ghaemiyeh.com
المؤلف: الشيخ محمّد باقر الإيرواني
الناشر: المركز العالمي للدّراسات الإسلامية
المطبعة: توحيد
الطبعة: 2
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1422 ه.ق
الصفحات: 194
المكتبة الإسلامية
دروس تمهيدية في الفقه الإستدلالي
الجزء الثاني
قسم العقود (1)
سماحة الشيخ باقر الإيرواني
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدللّه والصلاّة والسلام على أنبياء اللّه ، لاسيما رسوله الخاتم وآله الطيبين الطاهرين المعصومين.
اما بعد ، لاشك ان اصلاح المناهج الدراسية المتداولة فى الحوزات العلمية والمعاهد الدراسية فى العصر الحاضر - الذى عُرف بعصر ثورة المعلومات - بات حاجة ملحّة يقتضيها تطور العلوم وتكاملها عبر الزمان ، وظهور مناهج تعليمية وتربوية حديثة ، تتوافق مع الطموحات والحاجات الانسانية المتجددة.
وهذه الحقيقة لم تعد خافية على القائمين على هذه المراكز ، فوضعوا نصب أعينهم اصلاح النظام التعليمى فى قائمة الاولويات بعد ان باتت فاعليته رهن اجراء تغييرات جذرية على هيكلية هذا النظام.
ويبدو من خلال هذه الرؤية ان اصلاح النظام الحوزوى ليس امراً بعيد المنال ، إلا انه من دون احداث تغيير فى المناهج الحوزوية ستبوء كافة الدعوات الاصلاحية بالفشل الذريع وستموت فى مهدها.
والمركز العالمى للدّراسات الإسلامية - الذّى يتولّى مهمّة إعداد المئات من الطلاب الوافدين من مختلف بقاع الارض للاغتراف من نمير علوم
أهل البيت - عليهمالسلام - شرع فى الخطوات اللازمة لاجراء تغييرات جذرية علي المناهج الدراسية المتبعة وفق الأساليب العلمية الحديثة بهدف عرض المواد التعليمية بنحو أفضل ، الامر الذى لاتلبّيه الكتب الحوزوية السائدة ؛ ذلك انها لم تؤلف لهدف التدريس ، وانما الفت لتعبر عن افكار مؤلفيها حيال موضوعات مرّ عليها حقبة طويلة من الزمن واصبحت جزءاً من الماضي.
وفضلا عن ذلك فانها تفتقد مزايا الكتب الدراسية التى يراعى فيها مستوي الطالب ومؤهلاته الفكرية والعلمية ، وتسلسل الأفكار المودعة فيها وأداؤها ، واستعراض الآراء والنظريات الحديثة التى تعبر عن المدى الذى وصلت اليه من عمق بلغة عصرية يتوخى فيها السهولة والتيسير وتذليل صعب المسائل مع احتفاظها بدقة العبارات وعمق الافكار بعيداً عن التعقيد الذى يقتل الطالب فيه وقته الثمين دون جدوي.
وانطلاقا من توجيهات كبار العلماء والمصلحين وعلى رأسهم سماحة الامام الراحل - قدسسره - ، وتلبية لنداء قائد الثورة الاسلامية آيةاللّه الخامنئى - مد ظله الوارف - قام هذا المركز بتخويل « مكتب مطالعة وتدوين المناهج الدراسية » مهمة تجديد الكتب الدراسية السائدة فى الحوزات العلمية ، ان يضع له خطة عمل لاعداد كتب دراسية تتوفر المزايا السالفة الذكر.
وقد بدت امام المكتب المذكور - ولاول وهلة - عدة خيارات :
1 - اختصار الكتب الدراسية المتداولة من خلال انتقاء الموضوعات التى لها مساس بالواقع العملي.
2 - ايجازها وشحنها بآراء ونظريات حديثة.
3 - تحديثها من رأس بلغة عصرية وايداعها افكار جديدة الا ان العقبة الكأداء
التى ظلت تواجه هذا الخيار وقوع القطيعة التامة بين الماضى والحاضر ، بحيث تبدو الافكار المطروحة فى الكتب الحديثة وكأنها تعيش فى غربة عن التراث وللحيلولة دون ذلك ، لمعت فكرة جمع الخيارات المذكورة فى قالب واحد تمثّل في المحافظة على الكتب الدراسية القديمة كمتون وشرحها باسلوب عصرى يجمع بين القديم الغابر والجديد المحدث.
وبناء على ذلك راح المكتب يشمرّ عن ساعد الجدّ ويستعين بمجموعة من الاساتذة المتخصصين لوضع كتب وكراسات فى المواد الدراسية المختلفة ، من فقه واصول وتفسير وكلام ورجال وحديث وأدب وغيرها.
وكانت مادة « الفقه الإستدلالي » بحاجة ماسّة إلى وضع كتاب جديد فيها ، يتناسب مع تطلّعات المركز (للمرحلة التعليمية الأولى بالّلغة العربية) فطلبنا من الأستاذ الكريم ، سماحة الحجّة الشيخ باقر الإيروانى - دامت افاضاته - تدوين دروس تمهيدية فى الفقه الإستدلالى (2) ؛ فلبّى رغبتنا مشكوراً وتفضّل بتدوين هذا الكتاب وجعلِه يتوافق مع المطلوب كمّاً وكيفاً.
وختاماً لانشكّ فى أنّ الخطوات الأولى ستصحبها بعض العقبات والنواقص ، إلاّ انّه يمكن تذليلها من خلال البصيرة النافذة وإبداء الآراء البنّاءة من قبل المخلصين من ذوى الخبرة.
المركز العالمى للدراسات الإسلامية
مكتب مطالعة وتدوين المناهج الدراسيّة
البيع
الإجارة
المزارعة
المساقاة
الشركة
الضمان
الحوالة والكفالة
الصلح
الوكالة
المضاربة
القرض
الرهن
الهبة
الوديعة
العارية
السبق والرماية
شروط عقد البيع
شروط المتعاقدين
شروط العوضين
الخيارات
الربا
بيع الصرف
بيع السلف
يعتبر فى البيع - وهو تمليك عين بعوض - الإيجاب والقبول باى مبرز لهما ولو كان لفظاً غير صريح او كان ملحونا او ليس بعربى ولابماضٍ.
ويعتبر التطابق فى المضمون بين الايجاب والقبول دون الموالاة بينهما ودون تأخر القبول.
نعم المشهور اعتبار التنجيز.
ولايعتبر اللفظ فى تحقق البيع وتكفى المعاطاة. والملك الحاصل بها لازم.
ويعتبر فيها ما يعتبر فى العقد اللفظى من شروط العقد والعوضين والمتعاقدين.
وتثبت فيها الخيارات كما تثبت فيه.
وهى تجرى فى جميع المعاملات ، إلاّ ماخرج بالدليل كالنكاح والطلاق والنذر واليمين.
والمستند فى ذلك :
1 - أما حقيقة البيع ، ففى تحديدها خلاف بالرغم من بداهتها إجمالاً وعدم ثبوت حقيقة شرعية او متشرعية له.
وقد نقل الشيخ الأعظم عدة آراء فى ذلك ، لعل أجودها ما اختاره هو قدسسره من انّه « تمليك عين بعوض » (1).
والإشكال عليه بشموله للشراء والاستيجار - حيث ان المشترى بقبوله يملِّكُ ماله بعوض ومستأجر العين يملِّك الأجرة بعوض - مدفوع بما ذكره الشيخ نفسه من ان ذلك مدلول تضمّنى وإلاّ فالشراء والاستيجار يدلان مباشرة على تملكٍ بعوض.
2 - وأما اعتبار الإيجاب والقبول فى البيع ، فلأنه متقوم بهما عرفاً ولا يصدق على الايجاب وحده.
3 - وأمّا الإكتفاء بكلّ مبرز لهما ولو لم يكن لفظاً صريحا ، فلأنه بعد ظهور اللفظ فى البيع وصدق عنوانه - ولو كان الاستعمال بنحو المجاز او الكناية - يشمله اطلاق أدلة الإمضاء كقوله تعالي : (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) . (2)
ومع الأصل اللفظى المذكور لاتصل النوبة الى الأصل العملى المقتضى للاقتصار على القدر المتيقن ، لاستصحاب عدم ترتب الأثر عند الايقاع بغيره.
4 - وأما الجواز بالملحون وغيرالماضى أوالعربي ، فلإطلاق أدلة الإمضاءالمتقدمة.
ودعوى : اعتبار العربية من باب وجوب التأسى بالنبى صلی اللّه علیه و آله حيث كان يعقد بها ، مدفوعة بأن التأسى به صلی اللّه علیه و آله وإن كان واجبا لقوله تعالي : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (3)إلاّ أن المراد به الإتيان بالفعل على النحو الذى كان يأتى به صلی اللّه علیه و آله وبنفس القصد ، وحيث نحتمل أن إجراءه صلی اللّه علیه و آله العقد بالعربية كان بقصد إجراء العقد ببعضِ أساليبه وطرقه فلا يمكن إثبات لزوم العربية من خلال ذلك ويبقى اطلاق
أدلة الإمضاء بلا مقيِّد.
5 - واما اعتبار المطابقة فى المضمون ، فلتوقف صدق عنوان العقد والبيع والتجارة عن تراضٍ على ذلك.
6 - وأما الموالاة ، فقد قال جماعة - منهم الشهيد الأول فى قواعده(1)- باعتبارها.
ووجّه الشيخ الأعظم ذلك بأن الإيجاب والقبول بمنزلة كلام واحد مرتبط بعضه ببعض ، ومع الفاصل الطويل لايصدق عنوان العقد(2).
وفيه : ان عنوان المعاقدة صادق ما دام الموجب لم يعرض عن ايجابه حتى مع تخلل الفصل الطويل.
7 - واما عدم اعتبار تأخر القبول ، فلأنّ عنوان البيع والعقد صادق مع عدم التأخر ، ومعه يتمسك باطلاق دليل امضائهما.
8 - وأما اعتبار التنجيز وعدم صحة العقد مع التعليق ، فهو المشهور ، بل ادعي عليه الإجماع.(3)
واستدلّ عليه فى الجواهر بأن ظاهر دليل وجوب الوفاء بالعقد هو ترتب وجوب الوفاء من حين تحققه ، فاذا لم يشمله من حين تحققه ولم يجب الوفاء به من حين حدوثه - لفرض التعليق - فلا دليل على ترتب الأثر ووجوب الوفاء بعد ذلك.(4)
واستدل الشيخ النائينى على ذلك : « بأن العقود المتعارفة هى المنجزة ، والمعلَّقة ليست متداولة إلاّ لدى الملوك والدول أحيانا ، وأدلة الإمضاء منصرفة الى العقود المتعارفة ». (1)
9 - وأما المعاطاة ، فقد وقعت موردا للاختلاف ؛ وقد نقل الشيخ الأعظم قدسسره ستة أقوال فيها ، أهمها : إفادتها الملك اللازم ، وإفادتها الملك الجائز ، وإفادتها لإباحة التصرف لا غير(2).
والمختار لدى المتأخرين إفادتها الملك كالعقد اللفظى لعدة وجوه : منها التمسّك بإطلاق قوله تعالي : (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (3)، بتقريب ان المراد من حلية البيع إما الحلية الوضعية ، وبذلك يثبت المطلوب ، لانّها عبارة عن النفوذ والإمضاء ، او الحلية التكليفية ، وبذلك يثبت المطلوب أيضا ، لأن الحل التكليفى ليس منسوبا الى نفس البيع ، لعدم احتمال حرمته تكليفا ليدفع باثبات جوازه ، بل هو منسوب الي التصرفات المترتبة عليه ، ولازم إباحة جميع التصرفات المترتبة عليه صحته وإفادته للملك.(4)واذا ثبت بالآية الكريمة افادة البيع للملكية ، فيتمسك باطلاقها ، لتعميم ذلك للمعاطاة بعد ما كانت مصداقاً من مصاديق البيع.
10 - وأما أن الملك الحاصل بها لازم ، فلأصالة اللزوم - فى كل عقد يشك في لزومه وجوازه - التى يمكن الاستدلال عليها بعدة وجوه من قبيل :
أ - التمسك باطلاق قوله تعالي : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)، فان المعاطاة عقد غايته هى عقد فعلى لا قولي ؛ والوفاء بالعقد عبارة اخرى عن اتمامه وعدم نقضه ، فيثبت وجوب الوفاء بالمعاطاة وعدم جواز نقضها.
لايقال : ان المعاطاة اذا كانت تتضمن اللزوم فالوفاء بعقدها يقتضى لزومها ، واذا كانت تتضمن الجواز فالوفاء بعقدها يقتضى جوازها ، ومعه فلايمكن ان يستفاد من وجوب الوفاء بها لزومها.
فانه يقال : اللزوم والجواز حكمان طارئان على العقد وليسا جزءاً منه.
ب - التمسّك بقوله تعالي : (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) (2)، فان الفسخ وتملك المال واخذه من مالكه السابق بدون رضاه ليس تجارة عن تراض ، فيدخل تحت « أكل المال بالباطل » المنهى عنه.
ج - التمسّك بالحديث النبوي : « لايحل دم امريءٍ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه » (3)، فإنّ الفسخ وتملك المال واخذه من مالكه السابق بدون رضاه ، ليس بحلال بمقتضى الحديث.
هكذا قرَّب الشيخ الاعظم الاستدلال بالاية الكريمة والحديث الشريف.(4)
د - التمسّك باستصحاب بقاء الملك وعدم زواله بفسخ أحد الطرفين بدون رضا صاحبه.
11 - وأما انه يعتبر فى المعاطاة كلّ ما يعتبر ، فى العقد اللفظى من شروط ، فلأنه
بعد ما كانت مصداقا عرفا للعقد والبيع يثبت لها كلّ ما ثبت لهما تمسكا بالإطلاق.
ومنه يتضح الوجه فى ثبوت الخيارات فيها.
12 - وأمّا جريانها فى جميع المعاملات ، فلأنه بعد ما كانت مصداقا حقيقيا لكلّ فرد من افراد المعاملات فيشملها اطلاق دليل امضاء تلك المعاملة وأحكامها.
13 - وأما وجه استثناء ما ذكر ، فللدليل الخاص الدال على اعتبار اللفظ فى كلّ واحد منها حسبما يأتى فى محله إن شاء اللّه تعالي.
يلزم فى المتعاقدين : البلوغ اذا لم يكن دورهما دور الآلة ، والقصد ، والعقل ، والاختيار ، ومالكية التصرف - بان يكون العاقد مالكا أو وكيلاً عنه أو وليا عليه وليس بممنوع التصرف لسفه او فلس - وإلاّ كان العقد فضوليا تتوقّف صحّته على الإجازة.
وفى كون الإجازة كاشفة أو ناقلة خلاف.
وتظهر الثمرة فى موارد.
والمستند فى ذلك :
1 - أما اعتبار البلوغ فهو المشهور ، (1)بل ادعى عليه الإجماع.(2)واستدلّ لذلك بعدة وجوه نذكر منها :
أ - التمسّك بقوله تعالي : (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ
رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) (1)، فإن ظاهره إناطة جواز تصرف الصبى ببلوغ النكاح الذى هو كناية عن تجاوزه فترة الصبا.
وهو وإن كان خاصا باليتيم وبالتصرف فى أموال نفسه دون التصرف فى أموال غيره إلاّ أنه يمكن التعميم بضم عدم القول بالفصل ، بل الأولوية بلحاظ التصرّف في أموال الغير.
ب - التمسّك بحديث « رفع القلم » الذى رواه ابن ظبيان : « ... أما علمت أنَّ القلم يرفع عن ثلاثة : عن الصبى حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يفيق ، وعن النائم حتى يستيقظ » (2)، بدعوى أن المرفوع ليس خصوص قلم المؤاخذة ، بل مقتضى الإطلاق ارتفاع مطلق القلم بما فى ذلك قلم الأحكام الوضعية.
وضعف السند منجبر بعمل المشهور بناءً على تمامية كبرى الانجبار بعمل المشهور.(3)
ج - التمسّك بصحيحة أبى الحسين الخادم بيّاع اللؤلؤ عن أبى عبداللّه علیه السلام : سأله أبى - وأنا حاضر - عن اليتيم متى يجوز امره؟ ... قال : « إذا بلغ وكتب عليه الشيء جاز أمره إلاّ أن يكون سفيها او ضعيفا ». (4)
2 - وأما استثناء حالة الآلية ، فلأن البالِغَين اذا تَمَّ الاتفاق بينهما وكان الصبي مجرد آلة ووكيل فى اجراء العقد لم يصدق ان الأمر أمره ليحكم عليه بعدم النفوذ ، بل أمر البالِغَين ، ولا أقل من انصرافه عن ذلك. ومعه يبقى إطلاق ادلة الإمضاء بلا
مانع من شموله.
3 - وأما اعتبار القصد ، فلتقوِّم عنوان العقد والبيع والتجارة عن تراضٍ بذلك.
4 - وأما اعتبار العقل ، فواضح اذا فرض فقدان القصد. وأمّا على تقدير وجوده فقد يوجّه ذلك بما افاده صاحب الجواهر من : « عدم اعتبار قصده وكون لفظه كلفظ النائم بل أصوات البهائم » (1)، ولكنه مدفوع بأن القياس على النائم والبهائم فى غير محلّه بعد فقدان القصد فيهما.
والاولى التمسك بحديث رفع القلم بالبيان المتقدم فى اعتبار البلوغ.
5 - وأمّا اعتبار الاختيار وعدم صحة بيع المكره ، فلوجوه :
أ - إنَّ المكره فاقد لطيب النفس وقد قال النبى صلی اللّه علیه و آله فى صحيحة زيد الشحام : « ... لايحلُّ دم امريءٍ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه ». (2)
ب - أن التجارة مع فقدان الاختيار ليست عن تراض ، ولايجوز الأكل الاّ مع التجارة عن تراضٍ كما قال تعالي : (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) . (3)
ج - التمسّك بحديث رفع التسعة الذى رواه حريز عن أبى عبداللّه علیه السلام : « قال النبى صلی اللّه علیه و آله : وضع عن اُمتى تسعة أشياء : السهو والنسيان وما اُكرهوا عليه ... » (4)، فانّ مقتضى إطلاق الحديث الشمول لمثل المقام وعدم اختصاصه برفع المؤاخذة أو الأحكام التكليفية.
6 - وأمّا عقد الفضولى ، فالمشهور صحته بالإجازة. وذهب جمع - منهم صاحب الحدائق - إلى بطلانه مع الإجازة أيضا.(1)
واستدلّ المشهور بعدة وجوه ، نذكر منها :
أ - ان الصحة يمكن تخريجها على طبق القاعدة بلا حاجة إلى دليل خاص ، فان العقد بعد إجازته ينتسب إلى المالك ويصدق أنه عقده ، فيشمله آنذاك إطلاق خطاب (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (2)وأوفوا بالعقود (3)وتجارة عن تراضٍ (4)بعد فرض عدم تقيّده بما إذا كان الاستناد الى المالك ثابتا حدوثا وبعد وضوح قابلية الأمر الاعتبارى - كالعقد - على خلاف الامر التكوينى للاستناد الى غير موجده بالإذن أو بالإجازة.
وهذا الوجه هو ما أشار إليه الشيخ الأعظم بقوله : « لعموم أدلّة البيع والعقود ». (5)
ب - التمسّك برواية عروة البارقى : قدم جَلَب(6)فأعطانى صلی اللّه علیه و آله دينارا ، فقال : « اشترِ بها شاة ، فاشتريت شاتين بدينار ، فلحقنى رجل فبعت احداهما منه بدينار ، ثم أتيت النبى صلی اللّه علیه و آله بشاة ودينار فردَّه عليَّ وقال : « بارك اللّه لك فى صفقة يمينك » (7)، بتقريب ان شراءه الشاتين بدينار وإن أمكن توجيهه بما يخرج به عن الفضولية إلاّ أنَّ بيعه لإحدى الشاتين فضولى جزما ، والنبى صلی اللّه علیه و آله قد امضى بيعه المذكور بقوله :
« بارك اللّه ... ».
والسند وان كان ضعيفا إلاّ أنه قد يقال - كما فى الجواهر - : « أغنت شهرته عند الفريقين عن النظر فى سنده ». (1)
أجل ، ناقش الشيخ الأعظم الدلالة باحتمال أنَّ بيع عروة وقبضه وإقباضه كان مقرونا بعلمه برضا النبى صلی اللّه علیه و آله بذلك ، والمعاملة تخرج عن الفضولية باقترانها بذلك ، وإن كان ظاهر المشهور يدلّ على العدم واعتبار الإذن أو الإجازة فى تحقق الانتساب وانتفاء الفضولية.(2)
ج - التمسّك بصحيحة محمد بن قيس عن أبى جعفر علیه السلام : « قضى أميرالمؤمنين علیه السلام فى وليدة (3)باعها ابن سيدها وأبوه غائب ، فاشتراها رجل فولدت منه غلاما ، ثم قدم سيدها الأول فخاصم سيدها الأخير فقال : « هذه وليدتى باعها ابنى بغير إذني » ، فقال : « خذ وليدتك وابنها » ، فناشده المشترى فقال : « خذ ابنه - يعنى الذى باعه الوليدة - حتى ينفذ لك ما باعك » ، فلما أخذ البيِّع(4)الابن ، قال ابوه : « ارسل ابني » ، فقال : « لا ارسل ابنك حتى ترسل ابني » ، فلما راى ذلك سيد الوليدة الأول أجاز بيع إبنه » (5)؛ فإنها واضحة فى صحة عقد الفضولى بالإجازة لقوله علیه السلام : « خذ ابنه ... حتى ينفذ لك ما باعك » وقوله « فلما رأى ذلك سيد الوليدة الأول أجاز بيع إبنه ».
وهذه الرواية - أو سابقتها - إن تمت دلالتها فهو المطلوب ، وإلاّ كفانا تخريج
الصحة بالإجازة على طبق القاعدة.
7 - وأمّا أن الإجازة كاشفة أو ناقلة ، فمحل خلاف كماقلنا.
ووجه النقل واضح ، فان السبب الناقل ليس مجرد العقد ، بل العقد عن رضا ، وحيث ان الرضا يتحقق بالإجازة فيلزم تحقق النقل عند تحققها.
ووجه الكشف اُمور متعددة ، نذكر منها :
أ - ما ذكره الشهيد والمحقق الثانيان : « من أن العقد سبب تام فى حصول الملك ، لعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وتمامه فى الفضولى إنّما يعلم بالإجازة ، فإذا أجاز تبيّن كونه تاما فوجب ترتب الملك عليه ، وإلاّ لزم أن لايكون الوفاء بالعقد خاصة ، بل به مع شيء آخر ، ولا دليل يدل عليه ». (1)
وفيه : كيف يكون العقد تمام السبب؟! وعلى تقديره لاتبقى حاجة الى الإجازة.
اللَّهم إلاّ أن يكون المقصود أن السبب هو العقد المتعقّب بالإجازة ، فمع حصولها يعلم بتحقق العقد المتعقّب من حين صدوره.
وهو جيد ثبوتا ، إلاّ أنّه لا دليل إثباتا على مدخلية وصف التعقّب ، بل ظاهر قوله تعالي : (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) (2)مدخلية وصف التراضى نفسه لا التعقّب به.
ب - ما عن فخرالدين من أنّها « لو لم تكن كاشفة لزم تأثير المعدوم فى الموجود ، لأن العقد حالها عدم ». (3)
وفيه : ان قياس الاُمور الاعتبارية على الاُمور التكوينية قياس مع الفارق ، فمن
الوجيه اعتبار العقد مؤثرا من حين تحقق الإجازة وان كان معدوما آنذاك.
ولعل الاولى فى توجيه الكشف ان يقال : ان المالك حينما يجيز العقد يجيزه من حين صدوره وليس من حين الإجازة ، ولازم ذلك تحقق الملكية من حين العقد لشمول ادلة الإمضاء له بلحاظ زمان صدوره.
ومن المحتمل ان يكون هذا هو مقصود المحقق والشهيد الثانيين ، وعلى تقديره يكون ما افاداه وجيهاً.
8 - وأمّا الثمرة ، فمن مواردها : مالو حصل نماء متخلل بين العقد والإجازة ، فإنّ نماء المبيع للبائع ونماء الثمن للمشترى على النقل ، بينما الأمر بالعكس على الكشف.
يلزم فى العوضين ملكيتهما ، فلا يصح بيع المباحات العامة قبل حيازتها والقدرة علي تسليمهما إلاّ مع الضم لما يمكن تسليمه ، وضبطهما بالكيل أو الوزن أو العدِّ أو المساحة - وتكفى المشاهدة فيما ينضبط بها - ، ومعرفة جنسهما وصفاتهما التى تختلف باختلافها القيمة.
ويلزم فى المبيع ان يكون عينا.
وقيل باشتراط مالية العوضين.
ومع تخلف الشروط المذكورة يقع البيع باطلاً ، بَيْدَ انه لايحرم التصرف مع رضا الطرفين به حتى على تقدير البطلان.
والمستند فى ذلك :
1 - أما اعتبار الملكية ، فلأن البيع تمليك بعوض ، فاذا لم يكن الشيء مملوكاً في نفسه فكيف يملّك؟
وكما يعتبر فى العوضين الملكية يعتبر ان تكون ملكيتهما بنحو طلق ، فلا يصح بيع الموقوف عليهم للعين الموقوفة ولو بالوقف الخاص.
2 - وأما القدرة على التسليم ، فلم يعرف خلاف فى اعتبارها.(1)واستدلّ على ذلك بعدة وجوه ، نذكر منها :
أ - التمسّك بالنبوى المعروف : « نهى النبى صلی اللّه علیه و آله عن بيع الغرر » (2)بعد تفسير الغرر بالمخاطرة المتحققة بشراء ما لايقدر على تسليمه ووضوح ظهور النهى فى باب المعاملات فى الارشاد الى الشرطية والمانعية دون الحرمة التكليفية.
وهو اذا كان خاصاً بحالة الشك فى القدرة فيمكن بعد ضم الاولوية اثبات التعميم لحالة الجزم بعدمها.
وفيه : ان الحديث ضعيف سندا بالإرسال ، ودلالةً لإمكان اندفاع الغرر باشتراط الخيار على تقدير عدم تحقّق التسليم خلال مدة مضبوطة.
ب - ما تمسّك به الشيخ النائينى من زوال المالية عمّا لايقدر على تسليمه.(3)
وفيه : انه على تقدير اعتبار شرط المالية فى عوضى البيع لانسلم زوالها بعدم القدرة ، لأنه مخالف للوجدان.
ج - واحسن ما يمكن التمسّك به هو الروايات الناهية عن بيع الآبق بلا ضميمة ، كما فى موثقة سماعة عن أبى عبداللّه علیه السلام : الرجل يشترى العبد وهو آبق عن أهله ، قال : « لايصلح إلاّ أن يشترى معه شيئا آخر ويقول : أشترى منك هذا الشيء وعبدك بكذا وكذا ، فإن لم يقدر على العبد كان الذى نقدَّه فيما اشترى منه ». (1)
ثم إنّه اذا لم يحتمل اختصاص مثل الرواية المذكورة بموردها أمكنت الفتوي باعتبار الشرط المذكور ، وإلاّ فلابدَّ من التنزل الى الاحتياط ، تحفظا من مخالفة المشهور والإجماع المدّعى على الشرطية.
3 - وأمّا وجه الاستثناء ، فواضح من خلال الموثقة المتقدمة بعد فهم العرف عدم الخصوصية لموردها.
4 - وأمّا اعتبار ضبط العوضين ، فلا خلاف فيه بين الأصحاب.(2)وتدل عليه فى المبيع روايات كثيرة ، كصحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « سُئل عن الجوز لانستطيع ان نعدَّه فيكال بمكيال ثم يعدّ ما فيه ثم يكال ما بقى على حساب ذلك العدد ، قال : لا بأس به » (3)وغيرها.
وهى تدلّ على ارتكاز عدم جواز بيع المعدود بلا عدّ ، والإمام علیه السلام قد أمضي الارتكاز المذكور. وموردها وإن كان هو المعدود ، إلاّ أنّ الخصوصية له غير محتملة فيتعدى الى غيره.
وأمّا اعتبار ضبط الثمن ، فيمكن أن يستفاد من الروايات السابقة بعد تنقيح المناط والغاء العرف خصوصية المورد حيث يفهم ان المعلومية معتبرة فى العوضين
بلا خصوصية للمبيع.
5 - وأما كفاية المشاهدة فيما ينضبط بها ، فلأن المستفاد من النصوص السابقة اعتبار معلومية العوضين ، فإذا تحققت بالمشاهدة كفت ، ولا دليل على اعتبار ما هو أكثر منها.
6 - وأمّا اعتبار ضبط الجنس والصفات ، فلأن مورد النصوص السابقة وإن كان هو المقدار إلاّ أن المفهوم منها اعتبار المعلومية الرافعة للجهالة ، وذلك لا يتحقق بضبط المقدار دون الجنس والصفات.
