صفوة شروح نهج البلاغة

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

صَفَوة شُروح نَهجُ البَلاغَةِ

• شرح ابن أبي الحديد المعتزلي

•شرح الشيخ محمد عبده

• تعليقات الدكتور صبحي الصالح

جمعه وسیقهُ وضَبط نصّهُ

اركان التميمي

مكتبة الروضة الحيدرية المؤسسة العارف للمطبوعات

بيروت - لبنان

الرقم 60636

التاريخ 2005/10/18

محرر الرقمي: هاجر صداقت

اشارة

صفوة شُروح نهج البلاغة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

صَفَوة شُروح نَهجُ البَلاغَةِ

• شرح ابن أبي الحديد المعتزلي

•شرح الشيخ محمد عبده

• تعليقات الدكتور صبحي الصالح

جمعه وسیقهُ وضَبط نصّهُ

اركان التميمي

مكتبة الروضة الحيدرية المؤسسة العارف للمطبوعات

بيروت - لبنان

الرقم 60636

التاريخ 2005/10/18

اسم الكتاب: صفوة شروح نهج البلاغة

شروح : ابن ابي الحديد، محمد عبدة صبحي الصالح

إعداد : الشيخ: اركان التميمي

القطع : 17×25سم

الصفحات : 920: صفحة

الغلاف : حسين موسى

الطبعة الثانية : 1425ه- - 2004م

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للمؤلف والناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة

إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه إلا بترخيص خطي من المؤلف والناشر تحت طائلة الشرع والقانون

الناشر: مؤسسة العارف للمطبوعات

بيروت- لبنان

ص.ب: 106/24

10172010

برج البراجنة/ بعبدا

TEL:00961 15 543359

العراق - النجف الاشرف / الميدان

TEL:00964 33 370636

Email:arefi@hotmail.com

المُقدِّمة

اعتاد الكاتبون عن نهج البلاغة أن يجعلوا من الحديث عن شخصية أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السّلام) نافذة لهم توصلهم للحديث عن نهج البلاغة شرحاً، أو تحقيقاً، أو دراسة، وهذا جزء من تقليد سارّ عليه الشرّاح والمحقّقون، وهو التعريف بشخصية الكاتب وسرد نبذة عن حياته قبل شرح كتابه أو تحقيقه. إلّا أنّ هذا الأمر - في اعتقادي - لا يليق بشخصية كشخصية أميرالمؤمنين علي(علیه السّلام) ، إذ كيف يتسنّىٰ لبضع سطور أن تختصر دنيا وسيعة من الفضائل، وعالماً رحباً من الكمالات، بل أستطيع أن أقول: إن تعداد مناقب عليُّ منقصة له؛ لأنّ علياً عالم مترامي الأطراف من المناقب، وينبوع كمالات لا ينضب، وكما يقول الجواهري: تعدادُ مجد المرء منقصةٌ إذا *** فاقت مزاياه عن التعداد

وقد سُئل المتنبي عن سرّ إعراضه عن مدح عليُّ(علیه السّلام) فقال :

و ترکت مدحي للوصيّ تعمّداً*** إذ كان نوراً مستطيلاً شاملا

وإذا استقام الشيء قام بنفسه*** وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا

وإن كان أميرالمؤمنين(علیه السّلام) نوراً مستطيلاً له من السطوع ما يستغني به عن التعريف فإنّ (نهج البلاغة) - وهو المختار من روائع كلامه- له من الشهرة والذيوع ما يُغنيه هو الآخر عن التعريف. «ومنذ أن صدر هذا الكتاب عن جامعه، سار في الناس ذكره، وتألّق نجمه، أشام وأعرق، وأنجد وأتهم، وأعجب به حيث كان، وتدارسوه في كل مكان، لما اشتمل عليه من اللفظ المنتقى، والمعنى المشرق، وما احتواه من جوامع الكَلِم، في أسلوب

متساوق الأغراض، محكم السبك، يعدّ في الذروة العليا من النثر العربي الرائع.(1)

ولقد كثرت الدراسات حول نهج البلاغة وشُرح بشروح كثيرة تنبو عن الإحصاء، ممّا يعكس أهمية (النهج) في التراث العربي والإسلامي، بل والإنساني؛ لأن خطب (النهج) تمثِّل مظاهر من الأبعاد المختلفة لإنسان قد طوى مسيرة الكمال، وقيل في نهج البلاغة الكثير مما لو جُمع لصار مصنّفاً ضخماً، ومن جميل ما كتب عن نهج البلاغة تلك السطور التي جاد بها قلم الأديب العربي جورج جرداق حيث قال:

«نهج البلاغة آخذ من الفكر والخيال والعاطفة آيات تتصل بالذوق الفنّي الرفيع م-ا بقي الإنسان وما بقي له خيال وعاطفة وفكر، مترابط بآياته متساوق، متفجّر بالحسن المشبوب والإدراك البعيد، متدفّق بلوعة الواقع وحرارة الحقيقة والذوق إلى معرفة ما وراء هذا الواقع، متألف يجمع بين جمال الموضوع وجمال الإخراج حتّى ليندمج التعبير بالمدلول، أو الشكل بالمعنىٰ، اندماج الحرارة بالنار والضوء بالشمس والهواء بالهواء فما أنت إزاءه إلّا ما يكون المرء قبالة الحدث الطبيعي الذي لابدّ له أن يكون بالضرورة على ما هو كائن عليه من الوحدة لا تفرق بين عناصرها إلّا لتمحو وجودها وتجعلها إلى غير كون!.

بيانٌ لو نطق بالتقريع لانقضُ على لسان العاصفة انقضاضاً! ولو هدّد الفساد والمفسدين لتفجّر براكين لها أضواء وأصوات! ولو انبسط فى منطق الخاطب العقول والمشاعر فأقفل كلّ باب على كلّ حجّة غير ما ينبسط فيه! ولو دعا إلى تأمّل لرافق فيك منشأ الحس وأصل التفكير فساقك إلىٰ ما يريده سوقاً، ووصلك بالكون وصلاً، ووحّد فيك القوى للاكتشاف توحيداً. وهو لو رعاك لٰادركت حنان الأب ومنطق الأبوّة وصدق الوفاء الإنساني وحرارة المحبّة التي تبدأ ولا تنتهي، أمّا إذا تحدّث إليك عن بهاء الوجود وجمالات الخلق وكمالات الكون، فإنّما يكتب علىٰ قلبك عداد نجوم السماء!

بيان هو بلاغة من البلاغة، وتنزيل من التنزيل، بيان اتصل بأسباب البيان العربي ما


1) من مقدمة الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم لشرح ابن أبي الحديد، ص 6 .

كان منه وما يكون، حتّىٰ قال أحدهم في صاحبه إنّ كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق!».


صفوة شروح نهج البلاغة

ولدت فكرة صفوة الشروح من رحم حاجة ماسة لكتاب يجمع لقارئ نهج البلاغة الشروحَ المختلفة، ويقدّم له زبدة المخاض بأسلوب سهل يسير، فجاء صفوة الشروح ليأخذ على عاتقه هذه المهمة، ويختصر لقارئ النهج مسافة طويلة، ويوفّر له وقتاً ثميناً كان يقضيه في التجوال بين شروح النهج باحثاً عمّا يروّي غليله في شرح عبارة من عباراته، أو تفسير كلمة من كلماته، فيقدّم صفوة الشروح للقارئ الكريم عبارة مصطفاة من شروح ثلاثة هي:

1 - شرح ابن أبي الحديد المعتزلي.

2 - شرح الشيخ محمد عبده.

3 - شرح الدكتور صبحي الصالح.

واختيارنا لهذه الشروح الثلاثة ليس إلغاءً لبقيّة الشروح - وهي كثيرة - بل وقع اختيارنا على هذه الشروح دون غيرها؛ لأنّها الأوفر حظاً من الشهرة والأكثر تداولاً، ويحدونا أمل كبير أن تكون الشروح الأخر محطّة ثانية نتوقّف عندها إن شاء الله تعالى

أمّا عن طريقة الكتاب فقد سعينا أن لا نرهق القارئ بالرموز، وأن نقدّم العبارة الملفّقة من عبارات الشرّاح الثلاث كعبارة واحدة مترابطة ومنسجمة فيما بينها، وقد نلجأ إلى استخدام كلمة أو كلمتين للربط بين الجمل مثل: «أو» و «الواو» العاطفتين، ومع ذلك قد يظهر - أحياناً - عدم الانسجام التام بين العبارات، وهذا متولّد من اختلاف أسلوب الشرّاح، وحرصنا الشديد على عدم التلاعب بعباراتهم ، إلّا ما تضطرنا إليه عمليةُ الربط

والتنسيق .

وجعلنا التفريق بين الشروح بأنواع الخطوط، حيث يستقل كلّ شارح بخطّ يميّزه عن الآخر:

فشرح ابن أبي الحديد المعتزلي بالخطّ الغامق.

وشرح الشيخ محمد عبده بالخط الفاتح.

وتعليقات الدكتور صبحي الصالح بالخط الصغير المائل.

وسيلاحظ القارئ قلّة هوامش الدكتور صبحي الصالح؛ والسبب في ذلك أنّ عمل الدكتور صبحي الصالح ليس شرحاً في الحقيقة، وإنّما هو عمل تنظيمي لشرح الشيخ محمد عبده - وقد نعبّر عنه بالشرح تسامحاً - ولهذا كانت هوامش الصالح متطابقة حرفيّاً مع هوامش محمد عبده ولم يشذُ عنها إلّا فى موارد قليلة أثبتناها هنا.

وعمل الصالح يكمن في تقسيم الهامش الواحد إلى عدّة هوامش، فقد يجمع الشيخ عبده في الهامش الواحد شرحاً لخمس كلمات أو أكثر، فيأتي الصالح فيقسم هذا الهامش مثلاً إلى خمسة هوامش. ثم إنّ الصالح اختصر في عبارات عبده بما يجعل من الشرح شرحاً مختصراً بسيطاً سلساً، لا يكلّف القارئ عناءً ولا مشقة عند الرجوع إليه، وإن كانت شدّة الاختصار قد تؤثّر سلباً على المعنى، ومع ذلك فعمل الدكتور الصالح في ترتيب وتنظيم الهوامش عمل مشكور ، مع ما أعدّه من فهارس نافعة، يضاف إلى ذلك ما بذله من جهود في سبيل ضبط النص، وهو عمل ليس بالسهل اليسير .

ضَبط النّص

مع أنّ تحقيق اختلاف النسخ خارج عن اختصاص هذا الكتاب إلّا أننا لم نهمل المهم منه، إذ أشرنا إلى موارد الاختلاف الهامّة والتي لها تأثير واضح في المعنىٰ، وقابلنا النسخ الثلاث مع نسخة خطية ثمينة قديمة ترجع إلى عام 499ه مكتوبة بخط ابن المؤدب، فجاء النص جامعاً لنسخ الشرّاح الثلاث مع نسخة ابن المؤدب الخطيّة، وابتغاءً للتيسير على القارئ الكريم جعلنا الإشارة الى اختلاف النسخ داخل معقوفتين وبعبارة منسجمة مع الشرح. ومما تجدر الإشارة إليه أنّنا أوردنا عبارات الشرّاح بدون التعليق عليها إلّا في موارد

قليلة افردنا لها هامشاً مستقلاً حرصاً على بقاء عباراتهم كما هي بما تحمله - أحياناً - من أفكار وعقائد قد لا نتفق معها. وحاولنا أن يأتي النص خالياً من الأخطاء المطبعية التي لم تخل منها نسخة قطّ.

تَخريجُ المَصادر

ممّا تشدّق به المشكّكون بنسبة نهج البلاغة إلى أميرالمؤمنين (علیه السّلام) هو: عدم ذكر الرضي أسانيد الخطب التي اختارها؛ لذلك انبرى عدد من العلماء فألفوا في أسانيد النهج وأجادوا في ذلك أيّما إجادة، وكان الرائد في هذا المجال السيّد عبد الزهراء الحسيني الخطيب (رحمه الله) الذي ألّف كتابه القيّم «مصادر نهج البلاغة وأسانيده» في هذا المضمار؛ ليُرجع الخطب والكتب والحكم إلى أمّهات المصادر. وقد اعتمدنا على هذا الكتاب في تخريج المصادر لاستكمال الفائدة. ونحيل القارئ الكريم الى هذا الكتاب إذا شاء التوسّع في هذا الموضوع أو أراد الاطّلاع على طبعات كتب المصادر .

كلمة أخيَرة

وأختم الحديث بما ختم به ابنُ أبي الحديد المعتزلي شرحه حيث قال: «و أنا استغفرُ الله العظيم من كلِّ ذنب يُبعِدُ من رحمته، ومن كل خاطر يدعو إلى الخروج عن طاعته، واستشفعُ إليه بمن أنصبتُ جسدي، وأسهرْتُ عيني، وأعملت فكري، واستغرَقْتُ طائفة من عُمري، في شرح كلامِهِ، والتقرّب إلى الله بتعظيم منزلته ومقامِه، أن يعتق رقبتي من المخلوقين، ويَكُفَّ عَنِّي عادية الظالمين، إنّه سميعٌ مُجِيبُ، وَحَسْبُنَا الله وحدهُ وصلواتُهُ على سيّدنا محمَّدٍ النبيّ وآله وسلامُه».

ارکان التميمي

الشريف الرضي

هو أبو الحسن محمد بن الحسين، يرتقي نسبه إلى موسىٰ الكاظم، فإلى الحسين بن علي، وينتهي نسب أمّه فاطمة بنت الحسين الىٰ أميرالمؤمنين علي أبي طالب أيضاً، ولذلك لُقّب ب- «ذي الحسبين».

ولد في بغداد سنة ( 359 ه- - 970 م) ونشأ وتثقّف بها، وتوفّي بها يوم الأحد (6) محرّم، سنة (406 ه- - 1016م) ودفن في داره في محلّة الكرخ ، ثم نقل رفاته الىٰ مشهد الحسين ( عليه السلام) في كربلاء ، كما يذكر ذلك كثير من المؤلفين.

وعند وفاته حضر إلى داره الوزير فخر الملك وسائر الوزراء والأعيان والأشراف والقضاة حفاة ومشاة، وصلّى عليه فخر الملك، ولم يشهد جنازته أخوه الشريف المرتضى ولم يصلُ عليه، ومضى من جزعه عليه إلى مشهد الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام؛ لأنّه لم يستطع أن ينظُر إلى تابوته ودفنه، ومضى فخر الملك بنفسه آخر النهار إلى أخيه المرتضى بالمشهد الكاظمي، فألزمه بالعود إلى داره.

كان أبوه النقيب أبو أحمد جليل القدر، عظيم المنزلة في دولة بني العباس ودولة بني بُوّيه، ولُقب بالطاهر ذي المناقب، وخاطبه بهاء الدولة أبو نصر بن بويه بالطّاهر الأوحد، وولي نقابة الطالبيين خمس دفعات. وصارت النقابة فيما بعد إلى الرضي وتولّى معها إمارة الحج والمظالم.

كان الرضي -رحمه الله - عالماً أديباً وشاعراً مُفلِقاً، فصيح النظم، ضخم الألفاظ قادراً على القريض، متصرفاً في فنونه، «وكان متعمقاً في علوم القرآن، متبحُراً في علم

الكلام، واللغة والنحو، وقد اتخذ له داراً سمّاها «دار العلم» كان الطلبة يلازمونها، ويعيّن لهم ماله ما يحتاجون إليه، غير أنّه، على تبحره في العلوم وثقافته المكينة، بقي في شعره متمسكاً بطريقة الأقدمين، محافظاً على أساليبهم ومعانيهم»(1).

قال الشعر وهو حدث. والرضي في شعره وإن كان يسير على منوال الشعر القديم من حيث الأسلوب، إلّا أنّه ظاهر البلاغة، عالي النفس طويله، يتميّز بقوة النسج، ووضوح التعابير؛ ويضمّ إلى ذلك سهولة ورقّة، مع متانة ورصانة، قال عنه صاحب اليتيمة: «وهو أشعر الطالبيين، من مضى منهم ومن غير، على كثرة شعرائهم المفلقين، ولو قلت: إنّه أشعر ،قریش، لم أبعد عن الصدق.

ومما عرف به الرضى شخصيته النبيلة، فقد كان عفيفاً، شريف النفس، ذا عِزّة وإباء، لم يقبل من أحدٍ صلة ولا جائزة، حتّى أنّه ردّ صلات أبيه، وقد اجتهد بنو بُويه على قبوله صلاتهم فلم يَق۫بَلها.

وكان للرضي همّة عالية، وطموح وتطلّع إلى الخلافة، إلّا أنّه لم ينلها كتب إلى الخليفة القادر بالله العباسي أحمد بن المقتدر قصيدة طويلة يفتخر بها ويساوي نفسه بالخليفة:

عطفاً أميرالمؤمنين فإننّا *** فى دوحة العلياء لا نتفرّق

ما بيننا يوم الفخار تفاوت*** أبداً، كلانا فى المعالي مُعرق

إلّا الخلافة ميزتك فإنّني*** أنا عاطل منها وأنت مطوّق

ويروى أنّ القادر قال له عند سماع هذا البيت، على رغم أنفك الشريف.

تاليفة وكتبة

1 - نهج البلاغة: وهو مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام أميرالمؤمنين (عليه


1) المجاني الحديثة للأب شيخو.

السلام)، وقد فرغ من جمعه في رجب سنة أربعمائة من الهجرة.

2 - خصائص الأئمة.

3 - تلخيص البيان عن مجاز القرآن.

4 - حقائق التأويل في متشابه التنزيل.

5 - معاني القرآن.

6 - تعليق خلاف الفقهاء

7 - تعليقه على إيضاح أبي عليّ الفارسي

8 - الحسن من شعر الحسين (المنتخب من شعر ابن الحجّاج).

9 - الزيادات في شعر ابن الحجّاج.

10 - الزيادات في شعر أبي تمام.

11 - مختار شعر أبي إسحاق الصابي.

12 - ما دار بينه وبين أبي إسحاق من الرسائل شعراً.

13 - كتاب رسائله فى ثلاث مجلّدات.

14 - أخبار قضاة بغداد.

15 - سيرة والده الطاهر.

16 - كتاب انشراح الصدر في مختارات من الشعر.

17 - دیوان شعره .

18 - طيف الخيال، وهى مجموعة تنسب إليه، وينسبها آخرون إلى أخيه الشريف المرتضى.


مُقديّة السيد الشريف الرضي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أمّا بعد حمدالله الذي جعل الحمد ثمناً لنعمائه، ومعاذاً(1)من بلائه، وسيلاً إلى جنانه (2)، وسبباً لزيادة إحسانه، والصلاة على رسوله نبي الرحمة، وإمام الأئمّة، وسراج الأمّة، المنتخب من طينة الكرم، وسلالة المجد الأقدم (3)، ومَغْرِس الفخار المُعْرِق (4)، وفرع العَلاء المثمر المورق، وعلى أهل بيته مصابيح الظُّلم، وعِصَم الأمم (5)، ومنار (6)الدين الواضحة، ومثاقيل (7)الفضل الراجحة. صلّى الله عليهم أجمعين، صلاة تكون إزاء لفضلهم (8)، ومكافأة لعملهم، وكفاء لطيب فرعهم وأصلهم، ما أثار فجر ساطع، وخوى نجم طالع (9).


1) المعاذ: الملجأ .

2) وسيلا: جمع وسيلة: وهي ما يتقرّب به.

3) طينة الكرم: أصله، وسلالة المجد: فرعه.

4) الفخار المعرق: الطيب العرق والمنبت.

5) العصم: جمع عصمة، وهو ما يعتصم به .

6) المنار: الأعلام واحدها منارة.

7) المثاقيل جمع مثقال وهو مقدار وزن الشيء، فمثاقيل الفضل زناته، والمراد أن الفضل يعرف بهم مقداره .

8) إزاء لفضلهم: أي مقابلة له.

9) خوى النجم بالتخفيف: سقط، وبالتشديد إذا مال للمغيب، وخوت النجوم: أمحلت فلم تمطر ، أخوت وخوت بالتشديد.

فإنّي كنت في عنفوان السن (1)، وغضاضة الغصن (2)، ابتدأت بتأليف كتاب في خصائص الأئمّة عليهم السلام، يشتمل على محاسن أخبارهم وجواهر كلامهم، حداني(3)عليه غرض ذكرته في صدر الكتاب، وجعلته أمام الكلام. وفرغت من الخصائص التي تخصّ أميرالمؤمنين عليّاً عليه السلام، وعاقت عن إتمام بقيّة الكتاب محاجزاتُ الأيّام، ومماطلات الزمان(4)، وكنت قد بوَبتُ ما خرج من ذلك أبواباً، وفصّلته فصولاً، فجاء في آخرها فصل يتضمّن محاسن ما نقل عنه عليه السلام من الكلام القصير في المواعظ والحِكَم والأمثال والآداب؛ دون الخطب الطويلة، والكتب المبسوطة. فاستحسن جماعة من الأصدقاء ما اشتمل عليه الفصلُ المقدم ذكره معجبين ببدائعه، ومتعجّبين من نواصعه (5)، وسألوني عند ذلك أن أبتدئ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام في جميع فنونه، ومتشعّبات غصونه: من خطب، وكتب، ومواعظ، وأدب. علماً أن ذلك يتضمّن من عجائب البلاغة، وغرائب الفصاحة، وجواهر العربية وثواقب (6)الكلم الدينية والدنيوية، ما لا يوجد مجتمعاً في كلام، ولا مجموع الأطراف في كتاب؛ إذ كان أميرالمؤمنين عليه السلام مشرّع الفصاحة وموردها (7)، ومنشأ البلاغة ومولدها؛ ومنه عليه السلام ظهر مكنونها، وعنه أخذت قوانينُها؛ وعلى أمثلته حذا (8)كل قائل خطيب، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ. ومع ذلك فقد سبق وقصروا، وقد تقدّم


1) عنفوان السن : أوّلها.

2) غضاضة الغصن: طراوته ولينه .

3) حداني عليه: بعثني وحملني، وهو مأخوذ من حداء الإبل.

4) محاجزات الزمان: ممانعاته. ومماطلات الأيام مدافعاتها.

5) البدائع: جمع بديعة وهى الفعل على غير مثال، ثمّ صار يستعمل في الفعل الحسن وإن سبق إليه مبالغة في حسنه، والنواصع جمع ناصعة، والنواصع الخالصة، وناصع كلّ شيء خالصه.

6) الثواقب: المضيئة، ومنه الشهاب الثاقب، ومن الكلم ما يضيء لسامعها طريق الوصول إلى ما دلّت عليه فيهتدى بها إليه.

7) المشرع: تذكير المشرعة، وهو المورد.

8) حذا: اقتفى واتبع.

وتأخّروا، لأنّ كلامه عليه السلام الكلامُ الذي عليه مَسٗحة (1)من العلم الإلهي وفيه عَبْقَة(2)من الكلام النبوي، فأجبتهم إلى الابتداء بذلك عالماً بما فيه من عظيم النفع، ومنشور الذكر، ومذخور الأجر. واعتمدت به (3)أن أبين عن عظيم قدر أميرالمؤمنين عليه السلام في هذه الفضيلة، مضافةً إلى المحاسن الدّثِرَة (4)، والفضائل الجمّة وأنّه عليه السلام انفرد ببلوغ غايتها عن جميع السلف الأوّلين الذين إنّما يؤثرُ (5)عنهم منها القليل النادر، والشاذ الشارد (6). فأمّا كلامه فهو البحر الذي لا يُساجُل (7)، والجم الذي لا يحافُل (8).

وأردت أن يسوغ لي التمثل في الافتخار به عليه السلام بقول الفرزدق:

أولئك أباني فجئني بمثلهم*** إذا جمعتَن۫ا يا جرير المجامعُ

ورأيت كلامه عليه السلام يدور على أقطاب (9)ثلاثة: أوّلها: الخطب والأوامر، وثانيها: الكتب والرسائل، وثالثها: الحكم والمواعظ ؛ فأجمعتُ (10)بتوفيق الله تعالى على الابتداء باختيار محاسن الخطب، ثمّ محاسن الكتب، ثمّ محاسن الحِكَم والأدب. مفرداً لكل صنف من ذلك باباً، ومفصلاً فيه أوراقاً، لتكون مقدّمة لاستدراك ما عساه يشذّ عنّي عاجلاً، ويقع إليّ آجلاً. وإذا جاء شيء من كلامه - عليه السلام - الخارج في أثناء حوار، أو جواب سؤال، أو غرض آخر من الأغراض - في غير الأنحاء التي ذكرتها، وقرّرت القاعدة عليها -


1) عليه مسحة: أثر أو علامة وكأنّه يريد «بهاء منه وضياء».

2) العبقة الرائحة اللاصقة بالشيء والمنتشرة عنه.

3) اعتمدت: قصدت.

4) الدثرة - بفتح فكسر - : الكثيرة، وكذلك الجمّة.

5) يؤثر: أي ينقل عنهم ويحكى .

6) الشاذ الشارد: المنفرد الذي ليس له أمثال .

7) لا يساجل : لا يغالب في الامتلاء وكثرة الماء.

8) لا يحافل: لا يغالب في الكثرة، من قولهم: ضرع حافل ممتلئ كثير اللبن. والمراد أن كلامه لا يقابل بكلام غيره لكثرة فضائله .

9) أقطاب : أصول.

10) أجمع عليه : عزم .

نسبته إلى أليق الأبواب به، وأشدّها ملامحة (1)الغرضه وربّما جاء فيما أختارُهُ من ذلك فصول غير مُتَّسِفة (2)، ومحاسن كَلِم غير منتظمة؛ لأنّي أورد النكت واللّمَع (3)، ولا أقصد التتالي والنسُق (4).

ومن عجائبه، عليه السلام، التي انفرد بها، وأمِنَ المشاركةُ فيها، أن كلامه الوارد في الزهد والمواعظ ،والتذكير والزواجر، إذا تأمّله المتأمّل، وفكّر فيه المتفكّر، وخلع من قلبه أنه كلام مثله ممّن عظم قدره، ونفذ أمره، وأحاط بالرقاب ملكه، لم يعترضه الشكّ في أنّه كلامٌ مَنْ لا حَظِّ له في غير الزهادة، ولا شغل له بغير العبادة، قد قبع (5)في كسر بيت (6)، أو انقطع إلى سفح جبل (7)، لا يسمع إلّا حسّه، ولا يرى إلّا نفسه، ولا يكاد يوقن بأنّه كلامُ من ينغمس في الحرب مضلِتاً سيفه (8)، فيقُطَ الرقاب (9)، ويُجَدِّل الأبطال (10)، ويعود به ينْطُفُ (11)دماً، ويقطر مُهَجاً (12). وهو مع تلك الحال زاهد الزهّاد، وبدَلُ الأبدال (13)وهذه من فضائله العجيبة، وخصائصه اللطيفة، التي جمع بيها بين أضداد، وألف بين


1) الملامحة: الإبصار والنظر، والمراد هنا المناسبة والمشابهة.

2) المنسق: المنتظم يتلو بعضه بعضاً.

3) النكت: الآثار التي يتميّز بها الشيء، واللمع: الآثار المميّزة للأشياء بإضاءتها وبريقها.

4) النسق: التتابع والتتالي.

5) قبع القنفذ - كمنع - : أدخل رأسه في جلده، والرجل أدخل رأسه في قميصه، أراد منه انزوى.

6) كسر البيت: جانب الخياء .

7) سفح الجبل: أسفله وجوانبه .

8) أصلت سيفه: جرده من غمده.

9) يقط الرقاب: يقطعها عرضاً. فإن كان القطع طولاً قيل: يقد.

10) يجدل الأبطال: يلقيهم على الجدالة - كسحابة - : وهي وجه الأرض.

11) ينطف: من نطف كنصر وضرب، نطفاً وتنطافاً سال.

12) المهج: جمع مهجة، وهي: دم القلب، والروح.

13) الأبدال: قوم صالحون لا تخلو الأرض منهم، إذا مات منهم واحد بدل الله مكانه آخر. والواحد بدل أو بديل.

الأشتات (1)، وكثيراً ما أذاكر الإخوان بها، وأستخرج عجبهم منها، وهي موضع للعبرة بها، والفكرة فيها.

وربّما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظُ المردّد، والمعنى المكرّر؛ والعذر في ذلك أن روایات كلامه تختلف اختلافاً شديداً، فربّما اتفق الكلام المختار في رواية فنُقِلَ على ،وجهه، ثمّ وُجد بعد ذلك في رواية أخرى موضوعاً غير موضعه الأوّل، إما بزيادة مختاره، أو لفظ أحسن عبارة، فتقضي الحال أن يعاد، استظهاراً للاختيار، وغَيْرةً على عقائل الكلام(2). وربّما بَعُدَ العهدُ أيضاً بما اختير أوّلاً فأعيدَ بعضُه سهواً أو نسياناً، لا قصداً واعتماداً.

ولا أدّعي - مع ذلك - أني أحيط بأقطار (3)جميع كلامه عليه السلام حتّى لا يشذ عنّي منه شاذ، ولا يَندَ نادُ (4)بل لا أبعد أن يكون القاصر عنّي فوق الواقع إليّ، والحاصل في رِب۫قتي (5)دون الخارج من يديّ؛ وما عليّ إلّا بذل الجهد، وبلاغ الوسع، وعلى الله سبحانه وتعالى نهج السبيل (6)، وإرشاد الدليل، إن شاء الله.

ورأيت من بعد تسمية هذا الكتاب ب- «نهج البلاغة» إذ كان يفتح للناظر فيه أبوابها، ويقرّب عليه طلابها، فيه حاجة العالم والمتعلِّم، وبغية البليغ الزاهد، ويمضي في أثنائه من عجيب الكلام في التوحيد والعدل، وتنزيه الله سبحانه وتعالى عن شَبَه الخلق، ما هو بِلال كل غلَّة (7)، وشفاء كلّ علّة، وجِلاء كلّ شبهة.

و من الله سبحانه أستمد التوفيق والعصمة، وأتنجّزُ التسديد والمعونة، وأستعيذه من خطأ الجنان، قبل خطأ اللسان، ومن زلّة الكَلِم، قبل زلّة القدم (8)، وهو حسبي ونعم الوكيل.


1) الأشتات: جمع شتيت: ما تفرّق من الأشياء .

2) عقائل الکلام: کرائمه. وعقيلة الحي: كريمته.

3) أقطار الكلام: جوانبه .

4) الناد: المنفرد الشاذ .

5) الربقة: عروة حبل يجعل فيها رأس البهيمة.

6) نهج السبيل : إبانته وإيضاحه .

7) الغلة: العطش، وبلالها: ما تبل به و تروی.

8) زلة الكلم: الخطأ في القول، وزلة القدم خطأ الطريق والانحراف عنه.

تَنبیه

نودّ أن ننبّه القارئ العزيز مرّة أخرى إلى أنّ التمييز بين الشروح يتمٌ من خلال اختلاف الخطوط، وبالشكل الآتي:

•شرح ابن أبي الحديد المعتزلي بالخطّ الغامق.

•شرح الشيخ محمد عبده بالخط الفاتح.

•تعليقات الدكتور صبحي الصالح بالخط الصغير المائل.

خُطب امیرالمؤمنین

بابُ المُختارِ مِن۫ خُطَبِ اَلمؤُمنينَ عَليه السَّلامُ وَاوَ امِرهِ وَیَدخُلُ في ذٰلِكَ المُختارُ مِن كَلامِهِ الجاري مجَرىٰ الخُطبِ فِي المُقامٰاتِ الحَصُورَة والمواقِفِ المَذكوُرِةَ الخُطونِ الوارِدَةِ

اشارة

1 - من خطبة له عليه السلام

اشارة

1 - من خطبة له عليه السلام (1)

يَذْكُرُ فِيهَا ابْتِدَاء خَلْق السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَخَلْقٍ آدَمَ

اَلْحَمْدُ(2)لِلَّهِ الَّذِي لَا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ (3)الْقَائِلُونَ، وَلَا يُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ، وَلَا يُؤَدِّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ، الَّذِي لَا يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ(4)وَلَا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ (5)، الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدُّ مَحْدُودُ(6)، وَلَا نَعْتُ


1) ذكرها الواسطي في كتابه (عيون المواعظ والحكم)، والزمخشري في (ربيع الأبرار) باب السماء والكواكب، وابن شعبة الحلبي في (تحف العقول)، والقاضي القضاعي في (دستور) معالم الحكم)، وابن طلحة الشافعي في (مطالب السؤول)، والفخر الرازي في الجزء الثاني من تفسيره.

2) الحمد والمدح أخَوَان لا فرق بينهما ، تقول : حَمِدتُ زيداً على إنعامه، ومدحته على إنعامه، والشكرُ أخصُّ من المدح.

3) المِد۫حة : هيئة المدح ، كالرَّكْبة هيئة الركوب .

4) يريد أنّ هِمَم النُّظار وأصحاب الفكر وإن عَلَتْ فإنّها لا تدركه تعالى، ولا تحيط به.

5) الفطن : جمع فطنة، وغوصها: استغراقها في بحر المعقولات لتلتقط دُرّ الحقيقة، وهى وإن أبعدت في الغوص لا تنال حقيقة الذات الأقدس.

6) الذي ليس لصفته حدُ محدود صفته - هاهنا - كنُهه وحقيقته، والمعنى: ليس لكنهه حدُّ فيُعرف به. فرغ من الكلام في الذات وامتناعها على العقول إدراكاً ، ثم هو الآن في تقديس صفاته عن مشابهة الصفات الحادثة، فكل صفات الممكن لها في أثرها حدّ تنقطع إليه، كما نجده في قدرتنا وعلمنا مثلاً، فإنّ لكلّ طوراً لا يتعداه، أما قدرة الله وعلمه فلا حدُ لشمولهما . وكذا يقال في باقي الصفات الكمالية، والنعت يقال لما يتغير ، وصفاتنا لها نعوت . فحياتنا مثلاً لها أطوار من طفولية وصبا وما بعدهما، وقوة وضعف وتوسط ، وقدرتنا كذلك، وعلمُنا له أدوار نقص وكمال وغموض ووضوح ، أمّا صفاته تعالى فهي منزهة عن هذه النعوت وأشباهها ، ثم هي أزلية أبدية لا تعد الأوقات لوجودها و اتصاف ذاته بها ولا تضرب لها الآجال.

مَوْجُودٌ(1)، وَلَا وَقْتُ مَعْدُودُ، وَلَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ(2). فَطَرَ(3)الْخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَنَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ، وَوَتَّدَ بِالصُّحُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ(4). أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ(5)، وَكَمَالُ


1) ولا نعت موجود: أى ولا يدرك بالرسم كما تُدْرَكُ الأشياء برسومها؛ وهو أن تعرف بلازم من لوازمها ، وصفة من صفاتها.

2) ولا وقت معدود ، ولا أجل ممدود: فيه إشارة إلى الرد على القائلين بمعرفة كُن۫هه عند رؤيته في الآخرة ، فهو (علیه السّلام) يقول : إنّه لا وقتَ أبداً على الاطلاق تُعرف به حقيقته وكُنهَه .

3) فَطر الخلائق : ابتدعها على غير مثالٍ سابق مشتق من قوله تعالى «فَسَيَقولون مَن يُعِيدُنا قُل الَّذِى فَطَرَكُم أوّلَ مَرَّةٍ...» [الإسراء : (51] و «ونشر الرياح برحمته مشتق من قوله : « يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ » [الأعراف : 57].

4) المَيُدان: التحرك والتموّج . ميدان أرضه : تحركها بتمايل . ووتُدَ - بالتخفيف والتشديد - أي ثبت ؛ أي سكُن الأرض بعد اضطرابها بما رسَخ من الصخور الجامدة في أديمها، وهو يشير إلى أنّ الأرض كانت مائرة مضطربة قبل جمودها.

5) أول الدين معرفته: لأن التقليد باطل، وأوّل الواجبات الدينية المعرفة . فأساس الدين معرفة الله ، وهو قد يُعرف بأنّه صانع العالم وليس منه بدون تنزيه، وهي معرفة ناقصة، وكمالها التصديق به ذاته بصفته الخاصة التي لا يشركه فيها غيره، وهي وجوب الوجود . ولا يكمل هذا التصديق حتى يكون معه لازمه وهو التوحيد، لأنّ الواجب لا يتعدد كما عُرِف في فن الإلهيات والكلام. ولا يكمل التوحيد إلّا بتمحيض الشَّر له دون ملامحة لشيء من شؤون الحوادث في التوجه إليه واستشراق نوره. ولا يكون هذا الإخلاص كاملاً حتى يكون معه نفي الصفات الظاهرة في التعينات المشهودة في المشخصات؛ لأنّ معرفة الذات الأقدس - في نحو تلك الصفات - اعتبار للذات ولشيء آخر مغاير لها معها، فيكون قد عرف مسمى الله مؤلفاً لا متوحداً، فالصفات المنفية بالإخلاص صفات المصنوعين، وإلّا فللإمام كلام قد ملىء بصفاته سبحانه ، بل هو في هذا الكلام يصفه أكمل الوصف.

مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ (1)، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ (2)، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلَاصُ لَهُ(3)، وَكَمَالُ الإِخْلَاصِ لَهُ نَفْيُّ الصِّفَاتِ عَنهُ : لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ. فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ(4)، وَمَنْ قَرَنَة فَقَدْ ثَنَّاهُ(5)، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ(6)، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ(7). وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ(8)، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ


1) وكمال معرفته التصديق به: لأن معرفته قد تكون ناقصة، وقد تكون غير ناقصة، فالمعرفة الناقصة:هي المعرفة بأن للعالم صانعاً غير العالَم لأن الممكن لابدّ له من مؤثر ، وأما المعرفة غير الناقصة فهي العلم أنّ للعالم مؤثراً واجب الوجود، وليس ممكناً، وهذا الأمر الزائد هو المكنّى عنه بالتصديق به.

2) كمال التصديق به توحيده: لأن العلم بأنه واجب الوجود فقط تصديق ناقص ، والتصديق الأكمل هو العلم يتوحيده سبحانه .

3) وكمال توحيده الإخلاص له: الإخلاص له ها هنا هو نفي الجسمية والعَرَضية ولوازمهما عنه.

4) فمن وصف الله فقد قَرَنه : لأنّ الموصوف يُقارِنُ الصفة، والصفةُ تفارنه.

5) ومن قرنه فقد ثنّاه : لأنّه قد أثبت قديمين، وذلك محضُ التثنية .

6) ومن ثنّاء فقد جزَأه : لأنّه إذا أطلق لفظة الله تعالى على الذات والعلم القديم فقد جعل مسمّى هذا اللفظ وفائدته متجزئة ، كإطلاق لفظ «الأسود» على الذات التي حلّها سواد .

7) لأن الجهل هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به جهله : أي جهل أنّه منزه عن مشابهة الماديات، مقدس عن مضارعة المركبات، وهذا الجهل يستلزم القول بالتشخيص الجسماني، وهو يستلزم صحة الإشارة إليه ، تعالى الله عن ذلك.

8) لأنّ كل مشار إليه فهو محدود ، وإنّما تشير إلى شيء إذا كان منك في جهة، فأنت تتوجه إليها بإشارتك ، وما كان في جهة فهو منقطع عن غيرها، فيكون محدوداً ؛ أي له طرف ينتهي إليه ، فمن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّ فقد عدّ؛ أي أحصى وأحاط بذلك المحدود، لأنّ الحدّ حاصر لمحدوده، وإذا قلت لشيء : «فيم هو ؟» فقد جعلته في ضمن شيء ، ثم تسأل عن تعيين ذلك الذي تضمنه ، وإذا قلت: «على أي شيء ؟ فأنت ترى أنّه مستعلٍ على شيء بعينه، وما عداه خال منه.

عَدَّهُ(1)، وَمَنْ قَالَ: «فِيمَ؟» فَقَدْ ضَمَّنَهُ (2)، وَمَنْ قَالَ: «عَلَامَ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ (3)، كَائِنُ(4)لَا عَنْ حَدَثٍ (5)، مَوْجُودٌ لَا عَنْ عَدَمِ (6)، مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُقَارَنَةٍ ) (7)،وَغَيْرُ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُزَايَلَةٍ(8)، فَاعِلُ لَا بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَالْالَةِ(9)، بَصِيرٌ ؛ إِذْ لَا مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ(10)، مُتَوَحّدٌ؛ إِذْ لَا سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ، وَلَا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ (11).


1) ومن حدّه فقد عدّه : أي جعله من الأشياء المحدثة .

2) ومن قال: «فيمَ؟» فقد ضمّنه : لأنّ من تصوّر أنّه في شيء فقد جعله إمّا جسماً مستتراً في مكان، أو عَرَضاً سارياً في محل، والمكان متضمّن للتمكّن ، والمحل متضمنٌ للعَرض.

3) ومن قال: «علامُ؟ فقد أخلى منه: لأنّ مَنْ تصوّر أنّه تعالى على العرش أو على الكرسي ، فقد : أخلى منه غير ذلك الموضع .

4) كائن : اسم فاعل من كان بمعنى وجد ، كأنّه قال : موجود غير محدّث.

5) الحدَث : الإبداء ، أي هو موجود لكن لا عن إبداء وإيجاد موجد، والفقرة الثانية لازمة لهذه ، لأنّه إن لم يكن وجوده عن إيجاد موجد فهو غير مسبوق الوجود بالعدم.

6) موجود لا عن عدم: وجوب وجوده ونفيُ إمكانه .

7) مع كل شيء لا بمقارنة : أي يعلم الجزئيات والكليات، كما قال سبحانه: « مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ » [المجادلة: 7) .

8) غير كل شيء لا بمزايلة : لأنّ البارئ يباين الموجودات مباينة منزّهة عن المكان والزمان . والمزايلة : المفارقة والمباينة .

9) فاعلٌ لا بمعنى الحركات والآلة : يفعل لا بالحركة والآلة كما يفعل الواحد منّا .

10) أي بصير بخلقه قبل وجودهم.

11) متوحّد ، إذ لا سكن يستأنس به، ويستوحش لفقده : العادة والعرف، على أنّه لا يقال: «متوحد» إلّا لمن كان له من يستأنس بقرم يستأنس بقربه ويستوحش لبعده، فانفرد عنه ، والبارئ سبحانه يطلق عليه «متوحد» في الأزل ولا موجود سواه، فتوحّده سبحانه بخلاف توحّد غيره .

