ghaemiyeh.com
المؤلف: الشيخ محمّد باقر الإيرواني
الناشر: المركز العالمي للدّراسات الإسلامية
المطبعة: توحيد
الطبعة: 2
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1422 ه.ق
الصفحات: 281
المكتبة الإسلامية
دروس تمهيدية في الفقه الإستدلالي
الجزء الرابع
قسم الأحكام
سماحة الشيخ باقر الإيرواني
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدللّه والصلاّة والسلام على أنبياء اللّه ، لاسيما رسوله الخاتم وآله الطيبين الطاهرين المعصومين.
اما بعد ، لاشك ان اصلاح المناهج الدراسية المتداولة فى الحوزات العلمية والمعاهد الدراسية فى العصر الحاضر - الذى عُرف بعصر ثورة المعلومات - بات حاجة ملحّة يقتضيها تطور العلوم وتكاملها عبر الزمان ، وظهور مناهج تعليمية وتربوية حديثة ، تتوافق مع الطموحات والحاجات الانسانية المتجددة.
وهذه الحقيقة لم تعد خافية على القائمين على هذه المراكز ، فوضعوا نصب أعينهم اصلاح النظام التعليمى فى قائمة الاولويات بعد ان باتت فاعليته رهن اجراء تغييرات جذرية على هيكلية هذا النظام.
ويبدو من خلال هذه الرؤية ان اصلاح النظام الحوزوى ليس امراً بعيد المنال ، إلا انه من دون احداث تغيير فى المناهج الحوزوية ستبوء كافة الدعوات الاصلاحية بالفشل الذريع وستموت فى مهدها.
والمركز العالمى للدّراسات الإسلامية - الذّى يتولّى مهمّة إعداد المئات من الطلاب الوافدين من مختلف بقاع الارض للاغتراف من نمير علوم
أهل البيت - علیهم السلام - شرع فى الخطوات اللازمة لاجراء تغييرات جذرية علي المناهج الدراسية المتبعة وفق الأساليب العلمية الحديثة بهدف عرض المواد التعليمية بنحو أفضل ، الامر الذى لاتلبّيه الكتب الحوزوية السائدة؛ ذلك انها لم تؤلف لهدف التدريس ، وانما الفت لتعبر عن افكار مؤلفيها حيال موضوعات مرّ عليها حقبة طويلة من الزمن واصبحت جزءاً من الماضي.
وفضلا عن ذلك فانها تفتقد مزايا الكتب الدراسية التى يراعى فيها مستوي الطالب ومؤهلاته الفكرية والعلمية ، وتسلسل الأفكار المودعة فيها وأداؤها ، واستعراض الآراء والنظريات الحديثة التى تعبر عن المدى الذى وصلت اليه من عمق بلغة عصرية يتوخى فيها السهولة والتيسير وتذليل صعب المسائل مع احتفاظها بدقة العبارات وعمق الافكار بعيداً عن التعقيد الذى يقتل الطالب فيه وقته الثمين دون جدوي.
وانطلاقا من توجيهات كبار العلماء والمصلحين وعلى رأسهم سماحة الامام الراحل - قدس سره - ، وتلبية لنداء قائد الثورة الاسلامية آية اللّه الخامنئى - مد ظله الوارف - قام هذا المركز بتخويل « مكتب مطالعة وتدوين المناهج الدراسية » مهمة تجديد الكتب الدراسية السائدة فى الحوزات العلمية ، ان يضع له خطة عمل لاعداد كتب دراسية تتوفر المزايا السالفة الذكر.
وقد بدت امام المكتب المذكور - ولاول وهلة - عدة خيارات :
1 - اختصار الكتب الدراسية المتداولة من خلال انتقاء الموضوعات التى لها مساس بالواقع العملي.
2 - ايجازها وشحنها بآراء ونظريات حديثة.
3 - تحديثها من رأس بلغة عصرية وايداعها افكار جديدة الا ان العقبة الكأداء
التى ظلت تواجه هذا الخيار وقوع القطيعة التامة بين الماضى والحاضر ، بحيث تبدو الافكار المطروحة فى الكتب الحديثة وكأنها تعيش فى غربة عن التراث وللحيلولة دون ذلك ، لمعت فكرة جمع الخيارات المذكورة فى قالب واحد تمثّل في المحافظة على الكتب الدراسية القديمة كمتون وشرحها باسلوب عصرى يجمع بين القديم الغابر والجديد المحدث.
وبناء على ذلك راح المكتب يشمرّ عن ساعد الجدّ ويستعين بمجموعة من الاساتذة المتخصصين لوضع كتب وكراسات فى المواد الدراسية المختلفة ، من فقه واصول وتفسير وكلام ورجال وحديث وأدب وغيرها.
وكانت مادة « الفقه الإستدلالي » بحاجة ماسّة إلى وضع كتاب جديد فيها ، يتناسب مع تطلّعات المركز (للمرحلة التعليمية الأولى بالّلغة العربية) فطلبنا من الأستاذ الكريم ، سماحة الحجّة الشيخ باقر الإيروانى - دامت افاضاته - تدوين دروس تمهيدية فى الفقه الإستدلالى (4) ؛ فلبّى رغبتنا مشكوراً وتفضّل بتدوين هذا الكتاب وجعلِه يتوافق مع المطلوب كمّاً وكيفاً.
وختاماً لانشكّ فى أنّ الخطوات الأولى ستصحبها بعض العقبات والنواقص ، إلاّ انّه يمكن تذليلها من خلال البصيرة النافذة وإبداء الآراء البنّاءة من قبل المخلصين من ذوى الخبرة.
المركز العالمى للدراسات الإسلامية
مكتب مطالعة وتدوين المناهج الدراسيّة
القضاء
الشهادات
الاقرار
اللقطة
الغصب
الاطعمة والاشربة
الصيد والذباحة
الانفال والمشتركات
الارث
الحدود
القصاص
الديات
القضاء فى الشريعة
الشروط اللازمة فى القاضى
كيفية القضاء
شروط سماع الدعوى
وسائل الاثبات
احكام عامة فى القضاء
القضاء واجب كفائي. وهو منصب جليل خطير.
وحكم القاضى نافذ على الجميع ولايجوز نقضه من قبل قاضٍ آخر الاّ مع فرض فقدان الأول للشروط المعتبرة فى القاضي ، أو فرض مخالفة حكمه لما ثبت بنحو القطع من الكتاب والسنّة الشريفين.
والقاضى على نحوين : القاضى المنصوب وقاضى التحكيم. وحكم كليهما نافذ.
وفى جواز أخذ الاُجرة على القضاء خلاف.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أنّ القضاء واجب ، فلتوقف حفظ النظام عليه. مضافاً الى أنّه مقدمة لتحقيق المعروف والانتهاء عن المنكر.
وأما أنّه كفائي ، فلأنّالغرض - وهو حفظ النظام - يتحقق بتصدى من به الكفاية له.
2 - وأمّا أنّه منصب جليل ، فلأنّه منصب الأنبياء : (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) (1)بل هو منصب اشرف الخلق نبينا صلی اللّه علیه و آله : (إِنَّا
1) سورة ص : 26.
أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) (1)
وأما أنّه منصب خطير ، فلما ورد فى حديث النبى صلی اللّه علیه و آله : « من جُعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين » (2)و « لسان القاضى بين جمرتين من نار حتى يقضى بين الناس فإما الى الجنة وإما الى النار » (3).
3 - وأمّا نفوذ حكم القاضى وعدم جواز نقضه حتى من حاكم آخر ، فلمقبولة عمر بن حنظلة : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة فى دين أو ميراث فتحاكما الى السلطان والى القضاة أيحل ذلك؟ قال : من تحاكم اليهم فى حق أو باطل فإنّما تحاكم الى الطاغوت ... قلت : فكيف يصنعان؟ قال : ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر فى حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً ، فإنّى قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم اللّه ... » (4)، فإنّ الذيل يدل بوضوح على أنّ الحكم إذا كان على طبق القواعد فعدم قبوله استخفاف بحكم اللّه سبحانه.
وابن حنظلة وإن لميوثق إلاّ أنّه قد روى عنه صفوان - الذى هو أحد الثلاثة - بناءً على المشهور من كفاية مثل ذلك. (5)على أنّ تلقّى الأصحاب للرواية بالقبول قد يورث للفقيه الوثوق بصدورها.
هذا كله إذا لميفترض حلُّ الخصومة بيمين المدّعى عليه ، وإلاّ أمكن أن يضاف الى ذلك التمسك بصحيحة عبد اللّه بن أبى يعفور عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « إذا رضي
صاحب الحق بيمين المنكر لحقه فاستحلفه فحلف أنّ لاحق له قِبَلَهُ ذهبت اليمين بحق المدّعى فلا دعوى له. قلت له : وإن كانت عليه بيّنة عادلة؟ قال : نعم وإن أقام بعدما استحلفه باللّه خمسين قسامة ما كان له وكانت اليمين قد أبطلت كل ما ادّعاه قِبَلَهُ ممّا قد استحلفه عليه »(1).
4 - وأمّا وجه الاستثناء ، فلأنّ الحكم كلا حكم إذا افترض اختلال الشروط في القاضى أو فى موازين قضائه.
وأما اعتبار أن تكون المخالفة مخالفة لما ثبت اعتباره بنحو القطع ، فلأنّه بدون ذلك يعود الحكم مشمولاً لقوله علیه السلام : « فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه ... » ، إذ المراد فإذا حكم على طبق الموازين الشرعية التى يؤدى اليها نظره.
5 - وأمّا قسما القاضى ، فيقصد من القاضى المنصوب من كان منصوباً للقضاء من قبل الشرع قبل أن يتراضى عليه المتخاصمان ، ومن قاضى التحكيم القاضى الذي تراضى المتخاصمان على التحاكم اليه وكان نصبه من قبل الشارع فى طول التراضى على التخاصم اليه.
ويدلّ على الاول مقبولة ابن حنظلة المتقدمة حيث قال علیه السلام : « فإنى قد جعلته عليكم حاكماً » (2)وصحيحة أبى خديجة : « .... انظروا الى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا ، فاجعلوه بينكم فإنّى قد جعلته قاضياً فتحاكموا اليه » (3).
ويدلّ على الثانى صحيح الحلبي : « قلت لأبى عبد اللّه علیه السلام : ربما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة فى الشيء فيتراضيان برجل منّا ، فقال علیه السلام : ليس هو ذاك ، إنّما
هو الذى يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط » (1).
6 - وأمّا أخذ الاُجرة على القضاء ، فقد قيل بعدم جوازه إما لأنّ القضاء واجب ، وحيثية الوجوب نفسها تمنع من أخذ الاُجرة ، أو لأنّ حيثية القضاء بخصوصها تمنع من ذلك.
أما المنع من الحيثية الاُولي ، فقد ذكرت له عدة تقريبات ، نذكر من بينها ما نقله الشيخ الأعظم فى مكاسبه من أنّ الشيء إذا كان واجباً فهو مملوك لله سبحانه ، ومع كون الشيء مملوكاً للغير فلا يمكن تمليكه لآخر ، إما لأنّ الشيء الواحد لايمكن أن يكون مملوكاً لاثنين فى آنٍ واحد ، أو لأنّ الشخص إذا لميملك فعله ، فلا يمكن أن يملِّكه لغيره ، فإنّ فاقد الشيء لايعطيه. (2)
وفيه : انّ وجوب الفعل يستدعى الالزام بايجاده دون الملكية الاعتبارية ليلزم ما ذكر.
وأما المنع من الحيثية الثانية فتدل عليه صحيحة عمار بن مروان : « قال أبوعبداللّه علیه السلام : كل شيء غُل من الإمام فهو سحت. والسحت أنواع كثيرة منها : ما اُصيب من أعمال الولاة الظلمة ، ومنها اُجور القضاء واُجور الفواجر وثمن الخمر والنبيذ والمسكر ... » (3).
وقد يضاف الى ذلك أنّه قد علم من مذاق الشارع إرادته لصدور القضاء بنحو المجانية؛ لأنّه من شوؤن تبليغ الرسالة وقد قال تعالي : (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ... ) (4).
الشروط اللازمة فى القاضى يلزم فى القاضي : البلوغ ، والعقل ، والذكورة ، وطهارة المولد ، والعدالة ، والايمان والاجتهاد ، بل والأعلمية فى قول.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا اعتبار البلوغ ، فلأن الوارد فى صحيحة أبى خديجة المتقدمة عنوان الرجل : « قال أبو عبداللّه علیه السلام : انظروا الى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا ... » (1)، واللقب وإن لميكن له مفهوم إلاّ أنّه لوروده مورد التحديد لمن نصب شرعاً للقضاء يثبت له ذلك.
2 - وأمّا اعتبار العقل ، فللمقيّد المتصل اللبّي.
3 - وأمّا اعتبار الذكورة ، فلما تقدم فى وجه اعتبار البلوغ.
ولاينبغى أن يفهم من هذا تفضيل الاسلام للرجل على المرأة ، فإنّ الجميع منحيث الكرامة بدرجة واحدة (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (2)، (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) (3)، بل ذلك تمييز فى الوظائف على أساس ما يملكه كلّ واحد من الصنفين من تركيبة طبيعيّة خاصة به.
ويبقى اضافة الى ذلك نظام الاُسرة بحاجة الى حنان الاُم ونشاطها البيتى أكثر من حاجة وظائف الدولة لها بعد إمكان تصدى الرجل لها بشكل أتم.
4 - وأمّا اعتبار طهارة المولد ، فلا خلاف فيه(1)إما لانصراف صحيحة أبى خديجة المتقدمة الى غير ولد الزنا - كما قيل - أو لأنّ عدم قبول شهادة ولد الزنا وإمامته فى الصلاة يفهم منه عدم قبول الشارع لقضائه بالأولوية العرفية.
ولا ينبغى أن يفهم من هذا تحميل الاسلام الوزر على الولد البريء ، فإنّ عدم منحه الوظائف إما وليد عدم تفاعل المجتمع مع ولد الزنا الذى هو أثر وضعي للجريمة التى ارتكبها الزاني ، وهو الذى يتحمل وزرها ، أو وليد بعض السلبيات الكامنة فى ولد الزنا التى تسبب الزانى اليها.
5 - وأمّا اعتبار العدالة ، فهو إما لما ذكره السيد اليزدى قدس سره وغيره من كون الفاسق ظالماً لنفسه ، والترافع اليه نحو ركون اليه ، وقد قال تعالي : ( ولا تركنوا الى الذين ظلموا ) (2)، أو لأنّ القضاء منصب رفيع وخطير لايحتمل منحه لغير العادل الذى لايؤمن انحرافه ، أو لأنّ غير العادل إذا لمتقبل شهادته ، فبالأولى لايقبل قضاؤه.
6 - وأمّا اعتبار الإيمان ، فلصحيحة أبى خديجة بل ومقبولة ابن حنظلة المتقدمتين.
7 - وأمّا اعتبار الاجتهاد ، فلأنّ عنوان « روى حديثنا ونظر فى حلالنا وحرامنا » الوارد فى مقبولة ابن حنظلة المتقدمة لايصدق إلاّ على المجتهد.
أجل ، لايبعد فى حالة اتساع دائرة الحكومة الاسلامية وعدم كفاية عدد المجتهدين لإدارة القضاء ثبوت الحق للحاكم الشرعى فى نصب غير المجتهد للقضاء حفظاً للنظام من الاختلال.
بل إنّ فكرة حفظ النظام من الاختلال قد يتمسك بها لإثبات نصب القاضى من قبل الشريعة بلا حاجة الى التمسك بمقبوله ابن حنظلة.
8 - وأمّا اعتبار الأعلمية فهو إما لما ورد فى عهد الإمام علیه السلام للأشتر : « اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك » (1)، أو لأنّ حكم العقل القطعى بترجيح الأعلم أشبه بالقرينة اللبّية المتصلة المانعة من انعقاد الإطلاق فى مثل مقبولة ابن حنظلة ، فيعود نصب غير الأعلم لادليل يدل عليه.
اذا طرحت دعوى فى مال على الحاكم فيلزمه لأجل القضاء فيها تشخيص المدّعى وتمييزه عن المدّعى عليه ، ثم ملاحظة جواب الثاني ، وهو لايخلو :
أ - إمّا أنّ يعترف بكون الحق مع المدّعي ، فيُلزمه الحاكم بذلك.
ب - أو ينكر فيطالب الحاكم المدّعى بالبينة فإن لميقمها حلف المدّعى عليه وتسقط بذلك الدعوي. وإن لميحلف وردّ اليمين على المدّعى وفرض حلفه تثبت بذلك الدعوي.
وإن نكل عن كلا الأمرين - الحلف والرد - ففى القضاء عليه بمجرد ذلك أو بشرط ردّ الحاكم اليمين على المدّعى وحلفه خلاف.
ج - أو يسكت - أى لايعترف ولاينكر - فالحكم كما فى حالة الانكار ، بَيْدَ أنّه إذا كان يدّعى الجهل بالحال فبإمكان المدّعى طلب احلافه على نفى العلم إن لميصدقه فى دعواه الجهل.
وفى الحالتين الأخيرتين إذا حلف المدّعى عليه ، فلا تسمع البيّنة بعد ذلك من المدّعي
1) وسائل الشيعة : 18 / 163 ، باب 8 من ابواب آداب القاضي ، حديث 9.
حتى لدى حاكم آخر ، كما لاتحق له المقاصّة أيضاً.
والحاكم لايحق له طلب الحلف من المدّعى عليه إلاّ بعد طلب المدّعى احلافه.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا لزوم تشخيص المدّعى وتميزه عن المدّعى عليه فلكى يطالب المدّعي بالبينة مع فرض انكار المدّعى عليه ، فإن أقامها ثبت ما ادّعاه ، وإلاّ حلف المدّعي عليه وسقطت الدعوي ، لصحيحة جميل وهشام عن أبى عبداللّه علیه السلام : « قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : البينة على من ادّعى واليمين على من ادّعى عليه » (1)وغيرها.
2 - وأمّا أنّ الحاكم يلزم المدّعى عليه مع اعترافه ، فلحجية الاقرار.
3 - وأمّا أنّ الحاكم يطالب المدّعى بالبينة عند انكار المدّعى عليه ، فللصحيحة المتقدمة وغيرها.
4 - وأمّا أنّ المدّعى عليه بالخيار بين الحلف ، فتسقط الدعوى الموجهة اليه وبين ردّه اليمين على المدّعى فيلزم عند حلفه ، فلصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام : « الرجل يدعى ولابينة له ، قال : يستحلفه ، فإن ردّ اليمين على صاحب الحق فلم يحلف فلا حقّ له » (2)وغيرها.
5 - وأمّا الخلاف فى القضاء بمجرد النكول عن الأمرين أو بشرط ردّ الحاكم اليمين على المدّعى وحلفه ، فالمعروف فيه هو الاحتمال الثاني.
وقد استدل السيد اليزدى وآخرون على ذلك بالبيانين التاليين :
أ) التمسك بالأصل المقتضى لعدم نفوذ قضاء أى شخص فى حق غيره ، والقدر
المتيقن فى الخارج عن الأصل المذكور حالة ما إذا ردّ المدّعى عليه اليمين علي المدّعى أو ما إذا ردّ الحاكم عليه ذلك ، وأما حالة عدم تحقق الرد من أحد الطرفين فهى للشك فى خروجها عن الأصل يحكم ببقائها تحته.
ب) التمسك بما دلّ على أنّ القضاء بين الناس إنّما هو بالبينات والأيمان ، كما دلت على ذلك صحيحة هشام بن الحكم عن أبى عبداللّه علیه السلام قال : « قال رسولاللّه صلی اللّه علیه و آله : إنما أقضى بينكم بالبينات والأيمان. وبعضكم ألحن بحجته من بعض ، فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنّما قطعت له به قطعة من النار » (1)، بتقريب أنّ المدّعى إذا لمتكن له بينة والمدّعى عليه لميحلف فالقضاء آنذاك على المدّعي عليه بمجرد نكوله عن كلا الأمرين قضاء من دون بينة ولايمين فلا يكون نافذاً (2).
6 - وأمّا أنّ حكم حالة السكوت نفس حكم حالة الانكار ، فلإطلاق صحيحة جميل وهشام المتقدمة الدالة على أنّ البينة على من ادّعى واليمين على من ادّعى عليه ، غايته يلزم فى حالة الانكار حلف المدعى عليه على نفى الحق واقعاً ، بينما في حالة السكوت ودعوى المدّعى عليه الجهل بالحال يمكن للمدّعى طلب احلافه على عدم العلم بالحال وليس على نفى الحق واقعاً لفرض عدم إنكاره.
7 - وأمّا أنّ حلف المدّعى عليه يمنع من قبول البينة بعد ذلك ومن المقاصة ، فلصحيحة ابن أبى يعفور المتقدمة عند البحث عن عدم جواز نقض حكم القاضي.
ولا ينبغى أن يفهم من هذا صيرورة المال حلالاً واقعاً للحالف ، كلاّ بل هو حرام واقعاً لو كان كاذباً. والأمر فى ذلك واضح. وتدلّ عليه أيضاً صحيحة هشام بن الحكم المتقدمة.
8 - وأمّا أنّ الحاكم لايجوز له احلاف المدّعى عليه قبل طلب المدّعى ، فلأن عدم طلب المدّعى لذلك يعنى غلقه للدعوى ولو مؤقتاً ، وذلك حق ثابت له.
يلزم لسماع الدعوى من المدّعى - لدى المشهور - توفر شروط أهمها :
أ) البلوغ والعقل.
ب) أن يكون جازماً فى دعواه لاظاناً أو محتملاً. واستثنى بعض من ذلك ما إذا دفع شخص الى غيره ماله كوديعة أو غيرها وادّعى تلفه فإنّه مع اتهامه يضمن إلاّ أن يقيم البينة على نفى اتهامه.
ج) أن تكون دعواه لنفسه أو لمن له الولاية عليه أو الوكالة عنه.
د) أن يكون متعلق الدعوى أمراً سائغاً ، فلا تسمع الدعوى من المسلم على غيره اشتغال ذمته بالخمر أو ما شاكله.
ذ) أنيكون المتعلق ذا أثر شرعى فلاتسمع دعوى الهبة أو الوقف من دون اقباض.
ه) أن يكون المدّعى به معلوماً فى الجملة.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا اعتبار البلوغ ، فقد علل بأنّه لو لمتكن للصبى بينة فليس له طلب احلاف المدّعى عليه ، كما لايتمكن من الحلف لو ردّ المدّعى عليه ذلك.
بل إذا كان للصبى ولى - يمكنه إقامة البينة والتصدى للحلف أو طلبه - فلا دليل على وجوب سماع دعواه ، وذلك يكفى فى رفضها بعد عدم لزوم الإخلال بالنظام واقرار الظلم حيث فرض وجود وليٍّ بإمكانه التصدي.
وأما بالنسبة الى شرطية العقل ، فوجه اعتبارها واضح.
2 - وأمّا اعتبار الجزم فى الدعوى ، فقد علل :
تارةً : بانتفاء عنوان المدعى مع عدم الجزم ، وبانتفائه لايمكن تطبيق قاعدة البينة على من ادّعى واليمين على من ادّعى عليه.
واُخرى : بأنّ المدّعى إذا ادّعى سرقة مثلاً على شخص ، فالأصل يقتضى عدم ذلك وبراءة ذمة المدّعى عليه ، وهذا الأصل كما هو حجة للمدّعى عليه هو حجة على المدّعي ، ومعه فلا يحق له الزام المدّعى عليه بشيء. وهذا بخلافه عند فرض الجزم فإنّ الأصل لايكون حجة على المدّعى لفرض جزمه ، وشرط حجية الأصل الشك بمعنى عدم العلم.
3 - وأمّا وجه الاستثناء ، فاستدل له بصحيحة أبى بصير عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « سألتة عن قصّار دفعت اليه ثوباً فزعم أنّه سرق من بين متاعه ، قال : فعليه أن يقيم البينة أنّه سرقمنبينمتاعهوليس عليه شيء ، فإن سرق متاعهكله فليس عليه شيء » (1)وغيرها.
والرواية صحيحة بطريق الشيخ الصدوق والطوسى وإن كانت ضعيفة بالارسال فى طريق الشيخ الكلينى إلاّ أنّ ذلك غير مهم لأنّه يكفى فى صحة الرواية صحة بعض طرقها.
4 - وأمّا اعتبار أن تكون دعوى المدّعى لنفسه أو لمن له الولاية أو الوكالة عنه ، فلأنّه لولا ذلك يكون أجنبياً عن الدعوى ومن ثم يكون قوله صلی اللّه علیه و آله : « البينة على من ادّعى واليمين على من ادّعى عليه » (2)منصرفاً عنه.
5 - وأمّا اعتبار كون متعلق الدعوى أمراً ، سائغاً فواضح بعد عدم اشتغال الذمة شرعاً بغيره.
6 - وأمّا اعتبار كون المتعلق ذا أثر شرعى ، فلعدم الفائدة فى قبول الدعوى في غير ذلك.
7 - وأمّا اعتبار المعلومية في الجملة ، فلأنّ المجهول بشكل كلى - كما لوقال المدّعي : لى عليه شيء - لايمكنالالزام به لتردده بين ماتسمع فيه الدعوى وما لاتسمع.
أجل ، إذا فسره بما يمكن الالزام به قُبل ذلك منه وتحصل آنذاك دعوى ثانية.
الوسائل التى يعتمد عليها للإثبات وحلّ الخصومة فى باب القضاء هي : البينة ، واليمين ، والاقرار ، والقرعة ، وعلم الحاكم.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا البينة ، فهى حجة لإثبات دعوى المدّعى بخلاف اليمين ، فإنّها حجة لاسقاط المدّعى عليه الدعوى عن نفسه. وهكذا هى حجة للمدّعى لإثبات دعواه لو ردت عليه إما من قبل المدّعى عليه أو الحاكم.
وبينة المدّعى هى المقدمة ، فإن لمتكن فالنوبة تصل الى يمين المدّعى عليه. والمستند لذلك قول النبى صلی اللّه علیه و آله : « البينة على من ادّعى واليمين على من ادّعي عليه » (1)وغيرها.
1) وسائل الشيعة : 18 / 170 ، باب 3 من ابواب كيفية الحكم ، حديث 1.
2 - وأمّا الاقرار ، فلا إشكال فى حجيته ، للسيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع.
لايقال : إنّ مدارك القضاء منحصرة بالبينات والأيمان لقوله صلی اللّه علیه و آله : « إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان. وبعضكم ألحن بحجته من بعض ، فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنّما قطعت له به قطعة من النار » (1)وليس الاقرار منها.
فإنّه يقال : بناءً على دلالة الحديث على الحصر ، فبالإمكان دعوى اختصاص نظره الى حالة الخصومة ، ومع الاقرار لاخصومة.
3 - وأمّا القرعة ، فتدل على حجيتها سيرة العقلاء والسنّة الشريفة.
أما السيرة ، فانعقادها على العمل بها فى الاُمور المشكلة واضح ، وحيث لاردع عنها شرعاً فيثبت امضاؤها.
وأما السنّة ، الشريفة فالدال منها فى الموارد الخاصة كثير إلاّ أنّ المهم هو الروايات العامة. ويمكن الاستشهاد بصحيحة محمد بن حكيم : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن شيء ، فقال لي : كل مجهول ففيه القرعة ... » (2)، فإنّه وإن لميحدد فيها المقصود من كلمة « شيء » ، ومن المحتمل اختصاصه بمورد معيّن إلاّ أنّ ذلك لايمنع من استفادة العموم منها ، فإنّ العبرة بعموم الجواب ، ولايضر بذلك اختصاص السؤال بمورد معيّن.
وهكذا يمكن الاستشهاد بصحيحة ابراهيم بن عمر عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « رجل قال : أول مملوك أملكه فهو حر فورث ثلاثة ، قال : يقرع بينهم فمن أصابه القرعة اُعتق. قال : والقرعة سنّة » (3)، فان موردها وإن كان خاصاً إلاّ أنّه يمكن استفادة
التعميم منها بتوسط الذيل.
ثم إنّه ينبغى الالتفات الى أنّ القرعة - بناءً على حجيتها - يختص جواز التمسك بها فى مورد القضاء بما إذا فرض تساوى الخصمين من جهة جميع وسائل الإثبات وجوداً وعدماً وإلاّ فلاتصل النوبة اليها كما هو واضح.
4 - وأمّا اعتبار علم القاضى كوسيلة للإثبات ، فهو المشهور ، بل المتفق عليه علي ما ذكر صاحب الجواهر ، من غير فرق بين حقوق الناس وحقوق اللّه سبحانه ، خلافاً لابن الجنيد حيث نسب له المنع مطلقاً (1).
واستدل على الاعتبار بعدّة وجوه ، نذكر منها :
أ) أنّ البينة جعلت حجة لكاشفيتها ، ومن الواضح أنّ العلم أقوى منها كاشفية فيلزم أن يكون حجة بالأولوية.
ب) التمسك بما دلّ على وجوب الحكم بالعدل والحق ، كقوله تعالي : (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) ، (2)(وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (3)، بتقريب أنّ الحاكم لو علم أنّ هذا زانٍ مثلاً فمتى ما حكم بزناه وثبوت الحدّ عليه ، كان ذلك حكماً بالحق والعدل فيكون جائزاً ، بل واجباً.
ج) التمسك بصحيحة سليمان بن خالد عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « فى كتاب على علیه السلام : أنّ نبياً من الأنبياء شكا الى ربّه ، فقال : يا رب كيف أقضى فى ما لم أر وأشهد؟ قال : فأوحى اللّه اليه : احكم بينهم بكتابى وأضفهم الى اسمى فحلِّفهم به.
وقال : هذا لمن لمتقم له بينة » (1)، حيث دلت على جواز قضاء الحاكم فيما إذا رأى الواقعة وشهدها. والظاهر من نقل القصة فى الحديث امضاء ما نقل فيها من حكم.
هذه بعض المدارك لاعتبار علم القاضى فى باب القضاء. وإذا أمكنت المناقشة فى بعضها ففى البقية كفاية.
ولا معارض لذلك سوى بعض الوجوه الضعيفة ، من قبيل :
انّ صحيحة هشام بن الحكم المتقدمة دلت على حصر الوسائل المثبتة فى باب القضاء بالبينة واليمين ، حيث قال صلی اللّه علیه و آله : « إنّما أقضى بينكم بالبينات والأيمان » (2)
أو من قبيل ما دلّ على عدم جواز إقامة الحد عند رؤية الزنا ، فقد ورد في صحيحة داود بن فرقد : « سمعت أباعبداللّه علیه السلام يقول : إنّ أصحاب رسول اللّه قالوا لسعد بن عبادة : أرأيت لو وجدت على بطن امرأتك رجلاً ما كنت صانعاً به؟ قال : كنت أضربه بالسيف. قال : فخرج رسول اللّه ، فقال : ماذا يا سعد؟ فقال سعد : قالوا : لو وجدت على بطن امرأتك رجلاً ما كنت صانعاً به؟ فقلتُ : أضربه بالسيف ، فقال : يا سعد فكيف بالأربعة الشهود؟ فقال : يا رسول اللّه : بعد رأى عينى وعلم اللّه أن قد فعل؟ قال : إى واللّه بعد رأى عينك وعلم اللّه أن قد فعل. إنّ اللّه قد جعل لكل شيء حدّاً ، وجعل لمن تعدّى ذلك الحدّ حدّاً » (3).
أمّا بالنسبة الى الأول ، فباعتبار أنّ صحيحة هشام ناظرة الى الحالة الغالبة التى لا علم فيها للحاكم كما يتضح ذلك بأدنى تأمل.
وأمّابالنسبة الى الثاني ، فلأن المدّعى جواز قضاء الحاكم بعلمه دون أى شخص كان.
المدّعى هو من خالف قوله الحجة. وقيل غير ذلك.
وهو مطالب بالبينة بلا حاجة الى ضمّ يمينه إلاّ فى الدعوى على الميت بدين.
والحلف لايصحّ إلاّ باللّه سبحانه وبأسمائه الخاصة ولو مع الترجمة.
والدعوى على الغائب مسموعة إذا أقام المدّعى البينة على مايدّعيه ويأخذ الحاكم بحقه من أموال المدّعيعليه بعد طلب كفيل منه على المال. ويبقى الغائب على حجته إذا رجع. ولو أثبت عدم استحقاق شيء عليه يسترجع الحاكم ما دفعه إلى المدّعي.
وإذا كان لشخص مال فى يد غيره ، جاز له أخذه منه من دون استئذانه إن لميستلزم ذلك تصرفاً فى ملكه أو كان الامتناع بغير حق.
هذا إذا كان المال عيناً.
وأمّا إذا كان ديناً فى ذمّته فمع اعترافه وبذله لايجوز له أخذه منه من دون استئذانه. وهكذا لو كان غير باذل له وكان امتناعه بحق.
أجل ، إذا كان امتناعه بظلم جازت المقاصة بلاحاجة إلى استئذان منالحاكم الشرعي.
ومن ادّعى مالاً لا يدَ لأحدٍ عليه ، حُكم له به بلا مطالبة بالبينة.
وإذا كان ذلك المال فى يد الغير ، فلا يحكم به للمدّعى إلاّ مع إقامته البينة.
وإذا ادّعى شخص زوجية امرأة أو بالعكس ، فمع تصديق الآخر يحكم بها بلا حاجة إلي
بينة أو يمين. ومع عدم تصديق الآخر يلزم المدّعى إقامة البينة ، فإن لميقمها فله احلاف الآخر.
وإذا تصادق رجل وامرأة على الزوجية وادّعاها آخر ، لزمه إقامة البينة على إثبات مدّعاه ، وله مع عدم إقامة البينة طلب احلاف أيّهما شاء.
وإذا اختلفالزوجان فيالعقد فادّعيأحدهما دوامه والآخرانقطاعه ، فالمناسب على رأي المشهور ترجيح مدّعى الدوام بعد يمينه إن لميكن للآخر بينة على إثبات مدّعاه.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا تحديد الضابط للمدّعى ، فقد وقع محلاًّ للإختلاف بين الأعلام بعد اتفاقهم على كونه هو المطالب بالبينة ، فقيل :
أ - انّ المدّعى هو من إذا تَرك تُرك.
وفيه : انَّ هذا يتمّ فيما لو ادّعى شخص على آخر ديناً أو عيناً أوغيرهما ، ولايتمّ فيما إذا اعترف شخص بالدين وادّعى ايفائه أو اعترف بأخذ العين عارية أو وديعة وادّعى إرجاعها ، فإنّه مدّعٍ جزماً بالرغم من أنّه إذا ترك لايُترك.
ب - ما يظهر من صاحب الجواهر وصرح باختياره الآشتيانى وغيره من أن المرجع فى تحديد المدّعى هو العرف ، فكل من صدق عليه عرفاً عنوان المدّعي ثبت كونه كذلك وكان مُلزماً بالبينة (1).
وفيه : انّ التحديد المذكور وإن كان من جهةٍ جيداً ، لأن الشارع مادام لميتصدَ لتحديد مفهوم المدّعي ، فالمرجع يكون هو العرف - كما هو الحال فى كل مفهوم
1) جواهر الكلام : 40 / 371 ؛ كتاب القضاء للآشتياني : 336.
لم يرد فيه تحديد شرعى - إلاّ أن الكلام الآن هو فى تحديد نظر العرف وأنّه من هو المدّعى عنده ليكون ملزماً بالبينة؟
ولعلَّ المناسب أنّ يقال : ان المدّعى فى نظر العرف هو من خالف قوله الحجة ، فاليد حجة كاشفة عن ملكية صاحبها ، واستصحاب الحالة السابقة حجة علي بقائها ، ومن خالف فى دعواه احدى هاتين الحجتين وما شاكلهما فهو المدّعي ويكون ملزماً بالإثبات ، لأنه يدّعى شيئاً يخالف ما عليه الحجة ، بخلاف المدّعي عليه ، فإنَّ قوله موافق للحجة.
ولعل هذا هو مقصود من فسَّر المدّعى بمن خالف قوله الأصل أو الظاهر بعد أخذ الأصل والظاهر كمثال لمطلق الحجة.
2 - وأمّا أنّ المدّعى لايطالَب باليمين إضافة الى البينة ، فلدلالة قوله صلی اللّه علیه و آله : « البينة على من ادّعى واليمين على من ادّعى عليه » (1)على ذلك بعد الالتفات إلى أن التفصيل قاطع للشركة.
3 - وأمّا وجه استثناء دعوى الدين على الميت ، فيأتى إن شاء اللّه تعالى فى كتاب الشهادات.
4 - وأمّا أن الحلف لايصح إلاّ باللّه سبحانه ، فلصحيحة سليمان بن خالد المتقدمة : « فى كتاب على علیه السلام أنّ نبياً من الأنبياء شكا إلى ربّه ، فقال : يارب كيف أقضى فى ما لمأرَ ولم أشهد؟ قال : فأوحى اللّه إليه : احكم بينهم بكتابى وأضفهم إلى اسمى فحلّفهم به. وقال : هذا لمن لمتقم له بينة » (2)، فإنّها تدل بوضوح على صحة الحلف بتوسط
لفظ الجلالة ، بل بجميع أسمائه عزّوجلّ ولو مع الترجمة تمسكاً بإطلاق كلمة « اسمي » فى قول اللّه عزّوجلَّ : « وأضفهم الى اسمي ».
إن قلت : لِمَ لانتمسك لإثبات جواز الحلف بغير اللّه سبحانه بإطلاق ما دلّ علي أنّ اليمين على المدّعى عليه ، كما فى قوله صلی اللّه علیه و آله : « البينة على من ادّعى واليمين علي من ادّعى عليه ». (1)
قلت : إنّ الحديث لو كان له إطلاق من الناحية المذكورة ، فهو مقيد بالصحيحة المتقدمة ، فإنّها واردة فى مقام بيان تحديد الوظيفة وقد قالت : « وأضفهم الى اسمي فحلّفهم به » ، وهذا يفهم منه أنّ الحلف بغير اسمه تعالى ليس بنافع.
5 - وأمّا أنّ الدعوى على الغائب مسموعة ، فلصحيحة جميل عن جماعة من أصحابنا عنهما علیهماالسلام : « الغائب يقضى عليه إذا قامت عليه البينة ويباع ماله ويقضي عنه دينه وهو غائب ، ويكون الغائب على حجّته إذا قدم. قال : ولايدفع المال إلي الذى أقام البينة إلاّ بكفلاء » (2).
ولا يشكل بأنّ الصحيحة مرسلة حيث عُبِّر « عن جماعة من أصحابنا » بدون تشخيصهم.
فإنّه يجاب أنّ الجماعة - التى أقلّها ثلاثة - لايحتمل اجتماعها على الكذب وعدم وجود ثقة من بينهم خصوصاً وهم مشايخ لجميل بن دراج الذى هو من أعاظم الرواة.
على أنّه فى بعض الطرق الاُخرى قد صُرح هكذا : عن جميل عن محمد بن
مسلم عن أبى جعفر علیه السلام .
وإذا قيل : إنّ الرواية المذكورة معارضة برواية الحميرى فى قرب الإسناد عن السندى بن محمد عن أبى البخترى عن جعفر عن أبيه عن على : « لا يقضى علي غائب » (1).
قلنا : هى مطلقة فيمكن حملها بقرينة الرواية السابقة على أن المقصود : لايقضي عليه بنحو بتى بل يبقى على حجته ، أو أنه لايقضى عليه من دون كفلاء.
هذا مضافاً إلى ضعف سندها بأبى البخترى وهب بن وهب الذى قيل فى حقه بأنّه أكذب أهل البرية. (2)
6 - وأمّا جواز أخذ الشخص ماله إذا كان فى يد غيره بدون استئذانه مادام لايستلزم ذلك تصرفاً فى ملكه أو يكون الامتناع بغير حق ، فلقاعدة الناس : « مسلّطون على أموالهم » الثابتة بسيرة العقلاء.
والتقييد بعدم استلزام ذلك التصرف فى ملك الغير أو يكون الامتناع بغير حق باعتبار أنّ ذلك هو القدر المتيقن من معقد السيرة.
7 - وأمّا أنّ المال إذا كان ديناً لايجوز أخذه بدون استئذان مع فرض الاعتراف والبذل ، فلأن الكلّى فى الذمّة لايتشخص فى الفرد الخارجى إلاّ بتشخيص صاحب الذمّة المشغولة ، فإنّه ذو الولاية على ذلك.
ونفس النكتة المذكورة تأتى لو كان الامتناع من البذل بحق.
8 - وأمّا جواز المقاصة مع الامتناع بغير حق ، فلصحيحة داود بن رزين : « قلت
لأبى الحسن علیه السلام : إنى اُخالط السلطان فتكون عندى الجارية فيأخذونها والدابة الفارهة فيبعثون فيأخذونها ثم يقع لهم عندى المال فلى أن آخذه؟ قال : خذ مثل ذلك ولاتزد عليه » (1)وغيرها.
ومقتضى اطلاقها عدم الحاجة الى الإستئذان من الحاكم الشرعي ، بل بعد ثبوت الإذن من الشرع لاتعود حاجة إلى الاستئذان المذكور.
9 - وأمّا أنّ من ادّعى مالاً لا يدَ لأحدٍ عليه حكم له به بلا مطالبة بالبينة ، فلقاعدة قبول دعوى المدّعى بلا منازع ، الثابتة بسيرة العقلاء والممضاة بعدم الردع.
وتدل على ذلك أيضاً صحيحة منصور بن حازم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « قلت : عشرة كانوا جلوساً ، وسطهم كيس ، فيه ألف درهم ، فسأل بعضهم بعضاً : ألكم هذا الكيس؟ فقالوا كلّهم : لا ، وقال واحد منهم : هو لي ، فلمن هو؟ قال : للذى ادّعاه » (2).
10 - وأمّا أنّ من ادّعى مالاً فى يد غيره لايحكم به للمدّعى إلاّ إذا أقام البينة ، فلقاعدة « البينة على من ادّعى واليمين على من ادّعى عليه ». أجل ، إذا لميكن للمدّعى بينة فبإمكانه المطالبة بإحلاف صاحب اليد ، كما تقدّم توضيح ذلك تحت عنوان « كيفية القضاء ».
11 - وأمّا الحكم بالزوجية عند تصادق الرجل والمرأة عليها بلا مطالبة بالبينة ، فلعدم وجود مدعٍ عليه ليستحق المطالبة بالبينة. وعلى الحاكم تصديقهما تطبيقاً لأصالة الصحة. هذا مضافاً إلى أنّ الحق لايعدوهما فلا معنى لعدم تصديقهما.
أجل ، مع عدم تصديق الطرف الثانى يتحقق عنوان المدّعى والمدّعى عليه
فيكون الأول ملزماً بالبينة ، وإذا لميقمها فبإمكان الثانى الحلف لنفى الزوجية واسقاط الدعوي.
12 - وأمّا أنّه مع تصادق الطرفين على الزوجية ، فعلى الرجل الثانى إقامة البينة لو ادّعى الزوجية ، فلأنّه مدّعٍ.
وأمّا أنّه مع عدم إقامته البينة فبإمكانه طلب احلاف أيّهما شاء وتسقط بذلك الدعوي ، فباعتبار أنّ كل واحد من الرجل والمرأة المتصادقين على الزوجية ينطبق عليه عنوان المدّعى عليه ، فإذا حلف تسقط بذلك الدعوي.
13 - وأمّا ترجيح مدّعى الدوام أو الانقطاع عند اختلاف الزوجين فى دوام العقد وانقطاعه ، فيتضح بعد الالتفات إلى أنّ الاختلاف فى دوام العقد وانقطاعه ينشأ عادة من الاختلاف فى ذكر الأجل فى العقد وعدمه ، فإذا بنى على أن عدم ذكر الأجل مع قصد الانقطاع يوجب قلبه دائماً كما هو المشهور - استناداً إلى بعض الروايات ، من قبيل موثقة عبداللّه بن بكير : قال أبو عبداللّه علیه السلام فى حديث : « إن سمّي الأجل فهو متعة وإن لميسمِّ الأجل فهو نكاح بات » (1)- فالمناسب تقديم قول مدّعى الدوام مع يمينه لأصالة عدم ذكر الأجل.
وأمّا إذا بنى على بطلان العقد رأساً عند عدم ذكر الأجل ولو نسياناً - كما هو مختار بعض الأعلام - فالمناسب تقديم قول مدّعى الانقطاع بيمينه؛ لأن دعواه موافقة لأصالة الصحة. هذا مضافاً إلى اتفاق الطرفين على جعل الزوجية بمقدار الأجل ، والأصل عدم اعتبارها بالمقدار الزائد.
1) وسائل الشيعة : 14 / 469 ، باب 20 من أبواب المتعة ، حديث 1.
شرائط الشاهد
اختلاف الحقوق فى الاثبات
أحكام عامة فى باب الشهادات
يلزم لقبول شهادة الشاهد فى مطلق موارد الشهادة توفر :
1 - البلوغ فلاتقبل شهادة غير البالغ إلاّ فى القتل فإنّه يؤخذ بأول كلامه. وفيالتعدى إلي الجرح خلاف. هذا فى الصبي ، وأمّا الصبية فينبغى الجزم بعدم قبول شهادتها.
2 - العقل.
3 - العدالة.
4 - الاسلام ، بل الإيمان فلا تقبل شهادة غير المسلم على المسلم - إلاّ الذمّى فى الوصية بالمال إذا لميوجد شاهدان عادلان من المسلمين - ولا شهادة غير المؤمن.
5 - طهارة المولد إلاّ فى الشيء اليسير.
6 - أن لاتجرّ الشهادة نفعاً ولاتدفع ضرراً ، كشهادة الشريك لشريكه بأنّه اشترى من ثالث عيناً لهما أو شهادة بعض أفراد العاقلة بجرح شهود الجناية.
7 - أن لايكون الشاهد ذا عداوة دنيوية مع المشهود عليه ولو لمتوجب فسقاً.
8 - أن لايكون سائلاً بكفّه.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا الصبى غير المميّز ، فلايمكن تحقق الشهادة منه ، وأمّا المميّز فقد يدّعي وجود بعض المطلقات الدالة على حجّية شهادته أيضاً ، كقوله تعالي : (فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) (1)(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) (2).
إلاّ أنّه على تقدير تمامية الإطلاق المذكور - وعدم المناقشة بكون الخطابات المذكورة فى مقام بيان الحث على الشهادة وطلبها لا أكثر - لابدَّ من تقييده بصحيحة محمد بن حمران : « سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن شهادة الصبى فقال : لا ، إلاّ فى القتل يؤخذ بأول كلامه ولايؤخذ بالثاني » (3)وغيرها.
وممّا يؤكد عدم حجية شهادة غير البالغ قوله تعالي : (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) (4)، فإنّ اعتبار بلوغ الشاهد فى باب الدين يدل على اعتباره فى غيره إمّا بالأولوية أو بتنقيح المناط والغاء الخصوصية.
2 - وأمّا أنه يؤخذ بأول كلام الصبى ، فللصحيحة المتقدّمة.
3 - وأمّا الجرح ، فقد قيل بقبول شهادة الصبى فيه أيضاً بالأولوية ، وفى المقابل يمكن أن يقال باختصاص القبول بمورد القتل لاحتمال وجود خصوصية له فى نظر الشارع ، وهى التحفظ على الدماء. بل إنّ لازم القول بالأولوية التعدّى إلى جميع الموارد الاُخري ، لأنها أدون من القتل.
4 - ووجه الجزم فى رفض شهادة الصبية ، أن مثل صحيحة محمد بن حمران المتقدّمة جاءت استثناءً من شرطية البلوغ وليس من شرطية الذكورة.
5 - وأمّا العقل ، فاعتباره واضح. أجل ، فى الأدوارى لامحذور فى قبول شهادته حالة إفاقته ، لإطلاق الأدلة.
6 - وأمّا العدالة ، فلا اشكال فى اعتبارها فى الشاهد فى الجملة. وقد قال تعالي فى شاهدى الطلاق : (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (1). وقال فى شاهدى الوصية : (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) (2).
وفى موثقة عبداللّه بن أبى يعفور : « قلت لأبى عبداللّه علیه السلام : بِمَ تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال : أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان ويعرف باجتناب الكبائر التى أوعد اللّه عليها النار من شرب الخمر والزنا ... والدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتي يحرم على المسلمين ماوراء ذلك من عثراته ... » (3).
وفيها دلالة واضحة على شرطية العدالة لا بمعناها الدقيق ، بل بمعنى حسن الظاهر. وفى صحيح محمد بن قيس الآتى دلالة واضحة على المطلوب.
7 - وأمّا اشتراط الاسلام ، فهو من واضحات الفقه ، وقد دلّت على ذلك موثقة سماعة : « سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن شهادة أهل الملّة ، فقال : لاتجوز إلاّ على أهل ملتهم » (4)وغيرها.
وأمّا الاستثناء المذكور ، فممّا لاخلاف فيه لقوله تعالي : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ... ) (1)والروايات الكثيرة (2).
8 - وأمّا الإيمان ، فلا إشكال فى اشتراطه إذا كان غير المؤمن معانداً ، لأنّه فاسق ، والحديث الشريف يقول : « كان أمير المؤمنين علیه السلام يقول : ... لا أقبل شهادة الفاسق إلاّ على نفسه » كما فى صحيح محمد بن قيس(3).
وأمّا إذا كان مستضعفاً فالمشهور عدم قبول شهادته أيضاً - حيث لميفصلوا في رفض شهادة غير المؤمن بين القسمين - إلاّ أن الشهيد الثانى قدس سره شكّك فى ذلك وأبرز احتمال قبول شهادته ، لوجود المقتضى وفقدان المانع.
أماّ وجود المقتضي ، فلإطلاق مثل قوله علیه السلام - فيصحيحة محمدبنمسلم : « لوكان الأمر إلينا لأجزنا شهادة الرجل إذا علم منه خير مع يمين الخصم فى حقوق الناس » (4).
وأمّا فقدان المانع فلأنّ مايتصور كونه مانعاً ليس إلاّ صدق عنوان الفاسق عليه ، وهو مدفوع ، باعتبار أنّ صدقه يختص بالمعاند ، أى الذى يفعل المعصية وهو يعلم أنّها معصية دون من يرتكبها وهو يعتقد أنّها طاعة.
ثم أضاف قائلاً : إنّ تحقق العدالة لايختص بالإمامي ، بل تتحقق فى جميع أهل الملل مع قيامهم بمقتضاها بحسب اعتقادهم(5).
9 - وأمّا اعتبار طهارة المولد ، فقد دلّت عليه صحيحة محمد بن مسلم : « قال أبوعبداللّه علیه السلام لاتجوز شهادة ولد الزنا » (1)وغيرها.
وأمّا استثناء اليسير ، فلصحيحة عيسى بن عبداللّه : « سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن شهادة ولد الزنا ، فقال : لاتجوز إلاّ فى الشيء اليسير إذا رأيت منه صلاحاً » (2).
10 - وأمّا اعتبار أن لاتجر الشهادة نفعاً - كشهادة الشريك - فيمكن الاستدلال له بالوجهين التاليين :
أ - التمسّك بموثقة سماعة : « سألته عمّا يردّ من الشهود ، قال : المريب ، والخصم والشريك ، ودافع مغرم ، والأجير ، والعبد ، والتابع ، والمتهم. كل هؤلاء تردّ شهادتهم » (3)، فإنّ المنصرف من الشريك ، شهادته لشريكه فى ما هو مشترك بينهما.
ب - إنّ الحكم ثابت بمقتضى القاعدة ، فإنّالشريك إذا شهدبشراء عين مشتركة لهما يصير الشاهد مدّعياً والمدّعى شاهداً ، وعدم جواز مثل ذلك لايحتاج إلى دليل.
11 - وأمّا عدم قبول شهادة من يدفع عن نفسه بشهادته ضرراً ، فلأنّه بمثابة المدّعى عليه ، ولا معنى لقبول شهادته ويصدق عليه عنوان الخصم المذكور في موثقة سماعة المتقدمة.
12 - وأمّا اعتبار عدم العداوة الدنيوية ، فلموثقة اسماعيل بن مسلم عن الصادق عن أبيه عن آبائه علیهم السلام : « لاتقبل شهادة ذى شحناء أو ذى مخزية فى الدين » (4)
و « ذو مخزية » هو من وقع فى بلية يشار اليه بها ، كالمحدود قبل توبته وولدالزنا.
.وإطلاقها يقتضى عدم الفرق بين استلزام العداوة الفسق وعدمه ، هذا في العداوة الدنيوية.
وأمّا العداوة الاُخروية فلاتمنع جزماً ، فإنّها تؤكد العدالة ، والموثقة منصرفة عن مثلها. وقد ورد فى صحيحة أبى عبيدة عن أبى عبداللّه علیه السلام « تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل ولاتجوز شهادة أهل الذمّة على المسلمين » (1).