7 - وأمّا اعتبار ان يكون المبيع عينا وعدم صحة كونه منفعة او عملاً ، فلأنَّ ذلك إن لم يكن هو المتبادر من لفظ البيع على خلاف الإجارة التى يتبادر منها التعلق بالمنفعة أو العمل فلا أقل من الشك فى اعتبار ذلك ، ومعه لايصح التمسّك بالعمومات ، لأنه تمسّك بالعام فى مورد اجمال المفهوم.
أجل ، يصحّ أن لا يكون الثمن عينا ، لعدم احتمال اعتبار ذلك فى المفهوم العرفى للبيع.
8 - وأمّا القول باشتراط المالية ، فقد يستدلّ له إما بما فى المصباح من كون البيع مبادلة مال بمال(1)او بأن المعاملة مع عدم مالية العوضين سفهيّة ، وادلة الامضاء منصرفة عن مثل ذلك.
9 - وأمّا بطلان البيع مع تخلف الشروط ، فلأن ذلك لازم الشرطية ، ومقتضي قاعدة المشروط عدم عند عدم شرطه.
10 - وأمّا الصحة مع الرضا حتى على تقدير البطلان ، فباعتبار أن جواز التصرف
1) المصباح المنير : 1 / 77.
منوط بالرضا وطيب النفس لقوله صلی اللّه علیه و آله : « لايحلُّ دم امريءٍ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه ». (1)
الخيار الثابت فى المعاملات على أقسام :
وهو ثابت لخصوص المتبايعين فى مجلس البيع ويستمر ما دام لم يحصل التفرق بينهما.
والمستند فى ذلك :
1 - أما اصل ثبوت خيار المجلس فى الجملة ، فمما لاخلاف فيه.(2)وقد دلّت عليه الروايات المستفيضة ، من قبيل صحيحة محمد بن مسلم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : البيّعان بالخيار حتى يفترقا. وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيّام ». (3)
وفى مقابل ذلك موثق غياث بن ابراهيم : « قال على علیه السلام : اذا صفَّق الرجل علي البيع فقد وجب وإن لم يفترقا ». (4)وهو إن أمكن توجيهه بحمل التصفيق المذكور فيه على ما قصد به إسقاط الخيار فلا إشكال وإلاّ يلزم طرحه لمخالفته لإجماع الأصحاب والضرورة الثابتة بينهم.
2 - وأمّا اختصاصه بالمتبايعين وعدم شموله لمطلق المتعاقدين ، فللقصور في المقتضي.
3 - وأمّا التعبير ب- « مجلس البيع » فهو من باب ذكر الفرد الغالب ، وإلاّ فلو جري العقد حالة المشى ثبت الخيار أيضا ، لعدم تعبير النص بالمجلس.
4 - وأمّا أنّ الغاية افتراقهما دون الافتراق عن المجلس ، فلتعبير الصحيحة ب- « حتى يفترقا » الظاهر فى الافتراق بينهما دون افتراقهما عن المجلس.
وهو ثابت لمشترى الحيوان ثلاثة أيام ، وقيل بثبوته لبايعه أيضا.
وإذا كان الثمن حيوانا فقيل بثبوته للبائع أيضا.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أنّ خيار الحيوان ثلاثة أيام ، فلا خلاف فيه فى الجملة ، (1)والروايات به مستفيضة ، ففى صحيحة ابن مسلم المتقدمة : « وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيّام ».
2 - وأما أن الخيار للمشترى بالرغم من عدم دلالة الصحيحة السابقة عليه ، فللتصريح بذلك فى جملة من الروايات الاُخري ، كصحيحة على بن رئاب : « سألت أباعبداللّه علیه السلام عن رجل اشترى جارية لمن الخيار ، للمشترى او للبائع او لهما كلاهما؟ فقال : الخيار لمن اشترى ثلاثة أيّام نظرة ». (2)
3 - وأمّا القول بثبوته للبائع ايضا ، فيمكن الاستدلال له بصحيحة اُخرى لمحمد
ابن مسلم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « المتبائعان بالخيار ثلاثة أيام فى الحيوان ، وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا ». (1)
وفيه : انّ بالإمكان الجمع بحمل الصحيحة المذكورة على حالة كون كلا العوضين حيوانا ، لصراحة صحيحة ابن رئاب فى اختصاص الخيار بالمشتري.
4 - وأمّا القول بثبوته للبائع اذا كان الثمن حيوانا ، فللتمسّك بإطلاق عنوان « صاحب الحيوان » الوارد فى صحيحة ابن مسلم المتقدمة ، فإنّه كما يشمل المشتري حالة كون المثمن حيوانا ، كذلك يشمل البائع حالة كون الثمن حيوانا.
وهو الثابت بسبب اشتراطه فى العقد للمتعاقدين أو لأحدهما أو لأجنبي.
ومن افراد الخيار المذكور بيع العين على أن يكون للبائع الخيار فى استرجاعها عند ردِّ نفس الثمن - على تقدير وجوده - أو مثله - على تقدير عدمه - خلال فترة معينة. ويصطلح عليه ببيع الخيار.
كما يجوز للمشترى أيضا اشتراط الخيار عند ردِّ العين خلال فترة معينة.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن الخيار يثبت باشتراطه ، فاستدل له بوجوه ، نذكر منها :
أ - التمسّك بقاعدة « المسلمون عند شروطهم » المستفادة من صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبى عبداللّه علیه السلام : « المسلمون عند شروطهم إلاّ كلّ شرط خالف كتاب اللّه عزوجل فلايجوز ». (2)
ب - التمسّك بصحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « في الحيوان كلّه شرط ثلاثة أيام للمشتري. وهو بالخيار فيها إن شرط أو لم يشترط » (1)، فانه قد يستفاد منها ان ثبوت الخيار فى غيرالحيوان يمكن أن يتم من خلال الشرط.
2 - وأمّا جواز اشتراطه للأجنبى ، فلإطلاق الوجه الاول المتقدم.
3 - وأمّا بيع الخيار ، فالوجه فى صحته :
أ - التمسّك بالصحيحةالسابقة : « المسلمون عند شروطهم » ؛ فانهاباطلاقها تشمل ذلك.
ب - التمسّك بالروايات الخاصة ، من قبيل موثقة اسحاق بن عمار : « حدثنى من سمع أباعبداللّه علیه السلام وسأله رجل وأنا عنده ، فقال : رجل مسلم احتاج الى بيع داره فجاء الى أخيه فقال : أبيعك دارى هذه وتكون لك احبَّ إليَّ من أن تكون لغيرك على أن تشترط لى إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن ترد عليَّ ، فقال : لا بأس بهذا ... ». (2)
ودلالتها وان كانت واضحة الا انه قد يتأمل فى سندها باعتبار جهالة الرجل السامع.
4 - وأمّا جواز اشتراطه للمشترى أيضا ، فلإطلاق الصحيحة المتقدمة.
كلّ من اشترط شرطا فى العقد صريحا أو ضمنا وكان غير مخالف للشرع ولا لمقتضي العقد يلزم الوفاء به. وعند تخلف المشروط عليه عن القيام به يثبت للشارط الخيار.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن الشرط الذى يجب الوفاء به هو ما كان مذكورا فى العقد بأحد النحوين ، فباعتبار أنه عبارة عن الالتزام ضمن الالتزام ، فاذا لم يكن ضمن العقد يكون التزاما ابتدائيا وليس شرطا ليشمله عموم « المسلمون عند شروطهم ».
2 - وأمّا اعتبار أن لايكون مخالفا للشرع ، فلوجهين :
أ - عدم احتمال الزام الشارع بالوفاء بما كان مخالفا له.
ب - تقييد وجوب الوفاء فى صحيحة ابن سنان السابقة بذلك.
3 - وأما اعتبار أن لايكون مخالفا لمقتضى العقد - كالبيع بلا ثمن - فلوجهين :
أ - ان الوفاء بالعقد حيث يتنافى مع مضمون الشرط فيلزم أحد أمرين : إمّا عدم وجوب الوفاء بالعقد ومِنْ ثَمَّ بطلانه ، أو عدم وجوب الوفاء بالشرط ومِنْ ثَمَّ بطلانه ، وعلى كلا التقديرين يلزم بطلان الشرط وعدم وجوب الوفاء به.
ب - ان الشرط إذا كان مخالفا لمقتضى العقد فهو مخالف للكتاب الكريم الدال على ترتب مقتضى العقد عليه.
4 - وأمّا وجوب الوفاء بالشرط تكليفا ، فلوجوه :
أ - التمسّك بقوله علیه السلام : « المسلمون عند شروطهم » (1)فإنه يدل على أن الوفاء بالشرط لاينفك عن الإسلام ، وعدمه لاينفك عن عدمه ، ولازم ذلك وجوب الوفاء بالشرط.
ب - التمسّك بقوله تعالي : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (2)، بتقريب أن
العقد إذا وجب الوفاء به يلزم الوفاء بالشرط أيضا ، لأنه جزء مماتَمَّ التعاقد عليه.
ج - التمسّك بالروايات الخاصة ، من قبيل موثقة اسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه علیه السلام : « أن على بن أبى طالب علیه السلام كان يقول : من شرط لإمرأته شرطا فليفِ لها به ، فإنّ المسلمين عند شروطهم إلاّ شرطا حرّم حلالاً أو أحلَّ حراما » (1)، فإنّها واضحة فى وجوب الوفاء.
وموردها وإن كان عقد النكاح إلاّ أنّه يتعدى إلى غيره إما لعدم القول بالفصل ، أو لأن التعليل ينفى احتمال الخصوصية.
وبهذا يتضح أنّ ما أفاده الشهيد فى اللمعة - من عدم وجوب الوفاء بالشرط وأنّ فائدته تنحصر فى جواز الفسخ عند تخلفه(2)- قابل للتأمل.
5 - واما ثبوت الخيار عند تخلف الشرط ، فقد قيل فى وجهه :
أ - إنّ مرجع الاشتراط عرفا الى تعليق الالتزام بالعقد على تحقق الشرط خارجا ، فعند عدم تحققه لا التزام بالعقد الذى هو عبارة اُخرى عن جعل الشارط الخيار لنفسه عند تخلف الشرط.
ب - التمسك بالبناء العقلائى على ثبوت الخيار عند تخلف الشرط.
وهو ثابت من حين العقد للمغبون - بائعا كان أو مشتريا - مع جهله بالحال.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا ثبوت الخيار عند الغبن ، فلا إشكال فيه فى الجملة(1)وإنّما الإشكال فى تخريجه الفني.
وقد ذكرت عدة تقريبات ، لعلّ أوجهها التمسّك بفكرة الشرط الضمنى وأن كلّ عاقد عاقل يشترط ضمن العقد لنفسه الخيار - اشتراطا ضمنيا - على تقدير كونه مغبونا.
2 - وأمّا أنّه من حين العقد - خلافا للقول بكونه من حين ظهور الغبن - فلأن المشترط ضمنا ثبوت الخيار عند ثبوت الغبن واقعا وإن لم يظهر. وعليه اذا فسخ المغبون قبل ظهور غبنه وقع فى محله.
3 - وأمّا التعميم للبائع ، والمشترى فلاشتراك النكتة.
4 - وأمّا اعتبار الجهل ، فلاختصاص نكتة الخيار المتقدمة بحالة الجهل.
كلّ من انتقل إليه بالبيع أو الشراء ما فيه عيب كان له ردُّه. والمشهور التخيير بينه وبين المطالبة بالأرش إلاّ مع إحداث حدث فيه ، فيتعيّن الأرش.
ويسقطان مع العلم بالعيب أو التبرئ منه.
والخيار فى الرد يعمُّ جميع المعاملات - ماعدا النكاح - وإن كان الأرش خاصا بالبيع.
1) كتاب المكاسب : 2 / 269.
والمستند فى ذلك :
1 - أما جواز ردِّ المعيب ، فقد دلّت عليه عدة روايات ، كصحيحة ميسر عن أبي عبداللّه علیه السلام : « رجل اشترى زق زيت فوجد فيه درديا ، فقال : إن كان يعلم أن ذلك يكون فى الزيت لم يردَّه ، وإن لم يكن يعلم أن ذلك يكون فى الزيت ردَّه على صاحبه ». (1)
وقد يفهم منها عدم الخصوصية للزيت فإن تَمَّ ذلك وإلاَّ أمكن تخريج الحكم على طبق القاعدة من خلال فكرة الشرط الضمني ، فإنّ كلّ من يُقدم على معاملة يشترط ضمنا السلامة والخيار لنفسه على تقدير عدمها.
2 - وأمّا التعميم للبائع والمشترى ، فلعدم اختصاص فكرة الشرط الضمنى بالمشتري.
3 - وأمّا التخيير بين الرد والأرش الذى صار اليه المشهور ، فلا رواية تدل عليه وإنّما الوارد ثبوت الأرش عند حصول بعض التصرفات المانعة من الرد. ويجوز أن يكون ذلك من باب تعيّن الرد حالة عدم التصرف والأرش حالة التصرف وليس من باب تعيّن احد طرفى التخيير بتعذر الآخر ، فلاحظ صحيحة زرارة عن ابى جعفر علیه السلام : « ايما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار لم يتبرء اليه ولم يبين ، فاحدث فيه بعد ما قبضه شيئاً ، ثم علم بذلك العوار وبذلك الداء انه يمضى عليه البيع ويرد عليه بقدر مانقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به » (2).
أجل ، ورد فى الفقه الرضوي : « فإن خرج فى السلعة عيب وعلم المشتري ،
فالخيار اليه إن شاء ردَّه وإن شاء أخذه أو ردَّ عليه بالقيمة أرش العيب ». (1)
بَيْدَ أن الكتاب المذكور ساقط عن الإعتبار لعدم ثبوت نسبته الى الإمام الرضا علیه السلام - وإن اَصَرَّ على ذلك بعض الأصحاب كصاحب الحدائق قدسسره (2)- واحتمل كونه من فتاوى ابن بابويه.
نعم ، من يرى حجيّة الشهرة الفتوائية والإجماعات المنقولة يمكنه الاستناد إلي ذلك وإلاّ فالمناسب اختصاص الأرش بحالة عدم امكان الردِّ بسبب الحدث.
4 - واما عدم جواز الرد عند احداث حدث ، فلصحيحة زرارة المتقدمة وغيرها ؛ على ان فكرة الشرط الضمنى قاصرة عن اثبات جواز الردِّ فى الحالة المذكورة.
5 - وأمّا سقوط الرد والأرش حالة العلم أو التبرئ ، فلقصور فكرة الشرط الضمني والنصوص المتقدمة عن الشمول لمثل ذلك.
6 - وأمّا ان الردَّ بالعيب يعم جميع المعاملات ، فلعدم اختصاص فكرة الشرط الضمنى بالبيع بل تعم غيره.
أجل يختص الأرش بالبيع لاختصاص صحيحة زرارة - التى هى المدرك له - به.
واما استثناء النكاح ، فلعدم جواز فسخه الا بعيوب معينة مذكورة فى محلها.
من باع من دون قبض العوضين ولا احدهما وترك المشترى عنده المبيع الى ان ياتيه بالثمن ، فالبيع عليه لازم ثلاثة ايام وله الفسخ بعدها ما دام لم يشترط تأخير قبضهما او أحدهما. ويصطلح عليه بخيار التأخير.
ومتى ما تمّت المعاملة يلزم تسليم العوضين بعدها ، فاذا امتنع احدهما كان للآخر الفسخ. ولا يختص هذا بالبيع ، بخلاف ما سبق.
والمستند فى ذلك :
1 - أما ثبوت الخيار بالتأخير ، فلا إشكال فيه فى الجملة. وهو المشهور. وتدل عليه صحيحة زرارة عن أبى جعفر علیه السلام : « الرجل يشترى من الرجل المتاع ثم يدعه عنده فيقول حتى آتيك بثمنه. قال : إن جاء فيما بينه وبين ثلاثة أيام وإلاّ فلابيع له » (1)وغيرها.
ولايضرّ ضعفها بعلى بن حديد فى أحد طريقى الكلينى بعد سلامة الآخر ، بل بقية طرقها من ذلك.
وقد يقال : ان نفى الإمام علیه السلام البيع بقوله : « وإلاّ فلا بيع له » يدل على بطلان البيع اما من الأساس أو بعد الثلاثة دون ثبوت الخيار للبائع ، وبذلك لاتكون دالة على ما ذهب إليه المشهور.
ويمكن الجواب بأن المقصود تسهيل الأمر على البائع وهو يتحقق بنفى اللزوم من ناحيته ، كيف وهل يحتمل ان البائع لايحق له الانتظار أكثر من ثلاثة متبرعا؟
2 - وأمّا اشتراط عدم قبض العوضين ولا أحدهما وترك المشترى المبيع لدي البائع الى ان يجيئه بالثمن ، فللتصريح بذلك فى الصحيحة المتقدّمة.
3 - وأمّا اعتبار عدم اشتراط التأخير ، فلأن ذلك هو المنصرف من الصحيحة.
4 - واما انه يلزم تسليم العوضين بعد تمامية المعاملة ، فلأن كلّ طرف يملك
1) وسائل الشيعة : 12 / 356 ، باب 9 من ابواب الخيار ، حديث 1.
بالمعاملة ما انتقل اليه فالتأخير من دون رضاه غير جائز إلاّ مع الانصراف إليه ، وهو غير ثابت ، بل الثابت عكسه.
5 - وأما أنه يحق للآخر الفسخ على تقدير امتناع احدهما ، فذلك للاشتراط الضمنى على احتفاظ كلّ منهما الخيار لنفسه على تقدير امتناع الآخر من التسليم.
6 - وأما اختصاص خيار التأخير بالبيع ، فلاختصاص صحيحة زرارة السابقة وغيرها به ، وهذا بخلاف جواز الفسخ على تقدير امتناع احدهما من التسليم ، فان نكتته عامة لغير البيع أيضا.
من اشترى اعتمادا على رؤية سابقة أو على الوصف بدون رؤية ثم وجده على خلاف ذلك كان بالخيار بين الرد والإمساك.
ولايحق له المطالبة بالأرش ، كما لايسقط خياره ببذل البائع الأرش أو ابدال العين باُخري.
والخيار يثبت للبائع أيضا إذا كان قد رأى المبيع أو اعتمد على الوصف ثم انكشف الخلاف.
بل يثبت الخيار للبائع والمشترى ايضاً إذا اتّضح الخلاف فى الثمن.
والمستند فى ذلك :
1 - أما ثبوت الخيار عند تخلف الرؤية أو الوصف ، فهو المعروف بين الأصحاب. واستدلّ له بصحيح جميل بن دراج : « سألت أباعبداللّه علیه السلام رجل اشترى ضيعةً وقد كان يدخلها ويخرج منها ، فلما ان نقَّد المال صار الى الضيعة فقلّبها ثم رجع فاستقال
صاحبه فلم يقله ، فقال أبوعبداللّه علیه السلام : انه لو قلب منها ونظر الى تسعة وتسعين قطعة ثم بقى منها قطعة ولم يرها لكان له فى ذلك خيار الرؤية ». (1)
وهو إن تمت دلالته على المطلوب فلا إشكال ، وإلاّ أمكن التمسّك بفكرة الاشتراط الضمني ، فإنَّ من يشترى اعتماداً على الرؤية أو الوصف يشترط لنفسه الخيار ضمناً وارتكازاً على تقدير التخلف. والسيرة العقلائية المنعقدة علي استحقاق المشترى للفسخ عند التخلف واضحة فى ذلك.
2 - واما انه لاتجوز المطالبة بالأرش ولايسقط الخيار ببذله ولا بالإبدال بعين اُخرى ، فلأن ثبوت الأرش يحتاج الى دليل ، وهو خاص بالعيب. ومقتضي الاشتراط الضمنى ثبوت الحق فى الفسخ دون الأرش أو الإبدال.
3 - وأما التعميم للبائع ولانكشاف الخلاف في الثمن ، فلعمومنكتة الاشتراط الضمني.
الربا حرام بالضرورة ، ويتحقق فى موردين :
أ - القرض ؛ ويأتى البحث عنه فى كتاب القرض إن شاء اللّه تعالي.
ب - البيع ؛ وذلك فيما إذا بيع أحد المتحدين جنساً بالآخر مع زيادة أحدهما زيادة عينية أو حكميّةً وافتراض كونهما من المكيل أو الموزون ، فشروط تحقّقه فى البيع - على هذا - ثلاثة.
وفى عموم التحريم لغير البيع - كالصلح - خلاف.
1) وسائل الشيعة : 12 / 361 ، باب 15 من ابواب الخيار ، حديث 1.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أن حرمة الربا من الضروريات ، فلدلالة صريح القرآن عليها فى أكثر من موضع. قال تعالي : (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (1)، (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) (2)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) . (3)
وما ورد فى السنة الشريفة كثير ، ففى موثق عبداللّه بن بكير : « بلغ أبا عبداللّه علیه السلام عن رجل أنه كان يأكل الربا ويسميه اللبأ (4)فقال : لئن أمكننى اللّه منه لأضربن عنقه » (5).
وفى صحيحة هشام بن سالم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « درهم ربا أشد من سبعين زنية كلّها بذات محرم ». (6)
2 - وأما شموله لكلا الموردين المذكورين دون أحدهما ودون ما زاد عليهما ، فلدلالة الدليل على ثبوته فيهما دون ما زاد ، فتجرى البراءة عنه بلحاظ ما زاد.
3 - وأما اعتبار الشروط الثلاثة فى تحقق الربا ، فذلك واضح بالنسبة الى اشتراط الزيادة فى أحد الطرفين لتقوِّم مفهوم الربا بذلك لغة ، اذ هو عبارة عن الزيادة.
وأما الشرطان الآخران فقد دلت عليهما روايات كثيرة. وقد جمعت الشروط الثلاثة موثقة منصور بن حازم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « سألته عن البيضة بالبيضتين ، قال : لا بأس به ، والثوب بالثوبين ، قال : لا بأس به ، والفرس بالفرسين ، فقال : لا بأس به. ثم قال : كلّ شيء يكال أو يوزن فلايصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد ، فاذا كان لايكال ولايوزن فلا بأس به اثنين بواحد ». (1)
4 - وأما ان الزيادة تعم الحكمية - كبيع أحد المتماثلين مع اشتراط كنس المسجد أو أداء صلاة الليل فى جانب أحدهما أو كون أحدهما نقداً والآخر نسيئة - وعدم اختصاصها بالعينية ، فقد استدلّ له بمادلّ على اعتبار المماثلة وعدم جواز الزيادة ، كما فى صحيحة محمد بن مسلم وزرارة عن أبى جعفر علیه السلام : « الحنطة بالدقيق مثلاً بمثل ، والسويق بالسويق مثلاً بمثل ، والشعير بالحنطة مثلاًبمثل ، لابأس به ». (2)
وصحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « الفضة بالفضة مثلاً بمثل ، والذهب بالذهب مثلاً بمثل ، ليس فيه زيادة ولا نقصان ، الزائد والمستزيد فى النار ». (3)
وصحيحة الوليد بن صبيح : « سمعت أبا عبداللّه علیه السلام يقول : الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، الفضل بينهما هو الربا المنكر ، هو الربا المنكر ». (4)
وتقريب الدلالة : انه مع الزيادة ولو حكمية يصدق الفضل بينهما ولايصدق البيع مثلاً بمثل.
وليس من الزيادة جودة احد العوضين ، باعتبار انها وصف قائم بالعين وليس خارجاً عنها لينتزع عنوان الزيادة ، فمن باع الحنطة الجيدة بالرديئة مع التساوى فى المقدار صدق عرفاً انه باع مثلاً بمثل بخلاف ما اذا اختلفا فيه ، فانه لايصدق ذلك حتى مع التساوى فى المالية.
5 - وأما الخلاف فى التعميم لغير البيع بالرغم من إطلاق الأخبار المتقدمة الدالّة على اعتبار المماثلة ، فلاحتمال انصرافها الى خصوص البيع ، فيتمسّك بالبراءة عن التحريم فى غيره.
إلاّ أن المناسب التعميم لوهن دعوى الانصراف.
يجوز بيع الأوراق النقدية بعضها بالآخر مع اختلاف العملة - نقداً ونسيئة - حتى مع فرض التفاضل فى المالية. بل يجوز مع اتحادها أيضاً اذا افترض كون العوضين شخصيين. والمسألة محل كلام وخلاف بين المتأخرين.
ويلزم عند بيع الذهب المصوغ بغيره والفضة المصوغة بغيرها تساويهما ، ومعه لايجوز بيع مثقال من الذهب المصوغ بمثقال من الذهب غير المصوغ منضماً الى اُجرة الصياغة.
ولايجوز أن يقول شخص لآخر : أبيعك هذا المثقال من الفضة الجيدة بمثقال من الفضة الرديئة بشرط أن تخيط لى ثوباً مثلاً ، ويجوز العكس بأن يقول : خط لى ثوباً على أن أبيعك المثقال الجيد بالمثقال الرديء.
والمشهور عدم تحقق الربا بين الوالد وولده ، والمولى ومملوكه ، والزوج وزوجته ، والمسلم والحربى اذا أخذ المسلم الفضل.
والربا كما يحرم أخذه يحرم دفعه وكتابته والشهادة عليه.
والحنطة والشعير فى باب الربا جنس واحد وإن كانا فى باب الزكاة جنسين.
ومن تعامل بالربا وهو جاهل بالحكم أوبالموضوع ثم التفت وتاب فلايلزمه ارجاعه.
ومن ورث مالاً حصل بعضه من الربا فمع عدم تميزه فلاشيء عليه وإلاّ يلزمه ردّه على مالكه مع معرفته ، ومع عدمها يتعامل معه معاملة مجهول المالك.
والمستند فى ذلك :
1 - أما جواز بيع الأوراق النقدية مع اختلافها ، فلعدم تحقق محذور الربا بعد اختلاف جنس العوضين وعدم كونهما من المكيل والموزون.
واذا قيل : إن الرصيد الذى تعبر عنه الأوراق النقدية قد يكون واحداً ، كالذهب الذى هو من الموزون.
قلنا : إنّ المعاوضة لم تجرِ على الرصيد ، بل على الأوراق ذات الاعتبار بسبب الرصيد ، كيف وقد يكون الرصيد هو الاعتبار لا أكثر؟!
2 - وأمّا أنه مع اتحاد العُملة تجوز المعاملة حتى مع التفاضل فى فرض كون العوضين شخصيين ، فلما تقدم من ان الأوراق النقدية ليست من قبيل المكيل والموزون.
وأما عدم جوازها مع التفاضل فى فرض كون العوض نسيئة فى الذمة ، فلأن المعاملة المذكورة ترجع فى روحها الى القرض وإن أبرزت مبرز البيع ، لأن شرط البيع تحقق المغايرة بين الثمن والمثمن ، وفى المورد لا مغايرة ، فإنّ الثمن ينطبق على المثمن مع زيادة.
واذا نوقش ما ذكر بان المغايرة المعتبرة فى البيع يكفى فى تحققها كون المثمن عيناً خارجية والثمن أمراً كلياً فى الذمة أمكن ذكر تقريب آخر ، وهو أن المعاملة
المذكورة بحسب الارتكاز العرفى قرض ، لأنه عبارة عن تبديل المال المثلى الخارجى بمثله فى الذمة ، وهو صادق فى المقام.
3 - وأما لزوم التساوى بين المصوغ وغيره ، وبالتالى عدم جواز اشتراط اُجرة الصياغة فلأن المصوغ وغيره جنس واحد ويشملهما النص المتقدم : « الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، الفضل بينهما هو الربا المنكر » ، ومعه يكون اشتراط الاُجرة فضلاً موجباً للربا.
وإن شئت قلت : المصوغ وغيره هما كالجيد والرديء ، والوسخ والنظيف ، والمكسور وغيره ، فكما أن كلّ واحد من هذه يعدُّ مع مقابله واحداً ويلزم تساويهما فكذلك المصوغ وغيره.
وقد ادّعى صاحب الجواهر عدم الخلاف والإشكال فى المسألة(1).
4 - وأمّا عدم جواز بيع أحد المثقالين بالآخر بشرط خياطة ثوب مثلاً ، فواضح ، للزوم محذور الربا - بناء على تعميم الزيادة اللازم منها الربا للزيادة الحكمية - فإنّ الجيد والرديء جنس واحد لايجوز التفاضل فيه.
واما جواز العكس - الذى هو من الوسائل التى يتخلّص بها من الربا - فلصحيح أبى الصباح الكناني : « سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن الرجل يقول للصائغ : صغ لى هذا الخاتم وابدل لك درهماً طازجاً بدرهم غلة(2)، قال : لا بأس ». (3)
بل قد يقال باقتضاء القاعدة لذلك ، لأن إبدال الجيد بالرديء وقع أجراً للخياطة من دون وقوع الخياطة شرطاً فى البيع لتلزم الزيادة فيه.
5 - وأما عدم تحقق الربا بين من ذُكر ، فقد دلّت عليه بعض الروايات ، كرواية زرارة عن أبى جعفر علیه السلام : « ليس بين الرجل وولده وبينه وبين عبده ولا بين أهله ربا ... » (1)، لكنها ضعيفة ب- « ياسين الضرير ».