أَنْشَأَ الْخَلْقَ إِنْشَاء، وَابْتَدَأَهُ ابْتِدَاء(1)، بِلَا رَوِيَّةٍ أَجَالَهَا(2)، وَ لَا تَجْرِبَةٍ اسْتَفَادَهَا(3)، وَلَا حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا ، وَلَا هَمَامَةِ نَفْسٍ أَضْطَرَبَ فِيهَا(4). أَحَالَ الْأَشْيَاءَ لأَوْقَاتِهَا (5)، وَلَاءَمَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا(6)، وَغَرَّزَ غَرَائِزَهَا(7)، وَأَلْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا(8)، عَالِماً بِهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا(9)، مُحِيطاً بِحُدُودِهَا وَأَنْتِهَائِهَا ، عَارِفاً بِقَرَائِنِهَا وَأَحْنَائِهَا (10).


1) أنشأ الخلق إنشاءً ، وابتدأه ابتداء : كلمتان مترادفتان على طريقة الفصحاء والبلغاء.

2) الرويّة : الفكر ، وأجالها: أدارها ورددها. وفي نسخة : «أحالها» بالمهملة ؛ أي صرّفها.

3) ولا تجربة استفادها: أي لم يكن قد خلق من قبلُ أجساماً فحصّلت له التجربة التي أعانته على خَلْق هذه الأجسام.

4) فيه ردّ على المجوس والثنوية القائلين بالهمامة ، ولهم فيها خَبْط طويل . وهمامة النفس - بفتح الهاء - : اهتمامها بالأمر وقصدها إليه.

5) حوّلها من العدم إلى الوجود في أوقاتها، أو هو من «حال في متن فرسه» أي وثب، وأحاله غيره: أوتبه ، ومن أقرِ الأشياء في أحيانها صار كمن أحال غيره على فرسه. ومن رواها «أحلّ»، فمعناه: جعل محل كل شيء ووقته كمحلّ الدَّين.

6) لاءَم بين مختلفاتها: أي جعل المختلفات ملتئمات، كما قرَن النفس الروحانية بالجسد الترابي. [وفي نسخة عبده و الصالح : لأم].

7) الغرائز : جمع غريزة، وهي الطبيعة وغرز الغرائز - كضوأ الأضواء - : أي جعلها غرائز ، والمراد: أودع فيها طبائعها ويجوز أن يكونَ من «غرزتُ الإبرة» بمعنى غرست .

8) الضمير في أشباحها للغرائز، أي ألزم الغرائز أشباحها أي أشخاصها، لأنّ كل مطبوع على غريزة لازمته، فالشجاع لا يكون خوّاراً مثلاً.

9) قوله: «عالماً بها قبل ابتدائها»، إشارة إلى أنّه عالِم بالأشياء فيما لم يزل.

10) جمع حِنُو بالكسر : أي الجانب، أو ما اعوجُ من الشيء بدناً كان أو غيره، كناية عمّا خفي ، أو من قولهم: «أحناء الأمور أي مشتبهاتها ، وقرائنها: ما يقترن بها من الأحوال المتعلقة بها والصادرة عنها/ أو القرائن هنا جمع قرونة، وهي النفس.

ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الْأَجْوَاءِ(1)، وَشَقَّ الْأَرْجَاءِ ، وَسَكَائِكَ الْهَوَاءِ ((2)، فَأَجْرَى فِيهَا مَاءً مُتلاطِماً تَيَّارُهُ(3)، مُتَرَاكِماً زَخَارُهُ، حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ الْعَاصِفَةِ، وَالزَّعْزَع الْقَاصِفَةِ(4)، فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ(5)، وَسَلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ، وَقَرَنَهَا إِلَى حَدِّهِ (6). الْهَوَاهُ مِنْ تَحْتِهَا فَتِيقُ(7)، وَأَلْمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِيقٌ. ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً أَعْتَقَمَ مَهَبَّهَا (8)وَأَدَامَ مُرَبَّهَا، وَأَعْصَفَ مَجْرَاهَا، وَأَبْعَدَ مَنْشَاهَا فَأَمَرَهَا بِتَصْفِيقِ الْمَاء


1) ثم أنشأ ... : الترتيب والتراخي في قول الإمام، لا في الصنع الإلهي كما لا يخفي ، والأجواء: جمع جوِّ، وهو هذا الفضاء العالي بين السماء والأرض. واستفيد من كلامه أنّ الفضاء مخلوق، وهو مذهب قوم كما استفيد منه أنّ الله خلق في الفضاء ماء حمله على متن ريح، فاستقل عليها حتى صارت مكاناً له، ثم خلق فوق ذلك الماء ربحاً أخرى سلّطها عليه، فموّجته تمويجاً شديداً، حتى أتفع فخلق منه الأجرام العليا، وإلى هذا يذهب قوم من الفلاسفة، منهم (تالسين الإسكندري) يقولون : إن الماء - أي الجوهر السائل - أصل كل الأجسام، كثيفها من متكائفه، ولطيفها من شفائفه، والأرجاء: الجوانب، واحدها رجا كعصا.

2) السكانك: جمع سُكاكة بالضم: وهي الهواء الملاقي عنان السماء وبابها نحو ذؤابة وذوائب.

3) التيار: الموج، والمتراكم: ما يكون بعضه فوق بعض، والزخّار: الشديد الزخر؛ أي الامتداد والارتفاع. والريح العاصفة : الشديدة الهبوب ، كأنّها تهلك الناس بشدة هبوبها .

4) الزعزع : الشديدة الهبوب كأنّها تزعزع كل ثابت، وكذلك القاصفة كأنّها تهلك الناس بشدة هبوبها، وتقصف: أي تحطّم كل قائم.

5) أمرها بردّه: أي م-ن منعه من الهبوط؛ لأنّ الماء تقيل وشأن الثقيل الهوي والسقوط، وسلّطها على شدّه: أي وثاقه، كأنّه سبحانه أوثقه بها أو منعه من الحركة إلى السفل التي هي من لوازم طبعه .

6) قرنها إلى حده: أي جعلها مكاناً له، أي جعل حدّ الماء المذكور - وهو سطحه الأسفل - مماساً - لسطح الريح التي تحمله، أو أراد من الحد المنع، أي جعل من لوازمها ذلك.

7) الفتيق المفتوق ، والدقيق المدفوق.

8) اعتقم مهبها: جعل هبوبها عقيماً، والريح العقيم التي لا تلقح سحاباً ولا شجراً، وكذلك كانت هذه؛ لأنّها أنشئت لتحريك الماء ليس غير والمربّ - ميمي - من أربّ بالمكان، مثل ألبّ به، أي لازمه، فأدام مربِّها: أي ملازمتها، أو أنّ أدام من أدمتُ الدلو: ملأتها، والمِرب بكسر أوله: المكان والمحل.

الزَّخَارِ(1)، وَإِثَارَةِ مَوْجِ الْبِحَارِ، فَمَخَضَتُهُ مَخْضَ السِّقَاءِ(2)، وَعَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا بِالْفَضاءِ (3): تَرُدُّ أَوَّلَهُ إِلَى آخِرِهِ، وَسَاجِيَهُ إِلَى مَائِرِهِ(4)، حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ(5)، وَرَمَى بِالزَّبَدِ رُكَامُهُ (6)، فَرَفَعَهُ فِي هَوَاءٍ مُنْفَتِقٍ، وَجَةٌ مُنْفَهِقٍ (7)، فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ، جَعَلَ سُفْلَاهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً(8)، وَعُلْيَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً، وَسَمْكاً مَرْفُوعاً، بِغَيْرِ عَمَدٍ

يَدْعَمُهَا(9)، وَلَا دِسَارٍ يَنْتَظِمُهَا (10). ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ، وَضِيَاءِ التَّوَاقِبِ(11)، وَأَجْرَى فِيهَا سِرَاجاً مُسْتَطِيراً (12)، وَقَمَراً مُنِيراً ، فِي فَلَكٍ دَائِرٍ، وَسَقْفٍ سَائِرٍ ، وَرَقِيمٍ (13)مائِرٍ.


1) تصفيقه : تحریکه و تقليبه.

2) مخضته حرّكته بشدة، كما يمخض السقاء بما فيه من اللبن ليستخرج زبده والسقاء: جلد السخلة يجذع فيكون وعاء للّبن والماء ، جمعه أسقية وأسقيات وأساق.

3) وعصفت به عَصْفَها بالفضاء : يقول : إنّ الريح إذا عصفت بالفضاء الذي لا أجسام ف-ي-ه ك-ان عصفها شديداً؛ لعدم المانع ، وهذه الريح عصفت بذلك الماء العظيم عصفاً شديداً؛ كأنّها تعصف في فضاء لا ممانع فيه من الأجسام.

4) الساجي : الساكن، والمائر : الذي يذهب ويجيء ، أو المتحرك مطلقاً.

5) عب عبابه : ارتفع علاه.

6) رُکامه : تُبجه وهِضبُه وما تراكم منه بعضه على بعض .

7) المنفهق : المفتوح الواسع .

8) المكفوف: الممنوع من السيلان.

9) عمدٍ يدعمها: يكون لها دِعامة ، أى يسندها ويحفظها من السقوط .

10) الدِّسار : واحد الدَّسُر : وهي المسامير، أو الخيوط تشد بها ألواح السفينة من ليف ونحوه.

11) الثواقب : المنيرة المشرقة .

12) مستطيراً: منتشر الضياء، وهو الشمس ، يقال : قد استطار الفجر ؛ أي انتشر ضوؤه.

13) الرقيم : أي لوح متحرك، سُمي الفلك «رقيماً»، تشبيهاً باللوح؛ لأنّه مسطح.

ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ السَّمْوَاتِ الْعُلَا، فَمَلَأَهُنَّ أَطْوَاراً مِنْ مَلَائِكَتِهِ (1)

ومنهم سدنة الجنان:جمع سادن وهو الخادم، والخادم يحفظ ما عهد إليه وأقيم على خدمته .

والقسم الرابع : حملة العرش كأنّهم القوة العامة التي أفاضها الله في العالم الكلي، فهي الماسكة له، الحافظة لكل جزء منه مركزه وحدود مسيره في مداره، فهي المخترقة له النافذة فيه، الآخذة من أعلاه إلى أسفله، ومن أسفله إلى أعلاه وقوله : المارقة من السماء ، المروق: الخروج وقوله : الخارجة من الأقطار أركانهم، الأركان: الأعضاء والجوارح. والتمثيل في الكلام لا يخفى على أهل البصائر.

، مِنْهُمْ: سُجُودٌ لا يَرْكَعُونَ، وَرُكوعُ لَا يَنْتَصِبونَ، وَصَافُونَ لَا يَتَزَايَلُونَ، وَمُسَبِّحُونَ لَا يَسْأَمُونَ ، لَا يَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُيُونِ، وَلَاسَهُمُ الْعُقُولِ، وَلَا فَتْرَةُ الْأَبْدَانِ، وَلَا غَفْلَةُ النِّسْيَانِ .

وَمِنْهُمْ: أَمَنَاءٌ عَلَى وَحْيِهِ، وَأَلْسِنَةُ إِلَى رُسُلِهِ، وَمُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَأَمْرِهِ. وَمِنْهُم: الْحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ، وَالسَّدَنَةُ لِأَبْوَابِ جِنَانِهِ. وَمِنْهُمُ: الثَّابِتَةُ فِي الْأَرْضِينَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ، وَالْمَارِقَةُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا أَعْنَاتُهُمْ، وَالْخَارِجَةُ مِنَ الْأَقْطَارِ أَرْكَانُهُمْ، وَالْمُنَاسِبَةُ لِقَوَائِمِ الْعَرْشِ أَكْتَافُهُمْ نَاكِسَةٌ دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ (2)، مُتَلَفِّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ، مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزَّةِ وَأَسْتَارُ الْقُدْرَةِ، لَا يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بالتَّصْويرِ ، وَلا يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفَاتِ الْمَصْنُوعِينَ، وَلَا يَحُدُّونَهُ بِالْأَمَاكِنِ، وَلَا يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالنَّظَائِرِ .


1) جعل الملائكة أربعة أقسام : الأول: أرباب العبادة، ومنهم الراكع والساجد والصاف والم-سبح، وقوله: صافون، أي قائمون صفوفاً لا يتزايلون، أي لا يتفارقون . والقسم الثاني: الأمناء على وحي الله لأنبيائه ، والألسنة الناطقة فى أفواه رسله والمختلفون بالأقضية إلى العباد ، بهم يقضى الله على من شاء بما شاء والقسم الثالث: حفظة العباد، كأنّهم قوى مودعة في أبدان البشر ونفوسهم، يحفظ الله الموصولين بها من المهالك والمعاطب، ولولا ذلك لكان العطب ألصق بالإنسان من السلامة.

2) الضمير في «دونه» للعرش كالضمير في «تحته». ومتلفّعون: من تلفعت بالثوب ، إذا التحفت به.

صِفَة خَلْقِ آدَمَ (علیه السّلام)

ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الْأَرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِهَا وَسَبَخِهَا(1)، تُرْبَةٌ سَنَّهَا بالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ (2)

ثم خاصرتها إلى القبة الخض*** راء تمشي في مرمر مسنون

وقوله : حتى خلصت ؛ أي صارت طينة خالصة. وفي بعض النسخ حتى حصلت بتقديم الضاد المعجمة على اللام أي ابتلت، ولعلها أظهر .

، وَلَا طَهَا (3)بِالْبَلَةِ (4)حَتَّى لَزُبَتْ (5)

لَزَبت: أى التصقت وثبتت .

، فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاءٍ (6)

الحَجّاج واللحى والضلع ، أو هي الجوانب مطلقاً، وجبل : أي خلق.

وَوُصُولٍ ، وَأَعْضَاءٍ وَفُصُولٍ ، أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ وَأَصْلَدَهَا(7)حَتَّى صَلْصَلَتْ(8)، لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ(9)، وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ . ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ فَمَثْلَتْ

1) الحَزْن - بفتح فسكون : الغليظ الخشن، وحزن الأرض وعُرها . والسهل : ما يخالفه. والسبخ ما ملح من الأرض. وأشار باختلاف الأجزاء التي جبل منها الإنسان إلى أنّه مركب من طباع مختلفة ، وفيه استعداد للخير والشر، والحسن والقبيح.

2) سنّ الماء : صبّه . والمراد صبّ عليها ، أو سنها هنا بمعنى ملسها كما قال :

3) لاطها : من قولهم لطت الحوضّ بالطين ، أي ملطته وطيّنته به . لاطها: خلطها وعجنها .

4) البَلة - بالفتح - من البلل.

5) لَزُبَ - ككَرُمَ - : تداخل بعضه في بعض وصلب، ومن باب نصر بمعنى التصق وثبت واشتد.

6) الأحناء: الجوانب، جمع حنو ، وهو - بالكسر والفتح - كل ما فيه اعوجاج من البدن، كعظم

7) أصلدها: جعلها صلداً، أي صُلباً متيناً.

8) صلصلت: بیست حتى كانت تسمع لها صلصلة إذا هبت عليها رياح ، وذلك هو الصلصال .

9) اللام في قوله «لوقت» متعلقة بمحذوف، كأنّه قال: حتى يبست و جفت معدة لوقت معلوم . ويمكن أن تكون متعلقة ب- «جَبَلَ» أي جَبَل من الأرض هذه الصورة ولا يزال يحفظها لوقت معدود ينتهي بيوم القيامة.

إِنْسَاناً ذَا أَذْهَانٍ يُجِيلُهَا(1)، وَفِكَرٍ يَتَصَرَّفُ بِهَا، وَجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا (2)، وَأَدَوَاتٍ يُقَلِّبُهَا(3)، وَمَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْأَذْوَاقِ وَالْمَشَامّ، وَالْأَلْوَانِ وَالْأَجْنَاسِ، مَعْجُوناً (4)بِطِينَةِ الْأَلْوَانِ الْمُخْتَلِفَةِ(5)، وَالْأَشْبَاءِ الْمُؤْتَلِفَةِ، وَالْأَصْدَادِ الْمُتَعَادِيَةِ، وَالْأَخْلَاطِ الْمُتَبَابِنَةِ : مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَالْبَلَّة وَالْجُمُودِ، وَالْمَسَاءَةِ وَالسُّرُورِ. وَاسْتَأْدَى اللهُ سُبْحَانَهُ الْمَلَائِكَةَ وَدِيعَتَهُ لَدَيْهِمْ(6)

ص: 71 و 72) .

، وَعَهْدَ وَصِيَّتِهِ إِلَيْهِمْ. فِي الْإِذْعَانِ بِالسُّجُودِ لَهُ، وَالْخُنُوع (7)لِتَكْرِمَتِهِ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: « أَسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ» أَعْتَرَتْهُ الْحَمِيَّةُ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ الشِّقْوَةُ(8)، وَتَعَزَّزَ بِخِلْقَة النَّارِ(9)، وَأَسْتَوْهَنَ خَلْقَ الصَّلْصَالِ(10)، فَأَعْطَاهُ اللهُ النَّظِرَةَ(11)اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَ .

1) مَثْلَ - ككَرُمَ - : قام منتصباً . والأذهان قوى التعقل ، ويجيلها : يحركها في المعقولات.

2) يختدمها : يجعلها في مآربه وأوطاره ، كالخدم الذين تستعملهم وتستخدمهم .

3) والأدوات : جمع أداة ، وهي الآلة . وتقليبها : تحريكها في العمل بها فيما خلقت له.

4) معجوناً : صفة «إنساناً».

5) الألوان المختلفة: الضروب والفنون، وتلك الألوان هي التي ذكرها من الحرّ والبرد والبّلَّة والجمود.

6) استادى الملائكة وديعته: طلب منهم أداءها، والوديعة : هي عهده إليهم بقوله : « إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ » * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ») [

7) الخنوع: الخضوع ، ويروى الخشوع [كما أثبته عبده في المتن]، وقوله: «فقال اسجدوا .... عطف على «استأدى».

8) الشقوة - بكسر الشين وفتحها - : ما حتم عليه من الشقاء، والشقاء : ضد السعادة، وهو النصّب الدائم والألم الملازم .

9) تعزّزه بخلفة النار: استكباره مقدار نفسه لأنّه خلق من جوهر لطيف ومادّة أعلى من مادّة الصلصال.

10) استوهن: عدّه واهناً ضعيفاً. والصلصال : الطين الحر خلط بالرمل أو الطين، ما لم يجعل خزفاً، والمراد من «الصلصال»، هنا مادّة الأرض التي خُلق آدم عليه السلام منها . وجوهر ما خلق منه الجِن - وهم من الجواهر اللطيفة - أعلى من جوهر ما خُلِق منه الإنسان وهو مجبول من عناصر الأرض.

11) النَّظِرة - بفتح فكسر : الإمهال والتأخير، والانتظار به حيّاً ما دام الإنسان عامراً للأرض متمتعاً بالوجود، فيكون من الشيطان في هذا الأمد ما يستحق به سخط الله هذا الأمد ما يستحق به سخط الله وما تتم به بلية الشقاء عليه ويكون الله جل شأنه قد أنجز وعده في قوله : « إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ» (الأعراف: 15).

وَاسْتِثْمَاماً لِلْبَلِيَّةِ ، وَإِنْجَاراً لِلْعِدَةِ، فَقَالَ : «فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومٍ » . ثُمَّ أَسْكَنَ آدَمَ دَاراً أَرْغَدَ فِيهَا عِيشَتَهُ، وَآمَنَ فِيهَا مَحَلَّتَهُ، وَحَذَرَهُ إِبْلِيسَ وَعَدَاوَتَهُ، فَأَغْتَرَّهُ عَدُوٌّ هُ(1)نَفَاسَةٌ عَلَيْهِ بِدَارِ الْمُقَامِ، وَمُرَافَقَةِ الْأَبْرَارِ، فَبَاعَ الْيَقِينَ بِشَكّهِ، وَالْعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ، وَاسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ وَجَلاً (2)، وَبِالاِغْتِرَارِ نَدَمَاً . ثُمَّ بَسَطَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِي تَوْبَتِهِ، وَلَقَّاهُ كَلِمَةً رَحْمَتِهِ، وَوَعَدَهُ الْمَرَدَّ إِلَى جَنَّتِهِ، وَأَهْبَطَهُ إِلَى دَارِ الْبَلِيَّةِ(3)، وَتَنَاسُلِ الذُرِّيَّةِ(4). وَأَصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ(5)، وَعَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ


1) اغتر آدمَ عدوُّه الشيطان: أي انتهز منه غرة فأغواه، وكان الحامل للشيطان على غواية آدم حسده له على الخلود في دار المقام، ومرافقته الأبرار من الملائكة الأطهار .

2) أدخل الشيطان عليه الشك في أنّ ما تناول منه سائغ التناول بعد أن كان في نهي الله له عن تناول ما يوجب له اليقين بحظره عليه، وكانت العزيمة في الوقوف عند ما أمر الله ، فاستبد بها الوهن الذي أفضى إلى المخالفة . والجذل - بالتحريك : الفرح، وقد كان في راحة الأمن بالإخبات إلى الله وامتثال الأمر ، فلما سقط في المخالفة تبدل ذلك بالوجل والخوف من حلول العقوبة، وقد ذهبت عنه الغرة، وانتبه إلى عاقبة ما اقترف، فاستشعر الندم بعد الاغترار .

3) أهبطه من مقام كان الإلهام الإلهي لانسياق قواه إلى مقتضى الفطرة السليمة الأولى، إلى مقرّ قد خلط له فيه الخير والشر، واختلط فيه الطريقان . ووُكِل إلى نظره العقلي، وابتلي بالتمييز بين النجدين واختيار أي الطريقين، وهو العناد الذي تكدر به صفو هذه الحياة على الأدميين.

4) تناسل الذرية من خصائص تلك المنزلة الثانية التي أنزل الله فيها آدم، وهو مما ابتلي به الإنسان؛ امتحاناً لقوته على التربية، واقتداره على سياسة من يعولهم، والقيام بحقوقهم، والزامهم بتأدية ما يحق عليهم.

5) ميثاقهم : عهدهم، أي أخذ عليهم الميثاق أن يبلّغوا ما أُوحي إليهم، ويكون ما بعده بمنزلة التأكيد له ، أو أخذ عليهم ألّا يشرّعوا للناس إلّا ما يوحى إليهم.

عَهْدَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ(1)فَجَهِلُوا حَقَّهُ ، وَاتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ مَعَهُ (2)، وَاجْتَالَتْهُم(3)الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَأَقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ(4)؛ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ (5)، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ ، وَيَحْتَجَّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْليغ ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ(6)، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ : مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ ، وَمِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ(7)، وَمَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ، وَآجَالٍ تُفْنِيهِمْ، وَأَوْصَابٍ (8)تُهْرِمُهُمْ، وَأَحْدَاتٍ تَتَتَابَعُ عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يُخْلِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِيٌّ مُرْسَلٍ ، أَوْ . كِتَابٍ مُنْزَلٍ، أَوْ حُجَّةٍ لَازِمَةٍ ، أَوْ مَحَجَةٍ قَائِمَةٍ(9)، رُسُلٌ لَا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّهُ عَدَدِهِمْ ،


1) عهدالله إلى الناس : هو ما سيأتي يعبر عنه بميثاق الفطرة.

2) الأنداد: الأمثال، وأراد المعبودين من دونه سبحانه وتعالى .

3) اجتالتهم : أدارتهم وصرفتهم عن قصدهم الذي وُجّهوا إليه بالهداية المغروزة في فطرهم، وأصله من الدوران، كأن الذي يصرفك عن قصدك يصرفك تارة هكذا وأخرى هكذا.

4) واتر إليهم أنبياءه: أرسلهم، وبين كل نبي ومَن بعده فترة لا بمعنى: أرسلهم تباعاً بعضهم يعقب بعضاً.

5) كأنّ الله تعالى بما أودع في الإنسان من الغرائز والقوى، وبما أقام له من الشواهد وأدلة الهدى، قد أخذ عليه ميثاقاً بأن يصرف ما أُوتي من ذلك فيما خُلِق له، وقد كان يعمل على ذلك الميثاق ولا ينقضه لولا ما اعترضه من وساوس الشهوات، فبعث إليه النبيين ليطلبوا من الناس أداء ذلك الميثاق، أي ليطالبوهم بما تقتضيه فطرتهم وما ينبغي أن تسوقهم إليه غرائزهم .

6) دفائن العقول : أنوار العرفان التي تكشف للإنسان أسرار الكائنات ، وترتفع به إلى الإيقان بصانع الموجودات، وقد يحجب هذه الأنوار غيوم من الأوهام وحجب من الخيال، فيأتى النبيّون لإثارة تلك المعارف الكامنة ، وإبراز تلك الأسرار الباطنة .

7) السقف المرفوع : السماء ، والمهاد الموضوع: الأرض.

8) الأوصاب الأمراض أو المتاعب.

9) المحجة: الطريق القويمة الواضحة .

وَلَا كَثرَةُ الْمُكَذِّبِينَ لَهُمْ، مِنْ سَابِقِ (1)سُمِّيَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ غَابِرٍ (2)عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ.

عَلَى ذلِكَ نُسِلَتِ الْقُرُونُ (3)، وَمَضَتِ الدُّهُورُ ، وَسَلَفَتِ الْآبَاءُ، وَخَلَفَتِ الْأَبْنَاء.

إلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لِإِنْجَازِ عِدَتِهِ(4)

وكذلك الضمير في «نبوته»، لأنّ الله تعالى أنبأ به ، وأنّه سيبعث وحياً لأنبيائه . فهذا الخبر الغيبي قبل حصوله يسمى نبوة، ولما كان الله هو المخبر به أُضيفت النبوة إليه .

، وَإِثْمَامِ نُبُوَّتِهِ ، مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثَاقُهُ(5)، مَشْهُورَةً سِمَاتُهُ(6)، كَرِيماً مِيلَادُهُ. وَأَهْلُ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ مِلَلُ مُتفَرِّقَةٌ(7)، وَأَهْوَاءٌ مُنتَشِرَةٌ، وَطَرَائِقُ مُتَشَتَّتَةٌ، بَيْنَ مُشَبِّهِ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ، أَوْ مُلْحِدٍ فِي أَسْمِهِ(8)، أَوْ مُشِيرٍ إِلَى غَيْرِهِ(9)، فَهَدَاهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ ، وَأَنْقَذَهُمْ بِمَكَانِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ . ثُمَّ اَخْتَارَ سُبْحَانَهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لِقَاءَهُ، وَرَضِيَ لَهُ مَا عِنْدَهُ، وَأَكْرَمَهُ عَنْ دَارِ الدُّنْيَا، وَرَغِبَ بِهِ عَنْ مَقَامِ الْبَلْوَى، فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَرِيماً ، وَخَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلْفَتِ الْأَنْبِيَاءُ فِي أُمَمِهَا - إِذْ لَمْ يَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً.

1) «من سابق» بيان للرسل، وكثير من الأنبياء السابقين سميت لهم الأنبياء الذين يأتون بعدهم فبشروا بهم، كما ترى ذلك في التوراة.

2) الغابر : الذي يأتي بعد أن يشير به السابق جاء معروفاً بتعريف من قبله.

3) نسلت - بالبناء للمجهول - : ولدت، وبالبناء للفاعل مضت متتابعة .

4) الضمير في «عدته» لله تعالى، لأنّ الله وعد بإرسال محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) على لسان أنبيائه السابقين.

5) قوله: «مأخوذ على النبيين ميثاقه» قيل: لم يكن نبيّ قطّ إلّا وبشَّر بمبعث محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وأخذ عليه تعظيمه وإن كان بعدُ لم يوجد.

6) سماته : علاماته التي ذكرت في كتب الأنبياء السابقين الذين بشّروا به.

7) متفرقة : بعث النبي والناس شتى في أديانهم .

8) الملحد في اسم الله : الذي يميل به عن حقيقة مسمّاه فيعتقد في الله صفات يجب تنزيهه عنها .

9) المشير إلى غيره : الذي يشرك معه في التصرّف إلٰهاً آخر فيعبده ويستعين به.

بِغَيْرِ طَرِيقٍ وَاضِحٍ، وَلَا عَلَمٍ(1)قَائِمٍ (2)- كِتَابَ رَبِّكُمْ: مُبَيِّناً حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ (3)،


1) العَلَم : المنار يُهتدى به .

2) أي أنّ الأنبياء لم يهملوا أممهم مما يرشدهم بعد موت أنبيائهم، وقد كان من محمد صلى الله عليه وسلم مثل ما كان منهم ، فإنّه خلّف في أمته كتاب الله تعالى حاوياً لجميع ما يحتاجون إليه في دينهم.

3) حلاله : كالأكل من الطيبات وحرامه: كأكل أموال الناس بالباطل، وفرائضه : كالزكاة أخت الصلاة. وفضائله : كنوافل الصّدقات التي يعظم الأجر فيها ولا حرج في التقصير عنها ، وناسخه: ما جاء قاضياً يمحو ما كان عليه الضالون من العقائد، أو إزالة السابق من الأحكام، كقوله تعالى: «قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ...» [الأنعام: 145)، ومنسوخه : ما كان حكاية عن تلك الأحكام ، كقوله : «وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ...» [الأنعام: 146). ورخصه : كقوله : « فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ ...» [المائدة : (3). وعزائمه كقوله : «وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ...» [الأنعام: 121]. وخاصه كقوله: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ..» [التحريم : 1] وعامه كقوله: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ....» [الطلاق : 1]. والعبر كالآيات التي تخبر عما أصاب الأمم الماضية من النكال ونزل بهم من العذاب لما حادوا عن الحق وركبوا طرق الظلم والعدوان والأمثال كقوله : «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا ...» [النحل : 175]. وقوله : «كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ...» (البقرة : 17]. وأشباه ذلك كثير . والمرسل : المطلق، والمحدود : المقيّد والمحكم: كآيات الأحكام والأخبار الصريحة في معانيها. والمتشابه: كقوله: « يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ...» [الفتح : 10]. والموسّع على العباد في جهله : كالحروف المفتتحة بها السور . نحو : (الم) .[ البقرة : 1] و (الر) [يونس : 1. والمثبت في الكتاب فرضه مع بيان السنة لنسخه : كالصلاة ، فإنّها فرضت على الذين من قبلنا، غير أنّ السنّة بينت لنا الهيئة التى اختصنا الله بها، وكلّفنا أن نؤدي الصلاة بها، فالفرض فى الكتاب ، وتبيين نسخه لما كان قبله في السنّة ، والمرخص في الكتاب ترکه: ما لم يكن منصوصاً على عينه ، بل ذكر في الكتاب ما يشتمله وغيره كقوله: «فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَه...» [المزمل : 20] وقد عينته السنّة بسورة مخصوصة في كل ركعة، فوجب الأخذ بما عينته السنّة، : ولو بقينا عند مجمل الكتاب كان لنا أن نقرأ في الصلاة غير الفاتحة جوازاً لا مؤاخذة معه. والواجب بوقته الزائل في مستقبله، كصوم رمضان يجب في جزء من السنة، ولا يجب في غيره.

وَفَرَائِضَهُ وَفَضَائِلَهُ ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ ، وَرُخَصَهُ وَعَزَائِمَهُ ، وَخَاصَّهُ وَعَامَّهُ ، وَعِبَرَهُ وَأَمْثَالَهُ، وَمُرْسَلَهُ وَمَحْدُودَهُ، وَمُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ؛ مُفَسِّراً مُجْمَلَهُ، ومُبَيِّناً غَوامِضَهُ، بَيْنَ مَأْخُودٍ مِيثَاقَ عِلْمِهِ ، وَمُوَسَّعٍ عَلَى الْعِبَادِ فِي جَهْلِهِ، وَبَيْنَ مُثْبَتٍ فِي الْكِتَابِ فَرْضُهُ، وَمَعْلُومٍ فِي السُّنَّةِ نَسْخُهُ، وَوَاجِبٍ فِي السُّنَّةِ أَخْذُهُ، وَمُرَخَصٍ فِي الْكِتَابِ تَرْكُهُ، وَبَيْنَ وَاحِبٍ لِوَقْتِهِ، وَزَائِلٍ فِي مُسْتَقْبَلِهِ، ومُبَايَنٌ بَيْنَ مَحَارِمِهِ(1)، مِنْ كَبِيرٍ أَوْعَدَ عَلَيْهِ نِيرَانَهُ، أَوْ صَغِيرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ، وَبَينَ مَقْبُولٍ أَدْنَاهُ، وَمُوَسَّعٍ فِي أَقْصَاهُ(2).

وَمِنْهَا فِي ذِكْرِ الْحَجِّ

وَفَرَضَ عَليْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةً لِلأَنَامِ، يَرِدُونَهُ وُرُود الْأَنْعَامِ ، وَيَوْلَهُونَ إِلَيْهِ وَلَهَ الْحَمَامِ(3). جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلَامَةً لِتَوَاضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ ، وَإِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ . وَاخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَيْهِ دَعْوَتَهُ، وَصَدَّقُوا كَلِمَتَهُ، وَوَقَفُوا مَوَاقِف أَنْبِيَائِهِ ، وَتَشَبَّهُوا بِمَلَائِكَتِهِ الْمُطِيفِينَ بِعَرْشِهِ، يُحْرِزُونَ الْأَرْبَاحَ


1) ومباين بين محارمه- بالرفع لا بالجر -: خبر لمبتدأ محذوف، أي والكتاب قد خولف بين المحارم التي حظرها ، فمنها كبير أوعد عليه نيرانه، كالزنا وقتل النفس، ومنها صغير أرصد له غفرانه، كالنظرة بشهوة ونحوها.

2) رجوع إلى تقسيم الكتاب، والمقبول في أدناه الموسع في أقصاه : كما في كفارة اليمين يقبل فيها إطعام عشرة مساكين ، وموسع في كسوتهم وعتق الرقبة.

3) الوَله : شدة الوجد على رواية : « ويَوْلَهُونَ إِليهِ وَلَهَ الحمام» . وروي «يألهون إليه ولوه الحمام»، [كما في نسخة عبده والصالح ) أي يعكفون عليه عكوف الحمام.

فِي مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ ، وَيَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ . جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِلْإِسْلَامِ عَلَماً، وَلِلْعَائِذِينَ حَرَماً ، فَرَضَ حَقَّهُ ، وَأَوْجَبَ حَجَّهُ، وَكَتَبَ عَلَيْكُمْ وِفَادَتَهُ(1)، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ».

2 - ومن خطبة له عليه السلام

اشاره

2 - ومن خطبة له عليه السلام (2)

بعد أنْصِرَافِهِ مِنْ صِفِّينَ

بعد أنْصِرَافِهِ مِنْ صِفِّينَ (3)

أَحْمَدُهُ اسْتِثْمَاماً لِنِعْمَتِهِ ، وَاسْتِسْلَاماً لِعِزَّتِهِ، وَاسْتِعْصَاماً مِنْ مَعْصِيَتِهِ ، وَأَسْتَعِينُهُ فَاقَةٌ(4)إِلَى كِفَايَتِهِ : إِنَّهُ لَا يَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ، وَلَا يَبْلُ(5)مَنْ عَادَاهُ، وَلَا يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ؛ فَإِنَّهُ(6)أَرْجَحُ مَا وُزِنَ، وَأَفْضَلُ مَا خُزِنَ. وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ


1) الوفادة: الزيارة.

2) ذكرها ابن طلحة الشافعي في الجزء الأول من (مطالب السؤول)، والآمدي في (غرر الحكم)، والطبري في (المسترشد) ص 73 .

3) صِفِّين - كسجّين - : محلة عدّها الجغرافيون من بلاد الجزيرة ما بين الفرات ودجلة، والمؤرخون من العرب عدّوها من أرض سوريا، وهي اليوم في ولاية حلب الشهباء، وهذه الولاية كانت من أعمال سوريا. وصفين : اسم الأرض التي كانت فيها الحرب ، والنون فيها أصلية على وزن فسّيق وخِمِّير.

4) الفاقة : الحاجة والفقر.

5) وَآل ينل: نجا وخلص.

6) الضمير في «فإنّه» للحمد المفهوم من «أحمده».

لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً مُمْتَحَناً إِخْلَاصُهَا، مُعْتَقَداً مُصَاصُهَا(1)، نَتَمَسَّكُ بهَا أَبَداً ما أَيْقَانًا، وَتَدَّخِرُهَا لِأَهَاوِيلِ (2)مَا يَلْقَانَا؛ فَإِنَّهَا عَزِيمَةٌ (3)الْإِيمَانِ، وَفَاتِحَةُ الْإِحْسَانِ. وَمَرْضَاةُ الرَّحْمَنِ ، وَمَدْحَرَةُ الشَّيْطَانِ(4). وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أَرْسَلَهُ بِالدِّينِ الْمَشْهُورِ، وَالْعَلَمِ الْمَأْثُورِ(5)، وَالْكِتَابِ الْمَسْطُورِ، وَالنُّورِ السَّاطع، وَالضّياءِ اللَّامِعِ ، وَالْأَمْرِ الصَّادِع(6)؛ إِزَاحَةً لِلشُّبُهَاتِ، وَاحْتِجَاجاً بِالْبَيِّنَاتِ، وَتَخذِيراً بِالْآيَاتِ، وَتَخْوِيفاً بِالْمَثْلَاتِ(7)، وَالنَّاسُ فِي فِتَنِ أَنْجَدَمَ(8)فِيهَا حَبْلُ الدِّينِ، وَتَزَعْزَعَتْ سَوَارِي (9)الْيَقِينِ ، وَاخْتَلَفَ النَّجْرُ (10)، وَتَشَتَّتَ الْأَمْرُ، وَضَاقَ


1) المصاص : خالص الشيء.

2) الأهاويل : جمع أهوال ، والأهوال : جمع هول، فهي جمع الجمع، كما قالوا أنعام وأناعيم. وقيل: أهاويل أصله تهاويل، وهي ما يهولك من شيء، أي يروعك، وإن جاز هذا فهو بعيد ؛ لأنّ التاء قلّ أن تبدل همزة.

3) العزيمة : النية المقطوع عليها .

4) مدحرة الشيطان : أي تدحره، تبعده وتطرده.

5) العلم المأثور: يجوز أن يكون عنى به القرآن؛ لأن المأثور المحكيّ ، ويجوز أن يريد به أحَد معجزاته غير القرآن؛ فإنّها كثيرة ومأثورة والعَلَم - بالتحريك - : ما يُهتدى به، وهو هنا الشريعة الحقة، والمأثور : المنقول عنه.

6) الصادع : الظاهر الجلي .

7) المثُلات - يفتح فضم : العقوبات، جمع مثّلة بضم الثاء وسكونها بعد الميم، وجمعها: مثولات، ومثلات، وقد تسكن ثاء الجمع تخفيفاً.

8) انجذم: انقطع.

9) السواري : جمع سارية، وهي الدعامة بدعم بها السقف.

10) النَّجْر - بفتح النون وسكون الجيم - : الأصل ومثله النِّجار ، أي اختلفت الأصول، فكل يرجع إلى أصل يظنه مرجع حق، وما هو من الحق في شيء.

الْمَخْرَجُ ، وَعَمِيَ الْمَصْدَرُ(1)فَالْهُدَى خَامِلٌ، وَالْعَمَى شَامِلٌ. عُصِيَ الرَّحْمَنُ، ونُصِرَ الشَّيْطَانُ، وَخُذِلَ الْإِيمَانُ، فَأَنْهَارَتْ دَعَائِمُهُ (2)، وَتَنَكَّرَتْ مَعَالِمُهُ (3)، وَدَرَسَتْ سُبُلُهُ(4)، وَعَفَتْ شُرُكُهُ(5). أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ، وَوَرَدُوا مَنَاهِلَهُ (6)، بِهِمْ سَارَتْ أَعْلَامُهُ، وَقَامَ لِوَاؤُهُ، فِي فِتَنِ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا (7)وَوَطِئَتْهُمْ بِأَظْلَافِهَا(8)، وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا(9)، فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَاثِرُونَ، جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ، فِي خَيْرِ دَارٍ، وَشَرِّ جِيرَانٍ (10)، نَوْمُهُمْ سُهُودٌ، وَكُحْلُهُمْ دُمُوعُ (11)،


1) مصادرهم في أوهامهم وأهوائهم مجهولة غير معلومة خفية غير ظاهرة، فلا عن بينة يعتقدون، ولا إلى غاية صالحة ينزعون .

2) انهارت: هوت وسقطت، والدعائم: جمع دعامة، وهي ما يستند إليه الشيء ويقوم عليه، ودعامة السقف مثلاً: ما يرتفع عليه من الأعمدة.

3) التنكر : التغير من حال تسر إلى حال تكره، أي تبدّلت علاماته وآثاره بما أعقب السوء وجلب المكروه.

4) درست- کاندرست - : أي انطمست، و عفت : بمعنی درست.

5) الشُّرُك : قال بعضهم : الشُّرُك : الطرائق، جمع شِراك - ككتاب - وهي الطريق، والذي يفهم من «القاموس» أنّها بفتحات جواد الطريق، أو ما لا يخفى عليك ولا يستجمع لك من الطرق، اسم جمع لا مفرد له من لفظه .

6) المناهل : جمع مَن۫هل، وهو مورد الشاربة من النهر.

7) الأخفاف للإبل ، جمع خُفّ، وهو للبعير كالقدم للإنسان.

8) الأظلاف للبقر والمعز، جمع ظلف ،بالكسر ، كالخف للبعير والقدم للإنسان.

9) السنابك: جمع سُنبك - كقنفذ - طرف الحافر.

10) خير دار: هي مكة المكرمة. وشرّ الجيران: عبدة الأوثان من قريش.

11) قوله: «نومهم سهود، وكحلهم دموع» مثل أن يقول: جودهم بخل، وأمنهم خوف، أي لو استماحهم محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) النومَ لجادوا عليه بالسهود عوضاً عنه، ولو استجداهم الكُحل لكان كحلهم الذي يصلونه به الدموع، أو هم في أحداث أبدلتهم النوم بالسهر والكحل بالدمع .

بِأَرْضِ عَالِمُهَا مُلْجَمٌ (1)، وَجَاهِلُهَا مُكْرَم (2).

