ghaemiyeh.com
الهادي إلی الطريقة الوسطی في شرح العروة الوثقی
المجلد السابع
کتاب الصلاة
الجزء الرابع
لمؤلفة المحقق والفقيه المدقق
سماحة آية الله سيد علي محمد دستغيب الحسيني الشيرازي
محرر الرقمي: روح الله قاسمي
فصل في الترتيب/23
فيما اذا خالف الترتيب في الركعات سهوا ... 25
فصل في الموالاة/27
في مراعاة الموالاة العرفيّة ... 29
فيما لو نذر الموالاة ... 29
فصل في القنوت/31
في أحكام القنوت و محلّ الاتيان به في الصلوات ... 31
الفرع الأوّل في استحباب رفع اليدين في القنوت ... 36
الفرع الثاني في استحباب الدعاء في القنوت ... 37
في قراءة القرآن في القنوت ... 39
في قراءة الأشعار المشتملة على الدعاء و المناجاة ... 39
في الدعاء بغير العربيّة في القنوت ... 39
في أولويّة قراءة الأدعية المأثورة ... 42
في أولويّة ختم القنوت بالصلاة على محمّد صلى الله عليه و آله و آله عليهم السلام ... 45
في الدعاء الملحون مادّة أو اعرابا ... 47
في الدعاء على العدوّ في القنوت ... 47
في الدعاء لطلب الحرام ... 48
في استحباب اطالة القنوت ... 48
في استحباب التكبير قبل القنوت ... 49
في الجهر بالقنوت ... 51
فيما اذا نذر القنوت في كلّ صلاة أو صلاة خاصّة ... 52
فيما لو نسي القنوت ... 52
في اشتراط القيام في القنوت ... 54
في بعض المستحبّات للمرأة في الصلاة ... 54
في أنّ صلاة الصبي كالرجل و الصبيّة كالمرأة ... 55
فصل في التعقيب/57
في تأكيد استحباب التعقيب ... 58
في أنّه هل يستحبّ التعقيب بعد النوافل؟ ... 59
في الأمور المعتبرة في التعقيب ... 59
في بعض الأذكار و الأدعية المأثورة في التعقيب ... 60
في استحباب كون السبحة بطين قبر الحسين عليه السلام ... 61
فيما اذا شكّ في عدد الأذكار ... 61
في استحباب الجلوس في المصلّى بعد صلاة الصبح الى طلوع الشمس ... 63
في أفضليّة الدعاء بعد الفريضة على الصلاة تنفّلاً ... 64
فصل في الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله/65
في تكرار الصلاة اذا ذكر اسمه صلى الله عليه و آله مكرّرا ... 68
فيما اذا سمع اسمه صلى الله عليه و آله في أثناء التشهّد ... 68
في حكم الفصل الطويل بين ذكره و الصلاة عليه ... 69
في كيفيّة الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله ... 69
فيما اذا كتب اسمه صلى الله عليه و آله ... 69
فيما اذا تذكّره بقلبه ... 69
فيما اذا ذكر سائر الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام ... 70
فصل في مبطلات الصلاة/71
«أحدها»: فقد بعض الشرائط في أثناء الصلاة ... 71
«الثاني»: الحدث الأكبر أو الأصغر ... 71
«الثالث»: التكفير ... 79
الفرع الأوّل في معنى التكفير ... 79
الفرع الثاني في حكم التكفير ... 81
الفرع الثالث في أنّ المنهي هو التكفير لا مطلق الوضع ... 84
«الرابع»: تعمّد الالتفات بتمام البدن على وجه يخرج عن الاستقبال ... 85
«الخامس»: تعمّد الكلام ... 91
فيما لو تكلّم بحرفين حصل ثانيهما من اشباع حركة الأوّل ... 93
فيما اذا تكلّم بحرفين من غير تركيب ... 94
فيما اذا تكلّم بحرف غير مفهم للمعنى لكن وصله باحدى كلمات القراءة ... 94
في مدّ حرف المدّ و اللين ... 95
في التكلّم بحروف المعاني ... 95
في التنحنح و النفخ و الأنين و التأوّه و نحوها في الصلاة ... 96
فيما اذا قال: «آه من ذنوبي!» و نحوه ... 96
في التكلّم في حال حضور المخاطب و عدمه و في حال الاضطرار و عدمه ... 96
في حكم الذكر و الدعاء في جميع أحوال الصلاة ... 97
فرع في حكم الدعاء المحرّم ... 99
في حكم الذكر و الدعاء بغير العربي ... 100
في قصد القرآنيّة في القرآن؟ ... 100
في الاتيان بالذكر بقصد تنبيه الغير ... 100
في الدعاء مع مخاطبة الغير في الصلاة ... 102
في تكرار الذكر أو القراءة عمدا أو احتياطا ... 102
في ابتداء المصلّي بالسلام ... 103
في ردّ سلام التحيّة أثناء الصلاة ... 103
الفرع الأوّل في معنى التحيّة و وجوب ردّها ... 104
الفرع الثاني في حكم الصلاة اذا لم يردّ الجواب ... 106
في كيفيّة ردّ السلام في الصلاة ... 107
في أنّ الأحوط قصد القرآنيّة ب- «سلام عليكم» ... 110
فيما لو سلّم بالملحون ... 112
فيما لو كان المسلّم صبيّا أو امرأة أجنبيّة أو رجلاً أجنبيّا ... 112
فيما لو سلّم على جماعة منهم المصلّي ... 113
في كيفيّة الردّ لمن قال: «سلام» بدون «عليكم» ... 116
فيما اذا سلّم مرّات عديدة ... 116
فيما اذا كان المصلّي بين جماعة و شكّ أنّ المسلّم قصده أيضا أم لا ... 118
في فوريّة وجوب جواب السلام ... 118
في وجوب اسماع الردّ ... 119
فرع فيما اذا سلّم و مشى سريعا أو كان المسلّم أصمّ ... 121
فيما لو كانت التحيّة بغير لفظ «السلام» ... 121
فيما لو شكّ المصلّي في صيغة سلام المسلّم ... 122
في كراهة السلام على المصلّي ... 122
في كفائيّة وجوب ردّ السلام ... 124
في سلام الأجنبي على الأجنبيّة و بالعكس ... 124
في السلام على الكافر ... 125
الفرع الأوّل في الابتداء بالسلام على الكافر ... 125
الفرع الثاني في ردّ سلام الذمّي و كيفيّته ... 127
فيمن يستحبّ له الابتداء بالسلام ... 130
فيما اذا سلّم سخريّة أو مزاحا ... 131
فيما اذا سلّم على أحد شخصين و لم يعلم أنّه أيّهما أراد ... 132
فيما اذا تقارن سلام شخصين كلّ على الآخر ... 132
في جواب سلام أهل المنبر ... 133
في استحباب الردّ بالأحسن في غير حال الصلاة ... 133
في استحباب قول العاطس: «الحمدللّه» و نحوه و كذا تسميت العاطس ... 133
«السادس»: تعمّد القهقهة ... 135
الفرع الأوّل في الضحك المتوسّط بين القهقهة و التبسّم ... 137
الفرع الثاني في منع النفس عن ظهور القهقهة ... 137
«السابع»: تعمّد البكاء لأمور الدنيا ... 138
الفرع الأوّل في أنّه هل يعتبر في البكاء المبطل الصوت؟ ... 141
الفرع الثاني في أنّ البكاء المبطل هو البكاء على أمور الدنيا ... 142
«الثامن»: كلّ فعل ماحٍ لصورة الصلاة ... 142
الفرع الأوّل في جملة من الأفعال أثناء الصلاة غير الماحية لصورتها ... 143
الفرع الثاني في بطلان الصلاة بالفعل الماحي لصورتها ... 147
«التاسع»: الأكل و الشرب الماحيان للصورة ... 153
فرع في جواز شرب الماء في صلاة الوتر ... 156
«العاشر»: تعمّد قول «آمين» ... 157
«الحادي عشر»: الشكّ في الركعات الثنائيّة و الثلاثيّة و الأوليين من الرباعيّة ... 160
«الثاني عشر»: زيادة جزء أو نقصانه عمدا في غير الركن و مطلقا في الركن ... 160
فيما لو شكّ بعد السلام في أنّه هل أحدث في أثناء الصلاة أم لا ... 160
فيما لو علم بأنّه نام اختيارا و شكّ في كونه بعد الصلاة أو في أثنائها ... 161
فيما اذا كان في أثناء الصلاة في المسجد فرأى نجاسة فيه ... 162
في البكاء على سيّد الشهداء عليه السلام في الصلاة ... 162
فيما اذا شكّ في بقاء صورة الصلاة و محوها لو أتى بفعل كثير ... 162
فصل في المكروهات في الصلاة/165
«الأوّل»: الالتفات بالوجه بل و بالعين و بالقلب ... 165
«الثاني»: العبث باللحية أو بغيرها ... 166
«الثالث»: القِران بين السورتين ... 167
«الرابع»: عقص الرجل شعره ... 167
«الخامس»: نفخ موضع السجود ... 168
«السادس»: البُصاق ... 169
«السابع»: فرقعة الأصابع ... 169
«الثامن»: التمطّي ... 169
«التاسع»: التثاؤب ... 169
«العاشر»: الأنين ... 169
«الحادي عشر»: التأوّه ... 169
«الثاني عشر»: مدافعة البول و الغائط بل و الريح ... 170
«الثالث عشر»: مدافعة النوم ... 170
«الرابع عشر»: الامتخاط ... 171
«الخامس عشر»: الصفد في القيام ... 171
«السادس عشر»: وضع اليد على الخاصرة ... 171
«السابع عشر»: تشبيك الأصابع ... 171
«الثامن عشر»: تغميض البصر ... 171
«التاسع عشر»: لبس الخفّ أو الجورب الضيق ... 171
«العشرون»: حديث النفس ... 172
«الحادي و العشرون»: قصّ الظفر ... 172
«الثاني و العشرون»: النظر الى نقش الخاتم ... 172
«الثالث و العشرون»: التورّك حال القيام ... 172
«الرابع و العشرون»: الانصات في أثناء القراءة ... 172
«الخامس و العشرون»: كلّ ما ينافي الخشوع المطلوب في الصلاة ... 172
في أنّه لابدّ للمصلّي من اجتناب موانع قبول الصلاة ... 173
في جواز جملة من الأفعال في الصلاة ... 174
فصل في قطع الصلاة/177
في قطع صلاة الفريضة و النافلة ... 177
فرع في جواز قطع الصلاة للضرورة ... 184
في قطع النافلة المنذورة اذا لم تكن منذورة بالخصوص ... 186
في قطع الصلاة اذا رأى نجاسة في المسجد ... 187
فيما اذا توقّف أداء الدين المطالب به على قطع الصلاة ... 188
فيما اذا ترك القطع و اشتغل بالصلاة في موارد وجوب القطع ... 188
فصل في صلاة الآيات/191
«الأوّل و الثاني» من أسبابها: كسوف الشمس و خسوف القمر ... 191
الفرع الأوّل فيما اذا احترق بعضهما ... 193
الفرع الثاني فيما اذا لم يحصل من الكسوفين خوف ... 194
«الثالث»: الزلزلة ... 195
«الرابع»: كلّ مخوف سماوي أو أرضي ... 197
في تعيين وقت صلاة الآيات ... 200
الفرع الأوّل في أوّل وقت صلاة الكسوف و آخره ... 200
الفرع الثاني فيما لو غابت الشمس قبل الانجلاء ... 205
الفرع الثالث في وقت الصلاة للزلزلة ... 205
الفرع الرابع في وقت الصلاة للرياح و أخاويف السماء ... 207
في كيفيّة صلاة الآيات ... 209
الفرع الأوّل في ماهيّة صلاة الكسوف و هي ركعتان ... 210
الفرع الثاني في أنّه في كلّ ركعة خمسة ركوعات و سجدتان ... 212
الفرع الثالث في كيفيّتها و صورها ... 213
الفرع الرابع في وجوب اتمام السورة في كلّ ركعة ... 215
الفرع الخامس في عدم مشروعيّة الفاتحة الاّ مع اكمال السورة ... 218
الفرع السادس في حكم الركوع الخامس عن بعض السورة ... 220
الفرع السابع فيما لو ركع الخامس عن بعض سورة ... 221
في صور كيفيّة صلاة الآيات ... 222
فيما يعتبر في هذه الصلاة ... 223
في استحباب القنوت في كلّ قيام ثانٍ ... 224
في استحباب التكبير عند كلّ هويّ الى الركوع و كلّ رفع منه ... 226
في أنّ حكم صلاة الآيات حكم الصلاة الثنائيّة في الشكّ في الركعات ... 226
في كون الركوعات أركانا ... 227
فيما اذا أدرك من وقت الكسوفين ركعة ... 228
فيما اذا علم بالكسوف و أهمل حتّى مضى الوقت ... 231
الفرع الأوّل فيما اذا لم يعلم بالكسوف حتّى خرج الوقت ... 231
الفرع الثاني فيما لو علم بالكسوف و أهمل أو نسي حتّى مضى الوقت ... 234
الفرع الثالث في حكم غير الكسوفين ... 237
فيما اذا أتى بصلاة الآية و تبيّن له الفساد بعد خروج الوقت ... 238
فيما اذا حصلت الآية في وقت الفريضة اليوميّة ... 239
فيما لو شرع في احداهما ثمّ ظهر ضيق الأخرى ... 241
الفرع الأوّل فيما لو شرع في اليوميّة ثمّ ظهر له ضيق وقت صلاة الآية ... 242
الفرع الثاني فيما لو اشتغل بصلاة الآية و ضاق وقت اليوميّة ... 242
الفرع الثالث فيما اذا اشتغل بصلاة الآية و خاف فوت وقت فضيلة اليوميّة ... 244
في مستحبّات صلاة الآية ... 245
في حكم تطويل صلاة الآية للامام ... 252
في حكم اللحوق بالجماعة في أثناء صلاة الآية ... 252
فيما اذا حصل أحد موجبات سجود السهو في صلاة الآية ... 253
في أنّه هل يجري في هذه الصلاة قاعدة التجاوز عن المحلّ أم لا ... 254
فيما يثبت به الكسوف و الخسوف و سائر الآيات ... 255
في أنّه هل تجب الصلاة على غير أهل البلد الواقع فيه الآية أم لا؟ ... 255
في حكم صلاة الآيات بالنسبة الى الحائض و النفساء ... 256
فيما اذا تعدّد السبب دفعة أو تدريجا ... 257
في أنّه هل يلزم التعيين مع تعدّد الأسباب أم لا؟ ... 257
في مناط وجوب قضاء صلاة الآية ... 258
فيما اذا أخبره جماعة بحدوث الكسوف و لم يحصل له العلم ثمّ تبيّن صدقهم ... 258
فصل في صلاة القضاء/261
في وجوب قضاء اليوميّة الفائتة و الفاسدة ... 261
فرع في طوائف يسقط عنهم القضاء ... 264
فيما اذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو المغمى عليه قبل خروج الوقت ... 274
فيما اذا كان عذر المجنون و الحائض و النفساء حاصلاً من فعلهم ... 276
في حكم قضاء ما فات من المرتدّ أيّام ردّته ... 282
في حكم قضاء الفوائت للمخالف ... 285
الفرع الأوّل في حكم ما لو فعل المخالف الفعل حال خلافه موافقا لمذهبنا ... 288
الفرع الثاني في حكم ما اذا صلّى مثلاً ثمّ استبصر و كان الوقت باقيا ... 289
الفرع الثالث في حكم ما لو استبصر ثمّ خالف ثمّ استبصر ... 290
في حكم القضاء لشارب المسكر ... 291
في فاقد الطهورين ... 292
فيمن وجب عليه الجمعة فتركها حتّى مضى وقتها ... 295
في حكم قضاء غير اليوميّة ... 296
في وقت الاتيان بالقضاء ... 297
الفرع الأوّل في أنّه يجوز قضاء الفرائض في كلّ وقت ... 297
الفرع الثاني في حكم قضاء ما فات سفرا في الحضر و بالعكس ... 298
في كيفيّة قضاء ما فات في أماكن التخيير ... 299
فيما اذا فاتته الصلاة في السفر الذي يجب فيه الجمع بين القصر و التمام ... 302
فيما اذا فاتت الصلاة و كان في أوّل الوقت حاضرا و في آخره مسافرا ... 302
في قضاء النوافل ... 308
في الترتيب في قضاء الفوائت غير اليوميّة ... 310
في الترتيب في قضاء الفوائت اليوميّة ... 310
فرع في أنّ الترتيب مختصّ بصورة العلم ... 316
فيما لو فاتته الصلوات الخمس غير مرتّبة ... 318
فيما لو فاتته صلوات معلومة سفرا و حضرا و لم يعلم الترتيب ... 320
فيما اذا علم أنّ عليه صلاة لكن لايعلم أنّها ظهر أو عصر ... 320
فيما لو علم أنّ عليه احدى الصلوات الخمس و لم يعلمها بعينها ... 321
فيما اذا علم أنّ عليه اثنتين من الخمس متردّدتين في الخمس ... 323
فيما اذا علم أنّه عليه ثلاثا من الخمس متردّدة ... 327
فيما اذا علم أنّ عليه أربعا من الخمس متردّدة ... 328
فيما اذا علم أنّ عليه خمس صلوات مرتّبة و لايعلم الأولى منها ... 329
فيما اذا علم فوت صلاة معيّنة مرّات و لم يعلم عددها ... 330
في حكم فوريّة الاتيان بالقضاء ... 337
في حكم تقديم الفائتة على الحاضرة ... 352
فيما اذا كانت عليه فوائت أيّام و فاتت منه صلاة ذلك اليوم أيضا ... 362
فيما اذا احتمل اشتغال ذمّته بفائتة أو فوائت ... 363
في حكم الاستنابة لقضاء الفوائت حيّا ... 363
في الاتيان بالقضاء جماعة ... 364
في حكم تأخير ذوي الأعذار القضاء الى زمان رفع العذر ... 365
في تمرين الصبي المميّز على قضاء ما فات منه ... 367
في حكم منع الأطفال عمّا فيه ضرر عليهم أو على غيرهم ... 369
فصل في صلاة الاستئجار/373
في جواز الاستئجار ... 373
فرع في حكم الاستئجار و التبرّع عن الأحياء في الصلاة و نحوها ... 377
فيما يعتبر في تفريغ ذمّة الميّت ... 379
في اعتبار قصد القربة في صحّة عمل الأجير و المتبرّع ... 380
في وجوب الوصيّة على من عليه واجب ... 382
فيما اذا علم الوارث بأنّ عليه شيئا من الواجبات ... 388
فيما اذا أوصى بالصلاة و نحوها و لم يكن له تركة ... 389
فيما لو أوصى بما يجب عليه من باب الاحتياط ... 391
الفرع الأوّل فيما لو أوصى من باب الاحتياط ... 392
الفرع الثاني فيما لو علم فراغ ذمّة الميّت ... 393
فيما اذا آجر نفسه لصلاة أو نحوها فمات قبل الاتيان بها ... 395
فيما اذا كان على الميّت عمل استئجاري و فوائت من نفسه ... 396
فيما يشترط في الأجير ... 397
في اشتراط عدالة الأجير ... 398
في استئجار غير البالغ ... 399
في استئجار ذوي الأعذار ... 402
فيما لو تبرّع العاجز عن الميّت ... 403
فيما لو حصل للأجير سهو أو شكّ ... 403
في استئجار الرجل للمرأة و بالعكس ... 406
في الاتيان بالصلاة الاستئجاريّة جماعة ... 407
في حكم مراعاة الترتيب في قضاء الميّت ... 408
فيما اذا استؤجر جماعة لفوائت الميّت ... 408
فيما يتوقّف عليه تفريغ ذمّة الميّت في الاستئجار ... 409
في حكم استئجار الأجير غيره للعمل ... 410
فيما اذا تبرّع متبرّع عن الميّت قبل عمل الأجير ... 412
فيما اذا تبيّن بطلان الاجارة بعد العمل ... 413
فيما اذا تعارضت صلاة نفسه مع صلاة الاستئجار في ضيق الوقت ... 414
فيما اذا انقضى الوقت المضروب للصلاة الاستئجاريّة و لم يأت بها ... 415
في وجوب تعيين الميّت المنوب عنه ... 415
فيما اذا لم يعيّن كيفيّة العمل ... 416
فيما اذا نسي الأجير بعض المستحبّات المشروطة عليه ... 416
فيما لو آجر نفسه لصلاة شهر مثلاً فشكّ أنّها صلاة السفر أو الحضر ... 417
فيما اذا علم أنّه كان على الميّت فوائت و لم يعلم أنّه أتى بها أو لا ... 417
فصل في قضاء الولي/419
في وجوب قضاء الولي ما فات عن الميّت من الصلاة ... 419
الفرع الأوّل في عدم وجوب القضاء على الولي اذا كان الميّت امرأة ... 422
الفرع الثاني في أنّه لا فرق في الميّت بين كونه حرّا أو عبدا ... 424
الفرع الثالث في وجوب قضاء ما فات عن الميّت مطلقا ... 424
الفرع الرابع في قضاء ما فات عن الميّت من الصوم ... 425
الفرع الخامس في أنّ المراد بالولي الولد الأكبر ... 428
في عدم وجوب قضاء ما فات الأبوين من غير صلاة نفسهما ... 432
في حكم قضاء ولد الولد عن الميّت ... 432
فيما اذا مات أكبر الذكور بعد أحد أبويه ... 433
فيما يشترط في الولي من البلوغ و العقل عند الموت ... 433
فيما اذا كان أحد الأولاد أكبر بالسنّ و الآخر بالبلوغ ... 434
في عدم اعتبار الوارثيّة في الولي ... 435
فيما اذا كان الولد الأكبر خنثى مشكلاً ... 435
فيما لو اشتبه الأكبر بين اثنين أو أزيد ... 436
فيما لو تساوى الولدان في السنّ ... 437
فيما اذا أوصى الميّت بالاستئجار عنه ... 439
في وجوب مراعاة الترتيب على الولي في قضاء الصلاة ... 441
في أنّ المناط في الجهر و الاخفات على حال المباشر أو الميّت؟ ... 441
في كيفيّة مراعاة أحكام الشكّ و السهو ... 442
فيما اذا علم الولي أنّ على الميّت فوائت و لايدري أنّها فاتت لعذر أو لا ... 442
في تعيين الأكبر من التوأمين ... 443
في عدم اختصاص ما يجب على الولي بالفوائت اليوميّة ... 444
في كفاية اخبار الميّت بأنّ عليه قضاء ما فات لعذر ... 445
فيما اذا مات في أثناء الوقت بعد مضيّ مقدار الصلاة ... 445
فيما لو لم يكن وليّ أو كان و مات قبل القضاء عن الميّت ... 446
فيما لو كانت ذمّة الولي مشغولة بفوائت نفسه ... 446
في حكم التأخير في القضاء عن الميّت ... 446
في حكم انتقال القضاء اذا مات الولي الأكبر بعد الميّت الى الأكبر بعده ... 447
في أنّ الأجير عن الولي يقصد النيابة عن الميّت أو عنه؟ ... 447
«الجزء الرابع»
يجب الاتيان بأفعال الصلاة على حسب ما عرفت من الترتيب بأن يقدّم تكبيرة الاحرام على القراءة، و القراءة على الركوع و هكذا، فلو خالفه عمدا بطل ما أتى به مقدّما، و أبطل من جهة لزوم الزيادة سواء كان ذلك في الأفعال أو الأقوال و في الأركان أو غيرها، و ان كان سهوا فان كان في الأركان بأن قدّم ركنا على ركن كما اذا قدّم السجدتين على الركوع فكذلك، و ان قدّم ركنا على غير الركن كما اذا قدّم الركوع على القراءة، أو قدّم غير الركن على الركن كما اذا قدّم التشهّد على السجدتين، أو قدّم غير الأركان بعضها على بعض كما اذا قدّم السورة مثلاً على الحمد فلاتبطل الصلاة اذا كان ذلك سهوا، و حينئذٍ فان أمكن التدارك بالعود بأن لم يستلزم زيادة ركن وجب و الاّ فلا. نعم يجب عليه سجدتان لكلّ زيادة أو نقيصة تلزم من ذلك.
الشرح:
يجب الترتيب في أجزاء الصلاة بأن يأتي بتكبيرة الاحرام أوّلاً، ثمّ القراءة ثمّ الركوع الى آخر ما تقدّم. و الدليل على ذلك الروايات الواردة في تعليم الصلاة كصحيحة حمّاد الطويلة و الأخبار الواردة في صلاة النبي صلى الله عليه و آله في المعراج و غيرها من الروايات الواردة في نسيان الجزء و ذكره بعد الدخول فيما بعده، و في قاعدة التجاوز، و في الشكّ في الجزء بعد الدخول فيما بعده، و غيرها. و الفقهاء و ان لم يتعرّضوا للترتيب بعنوان مستقلّ الاّ أنّ القدماء قد ذكروا أجزاء الصلاة مجملاً في فصل، و غيرهم قد فصّلوها في فصول، و المستفاد من الكلّ وجوب الترتيب. فلو خالف الترتيب عمدا بطل ما أتى به مقدّما لعدم اتيانه المأمور به على الوجه المطلوب منه و بطلت صلاته من جهة لزوم الزيادة عمدا، سواء كان ذلك في الأفعال أو الأقوال، و في الأركان أو غيرها.
و أمّا لو خالف الترتيب سهوا فالصور المتصوّرة أربع؛ اذ تارة يقدّم ركنا على مثله كما لو قدّم السجدتين على الركوع، فهي محكومة بالبطلان سواء تدارك المنسي في محلّه أم لا؛ للزوم الزيادة في الأوّل و النقيصة في الثاني، و من المعلوم أنّ زيادة الركن كنقيصته تستوجب البطلان مطلقا.
و أخرى يقدّم الركن على غيره، كما لو قدّم الركوع على القراءة فهي لاتوجب البطلان؛ اذ لا محذور فيها غير ترك جزء غير ركن سهوا، بعد تعذّر تداركه بالدخول في الركن، و لا ضير فيه بمقتضى حديث لاتعاد.
و ثالثة عكس ذلك كما لو قدّم التشهد على السجدتين.
و رابعة يقدّم غير الركن على مثله كما لو قدّم السورة على الحمد. ففي هاتين الصورتين يتدارك المنسي و ان استلزم الزيادة؛ اذ لا ضير في الزيادة السهويّة لجزء غير ركن.
(مسألة): اذا خالف الترتيب في الركعات سهوا كأن أتى بالركعة الثالثة في محلّ الثانية بأن تخيّل بعد الركعة الأولى أنّ ما قام اليه ثالثة فأتى بالتسبيحات الأربع و ركع و سجد و قام الى الثالثة و تخيّل أنّها ثانية فأتى بالقراءة و القنوت لم تبطل صلاته بل يكون ما قصده ثالثة ثانية و ما قصده ثانية ثالثة قهرا، و كذا لو سجد الأولى بقصد الثانية و الثانية بقصد الأولى.
الشرح:
اذا خالف الترتيب في الركعات سهوا لم تبطل صلاته؛ اذ غايته أنّه ترك القراءة و أتى بالتسبيحات الأربع في الركعة الثانية سهوا، و كذا ترك التسبيحات الأربع و أتى بالقراءة في الركعة الثالثة سهوا فمثل هذا لايوجب بطلان الصلاة؛ لحديث لاتعاد، لأنّه ترك جزءا غير ركن سهوا و زاد جزءا غير ركن كذلك و لم يتذكّر الاّ بعد الدخول في الجزء الركني. و أمّا قصد خصوصيّة الركعة بعنوانها فلم يعتبر و انّما الواجب هو ذاتها و قد أتى بها على وجه شرعي. و كذا في السجود، فانّ الواجب انّما هو الاتيان بذات السجدتين من غير مدخل لوصف الأوّليّة و الثانويّة.
قد عرفت سابقا وجوب الموالاة في كلّ من القراءة و التكبير و التسبيح و الأذكار بالنسبة الى الآيات و الكلمات و الحروف و أنّه لو تركها عمدا على وجه يوجب محو الاسم بطلت الصلاة بخلاف ما اذا كان سهوا فانّه لاتبطل الصلاة، و ان بطلت تلك الآية أو الكلمة فيجب اعادتها. نعم اذا أوجب فوات الموالاة فيها محو اسم الصلاة بطلت و كذا اذا كان ذلك في تكبيرة الاحرام، فانّ فوات الموالاة فيها سهوا بمنزلة نسيانها، و كذا في السلام فانّه بمنزلة عدم الاتيان به فاذا تذكّر ذلك و مع ذلك أتى بالمنافي بطلت صلاته، بخلاف ما اذا أتى به قبل التذكّر فانّه كالاتيان به بعد نسيانه، و كما تجب الموالاة في المذكورات تجب في أفعال الصلاة بمعنى عدم الفصل بينها على وجه يوجب محو صورة الصلاة، سواء كان عمدا أو سهوا مع حصول المحو المذكور، بخلاف ما اذا لم يحصل المحو المذكور فانّه لايوجب البطلان.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة السادسة و الثلاثين من مسائل فصل القراءة(1)وجوب الموالاة في القراءة فالآن نقول بوجوبها في التكبير و التسبيح و الأذكار، بالنسبة الى الكلمات و الحروف، و لو تركها عمدا على وجه يوجب محو الاسم بطلت الصلاة بخلاف ما اذا كان سهوا، فانّه لاتبطل الصلاة و ان بطلت تلك الكلمة فتجب اعادتها ان كان محلّها باقيا و لم يدخل في الجزء الركني و الاّ لايعيدها و تصحّ صلاته. نعم اذا أوجب فوات الموالاة في الكلمة محو اسم الصلاة، بطلت. و اذا كان فواتها في تكبيرة الاحرام سهوا أعادها؛ لأنّها بمنزلة نسيان التكبير. و أمّا فوات الموالاة في السلام سهوا، فان تذكّر قبل الاتيان بالمنافي أتى به و الاّ تصحّ صلاته؛
لحديث لاتعاد و قد تقدّم في ابتداء فصل التسليم.
و كما تجب الموالاة في المذكورات تجب في أفعال الصلاة، بمعنى عدم الفصل بينها على وجه يوجب محو صورة الصلاة سواء كان عمدا أو سهوا مع حصول المحو المذكور. و ذلك لأنّ مجموع الصلاة عمل وحداني و مركّب ارتباطي ذات هيئة اتّصاليّة، بحيث لو محت تلك الهيئة لم يصدق عليها الصلاة. و الدليل على ذلك ارتكاز المتشرّعة المتّصلة بزمان الشارع قطعا.
قال في المستمسك: «ثمّ انّ أكثر الأصحاب لم يتعرّضوا لشرطيّة الموالاة بالمعنى المذكور، و انّما تعرّضوا لقاطعيّة السكوت الطويل. ذكروا ذلك في مبحث القواطع و منها الفعل الكثير، و ابطال الجميع للصلاة بمناط محو الاسم. انتهى».(2)
(مسألة 1): تطويل الركوع أو السجود أو اكثار الأذكار أو قراءة السور الطوال لاتعدّ من المحو، فلا اشكال فيها.
لأنّها لم تعدّ من مبطلات الصلاة و موانعها.
(مسألة 2): الأحوط مراعاة الموالاة العرفيّة بمعنى متابعة الأفعال بلا فصل، و ان لم يمح معه صورة الصلاة و ان كان الأقوى عدم وجوبها، و كذا في القراءة و الأذكار.
قد تقدّم أنّ الدليل على اعتبار الموالاة بين الأفعال هو ارتكاز المتشرّعة، و هي عندهم بمعنى عدم الفصل الذي يوجب انمحاء صورة الصلاة، و أمّا الموالاة العرفيّة بمعنى متابعة الأفعال بلا فصل فلاتجب رعايتها و ان كان الاحتياط حسنا.
(مسألة 3): لو نذر الموالاة بالمعنى المذكور فالظاهر انعقاد نذره لرجحانها و لو من باب الاحتياط، فلو خالف عمدا عصى، لكنّ الأظهر عدم بطلان صلاته.
الشرح:
لو نذر أن يراعي الموالاة العرفيّة ينعقد نذره لرجحانها و لو من باب الاحتياط، و لو خالف عمدا فقد عصى و حنث النذر و عليه الكفّارة. و أمّا صلاته فصحيحة؛ لأنّه لم يترك واجبا من واجبات الصلاة و لم يأت بمانع فيها.
ان قلت: انّه مأمور بالصلاة المنذورة لوجوب الوفاء بالنذر فلو خالف لم يأت بالمأمور به، قلت: و ان كان الواجب عليه الصلاة المنذورة الاّ أنّه لو عصى و أتى بالصلاة المعتادة فقد ترك الأهمّ و أتى بالمهمّ فصلاته صحيحة على الترتّب.
و هو مستحبّ في جميع الفرائض اليوميّة و نوافلها بل جميع النوافل حتّى صلاة الشفع على الأقوى، و يتأكّد في الجهريّة من الفرائض خصوصا في الصبح و الوتر و الجمعة بل الأحوط عدم تركه في الجهريّة، بل في مطلق الفرائض. و القول بوجوبه في الفرائض أو في خصوص الجهريّة منها ضعيف، و هو في كلّ صلاة مرّة قبل الركوع من الركعة الثانية و قبل الركوع في صلاة الوتر الاّ في صلاة العيدين ففيها في الركعة الأولى خمس مرّات و في الثانية أربع مرّات، و الاّ في صلاة الآيات ففيها مرّتان: مرّة قبل الركوع الخامس و مرّة قبل الركوع العاشر، بل لايبعد استحباب خمسة قنوتات فيها في كلّ زوج من الركوعات، و الاّ في الجمعة ففيها قنوتان: في الركعة الأولى قبل الركوع و في الثانية بعده، و لايشترط فيه رفع اليدين و لا ذكر مخصوص بل يجوز ما يجري على لسانه من الذكر و الدعاء و المناجاة و طلب الحاجات، و أقلّه «سبحان اللّه» خمس مرّات أو ثلاث مرّات أو «بسم اللّه الرحمن الرحيم» ثلاث مرّات أو «الحمد للّه» ثلاث مرّات، بل يجزي «سبحان اللّه» أو سائر ما ذكر مرّة واحدة، كما يجزي الاقتصار على الصلاة على النبي و آله عليهم السلام و مثل قوله «اللّهمّ اغفر لي» و نحو ذلك، و الأولى أن يكون جامعا
للثناء على اللّه تعالى، و الصلاة على محمّد و آله، و طلب المغفرة له و للمؤمنين و المؤمنات.
الشرح:
قال في الجواهر: «القنوت لغة: الطاعة و السكون و الدعاء و القيام في الصلاة و الامساك عن الكلام و الخشوع و الصلاة و العبادة و طول القيام و العبادة، و عرفا شرعيّا أو متشرّعيّا: الذكر في حال مخصوص، و لا خلاف بين المسلمين في مشروعيّته في الصلاة في الجملة، كما أنّه لا خلاف أجده بين الفرقة المحقّة منهم في مشروعيّته في كلّ صلاة مستقلّة. و المشهور بينهم شهرة عظيمة كادت تبلغ الاجماع الندب، خلافا للصدوق فانّه قال في الفقيه: «و القنوت سنّة واجبة من تركها متعمّدا في كلّ صلاة فلا صلاة له، قال اللّه عزّوجلّ: «قوموا للّه قانتين»، يعني مطيعين داعين». انتهى ملخّصا».(1)
و الأقوى ما ذهب اليه المشهور من استحباب القنوت في كلّ صلاة فريضة و نافلة، و الدليل على ذلك الجمع بين الروايات الدالّة على القنوت و بين الروايات الدالّة على عدم البأس بترك القنوت. و أمّا الروايات الدالّة على القنوت فمنها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«القنوت في كلّ ركعتين في التطوّع و الفريضة».(2)
و منها صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن القنوت، فقال: في كلّ صلاة فريضة و نافلة».(3)
و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام:
«القنوت في كلّ الصلوات».(1)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم الثانية قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن القنوت في الصلوات الخمس، فقال: أقنت فيهنّ جميعا. قال: و سألت أبا عبداللّه عليه السلام بعد ذلك عن القنوت، فقال لي: أمّا ما جهرت به فلاتشكّ (فلا شكّ)».(2)
و منها موثّقة أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن القنوت؟ فقال: فيما يجهر فيه بالقراءة. قال: فقلت له: انّي سألت أباك عن ذلك فقال: في الخمس كلّها. فقال: رحم اللّه أبي! انّ أصحاب أبي أتوه فسألوه فأخبرهم بالحقّ، ثمّ أتوني شكّاكا فأفتيتهم بالتقيّة».(3)
و منها صحيحة وهب بن عبد ربّه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له».(4)
و منها رواية الحارث بن المغيرة، قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: أقنت في كلّ ركعتين فريضة أو نافلة قبل الركوع».(5)
و منها رواية الأعمش عن جعفر بن محمّد عليه السلام (في حديث شرائع الدين) قال:
«و القنوت في جميع الصلوات سنّة واجبة في الركعة الثانية قبل الركوع و بعد القراءة».(6)
1) - وسائل الشيعة 6: 261 / الباب 1 من أبواب القنوت / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 6: 262 / الباب 1 من أبواب القنوت / الحديث 7.
3) - وسائل الشيعة 6: 263 / الباب 1 من أبواب القنوت / الحديث 10.
4) - وسائل الشيعة 6: 263 / الباب 1 من أبواب القنوت / الحديث 11.
5) - وسائل الشيعة 6: 263 / الباب 1 من أبواب القنوت / الحديث 9.
6) - وسائل الشيعة 6: 262 / الباب 1 من أبواب القنوت / الحديث 6.
و منها خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في كتابه الى المأمون قال:
«و القنوت سنّة واجبة في الغداة و الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة».(1)
و منها موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«ان نسي الرجل القنوت في شيء من الصلاة حتّى يركع فقد جازت صلاته و ليس عليه شيء و ليس له أن يدعه متعمّدا».(2)
و أمّا الروايات الدالّة على عدم البأس بترك القنوت، فمنها صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام في القنوت: ان شئت فاقنت و ان شئت فلاتقنت.
قال أبو الحسن عليه السلام: و اذا كان التقيّة فلاتقنت و أنا أتقلّد هذا».(3)
و منها رواية عبدالملك بن عمرو قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن القنوت قبل الركوع أو بعده؟ قال: لا قبله و لا بعده».(4)
و منها خبره الآخر قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: قنوت الجمعة في الركعة الأولى قبل الركوع و في الثانية بعد الركوع. فقال لي: لا قبل و لا بعد».(5)
أضف الى ذلك القرينة الداخليّة على الاستحباب في بعض تلك الروايات، و هي الجمع بين الفريضة و النافلة. و القرينة الخارجيّة و هي اعراض الفقهاء منالقدماء و المتأخّرين الاّ الصدوق عن فتوى الوجوب مع كثرة الروايات الآمرة
1) - وسائل الشيعة 6: 262 / الباب 1 من أبواب القنوت / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 6: 286 / الباب 15 من أبواب القنوت / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 6: 269 / الباب 4 من أبواب القنوت / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 6: 269 / الباب 4 من أبواب القنوت / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 6: 272 / الباب 5 من أبواب القنوت / الحديث 9.
بالقنوت في الصلوات كلّها أو الخمس منها أو الجهريّة.
و قد عرفت من الروايات أنّ القنوت مستحبّ في جميع الفرائض اليوميّة و نوافلها، بل جميع النوافل، و يؤكّد في الجهريّة من الفرائض، و قد تقدّم استحباب القنوت في نافلة الشفع في المسألة الأولى من فصل أعداد الفرائض و نوافلها. و القنوت في صلاة الوتر قبل الركوع أيضا؛ لصحيحة معاوية بن عمّار:
«أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن القنوت في الوتر؟ قال: قبل الركوع».(1)
و نحوها غيرها.
و عرفت أنّ القنوت في كلّ صلاة مرّة قبل الركوع من الركعة الثانية الاّ ثلاثة موارد:
الأوّل: القنوت في الركعة الأولى من صلاة العيدين خمس مرّات و في الثانية أربع مرّات، ففي صحيحة يعقوب بن يقطين قال:
«سألت العبد الصالح عليه السلام عن التكبير في العيدين، أ قبل القراءة أو بعدها؟ و كم عدد التكبير في الأولى و في الثانية، و الدعاء بينهما؟ و هل فيهما قنوت أم لا؟ فقال: تكبير العيدين للصلاة قبل الخطبة، تكبّر تكبيرة تفتح بها الصلاة ثمّ تقرأ و تكبّر خمسا و تدعو بينها، ثمّ تكبّر أخرى و تركع بها، فذلك سبع تكبيرات بالذي افتتح بها، ثمّ تكبّر في الثانية خمسا، فيقوم يقرأ ثمّ يكبّر أربعا و يدعو بينهنّ ثمّ (يركع بالتكبيرة) الخامسة».(2)
الثاني: في صلاة الجمعة. ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«قال: على الامام فيها - أي في الجمعة - قنوتان، قنوت في الركعة
الأولى قبل الركوع و في الركعة الثانية بعد الركوع، و من صلاّها وحده فعليه قنوت واحد في الركعة الأولى قبل الركوع».(1)
و في موثّقة سماعة قال:
«سألته عن القنوت في الجمعة فقال: أمّا الامام فعليه القنوت في الركعة الأولى بعدما يفرغ من القراءة قبل أن يركع، و في الثانية بعدما يرفع رأسه من الركوع قبل السجود - الى أن قال: - و من شاء قنت في الركعة الثانية قبل أن يركع، و ان شاء لم يقنت و ذلك اذا صلّى وحده».(2)
الثالث: في صلاة الآيات، ففي صحيحة رهط:
« ... و القنوت في الركعة الثانية قبل الركوع، اذا فرغت من القراءة، ثمّ تقنت في الرابعة مثل ذلك، ثمّ في السادسة، ثمّ في الثامنة، ثمّ في العاشرة».(3)
و في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم:
« ... و تقنت في كلّ ركعتين قبل الركوع».(4)
فرعان:
يستحبّ رفع اليدين بالقنوت مقابل الوجه في غير التقيّة، و يكره مجاوزتهما
للرأس، و ذلك لصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه (في حديث) قال:
«ترفع يديك في الوتر حيال وجهك و ان شئت تحت ثوبك».(1)
و موثّقة عمّار الساباطي قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أخاف أن أقنت و خلفي مخالفون، فقال: رفعك يديك يجزي، يعني رفعهما كأنّك تركع».(2)
و صحيحة علي بن محمّد بن سليمان قال:
«كتبت الى الفقيه عليه السلام أسأله عن القنوت؟ فكتب: اذا كانت ضرورة شديدة فلاترفع اليدين و قل ثلاث مرّات: بسم اللّه الرحمن الرحيم».(3)
و في موثّقة سماعة عن أبي بصير قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام (في حديث): لاترفع يديك بالدعاء في المكتوبة تجاوز بهما رأسك».(4)
يستحبّ الدعاء في القنوت بالمأثور، و يجزي فيه خمس تسبيحات أو ثلاث أو البسملة ثلاثا، بل يجزي الدعاء بكلّ ما جرى على اللسان. و يدلّ على ذلك كلّه روايات:
منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«تقول في قنوت الفريضة في الأيّام كلّها الاّ في الجمعة: اللّهمّ انّي أسألك لي و لوالديّ و لولدي و أهل بيتي و اخواني المؤمنين فيك اليقين و العفو و المعافاة و الرحمة و المغفرة و العافية في الدنيا و الآخرة».(1)
و منها صحيحة سعد بن أبي خلف عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يجزيك في القنوت: اللّهمّ اغفر لنا و ارحمنا و عافنا و اعف عنّا في الدنيا و الآخرة انّك على كلّ شيء قدير».(2)
و منها مرسلة حريز عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«يجزيك من القنوت خمس تسبيحات في ترسّل».(3)
و منها خبر أبي بكر بن أبي سمّاك عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«يجزي من القنوت ثلاث تسبيحات».(4)
و قد تقدّم في صحيحة علي بن محمّد بن سليمان:
«و قل ثلاث مرّات: بسم اللّه الرحمن الرحيم».(5)
و منها صحيحة اسماعيل بن الفضل قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن القنوت و ما يقال فيه؟ فقال: ما قضى اللّه على لسانك، و لاأعلم فيه شيئا موقّتا».(6)
1) - وسائل الشيعة 6: 275 / الباب 7 من أبواب القنوت / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 6: 274 / الباب 7 من أبواب القنوت / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 6: 274 / الباب 6 من أبواب القنوت / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 6: 274 / الباب 6 من أبواب القنوت / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 6: 274 / الباب 6 من أبواب القنوت / الحديث 4.
6) - وسائل الشيعة 6: 277 / الباب 9 من أبواب القنوت / الحديث 1.
(مسألة 1): يجوز قراءة القرآن في القنوت خصوصا الآيات المشتملة على الدعاء كقوله تعالى: «ربّنا لاتزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة انّك أنت الوهّاب» و نحو ذلك.
تدلّ عليه صحيحة علي بن محمّد بن سليمان المتقدّمة، و في ذيل موثّقة أبي بصير:
«اللّهمّ لاتزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة انّك أنت الوهّاب».(1)
(مسألة 2): يجوز قراءة الأشعار المشتملة على الدعاء و المناجاة مثل قوله: «الهي عبدك العاصي أتاكا ... مقرّا بالذنوب و قد دعاكا»
لأنّها مصداق الدعاء فيشملها اطلاق الروايات الواردة في القنوت و من جملتها صحيحة اسماعيل بن الفضل المتقدّمة التي فيها: «ما قضى اللّه على لسانك».
(مسألة 3): يجوز الدعاء فيه بالفارسيّة و نحوها من اللغات غير العربيّة و ان كان لايتحقّق وظيفة القنوت الاّ بالعربي و كذا في سائر أحوال الصلاة و أذكارها. نعم، الأذكار المخصوصة لايجوز اتيانها بغير العربي.
الشرح:
قال في الحدائق: «اختلف الأصحاب في جواز القنوت بالفارسيّة فمنعه سعد بن عبداللّه و أجازه محمّد بن الحسن الصفّار و اختاره ابن بابويه و الشيخ في
1) - وسائل الشيعة 6: 275 / الباب 7 من أبواب القنوت / الحديث 4.
النهاية و الفاضلان و غيرهم - الى أن قال: - و اقتصر في المدارك على نقل القولين المذكورين و الرواية و كلام الصدوق و لم يرجّح شيئا، و نحوه في الذخيرة و قبلهما الشهيد في الذكرى - الى أن قال: - و الذي يقرب عندي هو ما ذهب اليه سعد بن عبداللّه من المنع و التحريم. انتهى».(1)
و استدلّ لجواز القنوت بغير العربيّة بصحيحة علي بن مهزيار قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يتكلّم في صلاة الفريضة بكلّ شيء يناجي ربّه عزّوجلّ؟ قال: نعم».(2)
و مرسلة الصدوق قال:
«قال أبو جعفر الثاني عليه السلام: لابأس أن يتكلّم الرجل في صلاة الفريضة بكلّ شيء يناجي به ربّه عزّوجلّ».(3)
و مرسلة أخرى عنه قال:
«و قال الصادق عليه السلام: كلّ ما ناجيت به ربّك في الصلاة فليس بكلام».(4)
و صحيحة اسماعيل بن الفضل قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن القنوت و ما يقال فيه؟ فقال: ما قضى اللّه على لسانك، و لاأعلم فيه شيئا موقّتا».(5)
و صحيحة الحلبي قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: كلّ ما ذكرت اللّه عزّوجلّ به و النبي صلى الله عليه و آله فهو من
الصلاة. الحديث».(1)
و مرسلة ثالثة للصدوق قال:
«و قال الصادق عليه السلام: كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي».(2)
ولكن فيه: انّ المراد من الروايات الثلاث الأُوَل هو الدعاء للدنيا و الآخرة، و لاتكون بصدد بيان جواز التكلّم بكلّ لغة.
و أمّا صحيحة اسماعيل بن الفضل ففيه: انّ سؤال الراوي عن دعاء خاصّ في القنوت فأجاب عليه السلام بأنّه ليس فيه دعاء خاصّ، بل كلّ ما قضى اللّه على لسانه من الدعاء فهو حسن.
و صحيحة الحلبي واردة في جواز ذكر اللّه و ذكر النبي صلى الله عليه و آله في أيّ موضع من الصلاة. فلايظهر من هذه الروايات جواز القنوت بغير العربيّة.
و أمّا الاستدلال بقوله عليه السلام: «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» ففيه: انّ توقيفيّة العبادات كالنهي عن الدعاء بغير العربيّة.
قال في الجواهر: «و النصوص المزبورة مع ارسال بعضها غير مساقة لبيان الجواز بأيّ لغة، بل المراد منها أنّ كلّ ما يناجى به اللّه في غرض دنيوي أو أخروي ليس من الكلام المبطل - الى أن قال: - ضرورة ظهوره (صحيح الحلبي) في أنّ المراد من نفي التوقيت عدم لفظ مخصوص من اللغة العربيّة. و يشهد لذلك كلّه أيضا أنّ المتّجه حينئذ بناءً على شمول مثل هذه الاطلاقات لسائر اللغات الاكتفاء بالفارسيّة و نحوها في الذكر في الركوع و السجود و غيرهما ممّا وجب فيه مطلق الذكر الشامل لسائر اللغات و لم يلتزمه أحد. انتهى».(3)
و قال في موضع آخر منه: «يمكن دعوى حصول القطع من ممارسة أحوال
الشرع في العبادات واجبها و مندوبها و المعاملات و الايقاعات و غيرها بعدم اعتبار غير اللغة العربيّة فارسيّة و غيرها، و كلّ ما أمر فيه بلفظ و قول و كلام و نحوها لاينساق الى الذهن منه الاّ العربي الموافق للعربيّة. انتهى».(1)
فالمتحصّل أنّه لا دليل على جواز القنوت بغير العربي، و لذلك قال العلاّمة الطباطبائي في منظومته:
«و اللحن كالدعاء بغير العربي *** يخالف الحزم بها فاجتنب
و كالدعاء كلّ ذكر قد ندب *** و اقطع بحظر في الذي منه يجب».(2)
(مسألة 4): الأولى أن يقرأ الأدعية الواردة عن الأئمّة صلوات اللّه عليهم، و الأفضل كلمات الفرج و هي: «لا اله الاّ اللّه الحليم الكريم، لا اله الاّ اللّه العليّ العظيم، سبحان اللّه ربّ السموات السبع و ربّ الأرضين السبع و ما فيهنّ و ما بينهنّ و ربّ العرش العظيم و الحمد للّه ربّ العالمين». و يجوز أن يزيد بعد قوله «و ما بينهنّ»: «و ما فوقهنّ و ما تحتهنّ» كما يجوز أن يزيد بعد قوله «العرش العظيم»: «و سلام على المرسلين». و الأحسن أن يقول بعد كلمات الفرج: «اللّهمّ اغفر لنا و ارحمنا و عافنا و اعف عنّا انّك على كلّ شيء قدير».
الشرح:
يستحبّ الدعاء في القنوت بالمأثور للأمر و التأسّي، ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«تقول في قنوت الفريضة في الأيّام كلّها الاّ في الجمعة: اللّهمّ انّي أسألك لي و لوالديّ و لولدي و أهل بيتي و اخواني المؤمنين فيك
اليقين و العفو و المعافاة و الرحمة و المغفرة و العافية في الدنيا و الآخرة».(1)
و في خبر أبي بكر بن أبي سمّاك قال:
«صلّيت خلف أبي عبداللّه عليه السلام الفجر فلمّا فرغ من قراءته في الثانية جهر بصوته نحوا ممّا كان يقرأ و قال: اللّهمّ اغفر لنا و ارحمنا و عافنا و اعف عنّا في الدنيا و الآخرة انّك على كلّ شيء قدير».(2)
و يستحبّ في قنوت يوم الجمعة بل مطلق القنوت كلمات الفرج، ففي خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«القنوت قنوت يوم الجمعة في الركعة الأولى بعد القراءة، تقول في القنوت: لا اله الاّ اللّه الحليم الكريم لا اله الاّ اللّه العليّ العظيم لا اله الاّ اللّه ربّ السموات السبع و ربّ الأرضين السبع و ما فيهنّ و ما بينهنّ و ربّ العرش العظيم و الحمد للّه ربّ العالمين اللّهمّ صلّ على محمّد كما هديتنا به اللّهمّ صلّ على محمّد كما أكرمتنا به اللّهمّ اجعلنا ممّن اخترت لدينك و خلقته لجنّتك اللّهمّ لاتزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة انّك أنت الوهّاب».(3)
و هذه الكلمات التي قد مرّت في خبر أبي بصير تسمّى كلمات الفرج، كما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا أدركت الرجل عند النزع فلقّنه كلمات الفرج: لا اله الاّ اللّه الحليم الكريم. الى آخر ما في خبر أبي بصير».(4)
و في صحيحة الحلبي بدل «و ما فيهنّ و ما بينهنّ»: «و ما بينهنّ و ما تحتهنّ».(1)
قال في المستمسك: «أمّا زيادة «و ما فوقهنّ» فلم أقف على مأخذ لها. - و قال: - قال في الذكرى: يجوز أن يقول فيها هنا: «و سلام على المرسلين» ذكر ذلك جماعة من الأصحاب، منهم المفيد و ابن البرّاج و ابن زهرة، و سئل عنه الشيخ نجم الدين في الفتاوى فجوّزه؛ لأنّه بلفظ القرآن مع ورود النقل. انتهى».(2)
و الظاهر أنّ مراد الشهيد من ورود النقل ما روي في فقه الرضا عليه السلام:
«و يستحبّ أن يلقّن كلمات الفرج و هو: لا اله الاّ اللّه الحليم الكريم ... و سلام على المرسلين و الحمد للّه ربّ العالمين».(3)
و لابأس به، و ان روى في المصباح مرسلاً عن سليمان بن حفص المروزي عن أبي الحسن علي بن محمّد بن الرضا عليه السلام يعني الثالث قال:
«قال: لاتقل في صلاة الجمعة في القنوت: و سلام على المرسلين».(4)
الاّ أنّه ضعيف السند. و الاحتياط في تركه حسن لا لإمكان كونه محلّلاً؛ لأنّ التحليل ينحصر في «السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته» كما تقدّم، بل لعدم وروده في القنوت و النهي عنه في المرسلة.
و أمّا قول المصنّف «و الأحسن أن يقول بعد كلمات الفرج: اللّهمّ اغفر لنا و ارحمنا ... » فقد ورد في صحيحة سعد بن أبي خلف عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يجزيك في القنوت: اللّهمّ اغفر لنا و ارحمنا و عافنا ... ».(5)
و في خبر ابن أبي سمّاك قال:
«صلّيت خلف أبي عبداللّه عليه السلام الفجر فلمّا فرغ من قراءته في الثانية جهر بصوته نحوا ممّا كان يقرأ و قال: اللّهمّ اغفر لنا و ارحمنا و عافنا و اعف عنّا في الدنيا و الآخرة انّك على كلّ شيء قدير».(1)
قال في المستمسك: «و لم أقف على ما تضمّن الاتيان به بعد كلمات الفرج. و كأنّ المصنّف أخذه ممّا ورد في استحباب كون الدعاء بعد التمجيد و الثناء. انتهى».(2)
(مسألة 5): الأولى ختم القنوت بالصلاة على محمّد و آله عليهم السلام بل الابتداء بها أيضا، أو الابتداء في طلب المغفرة أو قضاء الحوائج بها، فقد روي «أنّ اللّه سبحانه و تعالى يستجيب الدعاء للنبي صلى الله عليه و آله بالصلاة، و بعيد من رحمته أن يستجيب الأوّل و الآخر و لايستجيب الوسط» فينبغي أن يكون طلب المغفرة و الحاجات بين الدعاءين للصلاة على النبي صلى الله عليه و آله.
الشرح:
يستحبّ الصلاة على محمّد و آل محمّد عليهم السلام مع كلّ دعاء و ان كان في القنوت، ففي صحيحة صفوان الجمّال عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كلّ دعاء يدعى اللّه عزّوجلّ به محجوب عن السماء حتّى يصلّى على محمّد و آل محمّد».(3)
و يستحبّ أيضا الابتداء بالصلاة على محمّد و آل محمّد في الدعاء مطلقا، ففي نهج البلاغة عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال:
«اذا كانت لك الى اللّه حاجة فابدأ بمسألة الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله ثمّ سل حاجتك، فانّ اللّه أكرم من أن يسأل حاجتين فيقضي احداهما و يمنع الأخرى».(1)
و يستحبّ الصلاة على النبي و آله في أوّل الدعاء و آخره، ففي مرسلة ابن جمهور عن أبيه عن رجاله قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: من كانت له الى اللّه عزّوجلّ حاجة فليبدأ بالصلاة على محمّد و آله ثمّ يسأل حاجته، ثمّ يختم بالصلاة على محمّد و آل محمّد، فانّ اللّه عزّوجلّ أكرم من أن يقبل الطرفين و يدع الوسط اذا كانت الصلاة على محمّد و آله لاتحجب عنه».(2)
و هذه النصوص و ان وردت في الدعاء و لم يذكر فيها القنوت الاّ أنّها باطلاقها شاملة للدعاء في القنوت و في كلّ موضع من الصلاة.
(مسألة 6): من القنوت الجامع الموجب لقضاء الحوائج - على ما ذكره بعض العلماء - أن يقول: «سبحان من دانت له السموات و الأرض بالعبوديّة سبحان من تفرّد بالوحدانيّة اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و عجّل فرجهم اللّهمّ اغفر لي و لجميع المؤمنين و المؤمنات و اقض حوائجي و حوائجهم بحقّ حبيبك محمّد و آله الطاهرين صلّى اللّه عليه و آله أجمعين».
هذا الدعاء مشمول لمطلقات النصوص و قد جمع بين الثناء و الصلوات و الاستغفار و الدعاء للمؤمنين و المؤمنات و طلب الفرج. و الظاهر أنّه لم يكن عليه دليل خاصّ.
(مسألة 7): يجوز في القنوت الدعاء الملحون مادّة أو اعرابا اذا لم يكن لحنه فاحشا و لامغيّرا للمعنى لكنّ الأحوط الترك.
يجوز في القنوت الدعاء الملحون مادام يصدق عليه الدعاء فيشمله اطلاقات الأدلّة، فاذا كان اللحن بحدّ لم يصدق عليه الدعاء فلايجوز.
(مسألة 8): يجوز في القنوت الدعاء على العدوّ بغير ظلم و تسميته كما يجوز الدعاء لشخص خاصّ مع ذكر اسمه.
الشرح:
يجوز الدعاء على أعداء الدين و الظالمين و تسميتهم، و الدليل على ذلك صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تدعو في الوتر على العدوّ و ان شئت سمّيتهم و تستغفر. الحديث».(1)
و خبر عبداللّه بن هلال عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد قنت و دعا على قوم بأسمائهم و أسماء آبائهم و عشائرهم و فعله علي عليه السلام بعده».(2)
و خبر ابراهيم بن عقبة قال:
«كتبت اليه يعني أبا الحسن عليه السلام: جعلت فداك، قد عرفت بعض هؤلاء الممطورة، فأقنت عليهم في صلاتي؟ قال: نعم، أقنت عليهم في صلاتك».(3)
(مسألة 9): لايجوز الدعاء لطلب الحرام.
قال في المستمسك: «كما ذكر غير واحد مرسلين له ارسال المسلّمات، و في المنتهى الاجماع عليه، و اعترف غير واحد بعدم العثور على مستنده. نعم هو نوع من التجرّي فيحرم لو قيل بحرمته. انتهى».(1)
أقول:
مضافا الى الاجماع المدّعى لايبعد أن يقال بأنّ طلب الحرام من اللّه كسر حرمة الدين و هتكه و استهزاء بأوامر اللّه تعالى، فيحرم.
(مسألة 10): يستحبّ اطالة القنوت خصوصا في صلاة الوتر، فعن رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «أطولكم قنوتا في دار الدنيا أطولكم راحة يوم القيامة في الموقف» و في بعض الروايات قال صلى الله عليه و آله: «أطولكم قنوتا في الوتر في دار الدنيا الخ». و يظهر من بعض الأخبار أنّ اطالة الدعاء في الصلاة أفضل من اطالة القراءة.
الشرح:
الرواية التي ذكرها المصنّف عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله هي صحيحة أبي بصير و نظيرها مرسلة الصدوق.(2)
أشار المصنّف بقوله «و يظهر من بعض الأخبار» الى صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجلان افتتحا الصلاة في ساعة واحدة، فتلا هذا القرآن فكانت تلاوته أكثر من دعائه، و دعا هذا فكان دعاؤه أكثر من تلاوته، ثمّ انصرفا في ساعة واحدة، أيّهما أفضل؟ قال: كلّ فيه فضل، كلّ حسن. قلت: انّي قد علمت أنّ كلاًّ حسن و أنّ كلاًّ فيه فضل. فقال: الدعاء أفضل، أما سمعت قول اللّه عزّوجلّ «و قال ربّكم ادعوني أستجب لكم انّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين» هي واللّه العبادة، هي و اللّه أفضل، هي و اللّه أفضل، أليست هي العبادة، هي و اللّه العبادة، هي و اللّه العبادة، أليست هي أشدّهنّ؟ هي واللّه أشدّهنّ، هي و اللّه أشدّهنّ».(1)
(مسألة 11): يستحبّ التكبير قبل القنوت، و رفع اليدين حال التكبير و وضعهما ثمّ رفعهما حيال الوجه و بسطهما جاعلاً باطنهما نحو السماء و ظاهرهما نحو الأرض، و أن يكونا منضمّتين مضمومتي الأصابع الاّ الابهامين و أن يكون نظره الى كفّيه و يكره أن يجاوز بهما الرأس و كذا يكره أن يمرّ بهما على وجهه و صدره عند الوضع.
الشرح:
يستحبّ التكبير قبل القنوت؛ لصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«التكبير في الصلاة الفرض الخمس الصلوات خمس و تسعون تكبيرة، منها تكبيرة القنوت خمسة».(2)
و رفع اليدين حال التكبير؛ لصحيحة صفوان بن مهران الجمّال قال:
«رأيت أبا عبداللّه عليه السلام اذا كبّر في الصلاة يرفع يديه حتّى يكاد يبلغ أذنيه».(1)
و رفعهما حيال الوجه؛ لصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«ترفع يديك في الوتر حيال وجهك و ان شئت تحت ثوبك».(2)
و بسطهما جاعلاً باطنهما دون الوجه؛ لما في كتاب دعائم الاسلام عن أبي عبداللّه جعفر بن محمّد عليهماالسلام أنّه قال:
«قنوت الوتر بعد الركوع في الثالثة، و ترفع يديك و تبسطهما، و ترفع باطنهما دون وجهك (و تدعو)».(3)
و يكره أن يجاوز بهما الرأس، لموثّقة أبي بصير قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام (في حديث): لاترفع يديك بالدعاء في المكتوبة تجاوز بهما رأسك».(4)
قال في الحدائق: «أمّا ما ذكروه (الأصحاب) من رفع اليدين تلقاء وجهه مبسوطتين يستقبل بباطنهما السماء، فلم أقف له في الأخبار على دليل. انتهى».(5)
أقول:
قد ذكرنا ما في المستدرك من الدليل على ذلك.
قال في الحدائق: «و أمّا ما ذكروه من استحباب النظر اليهما فظاهر كلام
المحقّق في المعتبر و الشهيد في الذكرى يدلّ على وجود النصّ به، و ما ذكروه و ان لم يرد به نصّ الاّ أنّه لابأس به لحبس النظر لكن لاينبغي اعتقاد استحبابه و توظيفه. و أمّا ما نقل عن الجعفي - من مسح وجهه بيديه و يمرّهما على لحيته و صدره بعد القنوت - فلم أقف فيه على خبر بل ظاهر التوقيع المروي عن صاحب الزمان عليه السلامخلافه و هو ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن محمّد بن عبداللّه بن جعفر الحميري و نحوه في قرب الاسناد «أنّه كتب الى صاحب الزمان عليه السلام يسأله عن القنوت في الفريضة اذا فرغ من دعائه أن يردّ يديه على وجهه و صدره للحديث الذي روي أنّ اللّه عزّوجلّ أجلّ من أن يردّ يدي عبد صفرا بل يملأهما من رحمته، أم لايجوز؛ فانّ بعض أصحابنا ذكر أنّه عمل في الصلاة؟ فأجاب عليه السلام: ردّ اليدين من القنوت على الرأس و الوجه غير جائز في الفرائض و الذي عليه العمل فيه اذا رجع يديه في قنوت الفريضة و فرغ من الدعاء أن يردّ بطن راحتيه مع صدره تلقاء ركبتيه على تمهّل و يكبّر و يركع. و الخبر صحيح و هو في نوافل النهار و الليل دون الفرائض و العمل به فيها أفضل».(1)انتهى».(2)
(مسألة 12): يستحبّ الجهر بالقنوت سواء كانت الصلاة جهريّة أو اخفاتيّة، و سواء كان اماما أو منفردا بل أو مأموما اذا لم يسمع الامام صوته.
الشرح:
يستحبّ الجهر بالقنوت مطلقا؛ لصحيحة زرارة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: القنوت كلّه جهار».(3)
و في خبر أبي بكر بن أبي سمّاك قال:
«صلّيت خلف أبي عبداللّه عليه السلام الفجر فلمّا فرغ من قراءته في الثانية جهر بصوته نحوا ممّا كان يقرأ و قال: اللّهمّ اغفر لنا و ارحمنا و عافنا و اعف عنّا في الدنيا و الآخرة انّك على كلّ شيء قدير».(1)
(مسألة 13): اذا نذر القنوت في كلّ صلاة أو صلاة خاصّة وجب، لكن لاتبطل الصلاة بتركه سهوا بل و لا بتركه عمدا أيضا على الأقوى.
أمّا وجوب القنوت بالنذر فلأنّه راجح فينعقد به النذر، و أمّا عدم بطلان الصلاة بتركه فلأنّه أتى بالمأمور به على وجهه.
(مسألة 14): لو نسي القنوت فان تذكّر قبل الوصول الى حدّ الركوع قام و أتى به، و ان تذكّر بعد الدخول في الركوع قضاه بعد الرفع منه، و كذا لو تذكّر بعد الهوي للسجود قبل وضع الجبهة و ان كان الأحوط ترك العود اليه، و ان تذكّر بعد الدخول في السجود أو بعد الصلاة قضاه بعد الصلاة و ان طالت المدّة، و الأولى الاتيان به اذا كان بعد الصلاة جالسا مستقبلاً، و ان تركه عمدا في محلّه أو بعد الركوع فلا قضاء.
الشرح:
لو نسي القنوت لا اعادة عليه الاّ أنّه يستحبّ التدارك و القضاء. ففي موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام عن الرجل ينسى القنوت في الوتر أو غير الوتر، فقال:
«ليس عليه شيء. و قال: ان ذكره و قد أهوى الى الركوع قبل أن يضع يديه على الركبتين فليرجع قائما و ليقنت ثمّ ليركع، و ان وضع يده
1) - وسائل الشيعة 6: 291 / الباب 21 من أبواب القنوت / الحديث 2.
على الركبتين فليمض في صلاته و ليس عليه شيء».(1)
و في صحيحة محمّد بن مسلم و زرارة بن أعين قالا:
«سألنا أبا جعفر عليه السلام عن الرجل ينسى القنوت حتّى يركع؟ قال: يقنت بعد الركوع فان لم يذكر فلا شيء عليه».(2)
و بازائها صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«سألته عن الرجل ينسى القنوت حتّى يركع، أيقنت؟ قال: لا».(3)
قال في الوسائل: «حمله الشيخ على نفي الوجوب تارة و على التقيّة أخرى».(4)
و يستحبّ قضاء القنوت ان نسيه ثمّ ذكره بعد الفراغ و لو في الطريق. ففي صحيحة أبي بصير قال:
«سمعته يذكر عند أبي عبداللّه عليه السلام قال في الرجل اذا سها في القنوت: قنت بعدما ينصرف و هو جالس».(5)
و في صحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل نسي القنوت (فذكره) و هو في بعض الطريق. فقال: يستقبل القبلة ثمّ ليقله. ثمّ قال: انّي لأكره للرجل أن يرغب عن سنّة رسول اللّه صلى الله عليه و آلهأو يدعها».(6)
1) - وسائل الشيعة 6: 286 / الباب 15 من أبواب القنوت / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 6: 287 / الباب 18 من أبواب القنوت / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 6: 288 / الباب 18 من أبواب القنوت / الحديث 4.
4) - نفس المصدر.
5) - وسائل الشيعة 6: 287 / الباب 16 من أبواب القنوت / الحديث 2.
6) - وسائل الشيعة 6: 286 / الباب 16 من أبواب القنوت / الحديث 1.
(مسألة 15): الأقوى اشتراط القيام في القنوت مع التمكّن منه الاّ اذا كانت الصلاة من جلوس أو كانت نافلة حيث يجوز الجلوس في أثنائها كما يجوز في ابتدائها اختيارا.
تقدّم الكلام في ذلك في المسألة الثالثة من فصل القيام.(1)
(مسألة 16): صلاة المرأة كالرجل في الواجبات و المستحبّات الاّ في أمور قد مرّ كثير منها في تضاعيف ما قدّمنا من المسائل، و جملتها: أنّه يستحبّ لها الزينة حال الصلاة بالحليّ و الخضاب، و الاخفات في الأقوال، و الجمع بين قدميها حال القيام، و ضمّ ثدييها الى صدرها بيديها حاله أيضا، و وضع يديها على فخذيها حال الركوع و أن لاتردّ ركبتيها حاله الى وراء، و أن تبدأ بالقعود للسجود، و أن تجلس معتدلة ثمّ تسجد، و أن تجتمع و تضمّ أعضاءها حال السجود، و أن تلتصق بالأرض بلا تجافٍ و تفترش ذراعيها، و أن تنسلّ انسلالاً اذا أرادت القيام أي تنهض بتأنٍّ و تدريج عدلاً لئلاّ تبدو عجيزتها، و أن تجلس على أليتيها اذا جلست رافعة ركبتيها ضامّة لهما.
الشرح:
يستحبّ للمرأة الزينة حال الصلاة من الحليّ و الخضاب، ففي صحيحة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال:
«لاتصلّي المرأة عطلاً».(2)
و روي عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنّه كره أن تصلّي بلا حلي.(3)
و عنه صلى الله عليه و آله:
«و لاتصلّي الاّ و هي مختضبة، فان لم تكن مختضبة فلتمسّ مواضع الحنّاء بخلوق».(1)
و تدلّ على سائر ما يستحبّ للمرأة حال الصلاة مضمرة زرارة فانّه قال:
«اذا قامت المرأة في الصلاة جمعت بين قدميها، و لاتفرّج بينهما، و تضمّ يديها الى صدرها لمكان ثدييها، فاذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها لئلاّ تطأطأ كثيرا فترتفع عجيزتها، فاذا جلست فعلى أليتيها، ليس كما يجلس الرجل، و اذا سقطت للسجود بدأت بالقعود و بالركبتين قبل اليدين ثمّ تسجد لاطئة بالأرض فاذا كانت في جلوسها ضمّت فخذيها و رفعت ركبتيها من الأرض، و اذا نهضت انسلّت انسلالاً لاترفع عجيزتها أوّلاً».(2)
(مسألة 17): صلاة الصبي كالرجل و الصبيّة كالمرأة.
لأنّ الصبي يلحق بالرجل و الصبيّة بالمرأة.
(مسألة 18): قد مرّ في المسائل المتقدّمة متفرّقة حكم النظر و اليدين حال الصلاة و لابأس باعادته جملة، فشغل النظر حال القيام أن يكون على موضع السجود، و حال الركوع بين القدمين، و حال السجود الى طرف الأنف و حال الجلوس الى حجره، و أمّا اليدان فيرسلهما حال القيام و يضعهما علىالفخذين و حال الركوع على الركبتين مفرّجة الأصابع، و حال السجود على
الأرض مبسوطتين مستقبلاً بأصابعهما منضمّة حذاء الأذنين، و حال الجلوس على الفخذين و حال القنوت تلقاء وجهه.
قد مرّ في المسائل المتقدّمة متفرّقة حكم النظر و اليدين حال الصلاة و قد جمع بعضها في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا قمت في الصلاة - الى أن قال: - و أرسل يديك، و لاتشبّك أصابعك و ليكونا على فخذيك قبالة ركبتيك، وليكن نظرك الى موضع سجودك، فاذا ركعت فصفّ في ركوعك بين قدميك تجعل بينهما قدر شبر، و تمكّن راحتيك من ركبتيك، و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى، و بلّغ أطراف أصابعك عين الركبة، و فرّج أصابعك اذا وضعتها على ركبتيك - الى أن قال: - وليكن نظرك الى بين قدميك - الى أن قال: - و ابسطهما على الأرض بسطا - الى أن قال: - و لاتفرجنّ بين أصابعك في سجودك، ولكن ضمّهنّ جميعا. الحديث».(1)
1) - وسائل الشيعة 5: 461 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 3.
و هو الاشتغال عقيب الصلاة بالدعاء أو الذكر أو التلاوة أو غيرها من الأفعال الحسنة مثل التفكّر في عظمة اللّه و نحوه و مثل البكاء لخشية اللّه أو للرغبة اليه و غير ذلك.
الشرح:
و في الحدائق نقل عن أهل اللغة أنّ التعقيب هو الجلوس بعد الصلاة للدعاء. و قال: «و نقل عن بعض فقهائنا أنّه فسّره بالاشتغال عقيب الصلاة بدعاء أو ذكر و ما أشبه ذلك و لم يذكر الجلوس. و لعلّ المراد بما أشبه ذلك نحو قراءة القرآن. انتهى».(1)
و قال الشيخ البهائي رحمه الله في الحبل المتين: «و فسّره بعض فقهائنا بالاشتغال عقيب الصلاة بدعاء أو ذكر و ما أشبه ذلك و لم يذكر الجلوس، و لعلّ المراد بما
1) - الحدائق الناضرة 8: 461 و 462.
أشبه الدعاء و الذكر، البكاء من خشية اللّه تعالى و التفكّر في عجائب مصنوعاته و التذكّر لجزيل آلائه و ما هو من هذا القبيل. انتهى».(1)
أقول:
ما ذكره الشيخ البهائي في تفسير التعقيب يكون من مصاديق الدعاء و ذكر اللّه تعالى.
... و هو من السنن الأكيدة، و منافعه في الدين و الدنيا كثيرة، و في رواية: «من عقّب في صلاته فهو في صلاة». و في خبر: «التعقيب أبلغ في طلب الرزق من الضرب في البلاد».
و قد ورد في خبر حمّاد بن عيسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ اللّه فرض عليكم الصلوات الخمس في أفضل الساعات، فعليكم بالدعاء في أدبار الصلوات».(2)
و روي عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«اذا فرغ العبد من الصلاة و لم يسأل اللّه تعالى حاجة، يقول اللّه تعالى لملائكته: انظروا الى عبدي، فقد أدّى فريضتي و لم يسأل حاجته منّي كأنّه قد استغنى عنّي، خذوا صلاته فاضربوا بها وجهه».(3)
و في صحيحة الوليد بن صبيح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«التعقيب أبلغ في طلب الرزق من الضرب في البلاد، يعني بالتعقيب
الدعاء بعقب الصلاة».(1)
... و الظاهر استحبابه بعد النوافل أيضا و ان كان بعد الفرائض آكد.
أمّا كونه بعد الفرائض آكد فلورود روايات عديدة في الفرائض، و أمّا استحبابه بعد النوافل فلاطلاق بعضها و خصوص خبر الحسن بن صالح بن حيّ قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: من توضّأ فأحسن الوضوء ثمّ صلّى ركعتين فأتمّ ركوعها و سجودها ثمّ جلس فأثنى على اللّه و صلّى على رسول اللّه صلى الله عليه و آله ثمّ سأل اللّه حاجته فقد طلب الخير في مظانّه، و من طلب الخير في مظانّه لم يخب».(2)
و أيضا وردت أخبار عديدة في استحباب الصلوات في الأوقات الخاصّة و الصلوات المنسوبة الى الأئمّة عليهم السلام ثمّ الدعاء و سؤال الحاجة بعدها.
... و يعتبر أن يكون متّصلاً بالفراغ منها، غير مشتغل بفعل آخر ينافي صدقه الذي يختلف بحسب المقامات من السفر و الحضر و الاضطرار و الاختيار، ففي السفر يمكن صدقه حال الركوب أو المشي أيضا كحال الاضطرار، و المدار على بقاء الصدق و الهيئة في نظر المتشرّعة، و القدر المتيقّن في الحضر الجلوس مشتغلاً بما ذكر من الدعاء و نحوه، و الظاهر عدم صدقه على الجلوس بلا دعاء أو الدعاء بلا جلوس الاّ في مثل ما مرّ. والأولى فيه الاستقبال و الطهارة و الكون في المصلّى.
ظاهر الروايات اعتبار اتّصال التعقيب بالفراغ منها و الجلوس حينه، ففي خبر
مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان أبي يقول في قول اللّه تبارك و تعالى «فاذا فرغت فانصب و الى ربّك فارغب»: اذا قضيت الصلاة بعد أن تسلّم و أنت جالس فانصب في الدعاء من أمر الدنيا و الآخرة، فاذا فرغت من الدعاء فارغب الى اللّه عزّوجلّ أن يتقبّلها منك».(1)
و أيضا ظاهرها حفظ حال الصلاة - من الاستقبال و الطهارة و الكون في المصلّى - في التعقيب و ان كان قد يصدق التعقيب بدونها.
... و لايعتبر فيه كون الأذكار و الدعاء بالعربيّة و ان كان هو الأفضل، كما أنّ الأفضل الأذكار و الأدعية المأثورة المذكورة في كتب العلماء و نذكر جملة منها تيمّنا: «أحدها»: أن يكبّر ثلاثا بعد التسليم رافعا يديه على هيئة غيره من التكبيرات.
ففي خبر المفضّل بن عمر قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: لأيّ علّة يكبّر المصلّي بعد التسليم ثلاثا يرفع بها يديه؟ فقال: لأنّ النبي صلى الله عليه و آله لمّا فتح مكّة صلّى بأصحابه الظهر عند الحجر الأسود فلمّا سلّم رفع يديه و كبّر ثلاثا و قال: لا اله الاّ اللّه وحده وحده أنجز وعده و نصر عبده و أعزّ جنده و غلب الأحزاب وحده فله الملك و له الحمد يحيي و يميت و هو على كلّ شيء قدير. الحديث».(2)
«الثاني»: تسبيح الزهراء صلوات اللّه عليها، و هو أفضلها على ما ذكره جملة من العلماء، ففي الخبر: «ما عبد اللّه بشيء من التحميد أفضل من تسبيح فاطمة عليهاالسلام و لو كان شيء أفضل منه لنحله رسول اللّه صلى الله عليه و آلهفاطمة عليهاالسلام».(1)و في رواية: «تسبيح فاطمة الزهراء عليهاالسلام من الذكر الكثير الذي قال اللّه عزّوجلّ: «اذكروا اللّه ذكرا كثيرا»».(2)و في أخرى عن الصادق عليه السلام: «تسبيح فاطمة عليهاالسلام كلّ يوم في دبر كلّ صلاة أحبّ اليّ من صلاة ألف ركعة في كلّ يوم».(3)و الظاهر استحبابه في غير التعقيب أيضا بل في نفسه. نعم هو مؤكّد فيه، و عند ارادة النوم لدفع الرؤيا السيّئة، كما أنّ الظاهر عدم اختصاصه بالفرائض، بل هو مستحبّ عقيب كلّ صلاة، و كيفيّته: اللّه أكبر أربع و ثلاثون مرّة ثمّ الحمد للّه ثلاث و ثلاثون ثمّ سبحان اللّه كذلك، فمجموعها مائة. و يجوز تقديم التسبيح على التحميد و ان كان الأولى الأوّل.(4)
(مسألة 19): يستحبّ أن يكون السبحة بطين قبر الحسين صلوات اللّه عليه، و في الخبر: «أنّها تسبّح اذا كانت بيد الرجل من غير أن يسبّح، و يكتب له ذلك التسبيح و ان كان غافلاً».(5)
(مسألة 20): اذا شكّ في عدد التكبيرات أو التسبيحات أو التحميدات بنى على الأقلّ ان لم يتجاوز المحلّ، و الاّ بنى على الاتيان به، و ان زاد على الأعداد بنى عليها، و رفع اليد عن الزائد.(6)
«الثالث»: لا اله الاّ اللّه وحده وحده أنجز وعده و نصر عبده و أعزّ جنده و
1) - وسائل الشيعة 6: 443 / الباب 9 من أبواب التعقيب / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 6: 441 / الباب 8 من أبواب التعقيب / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 6: 443 / الباب 9 من أبواب التعقيب / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 6: 450 / الباب 12 من أبواب التعقيب / الحديث 9 و 10.
5) - وسائل الشيعة 6: 455 / الباب 16 من أبواب التعقيب / الحديث 2.
6) - وسائل الشيعة 6: 464 / الباب 21 من أبواب التعقيب / الحديث 4.
غلب الأحزاب وحده فله الملك و له الحمد يحيي و يميت و هو حيّ لايموت بيده الخير و هو على كلّ شيء قدير.(1)
«الرابع»: اللّهمّ اهدني من عندك و أفض عليّ من فضلك و انشر عليّ من رحمتك و أنزل عليّ من بركاتك.(2)
«الخامس»: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر، مائة مرّة أو أربعين أو ثلاثين.(3)
«السادس»: اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و أجرني من النار و ارزقني الجنّة و زوّجني من الحور العين.(4)
«السابع»: أعوذ بوجهك الكريم، و عزّتك التي لاترام، و قدرتك التي لايمتنع منها شيء من شرّ الدنيا و الآخرة و من شرّ الأوجاع كلّها و لا حول و لا قوّة الاّ باللّه العليّ العظيم.(5)
«الثامن»: قراءة الحمد و آية الكرسي و آية «شهد اللّه أنّه لا اله الخ» و آية الملك.(6)
«التاسع»: اللّهمّ انّي أسألك من كلّ خير أحاط به علمك و أعوذ بك من كلّ شرّ أحاط به علمك، اللّهمّ انّي أسألك عافيتك في أموري كلّها و أعوذ بك من خزي الدنيا و عذاب الآخرة.(7)
«العاشر»: أعيذ نفسي و ما رزقني ربّي باللّه الواحد الأحد الصمد الذي
1) - وسائل الشيعة 6: 452 / الباب 14 من أبواب التعقيب / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 6: 472 / الباب 24 من أبواب التعقيب / الحديث 10.
3) - وسائل الشيعة 6: 453 / الباب 15 من أبواب التعقيب.
4) - وسائل الشيعة 6: 464 / الباب 22 من أبواب التعقيب.
5) - وسائل الشيعة 6: 471 / الباب 24 من أبواب التعقيب / الحديث 7.
6) - وسائل الشيعة 6: 467 / الباب 23 من أبواب التعقيب / الحديث 1.
7) - وسائل الشيعة 6: 469 / الباب 24 من أبواب التعقيب / الحديث 1.
لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد، و أعيذ نفسي و ما رزقني ربّي بربّ الفلق من شرّ ما خلق الى آخر السورة، و أعيذ نفسي و ما رزقني ربّي بربّ الناس ملك الناس الى آخر السورة.(1)
«الحادي عشر»: أن يقرأ قل هو اللّه أحد اثناعشر مرّة، ثمّ يبسط يديه و يرفعهما الى السماء و يقول: اللّهمّ انّي أسألك باسمك المكنون المخزون الطهر الطاهر المبارك و أسألك باسمك العظيم و سلطانك القديم أن تصلّي على محمّد و آل محمّد يا واهب العطايا يا مطلق الأُسارى يا فكّاك الرقاب من النار أسألك أن تصلّي على محمّد و آل محمّد و أن تعتق رقبتي من النار و تخرجني من الدنيا آمنا و تدخلني الجنّة سالما و أن تجعل دعائي أوّله فلاحا و أوسطه نجاحا و آخره صلاحا انّك أنت علاّم الغيوب.(2)
«الثاني عشر»: الشهادتان و الاقرار بالأئمّة عليهم السلام.(3)
«الثالث عشر»: قبل أن يثنّي رجليه يقول ثلاث مرّات: «أستغفر اللّه الذي لا اله الاّ هو الحيّ القيّوم ذا الجلال و الاكرام و أتوب اليه».(4)
«الرابع عشر»: دعاء الحفظ من النسيان و هو: سبحان من لايعتدي على أهل مملكته سبحان من لايأخذ أهل الأرض بألوان العذاب سبحان الرؤوف الرحيم، اللّهمّ اجعل لي في قلبي نورا و بصرا و فهما و علما انّك على كلّ شيء قدير.(5)
(مسألة 21): يستحبّ في صلاة الصبح أن يجلس بعدها في مصلاّه الى
1) - وسائل الشيعة 6: 469 / الباب 24 من أبواب التعقيب / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 6: 485 / الباب 29 من أبواب التعقيب / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 6: 463 / الباب 20 من أبواب التعقيب / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 6: 470 / الباب 24 من أبواب التعقيب / الحديث 4.
5) - بحار الأنوار 86: 9 / الباب 38 من أبواب التعقيب / الحديث 8.
طلوع الشمس مشتغلاً بذكر اللّه.(1)
(مسألة 22): الدعاء بعد الفريضة أفضل من الصلاة تنفّلاً، و كذا الدعاء بعد الفريضة أفضل من الدعاء بعد النافلة.(2)
(مسألة 23): يستحبّ سجود الشكر بعد كلّ صلاة، فريضة كانت أو نافلة، و قد مرّ كيفيّته سابقا.(3)
يستحبّ الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله حيث ما ذكر أو ذكر عنده و لو كان في الصلاة و في أثناء القراءة بل الأحوط عدم تركها لفتوى جماعة من العلماء بوجوبها و لا فرق بين أن يكون ذكره باسمه العلمي كمحمّد و أحمد أو بالكنية و اللقب كأبيالقاسم و المصطفى و الرسول و النبي أو بالضمير، و في الخبر الصحيح: «و صلّ على النبي كلّما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك في الأذان أو غيره». و في رواية: «من ذكرت عنده و نسي أن يصلّي عليّ خطا اللّه به طريق الجنّة».
الشرح:
ذهب المشهور الى استحباب الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله و ذهب بعض الى وجوبه.
قال في الحدائق: «المشهور يستحبّون الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله بل نقل العلاّمة في المنتهى و المحقّق في المعتبر الاجماع عليه. و المحكي عن الكرخي وجوبها في غير الصلاة في العمر مرّة واحدة، و عن الطحاوي وجوبها كلّما ذكر و ذهب
المحدّث الكاشاني في الوافي الى الوجوب و كذا المحقّق المدقّق المازندراني فى شرحه على أصول الكافي، و الشيخ عبداللّه بن صالح البحراني. (و قال:) فانّ القول بالوجوب في المقام ممّا لايعتريه غشاوة الابهام لصحّة جملة من الأخبار. انتهى ملخّصا».(1)
و الأقرب عدم الوجوب، و عمدة الدليل ذهاب المشهور و القدماء خاصّة اليه - الاّ الصدوق - مع الأخبار الكثيرة الواردة في الحثّ على الصلاة عليه صلى الله عليه و آله، مضافا الى ارتكاز المتشرّعة.
قال في المستند: «انّ السيرة العمليّة بين المسلمين قد استقرّت على عدم الالتزام بالصلاة عليه صلى الله عليه و آله عند ذكره في القرآن و الأدعية و الزيارات و الروايات و الأذان و الاقامة و ما شاكلها. و لم ترد و لا رواية واحدة تدلّ على أنّ بلالاً كان يصلّي عليه صلى الله عليه و آله عند ذكره أو أنّ المسلمين كانوا يصلّون عليه لدى سماع أذانه أو عند ذكره في حياته. انتهى».(2)
و استدلّوا على الوجوب بقوله تعالى: «انّ اللّه و ملائكته يصلّون على النبي يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه و سلّموا تسليما».(3)
و فيه: انّها لم تدلّ على الوجوب كلّما ذكر، كما هو المدّعى، و لايبعد أن يقال فيها كما قال الكرخي بأنّ الصلاة عليه صلى الله عليه و آله واجبة في العمر مرّة واحدة في غير الصلاة، أو انّها منصرفة الى الصلاة عليه و آله في التشهّد.
و بالروايات الواردة في ذلك:
منها رواية الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في كتابه الى المأمون قال:
«و الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله واجبة في كلّ موطن و عند العطاس و
الذبائح و غير ذلك».(1)
ذكرها أيضا الأعمش عن الصادق عليه السلام.(2)
و فيه: انّ سندهما ضعيف و لاتدلاّن على وجوبها كلّما ذكر أو ذكر عنده بل على وجوب الصلاة في المواضع المذكورة فيهما و هذا لم يقل به أحد.
و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«و صلّ على النبي صلى الله عليه و آله كلّما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك في أذان أو غيره».(3)(4)
و هذه الرواية صحيحة السند و واضحة الدلالة و يؤيّدها مرسلة سيف بن عميرة عن عبيداللّه بن عبداللّه عن رجل عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله (في حديث): و من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ فلم يغفر اللّه له فأبعده اللّه».(5)
و في المرسلة المرويّة عن المقنعة: «فأبعده اللّه».(6)
قال في المستمسك: «و أمّا الصحيح فدلالته ليست بتلك المتانة؛ لقرب احتمال وروده مورد الأدب بقرينة سياقه مساق الأمر بافصاح الألف و الهاء، فالأخذ به في مقابل الاجماعات، و ظهور عدم الأمر بها و لا حكايتها في أخبار الأذان و ظهور عدم وجودها في كثير من الأدعية و الخطب و غيرها المحكيّة عن الأئمّة الطاهرين مع ذكر النبي صلى الله عليه و آله فيها، و ظهور جملة من النصوص في
1) - وسائل الشيعة 7: 203 / الباب 42 من أبواب الذكر / الحديث 8.
2) - وسائل الشيعة 7: 205 / الباب 42 من أبواب الذكر / الحديث 12.
3) - وسائل الشيعة 5: 451 / الباب 42 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1.
4) - صدر الحديث هكذا: «لايجزيك من الأذان الاّ ما أسمعت نفسك أو فهمته، و افصح بالألف و الهاء و صلّ على النبي ... ». وسائل الشيعة 5: 409 / الباب 15 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 6
5) - وسائل الشيعة 7: 202 / الباب 42 من أبواب الذكر / الحديث 3.
6) - وسائل الشيعة 7: 206 / الباب 42 من أبواب الذكر / الحديث 13.
الاستحباب حيث تضمّنت أنّ تركها جفاء أو بخل، ممّا لا مجال له. انتهى».(1)
و مع ذلك كلّه فالاحتياط بالصلاة عليه كلّما ذكره أو ذكر عنده في محلّه.
و عن الكاشاني في خلاصة الأذكار: «لا فرق بين الاسم و اللقب و الكنية، بل الضمير على الأظهر».(2)
و هو الظاهر من الروايات و من الصحيحة.
(مسألة 1): اذا ذكر اسمه صلى الله عليه و آله مكرّرا يستحبّ تكرارها، و على القول بالوجوب يجب. نعم ذكر بعض القائلين بالوجوب: يكفي مرّة الاّ اذا ذكر بعدها فيجب اعادتها و بعضهم على أنّه يجب في كلّ مجلس مرّة.
الشرح:
المستفاد من الروايات الواردة في الصلاة على النبي و آله عليهم السلام عند ذكره صلى الله عليه و آله هو التعظيم و الاعتناء بشأنهم و أن لايكون الذاكر أو من ذكر عنده غافلاً و لاهيا عنه صلى الله عليه و آله، فبناءً عليه اذا ذكر اسمه مكرّرا فعلى القول بالوجوب لاتجب الصلاة مكرّرا بل تكفي بمقدار يعدّ ممّن يعظّم شأنه صلى الله عليه و آله. نعم استحباب تكرار الصلاة اذا ذكر اسمه صلى الله عليه و آله مكرّرا ظاهر من الروايات.
(مسألة 2): اذا كان في أثناء التشهّد فسمع اسمه صلى الله عليه و آله لايكتفي بالصلاة التي تجب للتشهّد. نعم ذكره في ضمن قوله «اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد» لايوجب تكرارها و الاّ لزم التسلسل.
قد اتّضح حكم هذه المسألة في المسألة السابقة.
(مسألة 3): الأحوط عدم الفصل الطويل بين ذكره و الصلاة عليه بناءً على الوجوب. و كذا بناءً على الاستحباب في ادراك فضلها و امتثال الأمر الندبي، فلو ذكره أو سمعه في أثناء القراءة في الصلاة لايؤخّر الى آخرها الاّ اذا كان في أواخرها.
الظاهر من قوله عليه السلام «كلّما ذكرته أو ذكر عندك فصلّ عليه» هو الصلاة عقيب ذكره صلى الله عليه و آله.
(مسألة 4): لايعتبر كيفيّة خاصّة في الصلاة بل يكفي في الصلاة عليه كلّ ما يدلّ عليها مثل «صلّى اللّه عليه» و «اللّهمّ صلّ عليه» و الأولى ضمّ الآل اليه.
أمّا عدم اعتبار كيفيّة خاصّة في الصلاة فلاطلاق الروايات الواردة في الحثّ عليها. و أمّا ضمّ الآل اليه فقد تقدّم في التشهّد أنّه المتعيّن.
(مسألة 5): اذا كتب اسمه صلى الله عليه و آله يستحبّ أن يكتب الصلاة عليه.
قد تقدّم في المسألة الأولى أنّ المستفاد من الروايات التعظيم و الاعتناء بشأنهم، فالمناط موجود في كتابة اسمه صلى الله عليه و آله فيستحبّ أن يكتب الصلاة عليه.
(مسألة 6): اذا تذكّره بقلبه فالأولى أن يصلّي عليه؛ لاحتمال شمول قوله عليه السلام: «كلّما ذكرته ... » لكنّ الظاهر ارادة الذكر اللساني دون القلبي.
و هو كما قال الماتن، الظاهر من الروايات في الأمر بالصلاة عند ذكره صلى الله عليه و آله هو الذكر اللساني لا القلبي.
(مسألة 7): يستحبّ عند ذكر سائر الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام أيضا ذلك. نعم اذا أراد أن يصلّي على الأنبياء، أوّلاً يصلّي على النبي و آله عليهم السلام ثمّ عليهم الاّ في ذكر ابراهيم عليه السلام، ففي الخبر عن معاوية بن عمّار قال: «ذكرت عند أبي عبداللّه الصادق عليه السلام بعض الأنبياء فصلّيت عليه، فقال عليه السلام: اذا ذكر أحد من الأنبياء فابدأ بالصلاة على محمّد و آله ثمّ عليه.
استحباب الصلاة و السلام على الأئمّة عليهم السلام عند ذكرهم مستفاد من الأدعية و استحباب تعظيمهم و اظهار المحبّة لهم عليهم السلام. و أمّا الصلاة على سائر الأنبياء فقد ذكر الماتن دليله.