ورواية عمرو بن جميع عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : « ليس بيننا وبين أهل حربنا ربا ، نأخذ منهم الف الف درهم بدرهم ونأخذ منهم ولانعطيهم » (2)، لكنها ضعيفة ب- « معاذبن ثابت » وغيره.
ولايمكن الركون الى الروايتين المذكورتين بعد ضعفهما السندى إلاّ بناءً على كبرى الانجبار بعمل المشهور(3)وإلاّ يتنزل الى الاحتياط بالحرمة دون الفتوى بالحلية تحفظاً من مخالفة المشهور.
اجل ، فى خصوص الحربى حيث لا حرمة لماله ، فيمكن ان يكون الحكم بالحلية مع اخذ المسلم للفضل حكماً على طبق القاعدة.
6 - وأما تعميم حرمة الربا لدفعه والشهادة عليه وكتابته ، فلصحيحة محمد بن قيس عن أبى جعفر علیه السلام : « قال أميرالمؤمنين علیه السلام : آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهداه فيه سواء » (4)وغيرها.
7 - وأما أن الحنطة والشعير فى باب الربا واحد ، فلصحيح الحلبى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « لايصلح الشعير بالحنطة إلاّ واحد بواحد » وغيره.
وأما قصر الحكم بالوحدة على باب الربا ، فلأنه مخالف للقاعدة المقتضية لدوران
الأحكام مدار الأسماء ، فيقتصر فى المخالفة على مورد النص.
8 - وأما عدم لزوم ردِّ الربا على الآخذ مع الجهل والتوبة بعد الالتفات ، فهو ما عليه جماعة من الفقهاء.(1)ويدل عليه قوله تعالي : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ) (2)، فإنّ تخصيصه بنفى العقوبة أو بما وقع من ربا زمن الجاهلية ، لا وجه له.
ومع التنزل تكفينا الروايات الكثيرة ، كصحيحة هشام بن سالم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « سألته عن الرجل يأكل الربا وهو يرى انه له حلال ، قال : لايضرّه حتى يصيبه متعمداً ، فاذا اصابه فهو بالمنزل الذى قال اللّه عزوجل ». (3)
وصحيحة أبى المغرا : « قال أبوعبداللّه علیه السلام : كلّ ربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا فإنّه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة ... » (4)وغيرهما.
9 - وأما التعميم للجاهل بالحكم والموضوع فلإطلاق ماتقدم.
10 - وأمّا ارث مافيه الربا ، فيدلّ على حكمه صحيحة أبى المغرا المتقدمة ، حيث ورد فيها : « ... لو أن رجلاً ورث من أبيه مالاً وقد عرف أن فى ذلك المال ربا ولكن قد اختلط فى التجارة بغير حلال كان حلالاً طيباً فليأكله. وإن عرف منه شيئاً انه ربا فليأخذ رأس ماله وليردّ الربا ... » (5)وغيرها.
وهو بيع الذهب أو الفضة بأحدهما مسكوكين كانا أو لا.
ويشترط - لدى المشهور - فى صحة البيع المذكور التقابض قبل تحقق الافتراق بينهما حتى مع وحدة الجنس.
واذا كان العوضان متحدى الجنس يلزم تساويهما ايضاً ، بخلاف ما اذا كانا مختلفى الجنس فإنه لايلزم تساويهما وإن لزم التقابض.
ويختص لزوم التقابض بالبيع دون الصلح.
ولايجرى حكم الصرف على الأوراق النقدية لوبيع بعضها ببعض.
والمستند فى ذلك :
1 - أما ان بيع الصرف ما ذكر ، فهو من واضحات الفقه ولم ينقل فيه خلاف.(1)بَيْدَ أن تحديد المقصود منه غير مهم ، لعدم ترتب حكم على العنوان المذكور شرعاً ، وإنّما المهم ملاحظة الحكم - وهو لزوم التقابض قبل الافتراق - وانه لأى بيع ثبت.
والحكم المذكور لم يثبت فى الروايات إلاّ لبيع الذهب بالفضة أوبالعكس ولم يثبت لبيع الذهب بالذهب أوالفضة بالفضة ، فلاحظ صحيحة محمد بن قيس عن أبى جعفر علیه السلام : « قال أميرالمؤمنين علیه السلام : لايبتاع رجل فضة بذهب إلاّ يداً بيد ، ولايبتاع ذهباً بفضة إلاّ يداً بيد » (2)، وصحيحة منصور بن حازم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « اذا اشتريت ذهباً بفضة أو فضة بذهب فلا تفارقه حتى تأخذ منه. وان نزا(3)حائطاً فانز
معه » (1)وغيرهما تجد ذلك واضحاً فيها.
وعليه لابدَّ فى تعميم الحكم بلزوم التقابض فى حالة وحدة الجنس من التمسك بالتسالم وعدم القول بالفصل. فان تَمَّ وإلاّ فالمناسب عدم لزوم ذلك فيها.
أجل ، يلزم عدم كون أحدهما مؤجّلاً وإلاّ لزمت الزيادة الحكمية التى تقدم فى البحث عن الربا المنع من جوازها.
2 - وأما التعميم لغير المسكوك ، فلإطلاق النصوص.
3 - وأمّا ان التقابض شرط فى الصحة ، فلما تقدم من النصوص ، فإن الأمر فى باب المعاملات ظاهر فى الإرشاد الى الشرطية دون الحكم التكليفي.
وعليه فاحتمال وجوب التقابض فى باب الصرف وجوباً تكليفياً بحيث يؤثم على عدمه ضعيف.
ثم إنّ المنسوب الى المحقق الأردبيلى ، عدم لزوم التقابض وضعاً ، بدعوى عدم صراحة الأخبار فى ذلك ، فإنّ تعبير « يداً بيد » كناية عن كون العوضين نقداً لا مؤجلين وليس كناية عن التقابض.(2)
وفيه : ان التعبير المذكور إن لم يكن ظاهراً فى اعتبار التقابض فلا أقلّ من اجماله ، ويكفينا آنذاك دليلاً على لزوم التقابض صحيحة منصور لصراحتها فى ذلك.
4 - وأما أن المدار ليس على الافتراق عن المجلس ، بل على افتراقهما ، فذلك واضح من خلال صحيحة منصور المتقدمة.
5 - وأما انه مع الاتّحاد يلزم التساوى فى الكم ، فللتحفظ من محذور الربا.
6 - وأما اختصاص اعتبار التقابض بالبيع ، فلاختصاص الروايات بذلك.
هذا وبالإمكان أن يقال بالتعميم للصلح بناء على انه ليس معاملة مستقلة فى مورد إفادته فائدة البيع ، بل هو هو مع اختلاف الألفاظ.
7 - وأما عدم جريان حكم الصرف على الأوراق النقدية ، فلانها ليست ذهباً ولا فضة ، والتعامل ليس عليهما ، بل عليها وإنّما هما سبب لاعتبارها فيما اذا كانا هما الرصيد.
لايجوز السلف - أو السلم وهو شراء كلى الى أجل بثمن حال عكس النسيئة - اذا كان كلا العوضين من الذهب أو الفضة سواء اختلفا فى الجنس أم اتحدا ؛ ويجوز فى غير ذلك - بشرط عدم اتحاد جنسهما فيما اذا كانا من المكيل أو الموزون - سواء كانا معاً من العروض أم كان أحدهما من ذلك والآخر ذهباً أو فضة.
ويلزم فيه - مضافاً الى الشرط المتقدم - مايلي :
أ - ذكر الأوصاف الرافعة للجهالة ، فما لايمكن ضبطه بها لايصح السلف فيه.
ب - قبض الثمن قبل التفرق على المشهور.
ج - تقدير المبيع بالكيل أو الوزن أو العدد اذا كان المبيع من المكيل ونحوه.
د - ضبط أجل المبيع.
ه - تمكن البائع من دفع المبيع فى الوقت الذى تعهَّد بالدفع فيه أو فى المكان الخاص لوشرط.
ولو طرأ العجز بعد ذلك او اتضح تخيّر المشترى بين الصبر واخذ الثمن بلا زيادة أو الاتفاق على دفع شيء آخر بدله.
والمستند فى ذلك :
1 - اما صحة بيع السلم فى الجملة ، فمما لا خلاف فيها.(1)وتدلّ على ذلك الروايات الخاصة الدالّة على شرطيّة بعض الشروط فيه ، كصحيحة زرارة عن أبى عبداللّه علیه السلام : « لا بأس بالسلم فى الحيوان والمتاع اذا وصفت الطول والعرض. وفى الحيوان اذا وصفت أسنانها » (2)؛ وموثقة غياث بن ابراهيم عن أبى عبداللّه علیه السلام : « قال أميرالمؤمنين علیه السلام : لا بأس بالسلم كيلاً معلوما الى أجل معلوم. ولاتسلمْهُ الى ديّاس ولا الى حصّاد » (3)وغيرهما.
بل يمكن اثبات ذلك بالأدلّة العامة من قبيل قوله تعالي : (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (4)ونحوه.
2 - وأما عدم الصحة اذا كان العوضان من الذهب والفضة مع اتحاد الجنس ، فلمحذور الربا ؛ مضافا الى كون ذلك من الصرف الذى يلزم فيه التقابض.
وأما عدم الصحة اذا كانا من الذهب والفضة مع اختلاف الجنس ، فلكون ذلك من الصرف المعتبر فيه التقابض.
وأما اعتبار أن لايكونا من المكيل أو الموزون عند اتحاد الجنس ، فلكى لايلزم
محذور الربا.
وأمّا الصحة سواء كانا معا من العروض ام كان أحدهما كذلك ، فللتمّسك بالمطلقات الخاصة والعامة المتقدمة بعد فقدان المانع.
وبذلك يتضح التأمل فيما ينسب الى ابن الجنيد من « منع اسلاف عرض فى عرض اذا كانا مكيلين أو موزونين أو معدودين كالسمن والزيت ». (1)
3 - وأمّا اعتبار ضبط الأوصاف الرافعة للجهالة ، فلصحيحة زرارة السابقة وغيرها. فإنّ اعتبار ذكر الطول والعرض والأسنان يدلّ عرفا على ذلك ، وإلاّ فلا خصوصية للأوصاف المذكورة.
هذا مضافا إلى اعتبار معلومية العوضين فى مطلق البيع كما تقدم.
4 - وأمّا اعتبار قبض الثمن قبل التفرق ، فهو مشهور بين الأصحاب ، بل ادّعى عليه الإجماع.
وقد اعترف فى الجواهر والحدائق بعدم وجود مستند لذلك سوى الإجماع المدّعي(2). فان تَمَّ الإجماع وثبتت كاشفيته عن رأى المعصوم علیه السلام بنحو الجزم كان هو الحجة ، وإلاّ فالمناسب التنزل من الفتوى الى الاحتياط ، تحفظا من مخالفة المشهور.
5 - وأما اعتبار الضبط بالكيل ونحوه ، فلاعتبار ذلك فى مطلق البيع لدى الأصحاب.
6 - وأما اعتبار ضبط الأجل ، فلموثقة غياث السابقة وغيرها ؛ مضافا الى انه لولا
ذلك يلزم الغرر المنهى عنه فى مطلق البيع لدى المشهور.
7 - وأما اعتبار امكان الدفع فى الوقت والمكان المقررين ، فلانه بدون ذلك لايتحقق القصد الى العقد.
8 - وأما تخير المشترى بين الصبر وأخذ رأس ماله ، فيمكن اثباته من خلال الاشتراط الضمني ، فان للمتعاقدين فى باب السلم اشتراطا ضمنيا عادة على ثبوت حق الفسخ للمشترى إن تعذر على البائع تسليم المبيع.
ومع التنزل تكفينا موثقة عبداللّه بن بكير : « سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن رجل أسلف فى شيء يسلف الناس فيه من الثمار فذهب زمانها ولم يستوف سلفه ، قال : فليأخذ رأس ماله أو لينظره » (1)وغيرها.
9 - وأما عدم جواز الفسخ بزيادة على الثمن او نقصان ، فلأن ذلك مقتضى الفسخ الموجب لرجوع العوضين الى حالتهما الاُولي.
على أن موثقة ابن بكير السابقه دالّة على ذلك أيضا.
ومع التنزل وتسليم عدم ظهورها فى ذلك يمكن التمسّك بصحيحة محمد بن قيس عن أبى جعفر علیه السلام : « قال أميرالمؤمنين علیه السلام فى رجل أعطى رجلاً ورقا فى وصيف الى أجل مسمّي ، فقال له صاحبه : لانجد لك وصيفا ، خذ منى قيمة وصيفك اليوم ورقا ، قال : فقال : لايأخذ إلاّ وصيفه أو ورقه الذى أعطاه أول مرة لايزداد عليه شيئا ».(2)
10 - وأمّا جواز التراضى على شيء آخر ، فهو مقتضى القاعدة لرجوع ذلك الى معاملة جديدة اتفقا عليها.
على أن موثقة يعقوب بن شعيب : « سالت اباعبداللّه علیه السلام عن رجل باع طعاما بدراهم فلما بلغ ذلك الأجل تقاضاه ، فقال : ليس عندى دراهم خذ منى طعاما ، قال : لا بأس إنّما له دراهمه يأخذ بها ماشاء » (1)وغيرها ، قد دلت على ذلك ايضا ، فان موردها وان كان هو النسيئة الا انه بتنقيح المناط يتعدى الى السلف.
1) وسائل الشيعة : 13 / 71 ، باب 11 من ابواب السلف ، حديث 10.
حقيقة الإجارة
شرائط العوضين
الضمان فى باب الإجارة
من أحكام عقد الإجارة
الإجارة عقد على تمليك المنفعة - التى هى عمل أو غيره - بعوض. وهى مشروعة بالضرورة.
ولها شرائط يرتبط بعضها بالمتعاقدين - هى نفس شرائط المتعاقدين فى باب البيع - وبعضها بالعوضين.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن حقيقة الإجارة ما ذكر ، فهو ما جاء فى كلمات غير واحد من الاصحاب.(1)وهو مبنى على كون الإجارة فعل المؤجر ، كتعريف البيع بأنه تمليك عين بعوض ، وأمّا بناء على كونها فعل الطرفين - كما فى النكاح - فالمناسب تعريفها بأنها عقد على المعاوضة على المنفعة.
2 - وأمّا أن المنفعة قد تكون عملا أو غيره ، فواضح ؛ اذ قد تكون الإجارة على العمل - كايجار الشخص للبناء أو الخياطة ونحوهما - وقد تكون على العين ، كايجار الدار للسكن.
ويطلق على مستحق المنفعة بالإجارة عنوان المستأجر ، وعلى مستحق الأجرة
1) رياض المسائل : 10 / 7 ؛ الحدائق الناظرة : 21 / 532 ؛ جواهرالكلام : 27 / 204.
فى إجارة الأعيان عنوان المؤجر ، وفى الإجارة على العمل عنوان الاجير.
3 - وأمّا شرعيتها ، فثابتة بقوله تعالي : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)، (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) (2)، وبالروايات الواردة لبيان احكام الإجارة التى تأتى الإشارة الى بعضها إن شاء اللّه تعالي ، بل بالضرورة التى لايحتاج معها الى دليل.
4 - وأمّا شروط المتعاقدين ، فبما انّها لاتختلف عن شرائط المتعاقدين فى باب البيع عدداً ومدركاً فلا حاجة الى التكرار.
يلزم فى عوضى الإجارة : المعلومية ، والقدرة على التسليم ، والملكية ، وإمكان بقاء العين لدى الانتفاع بها ، فلا تصح إجارة الخبز للأكل مثلاً ، وأن تكون المنفعة مباحة ، فلا تصح الإجارة لفعل المحرّم ، وان تكون العين صالحة لاستيفاء المنفعة منها فلا تصح إجارة الأرض للزراعة اذا لم تمكن زراعتها ، وتمكّن المستأجر شرعاً من الانتفاع بالعين المستأجرة ، فلا تصح إجارة الحائض لكنس المسجد.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا اعتبار معلومية العوضين ، فقد يستدلّ له :
تارة : بلزوم الغرر على تقدير عدم المعلومية ، وقد نهى النبى صلی اللّه علیه و آله عن الغرر.(3)
واُخري : بالنبوي : « من استأجر أجيراً فليعلمه أجره ». (4)
وثالثة : بما دلّ على لزوم اعتبار ضبط الكيل والوزن والعدد فى باب البيع بعد وضوح عدم الخصوصية له.
ورابعة : بتسالم الأصحاب على ذلك.
والكلّ كما تري.
اما الاول : فلأن الثابت فى كتب الحديث نهى النبى صلی اللّه علیه و آله عن بيع الغرر(1)، وليس نهى النبى صلی اللّه علیه و آله عن الغرر.
هذا بقطع النظر عن السند وإلاّ فالإشكال اوضح.
وأمّا الثانى : فلضعف الحديث سنداً.
وأمّا الثالث : فباعتبار أن الغاء الخصوصية للبيع لايمكن الجزم به ، ولذا قيل فى ردّ الاستدلال بحديث النهى عن الغرر بان الثابت هو النهى عن بيع الغرر ، فلو فرض عدم الخصوصية للبيع كفى ورود النهى عن بيع الغرر.
وأمّا الرابع : فالتسالم مع احتمال المدرك لاحجية له كما هو واضح ؛ اذ القيمة تعود للمدرك ، وقد عرفنا ضعف المدارك الثلاثة المتقدمة.
وعليه فالحكم باعتبار معلومية العوضين ينبغى ابتناؤه على الاحتياط ، تحفظاً من مخالفة التسالم المدّعى فى المسألة.
2 - وأمّا اعتبار القدرة على التسليم ، فلأن مثل منفعة الدار مع عدم القدرة على التسليم تتصرم شيئاً فشيئاً ، وبالتالى لاتكون مملوكة فى اعتبار العقلاء لصاحب الدار ليمكنه نقلها.
3 - وأمّا اعتبار الملكية ، فواضح ؛ اذ غير المالك لايمكنه تمليك الغير ، فان فاقد
1) وسائل الشيعة : 12 / 330 ، باب 40 من أبواب آداب التجارة ، حديث 3.
الشيء لايعطيه. بل تحقق النقل من دون رضا المالك خلاف قاعدة « السلطنة » الثابتة له وقاعدة « لايحل مال امريءٍ مسلم إلاّ بطيبة نفس منه ».
ومن خلال الوجه الاول تتضح النكتة فى عدم صحة اجارة المباحات العامة قبل حيازتها.
4 - وأمّا اعتبار بقاء العين لدى الإنتفاع بها ، فلتقوِّم حقيقة الإجارة بذلك ، فان تمليك منفعة العين دونها يستبطن ذلك.
5 - وأمّا اعتبار إباحة المنفعة ، فاستدلّ له الشيخ النائينى قدسسره بأن المنفعة اذا كانت محرمة فهى ليست مملوكة ليمكن تمليكها.
قال قدسسره : « إن اشتراط مملوكية المنفعة يغنى عن هذا الشرط ، فان المنفعة المحرمة غير مملوكة ». (1)
6 - وأمّا اعتبار قابلية العين لاستيفاء المنفعة منها ، فباعتبار أن المنفعة اذا لم تكن قابلة للاستيفاء فهى ليستملكاً لصاحب العين بل لاتعدُّ منفعةللعين ليمكنه تمليكها.
7 - وأمّا اعتبار تمكن المستأجر شرعاً من الانتفاع بالعين ، فقد يوجّه بما ذكره الشيخ النائينى من « أن هذا المثال(2)قد خرج باشتراط مملوكية المنفعة وإباحتها » (3).
وفيه : أن كنس الحائض للمسجد ليس محرّما وإنّما المحرّم مقدمته وهو المكث فى المسجد - ولذا لو لم يحرم المكث لإكراه أو اضطرار لم يحرم الكنس - وحرمة المقدمة لاتستلزم حرمة ذيها بلا كلام وإنّما الكلام فى استلزام حرمة ذي
المقدمة لحرمة المقدمة.
والأنسب أن يوجّه بأن ما دلَّ على عدم نفوذ الشرط اذا كان محرماً للحلال أو بالعكس كقوله علیه السلام : « ... الا شرطاً حرَّم حلالاً او احلَّ حراماً » (1)يمكن ان يفهم منه بعد الغاء الخصوصية عدم صحة الاجارة فى مثل مقامنا.
مستأجر العين أمين عليها ، لايضمن تلفها أو تعيّبها إلاّ اذا تعدّى او فرّط.
وهكذا الحال فيالأجير اذا دفع له المستأجر العين ليعمل فيها.
واذا باشر الطبيب من خلال عملية جراحية علاج المريض وتضرر بذلك كان ضامناً إلاّ إذا اخذ البراءة مسبقاً ولم يكن مقصّرا فى إعمال اجتهاده.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا عدم ضمان المستأجر للعين ، فللقصور فى المقتضي ، فان الضمان لو كان ثابتاً فهو ليس إلاّ لقاعدة « على اليد » التى مستندها ليس إلاّ السيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع ، وهى لاتشمل مثل يد المستأجر ، ولا أقلّ من الشك فيقتصر على القدر المتيقن.
ومع التنزل وفرض تمامية المقتضى يكفينا للحكم بعدم الضمان وجود المانع ، وهو الروايات الواردة فى عدم ضمان الأمين ، كصحيحة مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمد عن أبيه علیهماالسلام : « ان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قال : ليس لك ان تتهم من قد إئتمنته و
1) وسائل الشيعة : 12 / 354 ، باب 6 من ابواب الخيار ، حديث 5.
لاتأتمن الخائن وقد جرّبته » (1).
ومع التنزّل عن ذلك أيضا تكفينا الروايات الواردة فى باب الإجارة بالخصوص ، كصحيحة الحلبي : « سألت ابا عبد اللّه علیه السلام عن رجل تكارى دابة الى مكان معلوم فنفقت الدابة ، فقال : ان كان جاز الشرطَ فهو ضامن. وان كان دخل وادياً لم يوثقها فهو ضامن. وان وقعت فى بئر فهو ضامن ، لأنه لم يستوثق منها ». (2)
2 - وأمّا الضمان مع التعدى أو التفريط ، فلقاعدة « على اليد » والصحيحتين المتقدمتين.
3 - وأمّا عدم ضمان الأجير للعين التى يعمل فيها ، فلنفس ما تقدم فى عدم ضمان المستأجر.
4 - وأمّا ضمان الطبيب عند مباشرته للعلاج وتضرر المريض ، فلقاعدة الإتلاف ، وموثقة السكونى عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « قال أمير المؤمنين علیه السلام : من تطبّب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليه وإلاّ فهو له ضامن ». (3)
بل يمكن التمسّك أيضا بصحيحة الحلبى عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « الرجل يعطى الثوب ليصبغه فيفسده ، فقال : كلّ عامل اعطيته أجراً على أن يصلح فأفسد فهو ضامن ». (4)
واذا قيل : مع اذن المريض للطبيب فى مباشرة علاجه لايبقى موجب للضمان.
قلنا : إن الإذن كان فى العلاج دون الإفساد.
5 - وأمّا استثناء حالة أخذ البراءة ، فلموثقة السكونى المتقدمة.
والسكونى وان لم يوثق فى كتب الرجال إلاّ ان ذلك غير مهم بعد تصريح الشيخ الطوسى بعمل الطائفة برواياته.(1)
واذا قيل : لاتصح البراءة لأنها من قبيل اسقاط ما لم يجب.
قلنا : هذا يتم لو اُريد تخريج الحكم على طبق القاعدة ، أمّا بعد وجود النص فلا مجال لما ذكر من الإشكال.
يعتبر فيالإجارة الإيجاب والقبول ، ففى إجارة الدار مثلاً يصحّ الإيجاب من صاحب الدار بلفظ « آجرتك الدار » ؛ والقبول من الآخر بلفظ « قبلت » ونحوه ، كما يصح العكس فيقول الآخر : « استأجرت دارك » ويقول صاحب الدار : « قبلت ».
وتتحقق الإجارة بالمعاطاة.
وهى من العقود اللازمة التى لاتنفسخ إلاّ بالتقايل أو بالفسخ عند اشتراط الخيار أو تخلف الشرط.
والمشهور جواز الإجارة المعاطاتية إلاّ اذا تصرف أحدهما فيما انتقل اليه.
واذا تحقق عقد الإجارة ملك كلّ طرف بنفس العقد ما استحقه على الآخر ، فالأجير يملك الاُجرة ولو لم يقم بالعمل ، والمستأجر يملك العمل ولو لم يدفع الاُجرة.
ويجب على كلّ واحد منهما تسليم ما عليه إلاّ اذا كان الآخر ممتنعاً.
ويحق لمستأجر العين ايجارها على آخر ما دام لم يشترط عليه - ولو ضمناً - استيفاءه
1) العدة فى الاصول ، مبحث حجية خبر الواحد : 1 / 149.
المنفعة بنفسه.
ولايجوز لمستأجر الدار ايجارها على آخر بأكثر من الاُجرة السابقة إلاّ أن يحدث فيها حدثاً أو تكون الاُجرة الثانية مغايرة للاُولى جنساً.
ومن استؤجر لأداء عمل بدون اشتراط المباشرة عليه ولو ضمناً يجوز له استئجار غيره للقيام بذلك العمل فيما اذا كانت الاُجرة مساوية أو أكثر ، أمّا اذا كانت أقل فلا إلاّ إذا أتى ببعض العمل.
ومن استأجر محلاً تجارياً أو غيره الى فترة محددة ، فعليه بعد انتهائها تخليته اذا طالب بذلك المالك ، ولايحق له ايجاره على شخص آخر من دون إذن إلاّ اذا تم الاتفاق لبناء عرفيخاص أو عام على ذلك مسبقاً ولو مقابل مبلغ معيّن قد يعبّر عنه فى بعض الأعراف بحقّ السرقفلية ، فيجوز آنذاك للمستأجر عدم التخلية وتجديد عقد الايجار ، بل يجوز له أيضاً رفع اليد عن حقه فيالبقاء والتنازل بالمحل لثالث ازاء مبلغ معين من النقود قد يعبّر عنه بحقّ السرقفلية أيضاً.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا اعتبار الإيجاب والقبول فى الإجارة ، فلتقومها بذلك بحسب الارتكاز العقلائى والمتشرعي.
وأمّا صحة الإيجاب والقبول بكلا الشكلين ، فلإطلاق الأمر بالوفاء بالعقد الصادق فيهما.
2 - وأمّا صحة الإجارة بالمعاطاة ، فلأن ذلك هو مقتضى القاعدة ، فإنه بعد صدق العقد بالمعاطاة وعدم انحصار تحققه باللفظ يشمله إطلاق قوله تعالي : (أَوْفُوا
بِالْعُقُودِ) . (1)ويكون الخروج عن ذلك والحكم باعتبار اللفظ فقط هو المحتاج الى دليل وقد قام الدليل فى بعض الموارد - كالنكاح والطلاق والنذر واليمين - ويبقى غيرها مشمولاً لمقتضى القاعدة.
3 - وأمّا أنَّ الإجارة من العقود اللازمة ، فلأن ذلك مقتضى الاصل فى كلّ عقد على ما هو المستفاد من قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، واستصحاب بقاء الملك الثابت قبل فسخ أحدهما ، وغيرهما من الوجوه المذكورة فى كتاب البيع.
ويمكن ان نضيف فى خصوص المقام صحيحة على بن يقطين : « سألت ابا الحسن علیه السلام عن الرجل يتكارى من الرجل البيت أو السفينة سنة أو اكثر من ذلك أو أقل ، قال : الكراء لازم له الى الوقت الذى تكارى اليه والخيار فى أخذ الكراء الى ربها ، إن شاء أخذ وإن شاء ترك » (2)وغيرها.
4 - وأمّا تحقق الفسخ بالتقايل ، فلأن الحق لايعدو المتعاقدين بعد وضوح ان اللزوم حقى لاحكمي.
وأمّا جواز الفسخ بالخيار الثابت لأحدهما أو كليهما ، فواضح ، لانه مقتضى اشتراط الخيار النافذ بإطلاق قوله علیه السلام : « المسلمون عند شروطهم ». (3)
وأمّا جوازه عند تخلف الشرط ، فقد قُرِّب بوجهين ، تقدّمت الاشارة اليهما عند البحث عن الخيارات.
5 - وأمّا أن الإجارة المعاطاتية جائزة لدى المشهور إلاّ عند التصرف ، فذلك للإجماع المدّعى على عدم لزوم المعاطاة بشكل عام إلاّ عند التصرف.
والمناسب هو الحكم باللزوم تمسّكاً بإطلاق قوله تعالى أوفوا بالعقود وغيره من الوجوه المذكورة لإثبات لزوم المعاطاة فى باب البيع فراجع.
وأمّا الإجماع الكاشف عن رأى المعصوم علیه السلام ، فغير ثابت خصوصاً مع مدركيته المحتملة.
6 - وأمّا أن كلّ واحد يملك ما له على الآخر بمجرد العقد ، فباعتبار كونه سبباً تامّاً للملكية بمقتضى قوله تعالي : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) .
7 - وأمّا وجوب التسليم على كلّ واحد منهما ، فلأن ذلك لازم ملكية الآخر لما فى يد الأول.