13 - وأمّا منع السؤال بالكف عن قبول الشهادة ، فلصحيحة على بن جعفر عن أخيه أبى الحسن موسى علیهماالسلام : « سألته عن السائل الذى يسأل بكفّه هل تقبل شهادته؟ فقال : كان أبى لايقبل شهادته إذا سأل فى كفّه » (2)وغيرها.
والمقصود ما إذا اتّخذ ذلك حرفة ، دون ما لو تحققت مرّة أو مرّتين لعارض ، للانصراف عن مثل ذلك.
تثبت الدعوى بمقتضى الأصل الأوّلى بالبينة ، أى بشهادة رجلين عدلين. وخرج عن ذلك :
1 - دعوى الدين (3)على الميت ، فإنّها لاتثبت بالبينة وحدها ، بل مع ضم يمين المدّعي.
2 - دعوى الدين على الحي ، فإنّها كما تثبت بشهادة رجلين كذلك تثبت بشهادة رجل ويمين المدّعي ، وبرجل وامرأتين ، وبامرأتين ويمين المدّعي.
3 - دعوى عين من الأموال على الحي ، فإنّها تثبت بما سبق ما عدا الرجل والمرأتين.
4 - اللواط والمساحقة ، فإنهما لايثبتان إلاّ بشهادة أربعة رجال عدول.
5 - الزنا ، فإنّه لايثبت إلاّ بشهادة أربعة رجال عدول أو ثلاثة وامرأتين ، بل برجلين وأربع نساء ، غايته يثبت الجلد بذلك دون الرجم.
6 - النكاح والدية ، فإنّهما كما يثبتان بشهادة عدلين كذلك يثبتان برجل وامرأتين.
7 - العذرة ، (1)والعيوب الباطنية للنساء ، والرضاع ، وكلّ مالايجوز للرجال النظر إليه ، فإنّه يثبت بأربع نساء.
8 - الوصية لشخص بمال ، فإنّه يثبت ربعه بشهادة امرأة واحدة ، ونصفه بشهادة ثنتين ، وعلى هذا المنوال.
وهكذا لو شهدت القابلة بل مطلق المرأة باستهلال الطفل عند فرض موت أبيه ، فإنّه يرث ربع التركة بذلك ، ولو شهدت ثنتان ورث النصف ، وعلى هذا المنوال.
وهكذا لو شهدت المرأة بالقتل ، فإنّه يثبت ربع الدية ، وإذا شهدت ثنتان يثبت نصفها ، وعلى هذا المنوال.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن الأصل الأوّلى فى الإثبات هو البينة ، بمعنى شهادة رجلين عدلين ، فلأن ذلك هو المنصرف من كلمة « البينة » المعتبرة فى الإثبات فى مثل قوله صلی اللّه علیه و آله : « البينة على من ادّعي » (2)أو « إنّما أقضى بينكم بالبينات والأيمان » (3).
وعلى تقدير التشكيك فى ذلك يمكن التمسك بالإطلاق المقامي ، فإنَّ الوسيلة
المعروفة فى الإثبات هى شهادة عدلين ، والسكوت عن تحديد البينة لابدَّ وأن يكون اعتماداً على ذلك.
2 - وأمّا اعتبار ضمّ يمين المدّعى إلى البينة فى دعوى الدين على الميت ، فلم ينقل فيه خلاف.
واستدل لذلك بصحيحة محمد بن يحيي : « كتب محمد بن الحسن يعنى الصفار إلى أبى محمّد علیه السلام : هل تقبل شهادة الوصى للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع : إذا شهد معه آخر عدل فعلى المدّعى يمين ... وكتب أو تقبلُ شهادة الوصى على الميت (بدين) مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع : نعم من بعد يمين » (1)، بتقريب أنّ قوله علیه السلام فى الذيل : « نعم من بعد يمين » يراد به : بعد يمين المدّعى لا يمين الوصي الذى هو أحد الشاهدين بقرينة التعبير فى الصدر : « فعلى المدّعى يمين » ، فإطلاق كلمة « اليمين » فى الذيل جاء اعتماداً على تقييدها بالمدّعى فى الصدر.
3 - وأمّا ثبوت الدين على الحى برجلٍ ويمين المدّعى ، فممّا لا إشكال فيه. وقد دلّت عليه روايات كثيرة كادت أن تبلغ حدَّ التواتر ، من قبيل صحيحة محمد ابن مسلم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يجيز فى الدين شهادة رجل واحد ويمين صاحب الدين ولميجز فى الهلال إلاّ شاهدى عدل » (2).
4 - وأمّا ثبوت ذلك برجل وامرأتين ، فلقوله تعالي : (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) (3)، وصحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « ... تجوز شهادة النساء مع الرجل فى الدين؟ قال : نعم ... » (4)وغيرها.
5 - وأمّا ثبوت ذلك بامرأتين ويمين المدعى ، فلصحيحة الحلبى الأخرى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « إن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أجاز شهادة النساء مع يمين الطالب فى الدين يحلف باللّه إنَّ حقّه لحق » (1)وغيرها.
والمراد؛ من شهادة النساء شهادة امرأتين؛ لأن الديون حيث يكفى لإثباتها رجل ويمين ، فيلزم أن يكون القائم مقام الرجل هو المرأتين.
6 - وأمّا أنّ الأعيان تثبت بشاهدٍ ويمين ، فلإطلاق بعض النصوص ، من قبيل صحيحة منصور بن حازم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يقضى بشاهدٍ واحد مع يمين صاحب الحق » (2).
وأمّا ثبوتها بامرأتين مع اليمين ، فلصحيحة منصور بن حازم الاُخري : « إنَّ أبا الحسن موسى بن جعفر علیه السلام قال : إذا شهد لطالب الحق امرأتان ويمينه فهو جائز » (3).
وأمّا أنّها لاتثبت برجل وامرأتين ، فلاختصاص دليل اعتبار ذلك وهو الآية الكريمة وصحيحة الحلبى المتقدمتان فى رقم (4) بالدين ، فيتمسك بالأصل فى غيره.
إلاّ أنّ المنسوب إلى المشهور هو التعدى إمّا لإلغاء خصوصية المورد أو لأنّ الأعيان إذا كانت تثبت برجلٍ ويمين المدّعى فيلزم أن تثبت برجل وامرأتين أيضاً لقيام المرأتين مقام اليمين.
وكلاهما كما تري.
7 - وأمّا أنّ اللواط والمساحقة لايثبتان إلاّ بأربعة رجال ، فقد ذكر صاحب
الجواهر عدم عثوره فى النصوص على ما يدل على ذلك وإن كان ذلك أمراً متسالماً عليه بين الأصحاب(1).
بَيْدَ أنّ بالإمكان التمسّك فى المساحقة بقوله تعالي : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) (2)، فإنّ الفاحشة لاتختص بالزنا.
وأمّا بالنسبة إلى اللواط فقد يتمسك لاعتبار الأربعة بمقدّمتين :
إحداهما : أن اللواط يثبت بالاقرار أربع مرّات ، كما دلّت عليه بعض النصوص الآتية.
ثانيتهما : أن كل إقرار واحد منزل منزلة شهادة واحدة ، كما دلّت عليه بعض النصوص الآتية أيضاً.
ولازم المقدمتين المذكورتين عدم ثبوت اللواط إلاّ بأربع شهادات.
أمّا الدال على المقدّمة الاُولى فهو صحيحة مالك بن عطية عن أبى عبداللّه علیه السلام : « بينما أمير المؤمنين علیه السلام فى ملاءٍ (3)من أصحابه إذ أتاه رجل فقال : يا أمير المؤمنين علیه السلام إنى أوقبت (4)على غلام فطهِّرني ، فقال له : ياهذا امضِ إلى منزلك لعلَّ مراراً (5)هاج بك. فلمّا كان من غد عاد إليه ، فقال له : يا أمير المؤمنين إنّى أوقبت على غلامٍ فطهِّرني ، فقال له : اذهب إلى منزلك لعلَّ مراراً هاج بك ، حتى فعل ذلك ثلاثاً بعد مرّته الاُولي ، فلمّا كان فى الرابعة قال له : ياهذا إنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله حكم فى مثلك
بثلاثة أحكام فاختر أيّهن شئت. قال : وما هنَّ يا أمير المؤمنين؟ قال : ضربة بالسيف فى عنقك بالغة ما بلغت ، اهداب (اهداء) (1)من جبل مشدود اليدين والرجلين ، أو إحراق بالنار. قال : يا أمير المؤمنين أيّهنَّ أشد عليَّ؟ قال : الاحراق بالنار ، قال : فإنّى قد اخترتها يا أمير المؤمنين ، فقال : خذ لذلك أُهبتك ، فقال : نعم. قال : فصلّى ركعتين ثم جلس فى تشهده ، فقال : اللّهم إنّى قد أتيت من الذنب ما قد علمته وإنّى تخوفت من ذلك فأتيت إلى وصيّ رسولك وابن عمّ نبيّك فسألته أن يطهِّرنى فخيرنى ثلاثة أصناف من العذاب ، اللّهم فإنّى اخترت أشدّهن ، اللّهم فإنّى أسألك أن تجعل ذلك كفارة لذنوبى وأن لاتحرقنى بنارك فى آخرتي ، ثم قام وهو باكٍ حتى دخل الحفيرة التي حفرها له أمير المؤمنين علیه السلام وهو يرى النار تتأجج حوله. قال : فبكى أمير المؤمنين علیه السلام وبكى أصحابه جميعاً ، فقال له أمير المؤمنين علیه السلام : قم يا هذا فقد أبكيت ملائكة السماء وملائكة الأرض ، فإنَّ اللّه قد تاب عليك(2)فقم ولا تعاودن شيئاً ممّا فعلت » (3).
وأمّا الدال على المقدمة الثانية فهو ما رواه سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة « أن امرأة أتت أمير المؤمنين علیه السلام فقالت : يا أمير المؤمنين إنّى زنيت فطهِّرنى طهّرك اللّه فإنَّ عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة الذى لاينقطع ، فقال : مِمَ أطهِّرك؟ قالت : من الزنا ، فقال لها : فذات بعل أنت أم غير ذات بعل؟ فقالت : ذات بعل ، فقال لها : فحاضراً كان بعلك أم غائباً؟ قالت : حاضراً ، فقال : انتظرى حتى تضعى مافى بطنك ثم ائتيني ، فلمّا ولّت عنه من حيث لاتسمع كلامه قال : اللّهم هذه شهادة ، فلم تلبث أن أتته ، فقالت : إنى وضعت فطهِّرني ... قال : اذهبى حتى ترضعيه ، فلمّا ولّت حيث لاتسمع
كلامه ، قال : اللّهم إنّهما شهادتان ، فلما أرضعته عادت إليه ، فقالت : يا أمير المؤمنين إنّى زنيت فطهِّرني .... قال : اذهبى فاكفليه حتى يعقل أن يأكل ويشرب ... فانصرفت وهى تبكي ، فلمّا ولّت حيث لاتسمع كلامه ، قال : اللّهم هذه ثلاث شهادات ... وفي الرابعة رفع أمير المؤمنين علیه السلام رأسه إلى السماء وقال : اللّهم إنّى قد أثبتتُ ذلك عليها أربع شهادات ... » (1).
8 - وأمّا أنّ الزنا لايثبت بأقلّ من أربعة ، فممّا لا إشكال فيه. وقد دلَّ على ذلك قوله تعالي : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) (2)، (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ... لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ... ) (3)(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) (4).
والروايات فى ذلك كادت أن تبلغ حدَّ التواتر ، من قبيل موثقة أبى بصير : « قال أبو عبداللّه علیه السلام : « لايرجم الرجل والمرأة حتى يشهد عليهما أربعة شهداء على الجماع والإيلاج والإدخال كالميل فى المكحلة » (5).
وأمّا أنّه يثبت بثلاثة رجال وامرأتين ، وبرجلين وأربع نساء بالنسبة إلى الجلد ، فلصحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « سُئل عن رجل محصن فجر بامرأة فشهد عليه ثلاثة رجال وامرأتان وجب عليه الرجم. وإن شهد عليه رجلان وأربع نسوة فلاتجوز
شهادتهم ولايرجم ولكن يضرب حدَّ الزاني » (1).
9 - وأمّا ثبوت النكاح برجل وامرأتين ، فلصحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « سُئل عن شهادة النساء فى النكاح ، فقال : تجوز إذا كان معهنّ رجل ... » (2).
وأمّا ثبوت الدية بذلك ، فلصحيحة جميل بن دراج ومحمد بن حمران عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « قلنا : أتجوز شهادة النساء فى الحدود؟ فقال : فى القتل وحده ، إنَّ علياً علیه السلام كان يقول : لايبطل دم امريءٍ مسلم » (3)، فإنه بعد ضمها إلى موثقة غياث ابن ابراهيم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على : : « لاتجوز شهادة النساء فى الحدود ولا فى القود » (4)يفهم أنّ الذى لايثبت بشهادة النساء فى باب القتل هو القود دون الدية ، إذ بعدم ثبوت الدية يلزم بطلان دم المسلم ، بخلاف نفى القود مع ثبوت الدية فإنّه لايلزم منه ذلك.
10 - وأمّا ثبوت العذرة وما تلاها بأربع نساء ، فلموثقة عبداللّه بن بكير عن أبى عبداللّه علیه السلام : « تجوز شهادة النساء فى العذرة وكل عيب لايراه الرجل » (5)، وصحيحة عبداللّه بن سنان : « سمعت أبا عبداللّه علیه السلام يقول : .... تجوز شهادة النساء وحدهنّ بلا رجال فى كل مالايجوز للرجال النظر إليه ... » (6)وغيرها.
وبذلك يتضح الحال فيالرضاع ، فإنّه ممّا لايراه الرجال.
وأما اعتبار أن تكون النساء أربع بالرغم من إطلاق النصوص ، فلأنّ القائم مقام
1) وسائل الشيعة : 18 / 401 ، باب 30 من أبواب حدّ الزنا ، حديث 1.
2) وسائل الشيعة : 18 / 258 ، باب 24 من أبواب الشهادات ، حديث 2.
3) وسائل الشيعة : 18 / 258 ، باب 24 من أبواب الشهادات ، حديث 1.
4) وسائل الشيعة : 18 / 264 ، باب 24 من أبواب الشهادات ، حديث 29.
5) وسائل الشيعة : 18 / 260 ، باب 24 من أبواب الشهادات ، حديث 9.
6) وسائل الشيعة : 18 / 260 ، باب 24 من أبواب الشهادات ، حديث 10.
رجلين هو أربع نساء.
11 - وأمّا أنّ الوصية تثبت بالنحو المتقدم ، فلصحيحة محمد بن قيس عن أبيجعفر علیه السلام عن أمير المؤمنين علیه السلام : « قضى فى وصية لمتشهدها إلاّ امرأة فأجاز شهادة المرأة فى ربع الوصية » (1)وغيرها.
12 - وأمّا أنّ القابلة تمضى شهادتها بلحاظ الربع ، فلصحيحة عمر بن يزيد : « سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن رجل مات وترك امرأته وهى حامل فوضعت بعد موته غلاماً ثم مات الغلام بعد ما وقع إلى الأرض ، فشهدت المرأة التى قبَّلتها أنّه استهلّ وصاح حين وقع إلى الأرض ثم مات ، قال : على إلامام أن يجيز شهادتها فى ربع ميراث الغلام » (2)وغيرها.
وأما تعميم الحكم لمطلق المرأة فلما يستفاد من بعض النصوص ، من قبيل صحيحة محمد بن مسلم : « سألته تجوز شهادة النساء وحدهنّ؟ قال : نعم فى العذرة والنفساء » (3)وغيرها.
على أنّ مادلَّ على ثبوت ربع التركة بشهادة القابلة ليس له دلالة على تقييد الحكم بها ، بل كان ذلك مورد السؤال ، ومعه يتعدّى إلى غيره لعدم فهم الخصوصية بلا حاجة إلى البحث عن إطلاق يعم مطلق المرأة.
13 - وأمّا أنّ الدية يثبت ربعها بشهادة المرأة الواحدة ونصفها بشهادة ثنتين وهكذا ، فلصحيحة محمد بن قيس عن أبى جعفر علیه السلام : « قضى أمير المؤمنين علیه السلام في غلام شهدت عليه امرأة أنّه دفع غلاماً فى بئر فقتله ، فأجاز شهادة المرأة بحساب
شهادة المرأة » (1)، فإنّ جملة « بحساب شهادة المرأة » يدل على ثبوت النصف بشهادة المرأتين ، وهكذا.
لاتجوز الشهادة إلاّ مع العلم بالمشهود به عن حس أو مايقرب منه ، كالحاصل من التواتر.
وتحمّل الشهادة مع الدعوة إلى ذلك واجب. وكذا أداؤها بعد التحمل فيما إذا تحققت الدعوة إلى التحمّل ، وإلاّ ثبت التخيير بين الأداء وعدمه ، إلاّ إذا كان أحد الطرفين ظالماً فيجب أداؤها مطلقاً.
وتقبل الشهادة على الشهادة فى حقوق الناس - كالطلاق والنسب - دون حقوق اللّه سبحانه ، سواء كانت خاصة أم مشتركة.
ولا يعتبر الاشهاد إلاّ فى الطلاق والظهار.
وتصدَّق المرأة فيدعواها أنّها خلية وأنّ عدّتها قدانقضت ، إلاّ إذا ادّعتذلك بشكل مخالف للعادة الجارية بينالنساء ، كما إذا ادّعت أنّها حاضت فيشهر واحد ثلاث مرات.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا اعتبار العلم فى جواز الشهادة ، فلأنّها قسم من الأخبار الجازم وهو لايجوز بدون العلم وإلاّ يلزم الكذب.
هذا مضافاً إلى صحيحة معاوية بن وهب : « قلت له : إن ابن أبى ليلى يسألني الشهادة عن(2)هذه الدار مات فلان وتركها ميراثاً وإنّه ليس له وارث غير الذي شهدنا
له ، فقال : اشهد بما هو علمك. قلت : إنّ ابن أبى ليلى يحلفنا الغموس (بغموس) ، فقال : احلف إنّما هو على علمك (1)
« إنّما هو على علمك » : يعنى إنّما تشهد أو تحلف على ما تعلم من ذلك دون ما لاتعلم.
» (2).واضمارها لايضرّ بعدما كان المضمر من أجلاّء الأصحاب الذين لايحتمل في حقهم الرواية من غير الإمام علیه السلام . على أنّ الاضمار هو فى رواية الكافي ، (3)وإلاّ فالشيخ نقلها مسندة إلى الإمام علیه السلام . (4)
2 - وأمّا أنّ مستند العلم لابدَّ من كونه الحس أو مايقرب منه ، فذلك :
اما لأنّ سكوت الروايات عن بيان مستند الشهادة يفهم منه إيكال القضية إلي العرف ، وهو يعتبر ماذكر.
أو لأنّ الشهادة عن حدس لادليل على اعتبارها فلاتكون حجة ، بخلاف ماكانت عن حس ، فإنّها القدر المتيقن من دليل جواز الشهادة ، وهكذا إذا كان مستندها يقرب منالحس ، حيث لايحتمل الفرق بينها وبين ما إذا كانت مستندة إلى الحس مباشرة.
ثم إنّه ممّا يؤكد اعتبار كون المدرك العلم عن حس او ما يقرب منه رواية علي بن غراب عن أبى عبداللّه علیه السلام : « لاتشهدنّ بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفّك » (5)، فإنّ ضعفها بابن غراب وغيره لايمنع من التمسّك بها على مستوى التأييد.
ومثلها مارواه المحقق فى الشرائع عن النبى صلی اللّه علیه و آله مرسلاً حينما سئل عن الشهادة :
« هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع » (1).
3 - وأمّا وجوب تحمّل الشهادة مع الدعوة إليه ، فهو المعروف بين الأصحاب لقوله تعالي : ( ولا يأبَ الشهداء إذا مادعوا ) (2)بعد الغاء خصوصية المورد بفهم العرف ، ولصحيحة أبى الصباح عن أبى عبداللّه علیه السلام : « قوله تعالي : « ولايأبَ الشهداء إذا ما دعوا » قال : لاينبغى لأحد إذا دعى إلى شهادة ليشهد عليها أن يقول : لا أشهد لكم عليها » (3)وغيرها.
هذا وقد نقل صاحب الجواهر عن ابنادريس أنّ الآية الكريمة ناظرة إلى أداء الشهادة دون تحملها بقرينة التعبير بكلمة « الشهداء » الظاهرة فى تمامية الشهادة وتحققها.
وأضاف صاحب الجواهر قائلاً : إنّ ملاحظة ماقبل الآية المذكورة وما بعدها يعطى أنّها فى صدد بيان بعض الآداب الشرعية ، كقوله تعالي : ( وليكتب بينكم كاتب بالعدل ) ( ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً ) ( ولا يأب كاتب أن يكتب ) . ومعه يكون المناسب حمل فقرة الاستشهاد على بيان الكراهة (4).
ثم أضاف : وأمّا الروايات فقد ورد فيها التعبير ب- « لاينبغي » المشعر بالكراهة.
وفيه : انَّ بعض الروايات ظاهر فى الالزام ، من قبيل ما رواه داود بن سرحان عن أبى عبداللّه علیه السلام : « لا يأب الشاهد أن يجيب حين يدعى قبل الكتاب » (5)
المراد من الكتاب كتابة الدين المشار اليه قى قوله تعالي : « وليكتب بينكم كاتب بالعدل ... » ، والمعنى لايأبَ الشاهد عن تحمل الشهادة اذا دعى اليها قبل الكتابة.
. وبعد الروايةالمذكورة لايبقى مجال لكل ماذكر.
4 - وأمّا وجوب أداء الشهادة ، فلم ينقل فيه خلاف. ويدل عليه قوله تعالي : ( ومن يكتمها فإنّه آثم قلبه ) (1)بعد الغاء خصوصية المورد بفهم العرف ، وقوله تعالي : ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) (2)لاطلاقه الشامل للأداء.
ومجردذكرذلك بعد طلبالاستشهاد بشهيدين لايدل عليالاختصاص بالتحمّل.
5 - وأمّا اشتراط وجوب الأداء بالدعوة إلى التحمّل ، فلصحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر علیه السلام : « إذا سمع الرجل الشهادة ولميشهد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء سكت إلاّ إذا علم من الظالم فيشهد ولايحل له أن لايشهد » (3)وغيرها.
ولولاها كان المناسب الوجوب مطلقاً ، لإطلاق الآيتين الكريمتين.
6 - وأمّا استثناء حالة ظلم أحد الطرفين ، فلوجوب إزالة الظلم والصحيحة المتقدّمة.
7 - وأمّا الشهادة على الشهادة ، فهى مقبولة عندنا من دون خلاف. ولاتثبت شهادة الأصل إلاّ بشهادة رجلين.
والمستند فى ذلك : أمران :
أ - اقتضاء القاعدة لذلك ، فإنّ شهادة الأصل كسائر الأشياء مشمولة لإطلاق أدلة حجية الشهادة.
ب - النصوص الخاصة ، كموثقة طلحة بن زيد عن أبى عبداللّه علیه السلام عن أبيه عن
على علیه السلام : « كان لايجيز شهادة رجل على رجل إلاّ شهادة رجلين على رجل » (1)وغيرها.
ثم إنّه ورد فى موثقة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه : « أنّ علياً علیه السلام قال : لا أقبل شهادة رجلٍ على رجلٍ حيٍ وإن كان باليمن » (2)
والمقصود من اليمن البلاد المعروفة.
.ويمكن حمل ذلك على كون المقصود : لا اُجيز شهادة شخص واحد من دون انضمام ثانٍ إليه لإثبات شهادة الأصل.
وممّا يؤكد ذلك موثقته الاُخري ، حيث ورد فيها : « إنّ علياً علیه السلام كان لايجيز شهادة رجل على شهادة رجل إلاّ شهادة رجلين على شهادة رجل » (3).
8 - وأمّا استثناء حدود اللّه سبحانه ، فلموثقة طلحة بن زيد عن أبى عبداللّه علیه السلام عن أبيه عن على علیه السلام : « كان لايجيز شهادة على شهادة فى حدٍ » (4)وغيرها.
ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين كون الحدّ خاصاً باللّه سبحانه او مشتركاً كما هو واضح.
وطلحة وإن لميوثق إلاّ أنّ تعبير الشيخ عنه بأنّه « عامّى المذهب إلاّ أنّ كتابه معتمد » (5)يسهّل الأمر فيه.
9 - وأمّا عدم اعتبار الاشهاد فى غير الطلاق والظهار ، فللأصل بعد عدم الدليل على الاعتبار.
وأمّا اعتباره فى الطلاق ، فممّا لاخلاف فيه عندنا لقوله تعالي : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا
طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ... فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (1).
وإذا لميكن فى ذلك دلالة واضحة على اعتبار الإشهاد فى الطلاق ، فيمكن الاستعانة بصحيحة أحمد بن أبى نصر : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن رجل طلّق امرأته بعدما غشيها بشهادة عدلين ، قال : ليس هذا طلاقاً. قلت : فكيف طلاق السنّة؟ فقال : يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشيها بشاهدين عدلين ، كما قال اللّه عزّوجلّ في كتابه ، فإن خالف ذلك ردّ الى كتاب اللّه » (2)وغيرها.
وأمّا اعتباره فى الظهار ، فممّا لاخلاف فيه أيضاً لصحيحة حمران : « قال أبوجعفر علیه السلام ... لايكون ظهار إلاّ فى طهر من غير جماع بشهادة شاهدين مسلمين » (3)وغيرها.
10 - وأمّا تصديق المرأة فى دعوى كونها خلية ، فلموافقة ذلك للأصل فلاتحتاج إلى بيّنة ، كما ولاتحتاج إلى يمين لعدم كونها مدّعيً عليها.
وأمّا تصديقها فى انقضاء العدّة بالرغم من مخالفة ذلك للأصل ، فلصحيحة زرارة عن أبى جعفر علیه السلام : « العدّة والحيض للنساء ، إذا ادّعت صدّقت » (4).
وأمّا أنّها لاتصدَّق إذا ادَّعت مايخالف عادة النساء ، فلعدم وجود المثبت لذلك ، فإنّ الصحيحة المتقدمة منصرفة عن مثل ذلك.
1 - حقيقة الإقرار ومدرك حجيّته
2 - من أحكام الإقرار
الإقرار : إخبار الشخص عن حق ثابت عليه ، أو نفى حق له على غيره.
وهو حجّة ونافذ عل المقرّ بلا اشكال.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أنّ حقيقة الاقرار ما ذكر ، فممّا لا تأمل فيه ، فإن لفظه - بناءً على كون مدرك حجية الاقرار لفظياً - ظاهر عرفاً فى ما ذكرناه. وإذا كان مدرك الحجية هو السيرة العقلائية فهى تقتضى ثبوت الحجية للاقرار بالمعنى المذكور ايضاً.
ثم إنّ لازم كون الاقرار إخباراً خروجه عن العقود والايقاعات ، وكونه شيئاً ثالثاً فى مقابلهما كما هو واضح.
وينبغي التفرقة بينقاعدة حجية الاقرار وقاعدة : « من ملك شيئاً ملك الاقرار به » فإنّ معنى الاُولى أنّ من أقرَّ على نفسه بشيء كان ملزماً به ، بينما معنى الثانية : أنّ من كان له الحق فى تصرف معيّن فإخباره عن تحققه نافذ ، فالزوج مادام له الحق فى طلاق زوجته فإخباره عن تحققه نافذ ، والوكيل فى بيع دار ونحوها بما أنّ له الحق فى ايقاع ذلك فإخباره عن تحققه نافذ.
2 - وأمّا أنّ الاقرار حجة على المقرّ وملزم ، به فلاينبغى التأمل فيه للسيرة العقلائية على ذلك. وهى حجة بسبب عدم الردع عنها الكاشف عن امضائها.
هذا هو مدرك حجية اقرار العاقل على نفسه.
وأمّا الحديث المشهور عن النبى صلی اللّه علیه و آله : « اقرار العقلاء على أنفسهم جائز » (1)فلاوجود له فى كتب الحديث وإنّما هو مذكور فى الكتب الاستدلالية لفقهائنا - من دون سند - كما أشار الى ذلك الحر العاملي. (2)
ودعوى صاحب الجواهر أنّه حديث نبوى مستفيض أو متواتر لانعرف وجهها (3)، فإنّه لميثبت كونه حديثاً ليكون مستفيضاً أو متواتراً.
وأمّا شهرة العمل به - على تقدير كونه حديثاً - فهى لو تمّت صغريً وكبريً فلايمكن الاعتماد عليها فى المقام ، لاحتمال أن استنادهم اليه ليس لكونه حديثاً صادراً من النبى صلی اللّه علیه و آله حقاً ، بل لأنّ مضمونه مضمون عقلائى لايحتاج الى رواية.
وعليه فالمدرك منحصر بالسيرة العقلائية.
لايلزم الشخص باقراره إلاّ إذا كان إخباره - بثبوت الحق عليه أو انتفائه عنه - بنحو الجزم دون الاحتمال أو الظن.
ولايكون الاقرار حجة إلاّ بلحاظ الآثار التى هى فى ضرر المقرّ دون الآثار التى هى في
صالحه ، أو التى هى مرتبطة بالغير وهو أجنبى عنها.
ولاتختص حجية الاقرار بما إذا كان بلفظ معيّن ، بل يكفى كلّ ما يدلّ عليه ولو بالاشارة أو الدلالة الالتزامية.
ولو عقّب المقرّ اقراره بما يضادّه فإن كان ذلك تراجعاً منه عن اقراره فلاينفذ ، بخلاف ما إذا كان تفسيراً وتوضيحاً.
ولو قال المقرّ : « هذا الشيء لفلان » ثم قال : « بل لفلان » ، فالمشهور ذهب الى لزوم دفعه الى الأول وغرامة قيمته للثاني.
ولو قال : « لفلان عليَّ مالٌ » اُلزم بتوضيحه.
ومن ادّعى زوجيّة امرأة وصدّقته قُبل ذلك منه. ولو أنكرت ذلك ولمتكن له بيّنة اُلزم بترتيب ما عليه من الآثار.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أنّ الاقرار لايكون ملزماً للمقر إلاّ إذا كان بنحو الإخبار الجازم ، فلقصور السيرة عن الشمول إلاّ لمثل ذلك. ولا أقلّ من الشك فى الشمول ، وهو كاف في إثبات المطلوب.
2 - وأمّا أنّ الاقرار لايكون حجة إلاّ بلحاظ الآثار التى هى فى ضرر المقرّ ، فباعتبار أنّ الاقرار على النفس لايصدق إلاّ بلحاظ ذلك.
ومنه يتّضح لزوم التفكيك فى كلّ اقرار بلحاظ آثاره فيلزم المقرّ بالآثار التى هي فى ضرره دون غيرها ، فلو أقر باُبوّة شخص له اُلزم بالانفاق عليه دون العكس.
3 - وأمّا عدم اختصاص حجيّة الاقرار بما إذا كان بلفظ معيّن وكفاية الاشارة والدلالة الالتزامية ، فلإطلاق السيرة العقلائية من هذه الناحية.
4 - وأمّا التفصيل - فى ما لو عقّب المقرّ اقراره بما يضادّه - بين ما كان تراجعاً فلايقبل وبين ما إذا كان تفسيراً ، فيقبل فلاقتضاء السيرة - التى هى المستند لحجيّة الاقرار - لذلك.
5 - وأمّا أنّه لو قال المقرّ : « هذا الشيء لفلان » ، ثمّ قال : « بل لفلان » دفع الى الأوّل وغرم قيمته للثانى ، فقد عللّه المشهور بأنّ دفع العين للأول هو باعتبار حجيّة الاقرار الأوّل ، ودفع القيمة الى الثانى هو باعتبار أنّ المقرّ باقراره الأوّل قد حال بينه وبينها فهو كالمتلف.
6 - وأمّا أنّ المقرّ يلزم بالتوضيح لو قال : « لفلان عليَّ مالٌ » ، فباعتبار أنّ ذمة المقرّ لما ثبت اشتغالها بالمال بمقتضى الاقرار فمن اللازم تفريغها - على تقدير المطالبة - وهو لا يتحقّق إلاّ بذلك.
7 - وأمّا أنّ من ادّعى زوجيّة امرأة وصدّقته قُبل ذلك منهما وحُكم بالزوجيّة ، فلقاعدة : « من ملك شيئاً ملك الاقرار به » الثابتة بالسيرة العقلائية.
وأمّا أنّ المرأة لو أنكرت اُلزم بترتيب الآثار التى هى عليه - كحرمة التزويج باُمّها أو اُختها - فباعتبار حجيّة الاقرار على النفس. وأمّا بقية الآثار - كجواز النظر ونحوه - فحيث إنّه لاتدخل تحت القاعدة المذكورة فتعود بلا مثبت.
أجل ، بالنسبة الى الانفاق بالخصوص يمكن أن يقال بعدم وجوبه ، لأنّه مقابل التمكين - إذ مع عدمه تكون ناشزاً ، وهى لا نفقة لها - المفروض عدمه.
اللقطة وأقسامها
من أحكام اللقطة بالمعنى الأخصّ
من أحكام اللقيط
من أحكام مجهول المالك
اللقطة (1)كلّ مالٍ ضائع إذا اُخذ وكان مالكه مجهولاً.
والمستند فى اعتبار القيود الثلاثة هو :
أمّا بالنسبة الى القيد الأوّل فلتقوّم عنوان اللقطة بالضياع ، فمن تبدّل حذاؤه مثلاً بحذاء الغير من دون معرفة صاحبه فلايصدق على ذلك عنوان اللقطة وإن صدق عنوان مجهول المالك.
ومنه يتّضح أنّ النسبة بين عنوان اللقطة وعنوان مجهول المالك هو العموم والخصوص المطلق ، فكلّ لقطة هى مجهول المالك من دون عكس.
ويأتى فى ما بعد - ان شاء اللّه - الفرق بين العنوانين من حيث الحكم.
وأمّا بالنسبة الى القيد الثاني ، فلأنّه بمجرد رؤية الشيء من دون أخذه لايصدق عنوان اللقطة. وهكذا لو فرض أخذ الغير له بعد أمره بذلك ، فإنّه لايصدق العنوان المذكور بالنسبة الى الآمر.
وأمّا القيد الثالث ، فاعتباره واضح.
ثمّ إنّ المال الضائع تارةً يكون طفلاً ، واُخرى حيواناً ، وثالثةً غير ذلك.
1) بضم الأوّل وفتح القاف أو اسكانها.
ويصطلح على الأوّل باللقيط ، وعلى الثانى بالضالّة ، وعلى الثالث باللقطة أو باللقطة بالمعنى الأخص.
ولكلّ واحد من الأقسام الثلاثة أحكامه الخاصّة به. والمهمّ منها هو الثالث.
يجوز أخذ اللقطة وإن كان مكروهاً.
ويلزم فيها تعريفها والفحص عن مالكها لفترة سنة ، فإن لميعثر عليه كان الملتقط بالخيار بين تملّكها مع الضمان ، أو التصدّق بها مع الضمان ، أو ابقائها أمانةً فى يده بلاضمان. هذا إذا لمتكن دون الدرهم الشرعي(1)، وإلاّ جاز أخذها بلا تعريف.
كما أنّ هذا يختصّ بغير لقطة حرم مكة - زادها اللّه شرفاً - وأمّا هي ، فحكمها بعد التعريف سنة التصدق بها لا غير.
والمعروف أنّ التصدّق لابدّ وأن يكون بقصد كونه عن صاحبها.
واللقطة التى لايمكن تعريفها - إمّا لفقدانها العلامة الخاصة المميّزة لها عن غيرها ، أو لأنّ مالكها سافر الى مكان بعيد لايمكن الوصول اليه ، أو لأنّ الملتقط يخاف الخطر أو التهمة لو عرّف ، وما شاكل ذلك - يسقط وجوب تعريفها.
والمناسب وجوب التصدّق بها وعدم جواز تملّكها.
وفى جواز دفع الملتقط اللقطة الى الحاكم الشرعى وسقوط وجوب التعريف عنه بذلك خلاف.
والمناسب دفع اللقطة - إذا اريد التصدّق بها - الى خصوص الفقراء دون الأغنياء.
1) المقصود من الدرهم الشرعى هو الفضة التى تعادل قيمتها ثلاثة غرامات إلاّ ربععشر الغرام تقريباً.
كما أنّ المناسب دفعها الى الغير ، ولايكفى الملتقط احتسابها على نفسه إذا كان فقيراً.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا جواز أخذ اللقطة - بالرغم من اقتضاء القاعدة الأولية عدم ذلك - فللروايات الخاصة التى يأتى بعضها. على أنّه يكفى لإثبات ذلك تسالم الاصحاب.
2 - وأمّا أنّ ذلك مكروه ، فلصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام : « سألته عن اللقطة قال : لاترفعوها فإن ابتليت فعرّفها سنة ، فإن جاء طالبها وإلاّ فاجعلها في عرض مالك يجرى عليها ما يجرى على مالك الى أن يجيء لها طالب » (1)وغيرها.
وإنّما حمل النهى على الكراهة - بالرغم من ظهوره فى التحريم - لدلالة موثقة زرارة : « سألت اباجعفر علیه السلام عن اللقطة فأرانى خاتماً فى يده من فضة ، قال : إنّ هذا ممّا جاء به السيل وأنا اُريد أن أتصدّق به » (2)على جواز الالتقاط.
على أنّ الجواز قضية واضحة فى أذهان المتشرعة ، وذلك بنفسه صالح للقرينية على حمل النهى على الكراهة.
3 - وأمّا أنّه يلزم فى اللقطة التعريف لفترة سنة وبعدها يثبت التخيير بين الاُمور الثلاثة المتقدمة ، فهو المعروف بين الأصحاب. ويمكن الاستدلال لذلك :
أما بالنسبة الى جواز التصدق مع الضمان ، فبصحيحة على بن جعفر عن أخيه علیه السلام : « وسألته عن الرجل يصيب اللقطة فيعرّفها سنة ثم يتصدّق بها فيأتى صاحبها ما حال الذى تصدّق بها؟ ولمن الأجر؟ هل عليه أن يردّ على صاحبها؟ أو قيمتها؟ قال : هو
ضامن لها والأجر له إلاّ أن يرضى صاحبها فيدعها والأجر له ». (1)
وسندها تامّ؛ لأنّها بطريق قربالاسناد وإن كانت ضعيفة ب-« عبداللّه بن الحسن » حيث إنّه مجهول الحال إلاّ أن صاحب الوسائل رواها من كتاب على بن جعفر وطريقه اليه صحيح على ما أوضحنا فى أبحاثٍ سابقة. (2)
وأمّا بالنسبة الى جواز التملك مع الضمان ، فيمكن التمسّك له بصحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « اللقطة يجدها الرجل ويأخذها قال : يعرفها سنة فإن جاء لها طالب وإلاّ فهى كسبيل ماله » (3)إلاّ أنّها لاتدلّ على الضمان.
ويمكن الاستدلال له :
إمّا بالأولوية ، بتقريب أنّ الضمان إذا كان ثابتاً فى حالة التصدق فبالأولى يكون ثابتاً فى حالة التملك.
أو بصحيحة على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر علیه السلام : « سألته عن رجل أصاب شاة فى الصحراء هل تحلُّ له؟ قال : قال رسولاللّه صلی اللّه علیه و آله هى لك أو لاخيك أو للذئب فخذها وعرّفها حيث أصبتها ، فإن عرفت فردّها الى صاحبها ، وإن لمتعرف فكلها وأنت ضامن لها إن جاء صاحبها يطلب ثمنها ان تردّها عليه » (4)بناءً على التعدى من الضالة الى اللقطة وعدم فهم الخصوصية لذلك.
ثمّ إنّ جملة : « وإلاّ فهى كسبيل ماله » الواردة فى صحيحة الحلبى قد يستفاد منها أنّ اللقطة تصير بعد التعريف وعدم العثور على المالك ملكاً للملتقط بلا حاجة الي
قصده. وفى المقابل قد لايستفاد منها إلاّ جواز التصرف والانتفاع بها كما ينتفع بالملك. وتبقى القضية بعد هذا مرهونة باستظهار الفقيه.
وأمّا بالنسبة الى الاحتفاظ باللقطة بلا ضمان ، فيمكن استفادة جوازه من صحيحة الحلبى المتقدمة ، فإن جعل اللقطة كسبيل أموال الملتقط يدلّ بوضوح على جواز الاحتفاظ بها من دون ضمان.
وإذا قلت : إنّ صحيحة على بن جعفر الاُخري : « وسألته عن الرجل يصيب اللقطة دراهم أو ثوباً أو دابة كيف يصنع؟ قال : يعرّفها سنة ، فإن لميعرف صاحبها حفظها فى عرض ماله حتى يجيء طالبها فيعطيها إياه ، وإن مات أوصى بها ، فإن أصابها شيء فهو ضامن » (1)قد دلّت على الضمان.
قلت : لابدّ من حملها على حالة التعدّى أو التفريط ، وإلاّ كانت ساقطة عن الاعتبار لهجران مضمونها لدى الأصحاب.
4 - وأمّا أنّ اللقطة دون الدرهم الشرعى يجوز أخذها بلاحاجة الى تعريف ، فلم يعرف فيه خلاف بين الأصحاب. ويمكن الاستدلال له بأحد أمرين :
أ - رواية الشيخ الصدوق : « قال الصادق علیه السلام : ... وإن كانت اللقطة دون درهم فهي لك فلاتعرّفها ... ». (2)
ب - مرسلة محمد بن أبى حمزة عن بعض أصحابنا عن ابى عبداللّه علیه السلام : « سألته عن اللقطة قال : تعرّف سنة قليلاً كان أو كثيراً. قال : وما كان دون الدرهم فلايعرف ». (3)
وكلتا الروايتين ضعيفة السند بالارسال إلاّ أن يقال بكبرى الانجبار بفتوي المشهور. (1)
ثمّ إنّه بناءً على عدم وجوب التعريف هل يكون الحكم هو وجوب التصدق أو جواز التملك؟ المعروف بين الاصحاب جواز قصد التملك ، ولكنّا إذا لاحظنا الرواية الثانية نراها ساكتة عن ذلك ، ولو لاحظنا الرواية الاُولى رأيناها تدلّ على تحقق الملك القهرى بمجرد الأخذ من دون حاجة الى قصده على خلاف ما عليه المشهور بين الاصحاب من الحاجة الى ذلك.
5 - وأمّا أنّ لقطة الحرم المكّى تعرّف سنة ثمّ يتصدّق بها ولايجوز تملكها ، فهو المشهور بين الاصحاب ، بل ادّعى فى الجواهر عدم وجدان الخلاف فيه. (2)وتدلّ عليه صحيحة ابراهيم بن عمر عن ابى عبداللّه علیه السلام : « اللقطة لقطتان : لقطة الحرم وتعرّف سنة ، فإن وجدت صاحبها وإلاّ تصدّقت بها ، ولقطة غيرها تعرّف سنة فإن لمتجد صاحبها فهى كسبيل مالك » (3)، فإنّها تدلّ على عدم جواز التملك لقاعدة التفصيل قاطع للشركة.
6 - وأمّا أنّ التصدّق لابدّ وأن يكون عن صاحبها ، فهو المعروف فى كلمات الأصحاب ، إلاّ أن الروايات خالية عنه. ولعل ذلك للانصراف اليه ، وإلاّ فالمناسب كفاية التصدق المطلق لولا كونه أولى من جهة موافقته للاحتياط.
7 - وأمّا أنّ المناسب فى اللقطة التى لايمكن تعريفها هو التصدّق بها لا غير ، فباعتبار أنّ جواز تملّك مال الغير والتصرف فيه من دون احراز رضاه أمر علي
خلاف قاعدة : « لايحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفس منه » (1)ولابدَّ من الاقتصار على المورد الذى دلّ الدليل فيه على جوازه ، وهو بعد التعريف سنة ، وفي غير ذلك يلزم تطبيق حكم مجهول المالك - بعد تعذّر تطبيق حكم اللقطة التى هي مصداق من مصاديق مجهول المالك - وهو التصدّق.
8 - وأمّا جواز دفع اللقطة الى الحاكم الشرعى وسقوط وجوب التعريف عن الملتقط بذلك ، فقد ذكر صاحب الجواهر فى توجيهه بأنّه وليّ الغائب فى الحفظ ، بل قد يقال بوجوب القبول عليه لأنّه معدٌ لمصالح المسلمين. (2)
وفيه : ان ولاية الحاكم مختصة بالمورد الذى لميجعل الشارع فيه الولاية للغير ، فإنّه وليّ من لا وليّ له ، وفى المقام قد جعلها للملتقط حيث جعل له الحق في التصدّق. أجل ، لا بأس بدفع الللقطة اليه على أن تبقى أمانة بيده ويستمر الملتقط بالتعريف طيلة فترة السنة ، وإذا انتهت ولميجد المالك تخيّر بين الاُمور الثلاثة المتقدمة أو يوكل الأمر فى ذلك الى الحاكم.
9 - وأمّا أنّ المناسب دفع اللقطة - إذا اُريد التصدق بها - الى خصوص الفقراء ، فباعتبار أنّ المتبادر من مفهوم التصدق لزوم الفقر فى المتصدق عليه ، ولا أقلّ من الشك فى صدقه بدون ذلك ، فيلزم الاحتياط بعد عدم إمكان التمسك بالإطلاق ، لأنّه تمسك به فى الشبهة المصداقية ، وهو غير جائز.
10 - وأمّا اعتبار الدفع الى الغير وعدم الاكتفاء باحتساب الملتقط اللقطة صدقة على نفسه ، فلأن ظاهر طلب التصدق فى مثل صحيحة ابراهيم بن عمر المتقدمة في رقم 2 هو المغايرة ، وأنّه تصدّق على الغير.
يجب أخذ الطفل الضائع إذا خيف عليه التلف ورعايته والانفاق عليه سواء علم بتعمد أهله لنبذه عجزاً عن تربيته أو خوفاً من الفضيحة أو لغير ذلك أم علم بضياعه عن أهله أم علم بهلاك أهله وبقائه وحده أم جهل حاله.
ولا فرق فى كونه طفلاً رضيعاً أو أكبر من ذلك مادام هو بحاجة ماسّة الى من يتكفّل شؤونه.
والمتلقط أحق باللقيط من غيره الى أن يبلغ ، فإن له الحق آنذاك فى أن يوالى من شاء بعد أن يرد على الملتقط كل ما أنفق عليه.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا لزوم أخذ الطفل الضائع إذا خيف عليه التلف ، فلأنّه بعد كونه نفساً محترمة فالتحفظ عليه يكون واجباً بالضرورة.
وأمّا عدم الفرق بين كون الطفل رضيعاً أو أكبر من ذلك ، فلعموم النكتة المقدمة.
2 - وأمّا أنّ الملتقط أحق من غيره مادام اللقيط لميبلغ ، فلأنّ الأسبقية نفسها تمنح صاحبها حقاً بالسيرة العقلائية الممضاة من خلال عدم ثبوت الردع عنها.
هذا مضافاً الى إمكان استفادة ذلك من صحيحة عبدالرحمن العزرمى عن أبيعبداللّه عن أبيه علیهماالسلام : « المنبوذ حر ، فإذا كبر فإن شاء توالى الى الذى التقطه وإلاّ فليرد عليه النفقة وليذهب فليوال من شاء » (1)الدالة على لزوم ردّ النفقة بعد البلوغ إذا أراد أن يوالى الغير.
1) وسائل الشيعة : 17 / 371 ، باب 22 من ابواب اللقطة ، حديث 3.
عنوان اللقطة لايرادف عنوان مجهول المالك.
وحكم اللقطة ما تقدم ، بينما حكم المال المجهول مالكه هو الفحص عنه الى حدّ اليأس - من دون تقيد بفترة سنة - فإن تحقق تصدّق به.
وإذا كان المالك معلوماً وتعذر الوصول اليه وكسب الاجازة منه لتحديد كيفية التصرف ، فحكمه حكم المال المجهول مالكه.
وعليه فمن أخذ قلماً أو مسبحة أو غير ذلك من الغير لقضاء حاجة ولميعرف ممن أخذ ذلك ، أو كان يعرفه ولكن لايعرف خبره ، فحكمه حكم مجهول المالك دون اللقطة.
وهكذا الحال فيمن أودع بعض أثاث بيته فى دار شخص وسافر من دون أن يعرف خبره ، فإنّه يلزمه تطبيق حكم مجهول المالك عليه دون اللقطة. وهكذا الحال فى سائر الامثلة التى لايكون فيها عنوان الضياع متحققاً.
ومن خلال هذا يتضح الحال فيمن تبدل حذاؤه أو عباءته اشتباهاً ، فإنّه يجرى فى مثل ذلك حكم مجهول المالك ، ولايجوز التصرف إلاّ مع احراز رضا المالك. وفى جواز المقاصة اشكال خصوصاً إذا كان الاشتباه منه لا من الغير.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن عنوان اللقطة عنوان آخر يغاير عنوان مجهول المالك ، فواضح ، إذ اللقطة فرد من أفراد مجهول المالك. ولا تصدق عرفاً إلاّ مع الضياع. وقد رتب عليها شرعاً حكم خاص ، وهو وجوب الفحص عن المالك لفترة سنة ثم مع عدم العثور عليه يتخير بين اُمور ثلاثة حسبما تقدم حتى مع فرض عدم اليأس من العثور عليه ،
وهذا بخلاف عنوان مجهول المالك - غير اللقطة - فإن الفحص عن مالكه لازم من دون تقيد بفترة سنة ، بل المدار - حسبما هو المختار لجملة من الأصحاب ، وتدل عليه بعض الروايات الآتية - على اليأس عنه ، ومع تحققه لايتخير بين الاُمور الثلاثة ، بل يتعين التصدق.
2 - وأمّا الفرق بين اللقطة ومجهول المالك فى الحكم ، فمستنده :
أما بالنسبة الى اللقطة ، فهو ما تقدم من الروايات.
وأمّا بالنسبة الى مجهول المالك ، فهو ما يظهر من بعض الروايات ، كصحيحة يونس بن عبدالرحمن : « سئل أبوالحسن الرضا علیه السلام وأنا حاضر ... رفيق كان لنا بمكة فرحل منها الى منزله ورحلنا الى منازلنا ، فلما أن صرنا فى الطريق أصبنا بعض متاعه معنا فأى شيء نصنع به؟ قال : تحملونه حتى تحملوه الى الكوفة. قال : لسنا نعرفه ولانعرف بلده ولا نعرف كيف نصنع؟. قال : إذا كان كذا فبعه وتصدق بثمنه. قال له : على من جعلت فداك؟ قال : على أهل الولاية » (1)، وصحيحة معاوية بن وهب عن أبى عبداللّه علیه السلام : « رجل كان له على رجل حق ففقده ولايدرى أين يطلبه ، ولايدري أحيّ هو أم ميّت ، ولايعرف له وارثاً ولانسباً ولاولداً. قال : اطلب. قال : فإن ذلك قد طال فأتصدق به؟ قال : اطلبه ». (2)
وسند الصحيحة الذى سجّله الحر فى الوسائل ضعيف ـ لعدم ثبوت وثاقة ابن عون وأبى ثابت ـ إلاّ أن هناك سندا آخر صحيحاً اشار اليه الشيخ فى تهذيبه : 6 / 188.
بل يمكن التمسك لإثبات وجوب الفحص فى مجهول المالك الى حدّ اليأس
بقوله تعالي : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (1)، فان الفحص مقدمة للاداء المأمور به.
3 - وأمّا تعميم حكم مجهول المالك للمال المعلوم مالكه مع تعذر الوصول اليه ، فباعتبار أن مورد الروايات السابقة هو معلوم المالك وإنّما تعدّينا الى مجهول المالك باعتبار الغاء الخصوصية عرفاً.
4 - وأمّا اعتبار تعذر كسب الاجازة من المالك المعلوم ، فباعتبار أنّه لايجوز التصرف فى مال الغير بدون طيب نفسه ، فاذا أمكن كسب الاجازة فى تحديد كيفية التصرف فلايجوز من دونه.
5 - وأمّا الحكم المذكور لتبدل العباءة أو الحذاء ، فواضح ، إذ مع احراز رضا المالك بالتصرف بنحوٍ خاص فلاتعود مشكلة ، ومع عدم احراز ذلك يلزم تطبيق حكم مجهول المالك.
6 - واما وجه الاشكال فى جواز المقاصة فباعتبار ان مستندها خاص بمورد التعمد والمفروض فى محل كلامنا هو الاشتباه ، فلاحظ صحيحة داود بن رزين : « قلت لأبى الحسن موسى علیه السلام : إنى اُخالط السلطان فتكون عندى الجارية فيأخذونها والدابة الفارهة فيبعثون فيأخذونها ، ثم يقع لهم عندى المال فلى أن آخذه؟ قال : خذ مثل ذلك ولا تزد عليه ». (2)
وأمّا أوضحية الاشكال فى جواز المقاصة فى حالة كون الاشتباه من الشخص نفسه دون الغير ، فباعتبار أنّ مستند جواز المقاصة على تقدير عمومه لحالة الاشتباه خاص بما إذا كان الاشتباه من الغير لا من الشخص نفسه.