و هي أمور: «أحدها»: فقد بعض الشرائط في أثناء الصلاة كالستر و اباحة المكان و اللباس و نحو ذلك ممّا مرّ في المسائل المتقدّمة.
مرّ الكلام فيه في المجلّد الأوّل و الثاني من كتاب الصلاة فراجع.
«الثاني»: الحدث الأكبر أو الأصغر، فانّه مبطل أينما وقع فيها و لو قبل الآخر بحرف، من غير فرق بين أن يكون عمدا أو سهوا أو اضطرارا عدا ما مرّ في حكم المسلوس و المبطون و المستحاضة. نعم لو نسي السلام ثمّ أحدث فالأقوى عدم البطلان و ان كان الأحوط الاعادة أيضا.
الشرح:
الحدث الأكبر و الأصغر مبطل للصلاة مطلقا، و الدليل على ذلك: النصوص و الاجماع.
أمّا النصوص، فمنها صحيحة زرارة قال:
«لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود. ثمّ قال: القراءة سنّة و التشهّد سنّة فلاتنقض السنّة الفريضة».(1)
و منها صحيحة ابن سنان يعني عبداللّه عن عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ليس يرخّص في النوم في شيء من الصلاة».(2)
و منها صحيحة أبي أسامة زيد الشحّام قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام قول اللّه عزّوجلّ «لاتقربوا الصلاة و أنتم سكارى»(3)؟ فقال: سكر النوم».(4)
و منها موثّقة منصور بن يونس عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام أنّهما كانا يقولان:
«لايقطع الصلاة الاّ أربعة: الخلاء و البول و الريح و الصوت».(5)
و منها خبر الحسين بن حمّاد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أحسّ الرجل أنّ بثوبه بللاً و هو يصلّي فليأخذ ذكره بطرف ثوبه فليمسحه بفخذه، و ان كان بللاً يعرف فليتوضّأ و ليعد الصلاة، و ان لم يكن بللاً فذلك من الشيطان».(6)
و منها ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهماالسلام من الخبر قال:
1) - وسائل الشيعة 7: 234 / الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 7: 233 / الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 1.
3) - النساء 4: 43.
4) - وسائل الشيعة 7: 233 / الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 7: 233 / الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 2.
6) - وسائل الشيعة 7: 234 / الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 5.
«سألته عن الرجل يكون في الصلاة فيعلم أنّ ريحا قد خرجت فلايجد ريحها و لايسمع صوتها؟ قال: يعيد الوضوء و الصلاة و لايعتدّ بشيء ممّا صلّى اذا علم ذلك يقينا».(1)
و منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال:
«و سألته عن رجل وجد ريحا في بطنه فوضع يده على أنفه و خرج من المسجد حتّى أخرج الريح من بطنه، ثمّ عاد الى المسجد فصلّى فلم يتوضّأ، هل يجزيه ذلك؟ قال: لايجزيه حتّى يتوضّأ و لايعتدّ بشيء ممّا صلّى».(2)
و منها خبر أبي الصباح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يخفق و هو في الصلاة؟ فقال: ان كان لايحفظ حدثا منه - ان كان - فعليه الوضوء و اعادة الصلاة، و ان كان يستيقن أنّه لم يحدث فليس عليه وضوء و لا اعادة».(3)
و منها الروايات الدالّة على نقض الوضوء بالحدث من الريح و الغائط و النوم(4)بضميمة قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور ... الحديث».
و صحيحة أخرى له عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لا صلاة الاّ بطهور».(5)
و الروايات التي جعلته كالركوع و السجود، كصحيحة ثالثة لزرارة قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الفرض في الصلاة؟ فقال: الوقت و الطهور
1) - وسائل الشيعة 7: 235 / الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 7.
2) - وسائل الشيعة 7: 235 / الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 8.
3) - وسائل الشيعة 1: 253 / الباب 3 من أبواب نواقض الصلاة / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 1 / الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء.
5) - وسائل الشيعة 1: 365 / الباب 1 من أبواب الوضوء / الحديث 1.
و القبلة و التوجّه و الركوع و السجود و الدعاء. الحديث».(1)
و مرسلة الصدوق قال:
«و قال الصادق عليه السلام: الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث طهور و ثلث ركوع و ثلث سجود».(2)
و خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال:
« ... و انّما جوّزنا الصلاة على الميّت بغير وضوء لأنّه ليس فيها ركوع و لا سجود، و انّما يجب الوضوء في الصلاة التي فيها ركوع و سجود».(3)
و أمّا الاجماع، فقال في الجواهر: «بلا خلاف أجده في حال العمد، بل الاجماع بقسميه عليه، بل لعلّ المنقول منه متواتر، بل قد أجاد من ادّعى ضروريّته من المذهب، و في التهذيب: «منعت الشريعة للمتوضّئ اذا صلّى ثمّ أحدث أن يبني على ما مضى من صلاته؛ لأنّه لا خلاف بين أصحابنا أنّ من أحدث في الصلاة ما يقطع صلاته يجب عليه استئنافه» و سياق كلامه يقتضي الأعمّ من السهو و العمد، بل كاد يكون كالصريح منه. انتهى ملخّصا».(4)
قال في المدارك: «أجمع العلماء كافّة على أنّ من أحدث في الصلاة عامدا بطلت صلاته، سواء كان الحدث أصغر أم أكبر، و انّما الخلاف فيما لو أحدث ما يوجب الوضوء سهوا، فذهب الأكثر الى أنّه مبطل للصلاة أيضا. و نقل عن الشيخ و المرتضى أنّهما قالا: يتطهّر و يبني على ما مضى من صلاته. و فرّق المفيد في المقنعة بين المتيمّم و غيره، فأوجب البناء في المتيمّم اذا سبقه الحدث و وجد
الماء و الاستئناف في غيره. و اختاره الشيخ في النهاية و المبسوط، و ابن أبي عقيل، و قوّاه في المعتبر. انتهى».(1)
ولكن قال في الجواهر: «انّ الذي في الخلاف «أنّ من سبقه الحدث من بول أو ريح أو غير ذلك لأصحابنا فيه روايتان: احداهما و هو الأحوط أنّه يبطل صلاته» و مثله حكي عن المرتضى، و هو مع أنّه في السبق لا السهو كما ترى لايعدّ مخالفا، خصوصا و قد قال في الخلاف بعد أن حكى خلاف العامّة: «دليلنا - و ذكر نصوص المشهور و الرواية المخالفة ثمّ قال: - و الذي أعمل عليه و أفتي به الرواية الأولى». و خصوصا بعدما عرفت من نفيه الخلاف في التهذيب كالاجماع من الناصريّات. انتهى».(2)
و نظير ما في الخلاف قال في المبسوط(3)و نظير ما في الخلاف و المبسوط، حكى في المعتبر عن مصباح السيد.(4)
و التحقيق أنّ الشيخ و السيّد المرتضى لم يفتيا بالتطهير و البناء على ما مضى من صلاته فيمن أحدث ما يوجب الوضوء سهوا أو سبقه الحدث كما تقدّم من الجواهر. نعم، ذكر الصدوق في الفقيه صحيحة الفضيل بن يسار التي مضمونها ذلك، و بقرينة قوله في أوّل الكتاب: « ... بل قصدت الى ايراد ما أفتي به و أحكم بصحّته و أعتقد فيه أنّه حجّة فيما بيني و بين ربّي تقدّس ذكره و تعالت قدرته» يكون فتواه مضمون الصحيحة.
و أمّا صحيحة الفضيل بن يسار أنّه قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: أكون في الصلاة فأجد غمزا في بطني أو أزّا أو
ضربانا. فقال: انصرف و توضّأ و ابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمّدا فان تكلّمت ناسيا فلا شيء عليك و هو بمنزلة من تكلّم في الصلاة ناسيا. قلت: و ان قلّب وجهه عن القبلة؟ قال: نعم، و ان قلّب وجهه عن القبلة».(1)
و نظيرها خبر أبي سعيد القمّاط قال:
«سمعت رجلاً يسأل أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل وجد غمزا في بطنه أو أذىً أو عصرا من البول و هو في صلاة المكتوبة في الركعة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة؟ فقال: اذا أصاب شيئا من ذلك فلابأس بأن يخرج لحاجته تلك فيتوضّأ، ثمّ ينصرف الى مصلاّه الذي كان يصلّي فيه فيبني على صلاته من الموضع الذي خرج منه لحاجته ما لم ينقض الصلاة بالكلام. قال: قلت: و ان التفت يمينا أو شمالاً أو ولّى عن القبلة؟ قال: نعم، كلّ ذلك واسع، انّما هو بمنزلة رجل سها فانصرف في ركعة أو ركعتين أو ثلاثة من المكتوبة، فانّما عليه أن يبني على صلاته، ثمّ ذكر سهو النبي صلى الله عليه و آله».(2)
و أجاب في الحدائق عنهما و عمّا يحذو حذوهما بأنّ «الأخبار التي هي مستند القول المشهور و ان ضعف سندها فانّها هي الأوفق بالقبول و المطابقة للقواعد الشرعيّة و الأصول مضافا الى الاحتياط المطلوب في الدين لذوي الألباب و العقول، و أنّ ما سواها و ان صحّ سندها بهذا الاصطلاح المحدث الاّ أنّها لاتخلو من الخلل و القصور الزائد، ذلك على ما فيها من المخالفة لأخبار القول المشهور - الى أن قال: - و الأظهر عندي حملهما على التقيّة التي هي في الأحكام
الشرعيّة أصل كلّ بليّة. على أنّ فيهما أيضا اشكالاً من وجه آخر و هو ما تضمّنّاه من الفرق بين الكلام متعمّدا و بين الاستدبار و أنّ الصلاة تبطل بالأوّل دون الثاني و هو خلاف ما دلّت عليه الأخبار و كلمة الأصحاب من غير خلاف يعرف. انتهى».(1)
و جوابه عن الخبرين هو الذي بمضمونه أجابه الأصحاب، حتّى الشيخ في الخلاف و غيره.
و أمّا ما ذهب اليه المفيد و تبعه الشيخ في المبسوط و النهاية و كذا قاله ابن أبي عقيل بأنّه لو أحدث المتيمّم في أثناء الصلاة سهوا و وجد الماء فيتطهّر و يبني، فمستندهم صحيحة زرارة، أنّه سأل أبا جعفر عليه السلام عن رجل دخل في الصلاة و هو متيمّم فصلّى ركعة ثمّ أحدث فأصاب ماءً؟ قال:
«يخرج و يتوضّأ ثمّ يبني على ما مضى من صلاته التي صلّى بالتيمّم».(2)
ففي الحدائق حكى عن المحقّق الشيخ حسن في المنتقى «أنّه حمل الصحيحة على معنىً لايخالف الأخبار المتقدّمة، و ملخّصه: «أنّ المراد بالصلاة في قوله عليه السلام: «يبني على ما مضى من صلاته» هي الصلاة التي صلاّها بالتيمّم تامّة قبل هذه الصلاة التي أحدث فيها، و مرجعه الى أنّ هذه الصلاة قد بطلت بالحدث و أنّه يخرج و يتوضّأ من هذا الماء الموجود و لايعيد ما صلّى بهذا التيمّم و ان كان في الوقت. قال: و يكون قوله عليه السلام في آخر الكلام «التي صلّى بالتيمّم» قرينة قويّة على ارادة هذا المعنى، فيكون مفاد الخبر حينئذ عدم وجوب اعادة الصلاة الواقعة بالتيمّم بعد وجدان الماء. و هو معنى صحيح وارد في أخبار كثيرة مضى بعضها». و هو جيّد و به ينطبق الخبر المذكور على مقتضى الأصول الشرعيّة و القواعد
المرعيّة مع قرب احتمال التقيّة. انتهى ملخّصا».(1)
و ما أجاب به صاحب المنتقى عن الصحيحة أو الصحيحتين من التوجيه حسن و لو لم ترتض به فاحملها على التقيّة.
و أمّا ما نسب الى الصدوق من القول بعدم ناقضيّة الحدث اذا كان بعد السجدة الثانية من الركعة الأخيرة و استدلّ له بجملة من النصوص، فقد تقدّم البحث عنه في التشهّد، و كذا تقدّم البحث عن الحدث الواقع بعد التشهّد و قبل التسليم، و قد حملنا النصوص الواردة في الموردين على التقيّة، أو على ارادة وقوع الحدث بعد التشهّد و ما يلحق به من التسليم. كما تقدّم البحث عنه في مباحث التشهّد و السلام، و سيأتي أيضا في البحث عن الخلل في الفرع اللاحق بالمسألة الرابعه عشرة من فصل الشكّ.
1) - الحدائق الناضرة 9: 11.
«الثالث»: التكفير بمعنى وضع احدى اليدين على الأخرى على النحو الذي يصنعه غيرنا ان كان عمدا لغير ضرورة، فلابأس به سهوا و ان كان الأحوط الاعادة معه أيضا. و كذا لابأس به مع الضرورة بل لو تركه حالها أشكلت الصحّة و ان كانت أقوى، و الأحوط عدم وضع احدى اليدين على الأخرى بأيّ وجه كان، في أيّ حالة من حالات الصلاة و ان لم يكن متعارفا بينهم لكن بشرط أن يكون بعنوان الخضوع و التأدّب، و أمّا اذا كان لغرض آخر كالحكّ و نحوه فلابأس به مطلقا حتّى على الوضع المتعارف.
الشرح:
فروع:
التكفير في اللغة: الخضوع.
قال في مجمع البحرين: «التكفير أن يخضع الانسان لغيره، و نقل عن النهاية بأنّ التكفير أيضا وضع احدى اليدين على الأخرى. انتهى».
و قال في الحدائق: «و قد اختلف الأصحاب في تفسيره فالفاضلان على أنّه عبارة عن وضع اليمين على الشمال، و قال الشيخ: لا فرق بين وضع اليمين على الشمال و بالعكس و تبعه ابن ادريس و الشهيدان. و قال بعض المتأخّرين: لا فرق بين أن يكون الوضع فوق السرّة أو تحتها و بين أن يكون بينهما حائل أم لا و بين أن يكون الوضع على الزند أو على الساعد. انتهى ملخّصا».(1)
1) - نفس المصدر: 15 و 16.
أقول:
ظاهر الروايات أنّ التكفير هو وضع احدى يديه على الأخرى بكفّه أو ذراعه كما في صحيحة علي بن جعفر و لا فرق بين وضع اليمين على الشمال أو عكس ذلك كما في الخبر المروي عن الخصال. و لا فرق أيضا بين أن يكون الوضع فوق السرّة أو تحتها لاطلاق الأخبار.
قال في الجواهر: «و الظاهر أنّه لا فرق فيه بين وضع اليمنى على اليسرى و العكس، كما أنّه لا فرق فيه بين الوضع فوق السرّة و تحتها كما صرّح به غير واحد، بل لاأجد فيه خلافا؛ لاطلاق الأدلّة، و لا فرق أيضا بين وجود الحائل و عدمه بل و لا بين وضع الكفّ على الكفّ و الذراع و الساعد أي العضد، بل الظاهر تحقّقه بوضع الذراع على الذراع. و في اعتبار القيام فيه بحيث لايجري عليه حكم حال غيره تردّد، من تعارف الخضوع به حال القيام، و الاقتصار على المتيقّن، و من اطلاق الأدلّة. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
سيأتي في الفرع الثاني أنّه لو كفّر بقصد الجزئيّة فهو مبطل للصلاة مطلقا في أيّ حال وقع كما أنّه لو كان بقصد التشريع يحرم مطلقا و أمّا لو لم تكن من قصده الجزئيّة و لا التشريع بل فعله خضوعا و تواضعا للّه فالأظهر أيضا كذلك أي لا فرق في كونه حال القراءة أو الجلوس على القولين من الحرمة و الكراهة. اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ العلّة الواردة في النصوص هي التشبّه بالمجوس، و هم يفعلونه حال القيام، ولكنّه يدفع بأنّ الظاهر أنّهم يفعلونه حال الجلوس أيضا. نعم، الظاهر أنّالنهي عن التكفير في الروايات ناظر الى ما يعمله العامّة حال القراءة فلا دليل على اسراء الحكم منه الى سائر الأحوال.
1) - جواهر الكلام 11: 21 - 23.
اختلفوا في حكم التكفير على أقوال:
قال في المختلف: «جعل أبو الصلاح وضع اليمين على الشمال مكروها غير مبطل للصلاة، و جعل ابن الجنيد تركه مستحبّا، و جعله الشيخ حراما مبطلاً للصلاة. قال في الخلاف: «لايجوز أن يضع اليمين على الشمال، و لا الشمال على اليمين لا فوق السرّة و لا تحتها، و استدلّ باجماع الطائفة على أنّه مبطل» و هو اختيار السيّد المرتضى و ابن ادريس و لم يتعرّض ابن أبي عقيل لذكره و لا سلاّر، و الحقّ اختيار الشيخ. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «المشهور بين الأصحاب نقلاً و تحصيلاً بل في الخلاف و الغنية و الدروس و عن الانتصار الاجماع عليه عدم جوازه في الصلاة، بل لاأجد فيه خلافا الاّ من الاسكافي فجعل تركه مستحبّا، و أبي الصلاح ففعله مكروها، و اختاره المصنّف في المعتبر للاجماع المحكي المعتضد بالتتبّع. انتهى».(2)
و المعتمد الروايات الواردة في الباب:
فمنها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«قلت: الرجل يضع يده في الصلاة، و حكى اليمنى على اليسرى؟ فقال: ذلك التكفير، لاتفعل».(3)
و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«و عليك بالاقبال على صلاتك - الى أن قال: - و لاتكفّر، فانّما يفعل
ذلك المجوس».(1)
و منها مرسلة حريز عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«و لاتكفّر، انّما يصنع ذلك المجوس».(2)
و منها خبر علي بن جعفر قال:
«قال أخي: قال علي بن الحسين عليه السلام: وضع الرجل احدى يديه على الأخرى في الصلاة عمل، و ليس في الصلاة عمل».(3)
و رواه علي بن جعفر في كتابه في الصحيح نحوه، و زاد:
«و سألته عن الرجل يكون في صلاته، أيضع احدى يديه على الأخرى بكفّه أو ذراعه؟ قال: لايصلح ذلك، فان فعل فلايعود له».(4)
و منها ما رواه الصدوق في الخصال من الخبر عن علي عليه السلام (في حديث الأربعمائة) قال:
«لايجمع المسلم يديه في صلاته و هو قائم بين يدي اللّه عزّوجلّ يتشبّه بأهل الكفر يعني المجوس».(5)
و هذه الروايات و ان كان أكثرها معتبرة الاّ أنّ دلالتها على البطلان بل الحرمة ضعيفة، فالنهي في صحيحة زرارة و ان كان يدلّ على الحرمة الاّ أنّ هنا يحمل على الكراهة بقرينة وروده في ضمن أشياء كلّها مكروهة، و يؤيّدها قوله عليه السلام بعد ذكر تلك الأشياء «فانّ ذلك كلّه نقصان من الصلاة».(6)
و كذلك مرسلة حريز، فانّها ذكرت بتمامها في الباب الثاني من أبواب القيام،
1) - وسائل الشيعة 7: 266 / الباب 15 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 7: 266 / الباب 15 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 7: 266 / الباب 15 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 7: 266 / الباب 15 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 7: 267 / الباب 15 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 7.
6) - وسائل الشيعة 5: 464 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 5.
الحديث الثالث.
و أمّا صحيحة علي بن جعفر، فهي على خلاف المطلوب أدلّ. و الظاهر من قوله عليه السلام في خبر علي بن جعفر « ... و ليس في الصلاة عمل» أنّ وضع احدى يديه على الأخرى عمل و فعل خارج من أفعال الصلاة، و بناءً عليه لو فعله بقصد الجزئيّة و الورود فقد زاد في صلاته فهو حرام و مبطل و الاّ فلا.
و أمّا صحيحة مسلم فالنهي فيها يدلّ على التحريم الاّ أنّه لايبعد أن يكون سائر الروايات قرينة على كون النهي فيها للكراهة، كما عن الشيخ لما تضمّنته من التشبّه بالمجوس و ان خالف صاحب المدارك في وجود القرينة لحمل النهي على الكراهة حيث قال: «في اقتضاء التشبّه ظهور الرواية في الكراهة نظر، مع أنّ رواية ابن مسلم المتضمّنة للنهي خالية من ذلك، فحمل النهي على الكراهة مجاز لايصار اليه الاّ مع القرينة و هي منتفية فاذن المعتمد التحريم دون الابطال. انتهى».(1)
و قال في الحدائق: «المسألة لاتخلو من شوب تردّد و ان كان القول بالتحريم كما ذهب اليه في المدارك لايخلو من قوّة. انتهى».(2)
و الظاهر - كما في الجواهر - «أنّ التعليل المزبور في النصوص أريد به التعريض و التنبيه على فساد استحسان فعله في الصلاة، فانّه حكي عن عمر لمّا جيء بأسارى العجم كفّروا أمامه فسأل عن ذلك فأجابوه بأنّا نستعمله خضوعا و تواضعا لملوكنا، فاستحسن هو فعله مع اللّه تعالى في الصلاة، و غفل عن قبح التشبيه بالمجوس في الشرع».(3)
و بناءً عليه فالنهي عن التكفير للتشريع المحرّم، كما أنّ بطلان الصلاة لقصده
بجزئيّته للصلاة. و أمّا لو لم يقصد جزئيّته للصلاة و لا التشريع فالحكم بحرمته مشكل كما أنّ الحكم ببطلانه أشكل؛ لعدم الدليل على حرمته الذاتيّة، أو أنّه مانع للصلاة كالحدث.
العبرة بما يسمّى تكفيرا و خضوعا لا مطلق الوضع و ان كان لغرض آخر كالحكّ و نحوه؛ لعدم الدليل على حرمته الذاتيّة و عدم الدليل على كونه مانعا مطلقا. و لو فعله سهوا أو جهلاً لم تبطل صلاته و ان قصد به الجزئيّة؛ لقاعدة لاتعاد فاطلاقها يشمل السهو و الجهل عن قصور. و لو اضطرّ الى فعله كالتقيّة و نحوها لم تبطل صلاته لما ذكر من عدم كون فعله مانعا، كما أنّه لو ترك التقيّة لم تبطل صلاته؛ لأنّ أمر الشارع بالتقيّة لايجعله جزءا للصلاة حتّى يكون تركه مبطلاً لها.
قال في الجواهر: «ثمّ انّ صريح المصنّف و غيره بل لاأجد فيه خلافا بل ظاهر ارساله ارسال المسلّمات من جماعة من الأصحاب كونه من القطعيّات اختصاص الحكم المزبور في صورة العمد دون السهو، فلو كفّر ساهيا عن كونه في الصلاة لم تبطل صلاته، و لعلّ هذا من المؤيّدات لما ذكرناه سابقا من أنّ الحرمة فيه، و الابطال، للتشريع المنفي حال السهو. انتهى».(1)
و ان استشكل بعد ذلك بعدم الوقوف على ما يوجب خروج صورة السهو بعد الاطلاق في دليل المانعيّة. الاّ أنّه مدفوع أوّلاً بما مرّ من عدم الدليل على المانعيّة، و النهي الوارد في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة يحمل على الكراهة جمعا بينها و بين سائر الروايات الواردة في التكفير و ان قلنا بأنّ النهي في باب المركّبات
1) - نفس المصدر: 23.
للارشاد الى المانعيّة الشاملة للعامد و الساهي بمناط واحد. و ثانيا بأنّ الدليل على خروج صورة السهو قوله عليه السلام في صحيحة زرارة «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود»(1)فانّ الموجب لاعادة الصلاة ترك هذه الخمسة مطلقا و ان كان سهوا أو جهلاً. و أمّا ترك سائر الأجزاء و الشرائط أو ارتكاب الموانع فلايوجب البطلان؛ لأنّ القاعدة غير قاصرة الشمول لصورة السهو بل الجهل عن قصور. نعم، خرجت عن القاعدة صورة العمد قطعا.
و قال في موضع آخر منه: «أمّا اذا اقتضت التقيّة فعله فلا خلاف في جواز فعله بل وجوبه مع فرض توقّف دفعها عليه، و لا بطلان به حينئذ كما صرّح به جماعة، بل الظاهر الاجماع عليه لعموم أدلّة التقيّة. و لو خالف فلم يفعل لم تبطل صلاته؛ لأنّه ليس جزءا في العبادة و لا شرطا، فلايتعدّى النهي بسببه الى العبادة، فهو كمن عصى و صلّى تحت الجدار الغير المستقيم المظنون الضرر، فانّ صلاته صحيحة و ان عصى بترك التحفّظ، و ليس هو من انقلاب التكليف كالتيمّم عند خوف الضرر و الصوم كذلك؛ لعدم الدليل عليه بالخصوص كي يقتضي بظاهره ذلك. انتهى ملخّصا».(2)
«الرابع»: تعمّد الالتفات بتمام البدن الى الخلف أو الى اليمين أو اليسار بل و الى ما بينهما على وجه يخرج عن الاستقبال و ان لم يصل الى حدّهما و ان لم يكن الالتفات حال القراءة أو الذكر، بل الأقوى ذلك في الالتفات بالوجه الى الخلف مع فرض امكانه و لو بميل البدن على وجه لايخرج عن الاستقبال. و أمّا الالتفات بالوجه يمينا و يسارا مع بقاء البدن مستقبلاً فالأقوى كراهته مع عدم كونه فاحشا و ان كان الأحوط اجتنابه أيضا خصوصا اذا كان
طويلاً و سيّما اذا كان مقارنا لبعض أفعال الصلاة خصوصا الأركان سيّما تكبيرة الاحرام، و أمّا اذا كان فاحشا ففيه اشكال، فلايترك الاحتياط حينئذ. و كذا تبطل مع الالتفات سهوا فيما كان عمده مبطلاً الاّ اذا لم يصل الى حدّ اليمين و اليسار بل كان فيما بينهما فانّه غير مبطل اذا كان سهوا و ان كان بكلّ البدن.
الشرح:
قال في الجواهر: «و منها الالتفات الى ما وراءه كما عبّر بذلك جماعة بل ربّما نسب الى الأكثر بل في كشف اللثام الاجماع على عبارة القواعد التي هي كهذه العبارة، و في المحكي عن الأمالي «انّ من دين الاماميّة أنّ الالتفات حتّى يرى من خلفه قاطع للصلاة» لكن لم أجد هذه العبارة في أكثر نصوص المسألة المرويّة في الكتب الأربع. انتهى».(1)
و لنذكر أوّلاً الأخبار الواردة في المقام حتّى يظهر منها أحكام الالتفات:
الأوّل: صحيحة زرارة أنّه سمع أبا جعفر عليه السلام يقول:
«الالتفات يقطع الصلاة اذا كان بكلّه».(2)
الثاني: صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«قال: اذا التفتّ في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة اذا كان الالتفات فاحشا، و ان كنت قد تشهّدت فلاتعد».(3)
الثالث: صحيحة ثانية لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال له:
«استقبل القبلة بوجهك، و لاتقلّب بوجهك عن القبلة فتفسد صلاتك، فانّ اللّه عزّوجلّ يقول لنبيّه في الفريضة: «فولّ وجهك
شطر المسجد الحرام و حيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره». الحديث».(1)
الرابع: صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سأله عن الرجل يرعف و هو في الصلاة و قد صلّى بعض صلاته؟ فقال:
«ان كان الماء عن يمينه أو عن شماله أو عن خلفه فليغسله من غير أن يلتفت، و ليبن على صلاته، فان لم يجد الماء حتّى يلتفت فليعد الصلاة. قال: و القيء مثل ذلك».(2)
الخامس: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يلتفت في صلاته؟ قال: لا، و لاينقض أصابعه».(3)
السادس: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يكون في صلاته فيظنّ أنّ ثوبه قد انخرق أو أصابه شيء، هل يصلح له أن ينظر فيه أو يمسّه؟ قال: ان كان في مقدّم ثوبه أو جانبيه فلابأس، و ان كان في مؤخّره فلايلتفت، فانّه لايصلح».(4)
السابع: خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان تكلّمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد الصلاة».(5)
الثامن: خبر عبدالملك قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الالتفات في الصلاة، أيقطع الصلاة؟ فقال:
1) - وسائل الشيعة 4: 312 / الباب 9 من أبواب القبلة / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 7: 238 / الباب 2 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 7: 244 / الباب 3 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 7: 245 / الباب 3 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 7: 245 / الباب 3 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 6.
لا، و ما أحبّ أن يفعل».(1)
التاسع: المروي في الخصال من الخبر عن علي عليه السلام (في حديث الأربعمائة) قال:
«الالتفات الفاحش يقطع الصلاة، و ينبغي لمن يفعل ذلك أن يبدأ بالصلاة بالأذان و الاقامة و التكبير».(2)
العاشر: محمّد بن ادريس في آخر «السرائر» نقلاً من كتاب «الجامع» للبزنطي صاحب الرضا عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يلتفت في صلاته، هل قطع ذلك صلاته؟ قال: اذا كانت الفريضة و التفت الى خلفه فقد قطع صلاته، فيعيد ما صلّى و لايعتدّ به، و ان كانت نافلة لايقطع ذلك صلاته ولكن لايعود».(3)
الحادي عشر: ما رواه في قرب الإسناد من الخبر عن علي بن جعفر و كتاب المسائل لعلي بن جعفر عن أخيه قال:
«سألته عن الرجل يلتفت في صلاته، هل يقطع ذلك صلاته؟ قال: اذا كانت الفريضة و التفت الى خلفه فقد قطع صلاته فيعيد ما صلّى و لايعتدّ به، و ان كانت نافلة لم يقطع ذلك صلاته ولكن لايعود».(4)
الالتفات بمعنى صرف الوجه الى اليمين أو اليسار، و بمعنى صرف البدن أيضا.
قال في مجمع البحرين: «لفت وجهه لفتا من باب ضرب: صرفه الى ذات اليمين أو الشمال، و لفَتَه عن رأيه: صرفه عنه. و التفت اليّ التفاتا: انصرف بوجهه
1) - وسائل الشيعة 7: 245 / الباب 3 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 5.
2) - وسائل الشيعة 7: 245 / الباب 3 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 7.
3) - وسائل الشيعة 7: 246 / الباب 3 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 8.
4) - قرب الإسناد: 210 / الحديث 820 - وسائل الشيعة 7: 246 / الباب 3 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 8.
نحوي. و التلفُّت أكثر منه. و في وصفه صلى الله عليه و آله: «فاذا التَفتَ التَفتَ جميعا» يعني لم يكن يلوي عنقه يمنة و يسرة ناظرا الى شيء و انّما يفعل ذلك الطاش الخفيف، ولكن يقبل جميعا و يدبر جميعا. و في الخبر: «اذا حدّث الرجل ثمّ التفت فهي أمانة» أي حدّث الرجل عندك حديثا ثمّ غاب صار حديثه أمانة عندك فلايجوز اضاعتها و الخيانة فيها بافشائها. انتهى».
و أمّا أحكام الالتفات:
الأوّل: الالتفات بتمام البدن الى الخلف يبطل الصلاة، و ذلك أوّلاً لخروجه عن الاستقبال الى القبلة المأمور به في الكتاب و السنّة.
أمّا الكتاب فقوله تعالى: «فولّ وجهك شطر المسجد الحرام و حيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره»(1).
و أمّا السنّة فالروايات المذكورة آنفا، فانّ بعضها يدلّ على قطع الصلاة في صورة الاستدبار صراحة.
و ثانيا لموثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
« ... و ان كان متوجّها الى دبر القبلة فليقطع الصلاة ثمّ يحوّل وجهه الى القبلة ثمّ يفتتح الصلاة».(2)
و لا فرق في بطلان الصلاة في هذه الحالة بين العمد و السهو. أمّا الأوّل فواضح و أمّا الثاني فلاطلاق الدليل و عدم المخصّص مضافا الى حديث «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود»(3)الشامل للعمد و السهو.
الثاني: الالتفات بتمام البدن الى اليمين أو اليسار بل و الى ما بينهما على وجه
يخرج عن الاستقبال و ان لم يصل الى حدّهما فانّه مبطل للصلاة اذا كان عمدا دون السهو أو الجهل بالقبلة. أمّا الدليل على ابطاله العمدي فلخروجه عن الاستقبال الى القبلة المأمور به في الكتاب و السنّة كما تقدّم آنفا. و الدليل على عدم ابطاله لو كان سهوا أو انكشاف الانحراف عن القبلة بعد الصلاة اذا صلّيها عن علم أو ظنّ معتبر بالقبلة، الروايات الواردة في الباب العاشر و الحادي عشر من أبواب القبلة، و قد سبق البحث عن ذلك في المجلّد الأوّل من كتاب الصلاة في أحكام الخلل في القبلة.(1)
الثالث: الالتفات بالوجه الى الخلف مع فرض امكانه و لو بميل البدن على وجه لايخرج عن الاستقبال فانّه مبطل للصلاة. و يدلّ على ذلك مضافا الى الاجماع المدّعى كما تقدّم من الجواهر، الخبر الأوّل، فانّ الظاهر من قوله عليه السلام «الالتفات يقطع الصلاة اذا كان بكلّه» أي بكلّ الالتفات، هو الذي قلناه.
و كذلك الخبر الثاني، فانّ الالتفات الى الخلف مصداق قطعي للالتفات الفاحش و يؤيّده الخبر السادس و التاسع و العاشر و الحادي عشر. و لا فرق في ذلك بين العمد و السهو و الجهل كما هو ظاهر الروايات.
الرابع: الالتفات بالوجه الى اليمين و اليسار مع بقاء البدن مستقبلاً، فان كان عامدا يفسد الصلاة للخبر الثالث و الرابع و الخامس و ان كان سهوا فابطاله الصلاة مشكل الاّ اذا صدق عليه الالتفات الفاحش و فيه تأمّل، و الاحتياط لاينبغي تركه.
الخامس: الالتفات بالوجه الى ما بين اليمين و اليسار، فانّه يكره و لايبطل الصلاة لعدم صدق الالتفات الفاحش بذلك و يؤيّده الخبر السادس و الثامن.
ثمّ اعلم أنّه لا فرق فيما ذكرنا من أحكام تلك الحالات الخمس من وقوعها بين الأجزاء أو الأكوان؛ لأنّها أيضا من الصلاة و يشترط فيها ما يشترط في الأجزاء و لا فرق بين الأركان و تكبيرة الاحرام و بين غيرها.
1) - الهادي كتاب الصلاة 1: 364.
فما احتاط الماتن من اجتناب الالتفات بالوجه يمينا و يسارا مع بقاء البدن مستقبلاً ثمّ أكّد بالنسبة الى الأفعال و الأركان و تكبيرة الاحرام فلا وجه لتأكيده، و ان ذكر المستمسك(1)له وجها الاّ أنّه غير وجيه و لذا ردّه، فراجع.
«الخامس»: تعمّد الكلام بحرفين و لو مهملين غير مفهمين للمعنى أو بحرف واحد بشرط كونه مفهما للمعنى نحو «قِ» فعل أمر من «وقى» بشرط أن يكون عالما بمعناه و قاصدا له بل أو غير قاصد أيضا مع التفاته الى معناه على الأحوط.
الشرح:
الخامس من مبطلات الصلاة تعمّد الكلام و لا خلاف فيه و يدلّ على ذلك جملة من الأخبار:
منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث):
«و ان تكلّم فليعد صلاته، و ليس عليه وضوء».(2)
و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«و ان لم يقدر على ماء حتّى ينصرف بوجهه أو يتكلّم فقد قطع صلاته».(3)
و منها صحيحة الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«ابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمّدا، و ان تكلّمت ناسيا فلا شيء عليك».(4)
و منها خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان تكلّمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد الصلاة».(1)
و منها خبر اسماعيل بن أبي زياد عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال:
«و يبني على صلاته ما لم يتكلّم».(2)
قال في المدارك: «أجمع الأصحاب على بطلان الصلاة بتعمّد الكلام بما ليس بقرآن و لا ذكر و لا دعاء، و قد ورد بذلك روايات كثيرة، كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: «و ان تكلّم فليعد صلاته». و حسنة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام حيث قال فيها: «فان لم يقدر حتّى ينصرف بوجهه أو يتكلّم فقد قطع صلاته». انتهى».(3)
و قال في الجواهر: «و منها الكلام بما ليس بدعاء و ذكر و قرآن اجماعا بقسميه، بل المنقول منه كاد يكون متواترا كالنصوص خصوصا مع ملاحظة ما تضمّن منها التسبيح و نحوه بقصد الاشارة الى الحاجة مثلاً تحرّزا عن الكلام في الصلاة. انتهى».(4)
انّما الكلام في تحقّق الكلام فالمرجع فيه العرف و ما يقال بأنّه كلام، و الظاهر تحقّقه بالتكلّم بحرفين فصاعدا.
قال في الجواهر: «و الظاهر تحقّقه بالتكلّم بحرفين فصاعدا بلا خلاف أجده بين الأصحاب بل يمكن تحصيل الاتّفاق عليه منهم، و ربّما كان من معقد صريحه و ظاهره، بل في الحدائق الاجماع عليه صريحا من غير فرق بين المهمل والمستعمل، و عن نجم الأئمّة و شمس العلوم النصّ عليه. انتهى».(5)
نعم لو شكّ فيما يخرج من الفم بأنّه كلام عرفا لاتبطل به الصلاة؛ للأصل، و لعلّه يكون في التنحنح و الأنين كذلك. فلو ظهر من الأنين حرفان نحو «آه» فهو كلام، و لذا ورد في مرسل الفقيه و خبر طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام:
«من أنّ في صلاته فقد تكلّم».(1)
و لو لم يظهر منه و من التنحنح و التنخّم و النفخ حرفان فليست بكلام و لاتبطل بها الصلاة و هذان الحديثان ناظران الى ذلك:
أحدهما موثّقة عمّار بن موسى:
«أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يسمع صوتا بالباب و هو في الصلاة فيتنحنح لتسمع جاريته أو أهله لتأتيه فيشير اليها بيده ليعلمها من بالباب لتنظر من هو؟ فقال: لابأس به. الحديث».(2)
و ثانيهما صحيحة ليث المرادي قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الرجل يصلّي فينفخ في موضع جبهته؟ قال: ليس به بأس، انّما يكره ذلك أن يؤذي من الى جانبه».(3)
و أمّا التكلّم بحرف واحد فان كان مفهما للمعنى و قصد معناه فهو مبطل أيضا نحو «قِ» من وقى يقي، أو «لِ» من ولى يلي. و أمّا لو لم يكن له معنىً أو كان و لم يكن ملتفتا الى معناه فلايكون مبطلاً.
(مسألة 1): لو تكلّم بحرفين حصل ثانيهما من اشباع حركة الأوّل بطلت،بخلاف ما لو لم يصل الاشباع الى حدّ حصول حرف آخر.
الشرح:
قال في الجواهر: «و الظاهر أنّ من التكلّم بحرفين اشباع حركة الحرف بحيث يتولّد منه حرف اذ لاينقص عن الكلمة المركّبة وضعا منهما من غير فرق بين ما كان بمدّه أشبه الكلمة الموضوعة كبا و تا و ثا علما للحروف و بين ما لايكون كذلك كعا و كا؛ لما عرفت من عدم الفرق عندنا بين الموضوع منهما و المهمل، فما عن الروض من اعتبار ذلك لايخلو من نظر. انتهى».(1)
و الظاهر أنّه كما قال صاحب الجواهر يتحقّق التكلّم بمثل با و تا و ثا، بل و نحو عا و كا. و لو لم يصل الاشباع الى حدّ حصول حرف آخر فلاتبطل به الصلاة؛ لعدم صدق التكلّم به.
قال في المستمسك: «فانّه غير مبطل اجماعا كما عن المنتهى و الذكرى و الروض و المقاصد العليّة و ظاهر المدارك و الكفاية. انتهى».(2)
(مسألة 2): اذا تكلّم بحرفين من غير تركيب كأن يقول «ب ب» - مثلاً - ففي كونه مبطلاً أو لا وجهان و الأحوط الأوّل.
اذا وصل أحد الحرفين بالآخر فالظاهر صدق التكلّم به، و أمّا اذا انفصل بينهما فلاتبطل به الصلاة؛ لعدم صدق التكلّم حينئذ.
(مسألة 3): اذا تكلّم بحرف واحد غير مفهم للمعنى لكن وصله باحدى كلمات القراءة أو الأذكار أبطل من حيث افساد تلك الكلمة اذا خرجت تلك الكلمة عن حقيقتها.
اذا وصل حرفا واحدا باحدى كلمات القراءة أو الأذكار فأخرجها عن حقيقتها، يبطل؛ لأنّها صارت من الزيادة العمديّة المبطلة للصلاة.
(مسألة 4): لاتبطل بمدّ حرف المدّ و اللين و ان زاد فيه بمقدار حرف آخر فانّه محسوب حرفا واحدا.
الشرح:
قال في الجواهر: «أمّا مدّ حرف المدّ و اللين نفسه فقد يقوى عدم البطلان به؛ لأنّ المدّ على ما حقّقوه كما قيل: ليس بحرف و لا حركة و انّما هو زيادة في مدّ الحرف و النفس و ذلك لايلحقه بالكلام، و قولهم: يمدّ بمقدار خمس ألفات مثلاً يراد منه التقدير لزمان النطق بالألفات المستقلّة كما هو ظاهر العبارة المزبورة أو صريحها، لا أنّها تكون بذلك ألفات متعدّدة. انتهى».(1)
و الظاهر أنّ المدّ كما قال صاحب الجواهر ليس بحرف بل هو زيادة في النفس، و من المعلوم أنّ ذلك لايعدّ كلاما، و هذا مثل التنحنح و التأوّه و النفخ و غيرها.
(مسألة 5): الظاهر عدم البطلان بحروف المعاني مثل «ل» حيث انّه لمعنى التعليل أو التمليك أو نحوهما و كذا مثل «و» حيث يفيد معنى العطف أو القسم، و مثل «ب» فانّه حرف جرّ و له معان، و ان كان الأحوط البطلان مع قصد هذه المعاني، و فرق واضح بينها و بين حروف المباني.
الظاهر عدم البطلان بحروف المعاني كما ذهب اليه الماتن؛ لعدم كون هذه
1) - جواهر الكلام 11: 47.
الحروف ذا معنى مستقلّ و لاتفيد الاّ لدى الانضمام مع الغير و عند الانفراد تكون حرفا واحدا مهملاً.
(مسألة 6): لاتبطل بصوت التنحنح و لا بصوت النفخ و الأنين و التأوّه و نحوها. نعم، تبطل بحكاية أسماء هذه الأصوات مثل «أح» و «پف» و «اوه».
تقدّم الكلام في ذلك في ابتداء بحث بطلان الصلاة بالتكلّم بحرفين فصاعدا.
قال في معتمد العروة: «فانّ المبطل هو الصوت المختصّ صدوره بالانسان المعبّر عنه بالتكلّم أو الكلام غير الصادق على شيء من المذكورات في المتن و نحوها ممّا يتّفق صدوره من بعض الحيوانات أيضا فانّها ليست من التكلّم في شيء الاّ اذا تشكّل منها حرف أو حرفان على المسلكين. انتهى».(1)
(مسألة 7): اذا قال «آه من ذنوبي» أو «آه من نار جهنّم» لاتبطل الصلاة قطعا اذا كان في ضمن دعاء أو مناجاة، و أمّا اذا قال «آه» من غير ذكر المتعلّق فان قدّره فكذلك و الاّ فالأحوط اجتنابه، و ان كان الأقوى عدم البطلان اذا كان في مقام الخوف من اللّه.
انّ الجملتين اللتين ذكرهما الماتن من مصاديق الدعاء و المناجاة اللذين لا ضير بهما في الصلاة، و لو قال «آه» من غير ذكر المتعلّق فان قدّره فلايضرّ؛ لأنّه
في حكم المذكور، بل لو لم يقدّر و كان من قصده الشكاية الى اللّه تعالى فلايضرّ أيضا؛ لأنّه أيضا كالمقدّر و هو في حكم المذكور.
(مسألة 8): لا فرق في البطلان بالتكلّم بين أن يكون هناك مخاطب أم لا، و
1) - معتمد العروة كتاب الصلاة 4: 468.
كذا لا فرق بين أن يكون مضطرّا في التكلّم أو مختارا. نعم، التكلّم سهوا ليس مبطلاً و لو كان بتخيّل الفراغ من الصلاة.
اطلاق دليل بطلان الصلاة بالتكلّم يشمل الصور الأربع المذكورة في المتن.
ان قلت بعدم بطلان الصلاة اذا اضطرّ الى التكلّم و ذلك لحديث الرفع بناءً على أنّه شامل للأحكام التكليفيّة و الوضعيّة، قلت: نعم اذا كان وقت الصلاة مضيّقا فحديث الرفع شامل له؛ لأنّه مضطرّ الى الصلاة مع التكلّم، و أمّا اذا كان الوقت واسعا فلايضطرّ الى الصلاة مع التكلّم بل يضطرّ الى التكلّم فتبطل صلاته. و التكلّم سهوا ليس مبطلاً لما مرّ من قوله عليه السلام في صحيحة الفضيل «و ان تكلّمت ناسيا فلا شيء عليك».(1)
(مسألة 9): لابأس بالذكر و الدعاء في جميع أحوال الصلاة بغير المحرّم، و كذا بقراءة القرآن غير ما يوجب السجود. و أمّا الدعاء بالمحرّم كالدعاء على مؤمن ظلما فلايجوز بل هو مبطل للصلاة و ان كان جاهلاً بحرمته. نعم، لايبطل مع الجهل بالموضوع كما اذا اعتقده كافرا فدعا عليه فبان أنّه مسلم.
الشرح:
تدلّ على عدم البأس بالذكر في الصلاة موثّقة عمّار بن موسى:
«أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام ... و عن الرجل و المرأة يكونان في الصلاة فيريدان شيئا أيجوز لهما أن يقولا: سبحان اللّه؟ قال: نعم. الحديث».(2)
و تدلّ على جواز الدعاء في جميع أحوال الصلاة صحيحة علي بن مهزيار
قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يتكلّم في صلاة الفريضة بكلّ شيء يناجي به ربّه؟ قال: نعم».(1)
و صحيحة الحلبي قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: كلّ ما ذكرت اللّه عزّوجلّ به و النبي صلى الله عليه و آله فهو من الصلاة. الحديث».(2)
و مرسلة حمّاد بن عيسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كلّ ما كلّمت اللّه به في صلاة الفريضة فلابأس».(3)
و تدلّ على جواز قراءة القرآن صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«انّ عليّا عليه السلام كان في صلاة الصبح فقرأ ابن الكوّا و هو خلفه: «و لقد أوحي اليك و الى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطنّ عملك و لتكوننّ من الخاسرين»فأنصت علي عليه السلام تعظيما للقرآن حتّى فرغ من الآية ثمّ عاد في قراءته، ثمّ أعاد ابن الكوّا الآية فأنصت علي عليه السلام أيضا ثمّ قرأ، فأعاد ابن الكوّا فأنصت على عليه السلام ثمّ قال: «فاصبر انّ وعد اللّه حقّ و لايستخفّنّك الذين لايوقنون» ثمّ أتمّ السورة ثمّ ركع. الحديث».(4)
هذا مضافا الى الاجماع المدّعى.
قال في الحدائق: «الكلام بحرفين فصاعدا ممّا ليس بقرآن و لا دعاء، و لا
خلاف في ذلك بين الأصحاب، و قد نقل اتّفاقهم على ذلك جمع: منهم الفاضلان و الشهيدان و غيرهم. انتهى».(1)
و مضافا الى الأصل بعد عدم دخولها في الكلام المنهي عنه.
قد تقدّم في القنوت في المسألة التاسعة أنّ الدعاء لطلب الحرام لايجوز، و هنا نقول أيضا بأنّ الدعاء المحرّم كالدعاء على المؤمن ظلما لايجوز فانّه يستثنى من جواز الدعاء في الصلاة، و ذلك لأنّ الدعاء المحرّم كالذي ذكر و الدعاء لطلب الحرام نحو شرب الخمر و قتل المؤمن مبغوض عند المولى فطلب ما هو مبغوض لديه تجرٍّ و تجاسر عليه فهو حرام بناءً على حرمة التجرّي، بل و لو قلنا بعدم حرمة التجرّي فانّه حرام؛ للاجماع و التسالم عليها بحيث يعدّ من ارسال المسلّمات. و أمّا بطلان الصلاة به بناءً على حرمته فلا دليل عليه و لايشمله كلام الآدمي، و الأصل الجاري البراءة.
ثمّ لو قلنا بابطال الدعاء المحرّم للصلاة فهل تبطل مع الجهل بالحكم؟ فان قلنا بأنّه مصداق للتكلّم المبطل فتبطل مع الجهل بالحكم أيضا لاطلاق الدليل. اللّهمّ الاّ أن يقال بحكومة قاعدة «لاتعاد» على هذا الاطلاق فانّها غير قاصرة الشمول للجاهل القاصر، و أمّا الجهل بالموضوع فلاتبطل به الصلاة؛ لأنّه ملحق بالسهو.
1) - الحدائق الناضرة 9: 17.
(مسألة 10): لابأس بالذكر و الدعاء بغير العربي أيضا و ان كان الأحوط العربيّة.
قد مرّ الكلام حول هذه المسألة مستوفى في مبحث القنوت فراجع.
(مسألة 11): يعتبر في القرآن قصد القرآنيّة فلو قرأ ما هو مشترك بين القرآن و غيره لا بقصد القرآنيّة و لم يكن دعاءً أيضا أبطل، بل الآية المختصّة بالقرآن أيضا اذا قصد بها غير القرآن أبطلت، و كذا لو لم يعلم أنّها قرآن.
ما ذهب اليه الماتن صحيح؛ لأنّ الدليل على جواز القرآن في جميع حالات الصلاة الاجماع الذي يكون دليلاً لبّيّا و القدر المتيقّن منه هو ما كان من قصد القارئ القرآن، و كذا الدليل الذي تقدّم من حديث علي عليه السلام مع ابن الكوّا فانّ الظاهر منه ذلك أيضا، فلو لم يقصد به القرآن على الصورتين المذكورتين في المتن تبطل به الصلاة و كذا لو لم يعلم أنّه قرآن للشكّ في اندراجه في المستثنى فيشمله عموم المنع عن التكلّم.
(مسألة 12): اذا أتى بالذكر بقصد تنبيه الغير و الدلالة على أمر من الأمور فان قصد به الذكر و قصد التنبيه برفع الصوت مثلاً فلا اشكال في الصحّة، و ان قصد به التنبيه من دون قصد الذكر أصلاً بأن استعمله في التنبيه و الدلالة فلا اشكال في كونه مبطلاً، و كذا ان قصد الأمرين معا على أن يكون له مدلولان و استعمله فيهما، و أمّا اذا قصد الذكر و كان داعيه على الاتيان بالذكر تنبيه الغير فالأقوى الصحّة.
الشرح:
الصور المتصوّرة في المتن أربع:
الأولى اذا أتى بالذكر و رفع صوته بقصد تنبيه الغير، فهذا لا اشكال فيه كما دلّت عليه صحيحة الحلبي أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يريد الحاجة و هو في الصلاة؟ فقال:
«يومئ برأسه و يشير بيده و يسبّح، و المرأة اذا أرادت الحاجة و هي تصلّي فتصفّق بيديها».(1)
و موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«و عن الرجل و المرأة يكونان في الصلاة فيريدان شيئا، أيجوز لهما أن يقولا: سبحان اللّه؟ قال: نعم، و يومئان الى ما يريدان، و المرأة اذا أرادت شيئا ضربت على فخذها و هي في الصلاة».(2)
و أمّا الصورة الثانية و الثالثة و ان كان حكمهما كما في المتن الاّ أنّ الظاهر ممّن أتى بالذكر بقصد تنبيه الغير و الدلالة على أمر من الأمور لايريد أن يستعمله في التنبيه و الدلالة، بل الظاهر أنّ قصده امّا الصورة الأولى أو الرابعة أو يكون غافلاً عن هذا و لعلّه لذلك ورد في خبر أبي جرير عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال:
«قال: انّ الرجل اذا كان في الصلاة فدعاه الوالد فليسبّح، فاذا دعته الوالدة فليقل: لبّيك».(3)
و خبر علي بن جعفر عن أخيه، قال:
«سألته عن رجل يكون في صلاته و الى جانبه رجل راقد، فيريد أن يوقظه فيسبّح و يرفع صوته لايريد الاّ ليستيقظ الرجل، هل يقطع ذلك صلاته؟ و ما عليه؟ قال: لايقطع ذلك صلاته و لا شيء
عليه».(1)
(مسألة 13): لابأس بالدعاء مع مخاطبة الغير بأن يقول: «غفر اللّه لك» فهو مثل قوله: «اللّهمّ اغفر لي أو لفلان».
فيه اشكال بل منع؛ لأنّ الدليل قد دلّ على جواز المناجاة مع اللّه و حيث انّ الدعاء من مصاديق المناجاة قالوا بجواز الدعاء، و أمّا الدعاء مع مخاطبة الغير فلايكون من مصاديق المناجاة حتّى نقول بجوازه.
(مسألة 14): لابأس بتكرار الذكر أو القراءة عمدا أو من باب الاحتياط. نعم اذا كان التكرار من باب الوسوسة فلايجوز، بل لايبعد بطلان الصلاة به.
الشرح:
لابأس بتكرار الذكر و القراءة عمدا اذا لم يكن بقصد الجزئيّة بل كان بقصد مطلق الذكر أو القرآنيّة؛ لما تقدّم في المسألة التاسعة من هذا الفصل، أو من باب الاحتياط لقوله عليه السلام:
«أخوك دينك فاحتط لدينك».(2)
نعم اذا بلغ تكرار بعض حروف الكلمة حدّا يعدّ عرفا من المهملات كتكرار «و لا الضّ ... » لقوله «و لا الضآلّين»، و «أش ... » لقوله «أشهد»، فحينئذ يوجب بطلان الصلاة. و أمّا التكرار من باب الوسوسة فلايجوز؛ للجمع بين صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«ذكرت لأبي عبداللّه عليه السلام رجلاً مبتلى بالوضوء و الصلاة، و قلت: هو
رجل عاقل. فقال أبو عبداللّه عليه السلام: و أيّ عقل له و هو يطيع الشيطان؟ فقلت له: و كيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله، هذا الذي يأتيه من أيّ شيء هو؟ فانّه يقول لك: من عمل الشيطان».(1)
و بين قوله تعالى: «و لاتتّبعوا خطوات الشيطان انّه لكم عدوّ مبين».(2)
و أمّا بطلان الصلاة فلا دليل عليه كما تقدّم في المسألة التاسعة.
(مسألة 15): لايجوز ابتداء السلام للمصلّي و كذا سائر التحيّات مثل «صبّحك اللّه بالخير» أو «مسّاك اللّه بالخير» أو «في أمان اللّه» أو «ادخلوها بسلام» اذا قصد مجرّد التحيّة، و أمّا اذا قصد الدعاء بالسلامة أو الاصباح و الامساء بالخير و نحو ذلك فلابأس به و كذا اذا قصد القرآنيّة من نحو قوله: «سلام عليكم» أو «ادخلوها بسلام» و ان كان الغرض منه السلام أو بيان المطلب بأن يكون من باب الداعي على الدعاء أو قراءة القرآن.
لايجوز ابتداء السلام للمصلّي و كذا سائر التحيّات اذا قصد مجرّد التحيّة؛ لكونها من كلام الآدميّين. و أمّا اذا قصد الدعاء بالسلامة و غيرها ففيه اشكال بل منع لما مرّ في المسألة الثالثه عشرة. و أمّا اذا قصد القرآنيّة و كان داعيه على الاتيان به تنبيه الغير فلابأس به كما مرّ في المسألة الثانيه عشرة.
(مسألة 16): يجوز ردّ سلام التحيّة في أثناء الصلاة بل يجب و ان لم يكن السلام أو الجواب بالصيغة القرآنيّة. و لو عصى و لم يردّ الجواب و اشتغل بالصلاة قبل فوات وقت الردّ لم تبطل على الأقوى.
الشرح:
يجوز ردّ سلام التحيّة في أثناء الصلاة للنصوص المستفيضة التي سنذكرها، بل يجب.
قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده في عدم مانعيّة الصلاة نافلة كانت أو فريضة من ردّ السلام بل الاجماع بقسميه عليه - الى أن قال: - الظاهر أنّ من قال بجواز الردّ أراد بيان شرعيّته في مقابلة من أنكرها من العامّة، و يبقى الوجوب معلوما من القواعد كما اعترف به غير واحد، و لقد أجاد في المسالك في قوله: «انّ كلّ من قال بالجواز قال بالوجوب»، على أنّ الوجوب في معقد اجماع الانتصار و جامع المقاصد و فوائد الشرائع و المحكي من شرح المفاتيح و معقد نفي الخلاف في الحدائق و المحكي من الذخيرة، و عن كشف الالتباس «يجب عليه الردّ لفظا عند علمائنا»، و هو أيضا ظاهر عبارة المبسوط و الخلاف و صريح الفاضل و أكثر من تأخّر عنه أو جميعهم. انتهى ملخّصا».(1)
هيهنا فرعان:
أمّا معنى التحيّة في قوله تعالى «و اذا حيّيتم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها»(2)، ففي المصباح المنير: «حيّاه تحيّة أصله الدعاء بالحياة و منه التحيّات للّه أي البقاء و قيل الملك ثمّ كثر حتّى استعمل في مطلق الدعاء ثمّ استعمله الشرع في دعاء مخصوص و هو سلام عليك. انتهى».
قال في كتاب غنائم الأيّام: «فسّر جمهور المفسّرين التحيّة بالسلام، و ذكره
أكثر اللغويّين. انتهى».(1)
و التحيّة و ان كان أصلها الدعاء بالحياة الاّ أنّ الشارع استعملها في السلام و غلب فيه، و لذلك فسّرها المفسّرون بالسلام و ذكره أكثر اللغويّين. و في تفسير علي بن ابراهيم عن الصادق عليه السلام أنّه :«السلام و غيره من البرّ».(2)
و ورد أيضا أنّ تسميت العاطس من التحيّة، كالمروي عن الصدوق من الخبر في كتاب الخصال عن علي عليه السلام (في حديث الأربعمائة) قال:
«اذا عطس أحدكم فسمِّتوه قولوا: يرحمكم اللّه. و هو يقول: يغفر اللّه لكم و يرحمكم. قال اللّه عزّوجلّ «و اذا حيّيتم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها»».(3)
و خبر أنس قال:
«كنت عند الحسين عليه السلام فدخلت عليه جارية فحيّته بطاقة ريحان، فقال لها: أنت حرّة لوجه اللّه. فقلت: تجيئك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها؟ قال: كذا أدّبنا اللّه، قال اللّه: «و اذا حيّيتم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها» و كان أحسن منها عتقها».(4)
و أمّا وجوب ردّ السلام فللأمر الظاهر في الوجوب، المؤيّد بمعتبرة السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: السلام تطوّع و الردّ فريضة».(5)
و الروايات الواردة في تفسير الآية التي يكشف منها استعمال التحيّة في الأعمّ سندها ضعيف مضافا الى أنّ الظاهر عدم القائل بوجوب ردّ كلّ برّ و احسان. و من
جملة ما يمكن أن يستدلّ به على وجوب ردّ السلام ورود الروايات الكثيرة على استحباب الابتداء بالسلام على المسلمين، فلو لم يكن الردّ واجبا كان موجبا للعداوة و البغض و على الأقلّ من الاستخفاف بشأن المسلمين. و كيف كان فوجوب ردّ السلام في غير الصلاة اجماعي.
قال المحقّق الهمداني: «أمّا ردّ السلام فهو في حدّ ذاته واجب شرعا بلا خلاف فيه على الظاهر. انتهى».(1)
و قال في الحدائق: «لا خلاف في وجوب الردّ في الصلاة كان أم لا. انتهى».(2)
و قال في المدارك: «ردّ السلام واجب على الكفاية في الصلاة و غيرها اجماعا، حكاه في التذكرة. انتهى».(3)
و قال في التذكرة: «اذا سلّم عليه و هو في الصلاة وجب عليه الردّ لفظا عند علمائنا. انتهى».(4)
قال في الجواهر: «ثمّ الظاهر من الأدلّة و الفتاوى - بل عن مصابيح الظلام الظاهر اتّفاق الأصحاب عليه - فوريّة الردّ و تعجيله لكن على الوجه المتعارف في ردّ التحيّة لا المقارنة الحكميّة من غير فرق بين الصلاة و غيرها. نعم لو تركه فيها و اشتغل بالقراءة و نحوها من الأذكار الواجبة أو المندوبة في وجه اتّجه البطلان بناءً على اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن مثله من الأضداد على وجه يقتضي الفساد ان
قلنا بأنّ التعمّد لافساد الجزء في الصلاة يستلزم بطلان الكلّ بحيث لايجزي بعداعادته على الوجه الصحيح؛ لثبوت التشريع المقتضي للبطلان، أو لأنّه في مثل الفرض نحو كلام الآدميّين في البطلان. أمّا لو ترك الردّ و لم يشتغل حال الخطاب به بشيء من أضداده حتّى مضى زمانه فلا بطلان؛ لعدم المقتضي كما هو واضح، اذ الظاهر أنّ الردّ ليس من الواجبات التي تبقى في ذمّة المكلّف بعد تقصيره في الأداء في تلك الحال و ان كان ذلك هو المختار في الواجبات الفوريّة. انتهى».(1)
أقول:
انّ ردّ السلام واجب فوري على الوجه المتعارف؛ لأنّه ردّ التحيّة و الاحترام للمؤمن و تأخيره قد يوجب أذاه، و هذا ظاهر قوله تعالى: «و اذا حيّيتم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها» كما هو ظاهر الأخبار و الفتاوى. و لو تركه في الصلاة و اشتغل بالقراءة و نحوها كان عاصيا ولكن لم تبطل صلاته؛ لعدم الدليل، و لايقتضي الأمر بالشيء النهي عن ضدّه لعدم تماميّة الدلائل القائمة على ذلك. و لو قلنا بوجود النهي على وجه يقتضي الفساد فافساد الجزء في الصلاة لايستلزم بطلان الكلّ لو أعاده على الوجه الصحيح؛ لعدم صدق التشريع هنا، و على فرض ذلك يضرّ بالجزء فقط و لاتبطل الصلاة، و في كونه كلام الآدميّين تأمّل.
ثمّ انّه لو لم يردّ لم يبق على ذمّته؛ لعدم المقتضي للردّ بعد ذلك.
(مسألة 17): يجب أن يكون الردّ في أثناء الصلاة بمثل ما سلّم، فلو قال: «سلام عليكم» يجب أن يقول في الجواب: «سلام عليكم» مثلاً، بل الأحوط المماثلة في التعريف و التنكير و الافراد و الجمع، فلايقول «سلام عليكم» في جواب «السلام عليكم»، أو في جواب «سلام عليك» مثلاً و بالعكس و ان
1) - جواهر الكلام 11: 111.
كان لايخلو من منع. نعم لو قصد القرآنيّة في الجواب فلابأس بعدم المماثلة.
الشرح:
يجب ردّ السلام في الصلاة بمثله و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم قال:
«دخلت على أبي جعفر عليه السلام و هو في الصلاة، فقلت: السلام عليك، فقال: السلام عليك. فقلت: كيف أصبحت؟ فسكت، فلمّا انصرف قلت: أيردّ السلام و هو في الصلاة؟ قال: نعم، مثل ما قيل له».(1)
و موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يسلّم عليه و هو في الصلاة؟ قال: يردّ: سلام عليكم، و لايقول: و عليكم السلام، فانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان قائما يصلّي فمرّ به عمّار بن ياسر فسلّم عليه عمّار فردّ عليه النبي صلى الله عليه و آله هكذا».(2)
و ظاهر الروايتين المذكورتين آنفا وجوب الردّ لفظا و جهرا بحيث يسمع المسلّم، و ما يخالف ذلك يحمل على التقيّة أو اذا كان المسلّم مخالفا، كصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا سلّم عليك الرجل و أنت تصلّي، قال: تردّ عليه خفيّا كما قال».(3)
و موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن السلام على المصلّي؟ فقال: اذا سلّم عليك رجل من المسلمين و أنت في الصلاة فردّ عليه فيما بينك و بين نفسك، و
لاترفع صوتك».(1)
و خبر محمّد بن مسلم أنّه سأل أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يسلّم على القوم في الصلاة؟ فقال:
«اذا سلّم عليك مسلم و أنت في الصلاة فسلّم عليه، تقول: السلام عليك، و أشر باصبعك».(2)
و القرينة على ذلك الحمل ذهاب المخالف اليه كما قال المحقّق في المعتبر: «و منعه (أي ردّ السلام) أبو حنيفة نطقا و اشارة. و قال الشافعي: يردّ اشارة بيده أو رأسه. انتهى ملخّصا».(3)
و قال الشهيد في المسالك: «و لايكفي الاشارة عن الردّ عندنا. انتهى».(4)
و قال في الجواهر: «و الظاهر وجوب اسماع الردّ في الصلاة كغير الصلاة الذي لاأجد فيه خلافا الاّ من المقدّس الأردبيلي، و لا ريب في ضعفه؛ لأصالة عدم البراءة بدونه - الى أن قال: - و لم أجد من عمل بهما (أي صحيحة منصور بن حازم و موثّقة عمّار بن موسى) من أصحابنا الاّ المصنّف في المعتبر حيث حملهما على الجواز، و فيه مع أنّه ليس عملاً بهما أنّه مخالف للمنساق الى الذهن من غيرهما من النصوص و الفتاوى، و الأولى حملهما على الجهر المنهي عنه في الصلاة، و هو المبالغة في رفع الصوت، ضرورة الاكتفاء بالاسماع تحقيقا أو تقديرا اذا فرض المانع، أو على التقيّة؛ لأنّ المشهور بين العامّة عدم الردّ نطقا بل بالاشارة.انتهى».(5)
ثمّ اعلم أنّ المراد بالمثل، عدم استعمال «عليكم السلام» في الجواب كما في
موثّقة سماعة، بلا اعتبار المماثلة في الخصوصيّات من التعريف و التنكير و افراد الضمير و جمعه، و ان كان فيه خلاف و لأجله احتاط الماتن. و ذلك لما يقال من أنّ اطلاق موثّقة سماعة يقيّد بصحيحتي محمّد بن مسلم و منصور بن حازم فينتج اعتبار المماثلة في جميع الخصوصيّات. ولكن يقال فيه (كما في المعتمد(1)) بوقوع المعارضة في النهاية بين الاطلاقين، و يدور الأمر حينئذ بين تقييد موثّقة سماعة بما ذكر و بين تقييد صحيحتي محمّد بن مسلم و منصور بن حازم بموثّقة سماعة لينتج اعتبار المماثلة في الذات فقط، و حيث لا ترجيح في البين فلا جرم يسقط الاطلاق من الطرفين، و كان المرجع حينئذ أصالة البراءة عن اعتبارها في الزائد على المقدار المتيقّن أعني من حيث الذات فقط.
و لايخفى أنّ قصد القرآنيّة في الجواب لايكون ردّا للسلام، بل هو قراءة القرآن. نعم لو ضمّ مع قصد الردّ القرآنيّة لايبعد القول بعدم التنافي.
قال في الجواهر: «قد ظهر لك ممّا قدّمنا سابقا أنّ ردّ السلام في الصلاة مستثنى من حرمة كلام الآدميّين للأدلّة السابقة، فلا حاجة حينئذ الى ضمّ قصد القرآنيّة معه، و لايتعيّن بالصيغة المذكورة فيه، بل لايجوز بناءً على مراعاة المثليّة لو فرض وقوع السلام بصيغة غيرها. انتهى».(2)
(مسألة 18): لو قال المسلّم «عليكم السلام» فالأحوط في الجواب أن يقول «سلام عليكم» بقصد القرآنيّة أو بقصد الدعاء.
الشرح:
الظاهر أنّ «عليكم السلام» صيغة جواب، فلو قال المسلّم «عليكم السلام» أو
«عليك السلام» لم يجب جوابه.
قال في الجواهر: «قد يمنع كون «عليكم السلام» من صيغ ابتداء التحيّة، بل هي ردّها، و المعروف في ابتدائها «السلام» و «سلام عليك» و «السلام» و «سلام عليكم». و في التذكرة: «لو قال: عليك السلام لم يكن مسلّما، انّما هي صيغة جواب» و نحوه ما عن الموجز و كشفه، و به جزم في الحدائق، و هو الموافق للوارد في النصوص، و في النبوي العامّي أنّه قال لمن قال له: «عليك السلام يا رسول اللّه»: لاتقل «عليك السلام» تحيّة الموتى اذا سلّمت، فقل: «سلام عليك»، يقول الرادّ: «عليك السلام». و اطلاق التحيّة و السلام منزل على المتعارف منه، مضافا الى أصالة البراءة من وجوب الردّ. انتهى ملخّصا».(1)
و قد أشكل على هذا القول السيّد الحكيم و كذا السيّد الخوئي «بأنّ المتعارف لايسقط المطلق عن الحجّيّة فلا مجال للأصل، و لاسيّما في خبر عمّار «عن النساء كيف يسلّمن اذا دخلن على القوم؟ قال عليه السلام: المرأة تقول: عليكم السلام، و الرجل يقول: السلام عليكم». و النبوي ضعيف السند و الدلالة، و عليه يتعيّن الجواب بعليكم السلام؛ لأنّه المماثل. انتهى ملخّصا».(2)
و فيه أوّلاً: قد يمنع كون «عليكم السلام» من صيغ ابتداء التحيّة بل هي ردّها كما في الجواهر، و السلام منزل على المتعارف منه و هو «السلام و سلام عليك» و «السلام و سلام عليكم»، و أمّا عليكم السلام فهو صيغة جواب.
و ثانيا: الدليل الوارد على وجوب ردّ السلام في الصلاة كان واردا مورد السلام عليك و سلام عليكم، و الردّ على المبتدئ بعليكم السلام بلا دليل و الأصل الحاكم البراءة.
(مسألة 19): لو سلّم بالملحون وجب الجواب صحيحا، و الأحوط قصد الدعاء أو القرآن.
الشرح:
لو سلّم بالملحون فان كان بحيث يصدق اسم السلام عليه وجب ردّه و ان لم يصدق لم يجب لعدم الموضوع. و اذا سلّم بالملحون و صدق عليه اسم السلام يجب ردّه صحيحا، و اطلاق وجوب الردّ بالمثل في الروايات المتقدّمة منصرف الى السلام صحيحا. و بناءً عليه لايلزم في الجواب قصد الدعاء أو القرآن، بل لايكون ردّا حينئذ كما تقدّم.
قال في الجواهر: «بل يمكن دعوى وجوب ردّه و ان كان ملحونا بما لاينافي صدق اسم السلام عليه لصدق التحيّة. نعم، لاتعتبر المثليّة هنا، بل لاتجوز بل يردّه عليه صحيحا، لكن قال في المحكي من شرح المفاتيح للأستاذ الأكبر: «لو سلّم عليه سلاما ملحونا فالأحوط الردّ بصورة الآية أي قاصدا مع ذلك القرآنيّة». و فيه اشعار بالتردّد في الحكم و وجهه واضح. انتهى».(1)
(مسألة 20): لو كان المسلّم صبيّا مميّزا أو نحوه أو امرأة أجنبيّة أو رجلاً أجنبيّا على امرأة تصلّي فلايبعد بل الأقوى جواز الردّ بعنوان ردّ التحيّة، لكن الأحوط قصد القرآن أو الدعاء.
الشرح:
لو كان المسلّم صبيّا مميّزا يجب جوابه كما في غير الصلاة؛ لعدم قصور في شمول الآية و الرواية له. و كذا لو كان المسلّم امرأة أجنبيّة أو أجنبيّا على امرأة كما
1) - جواهر الكلام 11: 107.
ذكر في الصبي المميّز.
قال في الجواهر: «نعم، قد يقال بوجوب ردّه (أي الصبي) لو سلّم و ان قلنا بالتمرينيّة؛ لصدق اسم التحيّة الذي لايتوقّف على ترتّب الثواب كما عرفت، فتشمله حينئذ أدلّتها آية و رواية، اللّهمّ الاّ أن يدّعى انسياق الذهن منها الى غير ذلك بناءً على التمرينيّة التي لاتقصر عن أفعال البهائم و المجانين و الحيوانات المعلّمة، بخلاف ما لو قلنا بشرعيّتها فانّها حينئذ تكون معتبرة في النظر تستأهل الردّ، و لعلّه لما ذكرناه أوّلاً أو للبناء على شرعيّة أفعاله لم أجد مخالفا هنا في وجوب الردّ الاّ ما يحكى عن فوائد الشرائع، و لا ريب أنّ الأحوط حال الصلاة ضمّ قصد الدعائيّة أو القرآنيّة للردّ. انتهى».(1)
قد ذكرنا آنفا عدم قصور في شمول اطلاق الآية و الرواية للمسلّم الصبي المميّز و ان لم نقل بشرعيّة عباداته و ما يدّعى من انصرافهما الى البالغين بدوي بعد كون الصبي المميّز مسلما مؤمنا، و مساواة أفعاله لأفعال البهائم و المجانين غير مسموع.
(مسألة 21): لو سلّم على جماعة منهم المصلّي فردّ الجواب غيره لم يجز له الردّ. نعم، لو ردّه صبيّ مميّز ففي كفايته اشكال، و الأحوط ردّ المصلّي بقصد القرآن أو الدعاء.
الشرح:
لو سلّم على جماعة فردّ واحد منهم يجزي عن الآخرين، كما أنّ السلام الصادر من أحدهم يجزي و يسقط به الاستحباب عن الباقين. و الدليل على ذلك موثّقة غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) - نفس المصدر.
«اذا سلّم من القوم واحد أجزأ عنهم، و اذا ردّ واحد أجزأ عنهم».(1)
و مرسلة ابن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا مرّت الجماعة بقوم أجزأهم أن يسلّم واحد منهم، و اذا سلّم على القوم و هم جماعة أجزأهم أن يردّ واحد منهم».(2)
و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا سلّم الرجل من الجماعة أجزأ عنهم».(3)
قال في الحدائق: «لا خلاف في أنّ الردّ واجب كفاية لا عينا و كذا استحباب الابتداء به كفاية لا عينا و نقل في التذكرة عليه الاجماع. و يدلّ عليه من الأخبار مضافا الى الاجماع ما رواه في الكافي في الموثّق عن غياث بن ابراهيم - الى أن قال: - ثمّ الظاهر أنّه انّما يسقط بردّ من كان داخلاً في المسلّم عليهم فلايسقط بردّ من لم يكن داخلاً فيهم. انتهى».(4)
و قال أيضا: «و هل يسقط بردّ الصبي المميّز الداخل فيهم؟ اشكال و استظهر في المدارك العدم و ان قلنا انّ عبادته شرعيّة، قال لعدم امتثال الأمر المقتضي للوجوب. و قال في الذكرى: وجهان مبنيّان على صحّة قيامه بفرض الكفاية و هو مبنيّ على أنّ أفعاله شرعيّة أو لا. و نحوه في الروض، و لايخفى أنّ ظاهر الخبرين المذكورين حصول الاجزاء به الاّ أنّ ظاهر الآية خلافه لتوجّه الخطاب فيها الى المكلّفين. انتهى ملخّصا».(5)
أقول:
ما ذكره أخيرا من أنّ ظاهر الخبرين حصول الاجزاء به حسن و أمّا استدراكه بأنّ ظاهر الآية خلافه لتوجّه الخطاب فيها الى المكلّفين. ففيه: انّ الآية و ان كان فيها الخطاب الى المكلّفين لوجوب ردّ السلام، الاّ أنّها بالنسبة الى كفاية ردّ الصبي المميّز ساكتة و لا ظهور لها لذلك، و حينئذ ظهور الخبرين على حصول اجزاء ردّ الصبي المميّز كافٍ.
و استشكل في معتمد العروة بظهور الخبرين في كفاية ردّ الصبي المميّز بأنّ «توصيف الواحد بكونه منهم أو من القوم أو من الجماعة ظاهر في كونه مشاركا معهم في توجيه الخطاب، و من ثمّ كان مجزيا عنه و عنهم، و حيث انّ الصبي لم يخاطب بالردّ اذ لم يتعلّق به التكليف فلا جرم كان النصّ منصرفا عنه. و يعضده التعبير بالاجزاء الذي لايكون الاّ عن التكليف. انتهى».(1)
ولكن فيه: انّه ليس للجملة ظهور في كون الواحد مشاركا معهم في توجيه الخطاب، بل هو ادّعاء انصراف، و يردّه بعدم صحّة هذا الادّعاء و ما أتى به بعنوان التأييد. نعم ردّ الواحد منهم يجزي عن بقيّة المكلّفين الاّ أنّ هذا لايلازم كون الواحد مكلّفا، فانّ الاجزاء أعمّ من ذلك أي يمكن أن يقال بأنّ ردّ الصبي المميّز مجزٍ عن المكلّفين و يسقط عنهم التكليف بالردّ كما في بعض الواجبات التي يكون وجوبها كفائيّا.
ثمّ انّه لو ردّ السلام واحد من الجماعة فهل يجوز للمصلّي الردّ ثانيا؟ الظاهر عدم الجواز؛ لأنّ التكليف سقط فهذا الردّ من المصلّي ليس عملاً بالرواية فانّها منصرفة الى الردّ الواجب، فيكون المرجع في غيره دليل قادحيّة الكلام الذي لايكون قرآنا و لا دعاءً و لا ذكرا. و أمّا بقاء الاستحباب بالنسبة الى الباقين فيحتمل.
1) - معتمد العروة (كتاب الصلاة) 4: 494.
قال في المستمسك: «كما احتمله في الجواهر، و جزم به في غيرها؛ لانصراف التعبير بالاجزاء الى الاكتفاء به في سقوط الوجوب، فلاينافي بقاء المشروعيّة المستفادة من اطلاق الأمر بالردّ، و ان كان اطلاقه يقتضي السقوط بالمرّة. انتهى».(1)
(مسألة 22): اذا قال «سلام» بدون «عليكم» وجب الجواب في الصلاة امّا بمثله و يقدّر «عليكم» و امّا بقوله «سلام عليكم». و الأحوط الجواب كذلك بقصد القرآن أو الدعاء.
اذا قال «سلام» بدون «عليكم» وجب ردّه؛ لصدق التحيّة و الابتداء بالسلام و كذا يجب ردّه في الصلاة و يجوز أن يكون جوابه «سلام عليكم» أو «سلام» بتقدير «عليكم»؛ لأنّ التقدير في حكم الذكر.
(مسألة 23): اذا سلّم مرّات عديدة يكفي في الجواب مرّة. نعم لو أجاب ثمّ سلّم يجب جواب الثاني أيضا و هكذا، الاّ اذا خرج عن المتعارف، فلايجب الجواب حينئذ.
الشرح:
الدليل على كفاية الجواب مرّة اذا سلّم مرّات عديدة: مرسلة الصدوق عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال لرجل من بني سعد:
«ألا أحدّثك عنّي و عن فاطمة - الى أن قال: - فغدا علينا رسول اللّه صلى الله عليه و آله و نحن في لحافنا، فقال: «السلام عليكم» فسكتنا و استحيينا لمكاننا ثمّ قال: «السلام عليكم» فسكتنا، ثمّ قال: «السلام عليكم» فخشينا ان
1) - مستمسك العروة 6: 566 و 567.
لم نردّ عليه أن ينصرف و قد كان يفعل ذلك، فيسلّم ثلاثا فان أذن له و الاّ انصرف، فقلنا: «و عليك السلام يا رسول اللّه، أدخل!» فدخل ثمّ ذكر حديث تسبيح فاطمة عليهاالسلام عند النوم».(1)
و صحيحة أبان بن عثمان عن الصادق عليه السلام (في حديث الدراهم الاثنيعشر):
«أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال للجارية: مرّي بين يديّ و دلّيني على أهلك، و جاء رسول اللّه صلى الله عليه و آله حتّى وقف على باب دارهم و قال: «السلام عليكم يا أهل الدار» فلم يجيبوه، فأعاد عليهم السلام فلم يجيبوه، فأعاد السلام، فقالوا: و عليك السلام يا رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته. فقال: ما لكم تركتم اجابتي في أوّل السلام و الثاني؟ قالوا: يا رسول اللّه، سمعنا سلامك فأحببنا أن نستكثر منه. الحديث».(2)
ثمّ انّ الصور المتصوّرة خمس:
منها: لو سلّم مرّات عديدة بقصد التأكيد فلا ريب في كفاية المرّة لعدم المقتضي للزيادة بعد أن لم يكن المقصود من المجموع الاّ تحيّة واحدة.
و منها: اذا لم يكن كذلك ولكن سلّم مرّات و كانت واحدة بعد واحدة بلا فصل بينها بحيث يعدّ عرفا تحيّة واحدة، فهذا أيضا يكفي الردّ مرّة واحدة.
و منها: لو سلّم و مكث ثمّ سلّم و مكث و هكذا يسلّم مرّات فحينئذ يجب الردّ مرّة ولكن عصى المجيب اذا سمعه لتركه الردّ.
و منها: لو سلّم مرّات و كان قصده من التسليم شيئا آخر كالاذن في الدخول كما هو الظاهر من المرسلة المتقدّمة فهنا يكفي الردّ مرّة.
و منها: لايبعد جواز تأخير الجواب لغرض صحيح كما في الصحيحة، فانّ أهل الدار لم يجيبوا رسول اللّه صلى الله عليه و آله في الأوّل و الثاني الاّ لينزل عليهم الرحمة و
البركة و السلامة.
ثمّ لو أجاب ثمّ سلّم يجب جواب الثاني أيضا و هكذا الاّ اذا خرج عن المتعارف فلايجب الجواب حينئذ؛ لعدم صدق التحيّة بل هي أشبه بالسخريّة.
(مسألة 24): اذا كان المصلّي بين جماعة فسلّم واحد عليهم و شكّ المصلّي في أنّ المسلّم قصده أيضا أم لا، لايجوز له الجواب. نعم، لابأس به بقصد القرآن أو الدعاء.
لأنّ موضوع وجوب الردّ على المصلّي، احراز مخاطبته بالسلام فما لم يحرز لم يجب، مضافا الى أنّ المورد من موارد الشكّ في التكليف فتجري أصالة البراءة، فاذا لم يجب على المصلّي الردّ، لايجوز كما تقدّم. و قد تقدّم النظر فيما ذهب اليه الماتن بالنسبة الى ذيل المسألة.
(مسألة 25): يجب جواب السلام فورا، فلو أخّر عصيانا أو نسيانا بحيث خرج عن صدق الجواب لم يجب، و ان كان في الصلاة لم يجز، و ان شكّ في الخروج عن الصدق وجب و ان كان في الصلاة، لكنّ الأحوط حينئذ قصد القرآن أو الدعاء.
الشرح:
قال في الحدائق: «المشهور بين الأصحاب أنّ وجوب الردّ فوري، قالوا لأنّه المتبادر من الردّ و الفاء الدالّة على التعقيب بلا مهلة في الآية، و ربّما يمنع ذلك في الفاء الجزائيّة. و المسألة محلّ توقّف؛ لعدم الدليل الناصّ فيما ذكروه و ان كان هو الأحوط. انتهى».(1)
1) - الحدائق الناضرة 9: 77.
أقول:
لايجوز تأخير الجواب حتّى يخرج عن صدق الجواب عرفا؛ لأنّه لم يرد في ذلك نصّ من الشارع كما عرفت من صاحب الحدائق، و بناءً عليه فالعرف هو المرجع في هذه الموارد. فلو أخّر الجواب عصيانا أو نسيانا بحيث خرج عن صدق الجواب عرفا لم يجب لانتفاء الموضوع، و ان كان في الصلاة لم يجز لعدم شمول نصوص الردّ لذلك.
(مسألة 26): يجب اسماع الردّ سواء كان في الصلاة أو لا، الاّ اذا سلّم و مشى سريعا أو كان المسلّم أصمّ فيكفي الجواب على المتعارف بحيث لو لم يبعد أو لم يكن أصمّ كان يسمع.
الشرح:
قد تقدّم في الفرع الأوّل من المسألة السادسه عشرة من هذا الفصل وجوب ردّ السلام و أنّه لا خلاف في ذلك، و هنا نقول بوجوب اسماع المسلّم.
قال في الحدائق: «الظاهر من كلام جلّ الأصحاب وجوب الاسماع تحقيقا أو تقديرا في الصلاة و غيرها و المخالف انّما أسند له الخلاف في الصلاة خاصّة. انتهى».(1)
و ذلك لأنّه لو لم يكن الاسماع واجبا لم تكن فائدة في الردّ و كان موجبا للعداوة و البغضاء و على الأقلّ من الاستخفاف و هو على خلاف المطلوب من التأكيد بالابتداء بالسلام أدلّ. و لذلك ورد في خبر ابن القدّاح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا سلّم أحدكم فليجهر بسلامه و لايقول: سلّمت فلم يردّوا عليّ، و
1) - نفس المصدر: 73.
لعلّه يكون قد سلّم و لم يسمعهم، فاذا ردّ أحدكم فليجهر بردّه، و لايقول المسلّم: سلّمت فلم يردّوا عليّ.(1)- ثمّ قال: - كان علي عليه السلام يقول: لاتغضبوا و لاتغضبوا، أفشوا السلام و أطيبوا الكلام، و صلّوا بالليل و الناس نيام، تدخلوا الجنّة بسلام، ثمّ تلا عليه السلام قوله عزّوجلّ «السلام المؤمن المهيمن»».(2)
و فيما رواه في معاني الأخبار عن عبداللّه بن الفضل قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن معنى التسليم في الصلاة؟ فقال: التسليم علامة الأمن و تحليل الصلاة. قلت: و كيف ذلك جعلت فداك؟ قال: كان الناس فيما مضى اذا سلّم عليهم وارد أمنوا شرّه و كانوا اذا ردّوا عليه أمن شرّهم و ان لم يسلّم لم يأمنوه و ان لم يردّوا على المسلّم لم يأمنهم، و ذلك خلق في العرب. الحديث».(3)
قال في الجواهر: «و الظاهر وجوب اسماع الردّ في الصلاة كغير الصلاة الذي لاأجد فيه خلافا الاّ من المقدّس الأردبيلي، و لا ريب في ضعفه؛ لأصالة عدم البراءة بدونه، لاحتمال أو ظهور توقّف صدق الردّ عليه و بعد ظهور الحكمة في اسماع الردّ و غير ذلك ممّا لايحتاج الى تقرير. أمّا في الصلاة فلا ريب في انسياق ردّ غير الصلاة من الأمر بالردّ فيها، و قد أسمع أبو جعفر عليه السلام الردّ فيها محمّد بن مسلم، و ما ورد من الروايات الآمرة بردّ السلام في الصلاة خفيّا تحمل على الجهر المنهي عنه في الصلاة، و هو المبالغة في رفع الصوت. و لا فرق في وجوب الاسماع بين كون المسلّم من وراء
ستر و حائط و عدمه؛ لاطلاق الأدلّة المزبورة. انتهى ملخّصا».(1)
أمّا بالنسبة الى الأصمّ فالظاهر كفاية الاشارة؛ لأنّ اسماع المسلّم الأصمّ عرفا الاشارة كما أنّ سلام الأبكم الاشارة بالصوت الخارج من الفم أو بالرأس. و أمّا بالنسبة الى المسلّم السالم اذا سلّم و مشى سريعا فالظاهر عدم وجوب الردّ لعدم الفائدة فيه الاّ أن يكون هناك جمع من المسلمين بحيث لو لم يردّه عدّ تحقيرا له فيجب حينئذ الجواب على المتعارف بحيث لو لم يبعد لكان يسمع.
(مسألة 27): لو كانت التحيّة بغير لفظ السلام كقوله «صبّحك اللّه بالخير» أو «مسّاك اللّه بالخير» لم يجب الردّ و ان كان هو الأحوط. و لو كان في الصلاة فالأحوط الردّ بقصد الدعاء.
الشرح:
قد تقدّم في الفرع الأوّل من المسألة السادسه عشرة أنّ التحيّة في لسان الشارع هي السلام فاذا سلّم أحد يجب ردّه و أمّا غير السلام من نحو «صبّحك اللّه بالخير» أو «مسّاك اللّه بالخير» فلايجب ردّه من غير فرق بين الصلاة و غيرها. مضافا الى صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«دخلت على أبي جعفر عليه السلام و هو في الصلاة، فقلت: السلام عليك. فقال: السلام عليك. فقلت: كيف أصبحت؟ فسكت، فلمّا انصرف،
1) - جواهر الكلام 11: 108 - 110.
قلت: أيردّ السلام و هو في الصلاة؟ قال: نعم، مثل ما قيل له».(1)
قال في المدارك: «و لايجب ردّ غير السلام من الدعوات؛ لعدم ثبوت اطلاق اسم التحيّة عليه، و هو خيرة المعتبر. انتهى».(2)
(مسألة 28): لو شكّ المصلّي في أنّ المسلّم سلّم بأيّ صيغة فالأحوط أن يردّ بقوله «سلام عليكم» بقصد القرآن أو الدعاء.
قد تقدّم أنّ الابتداء بالتحيّة يكون بالصيغ الأربع، و يكفي أن يكون الجواب «سلام عليكم» و ان كان في الصلاة، بناءً على ما تقدّم من أنّ اعتبار المماثلة انّما يكون في عدم تقديم الخبر بمعنى أن لايكون الجواب «عليكم السلام». و أمّا المماثلة في التعريف و التنكير فلا اعتبار بها. و لو قلنا باعتبار المماثلة من هذه الجهة أيضا فالعمل بالاحتياط أن يجيب «سلام عليكم» و يعيد صلاته.
(مسألة 29): يكره السلام على المصلّي.
الشرح:
يكره السلام على المصلّي؛ للجمع بين طائفتين من الروايات:
فالطائفة الأولى: موثّقة الحسين بن علوان عن جعفر بن محمّد عليه السلام قال:
«كنت أسمع أبي يقول: اذا دخلت المسجد و القوم يصلّون فلاتسلّمعليهم و سلّم على النبي صلى الله عليه و آله، ثمّ أقبل على صلاتك، و اذا دخلت على قوم جلوس يتحدّثون فسلّم عليهم».(3)
و خبر مصدّق بن صدقة عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليه السلام قال:
«لاتسلّموا على اليهود و لا النصارى - الى أن قال: - و لا على المصلّي، و ذلك لأنّ المصلّي لايستطيع أن يردّ السلام؛ لأنّ التسليم من المسلّم تطوّع، و الردّ فريضة، و لا على آكل الربا، و لا على رجل جالس على غائط، و لا على الذي في الحمّام. الحديث».(1)
و الطائفة الثانية: صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«دخلت على أبي جعفر عليه السلام و هو في الصلاة، فقلت: السلام عليك، فقال: السلام عليك. فقلت: كيف أصبحت؟ فسكت، فلمّا انصرف قلت: أيردّ السلام و هو في الصلاة؟ قال: نعم مثل ما قيل له».(2)
و رواية البزنطي عن الباقر عليه السلام قال:
«اذا دخلت المسجد و الناس يصلّون فسلّم عليهم، و اذا سلّم عليك فاردد، فانّي أفعله، و انّ عمّار بن ياسر مرّ على رسول اللّه صلى الله عليه و آله و هو يصلّي فقال: السلام عليك يا رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته، فردّ عليه السلام».(3)
فيحمل النهي في الطائفة الأولى على الكراهة بقرينة روايتي محمّد بن مسلم و البزنطي. و معنى قوله عليه السلام «لأنّ المصلّي لايستطيع أن يردّ السلام» أي لايسهل عليه ردّ الجواب بل يشقّ عليه الاشتغال بردّ السلام و العود الى صلاته، فيشتغل عنها؛ لما تقدّم من تقرير السلام و عدم انكاره، و من التصريح بجواز الردّ بل الأمر به. و كذا يحمل الأمر في خبر البزنطي على الجواز بقرينة روايتي حسين بن علوان ومصدّق بن صدقة.
(مسألة 30): ردّ السلام واجب كفائي، فلو كان المسلّم عليهم جماعة، يكفي ردّ أحدهم. ولكن الظاهر عدم سقوط الاستحباب بالنسبة الى الباقين، بل الأحوط ردّ كلّ من قصد به، و لايسقط بردّ من لم يكن داخلاً في تلك الجماعة، أو لم يكن مقصودا. و الظاهر عدم كفاية ردّ الصبي المميّز أيضا و المشهور على أنّ الابتداء بالسلام أيضا من المستحبّات الكفائيّة، فلو كان الداخلون جماعة يكفي سلام أحدهم. و لايبعد بقاء الاستحباب بالنسبة الى الباقين أيضا، و ان لم يكن مؤكّدا.
قد تقدّم شرح المسألة في المسألة الحادية و العشرين.
(مسألة 31): يجوز سلام الأجنبي على الأجنبيّة و بالعكس على الأقوى اذا لم يكن هناك ريبة أو خوف فتنة، حيث انّ صوت المرأة من حيث هو ليس عورة.
الشرح:
يدلّ على جواز سلام الأجنبي على الأجنبيّة و بالعكس صحيحة ربعي بن عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يسلّم على النساء و يرددن عليه السلام، و كان أميرالمؤمنين عليه السلاميسلّم على النساء و كان يكره أن يسلّم على الشابّة منهنّ، و يقول: أتخوّف أن يعجبني صوتها، فيدخل عليّ أكثر ممّا أطلب من الأجر».(1)
و لاتعارضها موثّقة غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال: «لاتسلّم على
1) - وسائل الشيعة 12: 76 / الباب 48 من أبواب أحكام العشرة / الحديث 1.
المرأة».(1)
و رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: لاتبدءوا النساء بالسلام و لاتدعوهنّ الى الطعام، فانّ النبي صلى الله عليه و آله قال: النساء عيّ و عورة، فاستروا عيّهنّ بالسكوت و استروا عوراتهنّ بالبيوت».(2)
لأنّهما تحملان على الكراهة جمعا، و أمّا اذا كان هناك ريبة أو خوف فتنة فلايجوز، بناءً على أنّ صوت المرأة من حيث هو و بالذات ليس عورة.
(مسألة 32): مقتضى بعض الأخبار عدم جواز الابتداء بالسلام على الكافر الاّ لضرورة، لكن يمكن الحمل على ارادة الكراهة. و ان سلّم الذمّي على مسلم فالأحوط الردّ بقوله «عليك» أو بقوله «سلام» من دون «عليك».