وأمّا عدم لزوم التسليم عند امتناع الآخر ، فلأن ذلك مقتضى الشرط الضمنى الارتكازى على ثبوت الحق لكلّ واحد منهما فى الامتناع عند امتناع الآخر.
8 - وأمّا جواز ايجار العين من قبل المستأجر الاول ، فلأنه مالك للمنفعة فيصح له تمليكها وليس من شروط صحة الإجارة ملكية العين.
أجلمع اشتراط استيفاءالمنفعة بالمباشرة لايجوز ذلك لقوله علیه السلام : « المسلمون عند شروطهم ». ولا فرق بين أن يكون الشرط صريحاً أو ضمنياً بعد إطلاق الحديث.
9 - وأمّا عدم جواز ايجار الدار من قبل المستأجر الاول بأكثر من الاُجرة الاُولى إلاّمع إحداث حدث ، فلصحيحة الحلبى عنأبيعبداللّه علیه السلام : « الرجل يستأجر الدار ثم يؤاجرها باكثر مما استأجرها به قال : لايصلح ذلك إلاّ أن يحدث فيها شيئاً » (1)وغيرها.
10 - وأمّا اعتبار اتحاد جنس الاُجرة فى عدم جواز الزيادة ، فلأن عنوان « الأكثر » لايصدق إلاّ مع اتحاد جنس الاُجرتين ، فاذا كانت احداهما ديناراً والاُخرى كتاباً
1) وسائل الشيعة : 13 / 262 ، باب 22 من الإجارة ، حديث 4.
فلا يصدق عرفاً أن هذا أكثر من ذاك اذا تفاوتا فى القيمة إلاّ معالعناية.
اجل ، اذا كانت كلتا الاُجرتين من النقود واختلفتا فى نوعية النقد ، فلا يبعد صدق عنوان الأكثر عرفاً اذا تفاوتا فى المالية.
11 - وأمّا ان المستأجر لعمل يجوز له استئجار غيره اذا كانت الاُجرة مساوية أو أكثر ، فلكونه مقتضى القاعدة ما دام لم تشترط عليه المباشرة.
وأمّا عدم جواز ذلك اذا كانت أقل إلاّ مع أداء بعض العمل ، فلصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام : « سئل عن الرجل يتقبل بالعمل فلا يعمل فيه ويدفعه الى آخر فيربح فيه ، قال : لا ، إلاّ أن يكون قد عمل فيه شيئاً » (1)وغيرها.
12 - وأمّا وجوب تخلية المكان المستأجر بعد انتهاء عقد الإجارة ، فلأن العقد هو المسوّغ للتصرف ، فاذا انتهى يعود المالك مسلطاً على ملكه ولايجوز التصرف فيه من دون طيب نفسه.
13 - وأمّا انه يجوز للمالك أخذ السرقفلية ، فلأن لكلّ ذى حق التنازل عن حقه مقابل ما يشاء.
وأمّا أن للمستاجر ذلك أيضاً ، فلأنه مقابل تنازله عن حقه فى البقاء وعدم التخلية المتولد له بسبب الاتفاق مع المالك.
14 - وأمّا كفاية التبانى العام ، فلأنه محقق للاشتراط الضمني.
1) وسائل الشيعة : 13 / 265 ، باب 23 من الإجارة ، حديث 1.
حقيقة المزارعة
شرائط المزارعة
احكام عامة فى باب المزارعة
المزارعة عقد يتضمن الاتفاق على زرع شخص أرض غيره بحصة من حاصلها. وهي مشروعة بلا كلام.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا تحديد المزارعة بما ذكر ، فمضافاً الى كونه من واضحات الفقه يمكن استفادته من روايات باب المزارعة ، كصحيحة عبد اللّه بن سنان : « الرجل يزارع فيزرع أرض غيره فيقول : ثلث للبقر وثلث للبذر وثلث للأرض ، قال : لايسمّى شيئاً من الحب والبقر ، ولكن يقول : ازرع فيها كذا وكذا إن شئت نصفاً وإن شئت ثلثاً » (1)وغيرها.
وعدم إسناد الحديث الى الامام علیه السلام غير مهم بعد كون الناقل ابن سنان الذى هو من أجلاء أصحابنا الذين لايحتمل فى حقهم الرواية عن غيره عليه السلام.
على أن عدم إسنادها اليه علیه السلام جاء فى رواية الكلينى وإلاّ ففى رواية الشيخ أسندت الى أبى عبداللّه علیه السلام (2).
2 - وأمّا شرعيتها ، فليست محلاً للخلاف عندنا ، بل عند أكثر علماء الاسلام على ما فى الجواهر.(1)
وتدلّ عليها الضرورة الفقهية والروايات الخاصة كالصحيحة المتقدمة وغيرها.
وهناك بحث عن إمكان إثبات شرعيتها بمقتضى القاعدة وقطع النظر عن الروايات الخاصة وعدمه نقرأه فى مستوى أعلى من البحث إن شاء اللّه تعالي.
يلزم في المزارعة :
1 - الإيجاب والقبول ، ويكفى فيهما كلّ لفظ دالٍّ عليهما - مثل : « زارعتك » أو « سلّمت اليك الأرض لتزرعها على كذا » - ولو بغير العربية والماضوية.
ولايلزم ان يكون الإيجاب من المالك ولا تقدمه ولا كونه لفظاً ، بل يجوز ان يكون الإيجاب باللفظ والقبول بالفعل أو يكونا معاً بالفعل.
2 - أن يكون كلّ من المالك والزارع بالغاً عاقلاً مختاراً ، وليس بمحجور عليه لسفهٍ أو فلس.
أجل ، اذا لم يشارك الزارع بمال فلا يلزم اشتراط عدم المحجورية فى حقه.
3 - أن يكون الناتج مشتركاً بين المالك والزارع وليس خاصاً بأحدهما وإلاّ لم تصح مزارعة.
4 - أن يكون الاشتراك فى الناتج بنحو الإشاعة ، فلو شرط لأحدهما الاختصاص بما يحصل أولاً أو من هذه القطعة من الأرض وللآخر ما يحصل ثانياً أو من تلك القطعة لم تصح.
5 - تعيين الحصة بالكسر المشاع ، فلو قال : « ازرع واعطنى ماشئت أو مائة كيلو » لم تصح.
1) جواهر الكلام : 27 / 2.
6 - تعيين المدة بداية ونهاية اذا لم يكن هناك انصراف يقتضى التعيين.
7 - أن تكون المدة بمقدار صالح لإدراك الناتج فيها.
8 - قابلية الأرض للزراعة ولو بالعلاج ، فلو كانت سبخة أو لايمكن وصول الماء اليها أو ما شاكل ذلك فلاتصح.
9 - تعيين نوع المزروع اذا لم يقصدا التعميم لأى نوع أمكن ولم يكن هناك انصراف الي نوع معيّن.
10 - تعيين الأرض مع ترددها بين قطعتين أو أكثر اذا لم يكن هناك انصراف ولم يقصد التعميم لأى أرض وقع الاختيار عليها.
11 - تعيين المصارف من البذر ونحوه وكونها على أيِّ واحد منهما اذا لم يكن هناك انصراف.
12 - ان تكون الأرض ونحوها مملوكة ولو منفعة أو يكون التصرف فيها نافذاً بوكالة أو ولاية.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا اعتبار الإيجاب والقبول فى المزارعة ، فلأنها عقد لا ايقاع ، وإلاّ كفي الإيجاب فى تحققها ، وهو باطل جزماً.
وأمّا التعميم من الجهات الاُخرى ، فلصدق العقد فى جميعها ، ومقتضى إطلاق قوله تعالي : أوفوا بالعقود (1)ثبوت الصحة واللزوم فى جميعها.
2 - وأمّا اعتبار البلوغ وما تلاه ، فقد تقدم وجهه فى مبحث شروط المتعاقدين من مبحث البيع ، فإن ما ذكر هناك عام لمطلق العقود ، فلاحظ.
1) 1 - المائدة : 1
3 - وأمّا أن الزارع لايشترط فيه عدم المحجورية اذا لم يشارك بمالٍ ، فلأن السفيه والمفلس ممنوعان من التصرف المالي ، فاذا فرض عدم المشاركة بمال فلايعود وجه للاشتراط المذكور.
هذا بناء على الرأى المشهور من عدم منع السفيه من التصرفات غير المالية.(1)
وأمّا بناء على منعه حتى من مثل جعل نفسه عاملاً فى المزارعة أو المساقاة ونحوهما ، فيلزم فى الزارع عدم السفه حتى اذا لم يشارك بمال.
4 - وأمّا اعتبار الاشتراك فى الناتج ، فلاعتباره فى المزارعة حسبما يفهم من بعض النصوص ؛ فقد ورد فى صحيحة الحلبى عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « لاتقبل الأرض بحنطة مسمّاة ولكن بالنصف والثلث والربع والخمس لا بأس به ». (2)
والمراد من قوله علیه السلام : « بحنطة مسماة » : بحنطة مقدّرة بغير الكسر المشاع، بان يقول مثلاً : بعشرين كيلو.
وقيّد الشيخ فى الاستبصار ( : 3 / 128 ) النهى فى الرواية بما اذا كانت الحنطة المسماة من نفس حاصل الارض ؛ أمّا اذا كانت من حاصل موجود بالفعل من غيرها ، فلا بأس بذلك.
والحكم متسالم عليه بين الاصحاب.5 - وأمّا اعتبار الاشتراك فى الناتج بنحو الاشاعة - فى كلا الشرطين : الرابع والخامس - فلما سبق فى اعتبار أصل الاشتراك.
6 - وأمّا اعتبار تعيين البداية والنهاية للمدة ، فلأنه اذا لم تكن متعينة كذلك فلا يمكن تعلّق الأمر بوجوب الوفاء بالعقد ، لأن ما لا تعين له حتى فى علم اللّه سبحانه كيف يتعلق به وجوب الوفاء؟!
7 - وأمّا اعتبار أن تكون المدة بمقدار يمكن ادراك الناتج فيه ، فلأنه بدون ذلك
لايمكن تحقق المقصود من المزارعة ، ويكون الاقدام عليها لغواً ولايشملها دليل الامضاء.
8 - وأمّا اعتبار قابلية الأرض للزراعة ، فلنفس ما تقدم.
9 - وأمّا اعتبار تعيين نوع المزروع ، فيما اذا لم يقصد التعميم ولم يفرض الانصراف الى نوع معيّن فقد ذكره غير واحد من الفقهاء.(1)وهو وجيه مع اختلاف نوع الزرع المقصود لكلّ واحد منهما ، لأن وجوب الوفاء بالعقد على طبق مقصود أحدهما بلا مرجّح ، وعلى طبق مقصودهما غير ممكن لفرض التنافي. وأمّا مع عدم الاختلاف فى المقصود واقعاً ، فلا وجه للبطلان سوى التمسك بحديث نهي النبيّ صلی اللّه علیه و آله عن الغرر ، (2)ولكن قد تقدم فى مبحث الإجارة عدم ثبوت كونه رواية.
10 - وأمّا اعتبار تعيين الأرض ، فلنفس ما تقدم فى اعتبار تعيين نوع المزروع.
11 - وأمّا لزوم تعيين من عليه المصارف اذا لم يكن هناك انصراف ، فلأن العقد بدون ذلك لايمكن تعلق وجوب الوفاء به ، اذ وجوب الوفاء ببذل المصارف من خصوص أحدهما بلا مرجّح ، ووجوبه بالبذل من كليهما أمر على خلاف مقصودهما.
12 - وأمّا اعتبار ملكية الارض ونحوها أو نفوذ التصرف فيها ، فلأنه لولا ذلك يكون العقد فضولياً.
المزارعة عقد لازم لاتنفسح إلاّ بالتقايل أو الفسخ عند اشتراط الخيار أو تخلف الشرط.
ولايلزم فيالبذر أنيكون منالعامل ، بليجوز أنيكون منالمُزارِع أيضاً أومنهما.
كما لايلزم فى الأرض أن تكون من المزارع ، بل يجوز كونها من العامل.
بل قد يقال : إن المزارعة تحتاج الى أمور أربعة : الأرض والبذر والعمل والعوامل. ويصح أن يكون من أحدهما احد هذه ومن الآخر البقية ، أو من كلّ منهما اثنان منها ، أو من أحدهما بعض احدها ومن الآخر البقية ، أو الاشتراك فى الكل.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن المزارعة عقد لازم لاينفسخ إلاّ بما ذكر ، فلما تقدم فى مبحث الإجارة.
2 - وأمّا البذر ، فقد يقال بلزوم كونه من العامل تمسّكاً بصحيحة يعقوب بن شعيب عن ابى عبد اللّه علیه السلام : « ... وسألته عن المزارعة ، فقال : النفقة منك والأرض لصاحبها ، فما أخرج اللّه من شيء قسّم على الشطر ، وكذلك أعطى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله خيبر حين أتوه فأعطاهم أيّاها على أن يعمّروها ولهم النصف مما أخرجت ». (1)إلاّ انه يلزم حملها على المتعارف فى تلك الفترة - خصوصاً بعد ملاحظة الاستشهاد بسيرة النبى صلی اللّه علیه و آله - لصراحة بقية الروايات فى عدم لزوم كونه على العامل ، كما فى موثقة سماعة : « سألته عن مزارعة المسلم المشرك فيكون من عند المسلم البذر والبقر وتكون الأرض والماء والخرج والعمل على العلج ، قال : لاباس به » (2)
والعلج بالكسر فالسكون : الرجل العظيم من الكفار.
وغيرها.على أن الحكم متسالم عليه بين الأصحاب(1)؛ بل قد يدّعى أن سيرة المزارعين المتصلة بزمن المعصوم علیه السلام هى على ذلك.
3 - وأمّا جواز كون الارض من العامل ، فلموثقة سماعة المتقدمة.
4 - وأمّا وجه القول بجواز الاشتراك فى الأمور الأربعة بأى شكل ، فقد علّله الشيخ البحرانى بقوله : « لإطلاق الاذن فى المزارعة من غير تقييد بكون بعضٍ بخصوصه من أحدهما ». (2)
وهذا الإطلاق فى نصوص باب المزارعة لو تمّ تحققه أخذنا به وإلاّ أمكن التمسّك بمثل عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) .
حقيقة المساقاة
شرائط المساقاة
احكام عامة فى باب المساقاة
المساقاة عقد يتضمن الاتفاق على سقى شخص أشجار شخص ثانٍ أو غيرها ، واصلاح شؤونها الى مدة معينة بحصة من حاصلها. وهى مشروعة جزماً.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا تحديد المساقاة بما ذكر ، فهو من واضحات الفقه. ويمكن استفادته من صحيحة يعقوب الآتية.
وفرقها عن المزارعة : أنّ العامل فى الثانية يقوم بزرع الأرض بحصة من الناتج بعد فرض أنها غير مزروعة ، بخلافه فى المساقاة ؛ فإن المفروض ثبوت الأشجار وغرسها فى الأرض قبل العقد ، ودور العامل السقى واصلاح شؤون ما هو مغروس بحصة من الناتج.
2 - وأمّا شرعيتها ، فقد قال فى الجواهر : « هى جائزة بالإجماع من علمائنا واكثر العامة ، خلافاً لأبى حنيفة وزفر فأنكراها للجهالة والغرر ». (1)
1) جواهر الكلام : 27 / 50.
يلزم فى المساقاة توفّر :
1 - الايجاب والقبول بالشكل المتقدم فى المزارعة.
2 - البلوغ والعقل فى المالك والعامل وعدم الحجر بالنحو المتقدم فى المزارعة.
3 - أن يكون المغروس مملوكاً ولو منفعة فقط ، أو يكون التصرف فيه نافذاً بوكالة أو ولاية.
4 - معلومية الأشجار فى مقابل التردد.
5 - أن تكون الأصول ذات عروق ثابتة فى الأرض ، كما فى النخل وأشجار الفواكه ، فلاتصح عليمالا ثبوت لعروقه فى الأرض ، كالبطيخ والباذنجان وغيرهما من الخُضَر.(1)
6 - تحديد المدّة بداية ونهاية. وأن تكون بمقدار صالح لبلوغ الثمرة. ويكفى بلوغ الثمرة تحديداً للنهاية.
7 - ان يكون العقد قبل بلوغ الثمرة أو بعدها مع افتراض الحاجة الى السقى أو غيره. أمّا مع فرض الحاجة الى مجرد الحفظ والقطف ، فالصحة محل خلاف.
8 - تعيين حصة كلّ من المالك والعامل بنحو الكسر المشاع.
9 - تعيين ما على كلّ واحد منهما من أعمال اذا لم يكن هناك انصراف.
1) قد جاء التعبير عن هذا الشرط فى كلمات الفقهاء بانه يلزم فى متعلق المساقاة ان يكون اصولاً ثابتة ، اي مستمرة ولاتضمحل بسرعة ، وذلك لايتحقق عادة الا فيما كان له عروق قوية فى اعماق الارض. قال في الحدائق الناضرة : 21 / 356 : « المراد بالاصل الثابت كالنخل والشجر الذى له ساق ، فلاتصح المساقاة علي نحو البطبخ والباذنجان ... قال فى التذكرة : لم تثبت المساقاة عليها اجماعاً ، لان اصول هذه لابقاء لها غالباً واضمحلالها معلوم عادة ... » وقريب من ذلك عبارة جواهر الكلام : 27 / 60.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا بالنسبة الى الشرطين الأولين ، فلما تقدم فى المزارعة.
2 - وأمّا اعتبار ملك المنفعة أو نفوذ التصرف ، فلأنه لولا ذلك يكون العقد فضولياً.
3 - وأمّا اعتبار معلومية الأشجار - بمعنى عدم ترددها - فلأن تعلق وجوب الوفاء بهذا المعيّن أو ذاك المعيّن ترجيح بلا مرجّح ، وتعلّقه بكليهما أمر على خلاف مقصودهما ، والمردّد لا تحقق له ليمكن تعلق ذلك به.
وأمّا المعلومية فى مقابل الجهل ، فقد يقال باعتبارها لا لحديث نفى الغرر - لعدم ثبوت كونه رواية على ما تقدم فى مبحث الاجارة - ولا للإجماع ، لاحتمال مدركيته ، بل لأنّ مورد صحيحة يعقوب بن شعيب عن ابى عبد اللّه علیه السلام : « سألته عن رجل يعطى الرجل أرضه وفيها ماء أو نخل أو فاكهة ويقول : اسقِ هذا من الماء واعمره ولك نصف ما أخرج اللّه عز وجلّ منه ، قال : لا بأس » (1)قد فرضت فيه المعلومية لدى الطرفين ، فلا يبقى ما يدلّ على صحتها مع عدم المعلومية.
وهو جيد لو لم يمكن التعويض عن صحيحة يعقوب بمثل عموم قوله تعالي : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (2)
4 - وأمّا اعتبار كون الاصول ذات جذور ثابتة ، فلاختصاص مورد صحيحة يعقوب المتقدمة بذلك. وهو وجيه لو لم يمكن التعويض المتقدم.
بل قد يقال : لا وجه للاشتراط المذكور حتى بناءً على عدم امكان التعويض ، لأن
مورد الصحيحة وان كان مختصاً بما له أصل ثابت إلاّ أن تخصيص ذلك بالذكر لم يجيء فى كلام الامام علیه السلام بل فى كلام السائل ، وحيث لاتحتمل الخصوصية لذلك عرفا فيمكن تعميم الحكم الى غيره.
5 - وأمّا اعتبار تحديد المدة ، فلأنه بدون ذلك لا تعيّن للعقد فى الواقع ليمكن تعلق وجوب الوفاء به.
وأمّا اعتبار أن تكون المدة بمقدار تبلغ فيه الثمرة ، فلأنه بدون ذلك لايمكن ثبوت حصة العامل ، وبالتالى يكون العقد لغوا ولا معنى لتعلق وجوب الوفاء به.
وأمّا كفاية بلوغ الثمرة حداً للنهاية ، فلأن ذلك نحو من التحديد. ولعله هو المتعارف الذى يبعد عدم شمول دليل الامضاء له.
6 - وأمّا عدم تقييد صحة المساقاة بما قبل بلوغ الثمرة ، فلإطلاق صحيحة يعقوب المتقدمة.
وأمّا عدم اعتبار الحاجة الى خصوص السقى ، فلأن عطف الإعمار على السقي فى الصحيحة : « اسقِ هذا من الماء واعمره » هو من عطف العام على الخاص ، وهو يدلّ على كفاية الإعمار بأى شكل كان ولو لم يكن بالسقي. والتعبير بالمساقاة تعبير فقهى لوحظ فيه أهمّ أفراد الاعمار ، وهو السقي ، وإلاّ فالروايات لم تعبّر بذلك لتفهم الخصوصية للسقي.
ولو قيل : باعتبار الخصوصية للسقى باعتبار أنّه منصوص عليه فى الصحيحة يلزم أن يقال : باعتبار الخصوصية أيضاً للإعمار غير السقي ، لأنه مذكور في الصحيحة أيضاً ، وهو غير محتمل.
وأمّا الخلاف فى الاكتفاء بالحاجة الى الحفظ والقطف ، فلانهما ليسا نحواً من
الإعمار ليكونا مشمولين للصحيحة.
7 - وأمّا اعتبار تعيين الحصة وكون ذلك بالكسر المشاع ، فلاختصاص الصحيحة المتقدمة بذلك. بل إنّ تعيين الحصة وعدم ترددها معتبر بقطع النظر عن الصحيحة أيضاً ؛ اذ مع التردد لايمكن ثبوت وجوب الوفاء ، لأن تعلقه بلحاظ أحد الاحتمالين دونالآخر بلامرجّح ، والمردد بما هو مردد لا وجود له ليمكن تعلق وجوب الوفاء به.
أجل ، يمكن أن يقال بعدم لزوم تعيين الحصة بالكسر المشاع بناءً على إمكان التعويض بمثل عموم قوله تعالي : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) .
8 - وأمّا اعتبار تعيين الأعمال ، فلما تقدّم فى المزارعة.
المساقاة عقد لازم لاينفسخ إلاّ بالتقايل أوبالفسخ بالخيار اذا فرض اشتراطه أو تخلف الشرط.
وفى جواز المساقاة على الأشجار التى لا ثمر لها وإنّما ينتفع بورقها - كالحناء - خلاف.
ويجوز اجراء عقد المساقاة على الأشجار التى لا تحتاج الى السقي ، لاستغنائها بماء المطر ونحو ذلك ما دامت بحاجة الى الإعمار من جهات أخري.
ولايلزم على العامل مباشرة العمل بنفسه ، بل يجوز له استيجار غيره لذلك ما دام لم تشترط عليه المباشرة.
واذا كان البستان يشتمل على أنواع مختلفة من الأشجار فتجوز المساقاة على النصف مثلاً فى النخيل والربع فى شجر التفاح وهكذا.
ويجوز أن يشترط أحدهما على الآخر مضافاً الى حصته شيئاً آخر ، كبناء بيت له أو دفع مبلغ من النقود وما شاكل ذلك.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أنالمساقاة لازمة لاتنفسخ إلاّ بماذكر ، فقد تقدّم وجهه فيمبحث الإجارة.
2 - وأمّا الخلاف فى جواز المساقاة على الأشجار التى لا ثمر لها ، فباعتبار أن مورد صحيحة يعقوب المتقدمة هو الشجر المثمر.
إلاّ أن المناسب هو الحكم بالتعميم ، لأن مورد الصحيحة وإن كان ما ذكر لكنه قد وقع فيسؤال السائل ، ولا يفهم العرف له خصوصية فبتنقيح المناط ينبغى التعّدي.
هذا لو لم نلحظ عموم « أوفوا بالعقود » ، وإلاّ فالأمر أوضح.
3 - وأمّا عدم توقف صحة المساقاة على الحاجة الى السقى ، فلما تقدم من أن عطف الإعمار على السقى فى صحيحة يعقوب هو من عطف العام على الخاص ، وذلك يدلّ على أن المدار فى صحة المساقاة على الحاجة الى الإعمار بأيّ شكل كان من دون خصوصية للسقي.
4 - وأمّا أنالعامل يجوز له استيجار غيره اذا لم تشترط عليه المباشرة بنفسه ، فواضح ، لأنالذمّة تكون مشغولة بالإعمار الكلّي ، وهو مما يمكن تحققه باستيجار الغير له.
5 - وأمّا جواز المساقاة بحصص مختلفة باختلاف الاشجار ، فلانحلال العقد الي عقود متعددة بعدد أنواع الأشجار.
6 - وأمّا جواز اشتراط شيء آخر إضافة الى الحصة ، فلأنه بعد عدم مخالفته لمقتضى العقد ولا للكتاب والسنّة الشريفين يكون اشتراطه صحيحا وواجب الوفاء بمقتضى إطلاق قوله علیه السلام : « المسلمون عند شروطهم ». (1)
1) وسائل الشيعة : 12 / 353 ، باب 6 من ابواب الخيار ، حديث 2.
حقيقة الشركة
من احكام الشركة بالمعنى الاول
من احكام الشركة بالمعنى الثانى
تطلق الشركة على معنيين :
أ) كون شيءٍ واحد لاثنين أو أزيد بنحو الإشاعة.
ب) الاتفاق بين طرفين أو أزيد على الاتجار بمالهم مع الاشتراك فى الربح والخسارة.
وهى بالمعنى الثانى عقد. ولأجله صَحَّ ادراجها فى العقود ، بخلافه بالمعنى الاول فإنها ليست عقداً.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا تحقق الشركة بالمعنى الأول ، فهو من الاُمور الواضحة. فالاخوة مثلاً ، اذا ورثوا مالاً أو حقاً ، كانت الشركة فيه فيما بينهم بالمعنى المذكور.
وهكذا تتحقق بالمعنى المذكور اذا افترض اشتراك شخصين فى حيازة المباحات ، كاصطياد مجموعة من الأسماك بواسطة شبكة ، أو افتراض امتزاج مالين لشخصين باختيار أو بغيره من دون تمييز لأحدهما عن الآخر بنحوٍ عدّا عرفاً موجوداً واحداً ، كامتزاج حنطة بحنطة أو دقيق حنطة بدقيق حنطة أو شعير. وأمّا اذا كان المزج بنحوٍ لايعدّان موجوداً واحداً فلاتتحقق الشركة ؛ وإن لم يمكن التمييز ،
كما اذا اختلطت دنانير شخص بدنانير غيره ، أو عباءة شخص بعباءة غيره ، أو حنطة شخص بشعير غيره ، فإنه حيث لايعدُّ الخليط موجوداً واحداً فلا تتحقق الشركة ، بل يلزم الفرز إن امكن ، وإن لم يمكن إلاّ بكلفة بالغة ، فمع اتفاقهما على الصلح فلا مشكلة ، وإلاّ أجبرهما الحاكم عليه.
وتتحقق الشركة بالمعنى الأول أيضاً فيما اذا امتلك شخصان أو أزيد شيئاً واحداً بشراء أو صلح أو هبة ونحوها.
كما تتحقق بعملية التشريك المنصوص عليها فى الروايات ، كمن كان عنده شيء وطلب منه غيره تشريكه فيه ، بأن قال له : « شرّكنى فى نصفه بكذا مقدار » ، فانه اذا قبل تحققت فيه الشركة بالمعنى المذكور ، فاذا حصل فيه ربح أو خسران اشتركا فيه.
والوجه فيه صحيحة هشام بن سالم عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « سألته عن الرجل يشارك فى السلعة ، قال : إن ربح فله وإن وضع فعليه » (1)وغيرها.
والشركة فى كلّ الأمثلة التى أشرنا اليها تتحقق بنحو الإشاعة.
2 - وأمّا الشركة بالمعنى الثانى ، فهى مما انعقدت عليها السيرة العقلائية المتصلة بزمن المعصوم علیه السلام الممضاة بعدم الردع عنها. وهى أيضاً مشمولة للعمومات ، كقوله تعالي : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (2). بل يمكن التمسّك لإثبات صحتها بموثقة السكونى عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « أن امير المؤمنين علیه السلام كره مشاركة اليهودى والنصرانى والمجوسي إلاّ أن تكون تجارة حاضرة لايغيب عنها المسلم » (3)وغيرها. والسكونى وإن لم يرد فى حقه توثيق خاص إلاّ أن دعوى الشيخ الطوسى فى عدّته عمل الطائفة
برواياته(1)كافٍ فى التساهل من ناحيته.
لايجوز لبعض الشركاء التصرف فى العين المشتركة بالمعنى الاول الاّ بإذن البقية.
واذا طالب بعض الشركاء بالقسمة لزمت إجابته إن لم يلزم منها تضرر البعض أو الكل. وفى حالة عدم لزومه تلزم الإجابة سواء كانت قسمة إفراز - بمعنى عدم احتياج المال المشترك فى تقسيمه الى تعديل سهامه لتساوى أجزائه فى القيمة - أم قسمة تعديل.
والقسمة عقد لازم ، لايجوز فسخها من دون تراضٍ. ولو اُدّعى وقوع غلط فيها لم يقبل إلاّ بالبيّنة.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا عدم جواز التصرف فى العين المشتركة إلاّ بموافقة بقية الشركاء ، فلعدم جواز التصرف فى مال الغير إلاّ بطيب نفسه.