اسباب الضمان
الغصب والاحكام الثابتة له
من احكام الغصب
ذكرت للضمان اسباب متعدّدة ، نذكر من بينها :
1 - اليد ، فمن استولى على مال الغير بدون رضاه ولاولاية شرعية له عليه ، كان ضامناً.
ويصطلح على ذلك بالضمان لقاعدة على اليد. والضمان فى باب الغصب ثابت من هذه الناحية.
2 - الإتلاف ، فمن أتلف مال غيره كان له ضامناً حتى لو لم يكن صاحبَ يدٍ عليه ، كمن رمي زجاجة الغير بحصاة وكسرها.
ويصطلح على ذلك بالضمان لقاعدة الإتلاف.
3 - الغرور ، فمن غرَّ غيره وأوقعه فى الخسارة كان استقرار الضمان عليه ، فلو فرض إن شخصاً قدّم طعاماً الى غيره موحياً له انه ملكه واباح له أكله ، فأكله واتضح بعد ذلك انه ملك شخص ثالث ، فمن حق الثالث الرجوع على الا آكل لقاعدة الإتلاف ولكن من حق الا آكل ايضاً الرجوع على الاول لانه غرَّه.
ويصطلح على ذلك بالضمان لقاعدة الغرور.
4 - التسبيب ، فلو ان شخصاً سبّب لثانٍ الوقوع فى خسارة كان ضامناً ، كما اذا نجّس شخص قطعة فرش لغيره وكان تطهيرها بحاجة الى أجرة ، ضمن المنجّس ذلك ، كما يلزمه
ضمان النقص الطاريء على العين بسبب التطهير لو فرض نقصان قيمتها بذلك.
ويصطلح على ذلك بالضمان لقاعدة التسبيب او كما جاء فى لسان القدماء لقاعدة السبب اقوى من المباشر.
5 - الامر بالعمل ، فانّ من أمر غيره بعمل معين كان له ضامناً اذا ادّاه ذلك الغير ولميقصد به التبرع ، فلو قال شخص للحمّال : « احمل متاعى الى البيت » او قال للبنّاء : « ابنِ داري » ، كان ضامناً لأجرة المثل.
6 - احترام عمل المسلم.
7 - الاقدام على الضمان.
والمستند فى ذلك :
1 - اما قاعدة على اليد ، فقد يتصوّر ان مدركها هو الحديث المنقول عن النبى صلی اللّه علیه و آله : « على اليد ما اخذت حتّى تؤدّي ».
الا ان ذلك ضعيف ، فانّه لا اثرله فى معاجمنا الحديثية المعروفة الا ما سجلّه الأحسائى فى عواليه بشكل مرسل(1)ونقله عنه المحدّث النورى فى مستدركه. (2)
نعم تمسك به فقهاؤنا كثيراً فى كتبهم الفقهيّة الإستدلالية ، وأوّل من تمسّك به شيخ الطائفة فى خلافه. (3)
ولعل المصدر الأصلى له هو المعاجم الحديثية للجمهور ، فقد رواه كثير منهم
بسند ينتهى الى الحسن(1)عن سمرة (2)عن النبى صلی اللّه علیه و آله . (3)
وقد يقال : ان الحديث وان كان ضعيف السند الا انه منجبر بالشهرة كما قال الشيخ النراقى « ان اشتهارها بين الاصحاب وتداولها فى كتبهم وتلقيهم لها بالقبول واستدلالهم بها فى موارد غير عديدة يجبر ضعفها ويكفى عن موؤنة البحث عن سندها ». (4)
ولكن هذا قابل للمناقشة ، إذ المراد بالشهرة ان كان هو الشهرة الرّوائية ، فهى غير محققة لعدم وجود الرواية المذكورة فى المعاجم الحديثية ، وان كان هو الشهرة الفتوائية ، فهى انما تكون جابرة لو كانت بين القدماء - حيث انهم الطبقة المقاربة لعصر صدور النصوص - ولايكفى تحققها بين المتأخرين فقط حيث لم يستند اليها من المتقدّمين سوى الشيخ الطوسي ، وهذا لايكفى لتحقق شهرة الفتوى على طبق الرواية.
ومن هذا يتّضح الجواب لو كان مقصوده شهرة نفس القاعدة ، فيقال : هى لاتكفي اذا لم تكن بين المتقدمين.
وعليه فالمدرك لايمكن ان يكون هو الحديث المذكور بل هو المنعقدة السيرة العقلائية على أن مَنْ استولى على مال غيره فهو ضامن له ، وحيث انّ هذه السيرة لايحتمل حدوثها متأخراً بل هى معاصرة لعصر المعصوم علیهم السلام جزماً ولم يصدر ردع عنها فيستكشف امضاؤها.
1) وهو الحسن البصرى المعروف بعدائه لأميرالمؤمنين علیه السلام .
2) وهو سمرة بن جندب صاحب القصة المعروفة فى حديث لاضرر الذى ضمن له النبى صلی اللّه علیه و آله عذقاً في الجنة اذا تنازل عن عذقه فى دار الأنصارى فأبي.
3) كاحمد بن حنبل فى مسنده : 5 / 8 ، 12 ، 13 ؛ والحاكم فى مستدركه : 2 / 13 ؛ وابن ماجة فى سُننه : 2 / 802 ، حديث 2400 ؛ والبيهقى فى سننه : 6 / 95 ؛ وابى داود فى سننه : 3 / 296.
4) عوائد الأيام : 109.
وبعد كون المدرك هو السيرة لامعنى للنزاع فى كون المستفاد من فقرة « علي اليد » خصوص الحكم التكليفى - اى وجوب الحفظ الى زمان الأداء كما ذهب اليه الشيخ النراقي ، (1)او الاعم منه ومن الحكم الوضعى - وهو الضمان - كما ذهب اليه الشيخ الأعظم ، (2)فان هذا وجيه لو كان المدرك هو الحديث ، وقد عرفت انه السيرة ، وهى تقتضى الضمان لامجرد الحكم التكليفي.
2 - واما قاعدة الاتلاف ، فليس مستندها حديث من اتلف مال الغير فهو له ضامن ، فانه لم يثبت كونه حديثاً حتى بنحو الإرسال بل هو السيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع.
3 - واما قاعدة الغرور ، فيمكن الإستدلال عليها بالوجهين التاليين :
أ - السيرة العقلائية ، فانه قد يدّعى انعقادها على ضمان الغار ، وحيث لم يردع عنها شرعاً ، فيثبت امضاؤها.
ب - التمسك بالرّوايات الخاصة من قبيل :
صحيحة أبى بصير عن أبى عبداللّه علیه السلام : « امرأة شهد عندها شاهدان بان زوجها مات ، فتزوجت ثم جاء زوجها الأوّل ، قال : لها المهر بما استحل من فرجها الاخيرُ ، ويضرب الشاهدان الحدَّ ، ويضمنان المهر لها بما غرّا الرجلَ ، ثم تعتد وترجع الي زوجها الاول ، (3)
ثم ان صاحب الوسائل قد ذكر جملة « بما غرا » بعنوان نسخة ، ولكنها فى المصدر الأصلى ثابتة ، فلاحظ : الفقيه : 3 / 36 ؛ وتهذيب الأحكام : 6 / 286.
بتقريب ان الباء فى جملة « بما غرّا الرجل » سببية ، اى يضمنانبسبب انهما غرّا الرجل ، فيتمسك بعموم التعليل ويثبت بذلك ان مطلق الغرور يوجب الضمان.
ورواية رفاعة بن موسي : « سألت أبا عبداللّه علیه السلام ... عن البرصاء ، فقال : قضى أمير المؤمنين علیه السلام فى إمراة زوّجها وليّها وهى برصاء ان لها المهر بما استحل من فرجها وان المهر على الذى زوّجها ، وانما صار عليه المهر لانه دل-ّها » ، (1)بتقريب انّها تدل بعموم التعليل على ان كل مدلّى - الذى هو تعبير آخر عن الغار - ضامن.
وقد اشتمل سندها على سهل الذى وقع محلاً للكلام ولكنها تصلح على اي حال لدعم الصحيحة الاولي.
وبهذا اتضح ان المدرك للقاعدة هو ما ذكر. واما ما اشتهر بلسان « المغرور يرجع على من غرَّه » الذى نسبه بعض الفقهاء الى النبى صلی اللّه علیه و آله (2)فلاوجود له.
4 - واما قاعدة التسبيب ، فمدركها السيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع شرعاً.
الا ان بعض الأعلام أنكر القاعدة المذكورة ، وذكر ان التسبيب اذا كان موجباً لصدق الإتلاف عرفاً- كما لو ارسل شخص دابّته واتلفت زرع الغير او دفع الي صبى سكيناً وطلب منه جرح الغير - ثبت الضمان ، واما اذا لم يكن موجباً لذلك - كما اذا كان المدفوع اليه السكين كبيراً ذا ارادة - فلا ضمان. (3)
5 - واما ثبوت الضمان فى موارد الامر بالعمل ، فلم ينقل فيه خلاف ، بل ذكر المحقق الاردبيلى ان من المحتمل كون ذلك مجمعاً عليه. (4)
ولكن ما هو السبب للضمان؟ انه السيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع.
وهذا السبب للضمان لانجد اشارة اليه فى كلمات المتقدّمين ، ولعل اول من لمّح اليه المحقق الأردبيلي ، (1)ثم تلاه بعض الأعلام من المتأخرين. (2)
ان قلت : لماذا لايكون الضمان فى موارد الأمر بالعمل من باب الاجارة؟
قلت : انه فى الاجارة يمتلك كل واحد من الطرفين العوض الآخر بمجرد العقد ، كما لاحق لهما فى التراجع والفسخ ، وهذا بخلافه فى مورد الأمر بالعمل ، فانه بمجرد الأمر لايمتلك الآمرُ العملَ فى ذمة المأمور ، كما ان من حق كل واحد منهما التراجع ما دام لم يحصل التصدى للعمل.
ان قلت : لماذا لايكون الضمان من باب الجعالة؟
قلت : ان الجعالة فى روحها هى من مصاديق الأمر بالعمل وليست شيئاً في مقابله ، واذا كان هناك فرق ، فهو باعتبار تعيّن مقدار الجعل فى باب الجعالة عادة بخلافه فى باب الأمر بالعمل ، فانه حيث لم يعيّن مقدار الأجرة فيثبت ضمان أجرة المثل.
6 - وأمّا قاعدة احترام عمل المسلم ، فقد أشار اليها بعض الأعلام فى مسألة الأمر بالعمل ، فانه بعد ان اُتفق على الضمان فيها ، وقع الكلام فى وجه الضمان ، وقد ذكرنا سابقاً ان ذلك للسيرة العقلائية ، غير ان صاحب الجواهر والسيد اليزدى تمسّكا بقاعدة احترام عمل المسلم. (3)
1) فقد ذكر فى مجمع الفائدة : 10 / 83 ، فى مقام التعليق على كلام العلامة : « ولو أمره بعمل له اجرة بالعادة فعليه الاجرة » ما نصه : « هذا الحكم مشهور ، ويحتمل ان يكون مجمعاً عليه ، ولعل سنده اقتضاء العرف ، فانه يقتضى ان يكون مثل هذا العمل بالاجرة ، فالعرف مع الأمر بمنزلة قوله : اعمل هذا ولك عليَّ الإجرة ».
2) مستمسك العروة الوثقي : 12 / 142؛ مستند العروة الوثقى ، كتاب الاجارة ، 391.
3) جواهر الكلام : 27 / 335 ؛ العروة الوثقي ، كتاب الاجارة ، الفصل السادس ، مسألة 19.
وفيه : ان القاعدة بالمضمون المذكور لم تثبت من خلال النصوص الشرعية وانما الثابت احترام مال المسلم ودمه ، فقد ورد فى صحيحة أبى بصير عن أبى جعفر علیه السلام : « قال رسولاللّه صلی اللّه علیه و آله : سباب المؤمن فسوق ....... وحرمه ماله كحرمة دمه » (1)، وهذا لاينفع لاثبات المطلوب ، لانه ظاهر فى الحرمة التكليفية ، ومع التنزّل فهو ناظر الي المال وليس الى العمل ، فانّ العمل لو سُلّم كونه مالاً ، فالحديث منصرف عنه وناظر الى المال الذى لايكون من قبيل العمل.
وعليه فالصحيح فى الإستدلال على الضمان فى موارد الأمر بالعمل هو التمسك بالسيرة العقلائية لابقاعدة احترام عمل المسلم ، فانها غير ثابتة.
7 - واما الاقدام على الضمان ، فقد ذكره الشيخ الأعظم كسبب للضمان فى مقام توجيه قاعدة : « ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده » ، فالبيع مثلاً اذا كان صحيحاً يثبت فيه الضمان ، بمعنى انه لو تلف المبيع عند المشترى يكون تلفه من كيسه ، ولاحق له فى الرجوع على البائع حتى لو لم يكن التلف عن تفريط ، وهكذا الحال يلزم لو اتضح فساد البيع لبعض الأسباب ، فان تلف المبيع يكون على المشتري ، ولكن لماذا ذلك والحال ان المبيع - مع افتراض فساد البيع - ليس ملكاً للمشتري ليكون تلفه منه بل هو ملك البائع؟
ذكر الشيخ الأعظم فى هذا المجال انه قد جاء فى كلمات شيخ الطائفة والشهيد الثانى ان السبب هو قاعدة الاقدام على الضمان ، ثمّ علّق الشيخ الأعظم نفسه علي ذلك بان هذا « مطلب يحتاج الى دليل ». (2)
ونتمكّن ان نقول كتوضيح لتعليق الشيخ الأعظم : ان السيرة العقلائية لم يثبت انعقادها على الضمان بمجرد الاقدام من دون تحقق اليد او الإتلاف او الأمر بالعمل.
الغصب - وهو الإستيلاء على ملك الغير عدواناً - له ثلاثة احكام ، اثنان تكليفيان ، وهما الحرمة ، ووجوب الردّ على المغصوب منه او وليّه ، وثالث وضعي ، وهو الضمان ، بمعنى كون المغصوب فى عهدة الغاصب ، اى لو تلف فعليه دفع بدله مِثلاً او قيمة.
والمستند فى ذلك :
1 - اما ان الغصب ما ذكر ، فلعله احسن ما يمكن ان يذكر فى تحديده ، (1)وان كان ذلك ليس بمهم ، لأن الضمان ونحوه من الأحكام الشرعية المترتبة على الغصب لم تثبت له بما هو غصب بل بما هو تصرف غير مأذون فيه ، وعلى ذلك لايكون تحديد مفهومه ذا ثمرة. والى هذا أشار صاحب الجواهر بقوله : « ليس للغصب حقيقة شرعية قطعاً ، كما انه ليس له احكام مخصوصة زائدة على المضمون بقاعدة « اليد » « ومن اتلف » كى يحتاج الى المتعبة فى تنقيح معناه ». (2)
المناسب الضمان بدل المضمون.
2 - واما ثبوت الحرمة له ، فهو من واضحات الفقه. ويدلّ عليه العقل والكتاب والسنة الشريفان.
اما العقل ، فلحكمه بقبح التصرف فى مال الغير من دون طيب نفسه.
واما الكتاب الكريم فلقوله تعالي : (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) . (1)
واما السنة ، فكقوله صلی اللّه علیه و آله فى حجة الوداع : ( .... لايحل دم امريء مسلم ولاماله الا بطيبة نفسه .... ) (2)، وكالتوقيع الشريف : « لايحل لأحد ان يتصرّف فى مال غيره بغير اذنه ». (3)
3 - واما الحكمان الآخران ، فتدلّ عليهما قاعدة « على اليد » الثابتة بالسيرة العقلائية.
يجب ردُّ العين المغصوبة على ما لكها وان كان فيه مؤنة او يلزم منه الضرر.
وعلى هذا ، فلو خاط شخص ثوبه بخيوط مملوكة للغير وطالب - الغير - بارجاعها وجب ذلك وان أدّى الى فساد الثوب.
نعم من حقِّ مالك الخيوط المطالبة ببدلها اذا كان نزعها من الثوب يوجب تلفها.
وعلى هذا ايضا ، لو مزج الشعير المغصوب بالحنطة وجب فرزه وردُّه على المالك اذا طالب به وان كان فى ذلك مشقة.
واذا كان للعين المغصوبة منافع - كالدار التى لها منفعة السكن والسيارة التى لها منفعة الركوب - ثبت مضافاً الى ضمان نفس العين ضمان قيمة المنافع التى استوفاها الغاصب بل وغير المستوفاة ايضاً.
واذا غصب شخص عيناً وبقيت عنده فترة ونزلت خلالها قيمتها السوقية كفى ردُّها بدون ضمان النزول.
واذا تلفت العين المغصوبة لزم ردُّ مثلها اذا كانت مثلية وقيمتها اذا كانت قيمية.
والمراد بالمثل ما يوجد له نظير مشابه لايختلف معه فى الصفات التى تختلف باختلافها الرغبات بخلاف القيميّ ، فانه ما لايكون كذلك.
واذا وُجد المثل بأزيد من قيمته المتعارفة ، لزم شراؤه ودفعه الى المالك.
واذا كان المثل متوفراً وقد هبطت قيمته عما عليه زمن الغصب كفى دفعه وليس للمالك المطالبة بالقيمة او بالتفاوت.
واذا كان الشيء قيميّاً واختلفت قيمته فى زمان الغصب عنها فى زمان التلف او الأداء ، ففى كون المدار على اى واحد من القيم خلاف.
واذا تعاقبت الأيدى على العين المغصوبة كان من حق المالك الرجوع على اى واحد منها شاء.
واذا غصب شخص ارضاً فزرعها فالزرع للغاصب. واذا لم يرض المالك ببقاءه ولو بأجرة وجبت ازالته فوراً وان تضرر بذلك.
واذا غصب شخص حباً فزرعه او بيضاً فاستفرخه ، فالنماء للمغصوب منه.
واذا كان لشخص دين على آخر وامتنع من اداءه فصرف مالاً فى سبيل تحصيله لم تكن له مطالبة المدين به.
واذا وقع فى يد المغصوب منه مال للغاصب ، جاز اخذه مقاصة وان لم يكن من جنس المغصوب. ولايلزم كسب الإذن من الحاكم الشرعي.
والمستند فى ذلك :
1 - اما انه يجب ردُّ العين المغصوبة وان لزم منه ما ذكر ، فلأن ذلك لازم بقاء الشيء على ملك مالكه ومطالبته به. على ان الإمساك تصرّف فى مال الغير بغير اذنه فيحرم.
ويمكن التمسك لذلك ايضاً بنحو التأييد ببعض النصوص ، من قبيل مرسلة حمّاد بن عيسى عن بعض اصحابنا عن العبد الصالح علیه السلام : « الغصب كله مردود » (1)وما روى عن اميرالمؤمنين علیه السلام : « الحجر الغصب فى الدار رهن على خرابها ». (2)
والمسألة - كما قيل - لاخلاف فيها الاّ من ابى حنيفة وتلميذه الشيباني ، فانهما قالا فى اللوح المغصوب المثبت على السفينة ، والخشبة المغصوبة المستدخلة في البناء بملك الغاصب لهما وعدم وجوب الردِّ والإكتفاء بردِّ القيمة. (3)
ولكن ذلك - كما أفاد فى الجواهر - مخالف لقواعد الاسلام. (4)
هذا كله لو كان المقصود من الردِّ التخلية بين العين ومالكها ، واما اذا كان المقصود الإيصال الى المالك فيمكن الإستدلال له بقضاء السيرة به.
2 - واما جواز المطالبة ببدل العين المغصوبة اذا كان ارجاعها يستلزم تلفها ، فلأنها بحكم المعدوم آنذاك.
3 - واما ضمان قيمة المنافع المستوفاة - كالدار اذا سكنت - فلأنها بعد كونها مالاً مشمولةٌ لقاعدتي : « على اليد » و « من اتلف ».
وهكذا الحال بالنسية الى قيمة المنافع غير المستوفاة - كالدار اذا ابقاها الغاصب خالية ولم يسكنها - فانها مضمونة للقاعدتين المتقدمتين. (1)
هذا وقد يستشكل فى الحكم بضمان المنافع - مستوفاة كانت او غيرها - بما جاء فى كلمات الشيخ الأعظم من انّ عنوان الأخذ لايصدق الاّ بالنسبة الي الاعيان. (2)
وقد يضاف الى ذلك ان الأداء المذكور فى ذيل القاعدة لايصدق بالنسبة الى غير الأعيان ، فيلزم اختصاص القاعدة بالأعيان.
وفيه : ان مدرك القاعدة ليس لفظياً ليدقق بالشكل المذكور بل هو السيرة ، وهي عامة من هذه الناحية.
على ان ذلك خاص بقاعدة : « على اليد » ولايجرى فى قاعدة : « من اتلف ».
نعم بالنسبة الى المنافع غير المستوفاة قد يفصّل بين ما اذا استند تفويتها الي الغاصب فيحكم بالضمان وبين ما اذا لم يستند اليه فلاضمان.
مثال الاول : ما اذا كان لدى شخص دار يسكنها أو يؤجرها فغصبها آخر ، فانه يكون ضامناً لقيمة السكن حتى لو لم يسكنها وتركها من دون استيفاء باعتبار انه فوّت المنافع على المالك واتلفها عليه.
ومثال الثاني : ما اذا كانت الدار مهجورة وقد ترك المالك الإستفادة منها باي شكل ، فانه اذا غصبها شخص فلا يضمن منافعها ما دام قد تركها مهجورة ايضاً ولم يستوفها ، اذ التفويت والاتلاف لايستند اليه ليكون ضامناً.
4 - واما عدم ضمان نقصان القيمة السوقية عند ردِّ العين سالمة ، فباعتبار ان القيمة السوقية مجرد اعتبار لادليل على ضمانه بعد ردِّ العين سالمة ، الا ان يدّعي انعقاد السيرة على ذلك ، وهو قابل للتأمل.
ولعله الى هذا يشير المحقق الاردبيلى بقوله : « ولايضمن القيمة السوقية فانه ما اتلف شيئاً .... ولاضمان الابفوت شيء ». (1)
5 - واما لزوم ردِّ المثل - مع تعذّر ردِّ العين - اذا كان الشيء مثلياً والقيمة اذا كان قيمياً ، فقد يستدل له :
بقوله تعالي : (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (2)بالتقريب الذى نقله الشيخ الأعظم ، وهو ان مماثل ما اعتدى هو المثل فى المثلى والقيمة فى القيمي. (3)
او بقاعدة « على اليد ».
وكلاهما قابل للمناقشة.
أمّا الاول ، فلأنّ الاية الكريمة إما ناظرة الى خصوص باب الجروح ويكون المقصود منها ما اشير اليه فى اية اخرى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ .... ) (4)، او هى عامة لغير ذلك ودالة على ان من اعتدى بكسر إناء مثلاً فمن حق المعتدى عليه الاعتداء بالمثل وذلك بأخذ ما يماثل الإناء المكسور - بعد الجزم بعدم كون المقصود كسر اناء مشابه من اوانى المعتدى - وواضح ان جواز
أخذ المثل شيء والضمان بمعنى اشتغال الذمة بالمثل شيء آخر ، والمطلوب اثباته هو الثانى دون الأول.
واما الثاني ، فلأن قاعدة : « على اليد » لو تمَّ مدركها اللفظي ، فهى ناظرة الى اصل الضمان دون التفصيل بين المثلى والقيمى فى فرض تعذّر ردِّ العين.
والأولى الاستدلال بالسيرة العقلائية القاضية بانّ من أتلف مال الغير فعليه غرامة مثله ان كان مثلياً وقيمته ان كان قيمياً.
6 - واما تفسير المثلى والقيمى بما ذكر ، فهو ما يقتضيه بناء العقلاء الذى هو المستند لضمان المثلى فى المثلى والقيمة فى القيمي.
7 - واما لزوم شراء المثل ولو باكثر من قيمته المتعارفة ، فباعتبار ان سيرة العقلاء - التى هى مدرك ضمان المثل فى المثلى - قاضية باستحقاق المثل حتى فى الحالة المذكورة.
8 - وأمّا الإكتفاء بدفع المثل - عند تعذّر ارجاع العين ولو مع هبوط قيمته ، فباعتبار ان سيرة العقلاء التى هى مدرك ضمان المثل فى المثلى - لا تقضى باكثر من ذلك.
9 - واما كون المدار فى الضمان على قيمة يوم الغصب ، فيستند الى صحيحة ابي ولاّد : « اكتريت بغلاً الى قصرابن هبيرة (1)
والنيل : قرية بالكوفة بين « واسط » و « بغداد ».
ذاهباً وجائياً بكذا وكذا ، وخرجت فى طلب غريم لي ، فلمّا صرت قرب قنطرة الكوفة خُبّرت ان صاحبى توجّه الى النيل ، فتوجّهت نحو النيل فلمّا أتيت النيل خُبّرت انه توجّه الى بغداد ، فأتبعته فظفرت به و1) قصر ابن هبيرة : موضع قريب من الحائر الحسيني ، زاده اللّه شرفاً.
رجعت الى الكوفة .... ، فأخبرت أباعبداللّه علیه السلام فقال : أرى له عليك مثل كراء البغل ذاهباً من الكوفة الى النيل ومثل كراء البغل من النيل الى بغداد ومثل كراء البغل من بغداد الى الكوفة وتوفّيه ايّاه.
قلت : قد علفته بدراهم ، فلى عليه علفه؟ قال : لا ، لانك غاصب. فقلت : أرأيت لو عطب البغل او نفق (1)أليس كان يلزمني؟ قال : نعم قيمة بغل يوم خالفته ... ». (2)
وفقرة الشاهد قوله علیه السلام : « نعم قيمة بغل يوم خالفته » بتقريب ان الظرف « يوم خالفته » متعلق بالقيمة ، اى قيمة يوم المخالفة تلزمك ، وواضح ان يوم المخالفة هو يوم الغصب ، فيكون المدار على قيمة يوم الغصب.
واذا اشكل بوجود احتمال آخر ، وهو تعلقه ب « يلزمك » المقدرة كان الجواب ان التعلق بالاقرب اظهر عند الدوران بينه وبين التعلق بالأبعد.
هكذا يمكن ان يوجّه القول بضمان قيمة يوم الغصب.
اما اذا انكرنا ذلك وقلنا ان الأقربية لاتوجب دائماً اظهرية التعلق بالأقرب وانما توجب ذلك لو كان الفاصل كبيراً بين الموردين دون ما ذا كان قليلاً كما فى المقام ، فتعود الصحيحة مجملة لوجود كلا الأحتمالين ، ومعه يلزم الرجوع الى القاعدة.
وفى بيان القاعدة ، قد يقال : هى تقتضى كون المدار على قيمة يوم التلف ، لان الذمة كانت مشتغلة بنفس العين قبل تلفها ، وعند التلف تشتغل بقيمتها ، فيكون المدار على قيمة يوم التلف.
وقد يقال : هى تقتضى كون المدار على زمان الأداء ، لانه يلزم تعويض المالك
بالقيمة التى لايخسر شيئاً لو دفعت اليه وليست هى الاقيمة يوم الأداء.
وبهذا تعرف توجيه القولين الآخرين.
10 - واما جواز رجوع المالك على اى واحد من ذوى الأيدى المتعاقبة ، فقد قيل انه لاخلاف فيه. (1)وعلل بان كل واحد منهم غاصب مخاطب بردِّ العين او بدلها ، (2)بل تجوز مطالبة الكل ببدل واحد بنحو التقسيط ، لأنّه اذا جازت مطالبة كل واحد منهم بالجميع فالبعض بطريق اولي.
نعم قرار الضمان يكون على من تلف المغصوب فى يده ، بمعنى انه لو رجع المالك عليه لم يجز له الرجوع على الايدى الاخرى - لفرض تحقق التلف عنده - بخلاف ما لو رجع على غيره ، فانه يجوز لذلك الغير الرجوع عليه. وهذا يعنى - على ما ذكر صاحب الجواهر - ان الخطاب بالاداء شرعى فى حق الجميع وذمّي فى حق من تحقق التلف فى يده. (3)
11 - واما ان الغاصب للارض اذا زرعها يكون الزرع له ، فهو مما لاخلاف فيه ، (4)لكون الزرع نماء ملك الغاصب ، والارض هى من المعدّات كالماء والهواء.
هذا مضافاً الى بعض الأخبار ، كخبر عقبة بن خالد : « سالت ابا عبداللّه علیه السلام عن رجل اتى ارض رجل ، فزرعها بغير اذنه حتى اذا بلغ الزرع جاء صاحب الارض ، فقال : زرعت بغير إذنى فزرعك لى وعليَّ ما أنفقت ، أله ذلك أم لا؟ فقال : للزارع زرعه ولصاحب الأرض كرأء أرضه » (5)وغيره.
12 - واما وجوب الإزالة - ولو مع التضرر - لو طلب المالك ذلك ، فهو مما لاخلاف فيه(1)، لان فعل الغاصب ظلم ويلزم ازالة الظلم.
وجاء فى حديث عبدالعزيزبنمحمد : « سمعت أباعبداللّه علیه السلام يقول : من أخذ ارضاً بغيرحقها او بنى فيها ، قال : يرفع بناؤه وتسلّم التربة الى صاحبها ، ليس لعرق ظالم حق ». (2)
والمناسب زيادة كلمة قال.
13 - واما ان نماء الحبِّ والبيض للمغصوب منه ، فهو المشهور ، (3)لانّ نماء الشيء تابع له.
ونسب الى الشيخ وابن حمزة انه للغاصب ، بدعوى ان عين المغصوب قد تلفت ، فلا يلزم الغاصب سوى قيمتها او مثلها ، بل نسب الى الشيخ انه قال : ان من يقول ان الفرخ عين البيض وان الزرع عين الحب مكابر ، بل المعلوم خلافه. (4)
وما افيد غريب ، فان الفرخ وان لم يكن عين البيض ولكنه نماؤه عرفاً ، ونماء الشيء تابع له فى الملكية ، وهكذا بالنسبة الى الحبِّ والزرع.
12 - واما عدم جواز مطالبة الغاصب بما صرفه المغصوب منه فى سبيل تحصيل حقه ، فلأن الصرف قد تحقق باختيار المغصوب منه وبفعله ، ومعه فلا موجب لرجوعه على الغاصب.
13 - واما جواز المقاصة ، فتدل عليه جملة من النصوص ، كصحيحة داود بن
زربي : « قلت لأبى الحسن موسى علیه السلام : انى اخالط السلطان ، فتكون عندى الجارية فياخذونها ، والدّابّة الفارهة فيبحثون فياخذونها ، ثم يقع لهم عندى المال فلى أن آخذه؟ قال : خذ مثل ذلك ولا تزد عليه » (1)وغيرها.
وأمّا عدم اشتراط كونه من جنس المغصوب وعدم لزوم كسب الإذن من الحاكم الشرعي ، فلإطلاق النصوص من هذه الناحية.
1) وسائل الشيعة : 12 / 201 ، باب 83 من أبواب ما يكتسب به ، حديث 1.
حيوان البحر
حيوان البرّ
الطيور
ما يحرم من الحيوان المذبوح
التحريم الطارئ
ما يحرم تناوله تارة يكون من الحيوان واُخرى من غيره - ونقصر الحديث - خوف الإطالة - على الأول.
والحديث يقع تارة عن حيوان البحر ، واُخرى عن حيوان البر ، وثالثة عن الطيور ، ورابعة عما يحرم من الحيوان المذبوح ، وخامسة عن التحريم الطارئ علي الحيوان فى حالات معينة.
كل حيوان يعيش فى الماء محرم ما عدا شيئين : السمك الذى له فلس (1)، والطيور المائية.
وإذا شك فى وجود الفلس بنى على الحرمة.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا انحصار الحلية فى الحيوانات التى تعيش فى الماء بما تقدم ، فمرجعه الي دعويين :
الاُولي : حلية السمك الذى له فلس ، والطيور المائية.
1) وقد عبِّر عن الفلس فى الروايات بالقشر.
الثانية : حرمة ما عدا ذلك.
أما بالنسبة الى الدعوى الاُولى فيدلّ عليها أمران :
أ - التمسك بأصل الحل - الذى هو الأصل الأولى فى الاشياء - المستند الى مثل قوله تعالي : (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ ... ) (1)، وقوله صلی اللّه علیه و آله : « رفع عن اُمتى ... ما لايعلمون » (2)، وغير ذلك.
ب - الروايات الخاصة ، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبيجعفر علیه السلام : « قلت له : رحمك اللّه إنّا نُؤتى بسمك ليس له قشر ، فقال : كل ما له قشر من السمك ، وما ليس له قشر فلا تأكله » (3)وغيرها.
هذا بالنسبة الى السمك.
وأمّا الطيور فيأتى التحدث عنها تحت عنوان الطيور إن شاء اللّه تعالي.
وأمّا بالنسبة الى الدعوى الثانية ، فهى متسالم عليها بين الأصحاب وإن نسب صاحب الجواهر الى بعض متأخرى المتأخرين الوسوسة فى ذلك بل الميل الي الحلّ فى الجملة. وربما ينسب ذلك الى الشيخ الصدوق أيضاً ، ولكنه لميثبت. (4)
وعلى أى حال يمكن التمسك لذلك بموثقة عمار بن موسى الساباطى عن أبي عبداللّه علیه السلام : « سألته عن الربيثا ، فقال : لا تأكلها ، فانا لا نعرفها فى السمك يا عمار » (5)،
فإن التعليل فيها يدل على عدم حلية غير السمك.
2 - وأمّا تقييد حلية السمك بما إذا كان ذا فلس ، فهو المعروف بين الأصحاب ، بل كاد أن يكون ذلك متسالماً عليه بينهم. وتدلّ عليه الروايات الكثيرة التى من جملتها صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة.
إلاّ أن فى مقابل ذلك روايات تستفاد منها حلية ما ليس له فلس ، كصحيحة محمد بن مسلم الاُخري : « سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن الجرى والمارماهى والزمّير وما ليس له قشر من السمك حرام هو؟ قال لي : يا محمد اقرأ هذه الاية التى في الأنعام (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى ... ) قال : فقرأتها حتى فرغت منها ، فقال : إنّما الحرام ما حرّم اللّه ورسوله فى كتابه ولكنهم قد كانوا يعافون أشياء فنحن نعافها » (1)
ثم من المحتمل ان تكون الاعافة بمعنى الكراهة.
وغيرها.ويمكن الجواب عنها ، بأنّ مضمونها مهجور لدى الأصحاب فتكون ساقطة عن خالحجية.
3 - وأمّا أنّه إذا شك فى وجود الفلس يبنى على الحرمة ، فلاستصحاب عدمه.
الحيوان الذى يعيش فى البرّ تارة يكون أهلياً واُخرى وحشيّاً.
أما الأهلى فتحل منه الأنعام الثلاثة والخيل والبغال والحمير وإن كانت الثلاثة الأخيرة المذكورة مكروهة.
1) وسائل الشيعة : 16 / 404 ، باب 9 من ابواب الاطعمة المحرمة ، حديث 20.
وأمّا الوحشى فيحل منه البقر وكبش الجبل(1)والحُمر الوحشية والغزلان واليحامير. (2)
وهل ينحصر الحل - فى حيوان البرّ - بما ذكر؟ يشكل ذلك.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا حلية الانعام الثلاث ، فهى من ضروريات الدين. ويدل عليها مضافاً الى ذلك :
أ - قوله تعالي : (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) (3)، (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ ... ) . (4)
ب - وبقطع النظر عن ذلك يكفينا أصل الحلّ.
2 - وأمّا حلية لحم الخيل والبغال والحمير ، فهى المشهور بين الأصحاب. ونسب الخلاف الى الشيخ المفيد والحلبى حيث حرّم الأول البغال والحمير والهجين من الخيل ، (5)والثانى خصوص البغال. (6)
وتدل على الحلية - مضافاً الى الأصل - صحيحة محمد بن مسلم وزرارة عن أبيجعفر علیه السلام : « أنهما سألاه عن أكل لحوم الحمر الأهلية ، فقال : نهى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عن أكلها يوم خيبر ، وإنّما نهى عن أكلها فى ذلك الوقت لأنها كانت حمولة الناس وإنّما الحرام ما حرّم اللّه فى القرآن » (1)، وصحيحة محمد بن مسلم الاُخرى عن أبيجعفر علیه السلام : « سألته عن لحوم الخيل والبغال والحمير ، فقال : حلال ولكن الناس يعافونها » (2)و غيرهما.
وفى مقابل ذلك نصوص دلّت على النهى عن أكلها ، من قبيل صحيح ابن مسكان : « سألت أباعبداللّه علیه السلام ... عن أكل الخيل والبغال ، فقال : نهى رسولاللّه صلی اللّه علیه و آله عنها ولاتأكلها إلاّ أن تضطرّ اليها » (3)، وصحيح سعد بن سعد عن الرضا علیه السلام : « سألته عن لحوم البراذين(4)والخيل والبغال ، فقال : لاتأكلها ». (5)
وذكر فى الجواهر أن بالامكان ترجيح الطائفة الاُولى باعتبار موافقتها للكتاب الكريم ومخالفتها للعامة. (6)
هذا ولكن المناسب الجمع بحمل الثانية على الكراهة فإنّ الاُولى صريحة في الجواز والثانية ظاهرة فى التحريم ، والعرف يجمع بتأويل الظاهر بحمله علي الكراهة بقرينة الصريح.
وعليه فالتعارض غير مستقر ، لإمكان الجمع العرفى بينهما ، ومعه لاتصل النوبة
1) وسائل الشيعة : 16 / 390 ، باب 4 من ابواب الاطعمة المحرمة ، حديث 1.
2) وسائل الشيعة : 16/ 393 ، باب 5 من ابواب الاطعمة المحرمة ، حديث 3.
3) وسائل الشيعة : 16 / 393 ، باب 5 من ابواب الاطعمة المحرمة ، حديث 1.
4) البرذون هو التركى من الخيل فى مقابل العِراب.
5) وسائل الشيعة : 16 / 394 ، باب 5 من ابواب الاطعمة المحرمة ، حديث 5.
6) جواهر الكلام : 36 / 269.
الى اعمال المرجحين السابقين فإن اعمال المرجحات فرع التعارض المستقر ، والمفروض عدمه.
ومن خلال الجمع العرفى المتقدم اتضح وجه الحكم بكراهة أكل لحم الثلاثة.
3 - وأمّا أنّ الخمسة من الحيوان الوحشى يحل أكل لحمها ، فلم يعرف فيه خلاف. ويدل عليه :
أ - أصل الحل بالبيان المتقدم فى بداية البحث.
ب - النصوص الخاصة ، كصحيحة على بن جعفر عن أخيه علیه السلام : « سألته عن ظبي أو حمار وحش أو طير صرعه رجل ثم رماه بعد ما صرعه غيره ، فمتى يؤكل؟ قال : كله ما لم يتغير إذا سمّى ورمي » (1)، وصحيحة سعد بن سعد : « سألت الرضا علیه السلام عن اللامص ، فقال : وما هو؟ فذهبت أصفه ، فقال : أليس اليحامير؟ قلت : بلي ، قال أليس تأكلونه بالخل والخردل والابزار؟ قلت : بلي ، قال : لا بأس به » (2)، وصحيحة محمد بن قيس عن أبيجعفر علیه السلام : « قال فى ايل يصطاده رجل فيقطعه الناس والرجل يتبعه أفتراه نهبةً؟ (3)قال : ليس بنهبة وليس به بأس » (4)، فإنّ الايل هو بقر الجبل.
ويبقى كبش الجبل لا رواية خاصة فيه إلاّ أنه يمكن التمسك لإثبات حليته بقوله تعالي : (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ) (5)، بناءً على تفسير الانثيين بالأهلى والوحشي ، بل حتى لو فسر بالذكر والاُنثى فبالإمكان التمسك بالإطلاق.
4 - وأمّا وجه الاشكال فى حصر حلِّ حيوان البر بما ذكر ، فباعتبار أنّ أدلة حلية ما تقدم لايستفاد منها حصر الحل بذلك ، ومعه يبقى غيره على أصل الحل إلاّ ما دل الدليل على تحريمه بعنوانه الخاص ، وهو ما يلي :
أ - نجس العين ، كالكلب والخنزير ، فإنّ حرمة لحمه هى من لوازم نجاسته العينية كما هو واضح.
ب - السباع ، كالأسد والنمر والفهد والثعلب والضبع و ... ولا خلاف في تحريمها. ويدل على ذلك صحيحة داود بن فرقد عن أبي عبداللّه علیه السلام : « كلّ ذى ناب من السباع ومخلب من الطير حرام » (1)، وصحيحة الحلبى عن أبي عبداللّه علیه السلام : « لايصلح أكل شيء من السباع ، إنى لأكرهه واُقذره ». (2)
ومقتضى الصحيح الأول اعتبار وجود الناب بخلاف الصحيح الثاني ، فإن مقتضاه عدم اعتبار ذلك على تقدير وجود سبع(3)لا ناب له.
وقد يجمع بحمل المطلق على المقيد بناءً على ثبوت المفهوم للمقيد.
وهو وجيه لولا موثقة سماعة : « سألت أباعبداللّه علیه السلام عن المأكول من الطير والوحش ، فقال : حرّم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله كل ذى مخلب من الطير وكل ذى ناب من الوحش ، فقلت : إن الناس يقولون من السبع ، فقال لي : يا سماعة! السبع كله حرام وإن كان سبعاً لا ناب له ، وإنّما قال رسولاللّه صلی اللّه علیه و آله هذا تفضلاً - الى أن قال : - وكل ما صفّ وهو ذو مخلب فهو حرام » (4)الدالة على حرمة مطلق السبع. ثم إنه ورد فى بعض الروايات ما يدل على عدم حرمة السبع ، من قبيل صحيحة محمد بن مسلم عن
1) وسائل الشيعة : 16 / 387 ، باب 3 من ابواب الاطعمة المحرمة ، حديث 1.
2) وسائل الشيعة : 16 / 388 ، باب 3 من ابواب الاطعمة المحرمة ، حديث 5.
3) السبع : كل حيوان مفترس. وقيل : هو كل حيوان له ظفر أو ناب. والناب هو السن الذى يتم به الافتراس.
4) وسائل الشيعة : 16 / 388 ، باب 3 من ابواب الاطعمة المحرمة ، حديث 3.
أبي جعفر علیه السلام : « سُئل عن سباع الطير والوحش ... فقال : ليس الحرام إلاّ ما حرم اللّه في كتابه ... » (1)وغيرها ، إلاّ أنه لهجران مضمونها بين الأصحاب ساقطة عن الحجية.
ج - المسوخ ، كالقردة والخنازير و ... ولا خلاف فى تحريمها. وتدل على ذلك صحيحة الحلبى عن أبيعبداللّه علیه السلام : « سألته عن أكل الضبّ ، فقال : إنّ الضبّ والفأرة والقردة والخنازير مسوخ » (2)وموثقة سماعة عن أبيعبداللّه علیه السلام : « حرّم اللّه ورسوله المسوخ جميعها » (3)وغيرهما.
د - الحشرات ، وهى كل حيوان يأوى ثقوب الأرض ، كالحيّة والعقرب والجرذ والفأرة و ... ولم يعرف خلاف فى حرمتها ، إلاّ أنّه لا دليل على ذلك سوى رواية دعائم الاسلام عن أمير المؤمنين علیه السلام : « أنّه نهى عن الضبّ والقنفذ وغيره من حشرات الأرض ». (4)
وهى وإن كانت مرسلة كبقية روايات دعائم الاسلام إلاّ أنّه بناءً على تمامية كبرى الانجبار تعود حجة. (5)
هذه عناوين أربعة قد ثبت التحريم فيها.
وربما يضاف اليها خامس ، وهو عنوان الخبائث ويحكم بحرمة مثل الخنافس والخفاش والقمل وغيرها من جهته - حتى مع فرض عدم دخولها تحت أحد العناوين السابقة - استناداً الى مثل قوله تعالي : (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ
الْخَبَائِثَ) . (1)
وهو وجيه لو كان المراد من الخبائث ما تشمئز منه النفوس ، ولميحتمل كون المراد منها الأعمال السيئة.
هذا وقد ادّعى الاجماع على حرمة مثل الزنابير والذباب والبق والفراش والسلابيح وما شاكل ذلك.
ولعل النكتة كونها من الخبائث ، بل إن بعضها هو من المسوخ - على ما قيل - كالزنابير.
يحل كل حيوان طائر إلاّ إذا :
أ - كان سبعاً ، أى ذا مخلب.
ب - أو كان صفيفه أكثر من دفيفه. (2)
ج - أو لم تكن له قانصة ولا حوصلة ولا صيصة. (3)
والحوصلة هى للطير كالمعدة لغيره ، وتكون فى آخر العنق عادة.
وهذان العضوان يختص بهما الطائر الذى يأكل الحبوب ليسهل عليه من خلالهما هضم ما يعسر هضمه. وهما مفقودان فى جوارح الطير التى تأكل اللحوم ، لانّ اللحم سريع الهضم.
والحبُّ متى ما اجتمع فى الحوصلة يليّن من خلال افرازاتها الخاصّة ويستعدُّ للهضم فى القانصة.
واما الصيصة فهى شوكة خلف رجل الطائر خارجة عن قدمه ، وهى له بمثابة الإبهام للانسان.
والطير متى ما اُحرز حال صفيفه حكم بمقتضاه من دون أن تصل النوبة الى ملاحظة القانصة ونحوها ، وإنّما يلحظ ذلك فى الطير الذى لايعرف حال صفيفه.
وعليه فعند التعارض بين العلامة الثانية والثالثة تقدم الثانية.
ويكفى عند فقدان العلامة الثانية وجود أحد الاُمور الثلاثة ولايلزم وجود جميعها.
ولا فرق فى الاحكام المذكورة للطائر بين كونه طير البرّ أو طير الماء.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن كل طائر هو محكوم بالحلية إلاّ إذا انطبق عليه أحد العناوين المذكورة ، فلأن ذلك مقتضى أصل الحلّ.
2 - وأمّا حرمة السبع من الطائر ، فهى ممّا لايعرف فيها خلاف. وتدل عليها صحيحة داوود بن فرقد وموثقة سماعة المتقدمتان فى الرقم 4 من حيوان البرّ وغيرهما.
3 - وأمّا حرمة ما يصفُّ ، فلميعرف فيها خلاف. وتدل عليها صحيحة زرارة : « سأل اباجعفر علیه السلام عمّا يؤكل من الطير ، فقال : كُلْ ما دفَّ ولا تأكل ما صفّ » (1)، وموثقة سماعة عن أبيعبداللّه علیه السلام : « كل ما صفَّ وهو ذو مخلب فهو حرام ... » (2)وغيرهما.
والمراد كُلْ ما دفَّ أكثر ولاتأكل ما صفَّ أكثر - كما فهم الفقهاء - وليس المراد ما كان كذلك دائماً ، إذ كل ما يصفّ يدفّ أيضاً والعكس بالعكس كما هو واضح.
4 - وأمّا حرمة الطائر الفاقد للقانصة والحوصلة والصيصة ، فلميعرف فيها خلاف. وتدل عليها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبيعبداللّه علیه السلام : « قلت : الطير ما
يؤكل منه؟ فقال : لاتأكل ما لمتكن له قانصة » (1)، وموثقة سماعة عن أبيعبداللّه علیه السلام : « كُلْ من طير البر ما كانت له حوصلة ومن طير الماء ما كانت له قانصة ... والقانصة والحوصلة يمتحن بهما الطير ما لايعرف طيرانه وكل طير مجهول » (2)، ورواية ابن بكير عن أبيعبداللّه علیه السلام : « كل من الطير ما كانت له قانصة أو صيصة أو حوصلة ». (3)
وقد ورد فى سند الأخيرة سهل. والأمر فيه إن كان سهلاً فلا مشكلة وإلاّ فحجيتها - من حيث علامية الصيصة التى لمترد إلاّ فيها - تبتنى على القول بكبري الانجبار.
5 - وأمّا أن العلامة الثالثة هى فى طول فقدان العلامة الثانية ، فيمكن استفادته من موثقة سماعة المتقدمة.
6 - وأمّا الاكتفاء بأحد الاُمور الثلاثة فى ثبوت الحل للحيوان ، فباعتبار أن ذكرها فى الروايات متفرقة دليل على عدم اعتبار اجتماعها. هذا مضافاً الى دلالة موثقة سماعة ورواية ابن بكير - المتقدمتين فى رقم 4 - على ذلك بوضوح.
7 - وأمّا عدم الفرق بين طير البر وطير الماء فى الاحكام المتقدمة ، فباعتبار إطلاق النصوص المتقدمة ، بل إنّ رواية مسعدة بن صدقة عن أبيعبداللّه علیه السلام : « كلْ من الطير ما كانت له قانصة ولا مخلب له. قال : وسئل عن طير الماء فقال : مثل ذلك » (4)صريحة فى التعميم.
إذا ذبح الحيوان الذى يحل أكله لميجز تناول جملة من الأشياء منه هي : الدم ، الخصيتان ، القضيب ، المثانة ، الغدد(1)، الطحال ، المرارة.
وزاد المشهور أشياء اُخري ، كالفرج والمشيمة (2)وخرزة الدماغ(3)والنخاع(4)والعلباوين(5)وحدقة العين(6)والفرث.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا حرمة السبعة الاُولى ، فهى ما عليه المشهور ، بل قد يدعى الاتفاق علي حرمة الدم والخصيتين والقضيب والطحال. وتدل على ذلك صحيحة ابراهيم بن عبدالحميد عن أبيالحسن علیه السلام : « حرّم من الشاة سبعة أشياء : الدم والخصيتان والقضيب والمثانة والغدد والطحال والمرارة » (7)
والسند بطريق الكلينى إذا كان قابلاً للمناقشة من ناحية عبيداللّه الدهقان فهو بنقل البرقى فى محاسنه لا إشكال فيه.
وغيرها. بل ان حرمة الدم هى من ضروريات الاسلام. وقد دلّ على ذلك قوله تعالي : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ... ) (8)وغيره ممّا ورد فى الكتاب الكريم.1) هى أجسام مدورة تشبه البندق.
2) هى موضع الولد.
3) هى حبة بقدر الحمصة موجودة فى وسط الدماغ.
4) هو خيط ابيض فى وسط فقار الظهر.
5) هما عصبان ممتدان على الظهر من الرقبة الى الذنب.
6) هى الحبة الناظرة منها لا جسم العين كله.
7) وسائل الشيعة : 16 / 437 ، باب 37 من ابواب الاطعمة المحرمة ، حديث 1.
8) المائدة : 3.
ومقتضى الاطلاق حرمة الدم بجميع أقسامه بما فى ذلك دم ما لا نفس له كالسمك.
أجل ، ينبغى أن يعفى من ذلك ما كان تابعاً للحم من دون أن يكون له وجود عرفى متميز ، بل قد يتأمل فى حرمة دم السمك من هذه الناحية.
2 - وأمّا حرمة البقية ، فقد دلت عليها روايات(1)لاتخلو عن ضعف سندي. وبناءً على تمامية كبرى الانجبار يمكن الافتاء بمضمونها. بل إن المحقق مال الى التحريم فى المثانة والمرارة والمشيمة من جهة كونها من الخبائث. (2)
قد تعرض الحرمة على الحيوان المحلل باُمور نذكر منها :
أ - الجلل ، بأن يتغذى الحيوان على عذرة الانسان الى حدّ يصدق أنّها غذاؤه.
وتزول الحرمة بمنعه من التغذى بذلك الى أن يزول عنه اسم الجلل.
ب - وطء الانسان لحيوان ، فإنّه بذلك يحرم لحمه ولبنه ونسله. وقد قيل باختصاص التحريم بذوات الأربع.
ج - الموت ، بمعنى زهاق روح الحيوان من دون تذكية ، فإنّه بذلك يحرم بجميع أجزائه إلاّ ما لاتحله الحياة ، كاللبن والبيضة إذا اكتست جلدها الأعلى والإنفحة. (3)
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا حرمة الجلاّل ، فهى المشهور بين الأصحاب. وتدل عليها صحيحة هشام بن سالم عن أبيعبداللّه علیه السلام : « لاتأكل لحوم الجلالات وان اصابك من عرقها فاغسله » (1)وغيرها.
ونسب الى الإسكافى والشيخ الحكم بالكراهة دون التحريم. ولا وجه له علي ما ذكر فى الجواهر(2)سوى الأصل الذى لابدّ من رفع اليد عنه بالصحيحة.
وعن السبزوارى الميل الى الكراهة أيضاً بتقريب أن مستند التحريم أخبار لا تدل إلاّ على الرجحان ، وهى معارضة فى نفس الوقت بالعمومات الدالّة علي الحل. (3)
وفيه : انّ النهى ظاهر فى التحريم ، ومعه لا مجال للعمل بالعمومات ، للزوم رفع اليد عن العموم بعد وجود المخصص له.