الشرح:
فرعان:
قال في الحدائق: «قال العلاّمة في التذكرة: و لايسلّم على أهل الذمّة ابتداءً، و لو سلّم عليه ذمّي أو من لم يعرفه فبان ذمّيّا ردّ بغير السلام بأن يقول «هداك اللّه» أو «أنعم اللّه صباحك» أو «أطال اللّه بقاءك» و لو ردّ بالسلام لم يزد في الجواب على قوله «و عليك». انتهى».(3)
و بعد نقل الأخبار الواردة في المقام قال: «المستفاد من خبر غياث بن ابراهيم تحريم ابتداء أهل الكتاب بالسلام و نحوهم من المشركين بطريق أولى. انتهى».(1)
أقول:
ورد في موثّقة غياث بن ابراهيم النهي عن ابتداء السلام على أهل الكتاب فانّه نقل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: لاتبدؤوا أهل الكتاب بالتسليم، و اذا سلّموا عليكم فقولوا: و عليكم».(2)
و يؤيّدها الخبر المروي عن الأصبغ قال:
«سمعت عليّا عليه السلام يقول: ستّة لاينبغي أن تسلّم عليهم: اليهود و النصارى و أصحاب النرد و الشطرنج و أصحاب خمر و بربط و طنبور و المتفكّهون بسبّ الأمّهات و الشعراء».(3)
و خبر أبي البختري عن جعفر بن محمّد عن أبيه:
«أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: لاتبدؤوا اليهود و النصارى بالسلام و ان سلّموا عليكم فقولوا: عليكم، و لاتصافحوهم و لاتكنّوهم الاّ أن تضطرّوا الى ذلك».(4)
الاّ أنّها تحمل على الكراهة جمعا بينها و بين صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام: أرأيت ان احتجت الى طبيب و هو نصراني
أسلّم عليه أو أدعوا له؟ قال: نعم، انّه لاينفعه دعاؤك».(1)
و قيل: انّ صحيحة عبدالرحمن تحمل على الضرورة و الحاجة. و أجيب بأنّ مورد الحاجة طبّه و هو لايلازم الضرورة الى التسليم عليه لجواز التحيّة بسائر التحيّات العرفيّة من الترحيب و نحوه.
قال في الحدائق: «ثمّ انّه هل يجب الردّ عليهم؟ استشكله بعض الأصحاب ثمّ قال: و لعلّ العدم أقوى. و نقل عن أبي عبّاس و الشعبي و قتادة من العامّة الوجوب، و استدلّوا بعموم الآية «و اذا حيّيتم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها»، فقوله تعالى «بأحسن منها» للمسلمين و «أو ردّوها» لأهل الكتاب. و الحقّ أنّ كليهما للمسلمين؛ لعدم وجوب الردّ بالأحسن للمسلمين اتّفاقا بل الواجب أحد الأمرين امّا الردّ بالأحسن أو بالمثل. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
الأقوى عدم وجوب ردّ سلام الذمّي لو سلّم، و ذلك لعدم الدليل على الوجوب. أمّا الآية فلما تقدّم عن الحدائق، و أمّا الروايات المتعرّضة لردّ سلام الذمّي فلأنّها ناظرة الى كيفيّة الردّ، و انّ من تصدّى للجواب فليقل هكذا لا الى أصل الوجوب.
قال في مستند العروة: «انّ النصوص الخاصّة و ان كان الأمر فيها كما ذكر الاّ أنّ الاطلاقات غير قاصرة الشمول للكافر كقوله عليه السلام في موثّقة السكوني «السلام تطوّع
و الردّ فريضة»(1)و في صحيحة عبداللّه بن سنان: «ردّ جواب الكتاب واجب كوجوب ردّ السلام».(2)بل يمكن الاستدلال باطلاق الآية الشريفة. انتهى».(3)
و فيه أوّلاً: انّ الظاهر من الروايات الواردة في ابتداء السلام على الكفّار و كيفيّة الردّ عليهم - كما سيأتي - أنّه ليس لهم حرمة و الغالب لايكون منهم التحيّة حتّى يردّها عليهم.
و ثانيا: انّ السلام دعاء و طلب للسلامة و كذا جوابه و الحال أنّ الكافر لايستحقّه فكيف نقول بوجوب ردّ السلام.
و ثالثا: انّ التحيّة اظهار المودّة كما أنّ ردّها كذلك، فانّها مختصّة بالمؤمن مضافا الى أنّنا مأمورون ببغض الكفّار، فبمناسبة الحكم و الموضوع نقول بأنّه ليس هناك اطلاق للآية و الرواية فانّهما واردتان للمسلم، و يؤيّد ذلك قوله عليه السلامفي صحيحة محمّد بن مسلم:
«اذا سلّم عليك مسلم و أنت في الصلاة فسلّم عليه».(4)
و كذا قوله عليه السلام في موثّقة عمّار بن موسى: «اذا سلّم عليك رجل من المسلمين و أنت في الصلاة فردّ عليه ... ».(5)
فتلخّص أنّه لايجب ردّ سلام الذمّي، فهل يجوز ردّه؟
الظاهر من الروايات جواز الردّ بكيفيّة خاصّة و هي «عليك» و «عليكم» أو «سلام»، ففي موثّقة غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: لاتبدؤوا أهل الكتاب بالتسليم، و اذا سلّموا
1) - وسائل الشيعة 12: 58 / الباب 33 من أبواب أحكام العشرة / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 12: 57 / الباب 33 من أبواب أحكام العشرة / الحديث 1.
3) - مستند العروة 15: 484.
4) - وسائل الشيعة 7: 268 / الباب 16 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 7: 268 / الباب 16 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 4.
عليكم فقولوا: و عليكم».(1)
و في موثّقة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا سلّم عليك اليهودي و النصراني و المشرك فقل: عليك».(2)
و في صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تقول في الردّ على اليهودي و النصراني: سلام».(3)
و في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«دخل يهودي على رسول اللّه صلى الله عليه و آله و عائشة عنده فقال: السام عليكم. فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: عليكم. ثمّ دخل آخر فقال مثل ذلك، فردّ عليه كما ردّ على صاحبه، ثمّ دخل آخر فقال مثل ذلك، فردّ عليه رسول اللّه صلى الله عليه و آله كما ردّ على صاحبيه، فغضبت عائشة فقالت: عليكم السام و الغضب و اللعنة يا معشر اليهود يا اخوة القردة و الخنازير، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: يا عائشة، انّ الفحش لو كان ممثّلاً لكان مثال سوء، انّ الرفق لم يوضع على شيء قطّ الاّ زانه، و لم يرفع عنه قطّ الاّ شانه. قالت: يا رسول اللّه، أما سمعت الى قولهم: السام عليكم؟ فقال: بلى، أما سمعت ما رددت عليهم، فقلت: عليكم، فاذا سلّم عليكم مسلم فقولوا: سلام عليكم، فاذا سلّم عليكم كافر فقولوا: عليك».(4)
و في خبر سالم بن مكرم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«مرّ يهودي بالنبي صلى الله عليه و آله فقال: السام عليك. فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: عليك. فقال أصحابه: انّما سلّم عليك بالموت، فقال: الموت عليك. فقال
النبي صلى الله عليه و آله: و كذلك رددت. الحديث».(1)
و في موثّقة سماعة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن اليهودي و النصراني و المشرك اذا سلّموا على الرجل و هو جالس، كيف ينبغي أن يردّ عليهم؟ فقال: يقول: عليكم».(2)
و يظهر من هذه الروايات أيضا أنّ العلّة في ردّ سلامهم بصيغة «عليكم» و نحوه هي تسليمهم بالسام و هو الموت، فأمر عليه السلام بأن يقال في جوابهم: «عليكم»، و بناءً عليه لايدلّ أمره عليه السلام على عدم جواز الردّ بغير هذه الكيفيّة.
(مسألة 33): المستفاد من بعض الأخبار أنّه يستحبّ أن يسلّم الراكب على الماشي، و أصحاب الخيل على أصحاب البغال و هم على أصحاب الحمير، و القائم على الجالس، و الجماعة القليلة على الكثيرة، و الصغير على الكبير. و من المعلوم أنّ هذا مستحبّ في مستحبّ و الاّ فلو وقع العكس لم يخرج عن الاستحباب أيضا.
الشرح:
يدلّ على تأكيد استحباب الابتداء بالسلام بعض الأخبار:
منها خبر عنبسة بن مصعب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«القليل يبدؤون الكثير بالسلام، و الراكب يبدأ الماشي، و أصحاب البغال يبدؤون أصحاب الحمير، و أصحاب الخيل يبدؤون أصحاب البغال».(3)
و منها خبر جرّاح المدائني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يسلّم الصغير على الكبير و المارّ على القاعد و القليل على الكثير».(1)
و منها خبر جميل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كان قوم في مجلس ثمّ سبق قوم فدخلوا فعلى الداخل أخيرا اذا دخل أن يسلّم عليهم».(2)
و منها مرسلة ابن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: يسلّم الراكب على الماشي و الماشي على القاعد، و اذا لقيت جماعة جماعة سلّم الأقلّ على الأكثر و اذا لقي واحد جماعة سلّم الواحد على الجماعة».(3)
و منها خبر ابن القدّاح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يسلّم الراكب على الماشي و القائم على القاعد».(4)
ثمّ اعلم أنّ ابتداء السلام مطلقا مستحبّ الاّ أنّه بالنسبة الى ما ذكر في هذه
الأخبار آكد؛ لأنّ الروايات الكثيرة المرغبة في الابتداء بالسلام آبية عن التقييد.
(مسألة 34): اذا سلّم سخريّة أو مزاحا فالظاهر عدم وجوب ردّه.
لأنّ السلام سخريّة أو مزاحا لايكون مصداقا للسلام و التحيّة بل هو مصداقالسخريّة و المزاح.
(مسألة 35): اذا سلّم على أحد شخصين و لم يعلم أنّه أيّهما أراد لايجب الردّ على واحد منهما و ان كان الأحوط في غير حال الصلاة الردّ من كلّ منهما.
الشرح:
أمّا عدم وجوب الردّ على أحدهما فلأنّ كلّ واحد منهما يشكّ في توجّه خطاب الردّ اليه فالأصل الجاري في المقام البراءة، و ذلك نظير واجدي المني في ثوب مشترك بينهما فكلّ واحد منهما يشكّ في جنابته فالأصل عدمه، و لايقال انّ كلّ واحد منهما يعلم اجمالاً بأنّه امّا هو نفسه جنب أو صاحبه؛ لأنّه يقال ليس العلم الاجمالي هنا منجزا؛ لأنّ التكليف ليس متوجّها الى كلّ واحد منهما أو أحدهما على التقديرين. نعم لو اقتدى أحدهما بالآخر فصلاة المأموم باطلة على التقديرين؛ لأنّه ان كان هو نفسه جنبا فصلاته باطلة لجنابته، و ان كان الامام جنبا فصلاة المأموم أيضا باطلة. و هذا بخلاف الامام؛ لأنّ صلاة الامام باطلة على تقدير جنابة نفسه لا على التقديرين، و المفروض أنّ كونه جنبا مشكوك فيه.
و أمّا احتياط الردّ من كلّ منهما في غير حال الصلاة فثابت؛ لاحتمال التكليف.
و أمّا في حال الصلاة فان قلنا بحرمة قطع الصلاة فلايجوز؛ لأنّ الردّ في المورد الذي لم يحرز فيه خطاب يكون من الكلام المبطل.
(مسألة 36): اذا تقارن سلام شخصين كلّ على الآخر وجب على كلّ منهما الجواب و لايكفي سلامه الأوّل؛ لأنّه لم يقصد الردّ بل الابتداء بالسلام.
قديقال بعدم وجوب الجواب على كلّ منهما؛ لامكان دعوى انصراف قوله صلى الله عليه و آله«السلام تطوّع و الردّ فريضة» عن صورة التقارن، نظرا الى أنّ المنساق منها أنّ السلام تحيّة و احسان، و لأجله لابدّ من تداركه، و مثل هذا اللسان
منصرف الى صورة التعاقب.
ولكن فيه: انّ ظاهر قوله صلى الله عليه و آله «السلام تطوّع و الردّ فريضة» شامل لكليهما، فكلّ منهما ابتدأ بالسلام و يجب الجواب على كلّ منهما، فالادّعاء المذكور لايكون بحيث يمنع من شمول الخبر لما نحن فيه.
(مسألة 37): يجب جواب سلام قارئ التعزية و الواعظ و نحوهما من أهل المنبر و يكفي ردّ أحد المستمعين.
اذا كان من قصده الابتداء بالسلام يجب ردّه من أحد المستمعين كما تقدّم في المسألة الحادية و العشرين من كفاية ردّ السلام من أحد من الجماعة اذا سلّم عليهم أحد من المسلمين.
(مسألة 38): يستحبّ الردّ بالأحسن في غير حال الصلاة بأن يقول في جواب «سلام عليكم»: «سلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته»، بل يحتمل ذلك فيها أيضا و ان كان الأحوط الردّ بالمثل.
يستحبّ الردّ بالأحسن في غير حال الصلاة كما دلّ عليه قوله تعالى: «و اذا حيّيتم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها»(1). و أمّا في الصلاة فالأحوط الردّ بالمثل؛ لقوله عليه السلام: «مثل ما قيل له» كما تقدّم في الفرع الثاني من المسألة السادسه عشرة.
(مسألة 39): يستحبّ للعاطس و لمن سمع عطسة الغير و ان كان في الصلاة أن يقول «الحمد للّه» أو يقول «الحمد للّه و صلّى اللّه على محمّد و آله»،
1) - النساء 4: 86.
بعد أن يضع اصبعه على أنفه، و كذا يستحبّ تسميت العاطس بأن يقول له: «يرحمك اللّه» أو «يرحمكم اللّه» و ان كان في الصلاة، و ان كان الأحوط الترك حينئذ، و يستحبّ للعاطس كذلك أن يردّ التسميت بقوله: «يغفر اللّه لكم».
الشرح:
اذا عطس الرجل في الصلاة يستحبّ له التحميد و الصلاة على النبي و آله عليهم السلام و كذا اذا سمع عطسة الغير. و الدليل على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا عطس الرجل في الصلاة فليقل: الحمد للّه».(1)
و صحيحة أخرى له عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا عطس الرجل في صلاته فليحمد اللّه عزّوجلّ».(2)
و موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: أسمع العطسة و أنا في الصلاة فأحمد اللّه و أصلّي على النبي صلى الله عليه و آله؟ قال: نعم، و اذا عطس أخوك و أنت في الصلاة فقل: الحمد للّه، و صلّ على النبي و ان كان بينك و بين صاحبك اليمّ، صلّ على محمّد و آله».(3)
و يستحبّ تسميت العاطس بأن يقول: «يرحمك اللّه» و يستحبّ للعاطس ردّه، و الدليل على ذلك: صحيحة سعد بن أبي خلف قال:
«كان أبو جعفر عليه السلام اذا عطس فقيل له: «يرحمك اللّه» قال: «يغفراللّه لكم و يرحمكم»، و اذا عطس عنده انسان قال: «يرحمك اللّه
عزّوجلّ»».(1)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا عطس الرجل فليقل: «الحمد للّه لا شريك له»، و اذا سمّت الرجل فليقل: «يرحمك اللّه»، و اذا ردّ فليقل: «يغفر اللّه لك و لنا»، فانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله سئل عن آية أو شيء فيه ذكر اللّه، فقال: كلّما ذكر اللّه عزّوجلّ فيه فهو حسن».(2)
و أمّا استحباب تسميت المصلّي اذا عطس و ردّه منه فلم يرد نصّ فيه، و الظاهر أنّ الروايات ليس لها اطلاق؛ لأنّها بصدد بيان كيفيّة التسميت و ردّه، و ما كان منها بعنوان حقّ المؤمن ليس لها اطلاق أيضا حتّى يشمل تسميت المصلّي اذا عطس و ردّه منه. و لو قلنا بجواز تسميت المصلّي اذا عطس فجواز ردّه منه أو تسميت العاطس الغير المصلّي منه مشكل؛ لأنّه لايجوز في الصلاة الاّ الدعاء و الذكر و القرآن، و التسميت ليس منها.
«السادس»: تعمّد القهقهة و لو اضطرارا و هي الضحك المشتمل على الصوت و المدّ و الترجيع بل مطلق الصوت على الأحوط، و لابأس بالتبسّم و لا بالقهقهة سهوا. نعم الضحك المشتمل على الصوت تقديرا كما لو امتلأ جوفه ضحكا و احمرّ وجهه لكن منع نفسه من اظهار الصوت حكمه حكم القهقهة.
الشرح:
من جملة مبطلات الصلاة تعمّد القهقهة. و الدليل عليه:
صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«القهقهة لاتنقض الوضوء و تنقض الصلاة».(1)
و موثّقة سماعة قال:
«سألته عن الضحك، هل يقطع الصلاة؟ قال: أمّا التبسّم فلايقطع الصلاة، و أمّا القهقهة فهي تقطع الصلاة».(2)
و معتبرة ابن أبي عمير عن رهط سمعوه يقول:
«انّ التبسّم في الصلاة لاينقض الصلاة و لاينقض الوضوء، انّما يقطع الضحك الذي فيه القهقهة».(3)
قال في الجواهر: «و منها القهقهة فانّ تعمّدها مبطل بلا خلاف أجده فيه نصّا و فتوىً، بل في المعتبر و المنتهى و التذكرة و الذكرى و عن غيرها الاجماع عليه. انتهى».(4)
ثمّ اعلم أنّ اطلاق قوله عليه السلام: «و أمّا القهقهة فهي تقطع الصلاة» شامل لما يصدر منه قهرا، مضافا الى أنّ الغالب أنّ القهقهة يصدر من غير اختيار.
قال في الجواهر: «أمّا القهقهة اضطرارا و لو بتقصير في المقدّمات فيقوى البطلان بها بلا خلاف معتدٍّ به أجده فيه؛ لاطلاق النصوص و معاقد الاجماعات، بل لعلّه هو الفرد الكثير الذي وقع السؤال عنه في النصوص. و قال في التذكرة: «القهقهة تبطل الصلاة اجماعا منه، و عليه أكثر العلماء سواء غلب عليه أم لا». انتهى ملخّصا».(5)
و أمّا القهقهة سهوا و ان كان اطلاق الروايات يشملها الاّ أنّ حديث «لاتعاد»
يخصّصها.
و قال في الجواهر: «ظاهرها (الروايات) عدم الفرق بين حالتي العمد و غيره، لكن في المعتبر و التذكرة و الذكرى و جامع المقاصد و عن كشف الالتباس و الغرية و ارشاد الجعفريّة و الروض و المقاصد العليّة و النجيبيّة و المفاتيح الاجماع على عدم البطلان بالسهو، و لعلّه لأنّ المراد من النصوص الاهمال لا الاطلاق، فيبقى حينئذ على الأصل، أو لأنّها انّما تنصرف الى الفرد الشائع دون النادر و هو ناسي الحكم، أو أنّه في الصلاة. انتهى».(1)
فرعان:
الضحك المتوسّط بين القهقهة و التبسّم لايبطل الصلاة، و ذلك لمعتبرة ابن أبي عمير عن رهط سمعوه يقول:
« ... انّما يقطع الضحك الذي فيه القهقهة».(2)
فيعلم منها أنّ الضحك له أفراد: منها التبسّم و منها القهقهة و منها المتوسّط ما بينهما، فما يقطع الصلاة من هذه الأفراد القهقهة. و لايقطع الصلاة مطلق الصوت اذا لم يصدق عليه القهقهة.
اذا امتلأ جوفه ضحكا و احمرّ وجهه ولكن منع نفسه من اظهار الصوت
لم يكن مبطلاً للصلاة و ذلك لعدم صدق القهقهة، فما هو موضوع حكم قطع الصلاة القهقهة الخارجيّة لا التقديريّة. فلو شكّ فالأصل الجاري البراءة. فما استظهره في الجواهر من بطلان الصلاة للقطع بخروجه عن التبسّم فيدخل في القهقهة، لايمكن المساعدة عليه؛ لعدم دخول هذا الفرد في القهقهة و على الأقلّ من الشكّ.
«السابع»: تعمّد البكاء المشتمل على الصوت بل و غير المشتمل عليه على الأحوط، لأمور الدنيا. و أمّا البكاء للخوف من اللّه و لأمور الآخرة فلابأس به بل هو من أفضل الأعمال. و الظاهر أنّ البكاء اضطرارا أيضا مبطل. نعم لابأس به اذا كان سهوا بل الأقوى عدم البأس به اذا كان لطلب أمر دنيوي من اللّه فيبكي تذلّلاً له تعالى ليقضي حاجته.
الشرح:
استدلّوا على بطلان الصلاة بالبكاء بما رواه الشيخ عن محمّد بن علي بن محبوب عن علي بن محمّد عن القاسم بن محمّد عن سليمان بن داوود عن النعمان بن عبدالسلام عن أبي حنيفة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن البكاء في الصلاة أيقطع الصلاة؟ فقال: ان بكى لذكر جنّة أو نار فذلك هو أفضل الأعمال في الصلاة، و ان كان ذكر ميّتا له فصلاته فاسدة».(1)
و بمرسلة الصدوق قال:
«و روي أنّ البكاء على الميّت يقطع الصلاة، و البكاء لذكر الجنّة و
1) - وسائل الشيعة 7: 247 / الباب 5 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 4.
النار من أفضل الأعمال في الصلاة».(1)
و الروايتان ضعيفتان من حيث السند، فالأولى بقاسم بن محمّد و النعمان بن عبدالسلام و أبي حنيفة، و الثانية مرسلة.
قال في الشرائع: «و [من مبطلات الصلاة]: البكاء لشيء من أمور الدنيا. انتهى».(2)
و قال في المدارك: «هذا الحكم ذكره الشيخ رحمه الله و جمع من الأصحاب، و ظاهرهم أنّه مجمع عليه. و استدلّوا عليه بأنّه فعل خارج عن الصلاة فيكون قاطعا كالكلام، و هو قياس محض. و برواية النعمان بن عبدالسلام عن أبي حنيفة، و هي ضعيفة السند باشتماله على عدّة من الضعفاء، فيشكل الاستناد اليها في اثبات حكم مخالف للأصل، و من ثمّ توقّف في هذا الحكم شيخنا المعاصر، و هو في محلّه. انتهى».(3)
و قال في الجواهر: «تعمّد البكاء لشيء من أمور الدنيا من فقد ميّت أو تلف مال مبطل للصلاة على المشهور بين الأصحاب نقلاً و تحصيلاً، بل لم أجد فيه خلافا كما اعترف به بعضهم، بل لا خلاف فيه في المحكي من شرح نجيب الدين العاملي، بل في المدارك ظاهرهم أنّه مجمع عليه، بل في الحدائق دعواه صريحا، و في التذكرة عند علمائنا. و بذلك كلّه ينجبر خبر النعمان بن عبدالسلام، فوسوسة المقدّس الأردبيلي و بعض أتباعه في هذا الحكم لضعف الخبر المزبور و عدم ثبوت الاجماع في غير محلّها. و لا حاجة حينئذ الى الحاقه بغيره من المنافياتكالفعل الكثير و نحوه على ما حكي عن الكاشاني و الماحوزي، بل لعلّه ظاهر
الذكرى أيضا. انتهى ملخّصا».(1)
و قال في مصباح الفقيه: «و أمّا الرواية فضعفها مجبور باشتهارها بين الأصحاب و استنادهم اليها فلاينبغي التردّد في الحكم مع عدم معروفيّة الخلاف فيه. انتهى».(2)
أقول:
قد صرّح الشيخ في المبسوط و ابن حمزة في الوسيلة و القاضي ابن البرّاج في المهذّب ببطلان الصلاة بالبكاء فيها على أمور الدنيا، و مستندهم و ان كان ضعيفا الاّ أنّ الظاهر عدم القول بالخلاف.
و أمّا البكاء سهوا فانّه لايبطل؛ لحديث لاتعاد كما مرّ في القهقهة.
قال في الجواهر: «ثمّ المشهور بين الأصحاب اختصاص بطلان الصلاة بالبكاء عامدا، بل لاأجد فيه خلافا صريحا و ان أطلق جماعة، و لعلّه للأصل و حديث الرفع و ظهور الجواب في النصّ المزبور في العمد، بل من النادر أو الممتنع البكاء سهوا. انتهى ملخّصا».(3)
و أمّا ما عارضه قهرا فالظاهر أنّه موجب لابطال الصلاة و ذلك لاطلاق النصّ و الفتوى و ان كان فيه تأمّل؛ لظهور قوله عليه السلام «ان بكى ... » في الاختيار و لو بقرينة ذكر الجنّة و النار.
قال في الجواهر: «أمّا المغلوب عليه قهرا ففي المنتهى و الذكرى وفوائدالشرائع والمحكي من نهايه الأحكام و ارشاد الجعفريّة و الغرية و كشف الالتباس و الروض و المقاصد العليّة البطلان و ان كان لا اثم، بل في الحدائق أنّه ممّا لم يطّلع على مخالف فيه؛ لاطلاق النصّ و الفتوى، و ثبوت الحكم في نظائره
من الضحك و غيره كما عرفت. لكن قد يناقش بظهور النصّ في الاختيار، و به يفرق بينه و بين القهقهة، فيبقى المضطرّ حينئذ على الأصل، و لعلّه لذا لم يجزم بالبطلان في الروضة، بل جعله وجها، قيل: و هو محتمل نجيب الدين بل حكى في التذكرة عن الشافعي عدم البطلان و لم يعقّبه بشيء، فلاينبغي ترك الاحتياط حينئذ بالاتمام و الاعادة. انتهى».(1)
فرعان:
الفرع الأوّل : في أنّه هل يعتبر في البكاء المبطل الصوت؟
قال في الجواهر: «الموجود فيما حضرني من نسخ المتن مدّ البكاء، فيعتبر فيه الصوت حينئذ، و لايكفي خروج الدموع وفاقا لفوائد الشرائع و الروضة و المدارك و المحكي عن الغرية و ارشاد الجعفريّة و الروض و المقاصد العليّة، بل في الحدائق نسبته الى الشهرة، و اليه يرجع ما في كشف اللثام و المحكي عن الموجز و حاشية الارشاد و الميسيّة من أنّ المفسد من البكاء ما اشتمل على النحيب و ان خفي، لا فيض الدمع بلا صوت. انتهى».(2)
أقول:
الظاهر أنّ البكاء المبطل هو الذي يشتمل على الصوت و النحيب، و ذلك لورود كلمة «البكاء» في الخبر ممدودة، كما هو في النسخ الصحيحة بشهادة صاحب الجواهر و العلاّمة الخوئي، و المعروف عند أهل اللغة أنّها اسم للدمع اذا كان معه الصوت في قبال المقصورة التي هي اسم لخروج الدمع بلا صوت.
ان قلت بعدم ثبوت كون المذكور في الخبر هو الممدود، قلت: هذه الشبهة لاتوجب تجويز التمسّك بالاطلاق بل تكون من اجمال المفهوم و الرجوع الى القدر المتيقّن.
اعلم أنّ الموجود في النصّ انقطاع الصلاة بالبكاء على الميّت الاّ أنّه لمّا كان ذلك في مقابلة ذكر الجنّة و النار، يستفاد منه أنّ ذكر الميّت و البكاء عليه للمثال و ذكر المصداق، و كان مراد الامام معنىً كلّيّا و هو البكاء على أمور الدنيا، كما أنّ مراده من ذكر الجنّة و النار معنى كلّيّ و هو البكاء على ما يرجع الى اللّه، و عليه فالبكاء المبطل هو الذي يرجع الى محض الدنيا كالبكاء على فقدان أقربائه أو أحبّائه أو ماله أو عرضه أو ألم جراحاته، و أمّا لو بكى و كان بكاؤه لطلب المال و الأولاد أو الصبر من اللّه فلايكون ذلك لأمور الدنيا، كما أنّ البكاء للمصائب الواردة على الأئمّة عليهم السلام أو على طلب المغفرة من اللّه و أمثالهما يكون ممّا يرجع الى اللّه و هو من أفضل العبادات كما ورد في الروايات(1).
«الثامن»: كلّ فعل ماحٍ لصورة الصلاة قليلاً كان أو كثيرا كالوثبة و الرقص و التصفيق و نحو ذلك ممّا هو منافٍ للصلاة، و لا فرق بين العمد و السهو. و كذا السكوت الطويل الماحي. و أمّا الفعل القليل الغير الماحي بل الكثير الغير الماحي فلابأس به، مثل الاشارة باليد لبيان مطلب، و قتل الحيّة و العقرب، و حمل الطفل و ضمّه و ارضاعه عند بكائه، و عدّ الركعات
1) - وسائل الشيعة 7: 247 / الباب 5 من أبواب قواطع الصلاة.
بالحصى، و عدّ الاستغفار في الوتر بالسبحة، و نحوها ممّا هو مذكور في النصوص. و أمّا الفعل الكثير أو السكوت الطويل المفوّت للموالاة بمعنى المتابعة العرفيّة اذا لم يكن ماحيا للصورة فسهوه لايضرّ، و الأحوط الاجتناب عنه عمدا.
الشرح:
هنا فرعان:
قد ورد في أبواب قواطع الصلاة و غيرها روايات دلّت على جواز جملة من الأفعال أثناء الصلاة:
منها ما ورد في جواز قتل المصلّي الحيّة و العقرب، كصحيحة زرارة أنّه قال لأبي جعفر عليه السلام:
«رجل يرى العقرب و الأفعى و الحيّة و هو يصلّي، أيقتلها؟ قال: نعم، ان شاء فعل».(1)
و منها ما ورد في جواز قتل المصلّي القمّلة و البرغوث و البقّة و الذباب و سائر الهوامّ و طرح القمّلة و دفنها في الحصى، كصحيحة الحلبي:
«أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يقتل البقّة و البرغوث و القمّلة و الذباب في الصلاة، أينقض ذلك صلاته و وضوءه؟ قال: لا».(2)
و منها الروايات الواردة في عدم بطلان الصلاة بضمّ المرأة المحلّلة و رؤية وجهها، كصحيحة مسمع قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام فقلت: أكون أصلّي فتمرّ بي الجارية فربّما ضممتها اليّ؟ قال: لابأس».(1)
و منها ما ورد في جواز حمل المرأة طفلها في الصلاة و ارضاعها ايّاه جالسة كموثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لابأس أن تحمل المرأة صبيّها و هي تصلّي و ترضعه و هي تتشهّد».(2)
و منها صحيحة علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن الرجل يحرّك بعض أسنانه و هو في الصلاة، هل ينزعه؟ قال:
«ان كان لايدميه فلينزعه و ان كان يدميه فلينصرف. و عن الرجل يكون به الثالول أو الجرح، هل يصلح له أن يقطع الثالول و هو في صلاته، أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح و يطرحه؟ قال: ان لم يتخوّف أن يسيل الدم فلابأس، و ان تخوّف أن يسيل الدم فلايفعله. و عن الرجل يرى في ثوبه خرء الطير أو غيره، هل يحكّه و هو في صلاته؟ قال: لابأس. و قال: لابأس أن يرفع الرجل طرفه الى السماء و هو يصلّي».(3)
و منها باب أنّه يجوز للمصلّي أن يخطو أمامه خطوتين أو ثلاثا، ففي صحيحة الحلبي:
«أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يخطو أمامه في الصلاة خطوتين أو ثلاثا؟ قال: نعم، لابأس».(4)
و منها ما روي عن الصدوق مرسلاً قال:
«رأى رسول اللّه صلى الله عليه و آله نخامة في المسجد فمشى اليها بعرجون من عراجين ابن طاب(1)فحكّها ثمّ رجع القهقرى فبنى على صلاته».(2)
و منها ما ورد من جواز رمي المصلّي انسانا أو كلبا أو نحوهما، كخبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يكون في صلاته فيرمي الكلب و غيره بالحجر، ما عليه؟ قال: ليس عليه شيء و لايقطع ذلك صلاته».(3)
و منها ما ورد من جواز ايماء المصلّي و تنحنحه و اشارته و رفع صوته بالتسبيح لتنبيه الغافل، و تصفيقه بيده للحاجة، و ضرب الحائط لايقاظ النائم، كصحيحة عبداللّه بن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يريد الحاجة و هو في الصلاة، قال:
«فقال: يومئ برأسه و يشير بيده، و المرأة اذا أرادت الحاجة تصفّق».(4)
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يكون في صلاته فيستأذن انسان على الباب فيسبّح و يرفع صوته و يسمع جاريته فتأتيه فيريها بيده أنّ على الباب انسانا، هل يقطع ذلك صلاته؟ و ما عليه؟ قال: لابأس، لايقطع بذلك صلاته».(5)
و منها الروايات الواردة في جواز احصاء الركعات بالحصى و الخاتم و
1) - ابن طاب: ضرب من الرطب.
2) - وسائل الشيعة 7: 292 / الباب 36 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 7: 258 / الباب 10 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 7: 254 / الباب 9 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 7: 256 / الباب 9 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 6.
تحويله من مكان الى مكان لذلك، كصحيحة عبداللّه بن المغيرة عنه عليه السلام أنّه قال:
«لابأس أن يعدّ الرجل صلاته بخاتمه أو بحصى يأخذ بيده فيعدّ به».(1)
و منها ما ورد في مسح الجبهة من التراب بعد السجود و تسوية الحصى عند ارادته و أخذه عن الجبهة اذا لصق بها و وضعها على الأرض، كموثّقة يونس بن يعقوب قال:
«رأيت أبا عبداللّه عليه السلام يسوّي الحصى في موضع سجوده بين السجدتين».(2)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته: أيمسح الرجل جبهته في الصلاة اذا لصق بها تراب؟ فقال: نعم، قد كان أبو جعفر عليه السلام يمسح جبهته في الصلاة اذا لصق بها التراب».(3)
و خبر علي بن بجيل أنّه قال:
«رأيت جعفر بن محمّد عليه السلام كلّما سجد فرفع رأسه أخذ الحصى من جبهته فوضعه على الأرض».(4)
و منها معتبرة السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال في الرجل يصلّي في موضع ثمّ يريد أن يتقدّم، قال:
«يكفّ عن القراءة في مشيه حتّى يتقدّم الى الموضع الذي يريد ثمّ يقرأ».(5)
1) - وسائل الشيعة 8: 247 / الباب 28 من أبواب الخلل / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 6: 373 / الباب 18 من أبواب السجود / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 6: 373 / الباب 18 من أبواب السجود / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 6: 373 / الباب 18 من أبواب السجود / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 6: 98 / الباب 34 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.
و منها خبر اسماعيل بن أبي زياد عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام أنّه قال في رجل يصلّي و يرى الصبي يحبو الى النار أو الشاة تدخل البيت لتفسد الشيء، قال:
«فلينصرف و ليحرز ما يتخوّف و يبني على صلاته ما لم يتكلّم».(1)
و منها صحيحة عمر بن أذينة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لدغت رسول اللّه صلى الله عليه و آله عقرب و هو يصلّي بالناس، فأخذ النعل فضربها ثمّ قال بعدما انصرف: لعنكِ اللّه! فما تدعين برّا و لا فاجرا الاّ آذيته. ثمّ دعا بملح جريش فدلك به موضع اللدغة، ثمّ قال: لو علم الناس ما في الملح الجريش ما احتاجوا معه الى ترياق و لا غيره».(2)
فالمستفاد من هذه الروايات أنّ تلك الأفعال المذكورة فيها لاتضرّ بالصلاة و لاتكون ماحية لصورة الصلاة.
كلّ فعل ماحٍ لصورة الصلاة بالكلّيّة موجب لبطلانها.
قال المحقّق في المعتبر: «الفعل الكثير الخارج عن أفعال الصلاة يبطلها و عليه العلماء؛ لأنّه يخرج عن كونه مصلّيا، و هو ما يسمّى في العادة كثيرا، و القليل كمسح جبهته أو اصلاح ردائه و قتل القمّلة و البرغوث لاتبطل الصلاة؛ لأنّه في حيّز القليل و هو مروي لنا، و كذا قتل الحيّة و العقرب و قد روى أبو رافع «أنّالنبي صلى الله عليه و آله قتل عقربا و هو يصلّي». انتهى».(3)
و قال في الشرائع: «و أن يفعل فعلاً كثيرا ليس من أفعال الصلاة. انتهى».(1)
و قال في المدارك: «لا خلاف بين علماء الاسلام في تحريم الفعل الكثير في الصلاة و بطلانها به اذا وقع عمدا، حكاه في المنتهى و استدلّ عليه بأنّه «يخرج به عن كونه مصلّيا. ثمّ قال: و القليل لايبطل الصلاة بالاجماع، و لم يحدّ الشارع القلّة و الكثرة، فالمرجع في ذلك الى العادة، و كلّ ما ثبت أنّ النبي و الأئمّة عليهم السلام فعلوه في الصلاة أو أمروا به فهو في حيّز القليل كقتل البرغوث و الحيّة و العقرب» - الى أن قال: - و لم أقف على رواية تدلّ بمنطوقها على بطلان الصلاة بالفعل الكثير، لكن ينبغي أن يراد به ما تنمحي به صورة الصلاة بالكلّيّة كما هو ظاهر اختيار المصنّف في المعتبر، اقتصارا فيما خالف الأصل على موضع الوفاق، و أن لايفرق في بطلان الصلاة به بين العمد و السهو. انتهى».(2)
أقول:
الظاهر أنّه لا خلاف و لا اشكال في بطلان الصلاة اذا فعل فعلاً تنمحي به صورة الصلاة. و الظاهر أيضا من عبارات بعضهم بل صريحهم من الفعل الكثير هو الماحي لصورة الصلاة كما رأيت في كلام المحقّق في المعتبر و العلاّمة في المنتهى و المدارك، الاّ أنّ بعضهم الآخر صرّح بأنّ الفعل الكثير يكون مبطلاً اذا فعله عمدا لا سهوا، فيكون مرادهم قطعا فيما اذا لم يكن ماحيا لصورة الصلاة، و على أيّ تقدير لابأس بذكر فتوى من تعرّض لهذه المسألة من القدماء و غيرهم.
قال السيّد الشريف المرتضى في كتاب جمل العلم و العمل: «فصل - فيما يجب اجتنابه في الصلاة و حكم ما يعرض فيها: لايجوز للمصلّي اعتماد الكلامفي الصلاة بما خرج عن قرآن و تسبيح و لايقهقه و لايبصق الاّ أن يغلبه، و في
الجملة لايفعل فعلاً كثيرا يخرج عن أفعال الصلاة. انتهى».(1)
و قال أبو الصلاح الحلبي في الكافي: «و الواجب تركه في الصلاة اثناعشر شيئا: - الى أن قال: - و كثير العبث - الى أن قال: - فمتى تعمّد المصلّي فعل شيء من هذه فسدت صلاته. انتهى».(2)
و قال الشيخ في الجمل و العقود: «و أمّا التروك فعلى ضربين: مفروض و مسنون. فالمفروض أربعه عشر تركا: أن لايتكتّف و لايقول آمين آخر الحمد و لايلتفت الى ما وراءه و لايتكلّم بما ليس من الصلاة و لايفعل فعلاً كثيرا ليس من أفعال الصلاة - الى أن قال: - فصل - فيما يقطع الصلاة: قواطع الصلاة تسعه عشر: أربعه عشر تركا واجبة ذكرناها، متى حصلت قطعت الصلاة. انتهى».(3)
و قال سلاّر في المراسم: «ذكر ما يلزم المفرط في الصلاة: و هو على خمسة أضرب: اعادة و جبران و تلافٍ و سجدتا السهو و قضاء. فالأوّل على ضربين: متعمّد و مسهوّ عنه، فالمتعمّد أن يتعمّد نقض الطهارة أو الكلام في الصلاة أو القهقهة أو الالتفات الى وراء، و كلّ فعل كثير أباحت الشريعة قليله في الصلاة، أو كلّ فعل لم تبح قليله و لا كثيره. انتهى».(4)
و قال القاضي ابن البرّاج في المهذّب: «و لايتكتّف و لايلتفت الى خلفه و لايقرأ من السور الطوال ما يفوت وقت الصلاة معه، و لايقول آمين، و لايفعل فعلاً كثيرا من غير أفعال الصلاة. انتهى».(5)
و قال ابن زهرة في الغنية: «و يجب عليه أن لايفعل على جهة العمل فعلاً كثيرا ليس من أفعال الصلاة المشروعة، و قد دخل في ذلك القهقهة و البكاء من غير
خشية اللّه. انتهى».(1)
و قال ابن حمزة في الوسيلة: «و ما تقطع في حال دون حال فتسعة أشياء: العمل الكثير ممّا ليس من أفعال الصلاة و كتف اليدين و قول آمين في آخر الحمد و الالتفات الى ما وراءه و القهقهة و البكاء لأمر دنيوي و الأنين بحرفين و التأفّف بحرفين و التكلّم بما ليس من الصلاة، فان حصل جميع ذلك سهوا أو نسيانا أو تقيّة لم يقطع الصلاة، و ان حصل عمدا قطعها. انتهى».(2)
و قال في السرائر: «و العمل القليل الذي لايفسد الصلاة لابأس به - الى أن قال: - و بخلاف ذلك الفعل الكثير الذي ليس من أفعال الصلاة فانّه يفسدها اذا فعله الانسان عامدا، و حدّه ما يسمّى في العادة كثيرا بخلاف العمل القليل. انتهى».(3)
و أمّا الصدوق و الكليني و المفيد و ابن أبي عقيل و ابن الجنيد فلم أجدهم تعرّضوا للمسألة.
فالسيّد المرتضى و القاضي و ابن زهرة قالوا بعدم جواز الفعل الكثير في الصلاة و لم يتعرّضوا لبطلانها. و أمّا الحلبي و سلاّر و ابن حمزة و الشيخ و ابن ادريس فقد قالوا ببطلان الصلاة بالفعل الكثير الصادر عن المصلّي عامدا.
و أنت اذا تأمّلت في فتاواهم بالنسبة الى الفعل الكثير تجد أنّ حكمهم بعدم الجواز أو البطلان مع عدم نصّ في ذلك هو أنّ الصلاة مركّبة من أفعال مخصوصة و أقوال معلومة قد عيّنها الشارع، و ما أتى به من الأفعال الغير المنصوصة جوازها فكأنّه زاد في صلاته عمدا فلايجوز و تبطل. و أمّا تقسيمهم الأفعال الخارجة عن وضع الصلاة الى القليل و الكثير فلما ورد في أبواب مختلفة من جواز بعضها و
عدم الضرر في الصلاة كما تقدّم في الفرع الأوّل، فعدّوا تلك الأفعال الواردة في الروايات أفعالاً قليلة كما هو ظاهر سلاّر في المراسم و ابن زهرة في الغنية و ابن ادريس في السرائر.
ولكن فيه: انّ الكلام فيما هو موجب لقطع الصلاة و هو موكول الى الشارع، كما قال بأنّ الكلام و القهقهة و البكاء و الالتفات الى الوراء و نحوها مبطلة للصلاة، و أمّا الفعل الكثير الغير الماحي لصورة الصلاة فلم يرد فيه نصّ بالخصوص و لم يحصل الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم عليه السلام، سيّما مع ورود نصوص بجواز بعض الأفعال التي تنافي الصلاة عند العرف. نعم، يمكن أن يقال بأنّ الفقيه يطمئنّ بمنافاة بعض الأفعال لوضع الصلاة لارتكازه الموافقة لارتكاز المتشرّعة، المعبّر عنه بالسيرة الارتكازيّة فانّها حجّة كالسيرة العمليّة المعبّر عنها بالاجماع العملي، الاّ أنّ وظيفته أن يشير الى موارده و يفتي بأنّ الرقص - مثلاً - أو الوثبة الفاحشة أو رفع الصوت يبطل الصلاة، و ليست وظيفته ارجاع المقلّد الى السيرة بأن يقول الفعل الكثير مبطل للصلاة و هو كلّ فعل يرى المتشرّعة بحسب ارتكازهم ينافي لوضع الصلاة؛ لأنّ تشخيص ذلك للعامّي مشكل و الاّ لم يحتج الى مراجعة الفقيه في الفتوى.
هذا و مع ذلك كلّه يشكل الافتاء بأنّ الرقص و تالييه موجبة لقطع الصلاة مطلقا أي و ان لم يكن ماحيا لصورة الصلاة؛ لأنّه اذا ورد في الروايات المعتبرة جواز ضمّ الجارية اليه و حمل المرأة طفلها في الصلاة و ارضاعها ايّاه و قتل المصلّي القمّلة و البرغوث و البقّة و الذباب و سائر الهوامّ و دفنها في الحصى يشكّ الفقيه في ثبوت هذا الارتكاز في مورد من الموارد. نعم، اذا كان الفعل الكثير الغير الماحي مخلاًّ بالموالاة تبطل الصلاة. فتلخّص أنّ ما يصدر من الأفعال عن المصلّي على أربعة أقسام:
الأوّل: ما كان من أفعال الصلاة كالقيام و الركوع و السجود و الجلوس.
الثاني: ما ورد في الروايات الصحيحة و المعتبرة بجوازه، كقتل الحيّة و العقرب و كالايماء و غيرها ممّا تقدّم.
الثالث: ما يوجب فعله انمحاء صورة الصلاة قطعا كالوثبة المكرّرة المتوالية فهو مبطل قطعا.
الرابع: ما يكون من الأفعال الكثيرة غير ماحٍ لصورة الصلاة.
فكلّ مورد من هذا القسم ان اطمأنّ الفقيه بمنافاته لوضع الصلاة فيفتي بأنّه مبطل لها، فانّ جملة من الأفعال امّا لكثرتها و طول أمدها كالخياطة و الكتابة و النساجة و نحوها اذا كانت كثيرة، أو لذاتها مثل التصفيق و الرقص الواقعين على نحو اللهو و اللعب، ممّا لايتأمّل في منافاتها للصلاة، سواء وقعت في خلال الأفعال أم مقارنة لبعضها، و قد تقدّم أنّ مناط هذا الاطمئنان السيرة الارتكازيّة و حيث انّ هذه السيرة الارتكازيّة دليل لبّي لا اطلاق له فالقدر المتيقّن منه هو الصورة العمديّة.
قال في الجواهر: «و التحقيق أنّ البطلان بالفعل الكثير انّما هو لفوات الموالاة بين الأفعال به، و لعلّه المراد بمحو الصورة المذكور في كلام غير واحد من الأصحاب - الى أن قال: - انّ الصلاة المطلوبة للشارع لا ريب في أنّ لها صورة خاصّة و كيفيّة محدودة، بل من المعلوم بالضرورة أنّ الصلاة من ذوات الهيئات الملاحظ فيها اتّصال الأفعال و غيره من الكيفيّات، و ليست هي مجرّد أفعال من غير مدخليّة لاتّصالها و نظمها، و لا ريب أنّ هذه الصورة انّما يحفظها المكلّفون المخاطبون بها المؤدّون لها في كلّ يوم المتشاغلون بها في أكثر الأوقات - الى أن قال: - فحينئذ لو فعل فعلاً كثيرا بحيث لاينافي التشاغل بأفعال الصلاة من حركة أصابع لعدّ ركعات و غيرها، لم يقدح في الصلاة لعدم فوات الموالاة، و عدم ثبوت مقتضي البطلان، مع أنّ الأصل الصحّة، بل هي ظاهر أكثر النصوص السابقة ... أمّا اذا فعل ما ينافي ذلك كالمشي و نحوه ممّا لايمكن معه التشاغل في أفعال الصلاة
لفوات الطمأنينة و نحوها فالمتّجه فيها البطلان اذا وصل الى حدّ يحكم المتشرّعة فيه بعدم حصول الموالاة المعتبرة. انتهى ملخّصا».(1)
«التاسع»: الأكل و الشرب الماحيان للصورة، فتبطل الصلاة بهما، عمدا كانا أو سهوا. و الأحوط الاجتناب عمّا كان منهما مفوّتا للموالاة العرفيّة عمدا. نعم، لابأس بابتلاع بقايا الطعام الباقية في الفم أو بين الأسنان، و كذا بابتلاع قليل من السكّر الذي يذوب و ينزل شيئا فشيئا، و يستثنى أيضا ما ورد في النصّ بالخصوص من جواز شرب الماء لمن كان مشغولاً بالدعاء في صلاة الوتر و كان عازما على الصوم في ذلك اليوم و يخشى مفاجأة الفجر و هو عطشان و الماء أمامه و محتاج الى خطوتين أو ثلاثة، فانّه يجوز له التخطّي و الشرب حتّى يروى، و ان طال زمانه اذا لم يفعل غير ذلك من منافيات الصلاة، حتّى اذا أراد العود الى مكانه رجع القهقرى لئلاّ يستدبر القبلة. و الأحوط الاقتصار على الوتر المندوب، و كذا على خصوص شرب الماء، فلايلحق به الأكل و غيره. نعم، الأقوى عدم الاقتصار على الوتر، و لا على حال الدعاء فيلحق به مطلق النافلة و غير حال الدعاء و ان كان الأحوط الاقتصار.
الشرح:
قال في الشرائع: «و الأكل و الشرب على قول. انتهى».(2)
و قال في المدارك: «القول للشيخ رحمه الله في المبسوط و الخلاف، و ادّعى عليه الاجماع، و منعه المصنّف في المعتبر و طالبه بالدليل على ذلك، و استقرب عدم
البطلان بهما الاّ مع الكثرة كسائر الأفعال الخارجة عن الصلاة، و هو حسن. قال في المنتهى: و لو ترك في فيه شيئا يذوب كالسكّر فذاب فابتلعه لم تفسد صلاته عندنا، و عند الجمهور تفسد؛ لأنّه يسمّى أكلاً. أمّا لو بقي بين أسنانه شيء من بقايا الغذاء فابتلعه في الصلاة لم تفسد صلاته قولاً واحدا؛ لأنّه لايمكن التحرّز عنه. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «و تعمّد الأكل و الشرب و ان لم يكثر على قول ظاهر من اطلاق المبسوط و القواعد و اللمعة و معقد اجماع الخلاف، بل لعلّ المراد منه القليل خاصّة؛ للاستغناء بذكر الكثير سابقا عن كثيرهما - الى أن قال: - لكن صرّح غير واحد من المتأخّرين و متأخّريهم بأنّه لا دليل يختصّان به حتّى يكونا قاطعين للصلاة مطلقا. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(2)
و قال في المستمسك: «اجماعا كما عن الخلاف و جامع المقاصد و الروض و غيرها. و ظاهر ذكرهما في قبال الفعل الكثير، الابطال بهما مطلقا، و لو مع القلّة،
بل عن بعض الابطال بالمسمّى، و هو ما يبطل الصوم. لكن المصرّح به في كلام غير واحد: التقييد بالتطاول - كما في المعتبر و المنتهى - أو بالكثرة - كما في غيرهما - و منه يشكل الاعتماد على الاجماع في ابطالهما مطلقا، و لاسيّما و في مفتاح الكرامة: «الذي وجدته بعد التتبّع أنّ من أطلقهما و عطفهما على الفعل الكثير صرّح في ذلك أو في غيره بأنّ المبطل منهما الكثير، أو ما آذن بالانمحاء أو نافى الخشوع». انتهى».(3)
أقول:
ليس هنا دليل على بطلان الصلاة بالأكل و الشرب و ان لم يكثرا، من نصّ أو اجماع كاشف عن رأي المعصوم عليه السلام الاّ أنّه اذا كان الأكل و الشرب موجبين لانمحاء صورة الصلاة و الموالاة المعتبرة بين أجزاء الصلاة فلا اشكال في ابطال الصلاة بهما؛ لعدم وجود صلاة حينئذ، و لا فرق في ذلك بين العمد و السهو. و أمّا ان لم يكن كذلك ولكن يقال له أكل و شرب، فهما مبطلان أيضا بالبيان الذي تقدّم من منافاته للصلاة بحسب السيرة الارتكازيّة ولكن تبطل الصلاة ان كان الأكل أو الشرب عامدا دون ما كان منهما سهوا. و يؤيّد ابطالهما الصلاة حسنة سعيد الأعرج قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي أبيت و أريد الصوم فأكون في الوتر فأعطش فأكره أن أقطع الدعاء و أشرب، و أكره أن أصبح و أنا عطشان، و أمامي قُلّة بيني و بينها خطوتان أو ثلاثة؟ قال: تسعى اليها و تشرب منها حاجتك، و تعود في الدعاء».(1)
و روى الصدوق في الموثّق عن سعيد الأعرج أنّه قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: جعلت فداك! انّي أكون في الوتر و أكون قد نويت الصوم فأكون في الدعاء و أخاف الفجر فأكره أن أقطع على نفسي الدعاء و أشرب الماء و تكون القُلّة أمامي؟ قال: فقال لي: فاخط اليها الخطوة و الخطوتين و الثلاث و اشرب و ارجع الى مكانك، و لاتقطع على نفسك الدعاء».(2)
و لولا كان في ذهن الراوي منافاة الشرب للصلاة لم يسأل عن جوازه في صلاة الوتر على نحو من الاضطرار اليه. و التشكيك في تلك السيرة الارتكازيّة خلاف.
ثمّ انّه اذا ابتلع بقايا الطعام الباقية في الفم أو بين الأسنان فلابأس به لعدم منافاته للصلاة مع عدم صدق الأكل. و كذا لو ابتلع قليلاً من السكّر الذي يذوب و ينزل شيئا فشيئا.
يجوز شرب الماء لمن كان في دعاء صلاة الوتر و كان عازما على الصوم في ذلك اليوم و يخشى مفاجأة الفجر و هو عطشان و الماء أمامه فيخطو خطوتين أو ثلاثا و يشرب الماء و يرجع الى مكانه و يقطع على نفسه الدعاء بشرط أن لايفعل غير ذلك من منافيات الصلاة حتّى اذا أراد أن يرجع الى مكانه رجع القهقرى لئلاّ يستدبر القبلة، و ذلك لما مرّ من معتبرة سعيد الأعرج، و لايتجاوز الى غيرها من النوافل بل الى سائر أحوال صلاة الوتر؛ لأنّ الشرب منافٍ للصلاة فيقتصر الجواز على مورده.
قال في الجواهر: «و ينبغي أن لايفعل شيئا من منافيات الصلاة التي لايدلّ عليها الخبر المزبور، حتّى منه الى مطلق النافلة، بل من دعاء الوتر الى غيره من أحواله فضلاً عن غير ذلك، اقتصارا على مورد النصّ؛ لعدم دليل على التعدّي. انتهى ملخّصا».(1)
و قال المحقّق في المعتبر: «الرواية المذكورة غير دالّة على جواز الشرب في النافلة مطلقا، بل تدلّ على الوتر خاصّة بالقيود التي تضمّنها الحديث و هي ارادة الصوم و خوف العطش و كونه في دعاء الوتر. انتهى ملخّصا».(2)
«العاشر»: تعمّد قول «آمين» بعد تمام الفاتحة لغير ضرورة من غير فرق بين الاجهار به و الاسرار، للامام و المأموم و المنفرد، و لابأس به في غير المقام المزبور بقصد الدعاء. كما لابأس به مع السهو و في حال الضرورة بل قد يجب معها و لو تركها أثم لكن تصحّ صلاته على الأقوى.
الشرح:
قال المحقّق في المعتبر: «قال المفيد و علم الهدى في الانتصار: يحرم قول «آمين» آخر الحمد. و قال الشيخ في المبسوط: و قول «آمين» يقطع الصلاة سرّا و جهرا في آخر الحمد أو قبلها للامام و المأموم، و قال الشافعي و أبو حنيفة و أحمد: هو سنّة للامام و المأموم، و قال مالك: ليس بسنّة للامام. انتهى».(1)
قال المفيد في المقنعة: «و لايقل بعد فراغه من الحمد «آمين» كقول اليهود و اخوانهم النصّاب. انتهى».(2)
و قال السيّد في الانتصار: «و ممّا انفردت به الاماميّة: ايثار ترك لفظة «آمين» بعد قراءة الفاتحة؛ لأنّ باقي الفقهاء يذهبون الى أنّها سنّة. دليلنا على ما ذهبنا اليه اجماع الطائفة على أنّ هذه اللفظة بدعة و قاطعة للصلاة. و طريقة الاحتياط أيضا. انتهى».(3)
و قال القاضي ابن البرّاج في المهذّب: «فلايقول «آمين» كما يفعله العامّة. انتهى».(4)
و قال ابن حمزة في الوسيلة: «و ما تقطع الصلاة عمدا قول «آمين» في آخر
الحمد. انتهى ملخّصا».(1)
و قال في الجواهر: «لايجوز قول «آمين» في آخر الحمد عند المشهور بين الأصحاب القدماء و المتأخّرين شهرة عظيمة كادت تكون اجماعا كما اعترف به في جامع المقاصد، بل في المنتهى و عن كشف الالتباس نسبته الى علمائنا مشعرين بدعوى الاجماع عليه، بل في الغنية و التحرير و المحكي عن الانتصار و الخلاف و نهاية الأحكام و التذكرة الاجماع عليه، بل في المعتبر عن المفيد دعواه أيضا، بل عن الأمالي أنّ من دين الاماميّة الاقرار به، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، اذ لم نجد فيه مخالفا. انتهى».(2)
و الظاهر من الروايات حرمة قول «آمين» بعد قراءة الحمد، كصحيحة جميل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كنت خلف امام فقرأ الحمد و فرغ من قراءتها فقل أنت: الحمد للّه ربّ العالمين، و لاتقل «آمين»».(3)
و صحيحة معاوية بن وهب قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أقول «آمين» اذا قال الامام: «غير المغضوب عليهم و لا الضآلّين»؟ قال: هم اليهود و النصارى، و لم يجب في هذا».(4)
و قول أبي جعفر عليه السلام في صحيحة زرارة:
«و لاتقولنّ اذا فرغت من قراءتك «آمين»، فان شئت قلت: الحمد للّه ربّ العالمين».(5)
و خبر محمّد الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام: أقول اذا فرغت من فاتحة الكتاب: «آمين»؟ قال: لا».(1)
و خبر فضيل بن يسار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا قرأت الفاتحة ففرغت من قراءتها (و أنت في الصلاة) فقل: الحمد للّه ربّ العالمين».(2)
و لاتعارضها صحيحة جميل الثانية قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن قول الناس في الصلاة جماعة حين يقرأ فاتحة الكتاب: «آمين»؟ قال: ما أحسنها و اخفض الصوت بها».(3)
لأنّها تحمل على التقيّة كما حمله الشيخ و غيره لاجماع الطائفة على ترك العمل به، و موافقته للعامّة.
قال في الشرائع: «لايجوز قول «آمين» آخر الحمد، و قيل: هو مكروه. انتهى».(4)
و قال في المدارك: «اختلف الأصحاب في قول «آمين» في أثناء الصلاة، فقال الشيخ في الخلاف: قول «آمين» يقطع الصلاة سواء كان ذلك سرّا أو جهرا، آخر الحمد - الى أن قال: - و نقل عن ابن الجنيد أنّه جوّز التأمين عقيب الحمد و غيرها، و مال اليه المصنّف في المعتبر، و شيخنا المعاصر - الى أن قال: - انّ الأجود التحريم دون الابطال. انتهى».(5)
و أمّا البطلان فلم يدلّ عليه دليل ظاهر من الأخبار، و أمّا الاجماع الذي يكون
كاشفا عن رأي الامام فلم يحصل.
نعم لو قاله عامدا و باعتقاد أنّه جزء من الصلاة فتبطل صلاته مطلقا لكونه من الزيادة العمديّة. و أمّا لو قصد به الدعاء أي طلب الاجابة فهو حرام للنهي عنه في الروايات المتقدّمة، أمّا البطلان فلا.
ثمّ انّ القول به مع السهو لايحرم و لايضرّ بالصلاة؛ لحديث الرفع و حديث لاتعاد الشاملان باطلاقهما للمنع. كما أنّه لابأس به في حال الضرورة؛ لعموم أدلّة التقيّة التي مقتضاها صحّة العمل الموافق لها، بل قد يجب معها، و لو تركها أثم لكن تصحّ صلاته؛ لأنّ الأمر باتيان فعل خارج عن الصلاة تقيّة لايجعلها جزءً للصلاة ليستوجب فقده البطلان.
«الحادي عشر»: الشكّ في ركعات الثنائيّة و الثلاثيّة و الأوليين من الرباعيّة على ما سيأتي.
«الثاني عشر»: زيادة جزء أو نقصانه عمدا ان لم يكن ركنا، و مطلقا ان كان ركنا.
سيأتي الكلام فيهما في مباحث الخلل ان شاء اللّه تعالى.
(مسألة 40): لو شكّ بعد السلام في أنّه هل أحدث في أثناء الصلاة أم لا، بنى على العدم و الصحّة.
أمّا البناء على عدم الحدث فلاستصحاب الطهارة، و أمّا البناء على الصحّة فلقاعدة الفراغ التي لايفرق في جريانها بين الشكّ في وجود الجزء، و الشرط، و المانع، و القاطع؛ لاطلاق قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم:
«كلّما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو».(1)
(مسألة 41): لو علم بأنّه نام اختيارا و شكّ في أنّه هل أتمّ الصلاة ثمّ نام أو نام في أثنائها بنى على أنّه أتمّ ثمّ نام، و أمّا اذا علم بأنّه غلبه النوم قهرا و شكّ في أنّه كان أثناء الصلاة أو بعدها وجب عليه الاعادة و كذا اذا رأى نفسه نائما في السجدة و شكّ في أنّها السجدة الأخيرة من الصلاة أو سجدة الشكر بعد اتمام الصلاة و لايجري قاعدة الفراغ في المقام.
الشرح:
اذا شكّ بعد الصلاة في أنّه هل نام أثناء الصلاة أو بعدها مع علمه بالنوم اختيارا بنى على أنّه أتمّ ثمّ نام؛ لأنّ المكلّف الذي يأتي بوظيفته حسب تديّنه و يصلّي مع كونه عالما بأنّ النوم مبطل للصلاة لايبطله اختيارا و لايبعد استفادة ذلك من الروايات التي يأمر فيها بحمل ظاهر حال المسلم على الصلاح و الصحّة بتقريب أنّ المناط على هذا الحمل هو أنّ المسلم اذا عمل عملاً لامتثال أمر الشارع يأتي بأجزائه و شرائطه و يترك موانعه، و أنّ العامل نفس الحامل. مضافا الى اطلاق قوله عليه السلام: «كلّما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو».
و أمّا اذا علم بأنّه غلبه النوم قهرا و شكّ في أنّه كان في أثناء الصلاة أو بعدها فلاتجري قاعدة الفراغ؛ لعدم احراز الفراغ من الصلاة فعليه اعادة الصلاة؛ لاشتغال ذمّته، و كذا لو رأى نفسه في السجدة و شكّ في أنّها السجدة الأخيرة من الصلاة أو سجدة الشكر فلاتجري قاعدة الفراغ؛ لعدم احراز الفراغ من الصلاة بخلاف الصورتين المتقدّمتين.
1) - وسائل الشيعة 8: 237 / الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 3.
(مسألة 42): اذا كان في أثناء الصلاة في المسجد فرأى نجاسة فيه فان كانت الازالة موقوفة على قطع الصلاة أتمّها ثمّ أزال النجاسة و ان أمكنت بدونه بأن لم يستلزم الاستدبار و لم يكن فعلاً كثيرا موجبا لمحو الصورة وجبت الازالة ثمّ البناء على صلاته.
الشرح:
اذا كان في أثناء الصلاة فرأى نجاسة في المسجد، فتارة يكون الوقت ضيقا و أخرى يكون موسّعا، ففي الصورة الأولى يتمّ الصلاة ثمّ يزيل النجاسة، و في الثانية يقطع صلاته و يزيل النجاسة؛ لأنّ المبنى لحرمة قطع الصلاة هو اللعب بها و أمّا اذا كان لغرض صحيح فلا حرمة فيه. نعم، لو قلنا بحرمته مطلقا فان أمكنت الازالة بدون القطع أزال و الاّ تخيّر؛ لأنّ دليل حرمة القطع و دليل فوريّة الازالة هو الاجماع، و حيث انّه دليل لبّي لا اطلاق له يشمل صورة مزاحمة الأمرين. فالمرجع في موردها أصالة البراءة عن كلّ منهما و نتيجتها التخيير بين الأمرين.
(مسألة 43): ربّما يقال بجواز البكاء على سيّد الشهداء أرواحنا فداه في حال الصلاة و هو مشكل.
الشرح:
الظاهر أنّه لا اشكال في جواز البكاء على سيّد الشهداء حسين بن على عليه السلام في حال الصلاة؛ لأنّه عبادة بل الظاهر من الروايات الواردة في الباب هو أنّ البكاء على مصيبة الحسين عليه السلام أفضل من البكاء من خشية اللّه و خوفه الذي يكون جائزا في الصلاة قطعا بل مستحبّا.
(مسألة 44): اذا أتى بفعل كثير أو بسكوت طويل و شكّ في بقاء صورة
الصلاة و محوها معه فلايبعد البناء على البقاء، لكنّ الأحوط الاعادة بعد الاتمام.
الشرح:
اذا أتى بفعل كثير أو بسكوت طويل و شكّ في بقاء صورة الصلاة و محوها معه، يبني على البقاء؛ لأنّ شكّه هذا يرجع الى حدوث المانع و القاطع للصلاة، و أنّ هذا الفعل الكثير أو السكوت الطويل هل كان بحيث يقطع الصلاة أو لم يصل الى هذا الحدّ فالأصل عدمه، بلا فرق بين أن يكون المستند في مانعيّة الفعل الكثير الماحي الاجماع أو فوات الموالاة. أمّا الأوّل فلأنّ القدر المتيقّن منه ما يقطع بأنّه ماحٍ لصورة الصلاة. و أمّا الثاني فكذلك فاذا شكّ في أنّ الفعل الكثير أو السكوت الطويل أوجب الاخلال بالموالاة امّا بشبهة حكميّة أو موضوعيّة، نحكم بأنّ الأصل عدم وجود الاخلال بالموالاة فتحرز صحّة الصلاة بضمّ الوجدان الى الأصل.
و ما قيل من أنّ استصحاب بقاء الهيئة الاتّصاليّة أو بقاء الصورة و الموالاة العرفيّة و عدم وجود الماحي لايوجب التحاق الاجزاء اللاحقة و اتّصالها بالسابقة و لايتحقّق ماهيّة الصلاة الاّ على سبيل الأصل المثبت، مدفوع بأنّ اجراء أصل عدم وجود المانع مع ضمّ الوجدان تحرز صحّة الصلاة، و الواسطة لشدّة خفائه كأن لم تكن.
و هي أمور: «الأوّل»: الالتفات بالوجه قليلاً بل و بالعين و بالقلب.
الشرح:
يدلّ على كراهة الالتفات خبر عبدالملك قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الالتفات في الصلاة، أيقطع الصلاة؟ فقال: لا، و ما أحبّ أن يفعل».(1)
و ما روي في الخبر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا قام العبد الى الصلاة أقبل اللّه عليه بوجهه، فلايزال مقبلاً عليه حتّى يلتفت ثلاث مرّات، فاذا التفت ثلاث مرّات أعرض عنه».(2)
و ما روي في الخبر عن علي عليه السلام قال:
«الالتفات في الصلاة اختلاس من الشيطان، فايّاكم و الالتفات في
الصلاة، فانّ اللّه مقبل على العبد اذا قام في الصلاة، فاذا التفت قال اللّه تبارك و تعالى: يابن آدم، عمّن تلتفت - ثلاثة - فاذا التفت الرابعة أعرض اللّه عنه».(1)
و ما روي أيضا في الخبر عن علي عليه السلام:
«للمصلّي ثلاث خصال: ملائكة حافّين من قدميه الى أعنان السماء، و البرّ ينتثر عليه من رأسه الى قدمه، و ملك عن يمينه و عن يساره، فان التفت قال الربّ تبارك و تعالى: الى خير منّي تلتفت يابن آدم؟! لو يعلم المصلّي من يناجي ما انفتل».(2)
و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا قمت الى الصلاة فعليك بالاقبال على صلاتك فانّما لك منها ما أقبلت عليه، و لاتعبث فيها بيديك و لا برأسك و لا بلحيتك و لاتحدّث نفسك. الحديث».(3)
«الثاني»: العبث باللحية أو بغيرها كاليد و نحوها.
لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة:
« ... و لاتعبث فيها بيديك و لا برأسك و لابلحيتك».(4)
و (في حديث الأربعمائة) عن علي عليه السلام قال:
«و لايعبث الرجل في صلاته بلحيته و لا بما يشغله عن صلاته. بادروا بعمل الخير قبل أن تشغلوا عنه بغيره، ليكن (كلّ كلامك) ذكر
اللّه، الصلاة قربان كلّ تقيّ، ليخشع الرجل في صلاته فانّ من خشع قلبه للّه عزّوجلّ خشعت جوارحه فلاتعبث بشيء».(1)
«الثالث»: القِران بين السورتين على الأقوى و ان كان الأحوط الترك.
على ما تقدّم في مبحث القراءة.(2)
«الرابع»: عقص الرجل شعره و هو جمعه و جعله في وسط الرأس و شدّه أو لَيُّه و ادخال أطرافه في أصوله أو ضفره و ليّه على الرأس أو ضفره و جعله كالكبّة في مقدّم الرأس على الجبهة. و الأحوط ترك الكلّ بل يجب ترك الأخير في ضفره الشعر حال السجدة.
الشرح:
عَقص الشعر(3): جمعه و جعله في وسط الرأس و شدّه. و منه الحديث: «رجل صلّى معقوص الشعر؟ قال: يعيد». و العقيصة للمرأة: الشعر يلوى و تدخل أطرافه في أصوله، و الجمع عقائص، و عِقاص، و العقصة مثلها، و الجمع عقص كسدرة و سدر.(4)
و قال في الحدائق: «قال في القاموس: عقص شعره ضفره و فتله. و القول بالكراهة هو المشهور بين المتأخّرين و ذهب اليه سلاّر و أبو الصلاح و ابن ادريس و جمهور المتأخّرين، و هو ظاهر عبارة المفيد بخلاف الشيخ فانّه ذهب
الى التحريم في التهذيب و المبسوط و الخلاف. انتهى ملخّصا».(1)
و يدلّ على الكراهة خبر مصادف عن أبي عبداللّه عليه السلام: في الرجل صلّى صلاة فريضة و هو معقص الشعر. قال: «يعيد صلاته».(2)
و ظاهر الرواية و ان كان يدلّ على وجوب الاعادة الاّ أنّها تحمل على الاستحباب و كراهة العقص لضعف سندها و عدم الجابر لها. مضافا الى ما رواه المحقّق في المعتبر عن سنن الدارمي عن أبي رافع قال:
«مرّ بي رسول اللّه صلى الله عليه و آله و أنا أصلّي و قد عقصت شعري فأطلقه».(3)
و لو كان محرّما لنهاه على التحريم؛ لأنّه موضع الحاجة. و الظاهر خبر الدعائم عن علي عليه السلام أنّه قال:
«نهاني رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن أربع: عن تقليب الحصى في الصلاة، و أن أصلّي و أنا عاقص رأسي من خلفي، و أن أحتجم و أنا صائم، و أن أخصّ يوم الجمعة بالصوم».(4)
قال في الجواهر: «الأشبه عدم البطلان بعقص الشعر و عدم الحرمة وفاقا لمن عدا الشيخ و الحرّ العاملي في رسائله و ميل الشهيد في الذكرى و البحراني في حدائقه، ولكن مع الكراهة. انتهى ملخّصا».(5)
«الخامس»: نفخ موضع السجود.
كما تقدّم في مكروهات السجود.
«السادس»: البُصاق.(1)
«السابع»: فرقعة الأصابع(2)أي نقضها.
«الثامن»: التمطّي.(3)
«التاسع»: التثاؤب.(4)
«العاشر»: الأنين.
«الحادي عشر»: التأوّه.
لما في صحيحة حمّاد:
«و لاتبزق عن يمينك و لا يسارك و لا بين يديك».(5)
و خبر أبي بصير قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا قمت في الصلاة فاعلم أنّك بين يدي اللّه، فان كنت لاتراه فاعلم أنّه يراك، فأقبل قبل صلاتك، و لاتمتخط و لاتبزق، و لاتنقض أصابعك، و لاتورّك، فانّ قوما قد عذبوا بنقض الأصابع و التورّك في الصلاة. الحديث».(6)
و ما رواه الصدوق في ثواب الأعمال في الخبر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من حبس ريقه اجلالاً للّه في صلاته أورثه اللّه صحّة حتّى الممات».(7)
و خبر مسمع أبي سيّار عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله سمع خلفه فرقعة، فرقع رجل أصابعه في صلاته، فلمّا انصرف قال النبي صلى الله عليه و آله: أما انّه حظّه من صلاته».(8)
و صحيحة زرارة قال:
1) - بصق: أي لفظ ما في فمه.
2) - فرقع أصابعه: أي ضغط عليها حتّى سُمع لها صوت.
3) - التمطّي بالفارسيّة: كشيدن دست ها.
4) - التثاؤب بالفارسيّة: خميازه كشيدن.
5) - وسائل الشيعة 5: 460 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 1.
6) - وسائل الشيعة 5: 465 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 9.
7) - وسائل الشيعة 7: 265 / الباب 14 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 4.
8) - وسائل الشيعة 7: 265 / الباب 14 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 2.
قال أبو جعفر عليه السلام: اذا قمت في الصلاة فعليك بالاقبال على صلاتك - الى أن قال: - و لاتتثاءب و لاتتمطّى. الحديث».(1)
و صحيحة الفضيل بن يسار عن أحدهما عليه السلام أنّه قال في الرجل يتثاءب و يتمطّى في الصلاة، قال:
«هو من الشيطان و لايملكه».(2)
و أمّا الأنين، ففي رواية طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلامأنّه قال:
«من أنّ في صلاته فقد تكلّم».(3)
و مرسلة الصدوق:
«من أنّ في صلاته فقد تكلّم».(4)
فانّهما تحملان على الكراهة لضعفهما، أو تحملان على ما اذا ظهر من أنينه حرفان فصاعدا.
«الثاني عشر»: مدافعة البول و الغائط، بل و الريح.
«الثالث عشر»: مدافعة النوم، ففي الصحيح: «لاتقم الى الصلاة متكاسلاً و لا متناعسا و لا متثاقلاً».
لما في صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا صلاة لحاقن و لا لحاقنة، و هو بمنزلة من هو في ثوبه».(5)
و خبر اسحاق بن عمّار قال:
«سمعت أبا عبداللّه الصادق عليه السلام يقول: لا صلاة لحاقن و لا لحاقب و
1) - وسائل الشيعة 7: 259 / الباب 11 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 7: 259 / الباب 11 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 7: 281 / الباب 25 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 7: 281 / الباب 25 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 7: 251 / الباب 8 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 2.
لا لحازق، فالحاقن الذي به البول، و الحاقب الذي به الغائط، و الحازق الذي قد ضغطه الخفّ».(1)
و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا قمت الى الصلاة فعليك بالاقبال على صلاتك فانّما لك منها ما أقبلت عليه، و لاتعبث فيها بيديك و لا برأسك و لا بلحيتك و لاتحدّث نفسك و لاتتثاءب و لاتتمطّ و لاتكفّر فانّما يفعل ذلك المجوس، و لاتلثم و لاتحتفز، و تفرّج كما يتفرّج البعير، و لاتقع على قدميك و لاتفترش ذراعيك و لاتفرقع أصابعك، فانّ ذلك كلّه نقصان من الصلاة، و لاتقم الى الصلاة متكاسلاً و لا متناعسا و لا متثاقلاً فانّها من خلال النفاق فانّ اللّه سبحانه نهى المؤمنين أن يقوموا الى الصلاة و هم سكارى، يعني سكر النوم، و قال للمنافقين: «و اذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس و لايذكرون اللّه الاّ قليلاً»».(2)
«الرابع عشر»: الامتخاط.
و قد تقدّم في خبر أبي بصير، راجع المورد السادس من مكروهات الصلاة.
«الخامس عشر»: الصفد في القيام، أي الاقران بين القدمين معا كأنّهما في قيد.
«السادس عشر»: وضع اليد على الخاصرة.
«السابع عشر»: تشبيك الأصابع.
«الثامن عشر»: تغميض البصر.
«التاسع عشر»: لبس الخفّ أو
الجورب الضيق الذي يضغطه.
«العشرون»: حديث النفس.
«الحادي و العشرون»: قصّ الظفر و الأخذ من الشعر، و العضّ عليه.
«الثاني و العشرون»: النظر الى نقش الخاتم، و المصحف، و الكتاب و قراءته.
«الثالث و العشرون»: التورّك بمعنى وضع اليد على الورك معتمدا عليه حال القيام.
«الرابع و العشرون»: الانصات في أثناء القراءة أو الذكر ليسمع ما يقوله القائل.
«الخامس و العشرون»: كلّ ما ينافي الخشوع المطلوب في الصلاة.
ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا قمت في الصلاة فلاتلصق قدمك بالأخرى، دع بينهما فصلاً اصبعا أقلّ ذلك الى شبر أكثره، و أسدل منكبيك و أرسل يديك و لاتشبّك أصابعك. الحديث».(1)
و في خبر مسمع عن أبي عبداللّه عليه السلام عن أميرالمؤمنين عليه السلام:
«أنّ النبي صلى الله عليه و آله نهى أن يغمض الرجل عينيه في الصلاة».(2)
و في خبر اسحاق بن عمّار قال:
«سمعت أبا عبداللّه الصادق عليه السلام يقول: لا صلاة لحاقن و لا لحاقب و لا لحازق، فالحاقن الذي به البول و الحاقب الذي به الغائط و الحازق الذي قد ضغطه الخفّ».(3)
و قد مرّ قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «و لاتحدّث نفسك».(4)
و في خبر علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يقرض أظافيره أو لحيته و هو في صلاته؟ و ما
عليه ان فعل ذلك متعمّدا؟ قال: ان كان ناسيا فلابأس و ان كان متعمّدا فلايصلح له».(1)
و في خبره الآخر عن أخيه عليه السلام قال:
«و سألته عن الرجل يقرض لحيته و يعضّ عليها و هو في الصلاة، ما عليه؟ قال: ذلك الولع فلايفعل، و ان فعل فلا شيء عليه، ولكن لايتعوّده».(2)
و في خبره الثالث عن أخيه عليه السلام قال:
«و سألته عن الرجل، هل يصلح له أن ينظر الى نقش خاتمه و هو في الصلاة كأنّه يريد قراءته، أو في المصحف أو في كتاب في القبلة؟ قال: ذلك نقص في الصلاة و ليس يقطعها».(3)
و في خبر أبي بصير:
«و لاتنقض أصابعك و لاتورّك فانّ قوما قد عذبوا بنقض الأصابع و التورّك في الصلاة».(4)
و أمّا كراهة الانصات في أثناء القراءة أو الذكر ليسمع ما يقوله القائل و كذا كراهة كلّ ما ينافي الخشوع المطلوب في الصلاة، فيستفاد ممّا ورد في حديث النفس و اهتمام الشارع في ترك كلّ ما ينافي اقبال القلب و التوجّه الى اللّه تعالى.
(مسألة 1): لابدّ للمصلّي من اجتناب موانع قبول الصلاة كالعجب و الدلال و منع الزكاة و النشوز و الاباق و الحسد و الكبر و الغيبة و أكل الحرام
و شرب المسكر، بل جميع المعاصي؛ لقوله تعالى: «انّما يتقبّل اللّه من المتّقين».
لما في صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الرجل يعمل العمل و هو خائف مشفق ثمّ يعمل شيئا من البرّ فيدخله شبه العجب به، فقال: هو في حاله الأولى و هو خائف أحسن حالاً منه في حال عجبه».(1)
و في مرفوعة أحمد بن محمّد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: ثمانية لايقبل لهم صلاة: العبد الآبق حتّى يرجع الى سيّده، و الناشز عن زوجها و هو عليها ساخط، و مانع الزكاة، و تارك الوضوء، و الجارية المدركة تصلّي بغير خمار، و امام قوم يصلّي بهم و هم له كارهون، و الزنين. فقيل: يا رسول اللّه، و ما الزنين؟ قال: الرجل يدافع البول و الغائط، و السكران، فهؤلاء الثمانية لايقبل اللّه لهم صلاة».(2)
و المستفاد من قوله تعالى «انّما يتقبّل اللّه من المتّقين»(3)أنّ شرط قبول الصلاة التجنّب عن الذنوب و من جملتها الحسد و الكبر و الغيبة و أكل الحرام و شرب المسكر بل جميع المعاصي.
(مسألة 2): قد نطقت الأخبار بجواز جملة من الأفعال في الصلاة و أنّها لاتبطل بها، لكن من المعلوم أنّ الأولى الاقتصار على صورة الحاجة و الضرورة و لو العرفيّة. و هي عدّ الصلاة بالخاتم، و الحصى بأخذها بيده، و
تسوية الحصى في موضع السجود، و مسح التراب عن الجبهة، و نفخ موضع السجود اذا لم يظهر منه حرفان، و ضرب الحائط أو الفخذ باليد لاعلام الغير أو ايقاظ النائم، و صفق اليدين لاعلام الغير و الايماء لذلك، و رمي الكلب و غيره بالحجر، و مناولة العصى للغير، و حمل الصبي و ارضاعه، و حكّ الجسد، و التقدّم بخطوة أو خطوتين، و قتل الحيّة و العقرب و البرغوث و البقّة و القمّلة و دفنها في الحصى، و حكّ خرء الطير من الثوب، و قطع الثواليل، و مسح الدماميل، و مسّ الفرج، و نزع السنّ المتحرّك، و رفع القلنسوة و وضعها، و رفع اليدين من الركوع أو السجود لحكّ الجسد، و ادارة السبحة، و رفع الطرف الى السماء، و حكّ النخامة من المسجد، و غسل الثوب أو البدن من القيء و الرعاف.
قد تقدّم في القاطع الثامن - أي كلّ فعل ماحٍ لصورة الصلاة - الروايات المشار اليها في هذه المسألة، و قلنا انّ المستفاد من هذه الروايات أنّ تلك الأفعال المذكورة فيها لاتضرّ بالصلاة و لاتكون ماحية لصورة الصلاة، فراجع.
لايجوز قطع صلاة الفريضة اختيارا، و الأحوط عدم قطع النافلة أيضا، و ان كان الأقوى جوازه. و يجوز قطع الفريضة لحفظ مال و لدفع ضرر مالي أو بدني كالقطع لأخذ العبد من الاباق، أو الغريم من الفرار، أو الدابّة من الشراد و نحو ذلك. و قد يجب كما اذا توقّف حفظ نفسه أو حفظ نفس محترمة أو حفظ مال يجب حفظه شرعا عليه. و قد يستحبّ كما اذا توقّف حفظ مال مستحبّ الحفظ عليه، و كقطعها عند نسيان الأذان و الاقامة اذا تذكّر قبل الركوع. و قديجوز كدفع الضرر المالي الذي لايضرّه تلفه، و لايبعد كراهته لدفع ضرر مالي يسير. و على هذا فينقسم الى الأقسام الخمسة.
الشرح:
قال في المدارك: «أمّا انّه لايجوز قطع الصلاة اختيارا فهو مذهب الأصحاب لاأعلم فيه مخالفا و لم أقف على رواية تدلّ بمنطوقها عليه. انتهى».(1)
1) - مدارك الأحكام 3: 477.
و قال في الدروس: «و يحرم قطع الصلاة الاّ لضرورة كفوات مال أو تردّي طفل. انتهى».(1)
و قال في المنتهى: «و يحرم قطع الصلاة الاّ لضرورة؛ لقوله تعالى: «و لاتبطلوا أعمالكم»». انتهى ملخّصا».(2)
و قال في الحدائق: «المشهور في كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف هو تحريم قطع الصلاة اختيارا و قيّده جملة من الأصحاب منهم العلاّمة في بعض كتبه بالفريضة. انتهى».(3)
و قال في الجواهر: «لايجوز قطع الصلاة الواجبة اختيارا بلا خلاف أجده كما اعترف به في المدارك و غيرها بل في مجمع البرهان: «كأنّه اجماعي». و في كشف اللثام: «الظاهر الاتّفاق». و في الرياض: «لا خلاف فيه على الظاهر المصرّح به في جملة من العبائر». انتهى».(4)
و استدلّ على عدم جواز القطع اختيارا بوجوه:
منها: أنّ الاتمام واجب و هو ينافي القطع فيكون القطع محرّما. و فيه: انّه مصادرة؛ لأنّ المدّعى أنّ القطع حرام و هو عبارة أخرى عن أنّ الاتمام واجب.
و منها: قوله تعالى «و لاتبطلوا أعمالكم»(5). و فيه: انّ الآية هكذا: «يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول و لاتبطلوا أعمالكم»، و الظاهر أنّ ابطال الأعمال يكون بترك طاعة اللّه و طاعة رسوله، و هو في مخالفة أمرهما بالنسبة الى ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام و خلافته، ثمّ بالنسبة الى الأحكام منالواجبات و المحرّمات، و هو خارج عمّا نحن بصدده.
و منها: ما ذهب اليه صاحب الحدائق من «أنّ الدليل على ذلك ما تقدّم في الأخبار الكثيرة من أنّ تحريمها التكبير و تحليلها التسليم، فانّه لا معنى لكون تحريمها التكبير الاّ تحريم ما كان محلّلاً على المصلّي قبل التكبير و أنّه بالدخول فيها بالتكبير تحرم عليه تلك الأمور من الاستدبار و الكلام عمدا و الحدث عمدا و نحو ذلك و أنّ هذه الأشياء انّما تحلّ عليه بالتسليم. انتهى».(1)
و فيه أوّلاً: ما في الجواهر من «احتمال ارادة الافتتاح و الاختتام، أو ارادة ذلك من حيث الصحّة و عدمها. انتهى».(2)
و لذا قال في مستند العروة: «انّ مبنى الاستدلال على ارادة التحريم و التحليل التكليفيّين و هو ممنوع بل المراد الوضعي منهما بشهادة شمولها للنافلة و لا حرمة فيها بالضرورة. انتهى».(3)
و ثانيا: قد عبّر في الروايات عن هذه التكبيرة بتكبيرة الافتتاح، و أمّا التعبير بتكبيرة الاحرام فهو اصطلاح خاصّ بالفقهاء.
و منها: ما استدلّ في المحكي عن شرح المفاتيح بقوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «لاتعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه».
و فيه: انّه خارج عمّا نحن فيه، فانّ زرارة و أبا بصير جميعا قالا:
«قلنا له: الرجل يشكّ كثيرا في صلاته حتّى لايدري كم صلّى و لا ما بقي عليه؟ قال: يعيد. قلنا: فانّه يكثر عليه ذلك كلّما أعاد شكّ؟ قال: يمضي في شكّه. ثمّ قال: لاتعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه، فانّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم و لايكثرنّ نقض الصلاة، فانّه اذا فعل ذلك مرّات لم يعد اليه
الشكّ. قال زرارة: ثمّ قال: انّما يريد الخبيث أن يطاع، فاذا عصي لم يعد الى أحدكم».(1)
فانّها تدلّ على عدم اطماع الشيطان في الطاعة و الانقياد لارادته من نقض الصلاة بالاعتناء بالوهم الذي لايتفاوت بين كون النقض محرّما أو جائزا. و هو ارشاد الى أنّ الشيطان يعتاد و يوسوس اذا اعتنى المصلّي بشكّه كثيرا، و اذا لم يعتن يذهب الشيطان.
و منها: ما استدلّ بصحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سأله عن الرجل يرعف و هو في الصلاة و قد صلّى بعض صلاته؟ فقال:
«ان كان الماء عن يمينه أو عن شماله أو عن خلفه فليغسله من غير أن يلتفت، و ليبن على صلاته، فان لم يجد الماء حتّى يلتفت فليعد الصلاة. قال: و القيء مثل ذلك».(2)
و نظيره قوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن وهب:
« ... فغسله فليبن على صلاته و لايقطعها».(3)
و فيه: انّ الأمر بغسل الرعاف و البناء على صلاته ان كان متمكّنا من ذلك للارشاد و التعليم، اذ هو في مقام توهّم انقطاع الصلاة بذلك، و ليس المراد من البناء الوجوب حتّى يحرم القطع.
و منها: ما استدلّ بصحيحة علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن الرجل يحرّك بعض أسنانه و هو في الصلاة، هل ينزعه؟ قال:
«ان كان لايدميه فلينزعه، و ان كان يدميه فلينصرف. و عن الرجل يكون به الثالول أو الجرح، هل يصلح له أن يقطع الثالول و هو في
صلاته، أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح و يطرحه؟ قال: ان لم يتخوّف أن يسيل الدم فلابأس، و ان تخوّف أن يسيل الدم فلايفعله. و عن الرجل يرى في ثوبه خرء الطير أو غيره، هل يحكّه و هو في صلاته؟ قال: لابأس. و قال: لابأس أن يرفع الرجل طرفه الى السماء و هو يصلّي».(1)
و موثّقة عمّار بن موسى قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يكون في الصلاة فيقرأ فيرى حيّة بحياله، يجوز له أن يتناولها فيقتلها؟ فقال: ان كان بينه و بينها خطوة واحدة فليخطُ و ليقتلها، و الاّ فلا».(2)
و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه و هو يستطيع أن يصبر عليه، أيصلّي على تلك الحال أو لايصلّي؟ فقال: ان احتمل الصبر و لم يخف اعجالاً عن الصلاة فليصلّ و ليصبر».(3)
و فيه: انّ النهي للارشاد و بيان الانقطاع لو فعله، بل لعلّ خبر ابن الحجّاج ظاهر في ارادة الرخصة في البقاء على الصلاة من الأمر فيه، لتوهّم الانقطاع بالمدافعة المزبورة.
و منها: بكلّ ما ورد من المنع من فعل المنافيات، خصوصا مثل قوله عليه السلام في مرسلة الصدوق:
«استقبل القبلة بوجهك، و لاتقلّب بوجهك عن القبلة فتفسد
صلاتك».(1)
حيث علّل به تحريم الالتفات.
و فيه: انّ النواهي المنافيات كالكلام و نحوه لايراد منها الاّ بيان المانعيّة و بطلان الصلاة بها، و حرمة الاجتزاء بالصلاة المشتملة على شيء منها، لا أنّ المراد منها حرمة القطع للفريضة.
و منها: النصوص التي علّق فيها جواز القطع بمواضع الضرورة، كصحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كنت في صلاة الفريضة فرأيت غلاما لك قد أبق أو غريما لك عليه مال، أو حيّة تتخوّفها على نفسك، فاقطع الصلاة و اتبع غلامك أو غريمك و اقتل الحيّة».(2)
و موثّقة سماعة قال:
«سألته عن الرجل يكون قائما في الصلاة الفريضة فينسى كيسه أو متاعا يتخوّف ضيعته أو هلاكه؟ قال: يقطع صلاته و يحرز متاعه ثمّ يستقبل الصلاة. قلت: فيكون في الفريضة فتغلب عليه دابّة أو تفلت (فتفلت خ ل) دابّته فيخاف أن تذهب أو يصيب فيها عنت؟ فقال: لابأس بأن يقطع صلاته».(3)
بتقريب أنّ حرمة القطع مقتضى مفهوم القضيّة الشرطيّة؛ لأنّ الأمر بالقطع لما ذكر في الصحيحة ليس للوجوب بل للجواز و عدم البأس فاذا لم تكن ضرورةفالقطع حرام و غير جائز.
و فيه: انّه ليس لهذه القضيّة الشرطيّة مفهوم فانّها سالبة بانتفاء الموضوع، و هي
كما في قضيّة «اذا رزقت ولدا فاختنه» فلايكون لهذه القضيّة مفهوم بحيث نقول: «ان لم ترزق فلاتختنه»؛ لأنّه اذا لم يكن له ولد فلا موضوع و لا حكم. و ما نحن فيه كذلك، فاذا لم يكن هناك غريم أو حيّة أو غلام آبق فلا موضوع و لا حكم. فحكم القطع حينئذ يرجع الى ما كان قبل وجود الضرورة، و المفروض أنّه لم يدلّ دليل على حرمة القطع.
فتحصّل أنّه لم يكن هناك دليل الاّ الاجماع المدّعى، و من المعلوم أنّ منقوله غير حجّة و محصّله لم يحصل، فالأصل الحاكم البراءة و الجواز. نعم، لو عدّ القطع عبثا و استهزاءً فيحرم من هذه الجهة. نعم، يلزم الاحتياط بترك القطع؛ لذهاب كثير من الفقهاء الى حرمته و ماعساه يظهر من فحاوي كثير من النصوص، كما في الجواهر.
و في الجواهر بعد نقل ما استدلّ به لحرمة قطع الصلاة اختيارا و جوابه قال: «فحينئذ لا دليل يتمسّك باطلاقه على حرمة قطع الصلاة حتّى يحتاج كلّ صورة تخرج من ذلك الى دليل خاصّ، اذ العمدة الاجماع، و ما عساه يظهر من فحاوي كثير من النصوص المتفرّقة في أبواب الصلاة كأخبار الصفق للحاجة و أخبار التيمّم و أنّه له اتمام الصلاة مع وجدان الماء في الأثناء أو لا، و غيرها، بل لعلّه ضروري، لكن لا اطلاق في شيء من ذلك، و المعلوم منه الحرمة في الجملة، فالمتّجه حينئذ الاقتصار على المتيقّن، ضرورة اقتضاء الأصول جواز القطع. انتهى».(1)
ثمّ على فرض الدليل أي الاجماع على حرمة القطع فحيث انّه لبّي فالقدر المتيقّن منه الفريضة، و أمّا النافلة فلا حرمة في قطعها حتّى لو عرض عليه الوجوب بالنذر و شبهه للأصل.
قال في الجواهر: «و ليس منه النافلة و لو بالعارض، فتبقى على مقتضاه من
1) - جواهر الكلام 11: 125 و 126.
الجواز، كما عساه يشعر به كلّ من قيّد الصلاة بالواجبة بالنسبة الى حرمة القطع كالقواعد و الذكرى و جامع المقاصد و عن الموجز و الكفاية و غيرها. انتهى».(1)
يجوز للمصلّي أن يقطع صلاته اذا خاف تلف مال أو فرار غريم، أو تردّي طفل و ما شابه ذلك. و الدليل عليه ما تقدّم من صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كنت في صلاة الفريضة فرأيت غلاما لك قد أبق، أو غريما لك عليه مال، أو حيّة تتخوّفها على نفسك فاقطع الصلاة و اتبع غلامك أو غريمك و اقتل الحيّة».(2)
و موثّقة سماعة قال:
«سألته عن الرجل يكون قائما في الصلاة الفريضة فينسى كيسه أو متاعا يتخوّف ضيعته أو هلاكه؟ قال: يقطع صلاته و يحرز متاعه ثمّ يستقبل الصلاة. قلت: فيكون في الفريضة فتغلب عليه دابّة أو تفلت (فتفلت خ ل) دابّته فيخاف أن تذهب أو يصيب فيها عنت؟ فقال: لابأس بأن يقطع صلاته».(3)
قال الشهيد في المسالك: «انّ قطعها لحفظ الصبي المتردّي اذا كان محترما واجب، و كذا حفظ المال المضرّ فوته بحاله، و قطعها لاحراز المال اليسير الذي لايضرّ فوته مباح، و لاحراز المال اليسير الذي لايبالي بفواته كالحبّة و الحبّتين من
الحنطة مكروه، و قد يستحبّ قطعها لأمور تقدّم بعضها كناسي الأذان و الاقامة، فقطع الصلاة منقسم الى الأحكام الخمسة. انتهى».(1)
و قال في الحدائق نقلاً عن الشهيد في الذكرى: «و قد يجب القطع كما في حفظ الصبي و المال المحترم من التلف و انقاذ الغريق و المحترق، و حيث يتعيّن عليه فلو استمرّ بطلت صلاته للنهي المفسد. - ثمّ قال: - انّ ذلك مبنيّ على استلزام الأمر بالشيء النهي عن ضدّه الخاصّ و الظاهر منه في غير موضع من كتابه المذكور عدم القول بذلك. و بالجملة فالحكم بالبطلان ضعيف بل غايته حصول الاثم. انتهى ملخّصا».(2)
و في الجواهر بعد نقل ما في الحدائق قال: «لعلّ البطلان هنا للأمر بالقطع في مرسل حريز السابق الذي لايجامعه الأمر بالاتمام ضرورة لا للنهي عن الضدّ؛ اذ متى أمر بقطعها لم يتصوّر صحّة اتمامها فضلاً عن الابتداء بها - الى أن قال: - يمكن أن يكون الأمر بالقطع في مرسل حريز في مقام توهّم الحظر، فلايفهم منه الاّ الاباحة، و الوجوب في بعض الأمثلة المذكورة فيه مبنيّ على قاعدة الضدّ. انتهى ملخّصا».(3)
أقول:
ان قلنا بأنّ الأمر في صحيحة حريز للوجوب فاذا كان هناك غريق أو محترق قد وجب انقاذه، فلو خالف و أتمّ الصلاة فقد ترك الأمر بالأهمّ و عصى، الاّ أنّ صلاته صحيحة على الترتّب.
