في المصارف الثمانية. و من المعلوم أنّ هذا لايمكن غالبا الاّ بتقويم الزكاة و صرف قيمتها فيها.


1) - وسائل الشيعة 9: 168 / الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 9: 168 / الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 3.

3) - مستمسك العروة 9: 85.

و أمّا جواز كونها من المنافع، ففي المنتهى: «هل يجوز اخراج المنافع كسكنى الدار؟ الأقرب عندي الجواز، خلافا للجمهور. لنا: انّه حقّ ماليّ فجاز اخراجه قيمة كالأعيان. انتهى».(1)

و في البيان: «لو أخرج في الزكاة منفعة بدلاً من العين - كسكنى الدار - فالأقوى الصحّة، و تسليمها بتسليم العين. و يحتمل المنع؛ لأنّها تحصل تدريجا. انتهى».(2)

و في المدارك: «أمّا جواز احتساب المنفعة فمشكل. انتهى».(3)

و لعلّ وجه اشكال صاحب المدارك ما أشار اليه الشهيد من أنّها تحصل تدريجا، الاّ أنّه لا مانع و لا وجه للاشكال، فاذا ثبت من الدليل جواز دفع القيمة حتّى من غير النقدين، فيحسب منفعة سكنى الدار في مدّة معيّنة بقيمة ما في ذمّته من الزكاة. فمستفاد رواية يونس بن يعقوب المتقدّمة، جواز صرف الزكاة في كلّ ما يكون خيرا لمستحقّي الزكاة، فقد يكون الفقير محتاجا الى مسكن فتسليم الدار اليه ليسكن فيها سنة أو سنتين يكون خيرا له. بل يستفاد ذلك أيضا من روايات الاحجاج بالزكاة و تجهيز الميّت، فانّ الحاجّ قد يفتقر الى راحلة من دابّة أو سيّارة أو طائرة، و كذلك تجهيز الميّت قد يتوقّف على الاستفادة من السيّارة أو محلّ الغسل أو نحو ذلك، فيجوز أن تحسب منافع ما يحتاج اليه الحاجّ أو الميّت من الزكاة.

(مسألة 10): لاتتكرّر زكاة الغلاّت بتكرّر السنين اذا بقيت أحوالاً، فاذا زكّى الحنطة ثمّ احتكرها سنين لم يجب عليه شيء و كذا التمر و غيره.

الشرح:


1) - منتهى المطلب 8: 238.

2) - البيان: 303.

3) - مدارك الأحكام 5: 92.

لاتتكرّر زكاة الغلاّت بتكرّر السنين اذا بقيت أحوالاً اذا أدّى زكاتها مرّة واحدة، و ذلك لصحيحة زرارة و عبيد بن زرارة جميعا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«أيّما رجل كان له حرث أو ثمرة(1)فصدّقها فليس عليه فيه شيء و ان حال عليه الحول عنده الاّ أن يحوّل(2)مالاً، فان فعل ذلك فحالعليه الحول عنده فعليه أن يزكّيه و الاّ فلا شيء عليه، و ان ثبت ذلك ألف عام اذا كان بعينه، فانّما عليه فيها صدقة العشر، فاذا أدّاها مرّة واحدة فلا شيء عليه فيها حتّى يحوّله مالاً و يحول عليه الحول و هو عنده».(3)

قال في المدارك: «هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب، بل قال المصنّف في المعتبر: انّ عليه اتّفاق العلماء عدا الحسن البصري، قال: و لا عبرة بانفراده. انتهى».(4)

و قال في الجواهر: «اجماعا بقسميه و نصوصا، مضافا الى اقتضاء الأمر الطبيعة و لا معارض له، بخلافه في الأنعام و النقدين. انتهى».(5)

(مسألة 11): مقدار الزكاة الواجب اخراجه في الغلاّت هو العشر فيما سقي بالماء الجاري أو بماء السماء أو بمصّ عروقه من الأرض كالنخل و الشجر، بل الزرع أيضا في بعض الأمكنة، و نصف العشر فيما سقي بالدلو و الرشاء و النواضح و الدوالي و نحوها من العلاجات، و لو سقي بالأمرين فمع صدق الاشتراك في نصفه العشر، و في نصف آخر نصف العشر، و مع غلبة الصدق


1) - في المصدر: تمرة. هامش الوسائل

2) - في المصدرين: يحوّله. هامش الوسائل

3) - وسائل الشيعة 9: 194 / الباب 11 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 1.

4) - مدارك الأحكام 5: 141.

5) - جواهر الكلام 15: 223.

لأحد الأمرين فالحكم تابع لما غلب، و لو شكّ في صدق الاشتراك أو غلبة صدق أحدهما فيكفي الأقلّ، و الأحوط الأكثر.

الشرح:

قال في الشرائع: «كلّ ما سقي سَيحا أو بَعلاً أو عِذيا ففيه العشر، و ما سقي بالدوالي و النواضح ففيه نصف العشر. انتهى».(1)

قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده كما اعترف به بعضهم، بل الاجماع بقسميه عليه، بل في المعتبر نسبته الى اجماع العلماء، بل في محكي كشف الالتباس اجماع المسلمين. انتهى».(2)

قال في المدارك: «و هذا الحكم - أعني وجوب العشر في الأوّل و هو ما لايحتاج في سقيه الى آلة من دولاب و نحوه، و نصف العشر في الثاني - مذهب العلماء كافّة، حكاه في المنتهى. و قال في التذكرة: انّه لا خلاف فيه بين العلماء. و الأصل فيه الأخبار المستفيضة. انتهى».(3)

و قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «لا خلاف بين العلماء بل بين المسلمين - كما عن غير واحد - أنّ فيما سقي بالمطر أو النهر و نحوهما فيه العشر، و ما سقي بالنواضح و الدوالي ففيه نصف العشر، و الأخبار فيه أكثر من أن تحصى. و الظاهر أنّ الضابط في ذلك - كما عن الوسيلة و الدروس و عن المقنعة و الجمل و المنتهى و مجمع الفائده - ما احتاج سقيه الى مؤونة، و ما لم يحتج أصل السقي الى مؤونة وان توقّف السقي على حفر النهر و تنقيته و غيرهما، لكنّ المعيار في ذلك احتياج أصل ايصال الماء الى الزرع الى العلاج و استغنائه عنه، بل في المناهل: انّ ظاهرهم الاتّفاق على هذا الضابط وان اختلفت عباراتهم، بل عن المنتهى - بعد


1) - شرائع الاسلام 1: 154.

2) - جواهر الكلام 15: 236.

3) - مدارك الأحكام 5: 146.

جعل المعيار افتقار السقي الى المؤونة و عدمه - : انّ عليه فقهاء الاسلام . ففي صحيحة زرارة و بكير عن أبي جعفر عليه السلام قال: «في الزكاة ما كان يعالج بالرشاء والدوالي و النضح ففيه نصف العشر، و ان كان يسقى من غير علاج بنهر أو عين أو بعل أو سماء ففيه العشر». فانّ الظاهر أنّ ذكر الخصوصيّات من باب المثال، كما لايخفى. انتهى».(1)

و يدلّ عليه - مضافا الى ما مرّ - روايات:

منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«ما أنبتت الأرض من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب ما بلغ خمسة أوساق، و الوسق ستّون صاعا، فذلك ثلاثمائة صاع، ففيه العشر، و ما كان منه يسقى بالرشاء و الدوالي و النواضح ففيه نصف العشر، و ما سقت السماء أو السيح أو كان بعلاً ففيه العشر تامّا، و ليس فيما دون الثلاثمائة صاع شيء، و ليس فيما أنبتت الأرض شيء الاّ في هذه الأربعة أشياء».(2)

و منها صحيحة زرارة و بكير جميعا عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«في الزكاة ما كان يعالج بالرشاء و الدوالي و النضح ففيه نصف العشر، و ان كان يسقى من غير علاج بنهر أو عين أو بعل أو سماء ففيه العشر كاملاً».(3)

و منها صحيحة ثانية لزرارة و بكير عن أبي جعفر عليه السلام قال:

« ... فاذا كان يعالج بالرشاء و النضح و الدلاء ففيه نصف العشر، و ان


1) - كتاب الزكاة: 236 و 237.

2) - وسائل الشيعة 9: 176 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 9: 184 / الباب 4 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 5.

كان يسقى بغير علاج بنهر أو غيره أو سماء ففيه العشر تامّا».(1)

و منها صحيحة الحلبي قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : في الصدقة فيما سقت السماء و الأنهار اذا كانت سيحا أو كان بعلاً العشر، و ما سقت السواني و الدوالي أو سقي بالغرب فنصف العشر».(2)

و منها مرسلة حمّاد بن عيسى عن العبد الصالح عليه السلام قال (في حديث طويل):

«و الأرضون التي أخذت عنوة - الى أن قال: - فاذا أخرج اللّه منها ما أخرج بدأ فأخرج منه العشر من الجميع ممّا سقت السماء أو سقي سيحا، و نصف العشر ممّا سقي بالدوالي و النواضح».

ثمّ ذكر كيفيّة قسمته على مستحقّي الزكاة.(3)

و منها خبر اسحاق بن عمّار عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:

«سألته عن الحنطة و التمر عن زكاتهما، فقال: العشر و نصف العشر، العشر ممّا سقت السماء، و نصف العشر ممّا سقي بالسواني - الى أن قال: - قلت: فالحنطة و التمر سواء؟ قال: نعم».(4)

و منها خبر عبيداللّه الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«في صدقة ما سقي بالغرب نصف الصدقة، و ما سقت السماء و الأنهار أو كان بعلاً فالصدقة، و هو العشر، و ما سقي بالدوالي أو بالغرب فنصف العشر».(5)

و منها خبر الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول عن الرضا عليه السلام في كتابه


1) - وسائل الشيعة 9: 178 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 8.

2) - وسائل الشيعة 9: 183 / الباب 4 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 9: 183 / الباب 4 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 9: 184 / الباب 4 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 6.

5) - وسائل الشيعة 9: 184 / الباب 4 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 7.

الى المأمون قال:

«و العشر من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و كلّ ما يخرج من الأرض من الحبوب اذا بلغت خمسة أوسق ففيها العشر ان كان يسقى سيحا، و ان كان يسقى بالدوالي ففيها نصف العشر للمعسر و الميسر. الحديث».(1)

فالظاهر من هذه النصوص أنّ مقدار الزكاة الواجب اخراجه في الغلاّت هو العشر فيما سقي بالماء الجاري أو بماء السماء أو بمصّ عروقه من الأرض كالنخل و الشجر بل الزرع أيضا في بعض الأمكنة، و نصف العشر فيما سقي بالدلو و الرشاء و النواضح و الدوالي و نحوها.

و يظهر منها أيضا أنّ المدار في وجوب نصف العشر هو أن يكون هناك حاجة الى آلات كالدولاب أو الناضح أو ادلاء الدلو من البئر بالحمار و البعير و الثور و أمثالها لسقي الزرع، و في غير هذه الصورة فالعشر، و أنّه لا عبرة بغير ذلك من الأعمال كحفر الأنهار و السواقي و ان كثرت مؤونتها؛ لعدم اعتبار الشارع به. كما هو صريح الصحيحة الثانية لزرارة و بكير المتقدّمة.

قال في الجواهر: «و المراد بالسيح الجريان على وجه الأرض سواء كان قبل الزرع كالنيل أو بعده. و البعل بالعين المهملة ما يشرب بعروقه في الأرض التي تقرب من الماء، و اليه يرجع ما في الوافي من أنّه ما لايسقى من نخل أو شجر أو زرع، و بالعذي ما سقته السماء. و الدوالي جمع دالية و هي الناعورة التي تديرها البقر أو غيرها. و النواضح جمع ناضح و هو البعير يستقى عليه. و الرشاء الحبل. و الغرب - بالغين المعجمة و سكون الراء - الدلو العظيم الذي يتّخذ من جلد الثور. والسواني جمع سانية و هي الناقة التي يسقى عليها. انتهى».(2)


1) - وسائل الشيعة 9: 185 / الباب 4 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 9.

2) - جواهر الكلام 15: 237.

فرعان:

الفرع الأوّل : فيما لو سقي بالأمرين المذكورين

و لو سقي بالأمرين المذكورين فمع صدق الاشتراك ففي نصفه العشر و في نصفه الآخر نصف العشر، و مع غلبة الصدق لأحد الأمرين فالحكم تابع لما غلب.

قال في التذكرة: «لو سقي بعض المدّة بالسيح، و بعضها بالآلة، فان تساويا أخذت الزكاة بحساب ذلك فأخذ للسيح نصف العشر، و للدوالي ربع العشر، فتجب ثلاثة أرباع العشر، و به قال مالك و الشافعي و أحمد و أصحاب الرأي، و لانعلم فيه خلافا - الى أن قال: - و لأنّ كلّ واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه، فاذا وجد في نصفها أوجب نصفه. و ان تفاوتا كان الحكم للأغلب عند علمائنا - الى أن قال: - و لأنّ اعتبار مقدار السقي و عدد مرّاته و قدر ما يشرب في كلّ سقية ممّا يشقّ و يتعذّر، فجعل الحكم للغالب كالطاعة اذا كانت أغلب على الانسان كان عدلاً و ان ندرت منه المعصية. انتهى».(1)

و قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «و عن الرياض تصريح جماعة بدعوى الاجماع، و عن المدارك أنّ عليه علماءنا، و عن مجمع الفائدة أنّ به عمل الأصحاب من غير ظهور المخالف. و عن الخلاف دعوى الاجماع عليه. انتهى».(2)

و تدلّ عليه صحيحة ابن أبي عمير عن معاوية بن شريح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«فيما سقت السماء و الأنهار أو كان بعلاً فالعشر، فأمّا ما سقت


1) - تذكرة الفقهاء 5: 151 و 152.

2) - كتاب الزكاة: 237.

السواني و الدوالي فنصف العشر. فقلت له: فالأرض تكون عندنا تسقى بالدوالي ثمّ يزيد الماء و تسقى سيحا. فقال: انّ ذا ليكون عندكم كذلك؟ قلت: نعم. قال: النصف و النصف، نصف بنصف العشر، و نصف بالعشر. فقلت: الأرض تسقى بالدوالي ثمّ يزيد الماء فتسقى السقية و السقيتين سيحا. قال: و كم تسقى السقية و السقيتان(1)سيحا؟ قلت: في ثلاثين ليلة أربعين ليلة و قد مكث قبل ذلك في الأرض ستّة أشهر، سبعة أشهر، قال: نصف العشر».(2)

ثمّ انّه هل الاعتبار في الأغلبيّة بالأكثر عددا أو زمانا أو نفعا أو نموّا؟ فيه أوجه و أقوال:

قال في المستمسك: «نسب الأوّل الى جماعة منهم العلاّمة و الشهيد في المنتهى و المسالك، و الثاني الى آخرين منهم السيّد في المدارك و شيخه في مجمع البرهان، بل نسب الى ظاهر الأكثر، و الثالث الى آخرين منهم العلاّمة في القواعد و التذكرة و الشهيد الثاني في حاشية الارشاد، و عن حواشي القواعد: انّه الأشهر. و علّله فيما عن التذكرة بأنّه مقتضى ظاهر النصّ. و تنظر فيه في محكي المدارك، بل ظاهر النصّ يقتضي الأوّل، كما يقتضيه أدنى تأمّل في قوله عليه السلام فيه: «و كم تسقى السقية و السقيتين ... ». انتهى».(3)

الظاهر أنّ المعيار في التساوي و الأغلبيّة هو العرف الخاصّ، و من المعلوم أنّ الزارع و أهل الخبرة منهم يسقون الزرع لنفعه و نموّه، و مع هذا يلاحظون أن لاتكون السقيات مضرّة للزرع، و لتحصيل ذلك يختار بعضهم العدد في السقي و بعضهم يكون المعيار عندهم الزمان و لعلّه لذلك وقع الخلاف في آراء الفقهاء في


1) - في التهذيب: السقيتين.

2) - وسائل الشيعة 9: 187 / الباب 6 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 1.

3) - مستمسك العروة 9: 149 و 150.

معيار الأغلبيّة. و لذا يمكن أن يقال انّه يرجع الأقوال مع اختلافها الى شيء واحد و هو ما تقدّم. فالمرجع في تشخيص التساوي أو الأغلبيّة هو الزرّاع و أهل الخبرة. و الظاهر أنّ الراوي كان من أهل الخبرة و جواب الامام عليه السلام على حسب ما عنده من المعيار في التساوي و الأغلبيّة.

قال في المستند: «أمّا لو اشتركا في الصدق و تساويا في الاسناد بحيث كان كلّ نوع من السقيين دخيلاً في الانبات و مؤثّرا في نموّ الزرع و يستند النبت الى كلّ من النوعين بنسبة واحدة، فبطبيعة الحال يفهم العرف من نفس الدليلين اعمال كلا الحكمين في مجموع ما تحصّل و تكوّن من السقيين بنسبة واحدة، و هي المناصفة، فيكون العشر في نصف المجموع و نصفه في النصف الآخر، أي جزء من خمسه عشر جزءا من المجموع الذي هو متوسّط بين المقدارين - الى أن قال: - و المراد بالمساواة التساوي في الصدق و الاسناد؛ اذ هو المناط بمقتضى الفهم العرفي المزبور، دون التساوي في العدد. انتهى».(1)

و قال المحقّق الميرزا القمّي: «و التحقيق أنّ الرواية واردة على المتعارف المعتاد، فيسقط اعتبار السقيات المتعدّدة المتوالية في زمان قليل، و مرور الأيّام الكثيرة الخالية عن السقي مع الحاجة، و الاعتبار به، فلايعتبر مطلق العدد و لا مطلق الزمان. و أمّا التعدّد المعتاد فلاينفكّ عن النموّ و النفع، و النموّ تابع للوقتمن حيث التنمية و التقوية و عقد الحبّ و الادراك. انتهى».(2)

قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «أجودها الأوّل؛ لأنّ ظاهر النصّ و الفتوى اناطة الفرق بالكلفة و عدمها، و هما يدوران مع العدد. و لاينافيه ظاهر رواية معاوية المتقدّمة، حيث انّه استفصل عن زمان تحقّق السقية و السقيتين لا عن عدد السقيات بالدوالي؛ اذ لايخفى أنّ هذا محمول على ما هو الغالب من أنّ أكثريّة


1) - مستند العروة 23: 336 و 337.

2) - غنائم الأيّام 4: 108.

الزمان علامة أكثريّة العدد، فاستفصاله في الحقيقة عن عدد سقيات الدوالي، مضافا الى أنّ ظاهر كلام الراوي أنّه مكثت الزرع ستّة أشهر تسقى بالدوالي و سقيت سيحا ثلاثين ليلة كما لايخفى. و من هنا يظهر ضعف التمسّك بالرواية لاعتبار الزمان - كما حكي استظهاره عنها عن جماعة - و أمّا استفادة الأكثر نموّا من الرواية كما استظهره الفخر في الايضاح نظرا الى ظهور الرواية في ملاحظة زمان عيش الزرع و نموّه، فهو بعيد. ثمّ انّه هل يكفي مجرّد الأكثريّة الحقيقيّة، أو العرفيّة، أم العبرة بالكثرة الملحقة للنادر بالمعدوم؟ وجوه: و المتيقّن من النصّ الأكثريّة بالمعنى الأخير. انتهى ملخّصا».(1)

و فيه ما عرفت من أنّ المعيار في التساوي و الأغلبيّة عرف الفلاّحين و أهل الخبرة منهم.

الفرع الثاني : فيما لو شكّ في صدق الاشتراك و عدمه

لو شكّ في صدق الاشتراك أو غلبة صدق أحدهما فيكفي الأقلّ، و ذلكلاستصحاب الملكيّة بالنسبة الى الزائد المشكوك، أو البراءة بالنسبة اليه. و قد قسّمها في المستند أربعة أقسام: «الأوّل: يتردّد بين العشر و نصف العشر، للشكّ في أنّ المزرعة هل سقيت بالعلاج أم بدونه، كما لو لم يعلم بأنّ وكيله - مثلاً - كيف سقاها و لم يمكن الاستعلام منه لموته فرضا. الثاني: يتردّد بين العشر و ثلاثة أرباع


1) - كتاب الزكاة: 238 و 239.

العشر، كما لو علم أنّ نصفها سقي بغير العلاج و لم يدر أنّ النصف الآخر هل سقي بغير العلاج أيضا ليكون المجموع محكوما بالعشر، أم أنّه سقي بالعلاج ليكون فيه نصف العشر الذي هو بضميمة العشر الثابت في النصف الأوّل يبلغ ثلاثة أرباع العشر في مجموع الغلّة. الثالث: يتردّد بين نصف العشر و ثلاثة أرباع العشر، كما لو علم أنّ نصفها سقي بالعلاج ففيه نصف العشر و لم يدر أنّ النصف الآخر هل سقي كذلك ليتّحد معه في الحكم، أم أنّه سقي بغير العلاج ليكون فيه العشر البالغ بضميمة ما في النصف السابق ثلاثة أرباع العشر في المجموع. الرابع: يتردّد بين الكلّ - أعني العشر - و نصفه و الثلاثة أرباع، كما لو لم يعلم أنّ المزرعة هل سقيت كلّها بالعلاج أم كلّها بغير العلاج، أم نصفه بالعلاج و نصفه بغيره ليجب نصف العشر في الأوّل و العشر في الثاني و ثلاثة أرباع العشر في الثالث. و الحكم في جميع هذه الأقسام ما ذكره في المتن من الاقتصار على الأقلّ الذي هو المتيقّن، و الرجوع في الزائد المشكوك الى استصحاب بقاء الملك الذي كان ثابتا يقينا قبل تعلّق الزكاة. و مع الغضّ عنه فأصالة البراءة و ان كان الأكثر أحوط. انتهى ملخّصا».(1)

(مسألة 12): لو كان الزرع أو الشجر لايحتاج الى السقي بالدوالي و مع ذلكسقي بها من غير أن يؤثّر في زيادة الثمر فالظاهر وجوب العشر، و كذا لو كان سقيه بالدوالي و سقي بالنهر و نحوه من غير أن يؤثّر، فالواجب نصف العشر.

و ذلك لأنّ حكم العشر تابع لكون نموّ الزرع بعدم العلاج، و حكم نصف العشر تابع لكون نموّ الزرع بالعلاج، فاذا لم يكن السقي بالدوالي مؤثّرا في النموّ و زيادة الثمر لم يصدق عليه السقي و كذا العكس.

(مسألة 13): الأمطار العادية في أيّام السنة لاتخرج ما يسقى بالدوالي عن حكمه الاّ اذا كانت بحيث لا حاجة معها الى الدوالي أصلاً، أو كانت بحيث


1) - مستند العروة 23: 339 و 340.

توجب صدق الشركة فحينئذ يتبعهما الحكم.

الشرح:

و ذلك لأنّ الحكم تابع لصدق الاشتراك و عدمه، و من المعلوم أنّ الأمطار العادية في أيّام السنة مع كونها لاتغني الزرع عن الدوالي ولو بنحو الاشتراك لايحكم عليها بالعشر الاّ اذا كانت بحيث لا حاجة معها الى الدوالي أصلاً.

(مسألة 14): لو أخرج شخص الماء بالدوالي على أرض مباحة مثلاً عبثا أو لغرض فزرعه آخر و كان الزرع يشرب بعروقه فالأقوى العشر، و كذا اذا أخرجه هو بنفسه لغرض آخر غير الزرع ثمّ بدا له أن يزرع زرعا يشرب بعروقه، بخلاف ما اذا أخرجه لغرض الزرع الكذائي و من ذلك يظهر حكم ما اذا أخرجه لزرع فزاد و جرى على أرض أخرى.

الشرح:

لو أخرج شخص الماء بالدوالي على أرض مباحة مثلاً، فتارة أخرجه لا لغرض الزرع بل عبثا أو لغرض آخر، فحينئذ لو زرع فيها آخر و كان الزرع يشرب بعروقه فالأقوى العشر و كذا لو كان الزارع هو نفسه، و ذلك لعدم صدق العلاج عرفا، و الاعتبار في العلاج بكونه لسقي الزرع عرفا، و هو مستفاد النصوص. و أخرى أخرجه لغرض الزرع الكذائي، فحينئذ يجب فيه نصف العشر سواء زرع ما نواه من اخراج الماء على الأرض أو زرع غير ما نواه و سواء كان ناويا لهذا المقدار من الزرع أو أضاف اليه، و ذلك لصدق أنّه سقي بالعلاج؛ لانتهاء السقي بالأخرة الى تلك الدوالي التي كانت بنيّة السقي حسب الفرض.

و في الجواهر نقلاً من أستاذه قال: «و لو سقي زرع بالدوالي مثلاً فجرى الزائد على زرع آخر من دون علاج احتمل فيه الوجهان، و لعلّ نصف العشر أقوى، و لو

أخرج الماء بالدوالي مثلاً على أرض ثمّ زرعت فكان الزرع بعلاً احتمل أيضا الوجهان، و الأقوى نصف العشر. انتهى».(1)

(مسألة 15): انّما تجب الزكاة بعد اخراج ما يأخذه السلطان باسم المقاسمة، بل ما يأخذه باسم الخراج أيضا بل ما يأخذه العمّال زائدا على ما قرّره السلطان ظلما اذا لم يتمكّن من الامتناع جهرا و سرّا، فلايضمن حينئذ حصّة الفقراء من الزائد، و لا فرق في ذلك بين المأخوذ من نفس الغلّة أو من غيرها اذا كان الظلم عامّا، و أمّا اذا كان شخصيّا فالأحوط الضمان فيما أخذ من غيرها، بل الأحوط الضمان فيه مطلقا و ان كان الظلم عامّا، و أمّا اذا أخذ من نفس الغلّة قهرا فلا ضمان؛ اذ الظلم حينئذ وارد على الفقراء أيضا.

الشرح:

لنذكر بعض المصطلحات المستعملة في الأراضي قبل الشروع في البحث:

الخراج: و هو في اللغة بمعنى الدخل و الربح، و تكون الحصائد الزراعيّة و الرسوم بالمفهوم الأعمّ، و في الأحاديث النبويّة أيضا استعمل بنفس معناه اللغوي، و بتقادم الأيّام استعمل بين الناس في معنى الضريبة الشاملة لأنواع الضرائب، و في العرف الحقوقي - في معناه الأدقّ - يعني ضريبة الأرض. و المقصود منه في كلمات الفقهاء عندما يذكر بشكل مطلق أو في مقابل العشر أو الزكاة أو الجزية هو نفس المعنى العامّ لضريبة الأرض التي كانت تخمّن و تؤخذ بناءً على مساحة الأرض مرّة و أخرى بصورة المقاسمة أو المقاطعة. و اذا وضع في مقابل المقاسمة فالمقصود منه هو الضريبة التي كانت تؤخذ من الأرض بناءً على المساحة.


1) - جواهر الكلام 15: 242.

المقاسمة: و هو مصطلح لشكل خاصّ من تخمين الضرائب و جبايتها، بحيث كانوا يقدّرونها من الحصائد لا بحسب مساحة الأرض من الثلث الى العشر. و قد أتت هذه الكلمة في الأحاديث النبويّة بمعنى ما اتّفق عليه النبي صلى الله عليه و آلهو زرّاع أراضي خيبر بأن يكون نصف الحصائد للنبي صلى الله عليه و آله و النصف الباقي للزرّاع. و كان حصّة النبي صلى الله عليه و آله من حصائد خيبر فائدة ملكيّة و لم تكن ضرائب في مقابل الأرض. كان هذا العقد أحد موارد عقود المزارعة و المساقاة المعروفة في الفقه الاسلام ي.

المقاطعة أو خراج راتب: كانت طريقة أخرى لتقدير الخراج و جبايته، حيث كان النظام الحاكم قد عاهد سكّان المناطق أو مالكي الأراضي و المتصرّفين فيها بأن يدفعوا الى الحكومة مقدارا معيّنا لخراج أراضيهم أو منطقتهم سنويّا. قد وردت في الروايات و المصادر الفقهيّة عن ضرائب الأرض، و استعملت أحياناهذه المادّة في بيان نظام المقاسمة.

الطسْق: بمعنى سعر الضرائب المقدّرة لأراضٍ تتعلّق بها الضريبة، و يشمل نظام المساحة و سائر أنظمة تقدير الضرائب. كثيرا ما وردت هذه الكلمة بنفس معناه العامّ في روايات الاماميّة و العامّة و المتون القديمة، و لهذا السبب استفيد من هذه الكلمة كثيرا في كتب الاماميّة منذ القرون الماضية حتّى الآن للتعبير عن الخراج الشرعي.

القِبالة: في اللغة بمعنى الضمان و التعهّد و التصدّي لأداء عمل أو دفع أجرة، و وردت في متون الحديث و الفقه الاسلام ي بنفس هذا المعنى في مواضع عديدة:

منها ما اذا كان شخص يشتري خراج منطقة من الدولة و يضمن و يتعهّد بأن يدفع كلّ سنة مقدارا معيّنا الى الدولة لخراج تلك المنطقة، و بازاء ذلك تفوّض الدولة جباية خراج تلك المنطقة اليه، و بعد هذا العقد ينحصر تعامل الحكومة بشأن خراج تلك المنطقة في ذلك الشخص. و الحاصل أنّه كلّما حصل الفرد

المذكور على ربح أقلّ يكون هو المتضرّر و اذا حصل على الكثير فله ما ربى. هذا النوع من القبالة كان يسمّى «قبالة الخراج» أو «الضمان» و كان المتعهّدون عادة يظلمون سكّان المنطقة و يعتدون عليهم في جباية الخراج.

و منها ما اذا قبض شخص من الحكومة قطعة أرض يتعلّق بها الخراج للزراعة و ضمن أن يدفع الى الحكومة خراجها بحسب ما عيّن في عقد القبالة. يمكن أن يكون المعيّن بحسب المساحة أو المقاسمة أو المقاطعة، و هذا النوع من القبالة كان يسمّى قبالة الأرض.

الاقطاع: استعمل اصطلاح الاقطاع في الكتب الفقهيّة و الديوان الاسلام ي في ثلاثة موارد:

1.

تفويض حقّ خاصّ، كحقّ استخراج المعادن أو حقّ الاستفادة من الطرق و الأماكن العامّة للاكتساب و العمل، و يعرف باسم «اقطاع الارفاق» في مصادر أهل السنّة.

2.

تفويض الأرض للزراعة الذي يسمّى «اقطاع الأرض» و في بعض الأحيان «اقطاع التمليك».

3.

تفويض خراج منطقة أو مزرعة المسمّى ب- «اقطاع الاستغلال» في مصادر الديوان الاسلام ي.

العُشْر: استعمل العشر في الاصطلاح الاسلام ي للضرائب بمعنيين:

1.

زكاة الحصائد الزراعيّة التي كانت تختلف بسبب كيفيّة سقاية الأرض من عشر أو نصف عشر و كانت تؤخذ من المسلمين.

2.

ما كان يؤخذ من غير المسلمين للدخول و التجارة في المملكة الاسلام يّة و لم يكن له علاقة بالجزية و الخراج.

الصوافي: ليس هذا الاصطلاح في فقه الاماميّة و أهل السنّة بمفهوم واحد، أمّا المقصود منه في فقه أهل السنّة فهو ما كان يختاره الامام من الأراضي المفتوحة

عنوة بطيب نفس المسلمين لبيت المال. و أمّا في فقه الاماميّة فهو بمعنى أموال ملوك البلاد المفتوحة. في العادة يستعمل هذا الاصطلاح في تركيب «صوافي الملوك و قطائعهم»، فالمقصود من «الصوافي» الأموال و من «القطائع» أملاكهم.

الأنفال: الأنفال عند الاماميّة بمفهوم عامّ هو ما لم يجر عليه ملك أحد، منها الثروات الطبيعيّة كالغابات و الآجام و حتّى المعادن على قول، و الأراضي الموات و قمم الجبال و بطون الأودية و شواطئ البحار، و الأموال المنقولة الغير المملوكة كارث من لا وارث له من مسلم أو غير مسلم، و ما تركه مالكه أو أراضٍ تركها أربابها لأيّ سبب، و الأموال المختصّة بملوك البلاد المفتوحة، و الأشياء الثمينةالوحيدة و الملَكيّة و النفيسة التي توجد في الغنائم.

كان فقهاء الاماميّة المتقدّمون على أنّ مالكيّة الامام بالنسبة الى الأنفال كمالكيّته بالنسبة الى الفيء، أمّا المتأخّرون منهم فقد فسّروها بغير ذلك، فقال بعضهم بعدم مالكيّة الامام لهذه الأموال و أنّه ليس له الاّ صرفها في مصالح المسلمين.

أحد موارد الأنفال في فقه الخاصّة، الأراضي و الأموال التي حصل عليها المسلمون بدون حرب، يعني نفس الشيء الذي يسمّونه الفيء و لهذا السبب قيل في بعض المصادر الفقهيّة بكون الفيء أحد مصاديق الأنفال.

بيت المال: مصطلح لمحلّ حفظ الأموال المدّخرة للصرف في المصالح العامّة للمجتمع الاسلام ي.(1)


1) - الأرض في الفقه الاسلام ى، ج2.

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : فيما يأخذه السلطان من المحصول باسم المقاسمة

الظاهر أنّه لا خلاف في وجوب الزكاة بعد اخراج ما يأخذه السلطان من المحصول باسم المقاسمة.

قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «لا خلاف ظاهرا - كما عن الرياض و المنتهى والمعتبر و الخلاف - في أنّ الزكاة انّما تجب بعد اخراج حصّة السلطان في الجملة. - و قال أيضا: - ما يأخذه السلطان حصّة من الأرض فان استحقّه في الزرع قبل تعلّق الزكاة استحقاق الشركاء فلا اشكال في أنّ النصاب معتبر بعده لكون الحصّة غير مملوكة للزارع. انتهى ملخّصا».(1)

قال في المعتبر: «خراج الأرض يخرج وسطا، و تؤدّى زكاة ما بقي اذا بلغ نصابا لمسلم، و عليه فقهاؤنا و أكثر علماء الاسلام . و قال أبو حنيفة: لا عشر في الأرض الخراجيّة، لقوله عليه السلام : «لايجتمع عشر و خراج في أرض واحدة»، و لأنّ العراق فتح عنوة، و لم ينقل أخذ العشر عن امام عادل و لا جائر، و لأنّهما حقّان للّه تعالى، فلايجتمعان في المال الواحد كزكاة السائمة و التجارة. لنا: قوله عليه السلام : «فيما سقت السماء العشر» و لأنّهما حقّان مختلفان، لمستحقّين متغايرين، فلم يسقط أحدهما بالآخر، و ما رواه الأصحاب عن محمّد بن مسلم و أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: «كلّ أرض دفعها السلطان فعليك فيما أخرج اللّه منها ما قاطعك عليه و ليس على جميع ما أخرج اللّه منها العشر، انّما العشر عليك فيما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك». و لا حجّة لأبي حنيفة في الخبر؛ لأنّ الخراج و العشر لايجتمعان اذا كان الخراج جزية و عقوبة، و نحن نتكلّم اذا كان الزرع لمسلم. و


1) - كتاب الزكاة: 216 و 218.

قوله: لايجتمعان في المال الواحد كزكاة السائمة و التجارة، قياس ضعيف؛ لأنّ التجارة و زكاة السوم زكاتان و لايزكّى المال من وجهين و ليس كذلك الخراج و الزكاة؛ لأنّ الخراج يلزم الأرض و الزكاة في الزرع و المستحقّان متغايران. انتهى».(1)

أقول:

تجب الزكاة فيما قاطع السلطان الزارع من الأراضي الخراجيّة بعد اخراج حصّة السلطان كما تجب الزكاة في حصّة العامل في المزارعة و المساقاة. و يدلّ على ذلك:

صحيحة أبي بصير و محمّد بن مسلم جميعا عن أبي جعفر عليه السلام أنّهما قالا له:

«هذه الأرض التي يزارع أهلها، ما ترى فيها؟ فقال: كلّ أرض دفعها اليك السلطان فما حرثته فيها فعليك ممّا أخرج اللّه منها الذي قاطعك عليه، و ليس على جميع ما أخرج اللّه منها العشر، انّما عليك العشر فيما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك».(2)

و صحيحة صفوان بن يحيى و أحمد بن محمّد بن أبي نصر قالا:

«ذكرنا له الكوفة و ما وضع عليها من الخراج و ما سار فيها أهل بيته، فقال: من أسلم طوعا تركت أرضه في يده - الى أن قال: - و ما أخذ بالسيف فذلك الى الامام يقبّله بالذي يرى كما صنع رسول اللّه صلى الله عليه و آله بخيبر، و على المتقبّلين سوى قبالة الأرض العشر و نصف العشر في حصصهم. الحديث».(3)

و صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر (في حديث) قال:


1) - المعتبر في شرح المختصر 2: 540 و 541.

2) - وسائل الشيعة 9: 188 / الباب 7 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 188 / الباب 7 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 2.

«ذكرت لأبي الحسن الرضا عليه السلام الخراج و ما سار به أهل بيته، فقال: ما أخذ بالسيف فذلك الى الامام يقبّله بالذي يرى، و قد قبّل رسول اللّه صلى الله عليه و آله خيبر و عليهم في حصصهم العشر و نصف العشر».(1)

و لاتعارضها مرسلة عبداللّه بن بكير عن أحدهما عليهماالسلام قال في زكاة الأرض:

«اذا قبّلها النبي صلى الله عليه و آله أو الامام بالنصف أو الثلث أو الربع فزكاتها عليه، و ليس على المتقبّل زكاة الاّ أن يشترط صاحب الأرض أنّ الزكاة على المتقبّل، فان اشترط فانّ الزكاة عليهم، و ليس على أهل الأرض اليوم زكاة الاّ على من كان في يده شيء ممّا أقطعه الرسول صلى الله عليه و آله».(2)

لأنّ قوله عليه السلام : «و ليس على المتقبّل زكاة» يحمل - كما حمله الشيخ - على أنّه ليس عليه زكاة جميع ما خرج من الأرض، و ان كان يلزمه زكاة ما يحصل في يده بعد المقاسمة؛ جمعا بينها و بين صحيحة محمّد بن مسلم و أبي بصير المتقدّمة.

و أمّا قوله عليه السلام : «و ليس على أهل الأرض اليوم زكاة» فيحمل على أنّه عليه السلام قد رخّص اليوم لمن وجبت عليه الزكاة و أخذ منه السلطان الجائر أن يحتسب به من الزكاة، و ان كان الأفضل اخراج الزكاة أيضا.

و قال الشيخ: «و يدلّ على هذا الحمل ما رواه ... سليمان بن خالد (في الصحيح) قال: «سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: انّ أصحاب أبي أتوه فسألوه عمّا يأخذه السلطان فرقّ لهم، و انّه ليعلم أنّ الزكاة لاتحلّ الاّ لأهلها فأمرهم أن يحتسبوا به، فجاز ذا(3)واللّه لهم، فقلت: أي أبه انّهم ان سمعوا ذلك لم يزكّ أحد! فقال: أي بنيّ حقّ أحبّ اللّه أن يظهره. انتهى ملخّصا».(4)


1) - وسائل الشيعة 9: 189 / الباب 7 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 9: 189 / الباب 7 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 4.

3) - في الكافي 3: 543 / الحديث 1: «فجال فكري واللّه ... »، و في بعض النسخ «فحار فكري ... ».

4) - تهذيب الأحكام 4: 39 / الحديث 98،10.

و كذلك صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألته عن الرجل يتكارى الأرض من السلطان بالثلث أو النصف، هل عليه في حصّته زكاة؟ قال: لا. قال: و سألته عن المزارعة و بيع السنين؟ قال: لابأس».(1)

فانّها تحمل على ما حملت المرسلة آنفا أو على بعض المحامل الأخر.

الفرع الثاني : فيما يأخذه السلطان باسم الخراج

قد عرفت في الفرع الأوّل أنّ المجمع عليه بين الخاصّة و العامّة ماعدا أبا حنيفة تعلّق الزكاة بالأراضي الخراجيّة، و أنّه تجب الزكاة بعد اخراج حصّة السلطان. و الكلام الآن في أنّ ما يأخذه السلطان باسم الخراج من خارج النتاج من نقد و غيره الذي هو بازاء مقاطعة الأرض كاجارة لها سواء كانت ملكا للمسلمين أو من المباحات الأصليّة، هل يستثنى ممّا تتعلّق به الزكاة كما يستثنى ما يأخذه من نفس العين باسم المقاسمة بلا اشكال، أم لا؟ الظاهر أنّه ملحق بالمؤونة كما سيأتي البحث عنه. و ليس لنا دليل على الحاقه بما يأخذه السلطان من حصّته من المحصول باسم المقاسمة و ان تمسّكوا لذلك بوجوه غير ناهضة:

منها التصريح بالاستثناء في روايات المقاسمة المتقدّمة من صحيحة أبي بصير و محمّد بن مسلم و غيرها؛ اذ لا فرق بينها و بين الخراج في لسان الأخبار.

و فيه: انّ المراد في تلك الروايات خصوص المقاسمة مع الزارع في نفس العين بدفع حصّة منها للسلطان، و هذا ممّا يسمّى في عرف الفقهاء بالمقاسمة كما سيأتي كلام المحقّق الهمداني.


1) - وسائل الشيعة 9: 190 / الباب 7 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 5.