2 - وأمّا قصر الجلاّل على ما تغذى بعذرة الانسان وعدم التعميم لما تغذى بغيرها من النجاسات ، فلأنه إذا لميجزم بكون ذلك هو معنى الجلاّل لغة فلا أقلّ من كونه القدر المتيقن ، ويبقى الزائد مشمولاً لأصل البراءة بعد عدم امكان التمسك بالعموم لكونه تمسكاً به فى الشبهة المصداقية ، وهو لايجوز ، لأن الحكم لايتكفل اثبات موضوعه.
3 - وأمّا التقييد بما إذا كان التغذى الى حدٍّ يصدق أنّ ذلك غذاؤه ، فلأنه من دون
ذلك إن لميجزم بعدم صدق عنوان الجلاّل فلا أقلّ من الشك ، وهو كافٍ فى عدم تطبيق حكم الجلاّل لدخول المورد تحت الشبهة المصداقية التى لايجوز فيها التمسك بالعموم.
4 - وأمّا زوال التحريم بمنع الحيوان من التغذى بذلك الى أن يزول عنه اسم الجلل ، فلأن النهى كان متعلقاً بعنوان الجلل فإذا زال زال.
وأمّا تحديد الفترة بمقدار معيّن - كأربعين يوماً فى الناقة وعشرين في البقرة و ... - فمستنده أخبار ضعيفة فلاحظ. (1)
5 - وأمّا حرمة موطوء الانسان فلميعرف فيه خلاف. وتدل عليه صحيحة عبداللّه ابن سنان عن أبيعبداللّه علیه السلام ، وعن الحسين بن خالد عن أبى الحسن الرضا علیه السلام ، وعن اسحاق بن عمار عن أبيابراهيم موسى علیه السلام : « الرجل يأتى البهيمة فقالوا جميعاً : إن كانت البهيمة للفاعل ذبحت فاذا ماتت اُحرقت بالنار ولم ينتفع بها وضرب هو خمسة وعشرين سوطاً ربع حد الزانى ... » ، (2)وموثقة سماعة : « سألت اباعبداللّه علیه السلام عن الرجل يأتى بهيمة : شاة أو ناقة أو بقرة ، فقال : عليه أن يجلد حداً غير الحد(3)ثم ينفى من بلاده الى غيرها. وذكروا (4)أن لحم تلك البهيمة محرّم ولبنها » (5)، وغيرهما.
ويمكن أن يستفاد من الصحيحة حرمة النسل ، حيث قالت : « ولم ينتفع بها ».
1) وسائل الشيعة : 16 / 433 ، باب 28 من ابواب الاطعمة المحرمة.
2) وسائل الشيعة : 18 / 470 ، باب 1 من ابواب نكاح البهائم ، حديث 1.
3) اى يحدُّ اقل من حدّ الزنا ، فان الزانى يحدّ بمائة بينما هذا بخمسة وعشرين سوطاً ربع حد الزاني.
4) قال المجلسي : اى الائمة علیهم السلام . ثم قال : ولعله من كلام يونس أو سماعة.
5) وسائل الشيعة : 18 / 471 ، باب 1 من ابواب نكاح البهائم ، حديث 2.
6 - وأمّا اختصاص التحريم بذوات الأربع ، فقد صار اليه جماعة باعتبار أنّ ذلك هو المنصرف عرفاً من كلمة البهيمة ، ومعه يتمسك فى غير ذلك بأصل البراءة.
7 - وأمّا حرمة الميتة ، فأمر متسالم عليه ، بل هو من ضروريات الدين. قال تعالي : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ ... وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) . (1)وفى الذيل دلالة واضحة على حصر الحل بالمذكي ، وكون المراد من الميتة غير المذكى لا خصوص ما مات حتف انفه.
ثم إنّ حرمة الميتة لا تختص بما كان له نفس سائلة ، بل تعم غيره كالسمك مثلاً لإطلاق دليل التحريم أجل ، تختص النجاسة بميتة ذيالنفس إلاّ أن ذلك مطلب آخر.
8 - وأمّا استثناء ما ذكر من حرمة الميتة ، فلصحيحة زرارة عن أبى عبداللّه علیه السلام : « سألته عن الإنفحة تخرج من الجدى الميت ، قال : لا بأس به. قلت : اللبن يكون في ضرع الشاة وقد ماتت؟ قال : لا بأس به. قلت : والصوف والشعر وعظام الفيل والجلد والبيض يخرج من الدجاجة؟ فقال : كل هذا لا بأس به » (2)وغيرها.
وإنّما قيدنا البيضة بما إذا اكتست الجلد الأعلي ، فلموثقة غياث بن ابراهيم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « بيضة خرجت من است دجاجة ميتة؟ قال : إن كانت اكتست البيضة الجلد الغليظ فلا بأس بها ». (3)
وسائل تحقق التذكية
أ - الذبح
ب - النحر
ج - الاصطياد
ما يقبل التذكية واثرها
لايجوز أكل لحم الحيوان المحلل شرعاً إلاّ إذا كان مذكّي. وتتحقق التذكية بالذبح والنحر والاصطياد.
لا تتحقق تذكية الحيوان شرعاً بالذبح إلاّ إذا تحقق ما يلي :
1 - قطع الأعضاء الأربعة : المريء والحلقوم والودجين. (1)
2 - اسلام الذابح ، فلاتحلّ ذبيحة الكتابى وإن تحققت منه التسمية على المشهور.
3 - الذبح بالحديد ، فلا يحلّ الحيوان إذا كان الذبح بغيره إلاّ فى حالة عدم وجوده فيجوز بغيره ممّا يتحقق به قطع الأعضاء الأربعة المتقدمة.
4 - ذكر اسم اللّه سبحانه حالة الذبح.
5 - استقبال القبلة بالحيوان حالة ذبحه.
1) المريء : مجرى الطعام. والحلقوم : مجرى التنفس، ومحله فوق المريء. والودجان : عرقان غليظان يجري فيهما الدم محيطان بالحلقوم ، وقيل بالمريء.
6 - قصد الذبح بقطع الأعضاء ، فلا يكفى الذبح من السكران والصبى والنائم ، بل لايكفى لو وقعت السكين على الأعضاء وقطعتها أو حرّك الذابح السكين على الأعضاء لا بقصد الذبح فتحقق حصوله مع التسمية.
7 - خروج الدم بالمقدار المتعارف مع تحريك الحيوان بعض أطرافه - كالرجل أو الذنب أو الاذن وما شاكل ذلك - بعد الذبح ، بل يلزم فى الدم الخارج أن لايكون متثاقلاً في خروجه.
هذه شروط تحقق التذكية.
ولاتجوز إبانة رأسالحيوانعمداً أو انخاعه(1)قبل خروج روحه ولكنه لايحرم بذلك.
والذبح بتوسط المكائن الحديثة جائز ، ولا إشكال فيه ما دامت الشروط المتقدمة متوفرة.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا اشتراط حلية الحيوان بالتذكية ، فينبغى أن يكون من الواضحات لقوله تعالي : ( حرّمت عليكم الميتة والدم ... وما أكل السبع إلاّ ما ذكّيتم ) . (2)
ويمكن أن يقال : إنّ ذلك شرط فيما كانت روحه زاهقة ، أما ما كان على قيد الحياة ، فيجوز أكله بالرغم من عدم تحقق تذكيته - كما فى ابتلاع السمك داخل الماء وهو حي ، أو أكل بقية الحيوانات التى هى على قيد الحياة إن أمكن ذلك فيها - لأنّ الآية الكريمة وإن حصرت الحل بالمذكى إلاّ أنّها منصرفة الى الحيوان الذى ليس
على قيد الحياة ، ومعه يبقى الحى مشمولاً لأصل البراءة.
2 - وأمّا حصر الوسائل التى تتحقق بها التذكية بالاُمور الثلاثة المتقدمة ، فلدلالة الروايات على ذلك كما سيتضح.
3 - وأمّا اعتبار قطع الأعضاء الأربعة ، فهو المشهور. ولا مستند له من الروايات سوى صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج : « سألت أبا ابراهيم علیه السلام عن المروة والقصبة والعود يذبح بهنَّ الانسان إذا لميجد سكيناً؟ فقال : إذا فرى الأوداج فلا بأس بذلك ». (1)
والمروة : الحجر الحادّ. والقصب : نبات مائى يكثر عند المستنقعات.
والمقصود منالأوداج هيالأعضاء الأربعة المتقدمة ، لعدم احتمال إرادة شيء آخر غيرها.وسندها معتبر بطريق الشيخ الطوسى وبكلا طريقى الشيخ الكلينى فلاحظ.
إلاّ أنّ فى مقابل ذلك صحيحة زيد الشحام : « سألت أباعبداللّه علیه السلام عن رجل لميكن بحضرته سكين أيذبح بقصبة؟ فقال : اذبح بالحجر وبالعظم وبالقصبة والعود اذا لمتصب الحديدة ، إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس به » ، (2)الدالة على كفاية قطع الحلقوم.
والمناسب الأخذ بمضمون الصحيحة المذكورة ، فإنّ صحيحة ابن الحجاج هي فى صدد بيان أنّ وسيلة الذبح لابدَّ وأن تكون لها القابلية على قطع الأوداج ، أما أنّه يلزم قطع جميعها أو بعضها فليست بصدده ، ومعه تبقى صحيحة الشحام بلا معارض.
هذا ولكن تحفظ الفقيه عن مخالفة المشهور باحتياطه فى الفتوى أمر مناسب.
وهل يلزم عند قطع الأعضاء بقاء الخرزة - المعبر عنها بالجوزة - فى العنق أو يجوز بقاؤها فى الجسد؟
والجواب : المهم تحقق قطع الأوداج كلاًّ أو خصوص الحلقوم ، وأما بقاء الجوزة فى هذا المحل أو ذاك ، فغير مهم بعد فرض تحقق ما ذكر.
أجل قيل بأنّ تلك الأعضاء الأربعة متصلة بالجوزة بحيث إذا لمتبق فى العنق بتمامها ولميقع الذبح من تحتها ، فلايمكن تحقق قطعها ، إلاّ أنّ هذا مطلب آخر ، فإن صحّ لزم ابقاء الجوزة فى العنق للجهة المذكورة لا لأنّه مطلوب فى نفسه.
4 - وأمّا اعتبار الاسلام فى الذابح ، فهو المشهور بين الأصحاب ، بل فى الجواهر أنه كاد أن يكون من ضروريات المذهب فى زماننا. (1)
وإذا رجعنا الى الروايات وجدناها على طوائف مختلفة ، نذكر من بينها :
أ - ما دل على النهى عن ذبيحة غير المسلم بشكل مطلق ، كصحيحة حميد بن المثنى عن العبد الصالح : علیه السلام « سأله عن ذبيحة اليهودى والنصراني ، فقال : لاتقربوها » (2)وغيرها. وبالأولوية يتعدى الى بقية أصناف الكفار من غير أهل الكتاب.
ب - ما دل على الجواز بشكل مطلق ، كصحيحة الحلبي : « سألت أباعبداللّه علیه السلام عن ذبيحة أهل الكتاب ونسائهم ، فقال : لا بأس به » (3)وغيرها.
ج - ما دلَّ على التفصيل بين سماع التسمية منهم فتحلّ الذبيحة وبين عدمه فلاتحلّ ، كصحيحة حريز عن أبيعبداللّه علیه السلام وعن زرارة عن أبيجعفر علیه السلام أنهما
قالا فى ذبائح أهل الكتاب : « فاذا شهدتموهم وقد سمّوا اسم اللّه فكلوا ذبائحهم ، وإن لمتشهدوهم فلاتأكلوا ، وإن أتاك رجل مسلم فأخبرك أنّهم سمّوا فكُل » (1)وغيرها.
د - ما دلَّ على عدم الحلية حتى مع التسمية ، كرواية زيد الشحّام : « سئل ابوعبداللّه علیه السلام عن ذبيحة الذمي ، فقال : لاتأكله إن سمّى وان لم يسمِّ » (2)، وموثقة الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه علیهماالسلام : « إنّ علياً علیه السلام كان يقول : كلوا من طعام المجوس كلّه ما خلا ذبائحهم ، فإنّها لاتحل وإن ذكر اسم اللّه عليها ». (3)
إلاّ ان هذه الطائفة لابدَّ من حذفها من الحساب لضعف سند الاُولى بالمفضل بن صالح الذى لميوثق بل ضُعِّف ، واختصاص الثانية بالمجوسى الذى يحتمل أن يكون النهى عن ذبيحته من باب أنّه ليس من أهل الكتاب.
وعليه نبقى نحن والطوائف الثلاث الاُولي. والجمع بينها ممكن ، فإنّه بقرينة الطائفة الثالثة تحمل الطائفة الاُولى على حالة عدم تحقق التسمية والثانية علي حالة تحققها.
فمقتضى الصناعة على هذا هو التفصيل بين حالة تحقق التسمية من الكتابى وحالة العدم ، فيحكم بالحلّ فى الأوّل دونه فى الثاني.
إلاّ أنّ الشهرة بين الأصحاب على عدم الحلّ مطلقاً تحول دون جزم الفقيه بالتفصيل المذكور وتفرض عليه التنزّل الى الاحتياط فى الفتوي.
5 - وأمّا عدم جواز الذبح إلاّ بالحديد ، فلميعرف فيه خلاف. وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم : « سألت أباجعفر علیه السلام عن الذبيحة بالليطة وبالمروة ، فقال : لا ذكاة إلاّ
بحديدة » (1)
والليطة بفتح اللام : القشر الظاهر من القصبة. والمروة : الحجر الحادّ.
، وصحيحة عبدالرحمن بن الحجاج المتقدمة فى رقم (3) وغيرهما.وإذا قيل : لِمَ لا تفسر الحديد بكل فلز حادّ بقرينة جعل المقابلة بين الليطة والمروة وبين الحديد؟
قلنا : هذا مجرد احتمال ، وهو ليس حجة ما دام لميرتقِ الى مستوى الظهور ، فإنّ الحجة هو الظهور دون مجرد الاحتمال.
وينبغى الالتفات الى أنّه قد تداول فى زماننا صنع السكاكين من الاستيل ، وقد وقع الكلام فى كونه مصداقاً للحديد كى يجوز الذبح به أو لا.
والمنقول عن بعض أهل الخبرة أنّه حديد مصفّى مشتمل على خليط من مواد اُخرى كالحديد نفسه فإنّه مشتمل على مواد اُخرى أيضاً. وعلى هذا لابدَّ من ملاحظة نسبة الخليط فى الاستيل ، فإذا كانت مقاربة لنسبته فى الحديد المتعارف - ولعل الغالب هو ذلك - جاز الذبح به.
6 - وأمّا عدم حلّية الحيوان مع ذبحه بغير الحديد عمداً ، فلأنّ ذلك لازم نفى الذكاة إلاّ مع الحديد.
7 - وأمّا جواز الذبح بغير الحديد إذا لميمكن الذبح به ، فممّا لا إشكال فيه. وتدل عليه صحيحة ابن الحجاج المتقدمة فى رقم (3) وغيرها.
8 - وأمّا اعتبار ذكر اسم اللّه سبحانه حين الذبح ، فهو ممّا لا خلاف فيه. ويدل عليه قوله تعالي : ( فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ (2)) ، وقوله تعالي : (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا
لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ (1)) ، وصحيحة محمد بن مسلم : « سألت أباجعفر علیه السلام عن الرجل يذبح ولايسمّى قال : إن كان ناسياً فلا بأس إذا كان مسلماً وكان يحسن أن يذبح ولا ينخع ولا يقطع الرقبة بعد ما يذبح » (2)وغيرها.
أجل ، مع تركها نسياناً لاتحرم للصحيحة المذكورة وغيرها ، وهذا بخلاف تركها جهلاً ، فإنّها تحرم لإطلاق دليل الشرطية ، ولاستفادة ذلك من تقييد نفى البأس في الصحيحة بالنسيان.
وهل تلزم العربية فى الذكر؟ مقتضى إطلاق أدلة اعتبار الذكر عدمه ، وإن كان ذلك هو المناسب للاحتياط.
9 - وأمّا اعتبار استقبال القبلة بالذبيحة ، فهو مورد لتسالم الأصحاب. وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أبيجعفر علیه السلام : « سألته عن الذبيحة ، فقال : استقبل بذبيحتك القبلة » (3)وغيرها.
أجل ، إنّ الشرطية تختص بحالة الالتفات ولاتعم حالة النسيان والجهل والاضطرار ، لصحيحة الحلبى عن أبيعبداللّه علیه السلام : « سئل عن الذبيحة تذبح لغير القبلة فقال : لا بأس إذا لم يتعمد » (4)وغيرها ، فإنّ التعمد لايصدق فى الحالات المتقدمة.
10 - وأمّا اعتبار قصد الذبح فهو معروف فى كلمات الأصحاب. وعلّله الشيخ النراقى ب- « أن المتبادر من الذبح المحلل هو الصادر من القاصد ». (5)
ولعل الأنسب من ذلك أن يقال : إن التذكية المحللة للأكل قد نسبت الى الفاعل فى قوله تعالي : (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ (1)) ، والمفهوم عرفاً من نسبة المادة الى الفاعل صدورها منه بالاختيار والقصد ، فلو قيل : « أكل فلان الطعام » فالمفهوم أنّه أكله عن قصد واختيار ، وهذا الانصراف إن لميجزم به فى كلمة « ذكيتم » فلا أقلّ من كونه محتملاً ، ومعه يشك فى تحقق التذكية المعتبرة شرعاً ، والأصل عدمه.
11 - وأمّا اعتبار خروج الدم ، فيمكن استفادته من صحيحة زيد الشحام المتقدمة ، حيث ورد فيها : « اذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس » وغيرها.
وأمّا اعتبار كونه بالمقدار المتعارف فلأنّ ذلك هو المنصرف من جملة : « وخرج الدم ».
وأمّا اعتبار الحركة ، فلصحيحة الحلبى عن أبي عبداللّه علیه السلام : « سألته عن الذبيحة فقال : إذا تحرك الذنب أو الطرف أو الأذن فهو ذكي » (2)وغيرها.
وقد يقال : إنّ الجمع بين الطائفتين يقتضى اعتبار كلا الأمرين : الحركة وخروج الدم.
12 - وأمّا اعتبار عدم تثاقل الدم فى خروجه ، فتدل عليه صحيحة بكر بن محمد : « كنت عند أبيعبداللّه علیه السلام إذا جاءه محمد بن عبدالسلام ، فقال له : جعلت فداك يقول لك جدي : ان رجلاً ضرب بقرة بفأس فسقطت ثم ذبحها ... فإن كان الرجل الذى ذبح البقرة حين ذبح خرج الدم معتدلاً فكلوا وأطعموا ، وإن كان خرج خروجاً متثاقلاً فلاتقربوه ». (3)والدلالة واضحة.
13 - وأمّا عدم جواز قطع رأس الذبيحة قبل أن تخرج روحها ، فقد صار اليه جمع من الأصحاب لصحيحة محمد بن مسلم - المتقدمة فى رقم (8) عند البحث عن التسمية - وغيرها.
هذا ولكن المنسوب الى كثير من الأصحاب الكراهة ، بل عن الشيخ فى خلافه دعوى الإجماع على ذلك(1)، ومن هنا يكون المناسب التنزل من الفتوى بالتحريم الى الاحتياط.
وأمّا نخع الذبيحة ، فتدل على النهى عنه الصحيحة المتقدمة ، بَيْدَ أنّ المشهور بين الاصحاب على ما قيل هو الكراهة (2)، بل عن الشيخ فى مبسوطه نفى الخلاف عن ذلك(3)، ومعه يكون المناسب التنزّل الى الاحتياط أيضاً.
ثم إنّه بناءً على تحريم إبانة الرأس والانخاع هل تحرم الذبيحة بذلك؟ اختار جمع من الأصحاب ذلك بدعوى أنّ الذبح الشرعى هو عبارة عن قطع الأوداج الأربعة فقط ، فإذا اُضيف شيء على ذلك خرج الذبح عن كونه ذبحاً شرعياً ، فلايكون مبيحاً ، ويجرى ذلك مجرى ما لو قطع عضو من أعضاء الحيوان فمات بسبب انضمام ذلك. (4)
وفيه : انّ مقتضى ما دلَّ على جواز الأكل عند فرى الأوداج أو خصوص الحلقوم عدم اشتراط حلية الأكل بما زاد على ذلك. أجل ، بالنسبة الى الذكر والاستقبال وغير ذلك خرج بالدليل المقيد. وأما بالنسبة الى الإبانة والانخاع فحيث
لايدل دليل تحريمها على تحريم الأكل ، فيعود ذلك مشمولاً للإطلاق المتقدم.
هذا كله فى حالة تعمّد الإبانة والانخاع ، وإلاّ فلا إشكال فى عدم التحريم التكليفى والوضعى لموثقة الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن على علیهم السلام : « اذا أسرعت السكين فى الذبيحة ، فقطعت الرأس فلا بأس بأكلها » (1)وغيرها.
هذا بناءً على كون كلمة « السكين » فاعلاً ، وأما بناءً على كونها مفعولاً ، فيستفاد نفى الحرمة الوضعية حتى فى حالة التعمد.
14 - وأمّا أنّ الذبح بالمكائن الحديثة جائز مع اجتماع الشروط المتقدمة ، فللتمسك بإطلاق ما دلّ على حلية الحيوان بالتذكية أو بفرى الأوداج. ولايتصور وجود مانع من حلية الحيوان إلاّ :
أ - عدم وضعه على الأرض حالة ذبحه.
ب - عدم استقرار الحياة الطبيعية فيه بسبب توجيه الشحنة الكهربائية اليه ليخمد عن الاضطراب والتحرك.
ج - عدم تحقق الذبح بالسكين.
د - عدم مقارنة ذكراللّهسبحانه عند ذبح كل حيوان ، بل قد يتخلل فاصل في البين.
ذ - عدم تحقق ذكر اللّه سبحانه من الذابح باعتبار عدم وجود ذابح فى البين.
والكل لايصلح للمانعية.
أما الأول : فلعدم اعتبار وضع الحيوان على الأرض حالة تذكيته لعدم الدليل على ذلك ، بل هو منفى بإطلاق ما دلَّ على الحلية عند تحقق فرى الأوداج.
1) وسائل الشيعة : 16 / 316 ، باب 9 من ابواب الذبائح ، حديث 6.
وأمّا الثاني : فلعدم الدليل على اعتبار استقرار الحياة بشكلها الطبيعي ، بل ذلك منفى بالإطلاق المتقدم.
وأمّا الثالث : فلعدم اعتبار السكين بعنوانه ، بل يكفى مطلق الحديد.
وأمّا الرابع : فلأن الفاصل الزمنى إذا كان قليلاً ولميكن مانعاً عرفاً من صدق ذكر اسم اللّه عند ذبح الحيوان فلا مشكلة.
وأمّا الخامس : فباعتبار أنّ من يضغط على الزر الكهربائى يصدق عليه عرفاً عنوان الذابح ، فإذا ذكر اسم اللّه ذلك الحين وكان مسلماً حسب الفرض فلاتبقي مشكلة.
تختص الإبل من بين بقية الحيوانات بأنّ تذكيتها لاتتحقق إلاّ بالنحر ، وذلك بطعن الآلة الحديدية فى لبّتها (1)، سواء كان ذلك حالة قيامها أم فى غيرها من الحالات.
ولابدَّ من تحقق جميع الشرائط المتقدمة غير الأول منها.
والنحر خاص بالإبل ولاتتحقق التذكية به فى بقية الحيوانات.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أنّ التذكية فى الإبل تتحقق بالنحر ، فهو ممّا لا إشكال فيه. وتدل عليه الروايات المذكورة فى باب الحج وأنّ صاحب البدنة ينحرها ، كصحيحة محمدبنمسلم عن أبيجعفر علیه السلام : « سألته عن البدنة تنتج أيحلبها؟ قال : احلبها حلباً
1) اللبة : الموضع المنخفض فى اعلى الصدر متصلاً بالعنق.
غير مضر بالولد ، ثم انحرهما جميعاً ... » (1)وغيرها.
وكذلك لا إشكال فى أنّ تذكية غير الإبل لا تتحقق بالنحر ، وذلك لأمرين :
أ - الاصل ، حيث يشك فى تحقق التذكية بالنحر ، والأصل عدمها.
ب - صحيحة صفوان : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن ذبح البقر من المنحر ، فقال : للبقر الذبح ، وما نحر فليس بذكي » (2)وغيرها.
وإنّما الاشكال فى وجه عدم جواز تذكية الابل بالذبح بعد شمول إطلاق أدلة تحقق التذكية بفرى الأوداج لها. ولا دليل يمكن التمسك به لتقييد الإطلاق المذكور سوي :
أ - التمسك بمثل صحيحة معاوية بن عمار : « قال أبوعبداللّه علیه السلام : النحر فى اللبّة ، والذبح فى الحلق ». (3)
وفيه : انّها تدلّ على أنّ بعض الحيوانات تتحقق فيه التذكية بالنحر ولاتدلّ علي أنّ هذا البعض لاتتحقق فيه التذكية بغير النحر.
ب - التمسك بقوله تعالي : (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (4)، فإنّه ظاهر فى وجوب النحر وتعيّنه ، وحيث لايجب نحر غير الإبل فيثبت وجوب النحر فيها وتعينه.
وفيه : انّ من المحتمل أن يكون المقصود من الأمر فى كلمة « وانحر » رفع اليدين بالتكبير حالة الصلاة ، كما دلت على ذلك بعض الأخبار. (5)
ج - التمسك برواية الشيخ الصدوق : « قال الصادق علیه السلام : كل منحورٍ مذبوحٌ حرام ، وكل مذبوحٍ منحورٌ حرام » (1)، فإنّه يدل على أنّ ما ينحر يحرم إذا ذبح ، وحيث إنّ الذى ينحر هو الإبل فيلزم أن تكون حراماً لو ذبحت.
وفيه : انّ السند ضعيف بالارسال ، وعليه فالحكم بتعيّن النحر فى الإبل مشكل. ومن هنا مال الشيخ الأردبيلى الى جواز الذبح فيها بمقتضى الصناعة وإن احتاط باعتبار أنّه طريق السلامة. (2)
2 - وأمّا أنّ النحر يتحقق بطعن السكين ونحوها فى اللبّة ، فهو ممّا لا إشكال فيه. وتدل عليه صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة.
وأمّا جواز النحر فى حال القيام وغيره ، فلإطلاق الصحيحة المتقدمة وغيرها.
3 - وأمّا أنّه لابدَّ من توفر جميع شرائط التذكية المتقدمة ما عدا الأول منها ، فباعتبار إطلاق أدلة اعتبارها وعدم اختصاصها بما إذا كانت التذكية بالذبح فلاحظ.
تتحقق التذكية بالاصطياد فى ثلاثة من الحيوانات : الحيوان الوحشى طيرٍ أو غيره ، والسمك ، والجراد.
لا تتحقق التذكية فى الحيوان الوحشى بالاصطياد إلاّ إذا كانت وسيلة ذلك أحد أمرين : كلب الصيد أو السلاح.
أما كلب الصيد فعضّه للحيوان وجرحه له هو بمنزلة ذبحه. ولاتتحقق به الذكاة إلاّ إذا توفرت الاُمور التالية :
1 - أن يكون الكلب مُعلَّما للاصطياد. ويتحقق ذلك فيما إذا كان ينبعث إذا بعثه صاحبه وينزجر إذا زجره.
2 - أن لايأكل ما يمسكه إلاّ نادراً.
3 - ذكر اللّه سبحانه عند الارسال.
4 - ارساله للاصطياد ، فلاتتحقق الذكاة لو استرسل بنفسه.
5 - أن يكون المرسل مسلماً.
6 - استناد موت الحيوان الى جرح الكلب ، أما إذا استند الى سبب آخر من تعب أو اصطدام ونحو ذلك فلايحل.
7 - عدم ادراك صاحب الكلب الحيوان حيّاً مع تمكّنه من ذبحه ، بأن يدركه ميتاً أو حيّاً فى زمان لايسع لذبحه.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أنّ الاصطياد لاتتحقق به التذكية إلاّ فى الثلاثة المتقدمة ، فلوجهين :
أ - انّ النصوص الشرعية قد دلّت على تحقق تذكية الثلاثة بالاصطياد ، ويبقي غيرها مشمولا لإصالة عدم تحقق التذكية لو اصطيد وشك فى تحقق التذكية بذلك.
ب - انّ عنوان الاصطياد لايصدق إلاّ بلحاظ الحيوان الوحشى ولايصدق بلحاظ الأهلى كالبقر والدجاج وما شاكل ذلك.
والفارق بين الوجهين أنّه على الثانى يجزم بعدم تحقق التذكية ، فلاتصل النوبة الى أصالة عدم التذكية ، بخلافه على الأول ، فإنّه يفترض الشك فى تحقق التذكية فتصل النوبة الى ذلك.
2 - وأمّا أنّ التذكية بالاصطياد لاتتحقق إلاّ إذا كانت الوسيلة هى كلب الصيد دون بقيه الجوارح ، فلوجهين أيضاً :
أ - أن الدليل قد دلَّ على تحقق التذكية بما ذكر ويشك فى تحققها بغير ذلك ، فيتمسك بأصالة عدم التذكية.
ب - أنّ الروايات قد دلّت على انحصار وسيلة التذكية بكلب الصيد ، كما في صحيحة أبيعبيدة الحذّاء عن أبيعبداللّه علیه السلام : « ... قلت : فالفهد؟ قال : ان أدركت ذكاته فكل. قلت : أليس الفهد بمنزلة الكلب؟ قال : لا ، ليس شيء يؤكل منه مكلب (1)إلاّ الكلب » (2)وغيرها.
بل قد يستفاد ذلك من قوله تعالي : (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) (3)، فإنّ تقييد الجوارح بقيد « مكلّبين » (4)قد يفهم منه أنّ مطلق الجوارح لايجوز الاصطياد بها ، بل بخصوص الكلاب التى قد دربت على الاصطياد.
إلاّ أنّ فى مقابل ذلك روايات دلّت على تحقق التذكية بغير الكلب أيضاً كصحيحة زكريا بن آدم : « سألت أبا الحسن الرضا علیه السلام عن الكلب والفهد يرسلان
فيقتل فقال : هما ممّا قال اللّه : (مُكَلِّبِينَ) فلا بأس بأكله » (1)وغيرها.
وحيث إنّ التعارض بين الطائفتين مستقر فيلزم إعمال المرجحات ، وبما أنّ الاُولى هى الموافقة للكتاب الكريم بناءً على تمامية دلالته ، فيلزم ترجيحها. ومع التنزل يلزم ترجيحها أيضاً للزوم حمل الثانية على التقية بقرينة صحيحة الحلبي : « قال أبوعبداللّه علیه السلام : كان أبى علیه السلام يفتى وكان يتّقى ونحن نخاف فى صيد البزاة والصقورة ، وأما الآن فإنّا لانخاف ولايحلّ صيدها إلاّ أن تدرك ذكاته ... » (2)وغيرها.
ومن خلال هذا يتضح التأمل فى ما ينسب الى ابن أبى عقيل من جواز الاصطياد بغير الكلاب من السباع المعلّمة كالفهد والنمر وغيرهما. (3)
هذا كله بالنسبة الى الاصطياد بالكلب.
وأما الاصطياد بالسلاح ، فيأتى البحث عنه مستقلاًّ إن شاء اللّه تعالي.
3 - وأمّا اعتبار أن يكون الكلب مُعلَّما فهو ممّا لا خلاف فيه. ويدل عليه الوجهان التاليان :
أ - التمسك بالآية الكريمة المتقدمة ، حيث قيدت الجوارح بما إذا كانت مكلَّبة وقد عُلّمت. والتكليب هو تدريب الكلب على الاصطياد.
ب - التمسك بصحيحة أبيعبيدة الحذّاء : « سألت أباعبداللّه علیه السلام عن الرجل يسرّح كلبه المعلّم ويسمّى إذا سرّحه ، قال : يأكل ممّا أمسك عليه ، فإن أدركه قبل قتله ذكّاه ، وإن وجد معه كلباً غير معلّم فلا يأكل منه » (4)وغيرها.
4 - وأمّا أنّ كون الكلب مُعلَّما يتحقق بما ذكر ، فليس ذلك لتحديد شرعي ، بل لأنّ المفهوم عرفاً من كون الكلب مُعلَّما هو ذلك.
5 - وأمّا اعتبار أن لايأكل ما يمسكه إلاّ نادراً ، فهو المشهور بين الأصحاب. واستدل له بمايلي :
أ - التمسك بأصالة عدم تحقق التذكية فيما إذا كان الكلب معتاداً على أكل ما يمسكه.
وفيه : انّ الأصل لا مجال له بعد اطلاق مثل قوله تعالي : (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ... ) (1).
ب - أن عنوان المعلّم لايصدق مع الأكل بنحو معتاد.
وفيه : انّ ذلك وجيه لو كان أكله المعتاد لمجموع الحيوان أو لغالبه ، أما إذا كان لجزءٍ يسير منه فلايضر ذلك بصدق العنوان المذكور.
ج - التمسك بقوله تعالي : (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) (2)، فإنّ الإمساك علينا لايتحقق مع اعتياد الأكل.
وفيه : انّ ذلك لايصدق لو فرض أكل الكلب لجميع الحيوان دون ما لو أبقي بعضه أو غالبه.
د - التمسك بالروايات الدالة على ذلك ، كموثقة سماعة : ( سألته عمّا أمسك عليه الكلب المعلّم للصيد ... قال : لا بأس أن تأكلوا ممّا أمسك الكلب ممّا لميأكل الكلب منه ، فإذا أكل الكلب منه قبل أن تدركه فلا تأكل منه ) (3)وغيرها.
وفيه : انّ الروايات المذكورة معارضة بغيرها ، كصحيحة الحلبى عن أبيعبداللّه علیه السلام : « وأما ما قتله الكلب وقد ذكرت اسم اللّه عليه فكل منه وإن أكل منه » (1)وغيرها. والتعارض غير مستقر لإمكان الجمع عرفاً بحمل الاُولى على الكراهة بقرينة الثانية.
والنتيجة انّه لا دليل على الشرط المذكور غير أنّ ما صار اليه مشهور الأصحاب هو مقتضى الاحتياط.
6 - وأمّا اعتبار ذكر اللّه سبحانه عند ارسال الكلب ، فهو ممّا لا خلاف فيه. ويدل عليه قوله تعالي : (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) (2)، (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) (3)، وصحيحة الحلبي : « قال أبوعبداللّه علیه السلام : من أرسل كلبه ولميسمِ فلا يأكله » (4)وغيرها.
وهل يعتبر تحقق الذكر عند الارسال أو يكفى كونه بعده وقبل الإصابة؟ في ذلك خلاف بين الأصحاب. ولايبعد استفادة الأول من الصحيحة المتقدمة.
7 - وأمّا اعتبار ارسال الكلب للاصطياد ولايكفى استرساله من قبل نفسه ، فلم يعرف فيه خلاف. وقد يستدل له بما يلي :
أ - التمسك بأصالة عدم التذكية - كما صنع فى الجواهر(5)- المقتصر فى الخروج عنها بالمتيقن ، وهو الارسال للصيد.
وفيه : انّ ذلك لا وجه له بعد ثبوت الإطلاق فى الآية الكريمة وغيرها.
ب - التمسك برواية أبيبكر الحضرمى - برواية على بن ابراهيم فى تفسيره - عن أبيعبداللّه علیه السلام حيث ورد فى ذيلها : « اذا أرسلت الكلب المعلّم فاذكر اسم اللّه عليه فهو ، ذكاته ». (1)
وفيه : انّها ضعيفة دلالةً وسنداً.
اما دلالة ، فلأنّها مسوقة لبيان وجوب التسمية عند الارسال لا لبيان وجوب الارسال ووجوب التسمية عنده.
وأمّا سنداً ، فلأنّ الحضرمى - عبداللّه بن محمد الحضرمى - لميوثق إلاّ بناءً علي وثاقة كل من ورد فى أسانيد كامل الزيارة. (2)
ج - التمسك برواية القاسم بن سليمان : « سألت أباعبداللّه علیه السلام عن كلب أفلت ولميرسله صاحبه ، فصاد ، فأدركه صاحبه وقد قتله ، أيأكل منه؟ فقال : لا » (3).
وفيه : انّها قابلة للمناقشة دلالةً وسنداً.
أما دلالة ، فلاحتمال أن يكون عدم جواز الأكل من جهة عدم التسمية وليس من جهة عدم الارسال.
وأما سنداً ، فلعدم ثبوت وثاقة القاسم بن سليمان.
د - انّ ذكر اللّه سبحانه حيث إنّه معتبر حين الارسال ، فيلزم لتحقيق مقارنة الارسال للاصطياد ولايكفى استرسال الكلب من قبل نفسه.
وهذا وجيه ، بناءً على اعتبار المقارنة دون ما إذا لمنعتبرها ، أو اعتبرناها في
حالة الارسال دون الاسترسال.
ومن خلال هذا كله يتضح أنّ الحكم باعتبار الشرط المذكور لابدَّ وأن يكون مبنياً على الاحتياط دون الفتوي.
8 - وأمّا اعتبار اسلام المرسل ، فهو المعروف بين الأصحاب. وقد يستدل له بما يلي :
أ - انّه من دون اسلام المرسل يشك فى تحقق التذكية ، ومقتضى الأصل عدمها.
وفيه : انّ ذلك وجيه لو لميكن لدينا مثل إطلاق الآية الكريمة المتقدمة.
ب - انّ الاصطياد فرد من التذكية ، وحيث يعتبر فيها الاسلام فيعتبر فيه أيضاً.
وفيه : انّ الكبرى لمتثبت بنحو الموجبة الكلية ، بل قد تقدم فى التذكية بالذبح وجاهة القول بتحقق التذكية بالذبح من غير المسلم إذا تحقق معه ذكر اللّه سبحانه.
ج - التمسك برواية السكونى عن أبيعبداللّه علیه السلام : « كلب المجوسى لاتأكل صيده إلاّ أن يأخذه المسلم فيعلّمه ويرسله ... ». (1)
وفيه : انّ الرواية لو تمّت سنداً ولميناقش من ناحية النوفلى - الذى لمتثبت وثاقته إلاّ من خلال كامل الزيارة - فبالامكان المناقشة فى دلالتها ، لاحتمال أن يكون الوجه فى اعتبار إرسال المسلم هو عدم تحقق ذكر اللّه سبحانه من المجوسي ، أو لعدم الاكتفاء بتدريبه ، وليس لاعتبار الارسال من المسلم بعنوانه.
د - التمسك بالشهرة الفتوائية على اعتبار اسلام المرسل.
وهذا وجيه ، بناءً على حجية الشهرة الفتوائية فى إثبات الحكم.
ومن خلال هذا يتضح أنّ الحكم باعتبار اسلام المرسل - عند من لايقول بحجية
1) وسائل الشيعة : 16 / 273 ، باب 15 من ابواب الصيد ، حديث 3.
الشهرة الفتوائية - لابدَّ وأن يكون مبنياً على الاحتياط تحفظاً من مخالفة المشهور بل دعوى عدم الخلاف فى المسألة.
9 - وأمّا اعتبار استناد موت الحيوان الى جرح الكلب فقط دون المجموع منه ومن الضميمة ، فينبغى أن يكون واضحاً باعتبار أنّ الأدلة قد دلت على تحقق التذكية بجرح الكلب ولمتدل على تحققه بالمجموع المركب منه ومن الضميمة ، وإذا شك فى تحقق التذكية بذلك فبالامكان التمسك بأصالة عدم التذكية.
10 - وأمّا اعتبار عدم ادراك الحيوان فى وقت يسع لتذكيته ، فيمكن تقريبه بوجهين :
أ - التمسكبأصالة عدمالتذكية ، فإنّ الخارج منها هوالحالتان المتقدمتان دون ما زاد.
وهذا وجيه بناءً على عدم تحقق الإطلاق فى أدلة تحقق التذكية بالاصطياد.
ب - التمسك بصحيحة محمد بن مسلم وغير واحد عنهما علیهماالسلام : « قالا فى الكلب يرسله الرجل ويسمّى قالا : إن أخذته فأدركت ذكاته فذكِّه » (1)وغيرها. الاصطياد بالسلاح
لا تتحقق تذكية الحيوان الوحشى بالسلاح إلاّ إذا توفّرت الاُمور التالية :
1 - أن تكون الآلة ممّا يصدق عليها عنوان السلاح ، كالسيف والسكّين والسهم وطلقات البندقيّة.
2 - أن يكون الصائد مسلماً.
3 - ذكر اللّه سبحانه عند استعمال السلاح للاصطياد.
1) وسائل الشيعة : 16 / 257 ، باب 4 من ابواب الصيد ، حديث 2.
4 - أن يكون الرمى بقصد الاصطياد ، فلو رمى هدفاً معيّناً لا بقصد الاصطياد فأصاب غزالاً مثلاً فقتله لميحلّ.
5 - ادراك الحيوان ميتاً أو حياً فى وقتٍ لايتسع لتذكيته.
6 - أن يكون السلاح مستقلاً فى قتله.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أنّ التذكية بالاصطياد بالسلاح لاتثبت إلاّ فى الحيوان الوحشى ، فلأنّ عنوان الاصطياد لايتحقق بلحاظ غيره كما تقدم.
2 - وأمّا اعتبار صدق عنوان السلاح على آلة الاصطياد ، فلصحيحة محمد بن قيس عن أبيجعفر علیه السلام : « من جرح صيداً بسلاح وذكر اسم اللّه عليه ثم بقى ليلة أو ليلتين لميأكل منه سبع وقد علم أنّ سلاحه هو الذى قتله ، فليأكل منه إن شاء » (1)
والتقييد بعدم اكل السبع هو لاحتمال عدم تحقق القتل بالسلاح فقط بل به وبجرح السبع غير الكلب الذي لاتتحقق التذكية بواسطته.
وغيرها.ومنه يتّضح الوجه فى جواز الاصطياد بالبندقية ، فإنّها مصداق للسلاح.
أجل ، يلزم فى الطلقات أن تكون بنحوٍ صالحٍ للنفوذ فى بدن الحيوان وخرقه ، أمّا إذا لمتكن كذلك بل كانت تقتل الحيوان بسبب ضغطها أو ما فيها من الحرارة المحرقة فلا يمكن الحكم بحلية الحيوان؛ لصحيحة أبيعبيدة عن أبيعبداللّه علیه السلام : « إذا رميت بالمعراض(2)فخرق فكل ، وإن لميخرق واعترض فلاتأكل » (3) وغيرها.
وهل يلزم فى السلاح أن يكون من جنس الحديد؟ كلاّ ، تمسكاً بالإطلاق.
3 - وأمّا اعتبار اسلام الصائد بالسلاح ، فهو المعروف بين الأصحاب ، وليس فيه كلام آخر يغاير ما تقدم عند البحث عن اعتبار اسلام الصائد بالكلب.
4 - وأمّا اعتبار ذكر اللّه سبحانه ، فهو ممّا لا خلاف فيه. ويدل عليه قوله تعالي : (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) (1)، والروايات الخاصة ، كصحيحة محمد بن قيس المتقدمة وغيرها.
5 - وأمّا اعتبار أن يكون الرمى بقصد الاصطياد ، فيمكن التمسك له بالبيان المتقدم فى الذبح.
6 - وأمّا اعتبار ادراك الحيوان ميتاً أو فى وقت لايتسع لتذكيته ، فلا وجه له سوي تعميم ما ذكر فى الاصطياد بالكلب للمقام ، لعدم فهم الخصوصية.
على أن الحكم مشهور وبناءً على حجيّة الشهرة الفتوائية يصلح ذلك بنفسه للمدركيّة.
أما من رفض هذا وذاك فالحكم عنده يكون مبنياً على الاحتياط تحفظاً من مخالفة المشهور.
7 - وأمّا اعتبار استقلال السلاح فى قتل الحيوان ، فللبيان المتقدّم فى الاصطياد بالكلب.
1) الأنعام : 121.
لابدَّ لحلية السمك من تذكيته المتحققة باصطياده بأخذه حيّاً إما من الماء أو من خارجه لو وثب اليه بنفسه أو نضب الماء.
وتتحقق أيضاً فيما إذا نصب الصائد شبكة أو صنع حضيرة فدخلها السمك ثم نضب الماء وهو حيّ.
ولواُخرجالسمك منالماء وهو حيّ ثم ربط بخيط ونحوه واُرجع اليه ومات فيه حرم.
ولو ألقى السم فى الماء وطفى السمك بسببه فلا يحلّ إلاّ إذا أخذ حيّاً.
ولايلزم فى صائد السمك الاسلام ولا ذكره للّه سبحانه. وعلى هذا تتحقق تذكية السمك من الكافر ولكن لايكون إخباره عن تحققها حجة إلاّ مع الاطمئنان بصدقه.
وتذكية الجراد تتحقق بأخذه من الهواء ولو من الكافر ومن دون ذكراللّه سبحانه.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أنّ السمك لايحل إلاّ بالتذكية ، فهو ممّا لا خلاف فيه. وتدل عليه النصوص الآتية إن شاء اللّه تعالي.
2 - وأمّا أنّ تذكية السمك تتحقق باصطياده وأخذه ، فهو ممّا لا خلاف فيه أيضاً. وتدل عليه موثقة أبيبصير : « سألت اباعبداللّه علیه السلام عن صيد المجوس للسمك حين يضربون للشبك ولايسمّون أو يهودى قال : لابأس إنّما صيد الحيتان(1)أخذها » (2)وغيرها.
3 - وأمّا أنّ السمك الذى يكون خارج الماء - إما لأنه وثب اليه أو نضب عنه الماء - لايحلّ إلاّ بأخذه حياً ولايكفى مجرد موته خارج الماء ، فباعتبار أنّ التذكية تدور مدار عنوان الأخذ فلابدَّ من تحققه.
هذا ، مضافاً الى صحيحة على بن جعفر عن أخيه علیه السلام : « سألته عن سمكة وثبت من نهر فوقعت على الجُدّ(1)من النهر فماتت ، هل يصلح اكلها؟ قال : ان اخذتها قبل ان تموت ثم ماتت فكلها وان ماتت قبل ان تأخذها فلاتأكلها ». (2)
وأمّا مثل صحيحة محمد بن مسلم عن أبيجعفر علیه السلام : « لاتأكل ما نبذه الماء من الحيتان وما نضب الماء عنه » (3)فلابدَّ من تقييده بما إذا لميأخذ حياً.
هذا ولكن ورد فى بعض الروايات حل السمك بخروجه من الماء واضطرابه وإن لميؤخذ ، كما فى صحيحة زرارة : « قلت له : سمكة ارتفعت فوقعت على الجدد فاضطربت حتى ماتت ، آكلها؟ فقال : نعم » (4)وغيرها.
والاضمار لايضرها بعد كون المضمر من أجلاّء الأصحاب الذين لاتليق بهم الرواية عن غير الامام علیه السلام .
إلاّ أنّ مثل الصحيحة المذكورة ، إن ثبت هجران الأصحاب لمضمونها كان ساقطاً عن الحجّية وإلاّ فالحكم بعدم الاكتفاء بمثل ذلك لابدَّ وأن يكون مبنياً علي الاحتياط تحفظاً من مخالفة المشهور.
4 - وأمّا تحقق التذكية بنصب الشبكة أو الحظيرة وموت السمك فيها بعد نضوب
الماء ، فهو ممّا لا خلاف فيه. ويمكن توجيهه ببيانين :
أ - أنّ عنوان أخذ السمك من الماء صادق عرفاً بنصب الشبكة وغيرها للاصطياد.
ب - التمسك بصحيحة الحلبي : « سألته عن الحظيرة من القصب تجعل فى الماء للحيتان فتدخل فيها الحيتان فيموت بعضها فيها ، فقال : لابأس ، إنّ تلك الحظيرة إنّما جعلت ليصاد بها » (1)وغيرها. وبقرينة التعليل يتعدى الى غير الحظيرة من الأجهزة التى تعدُّ للاصطياد.
هذا لو مات السمك فى الحظيرة ونحوها بعد نضوب الماء.
ويمكن أن تستفاد من اطلاق الصحيحة الحلية وتحقق التذكية حتّى على تقدير الموت قبل نضوب الماء.
إلاّ أنّ فى مقابل ذلك رواية عبد المؤمن : « أمرت رجلاً أن يسأل لى أباعبداللّه7 عن رجل صاد سمكاً وهنَّ أحياء ، ثم أخرجهن بعد ما مات بعضهنّ ، فقال : ما مات فلاتأكله ، فإنّه مات فى ما كان فيه حياته ». (2)
وهى إذا لم يناقش فى سندها - من ناحية عبد المؤمن نفسه باعتبار تردّده بين عبدالمؤمن بن القاسم الأنصارى الثقة وبين غيره ، ومن ناحية ذلك الرجل الوسيط ، حيث إنّه مجهول الحال - فبالإمكان حملها على الكراهة بقرينة صحيحة الحلبي ، فان ذلك قد يكون أقرب عرفاً من تقييد الصحيحة بحالة الموت بعد نضوب الماء.
وعليه فالحكم بحلية السمك لو مات فى الحظيرة حتّى قبل نضوب الماء وجيه ،
تمسّكاً بإطلاق الصحيحة بعد ردِّ المعارض بما تقدم.
5 - وأمّا حرمة السمك لو اُخرج من الماء ثم اُرجع اليه ومات فيه ، فلوجهين :
أ - أنّ عنوان الأخذ لايفهم العرف منه الموضوعيّة التامّة بحيث يكفى حيث مع ارجاع السمك الى الماء ، بل يفهم منه الأخذ المقيّد بعدم الارجاع.
ب - التمسك بصحيحة أبيأيوب حيث : « سأل أباعبداللّه علیه السلام عن رجل اصطاد سمكة فربطها بخيط وأرسلها فى الماء فماتت ، أتؤكل؟ فقال : لا ». (1)
6 - وأمّا عدم حلّية السمك لو طفى بإلقاء السم ، فباعتبار أنّ التذكية لاتتحقق إلاّ بالأخذ أو الاصطياد بتوسّط الحظيرة ، والمفروض عدمهما ، ومعه فلايحلّ إلاّ إذا اُخذ من الماء وهو بعدُ حيّ.
7 - وأمّا أنّه لايعتبر فى صائد السمك الاسلام ، فهو ممّا لا كلام فيه. وتدلّ عليه موثقة أبيبصير المتقدمة فى رقم (2)
والمناسب : ان لم يسمّ ... بدون الواو الا ان العبارة جاءت كذلك فى وسائل الشيعة والمصادر الأصلية.
وغيرها.وأمّا أنّه لايعتبر ذكراللّه سبحانه ، فلصحيحة الحلبي : « سألت أباعبداللّه علیه السلام عن صيد الحيتان وإن لميسمِّ ، فقال : لا بأس به » (3)
والمناسب : ان لم يسمّ ... بدون الواو الا ان العبارة جاءت كذلك فى وسائل الشيعة والمصادر الأصلية.
وغيرها.8 - وأمّا عدم حجية إخبار الكافر عن تحقق تذكية السمك ، فباعتبار أنّ الأصل عدم التذكية ، ولايمكن رفع اليد عنه إلاّ بالإطمئنان - الذى هو حجّة بالسيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع عنها شرعاً - أو يد المسلم أو سوق المسلمين أو البيّنة الشرعية ، بل وإخبار الثقة على قول.
9 - وأمّا أنّ تذكية الجراد تتحقق بما ذكر ، فلا خلاف فيه بين الأصحاب ، فكما أنّ
تذكية السمك تتحقق بأخذه فكذلك تذكية الجراد. وتدل عليه صحيحة على بن جعفر عن أخيه علیه السلام : « سألته عمّا أصاب المجوس من الجراد والسمك أيحلّ أكله؟ قال : صيده ذكاته ، لا بأس » (1)وغيرها.
وأما عدم اعتبار الاسلام فى الصائد ، فتدلّ عليه الصحيحة المتقدّمة وغيرها.
وأمّا عدم اعتبار ذكر اللّه سبحانه ، فيمكن استفادته من الصحيحة المتقدّمة أيضاً.
أجل ، هو مستفاد من إطلاقها ، ومعه فيمكن أن يقال : إنّ الإطلاق المذكور معارض بإطلاق قوله تعالي : (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) (2)بنحو العموم من وجه ، والإطلاق الثانى إن لميكن مقدّماً باعتبار كونه قرآنياً فلا أقلّ من التساقط والرجوع الى أصالة عدم التذكية ، وبالتالى يكون ذكر اللّه سبحانه واجباً ، وينحصر المدرك آنذاك لنفى الاعتبار بالتسالم. 2 - ما يقبل التذكية واثرها
التذكية تتحقق بالذبح وبالاصطياد على ما تقدّم. وكل حيوان - حتّى محرَّم الأكل إلاّ نجس العين بل والحشرات على قولٍ - تقبل التذكية بأحد الطريقين المذكورين.