و أمّا التقسيم الى الأقسام الخمسة فعلى القول بتحريم القطع ففيه تأمّل بل اشكال الاّ في بعض الصور، و أمّا على القول بعدم الحرمة الاّ اذا عدّ القطع هزوا و
عبثا فلابأس به.
و في المدارك بعد نقل كلام الشهيد في المسالك قال: «و يمكن المناقشة في جواز القطع في بعض هذه الصور؛ لانتفاء الدليل عليه، الاّ أنّه يمكن المصير اليه لما أشرنا اليه من انتفاء دليل التحريم. انتهى».(1)
(مسألة 1): الأحوط عدم قطع النافلة المنذورة اذا لم تكن منذورة بالخصوص بأن نذر اتيان نافلة فشرع في صلاة بعنوان الوفاء لذلك النذر. و أمّا اذا نذر نافلة مخصوصة فلايجوز قطعها قطعا.
الشرح:
لو قلنا بتحريم قطع الصلاة فلايشمل النافلة؛ لأنّه ان كان الدليل صحيحة حريز فالسؤال عن الفريضة، و ان كان الاجماع فالقدر المتيقّن منه هو الصلاة الواجبة. و أمّا النافلة المنذورة فلايشملها الاجماع؛ لأنّ القدر المتيقّن منه هو الصلاة الواجبة بالذات، و الظاهر من الصحيحة هو الصلوات اليوميّة.
قال في مستند العروة: «لو كان المنذور حصّة خاصّة منها كصلاة ركعتين بعد الفراغ من صلاة الظهر مباشرة فلا شبهة في حرمة القطع، لا من أجل حرمة قطع الصلاة، بل من أجل وجوب الوفاء بالنذر لامتناع التدارك لو قطع فيحرم في خصوص المقام لمكان الحنث حتّى لو بنينا على جواز قطع الفريضة، و هذا خارج عن محلّ الكلام. و أمّا لو كان المنذور طبيعيّ النافلة فلا دليل على حرمة القطع لانصراف الفريضة في صحيحة حريز الى ما كانت كذلك ذاتا، كما أنّ القدر المتيقّن من الاجماع كذلك. انتهى ملخّصا».(2)
(مسألة 2): اذا كان في أثناء الصلاة فرأى نجاسة في المسجد أو حدثت نجاسة فالظاهر عدم جواز قطع الصلاة لازالتها؛ لأنّ دليل فوريّة الازالة قاصر الشمول عن مثل المقام، هذا في سعة الوقت، و أمّا في الضيق فلا اشكال. نعم، لو كان الوقت موسّعا و كان بحيث لولا المبادرة الى الازالة فاتت القدرة عليها فالظاهر وجوب القطع.
الشرح:
لو قلنا بجواز قطع الصلاة الاّ اذا كان عبثا فلا محالة يجوز القطع لازالة النجاسة في المسجد بل يجب بناءً على وجوب الفوريّة. و أمّا لو قلنا بحرمة القطع فيكون دليل فوريّة الازالة قاصر الشمول لمثل المقام لو كان دليله الاجماع و كان دليل حرمة القطع النصّ. و لو كان دليل فوريّة الازالة النصّ و كان دليل حرمة القطع أيضا النصّ فيتخيّر لعدم الترجيح. و أمّا لو كان دليل حرمة القطع الاجماع فيرجّح القطع لأنّ المتيقّن منه غير المورد. هذا في سعة الوقت و أمّا في الضيق فلا اشكال في الحرمة حتّى فيما لو قطع و أزال و بقي له بمقدار ركعة من الوقت.
ثمّ انّه قال السيّد الحكيم في المستمسك: «انّ وجوب المبادرة الى الازالة عين وجوب الازالة كسائر المحرّمات، فالتفكيك بينهما بلا دليل، و حيث انّ المستفاد من الأدلّة أنّ وجود النجاسة في المسجد مبغوض للشارع، فلا محالة يكون الدليل هو النصّ. و لأجل ما عرفت من جواز القطع لأيّ غرض و حاجة راجحين، يتعيّن في المقام القطع و الازالة. انتهى ملخّصا».(1)
و أمّا ذيل المسألة فالظاهر وجوب القطع مطلقا أي على القولين من حرمة القطع مطلقا و جوازه الاّ اذا كان عبثا.
1) - مستمسك العروة 6: 613.
(مسألة 3): اذا توقّف أداء الدين المطالب به على قطعها فالظاهر وجوبه في سعة الوقت لا في الضيق، و يحتمل في الضيق وجوب الاقدام على الأداء متشاغلاً بالصلاة.
الشرح:
يجب أداء الدين اذا طالب صاحبه و لو كان في أثناء الصلاة بل و لو قلنا بحرمة قطع الصلاة و لم يتمكّن من أدائه متشاغلاً بالصلاة؛ لاطلاق دليل وجوب الأداء الشامل لحال الصلاة بخلاف دليل حرمة القطع فانّه الاجماع و لا اطلاق له فيقتصر على المتيقّن منه و هو غير المقام. هذا اذا كان الوقت واسعا أو ضاق و يدرك ركعة من الوقت، و أمّا في الضيق فان كان قادرا على الأداء متشاغلاً بالصلاة مراعيا للشرائط و الأجزاء وجب، و ان لم يكن قادرا فيؤدّي بعد الصلاة.
(مسألة 4): في موارد وجوب القطع اذا تركه و اشتغل بها فالظاهر الصحّة و ان كان آثما في ترك الواجب، لكنّ الأحوط الاعادة خصوصا في صورة توقّف دفع الضرر الواجب عليه.
الشرح:
اذا ترك قطع الصلاة في موارد وجوبه و اشتغل بها تصحّ صلاته؛ اذ بعد أن لم يكن الأمر بالقطع مقتضيا للنهي عن ضدّه الخاصّ و هو الاتمام لم يكن مانع من تعلّق الأمر به و لو بنحو الخطاب الترتّبي، و ذلك لأنّه اذا أمر المولى عبده بأمرين و تزاحما في مقام الامتثال يجب عليه عقلاً الاتيان بالأهمّ منهما فلو خالف و أتى بالمهمّ فهو و ان كان آثما في تركه ذلك الاّ أنّ المأتي به يكون صحيحا لوجود الأمر به. و بعد ذلك لا وجه لما خصّصه المصنّف لوجه الاعادة من صورة توقّف دفع الضرر الواجب عليه.
(مسألة 5): يستحبّ أن يقول حين ارادة القطع في موضع الرخصة أو الوجوب: «السلام عليك أيّها النبيّ و رحمة اللّه و بركاته».
الشرح:
قال في الجواهر: «ثمّ انّه قال في الذكرى: و اذا أراد القطع فالأجود التحليل بالتسليم؛ لعموم «و تحليلها التسليم» و لو ضاق الحال عنه سقط، و لو لم يأت به و فعل منافيا آخر فالأقرب عدم الاثم؛ لأنّ القطع سائغ و التسليم انّما يجب التحليل به في الصلاة التامّة. انتهى».(1)
و الظاهر أنّ مراد المصنّف ما ذكره في الذكرى. و يرد عليه بأنّ المستفاد ممّا روي أنّ الصلاة «تحريمها التكبير و تحليلها التسليم» على فرض صحّته هو السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين، و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته. و أمّا استحباب القول ب- «السلام عليك ... » فلم يرد في رواية.
1) - جواهر الكلام 11: 129.
و هي واجبة على الرجال و النساء و الخناثي، و سببها أمور:
«الأوّل و الثاني»: كسوف الشمس و خسوف القمر و لو بعضهما و ان لم يحصل منهما خوف.
الشرح:
تجب صلاة الآيات على كلّ مكلّف؛ للنصوص المعتبرة المستفيضة التي سيأتي ذكرها، و هي واجبة على الرجال و النساء لقاعدة الاشتراك و اطلاق النصوص و معاقد الاجماعات، و يؤيّدها رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن النساء هل على من عرف منهنّ صلاة النافلة و صلاة الليل و الزوال و الكسوف ما على الرجال؟ قال: نعم».(1)
و الحكم شامل للخنثى أيضا؛ لأنّه امّا رجل أو أنثى، و كذا لو كانت طبيعة ثالثة
1) - وسائل الشيعة 7: 487 / الباب 3 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 2.
فانّها مشمولة للاطلاقات.
و من أسبابها: كسوف الشمس و خسوف القمر.
قال في المدارك: «أجمع علماؤنا كافّة على وجوب الصلاة بكسوف الشمس و خسوف القمر. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه مستفيض ان لم يكن متواترا كالنصوص. انتهى».(2)
و في القاموس: «كسف الشمس و القمر كسوفا: احتجبا كانكسفا و اللّه ايّاهما حجبهما، و الأحسن في القمر خسف و في الشمس كسفت. انتهى».
و الدليل على الوجوب روايات:
منها صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال: وقت صلاة الكسوف - الى أن قال: - و هي فريضة».(3)
و منها صحيحة أخرى لجميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«صلاة العيدين فريضة، و صلاة الكسوف فريضة».(4)
و منها حسنة الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال:
«انّما جعلت للكسوف صلاة لأنّه من آيات اللّه، لايدرى أ لِرحمة ظهرت أم لعذاب؟ فأحبّ النبي صلى الله عليه و آله أن تفزع أمّته الى خالقها و راحمها عند ذاك ليصرف عنهم شرّها و يقيهم مكروهها كما صرف عن قوم يونس عليه السلام حين تضرّعوا الى اللّه عزّوجلّ. الحديث».(5)
و منها صحيحة محمّد بن حمران (في حديث صلاة الكسوف) قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: هي فريضة».(1)
و منها صحيحة أبي أسامة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«صلاة الكسوف فريضة».(2)
و منها خبر علي بن عبداللّه قال:
«سمعت أبا الحسن موسى عليه السلام يقول: انّه لمّا قبض ابراهيم بن رسول اللّه صلى الله عليه و آله جرت فيه ثلاث سنن: أمّا واحدة فانّه لمّا مات انكسفت الشمس، فقال الناس: انكسفت الشمس لفقد ابن رسول اللّه صلى الله عليه و آلهفصعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: يا أيّها الناس، انّ الشمس و القمر آيتان من آيات اللّه يجريان بأمره، مطيعان له، لاينكسفان لموت أحد و لا لحياته، فاذا انكسفتا أو واحدة منهما فصلّوا، ثمّ نزل فصلّى بالناس صلاة الكسوف».(3)
فرعان:
اذا احترق بعضهما وجب الصلاة و ذلك لاطلاق الأدلّة و الروايات الواردة لنفي القضاء مع عدم احتراق القرص كلّه، فانّها تدلّ على وجوب الأداء مطلقا.
و منها صحيحة الفضيل بن يسار و محمّد بن مسلم أنّهما قالا:
«قلنا لأبي جعفر عليه السلام: أتقضى(4)صلاة الكسوف و من اذا أصبح فعلم
1) - وسائل الشيعة 7: 484 / الباب 1 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 7.
2) - وسائل الشيعة 7: 484 / الباب 1 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 8.
3) - وسائل الشيعة 7: 485 / الباب 1 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 10.
4) - في الفقيه هكذا: «أيقضي صلاة الكسوف من اذا أصبح ... ». 1: 549 / الحديث 1529
و اذا أمسى فعلم؟ قال: ان كان القرصان احترقا كلاهما قضيت، و ان كان انّما احترق بعضهما فليس عليك قضاؤه».(1)
و منها صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا انكسفت الشمس كلّها و احترقت و لم تعلم ثمّ علمت بعد ذلك فعليك القضاء، و ان لم تحترق كلّها فليس عليك قضاء».(2)
و قال الكليني: و في رواية أخرى:
«اذا علم بالكسوف و نسي أن يصلّي فعليه القضاء، و ان لم يعلم به فلا قضاء عليه، هذا اذا لم يحترق كلّه».(3)
قال في المستمسك: «بلا خلاف ظاهر؛ لاطلاق الأدلّة و خصوص بعضها. و منه ما تضمّن نفي القضاء مع عدم احتراق القرص. انتهى».(4)
تجب صلاة كسوف الشمس و خسوف القمر و ان لم يحصل منهما خوف، و ذلك لاطلاق النصوص و معاقد الاجماعات. و أمّا حسنة الفضل بن شاذان المتقدّمة فتحمل على بيان حكمة التشريع. و يشير الى ذلك مرسلة الصدوق قال:
«و قال سيّد العابدين علي بن الحسين عليه السلام - و ذكر علّة كسوف الشمس و القمر، ثمّ قال: - أمّا انّه لايفزع للآيتين و لايرهب لهما الاّ من كان من شيعتنا، فاذا كان ذلك منهما فافزعوا الى اللّه عزّوجلّ و
راجعوه».(1)
و مرسلة المفيد في المقنعة قال:
«روي عن الصادقين عليهماالسلام: أنّ اللّه اذا أراد تخويف عباده و تجديد الزجر لخلقه كسف الشمس و خسف القمر، فاذا رأيتم ذلك فافزعوا الى اللّه تعالى بالصلاة».(2)
فالظاهر أنّ الروايتين و حسنة فضل بن شاذان بصدد بيان فعل اللّه تعالى و توجّه المؤمنين عند ذلك الى اللّه بالصلاة.
«الثالث»: الزلزلة، و هي أيضا سبب لها مطلقا و ان لم يحصل بها خوف على الأقوى.
الشرح:
قال في الحدائق: «ادّعى العلاّمة في التذكرة الاجماع على وجوب الصلاة في الزلزلة و قريب منه عبارة المحقّق في المعتبر. و نقل المحدّث الكاشاني في المفاتيح أنّه قيل باستحبابها، و لم نقف على قائل بذلك. نعم ذكر في المختلف أنّ أبا الصلاح لم يتعرّض لغير الكسوفين. و قال في الذكرى: انّ ابن الجنيد لم يصرّح بالوجوب هنا ولكن ظاهر كلامه ذلك. انتهى ملخّصا».(3)
نقل العلاّمة في المختلف عن الشيخ في النهاية و المبسوط و الخلاف، و المفيد، و المرتضى في جمله، و سلاّر و ابني بابويه و ابن أبي عقيل و ابن حمزة و ابن البرّاج و ابن ادريس بأنّ «الصلاة واجبة عند الزلازل. - و قال: - و أبو الصلاح لم يتعرّض لذكر غير كسوف الشمس و القمر. و قال ابن الجنيد: و تلزم الصلاة عند
كلّ مخوف سماوي. انتهى ملخّصا».(1)
و في مفتاح الكرامة أضاف الى ما نقل عن المختلف و قال: «و خيرة العلاّمة في جميع كتبه، و الشهيد فيما عدا الألفية، و خيرة كفاية الطالبين و المقتصر و فوائد الشرائع و تعليق النافع و الميسيّة و الروض و الروضة و المسالك و المقاصد العليّة و المدارك و مجمع البرهان و الكفاية و الشافية و هو ظاهر المعتبر أو صريحه. انتهى».(2)
و أمّا الروايات، فمنها ما روى الصدوق في الخبر عن سليمان الديلمي:
«أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الزلزلة، ما هي؟ فقال: آية - ثمّ ذكر سببها الى أن قال: - قلت: فاذا كان ذلك، فما أصنع؟ قال: صلّ صلاة الكسوف. الحديث».(3)
و منها صحيحة عمر بن أذينة عن رهط و هم الفضيل و زرارة و بريد و محمّد بن مسلم عن كليهما، و منهم من رواه عن أحدهما:
«أنّ صلاة كسوف الشمس و القمر و الرجفة و الزلزلة عشر ركعات و أربع سجدات صلاّها رسول اللّه صلى الله عليه و آله و الناس خلفه في كسوف الشمس، ففرغ حين فرغ و قد انجلى كسوفها».(4)
و منها ما رواه الصدوق باسناده عن بريد بن معاوية و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالا:
«اذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلّها ما لم تتخوّف أن يذهب وقت الفريضة، فان تخوّفت فابدأ بالفريضة و اقطع ما كنت
فيه من صلاة الكسوف، فاذا فرغت من الفريضة فارجع الى حيث كنت قطعت و احتسب بما مضى».(1)
فانّ الزلزلة من أهمّ هذه الآيات، و الخوف الحاصل منها عند وقوعها أكثر فيشملها قولهما عليهماالسلام: «أو بعض هذه الآيات». و ما قيل فيها من المناقشات في السند أو الدلالة، مدفوع بعمل الأصحاب قديما و حديثا، فلا اشكال في وجوب الصلاة عندها. ثمّ انّه تجب الصلاة عند وقوع الزلزلة و ان لم يحصل بها خوف لاطلاق الدليل.
«الرابع»: كلّ مخوف سماوي أو أرضي كالريح الأسود أو الأحمر أو الأصفر و الظلمة الشديدة و الصاعقة و الصيحة و الهدّة، و النار التي تظهر في السماء، و الخسف و غير ذلك من الآيات المخوفة عند غالب الناس. و لا عبرة بغير المخوف من هذه المذكورات و لا بخوف النادر و لا بانكساف أحد النيّرين ببعض الكواكب الذي لايظهر الاّ للأوحديّ من الناس، و كذا بانكساف بعض الكواكب ببعض اذا لم يكن مخوفا للغالب من الناس.
الشرح:
قال في الشرائع: «و هل تجب لما عدا ذلك من ريح مظلمة و غير ذلك من أخاويف السماء؟ قيل: نعم، و هو المروي. و قيل: لا، بل يستحبّ. و قيل: تجب للريح المخوفة و الظلمة الشديدة حسب. انتهى».(2)
و قال في المدارك: «القول بوجوب الصلاة لأخاويف السماء كلّها كالظلمة العارضة، و الحمرة الشديدة، و الرياح العاصفة، و الصاعقة الخارجة عن قانون
العادة مذهب الأكثر، كالشيخ في الخلاف و المفيد و المرتضى و ابن الجنيد و ابن أبي عقيل و ابن ادريس و غيرهم. و قال في النهاية: «صلاة الكسوف و الزلازل و الرياح المخوفة و الظلمة الشديدة فرض واجب لايجوز تركها على حال». و قال في الجمل: «صلاة الكسوف فريضة في أربعة مواضع: عند كسوف الشمس و خسوف القمر و الزلازل و الرياح السود المظلمة». و نقل عن أبي الصلاح أنّه لم يتعرّض لذكر غير الكسوفين. و المعتمد الأوّل؛ للأخبار الكثيرة الدالّة عليه. انتهى».(1)
و الأقوى وجوب الصلاة لجميع الأخاويف السماويّة و ذلك لصحيحة زرارة و محمّد بن مسلم قالا:
«قلنا لأبي جعفر عليه السلام: هذه الرياح و الظلم التي تكون، هل يصلّى لها؟ فقال: كلّ أخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصلّ له صلاة الكسوف حتّى يسكن».(2)
و صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه أنّه سأل الصادق عليه السلام عن الريح و الظلمة تكون في السماء و الكسوف؟ فقال الصادق عليه السلام: «صلاتهما سواء».(3)
و خبر محمّد بن عمارة عن أبيه عن الصادق عن أبيه عليهماالسلام قال:
«انّ الزلازل و الكسوفين و الرياح الهائلة من علامات الساعة، فاذا رأيتم شيئا من ذلك فتذكّروا قيام الساعة و افزعوا الى مساجدكم».(4)
و ما رواه الصدوق باسناده عن بريد بن معاوية و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالا:
«اذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلّها. الحديث».(1)
و لابأس بذكر جملة من فتاوى الأصحاب في ذلك عن مفتاح الكرامة: «قال في الخلاف: صلاة الكسوف واجبة عند الزلازل و الرياح العظيمة و الظلمة العارضة و الحمرة الشديدة و غير ذلك من الآيات التي تظهر في السماء و لم يقل بذلك أحد من الفقهاء. دليلنا اجماع الفرقة. و قال في المقنعة: هاتان الركعتان تجب صلاتهما عند الزلازل و الرياح و الحوادث من الآيات. و في جمل العلم و العمل: تجب هذه الصلاة أيضا عند ظهور الآيات كالزلازل و الرياح العواصف. و الظاهر أنّ مراده التعميم. و في المراسم: تجب صلاة الكسوف و الزلازل و الرياح الشديدة و الآيات. و في المصباح عدّ أربعة أشياء: كسوف الشمس و خسوف القمر و الرياح المظلمة و الزلازل. و في الغنية و اشارة السبق: صلاة الكسوف و الآيات العظيمة. و في السرائر: صلاة كسوف الشمس و خسوف القمر فرض واجب - ثمّ قال بعد أسطر: - و كذلك عند الزلازل و الرياح المخوفة و الظلمة الشديدة. و قال الحسن فيما حكي عنه: يصلّى من الزلازل و الرجفة و الظلمة و الرياح و جميع الآيات كصلاة الكسوف سواء. و هو المنقول عن المهذّب و شرح جمل العلم و العمل، و خيرة العلاّمة في جميع كتبه و الشهيد فيما عدا الألفية و خيرة كفاية الطالبين و المقتصر و فوائد الشرائع و تعليق النافع و الميسيّة و الروض و الروضة و المسالك و المقاصد العليّة و المدارك و مجمع البرهان و الكفاية و الشافية و هو ظاهر المعتبر أو صريحه و ... انتهى ملخّصا».(2)
ثمّ انّ الروايات المتقدّمة و معقد الفتاوى وجوب الصلاة لكلّ مخوف سماوي بحيث يخاف منه غالب الناس، و لا عبرة بغير المخوف و لا بخوف النادر؛ لانصراف النصوص. و انّما تجب الصلاة للكسوف و الخسوف لو ظهرا للناس و
الاّ فلا. و لا عبرة بانكساف بعض الكواكب ببعض؛ لعدم الدليل الاّ اذا خاف منه غالب الناس.
و أمّا وقتها: ففي الكسوفين هو من حين الأخذ الى تمام الانجلاء على الأقوى، فتجب المبادرة اليها بمعنى عدم التأخير الى تمام الانجلاء، و تكون أداءً في الوقت المذكور. و الأحوط عدم التأخير عن الشروع في الانجلاء و عدم نيّة الأداء و القضاء على فرض التأخير، و أمّا في الزلزلة و سائر الآيات المخوفة فلا وقت لها، بل يجب المبادرة الى الاتيان بها بمجرّد حصولها و ان عصى فبعده الى آخر العمر و تكون أداءً مهما أتى بها الى آخره.
الشرح:
هنا فروع:
قال في المدارك: «أمّا انّ أوّل وقتها في الكسوف من حين ابتدائه، فقال العلاّمة في المنتهى: انّه قول علماء الاسلام. انتهى».(1)
و الدليل على ذلك صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال: وقت صلاة الكسوف في الساعة التي تنكسف عند طلوع الشمس و عند غروبها. الحديث».(2)
و قول النبي صلى الله عليه و آله:
«فاذا رأيتم ذلك فصلّوا».(1)
و أمّا بالنسبة الى آخر وقت الصلاة، فقال في المدارك: «و انّما الخلاف في آخره، فذهب جماعة منهم المصنّف رحمه الله (أي صاحب الشرائع) هنا ظاهرا، و في المعتبر صريحا الى أنّه تمام الانجلاء. و قال الشيخان و ابن حمزة و ابن ادريس و المصنّف في النافع: انّه الأخذ في الانجلاء و الأصحّ الأوّل. انتهى».(2)
و قال في الجواهر: «و وقتها في الكسوف من حين ابتدائه بلا خلاف فيه بين العامّة فضلاً عن الخاصّة الى حين انتهاء انجلائه وفاقا لأكثر المتأخّرين و متأخّريهم بل هو ظاهر المحكي عن التقي، بل عن المنتهى أنّه اللائح من كلام علم الهدى و الحسن، بل في البيان أنّه ظاهر المرتضى، بل نقله في الرياض عن الديلمي و ان كنّا لم نتحقّقه، و خلافا لجلّ السلف كما في المنظومة، بل الأكثر من غير تقييد عن غيرها، بل المعظم في الذكرى، بل المشهور في جامع المقاصد و كثير ممّن تأخّر عنه، بل في التذكرة نسبته الى علمائنا مشعرا بدعوى الاجماع عليه، الاّ أنّه و مع ذلك فالأقوى الأوّل؛ للأصل و اطلاق نصوص الوجوب بالكسوف و الفعل حينه، ضرورة صدقه الى تمام الانجلاء. انتهى».(3)
و الأقوى أنّ آخر وقتها الى انتهاء انجلائه. و الدليل على ذلك أمور:
منها صحيحة الرهط عن كليهما و منهم من رواه عن أحدهما - الى أن قال: -
«صلّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و الناس خلفه في كسوف الشمس ففرغ حين فرغ و قد انجلى كسوفها».(4)
اذ من الواضح ارادة ذهاب تمام الكسوف، و الاّ لم يجز ايقاع بعض الفعل فيه.
و كذا خبر عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال: ان صلّيت الكسوف الى أن يذهب الكسوف عن الشمس و القمر و تطوّل في صلاتك فانّ ذلك أفضل، و ان أحببت أن تصلّي فتفرغ من صلاتك قبل أن يذهب الكسوف فهو جائز. الحديث».(1)
فانّه تضمّن الأمر بتطويل الصلاة المستلزم لوقوع مقدار منها فيما بعد الشروع في الانجلاء.
و أجيب بأنّ محلّ الكلام جواز تأخير الشروع في الصلاة الى ما بعد الشروع في الانجلاء، و مورد الروايتين لمن شرع في الصلاة قبل الانجلاء فيجوز له أو يستحبّ التطويل بحيث ينتهي منها بعد الأخذ في الانجلاء، و لا تلازم بين الأمرين. و دعوى عدم جواز تأخير الصلاة حتّى ببعض أجزائها عن وقتها المقرّر لها غير مسموعة، اذ لا بشاعة في ذلك لو ساعده الدليل.
ولكن فيه: انّ المتفاهم من الروايتين سعة الوقت الى ما بعد الانجلاء مطلقا. و لو تمّ دليل المخالف لصحّ ما ذكر في جواب الدعوى.
و منها رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا انكسفت الشمس و القمر فانكسف كلّها فانّه ينبغي للناس أن يفزعوا الى امام يصلّي بهم و أيّهما كسف بعضه فانّه يجزي الرجل يصلّي وحده. الحديث».(2)
بتقريب أنّ جزئيّة الكسوف و كلّيّته لاتعلمان عادة الاّ عند انتهائه و لا سبيل الى معرفته الاّ الاحتراق أو الأخذ بالانجلاء. و دلالة هذه الرواية تامّة الاّ أنّ سندها ضعيف بعلي بن يعقوب الهاشمي، فتصلح للتأييد.
و منها صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: صلاة الكسوف اذا فرغت قبل أن ينجلي فأعد».(1)
فانّها ظاهرة في بقاء الوقت الى تمام الانجلاء لتقع الاعادة في وقتها. و أجيب عنها بأنّ استحباب الاعادة غير ملازم لبقاء الوقت، فمن الجائز انقضاء وقت الواجب بالشروع في الانجلاء و مع ذلك تستحبّ الاعادة الى تمام الانجلاء تضرّعا الى اللّه ليرفع البلاء.
ولكن فيه: انّ المتفاهم العرفي من الأمر بالاعادة هو بقاء الوقت، بل لو تمّ دليل المخالف لكان معارضا لهذه الرواية.
و منها ما أشار اليه في الجواهر من اطلاقات النصوص حيث انّ الموضوع فيها هو عنوان الكسوف و الخسوف، و من الضروري صدقهما من بدء حدوث الآية الى تمام الانجلاء من غير فرق بين ما قبل الشروع و ما بعده، فتجب الصلاة بمقتضى المطلقات بعد عدم تماميّة ما استدلّ به المخالف.
و استدلّ للقول الآخر أوّلاً: بأنّ الاحتياط يقتضي أن يكون انتهاء وقت الصلاة الى حين الأخذ في الانجلاء.
و فيه: انّه معارض بمثله؛ لأنّ من لم يصلّ الى ذلك الحين فالاحتياط يقتضي أن يصلّي قبل تمام الانجلاء.
و ثانيا: بأنّ الصلاة لردّ النور، و هو حاصل بالأخذ في الانجلاء.
و فيه: انّه لعلّها لردّه تماما.
و ثالثا: بصحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام، قال:
«ذكروا انكساف القمر و ما يلقى الناس من شدّته، قال: فقال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا انجلى منه شيء فقد انجلى».(2)
بدعوى أنّ المستفاد منها ترتيب آثار الانجلاء التامّ بانجلاء البعض؛ لأنّ ذلك هو مقتضى ما تضمّنته من الحكم بالانجلاء المطلق لدى انجلاء شيء منه. فتكون هذه الصحيحة حاكمة على جميع نصوص الباب الظاهرة في استدامة الوقت الى انتهاء الانجلاء حسب ما عرفت.
و فيه: انّه لا صراحة فيه بل و لا ظهور في ارادة تنزيل انجلاء البعض منزلة انجلاء الكلّ في سقوط الصلاة و عدم مشروعيّتها، بل هو ناظر الى ما كانوا يتذاكرون فيه شدّة الانكساف و الخوف الذي يعرض على الناس، فأخبرهم بأنّه اذا انجلى منه شيء فقد انجلى.
قال في المستند: «انّ الصحيحة لم تكن ناظرة الى بيان حكم شرعي، بل هي متعرّضة لأمر تكويني، اذ السؤال لمّا كان عن الشدّة التي يلقاها الناس لدى الانكساف من خوف و نحوه أجاب عليه السلام بانتهاء أمد الشدّة بمجرّد انجلاء البعض؛ لأنّ ذلك أمارة على ارتفاع البلاء و العذاب. انتهى».(1)
قال في المدارك: «و الأصحّ أنّ وقت الصلاة يمتدّ الى تمام الانجلاء؛ لأنّ وجوب الصلاة بالكسوف متحقّق، و لا دليل على انتهاء وقته بالأخذ في الانجلاء فيستمرّ الى آخره، و يدلّ عليه موثّقة عمّار و صحيحة معاوية بن عمّار. و لم نقف للقائلين بانتهاء الوقت بالأخذ في الانجلاء على دليل يعتدّ به. قال في المعتبر: «فان احتجّ الشيخ بما رواه حمّاد بن عثمان، فلا حجّة في ذلك؛ لاحتمال أن يكون أراد تساوي الحالين في زوال الشدّة، لا بيان الوقت». انتهى ملخّصا».(2)
قال في المدارك: «و لو غابت الشمس أو القمر بعد الكسوف و قبل الانجلاء وجبت الصلاة أداءً الى أن يتحقّق الانجلاء. و كذا لو سترها غيم أو طلعت الشمس على القمر؛ لاطلاق الأمر، و عدم العلم بانقضاء الوقت المقتضي لفوات الأداء. انتهى».(1)
و يشكل فيما لو غابت الشمس أو القمر، و ذلك لذهاب الموضوع و هو الكسوف أو الخسوف و يحتاط بعدم نيّة الأداء و القضاء.
قال في الشرائع: «و في الزلزلة تجب و ان لم يطل المكث، و يصلّي بنيّة الأداء و ان سكنت. انتهى».(2)
و قال في المدارك: «هذا قول معظم الأصحاب؛ لاطلاق الأمر الخالي من التقييد. و حكى الشهيد في البيان قولاً بأنّها تصلّى بنيّة القضاء، و لم نظفر بقائله. و ألحق العلاّمة في التذكرة بالزلزلة الصيحة، ثمّ قال: «و بالجملة كلّ آية يقصر وقتها عن العبادة يكون وقتها دائما، أمّا ما ينقص عن فعلها وقتا دون وقت فانّ وقتها مدّة الفعل فان قصر لم تصلّ». و يشكل بأنّه لايلزم من عدم قصور زمان الآية عن مقدار الصلاة كونها موقّتة، بل الحقّ أنّ التوقيت انّما يثبت اذا ورد الشرع بتحديد زمان
الفعل و بدونه يكون وقته العمر. انتهى».(1)
الدليل على وجوب الصلاة عند الزلزلة صحيحة رهط و هم الفضيل و زرارة و بريد و محمّد بن مسلم عن كليهما و منهم من رواه عن أحدهما:
«أنّ صلاة كسوف الشمس و القمر و الرجفة و الزلزلة عشر ركعات و أربع سجدات. الحديث».(2)
و رواية سليمان الديلمي أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الزلزلة، ما هي؟ فقال:
«آية، - ثمّ ذكر سببها الى أن قال: - قلت: فاذا كان ذلك فما أصنع؟ قال: صلّ صلاة الكسوف».(3)
ظاهر الصحيحة و الرواية وجوب الصلاة عند وقوع الزلزلة، و حيث انّ الغالب أنّ وقته قليل لايتّسع للصلاة فيستفاد فوريّتها، و لو تسامح لايسقط عنه التكليف لاشتغال ذمّته الاّ أنّها لاتكون قضاءً؛ لأنّ الشارع لم يعيّن لها وقتا.
قال في مستند العروة: «فالمشهور أنّه لا وقت لها (أي الزلزلة) لاطلاق الدليل، و عمدته خبر سليمان الديلمي المتقدّم حيث قد تعلّق الأمر فيه بالصلاة من غير تعرّض للوقت، على أنّ في التوقيت بالزلزلة ما لايخفى لعدم تجاوزه التواني، فلاتصلح لأن تكون ظرفا للصلاة. ولكن الظاهر دلالته على التوقيت لا بنفس الزلزلة بل بالزمان المجاور لها على سبيل الفوريّة العرفيّة بحيث تحسن الاضافة و تصدق الصلاة عند الزلزلة، اذ الظاهر من قوله «فاذا كان ذلك فما أصنع؟» هو السؤال عن الوظيفة الفعليّة الثابتة في هذه الحالة فلابدّ من المبادرة على نحو تصحّاضافة الصلاة الى الزلزلة. اذن فلا دليل على جواز التأخير عن هذا الوقت ليقتضي اتّساعه مدى العمر و يكون أداءً كما عليه القوم الاّ الاستناد الى الاستصحاب و
ستعرف ما فيه. انتهى».(1)
أقول:
قوله عليه السلام «صلّ صلاة الكسوف» مطلق، و انّه عليه السلام كلّفه على الصلاة اذا كان ذلك، و نحن نقول بفوريّتها العرفيّة بحيث تحسن الاضافة و تصدق الصلاة عند الزلزلة بقرينة كلام السائل، أمّا انّ هذه القرينة تكون دليلاً على التوقيت فلانسلّم. فالظاهر من كلام الامام عليه السلام «صلّ صلاة الكسوف» أنّ ذمّته صارت مشغولة بالصلاة فان أتى بها، و الاّ يجب عليه في ثاني الحال و هكذا. و أمّا قضيّة تعدّد المطلوب فلا أثر له في قوله عليه السلام «صلّ صلاة الكسوف»، فالتوقيت المدّعى من ناحية الشارع من هذه الرواية ممنوع، على أنّه يلزم الابهام اذا قلنا بأنّ وقتها الزمان المجاور لها على سبيل الفوريّة العرفيّة، مع أنّ بناء الشارع في الأوقات على التدقيق لا المسامحة.
الظاهر أنّ وقتها من حين وقوعها حتّى تسكن، و الدليل على ذلك صحيحة حريز عن زرارة و محمّد بن مسلم قالا:
«قلنا لأبي جعفر عليه السلام: هذه الرياح و الظلم التي تكون، هل يصلّى لها؟ فقال: كلّ أخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصلّ له صلاة الكسوف حتّى يسكن».(2)
و وجه الدلالة (كما في المدارك) أنّ «حتّى» امّا أن تكون لانتهاء الغاية أو التعليل، و على الأوّل يثبت التوقيت صريحا، و كذا على الثاني؛ لأنّ انتفاء العلّة
يقتضي انتفاء المعلول.(1)
و قال العلاّمة في القواعد: «و في الرياح الصفر و الظلمة الشديدة مدّتها. انتهى».(2)
و قال في مفتاح الكرامة: «و كذا ما كان نحوهما. هذا هو المشهور كما في كشف الالتباس و المسالك و الذخيرة و الرياض. و في الذكرى و ظاهر الحدائق نسبته الى الأصحاب و هو صريح الشرائع و التذكرة و الارشاد و الجعفريّة و الغرية و ارشاد الجعفريّة و الروض و المدارك و الذخيرة و الرياض و غيرها. و في التذكرة و البيان و جملة ممّا ذكر أنّه ان قصرت المدّة فلا وجوب، و في الروض نسبة ذلك الى الأكثر. و اليه يشير ما في اشارة السبق من أنّ الصلاة لاتجب لشيء من الزلزلة و هذه الآيات اذا لم تتّسع لها. و في الوسيلة أوّل وقت الرياح السود و الزلازل أوّل ظهورها و ليس لآخرها وقت معيّن. و في المنتهى و التحرير الرياح و الزلازل و ما يشبهها من الآيات السريع زوالها فالأقرب أنّ وقتها العمر و مثله ما في الدروس و التنقيح و الموجز الحاوي و جامع المقاصد و فوائد الشرائع و حاشية الارشاد و غاية المرام و المقاصد العليّة و المسالك و ظاهر الروض و اليه أومأ في المعتبر - الى أن قال: - و ليعلم أنّه يدلّ على المشهور و هو أنّه مدّتها لا مدّة العمر و لا الى الشروع في الانجلاء أصل الامتداد الى الانجلاء من غير معارض هنا و أصل البراءة بناءً على عدم ما يدلّ على كونها من الأسباب التي تجب صلاتها مطلقا كالزلزلة، سوى الاطلاقات كالصحيح «اذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات صلّيتها ما لم تخف أن يذهب وقت فريضة». و يجب تقييدها بما يدلّ على التوقيت فيها، كالصحيح (صحيح حريز) «كلّ أخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصلّ له صلاة الكسوف حتّى يسكن» فانّ «حتّى» هنا امّا لانتهاء الغاية أو
للتعليل و على كلّ منهما يثبت التوقيت نصّا على الأوّل و فحوىً على الثاني، و مثله و ان جرى في الزلزلة لكن قصورها عن مقدار أداء الصلاة غالبا يعيّن المصير الى عدم كونها موقّتة لاستلزامه التكليف بفعل في زمان يقصر عنه. انتهى».(1)
و أمّا كيفيّتها فهي ركعتان في كلّ منهما خمس ركوعات و سجدتان بعد الخامس من كلّ منهما فيكون المجموع عشر ركوعات و سجدتان بعد الخامس، و سجدتان بعد العاشر. و تفصيل ذلك بأن يكبّر للاحرام مقارنا للنيّة ثمّ يقرأ الحمد و سورة ثمّ يركع، ثمّ يرفع رأسه و يقرأ الحمد و سورة ثمّ يركع و هكذا حتّى يتمّ خمسا، فيسجد بعد الخامس سجدتين ثمّ يقوم للركعة الثانية فيقرأ الحمد و سورة، ثمّ يركع و هكذا الى العاشر فيسجد بعده سجدتين ثمّ يتشهّد و يسلّم. و لا فرق بين اتّحاد السورة في الجميع أو تغايرها. و يجوز تفريق سورة واحدة على الركوعات فيقرأ في القيام الأوّل من الركعة الأولى الفاتحة، ثمّ يقرأ بعدها آية من سورة أو أقلّ أو أكثر، ثمّ يركع و يرفع رأسه و يقرأ بعضا آخر من تلك السورة و يركع، ثمّ يرفع و يقرأ بعضا آخر، و هكذا الى الخامس حتّى يتمّ سورة ثمّ يركع، ثمّ يسجد بعده سجدتين، ثمّ يقوم الى الركعة الثانية، فيقرأ في القيام الأوّل الفاتحة و بعض السورة ثمّ يركع و يقوم و يصنع كما صنع في الركعة الأولى الى العاشر فيسجد بعده سجدتين، و يتشهّد و يسلّم فيكون في كلّ ركعة الفاتحة مرّة، و سورة تامّة مفرّقة على الركوعات الخمسة مرّة، و يجب اتمام سورة في كلّ ركعة و ان زاد عليها فلابأس، و الأحوط الأقوى وجوب القراءة عليه من حيث قطع كما أنّ الأحوط و الأقوى عدم مشروعيّة الفاتحة حينئذ الاّ اذا أكمل السورة فانّه لو أكملها وجب عليه في القيام بعد الركوع قراءة الفاتحة،
1) - مفتاح الكرامة 3: 219 و 220.
و هكذا كلّما ركع عن تمام سورة وجبت الفاتحة في القيام بعده، بخلاف ما اذا لم يركع عن تمام سورة، بل ركع عن بعضها، فانّه يقرأ من حيث قطع و لايعيد الحمد كما عرفت. نعم، لو ركع الركوع الخامس عن بعض سورة فسجد فالأقوى وجوب الحمد بعد القيام للركعة الثانية، ثمّ القراءة من حيث قطع، و في صورة التفريق يجوز قراءة أزيد من سورة في كلّ ركعة مع اعادة الفاتحة بعد اتمام السورة في القيام اللاحق.
الشرح:
هنا فروع:
قال في مفتاح الكرامة: «صرّح بكونها ركعتين في المقنعة و المعتبر و أكثر كتب العلاّمة و الشهيدين و كفاية الطالبين و الموجز الحاوي و كشف الالتباس و غيرها - الى أن قال: - ممّا يدلّ على عدم تعدّد الركعات أنّ الركعة و ان كانت لغة واحد الركوع الاّ أنّها في مصطلح الفقهاء المتضمّنة للسجود و الحقيقة الشرعيّة أولى بالمراعاة من اللغويّة. و في المقنع و الهداية و الانتصار و جمل العلم و العمل و العقود و النهاية و المبسوط و المراسم و الغنية أنّها عشر ركعات. انتهى ملخّصا».(1)
و قال في الخلاف: «صلاة الكسوف عشر ركعات و أربع سجدات - الى أن قال: - و قال قوم: انّه يصلّي ركعتين كصلاة الفجر فان صلّى في كلّ ركعة ركوعين بطلت صلاته، ذهب اليه النخعي و الثوري و أبو حنيفة. انتهى».(2)
أقول:
الظاهر أنّ التعبير بعشر ركعات في الروايات و عبارات الفقهاء للتعريض على من ذهب من العامّة الى أنّه يصلّي ركعتين كصلاة الفجر و في كلّ ركعة ركوع واحد. و يؤيّده ما روى الشيخ في الخلاف(1)عن علي عليه السلام أنّه صلّى بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آلهبخمس ركوعات في كلّ ركعة.
و روى الشيخ في التهذيب بسند صحيح عن عبداللّه بن ميمون القدّاح عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال:
«انكسفت الشمس في زمان رسول اللّه صلى الله عليه و آله فصلّى بالناس ركعتين و طوّل حتّى غشي على بعض القوم ممّن كان وراءه من طول القيام».(2)
و يؤيّده أيضا قوله عليه السلام في صحيحة رهط:
«انّ صلاة كسوف الشمس و القمر و الرجفة و الزلزلة عشر ركعات و أربع سجدات - الى أن قال: - ثمّ تقوم فتصنع مثل ما صنعت في الأولى».(3)
مضافا الى ما دلّ على الاجتزاء بالفاتحة و السورة مرّة واحدة في كلّ خمس ركوعات، و اختصاص التسميع في الخامس و العاشر، فانّه لو كانت الصلاة عشر ركعات حقيقة للزم عشر مرّات فاتحة الكتاب و استحبّت عشر تسميعات.
قال في مفتاح الكرامة: «قد حكي على ذلك الاجماع في الناصريّة و الانتصار و الخلاف و الغنية و التذكرة و غيرها و هو مذهب أهل البيت عليهم السلام كما في المنتهى و في كشف اللثام لا خلاف في ذلك عندنا. انتهى».(1)
و نقل في الخلاف عن النخعي و الثوري و أبي حنيفة: «أنّه يصلّي ركعتين كصلاة الفجر فان صلّى في كلّ ركعة ركوعين بطلت صلاته. انتهى».(2)
و يشهد له النصوص الآتية. نعم، هناك روايتان تدلاّن على أنّها تشمل على ثماني ركوعات في كلّ ركعة أربع ركوعات. احداهما رواية أبي البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«أنّ عليّا عليه السلام صلّى في كسوف الشمس ركعتين في أربع سجدات و أربع ركعات، قام فقرأ ثمّ ركع ثمّ رفع رأسه ثمّ قرأ ثمّ ركع ثمّ قام فدعا مثل ركعتيه ثمّ سجد سجدتين ثمّ قام ففعل مثل ما فعل في الأولى في قراءته و قيامه و ركوعه و سجوده سواء».(3)
و ثانيتهما: رواية يونس بن يعقوب قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: انكسف القمر فخرج أبي و خرجت معه الى المسجد الحرام فصلّى ثماني ركعات كما يصلّي ركعتين و سجدتين».(4)
ولكنّهما ضعيفتان من جهة السند و مخالفتان للروايات الصحيحة التي ستأتي
في محلّها.
و قال الشيخ: «الوجه في هذين الحديثين التقيّة؛ لأنّهما موافقان لمذهب بعض العامّة، و على الأحاديث الصحيحة عمل العصابة بأجمعها».(1)
(2) لكيفيّة صلاة الآيات صور:
الأولى: أن يقرأ في كلّ قيام قبل كلّ ركوع بفاتحة الكتاب و سورة تامّة في كلّ من الركعتين فيكون كلّ من الفاتحة و السورة عشر مرّات، و يسجد بعد الركوع الخامس و العاشر سجدتين. و الدليل على ذلك صحيحة رهط رووا:
«انّ الصلاة في هذه الآيات كلّها سواء، و أشدّها و أطولها كسوف الشمس، تبدأ فتكبّر بافتتاح الصلاة ثمّ تقرأ أمّ الكتاب و سورة ثمّ تركع، ثمّ ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أمّ الكتاب و سورة ثمّ تركع الثانية، ثمّ ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أمّ الكتاب و سورة ثمّ تركع الثالثة، ثمّ ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أمّ الكتاب و سورة ثمّ تركع الرابعة، ثمّ ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أمّ الكتاب و سورة ثمّ تركع الخامسة، فاذا رفعت رأسك قلت: سمع اللّه لمن حمده، ثمّ تخرّ ساجدا فتسجد سجدتين، ثمّ تقوم فتصنع مثل ما صنعت في الأولى. الحديث».(3)
و لا فرق بين اتّحاد السورة في الجميع أو تغايرها؛ لاطلاق صحيحة رهط. و
لايتعارض قوله عليه السلام في ذيلها «فان قرأ خمس سورة مع كلّ سورة أمّ الكتاب» بتخيّل اعتبار المغايرة؛ لأنّ المراد تكرار الشخص في قبال تبعيضه لا التكرّر بحسب النوع.
الثانية: أن يفرّق سورة واحدة على الركوعات الخمس في كلّ من الركعتين فتكون الفاتحة مرّتين: مرّة في القيام الأوّل من الركعة الأولى، و مرّة في القيام الأوّل من الثانية، و السورة أيضا مرّتان. و يدلّ على ذلك ما ورد في صحيحة رهط:
«قال: قلت: و ان هو قرأ سورة واحدة في الخمس ركعات يفرّقها بينها؟ قال: أجزأه أمّ القرآن في أوّل مرّة، فان قرأ خمس سورة مع كلّ سورة أمّ الكتاب. الحديث».(1)
الثالثة: أن يأتي بالركعة الأولى كما في الصورة الأولى و بالركعة الثانية كما في الصورة الثانية. و يدلّ على ذلك صحيحة رهط المتقدّمة آنفا في الصورة الثانية، فانّه ظاهر في حكم كلّ من الركعتين مع قطع النظر عن الأخرى. و منه يظهر وجه الصورة الرابعة.
الرابعة: عكس هذه الصورة.
الخامسة: أن يأتي في كلّ من الركعتين بأزيد من سورة، فيجمع بين اتمام السورة في بعض القيامات و تفريقها في البعض، فتكون الفاتحة في كلّ ركعة أزيد من مرّة حيث انّه اذا أتمّ السورة وجب في القيام اللاحق قراءتها. و الدليل على ذلك صحيحة الحلبي أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن صلاة الكسوف، كسوف الشمس و القمر، قال:
«عشر ركعات و أربع سجدات، يركع خمسا ثمّ يسجد في الخامسة، ثمّ يركع خمسا ثمّ يسجد في العاشرة، و ان شئت قرأت سورة في كلّ ركعة، و ان شئت قرأت نصف سورة في كلّ ركعة، فاذا قرأت
1) - وسائل الشيعة 7: 492 / الباب 7 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 1.
سورة في كلّ ركعة فاقرأ فاتحة الكتاب، و ان قرأت نصف سورة أجزأك أن لاتقرأ فاتحة الكتاب الاّ في أوّل ركعة حتّى تستأنف أخرى، و لاتقل: سمع اللّه لمن حمده في رفع رأسك من الركوع الاّ في الركعة التي تريد أن تسجد فيها».(1)
و المراد من الركعة هو الركوع. و كذلك تدلّ عليه صحيحة حريز(2)و صحيحة علي بن جعفر.(3)
و من هذه الصحاح يستفاد وجه بقيّة الصور:
السادسة: أن يأتي بالركعة الأولى كما في الصورة الأولى و بالثانية كما في الخامسة.
السابعة: عكس ذلك.
الثامنة: أن يأتي بالركعة الأولى كما في الصورة الثانية و بالثانية كما في الخامسة.
التاسعة: عكس ذلك.
الظاهر من صحيحة رهط وجوب سورة كاملة في كلّ ركعة، فمن قوله عليه السلام في صدر الصحيحة بوجوب السورة في كلّ ركوع مع الحمد حتّى يكون خمس سور كلّها تامّة، و من اجازته عليه السلام توزيع سورة واحدة مع قراءة الحمد مرّة واحدة في ذيلها، يستظهر أنّ الواجب في صورة التوزيع قراءة سورة تامّة حتّى لايبقى منها
شيء.
ثمّ انّه لو قسّم سورة على قسمين يجب عليه اتمامها ثمّ يقرأ فاتحة الكتاب بعد الركوع الثالث و يشرع في السورة الأخرى و لايجوز الشروع حتّى يتمّ السورة الأولى الموزّعة، و الدليل عليه قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي المتقدّمة:
«و ان شئت قرأت نصف سورة في كلّ ركعة، فاذا قرأت سورة في كلّ ركعة فاقرأ فاتحة الكتاب، و ان قرأت نصف سورة أجزأك أن لاتقرأ فاتحة الكتاب الاّ في أوّل ركعة حتّى تستأنف أخرى».(1)
و صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم قال عليه السلام فيها:
«فان نقصت من السورة شيئا فاقرأ من حيث نقصت و لاتقرأ فاتحة الكتاب».(2)
قال في المدارك: «و قال ابن ادريس: اذا أكمل السورة استحبّ له قراءة الحمد، محتجّا بأنّ الركعات كركعة واحدة. و ردّه المصنّف في المعتبر بأنّه خلاف فتوى الأصحاب و المنقول عن أهل البيت عليهم السلام و هو كذلك. و ربّما ظهر من اطلاق الرواية الثانية (صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم) جواز التفريق بأن يبعّض سورة في احدى الركعتين و يقرأ في الأخرى خمسا، و الجمع في الركعة الواحدة بين الاتمام و التبعيض بأن يتمّ السورة في القيام الأوّل مثلاً و يبعّض السورة في الأربع البواقي. و في جواز الركوع قبل اتمامها و الحال هذه وجهان، و كذا الوجهان في جواز اتمامها بعد القيام من السجود لكن لابدّ من قراءة الحمد. و ذكر الشهيدان «أنّه متى ركع عن بعض سورة تخيّر في القيام بعده بين القراءة من موضع القطع، و بين القراءة من أيّ موضع شاء من السورة متقدّما أو متأخّرا، و بين رفضها و قراءة غيرها». و احتمل في الذكرى أمرا رابعا و هو «أنّ له اعادة البعض الذي قرأه من
السورة بعينه قال: فحينئذ هل تجب قراءة الحمد؟ يحتمل ذلك لابتدائه بسورة، و يحتمل عدمه؛ لأنّ قراءة بعضها مجزية فقراءة جميعها أولى، هذا ان قرأ جميعها، و ان قرأ بعضها فأشدّ اشكالاً». و أقول: انّ في أكثر هذه الصور اشكالاً، فانّ مقتضى قوله عليه السلام «فان نقصت من السورة شيئا فاقرأ من حيث نقصت» تعيّن القراءة من موضع القطع فلايكون العدول الى غيره من السورة و من غيرها جائزا. انتهى».(1)
و الظاهر أنّ الشهيدين استندا لما ذهبا اليه الى روايتين:
احداهما رواية أبي بصير قال:
«سألته عن صلاة الكسوف؟ فقال:عشر ركعات و أربع سجدات، يقرأ في كلّ ركعة مثل يس و النور، و يكون ركوعك مثل قراءتك و سجودك مثل ركوعك. قلت: فمن لم يحسن يس و أشباهها؟ قال: فليقرأ ستّين آية في كلّ ركعة، فاذا رفع رأسه من الركوع فلايقرأ بفاتحة الكتاب. قال: فان أغفلها أو كان نائما فليقضها».(2)
فانّ مقتضى اطلاق الستّين عدم الفرق بين كون الآيات من سورة واحدة أو سور عديدة.
و يردّه مضافا الى ضعف السند بعلي بن أبي حمزة البطائني لزوم تقييد الاطلاق بصحيحة زرارة و محمّد بن مسلم المتقدّمة.
و ثانيتهما الأخذ باطلاق النصف في صحيحة الحلبي المتقدّمة فانّه عليه السلام قال فيها: «و ان شئت قرأت نصف سورة في كلّ ركعة».
و فيه أوّلاً: انّه عليه السلام كان بصدد بيان تبعيض السورة في كلّ ركوع بدل سورة كاملة، و لم يكن بصدد بيان جواز قراءة بعض السورة في ركعة، ثمّ بعض آخر من سورة أخرى حتّى يكون لكلامه اطلاق.
و ثانيا: انّ الظاهر من ذيل كلامه عليه السلام «حتّى تستأنف أخرى» هو وجوب اتمام السورة التي شرع فيها.
و ثالثا: على فرض انعقاد الاطلاق يجب تقييده بما تقدّم في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم من قوله عليه السلام «فان نقصت من السورة شيئا فاقرأ من حيث نقصت و لاتقرأ فاتحة الكتاب».(1)
اذا ركع عن بعض سورة ثمّ قام يجب عليه بعضها الآخر من غير قراءة الفاتحة حتّى يتمّها. و ذلك للنهي عن قراءة الفاتحة قبل استكمال السورة في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم المتقدّمة آنفا حيث قال عليه السلام فيها: «فاقرأ من حيث نقصت و لاتقرأ فاتحة الكتاب». و كذا في صحيحة علي بن جعفر قال:
«و سألته عن القراءة في صلاة الكسوف، و هل يقرأ في كلّ ركعة بفاتحة الكتاب؟ قال: اذا ختمت سورة و بدأت بأخرى فاقرأ فاتحة الكتاب، و ان قرأت سورة في ركعتين أو ثلاث فلاتقرأ بفاتحة الكتاب حتّى تختم السورة، و لاتقل: سمع اللّه لمن حمده، في شيء من ركوعك الاّ الركعة التي تسجد فيها».(2)
قال في الجواهر: «أمّا اذا قرأ من حيث نقص فلايجب الحمد قطعا للأصل و النصوص السابقة، بل صريح كشف اللثام و الحدائق عدم الجواز، و ربّما كان ظاهر المقنع و الهداية و النهاية و الوسيلة و الارشاد و التحرير و الدروس، بل لعلّه
الأقوى للنهي عنه في أكثر النصوص السابقة و أصالة عدم المشروعيّة، و معلوميّة وحدة الفاتحة في الركعة و احتمال ارادة نفي الوجوب من النهي - لأنّه في مقام توهّمه باعتبار كون كلّ قيام ركعة فيقرأ فيها الفاتحة - لا داعي له، و لفظ الاجزاء فى صحيح الحلبي لايكفي في صرف تلك الأدلّة، بل لعلّ الأولى ارادة ما لاينافي النهي منه، فما عن صريح السرائر - من الجواز كظاهر «لايلزمه» في المحكي عن المبسوط و جامع الشرائع و المنتهى «و لايحتاج» في غيرها - لايخلو من نظر، بل يمكن ارجاع ما عدا السرائر الى المختار، فينحصر الخلاف فيها كالمسألة السابقة (حيث انّه لم يوجب اعادة الحمد بعد اكمال السورة، مع أنّ قوله هذا مخالف للاجماع سابقا و لاحقا، فهو من الشذوذ و الندرة بمكان). انتهى ملخّصا».(1)
و قال في المستند: «انّ النهي و ان كان لدفع توهّم الأمر الاّ أنّ ذلك يكفي في عدم المشروعيّة لتوقّفها على ثبوت الأمر - و الاّ كان تشريعا محرّما - و المفروض عدمه. و من البيّن أنّ التعبير بالاجزاء لايكشف عن ثبوته لكونه في مقابل وجوب تكرار الفاتحة لا جوازه و مشروعيّته فلا وجوب مع التوزيع و هو أعمّ من المشروعيّة. انتهى».(2)
و قد عرفت أنّه لو أكملها وجب عليه في القيام بعد الركوع قراءة الفاتحة كما في صحيحة علي بن جعفر، و ادّعى في الجواهر الاجماع بل الضرورة من المذهب عليه.
قال في الحدائق: «لو جمع في ركعة بين الاتمام و التبعيض فأتمّ في القيام الأوّل مثلاً و بعّض في البواقي فهل يجوز أن يسجد قبل اتمام السورة؟ فيه وجهان، قال في الذخيرة: «و لعلّ الأقرب الجواز». أقول: يمكن توجيه الأقربيّة باطلاق الأخبار المتقدّمة الدالّة على جواز التبعيض، أعمّ من أن يتمّ السورة في ركعة واحدة أم لا. و قال العلاّمة: «الأقرب أنّه يجوز أن يقرأ في الخمس سورة و بعض أخرى فاذا قام في الثانية فالأقرب وجوب الابتداء بالحمد لأنّه قيام من سجود فوجب فيه الفاتحة». انتهى».(1)
و قال في مستند العروة: «لم ينسب الخلاف الاّ الى الشهيد في الألفية حيث حكم بلزوم تتميم السورة في الركوع الخامس و العاشر. و لعلّه لأجل أنّ ذلك هو المنسبق من نصوص التفريق، فانّ المستفاد من صحيحة الرهط و غيرها أنّ اللازم امّا الاتيان بسورة كاملة لكلّ ركوع أو توزيعها بتمامها، و امّا توزيع بعضها فهو خارج عن منصرفها. و يندفع بأنّ اطلاقها غير قاصر الشمول لمثل ذلك سيّما صحيحة الحلبي القاضية بالاجتزاء بنصف السورة لكلّ ركوع فانّها صريحة في جواز التبعيض و عدم التكميل ضرورة أنّ تخصيص كلّ ركوع بالنصف يستلزم النقصان في الركوع الخامس بالوجدان و كذلك العاشر. انتهى».(2)
أقول:
ما ذهب اليه من الدليل لجواز الركوع الخامس عن بعض السورة صحيح، و أضف اليه أنّ الروايات الدالّة على وجوب سورة كاملة في كلّ ركعة لاتدلّ على
أكثر من سورة.
لو ركع الخامس عن بعض سورة وجب عليه الحمد بعد القيام للركعة الثانية؛ لأنّها ركعة مستقلّة و كلّ ما وجب من الأقوال و الأفعال في الركعة الأولى من الابتداء بالحمد و قراءة سورة يجب في هذه الركعة أيضا. نعم، يجوز له قراءة سورة تامّة و بعض السورة سواء كان ذلك البعض من تتمّة ما نقص في الركعة الأولى أو لم يكن.
نعم، يجوز له أن يرفع اليد من السورة المقروءة بعضها في الركعة السابقة و يبتدئ في سورة جديدة من ابتدائها الاّ أنّ الابتداء ببعض السورة الجديدة من غير أوّلها ففيه اشكال.
قال في الجواهر: «ثمّ انّ ظاهر المصنّف و جماعة تعيّن القراءة عليه في القيام المتعقّب من حيث قطع كما صرّح به غير واحد من متأخّري المتأخّرين، و لعلّه كذلك للصحيح السابق (صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم) الذي لايعارضه اطلاق غيره كصحيح الحلبي و نحوه، خصوصا مع تأيّده باشعار خبري البزنطي و علي بن جعفر و خبر الدعائم «روينا عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام أنّه رخّص في تبعيض السورة في صلاة الكسوف، و ذلك أن يقرأ ببعض السورة ثمّ يركع و يرجع الى الموضع الذي وقف عليه فيقرأ منه. قال عليه السلام: فان قرأ بعض السورة لم يقرأ بفاتحة الكتاب الاّ في أوّلها، و اذا قرأ السورة في كلّ ركعة كان أفضل» فلا داعي و لا شاهد للجمع بين النصوص بالتخيير بين ذلك و بين القراءة من أيّ موضع شاء منها
متقدّما أو متأخّرا و رفضها و قراءة غيرها كما وقع من الشهيدين. انتهى».(1)
و قال في موضع آخر منه: «فاذا قام الى الركعة الثانية ففي التذكرة ابتدأ بالحمد وجوبا؛ لأنّه قيام عن سجود فوجب فيه الفاتحة، ثمّ يبتدئ بسورة من أوّلها، ثمّ امّا أن يكملها أو يقرأ بعضها. انتهى».(2)
و احتمل في التذكرة أن يقرأ بقيّة السورة الناقصة من غير أن يقرأ الحمد ولكن يجب عليه قراءة الحمد في الركوع الثاني، و ضعّفه في نهاية الأحكام، الاّ أنّ صاحب الجواهر قوّاه لاطلاق الرواية و ان رجّح قراءة الحمد في أوّل قيامها كالركعة الأولى و قال: «ربّما يومئ اليه صحيحا الحلبي و الرهط بل ظاهرهما معلوميّة ذلك. نعم لايجب حينئذ الابتداء بسورة، بل مقتضى اطلاق صحيح زرارة وجوب القراءة من حيث قطع، و لاتنافي بينه و بين وجوب الفاتحة من الجهة المزبورة، فيكملها ثمّ يقرأ الحمد حينئذ لتحقّق الختم و يستأنف سورة أخرى، لما عرفت من وجوبها في الركعة. انتهى».(3)
و الاشكال في كلامه من «وجوب القراءة من حيث قطع» بيّنّاه في الفرع السادس فراجع، مع أنّ الفرض فيما اذا لم يسع الوقت الاّ ركعة.
(مسألة 1): لكيفيّة صلاة الآيات كما استفيد ممّا ذكرنا صور: «الأولى»: أن يقرأ في كلّ قيام قبل كلّ ركوع بفاتحة الكتاب و سورة تامّة في كلّ من الركعتين فيكون كلّ من الفاتحة و السورة عشر مرّات و يسجد بعد الركوعالخامس و العاشر سجدتين. «الثانية»: أن يفرّق سورة واحدة على الركوعات الخمسة في كلّ من الركعتين فيكون الفاتحة مرّتان: مرّة في القيام الأوّل من
الركعة الأولى و مرّة في القيام الأوّل من الثانية، و السورة أيضا مرّتان. «الثالثة»: أن يأتي بالركعة الأولى كما في الصورة الأولى، و بالركعة الثانية كما في الصورة الثانية. «الرابعة»: عكس هذه الصورة. «الخامسة»: أن يأتي في كلّ من الركعتين بأزيد من سورة فيجمع بين اتمام السورة في بعض القيامات و تفريقها في البعض، فيكون الفاتحة في كلّ ركعة أزيد من مرّة، حيث انّه اذا أتمّ السورة وجب في القيام اللاحق قراءتها. «السادسة»: أن يأتي بالركعة الأولى كما في الصورة الأولى، و بالثانية كما في الخامسة. «السابعة»: عكس ذلك. «الثامنة»: أن يأتي بالركعة الأولى كما في الصورة الثانية، و بالثانية كما في الخامسة. «التاسعة»: عكس ذلك. و الأولى اختيار الصورة الأولى.
قد مضى حكم هذه المسألة و دلائلها في الفرع الثالث.
(مسألة 2): يعتبر في هذه الصلاة ما يعتبر في اليوميّة من الأجزاء و الشرائط، و الأذكار الواجبة و المندوبة.
الشرح:
يعتبر في صلاة الآيات ما يعتبر في الصلاة اليوميّة؛ لأنّه اذا قال الامام عليه السلام: «الوقت و الطهور و القبلة و التوجّه و الركوع و السجود و الدعاء»(1)في جواب سؤال الراوي عن الفرض في الصلاة، يستفاد منه أنّ هذا واجب في كلّ ما سمّاه الامام عليه السلام صلاة و منها صلاة الآيات. و كذا اذا قال الامام عليه السلام: «لاتصلّ في شيء منه و لا شسع»(2)في جواب سؤال الراوي عن الصلاة بالميتة، فهو أيضا لكلّ صلاة، و هكذا يكون الحال في كلّ من الأجزاء و الشرائط في الصلاة واجباتها و مندوباتها.
نعم، قد يزداد شيء أو أزيد على الأجزاء و الشرائط أو ينقص منها بالدليل كما في صلاة الآيات من ازدياد الركوعات، أو في صلاة الميّت من عدم وجوب الطهارة، و عدم الركوع و السجود.
قال في المستمسك: «هذا يتمّ اذا كان اعتباره في اليوميّة بما أنّها صلاة، لكون صلاة الآيات صلاة أيضا. أمّا لو كان اعتباره في اليوميّة بما أنّها صلاة خاصّة، فالتعدّي عنها الى الآيات يحتاج الى دليل خاصّ. و كذا لو ثبت في اليوميّة مع اهمال وجه ثبوته. اللّهمّ الاّ أن يقال: يكفي في اثبات ذلك الاطلاق المقامي، فانّ السكوت و عدم البيان يقتضي الاتّكال على ما ذكر بيانا في اليوميّة. انتهى».(1)
(مسألة 3): يستحبّ في كلّ قيام ثانٍ - بعد القراءة قبل الركوع - قنوت، فيكون في مجموع الركعتين خمس قنوتات. و يجوز الاجتزاء بقنوتين: أحدهما قبل الركوع الخامس، و الثاني قبل العاشر. و يجوز الاقتصار على الأخير منهما.
الشرح:
الدليل على استحباب القنوت في كلّ قيام ثانٍ قوله عليه السلام في ذيل صحيحة الرهط:
«و القنوت في الركعة الثانية قبل الركوع اذا فرغت من القراءة ثمّ تقنت في الرابعة مثل ذلك ثمّ في السادسة ثمّ في الثامنة ثمّ في العاشرة».(2)
و قوله عليه السلام في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم:
«و تقنت في كلّ ركعتين قبل الركوع».(1)
و ما روى الصدوق عن عمر بن أذينة أنّه روى:
«أنّ القنوت في الركعة الثانية قبل الركوع ثمّ في الرابعة ثمّ في السادسة ثمّ في الثامنة ثمّ في العاشرة».(2)
و الدليل على الاجتزاء بقنوتين مرسلة الصدوق قال:
«و ان لم يقنت الاّ في الخامسة و العاشرة فهو جائز لورود الخبر به».(3)
و أمّا الاقتصار على الأخير منها فلم يرد به نصّ، الاّ أنّه يمكن أن يستدلّ بما ورد في استحباب القنوت في الصلوات اليوميّة و نوافلها في الركعة الثانية قبل الركوع، و حيث تكون صلاة الآيات ركعتين فنتعدّي منها اليها.
قال في الجواهر: «و كذا يستحبّ أن يقنت خمس قنوتات عند كلّ ركوع ثانٍ بعد الفراغ من القراءة بلا خلاف فيه عندنا، بل عن صريح الغرية و ظاهر غيرها الاجماع عليه، و ما عن الصدوقين من أنّه ان لم يقنت الاّ في الخامس و العاشر جاز لورود الخبر به ليس خلافا، بل أقصاه الجواز، و لابأس به بعد المرسل الذي ذكراه خصوصا بعد العمل به من الفاضل و الشهيد و أبي العبّاس و الكركي و الجزائري و غيرهم، بل عن الشيخ و ابني حمزة و سعيد و الشهيد و الكركي و غيرهم جواز الاقتصار على العاشر، و في المنظومة:
و في جواز خامس و عاشر *** وجه كذاك الاجتزا بالآخر».(4)
(مسألة 4): يستحبّ أن يكبّر عند كلّ هويّ للركوع و كلّ رفع منه.
(مسألة 5): يستحبّ أن يقول: «سمع اللّه لمن حمده» بعد الرفع من الركوع الخامس و العاشر.
الشرح:
يدلّ على استحباب التكبير عند كلّ هويّ للركوع و كلّ رفع منه، و كذا استحباب «سمع اللّه لمن حمده» في الركعة التي يريد أن يسجد فيها، قوله عليه السلام في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم:
«تفتتح الصلاة بتكبيرة و تركع بتكبيرة و يرفع رأسه بتكبيرة الاّ في الخامسة التي تسجد فيها و تقول: سمع اللّه لمن حمده».(1)
و قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي:
«و لاتقل «سمع اللّه لمن حمده» في رفع رأسك من الركوع الاّ في الركعة التي تريد أن تسجد فيها».(2)
قال في الجواهر: «بلا خلاف كما اعترف به غير واحد، بل في المحكي عن المعتبر و التذكرة و المنتهى نسبته الى علمائنا بل عن الخلاف و الغرية الاجماع عليه. انتهى».(3)
(مسألة 6): هذه الصلاة حيث انّها ركعتان حكمها حكم الصلاة الثنائيّة في البطلان اذا شكّ في أنّه في الأولى أو الثانية، و ان اشتملت على خمس ركوعات في كلّ ركعة. نعم اذا شكّ في عدد الركوعات كان حكمها حكم اجزاء اليوميّة في أنّه يبني على الأقلّ ان لم يتجاوز المحلّ، و على الاتيان ان
تجاوز، و لاتبطل صلاته بالشكّ فيها. نعم، لو شكّ في أنّه الخامس فيكون آخر الركعة الأولى أو السادس فيكون أوّل الثانية بطلت الصلاة من حيث رجوعه الى الشكّ في الركعات.
الشرح:
أمّا أنّها ركعتان فقد تقدّم في الفرع الأوّل من هذا الفصل، و أمّا بطلان الصلاة اذا شكّ في عدد الركعات فلموثّقة سماعة قال:
«سألته عن السهو في صلاة الغداة؟ قال: اذا لم تدر واحدة صلّيت أم ثنتين فأعد الصلاة من أوّلها، و الجمعة أيضا اذا سها فيها الامام فعليه أن يعيد الصلاة؛ لأنّهاركعتان، و المغرب اذا سها فيها فلم يدرِ كم ركعة صلّى فعليه أن يعيد الصلاة».(1)
ثمّ انّه اذا شكّ في عدد الركوعات كان حكمها حكم أجزاء اليوميّة من أنّه يبني على الأقلّ ان لم يتجاوز المحلّ، و على الاتيان ان تجاوز، و ذلك لقاعدة التجاوز التي دلّت عليها النصوص.
(مسألة 7): الركوعات في هذه الصلاة أركان تبطل بزيادتها و نقصها عمدا و سهوا كاليوميّة.
الشرح:
الدليل على بطلان الصلاة بزيادة الركوع و نقصه صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلامأنّه قال:
«لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و
1) - وسائل الشيعة 8: 195 / الباب 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 8.
السجود. الحديث».(1)
و أمّا بالنسبة الى زيادة الركوع، فصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا استيقن أنّه قد زاد في الصلاة المكتوبة ركعة لم يعتدّ بها، و استقبل الصلاة استقبالاً اذا كان قد استيقن يقينا».(2)
و بالنسبة الى نقص الركوع، صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أيقن الرجل أنّه ترك ركعة من الصلاة و قد سجد سجدتين و ترك الركوع استأنف الصلاة».(3)
(مسألة 8): اذا أدرك من وقت الكسوفين ركعة فقد أدرك الوقت و الصلاة أداءً، بل و كذلك اذا لم يسع وقتهما الاّ بقدر الركعة، بل و كذا اذا قصّر عن أداء الركعة أيضا.
الشرح:
قد ورد فيه روايات كالمروي عن الأصبغ بن نباتة قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الغداة تامّة».(4)
و كموثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«فان صلّى ركعة من الغداة ثمّ طلعت الشمس فليتمّ و قد جازتصلاته».(5)
1) - وسائل الشيعة 6: 313 / الباب 10 من أبواب الركوع / الحديث 5.
2) - وسائل الشيعة 6: 319 / الباب 14 من أبواب الركوع / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 6: 313 / الباب 10 من أبواب الركوع / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 4: 217 / الباب 30 من أبواب المواقيت / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 4: 217 / الباب 30 من أبواب المواقيت / الحديث 1.
و ما رواه الشهيد في الذكرى قال:
«روي عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة».(1)
فما هو الظاهر من هذه الروايات عدم فوت الصلاة بادراك ركعة منها، فلسانها لسان التنزيل بمعنى أنّ من أدرك ركعة من الصلاة كان كمن أدرك الوقت كلّه، و الظاهر أنّه لا خصوصيّة في صلاة الغداة كما لا خصوصيّة في الصلاة اليوميّة، و بناءً عليه يصحّ القول بأنّه اذا أدرك من وقت الكسوفين ركعة فقد أدرك الوقت و الصلاة أداءً.
و أمّا اذا لم يسع وقتهما الاّ بقدر الركعة و ان كان يمكن أن يقال بأنّ تنزيل الركعة منزلة الصلاة كلّها كان كمن كلّف بالصلاة و أدرك الوقت كلّه و لم يصلّ حتّى بقي من الوقت ركعة الاّ أنّه ليس لروايات التنزيل اطلاق من هذه الجهة فلايكون مكلّفا، و هذا يجري أيضا في حائض طهرت من الدم أو غير بالغ بلغ، فاذا كسفت الشمس أو خسف القمر و لم يسع الوقت بقدر أقلّ الصلاة الاّ مقدار ركعة فلايكون مكلّفا بالصلاة. و لذلك قال في المدارك: «و الحقّ أنّ الكسوف ان كان من قبيل السبب كالزلزلة وجب القول بوجوب الصلاة و ان قصر وقته عن الركعة، و ان كان من قبيل الوقت كما هو الظاهر، تعيّن القول بعدم الوجوب اذا قصر الوقت عن أدائها، لاستحالة التكليف بعبادة موقّتة في وقت لايسعها، فالفرق بين سعة الوقت لادراك الركعة و عدمه لايظهر له وجه. انتهى».(2)
و قال في الجواهر: «و تنزيل ادراك الركعة من الوقت منزلة ادراك الوقت كلّه بعد تسليم شموله لغير اليوميّة انّما هو مع فرض سعة الوقت الاّ أنّ المكلّف بسوءاختياره أو لعذر لم يدرك منه الاّ ركعة، لا ما اذا لم يسع في نفسه الاّ ركعة كما هو
المفروض ... بل قوله عليه السلام: «فقد أدرك الوقت كلّه» كالصريح في سبق الوقت الذي أدركه بالركعة، فلايصدق على ما اذا كان الوقت كلّه ركعة، كما هو واضح. انتهى ملخّصا».(1)
و أمّا قول صاحب المستند: «باتّصاف الصلاة بكونها أداءً، لا لقاعدة من أدرك، بل لعدم التوقيت من ناحية المنتهى و حصول التوقيت الملحوظ من حيث المبدأ، و التكليف بالمحال انّما يتّجه لو كان التوقيت من الطرفين فلا مجال لتوهّم السقوط»(2)ففيه ما تقدّم في الفرع الأوّل في ابتداء البحث و قلنا بأنّ انتهاء وقت الكسوف هو تمام الانجلاء، فراجع. مع أنّ الفرض فيما اذا لم يسع الوقت الاّ لركعة.
(مسألة 9): اذا علم بالكسوف أو الخسوف و أهمل حتّى مضى الوقت عصى و وجب القضاء، و كذا اذا علم ثمّ نسي وجب القضاء، و أمّا اذا لم يعلم بها حتّى خرج الوقت الذي هو تمام الانجلاء فان كان القرص محترقا وجب القضاء، و ان لم يحترق كلّه لم يجب. و أمّا في سائر الآيات فمع تعمّد التأخير يجب الاتيان بها مادام العمر، و كذا اذا علم و نسي، و أمّا اذا لم يعلم بها حتّى مضى الوقت أو حتّى مضى الزمان المتّصل بالآية ففي الوجوب بعد العلم اشكال لكن لايترك الاحتياط بالاتيان بها مادام العمر فورا ففورا.
الشرح:
فروع:
اذا لم يعلم بالكسوف حتّى خرج الوقت قضى ان كان القرص محترقا كلّه.
قال في الشرائع: «و من لم يعلم بالكسوف حتّى خرج الوقت لم يجب القضاء الاّ أن يكون القرص قد احترق كلّه. انتهى».(1)
و قال في المدارك: «هذا قول معظم الأصحاب، بل قال في التذكرة: انّه مذهب الأصحاب عدا المفيد، فانّه قال في المقنعة: «اذا احترق القرص كلّه و لم تكن علمت به حتّى أصبحت صلّيت صلاة الكسوف جماعة، و ان احترق بعضه و لم تعلم به حتّى أصبحت صلّيت القضاء فرادى». و لم نقف له في هذا التفصيل على مستند. انتهى ملخّصا».(2)
يدلّ على قول المشهور صحيحة الفضيل بن يسار و محمّد بن مسلم أنّهما
قالا:
«قلنا لأبي جعفر عليه السلام: أيقضي صلاة الكسوف من اذا أصبح فعلم و اذا أمسى فعلم؟ قال: ان كان القرصان احترقا كلّهما قضيت، و ان كان انّما احترق بعضهما فليس عليك قضاؤه».(1)
و صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا انكسفت الشمس كلّها و احترقت و لم تعلم ثمّ علمت بعد ذلك فعليك القضاء، و ان لم تحترق كلّها فليس عليك قضاء».(2)
و مرسلة الكليني قال:
«و في رواية أخرى: اذا علم بالكسوف و نسي أن يصلّي فعليه القضاء، و ان لم يعلم به فلا قضاء عليه، هذا اذا لم يحترق كلّه».(3)
و خبر حريز قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا انكسف القمر و لم تعلم به حتّى أصبحت ثمّ بلغك فان كان احترق كلّه فعليك القضاء، و ان لم يكن احترق كلّه فلا قضاء عليك».(4)
و لاتعارضها الروايات الواردة في القضاء مطلقا أو عدم القضاء مطلقا، فانّ ما كان فيها الأمر بالقضاء تحمل على ما اذا لم يعلم و احترق كلّه أو ما اذا علم و لم يصلّ، و ما كان فيها عدم وجوب القضاء تحمل على ما اذا لم يعلم و لم يحترق كلّه؛ جمعا بين هذه الروايات و بين ما تقدّم.
فمن الأولى: مرسلة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) - من لايحضره الفقيه 1: 549 / باب صلاة الكسوف و الزلازل ... / الحديث 1529.
2) - وسائل الشيعة 7: 500 / الباب 10 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 7: 500 / الباب 10 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 7: 500 / الباب 10 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 4.
«اذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل فكسل أن يصلّي فليغتسل من غد و ليقض الصلاة، و ان لم يستيقظ و لم يعلم بانكساف القمر فليس عليه الاّ القضاء بغير غسل».(1)
و خبر أبي بصير قال:
«سألته عن صلاة الكسوف، قال: عشر ركعات و أربع سجدات - الى أن قال: - فان أغفلها أو كان نائما فليقضها».(2)
و من الثانية: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن صلاة الكسوف، هل على من تركها قضاء؟ قال: اذا فاتتك فليس عليك قضاء».(3)
و خبر عبيد بن زرارة عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«انكسفت الشمس و أنا في الحمّام، فعلمت بعدما خرجت فلم أقض».(4)
و خبر الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن صلاة الكسوف، تقضى اذا فاتتنا؟ قال: ليس فيها قضاء، و قد كان في أيدينا أنّها تقضى».(5)
و ما رواه الشيخ في التهذيب عن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«ان لم تعلم حتّى يذهب الكسوف ثمّ علمت بعد ذلك فليس عليك صلاة الكسوف، و ان أعلمك أحد و أنت نائم فعلمت ثمّ غلبتك
1) - وسائل الشيعة 7: 500 / الباب 10 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 5.
2) - وسائل الشيعة 7: 501 / الباب 10 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 7: 501 / الباب 10 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 7.
4) - وسائل الشيعة 7: 501 / الباب 10 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 8.
5) - وسائل الشيعة 7: 501 / الباب 10 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 9.
عينك فلم تصلّ فعليك قضاؤها».(1)
و ما رواه ابن ادريس في آخر السرائر نقلاً من جامع البزنطي صاحب الرضا عليه السلام قال:
«سألته عن صلاة الكسوف، هل على من تركها قضاء؟ قال: اذا فاتتك فليس عليك قضاء».(2)
قال في الجواهر: «و من لم يعلم بالكسوف حتّى خرج الوقت الذي هو تمام الانجلاء أو الأخذ فيه على القولين و لم يكن القرص محترقا لم يجب القضاء على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، بل كادت تكون اجماعا خصوصا بين المتأخّرين منهم، بل في التذكرة نسبته الى علمائنا عدا المفيد، بل عن شرح جمل العلم و العمل للقاضي الاجماع عليه. - و قال صاحب الجواهر في موضع آخر منه: - الاّ أن يكون القرص قد احترق كلّه، فانّه لا اشكال حينئذ في القضاء، بل عن بعضهم نفي الخلاف فيه، بل عن شرح الجمل للقاضي الاجماع عليه. انتهى».(3)
اذا علم بالكسوف و أهمل حتّى مضى الوقت عصى و وجب القضاء، و كذا اذا علم ثمّ نسي وجب القضاء.
قال في الشرائع: «و مع العلم و التفريط و النسيان يجب القضاء في الجميع. انتهى».(4)
و قال في المدارك: «هذا قول الأكثر. و قال الشيخ في النهاية و المبسوط: لايقضي الناسي ما لم يستوعب الاحتراق. و ظاهر المرتضى في المصباح عدم وجوب القضاء ما لم يستوعب و ان تعمّد الترك. انتهى».(1)
و الأظهر ما ذهب اليه المشهور و ذلك لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«أربع صلوات يصلّيها الرجل في كلّ ساعة: صلاة فاتتك فمتى ما ذكرتها أدّيتها. الحديث».(2)
و قوله عليه السلام في صحيحة أخرى لزرارة و قد سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها: «يقضيها اذا ذكرها».(3)
و لايعارضهما اطلاق صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن صلاة الكسوف، هل على من تركها قضاء؟ قال: اذا فاتتك فليس عليك قضاء».(4)
لأنّها كما قيّدت بالنسبة الى ما اذا احترق القرص كلّه - و قد تقدّم - تقيّد أيضا بالنسبة الى ما اذا علم بالكسوف و لو بعضه فأهمل بالصلاة أو نسيها، فتحمل على ما اذا لم يعلم حتّى مضى. و أمّا الروايات المقيّدة لها:
فمنها مرسلة الكليني فانّه قال:
«و في رواية أخرى: اذا علم بالكسوف و نسي أن يصلّي فعليهالقضاء. الحديث».(5)
1) - مدارك الأحكام 4: 135.
2) - وسائل الشيعة 8: 256 / الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 8: 256 / الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 7: 501 / الباب 10 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 7.
5) - وسائل الشيعة 7: 500 / الباب 10 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 3.
و منها مرسلة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
اذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل فكسل أن يصلّي فليغتسل من غد و ليقض الصلاة، و ان لم يستيقظ و لم يعلم بانكساف القمر فليس عليه الاّ القضاء بغير غسل».(1)
و منها خبر عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«ان لم تعلم حتّى يذهب الكسوف ثمّ علمت بعد ذلك فليس عليك صلاة الكسوف، و ان أعلمك أحد و أنت نائم فعلمت ثمّ غلبتك عينك فلم تصلّ فعليك قضاؤها».(2)
و الروايات و ان كانت ضعيفة السند الاّ أنّ عمل المشهور بها يجبره.
قال في الجواهر: «و مع العلم و التفريط أو النسيان يجب القضاء بلا خلاف أجده في الكسوفين مع الاحتراق و الترك عمدا، بل في المحكي عن المنتهى الاجماع عليه، كما أنّه مندرج في معقد اجماع الانتصار و الخلاف و الغنية، و هو الحجّة بعد فحوى النصوص المتقدّمة في الجاهل، و مرسل حريز و خبر أبي بصير، و عمومات القضاء للفوائت، و فحوى ما تسمعه في الناسي، بل لعلّ موثّق عمّار منه شامل له، و بذلك كلّه يخرج عن اطلاق نفي القضاء في النصوص التي تقدّم بعضها، كما أنّه يخرج عن اطلاق تلك النصوص و عن الأصل أيضا بمرسل الجمل و مرسل المصباح و خبر أبي بصير المعتضدة بعموم قضاء الفوائت و فحوى ما دلّ عليه في الناسي (مرسلة الكليني) و التارك عمدا و ان لم يحترق القرص - الى أن قال: - بل في المحكي عن السرائر نفي الخلاف، بل يشمله اطلاق معقد اجماع الخلاف، بل قيل و الانتصار و الغنية، بل لم أجد فيه خلافا سوىاطلاق نفي القضاء باحتراق البعض في المحكي من المصريّات الثالثة و المصباح
و جمل العلم و العمل و التهذيب و الاستبصار، مع أنّ ما وصل الينا من عبارة الآخرين ينافي هذه الحكاية. قال: اذا احترق القرص كلّه يجب القضاء على من فاتته صلاة الكسوف، و ان لم يحترق كلّه و فاتته لم يكن عليه قضاء. انتهى ملخّصا».(1)
قال في الشرائع: «و من لم يعلم بالكسوف حتّى خرج الوقت لم يجب القضاء، و مع العلم و التفريط و النسيان يجب القضاء في الجميع. انتهى ملخّصا».(2)
و قال في المدارك: «من لم يعلم بالآية المخوفة حتّى خرج وقتها لايجب عليه القضاء، و هذا مذهب الأصحاب لاأعلم فيه مخالفا. و يدلّ عليه أنّ القضاء فرض مستأنف فيتوقّف على الدليل و بدونه يكون منفيّا بالأصل، و تشهد له الروايات المتضمّنة لسقوط القضاء في الكسوف اذا لم يستوعب الاحتراق، مع أنّه أقوى؛ للاجماع على أنّه موجب للصلاة و استفاضة النصوص به. انتهى».(3)
ظاهر قوله عليه السلام في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم «كلّ أخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصلّ له صلاة الكسوف حتّى يسكن»(4)و قوله عليه السلام «صلّ صلاة الكسوف» في جواب سؤال الراوي عن الزلزلة فما أصنع؟(5)وجوب الصلاة اذا علم بها أو علم و نسي، و كذا لو لم يعلم للنوم و الغفلة و نحوهما،
للاطلاق و عدم الدليل على التقييد.
و ما ذكره في المدارك من «أنّ القضاء فرض مستأنف فيتوقّف على الدليل» ففيه: انّ صلاة هذه الآيات تجب بمجرّد حدوثها و ذمّة المكلّف مشغولة بها حتّى يصلّيها.
و ما ذكره ثانيا «و تشهد الروايات المتضمّنة لسقوط القضاء في الكسوف اذا لم يستوعب الاحتراق» ففيه أوّلاً: انّه مع استيعاب الاحتراق تجب الصلاة و لعلّها مثل هذا. و ثانيا: لايقاس تلك الآيات بالكسوفين؛ لأنّها تجب بمجرّد حدوثها و لو لم تستمرّ كالزلزلة، و ليس لها وقت معيّن بخلاف الكسوفين. و لو لم يكن اجماع فالأقوى وجوب الصلاة و ان لم يكن يعلم.
(مسألة 10): اذا علم بالآية و صلّى ثمّ بعد خروج الوقت أو بعد زمان الاتّصال بالآية تبيّن له فساد صلاته وجب القضاء أو الاعادة.
الشرح:
و ذلك لاطلاق خبر عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«ان لم تعلم حتّى يذهب الكسوف ثمّ علمت بعد ذلك فليس عليك صلاة الكسوف، و ان أعلمك أحد و أنت نائم فعلمت ثمّ غلبتك عينك فلم تصلّ فعليك قضاؤها».(1)
فلا فرق بين عدم الاتيان بالصلاة بعد العلم أو الاتيان بصلاة باطلة، سواء انكشف بطلانها بعد الصلاة أو في أثنائها، و سواء كان الوقت باقيا أو لم يكن.
1) - وسائل الشيعة 7: 501 / الباب 10 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 10.
(مسألة 11): اذا حصلت الآية في وقت الفريضة اليوميّة فمع سعة وقتهما مخيّر بين تقديم أيّهما شاء و ان كان الأحوط تقديم اليوميّة، و ان ضاق وقت احداهما دون الأخرى قدّمها، و ان ضاق وقتهما معا قدّم اليوميّة.
الشرح:
في المسألة صور:
الأولى: اذا كان وقت الفريضة مضيّقا وجب تقديم الفريضة و ان كان في أثناء صلاة الكسوف فخشي فوت الفريضة فالواجب قطعها و الاتيان بالفريضة. و الدليل على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: جعلت فداك! ربّما ابتلينا بالكسوف بعد المغرب قبل العشاء الآخرة، فان صلّيت الكسوف خشينا أن تفوتنا الفريضة. فقال: اذا خشيت ذلك فاقطع صلاتك و اقض فريضتك ثمّ عد فيها. الحديث».(1)
و صحيحة أبي أيّوب ابراهيم بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن صلاة الكسوف قبل أن تغيب الشمس و نخشى فوت الفريضة؟ فقال: اقطعوها و صلّوا الفريضة و عودوا الى صلاتكم».(2)
الثانية: اذا ضاق وقت صلاة الكسوف و اتّسع وقت الفريضة فالواجب الابتداء بصلاة الكسوف.
الثالثة: اذا اتّسع الوقتان فهو مخيّر الاّ أنّ الأولى الابتداء بالفريضة ثمّ الآيات.
و الدليل على هاتين الصورتين الجمع بين صحيحة بريد بن معاوية و محمّد بن مسلم و بين صحيحة محمّد بن مسلم، فالأولى عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام
قالا:
«اذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلّها ما لم تتخوّف أن يذهب وقت الفريضة، فان تخوّفت فابدأ بالفريضة و اقطع ما كنت فيه من صلاة الكسوف، فاذا فرغت من الفريضة فارجع الى حيث كنت قطعت و احتسب بما مضى».(1)
فيستفاد من هذه الصحيحة أنّه اذا ضاق وقت صلاة الآيات و اتّسع وقت صلاة الفريضة تصلّى صلاة الآيات. فالقرينة على هذه صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن صلاة الكسوف في وقت الفريضة؟ فقال: ابدأ بالفريضة. الحديث».(2)
فيستفاد من هذه الصحيحة أولويّة الابتداء بالفريضة اذا اتّسع وقتهما بقرينة الصحيحة الأولى.
قال العلاّمة في المختلف: «لو دخل وقت فريضة و حصل السبب دفعة فان تضيّق وقت احداهما تعيّنت للأداء، ثمّ يصلّي بعدها ما اتّسع وقتها، و ان تضيّقا تعيّنت الحاضرة، ثمّ ان كان قد فرّط في الكسوف بأن أخّر الصلاة مع تمكّنه وجب القضاء و الاّ فلا، و لو اتّسعا فالأفضل الابتداء بالحاضرة، و يجوز الابتداء بالكسوف. و أطلق الشيخ في النهاية و كذا ابن البرّاج و ابن حمزة بالبدأة بالفريضة. و الشيخ في المبسوط و الجمل قال بالابتداء بصلاة الكسوف ما لم يتضيّق الحاضرة، و كذلك قال ابن الجنيد و السيّد المرتضى. و أمّا ابنا بابويه قالا: و لاتصلّيها في وقت فريضة حتّى تصلّي الفريضة. انتهى ملخّصا».(3)
و لايبعد أن يكون وجه اطلاق كلام الشيخ و ابن البرّاج و ابن حمزة بالبدأة بالفريضة، هو أولويّة الابتداء اذا اتّسع الوقتان أو وجوبها اذا تضيّق وقت الفريضة بقرينة فتوى الشيخ في المبسوط و الجمل. كما أنّ فتوى ابني بابويه يمكن حملها على ما اذا تضيّق وقت الفريضة أو ما اذا اتّسع الوقتان. و لعلّه لذلك قال في المدارك: «اذا حصل الكسوف في وقت فريضة حاضرة، فان تضيّق وقت احداهما تعيّنت للأداء اجماعا ثمّ تصلّى بعدها ما اتّسع وقتها، و ان تضيّقتا قدّمت الحاضرة؛ لأنّها أهمّ في نظر الشارع. و قال في الذكرى: انّه لا خلاف فيه. و ان اتّسع الوقتان كان مخيّرا في الاتيان بأيّهما شاء عند أكثر الأصحاب، و قال ابن بابويه في من لايحضره الفقيه: و لايجوز أن يصلّيها في وقت فريضة حتّى يصلّي الفريضة. و هو ظاهر اختيار الشيخ في النهاية، و المعتمد الأوّل. انتهى».(1)
الرابعة: ان تضيّقتا قدّمت الحاضرة؛ لأنّها أهمّ في نظر الشارع، كما مرّ عن المدارك.
(مسألة 12): لو شرع في اليوميّة ثمّ ظهر له ضيق وقت صلاة الآية قطعها مع سعة وقتها و اشتغل بصلاة الآية، و لو اشتغل بصلاة الآية فظهر له في الأثناء ضيق وقت الاجزاء لليوميّة قطعها و اشتغل بها و أتمّها ثمّ عاد الى صلاة الآية من محلّ القطع اذا لم يقع منه منافٍ غير الفصل المزبور، بل الأقوى جواز قطع صلاة الآية و الاشتغال باليوميّة اذا ضاق وقت فضيلتها فضلاً عن الاجزاء ثمّ العود الى صلاة الآية من محلّ القطع، لكن الأحوط خلافه.