و منها الروايات النافية للزكاة عن الأراضي الخراجيّة كصحيحة رفاعة بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يرث الأرض أو يشتريها فيؤدّي خراجها الى السلطان، هل عليه فيها عشر؟ قال: لا».(1)

و خبر سهل بن اليسع أنّه حيث أنشأ سهل آباد، و سأل أبا الحسن موسى عليه السلام عمّا يخرج منها، ما عليه؟ فقال:

«ان كان السلطان يأخذ خراجه فليس عليك شيء، و ان لم يأخذ السلطان منها شيئا فعليك اخراج عشر ما يكون فيها».(2)

و خبر أبي كهمس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«من أخذ منه السلطان الخراج فلا زكاة عليه».(3)

و فيه: انّ المستفاد من هذه الروايات عدم تعلّق الزكاة رأسا بالأرض التي يؤدّى خراجها الى السلطان لا استثناء مقدار الخراج عمّا يتعلّق به الزكاة كما هو المدّعى، و هذا ممّا ينسب الى أبي حنيفة من سقوط الزكاة عن الأراضي الخراجيّة، و لذا حملت على التقيّة. و يمكن حملها على ما حمله المحقّق الهمداني و العلاّمة الخوئي من حمل الخراج فيها على ما يعمّ الزكاة بأن يعامل السلطان مع الزارع على أن يدفع اليه هذا المقدار عن جميع ما يستحقّه من الزرع الحاصل في هذه الأرض أعمّ من الخراج و الزكاة، فيكون تقبيله بهذا المقدار في قوّة الاشتراط بأن تكون زكاته عليه، فيكون السؤال فيها ناظرا الى الاجتزاء بذلك عن أداء الزكاة ثانيا الى الامام العادل. و كيف كان فانّ ظاهر تلك النصوص نفي الزكاة رأسا عن تلك الأراضي، و لا معنى لتأويلها ثمّ الاستدلال بها.


1) - وسائل الشيعة 9: 193 / الباب 10 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 9: 192 / الباب 10 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 193 / الباب 10 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 3.

و منها ما ورد في الفقه الرضوي من التصريح باستثناء الخراج حيث قال: «فاذابلغ ذلك و حصل بغير خراج السلطان و مؤونة العمارة للقرية أخرج منه العشر».(1)و قد عبّر بمثله الصدوق في الفقيه، بل قال في الهداية و المقنع أيضا و كذا المقنعة.

و فيه: عدم حجّيّة الفقه الرضوي؛ اذ لم يثبت كونه رواية و لعلّها مجموعة حاوية لفتوى بعض فقهاء الشيعة كعلي بن بابويه و غيره.

فتحصّل أنّ الخراج الذي يأخذه السلطان من الأراضي من نقد و غيره لايستثنى ممّا تتعلّق به الزكاة. نعم، يحتسب من المؤونة.

قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «لو أخذ خراج الأرض من غير الزرع احتاج الحكم بوضعه الى دليل خاصّ، أو ادخاله في المؤونة، و الأخبار المتقدّم بعضها مختصّة بحصّته و كذا معاقد الاجماعات. الاّ أن تفسّر حصّة السلطان في عباراتهم بمطلق الخراج، سواء كان نقدا أو حصّة من الزرع، كما حكي تفسير ذلك عن المحقّق و الشهيد الثانيين و الصيمري، لكن ظاهر معقد اجماع المعتبر و التذكرة خصوص الحصّة. انتهى ملخّصا».(2)

و قال المحقّق الهمداني: «يكون المفروض في صحيحتي محمّد بن مسلم و البزنطي وقوع القبالة بحصّة من حاصل الزرع و النخل، و هذا ممّا يسمّى في عرف الفقهاء بالمقاسمة، و لا شبهة في أنّ حصّة السلطان المأخوذة بعنوان المقاسمة لاتجب زكاتها على المتقبّل؛ لأنّها كالحصّة من المزارعة التي يستحقّها مالك الأرض، فلاتدخل ذلك في ملك المتقبّل، كي يتوهّم وجوب زكاتها عليه. و هذا بخلاف ما يأخذه السلطان بعنوان الخراج الذي هو لدى التحقيق عبارة عن أجرة الأرض المتعلّقة بذمّة المستأجر، فيكون حاصل نمائها جميعه للمتقبّل، و ما يدفع


1) - الينابيع الفقهيّة 5: 4.

2) - كتاب الزكاة: 217.

منه الى السلطان يقع بدلاً عن حقّه لا عينه. انتهى ملخّصا».(1)

الفرع الثالث : في أنّ السلطان أعمّ من العادل و الجائر أو لا

هل الخراج على فرض استثنائه يختصّ بما يأخذه السلطان العادل، أو الأعمّ منه و من الجائر من العامّة، أو الأعمّ منهما و من الجائر من الشيعة؟ ثمّ هل يراد به

ما يؤخذ من الأراضي المفتوحة عنوة، أو الأعمّ منها و من الأنفال كأرض الموات و المفتوحة صلحا و نحوهما؟

أقول:

ان كان الدليل ما تقدّم من صحيحتي محمّد بن مسلم و أحمد بن محمّد بن أبي نصر، فاطلاق السلطان يشمل الأعمّ من العادل و الجائر و من العامّة أو الشيعة، كما أنّ عموم كلّ أرض شامل للأعمّ من الأراضي المفتوحة عنوة و الأعمّ منها و من الأنفال كأرض الموات و المفتوحة صلحا و نحوهما.

قال المحقّق الهمداني: «ثمّ لايخفى عليك أن ليس المراد بالسلطان خصوص السلطان العادل، بل أعمّ منه و من المخالفين الذين كانوا يدّعون الخلافة و الولاية على المسلمين لا عن استحقاق، كما هو الشأن بالنسبة الى الموجودين حال صدور الأخبار. كما أنّ الظاهر أنّه يعمّ سلاطين الشيعة الذين لايدّعون الامامة، بل كلّ متغلّب مسؤول على جباية الخراج و الصدقات من غير التفات الى مذهبه - الى أن قال: - و الظاهر الحاق الأراضي الغير الخراجيّة، كالموات و أرض الصلح والأنفال بها؛ للسيرة. انتهى ملخّصا».(2)


1) - مصباح الفقيه 13: 363.

2) - مصباح الفقيه 13: 366 و 367.

ثمّ انّه لو أخذ الجائر زائدا عن الخراج أو المقاسمة من المحصول ظلما و قهرا بحيث لايتمكّن من منعه سرّا و جهرا يستثنى من الزكاة و لايضمن المالك حصّة الفقراء؛ لعدم التمكّن من التصرّف الذي هو شرط وجوب الزكاة.

قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «و الحاصل أنّ ما يأخذه السلطان امّا أن يكون حصّة من الزرع يملكها حين تعلّق الزكاة كسائر الشركاء في أصل الزرع، أو يستولي عليها بمجرّد ذلك بحيث لايتمكّن المالك من منعه عنها. و امّا أن يكون حصّة من الحاصل، يستحقّها أو بعضها من الغلّة بعد تعلّق الوجوب. و امّا أن يكون نقدا يستحقّه أو يأخذه قبل تعلّق الوجوب أو بعده. فان كان المأخوذ الحصّة، فان استحقّه في الزرع قبل تعلّق الزكاة استحقاق الشركاء أو استولى عليها استيلاء الغاصبين، فلا اشكال في أنّ النصاب معتبر بعده؛ لكون الحصّة على التقدير الأوّل غير مملوكة له، و على الثاني غير متمكّن من التصرّف فيه لأجل الغصب، فانّ الغصب يتحقّق في المشاع أيضا. و ان استحقّه أو أخذه بعد تعلّق الوجوب، فعلى الأوّل يعدّ من المؤونة، و على الثاني يعدّ غصب بعض النصاب الزكوي. انتهى».(1)

(مسألة 16): الأقوى اعتبار خروج المؤن جميعها من غير فرق بين المؤن السابقة على زمان التعلّق و اللاحقة، كما أنّ الأقوى اعتبار النصاب أيضا بعد خروجها و ان كان الأحوط اعتباره قبله، بل الأحوط عدم اخراج المؤن خصوصا اللاحقة، و المراد بالمؤونة كلّ ما يحتاج الى الزرع و الشجر من أجرة الفلاّح و الحارث و الساقي، و أجرة الأرض ان كانت مستأجرة، و أجرة مثلها انكانت مغصوبة، و أجرة الحفظ و الحصاد و الجذاذ و تجفيف الثمرة و اصلاح موضع التشميس و حفر النهر و غير ذلك، كتفاوت نقص الآلات و العوامل حتّى ثياب المالك و نحوها، و لو كانت سبب النقص مشتركا بينها و بين غيرها وزّع


1) - كتاب الزكاة: 218.

عليهما بالنسبة.

الشرح:

اختلفوا في استثناء المؤن ما عدا حقّ السلطان، فالمشهور استثناؤها، بل ادّعي عليه الاجماع.

قال في الجواهر: «لا ريب في أنّه المشهور شهرة عظيمة كما حكاها غير واحد عليه، بل في ظاهر الغنية أو صريحها الاجماع عليه. انتهى».(1)

قال في مفتاح الكرامة: «أمّا كون وجوبها بعد المؤن فهو خيرة الفقه المنسوب الى مولانا الرضا عليه السلام و الفقيه و الهداية و المقنع و المقنعة و كتاب الأشراف و جمل العلم و العمل و النهاية و المبسوط في موضع منه و المراسم و الغنية و السرائر و الاشارة و الشرائع و النافع و المعتبر و المنتهى و التذكرة و المختلف و نهاية الإحكام و الارشاد و التلخيص و تخليصه و التحرير و التبصرة و البيان و الدروس و تعليق الشرائع و تعليق النافع و ايضاحه و جامع المقاصد و الموجز الحاوي و كشف الالتباس و مجمع البرهان و المصابيح و الرياض و المجلسي في شرحه على الفقيه و قد نقله صاحب التخليص عن والده عميد الدين و هو ظاهر الاستبصار و التهذيب و التنقيح أو صريحها و هو خيرة الأكثر كما في المنتهى و المفاتيح و الرياض و المشهور كما في المختلف و تخليص التلخيص و كشف الالتباس و فوائد القواعد و الروضة و الميسيّة. قلت: بل لو ادّعى مدّعٍ الاجماعلكان في محلّه كما هو ظاهر الغنية أو صريحها. و في التحرير: انّ خلاف الشيخ في الخلاف ضعيف - الى أن قال: - و الى ما في الخلاف (من عدم استثناء المؤونة) مال جماعة كالشهيد الثاني في فوائد القواعد و صاحب المدارك و صاحب المفاتيح و قد تؤذن به عبارة اللمعة و الروضة و الميسيّة و المسالك، و لم يتعرّض له صاحب


1) - جواهر الكلام 15: 228.

الوسيلة و لا الشيخ في الجمل. انتهى ملخّصا».(1)

و استدلّ الشيخ مرتضى الأنصاري لعدم استثناء المؤن بوجوه:

الأوّل: اطلاقات العشر و نصف العشر في الروايات.(2)

و فيه: عدم كونها في مقام البيان من كلّ جهة، و انّما المراد منها بيان مقدار الزكاة الواجبة في الغلاّت اجمالاً.

الثاني: اطلاق ما ورد في بيان النصاب و مقدار الصدقة معا، كقوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

«ما أنبتت الأرض من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب ما بلغ خمسة أوساق، و الوسق ستّون صاعا، فذلك ثلاثمائة صاع، ففيه العشر».(3)

و كقوله عليه السلام في صحيحة سليمان بن خالد:

«ليس في النخل صدقة حتّى يبلغ خمسة أوساق، و العنب مثل ذلك حتّى يكون خمسة أوساق زبيبا».(4)

و قوله عليه السلام في مرسلة ابن بكير:

«في زكاة الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب ليس فيما دون الخمسة أوساق زكاة، فاذا بلغت خمسة أوساق وجبت فيه الزكاة».(5)

الى غير ذلك من الأخبار المتعرّضة للنصاب و مقدار الصدقة معا. فانّها ظاهرة في أنّ بلوغ خمسة أوسق سبب تامّ لوجوب العشر أو نصفه، فانّ بيان النصاب مع عدم التعرّض لاستثناء المؤن سكوت في مقام البيان.


1) - مفتاح الكرامة 3 كتاب الزكاة: 98 و 99.

2) - وسائل الشيعة 9: 182 - 185 / الباب 4 من أبواب زكاة الغلاّت.

3) - وسائل الشيعة 9: 176 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 9: 177 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 7.

5) - وسائل الشيعة 9: 179 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 12.

و فيه: انّه عليه السلام كان في مقام بيان مقدار النصاب، و عدم التعرّض لاستثناء المؤن لايدلّ على عدم استثنائه، كما أنّ عدم التعرّض لحصّة السلطان لايدلّ على عدم استثنائه قطعا.

الثالث: صحيحة أبي بصير و محمّد بن مسلم السابقة عن أبي جعفر عليه السلام أنّهما قالا له:

«هذه الأرض التي يزارع أهلها ما ترى فيها؟ فقال: كلّ أرض دفعها اليك السلطان فما حرثته فيها فعليك فيما أخرج اللّه منها الذي قاطعك عليه، و ليس على جميع ما أخرج اللّه منها العشر، انّما عليك العشر فيما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك».(1)

قال في المدارك: «و هذه الرواية كالصريحة في عدم استثناء شيء ممّا يخرج من الأرض سوى المقاسمة. انتهى».(2)

و فيه: انّ الظاهر أنّ الامام عليه السلام في مقام بيان عدم وجوب الزكاة قبل اخراج حقّ السلطان، و لم يكن في مقام بيان وجوب الزكاة في كلّ ما بقي في يده بعد حقّ المقاسمة حتّى تكون صريحة أو ظاهرة في نفي استثناء المؤونة.

الرابع: رواية ابن شجاع النيسابوري:

«أنّه سأل أبا الحسن الثالث عليه السلام عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كرّ ما يزكّى، فأخذ منه العشر عشرة أكرار، و ذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرّا و بقي في يده ستّون كرّا، ما الذي يجب لك من ذلك؟ و هل يجب لأصحابه من ذلك عليه شيء؟ فوقّع عليه السلام : لي منه الخمس ممّا يفضل من مؤونته».(3)


1) - وسائل الشيعة 9: 188 / الباب 7 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 1.

2) - مدارك الأحكام 5: 143.

3) - وسائل الشيعة 9: 187 / الباب 5 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 2.

فانّها صريحة في أخذ العشر من جميع ما حصل من الأرض، و أنّ المؤونة خرجت بعد ذلك، و هو و ان كان في كلام السائل الاّ أنّ الامام عليه السلام قرّره على ذلك و لم ينكره، و تقريره حجّة.

و فيه: انّ الظاهر كون لفظ «أخذ» بالبناء للمفعول، و كون الآخذ هو عامل السلطان الذي قد أشرنا بأنّهم لم يكونوا يستثنون المؤونة ظاهرا، فليس ترك تعرّض الامام عليه السلام لبيان حاله كاشفا عن مشروعيّة فعله و صحّة عمله. و ممّا يؤيّد كونه بالبناء للمفعول، و كونه من فعل العامل - مضافا الى انسياقه في حدّ ذاته من سوق الكلام - سؤاله ثانيا عن أنّه هل يجب لأصحابه من ذلك عليه شيء؟ فانّه مشعر بعدم جزمه بكون ما أخذ منه - حيث لم يكن واصلاً لأصحابه - موجبا لبراءة ذمّته.

الخامس: انّ تعرّض النصوص لاستثناء المعافأرة و أمّ جعرور(1)، و استثناء العذق و العذقين للخارص و الحارس و عدم التعرّض لاستثناء غير ذلك من المؤن اللازمة غالبا ظاهر في عدم استثنائها؛ اذ لو وجب استثناؤها من البدو الى الختم لم يكن وجه لاستثناء خصوص العذق و العذقين للحارس. فيعلم من ذلككونه حكما ندبيّا أخلاقيّا، لا من جهة كونه مؤونة.

و فيه: انّ ظاهره بمقتضى ما فيه من التعليل من باب الاستحقاق لا التخفيف. و أوضح من ذلك دلالة على استثناء ما يستحقّه الحارس ما في صدر هذا الحديث من التصريح باعطاء أجر الحارس.

ففي الكافي باسناده عن زرارة و محمّد بن مسلم و أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ «و آتوا حقّه يوم حصاده» فقالوا جميعا:

«قال أبو جعفر عليه السلام : هذا من الصدقة، يعطى المسكين القبضة بعد القبضة، و من الجداد الحفنة بعد الحفنة حتّى يفرغ، و يعطي


1) - المعافأرة و أمّ جعرور: ضربان رديئان من التمر.

الحارس أجرا معلوما، و يترك من النخل معافأرة و أمّ جعرور، و يترك للحارس يكون في الحائط العذق و العذقان و الثلاثة لحفظه ايّاه».(1)

السادس: ما استدلّ له بوضع الشارع العشر فيما سقته السماء، أو سقي سيحا، و نصف العشر فيما سقي بالدوالي و نحوها ممّا فيه مؤونة زائدة، بدعوى أنّ هذا يكشف عن كون المؤونة ملحوظة لدى الشارع في أصل شرع الزكاة، و أنّ سقوط النصف عمّا سقي بالدوالي بلحاظ مؤونته. و لذا طرّد في محكي الفقيه و الوسيلة و المنتهى و الدروس نصف العشر الى كلّ ما فيه مؤونة زائدة. فلو بني على احتساب المؤونة مطلقا لم يكن في ذلك فرق بين الأمرين بل كيف يحتسب مؤونة السقي الموجبة لاسقاط نصف العشر من جملة المؤونة و يخرج نصف العشر بعد اخراجها؟ و حيث انّ هذا أمر مستبعد، احتمل في محكي البيان اسقاط مؤونة السقي فيما فيه نصف العشر، و احتساب ما عداها من المؤن.

و فيه: انّه لا احاطة للعقول بمناطات الأحكام التعبّديّة، فمن الجائز أن يكون سقوط النصف عمّا سقي بالدوالي و شبهها بملاحظة ما فيه من زيادة التعب و قلّة الثمر نوعا، و الاّ فالمؤونة الماليّة ممّا لا ضابطة لها، فكثيرا ما يتوقّف تحصيل الماء و تعمير الأرض فيما سقي سيحا بالنسبة الى الأماكن البعيدة عن الماء، خصوصا في السنين المجدبة، على صرف مال أكثر بمراتب ممّا يحتاج اليه السقي بالدوالي في الأماكن القريبة من الشطوط و نحوها. و الحاق هذه الموارد بما سقي بالدلاء في اسقاط النصف بازاء المؤونة - كما حكي عن الفقيه و غيره - قياس مع الفارق؛ اذ ليس للمؤن الاتّفاقيّة للزرع الذي يسقى سيحا حدّ معروف، بل يختلف غاية الاختلاف، فلايصحّ قياسها بما يسقى بالدوالي. و الحاصل أنّ المتّبع في مثل المقام ظواهر الأدلّة التعبّديّة، فان قلنا بدلالتها على ثبوت العشر و نصف العشر في


1) - فروع الكافي 3: 555 / الباب 314 الحصاد و الجداد / الحديث 2.

جميع ما أنبتته الأرض فهو، و الاّ فمقتضى الأصل براءة الذمّة عن الزائد على المتيقّن.

و استدلّ في مفتاح الكرامة للمشهور بالأصل و موافقة القرآن و مخالفة العامّة و اجماع الغنية و ما في الفقه المنسوب الى الرضا عليه السلام المعتضد بالشهرة القريبة من الاجماع.

فالجواب عن الأوّل أنّ الاستدلال بأصل البراءة للشكّ في تعلّق الزكاة بما يعادل المؤونة، متوقّف على عدم صحّة ما يستدلّ به المخالف و سيأتي.

و عن الثاني أعني موافقة القرآن، فالظاهر أنّ مراده منه قوله تعالى: «خُذ العفو و اءمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين».(1)

قال في الجواهر: «بناءً على أنّ المراد منه (أي من العفو) ما يفضل عن النفقة،قال في الصحاح: «عفو المال ما يفضل عن النفقة» و حينئذ فكلّما قابل المؤونة ليس من العفو. انتهى».(2)

فأجيب أوّلاً: انّ العفو انّما يكون بمعنى الزيادة اذا قيّد بالمال، فالعفو من المال هو الزيادة، دون العفو المطلق الغير المضاف اليه كما في الآية المباركة، فانّه على هذا بمعنى العمل الطيّب.

قال في الأقرب: «العفو خيار الشيء و أجوده، و من المال ما يفضل عن النفقة».

فكأنّه تعالى أمر رسوله صلى الله عليه و آله في عمل نفسه بالاتيان بصالح الأعمال و أطيبها و خيار الفعال و أجودها، و أن يأمر غيره بالمعروف و أن يعرض عمّا يفعله الجاهلون.

و ثانيا: سلّمنا أنّ المراد من العفو الزيادة من المال الاّ أنّ الآية المباركة


1) - الاعراف 7: 199.

2) - جواهر الكلام 15: 228.

لم تختصّ بالمال الزكوي، كما أنّ الزيادة لم تختصّ بالعشر و لا بنصفه، بل مقتضى الاطلاق دفع تمام الزائد حتّى من الأجناس غير الزكويّة، و هو كما ترى، و التخصيص بالعشر أو نصفه من خصوص الزكوي يستوجب تخصيص الأكثر و الحمل على الفرد النادر كما لايخفى. فيستكشف من ذلك كلّه أنّ الآية المباركة غير ناظرة الى باب الزكاة بوجه.

و أمّا الجواب عن الثالث - أعني مخالفة العامّة - فالظاهر أنّ قوله عليه السلام : «خذ ما خالف العامّة» يرجع الى علاج خبرين متعارضين، لا فتويين متخالفتين.

و عن الرابع ففيه منع الاجماع؛ لوجود الخلاف حتّى من الشيخ في المبسوط و الخلاف.

و عن الخامس فقد ورد في الفقه الرضوي من التصريح باستثناء المؤونة أيضا حيث قال: «فاذا بلغ ذلك و حصل بعد خراج السلطان و مؤونة العمارة و القرية أخرج منه العشر».(1)

ففيه: ما مرّ من عدم حجّيّة الفقه الرضوي، اذ لم يثبت كونه رواية فضلاً عن أن تكون معتبرة.

ثمّ السادس ممّا استدلّ به للمشهور أنّ حال الزكاة حال الخمس، فكما لايجب الخمس الاّ بعد المؤونة فكذلك الزكاة.

ففيه: قد ورد في الخبر من أنّه: «لا خمس الاّ بعد المؤونة»، و لم يرد في الزكاة مثله، فهذا قياس لانقول به.

و السابع: صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:

«تترك للحارس أجرا معلوما، و يترك من النخل معافأرة و أمّ جعرور، و يترك للحارس يكون في الحائط العذق و العذقان و الثلاثة لحفظه


1) - الينابيع الفقهيّة 5: 4.

ايّاه».(1)

فانّ استثناء حصّة الحارس معلّلاً بكونها مؤونة الحفظ يدلّنا على استثناء سائر المؤن أيضا المصروفة في سبيل الاستنتاج من الزرع بمناط واحد بمقتضى عموم التعليل.

و فيه: لم يظهر من الصحيحة استثناء العِذق و العذقين من الزكاة بعنوان المؤونة حتّى يقاس عليه سائر المؤن، فلعلّ مراده عليه السلام ترك العذق و العذقين للحارس من سهم المالك.

و الثامن: صحيحة أبي بصير و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أنّهما قالا له:

«هذه الأرض التي يزارع أهلها، ما ترى فيها؟ فقال: كلّ أرض دفعها اليك السلطان فما حرثته فيها فعليك ممّا أخرج اللّه منها الذي قاطعك عليه، و ليس على جميع ما أخرج اللّه منها العشر، انّما عليك العشر فيما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك».(2)

فتقريب الاستدلال بها من جهتين:

الأولى أنّ المستفاد من قوله عليه السلام : «فيما يحصل في يدك» الفائدة التي حصل عليها من عمله بعد اخراج ما صرفه.

الثانية أنّ المقاسمة بحسب العادة كانت بعد اخراج المؤونة من الوسط و من أصل المال، فالصحيحة تحمل على ما كان متعارفا في تلك الأعصار.

و يرد على الأولى: انّ الظاهر من الصحيحة اخراج العشر ممّا بقي في يد المالك من المحصول بعد اخراج ما قاطعه عليه السلطان، فأين هذا من استثناء المؤونة.

و على الثانية: انّه ادّعاء بلا دليل بل القرينة على خلافه؛ لأنّ المنصوبين


1) - وسائل الشيعة 9: 191 / الباب 8 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 9: 188 / الباب 7 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 1.

لمباشرة القسمة من قبل السلاطين كانوا كسلاطينهم غالبا على رأي فقهاء مذهب السنّة القائلين بعدم استثناء المؤونة.

و التاسع: مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: جعلت فداك، بلغني أنّك كنت تفعل في غلّة عين زياد شيئا و أنا أحبّ أن أسمعه منك! قال: فقال لي: نعم، كنت آمر اذا أدركت الثمرة أن يثلم في حيطانها الثلم ليدخل الناس و يأكلوا، و كنت آمر في كلّ يوم أن يوضع عشر بنيات يقعد على كلّ بنية عشرة كلّما أكلعشرة جاء عشرة أخرى يلقى لكلّ نفس منهم مدّ من رطب، و كنت آمر لجيران الضيعة كلّهم الشيخ و العجوز و الصبي و المريض و المرأة و من لايقدر أن يجيء فيأكل منها لكلّ انسان منهم مدّ، فاذا كان الجذاذ وفيت القوّام و الوكلاء و الرجال أجرتهم و أحمل الباقي الى المدينة، ففرّقت في أهل البيوتات و المستحقّين الراحلتين و الثلاثة و الأقلّ و الأكثر على قدر استحقاقهم، و حصل لي بعد ذلك أربعمائة دينار، و كان غلّتها أربعة آلاف دينار».(1)

و تقريب الاستدلال بهذه المرسلة أنّ ما فرّقه في أهل البيوتات و المستحقّين كان بعنوان الزكاة، و كان هذا بعد ايفاء القوّام و الوكلاء أجرتهم، فأخرجت المؤونة من الأصل قبل اعطاء الزكاة.

و فيه: لم يظهر منها أنّ الامام عليه السلام فرّق العشر في المستحقّين بعد اخراج المؤونة و لعلّه عليه السلام احتسب سهم الفقراء من دون استثناء المؤونة.

و العاشر: انّ النصاب مشترك بين المالك و الفقراء، فلايختصّ أحدهم بالخسارة عليه كغيره من الأموال المشتركة، و مخالفته لغيره من الأموال المشتركة في غالب أحكامه لدليل لاتقتضي رفع اليد عمّا تقتضيه قاعدة الشركة فيما لا دليل


1) - وسائل الشيعة 9: 205 / الباب 18 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 2.

عليه.

و فيه: بعد الغضّ عمّا عرف من عدم كونه شركة حقيقيّة - كما يأتي بحثه - أنّه ان تمّ، فهو بالنسبة الى المؤن المتأخّرة عن تعلّق حقّ الفقراء به؛ اذ المال قبل التعلّق ممحّض للمالك.

و الحادي عشر: انّ الزام المالك بالمؤونة كلّها حيف عليه و اضرار به و هومنفيّ كنفي العسر و الحرج.

و فيه: انّ بناء التكاليف الماليّة على الضرر، و لايصلح قوله صلى الله عليه و آله «لا ضرر» لنفيها. و ثبوت العسر و الحرج ممنوع، و لو سلّم اقتصر على موردهما.

و الثاني عشر: انّ عدم استثناء المؤونة يوجب تنفير الناس عن القيام بأمر الزرع و الغرس، أو حملهم على المعصية بمخالفة الأمر بما يشقّ، و هو خلاف اللطف الواجب.

و فيه: انّ مطالبة العشر أو نصف العشر لاتبلغ الى هذا الحدّ الموجب للتنفير.

ثمّ اعلم أنّ هنا دليلاً آخر يوجب القول بأنّ الأقوى استثناء المؤونة ثمّ اخراج الزكاة، و ذلك لشهرة القول به عند القدماء، فانّ عادتهم في الفتوى القاء الأخبار بعنوان الفتوى من دون تغيير في ألفاظها.

قال الصدوق في ديباجة الفقيه: «صنّفت هذا الكتاب بحذف الأسانيد لئلاّ تكثر طرقه و ان كثرت فوائده، و لم أقصد فيه قصد المصنّفين في ايراد جميع ما رووه، بل قصدت الى ايراد ما أفتي به و أحكم بصحّته، و أعتقد فيه أنّه حجّة فيما بيني و بين ربّي - تقدّس ذكره و تعالت قدرته - و جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة. انتهى».(1)

و قال في المقنع: «و سمّيته كتاب المقنع؛ لقنوع من يقرأه بما فيه، و حذفت الأسانيد منه لئلاّ يثقل حمله، و لايصعب حفظه، و لايملّ قارئه، اذ كان ما أبيّنه فيه


1) - من لايحضره الفقيه 1: 2 و 3.

في الكتب الأصوليّة موجودا مبيّنا عن مشايخ العلماء الفقهاء الثقاة رحمهم الله. انتهى».(1)

و قال الشيخ في ديباجة المبسوط: «انّهم ألقوا الأخبار و ما رووه من صريح الألفاظ حتّى أنّ مسألة لو غيّر لفظها و عبّر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهملعجبوا منها و قصّر فهمهم عنها، و كنت عملت على قديم الوقت كتاب النهاية، و ذكرت جميع ما رواه أصحابنا في مصنّفاتهم و أصولها من المسائل و فرّقوه في كتبهم، و رتّبته ترتيب الفقه، و جمعت من النظائر. انتهى».(2)

فمستفاد كلام الشيخ أنّ المسائل الفقهيّة المعنونة عند الأصحاب على قسمين: قسم منها مسائل أصليّة تلقّاها الأصحاب يدا بيد، و أودعوها في كتبهم المعدّة لنقلها، فهذه المسمّاة بالأصول المتلقّاة عن المعصومين عليهم السلام .

و قسم منها مسائل تفريعيّة اجتهاديّة استنبطوها من الأصول الأوّليّة و القواعد المأثورة، و دوّنوها في الكتب المعدّة لذلك.و كان بناء القدماء على التفكيك بين القسمين وضع النهاية للقسم الأوّل و المبسوط للقسم الثاني. فالشهرة في القسم الأوّل تكشف عن تلقّي المسألة عن الأئمّة عليهم السلام ، دون القسم الثاني، بل الاجماع فيه أيضا لايفيد.

اذا عرفت ذلك فنقول: انّ اشتهار القول باستثناء المؤونة عند قدماء الأصحاب ممّا تطمئنّ النفس بأنّه متلقّى من الأئمّة المعصومين عليهم السلام و ان لم يصل الينا خبر فيه، و لعلّه لمّا أجمع المخالفون على عدم استثنائه، و كان السلاطين يتبعون نظر فقهائهم في أخذ الزكوات، فاظهارهم ذلك و الاصرار عليه كان يوجب سفك دماء الشيعة أكثر ممّا قد سفكت؛ لأنّ حياة السلاطين و شوكتهم كانت مرهونة لهذه الأموال.

قال المحقّق الهمداني: «انّ هذه المسألة من الفروع العامّة البلوى التي يجب


1) - المقنع: 5.

2) - المبسوط 1: 2.

معرفتها و الفحص عنها على كلّ من يجب عليه الزكاة، فيمتنع عادة غفلة أصحاب الأئمّة عليهم السلام عن ذلك، و عدم الفحص عن حكمها مع شدّة حاجتهم الى معرفته، كماأنّه يستحيل عادة أن يشتهر لديهم استثناء المؤونة - مع مخالفته لما هو المشهور بين العامّة - من غير وصوله اليهم من أئمّتهم عليهم السلام . و على تقدير عدم اشتهار الاستثناء عندهم، يكون الحكم لديهم لا محالة على حسب ما يراه العامّة من عدم الاستثناء؛ اذ المفروض عدم غفلتهم عن هذا الحكم مع عموم ابتلائهم به، فهم امّا كانوا قائلين بالاستثناء أو بعدمه. و على الأوّل لم يكن ذلك الاّ لوصوله اليهم من الامام عليه السلام ؛ لقضاء العادة باستحالة صدور مثل هذا الحكم المخالف لما عليه العامّة عن اجتهاد و رأي من غير مراجعة الامام. و على تقدير كونهم قائلين بعدم الاستثناء - كما عليه العامّة - امتنع عادة أن يشتهر خلافه في الأعصار المتأخّرة عنهم تعويلاً على الوجوه الضعيفة التي ذكروها في مقابل اطلاقات الأدلّة، بل انّما يعوّل المتأخّرون على مثل هذه الأدلّة، و يعدّونه دليلاً بعد أن وجدوا الحكم معروفا في المذهب و لم يجدوا نصّا خاصّا يدلّ عليه. و الحاصل أنّه يصحّ أن يدّعى في مثل المقام استكشاف رأي الامام عليه السلام بطريق الحدس من رأي أتباعه. فالانصاف أنّه لو جاز استكشاف رأي المعصوم عليه السلام من فتوى الأصحاب في شيء من الموارد، فهذا من أظهر مصاديقه، فاذا انضمّ الى ذلك ما في الصحيحة المتقدّمة من استثناء ما يستحقّه الحارس من الأجر و العذق و العذقين، مع ما سمعته من دعوى عدم القول بالفصل بينه و بين سائر المؤن، و وقوع التصريح بخروج مؤونة القرية و خراج السلطان في عبارة الرضوي و الهداية و المقنع و غيرها، ممّا يغلب على الظنّ كونه تعبيرا عن متون الأخبار، لايبقى مجال للتشكيك فيه. انتهى».(1)

و قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «ثبت من حال الشارع من التخفيف على مالك النصاب، و هو منافٍ لاحتساب المؤونة على المالك، فربّما تستغرق


1) - مصباح الفقيه 13: 382 و 383.

المؤونة قيمة حاصل الزرع، فانّ ايجاب الزكاة على المالك حينئذ - لو لم يكن اضرارا و حرجا مضيّقا فلا أقلّ من كونه تشديدا على المالك - يخالف ما علم من بناء الشارع على التخفيف عنه كما يرشد اليه تتبّع أحكام الزكاة، و يشهد له قول أمير المؤمنين عليه السلام لعامله:«ايّاك أن تضرب مسلما أو يهوديّا أو نصرانيّا في درهم خراج، أو تبيع دابّة عمل في درهم، فانّما أمرنا أن نأخذ منهم العفو».(1)و المراد به عدم الاستقصاء عليهم كما فسّر به قوله تعالى: «خُذ العَفو»، و قيل: ما فضل عن قوت السنة. و يؤيّد ما ذكرنا بل يدلّ عليه: انّ مقتضى الشركة احتساب المؤن المتأخّرة عن زمان تعلّق الزكاة من المالك و الفقير كليهما، فاختصاصها بالمالك يحتاج الى دليل و يثبت الحكم في المؤن المتقدّمة بعدم القول بالفصل كما ادّعي. هذا مضافا الى ظاهر حسنة ابن مسلم بابن هاشم المتقدّمة لترك المعافأرة و أمّ جعرور، و أجر الناطور. و في حسنة أخرى لمحمّد بن مسلم بابن هاشم في تفسير قوله تعالى: «و آتوا حقَّه يومَ حَصادِه» فانّ جعل ثلاثة أعذاق للحارس مضافا الى أجره المعلوم و ترك المعافأرة و أمّ جعرور منافٍ لعدم اندار المؤونة و تخيير المالك ايّاه. و كيف كان فمثل هذا اذا انضمّ الى الشهرة العظيمة و الاجماع الظاهر من الغنية و الرضوي المحكي دلالته على المطلب، يكفي ظاهرا لتخصيص ما تقدّم. انتهى ملخّصا».(2)

فالمتحصّل أنّ الترجيح لأدلّة المشهور منضمّا الى ما اشتهر بين القدماء بل الى الآن. و لو قيل بالاشكال في أدلّتهم قلنا بالاشكال في أدلّة غير المشهور أيضا فبقي الأصل سالما، مع الشهرة العظيمة، و لنذكر فتواهم لتكون في خاطرك عند ذكر الفرع الآتي:

ففي فقه الرضا عليه السلام : «و ليس في الحنطة و الشعير شيء الى أن يبلغ خمسة


1) - وسائل الشيعة 9: 132 / الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 6.

2) - كتاب الزكاة: 232 و 233.

أوسق، و الوسق ستّون صاعا، و الصاع أربعة أمداد، و المدّ مائتان و اثنان و تسعون درهما و نصف. فاذا بلغ ذلك و حصل بغير خراج السلطان و مؤونة العمارة للقرية أخرج منه العشر ان كان سقي بماء المطر. انتهى».(1)

و مثل هذه العبارة في الفقيه و المقنع و الهداية.

قال في الفقيه: «و ليس على الحنطة و الشعير شيء حتّى يبلغ خمسة أوساق، و الوسق ستّون صاعا و الصاع أربعة أمداد، و المدّ وزن مائتين و اثنين و تسعين درهما و نصف، فاذا بلغ ذلك و حصل بعد خراج السلطان و مؤونة القرية أخرج منه العشر ان كان سقي بماء المطر أو كان سيحا، و ان سقي بالدلاء و الغَرَب ففيه نصف العشر. انتهى».(2)

و قال في الهداية: «اعلم أنّه ليس على الحنطة و الشعير شيء حتّى يبلغ خمسة أوساق - الى أن قال: - فاذا بلغ ذلك و حصل بعد خراج السلطان و مؤونة القرية أخرج منه العشر ان كان سقي بماء المطر. انتهى».(3)

و قال في المقنع: «ليس على الحنطة و الشعير شيء حتّى يبلغ خمسة أوساق - الى أن قال: - فاذا بلغ ذلك و حصل بعد خراج السلطان و مؤونة القرية أخرج منه العشر ان سقي بماء المطر أو كان سيحا. انتهى».(4)

و في المقنعة: « ... و كذلك لا زكاة على غلّة حتّى تبلغ حدّ ما تجب فيه الزكاة بعد الخرص و الجذاذ و الحصاد، و خروج مؤونتها منها و خراج السلطان.انتهى».(5)

و في جمل العلم و العمل للسيّد المرتضى: «اذا بلغ شيء من هذه الأصناف


1) - الينابيع الفقهيّة 5: 4.

2) - من لايحضره الفقيه 2: 35 / ذيل الحديث .

3) - الينابيع الفقهيّة 5: 19.

4) - نفس المصدر: 9.

5) - المقنعة: 239.

خمسة أوسق (و الوسق ستّون صاعا) بعد خراجها و مؤونتها، فاذا بلغت ذلك و كان ممّا يسقى سيحا أو من ماء السماء ففيها العشر، فان سقيت بالغَرَب و الدوالي و النواضح فنصف العشر. انتهى».(1)

و قال القاضي ابن البرّاج في شرحه على جمل العلم و العمل: «فاذا بلغ خمسة أوسق و الوسق ستّون صاعا و الصاع أربعة أمداد و المدّ رطلان و ربع بالعراقي بعد اخراج المؤن و حقّ السلطان و كان سقيه بعلاً أو من ماء السماء ففيه العشر. انتهى».(2)

و قال في المهذّب: «باب زكاة الغلاّت الأربع التي هي الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب. ليس تجب الزكاة في الغلاّت الاّ بشرطين و هما الملك و النصاب، فاذا حصل في أحدها هذان الشرطان لم يكن فيه زكاة حتّى يبلغ خمسة أوسق بعد اخراج المؤن و حقّ السلطان من مقاسمة و غيرها، فاذا بلغ ذلك بعد ما ذكرناه، فان كان سقيه سيحا أو بعلاً أو عذيا كان فيه العشر، وان كان سقيه بالقرب(3)أو الدوالي كان فيه نصف العشر. انتهى».(4)

و في الكافي لأبي الصلاح الحلبي: «على كلّ مالك بعد المؤن و حقّ المزارع أن يخرج منه أو وليّه، ان كان يسقى حرثه سيحا أو بماء المطر العشر، و ان كان يسقى بالقرب و النواضح فنصف العشر. انتهى».(5)

و في المراسم لسلاّر: «ذكر واجب باقي التسعة - و هو على ضربين: - أحدهما يسقى بماء السماء و السيح و فيه العشر بعد اخراج المؤن، و الآخر مسقى بماء


1) - شرح جمل العلم و العمل: 255.

2) - نفس المصدر.

3) - القِربة بالكسر: ما يستقى به الماء، و الجمع: القِرَب، كسِدْرة و سِدَر. مجمع البحرين

4) - الينابيع الفقهيّة 5: 170.

5) - نفس المصدر: 104.

الدوالي و النواضح و الغرب و فيه نصف العشر. انتهى».(1)

و في نهاية الشيخ: «و ليس في شيء من هذه الأجناس زكاة ما لم يبلغ خمسة أوسق بعد مقاسمة السلطان و اخراج المؤن عنها - الى أن قال: - فاذا بلغ ذلك كان فيه العشر ان كان سقي سيحا أو شرب بعلاً. انتهى».(2)

و قال في المبسوط: «فالنصاب ما بلغ خمسة أوساق بعد اخراج حقّ السلطان و المؤن كلّها. انتهى».(3)

و في السرائر: « ... و ليس في شيء من هذه الأجناس زكاة ما لم يبلغ كلّ جنس منها على حدته خمسة أوسق، و مبلغه ألفان و سبعمائة رطل بالبغدادي بعد اخراج المؤن المقدّم ذكرها أوّلاً، و مقاسمة السلطان ان كانت الأرض خراجيّة، فاذا بلغ ذلك كان فيه العشر ان كان سقي سيحا أو شرب بعلاً. انتهى».(4)

و قال في الشرائع: « ... ثمّ لاتجب بعد ذلك فيه زكاة و لو بقي أحوالاً، و لاتجب الزكاة الاّ بعد اخراج حصّة السلطان و المؤن كلّها على الأظهر. انتهى».(5)

و قد تقدّم أوّل البحث من مفتاح الكرامة أنّه قال: « ... لو ادّعى مدّعٍ الاجماع لكان في محلّه كما هو ظاهر الغنية أو صريحها».