نعم إذا كان الحيوان أهلياً فتذكيته لا تكون إلاّ بالذبح ، وإذا كان وحشياً فتتحقق بالذبح وبالاصطياد.
وأثر التذكية فى محلّل الأكل حلّية لحمه وطهارته وطهارة الجلد وجواز البيع بناءً علي عدم جواز بيع الميتة النجسة.
وأثرها فى محرّم الأكل طهارة لحمه وجلده وحلية الانتفاع به فى ما تعتبر فيه الطهارة ،
كجعل الجلد وعاءً للدهن ونحوه.
هذا كلّه فيما إذا كان للحيوان نفس سائلة.
وأمّا إذا لميكن له ذلك ، فإن كان محلّل الأكل - كالسمك والجراد - فأثر تذكيته حلّية اللحم ، وإن كان محرّم الأكل - كالحيّة - فلا أثر لتذكيته.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أنّ كل حيوان يقبل التذكية ، فهو محل للخلاف بين الأعلام ، فقيل بأنّ الأصل الأولى فى كل حيوان عدم قبوله للتذكية إلاّ ما خرج بالدليل ، باعتبار أنّ التذكية ليست مجرد فرى الأوداج مع سائر الشرائط ، بل هى المجموع المذكور مع ضميمة اُخري ، وهى قابلية المحل للتذكية ، فإذا شكّ فيها - كما فى المسوخ والحشرات - فمقتضى استصحاب عدم التذكية هو عدم تحققها.
وقيل - وهو الأوجه - أنّ الأصل الأولى يقتضى قبول كل حيوان للتذكية إلاّ ما خرج بالدليل ، كنجس العين؛ لأنّ القابلية حتى لو سلمنا باعتبارها فبالإمكان أن نقول : إنّ مقتضى بعض الروايات وجود القابلية المذكورة فى كل حيوان وقبوله للتذكية ، كصحيحة على بن يقطين : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن لباس الفراء والسمور والفنك والثعالب وجميع الجلود قال : لا بأس بذلك » (1)، فإنّ نفى البأس عن جميع الجلود يدل بالاطلاق على جواز لبسها فى الصلاة ، وبالتالى على قبولها للتذكية.
وكموثقة سماعة : « سألته عن جلود السباع أينتفع بها؟ فقال : إذا رميت وسمّيت فانتفع بجلده ، وأما الميتة فلا » (2)وغيرهما.
أجل ، بالنسبة الى الحشرات - كالفأر وابن عرس - قد يدعى انصراف العمومات المذكورة عنها.
2 - وأمّا أنّ أثر التذكية فى محلّل الأكل ما تقدم ، فباعتبار أنّ غير المذكى هو ميتة شرعاً ، وهى نجسة ومحرمة الأكل ، ولايجوز بيعها فإذا فرض تحقق التذكية ارتفعت الآثار المذكورة.
3 - وأمّا أنّ مثل السمك لا أثر لتذكيته إلاّ حلّية اللحم ، فباعتبار أنّ ميتته طاهرة فيجوز آنذاك استعمالها فى ما تعتبر فيه الطهارة ، بل ويجوز بيعها بناءً على جواز بيع الميتة الطاهرة.
4 - وأمّا أنّه لا أثر لتذكية محرّم الأكل ممّا لا نفس له ، فلأنّه طاهر ومحرّم الأكل على كل حال.
الأنفال(ملكية الامام علیه السلام أو الدولة).
انحاء الملكية ووسائل تحصيلها.
من احكام المشتركات.
للأنفال - التى هى ملك النبى صلی اللّه علیه و آله والامام علیه السلام من بعده أو ملك الدولة - مصاديق متعددة ، اختلف الفقهاء فى ضبطها ، فذكر منها :
1 - الأرض الميتة (1)التى لا ربّ لها.
2 - الأرض التى يأخذها المسلمون من الكفار بغير قتال.
3 - المعادن إما مطلقاً أو على تفصيل.
4 - سيف(2)البحار.
5 - بطون الأودية.
6 و 7 - رؤوس الجبال والآجام. (3)
8 - قطائع الملوك وصفاياهم. (4)
وصفاياهم هى الاموال المنقولة النفيسة للملوك غير الارض.
9 - غنيمة الحرب الواقعة من دون إذن الإمام علیه السلام .
10 - ميراث من لا وارث له.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أنّ الأنفال للنبى والإمام علیه السلام من بعده ، فهو من ضروريات الدين.
ويدل عليه الكتاب الكريم : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ... ) (1)، بعد الالتفات الى أنّ كل ما كان للنبى صلی اللّه علیه و آله فهو للإمام علیه السلام بالضرورة.
والمراد من الأنفال(2)
والاموال الخاصة بالنبى صلی اللّه علیه و آله وبالامام علیه السلام حيث إنّها زيادة على ما لهما من سهم الخمس فهى نفل.
الأموال المملوكة للنبى صلی اللّه علیه و آله وللإمام علیه السلام من بعده زيادة على ما لهما من سهم الخمس.وقد تداول فى كلمات الفقهاء الحكم على الأنفال بكونها ملك النبى صلی اللّه علیه و آله والإمام علیه السلام ، وقد يستظهر من ذلك كونها ملكاً شخصياً لهما ، وربما يستدل له بظهور كلمة الرسول والامام فى ملك الشخص ، إلاّ أن فى مقابل ذلك قولاً بكونها ملك المنصب والدولة بدليل عدم انتقالها بالارث. وبناءً على هذا القول يكون البحث عن الأنفال ضرورياً ، لأنّه بحث عنممتلكات الدولة التى تستعين بها فى ادارة شؤونها.
وفى الحديث الشريف : « الأنفال هو النفل. وفى سورة الأنفال جَدْعُ الأنف(3)». (4)
2 - وأمّا أنّ الأرض الميتة هى للامام علیه السلام ، فهو ممّا لا خلاف فيه سواء لميجر عليها ملك مالك - كما فى الصحارى - أو جري ، ولكنه لميبق له وجود.
1) الأنفال : 1.
2) الأنفال جمع نفل - بسكون الفاء وفتحها - بمعنى الزيادة. ومنه صلاة النافلة ، حيث إنّها زيادة علي الفريضة. ومنه قوله تعالي : « ومن الليل فتهجد به نافلة لك » (الإسراء : 79) أى زيادة لك ، ومنه أيضاً قوله تعالي : « ووهبنا له اسحاق ويعقوب نافلة » (الانبياء : 73) ، اى زيادة على ما سأل.
3) أى قطع أنف الخصوم. قال فى الوافي : 10 / 302 : « يعنى فى هذه السورة قطع أنف الجاحدين لحقوقنا وارغامهم ».
4) وسائل الشيعة : 6 / 373 ، باب 2 من ابواب الأنفال ، حديث 1.
وقد دلّت على ذلك مرسلة حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح علیه السلام : « ... والأنفال ... كل أرض ميتة لا ربّ لها ... » (1)، والروايات المعبِّرة بالأرض الخربة ، كصحيحة حفص بن البخترى عن أبيعبداللّه علیه السلام : « الأنفال ما لميوجف عليه بخيل ولا ركاب أو قوم صالحوا أو قوم أعطوا بأيديهم وكل أرض خربة وبطون الأودية فهو لرسولاللّه علیه السلام وهو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء » (2)وغيرها. وقد فهم الفقهاء من الأرض الخربة الأرض الميتة. (3)
والمعروف فى كلمات الفقهاء تقييد الأرض بالميتة. ويمكن أن يقال بكون المدار على عدم وجود مالك للأرض حتى لو كانت عامرة ، كالغابات والجزر المشتملة على الأشجار والفواكة ، لموثقة اسحاق بن عمار : « سألت أباعبداللّه علیه السلام عن الأنفال ، فقال : هى القرى التى قد خربت ... وكل أرض لا ربّ لها ... ». (4)
ومرسلة حماد المتقدمة وإن ورد فيها التقييد بالميتة إلاّ أنّه لا مفهوم له لوروده مورد الغالب. هذا لو قطعنا النظر عن السند وإلاّ فلا تعود صالحة للمعارضة.
ومن خلال هذا يتضح أنّ الأرض اذا لم يكن لها مالك فهى للإمام علیه السلام أو للدولة سواء كانت ميتة أو عامرة ، وإذا كان لها مالك فليست كذلك سواء كانت ميتة أو عامرة ، فإنّ الأرض ما دام لها مالك فمجرد موتها وخرابها لايستوجب خروجها عن ملكه.
وبعض النصوص وإن كانت مطلقة وتعدُّ كل أرض خربة جزءاً من الأنفال من دون تقييد بعدم وجود ربٍّ لها - كما فى صحيحة حفص بن البخترى المتقدمة و
غيرها - إلاّ أنّه بقرينة الروايات الاُخرى وتسالم الفقهاء لابدَّ من تقييدها بذلك ، فلاحظ موثقة اسحاق بن عمار المتقدمة ، حيث ورد فيها : « سألت أباعبداللّه علیه السلام عن الأنفال فقال : هى القرى التى قد خربت وانجلى أهلها ... وكل أرض لا ربّ لها ... » ، فلو كان الخراب وحده كافياً لصيرورة الشيء من الأنفال ، فلا داعى الى التقييد بالانجلاء أو عدم وجود رب لها.
أجل ، هناك كلام فى الأرض المملوكة بالإحياء(1)هل تزول ملكية المحيى لها بطروّ الخراب عليها أو لا؟ وقد دلّت صحيحة الكابلى الآتية إن شاء اللّه تعالى وغيرها على زوالها ، إلاّ أن ذلك خاص بما إذا كان سبب الملك هو الإحياء دون ما لو كان مثل الارث والشراء.
3 - وأمّا الأرض التى يأخذها المسلمون من الكفار بغير قتال - إما بانجلاء أهلها عنها أو بتمكينهم المسلمين منها طوعاً - فلا خلاف فى كونها من الأنفال ، لقوله تعالي : (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ) (2)
والفيء لغة بمعنى الرجوع. والمراد منه فى الآية الكريمة : الغنيمة التى يتم الحصول عليها بدون قتال.
والايجاف هو السير السريع.
والركاب هى الابل.
والمعني : الذى أرجعه اللّه على رسوله من أموال بنيالنضير وخصّه به هو لمتسيروا عليه بفرس ولا إبل حتي يكون لكم فيه حق.
، ولصحيحة حفص بن البخترى المتقدمة ، وصحيحة معاوية بن وهب : « قلت لأبي عبداللّه علیه السلام : السرية يبعثها الإمام فيصيبون غنائم كيف تقسم؟ قال : إن قاتلواعليها مع أمير أمّره الإمام عليهم اُخرج منها الخمس لله وللرسول وقسّم بينهم أربعة أخماس(1)، وإن لم يكن قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للإمام يجعله حيث أحبَّ » (2)وغيرهما.
وينبغى تعميم الأرض المذكورة للمحياة أيضاً ، إذ الميتة هى للإمام علیه السلام بقطع النظر عن الاستيلاء عليها من دون قتال ، وحفظاً للمقابلة بين هذا القسم وسابقه لابدَّ من التعميم المذكور.
ثم إنّه قد وقع الخلاف فى اختصاص القسم المذكور بالأرض وعمومه لكلّ ما يغنمه المسلمون من الكفار بغير قتال ، ولعل المشهور هو الاول ، حيث قيّدوا القسم المذكور بالأرض ، إلاّ أنّ المستفاد من الصحيحتين السابقتين العموم.
4 - وأمّا المعادن ، فقد اختار جمع من الأعلام المتقدمين - كالشيخ الكلينى والمفيد والطوسى و ... (3)- كونها من الأنفال بما فى ذلك الموجودة فى الملك الشخصى للأفراد ، غايته قد أباحها الأئمة علیهم السلام لكلّ من أخرجها بعد أداء خمسها. وتشهد لذلك موثقة اسحاق المتقدمة : « سألت أباعبداللّه علیه السلام عن الأنفال فقال : هى القري التى خربت وانجلى أهلها ... وكل أرض لا ربَّ لها ، والمعادن منها ... » (4)وغيرها.
وفى مقابل هذا القول قولان آخران :
أحدهما : أنها من المباحات العامة والناس فيها شرع.
وقد وجِّه ذلك بالأصل والسيرة ، بل وبدلالة أخبار وجوب الخمس فيها ،
ضرورة أنّه لا معنى لوجوب الخمس على غير الإمام علیه السلام ما دامت هى ملكاً له. مضافاً الى أنّ ظاهرها كون الباقى بعد الخمس هو للمخرج باصل الشرع لا بتمليك الإمام علیه السلام .
ثانيهما : التفصيل بين المعادن المستخرجة من أرض الأنفال وبين المستخرجة من غيرها. فالاُولى هى من الأنفال بخلاف الثانية. ويساعد على التفصيل المذكور أنّ بعض النسخ فى موثقة اسحاق المتقدمة قد اشتملت على كلمة « فيها » بدل « منها » ، أى والمعادن فى الأرض التى لا ربّ لها ، بل إنّ من الوجيه كون ذلك هو المقصود حتى بناءً على كون النسخة « منها » فالضمير لايرجع الى الأنفال ، بل الى ما ماذكرناه.
ولعلّ البحث المذكور علمى بحت ولا أثر عملى له؛ لأن التخميس واجب علي كلّ حال ، وإنّما الكلام فى الأربعة أخماس الباقية هل هى ملك للمخرج بتحليل من اللّه ابتداءً ، أو بتمليك من الامام علیه السلام ؟
5 - وأمّا أسياف البحار فقد اُشير الى كونها من الأنفال فى الشرائع. (1)ولايوجد نص شرعى يدلّ على كونها كذلك ، إلاّ أنّه لا حاجة اليه بعد كونها من قبيل الأرض التى لا ربَّ لها التى تقدم كونها من الأنفال.
6 - وأمّا بطون الأودية ، فقد اُشير اليها فى صحيحة حفص المتقدمة فى رقم (2) وغيرها.
7 - وأمّا رؤوس الجبال والآجام ، فقد ادّعى عدم الخلاف فى كونهما من الأنفال. وقد ورد ذكرهما فى أخبار ضعيفة السند ، كمرسلة حمّاد المتقدمة : « ... وله رؤوس
1) شرائع الاسلام : 1 / 137.
الجبال وبطون الأودية والآجام ... » (1)وغيرها.
والحكم بعدِّهما من الأنفال يبتنى إما على تمامية كبرى الانجبار(2)، أو على ضمّ عدم القول بالفصل ، بتقريب أنّ مستند عدِّ بطون الأودية من جملة الأنفال حيث إنّه صحيح السند ، فيلزم من ذلك عدُّ رؤوس الجبال والآجام من جملة الأنفال أيضاً ، لعدم القول بالفصل بين الثلاثة.
هذا لو قبلنا أحد المبنيين المذكورين وإلاّ فينحصر الوجه فى عدِّهما من جملة الأنفال بكونهما مصداقين للأرض التى لا ربّ لها.
وهل الحكم بعدِّهما من الأنفال يعمُّ حالة مّا إذا كانا جزءاً من ملك الغير؟ والجواب : أنّه على المبنيين المتقدمين يلزم الحكم بالعموم بخلافه بناءً على المبني الأخير فإنّه لايحكم بالعموم.
8 - وأمّا أن قطائع الملوك وصفاياهم هى من الأنفال ، فهو ممّا لا خلاف فيه. وتدل على ذلك صحيحة داود بن فرقد : « قال أبوعبداللّه علیه السلام : قطايع الملوك كلّها للإمام وليس للناس فيها شيء » (3)، وموثقة سماعة : « سألته عن الأنفال ، فقال : كل أرض خربة أو شيء يكون للملوك فهو خالص للإمام وليس للناس فيها سهم ... » (4)و غيرهما.
9 - وأمّا أنّ غنيمة الحرب الواقعة من دون إذن الإمام علیه السلام هى له بأجمعها ، فقد ادّعى فى الجواهر أنه المشهور بين الأصحاب. (5)و تدل عليه :
أ - مرسلة الوراق عن رجل سماه عن أبيعبداللّه علیه السلام : « اذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلّها للإمام ، وإذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس ». (1)
وضعفها السندى لايضرّ ، بناءً على تمامية كبرى الانجبار.
ب - صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة فى رقم (3) ، فإنّ القيد المذكور فيها « أمّره الإمام » يدلّ بالمفهوم على المطلوب.
10 - وأمّا أن ميراث من لا وارث له هو من الأنفال ، فقد ادّعى عليه الإجماع. وتدلّ عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أبيجعفر علیه السلام : « من مات وليس له وارث من قرابته فماله من الأنفال » (2)و غيرها.
لملكية الثروة الطبيعية (3)ثلاثة انحاء :
1 - ملكية جميع المسلمين بالنسبة الى الأرض الخراجية ، أى الأرض المفتوحة بإذن الإمام علیه السلام عنوة (4)المحياة حالة الفتح.
2 - ملكية الإمام علیه السلام أو الدولة بالنسبة الى الأنفال.
3 - الملكية الشأنية بالنسبة الى المباحات العامة.
أما ما كان من النحو الأول فأمره بيد ولى الأمر ، فله دفع الأرض الخراجية الى من شاء
مقابل الخراج(1)بما يراه صلاحاً ، ولايجوز بيعها ولا وقفها ولا هبتها ولا تملكها بنحو الملك الشخصي.
ويصرف ولى الأمر الخراج فى المصالح العامة للمسلمين.
وأمّا النحو الثانى فتنتقل الأرض فيه بالإحياء الى المحيى ملكاً أو حقاً ، والمعدن باستخراجه الى المخرج ، والآجام بحيازتها الى الحائز.
وأمّا ما كان من النحو الثالث - كالماء والطيور والأسماك وما شاكل ذلك - فيملك بالحيازة.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن الأرض المفتوحة عنوة هى لجميع المسلمين ، فقد تقدّمت الاشارة الي وجهه فى كتاب الجهاد.
2 - وأمّا تقييد الفتح بما إذا كان بإذن الإمام علیه السلام ، فلما تقدم من كون المفتوح بغير إذنه علیه السلام هو من الأنفال.
وأمّا تقييد الفتح بكونه عنوة ، فلما تقدم من كون المفتوح بلا قتال هو من الأنفال.
وأمّا تقييد الأرض بما إذا كانت محياة حين الفتح ، فلأن الأرض الميتة هى من الأنفال على ما تقدم.
3 - وأمّا الترديد فى ملكية الأنفال بين كونها للإمام علیه السلام أو للدولة ، فقد تقدمت الاشارة الى وجهه سابقاً.
1) الخراج : اُجرة الأرض.
كما تقدمت الاشارة سابقاً الى الوجه فى ملكية الإمام علیه السلام للأنفال فراجع.
4 - وأمّا كون الملكية فى النحو الثالث شأنية ، فلأنّ كلّ فرد من الناس له شأنية تملك المباحات العامة بالحيازة.
أما كيف يمكن إثبات الإباحة العامة للأشياء ما سوى الأرض الخراجية والأنفال؟ يمكن إثباته بوجهين :
أ - أنّ ثبوت الملكية لخصوص الإمام علیه السلام أو لجميع المسلمين هو الذى يحتاج الى دليل ، وأما كون الشيء ليس مملوكاً لأحد بل لكلّ شخص الحق فى تملكه بالحيازة فهو لايحتاج الى دليل ، بل هو مقتضى الأصل المستفاد من مثل قوله تعالي : ( خلق لكم ما فى الأرض جميعاً ) (1).
ب - التمسك بسيرة المتشرعة ، فإنّها منعقدة على تملك الماء والطيور والأسماك والحيوانات والأعشاب وما شاكل ذلك بالحيازة ، ولا يحتمل نشوءِ مثل السيرة المذكورة عن تهاون وتسامح ، فإنّها منعقدة فى حق جميع المتشرعة ، وذلك يكشف عن وصولها يداً بيد من معدن العصمة والطهارة.
وممّا يؤيد ذلك فى الجملة رواية محمد بن سنان عن أبيالحسن علیه السلام : « سألته عن ماء الوادي ، فقال : إنّ المسلمين شركاء فى الماء والنار والكلاء » (2)وغيرها.
5 - وأمّا أنّ أمر الأرض الخراجية بيد ولى المسلمين ، فلأن ذلك مقتضى ملكيتها لجميع المسلين ، على أنّ صحيحة الحلبى السابقة واضحة فى ذلك.
وأمّا انحصار التصرف الجائز فيها بدفعها مقابل الخراج ، فهو لازم ابقاء عينها
لجميع المسلمين مع التصرف فيها وفق مصلحتهم.
أجل ، لا بأس ببيع الحق الثابت فيها لفقدان المانع ووجود المقتضي ، بل قيل بجواز بيعها تبعاً للآثار.
وأمّا صرف ولى الأمر الخراج فى صالح المسلمين ، فلأن ذلك لازم ملكية جميع المسلمين لها. بل قد يقال بأنّه لا معنى لملكية جميع المسلمين لها إلاّ استحقاقهم لصرف واردها فى مصالحهم ، ولايتصور معنى صحيح لملكية الجميع لها إلاّ ذلك.
6 - وأمّا أنّ الأرض الميتة - التى هى من مصاديق النحو الثانى - يجوز احياؤها وتنتقل الى المحيي ، فلم يعرف فيه خلاف بين الأصحاب. ويدلّ على ذلك أمران :
أ - السيرة المستمرّة للمتشرعة على التصرف فى الأرض الموات واحيائها من دون احتمال نشوء ذلك عن التساهل والتسامح.
ب - صدور الإذن من أصحاب تلك الأرض بذلك ، كما دلّت عليه صحيحة زرارة عن أبيجعفر علیه السلام : « قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : من أحيى أرضاً مواتاً فهى له » (1)و غيرها.
أجل ، دلّت بعض النصوص الاُخرى على أنّ الإذن المذكور ليس بنحو المجانية بل مشروط بدفع الاُجرة إلاّ إذا كان المحيى من الشيعة ، فإنّه لايجب عليه ذلك ، فلاحظ صحيحة أبيخالد الكابلى عن أبيجعفر علیه السلام : « وجدنا فى كتاب على علیه السلام أنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ، أنا وأهل بيتى الذين أورثنا الأرض ونحن المتقون والأرض كلّها لنا ، فمن أحيى أرضاً من المسلمين فليعمرها وليؤدّ خراجها الى الإمام من أهل بيتى وله ما أكل منها ، فإن تركها وأخربها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحق بها من الذى تركها فليؤدِّ
1) وسائل الشيعة : 17 / 327 ، باب 1 من ابواب احياء الموات ، حديث 6.
خراجها الى الإمام من أهل بيتى وله ما أكل منها حتى يظهر القائم علیه السلام من أهل بيتي بالسيف فيحييها ويمنعها ويخرجهم منها كما حواها رسولاللّه صلی اللّه علیه و آله ومنعها إلاّ ما كان فى أيدى شيعتنا فإنّه يقاطعهم على ما فى أيديهم ويترك الأرض في ت أيديهم ». (1)
7 - وأمّا الترديد فى أمر الإحياءِ بين كونه مولّداً للملك أو للحق ، فهو باعتبار وجود احتمالين فى المسألة : فيحتمل انتقال ملكية الأرض من الإمام علیه السلام أو الدولة الي المحيى وصيرورتها ملكاً شخصياً له؛ ويحتمل بقاء ملكيتها السابقة على ما هي عليه ولايتولد للمحيى سوى أولويته من غيره فى التصرف فيها.
وقد صار مشهور الفقهاء الى الاحتمال الاوّل ، تمسكاً بظهور اللام فى قولهم علیهم السلام : « من أحيى أرضاً مواتاً فهى له » فى إفادة الملكية.
بينما صار الشيخ الطوسى الى الاحتمال الثاني ، حيث يقول : « فأما الموات فإنّها لاتغنم وهى للإمام خاصة ، فإن أحياها أحد من المسلمين كان أولى بالتصرف فيها ويكون للإمام طسقها (2)». (3)
وقد صار الى ذلك أيضاً الفقيه السيد محمد بحر العلوم قدس سره فى بلغته. (4)
ويمكن توجيه ذلك بأنّ فرض الاُجرة - المعبر عنها بالطسق - لايتناسب مع انتقال العين الى المحيي ، بل يتناسب مع انتقال المنفعة فقط.
وأمّا اللام ، فلا ظهور لها فى الملك ، فإنّها جارية مجرى قول الملاّك للفلاّحين
عند تحريضهم على عمارة الأرض : من عمرها وحفر أنهارها فهى له ، فإنّه ليس المقصود انتقال العين الى الفلاح بل أحقيته من غيره وتقدمه على من سواه.
8 - وأمّا المعادن ، فقد تقدم الخلاف فى كونها من الأنفال ، ولكن على تقدير جميع الأقوال الثلاثة فى المسألة ، يجوز استخراجها وتملكها بعد اخراج خمسها.
والوجه فى ذلك أمران :
أ - انعقاد السيرة القطعية بين المتشرعة على ذلك.
ب - التمسك بصحيحة محمد بن مسلم عن أبيجعفر علیه السلام : « سألته عن معادن الذهب والفضة والصفر والحديد والرصاص ، فقال : عليها الخمس جميعاً » (1)وغيرها ، فإنها تدل بوضوح على ملكية المخرج لما أخرجه من المعدن بعد التخميس.
ثم إن المعادن على قسمين : ظاهرة وباطنة. (2)
الاول : انّ المعدن الظاهر هو ما كان موجوداً على سطح الأرض ولا يحتاج الوصول اليه الى بذل مؤونة عمل ، كالملح والقير وما شاكل ذلك ، والباطن هو ما توقف استخراجه على الحفر والعمل ، كما فى الذهب والفضة.
ثانيهما : انّ المعدن الظاهر هو المعدن الذى لايحتاج فى ابراز طبيعته وخصائصه المعدنية الى بذل جهود من دون فرق بين كونه على سطح الأرض أو فى أعماقها ، بخلاف الباطن فانه ما احتاج الى ذلك حتى ولو لم يوجد فى أعماق الأرض ، كما هو الحال فى الحديد والذهب والفضة ونحوها.
وقد قال كثير من الفقهاء عن المعادن الظاهرة بأنّها تملك بمقدار ما يحوزه الشخص منها ، حتى لو كان ذلك المقدار زائداً عن حاجته ؛ وعن المعادن الباطنة بأنّها تملك للمنقِّب فيما إذا وصل الى المعدن نفسه ، وأما إذا حفر ولميصل اليه كان ذلك تحجيراً يفيد الأحقية والأولوية دون الملكية.
9 - وأمّا جواز حيازة الآجام بل والغابات - بناءً على ملكية الإمام علیه السلام أو الدولة لها - فينبغى أن لايقع مورداً للتأمل ، لانعقاد السيرة القطعية على الحيازة فيها.
10 - وأمّا تحقق الانتقال فى النحو الثالث بالحيازة ، فهو ممّا لا إشكال فيه ، للسيرة القطعية المنعقدة على ذلك ، فمن اصطاد الأسماك أو الطيور أو أى ثروة طبيعية اُخرى ملكها ، ومن قام بالحفر ووصل الى عين ماء كان مجرد ذلك كافياً في تحقق حيازته لها.
من كان مالكاً لأرضٍ كان مالكاً لما تشتمل عليه من معدن أو كنز على المشهور.
ومن كان مالكاً لأرضٍ كان مالكاً لعين الماء التى يتم كشفها فيها على المشهور أيضاً.
ومن حاز لآخر تبرعاً أو وكالة عنه ، فالمال للحائز دون الآخر. وأما لو كان ذلك بإجارة ، فقيل بكونه للمستأجر دون الحائز الأجير.
والتحجير - بوضع سياج ونحوه للأرض الميتة - وإن لم يكن كالأحياء فى إفادة الملك ولكنه يفيد الأولوية.
والناس وإن كان لهم حق الإحياء أو التحجير فى أراضى الموات إلاّ أنّ لوليّ المسلمين المنع منهما فيما إذا كان ذلك موجباً للإخلال بالنظام.
ومن سبق الى مكان فى المسجد أو المشاهد المشرفة فهو أحقّ به ما دام شاغلاً له بما لايتنافى مع ذلك المكان المقدس. وإذا فارقه بنية العود وكان تاركاً لبعض رحله فيه فهو أحقّ به من غيره.
ووضع الرحل قبل دخول وقت الصلاة بقصد الاستفادة من المحل عند دخوله لايولّد حقّاً لصاحب الرحل مع افتراض الفاصل الزمنى المعتد به.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا تبعية ما فى أعماق الأرض من المعدن والكنز لها فى الملكية ، فباعتبار أنّه نماء لها ، ونماء المال يتبع أصله فى الملكية.
وفيه : انّ المقام ليس مصداقاً للنماء والثمرة ، بل مصداق للظرف والمظروف ، وواضح أنّ ملكية الظرف لاتلازم ملكية المظروف.
إذن ما عليه المشهور لا يتمّ إلاّ إذا انعقد إجماع تعبدى أو سيرة عقلائية عليه ، وإلاّ فتخريجه على طبق القاعدة مشكل.
2 - وأمّا تبعية عين الماء لصاحب الأرض فى الملكية ، فقد يوجه بما يلي :
أ - التمسك بفكرة النماء المتقدمة.
والجواب : ما تقدم.
ب - ان كشف العين نحو حيازة لها ، والحيازة سبب للملكية.
وفيه : انّ ما ذكر يتمّ لو فرض وجود نص شرعى يدل على ذلك ليتمسك بإطلاقه ، ولكنه مفقود ، والمستند لذلك ليس إلاّ السيرة العقلائية ، وهى لايمكن التمسك بها فى المقام ، لعدم الجزم بانعقاد مثلها فى عصر الائمة علیهم السلام .
3 - وأمّا أن من حاز لآخر تبرعاً فالمال للحائز دون الآخر ، فلأن مدرك تحقق الملكية بالحيازة ليس إلاّ السيرة ، وهى تقتضى ملكية الحائز نفسه دون غيره. ومجرد قصد الحيازة عن الغير لايجعل الغير حائزاً حقيقة.
4 - وأمّا أنّ الأمر كذلك فيمن حاز عن الغير وكالة ، فللنكتة المتقدمة نفسها ، فإن الحيازة سبب لملكية الحائز نفسه دون غيره.
وإذا قيل : إنّه بعد افتراض تحقق عقد الوكالة فسوف يصدق على الموكل نفسه
عنوان الحائز؛ لأنّ فعل الوكيل ينتسب الى الموكل بسبب عقد الوكالة.
قلنا : إنّ ما ذكر وجيه فى الاُمور الاعتبارية - كالبيع والإجارة ونحوهما - فإنّه بالتوكيل فيها ينتسب فعل الوكيل الى الموكل فيقال : « فلان باع داره » والحال أنّ وكيله باعها ، وأما الاُمور التكوينية الخارجة عن دائرة الاعتبار ، فلايتحقق الانتساب المذكور فيها ولا معنى للوكالة فيها ، فلا يصح أن يقال لمن وكَّل غيره في الأكل أو الشرب عنه : إنّه أكل أو شرب. وحيث إنّ الحيازة هى من الاُمور التكوينية دون الاعتبارية ، فلا تقبل الوكالة ولا تنتسب حيازة الوكيل الى الموكل.
5 - وأمّا حيازة الأجير - التى هى محل ابتلاء فى زماننا حيث يستأجر الشخص أو الدولة عمّالاً للحفر والتنقيب - فقد يقال باقتضائها لملكية المستأجر ، لأحد الوجوه التالية :
أ - إنّ عمل الأجير - وهو الحيازة - ملك للمستأجر بسبب عقد الإجارة ، وحيث إنّ المحاز يعدُّ ثمرة ونتيجة للحيازة ، فيلزم تملك المستأجر له ، فإنّ من يملك الأصل يملك نتائجه.
وفيه : ان البيضة تعدُّ عرفاً نماء للدجاجة ، فالمالك للدجاجة يكون مالكاً للبيضة ، وهذا بخلافه فى المعدن ، فإنه لايعدُّ عرفاً نماء للحيازة إلاّ بنحو المجاز.
ب - انّه بعقد الإجارة يصدق عنوان الحائز حقيقة على المستأجر ، فالحيازة حيازته ، ولازم ذلك تملكه للمعدن باعتبار أنّه حائز حقيقة.
وفيه : انّ أقصى ما يترتب على عقد الإجارة صيرورة المستأجر مالكاً لحيازة الأجير لا أنّه حائز حقيقة.
ومع التنزل ، فيمكن القول أنّ دليل التملك بالحيازة حيث إنه السيرة التى هي
دليل لبّي ، فينبغى الاقتصار فيه على القدر المتيقن ، وهو ما لو تحققت الحيازة وتمّ صدقها حقيقة بتصدى الشخص نفسه دون أجيره.
ج - إنّ السيرة العقلائية فى زماننا قائمة على تملك المستأجر لما يحوزه الأجير ، فلاحظ : عمليات التنقيب عن المعادن التى تتم على أيدى مجموعة من العمال من خلال تعاقد بعض الشركات معهم ، وهل يحتمل أحد أنّ المالك لتلك المعادن المستخرجة هم العمال دون الشركة؟
وفيه : انّ الاستشهاد بمثال الشركة المذكور قابل للمناقشة ، فإنّ السيرة وإن كانت منعقدة فى زماننا على ما ذكر إلاّ أنّ ذلك غير نافع ما لميثبت امتدادها الي عصر المعصوم علیه السلام ليكون سكوته وعدم ردعه عنها كاشفاً عن امضائها ، ومن الواضح أنّ الامتداد المذكور إن لميجزم بعدمه ، فلا أقلّ من الشكّ فيه ، ومعه فلا يمكن الحكم بحجيتها.
إلاّ أنّه بالرغم من هذا يمكن التمسك بالسيرة ، بتقريب أنّه إذا قيل لشخص : اذهب الى تلك الشجرة واقتطف ثمارها مقابل كذا اُجرة أو بدونها ، حكم بكونها للمستأجر أو الموكل. انّ هذا أمر قريب فى السيرة العقلائية ، ومن البعيد جداً عدم امتداد مثل السيرة المذكورة الى عصر المعصوم علیه السلام ، وحيث إنّه لميردع عنها ، فيثبت امضاؤها.
5 - وأمّا التحجير ، فالمعروف بين الفقهاء كونه سبباً لتولد حق الأولوية. ويمكن توجيه ذلك بأحد الاُمور التالية :
أ - دعوى انعقاد الاجماع على ذلك.
وفيه : انّ الإجماع لو صحّ تحققه فهو ليس كاشفاً عن رأى المعصوم علیه السلام لاحتمال استناد المجمعين الى ما يأتى من الوجوه.
ب - ما روى عن النبى صلی اللّه علیه و آله : «من أحاط حائطاً على أرض فهى له». (1)
وفيه : انّه ضعيف السند ، إذ روى فى عوالى اللآلى عن سمرة بن جندب عن النبى صلی اللّه علیه و آله ، والسند الى سمرة غير معلوم ، وعلى تقدير العلم به فهو غير نافع ، لأن حال سمرة غير خافٍ على أحد.
ج - ما روى عنالنبى صلی اللّه علیه و آله : «من سبق الى مالايسبقه اليه المسلم فهو أحقّ به». (2)
وفيه : انّ السند ضعيف بالارسال.
د - ما هو المنقول عن ابن نما شيخ المحقق الحلى من أنّ التحجير حيث إنّه يعدُّ شروعاً فى الإحياء فيكون مفيداً للملك كالإحياء لإطلاق قوله صلی اللّه علیه و آله : «من أحيي أرضاً مواتاً فهى له». (3)
ولعل هذا هو أوجه ما يمكن التمسك به فى المقام ، ولكنه بناءً عليه يكون التخيير مفيداً للملك دون حق الأولوية.
6 - وأمّا أنّ لولى الأمر المنع من الإحياء والتحجير تحفظاً على النظام ، فواضح لأنهما وان جازا بالعنوان الاولى إلاّ أن فسح المجال من هذه الناحية بدون تحديد قد يسبب الاخلال بالنظام فلوليّ الأمر المنع منهما بالعنوان الثانوي.
7 - وأمّا أنّ الشاغل للمكان المقدس أحقّ به من غيره ما دام شاغلاً له ، فهو من المسلّمات لقضاء السيرة بأحقّية السابق الى المكان المشترك من غيره ما دام شاغلاً له وإن طالت الفترة.
وأمّا التقييدبما إذا لميكن اشغال المحل منافياً لذلك المكان المقدس فالوجه فيه
واضح.
8 - وأمّا أنّ من فارق المكان الذى كان شاغلاً له مع ترك بعض رحله فيه ، فهو أحقّ به فقد ادّعى عدم الخلاف فيه.
وقد يستدل له بما يلي :
أ - التمسك بالحديث الوارد : «إذا قامالرجل من مجلسه ثم عاداليه ، فهو أحقّ به». (1)
وفيه : انّه لميرد من طرقنا ، فلايمكن الاعتماد عليه.
ب - التمسك برواية محمد بن اسماعيل عن بعض أصحابه عن أبيعبداللّه علیه السلام : «قلت له : نكون بمكة أو بالمدينة أو الحيرة أو المواضع التى يرجى فيها الفضل فربما خرج الرجل يتوضّا فيجيء آخر فيصير مكانه فقال : من سبق الى موضع فهو أحقّ به يومه وليلته». (2)
وفيه : انّه ضعيف سنداً بالارسال ، ودلالةً باعتبار أنّ مضمونه مهجور لدي الأصحاب حيث يلتزمون بدوران الأحقية مدار شغلالمحل وليسمداراليومو الليلة.
ج - التمسك بموثقة طلحة بن زيد عن أبي عبداللّه علیه السلام : قال أميرالمؤمنين علیه السلام : سوق المسلمين كمسجدهم ، فمن سبق الى مكان فهو احق به الى الليل ... ». (3)
وفيه : انّه من حيث السند وإن أمكن الحكم باعتباره - إذ لا مشكلة فيه إلاّ من حيث طلحة ، وهو وإن لم يوثق بالخصوص ولكن يكفى لاعتباره تعبير الشيخ عنه فى الفهرست أنّ له كتاباً معتمداً (4)- إلاّ أنّ دلالته قابلة للتأمل ، فإنّ تحديد الفترة
ب- «الى الليل» إن كان راجعاً الى السوق والمسجد معاً ، فيردّه ما تقدم من عدم التزام الأصحاب بتحديد الفترة الى الليل. وإن كان راجعاً الى السوق فقط - باعتبار أنّه فترة الحاجة الى السوق تتحدد بذلك ويبقى المسجد يدور الأمر فيه مدار الحاجة من دون تحديد بالليل - فهذا وإن كان وجيهاً ، ولكنه غير نافع؛ لأنّ لازمه زوال الحق بانتفاء الحاجة ومفارقة المحل سواء نوى العود ام لا ، وسواء أبقى شيء من الرحل أم لا.
ومن خلال هذا يتضح أنّ الاستناد الى الروايات لإثبات الحكم المذكور مشكل.
ولعل الأولى التمسك بسيرة العقلاء ، فانها منعقدة فى الأماكن العامة المشتركة على عدم سقوط الحق بمفارقة المحل بعد ابقاء شيء من الرحل فيه. وحيث إنّ السيرة المذكورة لميردع عنها فتكون ممضاة وحجة.
إلاّ أنّه لابدَّ وأن تكون فترة المفارقة قصيرة ، فإنّ ذلك هو القدر المتيقن من السيرة.
9 - وأمّا أن وضع الرحل فى المسجد ونحوه قبل دخول الوقت بقصد اشغاله بعد دخول الوقت لا يولّد حقاً لصاحبه ، فلعدم دلالة دليل عليه.
أجل ، قد يقال انّ عنوان السبق المذكور فى مرسل محمد بن اسماعيل وموثقة طلحة ، صادق بمجرد وضع الرحل فتثبت الأحقية بذلك.
ولكنه قد تقدّمت المناقشة فى السند والدلالة معاً ، فلاحظ.
هذا إذا كان الفاصل الزمنى طويلاً.
وأمّا إذا كان قصيراً ، فقد يدّعى انعقاد سيرة العقلاء فى الأماكن العامة المشتركة على ثبوت الحق بذلك.
ما يوجب الارث
فروض الارث
الارث بالفرض وبالقرابة
الحجب
العول والتعصيب
من تفاصيل ارث الطبقات
يوجب الإرث أمران : النسب والسبب.
أما النسب ، فترث به ثلاث طوائف هي :
1 - الأب والاُم المباشريان ، والأولاد ذكوراً وإناثاً وإن نزلوا.
2 - الأجداد والجدات وإن علوا كأب الجد وجده ، والإخوة والأخوات وأولادهم وإن نزلوا.
3 - الاعمام والعمات والاخوال والخالات وإن علوا - كعم أو خال الأب أو الاُم أو الجد أو الجدة - وأولادهما وإن نزلوا.
وكل طائفة من هذه لاترث مع وجود الطائفة السابقة عليها ولو واحداً إلاّ إذا فرض وجود أحد موانع الإرث الآتية.
وأما السبب ، فهو عبارة عن الزوجية والولاء. (1)
1) الولاء نحو ولاية يترتب عليها الارث. وهى تنشأ إما بسبب العتق أو التعاقد على ضمان الجريرة او الإمامة.
والولاء على ثلاثة أنحاء مترتبة : ولاء العتق ، ثم ولاء ضامن الجريرة(1)، ثم ولاء الإمامة.
ومع تحقق المصداق للولاء السابق ، لاتصل النوبة الى الولاء اللاحق.
والإرث بالولاء لاتصل النوبة اليه إلاّ بعد فقدان جميع طوائف النسب ، بخلاف الإرث بالزوجية ، فإنّه يجتمع مع الإرث بالنسب.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ الموجب للإرث هو النسب تارةً والسبب اُخرى وأن طوائف النسب ثلاث بخلاف السبب فإنّه على نحوين ، فيمكن عدّه من واضحات الفقه ولميقع فيه خلاف وإن كان لايوجد نص يدل على ذلك بالترتيب المذكور ، ولكن ذلك غير مهم بعد تسالم الأصحاب عليه. أجل ، قد يستفاد ذلك من ضم النصوص بعضها الي البعض الآخر.
2 - وأما أن كل طائفة من طوائف النسب لاترث مع وجود سابقتها ، فهو وان كان متسالماً عليه إلاّ أنّه يمكن استفادته من بعض الروايات التى تأتى الإشارة اليها عند البحث عن تفاصيل إرث الطبقات.
وهكذا الحال فى اجتماع الإرث بالزوجية مع جميع طبقات النسب فإنّه متسالم عليه وتأتى الاشارة الى بعض الروايات الدالة عليه عند البحث عن تفاصيل الإرث بالزوجية.
1) المراد به : تعاقد شخصين على أنّ أحدهما اذا تحققت منه جناية يقوم الآخر بدفع الدية عنه فى مقابل أن يرثه إذا مات ولميكن له وارث ، فيقول له : « عاقدتك على أن تعقل عنى وترثني » ، فيقول الآخر : « قبلت ». والمراد من العقل : الدية. وتعقل عني : تدفع عنى دية جنايتي ، وهذا التعاقد قد يكون من كلا الطرفين وقد يكون من أحدهما.
الإرث بالنسب أو بالسبب تارةً يكون بالفرض (1)واُخرى بالقرابة.
والفروض هي : النصف ، الربع ، الثمن ، الثلثان ، الثلث ، السدس.
وتفصيل ذلك :
1 - أما النصف ، فهو لثلاثة :
أ - البنت الواحدة.
ب - الاُخت للأبوين أو للأب فقط إذا لميكن معها أخ.
ج - الزوج مع عدم الولد للزوجة وإن نزل.
2 - وأما الربع ، فهو لإثنين :
أ - الزوج مع الولد للزوجة وإن نزل.
ب - الزوجة مع عدم الولد للزوج وإن نزل.
وهى إن كانت واحدة اختصت به ، وإلاّ قُسِّم بينهنّ بالسوية.
3 - وأما الثمن فهو للزوجة مع الولد للزوج وإن نزل. وهى إن كانت واحدة اختصت به ، وإلاّ قُسِّم بينهنّ بالسوية.
4 - وأما الثلثان ، فهو لإثنين :
أ - البنتين فصاعداً إذا لميكن معهنّ ابن مساوٍ.
ب - الاُختين فصاعداً للأبوين أو للأب فقط مع عدم الأخ.
5 - وأما الثلث فهو لإثنين :
أ - الاُم مع عدم الولد للميت وان نزل وعدم الاُخوة على تفصيل يذكر فى باب الحجب.
1) يراد بالفرض : السهم المذكور فى القرآن الكريم.
ب - الأخ والاُخت من الاُم مع التعدد.
6 - وأما السدس فهو لثلاثة :
أ - لكل واحد من الأبوين مع الولد للميت وإن نزل.
ب - الاُم مع وجود الإخوة للأبوين أو للأب على تفصيل يذكر فى باب الحجب.
ج - الأخ الواحد من الاُم أو الاُخت الواحدة منها.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أن الإرث يكون بالفرض تارة وبالقرابة اُخرى ، فباعتبار ان الوارث إما أن يفرض له سهم محدد مذكور فى القرآن الكريم أو لايكون له ذلك بل يرث من باب قاعدة (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) . (1)والأول إرث بالفرض والثانى إرث بالقرابة.
2 - وأما أنّ الفروض محصورة فى الستة المتقدمة ، فيتضح ذلك من خلال مراجعة كتاب اللّه العزيز ، كما سنشير الى ذلك.
3 - وأما أنّ النصف للأصناف الثلاثة المتقدمة ، فلقوله تعالي : (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) (2)، (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) (3)، (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) . (4)
وتقييد البنت بما اذا كانت واحدة ، باعتبار أن فرض الأكثر الثلثان.
وتقييد الاُخت بكونها للأبوين أو للأب ، لما سيأتى من أنّ الاُخت من الاُم فقط ترث الثلث مع التعدد والسدس مع وحدتها.
والتقييد بما اذا لميكن معها أخ ، باعتبار أنّه مع وجوده يكون الإرث بالقرابة.
4 - وأما تعميم ولد الزوجة - الذى عدمه شرط فى إرث الزوج للنصف - للنازل ، فهو للتمسك بإطلاق كلمة الولد فى قوله تعالي : (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) .
5 - وأما أنّ الربع لمن تقدم ، فلقوله تعالي : (فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ) (1)، (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ) . (2)
وتعميم الولد للنازل هو للتمسك بالإطلاق كما تقدم.
وأما أنّ الربع يُقسّم بالتساوى على الزوجات مع تعدّدهنّ فلأن ذلك لازم اثبات الربع لهن ، إذ ثبوته لخصوص واحدة بلا مرجح ، وثبوته للجميع مع التفاضل ترجيح بلا مرجح ، فيتعيّن ثبوته للجميع بنحو التساوي.
ويؤيد ذلك رواية العبدي(3)فلاحظ.
6 - وأما أنّ الثمن لمن تقدّم ، فلقوله تعالي : (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ) . (4)
وقد اتضح الوجه فى تعميم الولد للنازل مما تقدم. كما اتضح الوجه فى اشتراك
الزوجات فى الثمن بالسوية مع التعدد.
7 - وأما أنّ الثلثين لمن تقدم ، فلقوله تعالي : (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) . (1)والمراد اثنتان فما فوق بضرورة الفقه ، ولقوله تعالي : (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ) . (2)
والتقييد بعدم الابن باعتبار أنّه معه يكون الارث بالقرابة للذكر مثل حظّ الانثيين.
وأما تقييد الابن بالمساوي ، فباعتبار أنّ غير المساوى - كابن الابن - لا أثر لوجوده.
وأما تقييد الاُختين بكونهما لللأبوين أو للأب فقط وبعدم الأخ ، فقد اتضح وجهه من خلال ما تقدم فى رقم (3).
8 - وأما أنّ الثلث لمن ذُكر ، فلقوله تعالي : (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) (4)، (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ) . (5)
9 - وأما أن السدس لمن تقدم ، فلقوله تعالي : (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) (6)، (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) (6) ، (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ
يُورَثُ كَلَالَةً (1)أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) . (2)
ثم إنّ الوارث بالفرض أو بالقرابة ينقسم الي :
1 - من يرث بالفرض دائماً من دون أن يردّ عليه شيء ، وهو الزوجة ، فإنّ لها الربع مع عدم الولد للميت ، والثمن معه ولايرد عليها شيء.
2 - من يرث بالفرض دائماً مع الرد عليه أحياناً ، كالاُم ، فإنّها مع انفرادها يردّ عليها الفاضل عن الثلث ، وكالزوج ، فإنّه مع عدم وجود وارث سوى الامام علیه السلام يردّ عليه الفاضل عن النصف.
3 - من يرث بالفرض تارةً وبالقرابة اُخري ، كالأب ، فإنّه يرث السدس بالفرض مع وجود الولد وبالقرابة مع عدمه ، وكالبنت والبنات ، فإنّهنّ يرثن مع الابن بالقرابة وبدونه بالفرض ، الى غير ذلك من الموارد.
4 - من لايرث إلاّ بالقرابة ، كالابن ، والإخوة للأبوين أو للأب ، والجد ، والأعمام والأخوال.
1) المراد من الكلالة فى هذه الآية الكريمة والتى سبقتها فى رقم (3) : الإخوة والأخوات؛ غايته انّ المراد منها فى هذه الآية : الإخوة والأخوات من الاُم ، وفى الآية الاُخري : الإخوة والأخوات من الأبوين أو الأب ، كما دلت على ذلك صحيحة بكير بن أعين الواردة فى الباب 3 من ابواب ميراث الإخوة والاجداد ، حديث 2.
2) النساء : 12.
5 - من لا يرث بالفرض ولا بالقرابة بل بالولاء ، وهو المعتق وضامن الجريرة والامام علیه السلام .
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ الزوجة ترث بالفرض دائماً ، فلأنّه إما ان يكون للميت ولد أو لا ، وعلي كلا التقديرين ، قد ذكر سهمها فى القرآن الكريم.
وأما أنه لايردّ عليها شيء زائد على فرضها حتى لو لميكن وارث غيرها من الطوائف الثلاث النسبية ، بل يكون الباقى للإمام علیه السلام - بعد فرض عدم تحقق ولاء العتق وضمان الجريرة - فهو المشهور. والمسألة ذات أقوال ثلاثة : ردُّ الباقى عليها ، وعدمه فيكون الفاضل للإمام علیه السلام ، والتفصيل بين زمان الحضور فلا يردّ عليها بل عليه علیه السلام وبين زمان الغيبة فيردّ عليها.
ومنشأ الاختلاف هو الأخبار ، ففى مجموعة منها حكم بعدم الردّ عليها ، كصحيحة أبيبصير عن أبيجعفر علیه السلام : « رجل توفّى وترك امرأته ، قال : للمرأة الربع ، وما بقى فللإمام » (1)وغيرها.
وفى مقابل ذلك صحيحة اُخرى لأبى بصير عن أبيعبداللّه علیه السلام : « رجل مات وترك امرأته ، قال : المال لها ». (2)
وقد يجمع إما بحمل الثانية على تبرعه علیه السلام بحصته ، أو بحمل الزوجة على كونها من الأقارب ، فإنّها ترث جميع المال ، كما دلَّ عليه صحيحة محمد بن القاسم بن الفضيل : « سألت أبا الحسن الرضا علیه السلام عن رجل مات وترك امرأة قرابة ، ليس له قرابة
غيرها ، قال : يدفع المال كلّه اليها ». (1)
2 - وأما أنّ الاُم ترث بالفرض دائماً ، فأمر واضح ، لأنّه إما أن يكون للميت ولد أو لا ، وسهمها على كلا التقديرين قد اُشير اليه فى القرآن الكريم ، كما تقدم.
وأما أنّها اذا انفردت يردّ عليها الباقي ، فلا خلاف فيه بيننا خلافاً لغيرنا حيث قالوا بكونه للعصبة. (2)
3 - وأما أنّ الزوج مع انفراده يرد عليه الباقى ، فهو المشهور. وقد دلت عليه روايات كثيرة ، كصحيحة أبيبصير : « قرأ عليّ أبوعبداللّه علیه السلام فرائض على علیه السلام فإذا فيها : الزوج يحوز المال كلّه إذا لميكن غيره » (3)وغيرها.
وأما ما ورد فى موثق جميل بن دراج عن أبيعبداللّه علیه السلام : « لايكون الردُّ على زوج ولا زوجة » (4)فلابدّ من تأويله ، أو ردّ علمه الى أهله ، لعدم مقاومته للروايات الكثيرة التى كادت أن تصل الى حدّ السنة القطعية.
4 - وأما أنّ الأب يرث بالفرض تارةً وبالقرابة اُخرى ، فواضح ، إذ مع وجود الولد يرث السدس كما دلّت عليه الآية الكريمة المذكورة فى الرقم (9) من البحث السابق ، ومع عدمه يرث بآية اُولى الأرحام : (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) . (5)
5 - وأما البنت والبنات ، فمع عدم وجود الابن المساوى لهنّ يرثن النصف أو
1) وسائل الشيعة : 17 / 517 ، باب 5 من ابواب ميراث الازواج ، حديث 1.
2) يأتى معنى العصبة إن شاء اللّه تعالى عند البحث عن العول والتعصيب.