وَمِنْهَا يَعْنِي آلَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ

هُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ، وَلَجَأَ أَمْرِهِ(3)، وَعَيْبَةُ عِلْمِهِ(4)، وَمَوْئِلُ حُكْمِهِ (5)، وَكُهُوفٌ كُتُبِهِ ، وَجِبَالُ دِينِهِ. بِهِمْ أَقَامَ انْحِنَاءَ ظَهْرِهِ، وَأَذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرَائِصِهِ (6).

وَمِنْهَا يَعْنِي قَوْماً آخَرِينَ

زَرَعُوا الْفُجُورَ، وَسَقَوْهُ الْغُرُورَ، وَحَصَدُوا القُبُورَ (7)، لَا يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّدٍ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَحَدٌ، وَلَا يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ


1) قوله: «بأرض عالمها مُلْجَم» أي من عرف صدق محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وآمن به في تقية وخوف؛ لأنه لو قال حقاً والجمهور على الباطل لانتاشوه ونهشوه.

2) «جاهلها مكرم»، أي مَنْ جحد نبوّته وكذّبه في عز ومنعة؛ لأنّه على شاكلة العامة مشايع لهم في أهوائهم، فمنزلته عندهم منزلة أوهامهم وعاداتهم، وهي في المقام الأعلى من نفوسهم. وهذه الأوصاف كلّها لتصوير حال الناس في الجاهلية قبل بعثة النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .

3) اللجأ - محرّكة - : الملاذ وما تلتجئ إليه ، كالوزر - محركة - : ما تعتصم به .

4) العيبة - بالفتح - الوعاء، أي أنّ حكمه وشرعه يرجع إليهم، وهم حفّاظ كتبه، يحوونها كما تحوي الكهوف والغيران ما يكون فيها. «والكتب»: القرآن ، وجمعه لأنّه فيما حواه كجملة ما تقدمه من الكتب، ويزيد عليها ما خصّ الله به هذه الأمّة .

5) الموئل : ما ترجع إليه ، يقول : إن أمر النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ملتجيء إليهم ، وعلمه مودع عندهم، كالثوب يودّع العنية.

6) الهاء في «ظهره» ترجع إلى الدين، وكذلك الهاء في «فرائصه» وهي: جمع فُرِيصة، وهي اللحمة بين الجنب والكتف لا تزال تُرْعَد من الدابة . كنّى بانحناء الظهر عن الضعف، وبإقامته عن القوة، وبهم أمنة من الخوف الذي ترتعد منه الفرائص .

7) جعل ما فعلوا من القبائح كزرع زرعوه، وما سكنت إليه نفوسهم من الإمهال واغترارهم بذلك بمنزلة السقي ؛ فإن الغرور يبعث على مداومة القبيح والزيادة فيه ، ثم كانت عاقبة أمرهم هذا الثبور ، وهو الهلاك.

أَبَداً، هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ، وَعِمَادُ الْيَقِينِ إِلَيْهِمْ يَفِيءُ الْغَالِي ، وَبِهِمْ يُلْحَقُ التَّالِي(1)المقنب : جماعة من الفرسان دون المنة(2).

وَلَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ الْوِلَايَةِ، وَفِيهِمُ الْوَصِيَّةُ وَالْوِرَاثَةُ : الْآنَ(3)إِذْ رَجَعَ الْحَقُّ إِلَى أَهْلِهِ، وَنُقِلَ إِلَى مُنْتَقَلِهِ.

3 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

3 - ومن خطبة له عليه السلام (4)

وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِالشَّقْشِقِيَّةِ

وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِالشَّقْشِقِيَّةِ (5)

أَمَا وَاللهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ(6)، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّيَ مِنْهَا مَحَلُّ


1) يريد أن سيرتهم صراط الدين المستقيم، فمن غلا في دينه وتجاوز بالإفراط حدود الجادّة، فإنّما نجاته بالرجوع إلى سيرة آل النبي ، وتفيؤ ظلال أعلامهم. وقوله: «وبهم يلحق التالي» يقصد به أنّ المقصر في عمله المتباطئ في سيره - الذي أصبح وقد سبقه السابقون - إنّما يتمنى له الخلاص بالنهوض ليلحق بآل النبي ويحذو حذوهم، أي أنّه(علیه السّلام) جعلهم كمِقْنب

2) . يسير في فلاة ، فالغالي منه - أي الفارط المتقدم الذي قد غلا في سيره - يرجع إلى ذلك المِقْنب إذا خاف عدوّاً، ومَنْ تخلف ذلك المِقْنب فصار تالياً له يلتحق به إذا أشفَق من أن يُتخطّف.

3) الآن ظرف متعلق ب- «رجع»، و«إذا» زائدة للتوكيد ، سوّغ ذلك ابن هشام في نقله عن أبي عبيدة، أو أن «إذ» للتحقيق بمعنى «قد»، كما نقله بعض النحاة.

4) ذكرها ابن قية الرازي في كتابه (الإنصاف في الإمامة)، وابن عبد ربه المالكي في (العقد الفريد)، والقاضي عبد الجبار في (المغني)، وأبو سعيد الآبي في كتابيه (نثر الدرر) و (نزهة الأديب)، والمفيد في (الإرشاد) 135، وسبط ابن الجوزي في ( تذكرة الخواص)، والطوسي في الأمالي) ج 1 ص 392، وغيرهم. المقنب : جماعة من الفرسان دون المنة.

5) لقوله فيها: «أنّها شقشقة هدرت ثم قرت» كما يأتي .

6) فلان كناية عن الخليفة الأول أبي بكر، [وفي نسخة ابن أبي الحديد: لقد تقمّصها أبن أبي قحافة وتقمصها: أى جعلها كالقميص مشتملة عليه، والضمير للخلافة، ولم يذكرها للعلم كقوله سبحانه: «كُلَّ مَنْ عَلَيْها فَانٍ» [الرحمن : 26] «أن محلي منها : كما أنّ الرحا لا تدور إلّا على القطب كذلك الخلافة ؛ فإنها لا تقوم إلّا بي، ولا يدور أمرها إلّا عليّ هكذا فسّروه، وعندي أنّه أراد أنّه من الخلافة في الصميم ، وفي وسطها كالقطب من الرحا .

الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَا ؛ يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ(1)، وَلَا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ (2). فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً(3)، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً(4)، وَطَفِقْتُ أَرْتَنِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَاءَ(5)، أو۫ صْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ (6)، يَهْرَمُ فيهَا الْكَبِيرُ ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ ، وَيَكْدَحُ(7)


1) كأنّه في ذروة جبل ينحدر السيل عنه إلى الوهاد، وهذا تمثيل لسمو قدره کرم الله وجهه وقربه من مهبط الوحي، وأن ما يصل إلى غيره من فيض الفضل فإنّما يتدفق من حوضه، ثم ينحدر ع-ن مقامه العالي فيصيب منه من شاء الله.

2) ولا يرقى : أعظم في الرفعة من التي قبلها؛ لأن السيل ينحدر عن الهضبة والرابية وأمّا تعذر رقي الطير فربّما يكون للقلال الشاهقة جداً أو ما هو أعلى.

3) سدلت دونها ثوباً ، أي أرخيتُ ، سدل الثوب: أرخاه ، فسدلت ... : كناية عن غض نظره عنها.

4) طوى عنها كشحا: مال عنها. وهو مثل؛ لأنّ من جاع فقد طوى كشحه، ومن شبع فقد ملأه، فهو قد جاع عن الخلافة، أي لم يلتقمها. طويت عنها كشحاً ؛ أي قطعتها وصرمتها؛ والكشح : ما بين الخاصرة والجنب .

5) وطفقت .... بيان لعلّة الإغضاء . والجذّاء - بالجيم والذال المعجمة والدال المهملة - : ب-معنی المقطوعة، ويقولون: «رَحِمٌ جدًّاء» أي لم توصل «وسنّ جدًّاء»: أي متهتمة ، والمراد هنا ليس يؤيدها، كأنّه قال: تفكرت فى الأمر فوجدت الصبر أولى، فسدلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحاً.

6) الطَّخية : قطعة من الغيم والسحاب، وطِخيّة - بطاء فخاء بعدها ياء ويثلث أولها - : أي ظلمة وعمياء : تأكيد لظلام الحال واسودادها ، ونسبة العمى إليها مجاز عقلي، وإنما يعمى القائمون فيها؛ إذ لا يهتدون إلى الحق.

7) يكدح : يكدّ مع المشقّة ويسعى سعي المجهود.

فِيهَا مُؤْمِنُ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ(1)فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتًا أَحْجَى(2)، فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَديَّ(3)، وَفِي الْحَلْقِ شَجاً(4). أَرَى تُرَائِي نَهْباً(5)، حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ(6)، فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فُلَانٍ بَعْدَهُ (7)

ثم تمثّل بقول الأعشَي:

شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا*** وَيَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرٍ (8)

وقد أسلى الهم إذ يعتري ***بجسرة دوسرة عاقر

والجسر : العظيم من الإبل ، والدوسرة: الناقة الضخمة، وحيان كان سيداً في بني حنيفة مطاعاً فيهم.

وكان ذا حظوة عند ملوك فارس، وله نعمة واسعة ورفاهية وافرة وكان الأعشى ينادمه . والأعشى هذا هو الأعشى الكبير أعشى قيس وهو أبو بصير ميمون بن قيس بن جندل. وأول القصيدة:

علقم ما أنت إلى عامر *** الناقض الأوتار والواتر

وجابر أخو حيان أصغر منه، ومعنى البيت: أن فرقاً بعيداً بين يومه في سفره وهو على كور ناقته وبين يوم حيان في رفاهيته، فإنّ الأول كثير العناء شديد الشقاء، والثاني وافر النعيم وافي الراحة.

يتلو هذا البيت أبيات منها:

في مِجدل شيّد بنيانه*** يزل عنه ظفر الطائر

ما يجعل الجُدُّ الظُّنونُ الذي*** جُنّبَ صوب اللَجبِ الماطر

مثل الفراتي إذا ما طما*** يقذف بالبوصيّ والماهر

المِجدل - كَمِنْبر - : القصر . والجُدَ - بضمّ أوله - : البئر القليلة الماء ، والظنون: البئر لا يدرى أفيها ماء أم لا ، واللجب : المراد منه السحاب؛ لاضطرابه وتحرّكه. والفراتي : الفرات، وزيادة الياء للمبالغة، والبوصي ضرب من السفن معرّب ((بوزي)، والماهر السابح المجيد. ووجه تمثّل الإمام بالبيت ظاهر بأدنى تأمل ، إذ يريد(علیه السّلام) : شتان بين يومى في الخلافة مع ما انتفض عليّ من الأمر ومنيت به من انتشار الحبل واضطراب أركان الخلافة، وبين يوم عمر حيث وليها على قاعدة ممهّدة، وأركان ثابتة، وسكون شامل ، فانتظم أمره ، وسكنت أيامه.


1) في نسخة ابن أبي الحديد: «رَبَّة» بالوقف.

2) هاتا: بمعنى هذه، «ها» للتنبيه، و«تا» للإشارة، ومعنى «تا» ذي ، وهذا أحجى من كذا، أى أليق بالحجا ، وهو العقل، أحجى : ألزم ، من حجي به كرضى- : أولع به ولزمه، ومنه: هو حجيّ بكذا؛ أي جدير، وما أحجاه، وأحج به، أي أخلق به، أي رأى الصبر على هذه الحالة التي وصفها أولى بالعقل من الصولة بلا نصير .

3) وفي العين قذى: أي صبرت على مضض كما يصبرالأرمد.

4) وفي الحلق شجي: وهو ما يعترض في الحلق، أي كما يصبر من غصّ بأمرٍ فهو يكابد الخَنق.

5) أرى تراثى نهباً: كنّى عن الخلافة بالتراث ، وهو الموروث من المال.

6) مضی: مات . السبيل الطريق.

7) أدلى بها: ألقى بها إليه ، من قوله «وتُدلوا بها إلى الحُكّام » [البقرة 188] أي تدفعوها إليهم رشوة، وأصله من أدليت الدلو في البئر : أرسلتها . [وعند ابن أبي الحديد: «فأدلى بها إلى ابن الخطّاب بعده».

8) الكُور - بالضم - : الرَّحل، أو هو مع أدائه، والضمير راجع إلى الناقة المذكورة في الأبيات قبل هذا البيت، في قوله:

فَيَا عَجَباً !! بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ(1)، إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ!

لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا(2)*** فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشنَاءَ (3)يَغْلُظُ


1) يستقيلها : يطلب إعفاءه منها ، أي : العجب منه وهو يستقيل المسلمين من الخلافة أيام حياته فيقول: «أقيلوني» ثم يعقدها عند وفاته لآخر، وهذا يناقض الزهد فيها والاستقالة منها . رووا أنّ أبا بكر قال بعد البيعة: «أقيلوني؛ فلست بخيركم» وأنكر الجمهور هذه الرواية عنه والمعروف عنه : «ولّيتكم ولست بخيركم»

2) تشطرا ضَرعيها: اقتسما فائدتهما ونفعهما، والضمير للخلافة. و«الشد ما تشطرا ضرعيها» جملة شبه قسمية اعترضت بين المتعاطفين ، فالفاء في فصيّرها» عطف على «عقدها» و «تشطرا» مسند إلى ضمير التثنية، و«ضرعيها» تثنية ،ضرع، وهو للحيوانات مثل الثدي للمرأة. قالوا : إنّ للناقة في ضرعها شطرين كل خلفين ،شطر، ويقال: شطّر بناقته تشطيراً: صر خلفين وترك خلفين، والشطر أيضاً: أن تحلب شطراً وتترك شطراً: فتشطرا أي أخذ كل منهما شطراً. سمّى شطري الضرع «ضرعين» مجازاً، وهو هنا من أبلغ أنواعه؛ حيث إنّ من ولي الخلافة لا ينال الأمر إلّا تاماً ولا يجوز أن يترك لغيره سهماً، فأطلق على تناول الأمر واحداً بعد واحد اسم «التشطير» و«الاقتسام» كأنّ أحدهما ترك منه شيئاً للآخر، وأطلق على كلّ شطر «اسم الضرع»، نظراً لحقيقة ما نال كلّ واحد.

3) في حوزة خشناء : أي في جهة صعبة المرام، شديدة الشكيمة.

كَلْمُهَا(1)، وَيَخْشُنُ مَسُّهَا ، وَيَكْثُرُ الْعِثَارُ فِيهَا (2)، والاعْتِدَارُ مِنْهَا ، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبٍ الصَّعْبَةِ(3): إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ(4)، وَإِنْ أَسْلَسَ (5)لَهَا تَقَحّمَ(6)، فَمُنِيَ(7)النَّاسُ - لَعَمْرُ اللهِ - بِخَيْطٍ (8)وَشِمَاسٍ (9)، وَتَلَونِ (10)وَاعْتِرَاضِ (11)، فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ، وَشِدَّةِ الْمِحْنَةِ ؛ حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي سِتَّةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ، فَیاللَّهِ


1) الكَل۫م : الجرح. والكُلام بالضم (كما أثبته عبده في المتن): الأرض الغليظة. وصف الكَل۫م بالغِلْظَ لأنّ الجُرح إذا أمعن وعَمُق فكأنَّه قد تضاعف وصار جُروحاً، فسمي غليضاً. كأنّه يقول خشونتها تجرح جرحاً غليظاً.

2) العنار : السقوط والكبوة . يقول: ليست هذه الجهة جَدَداً مَهْيَعاً ، بل هي كطريق كثير الحجارة ، لا يزال الماشي فيه عاثراً .

3) الصعبة من النوق: ما لم تُرْكَبُ ولم تُرَض ، أي ما ليست بذلول.

4) أشنق البعير وشنقه كفّه بزمامه حتى ألصق دفراه - العظم الناتئ خلف الأذن - بقادمة الرحل، أو رفع رأسه وهو راكبه، وأصله من الشَّناق وهو خيطٌ يُشدُّ به فمُ القِرْبة ، واللام هنا زائدة للتحلية ولتشاكل «أسلس».

5) أسلس: أرخى .

6) تقحم: رمى بنفسه في القحمة، أي الهلكة، وراكب الصعبة إمّا أن يشنقها فيحرم أنفها، وإمّا أن يسلس لها فترمي به في مهواة تكون فيها هلكته.

7) مُني الناس : ابتلوا وأصيبوا .

8) الخبط : السير على غير جادّة وعلى غير هدى .

9) الشِماس - بالكسر : إباء ظهر الفَرس عن الركوب والنفار .

10) التلوّن : التبدّل.

11) الاعتراض: السير على غير خط مستقيم ، كأنّه يسير عرضاً في حال حال سيره طولاً، وإنّما يفعل ذلك البعير الجامح الخابط . يقال: «بعير عُرْضي» يعترض في سيره لأنّه لم يتمّ رياضته، وفي فلان عرضية؛ أي عجرفة وصعوبة.

وَلِلشُّورَى(1)

وبعد موت عمر بن الخطاب اجتمعوا وتشاوروا فاختلفوا، وانضم طلحة في الرأي إلى عثمان، والزبير إلى على، وسعد إلى عبدالرحمن، وكان عمر قد أوصى بأن لا تطول مدة الشورى فوق ثلاثة أيام، وأن لا يأتي الرابع إلّا ولهم أمير ، وقال : «إذا كان خلاف فكونوا مع الفريق الذي فيه عبدالرحمن» فأقبل عبدالرحمن على عليّ وقال : «عليك عهدالله وميثاقه لتعملنَ بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده فقال عليّ: «أرجو أن أفعل وأعمل على مبلغ علمي وطاقتي» ثم دعا عثمان وقال له مثل ذلك، فأجابه: بنعم، فرفع عبدالرحمن رأسه إلى سقف المسجد - حي-ث كانت المشورة - وقال: «اللهم اسمع واشهد، اللهم إنّي جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان» وصفق بيده في يد عثمان وقال : «السلام عليك يا أميرالمؤمنين» وبايعه .

قالوا: «وخرج الإمام علي واجداً» فقال المقداد بن الأسود لعبدالرحمن: «والله لقد تركت علياً وإنّه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون» فقال: «يا مقداد! لقد تقصيت الجهد للمسلمين». فقال المقداد: «والله إنّى لأعجب من قريش أنّهم تركوا رجلاً ما أقول ولا أعلم أنّ رجلاً أقضى بالحق ولا أعلم به منه» . فقال عبدالرحمن: «يا مقداد، إنّي أخشى عليك الفتنة، فاتّق الله».

ثم لما حدث في عهد عثمان ما حدث من قيام الأحداث من أقاربه على ولاية الأمصار ووجد عليه كبار الصحابة روي أنّه قيل لعبدالرحمن: «هذا عمل يديك» فقال: «ماكنت أظنّ هذا ،به ولكن لله عليّ ألّا أكلمه أبداً». ثم مات عبدالرحمن وهو مهاجر لعثمان ، حتى قيل: «إنّ عثمان دخل عليه في مرضه يعوده، فتحول إلى الحائط لا يكلمه والله أعلم، والحكم لله يفعل ما يشاء .

مَتَى أَعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ

1) أصل الشورى: الاستشارة. وإجمال القصة: أنّ عمر بن الخطاب لما دنا أجله وقرب مسيره إلى ربه، استشار فيمن يوليه الخلافة من بعده، فأشير عليه بابنه عبدالله فقال: «لا يليها - أي الخلافة - اثنان من ولد الخطاب حسبُ عمر ما حمل» ثم رأى أن يكلِ الأمر إلى ستة قال: «إنّ النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مات وهو راض عنهم، وعليهم بعد التشاور أن يعينوا واحداً منهم يقوم بأمر المسلمين» ، والستة رجال الشورى هم: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وطلحة بين عبيدالله، والزبير بن العوام، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وكان سعد من بني عم عبدالرحمن كلاهما م--ن ب-ن-ي زهرة، وكان في نفسه شيء من علي كرم الله وجهه من قبل أخواله؛ لأن أمّه حمنة بنت سفيان بن عبد شمس، ولعليّ في قتل صناديدهم ما هو معروف مشهور ، وعبدالرحمن كان صهراً العثمان؛ لأنّ زوجته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط كانت أختاً لعثمان من أمه، وكان طلحة ميالاً لعثمان لصلات بينهما، على ما ذكره بعض رواة الأثر ، وقد يكفي في ميله إلى عثمان انحرافه عن علي؛ لأنّه تيمي، وقد كان بين بني هاشم وبني تيم مواجد؛ لمكان الخلافة في أبي بكر.

النَّظَائِرِ(1)! لكنّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا (2)، وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا، فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ(3)، وَمَالَ الْآخَرُ لِصِهْرِهِ(4)، مَعَ هَنٍ(5)وَهَنِ إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ (6)، بَيْنَ نَثِيلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ(7)

دع المكارم لا ترحل لبُغيتها *** وأقعُد فإنّك أنت الطاعِمُ الكاسي

، وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضِمُونَ(8)مَالَ اللَّهِ خَصْمَ الإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ، إِلَى أَنِ انْتَكَثَ فَتْلُهُ، وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ(9)، وَكَبَتْ بِهِ بِطنَتُهُ(10).

1) النظائر: جمع نظير، أي المشابه بعضهم بعضاً دونه.

2) أسَف الطائر : دنا من الأرض، يريد أنه لم يخالفهم في شيء.

3) صغا الرجل: بمعنى مال الصَّغ۫و: الميل بالفتح والكسر ؛ يعنى طلحة. والضغن : الضغينة.

4) مال الآخر لصهره : يعنى عبدالرحمن مال إلى عثمان؛ لأنّ أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط كانت تحته، وأمّ كلثوم هذه هي أخت عثمان من أمّه أروى بنت كُرَيز .

5) يشير إلى أغراض أُخر يكره ذكرها.

6) يشير إلى عثمان ، وكان ثالثا بعد انضمام كل من طلحة والزبير وسعد إلى صاحبه، كما تراه في خبر القضية. ونافجاً حضنيه: رافعاً لهما، والحضن: ما بين الإبط والكشح ، يقال للمتكبر : جاء نافجاً حضنيه ، ويقال مثله لمن امتلأ بطنه طعاماً .

7) النثيل: الروث وقذر الدواب ، والمعتلف من مادة علف: موضع العلف وهو معروف، أي لا همّ له إلّا ما ذكر، وهو الأكل والرجيع ، وهذا من ممضّ الذم ، وأشد من قول الحطيئة - الذي قيل : إنّه أهجي بيت للعرب - :

8) الخضم - على ما في «القاموس» - : الأكل، أو بأقسى الأضراس، أو ملء الفم بالمأكول والقضم : : الأكل بأطراف الأسنان أخفّ من الخضم . وقيل : الخضم أكل الشيء الرَّطب، والقضمُ: أكل الشيء اليابس، والمراد على التفسيرين لا يختلف : وهو أنّهم على قدَم عظيمة من النَّهم وشدّة الأكل وامتلاء الأفواه، والخِصمة : مصدر هيئة . والنبتة - بكسر النون - كالنبات في معناه .

9) انتكث فتله: انتقض ، وأجهز عليه عمله ، تمم قتله، تقول: أجهزت على الجريح وذففت عليه .

10) البِطنة - بالكسر - : البطر والأشر وكبت به: من كبا الجواد إذا سقط لوجهه .

فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الصَّبْعِ إِلَيَّ(1)، يَنْثالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبِ، حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ، وَشُقَ عِطْفَايَ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ(2)، فَلَمَّا نَهَضْتُ بالْأَمْرِ نَكَثتْ طَائِفَةٌ، وَمَرَقَتْ أُخْرَى، وَقَسَطَ آخَرُونَ (3)كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا كَلَامَ اللهِ حَيْثُ يَقُولُ : « تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » بَلَى وَاللهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا، وَلَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ اَلدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ، وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا(4). أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَيَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ(5). لَوْلَا حُضُورُ الْحَاضِرِ(6)، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بوُجُودِ النَّاصِرِ(7)، ومَا أَخَذَ اللهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُوا عَلَى كِظَّةِ(8)ظَالِمٍ، وَلَا سَغَبٍ(9)مَظْلُومٍ، لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى


1) عرف الضبع: ما كثر على عنقها من الشعر، وهو ثخين يضرب به المثل في الكثرة والازدحام. وينثالون: يتتابعون مزدحمين. والحسنان: ولداه الحسن والحسين، وشقّ عطفاه: خدش جانباه من الاصطكاك. وفي رواية «شق عطافي» والعطاف: الرداء، وكان هذا الازدحام لأجل البيعة على الخلافة، والرواية الأولى أشهر. والعطفان الجانبان من المنكب إلى الورك.

2) ربيضة الغنم : الطائفة، أو القطعة الرابضة من الغنم، يصف ازدحامهم حوله وجثومهم بين يديه .

3) الناكثة : أصحاب الجمل، والمارقة: أصحاب النهروان، والقاسطون - أي الجائرون - : أصحاب صفّين. ومرقت : خَرجَتْ ، وفي المعنى الديني : فُسقت .

4) حليت : حلا الشيء في فمي يحلُو ، وحلي لعيني يَح۫لى، وحليت الدنيا: من حليت المرأة إذا تزيّنت بحلتها. الزبرج: الزينة من وَش۫ي أو غيره ، ويقال : الزبرج: الذهب .

5) النسمة : كل ذي روح من البشر خاصةً، والنَّسمة محركة: الروح ، وبرأها : خلقها .

6) الحاضر : من حضر لبيعته، ولزوم البيعة لذمة الإمام بحضوره، ويمكن أنّ يريد بالحاضر مَنْ حَضره من الجيش الذى يستعين به على الحرب.

7) الناصر: الجيش الذي يستعين به على إلزام الخارجين بالدخول في البيعة الصحيحة.

8) الكظة: ما يعتري الأكل من امتلاء البطن بالطعام، والمراد استثثار الظالم بالحقوق.

9) السغب: الجوع ، والمراد منه هضم حقوقه .

غَارِبِهَا(1)، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسٍ أَوَّلِهَا، وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْرٍ (2).

قَالُوا: وَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ (3)عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِع مِنْ خُطْبَتِهِ فَنَاوَلَهُ كِتَاباً، فَأَقْبَلَ ينظر فِيهِ، فلمّا فَرَغَ من قراءته قَالَ لَهُ ابْنُ عباس : يَا أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ لَوْ أطْرَدْتَ (4)خُطْبَتَكَ مِنْ حَيْثُ أَفْضَيْتَ!

فَقَالَ: هَيْهَاتَ يَابْنَ عَبَّاسٍ! تِلْكَ شِقْشِقَةٌ (5)هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ (6).

قَالَ أَبْنُ عِبَاسٍ: فَوَاللَّهِ مَا أَسِفْتُ عَلَى كَلَامٍ َقطُّ كَأَسَفِي عَلَى هَذَا الْكَلَامِ أَلَا يَكونَ أميرالمؤمنينَ بَلَغَ مِنْهُ حَيْثُ أَرَادَ.

قال الشريف (رحمه الله) قوله عَلَيْهِ السَّلَام: «كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ، وَإِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ» يُرِيدُ أَنَّهُ إِذَا شَدَّدَ عَلَيْهَا فِي جَذْبِ الزّمامِ وَهِيَ تُنَازِعُهُ


1) الغارب : الكاهل، والكلام تمثيل للترك وإرسال الأمر، يقال: ألقى فلان حبلَ فلان على غاربه ، أي تركه هَملاً يسرح من غير وازع ولا مانع.

2) عفطة العنز: ما تنثره من أنفها كالعفطة، عفطت تعفِط من باب ضرب، غير أنّ أكثر ما يستعمل ذلك في النعجة، والأشهر فى العنز النفطة بالنون ، يقال : «ما له عافظ ولا نافط» أي نعجة ولا عنز، كما يقال: «ما له ثاغية ولا راغية» والعفطة: الحبقة أيضاً، لكن الأليق بكلام أميرالمؤمنين هو ما تقدم.

3) السواد: العراق ، وسمي «سواداً»، لخضرته بالزرع والأشجار، والعرب تسمّي الأخضر «أسود» قال الله تعالى: «مُدهامَّتان» [الرحمن: 64] يريد الخضرة .

4) أطردت : أي أتبعتَ الأول قولاً ثانياً، من قولهم: «اطَرد النهر» إذا تتابع جريُه . [وعند الصالح] ارَدَتْ خطبتك : أتبعتَ بخطبة أُخرى .

5) الشقشقة - بكسر فسكون فكسر - : شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج ، وصوت البعير بها عند إخراجها هدير ، ونسبة الهدير إليها نسبة إلى الآلة ، قال في «القاموس»: «و الخطبة الشقشقية «العلوية» وهى هذه.

6) قرّت : سكنت ثم هَدَات۫.

رَأْسَهَا خَرَمَ أَنْفَهَا ، وَإِنْ أَرْخَى لَهَا شَيْئاً مَعَ صُعُوبَتِهَا تَقَدَّمَتْ بِهِ، فَلَمْ يَمْلِكُها .

يُقَالُ : أَشْتَقَ النَّاقَةَ إِذَا جَذَبَ رَأْسَهَا بِالزَّمَامِ فَرَفَعَهُ، وَشَنَقَهَا أَيْضاً، ذَكَرَ ذَلِكَ أبْنُ السَّكِّيتِ فِي «إِصْلَاح الْمَنْطِقِ». وَإِنَّمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: «أَشْنَقَ لَهَا » وَلَمْ يَقُلْ «أَشْتَقَهَا » لَأَنَّهُ جَعَلَهُ فِي مُقَاتِلَةٍ قَوْلِهِ : « أَسْلَسَ لَهَا » فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ رَفَعَ لَهَا رَأْسَهَا بِالزِّمَامِ؛ يعنى أَمْسَكَهُ عَلَيْهَا . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ خَطَبَ عَلَى نَاقَةٍ وَقَدْ شَنَقَ لَهَا فَهِيَ تَفْصَحُ بِجِرَّتِهَا ، وَمِن الشَّاهِد عَلَى أَنَّ «أَشْنَقَ» بِمَعْنَى «شَنَقَ» قَوْلُ عديُّ بن زَيْدٍ الْعِبَادِي :

سَاءَهَا مَا تَبَيَّنَ فِي الأي-*** دي وَإِشْنَافُهَا إِلَى الْأَعْنَاقِ

4 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

4 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

بَعْدَ مَقْتَل طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ في هِدَايَةِ النَّاسِ وَكَمَالِ يَقِينِهِ

بِنَا أَهْتَدَيْتُمْ فِي الظُّلْمَاءِ(2)، وَتَسَنَّمْتُمُ الْعَلْيَاءَ(3)، وَبِنَا أَنْفَجَرْتُمْ عَنِ السِّرَارِ (4).


1) ذكرها الطبري في (المسترشد) ص 95 ، والشيخ المفيد في (الإرشاد) ص 147 .

2) الظلماء : الجهالة.

3) تسنَمتم العلياء: ركبتم سنامها وارتقيتم إلى أعلاها.

4) بنا انفجرتم: أي دخلتم في الفجر ، وروي «أفجرتم» [كما في نسخة الصالح] أي صرتم ذوي فجر ، وهو أفصح وأصحَ ؛ لأنّ الفعل لا يأتي لغير المطاوعة إلّا نادراً، أمّا أفعل فيأتي لصيرورة الشيء إلى حال لم يكن عليها ، كقولهم: «أجرب الرجل » إذا صارت إيله جربي، وأمثاله كثيرة. والسرار : الليلة والليلتان، يستقر فيهما القمر في آخر الشهر فلا يظهر ، والمراد كنتم في ظلام حالك، وهو ظلام الشرك والضلال - فصرتم إلى ضياء ساطع بهدايتنا وإرشادنا. والضمير لمحمد صلى الله عليه وآله، والإمام ابن عمه ونصيره في دعوته .

وُقِرَ سَمْعُ لَمْ يَفْقَهِ الْوَاعِيَّةَ(1)

و وقرت أذنه، فهي موقورة صمّت. الواعية: الصارخة، من الوعاء، وهو الجَلَبة والأصوات ، والمراد العبر والمواعظ.

، وَكَيْفَ يُرَاعِي النَّبْأَةَ مَنْ أَصَمَّتْهُ الصَّيْحَةُ (2)

والنبأة: الصوت الخفي. والصيحة هنا: الصوت الشديد، أي من أصمّته الصيحة فلم يسمعها ، كيف يمكن أن يسمع النبأة فيراعيها ؟! ويشير بالصيحة إلى زواجر كتاب الله ومقال رسوله، وبالنبأة إلى ما يكون منه رضي الله عنه.

؟! رُبِطَ جَنَانُ لَمْ يُفَارِقْهُ الْخَفَقَانُ (3). مَا زِلْتُ أَنْتَظِرُ بِكُمْ عَوَاقِبَ الْغَدْرِ ،وَأَتَوَسَّمُكُمْ بِحِلْيَةِ الْمُغْتَرِّينَ (4)

أتو سّمكم: /نفرّسُ فيكم. حلية المغترين: أصل الحلية الزينة ، والمراد بها هنا صفة أهل الغرور .

، سَتَرَنِي عَنْكُمْ جِلْبَابُ الدِّينِ (5)، وَبَصَّرَنِيكُمْ صِدْقُ النِّيَّةِ . أَقَمْتُ لَكُمْ عَلَى سَنَنِ الْحَقِّ فِي جَوَادٌ الْمَضَلَّةِ(6)، حَيْثُ تَلْتَقُونَ وَلَا دَلِيل.

1) الوَقْر - بالفتح - : الثقل في الأذن، وهو دعاء على السمع الذي لم يفقه الواعية بالثّقل والصّمم.

2) كيف يُراعي النبأة: أي كيف يلاحظ ويراعي العِبَر الضعيفة مَنْ لم ينتفع بالعبَر الجليّة الظاهرة ؟!

3) ربط جأشه رباطة: اشتدّ ،قلبه، ومثله رباطة الجنان، أي القلب، وهو دعاء للقلب الذي لازمه الخفقان والاضطراب خوفاً من الله بأن يثبت ويستمسك .

4) ما زلت انتظر : يقول : كنت مترقباً غدرَكم متفرّساً فيكم الغَرَر ، وهو الغفلة ، وأنكم لا تميّزون بين الحقّ والباطل، ولهذا لا يبعد أن يجهلوا قدره، فيتركوه إلى من ليس له من الحقِّ على مثل حاله .

5) قوله : سترني عنكم، يحتمل وجوهاً، أوضحها أنّ إظهاركم شعار الإسلام عصمكم منّي مع علمي بنفاقكم ، وإنّما أبصرت نفاقكم وبواطنكم الخبيثة بصدق نيّتي ، وصاحب القلب الطاهر تنفذ فراسته إلى سرائر النفوس فتستخرجها. ويحتمل أن يريد: سترني جلباب ديني، ومنعني أن أَعرّفكم نفسي وما أقدر عليه من عَس۫فكم. وجلباب الدين: ما لبسوه من رسومه الظاهرة.

6) جوادٌ المضلّة : الجوادُ جمع جادّة، وهي الطريق. وأرض مَضَلة ومَضِلّة - بفتح الضاد وكسرها - : يضلُّ سالكها . وللضلال طرق كثيرة؛ لأنّ كلّ ما جار عن الحقّ فهو باطل ، وللحقّ طريق واحد ومَضِلَّة مستقيم، وهو الوسط بين طرق الضلال، لهذا قال: «أقمت لكم على سنن الحقّ» وهو طريقه الواضح فيما بين جواد المضلة وطرقها المتشعبة، حيث يلاقي بعضكم بعضاً، وكلّكم ،تانهون، فلا فائدة في التقائكم، حيث لا يدل أحدكم صاحبه؛ لعدم علمه بالدليل .

وَتَحْتَفِرُونَ وَلَا تُمِيهُونَ(1). اَلْيَوْمَ أُنْطِقُ لَكُمُ الْعَجْمَاءَ ذَاتَ الْبَيَانِ(2)عَرَبَ رَأْيُّ أَمْرِيُّ تَخَلَّفَ عَنِّي (3). مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ(4)، لَمْ يُوجِسْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ (5)، أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الْجُهّالِ وَدُوَلِ الضَّلَالِ .

الْيَوْمَ تَوَاقَفْنَا عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ(6)، مَنْ وَثِقَ بِمَاءٍ لَمْ يَظْمَأْ (7).


1) أماه المحتفر يميه : أنبط الماء ، وتميهون: تجدون ماء من «أماهوا أركيتهم» أنبطوا ماءها ، أو تستقون من «أماهوا دوابهم» سقوا . يقول : فعلتُ من إرشادكم ما يجب على مثلى، فوقفت لكم على جادَة الحقِّ حيث طرق الضلال كثيرة، وأنتم تائهون فيها تلتقطون، ولا دليل لكم، وتحتفرون لتجدوا ماءً فلا تظفرون بالماء، وهذه كلّها استعارات .

2) العجماء: التى لا نطق لها، أراد من العجماء رموزه وإشاراته، فإنّها وإن كانت غامضة على من لا بصيرة لهم، لكنّها جليّة ظاهرة «لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ » (ق : 37 ) لهذا سمّاها ذات البيان مع أنّها عجماء. والعجماء: البهيمة .

3) عزب : أي بعد، والعازب: البعيد . [و في نسخة عبده غرب] و غرب : غاب، أي لا رأي لمن تخلّف عنّي ولم يطعني.

4) ما شككت ... يقول : معارفي ثابتة لا يتطرّق إليها الشكّ والشبهة .

5) يتأسّى بموسى عليه السلام، إذ رموه بالخيفة، ويفرق بين الواقع وبين ما يزعمون يقول : لم يكن ذلك الخوف على نفسه، وإنما خاف الفتنة الداخلة على المكلّفين عند إلقاء السحرة عصيّهم ، وكذلك أنا لا أخاف على نفسي من الأعداء الذين نصبوا ليَ الحبائل، وإنّما أخاف أن يفتتن المكلّفون بشبههم، فتقوى دولة الضلال، وتغلب كلمة الجهّال. وهو أحسن تفسير لقوله تعالى: «فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى» [طه : 67) وأفضل تبرئة لنبي الله من الشكّ في أمره.

6) توافق القوم على الطريق : أي وقفوا كلهم عليها، يقول : اليوم اتضح الحقّ والباطل، وعرفناهما نحن وأنتم .

7) يقول : إن وثقتم بي كنتم أبعد عن الضلال وأقرب إلى اليقين، كمن وثق بأنّ الماء في أدواته يكون عن الظمأ أبعد ممّن لم يثق بذلك.

5- و من خطبة له عليه السلام

اشارة

5- و من خطبة له عليه السلام (1)

لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَخَاطَبَهُ الْعَبَّاسُ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فِي أَنْ يُبَايِعَا لَهُ بِالْخِلَافَةِ

أَيُّهَا النَّاسُ، شُقُوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُن النَّجَاةِ، وَعَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ الْمُنَافَرَةِ(2). وَضعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ(3)

والعبارة قلب قصد به المبالغة ، والقصد: ضعوا تيجان المفاخرة عن رؤوسكم، وكأنّه يقول طأطئوا رؤوسكم تواضعاً، ولا ترفعوها بالمفاخرة إلى حيث تصيبها تيجانها ، [وقد أثبت عبده في المتن : وضَعُوا عن تيجان المفاخرة] .

. أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ(4)، أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ مَاءً آجنُ (5)،

1) ذكر هذه الخطبة سبط ابن الجوزي في كتابه ( تذكرة الخواص)، والطبرسي في (الاحتجاج)، ج 1 ص 127.

2) عرج عن الطريق : مال عنه وتنكّبه .

3) المفاخرة: أن يذكر كلّ واحد من الرجُلين مفاخرَه وفضائله وقديمه ، ثمّ يتحاكما إلى ثالث.

4) أفلح من نهض: مات، شبّه الميّت المفارق للدنيا بطائر نهض عن الأرض بجناحه. ويحتمل أنّه یرید:أفلح من اعتزل هذه الدنيا ، أو يريد: أفلح من طلب الرئاسة بناصر ينصره. فالمفلح أحد رجلين: إمّا ناهض للأمر بجناح، أي بناصر ومعين يصل بمعونته إلى ما نهض إليه، وإمّا مستسلم يريح الناس من المنازعة بلا طائل، وذلك عند عدم الناصر ، وهذا ينحو نحو قول عنترة لمّا قيل له: «إنّك أشجع العرب» فقال : «لست بأشجعهم، ولكنّي أقدم إذا كان الإقدام عزماً، وأحجم إذا كان الإحجام حزماً».

5) الماء الآجن: المتغير الفاسد، أجَنَ الماء - بفتح الجيم - يأجِن ويأجُن ، بالكسر والضمّ والإشارة إلى الخلافة، أي إنّ الإمرة على الناس والولاية على شؤونهم مما لا يهنأ لصاحبه، بل ذلك أمر يشبه تناوله الماء الآجن ولا تحمد عواقبه كاللقمة يغص بها أكلها فيموت بها.

ولُقْمَةٌ يَغَضُّ بِهَا آكِلُهَا، وَمُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كَالنَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ(1).

فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا: حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ ، وَإِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا: جَزِعَ مِنْ الْمَوْتِ(2)!

هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي (3)

فطلّقها وقال : «لا أتزوّج بعد اللتيا والتي» يشير بالأولى إلى الصغيرة، وبالثانية إلى الكبيرة، فصارت مثلاً في الشدائد والمصاعب صغيرها وكبيرها. وقوله: «هيهات ...» تفي لما عساهم يظنّون من جزعه من الموت عند سكوته .

وَاللهِ لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمّة، بَلِ انْدَمَجْتُ(4)عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لَاضْطَرَبْتُمْ أَضْطِرَابَ الْأَرْشِيَةِ (5)فِي الطَّوِيِّ(6)الْبَعِيدَةِ .

1) الإيناع : إدراك الثمرة ، يشير إلى أنّ ذلك لم يكن الوقت الذي يسوّع فيه طلب الأمر، فلو نهض إليه كان كمجتني الثمرة قبل إيناعها ونضجها وهو لا ينتفع بما جني ، كما أنّ الزارع في غير أرضه لا ينتفع بما زرع.