و ان مال جماعة الى عدم استثناء المؤونة الاّ أنّ ما استدلّوا به على قولهم منالوجوه فيه اشكال كما مرّ.


1) - الينابيع الفقهيّة 5: 148.

2) - نهاية الإحكام: 178.

3) - المبسوط 1: 214.

4) - السرائر 1: 448.

5) - شرائع الاسلام 1: 153.

فرعان:

الفرع الأوّل : في أنّ النصاب يعتبر بعد اخراج المؤونة

قد علم ممّا تقدّم آنفا أنّ النصاب يعتبر بعد اخراج المؤونة كما هو كذلك بعد اخراج حصّة السلطان.

قال في المنتهى: «المؤن تخرج وسطا من المالك و الفقراء، فما فضل و بلغ نصابا أخذ منه العشر أو نصفه. انتهى».(1)

و قال المحقّق الهمداني: «الأشهر (كما في الجواهر) أنّه يعتبر النصاب بعد المؤونة، فلا زكاة فيما لو نقص باستثنائها عن النصاب. و هو الأشبه؛ لأصالة براءة الذمّة عن وجوب الزكاة فيما نقص بعد اخراج المؤونة عن النصاب. و ربّما يشهد له أيضا عبارة الفقه الرضوي. انتهى ملخّصا».(2)

و بالجملة فانّ مقتضى أكثر ما استدلّ به على استثناء المؤونة اعتبار النصاب بعد اخراج المؤونة؛ اذ هو مقتضى أصل البراءة و بعض أدلّة استثناء المؤونة كنفي العسر و الحرج و الضرر و ما دلّ على أنّه يترك للحارس العذق و العذقان و الثلاثة و ظاهر عبارة فقه الرضا و الهداية و الفقيه و المقنع و المقنعة و النهاية و المبسوطو الغنية و اشارة السبق و السرائر.

و استدلّ الشيخ الأعظم(3)على هذا القول بأنّ ظاهر أدلّة اعتبار النصاب ثبوت العشر في مجموع النصاب، فيكون الواجب عشر النصاب، فما دلّ على استثناء المؤن لا بدّ أن يجعل مقيّدا لأدلّة اعتبار النصاب بما بعد وضع المؤن، لا لاطلاق وجوب العشر في النصاب (ابقاءً للفظ العشر و نصف العشر على ظاهره من


1) - منتهى المطلب 8: 210.

2) - مصباح الفقيه 13: 383.

3) - كتاب الزكاة: 234.

الاطلاق).

توضيح ذلك أنّ قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

«ما أنبتت الأرض من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب ما بلغ خمسة أوساق، و الوسق ستّون صاعا، فذلك ثلاثمائة صاع، ففيه العشر».(1)

بعد تقييده بما بعد المؤونة يحتمل أن يراد به ما بلغ هذا المقدار بعد وضع المؤن كلّها ففيه العشر. فالقيد رجع الى الموضوع و بقي الحكم، أعني قوله: «ففيه العشر» على اطلاقه، و يكون المراد ثبوت عشر في مجموع النصاب. كما يحتمل أن يرجع القيد الى الحكم، و يكون المراد أنّ ما بلغ خمسة أوساق مطلقا ففيه العشر بعد وضع المؤن، أعني ما بقي بعد وضعها. لكن الاحتمال الأوّل أظهر؛ لظهور قوله عليه السلام : «ففيه العشر» في كون العشر في مجموعه، بأن يكون الواجب عشر المجموع أعني ثلاثين صاعا. و مقتضاه جعل ما دلّ على استثناء المؤونة مقيّدا لأدلّة اعتبار النصاب بما بعد وضع المؤن.

و أورد عليه في مصباح الفقيه: «انّ هذا ليس بأولى من العكس بجعل ما دلّ على استثناء المؤونة مقيّدا لاطلاق «فيه العشر» بما بعد وضع المؤن؛ ابقاءً لظاهر مادلّ على اعتبار النصاب على ظاهره من الاطلاق، حيث انّ ظاهره اذا بلغ مجموع ما أنبتت الأرض خمسة أوسق، لا الباقي منه بعد اخراج المؤن، فليس ارتكاب أحد التقييدين بأهون من الآخر، فالاحتمالان متكافئان، و المرجع حينئذ الأصول العمليّة و هي براءة الذمّة عن وجوب الزكاة فيما نقص عن خمسة أوسق بعد اخراج المؤونة عنه، و كفى بهذا دليلاً على المطلوب».

فالنتيجة نفس ما أراده الشيخ، ولكن من ناحية الأصل، لا من ناحية اطلاق الحكم. ثمّ أورد على نفسه بأنّه: «لايقال انّ مقتضى عمومات ثبوت الزكاة في


1) - وسائل الشيعة 9: 176 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 5.

الغلاّت من مثل قوله عليه السلام «فيما سقت السماء العشر» ثبوت الزكاة في مطلق ما أنبتت الأرض، قليلاً كان أو كثيرا، و قد تخصّص ذلك بما دلّ على اعتبار النصاب، ولكنّه لم يعلم المراد من أدلّة النصاب من أنّه هل أريد اعتباره بعد اخراج المؤونة أم قبله؟ فهو من قبيل المخصّص بالمجمل المتردّد بين الأقلّ و الأكثر، فمقتضى القاعدة في مثل المقام الاقتصار في رفع اليد عن العموم، على القدر المعلوم ارادته من المخصّص، و هو ما يبلغ مجموعه خمسة أوسق، و أمّا ما بلغ مجموعه بعد استثناء المؤونة ذلك الحدّ، فلم يعلم ارادته من المخصّص، فالمرجع فيه أصالة العموم، لا الأصول العمليّة. - و أجاب ب - أنّا نقول: انّ المقام ليس من قبيل التخصيص بالمجمل المتردّد بين الأقلّ و الأكثر، فانّ ما دلّ على استثناء المؤونة بنفسه مخصّص لتلك العمومات، سواء كان هناك دليل آخر يدلّ على اعتبار النصاب فيما يجب فيه الزكاة، أم لم يكن، فانّه يدلّ على أنّه ليس فيما سقته السماء ممّا قابل المؤونة، العشر، و انّما مورد هذا الحكم بعد وضع المؤونة، و قد علم بدليل اعتبار النصاب أنّه لايجب عشر ما زاد على المؤونة على الاطلاق، بل بشرط بلوغ النصاب. ولكنّه لم يعلم من دليل الاشتراط أنّه هل اعتبر هذا الشرط - أي بلوغ النصاب - في نفس ما يجب فيه العشر، أي ما بقي بعد المؤونة، أو بانضمامه الى ماقابل المؤونة، أي مجموع ما أنبتت الأرض؛ اذ المفروض كون لفظ الدليل محتملاً للأمرين من غير مرجّح لأحدهما على الآخر، فلا بدّ في مورد الاجمال من الرجوع الى الأصول العمليّة، لا العموم الذي علم اجمالاً بعدم ارادة ظاهره منه. فالفرق بين ما نحن فيه و بين العامّ المخصّص بالمجمل المتردّد بين الأقلّ و الأكثر، هو أنّ العامّ له ظهور في ارادة كلّ فرد فرد، فلاترفع اليد عن ظاهره بالنسبة الى المشكوك؛ لرجوع الشكّ فيه لدى التحليل الى الشكّ في أصل التخصيص بالنسبة الى هذا الفرد. و أمّا فيما نحن فيه، فقد علم في مورد الشكّ أيضا بعدم كون العامّ باقيا على ظاهره من الاطلاق، أي: عدم كون الوجوب المتعلّق به وجوبا مطلقا، بل مشروطا

بشرط غير معلوم التحقّق، فلا مسرح للرجوع الى أصالة العموم، أو الاطلاق بعد العلم بعدم كون العموم أو الاطلاق مرادا بالنسبة الى فاقد هذا الشرط الذي لم يعلم بتحقّقه، بل الأصول العمليّة و هي براءة الذمّة عن التكليف، من غير فرق في ذلك بين كون الشكّ ناشئا عن اجمال مفهوم الشرط، أو اشتباه مصاديقه، أو غير ذلك من أسباب الاشتباه. انتهى».(1)

و استدلّ في المستند(2)للقول باعتبار النصاب قبل اخراج المؤونة باطلاقات الأدلّة السليمة عمّا يصلح للتقييد، فانّ نصوص النصاب واردة في مقام البيان، و صرف المؤن في سبيل النتاج أمر شائع متعارف مورد للابتلاء غالبا، و لا أقلّ من البذر الذي لا محيص عنه، فانّ السقي - مثلاً - و ان أمكن الاستغناء عنه لكون الأرض جبليّة أو في ساحل البحر لكن البذر ليس كذلك قطعا، و مع ذلك فتلك النصوص وردت مطلقة و قد تضمّنت أنّه اذا بلغ الحاصل خمسة أوساق ففيه العشر من غير أن تقيّد الخمسة بما بعد خروج البذر، فلو كان النصاب ملحوظا بعدخروج المؤن وجب التنبيه عليه و هي في مقام البيان، و لم يحسن ايرادها على سبيل الاطلاق، فنفس الاطلاق في هذه الأدلّة بمنزلة الدليل على العدم.

و فيه أوّلاً: انّ أدلّة وجوب الزكاة و كذا نصوص النصاب ليست في مقام البيان من هذه الجهة، و لو سلّم كونها واردة في مقام البيان كانت مقيّدة بأدلّة استثناء المؤن كما تقدّم في كلام الشيخ الأعظم.

و ثانيا: قد تقدّم أنّ هناك اجماعا كاشفا عن رأي الامام عليه السلام و هو اتّفاق القدماء على استثناء المؤونة من العشر و كذا احتساب النصاب بعد اخراج المؤونة.


1) - مصباح الفقيه 13: 385 - 387.

2) - مستند العروة 23: 359.

الفرع الثاني : في المراد بالمؤونة

لم يرد في الرواية و الفتوى تعيين المؤونة والمراد منها، فلذلك يرجع فيه الى عرف الزرّاع و الغارسين. فالظاهر أنّ المؤونة هي كلّ ما يحتاج اليه الزرع و الشجر من أجرة الفلاّح و الحارث و الساقي، و أجرة الأرض ان كانت مستأجرة، و أجرة مثلها ان كانت مغصوبة، و أجرة الحفظ و الحصاد و الجذاذ و تجفيف الثمرة و غير ذلك ممّا يصدق أنّه من المؤونة.

قال المحقّق الهمداني: «انّ المراد بالمؤونة هو معناها العرفي، و هو ما يغرمه المالك في نفقة هذه الثمرة من مثل البذر و أجرة الأرض و الحرث و شبهها - الى أن قال: - فان قلنا بأنّ لفظ المؤونة الواقعة في كلمات الأصحاب في فتاويهم و معاقد اجماعاتهم المحكيّة بمنزلة كونها واردة في نصّ معتبر في وجوب الرجوع الى العرف في تشخيص مفهومها - كما ليس بالبعيد - فنقول: انّ هذه الكلمة، و كذالفظ «النفقة» و شبهها من الألفاظ التي يؤدّي مؤدّاها لاتخلو من اجمال، و القدر المتيقّن من ذلك: ما ينفقه على نفس هذه الزراعة من مثل البذر، و أجرة الحرث، و اجارة الأرض في تلك المدّة، و تسطيح الأرض، و تنقية النهر، ممّا لايبقى له بازائه مال بعد استيفاء الحاصل. و أمّا مثل ثمن الأرض، أو العوامل التي يشتريها للزراعة، أو الآلات التي يستعملها فيها ممّا يبقى عينها في ملكه بعد استيفاء الحاصل فهي خارجة عن ذلك، بل لايعدّ شيء من مثل ذلك نفقة الزراعة، بل الزراعة تعدّ عرفا من فوائد تلك الأشياء التي تملّكها لتحصيل الزرع. و الحاصل أنّ نفقة الشيء ما يصرف فيه، لا ما ينفق في تحصيل الأشياء التي يتوقّف الزرع على تحصيلها. و أمّا ما يرد على الآلات و الأدوات أو ثياب العامل، أو الأرض التي حصل فيها الزرع من النقص من المؤن، فالأوجه انصراف اطلاق المؤونة عنها، و لا أقلّ من خروج مثلها عن القدر المتيقّن الذي يمكن الالتزام باستثنائه، ففي مواضع الشكّ يجب

الأخذ بعمومات أدلّة الزكاة. نعم، لو قلنا بعدم الدليل على استثناء المؤونة أو اثباتها من الاطلاق أو العموم اتّجه الرجوع في موارد الشكّ الى أصالة البراءة، ولكنّ المبنى ضعيف. انتهى ملخّصا».(1)

و لقد أجاد فيما أفاد، و به تتّضح المسائل الآتية.

(مسألة 17): قيمة البذر اذا كان من ماله المزكّى أو المال الذي لا زكاة فيه من المؤن، و المناط قيمة يوم تلفه و هو وقت الزرع.

الشرح:

فرعان:

الفرع الأوّل : فيما اذا كان البذر من المال الذي فيه زكاة

قد تعرّض المصنّف لصورتين من استثناء قيمة البذر و هما اذا كان البذر من ماله المزكّى و المال الذي لا زكاة فيه، و لم يتعرّض لصورة ثالثة و هي ما اذا كان من المال الذي فيه زكاة و لم يؤدّ زكاته. و لعلّ الوجه في اهماله خروج هذه الصورة عن موضوع المؤن، بناءً على مسلكه في تعلّق الزكاة بالعين من أنّه بنحو الكلّي في المعيّن. توضيحه - على ما في المستند - : «انّا لو فرضنا أنّ البذر عشرة أمنان فهذه الكمّيّة مشتركة بين المالك و الفقير - أي مصرف الزكاة - بنسبة الواحد الى العشرة، و لايملك المالك الاّ تسعة أعشارها و العشر الباقي ملك للغير و غير داخل في ملك الزارع من الأوّل، غاية الأمر أنّ الشركة ليست بنحو الاشاعة بل بنحو الكلّي في المعيّن، نظير بيع الصاع من الصبرة الذي يكون اختيار التطبيق بيد المالك دون الفقير. و عليه، فالنتاج الحاصل من هذا البذر و الغلّة العائدة منه مشتركة أيضا


1) - مصباح الفقيه 13: 388 و 391.

بنفس هذه النسبة؛ لتبعيّة الفرع للأصل، و الربح للعين، و كون الزرع للزارع - أي صاحب البذر - فلايملك الزارع الاّ تسعة أعشار الغلّة، و العشر الباقي للفقير، كما هو الحال فيما لو كان مقدار من البذر مغصوبا من أوّل الأمر، فانّ الزارع لايملك من النتاج الاّ بمقدار حصّته من البذر. و عليه، فالعشر من الغلّة لم يكن داخلاً في ملكه من الأوّل ليتكلّم في استثناء المؤن المصروفة في سبيلها و عدمه، فهي خارجة عن موضوع الكلام، فانّ محلّ البحث المؤن التي يصرفها في نتاج مملوك له لا ما هو مملوك لغيره، و أمّا التسعة أعشار فهي في حكم المزكّى أو ما لا زكاة فيه كما لايخفى، و قد تعرّض لهما في المتن. انتهى».(1)

و أمّا بناءً على القول الآخر في كيفيّة التعلّق بالعين من أنّها بنحو الشركة في الماليّة، لا بنحو الاشاعة و لا بنحو الكلّي في المعيّن، فالنتاج كلّه للزارع كنفس البذر، فانّ المملوك للفقير ماليّة العين لا نفسها و قد أتلف البذر بتمامه بالزرع، و بذلك تنتقل حصّة الفقير من الماليّة الى الذمّة و يكون تمام البذر للمالك. و من البديهي أنّ النتاج نتاج لنفس البذر لا لماليّته، فلا جرم كانت الغلّة بتمامها للمالك، فيستثنى البذر تمامه؛ لأنّه من المؤن.

و قد تحصّل أنّه اذا كان البذر من المال الذي فيه زكاة فلا فرق بين استثنائه و عدمه؛ لوجوب الزكاة فيه بناءً على مسلك المصنّف من كيفيّة تعلّق حقّ الفقراء بالزكاة. نعم، تفترق الحالتان من جهتين أخريين نبّه عليهما في المستمسك(2):

احداهما ما اذا كان متمّما للنصاب، فانّ استثناءه موجب لنقص النصاب و انتفاء الزكاة بالمرّة، الاّ ما وجب فيه أوّلاً.

ثانيتهما ما اذا اختلف مقدار الزكاة الواجبة فيه و الزكاة الواجبة في الزرع بأن كان الزرع ممّا سقي بالدلاء و بذره ممّا سقي سيحا، أو بالعكس.


1) - مستند العروة 23: 361 و 362.

2) - مستمسك العروة 9: 161.

الفرع الثاني : فيما اذا كان البذر من المال المزكّى

قال في الجواهر: «و في المسالك: « ... و عين البذر ان كان من ماله المزكّى، و لو اشتراه تخيّر بين استثناء ثمنه و عينه، و كذا مؤونة العامل المثليّة، و أمّا القيميّة فقيمتها يوم التلف». و مثله في الروضة و فوائد الشرائع، قال في الأخير: « ... و البذرمن المؤونة فيستثنى، لكن اذا كان مزكّى سابقا أو لم تتعلّق به الزكاة سابقا، و لو اشتراه لم يبعد أن يقال: يجب أكثر الأمرين من ثمنه و قدر قيمته». و في البيان: «لو اشترى بذرا فالأقرب أنّ المخرج أكثر الأمرين من الثمن و القدر، و يحتمل اخراج القدر خاصّة؛ لأنّه مثليّ، أمّا لو ارتفعت قيمة ما بذره أو انخفضت و لم يكن قد عاوض عليها فانّ المثل معتبر قطعا، و لو كان البذر معيبا فالظاهر أنّ المخرج بقدره». - الى أن قال: - و ممّا يمكن أن يكون محلاًّ للنظر أيضا ما سمعته من التخيير في اخراج ثمن البذر أو قدره اذا كان قد اشتراه، خصوصا اذا لم يكن قد اشتراه للبذر، بل اشتراه للقوت و نحوه ثمّ بدا له فبذره؛ اذ الذي يعدّ أنّه من مؤن الزرع و صار هو سببا لاتلافه عين البذر لا ثمنه، و لو منع ذلك و جعل نفس الثمن لم يؤخذ القدر، و بالجملة التخيير المزبور لايخلو من نظر أو منع. انتهى ملخّصا».(1)

و قال في المستمسك بما حاصله: «انّه كما يحتاج الزرع الى البذر يحتاج الى ثمنه الذي يشترى به أيضا، غاية الأمر أنّ أحدهما مقدّمة للآخر، فكلّ منهما مؤونة، لا في عرض واحد، بل أحدهما في طول الآخر. و استثناؤهما معا غير ممكن و استثناء أحدهما بعينه ترجيح بلا مرجّح، فيلزم التخيير. و هكذا الحال في جميع المقدّمات الطوليّة. اللّهمّ الاّ أن يقال: ليس المراد من المؤونة مطلق ما يحتاج


1) - جواهر الكلام 15: 234 - 236.

اليه الزرع، بل خصوص الخسارة الماليّة له، أعني ما صرف له فعلاً و هو نفس البذر التالف بنثره في الأرض. انتهى».(1)

أقول:

كما أنّ المرجع في تعيين المؤونة و المراد منها العرف، كذلك يكون المرجعفي كيفيّة اخراج البذر العرف. فلو لم تتفاوت قيمة البذر الى حين النتاج فله اخراج البذر من العين أو بدله من الثمن و غيره سواء كان البذر ممّا اشتراه أو لم يكن، و هذا لا كلام فيه. انّما الاشكال فيما اذا ارتفعت قيمة ما بذره أو انخفضت، فالظاهر حينئذ أنّ له اخراج البذر من العين و لو أراد الثمن فقيمته يوم التلف.

(مسألة 18): أجرة العامل من المؤن، و لايحسب للمالك أجرة اذا كان هو العامل، و كذا اذا عمل ولده أو زوجته بلا أجرة، و كذا اذا تبرّع به أجنبيّ، و كذا لايحسب أجرة الأرض التي يكون مالكا لها، و لا أجرة العوامل اذا كانت مملوكة له.

الشرح:

قد تقدّم أنّ المرجع في تعيين المؤونة هو العرف، فأجرة العامل حين العمل من المؤن. و لو عمل له عامل تبرّعا لايحسب أجرته من المؤن سواء كان ولده أو زوجته أو غيرهما، و كذا لو كان المالك هوالعامل فلايحسب له أجرة، و الأرض التي يكون مالكا لها كالعوامل اذا كانت مملوكة له. فانّ هذه كلّها لاتكون من المؤونة بنظر العرف؛ لأنّ الظاهر أنّ المراد من المؤونة ما كان للمالك خسارة ماليّة. نعم، فيما لو صارت الأرض معيبة و كذا العوامل خسارة ماليّة.


1) - مستمسك العروة 9: 162.

(مسألة 19): لو اشترى الزرع فثمنه من المؤونة و كذا لو ضمن النخل و الشجر بخلاف ما اذا اشترى نفس الأرض و النخل و الشجر كما أنّه لايكون ثمن العوامل اذا اشتراها منها.

الشرح:

قد تقدّم ما يدلّ على بيان هذه المسألة، فانّ ثمن اشتراء الزرع و كذا النخل و الكرم من المؤونة عرفا بخلاف اشتراء ما تبقى عينه؛ لأنّه كما قال في المستمسك: «فانّ ذلك ليس معدودا من مؤن الزرع بل من مؤن ملك الأرض. و كذا ثمن العوامل، فانّ ما يعدّ مؤونة، عملها، لا نفسها، و لا ثمنها. فالمال المبذول بازاء العمل من المؤونة، و المال المبذول بازاء العين ليس منها. انتهى».(1)

(مسألة 20): لو كان مع الزكوي غيره فالمؤونة موزّعة عليهما اذا كانا مقصودين، و اذا كان المقصود بالذات غير الزكوي ثمّ عرض قصد الزكوي بعد اتمام العمل لم يحسب من المؤن، و اذا كان بالعكس حسب منها.

الشرح:

قال في المسالك: «و لو زرع مع الزكوي غيره قسّط ذلك عليهما. و لو زاد في الحرث عن المعتاد لزرع غير الزكوي بالعرض لم يحتسب الزائد. و لو كانا مقصودين ابتداءً وزّع عليهما ما يقصد لهما و اختصّ أحدهما بما يقصد له. و لو كان المقصود بالذات غير الزكوي ثمّ عرض قصد الزكوي بعد تمام العمل لم يحتسب من المؤن. انتهى».(2)


1) - مستمسك العروة 9: 163 و 164.

2) - مسالك الأفهام 1: 393.

قد عرفت كرارا أنّ تعيين المؤونة و المراد منها موكول الى العرف، و ما ذكره الشهيد الثاني و الماتن تبعا له، فان كان عرف الزارعين يساعده فلا كلام، و الاّفبالنسبة الى ذيل كلامهما اشكال؛ لأنّ الذي تقتضيه القاعدة أنّه لا مدخل للقصد في المقام، اذ المؤونة أمر واقعيّ لا قصديّ فلاتتكوّن بقصد الوفاق كما لاتنهدم بقصد الخلاف. فالمعيار في تعيين المؤونة و المراد منها العرف، سواء قصد أم لا؟ و لذا يخرج منه ما اذا أخذه الظالم و الحال أنّ المالك لم يكن يعلم بأنّ الظالم يأخذه فكان خاليا عن التوجّه و القصد.

(مسألة 21): الخراج الذي يأخذه السلطان أيضا يوزّع على الزكوي و غيره.

الشرح:

قال في المسالك: «و لو جعل الظالم على المالك مالاً مخصوصا على جميع أملاكه من غير تفصيل وزّعه المالك على الزكوي و غيره بحسب المعتاد كما مرّ، و لايحتسب المصادرة الزائدة على ذلك. انتهى».(1)

هذا اذا أخذ السلطان الخراج من مجموع حاصل الأرض و البستان من الزكوي و غيره، و لو اختصّ بأحدهما يتبعه حكمه. و هل يوزّع المؤونة في الزرع على التبن(2)و الحبّ؟ فالظاهر عدم التوزيع؛ لأنّ المقصود الأصلي بالذات من الزرع هو الحبّ، و التبن مقصود بالعرض.

(مسألة 22): اذا كان للعمل مدخليّة في ثمر سنين عديدة لايبعد احتسابه على ما في السنة الأولى، و ان كان الأحوط التوزيع على السنين.


1) - مسالك الأفهام 1: 394.

2) - التبن بالفارسيّة: كاه.

الشرح:قال في المسالك: «و المراد بالمؤن ما يغرمه المالك على الغلّة ممّا يتكرّر كلّ سنة عادة و ان كان قبل عامه كأجرة الفلاحة و الحرث و السقي و الحفظ و أجرة الأرض. انتهى».(1)

و اذا كان للعمل مدخليّة في سنين معدودة كحرث الأرض أو تسميدها لزرع سنتين مثلاً أو أكثر. فلايبعد التفصيل بين ما اذا عمل لسنين عديدة و كان للعمل جهة انتساب اليها عرفا فيوزّع عليها، و بين ما اذا عمل للسنة الأولى و انتسب اليها عرفا، و ان انتفع منه في سائر السنين قهرا فيحسب من مؤونته الأولى.

(مسألة 23): اذا شكّ في كون شيء من المؤن أو لا لم يحسب منها.

الشرح:

و ذلك لأنّ عمدة الدليل لاستثناء المؤونة الاجماع، و هو دليل لبّي يقتصر على القدر المتيقّن و هو المؤن التي لم يكن شكّ في كونها من المؤن، فالمحكم هنا عمومات وجوب الزكاة.

(مسألة 24): حكم النخل و الزروع في البلاد المتباعدة حكمها في البلد الواحد فيضمّ الثمار بعضها الى بعض، و ان تفاوتت في الادراك بعد أن كانت الثمرتان لعام واحد وان كان بينهما شهر أو شهران أو أكثر، و على هذا فاذا بلغ ما أدرك منها نصابا أخذ منه، ثمّ يؤخذ من الباقي قلّ أو كثر، و ان كان الذي أدرك أوّلاً أقلّ من النصاب ينتظر به حتّى يدرك الآخر و يتعلّق به الوجوب فيكمل منه النصاب و يؤخذ من المجموع، و كذا اذا كان نخل يطلع في عام مرّتين يضمّ


1) - مسالك الأفهام 1: 393.

الثاني الى الأوّل لأنّهما ثمرة سنة واحدة، لكن لايخلو عن اشكال لاحتمال كونهما في حكم ثمرة عامين كما قيل.

الشرح:

لا اشكال و لا خلاف في أنّ حكم النخيل و الزروع في البلاد المتباعدة حكمها في البلد الواحد، فيضمّ الثمار بعضها الى بعض وان تفاوتت في الادراك، و الدليل على ذلك مضافا الى الاجماع اطلاق الأدلّة و عمومها الغير القاصر عن شمول مثل هذا الفرض.

قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، و في التذكرة: «ممّا أجمع عليه المسلمون». و في المنتهى: «و لانعرف في هذا خلافا». انتهى ملخّصا».(1)

فلنذكر بعض كلمات الفقهاء ليفيد هنا و الفرعين الآتيين.

قال الشيخ في المبسوط: «و ان كان له ثمرة بتهامة و ثمرة بنجد فأدركت التهاميّة و جذّت، ثمّ أطلعت النجديّة ثمّ أطلعت التهاميّة مرّة أخرى لاتضمّ النجديّة الى التهاميّة الثانية، و انّما تضمّ الى الأولى؛ لأنّها لسنة واحدة. و التهاميّة الثانية لاتضمّ الى الأولى و لا الى النجديّة؛ لأنّها في حكم سنة أخرى ... و النخل اذا حمل في سنة واحدة دفعتين كان لكلّ حمل حكم نفسه لايضمّ بعضه الى بعض؛ لأنّها في حكم سنتين. انتهى».(2)

و في الوسيلة لابن حمزة: «و الثمر ضربان: إمّا اختلف زمان ادراكها في السنة أو حمل شجرها كلّ سنة مرّتين. فالأوّل يضمّ بعضها الى بعض، و الثاني لايضمّ، و يكون لكلّ حمل حكم نفسه. انتهى».(3)

و في التذكرة: «تضمّ الزروع المتباعدة و الثمار المتفرّقة في الحكم سواء


1) - جواهر الكلام 15: 243.

2) - المبسوط 1: 215.

3) - الوسيلة: 127.

اتّفقت في الايناع أو اختلفت، و سواء اتّفقت في الاطلاع أو اختلفت اذا كانت لعام واحد ... فانّه يضمّ بعضها الى بعض؛ لتعذّر ادراك الثمرة في وقت واحد و ان كانت في نخلة واحدة. فلو اعتبر اتّحاد وقت الادراك لم تجب الزكاة غالبا، و قد أجمع المسلمون على ضمّ ما يدرك الى ما تأخّر ... و لو كان له نخل يطلع في السنة مرّتين قال الشيخ: لايضمّ الثاني الى الأوّل؛ لأنّه في حكم ثمرة سنتين. و به قال الشافعي. و قيل: تضمّ؛ لأنّها ثمرة عام واحد، و هو الأقوى. انتهى».(1)

فمستفاد الفتاوى عدم اعتبار الاتّحاد فيما يتعلّق به الزكاة من الزروع و النخيل و نحوهما من حيث المكان و الزمان و الادراك، فيلاحظ بلوغ المجموع حدّ النصاب و لو كانت في مزارع أو بساتين متعدّدة بل بلدان متباعدة، أو كانت في أزمنة مختلفة فتفاوتت من حيث الادراك بفاصل شهر أو شهرين بعد أن كان المجموع ثمرا لعام واحد و ملكا لواحد. فمتى بلغ المجموع حدّ النصاب وجبت الزكاة و ان كان كلّ منهما لولا الضمّ دون الحدّ و ناقصا عنه.

فرعان:

الفرع الأوّل : فيما اذا كان نخل يطلع في عام مرّتين

لو أثمر النخل في عام واحد مرّتين بفاصل ستّة أشهر - مثلاً - فهل يضمّ أحدهما بالآخر و يلاحظ النصاب في المجموع، أو أنّهما في حكم ثمرة عامين ويعتبر النصاب في كلّ منهما بحياله و لايكمل نقص أحدهما بالانضمام الى الآخر؟ قال في الشرائع: «اذا كان له نخل تطلع مرّة و أخرى تطلع مرّتين، قيل: لايضمّ الثاني الى الأوّل؛ لأنّه في حكم ثمرة سنتين، و قيل: يضمّ، و هو الأشبه. انتهى».(2)


1) - تذكرة الفقهاء 5: 160 و 161.

2) - شرائع الاسلام 1: 154.

و قال في المدارك: «القول بعدم الضمّ للشيخ في المبسوط، محتجّا بما ذكره المصنّف من أنّه في حكم ثمرة سنتين. و هو ممنوع؛ اذ المفروض كونهما في عام واحد فيكونان كما لو اختلف وقت الانعقاد، فيتناولهما عموم قوله عليه السلام : «فيما سقت السماء العشر». انتهى ملخّصا».(1)

قال في المبسوط: «و النخل اذا حمل في سنة واحدة دفعتين كان لكلّ حمل حكم نفسه لايضمّ بعضه الى بعض؛ لأنّها في حكم سنتين. انتهى».(2)

و في الوسيلة لابن حمزة: «و الثمر ضربان: امّا اختلف زمان ادراكها في السنة، أو حمل شجرها كلّ سنة مرّتين. فالأوّل يضمّ بعضها الى بعض، و الثاني لايضمّ، و يكون لكلّ حمل حكم نفسه. انتهى».(3)

و في التذكرة: «و لو كان له نخل يطلع في السنة مرّتين الأقوى أنّها تضمّ الثاني الى الأوّل. انتهى ملخّصا».(4)

و في المنتهى: «لو كان له نخل يطلع في السنة مرّتين، فالأقرب ضمّ احداهما الى الأخرى؛ لأنّهما في حكم ثمرة عام واحد. انتهى ملخّصا».(5)

و في المغني لابن قدامة: «فان كان له نخيل يحمل في السنة حملين ضمّأحدهما الى الآخر. و قال القاضي: لايضمّ. و هو قول الشافعي. انتهى».(6)

أقول:

الظاهر أنّه اذا كان له نخل يطلع في عام مرّتين يضمّ بعضها الى بعض، و ذلك


1) - مدارك الأحكام 5: 152.

2) - المبسوط 1: 215.

3) - الوسيلة: 217.

4) - تذكرة الفقهاء 5: 161.

5) - منتهى المطلب 8: 208.

6) - المغني 2: 558.

لاطلاق أدلّة الزكاة و عدم الدليل على التقييد. فلو لم يكن هناك اجماع المسلمين على افتراق ما يثمر كلّ سنة عن الأخرى لقلنا بانضمام السنين المتعدّدة لذلك.

قال في الجواهر: «اذا كان له نخل يطلع مرّة و آخر يطلع في عام واحد مرّتين، قيل: لايضمّ الثاني الى الأوّل لأنّه في حكم ثمرة سنتين، و قيل: يضمّ. و هو الأشبه عند المصنّف و الأشهر، بل المشهور كما قيل؛ لاطلاق الأدلّة، و كونه باعتبار اتّحاد العام كالبستانين المختلف ادراك ثمرتهما أو طلوعها، خلافا للمبسوط و الوسيلة فلايضمّ؛ لأنّهما بحكم ثمرة سنتين، و للأصل، و ردّ بمنع الأوّل و قطع الثاني، لكنّ الانصاف عدم خلوّ المسألة عن اشكال، ضرورة عدم تعليق الحكم في شيء من النصوص على اتّحاد المال بمجرّد كونه في عام واحد، و أهل العرف لايشكّون في صدق التعدّد عليهما، خصوصا اذا حصل فصل بين الثمرتين بزمان معتدّ به، و ما حال ذلك الاّ كحال الثمرة التي أخرجت معجزة في تلك السنة، و لعلّه لذا اقتصر في محكي البيان و الدروس و المصابيح على نقل القولين من دون ترجيح، هذا. انتهى».(1)

و أجاب عنه في مصباح الفقيه فقال: «لا مدخليّة لصدق وحدة المال أو تعدّده عرفا في هذا الباب، و الاّ فصدق التعدّد على ثمرة نخلين أحدهما بالعراق و الآخر بالحجاز، خصوصا مع اختلاف صنفيهما، أوضح من صدقه على ثمرة نخلةواحدة حاصلة في زمانين ما لم يجمع بين الثمرتين في مكان واحد، و اذا جمع بينهما و اختلط بعضها ببعض صدق على المجموع مال واحد، سواء حصل من نخلة واحدة أو من نخيل متفرّقة في أزمنة متباعدة، و هذا ممّا لا مدخليّة له في تعلّق الزكاة؛ اذ المدار في هذا الباب على صدق بلوغ ما أنبتت الأرض من التمر و الزبيب و الحنطة و الشعير خمسة أوسق، و هو حاصل في محلّ الكلام. بل قد يقال بأنّه لولا قيام دليل خارجي على ارادة الثمرة في كلّ سنة، لكان مقتضى اطلاق


1) - جواهر الكلام 15: 243 و 244.

النصّ سببيّة بلوغ ما أنبتته الأرض لوجوب الزكاة و لو في سنتين أو أزيد، و انّما قيّدناه بكونه في عام واحد لذلك. و كيف كان، فما ذهب اليه المشهور هو الأشبه. انتهى».(1)

الفرع الثاني : في أنّه هل يعتبر اجتماع النصاب في الملك في زمان واحد

هل يعتبر في الانضمام اجتماع النصاب في الملك في زمان واحد؟

الظاهر أنّه لايعتبر في الانضمام اجتماع النصاب في الملك في زمان واحد، بل يكفي و لو خرج السابق عن ملكه بتلف أو اتلاف قبل بلوغ اللاحق. و لو اختلف في الادراك بفاصل شهر - مثلاً - و كان الذي أدرك أوّلاً دون النصاب فأخرجه عن ملكه ببيع أو اتلاف و نحو ذلك، فيضمّ ذلك بالنتاج الوارد متأخّرا و يتشكّل منهما النصاب. و ذلك لاطلاق قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

«ما أنبتت الأرض من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب ما بلغخمسة أوساق، و الوسق ستّون صاعا، فذلك ثلاثمائة صاع، ففيه العشر».(2)

و عدم الدليل على التقييد. مضافا الى أنّ الغالب في الثمار من العنب و الرطب حتّى في بستان واحد يكون تدريجيّ الحصول و لو لأجل الاختلاف في النوع أو في الجودة و الرداءة، و لايكون ادراكها في زمان واحد غالبا، بل يستمرّ النتاج الوارد من البستان بمقدار شهر أو شهرين، و العادة جارية على صرف ما يستورده تدريجا بأكل أو بيع أو هبة و نحو ذلك و لاينتظر في الصرف ادراك الكلّ.


1) - مصباح الفقيه 13: 403 و 404.

2) - وسائل الشيعة 9: 176 / الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 5.

ولكن صاحب الجواهر ناقش في الانضمام و قال: «نعم، يعتبر بقاء الناقص عن النصاب على اجتماع شرائط الزكاة من الملكيّة و نحوها الى أن يدرك ما يكمله كذلك، كما هو واضح. انتهى».(1)

و الظاهر أنّ دعواه أنّ المنسبق من أدلّة النصاب مملوكيّته بتمامه في زمان واحد، فلو خرج البعض عن الملك قبل استكمال الباقي و استنتاجه بتلف أو اتلاف سقط عن صلاحيّة الانضمام ليتشكّل منه النصاب.

و أجاب عنه المحقّق الهمداني فقال: «استفادة اعتبار بقاء الناقص في ملكه، و عدم اتلافه الى أن يدرك ما يكمل به النصاب في وجوب الزكاة من النصوص و الفتاوى لايخلو من خفاء، بل قد يقال: انّ مقتضى اطلاقهما أنّه متى بلغ نماء زروعه و ثمرة نخيله و كرومه بعد اخراج حصّة السلطان و اندار مؤونتها، خمسة أوسق فما زاد يجب فيها الزكاة، سواء أدرك الجميع دفعة أو تدريجا في ملكه حتّى يكمل النصاب، أو باعه شيئا فشيئا، أو أكله كذلك، أو غير ذلك من التصرّفات الناشئة عن اختياره الغير المنافية لصدق أنّه بلغ ما حصل في يده في هذه السنة مننماء زرعه أو ثمرة نخيله خمسة أوسق فما زاد. و دعوى انسباق ارادة المجتمع في الملكيّة الى الذهن من اطلاق مثل قوله عليه السلام : «ما أنبتت الأرض من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب ما بلغ خمسة أوساق ففيه العشر». انتهى».(2)


1) - جواهر الكلام 15: 243.

2) - مصباح الفقيه 13: 400.

(مسألة 25): اذا كان عنده تمر يجب فيه الزكاة لايجوز أن يدفع عنه الرطب على أنّه فرضه، و ان كان بمقدار لو جفّ كان بقدر ما عليه من التمر، و ذلك لعدم كونه من أفراد المأمور به. نعم، يجوز دفعه على وجه القيمة و كذا اذا كان عنده زبيب لايجزي عنه دفع العنب الاّ على وجه القيمة، و كذا العكس فيهما. نعم، لو كان عنده رطب يجوز أن يدفع عنه الرطب فريضة، و كذا لو كان عنده عنب يجوز له دفع العنب فريضة، و هل يجوز أن يدفع مثل ما عليه من التمر أو الزبيب من تمر آخر أو زبيب آخر فريضة أو لا؟ لايبعد الجواز، لكن الأحوط دفعه من باب القيمة أيضا؛ لأنّ الوجوب تعلّق بما عنده، و كذا الحال في الحنطة و الشعير اذا أراد أن يعطي من حنطة أخرى أو شعير آخر.

الشرح:

اذا كان عنده تمر يجب فيه الزكاة لايجوز أن يدفع عنه الرطب على أنّه فرضه و ان كان بمقدار لو جفّ كان بقدر ما عليه من التمر، و ذلك لعدم كونه من أفراد المأمور به. نعم، يجوز دفعه على وجه القيمة بناءً على جواز دفع القيمة من غير النقدين كما هو المختار و قد تقدّم في المسألة الثالثة من فصل زكاة الأنعام. و كذا الحال في دفع العنب عن الزبيب بعنوان الفرض. و كذا في العكس من كلّ منهما، أي اذا كان عنده رطب لايجوز أن يدفع عنه التمر على أنّه فرضه، و ذلك على فرض تعلّق الزكاة بما يسمّى التمر واضح؛ لأنّه أدّى ما لم يجب عليه. نعم، يجوز دفعه على وجه القيمة على هذا المبنى اذا خرصه. و أمّا بناءً على تعلّق الزكاة عند الاصفرار أو الاحمرار في التمر و عندما صار حصرما في العنب فيجوز أن يدفع عنه الرطب أو العنب بمقدار لو جفّا و صارا تمرا أو زبيبا كان عشر ما عنده من النصاب من التمر أو الزبيب. نعم، بناءً على المختار، لو أقرض الفقير من الرطبأو العنب بعنوان القيمة ثمّ اذا وجبت الزكاة احتسب ما على الفقير منها جاز. و أمّا لو كان عنده التمر أو الزبيب فلايجوز أن يدفع من تمر آخر أو زبيب آخر فريضة؛

لأنّ الوجوب تعلّق بما عنده. نعم، يجوز الدفع من باب القيمة.