3) وسائل الشيعة : 17 / 512 ، باب 3 من ابواب ميراث الازواج ، حديث 2.
4) وسائل الشيعة : 17 / 513 ، باب 3 من ابواب ميراث الازواج ، حديث 8.
5) الأنفال : 75 ؛ الاحزاب : 6.
الثلثين كما تقدم فى الرقم (2 و 5) من البحث السابق ، ومع وجود الإبن يتمّ الإرث بالقرابة للذكر مثل حظ الاُنثيين.
6 - وأما أنّ الابن ومن بعده لايرثون إلاّ بالقرابة ، فواضح ، لعدم ذكر سهم خاص بهم فى الكتاب الكريم ، فيرثون بالقرابة بمقتضى آية اُولى الارحام.
7 - وأما أنّ المولى المعتق وضامن الجريرة والامام علیه السلام لايرثون بالفرض ولا بالقرابة ، فواضح ، إذ لميذكر سهم خاص بهم فى الكتاب الكريم ليرثوا بالفرض وليسوا من الأرحام ليرثوا بالقرابة بمقتضى آية اُولى الأرحام.
قد يتحقق حجب الوارث عن الإرث كلاًّ أو بعضاً بسبب وارث آخر أو مانع من الموانع.
وهو على نحوين : حجب حرمان وحجب نقصان.
والأول له مصاديق متعددة هي :
1 - حجب كل طبقة سابقة للطبقة اللاحقة.
2 - حجب الأقرب للأبعد فى أفراد الطبقة الواحدة.
3 - الحجب بالكفر.
4 - الحجب بالقتل عمداً ظلماً.
5 - الحجب بالرقية وبالزنا وباللعان.
والثانى له موردان : حجب الولد ، وحجب الإخوة للاُم عمّا زاد عن السدس.
وشرط حجب الإخوة ما يلي :
1 - أن يكونوا رجلين فصاعداً أو رجلاً وامرأتين أو أربع نساء.
2 - أن يكونوا للأبوين أو للأب فقط ، ولايكفى كونهم للاُم.
3 - أن يكونوا منفصلين بالولادة ، فلايكفى كونهم حملاً.
4 - أن يكونوا مسلمين وأحراراً.
5 - أن يكون الأب حيّاً.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ الحجب على نحوين ، فواضح ، فإنّ الحاجب تارةً يمنع المحجوب من الإرث رأساً فيكون حجبه حجب حرمان ، واُخرى يمنعه من بعض الإرث فيكون حجبه حجب نقصان.
ومصاديق كلّ واحد من القسمين قد اُشير اليها فى المتن.
2 - وأما أنّ كل طبقة لاحقة تحجب بالطبقة السابقة ، فهو من واضحات الفقه ، وممّا لا خلاف فيه بين المسلمين وتأتى ان شاء اللّه تعالى فى مطاوى الأبحاث الآتية بعض الروايات التى يستفاد منها ذلك.
2 - وأما حجب أفراد الطبقة الواحدة بعضها لبعض فواضح ، فإنّ الأقرب منهم يمنع الأبعد لقاعدة اُولى الأرحام ، فالولد يمنع ولد الولد ، والأخ يمنع ولد الأخ ، والجدّ يمنع أباه ، والأعمام والأخوال وأولادهم وإن نزلوا يمنعون أعمام الأب وأخواله.
3 - وأما الحجب بالكفر ، فهو مما لا خلاف فيه ، فالكافر لايرث المسلم بخلاف المسلم فإنّه يرث الكافر. والنصوص فى ذلك مستفيضة ، كصحيحة جميل وهشام عن أبيعبداللّه علیه السلام : « روى الناس عن النبى صلی اللّه علیه و آله أنّه قال : لايتوارث أهل ملتين ، قال : نرثهم ولايرثونا ، ان الاسلام لميزده فى حقه إلاّ شدّة » (1)وغيرها. وقد دلّت الصحيحة على أنّ المراد من الحديث النبوى المشهور الدال على نفى التوارث بين
1) وسائل الشيعة : 17 / 376 ، باب 1 من ابواب موانع الارث ، حديث 14.
اهل ملتين هو نفى التوارث من الطرفين ، لا نفيه حتى من طرف واحد.
4 - وأما تحقق الحجب بالقتل عمداً ظلماً ، فهو ممّا لا خلاف فيه ، فالقاتل لايرث المقتول. والروايات فى ذلك متواترة ، كصحيحة أبيعبيدة : « سألت أباجعفر علیه السلام عن امرأة شربت دواء وهى حامل ولميعلم بذلك زوجها فألقت ولدها ، فقال : إن كان له عظم وقد نبت عليه اللحم ، عليها الدية تسلّمها الى أبيه ، وإن كان حين طرحته علقة أو مضغة فإنّ عليها أربعين ديناراً أو غرَّة (1)تؤدّيها الى أبيه. قلت له : فهى لاترث ولدها من ديته مع أبيه؟ قال : لا ، لأنّها قتلته فلا ترثه » ، (2)وغيرها.
5 - وأما التقييد بكون القتل عمداً ، فهو المشهور. ويدلّ عليه صحيح عبداللّه بن سنان : « سألت اباعبداللّه علیه السلام عن رجل قتل اُمه أيرثها؟ قال : إن كان خطأً ورثها ، وإن كان عمداً لميرثها » (3)وغيره.
وأما ما ورد فى رواية العلاء بن فضيل عن أبى عبداللّه علیه السلام : « ... ولايرث الرجلُ الرجلَ اذا قتله وإن كان خطأً » (4)ومثله فى رواية الفضيل بن يسار(5)فهو ضعيف السند بمحمد بن سنان فى الأول وبالإرسال وغيره فى الثاني ، فلاحظ.
6 - وأما التقييد بكون القتل ظلماً ، فلا خلاف فى اعتباره. وقد يوجَّه بانصراف دليل المنع الى القتل العمدي ، فيبقى القاتل خطأً مشمولاً لمطلقات الارث.
7 - وأما الحجب بالرقية ، فلا خلاف فيه ، فالرق فى الوارث أو الموروث مانع من
1) الغُرَّة - بالضم - عبد أو أمة. وفى بعض الاحاديث ، تحديد قيمتها بأربعين ديناراً.
2) وسائل الشيعة : 17 / 390 ، باب 8 من ابواب موانع الارث ، حديث 1.
3) وسائل الشيعة : 17 / 392 ، باب 9 من ابواب موانع الارث ، حديث 2.
4) وسائل الشيعة : 17 / 392 ، باب 9 من ابواب موانع الارث ، حديث 4.
5) وسائل الشيعة : 17 / 392 ، باب 9 من ابواب موانع الارث ، حديث 3.
الارث لصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام : « لايتوارث الحرّ والمملوك » (1)وغيرها.
8 - وأما الحجب بالزنا ، فلا خلاف فيه أيضاً ، فلاتوارث بين الولد والزاني ، ولا بينه والمزنيبها. والروايات فى ذلك متعددة ، كصحيحة الحلبى عن أبيعبداللّه علیه السلام : « أيّما رجل وقع على وليدة قوم حراماً ، ثم اشتراها فادّعى ولدها ، فإنّه لايورث منه شيء ، فإنّ رسولاللّه صلی اللّه علیه و آله قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر » (2)وغيرها.
وقيل بوقوع التوارث بينه وبين المزنى بها ومن يتقرب بها ، لموثقة اسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه علیهماالسلام : « أنّ علياً علیه السلام كان يقول : ولد الزنا وابن الملاعنة ترثه اُمه وأخواله وإخوته لاُمه أو عصبتها ». (3)
ويمكن الجواب : بأنّ مقتضى التعليل فى صحيحة الحلبى نفى التوارث مطلقاً؛ والموثقة المذكورة يمكن حملها على حالة كون الوطء من طرف المرأة بالشبهة ، كما ذكره صاحب الوسائل فى ذيل الموثقة فلاحظ.
9 - وأما الحجب باللعان ، فلا إشكال فيه ، فعلاقة الإرث تنقطع بين الوالد ومن يتقرب به وبين ولده وتبقى بينه وبين اُمه ومن يتقرب بها. وقد تقدّمت الاشارة الى ذلك عند البحث عن اللعان.
10 - وأما أن الولد قد يحجب غيره حجب نقصان ، فواضح فهو :
أ - يحجب الأبوين عمّا زاد عن السدس إلاّ إذا فرض كونه بنتاً واحدة قد اجتمعت معهما - فإنّه يبقى سدس يردّ عليهم أخماساً - أو اجتمعت مع احدهما ،
فإنّه يبقى ثلث يردّ عليهما أرباعاً.
وإلاّ اذا فرض اجتماع أحدهما مع البنتين فصاعداً ، فإنّه يبقى سدس يردّ عليهما أخماساً.
ب - ويحجب الزوج والزوجة عن نصيبهما الأعلى الى الأدني.
11 - وأما حجب الإخوة للاُم عمّا زاد عن السدس - بالرغم من أنّهم لايرثون معها - فهو ممّا لا تأمّل فيه ، لقوله تعالي : (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) . (1)
12 - وأما أنّه يعتبر فى حجب الإخوة للاُم عما زاد على السدس الشرط الأول ، فأمر متسالم عليه. ويدل عليه صحيح أبي العباس(2)عن أبي عبداللّه علیه السلام : « اذا ترك الميت أخوين فهم إخوة مع الميت حجبا الاُم عن الثلث ، وإن كان واحداً لم يحجب الاُم. وقال : اذا كنَّ أربع أخوات حجبن الاُم عن الثلث لأنهنّ بمنزلة الأخوين. وإن كنَّ ثلاثاً لميحجبن ». (3)ويمكن أن يستفاد من التعليل المذكور فيه ، حاجبية الأخ الواحد اذا اجتمع مع الاُختين.
13 - وأما أنّه يعتبر فى حجب الإخوة أن يكونوا للأبوين أو للأب فقط ، فلا خلاف فيه. وتدل عليه صحيحة زرارة : « ... فإن كان له إخوة - يعنى الميت - يعنى إخوة لأب واُم أو إخوة لأب فلاُمه السدس وللأب خمسة أسداس. وإنما وفّر للأب من أجل عياله. والإخوة لاُم ليسوا لأب فإنّهم لايحجبون الاُم عن الثلث ولايرثون ... » (4)وغيرها.
14 - وأما اعتبار الانفصال بالولادة ، فهو المشهور. ويدل عليه انصراف عنوان « الإخوة » المذكور فى الآية الكريمة عن الحمل ، بل قد يمنع صدق عنوان الإخوة مع عدم الانفصال.
15 - وأما اعتبار الاسلام والحرية ، فهو متسالم عليه. ويدل عليه صحيح محمد بن مسلم : « سألت أباعبداللّه علیه السلام عن المملوك والمشرك يحجبان إذا لميرثا؟ قال : لا » (1)وغيره.
وقد يناقش بظهوره فى ارادة حجب الحرمان دون النقصان.
وفيه : انه إن لميكن ظاهراً فى الثانى فلا أقلّ من شموله له ، فيتمسك بالإطلاق أو احتمال شموله ، فيتمسك بعدم الاستفصال.
16 - وأما اعتبار حياة الأب ، فهو المشهور. ويدل على ذلك ظاهر الآية الكريمة : « وورثه أبواه ». وهى إن دلت على اعتبار حياة الأب وإلاّ فلا ريب فى اختصاصها بها ، فتبقى حالة عدم الحياة مشمولة لإطلاق ما دل على أنّ لها الثلث.
هذا مضافاً الى دلالة صحيحة زرارة المتقدمة فى الرقم (13) على ذلك ، حيث ورد فى ذيلها ( ... إن مات رجل وترك امه واخوة واخوات لاب وام واخوة واخوات لام وليس الاب حياً ، فانهم لايرثون ولايحجبونها ، لانه لميورث كلالة ) . (2)
ثم إنّه يحتمل أن يكون المقصود من التعليل « لانه لميورث كلالة » أنّه لاترثه الكلالة ـ أى الإخوة ـ لوجود الأقرب وإنما يورث كلالة اذا لميكن.
بل إنّ حكمة الحجب المذكورة فى الصحيحة تدل على المطلوب أيضاً ، فلاحظ.
اذا كان جميع الورثة ذوى فروض فتارةً تفترض فروضهم مساوية لستة أسداس ، واُخرى يفترض كونها أكثر من ذلك ، وثالثة يفترض كونها أقل.
مثال الاُولي : ما لو فرض أن الوارث أبوان وبنتان.
مثال الثانية : ما لو فرض أنّ الوارث زوج واُخت للأب واُختان للاُم.
مثال الثالثة : ما لو فرض أن الوارث بنت واحدة لا غير.
والاُولى لا إشكال فيها.
والثانية هى مورد العول(1)الذى ذهب اليه غيرنا وقالوا بورود النقص على جميع ذوى الفروض على نسبة فرضه ، كما يرد النقص على الديّان بنسبة دينهم.
وذهبت الإمامية الى استحالة العول وأنّ النقص يدخل على بعض منهم دون بعض ، ففى المثال السابق يدخل النقص على الاُخت من الأبوين.
والثالثة هى مورد التعصيب الذى ذهب اليه غيرنا ، بمعنى اعطاء الزائد للعَصَبة (2)- وهم الذكور من اقارب الميت ممن ينتسب اليه من دون واسطة كالأخ أو بواسطة ذكر كالعم(3)وابنه وابن الأخ(4)- فلو ترك الميت بنتاً يدفع اليها نصف المال ويدفع النصف الآخر للأخ أو ابنه إن كان ، أو للعم أو ابنه.
وقالت الإمامية ببطلان ذلك ولزوم ردِّ النصف الثانى الى البنت نفسها.
1) المراد من « العول » : زيادة مجموع السهام على ستة اسداس. يقال : عالت الناقة ذنبها ، اذا رفعته. وسميت الزيادة فى المقام عولاً ، لارتفاع مجموع السهام عن التركة التى هى ستة اسداس.
2) فى الصحاح : عَصَبة الرجل : بنوه وقرابته لأبيه. وإنما سموا عصبة ، لانهم عَصَبوا ، أى احاطوا به ، فالأب طرف والابن طرف والعم جانب والأخ جانب.
3) فإنّ العم هو أخ الأب فيكون منتسباً بواسطة الأب.
4) وربما تعمم للانثى أو للمنتسب بواسطة الانثي.
هذا اذا كان جميع الورثة ذوى فروض. وفى ذلك ينحصر مورد العول والتعصيب.
أما إذا كان بعضهم ذا فرض دون بعض ، دفع الى ذى الفرض فرضه واُعطى الباقي لغيره.
وأما إذا لم يكن فى الورثة ذو فرض - كما فى الأعمام والأخوال - قسمت بينهم التركة على بيانٍ يأتى فى ما بعد ، إن شاء اللّه تعالي.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ الصورة الاُولى لا إشكال فيها ، فواضح.
وأما أنّ الصورة الثانية هى مورد العول ، فباعتبار أنّ للزوج نصفاً ، وللاُخت من الأبوين النصف ، وللاختين من الاُم الثلث ، والمجموع يزيد على ستة أسداس بمقدار ثلث.
وأوّل من قال بالعول ولزوم ادخال النقص على الجميع بالنسبة ، هو الخليفة الثانى كما طفحت بذلك كتب القوم. قال ابن قدامي : « أول مسألة عائلة حدثت في زمن عمر ، فجمع الصحابة للمشورة فيها ، فقال العباس : أرى أن تقسم المال بينهم على قدر سهامهم ، فأخذ به عمر واتبعه الناس على ذلك ». (1)
وقد جاء نقل ذلك فى احكام القرآن للجصاص : 2 / 114 ؛ والمستدرك للحاكم النيسابوري : 4 / 340 ؛ والسنن الكبرى للبيهقي : 6 / 253 ؛ وكنزالعمال للمتقى الهندي : 6 / 7.
وخالف فى ذلك ابن عباس متحدياً بالمباهلة ، ومن هنا سمّيت المسألة المذكورة بمسألة المباهلة. يقول ابن قدامي : « روى عن ابن عباس أنه قال فى زوج واُخت واُمّ : من شاء باهلته أنّ المسائل لاتعول ، إنّ الذى أحصى رمل عالج(2)عدداً أعدل من أن يجعل فى مالنصفاً ونصفاً وثلثاً. هذان نصفان ذهبا بالمال ، فاين الثلث؟ فسمّيت هذه المسألة مسألة المباهلة لذلك ». (1)
يبقى الاشكال فى انه كيف ترث الاخت مع وجود الام؟
3 - وأما استحالة العول فى مذهب الإمامية ، فباعتبار أنّه يستحيل على الحكيم العالم أن يفرض فى مال ما لايقوم به ، إنّ ذلك لايصدر من جاهل فضلاً عن رب العزّة الحكيم العالم ، فإنّ النصفين إذا ذهبا بالمال فاين موضع الثلث؟ ومن هنا جاءت روايات أهلالبيت علیهم السلام تردُّ بلهجة شديدة على فكرة العول. يقول محمد بن مسلم : « أقرأنى أبوجعفر علیه السلام صحيفة كتاب الفرائض التى هى املاء رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وخط على علیه السلام بيده ، فإذا فيها : إنّ السهام لاتعول ». (2)
وفى موثقة أبى بصير : « قلت لأبيجعفر علیه السلام : ربما اُعيل السهام حتي يكون علي المائة اُو أقلّ أو أكثر ، فقال : ليس تجوز ستة ، ثم قال : كان أميرالمؤمنين علیه السلام يقول : إنّالذي أحصى رمل عالج ليعلم أنّ السهام لاتعول على ستة ، لو يبصرون وجهه الم تجز ستة ». (3)
وورد فى صحيحة الحضرمى عن أبي عبداللّه علیه السلام : « كان ابن عباس يقول : إنّ الذي يحصى رمل عالج ليعلم ان السهام لاتعول من ستة ، فمن شاء لاعنته عند الحجر ، ان السهام لاتعول من ستة ». (4)
ثم إنّ فى المراد من قوله عليه السلام : « لمتجز ستة » احتمالين :
1 ـ إنّ السهام المذكورة فى القرآن الكريم ستة ، فلو دخل النقص على من له فرض أعلى وأدنى يلزم صيرورة السهام أكثر من ستة ، وهذا بخلاف ما لو دخل على من له حد أعلى فقط ، فإنّه لايلزم ذلك ، حيث إنّه لو تجاوزه يرث الباقى بالقرابة.
2 ـ إنّ التركة ستة اسداس ولايمكن أن يشرَّع الحكيم تعالى الارث بما يزيد على ذلك.
4 - وأما ما ذهبت اليه الاماميّة من دخول النقص على بعض دون بعض ، فقد تبعوا فى ذلك ائمتهم علیهم السلام .
وضابط ذلك البعض الذى يدخل عليه النقص هو أن يكون ذا فرض واحد بحيث لو تغير عنه ورث الباقى بالقرابة الذى قد يكون زائداً أو ناقصاً. إنّ مثل هذا يدخل عليه النقص بخلاف من قرّر له القرآن الكريم فرضين أعلى وأدني ، فإنّ مثله لايدخل عليه النقص لفرض تشريع سهم معين له لايتجاوز عنه.
ففى مثال الزوج والاُخت من الأبوين والاُختين من الاُم يدخل النقص علي الاُخت للأبوين ، لأنّ فرضها النصف واذا تغير بسبب انضمام الأخ لها ورثت الباقي مع اخيها بالقرابة للذكر مثل حظ الانثيين ، ولايدخل على الزوج ، لأنّ فرضه النصف عند عدم الولد وينتقل عنه - بسبب وجود الولد - الى الربع. وهكذا لا يدخل النقص على الاُختين من الاُم؛ لأنّ فرضهما الثلث ، ولا يتغير الى ارث الباقى بانضمام أخ أو اُخت ثالثة ، بل يبقى هو الثلث.
هذا هو الضابط.
والدليل عليه صحيحة عمر بن اُذينة : « قال زرارة : إذا أردت أن تلقى العول فإنما يدخل النقصان على الذين لهم الزيادة من الولد والإخوة من الأب ، وأما الزوج والإخوة من الاُم فإنّهم لاينقصون ممّا سمّى لهم شيئاً ». (1)
5 - وأمّا أنّ التعصيب باطل ، فينبغى أن يكون من الواضحات ، بل هو من ضروريات مذهبنا ، لكونه على خلاف القاعدة القرآنية (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى
1) وسائل الشيعة : 17 / 425 ، باب 7 من ابواب موجبات الارث ، حديث 1.
إرث الطبقة الاُولى
اذا انفرد الأب او الاُم ورث جميع المال. واذا انفردا معاً بالتركة كان للاُم الثلث مع عدم الحاجب والباقى للأب ، ومع الحاجب لها السدس والباقى للأب.
واذا اجتمع الزوج أو الزوجة مع أحد الأبوين كان للزوج - لو فرض - النصف وللزوجة - لو فرضت - الربع والباقى للأب بالقرابة أو للاُم فرضاً وردّاً.
واذا اجتمع الزوج أو الزوجة مع الأبوين معاً كان للزوج النصف - لو فرض - وللزوجة الربع - لوفرضت - وللاُم الثلث والباقى للأب.
واذا انفرد الابن كان له تمام المال بالقرابة.
واذا انفردت البنت كان لها التمام أيضاً.
واذا اجتمعا كان للذكر مثل حظ الاُنثيين.
واذا انفرد الإبنان او الأبناء كان لهما اولهم تمام المال بالسوية.
واذا انفردت البنتان أو البنات كان لهما او لهُنَّ التمام بالسوية أيضاً.
واذا اجتمعا كان للذكر مثل حظ الاُنثيين.
ويقوم أولاد الأولاد وإن نزلوا مقام الأولاد فى مقاسمة الأبوين وحجبهما عن أعلي السهمين الى أدناهما.
ولايرث ولد الولد مع وجود الولد وان كان انثي.
ويرث - ولد الولد - نصيب من يتقرب به ، فولد البنت يرث نصيب اُمّه ذكراً كان أو انثي ، ويرث ولد الابن نصيب ابيه ذكراً كان او انثي.
ولو كان للميت أولاد بنت واولاد ابن كان لأولاد البنت الثلث نصيب اُمهم ، يقسّم بينهم للذكر مثل حظ الاُنثيين ولأولاد الابن الثلثان نصيب أبيهم ، يقسم بينهم كذلك.
ويحبى الولد الأكبر الذكر للميت بأربعة أشياء من تركة أبيه : ثياب بدنه ، وخاتمه ، وسيفه ، ومصحفه.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ الأب يرث جميع المال مع انفراده ، فلعدم كونه ذا فرض ، ومعه فيرث بقاعدة (وَأُولُو الْأَرْحَامِ ... ) ، وحيث لا مشارك له حسب الفرض ، فيلزم استحقاقه للجميع.
وأما أن الاُم ترث جميع المال مع انفرادها ، فلأن لها الثلث بالفرض والباقي بالقرابة.
2 - وأما حالة انفراد الأبوين ومابعدها ، فأمرها واضح.
3 - وأما أنّ للابن المنفرد تمام التركة بالقرابة ، فلأنه لا فرض له فيرث جميع المال بقاعدة (وَأُولُو الْأَرْحَامِ ... ) .
وأما أنّ للبنت المنفردة تمام التركة أيضاً ، فلأن لها النصف بالفرض والباقي بقاعدة (وَأُولُو الْأَرْحَامِ ... ) .
وأما أنّه عند اجتماع الابن والبنت يقسّم المال بينهما للذكر مثل حظّ الاُنثيين ، فلعدم الفرض لهما فيرثان بالقرابة ويقسّم بينهما طبقاً للقاعدة المذكورة.
4 - وأما أنّ للابنين المنفردين تمام التركة بالسوية ، فلأنه لا فرض لهما فيرثان ذلك بقاعدة « واُولو الأرحام ... » بالسوية.
وأما أنّ للبنتين أو البنات المنفردات تمام المال بالسوية أيضاً ، فباعتبار أن للبنتين فصاعداً الثلثين بالفرض والباقى بالقرابة ويقسّم الجميع بالسوية.
وأما أنّه مع اجتماع البنين والبنات يقسم للذكر مثل حظ الاُنثيين ، فلأنه لا فرض لهما ، بل يرثان بالقرابة ويلزم تقسيمه طبقاً للقاعدة المذكورة.
5 - وأما قيام أولاد الأولاد وإن نزلوا ذكوراً واناثاً مقام آبائهم فى مقاسمة الأبوين وحجبهم من أعلى السهمين الى أدناهما ، فهو المعروف بين الأصحاب ، ويمكن الاستدلال له بوجهين :
أ - التمسك بقوله تعالي : (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) (1)، فإن مقتضى كلمة « ولد » فيها الشمول لولد الولد وإن نزل ، وإذا كان ولد الولد حاجباً للأبوين الى السدسين فلازم ذلك أن لايكون لهما معه جميع المال ، وإلاّ فلمن يكون الباقي؟
ب - التمسك بالنصوص الخاصة ، كصحيحة عبدالرحمن بن الحجاج عن أبى عبداللّه علیه السلام : « بنات الابنة يرثن اذا لميكن بنات كنَّ مكان البنات » (2)، وموثقة اسحاق بن عمار عن أبيعبداللّه علیه السلام : « ابن الابن يقوم مقام ابيه » (3).
6 - وأما أنّ ولد الولد لايرث مع وجود الولد ولو كان اُنثى ، فهو ممّا لا خلاف فيه ، فإنّ الأقرب يمنع الأبعد. على أنّ صحيحة سعد بن أبى خلف عن ابى الحسن علیه السلام :
« بنات الابنة يقمن مقام البنات إذا لم يكن للميّت بنات ولاوارث غيرهنّ ، وبنات الابن يقمن مقام الابن اذا لم يكن للميّت اولاد ولاوارث غيرهنّ » (1)واضحة فى المدّعي.
7 - وأما أنّ أولاد الأولاد يرثون نصيب من يتقربون به ، فهو المشهور. ويدل عليه :
أ - النصوص المتقدمة الدالة على قيام الأولاد مقام الآباء ، فإنّ ظاهرها إرادة التنزيل لا فى أصل الإرث فقط ، بل فيه وفى كيفيته وإلاّ لاكتفى بذكر أولاد الأولاد من دون تفصيل فى الذكر بين أولاد البنين وأولاد البنات فإنّه مجرد تطويل يمكن الاستغناء عنه.
ب - صحيحة أبى أيوب الخزاز عن أبى عبداللّه علیه السلام : « إنّ فى كتاب على علیه السلام أنّ كلّ ذى رحم بمنزلة الرحم الذى يجربه إلاّ أن يكون وارث أقرب الى الميت منه فيحجبه ». (2)
8 - وأما أنّه لو اجتمع أولاد البنت وأولاد الابن دفع الى أولاد البنت الثلث يقتسمونه بينهم للذكر مثل حظ الاُنثيين - وليس بالسوية كما هو الحال فى كلالة الاُم - فهو المشهور لصدق الأولاد عليهم حقيقة ، فيدخلون فى عموم (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) .
ونسب الى القاضى والشيخ لزوم اقتسامهم للثلث بالسوية ، بدعوى أنّ التقرب بالاُنثى يقتضى ذلك كما هو الحال فى كلالة الاُم.
والتأمل فيه واضح ، فإنّ ذلك لا يعدو القياس ، إذ كون حكم كلالة الاُم ذلك
لايقتضى تعميم الحكم لكلّ من ينتسب بواسطة الاُنثى ولو لمتكن اُمّاً.
9 - وأما اختصاص الولد الذكر الأكبر بالأربعة المتقدمة ، فهو على ما ذكر صاحب الجواهر ممّا انفردت به الإمامية ومعلومات مذهبهم ، وبذلك تظافرت نصوصهم عن أئمتهم علیهم السلام (1).
ومن جملة النصوص صحيحة ربعى بن عبداللّه عن أبيعبداللّه علیه السلام : « اذا مات الرجل فسيفه ومصحفه وخاتمه وكتبه ورحله وراحلته وكسوته لأكبر ولده ، فإن كان الأكبر ابنة فللأكبر من الذكور ». (2)
وصحيحة حريز عن أبيعبداللّه علیه السلام : « اذا هلك الرجل وترك ابنين فللأكبر السيف والدرع والخاتم والمصحف ، فإن حدث به حدث فللأكبر منهم ». (3)
وصحيحة أبى بصير عن أبيعبداللّه علیه السلام : « الميت إذا مات فإنّ لابنه الأكبر السيف والرحل والثياب ثياب جلده ». (4)
والمعروف بين الأصحاب تحديد المحبوّ بالأربعة المتقدمة إلاّ أنّه لايوجد نص يجمعها ، بل هى كما تراها. ومن هنا صار البعض الى الاستحباب مستنداً فى ذلك الى اختلاف الأخبار فى بيان العدد كمّاً وكيفاً.
إذا لميخلّف الميت قريباً من الطبقة الثانية غير أخيه لأبويه ورث المال كلّه بالقرابة ، ومع التعدد يقسّم بينهم بالسوية.
وللاُخت الواحدة من الأبوين بانفرادها جميع المال أيضاً نصف بالفرض ونصف يردّ بالقرابة.
وللاُختين أو الأخوات من الابوين المال كله ، يرثن ثلثيه بالفرض والباقى بالقرابة.
واذا خلّف الميت إخوة وأخوات لأبويه ، اقتسموا جميع المال بالقرابة للذكر مثل حظ الاُنثيين.
وللأخ المنفرد من الاُم والاُخت المنفردة منها المال كلّه السدس بالفرض والباقى يردّ بالقرابة.
وللإثنين فصاعداً من الإخوة من الاُم ذكوراً او إناثاً أو ذكوراً وإناثاً المال كلّه ، ثلثه بالفرض والباقى بالقرابة يقسّم بينهم بالسوية وليس بالتفاضل.
وكلالة الأب فقط ، تقوم مقام كلالة الأبوين عند فقدها ولاترث معها.
والجد إذا انفرد له المال كلّه لأبٍ كان أو لاُم. وكذا الحال فى الجدة إذا انفردت.
ولو اجتمع جد أو جدة أو هما لاُم مع جد أو جدة أو هما لأب كان لمن يتقرب بالاُم الثلث بالسوية ولمن يتقرب بالأب الباقى للذكر مثل حظّ الاُنثيين.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ الأخ يرث المال كلّه بالقرابة مع انفراده ، فممّا لا إشكال فيه. ويدل عليه :
أ - قوله تعالي : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ
وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ ) ، (1)فإن الذيل يدل بإطلاقه على أنّ الأخ يرث جميع التركة مع عدم شريك له فى طبقته وعدم وارث من الطبقة الاُولي.
ب - صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبيعبداللّه علیه السلام : « سألته عن رجل مات وترك أخاه ولميترك وارثاً غيره ، قال : المال له ... ». (2)
2 - وأما أنه مع تعدد الإخوة تقسّم التركة بينهم بالسوية ، فذلك مقتضى الاشتراك فى المال الواحد وبطلان الترجيح بلا مرجح.
3 - وأما أنّ الاُخت الواحدة من الأبوين لها المال كلّه ، فهو من المسلّمات حيث ترث نصفاً بالفرض ، لقوله تعالي : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ ... وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) (3)ونصفاً بالقرابة لقوله تعالي : (وَأُولُو الْأَرْحَامِ ... ) . (4)
4 - وأما أنّ الاُختين أو الأخوات من الأبوين يرثن المال كلّه ، فلا كلام فيه ، فلهنّ الثلثان بالفرض لقوله تعالي : (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ) (5)والثلث الآخر بالقرابة لآية اُولى الأرحام.
5 - وأما أنّ الميت إذا خلّف إخوة وأخوات لأبويه قسّم المال بينهم للذكر مثل حظّ الاُنثيين ، فلا خلاف فيه. ويدل عليه قوله تعالي : (وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) (6)والروايات الخاصة. (7)
6 - وأما أنّ الواحد أخاً أو اُختاً من الاُم له السدس بالفرض ، فممّا لا تأمل فيه لقوله تعالي : (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) . (1)
وأما أنّ الباقى يردّ عليهما بالقرابة فواضح لآية اُولى الأرحام.
وأما أنّ الإثنين فصاعداً من الإخوة للاُم يرثون جميع المال ، فواضح ، إذ الثلث يرثونه بالفرض لقوله تعالى فى الآية السابقة : (فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ) ، والباقى يرثونه بالقرابة لآية اُولى الأرحام.
أما كيف نثبت لزوم تقسيم الباقى - المردود بالقرابة - بالسوية أيضاً بعد الالتفات الى اختصاص الآية الكريمة الدالة على التسوية فى التقسيم بخصوص الثلث المدفوع بالفرض؟ يمكن اثبات ذلك إما ببيان أنّ الثلث إذا كان يقسّم بينهم بالسوية بنصّ الآية الكريمة فيلزم ذلك فى غير الثلث أيضاً لعدم احتمال الفرق ، أو ببيان أن التفاضل فى التقسيم هو الذى يحتاج الى دليل - وإلاّ فوحدة سبب الاستحقاق تقتضى التساوى - وقد ثبت ذلك فى حق الإخوة من الأبوين أو الأب لقوله تعالي فى آخر سورة النساء : (وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) (2)، وفى حق الأولاد لقوله تعالي : (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) (3)، ولميثبت فى حق الاخوة من الاُم فيلزم الحكم بالتساوي.
7 - وأما أنّ كلالة الأب تقوم مقام كلالة الأبوين عند فقدها ولاترث معها ، فلم
يعرف فيه خلاف. وقد وُجّه ذلك بأنّ أصل إرثها هو مقتضى آية اُولى الأرحام ، وأما أنّها لاترث إلاّ بعد فقد كلالة الأبوين فباعتبار أن ما كان واجداً لسببين هو أقرب ممّن كان واجداً لسبب واحد ، والأقرب مقدّم بمقتضى آية اُولى الأرحام.
ويؤيد ذلك خبر يزيد الكناسى عن أبيعبداللّه علیه السلام : « ... وأخوك لأبيك واُمك أولى بك من أخيك لأبيك ... » (1)وغيره.
8 - وأما أنّ الجد أو الجدة إذا انفردا كان لهما جميع المال ، فينبغى أن يكون واضحاً لفرض عدم وجود مشارك لهما ليدفع له بعضه.
9 - وأما أنّه اذا اجتمع الجد أو الجدة أو هما للاُم مع المماثل للأب كان لمن يتقرب بالاُم الثلث ولمن يتقرب بالأب الباقى فهو المشهور. ويدل عليه :
أ - عموم ما دلّ على إرث كل قريب نصيب من يتقرب به ، كصحيحة أبيأيوب الخزاز عن أبيعبداللّه علیه السلام : « إنّ فى كتاب على علیه السلام أنّ كلّ ذى رحم بمنزلة الرحم الذى يجربه إلاّ أن يكون وارث أقرب الى الميت منه فيحجبه ». (2)
ب - موثقة محمد بن مسلم عن أبيجعفر علیه السلام : « اذا لميترك الميت إلاّ جدّه من قبل أبيه وجدّ أبيه وجدّته من قبل اُمّه وجدّة اُمه كان للجدة من قبل الاُم الثلث وسقط جدّة الاُم والباقى للجدّ من قبل الأب وسقط جدّ الأب ». (3)
وسند الشيخ الى ابن فضّال وإن اشتمل على الزبيرى الذى لميوّثق ، إلاّ أنّ الأمر فيه سهل بناءً على كفاية شيخوخة الإجازة فى اثباث الوثاقة. (4)
10 - وأما أنّ المدفوع لجدود الاُم يقسّم بينهم بالسوية بخلاف المدفوع الى جدود الأب ، فإنّه يقسّم بالتفاوت فقد ذكر صاحب الجواهر : إنى لم أجد فيه خلافاً وإن وسوس فيه بعض متأخرى المتأخرين. (1)
ويمكن التمسّك لإثبات التقسيم بالتفاضل فى جدود الأب بصحيحة زرارة وبكير ومحمد والفضيل وبريد عن احدهما علیهماالسلام : « إنّ الجدّ مع الإخوة من الأب يصير مثل واحد من الإخوة ما بلغوا ... وإن ترك إخوة وأخوات لأب واُم أو لأب وجّدٍ فالجد أحد الإخوة والمال بينهم للذكر مثل حظ الاُنثيين. وقال زرارة : هذا مما لايؤخذ عليَّ فيه قد سمعته من أبيه ومنه قبل ذلك ، وليس عندنا فى ذلك شك ولا اختلاف » (2)، فإنها دلّت على أنّ الجدّ للأب بمنزلة الأخ للأب ، وبالتالى يفهم أنّ الجدة للأب هي بمنزلة الاُخت للأب ، وحيث يلزم التفاضل بين الأخ والاُخت للأب اذا اجتمعا ، فيلزم ذلك فى الجد والجدة للأب أيضاً.
وأما لزوم التساوى فى جدود الاُم ، فيمكن الاستدلال لإثباته بأنّ التفاضل هو المحتاج الى اثبات ، وإلاّ فالمناسب هو التساوى كما تقدم بيانه.
يرث الأعمام او العمات والأخوال او الخالات الميت مع عدم وجود وارث من الطبقة السابقة.
وإذا انفرد العم أو العمة او الخال او الخالة كان له جميع المال.
وعند اجتماع الخؤولة والعمومة يكون للاُولى الثلث وللثانية الباقي.
واذا اجتمع الأخوال والخالات اقتسموا حصتهم بالسوية.
واذا اجتمع الأعمام والعمات اقتسموا حصتهم بالتفاضل للذكر مثل حظ الاُنثيين.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ الأعمام او العمات والأخوال او الخالات يرثون الميت ، فأمر مسلّم. وتدلّ عليه الروايات الآتية.
وأما أنّهم يرثون مع عدم وجود وارث من الطبقة السابقة ، فهو المعروف. واستدل له بقاعدة الأقرب يمنع الأبعد ، وبصحيحة أبيبصير : « الخال والخالة يرثان إذا لميكن معهما أحد يرث غيرهم ، إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول : (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) ». (1)وبضمّ عدم القول بالفصل وملاحظة التعليل يتعدّى الى العم والعمة.
هذا ، ولكن المنسوب الى الفضل بن شاذان قسمة المال نصفين اذا اجتمع الخال والجدة للاُم. (2)
2 - وأما أنّه اذا انفرد العم أو العمة أو الخال أو الخالة كان له جميع المال ، فأمر واضح ، إذ مع عدم وارث آخر يلزم إرثه للجميع وإلاّ يلزم خلف الفرض.
3 - وأما أنّه عند اجتماع الخؤولة مع العمومة يكون للاُولى الثلث وللثانية الباقى ، فهو المشهور. وتدل عليه صحيحة الخزاز المتقدمة فى الرقم (9) ، وصحيحة أبيبصير : « سألت أباعبداللّه علیه السلام عن شيء من الفرائض ، فقال لي : ألا اُخرج لك كتاب
على علیه السلام ؟ فقلت : كتاب على علیه السلام لميدرس؟ فقال : إنّ كتاب على علیه السلام لايدرس! فأخرجه ، فإذا كتاب جليل واذا فيه : رجل مات وترك عمه وخاله ، فقال : للعم الثلثان وللخال الثلث » (1)وغيرهما.
4 - وأما أنّ الأخوال والخالات اذا اجتمعوا اقتسموا حصتهم بالسوية ، فلم يعرف خلاف فيه. ووجهه أنّ التفاضل هو الذى يحتاج الى اثبات كما تقدّم بيانه.
وأما أن الأعمام والعمّات إذا اجتمعوا اقتسموا حصّتهم بالتفاضل فهو المشهور. ويدلّ عليه خبر سلمة بن محرز ، عن أبيعبداللّه علیه السلام : « قال فى عم وعمة : للعم الثلثان وللعمة الثلث ». (2)ولكنه ضعيف بسلمة لعدم ثبوت وثاقته إلاّ أن يبنى على كبرى الانجبار بعمل المشهور أو بوثاقة كل من روى عنه أحد الثلاثة. (3)
وصحيحة الخزاز المتقدّمة لايمكن التمسك بها فى المقام ، فلاحظ. والأولي - كما قيل - الرجوع الى الصلح.
موجبات الحدِّ
التعزير
اقامة الحدود فى عصر الغيبة
العقوبة الشرعية تارةً تكون حدّاً واُخرى تعزيراً.
ويجب الحدُّ عند ارتكاب محرّمات معيّنة نذكر من بينها :
يتحقق الزنا بايلاج مقدار الحشفة فى فرج امرأة من دون عقد ولا شبهة ولا ملك.
وحدّه هو :
1 - القتل تارةً وذلك في :
أ - الزنا باحدى المحارم النسبية كالاُم والبنت. وفى تعميم الحكم للزنا بالمحرمات السببية أو بالرضاع خلاف.
ب - زنا الذّمّى بالمسلمة.
ج - الزنا بالأجنبية عن اكراه لها.
د - الزانى ثلاثاً ، فإنّه إذا جلد ثلاث مرات قتل فى الرابعة.
2 - والجلد اُخري. وذلك في :
أ - الزانى أو الزانية إذا لميكونا محصنين.
ب - المرأة الزانية ولو كانت محصنة إذا زنى بها غير البالغ.
3 - والرجم ثالثة. وذلك فى الزانى المحصن والزانية المحصنة اذا كان الزانى بها بالغاً.
4 - والجلد والرجم معاً رابعة. وذلك فى الشيخ الزانى أو الشيخة المزنى بها إذا كانا محصنين.
5 - وخامسة يلزم الجلد وجزُّ(1)شعر الرأس والنفى من البلد لفترة سنة. وذلك فى الرجل البكر(2)اذا زني.
والاحصان فى الرجل لايتحقق إلاّ مع حرّيته وكونه ذا زوجة دائمة قد دخل بها ، وهو متمكن من وطئها متى شاء ، ولايمتنع عليه ذلك لغيبة أو حبس أو ما شاكل ذلك.
والإحصان فى المرأة لايتحقق إلاّ مع حرّيتها وكونها ذا زوج دائم قد دخل بها.
ولايثبت الحدُّ بالزنا إلاّ مع البلوغ والعقل والاختيار والعلم بالحكم والموضوع.
ولايثبت الزنا فى حق شخص إلاّ بأمرين : اقراره أربع مرات ، أو قيام البينة عليه ، التي هى عبارة عن شهادة أربعة رجال عدول ، أو ثلاثة وامرأتين بل ويثبت بشهادة رجلين وأربع نساء ، غايته يثبت بذلك الجلد دون الرجم.
ويعتبر فى شهادة الشهود أن تكون عن حسٍّ ورؤية مع وحدة المشهود به زماناً ومكاناً ، ولو شهدوا من دون ذلك حدّوا هم دون المشهود عليه.
كما يلزم أداء الشهود للشهادة سوية ، فلو شهد بعضهم حدّوا حدَّ القذف ولمينتظر اتمام العدد ....
ويلزم الاسراع فى اقامة الحدود بعد أداء الشهادة ولايجوز تأجيلها.
ويدفن الرجل إذا اُريد رجمه الى حقويه(1)والمرأة الى موضع الثديين.
ويبدأ الإمام بالرجم إن كان الزنا قد ثبت بالاقرار ويبدأ الشهود بذلك إن كان قد ثبت بواسط البينة.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ العقوبة الشرعية تكون تارةً حدّاً واُخرى تعزيراً ، فواضح. لأنّالشرع إما أن يكون قد حدّد مقدار العقوبة على مخالفة التكليف الشرعى أو يكون قد اُوكل أمر ذلك الى نظر الحاكم الشرعي. والأول هو الحدُّ والثانى هو التعزير.
2 - وأما أنّ الزنا موجب للحدِّ ، فهو من ضروريات الدين ، وصريح الكتاب الكريم : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) (2)ناطق بذلك.
3 - وأما أنّ الزنا يتحقق بايلاج مقدار الحشفة ، فهو المعروف بين الأصحاب. وقد دلّت عليه صحيحة زرارة عن أبيجعفر علیه السلام : « جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبى صلی اللّه علیه و آله فقال : ما تقولون فى الرجل يأتى أهله فيخالطها ولاينزل؟ فقالت الأنصار : الماء من الماء. وقال المهاجرون : اذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل. فقال عمر لعلى علیه السلام : ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال على علیه السلام : أتوجبون عليه الحدَّ والرجم ولاتوجبون عليه صاعاً من الماء؟ اذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل. فقال عمر : القول ما قال المهاجرون ودعوا ما قالت الأنصار » (3)، وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام : « سألته متى يجب الغسل على الرجل والمرأة؟ فقال : اذا أدخله فقد
وجب الغسل والمهر والرجم » (1)، وغيرهما فإنّها دلّت على أن موضوع وجوب الغسل والمهر والحد شيء واحد وهو التقاء الختانين. ويتحقق ذلك - التقاء الختانين - بادخال مقدار الحشفة ، كما هو واضح ، (2)وقد دلّت عليه صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع : « سألت الرضا علیه السلام عن الرجل يجامع المرأة قريباً من الفرج فلاينزلان ، متى يجب الغسل؟ فقال : اذا التقى الختانان فقد وجب الغسل. فقلت : التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال : نعم ». (3)
4 - وأما ثبوت القتل فى الزنا بالمحارم النسبية ، فلم يعرف فيه خلاف. وتدل عليه صحيحة أبيأيوب : « سمعت ابنبكير بن اعين يروى عن أحدهما علیهماالسلام : من زني بذات محرم حتى يواقعها ، ضرب ضربة بالسيف ، أخذت منه ما أخذت. وإن كانت تابعة ضربت ضربة بالسيف ، أخذت منها ما أخذت ... » ؛(4)و صحيحة جميل بن دراج : « قلت لأبي عبداللّه علیه السلام : أين يضرب الذى يأتى ذات محرم بالسيف؟ أين هذه الضربة؟ قال : تضرب عنقه أو قال : تضرب رقبته » (5)وغيرهما.
1) وسائل الشيعة : 1 / 469 ، باب 6 من ابواب الجنابة ، حديث 1.
2) ذكر الرازى عند تفسير قوله تعالي : « وإن كنتم جنباً فاطّهروا » المائدة : 6 : « أنّ ختان الرجل هو الموضع الذى تقطع فيه جلدة الغلفة. وأما ختان المرأة فيتضح بعد الالتفات الى أن شفريها محيطان بثلاثة أشياء : ثقبة في أسفل الفرج هى مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد ، وثقبة اُخرى فوق ذلك مثل احليل الذكر هى مخرج البول ، وهناك شيء ثالث فوق ثقبة البول هى موضع ختانها وفيه جلدة رقيقة تشبه عرف الديك ، وختانها يتحقق بقطع تلك الجلدة. والحشفة اذا غابت حاذى ختانها ختانه » ، لاحظ : تفسير الرازي : 6 / 168.
3) وسائل الشيعة : 1 / 469 ، باب 6 من ابواب الجنابة ، حديث 2.
4) وسائل الشيعة : 18 / 385 ، باب 19 من ابواب حدِّ الزنا ، حديث 1.
5) وسائل الشيعة : 18 / 385 ، باب 19 من ابواب حدِّ الزنا ، حديث 2.
وقد يشكل بعدم دلالتهما على لزوم تحقق القتل بالضربة ، بل هما تدلان علي اعتبار الضرب بالسيف بأيّ مقدار أثّر.
وقد يجاب بأنّ المفهوم عرفاً من مثل تعبير « تضرب عنقه » الكناية عن القتل دون المدلول المطابقي. والتعبير بجملة « أخذت منه ما أخذت » لايراد به الإشارة الي عدم لزوم تحقق القتل ، بل الى عدم لزوم التحفظ فى مقام ايقاع الضربة. هذا مضافاً الى أنّ المسألة لميعرف فيها خلاف.
أجل ، ورد فى رواية عامر بن السمط عن على بن الحسين علیه السلام : « الرجل يقع علي اُخته ، قال : يضرب ضربة بالسيف بلغت منه ما بلغت ، فإن عاش خلّد فى السجن حتي يموت » (1). ونحوها رواية محمد بن عبداللّه بن مهران عمّن ذكره عن أبيعبداللّه علیه السلام . (2)
ولكنهما لضعف سندهما - الاُولى بعامر لعدم ثبوت وثاقته ، والثانية بالارسال وبمحمد بن عبداللّه الذى لمتثبت وثاقته أيضاً - لاتصلحان للمعارضة.
وإذا قلت : أنّ موثقة أبيبصير عن أبيعبداللّه علیه السلام : « اذا زنى الرجل بذات محرم حد حدَّ الزانى إلاّ أنّه أعظم ذنباً » (3)دلّت على عدم الخصوصية للزنا بذات محرم.
قلت : إن مضمونها مهجور بين الأصحاب ، فلاتصلح للمعارضة.
ثم إنّ المستفاد من الروايات اعتبار تحقق القتل بأمرين : ضرب الرقبة وكونه بالسيف. والحكم بالتعدّى الى القتل بغير ذلك يتوقف على فهم عدم الخصوصية.
5 - وأما الخلاف فى تعميم الحكم للزنا بالمحرمات السببية - كالزنا باُم الزوجة أو
بنتها - والمحرمات من الرضاع فينشأ من دعوى اطلاق النصوص فيحكم بالتعميم ، ومن دعوى الإجماع أو انصرافها عن مثل ذلك فيحكم بالاختصاص.
6 - وأما ثبوت القتل فى زنا الذمى بالمسلمة ، فلم يعرف فيه خلاف. وتدل عليه صحيحة حنان بن سدير عن أبيعبداللّه علیه السلام : « سألته عن يهودى فجر بمسلمة ، قال : يقتل ». (1)
والمعروف فى كلمات الأصحاب تخصيص الحكم بالذمي ، إلاّ أنّه ينبغى التعدّي الى غيره لإطلاق الصحيحة ، بل قد يدّعى الجزم بعدم الخصوصية.
7 - وأما ثبوت القتل فى الزنا بالمرأة عن اكراه لها ، فلم يعرف فيه خلاف أيضاً. وتدل عليه صحيحة بريد العجلي : « سئل أبو جعفر علیه السلام عن رجل اغتصب امرأة فرجها ، قال : يقتل محصناً كان أو غير محصن » (2)وغيرها.
وأما صحيحة أبيبصير عن أبيعبداللّه علیه السلام : « إذا كابر الرجل المرأة على نفسها ضرب ضربة بالسيف مات منها أو عاش » ، (3)فلا تصلح للمعارضة لهجران الأصحاب لمضمونها ، بل لميفرض فيها تحقق الزنا.
8 - وأما القتل فى المرة الرابعة اذا فرض تكرر الزنا والجلد ثلاث مرات ، فهو المشهور بين الأصحاب. وتدلّ عليه موثقة أبيبصير : قال أبوعبداللّه علیه السلام : « الزانى اذا زنى يجلد ثلاثاً ويقتل فى الرابعة ، يعنى جلد ثلاث مرات » (4)وغيرها.
وقيل : يقتل فى المرة الثالثة كسائر أصحاب الكبائر ، استناداً الى صحيحة
يونس بن عبدالرحمن عن أبيالحسن الماضى علیه السلام : « أصحاب الكبائر كلها اذا اُقيم عليهم الحد مرتين قتلوا فى الثالثة » (1)، ولكنها - كما نقل الحرّ عن شيخ الطائفة - مطلقة فتقيد بغير الزانى لأجل الموثقة.
9 - وأما أنّ الجلد ثابت فى حق الزانى أو الزانية اذا لميكونا محصنين فهو مما لا خلاف فيه للآية الكريمة : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) (2)، والروايات الشريفة ، كموثقة سماعة عن أبيعبداللّه علیه السلام : « الحر والحرة إذا زنيا جلد كلّ واحد منهما مائة جلدة ، فأما المحصن والمحصنة فعليهما الرجم » (3)وغيرها.
10 - وأما أنّ المرأة إذا زنى بها صبى تجلد ولاترجم حتى ولو كانت محصنة ، فلصحيحة أبيبصير عن أبيعبداللّه علیه السلام : « غلام صغير لميدرك ابن عشر سنين زني بامرأة ، قال : يجلد الغلام دون الحد وتجلد المرأة الحدَّ كاملاً. قيل : فإن كانت محصنة ، قال : لاترجم لأنّ الذى نكحها ليس بمدرك ، ولو كان مدركاً رجمت ». (4)
11 - وأما ثبوت الرجم فى حق الزانى والزانية المحصنين ، فهو ممّا لا خلاف فيه للروايات المتعددة ، كموثقة سماعة المتقدمة فى الرقم (9) وغيرها.
هذا فى غير الشيخ والشيخة. وأما هما فاللازم فى حقهما الجمع بين الجلد والرجم كما سيأتي. بل قيل بلزوم ذلك فى حق الشابين أيضاً ، واختاره المحقق الحلي. (5)
وأما تقييد ثبوت الرجم فى حق الزانية المحصنة بما اذا كان الزانى بها بالغاً ، فلما تقدم.