الشرح:
1) - مدارك الأحكام 4: 144 و 145.
فروع:
لو شرع في اليوميّة ثمّ ظهر له في الأثناء ضيق وقت صلاة الآية قطعها مع سعة وقتها و اشتغل بصلاة الآية، و ذلك لما مرّ سابقا من أنّه لا دليل على حرمة قطع الصلاة أو عدم تماميّة ما استدلّ بها من النصّ و الاجماع، الاّ اذا كان الوقت ضيقا أو كان عابثا و لاعبا، و فيما نحن فيه لايكون شيء منهما، بل يجب القطع للتزاحم و أهمّيّة الآية لضيق وقتها و سعة وقت اليوميّة. و لو قلنا بحرمة القطع فحيث يكون دليله الاجماع فالقدر المتيقّن منه غير المورد.
لو اشتغل بصلاة الآية فظهر له في الأثناء ضيق وقت الاجزاء لليوميّة قطعها و اشتغل بها سواء كان وقت الآية موسّعا أو مضيّقا، أمّا في السعة فلما قلنا في الفرع الأوّل، و أمّا في الضيق فلأهمّيّة الصلاة اليوميّة و لأنّ الوقت لها بالأصالة كما تقدّم في المسألة السابقة.
انّما الكلام في العود الى صلاة الآية من محلّ القطع:
قال في المدارك: «و لو دخل في الكسوف قبل تضيّق الحاضرة و خشي لو أتمّ، فوات الحاضرة، قطع اجماعا و صلّى الحاضرة، ثمّ أتمّ صلاة الكسوف من حيث قطع على ما نصّ عليه الشيخان و المرتضى و ابن بابويه و أتباعهم - الى أن قال: - و ذهب الشيخ في المبسوط الى أنّ من قطع صلاة الكسوف لخوف فوات
الفريضة يجب عليه استئنافها من رأس، و اختاره في الذكرى. انتهى».(1)
و الظاهر أنّ الدليل قائم في الرجوع الى موضع القطع و الاحتساب بما مضى و هو صحيحة بريد بن معاوية و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالا:
«اذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلّها ما لم تتخوّف أن يذهب وقت الفريضة، فان تخوّفت فابدأ بالفريضة و اقطع ما كنت فيه من صلاة الكسوف، فاذا فرغت من الفريضة فارجع الى حيث كنت قطعت و احتسب بما مضى».(2)
و ظهور صحيحة أبي أيّوب ابراهيم بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن صلاة الكسوف قبل أن تغيب الشمس و نخشى فوت الفريضة؟ فقال: اقطعوها و صلّوا الفريضة و عودوا الى صلاتكم».(3)
و كذا صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: جعلت فداك، ربّما ابتلينا بالكسوف بعد المغرب قبل العشاء الآخرة، فان صلّيت الكسوف خشينا أن تفوتنا الفريضة. فقال: اذا خشيت ذلك فاقطع صلاتك و اقض فريضتك ثمّ عد فيها».(4)
و قال في المدارك: «ذهب الشيخ في المبسوط الى وجوب الاستئناف منرأس، و اختاره في الذكرى و قال: «لأنّ البناء بعد تخلّل الصلاة الأجنبيّة لم يعهد من الشارع تجويزه في غير هذا الموضع، و الاعتذار بأنّ الفعل الكثير مغتفر هنا
لعدم منافاته الصلاة بعيد، فانّا لم نبطلها بالفعل الكثير بل بحكم الشرع بالابطال و الشروع في الحاضرة، فاذا فرغ منها فقد أتى بما يخلّ بنظم صلاة الكسوف فتجب اعادتها من رأس تحصيلاً ليقين البراءة. انتهى».(1)
و كلامه مدفوع بالنصوص الصحيحة المتضمّنة للبناء السالمة من المعارض كما في المدارك.
لو اشتغل بالآية و خاف فوت وقت الفضيلة، فان ضاق وقت الآية فلايجوز له القطع لما مرّ من أنّ التقدّم لما ضاق وقته، و أمّا ان كان وقت الآية موسّعا و خاف فوت وقت فضيلة اليوميّة جاز القطع لمصلحة درك الفضيلة فاذا أتمّها يستأنف الآية؛ لعدم الدليل على العود من موضع القطع، فانّ الظهور العرفي من الروايات المتقدّمة هو ما كان القطع لخوف وقت الاجزاء.
قال في المدارك: «قال الصدوق رحمه الله في من لايحضره الفقيه: «و اذا كان في صلاة الكسوف فيدخل عليه وقت الفريضة فليقطعها و ليصلّ الفريضة، ثمّ يبني على ما مضى من صلاة الكسوف». و مقتضاه جواز القطع بل وجوبه اذا دخل وقت الفريضة، و هو بعيد جدّا، فانّ الرواية التي أوردها في كتابه في هذا المعنى عن بريد و محمّد بن مسلم صريحة في الأمر بصلاة الكسوف و الحال هذه فلا وجه لوجوب قطعها بدخول الوقت، بل و لا لجوازه. نعم ربّما لاح من رواية ابن مسلم المتقدّمة جواز القطع لخوف فوات وقت الفضيلة حيث قال فيها: «ربّما ابتلينا بالكسوف بعد المغرب قبل العشاء الآخرة ... » فانّ صلاة الكسوف الواقع قبل
1) - مدارك الأحكام 4: 146.
العشاء الآخرة لايقتضي خوف خروج وقت الاجزاء. انتهى ملخّصا».(1)
ولكن الظاهر من قول السائل «خشينا أن تفوتنا الفريضة» هو وقت الاجزاء لا وقت الفضيلة.
(مسألة 13): يستحبّ في هذه الصلاة أمور: «الأوّل» و «الثاني» و «الثالث»: القنوت، و التكبير قبل الركوع و بعده، و السمعلة على ما مرّ.
ففي صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم قالا:
«سألنا أبا جعفر عليه السلام عن صلاة الكسوف، كم هي ركعة، و كيف نصلّيها؟ فقال: عشر ركعات و أربع سجدات، تفتتح الصلاة بتكبيرة و تركع بتكبيرة، و يرفع رأسه بتكبيرة الاّ في الخامسة التي تسجد فيها، و تقول: سمع اللّه لمن حمده. و تقنت في كلّ ركعتين قبل الركوع. الحديث».(2)
«الرابع»: اتيانها بالجماعة أداءً كان أو قضاءً، مع احتراق القرص و عدمه. و القول بعدم جواز الجماعة مع عدم احتراق القرص ضعيف. و يتحمّل الامام فيها عن المأموم القراءة خاصّة، كما في اليوميّة، دون غيرها من الأفعال و الأقوال.
الشرح:
قال في المختلف: «المشهور استحباب الجماعة فيها مطلقا، و يجوز أن تصلّى فرادى. و قال ابنا بابويه: اذا احترق القرص كلّه فصلّها في جماعة، و ان احترق
بعضه فصلّها فرادى. انتهى».(1)
و الدليل على استحباب الجماعة في صلاة الآيات قوله عليه السلام في صحيحة رهط:
«صلاّها رسول اللّه صلى الله عليه و آله و الناس خلفه في كسوف الشمس».(2)
و الدليل على جواز الفرادى خبر روح بن عبدالرحيم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن صلاة الكسوف، تصلّى جماعة؟ قال: جماعة و غير جماعة».(3)
و خبر محمّد بن يحيى الساباطي عن الرضا عليه السلام قال:
«سألته عن صلاة الكسوف، تصلّى جماعة أو فرادى؟ قال: أيّ ذلك شئت».(4)
و يؤكّد استحباب الجماعة اذا استوعب القرص و يدلّ عليه خبر ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا انكسفت الشمس و القمر فانكسف كلّها فانّه ينبغي للناس أن يفزعوا الى امام يصلّي بهم، و أيّهما كسف بعضه فانّه يجزي الرجل يصلّي وحده».(5)
و احتجّ ابنا بابويه بخبر ابن أبي يعفور، و أجابهما في المختلف بأنّ «لفظة «ينبغي» كما تتناول الواجب تتناول المندوب، و التفصيل جاز أن يستند الى كثرة الفضل مع الاستيعاب، و قلّته مع عدمه».(6)
و في المدارك نقل عن الشهيد في الذكرى ب- «أنّهما ان أرادا نفي تأكّد
1) - مختلف الشيعة 2: 299.
2) - وسائل الشيعة 7: 492 / الباب 7 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 7: 503 / الباب 12 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 7: 503 / الباب 12 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 7: 503 / الباب 12 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 2.
6) - مختلف الشيعة 2: 300.
الاستحباب مع احتراق البعض فمرحبا بالوفاق، و ان أرادا نفي استحباب الجماعة و ترجيح الفرادى طولبا بدليل المنع. انتهى».(1)
و يدلّ على استحباب الجماعة فيها مطلقا عمومات الأمر بالجماعة في الفرائض.
ثمّ انّه يتحمّل الامام فيها عن المأموم القراءة خاصّة كما في اليوميّة دون غيرها من الأفعال و الأقوال و ذلك لأنّه اذا أجاز الشارع الجماعة في صلاة الآيات و لم يتعرّض لكيفيّتها علم أنّه أحالها الى ما بيّنها في صلاة الجماعة في اليوميّة.
«الخامس»: التطويل فيها خصوصا في كسوف الشمس.
الشرح:
قال في المدارك: «هذا موضع وفاق بين العلماء، قاله في المعتبر. انتهى».(2)
و الدليل على ذلك قوله عليه السلام في صحيحة الرهط:
«انّ صلاة كسوف الشمس و القمر و الرجفة و الزلزلة عشر ركعات و أربع سجدات، صلاّها رسول اللّه صلى الله عليه و آله و الناس خلفه في كسوف الشمس، ففرغ حين فرغ و قد انجلى كسوفها».(3)
و هو الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم:
«و كان يستحبّ أن يقرأ فيها بالكهف و الحجر الاّ أن يكون اماما يشقّ على من خلفه».(4)
و خبر عبداللّه بن ميمون القدّاح عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال:
«انكسفت الشمس في زمان رسول اللّه صلى الله عليه و آله فصلّى بالناس ركعتين و طوّل حتّى غشي على بعض القوم ممّن كان وراءه من طول القيام».(1)
و مرسلة الصدوق قال:
«انكسفت الشمس على عهد أميرالمؤمنين عليه السلام فصلّى بهم حتّى كان الرجل ينظر الى الرجل قد ابتلّت قدمه من عرقه».(2)
و مرسلة المفيد في المقنعة قال:
«روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه صلّى بالكوفة صلاة الكسوف فقرأ فيها بالكهف و الأنبياء و ردّدها خمس مرّات، و أطال في ركوعها حتّى سال العرق على أقدام من كان معه، و غشي على كثير منهم».(3)
قال في المدارك: «و لايخفى أنّ استحباب الاطالة بمقدار زمان الكسوف انّما يتمّ مع العلم بذلك أو الظنّ الحاصل من أخبار الرصدي أو غيره، أمّا بدونه فربّما كان التخفيف ثمّ الاعادة مع عدم الانجلاء أولى، لما في التطويل من التعرّض لخروج الوقت قبل الاتمام. انتهى».(4)
«السادس»: اذا فرغ قبل تمام الانجلاء يجلس في مصلاّه مشتغلاً بالدعاء و الذكر الى تمام الانجلاء أو يعيد الصلاة.
قال في المدارك: «هذا قول أكثر الأصحاب، و نقل عن ظاهر المرتضى و أبي الصلاح وجوب الاعادة. و منع ابن ادريس من الاعادة وجوبا و استحبابا. و
المعتمد الأوّل. انتهى».(1)
و الدليل على الاستحباب صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: صلاة الكسوف اذا فرغت قبل أن ينجلي فأعد».(2)
و يدلّ على انتفاء الوجوب و استحباب الاشتغال بالدعاء و الذكر بعده الى تمام الانجلاء: قوله عليه السلام في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم:
«فان فرغت قبل أن ينجلي فاقعد و ادع اللّه حتّى ينجلي».(3)
«السابع»: قراءة السور الطوال، كيس و النور و الروم و الكهف و نحوها.
يدلّ عليه قوله عليه السلام في رواية أبي بصير:
«يقرأ في كلّ ركعة مثل يس و النور، و يكون ركوعك مثل قراءتك، و سجودك مثل ركوعك».(4)
و قوله عليه السلام في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم:
«و كان يستحبّ أن يقرأ فيها بالكهف و الحجر».(5)
«الثامن»: اكمال السورة في كلّ قيام.
يدلّ عليه قوله عليه السلام في صحيحة الرهط:
«تبدأ فتكبّر بافتتاح الصلاة، ثمّ تقرأ أمّ الكتاب و سورة، ثمّ تركع، ثمّ
1) - نفس المصدر.
2) - وسائل الشيعة 7: 498 / الباب 8 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 7: 494 / الباب 7 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 7: 493 / الباب 7 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 7: 495 / الباب 7 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 6.
ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أمّ الكتاب و سورة، ثمّ تركع الثانية، ثمّ ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أمّ الكتاب و سورة، ثمّ تركع الثالثة، ثمّ ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أمّ الكتاب و سورة، ثمّ تركع الرابعة، ثمّ ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أمّ الكتاب و سورة، ثمّ تركع الخامسة، فاذا رفعت رأسك قلت: سمع اللّه لمن حمده، ثمّ تخرّ ساجدا فتسجد سجدتين ثمّ تقوم فتصنع مثل ما صنعت في الأولى».(1)
«التاسع»: أن يكون كلّ من القنوت و الركوع و السجود بقدر القراءة في التطويل تقريبا.
يدلّ عليه قوله عليه السلام في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم:
«فتطيل القنوت و الركوع على قدر القراءة و الركوع و السجود».(2)
و رواية أبي بصير قال:
«سألته عن صلاة الكسوف؟ فقال: عشر ركعات و أربع سجدات يقرأ في كلّ ركعة مثل يس و النور، و يكون ركوعك مثل قراءتك، و سجودك مثل ركوعك. الحديث».(3)
«العاشر»: الجهر بالقراءة فيها ليلاً أو نهارا، حتّى في كسوف الشمس على الأصحّ.
يدلّ على ذلك قوله عليه السلام في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم: «و تجهر
بالقراءة».(1)
قال في الجواهر: «و من المستحبّات الجهر بالقراءة ليلاً أو نهارا كما في الذكرى و الدروس بل في المنظومة:
و الجهر في الآيات يستحبّ *** حتّى كسوف الشمس و هو دأب
و القول في الكسوف بالاسرار *** يضعف بالاجماع و الأخبار
انتهى».(2)
«الحادي عشر»: كونها تحت السماء. «الثاني عشر»: كونها في المساجد بل في رحبها.
ففي صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم:
«و ان استطعت أن تكون صلاتك بارزا لايجنّك بيت فافعل».(3)
و في صحيحة أبي بصير قال:
«انكسف القمر و أنا عند أبي عبداللّه عليه السلام في شهر رمضان، فوثب و قال: انّه كان يقال: اذا انكسف القمر و الشمس فافزعوا الى مساجدكم».(4)
و عن الصدوق قال:
«قال النبي صلى الله عليه و آله: انّ الشمس و القمر آيتان من آيات اللّه يجريان بتقديره و ينتهيان الى أمره، لاينكسفان لموت أحد و لا لحياة أحد،
فان انكسف أحدهما فبادروا الى مساجدكم».(1)
(مسألة 14): لايبعد استحباب التطويل حتّى للامام و ان كان يستحبّ له التخفيف في اليوميّة مراعاة لأضعف المأمومين.
يستحبّ التطويل للامام الاّ أن يشقّ على من خلفه؛ لروايات تطويل رسول اللّه صلى الله عليه و آلهو أميرالمؤمنين عليه السلام الصلاة حتّى غشي على بعض القوم، و لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم:
«و كان يستحبّ أن يقرأ فيها بالكهف و الحجر الاّ أن يكون اماما يشقّ على من خلفه».(2)
(مسألة 15): يجوز الدخول في الجماعة اذا أدرك الامام قبل الركوع الأوّل أو فيه من الركعة الأولى أو الثانية. و أمّا اذا أدركه بعد الركوع الأوّل من الأولى أو بعد الركوع من الثانية فيشكل الدخول؛ لاختلال النظم - حينئذ - بين صلاة الامام و المأموم.
الشرح:
قال في المدارك: «لو أدرك المأموم الامام قبل الركوع الأوّل أو في أثنائه أدرك الركعة بغير اشكال، و لو لم يدركه حتّى رفع رأسه من الركوع الأوّل فالأصحّ فواتتلك الركعة كما نصّ عليه المصنّف في المعتبر، و العلاّمة في جملة من كتبه؛ لأصالة عدم سقوط فرض مكلّف بفعل غيره الاّ فيما دلّ عليه الدليل، و هو منتفٍ هنا، و لأنّ الدخول معه و الحال هذه مستلزم لأحد محذورين: امّا تخلّف المأموم
عن الامام إن تدارك الركوع بعد سجود الامام، و امّا تحمّل الامام الركوع ان رفض الركوعات و سجد لسجود الامام. و احتمل العلاّمة في التذكرة «جواز الدخول معه في هذه الحالة، فاذا سجد الامام لم يسجد هو، بل ينتظر الامام الى أن يقوم، فاذا ركع الامام أوّل الثانية ركع معه عن ركعات الأولى، فاذا انتهى الى الخامس بالنسبة اليه سجد ثمّ لحق الامام و يتمّ الركعات قبل سجود الثانية». و يشكل بأنّ فيه تخلّف المأموم عن الامام في ركن و هو السجدتان من غير ضرورة، و لا دليل على جوازه. انتهى».(1)
أقول:
ما ذهب اليه في المدارك من فوات الركعة اذا لم يدرك الامام حتّى رفع رأسه من الركوع الأوّل؛ لأصالة عدم سقوط فرض مكلّف بفعل غيره، و لحصول أحد المحذورين، تمام. نعم، لو قلنا بجواز نيّة الائتمام بالبعض فيها من أوّل الأمر بأن يعزم على مفارقة الامام في الأثناء، أو كان عالما بعروض ما يمنع من الاقتداء به قبل الفراغ لأنّ الجماعة مستحبّة في البعض كاستحبابها في الكلّ كما هو الظاهر من النصوص، فحينئذ جاز له الائتمام بما بقي من الركوعات ثمّ ينفرد عنه عند ارادة السجود. صرّح بذلك في جامع المقاصد(2)و الجواهر(3).
(مسألة 16): اذا حصل أحد موجبات سجود السهو في هذه الصلاة فالظاهر وجوب الاتيان به بعدها، كما في اليوميّة.
الشرح:
الظاهر اعتبار جميع ما يعتبر من الشرائط و الأجزاء في اليوميّة في هذه الصلاة، و تبطل بكلّ ما تبطل الصلاة اليوميّة به، و كلّ حكم ورد في الصلاة اليوميّة جارٍ في صلاة الآيات لاطلاق الأدلّة و الاطمئنان بعدم الخصوصيّة، و من جملة أحكام اليوميّة وجوب سجود السهو اذا حصل أحد موجباته، كما تجري فيها قاعدة الفراغ و التجاوز لاطلاق أدلّتها.
قال في الجواهر: «الظاهر وجوب جميع ما يعتبر في اليوميّة فيها من الشرائط و غيرها كما صرّح به غير واحد، ضرورة اندراجها في اسم الصلاة، فيعتبر فيها حينئذ ما يعتبر فيها، بل الظاهر كونها كذلك في المندوبات أيضا، و في أحكام السهو في الركوعات و الركعات، فتبطل بنسيان ركن أو زيادته حتّى دخل في ركن آخر على البحث السابق في الفريضة، بل الأركان فيها تلك الأركان، اذ احتمال كون ما عدا الخامس و العاشر من الركوعات من الأفعال لا من الأركان كما ترى و ان كان يوهمه بعض ما عرفت، و يتدارك لو نسي اذا لم يكن قد دخل، و الاّ قضى ما يقضى في الفريضة بعد الفراغ كالمنسي من أفعالها غير الأركان، أمّا المشكوك فيه منها فيتدارك اذا لم يكن قد دخل في فعل آخر، و تبطل بالشكّ في الركعات؛ لأنّها من الثنائيّة - الى أن قال: - و قد أشار الى جميع ما ذكرنا، العلاّمة الطباطبائي في منظومته. انتهى».(1)
(مسألة 17): يجري في هذه الصلاة قاعدة التجاوز عن المحلّ و عدم التجاوز عند الشكّ في جزء أو شرط كما في اليوميّة.
قد اتّضح حال هذه المسألة في المسألة السابقة، و لو شكّ حال السجود في عدد الركوعات تجري قاعدة التجاوز لعموم قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «اذا
1) - نفس المصدر: 443 و 444.
خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء»(1)و لو شكّ في عدد الركوعات و لمّا يسجد، تجري قاعدة الشكّ في المحلّ لاطلاق دليلها، فيبني على الأقلّ.
(مسألة 18): يثبت الكسوف و الخسوف و سائر الآيات بالعلم و شهادة العدلين و إخبار الرصدي اذا حصل الاطمئنان بصدقه على اشكال في الأخير، لكن لايترك معه الاحتياط و كذا في وقتها و مقدار مكثها.
أمّا اثباتها بالعلم فلأنّ كاشفيّته ذاتيّة، و أمّا اثباتها بالدليل العلمي كشهادة البيّنة العادلة فلاطلاق دليل اعتبارها و قد تقدّم اعتبار شهادة عدل بل ثقة واحد. و أمّا الثبوت بإخبار الرصدي اذا حصل الاطمئنان بصدقه فلا اشكال فيه و ان لم يكن ثقة؛ لأنّ الاطمئنان الحاصل له حجّة عقلائيّة كالقطع.
(مسألة 19): يختصّ وجوب الصلاة بمن في بلد الآية فلايجب على غيره. نعم، يقوى الحاق المتّصل بذلك المكان ممّا يعدّ معه كالمكان الواحد.
الظاهر من أدلّة وجوب الصلاة عند بروز أحد الآيات من الكسوفين و الزلزلة و الرياح و أخاويف السماء اختصاصها ببلد الآية فلايعمّ غيره لدوران الحكم مدار تحقّق الآية، فاذا وقعت الآية في مكان خاصّ دون الملحق المتّصل به، بل الظاهر عدم الالحاق حتّى في البلد الواحد اذا كان متّسعا بحيث خصّت الآية جانبا معيّنا منه و لم تسر الى جانب آخر؛ لعدم الدليل، فانّ الحكم تابع لفعليّة موضوعه لدى المكلّف، فلو لم تكن الآية موجودة عنده لم يكلّف بالصلاة لها.
1) - وسائل الشيعة 8: 237 / الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
(مسألة 20): تجب هذه الصلاة على كلّ مكلّف الاّ الحائض و النفساء فيسقط عنهما أداؤها و الأحوط قضاؤها بعد الطهر و الطهارة.
الشرح:
تجب هذه الصلاة على كلّ مكلّف لاطلاق ما تقدّم من الروايات الواردة في وجوب الصلاة عند عروض احدى هذه الآيات أو عمومها، الاّ أنّه يستثنى عن الحائض و النفساء، و ذلك لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا كانت المرأة طامثا فلاتحلّ لها الصلاة. الحديث».(1)
فيحرم عليها الصلاة مطلقا لاطلاق هذه الصحيحة، و النفساء مثل الحائض لوضوح مساواتها الحائض في الأحكام الاّ ما خرج بالدليل.
و لايجب عليها القضاء لأنّ وجوبه يحتاج الى أمر جديد و هو مفقود في الحائض، بل ورد التصريح بعدمه في بعض الروايات كصحيحة زرارة قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن قضاء الحائض الصلاة، ثمّ تقضي الصيام؟ قال: ليس عليها أن تقضي الصلاة، و عليها أن تقضي صوم شهر رمضان».(2)
و الظاهر أنّه لا خصوصيّة لليوميّة.
ان قلت: قوله عليه السلام «اقض ما فات» شامل لهما، قلت: لم يتعلّق التكليف بالصلاة في حقّهما من أوّل الأمر حتّى يصدق أنّهما فائتتان للصلاة فلا موضوع للفوت حتّى يجب القضاء.
(مسألة 21): اذا تعدّد السبب دفعة أو تدريجا تعدّد وجوب الصلاة.
لأنّ التداخل خلاف القاعدة فكلّ سبب يستدعي مسبّبا يخصّه. فاذا وقعت زلزلة ثمّ وقعت ثانية و ثالثة و هكذا، تجب الصلاة لكلّ واحدة منها. و كذلك لو كسفت الشمس و حينه وقعت الزلزلة و هبّت الرياح المظلمة تجب ثلاث صلوات.
(مسألة 22): مع تعدّد ما عليه من سبب واحد لايلزم التعيين، و مع تعدّد السبب نوعا كالكسوف و الخسوف و الزلزلة الأحوط التعيين و لو اجمالاً. نعم، مع تعدّد ما عدا هذه الثلاثة من سائر المخوفات لايجب التعيين و ان كان أحوط أيضا.
الشرح:
اذا تعدّد السبب فتارة يكون من نوع واحد، كما اذا تعدّدت الزلزلة فحينئذ يصلّي صلاة الآيات و يقصدها و لايجب عليه التعيين، فلو كانت عليه أربع صلوات من نوع واحد يصلّي أربع صلوات الآيات و لايجب عليه أن يعيّن الزلزلة مثلاً أو كسوف الشمس أو غيرهما سواء كان ناسيا سببها أو لا؛ لأنّ ذمّته مشغولة بماهيّة صلاة الآيات و طبيعتها.
و أخرى يكون من أخاويف السماء، و هذا أيضا لايجب عليه التعيين؛ لأنّ السبب ماهيّة واحدة و هي أخاويف السماء و ان كان تجتمع بصورة الرياح و الصاعقة و الصيحة و غيرها؛ لأنّ الموضوع فيها واحد و هو أخاويف السماء.
و ثالثة يكون الأسباب أنواعا متعدّدة كالخسوف و الكسوف و الزلزلة، فالظاهر من الروايات وجوب صلاة الآيات على المكلّف عند بروز أسبابها فعندها تجب صلاة الآيات و لا دليل على التعيين و الأصل الجاري عند الشكّ البراءة.
(مسألة 23): المناط في وجوب القضاء في الكسوفين في صورة الجهل احتراق القرص بتمامه، فلو لم يحترق التمام ولكن ذهب ضوء البقيّة باحتراق البعض لم يجب القضاء مع الجهل، و ان كان أحوط خصوصا مع الصدق العرفي.
قد تقدّم أنّه اذا لم يعلم بالكسوفين حتّى انجليا ثمّ علم فان احترق القرص بتمامه وجب القضاء و الاّ لم يجب، و المناط باحتراق القرص كلّه أو بعضه هو العرف و من المعلوم أنّه يصدق الكسوف اذا اختفى ضوؤه تماما و لو يرى جرمه.
(مسألة 24): اذا أخبره جماعة بحدوث الكسوف مثلاً و لم يحصل له العلم بقولهم ثمّ بعد مضيّ الوقت تبيّن صدقهم فالظاهر الحاقه بالجهل فلايجب القضاء مع عدم احتراق القرص و كذا لو أخبره شاهدان لم يعلم عدالتهما ثمّ بعد مضيّ الوقت تبيّن عدالتهما لكنّ الأحوط القضاء في الصورتين.
الظاهر من العلم في قوله عليه السلام في موثّقة عمّار:
«ان لم تعلم حتّى يذهب الكسوف ثمّ علمت بعد ذلك فليس عليك صلاة الكسوف، و ان أعلمك أحد و أنت نائم فعلمت ثمّ غلبتك عينك فلم تصلّ فعليك قضاؤها».(1)
و غيرها ممّا تقدّم، هو الذي لم يحتمل الخلاف أو كان اعتباره كالعلم مثل البيّنة، و أيضا الظاهر من الروايات أنّ مناط القضاء فيما اذا لم يحترق القرص كلّه، وجود العلم أو العلمي حين الكسوف، فلو لم يحصل له العلم و لم تقم البيّنة الشرعيّة لم يجب عليه القضاء و ان أخبره جماعة بحدوثه و زعم أنّهم مخطئون بل
1) - وسائل الشيعة 7: 501 / الباب 10 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات / الحديث 10.
و ان انكشف صدقهم. و كذا لو أخبره شاهدان لم يعلم عدالتهما ثمّ بعد مضيّ الوقت تبيّنت عدالتهما لايجب عليه القضاء. و ذلك لأنّ المناط كما هو ظاهر الرواية وجود العلم أو العلمي حينه.
يجب قضاء اليوميّة الفائتة عمدا أو سهوا أو جهلاً أو لأجل النوم المستوعب للوقت، أو للمرض و نحوه و كذا اذا أتى بها باطلة لفقد شرط أو جزء يوجب تركه البطلان بأن كان على وجه العمد أو كان من الأركان. و لايجب على الصبي اذا لم يبلغ في أثناء الوقت، و لا على المجنون في تمامه، مطبقا كان أو أدواريّا، و لا على المغمى عليه في تمامه، و لا على الكافر الأصلي اذا أسلم بعد خروج الوقت بالنسبة الى ما فات منه حال كفره، و لا على الحائض و النفساء مع استيعاب الوقت.
الشرح:
قال في المدارك: «أجمع العلماء كافّة على أنّ من ترك الصلاة الواجبة مع استكمال الشرائط أو أخلّ بها لنوم أو نسيان يلزمه القضاء. انتهى».(1)
و يدلّ على وجوب القضاء صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه سئل عن
1) - مدارك الأحكام 4: 290.
رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها؟ فقال:
«يقضيها اذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار - الى أن قال: - فليصلّ ما فاته ممّا قد مضى. الحديث».(1)
و صحيحة ثانية لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«أربع صلوات يصلّيها الرجل في كلّ ساعة: صلاة فاتتك فمتى ذكرتها أدّيتها. الحديث».(2)
و صحيحة ثالثة لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام:
«أنّه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة - الى أن قال: - فنسي أن يصلّيها حتّى ذهب وقتها؟ قال: يصلّيها. الحديث».(3)
و صحيحة رابعة له عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا نسيت الصلاة أو صلّيتها بغير وضوء و كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأوّلهنّ فأذّن لها و أقم ثمّ صلّها، ثمّ صلّ ما بعدها باقامة اقامة لكلّ صلاة. الحديث».(4)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل صلّى الصلوات و هو جنب اليوم و اليومين و الثلاثة ثمّ ذكر بعد ذلك؟ قال: يتطهّر و يؤذّن و يقيم في أوّلهنّ ثمّ يصلّي و يقيم بعد ذلك في كلّ صلاة، فيصلّي بغير أذان حتّى يقضي صلاته».(5)
الى غير ذلك من الروايات، و سيأتي في الفروع و المسائل الآتية الكلام الذي
1) - وسائل الشيعة 8: 256 / الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 8: 256 / الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 8: 253 / الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 8: 254 / الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 8: 254 / الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 3.
به تطمئنّ النفس بأنّه يجب القضاء على من فاته الصلوات اليوميّة، عمدا كان أو سهوا أو جهلاً أو لأجل النوم و ان كان مستوعبا للوقت، أو لمرض و نحوه، و كذا اذا أتى بها باطلة على ما قرّره الماتن. ثمّ مع كثرة الروايات الواردة في الموضوعات المختلفة لا محلّ للمناقشة فيها، مضافا الى ما عرفت من المدارك اجماع العلماء على وجوب القضاء على من ترك الصلاة الواجبة.
قال في مصباح الفقيه: «يجب قضاء الفائتة اذا كانت واجبة اجماعا كما ادّعاه في الجواهر و غيره. و ظاهر كلماتهم في فتاواهم و معاقد اجماعاتهم المحكيّة كصريح بعضهم عدم الفرق في الصلاة الواجبة بين اليوميّة و غيرها مع اجتماع شرائط القضاء ممّا عدا الجمعة و العيدين، و الأصل في ذلك بعد الاجماع عموم قوله صلى الله عليه و آله«من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته». بناءً على شموله لمطلق الواجب و ما روي أيضا عنه صلى الله عليه و آله: «من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها اذا ذكرها» و صحيحة زرارة. و الصلاة الواجبة منحصرة في اليوميّة و الطواف و الآيات و قد ورد في خصوص كلّ منها ما يفي بحكمه كما تقرّر في محلّه. و قد عرفت استثناء الجمعة و العيدين. و أمّا صلاة الأموات فهي غير مرادة بهذا الحكم و خارجة عن منصرف كلماتهم. انتهى ملخّصا».(1)
ثمّ اعلم أنّه قال في المسالك: «اذا فات الصلاة للنوم الذي خرج عن العادة جدّا لايجب فيه القضاء، فانّه ملحق بالاغماء اختاره في الذكرى و نقله عن المبسوط. انتهى مع زيادة».(2)
و فيه: انّ الصلاة الفائتة للنوم و ان خرج عن العادة يجب قضاؤها لعموم قوله صلى الله عليه و آله«من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته». و استثني منها ما فاتته لاغماء أو جنون أو صغر أو غيرها كما سيأتي، و من المعلوم أنّ النوم لايلحق بالاغماء عرفا.
أمّا الصلاة الفاقدة للشرط أو الجزء فتارة يكون فقدان الشرط أو الجزء عمدا و أخرى يكون سهوا، ففي الأولى تبطل صلاته؛ لأنّه لم يأت بالمأمور به و لم يكن ممتثلاً فهو مفوّت للصلاة و يجب عليه قضاؤها. و في الثانية فان كان مثل الركوع و السجود و الطهور و الوقت و القبلة فهي باطلة أيضا؛ لحديث «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة ... » و كذا تكبيرة الاحرام لما مرّ في محلّها من الدليل، فهو أيضا مفوّت للصلاة و يجب عليه القضاء. و أمّا ان لم يكن من الأركان كسائر الأجزاء و الشرائط فلاتبطل صلاته و بعضها يتدارك و تصحّ الصلاة.
يسقط قضاء الفائتة عن طوائف:
الأولى و الثانية: الصغير و المجنون بلا خلاف فيهما.
قال في المدارك: «أمّا سقوط القضاء عن الصغير و المجنون بعد البلوغ و الافاقة فمتّفق عليه بين المسلمين. انتهى».(1)
أضف اليه أنّه لم يصدق فوت الصلاة بالنسبة الى الصغير و المجنون حتّى يجب قضاؤها و ذلك لرفع التكليف عنهما كما دلّت عليه الروايات الواردة في الوسائل في الباب الرابع من أبواب مقدّمة العبادات كرواية ابن ظبيان(2)قال:
«أتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت(3)فأمر برجمها. فقال علي عليه السلام: أما علمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم، و عن
المجنون حتّى يفيق، و عن النائم حتّى يستيقظ».(1)
ثمّ انّه لا فرق في المجنون بين كونه مطبقا أو أدواريّا، و بين كون جنونه بآفة سماويّة أو بفعله لاطلاق النصّ، و لعدم صدق الفوت بالنسبة اليه، و لعدم التفصيل في الاجماعات المنقولة، مضافا الى أنّ الأصل الجاري في المقام البراءة.
قال في الجواهر: «أمّا اذا كان من فعله فقد قال الشهيد في الذكرى: انّ عليه القضاء مسندا له الى الأصحاب مشعرا بدعوى الاجماع عليه و وافقه الشهيد الثاني و لعلّه لكونه السبب في الفوات، و أنّ المتبادر من اطلاق الأدلّة غيره فيبقى داخلاً تحت عموم قوله صلى الله عليه و آله «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته».(2)(3)و لأنّه الموافق للتشديد بأمر الصلاة، و لما يشعر به قوله عليه السلام: «كلّما غلب اللّه عليه فهو أولى بالعذر». و لعلّ نسبته الى الأصحاب نشأت من ذكر بعضهم ايجاب القضاء في شرب المرقد. (ثمّ انّه شرع في ردّ القول بوجوب القضاء على المجنون الذي كان جنونه من فعله، و قال:) ما عثرنا عليه من كلام الأصحاب في المقام لا تفصيل فيه، و مثله الاجماعات المنقولة و نفي الخلاف، و نحو قوله عليه السلام«رفع القلم» و غيره، و كان العمل على الاطلاق هو الأقوى؛ لأصالة البراءة، و احتياج القضاء الى أمر جديد و كونه السبب لايخرجه عن شمول اللفظ، و دعوى أنّ المتبادر غيره بحيث صار ماعداه من الأفراد النادرة ممنوعة، و به يقيّد أو يخصّ قوله عليه السلام «من فاتته» لو سلّم شمولها لمثل ذلك كما ستسمعه. انتهى».(4)
الثالثة: المغمى عليه في تمام الوقت.
قال في المدارك: «و انّما الخلاف في المغمى عليه، فذهب الأكثر الى أنّه
1) - وسائل الشيعة 1: 45 / الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 11.
2) - عوالي اللئالي 2: 54 / المسلك الرابع / الحديث 143.
3) - و الظاهر ليس في الوسائل بهذا اللفظ. نعم، يستفاد ذلك من قوله عليه السلام: «يقضي ما فاته كما فاته». الوسائل 8: 268 / الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 1
4) - جواهر الكلام 13: 3.
لايجب عليه القضاء اذا استوعب الاغماء الوقت؛ للأخبار الكثيرة الدالّة عليه. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «و يسقط القضاء مع الاغماء المستوعب للوقت على الأظهر الأشهر كما في الروضة، بل هو المشهور نقلاً و تحصيلاً، بل في السرائر أنّه المعمول عليه بل عن الغنية الاجماع عليه، و في الرياض أنّ عليه عامّة من تأخّر، بل لا خلاف فيه الاّ من نادر كما عن الصدوق في المقنع، و نحوه غيره بل لم ينقل الخلاف الاّ عنه، لكن في الحدائق عن بعض أنّه يقضي آخر أيّام افاقته ان أفاق نهارا، و آخر ليله ان أفاق ليلاً ثمّ نقل قول الصدوق بقضاء الجميع. فلا ريب في أنّ الأقوى الأوّل لما سمعت. و للمعتبرة المستفيضة حدّ الاستفاضة و الواضحة كمال الوضوح في الدلالة. انتهى».(2)
الروايات الواردة في المغمى عليه على طوائف أربع:
فالطائفة الأولى الأخبار الناطقة بعدم وجوب قضاء ما فات بسبب الاغماء المستوعب للوقت و هي تبلغ الى عشرين حديثا كصحيحة الحلبي أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن المريض، هل يقضي الصلوات اذا أغمي عليه؟ فقال:
«لا، الاّ الصلاة التي أفاق فيها».(3)
و صحيحة أيّوب بن نوح أنّه كتب الى أبي الحسن الثالث عليه السلام يسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر، هل يقضي ما فاته من الصلوات أو لا؟ فكتب:
«لايقضي الصوم و لايقضي الصلاة».(4)
و صحيحة أبي أيّوب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل أغمي عليه أيّاما لم يصلّ ثمّ أفاق، أيصلّي ما فاته؟ قال: لا شيء عليه».(1)
و صحيحة أبي بصير - يعني المرادي - عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن المريض يغمى عليه ثمّ يفيق، كيف يقضي صلاته؟ قال: يقضي الصلاة التي أدرك وقتها».(2)
و صحيحة ابن أبي عمير عن حفص عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يقضي الصلاة التي أفاق فيها».(3)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في الرجل يغمى عليه الأيّام، قال:
«لايعيد شيئا من صلاته».(4)
و صحيحة علي بن مهزيار قال:
«سألته عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب: لايقضي الصوم و لايقضي الصلاة».(5)
و صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يغمى عليه نهارا ثمّ يفيق قبل غروب الشمس؟ فقال: يصلّي الظهر و العصر، و من الليل اذا أفاق قبل الصبح قضى صلاة الليل».(6)
و خبر معمّر بن عمر قال:
1) - وسائل الشيعة 8: 261 / الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 14.
2) - وسائل الشيعة 8: 262 / الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 17.
3) - وسائل الشيعة 8: 263 / الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 20.
4) - وسائل الشيعة 8: 263 / الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 23.
5) - وسائل الشيعة 8: 262 / الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 18.
6) - وسائل الشيعة 8: 263 / الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 21.
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن المريض، يقضي الصلاة اذا أغمي عليه؟ قال: لا».(1)
و الطائفة الثانية الأخبار التي أمر المعصوم عليه السلام فيها بقضاء المغمى عليه جميع ما فاته من الصلاة بعد الافاقة، كصحيحة ابن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كلّ شيء تركته من صلاتك لمرض أغمي عليك فيه فاقضه اذا أفقت».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يغمى عليه ثمّ يفيق؟ قال: يقضي ما فاته، يؤذّن في الأولى و يقيم في البقيّة».(3)
و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام في المغمى عليه قال:
«يقضي كلّ ما فاته».(4)
و صحيحة رفاعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن المغمى عليه شهرا، ما يقضي من الصلاة؟ قال: يقضيها كلّها، انّ أمر الصلاة شديد».(5)
و صحيحة حفص عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يقضي المغمى عليه ما فاته».(6)
و الطائفة الثالثة روايات أمر المعصوم عليه السلام فيها بأنّه يقضي ثلاثة أيّام أو يوما من أيّام الاغماء، كصحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) - وسائل الشيعة 8: 261 / الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 15.
2) - وسائل الشيعة 8: 264 / الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 8: 265 / الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 8: 265 / الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 8: 265 / الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 4.
6) - وسائل الشيعة 8: 266 / الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 8.
«المغمى عليه يقضي صلاته ثلاثة أيّام».(1)
و صحيحة حفص عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يقضي صلاة يوم».(2)
و صحيحة أبي بصير قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل أغمي عليه شهرا، أيقضي شيئا من صلاته؟ قال: يقضي منها ثلاثة أيّام».(3)
و صحيحة حفص عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن المغمى عليه؟ قال: فقال: يقضي صلاة يوم».(4)
و الطائفة الرابعة ما أخبر عليه السلام بأنّه يأمر ولده و أهله بقضاء ما فاتهم، كصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سأله عن المغمى عليه شهرا أو أربعين ليلة؟ قال:
«فقال: ان شئت أخبرتك بما آمر به نفسي و ولدي، أن تقضي كلّما فاتك».(5)
و خبر أبي كهمس قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام و سئل عن المغمى عليه، أيقضي ما ترك من الصلاة؟ فقال: أمّا أنا و ولدي و أهلي فنفعل ذلك».(6)
و أمّا الجمع بين هذه الطوائف الأربع: فتحمل الطائفة الثانية على الاستحباب كما هو قضيّة الجمع بين الأمر بالقضاء و نفيه. و يشهد لهذا الجمع أوّلاً: الطائفة
1) - وسائل الشيعة 8: 266 / الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 7.
2) - وسائل الشيعة 8: 266 / الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 9.
3) - وسائل الشيعة 8: 266 / الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 11.
4) - وسائل الشيعة 8: 267 / الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 14.
5) - وسائل الشيعة 8: 266 / الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 13.
6) - وسائل الشيعة 8: 266 / الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 12.
الثالثة بأنّه يقضي ثلاثة أيّام أو يقضي يوما، و لو كان واجبا لم يكن ينصرف الى ثلاثة أيّام أو اليوم الواحد. و ثانيا: الطائفة الرابعة، و لو كان القضاء واجبا فيها لَما اختصّ بنفسه و ولده و أهله.
الرابعة: الكافر الأصلي اذا أسلم بعد خروج الوقت بالنسبة الى ما فات منه حال كفره.
قال في المدارك: «و أمّا سقوطه عن الكافر الأصلي فموضع وفاق أيضا، و في الأخبار دلالة عليه، و يستفاد من ذلك أنّه لايخاطب بالقضاء و ان كان مخاطبا بغيره من التكاليف؛ لامتناع وقوعه منه في حال كفره و سقوطه باسلامه. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل في المنتهى و غيره الاجماع عليه، بل في المفاتيح نسبته الى ضرورة الدين، للنبوي «الاسلام يجبّ ما قبله» و بذلك يخصّ عموم «من فاتته» أمّا لو أسلم في دار الحرب و ترك صلاة كثيرة فانّه يجب عليه قضاؤها و ان كان معذورا بعدم تمكّنه من الوصول. انتهى».(2)
و لنذكر عبارات الفقهاء من القدماء ليتّضح الحال:
قال في المبسوط: «و أمّا من كان مخاطبا بها ففاتته فعلى ضربين: أحدهما: لايلزمه قضاؤها. الثاني: يلزمه القضاء. و الأوّل من كان كافرا في الأصل فانّه اذا فاتته الصلاة في حال كفره لكونه مخاطبا بالشرائع فلايلزمه قضاؤها على حال. انتهى».(3)
و قال السيّد المرتضى في جمل العلم و العمل: «و اذا أسلم الكافر و طهرت الحائض و بلغ الصبي قبل غروب الشمس في وقت يتّسع للظهر و العصر وجب على كلّ واحد ممّن ذكرناه أداء الصلاتين أو قضاؤهما اذا أخّرهما، و كذلك
الحكم فيهم اذا تغيّرت أحوالهم في آخر الليل في قضاء صلاة المغرب و العشاء الآخرة. انتهى».(1)
و قال القاضي ابن البرّاج في شرح جمل العلم و العمل: «اعلم أنّ الكافر اذا أسلم و الحائض اذا طهرت و الصبي اذا بلغ في وقت يتّسع لأداء الصلاة يجب عليهم الأداء لتلك الصلاة فان فرّطوا فيها وجب عليهم قضاؤها. انتهى ملخّصا».(2)
و قال ابن ادريس في السرائر: «و اذا أسلم الكافر و طهرت الحائض و النفساء و بلغ الصبي و أفاق المجنون و المغمى عليه قبل غروب الشمس في وقت يتّسع لفعل فرض الظهر و العصر معا و الطهارة لهما وجب على كلّ واحد منهم أداء الصلاتين أو قضاؤهما ان أخّرهما، و كذلك ان تغيّرت أحوالهم من آخر الليل صلّوا المغرب و العشاء الآخرة و صلاة الليل، و قضوا ان فرّطوا. انتهى».(3)
و قال ابن زهرة في الغنية: « ... و أيضا فقد دلّلنا فيما مضى على أنّ الكفّار مخاطبون بالشرائع و من جملتها قضاء ما يفوت من العبادات و لايلزم على ذلك الكافر الأصلي؛ لأنّا أخرجناه بدليل و هو اجماع الأمّة على أنّه ليس عليه قضاؤه. انتهى».(4)
و هذه ما وجدتها من فتاوى القدماء في سقوط القضاء عن الكافر الأصلي اذا أسلم.
و قال العلاّمة في التذكرة: «فلو أسلم الكافر بعد خروج الوقت لم يجب عليه قضاء أيّام كفره؛ لقوله تعالى «ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف». انتهى».(5)
و قال في موضع آخر منه: «فلايجب على الصبي و المجنون القضاء اجماعا و كذا الكافر لقوله عليه السلام «الاسلام يجبّ ما قبله» و ان كان الأداء واجبا عليه الاّ أنّه سقط عنه القضاء دفعا للمشقّة و الحرج و ترغيبا له في الاسلام. انتهى».(1)
قال العلاّمة في القواعد: «و يسقط عن الكافر الأصلي و ان وجبت عليه لا عن المرتدّ. انتهى».(2)
و قال في مفتاح الكرامة: «قالوا: المراد بالكافر الأصلي من خرج عن فرق المسلمين و سقوطها عنه ضروريّ من الدين كما في المفاتيح و اجماعيّ كما في الغنية و الروض و المدارك و الذخيرة و غيرها. و في الارشاد: الكافر الأصلي يجب عليه جميع فروع الاسلام لكن لاتصحّ منه حال كفره فان أسلم سقطت. انتهى».(3)
و قال الشهيدان في اللمعة و شرحها: «يجب قضاء الفرائض اليوميّة مع الفوات، حال البلوغ و العقل و الخلوّ عن الحيض و النفاس و الكفر الأصلي ... و المراد بالكفر الأصلي ما خرج عن فرق المسلمين منه، فالمسلم يقضي ما تركه و ان حكم بكفره كالناصبي و ان استبصر. انتهى ملخّصا».(4)
ثمّ اعلم أنّ المتتبّع في عباراتهم و فتاواهم يتيقّن أنّ سقوط القضاء عن الكافر الأصلي اذا أسلم متسالم عليه عندهم و هذا التسالم واقعي؛ لأنّه لم ينقل عن أحد من المسلمين قديما و حديثا أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد أمر من أسلم من المشركين و الكافرين بقضاء ما فاته في أيّام كفره، مع أنّهم «يدخلون في دين اللّه أفواجا»بل لم ينقل ذلك في زمن المتصدّين للخلافة و بعده الى زمان خلافة عليّ
أميرالمؤمنين و سائر أئمّة المؤمنين عليهم السلام، بل يدلّ بعض الروايات الواردة عن الصادق عليه السلام بالنسبة الى من أسلم و صلّى الصلوات الخمس ثمّ مات بأنّه دخل الجنّة.
الخامسة: الحائض و النفساء مع استيعاب الوقت.
قال في المدارك: «هذا الحكم (قضاء الصوم دون الصلاة) اجماعيّ منصوص في عدّة أخبار، و الفارق النصّ. و في بعض الأخبار تصريح بعدم التعليل و بطلان القياس. و الظاهر عدم الفرق بين الصلاة اليوميّة و غيرها. و استثني من ذلك الزلزلة؛ لأنّ وقتها العمر. و في الاستثناء نظر يظهر من التعليل. انتهى».(1)
يدلّ على ذلك النصوص المستفيضة، كصحيحة أبان بن تغلب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ السنّة لاتقاس، ألاترى أنّ المرأة تقضي صومها و لاتقضي صلاتها؟ الحديث».(2)
و صحيحة زرارة قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن قضاء الحائض الصلاة، ثمّ تقضي الصيام؟ قال: ليس عليها أن تقضي الصلاة، و عليها أن تقضي صوم شهر رمضان، ثمّ أقبل عليّ فقال: انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان يأمر بذلك فاطمة عليهاالسلام و كان يأمر بذلك المؤمنات».(3)
و صحيحة الحسن بن راشد قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الحائض تقضي الصلاة؟ قال: لا. قلت: تقضي الصوم؟ قال: نعم. قلت: من أين جاء هذا؟ قال: انّ أوّل من قاس
ابليس. الحديث».(1)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايقضين الصلاة اذا حضن. الحديث».(2)
(مسألة 1): اذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو المغمى عليه قبل خروج الوقت وجب عليهم الأداء و ان لم يدركوا الاّ مقدار ركعة من الوقت، و مع الترك يجب عليهم القضاء. و كذا الحائض و النفساء اذا زال عذرهما قبل خروج الوقت ولو بمقدار ركعة. كما أنّه اذا طرأ الجنون أو الاغماء أو الحيض أو النفاس بعد مضيّ مقدار صلاة المختار - بحسب حالهم من السفر و الحضر و الوضوء أو التيمّم - و لم يأتوا بالصلاة وجب عليهم القضاء، كما تقدّم في المواقيت.
الشرح:
من أدرك الوقت كلّه و هو مكلّف أي كان بالغا عاقلاً غير المغمى عليه طاهرا من الحيض و النفاس و لم يكن كافرا وجب عليه الصلاة؛ لقوله تعالى: «أقم الصلاة لدلوك الشمس الى غسق الليل و قرآن الفجر»(3)و للروايات المتواترة في الأبواب المختلفة.
و أمّا لو أدرك بعض الوقت من أوّله أو آخره فتارة يكون بمقدار صلاة المختار بحسب حاله من السفر و الحضر و الوضوء و التيمّم فحينئذ يجب عليه الصلاة بلا اشكال و لا خلاف كما اذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو المغمى عليه أو أسلم الكافر أو طهرت الحائض و النفساء قبل خروج الوقت، و كذا لو طرأ الجنون أو
الاغماء أو الحيض أو النفاس بعد مضيّ المقدار المذكور من الوقت، و لو لم يؤدّوا الصلاة وجب عليهم القضاء.
و أخرى يكون بمقدار ركعة من الوقت فبالنسبة الى آخره تكون أداءً.
قال في الشرائع: «اذا حصل أحد الأعذار المانعة من الصلاة كالجنون و الحيض و قد مضى من الوقت مقدار الطهارة و أداء الفريضة وجب عليه قضاؤها، و يسقط القضاء اذا كان دون ذلك على الأظهر. انتهى».(1)
و قال في المدارك: «أمّا وجوب القضاء اذا حصل العذر المانع من الصلاة بعد أن مضى من الوقت مقدار الصلاة و شرائطها المفقودة من الطهارة و غيرها، فهو مذهب الأصحاب لانعلم فيه مخالفا. و يدلّ عليه عموم ما دلّ على وجوب قضاء الفوائت و رواية عبدالرحمن بن الحجّاج، قال: «سألته عن المرأة تطمث بعد ما تزول الشمس و لم تصلّ الظهر، هل عليها قضاء تلك الصلاة؟ قال: نعم».(2)و موثّقة يونس بن يعقوب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال في امرأة دخل عليها وقت الصلاة و هي طاهر فأخّرت الصلاة حتّى حاضت، قال: «تقضي اذا طهرت».(3)و أمّا سقوط القضاء اذا كان حصول العذر قبل أن يمضي من الوقت مقدار ذلك فهو مذهب الأكثر، و نقل عليه الشيخ في الخلاف الاجماع. و حكي عن ظاهر المرتضى و ابن بابويه و ابن الجنيد: «اعتبار خلوّ أوّل الوقت من العذر بمقدار أكثر الصلاة، و لم نقف لهم على مستند. و الأصحّ السقوط مطلقا، تمسّكا بمقتضى الأصل الى أن يثبت المخرج عنه. و استدلّ عليه في المنتهى بأنّ «وجوب القضاء تابع لوجوب الأداء، و هو منتفٍ، فانّ التكليف يستدعي وقتا، و الاّ لزم تكليف ما لايطاق». و ضعف هذا الاستدلال ظاهر، فانّ القضاء فرض مستأنف متوقّف على
الدلالة و لاتعلّق له بوجوب الأداء أصلاً، كما بيّنّاه فيما سبق. انتهى».(1)
أقول:
فبالنسبة الى أوّل الوقت فالأمر كما قلنا و نقلناه عن المدارك تفصيلاً، و أمّا بالنسبة الى آخر الوقت فكما تقدّم أيضا بأنّه لو زال العذر و كان يدرك بمقدار ركعة من الصلاة بحسب حاله فصلاته أداء فان لم يؤدّها يجب عليه قضاؤها و قد تقدّم ذلك في مطاوي ما ذكرنا من المسائل.
قال في الشرائع: «و لو زال المانع فان أدرك الطهارة و ركعة من الفريضة، لزمه أداؤها، و يكون مؤدّيا على الأظهر. و لو أهمل قضى، و لو أدرك قبل الغروب أو قبل انتصاف الليل احدى الفريضتين لزمته تلك لا غير. و ان أدرك الطهارة و خمس ركعات قبل الغروب، لزمته الفريضتان. انتهى».(2)
قال في المدارك: «و هذا الحكم - أعني الاكتفاء في آخر الوقت بادراك ركعة مع الشرائط المفقودة - مجمع عليه بين الأصحاب، بل قال في المنتهى: انّه لا خلاف فيه بين أهل العلم. انتهى».(3)
(مسألة 2): اذا أسلم الكافر قبل خروج الوقت - ولو بمقدار ركعة - و لم يصلّ وجب عليه قضاؤها.
كما تقدّم آنفا.
(مسألة 3): لا فرق في سقوط القضاء عن المجنون و الحائض و النفساء
بين أن يكون العذر قهريّا أو حاصلاً من فعلهم و باختيارهم، بل و كذا في المغمى عليه و ان كان الأحوط القضاء عليه اذا كان من فعله، خصوصا اذا كان على وجه المعصية، بل الأحوط قضاء جميع ما فاته مطلقا.
قد تقدّمت الاشارة الى المجنون في ابتداء هذا الفصل، و أمّا الحائض و النفساء فكذلك، و أمّا المغمى عليه فقد ذهب عدّة من الفقهاء الى وجوب القضاء فيه.
قال في الشرائع: «و لو زال عقل المكلّف بشيء من قبله كالسكر و شرب المُرقد وجب القضاء؛ لأنّه سبب في زوال العقل غالبا».(1)
قال في المدارك: «المراد أنّه اذا زال عقل المكلّف بشيء من قبله كتناول الشيء الذي يقتضي الاسكار أو النوم غالبا، فأخلّ بشيء من الصلوات الواجبة وجب قضاؤها، و أسنده في الذكرى الى الأصحاب و استدلّ عليه بأنّه مسبّب عن فعله. و الاعتماد في ذلك على النصوص المتضمّنة لوجوب قضاء الفوائت، المتناولة بعمومها لهذه الصورة. انتهى».(2)
قال في الشرائع: «و لو أكل غذاءً مؤذيا فآل الى الاغماء لم يقض. انتهى».(3)
و قال في المدارك: «المراد أنّه اذا أكل غذاءً لم يعلم كونه مقتضيا للاغماء فاتّفق أنّه آل الى ذلك لم يجب عليه قضاء ما يفوته من الصلاة في حال الاغماء. و الوجه فيه اطلاق النصوص المتضمّنة لسقوط القضاء عن المغمى عليه. و لو علم بكون الغذاء موجبا للاغماء قيل: وجب القضاء، كتناول المسكر. و لو شربت المرأة دواءً لتحيض أو ليسقط الولد فتصير نفساء لم يجب عليها القضاء للعموم، و به قطع الشهيدان، و فرّقا بين ذلك و بين تناول الغذاء المقتضي للاغماء بأنّ سقوط القضاء
عنهما عزيمة لا رخصة و تخفيف، بخلاف المغمى عليه. و في هذا الفرق نظر. انتهى».(1)
فاستدلّوا لوجوب القضاء بوجوه:
الأوّل: ما في المدارك من عموم النصوص المتضمّنة لوجوب قضاء الفوائت و هي الطائفة الثانية من الأخبار التي تقدّمت. و قالوا لو لم يعلم ذلك لم يجب القضاء لاطلاق النصوص المتضمّنة لسقوط القضاء عن المغمى عليه و هي الطائفة الأولى منها.
و فيه: ما تقدّم من أنّ الجمع العرفي بين الطائفتين سقوط القضاء عن المغمى عليه مطلقا أي سواء كان الاغماء بآفة سماويّة أو بفعله، علم ذلك أو لم يعلم، الاّ أنّه
يستحبّ القضاء مطلقا.
الثاني: ما يظهر من بعض الكلمات من دعوى انصراف نصوص السقوط الى الفرد المتعارف من الاغماء، و هو الحاصل بالطبع، فلايعمّ الحاصل بفعله الذي هو فرد نادر.
قال في الحدائق: «انّهم صرّحوا في غير مقام بأنّ الأحكام المودعة في الأخبار انّما تنصرف و تحمل على الأفراد الشائعة المتكرّرة فانّها هي التي يتبادر اليها الاطلاق دون الفروض النادرة الوقوع. انتهى».(2)
و فيه: انّ ادّعاء انصراف اطلاق أخبار السقوط و تبادرها الى الفرد المتعارف من الاغماء، بلا دليل، فانّ الموضوع لنفي القضاء في الروايات هو المغمى عليه الصادق على الكلّ، و مجرّد التعارف الخارجي و غلبة الوجود لايصلح لتوجيه الانصراف كي يمنع عن الاطلاق. نعم، حمل المطلق على الفرد النادر ممنوع لقبحه، أمّا شموله للأفراد النادرة و المتعارفة معا فلا قبح فيه.
الثالث: ما استدلّ به صاحب الحدائق لوجوب القضاء على المغمى عليه المسبّب بفعله كشرب المسكر و شرب المرقد و ذلك: «صحيحة حفص البختري من قوله: «ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر» و في حسنة عبداللّه بن المغيرة: «كلّ ما غلب اللّه عليه فليس على صاحبه شيء» بتقريب أنّ المستفاد من أخبار سقوط القضاء عن المغمى عليه بقرينة ما ذكر من الصحيحة و غيرها، انّما هو من حيث كون الاغماء من قبله سبحانه و فعله بعبده، و حينئذ فالحاق الاغماء الحاصل من قبل المكلّف به و ان كان عن جهل ليس بجيّد بل حكمه حكم ما لو تعمّد ذلك من وجوب القضاء. و من هذا التعليل يفهم أيضا وجوب القضاء على الحائض و النفساء اذا كان عروض ذلك من قبلهما بشرب الدواء. و استثنى جماعة من متأخّري الأصحاب من الموجب للقضاء السكر الذي يكون الشارب غير عالم به أو أكره عليه أو اضطرّ اليه لحاجة. و فيه ما عرفت من أنّ مدار الحكم في سقوط القضاء عن المغمى عليه هو كون الاغماء من قبله سبحانه، و هذه الموارد المذكورة لم يكن من قبله فيجب فيها القضاء. انتهى ملخّصا».(1)
و اعترض المحقّق الهمداني على الوجه المذكور بما هذا عبارته المحكيّة في مستند العروة: «انّا نمنع ظهور التعليل في العلّيّة المنحصرة المستتبعة للمفهوم حتّى يقيّد به الاطلاق في سائر الأخبار، بل القضيّة الكلّيّة انّما سيقت لبيان علّة نفي القضاء عند ترك الواجب في وقته؛ لعذر الاغماء ونحوه من الأعذار الخارجة عن الاختيار، و انّ العلّة للحكم المذكور هو غلبة اللّه، و أمّا حصر العلّة في ذلك، كي يقتضي ثبوت القضاء في غير موردها - أعني الاغماء المسبّب عن الاختيار - فلا دلالة لها عليه، فضلاً عن التعدّي عن المورد الى سائر المقامات، كالحائض و النفساء، ممّا لا مساس له بمورد الحكم، اذ لا مفهوم للتعليل المستفاد من تطبيق الكبريات على مصاديقها، فمن الجائز أن يحكم بنفي القضاء في غير مورد العلّة
1) - نفس المصدر.
و قال صاحب المستند: «ما أفاده قدس سره من عدم دلالة التعليل على السببيّة المنحصرة و ان كان صحيحا، فلاينعقد للقضيّة مفهوم - بالمعنى المصطلح - كما في الشرط و نحوه، فلاينافي ثبوت الحكم في غير مورد العلّة بمناط آخر، كاحترام شهر رمضان مثلاً، لكن لاينبغي الشكّ في دلالته على أنّ طبيعيّ الاغماء لايكون بنفسه موضوعا لنفي القضاء، و الاّ لكان التعليل بغلبة اللّه من اللغو الظاهر، فاذا ورد دليل آخر تضمّن التصريح بأنّ موضوع الحكم هو الطبيعي على اطلاقه و سريانه، كان معارضا لهذا الدليل لا محالة. فلا محيص من رفع اليد عن المطلقات؛ لأجل هذه النصوص الدالّة على أنّ الموجب لنفي القضاء انّما هي غلبة اللّه تعالى - ثمّ قال: - و الصحيح في الجواب عن الوجه المذكور، عدم وجود نصّ صحيح يدلّ على التعليل؛ لضعف الروايات التي استدلّ بها لذلك سندا أو دلالة، فانّ عمدتها رواية الصدوق رحمه الله عن الفضل بن شاذان و هي ضعيفة السند. انتهى ملخّصا».(2)
و لنذكر الأخبار الواردة المذيّلة بذلك التعليل حتّى يتّضح الحال:
منها صحيحة علي بن مهزيار أنّه سأله - يعني أبا الحسن الثالث عليه السلام - عن هذه المسألة، فقال:
«لايقضي الصوم و لايقضي الصلاة، و كلّ ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر».(3)
و منها صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول في المغمى عليه، قال: ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر».(1)
و منها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كلّ ما غلب اللّه عليه فليس على صاحبه شيء».(2)
و منها خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام (في حديث) قال:
«و كذلك كلّ ما غلب اللّه عليه مثل المغمى الذي يغمى عليه في يوم و ليلة فلايجب عليه قضاء الصلوات، كما قال الصادق عليه السلام: كلّ ما غلب اللّه على العبد فهو أعذر له».(3)
و منها خبر موسى بن بكر قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الرجل يغمى عليه يوما أو يومين أو الثلاثة أو الأربعة أو أكثر من ذلك، كم يقضي من صلاته؟ قال: ألا أخبرك بما يجمع لك (هذه الأشياء)؟! كلّ ما غلب اللّه عليه من أمر فاللّه أعذر لعبده».(4)
و أنت اذا تأمّلت في هذه الروايات تجد صحّة ما ذهب اليه العلاّمة الخوئي من ضعف الروايات التي استدلّ بها سندا أو دلالة،فانّ خبري موسى بن بكر و الفضل بن شاذان ضعيفان من جهة السند.
و أمّا الصحاح الثلاث فلم يظهر منها أنّ العلّة المنحصرة في سقوط القضاء هيالآفة السماويّة كي تقيّد اطلاق الأخبار الناطقة بسقوط القضاء عن المغمى عليه.
بل يمكن أن يقال انّ قوله عليه السلام «كلّ ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر» في هذه الصحاح ناظر الى الغالب، و لا منافاة بينه و بين كون طبيعيّ الاغماء بنفسه موضوعا لنفي القضاء خلافا لما أفاده العلاّمة الخوئي رحمه الله.
و الحاصل أنّ الجزم بوجوب قضاء صلاة المغمى عليه المسبّب اغماؤه بفعله مشكل الاّ أنّ الاحتياط في محلّه، فلايترك الاحتياط بالنسبة الى شرب المسكر و نحوه اذا آل الى الاغماء مع كونه عالما بذلك.
ثمّ اعلم أنّه لو أفاق المغمى عليه و الوقت باقٍ يجب عليه الصلاة، كما أنّه لو دخل في الوقت ثمّ أغمي عليه فان كان يتمكّن من أدائه و لم يصلّ يجب عليه قضاؤه، و ان لم يتمكّن من أدائه لضيق الوقت فان كان الاغماء بالآفة السماويّة فلا قضاء عليه و ان كان بسبب فعله فعليه القضاء، و هو واضح.
ثمّ انّه لو قيل بوجوب القضاء على المغمى عليه اذا كان الاغماء بسبب فعله فاللازم استثناء من كان مكرها أو مضطرّا و من لم يعلم و كذا يجب استثناء الحائض و النفساء و ان كان بسبب فعلهما؛ لاطلاق أخبار الباب الآبية عن التقييد، مضافا الى أنّه لا مساس لهما بمورد الحكم، كما أشار اليه المحقّق الهمداني رحمه الله و قد تقدّم.
(مسألة 4): المرتدّ يجب عليه قضاء ما فات منه أيّام ردّته بعد عوده الى الاسلام، سواء كان عن ملّة أو فطرة، و تصحّ منه - و ان كان عن فطرة - على الأصحّ.
الشرح:
قال في الشرائع: «و اذا ارتدّ المسلم أو أسلم الكافر ثمّ كفر، وجب عليه قضاء
زمان ردّته. انتهى».(1)
و قال في المدارك: «هذا قول علمائنا أجمع، حكاه في المنتهى، تمسّكا بمقتضى العمومات المتضمّنة لوجوب قضاء الفوائت السالمة من المعارض. و قد يحصل التوقّف في وجوب القضاء على المرتدّ عن فطرة، بل و في غيره من العبادات ان قلنا بعدم قبول توبته باطنا، لكنّه بعيد. انتهى».(2)
و قال في الجواهر: «وجب عليه قضاء زمان ردّته للفوات مع عدم شمول ما دلّ على سقوط القضاء عن الكافر له، و به صرّح في السرائر و المنتهى و التحرير و البيان و الرياض و المدارك و غيرها، بل في المنتهى و المفاتيح و عن الناصريّة و الغنية و الغرية و النجيبيّة الاجماع عليه، بل عن الناصريّة اجماع المسلمين و اطلاقهم كالمصنّف قاضٍ بعدم الفرق بين الفطري و الملّي كما عن جماعة التصريح به. انتهى».(3)
و قال في الحدائق: «و لا خلاف في أنّ المرتدّ فطريّا كان أو ملّيّا اذا رجع الى الاسلام فانّه يقضي زمان ردّته، و المستند فيه عموم الأخبار الدالّة على وجوب قضاء الفوائت خرج ما خرج بالدليل و بقي الباقي. انتهى».(4)
أقول:
قد عرفت أنّه لايجب على الكافر الأصلي قضاء ما فاته أيّام كفره اذا أسلم؛ للنصّ و الاجماع و لأنّه لم يرد عن النبي صلى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام بأنّهم قد كلّفوا المشركينو الكافرين الذين أسلموا بقضاء الصلاة و الصيام و الحجّ و غيرها من الواجبات التي لم يؤدّوها أيّام كفرهم. و هذا غير شامل للمرتدّ، و الدليل على عدم وجوب
قضاء ما فات عن المرتدّ أيّام ردّته مفقود بل الدليل على وجوبه موجود و هو عموم الأخبار الدالّة على وجوب قضاء الفوائت. و ما استشكل بالنسبة الى المرتدّ الفطري من حيث عدم قبول توبته كما في الأخبار الصحيحة، ففيه: انّ المراد من عدم قبول توبته هو القتل لا مطلقا، بمعنى أنّه لايستتاب كما في المرتدّ الملّي بل يقتل. و الدليل على قبول توبته عند اللّه و صحّة عباداته عمومات الكتاب و السنّة، فمن الكتاب قوله تعالى: «فمن تاب من بعد ظلمه و أصلح فانّ اللّه يتوب عليه انّ اللّه غفور رحيم».(1)
و منه قوله تعالى: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة اللّه انّ اللّه يغفر الذنوب جميعا انّه هو الغفور الرحيم».(2)
و منه قوله تعالى: «قال و من يقنط من رحمة ربّه الاّ الضآلّون».(3)
و منه قوله تعالى: «و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا و الآخرة».(4)
و من السنّة: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«من كان مؤمنا فعمل خيرا في ايمانه ثمّ أصابته فتنة كفر ثمّ تاب بعد كفره كتب له و حسب كلّ شيء كان عمله في ايمانه و لايبطله الكفر اذا تاب بعد كفره».(5)
و المرتدّ هو الذي كان مسلما فصار كافرا أو كان كافرا فأسلم ثمّ كفر، فالأوّل يسمّى بالمرتدّ الفطري و الثاني الملّي. و يقال: انّ المرتدّ هو الذي رغب عن الاسلام و كفر بما أنزل على محمّد صلى الله عليه و آله بعد اسلامه. ففي صحيحة محمّد بن مسلم
قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن المرتدّ، فقال: من رغب عن الاسلام و كفر بما أنزل على محمّد صلى الله عليه و آله بعد اسلامه فلا توبة له و قد وجب قتله، و بانت منه امرأته و يقسّم ما ترك على ولده».(1)
و في موثّقة عمّار الساباطي قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: كلّ مسلم بين مسلمِين ارتدّ عن الاسلام و جحد محمّدا صلى الله عليه و آله نبوّته و كذّبه فانّ دمه مباح لمن سمع ذلك منه، و امرأته بائنة منه (يوم ارتدّ)، و يقسّم ماله على ورثته، و تعتدّ امرأته عدّة المتوفّى عنها زوجها، و على الامام أن يقتله و لايستتيبه».(2)
فان كان كافرا فأسلم ثمّ ارتدّ يستتاب، ففي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام(في حديث) قال:
«قلت: فنصرانيّ أسلم ثمّ ارتدّ؟ قال: يستتاب فان رجع، و الاّ قتل».(3)
(مسألة 5): يجب على المخالف قضاء ما فات منه أو أتى به على وجه يخالف مذهبه بل و ان كان على وفق مذهبنا أيضا على الأحوط. و أمّا اذا أتى به على وفق مذهبه فلا قضاء عليه. نعم، اذا كان الوقت باقيا فانّه يجب عليه الأداء حينئذ و لو تركه وجب عليه القضاء. و لو استبصر ثمّ خالف ثمّ استبصر فالأحوط القضاء و ان أتى به بعد العود الى الخلاف على وفق مذهبه.
الشرح:
قال في المدارك: «و لايلحق بالكافر الأصلي غيره من الفرق المحكوم بكفرها من المسلمين، بل حكمهم حكم غيرهم من المخالفين في أنّهم اذا استبصروا يجب عليهم قضاء الفائت دون ما أوقعوه صحيحا بحسب معتقدهم. أمّا وجوب قضاء الفوائت فلعموم الأدلّة الدالّة على ذلك، المتناولة للمؤمن و المخالف. و أمّا أنّه لايجب عليهم اعادة ما فعلوه في تلك الحال فتدلّ عليه روايات كثيرة كصحيحة بريد بن معاوية العجلي - الى أن قال: - و استشكل العلاّمة في التذكرة الحكم بسقوط القضاء عمّن صلّى منهم أو صام؛ لاختلال الشرائط و الأركان، و هو مدفوع بالأخبار المستفيضة الواردة بذلك، و ان كان الحقّ بطلان عباداتهم بأسرها و ان وقعت مستجمعة للشرائط المعتبرة عدا الولاية، للأخبار الصحيحة الدالّة عليه. انتهى».(1)
يجب على المخالف قضاء ما فات منه أو أتى به على وجه يخالف مذهبه. و أمّا اذا أتى به على وفق مذهبه فلا قضاء عليه، و الدليل على ذلك صحيحة بريد بن معاوية العجلي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«كلّ عمل عمله و هو في حال نصبه و ضلالته ثمّ منّ اللّه عليه و عرّفه الولاية فانّه يؤجر عليه الاّ الزكاة فانّه يعيدها؛ لأنّه يضعها في غير مواضعها لأنّها لأهل الولاية، و أمّا الصلاة و الحجّ و الصيام فليس عليه قضاء».(2)
و صحيحة زرارة و الفضيل و محمّد بن مسلم و بريد العجلي كلّهم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام أنّهما قالا في الرجل يكون في بعض هذه الأهواء الحروريّة و المرجئة و العثمانيّة و القدريّة ثمّ يتوب و يعرف هذا الأمر و يحسن
رأيه، أيعيد كلّ صلاة صلاّها أو صوم أو زكاة أو حجّ، أو ليس عليه اعادة شيء من ذلك؟ قال:
«ليس عليه اعادة شيء من ذلك غير الزكاة، لابدّ أن يؤدّيها لأنّه وضع الزكاة في غير موضعها و انّما موضعها أهل الولاية».(1)
و خبر عمّار الساباطي قال:
«قال سليمان بن خالد لأبي عبداللّه عليه السلام و أنا جالس: انّي منذ عرفت هذا الأمر أصلّي في كلّ يوم صلاتين: أقضي ما فاتني قبل معرفتي. قال: لاتفعل، فانّ الحال التي كنت عليها أعظم من ترك ما تركت من الصلاة».(2)
قال في الجواهر: «من انتحل الاسلام من الفرق المخالفة حتّى المحكوم بكفرها منها لايجب عليهم قضاء ما أتوا به من العبادات و غيرها موافقا لمذهبهم، كما صرّح به الشهيدان و أبو العبّاس و الصيمري، بل عن الأردبيلي نسبته الى الشهرة بين الأصحاب، بل عن الروض نسبته اليهم مشعرا بدعوى الاجماع عليه لا لأنّ ذلك يكشف عن صحّة أفعالهم، و ان كان ربّما يومئ اليه بعض الأخبار الآتية، بل هو اسقاط من الشارع حينئذ؛ للمعتبرة المستفيضة. انتهى ملخّصا».(3)
و أمّا ما لم يفعله في أيّام مخالفته و فاته يجب عليه قضاؤه لعمومات القضاء و فقدان المخصّص، و ما يشعر به خبر عمّار الساباطي من سقوط القضاء رأسا فمطروح لضعفه و عدم الجابر لسنده، أو مؤوّل لاحتمال أن يكون قد سمّاه سليمان فائتا لمكان اعتقاده أنّه بحكم من لم يصلّ.
ثمّ انّه لو كانت عباداته باطلة على مذهبه يجب عليه اعادتها؛ لأنّ الظاهر من
قوله عليه السلام في صحيحة بريد بن معاوية العجلي «كلّ عمل عمله» هو العمل الذي أتى به صحيحا باعتقاده و ما تديّن به من مذهبه. و منه يعلم ضعف ما احتمل في الجواهر من «أنّ الانصاف احتمال سقوط القضاء أصلاً و رأسا فعلوا أو لم يفعلوا فضلاً عن أن يخلوا بترك شرط و نحوه، خصوصا الفرق المحكوم بكفرها منهم»(1)و يعلم أيضا ضعف ما قابل هذا ممّا حكي عن العلاّمة «من التوقّف في سقوط القضاء عمّن عمل منهم»(2)و لو أخلّ في أعماله بركن عندنا مع عدم البطلان عندهم، لاتجب اعادته كما هو الظاهر ممّا تقدّم.
فروع:
الفعل الذي يأتي به المخالف قبل استبصاره موافقا لمذهبنا على قسمين:
الأوّل: ما لايشترط فيه القربة كغسل النجاسة و نحوها سقط عنه قطعا و دليله واضح.
الثاني: ما يشترط فيه القربة و الجزم كالطهارة من الحدث و كأفعال الحجّ، فان كان قد أتى به جزما بصحّته متقرّبا الى اللّه يشمله اطلاق الأدلّة بل لعلّه أولى بسقوط القضاء عنه من الفعل الذي فعله موافقا لمذهبه؛ لأنّه لم يفقد الاّ الايمان.
قال المحقّق الهمداني: «الوجه عدم القضاء في هذه الصورة و ذلك لأنّ ما دلّ على مضيّ أعمالهم بعد الاسلام يدلّ عليه في مثل الفرض بالفحوى بل شمول قوله عليه السلامفي صحيحة الفضلاء «ليس عليه اعادة شيء من ذلك غير الزكاة» في جواب سؤال الراوي: «يعيد كلّ صلاة صلاّها أو صوم أو زكاة أو حجّ أو ليس عليه
اعادة شيء من ذلك؟» لمثل الفرض أوضح من شموله للعبادات الفاسدة الواقعة على وفق مذهبهم، مع أنّ شرطيّة الولاية لقبول الأعمال على الظاهر ليس على وجه يكون منافيا لذلك فلاينبغي الاستشكال فيه. انتهى ملخّصا».(1)
ذهب الماتن الى أنّه يجب عليه الأداء حينئذ، و لو تركه وجب عليه القضاء. فكأنّه لعمومات القضاء و اختصاص نصوص الاجزاء بغير المورد. ولكن فيه: انّ الظاهر من الروايات المتقدّمة اجزاء كلّ عمل عمله في زمان خلافه منّة منهم عليهم السلام عليه فهي شاملة للفرض.
قال في الجواهر: «لايقال انّ مراد الأصحاب بعدم وجوب القضاء و نحوه على المستبصر انّما هو في الواجبات التي خرجت أوقاتها كالصلاة و الصوم و نحوهما، لا ما اذا كان وقته باقيا كما نصّ عليه المحقّق الثاني و الشهيد الثاني و الخراساني في الكافر، فلعلّه هنا كذلك، فيجب الصلاة عليه لو استبصر و كان الوقت باقيا و ان كان قد صلّى، و من ذلك كلّ واجب لايوصف بالقضاء كالوضوء و الغسل و نحوهما فيعيدهما حينئذ للعبادات الجديدة، لأنّا نقول: ظاهر النصوص السابقة عدم الفرق بين الموقّت و غيره، بل كاد يكون صريحها. انتهى ملخّصا».(2)
و الظاهر أنّ الروايات المتقدّمة شاملة لكلّ عمل عمله من العبادات و المعاملات، و ما يرتبط بالنجاسة و الطهارة سواء كان أثره باقيا أو زائلاً. و ما في الجواهر من «وجوب اعادة غسل المتنجّسات اذا كان فاسدا عندنا للأصل و قصور
الأدلّة عن التناول لأنّه ليس كرفع الحدث» ففيه: انّ الظاهر عدم قصور الأدلّة عن التناول، و لا اشكال في القول بانكشاف صحّة ما فعله و اجزائه تفضّلاً منهم عليهم السلام.
ذهب الماتن الى أنّه «لو استبصر ثمّ خالف ثمّ استبصر فالأحوط القضاء و ان أتى به بعد العود الى الخلاف على وفق مذهبه»، و لعلّه لأنّ سقوط القضاء عمّن صلّى صلاة باطلة لاخلاله بالشرائط و الأجزاء، خلاف القاعدة. فالقدر المتيقّن ممّا خرج عنها للروايات المتقدّمة، هو المخالف الذي استبصر، و أمّا لو خالف ثانيا ثمّ استبصر فالقاعدة شاملة له. ولكن فيه: انّ اطلاق الروايات يشمله و الانصراف بدويّ و لا شكّ هنا حتّى نتمسّك بالقدر المتيقّن.
قال العلاّمة الخوئي رحمه الله: «انّ النصّ لو كان هكذا: «المخالف لايقضي بعد الاستبصار» لاتّجه - عندئذٍ - التمسّك باطلاقه، الاّ أنّ الموجود في النصوص: «كلّ عمل عمله و هو في حال نصبه و ضلالته ثمّ منّ اللّه عليه و عرّفه الولاية ... ». و المستفاد من كلمة «ثمّ» أنّ الموضوع هو الناصب الذي لم يمنّ اللّه عليه و لم يعرّفه الولاية، فينحصر بالخلاف الأوّل، و لايشمل الخلاف المتجدّد بعد منّ اللّه عليه و تعريفه لها فانّه حال الخلاف الثاني لايصدق عليه أنّه ممّن لم يمنّ اللّه عليه و لم يعرّفه الولاية، بل هو ممّن منّ اللّه عليه و عرّفه، غير أنّه - بسوء اختياره - أعرض عن الحقّ بعد المعرفة به. فمثله خارج عن مورد هذه النصوص؛ لعدم ثبوت اطلاق لها يشمله. انتهى ملخّصا».(1)
و فيه أوّلاً: انّ كلامه هذا لايمنع من التمسّك بالاطلاق؛ لأنّ كلّ من تاب و رجع
1) - مستند العروة 16: 115.
الى الحقّ مشمول لمنّ اللّه تعالى عليه و تعريفه له و يشكل الاعتماد على المفهوم الذي ادّعاه لانصراف الاطلاق؛ لأنّ الصحيحة واردة لكلّ مخالف سواء بلغه الحقّ مرارا و لم يعتن أو لم يبلغه، و كم من مخالف يعلم أنّ الحقّ للأئمّة الطاهرين المعصومين الاّ أنّ حبّه الرئاسة يشغله عنه و هذا أحرى أن يمنّ اللّه عليه لكونه أبعد ممّن لم يعرف الحقّ لعدم وصوله اليه أو استضعافه، فمن استبصر ثمّ رجع الى الخلاف يكون مساويا للمخالف الذي ألجمه حبّ الرئاسة، فلو استبصرا كانا ممّن منّ اللّه عليه و عرّفه الأمر.
و ثانيا: من كان مواليا لجعفر بن محمّد الصادق عليه السلام - مثلاً - فمال بعد أن استشهد عليه السلامالى عبداللّه أفطح لجهالته ثمّ استبصر و عرف الحقّ أي موسى بن جعفر عليه السلام فهل يكون ممنّ منّ اللّه عليه و هل الصحيحة تشمله أو لا؟ فيبعد أن يقول رحمه الله بعدم شمول الصحيحة له، فيتمّ المطلوب فيما عداه.
(مسألة 6): يجب القضاء على شارب المسكر، سواء كان مع العلم أو الجهل، و مع الاختيار على وجه العصيان أو للضرورة أو الاكراه.
و ذلك لعمومات القضاء و اطلاقها و عدم المخصّص أو المقيّد لها.
قال في الشرائع: «و لو زال عقل المكلّف بشيء من قبله كالسكر و شرب المرقد وجب القضاء؛ لأنّه سبب في زوال العقل غالبا. انتهى».(1)
و قال في المدارك: «و أسنده في الذكرى الى الأصحاب، و استدلّ عليه بأنّه مسبّب عن فعله. و الاعتماد في ذلك على النصوص المتضمّنة لوجوب قضاء الفوائت، المتناولة بعمومها لهذه الصورة. انتهى».(2)
ثمّ انّه لو شرب المسكر و نحوه فآل الى الاغماء، كان موضوعا للروايات الواردة في الاغماء من عدم وجوب القضاء، كما لو أكل غذاءً ضارّا فآل الى الاغماء. نعم لو علم بأنّ شربه يؤول الى الاغماء فلايترك الاحتياط بالقضاء و ذلك لعمومات القضاء و الشكّ في شمول روايات الاغماء للمورد، و قد تقدّم البحث عن ذلك في المغمى عليه و الفرع الملحق به.
(مسألة 7): فاقد الطهورين يجب عليه القضاء و يسقط عنه الأداء و ان كان الأحوط الجمع بينهما.
الشرح:
قال العلاّمة في المختلف: «لو تعذّر ما يتطهّر به من الماء و التراب سقطت الصلاة أداءً و قضاءً. و قال المفيد في رسالته الى ولده: و عليه أن يذكر اللّه تعالى في أوقات الصلاة بمقدار صلاته، و ليس عليه قضاء الصلاة. و قال ابن ادريس: الصحيح أنّه يسقط الصلاة عنه أداءً و يجب القضاء. لنا أنّ وجوب القضاء تابع لوجوب الأداء، و الأداء ساقط، أمّا أوّلاً فلأنّه سلّم ذلك، و أمّا ثانيا فلاستلزامه التكليف بالمحال، أو بفعل الصلاة من دون شرطها، و التالي بقسميه باطل. و لأنّ الأصل براءة الذمّة، و لأنّ القضاء يجب بأمر جديد و لم يثبت. انتهى».(1)
و قال في التذكرة: «و في الوجوب على فاقد المطهّر لعلمائنا قولان: الوجوب، قاله الشيخ و المرتضى و به قال الليث بن سعد و أبو يوسف و محمّد و أحمد و الشافعي و أبو حنيفة و الثوري و الأوزاعي؛ لأنّ الصلاة لاتسقط بفوات شرط كالسترة. و العدم: قاله المفيد و به قال مالك و داوود و هو المعتمد لأنّها صلاة لاتجب في وقتها فلاتجب بعد خروجه و لأنّ القضاء انّما يجب بأمر مجدّد و
1) - مختلف الشيعة 2: 458.
لم يوجد. انتهى».(1)
و في الجواهر: «استند لعدم وجوب القضاء بقوله عليه السلام: «لا صلاة الاّ بطهور» و بقوله عليه السلام: «كلّما غلب اللّه عليه فهو أولى بالعذر» و لأنّ القضاء محتاج الى أمر جديد، و هو مفقود، و قوله عليه السلام: «من فاتته» ظاهر فيمن كلّف. ثمّ اختار وجوب القضاء عند التمكّن تبعا للسرائر و اللمعة و البيان و ظاهر الروضة و المدارك و المرتضى و الشيخين و استدلّ على ذلك بصدق اسم الفوت و عدم صحّة سلبه عنه، اذ دعوى اختصاصه بمن خوطب بالأداء يدفعها ملاحظة الأخبار التي أطلق فيها على الساهي و النائم و غيرهما بل المغمى عليه، بل لعلّ الظاهر منها أصالة القضاء لشدّة أمرها، خصوصا الصحيح عن أبي جعفر عليه السلام الوارد في تفسير قوله تعالى: «انّ الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا»(2)بل قد يومئ اتّفاقهم ظاهرا على وجوب قضاء شارب المسكر و المرقد الى عدم اعتبار الخطاب بالأداء أيضا. انتهى ملخّصا».(3)
أقول:
لاتجب الصلاة على فاقد الطهورين أداءً، و ذلك لأنّ الطهور شرط في الصلاة و شرطيّة الطهور مطلقة و لم تقيّد بحال التمكّن و هي مستفادة من الروايات:
منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها؟ فقال:
«يقضيها اذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار ... فليصلّ ما فاته ممّا قد مضى».(4)
فقول الراوي «صلّى بغير طهور» مطلق يشمل العالم و الجاهل و العامد و الساهي و من تمكّن من الطهور و من لم يتمكّن.
و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».(1)
فمن صلّى بغير طهور و ان كان لعدم تمكّنه من الطهورين فصلاته باطلة؛ لاطلاق الصحيحة و عدم التقييد لها.
و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث طهور و ثلث ركوع و ثلث سجود».(2)
فمن كان فاقدا للطهورين و ان كان لعدم تمكّنه منهما لم يكن له صلاة؛ لأنّ ماهيّتها مركّبة من هذه الثلاثة.
و منها: «لا صلاة الاّ بطهور».(3)
و لاتعارضها قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «لاتدع الصلاة على حال».(4)
لأنّها فرع وجود الطهور كما تكون فرع دخول الوقت، فكما لو لم يدخل الوقت بعد، لايقال «لاتدع الصلاة على حال» كذلك من كان فاقدا للطهورين لايقال له «لاتدع الصلاة على حال» و الحال أنّ قوام الصلاة يكون بالطهارة كما تقدّم. فاذا لم يكن له أمر بأداء الصلاة و لم يكلّف بها لايجب عليه القضاء؛ لعدم صدق الفوت.
(مسألة 8): من وجب عليه الجمعة اذا تركها حتّى مضى وقتها أتى بالظهر ان بقي الوقت، و ان تركها أيضا وجب عليه قضاؤها، لا قضاء الجمعة.
الشرح:
قال في الشرائع: «و تفوت الجمعة بفوات الوقت، ثمّ لاتقضى جمعة و انّما تقضى ظهرا. انتهى».(1)
و قال في المدارك: «المراد أنّه مع فوات وقت الجمعة تجب صلاة الظهر أداءً ان كان الوقت باقيا، و قضاءً بعد خروجه، و هو اجماع أهل العلم. انتهى».(2)
و يدلّ على ذلك صحيحة الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عمّن لم يدرك الخطبة يوم الجمعة؟ قال: يصلّي ركعتين، فان فاتته الصلاة فلم يدركها فليصلّ أربعا. و قال: اذا أدركت الامام قبل أن يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة، و ان أنت أدركته بعدما ركع فهي الظهر أربع».(3)
و صحيحة عبدالرحمن العرزمي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أدركت الامام يوم الجمعة و قد سبقك بركعة فأضف اليها ركعة أخرى، و أجهر فيها، فان أدركته و هو يتشهّد فصلّ أربعا».(4)
فيعلم من هاتين الصحيحتين أنّه اذا انقضى وقت صلاة الجمعة يجب عليه صلاة الظهر فان لم يؤدّها حتّى مضى الوقت يجب عليه قضاؤها.
(مسألة 9): يجب قضاء غير اليوميّة سوى العيدين حتّى النافلة المنذورة في وقت معيّن.
الشرح:
قال في المدارك: «أجمع العلماء كافّة على أنّ من ترك الصلاة الواجبة مع استكمال الشرائط أو أخلّ بها لنوم أو نسيان يلزمه القضاء. انتهى».(1)
و الدليل على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها؟ قال:
«يقضيها اذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار. الحديث».(2)
و صحيحته الثانية عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«أربع صلوات يصلّيها الرجل في كلّ ساعة: صلاة فاتتك فمتى ذكرتها أدّيتها. الحديث».(3)
و صحيحة حمّاد بن عثمان أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل فاته شيء من الصلوات فذكر عند طلوع الشمس أو عند غروبها؟ قال:
«فليصلّ حين يذكر».(4)
و الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها اذا ذكرها».(5)
فاطلاق هذه الروايات يشمل كلّ صلاة فاتته حتّى النافلة المنذورة، و استثني منها صلاة الجمعة كما تقدّم في المسألة السابقة و صلاة العيدين، و الدليل على
1) - مدارك الأحكام 4: 290.
2) - وسائل الشيعة 8: 253 / الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 8: 256 / الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 4: 240 / الباب 39 من أبواب المواقيت / الحديث 2.
5) - مستدرك الوسائل 6: 430 / الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 12.
عدم وجوب قضاء صلاة العيدين صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«من لم يصلّ مع الامام في جماعة يوم العيد فلا صلاة له و لا قضاء عليه».(1)
قال في المدارك: «صرّح في التذكرة بأنّ سقوط القضاء مذهب أكثر الأصحاب. و قال الشيخ في التهذيب: «من فاتته الصلاة يوم العيد لايجب عليه القضاء و يجوز له أن يصلّي ان شاء ركعتين و ان شاء أربعا من غير أن يقصد بها القضاء». و قال ابن ادريس: «يستحبّ قضاؤها». و قال ابن حمزة: «اذا فاتت لايلزم قضاؤها الاّ اذا وصل في حال الخطبة و جلس مستمعا لها». و قال ابن الجنيد: «من فاتته و لحق الخطبتين صلاّها أربعا مفصولات». يعني بتسليمتين، و نحوه قال علي بن بابويه، الاّ أنّه قال: يصلّيها بتسليمة. و الأصحّ السقوط مطلقا. انتهى».(2)
و تتمّة البحث عن ذلك تأتي في محلّه ان شاء اللّه تعالى.
(مسألة 10): يجوز قضاء الفرائض في كلّ وقت من ليل أو نهار أو سفر أو حضر، و يصلّي في السفر ما فات في الحضر تماما، كما أنّه يصلّي في الحضر ما فات في السفر قصرا.
الشرح:
في المسألة فرعان:
يجوز قضاء الفرائض في كلّ وقت من ليل أو نهار، و ذلك لصحيحة زرارة عن
أبي جعفر عليه السلام أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها؟ فقال:
«يقضيها اذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار. الحديث».(1)
و صحيحته الثانية عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«أربع صلوات يصلّيها الرجل في كلّ ساعة: صلاة فاتتك فمتى ذكرتها أدّيتها. الحديث».(2)
و لاتعارضهما رواية عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل ينام عن الفجر حتّى تطلع الشمس و هو في سفر، كيف يصنع؟ أيجوز له أن يقضي بالنهار؟ قال: لايقضي صلاة نافلة و لا فريضة بالنهار، و لايجوز له و لايثبت له، ولكن يؤخّرها فيقضيها بالليل».(3)
و ذلك لضعف سندها، فانّ في سندها علي بن خالد و هو لم يوثّق في كتب الرجال، و الرواية مطروحة.
و يصلّى في السفر ما فات في الحضر تماما، كما أنّه يصلّى في الحضر ما فات في السفر قصرا؛ لصحيحة زرارة قال:
«قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر؟ قال: يقضي ما فاته كما فاته، ان كانت صلاة السفر أدّاها في الحضر مثلها،
و ان كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته».(1)
قال في الشرائع: «و يقضي صلاة السفر قصرا و لو في الحضر، و صلاة الحضر تماما و لو في السفر. انتهى».(2)
و قال في المدارك: «هذا مذهب العلماء كافّة الاّ من شذّ. انتهى».(3)
(مسألة 11): اذا فاتت الصلاة في أماكن التخيير فالأحوط قضاؤها قصرا مطلقا، سواء قضاها في السفر أو في الحضر، في تلك الأماكن أو غيرها. و ان كان لايبعد جواز الاتمام أيضا اذا قضاها في تلك الأماكن، خصوصا اذا لم يخرج عنها بعد و أراد القضاء.