قال في الشرائع: «لايجزي أخذ الرطب عن التمر، و لا العنب عن الزبيب. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «المراد أنّه لايجوز أخذ ذلك أصالة و ان بلغ قدر الواجب عند الجفاف، أمّا أخذه بالقيمة السوقيّة فجائز ان سوّغنا اخراج القيمة من غير النقدين. و استقرب العلاّمة في المنتهى اجزاء الرطب عن التمر اذا أخرج منه ما لو جفّ لكان بقدر الواجب، لتسمية الرطب تمرا في اللغة. و هو مشكل؛ لأنّ الاطلاق أعمّ من الحقيقة، و لأنّ ذلك لو تمّ لاقتضى جواز الاخراج منه مطلقا. انتهى».(2)

قال في مصباح الفقيه: «اذا كان النصاب تمرا أو زبيبا، لايجوز أخذ الرطب عن التمر و لا العنب عن الزبيب أصالة و ان بلغ قدر الواجب عند الجفاف؛ لأنّ حقّ الفقير بمقتضى ظواهر أدلّته متعلّق أوّلاً و بالذات بعشر العين الموجودة عنده، البالغة حدّ النصاب، و الرطب و العنب ليس شيء منهما عين ما تعلّق به حقّه، و لا مثله، فلايكون مجزئا - الى أن قال: - فما عن المنتهى من اجزائه عنه فريضة اذا كان بحيث لو جفّ لكان بقدر الواجب من التمر لتسميته تمرا لغة، محلّ نظر؛ اذ على تقدير تسليم الصدق يتوجّه عليه أنّه لا دليل على الاجتزاء بمطلق ما يسمّى تمرا اذا لم يكن من جنس ما تعلّق الحقّ به بحيث يعدّ في العرف مثله، كي يستفاد جواز الاجتزاء به من أدلّته. و لو أخرج الرطب و العنب عن مثله، جاز بلا اشكال، كما نصّ عليه غير واحد، لأنّه هو الذي يقتضيه تعلّق حقّ الفقير بالعين. و يدلّ عليهأيضا قوله عليه السلام في صحيحة سعد بن سعد في العنب: «اذا خرصه أخرج زكاته». انتهى».(3)


1) - شرائع الاسلام 1: 155.

2) - مدارك الأحكام 5: 152.

3) - مصباح الفقيه 13: 404 و 405.

(مسألة 26): اذا أدّى القيمة من جنس ما عليه بزيادة أو نقيصة لايكون من الربا بل هو من باب الوفاء.

الشرح:

اذا قلنا بجواز دفع القيمة من غير النقدين كما هو الحقّ، فلو اختلف المدفوع عمّا عليه من الزكاة في الكمّ بزيادة أو نقص، كما لو كانت الزكويّة من القسم الجيّد فكانت عليه - مثلاً - خمسة أمنان يساوي كلّ منّ دينارا، فدفع من القسم الرديء الذي يساوي كلّ منّ منه بنصف دينار، المستلزم لدفع عشرة أمنان بطبيعة الحال، فلايكون هذا التفاوت مستوجبا للربا باعتبار أنّه عاوض ما عليه من خمسة أمنان بعشرة؛ لأنّه من باب الوفاء و التطبيق بالتراضي و لايكون من باب المعاوضات. و هذا كمن كان مدينا لزيد بمثقال من الذهب الخالص، فدفع مثقالين من الذهب المخلوط الذي يساوي قيمته مثقالاً، فالعرف يرى أنّ هذا يكون وفاءً عمّا في عهدته، و لايكون معاوضة حتّى يستلزم الربا.

(مسألة 27): لو مات الزارع مثلاً بعد زمان تعلّق الوجوب وجبت الزكاة مع بلوغ النصاب، أمّا لو مات قبله و انتقل الى الوارث فان بلغ نصيب كلّ منهم النصاب وجب على كلّ زكاة نصيبه، و ان بلغ نصيب البعض دون بعض وجب على من بلغ نصيبه، و ان لم يبلغ نصيب واحد منهم لم يجب على واحد منهم.

الشرح:

لو مات الزارع مثلاً بعد زمان تعلّق الوجوب وجبت الزكاة مع بلوغ النصاب؛ لأنّ سهم الورثة تسعة أعشار المال الزكوي، فلاتنتقل اليهم عشره. أمّا لو مات قبله و انتقل الى الوارث فان بلغ نصيب كلّ منهم النصاب وجب على كلّ زكاة نصيبه، و

ان بلغ نصيب البعض دون بعض وجب على من بلغ نصيبه، و ان لم يبلغ نصيب واحد منهم لم يجب على واحد منهم، و ان كان المجموع بالغا حدّ النصاب؛ للزوم ملاحظة النصاب في ملك مالك واحد، و لايضمّ ملك الى ملك كالشريكين.

(مسألة 28): لو مات الزارع أو مالك النخل و الشجر و كان عليه دين فامّا أن يكون الدين مستغرقا أو لا، ثمّ امّا أن يكون الموت بعد تعلّق الوجوب أو قبله، بعد ظهور الثمر أو قبل ظهور الثمر أيضا، فان كان الموت بعد تعلّق الوجوب وجب اخراجها، سواء كان الدين مستغرقا أم لا، فلايجب التحاصّ مع الغرماء؛ لأنّ الزكاة متعلّقة بالعين. نعم، لو تلفت في حياته بالتفريط و صارت في الذمّة وجب التحاصّ بين أرباب الزكاة و بين الغرماء كسائر الديون، و ان كان الموت قبل التعلّق و بعد الظهور فان كان الورثة قد أدّوا الدين قبل تعلّق الوجوب من مال آخر فبعد التعلّق يلاحظ بلوغ حصّتهم النصاب و عدمه، و ان لم يؤدّوا الى وقت التعلّق ففي الوجوب و عدمه اشكال، و الأحوط الاخراج مع الغرامة للديّان أو استرضائهم، و أمّا ان كان قبل الظهور وجب على من بلغ نصيبه النصاب من الورثة بناءً على انتقال التركة الى الوارث، و عدم تعلّق الدين بنمائها الحاصل قبل أدائه، و أنّه للوارث من غير تعلّق حقّ الغرماء به.

الشرح:

لو مات الزارع أو مالك النخل و الشجر و كان عليه دين فقد يفرض مرّة حصول الموت بعد تعلّق الوجوب، و أخرى قبله. و على التقديرين، فامّا أن يكون الدين مستغرقا أو لا. أمّا اذا كان الموت بعد تعلّق الوجوب وجب اخراج الزكاة أوّلاً ثمّ أداء الدين سواء كان الدين مستغرقا أو لا، و ذلك لكون الزرع أو الثمر مشتركا فيه لدى الموت بين المالك و الفقير بنحو من أنحاء الشركة، فمقدار الزكاة لم يكن جزءا من التركة من أوّل الأمر و لم يخلف الميّت الاّ تسعة أعشار النتاج،

فلايجب التحاصّ مع الغرماء. نعم، لو تلفت الزكاة في حياته بالتفريط و صارت في الذمّة وجب التحاصّ بين أرباب الزكاة و بين الغرماء كسائر الديون.

و أمّا اذا كان الموت قبل التعلّق فتارة قد أدّى الورثة الدين قبل تعلّق الوجوب من مال آخر و أخرى لم يؤدّوا. ففي الأولى انتفى موضوع الدين و انتقل المال بتمامه الى الورثة، ثمّ يلاحظ بعد التعلّق بلوغ حصّة كلّ منهم النصاب و عدمه. و لا فرق في ذلك بين أداء الدين من الورثة أو المتبرّع أو ابراء الدائن. كما لا فرق بين أن يكون الموت قبل الظهور أو بعده.

و في الثانية أي فيما اذا كان الموت قبل التعلّق و لم يؤدّ الدين و بقي الى وقت التعلّق، فعلى الوارث أداء دينه ان كان مستغرقا و لاينتقل الى الوارث الاّ ما فضل ان

لم يكن مستغرقا بناءً على ما هو الحقّ من عدم الانتقال بالنسبة الى الدين و الوصيّة، فيكون المال باقيا على ملك الميّت موضوعا لحقّ الديّان، و لا مانع هنا من العقل و الشرع للقول بملكيّة الميّت في الجملة - بل يدلّ عليه الكتاب و السنّة - الاّ أنّ للورثة نحو اختصاص بالمال و هم مأمورون بأداء الدين و الوصيّة، كما هو الظاهر من الأخبار. و قد تقدّم البحث عن ذلك في الفرع الثاني من المسألة الرابعة و الثمانين من شرائط وجوب حجّة الاسلام .(1)

و على هذا، فان كان الدين مستغرقا لم تجب الزكاة بعد التعلّق أبدا لا على الوارث؛ لفقد الملك و لا زكاة الاّ على المالك، و لا على الميّت؛ لعدم كونه قابلاً للخطاب حال التعلّق و ان كان مالكا في الجملة. و ان لم يكن مستغرقا فلا جرم تتحقّق الشركة بين الوارث و الميّت بنحو الكلّي في المعيّن، و تجب الزكاة على الوارث ان بلغت حصّته النصاب دون الميّت لفقد الحياة، فهو كالمال المشترك بين الكبير و الصغير، حيث تختصّ الزكاة بالكبير ان بلغت حصّته النصاب.

قال المصنّف: «و ان لم يؤدّوا الى وقت التعلّق ففي الوجوب و عدمه اشكال».


1) - الهادي كتاب الحجّ 1: 309.

و منشأ الاشكال التردّد في بقاء مقدار الدين على ملك الميّت فلا موضوع للزكاة أو انتقاله الى الوارث و ان كان متعلّقا بحقّ الديّان، فانّ هذا الحقّ لايمنع من تعلّق الزكاة و انّما يمنع من تصرّف الوارث في ماله لا في حصّة الفقير التي هي متعلّق الزكاة. و احتاط المصنّف بالاخراج مع الغرامة للديّان أو استرضائهم. و استشكل(1)بأنّ الاخراج المزبور و ان كان احتياطا من جهة ولكنّه مخالف للاحتياط من جهة أخرى، ضرورة أنّا لو بنينا على أنّ مقدار الدين باقٍ على ملك الميّت و لم ينتقل الى الورثة فبأيّ مسوّغ يتصرّف فيه الوارث بالاخراج حتّى مع الغرامة؟ فانّه تصرّف في ملك الغير بغير اذنه و لايكاد يسوّغه التغريم. نعم، الاحتياط التامّ يتحقّق بما ذكره من الاسترضاء أو بالأداء من مال آخر أو بالابراء ثمّ التصدّي للاخراج.

ثمّ انّ المصنّف قسّم الموت قبل التعلّق بما بعد الظهور و ما قبل الظهور فقال: «و أمّا ان كان قبل الظهور وجب على من بلغ نصيبه النصاب من الورثة بناءً على انتقال التركة الى الوارث و عدم تعلّق الدين بنمائها الحاصل قبل أدائه و أنّهللوارث من غير تعلّق حقّ الغرماء به.

قال في المستمسك: «اذا بنينا على بقاء ما يساوي الدين على ملك الميّت فالنماء الحادث بعد الموت يتبعه، فيوزّع عليه الدين و على الأصل بالنسبة. فاذا كان الدين عشرين و الأصل ثلاثين، يكون ثلث الأصل باقيا على ملك الميّت، فاذا نما نماءً قيمته عشرة، كان مجموع الأصل و النماء أربعين، فيكون نصف الأصل و نصف النماء على ملك الميّت، فنصف النماء الثاني يوزّع على الورثة، فاذا بلغت حصّة أحدهم النصاب وجبت فيه الزكاة. و اذا قلنا بانتقال التركة الى الوارث، و يتعلّق بها حقّ الديّان كحقّ الرهانة، فالنماء و ان كان تابعا للأصل في الملك، لكنّه غير تابع له في تعلّق الحقّ. و حينئذ يكون جميعه ملكا للوارث، فتتعلّق الزكاة


1) - مستند العروة 23: 373 و 374.

بحصّة كلّ منهم من المجموع اذا بلغت النصاب. نعم، يشكل هذا القول في مثل الزرع، ممّا يكون النماء فيه موجبا لسقوط الأصل عن الماليّة؛ لأنّ النماء اذا لم يتعلّق به حقّ الدين لم يبق من الأصل ما يمكن وفاء الدين به. و الالتزام بتبعيّة النماء فيه للأصل - في تعلّق الحقّ به - لا وجه له ظاهر. و الالتزام بسقوط حقّ الديّان فيه أشكل. و هذا ممّا يستوجب القول ببقاء ما يقابل الدين من التركة على ملك الميّت من دون انتقال الى الوارث. انتهى».(1)

أقول:

بناءً على ما تقدّم من أنّ مال الميّت لاينتقل الى الوارث الاّ «من بعد وصيّة يوصى بها أو دين»، فلا فرق بين الأصل و النماء، فاذا كان الدين مستوعبا فالنماء تابع له، و أمّا اذا لم يكن مستوعبا فما ذكره السيّد الحكيم رحمه الله متين صحيح من أنّه توزّع الثمرة على الديّان و الورثة كما يوزّع الأصل عليهما، فحينئذ لو بلغ نصيبأحد منهم النصاب وجب عليه الزكاة. نعم، لو رضي الدائن أن يأخذ طلبه من الأصل فقط، فالنماء بتمامه ينتقل الى الوارث لو فضل عن دينه، فاذا بلغ نصيب أحد منهم النصاب وجبت عليه الزكاة. و أمّا بناءً على القول الآخر من أنّ المال ينتقل الى الورثة الاّ أنّهم محجورون عن التصرّف فيه، فحقّ الديّان على المال كحقّ الرهانة، فالظاهر أنّ النماء يتعلّق به الزكاة؛ لأنّه حصل في ملك الوارث، فاذا بلغت حصّة أحد منهم النصاب وجب عليه اخراج الزكاة فالباقي يصرف في دينه، سواء كان الدين مستوعبا أو لم يكن و سواء كان الأصل مثل الزرع الذي يسقط عن الماليّة في الجملة أو لم يكن.


1) - مستمسك العروة 9: 170 و 171.

(مسأله 29): اذا اشترى نخلاً أو كرما أو زرعا مع الأرض أو بدونها قبل تعلّق الزكاة فالزكاة عليه بعد التعلّق مع اجتماع الشرائط، و كذا اذا انتقل اليه بغير الشراء، و اذا كان ذلك بعد وقت التعلّق فالزكاة على البائع، فان علم بأدائه أو شكّ في ذلك ليس عليه شيء، و ان علم بعدم أدائه فالبيع بالنسبة الى مقدار الزكاة فضوليّ، فان أجازه الحاكم الشرعي طالبه بالثمن بالنسبة الى مقدار الزكاة، و ان دفعه الى البائع رجع بعد الدفع الى الحاكم عليه، و ان لم يجز كان له أخذ مقدار الزكاة من المبيع، و لو أدّى البائع الزكاة بعد البيع ففي استقرار ملك المشتري و عدم الحاجة الى الاجازة من الحاكم اشكال.

الشرح:

قد تقدّم سابقا أنّ الزكاة انّما تجب على من كان مالكا للزرع أو الثمر حال التعلّق دون غيره. و عليه لو انتقل اليه النخل أو الكرم أو الزرع بشراء أو هبة أوغيرهما قبل تعلّق الزكاة فالزكاة تجب على المنتقل اليه دون المنتقل منه؛ لعدم كونه مالكا حين التعلّق الذي هو المناط في الوجوب.

و أمّا لو كان الانتقال اليه بالشراء مثلاً بعد التعلّق فالزكاة على البائع لكونه المالك حال التعلّق، فحينئذ فان علم بأدائه فلا شيء عليه. و أمّا لو شكّ فقال المصنّف بأنّه لا شيء عليه أيضا. فلا بدّ من فرض المسألة فيما لو باع المالك جميع ما عنده من المال الزكوي ليحتمل أنّه قد أدّى زكاة المبيع من مال آخر. و أمّا لو بقي عنده ما يكون بمقدار الزكاة أو أكثر فلا بحث لنا فيه؛ لأنّه مديون للفقراء و سهمهم يكون عنده الاّ أنّ الاختيار بيده في اعطائهم من عين ما عنده أو من مال آخر بعنوان القيمة. و بعد ذلك نقول: ما ذهب اليه المصنّف صحيح ولكن لا لأصالة الصحّة؛ لأنّ موضوعها ما يكون الشكّ في الصحّة و الفساد بعد احراز سلطنة البائع على البيع لكونه مالكا أو وكيلاً فكان الشكّ لجهات خارجيّة من كونها غرريّة أو ربويّة أو نحو ذلك. و ما نحن فيه من قبيل الشكّ في سلطنة البائع

على البيع؛ لأنّه لم يعلم كونه مالكا بالنسبة الى عشر المبيع، بل يكون الدليل على الصحّة قاعدة اليد التي هي أمارة شرعيّة على الملكيّة، و بها يحرز أنّ البائع مالك حين البيع لتمام البيع الذي هو تحت يده و تصرّفه.

و لابأس أن نبحث عن مدرك أصالة الصحّة و بعض جهاتها اختصارا:

قد يطلق الصحيح في مقابل القبيح. فمعنى أصالة الصحّة هو الحمل على الحسن المباح في مقابل الحمل على القبيح المحرّم. كما في قوله عليه السلام : «ضع أمر أخيك على أحسنه. الخ»(1)و كذا قوله عليه السلام : «كذّب سمعك و بصرك عن أخيك، فان شهد عندك خمسون قسامة و قال لك قولاً فصدّقه و كذّبهم».(2)

و المراد من تصديقه هو الحمل على الصدق لا ترتيب آثار الواقع، و لو كان المراد ترتيب آثار الواقع لا بدّ لنا من حمل خبر الجماعة على الصحيح و تنزيههم من الاشتباه و السهو؛ لكونهم أيضا من الاخوة المؤمنين. و الحمل على الصحيح - بمعنى ترتيب آثار الواقع - ممّا لايمكن في الطرفين. و في طرف واحد مستلزم لترجيح الواحد على الخمسين. فمعنى الروايتين الحمل على الحسن المباح في مقابل الحمل على القبيح المحرّم.

و قد يطلق الصحيح في مقابل الفاسد، فمعنى أصالة الصحّة هو ترتيب الأثر على العمل الصادر من الغير. و هذا هو محلّ الكلام، و أصالة الصحّة بهذا المعنى لايختصّ بعمل المؤمن بخلافها بالمعنى الأوّل الذي هو من حقوق الاخوة. و عمدة الدليل على أصالة الصحّة بهذا المعنى السيرة القطعيّة لجميع المسلمين من ترتيب آثار الصحّة على أعمال الناس من العبادات و المعاملات و العقود و الايقاعات، و لذا لايزوّج أحد امرأة لنفسه لاحتمال كون العقد الواقع بينها و بين زوجها باطلاً. و هذه السيرة متّصلة بزمان المعصوم عليه السلام ، و لم يردع عنها.


1) - وسائل الشيعة 12: 302 / الباب 161 من أبواب أحكام العشرة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 12: 295 / الباب 157 من أبواب أحكام العشرة / الحديث 4.

وان أردت الاستدلال عليها بدليل لفظي، فيمكن أن يستدلّ عليها بطوائف من الأخبار المتفرّقة في أبواب الفقه:

منها الروايات الواردة في باب تجهيز الموتى(1)حيث تدلّ على اكتفاء المسلمين في الصدر الأوّل على فعل الغير في غسل الموتى و كفنهم و الصلاة عليهم من غير تفتيش عن صحّة الأعمال المذكورة مع وجوبها على جميعهم.

و منها الروايات الواردة في باب الحثّ على الجماعة و الجمعة و الأمر بالائتمام خلف من يوثق بدينه و أمانته(2)، فانّ احراز صحّة صلاة الامام ولوبالأصل، شرط في جواز الائتمام به، و لو لم تكن أصالة الصحّة معتبرة لم يكن احرازها ممكنا.

و منها ما دلّت على توكيل بعض الأئمّة عليهم السلام غيره للزواج و الطلاق(3).

و منها روايات التوكيل، و غيرها من الروايات.

و هنا أمور:

الأوّل: انّ المراد من الصحّة في المقام هو الصحّة الواقعيّة لا الصحّة عند العامل؛ لقيام السيرة على ترتيب آثار الواقع على العمل الصادر من الغير. و الصحّة عند العامل لاتوجب ترتّب الآثار عند الحامل على الصحّة، فانّ أصالة الصحّة لاتكون أزيد من العلم بالصحّة. و العلم بصحّة العمل عند العامل لايوجب ترتّب الأثر عند غيره، فلو علم المأموم ببطلان صلاة امامه باجتهاد أو تقليد، أو من جهة اخلال الامام بها من جهة الشبهة الموضوعيّة، لم يجز الائتمام به و ان كانت الصلاة صحيحة عند الامام.

الثاني: انّ الحمل على الصحّة في مورد لايعلم الحامل علم العامل بالصحّة و


1) - وسائل الشيعة 3: 80 / الباب 6 من أبواب صلاة الجنازة.

2) - وسائل الشيعة 8: 309 / الباب 10 من أبواب صلاة الجماعة.

3) - وسائل الشيعة 20: 287 / الباب 10 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد.

الفساد و جهله بهما، و لو علم أنّه جاهل بصحّة عمله و فساده فالظاهر عدم جريان أصالة الصحّة؛ لأنّ دليلها لبّي فيقتصر على القدر المتيقّن منه. و ليعلم أنّ موضوع بناء العقلاء ليس منحصرا بالعمل الصادر من الفاعل، كما يكون موضوع قاعدة الفراغ بل هو أعمّ منه، فانّ بناءهم على معاملة الصحّة مع الفعل الذي سيصدر من الفاعل أو يشتغل به اذا كان منشأ للأثر، فيأتمّون بالامام مع الشكّ في صحّة عمله، و يوكّلون الغير في النكاح و البيع و سائر أمورهم ممّا له صحّة و فساد مع الشكّفي صدوره منه صحيحا.

الثالث: انّ الشكّ في الصحّة امّا أن يكون من جهة الشكّ في قابليّة الفاعل، و امّا أن يكون من جهة الشكّ في قابليّة المورد، و امّا أن يكون من جهة احتمال عدم الشرط أو وجود المانع مع احراز قابليّة الفاعل و المورد.

و القدر المتيقّن من موارد جريان أصالة الصحّة هو الصورة الأخيرة. و أمّا الصورتان الأوليان، فقد وقع الخلاف بينهم في جريان أصالة الصحّة فيهما. فذهب العلاّمة و المحقّق الثاني الى عدم جريانها فيهما، بدعوى أنّ الحمل على الصحّة انّما هو فيما اذا كان الشكّ في الصحّة الفعليّة بعد احراز الصحّة التأهّليّة، لا فيما اذا كان الشكّ في الصحّة التأهّليّة، و تبعهما في ذلك جماعة. و اختار شيخنا الأنصاري و تبعه جماعة أخرى، جريان أصالة الصحّة فيهما بدعوى قيام السيرة على ترتيب الآثار على المعاملات الصادرة من الناس، مع الشكّ في كون البائع مالكا أو غاصبا مثلاً، فالسيرة قائمة على الحمل على الصحّة مع عدم احراز قابليّة الفاعل. و الظاهر عدم جريان أصالة الصحّة فيما شكّ في قابليّة الفاعل أو قابليّة المورد، و ذلك للشكّ في قيام السيرة في هاتين الصورتين. و ما ذكره الشيخ من قيام السيرة على ترتيب الآثار على المعاملات الصادرة من الناس في الأسواق مع عدم احراز قابليّة الفاعل فهو و ان كان مسلّما الاّ أنّه من جهة قاعدة اليد، فانّه لولاها لما استقام للمسلمين سوق، فلا ربط له بأصالة الصحّة.

الرابع: صحّة كلّ شيء بحسبه و باعتبار آثار نفسه، فلاتترتّب على جريان الصحّة في جزء الآثار المترتّبة على المركّب، الاّ بعد احراز بقيّة الأجزاء بالوجدان

أو بالأصل. فاذا شكّ في صحّة الايجاب من حيث كونه عربيّا أو كونه بصيغة الماضي مثلاً جرت أصالة الصحّة فيه، بمعنى أنّه يترتّب عليه الأثر اذا تعقّبه القبول

الصحيح و لو بالأصل، و كذا بالنسبة الى القبول. و أمّا اذا شكّ في تعقّبه بالقبول، أوشكّ في تحقّق الايجاب مع احراز القبول فلا. و عليه فاذا علمنا بوقوع انشاء البيع من غير المالك، و شككنا في كونه مأذونا من قبل المالك، لايثبت الاذن بجريان أصالة الصحّة في الانشاء؛ لأنّ صحّة الانشاء عبارة عن كونه جامعا للشرائط المعتبرة في نفسه من العربيّة و الماضويّة مثلاً. و الاذن من المالك شرط لصحّة البيع لا لانشاء العقد، و لاترتبط احداهما بالأخرى و لابدّ من احراز الاذن من المالك.

الخامس: لا بدّ في جريان أصالة الصحّة من احراز العمل الجامع بين الصحيح و الفاسد؛ اذ السيرة قائمة على الحمل على الصحّة فيما اذا أحرز أصل العمل و شكّ في صحّته و فساده، لا فيما اذا شكّ في تحقّق العمل. و من هنا ظهر أنّه لو كان العمل من العناوين القصديّة - كالصوم و الصلاة و الغسل - لا مجال لجريان أصالة الصحّة فيما اذا لم يحرز القصد؛ لكون الشكّ في تحقّق العمل لا في صحّته و فساده بعد احراز وجوده.

السادس: لا اشكال في عدم حجّيّة مثبتات أصالة الصحّة لعدم الدليل عليها؛ لأنّ بناء العقلاء - الذي هو العمدة في الباب - غير ثابت بالنسبة اليها. فالبحث - عن كون أصالة الصحّة من الأمارات أو من الأصول - ممّا لايترتّب عليه ثمرة؛ لعدم قيام السيرة على الحمل على الصحّة بالنسبة الى اللوازم، سواء كانت من الأمارات أو من الأصول.

السابع: الاستصحاب المعارض بأصالة الصحّة امّا حكميّ، و امّا موضوعيّ.

أمّا الاستصحاب الحكمي، فلاينبغي الاشكال في تقديم أصالة الصحّة عليه كما اذا شكّ في صحّة بيع لاحتمال الاختلال في شرط من شروطه، مع احراز قابليّة الفاعل و المورد، فلا مجال للتمسّك بالاستصحاب الحكمي (أي استصحاب عدم الانتقال المعبّر عنه بأصالة الفساد) بل المتعيّن هو الحكم بالصحّة لأصالة الصحّة.و أمّا الاستصحاب الموضوعي - كما اذا شكّ في صحّة بيع لكون البيع خمرا سابقا، و شكّ في انقلابه خمرا حين البيع - فلا اشكال في جريان الاستصحاب الموضوعي، فيحكم ببقائه على الخمريّة بالتعبّد، فلايبقى شكّ في فساد البيع؛ لكونه واقعا على ما هو خمر بحكم الشارع. و كذا لو شكّ في صحّة بيع لاحتمال كون أحد المتبايعين غير بالغ، فبأصالة عدم بلوغه يحرز كون البيع صادرا من غير البالغ، فيحكم بفساده، ولكن جريان الاستصحاب الموضوعي هنا لايكون لتقدّمه على أصالة الصحّة في مورد التعارض، بل لعدم جريانها في نفسها؛ لما ذكرناه من أنّها متوقّفة على احراز قابليّة الفاعل و المورد، فمع الشكّ في قابليّة المورد - كما في المثال الأوّل أو في قابليّة الفاعل كما في المثال الثاني - لاتجري أصالة الصحّة؛ لعدم تحقّق السيرة على الحمل على الصحّة الاّ بعد احراز القابليّة. و الاّ ففي كلّ مورد جرت السيرة فيه على الحمل على الصحّة، فلا محالة تكون أصالة الصحّة جارية و مقدّمة على الاستصحاب و لو على القول بكونها من الأصول و الاستصحاب من الأمارات؛ اذ تحقّق السيرة على الحمل على الصحّة كالنصّ المخصّص لدليل الاستصحاب.

البحث في قاعدة اليد:

لا اشكال و لا كلام في اعتبار اليد في الجملة و اقتضائها الملكيّة، و يدلّ عليه بناء العقلاء و سيرتهم في جميع الأعصار و الأمصار، بل هو من الضروريّات، لايشكّ فيه عاقل، كما أنّه لاينبغي الاشكال في أنّها لدى العقلاء أمارة على الملكيّة، و كاشفة عنها. و يدلّ على اعتبارها بل أماريّتها مضافا الى ذلك أخبار

كثيرة في أبواب متفرّقة كقوله عليه السلام في رواية يونس بن يعقوب:

«و من استولى على شيء منه فهو له».(1)

و كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الدار يوجد فيها الوَرِق؟ فقال: ان كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم، و ان كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحقّ به».(2)

و صحيحة جميل بن صالح قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل وجد في منزله دينارا. قال: يدخل منزله غيره؟ قلت: نعم كثير. قال: هذا لقطة. قلت: فرجل وجد في صندوقه دينارا؟ قال: يُدخِل أحد يده في صندوقه غيره أو يضع فيه شيئا؟ قلت: لا. قال: فهو له».(3)

و رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سمعته يقول: كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، و المملوك عندك لعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير هذا، أو تقوم به البيّنة».(4)

و رواية حفص بن غياث عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال له رجل: اذا رأيت شيئا في يد رجل يجوز لي أن أشهد أنّه له؟


1) - وسائل الشيعة 26: 216 / الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 25: 447 / الباب 5 من كتاب اللقطة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 25: 446 / الباب 3 من كتاب اللقطة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 17: 89 / الباب 4 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 4.

قال عليه السلام : نعم. قال الرجل: أشهد أنّه في يده و لاأشهد أنّه له فلعلّهلغيره؟ فقال أبو عبداللّه عليه السلام : أفيحلّ الشراء منه؟ قال: نعم. فقال أبو عبداللّه عليه السلام : فلعلّه لغيره، فمن أين جاز لك أن تشتريه و يصير ملكا لك، ثمّ تقول بعد الملك: هو لي، و تحلف عليه، و لايجوز أن تنسبه الى من صار ملكه من قبَله اليك. ثمّ قال أبو عبداللّه عليه السلام : لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق».(1)

و بالجملة انّ قاعدة اليد أمارة سواء كان مأخذها الأخبار أو بناء العقلاء، فاتّضح وجه تقدّمها على الاستصحاب، فانّه بالحكومة ان كان المستند هو الأخبار، و بالتخصّص ان كان بناء العقلاء. و ان قلنا بأنّها في رتبة الاستصحاب، فلا بدّ من تقديمها على الاستصحاب أيضا؛ لورود أدلّتها في موارد الاستصحاب. فانّ الغالب العلم بأنّ ما في أيدي الناس يكون مسبوقا بملك الغير، الاّ في المباحات الأصليّة، فلا بدّ من تخصيص الاستصحاب بها، و الاّ يلزم حمل أدلّة قاعدة اليد على الموارد النادرة، بل يلزم المحذور المنصوص و هو اختلال السوق.

نعم، لا مانع من الرجوع الى الاستصحاب في موردين، لا لتقدّمه على قاعدة اليد، بل لعدم جريان القاعدة بنفسها لقصور المقتضي:

المورد الأوّل: ما اذا تقارنت اليد بالاقرار لمن ادّعى أنّه ملكه و اعترف ذو اليد بكون المال ملكا للمدّعي، و ادّعى انتقاله اليه بالشراء أو الهبة، الاّ أنّ المالك ينكره، فحينئذ يحكم بكون المال للمالك الذي ينكر الانتقال بمقتضى الاستصحاب، الاّ أن يقيم ذو اليد البيّنة على ادّعائه الانتقال اليه، و لا مجال للأخذ بقاعدة اليد؛ لعدم الدليل عليها مع اقتران اليد بالاعتراف. فانّ الدليل عليها هو السيرة و الروايات. أمّا السيرة فلم يحرز قيامها في المقام. و أمّا الروايات فدلالتهاقاصرة عن شمول المورد. و في بعضها كخبر حفص بن غياث الذي حكم


1) - وسائل الشيعة 27: 292 / الباب 25 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى / الحديث 2.

بالملكيّة على ما في أيدي المسلمين، علّل فيه بأنّه لولا ذلك لما قام للمسلمين سوق. و من المعلوم أنّ استصحاب الملكيّة في هذا المورد لايلزم تعطيل السوق.

المورد الثاني: ما اذا كانت اليد مسبوقة بكونها غير يد ملك، كما اذا كانت أمانيّة أو عدوانيّة، بأن كان المال في يده بالاجارة أو العارية أو غصبا، فادّعى الملكيّة، فلايؤخذ بقاعدة اليد، بل يحكم ببقاء ملكيّة المالك بمقتضى الاستصحاب، لا لتقدّمه على قاعدة اليد، بل لعدم المقتضي للقاعدة مع قطع النظر عن الاستصحاب؛ اذ لم يحرز قيام السيرة في المقام، و لم يعلم شمول الروايات لهذا المورد.

و ذكر المحقّق النائيني: «انّ الوجه في تقدّم الاستصحاب على قاعدة اليد في هذا المورد أنّ أدلّة قاعدة اليد مختصّة بموارد الجهل بحال اليد، بأن لايعلم كونها مالكيّة أو غير مالكيّة، و اليد في المقام غير مالكيّة سابقا، و بعد الشكّ في صيرورتها مالكيّة يحكم ببقائها على ما كانت بمقتضى الاستصحاب، فيحرز كونها غير مالكيّة بالتعبّد، فلايبقى موضوع لقاعدة اليد لكون موضوعها اليد المجهولة حالها، فتقديم هذا الاستصحاب (أي أصالة عدم صيرورة اليد مالكيّة) على قاعدة اليد انّما هو لكونه أصلاً موضوعيّا جاريا في موضوع قاعدة اليد. انتهى».(1)

و أجاب عنه في المستمسك بما محصّله بتوضيح من البعض: «انّه لو كان موضوع الحكم مقيّدا بقيد كقوله: أكرم العالم العادل مثلاً، و كان للقيد في مورد حالة سابقة وجودا أو عدما جاز احرازه بالاستصحاب بلا اشكال. ولكنّ الموضوع للحجّيّة في المقام ليست هي اليد مقيّدة بعدم كونها أمانيّة أو عاديّة حتّىيكون استصحابهما رافعا لموضوع الحجّيّة. كيف و اليد حجّة مطلقا و لو احتمل كونها يد أمانة أو عدوان. غاية الأمر أنّه في صورة العلم بكونها احداهما قد علم بعدم الملكيّة، فلا مجال لجعل الحجّيّة؛ لأنّ مورد الأمارة هو الشكّ، لا أنّ موضوع


1) - مصباح الأصول 3: 341.

الحجّيّة اليد التي ليست يد أمانة أو عدوان. انتهى».(1)

و المتحصّل أنّ مورد حجّيّة اليد و كشفه عن الملكيّة ما اذا لم يكن ذو اليد مقرّا بأنّ يده كانت أمانيّة سابقا، أمّا لو أقرّ بذلك و ادّعى النقل اليه لاحقا و له خصم ينكر هذه الدعوى، فلا محيص من اقامة البيّنة على صحّة ما يدّعيه، و يرجع الى استصحاب عدم الملكيّة. نعم، انّ هذا انّما يتّجه فيما اذا لم يحرز تسلّط ذي اليد و قدرته على الانتقال الى نفسه، و أمّا لو أحرز ذلك - كما لو فرض العلم في المثال المذكور بكونه وكيلاً عن المالك في انتقال ما في يده الى نفسه متى شاء و المالك أيضا يعترف بذلك - فلا قصور في دليل حجّيّة اليد، سيّما اذا لم تقم دعوى مضادّة بازائه. و المقام من هذا القبيل. فانّ يد البائع على عشر المبيع و ان كانت يد أمانة سابقا لكونه حصّة الفقراء الاّ أنّه كان مسلّطا على انتقاله الى نفسه امّا بدفع الزكاة من خارج النصاب جنسا أو قيمة أو بالتضمين و الاستجازة من الحاكم الشرعي. فما ذهب اليه المصنّف من أنّه لو شكّ المشتري في أداء الزكاة من قبل البائع ليس عليه شيء، صحيح.

فرع : فيما لو علم المشتري بعدم أداء الزكاةو لو علم المشتري بعدم أداء البائع الزكاة فالبيع بالنسبة الى مقدار الزكاة فضوليّ لكونه ملكا للفقراء فيدور صحّة البيع مدار اجازة الحاكم الشرعي لأنّه وليّ الفقراء، فان أجاز نفذ البيع و طالب المشتري بالثمن بالنسبة الى مقدار الزكاة، و للمشتري مراجعة البائع و استرداد جزء من الثمن المقابل لمقدار الزكاة؛ لعدم استحقاق البائع بعد أن لم يكن مالكا.


1) - كتاب الزكاة 2: 112 و 113.

و أمّا ان لم يجز الحاكم البيع بالنسبة الى مقدار الزكاة فالبيع بالنسبة اليه باطل فعليه أن يدفع مقدار الزكاة الى الحاكم أو يشتريه منه بما يرضى به. و ليس للمشتري الامتناع من دفع العين لو أمره الحاكم بدفعها اليه؛ اذ لا ولاية له على الدفع من مال آخر كما كان ثابتا للبائع؛ لعدم الدليل عليه هنا. و لو أدّى البائع الزكاة بعد البيع، فاستشكل المصنّف في استقرار ملك المشتري و عدم الحاجة الى الاجازة من الحاكم، و لعلّه للشكّ في بقاء ولاية المالك على دفع الزكاة بالقيمة أو من جنس آخر. ولكن الظاهر بقاء ولايته للاستصحاب و لأنّ ذمّته مشغولة بالقيمة و لذا قلنا برجوع المشتري الى البائع فيما دفعه الى الحاكم.

و احتمل غير واحد من الشارحين أنّ في عبارة المصنّف تصحيفا، و أن يكون الصحيح: «البائع» بدل «الحاكم» فيندرج في مسألة «من باع شيئا ثمّ ملكه» اذ البائع بعد دفع الزكاة من الخارج يملك ما يعادلها من المبيع بعد أن لم يكن مالكا له حال البيع، فيكون مصداقا لمن باع شيئا ثمّ ملكه، فنقول: هل يستقرّ ملك المشتري أم يحتاج الى اجازة البائع الذي أصبح مالكا لاحقا؟ و لو احتملنا ذلك فلا حاجة الى الاجازة عن المالك هنا؛ لصحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل لم يزكّ ابله أو شاءه(1)عامين فباعها،على من اشتراها أن يزكّيها لما مضى؟ قال: نعم، تؤخذ منها(2)زكاتها و يتبع بها البائع أو يؤدّي زكاتها البائع».(3)


1) - في المصدر: شاته.

2) - في المصدر: منه.

3) - وسائل الشيعة 9: 127 / الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

(مسألة 30): اذا تعدّد أنواع التمر مثلاً و كان بعضها جيّدا أو أجود، و بعضها الآخر رديء أو أردى فالأحوط الأخذ من كلّ نوع بحصّته، ولكنّ الأقوى الاجتزاء بمطلق الجيّد و ان كان مشتملاً على الأجود، و لايجوز دفع الرديء عن الجيّد و الأجود على الأحوط.

الشرح:

قال في التذكرة: «و لو تعدّدت الأنواع أخذ من كلّ نوع بحصّته لينتفي الضرر عن المالك بأخذ الجيّد، و عن الفقراء بأخذ الرديء. و هو قول عامّة أهل العلم. و قال مالك و الشافعي: اذا تعدّدت الأنواع أخذ من الوسط. و الأولى أخذ عشر كلّ واحد؛ لأنّ الفقراء بمنزلة الشركاء. و لايجوز اخراج الرديء؛ لقوله تعالى: «و لاتيمّموا الخبيث منه تنفقون»، و نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن يؤخذ الجُعرور و عذق(1)ابن حُبَيق، لهذه الآية، و هما ضربان من التمر أحدهما يصير قشرا على نوى، و الآخر اذا أثمر صار حَشَفا(2). و من طريق الخاصّة قول الصادق عليه السلام : «و يترك معافأرة(3)و أمّ جعرور و لايزكّيان». انتهى».(4)

أقول:

لايجوز أخذ معافأرة المعافأرة و أمّ جعرور كما لايزكّيان؛ لما مرّ آنفا عن التذكرة. و لايجوز أخذ الرديء عن الجيّد أو الأجود لا لما ذكره في التذكرة منقوله تعالى: «و لاتيمّموا الخبيث منه تنفقون»(5)لأنّ المراد من الخبيث الحرام،


1) - العذق بالفتح: النخلة، و بالكسر: العرجون بما فيه من الشماريخ. نهاية ابن الأثير

2) - الحشف من التمر: ما لم ينو، فاذا يبس صلب و فسد. لسان العرب

3) - معافأرة: ضرب رديء من التمر. مجمع البحرين

4) - تذكرة الفقهاء 5: 161 و 162.

5) - البقرة 2: 267.

و فسّرت الآية أيضا بالمعافأرة و أمّ جعرور. بل لكونه ضررا على الفقراء سواء قلنا بتعلّق الزكاة بنحو الاشاعة أو الماليّة أو الكلّي في المعيّن و سواء أدّاها من العين أو القيمة. و أمّا أخذ الجيّد عن الأجود ففيه أيضا اشكال اذا تفاوتت قيمتهما. اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ المأمور به الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و ينطبق على الجيّد و الأجود بل الرديء من غير ما ورد النهي منه، و لم يقيّد المدفوع في شيء من نصوص الباب بوصف خاصّ كما كان كذلك في زكاة الأنعام، حيث ورد المنع عن دفع الشاة الهرمة أو المريضة أو المعيبة، و لم يرد مثل هذا التقييد في زكاة الغلاّت بوجه. اذن مقتضى الاطلاقات جواز الاخراج من كلّ فرد شاء، بعد أن كان اختيار الاخراج بيد المالك. و كيف كان، فعدم الاجتزاء بالرديء فضلاً عن الأردئ ان لم يكن أقوى فلا ريب في أنّه أحوط.