2) يعني : إن تكلّم (علیه السّلام) بطلب الخلافة رماه من لا يعرف حقيقة قصده بالحرص على السلطان، وإن سكت - وهم يعلمونه أهلاً للخلافة - يرمونه بالجزع من الموت في طلب حقّه. وجَزِع : خاف.

3) اللتيّا : تصغير «الّتى»، كما أنّ اللذَّيا تصغير «الذى» والمعنى: أبعد أن قاسيتُ الأهوال الكبار والصغار، ومُنيت بكل داهية عظيمة وصغيرة، فاللتيّا للصغيرة والتى للكبيرة . وقد قيل إنّ رجلاً تزوّج بقصيرة سيّئة الخلق فشقي بعشرتها، ثمّ طلّقها وتزوُج أخرى طويلة، فكان شقاؤه بها أشدّ.

4) اندمجت: انطويت، أدمجه : لفّه فى ثوب فاندمج ، أي انطويت على علم والتففت عليه .

5) الأرشية - جمع رشاء : الحبال في البشر البعيدة القعر .

6) الطويّ: جمع طويّة ، البئر المطويّة بالحجارة، والبعيدة: بمعنى العميقة، أو هي - بفتح الطاء كعليّ- بمعنى السقاء، وتكون «البعيدة» نعتاً سببياً، أي البعيدة مقرّها من البئر، أو نسبة البعد في العبارة مجاز عقلي.

6 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

6 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

لَمَّا أُشِيرَ عَلَيْهِ بِأَلَّا يَتْبَعَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، وَلَا يَرْصُدَ لَهُمَا الْقِتَالَ

لَمَّا أُشِيرَ عَلَيْهِ بِأَلَّا يَتْبَعَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، وَلَا يَرْصُدَ لَهُمَا الْقِتَالَ (2)

وَاللهِ لَا أَكُونُ كَالضَّبُعِ تَنَامُ عَلَى طُولِ اللَّدْمِ (3)، حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهَا طَالِبُهَا ، وَيَخْتِلَهَا (4)رَاصِدُهَا(5)، وَلَكِنِّي أَضْرِبُ بِالْمُقْبِلِ إِلَى الْحَقِّ الْمُدْبِرَ عَنْهُ، وَبِالسَّامِع الْمُطِيعِ الْعَاصِيَ الْمُرِيبَ أَبَداً(6)، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيَّ يَوْمِي؛ فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ مَدْفُوعاً عَنْ حَقّي، مُسْتَأْثَراً عَلَيَّ مُنْذُ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ حَتَّى يَوْمِ النَّاسِ هذا (7)


1) ذكرها الطبري في ( تاريخه) في حوادث سنة 36 ، والقاسم بن سلّام في (غريب الحديث) ص 174.

2) يرصد : يترقّب، أو هو رباعي من الإرصاد بمعنى الإعداد، أي ولا يعدّ لهما القتال يقال : أرصد له بشر: أي أعدّ له وهيّأه.

3) اللَد۫م : صوت الحجر أو العصا أو غيرهما، تضرب به الأرض ضرباً ليس بشديد. قال أبو عبيد: «يأتي صائد الضبع فيضرب بعقبه الأرض عند باب جحرها ضرباً غير شديد، وذلك هو اللدم، ثمّ يقول: خامري أمّ عامر ،بصوت ضعيف يكرّرها مراراً، فتنام الضبع على ذلك، فيجعل في عرقوبها حبلاً ويجّرها فيخرجها» وخامري : أي استتري في جحرك، ويقال: خامر الرجل منزله : إذا لزمه.

4) يَخْتِلها : يخدعها .

5) راصدها : صائدها الذي يترقّبها . يقول : لا أقعُد عن الحرب والانتصار لنفسي وسلطاني ، فيكون حالي مع القوم المشار إليهم حال الضَّبع مع صائدها ، فأكون قد أسلمت نفسي ، فعل العاجز الأحمق، ولكنّي أُحارب مَن عصاني بمن أطاعني حتّى أموت .

6) المُريب : الذي يكون في حال الشكّ والريب.

7) يقول : إنّ الاستئثار عليّ والتغلّب أمر لم يتجدّد الآن، ولكنّه كان منذ قُبِضَ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .

7- ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

7- ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي ذَمُ أَتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ

اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لِأَمْرِهِمْ مِلاكاً(2)، وَاتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكا(3)، فبَاضَ وَفَرَّخَ فِي صُدُورِهِمْ (4)، وَدَبَّ وَدَرَجَ فِي حُجُورِهِمْ، فَنَظَرَ بأَعْيُنِهِمْ، وَنَطَقَ بِأَلْسِنَتِهِمْ (5)، فَرَكِبَ بِهِمُ الزَّلَل (6)، وَزَيَّنَ لَهُمُ الْخَطَلَ(7)، فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَهُ الشَّيْطَانُ فِي سُلْطَانِهِ(8)، وَنَطَقَ بِالْبَاطِلِ عَلَى لِسَانِهِ.


1) ذكرها الزمخشري في (ربيع الأبرار) ص 109، واستشهد ابن الأثير بمقطع منها في (النهاية في غريب الحديث) ج 2 ص 50 .

2) ملاك الشيء- بالفتح ويكسر - : قوامه الذي يملك به.

3) يجوز أن يكون أشراكاً جمع شريك ، كشريف وأشراف، أي جعلهم شركاءه، ويجوز أن يكون جمع شَرَك ، كجَبَل وأجبال، وهو ما يصاد به، فكأنّهم آلة الشيطان في الضلال.

4) باض وفرّخ: كناية عن توطّنه صدورهم وطول مكته فيها؛ لأنّ الطائر لا يبيض إلّا في عشّة، وفراخ الشيطان وساوسه.

5) دبّ ودرج في حجورهم: أي ربّوا الباطل كما يربّي الوالدان الولد في حجورهما ، لشدّة اتحاده بهم وامتزاجه صار كمن ينظر بأعينهم، وينطق بألسنتهم، أي صار الاثنان كالواحد .

6) الزلل : الغلط والخطأ.

7) الخَطَل : القول الفاسد وأقبح الخطأ.

8) يجوز: أشركه الشيطان في سلطانه، بالهمزة، وشَرِكه أيضاً؛ وبغير الهمز أفصح.

8- ومن كلام له عليه السلام

اشارة

8- ومن كلام له عليه السلام (1)

يَعْنِي بِهِ الزُّبَيْرَ فَي حَالٍ أَقْتَضَتْ ذَلِكَ

يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ بَايَعَ بِيَدِهِ وَلَمْ يُبَايِعْ بِقَلْبِهِ ، فَقَدْ أَقَرَّ بِالْبَيْعَةِ، وَادَّعَى الْوَلِيجَةَ (2)، فَلْيَأْتِ عَلَيْهَا بِأَمْرٍ يُعْرَفُ، وَإِلَّا فَلْيَدْخُلْ فِيمَا خَرَجَ مِنْهُ.

9- ومن كلام له عليه السلام

اشارة

9- ومن كلام له عليه السلام (3)

فِي صِفَتِهِ وَصِفَةِ خُصُومِهِ، وَيُقَالُ: إِنَّهَا فِي أَصْحَابِ الْجَمَلِ

وَقَدْ أَرْعَدُوا وَأَبْرَقُوا(4)، وَمَعَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الْفَشَلُ(5)، وَلَسْنَا نُرْعِدُ حَتَّى تُوقِعَ(6)، وَلَا نُسِيلُ حَتَّى تُمْطِرَ .


1) ذكره الشيخ المفيد في كتابه (الجمل) عن الواقدي.

2) الوليجة البطانة، والأمر يُسَرَ ويكتم . وكان الزبير يقول: «بايعتُ بيدي لا بقلبي» أو يدعي أنّه : أكره ، وبدعي تارةً أنّه ورّى في البيعة، ونوى دخيلة . فقال(علیه السّلام) : هذا الكلام إقرارٌ منه بالبيعة، وادعاء أمر آخر لم يُقمّ عليه دليلاً، فإمّا أن يقم الدليل على فساد البيعة الظاهرة ، أو يعاود طاعته .

3) ذكره الواقدي في كتابه (الجمل).

4) أرعدوا وأبرقوا : أو عدوا وتهدّدوا ، يقال : «أرعد الرجل وأبرق» إذا أوعد وتهدّد.

5) الفَشَل : الجبن والخَوّر.

6) لسنا نُرعد حتّى نوقع : لا تهدّد عدواً إلا بعد أن توقع بعدّو آخر، فإنّا إذا أَوْقَعنا بعدّو أوعدنا آخر بأن يصيبه ما أصاب سابقه ، وإذا أمطرنا أسلنا ، أمّا أولئك الذين يقولون: «نفعل ونفعل» وما هم بفاعلين فهم بمنزلة من يسيل قبل المطر، وهو محال غير موجود، فهم كالأعدام فيما به يوعدون.

10 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

10 - ومن كلام له عليه السلام (1)

يُرِيدُ الشَّيْطَانَ، أَوْ يُكَنِّي بِهِ عَنْ قَوْمٍ

أَلاَ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ (2)قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ ، وَاسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَرَجْلَهُ (3)، وَإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي (4)مَا لَبَسْتُ عَلَى نَفْسِي(5)، وَلَا لُبْسَ عَلَيَّ . وَايْمُ اللهِ لأُفرِطَنَّ(6)لَهُم۫ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ(7)، لَا يَصْدِرُونَ عَنْهُ(8)، وَلَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ (9)


1) ذكره الشيخ المفيد في كتابه (الإرشاد) ص 118 .

2) يمكن أن يعنى بالشيطان الشيطان الحقيقي، ويمكن أن يعني به معاوية، فإن عني معاوية فقوله: «قد جمع حزبه....» كلام جارٍ على حقائقه، وإن عني الشيطان، كان ذلك من باب الاستعارة.

3) الرَّج۫ل: جمع راجل ، كالشَّرْب جمع شارب.

4) يريد أنّ بصيرته التى معه منذ زمن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لم تتغيّر .

5) ما لبّست على نفسي : ما أوقعتها في اللب۫س والإبهام.

6) لأفرطنَّ : من رواها بفتح الهمزة فأصله من «فَرط» أي سَبقَ ، ومن رواها بضمّ الهمزة فهو مِن «أفرط المائدة» أى ملأها ، أفرطه: ملأه حتّى فاض.

7) الماتح: من متح الماء، أي أنا نازح ماءه من البئر، فمالي به الحوض، وهو حوض البلاء والفناء، أو أنا الذي أسقيهم منه .

8) يُصدرون عنه : يعودون بعد الاستسقاء.

9) أي أنّهم سيردون الحرب فيموتون عندها، ولا يصدرون عنها، ومن نجا منهم فلن يعود إليها.

11 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

11 - ومن كلام له عليه السلام (1)

لِابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ لَمَّا أَعْطَاهُ الرَّايَةَ يَوْمَ الْجَمَلِ

تَزُولُ الْجِبَالُ وَلَا تَزُلْ(2)عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ(3). أَعِرِاللَّهَ جُمْجُمَتَكَ (4). تِدْ فِي الْأَرْضِ قَدَمَكَ(5)أَرْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ، وَغُضَّ بَصَرَكَ(6)، وَأَعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِندِالله سُبْحَانَهُ.

12 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

12 - ومن كلام له عليه السلام (7)

لَمَّا أَظْفَرَهُ اللَّهُ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ

وَقَدْ قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: وَدِدَتْ أَنَّ أَخِي فُلاناً كَانَ شَاهِدَنَا لِيَرَى مَا نَصَرَكَ اللَّهُ بِهِ عَلَى أَعْدَائِكَ.


1) ذكره المامطيري في (نزهة الأبصار) والزمخشري في (ربيع الأبرار) ج 4، باب القتل والشهادة.

2) تزول الجبال: خبر فيه معنى الشرط ، تقديره : إن زالت الجبالُ فلا تَزُل أنتَ .

3) الناجِذُ : أقصى الأضراس ، أو كلّها، أو الأنياب، والناجذ واحدها، قيل: إذا عضّ الرجل على أسنانه اشتدّت أعصاب رأسه وعظامه، ولهذا يوصي به عند الشدّة ليقوى ، والصحيح أنّ ذلك كناية عن الحميّة؛ فإنّ من عادة الإنسان إذا حمي واشتدّ غيظه على عدوّه عضّ على أسنانه.

4) أعِر۫: أمر من «أعار» أي ابذل جمجمتك لله تعالى كما يبذل المعير ماله للمستعير.

5) أي ثبّتها من «وَتَدَ ، يَتِد».

6) ارم ببصرك: أي أحط بجميع حركاتهم، وغضّ النظر عمّا يخيفك منهم، أي لا يهولنّك منهم هائل، وغضّ النظر : كفّه.

7) ذكر البرقي في كتاب (المحاسن ) ج 1 ص 262 حديثاً قريباً منه في المعنى.

فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَهْوَى أَخِيكَ مَعَنا؟ (1)فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَقَدْ شَهِدَنَا، وَلَقَدْ شَهِدَنَا فِي عَسْكَرِنَا هَذَا أَقْوَامُ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ، وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ، سَيَرْعَفٌ بِهِمْ الزَّمَانُ(2)، وَيَقْوَى بِهِمُ الْإِيمَانُ .

13 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

13 - ومن كلام له عليه السلام (3)

فِي ذَمّ أَهْلِ الْبَصْرَةِ

كُنتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ، وَأَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ (4): رَغَا(5)فَأَجَبْتُمْ، وَعُقِرَ (6)

فعزموا على المسير وجهّزهم يعلى بن منبّه، وكان والياً لعثمان على اليمن، وعزله عليّ كرّم الله وجهه ، وأعطى للسيّدة عائشة جملاً اسمه «عسكر»، ونادى مناديها فى الناس بطلب ثأر عثمان ، فاجتمع نحو ثلاثة آلاف، فسارت فيهم إلى البصرة. وبلغ الخبر عليّاً فأوسع لهم النصيحة، وحذرهم الفتنة، فلم ينجح النصح ، فتجهز لهم، وأدركهم بالبصرة. وبعد محاولات كثيرة منه - يبغي بها حقن الدماء - انتشبت الحرب بين الفريقين، واشتد القتال، وكان الجمل يعسوب البصريين ، قتل دونه خلق كثير من الفئتين، وأخذ خطامه سبعون قرشياً ما نجا منهم أحد ، وانتهت الموقعة بنصر على كرّم الله وجهه بعد عقر الجمل. وفيها قتل طلحة والزبير، وقتل سبعة عشر ألفاً من أصحاب الجمل، وكانوا ثلاثين ألفاً، وقتل من أصحاب علي ألف وسبعون.

فَهَرَبْتُمْ. أَخْلَاقُكُمْ

1) هوى أخيك: أي ميله ومحبّته.

2) يرعف بهم الزمان: يوجدهم ويخرجهم ، كما يرعف الإنسان بالدم يخرجه من أنفه ، أي يأتي بهم على غير انتظار.

3) ذكره الدينوري في (الأخبار الطوال) ص 153، وابن قتيبة في (عيون الأخبار ) ج 1 ص 217، وابن عبد ربه في (العقد الفريد) ج 4 ص 328، والمسعودي في (مروج الذهب ) ج 2 ص 377 ،وعلي بن إبراهيم في (تفسيره) ص 655 ، وغيرهم.

4) أتباع البهيمة : يعنى الجمل ، وكان جمل عائشة راية عسكر البصرة ، قُتلوا دونه كما تُقتل الرجال تحت راياتها .

5) وغا الجمل : أطلق رُغاءه ، وهو صوته المعروف .

6) عُقر: جرح أو ضربت قوائمه أو ذُبح . ومجمل القصّة : أنّ طلحة والزبير بعدما بايعا أميرالمؤمنين فارقاه في المدينة و أتيا مكّة مغاضبين، فالتقيا بعائشة زوج النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فسألتهما الأخبار فقالا: «إنّا تحملنا هرباً من غوغاء العرب بالمدينة، وفارقنا قومنا حيارى، لا يعرفون حقّاً، ولا ينكرون باطلاً ولا يمنعون أنفسهم» ، فقالت : «اننهض إلى هذه الغوغاء، أو نأتي الشام» ؟ فقال أحد الحاضرين : «لا حاجة لكم في الشام، قد كفاكم أمرها معاوية، فلنأت البصرة فإنّ لأهلها هوى مع طلحة».

دِقَاق(1)، وَعَهْدُكُمْ شِفَاقٌ(2)، وَدِينُكُمْ نِفَاقُ ، وَمَاؤُكُمْ زُعَاقٌ(3)، وَالْمُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَنٌ (4)بِذَنْبِهِ ، وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكَ بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ. كَأَنِّي بِمَسْجِدِكُمْ كَجُوجُو سَفِينَةٍ(5)، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْعَذَابَ مِنْ فَوْقِهَا وَمِنْ تَحْتِهَا، وَغَرِقَ مَنْ فِي ضِمْتِهَا . وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَيْمُ اللَّهِ لَتَغْرَقَنَّ بَلْدَتُكُمْ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَسْجِدِهَا

كَجُوجُو سَفِينَةٍ ، أَوْ نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ(6). وَفِي رِوَايَةٍ: كَجُوجُو طَيْرٍ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ (7).


1) أخلاقكم دقاق : يصفهم باللؤم ، ودقّة الأخلاق: دناء تها .

2) عهدهم شقاق : يصفهم بالغدر .

3) ماؤكم زعاق: أي مِل۫ح مالح، وهذا لم يكن من أفعالهم إلَّا أنّه ممّا تُذمَ به المدينة .

4) مُرتهن : من الارتهان والرهن ، والمراد : مؤاخذ.

5) الجٶجؤ : عَظم الصدر، وجؤجؤ السفينة : صدرها .

6) مِنْ جَثَّمَ» إذا وقع على صدره أو تلبّد بالأرض ، جائمة : واقعة على صدرها ، وقد وقع ما أوعد به أميرالمؤمنين، فقد غرقت البصرة، جاءها الماء من بحر فارس من جهة الموضع المعروف بجزيرة الفرس، ومن جهة الجبل المعروف بجبل السنام ، ولم يبق ظاهراً منها إلا مسجدها الجامع، ومعنى قوله: «أبعدها من السماء» أنّها في أرض منخفضة، والمنخفض أبعد عن السماء من المرتفع بمقدار انخفاضه وارتفاع المرتفع.

7) لُجّة - وجمعها لُجَجّ - : مُو۫جَةٌ.

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: بِلَادُكُمْ أَنْتَنُ بِلَادِ اللهِ تُرْبةٌ، أَقْرَبُهَا مِنَ الْمَاءِ، وَأَبْعَدُهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَبِهَا تِسْعَةُ أَعْشَارِ الشَّرِّ ،الْمُحْتَبَسُ فِيهَا بِذَنْبِهِ، وَالْخَارِجُ بِعَفْوِ اللَّهِ.

كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَرْيَتِكُمْ هَذِهِ قَدْ طَبَّقَهَا الْمَاءُ ، حَتَّى مَا يُرَى مِنْهَا إِلَّا شُرَفُ الْمَسْجِدِ (1)، كَأَنَّهُ جُؤْجُؤُ طَيْرٍ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ.

14 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

14 - ومن كلام له عليه السلام (2)

فِي مِثْل ذلِكَ

أَرْضُكُمْ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَاءِ ، بَعِيدَةٌ مِنَ السَّمَاءِ(3)، خَفَّتْ عُقُولُكُمْ، وَسَفِهَتْ حُلُومُكُمْ(4)، فَأَنْتُمْ غَرَضُ لِنَابِلٍ(5)، وَأُكْلَةٌ لِآكِلٍ(6)، وَفَرِيسَةٌ لِصَائِلٍ(7).


1) شُرَف المسجد: جمع شَرفة، وهي أعلى مكان فيه.

2) ذكره الدينوري في (الأخبار الطوال) ص 151، والشيخ المفيد في كتاب (الجمل ) ص 217 نقلاً عن الواقدي، وروى ابن قتيبة فقرات منه في (عيون الأخبار) ج 1 ص 217.

3) قريبة من الماء: أي قريبة من الغَرَق بالماء، وبعيدة عن السماء ؛ فإنّ أربابَ علم الهيئة وصناعة التنجيم يذكرون «أنّ أبعد موضع في الأرض عن السماء الأبلَّة؛ وهي قصبة البصرة»، وذلك موافق لقوله (علیه السّلام) .

4) سفهت حلو مكم: صارت سفيهة بها خِفّة وطيش ، وحُلُومكم : جمع حِلْم، وهو العقل ، فهي كالعبارة التي قبلها : خَفّت عقولكم .

5) النابل: ذو النبل، أي الضارب بالنبل ، والغرض: ما ينصب ليرمى بالسهام .

6) الأكلة - بضم الهمزة - : المأكول .

7) فريسة الصائل: أي لصائدٍ يصول في طلب فريسته .

15 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

15 - ومن كلام له عليه السلام (1)

فِيمَا رَدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَطَائِع عُثْمَانَ

فِيمَا رَدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَطَائِع عُثْمَانَ (2)

وَاللهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَمُلِكَ بِهِ الْإِمَاءُ؛ لَرَدَدْتُهُ؛ فَإِنَّ فِي الْعَدْلِ سَعَةٌ. وَمَنْ صَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ، فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ (3).

16 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

16 - ومن كلام له عليه السلام (4)

لَمَّا بُويِعَ بِالْمَدِينَةِ

ذِمَّتِي بِمَا أَقُولُ رَهِينَةٌ(5)، وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ(6). إِنَّ مَنْ صَرَّحَتْ لَهُ الْعِبَرُ (7)عَمَّا بَيْنَ


1) رواه أبو هلال العسكري في كتاب (الأوائل) والقاضي النعمان في (دعائم الإسلام) ج 1 ص 396.

2) القطائع : ما يُقطعه الإمام بعضَ الرعية من أرض بيت المال ذاتِ الخراج ويُسقط عنه خراجه ، : ويجعل عليه ضريبة يسيرة عوض الخراج. وقد كان عثمان أقطع كثيراً من بني أمية وغيرهم من أوليائه وأصحابه كقطائعه لمعاوية ومروان، وكان الأصل فيها أن تنفق غلّتها على أبناء السبيل وأشباههم.

3) أي أنّ من عجز عن تدبير أمره بالعدل، فهو عن التدبير بالجور أشدّ عجزاً، فإنّ الجور مظنة أن يقاوم ويصد عنه. وهذه الخطبة رواها الكلبي مرفوعة إلى أبي صالح عن ابن عباس أنّ علياً خطب ثاني يوم من بيعته في المدينة فقال : ألا إنّ كل قطيعة أقطعها عثمان وكل ما أعطاه من مال الله فهو مردود إلى بيت المال، فإنّ الحق القديم لا يُبطله شيء، ولو وجدته قد تزوج ...

4) رواها ابن قتيبة في (عيون الاخبار ) 22 ص 236 ، والجاحظ في (البيان والتبيين) ج 1 ص 170 .

5) الذّمة : العقد والعهد، تقول هذا الحق في ذمتي كما تقول: «في عنقي» وهما كناية عن الضمان والالتزام . ورهينة: مرهونة، من الرهن .

6) الزعيم : الكفيل. يريد أنّه ضامن لصدق ما يقول، كفيل بأنّه الحق الذي لا يدافع.

7) العِبَر - بكسر ففتح - : جمع عِبرة، وهي الموعظة .

يَدَيْهِ مِنَ الْمَثْلَاتِ (1)، حَجَزَتْهُ التَّقْوَى عَنْ تَقَدُّم الشُّبُهَاتِ.

أَلَا وَإِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ(2). وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً (3)، وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً(4)، وَلَتُسَاطُنَّ سَوْطَ الْقِدْرِ (5). حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلَاكُمْ، وَأَعْلَاكُمْ أَسْفَلَكُمْ، وَلَيَسْقَنَّ سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا وَلَيُقَصِّرُنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا (6).


1) المثُلات : العقوبات، أي من كشف له النظر في أحوال من سبق بين يديه، وحقق له الاعتبار والاتعاظ أن العقوبات التي نزلت بالأمم والأجيال والأفراد من ضعف وذل وفاقة وسوء حال إنّما كانت بما كسبوا من ظلم وعدوان وما لبسوا من جهل وفساد أحوال ، ملكته التقوى - وهي التحفظ من الوقوع فيما جلب تلك العقوبات لأهلها - فمنعته عن نقحم الشبهات والتردي فيها، فإنّ الشبهة مظنة الخطيئة والخطيئة مجلبة العقوبة.

2) إنّ بلية العرب التي كانت محيطة بهم يوم بعث الله نبيه محمداً(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و هي بلية الفرقة ومحنة الان الشتات، حيث كانوا متباغضين متنافرين يدعو كلّ إلى عصبيته، وينادي نداء عشيرته، يضرب بعضهم رقاب بعض ، فتلك الحالة التي هي مهلكة الأمم قد صاروا إليها بعد مقتل عثمان، بعثت العداوات التي كان قد قتلها الدين، ونفخت روح الشحناء بين بين الأمويين والهاشميين وأتباع كل واحد منهم ، ولا حول ولا قوة إلّا بالله .

3) لتبلبلن: أى لتخلطن . تبلبلت الألسن اختلطت.

4) لتغربلن: يجوز أن يكون من الغِر۫بال الذي يُغَرْبَلُ به الدقيق، ويجوز أن يكون من غَرْبَلْتُ اللحم ؛ أي قطعته، فعلى الأول له معنيان: الأول : الاختلاط ، والثاني : استخلاص الصالح من الفاسد.

5) ولتساطن : من «السوط» وهو أن تجعل شيئين في الإناء وتضربهما بيدك حتى يختلطا. وقوله: «سوط القدر» أي كما تختلط الأبزار ونحوها في القدر عند غليانه فينقلب أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها، وكل ذلك حكاية عما يؤولون إليه من الاختلاف، وتقطع الأرحام وفساد النظام.

6) ولقد سبق معاوية إلى مقام الخلافة وقد كان في قصوره عنه بحيث لا يظن وصوله إليه، وقُصر آل بيت النبوة عن بلوغه وقد كانوا أسبق الناس إليه .

واللهِ مَا كَتَمْتُ وَشْمَةً (1)، وَلَا كَذَبَتُ كِذْبَةً، وَلَقَدْ نُبِّئْتُ بِهَذَا الْمَقَامِ وَهذَا الْيَوْمِ. أَلَا وَإِنَّ الْخَطَايَا خَيْلُ شُمُسٌ (2)حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَخُلِعَتْ لُجُمُهَا (3)، فَتَقَجَّمَتْ بِهِمْ فِي النَّارِ. أَلَا وَإِنَّ التَّقْوَى مَطَايَا ذَلُل(4)، حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَأُعْطُوا أَزمَّتَهَا، فَأَوْرَدَتْهُمُ الْجَنَّةَ . حَقٌّ وَبَاطِلٌ، وَلِكُلٍّ أَهْلُ(5)، فَلَئِنْ أَمِرَ البَاطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ(6)، وَلَئِنْ قَلَّ الْحَقُّ لَرُبَّمَا وَلَعَلَّ، وَلَقَلَّمَا أَدْبَرَ شَيْءٌ فَأَقْبَلَ (7)

وَقَالُوا يَعُودُ الْمَاءُ فِي النَّهْر بَعْدَمَا*** ذَوَى تَبْتُ جَنْبَيْهِ وَجَفَّ الْمَشَارِعُ

فَقُلْتُ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ النَّهرُ جَارِباً*** ويُعشِبُ جَنْبَاهُ تَمُوتُ الضَّفَادعُ

.

1) ما عصيتُ فلاناً وش۫مة: أى كلمة. وقد كان رضي الله عنه لا يكتم شيئاً يحوك بنفسه ، كان أمّاراً بالمعروف نهّاء عن المنكر ، لا يحابي ولا يداري ولا يكذب.

2) الشُّمْس - بضمتين وضم فسكون - : جمع شَمُوس وهي من «شَمَس» - كنصر - أي منع ظهره أن يركب، حصان شموس : يمنع ظهره، وفاعل الخطيئة إنّما يقترفها لغاية زينّت له يطلب الوصول إليها، فهو شبيه براكب فرس يجريه إلى غايته، لكن الخطايا ليست إلى الغايات بمطايا؛ فإنّها اعتساف عن السبيل واختباط في السير، لهذا شبّهها بالخيل الشُّمُس التي قد خلعت لجمها لأنّ من لم يلجم نفسه بلجام الشريعة أفلتت منه إلى حيث ترديه وتتقحم به في النار .

3) لُجُمُها : جمع لِجام ، وهو عنان الدابة الذي تُلجم به .

4) تشبيه التقوى بالمطايا الذلل ظاهر فإنّ التقوى تحفظ النفس من كل ما ينكبها عن صراط الشريعة فصاحبها على الجادّة لا يزال عليها حتى يوافي الغاية. والذلل : جمع ذَلُول، وهي المُرَوَّضَة الطائعة لسلسلة القياد .

5) أي أنّ ما يمكن أن يكون عليه الإنسان ينحصر في أمرين الحق والباطل ولا يخلو العالم منهما ، ولكل من الأمرين أهل ، فللحق أقوام وللباطل أقوام.

6) أمر الباطل: كثُر . ولقديماً فعل أي لقديماً فَعَل الباطل ذلك ؛ لأنّ البصائر الزائغة عن الحقيقة أكثر من الثابتة عليها ، ولئن كان الحق قليلاً بقلة أنصاره فلربما غلبت قلته كثرة الباطل، ولعله يقهر الباطل ويمحقه، ونسبَ الفعل إلى الباطل مجازاً .

7) هذه الكلمة صادرة من ضجر بنفسه، استبعد(علیه السّلام) أن تعود دولة قومٍ بعد زوالها عنهم، وإلى هذا لا المعنى ذهب الشاعر في قوله :

قال الرضي (رحمه الله) : وأقول : إن في هذا الكلام الأد۫نَى من مَواقِع الإِحْسَانِ مَا لا تَبْلُغُهُ مَواقِعُ الاسْتِحْسَانِ. وَإِنَّ حَظَ العَجَبِ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ حَظِّ العُجْبِ بِهِ، وَفِيهِ - مَعَ الحَالِ الَّتِي وَصَفْنَا - زَوَائِدُ مِنَ الفَصَاحَةِ لَا يَقُومُ بِهَا لِسَانُ، وَلَا يَطلُعُ فَجَّهَا إِنْسَانَ(1)، وَلَا يَعْرِفُ مَا أَقُولُ إِلَّا مَنْ ضَرَبَ فِي هَذِهِ الصَّنَاعَةِ بِحَقِّ.

وَجَرَى فِيهَا عَلَى عِرْقٍ (2)، «وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ».

وَمِنْ هَذِهِ الْخُطْبَة

شُغِلَ مَنِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ أَمَامَهُ(3)

و«شغل» مبني للمجهول نائب فاعله «مَنْ»، و«الجنة والنار» مبتدأ خبره «أمامه»، والجملة صلة ((مَنْ)) أي كفى شاغلاً أن تكون الجنة والنار أمامك، ومن كانت أمامه الجنة والنار على ما وصف الله سبحانه فحريّ به أن تنفد أوقاته جميعها في الإعداد للجَنَّة والابتعاد عما عساه يؤدّي إلى النار .

. سَاعٍ سَرِيعُ نَجَا(4)، وَطَالِبٌ بَطِيءٌ رَجَاء وَمُقَصِّرُ فِي النَّارِ هَوَى.

1) لا يطلع من قولهم «أطُلَعَ الأرض» أي بلغها ، والفج : الطريق الواسع بين جَبَلَي۫ن في قبل من أحدهما.

2) العِرْقَ : الأصل، أي سلك في العمل بصناعة الفصاحة والصدور عن ملكتها على أصولها وقواعدها.

3) «شُغِل :..» : يريدُ به أنّ من كانت هاتان الداران أمامه لَفي شغل عن أمور الدنيا ، إن كان رشيداً .

4) يقسم الناس، إلى ثلاثة أقسام : الأول: الساعي إلى ما عندالله، السريع في سعيه وهو الواقف عند حدود الشريعة ، لا يشغله فرضها عن نفلها ، ولا شافها عن سهلها. والثاني : الطالب البطيء، له قلب تعمره الخشية، وله صلة إلى الطاعة، لكن ربما قعد به عن السابقين ميل إلى الراحة فيكتفي من العمل بفرضه، وربما انتظر به غیر وقته، وينال من الرخص حظه، وربما كانت له هفوات، ولشهوته نزوات، على أنّه راجع إلى ربه، كثير الندم على ذنبه ، فذلك الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً ، فهو يرجو أن يغفر له . والقسم الثالث : المقصّر، وهو الذي حفظ الرسم ولبس الاسم وقال بلسانه أنّه مؤمن وربما شارك الناس فيما يأتون من أعمال ظاهرة كصوم وصلاة وما شابههما وظن أنّ ذلك كل ما يطلب منه ، ثم لا تورده شهوته منهلاً إلّا عبّ منه ، ولا يميل به هواه إلى أمر إلّا انتهى إليه ، فذلك عبد الهوى، وجدير به أن يكون في النار هوى.

اَلْيَمِينُ وَالشِّمَالُ مَضَلَّةٌ(1)، وَالطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ(2)، عَلَيْهَا بَاقِي الْكِتَابِ وَآثَارُ النُّبُوَّةِ، وَمِنْهَا مَنْفَذُ السُّنَّةِ، وَإِلَيْهَا مَصِيرُ الْعَاقِبَةِ .

هَلَكَ مَنِ ادَّعَى، وَخَابَ مَنِ افْتَرَى (3). مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ(4)

ويُروى «من أبدى صفحته للحق هلك عند جهلة الناس» وعلى هذه الرواية يكون المعنى: مَن ظاهَرَ الحق ونصره غلبته الجهلةُ بكثرتهم، وهم أعوان الباطل ، فهلك .

، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلَّا يَعْرِفَ قَدْرَهُ. لَا يَهْلِكُ عَلَى التَّقْوَى سِنْخُ أَصْلٍ(5)، وَلَا يَظْمَأُ عَلَيْهَا

1) «اليمين والشمال» : مثال لما زاغ عن جادة الشريعة ؛ لأنّ السالك للطريق المنهج اللاحب ناجٍ، والعادل عنها يميناً وشمالاً مُعرَّض للخطر .

2) الطريق الوسطى: مثال للشريعة القويمة، ثم أخذ يبين أنّ الجادة والطريق الوسطى وهي سبيل النجاة جاء الكتاب هادياً إليها، والسنّة لا تنفذ إلّا منها، فمن خالف الكتاب ونبذ السنة ثم أدّعى أنّه على الجادة فقد كذب، ولهذا يقول: «هلك من ادّعى» أي من ادّعى دعوة وكذب فيها ولم يكن عنده ممّا يدّعيه إلّا مجرد الدعوى فقد هلك؛ لأنّه مائل عن الجادة، وهي : الطريق.

3) «هلك من ادّعى ، ورديّ من اقتحم» يريد هلَكَ من ادّعي وكذب ، وكأنّه يقول : هلك من ادّعى الإمامة، ورديّ مُن اقتحمها وَوَلَجها عن غير استحقاق ؛ لأنّ كلامه في هذه الخطبة كلُه كنايات عن الإمامة لا عن غيرها.

4) «من أبدى صفحته للحق هلك»: أي من كاشف الحق مخاصماً له مصارحاً له بالعداوة هلك.

5) السنخ : الأصل، والسنخ : المثبّت، يقال: «اثبتت السن في سنخها» أي منبتها، والأصل لكل شيء: قاعدته وما قام عليه بقيته، فأصل الجبل مثلاً أسفله الذي يقوم عليه أعلاه، وأصل النبات جذره الذاهب في منبته ، وهلاك السنخ فساده حتى لا تثبت فيه أصول ما اتصل به ولا ينمو غرس غُرِس فيه ، وكل عمل ذهبت أصوله في أسناخ التقوى كان جديراً بأن تثبت أصوله وتنمو فروعه ويزكو بزكاء منبته ومغرس أصله وهو التقوى، وكما أنّ التقوى سنخ لأصول الأعمال كذلك منها تستمد الأعمال غذاءها وتستقي ماءها من الإخلاص، وجدير بزرع يسقى بماء التقوى أن لا يظمأ، و«عليها» في الموضعين في معنى «معها»، وقد يقال في قوله «سنخ أصل» أنّه على نحو قول القائل إذا خاض عينيه كرى النوم، والكرى هو النوم، والسنخ : هو الأصل، والأليق بكلام الإمام ما قدمناه.

زَرْعُ قَوْمٍ فَأَسْتَتِرُوا فِي بُيُوتِكُمْ (1)وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، وَالتَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ. وَلَا يَحْمَدُ حَامِدٌ إِلَّا رَبَّهُ، وَلَا يَكُمْ لَائِمٌ إِلَّا نَفْسَهُ .

17 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

17 - ومن كلام له عليه السلام (2)

فِي صِفَةِ مَنْ يَتَصَدَّى لِلْحُكْمِ بَيْنِ الْأُمَّةِ وَلَيْسَ لِذَلِكَ بِأَهْلٍ

إِنَّ أَبْغَضَ الْخَلَائِقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى رَجُلَانِ : رَجُلٌ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ(3): فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ(4)، مَشْغُوفُ(5)بِكَلَامِ بِدْعَةٍ(6)، وَدُعَاءِ ضَلَالَةٍ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ افْتَتَنَ بِهِ، ضَالَ عَنْ هُدَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، مُضِلَّ لِمَن أَقْتَدَى بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ ، حَمَّالُ خَطَايَا غَيْرِهِ، رَهْنُ بخَطِيئَتِهِ (7).


1) فاستتروا في بيوتكم : نهيٌ لهم عن العصبية والاجتماع والتحزّب ، فقد كان قوم بعد قتل عثمان تكلّموا في قتله من شيعة بني أمية بالمدينة.

2) ذكره أبو طالب المكي في (قوت القلوب ) ج 1 ص 290، والهروي في (الجمع بين الغريبين)، وابن الأثير في (النهاية) مادة خبط، والقاضي النعمان في كتاب (أصول المذهب) ص 135، وابن قتيبة في (غريب الحديث)، وغيرهم .

3) وكله إلى نفسه: تركه ونفسَه .

4) الجائر : الضال العادل عن الطريق، وهو كناية عن ذهابه خلف هواه فيما يعتقد لا يرجع إلى حقيقة من الدين، ولا يهتدي بدليل من الكتاب، فهذا جائر عن قصد السبيل، وعادل عن جادّته.

5) المشغوف بشي : المولع به حتى بلغ حبه شغاف قلبه ، وهو غلافه.

6) كلام بدعة : ما اخترعته الأهواء ولم يعتمد على ركن من الحق ركين.

7) هذا الضال المولع بتنميق الكلام لتزيين البدعة الداعي إلى الضلالة قد غرر بنفسه وأوردها هلكتها، فهو رهن بخطيئته لا مخرج له منها وهو مع ذلك حامل لخطايا الذين أضلّهم وأفسد عقائدهم بدعائه كما قال تعالى : «وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِم» [العنكبوت : 13 ] .

وَرَجُلٌ قَمَشَ جَهْلاً(1)، مُوضِعٌ فِي جُهَّالِ الْأُمَّةِ(2)، عَادٍ فِي أَغْبَاشِ الْفِتْنَةِ(3)، عَمٍ بِمَا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ(4)، قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالِماً وَلَيْسَ بِهِ ، بَكَّرَ(5)فَأَسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْعِ (6)

وأثبت الصالح «فاكتثَر»، واكتنز: أي عدّ ما جمعه كنزاً وهو غير طائل دوني خسيس.

مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثَّرَ ، حَتَّى إِذَا أَرْتَوَى مِنْ آجِنٍ(7)، وَأَكْثَرَ مِنْ غَيْرِ

1) قمش جهلاً: جمعه، وأصل الفَنش: جمع المتفرق ، والجهل هنا بمعنى المجهول وكما يسمى المعلوم علماً بل قال قوم: إنّ العلم هو صورة الشيء في العقل، وهو المعلوم حقيقة ، كذلك یسمی المجهول جهلاً، بل الصورة التي اعتبرت مثالاً لشيء وليست بمنطبقة عليه هي الجهل حقيقة بالمعنى المقابل للعلم بذلك التفسير السابق، فالجهل المجموع هو المسائل والقضايا التي يظنها جامعها تحكي واقعاً ولا واقع لها.

2) موضِعٌ في جُهَّال الأمّة : مسرع فيهم بالغش والتغرير، أوضع البعير : أسرع، وأوضعه راكبه فهو ، موضع به أي مسرع به .

3) قوله: «عاد في أغباش الفتنة» الأغباش : الظلمات واحدها غَبَش - بالتحريك - وأغباش الليل: بقايا ظلمته. وعادٍ بمعنى مسرع في مشيته، من عَدا يَع۫دُو إذا جرى، أي أنّه ينتهز افتتان الناس يجهلهم وعماهم في فتنتهم فيعدو إلى غايته من التصدّر فيهم والسيادة عليهم بما جمع مما يظنه الجهلة علماً وليس به. ويروى «غار في أغباش الفتنة» من «غرَّهُ يغره» إذا غشَّهُ وهو ظاهر .

4) عم: وَصْفُ من العمى، أي جاهل بما أودعه الله في السكون والاطمئنان من المصالح ، وقد يراد بالهدنة إمهال الله له في العقوبة وإملاؤه في أخذه، ولو عقل ما هيا الله له من العقاب لأخذ من العلم بحقائقه ، وأوغل فى النظر لفَه۫م دقائقه ، ونصَح الله ولرسوله وللمؤمنين.

5) بكَّر : بادر إلى الجمع كالجاد في عمله يبكر إليه من أول النهار.

6) استكثر: أي احتاز كثيراً من جمعٍ - بالتنوين - أي مجموع قليله خير من كثيره إن جعلت «ما» موصولة ، فإن جعلتها مصدرية كان المعنى قلّته خير من كثرته. ويروی جمع بغیر تنوین، ولا بد من حذفٍ على تلك الرواية أي من جَمْع شيء قلّته خيرٌ من كَث۫رتِه . [ وقد أثبت عبده في المتن «فاكتَنَز».

7) الماء الأجن: الفاسد المتغير الطعم واللون، شبه به تلك المجهولات التي ظنها معلومات وهي تشبه العلم في أنّها صور قائمة بالذهن فكأنّها من نوعه كما أنّ الأجن من نوع الماء، لكن الماء الصافي ينقع الغلة ويطفئ من الأوار، والأجن يجلب العلة ويفضي بشاربه إلى البوار .