2 - وأمّا لزوم الإجابة الى القسمة مع عدم التضرر ، فللسيرة العقلائية المنعقدة على أن لكلّ مالكٍ الحقَ فى المطالبة بفرز ماله عن مال شريكه ، وحيث لايحتمل حدوث السيرة المذكورة فى الأزمنة المتأخرة بل يجزم باتصالها بزمن المعصوم علیه السلام فتكون كاشفة عن رضاه بمضمونها ، بعد عدم ردعه عنها.
وأمّا استثناء حالة لزوم الضرر ، فلقاعدة نفى الضرر ، بناءً على كون المراد منها نفى الحكم الذى ينشأ منه الضرر ، كما هو مختار الشيخ الاعظم قدسسره.
3 - وأمّا أن لزوم الإجابة الى القسمة لايفرّق فيه بين شكلى القسمة ، فلعموم
1) العدة فى الاصول ، مبحث حجية الخبر : 1 / 149.
السيرة المتقدمة.
4 - وأمّا أن القسمة عقد ، فلأنّها فى واقعها اتفاق بين الطرفين أو الأطراف علي فرز حقّ كلّ واحد عن غيره.
وأمّا أنها عقد لازم لايجوز فسخه بدون تراضٍ من الأطراف ، فلأصالة اللزوم في كلّ عقد ، وقد تقدمت الإشارة الى مستندها فى أبحاث سابقة.
5 - وأمّا عدم قبول دعوى الغلط فيها ، فلأصالة الصحة فى كلّ عقد لم يثبت فساده الثابتة بالسيرة العقلائية غير المردوع عنها.
6 - وأمّا استثناء حالة إقامة البيّنة عليها ، فلقوله صلی اللّه علیه و آله : « البيّنة على من ادّعي واليمين على من ادّعى عليه ». (1)
لاتصح الشركة العقدية لدى المشهور إلاّ بمزج مالى الشريكين قبل العقد أو بعده بنحوٍ لايتميزان.
وهى ذات أشكال متعددة لاتصح إلاّ فى واحد منها ، وهو ما تقدم من التعاقد علي الاشتراك فى ربح وخسارة المالين بعد الاتجار بهما. ويصطلح عليها بشركة العنان.
وأمّا بقية أشكالها فباطلة ، (2)
هذا ما عليه اصحابنا.
وأمّا العامة فقد ذهب بعضهم الى جواز بعض الاشكال المذكورة ، فلاحظ : المغنى لابن قدامة : 5 / 111.
وهي :أ) شركة الأبدان : وهى التعاقد على عمل كلّ واحد من الطرفين بصورة مستقلة وفي
مجاله الخاص مع اقتسام الربح الحاصل لكلّ واحد ، كما لو قرّر حلاقان اقتسام أجرة الحلاقة التى يحصلان عليها فى كلّ يوم.
ب) شركة الوجوه : وهى التعاقد بين شخصين لايملكان مالاً بل وجاهة بين الناس فقط على شراء كلّ واحد منهما بثمن ثابت فى ذمته فقط شيئاً لكلا الطرفين ، ثم بيعه بعد ذلك واداء الثمن بعده واقتسام الربح الحاصل.
ج) شركة المفاوضة : وهى التعاقد على اقتسام كلّ مايستفيده أحد الطرفين من إرث أو وصية أو ربح تجارة ونحو ذلك ، وهكذا تحمّل الطرفين كلّ ما يرد على أحدهما من خسارة.
ويلزم فى الشركة العقدية الصحيحة الإيجاب والقبول والبلوغ والعقل والاختيار وعدم الحجر لسفهٍ أو فلس.
ويتساوى الشريكان فى الربح والخسارة مع تساوى المالين ، ومع الزيادة فبالنسبة ربحاً وخسارة. ولو شرطت زيادة لأحدهما فمع كونها فى مقابل العمل أو زيادته فلا إشكال ، وإلاّ لم يجز ذلك على قول.
وعقد الشركة جائز ، بمعنى ثبوت الحق لكلّ واحد من الشريكين فى التراجع عن إذنه فى التصرف.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا اعتبار المزج لدى المشهور ، فلا مستند له سوى الإجماع المدّعى في المسألة ، (1)فإن تمَّ كان هو المدرك وإلاّ فمقتضى العمومات - كقوله تعالى (أَوْفُوا
1) قال فى التذكرة : 2 / 212 « لاتصح الشركة الابمزج المالين وعدم الامتياز بينهما عند علمائنا ».
بِالْعُقُودِ) (1)عدم الاعتبار ، كما اكد السيد اليزدى على ذلك(2).
2 - وأمّا الوجه فى عدم صحة شركة الأبدان ، فواضح على رأى المشهور المعتبر للامتزاج فى صحة عقد الشركة ، فإنه مفقود فيها.
وأمّا بناءً على عدم اعتباره ، فقد قيل فى وجه عدم الصحة : إن ربح العمل المستقبلى معدوم حين العقد ، وتمليك المعدوم أمر غير عقلائى وتحتاج صحته الي قيام دليل خاص عليه ، وهو مفقود.(3)
وبنفس هذا البيان يمكن توجيه بطلان شركة الوجوه والمفاوضة ، فإن المزج - بناءً على اعتباره - مفقود ، وبناءً على عدمه يكون المورد من موارد تمليك المعدوم ، فإن ربح مايشترى فى الذمّة أو الفوائد المستقبلية التى تحصل من خلال الإرث أو الوصية ونحوهما مفقود حين اجراء عقد الشركة ، وتمليك ذلك تمليك للمعدوم.
3 - وأمّا اعتبار الايجاب والقبول فى الشركة العقدية الصحيحة ، فلأن ذلك لازم افتراض كونها عقداً.
ويكفى كلّ ما يدلّ عليهما ، كقول أحدهما : تشاركنا مع قبول الآخر. بل لايبعد الاكتفاء بالمعاطاة ، كما لو مزج المالان بقصد الاشتراك فى التجارة وما يترتب عليها من ربح أو خسارة ، فإنه بعد صدق العقد بذلك يشمله عموم قوله تعالي : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) .(4)
وأمّا اعتبار البلوغ وبقية الشروط ، فلأن ذلك من الشرائط العامة فى كلّ عقد.
4 - وأمّا التساوى فى الربح والخسارة مع تساوى المالين ، وإلاّ فبالنسبة ، فذلك لقاعدة تبعية الربح والنماء للأصل.
5 - وأمّا جواز اشتراط الزيادة فى مقابل العمل أو زيادته ، فلأنه شرط سائغ ومشمول لعموم قوله علیه السلام : « المسلمون عند شروطهم ». (1)
6 - وأمّا القول بعدم جواز اشتراط الزيادة مع تساوى المالين والعمل ، فقد علل بكونه أكلاً للمال بالباطل المنهى عنه فى قوله تعالي : (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (2).
وأمّا وجه القول بجواز ذلك ، فهو التمسّك بعموم : « المسلمون عند شروطهم ».
ودعوي : أنه مخالف لمقتضى العقد : مدفوعة : بأنه مخالف لمقتضى إطلاقه لا لأصله.
7 - وأمّا أنَّ عقد الشركة جائز ، فلأن مرجعه فى روحه الى الإذن فى التصرف ، ومن حقّ كلّ آذن التراجع عن إذنه.
حقيقة الضمان
شرائط الضمان
من احكام الضمان
الضمان - بمعناه المصطلح عليه لدى فقهائنا - هو التعهد بالدين للغير بنحو ينتقل من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن.
وأمّا عند غيرنا فهو ضم ذمة الى ذمة بحيث تعود ذمة الضامن والمضمون عنه مشغولتين للمضمون له ويحق له الرجوع على أيّهما شاء.
وله إطلاق بمعنى ثان ، وهو التعهد بالمال للغير وتحمل مسؤوليته من دون اشتغال ذمة الضامن بالفعل وبراءة ذمة المضمون عنه كما هو على المعنى الاصطلاحي.
وهو مشروع بكلا معنييه.
والمستند فى ذلك
1 - أمّا الضمان بالمعنى الاصطلاحى الذى تترتب عليه براءة ذمة المضمون عنه بمجرد الضمان واشتغال ذمة الضامن ، فمشروعيته من بديهيات الفقه.
ويمكن التمسّك لذلك بصحيحة عبداللّه بن سنان - التى رواها المشايخ الثلاثة بطرقهم الصحيحة - عن أبى عبداللّه علیه السلام : « رجل يموت وعليه دين ، فيضمنه ضامن
للغرماء ، فقال : إذا رضى به الغرماء فقد برئت ذمّة الميت ». (1)
هذا فى الضمان بمعناه المصطلح عندنا.
وأمّا بمعناه المصطلح عند غيرنا ، فالمعروف بين أصحابنا عدم صحته حتى مع التصريح بإرادته إلاّ أن السيد اليزدى اختار إمكان تصحيحه من خلال التمسّك بالعمومات من قبيل قوله تعالي : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (2)
2 - وأمّا الضمان بمعناه الثانى ، فهو متداول لدى العقلاء ، كضمان شخص الدين للدائن إن لم يؤده المديون ، أو ضمان الدار لمشتريها إذا ظهرت مستحقة للغير ، أو ضمان الثمن للبائع إن ظهر كذلك.
3 - وأمّا شرعية الضمان بمعناه الاصطلاحى ، فقد تقدّم وجهها.
وأمّا شرعيته بالمعنى الثانى ، فللسيرة العقلائية المنعقدة عليه ، المتصلة بزمن المعصوم علیه السلام والممضاة بعدم الردع.
مضافاً إلى امكان التمسّك بعموم قوله تعالي : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (3)
يلزم لتحقق الضمان توفر :
1 - الايجاب من الضامن والقبول من المضمون له بكلّ ما يدلّ عليهما. ولايلزم رضا المضمون عنه.
2 - كون الضامن والمضمون له بالغين عاقلين مختارين وليس محجّراً عليهما لسفه ،
بخلاف المضمون عنه فانه لايلزم فيه ذلك.
ويلزم أيضاً عدم فلس المضمون له دون الضامن.
3 - التنجّز على المشهور ، فلا يصح لو قال : أنا ضامن إن أذن لى فلان ، أو إن لم يفِ المديون دينه. أجل ، لايعتبر ذلك فى الضمان بالمعنى الثاني.
4 - ثبوت الدين فى ذمّة المضمون عنه ، فلا يصح : اقرض فلاناً وأنا ضامن. نعم يصح ذلك فى الضمان بمعناه الثاني.
5 - تعيّن الدين والمضمون له والمضمون عنه ، بمعنى عدم تردده ، فلا يصح ضمان أحد الدينين ولو لشخص معيّن على شخص معيّن ، ولاضمان دين أحد الشخصين ولو لواحد معيّن ، ولاضمان دين أحد الشخصين ولو على واحد معيّن.
والمستند فى ذلك
1 - أمّا اعتبار الايجاب والقبول فى تحقق الضمان ، فلأنّه نحو من المعاقدة التى لا تتم إلاّ بذلك.
وأمّا الاكتفاء بكلّ مايدلّ عليهما ، فلأنّه بذلك يتحقق العقد ، فيشمله عموم قوله تعالي : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)كما يتحقق بذلك عنوان الضمان ، فتشمله صحيحة ابن سنان المتقدمة.
2 - وأمّا عدم اعتبار رضا المضمون عنه ، فلصحة الضمان التبرعي ، وهو بمثابة وفاء دين الغير تبرعاً بدون ضمان حيث لايعتبر رضاه.
أجل ، إذا استلزم الضمان التبرعى إهانة المضمون عنه - كتبرع وضيع بضمان دين
1) المائدة : 1.
انسان شريف - حرم تكليفاً ، ولكنه لايلازم عدم الصحة وضعاً.
3 - وأمّا عدم اعتبار ذلك فى المضمون عنه ، فلأنّه أجنبى عن العقد ، على أنه إذا جاز كونه ميتاً - كما هو مورد صحيحة ابن سنان المتقدمة - جاز كونه صبياً أو مجنوناً أو مكرهاً أو سفيهاً لعدم الفرق ، بل لعل ذلك أولي.
وأمّا اشتراط عدم فلس المضمون له ، فلأن المفلّس ممنوع من التصرف فى أمواله ولو بنقلها ، وواضح أن لازم قبوله الضمان نقل دينه من ذمّة إلى ذمّة.
وأمّا عدم اشتراط فلس الضامن ، فلأن المفلّس ممنوع من التصرف فى أعيان أمواله دون ذمته ، وهل يحتمل عدم جواز اقتراضه؟!
4 - وأمّا اعتبار التنجيز فى نظر المشهور ، فقد علّله السيد اليزدى بقوله : « لا دليل عليه بعد صدق الضمان وشمول العمومات العامة إلاّ دعوى الاجماع فى كلّ العقود ». (1)
وأمّا عدم اعتباره فى الضمان بالمعنى الثانى ، فلكون القدر المتيقن من معقد الإجماع هو الضمان بالمعنى الأوّل ، ومعه لايعود مانع من التمسّك بالسيرة العقلائية والعمومات.
5 - وأمّا اعتبار ثبوت الدين فى ذمة المضمون عنه ، فلأنه بدونه لايمكن نقل ما فى ذمّته إلى ذمة اُخري.
وأمّا عدم اشتراطه فى الضمان بالمعنى الثانى ، فلأنّه تعهد وتحمل للمسؤولية من دون اشتماله على نقل ما فى ذمّة إلى ذمة اُخرى ليعتبر ذلك فيه.
6 - وأمّا اعتبار التعيّن وعدم التردد فى الدين والمضمون له والمضمون عنه ،
1) العروة الوثقى ، كتاب الضمان ، الشرط السابع من شروط الضمان.
فلأنّه بدونه لايمكن تحقق القصد إلى الضمان ، فان تحققه بلحاظ هذا الدين دون ذاك بلا مرجح ، وبلحاظهما خلاف مقصودهما ، والمردد بما هو مردد لاخارجية له ليمكن تحقق الضمان بلحاظه.
ونفس هذا يجرى فى فرض تردد المضمون له أو المضمون عنه.
إذا ضمن الضامن بإذن المضمون عنه وتحقق الأداء منه ، جاز له الرجوع عليه.
وإذا لم يكن بإذنه أو لم يؤدِّ لابراء ، لم يجز له الرجوع عليه. بل لو تَمَّ التصالح على نصف المبلغ مثلاً والابراء عن الباقي ، لم يجز الرجوع بالجميع ، بل بما أدّي.
وإذا أبرأ المضمون له ذمّة الضامن ، برئت ذمّة المضمون عنه أيضاً.
وإذا أبرأ ذمّة المضمون عنه ، كان ذلك لغواً.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا جواز رجوع الضامن على المضمون عنه مع تحقق الأداء وفرض الإذن ، فممّا لا إشكال فيه.(1)ويمكن استفادته من موثق عمر بن يزيد : « سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن رجل ضمن عن رجل ضماناً ، ثم صالَحَ عليه ، قال : ليس له إلاّ الذي صالح عليه » (2)، فانه يدلّ على أن السبب فى اشتغال ذمّة المضمون عنه هو الأداء وقبله لا اشتغال.
2 - وأمّا عدم جواز الرجوع مع عدم الاذن فى الضمان ، فلأنّه تبرع من الضامن لا
يسوّغ رجوعه ، وهو أشبه بأداء دين الغير تبرعاً من دون ضمان.
3 - وأمّا أنه لايرجع مع الابراء أو يرجع بما أدّى فى فرض الابراء من الباقى ، فلإستفادة ذلك من الصحيحة المتقدّمة.
4 - وأمّا براءة ذمّة المضمون عنه لو أبرأ المضمون له الضامنَ ، فواضحة ؛ إذ البراءة للمضمون له قد تحققت بمجرد الضمان ، وأمّا البراءة للضامن ، فلما تقدّم من تفرّع جواز الرجوع على المضمون عنه على الأداء.
5 - وأمّا أن ابراء المضمون عنه لغو ، فلأن ذمّته برئت بمجرد الضمان فلا معني لابرائها.
أجل ، إذا فُهم أن المقصود اسقاط الدين رأساً ، برئت بذلك ذمّة الضامن.
حقيقة الحوالة
شرائط الحوالة
من احكام الحوالة
الكفالة وبعض أحكامها
الحوالة معاملة تتضمن نقل المدين ما فى ذمّته من دين إلى ذمّة غيره بإحالة الدين عليه.
والمعروف كونها عقداً ، خلافاً لبعض المتأخرين حيث اختار كونها إيقاعاً.
وهى متقومة بطرفين : المحيل والمحال ، دون المحال عليه.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن معنى الحوالة ما ذكر ، فهو من بديهيات الفقه.
والفرق بينها وبين الضمان - المتضمن أيضاً لنقل مافى ذمة إلى ذمة اُخرى - ان الحوالة معاملة بين المدين والدائن ، حيث ينقل الأول ما فى ذمّته إلى ذمة غيره بخلاف الضمان ، فانه معاملة بين الدائن والأجنبي ، حيث ينقل الثانى مافى ذمّة المدين إلى ذمّته.
2 - وأمّا أنّها مشروعة ، فأمر متسالم عليه. ويمكن الاستدلال لذلك بالسيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع ، وبعموم قوله تعالي : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)، وبالروايات الخاصة ، كصحيحة أبى أيوب عن أبى عبداللّه علیه السلام : « الرجل يحيل الرجل بالمال أيرجع
1) المائدة : 1.
عليه؟ قال : لايرجع عليه أبداً إلاّ أن يكون قد أفلس قبل ذلك » (1)
ثم انّ المقصود : أيرجع المحال على المحيل؟ قال : لا الا اذا اتضح ان المحال عليه قد أفلس قبل الحوالة.
وغيرها.3 - وأمّا أنها عقد ، فلتضمنها تصرفاً فى مال المحال الذى هو تحت سلطانه وفي ذمّة المحال عليه التى هى تحت سلطانه فيلزم قبولهما ، ولايكفى إيقاع المحيل فقط لتكون إيقاعاً.
وخالف فى ذلك السيد اليزدى واختار كونها إيقاعاً بحجة أنها نوع من وفاء الدين ، وهو ليس بعقد.(2)
4 - وأمّا تقوّمها بالمحيل والمحال فقط ، فلأن المحال عليه وإن اعتبر رضاه إما مطلقاً أو فيما إذا كان بريئاً أو كانت الحوالة بغير الجنس إلاّ أن ذلك لايصيّره من أركان العقد ، فإنَّ مجرد اشتراط رضاه لايدلّ على كونه طرفاً وركناً ، كما هو الحال فى رضا المالك فى عقد الفضولي.
وقيل باعتبار قبوله على حدّ اعتبار قبول المحال ، فيكون العقد مركباً من إيجاب وقبولين ؛ ولكنّه بعيد.
والثمرة بين الاحتمالين انه على الثانى يلزم فى قبوله ما يعتبر فى الإيجاب والقبول من الموالاة ونحوها بخلافه على الأول.
يلزم لتحقق الحوالة توفر :
1 - الايجاب من المحيل والقبول من المحال بكلّ ما يدلّ عليهما.
2 - البلوغ والعقل والاختيار وعدم الحجر لفلس أو سفه فى المحيل والمحال إلاّ في الحوالة على البريء ، فلا يعتبر عدم الحجر فى المحيل.
وأمّا المحال عليه فلا يعتبر فيه شيء من ذلك إلاّ إذا كانت الحوالة على البريء أو بغير الجنس.
3 - التنجيز على المشهور.
4 - ثبوت الدين فى ذمّة المحيل فلا يصح فى غير الثابت ولو مع تحقق سببه - كمال الجعالة قبل العمل - فضلاً عمّا إذا لم يتحقق سببه ، كالحوالة بما سيقترضه.
5 - عدم تردد المال المحال ، فلا تصح الحوالة بأحد الدينين من دون تعيين.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا اعتبار الايجاب والقبول فى الحوالة ، فلأ نّها عقد. واحتمال كونها ايقاعاً بعيد على ما تقدّم.
كما تقدّم أن رضا المحال عليه لو اعتبرناه فهو ليس على حدِّ القبول الركني ، بل على حدِّ رضا المالك فى عقد الفضولي.
2 - وأمّا اعتبار البلوغ وما بعده فى المحيل والمحال ، فلأن نقل الدين والتصرف فيه قائم بهما فيلزم فيهما ماذكر.
3 - وأمّا أنه فى الحوالة على البريء لايلزم عدم الحجر فى المحيل ، فلأ نّه لايملك شيئاً فى ذمّة المحال عليه ليُمنع من التصرف فيه ، بل ما يصدر منه هو اشغال لذمّة الغير بما ثبت فى ذمّته هو.
أجل ، يعتبر فيه البلوغ والعقل والاختيار لعدم الأثر لعقد الصغير والمجنون والمكره.
4 - وأمّا أن المحال عليه لايعتبر فيه شيء من ذلك ، فلأن لمن يملك المال فى ذمّة الصغير والمجنون ومن لم يرض بالحوالة الحق فى تمليكه لغيره ونقله إليه بالرغم من فرض الصغر والجنون وعدم الرضا.
وأمّا اعتبار ذلك فيه إذا كان بريء الذمّة أو كانت الحوالة بغير الجنس ، فلأنّه بالحوالة يحصل تصرف فى ذمّته فلابدَّ من بلوغه وعقله واختياره وعدم سفهه.
أجل ، لايعتبر عدم فلسه إذا كان بريء الذمّة ، لجواز اشغال المفلس ذمّته ، بخلاف السفيه ، فانه ليس له اشغال ذمته بدون إذن وليه.
5 - وأمّا التنجيز ، فلا مستند لاعتباره سوى الإجماع ، فإن تَمَّ وكان كاشفاً عن رأى المعصوم علیه السلام أخذنا به وإلاّ فلا وجه لاعتباره إلاّ على مستوى الاحتياط.
6 - وأمّا اعتبار ثبوت الدين فى ذمّة المحيل ، فلأن الحوالة نقل من المحيل الدينَ الثابت فى ذمّته إلى ذمّة اُخري ، والمعدوم لايقبل النقل.
7 - وأمّا اعتبار تعيّن المال المحال ، فلأن المردد لاتحقق له ليمكن نقله من ذمّة إلى اُخري.
يعتبر فى صحة الحوالة موافقة المحيل والمحال دون المحال عليه إلاّ إذا كانت علي البريء أو بغير الجنس. وقيل باعتبار رضاه مطلقاً.
وهى لازمة لايجوز فسخها بدون التراضى إلاّ إذا اتّضح كونها على مفلّس.
ويجوز اشتراط الفسخ لكلّ واحد من الثلاثة.
وبتحققها تبرأ ذمّة المحيل وإن لم يبرئه المحال وتشتغل ذمّة المحال عليه للمحال وتبرأ من اشتغالها للمحيل إن كانت الحوالةمن نفس الجنس وبمقدار مساوٍ.
ويجوز الترامى فى الحوالة ، بل والدور فيها.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا اعتبار موافقة المحيل والمحال فى صحة الحوالة ، فلأنّها تتضمن نقل المحيل الدين الثابت فى ذمته للمحال فيتوقف على رضاهما. وأمّا عدم اعتبار رضا المحال عليه فلأن المال ملك للمحيل ، فله نقله إلى أى ذمّة شاء.
ودعوي : اعتبار رضاه لاختلاف الناس فى كيفية الاقتضاء سهولة وصعوبة. مدفوعة : بعدم الدليل على اعتبار تساوى الطرفين فى كيفية الاقتضاء فى صحة النقل ، ولذا يصح بيع الدين وإن لم يرضَ المدين بالرغم من اختلاف المشترى في كيفية الاقتضاء سهولة وصعوبة.(1)
2 - وأمّا استثناء حالة الحوالة على البريء أو بغير الجنس ، فلعدم ثبوت السلطنة للمحيل على اشغال الذمّة البريئة رأساً أو من الجنس الخاص.
3 - وأمّا وجه القول باعتبار رضا المحال عليه مطلقاً فقد اتضح مع جوابه.
4 - وأمّا أن الحوالة لازمة فلأصالة اللزوم فى كلّ عقد. مضافاً إلى دلالة صحيحة أبى أيوب المتقدمة عليه ، فراجع.
وأمّا استثناء الحوالة على المفلّس ، فللصحيحة نفسها.
5 - وأمّا جواز اشتراط خيار الفسخ للثلاثة ، فلأن الحوالة وإن كانت لازمة إلاّ أن لزومها ليس حكمياً ، بل حقي ، ومعه فيمكن التمسّك بعموم قوله علیه السلام : « المسلمون عند شروطهم ». (2)
6 - وأمّا براءة ذمّة المحيل بمجرد تحقق الحوالة ولو مع عدم ابراء المحال ، فللصحيحة المتقدمة.
7 - وأمّا أنه بعد تحقق الحوالة تشتغل ذمّة المحال عليه للمحال وتبرأ من اشتغالها للمحيل ، فلأنّه بعد اشتغالها للمحال - الذى هو لازم براءة ذمّة المحيل من دين المحال - يلزم براءتها من الاشتغال للمحيل ، لعدم احتمال اشتغالها لاثنين.
8 - وأمّا جواز الترامى والدور فى الحوالة ، فلإطلاق أدلّة مشروعيتها.
الكفالة - وهى التعهد بإحضار المدين وتسليمه إلى الدائن عند طلبه ذلك - مشروعة ، ولكنها مكروهة.
ويعتبر فيها الايجاب من الكفيل بكلّ ما يدلّ على تعهده والتزامه ، والقبول من المكفول له بكلّ مايدلّ عليه. وفى اعتبار رضا المكفول خلاف.
ومتى لم يُحضِر الكفيل المكفول فى الموعد المقرر ، حُبس حتى يحضره أو يؤدى ما عليه.
ومنحق الكفيل - إذا أدّى ما على المكفول - الرجوع عليه إن كان الأداء بطلب منه.
ويلزم الكفيل التشبث بكل وسيلة مشروعة لإحضار المكفول.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن معنى الكفالة ما ذكر ، فهو من الواضحات ، فمن أراد الاقتراض فمن حق المقرض طلب الكفيل من المقترض ليقوم بإحضاره فى الموعد المقرر. وهكذا من باع شيئاً وخاف من المشترى عدم إحضاره الثمن ، فإن من حقه طلب الكفيل منه ، الى غير ذلك من الأمثلة.
وتفترق الكفالة عن الحوالة والضمان فى أن الاولى تعهد بالنفس بخلاف الأخيرين ، فإنهما تعهد بالمال.
2 - وأمّا أنها مشروعة فمن بديهيات الفقه. ويمكن التمسّك لإثبات ذلك بالسيرة العقلائية المنعقدة على ذلك والممضاة بعدم الردع ، وبعموم قوله تعالي : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، وبالروايات الخاصة ، كصحيحة داود بن سرحان حيث : « سأل أبا عبداللّه علیه السلام عن الكفيل والرهن فى بيع النسيئة ، قال : لا بأس ». (1)
3 - وأمّا كراهتها ، فلحديث الامام الصادق علیه السلام : « الكفالة خسارة غرامة ندامة » ، (2)وغيرها.
4 - وأمّا اعتبار الايجاب من الكفيل والقبول من المكفول له ، فلأن ذلك مقتضي كون الكفالة عقداً قائماً بالكفيل والمكفول له.
وأمّا رضا المكفول ، فقيل بعدم اعتباره تمسّكاً بعموم قوله تعالي : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) لصدق عقد الكفالة باتفاق الكفيل والمكفول له ولو بدون رضا المكفول.
وقيل باعتباره للشك فى صدقها بدون ذلك فيلزم الرجوع إلى استصحاب عدم ترتب الأثر دون عموم « أوفوا بالعقود » لكون المورد من الشبهة المصداقية.
فالخلاف على هذا ينشأ من كون رضا المكفول على تقدير اعتباره هل هو شرط فى الصحة لينفى بالإطلاق مع الشك فى اعتباره ، أو ركن لكى لاتتحقق الكفالة بدونه؟
ومالَ صاحب الجواهر قدسسره إلى اعتبار رضا المكفول باعتبار أن الركنية محتملة ، وذلك يكفى لعدم صحة التمسّك بعموم « أوفوا بالعقود » (1).
5 - وأمّا جواز حبس الكفيل مع عدم احضاره المكفول فى الموعد المقرر ، فلموثقة عمار عن أبى عبداللّه علیه السلام : « اُتى أمير المؤمنين علیه السلام برجل قد تكفّل بنفس رجل فحبسه وقال : اطلب صاحبك » ، (2)وغيرها.
وأمّا الإكتفاء بأداء الكفيل الدين فى تخلية سبيله ، فلأنّه معه تفرغ ذمة المدين ولا يعود موجب لبقاء الكفالة.
6 - وأمّا جواز رجوع الكفيل على المكفول لو كان أداؤه الدين بطلب منه ، فلدلالة نفس الطلب على ذلك بالسيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع.
وأمّا عدم جواز الرجوع مع عدم الطلب فلعدم الموجب.
7 - وأمّا لزوم التشبث بكل وسيلة مشروعة لاحضار المكفول ، فلأنه مقتضي وجوب مقدمة الواجب ولو عقلاً فقط.