(مسألة 31): الأقوى أنّ الزكاة متعلّقة بالعين، لكن لا على وجه الاشاعة بل على وجه الكلّي في المعيّن و حينئذ فلو باع قبل أداء الزكاة بعض النصاب صحّ اذا كان مقدار الزكاة باقيا عنده، بخلاف ما اذا باع الكلّ، فانّه بالنسبة الى مقدار الزكاة يكون فضوليّا محتاجا الى اجازة الحاكم على ما مرّ، و لايكفي عزمه على الأداء من غيره في استقرار البيع على الأحوط.

الشرح:

انّ الزكاة تجب في العين لا في الذمّة، و لا فرق بين كون المال الذي تجب فيه الزكاة حيوانا أو غلّة أو أثمانا.

قال في المدارك: «و بهذا التعميم صرّح في المنتهى. انتهى».(1)

و قال في المنتهى: «الزكاة تجب في العين لا في الذمّة ذهب اليه علماؤنا


1) - مدارك الأحكام 5: 96.

أجمع، سواء كان المال حيوانا أو غلّة أو أثمانا، و به قال أكثر أهل العلم، و للشافعي قولان، و عن أحمد روايتان. انتهى».(1)

و في الجواهر: «انّ الزكاة تجب في العين لا في الذمّة، على المشهور نقلاً و تحصيلاً، بل في شرح المفاتيح للبهبهاني: «كاد يكون اجماعا» بل في موضع من التذكرة: «نسبته الى أصحابنا» و في آخر: «عندنا» و في ثالث: «نفي الخلاف عنه» و في كشف الحقّ: «نسبته الى الاماميّة» ... و في السرائر: «انّهم عليهم السلام أوجبوا الزكاة في الأعيان دون غيرها من الذمم» و في محكي الانتصار: «انّه الذي يقتضيه أصول الشريعة» و في محكي مجمع البرهان: «انّه المفهوم من الأخبار، و لعلّه لا خلاف فيه عند أصحابنا» و عن بعض أنّ القائل بالذمّة مجهول، و آخر نسبته الى الشذوذ من أصحابنا، و في البيان عن ابن حمزة أنّه نقله عن بعض الأصحاب، قيل: و لعلّه في الواسطة، اذ ليس لذلك في الوسيلة أثر، و أرسل القول به في محكي المبسوط، و لعلّه يريد بعض العامّة كما نسبه اليه في محكي المعتبر. انتهى».(2)

و استدلّ عليه مضافا الى ما تقدّم بوجوه:

الأوّل: الروايات الواردة في الغلاّت الوارد فيها العشر و نصفه ممّا هو حصّة مشاعة في العين الخارجيّة، و ما ورد في الغلاّت و غيرها بلفظ «في» التي هي حقيقة في الظرفيّة كقوله عليه السلام : «في مائتي درهم خمسة» و «في أربعين شاة شاة» و «في خمس من الابل شاة» و «في ثلاثين من البقر تبيع». فما يقال من أنّ المراد منلفظ «في» التسبيب، نحو قولهم عليهم السلام : «في القتل خطأً الدية» أو «في افطار شهر رمضان الكفّارة» و نحو ذلك ممّا تستعمل كلمة «في» للسببيّة، في غير محلّه، للفرق الواضح بين الموردين؛ اذ الحمل على الظرفيّة التي هي ظاهر كلمة «في» متعذّر في أمثال هذه الموارد، ضرورة أنّ الدية و كذا الكفّارة من سنخ الأموال، و


1) - منتهى المطلب 8: 244.

2) - جواهر الكلام 15: 138 و 139.

القتل و الافطار من قبيل الأفعال، و لا معنى لظرفيّة الفعل للمال. فلا بدّ من الحمل على السببيّة التي تكون خلاف الظهور الأوّلي الاّ أنّه مجاز شائع. و أمّا في أمثال المقام فلا مقتضي للعدول عن ظاهر اللفظ بعد أن كانت ارادة الظرفيّة التي هي مقتضى الوضع الأوّلي بمكان من الامكان.

الثاني: قولهم عليهم السلام في الروايات المعتبرة الدالّة على أنّ اللّه عزّوجلّ جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم، كقوله عليه السلام في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم:

«انّ اللّه عزّوجلّ فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم».(1)

و في صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«انّ اللّه عزّوجلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به».(2)

و في صحيحة ابن مسكان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ اللّه عزّوجلّ جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم».(3)

و في موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ اللّه عزّوجلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء فريضة. الحديث».(4)

بتقريب أنّ الظاهر من العبارات المتقدّمة جعل الفرض أي الزكاة في نفس أموال الأغنياء، لا في ذمّتهم، كما أنّ مصداق الموصول في هذه الصحاح هو المال الذي يكون في أموال الأغنياء.

الثالث: ما تضمّن التعبير بالشركة كموثّقة أبي المغراء عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 9: 10 / الباب 1 من أبواب ماتجب فيه الزكاة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 9: 10 / الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 9: 13 / الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 9.

4) - وسائل الشيعة 9: 13 / الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 10.

«انّ اللّه تبارك و تعالى أشرك بين الأغنياء و الفقراء في الأموال، فليس لهم أن يصرفوا الى غير شركائهم».(1)

و كذا ظاهر صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل لم يزكّ ابله أو شاءه عامين فباعها، على من اشتراها أن يزكّيها لما مضى؟ قال: نعم، تؤخذ منها زكاتها و يتبع بها البائع أو يؤدّي زكاتها البائع».(2)

فانّ الأخذ من المشتري يكشف عن أنّ البائع لم يملك من المبيع الاّ ما عدا مقدار الزكاة و أنّ هذا المقدار من العين ملك للغير، و لأجله يؤخذ من المشتري و يدفع اليه.

فرع : في كيفيّة تعلّق الزكاة بالعين

انّ تعلّق الزكاة بالعين يتصوّر على أنحاء:

أحدها: أن يكون على سبيل الشركة الحقيقيّة، بأن يكون للفقير في كلّ جزءمنها بالفعل جزء مشاع يكون مجموعه معادلاً للفريضة عينا أو قيمة، و مقتضاه على هذا التقدير عدم جواز التصرّف لأحد الشريكين الاّ برضا الآخر أو اذن الحاكم، و المعاملة بدون اذن الطرف فضوليّة، و تعيّن دفع الزكاة، من العين أو التبديل بالتراضي، و وقوع التلف بلا تفريط عليهما، و كون النماء لهما، و نحو ذلك.

ثانيها: أن يكون حقّ الفقير المتعلّق بالعين من قبيل الكلّي الخارجي، أي شيء


1) - وسائل الشيعة 9: 215 / الباب 2 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 9: 127 / الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

من مسمّى الفريضة الغير الخارج من هذه العين كصاع من هذه الصبرة التي هي أربعون صاعا، أو شاة من أربعين شاة، على سبيل الابهام و الاجمال من غير تقييده بشيء من عوارضها المشخّصة، و هذا أيضا نحو من الشركة، ولكنّها لاتقتضي منع المالك من التصرّف فيما زاد عن مقدار الفريضة، و على هذا الفرض كان تطبيق الكلّي على الفرد المؤدّى بعهدته و تعيينه باختياره، و لو تلف بعض الصبرة يقع على المالك قهرا، ففي خبر بريد الوارد فيمن اشترى عشرة آلاف طنّ من القصب من أنبار فيه ثلاثون ألف طنّ فاحترق القصب و بقي منه مقدار المبيع، فحكم الامام عليه السلام بكون الباقي للمشتري.(1)

ثالثها: استحقاق الفقير الفريضة التي سمّاها الشارع له من هذه العين، كاستحقاق غرماء الميّت من تركته حقّهم و ان لم يكن من جنسه، فالعين حينئذ مورد لهذا الحقّ من غير أن يكون الحقّ متقوّما بها، فاذا دفع المالك بل الأجنبي مسمّى الفريضة اليه فهو بمنزلة ما لو وفّى الوارث أو المتبرّع دين الميّت الذي تعلّق بعد موته بتركته، فقد أدّى اليه عين ما يستحقّه لا بدله.

و رابعها: أن يكون من قبيل حقّ الجناية الثابتة في العبد الجاني، فانّ العبد انقتل الحرّ عمدا كان الخيار لورثة المقتول، فان شاؤوا قتلوه و ان شاؤوا استرقّوه. و ان قتله خطأ كان الخيار لمولاه. فان شاء أدّى الدية و ان شاء دفعه الى الورثة ليسترقّوه. و في كلتا الصورتين لم يخرج العبد عن ملك مولاه، بل تصحّ معاملته عليه، ولكنّه متعلّق بحقّ الورثة.

و خامسها: أن يكون من قبيل حقّ الرهانة. و مقتضاه ثبوت الزكاة في الذمّة و كون النصاب رهنا لها، فالثابت أمران. و لايجوز التصرّف في العين ما لم يؤدّ الزكاة، فانّ العين بما أنّها ملك لهذا الشخص صارت رهنا لما في الذمّة، فلايجوز اخراجها عن ملكه مادامت متعلّقة بحقّ الغير. اللّهمّ الاّ أن يقال انّ العين ليست


1) - وسائل الشيعة 12: 365 / الباب 19 من أبواب عقد البيع و شروطه / الحديث 1.

بتمامها رهنا، بل بمقدار الزكاة منها؛ اذ المتعارف أن يكون الرهن بمقدار الدين فيجوز التصرّف في الزائد منها.

سادسها: أن يكون حقّ الفقير المتعلّق بالعين من قبيل حقّ من نذر له أن يتصدّق عليه بشيء من ماله فهو ما لم يدفعه بقصد التقرّب لايخرج عن ملك مالكه، و لايدخل في ملك الفقير، فحقّ الفقير المتعلّق بهذا المال قبل أن يصرف اليه هو استحقاق صرف شيء منه اليه، لا كونه بالفعل مملوكا له.

سابعها: أن يكون المجعول حكما تكليفيّا محضا من دون أن يستعقب حكما وضعيّا. فوزان الزكاة وزان سائر الواجبات الماليّة كالكفّارات و كالانفاق على الوالدين مثلاً من دون أن يثبت للفقراء ملك و لا حقّ، غاية الأمر ثبوت استحقاق العقوبة على مخالفته. نظير سائر الواجبات التكليفيّة. فالمال باقٍ على ملك مالكه و تصحّ المعاملات الواقعة عليه.

ثامنها: أن يكون المجعول ثبوت مال في ذمّة المالك كسائر الديون من دون أن ينتقل شيء من النصاب الى الفقراء أو يتعلّق به حقّ لهم. و مقتضاه بقاء الذمّة و ان تلف جميع النصاب بلا تفريط، و تكرّر الوجوب بتكرّر الحول على النصابالأوّل و غير ذلك.

تاسعها: أن يكون من قبيل حقّ الزوجة في الأشجار و الأبنية، حيث قالوا بتعلّقه بماليّتها لا بعينها. و ماليّة الشيء و قيمته كمملوكيّته أمر اعتباري يعتبره العقلاء عرضا له. ففي المقام أيضا يكون الثابت للفقراء ماليّة بعض النصاب. و انّما يجزي أداء العين أيضا بما أنّه أداء للماليّة. و يشترك المالك مع الفقراء في ماليّة النصاب، كما تشترك الزوجة مع الورثة في ماليّة الأبنية. و العرف يرى أداء كلّ من العين و القيمة أداء لماليّة الشيء، فيكون أداء القيمة أيضا أداءً لنفس الزكاة لا أداءً للبدل.

ثمّ اعلم أنّ السيّد في مفتاح الكرامة رجّح القول بالشركة فقال: «و أمّا كيفيّة تعلّقها بالعين فالظاهر أنّه بطريق الاستحقاق فالفقير شريك و قد نسب ذلك الى

الأصحاب في الايضاح و في المدارك أنّه الظاهر من كلام الأصحاب. و ذلك مقتضى الأدلّة الدالّة على وجوب الزكاة في العين و كلام القائلين بذلك ما عدا المصنّف في التذكرة في غاية الظهور في الشركة بل لايحتمل غيرها. و في التذكرة قرّب عدم الشركة و احتمل أنّه نحو تعلّق الدين بالرهن و تعلّق الأرش برقبة الجاني و اقتفاه الشهيد في ذلك. انتهى ملخّصا».(1)

و في الجواهر بعد أن اختار تعلّق الزكاة بالعين على جهة الاشاعة في مجموع النصاب قال: «و هو الظاهر من كلام الأصحاب على ما اعترف به في المدارك، بل عن ايضاح الفخر نسبته اليهم. (ثمّ نقل كلام العلاّمة في التذكرة و الشهيد في البيان فقال:) و الأصل في هذه الاحتمالات العامّة و ان تبعهم عليها غيرهم غفلة عمّا تقتضيه نصوصنا و غيرها. انتهى ملخّصا».(2)

و كيف كان فما يمكن أن يستدلّ به على أنّ كيفيّة تعلّق الزكاة بالعين بنحوالشركة الحقيقيّة و الاشاعة أمور:

منها ظواهر بعض النصوص مثل قوله عليه السلام : «فيما سقت السماء ... العشر»(3)و قوله: «في الذهب في كلّ أربعين مثقالاً مثقال»(4)لظهور ذلك في الكسر المشاع.

و أورد عليه المحقّق الهمداني بأنّه ليس في شيء منها اشعار - فضلاً عن الدلالة - بملكيّة شيء للفقير بالفعل حتّى يكون مقتضاها الشركة، بل هي بأسرها مسوقة لبيان الصدقة التي فرضها اللّه تعالى على العباد في الأجناس التسعة الزكويّة، فهذه الأخبار بأسرها بمنزلة الشرح لذلك.(5)

أضف اليه ما ذكره في المستند: «فالجمود على ظواهر النصوص و ان كان


1) - مفتاح الكرامة 3 كتاب الزكاة: 111.

2) - جواهر الكلام 15: 142.

3) - وسائل الشيعة 9: 183 / الباب 4 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 9: 141 / الباب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 13.

5) - مصباح الفقيه 13: 245.

يعطينا الاشاعة مرّة و الكلّي في المعيّن مرّة أخرى، الاّ أنّ في طائفة أخرى منها ما يستحيل ارادة شيء من ذينك المعنيين، مثل قوله عليه السلام : «في كلّ خمس من الابل شاة» و نحو ذلك ممّا كان الفرض مبائنا للعين، كموارد دفع الحقّة أو الجذعة أو ابن اللبون ممّا لايوجد شيء منه في العين الزكويّة ليتصوّر فيه الكلّي في المعيّن فضلاً عن الاشاعة. انتهى».(1)

و منها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

« ... انّ اللّه عزّوجلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به، و لو علم أنّ الذي فرض لهم لايكفيهم لزادهم».(2)

و صحيحة عبداللّه بن مسكان و غير واحد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ اللّه عزّوجلّ جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم، و لولاذلك لزادهم».(3)

و حسنة الوشّاء عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«قيل لأبي عبداللّه عليه السلام : لأيّ شيء جعل اللّه الزكاة خمسة و عشرين في كلّ ألف و لم يجعلها ثلاثين؟ فقال: انّ اللّه عزّوجلّ جعلها خمسة و عشرين أخرج من أموال الأغنياء بقدر ما يكتفي به الفقراء، و لو أخرج الناس زكاة أموالهم ما احتاج أحد».(4)

و أورد عليه المحقّق المزبور بمثل ما أورد على الأوّل، و أضاف بأنّ هذه الصحيحة و نظائرها صالحة لصرف بعض الروايات الظاهرة أو المشعرة بالملكيّة الفعليّة بحملها على ارادة الملكيّة الشأنيّة الناشئة من ايجاب دفعه اليهم.(5)


1) - مستند العروة 23: 388.

2) - وسائل الشيعة 9: 10 / الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 9: 13 / الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 9.

4) - وسائل الشيعة 9: 146 / الباب 3 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

5) - مصباح الفقيه 13: 246.

و منها صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل لم يزكّ ابله أو شاءه عامين فباعها، على من اشتراها أن يزكّيها لما مضى؟ قال: نعم، تؤخذ منه زكاتها و يتبع بها البائع أو يؤدّي زكاتها البائع».(1)

و قال المحقّق المزبور: «فانّ هذه الصحيحة أضعف ممّا مضى بل على خلاف مطلوبهم أدلّ، فانّ ظاهرها صحّة البيع و لزومه على تقدير أن يؤدّي البائع زكاته، و أنّ ما يؤدّيه البائع عين الزكاة لا بدلها. انتهى».(2)

و منها صحيحة بريد بن معاوية الواردة في آداب المصدّق قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: بعث أميرالمؤمنين عليه السلام مصدّقا منالكوفة الى باديتها، فقال له: يا عبداللّه، انطلق و عليك بتقوى اللّه - الى أن قال: - فاذا أتيت ماله فلاتدخله الاّ باذنه، فانّ أكثره له».(3)

و عن نهج البلاغة فيما كان يكتبه لمن يستعمله على الصدقات:

«فان كانت له ماشية أو ابل فلاتدخلها الاّ باذنه فانّ أكثرها له».(4)

فانّ قوله عليه السلام «أكثرها له» ظاهر في أنّ بعضه الذي هو مقابل الأكثر ليس له، بل هو حقّ اللّه جعله في أموالهم، كما يفصح عن ذلك صدر الكلام و ذيله.

و قال فيه(5)أيضا: ولكن المراد بحقّ اللّه بحسب الظاهر المال الذي أمر بالتصدّق به، لا أنّه تعالى أخرجه بالفعل عن ملك مالكه و جعله لنفسه أو للفقير. كما يشهد بذلك خبر غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عليه السلام قال:

«كان علي - صلوات اللّه عليه - اذا بعث مصدّقه قال له: اذا أتيت على


1) - وسائل الشيعة 9: 127 / الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

2) - مصباح الفقيه 13: 247.

3) - وسائل الشيعة 9: 129 / الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 9: 133 / الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 7.

5) - مصباح الفقيه 13: 248.

ربّ المال فقل: تصدّق - رحمك اللّه - ممّا أعطاك اللّه، فان ولّى عنك فلاتراجعه».(1)

و منها خبر علي بن أبي حمزة عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الزكاة تجب عليّ في موضع لاتمكنني أن أؤدّيها؟ قال: اعزلها، فان اتّجرت بها فأنت لها ضامن و لها الربح، و ان تَوِيَت(2)في حال ما عزلتها من غير أن تشغلها في تجارة فليس عليك، فان لم تعزلها فاتّجرت بها في جملة مالك فلها بقسطها من الربح و لا وضيعة عليها».(3)

و موثّقة أبي المغراء عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ اللّه تبارك و تعالى أشرك بين الأغنياء و الفقراء في الأموال، فليس لهم أن يصرفوا الى غير شركائهم».(4)

و الأولى منهما و ان كانت دلالتها تامّة الاّ أنّ سندها ضعيف و الثانية ليست دلالتها تامّة.

ثمّ انّ الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري استشكل(5)بأنّ الذي يقتضيه ملاحظة أحكام كثيرة للزكاة: ما ينافي الشركة، و من جملتها: ظهور النصّ و الفتوى في جواز اخراج الزكاة من غير العين. و دعوى كون ذلك من باب ضمان العين ببدله - مع أنّه خلاف المعهود من ضمان القيمي بقيمته دون مثله - تكلّف خارج عن مدلول النصوص و الفتاوى - الى أن قال: - و يدلّ على كون المخرج من غير العين نفس الزكاة لا بدلها بعد ضمان قيمتها، ما دلّ على جواز أداء المقرض زكاة


1) - وسائل الشيعة 9: 132 / الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 5.

2) - تويت: هلكت.

3) - وسائل الشيعة 9: 307 / الباب 52 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 9: 215 / الباب 2 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 4.

5) - كتاب الزكاة 10: 201 و 202.

القرض، كصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل استقرض مالاً فحال عليه الحول و هو عنده، قال:

«ان كان الذي أقرضه يؤدّي زكاته فلا زكاة عليه، و ان كان لايؤدّي أدّى المستقرض».(1)

و ما دلّ على احتساب الدين من الزكاة، كرواية يونس بن عمّار قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: قرض المؤمن غنيمة و تعجيل أجر، ان أيسر قضاك و ان مات قبل ذلك احتسبت به من الزكاة».(2)

و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«سألت أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن دين لي على قوم قد طال حبسه عندهم لايقدرون على قضائه و هم مستوجبون للزكاة، هل لي أن أدعه فأحتسب به عليهم من الزكاة؟ قال: نعم».(3)

و ما دلّ على تعجيل الزكاة، كصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):

«أنّه سأله عن رجل حال عليه الحول و حلّ الشهر الذي كان يزكّي فيه و قد أتى لنصف ماله سنة، و لنصف الآخر ستّة أشهر، قال: يزكّي الذي مرّت عليه سنة، و يدع الآخر حتّى تمرّ عليه سنة. قلت: فانّه اشتهى أن يزكّي ذلك. قال: ما أحسن ذلك».(4)

و ما دلّ على اشتراط اخراج الزكاة على المشتري و على متقبّل الأرض، كصحيحة عبداللّه بن سنان قال:


1) - وسائل الشيعة 9: 110 / الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 9: 299 / الباب 49 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 295 / الباب 46 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 9: 300 / الباب 49 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 4.

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: باع أبي من هشام بن عبدالملك أرضا له بكذا و كذا ألف دينار، و اشترط عليه زكاة ذلك المال عشر سنين، و انّما فعل ذلك لأنّ هشاما كان هو الوالي».(1)

قال المحقّق الهمداني: «فانّ الشركة الحقيقيّة مقتضاها حرمة تصرّف كلّ من الشريكين في المال الاّ باذن صاحبه و عدم جواز الدفع من غير العين بغير رضاه، و تبعيّة النماء للملك، و كون المالك لدى التفريط بالتأخير و غيره ضامنا لمنفعة مالالشريك و ان لم يستوفها، و أن يكون ضمان العين في الأنعام بالقيمة لا بالمثل، الى غير ذلك من الأحكام المترتّبة على الملكيّة الحقيقيّة ممّا لايمكن الالتزام بشيء منها هيهنا؛ لمخالفة كلّ منها لظاهر كلمات الأصحاب و الأخبار أو صريحها؛ اذ لا خلاف نصّا و فتوىً في أنّ للمالك اخراج الفريضة من غير النصاب، بل دفع قيمتها في الجملة. و كذا التصرّف في أجزاء النصاب ما عدا مقدار الزكاة، بل في جميعها حتّى باخراجه عن الملك ببيع و نحوه. كما يشهد لذلك صحيحة عبدالرحمن المتقدّمة الدالّة على صحّة بيع الابل و الغنم التي لم يزكّها صاحبها عامين، و ان بقي لزومه بالنسبة الى مقدار الزكاة مراعى بأن يؤدّي زكاتها البائع من مال آخر، بل ظاهر هذه الصحيحة بمقتضى الاقتصار في السؤال و الجواب على اخراج الزكاة من دون تعرّض لنمائها - مع أنّ الابل و الغنم في العامين لاتنفكّ عن النماء، من مثل الولد و اللبن و الصوف و أجرة الابل - عدم استحقاق الفقير لها، مع أنّ مقتضى الشركة الحقيقيّة ضمان الجميع و ان لم تكن مستوفاة؛ اذ لايتوقّف الضمان على الاستيفاء كما أنّ ظاهر كلمات الأصحاب أيضا ذلك. انتهى».(2)

و كيف كان فالظاهر أنّ القول بالشركة الحقيقيّة مشكل. و يمكن أن يقال كما قال الشيخ الأعظم: «انّ معنى تعلّق الزكاة بالعين هو أنّ اللّه تعالى أوجب على


1) - وسائل الشيعة 9: 173 / الباب 18 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

2) - مصباح الفقيه 13: 250.

المكلّف اخراج الجزء المعيّن من المال، فيكون شيء من العين حقّا للفقراء، بمعنى استحقاقهم لأن يدفع اليهم، و عدم جواز التصرّف فيه بوجه آخر، لا بمعنى ملكهم له بمجرّد حلول الحول الاّ أنّ الشارع قد أذن للمالك في اخراج هذا الحقّ من غير العين، فحينئذ فان أخرجه من غيره فله ذلك، و ان لم يخرجه من العين و لا من غيرها فللساعي تتبّع (بيع خ ل) العين؛ لأنّ الحقّ قد ثبت فيها. انتهى».(1)

و الظاهر أنّ هذا الحقّ كما ذهب اليه المحقّق الهمداني(2)يكون كحقّ الزوجة التي هي مستحقّة لأن تستوفي من البناء ثمن قيمتها، و ليس حقّ الزوجة المتعلّق بقيمة البناء دينا ثابتا في ذمّة الورثة، بل حقّا متعلّقا بتركته، فهذا قسم من الحقّ مبسوط على جميع المال. فلاينافيه التوزيع، و لا جواز اخراج الزكاة، من غير العين، و لا دفع القيمة.

و خلاصته أنّ الزكاة حقّ ماليّ متعلّق بالعين.

فرع : فيما لو باع المال الزكوي قبل أداء الزكاة

بعد أن اتّضحت كيفيّة تعلّق الزكاة بالعين فنقول: بناءً على الاشاعة لايجوز بيع المال الزكوي من دون رضى الشريك أو وليّه أعني الحاكم بل لايجوز التصرّف فيه مطلقا الاّ مع التراضي. و أمّا بناءً على ما ذهب اليه الماتن من أنّها بنحو الكلّي في المعيّن فيجوز بيع بعض النصاب اذا كان مقدار الزكاة باقيا عنده، فلو باع بعض النصاب على الأوّل أو كلّه على الثاني يكون البيع بالنسبة الى مقدار الزكاة فضوليّا محتاجا الى اجازة الحاكم الاّ أن يؤدّي البائع الزكاة كما تقدّم في المسألة التاسعة و


1) - كتاب الزكاة 10: 205 و 206.

2) - مصباح الفقيه 13: 253.

العشرين. و أمّا بناءً على كونها حقّا ماليّا متعلّقا بالعين كما هو المختار، فحيث انّ حقّ الفقراء كان متعلّقا بالزكاة خاصّة فلايجوز بيع الزكاة و لا التصرّف فيها، الاّ أن يؤدّيها أو قيمتها، فلو باعها من دون أن يؤدّي قيمتها، فتؤخذ من المشتري الزكاة و يتبع بها البائع، أو يؤدّي البائع زكاتها كما في صحيحة عبدالرحمن بنأبي عبداللّه المتقدّمة فانّه قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل لم يزكّ ابله أو شاءه عامين فباعها، على من اشتراها أن يزكّيها لما مضى؟ قال: نعم، تؤخذ منها(1)زكاتها و يتبع بها البائع أو يؤدّي زكاتها البائع».(2)


1) - في المصدر: منه.

2) - وسائل الشيعة 9: 127 / الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

(مسألة 32): يجوز للساعي من قبل الحاكم الشرعي خرص ثمر النخل و الكرم بل و الزرع على المالك، و فائدته جواز التصرّف للمالك بشرط قبوله كيف شاء، و وقته بعد بدوّ الصلاح و تعلّق الوجوب، بل الأقوى جوازه من المالك بنفسه اذا كان من أهل الخبرة أو بغيره من عدل أو عدلين و ان كان الأحوط الرجوع الى الحاكم أو وكيله مع التمكّن، و لايشترط فيه الصيغة فانّه معاملة خاصّة و ان كان لو جيء بصيغة الصلح كان أولى، ثمّ ان زاد ما في يد المالك كان له، و ان نقص كان عليه، و يجوز لكلّ من المالك و الخارص الفسخ مع الغبن الفاحش، و لو توافق المالك و الخارص على القسمة رطبا جاز و يجوز للحاكم أو وكيله بيع نصيب الفقراء من المالك أو من غيره.

الشرح:

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في معنى الخرص و صفته

قال في المدارك في معنى الخرص: «صفة الخرص أن تقدّر الثمرة لو صارت تمرا و العنب لو صار زبيبا، فان بلغ الأوساق وجبت الزكاة، ثمّ يخيّرهم بين تركه أمانة في يدهم و بين تضمينهم حقّ الفقراء، أو يضمن لهم حقّهم، فان اختاروا الضمان كان لهم التصرّف كيف شاؤوا، و ان أبوا جعله أمانة و لم يجز لهم التصرّف بالأكل و البيع و الهبة؛ لأنّ فيها حقّ المساكين. انتهى».(1)

و في المستند: «و معناه أن يبعث الامام ساعيا اذا بدا صلاح الثمر أو اشتدّ الحبّ فيخمّن الموجود و يستعلم كمّيّة الحاصل و يعرف بذلك قدر الزكاة فيأخذه


1) - مدارك الأحكام 5: 161.

من المالك و يستباح له التصرّف حينئذ في تمام الباقي. انتهى».(1)

و في مصباح الفقيه: «صفة الخرص على ما صرّح به في الجواهر و غيره: أن يدور الخارص بكلّ نخلة أو شجرة، و ينظر كم في الجميع رطبا أو عنبا، ثمّ يقدّر ما يجيء منه تمرا أو زبيبا. و يعتبر في نفوذه على المالك رضاه بذلك، و الاّ فله ترك الاعتماد على قول الخارص، و العمل بالكيل و الوزن في اخراج حصّة الفقراء، بل هذا هو الأحوط، فانّ غاية ما يمكن اثباته انّما هو جواز التعويل على ما أدّى اليه نظر الخارص في تفريغ ذمّته عن حقّ الفقراء، لا لزومه بحيث لم يجز له ترك الاعتماد عليه، و الرجوع الى سائر الطرق المفيدة للعلم بمقداره. انتهى».(2)

أقول:

الظاهر من الفتاوى عند التعبير بجواز الخرص هو ما قاله المحقّق المزبور و صاحب الجواهر من أنّ وجه اعتبار نفوذه على المالك رضاه بذلك، كما أنّ الظاهر من الأخبار المستدلّ بها على جواز الخرص هو نحو ارفاق على المالك ليتمكّن من التصرّف في ماله الزكوي. و هذا على القول بأنّ وقت وجوب الزكاة ما صار صرما في الكرم و احمرّ أو اصفرّ في النخيل صحيح، و أمّا على المختار من أنّ وقت تعلّق الوجوب هو التسمية فللمالك التصرّف في ماله ما لم يصر تمرا أو زبيبا، أو حنطة و شعيرا، و سيأتي باقي الكلام في فائدته.

الفرع الثاني : في الخرص في النخل و الكرم

الظاهر أنّه لا خلاف في جواز الخرص في النخل و الكرم. و ادّعى عليه


1) - مستند العروة 23: 393.

2) - مصباح الفقيه 13: 422.

الاجماع في الخلاف(1)، و في المنتهى أنّ عليه أكثر الفقهاء(2)، و في الجواهر: «بلا خلاف أجده بيننا».(3)

فممّا يدلّ على مشروعيّة الخرص في التمر و الزبيب صحيحة سعد بن سعد (في حديث) قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن العنب، هل عليه زكاة أو انّما تجب عليه اذا صيّره زبيبا؟ قال: نعم، اذا خرصه أخرج زكاته».(4)

و الخبر المروي في المعتبر من أنّ النبي صلى الله عليه و آلهكان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم و ثمارهم.(5)

و معتبرة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «يا أيّها الذين آمَنوا أَنفِقوا من طَيّباتِ ما كَسَبتم و ممّا أَخرجنا لَكم من الأرضِ و لاتَيمَّمُوا الخبيثَ منه تُنفقون»(6)قال:

«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله اذا أمر بالنخل أن يزكّى يجيء قوم بألوان من التمر و هو من أردئ التمر يؤدّونه من زكاتهم تمرا يقال له: الجعرور والمعافأرة، قليلة اللحاء عظيمة النوى، و كان بعضهم يجيء بها عن التمر الجيّد، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لاتخرصوا هاتين التمرتين، و لاتجيئوا منهما بشيء، و في ذلك نزل: «و لاتيمّموا الخبيث منه تنفقون و لستم بآخذيه الاّ أن تُغمضوا فيه»و الاغماض أن يأخذ


1) - الخلاف 1: 294 / مسألة 72.

2) - منتهى المطلب 8: 213.

3) - جواهر الكلام 15: 254.

4) - وسائل الشيعة 9: 195 / الباب 12 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 2.

5) - المعتبر في شرح المختصر 2: 535.

6) - البقرة 2: 267.

هاتين التمرتين».(1)

فانّ من تخصيص النهي بهذين النوعين يكشف عن أنّ الخرص في التمر كان أمرا شائعا متعارفا بين الناس و قد أقرّه صلى الله عليه و آله غير أنّه منع منه في هذين النوعين.

الفرع الثالث : في الخرص في الزرع

اختلف الأصحاب في جواز الخرص في الزرع، فأثبته الشيخ و جماعة و نفاه ابن الجنيد و المحقّق في المعتبر و العلاّمة في المنتهى و التحرير.

قال في الخلاف: «يجوز الخرص على أرباب الغلاّت و تضمينهم حصّة المساكين - الى أن قال: - دليلنا اجماع الفرقة. انتهى».(2)

فاطلاق كلام الشيخ و الاجماع الذي ادّعاه يشملان الزرع أيضا، كما أنّ الظاهر ادّعاء الاجماع على التضمين أيضا.

و في التذكرة: «يجوز الخرص على أرباب الغلاّت و الثمار بأن يبعث الامام ساعيا اذا بدا صلاح الثمرة أو اشتدّ الحبّ ليخرصها و يعرف قدر الزكاة و يعرّف المالك ذلك، و به قال أكثر العلماء. انتهى ملخّصا».(3)

و ظاهره أيضا جواز الخرص في الزرع أيضا و ان لم تشمله الرواية المنقولة.

و بازائهما قال في المعتبر: «ظاهر كلام الشيخ رحمه الله جواز الخرص في الزرع، كما هو في النخل و الكرم. و أنكر ذلك أحمد و مالك و خصّه بالنخل و الكرم؛ اقتصارا على ما فعله سعاة النبي صلى الله عليه و آله، و لعلّ ما ذكره مالك أشبه بالمذهب. و به قال


1) - وسائل الشيعة 9: 205 / الباب 19 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 1.

2) - الخلاف 1: 294 / مسألة 72.

3) - تذكرة الفقهاء 5: 162.

ابن الجنيد منّا. انتهى».(1)

و في المنتهى: «الأقرب اختصاص الخرص بالنخل و الكرم. و به قال مالك و أحمد و اختاره ابن الجنيد. انتهى».(2)

و استُدلّ للمانعين(3)أوّلاً بأنّه نوع تخمين و عمل بالظنّ فلايثبت الاّ في موضع الدلالة.

و ثانيا بأنّ الزرع قد يخفى خرصه لاستتار بعضه و تبدّده بخلاف النخل و الكروم، فانّ ثمرتهما ظاهرة يتمكّن الخارص من ادراكها و الاحاطة بها.

و ثالثا بأنّ الحاجة في النخل و الكرم ماسّة الى الخرص لاحتياج أربابها الى تناولها غالبا رطبة قبل الجذاذ و الاقتطاف، بخلاف الزرع، فانّ الحاجة الى تناول الفريك قليلة جدّا.

و أجيب عن الثاني(4)بعدم اختفاء مثله على أهل الخبرة و مهرة الفنّ. نعم، تطرّق احتمال الاشتباه فيه أكثر من غيره، الاّ أنّه بمقدار يسير لايلتفت اليه، غير الصالح للمنع عن الخرص.

و قيل: العمدة عدم دليل ظاهر من النصّ أو الاجماع مع كونه خلاف القاعدة،فانّ مقتضاها تعيين ما عليه من حقّ الفقراء بما لايحتمل النقص فيه، و الاكتفاء بالخرص الذي يعيّن حقّهم بالتخمين و الظنّ يحتاج الى دليل قاطع و هو مفقود في المقام.

نعم، استدلّ له بصحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام (في حديث) قال:


1) - المعتبر في شرح المختصر 2: 537.

2) - منتهى المطلب 8: 221.

3) - مدارك الأحكام 5: 160.

4) - مستند العروة 23: 394.

«سألته عن الزكاة في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، متى تجب على صاحبها؟ قال: اذا صرم و اذا خرص».(1)

بناءً على أن يكون «الخرص» بالخاء المعجمة، و قيل برجوعه الى جميع المذكورات، فتدلّ على ثبوت الخرص في الزرع أيضا، و يراد بالجملتين أنّ من أراد الصرم أخرج زكاته حين الصرم، و من أراد تأخير الصرم فعليه اخراجها حين الخرص، أو يراد التخيير مطلقا.

و أورد عليها في المستند: «بأنّ ظاهرها غير قابل للأخذ و لا بدّ من ردّ علمها الى أهله، ضرورة أنّ وقت تعلّق الوجوب امّا عند انعقاد الحبّ و حال الاحمرار و الاصفرار كما عليه المشهور، أو حال التسمية كما هو الصحيح، و كلاهما و لاسيّما الأوّل منهما سابق على زمان الصرم و الخرص قطعا. فكيف يناط الوجوب بذلك؟! فانّ السؤال بقوله: «متى تجب على صاحبها» سؤال عن وقت تعلّق الوجوب، و قد علّقه عليه السلام على الصرم و الخرص بحيث يظهر أنّ هذا شرط في الوجوب ينتفي بانتفائه، أفهل ترى أنّ الزرع أو الثمر لو لم يصرم و لم يخرص قطّ لم يتعلّق به الوجوب؟! انتهى».(2)

و قد قلنا في توجيه الصحيحة في المسألة الأولى من هذا الفصل: انّ الظاهركون السؤال عن وقت وجوب الاخراج، لا وقت التعلّق؛ لأنّ الصرم بمعنى القطع و الحصاد، و يستفاد من عطف الخرص على الصرم أنّه اذا لم يرد صرمه يخرصه و يؤدّي زكاته. و نقول هنا أيضا انّه لا وجه لاحتمال كون الجملة المنقولة عن الامام عليه السلام : «اذا صرم و اذا حرص» بالحاء المهملة. و كذا انّ الظاهر رجوع «الخرص» الى جميع المذكورات كما يرجع «الصرم» اليها.

فالمتحصّل أنّ الصحيحة تدلّ على جواز الخرص في الغلاّت أيضا.


1) - وسائل الشيعة 9: 194 / الباب 12 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 1.

2) - مستند العروة 23: 394.

قال المحقّق الهمداني: «و يستفاد من صحيحة سعد بن سعد مشروعيّته في جميع الغلاّت الأربع، فالقول بعدم جوازه في غير ثمرة النخل و الكرم ضعيف. اللّهمّ الاّ أن يناقش في دلالة الصحيحة بابداء بعض الاحتمالات التي تكون مخالفة للظاهر. انتهى ملخّصا».(1)

الفرع الرابع : في فائدة الخرص و وقته

قال في الجواهر: «و فائدة الخرص أنّ للمالك مع قبوله التصرّف كيف شاء، بخلاف ما اذا لم يقبل، فانّه لايجوز التصرّف فيه على ما نصّ عليه جماعة. انتهى».(2)

أقول:

ان قلنا بأنّ وقت وجوب التعلّق التسمية كما هو الحقّ، فقبلها يجوز لهالتصرّف في ماله كيف شاء، سواء كان هناك خرص أو لا. نعم، فائدته لجواز التصرّف تظهر بعد التسمية، و أمّا على القول المشهور من أنّ وقت تعلّقه حين الاصفرار أو الاحمرار في النخل و انعقاد الحبّ في الزرع، و الحصرم في الكرم، فيفيد الخرص تصرّف المالك في ماله كيف شاء.

ثمّ اعلم أنّ فائدة الخرص أي جواز تصرّف المالك في ماله منوط بقبول المالك و تضمين حقّ الفقراء، فلو لم يقبل أو لم يكن هناك خرص، فلايجوز التصرّف له بعد بدوّ الصلاح على القول المشهور و بعد التسمية على الآخر، على جميع أنحاء كيفيّة تعلّق الزكاة بالعين. نعم، بناءً على كون تعلّقها على نحو الكلّي


1) - مصباح الفقيه 13: 420.

2) - جواهر الكلام 15: 265.

في المعيّن فيجوز له التصرّف حتّى يبقى عشره.

ثمّ انّ وقت الخرص هو وقت تعلّق الوجوب، فعلى المشهور حين بدوّ الصلاح، و على القول الآخر حين التسمية.

قال في المعتبر: «وقت الخرص حين يبدو صلاح الثمرة؛ لأنّه وقت الأمن على الثمرة من الجائحة غالبا؛ لما روي أنّ النبي صلى الله عليه و آله كان يبعث عبداللّه بن رواحة خارصا للنخيل حين تطيب. انتهى».(1)

و قال في مفتاح الكرامة: «و وقته حين بدوّ الصلاح كما نصّ عليه جماعة و كأنّه ممّا لا ريب فيه. انتهى».(2)

و هنا اشكال و هو أنّ مثل المحقّق و صاحب العروة و غيرهما ممّن يقول بأنّ وقت التعلّق صدق الاسم كيف يجعلون وقت الخرص بدوّ الصلاح مع عدم تعلّق الزكاة بعد؟ و لعلّ المالك يريد صرف الثمار أو بيعها قبل صدق الاسم، فكيف يجوز خرص ثماره و تضمينه الزكاة؟

الفرع الخامس : في الخارص

قال في الجواهر: «و الخارص الامام عليه السلام أو نائبه الخاصّ أو العامّ؛ لولايته على مال الفقراء، بل قد يقوى جوازه من المالك اذا كان عارفا، و خصوصا مع تعذّر الرجوع الى الولي العامّ كما عن الفاضلين و الشهيد و المقداد و الصيمري النصّ عليه، و على جواز اخراجه عدلاً يخرصه له و ان كان الأحوط الرجوع الى الولي مع التمكّن. قال في المعتبر: «و يجوز عندنا تقويم نصيب الفقراء من غير مراجعة


1) - المعتبر في شرح المختصر 2: 535.