طائل ، جَلَسَ بَينَ النَّاسِ قَاضِياً ، ضَامِناً لِتَخْلِيص (1)مَا الْتَبسَ عَلَى غَيْرِهِ(2)، فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ (3)هَيَّأَ لَهَا حَشْواً (4)رَثّاً(5)مِنْ رَأْيِهِ، ثُمَّ قَطَعَ بِهِ، فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ(6)، لَا يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ ؛ فَإِنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ ، وَإِنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ. جَاهِلٌ خَبَّاطُ (7)جَهَالَاتٍ ، عَاشٍ (8)رَكَّابُ عَشَوَاتٍ (9)، لَمْ يَعَضُّ عَلَى الْعِلْمِ بِضِرْسٍ قاطع (10)، يُذْرِي الرَّوَايَاتِ إِذْرَاءَ الرِّيحِ الْهَشِيمَ(11)، لَا مَلِيٌّ وَاللهِ بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ


1) التخليص : التبيين.

2) التبس على غيره: اشتبه عليه .

3) المبهمات: المشكلات؛ لأنّها أبهمت عن البيان كالصامت الذي لم يجعل على ما في نفسه دليلاً، ومنه قيل لما لا ينطق من الحيوان بهيمة.

4) حشواً : يعنى كثيراً لا فائدة فيه، وهو كلام مخرجه الذم.

5) الرثُ: الخَلَق البالي، ضد الجديد أي أنّه يلاقي المبهمات برأي ضعيف لا يصيب من حقيقتها شيئاً، بل هو حشو لا فائدة له في تبينها ثم يزعم بذلك أنّه بيّنها .

6) الجاهل بشيء ليس على بينة منه فإذا أثبته عرضت له الشبهة في نفيه ، وإذا نفاه عرضت له الشبهة في إثباته، فهو في ضعف حكمه في مثل نسج العنكبوت ضعفاً، ولا بصيرة له في وجوه الخطأ والإصابة فإذا حكم لم يقطع بأنّه مصيب أو مخطئ، وقد جاء الإمام في تمثيل حاله بأبلغ ما يمكن من التعبير عنه .

7) خبّاط : صيغة مبالغة من «خبط الليل» إذا سار فيه على غير هدى، ومنه خَبط عشواء، شبّه الجهالات بالظلمات التي يخبط فيها السائر وأشار إلى التشبيه بالخَب۫ط

8) العاشي : الأعمى أو ضعيف البصر أو الخابط في الظلام فيكون كالتأكيد لما قبله.

9) العشّوات: جمع عشوة - مثلثة الأول - وهي ركوب الأمر على غير هدى.

10) لم يعضّ: يريد أنه لم يُتقن ولم يُحكم الأمور ، ومن عادة عاجم العود أي مختبره ليعلم صلابته : من لينه أن يعضُه ، فلهذا ضرب المثل في الخبرة بالعضُ بضرس قاطع أي أنّه لم يأخذ العلم اختباراً بل تناوله كما سوّل الوهم وصوّر الخيال ولم يعرض على محض الخبرة ليتبين أحق هو أم باطل.

11) الهشيم : ما يبس من النبت وتفتت، و «أذرته الريح إذراء» أطارته ففرقته، ويروى يذرو الروايات كما تذرو الريح الهشيم، وهي أفصح، قال الله تعالى: «فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ » [الكهف: 145 ]وكما أنّ الريح في حمل الهشيم وتبديده لا تبالي بتمزيقه واختلال نسقه كذلك هذا الجاهل يفعل في الروايات ما تفعل الريح بالهشيم .

عَلَيْهِ(1)، وَلَا هُوَ أَهْلُ لِمَا فُوِّضَ إِلَيْهِ ، لَا يَحْسَبُ الْعِلْمَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَنْكَرَهُ، وَلَا يَرَى أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ مَذْهَباً لِغَيْرِهِ، وَإِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرُ اكْتَتَمَ بِهِ (2)، لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ ، تَصْرُحُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ، وَتَعجُّ مِنْهُ الْمَوَارِيتُ (3)إِلَى اللهِ أَشْكُو مِنْ مَعْشَرٍ يَعِيشُونَ جُهَّالاً(4)، وَيَمُوتُونَ ضَلالاً ، لَيْسَ فِيهِمْ سِلْعَةٌ أَبْوَرُ(5)مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ(6)، وَلَا سِلْعَةُ أَنْفَقُ(7)بَيْعاً ، وَلَا أَغْلَى ثَمَناً مِنَ الْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلَا عِنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَلَا أَعْرَفُ مِنَ الْمُنْكَرِ .


1) «لا مِلئ» أي لا قيّم به الملىء بالقضاء : من يحسنه ويجيد القيام عليه، وهذا لا ملئ بإصدار القضايا التي ترد عليه وإرجاعها عنه مفصولاً فيها النزاع مقطوعاً فيها الحكم؛ أي غير قيّم بذلك، ولا غناء فيه لهذا الأمر الذي تصدر له، وروى ابن قتيبة بعد قوله «لا ملئ والله بإصدار ما ورد عليه»: ولا أهلُ لما فُرَّظَ به أي مُدح به بدل «ولا هو أهل لما فُوَّض إليه»، والذي رواه ابن قتيبة من تمام كلام أميرالمؤمنين (علیه السّلام) هو الصحيح الجيّد.

2) اكتتم به: أي كتمه وستره لما يعلم من جهل نفسه.

3) العجَ: رفع الصوت. وصراخ الدماء وعج المواريث تمثيل لحدة الظلم وشدة الجور.

4) إلى «الله» متعلق ب- «أشكو». وفي رواية إسقاط لفظ «أشكو» فيكون «إلى الله» متعلقاً ب- «تعج» وقوله «من معشر» يشير إلى أولئك الذين قمشوا جهلاً.

5) أَبْوَر : من البَوْر الفاسد، بارَ الشيء: أي فسد، وبارت السلعة: أي كسدت ولم تنفق ، وهو المراد هنا ، وأصله الفساد أيضاً.

6) تُليَ حق تلاوته : أخذ على وجهه وما تدل عليه جملته، وفهم كما كان النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وأصحابه يفهمونه.

7) أنفق من النَّفاق - بالفتح- : وهو الرَّواج، وما أشبه حال هذا المعشر بالمعاشر من أهل هذا الزمان .

18 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

18 - ومن كلام له عليه السلام (1)

فِي ذَمِّ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي الْفُتْيَا

تَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمُ الْقَضِيَّةُ فِي حُكْمِ مِنَ الْأَحْكَامِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِرَأْيِهِ، ثُمَّ تَرِدُ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ الْقُضَاهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ الَّذِي أَسْتَقْضَاهُمْ(2)فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُمْ جَمِيعاً، وَإِلَهُهُمْ وَاحِدًا وَنَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ ! وَكِتَابُهُمْ وَاحِدٌ أَفَأَمَرَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِالِاخْتِلَافِ فَأَطَاعُوهُ! أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ! أَمْ أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ دِيناً نَاقِصاً فَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى إِثْمَامِهِ! أَمْ كَانُوا شُرَكَاءَ لهُ، فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى! أَمْ أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ دِيناً تاماً فَقَصَّرَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - عَنْ تَبْلِيغِهِ وَأَدَائِهِ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : « مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ » وَفِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ. وَذَكَرَ أَنَّ الْكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: « وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً » . وَإِنَّ الْقُرْآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقُ(3)، وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ، وَلَا تَنْقَضِي غَرَائِبُهُ، وَلَا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلَّا بِهِ.


1) ذكره القاضي النعمان في (دعائم الإسلام)، وابن طلحة الشافعي في (مطالب السؤول) ج 1 ص 141، والصفار في (بصائر الدرجات).

2) الإمام الذي استقضاهم : الخليفة الذي ولّاهم القضاء.

3) الأنيق : المعجِب ، وأنفني الشيء أعجبني؛ يقول : لا ينبغي أن يُحمل جميع ما في الکتاب العزيز على ظاهره؛ فكم من ظاهرٍ فيه غير مرادٍ، بل المراد به أمر آخر باطن، والمراد الرد على أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية ، وافسادُ قول من قال : كل مجتهدٍ مصيب.

19-ومن كلام له عليه السلام

19 - ومن كلام له عليه السلام (1)

قَالَهُ لِلْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ (2)، وَهُوَ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ يَخْطِبُ فَمَضَى فَي بَعْضٍ كَلَامِهِ شَيْءٌ اعْتَرَضَهُ الْأَشْعَثُ فِيهِ، فَقَالَ يَا أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ، هَذِهِ عَلَيْكَ لَا لَكَ (3)، فَخَفَضْ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَيْهِ بصَرَهُ (4)، ثُمَّ قَالَ:

وَمَا يُدْرِيكَ مَا عَلَيَّ مِمَّا لِي! عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ وَلَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ، حَائِكَ ابْنُ حَائِكَ(5)

قال خالد بن صفوان في ذمّ اليمانيين : «ما أقول في قوم ليس فيهم إلّا حائك بُرد ، أو دابغ جِلْد ، أو سائس قر۫د ، ملكتهم أمرأة ، وأغرقتهم فأرة ، ودلّ عليهم هُدهُد».

مُنَافِقُ أَبْنُ كَافِرٍ(6)! وَاللَّهِ لَقَدْ أَسَرَكَ الْكُفْرُ مَرَّةً وَالْإِسْلَامُ أُخْرَى (7)، فَمَا

1) ذكره أبو الفرج الأصفهاني في (الأغاني) ج 8 ص 59، وغيره.

2) اسم الأشعث معدي كرب، وكان الأشعث أبداً أشعث الرأس، فسمّي الأشعث وغلب عليه حتى نُسي اسمه، وأبوه قيس الأشجّ، سمّي الأشجّ لأنّه شجّ في بعض حروبهم.

3) كان أميرالمؤمنين يتكلم في أمر الحكمين، فقام رجل من أصحابه وقال: «نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها فلم ندر أيّ الأمرين أرشد!» فصفق بإحدى يديه على الأخرى وقال : «هذا جزاء من ترك العقيدة» فقال الأشعث ما قال، وأميرالمؤمنين يريد هذا جزاؤكم فيما تركتم الحزم وشغبتم وألجأتموني لقبول الحكومة.

4) خفض إليه بصره : طأطأه .

5) قيل إنّ الحائكين أنقص الناس عقلاً، وأهل اليمن يُعيَّرون بالحياكة، والأشعث يمني من كندة.

6) كان الأشعث في أصحاب عليّ كعبدالله بن أبي بن سلول في أصحاب رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، كل منهما رأس النفاق في زمنه.

7) أسِر مرتين: مرة وهو كافر في بعض حروب الجاهلية، وذلك أنّ قبيلة مراد قتلت قيساً الأشجّ أبا الأشعث فخرج الأشعث طالباً بثأر أبيه، فخرجت كندة متساندين إلى ثلاثة ألوية على أحدها كبش بن هانئ وعلى أحدها القشعم بن الأرقم وعلى أحدها الأشعث. فأخطأوا مراداً ووقعوا على بني الحارث بن كعب، فقُتل كبش والقشعم وأسِر الأشعث وفُدِي بثلاثة آلاف بعير لم يُف۫دّ بها عربي قبله ولا بعده، وأمّا أسر الإسلام له فذلك أنّ بني وليعة لما ارتدوا بعد موت النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وقاتلهم زياد بن لبيد البياضي الأنصاري لجأوا إلى الأشعث مستنصرين به، فقال: «لا أنصرَكم حتى تُملَّكوني» فتوّجوه كما يتوّج الملك من قحطان، فخرج معهم مرتداً يقاتل المسلمين، وأمدُ أبو بكر زياداً بالمهاجر بن أبي أمية فالتقوا بالأشعث فتحصّن منهم ، فحاصروه أياماً ثم نزل إليهم على أن يؤمنوه وعشرة من أقاربه حتى يأتي أبا بكر فيرى فيه رأيه، وفتَح لهم الحصن فقتلوا كلَّ من فيه من قوم الأشعث الذين عزلهم ، وكان المقتولون ثمانمائة، ثم حملوه أسيراً مغلولاً إلى أبي بكر فعفا عنه وعمّن كان معه وزوّجه أخته أم فروة بنت أبي قحافة.

فَدَاكَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَالُكَ وَلَا حَسَبُكَ (1). وَإِنَّ أَمْرَأَ دَلَّ عَلَى قَوْمِهِ السَّيْفَ. وَسَاقَ إِلَيْهِمْ الْحَتْفَ، لَحَرِيٌّ أَنْ يَمْقُتَهُ الْأَقْرَبُ، وَلَا يَأْمَنَهُ الْأَبْعَدُ(2).

قال الرضي (رحمه الله) : يُرِيدُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ أُسِرَ فِي الْكُفْرِ مَرَّةً وفِي الْإِسْلامِ مرَّة .

وأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَام: «دَلَّ عَلَى قَوْمِهِ السَّيْفَ»، فَأَرَاد به حَدِيثاً كَانَ لِلأَشْعَثِ مع خالد بن الوليد باليمامة، غرَّ فِيهِ قومَهُ ، ومكر بِهِمْ ، حَتَّى أَوْقَعَ بهم خالدٌ، وكان قَوْمُهُ بَعْدَ ذلك يُسَمُّونَهُ «عُرْفَ النَّارِ» وَهُوَ أَسْمُ للغَادر

عندهم .


1) فما فداك: لا يريد به الفداء الحقيقي لأنّه فدي في الجاهلية، وإنّما يُريد : ما دفع عنك الأسرَ مالُكَ ولا حَسَبُك.

2) دلالة السيف على قومه وسوق الحتف إليهم: تسليمهم لزياد بن لبيد ، وفتح الحصن عليهم حتى قتلهم كما تقدم، وإن كان الذي يُنقل عن الشريف الرضي أنّ ذلك إشارة إلى وقعة جرت بين الأشعث وخالد بن الوليد في حرب المرتدين باليمامة وأنّ الأشعث دلّ خالداً على مكامن قومه ،ومكر بهم ، حتى أوقع بهم خالد، فإنّ ما نقله الشريف لا يتم إلّا إذا قلنا : إن بعض القبائل من کندة، كانت انتقلت من اليمن إلى اليمامة ، وشاركت أهل الردة في حروبهم، وفعل بهم الأشعت ما فعل. وعلى كل حال فقد كان الأشعث ملوماً على ألسنة المسلمين والكافرين، وكان نساء قومه يمينه «عُرْف النار» وهو اسم للغادر عندهم.

20 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

20 - ومن كلام له عليه السلام (1)

فِي تَهْويلِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَتَعْظِيمِهِ

فَإِنَّكُمْ لَوْ قَدْ عَايَنْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ لَجَزِعْتُمْ وَوَهِلْتُمْ(2)، وَسَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ، وَلَكِنْ مَحْجُوبُ عَنْكُمْ مَا قَدْ عَايَنُوا، وَقَرِيبٌ مَا يُطْرَحُ الْحِجَابُ (3).

وَلَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ، وَأَسَمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ، وَهُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ، وَبِحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ: لَقَدْ جَاهَرَتْكُمُ الْعِبَرُ (4)، وَزُجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ. وَمَا يُبَلِّغُ عَنِ اللهِ بَعْدَ رُسُلِ السَّمَاءِ إِلَّا الْبَشَرُ (5).


1) روى الكليني في كتاب (أصول الكافي) ج 1 ص 405 صدر هذا الكلام.

2) الوَهَل : الخوف والفزع، من «وَهِلَ الرجل يَوهَل».

3) «ما» مصدرية، تقديره «قريب طرح الحجاب» وذلك عند نهاية الأجل، ونزول المرء في أول منازل الآخرة، وهذا الكلام يدلّ على صحة القول بعذاب القبر .

4) جاهرتكم العبر: انتصبت لتنبهكم جهراً وصرحت لكم بعواقب أموركم. والعِبَر : جمع عبرة والعِب۫رة : الموعظة ، لكنه (علیه السّلام) أطلق اللفظ وأراد ما به الاعتبار مجازاً؛ فإنّ العِبَر التي جاهرتهم إمّا قوارع الوعيد المنبعثة عليهم من ألسنة الرسل الإلهيين وخلفائهم، وإمّا ما يشهدونه من تصاريف القدرة الربانية ومظاهر العزة الإلٰهية.

5) رسل السماء : الملائكة، أي إن قلتم لم يأتنا عن الله شيء فقد أقيمت عليكم الحجّة بتبليغ رسول الله وإرشاد خليفته . وشبيه بقوله(علیه السّلام) : «لو عاينتم ما عاين من مات قبلكم» قول أبي حازم لسليمان بن عبدالملك في كلام يعظه به: إنّ آباءك ابتزّوا هذا الأمر من غير مشورة، ثم مانوا ، فلو علمت ما قالوا وما قيل لهم! فقيل: إنّه بكى حتى سقط.

21 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

21 - ومن كلام له عليه السلام (1)

فِي مَوْعِظَةِ النَّاس

فَإِنَّ الْغَايَةَ أَمَامَكُمْ(2)، وَإِنَّ وَرَاءَكُمْ السَّاعَةَ (3)تَحْدُوكُمْ. تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا (4)، فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ(5)آخِرُكُمْ.

قال الرضي (رحمه الله) : أقول: إِنَّ هذا الكَلَامَ لَوْ وُزِن بَعْدَ كلام اللهِ - سُبْحَانَهُ - وَبَعْد كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآلِهِ - بِكُلِّ كَلَام لَمَالَ بِهِ رَاجِحِاً ، وَبَرَّزَ عَلَيْهِ سابِقاً.

فَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَام: « تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا» ، فَمَا سُمِعَ كَلَامٌ أَقَلُّ مِنْه مَسْمُوعاً وَلَا أَكْثَرُ مَح۫صولًا، وَمَا أَبْعَدَ غَوْرَهَا (6)مِنْ كَلِمَةٍ وَأَنْقَعَ (7)نُطْفَتَهَا مِنْ حِكْمَةٍ وَقَدْ نَبَّهنا في كتاب «الخَصَائِص» عَلَى عِظَمِ قَدْرِهَا ، وَشَرَفِ جَوْهَرِهَا .


1) ذكرها الشريف الرضي في كتاب (الخصائص) ص 87.

2) غاية المكلّفين هى الثواب أو العقاب، فيحتمل أن يكون أراد ذلك ، ويحتمل أن يكون أراد بالغاية الموت، وإنّما جعل ذلك أمامنا ؛ لأنّ الإنسان كالسائر إلى الموت، أو كالسائر إلى الجزاء، فهما ،أمامه، أى بين يديه.

3) الساعة : يوم يوم م القيامة . تحدوكم : تَسُوقكم إلى ما تسيرون عليه .

4) تخفّفوا تَلْحَقوا : أصله الرجل يسعى وهو غيرُ مُنْقَل بما يحمله يكون أجدر أن يلحقَ الذين سبقوه ، وقد سبق سابقون بأعمالهم إلى الحسنى، فمن أراد اللحاق بهم فعليه أن يتخفف من أثقال الشهوات، وأوزار العناء في تحصيل اللذات، ويحفز بنفسه عن هذه الفانيات، فيلحق بالذين فازوا بعقبى الدار .

5) أي إنّ الساعة لا ريب فيها وإنّما ينتظر بالأول مدّة لا يبعث فيها حتى يرد الآخرون، وينقضي دور الإنسان من هذه الدنيا ولا يبقى على وجه الأرض أحد فتكون الساعة بعد هذا ، وذلك «يَوْمَ يُبْعَثُونَ» [المؤمنون: 100].

6) الغور : العمق .

7) ما أنفع هذا الماء ! أي ما أرواء للعطش !

22 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

22 - ومن كلام له عليه السلام (1)

بَعْدَمَا أَتَّهَمُوهُ بِقَتْلِ عُثْمَانَ

أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ذَمَرَ حِزْبَهُ(2)، وَاسْتَجْلَبَ جَلَبَهُ (3)، لِيَعُودَ الْجَوْرُ إِلَى أَوْطَانِهِ، وَيَرْجِعَ الْبَاطِلُ إِلَى نِصَابِهِ (4).

وَاللهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً، وَلَا جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نَصَفاً(5)، وَإِنَّهُمْ لَيَطلُبُونَ حَقَّاً هُمْ تَرَكُوهُ، وَدَماً هُمْ سَفَكُوهُ، فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ لَنَصِيبَهُمْ مِنْهُ، وَإِن كَانُوا وَلُوهُ دُونِي فَمَا التَّبِعَةُ إِلَّا عِنْدَهُمْ، وَإِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِهِمْ لَعَلَى أَنْفُسِهِمْ ، يَرْتَضِعُونَ أُمّاً قَدْ فَطَمَتْ(6)، وَيُحْيُونَ بِدْعَةٌ قَدْ أُمِيتَتْ.

يَاخَيْبَةَ الدَّاعِي! مَنْ دَعَا! وَإِلَامَ أُجِيبَ!(7)وَإِنِّي لرَاضٍ بِحُجَّةِ اللهِ عَلَيْهِمْ


1) هذه الخطبة من الخطب الطوال وما ذكره الرضي مختارها روى قسماً منها إبراهيم بن هلال الثقفي في كتاب (الغارات) وابن قتيبة في (الإمامة والسياسة ) ج 1 ص 154 ، والطبري في (المسترشد) ص 95، وغيرهم.

2) يروى: «ذَمَر» بالتخفيف، و«ذمَّر» بالتشديد، وأصله الحضّ والحثّ، والتشديد دليل على التكثير، قال : ذَمَر حزبه، أي حتّهم وحضَهم.

3) الجَلَب - بالتحريك - : ما يُجلب من بلد إلى بلد ، وهو فعل بمعنى مفعول مثل سَلُب بمعنى مسلوب، والمراد هنا : جمع جماعته.

4) النِّصاب : الأصل أو المنبت، وأول كل شيء.

5) النّصَف : الذي يُنصف، أي لم يجعلوا ذا إنصاف بيني وبينهم.

6) إذا فطمت الأم ولدها فقد انقضى إرضاعها وذهب لبنها ، يمثل به طلب الأمر بعد فواته.

7) يا خيبة الداعي: أي يا خيبة احضري فهذا أوانك، وكلامه مع أصحاب الجمل، والداعي هو أحد الثلاثة : الرجلان والمرأة، الذين تقدم ذكرهم في قصة الجمل عند الكلام في ذم البصرة . ثم قال على سبيل الاستصغار لهم والاستحقار : «من دعا! وإلى ماذا أجيب !» أي أخْفِرْ يقوم دعاهم هذا الداعي! وأقبِح۫ بالأمر الذي أجابوه إليه، فما أفحشه وأرذله! و «مَن۫» استفهامية و«ما» المحذوفة الألف لدخول «إلى» عليها كذلك. وهذا استفهام عن الداعي ودعوته تحقيراً لهما .

وَعِلْمِهِ فِيهِمْ، فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ، وَكَفَى بِهِ شَافِياً مِنَ الْبَاطِلِ، وَنَاصِراً لِلْحَقِّ وَمِنَ الْعَجَبِ بَعْتُهُمْ إِلَيَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطَّعَانِ ! وَأَنْ أَصْبِرَ لِلْجَلَادِ! هَبِلَتْهُمْ الْهَبُولُ!(1)لَقَدْ كُنْتُ وَمَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ(2)، وَلَا أُرَهَّبُ بِالضَّرْبِ ! وَإِنِّي لَعَلَى يَقِينٍ مِنْ رَبِّي، وَغَيْرِ شُبْهَةٍ مِنْ دِينِي.

23 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

23 - ومن خطبة له عليه السلام (3)

فِي قِسْمَةِ الْأَرْزَاقِ بَيْنَ النَّاسِ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْأَمْرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ كَقَطْرِ الْمَطَرِ إِلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا قُسِمَ لَهَا مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصِانٍ ، فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ لِأَخِيهِ غَفِيرَةً(4)ِي أَهْلِ أَوْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ فَلَا تَكُونَنَّ لَهُ فِتْنَةٌ؛ فَإِنَّ الْمَرْءَ الْمُسْلِمَ مَا لَمْ يَغْشَ دَنَاءَةً تَظْهَرُ فَيَخْشَعُ


1) هبلتهم ثكَلَتهم. والهَبول - بالفتح - من النساء : التي لا يبقى لها ولد، وهو دعاء عليهم بالموت ؛ لعدم معرفتهم بأقدار أنفسهم ، فالموت خير لهم من حياة جاهلية.

2) قوله: «لقد كنت وما أُهدِّد بالحرب» معناه: مازلت لا أُهدِّد بالحرب، والواو زائدة.

3) روى فقرات من هذه الخطبة ابن واضح في (تاريخه ) ج 2 ص 149 ، ونصر بن مزاحم في كتاب (صِفّين) ص 10 .

4) غفيرة: زيادة وكثرة .

لَهَا إِذَا ذُكِرَتْ، وَيُغْرَى بِهَا لِتَامُ النَّاسِ، كَانَ كَالْفَالج الْيَاسِرِ (1)الَّذِي يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ تُوْجِبُ لَهُ الْمَغْنَمَ، وَيُرْفَعُ عَنْهُ بِهَا الْمَغْرَمُ. وَكَذَلِكَ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ الْبَرِيءُ مِنَ الْخِيَانَةِ يَنتَطِرُ مِنَ الله إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ : إِمَّا دَاعِيَ الله فَمَا عِنْدَالله خَيْرٌ لَهُ، وَإِمَّا رِزْقَ اللهِ، فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْلِ وَمَالٍ، وَمَعَهُ دِينُهُ وَحَسَبُهُ .

إِنَّ الْمَالَ وَالْبَنِينَ حَرْتُ الدُّنْيَا، وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْثُ الْآخِرَةِ، وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَقْوَامٍ، فَأَحْذَرُوا مِنَ اللَّهِ مَا حَذَرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَخْشَوْهُ خَشْيَةً لَيْسَتْ بِتَعْذِيرٍ (2)، وَأَعْمَلُوا فِي غَيْرِ رِيَاءٍ وَلَا سُمْعَةٍ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ لِغَيْرِ اللَّهِ يَكِلْهُ اللَّهُ إِلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ(3). نَسْأَلُ اللهَ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَمُعَايَشَة السُّعَدَاءِ، وَمُرَافَقَةَ الْأَنْبِيَاءِ.


1) الفالج : الظافر الفائز ، فَلَج يَفْلُج - كنَصَر يَنْصُر - : ظَفَر وفاز ، وفى المثل «من يأتي الحكم وحده يَفْلُج» . والياسر : الذي يلعب بقداح الميسر، أي المقامر. وفي الكلام تقديم وتأخير، تقديره : كالياسر الفالج، أي كاللاعب بالقِداح المحظوظ منها، وهو من باب تقديم الصفة على الموصوف ، كقوله تعالى (وَغَرَابِيبُ سُود) [فاطر: 27] وحسنه أنّ اللفظتين صفتان، وإن كانت إحداهما مرتّبةٌ على الأخرى. يريد أنّ المسلم إذا لم يأتِ فعلاً دنيئاً يخجل لظهوره وذكره، ويبعث لئام الناس على التكلم به ، فقد فاز بشرف الدنيا وسعادة الآخرة، فهو شبيه بالمقامر الفائز في لعبه لا ينتظر إلّا فوزاً، أي أنّ المسلم إذا برئ من الدناءات لا ينتظر إلّا إحدى الحسنيين: إمّا نعيم الآخرة ، أو نعيم الدارين، فجدير به ألّا يأسف على فوت حظ من الدنيا؛ فإنّه إن فاته ذلك لم يفته نصيبه من الآخرة ، وهو يعلم أنّ الأرزاق بتقدير رازقها، فهو أرفع من أن يحسد أحداً على رزق ساقه الله إليه، وقوله: «فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه» يريد احذروا الحسد فإنّ مبعثه انتقاص صنع الله تعالى و استهجان بعض أفعاله، وقد حذرنا الله من الجرأة على عظمته فقال : «وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ » [البقرة: 40] «وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ» [البقرة: 41] وما يفوق الكثرة من الآيات الدّالة على ذلك.

2) «ليست بتعذير» أى ليست بذات تعذير، أى تقصير ، فحذف المضاف، أو مصدر «عذر تعذيراً» لم يثبت له عذر، أي خشية لا يكون فيها تقصير يتعذّر معه الاعتذار .

3) العامل لغير الله لا يرجو ثواب عمله من الله ، وإنّما يطلبه ممن عمل له، فكأنّ الله قد تركه إلى من عمل له وجعل أمره إليه .

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ - وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ - عَنْ عَشِيرَتِهِ، وَدِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ، وَهُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَيْطَةٌ(1)مِنْ وَرَائِهِ، وَأَلَتُهُمْ لِشَعْتِهِ (2)، وَأَعْطَفُهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَةٍ إِنْ نَزَلَتْ بِهِ. وَلِسَانُ الصِّدْقِ(3)يَجْعَلُهُ اللهُ لِلْمَرْءِ في النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُوَرِّثُهُ غَيْرَهُ.

ومنها: أَلَا لَا يَعْدِلَنَّ أَحَدُكُمْ عَنِ الْقَرَابَةِ يَرَى بِهَا الْخَصَاصَةِ أَنْ يَسُدَّهَا بِالَّذِي لَا يَزِيدُهُ إِنْ أَمْسَكَهُ وَلَا يَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَكَهُ(4)

ويحثّ على سدّ حاجته بالمال وأنواع المعاونة، فإنّ ما يبذل في سدّ حاجة القريب لو لم يصرفه في هذا السبيل وأمسكه لنفسه لم يزده في غناه أو في جاهه شيئاً، ولو بذله لم ينقصه من ذلك كذلك. ومعنى أهلكه: بذله .

. وَمَنْ يَقْبِضُ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عَنْهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ، وَتُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ. وَمَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ الْمَوَدَّةَ.

قال الرضي (رحمه الله) : أَقُولُ : الغَفِيرَةُ ها هنا الزيادَةُ وَالْكَثرَةُ ؛ مِنْ قَوْلِهِمْ للجمعِ الكَثِيرِ: اَلْجَمُّ الغفير ، والجمّاءُ الغَفِيرِ. وَيُرُوى: «عَفْوَةً من أهل أو مال » وَالعَفْوَةُ : الخِيار من الشَّيءِ ؛ يقال : أكلْتُ عَف۫وة الطعام، أي خِيَارَه. وما أحسنَ المعنى الذِي أزادهُ عَلَيْهِ السَّلَام بقوله : « وَمَن يَقْبِضُ يدهُ عَنْ عَشِيرتِه ....» إلى تمام الكلام، فإنَّ الْمُمْسِكَ خَيْرَهُ عَن عَشِيرَتِهِ ، إِنَّمَا يُمْسِكُ نَفْعَ يَدٍ وَاحدةٍ، فَإِذَا اخْتَاجَ إِلَى نُصْرَتِهِمْ وَاضْطَرَّ إِلَى مرافَدَتِهِمْ (5)قعَدُوا عن نصرِهِ، وَتَناقَلُوا عن صَوْته ، فَمُنِعَ تَرَافُدَ الأيدي الكثيرةِ وَتَنَاهُضَ الأقدام الْجَمَةِ.


1) حَيْطة - كبَيَع۫ة - : أي رعايةٌ وكلاءةٌ، ويُروى حِي۫طة - بكسر الحاء وسكون الباء مخففة - : مصدر «حاطه یحوطه» أي صانه و تعطّف عليه وتحنّن.

2) الشَّعَث - بالتحريك : التفرّق والانتشار .

3) لسان الصدق : حُس۫ن الذكر بالحق هو في القرابة أولى وأحق .

4) الخصاصة : الفقر والحاجة الشديدة. ينهى أميرالمؤمنين عن إهمال القريب إذا كان فقيراً.

5) المرافدة: المعاونة.

24 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

24 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي الْحَثِّ عَلَى قِتَالِ الْخَوَارِجِ عَلَى الْحَقِّ

وَلَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الْحَقَّ ، وَخَابَطَ الْغَيَّ(2)، مِنْ إِدْهَانٍ (3)وَلَا إِيهَانٍ(4)فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ مِنَ اللهِ(5)، وَأَمْضُوا فِي الَّذِي نَهَجَهُ (6)لَكُم، وَقُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِكُمْ(7)، فَعَلِيٌّ ضَامِنٌ لِفَلَجِكُمْ آجِلاً إِنْ لَمْ تُمْنَحُوهُ عَاجِلاً (8).

25 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

25 - ومن خطبة له عليه السلام (9)

وَقَدْ تَوَاتَرَتْ(10)عَلَيْهِ الأَخبارُ بِاسْتِيلَاءِ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْبِلَادِ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ عَامِلَاهُ عَلَى الْيَمَنِ، وَهُمَا: عُبَيْدُاللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ وَسَعِيدُ بْنُ نُمْرَانَ، لَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِمَا بُسْرُ بْنُ أَبِي


1) ذكر قسماً من هذه الخطبة ابنُ الأثير في (النهاية) في مادة عصب ج 3 ص 244 .

2) خابط الغي: صارع الفساد، وأصل الخبط : السير في الظلام . كأنّه جعله والغيّ متخابِطَي۫ن ، يخبِط أحدهما الآخر؛ وذلك أشدّ مبالغة من: «خَبَط في الغَيِّ» لأنّه يَخْبِط ويخ۫بِطه غيره .

3) الإدهان: المصانَعَة والمنافَقَة، ولا تخلو من مخالفة الظاهر للباطن.

4) الإيهان : مصدر أوْهَن۫تُهُ، أي أضْعَفْتُهُ. أي لا يعرض عليَّ فيه ما يضعفني. والإيهان: الدخول في الوهن، وهو الليل نحو نصفه، وهو هنا عبارة عن التستر والمخاتلة.

5) فرَوا من الله إلى الله : أي اهربوا إلى رحمة الله من عذابه.

6) نَهَجه : أوضحه وجعلَه نه۫جاً ، أى طريقاً بيّناً .

7) عصبه بكم: ناطه وربطه بكم وجعله كالعِصابة التي تشدّ بها الرأس، أي كلّفكم به وألزمكم بأدائه.

8) لِفَلَحِكُم : لظفركم وفوزكم .

9) ذكرها المسعودي في (مروج الذهب) ج 3 ص 149 ، وابن عساكر في (تاريخه ) ج 1 ص 305 .

10) تواترت عليه الأخبار : مثل ترادفت و تواصلت .

لا أَرْطَأَةَ (1)

يا مَنْ أحسَ بابنيَّ اللذين هما*** كالدرَّتين تشظّى عنهما الصَّدَفُ

يا مَنْ أحسّ بابنيُّ اللذين هما*** قلبي وسمعي فقلبي اليوم مُختَطفُ

مَنْ ذَلَّ والهةً حيرى مدلّهةً*** على صبيين ذلا إذ غدا السلف

خُبَرتُ بُسْراً وما صدّقتُ ما زعموا ***من إفكهم ومن القول الذي اقترفوا

أنحى على وَدَجَى ابنيّ مرهفةً*** مشحوذةً وكذاك الإثم يُقْتَرَفُ

و تروى هذه الأبيات بروايات شتى فيها تغيير وزيادة ونقص.

فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ ضَجِراً بِتَناقُلِ أَصْحَابِهِ عَنِ الْجِهَادِ، وَمُخَالَفَتِهِمْ لَهُ فِي الرَّأْيِ فَقَالَ: مَا هِيَ إِلَّا الْكُوفَةُ (2)أَقْبِضُهَا وَأَبْسُطُهَا(3)، إِنْ لَمْ تَكُونِي إِلَّا أَنْتِ(4)تَهبُّ أَعَاصِيرُكِ (5)فَقَبَّحَكِ الله!

وتَمَثَّلَ بِقَوْلِ الشاعِر:

لَعَمْرُ أَبِيكَ الْخَيْرِ يَا عَمْرُو إِنَّنِي*** عَلَى وَضَرٍ مِنْ ذَا الْإِنَاءِ قَلِيلِ(6)

ثم قال عليه السلام:


1) يقال بُس۫ر بن أبي أرطاة وبُس۫ر بن أرطاة، وهو عامري من بني عامر بن لؤي بن غالب سيّره معاوية إلى الحجاز بعسكر كثيف فأراق دماء غزيرة، واستكره الناس على البيعة لمعاوية وفرّ من بين يديه والى المدينة أبو أيوب الأنصاري ثم توجه والياً على اليمن فتغلّب عليها وانتزعها من عبيدالله بن العباس وفرّ عبيدالله ناجياً من شره فأتى بُس۫ر بيته فوجد له ولدين صبيين فذبحهما وباء بإثمهما - قبّح الله القسوة وما تفعل - ويُروى أنّهما ذبحا في بني كنانة أخوالهما وكان أبوهما تركهما هناك وفي ذلك تقول زوجة عبيد الله :

2) قوله : «ما هي إلّا الكوفة»، أي ما مَل۫كَني إلّا الكوفة .

3) أقبضها وأبسطها : أى أتصرف فيها كما يتصرف صاحب الثوب في ثوبه يقبضه أو يبسطه .

4) «فإن لم تكوني ...»: أي إن لم يكن لي من الدنيا مُلك إلّا مُلك الكوفة ذاتِ الفتن، فأبعدها الله !

5) الأعاصير : جمع إعصار، وهي الريح المستديرة على نفسها ؛ قال تعالى: « فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ » (البقرة: 266) الإعصار : ريح تهب وتمتد من الأرض نحو السماء كالعمود، أو كل ريح فيه العصار، وهو الغبار الكثير ، وشبّه الاختلاف والشقاق بالأعاصير؛ لإثارتها التراب وإفسادها الأرض.

6) الوَضَرُ : بقية الدسم في الإناء وغسالة السقاء والقصعة.

أُنْبِئ۫تُ بُسْراً قَدِ اطَّلَعَ الْيَمَنَ(1)، وَإِنِّي وَاللهِ لَأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ(2)بِأَجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقَّكُمْ، وَبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِي الْحَقِّ، وَطَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي الْبَاطِلِ، وَبِأَدَائِهِم الْأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَخِيَانَتِكُمْ، وَبِصَلَاحِهِمْ فِي بِلَادِهِمْ وَفَسَادِكُمْ، فَلَوِ ائ۫تَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبٍ (3)لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلَاقَتِهِ(4). اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَمَلُّونِي ، وَسَئِمْتُهُمْ وَسَئمُونِي، فَأَبْدِلْني بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ وَأَبْدِلْهُمْ بِي شَرّاً مِنّي! اللَّهُمَّ مِتْ قُلُوبَهُمْ كَمَا يُمَاتُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ(5). أَمَا وَاللهِ لَوَدَدْتُ أَنَّ لِي بِكُمْ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ بَني فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ (6).

هُنَالِكَ لَوْ دَعَوْتَ أَتَاكَ مِنْهُمْ(7)*** فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِيَةِ الْحَمِيمِ


1) قد اطّلع اليمن: أي غَشِيها بجيشه وغزاها وأغار عليها، وبلغها وتمكّن منها.

2) سيدالون منكم : سيغلبونكم وستكون لهم الدولة بدلكم بذلك السبب القوي وهو اجتماع كلمتهم، وطاعتهم لصاحبهم، وأداؤهم الأمانة، وإصلاحهم بلادهم، وهو يشير إلى أنّ هذا السبب متى وجد كان النصر والقوة معه، ومتى فُقد ذهبت القوة والعزة بذهابه، فالحق ضعيف بتفرق أنصاره، والباطل قوّي بتضافر أعوانه.

3) القُعب - بالضم - : القدح الضخم، ويفتح القاف: القدح الضخم أيضاً .

4) عِلاقة التعب - بكسر العين - : ما يعلق منه من ليف ونحوه.

5) متْ قلوبهم: أذب۫ها، مات زيدُ الملحَ في الماء أذابه.

6) هم بنو فراس بن غنم بن بن مالك بن كنانة كنانة: حي مشهور بالشجاعة، منهم علقمة بن فراس، وهو جِذ۫ل الطعان، ومنهم ربيعة بن مكدَّم ، حامي الظُّعُن حياً وميتاً ، ولم يحم الحريمَ أحد وهو میت غيره ؛ عرض له فرسان من بني سُلَيم، ومعه ظعائن من أهله يحميهن وحده ، فرماه نُبَي۫شَة بن حبیب بسهم أصاب قلبه فنصب رمحه في الأرض واعتمد عليه وأشار إليهن بالمسير فسرن حتی بلغن بيوت الحي، وبنو سليم قيام ينظرون إليه ، لا يتقدم أحد منهم نحوه؛ يظنونه حيّاً حتى رموا فرسه بسهم ، فوثبت من تحته، فسقط وهو ميّت وفاتتهم الظعائن .

7) في نسخة: «لو دعوتِ أتاك» بخطاب المؤنث .

ثُمَّ نَزَلَ(علیه السّلام) مِنَ الْمِنْبَرِ.

قال الرضي (رحمه الله) : أقول : الأرْمِيَّةُ جمع رَمِيّ، وهو السحابُ والحميمُ هاهنا : وَقتُ الصَّيفِ ، وَإنّما خصَّ الشاعر سحابَ الصيفِ بالذِّكر لأنّه أشدُّ جهولاً، وَأسرعُ خُفُوفاً (1)لأنّه لا ماءَ فيه ، وإنّما يكون السحابُ ثَقِيلَ السَّيْرِ لا مُتلائِهِ بالماء، وذلك لا يكون في الأكثرِ إلّا زمانَ الشّتاءِ، وَإنّما أراد الشاعر وَصفَهُمْ بالسُّرْعةِ إذا دُعُوا وَالإغاثةِ إِذا اسْتَغِيثُوا ، والدليل على ذلك قوله : هُنَالِكَ لَوْ دَعَوْنَ أَتَاكَ مِنْهُمْ.

26 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

26 - ومن خطبة له عليه السلام (2)

فِي ذَمِّ مَنْ بَايَعَهُ بِشُرُوط

إنَّ اللهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ.

وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينِ، وَفِي شَرِّ دَارٍ ، مُنِيخُونَ (3)بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشَنٍ ، وَحَيَّاتٍ صُمَّ(4)

والخشن جمع خشناء من الخشونة.

تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ

1) مصدر غريب ل- «خف» بمعنى انتقل وارتحل مسرعاً، والمصدر المعروف خفاً.

2) ذكرها ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة ) ج 1 ص 154، والطبري في المسترشد ص 95، والثقفي في (الغارات).

3) مُنيخُون : مقيمون . [ وفي نسخة عبده : متنُخون)، وتنُخ بالمكان : أقام به.

4) «بين حجارة خُش۫ن ، وحيّات صُمَ»، يجوز أن يعني الحقيقة وذلك أنّ البادية بالحجاز وغيرها من أرض العرب ذاتُ حيات وحجارة خُشَن ، فأبدلهم الله منها الريف ولين المهاد من أرض العراق والشام ومصر وما شابهها، وقد يعني بالحجارة الخُشن الجبال أيضاً أو الأصنام، ويجوز أن يعني به المجاز، وهو الأحسن ، يقال للأعداء حيّات ، ويقال للعدو أيضاً : إنه لحجرٌ خَشِن المسّ ، إذا كان ألدّ الخصام. والحية الصماء أدهى من غير الصماء، لأنّها لا تنزجر بالصوت.

الْجَشِبَ(1)، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ. الْأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ ، وَالْآثامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ (2).

ومنها: فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلَّا أَهْلَ بَيْتِي، فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْتِ ، وَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى(3)، وَشَرِبْتُ عَلَى الشَّجَى ، وَصَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الْكَظَم (4)وَعَلَى أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ الْعَلْقَمِ.

ومنها: وَلَمْ يُبَايِعْ حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهُ عَلَى الْبَيْعَةِ ثَمَناً(5)فَلَا ظَفِرَتْ يَدُ الْبَائِعِ، وَخَزِيَتْ أَمَانَةُ الْمُبْتَاعَ!(6)فَخُذُوا لِلْحَرْبِ أَهْبَتَهَا(7)، وَأَعِدُّوا لَهَا عُدَّتَهَا ، فَقَدْ شَبَّ لَظَاهَا، وَعَلَا سَنَاهَا(8)، وَاسْتَشْعِرُوا الصَّبْرَ(9)، فَإِنَّهُ أَدْعَى إِلى النَّصْرِ.


1) الجَشِب من الطعام: الغليظُ الخَشِين، أو ما يكون منه بغير أدم.

2) الآثام بكم معصوبة : استعارة، كأنّها مشدودة إليهم ، تمثيل للزومها لهم، وقد جمع في وصف حالهم بين فساد المعيشة وفساد العقيدة والملة .

3) أغضيت : غضضت طرفي على قذى في عيني، وما أصعب أن يغمض الطرف على قذى في العين والشجا: ما يعترض في الحلق، وكل هذا تمثيل للصبر على المضض الذي ألم به من حرمانه حقّه وتألّب القوم عليه .

4) الكظم : مخرج النَّفُس والحلق أو الفم والكل صحيح ههنا ، والمراد أنّه صبر على الاختناق.

5) ضمير «يبايع »إلى عمرو بن العاص ؛ فإنّه شرط على معاوية أن يوليه مصر لو تمّ له الأمر.

6) يدُ البائع: يعني معاوية. وخزيت أمانة المبناع (المشتري): يعني عَمْراً. خزيت: خسرت وهانت.

7) الأهبة : العدّة .

8) شبَ لظاها: استعارة، وأصله صعود طرف النار الأعلى. والسنا: الضوء.

9) استشعروا الصبر: اتخذوه شعاراً، والشعار: ما يلى الجسد من الثياب ، يقول : لازموا الصبر كما يلزم الإنسان ثوبه الذي يلي جِلْدَه.

27 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

27 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي الْحَثِّ عَلَى الْجِهَادِ وَذَمِّ الْقَاعِدِينَ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابُ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى، وَدِرْعُ اللَّهِ الْحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ(2)الْوَثيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ(3)أَلْبَسَهُ اللهُ تَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ الْبَلاءُ، وَدُيّثَ بِالصَّغَارِ (4)وَالْقَمَاءَةِ(5).

وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالْإِسْهَابِ(6)، وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضيعِ الْجِهَادِ(7)، وَسِيمَ


1) ذكرها الجاحظ في (البيان والتبيين) 1 / 170، والدينوري في (الأخبار الطوال) ص 211 ، والبلاذري في (أنساب الأشراف) ص 442 ، والمبرد في (الكامل) 13/1 ، وابن قتيبة في (عيون الأخبار) 2 / 236 .

2) جُنته بالضم - : وقايته الجُنّة : ما يُجتنَ به ، أي يُستتر ، كالدرع والحَجَفة .

3) ترکه رغبة عنه: أي زهداً فيه.

4) دُيّث بالصغار : مبني للمفعول، أي ذُلّل، بعير ،مُدَيّث ، أي مُذَلّل ، ومنه الدُيُّوث : الذي لا غيرة له، والصغار الذل والضيم .

5) القَماء : مصدر «فَمُؤ الرجل»، أي صار قميئاً، وهو الصغير الذليل ، وقُمُؤَ الرجل - ككَرم - قمأة وقماءة أي ذل وصغر، وأمّا قَمَأ فمعناه سمّن ومصدره القُمُوء والقموءة.

6) الإسهاب: ههنا ذهاب العقل، ويمكن أن يكون من الإسهاب الذي هو كثرة الكلام ، كأنّه عوقب بأن۫ يكثر كلامه فيما لا فائدة تحته، وحيل بينه وبين الخير بكثرة الكلام بلا فائدة او أثبت عبده في المتن «وَضْرِبَ على قَلْبِهِ بالأَسْدَادِ» والأسداد: جمع سدُّ، يريد الحجب التي تحول دون بصيرته والرشاد ؛ قال الله تعالى : «وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَداً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ» [يس: 9] .

7) أديل الحق منه بتضيع الجهاد: الباء هنا سببية، والمراد: أديل الحق منه لأجل تضييعه الجهاد، أي صارت الدولة للحق بدله.

الْخَسْفَ(1)، وَمُنعَ النَّصَفَ (2)أَلَا وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلاً وَنَهَاراً، وَسِرّاً وَإِعْلاناً، وَقُلْتُ لَكُمْ: «أَعْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْرُوكُمْ، فَوَاللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ(3)إِلَّا ذَلُّوا» فَتَوَاكَلْتُمْ(4)وَتَخَاذَلْتُمْ، حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمْ الْغَارَاتُ(5)، وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الْأَوْطَانُ .

فَهَذَا أَخُو غَامِد (6)، قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الْأَنْبَارَ(7)، وَقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِيَّ، وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا(8)، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالْأُخْرَى الْمُعَاهِدَةِ(9)فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا (10)وَقُلُبَهَا (11)وَقَلَائِدَهَا


1) سيم الخسف: أي أُولِيَ الخسف وكُلَّفَ إِيَّاهُ ، والخسف : الذلّ والمشقة.

2) النَّصَف : الإنصاف . و[في نسخة عبده] النَّصف بالكسر : وهو العدل. و «مُنِع مجهول، أي حُرِمَ العدل بأن يسلط عليه من يغلبه على أمره فيظلمه.

3) عقر دارهم: أصل دارهم ووسطها ، والعُق۫ر : الأصل، ومنه العَقَار للنخل، كأنّه أصل المال.

4) تواكلتم: وكُلّ كلّ منكم الأمر إلى صاحبه، أي لم يتولّه أحد منكم ، بل أحاله كلُ على الآخر، ومنه يوصف الرجل بالؤكَل أي العاجز؛ لأنّه يُكل أمره إلى غيره .

5) شنت الغارات : فُرّقت عليكم من كل جانب كما يشن الماء متفرقاً دفعة بعد دفعة، وما كان إرسالاً غير متفرق يقال فيه «سنّ» بالمهملة .

6) أخو غامد هو سفيان بن عوف بن المغفل الغامديّ، وغامد قبيلة من اليمن من أر۫د شنوءة ، بعثه معاوية لشن الغارات على أطراف العراق ؛ تهويلاً على أهله.

7) الأنبار: بلدة على الشاطئ الشرقي للفرات، ويقابلها على الجانب الغربي «هيت».

8) المسالح: جمع مَس۫لحة ، وهي كالثغر والمرقب حيث يخشى طروق الأعداء .

9) المعاهدة: ذات العَه۫د، وهي الذَميّة.

10) الحِجل بالكسر : الخلخال، ومن هنا قيل للفرس محجّل، وسمي القيد حجلاً، لأنّه يكون مكان الخلخال .

11) القُلُب: جمع قُلْب السوار المصمَت.

وَرُعُثَهَا(1)، مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِالْاِسْتِرْجَاعِ وَالاِسْتِرْحَامِ (2). ثُمَّ أَنْصَرَفُوا وَافِرِينَ(3)، مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلَّمُ(4)، وَلَا أُرِيقَ لَهُمْ دَمْ؛ فَلَوْ أَنَّ أَمْرَاً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً (5)مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً ، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً!

فَيَا عَجَباً! عَجَباً - وَاللهِ - يُمِيتُ الْقَلْبَ ، وَيَجْلِبُ الهَمَّ، مِنَ اجْتِمَاعِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقَّكُمْ! فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرْحاً(6)، حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى(7)يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلَا تُغِيرُونَ ، وَتُغْزَوْنَ وَلَا تَغْزُونَ، وَيُعْصَى اللَّهُ وَتَرْضَوْنَ (8)!

فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ قُلْتُمْ: «هَذِهِ حَمَارَّةُ الْقَيْظِ(9)، أَمْهِلْنَا يُسَبَّحْ عَنَّا الْحَرُّ (10)وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشَّتَاءِ قُلْتُمْ : «هَذِهِ صَبَارَّةُ الْقُرُ(11)، أَمْهِلْنَا يَنْسَلَخَ عَنَّا الْبَرْدُ»؛ كُلُّ هَذَا فِرَاراً مِنَ الحرِّ وَالْقُرٌّ ؛ فَإِذَا كُنتُمْ مِنَ


1) رُعُثها: جمع رعاث، والرعاث: جمع رعثة ، بالفتح ويحرّك بمعنى القِرْط أو هو ضرب من الخرز.

2) الاسترجاع قولها : «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» (البقرة: 156) و ترديد الصوت بالبكاء. والاسترحام: أن تناشده الرحم .

3) انصرفوا وافرين، أي تأميّن، على كثرتهم لم ينقص عددهم.

4) الكَل۫م - بالفتح - : الجرح .

5) الأسف: التحسّر.

6) تَرُحاً - بالتحريك - أي همّاً وحزناً أو فقراً.

7) الغرض: الهدف، ينصب ليرمى بالسهام ، ونحوها، فقد صاروا بمنزلة الهدف يرميهم الرامون، و هم نصب لا يدفعون.

8) قوله : «ويعصى الله» يشير إلى ما كان يفعله قواد جيش معاوية من السلب والنهب والقتل في المسلمين والمعاهدين ثم أهل العراق راضون بذلك إذ لو غضبوا لهمّوا بالمدافعة .

9) حمَّارة القيظ : شدّة الحر.

10) التسبيخ: التخفيف والتسكين، يُسبّخ عنّا الحرّ، أي يخفّ.

11) صبَّارة الشتاء : شدّة برده ، والقُرّ - بالضم - : البرد، وقيل هو برد الشتاء خاصة.

الْحَرِّ وَالْقُرْ تَفِرُّونَ؛ فَأَنتُمْ وَاللهِ مِن السَّيْفِ أَفَرُّ!

يَا أَشْيَاءَ الرِّجَالِ وَلَا رِجَالَ! حُلُومُ الأَطفَالِ(1)، وَعُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ (2)، لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ وَلَمْ أَعْرِفْكُمْ مَعْرِفَةٌ - وَاللهِ - جَرَّتْ نَدَماً، وَأَعْقَبَتْ سَدَماً(3).

قَاتَلَكُمُ اللهُ! لَقَدْ مَلَأُتُمْ قَلْبِي قَيْحاً(4)، وَشَحَنْتُمْ صَدْرِي(5)غَيْظاً ، وَجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ (6)التَّهْمَامِ (7)أَنْفَاساً(8)، وَأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالْعِصْيَانِ وَالْخِذْلَانِ ؛ حَتَّى لَقَدْ قَالَتْ قُرَيْسُ : «إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ رَجُلٌ شُجَاعٌ وَلَكِنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ». لِلَّهِ أَبُوهُمْ! وَهَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً وَأَقْدَمُ فِيهَا مُقَاماً مِنِّى؟ (9)لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا وَمَا بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ، وَهَا أَنَا ذَا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ (10)، وَلَكِنْ لَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاعُ !


1) لم يرو المبرَد: «حُلوم الأطفال»، وروى عِوَضها: «يا طغَام الأحلام»، قال: الطَّغ:ام مَن لا معرفة عنده، ومنه: «طغام أهل الشام».

2) ربّات الحِجال: النساء، والحِجال: جمع حَجَلة، وهى بيت يزيَّن بالستور والثياب للعروس.

3) السَدَم : الحزن والغيظ والهم .

4) القَي۫ح : ما في القرحة من الصديد .

5) شحنتم صدری ملأتموه.

6) التَّغَب: جمع نَغْبة كجرعة وجُرّع لفظاً و معنی.

7) التّه۫مام - بالفتح - : الهمَ، وكلّ تَفعال فهو بالفتح كالتَّر داد، والتَّكرار، والتَّجوال، إلّا التّبيان والتَّلقاء فإنّهما بالكسر .

8) أنفاساً : أى جرعة بعد جرعة ، والمراد أن أنفاسه أمست همّاً يتجرعه .

9) مراساً: مصدر مارسه ممارسة ومراساً، أي عالجه وزاوله وعاناه .

10) ذرَّفت على الستين زدت، ورواها المبرد نيَّفت. وفي الخطبة روايات أخرى لا تختلف عن رواية الشريف في المعنى وإن اختلفت عنها في بعض الألفاظ ، انظر «الكامل» للمبرد .

28 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

28 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي الْحَثَّ عَلَى التَّزَوُّدِ لِلْآخِرة

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَآذَنَتْ بِوَدَاع(2)، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَشْرَفَتْ بِاطَّلاع، أَلَا وَإِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارَ(3)

وتضمير الخيل: أن تربط ويكثر علفها وماؤها حتى تسمن ، ثم يقلل علفها وماؤها وتجري في الميدان حتى تهزل . وقد يطلق التضمير على العمل الأول أو الثاني، وإطلاقه على الأول لأنّه مقدمة للثاني وإلّا فحقيقة التضمير إحداث الضمور: وهو الهزال وخفّة اللحم. وإنّما يفعل ذلك بالخيل لتخفف في الجري يوم السباق كما أنّنا تعمل اليوم في الدنيا للحصول على السعادة في الآخرة.

، وَغَداً السَّبَاقَ، وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ (4). وَالْغَايَةُ النَّارُ؛ أَفَلَا تَائِبُ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ (5)؟ أَلَا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمٍ بُٶسِهِ (6)؟

1) ذكرها الباقلاني في (إعجاز القرآن) ص 222 ، والحرّاني في (تحف العقول) ضمن خطبة الديباج ، والجاحظ في (البيان والتبيين ) ج 1 ص 171 ، وابن عبد ربه في (العقد الفريد ) ج 2 ص 365 .

2) آذنت: أعْلَمَتْ، وإيذانها بالوداع إنّما هو بما أودع في طبيعتها من التقلّب والتحّول، فأول نظرة من العاقل إليها يحصل له اليقين بفنائها وانقضائها، وليس وراء الدنيا إلّا الآخرة، فإن كانت الأولى مودّعة فالأخرى مشرفة . والاطّلاع من «أطّلع فلان علينا» أتانا فجأة .

3) المضمار: الزمان والموضع الذي تُضمّر فيه الخيل للسباق، والضمر: الهزال وخفة اللحم .

4) السَّبقة - بالتحريك - : الغاية التي يجب على السابق أن يصل إليها، وبالفتح : المرّة من السبق. - والشريف رواها في كلام الإمام بالتحريك أو الفتح وفسّرها بالغاية المحبوبة أو المرّة من السبق وهو مطلوب؛ لهذا روى الضم بصيغة رواية أخرى. ومن معاني السَّبَقة - بالتحريك - الرَّهن الذي يوضع من المتراهنين في السباق، أي الجَعْل الذي يأخذه السابق إلّا أنّ الشريف فسّرها بما تقدم.

5) المنية : الموت والأجل .

6) البؤس: اشتداد الحاجة وسوء الحالة. ويوم البؤس: يوم الجزاء مع الفقر من الأعمال الصالحة. والعامل له : هو الذي يعمل الصالح لينجو من البؤس في ذلك اليوم .

أَلَا وَإِنَّكُمْ فِي أَيَّامٍ أَمَلِ(1)، مِنْ وَرَائِهِ أَجَلُ: فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامٍ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورٍ أَجَلِهِ، فَقَدْ نَفَعَةً عَمَلُهُ، وَلَمْ يَضَرُرْهُ أَجَلُهُ، وَمَنْ قَصَّرَ فِي أَيَّامٍ أَمَلِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ ، فَقَدْ خَسِرَ عَمَلَهُ ، وَضَرَّهُ أَجَلُهُ . أَلَا فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ (2). أَلَا وَإِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا ، وَلَا كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا (3)أَلَا وَإِنَّهُ مَن۫ لَا يَنْفَعُهُ الْحَقُّ يَضُرُّهُ الْبَاطِلُ(4)، وَمَنْ لَا يَسْتَقِيمُ بِهِ الْهُدَى ، يَجُرُّ بِهِ الضَّلَالُ إِلَى الرَّدَى. أَلَا وَإِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالضَّعْنِ(5)، وَدُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ؛ وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ اتَّبَاعُ الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَلِ ، فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تُحْرِزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً (6).


1) يريد الأمل في البقاء واستمرار الحياة.

2) أمرَ(علیه السّلام) بأن يكون المكلّف عاملاً أيام عدم الخوف مثل عمله وإخلاصه وانقطاعه إلى الله أيام العوارض، يقول: اعملوا الله في السرّاء كما تعملون له في الضرّاء، لا تصرفكم النعم عن خشيته والخوف منه . والرَّهبة - بالفتح - : هي مصدر رَهِبَ الرجل - من باب علِمَ - رهباً بالفتح وبالتحريك والضم ، ومعناه خاف .

3) «لم أر كالجنة نام طالبها» يقول: إنّ من أعجب العجائب الذي لم يُرَ له مثيل من يؤمن بالجنة في عظمها، واستكمال أسباب السعادة فيها، كيف يطلبها وينام! ومن أعجب العجائب من يوقن بالنار، في هولها واستجماعها أسباب الشقاء، كيف لا يهرب منها وينام! أي لا ينبغي أن ينام طالب هذه ولا الهارب من هذه.

4) النفع الصحيح كله في الحق ، فإن قال قائل : إنّ الحق لم ينفعه، فالباطل أشدّ ضرراً له، ومن لم يستقم به الهدى المرشد إلى الحق ، أي لم يصل به إلى مطلوبه من السعادة، جرى به الضلال إلى الردى والهلاك.

5) الظعن: الرحيل عن الدنيا، وأمرنا به أمر تكوين، أي كما خلقنا الله خلق فينا أن نرحل عن حياتنا الأولى لتستقر في الأخرى، والزاد الذي دلنا عليه هو عمل الصالحات وترك السيئات .

6) تحرزون أنفسكم: تحفظونها من الهلاك الأبدي.

قال الرضي (رحمه الله) : (أَقُولُ) : إِنَّهُ لَو كَانَ كلامٌ يَأْخُذُ بِالأَعْنَاقِ إِلَى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا. وَيَضْطَرُّ إِلَى عَمَلِ الْآخِرَةِ لَكَانَ هَذَا الْكَلَامَ. وَكَفَى بِهِ قَاطِعاً لِعَلَائِقِ الآمال، وَقَادِحاً زِنَادَ الانْعَاظِ وَالازْدِجار. ومن أَعْجَيه قوله عَلَيْهِ السَّلام: «أَلَا وَإِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارَ وَغَداً السِّبَاقَ، وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ وَالْغَايَةُ النَّار » ، فَإِنَّ فِيهَ مَعَ فَخَامَةِ اللَّفْظِ . وَعِظَم قَدْرِ الْمَعْنَى وَصَادِقِ الَّتمْشِيلِ، وَوَافِع التَّنْبِيهِ ، سِرّاً عَجِيباً ، وَمَعْنى لطيفاً ، وَهُوَ قَوْلُه عَلَيْهِ السَّلَام « وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ وَالغَايَةُ النَّارِ» فَخَالَفَ بَيْن اللفظين لاخْتِلافِ الْمَعْنَيّين، ولم يقُلْ: «والسّبَقَة النّار» كَمَا قال: «السَّبَقَةُ الْجَنَّةُ» لأَنَّ الاسْتِبَاقَ إِنَّمَا يَكُونُ إِلَى أَمْرٍ مَحْبُوبٍ وَعْرَضٍ مَطْلُوبٍ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْجَنَّةِ، وَلَيْسَ هذا المعنَى موجُوداً في النَّارِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا! فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُول : « والسَّبَقَةُ النَّارُ » بلْ قال : « وَالْغَايَةُ النَّارِ»، لأَنَّ الغايَةَ قَدْ يَنْتَهِي إِليهَا مَنْ لَا يَسُرُّهُ الانْتِهَاءُ إِلَيهَا ، وَمَنْ يَسُرُّهُ ذَلِكَ فَصَلَحَ أَنْ يُعَبَّرَ بِهَا عَنِ الْأَمْرَيْنِ مَعاً ، فَهِي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَالْمَصِيرِ وَالْمَآلِ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: «قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ» ، وَلَا يَجُوزُ فِي هَذَا الْمَوْضِع أَنْ يُقَالَ: «فَإِنَّ سَبْقَنَكُمْ إِلَى النَّارِ». فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَبَاطِنُهُ عَجِيبٍ، وَغَوْرُهُ يعيد لطِيفٌ، وَكَذلِك أكثرُ كَلَامِهِ عَلَيْهِ السَّلام . وفى بَعْض النسخ ، وَقَدْ جَاءَ في رِوَايَةٍ أُخْرَى «وَالسُّبْقَةُ الْجَنَّةُ» ، بضم السّين ، والسُّبْقَةُ عِنْدَهُمْ : أَسْمُ لِمَا يُجْعَلُ للسَّابِقِ، إِذَا سَبَقَ مِنْ مالَ أَوْ عَرْضٍ؛ وَالْمَعْنَيان مُتِقَارِبَانِ : لِأَنَّ ذلِكَ لَا يَكُونُ جَزَاءً عَلَى فِعْل الْأَمْرِ المَذْمُومِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ جَزَاءً عَلَى فِعْلِ الْأَمْرِ الْمَحْمُود.

29 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

29 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي ذَمِّ الْمُتَخَاذِلِينَ

أَيُّهَا النَّاسُ، الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ، الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ(2)، كَلَامُكُمْ يُوهِي الصُّمَّ


1) ذكرها البلاذري في (أنساب الأشراف) ص 380 ، والقاضي النعمان في (دعائم الإسلام) ج 1 ص 391 .

2) أهواز هم: آراؤهم وما تميل إليه قلوبهم، والأهواء : جمع هوى، بالقصر.

الصَّلَابَ(1)، وَفِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الْأَعْدَاءَ!

تَقُولُونَ فِي الْمَجَالِسِ : كَيْتَ (2)وَكَيْتَ ، فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ: حِيدِي حَيَادِ (3)مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ(4)، وَلَا اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ، أَعَالِيلُ بِأَضَالِيلَ (5)، سَأَلْتُمُونِي التَّطوِيلَ(6)دِفَاعَ ذِي الدَّيْنِ الْمَطُولِ (7). لَا يَمْنَعُ الضَّيْمَ الدَّلِيلُ، وَلَا يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلَّا بِالْجِدٌ. أَيَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ، وَمَعَ أَيِّ إِمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ؟


1) الصم: جمع أصم ، وهو من الحجارة الصلب المصمت. والصلاب: جمع صليب. والصليب، الشديد، وبابه ظَریف وظِراف وضَعيف وضِعاف. ويوهيها : يضعفها ويفتتها، يقال: وهيَ الثوب ووهي يهي وهياً من باب ضرب ،وحسب تخرّق وانشقّ، أي تقولون من الكلام ما يفلق الحجر بشدته وقوته ويوهي الجبال الصمَّ الصلبة ، ثم يكون فعلكم من الضعف والاختلال بحيث يطمع فيكم العدو.

2) كَيْت وكَيْت : كلمتان لا تستعمل إلّا مكررة؛ إمّا مع واو العطف، وإمّا بدونها، وهي كناية عن الحديث.

3) حیدي حیاد : كلمة يقولها الهارب الفارَ ، كأنّه يسأل الحرب أن تتنحى عنه، من «الحَيَدان» وهو الميل والانحراف عن الشيء، وحيادِ مبني على الكسر كما في قولهم: «فيحي فَياحِ» أي اتسعي، وحِمَي حمام للداهية، أي أنهم يقولون في المجلس سنفعل بالأعداء ما تفعل، فإذا جاء القتال فروا وتقاعدوا.

4) أي من دعاهم وحملهم بالترغيب على نصرته لم تعزّ دعوته؛ لتخاذلهم، فإن قاساهم وقهرهم انتفضوا عليه فاتبعوه.

5) الأعاليل : إمّا جمع أعلال، جمع علل، جمع علّة أو جمع أعلولة، كما أنّ الأضاليل جمع أضلولة والأضاليل متعلقة بالأعاليل، أي أنّكم تتعللون بالأباطيل التي لا جدوى لها .

6) يريد بالتطويل هنا تطويل الموعد والمَطل فیه.

7) أي أنّكم تدافعون الحرب اللازمة لكم كما يدافع المدين المطول غريمه. والمطول: الكثير المطل، وهو تأخير أداء الدين بلا عذر ، وقوله «لا يمنع الضيم ...» أي أنّ الذليل الضعيف البأس الذي لا منعة له لا يمنع ضيماً وإنّما يمنع الضيم القوي العزيز.

الْمَغْرُورُ وَاللَّهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ، وَمَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَدْ فَازَ - وَاللَّهِ - بِالسَّهْمِ الْأَخْيَبِ(1). وَمَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِلِ (2)

وهذه الخطبة خطبها أميرالمؤمنين (علیه السّلام) عند إغارة الضحاك بن قيس، فإنّ معاوية لما بلغه فساد الجند على أميرالمؤمنين دعا الضحاك بن قيس وقال له: «سر حتى تمرّ بناحية الكوفة وترتفع عنها ما استطعت فأغر عليها، وإذا أصبحت في بلدة فأمس في أخرى ، ولا تقيمن لخيل بلغك أنّها قد سرحت إليك لتلقاها فتقاتلها» وسرّحه في ثلاثة آلاف، فأقبل الضحاك فنهب الأموال وقتل من لقي من الأعراب، ثم لقي ابن عمر عميس بن مسعود الذهلي فقتله، وهو ابن أخي عبدالله بن مسعود، ونهب الحاجّ وقتل منهم وهم على طريقهم عند القطقطانة، فساء ذلك أميرالمؤمنين وأخذ يستنهض الناس إلى الدفاع عن ديارهم، وهم يتخاذلون، فوبخهم بما تراه في هذه الخطبة، ثم دعا بحجر بن عدي فسيّره إلى الضحاك في أربعة آلاف فقاتله، فانهزم فارَاً إلى الشام يفتخر بأنّه قتل ونهب.

أَصْبَحْتُ وَاللهِ لَا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ، وَلَا أَطْمَعُ فِي نَصْرِكُمْ، وَلَا أُوْعِدُ الْعَدُوَّ بِكُمْ. مَا بَالُكُمْ؟ مَا دَوَاؤُكُمْ؟ مَا طِيُّكُمْ؟ الْقَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ. أَقَوْلاً بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَغَفْلَةً مِنْ غَيْرِ وَرَعِ، وَطَمَعاً فِي غَيْرِ حَقٌّ!؟

30 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

30 - ومن كلام له عليه السلام (3)

فِي مَعْنَى قَتْلِ عُثْمَانَ

لَوْ أَمَرْتُ بِهِ لَكُنْتُ قَاتِلاً ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ لَكُنْتُ نَاصِراً(4)، غَيْرَ أَنَّ مَنْ


1) من ظفر بكم وكنتم نصيبه فقد ظفر بالسهم الأخيب، وهو من سهام المَي۫سِر الذي لاحظّ له.

2) السهم الأفوق: المكسور الفُوق، وهو مَد۫خل الوتَر. والناصل : الذي لا نصل فيه، أي من رمى فكأنّما رمى بسهم لا يثبت في الوتر حتى يرمى، وإن رمى به لم يصب مقتلاً؛ إذ لا نصل له .

3) ذكر البلاذري في (أنساب الأشراف) ج 5 ص 95 كلاماً عن علي(علیه السّلام) قريباً من مضمون هذه الخطبة .

4) يقول : إنّه لم يأمر بقتل عثمان ، وإلّا كان قاتلاً له مع أنه بريء من قتله، ولم ينه عن قتله، أي لم يدافع عنه بسيفه ولم يقاتل دونه ، وإلّا كان ناصراً له . أمّا نهيه عن قتله بلسانه، فهو ثابت وهو الذي أمر الحسن والحسين أن يَذُبًا الناس عنه .

نَصَرَهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ : خَذَلَه مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَمَنْ خَذَلَهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ: نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي(1)، وَأَنَا جَامِعٌ لَكُمْ أَمْرَهُ، اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الْأَثَرَةَ، وَجَزِعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ الْجَزَعَ(2)، وَلِلَّهِ حُكْمُ وَاقِعُ فِي الْمُسْتَأْثِرِ وَالْجَازِعِ .

31 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

31 - ومن كلام له عليه السلام (3)

لابْنِ الْعَبَّاسِ

لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى الزُّبَيْرِ يَسْتَفِيتُهُ إِلَى طَاعَتِهِ (4)قَبْلَ حَرْبِ الْجَمَلِ


1) «غير أنّ مَنْ نصره ....» معناه أنّ خاذليه كانوا خيراً من ناصريه؛ لأنّ الذين نصروه كان أكثرهم فُسَاقاً، كمروان بن الحكم وأضرابه، وخذله المهاجرون والأنصار. فالذين نصروه ليسوا بأفضل من الذين خذلوه، لهذا لا يستطيع ناصره أن يقول إنّي خير من الذي خذله ، ولا يستطيع خاذله أن يقول أنّ الناصر خير مني، يريد أنّ القلوب متفقة على أنّ ناصريه لم يكونوا في شيء من الخير الذي يفضلون به على خاذليه .

2) «وأنا جامع لكم أمره ....» إلى آخر الفصل، معناه أنّه فعل ما لا يجوز، وفعلتم ما لا يجوز، أمّا هو فاستأثر فأساء الأثرة، أي استبد بالأمور فأساء الاستبداد ، وكان عليه أن يخفف منه حتى لا يزعجكم، وأمّا أنتم فجزعتم مما فعل، أي حزنتم فأسأتم الجزع؛ لأنّكم قتلتموه، ولم ترفقوا في جزعكم، ولم تقفوا عند الحد الأولى بكم ، وكان عليكم أن تقتصروا على الشكوى، ولا تذهبوا في الإساءة إلى حدّ القتل، والله حكمه في المستأثر وهو عثمان، وفي الجازع وهو أنتم، فأمّا أخذه وأخذكم أو عفا عنه وعفا عنكم .

3) رواه الجاحظ في (البيان والتبيين) ج 2 ص 115 ، وابن قتيبة في (عيون الأخبار) ج 1 ص 115 .

4) ليستفيئه إلى طاعته : أي يسترجعه، فاء أي رجع ، ومنه سُمِّيَ الفيء للظلّ بعد الزوال.

لَا تَلْقَيَنَّ طَلْحَةَ ، فَإِنَّكَ إِنْ تَلْقَهُ(1)تَجِدْهُ كَالتَّوْرِ عَاقِصاً قَرْنَهُ (2)، يَرْكَبُ الصَّعْبَ (3)وَيَقُولُ: هُوَ الذُّلُولُ ، وَلَكِنِ الْقَ الزُّبَيْرَ، فَإِنَّهُ أَلْيَنُ عَرِيكَةٌ(4)، فَقُلْ لَهُ : يَقُولُ لَكَ ابْنُ خَالِكَ (5): عَرَفْتَنِي بِالْحِجَازِ (6)، وَأَنْكَرْتَنِي بِالْعِرَاقِ ، فَمَا عَدًا مِمَّا بَدَا! (7)

قال الرضي (رحمه الله) : هو عَلَيْهِ السَّلَام أَوَّلُ مَنْ سُمِعت منه هذه الكلمة أغني: «فَمَا عَدًا مِمَّا بَدَاء».

32 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

32 - ومن خطبة له عليه السلام (8)

في جَور الزَّمانِ

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِي دَهْرٍ عَنُودٍ(9)، وَزَمَنِ كَنُودِ(10)أثبت ابن أبي الحديد في المتن «وزمن شديد» وجعل «وز من كنود» رواية(11)، يُعَدُّ فِيهِ الْمُحْسِنُ


1) يروى أن تَلْقَه تُلْفِه - الأولى بالقاف والثانية بالفاء - من «ألفاه يلفيه» وهي بمعنى تجده.

2) عاقصاً قَرنه : أي قد عطفه ، تَيس أعقص : أي قد التوى قرناه على أذنيه، من «عقص شعره» إذا ضفره وقتله ولواه، وهو تمثيل له في تغطرسه وكبره وعدم انقياده.

3) يركبُ الصعب : أي يستهين بالمستصعَب من الأمور، والصَّعب : الدابة الجموح.

4) العريكة: الطبيعة والخلق، وأصل العَرّك ذلك الجسد بالدّباغ وغيره، يقال: ليّن العريكة إذا كان سَلِساً.

5) قوله هذا لطيف جدّاً، وهو من باب الاستمالة والإذكار بالنَّسب والرحِم، ألا تَرَى له في القلب من الموقع الداعي إلى الانقياد ما ليس لقوله: «يقول لك أميرالمؤمنين».

6) عرفه بالحجاز : أطاعه فيه حيث عقد له البيعة، وأنكره بالعراق حيث خرج عليه وجَمعَ لقتاله .

7) عداه الأمر: صرفه . وبدا ظهر ، و«من» هنا بمعنى «عن» نقل ابنُ قتيبة في «أدب الكاتب» قالوا: حدّثني فلان من فلان أي عنه ، ونهيت من كذا أي عنه، وتقدير الكلام: فما صرفَك عَمّا بدا منك! أي ظَهَر، والمعنى: ما الذي صدّك عن طاعتي بعد إظهارك لها.

8) ذكرها محمد بن طلحة الشافعي في (مطالب السؤول ) ج 1 ص 90 .

9) العنود : الجائر من «عَنَد يعنُد - كَنَصَرَ - » جار عن الطريق وعدل.

10) الكنود: الكفور . ويُروى وزمن شديد

11) . أي بخيل؛ كما في قوله تعالى : «وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ »[العاديات : 18 ]أي أنّ الإنسان لأجل حبّه للمال بخيل، والوصف لأهل الزمن والدهر كما هو ظاهر . وسوء طباع الناس يحملهم على عدّ المحسن مسيئاً .

مُسِيئاً، وَيَزْدَادُ الظَّالِمُ فِيه عُتُواً ، لَا تَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا، وَلَا نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا، وَلَا نَتَخَوَّفُ قَارِعَةً حَتَّى تَحْلَّ بِنَا(1). وَالنَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ :

مِنْهُمْ مَنْ لَا يَمْنَعُهُ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَهَانَةُ نَفْسِهِ(2)، وَكَلالَهُ حَدِّهِ (3)، وَنَضِيضُ وَفْرِهِ(4)وَمِنْهُمْ الْمُصْلِتُ بِسَيْفِهِ، وَالْمُعْلِنُ بِشَرِّهِ (5)، وَالْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ(6)، قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ(7)، وَأَوْبَقَ دِينَهُ(8)لِحُطَامٍ يَنْتَهِرُهُ(9)، أَوْ مِقْتَبٍ يَقُودُهُ(10)، أَوْ مِنْبَرِ يَقْرَعُهُ (11)، وَلَبِئْسَ الْمَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً، وَمِمَّا لَكَ عِنْدَاللهِ عِوَضاً!


1) القارعة: الخطب يقرع من ينزل به، أي يصيبه.

2) القسم الأول : من يقعد به عن طلب الإمارة والسلطان حقارة نفسه، فلا يجد معيناً ينصره .

3) كلالة حدّه: أي ضعف سلاحه عن القطع في أعدائه، يقال: «كُلّ السيف كلالة» إذا لم يقطع، والمراد إعوازه من السلاح أو لضعفه عن استعماله.

4) النضيض القليل، والوفر: المال، وكان مقتضى النسق أن يقول: ونضاضة وفره؛ لكنه عدل إلى الوصف تفننا.

5) القسم الثاني : الذي يطلب الإمارة وما هي من حقه، ويجهر بذلك فهو مصلت لسيفه، أي سال له على أعناق الذين لا يسمعون لسلطان الباطل. والمعلن: المظهر .

6) المجلب : اسم فاعل من «أجلب عليهم» أي أعان عليهم ، أجلب القوم أي جلبوا وتجمُعوا من كل أوب للحرب . والرَّجُل : جمع راجل، كالركب جمع راكب.

7) أشرط نفسه : أى هيَأها وأعدّها للشرّ والفساد في الأرض أو للعقوبة وسوء العاقبة.

8) أوبق دينه: أهلكه.

9) الحطام: المال، وأصله ما تكسر من اليَبس . ينتهزه : يغتنمه أو يختلسه .

10) المِقْنَب: طائفة من الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين، وإنّما يطلب قوده تعزّزاً على الناس وكبراً.

11) فرع المنبر - بالفاء - : أي علاه، وفي علو المنبر والخطبة على الناس من الرفعة ما يبعث على الطلب. فهذا القسم قد أضاع دينه وأفسد الناس في طلب هذه الشهوات المذكورة.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَلَا يَطْلُبُ الْآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا، قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ (1)، وَقَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ (2)، وَشَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ (3)، وَزَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلْأَمَانَةِ(4)، وَاتَّخَذَ سِتْرَ اللَّهِ ذَرِيعَةً إِلَى الْمَعْصِيَةِ(5)وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَب الْمُلْكِ ضُؤُولَةٌ نَفْسِهِ(6)، وَأَنْقِطَاعُ سَبَبِهِ ، فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلَى حَالِهِ، فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ ، وَتَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ، وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَاح (7)وَلَا مَغْدىَّ (8).

وَبَقِيَ رِجَالُ غَضَ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِع (9)، وَأَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ ،فَهُمْ بَيْنَ شَرِيدٍ نَادٍّ(10)، وَخَائِفٍ مَقْمُوعٍ(11)، وَسَاكِتٍ مَكْعُومٍ(12)، وَدَاعٍ مُخْلِصٍ ،


1) طامَن من شخصه: أي خَفَض .

2) قارب من خطوه : لم يسرع ومشى رويداً .

3) شمّر من ثوبه: قصّره.

4) زخرف من نفسه : حَسَن ونمّق وزيّن، والزخرف : الذهب في الأصل.

5) الذريعة: الوسيلة ، وهذا قسم ثالث.

6) ضُؤُولة نفسه: حفارتها ، والضُّؤولة - بالضم - : الضعف . وهذا هو القسم الرابع، وليس من الزهادة في ذهاب ولا إياب أي لا في فعل ولا ترك.

7) مَراح: مصدر ميمي من «راح» إذا ذهب في العشي.

8) مَغْدَى: مصدر ميمي من «غدا» إذا ذهب في الصباح.

9) هذا قسم خامس للناس مطلقاً، والأقسام الأربعة للناس المعروفين الواقعين تحت نظر العامة، فقوله فيما سبق «فالناس أربعة أصناف» إنّما يريد به الذين يعرفهم النظر الجليُ ناساً، أمّا الرجال الذين غضوا أبصارهم عن مطامع الدنيا ؛ خوفاً من الآخرة ، وتذكرهم لمعادهم، فهؤلاء لا يعرفون عند العامة، وإنّما يتعرف أحوالهم أمثالهم، فكأنّهم في نظر الناس ليسوا بناس.

10) الناد : المنفرد ، الهارب من الجماعة إلى الوحدة.

11) المقموع المقهور.

12) المكعوم: من «كعمت البعير» إذا شددتُ فمه؛ لئلا يأكل أو يعضُ وما يُشَدُّ به كِعام - ككتاب.

وَتَكَلانَ مُوجَعِ(1)، قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ(2)، وَشَمَلَتْهُمُ الذِّلَّةُ، فَهُمْ فِي بَحْرٍ أُجَاجِ(3)، أَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَةٌ(4)، وَقُلُوبُهُمْ فَرِحَةٌ(5)، قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُّوا(6)، وَقُهِرُوا حَتَّى ذَلُوا، وَقُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا .

فَلْتَكُنِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِكُمْ أَصْغَرَ مِنْ حُنَالَةِ الْقَرَظِ (7)، وَقُرَاضَةِ الْجَلَم(8).

وَأَتَّعِظُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظَ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَأَرْفُضُوهَا ذَمِيمَةً، فَإِنَّهَا قَدْ رَفَضَتْ مَنْ كَانَ أَشْغَفَ بِهَا مِنْكُمْ(9).

قال الرضى (رحمه الله) : وهذه الخُطْبَةُ رُبَّمَا نسبها من لا عِلْمَ له إلى معاوية ؛ وَهِيَ من كلام أميرالمؤمنين عَلَيْهِ السَّلام الَّذِي لَايُشكُّ فيه . وأين الذَّهبُ من الرَّغام (10)وأين العذ۫بُ منَ الأَجَاجُ! وَقد دَلَّ على ذلك الدَّليلُ الخِرِّيت (11).


1) الثكلان الحزين.

2) أخمله : أسقط ذكره حتى لم يعد له بين الناس نباهة والتقية : اتّقاء الظلم بإخفاء الحال .