الشرح:
قال العلاّمة في القواعد: «فان فاتت احتمل وجوب قصر القضاء مطلقا و في غيرها و التخيير مطلقا. انتهى».(4)
و قال في مفتاح الكرامة: «يريد أنّه اذا فاتته الصلاة في هذه المواضع فهناك احتمالات في قضائها: الأوّل: أنّه يجب قصر القضاء مطلقا أي سواء صلاّها فيها أو في غيرها. الثاني: وجوب القصر ان صلاّها في غيرها و التخيير ان صلاّها فيها. الثالث: التخيير مطلقا أي سواء صلاّها في الأربعة أو في غيرها. و هذه الاحتمالات الثلاثة ذكرها في التذكرة. و في نهاية الأحكام اقتصر على الأوّلين، و الاحتمال الثاني خيرة الايضاح و الموجز الحاوي و كشف الالتباس، و الثالث خيرة البيان و
مجمع البرهان و الذخيرة و البحار. انتهى».(1)
و قال في التذكرة: «لو فاتت هذه الصلاة احتمل وجوب القصر مطلقا سواء صلاّها فيها أو في غيرها لفوات محلّ الفضيلة و هو الأداء و وجوب القصر ان قضاها في غيرها لفوات المكان الذي هو محلّ المزيّة و التخيير ان قضاها فيها؛ لأنّ القضاء تابع للأداء و التخيير مطلقا بين الاتمام و القصر؛ لأنّ الأداء كذلك. انتهى».(2)
و قال في نهاية الأحكام: «و لو فاتت هذه الصلاة، احتمل وجوب القصر مطلقا؛ لفوات محلّ الفضيلة و هو الأداء. و وجوب القصر ان قضاها في غيرها؛ لفوات محلّ المزيّة و هو المكان، و التخيير ان قضاها فيها؛ لأنّ القضاء تابع للأداء مطلقا؛ لأنّ الأداء كذلك. انتهى».(3)
و الأقوى تحتّم قصر القضاء مطلقا، و ذلك لما أتى به في ايضاح الفوائد: «أوّلاً: لأنّ السفر سبب لوجوب القصر باتّفاق الاماميّة و ايقاع الأداء في أحد المواضع مانع للحكم و القضاء تابع لسبب الوجوب و لا تأثير لمانع الحكم فيه بوجه. و ثانيا: لأنّ القصر أصل صلاة السفر و الاتمام عارض بسبب طارٍ فهو رخصة و ان كانت أفضل و لم يحصل سببها لأنّ السبب هو ايقاع الأداء في أحد الأماكن المعيّنة و التقدير عدمه فيبقى الأصل على حاله، و لأنّ العزيمة مقدّمة على الرخصة. انتهى».(4)
و هذان الدليلان و ان لم يقبلهما المحقّق فخرالدين ابن العلاّمة، الاّ أنّه الظاهر من الروايات، كما أشار والده العلاّمة الحلّي في التذكرة و النهاية بأنّ محلّ الفضيلة
و هو الأداء قد فات فيلزم في القضاء القصر.
و قد بيّنه العلاّمة النائيني بأنّ «الظاهر من الأخبار هو كون الحكم الثابت في هذه المواضع هو القصر كسائر الأمكنة أصالة الاّ أنّه لمكان شرف البقعة رخّص في التمام من جهة زيادة الخير و أنّها بقاع أراد اللّه تعالى أن يعبد فيها و هذا المعنى غير قابل للانكار، و المراجع الى الأخبار يجدها بعد التدبّر، و على هذا فالفائت في هذه المواضع هو القصر و ان كان له أن يأتي بالتمام لو أتى في أحد هذه المواضع، لكن بعد تحقّق الفوت يكون الفائت هو القصر و يجب عليه القضاء كما فات. انتهى».(1)
و استدلّوا للقولين الآخرين أي التخيير مطلقا، أو اذا كان القضاء في تلك الأماكن نفسها بعموم قوله عليه السلام في صحيحة زرارة «يقضي ما فاته كما فاته»، و بتبعيّة القضاء للأداء، و بالاستصحاب.
و فيه: انّ الأوّل ناظر الى ذات الفائت بحسب أصله و هو القصر لا بحسب ما طرأ عليه، و على الأقلّ من الشكّ في شموله لذلك. و أمّا الثاني فبمنع التبعيّة فانّ القضاء بأمر جديد. و ما يقال من أنّه يكشف من الأمر الجديد تعدّد المطلوب في الوقت، و أنّ مطلوبيّة العمل غير منتفية بفواته، و أنّ القضاء و الأداء متّحدان في الماهيّة و يختلفان بالوصفين فتجب مراعاة جميع الأحكام، لا دليل عليه لأنّه لايلازمه، مضافا الى أنّه خلاف ظاهر الروايات، فانّ الظاهر من روايات تخيير المسافر في الأماكن الأربعة أنّ التخيير مقيّد بأداء الصلاة في الوقت. و أمّا الاستصحاب فلايجري في المقام لتعدّد الموضوع، فانّ الأمر الأوّل قد سقط بانقضاء الوقت و الأمر الثاني الحادث بعد خروج الوقت فهو مشكوك فيه بالنسبة الى التخيير و التعيين، فما الذي نستصحبه؟!
1) - كتاب الصلاة 3: 374 و 375.
(مسألة 12): اذا فاتته الصلاة في السفر الذي يجب فيه الاحتياط بالجمع بين القصر و التمام فالقضاء كذلك.
الشرح:
فانّ الاحتياط الجمع بين القصر و التمام للعلم الاجمالي بوجوب أحدهما فالاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة، فاذا فاتته هذه الصلاة فان كان العلم الاجمالي باقيا يجب فيه الاحتياط و الاتيان بالقضاء بين القصر و التمام. و أمّا اذا انحلّ العلم الاجمالي بعد الوقت بالتفصيلي فلايبقى موضوع للاحتياط. و هذا كمن كان تكليفه الصلاة الى جهتين لتردّد القبلة بينهما، فان لم يصلّ و مضى الوقت و انكشفت القبلة يجب عليه قضاء الصلاة الى جهة واحدة.
(مسألة 13): اذا فاتت الصلاة و كان في أوّل الوقت حاضرا و في آخر الوقت مسافرا أو بالعكس، لايبعد التخيير في القضاء بين القصر و التمام، و الأحوط اختيار ما كان واجبا في آخر الوقت، و أحوط منه الجمع بين القصر و التمام.
الشرح:
قال في المختلف: «لو فاتت هذه الصلاة وجب قضاؤها تماما سواء وجبت في السفر ثمّ دخل البلد قبل فوات وقتها، أو في الحضر و سافر قبل فوات الوقت. و قال ابن ادريس: «ان كان الوقت دخل و هو سافر ثمّ دخل البلد و الوقت باقٍ و لم يصلّ حتّى خرج الوقت وجب القصر، و بالعكس الاتمام». لنا: أنّ الواجب الاتمام في الأداء عندنا و عنده فيجب في القضاء الاتمام؛ لقوله عليه السلام «من فاتته صلاة فريضة فليقضها كما فاتته». احتجّ بأنّ ابتداء الوجوب كان مسافرا و قد فاتت فيجب التقصير في القضاء. و الجواب: الاعتبار بما يجب في الذمّة، و قد سلّم أنّ
الواجب التمام، فكذا القضاء. و اعلم أنّ الشيخ في التهذيب مال الى ما نقلناه عن ابن ادريس؛ للجمع بين الأخبار. قال: «لأنّا قد قدّمنا أحاديث في أنّ من خرج الى السفر بعد دخول الوقت يجب عليه التمام، و كذلك من قدم من السفر يجب عليه التقصير، و حديث اسماعيل بن جابر يدلّ على أنّ من خرج الى السفر بعد دخول الوقت يجب عليه التقصير، و من قدم من السفر بعد دخول الوقت يجب عليه التمام، فاحتجنا الى الجمع فحملنا كلّ خبر ورد بأنّه من خرج الى السفر بعد دخول الوقت يجب عليه التمام؛ على أنّ المراد بعد تقضّي الوقت، و كذلك من قدم من السفر، و كلّ خبر ورد بأنّه من خرج الى السفر بعد دخول الوقت يجب عليه التقصير؛ على أنّه اذا كان الوقت باقيا، و كذلك في القادم من السفر». و المعتمد ما قلناه نحن أوّلاً. انتهى».(1)
و قال في الشرائع: «و اذا دخل الوقت و هو حاضر ثمّ سافر و الوقت باقٍ، قيل: يتمّ بناءً على وقت الوجوب، و قيل: يقصّر اعتبارا بحال الأداء، و قيل: يتخيّر، و قيل: يتمّ مع السعة و يقصّر مع الضيق، و التقصير أشبه. و كذا الخلاف لو دخل الوقت و هو مسافر فحضر و الوقت باقٍ، و الاتمام هنا أشبه. انتهى».(2)
و في المدارك فيما اذا دخل الوقت و هو حاضر ثمّ سافر و الوقت باقٍ قال: «الأصحّ ما اختاره المصنّف من وجوب التقصير مطلقا، تمسّكا بعموم ما دلّ على وجوب التقصير في السفر، و خصوص صحيحة اسماعيل بن جابر. قال المصنّف في المعتبر: و هذه الرواية أشهر و أظهر في العمل. انتهى ملخّصا».(3)
و قال فيما اذا دخل الوقت و هو مسافر فحضر و الوقت باقٍ: الأصحّ ما اختاره المصنّف هنا أيضا، تمسّكا بعموم ما دلّ على وجوب الاتمام في الحضر، و
خصوص صحيحة اسماعيل بن جابر المتقدّمة. و تدلّ عليه أيضا صحيحة العيص بن القاسم. انتهى».(1)
و الأظهر كون الاعتبار بحال الأداء لا الوجوب، كما أنّ الاعتبار في القضاء بحال الفوت و هو ينطبق على آخر الوقت، فان كان مسافرا يقضي قصرا و ان كان حاضرا يقضي تماما. و هذا الذي ذكرناه هو صريح روايات:
منها صحيحة اسماعيل بن جابر قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: يدخل عليّ وقت الصلاة و أنا في السفر فلاأصلّي حتّى أدخل أهلي؟ فقال: صلّ و أتمّ الصلاة. قلت: (فدخل عليّ) وقت الصلاة و أنا في أهلي أريد السفر فلاأصلّي حتّى أخرج؟ فقال: فصلّ و قصّر، فان لم تفعل فقد خالفت (و اللّه) رسول اللّه صلى الله عليه و آله».(2)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم (في حديث) قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الرجل يريد السفر فيخرج حين تزول الشمس؟ فقال: اذا خرجت فصلّ ركعتين».(3)
و منها صحيحة العيص بن القاسم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر ثمّ يدخل بيته قبل أن يصلّيها؟ قال: يصلّيها أربعا. و قال: لايزال يقصّر حتّى يدخل بيته».(4)
و منها خبر الحسن بن علي الوشّاء قال:
«سمعت الرضا عليه السلام يقول: اذا زالت الشمس و أنت في المصر و أنت تريد السفر فأتمّ، فاذا خرجت بعد الزوال قصّر العصر».(1)
و منها خبر محمّد بن ادريس في آخر السرائر نقلاً عن كتاب جميل بن درّاج عن زرارة عن أحدهما عليهماالسلام أنّه قال في رجل مسافر نسي الظهر و العصر في السفر حتّى دخل أهله، قال:
«يصلّي أربع ركعات».(2)
فيظهر من هذه الروايات بل صريحها أوّلاً: أنّ الاعتبار في القصر أو التمام بحال الأداء، بمعنى أنّه اذا أراد أن يصلّي فان كان في السفر يقصّر و لو كان أوّل الوقت أو آخره حاضرا، و ان كان في الحضر يتمّ و لو كان أوّل الوقت أو آخره مسافرا.
و ثانيا: أنّ القضاء يترتّب على وقت الفوت و هو ينطبق على آخر الوقت.
و أمّا الأخبار التي ظاهرها ينافي ما تقدّم فيؤوّل. منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يدخل من سفره و قد دخل وقت الصلاة و هو في الطريق؟ فقال: يصلّي ركعتين، و ان خرج الى سفره و قد دخل وقت الصلاة فليصلّ أربعا».(3)
و منها موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة، فقال: ان كان لايخاف فوت الوقت فليتمّ، و ان كان يخاف
خروج الوقت فليقصّر».(1)
فنقول: انّ المراد بالاتمام في هذا الحديث و الذي قبله: الصلاة في المنزل، و بالقصر: الصلاة في السفر؛ جمعا بينهما و بين ما تقدّم. و الشاهد على هذا الجمع صحيحة محمّد بن مسلم الثانية عن أحدهما عليهماالسلام في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة، فقال:
«ان كان لايخاف أن يخرج الوقت فليدخل فليتمّ، و ان كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصلّ و ليقصّر».(2)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم الثالثة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل يدخل من سفره و قد دخل وقت الصلاة؟ قال: يصلّي ركعتين، و ان خرج الى سفر و قد دخل وقت الصلاة فليصلّ أربعا».(3)
فنقول بأنّ المراد بالقصر قبل الوصول الى الوطن، و بالتمام قبل الوصول الى حدّ الترخّص؛ جمعا، كما تقدّم.
و منها صحيحة منصور بن حازم قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اذا كان في سفر فدخل عليه وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله فسار حتّى يدخل أهله فان شاء قصّر و ان شاء أتمّ، و الاتمام أحبّ اليّ».(4)
فيوجّه بأنّ المراد: ان شاء صلّى في السفر قصرا، أو ان شاء صبر حتّى يدخل أهله و يصلّي تماما.
و منها خبر بشير النبّال قال:
«خرجت مع أبي عبداللّه عليه السلام حتّى أتينا الشجرة، فقال لي أبو عبداللّه عليه السلام: يا نبّال! قلت: لبّيك. قال: انّه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر أن يصلّي أربعا أربعا غيري و غيرك، و ذلك أنّه دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج».(1)
ليس في هذا الخبر أنّهما صلّيا بعد الخروج، فيحمل على كونهما قد صلّيا في المدينة.
و منها الخبر المروي عن محمّد بن ادريس في آخر «السرائر» عن أحدهما عليهماالسلام أنّه قال لمن نسي الظهر و العصر و هو مقيم حتّى يخرج قال:
«يصلّي أربع ركعات في سفره. و قال: اذا دخل على الرجل وقت صلاة و هو مقيم ثمّ سافر صلّى تلك الصلاة التي دخل وقتها عليه و هو مقيم أربع ركعات في سفره».(2)
فيحمل على ما اذا مضى وقت الصلاة الذي دخل حين اقامته فأراد الاتيان بها في السفر فيصلّيها أربعا.
و أمّا خبر موسى بن بكر عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه سئل عن رجل دخل
وقت الصلاة و هو في السفر فأخّر الصلاة حتّى قدم فهو يريد (أن) يصلّيها اذا قدم الى أهله فنسي حين قدم الى أهله أن يصلّيها حتّى ذهب وقتها؟ قال:
«يصلّيها ركعتين صلاة المسافر؛ لأنّ الوقت دخل و هو مسافر، كان ينبغي له أن يصلّي عند ذلك».(3)
ففيه أوّلاً: انّ السند ضعيف بموسى بن بكر فانّه لم يوثّق في كتب الرجال و ان
كان عند العلاّمة الخوئي أنّ الأظهر وثاقته.
و ثانيا: هو معارض بالصحاح المتقدّمة و الترجيح لها.
و ثالثا: قد حمله العلاّمة في المنتهى على أنّه دخل و قد تضيّق الوقت جدّا حتّى لايسع لركعة، فيجب عليه التقصير، و قال: «و لو قيل: التعليل ينافي ما ذكرتم، قلنا: لانسلّم المنافات، فانّ القصر معلّق (معلّل خ ل) بدخول الوقت في السفر في الصورة التي ذكرناها أيضا. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 14): يستحبّ قضاء النوافل الرواتب استحبابا مؤكّدا، بل لايبعد استحباب قضاء غير الرواتب من النوافل الموقّتة دون غيرها، و الأولى قضاء غير الرواتب من الموقّتات بعنوان احتمال المطلوبيّة، و لايتأكّد قضاء ما فات حال المرض، و من عجز عن قضاء الرواتب استحبّ له الصدقة عن كلّ ركعتين بمدّ، و ان لم يتمكّن فعن كلّ أربع ركعات بمدّ، و ان لم يتمكّن فمدّ لصلاة الليل و مدّ لصلاة النهار، و ان لم يتمكّن فلايبعد مدّ لكلّ يوم و ليلة، و لا فرق في قضاء النوافل أيضا بين الأوقات.
الشرح:
يدلّ على استحباب قضاء النوافل الرواتب صحيحة ابن سنان يعني عبداللّه قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: انّ العبد يقوم فيقضي النافلة فيعجب الربّ ملائكته منه، فيقول: ملائكتي! عبدي يقضي ما لم أفترضه عليه».(2)
و الدليل على تأكيد ذلك قوله عليه السلام في صحيحة عبداللّه بن سنان:
«و ان كان شغله لجمع الدنيا و التشاغل بها عن الصلاة فعليه القضاء، و الاّ لقي اللّه و هو مستخفّ متهاون مضيّع لحرمة رسول اللّه صلى الله عليه و آله».(1)
و لايؤكّد استحباب قضاء ما فات حال المرض؛ لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: رجل مرض فترك النافلة؟ فقال: يا محمّد، ليست بفريضة، ان قضاها فهو خير يفعله، و ان لم يفعل فلا شيء عليه».(2)
و صحيحة العيص بن القاسم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل اجتمع عليه صلاة السنّة من مرض؟ قال: لايقضي».(3)
و ان عجز عن قضاء النوافل يستحبّ التصدّق كما في صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: أخبرني عن رجل عليه من صلاة النوافل ما لايدري ما هو من كثرتها، كيف يصنع؟ قال: فليصلّ حتّى لايدري كم صلّى من كثرتها، فيكون قد قضى بقدر علمه من ذلك. ثمّ قال: قلت له: فانّه لايقدر على القضاء. فقال: ان كان شغله في طلب معيشة لابدّ منها، أو حاجة لأخ مؤمن فلا شيء عليه، و ان كان شغله لجمع الدنيا و التشاغل بها عن الصلاة فعليه القضاء، و الاّ لقي اللّه و هو مستخفّ متهاون مضيّع لحرمة رسول اللّه صلى الله عليه و آله. قلت: فانّه لايقدر على القضاء فهل يجزي أن يتصدّق؟ فسكت مليّا ثمّ قال: فليتصدّق بصدقة. قلت:
فما يتصدّق؟ قال: بقدر طوله و أدنى ذلك مدّ لكلّ مسكين مكان كلّ صلاة. قلت: و كم الصلاة التي يجب فيها مدّ لكلّ مسكين؟ قال: لكلّ ركعتين من صلاة الليل مدّ، و لكلّ ركعتين من صلاة النهار مدّ. فقلت: لايقدر. فقال: مدّ اذا لكلّ أربع ركعات من صلاة النهار (مدّ لكلّ أربع ركعات من صلاة الليل). قلت: لايقدر. قال: فمدّ اذا لصلاة الليل و مدّ لصلاة النهار، و الصلاة أفضل، و الصلاة أفضل، و الصلاة أفضل».(1)
و الظاهر أنّ الروايات الواردة في الباب منصرفة الى النوافل الرواتب، و أمّا استحباب قضاء غيرها من النوافل الموقّتة فلا دليل عليه، و لم يبعّد المصنّف استحباب ذلك؛ لاطلاق بعضها.
(مسألة 15): لايعتبر الترتيب في قضاء الفوائت من غير اليوميّة لا بالنسبة اليها و لا بعضها مع البعض الآخر. فلو كان عليه قضاء الآيات و قضاء اليوميّة يجوز تقديم أيّهما شاء، تقدّم في الفوات أو تأخّر، و كذا لو كان عليه كسوف و خسوف يجوز تقديم كلّ منهما و ان تأخّر في الفوات.
لاطلاق أدلّة القضاء و ليس هناك دليل على التقييد، و الأصل الجاري البراءة من الترتيب.
(مسألة 16): يجب الترتيب في الفوائت اليوميّة بمعنى قضاء السابق في الفوات على اللاحق و هكذا، و لو جهل الترتيب وجب التكرار، الاّ أن يكون مستلزما للمشقّة التي لاتتحمّل من جهة كثرتها، فلو فاتته ظهر و مغرب و
1) - وسائل الشيعة 4: 75 / الباب 18 من أبواب أعداد الفرائض / الحديث 2.
لم يعرف السابق صلّى ظهرا بين مغربين أو مغربا بين ظهرين. و كذا لو فاتته صبح و ظهر، أو مغرب و عشاء من يومين، أو صبح و عشاء، أو صبح و مغرب و نحوها ممّا يكونان مختلفين في عدد الركعات، و أمّا اذا فاتته ظهر و عشاء أو عصر و عشاء أو ظهر و عصر من يومين ممّا يكونان متّحدين في عدد الركعات فيكفي الاتيان بصلاتين بنيّة الأولى في الفوات و الثانية فيه، و كذا لو كانت أكثر من صلاتين فيأتي بعدد الفائتة بنيّة الأولى فالأولى.
الشرح:
قال في المعتبر: «أمّا الفوائت فقد اتّفق الأصحاب على ترتيبها، و لم يشترطه الشافعي بالقياس على قضاء رمضان، و لأنّ وجوب الترتيب على خلاف الأصل، فيكون منفيّا. و قال أبو حنيفة: ترتّب ما لم تدخل في التكرار. و قال أحمد: ترتّب و ان كثرت. لنا: فاتت مرتّبة فتقضى كذلك؛ لقوله عليه السلام: «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته» و هو يعمّ الفريضة و كيفيّتها، و لأنّ النبي صلى الله عليه و آله فاتته صلوات يوم الخندق فقضاهنّ مرتّبا، و فعله بيان فتجب متابعته. و من طريق الخاصّة رواية زرارة. و ما احتجّ به الشافعي قياس من غير جامع، و فرق أبي حنيفة تحكّم لا وجه له. انتهى ملخّصا».(1)
و قال العلاّمة في المنتهى: «و ترتّب الفوائت بعضها على بعض كالحواضر. ذهب اليه علماؤنا. و به قال أحمد. و قال أبو حنيفة: يترتّب ما لم يدخل في التكرار. و قال الشافعي: لايترتّب ... الى آخر ما قال كما في المعتبر. انتهى».(2)
و في مفتاح الكرامة في شرح قول العلاّمة في القواعد: «و تترتّب الفرائض اليوميّة أداءً و قضاءً» قال: «أمّا ترتّبها في الأداء فهو فتوى العلماء كما في المعتبر و
كشف اللثام، و لا خلاف فيه بين علماء الاسلام كما في التذكرة و المدارك، و عليه الاجماع كما في نهاية الأحكام و التنقيح و غيرهما. و أمّا في القضاء فعليه الاجماع كما في الخلاف و المعتبر و التذكرة و المنتهى و الذكرى في موضع و التنقيح و المدارك، و نسبه الى الأصحاب في جامع المقاصد و كذا في الذكرى في موضع، و نفى عنه الخلاف في مجمع البرهان، و هو المشهور كما في الذكرى في موضع آخر ثالث و المفاتيح و الذخيرة و الكفاية، و به قال أبو حنيفة و مالك و أحمد و جماعة من التابعين و لم يوجبه الشافعي، و في التذكرة أنّ الترتيب شرط عندنا فلو أخلّ به عمدا بطلت صلاته و فيها: انّه لا فرق بين كثرة الصلاة و قلّتها عند علمائنا. هذا مع العلم بالسابق كما قيّده بذلك جماعة و قد ورد به كذلك في عدّة من الأخبار، و قد حكى في الذكرى عن بعض الأصحاب ممّن صنّف في المضايقة و المواسعة القول بعدم وجوب الترتيب و حمل الأخبار و كلام الأصحاب على الاستحباب. قال: و هو حمل بعيد مردود بما اشتهر بين الجماعة. قلت: الجماعة هم الشيخ و ابن ادريس و ابن أبي المجد و جمهور من تأخّر عنهم بل لم أجد مخالفا و لا متوقّفا الاّ صاحب الكفاية فانّه قال في كتابيه للتوقّف فيه طريق و طعن في أدلّة المشهور في الذخيرة، و على تقدير تسليمه ففي الاجماع المستفيض بلاغ. و أمّا مع الجهل فقد قرّب جماعة سقوطه. انتهى».(1)
أقول:
الظاهر أنّه لا خلاف و لا اشكال في وجوب الترتيب في قضاء الصلوات التي كانت مرتّبة في الأداء كالظهرين و العشاءين، و ذلك لما يستفاد من صحيحة عبيد بن زرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن وقت الظهر و العصر، فقال: اذا زالت
1) - مفتاح الكرامة 2: 46 و 47.
الشمس دخل وقت الظهر و العصر جميعا، الاّ أنّ هذه قبل هذه، ثمّ أنت في وقت منهما جميعا حتّى تغيب الشمس».(1)
و صحيحته الأخرى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين الى نصف الليل، الاّ أنّ هذه قبل هذه، و اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين، الاّ أنّ هذه قبل هذه».(2)
و خصوص صحيحة ابن مسكان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان نام رجل أو نسي أن يصلّي المغرب و العشاء الآخرة، فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما، و ان خاف أن تفوته احداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة، و ان استيقظ بعد الفجر فليصلّ الصبح ثمّ المغرب ثمّ العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس».(3)
و قوله عليه السلام في ذيل صحيحة زرارة:
«و ان كانت المغرب و العشاء قد فاتتاك جميعا فابدأ بهما قبل أن تصلّي الغداة، ابدأ بالمغرب ثمّ العشاء».(4)
و أمّا الترتيب في قضاء الفوائت غير المرتّبة، فالمشهور الترتيب بل ادّعي عليه الاجماع كما رأيت. فقالوا فيمن فاته صلاة يوم أو يومين بوجوب تقديم أولى الصلوات التي فاتته ثمّ الثانية ثمّ الثالثة و هكذا، فلايجوز له أن يصلّي الظهرين ثمّ الغداة ثمّ العشاءين اذا فاته الظهران ثمّ العشاءان ثمّ الغداة. و استدلّوا على ذلك بصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا نسيت الصلاة(1)أو صلّيتها بغير وضوء و كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأوّلهنّ فأذّن لها و أقم ثمّ صلّها ثمّ صلّ ما بعدها باقامة اقامة لكلّ صلاة. الحديث».(2)
و الاستدلال بالرواية مبنيّ على أن يكون المراد بأوّلهنّ ما فاته أوّلاً، ولكنّه يحتمل أن يكون مراد الامام عليه السلام بأوّلهنّ، الصلاة التي شرع فيها بقرينة صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل صلّى الصلوات و هو جنب اليوم و اليومين و الثلاثة ثمّ ذكر بعد ذلك؟ قال: يتطهّر و يؤذّن و يقيم في أوّلهنّ ثمّ يصلّي و يقيم بعد ذلك في كلّ صلاة، فيصلّي بغير أذان حتّى يقضي صلاته».(3)
و قال المحقّق الهمداني: «بعد الغضّ عن عدم الاعتناء بمثل هذه الخدشات في رفع اليد عمّا يقتضيه الكلام بظاهره أنّ الفقرات التي رواها الكليني رضى الله عنهعن زرارة بعد هذه الصحيحة على وجه يظهر منه كونها من تتمّة هذه الرواية يجعله كالنصّ في ارادة البدأة بأوّل ما فات و عدم كون الأمر به جاريا مجرى العادة حيث يظهر منها كون الترتيب بين الفرائض مطلقا حاضرة كانت أم فائتة أم مركّبة ملحوظا لدى الشارع و لأجله أمر بالعدول من اللاحقة الى سابقتها في جلّ تلك الفقرات. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(4)
ففيه أوّلاً: انّ الامام عليه السلام لم يتعرّض للترتيب بين ما عدا الأولى من الصلوات، مع
1) - في الكافي (3: 277 / الباب 178 فيمن نام عن الصلاة أو سهى عنها / الحديث 1): «اذا نسيت صلاة». و أورده في الوسائل (4: 290 / الباب 63 من أبواب المواقيت / الحديث 1) بدون الألف و اللام كما يكون في الكافي.
2) - وسائل الشيعة 8: 254 / الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 8: 254 / الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 3.
4) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 74.
أنّ الظاهر من الأولى هو الصلاة التي نسيها أو صلاّها بغير وضوء، أضف اليه أنّه لو كان المراد بالأولى الفائتة كان المناسب «الواو» لا «الفاء» الظاهرة في التفسير، فتأمّل.
و ثانيا: ما أشار اليه من تتمّة الحديث، قد تعرّض في أكثر فقراته الى الظهرين أو العشاءين و لا كلام في وجوب الترتيب بينهما، مضافا الى أنّه في الوقت.
و ثالثا: الفقرات التي كانت في نسيان العشاء و التذكّر عند الفجر أو في نسيان العصر و التذكّر عند المغرب فهي راجعة الى ما سيأتي في المسألة الثامنة و العشرين من هذا الفصل من تقديم الفائتة على الحاضرة، و أنّ الأصحّ عدم وجوبه.
و ما رواه المحقّق في المعتبر(1)مرسلاً عن جميل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت: تفوت الرجل الأولى و العصر و المغرب و يذكر بعد العشاء؟ قال: يبدأ بصلاة الوقت الذي هو فيه، فانّه لايأمن الموت فيكون قد ترك الفريضة في وقت قد دخل، ثمّ يقضي ما فاته الأوّل فالأوّل».(2)
و قد رواه صاحب الوسائل عن التهذيب في الخبر عن جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: تفوت الرجل الأولى و العصر و المغرب و ذكرها عند العشاء الآخرة. قال: يبدأ بالوقت الذي هو فيه فانّه لايأمن الموت فيكون قد ترك صلاة فريضة في وقت قد دخلت، ثمّ يقضي ما فاته، الأولى فالأولى».(3)
ولكن فيه أوّلاً: من جهة السند، ففي المعتبر بالارسال و في التهذيب بحسن
بن علي الوشّاء فانّه لم يوثّق.
و ثانيا: من جهة الدلالة، فقول الراوي في الخبر الأوّل «و يذكر بعد العشاء» ان كان مراده بعد مضيّ وقت العشاء، فلا معنى لقوله عليه السلام «يبدأ بصلاة الوقت الذي هو فيه». و ان كان مقصوده بعد أن صلّى العشاء، فقوله عليه السلام «يبدأ بصلاة الوقت ... » ينطبق على المغرب فاذا صلّى المغرب يبقى الظهر و العصر فيجب عليه أوّلاً الظهر ثمّ العصر، و لا كلام فيه. الاّ أنّه خلاف فرض كلام الراوي حيث قال: «تفوت الرجل الأولى و العصر و المغرب» فانّ صلاة المغرب أيضا فائتة.
و أمّا الخبر الثاني فان كان مراد الراوي من قوله «عند العشاء الآخرة» هو بعد أن صلّى العشاء و كان الوقت باقيا فلايناسب بما فرض في كلام الراوي من فوت المغرب، و ان كان مراده قبل أن يصلّي العشاء حتّى يكون قوله عليه السلام «يبدأ بصلاة الوقت الذي هو فيه» صلاة العشاء. ففيه: انّه اذا كان الوقت باقيا يجب عليه الابتداء بصلاة المغرب ثمّ العشاء. اللّهمّ الاّ أن يكون وقت العشاء مضيّقا. الاّ أنّ الصحيح امتداد وقت العشاءين الى طلوع الفجر. و هناك احتمال آخر بأن يكون المراد من فوات المغرب ظهور الشفق، فيكون الخبر معارضا للأخبار الواردة في أنّ وقت صلاة العشاءين يمتدّ الى انتصاف الليل الاّ أنّ هذه قبل هذه. و مع هذه الاشكالات و المحامل لايبقى وجه للتمسّك بهذا الخبر لوجوب الترتيب للفوائت اليوميّة.
و أمّا الاجماع فهو مخدوش لاحتمال أن يكون مدرك فتوى المجمعين الروايات المتقدّمة. اذا لايبقى هنا الاّ أصل البراءة. و مع ذلك كلّه فالاحتياط في محلّه؛ لأنّ احتمال أن يكون قوله عليه السلام «فابدأ بأوّلهنّ» هو أوّل ما فات قويّ.
لو قلنا بوجوب ترتيب الفوائت فهل هو مختصّ بصورة العلم بالترتيب أو
يكون مطلقا؟
قال في المدارك: «و لو جهل ترتيب الفوائت فالأصحّ سقوطه؛ لأنّ الروايات المتضمّنة لوجوب الترتيب لاتتناول الجاهل نصّا و لا ظاهرا فيكون منفيّا بالأصل. و به قطع العلاّمة في التحرير، و ولده في الشرح، و الشهيدان، و استدلّ عليه في الذكرى بامتناع التكليف بالمحال، و استلزام التكرار المحصّل له الحرج المنفي. و قيل بالوجوب؛ لامكان الامتثال بالتكرار المحصّل له. انتهى».(1)
أقول:
عمدة الدليل على وجوب الترتيب صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا نسيت صلاة أو صلّيتها بغير وضوء و كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأوّلهنّ فأذّن لها و أقم ثمّ صلّها ثمّ صلّ ما بعدها باقامة اقامة لكلّ صلاة. الحديث».(2)
و الظاهر من قوله عليه السلام «فابدأ بأوّلهنّ» في هذه الرواية العلم بالترتيب، و لا اطلاق لها كما ادّعاه بعض الفحول. و أمّا الاجماع على الترتيب فهو حاصل مع العلم فاذا كان جاهلاً بترتيب الفوائت فقولان كما عرفت في المدارك. و مع الشكّ في الوجوب فالأصل الجاري البراءة. و لقد أجاد السيّد الحكيم في المستمسك من في قوله: «و الانصاف أنّ اهمال التعرّض في النصوص - لكيفيّة قضاء الفوائت مع الجهل بترتيبها - مع كثرة الابتلاء به و كثرة صوره - كما يظهر من ملاحظة الصور المذكورة في المتن - دليل قطعيّ على عدم اعتباره. انتهى».(3)
و لو قيل باطلاق صحيحة زرارة يجب عليه التكرار ليحصل الترتيب الى أن يستلزم المشقّة و الحرج. فلو فاتته ظهر و مغرب و لم يعرف السابق صلّى ظهرا
بين مغربين أو مغربا بين ظهرين، و لابأس بالتكرار؛ لأنّه مقدّمة للعلم، و لايضرّ عدم التمييز؛ لأنّه على فرض وجوبه يكون عند التمكّن. و كذا لو فاتته صبح و عصر، أو مغرب و عشاء من يومين، أو صبح و عشاء، أو صبح و مغرب و نحوها ممّا تكونان مختلفتين في عدد الركعات. و أمّا اذا فاتته ظهر و عشاء و نحوهما - ممّا يتّحد في عدد الركعات - من يومين فيكفي الاتيان بصلاتين بنيّة الأولى و الثانية لكفاية القصد الاجمالي و يسقط الجهر و الاخفات، و الأصل في ذلك صحيحة علي بن أسباط عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من نسي صلاة من صلاة يومه واحدة و لم يدر أيّ صلاة هي، صلّى ركعتين و ثلاثا و أربعا».(1)
و مرفوعة الحسين بن سعيد قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي صلاة من الصلوات الخمس لايدري أيّتها هي؟ قال: يصلّي ثلاثة و أربعة و ركعتين، فان كانت الظهر و العصر و العشاء كان قد صلّى، و ان كانت المغرب و الغداة فقد صلّى».(2)
(مسألة 17): لو فاتته الصلوات الخمس غير مرتّبة و لم يعلم السابق من اللاحق، يحصل العلم بالترتيب بأن يصلّي خمسة أيّام و لو زادت فريضة أخرى يصلّي ستّة أيّام و هكذا كلّما زادت فريضة زاد يوما.
الشرح:
مثلاً لو فاتته الصبح في يوم و الظهر في آخر و العصر في ثالث و المغرب في
رابع و العشاء في خامس و لم يعلم السابق من اللاحق، يصلّي خمسة أيّام حتّى يحصل العلم بالترتيب و لو زادت فريضة أخرى يصلّي ستّة أيّام و هكذا. و أمّا بناءً على كفاية الاتيان عن الفائتة المتردّدة بين الظهرين و العشاء متردّدة بينها كما تقدّم دليله في المسألة السابقة فيصلّي كلّ يوم ثنائيّة للصبح و ثلاثيّة للمغرب و رباعيّة متردّدة بين الظهرين و العشاء. و لو كان فرض المسألة في السفر اكتفى بثنائيّة متردّدة بين الصبح و الظهرين و العشاء و ثلاثيّة للمغرب.
قال في المدارك: «يجب على من فاتته الظهر و العصر من يومين و جهل السابق أن يصلّي ظهرا بين عصرين، أو عصرا بين ظهرين ليحصل الترتيب بينهما على تقدير سبق كلّ منهما، و لو جامعهما مغرب من ثالث صلّى الثلاث قبل المغرب و بعدها، و لو كان معها عشاء فعل السبع قبلها و بعدها، و لو انضمّ اليها صبح فعل الخمس عشرة قبلها و بعدها. و الضابط تكريرها على وجه يحصل الترتيب على جميع الاحتمالات، و هي اثنان في الأوّل، و ستّة في الثاني، و أربعة و عشرون في الثالث، و مائة و عشرون في الرابع، حاصلة من ضرب ما اجتمع سابقا من الاحتمالات في عدد الفرائض المطلوبة. و يمكن حصول الترتيب بوجه أخصر ممّا ذكر و أسهل، و هو أن يصلّي الفوائت المذكورة بأيّ ترتيب أراد، و يكرّرها كذلك ناقصة عن عدد آحاد تلك الصلوات بواحدة ثمّ يختم بما بدأ به. فيصلّي في الفرض الأوّل الظهر و العصر ثمّ الظهر أو بالعكس. و في الثاني الظهر و العصر ثمّ المغرب، ثمّ يكرّره مرّة أخرى، ثمّ يصلّي الظهر. و في هذين لا فرق بين الضابطين من حيث العدد. و في الثالث يصلّي الظهر ثمّ العصر ثمّ المغرب ثمّ العشاء و يكرّره ثلاث مرّات، ثمّ يصلّي الظهر، فيحصل الترتيب بثلاث عشرة فريضة. و في الرابع يصلّي أربعة أيّام متوالية، ثمّ يختم بالصبح. و لايتعيّن في هذا الضابط ترتيب مخصوص. انتهى».(1)
1) - مدارك الأحكام 4: 297.
(مسألة 18): لو فاتته صلوات معلومة سفرا و حضرا و لم يعلم الترتيب، صلّى بعددها من الأيّام، لكن يكرّر الرباعيّات من كلّ يوم بالقصر و التمام.
الشرح:
قال في المدارك: «و لو فاتته صلوات سفر و حضر و جهل الأوّل فعلى السقوط يتخيّر، و على اعتبار الترتيب يقضي الرباعيّات من كلّ يوم مرّتين تماما و قصرا. انتهى».(1)
يمكن فرض المسألة هكذا: قد فاتت عنه صلوات خمسة أيّام مثلاً بحيث لم يكن صلّى في هذه المدّة أصلاً، و علم بأنّ يومين من هذه الأيّام الخمسة كان مسافرا و لم يعلم أنّ السفر كان سابقا على الحضر أو لاحقا عنه. فحينئذ يصلّي خمسة أيّام و يكرّر الرباعيّات تماما و قصرا. و لو لم نقل بالترتيب يصلّي ثلاثة أيّام تامّا و اثنين منها قصرا. نعم، لو لم يعلم أيّام سفره و حضره و يحتمل أنّه كان كلّها مسافرا كما يحتمل حضوره فيجب عليه صلوات خمسة أيّام بتكرار الرباعيّات من كلّ يوم بالجمع بين القصر و التمام للعلم الاجمالي باشتغال ذمّته بصلوات خمسة أيّام سفرا أو حضرا.
(مسألة 19): اذا علم أنّ عليه صلاة واحدة لكن لايعلم أنّها ظهر أو عصر، يكفيه اتيان أربع ركعات بقصد ما في الذمّة.
لكفاية قصد ما فاته واقعا و لو اجمالاً و قد تقدّم أنّ الامتثال الاجمالي كافيةعن الامتثال التفصيلي.
1) - نفس المصدر: 298.
(مسألة 20): لو تيقّن فوت احدى الصلاتين من الظهر أو العصر لا على التعيين و احتمل فوت كلتيهما بمعنى أن يكون المتيقّن احداهما لا على التعيين ولكن يحتمل فوتهما معا، فالأحوط الاتيان بالصلاتين، و لايكفي الاقتصار على واحدة بقصد ما في الذمّة لأنّ المفروض احتمال تعدّده الاّ أن ينوي ما اشتغلت به ذمّته أوّلاً، فانّه على هذا التقدير يتيقّن اتيان واحدة صحيحة و المفروض أنّه القدر المعلوم اللازم اتيانه.
الشرح:
اذا تيقّن فوت احدى الصلاتين من الظهر أو العصر لا على التعيين و احتمل فوتهما معا، الظاهر أنّه يكفي الاتيان بصلاة واحدة بقصد ما في الذمّة، و ذلك لأنّ ذمّة المكلّف مشغولة بصلاة واحدة يقينا فيشكّ في اشتغال ذمّته بصلاة أخرى فالأصل البراءة مضافا الى كونه من الشكّ بعد الوقت، فاذا رفع الاحتمال بالأصل فيرجع فرض المسألة الى المسألة السابقة.
(مسألة 21): لو علم أنّ عليه احدى الصلوات الخمس يكفيه صبح و مغرب و أربع ركعات بقصد ما في الذمّة مردّدة بين الظهر و العصر و العشاء مخيّرا فيها بين الجهر و الاخفات، و اذا كان مسافرا يكفيه مغرب و ركعتان مردّدة بين الأربع و ان لم يعلم أنّه كان مسافرا أو حاضرا يأتي بركعتين مردّدتين بين الأربع و أربع ركعات مردّدة بين الثلاث و مغرب.
الشرح:
و ذلك لما تقدّم من صحيحة علي بن أسباط عن عدّة من أصحابنا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من نسي صلاة من صلاة يومه واحدة و لم يدر أيّ صلاة هي، صلّى
ركعتين و ثلاثا و أربعا».(1)
و مرفوعة الحسين بن سعيد قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي صلاة من الصلوات الخمس لايدري أيّتها هي؟ قال: يصلّي ثلاثة و أربعة و ركعتين، فان كانت الظهر و العصر و العشاء كان قد صلّى، و ان كانت المغرب و الغداة فقد صلّى».(2)
قال في الشرائع: «من فاتته فريضة من الخمس غير معيّنة قضى صبحا و مغربا و أربعا عمّا في ذمّته، و قيل يقضي صلاة يوم، و الأوّل مرويّ و هو أشبه. انتهى».(3)
و قال في المدارك: «ما اختاره المصنّف رحمه الله من الاكتفاء بقضاء الفرائض الثلاث لمن فاتته فريضة مجهولة من الخمس مذهب الشيخين و ابني بابويه و ابن الجنيد، و ابن ادريس و حكى فيه الشيخ في الخلاف اجماع الفرقة. و القول بوجوب قضاء الخمس لأبي الصلاح و ابن حمزة، و المعتمد الأوّل. لنا: أنّ الواجب عليه صلاة واحدة لكن لما كانت غير متعيّنة، و الزيادة و النقيصة في الصلاة مبطلة، وجب عليه الاتيان بالثلاث لدخول الواجب في احداها يقينا، و الأصل براءة الذمّة من الزائد. و يؤيّده رواية علي بن أسباط. احتجّ القائلون بوجوب الخمس بأنّه يجب عليه قضاء الفائتة، و لايعلم الاتيان بها الاّ بقضاء الخمس فيجب من باب المقدّمة. و الجواب بالمنع من توقّف الاتيان بالواجب على الخمس، لحصوله بالثلاث كما بيّنّاه. انتهى».(4)
(مسألة 22): اذا علم أنّ عليه اثنتين من الخمس مردّدتين في الخمس من يوم وجب عليه الاتيان بأربع صلوات فيأتي بصبح ان كان أوّل يومه الصبح، ثمّ أربع ركعات مردّدة بين الظهر و العصر، ثمّ مغرب، ثمّ أربع ركعات مردّدة بين العصر و العشاء، و ان كان أوّل يومه الظهر أتى بأربع ركعات مردّدة بين الظهر و العصر و العشاء ثمّ بالمغرب ثمّ بأربع ركعات مردّدة بين العصر و العشاء ثمّ بركعتين للصبح. و ان كان مسافرا يكفيه ثلاث صلوات، ركعتان مردّدتان بين الصبح و الظهر و العصر، و مغرب، ثمّ ركعتان مردّدتان بين الظهر و العصر و العشاء ان كان أوّل يومه الصبح. و ان كان أوّل يومه الظهر يكون الركعتان الأوّلتان متردّدتين بين الظهر و العصر و العشاء، و الأخيرتان متردّدتين بين العصر و العشاء و الصبح. و ان لم يعلم أنّه كان مسافرا أو حاضرا أتى بخمس صلوات فيأتي في الفرض الأوّل بركعتين مردّدتين بين الصبح و الظهر و العصر، ثمّ أربع ركعات مردّدة بين الظهر و العصر ثمّ المغرب، ثمّ ركعتين مردّدتين بين الظهر و العصر و العشاء ثمّ أربع ركعات مردّدة بين العصر و العشاء. و ان كان أوّل يومه الظهر فيأتي بركعتين مردّدتين بين الظهر و العصر و أربع ركعات مردّدة بين الظهر و العصر و العشاء ثمّ المغرب ثمّ ركعتين مردّدتين بين العصر و العشاء و الصبح ثمّ أربع ركعات مردّدة بين العصر و العشاء.
الشرح:
اذا علم أنّ عليه اثنتين من الصلوات الخمس متردّدتين في خمس صلوات من يوم ففيه صور:
الأولى: يعلم أنّ أوّل ذلك اليوم الذي فات منه صلاتان الصبح و يحتمل أنّ أوّل ما فات منهما الصبح فحينئذ يأتي بصبح ثمّ أربع ركعات متردّدة بين الظهر و
العصر ثمّ مغرب ثمّ أربع ركعات متردّدة بين العصر و العشاء. فاذا صلّى أربع صلوات بهذه الكيفيّة فقد حصل الترتيب بجميع الاحتمالات بهذا التقريب: فان كانت الصلاتان صبحا و ظهرا فقد أتى بصبح و أربع ركعات متردّدة بين الظهر و العصر فتحسب ظهرا. و ان كانتا صبحا و عصرا فكذلك، و ان كانتا صبحا و مغربا فقد أتى بصبح و مغرب، و ان كانتا صبحا و عشاءً فقد أتى بصبح و أربع ركعات متردّدة بين العصر و العشاء فتحسب عشاءً. فصارت الاحتمالات أربعة. و أمّا ان كانت أوليهما الظهر فالاحتمالات ثلاثة:
الأوّل: الظهر و العصر، فاذا أتى بعد الصبح بأربع ركعات متردّدة بين الظهر و العصر فتحسب ظهرا ثمّ أتى بعد المغرب بأربع ركعات متردّدة بين العصر و العشاء فتحسب عصرا.
الثاني: الظهر و المغرب، فاذا صلّى أربع ركعات متردّدة بين الظهر و العصر فتحسب ظهرا و قد صلّى المغرب على الفرض قبل الاتيان بأربع ركعات متردّدة بين العصر و العشاء.
الثالث: الظهر و العشاء، فاذا صلّى أربع ركعات متردّدة بين الظهر و العصر ثمّ صلّى بعد المغرب أربع ركعات متردّدة بين العصر و العشاء فتحسب الأولى ظهرا و الأخيرة عشاءً.
و أمّا ان كانت أوليهما العصر، فهنا احتمالان: العصر و المغرب، ثمّ العصر و العشاء، فقد صلّى أربع ركعات متردّدة بين الظهر و العصر فتحسب عصرا، و صلّى المغرب بعدها أيضا، ثمّ صلّى أربع ركعات متردّدة بين العصر و العشاء فتحسب عشاءً.
و أمّا ان كانت أوليهما المغرب فهنا احتمال واحد و هو المغرب و العشاء، فقد صلّى المغرب على حدة ثمّ صلّى أربع ركعات متردّدة بين العصر و العشاء فتُعدّ عشاءً. فتحصّل أنّه اذا أتى بصبح و أربع ركعات متردّدة بين الظهر و العصر ثمّ
المغرب ثمّ أربع ركعات متردّدة بين العصر و العشاء فقد حصل الترتيب بجميع الاحتمالات في هذه الصورة.
الثانية: اذا علم أنّ أوّل يومه الذي فات منه صلاتان الظهر فيأتي حينئذ بأربع ركعات متردّدة بين الظهر و العصر ثمّ المغرب ثمّ أربع ركعات متردّدة بين العصر و العشاء ثمّ صلاة الصبح. فاذا صلّى بهذه الكيفيّة فقد حصل الترتيب بجميع الاحتمالات، ففي هذه الصورة أيضا يكون الاحتمالات كالصورة السابقة بهذا التقريب، فان كانت أولى الصلاتين ظهرا، فالاحتمالات أربعة: الظهر و العصر، الظهر و المغرب، الظهر و العشاء، ثمّ الظهر و الصبح. و ان كانت أوليهما العصر فالاحتمالات ثلاثة: العصر و المغرب، العصر و العشاء، ثمّ العصر و الصبح. و ان كانت أوليهما المغرب فاحتمالان: المغرب و العشاء ثمّ المغرب و الصبح. و ان كانت أوليهما العشاء فاحتمال واحد: العشاء و الصبح. و شرحها كما سبق في الصورة الأولى.
و أنت اذا تأمّلت في هذه الصورة تجد أنّ العشاء زائدة في قول المصنّف «و ان كان أوّل يومه الظهر أتى بأربع ركعات متردّدة بين الظهر و العصر و العشاء» فيكفي التردّد بين الظهر و العصر.
الثالثة: ان كان مسافرا فان كان أوّل يومه الصبح يكفيه ثلاث صلوات: ركعتان متردّدتان بين الصبح و الظهر و العصر، ثمّ مغرب، ثمّ ركعتان متردّدتان بين العصر و العشاء. فاذا صلّى ثلاث صلوات بهذه الكيفيّة فقد حصل الترتيب في جميع الاحتمالات بهذا التقريب: ان كانت أولى الفائتتين صلاة الصبح فالاحتمالات أربعة: الصبح و الظهر، الصبح و العصر، الصبح و المغرب، ثمّ الصبح و العشاء. و ان كانت أوليهما ظهرا فالاحتمالات ثلاثة: الظهر و العصر، الظهر و المغرب، الظهر و العشاء. و ان كانت أوليهما العصر فاحتمالان: العصر و المغرب، ثمّ العصر و العشاء. و ان كانت أوليهما المغرب فهنا احتمال واحد و هو المغرب و العشاء.
الرابعة: ان كان مسافرا و كان أوّل يومه ممّا تكون الفائتتان فيه الظهر فحينئذ يصلّي ثلاث صلوات أيضا ركعتين متردّدتين بين الظهر و العصر، و مغربا، و ركعتين متردّدتين بين العصر و العشاء و الصبح. فاذا صلّى ثلاث صلوات بهذه الكيفيّة فقد حصل الترتيب في جميع الاحتمالات كما مرّ في الصورة الثالثة.
الخامسة: لو لم يعلم أنّه كان مسافرا أو حاضرا، أتى بخمس صلوات فان كان أوّل يومه الصبح فيأتي بركعتين متردّدتين بين الصبح و الظهر و العصر، ثمّ أربع ركعات متردّدة بين الظهر و العصر، ثمّ المغرب، ثمّ ركعتين متردّدتين بين الظهر و العصر و العشاء، ثمّ أربع ركعات متردّدة بين العصر و العشاء، فان كانت أولى الفائتتين الصبح فالاحتمالات ثمانية: ففي السفر: الصبح و الظهر، الصبح و العصر، الصبح و المغرب، الصبح و العشاء. و في الحضر: الصبح و الظهر، الصبح و العصر، الصبح و المغرب، الصبح و العشاء. فاذا صلّى خمس صلوات فقد أتى بجميع الاحتمالات الثمانية. و ان كانت أوليهما الظهر فالاحتمالات ستّة: ففي السفر: الظهر و العصر، الظهر و المغرب، الظهر و العشاء. و في الحضر: الظهر و العصر، الظهر و المغرب، الظهر و العشاء. و ان كانت أوليهما العصر فالاحتمالات أربعة، و ان كانت أوليهما المغرب فاحتمالان. فاذا صلّى خمس صلوات فقد أتى بجميع هذه الاحتمالات.
و أمّا ان كان أوّل يومه الظهر، فيصلّي ركعتين متردّدتين بين الظهر و العصر، و أربع ركعات متردّدة بين الظهر و العصر، ثمّ المغرب، ثمّ ركعتين متردّدتين بين العصر و العشاء و الصبح، ثمّ أربع ركعات متردّدة بين العصر و العشاء. فالاحتمالات كالاحتمالات المذكورة آنفا فاذا صلّى خمس صلوات فقد أتى بجميع الاحتمالات و حصل الترتيب.
(مسألة 23): اذا علم أنّ عليه ثلاثا من الخمس، وجب عليه الاتيان بالخمس على الترتيب و ان كان في السفر يكفيه أربع صلوات: ركعتان مردّدتان بين الصبح و الظهر، و ركعتان مردّدتان بين الظهر و العصر، ثمّ المغرب، ثمّ ركعتان مردّدتان بين العصر و العشاء. و اذا لم يعلم أنّه كان حاضرا أو مسافرا، يصلّي سبع صلوات: ركعتين مردّدتين بين الصبح و الظهر و العصر، ثمّ الظهر و العصر تامّتين، ثمّ ركعتين مردّدتين بين الظهر و العصر، ثمّ المغرب، ثمّ ركعتين مردّدتين بين العصر و العشاء، ثمّ العشاء بتمامه. و يعلم ممّا ذكرناه حال ما اذا كان أوّل يومه الظهر، بل و غيرها.
الشرح:
اذا علم أنّ عليه ثلاثا من الخمس من يوم وجب عليه الاتيان بخمس صلوات: الصبح و الظهر و العصر و المغرب و العشاء. فان كان أوّل ما فاته الصبح فالاحتمالات ستّة: الصبح و الظهر و العصر، الصبح و الظهر و المغرب، الصبح و الظهر و العشاء، الصبح و العصر و المغرب، الصبح و العصر و العشاء، الصبح و المغرب و العشاء. و ان كان أوّل ما فاته الظهر فالاحتمالات ثلاثة: الظهر و العصر و المغرب، الظهر و المغرب و العشاء، الظهر و العصر و العشاء. و ان كان أوّله العصر فاحتمال واحد و هو العصر و المغرب و العشاء. فاذا صلّى خمس صلوات فقد حصل الترتيب بجميع هذه الاحتمالات.
و ان كان في السفر يكفيه أربع صلوات: ركعتان متردّدتان بين الصبح و الظهر و ركعتان متردّدتان بين الظهر و العصر، ثمّ المغرب، ثمّ ركعتان متردّدتان بين العصر و العشاء. فان كان أوّل ما فاته من الثلاث الصبح فالاحتمالات ستّة: الصبح و الظهر و العصر، الصبح و الظهر و المغرب، الصبح و الظهر و العشاء، الصبح و العصر و المغرب، الصبح و العصر و العشاء، الصبح و المغرب و العشاء. و ان كان أوّله الظهر فالاحتمالات ثلاثة: الظهر و العصر و المغرب، الظهر و العصر و العشاء،
الظهر و المغرب و العشاء. و ان كان أوّله العصر فاحتمال واحد: العصر و المغرب و العشاء. فاذا صلّى أربع صلوات بتلك الكيفيّة فقد حصل الترتيب بجميع هذه الاحتمالات.
و أمّا اذا لم يعلم أنّه كان حاضرا أو مسافرا فيصلّي سبع صلوات: ركعتين متردّدتين بين الصبح و الظهر و العصر، ثمّ الظهر و العصر تامّتين، ثمّ ركعتين متردّدتين بين الظهر و العصر، ثمّ المغرب، ثمّ ركعتين متردّدتين بين العصر و العشاء، ثمّ العصر و العشاء تامّتين. فان كان أوّل ما فاته الصبح ففي السفر ستّة احتمالات: الصبح و الظهر و العصر، الصبح و الظهر و المغرب، الصبح و الظهر و العشاء، الصبح و العصر و المغرب، الصبح و العصر و العشاء، الصبح و المغرب و العشاء. و في الحضر أيضا ستّة: الصبح و الظهر و العصر تامّتين، الصبح و الظهر و المغرب تامّة، الصبح و الظهر و العشاء تامّتين، الصبح و العصر و المغرب تامّة، الصبح و العصر و العشاء تامّتين، الصبح و المغرب و العشاء تامّة. و أمّا ان كان أوّله الظهر فالاحتمالات في السفر ثلاثة، و هكذا في الحضر. و ان كان أوّله العصر ففي السفر احتمال واحد كما في الحضر أيضا احتمال واحد. فاذا صلّى سبع صلوات بالكيفيّة المذكورة فقد حصل الترتيب بجميع الاحتمالات، فمجموع الاحتمالات أربعة و عشرون احتمالاً.
(مسألة 24): اذا علم أنّ عليه أربعا من الخمس وجب عليه الاتيان بالخمس على الترتيب. و ان كان مسافرا فكذلك قصرا، و ان لم يدر أنّه كان مسافرا أو حاضرا أتى بثمان صلوات، مثل ما اذا علم أنّ عليه خمسا و لم يدر أنّه كان حاضرا أو مسافرا.
الشرح:
اذا علم أنّ عليه أربعا من الخمس من يوم وجب عليه الاتيان بخمس صلوات من الصبح الى العشاء. فان كان أوّله الصبح فالاحتمالات ثلاثة: الصبح و الظهر و العصر و المغرب، الصبح و الظهر و العصر و العشاء، الصبح و العصر و المغرب و العشاء. و ان كان أوّله الظهر فاحتمال واحد. فاذا صلّى خمس صلوات فقد حصل الترتيب بهذه الاحتمالات الأربعة، سواء كان حاضرا أو مسافرا، الاّ أنّه لو كان مسافرا يصلّي لكلّ من الظهر و العصر و العشاء ركعتين.
و أمّا اذا علم أنّ عليه خمسا من يوم فيصلّي أيضا خمس صلوات فهنا احتمال واحد سواء كان حاضرا أو مسافرا الاّ أنّه لو كان مسافرا يصلّي لكلّ من الظهر و العصر و العشاء ركعتين. و لو لم يعلم أنّه كان مسافرا أو حاضرا فيصلّي ثماني ركعات: الصبح، ثمّ الظهر و العصر مرّة ركعتين و مرّة أخرى أربع ركعات، ثمّ المغرب، ثمّ العشاء مرّة ركعتين و مرّة أخرى أربعا.
(مسألة 25): اذا علم أنّ عليه خمس صلوات مرتّبة و لايعلم أنّ أوّلها أيّة صلاة من الخمس، أتى بتسع صلوات على الترتيب، و ان علم أنّ عليه ستّا - كذلك - أتى بعشر و ان علم أنّ عليه سبعا، - كذلك - أتى باحدى عشرة صلوات و هكذا. و لا فرق بين أن يبدأ بأيّ من الخمس شاء، الاّ أنّه يجب عليه الترتيب على حسب الصلوات الخمس الى آخر العدد. و الميزان أن يأتي بخمس و لايحسب منها الاّ واحدة، فلو كان عليه أيّام أو أشهر أو سنة و لايدري أوّل ما فات، اذا أتى بخمس و لم يحسب أربعا منها، يتيقّن أنّه بدأ بأوّل ما فات.
الشرح:
اذا علم أنّ عليه خمس صلوات مرتّبة و لايعلم أنّ أوّلها أيّة صلاة من الخمس أتى بتسع صلوات فيبتدئ بأيّة منها شاء. فلو ابتدأ بالصبح فيصلّي الصبح و الظهر
و العصر و المغرب و العشاء و الصبح و الظهر و العصر و المغرب. فالاحتمالات خمسة، فاذا صلّى تسع صلوات فقد حصل الترتيب بجميع الاحتمالات.
و اذا علم أنّ عليه ستّ صلوات مرتّبة و لم يعلم أوّلها فيصلّي احدى عشرة صلاة يبتدئ بأيّة منها شاء، فتكون الاحتمالات ستّة. و هكذا اذا علم أنّ عليه سبع صلوات مرتّبة و لم يعلم أوّلها، يصلّي ثلاث عشرة صلاة فتكون الاحتمالات سبعة. فالميزان أن يأتي بخمس و لايحسب منها الاّ واحدة فلو كان عليه ثلاثون يوما أتى بخمس صلوات أوّلاً و لم يحسب أربعا منها ثمّ يأتي بثلاثين يوما من الصلوات اليوميّة مرتّبا، و هكذا لو كان عليه أشهر أو سنة أو أزيد و لم يدر أوّل ما فات فاذا صلّى بهذه الكيفيّة يتيقّن أنّه بدأ بأوّل ما فات و حصل الترتيب.
(مسألة 26): اذا علم فوت صلاة معيّنة كالصبح أو الظهر مثلاً مرّات و لم يعلم عددها يجوز الاكتفاء بالقدر المعلوم على الأقوى، ولكن الأحوط التكرار بمقدار يحصل منه العلم بالفراغ، خصوصا مع سبق العلم بالمقدار و حصول النسيان بعده. و كذا لو علم بفوت صلوات مختلفة و لم يعلم مقدارها، لكن يجب تحصيل الترتيب بالتكرار في القدر المعلوم، بل و كذا في صورة ارادة الاحتياط بتحصيل التفريغ القطعي.
الشرح:
قال المحقّق الهمداني: «قد نسب شيخنا المرتضى في أصوله الى المشهور بين أصحابنا رضوان اللّه عليهم بل المقطوع به من المفيد الى الشهيد الثاني أنّه لو لم يعلم كمّيّة ما فات قضى حتّى يظنّ الفراغ و مستندهم كما يظهر من تصريح كثير منهم انّما هو قاعدة الاشتغال. قال الشيخ في التهذيب على ما حكي عنه: أمّا ما يدلّ على أنّه يجب أن يكثر منها فهو ما ثبت أنّ قضاء الفرائض واجب و اذا ثبت وجوبها و لايمكنه أن يتخلّص من ذلك الاّ بأن يستكثر منها وجب. و عن العلاّمة
في التذكرة أنّه قال: لو فاتته صلوات معلومة العين غير معلومة العدد صلّى من تلك الصلوات الى أن يغلب في ظنّه الوفاء لاشتغال الذمّة بالفائت فلايحصل البراءة قطعا الاّ بذلك و لو كانت واحدة و لم يعلم العدد صلّى تلك الصلاة مكرّرا حتّى يظنّ الوفاء ثمّ احتمل في المسألتين احتمالين: أحدهما: تحصيل العلم لعدم البراءة الاّ باليقين. و الثاني: الأخذ بالقدر المعلوم؛ لأنّ الظاهر أنّ المسلم لايفوّت الصلاة ثمّ نسب كلا الوجهين الى الشافعيّة. انتهى ملخّصا».(1)
فما هو المفهوم من نقل كلام العلاّمة و غيره أنّ الأقوال أربعة: الأخذ بالقدر المعلوم، و تحصيل العلم، و التفصيل بين سبق التنجّز و عروض النسيان و بين عدمه، و الرابع: الظنّ بالفراغ. فعن المحقّق الهمداني أنّ جملة من متأخّري أصحابنا كالشهيدين و غيرهما صرّحوا بوجوب تحصيل العلم مع الامكان. و المحقّق الأردبيلي و صاحبا المدارك و الذخيرة ذهبوا الى الأخذ بالقدر المتيقّن و قوّاه شيخنا المرتضى وفاقا لغير واحد من متأخّري المتأخّرين بل لعلّه الأشهر أو المشهور بينهم. و هنا قول رابع فسيأتي.
و الأقوى من هذه الأقوال هو القول الأوّل أي الأخذ بالقدر المتيقّن و هو ما عليه الماتن رحمه الله و المشهور بين متأخّري المتأخّرين.
الاستدلال للقول الأوّل:
استدلّوا عليه أوّلاً بموافقته للأصل، فانّ القدر المتيقّن هو الذي علم اشتغال ذمّته به و البراءة اليقينيّة منه يحصل بفعله و ما زاد عليه لم يعلم اشتغال الذمّة به حتّى يجب الفراغ منه فيعمل فيه على حسب ما يقتضيه أصل البراءة و الحاصل أنّ العلم الاجمالي بأنّ عليه فوائت كثيرة ينحلّ الى علم تفصيلي بوجوب الأقلّ الذي هو القدر المتيقّن و الشكّ البدوي المتعلّق بما زاد عليه فبالنسبة الى الزائد تجري
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 621.
أصالة البراءة و عدم تعلّق التكليف به.
و استدلّ ثانيا بقاعدة الشكّ بعد خروج الوقت، فاذا علم تفصيلاً أنّه بالأمس مثلاً فاتته صلاة العصر و احتمل فوات صلاة أخرى أيضا في ذلك اليوم أو غيره من الأيّام فقاعدة الشكّ بعد خروج الوقت حاكمة بعدم اشتغال ذمّته بغير صلاة العصر و كذلك ما نحن فيه فما علم تفصيلاً (لانحلال العلم الاجمالي) من الصلاة يأتي بها و ما شكّ فيه أي الشكّ البدوي من الزائد على القدر المعلوم بالتفصيل يدخل تحت قاعدة الشكّ بعد خروج الوقت.
و أشكل في الأوّل المحقّق الهمداني رحمه الله بأنّ «الصغرى لايخلو من تأمّل اذ العلم الاجمالي بأنّ عليه فوائت كثيرة يتصوّر على قسمين: قسم منه ينحلّ بعد التدبّر في أطرافه الى علم تفصيلي و شكّ بدوي كما لو تأمّل بعد علمه الاجمالي فذكر فوات عدّة صلوات مفصّلة و شكّ فيما زاد عليها فلايبقى بعد ذلك اجمال في متعلّق علمه و يصير حاله حال من علم تفصيلاً بفوات صلاة معيّنة و شكّ فيما عداها و قد أشرنا الى أنّ هذا ممّا لاينبغي الارتياب في كونه مجرى للقاعدة. و قسم منه ما لايزيده التأمّل في أطرافه الاّ مزيد تحيّر كما لو حصل له العلم ببطلان كثير من صلواته في الأزمنة المطاولة لجهله ببعض المسائل كالصلوات الصادرة في طول عمره مع التيمّم لكونه مخلاًّ بالترتيب المعتبر فيه أو كونه مكلّفا بالجبيرة في تلك الموارد مثلاً فانّه لايسعه في مثل هذه الموارد تشخيص متعلّق علمه عمّا عداه بحيث يحدّده بحدّ فانّه و ان علم اجمالاً بأنّها ليست بأقلّ من خمس و لا بأكثر من الألف مثلاً ولكن ليس له أن يفصّل علمه و يجعل الخمس الذي هو القدر المتيقّن حدّا له بحيث يخبر عن علمه بأنّه فاتته خمس صلوات - الى أن قال: - و الظاهر أنّ هذا القسم هو مورد حكم الأصحاب بوجوب تحصيل الظنّ أو العلم بالفراغ. انتهى».(1)
1) - نفس المصدر.
ولكنّه نفسه أجاب عن الاشكال فقال: «غاية الأمر صيرورته من قبيل التكليف بالمجمل المردّد بين الأقلّ و الأكثر و قد تقرّر في محلّه أنّ الأقوى جريان الأصول النافية للتكليف حتّى في الارتباطي منه كالصلاة و الصوم فضلاً عن غير الارتباطي كما فيما نحن فيه لسلامتها عن معارضة جريانها في الأقلّ. انتهى».(1)
و استشكل السيّد الحكيم رحمه الله أيضا بامكان صحّة جريان الاستصحاب لاثبات وجوب القضاء، ولكن فيه: انّه اذا انحلّ العلم الاجمالي بالتكليف الى التفصيلي و الشكّ البدوي فأين الموضوع الواحد المتيقّن سابقا و المشكوك لاحقا؟
و الاشكال الثالث وجوب الاحتياط عقلاً في الشبهة المحصورة الوجوبيّة ولكن فيه (كما في المستمسك): «انّه مختصّ بصورة تباين الأطراف و لايعمّ صورة تردّدها بين الأقلّ و الأكثر؛ لانحلال العلم الاجمالي الى علم تفصيلي بوجوب الأقلّ و شكّ بدائي في الزائد عليه، و الثاني مورد قاعدة الشكّ بعد خروج الوقت. انتهى».(2)
الاستدلال للقول الثاني:
و استدلّ صاحب الحدائق للقول الثاني و هو تحصيل العلم بأنّه: «لمّا كانت المسألة غير منصوصة فالواجب فيها العمل بالاحتياط كما أشرنا اليه في غير موضع ممّا تقدّم، و وجهه أنّه لا ريب أنّ الذمّة مشغولة بالفريضة بيقين و لاتبرأ الاّ بيقين الأداء من جميع ذلك، و حيث كانت الفريضة في هذه الصورة المفروضة غير معلومة المقدار لكثرتها فيقين البراءة لايحصل الاّ بالقضاء بما يقابل الكثرة الفائتة، فان كان الفائت قد بلغ في الكثرة الى حدّ لايدري ما قدره فينبغي أن يكونالقضاء كذلك، و ورد ذلك في النافلة مع أنّها مستحبّة، و انّما الغرض الحثّ على
الاتيان بالمستحبّات على وجه يحصل به يقين القيام بالوظائف الشرعيّة و السنّة المحمّديّة صلى الله عليه و آله فكيف بالفرائض الواجبة الموجبة لشغل الذمّة، فانّ تحصيل يقين البراءة فيها أهمّ و طلب الوجه الموجب للخروج عن المؤاخذة فيها أعظم و أتمّ. و بالجملة فكلام الشيخ رحمه الله لايخلو من قوّة و أبواب المناقشات واسعة المجال لايسلم من تطرّقها مقال. انتهى كلام صاحب الحدائق».(1)
و الجواب أنّ الاحتياط و الاشتغال في الشكّ في المكلّف به لا في الشكّ في التكليف كما هنا فانّ العلم الاجمالي ينحلّ الى علم تفصيلي و شكّ بدوي و هو الشكّ في التكليف فمورده البراءة فلا فرق بين هذا و بين ما لو علم بعلم تفصيلي ابتداءً أنّ عليه صلاة أو صلوات معيّنة و شكّ في الزائد على ذلك فمورده البراءة فيما كان زائدا عمّا علم تفصيلاً، و أمّا ما ورد في المستحبّات فسيأتي الكلام فيه.
الاستدلال للقول الثالث:
و استدلّ للقول الثالث و هو التفصيل بين سبق التنجّز و عروض النسيان بعده و بين عدم السبق (و قد نقل هذا القول صاحب مصباح الفقيه عن بعض محقّقي عصره و كذا نقل عن المحقّق النائيني) بأنّه: « - مع سبق العلم - قد تنجّز التكليف في حقّ المكلّف، و عروض النسيان بعد ذلك لايوجب رفع التنجيز، فيكون احتمال الفوت في الزائد على المتيقّن به احتمالاً للتكليف المنجّز، اذ هو على تقدير ثبوته فقد تنجّز سابقا و ان لم يعلم به فعلاً، و المرجع في مثل ذلك أصالة الاشتغال دون البراءة. انتهى ملخّصا».(2)
و أجيب بأنّ: «التنجيز يدور مدار المنجّز - بالكسر - حدوثا و بقاءً، و لايغني الحدوث عن البقاء، حتّى في العلم التفصيلي، فضلاً عن العلم الاجمالي. فاذا علم
بحرمة شيء ثمّ زال العلم المذكور بالشكّ الساري أفهل يتوقّف حينئذ في الرجوع الى أصالة البراءة؟ و من المعلوم أنّ العلم الاجمالي لايزيد في ذلك على العلم التفصيلي، فاذا علمنا بنجاسة أحد الانائين ثمّ علمنا تفصيلاً بنجاسة أحدهما بالخصوص، كان اللازم قبل حصول العلم الثاني الاجتناب عن كلا الانائين لأجل العلم الاجمالي المنجّز، و أمّا بعد حصوله و انحلال العلم الاجمالي، بانقلابه الى علم تفصيلي و شكّ بدوي، فلا محالة يرجع في نفي المشكوك فيه الى أصالة البراءة لفقد المنجّز بالنسبة اليه بقاءً، و ان كان ذلك موجودا بالنسبة اليه في وقت ما. و هذا هو الحال في محلّ الكلام، فانّ العلم انّما كان منجّزا في ظرف تحقّقه، و أمّا في هذا الحال و بعد انحلاله بعلم تفصيلي و شكّ بدوي فلا بقاء له كي يكون منجّزا، و لا أثر للتنجيز السابق بعد زوال موجبه، فيكون الشكّ في المقدار الزائد شكّا في التكليف غير المنجّز بالفعل، و يرجع في نفيه الى أصالة البراءة. انتهى».(1)
القول الرابع و هو الاكتفاء بالظنّ بالفراغ:
قال المحقّق في الشرائع: «و لو فاتته من ذلك مرّات لايعلمها قضى حتّى يغلب على ظنّه أنّه وفى. انتهى».(2)
و قال في المدارك: «هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، و لم نقف فيه على نصّ بالخصوص. و احتجّ عليه في التهذيب بصحيحة عبداللّه بن سنان الدالّة على استحباب قضاء ما يغلب على الظنّ فواته من النوافل. انتهى».(3)
أقول:
الروايات التي استدلّ بها لهذا القول ما أورده صاحب الوسائل في الباب التاسع عشر من أبواب أعداد الفرائض و النوافل و هو باب في أنّ من لم يعلم قدر ما فاته من النوافل استحبّ له القضاء حتّى يغلب على ظنّه الوفاء أو يتيقّنه.
منها صحيحة مرازم قال:
«سأل اسماعيل بن جابر أبا عبداللّه عليه السلام فقال: أصلحك اللّه، انّ عليّ نوافل كثيرة فكيف أصنع؟ فقال: اقضها. فقال له: انّها أكثر من ذلك. قال: اقضها. قلت: لا أحصيها. قال: توخّ. الحديث».(1)
و التوخّي التحرّي و هو طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظنّ. قاله الجوهري.
و رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهماالسلام قال:
«سألته عن الرجل ينسى ما عليه من النافلة و هو يريد أن يقضي، كيف يقضي؟ قال: يقضي حتّى يرى أنّه قد زاد على ما عليه و أتمّ».(2)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: أخبرني عن رجل عليه من صلاة النوافل ما لايدري ما هو من كثرتها، كيف يصنع؟ قال: فليصلّ حتّى لايدري كم صلّى من كثرتها، فيكون قد قضى بقدر علمه من ذلك».(3)
و رواية اسماعيل بن جابر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الصلاة تجتمع عليّ؟ قال: تحرّ و اقضها».(1)
قال في المدارك: «و اعترض جدّي قدس سره بأنّ النوافل أدنى مرتبة من الفرائض، فلايلزم من الاكتفاء فيها بالظنّ، الاكتفاء في الفرائض بذلك - الى أن قال: - يرد على هذا الاستدلال أنّ قضاء النوافل على هذا الوجه انّما هو على وجه الاستحباب فلايلزم منه وجوب قضاء الفريضة كذلك. و احتمل العلاّمة في التذكرة الاكتفاء بقضاء ما تيقّن فواته خاصّة. و هو متّجه؛ لأصالة البراءة من التكليف بالقضاء مع عدم تيقّن الفوات، و لأنّ الظاهر من حال المسلم أنّه لايترك الصلاة، و يؤيّده حسنة زرارة و الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: «متى ما استيقنت أو شككت في وقت صلاة أنّك لم تصلّها صلّيتها، و ان شككت بعدما خرج وقت الفوات فقد دخل حائل فلا اعادة عليك من شكّ حتّى تستيقن، و ان استيقنت فعليك أن تصلّيها في أيّ حال كنت». انتهى».(2)
و لقد أجاد في رأيه، و ما احتمل العلاّمة هو الأقوى كما تقدّم.
(مسألة 27): لايجب الفور في القضاء بل هو موسّع مادام العمر اذا لم ينجرّ الى المسامحة في أداء التكليف و التهاون به.
الشرح:
قد اختلف كلمات الفقهاء و تشتّت آراؤهم في هذه المسألة في أنّه هل يجب قضاء الفائتة فورا أم يجوز التراخي.
قال في الجواهر: «ان فاتته صلوات متعدّدة لم يجب فعلها فورا متى ذكرها، ولم يجب العدول من الحاضرة لو ذكرها في الأثناء اليها، و لم يحرم التشاغل بسائر
ما ينافي فعلها من مندوبات أو واجبات موسّعة أو مباحات أو غير ذلك كما هو المشهور بين المتأخّرين نقلاً و تحصيلاً، بل في الذخيرة أنّه مشهور بين المتقدّمين أيضا، كما أنّه نسبه في مصابيح العلاّمة الطباطبائي الى أكثر الأصحاب على الاطلاق، و أنّه مشهور بين أصحابنا في كلّ طبقة من طبقات فقهائنا المتقدّمين منهم و المتأخّرين، و هو كذلك يشهد له التتبّع لكلمات الأصحاب في الرسائل الموضوعة في هذا الباب كرسالة السيّد محمّد جواد، و الفاضل المحقّق المتبحّر ملاّأسداللّه و غيرهما من كتب الأساطين المعتمدين كالمختلف و كشف الرموز و غاية المراد و الذخيرة و مصابيح العلاّمة الطباطبائي و نحوها، اذ المستفاد منه أنّه مذهب الشيخ الثقة الجليل الفقيه عبداللّه بن علي بن أبي شعبة الحلبي، و الحسين بن سعيد الأهوازي الذي هو من أصحاب الرضا و الجواد و الهادي عليهم السلام، و الشيخ الجليل العظيم النبيل أحمد بن محمّد بن عيسى القمّي في نوادره، و الصدوقين، و الشيخ أبي الفضل محمّد بن أحمد بن ابراهيم المعروف في كتب الرجال بالصابوني و بين الفقهاء بالجعفي، و الشيخ الجليل الحسين بن عبيداللّه بن علي المعروف بالواسطي أستاذ الكراجكي، و قطب الدين الراوندي (و قد عدّد من هؤلاء الفقهاء الفحول الى أربعين فقيها، من جملتهم السيّد بن طاووس، و العلاّمة في جملة من كتبه، و والده و ولده و ابن أخته السيّد العميد، و الشهيدين، و الصيمري و الكركي و الأردبيلي و الشيخ حسن صاحب المعالم في الاثنى عشريّة، و شيخنا البهائي و والده، و المحدّث القاشاني، و العلاّمة المجلسي و والده، و محمّد باقر الاصبهاني الشهير بالبهبهاني، و العلاّمة الشريف السيّد محمّد مهدي الطباطبائي، و الشيخ جعفر كاشف الغطاء) - الى أن قال: - فمن العجيب بعد ذلك كلّه و غيره ممّا تركنا التعرّض له خوف الاطالة و الملل و أوكلناه الى مظانّه، دعوى شهرة القول بالمضايقة و الاجماع عليها - الى أن قال: - و قيل - و القائل القديمان و الشيخان و السيّدان و القاضي و الحلّي و الآبي و الشيخ ورّام و بعض علمائنا
المعاصرين على ما حكي عن بعضهم - يجب التشاغل بقضاء الفوائت فورا عند الذكر في سائر الأوقات الاّ وقت ضيق الأداء أو الاشتغال بما لابدّ منه من ضروريّات المعاش من التكسّب و الأكل و الشرب، و يجب أن تتقدّم على الحاضرة مع سعة الوقت، بل يجب العدول عنها اليها لو كان قد ذكرها في أثنائها. انتهى ملخّصا».(1)
فقد استدلّ للمضايقة بأمور:
الأوّل: أصالة الاحتياط فانّه مع المبادرة يأمن العقوبة و لدى التأخير لايأمن من ذلك خصوصا مع احتمال طروّ الفجر. و فيه: انّ الاحتياط غير لازم المراعاة جزما لكونها شبهة وجوبيّة و الشكّ فيها شكّ في التكليف و هو وجوب القضاء فورا و مقتضى الأصل عدمه اتّفاقا كما ادّعاه شيخنا المرتضى رحمه الله.
قال في الذكرى: «انّ الاحتياط لو تمّ اقتضى الأولويّة لا الوجوب، و نحن نقول باستحباب تقديم الفائتة، و بمعارضته بأصالة البراءة. انتهى».(2)
الثاني: اطلاق أوامر القضاء بدعوى ظهورها لغة أو شرعا أو عرفا في الفور. و الجواب المنع اذ لا دلالة للأمر على الفور لا لغة و لا شرعا و لا عرفا، كما هو مقرّر في الأصول.
الثالث: الأدلّة الخاصّة من الكتاب و السنّة. فالأوّل قوله تعالى: «أقم الصلاة لذكري»(3)بناءً على ما نسب الى كثير من المفسّرين من أنّه في الفائتة فعن الذكرى أنّه قال: «قال كثير من المفسّرين انّه في الفائتة لقول النبي صلى الله عليه و آله: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلّها اذا ذكرها، انّ اللّه تعالى يقول: «أقم الصلاة
لذكري»»».(1)
و الشيخ الطبرسي في مجمع البيان - في قوله تعالى «أقم الصلاة لذكري» - : «و قيل: معناه أقم الصلاة متى ذكرت أنّ عليك صلاة كنت في وقتها أو لم تكن، عن أكثر المفسّرين، و هو المروي عن أبي جعفر عليه السلام».(2)
و روى الشهيد في الذكرى بسنده الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله - الى أن قال: - من نسي شيئا من الصلاة فليصلّها اذا ذكرها فانّ اللّه عزّوجلّ يقول: «و أقم الصلاة لذكري»».(3)
و صحيح آخر لزرارة عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أخرى فان كنت تعلم أنّك اذا صلّيت التي فاتتك كنت من الأخرى في وقت، فابدأ بالتي فاتتك فانّ اللّه عزّوجلّ يقول: «أقم الصلاة لذكري»، و ان كنت تعلم أنّك اذا صلّيت التي فاتتك، فاتتك التي بعدها فابدأ بالتي أنت في وقتها و اقض الأخرى».(4)
ولكن فيه كما عن الجواهر: انّ الآية مع قطع النظر عن تفسيرها بالأخبار لم تكن ظاهرة في المضايقة؛ لأنّ الخطاب بالآية الشريفة الى موسى عليه السلام فانّه سبحانه قال: «و هل أتاك حديث موسى - الى أن قال: - فلمّا أتاها نودي يا موسى * انّي أنا ربّك فاخلع نعليك انّك بالواد المقدّس طوىً * و أنااخترتك فاستمع لما يوحى * انّني أنا اللّه لا اله الاّ أنا فاعبدني و أقم الصلاة لذكري * انّ الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كلّ نفس بما تسعى *
فلايصدّنّك عنها من لايؤمن بها و اتّبع هواه فتردى * و ما تلك بيمينك يا موسى».(1)و احتمال ارادة الخطاب لنبيّنا صلى الله عليه و آله بقوله «فاعبدني» الى قوله «و ما تلك» على أن يكون جملة معترضة بينهما، أو لكلّ مكلّف في غاية الضعف بل الفساد بل الظاهر أنّه تعالى شأنه لمّا بشّره بالرسالة أمره بالاستماع لما أوحاه اليه من التوحيد الذي هو أصل الأصول و الفروع، و العبادة له تعالى التي هي نتيجة كمال الايمان الكاشفة عن حصوله و ثبوته، ثمّ عطَف الصلاة عليها بعطف خاصّ على العامّ؛ لأنّها أفضل العبادات و عمود الطاعات، فالياء في «لذكري» كياء «فاعبدني» أي أقم الصلاة لي، اذ اقامتها لذكره اقامتها له تعالى شأنه، أو أنّ المراد: لأجل ذكري، اذ الصلاة في الحقيقة باعتبار اشتمالها على التسبيح و التعظيم و الأذكار و اشتغال القلب و اللسان في اللّه بسببها، ذكر من أذكاره، كما عبّر عن الصلاة بالذكر في غير واحد من آيات القرآن(2)و قول الباقر عليه السلام:
«ذكر اللّه لأهل الصلاة أكبر من ذكرهم ايّاه، ألا ترى أنّه يقول: «فاذكروني أذكركم»».(3)
أو أنّ المراد: أقمها لأجل أن تكون ذاكرا لي غير ناسٍ كما هو شأن المخلصين و الأولياء الذين لايفترون عن ذكري، و لاتلهيهم تجارة و لا بيع عنه. أو أنّ المراد: لأجل ذكري خاصّة لاتشبها بذكر غيري، أو لاخلاص ذكري و طلب وجهي لاتراء بها و لاتقصد بها غرضا آخر، أو لأنّي أذكرك بالمدح و الثناء و أجعل لك لسان صدق، أو لأنّي ذكرتها في الكتب، أو لذكري ايّاها و أمري بها فأقمها امتثالاً لذلك. أو لوجوب ذكري على كلّ أحد، و هي منه، أو لأوقات ذكري و هي مواقيت الصلاة، أو غير ذلك. على أنّ الآية كالصريحة في ارادة الأمر باقامة أصل الصلاة و
بيان زيادة الاهتمام بها لا خصوص الفائتة منها، حتّى يكون من اضافة «ذكر» الى الفاعل ليكون المعنى: «لذكري ايّاك انّك تركت الصلاة» كي تدلّ على وجوب القضاء. فالآية في نفسها غير ظاهرة في وجوب القضاء فضلاً عن المبادرة اليه.
و العمدة ممّا ورد في تفسير الآية روايتان:
احداهما ما رواه الشيخ باسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أخرى، فان كنت تعلم أنّك اذا صلّيت التي فاتتك كنت من الأخرى في وقت، فابدأ بالتي فاتتك فانّ اللّه عزّوجلّ يقول: «أقم الصلاة لذكري»».(1)
و ثانيتهما صحيحة أخرى لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: اذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتّى يبدأ بالمكتوبة. قال: فقدمت الكوفة فأخبرت الحكم بن عتيبة و أصحابه فقبلوا ذلك منّي فلمّا كان في القابل لقيت أبا جعفر عليه السلام فحدّثني أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله عرس في بعض أسفاره و قال: من يكلؤنا؟ فقال بلال: أنا. فنام بلال و ناموا حتّى طلعت الشمس. فقال: يا بلال ما أرقدك؟ فقال: يا رسول اللّه أخذ بنفسي الذي أخذ بأنفاسكم. فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: قوموا فتحوّلوا عن مكانكم الذي أصابكم فيه الغفلة، ثمّ قال: يا بلال أذّن! فأذّن فصلّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ركعتي الفجر، و أمر أصحابه فصلّوا ركعتي الفجر ثمّ قام فصلّى بهم الصبح، ثمّ قال: من نسي شيئا من الصلاة فليصلّها اذا ذكرها فانّ اللّه عزّوجلّ يقول: «و أقم الصلاة لذكري». قال زرارة: فحملت الحديث الى الحكم و أصحابه، فقال: نقضت حديثك الأوّل، فقدمت على أبي جعفر عليه السلام فأخبرته بما قال القوم. فقال: يا زرارة، ألا أخبرتهم أنّه قد فات
1) - وسائل الشيعة 4: 287 / الباب 62 من أبواب المواقيت / الحديث 2.
الوقتان جميعا و أنّ ذلك كان قضاءً من رسول اللّه صلى الله عليه و آله؟».(1)
فالجواب بعد صحّة السند أنّ غاية الآية مطلوبيّة الصلاة على الاطلاق و عدم فواتها بفوات وقتها فيصحّ حينئذ الاستشهاد بها لاثبات وجوب قضاء الفائتة بعد التذكّر فلايفهم من الأخبار أنّ المراد بلفظ «ذكري» في الآية ذكر الصلاة حتّى يحتاج توجيهه الى التكلّف، و على تقدير ارادة هذا المعنى من الآية فلا مقتضى لتخصيصها بالفائتة بل تعمّ الحاضرة أيضا فيكون المراد بها الأمر باقامة الفرائض عند ذكرها سواء كان في الوقت أو في خارجه كما يؤيّد ذلك ما تقدّم عن الطبرسي في تفسيرها ناسبا له الى أكثر المفسّرين من أنّ معنى الآية: «أقم الصلاة متى ذكرت أنّ عليك صلاة، كنت في وقتها أم لم تكن».
و من الواضح أنّ الأمر باقامتها متى ذكرها في وقتها ليس للفور ضرورة عدم وجوبها فورا مادام الوقت واسعا، فالمقصود بذلك ايجاب ايجادها بعد التذكّر لا ايجاب المبادرة الى فعلها في أوّل آناء الذكر؛ اذ لايستقيم ذلك بالنسبة الى الحاضرة و الفائتة مثلها فمعنى قوله صلى الله عليه و آله «فليصلّها اذا ذكرها» عدم فواتها بالنسيان في الوقت و وجوب الاتيان بها بعد التذكّر لا الفوريّة. هذا أوّلاً.
و ثانيا: انّ روايتي زرارة بنفسهما قاصرتان عن افادة وجوب المبادرة فانّ الأولى فسندها ضعيف لقاسم بن عروة، مع أنّها لايبعد أن يكون لبيان المسألة الثانية الآتية أي وجوب الاتيان بالفائتة الأخيرة اذا وسع وقت الحاضرة. و أمّا الثانية فمع الاشكال فيها من حيث اشتمالها على قضيّة نوم النبي صلى الله عليه و آله لايدلّ على الفوريّة؛ لأنّه صلى الله عليه و آله أمر بالرحيل من ذلك المكان و صلّى في غير ذلك المكان.
قال في الذكرى: «و الجواب عن الآية أنّ المفسّرين ذكروا فيها وجوها، منها هذا. و منها أنّ الصلاة تذكّر بالمعبود، و تشغل القلب و اللسان بذكره. و منها أنّ اللام للتعليل أي لأنّي ذكرتها في الكتب و أمرت بها. و منها أنّ المراد لذكري
1) - وسائل الشيعة 4: 285 / الباب 61 من أبواب المواقيت / الحديث 6.
خاصّة أي لاتراء بها و لاتشُبها بذكر غيري. و منها أنّ المراد لأذكرك بالثناء. و منها أنّ المراد باللام التوقيت، فيشمل جميع مواقيت الصلاة. و حينئذ لايتعيّن ما ذكرتم للارادة، اذ خبر الواحد لاينهض حجّة في مخالفة المشهور، مع معارضته بمثله. سلّمنا، لكن نمنع الوجوب المضيّق، فانّ الأمر لايدلّ على الفور، و قد تحقّق في الأصول. انتهى».(1)
و أمّا السنّة فالمدّعي للمضايقة قد تمسّك بأخبار كثيرة جمعها في الجواهر، منها: «النبوي الذي ادّعى في السرائر أنّه من المجمع عليه بين الأمّة «من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها». و خبر نعمان الرازي سأل الصادق عليه السلام عن رجل فاته شيء من الصلوات فذكر عند طلوع الشمس و عند غروبها. قال: «فليصلّ حين ذكر».(2)
و صحيحة حمّاد بن عثمان أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل فاته شيء من الصلوات فذكر عند طلوع الشمس أو عند غروبها، قال:
«فليصلّ حين يذكر».(3)
و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«أربع صلوات يصلّيها الرجل في كلّ ساعة: صلاة فاتتك فمتى ما ذكرتها أدّيتها، و صلاة ركعتي طواف الفريضة، و صلاة الكسوف و الصلاة على الميّت، هذه يصلّيهنّ الرجل في الساعات كلّها».(4)
و صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«سمعت أباعبداللّه عليه السلام يقول: خمس صلوات لاتترك على حال: اذا
طفت بالبيت، و اذا أردت أن تحرم، و صلاة الكسوف، و اذا نسيت فصلّ اذا ذكرت، و صلاة الجنازة».(1)
و صحيحة أخرى لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها؟ قال:
«يقضيها اذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار».(2)
و صحيحة ثالثة لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا نسي الرجل صلاة أو صلاّها بغير طهور و هو مقيم أو مسافر فذكرها فليقض الذي وجب عليه لايزيد على ذلك و لاينقص، من نسي أربعا فليقض أربعا حين يذكرها مسافرا كان أو مقيما، و ان نسي ركعتين صلّى ركعتين اذا ذكر مسافرا كان أو مقيما».(3)
و صحيحة يعقوب بن شعيب عن الصادق عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتّى تبزغ الشمس، أيصلّي حين يستيقظ أو ينتظر حتّى تنبسط الشمس؟ فقال: يصلّي حين يستيقظ».(4)
و صحيحة زرارة الرابعة عن الباقر عليه السلام:
« - الى أن قال: - ولكنّه متى ما ذكر صلاّها ... ».(5)
و موثّقة سماعة بن مهران قال:
«سألته عن رجل نسي أن يصلّي الصبح حتّى طلعت الشمس، قال: يصلّيها حين يذكرها، فانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله رقد عن صلاة الفجر حتّى
1) - وسائل الشيعة 4: 241 / الباب 39 من أبواب المواقيت / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 8: 253 / الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 8: 269 / الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 4: 284 / الباب 61 من أبواب المواقيت / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 4: 138 / الباب 7 من أبواب المواقيت / الحديث 4.
طلعت الشمس ثمّ صلاّها حين استيقظ ولكنّه تنحّى عن مكانه ذلك ثمّ صلّى».(1)
و صحيحة أبي ولاّد قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي كنت خرجت من الكوفة في سفينة الى قصر ابن هبيرة و هو من الكوفة على نحو من عشرين فرسخا في الماء، فسرت يومي ذلك أقصّر الصلاة ثمّ بدا لي في الليل الرجوع الى الكوفة فلم أدر أصلّي في رجوعي بتقصير أم بتمام، و كيف كان ينبغي أن أصنع؟ فقال: ان كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريدا فكان عليك حين رجعت أن تصلّي بالتقصير لأنّك كنت مسافرا الى أن تصير الى منزلك. قال: و ان كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريدا فانّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تؤمّ من مكانك ذلك، لأنّك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتّى رجعت فوجب عليك قضاء ما قصّرت، و عليك اذا رجعت أن تتمّ الصلاة حتّى تصير الى منزلك».(2)
و صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها، فقال:
«يقضيها اذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار، فاذا دخل وقت الصلاة و لم يتمّ ما قد فاته فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي قد حضرت، و هذه أحقّ بوقتها فليصلّها، فاذا قضاها فليصلّ ما فاته ممّا قد مضى، و لايتطوّع بركعة حتّى يقضي
الفريضة كلّها».(1)
و أجيب(2)عن الأخبار المذكورة بأنّها - غير صحيحتي أبي ولاّد و زرارة الأخيرة - على طائفتين: «طائفة منها يكون السؤال من الامام عن قضاء الفوائت في وقت تكره النوافل حيث ظنّ السائل أنّ الفريضة مثل النافلة تكره أداؤها عند وقت تكره النافلة كخبر نعمان الرازي و صحيحة حمّاد بن عثمان و صحيحة يعقوب بن شعيب و موثّقة سماعة بن مهران، فأجاب عليه السلام بأنّه يصلّيها حين يذكرها يعني لا كراهة في تلك الأوقات، و لايكون الامام عليه السلام بصدد بيان فوريّة قضاء الصلوات حتّى يستفاد من جملة «يصلّيها حين يذكر». و أمّا الطائفة الثانية فهي لبيان أصل وجوب قضاء المتروك لعذر من نوم أو نسيان. و توقيته حين الاستيقاظ أو الذكر جارٍ مجرى التعبير عند ارادة بيان عدم سقوطه و وجوب الاتيان به بعد زوال العذر فلاينسبق من مثل هذا التعبير ارادة الفوريّة».