2) - مفتاح الكرامة 3 كتاب الزكاة: 107.

الساعي». و لعلّه لمعلوميّة عدم خصوصيّة خرص الساعي، و اطلاق قوله عليه السلام في صحيح سعد بن سعد: «اذا خرصه أخرج زكاته». انتهى».(1)

و يؤيّد ما ذهب اليه صاحب الجواهر و من سمّاهم من الفقهاء الى جواز خرص المالك أو من كان ثقة من غير مراجعة الساعي، قوله عليه السلام في وصيّته بساعيه:

«ثمّ قل لهم: يا عباد اللّه ... فهل للّه في أموالكم من حقّ فتؤدّوه الى وليّه، فان قال لك قائل: لا، فلاتراجعه. الحديث».(2)

فاذا قبل قوله في عدم كون الحقّ في ماله ففي قبول خرصه و أنّ عليه من الحقّ كذا و كذا أولى. و بالجملة انّ المأمور بالأداء هو المالك، فله تعيين المقدار بالخرص بدل الكيل أو الوزن، كما أنّ له التقسيم و افراز مقدار الزكاة. و قد تقدّم أنّ له تقويم مقدار الزكاة و اعطائه و لو من غير الجنس. نعم، كلّ ذلك اذا لم يرد أن يصرمه بل أراد ابقاءه، أو اذا صرمه و أحصده و كان الخرص متعارفا و مساوياللكيل و الوزن عند العرف. و في غير ذلك يشكل الخرص لغير الساعي؛ لأنّه يجب عليه اخراج حقّ الفقراء تحقيقا و الخرص تخمين.

و تقدّم آنفا أنّه يجزئ خارص واحد؛ لأنّ النبي صلى الله عليه و آله اقتصر على الواحد. و عليه لايشترط في الخارص ان لم يكن مالكا أن يكون عدلاً، فضلاً عن العدلين بل يكفي كونه ثقة.

الفرع السادس : في أنّه هل يكون الخرص معاملة خاصّة؟

ذهب الماتن الى أنّه معاملة خاصّة، و لايشترط فيه الصيغة، و لو جيء به


1) - جواهر الكلام 15: 257.

2) - وسائل الشيعة 9: 130 / الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

بصيغة الصلح كان أولى.

و قال في الجواهر: «و لايشترط في الخرص صيغة، بل هو معاملة خاصّة يكتفى فيها بعمل الخرص و بيانه، و لو جيء بصيغة الصلح كان أولى، و هو معاملة غريبة؛ لأنّها تتضمّن وحدة العوض و المعوّض و ضمان العين، ثمّ ان زاد ما في يد المالك كانت الزيادة له و ان قيل: انّه يستحبّ له بذل الزيادة، و ان نقص فعليه، تحقيقا لفائدة الخرص، لكن جزم بعدم الضمان في البيان، و تردّد فيه في المعتبر؛ لأنّ الحصّة أمانة في يده، و لايستقرّ ضمان الأمانة كالوديعة، و هو كما ترى. انتهى».(1)

ولكن الظاهر أنّ الخرص لم يكن معاملة خاصّة؛ اذ لم يعلم ممّا دلّ على أنّ النبي صلى الله عليه و آله كان يبعث من يخرص عليهم كرومهم و نخيلهم أزيد من ارادة معرفةحقّ الفقير بطريقة التخمين، و جواز التعويل على هذه الطريقة في مقام مطالبة المالك بحقّ الفقير، و الزامه بالخروج عن عهدته، أو الاخراج من تركته لدى موته، أو تعويل المالك عليه في مقام تصرّفه في الثمرة بالبيع و الشراء و غيره ما لم ينكشف خطؤه أو غلطه، كما لو قامت بيّنة بعد حصاد الزرع على أنّ ثمرته بالوزن أو الكيل بلغت كذا مقدارا، فانّه يجوز التعويل عليها في ترتيب جميع هذه الآثار ما لم ينكشف الخلاف، و الاّ عمل على ما يقتضيه حكمه في الواقع. و بالجملة انّ مقتضى قوله عليه السلام : «فيما سقت السماء العشر» وجوب ايصال عشر الحاصل الى مستحقّه، و الخرص انّما شرّع لتعيين مقدار العشر، لا لرفع هذا الحكم عن موضوعه، حتّى يكون ثمرته أنّه لو انكشف الخلاف و زاد ما في يد المالك كان له و ان نقص كان عليه، أو يقال بأنّه يجوز لكلّ من المالك و الخارص الفسخ مع الغبن الفاحش، كما في المتن.

نعم، يجوز للساعي مصالحة المالك اذا يرى الحاكم المصلحة في ذلك، و


1) - جواهر الكلام 15: 258.

ثمرته ما أشار اليه في المتن، و كذا لو قلنا بأنّه معاملة خاصّة، بمعنى أنّه ان زاد ما في يد المالك كان له، و ان نقص كان عليه، و يجوز لكلّ من المالك و الخارص الفسخ مع الغبن الفاحش؛ لأنّ خيار الغبن يطّرد في كلّ المعاملات و لايختصّ بالبيع.

ثمّ انّه لو توافق المالك و الخارص على القسمة رطبا جاز؛ لأنّ الحقّ بينهما، لكنّه مبنيّ على القول المشهور من أنّ وقت تعلّق الوجوب حين بدوّ الصلاح. و يجوز أيضا للحاكم أو وكيله بيع نصيب الفقراء من المالك أو من غيره؛ لعموم ولاية الحاكم.

(مسألة 33): اذا اتّجر بالمال الذي فيه الزكاة قبل أدائها، يكون الربح للفقراءبالنسبة. و ان خسر يكون خسرانها عليه.

الشرح:

من باع شيئا فان كان مالكا أو مأذونا من المالك في بيعه صحّ البيع، و أمّا ان لم يكن مالكا و لا مأذونا منه فالبيع فضوليّ، فان أجاز المالك صحّ البيع فيرجع الثمن الى المالك، ربح أو خسر. و أمّا فيما نحن فيه، اذا باع المال الذي فيه الزكاة قبل أدائها فان أدّى البائع زكاته فالبيع صحيح، و ان لم يؤدّها فتؤخذ من المشتري و يتبع بها البائع، و ذلك لما تقدّم في المسألة الحادية و الثلاثين من صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل لم يزكّ ابله أو شاءه عامين فباعها، على من اشتراها أن يزكّيها لما مضى؟ قال: نعم، تؤخذ منها(1)زكاتها و


1) - في المصدر: منه. هامش الوسائل

يتبع بها البائع أو يؤدّي زكاتها البائع».(1)

فلو لم يؤدّ البائع الزكاة و أجاز الحاكم الشرعي البيع يؤخذ من المشتري ثمن حصّة الفقراء، سواء ربح أو خسر.

و عليه فما ذهب اليه الماتن من أنّ الربح للفقراء بالنسبة، و ان خسر يكون خسرانها عليه، فلم يدلّ عليه دليل الاّ ما رواه علي بن أبي حمزة عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الزكاة تجب عليّ في موضع(2)لاتمكنني أن أؤدّيها؟ قال: اعزلها، فان اتّجرت بها فأنت لها ضامن و لها الربح، و ان تويت(3)في حال ما عزلتها من غير أن تشغلها في تجارة فليس عليك، فان لم تعزلها فاتّجرت بها في جملة مالك فلها بقسطها من الربح و لا وضيعة عليها».(4)

و هذه الرواية مرسلة مضافا الى جهالة يعلى أو معلّى بن عبيد. نعم، انّ علي بن أبي حمزة ليس هو البطائني الضعيف الكذّاب، فانّه من أصحاب الصادق عليه السلام ، و هذا يروي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام ، و انّما هو أبو حمزة الثمالي الموثّق هو و ابنه علي.

و يمكن أن يقال بأنّ هذا جارٍ فيما اذا لم يجز الحاكم البيع و لم يؤدّ البائع الزكاة.


1) - وسائل الشيعة 9: 127 / الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.

2) - في نسخة: مواضع. هامش الوسائل

3) - تَوِيَت: هلكت. مجمع البحرين

4) - وسائل الشيعة 9: 307 / الباب 52 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.

(مسألة 34): يجوز للمالك عزل الزكاة و افرازها من العين أو من مال آخر مع عدم المستحقّ، بل مع وجوده أيضا على الأقوى، و فائدته صيرورة المعزول ملكا للمستحقّين قهرا حتّى لايشاركهم المالك عند التلف، و يكون أمانة في يده، و حينئذ لايضمنه الاّ مع التفريط أو التأخير مع وجود المستحقّ. و هل يجوز للمالك ابدالها بعد عزلها؟ اشكال، و ان كان الأظهر عدم الجواز، ثمّ بعد العزل يكون نماؤها للمستحقّين متّصلاً كان أو منفصلاً.

الشرح:

يجوز للمالك عزل الزكاة و افرازها، و ذلك لصحيحة أبي بصير عنأبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا أخرج الرجل الزكاة من ماله ثمّ سمّاها لقوم فضاعت أو أرسل بها اليهم فضاعت فلا شيء عليه».(1)

و صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:

«اذا أخرجها من ماله فذهبت و لم يسمّها لأحد فقد برئ منها».(2)

و موثّقة يونس بن يعقوب قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : زكاتي تحلّ عليّ في شهر، أيصلح لي أن أحبس منها شيئا مخافة أن يجيئني من يسألني؟ فقال: اذا حال الحول فأخرجها من مالك، لاتخلطها بشيء، ثمّ أعطها كيف شئت. قال: قلت: فان أنا كتبتها و أثبتّها يستقيم لي؟ قال: لايضرّك».(3)

و مرسلة علي بن أبي حمزة عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 9: 286 / الباب 39 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 9: 286 / الباب 39 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 9: 307 / الباب 52 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.

«سألته عن الزكاة تجب عليّ في موضع(1)لاتمكنني أن أؤدّيها؟ قال: اعزلها، فان اتّجرت بها فأنت لها ضامن و لها الربح، و ان تويت في حال ما عزلتها من غير أن تشغلها في تجارة فليس عليك، فان لم تعزلها فاتّجرت بها في جملة مالك فلها بقسطها من الربح و لا وضيعة عليها».(2)

فانّ الظاهر من هذه الروايات جواز عزل الزكاة و افرازها، لا وجوبه. و هذا واضح من صحيحتي أبي بصير و عبيد بن زرارة، و أمّا الموثّقة و المرسلة و ان كانظاهرهما الأمر، الاّ أنّه لايستفاد منه الوجوب؛ لكونه في مقام توهّم الحظر؛ لأنّ الراوي في الموثّقة كان يظنّ عدم جواز حبس شيء من الزكاة فقال عليه السلام بعزل الزكاة و جوازه. هذا مضافا الى أنّ الظاهر من ذيلها عدم تعيّن العزل و كفاية الكتابة و الضبط. و يظهر منه كفاية تضمين المالك أيضا في جواز تصرّفه في المال. و يمكن أن يقال أيضا: انّ الأمر بالاخراج في الموثّقة و المرسلة ظاهر في الارشاد الى ما يترتّب على العزل من عدم الضمان بالتلف لا في وجوبه تعبّدا.

كما أنّ الظاهر منها أيضا جواز العزل مع وجود المستحقّ كما يجوز مع عدمه.

قال في الجواهر: «اذا لم يجد المالك لها مستحقّا يدفعها اليه فالأفضل له عزلها و تعيينها في مال مخصوص، و به يتشخّص المال حينئذ زكاة، و يتبعه النماء و غيره، و لايجب؛ للأصل و غيره، و ان قيل: انّه محتمل عبارة الشيخين و غيرهما، و لعلّ نصّ المصنّف و الفاضل و الشهيد على الأفضليّة دفعا لهذا الاحتمال الذي لم أجد قائلاً به و لا دليلاً عليه - الى أن قال: - لاينكر ظهور معظم هذه النصوص في مشروعيّة العزل و حصول فائدته مع وجود المستحقّ و لو من جهة الاطلاق، بل كاد يكون صريح بعضها، و من هنا جزم الفاضل في المحكي من تذكرته و منتهاه


1) - في نسخة: مواضع. هامش الوسائل

2) - وسائل الشيعة 9: 307 / الباب 52 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.

بأنّ له العزل بحول الحول سواء كان المستحقّ موجودا أو لا. انتهى».(1)

ثمّ انّه يجوز العزل من العين أو من مال آخر من النقدين أو من غيرهما كما سبق في المسألة الرابعة من فصل زكاة الأنعام، و ذلك لاطلاق النصوص الواردة في القيمة، كصحيحة البرقي قال:

«كتبت الى أبي جعفر الثاني عليه السلام : هل يجوز أن أخرج عمّا يجب في الحرث من الحنطة و الشعير، و ما يجب على الذهب، دراهم بقيمةما يسوى؟ أم لايجوز الاّ أن يخرج من كلّ شيء ما فيه؟ فأجاب عليه السلام : أيّما تيسّر يخرج».(2)

و معتبرة يونس بن يعقوب قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : عيال المسلمين، أعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها ثيابا و طعاما و أرى أنّ ذلك خير لهم؟ قال: فقال: لابأس».(3)

ثمّ انّ فائدة العزل صيرورة المعزول ملكا للمستحقّين قهرا حتّى لايشاركهم المالك عند التلف و يكون أمانة في يده، و حينئذ لايضمنه الاّ مع التفريط أو التأخير مع وجود المستحقّ.

و الدليل على ذلك كلّه ما تقدّم من صحيحتي أبي بصير و عبيد بن زرارة و موثّقة يونس بن يعقوب و مرسلة علي بن أبي حمزة، و معتبرة بكير بن أعين قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يبعث بزكاته فتسرق أو تضيع؟ قال: ليس عليه شيء».(4)


1) - جواهر الكلام 15: 440 و 441.

2) - وسائل الشيعة 9: 167 / الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 168 / الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 9: 287 / الباب 39 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 5.

و صحيحة أبي بصير قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام : جعلت فداك، الرجل يبعث بزكاة ماله من أرض الى أرض فيقطع عليه الطريق! فقال: قد أجزأته(1)، و لو كنت أنا لأعدتها».(2)

و يدلّ عليه أيضا و على الأخير صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل بعث بزكاة ماله لتقسّم فضاعت، هل عليه ضمانها حتّى تقسّم؟ فقال: اذا وجد لها موضعا فلم يدفعها(3)فهو لها ضامن حتّى يدفعها، و ان لم يجد لها من يدفعها اليه فبعث بها الى أهلها فليس عليه ضمان؛ لأنّها قد خرجت من يده، و كذلك الوصي الذي يوصى اليه يكون ضامنا لما دفع اليه اذا وجد ربّه الذي أمر بدفعه اليه، فان لم يجد فليس عليه ضمان».(4)

و صحيحة زرارة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل بعث اليه أخ له زكاته ليقسّمها فضاعت. فقال: ليس على الرسول و لا على المؤدّي ضمان. قلت: فانّه لم يجد لها أهلاً ففسدت و تغيّرت، أيضمنها؟ قال: لا، ولكن ان عرف لها أهلاً فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتّى يخرجها».(5)

ثمّ بعد العزل يكون نماؤها للمستحقّين متّصلاً كان أو منفصلاً، و ذلك لتعيّن الحقّ فيه بعد فرض صحّة العزل و كونه أمانة في يد المالك.

فالأحكام المترتّبة على العزل سبعة:


1) - كذا في الأصل، و في المخطوط أضاف: عنه، و في المصدر: أجزأت عنه. هامش الوسائل

2) - وسائل الشيعة 9: 287 / الباب 39 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 6.

3) - في نسخة زيادة: اليه. هامش الوسائل

4) - وسائل الشيعة 9: 285 / الباب 39 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 9: 286 / الباب 39 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.

الأوّل: صيرورة المعزول ملكا للمستحقّ.

الثاني: كونه أمانة شرعيّة، و من أحكامها عدم ضمانه لو تلف بغير تفريط و عدم جواز تأخيره مع وجود المستحقّ الاّ أن يؤخّره لمصلحة.

الثالث: جواز التصرّف في الباقي على جميع أنحاء التعلّق بالعين من الاشاعة و الكلّي في المعيّن و غيرهما.

الرابع: صحّة بيع الباقي و كون الربح له.

الخامس: كون بيع المعزول فضوليّا على ما تقدّم في المسألة السابقة.

السادس: عدم جواز الابدال الاّ على نحو التبديل بالقيمة لو اقتضت المصلحة ذلك و الأحوط أن يكون باذن الحاكم الشرعي.

السابع: نماء المعزول تابع للأصل.

و لابأس بالاشارة الى خلاصة ما قاله الشيخ الأنصاري في هذه المسألة: «يجوز افراز الزكاة في الجملة بدليل أخبار الاخراج و العزل، و لايضمن لو تلف بغير تفريط و لا تأخير مع التمكّن، كما يدلّ عليه المستفيضة، فانّه لولا التعيّن بالتعيين كان كحالة عدم التعيين في أنّه لايحتسب من الزكاة الاّ ما يخصّ التالف بنسبته الى الكلّ. و أمّا عدم جواز الابدال فلأنّه لو جاز له الابدال كان الواجب الكلّيّ المتردّد بين المفروز و غيره، فلايسقط بتلف خصوص المفروز. هذا لو فرضنا منع خروجه عن الملك بالافراز، و الاّ فلا اشكال في عدم الجواز؛ لاحتياج الجواز الى ثبوت ولاية منتفية عن المالك بعد العزل و ان كان مخيّرا في صرفه في أيّ المصارف، و لايوجب هذا ولاية. و أمّا ملكه للنماء المتّصل، فلأنّه يتبع العين في وجوب الدفع لأنّه جزء منه. و أمّا المنفصل فهو مبنيّ على خروجه عن ملك المالك، و الانصاف أنّه لم يظهر ذلك من أدلّة العزل على وجه تطمئنّ به النفس. غاية ما يمكن أن يقال باستفادة ذلك ممّا ورد في النصوص و الفتاوى من عنواني الاخراج و العزل، حيث انّهما يدلاّن على أنّ المخرج و المعزول زكاة، و من حكم

الزكاة خروجها عن ملك المالك، و كذلك الحكم بالضمان في الأخبار عند التلف بعد التمكّن من الدفع، فانّ الضمان ظاهر في كونه خارجا عن ملكه. انتهى ملخّصا».(1)


1) - كتاب الزكاة: 370.

فصل : فيما يستحبّ فيه الزكاة

و هو على ما أشير اليه سابقا أمور: «الأوّل»: مال التجارة و هو المال الذي تملّكه الشخص و أعدّه للتجارة و الاكتساب به، سواء كان الانتقال اليه بعقد المعاوضة، أو بمثل الهبة أو الصلح المجّاني أو الارث على الأقوى، و اعتبر بعضهم كون الانتقال اليه بعنوان المعاوضة، و سواء كان قصد الاكتساب به من حين الانتقال اليه أو بعده، و ان اعتبر بعضهم الأوّل، فالأقوى أنّه مطلق المال الذي أعدّ للتجارة، فمن حين قصد الاعداد يدخل في هذا العنوان و لو كان قصده حين التملّك بالمعاوضة أو بغيرها الاقتناء و الأخذ للقنية، و لا فرق فيه بين أن يكون ممّا يتعلّق به الزكاة الماليّة وجوبا أو استحبابا، و بين غيره كالتجارة بالخضروات مثلاً، و لا بين أن يكون من الأعيان أو المنافع كما لو استأجر دارا بنيّة التجارة.

الشرح:

المشهور بين أهل السنّة وجوب الزكاة في مال التجارة، و المشهور بين أصحابنا استحبابها. و يظهر من بعضهم الوجوب.

ففي المغني لابن قدامة، المؤلّف على فقه الحنابلة: «تجب الزكاة في قيمة عروض التجارة في قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنّ في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة اذا حال عليها الحول ... و حكى عن مالك و داوود أنّه لا زكاة فيها؛ لأنّ النبي صلى الله عليه و آله قال: عفوت لكم عن صدقة الخيل و الرقيق. و لنا ما روى أبو داوود باسناده عن سمرة بن جندب قال: «كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يأمرنا أن نخرج الزكاة ممّا نعدّه للبيع. انتهى».(1)

و قال في الخلاف: «لا زكاة في مال التجارة عند المحصّلين من أصحابنا، و اذا باع استأنف به الحول. و فيهم من قال: فيه الزكاة اذا طلب برأس المال أو بالربح. و منهم من قال: اذا باعه زكّاه لسنة واحدة. و وافقنا ابن عبّاس في أنّه لا زكاة فيه، و به قال أهل الظاهر كداوود و أصحابه. و قال الشافعي: هو القياس. و ذهب قوم الى أنّه مادامت عروضا و سلعا لا زكاة فيه، فاذا قبض ثمنها زكّاه لحول واحد، و به قال عطاء و مالك. و ذهب قوم الى أنّ الزكاة تجب فيه يقوّم كلّ حول و يؤخذ منه الزكاة، و به قال الشافعي في الجديد و القديم. و اليه ذهب الأوزاعي و الثوري و أبو حنيفة و أصحابه. دليلنا الأخبار. انتهى».(2)

و في الانتصار: «و ممّا ظنّ انفراد الاماميّة به نفي الزكاة عن عروض التجارة. و قد وافقهم في ذلك داوود بن علي، و هو قول ابن عبّاس رحمه الله فيما رووه عنه. و أبو حنيفة و أصحابه يوجبون في عروض التجارة الزكاة اذا بلغت قيمتها النصاب، و هو قول الثوري و الأوزاعي و ابن حيّ و الشافعي. انتهى».(3)

و في المختلف: «اختلف علماؤنا في مال التجارة على قولين: فالأكثر قالوا بالاستحباب و آخرون قالوا بالوجوب. قال ابن أبي عقيل: «اختلف الشيعة في زكاة


1) - المغني 2: 622.

2) - الخلاف 1: 308 / مسألة 105.

3) - الانتصار: 211.

التجارة، فقال طائفة منهم بالوجوب، و قال آخرون بعدمه، قال: و هو الحقّ عندي». و قال الشيخ في الخلاف: «لا زكاة في مال التجارة عند المحصّلين من أصحابنا، و اذا باع استأنف به الحول، و فيهم من قال: فيه الزكاة اذا طلب برأس المال أو بالربح، و منهم من قال: اذا باعه زكّاه لسنة واحدة». و المفيد و السيّد المرتضى لم يوجبا الزكاة فيه، و كذا أبو الصلاح و ابن البرّاج و سلاّر. و قال ابنا بابويه رحمهماالله: عليه الزكاة. لنا: الأصل براءة الذمّة؛ لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله أوجب الزكاة في تسعة أشياء، و عفا عمّا سوى ذلك، و هو يعمّ مال التجارة و غيرها. انتهى».(1)

و قال في الجواهر: «و في مال التجارة قولان، أحدهما الوجوب، و عن جماعة نسبته الى قوم من أصحابنا، و عن الحسن بن عيسى نسبته الى طائفة من الشيعة، لكن لم نتحقّقه الاّ من المحكي عن ظاهر ابني بابويه للأمر بها و شبهه في صحيح ابن مسلم و حسنه و خبر أبي الربيع الشامي و خبر سعيد الأعرج و خبر الكرخي و خبر العلاء و خبر أبي بصير و موثّق سماعة الاّ أنّه مع ذلك كلّه، الاستحباب أصحّ و أشهر، بل هو المشهور نقلاً و تحصيلاً، بل عن الانتصار نسبته الى الاماميّة كما هو الظاهر من الغنية. انتهى».(2)

ثمّ انّه سيأتي الشروط التي ذكروا للوجوب أو الاستحباب، و مجملها: النصاب و هو نصاب النقدين، و الحول، و أن يطلب في جميع الحول برأس المال أو بزيادة، فلو طلب في بعضه ولو في يوم بنقيصة فلا زكاة. نعم، لو باعه حينئذ زكّاهلسنة واحدة، و أن يكون ملكه بالمعاوضة عليه بقصد الاسترباح.

و كيف كان فقد استدلّ للقول بالوجوب بأخبار:

منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل اشترى متاعا فكسد عليه و قد زكّى


1) - مختلف الشيعة 3: 67 و 68.

2) - جواهر الكلام 15: 72 و 73.

ماله قبل أن يشتري المتاع، متى يزكّيه؟ فقال: ان كان أمسك متاعه يبتغي به رأس ماله فليس عليه زكاة، و ان كان حبسه بعد ما يجد رأس ماله فعليه الزكاة بعد ما أمسكه بعد رأس المال. قال: و سألته عن الرجل توضع عنده الأموال يعمل بها؟ فقال: اذا حال عليها الحول فليزكّها».(1)

و منها حسنة محمّد بن مسلم أنّه قال:

«كلّ مال عملت به فعليك فيه الزكاة اذا حال عليه الحول».(2)

و منها خبر أبي الربيع الشامي عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في رجل اشترى متاعا فكسد عليه متاعه و قد كان زكّى ماله قبل أن يشتري به، هل عليه زكاة، أو حتّى يبيعه؟ فقال: ان كان أمسكه التماس الفضل على رأس المال فعليه الزكاة».(3)

و منها خبر اسماعيل بن عبدالخالق قال:

«سأله سعيد الأعرج - و أنا أسمع - فقال: انّا نكبس الزيت و السمن نطلب به التجارة فربّما مكث عندنا السنة و السنتين، هل عليه زكاة؟ قال: ان كنت تربح فيه شيئا أو تجد رأس مالك فعليك زكاته، و انكنت انّما تربّص به لأنّك لاتجد الاّ وضيعة فليس عليك زكاة حتّى يصير ذهبا أو فضّة، فاذا صار ذهبا أو فضّة فزكّه للسنة التي اتّجرت فيها».(4)

و منها خبر الكرخي قال:


1) - وسائل الشيعة 9: 71 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 9: 72 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 8.

3) - وسائل الشيعة 9: 71 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 9: 70 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الزكاة؟ فقال: ما كان من تجارة في يدك فيها فضل ليس يمنعك من بيعها الاّ لتزداد فضلاً على فضلك فزكّه، و ما كانت من تجارة في يدك فيها نقصان فذلك شيء آخر».(1)

و منها خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«ان كان عندك متاع في البيت موضوع فأعطيت به رأس مالك فرغبت عنه فعليك زكاته».(2)

و منها خبر العلاء عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت: المتاع لاأصيب به رأس المال، عليّ فيه زكاة؟ قال: لا. قلت: أمسكه سنتين ثمّ أبيعه، ماذا عليّ؟ قال: سنة واحدة».(3)

و منها مضمرة سماعة قال:

«سألته عن الرجل يكون عنده المتاع موضوعا فيمكث عنده السنة و السنتين و أكثر من ذلك؟ قال: ليس عليه زكاة حتّى يبيعه الاّ أن يكون أعطي به رأس ماله فيمنعه من ذلك التماس الفضل، فاذا هو فعل ذلك وجبت فيه الزكاة، و ان لم يكن أعطي به رأس ماله فليس عليهزكاة حتّى يبيعه، و ان حبسه ما حبسه فاذا هو باعه فانّما عليه زكاة سنة واحدة».(4)

و بازاء تلك الروايات، روايات أخر تنكر الزكاة في مال التجارة.

منها صحيحة زرارة قال:

«كنت قاعدا عند أبي جعفر عليه السلام - و ليس عنده غير ابنه جعفر عليه السلام -


1) - وسائل الشيعة 9: 71 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 9: 72 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 9: 72 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 9.

4) - وسائل الشيعة 9: 72 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 6.

فقال: يا زرارة، انّ أباذرّ و عثمان تنازعا على عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقال عثمان: كلّ مال من ذهب أو فضّة يدار(1)و يعمل به و يتّجر به ففيه الزكاة اذا حال عليه الحول. فقال أبوذرّ: أمّا ما يتّجر به أو دير و عمل به فليس فيه زكاة، انّما الزكاة فيه اذا كان ركازا أو كنزا موضوعا، فاذا حال عليه الحول ففيه الزكاة، فاختصما في ذلك الى رسول اللّه صلى الله عليه و آله، قال: فقال: القول ما قال أبوذرّ. فقال أبو عبداللّه عليه السلام لأبيه: ما تريد الاّ أن يخرج مثل هذا فيكفّ الناس أن يعطوا فقراءهم و مساكينهم؟ فقال أبوه: اليك عنّي لاأجد منها بدّا».(2)

و موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«قلت لأبي ابراهيم عليه السلام : الرجل يشتري الوصيفة(3)يثبتها عنده لتزيد و هو يريد بيعها، أ على ثمنها زكاة؟ قال: لا حتّى يبيعها. قلت: فان باعها أيزكّي ثمنها؟ قال: لا حتّى يحول عليه الحول و هو في يده».(4)

و صحيحة أخرى لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:

«الزكاة على المال الصامت الذي يحول عليه الحول و لم يحرّكه».(5)

و صحيحة سليمان بن خالد قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن رجل كان له مال كثير فاشترى به متاعا ثمّ وضعه؟ فقال: هذا متاع موضوع، فاذا أحببت بعته فيرجع اليّ رأس مالي و أفضل منه، هل عليه فيه صدقة و هو متاع؟ قال: لا حتّى


1) - أضاف في المخطوط كلمة «به» و لم ترد في الأصل و لا الاستبصار، و قد كتب عليها في المخطوط علامة نسخة. هامش الوسائل

2) - وسائل الشيعة 9: 74 / الباب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.

3) - الوصيف: العبد، و الأمة وصيفة.

4) - وسائل الشيعة 9: 75 / الباب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 4.

5) - وسائل الشيعة 9: 75 / الباب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

يبيعه. قال: فهل يؤدّي عنه ان باعه لما مضى اذا كان متاعا؟ قال: لا».(1)

و موثّقة عبداللّه بن بكير و عبيد و جماعة من أصحابنا قالوا:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : ليس في المال المضطرب به زكاة. فقال له اسماعيل ابنه: يا أبة، جعلت فداك، أهلكت فقراء أصحابك! فقال: أي بنيّ، حقّ أراد اللّه أن يخرجه فخرج».(2)

و موثّقة سماعة (في حديث) قال:

«سألته عن الرجل يربح في السنة خمسمائة و ستّمائة و سبعمائة هي نفقته و أصل المال مضاربة؟ قال: ليس عليه في الربح زكاة».(3)

أضف الى ذلك الروايات التي تقدّمت في ابتداء البحث عن الزكاة و هي ناطقة بأنّ الزكاة فرضت على تسعة أشياء، كصحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : لمّا أنزلت آية الزكاة: «خُذ من أموالهم صدقةتُطهِّرُهم و تُزَكّيهم بها» في شهر رمضان فأمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله مناديه فنادى في الناس: انّ اللّه تبارك و تعالى قد فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة، ففرض اللّه عليكم من الذهب و الفضّة و الابل و البقر و الغنم و من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و نادى فيهم بذلك في شهر رمضان، و عفى لهم عمّا سوى ذلك. الحديث».(4)

و الجمع بين الطائفتين من الأخبار يقتضي حمل الأولى على الاستحباب كما حملها الشيخ في التهذيبين و قبله أستاذه الشيخ المفيد في المقنعة و تبعهما


1) - وسائل الشيعة 9: 75 / الباب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 9: 75 / الباب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 9: 76 / الباب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 9: 53 / الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.

المشهور، الاّ أنّ صاحبي الوافي و الحدائق لم يقبلا هذا الحمل و قالا فيها بالتقيّة.

و في الحدائق: «و الأظهر عندي حمل هذه الأخبار على التقيّة التي هي في اختلاف الأحكام الشرعيّة أصل كلّ بليّة، فانّ القول بوجوب الزكاة في هذه الأشياء مذهب الشافعي و أبي حنيفة و مالك و أبي يوسف و محمّد كما نقله في المنتهى. انتهى».(1)

و أجاب عنه في الجواهر ب- : «أنّه بعد التسليم على أن تكون النصوص خرجت مخرج التقيّة، لاتنافي بين ذلك و بين الندب على أن تكون التقيّة حينئد بالتعبير عن الندب بما ظاهره الوجوب اعتمادا على قرينة خارجيّة، و مراعاة للجمع بين التقيّة و الواقع، و دعوى أنّ المراد من ذلك الأمر الوجوب تقيّة فلا دليل على الندب حينئذ، يدفعها أصالة حجّيّة قول المعصوم عليه السلام ، و أنّه في بيان حكم شرعيّ واقعي، و كما أنّ التقيّة يقتصر فيها على أقلّ ما يندفع به كذلك المستعمل فيها من قول المعصوم عليه السلام يقتصر فيه على أقلّ ما يمكن من ارادة التقيّة منه، و من ذلك ما نحن فيه، ضرورة امكان كون التقيّة في ذلك التعبير الذي ذكرناه، فيبقى الأمر حينئذ علىقاعدة ارادة الندب منه بعد معلوميّة عدم ارادة الوجوب. انتهى».(2)

و يؤيّد كلام صاحب الجواهر ما هو الظاهر من أنّ فقهاء السنّة يوجبون الزكاة في مطلق مال التجارة، سواء طلب برأس المال أم لا، فانّ عمدة دليلهم على الوجوب خبر سمرة، و ليس فيه اشعار باشتراطه، ولكن أخبارنا يستفاد من أكثرها اجمالاً اشتراط أن يطلب برأس المال أو بزيادة. و لو صدرت تقيّة، لوجب أن تكون بنحو توافق فتاواهم. و يؤيّده أيضا الآيات و الروايات الظاهرة في مطلوبيّة الانفاق من كلّ شيء. أضف الى ذلك ورود أخبار مستفيضة أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وضع الزكاة على تسعة أشياء و عفا عمّا سواها، و العفو لايكون الاّ مع وجود المصلحة و


1) - الحدائق الناضرة 12: 102.

2) - جواهر الكلام 15: 74.

المقتضي.

ثمّ في تعريف مال التجارة قال في الشرائع: «هو المال الذي مُلِك بعقد معاوضة و قصد به الاكتساب عند التملّك. فلو انتقل اليه بميراث أو هبة لم يزكّه. و كذا لو ملكه للقنية(1). و كذا لو اشتراه للتجارة ثمّ نوى القنية. انتهى».(2)

و في المدارك في شرح جملات الشرائع قال: «فالمال في التعريف بمنزلة الجنس. و خرج بالموصول و صلته ما ملك بغير عقد كالارث و حيازة المباحات و ان قصد به التكسّب، أو بعقد غير معاوضة كالهبة و الصدقة و الوقف. و المراد بالمعاوضة ما يقوّم طرفاها بالمال، فيخرج الصداق، و عوض الخلع، و الصلح عن دم العمد و ان قصد بذلك الاكتساب. و خرج بقصد الاكتساب عند التملّك ما ملك بعقد معاوضة مع عدم قصد الاكتساب، امّا مع الذهول، أو قصد القنية، أو الصدقة به، أو نحو ذلك. انتهى».(3)

و في الجواهر بعد ذكر ما في الشرائع قال: «بلا خلاف أجده في شيء من ذلك الاّ في اعتبار مقارنة قصد التكسّب لحال التملّك، فانّه و ان كان ظاهر المصنّف و الفاضل في القواعد و غيرهما ذلك، بل في المدارك أنّه ذهب علماؤنا و أكثر العامّة الى اعتبارها. و عن المعتبر أنّه موضع وفاق. لكنّ الذي يقوى في النظر عدمه؛ لاطلاق الأدلّة، و لصدق التجارة عليه عرفا بذلك - الى أن قال: - و لعلّه لذلك كان خيرة البيان و ظاهر اللمعة، و استحسنه في المسالك و قوّاه في الروضة، بل مال اليه في المعتبر. انتهى».(4)

و قال شيخنا المرتضى الأنصاري رحمه الله: «و المراد بمال التجارة - على ما ذكره


1) - أي للاقتناء لنفسه، من قبيل الفرش أو أواني الطعام.

2) - شرائع الاسلام 1: 156.

3) - مدارك الأحكام 5: 164.

4) - جواهر الكلام 15: 290.

جماعة(1)- ماملك بعقد معاوضة بقصد الاكتساب به عند التملّك. قيل: انّ هذا اصطلاح فقهي، و فيه نظر، فانّ الظاهر أنّه معنى عرفيّ مستفاد من الأخبار الدالّة على رجحان الزكاة في المال اذا اتّجر به، فانّ الظاهر من التجارة في العرف هو ما ذكر، فانّ الظاهر من التجارة بالمال: المعاوضة عليه بقصد الاسترباح، فيخرج عن الحدّ المملوك بغير عقد المعاوضة، كالحيازة و الوراثة؛ فانّ قصد بيع مثل ذلك و لو بأعلى القيم ليس استرباحا بما في يده، بل هو طلب لزيادة القيمة السوقيّة، و لذا لايسمّى تجارة عرفا. نعم، لو نقله بعوض، و قصد نقل ذلك العوض بعوض أزيد قيمة من المنقول عنه كان تجارة، فصدق التجارة فعلاً بعد النقل الأوّل عازما على الثاني. و ربّما يقال لما في يده قبل النقل: انّه مال التجارة اذا عزم على أن يتّجر به لكفاية أدنى ملابسة في الاضافة، لكن لايقال: انّه اتّجر به. و ممّا ذكر يظهر أنّ ما انتقل اليه بسبب خلع أو بضع أو حقّ غير مالي صالحه على المال لايسمّى مالالتجارة. انتهى ملخّصا».(2)

و في مصباح الفقيه: «فلو انتقل اليه بميراث أو هبة و نحوها ما لم يتّجر به لم يزكّه و ان نوى به الاكتساب من حين تملّكه، حتّى فيما اذا كان ذلك المال متعلّقا للتجارة عند المنتقل عنه، كما اذا ورث ابن التاجر أموال تجارة أبيه و نوى الاتّجار به؛ اذ قد عرفت أنّه لايكفي فيه نيّة الاتّجار به، بل يعتبر فيه الفعليّة و هذا الشخص لم يحرّك هذا المال حتّى يتنجّز عليه التكليف بتزكيته. و كذا لو ملكه للقنية و الاهداء الى الغير أو الصرف في مؤونته أو غير ذلك ممّا لايتحقّق معه قصد الاكتساب الذي يتوقّف عليه مفهوم التجارة عرفا. بل و كذا لو اشتراه للتجارة ثمّ نوى القنية قبل حؤول الحول الذي ستعرف اشتراطها به. انتهى».(3)


1) - منهم المحقّق في الشرائع، و العلاّمة في نهاية الإحكام، و الشهيد في الدروس، و صاحب الجواهر.

2) - كتاب الزكاة: 240 و 241.

3) - مصباح الفقيه 13: 431.

و في التذكرة: «و يشترط أن يملكه بفعله اجماعا، فلو انتقل اليه بميراث لم يكن مال تجارة. - و قال أيضا: - و يشترط أن يملّكه بعوض عندنا - و به قال الشافعي - فلو قصد التجارة عند الاتّهاب أو الاصطياد أو الاحتشاش أو الاغتنام أو قبول الوصيّة، لم يصر مال التجارة. - و قال أيضا: - و لو خالع امرأته و قصد التجارة في عوض الخلع، أو نكحت امرأة و نوت التجارة في الصداق لم يصر مال تجارة؛ لأنّ النكاح و الخلع ليسا من عقود التجارات و المعاوضات المحضة. انتهى».(1)

أقول:

الظاهر من هذه العبارات أنّ التجارة لاتصدق الاّ على مال يجري عليه البيع و الشراء، فلو لم يكن كذلك و كان ساكنا عند مالكه لاتكون مال تجارة. و كذا يظهرمنها أنّ المال الذي يملكه بغير تجارة بل صار ملكا له بالارث أو الهبة أو الصلح المجّاني، أو ملكه بالصداق أو الخلع لم يكن مال تجارة حتّى يجري عليه البيع و الشراء. و يظهر منها أيضا أنّ صدق التجارة لايكون بالقصد بل بالفعل، فلو اقتناه للقنية لايكون مال تجارة و ان قصد به التجارة. نعم، لو اتّجر بماله - أيّ مال كان - و أمسك عوضه لازدياد يستحبّ فيه الزكاة مع الشرائط الآتية.

و أمّا الأخبار، فالتأمّل فيما ورد منها في استحباب الزكاة التي ذكرناها في ابتداء المسألة يقتضي ذلك. فانّ الظاهر منها أنّ الزكاة تتعلّق بمال قد جرى عليه البيع و الشراء، و ان كان يمسكه فانّما أمسكه لطلب الزيادة و التماس الفضل على رأس المال.

كصحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل اشترى متاعا فكسد عليه و قد زكى ماله قبل أن يشتري المتاع، متى يزكّيه؟ فقال: ان كان أمسك متاعه


1) - تذكرة الفقهاء 5: 206 و 207.

يبتغي به رأس ماله فليس عليه زكاة، و ان كان حبسه بعد ما يجد رأس ماله فعليه الزكاة بعد ما أمسكه بعد رأس المال. قال: و سألته عن الرجل توضع عنده الأموال يعمل بها؟ فقال: اذا حال عليها الحول فليزكّها».(1)

و تدلّ عليه أيضا الروايات الواردة في أنّ من اتّجر بمال الطفل و كان وليّا له استحبّ له تزكيته، كصحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : هل على مال اليتيم زكاة؟ قال: لا، الاّ أن تتّجر به أو تعمل به».(2)

و كذا ما ورد في استحباب الزكاة في مال المجنون اذا اتّجر به وليّه، كصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : امرأة من أهلنا مختلطة، أعليها زكاة؟ فقال: ان كان عمل به فعليها زكاة، و ان لم يعمل به فلا».(3)

فرع : في عدم الفرق في مال التجارة بين النقدين و غيرهما

في المسالك في شرح كلام المحقّق في الشرائع قال: «فالمال بمنزلة الجنس، و يدخل فيه ما صلح لتعلّق الزكاة الماليّة به - وجوبا أو استحبابا - و غيره كالخضروات، و يدخل فيه أيضا العين و المنفعة - و ان كان في تسمية المنفعة مالاً خفاء - فلو استأجر عقارا للتكسّب تحقّقت التجارة. انتهى».(4)


1) - وسائل الشيعة 9: 71 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 9: 87 / الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 90 / الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

4) - مسالك الأفهام 1: 399.