3) الأجاج : الملح ، أي أنّهم في الناس كمن وقع في البحر المالح ، لا يجد ما يطفى ظمأه ، ولا ينقع غلته .

4) أفواههم ضامزة : أي ساكنة، ضمر: سكت يسكت.

5) القَرحة - بفتح فكسر - : المجروحة .

6) أي أنّهم أكثروا من وعظ الناس حتى سئموا ذلك إذ لم يكن لهم في النفوس تأثير.

7) القرظ : ورَق السَّلَم ، أو ثمر السنط ، يُدْبَغ به وحثالته ما يسقط منه، أي القشارة وما لا خير فيه.

8) الجلّم : المقص تُجزُ به أوبار الإبل، وقراضته : ما يقع من قَرْضه وقطعه ، وإنّما طالبهم باحتقار الدنيا بعد التقسيم المتقدم ؛ لما ثبت من أنّ الدنيا لم نصف إلا للأشرار ، أما المتقون الذين ذكرهم فإنّهم لم يصيبوا منها إلّا العناء ، وكلّ من كان شأنه أن يأوي إلى الأشرار ويجافي الأخيار فهو أجدر بالاحتقار.

9) أي من كان أشدّ تعلّقاً بها منكم .

10) الرَّغام - بالفتح - : التراب .

11) الخِرَيت : الحاذق في الدلالة.

ونقدهُ النَّاقِدُ البَصِيرُ ، عَمْرُو بن بحرٍ الجاحظ، فإنّه ذكر هذه الخطبة في كتاب «البيان والتبيين» وذكرَ من نَسَبَهَا إلى مُعاوية ، ثمَّ تكلّم من بعدها بكلام في معناها، جملته أنّه قال: «وهذا الكلام بكلام عليّ عَلَيْهِ السَّلَام أشبهُ وَبمذهبه فِي تصنيف النَّاسِ وفي الإخبَارِ عَمَّا هُمْ عليه من القَه۫ر والإذلالِ. و من التقيَّةِ والخوْفِ أَلْيقُ » (1). قَالَ : «ومتى وجدنا معاويَةُ في حال من الأحوال يسلُكُ في كلامه مسلك الزُّهَّادِ، ومذاهبَ العُبَّادِ!»

33 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

33 - ومن خطبة له عليه السلام (2)

عِنْدَ خُرُوجِهِ لَقَتَالِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ

عِنْدَ خُرُوجِهِ لَقَتَالِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ (3)

قال عَبْدُالله بن العبَّاس: «دَخَلْتُ على أميرالمؤمنين عليه السَّلامُ بذِي قَارٍ (4)، وهو يَخْصِفُ نَعْلَهُ (5)، فقالَ لِي: «مَا قِيمَةُ هَذَا التَّعْلِ؟» فقُلتُ: «لاقيمة لها»، فقال عليه السلام: «و اللَّهِ لَهِيَ أَحبُّ إليَّ من إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقًّا أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلاً»، ثم خرج فَخَطَبَ النَّاسُ فقال:

إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأْ كِتَاباً، وَلَا يَدَّعِي نُبُوَّةٌ، فَسَاقَ النَّاسَ حَتَّى بَوَّاهُم مَحَلَّتَهُمْ، وَبَلَّغَهُمْ


1) تصنيف الناس : تقسيمهم وتبيين أصنافهم .

2) رواها الشيخ المفيد في (الإرشاد) ص 154، وقال: خَطَبَ عليه السلام هذه الخطبة بالربذة وليس بذي قار.

3) في وقعة الجمل.

4) ذو قّار: بلد بین واسط والكوفة، وهو قريب من البصرة، وكانت فيه الحرب بين العرب والفرس وانتصر فيه العرب قبل الإسلام.

5) يخصف نعله : يَخْرزها .

مَنْجَاتَهُمْ(1)، فَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ (2)، وَاَطْمَأَنَّتْ صَفَاتُهُم (3).

أَمَا وَاللهِ إِنْ كُنْتُ لَفِي سَاقَتِهَا(4)، حَتَّى وَلَّتْ بِحَذَا فِيرِهَا(5)، مَا ضَعُفْتُ وَلَا جَبُنْتُ، وَإِنَّ مَسِيرِي هَذَا لِمِثْلِهَا(6)، فَلَأَنْقُبَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى يَخْرُجَ الْحَقُّ مِنْ جَنْبِهِ (7)

والباطل يبادر الأوهام فيشغلها عن الحق ويقوم حجاباً مانعاً للبصيرة عن الحقيقة فكأنّه شيء اشتمل على الحق فستره وصار الحق في طيه. والكلام تمثيل لحال الباطل مع الحق، وحال الإمام في كشف الباطل وإظهار الحق .

.

1) بوّأهم محلتهم: أسكنهم مَن۫زلهم، فالناس قبل الإسلام كأنّهم كانوا غرباء مشردين والإسلام هو : منزلهم الذي يسكنون فيه ويأمنون من المخاوف، فالنبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ساق الناس حتى أوصلهم إلى منزلهم من الإسلام الذي كانوا قد ضلّوا عنه ، وبلغهم بذلك مكان نجاتهم من المهالك .

2) فاستقامت۫ قناتهم : استقاموا على الإسلام، أي كانت قناتهم معوجّة فاستقامت ، والقناة : العود والرمح ، والكلام تمثيل لاستقامة أحوالهم .

3) الصفاة : الحجر الصلد الضخم، وأراد به مواطئ أقدامهم، والكلام تصوير لاستقرارهم على راحة كاملة، وخلاصهم مما كان يرجف قلوبهم ويزلزل أقدامهم.

4) «إن» هذه هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير ، واسمها ضمير الشأن محذوف والأصل إنّه كنت.... والمعنى قد كنت . والساقة: مؤخر الجيش السائق لمقدمه ، أقسم أنّه كان في ساقتها حتى تولَّت۫ بحذافيرها والأصل في «ساقتها» أن يكون جمع سائق كحائض وحاضة، ثم استعملت لفظة «الساقة» للأخير ؛ لأن السائق إنّما يكون في آخر الركب أو الجيش .

5) ولّت بحذافيرها: بجملتها وأسرها. والضمائر في «ساقتها» و «ولّت بحذافيرها» عائدة إلى الحادثة المفهومة من الحديث، وهي ما أنعم الله به من بعثة النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، ومن الذلّة للعزّة. وقال الشارح ابن أبي الحديد: «الضمائر للجاهلية المفهومة من الكلام، وكونه في ساقته أنّه طارد لها .»ويضعّفه أنّ ساقة الجيش منه لا من مقاتله، فلو كان في ساقة الجاهلية لكان من جيشها نعوذ بالله، ويمكن تصحيح كلام الشارح بجعل الساقة جمع سائق، أي كنت في الذين يسوقونها طرداً حتى ولّت.

6) أي أنّه يسير إلى الجهاد في سبيل الحق .

7) نَقَّبَ : بمعنى ثقبَ ، كأنّه جعل الباطل كشيء قد اشتمل على الحق واحتوى عليه، وصار الحقِّ في طَيّه ، كالشيء الكامن المستتر فيه، فأقسم لينفينَ ذلك الباطل إلى أن يخرُج الحقُّ من جنبه .

مَالِي وَلِقُرَيْشٍ! وَاللهِ لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ كَافِرِينَ، وَلَأُقَاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِينَ، وَإِنِّي لَصَاحِبُهُمْ بِالْأَمْسِ كَمَا أَنَا صَاحِبُهُمُ الْيَوْمَ. وَاللَّهِ مَاتَنْقِمُ مِنَّا قُرَيْسُ إِلَّا أَنَّ اللهَ اَخْتَارَنَا عَلَيْهِمْ، فَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي حَيَّزِنَا، فَكَانُوا كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ:

أَدَمْتَ لَعَمْرِي شُرْبَكَ الْمَحْضَ (1)صَابِحاً*** وَأَكْلَكَ بِالزُّيْدِ الْمُقَشَرَةَ الْبُجْرَا

وَنَحْنُ وَهَبْنَاكَ الْعَلَاءَ وَلَمْ تَكُنْ*** عَلِيّاً، وَحُطْنَا حَوْلَكَ الْجُرْدَ وَالسُّمْرَا

34 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

34 - ومن خطبة له عليه السلام (2)

فِي اسْتِنْفَارِ النَّاسِ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ

أُفٍّ لَكُمْ(3)! لَقَدْ سَئِمْتُ عِتَابَكُمْ! أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ عِوَضاً؟ وَبِالذُّلِّ مِنَ الْعِزَّ خَلَفَاً؟ إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أَعْيُنُكُمْ (4)، كَأَنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ فِي غَمْرَةٍ(5)، وَمِنَ الذُّهُولِ فِي سَكْرَةٍ.


1) المحضُ: اللبن الخالص بلا رغوة .

2) رواها الطبري في (التاريخ) ج 6 ص 51 ، وابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) ج 1 ، ص 150، والبلاذري في «أنساب الأشراف» في ترجمة علي عليه السلام ص 380، والمفيد في (المجالس) ص 79 .

3) أُفٍّ لكم : كلمة استقدار ومَهانة وتصجُر .

4) «دارت أعينكم» من قوله تعالى : «تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ» [الأحزاب: 19)، و دوران الأعين : اضطرابها من الجزع .

5) الغَمْرة : الواحدة من «الغَمْر» وهو السِّتر، ومن غَمَره الموت يدور بصره فإنّهم يريدون من غمرة الموت الشدة التي تنتهي إليه، أي إلى المحتضر، يشير إلى قوله تعالى : «يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَعْشِيُّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوتِ» [محمد: 20].

يُرْتَجُ(1)عَلَيْكُمْ حِوَارِي (2)فَتَعْمَهُونَ (3)، فَكَأَنَّ قُلُوبَكُمْ مَأْلُوسَةٌ(4)، فَأَنْتُمْ لَا تَعْقِلُونَ . مَا أَنْتُمْ لِي بِثِقَةٍ سَجِيسَ اللَّيَالِي(5)، وَمَا أَنْتُمْ بِرُكْنٍ يُمَالُ بِكُمْ(6)، وَلَا زَوَافِرَ(7)عِزَّ يُفْتَقَرُ إِلَيْكُمْ. مَا أَنْتُمْ إِلَّا كَابِلٍ ضَلَّ رُعَاتُهَا ، فَكَلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبِ أَنْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ. لَبِئْسَ - لَعَمْرُ اللَّهِ - سُعْرُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ(8)تُكَادُونَ وَلَا تَكِيدُونَ، وَتُنْتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ فَلَا تَمْتَعِضُونَ(9)لَا يُنَامُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ فِي غَفْلَةٍ سَاهُونَ، غُلِبَ وَاللهِ الْمُتَخَاذِلُونَ! (10)


1) يرتج : يغلَق ، تقول : رتج الباب أي أغلقه.

2) الحِوار: المحاورة والمخاطبة ومراجعة الكلام، والحَوار بالفتح وربما بالكسر. [أثبت ابن أبي الحديد حِواري بالكسر، وعبد، والصالح بالفتح].

3) تَعْمَهون: من العَمَه وهو التحيُر والتردد ، الماضي عَمِه بالكسر ، أي لا تهتدون لفهمه فتعمهون، أى تتحيرون وتترددون .

4) المألوسة : المخلوطة بمس الجنون، من «الأل۫س»، بسكون اللام، وهو الجنون واختلاط العقل .

5) ما أنتم لى بثقةٍ سَجيسُ الليالي : كلمة تقال للأبد، سجيس : أصله من «سجس الماء» بمعنى تغيّر وكدر ، وكان أصل الاستعمال ما دامت الليالي بظلامها، أي ما دام الليل ليلاً. ويقال: سجيس وجس - بفتح الجيم وضمها ، وسجيس عجيس كل ذلك بمعنى أبداً ، أي أنّهم ليسوا بثقات عنده يركن إليهم أبداً .

6) أي لستم بركن يُس۫تَند إليكم، ويُمال على العدو بعزّكم وقوتكم.

7) زوافر: جمع زافرة، والزافرة: من البناء ركنه ومن الرجل عشيرته، زافرة الرجل : أنصاره وعشيرته ؛ ويجوز أن يكون زوافِر عِزّ، أى حوامل عِزّ، زفرتُ الجملَ أزفره زفراً، أى حمُلته.

8) سُعر : جمع ساعِر ، مثل كُظُم جمع كاظِم ، والمراد : «لبئس مُوقدو الحرب أنتم» . [وفي نسخة عبده: سَع۫رُ نار الحرب] والسَّعْر - بالفتح - : مصدر سَعُر النار - من باب نَفَعَ - : أوقدها.

9) امتعض : غَضِبَ، وتمتعضون: تأنفون وتغضبون .

10) غُلِب: مبني للمجهول، والمتخاذلون: الذين يخذل بعضهم بعضاً ولا يتناصرون.

وَايْمُ اللهِ إِنِّي لَأَظُنُّ بِكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى (1)وَاسْتَحَرَّ الْمَوْتُ(2)، قَدِ أَنْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنْفِرَاجَ الرَّأْسِ (3).

وَاللهِ إِنَّ أَمْرَأَ يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ؛ يَعْرُقُ لَحْمَهُ(4)، وَيَهْشِمُ عَظْمَهُ، وَيَفْرِي جِلْدَهُ(5)، لَعَظِيمٌ عَجْزُهُ، ضَعِيفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِعُ صَدْرِهِ(6). أَنْتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ(7)، فَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ دُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ ضَرْبُ بِالْمَشْرَفِيَّةِ(8)تَطيرُ مِنْهُ فَرَاشُ أَلْهَا(9)، وَتَطِيعُ السَّوَاعِدُ وَالْأَقْدَامُ(10)، وَيَفْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَشَاءُ.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً، وَلَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ : فَأَمَّا حَقُكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصِيحَةُ


1) حَمِسَ - كَفَرِحَ - : اشتدَّ وصَلْبَ، فهو حَمِسٌ، وأصل الوغى الصوت والجَلَبَة، ثم سميت الحرب نفسها وغى ، لما فيها من الأصوات والجلبة.

2) استحرَّ الموت: اشتد وبلغ في النفوس غاية حِدّته .

3) «انفرجتم انفراج الرأس» : أي كما ينفلق الرأس فيذهب نصفه يَمْنَةٌ ونصفه شامّة فلا يلتثم؛ فإنّ الرأس إذا انفرج عن البدن أو انفرج أحد شقيه عن الآخر لم يعد للالتئام.

4) يَعْرُقُ لَحْمَه: يأكل لحمه حتى لا يبقى منه شيء على العظم.

5) فراه يفريه: مزّقه يمزّقه .

6) ما ضُمّت عليه الجوانح هو القلب وما يتبعه من الأوعية الدموية. والجوانح: الضلوع تحت الترائب، ما يلي الترقوتين من عظام الصدر أو ما بين الثديين والترقونين ، يريد ضعيف القلب.

7) خاطب كلّ من يمكّن عدوه من نفسه كائناً من كان ، ويُروى أنّه خطاب للأشعث بن قيس عندما قال له : «هلّا فعلت فِع۫لَ ابن عفان» فأجابه بقوله : «إنّ فعل ابن عفان لمَخْزاة على مَن لا دين له وإنّ أمره ....». ويمكن أن تكون الرواية صحيحة، والخطاب عام لكلِّ من أمكن من نفسه، فلا منافاة بينهما .

8) أي لا يمكّن عدوه من نفسه حتى يكون دون ذلك ضرب بالمشرفية، وهي السيوف التي تنسم إلى مشارف، وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف، ولا يقال في النسبة إليها مشارفي.

9) فراش الهام: العظام الرقيقة التي تلي القحف.

10) تطيح السواعد : أي تسقط.

لَكُمْ، وَتَوْفِيرُ فَيْنِكُمْ عَلَيْكُمْ(1)، وَتَعْلِيمُكُمْ كَيْلَا تَجْهَلُوا، وَتَأْدِيبُكُمْ كَيْمَا تَعْلَمُوا .

وَأَمَّا حَقٍّي عَلَيْكُمْ فَأَلْوَفَاءُ بِالْبَيْعَةِ، وَالنَّصِيحَةُ فِي الْمَشْهَدِ وَالْمَغِيبِ، وَالْإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ، وَالطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ.

35 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

35 - ومن خطبة له عليه السلام (2)

بَعْدَ التَّحْكِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَإِنْ أَتَى الدَّهْرُ(3)بِالْخَطب الْفَادحِ (4)، وَالْحَدَثِ الْجَلِيلِ(5). وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَاشَرِيكَ لَهُ، لَيْسَ مَعَهُ إِلَهُ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.

أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِينِ الْعَالِمِ الْمُجَرِّبِ تُورِثُ الْحَسْرَةَ، وَتُعْقِبُ النَّدَامَةَ. وَقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ فِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي، وَنَخَلْتُ لَكُمْ(6)مَخْرُونَ رَأْيِي(7)


1) الفيء: الخراج وما يحويه بيت المال.

2) ذكرها البلاذري في (أنساب الأشراف) في ترجمة أميرالمؤمنين 7 ص 365 ، والطبري في (تاريخه) ج 6 ص 46 ، في حوادث سنة 37 ، وابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) ج 1 ص 119 ، وغيرهم.

3) «الحمد لله وإن أتى الدهر ...» أي أحمده على كل حال من السرّاء والضرّاء.

4) الخطب الفادح : الثقيل ، من «فدحه الدين»: أي أثقله وعاله وَبَهَظَةُ.

5) الحَدّث - بالتحريك - : الحادث، والمراد هنا ما وقع من أمر الحكمين .

6) نخَلْت لكم: أي أخلص۫تُه من «نَخَلْتُ الدقيق بالمُنخُل» .

7) الحكومة: حكومة الحكمين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري، وذلك بعد ما وقف القتال بين أميرالمؤمنين ومعاوية بن أبي سفيان في حرب صفين سنة سبع وثلاثين من الهجرة، فإنّ جيش معاوية لما رأى أنّ الدبرة تكون عليه رفعوا المصاحف على الرماح يطلبون ردّ الحكم إلى كتاب الله ، وكانت الحرب أكلت من الفريقين، فانخدع القراء وجماعة تبعوهم من جيش عليّ وقالوا: «دعينا إلى كتاب الله ونحن أحقّ بالإجابة إليه» فقال لهم أميرالمؤمنين: «إنّها كلمة حق يراد بها باطل ، إنّهم ما رفعوها ليرجعوا إلى حكمها، إنّهم يعرفونها ولا يعملون بها، ولكنها الخديعة والوهن والمكيدة، أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة فقد بلغ الحق مقطعه ولم يبق إلّا أن يقطع دابر الذين ظلموا فخالفوا واختلفوا، فوضعت الحرب أوزارها، وتكلّم الناس في الصلح وتحكيم حكمين يحكمان بما في كتاب الله، فاختار معاوية عمرو بن العاص، واختار أصحاب أميرالمؤمنين أبا موسى الأشعري ، فلم يرض أميرالمؤمنين واختار عبدالله بن عباس، فلم يرضوا. ثم اختار الأشتر النخعي فلم يطيعوا ، فوافقهم على أبي موسى مكرهاً بعد أن أعذر في النصيحة لهم فلم يذعنوا. فقد نخل لهم: أي أخلص رأيه في الحكومة أولاً وآخراً، ثم انتهى أمر التحكيم بانخداع أبي موسى لعمرو بن العاص وخلعه أميرالمؤمنين، وأعقب ذلك ضعف أمير المؤمنين وأصحابه.

لَوْ كَانَ يُطاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرُ(1)! فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الْجُفَاةِ، وَالْمُنَابِذِينَ الْعُصَاةِ، حَتَّى أَرْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ (2)، وَضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ (3)، فَكُنْتُ أَنَا وَإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخُو هَوَازِنَ(4)

فلما عَصَوْني كنتُ منهم وقد أرى *** غوايتَهم أو أنني غيرُ مُهْتَدِي

وما أنا إلّا من غُزيّة إن غَوَتْ *** غويتُ وإِن تَرْشُدُ غَريَّة أَرْشَدِ

:

أَمَرْتُكُمُ أَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللُّوَى*** فَلَمْ تَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلَّا ضُحَى الْغَدِ


1) هو مولى جذيمة المعروف بالأبرش، وكان حاذقاً، وكان قد أشار على سيده جذيمة أن لا يأمن للزباء، ملكة الجزيرة، فخالفه وقصدها إجابة لدعوتها إلى زواجه فقتلته، فقال قصير: «لا يطاع لقصير أمر» فذهب مثلاً.

2) يريد الناصح نفسه، أي أنّهم أجمعوا على مخالفته حتى شك في نصيحته وظن أنّ النصح غير نصح، و أنّ الصواب ما أجمعوا عليه. وتلك سنّة البشر إذا كثر المخالف للصواب اتّهم المصيب نفسه.

3) قوله «ضن الزند بقدحه» أي أنّه لم يعن له بعد ذلك رأي صالح لشدة ما لقي من خلافهم، وهكذا المشير الناصح إذا اتّهم واستغش عشت بصيرته وفسد رأيه .

4) أخو هوازن: هو دُرَيْد بن الصُّمة. ومنعرج اللوى: اسم مكان، وأصل اللوى: من الرمل الجدد بعد الرملة . ومنعرجه : منعطفه يمنة ويسرة، وفي هذه القصيدة:

36 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

36 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

في تَخْوِيفِ أَهْلِ النَّهْرَوانِ

في تَخْوِيفِ أَهْلِ النَّهْرَوانِ (2)

وهؤلاء يلقّبون بالحرورية؛ لما تقدم أن الأرض التي اجتمعوا فيها كانت تسمى حروراء، وكان رئيس هذه الفئة الضالة حرقوص بن زهير السعدي، ويلقب بذي الثُّديَّة، تصغير ثدي ، خرج إليهم أميرالمؤمنين يعظهم في الرجوع عن مقالتهم، والعودة إلى بيعتهم، فأجابوا النصيحة برمي السهام، وقتال أصحابه كرم الله وجهه، فأمر بقتالهم، وتقدم القتال بهذا الإنذار الذي تراه.

فَأَنَا نَذِيرٌ لَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا صَرْعَى بِأَثْنَاءِ هَذَا النَّهْرِ (3)، وَبِأَهْضَامِ هَذَا الْغَائِطِ (4)عَلَى غَيْرِ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وَلَا سُلْطَانٍ مُبِينٍ مَعَكُمْ، قَدْ طَوَّحتْ بِكُمُ الدَّارُ(5). وَاحْتَبَلَكُمُ الْمِقْدَارُ(6). وَقَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ هَذِهِ الحُكُومَةِ فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ


1) ذكرها ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة ) ج 1 ص 147 ، والطبري في ( تاريخه ) ج 6 ص 47 ، والزبير بن بكار في (الموفقيات) : ص 350 .

2) النهروان: اسم لأسفل نهر بين الخافيق وطرفاء، على مقربة من الكوفة في طرف صحراء حروراء. ويقال لأعلى ذلك النهر تامر ، وكان الذين خرجوا على أميرالمؤمنين وخطّأوه في التحكيم قد نقضوا بيعته، وجهروا بعداوته، وصاروا له حرباً واجتمع معظمهم عند ذلك الموضع .

3) صرعى: جمع صريع، أي طريح ، أي أنّي أحذَّركم من اللجاج في العصيان فتصبحوا مقتولين مطروحين بعضكم في أثناء هذا النهر ، وبعضكم بأهضام هذا الغائط .

4) الأهضام: جمع هضم، وهو المطمئن من الوادي. والغائط: ما سفل من الأرض.

5) أي صرتم في متاهة ومضلة لا يدع الضلال لكم سبيلاً إلى مستقر من اليقين، فأنتم كمن رمت به داره وقذفته، ويقال: «تطاوحت به النوى» أي ترامت، وقد يكون المعنى : أهلكتكم دار الدنيا.

6) احتَبَلَكم المقدار : أوقعكم في الحِبالة، فهم مقيّدون للهلاك لا يستطيعون منه خروجاً. والمقدار: القدر الإلهي.

الْمُخَالِفِينَ الْمُنَابِذِينَ(1)، حَتَّى صَرَفْتُ رَأْيِي إِلَى هَوَاكُمْ، وَأَنْتُمْ مَعَاشِرُ أَخِفّاءُ الْهَامِ(2)، سُفَهَاءُ الْأَحْلامِ(3)، وَلَمْ آتِ- لَا أَبَا لَكُمْ - بُجْراً(4)، وَلَا أَرَدْتُ بِكُمْ ضُرّاً .

37 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

37 - ومن كلام له عليه السلام (5)

يَجْرِي مَجْرَى الْخُطْبَةِ

يَجْرِي مَجْرَى الْخُطْبَةِ (6)

وهو أربعة فصول ؛ الأول : من قوله : «فقمت بالأمر» إلى قوله : «واستبددت برهانها» والفصل الثاني : من قوله: «كالجبل لا تحركه القواصف» إلى قوله «حتى آخذ الحق منه» والفصل الثالث: من قوله : «رضينا عن الله قضاءه» إلى قوله : «فلا أكون أول من كذب عليه» والفصل الرابع: ما بقي .

وَفِيهِ يَذْكُرُ فَضَائِلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَهُ بَعْدَ وَقْعَةِ النَّهْرَوانِ


1) نهاهم عن إجابة أهل الشام في طلب التحكيم بقوله : إنّهم ما رفعوا المصاحف ليرجعوا إلى حكمها... إلى آخر ما تقدم في الخطبة السابقة، وقد خالفوه بقولهم : «دعينا إلى كتاب الله فنحن أحقّ بالإجابة إليه» بل أغلظوا في القول حتى قال بعضهم : «لئن لم تجبهم إلى كتاب الله أسلمناك لهم وتخلينا عنك» .

2) الهام: الرأس ، وخِفّتها : كناية عن الطيش وقلة العقل .

3) سفهاء الأحلام : السفهاء : الحمقى . والأحلام العقول .

4) البَحر : الداهية والأمر العظيم والشر. ويُروى «هُج۫راً» وهو المستقبح من القول. ويُروى «عُرّاً»، والعُرَ : قروح في مشافر الإبل ، ويستعار للداهية . قال الراجز : «أرمي عليها وهي شيء بجر» أي داهية، ويقال: «لقيت منه البجاري» وهي من الدواهي، واحدها بجري، مثل قمري وقماري.

5) رواها الصدوق في (أماليه) ص 134 .

6) هذا الكلام ساقه الرضي كأنّه قطعة واحدة لغرض واحد وليس كذلك، بل هو قطع غير متجاورة، كل قطعة منها في معنى غير ما للأخرى، التقطها الرضيّ رحمه الله تعالى من كلام لا لأميرالمؤمنين(علیه السّلام) طويل منتشر، قاله بعد وقعة النَّهروان، ذَكَرَ فيه حاله منذ توفي رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وإلى آخر وقت، فجعل الرضيّ ما التقطه منه سَرْداً، وصار عند السامع كأنّه يقصد به مقصداً واحداً.

فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا(1)، وَتَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا(2)، وَنَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا (3). وَمَضَيْتُ بِنُورِ اللهِ حِينَ وَقَفُوا. وَكُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً(4)، وَأَعْلَاهُمْ فَوْتاً، فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا(5)، وَاسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا (6).

كَالْجَبَلِ لَا تُحَرِّكُهُ الْقَوَاصِفُ (7)، وَلَا تُزِيلُهُ الْعَوَاصِفُ. لَمْ يَكُنْ لَأَحَدٍ فِيَّ مَهْمَرُ(8)

وهذا هو الفصل الثاني، يذكر حاله بعد البيعة أي أنّه قام بالخلافة كالجبل...

. وَلَا لِقَائِلٍ فِيَّ مَغْمَزُ. اَلدَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى أَخُذَ الْحَقَّ لَهُ(9)، وَالْقَوِيُّ

1) أي قمت بإنكار المنكر حين فشل أصحاب محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عنه . والفَشَل : الخَوَر والجُبْن. يصف حاله في خلافة عثمان ومقاماته في الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر أيام الأحداث، أي أنّه قام بإنكار المنكر حين فشل القوم .

2) التقبّع : الاختباء، والتطلّع ضدّه، يقال: أمرأة طُلّعة فَبَعَة، تَطلع ثم تقبّع رأسها، أي تدخله كما يقبَعُ القنفذ، أي يدخل رأسه في قبعة جلده، وقبع الرجل: أدخل رأسه في قميصه، أي أنّه ظهر في إعزاز الحق والتنبيه على مواقع الصواب حين كان يختبئ القوم من الرهبة .

3) يقال: «تعتع فلان في كلامه» إذا تردد من عَيُّ أو حصر ، فقد كان ينطق بالحق ويستقيم به لسانه والقوم يترددون ولا يبينون.

4) «وكنت أخفضهم صوتاً ، وأعلاهم فوتاً» يقول : علوتُهم وفتّهم وشأؤتهم سَبقاً، وأنا مع ذلك خافِض الصوت، يشير إلى التواضع ونفى التكبر، أو كناية عن ثبات الجأش؛ فإن رفع الصوت عند المخاوف إنّما هو من الجزع. والفوت: السبق.

5) «فَطِرتُ بعِنانها و....» يقول: سبقتهم، وهذا الكلامُ استعارة من مُسابقة خَيْل الحلبة، والعنان: للفرس معروف. واستبددت بالرهان، أي انفردت بالخَطَر الذي وقع التراهُنُ عليه.

6) هذا الضمير وسابقه يعودان إلى الفضيلة المعلومة من الكلام فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

7) القواصف: الرياح الشديدة، ومثله العواصف.

8) المَه۫مز : موضع الهمز، وهو العيب والوقيعة ، وكذاك المَغمز، أي لم يكن فيّ عيب أعاب به.

9) قوله : «الذليل عندي...» أي أنّني أنصر الذليل فيعزّ بنصري حتى إذا أخذ حقّه رجع إلى ما كان عليه قبل الانتصار بي.

عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى أَخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ .

رَضِينَا عَنِ اللَّهِ قَضَاءَهُ(1)، وَسَلَّمْنَا لِلهِ أَمْرَهُ. أَتُرَانِي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ؟ وَاللَّهِ لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ، فَلَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ .

فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِي، فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَت بَيْعَتِي ، وَإِذَا الْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَيْرِي (2).

38 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

38 - ومن خطبة له عليه السلام (3)

فِي مَعْنَى الشَّبْهَةِ

وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً لأَنَّهَا تُشْبِهُ الْحَقَّ ، فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللهِ فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا الْيَقينُ، وَدَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى(4). وَأَمَّا أَعْدَاءُ اللهِ فَدُعَاؤُهُمْ فِيهَا الضَّلَالُ، وَدَلِيلُهُمُ الْعَمَى . فَمَا يَنْجُو مِنَ الْمَوْتِ مَنْ خَافَهُ(5)، وَلَا يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ.


1) قوله: «رضينا ...» كلام قاله عندما تفرس في قوم عسكره أنّهم يتهمونه فيما يخبر به عنه النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من أخبار المَلاحِم والغائبات.

2) قوله «فنظرت ...» هذه الجملة قطعة من كلام له في حال نفسه بعد وفاة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بيّن فيه أنّه مأمور بالرفق في طلب حقّه، فأطاع الأمر في بيعة أبي بكر وعمر وعثمان، فبايعهم امتثالاً لما أمره النبيّ به من الرفق ؛ وإيفاء بما أخذ عليه النبيّ من الميثاق في ذلك.

3) رواها الآمدي في (غرر الحكم) ص 98 في حرف الألف بلفظ «إنّما» .

4) سَمْتُ الهدى : طريقته.

5) قوله : «فما ينجو من الموت ...» ليس ملتثماً مع ما قبله، فهو قطعة من كلام آخر ضمه إلى هذا في على نحو ما جمع الفصول المتقدمة.

39 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

39 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي ذَمِّ الْمُتَقَاعِدِينَ عَنِ الْقِتَالِ

مُنِيتُ بِمَنْ لَا يُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ(2)، وَلَا يُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ، لَا أَبَا لَكُمْ! مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ رَبَّكُمْ؟ أَمَا دِينُ يَجْمَعُكُمْ، وَلَا حَمِيَّةَ تُحْمِشُكُم(3)! أَقُومُ فِيكُمْ مُسْتَصْرِخاً(4)، وَأَنَادِيكُمْ مُتَغَوِّثاً(5)، فَلَا تَسْمَعُونَ لِي قَوْلاً، وَلَا تُطِيعُونَ لِي أَمْراً، حَتَّى تَكشَفَ الْأُمُورُ عَنْ عَوَاقِبِ الْمَسَاءَةِ(6)، فَمَا يُدْرَكُ بِكُمْ تَأْرٌ ، وَلَا يُبْلَغُ بِكُمْ مَرَام.

دَعَوْتُكُم إِلَى نَصْرِ إِخْوَانِكُمْ فَجَرْجَرْتُمْ جَرْجَرَةَ(7)الْجَمَلِ الْأَسَرِّ(8)، وَتَثاقَلْتُمْ تَثاقُلَ النِّضْوِ الْأَدْبَرِ(9)، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ مِنْكُمْ جُنَيْدُ مُتَدَائِبٌ ضَعِيفٌ : «كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ


1) ذكرها البلاذري في (أنساب الأشراف) في ترجمة علي عليه السلام : ص 404 ، وروى الطبري فقرات منها في تاريخه في حوادث سنة 39 .

2) مُنِبتُ : بُليتُ.

3) تُحْمِشُكم : تُغْضِبُكم من «أحمشه» أي أغضبه، أو من حمشه - كنصره -»: جمعه، وحمش القوم : ساقهم بغضب .

4) المستصرخ : المستنصر ، المستجلب مَن۫ بنصره بصوته.

5) المتغوث : القائل : واغوثاه!

6) تَكَشَف: مضارع حُذِف ،زائده والأصل تَتَكَشُف أي تنكشف، أي أنّكم لا تزالون تخالفونني وتخذلونني حتى تنجلي الأمور والأحوال عن العواقب التي تسوؤنا ولا تسرنا.

7) الجرجرة : صوت يردِّده البعير في حنجرته، وأكثر ما يكون ذلك عند الإعياء والتعب.

8) الأسرُ: المصاب بداء السرر، وهو مرض في الكِركِرَة ينشأ من الدبرة.

9) النَّضو: البعير المهزول ، والأدبر: الذي به دَبَر ، والمدبور : أي المجروح المصاب بالدَبَرة : - بالتحريك - وهي العقر والجرح من القتب ونحوه .

إلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ» (1).

قال الرضي(رحمه الله) : قوله عَلَيْهِ السَّلام: «مُتَذَائِبٌ» أي مُضْطَرِب؛ مِن قولهم: «تَذَاءَ بَتِ الرِّيحُ» أي أضْطَرَبَ هُبُوبِهَا ، وَمِنه سُمِّي الذِّئْبُ ذِنْباً لاضطرابِ مِشْيَتِهِ .

40 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

40 - ومن كلام له عليه السلام (2)

فِي الْخَوَارِجِ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَهُمْ: «لا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ»

كَلِمَةُ حَقٌّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلُ! : نَعَمْ إِنَّهُ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : لَا إِمْرَةَ إِلَّا لِلَّهِ، وَإِنَّهَ لَابُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٌّ أَوْ فَاجِرٍ(3)، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ (4). وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ ، وَيُبلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الأَجَلَ(5)، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ ، وَيُقَاتَلُ بِهِ


1) وهذا الكلام خطب به أميرالمؤمنين في غارة النعمان بن بشير الأنصاري على عين التّمر أعمال أميرالمؤمنين، وعليها إذ ذاك من قِبَله مالك بن كعب الأرحبي.

2) ذكره الشافعي في (كتاب الأم)، والطبري في (تاريخه) ج 6 ، ص 41 ، والمكي في (قوت القلوب ) ج 1 ص 530 ، وابن واضح في (تاريخه) ج 2 ص 136 ، والبلاذري في (أنساب الأشراف) ص 352 .

3) برهان على بطلان زعمهم أنّه لا إمرة إلّا الله بأنّ البداهة قاضية أن الناس لابدّ لهم من أمير برّ أو فاجر؛ حتى تستقيم أمورهم وولاية الفاجر لا تمنع المؤمن من عمله لإحراز دينه ودنياه، وفيها يستمتع الكافر حتى يوافيه الأجل، ويبلغ الله فيها الأمور آجالها المحدودة لها بنظام الخلقة، وتجري سائر المصالح المذكورة ، ويمكن أن يكون المراد بالمؤمن هو الأمير البار وبالكافر الأمير الفاجر، كما تدلّ عليه الرواية الأخرى وقوله أمّا الإمرة البرّة...

4) يعمل فيها المؤمن، أي ليست بمانعة للمؤمن من العمل؛ لأنّه يمكنه أن يصلي ويصوم ويتصدق وإن كان الأمير فاجراً. ويستمتع فيها الكافر : أي يتمتع بمدّته.

5) ويبلِّغ الله فيها الأجل ؛ لأنّ إمارة الفاجر كإمارة البرّ، في أنّ المدة المضروبة فيها تنتهي إلى الأجل المؤقت للإنسان.

الْعَدُوُّ ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلصَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيُّ؛ حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرُّ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ.

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ(علیه السّلام) لَمَّا سَمِعَ تَحْكِيمَهُمْ قَالَ: حُكْمَ اللَّهِ أَنْتَظِرُ فِيكُمْ.

وقال: أَمَّا الْإِمْ أَمَّا الْإِمْرَةُ الْبَرَّةُ فَيَعْمَلُ فِيهَا التَّقِيُّ ، وَأَمَّا الْإِمْرَةُ الْفَاجِرَةُ فَيَتَمَتَّعُ فِيهَا الشَّقِيُّ : إِلَى أَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ، وَتُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ .

41 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

41 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي الْوَفَاءِ وَالصِّدْقِ

إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الْصِّدْقِ(2)، وَلَا أَعْلَمُ جُنَّةٌ أَوْقَى مِنْهُ(3)، وَلَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ(4)، وَلَقَدْ أَصْبَحْنَا فِي زَمَانٍ قَدِ اتَّخَذَ أَكْتَقَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً(5)وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ


1) ذكرها ابن طلحة في (مطالب السؤول ) ج 1 ص 170 .

2) التوأم: الذي يولد مع الآخر في حمل واحد ، يقال هذا توءم هذا، وهذه توءمته، وهما توأمان ، وإنّما جعل الوفاء توءم الصدق؛ لأنّ الوفاء صدقٌ في الحقيقة ، والصدق والوفاء قرينان في المنشأ لا يسبق أحدهما الآخر في الوجود ولا في المنزلة .

3) جُنَّة : وقاية ودرع ، أوقى منه ، أي أشدّ وقاية وحفظاً .

4) «ولا يَعْدِرُ مَن عَلِمَ كيف المرجعُ» ، مَن عَلم الآخرة وعلم أنّ مرجعه إلى الله وهو سريع الحساب لا يغدر؛ لأنّ الغدر يُحبط الإيمان .

5) الكَي۫س - بالفتح - : العقل والفِط۫نة والذكاء، وأهل ذلك الزمان يعدّون الغدر من العقل وحسن الحيلة ، كأنّهم أهل السياسة من بني زماننا . وأميرالمؤمنين يعجب من زعمهم ويقول ما لهم قاتلهم الله يزعمون ذلك مع أنّ الحُوّل القُلّب - بضم الأول وتشديد الثاني من اللفظين - أي البصير بتحويل الأمور وتقليبها قد يرى وجه الحيلة في بلوغ مراده، لكنه يجد دون الأخذ به مانعاً من أمر الله ونهيه، فيدع الحيلة وهو قادر عليها خوفاً من الله، ووقوفاً عند حدوده

الْجَهْلِ فِيهِ إِلَى حُسْنِ الْحِيلَةِ مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ! قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ(1)وَجْهَ الْحِيلَةِ وَدُونَهُ مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ، فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لَا حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ (2).

42 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

42 - ومن كلام له عليه السلام (3)

فِي أَتِّبَاعِ الْهَوَى وَطُولِ الْأَمَلِ

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ : أَتَّبَاعُ الْهَوَى وَطُولُ الأَمَلِ(4)؛ فَأَمَّا اتَّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ ، وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ.

أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَتْ حَذَاءَ(5)فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ (6)الْإِنَاءِ


1) الحوّل القلّب : الذي قد تحوّل وتقلّب في الأمور وجرّب .

2) التحرّج : التأثّم، أي التعرّز من الآثام، والحريجة : التقوى.

3) رواه نصر بن مزاحم في كتاب (صِفّين) ص ، والمسعودي في (مروجه) ج 2 ص 436 ، والمفيد في (المجالس) ص 50 ، وأبو نعيم في (حلية الأولياء) : ج 1 ص 56 .

4) طول الأمل : هو استفساح الأجل والتسويف بالعمل طلباً للراحة العاجلة، وتسلية للنفس بإمكان التدارك في الأوقات المقبلة، وهذا من أقبح الصفات. أمّا قوة الأمل في نجاح الأعمال الصالحة، ثقة بالله ويقيناً بعونه، فهي حياة كل فضيلة وسائقة لكل مجد، والمحرومون منها آيسون من رحمة الله، تحسبهم أحياء وهم أموات لا يشعرون.

5) الحَذّاء : الماضية السريعة، وقطاة حذاء خف ريش ذَنَبها ، ورجلٌ أحذُ، أي خفيف اليد. وقد رويت «جذّاء بالجيم، أي انقطع خيرُها ودَرُها .

6) الصُّبابة : البقية من الماء واللبن في الإناء. واصطَّبها صابُّها كقولك: أبقاها مُبقبها أو تركها تاركها.

أصْطَبَّهَا صَايُّهَا . أَلَا وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ ، وَلِكُلٌّ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ؛ فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بِأُمِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ ، وَغَداً حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ .

قال الرضي(رحمه الله) : أقول : الحَذَّاءُ : الشريعة، ومن النَّاس من يَرُويه : «جَذَاءَ».