حقيقة الصلح
شرائط الصلح
من احكام الصلح
الصلح معاملة مضمونها التسالم بين شخصين على تمليك مال أو إسقاط دين أو حق بعوض أو مجاناً.
ولا إشكال فى مشروعيته.
وهو عقد مستقل بنفسه ولايرجع إلى سائر العقود وإن أفاد فائدتها.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن حقيقة الصلح هى التسالم المذكور ، فلفهم العرف ذلك منه.
2 - وأمّا أنه عقد مشروع ، فهو من بديهيات الفقه. ويمكن استفادة ذلك من عموم قوله تعالي : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) . (1)بل قد يستدلّ على ذلك أيضاً بقوله تعالي : (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) . (2)
ويدلّ على ذلك بوضوح قول الامام الصادق علیه السلام فى صحيح حفص بن البختري :
« الصلح جائز بين الناس » (1)، وصحيح الحلبي : « الرجل يكون عليه الشيء فيصالح فقال : إذا كان بطيب نفس من صاحبه ، فلابأس » (2)وغيرهما.
هذا كلّه مضافاً إلى انعقاد السيرة العقلائية الممضاة عليه.
3 - وأمّا أنّه عقد مستقل لايرجع إلى غيره وإن أفاد فائدته ، فلأنّ ما يفهم من عنوانه عرفاً شيء مغاير للمفهوم من سائر العقود.
بل ان نفس اثبات أحكام خاصة لعنوانه الخاص فى النصوص ، يدلّ على كونه شيئاً مغايراً لغيره.
وفى تسالم الأصحاب على عدم اشتراط معلومية المصالح عليه(3)واشتراطهم لها فى عوضى البيع مثلاً ، دلالة واضحة على ارتكاز المغايرة عندهم.
ومجرد الاشتراك فى النتيجة بين شيئين لايدلّ على كونهما واحداً.
وعليه فأحكام بقية العقود وشرائطها لايمكن تسريتها إليه ؛ فما أفاد فائدة البيع لا تلحقه أحكامه من الخيارات الخاصة واعتبار قبض العوضين فى المجلس إذا تعلق بمعاوضة النقدين ؛ وما أفاد فائدة الهبة لايعتبر فيه قبض العين كما هو معتبر فيها.
ومنه يتضح أن ماهو المنسوب إلى شيخ الطائفة من كون الصلح بيعاً تارة وهبة اُخري (4)و ... قابل للتأمل.
يلزم فى صحة الصلح توفّر :
1 - الايجاب والقبول مطلقاً حتى إذا كان مفيداً للإبراء. ويكفى فيهما كل ما يدلّ عليهما.
2 - أن لايكون مستلزماً لتحليل محرّم أو بالعكس.
3 - البلوغ والعقل والقصد والاختيار فى المتصالحين. وهكذا عدم الحجر لفلس أو سفه فيمن يقتضى الصلح التصرف فى ماله.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا اعتبار الايجاب والقبول فى الصلح ، فلكونه عقداً.
وأمّا أن ذلك معتبر فيه حتى إذا أفاد فائدة الابراء ، فلأن ذلك مقتضى كونه عقداً مستقلاً.
وأمّا أنه يكفى كلّ ما يدلّ على الايجاب والقبول ، فلأنّه بذلك يصدق عنوان الصلح فتشمله الإطلاقات العامة والخاصة.
2 - وأمّا اعتبار عدم استلزامه لتحليل الحرام وبالعكس ، فلعدم احتمال إمضاء الشارع للمعاملة المتضمنة لذلك.
وفى موثقة اسحاق بن عمار عن الامام الصادق علیه السلام عن أبيه علیه السلام أن على بن أبي طالب علیه السلام كان يقول : « من شرط لامراته شرطاً فليفِ لها به ، فإن المسلمين عند شروطهم إلاّ شرطاً حرّم حلالاً أو أحلَّ حراماً » (1)؛ والشرط ان لم يفهم منه ما يشمل المعاملة أيضاً فبالإمكان التعدّى منه إليها من باب تنقيح المناط والغاء الخصوصية.
1) وسائل الشيعة : 12 / 354 ، باب 6 من أبواب الخيار ، حديث 5.
ويمكن التمسّك بنحو التأييد بمرسلة الشيخ الصدوق : « قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : البينة على المدّعى واليمين على المدّعى عليه. والصلح جائز بين المسلمين إلاّ صلحاً أحلَّ حراماً أو حرّم حلالاً ». (1)بل يمكن الاستدلال بها بناء على حجية مراسيل الشيخ الصدوق المروية بلسان : « قال ». (2)
3 - وأمّا اعتبار البلوغ وما بعده ، فلكون ذلك من الشرائط العامة.
لا يلزم فى جواز الصلح وجود نزاع مسبق.
وتجوز الاستعانة به فى كلّ مورد إلاّ إذا استلزم تحريم الحلال أو العكس.
وهو عقد لازم لاينفسخ إلاّ بالإقالة أو بفسخ من جعل له الخيار.
وتغتفرالجهالة فيالمصالح عليه وبه حتيمع إمكانالتعرف عليهما مندونمشقة.
وفى جواز التصالح على الجنس الربوى بمماثله مع التفاضل خلاف.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا عدم اعتبار النزاع المسبق ، فلأن ذلك من قبيل حكمة التشريع التى لاتمنع من التمسّك بإطلاق دليل مشروعيته. ولفظ الصلح وإن كان مشعراً باعتبار سبق ذلك إلاّ أنه ليس بشكل يمنع من التمسّك بالإطلاق.
2 - وأمّا جواز الاستعانة به فى كلّ مورد ، فلإطلاق دليل شرعيته.
وأمّا اعتبار أن لايكون مستلزماً لتحريم حلال وبالعكس ، فلما تقدم.
3 - وأمّا أنه عقد لازم ، فلأصالة اللزوم فى كلّ عقد التى تقدم مستندها فى مبحث البيع.
وأمّا جواز الفسخ بالإقالة والخيار ، فلأن لزوم الصلح حقى وليس حكمياً.
4 - وأمّا اغتفار الجهالة - خلافاً للمنسوب إلى الشافعى من اعتبار العلم في المصالح عليه والمصالح به -(1)فلإطلاق صحيح حفص وصحيح الحلبى السابقين.
ومع التنزل وافتراض نظرهما إلى أصل التشريع دون الخصوصيات ، فبالإمكان التمسّك بصحيح محمد بن مسلم عن أبى جعفر علیه السلام : « فى رجلين كان لكلٍّ واحد منهما طعام عند صاحبه ولايدرى كلّ واحد منهما كم له عند صاحبه ، فقال كلّ واحد منهما لصاحبه : لك ما عندك ولى ما عندي ، فقال : لا بأس بذلك إذا تراضيا وطابت أنفسهما ». (2)
5 - وأمّا أن الجهالة مغتفرة حتى مع إمكان تحصيل العلم ، فللإطلاق أيضاً.
6 - وأمّا الخلاف فى جواز التصالح على الجنس الربوى بمماثله مع التفاضل ، فيستند الى الأخبار الدالّة على اعتبار المماثلة ، (3)فإنه قد يدّعى انصرافها الى خصوص البيع ، فيلزم اختصاص التحريم به ، وقد ينكر ذلك ويتمسّك بإطلاقها ، فيلزم تعميم التحريم للصلح أيضاً.
ومن تلك الأخبار صحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « الفضّة بالفضّة مثلاً بمثل ، والذهب بالذهب مثلاً بمثل ، ليس فيه زيادة ولانقصان ». (4)
حقيقة الوكالة
من أحكام الوكالة
الوكالة عقد يتضمن تسليط الغير على معاملة أو ما هو من شؤونها كالقبض والإقباض. وهى أمر يغاير الإذن والنيابة.
ولا شكّ فى مشروعيتها.
والمستند فى ذلك
1 - أمّا أن الوكالة عقد ، فهو المشهور. وخالف فى ذلك السيد اليزدى فاختار عدم توقف تحققها على القبول ، بدليل أنه لو قال الموكل للوكيل : « وكلتك فى بيع داري » ، فباعها ، صَحَّ البيع حتى مع الغفلة عن قصد النيابة وإنشاء القبول بالبيع. وأيضاً لو كانت عقداً ، لزم مقارنة القبول لإيجابها والحال ان من الجائز توكيل الغائب الذي يصله خبر الوكالة بعد فترة.
ثم ذكر قدسسره : إن هذا لايعنى أن القبول لو تحقق بعد الإيجاب فلا تكون عقداً ، بل المقصود أن بالإمكان وقوعها بنحو الإيقاع تارة وبنحو العقد اُخري.(1)
2 - وأمّا أنها تسليط يتضمن ما ذكر ، فلأن ذلك هو المفهوم منها عرفاً.
1) ملحقات العروة الوثقي : 2 / 119.
وأمّا تخصيصها بالتسليط على المعاملة وما هو من شؤونها دون جميع الأشياء ، فلما يأتى من اختصاص الوكالة بالأشياء التى لم يعتبر فيها الشارع الصدور بالمباشرة ، وليست تلك إلاّ المعاملة والقبض والإقباض.
3 - وأمّا أن الوكالة أمر يغاير الإذن ، فواضح ، فإن الإذن لايتوقف تحققها علي القبول بخلاف الوكالة.
والوكالة تنفسخ بفسخ الوكيل ، بخلاف الإذن ، فإنها لاترتفع برفض المأذون.
وتصرف الوكيل يقع صحيحاً وان عزله الموكل ما دام لم يبلغه خبر العزل ، بخلافه فى الإذن ، فإن التصرف يقع باطلاً مع التراجع وان لم يبلغ المأذون ذلك.
4 - وأمّا مغايرة الوكالة للنيابة ، فواضحة ايضاً ، اذ فى الوكالة ينتسب الفعل الي الموكل بخلافه فى النيابة ، فالحج الآتى به النائب لاينتسب الى المنوب عنه ، بخلافه فى مثل البيع الذى يأتى به الوكيل ، فانه ينتسب الى الموكّل.
والنيابة قد تقع تبرّعية بخلاف الوكالة ، فانه لايتصور فيها ذلك.
5 - وأمّا مشروعية الوكالة ، فهى من البديهيات لإستقرار سيرة العقلاء ونظامهم عليها ، وبضمّ عدم ردع الشارع يثبت امضاؤه لذلك. ويدل على ذلك صحيح معاوية بن وهب وجابر بن يزيد عن ابى عبد اللّه علیه السلام : « من وكّل رجلاً على امضاء أمر من الاُمور فالوكالة ثابتة ابداً حتى يُعلمه بالخروج منها كما اعلمه بالدخول فيها ». (1)
وأمّا عموم « أوفوا بالعقود » فلا يمكن التمسك به فى المقام ، للتسالم على جواز الوكالة وعدم لزومها.
1) وسائل الشيعة : 13 / 285 ، باب 1 من احكام الوكالة ، حديث 1.
يعتبر فى الوكالة الايجاب والقبول بكل ما يدل عليهما.
وتتحقق بكتابة الموكّل الى شخص بنصبه وكيلاً عنه - ولو كان فى بلد آخر - فيما اذا قبل ولو بعد فترة.
والمشهور عدم جواز التعليق فيها وان جاز فى متعلقها.
وهى من العقود الجائزة ولكن الوكيل لو تصرّف قبل بلوغه عزل الموكّل ، يقع تصرّفه صحيحاً.
وتلزم متى ما تحقق اشتراطها ضمن عقد لازم بنحو شرط النتيجة.
واذا اشترط عدم العزل ضمن عقد الوكالة ، فقد قيل بلزومها ايضاً.
وتصح فى كل ما لايتعلق غرض الشارع بايقاعه مباشرة.
والمستند فى ذلك
1 - أمّا اعتبار الايجاب والقبول فى تحقق الوكالة ، فلأنها عقد.
وأمّا الإكتفاء بكل ما يدل عليهما فلإطلاق دليل شرعيتها بعد فرض تحققها.
ومنه يعرف الوجه فى تحققها بالكتابة.
والتسالم على اعتبار الموالاة إن فرض تحققه ، فلا يجزم بشموله للوكالة ان لم يدع الجزم بعدم شموله لها.
2 - وأمّا عدم جواز التعليق فى نفس الوكالة ، فقد علّله صاحب الجواهر بالإجماع القائم بكلا قسميه على عدم جواز التعليق فى مطلق العقود.(1)
1) جواهر الكلام : 27 / 352.
ويمكن أن يقال : إنه لايمكن الجزم بشمول الإجماع المذكور لمثل الوكالة ، والقدر المتيقن منه هو البيع والإجارة وما شاكلهما من المعاوضات ، كما نبّه عليه السيد اليزدي(1)، ومعه يعود إطلاق دليل شرعية الوكالة بلامانع يمنع من التمسّك به.
3 - وأمّا جواز التعليق فى متعلق الوكالة دونها - كما اذا قال الموكّل : « أنت وكيلي من الآن فى بيع دارى متى ما ارتفع سعرها » - فواضح ، لأن الإجماع على عدم جواز التعليق فى الوكالة إن ثبت فهو ناظر الى تعليق نفس الوكالة دون التعليق في متعلقها مع فرض إطلاقها. ولا أقل من كون ذلك هو القدر المتيقن فيعود دليل شرعية الوكالة بلا مانع يمنع من التمسك بإطلاقه.
4 - وأمّا أن الوكالة من العقود الجائزة ، فقد ادّعى عدم الخلاف فيه(2). وصحيحة معاوية وجابر المتقدمة واضحة الدلالة على ذلك. إلاّ أنها خاصة بتراجع الموكّل ، فلابدّ من ضمّ عدم القول بالفصل ، أو دعوى تنقيح المناط وإلغاء الخصوصية.
5 - وأمّا صحة تصرف الوكيل مع عزل الموكّل له ما دام لم يبلغه خبر العزل ، فقد دلّت عليه الصحيحة المتقدمة وغيرها.
ويظهر من خلال بعض النصوص أن المسألة كانت محل خلاف بيننا وبين غيرنا ، فغيرنا كان يفصّل بين النكاح فيبطل بالعزل ولو لم يصل خبره الى الوكيل وبين غيره فلا يبطل.(3)
6 - وأمّا لزوم الوكالة متى ما تحقق اشتراطها ضمن عقد لازم بنحو شرط النتيجه ، - كما لو اشترطت الزوجة فى عقد نكاحها أن تكون وكيلة عن زوجها فى طلاق
نفسها متى ما سجن أو ساء خلقه أو غير ذلك - فهو المشهور ، (1)لأنها وإن كانت جائزة فى حدّ نفسها إلاّ أن ذلك لاينافى لزومها بسبب الاشتراط.
ثم إنه اذا افترض اشتراط الوكالة ضمن عقد لازم بنحو شرط الفعل كان العمل بالشرط واجباً تكليفاً إلاّ أنه لو عصى المشترط عليه ، فلا يلزم سوى الإثم ولاتتحقق الوكالة.
7 - وأمّا القول بلزومها لو اشترط عدم العزل ضمن عقد الوكالة ، فهو من جهة لزوم العمل بالشرط بمقتضى عموم قوله علیه السلام : « المسلمون عند شروطهم ». (2)
وتوهم لزوم الدور مندفع بأن لزوم الشرط ليس موقوفاً على بقاء الوكالة ، بل على ايقاع عقدها وقد حصل.
8 - وأمّا صحة الوكالة فى خصوص ما لايتعلق غرض الشارع بإيقاعه بالمباشرة ، -كالوضوء والغسل مثلاً - فواضح وإلاّ يلزم خلف الفرض.
حقيقة المضاربة
شرائط المضاربة
من احكام المضاربة
المضاربة معاملة بين طرفين ، تتضمن دفع المال من أحدهما والعمل من الآخر ، مع اقتسام الربح.
وهى مشروعة جزماً.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا ان معنى المضاربة ما ذكر ، فهو من المسلّمات التى لاخلاف فيها. أجل عرّفها جمع - كصاحب الجواهر والسيد اليزدى - بأنها دفع الانسان مالاً الى غيره ليتّجر به على أن يكون الربح بينهما.(1)
والأولى ما ذكرناه ، فإنها معاملة وتعاقد بين طرفين يتضمن دفع المال من أحدهما وليست هى نفس دفع المال الذى هو فعل خارجي.
وفرقها عن القرض : أن المال على فرض القرض ينتقل جميعه الى الطرف الثاني مقابل ضمانه لما يساويه ، بخلافه على فرض المضاربة ، فإن المال يبقى على ملك مالكه والعامل يعمل فيه بازاء قسم من الربح.
1) جواهر الكلام : 26 / 338 ؛ العروة الوثقي ، بداية كتاب المضاربة.
وفرقها عن الإجارة : أن الأرباح على فرض الإجارة تكون بأجمعها للمالك ، وللعامل الأجرة ، بخلافه فى المضاربة ، فإن الأرباح من البداية تكون بين الطرفين حسب الاتفاق.
2 - وأمّا مشروعيتها ، فممّا لا كلام فيها. وتدلّ على ذلك نصوص كثيرة ، كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام : « سألته عن الرجل يعطى المال مضاربة وينهى أن يخرج به فخرج ، قال : يضمن المال ، والربح بينهما » (1)وغيرها. وهى صحيحة بكلا طريقيها فراجع. ويظهر منها أن صحة المضاربة فى الجملة أمر مفروغ عنه وأن السؤال وقع عن بعض خصوصياتها.
يلزم فى تحقق المضاربة توفر :
1 - الايجاب من المالك والقبول من العامل بكلّ ما يدلّ عليهما ولو بالمعاطاة.
2 - البلوغ والعقل والاختيار فى المالك والعامل. ويلزم فى المالك أن لايكون محجوراً عليه لسفهٍ أو فلس.
3 - تعيين الحصة وعدم ترددها ، وأن يكون تعيينها بنحو الكسر المشاع إلاّ اذا افترض وجود تعارف خارجى يوجب انصراف الاطلاق اليه.
4 - كون الربح بينهما ، فلايصح جعل مقدار منه لأجنبى إلاّ مع افتراض قيامه بعمل.
5 - أن يكون الاسترباح بالتجارة ، فلو دفع الى شخص مالاً ليشترى به سيارة لحمل المسافرين مع اقتسام الاُجرة ، أو ليشترى به بستانا مع اقتسام الثمار ، أو ليشترى به ماكنة
1) وسائل الشيعة : 13 / 181 ، باب 1 من ابواب احكام المضاربة ، حديث 1.
لذبح الحيوانات مع اقتسام الأرباح ، لم يكن ذلك مضاربة.
6 - قدرة العامل على مباشرة التجارة بنفسه اذا اشترط عليه ذلك.
7 - أن يكون رأس المال عيناً لا ديناً ، فلو كان لشخص على آخر دين ، لم يجز جعله مضاربة إلاّ بعد قبضه.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا اعتبار الايجاب والقبول فى المضاربة ، فواضح بعد كونها عقداً.
وأمّا الاكتفاء بكلّ ما يدلّ على الايجاب والقبول ، فللتمسك بإطلاق ادلّة مشروعية المضاربة بعد فرض تحقق الدلالة عليها.
ومن ذلك يتضح الوجه فى تحققها بالمعاطاة.
2 - وأمّا اعتبار البلوغ والعقل والاختيار فى المالك والعامل ، فلأ نّها من الشرائط العامة المعتبرة فى كلّ عقد.
وأمّا اعتبار عدم الحجر على المالك ، فلانه من خلال المضاربة يتحقق منه التصرف فى ماله ، وشرط جواز ذلك عدم الحجر.
وأمّا عدم اعتبار ذلك فى العامل ، فباعتبار أنه لايتحقق منه تصرف فى ماله وإنما يحاول تحصيل المال ، وذلك ليس ممنوعاً منه.
هذا بناء على ما هو المنسوب الى المشهور من اختصاص المنع فى السفيه بخصوص التصرفات المالية.(1)وأمّا بناء على الرأى الاخر الذى تقدمت الاشارة اليه فى كتاب المزارعة ، فينبغى اشتراط عدم السفه فى العامل ايضاً.
1) جواهر الكلام : 26 / 57 - 58.
3 - وأمّا اعتبار تعيين الحصة وعدم ترددها ، فلأن الحصة المرددة لاوجود لها ليمكن تمليكها للعامل.
وهل يلزم تعيين الحصة ، بمعنى معلوميتها وعدم كونها مجهولة ، كما لو قال
المالك : ضاربتك بحصة تساوى الحصة المجعولة فى مضاربة فلان ، مع افتراض أنهما يجهلان ذلك؟ المشهور ذلك ، لحديث نهى النبى صلی اللّه علیه و آله عن الغرر.(1)
والمناسب عدم اعتبار ذلك ، لما تقدم فى مبحث الإجارة من ضعف الحديث سنداً ، بل لم يثبت كونه رواية.
4 - وأمّا اعتبار كون تعيين الحصة بالكسر المشاع ، فلأنّ ذلك مقوّم لمفهوم المضاربة ، اذ لو عينت لابذلك - كما لو قال المالك : ضاربتك على أن يكون لك مائة دينار - كان المورد مصداقاً للإجارة أو الجعالة.
وأمّا كفاية الانصراف ، فلأن به يتحقق التعيين.
5 - وأمّا اعتبار كون الربح بينهما وعدم صحة جعل قسم منه لأجنبى ، فلأن ظاهر روايات المضاربة كون الربح بينهما لاغير.
وأمّا استثناء حالة قيام الأجنبى بعمل ، فلأنه بفرض ذلك يكون عاملاً آخر في المضاربة ، وبالتالى سوف تصبح المضاربة بين المالك وعاملين ، وذلك ممّا لا محذور فيه كما سيأتى إن شاءاللّه تعالى التعرض اليه فى احكام المضاربة.
6 - وأمّا اعتبار كون الاسترباح بالتجارة ، فلأن ذلك دخيل فى مفهوم المضاربة.(2)ولا أقل مناحتمال ذلك ، وهو كافٍ ، حيثيلزم الرجوع آنذاك اليأصالة عدم ترتب الأثر.
7 - وأمّا اعتبار قدرة العامل على المباشرة اذا كانت مشروطة ، فلأنه بدون ذلك لايمكن تحقق القصد الى المعاملة ولايمكن تعلق وجوب الوفاء بها. وهذا مطلب سيّال فى كلّ معاملة ولايختص بالمضاربة.
8 - وأمّا اعتبار كون رأس المال عيناً لا ديناً ، فللقصور فى المقتضى ووجود المانع.
أمّا القصور فى المقتضى ، فلأن عنوان اعطاء المال المذكور فى صحيحة محمد ابن مسلم المتقدمة وغيرها ظاهر فى دفع العين ولايشمل الدين. ولا أقل من الشك فلا يمكن التمسّك بها لإثبات مشروعيتها.
وأمّا المانع ، فهو موثقة السكونى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « قال أمير المؤمنين علیه السلام فى رجل له على رجل مال فيتقاضاه ولايكون عنده فيقول : هو عندك مضاربة ، قال : لايصلح حتى يقبضه منه ». (1)
هذا وقد نسب الى المشهور ، اعتبار أن يكون رأس المال من الذهب والفضة المسكوكين ، أى الدراهم والدنانير وادّعى الإجماع على ذلك ، (2)ولامستند لذلك غير ذلك. إلاّ أن المناسب التعميم للأوراق النقدية لصدق عنوان المال - المذكور في مثل صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة وغيرها - عليها. والاجماع المدّعى - بمعني الاتفاق الكاشف عن رأى المعصوم علیه السلام - لم يثبت تحققه.
عقد المضاربة جائز ويحق للطرفين التراجع عنه متى شاءا ، إلاّ إذا اشترط عدم الفسخ الى فترة محدودة.
ومع تحقق الخسارة فى التجارة لايضمن العامل منها شيئاً إلاّ اذا تجاوز الحدّ المقرر له.
واذا اشترط المالك تقسيم الخسارة ، كان الشرط صحيحاً على قول.
ويجوز تعدد العامل مع اتحاد المالك.
وتبطل المضاربة بموت كلّ من العامل أو المالك.
والعامل يملك حصته من الربح بمجرد ظهوره ، من غير توقف على الانضاض - بمعني تحويل الأجناس الى نقود - أو القسمة.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن عقد المضاربة جائز بالرغم من أن المناسب لأصالة اللزوم فى مطلق العقود لزومه ، فعُلِّلَ :
تارة : بالإجماع وأنه الحجة فى الخروج عن قاعدة اللزوم.(1)
واُخري : بأن عقد المضاربة يرجع فى روحه الى الإذن فى التصرف من أحدهما والقبول من الآخر كالعارية ، وللآذن التراجع عن إذنه متى شاء.
2 - وأمّا أن المضاربة تلزم باشتراط عدم الفسخ ، فلوجوب الوفاء بالشرط المستفاد من قوله علیه السلام : « المسلمون عند شروطهم ». (2)
ودعوي : أن الشرط باطل لمنافاته لمقتضى العقد ، مدفوعة : بأنه منافٍ لإطلاقه
لا لأصله.
ودعوي : أن الشرط فى العقود الجائزة لايلزم الوفاء به ، مدفوعة : بأن عموم قوله علیه السلام : « المسلمون عند شروطهم » يعمّ كلّ شرط بما فى ذلك الواقع ضمن العقد الجائز.
3 - وأمّا عدم تحمل العامل للخسارة إلاّ مع التجاوز عن الحدّ المقرر له ، فلصحيحابى الصباح الكنانى عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « الرجل يعمل بالمال مضاربة ، قال : له الربح وليس عليه من الوضيعة شيء إلاّ أن يخالف عن شيء ممّا أمر صاحب المال » (1)وغيره.
4 - وأمّا القول بصحة اشتراط تحمل الطرفين للخسارة ، فوجهه أن ذلك ليس شرطاً مخالفاً لمقتضى العقد ، بل لإطلاقه.
والمناسب التفصيل بين اشتراط تحمل الطرفين للخسارة فيبطل وبين افتراض كون الخسارة على المالك فقط إلاّ أن العامل يلزمه تقديم مالٍ ولو بعنوان الهدية الي المالك يعادل مقدار الخسارة فيصح.
أمّا البطلان فى الأول : فلأن ظاهر صحيحة الكنانى المتقدمة وغيرها كون الخسارة على المالك لاغير ؛ ومقتضى إطلاقها ، كونها عليه حتى مع اشتراط تقسيطها.
وأمّا الصحة في الثاني : فلأن مفاد الشرط ليس تحمل العامل شيئاً من الخسارة ، بل هو اشتراط لأمر آخر غيرالخسارة ، فكما أنه يصح اشتراط المالك على العامل خياطة ثوب له مثلاً كذلك يصح اشتراط اهداء مال له بمقدارنصفالخسارة علي فرض تحققها.
1) وسائل الشيعة : 13 / 181 ، باب 1 من ابواب احكام المضاربة ، حديث 3.
5 - وأمّا جواز تعدد عامل المضاربة ، فلأنها بذلك تكون منحلّةً فى الواقع الي مضاربتين وبمثابة مضاربة المالك من البداية كلّ واحد منهما على نصف المال. والاتحاد فى مقام الانشاء لاينافى التعدد فى مقام الواقع.
6 - وأمّا بطلان المضاربة بموت العامل ، فلإختصاص الاذن به.
وأمّا بطلانها بموت المالك ، فلإنتقال المال بموته الى وارثه ، وإبقاؤها يحتاج الي عقد جديد.
7 - وأمّا أن العامل يملك حصته من الربح بمجرد ظهوره ، فلوجهين :
أ - أن ذلك مقتضى اشتراط كون الربح بينهما.
ودعوي : أن الربح لايصدق تحققه قبل الإنضاض.
مدفوعة : بأن ذلك مخالف للوجدان ، فإن العقلاء يرون تحقق الربح بمجرد ارتفاع القيمة السوقية للشيء ولو قبل تحويله الى نقد. كيف؟ ولو كان الربح غير صادق فيلزم عدم استحقاق العامل لشيء لو فسخ المالك قبل الانضاض.
ب - التمسّك بصحيحة محمد بن ميسر : « قلت لأبى عبد اللّه علیه السلام : رجل دفع الي رجل ألف درهم مضاربة ، فاشترى أباه وهو لايعلم ، فقال : يقوّم فاذا زاد درهماً واحداً اُعتق واستسعى فى مال الرجل » (1) ، بتقريب أن العامل لو لم يملك حصته بمجرد ظهور الربح لما انعتق أبوه عليه. والصحيحة تامة السند بطرقها الأربع ، فراجع.
حقيقة القرض
شرائط صحة القرض
ربا القرض
من أحكام القرض
القرض عقد يتضمن تمليك شخص ماله لآخر مع ضمانه فى ذمته ببدله.
وهو أخص من الدين.
والإقراض مشروع بنحو السنّة المؤكدة.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا ان القرض عقد ، فقد نقل فى الجواهر عدم وجدان الخلاف فيه.(1)
وأمّا أنهيتضمن التمليك مع الضمان ، فلاخلاف فيهأيضاً. ويؤكده فهم العرف منه ذلك.