و في محكي البيان: «و لو استأجر دارا بنيّة التجارة أو أخذ أمتعة للتجارة فهي تجارة. انتهى».(1)

و في الجواهر بعد نقل ما في المسالك و البيان قال: «قد يناقش في استفادة ذلك من الأدلّة؛ ضرورة ظهورها في الأمتعة و نحوها كما نصّ على ذلك بعض مشايخنا، بل هو الظاهر من المقنعة و غيرها، و حينئذ فما يأتي من مسألة العقار المتّخذ للنماء قسم مستقلّ لايندرج في مال التجارة، و أولى من ذلك الاستئجارعلى الأعمال للتكسّب، فانّ عدّ مثلها في التجارة كما ترى. انتهى».(2)

أقول:

ظاهر كلام الفقهاء و الأخبار عدم الفرق في مال التجارة بين أن يكون ممّا يتعلّق به الزكاة الماليّة وجوبا كالنقدين و الأنعام و الغلاّة، أو استحبابا كالخيل، و بين غيره كالتجارة بالأمتعة و الخضروات، كما صرّح بعدم الفرق المسالك و غيره. و أمّا المنافع كما لو استأجر دارا بنيّة التجارة أو الحقوق، كما اذا كان يحجّر بقصد التجارة، ان لم نقل انّ التحجير يوجب الملك، أو استأجر أناسا لأعمال فيها أرباح، ففيه اشكال، كما أشكل في ذلك الجواهر؛ لظهور الأدلّة في الأمتعة و نحوها. و الظاهر أنّ قوله عليه السلام في خبر محمّد بن مسلم: «كلّ مال عملت به فعليك فيه الزكاة اذا حال عليه الحول»(3)منصرف الى الأمتعة.


1) - جواهر الكلام 15: 263.

2) - نفس المصدر.

3) - وسائل الشيعة 9: 72 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 8.

و يشترط فيه أمور: «الأوّل»: بلوغه حدّ نصاب أحد النقدين، فلا زكاة فيما لايبلغه، و الظاهر أنّه كالنقدين في النصاب الثاني أيضا.

«الثاني»: مضيّ الحول عليه من حين قصد التكسّب.

«الثالث»: بقاء قصد الاكتساب طول الحول، فلو عدل عنه و نوى به القنية في الأثناء لم يلحقه الحكم، و ان عاد الى قصد الاكتساب اعتبر ابتداء الحول من حينه.

«الرابع»: بقاء رأس المال بعينه طول الحول.

«الخامس»: أن يطلب برأس المال أو بزيادة طول الحول، فلو كان رأس ماله مائة دينار مثلاً فصار يطلب بنقيصة في أثناء السنة ولو حبّة من قيراط يوما منها سقطت الزكاة. و المراد برأس المال الثمن المقابل للمتاع، و قدر الزكاة فيه ربع العشر، كما في النقدين، و الأقوى تعلّقها بالعين كما في الزكاة الواجبة. و اذا كان المتاع عروضا فيكفي في الزكاة بلوغ النصاب بأحد النقدين دون الآخر.

الشرح:

يشترط في استحباب زكاة مال التجارة أمور:

الأوّل: بلوغه حدّ نصاب أحد النقدين.

قال في الشرائع: «الأوّل: النصاب، و يعتبر وجوده في الحول كلّه، فلو نقص في أثناء الحول ولو يوما سقط الاستحباب. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «أمّا اشتراط بلوغ القيمة النصاب في هذه الزكاة، فقال في المعتبر: انّه قول علماء الاسلام . و أمّا اعتبار وجوده في الحول كلّه فهو مذهب علمائنا و أكثر العامّة. و المراد بالنصاب هنا نصاب النقدين. انتهى ملخّصا».(2)


1) - شرائع الاسلام 1: 156.

2) - مدارك الأحكام 5: 167.

و في الجواهر: «الأوّل: أن يبلغ قيمته النصاب، بلا خلاف أجده فيه، بل عن ظاهر التذكرة و غيرها الاجماع عليه، بل عن صريح نهاية الإحكام ذلك، بل في المعتبر و محكي المنتهى و كشف الالتباس و غيرها أنّه قول علماء الاسلام . و المراد به نصاب أحد النقدين؛ لما عساه يظهر من النصوص أنّها زكاة النقدين بعينها. انتهى».(1)

و قال في الحدائق: «ثمّ انّ استحباب الزكاة هنا مشروط عند الأصحاب بشروط: أحدها: بلوغ النصاب، و هو نصاب النقدين بأن تبلغ قيمة مال التجارة أحد نصابي الذهب أو الفضّة، و هو مجمع عليه من الخاصّة و العامّة و لم أقف على دليل على وجوب اعتبار النصاب هنا فضلاً عن كونه نصاب أحد النقدين سوى الاجماع المدّعى في المقام، و ما يدّعونه - من أنّ ظاهر الروايات أنّ هذه الزكاة بعينها زكاة النقدين فيعتبر فيها نصابهما و يتساويان في قدر المخرج - فلايخفى ما فيه، و المسألة لاتخلو من اشكال، فانّ ظاهر الروايات الاطلاق. انتهى».(2)

و لنذكر كلام القدماء في مال التجارة حتّى يتبيّن الحال هنا و الشرائط الآتية.

ففي فقه الرضا عليه السلام : «و ان كان مالك في تجارة و طلب منك المتاع برأس مالك و لم تبعه تبتغي بذلك الفضل فعليك زكاته اذا جاء عليك الحول، و ان لم يطلب منك برأس مالك فليس عليك الزكاة. انتهى».(3)

و في المقنع: «اذا كان مالك في تجارة و طلب منك المتاع برأس مالك، ولم تبعه تبتغي بذلك الفضل فعليك زكاته اذا حال عليه الحول، فان لم يطلب منك


1) - جواهر الكلام 15: 265.

2) - الحدائق الناضرة 12: 136.

3) - الينابيع الفقهيّة 5: 5.

المتاع برأس مالك فليس عليك زكاته. انتهى».(1)

و في المقنعة: «و كلّ متاع في التجارة طلب من مالكه بربح أو برأس ماله فلم يبعه طالبا للفضل فيه فحال عليه الحول ففيه الزكاة بحساب قيمته اذا بلغت ما يجب في مثلها من المال الصامت الزكاة سنّة مؤكّدة على المأثور عن الصادقِين عليهم السلام ، و متى طلب بأقلّ من رأس ماله فلم يبعه فلا زكاة عليه و ان حال عليه حول و أحوال، و قد روي أنّه اذا باعه زكّاه لسنة واحدة و ذلك هو الاحتياط. انتهى».(2)

و في الكافي: «و من مسنون الزكاة تزكية البضائع اذا حال عليها الحول و هي تفي برأس المال أو زيادة بحسب ما ابتيعت من عين أو ورق كزكاة العين. انتهى».(3)

و في النهاية: «فان كان معه مال يديره في التجارة استحبّ له اخراج الزكاة منه اذا دخل وقتها و كان رأس المال حاصلاً أو يكون معه الربح، فان كان قد نقص ماله أو كان ما اشتراه طلب بأقلّ من رأس المال فليس عليه فيه شيء، فان بقي عنده على هذا الوجه أحوالاً ثمّ باعه أخرج منه الزكاة لسنة واحدة. انتهى».(4)

و في الجمل و العقود: «يستحبّ الزكاة في خمسة أجناس: أوّلها مال التجارة اذا طلبت برأس المال أو الربح فتخرج الزكاة عن قيمته دراهم أو دنانير. انتهى».(5)

و في المراسم: «فأمّا أمتعة التجارة: فروي أنّها اذا حال عليها حول طلبت فيهبرأس المال أو بالربح فلم تبع طلبا للزيادة ففيها الزكاة ندبا ينظر ثمنه و يخرج منه


1) - الينابيع الفقهيّة 5: 13.

2) - المقنعة: 247.

3) - الينابيع الفقهيّة 5: 103.

4) - النهاية: 176.

5) - الينابيع الفقهيّة 5: 138.

على قدر ما فيه من النصب. انتهى».(1)

و في المهذّب: «و أموال التجارة يجري الاعتبار فيها مجرى الاعتبار في الأموال التي يجب فيها الزكاة؛ لأنّ اخراج ذلك عنها مستحبّ أيضا، و يزيد مال التجارة على ذلك بأن يطلب برأس المال أو الربح. انتهى».(2)

و في الوسيلة: «و مال التجارة اذا طلبت برأس المال أو بأكثر فان طلبت بأقلّ لم يلزم، و قال قوم من أصحابنا: تجب في قيمته الزكاة. انتهى».(3)

و في السرائر: «و ان تصرّف فيه (مال القرض) بتجارة و ما أشبهها لزمه الزكاة استحبابا اذا طلب برأس المال أو الربح، و لاتجب في عروض التجارة الزكاة، لا منها و لا من قيمتها، على الصحيح من أقوال أصحابنا، فانّ قوما منهم يذهبون الى وجوب الزكاة فيها يقوّمونها ذهبا و فضّة و يخرجون من القيمة اذا حال الحول، و الأظهر من المذهب الأوّل و قد روي أنّه ان طلبت أمتعة التجارة من صاحبها بوضيعة فلا زكاة عليه، و ان طلبت بربح أو برأس المال فأخّر بيعها فعليه الزكاة، و هي سنّة مؤكّدة غير واجبة. انتهى».(4)

أقول:

الظاهر من عبارات أكثرهم - كالمقنعة و الكافي و الجمل و العقود و المراسم و المهذّب و الوسيلة و السرائر - أنّ نصاب مال التجارة هو ما يعادل قيمتها نصاب الدراهم أو الدنانير، فالاجماع حاصل يمكن كونه كاشفا عن رأي الامام عليه السلام ، أو كانهذا مدلول الروايات. و لذا قال المحقّق الهمداني: «و يدلّ عليه مضافا الى الاجماع، الروايات الدالّة على شرعيّة هذه الزكاة، حيث انّها هي زكاة المال


1) - الينابيع الفقهيّة 5: 151.

2) - المهذّب : 167.

3) - الوسيلة: 122.

4) - السرائر 1: 445.

المتحرّك في التجارة المحفوظ ماليّته في ضمن ابداله الذي يكون في الغالب من جنس النقدين، فلاينسبق الى الذهن الاّ ارادة زكاة الدينار أو الدرهم المستعمل في التجارة على حسب ما هي معهودة في الشريعة، كما قد يومئ الى ذلك بل يشهد له خبر اسحاق بن عمّار عن أبي ابراهيم عليه السلام قال: «قلت له: تسعون و مائة درهم و تسعه عشر دينارا، أعليها في الزكاة شيء؟ فقال: اذا اجتمع الذهب و الفضّة فبلغ ذلك مائتي درهم ففيها الزكاة؛ لأنّ عين المال الدراهم، و كلّ ماخلا الدراهم من ذهب أو متاع فهو عرض مردود ذلك الى الدراهم في الزكاة و الديات».(1)و عدم كون صدر الرواية معمولاً به غير قادح في حجّيّته، مع امكان أن يكون المراد بالدينار و الدرهم الذي وقع عنهما السؤال الدينار و الدرهم الدائرين في المعاملة. و كيف كان، فما في ذيل الرواية من قوله عليه السلام : «و كلّ ما خلا الدراهم» الى آخره، واضح الدلالة على المدّعى. انتهى».(2)

فالمتحصّل أنّه يشترط في استحباب زكاة مال التجارة أن يكون قيمته بالغا حدّ نصاب أحد النقدين، فلا زكاة فيما لايبلغه، و الظاهر أنّه كالنقدين في النصاب الثاني أيضا.

الثاني: مضيّ الحول عليه من حين قصد التكسّب.

ثمّ انّ باقي الشرائط التي ذكرها المصنّف يظهر من فتوى الفقهاء، و دلّ عليه الأخبار في الجملة. فقد تقدّم كلام القدماء في ذلك، و اليك كلام العلاّمة في التذكرة: «يشترط الحول في تعلّق زكاة التجارة اجماعا. و يشترط النصاب - فيالثمن في زكاة التجارة - في الحول من أوّله الى آخره، فلو نقص في الابتداء أو الانتهاء أو في الوسط فلا زكاة عند علمائنا. و يشترط وجود رأس المال من أوّل الحول الى آخره، و لو نقص رأس المال و لو حبّة (في الحول) أو بعضه لم تتعلّق


1) - وسائل الشيعة 9: 139 / الباب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 7.

2) - مصباح الفقيه 13: 432.

الزكاة به، و ان عادت القيمة استقبل الحول من حين العود عند علمائنا أجمع. انتهى ملخّصا».(1)

ثمّ انّه و ان كان صدق التجارة يدور مدار التكسّب به، فيكون ابتداء الحول من حينه لا من حين قصد التكسّب، ولكن الظاهر من الأخبار كون ابتداء الحول من حين قصد التكسّب، كقوله عليه السلام في خبر اسماعيل بن عبد الخالق:

«ان كنت تربح فيه شيئا أو تجد رأس مالك فعليك زكاته».(2)

و كذا قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم:

«اذا حال عليها الحول فليزكّها».(3)

و قوله عليه السلام في خبر أبي بصير:

«ان كان عندك متاع في البيت موضوع فأعطيت به رأس مالك فرغبت عنه فعليك زكاته».(4)

الثالث: بقاء قصد الاكتساب طول الحول، فلو عدل عنه و نوى به القنية في الأثناء لم يلحقه الحكم، و ان عاد الى قصد الاكتساب اعتبر ابتداء الحول من حينه.

قال العلاّمة في التذكرة: «اذا نوى بعرض التجارة القنية صار للقنية و سقطت الزكاة عند علمائنا - و به قال الشافعي و أحمد و أصحاب الرأى - لأنّ القنية الأصل،و يكفي في الردّ الى الأصل مجرّد النيّة، و لأنّ نيّة التجارة شرط لثبوت الزكاة في العروض، فاذا نوى القنية زال الشرط. و قال مالك في رواية: «لايسقط حكم التجارة بمجرّد النيّة كما لو نوى بالسائمة العلف». و الفرق أنّ الإسامة شرط دون نيّتها فلاينتفي الوجوب الاّ بانتفاء السوم. و اذا صار العرض للقنية بنيّتها فنوى به


1) - تذكرة الفقهاء 5: 208 و 209.

2) - وسائل الشيعة 9: 70 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 71 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 9: 72 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 7.

التجارة لم يصر للتجارة بمجرّد النيّة على ما قدّمناه، و به قال أبو حنيفة و مالك و الشافعي. انتهى».(1)

قال في المبسوط: «اذا كانت معه سلعة للتجارة فنوى بها القنية سقطت زكاته. انتهى».(2)

و في الشرائع: «فلو نقص رأس ماله، أو نوى به القنية انقطع الحول. انتهى».(3)

و في المعتبر: «و لأنّه لو نوى القنية بأمتعة التجارة صحّ بالنيّة اتّفاقا، فكذا لو نوى الاكتساب. انتهى».(4)

و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه. انتهى».(5)

و في مصباح الفقيه: «بلا خلاف يعتدّ به في شيء من ذلك على الظاهر و لا اشكال. انتهى».(6)

و ما يظهر من الروايات الواردة في الباب المتقدّم ذكرها هو أنّ نيّة الامساك لطلب الفضل دخيلة في استحباب الزكاة اذا صدق عليه عنوان مال التجارة و ان أمسكه سنة أو سنتين أو أكثر، و أمّا نيّة القنية فلم يتعرّض لها في شيء من الرواياتبل و لا في فتوى الفقهاء، الاّ أنّه يستفاد من تلك الروايات لو أمسكه بعنوان أثاث البيت أو جهاز العروس بحيث سقط عن عنوان مال التجارة لم تستحبّ زكاته، و لو أراد ثانيا أن يتّجر به و انتظر الزيادة و صدق عليه مال التجارة يبتدئ الحول من حينه.

الرابع: بقاء رأس المال بعينه طول الحول.


1) - تذكرة الفقهاء 5: 225 و 226.

2) - المبسوط 1: 222.

3) - شرائع الاسلام 1: 157.

4) - المعتبر في شرح المختصر 2: 549.

5) - جواهر الكلام 15: 270.

6) - مصباح الفقيه 13: 442.

قال في المستمسك: «يعني بقاء عين السلعة المعاوض عليها بقصد الاسترباح. و ما ذكره محكيّ عن الصدوق و المفيد و المحقّق و المدارك و الذخيرة و غيرها، مستدلّين بالنصوص الدالّة على اعتبار حولان الحول. فانّه مع تبدّل العين التجاريّة بعين أخرى لايصدق حولان الحول على كلّ منهما. و عن العلاّمة و ولده العدم، و عن المدارك نسبته الى من تأخّر عنه، و عن التذكرة و الايضاح الاجماع عليه؛ لما عرفت من أنّ المراد من المال - الذي يعمل به أو يتّجر به أو نحو ذلك - المال الذي وقع عليه العمل و الاتّجار، و هو نفس رأس المال. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «و هل يشترط في زكاة التجارة بقاء عين السلعة طول الحول كما في الماليّة، أم لايشترط ذلك فتثبت الزكاة و ان تبدّلت الأعيان مع بلوغ القيمة النصاب؟ الظاهر من كلام المفيد رحمه الله في المقنعة الأوّل فانّه قال: و كلّ متاع طلب من مالكه بربح أو برأس ماله فلم يبعه طلبا للفضل فيه فحال عليه الحول ففيه الزكاة بحساب قيمته سنّة مؤكّدة. و نحوه قال ابن بابويه فيمن لايحضره الفقيه. و هو ظاهر اختيار المصنّف في هذا الكتاب، و به قطع في المعتبر، و استدلّ عليه بأنّه مال يثبت فيه الزكاة فيعتبر بقاؤه كغيره، و بأنّه مع التبدّل تكون الثانية غير الأولىفلاتجب فيها الزكاة لأنّه لا زكاة في مال حتّى يحول عليه الحول. و هو جيّد. و يدلّ عليه أيضا أنّ مورد النصوص المتضمّنة لثبوت هذه الزكاة السلعة الباقية طول الحول، كما يدلّ عليه قوله عليه السلام في حسنة ابن مسلم و خبر أبي الربيع و قريب منهما صحيحة اسماعيل بن عبد الخالق. و جزم العلاّمة و من تأخّر عنه بالثاني، و ادّعى عليه في التذكرة و ولده في الشرح الاجماع، و هو ضعيف. انتهى ملخّصا».(2)

و قال العلاّمة في التذكرة: «لايشترط بقاء عين السلعة طول الحول اجماعا، بل


1) - مستمسك العروة 9: 203.

2) - مدارك الأحكام 5: 171 و 172.

قيمتها و بلوغ القيمة النصاب. انتهى».(1)

و في القواعد: «و لو عاوض أربعين سائمة بمثلها للتجارة استأنف حول الماليّة على رأي. انتهى».(2)

و في الايضاح: «و اعلم أنّ قوله: «استأنف حول الماليّة» لايريد به ابطال حول التجارة، فانّ الفريقين اتّفقا على أنّ حول التجارة باقٍ. - و فيه أيضا: - اذا كانت الأولى للتجارة و المسألة بحالها ثمّ عاوضها بمثلها للتجارة أيضا فلا خلاف بين الكلّ في بناء حول التجارة على حول الأولى. انتهى».(3)

و في مفتاح الكرامة بعد نقل عبارة القواعد المتقدّمة آنفا قال: «المراد أنّه اذا كان عنده أربعون سائمة بعض الحول للتجارة ثمّ عاوضها بمثلها للتجارة فانّه يبنى الحول في الثانية على الحول في الأولى و لايبطل حول التجارة لمكان تبدّل الأعيان، و هو خيرة التحرير و الارشاد و الايضاح و الدروس و البيان و الموجز الحاوي و كشف الالتباس و جامع المقاصد و الميسيّة و المسالك. انتهى».(4)

و اختار في الجواهر عدم اشتراط بقاء عين السلعة طول الحول لظهور النصوص في عدم اعتبار ذلك، و شهادة النصوص التي حملها الأصحاب على نفي الوجوب، و أنّ الغالب في مال التجارة التقلّب و الدوران.(5)

كما أنّ الشيخ مرتضى الأنصاري قال: «و الأقوى عدمه (أي عدم اشتراط بقاء عين السلعة لحول)؛ لأنّ الأخبار دلّت على ثبوت الزكاة فيما يتّجر به و يعمل به و فيما يضطرب به من الأموال، و لا ريب أنّ ما يعمل به ليس المراد شخصه؛ لأنّه


1) - تذكرة الفقهاء 5: 223.

2) - سلسلة الينابيع 5: 424.

3) - ايضاح الفوائد 1: 187.

4) - مفتاح الكرامة 3: 119 و 120.

5) - جواهر الكلام 15: 283 و 284.

يدفعه التاجر الى صاحبه الذي يعامل معه، فالمراد الأعمّ منه و من بدله. انتهى».(1)

و مثله قال المحقّق الهمداني في مصباح الفقيه، فانّه سعى أن يوجّه كلام المحقّق في المعتبر بغير ما يكون ظاهره كما أنّه أورد على من قال بأنّ المفيد و الصدوق ذهبا الى اشتراط بقاء عين السلعة، فراجع.(2)

و كيف كان فما ذهب اليه العلاّمة و ولده فخرالدين و صاحب الجواهر و الشيخ الأنصاري و المحقّق الهمداني و غيرهم من عدم اعتبار بقاء عين السلعة هو الصحيح، و الدلائل التي أقاموا على قوّة قولهم أظهر ممّا استدلّ به المخالف على ادّعائه، بل لايكون ما استدلّوا به ظاهرا لقولهم؛ لأنّ الأخبار المذكورة التي أشار اليها المدارك ليست بصدد بيان اشتراط بقاء عين السلعة حولاً، بل هي بصدد بيان أنّ السلعة التي تدار في التجارة لو أمسكت طلبا للزيادة و ان كان سنة أو سنتين لاتسقط عنه الزكاة. كما أنّ الروايات المعارضة للطائفة الأولى المتقدّمة في أوّل هذا الفصل تبيّن ذلك المعنى بأنّ المال الزكوي على قسمين: ساكت و متحرّك مضطرب، فالأوّل فيه الزكاة وجوبا و الثاني لاتجب. و كذا الروايات الواردة في التجارة بمال الطفل المتقدّمة، شاهدة على المدّعى.

الخامس: أن يطلب برأس المال أو بزيادة، فلو نقص رأس ماله أو نوى به القنية انقطع الحول. و يدلّ على ذلك الروايات المتقدّمة، كصحيحة اسماعيل بن عبدالخالق قال:

«سأله سعيد الأعرج - و أنا أسمع - فقال: انّا نكبس الزيت و السمن نطلب به التجارة فربّما مكث عندنا السنة و السنتين، هل عليه زكاة؟ قال: ان كنت تربح فيه شيئا أو تجد رأس مالك فعليك زكاته، و ان كنت انّما تربّص به لأنّك لاتجد الاّ وضيعة فليس عليك زكاة حتّى


1) - كتاب الزكاة: 250.

2) - مصباح الفقيه 13: 465 - 462.

يصير ذهبا أو فضّة، فاذا صار ذهبا أو فضّة فزكّه للسنة التي اتّجرت فيها».(1)

و صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل اشترى متاعا فكسد عليه و قد زكى ماله قبل أن يشتري المتاع، متى يزكّيه؟ فقال: ان كان أمسك متاعه يبتغي به رأس ماله فليس عليه زكاة، و ان كان حبسه بعدما يجد رأس ماله فعليه الزكاة بعدما أمسكه بعد رأس المال. الحديث».(2)

و خبر أبي الربيع الشامي عن أبي عبداللّه عليه السلام :

«في رجل اشترى متاعا فكسد عليه متاعه و قد كان زكّى ماله قبل أن يشتري به، هل عليه زكاة أو حتّى يبيعه؟ فقال: ان كان أمسكه التماس الفضل على رأس المال فعليه الزكاة».(3)

و في صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال:

«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الرجل يكون في يده المتاع قد بار عليه و ليس يعطى به الاّ أقلّ من رأس ماله، عليه زكاة؟ قال: لا. قلت: فانّه مكث عنده عشر سنين ثمّ باعه، كم يزكّي سنة؟ قال: سنة واحدة».(4)

فالظاهر من الروايات و فتاوى القدماء وجود رأس المال و أن يطلب المتاع به أو الزيادة طول الحول في الجملة. و لو نقص من رأس المال بحيث لايشترى منه بذلك طول الحول فلا زكاة فيه. فهذا الشرط معتبر عند الكلّ في الجملة الاّ أنّ


1) - وسائل الشيعة 9: 70 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 71 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 9: 71 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 9: 73 / الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 11.

المتأخّرين صرّحوا بأنّه «لو نقص رأس المال ولو حبّة في أثناء الحول لم تتعلّق الزكاة به» كما في التذكرة و غيرها، ولكن في الأخبار و كلمات القدماء اعتبار وجود رأس المال و زيادة في مقابل ما اذا لم يطلب الاّ بنقيصة في الجملة و بنحو الاجمال و الاهمال، بمعنى أنّه ثابت طول الحول عرفا. اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ المتأخّرين استفادوا من الأخبار و من كلمات القدماء أنّ معنى «طلب المتاع برأس المال أو أكثر طول الحول»، عدم نقصه منه ولو حبّة في أثناء الحول.

قال في الشرائع: «الثاني: أن يطلب برأس المال أو بزيادة، فلو كان رأس ماله مائة فطلب بنقيصة ولو حبّة لم يستحبّ. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «المراد بالحبّة المعهودة، و هي التي يقدّر بها القيراط، فتكون من الذهب، أمّا نحو حبّة الغلاّت فلا اعتداد بها لعدم تموّلها. و المراد أنّه يشترط في زكاة التجارة وجود رأس المال طول الحول، فلو نقص رأس ماله فيالحول كلّه أو في بعضه لم يستحبّ و ان كان ثمنه أضعاف النصاب، و عند بلوغ رأس المال يستأنف الحول. قال في المعتبر: و على ذلك فقهاؤنا أجمع. انتهى».(2)

ففي المعتبر: «وجود رأس المال طول الحول شرط لوجوب الزكاة و استحبابها، فلو نقص رأس المال ولو قيراطا في الحول كلّه أو في بعضه لم تجب الزكاة و ان كان ثمنه أضعاف النصاب، و عند بلوغ رأس المال يستأنف الحول، و على ذلك فقهاؤنا أجمع و خالف الجمهور. انتهى».(3)

و قال في التذكرة: «اذا نوى بعرض التجارة القُنية صار للقنية و سقطت الزكاة عند علمائنا - و به قال الشافعي و أحمد و أصحاب الرأي - لأنّ القنية الأصل، و يكفي في الردّ الى الأصل مجرّد النيّة، و لأنّ نيّة التجارة شرط لثبوت الزكاة في


1) - شرائع الاسلام 1: 157.

2) - مدارك الأحكام 5: 169.

3) - المعتبر في شرح المختصر 2: 550.

العروض، فاذا نوى القنية زال الشرط. و قال مالك في رواية: لايسقط حكم التجارة بمجرّد النيّة كما لو نوى بالسائمة العلف. و الفرق أنّ الإسامة شرط دون نيّتها فلاينتفي الوجوب الاّ بانتفاء السوم. و اذا صار العرض للقنية بنيّتها فنوى به التجارة لم يصر للتجارة بمجرّد النيّة على ما قدّمناه، و به قال أبو حنيفة و مالك و

الشافعي. انتهى».(1)

فروع:

الفرع الأوّل : في أنّ المراد برأس المال ماليّته

هل المراد برأس المال الثمن المقابل للمتاع أو هو مع جمع ما يغرمه عليه؟

قال في الجواهر: «و المراد برأس المال في النصّ و الفتوى الثمن المقابل للمتاع، و يحتمل قويّا جميع ما يغرمه عليه من مؤونة نقل و أجرة حفظ و ما يأخذه العشّار و غير ذلك، و لو سلّم عدم كون ذلك من رأس المال لغة و عرفا فلايبعد كونه من المؤن التي قد عرفت الحال فيها؛ اذ الظاهر عدم الفرق بين الزكاة الواجبة و المندوبة في ذلك. انتهى».(2)

أقول:

قد تقدّم في الأمر الرابع أنّه لايلزم بقاء رأس المال بعينه، بل بقاء ماليّة رأس المال، و عليه فما هو المتعارف بين التجّار أنّ مرادهم برأس المال، الثمن الحاصل له بعد اخراج جميع ما يغرمه عليه من مؤونة نقل و أجرة حفظ و ما يأخذه العشّار و المسجّل في الديوان و الدلاّل و نحو ذلك. و من المعلوم أنّ


1) - تذكرة الفقهاء 5: 225 و 226.

2) - جواهر الكلام 15: 269.

التجّار في مقام حساب الربح و الخسران يحاسبون جميع ذلك.

ثمّ اعلم أنّ المناط في ماليّة الأشياء، النقدان و الأثمان المتعارفة، و لا نظر في التجارات الى نفس العروض. نعم، يمكن أن يكون في محلّ، مناطهم في ماليّة الأشياء شيئا آخر و لا بأس به.

الفرع الثاني : في أنّ المدار في الأمتعة المتفرّقة عدّها تجارة واحدة

لو كان له أمتعة متعدّدة في أمكنة مختلفة فهل يحسب كلّها متاعا واحدا؟قال في الجواهر: «و الأمتعة التي اشتريت صفقة واحدة و أريد بيعها بتفرقة رأس المال في كلّ واحد منها ما خصّها من الثمن فالزكاة فيه يدور على طلبه به أو بزيادة و عدمه. نعم، قد يقوى جبر خسران أحدهما بربح الآخر، خصوصا مع ارادة البيع صفقة؛ لكون الجميع تجارة واحدة. أمّا اذا كانا تجارتين مثلاً فالظاهر عدم جبر خسران احداهما بربح الأخرى، فلايكفي حينئذ في ثبوت الزكاة في التي طلبت بنقيصة طلب الثانية بربح يجبر تلك النقيصة بل تتعلّق الزكاة باحداهما دون الأخرى حتّى لو أريد البيع صفقة واحدة، فتأمّل جيّدا. و جبر احدى التجارتين بالأخرى في الخمس على تقدير التسليم لايستلزمه هنا بعد ظهور نصوص المقام في خلافه، بل ربّما يستفاد منها عدم جبر المتاع بنتاجه؛ لصدق الطلب بنقصان معه أيضا، و كونه كالجزء بالنسبة الى ذلك محلّ منع. انتهى».(1)

أقول:

المدار في الأمتعة المتفرّقة بالنسبة الى الزكاة عدّها تجارة واحدة في ألسنة التجّار أو متعدّدة، ففي الأولى يجمعها بعنوان واحد نصابا و حولاً و الطلب بزيادة


1) - جواهر الكلام 15: 269 و 270.

أو نقيصة، و في الثانية فلكلّ حول بانفراده كما في النصاب، و لايجبر خسران أحدهما بربح الآخر.

ثمّ انّه لو كانت قيمة السلعة في السوق أقلّ من رأس المال ولكن اشترى بمقدار الثمن أو أكثر للضرورة أو لملاحظة شخص البائع فالملاك الاشتراء الفعلي؛ لصدق وجود رأس المال أو الربح.

الفرع الثالث : في أنّ زكاة مال التجارة تتعلّق بالعين أو القيمة؟

اختلفوا في أنّ زكاة مال التجارة تتعلّق بالعين أو القيمة على قولين، و المشهور تعلّقها بالقيمة.

قال في المدارك: «هذا الحكم (أي تعلّق الزكاة بالقيمة) ذكره الشيخ و أتباعه، و استدلّ عليه بأنّ النصاب معتبر بالقيمة، و ما اعتبر النصاب منه وجبت الزكاة فيه كسائر الأموال، و بما رواه عن اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «كلّ عرض فهو مردود الى الدراهم و الدنانير». قال في المعتبر: «و تمسّك الشيخ ضعيف، أمّا قوله: النصاب معتبر بالقيمة، قلنا: مسلّم، لكن ليعلم بلوغها القدر المعلوم، و لانسلّم أنّه لوجوب الاخراج منها، و أمّا الرواية فغير دالّة على موضع النزاع؛ لأنّها دالّة على أنّ الأمتعة تقوّم بالدراهم أو الدنانير، و لايلزم من ذلك اخراج زكاتها منها. ثمّ نقل عن أبي حنيفة قولاً بتعلّق الزكاة بالعين، فان أخرج منها فهو الواجب،

و ان عدل الى القيمة فقد أخرج بدل الزكاة. و قال: انّ ما قاله أبو حنيفة أنسب بالمذهب. و نفى العلاّمة في التذكرة البأس عن هذا، و هو حسن. انتهى».(1)


1) - مدارك الأحكام 5: 173 و 174.

أقول:

الظاهر أنّ زكاة مال التجارة تتعلّق بقيمة المتاع لا بعينه، بمعنى أنّ المناط في بقاء رأس المال و زيادته أو نقيصته، ماليّته، و الأصل في ماليّته قيمته بالدراهم و الدنانير، كما أنّ النصاب معتبر بهما. و ما ناقشه في المعتبر بقوله «لانسلّم أنّه لوجوب الاخراج»، ففيه: انّه لا دليل على وجوب الاخراج أو استحبابه من العين الاّالقياس، فالمستفاد من الروايات عرفا هو الذي عليه المشهور.

و في مصباح الفقيه بعد نقل ما ذكره الشرائع من أنّ «زكاة التجارة تتعلّق بقيمة المتاع لا بعينه» قال: «على المشهور، كما في الجواهر، بل عن المفاتيح نسبته الى أصحابنا. فان أرادوا بذلك الاحتراز عن تعلّقها بالعين على سبيل الشركة، كما هو مقتضى ما ذكروه تفريعا له من جواز تصرّف المالك في العين بغير اذن الفقير، و غير ذلك من الأمور المنافية لتعلّقها بالعين على جهة الشركة، فقد عرفت في محلّه أنّ الأظهر في الأعيان الزكويّة أيضا عدم تعلّقها بالعين على هذا الوجه. و ان أرادوا تعلّقها بمفهوم كلّي متصادق على النقد المساوي لمقدار ماليّة المتاع متعلّق بذمّة المكلّف، كما هو مقتضى كلمات بعضهم. ففيه: انّ هذا خلاف المنساق من أدلّتها، فانّ ظاهر قوله «كلّ مال عملت به اذا حال عليه الحول ففيه الزكاة» و كذا غيره من الروايات الدالّة عليه، انّما هو تعلّق الزكاة بنفس الأعيان الخارجيّة المستعملة في التجارة، ولكن لا من حيث ذواتها، بل من حيث اندراجها في موضوع المال المستعمل في التجارة الذي أنيط به هذا الحكم. فان أريد من الحكم بتعلّق الزكاة بقيمة المتاع لا عينه بيان أنّ الملحوظ في هذه الزكاة هو جهة ماليّة المتاع لا خصوص شخصه، فيلاحظ ربع العشر الذي يجب اخراجه في الزكاة بالمقايسة اليها لا الى شخصه، فهو حقّ صريح لا مجال لأحد انكاره. - ثمّ قال ما خلاصته: - ولكنّه لايجدي في تفريع بعض الفروع التي جعلوها ثمرة لتعلّقها بالقيمة؛ لأنّ الظاهر من أدلّة زكاة التجارة و غيرها تعلّقها بالعين بمعنى سقوط التكليف عن

المالك بتلف العين بعد الحول بلاتعدٍّ منه أو تفريط، الاّ أنّ تعلّق هذه الزكاة بالعين باعتبار اندراجها في موضوع المال، فالملحوظ فيها جهة ماليّتها بخلاف سائر الأجناس التي تلاحظ فيها نفس الأجناس الزكويّة من حيث كونها مندرجة في مسمّيات أساميها، فللفقير في مال التجارة ربع العشر قيمة، بخلاف سائر الأجناسالتي لا مدخليّة لقيمتها في تعلّق الزكاة بها. انتهى».(1)

و ما حقّقه قدس سره صحيح.

الفرع الرابع : فيما اذا كانت السلعة تبلغ النصاب بأحد النقدين دون الآخر

قد تقدّم أنّه يقوّم المتاع لمعرفة مقدار ماليّته التي بملاحظتها اعتبر فيه النصاب، و مقدار ما يتعلّق به من الزكاة بالدراهم و الدنانير؛ لأنّهما الأصل الممحّض في الماليّة الذي بالقياس اليه يعرف مقدار ماليّة الأشياء في باب الغرامات و غيرها من موارد الحاجة الى التقويم، و هذا أي التقويم بكلّ منهما مع تساوي نصابيهما في مقدار الماليّة، بأن يكون كلّ دينار مساويا لعشرة دراهم - كما لعلّه كان في صدر الاسلام - ممّا لا اشكال و لا كلام فيه.

انّما الكلام فيما اذا اختلفا، حيث انّه قد يبلغ بأحدهما النصاب دون الآخر، فهل المدار حينئذ على التقويم بأدناهما قيمة، أو أعلاهما، أو خصوص الدراهم، سواء كانت أدنى أو أعلى، أو التفصيل بين ما كان رأس ماله نقدا فبالنقد الذي اشترى به، و بين غيره فبالأدنى أو الأعلى؟ وجوه، و الأقوى ما ذهب اليه المصنّف أي كفاية بلوغ النصاب بأحد النقدين دون الآخر، و ذلك لما تقدّم في الأمر الأوّل من شرائط استحباب الزكاة في مال التجارة، و هو «بلوغه حدّ نصاب أحد


1) - مصباح الفقيه 13: 446 - 448.

النقدين»، فبعد نقل فتوى القدماء قلنا بأنّ الظاهر من عبارات أكثرهم كالمقنعة و الكافي و الجمل و العقود و المراسم و المهذّب و الوسيلة و السرائر أنّ نصاب مالالتجارة هو ما يعادل قيمتها نصاب الدراهم أو الدنانير. مضافا الى ما نقلناه عن مصباح الفقيه بدلالة الروايات الدالّة على شرعيّة هذه الزكاة، حيث انّها هي زكاة المال المتحرّك في التجارة المحفوظ ماليّته في ضمن أبداله الذي يكون في الغالب من جنس النقدين، فلاينسبق الى الذهن الاّ ارادة زكاة الدينار أو الدرهم المستعمل في التجارة على حسب ما هي معهودة في الشريعة. كما قد يومئ اليه بل يشهد له خبر اسحاق بن عمّار عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:

«قلت له: تسعون و مائة درهم و تسعه عشر دينارا، أ عليها في الزكاة شيء؟ فقال: اذا اجتمع الذهب و الفضّة فبلغ ذلك مائتي درهم ففيها الزكاة؛ لأنّ عين المال الدراهم، و كلّ ماخلا الدراهم من ذهب أو متاع فهو عرض مردود ذلك الى الدراهم في الزكاة و الديات».(1)

و عدم كون صدر الرواية معمولاً به غير قادح في حجّيّته.(2)

و بالجملة اذا كانت السلعة تبلغ النصاب بأحد النقدين دون الآخر تعلّقت به الزكاة؛ لحصول ما يسمّى نصابا، كما في الشرائع.

و في المدارك بعد ذكر ما في الشرائع من أنّه «اذا كانت السلعة تبلغ النصاب بأحد النقدين دون الآخر تعلّقت بها الزكاة؛ لحصول ما يسمّى نصابا» قال: «هذا انّما يتمّ اذا كان الثمن عروضا و تساوى النقدان، و الاّ وجب التقويم بالنقد الذي وقع به الشراء أو بالنقد الغالب خاصّة، كما تقدّم. انتهى».(3)

قال في الجواهر: «فالمتّجه جواز التقويم بكلّ منهما على كلّ حال و أنّه متى


1) - وسائل الشيعة 9: 139 / الباب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 7.

2) - مصباح الفقيه 13: 432.

3) - مدارك الأحكام 5: 176.

بلغ النصاب بأحدهما زكّاه؛ لاطلاق الموثّق المزبور، و عموم ما دلّ على زكاة مالالتجارة المقتصر في الخارج منه على المتيقّن، و هو الناقص عنهما - الى أن قال: - نعم، لو كان مال التجارة دراهم أو دنانير اتّجه اعتبار نصابهما، و لايلحظ قيمة كلّ منهما بالآخر، ضرورة كون كلّ منهما قيمة لباقي الأموال كما هو واضح. انتهى».(1)

(مسألة 1): اذا كان مال التجارة من النصب التي تجب فيها الزكاة، مثل أربعين شاة أو ثلاثين بقرة أو عشرين دينارا أو نحو ذلك، فان اجتمعت شرائط كلتيهما وجب اخراج الواجبة و سقطت زكاة التجارة. و ان اجتمعت شرائط إحداهما فقط ثبتت ما اجتمعت شرائطها دون الأخرى.

الشرح:

قال في الشرائع: «اذا ملك أحد النصب الزكاتيّة للتجارة مثل أربعين شاة أو ثلاثين بقرة سقطت زكاة التجارة و وجبت زكاة المال، و لاتجتمع الزكاتان، و يشكل ذلك على القول بوجوب زكاة التجارة. و قيل: تجتمع الزكاتان، هذه وجوبا، و هذه استحبابا. انتهى».(2)

و في المدارك: «هذا القول مجهول القائل و قد نقل المصنّف في المعتبر الاجماع على خلافه، فقال: «و لاتجتمع زكاة العين و التجارة في مال واحد اتّفاقا»، و نحوه قال العلاّمة في التذكرة و المنتهى. و الأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه و آله: «لاثِنى(3)في صدقة»، و قول الصادق عليه السلام في حسنة زرارة: «لايزكّى المال من وجهين في عام واحد». ثمّ ان قلنا باستحباب زكاة التجارة وجب القول بسقوطها؛لأنّ الواجب مقدّم على الندب. و ان قلنا بالوجوب قال الشيخ في الخلاف و


1) - جواهر الكلام 15: 278 و 279.