و أمّا صحيحة زرارة ففيها: انّ صدرها بصدد بيان أنّه لايوجد وقت محدود و لا مخصوص لقضاء الفوائت كما في أدائها بل أيّ وقت ذكرها و توجّه اليها يأتي بها من ليل أو نهار. و ذيلها يرتبط بالمسألة الآتية التي نبحث عنها ان شاء اللّه.
و أمّا صحيحة أبي ولاّد فهي و ان اشتملت على المضايقة ولكنّها غير معمول بها لدى الأصحاب لأجل معارضتها بصحيحة زرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل عليه الوقت و قد خرج من القرية على فرسخين فصلّوا و انصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج، ما يصنع بالصلاة التي كان صلاّها ركعتين؟ قال: تمّت صلاته و لايعيد».(3)
هذا ملخّص ما استدلّ به للمضايقة و جوابه، و ان كنت تريد الزيادة فراجع الجواهر و مصباح الفقيه و غيرهما.
فقد استدلّ للمواسعة بأمور:
منها: أصالة البراءة عمّا كلّف زائدا على أصل التكليف فالمتيقّن من تكليف قضاء الفوائت هو أصل الصلاة. أمّا فوريّة أدائها خارج الوقت اذا ذكرها فأمر زائد مشكوك في تكليفه فالأصل البراءة. ولكن فيه: انّ الأصل يجري فيما لم يكن هناك دليل، فالمدّعي للمضايقة قائل بوجود الدليل. نعم، بعد ردّ ما استدلّوا به على المضايقة و اقامة الدليل على المواسعة يكون الأصل تأييدا لها.
و منها: لزوم العسر و الحرج المنفيين عند وجوب المضايقة، ففيه أوّلاً: انّ قضاء الفوائت فورا بالنسبة الى كلّ فرد لايكون حرجيّا. و ثانيا: انّ المنفي من العسر و الحرج هو عند وجود موضوعهما فمعلوم أنّ فوريّة القضاء بالنسبة الى تعداد لايكون حرجيّا فيجب حتّى يصير حرجا على المكلّف فتسقط الفوريّة اذا. و ثالثا: يمكن أن يقال انّ فوريّة القضاء تكون بنفسها حرجيّا كالجهاد و الخمس و الزكاة و الحجّ فلايرفع بأدلّة الحرج كما لايرفع الجهاد و الخمس و غيرهما بأدلّة نفي الضرر.
و منها: سيرة المسلمين، بأنّها قائمة بالمواسعة في قضاء الفوائت و لم يُر أحد منهم يذر الأكل و الشرب و التكسّب و النوم و يكتفي بالضرورة منها و يشتغل بالفرائض الفائتة مع ندرة من لايكون عليه قضاء فائتة. ولكن فيه: انّ السيرة المتشرّعة التي يكشف عن رضا الامام لم يعلم، و ما يعلم فمنشؤها غالبا هو عدم المبالات بالدين. مع أنّ السيرة الكاشفة عن رأي المعصوم عليه السلام حتّى تكون حجّة قلّما يختلف فيها بالأخصّ عند الفقهاء.
و منها: الأخبار الواردة في المواسعة، فهي على طوائف: منها المستفيضةالواردة في نوم النبي صلى الله عليه و آله كصحيحة زرارة المتقدّمة.
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله رقد فغلبته عيناه فلم يستيقظ حتّى آذاه حرّ الشمس ثمّ استيقظ فعاد ناديه ساعة و ركع ركعتين ثمّ صلّى الصبح».(1)
و خبر سعيد الأعرج قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: انّ اللّه أنام رسوله صلى الله عليه و آله عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس ثمّ قام فبدأ فصلّى الركعتين قبل الفجر ثمّ صلّى الفجر».(2)
و مضمرة سماعة قال:
«سألته عن رجل نسي أن يصلّي الصبح حتّى طلعت الشمس. قال: يصلّيها حين يذكرها فانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله رقد عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس ثمّ صلاّها حين استيقظ ولكنّه تنحّى عن مكانه ذلك ثمّ صلّى».(3)
الى غير ذلك ممّا يظهر منه أنّ النبي صلى الله عليه و آله لم يبادر الى القضاء. أضف الى ذلك من تقديم قضاء النافلة، بل و ما قيل من الأمر فيه بالأذان و الاقامة اللتين ورد الأمر بهما للقضاء في غيره من الأخبار المعتبرة أيضا. لكن قد يخدش فيها بأنّه لابأس بهما عند أهل المضايقة لكونهما من مقدّمات الصلاة و لو على جهة الندب، كما أنّه لابأس عندهم بتطويل نفس الصلاة بمراعاة مستحبّاتها و ان كان بعدها صلاة أخرى؛ اذ لايوجبون الاقتصار على الواجب قطعا، فالأولى الاستدلال به من غير
هذه الجهة. ولكنّ المناقشة فيها من جهة أخرى، بل جهات ذكرها في الجواهر(1)فراجع، فالأولى ردّ علمه الى أهله.
و منها: صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان نام رجل و لم يصلّ صلاة المغرب و العشاء أو نسي، فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما، و ان خشي أن تفوته احداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة. و ان استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصلّ الفجر ثمّ المغرب ثمّ العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس، فان خاف أن تطلع الشمس فتفوته احدى الصلاتين فليصلّ المغرب و يدع العشاء الآخرة حتّى تطلع الشمس و يذهب شعاعها ثمّ ليصلّها».(2)
و قد ذكر في بحث المواقيت أنّ امتداد وقت العشاءين الى طلوع الفجر و لذا أمر الامام عليه السلام باتيانهما اذا وسع الوقت، و ان خشي أن تفوته احداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة.
و الشاهد من الرواية: «فان خاف أن تطلع الشمس فتفوته احدى الصلاتين فليصلّ المغرب و يدع العشاء الآخرة حتّى تطلع الشمس و يذهب شعاعها ثمّ ليصلّها» حيث انّ الامام عليه السلام أمر بتأخير العشاء الى ما بعد ذهاب شعاع الشمس مع أنّ الصلاة في هذا الوقت مكروه على ما سبق، و لا قائل منّا بالتحريم فالتأخير مستحبّ فلو كانت المبادرة واجبة لم يأمر الامام عليه السلام بتأخير العشاء، و لايزاحم الوجوب و الاستحباب، فهل يمكن أن يكون الاجتناب عن المكروه مسوّغا لتركالواجب؟
و منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا نسيت صلاة أو صلّيتها بغير وضوء و كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأوّلهنّ فأذّن لها و أقم ثمّ صلّها، ثمّ صلّ ما بعدها باقامة اقامة - الى أن قال: - و ان خشيت أن تفوتك الغداة ان بدأت بالمغرب فصلّ الغداة ثمّ صلّ المغرب و العشاء، ابدأ بأوّلهما لأنّهما جميعا قضاء أيّهما ذكرت فلاتصلّهما الاّ بعد شعاع الشمس. قال: قلت: و لم ذاك؟ قال: لأنّك لست تخاف فوتها».(1)
و تقريب الاستدلال أنّه عليه السلام قال في جواب زرارة من سؤال علّة التأخير: «لأنّك لست تخاف فوتها» و لو كان الوقت مضيّقا يخاف الفوت فكأنّه عليه السلام قال: انّك في سعة فلاتعجل و لاتصلّ في وقت يكون ذا حرارة فاصبر حتّى يذهب شعاع الشمس.
و بهاتين الصحيحتين تحمل أخبار المضايقة على الاستحباب لو تمّت دلالتها.
و منها: صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألته عن الرجل تفوته صلاة النهار. قال: يقضيها ان شاء بعد المغرب و ان شاء بعد العشاء».(2)
و منها: صحيحة الحلبي قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن رجل فاتته صلاة النهار متى يقضيها؟ قال: متى شاء، ان شاء بعد المغرب و ان شاء بعد العشاء».(3)
و منها: صحيحة ابن أبي يعفور قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: صلاة النهار يجوز قضاؤها أيّ ساعة
شئت من ليل أو نهار».(1)
و منها: صحيحة الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اقض صلاة النهار أيّ ساعة شئت من ليل أو نهار كلّ ذلك سواء».(2)
و منها: رواية علي بن موسى بن طاووس في كتاب غياث سلطان الورى عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: رجل عليه دين من صلاة قام يقضيه فخاف أن يدركه الصبح و لم يصلّ صلاة ليلته تلك؟ قال: يؤخّر القضاء و يصلّي صلاة ليلته تلك».(3)
و منها: ما في أمالي السيّد أبي طالب علي بن الحسين الحسني بسند متّصل الى جابر بن عبداللّه، قال:
«قال رجل: يا رسول اللّه، و كيف أقضي؟ قال: صلّ مع كلّ صلاة مثلَها. قيل: يا رسول اللّه قبل أم بعد؟ قال صلى الله عليه و آله: قبل».(4)
(مسألة 28): لايجب تقديم الفائتة على الحاضرة فيجوز الاشتغال بالحاضرة في سعة الوقت لمن عليه قضاء، و ان كان الأحوط تقديمها عليها، خصوصا في فائتة ذلك اليوم، بل اذا شرع في الحاضرة قبلها استحبّ له العدول منها اليها اذا لم يتجاوز محلّ العدول.
الشرح:
قال في المدارك: «اختلف الأصحاب في وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة، فذهب جماعة منهم المرتضى و ابن ادريس الى الوجوب ما لم يتضيّق وقت الحاضرة، و صرّحوا ببطلان الحاضرة لو قدّمها مع ذكر الفوائت. و ذهب ابنا بابويه الى المواسعة المحضة، حتّى أنّهما استحبّا تقديم الحاضرة على الفائتة مع السعة. قال في المختلف بعد حكاية ذلك: و هو مذهب والدي رحمه الله و أكثر من عاصرناه من المشايخ. و ذهب المصنّف في كتبه الثلاثة الى وجوب تقديم الفائتة المتّحدة دون المتعدّدة. و استقرب العلاّمة في المختلف وجوب تقديم الفائتة ان ذكرها في يوم الفوات سواء اتّحدت أو تعدّدت، و ان مضى ذلك اليوم ثمّ ذكرها جاز له فعل الحاضرة مطلقا، و المعتمد ما اختاره المصنّف. انتهى ملخّصا».(1)
و قال في المختلف: «قال الشيخ في المبسوط: «ان علم أنّ عليه قضاءً و أدّى فريضة الوقت في أوّله فانّه لايجزيه». و عن المفيد: «من فاتته صلاة بخروج وقتها صلاّها كما فاتته، و لم يؤخّر ذلك الاّ أن يمنعه تضيّق وقت فرض حاضر» و ذهب السيّد المرتضى في الجمل الى وجوب قضاء ما فات من الصلوات في حال الذكر الاّ أن يخاف فوت الحاضرة. و في المسائل الرسّية قال بالاعادة لو صلّى الحاضرة في أوّل وقتها أو قبل تضيّق وقتها». و قال ابن البرّاج مثل ما قال السيّد في المسائل الرسّية. و قد ذهب ابن أبي عقيل و ابن الجنيد و أبو الصلاح و سلاّر و ابن حمزة و ابن ادريس الى ما ذهب اليه الشيخان و السيّد المرتضى. و قال أبو جعفر ابن بابويه: «اذا فاتتك صلاة فصلّها اذا ذكرت، فان ذكرتها و أنت في وقت فريضة أخرى فصلّ التي أنت في وقتها، ثمّ صلّ الفائتة، و قال أبوه نظير ما قال أبو جعفر - الى أن قال: - و الأقرب عندي التفصيل، و هو أنّ الصلاة الفائتة ان ذكرها في يوم الفوات وجب تقديمها على الحاضرة ما لم يتضيّق وقت الحاضرة، سواء تعدّدت أو اتّحدت، و يجب تقديم سابقها على لاحقها. و ان لم يذكرها حتّى يمضي ذلك
1) - مدارك الأحكام 4: 298.
اليوم جاز له فعل الحاضرة في أوّل وقتها، ثمّ يشتغل بالقضاء، سواء اتّحدت الفائتة أو تعدّدت، و يجب الابتداء بسابقها على لاحقها، و الأولى تقديم الفائتة الى أن تتضيّق الحاضرة. انتهى ملخّصا».(1)
و قال المحقّق الهمداني: «قد ذهب الى عدم وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة كثير من القدماء و المتأخّرين و لعلّه هو المشهور بين المتأخّرين كما ادّعاه غير واحد بل ربّما نسب الى المشهور بين المتقدّمين أيضا. ثمّ انّ هؤلاء مع اتّفاقهم على جواز تقديم الحاضرة بين من يظهر منه وجوبه كما عن ظاهر جماعة من القدماء و بين من يظهر منه استحبابه بل عن بعضهم التصريح بهذا و بين من صرّح باستحباب تقديم الفائتة و من نصّ على استحباب تأخير الحاضرة. و أمّا وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة فقد حكي هذا القول عن الشيخ و الاسكافي و السيّدين و الحلبي و الحلّي بل ربّما نسب هذا القول الى أكثر القدماء بل عن غير واحد نسبته الى المشهور بينهم بل عن الخلاف و الغنية و رسالتي المفيد و الحلّي الاجماع عليه. و ربّما ذهب اليه أيضا بعض متأخّري المتأخّرين و عن المصنّف رحمه الله في المعتبر و غيره كظاهر المتن بقرينة الفرع الآتي التفصيل بين فائتة واحدة و فوائت متعدّدة، فاعتبر الترتيب في الأوّل دون الثاني و عن العلاّمة في المختلف التفصيل بين ما لو قضاها في يوم الفوات و غيره. انتهى».(2)
و الأقرب جواز تقديم الحاضرة على الفائتة مطلقا و الدليل على ذلك:
صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان نام رجل و لم يصلّ صلاة المغرب و العشاء أو نسي، فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما، و ان خشي أن تفوته احداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة، و ان استيقظ بعد الفجر فليبدأ
فليصلّ الفجر ثمّ المغرب ثمّ العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس، فان خاف أن تطلع الشمس فتفوته احدى الصلاتين فليصلّ المغرب و يدع العشاء الآخرة حتّى تطلع الشمس و يذهب شعاعها، ثمّ ليصلّها».(1)
و صحيحة ابن مسكان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان نام رجل أو نسي أن يصلّي المغرب و العشاء الآخرة، فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما، و ان خاف أن تفوته احداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة، و ان استيقظ بعد الفجر فليصلّ الصبح، ثمّ المغرب، ثمّ العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألته عن الرجل تفوته صلاة النهار؟ قال: يصلّيها ان شاء بعد المغرب و ان شاء بعد العشاء».(3)
و صحيحة الحلبي قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن رجل فاتته صلاة النهار متى يقضيها؟ قال: متى شاء، ان شاء بعد المغرب و ان شاء بعد العشاء».(4)
و مرسلة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: تفوت الرجل الأولى و العصر و المغرب و ذكرها عند العشاء الآخرة. قال: يبدأ بالوقت الذي هو فيه فانّه لايأمن الموت فيكون قد ترك صلاة فريضة في وقت قد دخلت، ثمّ يقضي ما فاته،
الأولى فالأولى».(1)
و استدلّ العلاّمة و صاحب المدارك على وجوب تقديم الفائتة المتّحدة مطلقا ان ذكرها في يوم الفوات بروايات:
منها صحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن رجل نسي الظهر حتّى غربت الشمس، و قد كان صلّى العصر؟ فقال: كان أبو جعفر عليه السلام أو كان أبي يقول: ان أمكنه أن يصلّيها قبل أن تفوته المغرب بدأ بها، و الاّ صلّى المغرب ثمّ صلاّها».(2)
و تقريب الاستدلال بهذه الصحيحة مبنيّ على أن يكون المراد بفوت المغرب، فوت وقت الاجزاء الذي هو نصف الليل أو الى طلوع الفجر على الأظهر. ولكن الظاهر أنّ غاية النسيان تكون عند غروب الشمس و بمناسبة الحكم و الموضوع كان المراد من فوت المغرب، فوت وقت فضيلة صلاة المغرب. و لو كان المراد وقت الاجزاء مع كون غاية النسيان عند غروب الشمس لكان الأحرى أن يقول: يصلّيها قبل صلاة المغرب. فقوله عليه السلام «ان أمكنه أن يصلّيها قبل أن تفوته المغرب ... » مع كون وقت الاجزاء الى انتصاف الليل أو الفجر على الأظهر، لم يكن مناسبا.
و منها صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي صلاة حتّى دخل وقت صلاة أخرى؟ فقال: اذا نسي الصلاة أو نام عنها صلّى حين يذكرها، فاذا ذكرها و هو في صلاة بدأ بالتي نسي، و ان ذكرها مع امام في صلاة المغرب أتمّها بركعة ثمّ صلّى المغرب ثمّ صلّى العتمة بعدها، و ان كان صلّى العتمة وحده فصلّى منها ركعتين ثمّ ذكر أنّه نسي المغرب أتمّها بركعة فتكون صلاته للمغرب ثلاث ركعات ثمّ يصلّي العتمة
بعد ذلك».(1)
فمحلّ الاستشهاد في الصحيحة قوله عليه السلام «و ان ذكرها مع امام في صلاة المغرب أتمّها بركعة ثمّ صلّى المغرب» حيث يعلم أنّ المنسي العصر فأمر عليه السلام بالعدول اليه أثناء المغرب، فهو دليل على وجوب تقديم فائتة اليوم.
ولكنّه يحمل على محبوبيّة العدول و استحبابه جمعا بينها و بين صحيحتي أبي بصير و ابن مسكان المتقدّمتين، كما أنّ صدرها يحمل على محبوبيّة المبادرة بالفائتة مطلقا بقرينة ما سبق من الروايات الدالّة على المواسعة.
و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا نسيت صلاة أو صلّيتها بغير وضوء و كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأوّلهنّ فأذّن لها و أقم ثمّ صلّها، ثمّ صلّ ما بعدها باقامة اقامة لكلّ صلاة، و قال: قال أبو جعفر عليه السلام: و ان كنت قد صلّيت الظهر و قد فاتتك الغداة فذكرتها فصلّ الغداة أيّ ساعة ذكرتها و لو بعد العصر و متى ما ذكرت صلاة فاتتك صلّيتها، و قال: اذا نسيت الظهر حتّى صلّيت العصر فذكرتها و أنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الأولى ثمّ صلّ العصر، فانّما هي أربع مكان أربع و ان ذكرت أنّك لم تصلّ الأولى و أنت في صلاة العصر و قد صلّيت منها ركعتين (فانوها الأولى) ثمّ صلّ الركعتين الباقيتين و قم فصلّ العصر، و ان كنت قد ذكرت أنّك لم تصلّ العصر حتّى دخل وقت المغرب و لم تخف فوتها فصلّ العصر ثمّ صلّ المغرب، فان كنت قد صلّيت المغرب فقم فصلّ العصر، و ان كنت قد صلّيت من المغرب ركعتين ثمّ ذكرت العصر فانوها العصر (ثمّ قم فأتمّها ركعتين) ثمّ تسلّم ثمّ تصلّي المغرب، فان كنت قد صلّيت العشاء الآخرة و نسيت المغرب
1) - وسائل الشيعة 4: 291 / الباب 63 من أبواب المواقيت / الحديث 2.
فقم فصلّ المغرب، و ان كنت ذكرتها و قد صلّيت من العشاء الآخرة ركعتين أو قمت في الثالثة فانوها المغرب ثمّ سلّم ثمّ قم فصلّ العشاء الآخرة، فان كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتّى صلّيت الفجر فصلّ العشاء الآخرة، و ان كنت ذكرتها و أنت في الركعة الأولى أو في الثانية من الغداة فانوها العشاء ثمّ قم فصلّ الغداة و أذّن و أقم، و ان كانت المغرب و العشاء قد فاتتاك جميعا فابدأ بهما قبل أن تصلّي الغداة، ابدأ بالمغرب ثمّ العشاء فان خشيت أن تفوتك الغداة ان بدأت بهما فابدأ بالمغرب ثمّ الغداة ثمّ صلّ العشاء، و ان خشيت أن تفوتك الغداة ان بدأت بالمغرب فصلّ الغداة ثمّ صلّ المغرب و العشاء، ابدأ بأوّلهما؛ لأنّهما جميعا قضاء أيّهما ذكرت فلاتصلّهما الاّ بعد شعاع الشمس. قال: قلت: و لم ذاك؟ قال: لأنّك لست تخاف فوتها».(1)
فمحلّ الاستشهاد بالصحيحة أربع فقرات:
الأولى: قوله عليه السلام: «و ان كنت قد ذكرت أنّك لم تصلّ العصر حتّى دخل وقت المغرب و لم تخف فوتها فصلّ العصر ثمّ صلّ المغرب».
الثانية: قوله عليه السلام: «و ان كنت قد صلّيت من المغرب ركعتين ثمّ ذكرت العصر فانوها العصر».
الثالثة: قوله عليه السلام: «و ان كنت ذكرتها و أنت في الركعة الأولى أو في الثانية من الغداة فانوها العشاء».
الرابعة: قوله عليه السلام: «و ان كانت المغرب و العشاء قد فاتتاك جميعا فابدأ بهما قبل أن تصلّي الغداة».
ولكن فيه أوّلاً: انّ المراد من خوف فوت المغرب في الفقرة الأولى، و خوف
1) - وسائل الشيعة 4: 290 / الباب 63 من أبواب المواقيت / الحديث 1.
فوت الغداة في الثالثة، هو فوت وقت فضيلتهما بقرينة قوله عليه السلام في ذيل الحديث «فلاتصلّهما الاّ بعد شعاع الشمس» فانّ العامّة يكرهون الصلاة بعد صلاة الفجر الى أن تطلع الشمس و يذهب شعاعها.(1)
و ثانيا: انّ الامام عليه السلام كان بصدد بيان محبوبيّة المبادرة الى اتيان الفوائت كلّها كما دلّ عليه صدر الحديث، فتحمل الصحيحة على الاستحباب جمعا بينها و بين ما تقدّم من صحيحتي أبي بصير و ابن مسكان.
و قد أجاب شيخنا المرتضى رحمه الله عن الصحيحة و فقراتها بأنّ «الأولى منها ظهورها في تضيّق وقت المغرب و فواتها بزوال الحمرة و الاّ لم يناسب التفصيل - في فرض نسيان العصر الى دخول المغرب - بين خوف فوات المغرب و عدمه (لأنّ وقت اجزائها كان الى نصف الليل أو الى الفجر على الأظهر) و حينئذ فلاينهض الرواية دليلاً على المضايقة بناءً على ما هو المشهور بين المتأخّرين من كون زوال الحمرة آخر وقت الفضيلة دون الاجزاء فتعيّن حمل الأمر على الاستحباب و كون ادراك فضيلة المغرب أولى من المبادرة الى الفائتة بحكم مفهوم القيد في قوله عليه السلام«و لم تخف». و أمّا الثانية فالظاهر أنّ الحكم بالعدول في هذه الفقرة مقيّد - كالحكم السابق - بعدم خوف فوات وقت المغرب و حاصل الحكمين أنّه اذا لم يخف فوت المغرب قدّم العصر ابتداءً و عدل اليها في أثناء المغرب فيكون مفهوم القيد في قوله عليه السلام «و لم يخف فوتها» مفيدا لانتفاء الحكمين عند خوف وقت فضيلة المغرب فيكون الراجح - عند خوف فوات وقت الفضيلة - تقديم الحاضرة و هذا مخالف للقول بالمضايقة فلا محيص عن حمل الأمر بالعدول على الاستحباب. و أمّا الفقرة الثالثة يعني قوله عليه السلام «و ان كنت قد
1) - انّ الصدوق بعد ذكر أخبار جواز الصلاة بعد الغداة و بعد العصر قال: «مرادي بايراد هذه الأخبار الردّ على المخالفين؛ لأنّهم لايرون بعد الغداة و بعد العصر صلاة فأحببت أن أبيّن أنّهم قد خالفوا رسول اللّه صلى الله عليه و آلهفي قوله و فعله. انتهى». وسائل الشيعة 4: 239
ذكرتها - يعني العشاء الآخرة - و أنت في الركعة الأولى أو الثانية من الغداة الخ» فالانصاف ظهور دلالة هذه الفقرة - بنفسها - على وجوب العدول، لكنّه لاينفع بعد وجوب حمل الأمر بالعدول عن المغرب الى العصر على الاستحباب اذ يتعيّن حينئذ - من جهة عدم القول بالفصل - حمل الأمر بالعدول من الفجر الى العشاء أيضا على الاستحباب. اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ الاستحباب بعيد عن السياق من جهة أنّ الأمر في الصحيحة بالعدول من العصر الى الظهر و من العشاء الى المغرب للوجوب قطعا فرفع اليد عن الظهور المتقدّم في وقت المغرب أولى. الفقرة الرابعة قوله عليه السلام «و ان كانت المغرب و العشاء فاتتاك - الى قوله: - فابدأ بالمغرب» و حاله كحال الأمر بالعدول عن الغداة الى العشاء في حمله على الاستحباب بقرينة ما سبق؛ لعدم القول بالفصل بين تذكّر فوات العصر في آخر وقت فضيلة المغرب و بين تذكّر العشاء فقط أو مع المغرب في وقت صلاة الفجر. و حاصل الجواب عن هذه الصحيحة أنّ الاستدلال بها مبنيّ على القول بكون آخر وقت اجزاء المغرب زوال الحمرة فاذا لم نقل بهذا سقط الاستدلال بجميع الفقرات الأربع فتأمّل. هذا مع أنّ قوله عليه السلامفي آخر الرواية تعليلاً لتأخير القضاء الى ذهاب الشعاع ب- «أنّك لست تخاف فوتها» ظاهر في عدم فوريّة القضاء. انتهى».(1)
أقول:
قوله رحمه الله: «اللّهمّ الاّ أن يقال انّ الاستحباب بعيد عن السياق من جهة الأمر في الصحيحة بالعدول من العصر الى الظهر الخ» ففيه: انّه بقرينة صحيحتي أبي بصير و ابن مسكان يرفع البعد عن الحمل على الاستحباب. و استدلّوا أيضا بروايات أخر ضعيفة السند و الدلالة لابأس بالاشارة اليها و ان كان فيما ذكرناه غنىً و كفاية، منها ما رواه الشيخ عن القاسم بن عروة عن عبيد بن زرارة عن أبيه عن
1) - رسائل فقهيّة (رسالة في المواسعة و المضايقة): 343.
أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أخرى فان كنت تعلم أنّك اذا صلّيت التي فاتتك كنت من الأخرى في وقت، فابدأ بالتي فاتتك، فانّ اللّه عزّوجلّ يقول: «أقم الصلاة لذكري»، و ان كنت تعلم أنّك اذا صلّيت التي فاتتك، فاتتك التي بعدها فابدأ بالتي أنت في وقتها و اقض الأخرى».(1)
و الجواب عن هذه الرواية اضافة الى ضعف سندها بقاسم بن عروة، أنّ الامام عليه السلاميكون بصدد بيان اتيان الصلاة الفائتة أيّ وقت ذكرها و لو في وقت صلاة أخرى و لايكون بصدد بيان مورد خاصّ و هو اتيان الفائتة في وقت الحاضرة.
و منها ما رواه الكليني عن علي بن محمّد عن سهل بن زياد عن محمّد بن سنان عن ابن مسكان عن أبي بصير قال:
«سألته عن رجل نسي الظهر حتّى دخل وقت العصر. قال: يبدأ بالظهر و كذلك الصلوات تبدأ بالتي نسيت الاّ أن تخاف أن يخرج وقت الصلاة فتبدأ بالتي أنت في وقتها ثمّ تقضي التي نسيت».(2)
و الجواب مع ضعف سند الرواية بسهل بن زياد و محمّد بن سنان أنّ الحكم راجع الى نسيان الظهر حتّى دخل وقت فضيلة العصر و من المعلوم أنّ الترتيب بين الظهر و العصر واجب فيقدّم الظهر حتّى يخاف فوت صلاة العصر، فهي خارجة عمّا نحن فيه.
و منها ما رواه الشيخ باسناده عن الطاطري عن محمّد بن زياد عن حمّاد عن عمرو بن يحيى قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل صلّى على غير القبلة ثمّ تبيّنت القبلة
و قد دخل وقت صلاة أخرى. قال: يعيدها قبل أن يصلّي هذه التي قد دخل وقتها. الحديث».(1)
و الجواب أنّ الرواية مع ضعف سندها لضعف طريق الشيخ الى الطاطري أنّ الامام عليه السلام حكم باعادة الصلاة فتبيّن أوّلاً أنّ صلاته كانت مابين المشرق و المغرب الى طرف الاستدبار و ثانيا أنّ الوقت باقٍ و الاّ كان يقول «يقضي» مكان «يعيد»، فيكشف من أنّ المراد بدخول وقت صلاة أخرى هو دخول وقت الفضيلة، فالرواية على خلاف المطلوب أدلّ.
(مسألة 29): اذا كانت عليه فوائت أيّام و فاتت منه صلاة ذلك اليوم أيضا و لم يتمكّن من اتيان جميعها أو لم يكن بانيا على اتيانها فالأحوط استحبابا أن يأتي بفائتة اليوم قبل الأدائيّة ولكن لايكتفي بها بل بعد الاتيان بالفوائت يعيدها أيضا مرتّبة عليها.
الشرح:
قد تقدّم أنّه لايجب تقديم الفائتة على الحاضرة مطلقا أي سواء كانت متّحدة أو متعدّدة، من ذلك اليوم كانت أو الأيّام الماضية؛ لعدم وجوب الفوريّة في قضاء الصلوات الفائتة مطلقا. و تقدّم أيضا عدم وجوب الترتيب بين قضاء الفوائت الاّ ما يكون بنفسه مترتّبا كالظهرين و العشاءين. نعم، يستحبّ الاشتغال بالقضاء بل تقديم الفائتة على الحاضرة خصوصا اذا كان من ذلك اليوم. كما أنّ الترتيب بين الفوائت يكون مستحبّا بل هو الأحوط. و أمّا المصنّف و ان لم يكن مخالفا لما قلناه ولكنّه احتاط بتقديم فائتة اليوم رعاية للقائلين بوجوبه كما مرّ تفصيلاً، ثمّ احتاط باعادتها لاحتمال وجوب الترتيب.
1) - وسائل الشيعة 4: 313 / الباب 9 من أبواب القبلة / الحديث 5.
(مسألة 30): اذا احتمل اشتغال ذمّته بفائتة أو فوائت، يستحبّ له تحصيل التفريغ باتيانها احتياطا، و كذا لو احتمل خللاً فيها و ان علم باتيانها.
الشرح:
قد تقدّم أنّ من عليه فوائت كثيرة و لم يعلم مقدارها يجب عليه الاتيان بما تيقّن اشتغال ذمّته به خاصّة، للبراءة عمّا يكون شاكّا في فوته. و قلنا أيضا انّه اذا
فرغ من الصلاة لايعتني باحتمال الخلل في صلاته لقاعدة الفراغ. نعم، يستحبّ الاتيان بما يحتمل اشتغال ذمّته به حتّى يتيقّن براءته، كما أنّه يستحبّ اعادة الصلوات التي احتمل الخلل فيها في الوقت أو خارجه، و ذلك لورود الروايات الكثيرة الآمرة بالاحتياط كقوله عليه السلام «أخوك دينك فاحتط لدينك» فانّها تحمل على الاستحباب كما حقّق في محلّه و ان كان يجب الاحتياط في بعض الموارد، كالشكّ في المكلّف به و في موارد من العلم الاجمالي الذي لم ينحلّ الى العلم التفصيلي و الشكّ البدوي.
(مسألة 31): يجوز لمن عليه القضاء الاتيان بالنوافل على الأقوى، كما يجوز الاتيان بها - بعد دخول الوقت - قبل اتيان الفريضة كما مرّ سابقا.
مرّ الكلام في ذلك مستقصى في باب المواقيت(1)فلانعيد.
(مسألة 32): لايجوز الاستنابة في قضاء الفوائت مادام حيّا و ان كان عاجزا عن اتيانها أصلاً.
1) - الهادي كتاب الصلاة 1: المسألة 16 من فصل أوقات الرواتب.
الشرح:
انّ المخاطب بالصلاة و الصوم و الحجّ و غيرها من العبادات أداءً و قضاءً واجبا كان أو مندوبا كلّ فرد من أفراد المكلّفين، و لاتقبل النيابة مادام حيّا و ان كان عاجزا عن اتيانها الاّ ما خرج بالدليل كنيابة الحجّ عمّن استقرّ عليه و صار عاجزا عن أدائه و كطواف الحجّ عمّن كان عاجزا و كنيابة الحجّ الندبي و الزيارات و غيرها.
(مسألة 33): يجوز اتيان القضاء جماعة سواء كان الامام قاضيا - أيضا - أو مؤدّيا، بل يستحبّ ذلك. و لايجب اتّحاد صلاة الامام و المأموم، بل يجوز الاقتداء من كلّ من الخمس بكلّ منها.
الشرح:
قال في الجواهر: «و يجوز أن يأتمّ المفترض بالمفترض و ان اختلف الفرضان عددا كالقصر و التمام، و نوعا كالظهر و العصر و المغرب و العشاء، و صنفا كالأداء و القضاء؛ للنصوص المعمول بها بين معظم الأصحاب، بل لاأجد خلافا في شيء من ذلك سوى ما يحكى عن والد الصدوق من منع اقتداء المسافر بالحاضر و العكس، و عنه من منع اقتداء مصلّي الظهر بمصلّي العصر الاّ أن يتوهّمها العصر ثمّ يعلم أنّها كانت الظهر. و هما نادران شاذّان. انتهى ملخّصا».(1)
و يدلّ على ذلك أحاديث الجماعة بالعموم و الاطلاق، و خصوص خبر اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: تقام الصلاة و قد صلّيت؟ فقال: صلّ و اجعلها
1) - جواهر الكلام 13: 240 و 241.
لما فات».(1)
و اطلاق صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال في الرجل يصلّي الصلاة وحده ثمّ يجد جماعة، قال:
«يصلّي معهم و يجعلها الفريضة ان شاء».(2)
(مسألة 34): الأحوط لذوي الأعذار تأخير القضاء الى زمان رفع العذر الاّ اذا علم بعدم ارتفاعه الى آخر العمر، أو خاف مفاجأة الموت.
الشرح:
قد تقدّم البحث عن تأخير الصلاة لذوي الأعذار مع رجاء زوالها في شرح المسألة الخامسه عشرة من فصل أوقات الرواتب.(3)
انّما الكلام في اجزاء القضاء لذوي الأعذار أو عدمه و تأخير القضاء الى زمان العذر.
قال في الجواهر: «و أمّا اجزاء القضاء جالسا و ماشيا و نائما و غيرها من الأحوال عمّا فاته من أداء الصلاة الاختياريّة التي لم يكن مضطرّا فيها الى شيء من ذلك فضلاً عمّا فاته منها مضطرّا الى ما اضطرّ اليه في القضاء، قد نصّ عليه في البيان و الألفية و حاشية المحقّق الثاني عليها و الموجز و الرياض و عن نهاية الأحكام و كشف الالتباس و الجعفريّة و شرحيها، بل عن الخمسة الأخيرةالتصريح بأنّه لايجب الى زوال العذر، بل عن ثلاثة منها بأنّه لايستحبّ، بل لاأجد فيه خلافا صريحا - الى أن قال: - و هو قويّ جدّا بناءً على المضايقة، اذ احتمال استثناء زمان التأخير منها الى التمكّن بعيد منافٍ لمقتضى أدلّتهم عليها، بل و على
المواسعة أيضا اذا عرض الضيق بظنّ عدم التمكّن بعد ذلك من الفعل أصلاً و غيره من مقتضياته، بل و كذا اذا لم يرج زوال العذر أبدا، و ان كان يمكن القول بوجوب الاعادة فيه لو تمكّن بعد ذلك أو ظهر فساد ظنّ الضيق؛ لعدم ثبوت اجزاء مثل هذا الأمر الحاصل بسبب تخيّل المكلّف حصول مقتضيه - الى أن قال: - أمّا اذا لم يعرض الضيق للمواسعة و كان راجيا للزوال رجاءً معتدّا به لغلبة زوال مثله أو غيرها فهو و ان كان قد يشهد له اطلاق الأمر بالقضاء المستوعب لسائر الأوقات المقتضي لصحّة الفعل من المكلّف فيها جميعا على حسب تمكّنه ... الاّ أنّه يشكل لمنافاته لاطلاق ما دلّ على شرطيّة الأمور المفروض تعذّرها و جزئيّتها، و اقتضائه الجواز مع العلم بالزوال في أقرب الأزمان الذي يمكن دعوى تحصيل القطع بفساد الدعوى فيه. بل يمنع اقتضاء اطلاق الأمر ذلك؛ لأنّه متعلّق بالفعل الجامع للشرائط و ان كان المكلّف مخيّرا في الاتيان به في أيّ وقت. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
بناءً على ما قلنا من المواسعة في قضاء الصلوات الفائتة، فتارة لايرجو زوال العذر و أخرى يرجوه، فعلى الأولى يجوز له الاتيان بالفوائت مع فقد بعض الأجزاء و الشرائط؛ لأنّه مكلّف بالصلاة جالسا أو نائما مثلاً. و أمّا ان كان يرجو زوال العذر فيجب عليه الانتظار حتّى يرتفع عذره لأنّه مكلّف بقضاء الصلوات تامّة الأجزاء و الشرائط. نعم لو قلنا بالمضايقة يجوز قضاؤها لأنّه مكلّف بها حينئذ كما هو مكلّف بصلاته الأدائيّة في هذا الحال. اللّهمّ الاّ أن يقال بتعارض الاطلاقين أي اطلاق أدلّة المضايقة و اطلاق أدلّة الأجزاء و الشرائط من دون مرجّح لأحدهما و بعد التساقط يرجع الى الاشتغال.
1) - جواهر الكلام 13: 115 و 116.
قال الشيخ مرتضى الأنصاري (بناءً على وجوب فوريّة القضاء): «من يتمكّن من الاتيان بالفعل المستجمع للأجزاء و الشرائط في الزمان المستقبل فهو داخل تحت القادرين، لا دليل على كفاية الفعل الفاقد لبعض الشرائط في حقّه، فيكون هذا الشخص - العاجز عن الشرط في الحال القادر عليه في الاستقبال - عاجزا عن المأمور به في الحال قادرا عليه في الاستقبال فيجب عليه ترقيب زمان القدرة على المأمور به. و دعوى أنّه يستكشف من اطلاق الأمر الشامل لهذا الشخص كونه مكلّفا بالفعل في هذا الزمان فيكشف عن سقوط الشرط بالنسبة اليه، مدفوعة بأنّ الأمر اذا تعلّق بالفعل المستجمع للشرائط فاطلاقه نافع عند تمكّن المكلّف عن المأمور به، فاذا فرض عجزه في زمان خرج عن الاطلاق. انتهى».(1)
(مسألة 35): يستحبّ تمرين المميّز من الأطفال على قضاء ما فات منه من الصلاة كما يستحبّ تمرينه على أدائها سواء الفرائض و النوافل، بل يستحبّ تمرينه على كلّ عبادة و الأقوى مشروعيّة عباداته.
الشرح:
يستحبّ تمرين المميّز من الأطفال على الصلاة مطلقا أداءً و قضاءً، فرضا و نفلاً، و ذلك للروايات الواردة في الباب الثالث و الرابع من أبواب أعداد الفرائض و النوافل كصحيحة معاوية بن وهب قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام: في كم يؤخذ الصبي بالصلاة؟ فقال: فيما بين سبع سنين و ستّ سنين».(2)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام عن أبيه قال:
«انّا نأمر صبياننا بالصلاة اذا كانوا بني خمس سنين، فمروا صبيانكم بالصلاة اذا كانوا بني سبع سنين».(1)
فلا فرق بين الأداء و القضاء حتّى النوافل؛ لاطلاق الصحيحتين و سائر الروايات، بل يستحبّ تمرينه على كلّ عبادة ليعتاد كما دلّ عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّا نأمر صبياننا بالصيام اذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم، فان كان الى نصف النهار أو أكثر من ذلك أو أقلّ، فاذا غلبهم العطش و الفرث(2)أفطروا حتّى يتعوّدوا الصوم و يطيقوه، فمروا صبيانكم اذا كانوا بني تسع سنين بالصوم ما أطاقوا من صيام، فاذا غلبهم العطش أفطروا».(3)
و رواية الزهري عن علي بن الحسين عليهماالسلام (في حديث) قال:
«و أمّا صوم التأديب فأن يؤخذ الصبي اذا راهق بالصوم تأديبا و ليس بفرض».(4)
و أمّا شرعيّة عبادات الصبي فقيل بها لاطلاق أدلّة التشريع الشامل للبالغ و الصغير و حديث رفع القلم(5)انّما يرفع الالزام؛ لأنّه الذي في رفعه الامتنان، و لايصلح لرفع الرجحان و المشروعيّة.
و قيل في دفعه: انّ رفع القلم انّما يتعلّق بما يتعلّق به قلم الوضع و من الواضح أنّ المجعول أمر بسيط غير قابل للتقسيط و كذلك المرفوع، و أنّ صيغة الأمر و ما في معناه موضوعة لابراز اعتبار المادّة على ذمّة المكلّف فقط، و أمّا الوجوب فانّه
1) - وسائل الشيعة 4: 19 / الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض / الحديث 5.
2) - الفرث: الجوع.
3) - وسائل الشيعة 10: 234 / الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 10: 234 / الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 1: 45 / الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 11.
نشأ من ناحية العقل الحاكم بوجوب اطاعة المولى ما لم يرخّص في الترك. فما هو قابل للرفع و الوضع شرعا هو نفس الاعتبار، دون الوجوب المترتّب عليه. و قال هذا المستشكل رحمه الله: و التحقيق: أن يستدلّ على مشروعيّة عبادات الصبي بالروايات الدالّة على الأمر بأمر الصبيان بالصلاة و الصوم، و قد ذكرنا في مبحث الأوامر من علم الأصول أنّ الأمر بالأمر أمر بالفعل حقيقة، اذ الغرض منه ليس الاّ تحقّق ذلك الفعل في الخارج، فيكون الأمر بالأمر طريقا اليه، الاّ أن تكون هنا قرينة حاليّة أو مقاليّة تدلّ على الموضوعيّة، ولكنّها منتفية في تلك الروايات. و يضاف الى ذلك أنّه ورد في جملة أخرى من الروايات تكليف الصبيان بالصلاة و الصوم و الحجّ بغير عنوان الأمر بأمرهم بها، فتدلّ على مشروعيّة عباداته. نعم، قامت القرينة الخارجيّة على عدم ارادة الوجوب من تلك الروايات و هذه القرينة هي الأدلّة الدالّة على رفع التكليف عن الصبي حتّى يحتلم. اذا فالصبيان مأمورون بالعبادات كالبالغين، فتكون عباداتهم مشروعة مستحبّة.
فما أفاده هذا المحقّق رحمه الله في محلّه فعبادات الصبي مؤثّرة في نفسه و أثرها أجر و ثواب له و لوالديه.
(مسألة 36): يجب على الولي منع الأطفال عن كلّ ما فيه ضرر عليهم أو على غيرهم من الناس، و عن كلّ ما علم من الشرع ارادة عدم وجوده في الخارج لما فيه من الفساد كالزنا و اللواط و الغيبة بل و الغناء على الظاهر، و كذا عن أكل الأعيان النجسة و شربها ممّا فيه ضرر عليهم، و أمّا المتنجّسة فلايجب منعهم عنها، بل حرمة مناولتها لهم غير معلومة. و أمّا لبس الحرير و الذهب و نحوهما ممّا يحرم على البالغين فالأقوى عدم وجوب منع المميّزين منها فضلاً عن غيرهم، بل لابأس بإلباسهم ايّاها و ان كان الأولى تركه، بل منعهم عن لبسها.
الشرح:
يجب على الولي منع الأطفال عن كلّ ما فيه ضرر عليهم أو على غيرهم من الناس، و ذلك لأنّ الولي مأمور بحفظ نفس الصبي كما هو مأمور بحفظ أمواله عن التلف و الضرر، و يجب عليه أن يمنعه من الاضرار بالغير فانّ الصبي لم يكلّف بشيء من ذلك و المكلّف به وليّه.
و أمّا منعه عن المعاصي فممّا ورد من الأخبار في أبواب الحدود من تعزير الصبي اذا ارتكب الزنا أو اللواط أو السرقة(1)يستفاد أنّ وجود تلك الأفعال في الخارج مبغوض عند الشارع فيجب على كلّ من المؤمنين و المؤمنات منع الآخرين من ارتكابها و ان كان السبب حيوانا، فالأولى بذلك بالنسبة الى الأطفال أولياؤهم.
و بالجملة كلّ فعل يوجب فسادا أو ضررا على مسلم أو جماعة المسلمين، على أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم أو كان وجوده في الخارج مبغوضا عند الشارع يجب على كلّ من علم ردعه و الأولى بالطفل وليّه. و ما لم يكن كذلك لايجب، و المرجع الدليل، و لايبعد أن يقال بأنّ لبس الحرير و الذهب للصبيان و المجانين، و كذا مسّ كتابة القرآن من هذا القبيل. و ما كان مشكوكا فيه فالأصل البراءة.
1) - كصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام في غلام صغير لم يدرك، ابن عشر سنين، زنى بامرأة. قال: «يجلد الغلام دون الحدّ، و تجلد المرأة الحدّ كاملاً». وسائل الشيعة 28: 82 / الباب 9 من أبواب حدّ الزنا/ الحديث 1. و في خبر أبي بكر الحضرمي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «أُتي أميرالمؤمنين عليه السلام بامرأة و زوجها، قد لاط زوجها بابنها من غيره و ثقبه و شهد عليه بذلك الشهود، فأمر به عليه السلام فضرب بالسيف حتّى قتل، و ضرب الغلام دون الحدّ، و قال: أما لو كنت مدركا لقتلتك لامكانك ايّاه من نفسك بثقبك». (وسائل الشيعة 28: 156 / الباب 2 من أبواب حدّ اللواط / الحديث 1). و في مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «كلّ بالغ من ذكر أو أنثى افترى على صغير أو كبير أو ذكر أو أنثى أو مسلم أو كافر أو حرّ أو مملوك فعليه حدّ الفرية و على غير البالغ حدّ الأدب». وسائل الشيعة 28: 186 / الباب 5 من أبواب حدّ القذف / الحديث 5
قال في الجواهر: «ثمّ انّ ظاهر ما سمعته من الأدلّة اختصاص الحكم بالمكلّفين، كما في غيره من التكاليف، فلايحرم على الصبيان و نحوهم قطعا، لكن هل يحرم على الولي أو غيره تمكينهم من ذلك، و يجب عليه منعهم منه لو حصل، أو لا؟ قولان، فظاهر المعتبر و المنتهى و التحرير أنّه يجب منع الصبي من المسّ، و استقربه في الذكرى قبل الوضوء و جعله وجها بعد الطهارة، لعدم ارتفاع حدثه، و لعلّ مستندهم أنّ عدم المنع منافٍ للتعظيم، كعدم المنع من القاء النجاسات و نحوها - الاّ أنّ الأقوى العدم للأصل، مع المنع من كونه منافيا للتعظيم عرفا - نعم، تحرم الاهانة و الاستحقار. انتهى ملخّصا».(1)
و قال في البحث عن لبس الحرير: «و لايجب على الولي للطفل و المجنون منعه منه، بل لايحرم عليه تمكينه، للأصل السالم عن المعارض، لاختصاص أدلّة المنع حتّى قوله صلى الله عليه و آله «هذان حرام على ذكور أمّتي» بالمكلّفين، و ليس فيها ما يقضي بالتكليف بعدم لبس الذكر له في الخارج حتّى يجب على الولي أو على غيره كفاية المنع من وجود ذلك في الخارج نحو ما قلناه في مسّ كتابة القرآن، فأصالة البراءة حينئذ بحالها. انتهى ملخّصا».(2)
يجوز الاستئجار للصلاة بل و لسائر العبادات عن الأموات اذا فاتت منهم و تفرغ ذمّتهم بفعل الأجير، و كذا يجوز التبرّع عنهم. و لايجوز الاستئجار و لا التبرّع عن الأحياء في الواجبات و ان كانوا عاجزين عن المباشرة الاّ الحجّ اذا كان مستطيعا و كان عاجزا عن المباشرة. نعم، يجوز اتيان المستحبّات و اهداء ثوابها للأحياء كما يجوز ذلك للأموات، و يجوز النيابة عن الأحياء في بعض المستحبّات.
الشرح:
يجوز الاستئجار للصلاة بل و لسائر العبادات عن الأموات اذا فاتت منهم، و تفرغ ذمّتهم بفعل الأجير.
قال في الحدائق: «الظاهر أنّه لا خلاف بين الأصحاب فيما أعلم في جواز الاستئجار للصلاة و الصوم عن الميّت الاّ أنّ بعض متأخّري المتأخّرين ممّن سيأتي نقل كلامه ناقش في ذلك. قال شيخنا الشهيد في الذكرى: «الاستئجار على
فعل الصلاة الواجبة بعد الوفاة مبنيّ على مقدّمتين: احداهما جواز الصلاة عن الميّت و هذه اجماعيّة و الأخبار الصحيحة ناطقة بها كما تلوناه. و الثانية أنّ كلّما جازت الصلاة عن الميّت جاز الاستئجار عنه، و هذه المقدّمة داخلة في عموم الاستئجار على الأعمال المباحة التي يمكن أن تقع للمستأجر، و لايخالف فيها أحد من الاماميّة بل و لا من غيرهم». انتهى ملخّصا».(1)
أمّا الأخبار الصحيحة الناطقة بجواز الصلاة عن الميّت التي أشار اليها الشهيد في الذكرى، فمنها صحيحة عمر بن يزيد قال:
«قلت: لأبي عبداللّه عليه السلام: نصلّي عن الميّت؟ فقال: نعم، حتّى أنّه ليكون في ضيق فيوسّع اللّه عليه ذلك الضيق، ثمّ يؤتى فيقال له: خفّف عنك هذا الضيق بصلاة فلان أخيك عنك. قال: فقلت له: فأشرك بين رجلين في ركعتين؟ قال: نعم».(2)
و منها صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ما يلحق الرجل بعد موته؟ فقال: سنّة سنّها يعمل بها بعد موته فيكون له مثل أجر من يعمل بها من غير أن ينتقص من أجورهم شيء، و الصدقة الجارية تجري من بعده، و الولد الطيّب يدعو لوالديه بعد موتهما و يحجّ و يتصدّق و يعتق عنهما و يصلّي و يصوم عنهما. فقلت: أشركهما في حجّتي؟ قال: نعم».(3)
و منها صحيحة ثانية لمعاوية بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أيّ شيء يلحق الرجل بعد موته؟ قال: يلحقه
الحجّ عنه و الصدقة عنه و الصوم عنه».(1)
و منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألت أبي جعفر بن محمّد عليه السلام عن الرجل هل يصلح له أن يصلّي أو يصوم عن بعض موتاه؟ قال: نعم، فليصلّ ما أحبّ و يجعل تلك للميّت فهو للميّت اذا جعل ذلك له».(2)
و قد روى السيّد السند علي بن طاووس رحمه الله في كتابه (غياث سلطان الورى لسكّان الثرى) في هذا الباب روايات كثيرة تشتمل على ما ذكرناه و غيره. و قد نقلها عنه جماعة من أصحابنا رحمهم الله منهم الشهيد في الذكرى، و المجلسي في البحار و صاحبا الوسائل(3)و الحدائق(4)، و أمّا صاحب مستند العروة فقد ناقش فيها و قال: «انّ طريق السيّد بن طاووس رحمه الله الى أرباب الكتب و المجامع الحديثيّة التي يروى عنها غير معلوم لدينا حيث انّه رحمه الله لم يذكر ذلك ضمن اجازاته، فلم تعرف الوسائط بينه و بينهم كي ينظر في حالهم. انتهى».(5)
و كيف كان فالمستفاد من الصحاح المتقدّمة هو جواز الصلاة و الصوم و الحجّ و الصدقة و العتق عن الميّت و صحّة ذلك و هو معنى النيابة.
و قال صاحب الحدائق في موضع آخر منه: «ثمّ انّ ممّن ناقش في هذه المسألة المحدّث الكاشاني في كتاب المفاتيح فانّه قال: «و أمّا العبادات الواجبة عليه التي فاتته فما شاب منها المال كالحجّ يجوز الاستئجار له كما يجوز التبرّع به عنه بالنصّ و الاجماع. و أمّا البدنيّ المحض كالصلاة و الصيام ففي النصوص «يقضيها عنه أولى الناس به» و ظاهرها التعيين عليه، و الأظهر جواز التبرّع بهما عنه من
غيره أيضا، و هل يجوز الاستئجار لهما؟ المشهور نعم، و فيه تردّد لفقد النصّ فيه و عدم حجّيّة القياس حتّى يقاس على الحجّ أو على التبرّع، و عدم ثبوت الاجماع بسيطا و لا مركّبا اذ لم يثبت أنّ كلّ من قال بجواز العبادة للغير قال بجواز الاستئجار لها، و كيف كان فلايجب القيام بالعبادات البدنيّة المحضة له بتبرّع و لا استئجار الاّ مع الوصيّة ... الى آخر كلامه» و قال في كتاب المعايش و المكاسب بعد كلام في المقام: «و الذي يظهر لي أنّ ما يعتبر فيه نيّة التقرّب لايجوز أخذ الأجرة عليه مطلقا لمنافاته الاخلاص فانّ النيّة كما مضى ما يبعث على الفعل دون ما يخطر بالبال ... و أمّا جواز الاستئجار للحجّ فلأنّ فيه تغليبا لجهة الماليّة، فانّه انّما يأخذ المال ليصرفه في الطريق حتّى يتمكّن من الحجّ». و الجواب أنّ ما ذكره من «فقد النصّ في خصوص الصلاة و الصيام» ففيه أوّلاً: انّه لايشترط وجود النصّ في كلّ فعل و عمل يراد الاستئجار عليه و النصوص العامّة كافية كما في غير الاجارة من المعاملات. و ثانيا: انّه قد روى الصدوق قدس سره في الفقيه عن عبداللّه بن جبلة عن اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل يجعل عليه صياما في نذر فلايقوى؟ قال: «يعطي من يصوم عنه كلّ يوم مدّين» و هي صريحة في المطلوب. و ثالثا: النقض بالحجّ أيضا كما سيأتي بيانه ان شاء اللّه. انتهى ملخّصا».(1)
و أمّا ما ذكره ثانيا من أنّ «ما يعتبر فيه نيّة التقرّب لايجوز أخذ الأجرة عليه» فيقال في جوابه ما قاله الشيخ مرتضى الأنصاري: «انّ الشخص يجعل نفسه نائبا عن فلان في العمل متقرّبا الى اللّه، فالمنوب عنه يتقرّب اليه تعالى بعمل نائبه و تقرّبه، و هذا الجعل في نفسه مستحبّ؛ لأنّه احسان الى المنوب عنه و ايصال نفع اليه، و قد يستأجر الشخص عليه فيصير واجبا بالاجارة وجوبا توصّليّا لايعتبر فيه التقرّب. فالأجير انّما يجعل نفسه - لأجل استحقاق الأجرة - نائبا عن الغير في اتيان العمل الفلاني تقرّبا الى اللّه، فالأجرة في مقابل النيابة في العمل المتقرّب به الى اللّه
1) - الحدائق الناضرة 11: 49 - 51.
التي مرجع نفعها الى المنوب عنه. انتهى».(1)
ما وجب على المكلّف عينا كالصلاة و الصوم لايجوز له أن يستأجر أحدا ليأتي به عنه و كذا لايجوز التبرّع فيه و لاتفرغ ذمّته بذلك؛ لأنّ الشارع أرادها من كلّ مكلّف مباشرة. نعم، ورد ذلك في روايات كلّها ضعاف، كخبر محمّد بن مروان قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: ما يمنع الرجل منكم أن يبرّ والديه حيّين و ميّتين يصلّي عنهما و يتصدّق عنهما و يحجّ عنهما و يصوم عنهما فيكون الذي صنع لهما و له مثل ذلك فيزيد اللّه عزّوجلّ ببرّه و صلته خيرا كثيرا».(2)
و هو ضعيف بمحمّد بن علي، فانّ الظاهر كونه الصيرفي الكوفي الملقّب بأبي سمينة المشهور بالكذب و الوضع. و كذا محمّد بن مروان فانّه متردّد فيه بين الثقة و الضعيف.
و مرسلة أحمد بن فهد الحلّي في عدّة الداعي.(3)و رواية علي بن أبي حمزة قال:
«قلت لأبي ابراهيم عليه السلام: أحجّ و أصلّي و أتصدّق عن الأحياء و الأموات من قرابتي و أصحابي؟ قال: نعم، تصدّق عنه و صلّ عنه و
لك أجر بصلتك ايّاه».(1)
فهذه الرواية أيضا ضعيفة بعلي بن أبي حمزة البطائني.
ثمّ انّه يجوز الاستئجار في الحجّ لمن استقرّ عليه الحجّ حتّى صار شيخا أو مريضا لم يرج الزوال فيجب عليه أن يجهّز رجلاً ليحجّ عنه للروايات الخاصّة، و كذا لايجوز الاستئجار للمستحبّات كالنوافل و الصيام المندوبة الاّ الحجّ و العمرة بل مطلق زيارة قبور الأئمّة عليهم السلام و صلاة الزيارة للروايات الخاصّة.
قال في مستند العروة: «لاينبغي الاشكال في جواز اتيان المستحبّات و اهداء ثوابها للأحياء فضلاً عن الأموات من دون حاجة الى النصّ الدالّ عليه بالخصوص؛ لعدم كون ذلك من مصاديق الهبة التمليكيّة المصطلحة، حتّى تتوقّف صحّة التمليك في مثل المقام على قيام دليل يدلّ عليها بالخصوص؛ لوضوح كون الثواب المترتّب على الأعمال من باب التفضّل دون الاستحقاق، فلايملك العبد على مولاه شيئا كي يملك الغير ذلك، فمرجع الاهداء الى الدعاء و الطلب من الربّ عزّوجلّ اعطاء الثواب المتفضّل به لو شاء ذلك لشخص معيّن حيّا كان أو ميّتا بدلاً منه، و هو - تعالى - ان شاء استجاب له دعاءه، و الاّ فلا، كما هو الحال في سائر الدعوات. و معلوم أنّ الدعاء أمر سائغ و مشروع، في المقام و غيره، فلايحتاج الاهداء الذي هو من مصاديق الدعاء حقيقة الى قيام دليل خاصّ يدلّ عليه. انتهى».(2)
و ما أتى به متين لا اشكال فيه، مضافا الى ورود روايات في ذلك كما أشار اليه في المستمسك(3).
(مسألة 1): لايكفي في تفريغ ذمّة الميّت اتيان العمل و اهداء ثوابه بل لابدّ امّا من النيابة عنه بجعل نفسه نازلاً منزلته أو بقصد اتيان ما عليه له و لو لم ينزل نفسه منزلته، نظير أداء دين الغير. فالمتبرّع بتفريغ ذمّة الميّت له أن ينزل نفسه منزلته، و له أن يتبرّع بأداء دينه من غير تنزيل بل الأجير أيضا يتصوّر فيه الوجهان فلايلزم أن يجعل نفسه نائبا، بل يكفي أن يقصد اتيان ما على الميّت و أداء دينه الذي للّه.
الشرح:
لايكفي في تفريغ ذمّة الميّت اتيان العمل و اهداء ثوابه، و ذلك لما قلنا انّ المهدي يعمل العمل العبادي عن نفسه ابتداءً ثمّ يهدي ثوابها الى الميّت و اللّه سبحانه و تعالى يقبل هذه الهديّة بفضله و كرمه، و ليس للعامل حقّ على اللّه تعالى و يمكن أن لايقبل و هذا كمن يدعو اللّه في حاجة فقد يقضي حاجته و قد لايقضي، مضافا الى أنّه لو قبل اللّه هديّته و أعطى ثواب الصلاة أو الصيام الى الميّت، فالثواب غير العمل فما هو مشغول به ذمّة الميّت الصلاة و الصوم لا ثوابهما. بل لابدّ من النيابة عن الميّت لتفريغ ذمّته، فقد تقدّم صحّة النيابة عن الميّت و ما ورد في الروايات، فاذا صحّت النيابة تبرّعا صحّ عقد الاجارة على هذه النيابة، و ليس معنى النيابة مبهما للعرف، فكثيرا ما يقول بعض الناس لبعض - مثلاً - أنا أذهب لزيارة فلان نيابة عنك، أو أنا أجلس في هذا المكان أو أجيب عن الأسئلة نيابة عنك، الى غير ذلك من الأمثلة. فالنائب يصلّي و يصوم عن الميّت قربة الى اللّه تعالى، و لايلزم أن يقال للنائب اجعل نفسك بمنزلة الميّت فانّه تبعيد بلا فائدة. فالأجير يأخذ الأجرة لأن ينوب عن الميّت في صلاته و صومه كما ينوب في حجّه فانّه يصلّي و يصوم و يحجّ قربة الى اللّه نيابة عن الغير فما هو مورد الاجارة النيابة في الصلاة أو الصوم متقرّبا الى اللّه.
(مسألة 2): يعتبر في صحّة عمل الأجير و المتبرّع قصد القربة، و تحقّقه في المتبرّع لا اشكال فيه، و أمّا بالنسبة الى الأجير الذي من نيّته أخذ العوض فربّما يستشكل فيه بل ربّما يقال من هذه الجهة: انّه لايعتبر فيه قصد القربة، بل يكفي الاتيان بصورة العمل عنه. لكنّ التحقيق: أنّ أخذ الأجرة داعٍ لداعي القربة كما في صلاة الحاجة و صلاة الاستسقاء حيث انّ الحاجة و نزول المطر داعيان الى الصلاة مع القربة. و يمكن أن يقال: انّما يقصد القربة من جهة الوجوب عليه من باب الاجارة، و دعوى أنّ الأمر الاجاري ليس عباديّا بل هو توصّلي، مدفوعة بأنّه تابع للعمل المستأجر عليه، فهو مشترك بين التوصّليّة و التعبّديّة.
الشرح:
يعتبر في صحّة عمل الأجير و المتبرّع قصد القربة، و تحقّقه في المتبرّع لا اشكال فيه من جهة النصوص المتقدّمة، الاّ أنّه يشكل من جهات أخرى (كما في المستمسك(1)) احداها: أنّه يتقرّب بأمر نفسه أو بأمر المنوب عنه؟ و يشكل الأوّل بأنّه قد لايشرع العمل في حقّه، و يشكل الثاني بأنّ الأمر لايدعو الاّ من توجّه اليه. ثانيتها: أنّه كيف يكون فعله مفرغا لذمّة المنوب عنه؟ ثالثتها: أنّه كيف يتقرّب المنوب عنه بفعل النائب و كيف يستحقّ عليه الثواب؟
و الجواب عن الثلاث أوّلاً: وجود النصوص المعتبرة المتقدّمة الناطقة بأنّ عمل النائب المتبرّع يفيد الميّت و يحسن حاله و يتقرّب به و هو كاشف عن فراغ ذمّته.
و ثانيا: ففي الأولى: سلّمنا أنّه لايكون هناك أمر الاّ أنّ الملاك موجود، و أنّ عمل المتبرّع مرغوب فيه عند الشارع و هو كافٍ لشرعيّة عمل النائب. و في
1) - نفس المصدر: 111.
الثانية: أنّه اذا كان ملاك الأمر موجودا و عمل النائب مرغوبا فيه فهذا معنى فراغ ذمّة المنوب عنه بفعل النائب، و لا فرق بينه و بين ما اذا كان الميّت مديونا بشخص و أدّى دينه شخص ثالث تبرّعا. و في الثالثة: بأنّ فراغ ذمّة الميّت عبارة عن تقرّبه بفعل النائب و استحقاق الثواب.
و أمّا بالنسبة الى الأجير فيستشكل فيه بأنّ العمل يكون فاقدا لشرط الاخلاص، و حكي عن المستند أنّه لايعتبر فيه قصد القربة بل يكفي الاتيان بصورة العمل عنه. و المصنّف رحمه الله قال: «التحقيق أنّ أخذ الأجرة داعٍ لداعي القربة كما في صلاة الحاجة و صلاة الاستسقاء حيث انّ الحاجة و نزول المطر داعيان الى الصلاة مع القربة».
أقول:
أمّا ما حكي عن المستند من أنّه «لايعتبر قصد القربة ... » فهو كلام لا أساس له فانّ من شرط عباديّة العبادة قصد القربة فيها، و لو فقد لم تكن صلاة و لا صوم و ... و هو قوله تعالى: «ألا للّه الدين الخالص ... »(1)فانّ الدين عبارة عن العقائد و الأعمال الصالحة. و أمّا قول المصنّف بالنسبة الى الأجير حيث قال: «انّ أخذ الأجرة داعٍ لداعي القربة كما في ... » فلا اشكال فيه، فكما أنّ الداعي الى الصلاة بقصد القربة في صلاة الحاجة و صلاة الاستسقاء هو الحاجة و نزول المطر و لايضرّ بالاخلاص في العبادة و قصد القربة، فكذلك ما نحن فيه، فانّ الداعي الى اقامة الصلاة بقصد القربة تكون الأجرة، فانّ الأجير يعلم أنّ الصلاة بدون قصد القربة لا فائدة فيها، فانّ المستأجر استأجره للصلاة التي تكون عبادة و هي لاتحصل الاّ بقصد القربة، و لو كان فاقدا له لم يأت بالعمل المستأجر عليه. فبناءً عليه يظهر أنّ ما استشكل المستمسك بأنّه «لا مجال لقياس المقام على الأمثلة
1) - الزمر 39: 3.
المذكورة» لا محلّ له.
و بالجملة فالداعي الأوّل للأجير لاقامة الصلاة و الاتيان بالصوم و ان كان الأجرة، الاّ أنّ الخوف من اللّه يدعوه الى الاتيان بالصلاة و الصوم؛ لأنّه يريد أن لايكون هذا المال له أكلاً للمال بالباطل و لو أكل المال مع كون قصده عدم الاتيان بهما يكون أكلاً للمال بالباطل. فهذا الخوف من اللّه تعالى يدعوه الى الصلاة و الصيام و هو معنى قصد القربة، كما اعترف به قدس سره بأنّ «الفعل بداعي خوفه و رجائه في الأمور الدنيويّة و الأخرويّة لاينافي تحقّق الاطاعة و الانقياد له الموجب للقرب منه سبحانه و استحقاق الثواب، اذ الاطاعة في كلّ مقام لاتكون غرضا أصليّا للمطيع بل تكون غرضا غيريّا. انتهى».(1)
(مسألة 3): يجب على من عليه واجب من الصلاة أو الصيام أو غيرهما من الواجبات أن يوصي به، خصوصا مثل الزكاة و الخمس و المظالم و الكفّارات من الواجبات الماليّة، و يجب على الوصي اخراجها من أصل التركة في الواجبات الماليّة و منها الحجّ الواجب و لو بنذر و نحوه، بل وجوب اخراج الصوم و الصلاة من الواجبات البدنيّة أيضا من الأصل لايخلو عن قوّة لأنّها دين اللّه و دين اللّه أحقّ أن يقضى.
الشرح:
قال في مستند الشيعة: «لو كان على شخص قضاء صلوات فهل يجب عليه اعلام الولي عند موته ان كان ممّا يجب على الولي قضاؤه أو الوصيّة بالاستئجار و نحوه ان كان ممّا لايجب عليه؟ الظاهر لا؛ للأصل و عدم دليل على الوجوب. فان قيل: ذمّته مشغولة بالصلاة و تحصيل البراءة عنها واجبة و لايحصل الاّ بالاعلام و
1) - مستمسك العروة 7: 112.
الوصيّة و مقدّمة الواجب واجبة، قلنا: الثابت اشتغال ذمّته بأن يصلّي نفسه أو يقضي بنفسه و المفروض أنّه غير متمكّن منهما و لم يثبت الاشتغال بشيء آخر حتّى يجب مقدّمته. نعم، يكون هو عاصيا آثما لو ترك الصلاة أو قضاءها بالاختيار. فان قلت: دفع مضرّة العصيان و الاثم واجب و هو لايتحقّق الاّ بالاعلام و الوصيّة، قلنا: الدافع للمضرّة هو التوبة و التلافي بنفسه مع الامكان و أمّا فعل الغير فليس دافعا لمضرّة العصيان لو لم يتب. نعم، يصل به ثواب اليه و وجوب تحصيل الثواب غير معلوم و كونه من شرائط قبول التوبة غير معلوم علينا. انتهى».(1)
أقول:
لو كان على شخص قضاء صلوات يجب عليه الاتيان بها و لاتجوز المسامحة في ذلك الاّ أنّه لايجب الفور فيها كما مرّ. نعم، لو كان الوقت مضيّقا كما لو ظهر له علائم الموت و كان قادرا على الاتيان بها وجب عليه أداؤها. و أمّا لو لم يكن قادرا على أدائها وجب عليه اعلام الولي ان كان ممّا يجب عليه قضاؤه أو الوصيّة بالاستئجار و نحوه، و ذلك لأنّه يجب عليه فراغ ذمّته مهما أمكن بنفسه أو بغيره فاذا لم يتمكّن بنفسه يجب بغيره و هو لايحصل الاّ بالوصيّة. و قوله رحمه الله «و لم يثبت الاشتغال بشيء آخر» لايتمّ، بل تكون ذمّته مشغولة بالصلاة و الصيام بنفسه عند التمكّن و بغيره عند عدم التمكّن. و الفرض أنّ عمل الأجير مبرئ لذمّته كعمل الولي و لايكون هناك صرف الثواب. و هو و ان كان عاصيا و آثما لو كان مقصّرا و يجب عليه التوبة الاّ أنّ توبته لاهماله بالاتيان بالصلوات الفائتة. و أمّا فراغ ذمّته منها فهو أمر آخر لايحصل الاّ باتيانها الولي أو الأجير و هو لايحصل الاّ بالاعلام أو الوصيّة.
1) - مستند الشيعة 1: 518 و 519.
و أمّا الواجبات الماليّة مثل الزكاة و الخمس و المظالم و الكفّارات فيجب عليه أداؤها و لايجوز تأخيرها عن وقتها و لو ظهرت علائم الموت و لم يتمكّن من أدائها يجب عليه الوصيّة بها، و ذلك لأنّها دين عليه فذمّته مشغولة حتّى يؤدّيها أو يؤدّى عنه، و لا فرق بينها و بين الديون و الوديعة و العارية و غيرها من أموال الناس.
قال في الحدائق: «ظاهر جملة من الأصحاب القول بوجوب الوصيّة مطلقا بما لَه و عليه، و يدلّ عليه جملة من الأخبار الآتية في محلّها. انتهى».(1)
قال في الجواهر: «فقد أطلق المصنّف و غيره أنّه يجب على المديون أن يوصي به ليوصل الى ربّه أو الى وارثه ان ثبت موته بل عن الصيمري نفي الخلاف فيه، بل في النهاية: أوصى به الى من يثق به، بل في الروضة: يجب الوصاية به الى ثقة لأنّه تسليط على مال الغير. انتهى».(2)
و الدليل على وجوب الوصيّة بما اذا كان عليه دين من الناس أو من اللّه، مضافا الى وجوب تفريغ ذمّته الذي لايمكن الاّ بالوصيّة، موثّقة هشام بن سالم قال:
«سأل حفص الأعور أبا عبداللّه عليه السلام و أنا عنده جالس، قال: انّه كان لأبي أجير كان يقوم في رحاه و له عندنا دراهم و ليس له وارث؟ فقال أبو عبداللّه عليه السلام: تدفع الى المساكين، ثمّ قال: رأيك فيها، ثمّ أعاد عليه المسألة فقال له مثل ذلك فأعاد عليه المسألة ثالثة فقال أبو عبداللّه عليه السلام: تطلب وارثا فان وجدت وارثا و الاّ فهو كسبيل مالك، ثمّ قال: ما عسى أن يصنع بها، ثمّ قال: توصي بها فان جاء طالبها و الاّ فهي كسبيل مالك».(3)
ثمّ انّه يخرج ديون الميّت و ما يلحق بها من الواجبات الماليّة من أصل التركة، كالزكاة و الخمس و المظالم و الكفّارات. و يدلّ عليه الكتاب العزيز، قال اللّه تعالى: «من بعد وصيّة يوصي بها أو دين»(1)و السنّة، ففي رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أوّل شيء يبدأ به من المال الكفن ثمّ الدين ثمّ الوصيّة ثمّ الميراث».(2)
و رواية محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: انّ الدين قبل الوصيّة ثمّ الوصيّة على أثر الدين ثمّ الميراث بعد الوصيّة فانّ أوّل (أولى خ ل) القضاء كتاب اللّه».(3)
و كذا يخرج من أصل التركة الحجّ الواجب بلا اشكال فيه نصّا و فتوىً سواء أوصى به أو لم يوص و سواء أطلق عليه الدين أو لا و سيجيء الكلام فيه في محلّه ان شاء اللّه.
و أمّا الحجّ الواجب بالنذر و نحوه فيخرج من الثلث و ذلك لصحيحة ضريس الكناسي قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل عليه حجّه الاسلام نذر نذرا في شكر ليحجّنّ به رجلاً الى مكّة فمات الذي نذر قبل أن يحجّ حجّه الاسلام و من قبل أن يفي بنذره الذي نذر، قال: ان ترك مالاً يحجّ عنه حجّه الاسلام من جميع المال و أخرج من ثلثه ما يحجّ به رجلاًلنذره و قد وفى بالنذر، و ان لم يكن ترك مالاً الاّ بقدر ما يحجّ به
حجّه الاسلام حجّ عنه بما ترك، و يحجّ عنه وليّه حجّة النذر، انّما هو مثل دين عليه».(1)
و صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل نذر للّه ان عافى اللّه ابنه من وجعه ليحجّنّه الى بيت اللّه الحرام، فعافى اللّه الابن و مات الأب، فقال: الحجّة على الأب يؤدّيها عنه بعض ولده. قلت: هي واجبة على ابنه الذي نذر فيه؟ فقال: هي واجبة على الأب من ثلثه، أو يتطوّع ابنه فيحجّ عن أبيه».(2)
و لاتعارضهما صحيحة مسمع قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: كانت لي جارية حبلى فنذرت للّه عزّوجلّ ان ولدت غلاما أن أحجّه أو أحجّ عنه، فقال: انّ رجلاً نذر للّه عزّوجلّ في ابن له ان هو أدرك أن يحجّ عنه أو يحجّه فمات الأب و أدرك الغلام بعد فأتى رسول اللّه صلى الله عليه و آله الغلام فسأله عن ذلك، فأمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن يحجّ عنه ممّا ترك أبوه».(3)
لأنّ قوله عليه السلام «فأمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن يحجّ عنه ممّا ترك أبوه» ليس صريحا في أنّ الاخراج للحجّ النذري من أصل المال بل يصلح للتقييد بصحيحتي ضريس و ابن أبي يعفور. مضافا الى ما في صحيحة مسمع من المخالفة للقواعد المقرّرة و هو بطلان النذر لموت الناذر قبل حصول متعلّق النذر.
و أمّا اخراج الصوم و الصلاة من الواجبات البدنيّة من أصل المال فهو موضع الخلاف و ان قوّاه المصنّف رحمه الله. و استدلّ على ذلك بروايات دلّت على أنّ الصلاة
دين و أنّ دين اللّه أحقّ أن يقضى. و أمّا كونها دينا فدلّ عليه رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: رجل عليه دين من صلاة قام يقضيه فخاف أن يدركه الصبح و لم يصلّ صلاة ليلته تلك؟ قال: يؤخّر القضاء و يصلّي صلاة ليلته تلك».(1)
و ما روي عن حمّاد عن أبي عبداللّه عليه السلام في إخباره عن لقمان:
«و اذا جاء وقت الصلاة فلاتؤخّرها لشيء، صلّها و استرح منها فانّها دين».(2)
و أمّا كون دين اللّه أحقّ بالقضاء، فدلّت عليه رواية الخثعميّة لمّا سألت رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقالت:
«يا رسول اللّه، انّ أبي أدركته فريضة الحجّ شيخا زمنا لايستطيع أن يحجّ، ان حججت عنه أينفعه ذلك؟ قال لها: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ذلك؟ قالت: نعم. قال صلى الله عليه و آله: فدين اللّه أحقّ بالقضاء».(3)
و أشكل في هذه الروايات:
أوّلاً: في سندها، فانّ الأوّلتين منها لم تذكرا في الكتب الأربعة و انّما رواهما كغيرهما السيّد السند علي بن موسى بن طاووس قدس سرهفي كتابه (غياث سلطان الورى لسكّان الثرى) و يشتمل هذا الكتاب على روايات كثيرة، و قد نقلها عنه جماعة منهم الشهيد في الذكرى و المجلسي في البحار و صاحب الوسائل و الحدائق.
قال العلاّمة الخوئي: «ولكن تلكم الأخبار على كثرتها و جلالة جامعها غير معتبرة؛ لضعف أسناد بعضها في حدّ نفسها كالذي يرويه عن علي بن أبي حمزة المراد به البطائني؛ لعدم توثيقه. و لتطرّق الخدشة في أسناد جميعها نظرا الى أنّ طريق السيّد بن طاووس قدس سره الى أرباب الكتب و المجامع الحديثيّة التي يروى عنها غير معلوم لدينا حيث انّه قدس سره لم يذكر ذلك ضمن اجازاته، فلم تعرف الوسائط بينه و بينهم كي ينظر في حالهم من حيث الضعف أو الوثاقة و مجرّد الاعتبار عنده أو عند من يروي عنه غير كافٍ في الاعتبار عندنا، كما لايخفى. و لايبعد أن يكون قد روى ذلك عن كتاب «مدينة العلم» فقد ذكر في اجازاته أنّ الكتاب المذكور كان موجودا عنده حين تصنيفه لكتابه، غير أنّ طريقه الى ذلك الكتاب - أيضا - غير معلوم. و عليه فتكون الروايات المذكورة بأجمعها ملحقة بالمراسيل حيث لايمكن الاعتماد عليها. انتهى».(1)
و ثانيا: انّ الراوي في الرواية الأولى عبّر عن الصلاة بالدين، و كون كلام الامام عليه السلامامضاءً لما عبّر عنه الراوي غير معلوم.
و ثالثا: لو فرض أنّ الامام عبّر عن الصلاة بالدين فلانسلّم أنّ هذا الدين أيضا يخرج من الأصل كالديون الماليّة فكون هذا التشبيه من جميع الجهات غير معلوم. و الحاصل أنّ مثل الصلاة و الصوم و الكفّارات و النذورات فان كان الميّت أوصى بها يخرج من الأصل و ان لم يوص بها فان كان له ولي و يعلم اشتغال ذمّته بها يجب عليه الاتيان بصلاته و صيامه، و ان لم يكن له ولي فلايجب على الورثة أداؤها.
(مسألة 4): اذا علم أنّ عليه شيئا من الواجبات المذكورة وجب اخراجها من تركته و ان لم يوص به، و الظاهر أنّ اخباره بكونها عليه يكفي في وجوب
1) - مستند العروة 16: 200.
الاخراج من التركة.
الشرح:
اذا علم الوارث أنّ على الميّت ديون الناس أو حجّه الاسلام أو الخمس أو الزكاة وجب عليه اخراجها من التركة و يدلّ عليه قوله تعالى: «من بعد وصيّة يوصي بها أو دين»(1). و أمّا غيرها من الصلاة و الصوم و غير حجّه الاسلام، و الكفّارات و النذورات فلايجب عليه اخراجها من التركة الاّ اذا أوصى بها فيجب اخراجها من الثلث، و ذلك لعدم الدليل على وجوب اخراج ما ذكر فيما اذا لم يوص. نعم، لو علم الولد الأكبر باشتغال ذمّته بالصلاة و الصيام وجب عليه الاتيان بهما و ان لم يوص لما سيأتي.
و أمّا لو لم يعلم الوارث بذلك فحينئذ فان أخبر أنّ عليه دينا أو حجّه الاسلام يجب على الورثة اخراجهما من التركة؛ لأنّ ذلك اقرار على نفسه فيقبل منه. و أمّا لو أخبر أنّ عليه الصلاة و الصيام فان كان وصيّة عمل بها ولو لم يكن وصيّة بل كان صرف الإخبار، فان كان له ولد أكبر و تيقّن باشتغال ذمّته يجب عليه الاتيان بهما و ان لم يكن له ولي لم يجب على الوارث أداؤهما و ان تيقّنوا، و ذلك لعدم الدليل على الوجوب.
(مسألة 5): اذا أوصى بالصلاة أو الصوم و نحوهما و لم يكن له تركة، لايجب على الوصي أو الوارث اخراجه من ماله، و لا المباشرة، الاّ ما فات منه لعذر من الصلاة و الصوم، حيث يجب على الولي و ان لم يوص بهما. نعم، الأحوط مباشرة الولد ذكرا كان أو أنثى مع عدم التركة اذا أوصى بمباشرته لهما و ان لم يكن ممّا يجب على الولي أو أوصى الى غير الولي
1) - النساء 4: 11.
بشرط أن لايكون مستلزما للحرج من جهة كثرته، و أمّا غير الولد ممّن لايجب عليه اطاعته فلايجب عليه، كما لايجب على الولد أيضا استئجاره اذا لم يتمكّن من المباشرة، أو كان أوصى بالاستئجار عنه، لا بمباشرته.
الشرح:
اذا أوصى بالصلاة و الصوم و نحوهما و لم يكن له تركة لايجب على الوصي أو الوارث اخراجه من ماله؛ لأنّ وجوب العمل بالوصيّة انّما يكون فيما يتعلّق بماله و الفرض أنّه لا مال له و لاتجب المباشرة على الوصي أو الوارث لعدم الدليل على الوجوب. نعم، اذا كان له الولد الأكبر يجب عليه ما فات من صلاته و صيامه لعذر و ان لم يوص بهما. فلو لم يكن له الولد الأكبر فهل يجب على أولاده الأخر ذكورا كانوا أو اناثا اذا أوصى بمباشرته لهما؟ الظاهر عدم الوجوب، و ذلك لأنّ وجوب طاعة الولد لوالديه على الاطلاق ليس عليه دليل، بل الواجب على الولد انّما هو البرّ في مقابل العقوق بأن يعاملهما معاملة حسنة و يصاحبهما بالمعروف. قال اللّه تعالى: «و صاحبهما في الدنيا معروفا»(1)في مقابل سوء المصاحبة، لا أنّه يجب عليه اطاعتهما على حدّ وجوب اطاعة العبيد لمواليهم، فانّه لا دليل عليه. فلو قال له صلّ صلاة الليل أو النوافل أو اقرأ القرآن في كلّ يوم أو أوصاه باستئجار من ينوب عنه لزيارة الحسين عليه السلام كلّ ليلة جمعة، أو يستأجر من يصلّي عنه و يصوم و يحجّ و نحو ذلك لايجب على الولد اطاعته سواء كان الموصى له الولد الأكبر أو غيره من أولاده. و بالجملة لايجب على الولد اطاعة والديه في حياتهما و بعد مماتهما، نعم لو كان ترك اطاعتهما موجبا لايذائهما و لم يكن ما أمراه معصية فلايترك الاحتياط في بعض الموارد.
و أمّا عدم نفوذ وصيّته بالنسبة الى غير الوارث فبالأولويّة القطعيّة، فاذا أوصى
1) - لقمان 31: 15.
أجنبيّا بالاتيان بالصلاة و الصوم و غيرهما عنه لم يجب عليه اذا لم يكن للميّت مال، و كذا لو أوصى بما يرجع الى التصرّف في مال الأجنبي أو فعله، فلا معنى لاجابته و وجوب العمل بوصيّته؛ لأنّ ما دلّ من الكتاب و السنّة على لزوم العمل بالوصيّة منصرف عن مثلها جزما، فانّ الوصيّة الملحوظة في موضوع الأدلّة المذكورة، كقوله تعالى: «كتب عليكم اذا حضر أحدكم الموت ان ترك خيرا الوصيّة للوالدين و الأقربين»(1)و قوله تعالى:«من بعد وصيّة يوصي بها أو دين»(2)انّما هي بالاضافة الى ما يتركه الميّت و يخلفه من الأموال، و أنّه اذا أوصى بذلك أحدا بأن جعل له ولاية التصرّف في ماله، وجب عليه العمل بالوصيّة. و أمّا في غير ذلك كما لو أوصى بأن يصلّي زيد عليه صلاة الميّت أو يطعم زيد من ماله الخاصّ الفقراء في كلّ ليلة جمعة و نحو ذلك من الأعمال القائمة بالموصى له فلا دليل على نفوذ مثل هذه الوصيّة، و لايجب القبول؛ لأنّه تصرّف في سلطان الغير بدون حقّ فليس له أن يلزم أحدا بعمل لايرتبط بأمواله.
(مسألة 6): لو أوصى بما يجب عليه من باب الاحتياط وجب اخراجه من الأصل أيضا. و أمّا لو أوصى بما يستحبّ عليه من باب الاحتياط وجب العمل به لكن يخرج من الثلث. و كذا لو أوصى بالاستئجار عنه أزيد من عمره، فانّه يجب العمل به و الاخراج من الثلث لأنّه يحتمل أن يكون ذلك من جهة احتماله الخلل في عمل الأجير. و أمّا لو علم فراغ ذمّته علما قطعيّا فلايجب و ان أوصى به، بل جوازه أيضا محلّ اشكال.
الشرح:
في المسألة فرعان:
لو أوصى بما يجب عليه من باب الاحتياط فهل يخرج من الأصل؟
اعلم أوّلاً أنّ الاحتياط على قسمين: شرعي و عقلي. فالشرعي كالشكّ في المكلّف به بعد وجوب التكليف كما اذا علم أنّه يجب عليه صلاة في يوم الجمعة و لم يدر أظهر هي أم الجمعة فحينئذٍ يجب عليه الاتيان بهما؛ لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة. و أمّا العقلي كما اذا اشتبه عليه أمر القبلة بين جهتين فاذا صلّى الى جهة يحكم عقله بأداء صلاة أخرى الى الجهة الثانية ليتيقّن بأداء ما عليه من الواجب. و الفرق بين هذين الاحتياطين أنّ الأوّل قد اشتبه عليه المكلّف به من جهة فقدان النصّ أو اجماله أو تعارض النصّين حيث يحتاج الى الاجتهاد أو التقليد، و أمّا الثاني فقد اشتبه عليه المكلّف به من جهة الاشتباه في الموضوع فانّه لايحتاج الى الاجتهاد و التقليد.
و بعد ذلك نقول: لو أوصى بما يجب عليه من باب الاحتياط الشرعي، فان كان ذلك الاحتياط عند الوصي اجتهادا أو تقليدا واجبا و كان ممّا يخرج من الأصل كديون الناس و حجّه الاسلام يجب اخراجه من الأصل، و أمّا لو لم يكن الموصى به ممّا يخرج من الأصل يجب اخراجه من الثلث سواء كان ذلك الاحتياط واجبا عند الوصي أيضا أو لم يكن، و الدليل على وجوب اخراجه من الثلث وجوب العمل بالوصيّة. و لو أوصى بما يجب عليه من باب الاحتياط العقلي فان كان مثل ديون الناس كما لو علم أنّ عليه دينا و لم يعلم أنّ الدائن زيد أو عمرو، فسيأتي في كتاب الخمس في المسألة الثلاثين أنّه اذا علم قدر المال و لم يعلم صاحبه بعينه لكن علم في عدد محصور ففي وجوب التخلّص من الجميع و لو بارضائهم بأيّ وجه كان أو وجوب اجراء حكم مجهول المالك عليه، أو
استخراج المالك بالقرعة أو توزيع ذلك المقدار عليهم بالسويّة وجوه، فالعقل يحكم بوجوب التخلّص من الجميع و لو بارضائهم بأيّ وجه كان كالمصالحة، الاّ أنّه لو لم يرضوا بالمصالحة و طلبوا حقّهم فلو قلنا بوجوب ردّ ذلك المقدار على كلّ واحد منهم فقد يكون ضررا عليه و ان كان يمكن أن يقال بتعارض قاعدة «لا ضرر» في حقّ كلّ من الطرفين و ترجيح جانب الدائن اذا كان المديون مقصّرا في أخذ المال، الاّ أنّه اذا لم يكن مقصّرا و أراد تفريغ ذمّته فلا رجحان للقاعدة من جانب الدائن، و حينئذٍ فلا بأس بالعمل بما رواه السكوني عن الصادق عن أبيه عليهماالسلام في رجل استودع رجلاً دينارين فاستودعه آخر دينارا فضاع دينار منها قال:
«يعطي صاحب الدينارين دينارا و يقسّم الآخر بينهما نصفين».(1)
و قد عدّه العلاّمة الخوئي معتبرة. و في الوصيّة فالظاهر أنّ الوصي مخيّر بين العمل بالرواية و الاخراج من الأصل و بين العمل بالوصيّة و الاخراج من الثلث. هذا في الوصيّة في مثل ديون الناس، و أمّا الوصيّة في مثل الصلاة و الصوم من باب الاحتياط العقلي فالواجب العمل بالوصيّة و الاخراج من الثلث.
لو علم فراغ ذمّة الميّت من الصلاة و الصيام علما قطعيّا فهل يجب العمل بالوصيّة؟
تارةً يوصي أن يقضى عنه و أخرى يوصي أن يؤدّى عنه في كلّ يوم، ففي الأولى الظاهر عدم الجواز؛ لأنّ موضوع قضاء الصلاة و الصوم فوتهما و
1) - وسائل الشيعة 18: 452 / الباب 12 من أبواب أحكام الصلح / الحديث 1.
المفروض هنا عدمه فأين القضاء؟ و تدلّ عليه موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان و ماتت في شوّال فأوصتني أن أقضي عنها؟ قال: هل برئت من مرضها؟ قلت: لا، ماتت فيه. قال: لاتقضي عنها، فانّ اللّه لم يجعله عليها. قلت: فانّي أشتهي أن أقضي عنها و قد أوصتني بذلك؟ قال: كيف تقضي شيئا لم يجعله اللّه عليها فان اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم».(1)
و أمّا الثانية فاستدلّ عليه بما رواه في المستدرك عن الشيخ و النجاشي من أنّ:
«صفوان بن يحيى [كان] أوثق أهل زمانه عند أهل الحديث و أعبدهم، كان يصلّي كلّ يوم خمسين و مائة ركعة، و يصوم في السنة ثلاثة أشهر، و يخرج زكاة ماله كلّ سنة ثلاث مرّات، و ذلك أنّه اشترك هو و عبداللّه بن جندب و علي بن النعمان في بيت اللّه الحرام فتعاقدوا جميعا ان مات واحد منهم يصلّي من بقي صلاته و يصوم عنه و يحجّ عنه و يزكّي عنه مادام حيّا، فمات صاحباه و بقي صفوان بعدهما و كان يفي لهما بذلك و يصلّي لهما و يصوم عنهما و يحجّ عنهما و كلّ شيء من البرّ و الصلاح يفعله لنفسه، كذلك يفعله عن صاحبيه».(2)
أقول:
أمّا بالنسبة الى الخيرات و الصدقات المستحبّة و الحجّ الاستحبابي بل الصوم المندوب فلا اشكال فيه اذا نوى اهداء ثوابها الى الميّت و يجب العمل بالوصيّة اذا
كانت بمثل الأعمال المذكورة و بعنوان اهداء ثوابها الى الميّت فيخرج من الثلث. و أمّا الصلاة الواجبة فأداؤها في وقتها نيابة عن الميّت فلا دليل عليه فهذه الرواية لم تنقل عن المعصوم فلاتكون دليلاً. نعم، لو صلّى مكرّرا و قلنا بجواز الاعادة و أهدى ثواب غير واحدة منها الى الميّت فجائز، فاذا كانت الوصيّة هكذا يكون العمل بها واجبا فيخرج من الثلث.
(مسألة 7): اذا آجر نفسه لصلاة أو صوم أو حجّ فمات قبل الاتيان به فان اشترط المباشرة بطلت الاجارة بالنسبة الى ما بقي عليه و تشتغل ذمّته بمال الاجارة ان قبضه، فيخرج من تركته، و ان لم يشترط المباشرة وجب استئجاره من تركته ان كان له تركة، و الاّ فلايجب على الورثة، كما في سائر الديون اذا لم يكن له تركة. نعم، يجوز تفريغ ذمّته من باب الزكاة أو نحوها أو تبرّعا.
الشرح:
ما ذهب اليه المصنّف من بطلان الاجارة في صورة اشتراط المباشرة صحيح؛ لأنّه اذا فقد الشرط فقد المشروط فاذا مات الأجير لم يمكن تحصيل الشرط فتبطل الاجارة و حينئذٍ فتارة لم يقبض مال الاجارة و أخرى قبضه، ففي الأولى فان كان لم يفعل شيئا من الصلاة و الصوم و الحجّ فلا أجرة له، و ان كان قد فعل شيئا منها فيطلب الورثة أجرة ما أدّى منها بالنسبة الى ما بقي. و في الثانية فان لم يفعل شيئا ممّا آجر نفسه له فيخرج ما قبضه من تركته، و ان كان قد فعل شيئا منها فيخرج من تركته بالنسبة الى ما أدّى؛ لأنّ ذلك دين مالي عليه. و أمّا في صورة عدم اشتراط المباشرة فان قبض المال يجب على الورثة استئجاره من تركته ان كان له تركة و الاّ فلايجب على الورثة كما في سائر الديون اذا لم يكن له تركة. نعم، يجوز تفريغ ذمّته من باب الزكاة أو نحوها أو تبرّعا.
(مسألة 8): اذا كان عليه الصلاة أو الصوم الاستئجاري و مع ذلك كان عليه فوائت من نفسه فان وفت التركة بهما فهو و الاّ قدّم الاستئجاري؛ لأنّه من قبيل دين الناس.
الشرح:
اذا كان عليه الصلاة أو الصوم الاستئجاري يخرج من التركة سواء أوصى بذلك أم لم يوص لأنّه من قبيل دين الناس. و لو كان مع ذلك عليه فوائت فان أوصى بها فبعد اخراج دينه يخرج من الثلث، و ان لم يوص بذلك ففي ذمّة أكبر أولاده الذكور و ان لم يكن فلا شيء على الورثة.
و أمّا على مبنى المصنّف فيخرج كلاهما من أصل التركة فان وفت التركة بهما فهو و ان لم تف فهل يقدّم الاستئجاري أو يقسّط؟
قولان، ذهب المصنّف بتقديم الاستئجاري للتزاحم و أهمّيّة دين الناس.