وقيل : أن الحكم فى حق الزانى ذلك أيضاً فلا يثبت فى حقه الرجم اذا كانت المزنى بها مجنونة أو صبية ، بل يثبت الجلد واختاره المحقق - قدس سره - أيضاً. (1)
12 - وأما ثبوت الجلد والرجم معاً فى حق الشيخ والشيخة المحصنين ، فلم يعرف فيه خلاف. وتدلّ عليه صحيحة الحلبى عن أبيعبداللّه علیه السلام : « فى الشيخ والشيخة جلد مائة والرجم. والبكر والبكرة جلد مائة ونفى سنة ». (2)
والبكر والبكرة هما من تزوج ولميدخل. وقد عبر عنهما فى بعض الروايات بمن املك ولميدخل.
واطلاقها وإن اقتضى ثبوت الجمع فى حق غير المحصن أيضاً إلاّ أنّه قد يقال بلزوم تقييده بالاحصان ، لصحيحة محمد بن قيس عن أبيجعفر علیه السلام : « قضي أميرالمؤمنين علیه السلام فى الشيخ والشيخة أن يجلدا مائة. وقضى للمحصن الرجم وقضي فى البكر والبكرة اذا زنيا جلد مائة ونفى سنة فى غير مصرهما ، وهما اللذان قد أملكا ولميدخل بها » (3)، فإنّ فقرة : « وقضى للمحصن الرجم » تدلّ على أنّ الرجم خاص بالمحصن ولايثبت فى حق غيره.
وهل تدلّ الفقرة المذكورة على ثبوت الرجم وحده ومن دون جلد فى حق المحصن - لتعارض صحيحة الحلبى - أو هى ساكتة من هذه الناحية؟ لا يبعد الثاني. ومعه فلاتعارض صحيحة الحلبى الدالة على إضافة الجلد الى الرجم.
13 - وأما ثبوت الجلد والجز والنفى من البلد فى حق البكر ، فتدل عليه صحيحة
حنان : « سأل رجل أباعبداللّه علیه السلام وأنا أسمع عن البكر يفجر وقد تزوّج ففجر قبل أن يدخل بأهله ، فقال : يضرب مائة ويجزّ شعره وينفى من المصر حولاً ويفرّق بينه وبين أهله ». (1)
هذا وقد ورد فى صحيحة على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر علیهماالسلام : « سألته عن رجل تزوّج امرأة ولميدخل بها فزنى ما عليه؟ قال : يجلد الحد ، ويحلق رأسه ، ويفرّق بينه وبين أهله وينفى سنة » (2)التعبير بالحلق بدل الجزّ ، والجمع يقتضى الحمل على التخيير بينهما.
هذا وقد قيل أنّ الجلد والجزّ والنفى لايختص بالبكر ، بل يعم كلّ زانٍ غير محصن. وممن اختار ذلك المحقق قدس سره . (3)
وأما الحكم بالتفريق ، فلابدَّ من حمله على الأولوية دون الكناية عن الانفساخ وتحقق الحرمة المؤبدة ، لعدم احتمال ذلك فقهياً.
ثم إنّ الحكم بجزّ الشعر أو حلقه يختص بالرجل ولايعمُّ المرأة من دون نقل خلاف فى ذلك ، ويكفى لإثباته القصور فى المقتضي ، فلاحظ.
أجل ، الحكم بالتغريب عن البلاد يعمّها - وإن استشكل فيه جمع من الفقهاء - لدلالة صحيح محمد بن قيس والحلبى المتقدمين فى الرقم (12) - على ذلك.
14 - وأما أن الإحصان فى الرجل لايتحقق إلاّ مع حريته ، فهو ممّا لا خلاف فيه. و
تدلّ عليه صحيحة محمد بن قيس ، عن أبيجعفر علیه السلام : « قضى أميرالمؤمنين علیه السلام في العبيد إذا زنى أحدهم أن يجلد خمسين جلدة وإن كان مسلماً أو كافراً أو نصرانياً ، ولايرجم ، ولاينفي » (1)وغيرها.
وأما أنه يعتبر فى إحصان الرجل أيضاً كونه ذا زوجة دائمة قد دخل بها وهو يتمكن من وطئها متى شاء ، فتدل عليه صحيحة عمر بن يزيد عن أبيعبداللّه علیه السلام في حديث : « لايرجم الغائب عن أهله ولا المملك الذى لميبنِ بأهله ولا صاحب المتعة » ، (2)فإنّ الفقرة الثالثة تدلّ على اعتبار دوام الزوجية والثانية على اعتبار الدخول بها والاُولى على اعتبار التمكن من وطئها متى ما شاء ، إذ الغيبة تلحظ عرفاً بنحو الطريقية الى عدم التمكن من الوطء.
وبقطع النظر عن ذلك يمكن استفادة المطلوب بوضوح من صحيحة اسماعيل بن جابر عن أبيجعفر علیه السلام : قلت : ما المحصن رحمك اللّه؟ قال : من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهو محصن » (3)وصحيحة حريز : « سألت أباعبداللّه علیه السلام عن المحصن ، قال : الذى يزنى وعنده ما يغنيه » (4)وغيرهما.
ثم إنّه ورد فى صحيحة عمر بن يزيد السابقة ذيلٌ بالشكل التالي : « قلت : ففى أي حد سفره لايكون محصناً؟ قال : اذا قصّر وأفطر فليس محصن » (5)، وهو يدل على أن الإحصان ينتفى بالسفر الموجب لقصر الصلاة والافطار فى الصوم ، وليس بكلّ
1) وسائل الشيعة : 18 / 402 ، باب 32 من ابواب حد الزنا ، حديث 5.
2) وسائل الشيعة : 18 / 355 ، باب 3 من ابواب حد الزنا ، حديث 3.
3) وسائل الشيعة : 18 / 351 ، باب 2 من ابواب حد الزنا ، حديث 1.
4) وسائل الشيعة : 18 / 352 ، باب 2 من ابواب حد الزنا ، حديث 4.
5) وسائل الشيعة : 18 / 356 ، باب 4 من ابواب حد الزنا ، حديث 1.
غياب. ولكن ذلك يلزم تأويله أو طرحه لعدم قائل به من الأصحاب ، ولذا قال المحقق : « وفى رواية مهجورة دون مسافة التقصير ». (1)
15 - وأما أن المرأة لايتحقق إحصانها إلاّ مع حريتها ، فأمر لا خلاف فيه ، ويمكن استفادته من صحيحة محمد بن قيس المتقدمة ، فإنّ كلمة « العبيد » يفهم منها العموم وعدم الخصوصية للذكورة.
وأما اعتبار أن يكون لها زوج ، فتدلّ عليه صحيحة محمد بن مسلم : « سمعت اباعبداللّه علیه السلام يقول : المغيّب والمغيّبة ليس عليهما رجم إلاّ أن يكون الرجل مع المرأة والمرأة مع الرجل » (2)و غيرها.
وأما اعتبار أن يكون الزوج قد دخل بها ، فيمكن استفادته من صحيحة محمد بن مسلم الاُخرى عن أحدهما علیهماالسلام : « سألته عن قول اللّه عزّوجل : « فإذا اُحصنّ » قال : إحصانهنّ أن يدخل بهنّ. قلت : إن لميدخل بهنّ أما عليهنّ حد؟ قال : بلي ». (3)
وأما اعتبار دوام الزوجية ، فأمر متسالم عليه بين الأصحاب. وقد يستدلّ له بموثقة اسحاق بن عمار : « ... قلت : فإن كانت عنده امرأة متعة أتحصنه؟ فقال : لا ، إنما هو على الشيء الدائم عنده » (4)، بتقريب أنّ المراد من قوله : « إنما هو ... » أنّ الإحصان لايكون إلاّ فى الشيء الدائم من دون فرق بين إحصان الرجل وإحصان المرأة.
16 - وأما اعتبار البلوغ والعقل فى ثبوت حد الزنا ، فأمر متسالم عليه. ويكفي لإثباته ما تقدّم فى أوائل الكتاب من شرطية كلّ تكليف بالبلوغ والعقل ، وأنّ الفاقد لذلك قد رفع عنه القلم.
أجل ، قد يقال بلزوم تأديب الصبى من باب التعزير حسب ما يراه الحاكم مصلحةً لدلالة بعض النصوص على ذلك ، ففى رواية بريد الكناسى عن أبيجعفر علیه السلام : « ... قلت : الغلام اذا زوّجه أبوه ودخل بأهله وهو غير مدرك : أتقام عليه الحدود على تلك الحال؟ قال : أما الحدود الكاملة التى يؤخذ بها الرجال فلا ، ولكن يجلد فى الحدود كلّها على مبلغ سنّه ... ». (1)
وأما اعتبار الاختيار ، فأمر متسالم عليه أيضاً ، ويكفى لإثباته حديث الرفع. (2)
17 - وأما اعتبار العلم بالحكم والموضوع ، فلأنّه بدونه يكون الوطء بالشبهة ولايصدق عنوان الزنا ليثبت حكمه. هذا مضافاً الى دلالة جملة من النصوص عليه ، كصحيحة عبدالصمد بن بشير عن أبيعبداللّه علیه السلام : « إنّ رجلاً أعجمياً دخل المسجد يلبى وعليه قميصه ، فقال لأبي عبداللّه علیه السلام : إنّى كنت رجلاً أعمل واجتمعت لى نفقة ، فحيث أحج لم أسأل أحداً عن شيء وأفتونى هؤلاء أن أشقّ قميصى وأنزعه من قبل رجلى وأنّ حجى فاسد وأنّ عليَّ بدنة ، فقال له ... أى رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه ... » (3)، فإنّها بإطلاقهاتشملالمقام ، ومجرد ورودها فى باب الحج لايمنع من
انعقاد الإطلاق فيها.
وأما حديث « ادرأوا الحدودَ بالشبهات » (1)فقد رواه الشيخ الصدوق بشكل مرسل ، ولايمكن الإستناد اليه إلاّ بناءً على حجية مراسيل الشيخ الصدوق بشكل مطلق أو خصوص ما كان الإرسال فيها بلسان « قال » ، أو بناءً على تمامية كبرى الانجبار. (2)
ودعوى صاحب الرياض : أن النص الدال على قاعدة « الحدود تدرأ بالشبهات » متواتر(3)لانعرف وجهها.
18 - وأما أنّ الزنا لايثبت إلاّ بالاقرار أربع مرات ، فهو المشهور. وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أبيجعفر علیه السلام : « رجل قال لامرأته : يا زانية أنا زنيت بك قال : عليه حدٌ واحد لقذفه إيّاها ، وأما قوله : أنا زنيت بك فلا حدَّ فيه إلاّ أن يشهد علي نفسه أربع شهادات بالزنا عندالامام » (4)وغيرها.
وهى بإطلاقها تشمل الجلد أيضاً ولاتختص بالرجم وإن كانت بعض الروايات الاُخرى خاصة به ، فلاحظ.
19 - وأما أنّ البيّنة التى يثبت بها الزنا هى ما تقدم ، فقد اتضح وجهه فى باب الشهادات تحت عنوان « اختلاف الحقوق فى الاثبات ».
20 - وأما أنّه يعتبر فى الشهادة أن تكون عن حس ورؤية ، فهو ممّا تسالم عليه الأصحاب. وتدل عليه صحيحة الحلبى عن أبيعبداللّه علیه السلام : « حدُّ الرجم أن يشهد أربع أنهم رأوه يدخل ويخرج » (1)وغيرها.
وهل يلزم رؤية نفس الإدخال والإخراج والشهادة بأنهم رأوا ذلك كالميل في المكحلة؟ يظهر من الأصحاب ذلك. ولعلهم استندوا الى موثقة أبيبصير : « قال أبوعبداللّه علیه السلام : لايرجم الرجل والمرأة حتى يشهد عليهما أربعة شهداء على الجماع والايلاج والإدخال كالميل فى المكحلة ». (2)
21 - وأما أنّه يعتبر وحدة المشهود به زماناً ومكاناً ، فلأنّه بدونه لايتحقق قيام البيّنة على الزنا الواحد.
وأما أنّ الشهود يحدّون مع عدم وحدة المشهود به ، فلأنّه إذا لميثبت الزنا بشهادتهم تكون شهادتهم مصداقاً للقذف بالزنا ، فيلزم حدّهم حدَّ القذف.
وأما أنّه اذا لميؤدِّ الشهود شهادتهم سوية يحدُّ من سبق بشهادته حدَّ القذف ، فلموثقة السكونى عن جعفر عن أبيه عن على علیهم السلام : « فى ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا ، فقال على علیه السلام : أين الرابع؟ قالوا : الآن يجيء ، فقال على علیه السلام : حدّوهم فليس في الحدود نظرة ساعة » (3)وغيرها.
22 - وأما لزوم التعجيل فى اقامة الحدود من دون تأجيل ، فهو ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب. وتدل عليه موثقة السكونى السابقة.
23 - وأما أنّ الرجل يدفن الى حقويه والمرأة الى صدرها ، فهو المشهور. وتدل عليه موثقة سماعة عن أبيعبداللّه علیه السلام : « تدفن المرأة الى وسطها ثم يرمى الإمام ويرمى الناس بأحجار صغار. ولا يدفن الرجل إذا رجم إلاّ الى حقويه » (1)وغيرها.
ولايبعد كون المقصود من الوسط موضع الثديين بقرينة صحيحة أبيمريم عن أبيجعفر علیه السلام : « أتت امرأة أميرالمؤمنين علیه السلام فقالت : إنى قد فجرت ، فأعرض بوجهه عنها ، فتحولت حتى استقبلت وجهه فقالت : إني ، قد فجرت ، فاعرض عنها ، ثم استقبلته فقالت : إنى قد فجرت ، فأعرض عنها ، ثم استقبلته فقالت : إنى فجرت ، فأمر بها فحبست وكانت حاملاً فتربِص بها حتى وضعت ، ثم أمر بها بعد ذلك فحفر لها حفيرة ... وأدخلها الحفيرة الى الحقو وموضع الثديين ... ». (2)
24 - وأما أنّ الإمام يبدأ بالرجم إن كان الزنا قد ثبت بالاقرار وإلاّ فالبينة تبدأ بذلك ، فهو ما عليه المشهور. وتدلّ عليه رواية صفوان عمّن رواه عن أبيعبداللّه علیه السلام : « اذا اقرَّ الزانى المحصن كان أول من يرجمه الإمام ثم الناس ، فاذا قامت عليه البيّنة كان أول من يرجمه البيّنة ، ثم الامام ، ثم الناس ». (3)ولأجل أنّها مرسلة لايمكن الاعتماد عليها إلاّ بناءً على أحد اُمور ثلاثة : تمامية كبرى الإنجبار بعمل المشهور ، أو البناء على وثاقة كلّ من روى عنه أحد الثلاثة ، أو البناء على حجية الرواية إذا ورد فى سندها أحد بنى فضّال وإن اشتمل على الضعف من بعض النواحي. (4)وأما
إذا لمنبن على الاُمور المذكورة ، فيلزم على الإمام البدأة مطلقاً تمسّكاً بإطلاق موثقة سماعة المتقدمة.
حدُّ اللائط والملوط به - اذا كانا مكلفين - القتل بأحد الأساليب التالية :
1 - الإحراق بالنار.
2 - الدحرجة من شاهق مشدود اليدين والرجلين.
3 - الضرب بالسيف ثم الاحراق بالنار.
4 - الرجم.
وحدُّ اللواط مع الايقاب(1)ما تقدم ، ومع عدمه - وذلك بالتفخيذ - مائة جلدة ، إلاّ إذا تكرر مرتين مع الحد ، فإنّه يقتل فى الثالثة.
ويثبت اللواط بالإقرار أربع مرات وبشهادة أربعة رجال عدول.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنَّ حدَّ اللواط أحد الاُمور المتقدمة ، فهو المشهور بين الأصحاب ، بل لعّل الحكم فى الملوط به كاد أنّه يبلغ حدَّ التسالم. وتدل عليه صحيحة مالك عن أبيعبداللّه علیه السلام : « انّ أميرالمؤمنين علیه السلام قال لرجل أقرَّ عنده باللواط أربعاً : يا هذا إنّ رسولاللّه صلی اللّه علیه و آله حكم فى مثلك بثلاثة أحكام فاختر أيّهن شئت ، قال : وما هى يا أميرالمؤمنين؟ قال : ضربة بالسيف فى عنقك بالغة منك ما بلغت أو اهداب (اهداء) (2)
من جبل مشدود اليدين والرجلين أو احراق بالنار » (1)، وصحيحة عبدالرحمن العرزمي : « سمعت أباعبداللّه علیه السلام يقول : وجد رجل مع رجل فى إمارة عمر فهرب أحدهما واُخذ الآخر فجيء به الى عمر ، فقال للناس : ما ترون فى هذا؟ فقال هذا : اصنع كذا ، وقال هذا : اصنع كذا. قال فما تقول يا أبا الحسن؟ قال : اضرب عنقه فضرب عنقه. قال : ثم أراد أن يحمله ، فقال : مه! إنّه بقى من حدوده شيء ، قال : أى شيء بقي؟ قال : ادع بحطب ، فدعا عمر بحطب فأمر به أميرالمؤمنين علیه السلام فاُحرق به » (2)، وموثقة السكونى عن أبيعبداللّه علیه السلام : « قال أميرالمؤمنين علیه السلام : لو كان ينبغى لأحد أن يرجم مرتين لرجم اللوطي ». (3)
ومورد بعض هذه الروايات وإن كان هو اللائط إلاّ أنّه يمكن التعميم للملوط به إما بضمّ عدم القول بالفصل أو لأنّ المستفاد من الرّوايات أنّ عقوبة الملوط به أشدّ من عقوبة اللائط - فلاحظ صحيحة حماد بن عثمان : « قلت لأبي عبداللّه علیه السلام : رجل أتى رجلاً ، قال : عليه إن كان محصناً القتل ، وإن لميكن محصناً فعليه الجلد. قلت فما على المؤتى به؟ قال : عليه القتل على كلّ حال محصناً كان أو غير محصن » (4)- فإذا ثبت ما سبق فى حق اللائط ، فيلزم ثبوته فى حق الملوط به بالأولوية.
ثم إنّ المشهور أنّ حكم اللائط القتل حتى إذا لميكن محصناً ، ولكن بعض الروايات - كصحيحة حمّاد المتقدّمة وغيرها - دلّت على أن اللائط يجلد ولايقتل فيما إذا لم يكن محصناً. والمناسب العمل على طبقها لمن لايرى سقوط الرواية عن
الحجية بإعراض المشهور عن العمل بها.
ثمّ إنّ بعض الفقهاء ذكر فى جملة أساليب القتل على اللواط القاء جدار علي اللائط أو الملوط به. ولا مستند لذلك سوى الفقه الرضوي(1)الذى لميثبت كونه رواية. ومع التنزّل فهو من قسم المراسيل.
2 - وأما تقييد ثبوت الحد على اللواط بحالة فرض التكليف ، فباعتبار رفع القلم عن الصبى والمجنون. أجل ، يؤدّب الصبى على ذلك لصحيحة أبيبصير عن أبيعبداللّه علیه السلام : « سمعته يقول : إنّ فى كتاب على علیه السلام إذا اُخذ الرجل مع غلام فى لحاف مجردين ، ضرب الرجل واُدّب الغلام. وإن كان ثقب وكان محصناً رجم ». (2)والمراد من قوله : « ضرب الرجل » ضرب الحد ، وإلاّ فهما فى أصل الضرب مشتركان.
3 - وأما أنّ حدَّ التفخيذ من دون ايقاب مائة جلدة ، فهو المشهور ، وقد يستفاد من صحيحة أبيبصير المتقدمة ، فإن التعبير بقوله علیه السلام : « وإن كان ثقب ... » يدل علي وقوع شيء من الرجل دون الثقب فى مفروض الفقرة السابقة ، وليس هو إلاّ التفخيذ. ومع فرض الاطلاق يلزم التقييد بالتفخيذ ، للاتفاق على عدم ثبوت مائة جلدة في النوم المجرد.
أجل ، ورد فى صحيحة الحسين بن سعيد : « قرأت بخط رجل أعرفه الي أبيالحسن علیه السلام وقرأت جواب أبيالحسن علیه السلام بخطه : هل على رجل لعب بغلام بين فخذيه حدّ ، فإنّ بعض العصابة روى أنه لا بأس بلعب الرجل بالغلام بين فخذيه؟
فكتب : لعنةُ اللّه على من فعل ذلك. وكتب أيضاً هذا الرجل ولم أرَ الجواب : ما حدُّ رجلين نكح أحدهما الآخر طوعاً بين فخذيه ما توبته؟ فكتب : القتل » (1)أنّ حدَّ التفخيذ هو القتل. ولكنه لايمكن الإعتماد عليها؛ لأنّ الرجل الكاتب مجهول. وتعبير ابن سعيد بقوله : « أعرفه » لا يدلّ على توثيقه ، ولو دلَّ فهو لاينفى وجود الجارح المعارض بعدما لميذكر اسمه ، والمفروض أنّ جواب الامام علیه السلام لميره ابن سعيد.
4 - وأما أنّ من تكرر منه التفخيذ مرّتين وحُدَّ يقتل فى الثالثة ، فلإطلاق صحيحة يونس عن أبى الحسن الماضى علیه السلام : « أصحاب الكبائر كلّها إذا اُقيم عليهم الحد مرتين قتلوا فى الثالثة ». (2)
وقيل : بل يقتل فى الرابعة ... وكأنّ ذلك من باب القياس على الزاني ، حيث تقدّم أن من جلد ثلاث مرات قتل فى الرابعة. إلاّ أنّ القياس المذكور لا وجه له بعد دلالة الصحيحة المتقدّمة على القتل فى مطلق الكبائر فى المرّة الثالثة ، والخارج منها هو الزنا لا غير.
5 - وأما أنّ اللواط يثبت بالاقرار أربع مرات دون الأقل من ذلك ، فهو ممّا لا خلاف فيه. وتدلّ عليه صحيحة مالك بن عطية المتقدمة فى الرقم (1) ، حيث ورد فيها : « فلما كان فى الرابعة ، قال له : يا هذا إنّ رسولاللّه صلی اللّه علیه و آله حكم فى مثلك بثلاثة أحكام فاختر ... » ، فإنّ اللواط لو كان يثبت بالإقرار ثلاثاً أو بمرة واحدة لميكن وجه لتأخير العقوبة الى الاقرار الرابع.
وأما أنّه يثبت بشهادة أربعة رجال ، فباعتبار أنّه تقدّم فى بحث الشهادات تحت عنوان : « اختلاف الحقوق فى الاثبات » أنّ كلّ اقرار واحد هو بمثابة شهادة واحدة ، فإذا كان اللواط لايثبت بأقلّ من أربعة اقرارات ، فيلزم أن لايثبت بأقلّ من أربع شهادات.
الرابع : السَّحق(1)
حدُّ السَّحق مائة جلدة. ومع التكرر مرّتين مع الحد يلزم القتل فى الثالثة.
ويثبت - السحق - بأربعة رجال عدول.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ حدَّ السحق مائة جلدة ، فهو ممّا لا خلاف فيه. وتدل عليه صحيحة محمد بن أبيحمزة وهشام وحفص كلهم عن أبيعبداللّه علیه السلام : « دخل عليه نسوة ، فسألته امرأة منهنّ عن السَّحق ، فقال : حدّها حدّ الزاني ، فقالت المرأة : ما ذكر اللّه ذلك فى القرآن ، فقال : بلي. قالت : وأين هنَّ؟ قال : هنّ أصحاب الرَّس » (2)
ثم انه لابدَّ وان يكون المقصود من ذكر السحق فى القرآن الكريم هو ذكر أصله وذاته لا حدّه ، وإلاّ فحدُّه لميذكر فى آية أصحاب الرس ولا فى غيرها. والمنقول أنّ فعل قوم لوط هو اللواط وفعل اصحاب الرس هو المساحقة.
وغيرها. والمقصود من قوله علیه السلام : « حدُّها حدُّ الزاني » الإشارة الى الجلد ولو بقرينة صحيحة زرارة عن أبيجعفر علیه السلام : « السَّحاقة تجلد ». (3)والمشهور أنّ ذلك حدٌّ للمحصنة أيضاً. وقيل : بل ذلك حدُّ غير المحصنة ، وأما هى فحدّها الرجم.
2 - وأما أنّه مع التكرر وإقامة الحدّ مرتين يلزم القتل فى الثالثة ، فقد تقدم وجهه عند بيان حدِّ التفخيذ.
3 - وأما أنّ السحق يثبت بأربعة رجال ، فقد تقدم وجهه فى باب الشهادات.
حدُّ القذف - وهو رمى الغير بالزنا أو باللواط - ثمانون جلدة. ولايثبت إلاّ مع إحصان المقذوف.
ومع تكرر القذف من القاذف وحدِّه مرتين يقتل فى الثالثة.
وسابُّ النبى صلی اللّه علیه و آله أو بضعته الطاهرة علیهاالسلام أو أحد الأئمة من أبنائها علیهم السلام : يجب علي سامعه قتله ، إلاّ أن يخاف على نفسه الضرر.
ويثبت القذف بشهادة رجلين عادلين وبالاقرار مرة واحدة.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أن حدَّ القذف ثمانون جلدة ، فيدلّ عليه صريح الكتاب العزيز : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) . (1)ومورده وإن كان خاصاً برمى المحصنة إلاّ أنه يتعدّى الى رمى المحصن إما بتنقيح المناط أو بضمّ عدم القول بالفصل وبقطع النظر عن ذلك ، تكفينا صحيحة أبيبصير عن أبيجعفر علیه السلام : « امرأة قذفت رجلاً ، قال :
1) النور : 4.
تجلد ثمانين جلدة » (1)وغيرها.
2 - وأما اعتبار إحصان المقذوف فى ثبوت الحدّ على القاذف ، فهو ممّا لا خلاف فيه ، إذ الآية الكريمة إن لم يكن لها مفهوم تنفى به الحدّ عن رمى غير المحصن فلا أقلّ من القصور فى المقتضى فيتمسك بالبراءة.
والمراد من الاحصان : العفة عن الزنا بنحو لايكون الشخص متظاهراً به ، وأما المتظاهر فلا حدَّ فى قذفه ، بل قد يحكم بعدم التعزير أيضاً لعدم احترامه.
ثم إنّه يعتبر فى ثبوت الحدّ مضافاً الى احصان المقذوف اُمور اُخري ، كإسلامه وبلوغه وعقله وحريته لدلالة الروايات على ذلك. (2)
3 - وأما أن القاذف يقتل فى الثالثة لو حُدَّ مرتين حدَّ القذف ، فقد تقدم وجهه في حدَّ التفخيذ.
4 - وأما أنّ سابّ النبى صلی اللّه علیه و آله يقتله السامع ، فهو ممّا لا خلاف فيه. وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر علیه السلام : « أن رجلاً من هذيل كان يسبّ رسولاللّه صلی اللّه علیه و آله فبلغ ذلك النبى صلی اللّه علیه و آله ، فقال : من لهذا؟ فقام رجلان من الأنصار ، فقالا : نحن يا رسولاللّه. فانطلقا حتى أتيا عربة (3)، فسألا عنه فإذا هو يتلقى غنمه ، فقال : من أنتما؟ وما اسمكما؟ فقالا له : أنت فلان ابن فلان؟ قال : نعم ، فنزلا فضربا عنقه. قال محمد بن مسلم ، فقلت لأبى جعفر : أرأيت لو أن رجلاً الآن سبّ النبى صلی اللّه علیه و آله أيقتل؟ قال :
إن لمتخف على نفسك فاقتله ». (1)
وأما إلحاق البضعة الطاهرة وأولادها الأئمّة الطيبين الطاهرين علیهم السلام بالنبى صلی اللّه علیه و آله فهو لايحتاج الى دليل خاص بعد الضرورة الثابتة من الخارج على كون حكم الجميع واحداً.
وقد يستفاد المطلوب من صحيحة هشام بن سالم : « قلت لأبي عبداللّه علیه السلام : ما تقول فى رجل سبّابة لعلى علیه السلام ؟ فقال لي : حلال الدم ، واللّه لولا أن تعمَّ به بريئا » (2)
5 - وأما اعتبار عدم خوف الضرر ، فهو مقتضى قاعدة نفى الضرر ، مضافاً الي التصريح بذلك فى صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة فى رقم (4).
6 - وأما أنّ القذف يثبت بالبينة والاقرار مرة واحدة ، فلإطلاق دليل حجيتهما ، والخروج عنه يحتاج الى دليل وهو مفقود.
الحدُّ فى شرب الخمر وبقية المسكرات ثمانون ، جلدة يضرب الشارب مجرداً عن الثياب بين الكتفين إن كان رجلاً ومن فوق الثياب إن كان امرأة.
ومن حُدَّ مرّتين لشرب الخمر ، قتل فى الثالثة.
ويثبت الشرب بشهادة عدلين أو الاقرار مرة واحدة.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ حدَّ شرب الخمر ثمانون جلدة ، فهو ممّا لا خلاف فيه. وتدلّ عليه
روايات كثيرة ، كصحيحة بريد بن معاوية : « سمعت أباعبداللّه علیه السلام يقول : إنّ فى كتاب على علیه السلام يضرب شارب الخمر ثمانين ، وشارب النبيذ ثمانين ». (1)
وأما أنّ ذلك حدُّ شرب بقية المسكرات أيضاً ، فلصحيحة الكنانى عن أبيعبداللّه علیه السلام : « كل مسكر من الأشربة يجب فيه كما يجب فى الخمر من الحد » (2)وغيرها.
2 - وأما أنّ الشارب يضرب مجرداً عن الثياب بين الكتفين إن كان رجلاً ، فتدل عليه صحيحة أبيبصير : « سألته عن السكران والزاني ، قال : يجلدان بالسياط مجردين بين الكتفين ». (3)واضمارها لايضرّ بحجيتها بعد ما كان المضمر من أجلاّء الأصحاب الذين لايحتمل فى حقهم الرواية عن غير الإمام علیه السلام .
وأما أنّ المرأة تضرب من وراء الثياب ، فيكفى لإثباته القصور فى المقتضي. هذا مضافاً الى أنّ المرأة عورة ولايحتمل اعتبار تجريدها عن الثياب.
3 - وأما أنّ من حُدَّ على شرب الخمر مرتين قتل فى المرة الثالثة ، فقد تقدم وجهه فى حدِّ التفخيذ.
4 - وأما أنّ شرب المسكر يثبت بشهادة عدلين أو بالاقرار مرة واحدة ، فقد تقدم وجهه فى حدَّ القذف.
الحدُّ فى السرقة قطع الأصابع الأربع من اليد اليمنى مع ترك الراحة والابهام ، فإن
تكررت منه قطعت رجله اليسرى من وسطها ، فإن تكررت منه ثالثة خُلِّد فى الحبس الى أن يموت ، وإن تكررت منه رابعة فى الحبس قتل.
ولايحدُّ السارق إلاّ اذا كانت قيمة المسروق بمقدار ربع مثقال ذهب بوزن (18) حبة. هذا هو المشهور. وقيل بكفاية كونه بمقدار خمس المثقال المتقدم.
كما لايحدّ إلاّ اذا كان المال فى مكان محرز لميؤذن بالدخول فيه.
والمشهور أنّ السرقة لاتثبت إلاّ بشهادة عدلين أو الاقرار مرّتين.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أن الحدَّ فى السرقة ما ذكر ، فهو مما لا خلاف فيه. وتدلّ عليه موثقة سماعة بن مهران : « إذا اُخذ السارق قطعت يده من وسط الكف ، فإن عاد قطعت رجله من وسط القدم ، فإن عاد استودع السجن ، فإن سرق فى السجن قتل » (1)وغيرها.
والموثقة إذا كانت مقطوعة (2)بطريق الشيخ الكليني ، فهى مسندة الى الإمام علیه السلام فى طريق الشيخ الطوسي ، فلاحظ.
وإذا كانت - الموثقة - مجملة من حيث المقدار المقطوع ، فبملاحظة موثقة اسحاق بن عمار عن أبيابراهيم علیه السلام : « تقطع يد السارق ويترك ابهامه وصدر راحته وتقطع رجله ويترك له عقبه يمشى عليها » (3)يرتفع ذلك.
وأما صحيحة الحلبى عن أبيعبداللّه علیه السلام : « قلت له : من أين يجب القطع؟ فبسط
1) وسائل الشيعة : 18 / 493 ، باب 5 من ابواب حد السرقة ، حديث 4.
2) الرواية المقطوعة هى الرواية التى ينقل الراوى فيها الحكم من دون استناد الى الامام علیه السلام ولا ذكر ضمير يحتمل رجوعه اليه ، بخلاف المضمرة فانه يفترض فيها ذكر ضمير يحتمل رجوعه الى الامام علیه السلام من قبيل : « قلت له ».
3) وسائل الشيعة : 18 / 490 ، باب 4 من ابواب حد السرقة ، حديث 4.
أصابعه وقال من ههنا ، يعنى من مفصل الكف » (1)، فهى ساقطة عن الاعتبار بعد هجران الأصحاب لمضمونها.
2 - وأما اعتبار كون المسروق بمقدار ربع مثقال ذهب ، فهو المشهور. وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم : « قلت لأبي عبداللّه علیه السلام : فى كم يقطع السارق؟ قال : فى ربع دينار. قلت له : فى درهمين؟ قال : فى ربع دينار ، بلغ الدينار ما بلغ. قلت له : أرأيت من سرق أقل من ربع دينار هل يقع عليه حين سرق اسم السارق؟ وهل هو عند اللّه سارق؟ فقال : كل من سرق من مسلم شيئاً قد حواه وأحرزه فهو يقع عليه اسم السارق ، وهو عند اللّه سارق ، ولكن لايقطع إلاّ فى ربع دينار أو أكثر ، ولو قطعت أيدي السرّاق فى ما أقل هو من ربع دينار ، لألفيت عامة الناس مقطعين ». (2)
وهناك روايات تدلّ على التحديد بغير ذلك من قبيل صحيحة محمد بن مسلم الاُخرى عن أبيجعفر علیه السلام : « أدنى ما يقطع فيه يد السارق خمس دينار » وقد يقال : إنّ المناسب تقديم الثانية لموافقتها لإطلاق الكتاب ، فإنّ مقتضى اطلاق الآية الكريمة وجوب القطع فى السرقة مطلقاً ولكن علم من الخارج عدم ثبوت القطع فى الأقل من الخمس فترفع اليد عن الإطلاق بهذا المقدار ، وأمّا التقييد بمقدار أزيد فحيث انّه غير معلوم فيلزم الأخذ بالاطلاق بلحاظه ويكون حجّة ومرجّحاً للطائفة الثانية على الأولي.
3 - وأمّا اعتبار أن يكون المال فى مكان محرز لا اذن بالدخول فيه ، فهو ممّا لاخلاف فيه. وتدل عليه موثقة السكونى عن أبي عبداللّه علیه السلام : « قال أميرالمؤمنين علیه السلام :
كل مدخل يدخل فيه بغير إذن فسرق منه السارق فلا قطع فيه ، يعنى الحمامات والخانات والارحية (1)» (2)، وهكذا موثقته الاُخري : « لايقطع إلاّ من نقب بيتاً أو كسر قفلاً ». (3)
4 - وأما ثبوت السرقة بشهادة عدلين ، فهو لإطلاق دليل حجية البيّنة.
وأما اعتبار الاقرار مرّتين ، فلرواية جميل عن أبيعبداللّه علیه السلام : « لايقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين ... » (4)وغيرها.
ودلالة الرواية وإن كانت واضحة إلاّ أنّ فى سندها على بن السندى الذى قد يتأمل فى وثاقته باعتبار عدم النص عليها فى كتب الرجال ، وهكذا بقية الروايات ، فإنّ سندها ضعيف كما يتّضح من خلال المراجعة. ومع التنزل فهى معارضة بصحيحة الفضيل عن أبيعبداللّه علیه السلام : « إن أقرَّ الرجل الحر على نفسه مرّة واحدة عند الإمام قطع ». (5)وبعد التعارض يعود التمسك بقاعدة « إقرار العقلاء على أنفسهم جائز » لإثبات حجية الاقرار مرة واحدة بلا مانع.
ثم ان هذا كله بالنسبة الى الحدِّ. اما الغرم فلا خلاف فى لزومه بالاقرار مرة واحدة ، لإطلاق قاعدة الإقرار وعدم المقيد لها من هذه الناحية.
المحارب - وهو من شهر السلاح لإخافة الناس والإفساد فى الأرض - يقتل أو يصلب أو يقطع مخالفاً (1)أو ينفى من الأرض.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنَّ حدَّ المحارب ما ذكر ، فواضح بعد دلالة صريح الاية الكريمة عليه (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) . (2)
وقد وقع الكلام فى أن الأنحاء الأربعة المذكورة هل هى ثابتة بنحو التخيير لوليّ الأمر أو هى بنحو الترتيب حسب اختلاف الجناية؟
ولو خلينا نحن والآية الكريمة لاستفدنا منها التخيير ، خصوصاً بعد ملاحظة صحيحة حريز عن ابيعبداللّه علیه السلام : « ... كل شيء فى القرآن أو فصاحبه بالخيار يختارما شاء » (3)، إلاّ أن فى المقابل روايات قد يستفاد منها الترتيب. وكلمات الفقهاء فى المقام مضطربة تبعاً لاضطراب الروايات.
كل من خالف الشريعة بفعل محرم أو ترك واجب من دون عذر ولميرد تحديد شرعي لمقدار عقوبته ، عاقبه الحاكم الشرعى بما يراه صلاحاً. وفى بعض الروايات تحديد ذلك بما دون أربعين ضربة.
والمستند فى ذلك : أمران :
1 - أن المحافظة على النظام قضية لابدّ منها ، وقد اهتمّ بها الاسلام ، وهي لاتتحقق إلاّ بتشريع التعزير على مخالفة أى مقرر شرعي. وحيث إنّ منح هذا الحق لجميع الناس أمر غير محتمل ، لأنّه بدوره يوجب اختلال النظام ، فلابدّ من ثبوته لطائفة معينة ، وبما أنّ القدر المتيقن من ذلك هو الحاكم الشرعي ، فيتعين اختصاص الحق به.
وممّا يؤكد ذلك فعل أميرالمؤمنين علیه السلام - حيث كان يراقب الأسواق ويعزر كلّ من خالف المقررات الشرعية - والروايات الخاصة الواردة فى الموارد المتفرقة ، كصحيحة أبيالعباس عن أبيعبداللّه علیه السلام : « قلت له : ما للرجل يعاقب به مملوكة؟ فقال : على قدر ذنبه » (1)الواردة فى تأديب المملوك ، وموثقة اسحاق بن عمار؛ « قلت لأبي عبداللّه علیه السلام : ربما ضربت الغلام فى بعض ما يجرم ، قال : وكم تضربه؟ قلت : ربما ضربته مائة ، فقال مائة؟! مائة؟! فأعاد ذلك مرتين. ثم قال : حدُّ الزنا؟! اتق اللّه. فقلت : جعلت فداك ، فكم ينبغى لى أن أضربه؟ فقال : واحداً. فقلت : واللّه لو علم أني لا أضربه إلاّ واحداً ما ترك لى شيئاً إلاّ أفسده ، قال : فاثنين ، فقلت : هذا هو هلاكي ، قال :
1) وسائل الشيعة : 18 / 339 ، باب 30 من ابواب مقدمات الحدود ، حديث 1.
فلم أزل اُماكسه حتى بلغ خمسة ثم غضب ، فقال : يا اسحاق! إن كنت تدرى حدَّ ما أجرم فأقم الحدَّ فيه ولا تعدَّ حدود اللّه » (1)الواردة فى تأديب الغلام.
2 - صحيحة حماد بن عثمان عن ابى عبداللّه علیه السلام : « قلت له : كم التعزير؟ فقال : دون الحدِّ. قلت : دون ثمانين؟ قال : لا ، ولكن دون أربعين فإنّها حدُّ المملوك. قلت : وكم ذلك؟ قال : على قدر مايراه الوالى من ذنب الرجل وقوة بدنه » (2)وما كان بمضمونها.
وسند الصحيحة بطريق الشيخ الكلينى وإن كان قد يتأمّل ، فيه من ناحية المعلى بن محمد - حيث إنّه لميوثق بل ضعّف - إلاّ إنّه بطريق الشيخ الصدوق لا خدشة فيه فلاحظ.
يجوز للحاكم الشرعى اقامة الحدود فى عصر الغيبة.
والمستند فى ذلك : أمران :
1 - أن الحكمة المقتضية لتشريع الحدود - وهى الوقوف امام الفساد والفجور - لايحتمل اختصاصها بعصر الحضور.
2 - التمسك بإطلاق أدلة وجوب إقامة الحدود ، كقوله تعالي : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) (3)، (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) (4)،
فإنه يقتضى وجوب اقامة الحدود فى كل زمان ، وحيث لايحتمل جواز تصدّى أي شخص لذلك - للزوم محذور اختلال النظام فيلزم تصدى طائفة خاصة لذلك ، والقدر المتيقن منها هو المجتهدون العدول.
ويؤيد ذلك رواية اسحاق بن يعقوب « سألت محمد بن عثمان العمرى أن يوصل لى كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحبالزمان علیه السلام : أما ما سألت عنه أرشدك اللّه وثبّتك الى أن قال : وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا ، فانهم حجتى عليكم وأنا حجة اللّه ... » (1)، فانّ اسحاق وإن لميذكر بتوثيق فى كتب الرجال إلاّ أن ذلك لايمنع من التمسك بها علي مستوى التأييد.
واذا قيل : إن التمسك بالوجهين المذكورين تام لو لميقم دليل على حصر وظيفة اقامة الحدود بالإمام علیه السلام ، وذلك الدليل موجود ، وهو رواية دعائمالاسلام عن الإمام الصادق علیه السلام عن آبائه علیهم السلام : « لايصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة إلاّ بإمام عدل ». (2)وقريب منها رواية الجعفريات. (3)
قلنا : يلزم حمل الرواية المذكورة على كون المقصود أنّ ذلك لايصلح لغير الإمام علیه السلام مع افتراض حضور الإمام علیه السلام وعدم غيبته ، أى يلزم حملها على زمن الحضور وإلاّ فهل يحتمل عدم جواز الحكم لغير الإمام علیه السلام فى زمان الغيبة؟! أنّ لازم ذلك الفوضى وعدم استقرار النظام.
هذا لو قطعنا النظر عن سند الدعائم وإلاّ فالمناقشة أوضح ، باعتبار أنّ رواياته
القصاص واقسامه
قصاص النفس
وسائل اثبات القتل عمداً
من احكام قصاص النفس
قصاص ما دون النفس
القصاص(1)- وهو الجزاء على الجناية بمثلها - مشروع ، بل حياة للبشرية.
وهو يتعلّق بالنفس تارةً وبما دونها اُخري.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ القصاص ما ذكر ، فهو من واضحات اللغة والفقه.
2 - وأما أنّه مشروع ، فهو من ضروريّات الاسلام.
والاشكال على تشريعه بأنّه مخالف للانسانية والعاطفة ناشيء عن الجهل أو التجاهل بفلسفته.
وقد أشار الكتاب الكريم فى كثير من آياته الى تشريع القصاص ، وفى بعضها الاشارة الى فلسفته ، كقوله تعالي : (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (2)، (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (3)، (كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) (1)، (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (2)، (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) (3)، (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... ) . (4)
ويدلّ على ذلك بالعموم قوله تعالي : (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) (5)، (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (6)، (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) (7)، (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) . (8)
ثم إنّ الآيات الكريمة المذكورة كما دلّت على شرعية القصاص دلّت أيضاً علي حرمة قتل المؤمن ظلماً ، بل إنّ ذلك من ضروريات الاسلام ، والنصوص الدالة علي ذلك كثيرة. (9)
وكما يحرم قتل الغير يحرم أيضاً قتل الانسان نفسه ، وذلك ممّا لاينبغى التأمل فيه. وقد يستفاد ذلك من قوله تعالي : (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا) . (10)وقد روى أبو ولاد الحناط في
صحيحه : « سمعت أباعبداللّه علیه السلام يقول : من قتل نفسه متعمداً فهو فى نار جهنم خالداً فيها ». (1)
ثم إنّ حرمة قتل الغير لاتختص بما اذا كان واجداً للروح ، بل تعمُّ الحمل الذي هو نطفة أو علقة. وتدلّ على ذلك موثقة اسحاق بن عمار : « قلت لأبي الحسن علیه السلام : المرأة تخاف الحبل فتشرب الدواء فتلقى ما فى بطنها ، قال : لا ، فقلت : انما هو نطفة ، فقال : إن أول ما يخلق نطفة ». (2)
وبهذا اتّضح أنّ الحرمة تعمّ ما إذا كان الحمل من الزنا ، لإطلاق الموثقة.
لايثبت الحق لأولياء المقتول فى الاقتصاص من القاتل إلاّ إذا تمّت الشروط التالية :
الأول : أن يكون القتل بنحو العمد.
الثاني : التساوى فى الحرية والعبودية ، فيقتل الحر بالحر والعبد بالعبد ولايقتل الحر بالعبد ، بل يغرم قيمته يوم قتله مع تعزيره بالضرب الشديد.
الثالث : التساوى فى الدين ، فلايقتل المسلم بالكافر - وإن لزم تعزيره فيما اذا لميكن القتل جائزاً - بل يغرم ديته لو كان ذمياً.
الرابع : أن لايكون القاتل أباً للمقتول ، فلايقتل الأب بقتله لابنه ، بل يعزر ويلزم بالدية.
الخامس : أن يكون القاتل بالغاً عاقلاً وإلاّ فلايقتل وتلزم العاقلة بالدية.
السادس : أن يكون المقتول محقون الدم ، فلا قصاص فى القتل السائغ ، كقتل سابِّ النبى صلی اللّه علیه و آله أو أحد الأئمة علیهم السلام أو قتل المهاجم دفاعاً وما شاكل ذلك.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ حق القصاص لايثبت إلاّ إذا كان القتل بنحو العمد ، فهو ممّا لا خلاف فيه. وتدل عليه صحيحة عبداللّه بن سنان : « سمعت أباعبداللّه علیه السلام يقول : من قتل مؤمناً متعمداً قيدَ منه إلاّ أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية ، فإن رضوا بالدية واحبَّ ذلك القاتل فالدية » (1)وغيرها.
ولا إشكال فى ظهور الصحيحة فى ثبوت حق القصاص فى موارد القتل العمدي ، وأما ظهورها فى نفيه فى غير ذلك ، فلو شكك فيه فبالامكان الاستعانة بالنصوص الدالة على ثبوت الدية ونفى القصاص فى موارد القتل خطأً والشبيه بالعمد ، كقوله تعالي : ( ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ ودية مسلّمة الي أهله ) (2)فإنّه بإطلاقه يدلّ على أنّ الخطأ بكلا قسميه تثبت فيه الدية دون القصاص.
والحكم متسالم عليه بيننا وإن نسب الى « مالك » القول بلزوم القود فى الشبيه بالعمد. وعلَّق صاحب الجواهر على ذلك بقوله : « لكن الإجماع والسنّة بل والكتاب على خلافه ، ضرورة عدم صدق قتل المؤمن متعمّداً عليه ». (3)
ثم إنّه لا إشكال فى صدق القتل متعمّداً فيما اذا قصد القاتل القتل بآلة يتحقق بها القتل غالباً. وأما اذا قصده بآلة لايتحقق بها القتل إلاّ نادراً أو لم يقصده ولكن كانت الآلة يتحقق بها القتل غالباً فلايبعد صدقه أيضاً. أما فى الحالة الاُولى فلفرض القصد
الى القتل فيها ، وهو كافٍ عرفاً لصدق القتل متعمداً.
وأما فى الحالة الثانية ، فلأن الاستعانة بالآلة التى يعلم بترتب القتل عليها عادة ، لاتنفك عن قصده بالتبع.
ثم إنّ القتل على أقسام ثلاثة : القتل عمداً ، والقتل الشبيه بالعمد ، والقتل بنحو الخطأ المحض ، المعبّر عنه فى بعض الروايات بالقتل الذى لا شك فيه. (1)
والفارق بينها أنّ القاتل اذا كان قاصداً للقتل أو كانت الآلة التى استعان بها قاتلة غالباً فالقتل عمدي.
وإن كان قاصداً لفعل معيّن من دون قصد القتل ولاترتب القتل عليه غالباً فالقتل شبيه بالعمد ، كالضرب تأديباً بالعصا فيتفق القتل ، وكاجراء الطبيب عملية جراحية لايترتب عليها الموت عادة ، فيتفق حصوله من دون قصده.
وإن كان غير قاصد للفعل المعيّن فضلاً عن فرض قصد القتل أو كون الآلة قاتلة غالباً فالقتل بنحو الخطأ المحض ، كمن وجّه طلقة مسدّسة على حيوان فأصابت إنساناً ، أو كان يصلحه فانطلقت منه رصاصة فقتلت إنساناً.
وحكم القتل العمدى القصاص إلاّ مع التراضى على الدية ، بينما حكم القتل في النحوين الأخيرين - كما تقدّمت الاشارة الى ذلك وتأتى ثانية أيضاً إن شاء اللّه تعالى - هو الدية ، غايته فى القتل الشبيه بالعمد ، يتحملها القاتل بينما في القتل خطأً تتحملها عاقلة الجاني.
1) لاحظ : الباب 11 من ابواب القصاص فى النفس من الوسائل : حديث 7 ، 9 ، 13 ، 17 ، 19.
2 - وأما أنّ الحر يقتل بالحر والعبد بالعبد ، فممّا لا إشكال فيه ، وهو القدر المتيقن من مورد تشريع القصاص وقد قال تعالي : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) . (1)
وأما أنّ الحرَّ لايقتل بالعبد ، فلم يعرف فيه خلاف للروايات الكثيرة ، كصحيحة أبيبصير عن أحدهما علیهماالسلام : « قلت له : قول اللّه عزوجل : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) فقال : لايقتل حر بعبد ولكن يضرب ضرباً شديداً ويغرم ثمنه دية العبد » (2)وغيرها.
أجل ، ورد فى بعض الروايات ما يدل على الخلاف ، كموثقة اسماعيل بن أبي زياد(3)عن جعفر عن أبيه عن آبائه علیهم السلام : « أنّه قتل حرّاً بعبد قتله عمداً » (4)، وموثقة زيد بن على عن آبائه عن على علیهم السلام : « ليس بين الرجال والنساء قصاص إلاّ في النفس ، وليس بين الأحرار والمماليك قصاص إلاّ فى النفس ... » (5)، وموثقة السكونى عن جعفر عن أبيه عن على علیهم السلام : « ليس بين العبيد والأحرار قصاص فيما دون النفس ». (6)
إلاّ أنّ الروايات الثلاث المذكورة وإن كانت دلالة بعضها واضحة غير أنّها ساقطة عن الاعتبار ، إما لهجران الأصحاب لمضمونها ، أو لمخالفتها للكتاب الكريم حيث يستفاد من الآية المتقدمة أنّ الحر لايقتل بالعبد فلاحظ.
1) البقرة : 178.
2) وسائل الشيعة : 19 / 70 ، باب 40 من ابواب القصاص فى النفس ، حديث 1.
3) وهو المعروف بالسكوني.
4) وسائل الشيعة : 19 / 72 ، باب 40 من ابواب القصاص فى النفس ، حديث 9.
5) وسائل الشيعة : 19 / 139 ، باب 22 من ابواب قصاص الطرف ، حديث 2.
6) وسائل الشيعة : 19 / 139 ، باب 22 من ابواب قصاص الطرف ، حديث 3.
3 - وأما أنّ المدار على قيمة العبد يوم قتله ، فلأنه اليوم الذى تشتغل فيه ذمة القاتل بالقيمة.
4 - وأما اعتبار التساوى فى الدين ، فلم يعرف فيه خلاف ، للنصوص المتعددة ، كصحيحة محمد بن قيس عن أبيجعفر علیه السلام : « لا يقاد مسلم بذمى فى القتل ولا في الجراحات ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمى على قدر دية الذمى ثمانمائة درهم » (1)وغيرها.
ومورد النصوص وإن كان هو الذمى إلاّ أنّه يتعدى الى غيره - كالحربى والمستأمن - بالأولوية القطعية التى هى واضحة بلحاظ المستأمن أيضاً؛ لأنّ الذمي مستأمن وزيادة ، فاذا ثبت الحكم له ثبت لمن دونه بالأولوية القطعية.
5 - وأما لزوم التعزير ، فلما تقدم فى البحث عن الحدود من ثبوته على ارتكاب ايّ محرم من المحرمات.
6 - وأما لزوم دفع الدية لو كان المقتول ذمياً ، فلصحيحة محمد بن قيس المتقدمة.
7 - وأما اعتبار أن لايكون القاتل أباً للمقتول ، فهو ممّا لا خلاف فيه ، لصحيحة حمران عن أحدهما علیهماالسلام : « لايقاد والد بولده ويقتل الولد اذا قتل والده عمداً » (2)وغيرها.
وأما أنّه يعزر ، فلما تقدم من ثبوته على ارتكاب أى محرم.