إن قلت : إنَّ كلاًّ من البيع والقرض يشتمل على التمليك بعوض ، فما الفارق بينهما؟
قلت : أجاب الشيخ الأعظم عن ذلك بأن البيع يشتمل على معاوضة ، فالبائع يملّك المبيع بعوض ، بخلاف القرض فإنه ليس فيه ذلك ، بل هو تمليك العين مع الضمان ، ولذا يصح للبائع عرفاً أن يقول : « أنشأت معاوضة على مالي » ، بخلافه في القرض.(2)
2 - وأمّا أنه أخصّ من الدين ، فلأن الدين كلّ مال كلّى ثابت فى ذمّة شخص لآخر بسبب من الأسباب ، كالضمان ، وبيع السلم ، والنسيئة ، والإجارة مع كون الأجر كلّياً فى الذمّة ، والنكاح مع كون المهر كلّياً ، والزوجية بالنسبة الى النفقة الي غير ذلك من الأسباب التى أحدها القرض.
وعلى هذا الأساس ، فكلّ قرض دين بخلاف العكس.
ويطلق على من اشتغلت ذمته المدين أو المديون ، وعلى الآخر الدائن ، وعليهما الغريم.
وبهذا يتضح أن المقصود من كلمة « الدين » فى قول الفقهاء : « لايجوز بيع الدين بالدين » هذا المعنى دون خصوص القرض.
3 - وأمّا أن الإقراض مشروع ، فهو من ضروريات الإسلام. ويكفينا للدلالة علي ذلك قوله تعالي : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ... ) . (1)
وأمّا أن شرعيته بنحو السنّة المؤكدة ، فللأحاديث الكثيرة ، كقوله صلی اللّه علیه و آله : « من أقرض أخاه المسلم كان له بكلّ درهم أقرضه وزن جبل اُحد من جبال رضوى وطور سيناء حسنات ، وإن رفق به فى طلبه جاز به على الصراط كالبرق الخاطف اللامع بغير حساب ولاعذاب. ومن شكا إليه أخوه المسلم فلم يقرضه ، حرّم اللّه عزّوجلّ عليه الجنّة يوم يجزى المحسنين ». (2)
والمسنون بنحو مؤكد - كما هو واضح - الإقراض الذى هو فعل المقرِض دون
الاقتراض الذى هو فعل المقترض ، فانه ليس بمستحب ، بل قد تستفاد مبغوضيته من النصوص ، ففى الحديث : « إيّاكم والدين ، فإنّه شين الدين ». (1)
يلزم لصحة القرض توفر :
1 - قبض المقترِض المال المقترَض وإلاّ فلا يملكه.
2 - البلوغ والعقل والقصد والاختيار وعدم السفه فى المتعاقدين ، وعدم الفلس في خصوص المقرِض.
3 - كون المال عيناً ، فلا يصح لو كان ديناً أو منفعة. وكذا لايصح لو كان مردداً بين فردين من العين.
4 - كون المال ممّا يصح تملّكه شرعاً ، فلا يصح إقراض مثل الخمر والخنزير.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن القبض شرط فى صحة القرض بحيث لايحصل الملك قبله ، فلاوجه له سوى الإجماع ، وإلاّ فالقاعدة تقتضى تحقق الملك بمجرد تمام العقد وإن لم يتحقق القبض.
قال فى الجواهر : « لولا الإجماع لاتّجه القول بحصوله بتمامه من دون قبض علي حسب غيره من العقود التى لاريب فى ظهور الأدلّة فى اقتضائها التمليك ضرورة صدق مسمّاها بها ». (2)
ودعوى : أن اسم القرض لايصدق إلاّ بالقبض ، لانعرف لها وجهاً.
ثم إن هناك قولاً باشتراط التصرف أيضاً بعد القبض فى تحقق الملك. ولكنه كما تري ؛ إذ إطلاق الأدلة ينفيه ، وإن كان مقتضى استصحاب عدم ترتب الأثر - لولا ذلك - اعتباره لو فرض الشك فى ذلك.
2 - وأمّا اعتبار البلوغ والعقل والقصد والاختيار فى المقرِض والمقترِض ، فلأنها من الشرائط العامة فى كلّ عقد.
وأمّا اعتبار عدم السفه ، فلأن السفيه ممنوع من كلّ تصرف مالي.
وأمّا اعتبار عدم الفلس فى المقرِض ، فلأن المفلس ممنوع من التصرف في أمواله.
وأمّا عدم اعتبار ذلك فى المقترِض ، فلأن المفلس ممنوع من التصرف فى أمواله دون التصرف فى ذمّته بإشغالها.
3 - وأمّا اعتبار كون المال المقترَض عيناً وعدم صحة القرض لو كان ديناً أو منفعة ، فلما تقدم من اشتراط القبض فى صحة القرض ، وإمكان ذلك يختص بالأعيان.
وأمّا عدم صحة القرض مع تردد المال بين فردين ، فلأن تحقق التمليك بلحاظ هذا الفرد دون ذاك بلا مرجح ، والمردد لاتحقق له.
4 - وأمّا اعتبار كون المال مما يصح تملّكه ، فواضح ، لأن القرض تمليك للمال فلابدَّ من كون متعلّقه قابلاً لذلك.
يحرم الربا فى القرض ، وذلك باشتراط المقرِض دفع زيادة على المقدار المقترَض.
ويجوز للمقترِض اشتراط التسديد بالأقل.
وإذا تبرع المقترِض بدفع الزيادة بدون اشتراط جاز قبولها ، بل ذلك مستحب.
ولايجوز - على قول - إقراض مقدار من المال مع اشتراط ايجار دار مثلاً أو بيعها بأقلّ من اُجرة أو ثمن المثل ، ويجوز العكس.
ويصح بيع الدين بمال موجود وإن كان أقلّ منه ما لم يلزم الربا. ولايصح بيعه بدين مثله ، كما إذا كان شخص يستحق على ثانٍ مائة كيلو من الحنطة وللثانى على الأوّل مائة كيلو من الشعير واُريد بيع أحدهما بالآخر.
ولايجوز تأجيلالدين عندحلوله بزيادة وإنجازتعجيلالمؤجلولو بإسقاط بعضه.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا حرمة الربا فى الجملة ، فهى من ضروريات الإسلام لدلالة صريح الكتاب العزيز عليها ، كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك فى البيع عند البحث عن ربا المعاوضة.
وأمّا تحقق الربا فى القرض وعدم اختصاصه بالمعاوضة ، فهو من المسلّمات التى لم يقع فيها شك.
وقد دلّت على ذلك صحيحة يعقوب بن شعيب عن أبى عبداللّه علیه السلام : « سألته عن الرجل يسلم فى بيع أو تمر عشرين ديناراً ويقرض صاحب السلم عشرة دنانير أو عشرين ديناراً ، قال : لايصلح ، إذا كان قرضاً يجر شيئاً فلا يصلح ... ». (1)وصحيحة
1) وسائل الشيعة : 13 / 105 ، باب 19 من أبواب الدين ، حديث 9.
على ابن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر علیهماالسلام : « سألته عن رجل أعطى رجلاً مائة درهم على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقل أو أكثر ، قال : هذا الربا المحض » (1)وغيرهما.
والصحيحة الثانية وإن كانت ضعيفة السند بطريق قرب الإسناد بعبداللّه بن الحسن ، لكونه مجهول الحال إلاّ أنها صحيحة فى طريقها الثاني ، لوجودها فى كتاب على بن جعفر الذى يرويه صاحب الوسائل عن الشيخ بطريق صحيح ، وهو عن على بن جعفر بطريق صحيح أيضاً.(2)
ثم إنه توجد بعض الروايات التى قد يستشمّ منها جواز الربا فى القرض ، ففي أكثر من رواية ورد : « خير القرض ما جرَّ منفعة ». (3)
إلاّ أنه لابدَّ من حملها على صورة عدم الاشتراط ، للنص الدالّ على التفصيل بين ما إذا كان جرُّ المنفعة فى القرض بسبب الاشتراط فلايجوز وبين ما إذا لم يكن بسببه فيجوز ، كما فى موثقة اسحاق بن عمّار عن أبى الحسن علیه السلام : « سألته عن الرجل يكون له مع رجل مال قرضاً ، فيعطيه الشيء من ربحه مخافة أن يقطع ذلك عنه فيأخذ ماله من غير أن يكون شرط عليه ، قال : لابأس بذلك مالم يكن شرطاً ». (4)
ويظهر من خلال بعض النصوص أن تلك الروايات جاءت ردّاً على غيرنا القائل بعدم جواز جرِّ القرض للمنفعة ولو بدون اشتراط ، ففى صحيحة محمد بن مسلم :
1) وسائل الشيعة : 13 / 108 ، باب 19 من أبواب الدين ، حديث 18.
2) قد اشار صاحب الوسائل الى كتاب على بن جعفر فى الفائدة الرابعة من الفوائد التى ذكرها فى آخر الوسائل كما اشار فى الفائدة الخامسة الى طرقه الصحيحة الى جميع الكتب التى نقل عنها. وامّا الشيخ فقد ذكر فى الفهرست طريقه الى كتاب على بن جعفر.
3) وسائل الشيعة : ج 13 ، باب 19 من أبواب الدين ، حديث 5 ، 6 ، 8 ، 16.
4) وسائل الشيعة : 13 / 103 ، باب 19 من أبواب الدين ، حديث 3.
« سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن الرجل يستقرض من الرجل قرضاً ويعطيه الرهن إما خادماً وإما آنية وإما ثياباً فيحتاج إلى شيء من منفعته فيستأذن فيه فيأذن له ، قال : إذا طابت نفسه فلا بأس. قلت : إنَّ مَن عندنا يروون أن كل قرض يجرُّ منفعة فهو فاسد ، فقال : أوَليس خير القرض ما جرَّ منفعة! ». (1)
2 - وأمّا جواز اشتراط المقترِض دفع الأقل ، فلعدم مايدلّ على المنع من ذلك فيتمسّك بأصل البراءة.
3 - وأمّا جواز قبول الزيادة من دون اشتراط ، فلموثّقة اسحاق بن عمار المتقدمة وغيرها.
وأمّا استحباب دفع الزيادة إذا لم يكن مع الاشتراط ، فلأنه نوع من مقابلة الإحسان بالإحسان ، بل ذلك هو الفضل المندوب اليه ، ففى صحيحة عبدالرحمن ابن الحجاج عن أبى عبداللّه علیه السلام : « ... إنَّ أبى علیه السلام كان يستقرض الدراهم الفسولة (2)فيدخل عليها الدراهم الجياد الجلال ، فيقول : يابُنيّ! ردّها على الذى استقرضتها منه فأقول : يا أبه! إنّ دراهمه كانت فسولة وهذه أجود منها ، فيقول : يا بُني! إن هذا هو الفضل فاعطه إياها ». (3)
وقد أشار علیه السلام بقوله : « إن هذا هو الفضل » إلى قوله تعالي : ولاتنسوا الفضل بينكم. (4)
4 - وأمّا القول بعدم جواز الإقراض بشرط ايجار الدار أو بيعها بالأقل ، فلأنه
مصداق لقوله فى صحيحة يعقوبالمتقدمة : « لايصلح ، إذا كان قرضاً يجرّ شيئاً فلا يصلح ».
وأمّا جواز الايجار أو البيع بالأقل بشرط القرض ، فلأنّه ليس مصداقاً للقرض الذى جرَّ شيئاً ، بل مصداق للبيع أو الإجارة الذين جَرّا نفعاً ، وذلك لم يرد النهى عنه بل هما قد شرّعا لذلك.هكذا يمكن توجيه القول المذكور.
وهو جيّد ، إلاّ أنه قد يستفاد من صحيحة يعقوب بن شعيب المتقدمة عدم الجواز فى كلتا الحالتين.
5 - وأمّا أن الدَّين يجوز بيعه بمال موجود وإن كان أقل منه مادام لايلزم منه الربا ، فلإطلاق أدلّة مشروعية البيع.
وأمّا عدم صحة بيعه بدين مثله حتى مع التساوى ، فلموثقة طلحة بن زيد عن أبى عبداللّه علیه السلام « قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : لايباع الدين بالدين ». (1)
وطلحة بن زيد وإن لم يوثّق فى كتب الرجال ، إلاّ أن الأمر فيه سهل ، بعد قول الشيخ فى الفهرست أن كتابه معتمد عليه.(2)
6 - وأمّا عدم جواز تأجيل الدين الحال بزيادة ، فممّا لاخلاف فيه ، لكونه رباً وجعلاً للزيادة عن المقدار المستحق مقابل الأجل.
وأمّا جواز تعجيل المؤجل بإسقاط بعض الدين ، فلأنه ليس فيه جَعلٌ للزيادة ليلزم محذور الربا.
على أن كلا الحكمين يمكن استفادته من صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام : « الرجل يكون عليه دين الى أجلٍ مسمّي ، فيأتيه غريمه فيقول : « أنقدني من الذى لى كذا وكذا وأضَعُ لك بقيّته ، أو يقول : أنقدنى بعضاً وأمدُّ لك فى الأجل فيما بقي ، فقال : لا أرى به بأساً ما لم يزد على رأس ماله شيئاً يقول اللّه عزّوجلّ : (فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) ». (1)
يعتبر فى القرض الايجاب والقبول بكلّ ما يدلّ عليهما ولو بالمعاطاة.
ولايلزم فى المال المقترض أن يكون من النقود ، كما لايعتبر تعيين مقداره وأوصافه.
وهو عقد لازم ، بمعنى عدم جواز فسخه لإرجاع العين لو كانت موجودة. نعم مع فرض عدم تحديده بأجل تجوز المطالبة بالوفاء بدفع المثل إذا كان مثلياً والقيمة إذا كان قيمياً في أى وقت.
ولايلزم مع وجود العين المقترَضة تسديد القرض بها وإن جاز ذلك مع موافقة الطرفين.
ولايلزم تحديد القرض بأجل معيّن ، بل لو حُدِّد بأجل فالمشهور عدم لزومه إلاّ إذا اشترط ضمن عقد لازم غير القرض.
ويجب على المدين عند مطالبة الدائن الأداء فوراً إن قدر على ذلك ولو ببيع بعض أملاكه إلاّ ما هو بحاجة ماسّة إليه بحسب حاله وشرفه ، كدار سكناه وما شاكلها. ويُعبَّر عن ذلك بالمستثنيات فى قضاء الدين.
1) وسائل الشيعة ، باب 32 من أبواب الدين ، حديث 1 ؛ : 13 / 120 ، باب 7 من الصلح ، حديث 1.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا اعتبار الايجاب والقبول فى تحقق القرض ، فلأن ذلك مقتضى افتراض كونه عقداً.
وأمّا الاكتفاء بكلّ مايدلّ عليهما ، فلإطلاق دليل مشروعية القرض بعد افتراض صدقه.
ومنه يتضح وجه الاكتفاء بالمعاطاة.
2 - وأمّا انه لايلزم فى المال المقترَض كونه من النقود ، فمتسالم عليه.(1)ويقتضيه إطلاق أدلّة مشروعيته.
وأمّا عدم اعتبار تعيين مقدار المال المقترَض وأوصافه ، فلذلك أيضاً.
3 - وأمّا أن عقد القرض لازم ، بمعنى عدم جواز ارجاع العين المقترضة ، فمحل خلاف. والمنسوب إلى شيخ الطائفة جواز الفسخ وارجاع العين.(2)
والمناسب هو اللزوم ، تمسّكاً بأصالة اللزوم فى كلّ عقد.
نعم إذا فرض عدم تحديد الوفاء بأجل فتجوز للمقرض المطالبة ببدل العين ، لأن مقتضى عقد القرض ضمان المقترِض للبدل دون نفس العين ، وحيث فرض عدم التحديد بأجل ، فيلزم جواز المطالبة به فى أى وقت.
4 - وأمّا أن المال المقترَض يثبت مثله فى ذمّة المقترض إذا كان مثلياً وقيمته إذا كان قيمياً ، فلأنّ المقرِض بعد جعله المقترِض ضامناً لا لنفس العين ، بل لبدلها يلزم ما ذكر ، إذ البدل الأقرب مع فرض كون الشيء مثلياً هو المثل ومع كونه قيمياً هو
القيمة ، ويلزم بالتالى أن يكون ذلك هو الملحوظ للمقرِض عند تضمينه للمقترض بالبدل.
5 - وأمّا عدم لزوم التسديد بنفس العين المقترَضة لو كانت موجودة ، فلأن المفروض صيرورتها ملكاً للمقترض بالقرض ، والضمان تعلق ببدلها.
وأمّا جواز ذلك مع توافق الطرفين ، فلأن الحق لايعدوهما.
وأمّا أنه مع عدم موافقة المقرِض بقبول العين ، فلا يجوز إجباره على ذلك ، فمن جهة أنه اشترط الضمان بالبدل واشتغال الذمّة به.
6 - وأمّا عدم لزوم تحديد القرض بأجل معين ، فلإطلاق دليل مشروعيته.
وأمّا عدم لزوم الأجل المذكور فى عقد القرض ، فباعتبار أن الشرط يتبع في لزومه وجوازه لزوم العقد وجوازه ، وحيث إن المشهور يرى أن القرض من العقود الجائزة ، فيلزم كون الشرط المذكور فيه جائزاً أيضاً.
هذا والمناسب الحكم بلزوم الأجل ، لأنّه لو سُلِّم بجواز عقد القرض فذلك لايمنع من لزوم الشرط المذكور فيه بعد ما كان مقتضى إطلاق قوله علیه السلام : « المسلمون عند شروطهم » (1)شاملاً للشرط المذكور ضمن العقد الجائز أيضاً.
هذا مضافاً إلى امكان استفادة لزوم الأجل من قوله تعالي : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ... ) . (2)
7 - وأمّا لزوم تسديد الدين فوراً مع المطالبة عند فرض كونه حالاً أو قد حلَّ أجله ، فلعدم جواز الامتناع أو التوانى عن أداء الحقوق لأصحابها.
وأمّا استثناء دار السكن ونحوها ، فلصحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « لاتباع الدار ولا الجارية فى الدين ، ذلك أنّه لابدَّ للرجل من ظلّ يسكنه وخادم يخدمه » (1)وغيرها ، فإن موردها وإن كان خاصاً بالدار والجارية إلاّ أن مقتضى التعليل التعدي إلى غيرهما من الأشياء التى لابدَّ منها فى حياة الإنسان.
1) وسائل الشيعة : 13 / 95 ، باب 11 من أبواب الدين ، حديث 1.
حقيقة الرهن
شرائط صحة الرهن
من أحكام الرهن
الرهن عقد يتضمن جعل مال وثيقة للتأمين على دين أو عين مضمونة.
وهو مشروع بلا إشكال
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن الرهن عقد ويتضمن ما ذكر ، فهو من الواضحات. والفهم العرفى خير شاهد عليه.
2 - وأمّا صحة جعل الرهن وثيقة على العين المضمونة أيضاً - كالعين المغصوبة اذا طالب صاحبها الغاصب أو غيره ضمن عقد لازم بالرهن عليها - فلإطلاق ما يأتي من دليل مشروعية الرهن.
3 - وأمّا أن الرهن مشروع ، فهو من ضروريات الاسلام. ويدلّ على ذلك الكتاب الكريم : (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) (1)، والروايات الكثيرة ، كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهماالسلام : « سألته عن السلم فى الحيوان وفى الطعام ويؤخذ الرهن ، فقال : نعم ، استوثق من مالك ما استطعت. قال : وسألته عن
1) البقرة : 283.
الرهن والكفيل فى بيع النسيئة ، فقال : لابأس به » (1)وغيرها.
والقول باختصاص مشروعية الرهن بحالة السفر تمسّكاً بالآية الكريمة ضعيف ، فإن ذكر السفر مبنى على الغالب من عدم وجود الكاتب فيه. وهو كذكره فى قوله تعالي : (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ ... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) . (2)على أنه يكفينا إطلاق السنة الشريفة.
وعليه ، فما ينسب الى بعض العامة من عدم جواز الارتهان فى الحضر(3)لا وجه له خصوصاً وأن لازم التمسّك بالآية الكريمة لاعتبار السفر اشتراط فقدان الكاتب للدين فى مشروعية الرهن عليه ، وهو غير محتمل ولم يقل به القائل المذكور.
يشترط لصحة الرهن توفر :
1 - الايجاب من الراهن والقبول من المرتهن بكلّ ما يدلّ عليهما ولو بالمعاطاة.
2 - البلوغ والعقل والاختيار فى الراهن والمرتهن. وعدم الحجر على الراهن لسفه أو فلس.
3 - كون المرهون عيناً مملوكة يجوز بيعها وشراؤها ، فلايصح رهن الدين ولا المنفعة ولا مثل الخمر ولا مثل الطير فى الهواء والوقف ولو كان خاصاً.
4 - كون ما يرهن عليه ديناً ثابتاً فى الذمّة لفعلية سببه من إقتراض أو اسلاف مال أو شراء نسيئة فلا يصح الرهن على ما سيقترض أو على ثمن ما سيشترى ونحو ذلك.
5 - قبض المرتهن للعين المرهونة حدوثاً ولاتلزم استدامة ذلك.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا اعتبار الايجاب والقبول فى تحقق الرهن ، فهو مقتضى كونه عقداً.
وأمّا الاكتفاء بكلّ ما يدلّ عليهما ولو بالمعاطاة ، فلأنه بعد صدق عنوان الرهن يصح التمسّك بإطلاق دليل مشروعيته.
2 - وأمّا اعتبار البلوغ وما بعده ، فلأن ذلك من الشرائط العامة فى كلّ عقد.
وأمّا اعتبار عدم الحجر على الراهن ، فلأن السفيه والمفلّس لايصح منهما التصرف فى أموالهما.
وأمّا عدم اعتبار ذلك فى المرتهن ، فلأنه بالرهن لايتصرف فى ماله.
3 - وأمّا اعتبار كون المرهون عيناً ، فلأن الدين لايمكن تحقق القبض فيه ، وهو شرط فى صحة الرهن كما سيأتي.
بل لايصح تعلق الرهن بالدين حتى بناءً على انكار شرطية القبض ، باعتبار أن الغرض من الرهن - وهو الاستيثاق - لايتحقق بالدين.
وأمّا عدم صحة تعلقه بالمنفعة ، فلأنه لو تصورنا فيها تحقق القبض ، فيمكن أن يقال هى من الموجودات المتصرمة تدريجاً وليست موجوداً قارّاً ليمكن أن تكون وثيقة على الدين.
وأمّا اعتبار كون المرهون أمراً مملوكاً ، فلأنّ غير القابل للملك فى نفسه - كالخمر - أو غير المتصف به بالفعل لايحصل به الاستيثاق.
ومنه يتضح الوجه فى اعتبار كون العين المرهونة أمراً صالحاً للبيع والشراء ، ولايكفى أن تكون مثل الطير فى الهواء أو الوقف.
4 - وأمّا اعتبار ثبوت الدين فى الذمة حالة العقد ، فلأن الرهن وثيقة على مال المرتهن الذى هو ثابت فى ذمة الغير ، فقبل ثبوت الدين فى الذمة لايصدق الرهن والاستيثاق.
ولا أقلّ من الشك فى اعتبار ذلك ، وهو كافٍ ، لجريان استصحاب عدم ترتب الأثر بعد عدم جواز التمسّك بإطلاق دليل المشروعية ، لكون المورد شبهة مصداقية.
5 - وأمّا اعتبار القبض فى صحة الرهن ، فمحل خلاف. ومقتضى القاعدة عدم اعتباره تمسّكاً بإطلاق دليل شرعيته.
ودعوى أن عنوانه لايصدق إلاّ بالقبض ، غير مقبولة.
والمناسب اعتباره لقوله علیه السلام فى صحيحة محمد بن قيس : « لا رهن إلاّ مقبوضاً ». (1)
6 - وأمّا عدم لزوم استدامة القبض ، فلأنه لايظهر من صحيحة محمد بن قيس اعتبار ذلك ، وهى مجملة من الجهة المذكورة فيرجع لنفى احتمال اعتبار الاستدامة الى إطلاق أدلة شرعية الرهن ، لقاعدة أن العام اذا خصص بمنفصلٍ مجمل مفهوماً اقتصر فى تخصيصه على القدر المتيقن لبقاء الظهور فى العموم على الحجية فيما زاد عليه بلامعارض.
1) وسائل الشيعة : 13 / 123 ، باب 3 من احكام الرهن ، حديث 1.
لايلزم فى العين المرهونة أن تكون ملكاً لمن عليه الدين ، بل يصح رهن ملك الغير اذا استعير لذلك.
والرهن لازم من جهة الراهن ، فلايصح له التراجع عنه الاّ برضا المرتهن أو ايفائه الدين.
ويجوز لمالك العين المرهونة التصرف فيها بما لايتنافى والاستيثاق - كركوب الحيوان اذا كان رهنا - وأمّا ما يتنافى - مثل بيع الحيوان أو ذبحه - فلا يجوز الاّ اذا أذن المرتهن به. وأمّا المرتهن فلايجوز له التصرف مطلقاً الاّ بإذن المالك.
واذا حلّ موعد الدين وطالب به المرتهنُ ولم يُؤدَّ ، فلا يجوز له بيع العين المرهونة واستيفاء دينه منها ، إلاّ اذا كان وكيلا فى ذلك من البداية او اذن له مالكها فيما بعد أو فرض عدم الوكالة والاذن وعدم استعداد المالك نفسه للتصدى للبيع.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا عدم لزوم كون العين المرهونة ملكاً للراهن وكفاية إذن مالكها فى رهنها ، فلإطلاق دليل شرعية الرهن.
2 - وأمّا لزوم الرهن من طرف الراهن ، فلأصالة اللزوم فى مطلق العقود التى تقدم مستندها فى مبحث البيع.
على أن الغرض من الرهن وهو الاستيثاق لايتأتى مع الجواز من طرف الراهن.
3 - وأمّا جواز تصرف مالك العين المرهونة فيها بما لايتنافى والاستيثاق ، فلأنه مالك ، ولا موجب لمنعه بعد عدم كون تصرفه منافياً للاستيثاق.
4 - وأمّا عدم جواز تصرف المرتهن فى العين المرهونة بأيّ شكل ، فلأنّ ذلك مقتضى عدم جواز التصرف فى مال الغير بدون إذنه.
5 - وأمّا عدم جواز بيع المرتهن العين المرهونة اذا حلّ وقت المطالبة ولم يسدد الدين ، فلأنها ملك الغير ، ولايجوز التصرف فيه من دون إذنه.
وجعلها وثيقة على الدين لايلازم تجويز بيعها لاستيفاء الدين ، لعدم انحصار الاستيفاء بذلك ، بل يمكن ذلك بتصدى الراهن نفسه للبيع.
6 - وأمّا انه يجوز للمرتهن البيع عند افتراض عدم الوكالة والإذن وعدم تصدي المالك نفسه للبيع ، فمن جهة أن التعاقد على الرهن يستبطن التعاقد على أن يكون للمرتهن الحق فيالبيع ، لاستيفاء حقه مع عدم تصدى المالك نفسه للبيع ولا إذنه فيه.
وقيل إن النوبة لاتصل الى المرتهن ما دام يمكن للحاكم الشرعى التصدى لذلك ، فإنه صاحب الولاية على الممتنع ، واذا لم يمكن للحاكم التصدى لسبب وآخر ، فآنذاك تصل النوبة الى المرتهن.
وهو جيد إن لم نفترض تمامية ما أشرنا اليه من التعاقد المستبطن.
حقيقة الهبة
من أحكام الهبة
الهبة عقد يتضمن تمليك عين بلا عوض.
وشرعيتها واضحة.
والمستند فى ذلك :
1 - أما أن الهبة عقد ، فأمر متسالم عليه. وتدلّ عليه قاعدة سلطنة الانسان على نفسه وأمواله ، فإن خروج المال من الواهب بدون رضاه أمر على خلاف سلطنته على أمواله ، ودخوله فى ملك الموهوب له بدون موافقته أمر على خلاف سلطنته على نفسه.
وأيضاً انعقاد سيرة العقلاء على احتياج الهبة الى الايجاب والقبول ، شاهد يصلح التمسّك به فى المقام بعد فرض امضائها المستكشف بسبب عدم الردع.
2 - وأما تضمن عقدها التمليك بلا عوض ، فهو من الواضحات. وفهم العرف خير دليل عليه.
ولايشكل عليه بخروج الهبة المعوضة بالرغم من كونها احد فردى الهبة ، فإن العوض فيها ليس فى مقابل العين الموهوبة وعوضاً عنها ، بل التمليك فيها مجانى
لكنه مشروط بتمليك مجانى آخر.
والفرق بينها وبين الهدية والصدقة بالرغم من أن الأخيرين هما تمليك مجانى أيضاً ، هو أن الهدية تمليك مجانى بقصد التكريم والتعظيم ، والصدقة تمليك مجانى بقصد القربة ، وهذا بخلافة فى الهبة ، فإنها تمليك مجانى ملحوظاً لابشرط من ناحية القصدين المذكورين ، فتكون أعم منهما أو بشرط لا ، فتكون مباينة لهما.