و قال في المستمسك: «هذا و ان اشتهر، الاّ أنّه لا دليل عليه ظاهر، كما يظهر من ملاحظة كلماتهم فيما لو لم تف التركة بالدين و حجّه الاسلام، فانّ المعروف هو التوزيع بالحصص. بل ظاهر بعض النصوص تقديم الحجّ على الزكاة، و مال الى العمل به في الحدائق.انتهى».(1)
و قال في مستند العروة: «انّ المقام ليس من باب التزاحم لأنّ مورده في الأحكام التكليفيّة و لايجري في الأحكام الوضعيّة التي منها المقام، بمعنى أنّه اذا كان هناك تكليفان كمن استقرّ عليه الحجّ و اشتغلت ذمّته بالدين أيضا، و المفروض أنّ ماله لايفي الاّ بأحدهما، فقد توجّه عليه حينئذٍ تكليفان فيقع التزاحم بينهما فيرجّح الدين لأهمّيّته قطعا أو احتمالاً، و أمّا ما نحن فيه فلم يتعلّق بالولي أو الوصي تكليفان لايمكنه الجمع بينهما في مقام الامتثال حتّى يتحقّق التزاحم، بل
1) - مستمسك العروة 7: 123.
يكون أمر التركة دائرا بين الصرف في الاستئجاري و صرفه في عبادة الميّت الواجبة عليه بالأصالة. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
سيأتي في الفرع الثالث من المسألة الثالثة و الثمانين في شرائط وجوب حجّه الاسلام أنّه اذا كان عليه دين من الزكاة و الخمس و دين الناس و مع ذلك استقرّ عليه حجّه الاسلام فلو لم يف المال بالجميع يقدّم الحجّ و يصرف ما زاد بالحصص و ذلك للنصّ. و أمّا فيما كان عليه الصلاة و الصوم الاستئجاري و كان عليه فوائت من نفسه فان قلنا بأنّ الثاني أيضا دين كما هو مبنى المصنّف ففي فرض عدم وفاء التركة بهما توزّع بينهما بالحصص كما ذهب اليه العلمان لعدم الدليل على تقديم الاستئجاري.
(مسألة 9): يشترط في الأجير أن يكون عارفا بأجزاء الصلاة و شرائطها و منافياتها و أحكام الخلل عن اجتهاد أو تقليد صحيح.
الشرح:
يجب على المكلّف أن يطيع مولاه فيما أمره به و نهاه عنه، و لو كان المأمور به ذا أجزاء و شرائط يلزم عليه أن يأتي بها تامّة.فلو كان جاهلاً بالمأمور به أو شرائطه يجب عليه التعلّم، و العلم طريق للامتثال و لايكون واجبا نفسيّا. و لا فرق فيما ذكر بين ما كان واجبا عليه ذاتا كالصلوات اليوميّة أو بالعرض كالصلاة الاستئجاري، فمن أراد أن يؤجر نفسه يجب عليه التعلّم ان كان جاهلاً بأجزاء الصلاة و شرائطها. و أمّا المستأجر فيجب عليه أن يستأجر من يطمئنّ باتيانه الصلاة صحيحا؛ لأنّ الواجب عليه تفريغ ذمّة الميّت و هو لايحصل الاّ بما ذكر، و
1) - مستند العروة 16: 231 و 232.
لو شكّ بعد مدّة بأنّ الأجير عمل بما استؤجر عليه أو لا فالأصل عدمه. و أمّا اذا علم أنّ الأجير عمل به و أتى بما استؤجر عليه الاّ أنّه شكّ في صحّة ما أتى به فحينئذٍ تجري أصالة الصحّة.
نعم، اذا علم أنّه لم يكن عارفا بأجزاء الصلاة و شرائطها ولكنّه تعهّد أن يتعلّم بحيث اطمأنّ بوفائه فبعد مدّة شكّ في أنّه عرف مسائلها أو لا، فالأصل الحاكم الاستصحاب فلاتجري أصالة الصحّة ان قلنا بأنّ دليلها السيرة لأنّها دليل لبّي فالقدر المتيقّن منه ما اذا لم يسبق العلم بعدم معرفة الأجير مسائل الصلاة التي كان محتاجا اليها. و أمّا ان كان دليلها الروايات فاطلاقها حاكم، فسيأتي في الحجّ.
(مسألة 10): الأحوط اشتراط عدالة الأجير و ان كان الأقوى كفاية الاطمئنان باتيانه على الوجه الصحيح و ان لم يكن عادلاً.
الشرح:
تقدّم في المسألة السابقة أنّه يجب على المستأجر أن يستأجر من يطمئنّ بصدور الفعل عنه صحيحا لأنّ الواجب عليه تفريغ ذمّة الميّت و هو لايحصل الاّ بما ذكر فانّ الاطمئنان علم عادي و حجّة عقلائيّة. فان استأجر من لم يكن مطمئنّا بصدور الفعل عنه لم تبرأ ذمّته و ان كانت الاجارة صحيحة، ثمّ ان أخبر الأجير باتيانه العمل المستأجر له فان كان عادلاً أو ثقة برئت ذمّة المستأجر و أمّا ان لم يكن عادلاً أو ثقة فلايكفي.
ثمّ انّ صاحب الجواهر أفاد بأنّ «تتبّع الأخبار بعين الانصاف و الاعتبار يورث القطع بالاكتفاء بنحو ذلك و بأنّ كلّ ذيعمل مؤتمن على عمله، كالأخبار الواردة في القصّارين و الجزّارين و الجارية المأمورة بتطهير ثوب سيّدها، و أنّ الحجّام مؤتمن في تطهير موضع الحجامة و نحو ذلك، فضلاً عن عموم أدلّة الوكالة و
تصديق الوكيل فيما وكّل فيه.انتهى».(1)
و يستفاد ممّا أفاده رحمه الله حجّيّة اخبار كلّ عامل عن عمله، و أنّه مصدّق فيه. و من مصاديق هذا الموضوع هو اخبار النائب عن تحقّق الفعل الذي هو مورد الكلام.
و فيه: ان ثبتت هذه الكلّيّة فبها و نعمت، و ان لم تثبت كما هو المظنون فلابدّ من الرجوع الى ما يقتضيه القواعد و هو حجّيّة اخبار العادل أو الثقة عن عمله.
و أنت اذا أشرفت على ما ذكر عرفت أنّ الأولى للماتن التعبير التالي: «يشترط عدالة الأجير في حجّيّة اخباره عن عمله و ان كان الأقوى كفاية كونه ثقة».
(مسألة 11): في كفاية استئجار غير البالغ و لو باذن وليّه اشكال و ان قلنا بكون عباداته شرعيّة و العلم باتيانه على الوجه الصحيح، و ان كان لايبعد ذلك مع العلم المذكور. و كذا لو تبرّع عنه مع العلم المذكور.
الشرح:
هل يكون عبادات الصبي شرعيّة فاذا كان كذلك فما الدليل على ذلك؟
الظاهر أنّ عبادات الصبي المميّز تكون شرعيّة و الدليل على ذلك هو أنّ الظاهر من الروايات كون عبادات الصبي ذات ملاك، ففي صحيحة معاوية بن وهب قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام: في كم يؤخذ الصبي بالصلاة؟ فقال: فيما بين سبع سنين و ستّ سنين. الحديث».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام في الصبي متى يصلّي؟ فقال:
«اذا عقل الصلاة. قلت: متى يعقل الصلاة و تجب عليه؟ قال: لستّ
سنين».(1)
و رواية اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أتى على الصبي ستّ سنين وجب عليه الصلاة، و اذا أطاق الصوم وجب عليه الصيام».(2)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام عن أبيه قال:
«انّا نأمر صبياننا بالصلاة اذا كانوا بني خمس سنين فمروا صبيانكم بالصلاة اذا كانوا بني سبع سنين».(3)
و عن علي عليه السلام قال:
«علّموا صبيانكم الصلاة و خذوهم بها اذا بلغوا ثماني سنين».(4)
و رواية الحسن بن قارن أنّه قال:
«سألت الرضا عليه السلام أو سئل و أنا أسمع عن الرجل يجبر ولده و هو لايصلّي اليوم و اليومين؟ فقال: و كم أتى على الغلام؟ فقلت: ثماني سنين. فقال: سبحان اللّه! يترك الصلاة؟! قال: قلت: يصيبه الوجع. قال: يصلّي على نحو ما يقدر».(5)
و رواية عبداللّه بن فضالة عن أبي عبداللّه أو أبي جعفر عليهماالسلام (في حديث) قال:
«سمعته يقول: يترك الغلام حتّى يتمّ له سبع سنين فاذا تمّ له سبع سنين قيل له: اغسل وجهك و كفّيك، فاذا غسلهما قيل له: صلّ، ثمّ يترك حتّى يتمّ له تسع سنين فاذا تمّت له علّم الوضوء و ضرب عليه، و أمر بالصلاة و ضرب عليها فاذا تعلّم الوضوء و الصلاة غفر
1) - وسائل الشيعة 4: 18 / الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 4: 19 / الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 4: 19 / الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 4: 20 / الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض / الحديث 8.
5) - وسائل الشيعة 4: 20 / الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض / الحديث 6.
اللّه لوالديه ان شاء اللّه».(1)
و صحيحة فضيل بن يسار قال:
«كان علي بن الحسين عليه السلام يأمر الصبيان يجمعون بين المغرب و العشاء و يقول: هو خير من أن يناموا عنها».(2)
و رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الصبيان اذا صفّوا في الصلاة المكتوبة؟ قال: لاتؤخّروهم عن الصلاة و فرّقوا بينهم».(3)
فاذا كانت عبادات الصبي ذات ملاك فيصلح أن يثاب عليها و تكون ذات أثر و هو التقرّب الى اللّه فاذا صلّى أو صام أو زار و ... و أهدى ثوابها الى ميّت يشمله روايات الاهداء فيشمله روايات النيابة.
و استشكل في مستند العروة بأنّ «الأمر بالأمر بالشيء و ان كان أمرا بالشيء نفسه الاّ أنّه منصرف الى ما يأتي به الصبي من الصلاة و الصيام عن نفسه و لا اطلاق له بالاضافة الى ما ينوب فيهما عن غيره فلا دليل على ثبوت الأمر بالنسبة الى عباداته النيابيّة، و هو ممّا لابدّ منه في صحّة النيابة كما عرفت ذلك آنفا».(4)
و فيه أوّلاً: انّ الانصراف بدويّ.
و ثانيا: اذا قلنا بشرعيّة عباداته و محبوبيّتها و أنّ عمله ذوأثر كفى في صحّة استئجاره و نيابته عن الميّت أو تبرّعه و تفريغ ذمّة الميّت، و ذلك كما تقدّم أنّ من جملة الدليل على صحّة استئجار شخص لعبادات الميّت هو ما ورد من صحّة اهداء ثواب الصلاة و غيرها الى الميّت فاذا كان هذا مشروعا فاستئجاره لصلواته
الفائتة نيابة عنه يكون مشروعا، فاذا صحّ من الصبي أن يصلّي و يهدي ثوابها الى الميّت فاستئجاره و تبرّعه لصلاة الميّت نيابة عنه أيضا صحيح.
و ثالثا: الروايات الواردة في النيابة عن الميّت بالنسبة الى عباداته الفائتة عنه مطلقة، فتشمل من يصحّ منه الصلاة و غيرها من العبادات.
(مسألة 12): لايجوز استئجار ذوي الأعذار، خصوصا من كان صلاته بالايماء أو كان عاجزا عن القيام و يأتي بالصلاة جالسا و نحوه، و ان كان ما فات من الميّت أيضا كان كذلك. و لو استأجر القادر فصار عاجزا وجب عليه التأخير الى زمان رفع العذر و ان ضاق الوقت انفسخت الاجارة.
الشرح:
هذه المسألة متفرّعة عن المسألة الرابعة و الثلاثين من مسائل القضاء فانّ فيها: «الأحوط لذوي الأعذار تأخير القضاء الى زمان رفع العذر الاّ اذا علم بعدم ارتفاعه الى آخر العمر أو خاف مفاجأة الموت». فقد تقدّم كلام صاحب الجواهر هناك فراجع. فنقول هنا: لايجوز استئجار ذوي الأعذار و ان كان الميّت معذورا أيّام حياته؛ لأنّ ذمّته مشغولة بصلاة تامّة، و لذا لو كان يرفع عذره و أراد قضاء ما فات زمان عذره، كان يجب عليه أن يصلّي صلاة تامّة.
فلو استؤجر القادر فصار عاجزا يجب عليه التأخير الى زمان رفع العذر و ان ضاق الوقت فان اشترط المباشرة انفسخت الاجارة، و لو لم يكن من نيّة المستأجر أداء الصلاة مباشرة يجوز للأجير أن يستأجر شخصا آخر.
و قال في الجواهر: «لايصحّ استئجار الزمن و نحوه من ذوي الأعذار للقضاء عن الغير ابتداءً لعدم صحّة تبرّعه، و كذا ما عرض منها بعد الاجارة، ضرورة عدم صلاحيّتها لتسويغ غير السائغ قبلها، بل أقصاها الالزام بالسائغ قبلها، فتنفسخ حينئذ مع اشتراط المباشرة مثلاً و عدم رجاء زوال العذر أو طول مدّته، و يلزم
باستئجار غيره ان لم يكن كذلك. انتهى».(1)
هذا، مضافا الى استصحاب شغل ذمّة المتحمّل عنه الى أن يتيقّن ببراءة ذمّته أو يدلّ دليل عليها.
(مسألة 13): لو تبرّع العاجز عن القيام - مثلاً - عن الميّت، ففي سقوطه عنه اشكال.
الشرح:
لو تبرّع العاجز عن القيام مثلاً عن الميّت فلايسقط عن الميّت؛ لأنّ ذمّة الميّت مشغولة بالصلاة الصحيحة التامّة و ان كان الميّت عاجزا حين فوت الصلاة، فلاتبرأ ذمّة الولي و لا الوصي لو أوصى باتيان ما فات منه. نعم، يثاب المتبرّع على فعله و ينفع الميّت لأنّها عمل صالح فكأنّه أهدى ثوابه الى الميّت.
قال في المستمسك: «لو تبرّع العاجز عن القيام مثلاً عن الميّت ففي سقوطه منع؛ لما عرفت من قصور أدلّة البدليّة عن شمول مثل ذلك، و لايناسب اشكال الماتن هنا مع الجزم بعدم صحّة الاجارة في المسألة السابقة، لابتناء الثانية على الأوّل. انتهى ملخّصا».(2)
(مسألة 14): لو حصل للأجير سهو أو شكّ يعمل بأحكامه على وفق تقليده أو اجتهاده و لايجب عليه اعادة الصلاة.
الشرح:
لأنّ أدلّة السهو و الشكّ مطلقة بالنسبة الى الصلاة عن نفسه أو عن غيره.
قال في الجواهر: «يراعى في الصلاة عن الغير أحكام السهو و النسيان و الشكّ و الظنّ و غير ذلك على حسب حال المؤدّي لا المؤدّى عنه، فيجهر بالقراءة و يجتزي بستر عورتيه و ان كان المتحمّل عنه امرأة، و تخفت المرأة و تستر سائر بدنها و ان كان المتحمّل عنه رجلاً؛ لأنّ ظاهر أدلّة هذه الأحكام للصلاة نفسها من هذا المؤدّي نفسه سواء كانت له أو لغيره. و هذا بخلاف الأحكام العذريّة كالصلاة جالسا و مضطجعا و مومئا و عريانا و الى غير القبلة و نحوها ممّا لم يكن في أدلّتها ظهور في تناولها لما نحن فيه، بل ظاهرها في صلاتهم أنفسهم لا التحمّليّة باجارة و نحوها. انتهى ملخّصا».(1)
و ما قاله موافق للقاعدة و الدليل كما قلنا.
(مسألة 15): يجب على الأجير أن يأتي بالصلاة على مقتضى تكليف الميّت اجتهادا أو تقليدا، و لايكفي الاتيان بها على مقتضى تكليف نفسه، فلو كان يجب عليه تكبير الركوع أو التسبيحات الأربع ثلاثا أو جلسة الاستراحة اجتهادا أو تقليدا و كان في مذهب الأجير عدم وجوبها، يجب عليه الاتيان بها. و أمّا لو انعكس فالأحوط الاتيان بها أيضا؛ لعدم الصحّة عند الأجير على فرض الترك. و يحتمل الصحّة اذا رضي المستأجر بتركها، و لاينافي ذلك البطلان في مذهب الأجير اذا كانت المسألة اجتهاديّة ظنّيّة؛ لعدم العلم بالبطلان فيمكن قصد القربة الاحتماليّة. نعم، لو علم - علما وجدانيّا - بالبطلان لم يكف؛ لعدم امكان قصد القربة حينئذ، و مع ذلك لايترك الاحتياط.
1) - جواهر الكلام 13: 120.
الشرح:
للمسألة أربع صور:
الأولى: لاتكون صلاة من أدّى عن الميّت باطلة بنظر الميّت و المستأجر، اجتهادا أو تقليدا، كما لو كان يجب التسبيحات الأربع ثلاثا عند المؤدّي و كان الواجب بنظر الميّت واحدة، سواء كان نظر الولي أو الوصي مطابقا لنظر الميّت أو مطابقا لنظر المؤدّي فحينئذ يجب على الأجير أو المتبرّع أن يصلّي على مقتضى تكليفه، و لو أتى بالتسبيحات الأربع مرّة واحدة، كانت صلاته باطلة و لاتجزئ و لايستحقّ الأجرة.
الثانية: عكس الأولى بأن كان التسبيحات الأربع ثلاثا واجبا عند الميّت و المستأجر وكذا تكبير الركوع و جلسة الاستراحة، و لم تجب عند المؤدّي، و حينئذ لو أتى الأجير أو المتبرّع بالتسبيحات الأربع مرّة واحدة و ان كانت صحيحة عنده و تبرأ ذمّة الميّت بنظره اجتهادا أو تقليدا، الاّ أنّه لو علم المستأجر ذلك لايكتفي بها و يجب أن يستأجر لصلاته رجلاً ثانيا ان كانت صلاة الأجير باطلة بنظره اجتهادا أو تقليدا، و لو اشترط على الأجير أن يصلّي على مقتضى تكليف الميّت و تكليف نفسه فخالف الأجير لم يستحقّ شيئا.
الثالثة: يكون نظر المؤدّي و الميّت مخالفا لنظر المستأجر كأن تكون جلسة الاستراحة مثلاً واجبة عند المستأجر دونهما، فان اشترط المستأجر باتيانها وجب على الأجير و ان لم يشترط، فان أتى بها فقد برئت ذمّة الميّت بنظر المستأجر و ان لم يأت بجلسة الاستراحة وجب على المستأجر أن يستأجر رجلاً ثانيا ان كانت صلاة الأجير باطلة بنظره اجتهادا أو تقليدا.
الرابعة: يكون نظر المؤدّي و المستأجر مخالفا لنظر الميّت مثل ما لو كان يجب التسبيحات الأربع ثلاثا عند الميّت دونهما، فحينئذ يجوز للأجير أن يعمل بمقتضى نظره اجتهادا أو تقليدا و تبرأ ذمّة الميّت بنظرهما. نعم، لو شرط
المستأجر عليه وجب العمل بالشرط و ان صلّى و لم يعتن بالشرط لم يستحقّ الأجرة و ان برئت ذمّة الميّت.
(مسألة 16): يجوز استئجار كلّ من الرجل و المرأة للآخر، و في الجهر و الاخفات يراعى حال المباشر، فالرجل يجهر في الجهريّة و ان كان نائبا عن المرأة، و المرأة مخيّرة و ان كانت نائبة عن الرجل.
الشرح:
قد ورد النصّ بجواز نيابة الرجل عن المرأة و بالعكس في الحجّ كصحيحة معاوية بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الرجل يحجّ عن المرأة و المرأة تحجّ عن الرجل. قال: لابأس».(1)
الدالّة على جواز نيابة الرجل عن المرأة و بالعكس في الصلاة أيضا؛ لاتّحاد المناط و لأنّ من أعمال العمرة و الحجّ صلاة الطواف. مضافا الى رواية محمّد بن مروان قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: ما يمنع الرجل منكم أن يبرّ والديه حيّين و ميّتين، يصلّي عنهما و يتصدّق عنهما و يحجّ عنهما و يصوم عنهما فيكون الذي صنع لهما و له مثل ذلك، فيزيد اللّه عزّوجلّ ببرّه و صلته خيرا كثيرا».(2)
و صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ما يلحق الرجل بعد موته؟ فقال: سنّة سنّها
يعمل بها بعد موته فيكون له مثل أجر من يعمل بها من غير أن ينتقص من أجورهم شيء، و الصدقة الجارية تجري من بعده و الولد الطيّب يدعو لوالديه بعد موتهما و يحجّ و يتصدّق و يعتق عنهما و يصلّي و يصوم عنهما. فقلت: أشركهما في حجّتي؟ قال: نعم».(1)
فعليه لابدّ للولد أو النائب من مراعاة حال نفسه، فان كان رجلاً و يصلّي عن المرأة يجهر في قراءته فيجتنب عن لبس الحرير و الذهب، و ان كانت امرأة تصلّي عن الرجل تخيّرت في الجهر الاّ اذا كان خوف فساد فتخفت، و تستر بدنها كلّه الاّ الوجه و الكفّين و غيرهما من أحكامها المخصوصة بنفسها. و قد تقدّم كلام صاحب الجواهر في المسألة الرابعة عشرة من هذا الفصل ما يفيد لهذه المسألة فراجع.
(مسألة 17): يجوز مع عدم اشتراط الانفراد، الاتيان بالصلاة الاستئجاريّة جماعة اماما كان الأجير أو مأموما، لكن يشكل الاقتداء بمن يصلّي الاستئجاري الاّ اذا علم اشتغال ذمّة من ينوب عنه بتلك الصلاة و ذلك لغلبة كون الصلوات الاستئجاريّة احتياطيّة.
الشرح:
أمّا جواز الجماعة فللروايات الواردة في استحباب اقامة الصلاة جماعة الشاملة بعمومها أو اطلاقها للصلوات الفائتة عن نفسه أو عن الغير، الاّ أنّه اذا اقتدى بمن يصلّي الصلاة الاستئجاريّة يلزم أن يعلم اشتغال ذمّة من ينوب عنه بتلك الصلاة ليكون اقتداؤه بالصلاة الواقعي أي الفائتة عن الميّت؛ لأنّه اذا صلّى
1) - وسائل الشيعة 2: 442 / الباب 28 من أبواب الاحتضار / الحديث 6.
الأجير عن الميّت احتياطا فان لم يكن للميّت فائتة فهذه الصلاة صلاة صوريّة فلم يتعلّق الأمر بها. فلو اقتدى بامام يصلّي عن الميّت و شكّ باشتغال ذمّة الميّت بتلك الصلاة لم يكتف بها و ان كان له أجر و ثواب، فلا فائدة في اجراء أصالة الصحّة ليثبت اشتغال ذمّة الميّت الذي يصلّي الامام عنه؛ لأنّ مورد أصالة الصحّة فيما اذا شكّ أنّ عمله هذا كان مطابقا للمأمور به أم لا بعد معلوميّة المأمور به، كمن عمل بالأمر و أتى بالمأمور به فشكّ في مطابقة هذا العمل للمأمور به فحينئذ تجري أصالة الصحّة، و فيما نحن فيه كان الشكّ في وجود الأمر الواقعي فلم يحرز موضوع الأصل.
(مسألة 18): يجب على القاضي عن الميّت أيضا مراعاة الترتيب في فوائته مع العلم به، و مع الجهل يجب اشتراط التكرار المحصّل له، خصوصا اذا علم أنّ الميّت كان عالما بالترتيب.
قد تقدّم البحث تفصيلاً عن وجوب الترتيب و عدمه في الفوائت اليوميّة و قلنا بعدم وجوبه الاّ فيما وجب الترتيب بينها في الأداء كالظهرين و العشاءين؛ لعدم تماميّة أدلّة القائلين بالوجوب. و أمّا المصنّف فقد ذهب سابقا الى وجوب الترتيب في قضاء الفوائت، و التزم أيضا بوجوبه على الأجير في هذه المسألة؛ لعدم الفرق بين القضاء عن نفسه و القضاء عن الغير. و عنون كيفيّة حصول الترتيب اذا استؤجر جماعة لفوائت الميّت في المسألة القادمة.
(مسألة 19): اذا استؤجر لفوائت الميّت جماعة يجب أن يعيّن الوقت لكلّ منهم ليحصل الترتيب الواجب و أن يعيّن لكلّ منهم أن يبدأ في دوره بالصلاة بالفلانيّة مثل الظهر، و أن يتمّم اليوم و الليلة في دوره، و أنّه ان لم يتمّم اليوم و الليلة بل مضى وقته و هو في الأثناء أن لايحسب ما أتى به و الاّ لاختلّ
الترتيب مثلاً اذا صلّى الظهر و العصر فمضى وقته أو ترك البقيّة مع بقاء الوقت، ففي اليوم الآخر يبدأ بالظهر و لايحسب ما أتى به من الصلاتين.
قد تقدّم عدم وجوب الترتيب في الفوائت و نقول هنا: انّه يجوز أن يستأجر جماعة لفوائت الميّت من غير أن يعيّن الوقت لكلّ منهم، و يجوز أن يصلّي كلّ واحد منهم ما استؤجر له من صلواته الفائتة في وقت واحد، و أن يصلّوا جماعة؛ لعدم وجوب الترتيب. نعم، لو شرط المستأجر الترتيب تجب مراعاته على التفصيل الذي ذكره المصنّف.
(مسألة 20): لاتفرغ ذمّة الميّت بمجرّد الاستئجار بل يتوقّف على الاتيان بالعمل صحيحا، فلو علم عدم اتيان الأجير، أو أنّه أتى باطلاً وجب الاستئجار ثانيا، و يقبل قول الأجير بالاتيان به صحيحا. بل الظاهر جواز الاكتفاء ما لم يعلم عدمه حملاً لفعله على الصحّة اذا انقضى وقته، و أمّا اذا مات قبل انقضاء المدّة فيشكل الحال، و الأحوط تجديد استئجار مقدار ما يحتمل بقاؤه من العمل.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة التاسعة أنّ فراغ ذمّة الميّت موقوف على اتيان الأجير بالعمل صحيحا، فلو علم عدم اتيانه أو أنّه أتى به باطلاً وجب الاستئجار ثانيا، و ردّ مال الاجارة. و لو شكّ المستأجر فأخبره الأجير بالاتيان فان كان عدلاً أو ثقة يقبل قوله، و لو علم اتيانه العمل و شكّ في صحّته تجري أصالة الصحّة. فمورد اجراء أصالة الصحّة فيما اذا عمل عملاً و شكّ في صحّته و فساده. و أمّا اذا شكّ في صدور الفعل منه فلا موضوع للأصل سواء انقضى وقته أو لم ينقض. و المصنّف ذهب الى الاكتفاء ما لم يعلم عدم العمل من الأجير حملاً لفعله على
الصحّة اذا انقضى وقته، و أشكل فيما اذا مات قبل انقضاء المدّة و قال: الأحوط تجديد استئجار مقدار ما يحتمل بقاؤه من العمل. و لعلّه استند في ذلك الى قوله عليه السلام «ضع فعل أخيك على أحسنه» و نظير ذلك. ولكن فيه: الظاهر أنّ مراد الامام عليه السلام الاتّقاء من سوءالظنّ بأخيه المؤمن، و أمّا الالتزام بآثاره الشرعيّة فلا.
و هنا نقول انّ المؤمن يفي بعقد الاجارة و لايتسامح في العمل الى أن تنقضي المدّة المعهودة بينه و بين المستأجر، و أنّه لايرتكب الذنب. و أمّا وجوب ترتيب الأثر على هذا الحمل و القول بفراغ ذمّة الميّت فلا.
نعم، السيرة المستمرّة الى زمن المعصوم عليه السلام قائمة بأنّ المسلمين يحملون الأفعال الصادرة من معاشريهم أو طرف معاملاتهم على الصحّة، و أمّا الأفعال التي يشكّون في صدورها عنهم فلم تنعقد السيرة منهم على الصدور. نعم، لايبعد القول بالصدور فيما اذا استأجر لمدّة معيّنة و كان مطمئنّا بأنّه يفعل ما استؤجر عليه في تلك المدّة و مات بعد انقضائها ثمّ شكّ المستأجر في اتيانه العمل، ففي هذه الصورة يتمسّك بأصالة الصحّة لقيام السيرة بعدم الاعتناء بهذا الشكّ. و لعلّ مستند المصنّف لقوله بصحّة العمل بعد انقضاء المدّة هو هذه الصورة. و أمّا قاعدة الحيلولة فلاتجري هنا لأنّها لفعل نفسه مثل ما اذا انقضى وقت الصلاة و شكّ في أنّه صلّى الظهرين أو لا فيحكم باتيانه الصلاة، و يشكل اسراء الحكم الى فعل الغير.
(مسألة 21): لايجوز للأجير أن يستأجر غيره للعمل الاّ مع اذن المستأجر أو كون الاجارة واقعة على تحصيل العمل أعمّ من المباشرة و التسبيب، و حينئذٍ فلايجوز أن يستأجر بأقلّ من الأجرة المجعولة له الاّ أن يكون آتيا ببعض العمل و لو قليلاً.
الشرح:
اذا اشترط المستأجر على الأجير المباشرة أو كانت القرينة عليها فلايجوز للأجير أن يستأجر غيره للعمل الاّ باذن المستأجر. نعم اذا كانت الاجارة على تحصيل الأعمّ من المباشرة و التسبيب يجوز للأجير أن يستأجر غيره للعمل، و حينئذٍ فلو استأجر الغير بمثل ما أوجر به نفسه فلا اشكال، و أمّا لو استأجره بأقلّ من الأجرة المجعولة فلايجوز على الأحوط الاّ أن يكون آتيا ببعض العمل و لو قليلاً و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام:
«أنّه سئل عن الرجل يتقبّل بالعمل فلايعمل فيه و يدفعه الى آخر فيربح فيه؟ قال: لا، الاّ أن يكون قد عمل فيه شيئا».(1)
و صحيحة أخرى له عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن الرجل الخيّاط يتقبّل العمل فيقطعه و يعطيه من يخيطه و يستفضل؟ قال: لا بأس قد عمل فيه».(2)
قال في الجواهر: «من تقبّل عملاً في ذمّته من غير اشتراط المباشرة لم يجز أن يقبله غيره بنقيصة، كما عن النهاية و السرائر و الارشاد و التحرير و عن المحقّق على الأشهر و في المسالك المشهور، الاّ أن يحدث فيه ما يستبيح به الفضل. و ظاهر النصّ و الفتوى الاكتفاء بمسمّى الحدث و العمل فيه. و قد ينساق من النصّ و الفتوى أنّ محلّ البحث في العمل بالعين كخياطة الثوب و صياغة الخاتم و نحوهما، أمّا العمل الصرف كالصوم و الصلاة و الحجّ و نحوها فيبقى على أصل الجواز. اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ ذكر بعض لوازم العمل في العين لايقتضي تقييد ذلك به و حينئذٍ يعتبر في جواز تقبيله بالأقلّ عمل شيء منه. انتهى ملخّصا».(3)
(مسألة 22): اذا تبرّع متبرّع عن الميّت قبل عمل الأجير ففرغت ذمّة الميّت انفسخت الاجارة، فيرجع المؤجر بالأجرة أو ببقيّتها ان أتى ببعض العمل. نعم لو تبرّع متبرّع عن الأجير ملك الأجرة.
الشرح:
في المسألة صور:
الأولى: اذا كان قصد المستأجر في عقد الاجارة فراغ ذمّة الميّت فتبرّع متبرّع قبل عمل الأجير فحينئذٍ انفسخت الاجارة لانعدام الموضوع فيرجع المؤجر بالأجرة أو ببقيّتها ان أتى ببعض العمل قبل فراغ ذمّة الميّت بعمل المتبرّع.
الثانية: تقع الاجارة على ذات العمل بداعي تفريغ ذمّة الميّت، فحينئذٍ عمل المتبرّع قبل عمل الأجير و ان كان موجبا لفراغ ذمّة الميّت الاّ أنّه لايوجب فسخ الاجارة.
ان قلت: اذا فرغت ذمّة الميّت بعمل المتبرّع فلا شرعيّة لعمل الأجير لأنّه لا صلاة له حتّى يصلّي عنه الأجير، قلت: نعم ولكنّ الموضوع للاحتياط موجود و هو احتمال فساد عمل الأجير أو احتمال كون فوائت الميّت أكثر ممّا كان مورد الاجارة. مضافا الى وجود الملاك كما تقدّم في المسألة الثالثه عشرة.
الثالثة: يصحّ تبرّع المتبرّع عن الأجير و ملك الأجرة اذا لم يشترط المباشرة، لأنّه مصداق لما في ذمّة الأجير، فيكون من قبيل أداء دين الغير الجائز ببناء العقلاء، و النصوص الخاصّة كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«انّ العبد ليكون بارّا بوالديه في حياتهما ثمّ يموتان فلايقضي عنهما الدين و لايستغفر لهما فيكتبه اللّه عاقّا، و انّه ليكون في حياتهما غير بارّ بهما فاذا ماتا قضى عنهما الدين و استغفر لهما فيكتبه اللّه
بارّا».(1)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يموت و عليه دين فيضمنه ضامن للغرماء، فقال:
«اذا رضي به الغرماء فقد برئت ذمّة الميّت».(2)
(مسألة 23): اذا تبيّن بطلان الاجارة بعد العمل استحقّ الأجير أجرة المثل بعمله و كذا اذا فسخت الاجارة من جهة الغبن لأحد الطرفين.
الشرح:
قال في الشرائع: «و كلّ موضع يبطل فيه عقد الاجارة تجب فيه أجرة المثل مع استيفاء المنفعة أو بعضها سواء زادت عن المسمّى أو نقصت عنه. انتهى».(3)
و قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه في شيء من ذلك بل قد يظاهر من ارسالهم ذلك ارسال المسلّمات أنّه من القطعيّات. مضافا الى مثل ذلك بالنسبة الى قاعدة «مايضمن بصحيحه يضمن بفاسده» الشاملة للمقام، و الى قاعدة «احترام مال المسلم و عمله» و قاعدة «من أتلف مال الغير فهو له ضامن» و «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي» و «لا ضرر و لا ضرار» و «لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل» و نحو ذلك ممّايقضي بذلك ضرورة أنّه مع بطلان العقد يبقى كلّ من العوضين على ملك صاحبه، فيجب على كلّ منهما ردّه بعينه اذا كان موجودا، و ان كان تالفابقيمته أو مثله، لفساد الالتزام بالمسمّى بفساد العقد الذي قد وقع فيه، و منه أجرة المثل في المقام، فانّها هي قيمة المنفعة المستوفاة. انتهى».(4)
و كذا في الاجارة على الأعمال اذا كانت باطلة يستحقّ العامل أجرة المثل لعمله دون المسمّاة، و الدليل عليه هو الدليل الذي ذكره صاحب الجواهر في اجارة الأعيان و استيفاء المنفعة أو تلفها، فانّ الكلام هو الكلام، فلو استؤجر على الصلاة و الصوم لميّت باجارة فاسدة فهو بعمله الصادر عن أمر الآمر يستحقّ الأجرة و لو كانت الاجارة فاسدة؛ لقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، فاذا كانت فاسدة رجع الى أجرة المثل.
(مسألة 24): اذا آجر نفسه لصلاة أربع ركعات من الزوال من يوم معيّن الى الغروب فأخّر حتّى بقي من الوقت مقدار أربع ركعات و لم يصلّ صلاة عصر ذلك اليوم ففي وجوب صرف الوقت في صلاة نفسه أو الصلاة الاستئجاريّة اشكال من أهمّيّة صلاة الوقت و من كون صلاة الغير من قبيل حقّ الناس المقدّم على حقّ اللّه.
الشرح:
اذا تزاحم حقّ اللّه و حقّ الناس فلأيّهما الرجحان؟
الظاهر أنّه يختلف باختلاف الموارد فالمتّبع دليل المورد، ففي بعضها يرجّح حقّ الناس، كما اذا كان عليه دين مطالب و حجّ مستقرّ و لم يف المال لهما، فيقدّم حقّ الناس و يبقى الحجّ في ذمّته. و ان كانت استطاعته في هذه السنة فتزول و يتوقّع الى السنة الآتية. و في بعض موارد تزاحم الصلاة و غيرها يقدّم غيرها كما اذا تزاحم الصلاة و انقاذ الغريق، أو انقاذ نفسه من الهلكة. و أمّا التزاحم بين صلاة نفسه و الصلاة الاستئجاريّة فالظاهر تقديم صلاة نفسه لما يستفاد من الروايات الواردة في أهمّيّة الصلاة و أنّها عمود الدين و المائز بين الكفر و الاسلام، و أنّها انقبلت قبل ما سواها و ان ردّت ردّ ما سواها.
و أمّا حكم الاجارة في هذه المسألة فان كان عامدا في تأخير الصلاة فالظاهر
أنّ المستأجر مخيّر في فسخ الاجارة و امضائها، و ان لم يكن عامدا فالاجارة باقية. نعم، لو تعذّر التسليم بعد ذلك الوقت فالخيار للمستأجر.
(مسألة 25): اذا انقضى الوقت المضروب للصلاة الاستئجاريّة و لم يأت بها أو بقي منها بقيّة، لايجوز له أن يأتي بها بعد الوقت الاّ باذن جديد من المستأجر.
الشرح:
اذا آجر نفسه للصلاة في وقت خاصّ و انقضى ذلك الوقت و لم يأت بها أو أتى ببعضها، تخيّر المستأجر في فسخ الاجارة و امضائها، فلو فسخ فان لم يكن أتى بها أصلاً فلا أجرة للأجير، و ان أتى ببعضها فيستحقّ الأجرة من المسمّى بالنسبة. و لو أتى بها بعد المدّة لم يستحقّ شيئا الاّ اذا أمضى المستأجر الاجارة، فامضاؤه اجارة جديدة بالغاء تقييدها بالمدّة.
(مسألة 26): يجب تعيين الميّت المنوب عنه و يكفي الاجمالي، فلايجب ذكر اسمه عند العمل، بل يكفي من قصده المستأجر أو صاحب المال أو نحو ذلك.
الشرح:
لو آجر نفسه لصلاة ميّت أو صومه فاذا أراد أن يصلّي يجب عليه أن يعيّن أنّ هذه الصلاة لنفسه أو لغيره و كذا الصوم. و لو صار أجيرا لأداء الصلاة و الصوم لأكثر من ميّت يجب عليه تعيين من يصلّي عنه عند ارادة الصلاة؛ لقوله صلى الله عليه و آله «انّما الأعمال بالنيّات»، و ان لم يعيّن لم يحسب لأحد منهم و لم يستحقّ الأجرة. نعم، يكفي التعيين اجمالاً كما مثّل به المصنّف.
(مسألة 27): اذا لم يعيّن كيفيّة العمل من حيث الاتيان بالمستحبّات يجب الاتيان على الوجه المتعارف.
الشرح:
و ذلك لانصراف الاطلاق الى الوجه المتعارف، فالصلاة المشتملة على المستحبّات التي تكون متعارفة بين الناس يراعى فيها الأذان و الاقامة و التكبيرات و التسبيحات الأربع ثلاثا و القنوت، و أمّا تكرار ذكر الركوع و السجود و اضافة الصلاة على النبي و آله عليهم السلام و غيرها فلاتكون متعارفة غالبا. فلو شكّ في شيء من المستحبّات فالمرجع الاطلاق.
(مسألة 28): اذا نسي بعض المستحبّات التي اشترطت عليه، أو بعض الواجبات ممّا عدا الأركان فالظاهر نقصان الأجرة بالنسبة، الاّ اذا كان المقصود تفريغ الذمّة على الوجه الصحيح.
الشرح:
اذا نسي المؤجر بعض المستحبّات أو بعض الواجبات ممّا عدا الأركان فلا شيء عليه و لاينقص من الأجرة؛ لأنّ مراد المستأجر تفريغ ذمّة الميّت على الوجه الصحيح، و لاينافي هذا ما تقدّم في المسألة السابقة من أنّه اذا لم يعيّن كيفيّة العمل من حيث الاتيان بالمستحبّات يجب أن يأتي بها على الوجه المتعارف؛ لأنّ وجوب الاتيان على الوجه المذكور يختصّ بحال الذكر و في حال النسيان لايعبأ بترك بعض الواجبات ماعدا الأركان فضلاً عن ترك بعض المستحبّات سواء اشترطت عليه أو لم تشترط؛ لأنّ ظاهر الاشتراط في مثل الصلاة هو الالتزام بأن لايتركها عمدا. نعم، لو علم من اشتراطه فعل المستحبّات فضلاً عن الواجبات
تقييد الصلاة بهما فان نسي بعضها فعليه الاعادة و الاّ فللمستأجر خيار تخلّف الشرط.
(مسألة 29): لو آجر نفسه لصلاة شهر مثلاً فشكّ في أنّ المستأجر عليه صلاة السفر أو الحضر و لم يمكن الاستعلام من المؤجر أيضا، فالظاهر وجوب الاحتياط بالجمع. و كذا لو آجر نفسه لصلاة و شكّ أنّها الصبح أو الظهر مثلاً وجب الاتيان بهما.
الشرح:
الدليل على ما ذكره المصنّف هو أنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة و هي لاتحصل الاّ بالجمع بين طرفي الشكّ. فاذا علم المؤجر اجمالاً باشتغال ذمّته بصلاة شهر و شكّ في أنّ ذمّته مشغولة بصلاة السفر أو الحضر يجب عليه تفريغ ذمّته بالجمع بينهما، و كذا اذا شكّ في أنّ ذمّته مشغولة بالصبح أو الظهر وجب الاتيان بهما.
(مسألة 30): اذا علم أنّه كان على الميّت فوائت و لم يعلم أنّه أتى بها قبل موته أو لا، فالأحوط الاستئجار عنه.
الشرح:
اذا علم الولي أنّه كان على الميّت فوائت فتارة لم يعلم قدرها و أخرى لم يعلم أنّه أتى بها قبل موته أو لا. ففي الأولى: يجب عليه أن يأتي بما هو متيقّن عنده و ينبغي أن يحتاط بما يطمئنّ ببراءة ذمّة الميّت، كما اذا كان عليه فوائت من نفسه و لم يعلم مقدارها فوجب عليه الاتيان بالقدر المتيقّن. و في الثانية: لم يجب عليه الاتيان بها بخلاف ما لو كانت الفوائت من نفسه، و ذلك لأنّه لم يحرز اشتغال ذمّة
الميّت حتّى يجب على الولي، و استصحاب عدم اتيان الميّت فوائته قبل موته لايثبت اشتغال ذمّة الولي؛ لأنّ المتيقّن السابق ليس اشتغال ذمّة الولي حتّى يستصحب. و ان شئت قلت: علم الولي بفوائت الميّت كان قبل موته، و بعد الموت شكّ في أنّ عليه فوائت أو لا، فلم يحرز له حين كان ميّتا اشتغال ذمّة الميّت حتّى يجب عليه. و مع ذلك يحتاط بالاستئجار عنه. و أمّا بالنسبة الى الوارث فلايجب عليه الاخراج من الثلث الاّ بالوصيّة كما تقدّم في هذا الفصل.
يجب على وليّ الميّت - رجلاً كان الميّت أو امرأة على الأصحّ، حرّا كان أو عبدا - أن يقضي عنه ما فاته من الصلاة لعذر من مرض أو سفر أو حيض فيما يجب فيه القضاء و لم يتمكّن من قضائه و ان كان الأحوط قضاء جميع ما عليه، و كذا في الصوم لمرض تمكّن من قضائه و أهمل به، بل و كذا لو فاته من غير المرض - من سفر و نحوه - و ان لم يتمكّن من قضائه. و المراد به الولد الأكبر، فلايجب على البنت و ان لم يكن هناك ولد ذكر، و لا على غير الأكبر من الذكور و لا على غير الولد من الأب و الأخ و العمّ و الخال و نحوهم من الأقارب، و ان كان الأحوط مع فقد الولد الأكبر قضاء المذكورين على ترتيب الطبقات، و أحوط منه قضاء الأكبر فالأكبر من الذكور، ثمّ الاناث في كلّ طبقة حتّى الزوجين و المعتق و ضامن الجريرة.
الشرح:
قال المحقّق القمّي: «المشهور بين أصحابنا وجوب قضاء الصلاة و الصوم
على الوارث في الجملة، بل لم نقف فيه على مخالف الاّ ما نقل في المختلف عن ابن أبي عقيل في وجوب قضاء الصوم، و يظهر من السيّدين المرتضى و ابن زهرةالاجماع فيه أيضا في الجملة، فالمسألة ممّا لا اشكال فيها، و مخالفة العامّة فيها تمسّكا بقوله تعالى: «ليس للانسان الاّ ما سعى»(1)و بقوله عليه السلام: «اذا مات ابن آدم انقطع عمله الاّ من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» ضعيف؛ لأنّهما مخصّصان بالأدلّة كما خصّصا بالحجّ و غيره. انتهى ملخّصا».(2)
و قال العلاّمة في المختلف: «لو مات المريض و قد فاته الشهر أو بعضه بمرض، فان برئ بعد فواته و تمكّن من القضاء و لم يقضه وجب على وليّه القضاء عنه، ذهب اليه الشيخان و ابنا بابويه و السيّد المرتضى و ابن الجنيد و ابن البرّاج و ابن حمزة و ابن ادريس و خالف ابن أبي عقيل و قال بوجوب التصدّق عنه عن كلّ يوم بمدّ من طعام. انتهى ملخّصا».(3)
و قال في الحدائق: «لايخفى على من تتبّع كلام الأصحاب في هذا الباب ما وقع لهم من الاختلاف في القاضي و المقضي و المقضي عنه. أمّا الأوّل فقد صرّح الأكثر بأنّه الولد الأكبر. قال في الذكرى بعد نقل ذلك عنهم: «و كأنّهم جعلوه بازاء حبوته لأنّهم قرنوا بينها و بينه و الأخبار خالية عن التخصيص كما أطلقه ابن الجنيد و ابن زهرة، و لم نجد في أخبار الحبوة ذكر الصلاة. نعم، ذكرها المصنّفون و لابأس به اقتصارا على المتيقّن و ان كان القول بعموم كلّ وليّ ذكر أولى حسبما تضمّنته الروايات». و قال ابن الجنيد: «و العليل اذا أوجبت عليه صلاة فأخّرها عن وقتها الى أن مات قضاها عنه وليّه كما يقضي عنه حجّه الاسلام و الصيام ببدنه، فان
جعل بدل كلّ ركعتين مدّا أجزأه فان لم يقدر فلكلّ أربع فان لم يقدر فمدّ لصلاة النهار و مدّ لصلاة الليل، و الصلاة أفضل». و عن السيّد المرتضى رحمه الله نحو ذلك. و ظاهرهما مع التخيير بين القضاء و التصدّق، التخصيص بما فات عن العليل في مرض موته. و قال ابن زهرة: «و من مات و عليه صلاة وجب على وليّه قضاؤها، و ان تصدّق عن كلّ ركعتين بمدّ أجزأه ... الى آخر ما ذكره ابن الجنيد». و احتجّ بالاجماع و طريق الاحتياط، و ظاهره التخيير بين القضاء و الصدقة مع عموم الفائت دون التخصيص بفائت مرض الموت. و الجميع متّفقون على الولي بقول مطلق. و قال ابن ادريس «بوجوب القضاء على وليّه الأكبر من الذكران ما وجب على العليل فأخّره عن أوقاته حتّى مات و لايقضي عنه الاّ الصلاة الفائتة في حال مرض موته فحسب». و تبعه في ذلك سبطه نجيب الدين يحيى بن سعيد و الشهيد في اللمعة. و هو صريح في التخصيص بالفائت في مرض الموت و أنّ القاضي هو الولي و هو الأكبر من الذكران. و أمّا الثاني [أي المقضي] فظاهر الشيخين و ابن أبي عقيل و ابن البرّاج و ابن حمزة و العلاّمة في أكثر كتبه أنّه جميع ما فات الميّت و هو ظاهر كلام ابن زهرة المتقدّم، و ظاهر ما قدّمنا نقله عن ابن الجنيد و المرتضى و ابن ادريس و يحيى بن سعيد و الشهيد في اللمعة هو التخصيص بما فات في مرض الموت. و قال المحقّق في كتابيه بقول الشيخين، ولكن قال في المسائل البغداديّة بتخصيص ما فات عن الميّت لعذر لا ما تركه الميّت عمدا مع قدرته عليه. و نسب الذكرى القول بالتخصيص الى الشيخ عميد الدين. و أمّا الثالث فظاهرهم أنّه الرجل. قال في الذكرى: «لذكرهم ايّاه في معرض الحبوة. و ظاهر عبارة المحقّق الشمول للمرأة. - ثمّ قال: - أمّا بالنسبة الى الأوّل فهو وليّ الميّت و هو أولى الناس بميراثه. و بالنسبة الى الثاني فهو كلّ ما فات الميّت لعذر كان أم لا لعذر. و بالنسبة الى الثالث فتنظّر في شموله للأمّ. انتهى
ملخّصا».(1)
فروع:
المشهور وجوب القضاء على الولي و ان كان الميّت امرأة، و استدلّ عليه برواية عبداللّه بن سنان عن الصادق عليه السلام قال:
«الصلاة التي دخل وقتها قبل أن يموت الميّت يقضي عنه أولى الناس به».(2)
بتقريب أنّ الميّت أعمّ من الرجل و المرأة.
ولكن فيه أوّلاً: انّ الرواية ضعيفة لكونها من كتاب «غياث سلطان الورى لسكّان الثرى» الذي لم يعلم سنده من السيّد علي بن موسى بن طاووس الى علي بن جعفر.
و ثانيا: قد ورد في صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال:
«يقضي عنه أولى الناس بميراثه. قلت: فان كان أولى الناس به امرأة؟ فقال: لا الاّ الرجال».(3)
بتقريب أنّ الرواية مقيّدة لاطلاق رواية عبداللّه بن سنان. اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّهما من قبيل المثبتات و لاتنافي بينهما سيّما أنّ لفظ الرجل ورد في كلام السائل
دون الامام عليه السلام.
و ثالثا: اذا كانت رواية عبداللّه بن سنان المرويّة في كتاب «غياث سلطان الورى» ضعيفة أو كانت مجملة و لو بقرينة صحيحة حفص بن البختري فالأصل الحاكم هنا البراءة؛ لأنّ الشكّ في تكليف الولي بالنسبة الى المرأة.
و رابعا: انّ الروايات التي وردت في الصيام و سأل السائل من المعصوم عمّا اذا فات الصوم عن الميّت فمن يقضي عنه؟ استعمل السائل كلمة «الرجل» عوضا عن الميّت فكأنّ وجوب القضاء عن الميّت اذا كان رجلاً كان مفروغا عنه في ذهن السائل مع عدم القول بالفصل بين الصوم و الصلاة. مضافا الى أنّ الميّت الذي كان في رواية ابن سنان لم يبعد أن يكون ظاهرا في الرجل كما احتمله بعض.
و قد يستدلّ للمشهور بصحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان، هل يقضى عنها؟ قال عليه السلام: أمّا الطمث و المرض فلا، و أمّا السفر فنعم».(1)
فبعدم القول بالفصل بين الصوم و الصلاة يتمّ المطلوب.
ولكن فيه أوّلاً: انّه لم يذكر في الصحيحة أنّ الولي يقضي عنها. اللّهمّ الاّ أن يقال اذا أحرز القضاء فالولي أولى فانّه اجماعيّ ففيه تأمّل.
و ثانيا: يكون السؤال عن المشروعيّة لا عن الوجوب كما في صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان و ماتت في شوّال فأوصتني أن أقضي عنها؟ قال: هل برئت من مرضها؟ قلت: لا، ماتت فيه. قال: لايقضى عنها، فانّ اللّه لم يجعله عليها. قلت: فانّي أشتهي أن أقضي عنها و قد أوصتني بذلك. قال: كيف تقضي شيئا لم يجعله
1) - وسائل الشيعة 10: 330 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 4.
اللّه عليها فان اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم».(1)
فتحصّل أنّ الأقوى عدم وجوب القضاء على الولي عن المرأة، و الاحتياط حسن خروجا عن مخالفة المشهور.
لا فرق في الميّت بين كونه حرّا أو عبدا، و ذلك لاطلاق النصوص و ذهاب المشهور الى عدم الفرق و أنّ المراد من الأولى هو الأولى من الأقارب و أنّه ورد في الرواية أنّ القاضي هو الأولى بميراثه و لذا خصّه المشهور بالولد الذكر الأكبر لا مطلق الأولى كييختصّ بالسيّد المجمع على عدم وجوب قضائه. و بذلك يندفع ما يقال من أنّ الأولى بالعبد هو المولى و لايجب عليه القضاء عنه اجماعا.
يجب قضاء ما فات عن الميّت مطلقا لعذر أو غيره، و ذلك لاطلاق النصوص التي عمدتها صحيحة حفص بن البختري المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل
يموت و عليه صلاة أو صيام، قال:
«يقضي عنه أولى الناس بميراثه ... ».(2)
و المحكي عن المحقّق في بعض رسائله و عميد الدين و الشهيدين وجوب القضاء على الولي عمّا فات عن الميّت من الصلاة لعذر و ادّعوا على ذلك
انصراف نصوص القضاء اليه.(1)
ولكن الانصراف ممنوع و لذا ذهب المشهور الى عدم الفرق. بل نسب الى ظاهر الغنية الاجماع عليه. و ما عن الحلّي و ابن سعيد بعدم القضاء الاّ ما فاته في مرض الموت فليس عليه دليل الاّ رواية ابن سنان المتقدّمة الضعيفة عن الصادق عليه السلام قال:
«الصلاة التي دخل وقتها قبل أن يموت الميّت يقضي عنه أولى الناس به».(2)
ففي هذه الرواية لم ينحصر القضاء في ذلك مع أنّها أعمّ من مدّعى الحلّي و ابن سعيد.
ثمّ انّه لا فرق أيضا بين ما لو تمكّن الميّت من قضاء صلاته أو لم يتمكّن؛ لاطلاق صحيحة حفص بن البختري المتقدّمة و لايعتنى بما يدّعى من انصرافها الى صورة التمكّن لمنع ذلك. نعم، يمكن أن يقال: لو لم يتوجّه اليه التكليف في الوقت و استدام حاله خارج الوقت و مات لايجب القضاء على الولي؛ لصحيحة أبي بصير المتقدّمة، و هذا كمن أغمي عليه من أوّل الوقت و استمرّ الاغماء - بناءً على وجوب القضاء في الجملة - الى خارجه و لم يفق حتّى مات، و كمن نام عن الصلاة و لم يلتفت خارج الوقت حتّى مات و ان كان فيه تأمّل.
يجب على الولي قضاء ما فات من الصوم عن الميّت اذا تمكّن من قضائه و
أهمل، و لايجب القضاء عليه اذا لم يتمكّن منه، امّا لعدم برئه من مرضه أو لموته قبل خروج شهر رمضان، و يدلّ عليه صحيحة أبي بصير المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان و ماتت في شوّال، فأوصتني أن أقضي عنها؟ قال: هل برئت من مرضها؟ قلت: لا، ماتت فيه. قال: لايقضى عنها، فانّ اللّه لم يجعله عليها».(1)
و كذا صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن رجل أدركه رمضان و هو مريض فتوفّي قبل أن يبرأ؟ قال: ليس عليه شيء ولكن يقضى عن الذي يبرأ ثمّ يموت قبل أن يقضي».(2)
و نظيرهما صحيحة أبي مريم الأنصاري(3)و صحيحة منصور بن حازم(4)و موثّقة سماعة بن مهران(5)و مرسلة عبداللّه بن بكير(6)و مضمرة حريز(7)و رواية منصور بن حازم(8)و صحيحة محمّد بن مسلم(9).
أمّا السفر فلا اشكال و لا خلاف في وجوب قضاء ما فات عن الميّت على الولي سواء تمكّن من القضاء و أهمل أو لم يتمكّن و تدلّ عليه جملة من النصوص:
1) - وسائل الشيعة 10: 332 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 12.
2) - وسائل الشيعة 10: 329 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 10: 331 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 7.
4) - وسائل الشيعة 10: 332 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 9.
5) - وسائل الشيعة 10: 332 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 10.
6) - وسائل الشيعة 10: 333 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 13.
7) - وسائل الشيعة 10: 333 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 14.
8) - وسائل الشيعة 10: 334 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 15.
9) - وسائل الشيعة 10: 334 / الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان / الحديث 16.
منها صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان، هل يقضى عنها؟ قال: أمّا الطمث و المرض فلا، و أمّا السفر فنعم».(1)
و منها موثّقة أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه؟ قال: يقضيه أفضل أهل بيته».(2)
و منها صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يسافر في شهر رمضان فيموت، قال:
«يقضى عنه، و ان امرأة حاضت في شهر رمضان فماتت لم يقض عنها، و المريض ... ».(3)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام في امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أن يخرج رمضان، هل يقضى عنها؟ فقال:
«أمّا الطمث و المرض فلا، و أمّا السفر فنعم».(4)
و هذه الروايات و ان كان أكثرها في المرأة الاّ أنّ المراد و هو اشتغال ذمّة الميّت بالصوم اذا فاته في السفر ظاهر منها.
و صحيحة محمّد بن مسلم حيث سئل عليه السلام عن امرأة مرضت أو طمثت أو سافرت في شهر رمضان فماتت فيه، قال عليه السلام:
«أمّا الطمث و المرض فلا، و أمّا السفر فنعم».(1)
و أمّا سائر الأعذار التي حدثت للصائم و لم يعلم بها حتّى مات، نحو الجنابة المنسيّة أيّاما و كذا في الصلوات التي صلاّها بالجنابة المنسيّة أو المجهولة، فالظاهر عدم وجوب القضاء عنه؛ لعدم كونه مكلّفا بها، فتشمله صحيحة أبي بصير المتقدّمة حيث قال عليه السلام في جواب السائل عن امرأة مريضة لم يتمكّن من الصوم فماتت: «لايقضى عنها فانّ اللّه لم يجعله عليها». فقال عليه السلام ثانيا: «كيف تقضي عنها شيئا لم يجعله اللّه عليها؟». فانّ الامام عليه السلام بيّن ضابطة كلّيّة في هذه الصحيحة بأنّ من لم يجمع له شرائط التكليف من القدرة و النسيان و الجهل فلا قضاء عليه.
اختلف آراء الفقهاء في هذا الفرع:
قال في الشرائع: «و الولي هو أكبر أولاده الذكور و لو كان الأكبر أنثى لم يجب عليها القضاء. انتهى».(2)
و قال في الجواهر: «قال المفيد رحمه الله: «فان لم يكن له ولد من الرجال قضى عنه أكبر أوليائه من أهله و أولاهم به و ان لم يكن الاّ من النساء». و قال ابن الجنيد: «و أولى الناس بالقضاء عن الميّت أكبر أولاده الذكور أو أقرب أوليائه اليه ان لم يكن له ولد». و قال علي بن بابويه: «من مات و عليه صوم رمضان فعلى وليّه أن يقضي عنه و ان كان للميّت وليّان فعلى أكبرهما من الرجال، فان لم يكن له ولي من الرجال قضى عنه وليّه من النساء». و ليس في كلام الصدوق تصريح بالمراد من
الولي. و قال ابن البرّاج: «على ولده الأكبر من الذكور أن يقضي عنه ما فاته من ذلك و من الصلاة أيضا، فان لم يكن له ذكر فالأولى من النساء». انتهى ملخّصا».(1)
و ذهب صاحب الجواهر الى ما ذهب اليه صاحب الشرائع و استدلّ على قوله: «أوّلاً: بأنّ المنساق من الولي هنا الولد الذكر خصوصا مع ملاحظة الشهرة و قوله تعالى: «فهب لي من لدنك وليّا يرثني»(2)و لذا فسّره الشيخ رحمه اللهبه، بل في المختلف منع صدق الولي على غيره. و ثانيا: بمكاتبة الصفّار رضى الله عنه الى أبي محمّد الحسن بن علي عليهماالسلام في رجل مات و عليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيّام و له وليّان هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعا خمسة أيّام أحد الوليّين و خمسة أيّام الآخر؟ فوقّع عليه السلام: «يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيّام ولاءً ان شاء اللّه». و بصحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال: «يقضي عنه أولى الناس بميراثه. قلت: فان كان أولى الناس به امرأة؟ فقال: لا الاّ الرجال». و بمرسلة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «سألته عن الرجل يموت و عليه دين من شهر رمضان، من يقضي عنه؟ قال: أولى الناس به. قلت: و ان كان أولى الناس به امرأة؟ قال: لا، الاّ الرجال». بناءً على أنّ الولد الأكبر أولى من جميع الناس بالميراث باعتبار اختصاصه بالحبوة، و لذا ظاهر الأصحاب في كتاب الميراث تعليل الحباء بأنّ عليه القضاء. انتهى ملخّصا».(3)
و الحقّ أنّ وليّ الميّت هو الولد الأكبر و لا غير، و الدليل على ذلك:
صحيحة حفص بن البختري المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال:
«يقضي عنه أولى الناس بميراثه. الحديث».(1)
فبقرينة ما في قول اللّه تعالى: «فهب لي من لدنك وليّا يرثني و يرث من آل يعقوب و اجعله ربّ رضيّا، يا زكريّا انّا نبشّرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميّا»(2)يفهم أنّ الولي في القرآن هو الأولى بميراث الميّت و هو المذكّر من أولاده، و لعلّه المراد من جملة «أفضل أهل بيته» في الرواية، بناءً على أنّ المقصود من الفضل، الفضل في الميراث و لذلك علّل الأصحاب في اختصاص الحبوة بالولد الأكبر بأنّه مكلّف بقضاء ما فات من الصلاة و الصيام عن الميّت، مع عدم ذكر الحبوة في مقابل القضاء في الروايات. فاذا عرفت أنّ أولى الناس بميراثه هو الولد المذكّر، و أضفت اليه مكاتبة محمّد بن الحسن الصفّار المتقدّمة الى أبي محمّد الحسن بن علي عليهماالسلام في رجل مات و عليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيّام و له وليّان، هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعا خمسة أيّام أحد الوليّين و خمسة أيّام الآخر؟ فوقّع عليه السلام:
«يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيّام ولاءً ان شاء اللّه».(3)
فيتمّ المطلوب بأنّ وليّ الميّت الذي عليه قضاء الميّت هو الولد الأكبر. فالاشكال في المكاتبة بأنّ السؤال عن الجواز و عدمه و الحال أنّ الكلّ متّفقون على الجواز، مدفوع بأنّ الجواب منصرف الى أصل التكليف. و كذا الاشكال بأنّ التتابع في الصوم غير واجب، مدفوع بأنّه يحمل على الفضيلة.
ان قلت: في ظهور النصوص في أنّ الولي أكبر أولاد الميّت الذكور اشكال، فانّ قوله عليه السلام في مرسلة الصدوق رحمه الله: «فليقض عنه من شاء من أهله»(4)ظاهر في عدم
الحصر. و قوله عليه السلام في صحيحة حفص المتقدّمة: «أولى الناس بميراثه» يعمّ جميع الطبقة الأولى و مع فقدها يعمّ جميع الطبقة الثانية و هكذا. و كذا جملة «أولى الناس به» في مرسلة حمّاد المتقدّمة آنفا تعمّ جميع الطبقات على الترتيب كما استظهره الأصحاب في ولاية تجهيز الميّت. و حمل «أفضل أهل بيته» في رواية أبي بصير على الأفضل ميراثا بلحاظ الحباء، خلاف الظاهر بلا قرينة. و قوله عليه السلام «على وليّه أن يقضي عنه» أو نحوه، كما في مرسلة ابن بكير و غيرها مجمل غير ظاهر في شيء. قلت: يمكن أن يقال: انّ المنسبق من كلمة «أولى» في الصحيحة و غيرها أنّ الولي دائما شخص واحد لايتعدّد، فينحصر الولي في الولد الأكبر، فانّه الأولى بالميراث بقول مطلق. كما أنّ المراد من قوله عليه السلام «فليقض عنه من شاء من أهل بيته» سائر ورثته.
و ان قلت: سلّمنا عدم ظهور النصوص في الأولويّة باعتبار طبقات الارث ولكن يورد عليه بأنّه ما العلّة في عدم تعبيره بذلك فلو عبّر بأنّه يقضي عن الميّت أكبر أولاده الذكور، كان أيسر و أظهر، و حيث لم تكن هناك علّة واضحة فتصير الروايات مجملة، قلت: سلّمنا، ولكن الولد الأكبر هو القدر المتيقّن لدخوله على كلّ تقدير، و أمّا غيره فلم يعلم ارادته على فرض اجمال النصّ و تردّده بين المعنيين، فيرجع فيمن عداه الى أصالة البراءة للشكّ في التكليف بالنسبة اليهم.
و أمّا ما احتاط به الماتن فهو حسن على كلّ حال و لعلّه للخروج عن خلاف من أفتى بذلك من بعض القدماء.
فقال صاحب الجواهر نقلاً عن الروضة: «و قيل: يجب على الولي مطلقا من مراتب الارث حتّى الزوجين و المعتق و ضامن الجريرة، و يقدّم الأكبر من ذكورهم فالأكبر ثمّ الاناث و اختاره في الدروس. - ثمّ قال: - و لا ريب أنّه أحوط؛ اذ لايخفى عليك عدم تمام انطباقه على ما سمعته من عباراتهم. انتهى موضع
الحاجة من كلامه».(1)
(مسألة 1): انّما يجب على الولي قضاء ما فات عن الأبوين من صلاة نفسهما فلايجب عليه ما وجب عليهما بالاستئجار، أو على الأب من صلاة أبويه من جهة كونه وليّا.
الشرح:
يجب على الولي قضاء ما فات عن الميّت نفسه و لا غير، و ذلك لأنّه الظاهر من روايات الباب، فانّ في صحيحة حفص المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال: «يقضي عنه ... ».(2)فانّ الظاهر من كلمة «عليه» و «عنه» في الصحيحة و غيرها صلاة نفسه و صيامه و لو كان الواجب على الولي الأعمّ من ذلك و من غيره ممّا استؤجر عليه و لم يأت به أو ممّا كان على أبيه فانتقل اليه و لم يأت به، كان اللازم على الامام عليه السلام بيان ذلك.
ان قلت: كلمة «عليه» تشمل كلّ ما كان مكلّفا باتيانه و على ذمّته من نفسه أو غيره، قلت: انّ المستفاد عرفا من الروايات المتقدّمة ما كان عليه من صلاة نفسه و صيامه فقط، و لذا نصّ على ذلك غير واحد على ما في المستمسك. مضافا الى أنّ الأصل الجاري في الزائد على ما كان من نفسه هو البراءة بناءً على عدم الاطلاق للروايات.
(مسألة 2): لايجب على ولد الولد القضاء عن الميّت اذا كان هو الأكبر حال الموت و ان كان أحوط خصوصا اذا لم يكن للميّت ولد.
الشرح:
قد تقدّم أنّ وليّ الميّت الذي يجب عليه قضاء ما فات عنه من صلاته و صومه، الأكبر من أولاده الذكور، و قلنا بأنّه الظاهر من الروايات و بناءً عليه لو لم يكن للميّت أولاد ذكور و كان له ولد الولد لم يجب عليه القضاء عنه.
قال في الجواهر: «و ولد الولد ولد، فيتعلّق به القضاء مع كونه أكبر أو ليس غيره، الاّ أنّه لايخلو من اشكال، بل لعلّ الأقوى خلافه، للأصل بعد انسياق غيره، سيّما في بعض الصور، كما لو كان للميّت أولاد و له أولاد أولاد أكبر من أولاده، فانّ تعلّق القضاء بهم حينئذ مع عدم الارث لهم و فراغ ذمّة الأولاد الذين هم أولى بالميراث كما ترى، فتأمّل جيّدا، و اللّه أعلم. انتهى».(1)
و أمّا احتياط المصنّف مع وجود الولد للميّت فلا موجب له بعد اختصاص القاضي بالولد بمقتضى الأخبار المتقدّمة، و مع عدم كون ولده حيّا و كان ولد ولده موجودا فالاحتياط في محلّه؛ لأنّه الأولى بالميراث على القول الآخر.
(مسألة 3): اذا مات أكبر الذكور بعد أحد أبويه لايجب على غيره من اخوته الأكبر فالأكبر.
و ذلك لما تقدّم من أنّ الولي هو الولد الأكبر حال الموت، فلا دليل على وجوب القضاء على غيره ممّن لم ينطبق عليه ذلك العنوان حال الموت.
(مسألة 4): لايعتبر في الولي أن يكون بالغا عاقلاً عند الموت فيجب على الطفل اذا بلغ، و على المجنون اذا عقل و اذا مات غير البالغ قبل البلوغ أو المجنون قبل الافاقة لايجب على الأكبر بعدهما.
1) - جواهر الكلام 17: 47.
قال في الجواهر: «لايعتبر بلوغ الولي عند الموت، بل و لا عقله؛ لاطلاق الأدلّة التي ليس في شيء منها ظهور في كون تعلّق القضاء بذمّة الولي من حين الموت و لا اشعار بكماله حينه، بل هي ظاهرة في كونها من باب الأسباب نحو من أجنب اغتسل، و من أتلف مال غيره فهو ضامن له، و ما شابههما ممّا لاينافيه رفع القلم عن الصبي و المجنون. و من ذلك يعلم ما في التمسّك لعدم الوجوب باستصحابه؛ لأنّ الدليل باطلاقه قائم بالولد الأكبر و لو لم يكن بالغا حين الموت، فلا شكّ في ذلك حتّى يستصحب. فما في الروضة و المسالك من التردّد بل في كشف الأستاذ و عن حاشية الارشاد و الذكرى و الايضاح الجزم بعدم الوجوب لايخلو من نظر. انتهى ملخّصا».(1)
فما في الجواهر فهو الحقّ، فانّ قوله عليه السلام «يقضي عنه أولى الناس بميراثه»(2)من قبيل الأسباب، فاذا اجتمع شرائط التكليف يؤدّي ما عليه، فانّ من الشرائط: البلوغ و العقل، فاذا بلغ و عقل فيقضي عن الميّت فان مات فلايجب على سائر أولاده؛ لعدم الدليل على ذلك.
(مسألة 5): اذا كان أحد الأولاد أكبر بالسنّ و الآخر بالبلوغ فالولي هو الأوّل.
قد تقدّم أنّ القدر المتيقّن من قوله عليه السلام «أولى الناس بميراثه» هو الولد الأكبر، فالمراد من الأكبر هو الأكبر سنّا، أضف اليه أنّ الحبوة تكون لمن كان أكبر سنّا.
(مسألة 6): لايعتبر في الولي كونه وارثا فيجب على الممنوع من الارث بالقتل أو الرقّ أو الكفر.
الشرح:
قال في الجواهر: «و لايعتبر في الولي الارث فعلاً للاطلاق، فلو حجب بقتل أو كفر أو رقّ تعلّق به القضاء و ان توقّف بعضهم في الأخير لمنع صدق كونه وليّا و معارضة حقّ السيّد، بل ربّما ينقدح الاشكال في سابقه أيضا؛ لعدم الولاية له، الاّ أنّه لايخفى عليك دفعهما خصوصا بعد زوال المانع. انتهى».(1)
و قال في المستمسك: «اذ الظاهر من كونه أولى به أو بميراثه، كونه كذلك بالنظر الى ذاته و لو مع المانع. انتهى».(2)
و قال في المستند: «انّ المراد بالأولى هو الأولويّة بالاقتضاء و بالطبع الأولى مع قطع النظر عن الموانع و العوارض الخارجيّة خلاف الظاهر، فانّ الظاهر منه هو من كان ينطبق عليه العنوان المذكور بالفعل. انتهى».(3)
أقول:
اذا قلنا بأنّ القدر المتيقّن من قوله عليه السلام «يقضي عنه أولى الناس بميراثه» هو أكبر أولاده الذكور، فالقدر المتيقّن من ذلك هو الولد الوارث بالفعل، الاّ أنّ الظاهر أنّ المراد بالأولى الأولويّة بالنظر الى ذاته مع قطع النظر عن الموانع.
(مسألة 7): اذا كان الأكبر خنثى مشكلاً فالولي غيره من الذكور و ان كان أصغر، و لو انحصر في الخنثى لم يجب عليه.
الشرح:
اذا كان الأكبر خنثى مشكلاً و لم يكن للميّت ولد ذكر غيره لم يجب عليه، و ذلك لأنّ التكليف بالقضاء عن الميّت ورد على الولد الأكبر من الذكور، و الخنثى المشكل الذي لم يعلم بأنّه مذكّر أو مؤنّث، لم يعلم بأنّه مكلّف بذلك التكليف، فالأصل الجاري في حقّه هو البراءة. و الفرق بين هذا و بين تكليف نفسه واضح، ففي ما نحن فيه يكون الشكّ في التكليف و أمّا ما كان راجعا الى نفسه فالشكّ فيه شكّ في المكلّف به فيحتاط بالجمع بين تكليف الرجال و النساء.
قال في الجواهر: «و لو كان الولد خنثى مشكلاً فلا قضاء؛ للأصل بعد الشكّ في الرجوليّة التي هي شرط الوجوب. انتهى».(1)
و لو كان معه ذكر أصغر منه فهو الولي؛ لصدق الولديّة التي هي المرادة من الولاية، و اعتبار الأكبريّة انّما هو مع التعدّد و لايوجد هنا.
(مسألة 8): لو اشتبه الأكبر بين الاثنين أو الأزيد لم يجب على واحد منهم و ان كان الأحوط التوزيع أو القرعة.
الشرح:
لو اشتبه الأكبر بين اثنين أو أزيد لم يجب على واحد منهم و ذلك للشكّ في التكليف لكلّ واحد منهم، فلا ثمرة للعلم الاجمالي هنا؛ لكون المعلوم متردّدا بين شخصين فلا مانع من اجراء أصل البراءة.
و ما قيل من أنّه يجب على كلّ واحد منهم قضاء ما على الميّت لأنّه يجري في حقّه أصل عدم كون الذكر الأكبر سواه، مدفوع بأنّ استصحاب العدم الأزلي لم يكن عليه دليل، و لايكون ذلك مستفاد روايات الباب عرفا.
1) - جواهر الكلام 17: 46.
قال في الجواهر: «و لو اشتبه الأكبر احتمل السقوط و القرعة و التوزيع، و ان كان الأقوى الأوّل؛ لأصالة البراءة بالنسبة الى كلّ منهم، كواجدي المني في الثوب المشترك. انتهى».(1)
(مسألة 9): لو تساوى الولدان في السنّ قسّط القضاء عليهما و يكلّف بالكسر - أي ما لايكون قابلاً للقسمة و التقسيط كصلاة واحدة، و صوم يوم واحد - كلّ منهما على الكفاية فلهما أن يوقعاه دفعة، و يحكم بصحّة كلّ منهما و ان كان متّحدا في ذمّة الميّت. و لو كان صوما من قضاء شهر رمضان لايجوز لهما الافطار بعد الزوال، و الأحوط الكفّارة على كلّ منهما مع الافطار بعده، بناءً على وجوبها في القضاء عن الغير أيضا كما في قضاء نفسه.
الشرح:
قد تقدّم أنّ المراد من قوله عليه السلام «يقضي عنه أولى الناس بميراثه» هو الولد الأكبر، فاذا كان الولدان توأمين ينطبق عليهما أولى الناس بميراثه و أنّهما الولد الأكبر لو كان للميّت ولد غيرهما، و اليه ذهب الأكثر، كما في الجواهر(2)، الاّ أنّه نسب الى الحلّي عدم وجوب شيء على واحد منهما استنادا الى أنّ موضوع الحكم هو الولد الأكبر، و المفروض هو انتفاؤه بعد تساويهما في السنّ.(3)
و فيه: انّ الموضوع ليس هو عنوان الأكبر بل الموضوع هو الأولى بالميراث الصادق عليهما معا، مضافا الى أنّه يصدق عليهما أنّهما توأمان أكبران من سائر أولاده لو كان له ولد غيرهما. انّما الكلام في أنّه يقسّط القضاء عليهما، أو يجب
عليهما كفاية. الظاهر هو التقسيط؛ لأنّ تكليف القضاء عن الميّت قد ورد عليهما بالتساوي و العرف لايفهم منه غير التقسيط. و قال الشيخ الأعظم في رسالته المحكيّة عنه: «انّ دليل وجوب القضاء لمّا كان مجملاً و لم يكن صالحا لاثبات أحد الأمرين في المقام، من التقسيط و الوجوب الكفائي، كان المرجع حينئذ هو الأصل، و مقتضاه التقسيط، فانّ نصف ما في ذمّة الميّت واجب على كلّ من الأخوين على كلّ تقدير، أي سواء أكان الوجوب كفائيّا أم على سبيل التقسيط، فيكون هذا هو المتيقّن و ينفى الزائد المشكوك بأصالة البراءة. انتهى».(1)
و ذهب صاحب مستند العروة(2)الى القول بالوجوب الكفائي بتقريب أنّ الموضوع هو الطبيعي الصادق على الواحد و المتعدّد، و نتيجة ذلك الالتزام بالوجوب العيني في فرض وحدة الولي و الوجوب الكفائي عند تعدّده.
و فيه: انّ ذلك القول خلاف ما يفهمه العرف، و خلاف ما يقتضيه الأصل كما قرّره الشيخ الأعظم. نعم، ما لايكون قابلاً للقسمة و التقسيط كصلاة واحدة و صوم يوم واحد يجب عليهما كفاية، و لو أوقعاه معا دفعة واحدة يجزي عنهما. و لو كان مثل الصوم الواحد فصاما كلاهما فلايجوز لهما الافطار بعد الزوال لصحّة صومهما.
و قال في الجواهر: «و لو كان له وليّان أو أولياء متساوون في السنّ تساووا في القضاء بالتقسيط عليهم وفاقا للأكثر، لعموم الولي و الأولى للواحد و المتعدّد، و المنساق من أمثال ذلك ممّا هو قابل للتوزيع الاشتراك. نعم، هو متّجه فيما لايقبله كاليوم الواحد على ما صرّح به الفاضل و الشهيدان و غيرهم، فلهما حينئذ أن يوقعاه معا، و لو أفطرا فيه بعد الزوال و كان قضاء شهر رمضان احتمل وجوب
الكفّارة عليهما. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 10): اذا أوصى الميّت بالاستئجار عنه سقط عن الولي بشرط الاتيان من الأجير صحيحا.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو كان له وليّان أو أولياء متساوون في السنّ تساووا في القضاء، و فيه تردّد. و لو تبرّع بالقضاء بعض سقط. انتهى».(2)
و قال في المدارك: «الظاهر أنّ المراد أنّه لو تبرّع بعض الأولياء المتساوين في السنّ بقضاء الصيام عن البعض الآخر سقط الفرض بفعل ذلك المتبرّع. و يمكن أن يكون المراد منه ما يعمّ تبرّع الأجنبي عن الولي أيضا. قال الشارح قدس سره: «و وجه السقوط حصول المقتضى و هو براءة ذمّة الميّت من الصوم». و يتوجّه عليه أنّ الوجوب تعلّق بالولي و سقوطه بفعل غيره يحتاج الى دليل. و من ثمّ ذهب ابن ادريس و العلاّمة في المنتهى الى عدم الاجتزاء بفعل المتبرّع و ان وقع باذن من تعلّق به الوجوب؛ لأصالة عدم سقوط الفرض عن المكلّف بفعل غيره. و قوّته ظاهرة. انتهى».(3)
أقول:
اذا أوصى الميّت بالاستئجار عنه صحّت الوصيّة و تكون نافذة؛ لعموماتدليل الوصيّة من الكتاب و السنّة. و دليل صحّة الاستئجار عن الميّت تقدّم في فصل الاستئجار عنه، فاذا كانت الوصيّة صحيحة و الاستئجار عنه أيضا صحيحا
فاذا أتى الأجير بما استؤجر له من الصلاة و الصوم برئت ذمّة الميّت فاذا برئت ذمّة الميّت سقط عن الولي لسقوط الموضوع و هو اشتغال ذمّة الميّت بالصلاة و الصوم. و كذا لو تبرّع بالقضاء متبرّع سقط عن الميّت و عن الولي بتبعه.
و يتوجّه على المدارك في قوله: «انّ الوجوب تعلّق بالولي و سقوطه بفعل غيره يحتاج الى دليل» أنّ الوجوب تعلّق بالولي لاشتغال ذمّة الميّت فاذا فرغت ذمّته بالاستئجار عنه فلايبقى موضوع لتكليف الولي، و الدليل على صحّة الوصيّة و صحّة الاستئجار و صحّة التبرّع كما تقدّم آنفا. و يتوجّه على قضيّة تنافي وجوب صلاة الميّت و صومه على الولي مع صحّة الوصيّة و الاستئجار أنّ موضوعهما مختلف فلايكون التنافي بين الدليلين.
قال في الجواهر: «لو تبرّع بالقضاء بعض الأولياء سقط عن الباقي كما لو تبرّع الأجنبي؛ لأنّه كالدين كما يومئ اليه النصوص المتفرّقة في الحجّ و غيره، و المناقشة في ذلك كلّه من بعض الناس لايصغى اليها، و منه ينقدح جواز استئجار أحد الوليّين الآخر على ما يخصّه كما صرّح به في الدروس، بل و استئجارهما الأجنبي لاتّحاد المدرك و هو أنّه عمل جاز التبرّع به فجاز الاستئجار عليه كالعكس و ان فرّق بينهما في الدروس فاستقرب الجواز في الأوّل و احتمله في الثاني لكنّه في غير محلّه ضرورة تحقّق التلازم بينهما كما هو مفروغ منه في محلّه و لاينافي ذلك وجوبه على الولي، ضرورة ارتفاع موضوع الوجوب بأداء الأجير كما هو واضح. و منه يعلم ضعف ما في المدارك، فانّ من أحاط بنصوصهم عليهم السلام و فهم رموزها لايستريب في جواز التبرّع، و متى جاز، جاز الاستئجار و متى جازا معا و وقع الأداء برئت ذمّة الولي لفراغ ذمّة الميّت حينئذ التي شغلها كان سببا للوجوب عليه على وجه التأدية عنه كالدين، اذ قد عرفت أنّ التحقيق وقوع ذلك عن الميّت و ابراء له من خطاب القضاء لا أنّه للولي نفسه كما زعمه بعضهم، و اللّه
هو العالم. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 11): يجوز للولي أن يستأجر ما عليه من القضاء عن الميّت.
(مسألة 12): اذا تبرّع بالقضاء عن الميّت متبرّع سقط عن الولي.
قد ظهر شرح المسألتين من المسألة العاشرة المتقدّمة.
(مسألة 13): يجب على الولي مراعاة الترتيب في قضاء الصلاة، و ان جهله وجب عليه الاحتياط بالتكرار.
قد عرفت فيما سبق أنّ الترتيب في قضاء الصلاة ليس بواجب مطلقا الاّ في المرتّبتين أي الظهر و العصر، و المغرب و العشاء.
(مسألة 14): المناط في الجهر و الاخفات على حال الولي المباشر لا الميّت، فيجهر في الجهريّة و ان كان القضاء عن الأمّ.
الشرح:
بعد الفراغ عن مشروعيّة استئجار الرجل عن المرأة و بالعكس و وجوب قضاء الولي عن والدته أو استحبابه، فنقول: انّ المناط في الجهر و الاخفات على حال الولي المباشر لا الميّت؛ لأنّه اذا كان الرجل و المرأة في بعض أجزاء الصلاة وشرائطها ليسا مشتركين و الامام عليه السلام بعد تجويز قضاء الرجل عن المرأة و بالعكس لم يبيّن كيفيّته و أطلق في كلامه، فعلم أنّه عليه السلام أحاله الى المبيّنات و انّ الرجل يجهر و المرأة تخفت. و قد تقدّم تفصيل ذلك في المسألة السادسه عشرة في فصل
1) - جواهر الكلام 17: 44 و 45.
الاستئجار عن الميّت.
(مسألة 15): في أحكام الشكّ و السهو يراعي الولي تكليف نفسه اجتهادا أو تقليدا لا تكليف الميّت، بخلاف أجزاء الصلاة و شرائطها، فانّه يراعي تكليف الميّت و كذا في أصل وجوب القضاء، فلو كان مقتضى تقليد الميّت أو اجتهاده وجوب القضاء عليه يجب على الولي الاتيان به و ان كان مقتضى مذهبه عدم الوجوب. و ان كان مقتضى مذهب الميّت عدم الوجوب لايجب عليه و ان كان واجبا بمقتضى مذهبه، الاّ اذا علم علما وجدانيّا قطعيّا ببطلان مذهب الميّت، فيراعي حينئذ تكليف نفسه.
الشرح:
قلت: و أنت اذا تأمّلت في روايات الباب تجد أنّ المكلّف بالقضاء عن الميّت هو الحي أي الولي، فالخطاب متوجّه الى الولي فكأنّما قيل له: صلّ عن أبيك كلّما فاته من صلاته و صم عنه و حجّ عنه، فالولي مخاطب بالأمر بالقضاء فاذا لم يكن الأمر مقيّدا فالحاكم مطلقات خطاب الصلاة اليه و ما هو تكليفه في امتثالها، فاللازم عليه مراعاة تكليف نفسه بالنسبة الى أحكام الصلاة و الصوم و الحجّ و غيرها. فكما أنّه اذا صلّى لنفسه يجب عليه أن يصلّي بالحجّة من الاجتهاد و التقليد فكذلك اذا صلّى عن الميّت يجب عليه أن يصلّي بمقتضى نظره ان كان مجتهدا و بمقتضى نظر مقلَّده ان كان مقلّدا سواء كان في أصل وجوب القضاء أو في أحكام الصلاة من الأجزاء و الشرائط أو أحكام الخلل من الشكّ و السهو و غيرها. و قد تقدّم تفصيل هذه المسألة في المسألة الخامسه عشرة من فصل الاستئجار عن الميّت.
(مسألة 16): اذا علم الولي أنّ على الميّت فوائت ولكن لايدري أنّها
فاتت لعذر من مرض أو نحوه، أو لا لعذر، لايجب عليه القضاء، و كذا اذا شكّ في أصل الفوت و عدمه.
الشرح:
اذا قلنا بما قاله المصنّف من أنّ الواجب على الولي قضاء ما فاته الميّت من الصلاة لعذر و لايجب عليه ما فاته لا لعذر فالأمر كما قال، فاذا شكّ في الفوت لعذر أو غيره فكأنّه شكّ في أصل التكليف فتجري البراءة، و كذا اذا شكّ في أنّ عليه فوائت أو لا. و أمّا نحن حيث قلنا بوجوب القضاء على الولي مطلقا، فالشكّ في أنّه فاتت عنه لعذر أو لا لعذر لا عبرة به. نعم، اذا شكّ في أصل الفوت فالبراءة جارية، فنقول: لايجب على الولي القضاء اذا شكّ في الفوت؛ لأنّ عنوان الوجوب هو احراز الفوت.
(مسألة 17): المدار في الأكبريّة على التولّد لا على انعقاد النطفة، فلو كان أحد الولدين أسبق انعقادا و الآخر أسبق تولّدا فالولي هو الثاني، ففي التوأمين الأكبر أوّلهما تولّدا.
الشرح:
المدار في الأكبريّة على الولادة و ذلك لأنّ ابتداء السنّ عرفا هو ابتداء الولادة كما أنّها هي المدار في الأحكام المتعلّقة بالسنّ كالبلوغ و اليأس من الحيض، فالعلم بالتقدّم أو التأخّر في انعقاد نطفة الولدين لا أثر له فالأثر يكون في أسبقيّة الولادة و كذا في التوأمين. نعم في رواية ابن أشيم عن بعض أصحابه، قال:
«أصاب رجل غلامين في بطن فهنّأه أبو عبداللّه عليه السلام، ثمّ قال: أيّهما الأكبر (أكبر خ ل)؟ فقال: الذي خرج أوّلاً. فقال أبو عبداللّه عليه السلام: الذي خرج أخيرا هو أكبر، أما تعلم أنّها حملت بذاك أوّلاً و أنّ هذا دخل
على ذاك فلم يمكنه أن يخرج حتّى خرج هذا، فالذي يخرج أخيرا هو أكبرهما».(1)
ولكن الرواية مرسلة مع أنّها مضطربة متنا؛ لأنّه عليه السلام خاطب الرجل فقال: «أما تعلم أنّها حملت بذاك أوّلاً» مع أنّ الحمل بذاك أوّلاً لم يعلم عند الرجل فلعلّه كان معلوما عند الامام عليه السلام. مضافا الى أنّ الغالب مع سبق الحمل هو سبق الولادة. و كذا لم يعلم المراد من جملة «هذا دخل على ذاك» و على كلّ فالاعتماد على الرواية مشكل.
(مسألة 18): الظاهر عدم اختصاص ما يجب على الولي بالفوائت اليوميّة، فلو وجب عليه صلاة بالنذر الموقّت و فاتت منه لعذر وجب على الولي قضاؤها.
الشرح:
الظاهر عدم اختصاص ما يجب على الولي بالفوائت اليوميّة؛ لاطلاق صحيحة حفص عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال:
«يقضي عنه أولى الناس بميراثه ... الخ».(2)
و ما يدّعى من انصراف الصلاة الى الصلاة اليوميّة مدفوع بعدم القرينة على ذلك، و هو ادّعاء محض. اللّهمّ الاّ أن يدّعى في الصلاة المنذورة أنّ ما كان واجبا على الميّت هو الوفاء بالنذر لا الصلاة ليكون اطلاق النصّ شاملاً لها، فتأمّل. نعم، ظاهر الأدلّة أنّ الواجب على الولي قضاء ما فات الميّت نفسه لا مثل ما آجر نفسه ثمّ لم يأت به أو كان على والد الميّت و انتقل اليه و لم يأت به. و قد تقدّم تفصيل
ذلك في المسألة الأولى من هذا الفصل.
(مسألة 19): الظاهر أنّه يكفي في الوجوب على الولي اخبار الميّت بأنّ عليه قضاء ما فات لعذر.
الشرح:
الحقّ أنّ اخبار الميّت بأنّ عليه قضاء ما فاته من الصلاة و الصوم لايكفي في الوجوب على الولي؛ لعدم الدليل على ذلك الاّ اذا كان ثقة أو كان اخباره محفوفة بالقرائن التي يطمئنّ الولي بأنّ عليه فوائت. نعم، اذا أقرّ على نفسه بالدين ألزم بذلك الاقرار لو طالبه الدائن و لو امتنع عنه حتّى مات وجب على الوارث اخراجه من الأصل. و القياس بما نحن فيه قياس مع الفارق؛ لأنّ الاقرار هنا أوّلاً على الغير لا على النفس، و ثانيا لايكون الاقرار هنا مثمرا في حال الحياة بل بعدها.
(مسألة 20): اذا مات في أثناء الوقت بعد مضيّ مقدار الصلاة بحسب حاله قبل أن يصلّي، وجب على الولي قضاؤها.
الشرح:
اذا مات في أثناء الوقت بعد مضيّ مقدار الصلاة بحسب حاله قبل أن يصلّي وجب على الولي قضاؤها، و ذلك لاطلاق صحيحة حفص المتقدّمة مرارا، فانّ فيها: «في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام؟ قال عليه السلام: يقضي عنه أولى الناس بميراثه ... الخ»، فهذا الرجل الذي مات في أثناء الوقت وجبت عليه الصلاة فيؤدّي عنه وليّه، فكلمة «يقضي» في الرواية بمعني يؤدّي. ثمّ انّه لايجب على الولي أن يؤدّي عن الميّت فورا و في الوقت الذي مات فيه؛ لعدم الدليل على ذلك بل الدليل على خلافه و هو اطلاق قوله عليه السلام: «يقضي عنه أولى الناس بميراثه»، فيجوز
له التأخير الى خروج الوقت.
(مسألة 21): لو لم يكن ولي، أو كان و مات قبل أن يقضي عن الميّت وجب الاستئجار من تركته و كذا لو تبيّن بطلان ما أتى به.
الشرح:
قد مرّ البحث عن هذه المسألة في المسألة الثالثة من مسائل صلاة الاستئجار و قلنا بأنّ الصلاة و الصوم لايخرجان من أصل التركة الاّ بالوصيّة، فاذا لم يكن للميّت ولي و لم يوص بهما لايجب الاستئجار.
(مسألة 22): لايمنع من الوجوب على الولي اشتغال ذمّته بفوائت نفسه و يتخيّر في تقديم أيّهما شاء.
الشرح:
يجب على الولي أن يقضي ما على الميّت من الصلوات سواء كانت ذمّته مشغولة بفوائت نفسه أو لم تكن، و في صورة الشغل يتخيّر في تقديم أيّهما شاء سواء كان التحمّل عن الميّت قبل الاشتغال أو بعده أو بالتفريق. و الدليل على ذلك كلّه اطلاق رواية حفص.
(مسألة 23): لايجب عليه الفور في القضاء عن الميّت و ان كان أولى و أحوط.
الشرح:
لايجب على الولي الفور في القضاء عن الميّت؛ لاطلاق أدلّة قضاء الولي عن الميّت، كصحيحة حفص المتقدّمة. و الأصل الجاري في المقام بعد الدليل هو
البراءة؛ لأنّ الشكّ هنا يكون في التكليف.
ان قلت: يمكن أن يكون الميّت في ضيق فاذا أدّى الولي ما على الميّت فورا يوسّع عليه، قلت: لا دليل على وجوب التوسعة على الميّت مع العلم بالضيق فضلاً عن الاحتمال.
(مسألة 24): اذا مات الولي بعد الميّت قبل أن يتمكّن من القضاء ففي الانتقال الى الأكبر بعده اشكال.
الشرح:
لا اشكال في عدم انتقال القضاء عن ولده الأكبر الى الأكبر بعده؛ لعدم الدليل. و ما قيل من أنّ العجز يكشف عن عدم وجوب القضاء، مدفوع بأنّ دليل القضاء على الولي من قبيل دليل الغسل على الجنب فاذا أجنب فعليه الغسل سواء تمكّن أو لم يتمكّن. نعم، العجز مانع من الامتثال فاذا عجز و لم يتمكّن من الامتثال فلا دليل على الانتقال.
(مسألة 25): اذا استأجر الولي غيره لما عليه من صلاة الميّت فالظاهر أنّ الأجير يقصد النيابة عن الميّت لا عنه.
الشرح:
لا اشكال في ذلك؛ لأنّ المقصود تفريغ ذمّة الميّت، فكما أنّ الولي ينوي بنيّته أنّه يصلّي عن الميّت فالأجير كذلك.
تمّ المجلّد الرابع
من كتاب الصلاة بحمد اللّه عزّ شأنه
في شهر شعبان المكرّم سنة 1423 الهجريّة
بعدما رتّبنا و فصّلنا مباحثه التي درّسناها
و كتبناها قبل سنوات. نحمد اللّه أوّلاً و آخرا
و نرجو منه تعالى القبول من أقّل عباده
السيّد علي محمّد دستغيب