وأما لزوم دفع الدية ، فلقاعدة « أنّ دم المسلم لايذهب هدراً » المستفادة من صحيحة عبداللّه بن سنان وعبداللّه بن بكير جميعاً عن أبيعبداللّه علیه السلام : « قضي
أميرالمؤمنين علیه السلام فى رجل وجد مقتولاً لايدرى من قتله ، قال : إن كان له أولياء يطلبون ديته اُعطوا ديته من بيت مال المسلمين. ولايبطل دم امرئ مسلم؛ لأنّ ميراثه للإمام فكذلك تكون ديته على الإمام ... » (1)وغيرها.
على أن صحيحة ظريف قد دلّت فى ذيلها على ذلك حيث ورد فيها : « ويكون له الدية ولايقاد ». (2)
8 - وأما اعتبار أن يكون القاتل بالغاً عاقلاً ، فأمر لا خلاف فيه ، لحديث رفع القلم(3)المشتهر بين الأصحاب. أجل ، هو لايدل على لزوم تحمل العاقلة للدية ولابدَّ من الاستناد فى ذلك الى الروايات الخاصة ، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبيجعفر علیه السلام : « كان أميرالمؤمنين علیه السلام يجعل جناية المعتوه على عاقلته خطأً كان أو عمداً » (4)، وموثقة اسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه : « أنّ علياً علیه السلام كان يقول : عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة » (5)وغيرهما.
9 - وأما اعتبار أن يكون المقتول محقون الدم ، فواضح ، إذ بعد جواز القتل لا معنى للاقتصاص من القاتل ، بل لا مجال أيضاً لاحتمال ثبوت الدية.
يثبت القتل عمداً بوسائل ثلاث : الاقرار ولو مرة واحدة ، والبيّنة بمعنى شهادة رجلين عدلين ، والقسامة.
1) وسائل الشيعة : 19 / 109 ، باب 6 من ابواب القصاص فى النفس ، حديث 1.
2) وسائل الشيعة : 19 / 58 ، باب 32 من ابواب القصاص فى النفس ، حديث 10.
3) وسائل الشيعة : ج 1 ، باب 4 من ابواب مقدمة العبادات.
4) وسائل الشيعة : 19 / 307 ، باب 11 من ابواب العاقلة ، حديث 1.
5) وسائل الشيعة : 19 / 307 ، باب 11 من ابواب العاقلة ، حديث 3.
والمستند فى ذلك :
1 - أما ثبوت القتل عمداً باقرار القاتل ، فلإطلاق دليل حجية الاقرار المتمثل في السيرة العقلائية على نفوذ اقرار كل عاقل عليه. ويؤكد ذلك صحيحة الفضيل : « قال أبوعبداللّه علیه السلام : ومن أقرَّ على نفسه عند الامام بحقّ حدٍّ من حدود اللّه فى حقوق المسلمين ، فليس على الإمام أن يقيم عليه الحد الذى أقرّ به عنده حتى يحضر صاحب الحق أو وليّه فيطالبه بحقه ، قال : فقال له بعض أصحابنا : يا أباعبداللّه فما هذه الحدود التى اذا اقرّ بها عند الإمام مرة واحدة على نفسه اُقيم عليه الحدُّ فيها؟ فقال : اذا أقرَّ على نفسه عند الإمام بسرقة قطعه ، فهذا من حقوق اللّه ، وإذا أقرَّ على نفسه أنّه شرب خمراً حدّه فهذا من حقوق اللّه ، وإذا أقرَّ على نفسه بالزنا وهو غير محصن فهذا من حقوق اللّه قال : وأما حقوق المسلمين فإذا أقرّ على نفسه عند الإمام بفرية لم يحدّه حتى يحضر صاحب الفرية أو وليّه. واذا أقرَّ بقتل رجل لميقتله حتى يحضر أولياء المقتول فيطالبوا بدم صاحبهم ». (1)
هذا والمنسوب الى جماعة - كالشيخ وابن ادريس وغيرهما - اعتبار الاقرار مرّتين. وعلّق صاحب الجواهر على ذلك بقوله : « ولا نعرف له وجهاً إلاّ الاحتياط فى الدماء الذى لا يعارض الأدلة ، مع أنّه معارض بمثله وعدم بطلان دم المسلم ». (2)
وما ذكره وجيه. ويمكن أن يضاف اليه بأنّ ذلك لو تمّ ، فلازمه اعتبار الاقرار أربع مرات ، فإنّ ذلك معتبر فى الزنا ، والقتل ليس بأدون منه.
2 - وأما ثبوت ذلك بالبينة ، فلإنصراف كلمة (البينة) فى قوله صلی اللّه علیه و آله : « البينة علي من ادّعي » (1)، وقوله : « إنما أقضى بينكم بالبينات والأيمان » (2)الى شهادة الرجلين العدلين. وعلى تقدير التشكيك فى الانصراف المذكور يمكن التمسك بالإطلاق المقامي ، فإنّ الوسيلة المعروفة للإثبات هى شهادة رجلين عدلين ، والسكوت عن تحديد البينة لابدَّ وأن يكون اعتماداً على ذلك.
3 - وأما القَسامة (3)، فالاتّكال عليها كوسيلة للإثبات مخالف للقاعدة الأولية ، إذ مقتضى قاعدة « البينة على من ادّعى واليمين على من ادّعى عليه » ، أنّ كل من ادّعي شيئاً فلاتثبت دعواه إلاّ إذا أقام البيّنة عليها ، ولكن شذَّ من ذلك مورد الدم ، فإنّ ولي المقتول اذا ادّعى أنّ القاتل فلان ، فإن كانت له بيّنة على ذلك حكم بصدق دعواه ، وإن لمتكن له بيّنة فالمناسب للقاعدة المتقدمة وصول النوبة الى يمين المدّعى عليه ، ولكن لأجل النصوص الخاصة انعكست القاعدة فى ذلك فالمدّعى عليه لايمكنه دفع الدعوى عن نفسه باليمين ، بل ينحصر دفعها بالبيّنة التى تشهد بنفى نسبة القتل اليه ، واذا لمتكن له بيّنة فبإمكان المدّعى اثبات دعواه من خلال حلف خمسين رجلاً من أقاربه أو غيرهم على صدق الدعوي. وقد دلت على ذلك عدة نصوص ، كصحيحة بريد بن معاوية عن أبيعبداللّه علیه السلام : « سألته عن القسامة ، فقال : الحقوق كلّها
1) وسائل الشيعة : 18 / 170 ، باب 3 من ابواب الشهادات ، حديث 1.
2) وسائل الشيعة : 18 / 169 ، باب 2 من ابواب الشهادات ، حديث 1.
3) القَسامة - بفتح القاف - هى الأيمان التى يؤديها جماعة ، أو هى الجماعة التى تؤدى الأيمان. ويحتمل صدقها عليهما معاً. وقد قيل إنّ القسامة كانت جاهلية وقد أقرها الاسلام. ويظهر من بعض الأخبار أنّها سنّة شرَّعها الرسول صلی اللّه علیه و آله ، فلاحظ رواية أبيبصير : « سألت أباعبداللّه علیه السلام عن القسامة أين كان بدوها؟ فقال : كانت من قبل رسولاللّه لما كان بعد فتح خيبر تخلّف رجل من الأنصار ... » (وسائل الشيعة ، باب 10 من ابواب دعوى القتل ، حديث 5 ، ج 19 : 118) بناءً على قراءة « قبل » بكسر الاول وفتح الثاني.
البيّنة على المدّعى واليمين على المدّعى عليه إلاّ فى الدم خاصة ، فإنّ رسولاللّه صلی اللّه علیه و آله بينما هو بخيبر إذ فقدت الأنصار رجلاً منهم فوجدوه قتيلاً ، فقالت الأنصار : إنّ فلان اليهودى قتل صاحبنا ، فقال رسولاللّه صلی اللّه علیه و آله للطالبين : أقيموا رجلين عدلين من غيركم اقده برمته ، (1)
والرُمة ـ بضم الراء ـ قطعة حبل يشدُّ بها القاتل عند أخذه الى محل القصاص لئلا يهرب. هذا فى الأصل ولكنه قد تستعمل ـ لمناسبة أو بدونها ـ بمعنى جميع ، يقال : أخذت الشيء برمته ، أى أخذته كله وجميعه. والمراد في الروايات ذلك.
فإن لمتجدوا شاهدين فأقيموا قسامة خمسين رجلاً أقده برمته ، فقالوا : يا رسولاللّه ما عندنا شاهدان من غيرنا وإنّا لنكره أن نقسم علي ما لمنره فوداه رسولاللّه صلی اللّه علیه و آله وقال : انما حقن دماء المسلمين بالقسامة لكى اذا رأي الفاجر الفاسق فرصة من عدوه حجزه مخافة القسامة ... » (2)وموثقة أبى بصير عن أبيعبداللّه علیه السلام : « إن اللّه حكم فى دمائكم بغير ما حكم به فى أموالكم ، حكم فى أموالكم أن البيّنة على المدّعى واليمين على المدّعى عليه ، وحكم فى دمائكم أنّ البينة على المدّعى عليه واليمين على من ادّعي ، لئلاّ يبطل دم امرئ مسلم » (3)وغيرهما.
ثم إنّه توجد عدة أسئلة ترتبط بالمقام نذكر منها :
الاول : هل يشترط فى قبول القسامة اللوث؟(4)
مقتضى إطلاق النصوص عدم اعتبار ذلك إلاّ أنّه لابدَّ من رفع اليد عنه لتسالم
1) أقدت القاتل بالمقتول : قتلته قصاصاً.
2) وسائل الشيعة : 19 / 114 ، باب 9 من ابواب دعوى القتل ، حديث 3.
3) وسائل الشيعة : 19 / 115 ، باب 9 من ابواب دعوى القتل ، حديث 4.
4) اللوث : كل امارة توجب الظن بصدق المدّعي ، كما اذا وجد عند المقتول شخص قد شهر السلاح الملوث بالدم أو أخبر صبى بأنى رأيت فلاناً يزاول عملية القتل وما شاكل ذلك من الأمارات الموجبة للظن.
الأصحاب على اعتبار ذلك ، فإنّه على ما قيل لميعرف الخلاف إلاّ من المحقق الأردبيلى القائل : « كأن لهم على ذلك إجماعاً أو نصّاً ما اطلعت عليه ». (1)
الثاني : هل يجوز أن يكون المدّعى أحد الخمسين أو يلزم أن يكون خارجاً عنهم؟
يجوز أن يكون أحدهم كما هو مقتضى ظاهر صحيحة بريد المتقدمة فلاحظ.
الثالث : هل يلزم فى الأيمان الخمسين أن تكون من خمسين رجلاً ، أو يجوز تكرارها من الرجل الواحد اذا كان العدد أقلّ من ذلك؟
مقتضى صحيحة بريد المتقدمة هو الأول ، إلاّ أنّ المنسوب الى المشهور هو الثاني ، بل ادّعى تسالم الأصحاب عليه. ويدعم ذلك أنّ بعض النصوص(2)قد دل على أنّ العلة فى تشريع القسامة هو الاحتياط للدماء ، فإذا كان يعتبر أن يكون عدد الحالفين خمسينرجلاً يلزم عدم إمكان تحقق الاحتياط لندرة تحصيل خمسين رجلاً.
ولك أن تقول بصيغة أو روح اُخري : إنّ لازم اعتبار خمسين رجلاً لَغوية تشريع القسامة ، لندرة حصول ذلك.
إذا قتل الرجل المرأة عمداً اقتصّ منه بعد ردِّ نصف ديته الى أوليائه.
وإذا أكره شخص غيره على قتل ثالث وتوعده على المخالفة فلايجوز له قتله ، سواء كان ما توعد به ما دون القتل أو هو.
والحكم فى القتل العمدى هو القصاص دون التخيير بينه وبين المطالبة بالدية إلاّ اذا
فرض تراضى الطرفين على ذلك.
والمشهور أنّ جواز المبادرة الى القصاص ، مشروط بالاستئذان من وليّ المسلمين.
وفى تحديد من له حق القصاص خلاف.
ومع تعدد الأولياء فلايبعد القول بجواز اقتصاص كل واحد منهم مستقلاً ومن دون إذن البقية.
واذا اقتصّ بعض الأولياء مع رضا البقية فلا إشكال ، وإلاّ ضمن المقتصّ حصّتهم من الدية إن طالبوا بها ، ويضمنها لورثة الجانى على تقدير العفو عن القصاص والدية.
والمشهور لزوم كون الاقتصاص بالسيف دون غيره.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ الرجل لو قتل المرأة متعمداً اقتصّ منه بعد ردّ نصف ديته الى أوليائه ، فلم يعرف فيه خلاف لما يأتى فى باب الديات - إن شاء اللّه تعالى - من أنّ دية المرأة نصف دية الرجل ، فإذا جاز الاقتصاص منه لزم ردُّ نصف الدية الى أوليائه ، كما دلّت على ذلك صحيحة الحلبى عن أبيعبداللّه علیه السلام : « الرجل يقتل المرأة متعمّداً فأراد أهل المرأة أن يقتلوه ، قال : ذاك لهم إذا أدّوا الى أهله نصف الدية. وإن قبلوا الدية فلهم نصف دية الرجل ... » (1)وغيرها.
هذا وفى مقابل ذلك رواية السكونى عن أبيعبداللّه علیه السلام : « أنّ أميرالمؤمنين علیه السلام قتل رجلاً بامرأة قتلها عمداً ... » (2)وموثقة اسحاق بن عمّار عن جعفر علیه السلام : « أنّ رجلاً
قتل امرأة فلم يجعل عليّ علیه السلام بينهما قصاصاً وألزمه الدية ». (1)
ويمكن الجواب :
أما عن الرواية الاُولي ، فبأنّها - لو تمّت سنداً ولميناقش من ناحية النوفلى الذي لميرد فى حقه توثيق - مطلقة قابلة للتقييد بصحيحة الحلبى وغيرها الدالة علي لزوم دفع نصف الدية.
وأما عن الرواية الثانية ، فبأنّه لو أمكن حملها على كون المراد عدم جعل القصاص مجرداً عن ردّ نصف الدية فلا مشكلة ، وإلاّ فهى ساقطة عن الاعتبار ، لهجران الأصحاب لمضمونها.
2 - وأما أنّ من اُكره على قتل ثالثٍ فلا يجوز له قتله إن كان ما توعّد به دون القتل ، فالأمر فيه واضح ، إذ يحرم قتل المؤمن ظلماً ومن دون حق ، ولا ترتفع الحرمة بالإكراه على ما دون القتل.
وبكلمة اُخري : المورد داخل تحت باب التزاحم ، فيلزم تقديم الأهمّ جزماً أو احتمالاً ، وهو حرمة قتل المؤمن.
وإذا قيل : لِمَ لاترتفع الحرمة بحديث رفع التسعة؟(2)
قلنا : حيث إنّ الحديث مسوق مساق الإمتنان على النوع ، فيلزم عدم شموله للموارد التى يلزم فيها خلاف ذلك ، كما هو المفروض فى المقام لو قيل بالشمول.
3 - وأما أنّه لايجوز القتل حتى اذا كان المتوعد به هو القتل أيضاً ، فلما دلّ علي أنه لا تقية فى الدماء ، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبيجعفر علیه السلام : « إنّما جعلت
التقية ليحقن بها الدم ، فإذا بلغت الدم فليس تقية » (1)وغيرها.
ولولا ذلك لكان المناسب جواز القتل؛ لأنّ المورد داخل تحت باب التزاحم ، إذ الأمر يدور بين واجب - حفظ النفس - وحرام - قتل النفس المحترمة - وحيث لاترجيح فلابدَّ من الحكم بالتخيير ، إلاّ أنّ قاعدة : « لا تقية فى الدماء » - بناءً علي شمولها لموارد الإكراه كما يظهر من الشيخ الأعظم فى مكاسبه(2)- تمنع من ذلك.
4 - وأما أنّ الحكم فى القتل العمدى هو القصاص ، فهو المشهور. ويدل عليه ظاهر الكتاب الكريم كقوله تعالي : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ ... ) (3)وغيره ، والنصوص الخاصة ، كصحيحة عبداللّه بن سنان : « سمعت أباعبداللّه علیه السلام يقول : من قتل مؤمناً متعمداً قِيدَ منه ، إلاّ أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية ، فإن رضوا بالدية وأحبّ ذلك القاتل فالدية ». (4)
هذا ولكن المنسوب الى الاسكافى والعمانى الحكم بتخيير أولياء المقتول بين القصاص والمطالبة بالدية. (5)
5 - وأما أنّه مع تراضى الطرفين على الدية يسقط القصاص ، فباعتبار أنّ الحق لايعدو الطرفين فاذا تراضيا على الدية بمقدارها الشرعى أو غيره جاز لهما ذلك. على أنّ صحيحة عبداللّه بن سنان السابقة واضحة فى ذلك.
6 - وأما أنّ جواز المبادرة الى القصاص مشروط بالاستئذان من ولى المسلمين ،
فقد ادّعى عدم الخلاف فيه. والإستناد اليه وجيه لو فرض تحقق تسالم بين الكل بنحوٍ يكون كاشفاً عن وصول الحكم من الامام علیه السلام يداً بيد وإلاّ فالمناسب التمسك بإطلاق أدلة جواز القصاص.
7 - وأما من له حق القصاص ، فقيل : هو كل من يرث المال عدا الزوج والزوجة.
أما أنّه هو كل من يرث المال ، فلعموم ادلة الارث من آية أوليالأرحام(1)وغيرها ، وإطلاق قوله تعالي : (فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) (2)بناءً على كون المقصود من الولى مطلق الوارث لا حصّة خاصة منه.
وأما استثناء الزوج والزوجة ، فللتسالم على ذلك. ويمكن استفادته من موثقة البقباق عن أبيعبداللّه علیه السلام : « هل للنساء قود أو عفو؟ قال : لا ، وذلك للعصبة ». (3)
وقيل : إنّ من له حق القصاص هو كل وارث للمال غير النساء والزوج والزوجة ومن يتقرب بالاُم.
والوجه فى ذلك هو الموثقة المتقدمة ، فإنّها حصرت حق القصاص بالعصبة وهم بنوه وقرابته لأبيه. (4)
8 - وأما جواز الاقتصاص لكلّ واحد من الأولياء بلا حاجة الى كسب الإذن من البقية ، فهو رأى معروف. ويدلّ عليه ظاهر الآية الكريمة : (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) ، فإنّ الحكم ما دام مجعولاً لطبيعى الولى فيلزم انحلاله بعدد
أفراده ، كما فى سائر الموارد التى ينحلّ فيها الحكم بانحلال موضوعه.
واحتمال كون الحق قائماً بالمجموع أو بالجامع بنحو صرف الوجود بعيد ، بل ظاهر الآية تعلقه بالجامع بنحو الانحلال.
9 - وأما أنّه على تقدير اقتصاص بعض الأولياء من دون اذن البقية ، فعليه دفع مقدار حصته من الدية إن طالب بذلك ويدفع ذلك الى ورثة الجانى على تقدير العفو عن القصاص والدية فهو المشهور بين الأصحاب. وتدل عليه صحيحة أبى ولاّد الحناط : « سألت أباعبداللّه علیه السلام عن رجل قتل وله اُم وأب وابن ، فقال الابن : أنا اُريد أن أقتل قاتل أبي ، وقال الأب : أنا اُريد أن أعفو ، وقالت الاُم : أنا اُريد أن آخذ الدية ، فقال : فليعط الابن اُمَّ المقتول السدس من الدية ، ويعطى ورثةَ القاتل السدس من الدية حقّ الأب الذى عفا وليقتله ». (1)
10 - وأما لزوم كون الاقتصاص بالسيف ، فتدل عليه صحيحة الحلبى وأبيالصباح الكنانى عن أبيعبداللّه علیه السلام قالا : « سألناه عن رجل ضرب رجلاً بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتى مات ، أيدفع الى وليّ المقتول فيقتله؟ قال : نعم ، ولكن لايترك يعبث به ولكن يجيز عليه بالسيف ». (2)
إلاّ أنّه قد يقال أنّ ذكر السيف هو من باب كونه آلة القتل المتداولة تلك الفترة ، ومعه فلا تدل على الحصر والاختصاص.
يجوز القصاص فى الأطراف اذا جُنى عليها عمداً متى ما تمّت الشروط السابقة في قصاص النفس.
ولا يشترط التساوى فى الذكورة والاُنوثة ، فلو جنت المرأة على الرجل اقتصّ منها. أجل ، لو جنى هو عليها اقتصت منه بعد ردِّ التفاوت اليه اذا بلغت دية الجناية الثلث وإلاّ فلا ردَّ ، فلو قطع الرجل اصبع امرأة جاز لها قطع اصبعه بدون ردِّ شيء اليه بينما لو قطع يدها جاز لها قطع يده بعد ردِّ نصف دية يده اليه.
ويجوز القصاص أيضاً فى الجروح فيما اذا أمكن ضبطها ، بأن كان يمكن القصاص بمقدار الجرح ، وإلاّ تعيّنت الدية.
والمستند فى ذلك :
1 - أما جواز القصاص فى الأطراف اذا جنى عليها عمداً ، فهو من ضروريات الاسلام. ويدل عليه قوله تعالي : (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) (1)، والعمومات المذكورة عند البحث عن قصاص النفس. والروايات فى ذلك كثيرة. وستأتى الاشارة الى بعضها ان شاء اللّه تعالي.
2 - وأما اعتبار شروط قصاص النفس فى المقام أيضاً ، فهو ممّا تسالم عليه الأصحاب. وتدل على ذلك الأدلة المتقدمة لشروط القصاص فى النفس فإنّها عامّة.
1) المائدة : 45.
وإذا كان فى بعضها قصور عن إثبات التعميم ، فالتسالم القطعى كافٍ لإثبات ذلك.
3 - وأما أن جواز القصاص ليس مشروطاً بالتساوى فى الذكورة والاُنوثة ، فيدل عليه إطلاق الآية المتقدمة ، مضافاً الى قضاء الروايات الخاصة - التى ستأتي الإشارة الى بعضها - بذلك.
هذا وفى المقابل دلّت موثقة زيد بن على عن آبائه عن على علیهم السلام : « ليس بين الرجال والنساء قصاص إلاّ فى النفس ... » (1)على أنّ المرأة لاتقتص من الرجل.
ويردّها :
أولاً : انّ مضمونها مهجور بين الأصحاب ، فتكون ساقطة عن الاعتبار.
وثانياً : انّها معارضة للروايات الآتية الدالة على أنّ للمرأة حق القصاص من الرجل ، وحيث إنّ المعارضة مستقرة فتقدم الروايات الدالة على جواز القصاص ، لموافقتها لإطلاق الكتاب الكريم.
4 - وأما أنّ المرأة يجوز لها الاقتصاص من الرجل لو جنى عليها بشرط ردِّ التفاوت فيما إذا بلغت دية الجناية الثلث ، فهو يتضمّن مطلبين :
أحدهما : أنّ المرأة تساوى الرجل فى دية الأعضاء مادام لميحصل تجاوز عنالثلث.
ثانيهما : أنّ المرأة يجوز لها القصاص من الرجل بشرط ردّ التفاوت إن حصل تجاوز عن الثلث وإلاّ جاز لها القصاص من دون ردٍّ.
اما بالنسبة الي المطلب الأول ، فيأتى ما يدل عليه فى باب الديات إن شاءاللّه تعالي.
وأما بالنسبة الى المطلب الثاني ، فتدل عليه صحيحة الحلبى عن أبي عبداللّه علیه السلام :
1) وسائل الشيعة : 19 / 139 ، باب 22 من ابواب قصاص الطرف ، حديث 2.
« رجل فقأ عين امرأة ، فقال : إن شاءوا أن يفقأوا عينه ويؤدّوا اليه ربع الدية ، وإن شاءت أن تأخذ ربع الدية. وقال فى امرأة فقأت عين رجل : إنّه إن شاء فقأ عينها وإلاّ أخذ دية عينه ». (1)
5 - وأما جواز القصاص فى الجروح ، فيدل عليه قوله تعالي : (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) (2)، وإطلاق قوله : (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) (3)ونحوه.
وأما اعتبار إمكان ضبط الجرح فواضح ، لعدم جواز القصاص من دون مماثلة (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (4)، بل مع عدم المماثلة لايصدق عنوان القصاص.
الدية واقسامها
مقادير الديات
من احكام القتل والديات
الدية (1)غرامة مالية شرِّعت كجزاء على ارتكاب الجناية.
وهى مشروعة بالكتاب والسنّة القطعية.
وتنقسم الى المقدَّرة شرعاً وغيرها.
وهى ثابتة فى موارد خاصة.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ تحديد الدية ما تقدم ، فهو من واضحات اللغة والفقه.
وأما أنّها مشروعة ، فهو من ضروريات الاسلام. ويدل عليه قوله تعالي : (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) ، (2)والروايات الكثيرة التى تأتى الاشارة الى بعضها.
2 - وأما انقسامها الى المقدَّرة شرعاً وغيرها ، فباعتبار أنّ الجناية تارة يكون لها تقدير شرعى واُخرى لايكون لها ذلك. ويصطلح على الأول بالدية وعلى الثاني بالأرش أو الحكومة.
ويتمّ تعيين الأرش وفق طريقة يأتى بيانها فى ما بعد إن شاء اللّه تعالي.
والدية بكلا قسميها تؤخذ من الجانى إن كانت الجناية عمدية أو شبه ذلك ، ومن العاقلة إن لم تكن كذلك.
3 - وأما موارد ثبوتها ، فهي :
أ - الخطأ المحض والشبيه بالعمد. وثبوت الدية فيهما دون القود أمر متسالم عليه بيننا. ويدل عليه قوله تعالي : (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) (1)، فإنّه بإطلاقه يشمل الخطأ بكلا قسميه. ويمكن استفادة ذلك من الروايات أيضاً - ولكن الطابع العام عليها ضعف السند - كرواية الفضل بن عبدالملك عن أبيعبداللّه علیه السلام : « سألته عن الخطأ الذى فيه الدية والكفارة ، هو الرجل يضرب الرجل ولايتعمد؟ قال : نعم ... » (2)وغيرها.
هذا وقد تقدمت فيبداية البحث عنالقصاص الإشارة الى خلاف مالك فلاحظ.
ب - الموارد التى لايثبت فيها القصاص بالرغم من كون القتل عمداً ، كقتل الأب ولده أو المسلم الذمي. وقد تقدمت الإشارة الى وجه ثبوت الدية فى مثل ذلك في بداية البحث عن القصاص.
ج - الموارد التى لايمكن فيها القصاص ، كبعض الجروح التى لايمكن ضبطها. وقد تقدّمت الإشارة الى ذلك فى نهاية البحث عن القصاص.
د - موارد القصاص فيما اذا تراضى الطرفان على الدية. وقدتقدّمت الإشارة الي ذلك فى مبحث القصاص تحت عنوان « من أحكام قصاص النفس ».
الديات المقدَّرة شرعاً هى على أنحاء مختلفة نشير الى بعضها : (1)
دية قتل المسلم عمداً - إذا تمّ التراضى عليها - أحد اُمور ستة :
مائة من الإبل الفحولة المسنّة. (2)
أو مائتا بقرة.
أو ألف دينار ذهب. (3)
أو عشرة آلاف درهم فضة. (4)
أو ألف شاة.
أو مائتا حلّة (5)، وكل حلّة ثوبان : ازار ورداء.
واستيفاؤها يكون ضمن فترة سنة.
ويجوز الاستيفاء بالأوراق النقدية المتداولة فى زماننا مع تعذر الستة أو تراضي الطرفين على ذلك.
1) حيث إنّ الديات المقدّرة شرعاً كثيرة جداً ، واستيعابها يوجب التطويل ويورث الملل اقتصرنا على البعض المهم منها.
2) المسنّة من الإبل - على ما قيل - هى ما دخلت فى السنة السادسة.
3) المقصود الدينار الشرعى الذى مقداره مثقال ذهب بوزن 18 حمصة. وقيل انّ الدينار الشرعى يعادل أربعة غرامات ذهب وربع تقريباً ، فالدية على هذا أربعة كيلوات من الذهب وربع الكيلو تقريباً.
4) المقصود الدرهم الشرعى الذى هو من الفضة ويعادل 6/12 حمصة. وقيل انّ الدرهم الشرعى يعادل ثلاثة غرامات إلاّ ربع عشر الغرام تقريباً ، فالدية على هذا ثلاثون كيلواً إلاّ ربع الكيلو من الفضة تقريباً.
5) الحُلَّة - بضم الاول - مطلق الثوب أو خصوص الثوب الساتر لجميع البدن. والفقهاء فسّروها بالثوبين ، بل قيل : إنّ ذلك هو معناها لغة.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ دية القتل عمداً ما تقدم ، فممّا لا خلاف فيه. وتدل عليه صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج : « سمعت ابن أبى ليلى يقول : كانت الدية فى الجاهلية مائة من الإبل فأقرّها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، ثم إنّه فرض على أهل البقر مائتى بقرة ، وفرض على أهل الشاة ثنية (1)، وعلى أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم ، وعلى أهل اليمن الحلل مائتى حلّة. قال عبدالرحمن بن الحجاج : فسألت أباعبداللّه علیه السلام عما روى ابن أبى ليلي ، فقال : كان على علیه السلام يقول : الدية ألف دينار - وقيمة الدينار عشرة دراهم - وعشرة آلاف لأهل الأمصار ، وعلى أهل البوادى مائة من الإبل ولأهل السواد مائتا (2)بقرة أو ألف شاة » (3)وغيرها.
وموضع الاستشهاد نقل ابن الحجاج عن الإمام علیه السلام وإلاّ فما نقله - فى صدر الصحيحة - عن ابن أبى ليلى ليس حجة كما هو واضح.
ومنه يتضح أن مستند عدِّ مائتى حُلّة من جملة أفراد الدية ينحصر بالتسالم الفقهى على ذلك وإلاّ فكلام ابن أبيليلى - الذى ذكر فيه ذلك - ليس حجة.
ثم إنّ المذكور فى الصحيحة أنّ على أهل السواد مائتى بقرة وعلى ... وهذا لا ينبغى أن يفهم منه التعيين ، بل هو وارد مورد الارفاق والتسهيل كما هو واضح.
وينبغى الالتفات الى أنّ المعروف بين الفقهاء بل ادّعى عدم الخلاف فيه أن التخيير بين الأفراد الستة ثابت للجانى دون أولياء المجنى عليه. وهو إن لميستفد
من الصحيحة المتقدمة فيكفى لإثباته كونه مقتضى الأصل.
وينبغى الالتفات أيضاً الى أنّ المسألة تشتمل على روايات اُخرى قد تدل علي مضامين اُخرى تغاير مضمون الصحيحة المتقدمة من بعض الجهات ، ولكن لأجل عدم القائل بذلك وهجران الأصحاب لها تكون ساقطة عن الحجية.
2 - وأما أنه يعتبر فى الإبل أن تكون فحولة مسنّة ، فهو رأى معروف. وتدل عليه صحيحة معاوية بن وهب : « سألت أباعبداللّه علیه السلام عن دية العمد ، فقال : مائة من فحولة الإبل المسان ... » (1)وغيرها.
3 - وأما أنّ استيفاء دية العمد يكون ضمن فترة سنة ، فممّا لا خلاف فيه ، وتدل عليه صحيحة أبيولاّد عن أبيعبداللّه علیه السلام : « كان على علیه السلام يقول : تستأدى دية الخطأ فى ثلاث سنين ، وتستأدى دية العمد فى سنة ». (2)
4 - وأما جواز الاستيفاء بالأوراق النقدية مع التعذر أو التراضى ، فواضح؛ لأنّه مع التعذر حيث لايحتمل سقوط الدية رأساً فيتعين الرجوع الى البدل الأقرب وهو الأوراق النقدية.
وأما أنّه مع التراضى يجوز ذلك ، فأوضح؛ لأنّ الحق لا يعدو الطرفين.
ثم إنّه لو فرض وجود بعض الأفراد الستة وعدم التراضى بالأوراق النقدية ، فهل يحقّ للجانى الالزام بها؟ المناسب هو العدم؛ لأنّ ظاهر الصحيحة الالزام بالأعيان نفسها فمع التمكن منها لا وجه للالزام بالبدل.
دية القتل الشبيه بالعمد هى أحد الاُمور الستة المتقدّمة ، غير أنّه يعتبر فى الإبل أن تكون : أربعون منها خَلِفة من بين ثنية الى بازل عامها ، وثلاثون حقة ، وثلاثون بنت لبون.(1)
والثنية من الابل : ما دخل فى السنة السادسة.
والبازل من الابل : ما دخل فى التاسعة. يقال : هو بازل ، أى طلع نابه. واذا دخل فى العاشرة قيل هو بازل عام.
وعلى هذا يكون المقصود أنه تجب أربعون من الابل الحامل التى عمرها بين ست الى عشر سنوات.
والحقة هى الناقة الداخلة فى الرابعة. سميت بذلك لأنها استحقت أن يحمل عليها.
وبنت اللبون هى الناقة الداخلة فى الثالثة. سميت بذلك لأن أمّها قد وضعت وصار لها لبن.
وتستوفى من الجانى خلال سنوات ثلاث.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ دية القتل الشبيه بالعمد هو أحد الأفراد الستة أيضاً ، فباعتبار إطلاق صحيحة عبدالرحمن المتقدمة.
2 - وأما أنّه يعتبر فى الإبل ماذكر من الأوصاف ، فهو رأى معروف. وتدل عليه صحيحة عبداللّه بن سنان : « سمعت أباعبداللّه علیه السلام يقول : قال أمير المؤمنين علیه السلام في الخطأ شبه العمد أن يقتل بالسوط أو بالعصا أو بالحجر ، إنَّ دية ذلك تغلظ وهى مائة من الابل : منها أربعون خلفة من بين ثنية الى بازل عامها ، وثلاثون حقة ، وثلاثون بنت لبون » (2)
وهى إذا كانت ضعيفة السند ببعض طرقها ، ففى بعضها الآخر كفاية فلاحظ.
3 - وأما أنّها تستوفى من الجانى دون العاقلة ، فهو المشهور بين الأصحاب. و
يدل عليه إطلاق الآية الكريمة : (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) (1)، فإنّها ظاهرة فى أنّ الدية ثابتة على الجاني ، وبإطلاقها تشمل كلا قسمى الخطأ ، غايته خرج الخطأ المحض - الذى تجب فيه الدية على العاقلة - بالدليل الخاص.
4 - وأما أنّها تستوفى فى سنين ثلاث ، فلصحيحة أبيولاّد المتقدمة.
هذا ، ولكن المشهور أنّها تستوفى فى سنتين لا ثلاث ، إلاّ أنّه لا دليل على ذلك سوى الإجماع المدّعى من بعض. وعليه فالمناسب العمل بالصحيحة بناءً على أنّ إعراض المشهور عن روايةٍ لايوجب سقوطها عن الاعتبار.
دية الخطأ المحض أحد الاُمور الستة المتقدمة - غايته يلزم فى الإبل أن تكون ثلاثون منها حقة ، وثلاثون بنت لبون ، وعشرون بنت مخاض(2)، وعشرون ابن لبون - وتستوفى من العاقلة خلال سنين ثلاث.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ دية الخطأ المحض أحد الاُمور الستة السابقة أيضاً ، فلنفس ما تقدّم في القتل الشبيه بالعمد.
2 - وأما أنّه تلزم فى الإبل الاوصاف السابقة ، فهو المشهور بين الأصحاب. وتدل عليه صحيحة عبداللّه بن سنان : « سمعت أباعبداللّه علیه السلام يقول : ... والخطأ يكون فيه
ثلاثون حقة وثلاثون ابنة لبون وعشرون بنت مخاض وعشرون ابن لبون ذكر ». (1)
3 - وأما أنّها تستوفى من العاقلة ، فأمر لا خلاف فيه. وتدل عليه صحيحة الحلبي : « سألت أباعبداللّه علیه السلام ... والاعمى جنايته خطأ تلزم عاقلته يؤخذون بها في ثلاث سنين فى كلّ سنة نجماً ... ». (2)
وأما أنها تستوفى فى سنوات ثلاث ، فللصحيحة المذكورة وصحيحة أبى ولاّد المتقدمة.
فى الجناية على العين الواحدة نصف الدية وعلى كلتيهما الدية كاملة. وهكذا الحال في الجناية على الأذن الواحدة والأذنين ، والشفة الواحدة والشفتين ، واليد الواحدة واليدين ، والرجل الواحدة والرجلين. وفى استئصال اللسان الدية كاملة.
والمستند فى ذلك :
إن ما ذكر ممّا لا خلاف فيه وتقتضيه قاعدة « أنّ كلّ ما كان منه فى الجسد واحد ففيه الدية كاملة ، وما كان فيه اثنان ففى كل واحد منهما نصف الدية ، وفيهما معاً الدية كاملة » المستفادة من صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبيعبداللّه علیه السلام : « ما كان فى الجسد منه اثنان ففيه نصف الدية ، مثل اليدين والعينين. قلت : رجل فقئت عينه ، قال : نصف الدية ، قلت : فرجل قطعت يده ، قال : فيه نصف الدية ... » (3)وغيرها
ومن ذلك يتضح الوجه فى حكم البقية.
فى قطع كل واحد من أصابع اليد عُشر دية اليد ، وفى قطع كل إصبع من أصابع الرجل عُشر دية الرجل.
والمستند فى ذلك :
بعد كونه هو المشهور صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبيعبداللّه علیه السلام : « أصابع اليدين والرجلين سواء فى الدية فى كلّ إصبع عشر من الإبل » (1)وغيرها.
وفى مقابل ذلك صحيحة ظريف عن أمير المؤمنين علیه السلام : « ... ففى الإبهام اذا قطع ثلث دية اليد ... وفى الأصابع فى كل إصبع سدس دية اليد ... ». (2)
إلاّ أنّ الصحيحة المذكورة ، لإعراض المشهور عنها (3)، ساقطة عن الاعتبار بناءً على تمامية كبرى سقوط الرواية عن الحجية باعراض المشهور عنها ، وتعود الصحيحة الاُولى بناءً على ذلك سالمة عن المعارض ويتمّ رأى المشهور.
دية اللطمة على الوجه اذا احمرّ دينار ونصف ، وإذا اخضرّ فثلاثة دنانير واذا اسودّ فستة دنانير. (4)واذا كان ذلك فى البدن فالدية نصف ما فى الوجه.
والمستند فى ذلك :
بعد كونه هو المشهور بين الأصحاب موثقة اسحاق بن عمار - برواية الشيخ الصدوق - عن أبيعبداللّه علیه السلام : « قضى أمير المؤمنين علیه السلام فى اللطمة يسود أثرها في الوجه أنّ أرشها ستة دنانير ، فإن لمتسود واخضرَّت فإنّ أرشها ثلاثة دنانير ، فإن احمارَّت ولمتخضرَّ فإنّ أرشها دينار ونصف. وفى البدن نصف ذلك » (1)وغيرها.
والوارد فى الموثقة وإن كان هو كلمة « اللطمة » الظاهرة فى الضرب باليد إلاّ أنّالمناسب هو التعدّى الى غير الضرب والى غير ماكان باليد للقطع بعدم الخصوصية لذلك.
فى اسقاط الحمل إذا كان نطفة عشرون ديناراً ، وإذا كان علقة فأربعون ديناراً ، وإذا كان مضغة فستوّن ديناراً ، وإذا كان فيه عظم فثمانون ديناراً ، وإذا كُسى لحماً فمائة دينار ، وإذا ولجته الروح فألف دينار إن كان ذكراً وخمسمائة إن كان اُنثي.
والحكم المذكور يعمّ ما إذا زاولت الاُم نفسها عملية الاسقاط ولو بشرب دواء ونحوه.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّ دية الحمل ما ذكر ، فهو المعروف بين الأصحاب. وتدل عليه صحيحة ظريف عن أميرالمؤمنين علیه السلام : « جعل دية الجنين مائة دينار ، وجعل منى الرجل الى أن يكون جنيناً خمسة أجزاء ، فاذا كان جنيناً قبل أن تلجه الروح مائة دينار ، وذلك أنّ اللّه عزّوجل خلق الانسان من سلالة وهى النطفة فهذا جزء ، ثم علقة فهو جزآن ، ثمّ مضغة
1) وسائل الشيعة : 19 / 295 ، باب 4 من ابواب ديات الشجاج والجراح ، حديث 1.
فهو ثلاثة أجزاء ، ثم عظماً فهو أربعة أجزاء ، ثمّ يكسا لحماً فحينئدٍ تمَّ جنيناً فكملت لخمسة أجزاء مائة دينار ، والمائة دينار خمسة أجزاء فجعل للنطفة خمس المائة عشرين ديناراً ، وللعلقة خمسى المائة أربعين ديناراً ، وللمضغة ثلاثة أخماس المائة ستين ديناراً ، وللعظم أربعة أخماس المائة ثمانين ديناراً ، فاذا كسا اللحم كانت له مائة كاملة ، فاذا نشأ فيه خلق آخر وهو الروح فهو حينئذ نفس بألف دينار كاملة إن كان ذكراً وإن كان اُنثى فخمسمائة دينار ... » (1)وغيرها.
2 - وأما أنّ الحكم المذكور يعمُّ ما إذا زاولت الاُم نفسها عملية الاسقاط ، فباعتبار إطلاق الصحيحة المتقدمة. وتدفع الدية - كما هو واضح - الى الأب.
تجب على القاتل عمداً - مضافاً الى الدية لو تَمَّ التراضى عليها - كفارة الجمع.
وتجب أيضاً فى القتل الشبيه بالعمد والخطأ المحض ولكنّها مرتّبة ، فيجب العتق ، فإن لميمكن فصيام شهرين متتابعين ، فإن لميمكن فإطعام ستّين مسكيناً.
والجناية تارة يكون لديتها مقدّر شرعى واُخرى لايكون.
ويصطلح على الأول بالدية وعلى الثانى بالأرش أو الحكومة.
ويتمُّ تعيين الأرش بواسطة الحاكم الشرعى بعد استعانته بذوى عدل.
ودية المرأة نصف دية الرجل فى القتل. وأما فى غيره فديتها تساوى دية الرجل - فيما إذا كان لها مقدرّ شرعى - ما لمتبلغ الثلث وإلاّ رجعت الى نصف دية الرجل.
والعاقلة التى يلزمها تحمّل دية الجناية فى الخطا المحض هى عصبة الجاني ، اى الرجال
1) وسائل الشيعة : 19 / 237 ، باب 19 من ابواب ديات الاعضاء ، حديث 1.
المتقربون اليه بالاب ، كالاُخوة والاعمام واُولادهم وان نزلوا. وليس من العاقلة الصبي والمجنون والمرأة.
والتقسيم على افراد العاقلة يتم بالتساوى من دون فرق بين الغنى والفقير والقريب والبعيد.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أنّه تجب على القاتل عمداً - مضافاً الى الدية اذا تَمَّ التراضى عليها- كفارة الجمع ، فهو ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب. وتدل عليه صحيحة عبداللّهبن سنان : « قال أبوعبداللّه علیه السلام : كفارة الدم إذا قتل الرجلُ المؤمنَ متعمّداً فعليه أن يمكّن نفسه من أوليائه ، فإن قتلوه فقد ادّى ما عليه إذا كان نادماً على ما كان منه عازماً على ترك العود. وإن عفا عنه فعليه أن يعتق رقبة ويصوم شهرين متتابعين ويطعم ستّين مسكيناً ، وأن يندم على ما كان منه ويعزم على ترك العود ... » (1)وغيرها.
2 - وأما أنّ الكفارة مرتبة فى قتل الخطأً بكلا قسميه ، فلصحيحة عبداللّه بن سنان أيضاً : « قال أبوعبداللّه علیه السلام : ... وإذا قتل خطأً أدّعى ديته الى أولياءه ثم أعتق رقبة ، فإن لميجد صام شهرين متتابعين ، فإن لميستطع أطعم ستّين مسكيناً مدّاً مدّاً. وكذلك إذا وهبت له دية المقتول فالكفارة عليه فيما بينه وبين ربّه لازمة ». (2)
3 - وأما أنّ الدية قد لايكون لها مقدّر شرعي ، فيجب دفع ما يصطلح عليه
بالأرش أو الحكومة ، فهو من المسلّمات فإنّه لايحتمل عدم ثبوت دية فى الموارد التى ليس فيها مقّدر شرعى وإلاّ يلزم إمّا ذهاب دم المسلم هدراً أو نقصان الاسلام فى تشريعه ، وكلاهما غير محتمل.
ويمكن استفادة ذلك من صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبيعبداللّه علیه السلام : « دية اليد إذا قطعت خمسون من الابل. وما كان جروحاً دون الاصطلام (1)فيحكم به ذوا عدل منكم ». (2)
4 - وأما أنّه يتم تعيين الأرش بواسطة الحاكم الشرعى بعد الاستعانة بذوى عدل ، فيمكن استفادته من صحيحة ابن سنان المتقدمة ، فإنّها وإن لمتصرح بأنّ المتصدي لتعيين الأرش هو الحاكم إلاّ أنّ ذلك هو المقصود جزماً ، فإنّه لابدَّ من وجود شخص يتصدّى لتعيين العدول واتخاذ القرار بعد ذلك. بل من دون افتراض مثل الشخص المذكور يلزم ازدياد المشاكل تعقيداً ، والقدر المتيقن من ذلك الشخص هو الحاكم الشرعي. ولا إطلاق فى الصحيحة من هذه الناحية ليمكن التمسك به لإثبات الاكتفاء بتصدّى أى شخص عادل لذلك.
يبقى شيء ، وهو أنّ أى طريق يسلكه العدلان لتعيين الأرش؟ ان ذلك لمتتعرض له الروايات. والمعروف فى كلمات الأصحاب - كما فى الشرائع(3)وغيرها - أنّ المجروح يفترض مملوكاً ثم يقوّم صحيحاً تارةً ومعيباً بالجرح اُخري ، ويؤخذ من دية النفس بحساب التفاوت بين القيمتين.
5 - وأما أنّ دية المرأة نصف دية الرجل فى القتل ، فلا خلاف فيه بين الأصحاب. وتدل عليه صحيحة عبداللّه بن مسكان عن أبيعبداللّه علیه السلام : « إذا قتلت المرأة رجلاً قتلت به. وإذا قتل الرجل المرأة فإن أرادوا القود أدّوا فضل دية الرجل على دية المرأة وأقادوه بها ، وإن لميفعلوا قبلوا الدية دية المرأة كاملة. ودية المرأة نصف دية الرجل » (1)وغيرها.
وأما أنّ دية المرأة فى غير القتل تساوى دية الرجل ما لمتبلغ الثلث وإلاّ رجعت الى نصف دية الرجل ، فتدل عليه صحيحة أبان بن تغلب : « قلت لأبي عبداللّه علیه السلام : ما تقول فى رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة ، كم فيها؟ قال : عشرة من الابل. قلت : قطع اثنتين؟ قال : عشرون. قلت : قطع ثلاثاً؟ قال : ثلاثون. قلت : قطع أربعاً؟ قال : عشرون. قلت : سبحان اللّه يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله ونقول : الذي جاء به شيطان. فقال : مهلاً يا أبان هذا حكم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، إنّ المرأة تعاقل (2)الرجل الى ثلث الدية ، فإذا بلغت الثلث رجعت الى النصف. يا أبان إنّك أخذتنى بالقياس ، والسنّة إذا قيست محق الدين » (3)وغيرها من الروايات الكثيرة.
6 - وأما أنّ العاقلة تختص بالمتقربين بالأب ولاتشمل المتقرّبين بالاُم ، فهو
1) وسائل الشيعة : 19 / 59 ، باب 33 من ابواب القصاص فى النفس ، حديث 2.
2) كلمة « تعاقل » مشتقة من العقل بمعنى الدية - سميت بذلك إما لأنّ من معانى العقل المنع ، والدية تمنع صاحبها من الجرأة على الجناية ، أو باعتبار أنّ الدية كانت إبلاً تعقل عند ولى المقتول - والمقصود أنّ المرأة تستحق العقل وهو الدية بمقدار دية الرجل وتساويه فى ذلك الى حدَّ الثلث.
3) وسائل الشيعة : 19 / 268 ، باب 44 من ابواب ديات الاعضاء ، حديث 1.
المشهور بين الأصحاب. ووجهه : أنّ ذلك هو معنى العصبة لغة.
7 - وأما أنّ الصبى والمجنون ليس من العاقلة ، فهو ممّا لا خلاف فيه. ويدل عليه حديث رفع القلم حتى بناءً على اختصاصه بقلم التكليف ، فإنّ ثبوت الدية علي العاقلة تكليف محض ومن البعيد أن يكون حكماً وضعياً.
وأما أنّ المرأة ليست من العاقلة ، فباعتبار اختصاص العاقلة لغة بالذكور.
8 - وأما أنّ التقسيم يتمّ بالتساوى ، فباعتبار أنّ ما دلَّ على كون الدية علي العاقلة يدل بنفسه على ذلك ، فإنّ التقسيط بشكل آخر يحتاج الى دليل ، وهو مفقود.
وقيل : إنّ أمر التقسيم بيد الإمام علیه السلام أو نائبه.
وقيل : إنّ على الغنى نصف دينار وعلى الفقير ربعه.
وكلاهما لا دليل عليه. والمناسب ما تقدّم.
9 - وأما عدم الفرق بين الغنى والفقير ، فلعدم الدليل على الاختصاص بالغني. أجل ، إذا كان الفقير عاجزاً عن الدفع اختصّ العقل بغيره؛ لأنّ ثبوت الدية علي العاقلة - كما تقدّم - تكليف محض ، وهو لا يعمّ العاجز.
10 - وأما عدم اختصاص العقل بالقريب ، فلأنّ لفظ العاقلة يشمل البعيد أيضاً ، ولا دليل على التقييد.
مقدمة المكتب... 5
الأحكام
كتاب القضاء... 11
القضاء فى الشريعة... 13
الشروط اللازمة فى القاضى... 17
كيفية القضاء... 19
شروط سماع الدعوى... 22
وسائل الاثبات... 24
أحكام عامة فى باب القضاء... 28
كتاب الشهادات... 35
شرائط الشاهد... 37
اختلاف الحقوق فى الاثبات... 42
أحكام عامة فى باب الشهادات... 51
كتاب الإقرار... 57
حقيقة الإقرار ومدرك حجيته... 59
من أحكام الاقرار... 60
كتاب اللقطة... 63
اللقطة وأقسامها... 65
من أحكام اللقطة بالمعنى الأخص : ... 66
أحكام اللقيط... 72
من أحكام مجهول المالك : ... 73
كتاب الغصب... 77
اسباب الضمان... 79
الغصب والأحكام الثابتة له... 86
من احكام الغصب... 87
كتاب الاطعمة والاشربة... 97
أفراد ما يحرم تناوله... 99
حيوان البحر... 99
حيوان البرّ... 101
الطيور... 107
ما يحرم من الحيوان المذبوح... 110
التحريم الطارئ... 111
كتاب الصيد والذباحة... 115
وسائل تحقق التذكية... 117
الذبح... 117
النحر... 127
الاصطياد... 129
الحيوان الوحشى... 129
الاصطياد بالكلب... 130
الاصطياد بالسلاح... 137
السمك والجراد... 140
ما يقبل التذكية واثرها... 144
كتاب الأنفال والمشتركات... 147
الأنفال (ملكية الإمام علیه السلام أو الدولة)... 149
أنحاء الملكية ووسائل تحصيلها... 156
من أحكام المشتركات... 162
كتاب الإرث... 169
ما يوجب الإرث... 171
فروض الإرث... 173
الارث بالفرض وبالقرابة... 177
الحجب... 180
العول والتعصيب... 186
من تفاصيل إرث الطبقات... 190
إرث الطبقة الثانية... 195
إرث الطبقة الثالثة... 199
كتاب الحدود... 203
موجبات الحدّ... 205
الأول : الزنا... 205
حدُّ الزنا... 208
الإحصان... 213
شرائط ثبوت حدِّ الزنا... 216
الوسائل المثبتة للزنا... 217
كيفية اقامة الحدِّ... 219
الثاني : اللواط... 220
الثالث : التفخيذ... 222
الرابع : السَّحق... 224
الخامس : القذف... 225
السادس : شرب المسكر... 227
السابع : السرقة... 228
الثامن : المحاربة والإفساد... 232
التعزير... 233
اقامة الحدود فى عصر الغيبة... 234
كتاب القصاص... 237
القصاص واقسامه... 239
قصاص النفس... 241
متى يصدق القتل متعمداً... 242
اقسام القتل... 243
وسائل اثبات القتل عمداً... 246
من احكام قصاص النفس... 250
قصاص ما دون النفس... 256
كتاب الديات... 259
الدية واقسامها... 261
مقادير الديات... 263
دية القتل عمداً... 263
دية الشبيه بالعمد... 266
دية الخطأ المحض... 267
دية الجوارح... 268
دية الأصابع... 269
دية الحمل... 270
من احكام القتل والديات... 271
الأرش والحكومة... 272
دية المرأة... 274
العاقلة... 274
فهرس... 277