2) - شرائع الاسلام 1: 157 و 158.

3) - الثِنى في الصدقة: أن تؤخذ في العام مرّتين. لسان العرب

المبسوط: «تجب زكاة العينيّة دون التجارة». انتهى».(1)

و قد ناقش المحقّق الهمداني بأنّ القول باجتماع الزكاتين، هذه وجوبا و هذه استحبابا، و ان كان شاذّا بل لم يعرف القائل به و كان مخالفا للخبرين المعتضدين بعمل الأصحاب و اجماعاتهم المنقولة، الاّ أنّه موافق للقواعد؛ لأنّ مقتضى عمومات زكاة التجارة استحباب الزكاة، و قضيّة اطلاق ما دلّ على وجوب الزكاة على الأجناس الزكويّة كأربعين شاة، وجوب اخراج شاة من الأربعين، و لا معارضة بين دليلهما؛ اذ لا تنافي بين الأمرين لولا دليل تعبّدي على أنّه لايزكّى مال من وجهين في عام.(2)

أقول:

اذا ملك أحد النصب الزكاتيّة للتجارة مثل أربعين شاة أو ثلاثين بقرة سقطت زكاة التجارة، و ذلك لصحيحة زرارة قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل دفع الى رجل مالاً قرضا، على من زكاته، على المقرض أو على المقترض؟ قال: لا، بل زكاتها ان كانت موضوعة عنده حولاً على المقترض. قال: قلت: فليس على المقرض زكاتها؟ قال: لايزكّى المال من وجهين في عام واحد، و ليس على الدافع شيء؛ لأنّه ليس في يده شيء، انّما المال في يد الآخر، فمن كان المال في يده زكّاه. الحديث».(3)

فاذا بقي عنده أربعون شاة للتجارة حولاً و اجتمعت بقيّة شرائط كلتيهما وجب عليه اخراج الواجبة و سقطت زكاة التجارة؛ لأنّ الوجه في وجوب زكاة أربعين شاة هو كونها زكاة الأنعام، و الوجه في استحباب زكاة مال التجارة هو كونها زكاة


1) - مدارك الأحكام 5: 177.

2) - مصباح الفقيه 13: 453.

3) - وسائل الشيعة 9: 100 / الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

مال التجارة، فقد اجتمعت الزكاة من وجهين في عام واحد، فيشمله قوله عليه السلام : «لايزكّى المال من وجهين»، فتسقط زكاة مال التجارة؛ لأنّ الواجب مقدّم على المستحبّ؛ لأنّ مصلحة الواجب ملزمة دون المستحبّ. مضافا الى عدم الخلاف في ذلك.

و قد ناقش صاحب الجواهر في تعيّن سقوط زكاة مال التجارة و تبعه السيّد الحكيم في المستمسك، و أجاب عنها المحقّق الهمداني.(1)و الظاهر أنّه لا محلّ للمناقشة في ذلك بعد الدليل و عدم الخلاف فيه.

و أمّا ذيل المسألة من أنّه ان اجتمعت شرائط احداهما فقط فثبوت الزكاة فيما اجتمعت شرائطها دون الأخرى واضح.

(مسألة 2): اذا كان مال التجارة أربعين غنما سائمة فعاوضها في أثناء الحول بأربعين غنما سائمة، سقط كلتا الزكاتين، بمعنى أنّه انقطع حول كلتيهما؛ لاشتراط بقاء عين النصاب طول الحول، فلابدّ أن يبتدئ الحول من حين تملّك الثانية.

الشرح:

ما ذكره المصنّف من سقوط كلتا الزكاتين في فرض المسألة مبنيّ على اعتبار بقاء عين النصاب طول الحول، و أمّا على ما بنيناه من عدم اعتبار ذلك ثبتت زكاةالتجارة لاجتماع شرائطها و سقطت زكاة المال لانتفاء حولان الحول.


1) - مصباح الفقيه 13: 454.

(مسألة 3): اذا ظهر في مال المضاربة ربح كانت زكاة رأس المال - مع بلوغه النصاب - على ربّ المال، و يضمّ اليه حصّته من الربح. و يستحبّ زكاته أيضا اذا بلغ النصاب و تمّ حوله، بل لايبعد كفاية مضيّ حول الأصل. و ليس في حصّة العامل من الربح زكاة الاّ اذا بلغ النصاب مع اجتماع الشرائط، لكن ليس له التأدية من العين الاّ باذن المالك أو بعد القسمة.

الشرح:

اذا ظهر في مال المضاربة ربح كانت زكاة رأس المال - مع اجتماع الشرائط - على ربّ المال؛ لأنّ الزكاة على المالك و رأس المال ملك للمالك، بلا خلاف و لا اشكال كما في الجواهر و غيره.

و أمّا زكاة الربح، فقال المصنّف: «و يضمّ اليه حصّته من الربح. و يستحبّ زكاته أيضا اذا بلغ النصاب و تمّ حوله، بل لايبعد كفاية مضيّ حول الأصل».

أقول: اذا بلغت حصّته من الربح النصاب - بعد ما كان رأس المال النصاب - و تمّ حوله يستحبّ زكاته.

انّما الكلام في كفاية مضيّ حول الأصل لاستحباب زكاة الربح اذا بلغ النصاب.

قال في الشرائع: «و زكاة الربح بينهما (يعني الساعي و المالك)، يضمّ حصّة المالك الى ماله و يخرج منه الزكاة؛ لأنّ رأس ماله نصاب. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «اذا دفع انسان الى غيره مالاً قراضا على النصف مثلاً فظهر فيه ربح كانت زكاة الأصل على المالك اذا بلغ النصاب و اجتمعت بقيّة الشرائط، و كذا حصّته من الربح بعد اعتبار ما يجب اعتباره من النصاب و الحول. انتهى».(2)

و في الجواهر: «تضمّ حصّة المالك الى ماله؛ لكونهما مال شخص واحد و


1) - شرائع الاسلام 1: 158.

2) - مدارك الأحكام 5: 180 و 181.

تخرج منه الزكاة؛ لأنّ رأس ماله نصاب كما هو المفروض، فيزكّى الربح حينئذ مع بلوغه النصاب الآخر و ان قلنا باختلاف الحول في كلّ منهما؛ اذ اختلافه لايقدح في الانضمام المذكور الحاصل من اطلاق أدلّة النصاب. انتهى».(1)

و في المستمسك: «كفاية مضيّ حول الأصل لايخلو من اشكال؛ اذ هو خلاف ظاهر الأدلّة المعتبرة للحول، فانّ الربح اذا كان ملحوظا نصابا ثانيا لوحظت الشرائط بأجمعها بالاضافة اليه نفسه، و وجودها بالاضافة الى رأس المال غير كافٍ في الثبوت. و لا فرق بين مضيّ الحول و غيره من الشرائط. انتهى».(2)

و قال المحقّق الهمداني: «و قضيّة ذلك (أي كون الربح جزءا من الجملة التي دير رأس المال اليها) أن تضمّ حصّة المالك الى رأس ماله و تخرج منه الزكاة؛ لأنّ رأس ماله نصاب كما هو المفروض، فيزكّي الجميع من بلوغ الربح - ولو بضميمة ما في رأس المال من العفو - النصاب الثاني، و ان لم يحل الحول على الربح بنفسه على ما حقّقناه فيما نحن فيه. انتهى».(3)

أقول:

قد تقدّم أنّ مال التجارة هو الذي يدور في التجارة و يتبدّل كرارا و قصد صاحبه من دورانه في الحول الفضل و الربح و ازدياده، و المقصود من حولان الحول على رأس المال، حولانه سواء كان ماكثا عنده للفضل و الزيادة، أو يتبدّل، و عليه فلا معنى للقول بأنّ الربح له حول على حدة، بل الربح يتبع الأصل فحولهحول الأصل.


1) - جواهر الكلام 15: 285.

2) - مستمسك العروة 9: 207.

3) - مصباح الفقيه 13: 467.

فرع : في استحباب الزكاة في حصّة العامل

قال المصنّف: «و ليس في حصّة العامل من الربح زكاة الاّ اذا بلغ النصاب مع اجتماع الشرائط، لكن ليس له التأدية من العين الاّ باذن المالك أو بعد القسمة».

و الظاهر أنّ ما ذهب اليه المصنّف من ثبوت الزكاة في حصّة العامل من الربح اذا بلغ النصاب مع اجتماع الشرائط، صحيح، الاّ أنّ ابتداء حوله من حين ظهور الربح اذا كان نصابا، و لو حال عليه الحول فليس له التأدية من العين الاّ باذن المالك الذي يكون شريكه أو بعد القسمة.

و قال في مصباح الفقيه: «لا دليل على وجوب زكاة التجارة على العامل (بناءً على وجوبها) فيما يستحقّه من الربح؛ لأنّ الربح من حيث هو ليس مندرجا في موضوع أدلّة زكاة التجارة؛ اذ لايصدق على حصّة العامل أنّه مال اتّجر به أو عمل به أو غير ذلك من العناوين الواردة في الأخبار التي قد عرفتها في أوّل الباب. انتهى ملخّصا».(1)

و فيه أوّلاً: انّ المضاربة معاملة صحيحة.

و ثانيا: يملك العامل الربح بمجرّد ظهوره و يصدق على ما ملكه مال التجارة بتبع رأس المال و لا اشكال في الحكم باستحباب الزكاة على العامل مع اجتماعالشرائط. نعم، ليس له التأدية من العين الاّ باذن المالك أو بعد القسمة.

قال في المدارك: «و أمّا حصّة العامل فان قلنا انّه يملكها بالظهور وجبت زكاتها عليه اذا بلغت النصاب و حال عليها الحول من حين الملك و كان متمكّنا من التصرّف فيها ولو بالتمكّن من القسمة. و ان قلنا انّه لايملكها الاّ بالقسمة فلا زكاة عليه قبلها لانتفاء الملك، و الأظهر سقوط زكاة هذه الحصّة عن المالك


1) - مصباح الفقيه 13: 466 و 467.

أيضا على هذا التقدير؛ لأنّها متردّدة بين أن تسلم فتكون للعامل أو تتلف فلاتكون له و لا للمالك. و ان قلنا انّه لايملك الحصّة و انّما يستحقّ أجرة المثل فالزكاة كلّها على المالك؛ لأنّ الأجرة دين، و الدين لايمنع الزكاة. انتهى».(1)

(مسألة 4): الزكاة الواجبة مقدّمة على الدين، سواء كان مطالبا به أو لا، مادامت عينها موجودة، بل لايصحّ وفاؤه بها بدفع تمام النصاب. نعم، مع تلفها و صيرورتها في الذمّة حالها حال سائر الديون. و أمّا زكاة التجارة فالدين المطالب به مقدّم عليها، حيث انّها مستحبّة، سواء قلنا بتعلّقها بالعين أو بالقيمة. و أمّا مع عدم المطالبة فيجوز تقديمها على القولين أيضا، بل مع المطالبة أيضا اذا أدّاها صحّت و أجزأت، و ان كان آثما من حيث ترك الواجب.

الشرح:

الزكاة الواجبة مقدّمة على الدين، و ذلك لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام و ضريس عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّهما قالا:

«أيّما رجل كان له مال موضوع حتّى يحول عليه الحول فانّه يزكّيه، و ان كان عليه من الدين مثله و أكثر منه فليزكّ ما في يده».(2)

سواء كان الدين مطالبا به أو لا؛ لاطلاق الصحيحة.

قال في المدارك: «هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، مدّعى عليه الاجماع. قال في المنتهى: الدين لايمنع الزكاة، سواء كان للمالك مال سوى النصاب أو لم يكن، و سواء استوعب الدين النصاب أو لم يستوعبه، و سواء كانت أموال الزكاة ظاهرة كالنعم و الحرث أو باطنة كالذهب و الفضّة، و عليه علماؤنا


1) - مدارك الأحكام 5: 181.

2) - وسائل الشيعة 9: 104 / الباب 10 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

أجمع. ثمّ احتجّ عليه بعموم الأمر بالزكاة، فلايختصّ بعدم حالة الدين الاّ بدليل و لم يثبت، و بأنّه حرّ مسلم ملك نصابا حولاً فوجبت الزكاة عليه كمن لا دين عليه، و بأنّ سعاة النبي صلى الله عليه و آله كانوا يأخذون الصدقات من غير مسألة عن الدين، ولو كان مانعا لسألوا عنه. انتهى».(1)

و لايعارض الصحيحة و الاجماع المدّعى ما رواه في الجعفريّات من الخبر عن أميرالمؤمنين عليه السلام :

«من كان له مال و عليه مال فليحسب ماله و ما عليه، فان كان ماله فضل على مائتي درهم فليعط خمسة دراهم».(2)

لأنّه مجهول الاسناد، مع اعراض الأصحاب عنه و اطباقهم على ترك العمل به. مضافا الى امكان حمله على أنّه وارد في مال التجارة لا خصوص النقد الموضوع الذي حال عليه الحول، كما هو مورد صحيحة زرارة و ضريس، و يحمل الأمر باعطاء الخمسة التي هي زكاة المائتين على تأكيد الاستحباب، فيفهم منه أنّه لا تأكيد بالنسبة الى ما يساوي الدين.

و بالجملة الزكاة الواجبة مقدّمة على الدين، سواء كان مطالبا به أو لا مادامتعينها موجودة؛ لتعلّقها بها، بل لايصحّ وفاؤه بها بدفع تمام النصاب؛ لعدم جواز التصرّف قبل أداء الزكاة الاّ مع الضمان كما في موثّقة يونس بن يعقوب قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : زكاتي تحلّ عليّ في شهر، أيصلح لي أن أحبس منها شيئا مخافة أن يجيأني من يسألني؟ فقال: اذا حال الحول فأخرجها من مالك، لاتخلطها بشيء، ثمّ أعطها كيف شئت. قال: قلت: فان أنا كتبتها و أثبتّها يستقيم لي؟ قال: لايضرّك».(3)


1) - مدارك الأحكام 5: 183 و 184.

2) - مستدرك الوسائل 7: 54 / الباب 8 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 9: 307 / الباب 52 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.

نعم، مع تلفها و صيرورتها في الذمّة حالها حال سائر الديون، و كذا لو قيل بتعلّق الزكاة بالذمّة مطلقا.

قال المحقّق الهمداني: «بناءً على تعلّق زكاة التجارة أو مطلقها بذمّة المالك، و كونها كسائر الديون الواجبة عليه، قد تتحقّق المزاحمة في صورة قصور المال عن الوفاء بالجميع لدى موت المالك أو بعجزه عن التصرّف في ماله و تقسيمه على الغرماء، فيكون مستحقّ الزكاة حينئذ كأحدهم في المحاصّة، كما أنّ المتّجه على هذا التقدير سقوط زكاة التجارة المستحبّة؛ لعدم صلاحيّتها لمزاحمة الحقوق الواجبة المتعلّقة بالمال. انتهى».(1)

و أمّا زكاة مال التجارة فالظاهر أنّ الدين لايمنع منها، الاّ أنّه لا دليل عليه الاّ الاجماع المدّعى و عدم التنافي بينهما.

قال في المدارك: «و هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب، قاله في التذكرة، و استدلّ عليه بأنّ متعلّق الدين الذمّة، و متعلّق زكاة التجارة العين أو القيمة على اختلاف الرأيين، فلا تعارض بينهما. انتهى».(2)

و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل عن التذكرة و ظاهر الخلاف الاجماع عليه، و لعلّه كذلك بناءً على الوجوب و كونها في العين، بل و الذمّة؛ لعدم المنافاة بين الخطابين، بل الظاهر تقديمها في الأداء؛ لكونها أهمّ منه باعتبار اجتماع حقّ اللّه و حقّ آدميّ مع تعلّق في العين أيضا، بل بناءً على الندب و تعلّقها بالعين لايمنع تعلّق خطابها حتّى لو طالب صاحب الدين، و لعلّه على ذلك يحمل ما عن التذكرة من أنّه يمكن أن يقال: لايتأكّد اخراج زكاة مال التجارة للمديون مع المضايقة؛ لأنّه نفل يضرّ بالفرض. نعم، بناءً على كونها في الذمّة و ذوالدين مطالب بدينه و لا مال له سوى المال المخصوص كانت المسألة من جزئيّات


1) - مصباح الفقيه 13: 470 و 471.

2) - مدارك الأحكام 5: 183.

مسألة الضدّ فتأمّل جيّدا. انتهى».(1)

أقول:

بناءً على استحباب زكاة التجارة كما هو الحقّ و تعلّقها بالعين على نحو ما تعلّق زكاة المال بها، فان كان الدائن لايكون مطالبا لحقّه أو كان مطالبا و لم تكن مضايقة في المال فلا اشكال في استحباب الزكاة. و أمّا لو كان الدائن مطالبا و في المال مضايقة فيتقدّم الدين؛ لأنّ الزكاة نفل يضرّ بالفرض. و ان أدّاها في هذه الصورة صحّت و أجزأت و ان كان آثما من حيث ترك الواجب.

(مسألة 5): اذا كان مال التجارة أحد النصب الماليّة و اختلف مبدأ حولهما، فان تقدّم حول الماليّة سقطت الزكاة للتجارة، و ان انعكس فان أعطى زكاة التجارة قبل حلول حول الماليّة سقطت و الاّ كان كما لو حال الحولان معا في سقوط مال التجارة.

الشرح:

اذا كان مال التجارة أحد النصب الماليّة و اختلف مبدأ حولهما، فان تقدّم حول الماليّة فيجب عليه زكاتها، و حينئذ ان خرجت عن النصاب سقطت الزكاة للتجارة، و أمّا ان كان النصاب باقيا فمبدأ حول التجارة يكون بعد اتمام حول الماليّة و يخرج الزمان الذي اشترك معها؛ لصدق قوله عليه السلام : «لايزكّى المال من وجهين في عام واحد»(2)عليه. و ان انعكس بأن تقدّم حول مال التجارة فان أعطى زكاته و خرج المال عن النصاب سقطت زكاة الماليّة، و ان لم يعط زكاة مال التجارة حتّى حال عليه حول الماليّة تقدّم زكاة الماليّة؛ لأنّ النفل لايضرّ بالفرض. و أمّا لو


1) - جواهر الكلام 15: 289.

2) - وسائل الشيعة 9: 100 / الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

أعطى زكاته و كان المال باقيا على النصاب فالظاهر أنّ ابتداء حوله بعد حلول حول التجارة فخرج الزمان الذي اشترك معه؛ لأنّ المال لايزكّى من وجهين في عام واحد.

(مسألة 6): لو كان رأس المال أقلّ من النصاب ثمّ بلغه في أثناء الحول استأنف الحول عند بلوغه.

لتحقّق الموضوع حينئذ فيترتّب الحكم عليه لا محالة.

(مسألة 7): اذا كان له تجارتان و لكلّ منهما رأس مال فلكلّ منهما شروطه و حكمه، فان حصلت في احداهما دون الأخرى استحبّت فيها فقط و لايجبر خسران احداهما بربح الأخرى.

الشرح:

اذا كان له سلعة واحدة أو سلع مختلفة و يقع على ماله تبدّلات بحيث يصدق عليه أنّ تجارته واحدة فحكمه معلوم؛ بناءً على ما تقدّم من أنّ المعتبر في زكاة التجارة بقاء الماليّة و ان وقع عليها تبدّلات. أمّا لو جعل لماله شعبتين مختلفتين مستقلّتين بالحساب و الكتاب بحيث يقال: انّ له تجارتين لكلّ منهما رأس مال فلكلّ منهما شروطه و أحكامه، فان حصلت في احداهما دون الأخرى استحبّت فيها فقط و لايجبر خسران احداهما بربح الأخرى.

«الثاني» ممّا يستحبّ فيه الزكاة: كلّ ما يكال أو يوزن ممّا أنبتته الأرض عدا الغلاّت الأربع فانّها واجبة فيها، و عدا الخضر كالبقل و الفواكه و الباذنجان و الخيار و البطّيخ و نحوها، ففي صحيحة زرارة: «عفى رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن الخضر.

قلت: و ما الخضر؟ قال عليه السلام : كلّ شيء لايكون له بقاء، البقل و البطّيخ و الفواكه و شبه ذلك ممّا يكون سريع الفساد». و حكم ما يخرج من الأرض ممّا يستحبّ فيه الزكاة حكم الغلاّت الأربع في قدر النصاب و قدر ما يخرج منها و في السقي و الزرع و نحو ذلك.

الشرح:

قال في الشرائع: «و تستحبّ في كلّ ما تنبت الأرض ممّا يكال أو يوزن، عدا الخضر كالقتّ و الباذنجان و الخيار و ما شاكله. انتهى».(1)

و في المدارك: «هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب عدا ابن الجنيد، فانّهقال بالوجوب. انتهى».(2)

و يدلّ على الاستحباب مضافا الى ما سبق في البحث عمّا تجب فيه الزكاة صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:

«كلّ ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة. و قال: جعل رسول اللّه صلى الله عليه و آله الصدقة في كلّ شيء أنبتت الأرض الاّ ما كان في الخضر و البقول، و كلّ شيء يفسد من يومه».(3)

و يدلّ على انتفاء الوجوب مضافا الى ما سبق صحيحة زرارة و بكير ابني أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«ليس في شيء أنبتت الأرض من الأرز و الذرة و الحمّص و العدس و سائر الحبوب و الفواكه غير هذه الأربعة الأصناف و ان كثر ثمنه زكاة، الاّ أن يصير مالاً يباع بذهب أو فضّة تكنزه ثمّ يحول عليه الحول و قد صار ذهبا أو فضّة فتؤدّي عنه من كلّ مائتي درهم خمسة


1) - شرائع الاسلام 1: 142.

2) - مدارك الأحكام 5: 48.

3) - وسائل الشيعة 9: 63 / الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 6.

دراهم، و من كلّ عشرين دينارا نصف دينار».(1)

و لايستحبّ الزكاة في الخضر كالبقل و الفواكه و الباذنجان و الخيار و البطّيخ و نحوها.

قال في الجواهر: «و في محكي المقنعة: «لا خلاف بين آل الرسول صلى الله عليه و آله و بين كافّة شيعتهم من أهل الامامة أنّ الخضر كالقضب و البطّيخ و القثّاء و الخيار و الباذنجان و الريحان و ما أشبه ذلك ممّا لا بقاء له لا زكاة فيه و لو بلغت قيمته ألف دينار و مائة ألف دينار، و لا زكاة على ثمنه بعد البيع حتّى يحول عليه الحول، و هوعلى كمال حدّ ما تجب فيه الزكاة» و عن المنتهى: «لا شيء في الأزهار كالعصفر و الزعفران، و لا فيما يحبب كالقطن و الكتّان، و عليه علماؤنا أجمع». انتهى».(2)

و الدليل على ذلك - مضافا الى ما عرفت - صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام :

«أنّه سئل عن الخُضر، فيها زكاة و ان بيعت بالمال العظيم؟ فقال: لا، حتّى يحول عليه الحول».(3)

و صحيحة الحلبي قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : ما في الخُضر؟ قال: و ما هي؟ قلت: القضب و البطّيخ و مثله من الخضر. قال: ليس عليه شيء الاّ أن يباع مثله بمال فيحول عليه الحول ففيه الصدقة. و عن الغضاة من الفرسك و أشباهه، فيه زكاة؟ قال: لا. قلت: فثمنه؟ قال: ما حال عليه الحول من ثمنه فزكّه».(4)


1) - وسائل الشيعة 9: 63 / الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 9.

2) - جواهر الكلام 15: 70 و 71.

3) - وسائل الشيعة 9: 66 / الباب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 9: 67 / الباب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 2.

و صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«جعل رسول اللّه صلى الله عليه و آله الصدقة في كلّ شيء أنبتت الأرض الاّ ما كان في الخضر و البقول، و كلّ شيء يفسد من يومه».(1)

«الثالث»: الخيل الاناث بشرط أن تكون سائمة و يحول عليها الحول. و لا بأس بكونها عوامل، ففي العتاق منها - و هي التي تولّدت من عربيّين - كلّ سنةديناران هما مثقال و نصف صيرفي. و في البراذين كلّ سنة دينار، ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي. و الظاهر ثبوتها حتّى مع الاشتراك، فلو ملك اثنان فرسا تثبت الزكاة بينهما.

الشرح:

قال في الشرائع: «الخيل اذا كانت اناثا سائمة و حال عليها الحول، ففي العتاق عن كلّ فرس ديناران، و في البراذين عن كلّ فرس دينار استحبابا. انتهى».(2)

و في المدارك: «المراد بالفرس العتيق الذي أبواه عربيّان كريمان، و البرذون - بكسر الباء - خلافه. قال في التذكرة: و قد أجمع علماؤنا على استحباب الزكاة في الخيل بشروط ثلاثة: السوم، و الأنوثة و الحول. انتهى».(3)

و يدلّ على استحباب الزكاة في الخيل - مضافا الى ما عرفت - الجمع بين صحيحة محمّد بن مسلم و زرارة عنهما جميعا عليهماالسلام قالا:

«وضع أميرالمؤمنين عليه السلام على الخيل العتاق الراعية في كلّ فرس في كلّ عام دينارين، و جعل على البراذين دينارا».(4)


1) - وسائل الشيعة 9: 67 / الباب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 4.

2) - شرائع الاسلام 1: 159.

3) - مدارك الأحكام 5: 186.

4) - وسائل الشيعة 9: 77 / الباب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.

و بين قوله عليه السلام في صحيحة عبداللّه بن سنان:

« ... ففرض اللّه عليكم من الذهب و الفضّة، و الابل و البقر و الغنم، و من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و نادى فيهم بذلك في شهر رمضان، و عفا لهم عمّا سوى ذلك».(1)

و خصوص موثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:

«ليس في شيء من الحيوان غير هذه الثلاثة الأصناف شيء، يعني: الابل و البقر و الغنم».(2)

و في الجواهر: «و في محكي كشف الحق: ذهبت الاماميّة الى أنّه لاتجب الزكاة في الخيل، و خالف أبو حنيفة، و عن الغنية الاجماع أيضا على استحبابها في الاناث منها، و على سقوط اعتبار النصاب، و كيف كان فلا اشكال من هذه الجهة، خصوصا بعد العمومات الواردة في جملة من النصوص في أنّه لا شيء فيما عدا الأصناف الثلاثة. انتهى».(3)

و الدليل على استحبابها في الخيل بشروط ثلاثة (السوم و الأنوثة و الحول) - مضافا الى الاجماع الذي عرفت - صحيحة زرارة قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : هل في البغال شيء؟ فقال: لا. فقلت: فكيف صار على الخيل و لم يصر على البغال؟ فقال: لأنّ البغال لاتلقح و الخيل الاناث ينتجن، و ليس على الخيل الذكور شيء. قال: فما في الحمير؟ قال: ليس فيها شيء. قال: قلت: هل على الفرس أو البعير يكون للرجل يركبهما شيء؟ فقال: لا، ليس على ما يعلف شيء، انّما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها عامها الذي يقتنيها فيه


1) - وسائل الشيعة 9: 53 / الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 80 / الباب 17 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 5.

3) - جواهر الكلام 15: 293 و 294.

الرجل، فأمّا ما سوى ذلك فليس فيه شيء».(1)

قال في الجواهر: «ثمّ انّ ظاهر ما سمعته من محكي الاجماع ثبوت الاستحباب بمجرّد اجتماع الشروط الثلاثة، لكن في المسالك و أكثر كتب المحقّق الثاني اعتبار عدم العمل و أن يكمل للمالك فرس كاملة ولو بالشركة كنصف اثنين، و فيالبيان: «في اشتراط الانفراد و منع استعمالها عندي نظر، و خصوصا الانفراد، فلو ملك اثنان فرسا فلا زكاة». قلت: قد استقرب ذلك في الدروس فقال: «و الأقرب أنّه لا زكاة في المشترك حتّى يكون لكلّ واحد فرس، و في اشتراط كونها غير عاملة أقربه نعم؛ لرواية زرارة». قلت: خبر زرارة - عن أحدهما عليهماالسلام : «ليس في شيء من الحيوان زكاة غير هذه الأصناف الثلاثة: الابل و البقر و الغنم، و كلّ شيء من هذه الأصناف من الدواجن و العوامل فليس فيها شيء ... » - لا دلالة فيه على ذلك، ضرورة كون المراد من النفي فيه للوجوب. و أمّا صحيح الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالا: «ليس على العوامل من الابل و البقر شيء، انّما الصدقة على السائمة الراعية ... » فالظاهر أنّه كذلك أيضا فتأمّل، بل قد يناقش في اعتبار الانفراد أيضا باطلاق الخبر المزبور الظاهر في الأعمّ من ذلك، بل و في عدم اعتبار البلوغ و العقل أيضا و غيرهما ممّا لا دليل له بحيث يصلح لتخصيص ما هنا ولو للتعارض من وجه، و الترجيح للمقام بظاهر الفتوى و بالتسامح في الندب و غير ذلك، و الظاهر كون الزكاة هنا في الذمّة؛ لما سمعته من منافاة قواعد الملك للاستحباب، و بذلك كلّه ظهر لك تمام القول في الواجب من الزكاة و مندوبها. انتهى».(2)


1) - وسائل الشيعة 9: 78 / الباب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 3.

2) - جواهر الكلام 15: 294.

أقول:

الظاهر أنّ الشرائط المذكورة في وجوب الزكاة في الأنعام الثلاثة ثابتة في استحباب زكاة الخيل الاّ ما صرّح بخروجه منها كالنصاب.

«الرابع»: حاصل العقار المتّخذ للنماء من البساتين و الدكاكين و المساكن و الحمّامات و الخانات و نحوها. و الظاهر اشتراط النصاب و الحول. و القدر المخرج ربع العشر، مثل النقدين.

الشرح:

قال في الشرائع: «العقار المتّخذ للنماء يستحبّ الزكاة في حاصله. انتهى».(1)

و في المدارك: «العقار لغة: الأرض، و المراد هنا ما يعمّ البساتين و الخانات و الحمّامات و نحو ذلك على ما صرّح به الأصحاب. و استحباب الزكاة في حاصلها مقطوع به في كلامهم، و لم أقف له على مستند، و قد ذكره في التذكرة و المنتهى مجرّدا عن الدليل. ثمّ قال في التذكرة: و لايشترط فيه الحول و لا النصاب؛ للعموم. و استقرب الشهيد في البيان اعتبارهما. و لابأس به اقتصارا فيما خالف الأصل على موضع الوفاق ان تمّ، و على هذا فانّما يثبت الاستحباب فيه اذا كان الحاصل عرضا غير زكويّ. أمّا لو كان نقدا فانّ الزكاة تجب فيه مع اجتماع الشرائط و يسقط الاستحباب. انتهى».(2)

و في الجواهر: «العقار المتّخذ للنماء يستحبّ الزكاة في حاصله و ان كان لم يذكره في الجمل و الوسيلة و الغنية و الاشارة و السرائر. نعم، قد اعترف في المدارك و غيرها بعدم الوقوف له على دليل. قلت: قد يقوى في الذهن أنّه من مال


1) - شرائع الاسلام 1: 158.

2) - مدارك الأحكام 5: 185.

التجارة بمعنى التكسّب عرفا؛ اذ هي فيه أعمّ من التكسّب بنقل العين و استنمائها، فانّ الاسترباح له طريقان عرفا: أحدهما بنقل الأعيان، و الثاني باستنمائها مع بقائها. و لذا تعلّق فيه الخمس كغيره من أفراد الاسترباح، و من ذلك يتّجه اعتبارالشرائط السابقة فيه. انتهى».(1)

أقول:

لم تذكر هذه المسألة في كتب القدماء من الجمل و الوسيلة و الغنية و الاشارة و السرائر بل و في المقنع و الهداية و المقنعة. نعم، ذكرها الشيخ في النهاية و المبسوط، فانّه قال في النهاية: «و ليس على الانسان زكاة فيما يملكه من خادم يخدمه أو دار يسكنها الاّ أن تكون دار غلّة. فان كان كذلك يستحبّ أن يخرِج منها الزكاة. انتهى».(2)

و في المبسوط: «العقار و الدكاكين و الدور و المنازل الاّ ما كانت للغلّة، فانّه يستحبّ أن يخرج منه الزكاة، و رحل البيت و القماش و الفرش و الآنية من الصفر و النحاس و الحديد و الزيبق، و في الماشية البغال و الحمير كلّ هذا لا زكاة فيه بلا خلاف. انتهى».(3)

و كذلك ذكرها المحقّق و العلاّمة و الشهيدان و غيرهم. و الظاهر من عباراتهم أنّ الدليل لفتواهم بالاستحباب هو الذي أشار اليه في الجواهر ب- «أنّه من مال التجارة بمعنى التكسّب عرفا ... الى آخر ما ذكر» و ان كان استشكل فيه المحقّق الهمداني بأنّه «ان أراد جعل نفس العقار المتّخذة للنماء مندرجة في موضوع مال التجارة بملاحظة أنّها مال ملك بعقد معاوضة بقصد الاكتساب فله وجه، ولكن مقتضاه تعلّق الزكاة بعينها؛ لأنّها هي المال الذي اتّجر به، و هذا ممّا لم يقل أحد


1) - جواهر الكلام 15: 291.

2) - النهاية: 177.

3) - المبسوط 1: 227.

بتعلّق الزكاة به. و أمّا حاصلها الذي هو محلّ الكلام فلا مناسبة بينه و بين مالالتجارة أصلاً، فضلاً عن استفادة تعلّق الزكاة به من الروايات الواردة في المال المستعمل في التجارة. انتهى».(1)

ولكن فيه: انّ المدار في استحباب الزكاة صدق مال التجارة و التكسّب هنا، و من المعلوم صدقه على حاصل العقار المتّخذ للنماء، و عدم تعلّق الزكاة بعينها لعدم قصده بها للتجارة. و بناءً عليه يجري فيه ما كان جاريا في مال التجارة من الشرائط من النصاب و الحول و القدر المخرج.

و يمكن أن يستدلّ بخبر شعيب قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام : كلّ شيء جرّ عليك المال فزكّه، و كلّ شيء ورثته أو وهب لك فاستقبل به».(2)

بناءً على أن يكون «المال» بالرفع، حيث انّ ظاهره حينئذ ثبوت الزكاة في مطلق الأرباح المكتسبة بالأموال، خصوصا اذا كانت الأموال في الأصل متّخذة بقصد الاسترباح، كما في العقار المتّخذ للنماء.

و أمّا الاستدلال بالآيات و الأخبار العامّة، مثل قوله تعالى: «ممّا رزقناهم ينفقون»(3)و قوله: «أنفقوا من طيّبات ما كسبتم و ممّا أخرجنا لكم من الأرض»(4)و قول أبي عبداللّه عليه السلام في خبر أبي المغراء:

«انّ اللّه - تبارك و تعالى - أشرك بين الأغنياء و الفقراء في الأموال، فليس لهم أن يصرفوا الى غير شركائهم».(5)

ففيه: انّها منصرفة عن الزكاة التي هي المقدار المعيّن من قبل الشارع من العشر


1) - مصباح الفقيه 13: 474.

2) - وسائل الشيعة 9: 171 / الباب 16 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

3) - البقرة 2: 3.

4) - البقرة 2: 267.

5) - وسائل الشيعة 9: 215 / الباب 2 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 4.

أو نصف العشر أو ربعه و نحو ذلك، كما أنّ الخبر راجع الى الموضوعات التي شرّع فيها الزكاة، فيراد به أنّ الفقراء في موارد الزكاة شركاء، فلايجوز أن يصرف حقّهم في غير المصرف.

«الخامس»: الحليّ، و زكاته اعارته لمؤمن.

تدلّ على ذلك مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«زكاة الحليّ عاريته».(1)

و الظاهر أنّ التعبير بالزكاة في اعارة الحليّ نوع مجاز، كما في «زكاة العلم نشره ... »(2)، و قد تقدّم أنّه لاتجب الزكاة في الحليّ ولو بلغ مائة ألف.

«السادس»: المال الغائب أو المدفون الذي لايتمكّن من التصرّف فيه اذا حال عليه حولان أو أحوال، فيستحبّ زكاته لسنة واحدة بعد التمكّن.

الشرح:

الدليل على استحباب زكاة المال الغائب الغير المتمكّن من التصرّف فيه لسنة واحدة بعد التمكّن اذا حال عليه حولان أو أحوال: الجمع بين موثّقة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال في رجل ماله عنه غائب لايقدر على أخذه، قال:

«فلا زكاة عليه حتّى يخرج، فاذا خرج زكّاه لعام واحد، فان كان يدعه متعمّدا و هو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ به منالسنين».(3)


1) - وسائل الشيعة 9: 158 / الباب 10 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

2) - مستدرك الوسائل 7: 46 / الباب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 9: 95 / الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 7.

و صحيحة العلاء بن رزين عن سدير الصيرفي قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام : ما تقول في رجل كان له مال فانطلق به فدفنه في موضع فلمّا حال عليه الحول ذهب ليخرجه من موضعه فاحتفر الموضع الذي ظنّ أنّ المال فيه مدفون فلم يصبه، فمكث بعد ذلك ثلاث سنين، ثمّ انّه احتفر الموضع من جوانبه كلّه فوقع على المال بعينه، كيف يزكّيه؟ قال: يزكّيه لسنة واحدة؛ لأنّه كان غائبا عنه و ان كان احتبسه».(1)

و بين صحيحة ابراهيم بن أبي محمود قال:

«قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام : الرجل يكون له الوديعة و الدين فلايصل اليهما ثمّ يأخذهما، متى يجب عليه الزكاة؟ قال: اذا أخذهما ثمّ يحول عليه الحول يزكّي».(2)

و في المدارك في استحباب الزكاة لسنة واحدة في المال الغائب الذي لايتمكّن من التصرّف فيه اذا مضى عليه سنون و عاد قال: «هذا مذهب الأصحاب لاأعلم فيه مخالفا، و أسنده العلاّمة في المنتهى الى علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، و حكى عن بعض العامّة القول بالوجوب. انتهى».(3)

و الظاهر من صحيحة العلاء أنّ التزكية لسنة واحدة انّما تستحبّ اذا كانت مدّة الضلال و الفقد ثلاث سنين فصاعدا الاّ أنّ اطلاق موثّقة زرارة يقتضي استحبابهامع العود لسنة واحدة و ان كان مدّة الفقد سنة واحدة، كما أطلق العلاّمة في المنتهى استحباب التزكية مع العود لسنة واحدة.(4)


1) - وسائل الشيعة 9: 93 / الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 95 / الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.

3) - مدارك الأحكام 5: 37.

4) - منتهى المطلب 8: 51.

«السابع»: اذا تصرّف في النصاب بالمعاوضة في أثناء الحول بقصد الفرار من الزكاة فانّه يستحبّ اخراج زكاته بعد الحول.

الشرح:

و الدليل على استحباب الزكاة فيما اذا تصرّف في النصاب بالمعاوضة في أثناء الحول بقصد الفرار من الزكاة، الجمع بين طائفتين من الروايات:

فمن الأولى صحيحة عمر بن يزيد قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل فرّ بماله من الزكاة فاشترى به أرضا أو دارا، أعليه فيه شيء؟ فقال: لا، و لو جعله حليّا أو نقرا فلا شيء عليه، و ما منع نفسه من فضله أكثر ممّا منع من حقّ اللّه الذي يكون فيه».(1)

و من الثانية صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: الرجل يجعل لأهله الحليّ - الى أن قال: - قلت له: فانّه فرّ به من الزكاة. فقال: ان كان فرّ به من الزكاة فعليه الزكاة، و ان كان انّما فعله ليتجمّل به فليس عليه زكاة».(2)

قال في الشرائع: «و لو اختلّ أحد شروطها في أثناء الحول بطل الحول، مثل اننقصت عن النصاب فأتمّها، أو عاوضها بمثلها أو بجنسها على الأصحّ. و قيل: اذا فعل ذلك فرارا وجبت الزكاة. و قيل: لاتجب. و هو الأظهر. انتهى».(3)

و في المدارك: «ما اختاره المصنّف رحمه الله من بطلان الحول بابدال النصاب بغيره في أثنائه مطلقا أشهر الأقوال في المسألة. و قال الشيخ في المبسوط: «ان بادل


1) - وسائل الشيعة 9: 159 / الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 9: 162 / الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة / الحديث 6.

3) - شرائع الاسلام 1: 145.

بجنسه بنى على حوله، و ان كان بغير جنسه استأنف». و قال المرتضى في الانتصار و الشيخ في الجمل: «ان بادل بالجنس أو بغيره فرارا وجبت الزكاة و الاّ فلا. و المعتمد الأوّل». انتهى».(1)

احتجّ المرتضى في الانتصار باجماع الطائفة و بصحيحة معاوية بن عمّار المتقدّم ذكرها آنفا، و انّها أظهر و أقوى و أوضح طرقا من صحيحة عمر بن يزيد.

و فيه: انّ الطائفتين من الروايات شاملتان على الصحيحة، و الجمع بينهما يقتضي الاستحباب. و أمّا الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم فلم يحصّل.

تمّ الجزء الأوّل من كتاب الزكاة

بيد أقلّ العباد

السيد على محمّد دستغيب الحسيني

ابن المرحوم السيّد على أكبر

في شهر ربيع الأوّل سنة 1426

و الحمد للّه أوّلاً و آخرا


1) - مدارك الأحكام 5: 74.