3 - وأما شرعيتها ، فأمر بديهي ، كيف؟ وقد جرت عليها سيرة العقلاء الممضاة بعدم الردع ، وسيرة المتشرعة ، بل وسيرة أهل بيت العصمة بما فى ذلك جدهم صلوات اللّه عليهم اجمعين.
وما إنحال صاحب الرسالة صلی اللّه علیه و آله بضعته الطاهرة علیهاالسلام فدكاً إلاّ عبارة عن الهبة ، فإنهما واحد ، غايته لوحظ فى الإنحال تعلقه بالأرحام.
والروايات الدالة على شرعيتها كثيرة. وسيأتى بعضها فيما بعد ، إن شاء اللّه تعالي.
بل قد يستفاد ذلك من قوله تعالي : (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) (1)وقوله : (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا) (2)، بعد عدم اختصاص الإيتاء بالمهر.
لا تتحقق الهبة إلاّ بايجاب من الواهب وقبول من الموهوب له بكلّ ما يدلّ عليهما ولو بالمعاطاة.
ويلزم أن يتوفر فى الواهب البلوغ والعقل والقصد والاختيار وعدم الحجر لسفه او فلس.
ويعتبر القبض فى صحة الهبة وأن يكون عن إذن الواهب إلاّ فى هبة ما فى يد الغير له.
ولاتلزم فيه الفورية ولا كونه فى مجلس العقد.
ويلزم فى الموهوب أن يكون عيناً ، فلا تصح هبة المنافع. وأمّا الدين فتصح هبته على غير من هو عليه دون من هو عليه.
والهبة عقد جائز يصح فيها الرجوع إلاّ اذا كانت معوضة ، أو لذى رحم ، أو قصد بها القربة ، أو فرض تحقق التلف او التصرف الذى لا يصدق معه قيام العين بعينها.
ولا يلزم فى صحة الرجوع عن الهبة أن يكون أمام الموهوب له.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا توقف تحقق الهبة على الايجاب والقبول ، فلأن ذلك مقتضى كونها عقداً.
وأمّا الاكتفاء بكلّ ما يدلّ عليهما ولو بالمعاطاة ، فلإطلاق أدلّة مشروعيتها.
2 - وأمّا أنه يعتبر فى الواهب البلوغ وما بعده ، فلأن الهبة عقد وتصرف فى المال ، وكلاهما مشروط بما ذكر.
وأمّا أنه لا يعتبر ذلك فى الموهوب له ، فلعدم تحقق التصرف المالى منه ، ولذا تصح الهبة الى الصبى والمجنون والمحجور عليه ، غايته يلزم فى الأولين نيابة الولى عنهما فى القبول.
3 - وأمّا توقف صحة الهبة على القبض ، فهو المشهور.(1)وتدلّ عليه صحيحة أبى بصير عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « الهبة لا تكون ابداً هبة حتى يقبضها » (2)وغيرها.
وقد يقال : توجد فى المقابل صحيحة أبى المغرا أو أبى بصير : « قال أبوعبداللّه علیه السلام : الهبة جائزة قبضت أو لم تقبض ، قسمت أو لم تقسم. والنحل لاتجوز حتى تقبض » (1)، فإنها تدلّ على صحة الهبة قبل أن تقبض ، سواء فُسِّر الجواز باللزوم - كما هو الظاهر - أم بالصحة.
والجواب : أن النتيجة لاتتغير ، فإن الطائفتين حيث يتعذر الجمع بينهما تتساقطان ويلزم الرجوع الى الأصل ، وهو يقتضى عدم ترتب الأثر قبل القبض.
4 - وأمّا اعتبار كون القبض بإذن الواهب ، فهو المشهور.(2)وهو جيّد لانصراف ما دلّ على اعتبار القبض فى صحة الهبة الى ذلك. بل إن من المحتمل أن تكون كلمة « يقبضها » من باب الإفعال.
ومنه يتضح النظر فيما اختاره السيد اليزدى قدسسره : من عدم اعتبار الإذن ، تمسّكاً بالإطلاق وأن الأصل عدم شرطية ذلك وأن القدر المتيقن اعتبار وصول المال الى يد المتهب ، ولذا لو كان بيده كفي.(3)
5 - وأمّا عدم اعتبار القبض فى هبة ما فى يد الغير ، فلتحققه من دون حاجة الى تجديده.
6 - وأمّا عدم لزوم الفورية فى القبض ولاكونه فى مجلس العقد ، فلإطلاق الصحيحة الدالّة على اعتبار القبض.
7 - وأمّا عدم صحة هبة المنافع ، فلانها موجود تدريجى متصرم لايمكن تحقق القبض فيه.
وأمّا صحة هبة الدَّين على غير من هو عليه ، فلأنه بعد إمكان قبضه بقبض فرد
منه لايعود مانع من التمسّك بإطلاق دليل شرعيتها.
وأمّا عدم صحة هبة الدين على من هو عليه ، فلأن ذلك إبراء حقيقة لا هبة ، ويترتب عليه أحكامه دون أحكامها ، فلايجوزالرجوع اذا كان إبراء بخلافه لو كان هبة.
8 - وأمّا جواز الرجوع فى الهبة وكونها عقداً جائزاً بالرغم من اقتضاء أصالة اللزوم لعكس ذلك ، فلصحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « اذا كانت الهبة قائمة بعينها فله أن يرجع والاّ فليس له » (1)وغيرها.
9 - وأمّا استثناء الهبة المعوضة ، فلصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبى عبد اللّه علیه السلام : « اذا عوّض صاحب الهبة فليس له ان يرجع » (2)وغيرها.
وأمّا استثناء الهبة لذى الرحم ، فلصحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر علیه السلام : « الهبة والنحلة يرجع فيها صاحبها إن شاء ، حيزت أو لم تحز إلاّ لذى رحم فإنه لايرجع فيها » (3)وغيرها.
وأمّا استثناء الهبة التى قصد بها القربة ، فلصحيحة محمد بن مسلم الاُخرى عن أبى جعفر علیه السلام : « لا يرجع فى الصدقة اذا ابتغى وجه اللّه » (4)وغيرها.
وأمّا استثناء حالة التلف أو التصرف الذى لايصدق معه قيام العين ، فلصحيحة الحلبى المتقدمة.
10 - وأمّا عدم لزوم أن يكون الرجوع أمام الموهوب له ، فلإطلاق ما دلّ على جواز الرجوع وعدم تقييده بما اذا كان أمام الموهوب له.
حقيقة الوديعة
من احكام الوديعة
الوديعة عقد يتضمن استنابة الغير فى حفظ المال. ويصطلح على الغير بالودعى والمستودع ، وعلى الآخر بالمودع.
وهى مشروعة بلا إشكال.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن الوديعة عقد فواضح ، إذ لا يكفى مجرد ايجاب المودع فى تحققها ، بل لابدَّ من قبول الودعي ، وإلاّ لم تكن له السلطنة على نفسه ، وهو خلف قانون السلطنة.
2 - وأمّا أنها عقد يتضمن ما ذكر ، فهو من واضحات الفقه ، ويقتضيه الفهم العرفي.
3 - وأمّا مشروعية عقد الوديعة ، فمن البديهيات ، لانعقاد سيرة العقلاء والمتشرعة عليه ، وللكتاب العزيز الصريح فى ذلك فى موارد متعددة كقوله تعالي : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (1)، (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) . (2)
والروايات فى ذلك كثيرة ، كرواية ابى كهمس : « قلت لأبى عبداللّه علیه السلام : عبداللّه ابن أبى يعفور يقرؤك السلام ، قال : وعليك وعليه السلام ، إذا أتيت عبداللّه فاقرأه السلام وقل له : إن جعفر بن محمد يقول لك : انظر ما بلغ به على عند رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فالزمه ، فان علياً علیه السلام إنما بلغ ما بلغ به عند رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بصدق الحديث وأداء الأمانة » (1) وغيره.
يعتبر فى تحقق الوديعة الايجاب من المودع والقبول من الودعى بكلّ مايدلّ عليهما ولو بالمعاطاة.
ويجب ردُّ الوديعة إلى صاحبها عند المطالبة بها ولو لم يكن مؤمناً مادام ليس غاصباً.
ومن طلب من الغير أن يكون ماله وديعة لديه ولم يقبل الغير ذلك ولم يتسلمه ومع ذلك تركه المالك عنده ، فلا يضمنه لو تلف أو تعيّب.
وعقد الوديعة جائز من الطرفين وإن كان مؤجلاً بأجل محدد إلاّ مع اشتراط عدم فسخه إلى ذلك الأجل ولو ضمن عقد الوديعة نفسه فإنه يلزم الوفاء آنذاك ، ولكن مع الفسخ ينفسخ ويكون الفاسخ بذلك آثماً.
ولو فسخ الودعى لزمه ايصال المال إلى صاحبه فوراً ، وإذا لم يفعل ذلك من دون عذر شرعى وتلف يكون ضامناً.
ويجب على الودعى الحفاظ على الوديعة بما هو المتعارف فى الحفظ لأمثالها ، وإذا لم يفعل ذلك يكون مفرّطاً.
والودعى لايضمن تلف الوديعة وتعيبها إلاّ مع التعدّى أو التفريط.
ولايحق للودعى التصرف فى الوديعة.
ومن أحسَّ بأمارات الموت يلزمه ايصال الوديعة إلى صاحبها أو وكيله ، وإذا لم يمكنه ذلك يلزمه الايصاء بها والعمل بما يضمن معه وصولها إلى صاحبها بعده.
والأمانة على قسمين : مالكية وشرعية ، والحكم فى كليهما واحد.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن الوديعة لا تتحقق إلاّ بالايجاب والقبول ، فهو مقتضى كونها عقداً.
وأمّا الاكتفاء بكلّ ما يدلّ عليهما ولو بالمعاطاة ، فلإطلاق دليل شرعيتها بعد صدق عنوانها.
2 - وأمّا وجوب ردِّ الوديعة الى صاحبها عند مطالبته بها ولو لم يكن مؤمناً ، فلإطلاق قوله تعالي : « إن اللّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ». (1)وفى الحديث عن الامام الصادق علیه السلام : « أدّوا الأمانة ولو الى قاتل الحسين بن على علیهماالسلام ». (2)
وأمّا التقييد بعدم كون صاحب الوديعة غاصباً ، فلأن الواجب هو ردُّ الأمانة إلى أهلها ، وذلك لايتحقق بالدفع إلى الغاصب ، بل فعل ذلك موجب للضمان ، لأنه تعدٍّ على الأمانة.
3 - وأمّا عدم ضمان من تُرك عنده شيء من دون قبوله لذلك ولاتسلّمه إيّاه ، وقد تلف أو تعيّب ، فلعدم صدق عنوان الوديعة - الموقوف على تحقق القبول - كى يجب التحفظ عليه ، بعد وضوح أن أموال الغير لايجب التحفظ عليها ابتداءً.
4 - وأمّا ان عقد الوديعة جائز ، فذلك واضح بلحاظ المودع ، لأنّه من ناحيته
لايعدو الإذن فى حفظ ماله ، وللآذن حق التراجع عن إذنه متى شاء.
وأمّا بلحاظ الودعى ، فلا وجه لجواز تراجعه قبل انتهاء الأجل - ما دام العقد قد حُدّد به - سوى التسالم على ذلك.
قال صاحب الجواهر : « وهو - التسالم - الحجة فى تخصيص الآية وغيرها من أدلّة اللزوم » (1).
5 - وأمّا عدم جواز الفسخ مادام قد اشترط عدم الفسخ ، فلعموم قوله علیه السلام : « المسلمون عند شروطهم ». (2)
ودعوي : أن الوديعة عقد جائز ، فيكون الشرط المذكور فيها جائزاً أيضاً.
مدفوعة : بأن عموم وجوب الوفاء بالشرط لايختص بالشرط المذكور فى العقد اللازم.
وأمّا تحقق الفسخ مع مخالفة الشرط ، فلأن العموم السابق ليس بناظر إلى الأثر الوضعى بل التكليفى فقط.
6 - وأمّا أن الودعى يلزمه ايصال الوديعة إلى صاحبها لو فسخ ، فلوجوب ردِّ الأمانات إلى أهلها كما دلَّ عليه قوله تعالي : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) . (3)
وأمّا الضمان لو فسخ الودعى ولم يوصل الوديعة إلى صاحبها وتلفت أو تعيبت ، فلأن ذلك من التفريط فى أمر الوديعة.
7 - وأمّا وجوب التحفظ على الوديعة بما هو المتعارف فى أمثالها ، فلاستبطان
قبول الودعى الوديعة تعهده بذلك. على أنّ ردَّ الأمانة إلى أهلها واجب ، والتحفظ المذكور مقدمة له ، فيكون واجباً.
8 - وأمّا عدم ضمان الودعى التلف والتعيّب لو حصل من دون تعدٍّ أو تفريط ، فللحديث الصحيح عن النبى صلی اللّه علیه و آله : « ليس لك أن تتّهم من قد أئتمنته ولا تأتمن الخائن وقد جرّبته ». (1)على أن بالامكان أن يقال : إن التعاقد على الاستيداع يستبطن عرفاً التعاقد على ذلك أيضاً.
9 - وأمّا عدم جواز التصرف فى الوديعة ، فلأن ذلك مقتضى عدم جواز التصرف فى مال الغير بدون إذنه بل لا معنى للأذن فى التصرف والا كان المورد عارية لاوديعة.
10 - وأمّا أن من أحسَّ بأمارات الموت يلزمه ماذكر ، فلأن ذلك مقتضى التحفظ الواجب فى أمر الأمانة ، ومن دونه يصدق التفريط.
11 - وأمّا انقسام الأمانة إلى مالكية وشرعية ، فواضح ، إذ المودع تارة هو المالك فتكون الأمانة مالكية ، واُخرى هو الشارع فتكون شرعية ، كما فى باب اللقطة ، حيث أذن الشارع بالالتقاط والتحفظ على المال كأمانة.
وأمّا وحدة حكم القسمين ، فلأنه بعد صدق عنوان الأمانة فى كليهما ينبغى تطبيق جميع أحكامه عليهما.
1) وسائل الشيعة : 13 / 229 ، باب 4 من أحكام الوديعة ، حديث 10.
حقيقة العارية
من احكام العارية
العارية عقد يتضمن تسليط شخص غيره على عين للانتفاع بها مجاناً.
وهى مشروعة بلا إشكال.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن العارية عقد فينبغى عدُّه من الواضحات ، فإن جواز الانتقاع بملك الغير يتحقق تارة من خلال إذن الشخص بالتصرف فى ملكه ، وهو بهذا اللحاظ ايقاع لايتوقف على قبول الطرف الثاني ، واُخرى من خلال العارية ، وهو بهذا اللحاظ عقد يتوقف على القبول.
2 - وأمّا أن عقد العارية يتضمن التسليط المجانى على الانتفاع ، فمّما لا كلام فيه. ويقتضيه فهم العرف منها ذلك.
وفرق العارية عن الإجارة أن الثانية تمليك للمنفعة بعوض بينما الاُولى تمليك للانتفاع مجاناً.
3 - وأمّا شرعية العارية فمن واضحات الفقه. ويدلّ على ذلك سيرة العقلاء والمتشرعة والروايات الكثيرة ، كصحيح أبى بصير عن أبى عبداللّه علیه السلام : « بعث رسولاللّه صلی اللّه علیه و آله الى صفوان بن اُمية فاستعار منه سبعين درعاً بأطراقها (بأطرافها خ ل)
فقال : أغصباً يا محمد؟ فقال النبى صلی اللّه علیه و آله : بل عارية مضمونة » (1)وغيره.
لاتتحقق الإعارة إلاّ بإيجاب من المعير وقبول من المستعير بكلّ مايدلّ عليهما ولو بالمعاطاة.
ولايلزم فى المعير أن يكون مالكاً للعين ، بل تكفى ملكيته للمنفعة بإجارة ونحوها فيما إذا لم يشترط عليه استيفاء المنفعة بنفسه.
ويعتبر فى العين المعارة إمكان الانتفاع بها مع بقاء عينها ، أمّا إذا لم يمكن ذلك فلا تصح الإعارة ، كما هو الحال فى مثل الخبز والدهن.
ويلزم على المستعير أن لايستفيد من العين المعارة إلاّ فى حدود ما جرت عليه العادة ، فإن تجاوز ضمن. وإذا نقصت بسبب الاستعمال المأذون فيه فلا ضمان.
والعين المعارة لايضمنها المستعير مادام لم يتحقق منه التعدّى والتفريط إلاّ إذا اشترط عليه الضمان أو فرضت العين من الذهب أو الفضة.
والعارية جائزة من الطرفين وإن كانت مؤجلة الاّ مع اشتراط عدم فسخها الى أجل معين فيجب الوفاء ، إلاّ أنه لو خولف الشرط تحقق الفسخ وإن كان الفاسخ آثماً بذلك.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا توقف تحقق العارية على الايجاب والقبول ، فهو مقتضى كونها عقداً.
وأمّا أنها تتحقق بكلّ ما يدلّ عليهما ولو بالمعاطاة ، فللتمسّك بإطلاق دليل شرعيتها بعد فرض صدق عنوانها.
1) وسائل الشيعة : 13 / 236 ، باب 1 من أحكام العارية ، حديث 1.
2 - وأمّا أنه لا يلزم فى المعير أن يكون مالكاً للعين ، بل يكفى كونه مالكاً للمنفعة ، فباعتبار أن التسليط على الانتفاع لايتوقف على ملكية العين بل تكفى فيه ملكية المنفعة مادام لم يشترط استيفاؤها بالمباشرة.
3 - وأمّا اعتبار بقاء العين المعارة عند الانتفاع بها ، فلأنه بدون ذلك لا يمكن تمليك الانتفاع.
4 - وأمّا عدم جواز الاستفادة من العين المعارة إلاّ فى حدود ما جرت عليه العادة ، فلانصراف الاذن فى الانتفاع بالعين - الذى تتضمنه الإعارة - إلى الانتفاعات المتعارفة فيها.
5 - وأمّا عدم ضمان النقصان الطاريء على العين بسبب استعمالها ، فلأن ذلك من لوازم الإذن فى الانتفاع بها مجاناً.
6 - وأمّا عدم ضمان المستعير للعين المعارة مادام لم يحصل منه تعدٍّ أو تفريط إلاّ مع اشتراط الضمان ، فهو مقتضى قاعدة عدم ضمان الأمين. مضافاً الى الروايات الخاصة ، كصحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه علیه السلام : « ... إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنه إلاّ أن يكون اشترط عليه ». (1)
7 - وأمّا ضمان عارية الذهب والفضة ، فلموثقة اسحاق بن عمار عن أبى عبداللّه أو أبى إبراهيم علیهماالسلام : « العارية ليس على مستعيرها ضمان إلاّ ما كان من ذهب أو فضة فانهما مضمونان اشترطا أو لم يشترطا ». (2)
إن قلت : لابدَّ من تقييد الذهب والفضة بخصوص الدنانير والدراهم لصحيحة
عبداللّه بن سنان : « قال أبو عبداللّه علیه السلام : لا تضمن العارية إلاّ أن يكون قد اشترط فيها ضمان إلاّ الدنانير ، فإنها مضمونة وان لم يشترط فيها ضماناً » (1)، وصحيحة عبدالملك بن عمرو عن أبى عبداللّه علیه السلام : « ليس على صاحب العارية ضمان الا أن يشترط صاحبها الا الدراهم ، فانها مضمونة اشترط صاحبها أو لم يشترط ». (2)
قلت : إن التقييد المذكور ليس عرفياً ، لأن لازمه الحمل على الفرد النادر ، إذ شرط صحة العارية على ماتقدم إمكان الانتفاع بالعين مع بقائها ، وهذا لايتحقق عادة فى الدنانير والدراهم وان كان يتحقق نادراً كما فى اعارتها للتزين بها أو لرهنها كما ذكر صاحب الجواهر.(3)
وعليه ، فتكون النتيجة أنّ العارية ليس فيها ضمان إلاّ مع الاشتراط أو كونها من قبيل الذهب والفضة.
8 - وأمّا أن العارية جائزة من الطرفين بالرغم من كون المناسب لزومها - طبقاً لأصالة اللزوم - فللتسالم على ذلك.(4)وهو جيد ، فان العارية فى روحها ترجع الى الإذن فى التصرف ، وللآذن التراجع عن إذنه متى أحبَّ.
وأمّا أنّه مع اشتراط عدم الفسخ لايجوز فسخها تكليفاً وان ترتب الأثر وضعاً ، فلما تقدم عند البحث عن الوديعة.
حقيقة السبق والرماية
من احكام السبق والرماية
السَبْق - بسكون الباء - معاملة تتضمن اجراء الخيل وما شابهها فى حلبة السباق لمعرفة الأجود منها.
والرماية معاملة تتضمن رمى السهام نحو الهدف للتعرف على الحاذق من المترامين.
وهما مشروعان من دون خلاف.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا أن السبق والرماية عقدان ، فباعتبار أنهما لايتحققان إلاّ بعد اتفاق شخصين أو أكثر عليهما ، ولايكفى الايجاب من طرف واحد لتحققهما.
أجل ، بناءً على كونهما جعالة - كما هو المنسوب للشيخ والعلاّمة -(1)فهما ايقاع ولا حاجة فى تحققهما الى القبول ، بل يكفى البذل ، كما يكفى فى مثل : من ردَّ عليَّ سيارتى المسروقة فله كذا.
إلاّ أن ذلك جيّد لو كان البذل من شخص ثالث أجنبي ، وأمّا إذا كان البذل منهما باتفاق بينهما فكونهما جعالة بعيد.
1) جواهر الكلام : 28 / 223.
2 - وأمّا أن العقدين المذكورين يتضمنان ما ذكر ، فأمر متسالم عليه.(1)
3 - وأمّا شرعية المعاملتين المذكورتين ، فيمكن استفادتها من عموم قوله تعالي : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (2)، فإن الغرض من السبق والرماية تدريب المسلمين على الفنون العسكرية وتهيئتهم لمواجهة ساحة القتال مع الكفار ، وذلك مصداق واضح لإعداد القوة المأمور بها فى الآية الكريمة.
وقد يقال بإمكان استفادة ذلك من قوله تعالي : (إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا) (3)ولكنه قابل للتأمل كما هو واضح.
وأمّا الروايات فى هذا المجال فكثيرة ، كموثقة غياث بن ابراهيم عن أبى عبد اللّه عن أبيه عن على بن الحسين علیه السلام : « ان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أجرى الخيل وجعل سَبَقَها(4)أواقى من فضة » (5)، وصحيحة حفص بن البختري : « عن أبى عبد اللّه علیه السلام انه كان يحضر الرمى والرهان ». (6)
يعتبر فى تحقق السَبْق والرماية الايجاب والقبول بكلّ ما يدلّ عليهما.
ويصح إجراء هاتين المعاملتين على وسائل القتال الحديثة ، ولايختص بما اذا كان علي
1) جواهر الكلام : 28 / 212.
2) الأنفال : 61.
3) يوسف : 17.
4) السَبَق بفتح السين والباء : العوض المجعول للسابق. ويقال له الخَطَر (بفتح الخاء والطاء) ايضاً. والسَبْق بفتح السين وسكون الباء ، مصدر بمعنى المعاملة المتقدمة. والاواقى جمع أوقية.
5) وسائل الشيعة : 13 / 345 ، باب 1 من احكام السبق والرماية ، حديث 1.
6) وسائل الشيعة : 13 / 348 ، باب 2 من احكام السبق والرماية ، حديث 4.
السيف والسهام والخيل والإبل وما شاكل ذلك.
ولايلزم فى صحة المسابقة وجود المحلّل ، وهو شخص يدخل فى المسابقة من دون أن يبذل عوضاً وإنما يجرى فرسه مع المتراهنين على أنه إن سبق كان له العوض وإن لم يسبق لم يخسر شيئاً(1).
ويجوز فى العوض المقرر للسابق - السَبَق - أن يكون من أحد الطرفين أو من شخص ثالث أجنبى أو من بيت المال.
والعبرة فى تحقق السبق على الصدق العرفى إلاّ اذا تمَّ الاتفاق على غيره.
والعقد فى السَبْق والرماية لازم لايجوز فسخه إلاّ مع اشتراط الخيار.
والمستند فى ذلك :
1 - أمّا اعتبار الايجاب والقبول فى تحقق السبق والرماية ، فلأن ذلك مقتضي كونهما عقداً.
وأمّا الاكتفاء بكلّ ما يدلّ عليهما ، فلإطلاق دليل المشروعية.
2 - وأمّا أن صحة هاتين المعاملتين لاتنحصر بالوسائل القديمة ، فباعتبار أن النصوص وإن اقتصرت عليها ، كما فى صحيحة حفص عن أبى عبداللّه علیه السلام : « لا سبق إلاّ فى خف أو حافر أو نصل » (2)
قيل ان الخف اشارة الى الابل والفيلة. والنصل اشارة الى السهم والسيف والحربة. والحافر اشارة اليالفرس والبغل والحمار. لاحظ جواهر الكلام : 28 / 219.
إلاّ أن تخصيصها بالذكر هو من جهة كونها الوسائل الحربية المتداولة تلك الفترة ، ولا ينبغى فهم الخصوصية لها. كيف وهل يحتمل انتهاءفترة تشريع المسابقة والرماية وعدم امتداده لمثل زماننا ، أو هل يحتمل أن التشريع ممتد مع لزوم الاقتصار على الوسائل القديمه؟! كلاّ ، لا يحتمل هذا ولا ذاك. وبطلان الاحتمالين يساوق الحكم بعموم النتيجة.
3 - وأمّا المحلّل ، فقد قيل باشتراط وجوده فى حلية العقد. ونسب ذلك الي ابنالجنيد استناداً منه لخبر لايوجد فى كتبنا.(1)
والمناسب عدم اعتبار وجوده فى صحة العقد تمسّكاً بإطلاق دليل المشروعية.
4 - وأمّا جواز أن يكون السَبَق من أجنبى أو بيت المال أو المتراهنين ، فلإطلاق دليل المشروعية.
5 - وأمّا ان العبرة فى تحقق السَبْق على الصدق العرفى ، فلكونه المقصود للمتعاقدين حينما تعاقدا على ثبوت العوض للسابق.
6 - وأمّا أن السبق والرماية عقدان لازمان ، فلكون ذلك مقتضى أصالة اللزوم في مطلق العقود التى تقدم مستندها فى مبحث البيع.
أجل ، بناءً على كونهما من مصاديق الجعالة دون العقد ينبغى الحكم بجوازهما ، لكون الجعالة من المعاملات الجائزة كما يأتى إن شاء اللّه تعالي.
1) جواهر الكلام : 28 / 226.
كلمة المكتب... 5
كتاب البيع... 11
شروط عقد البيع... 13
شروط المتعاقدين... 18
شروط العوضين... 24
الخيارات... 28
1 - خيار المجلس... 28
2 - خيارالحيوان... 29
3 - خيار الشرط... 30
4 - خيار تخلف الشرط... 31
5 - خيار الغبن... 33
6 - خيار العيب... 34
7 - خيار التأخير... 36
8 - خيار الرؤية... 38
الربا... 39
أحكام خاصة بالربا... 42
بيع الصرف... 47
بيع السلف... 49
كتاب الإجارة... 55
حقيقة الإجارة... 57
شرائط العوضين... 58
الضمان فى باب الإجارة... 61
من احكام عقد الإجارة... 63
كتاب المزارعة... 69
حقيقة المزارعة... 71
شرائط المزارعة... 72
أحكام عامة فى باب المزارعة... 76
كتاب المساقاة... 79
حقيقة المساقاة... 81
شرائط المساقاة... 82
أحكام عامة فى باب المساقاة... 85
كتاب الشركة... 87
حقيقة الشركة... 89
من أحكام الشركة بالمعنى الاول... 91
من أحكام الشركة بالمعنى الثانى... 92
كتاب الضمان... 97
حقيقة الضمان... 99
شرائط الضمان... 100
من أحكام الضمان... 103
كتاب الحوالة والكفالة... 105
حقيقة الحوالة... 107
شرائط الحوالة... 108
من أحكام الحوالة... 110
الكفالة وبعض أحكامها... 112
كتاب الصلح... 116
حقيقة الصلح... 117
شرائط الصلح... 119
من أحكام الصلح... 120
كتاب الوكالة... 123
حقيقة الوكالة... 125
من أحكام الوكالة... 127
كتاب المضاربة... 131
حقيقة المضاربة... 133
شرائط المضاربة... 134
من أحكام المضاربة... 138
كتاب القرض... 141
حقيقة القرض... 143
شرائط صحة القرض... 145
ربا القرض... 147
من أحكام القرض... 151
كتاب الرهن... 155
حقيقة الرهن... 157
شرائط صحة الرهن... 158
من أحكام الرهن... 161
كتاب الهبة... 163
حقيقة الهبة... 165
من أحكام الهبة... 166
كتاب الوديعة... 171
حقيقة الوديعة... 173
من أحكام الوديعة... 174
كتاب العارية... 179
حقيقة العارية... 181
من أحكام العارية... 182
كتاب السبق والرماية... 185
حقيقة السبق والرماية... 187
من احكام السبق والرماية... 188
فهرس... 191