43 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

43 - ومن كلام له عليه السلام (1)

وَقَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِالْإِسْتِعْدَادِ لِلْحَرْبِ بَعْدَ إِرْسَالِهِ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِاللَّهِ الْبَجَلِيَّ إِلَى مُعَاوِيَةَ

إِنَّ اسْتِعْدَادِي لِحَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ وَجَرِيرٌ عِنْدَهُمْ إِغْلَاقُ لِلشَّامِ، وَصَرْفُ لِأَهْلِهِ عَنْ خَيْرٍ إِنْ أَرَادُوهُ(2)، وَلَكِنْ قَدْ وَقَتْ لِجَرِيرٍ وَقْتاً لَا يُقِيمُ بَعْدَهُ إِلَّا مَخْدُوعاً أَوْ عَاصِياً، وَالرَّأْيُ مَعَ الْأَنَاةِ فَأَرْوِدُوا(3)، وَلَا أَكْرَهُ لَكُمُ الْإِعْدَادَ(4).


1) رواه الخوارزمي في (مناقبه) ص 108 ، وابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) ج 1 ص 94 ، ونصر بن مزاحم في كتاب (صِفّين) ص 55 ، وابن عبد ربه في (العقد الفريد) ج 2 ص 108 .

2) يقول(علیه السّلام) : إنّه أرسل جريراً ليخابر معاوية وأهل الشام في البيعة له، والدخول في طاعته ولم ينقطع الأمل منهم ، فاستعداده للحرب ، وجمعه الجيوش، وسوقها إلى أرضهم، إغلاق لأبواب السلم على أهل الشام، وصرف لهم عن الخير إن كانوا يريدونه، فالرأي الأناة، أي التأنّي، ولكنه لا يكره الإعداد، أي أن يعدُ كل شخص لنفسه ما يحتاج إليه في الحرب من سلاح ونحوه ويفرغ نفسه مما يشغله عنها لو قامت حتى إذا دعى إليها لم يبطئ فى الإجابة ولم يجد ما يمنعه عن اقتحامها .

3) أرْوِدوا : أي ارفقوا أروَد في السَير إرواداً ، أي سار برِف۫ق ، والأناة: التثبّت والتأنّي.

4) الإعداد : التهيئة ، ونهيه لهم عن الاستعداد وقوله: «ولا أكره لكم الإعداد» غير متنافض ؛ لأنّه كره منهم إظهار الاستعداد والجَه۫ر به ، ولم يكره الإعداد سرّاً، ويمكن أن يقال إنّه كره استعداد نفسه، ولم يكره إعداد أصحابه؛ وهذان متغايران. وهذا الوجه اختاره القطب الراوندي .

وَلَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هَذَا الْأَمْرِ وَعَيْنَهُ(1)، وَقَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَبَطْنَهُ، فَلَمْ أَرَ فِيهِ إِلَّا الْقِتَالَ أَوِ الْكُفْرَ(2)بِمَا جَاءَ به مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ. إِنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى الْأُمَّةِ وَالٍ أَحْدَثَ أَحْدَاثاً ، وَأَوْجَدَ النَّاسَ مَقَالاً، فَقَالُوا ، ثمّ نَقَمُوا فَغَيَّرُوا (3).

44 - ومن كلام له عليه السلام

44 - ومن كلام له عليه السلام (4)

لَمَّا هَرَبَ مَصْقَلَةُ بْنُ هُبَيْرَةَ الشَّيْبَانِيُّ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ قَدِ ابْتَاعَ سَبْيَ بَنِي نَاجِيَةَ مِنْ عَامِلِ أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَعْتَقَهُم، فَلَمَّا طَالَبَهُ بِالْمَالِ خَاسَ بِهِ (5)وَهَرَبَ إِلَى الشَّامِ (6).


1) مثل تقوله العرب إذا أرادت الاستقصاء في البحث والتأمّل والفِك۫ر، وإنّما خصّ الأنف والعين لأنّهما أظهر شيء في صورة الوجه وهما مستلفت النظر.

2) «ليس إلّا القتال أو الكفر» فلأن النهي عن المنكر واجبٌ على الإمام، ولا يجوز له الإقرار عليه، فإن تركه فَسَقَ ، ووجب عزله ، وقوله «أو الكفر» من باب المبالغة، والمراد: إنّما هو القتال أو الفِس۫ق ، فسمّى الفِس۫ق كفراً تغليظاً وتشديداً في الزجر عنه.

3) «أوجد الناس مقالاً، أي جعلَهم واجدين له، ويريد من الوالي الخليفةً الذي كان قبله،وتلك الأحداث معروفة في التاريخ، وهي التي أدّت بالقوم إلى التألّب على قتله. ويُروى قال- بالقاف - بدل وال ، ولا أظنها إلّا تحريفاً.

4) ذكره الطبري في (تاريخه) 6 ص 65، والثقفي في (الغارات)، والبلاذري في (أنساب الأشراف) ص 411.

5) خاس به يَخَيس ويخوس : أي غَدَرَ به وخان، وخاسَ فلانٌ بالعهد : أي نكث .

6) كان الخرّيت بن راشد الناجي أحد بني ناجية مع أميرالمؤمنين في صفين، ثم نقض عهده بعد صفين، ونقم عليه في التحكيم، وخرج يفسد الناس ويدعوهم للخلاف، فبعث إليه أميرالمؤمنين كتيبة مع معقل بن قيس الرياحي لقتاله هو ومن انضم إليه ، فأدركته الكتيبة بسيف البحر بفارس، وبعد دعوته إلى التوبة وإبائه قبولها شدّت عليه فقتل ، وقتل معه كثير من قومه ، وسبي من أدرك في رحالهم من الرجال والنساء والصبيان فكانوا خمس مئة أسير. ولما رجع معقل بالسبي. مرّ على مصقلة بن هبيرة الشيباني، وكان عاملاً لعلي على أردشير خُره، فبكى إليه النساء والصبيان، وتصايح الرجال يستغيثون في فكاكهم، فاشتراهم من معقل بخمس مئة ألف درهم، ثم امتنع من أداء المبلغ، ولما ثقلت عليه المطالبة بالحق لَحِقَ بمعاوية قراراً تحت أستار الليل.

قَبَّحَ اللهُ مَصْقَلَةٌ(1)فَعَلَ فِعْلَ السَّادَةِ، وَفَرَّ فِرَارَ الْعَبِيدِ ، فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى أَسْكَتَهُ، وَلَاصَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّى بَكْتَهُ (2)، وَلَوْ أَقَامَ لَأَخَذْنَا مَيْسُورَهُ (3)، وَأَنْتَظَرْنَا بِمَالِهِ وُفُورَهُ (4).

www

45 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

45 - ومن خطبة له عليه السلام (5)

وَهِيَ مِنْ خُطْبَةٍ طَوِيلَةٍ خَطَبَهَا يَوْمَ الْفِطْرِ، وَفِيهَا ذَمُّ الدُّنْيَا

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَيْرَ مَقْنُوطٍ مِنْ رَحْمَتِهِ(6)، وَلَا مَخْلُو مَنْ نِعْمَتِهِ، وَلَا مَأْيُوسٍ مِنْ مَغْفِرَتِهِ ، وَلَا مُسْتَنْكَفٍ عَنْ عِبَادَتِهِ(7)، الَّذِي لَا تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَةٌ، وَلَا تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَةٌ .


1) قَبح الله فلاناً : أي نحّاه عن الخَيْر ، فهو مقبوح .

2) التبكيت: كالتقريع والتعنيف ، بكّته : قُرعَهُ وعنُفَهُ .

3) ميسورة: ما تيسر له .

4) الوُفور: مصدر وَفَرَ المال، أي تمّ ، وفوره: زيادته، والموفور التام.

5) رواه الصدوق في (من لا يحضره الفقيه) ج 1 ص 327 ، والشيخ الطوسي في (مصباح المتهجد) ص 458 .

6) مَقْنُوط : ميؤوس، من القنوط وهو اليأس.

7) مستَن۫كف: الاستنكاف : الاستكبار .

وَالدُّنْيَا دَارٌ مُنِي لَهَا الْفَنَاءُ(1)، وَلِأَهْلِهَا مِنْهَا الْجَلَاءُ(2)، وَهِيَ حُلْوَةٌ خَضِرةٌ(3). وَقَدْ عَجِلَتْ لِلطَّالِبِ(4)، وَالْتَبَسَتْ بِقَلْبِ النَّاظِرِ (5)، فَأَرْتَحِلُوا مِنْهَا بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ(6)، وَلَا تَسْأَلُوا فِيهَا فَوْقَ الْكَفَافِ(7)، وَلَا تَطلُبُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنَ الْبَلاغ (8).

46 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

46 - ومن كلام له عليه السلام (9)

عِنْدَ عَزْمِهِ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الشَّامِ

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْتَاءِ السَّفَرِ(10)، وَكَابَةِ الْمُنْقَلَبِ(11)، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ (12)


1) مُنِيَ لها الفناء : الفعل للمجهول، أي قُدّر لها .

2) الجلاء : الخروج من الأوطان.

3) تمثيل لها بما يألفه الذوق ويروق النظر، مأخوذ من قول رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «إنّ الدنيا حُلوة خَضِرة، وإنّ الله مستخلِفُكم فيها فناظر كيف تعملون».

4) عجلت للطالب: أسرعت إليه .

5) التبست بقلب الناظر : اختلطت به محبة وعلقة.

6) أحسن ما بحضر تكم: أي أفضل الأشياء الحاضرة عندكم، وذلك فاضل الأخلاق وصالح الأعمال.

7) الكفاف من الرزق : قَد۫ر القُوت، وهو ما كفّ عن الناس ، أي أغني .

8) البلاغ : ما يُتَبَلَّغ به، أي يقتات به .

9) رواه ابن أعثم في (الفتوح) ج 2 ص 461، والقاضي النعمان في (دعائم الإسلام) ج 1 ص 347 .

10) وَعْتَاء السفر : مشقّتُه ، وأصل الوَعث المكان السّهل الكثير الدّهس تَغِيبُ فيه الأقدام، ويشقُ على مَنْ يمشي فيه .

11) الكآبة: الحزن. والمنقلب : مصدر بمعنى الرجوع .

12) سوء المنظر : قُبح المرأى.

فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلِدِ. اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَأَنْتَ الْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ ، وَلَا يَجْمَعُهُمَا غَيْرُكَ (1)لِأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ لَا يَكُونُ مُسْتَصْحَباً ، وَالْمُسْتَصْحَبْ لَا يَكُونُ مُسْتَخْلَفَاً (2).

قَالَ الرَّضِيُّ (رحمه الله) : وَابْتِدَاءُ هَذَا الْكَلَام مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَقَد فَنَّاه أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَبْلَغِ كَلَامٍ، وَتَمَّمَهُ بِأَحْسَنِ تَمَامِ مِنْ قَوْلِهِ : « وَلَا يَجْمَعُهُمَا غَيْرُكَ» إِلَى آخرِ الْفَضل .

47 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

47 - ومن كلام له عليه السلام (3)

فِي ذِكْرِ الْكُوفَةِ

كَأَنِّي بِكِ يَا كُوفَةٌ تُمَدِّينَ مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيّ (4)

إذا بُني القِيابُ على عُكاظٍ*** وقامَ البَيعُ واجتمعَ الأُلُوفُ

فلما جاء الإسلام هدم ذلك ، وأكثر ما كان يُباع الأديم بها ، فنسب إليها ، والأديم : الجلد المدبوغ . وجمع الأديم أدُم ، وقد يجمع على آدِمة كما قالوا: رغيف وأرغفة ، و«تُمدّين مدَّ الأديم» استعارة لما ينالها من العَس۫ف والخبط.

تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ ، وَتُرْكَبِين

1) أول الكلام مروي عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في الكتب الصحيحة وأتمّه أميرالمؤمنين بقوله: «ولا يجمعهما غيرك .....». وذات الله تستوي عندها الأمكنة كما تستوي الأزمنة ، فالحضر والسفر عندها سواء ، وليس هذا الشأن لغير الذات الأقدس.

2) هذا الدعاء ذكره نَص۫ر بن مزاحم في كتاب «صفين»، وذكره غيره أيضاً من رواة السيرة، دعا به أميرالمؤمنين(علیه السّلام) بعد وضع رجله في الركاب من منزله بالكوفة متوجّهاً إلى الشام لحرب معاوية وأصحابه ، وذلك بعد حرب الجمل، حيث اختلف عليه معاوية بن أبي سفيان ولم يدخل في بيعته وقام للمطالبة بدم عثمان، واستهوى أهل الشام، واستنصر هم لرأيه فعززوه على الخلاف، وسار إليه أميرالمؤمنين والتقيا بصفين، واقتتلا مدة غير قصيرة، وانتهى القتال بتحكيم الحكمين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري.

3) ذكره ابن الفقيه في كتاب (البلدان) ص 163 ، والزمخشري في (ربيع الأبرار ) ج 1.

4) عُكاظ : اسم سوق للعرب بناحية مكة في صحراء بين نخلة والطائف، كانوا يجتمعون بها في كل سنة من بداية شهر ذي القعدة ليتعاكظوا - أي يتفاخروا - كل بما لديه من فضيله وأدب. يقيمون شهراً يتبايعون ويتناشدون شعراً ، قال أبو ذؤيب :

بِالزَّلَازِلِ(1)، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِكِ جَبَّارُ سُوءاً إِلَّا أَبْتَلَاهُ اللَّهُ بِشَاغِلٍ أَوْ رَمَاهُ بقَاتِل.

48 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

48 - ومن خطبة له عليه السلام (2)

عَنْدَ الْمَسِيرِ إِلَى الشَّامِ

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا وَقَبَ لَيْلٌ وَغَسَقَ (3)، وَالْحَمْدُ لِلهِ كُلَّمَا لَاحَ نَجْمُ وَخَفَقَ (4)، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ غَيْرَ مَفْقُودِ الْإِنْعَامِ، وَلَا مُكافَ الْإِفضَالِ .

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَعَثْتُ مُقَدَّمَتِي(5)، وَأَمَرْتُهُمْ بِلُزُومِ هَذَا الْمِلْطَاطِ (6)

والملطاط: حافة الوادى وشفيره وساحل البحر [وردُ الشيخ محمد عبده هذا الرأي فقال: [ قول الشريف يعني بالملطاط السمت تبيين لمراد أميرالمؤمنين من لفظ الملطاط في كلامه لا تفسير في نفسه، وقوله : «وهو شاطىء الفرات» بيان للسمت أي الطريق، وقوله: ويقال ذلك - أي اللفظ لفظ الملطاط - » تفسير للفظ الملطاط في استعمال اللغويين، فاندفع بهذا ما أورده ابن أبي الحديد على عبارته من أنّها خالية من المعنى.

حَتَّى يَأْتِيَهُمْ

1) «تُعْرَكين» من عَرَكتِ القومُ الحرب إذا مارستهم حتى أتعبَتَهم، والنوازل: الشدائد. والزلازل ها هنا : الأمور المزعجة، والخطوب المحرّكة.

2) رواه ابن مزاحم المنقري في كتابه ص 131 ، و ص 132.

3) وقب : دخل. وغسق : أي أظلم، واشتدت ظلمته.

4) خفق النجم : غاب. ولاح : ظهر .

5) أراد بمقدمته : صدر جيشه وأوله ، ومقدمة الإنسان - بفتح الدال - صدره.

6) قول الرضي : «الملطاط : السمت الذي أمرهم بلزومه وهو شاطيء الفرات ، ويقال ذلك لشاطئ البحر لا معنى له؛ لأنّه لا فرق بين شاطئ الفرات وشاطيء البحر، وكلاهما أمر واحد.

أَمْرِي ، وَقَدْ رأَيْتُ أَنْ أَقْطَعَ هَذِهِ النُّطْفَةَ إِلَى شِرْدِمَةٍ(1)مِنْكُمْ، مُوطِنينَ أَكْنَافَ دَجْلَة (2)، فَأَنْهضَهُمْ مَعَكُمْ إِلَى عَدُوِّكُمْ، وَأَجْعَلَهُمْ مِنْ أَمْدَادِ الْقُوَّةِ لَكُمْ(3).

قَالَ الرَّضِيُّ (رحمه الله) : يَعْنِي عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْمِلْطَاطِ هَاهُنَا السَّمْتَ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِلُزُومِهِ : وَهُوَ شَاطِيُّ الْقَرَاتِ، وَيُقَالُ ذلِكَ أَيْضاً لِشَاطِيُّ الْبَحْرِ ، وَأَصْلُهُ مَا أسْتَوَى مِنَ الْأَرْضِ : وَيَعْنِي بِالنُّطْفَةِ مَاءَ الْفُرَاتٍ، وَهُوَ مِنْ غَرِيبٍ الْعِبَارَاتِ وَعَجِيبِهُا .

49 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

49 - ومن كلام له عليه السلام (4)

في صفاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْعِلْمِ الإلهي

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الْأُمُورِ(5)، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلَامُ الظُّهُورِ(6)، وَأَمْتَنَعَ


1) الشرذمة: نفر قليلون.

2) الأكناف : الجوانب ، موطنين أكناف دجلة : أي قد جعلوها وطناً. يقال: أوطئت البقعة .

3) الأمداد : جمع مَدَد وهو ما ما يُمَدُّ به الجيش لتقويته . وهذه الخطبة نطق بها أميرالمؤمنين وهو بالنخيلة خارجاً من الكوفة إلى صفين لخمس بقين من شوال سنة سبع وثلاثين.

4) رواه ابن شاكر الواسطي في كتابه (عيون الحكم والمواعظ).

5) بطن الخفيات : علمها ، يقال : بطنتُ سِرّ فلان، أي أخفيته .

6) الأعلام : جمع علَم - بالتحريك - وهو المنار يهتدى به ثم جُعل في كل ما دلّ على شيء،وأعلام الظهور: الأدلة الظاهرة التي بظهورها يظهر غيرها.

عَلَى عَيْنِ الْبَصيرِ (1)فَلَا عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنْكِرُهُ (2)، وَلَا قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ (3).

سَبَقَ فِي الْعُلُوِّ فَلَا شَيْءَ أَعْلَى مِنْهُ، وَقَرُبَ فِي الدُّنُو فَلَا شَيْءَ أَقْرَبُ مِنْهُ(4).

فَلَا اسْتِعْلَاؤُهُ بَاعَدَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ فِي الْمَكَانِ بِهِ(5).

لَمْ يُطلع الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ، وَلَمْ يَحْجُبُهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ ، فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلَامُ الْوُجُودِ ، عَلَى إِقْرَارِ قَلْبٍ ذِي الْجُحُودِ(6)، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُهُ الْمُشَبِّهُونَ بِهِ وَالْجَاحِدُونَ لَهُ عُلُوّاً كَبِيراً !


1) «امتنع على عين البصير» يقول : إنّه سبحانه ليس بمرئي بالعين، ومع ذلك فلا يمكنُ مَنْ لم يَرَهُ بعينه أن ينكره؛ لدلالة كل شي عليه ، بل لدلالته سبحانه على نفسه .

2) «فلا عين من لم يره تنكره» أي من لم يره لا ينكره اعتماداً على عدم رؤيته ؛ لظهور الأدلة عليه .

3) «ولا قلب من أثبته يبصره» من أثبته لا يستطيع اكتناه حقيقته، أي لا سبيل لمن أثبت وجوده أن يحيط علماً بجميع أحواله ومعلوماته ومصنوعاته، أو أراد أنه لا تُعلم حقيقة ذاته؛ كما قاله قومٌ من المحققين. وقد روي هذا الكلام على وجه آخر ، قالوا في الخطبة: «فلا قلبُ مَن لم ينكره ، ولا عين من أثبته تبصره»، وهو الأليق.

4) علا كل شيء بذاته وكماله وجلاله ، وقرب من كل شيء بعلمه وإرادته وإحاطته وعنايته فلا شيء إلّا هو منه فأي شيء يبعد عنه .

5) «فلا استعلاؤه باعده» ليس علوه يقتضى بعدّه بالمكان عن الأجسام، ولا قربه يقتضي مساواته إياها في الحاجة إلى المكان والجهة ، لإن علّوه وقربه ليسا مكانيين .

6) إنّ قلب الجاحد إن أنكره فما إنكاره إلّا افتعال ممّا عرض عليه من أثر الفواعل الخارجة عن فطرته ، وظهور أعلام الوجود في الدلالة عليه لا يقوى على مدافعة تأثيره قلب الجاحد، فلا مناص له من الإقرار في الواقع وإن ظهر الجحود في كلامه وبعض أعماله.

50 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

50 - ومن كلام له عليه السلام (1)

فِي وُقُوعِ الْفِتَن

إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وَأَحْكَامُ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اللهِ ، وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً(2)عَلَى غَيْرِ دِينِ اللهِ . فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاج الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ؛ وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ (3)، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثُ (4)

ومصادر الأهواء التي ينشأ عنها وقوع الفتن إنّما هي من الالتباس الواقع بين الحق والباطل.

وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَ جَانِ ، فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْحُسْنَى.

1) رواه البرقي في (المحاسن ) في كتاب مصابيح الظلم ، والتوحيدي في (البصائر والذخائر) ص 32 ، وابن واضح في (التاريخ): ج 2 ، ص 136 ، والكليني في (الكافي) في باب البدع والرأي .

2) يستعين عليها رجال برجال . يقول(علیه السّلام) : إنّ المذاهب الباطلة والآراء الفاسدة التي يفتتن الناس بها ، أصلُها اتباع الأهواء، وابتداع الأحكام التي لم تعرف يخالف فيها الكتاب، وتحمل العصبيّة والهوى على تولّي أقوام قالوا بها، على غير وثيقة من الدّين. ومستند وقوع هذه الشبهات امتزاج الحقّ بالباطل فى النظر .

3) المرتاد: الطالب للحقيقة، أي لو كان الحق خالصاً من ممازجة الباطل ومشابهته لكان ظاهراً لا يخلو من طلبه .

4) الضّغث من الحشيش: القبضة منه ، مختلط فيها الرطب باليابس، قال تعالى: «وَخُذْ بِيَدِكَ ضعتاً» ص : 44 يريد(علیه السّلام) أنّه إن أخذ الحق من وجه لم يعدم شبيهاً له من الباطل يلتبس به، وإن نظر إلى الباطل لاح كأنّ عليه صورة الحق فاشتبه به فذلك ضعت الحق وهذا ضغث الباطل.

51 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

51 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

لَمَّا غَلَبَ أَصْحَابُ مُعَاوِيَةَ أَصْحَابَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى شَرِيعَةِ الْفُرَاتِ بِصِفِّينَ وَمَنْعُوهُمْ مِنَ الْمَاءِ

لَمَّا غَلَبَ أَصْحَابُ مُعَاوِيَةَ أَصْحَابَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى شَرِيعَةِ(2)الْفُرَاتِ بِصِفِّينَ وَمَنْعُوهُمْ مِنَ الْمَاءِ

قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ(3)، فَأَقِرُوا عَلَى مَذَلَّةٍ(4)، وَتَأْخِيرِ مَحَلَّةٍ، أَوْ رَدُّوا السُّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ ؛ فَالْمَوْتُ في حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ، وَالْحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ (5)

والحسين الذي رأى الموت في العزّ*** حياةٌ، والعيش في الذُلِّ قتلا

. أَلَا وَإِنَّ مُعَاوِيةَ قَادَ لُمَّةٌ (6)

وفي الأول الإشارة إلى أنّهم ليسوا بأهل حرب.

مِنَ الغُوَاةِ، وَعَمَّسَ عَلَيْهِم

الْخَبَرَ(7)، حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ الْمَنِيَّةِ (8).


1) رواها ابن مزاحم في كتابه (صفّين).

2) الشريعة: مورد الشاربة من النهر .

3) استطعموكم القتال، كلمة مجازية، ومعناها : طلبوا القتال منكم؛ كأنه جعل القتال شيئاً يُستطعم ، أي يُطلب أكله ، كما يقال فلان يستطعمني الحديث أي يستدعيه منّي ويطلبه.

4) أي إمّا أن تثبتوا على الذل وتأخر المنزلة ، وإمّا أن ترووا سيوفكم...

5) ونحو هذا القول قول أبي نصر بن نباتة:

6) اللُّمَّة بضم اللام وتشديد الميم الأصحاب في السفر، ويتخفيفها الجماعة القليلة مطلقاً، أو من الثلاثة إلى العشرة. والتقليل مستفاد من الأول بطريق الكناية، ومن الثاني على الحقيقة الصريحة .

7) عَمّس عليهم الخبر: يجوز بالتشديد ويجوز بالتخفيف، والتشديد يعطى الكثرة ويفيدها؛ ، ومعناه أبهم عليهم الخبر، وجعله مظلماً ، ليل عَمَاس، أي مظلم . عَمَسَ الكتاب والخبر - كنصَرْ - : أخفاه و عمست عليه : إذا أريتّه أنّك لا تعرف الأمر وأنت به عارف.

8) الأغراض : جمع غَرَض وهو الهدف.

52 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

52 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا

أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ(2)وَآذَنَتْ بِأَنْقِضَاءِ (3)، وَتَنَكَّرَ مَعْرُوفُهَا (4)وَأَدْبَرَتْ حَذَاءَ(5)، فَهِي تَحْفِرُ بِالْفَنَاءِ سُكَانَهَا(6)، وَتَحْدُهُ بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا(7)، وَقَدْ أَمَرَّ(8)فِيهَا مَا كَانَ حُلُوا، وَكَدِرَ مِنهَا مَا كَانَ صَفْوا(9)، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا سَمَلَةٌ (10)كَسَمَلَةِ


1) نقلها الصدوق في (من لا يحضره الفقيه) ج 1 ص 329 ، وأبو نعيم في (الحلية) ج 1 ص 77 ، والطوسي في (المصباح) ص 461 ، وا 461 ، والمفيد في (الأمالي) ص 87 .

2) تصرَّمَتْ: انقطعت وفنيت .

3) آذنت بانقضاء : أعلَمت بذلك . [وعند عبده: وآذنت بوداع].

4) تنكّر معروفها: جُهِل منها ما كان معروفاً وخفي وجهها.

5) حذَّاء : السريعة الذهاب، ورحم حذّاء: مقطوعة غير موصولة، وفي رواية جذّاء بالجيم أي مقطوعة الدَّر والخير.

6) تحفز بالفناء سكانها : تُعجلهم وتسوقهم وتدفعهم، حفزه يحفزه دفعه من خلفه ، أو هو بمعنى تطعتهم من «حفزه بالرمح».

7) تحدُرُ بالراء من باب نصر وضرب: أي تحوطهم بالموت ، وفي رواية وهي الصحيحة تحدو بالواو بعد الدال أي تسوقهم بالموت إلى الهلاك فتكون الفقرة في معنى متابعتها مؤكدة لها .

8) أمرَ الشي : صار مُرّاً .

9) كدِر الماء بكسر الدال كفَرِح، ويجوز كدُر بضمها كظَرُف والمصدر من الأوّل كَدَراً، ومن الثاني كُدُورة، والمعنى: تعكر وتغير لونه واختلط بما لا يساغ هو معه .

10) السَّمَلة - بفتح الميم - : البقية من الماء تبقى في الإناء.

الإِدَاوَةِ(1)، أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ(2)، لَوْ تَمَزَّزَهَا الصَّدْيَانُ لَمْ يَنْقَعْ .(3)فَأَزْمِعُوا عِبَادَاللهِ الرَّحِيلَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ(4)الْمَقْدُورِ عَلَى أَهْلِهَا الزَّوَالُ(5)، وَلَا يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا الأَمَلُ، وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ فِيهَا الْأَمَدُ. فَوَاللَّهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ الْرُلَّهِ الْعِجَال (6). وَدَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ الْحَمَامِ(7)، وَجَأَرْتُمْ جُوَارَ مُتَبَتِّلِي الرُّهْبَانِ(8)، وَخَرَجْتُمْ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ؛ الْتِمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ، أَوْ غُفْرَانِ سَيِّئَةٍ أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ، وَحَفِظَتْهَا رُسُلُهُ(9)لكَانَ قَلِيلاً فِيمَا أَرْجُو لَكُمْ مِنْ ثَوَابِهِ، وَأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ.

وَبِاللهِ لَوِ انْمَاثَتْ قُلُوبُكُمْ أَنْمِيَاناً(10)، وَسَالَتْ عُيُونُكُمْ- مِنْ رَغْبَةٍ إِلَيْهِ أَوْ رَهْبَةٍ


1) الإدارة المطهرة، إناء الماء الذي يتطهر به.

2) المَقْلة - بالفتح - : حصاة القَس۫م يضعها المسافرون في إناء ثم يصبون الماء فيه ليغمرها فيتناول كل منهم مقدار ما غمرها لا يزيد أحدهم عن الآخر في نصيبه، وذلك عند قلّة الماء في المفاوز .

3) التمزز : تمصص الشراب قليلاً قليلاً، والصَّديان: العطشان . وقوله لم ينقع : أي لم يرو.

4) فأزمعوا الرحيل : أي عزموا عليه ، يقال أزمع الأمر ولا يقال أزمع عليه، وجوّزه الفراء بمعنى عزم عليه وأجمع . والمراد من العزم على الرحيل: مراعاته والعمل له .

5) المقدور : المكتوب .

6) الوُلّه المجال : التَّوق الوالهة الفاقدة أولادَها، الواحدة عَجُول، وكل أنثى فقدت ولدها فهي واله ووالهة ، والوَلَه : ذهاب العقل وفقد التمييز .

7) هديل الحمام: صوت نوحه في بكائه لفقد الفِه .

8) الجوار: صوت مرتفع، جأرتم: رفعتم أصواتكم. [أثبت عبده في المتن: متبتّل الرهبان] والمستبتل: المنقطع عن الدنيا للعبادة، أي تضرعتم إلى الله بأرفع أصواتكم كما يفعل الراهب المتبتل .

9) المراد من الرسل هنا الملائكة الموكلون بحفظ أعمال العباد .

10) انمات القلب ، أى ذاب، وانماثت: ذابت.

مِنْهُ - دَماً ، ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي الدُّنْيَا، مَا الدُّنْيَا بَاقِيَةُ(1)، مَا جَزَتْ (2)أَعْمَالُكُمْ - وَلَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ(3)- أَنْعُمَهُ عَلَيْكُم الْعِظَامَ، وَهُدَاهُ إِيَّاكُمْ لِلإِيمَانِ (4).

53 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

53 - ومن خطبة له عليه السلام (5)

فِي ذِكْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَصِفَةِ الْأُضْحِيَةِ

فِي ذِكْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَصِفَةِ الْأُضْحِيَةِ (6)

وَمِنْ تَمَامِ الْأَضْحِيَةِ أَسْتَشْرَافُ أُذُنْهَا(7)، وَسَلَامَةُ عَيْنِهَا ، فَإِذَا سَلِمَتِ الْأُذُنُ


1) ما الدنيا باقية : أي مدة بقائها .

2) قوله «ما جزت» جواب «لو انماثت»، وقوله : «أنعمه عليكم العظام» مفعول «جزت» أي ما كافاً ذلك أنعمه الكبار عليكم.

3) قوله: «ولو لم تبقوا شيئاً ...» اعتراض بين الفاعل والمفعول لبيان غاية النفي في الجواب.

4) قوله : «وهداه إياكم» عطف على «أنعمه» عطف الخاص على العام ، فإنّ الهداية إلى الإيمان من أكبر النعم.

5) هذه الخطبة تتبع الخطبة السابقة في نسخة ابن أبي الحديد.

6) الأضحية ما يذبح يوم النحر أي الشاة التي طلب الشارع ذبحها بعد شروق الشمس من عيد الأضحى ، وما يجري مجراه أيام التشريق من النّعم .

7) استشراف أذنها : انتصابها وارتفاعها، أذن شَرفاء أي منتصبة ، والمعنى : تَفقُدُها حتی لا تكون مجدوعة أو مشقوقة، وفي الحديث «أمِر۫نا أن نستشرف العين والأذن» أي نتفقدها وذلك من كمال الأضحية [كما في نسخة عبده]: أي من كمال عملها وتأدية سنتها، وتكون «سلامة عينها» عطفاً على «أذنها». وقد يراد من استشراف الأذن طولها وانتصابها . ف- «سلامة عينها» عطف على «استشراف» والتفسير الأول أمس بقوله: فإذا سلمت الأذن.

وَالْعَيْنُ سَلِمَتِ الْأَضْحِيَةُ وَتَمَّتْ ، وَلَوْ كَانَتْ عَصْبَاءَ الْقَرْنِ(1)تَجُرُّ رِجْلَهَا إِلَى الْمَنْسَكِ (2)

والمنسك : المذبح . وفي صفات الأضحية وعيوبها المخلة بها تفصيل وخلافات من كتب الفقه.

.

قَالَ الرَّضِيُّ(رحمه الله) : وَالْعَنْسَكُ هُنَا : الْمَذْبَحُ .

54 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

54 - ومن خطبة له عليه السلام (3)

عِنْدَ تَزَاحُمِ النَّاسِ لِبَيْعَتِهِ

فَتَدَاكُوا(4)عَلَيَّ تَدَاكَ الْإِبِلِ الْهِيمِ يَوْمَ وِرْدِهَا(5)، وَقَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِيَهَا ، وَخُلِعَتْ مَثَانِيهَا(6)، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِليَّ، أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ بَعْضٍ لَدَيَّ. وَقَدْ قَلَّبْتُ هَذَا الْأَمْرَ بَطْنَهُ وَظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِي النَّوْمَ، فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعُنِي إِلَّا قِتَالُهُمْ(7)أَوِ الْجُحُودُ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ : فَكَانَتْ مُعَالَجَةُ الْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَيَّ


1) العضباء: المكسورة القرن.

2) «تجرّ رجلها إلى المَنْسَك» كناية عن العَرجاء، ويجوز المنسّك بفتح السين - وكسرها.

3) ذكرها ابن الأثير في (النهاية) مادة دكك ج 2 ص 128 . راجع مصادر الخطبة (26).

4) تداكّوا: تزاحموا عليه ليبايعوه رغبة فيه.

5) الهيم: العطاش . ويوم وِردها يوم شربها .

6) المثاني : الحِبال، جمع مثناة ومَثناة بالفتح والكسر ، وهو الحبل من صوف أو شعر يعقل به البعير.

7) جهاد البغاة واجب على الإمام ، إذا وجد أنصاراً ، فإذا أخلُ بذلك أخلُ بواجب، واستحق العقاب، وكان منابذاً لأمر الله في ترك ما أوجبه عليه فكأنّه جاحد لما جاء به رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).

مِنْ مُعَالَجَةِ الْعِقَابِ، وَمَوْتَاتُ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتِ الْآخِرَةِ.

55 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

55 - ومن كلام له عليه السلام (1)

وَقَد أَسْتَبْطَأَ أَصْحَابُهُ إِذْ نَهُ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ بِصِفِّينَ

أَمَّا قَوْلُكُمْ: أَكُلَّ ذَلِكَ كَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ ؟ فَوَاللَّهِ مَا أُبَالِي ؛ دَخَلتُ إِلَى الْمَوْتِ أَوْ خَرَجَ الْمَوْتُ إِلَيَّ(2)وَأَمَّا قَوْلُكُمْ شَكّاً فِي أَهْلِ الشَّامِ! فَوَاللَّهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلَّا وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِي بَي ، وَتَعْشُوَ إِلَى صَوْنِي(3)، وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلَالِهَا ؛ وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا (4).


1) رواه ابن مزاحم في كتاب (صِفّين) ص 209 ، والطبري في (التأريخ) ج 4 ص 13 .

2) رُوي أنّ أميرالمؤمنين، بعدما ملك الماء على أصحاب معاوية، ساهمهم فيه رجاء أن يعطفوا إليه ، ولزوماً للمعدلة وحسن السيرة، ومكث أياماً لا يرسل إلى معاوية ولا يأتيه منه شيء ، واستبطأ الناس إذنه في قتال أهل الشام. واختلفوا في سبب التريث فقال بعضهم: «كراهة الموت» وقال بعضهم: «الشك في جواز قتال أهل الشام» فأجابهم : أمّا الموت لم يكن ليبالي به، وأمّا الشك فلا موضع له وإنّما يرجو بدفع الحرب أن يتجاوزوا إليه بلا قتال فإنّ ذلك أحب إليه من القتال على الضلال وإن كان الإثم عليهم.

3) تعشو إلى ضوئه: تستدلّ عليه وإن كان ببصر ضعيف في ظلام الفتن فتهتدي إليه عشا إلى النار : أبصرها ليلاً يبصر ضعيف فقصدها .

4) شبّه مَن عساه يلحق به من أهل الشام بمن يعشو ليلاً إلى النار؛ وذلك لأن بصائرَهم ضعيفة ، فهم من الاهتداء بهداء (علیه السّلام) كمن يعشو ببصر ضعيف إلى النار في الليل ، قال : ذاك أحبّ إليّ من أن أقتلهم على ضلالهم ، وإن كنت لو قتلتهم على هذه الحالة لباؤوا بآثامهم، أي رجعوا قال سبحانه: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ! » [المائدة : 29 ]: أي ترجع . وتبوء بآثامها : ترجع بها .

56 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

56 - ومن كلام له عليه السلام (1)

يَوْمَ صِفِّينَ حِينَ أَمَرَ النَّاسَ بالصُّلْحِ

وَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ؛ نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وَأَعْمَامَنَا، مَا يَزيدُنَا ذَلِكَ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً، وَمُضِيّاً عَلَى اللَّقَمِ(2)، وَصَبْراً عَلى مَضَضِ الْأَلم (3)، وَجِدّاً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ. وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَالْآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا يَتَصَاوَلَانِ تَصَاوَّلَ الْفَحْلَيْنِ(4)، يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا(5)، أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأَسَ الْمَنُونِ ، فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا، وَمَرَةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ صِدْقَنَا أَنَزَلَ بِعَدُونَا الْكَبْتَ (6)، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الْإِسْلَامُ مُلْقِياً جِرَانَهُ(7)، وَمُتَبَوِّناً أَوْطَانَهُ(8)وَلَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ، مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودُ، وَلَا أَخْضَرَّ لِلْإِيمَانِ


1) رواه الزمخشري في (ربيع الأبرار) باب القتل والشهادة ، وابن مزاحم في كتاب (صِفّين) ص 520 .

2) لَقَمُ الطريق : الجادّة الواضحة منها أو معظم الطريق.

3) مضَضُ الألم: لذعته وبرحاؤه .

4) التصاول : أن يحمل كل واحد من القرنين على صاحبه.

5) التخالس : التسَالبُ والانتهاب، يتخالسان: كل يطلب اختلاس روح الآخر .

6) الكبت: الإذلال والخذلان .

7) جِران البعير: مقدّم عنقه من مذبحه إلى منحره، وإلقاء الجران كناية عن التمكّن.

8) تبوّأت المنزل : نزلته .

عُودُ(1)

وما «قام للدين عمود» جعله كالبيت القائم على العُمُد . «ولا اخضرُ للإيمان عود» جمله كالشجرة ذات الفروع والأغصان .

. وَايْمُ اللهِ لَتَحْتَلِبْتَهَا دَماً (2)، وَلَتُتْبعُنَّهَا نَدَماً (3)!

57 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

57 - ومن كلام له عليه السلام (4)

يُخْبِرُ بِهِ عَمَّنْ يَأْمُرُ بِسَبِّهِ

أَمَا إِنَّهُ سَيَظْهَرُ(5)عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ (6)، مُنْدَقُ الْبَطْنِ(7)، يَأْكُلُ


1) وهذه ألفاظ مجازية من باب الإستعارة؛ وهي : «استقرَ الاسلامُ مُلقياً جِرانه» أي ثابتاً متمكناً ، كالبعير يلقي بجرائه على الارض. و «متبوثاً أوطانه» جعله كالجسم المستقرّ في وطنه ومكانه.

2) لتحتلبُتَّها دماً ، يقال لمن أسرف في الأمر : لتحتِلبينَّ ،دماً ، وأصله الناقة يُفْرَط في حَلْبها فيحلب الحالب الدم، والاحتلاب: استخراج ما في الضرع من اللبن. والضمير المنصوب يعود إلى أعمالهم المفهومة من قوله: «ما أتيتم». واحتلاب الدم: تمثيل لاجترارهم على أنفسهم سوء العاقبة من أعمالهم، وسيتبعون تلك الأعمال بالندم عندما تصيبهم دائرة السوء أو تحلّ قريباً من دارهم.

3) وهذا الكلام قاله أميرالمؤمنين (علیه السّلام) في قصة ابن الحضرميّ حيث قدم البَصْرة من قِبَل معاوية، واستنهض أميرالمؤمنين (علیه السّلام) أصحابه إلى البصرة؛ فتقاعدوا.

4) رواه البلاذري في (أنساب الأشراف) في ترجمة علي عليه السلام والحاكم في (المستدرك) ج 2 ص 385، والطوسي في (الأمالي) ص 214 و 347 ، وغيرهم .

5) سيظهر : سيغلب .

6) رحب البلعوم: واسعه يذهب الكثير إلى أنّه (علیه السّلام) على زياداً والكثير الآخر يقول إنّه عني الحجّاج ، وقال قوم: إنه عني المغيرة بن شعبة ، والأشبه عندى أنّه عَنّي معاوية؛ لأنّه كان موصوفاً بالنّهَم وكثرة الأكل وكان بطيناً، يقعُد بطنُه إذا جلس على فَخِذَيه.

7) مُنْدَحق البطن : عظيم البطن بارزه كأنّه لعظمه مندلق من بدنه يكاد يبين عنه، وأصل اندحق بمعنى اندلق في الرحم خاصة. والدَّحوق من النوق: التي يخرج رحِمها عند الولادة.

مَا يَجِدُ، وَيَطلُبُ مَا لَا يَجِدُ، فَاقْتُلُوهُ وَلَنْ تَقْتُلُوهُ(1)! أَلَا وَإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالْبَرَاءِةِ مِنِّي ، فَأَمَّا السَّبُّ فَسُتُونِي، فَإِنَّهُ لِي زَكَاةٌ وَلَكُمْ نَجَاةً؛ وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلَا تَتَبَرَّأوا مِنِّي ؛ فَإِنِّي وَلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَسَبَقْتُ إِلَى الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ(2).

58 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

58 - ومن كلام له عليه السلام (3)

كَلَّمَ بِهِ الْخَوَارِجَ

كَلَّمَ بِهِ الْخَوَارِجَ (4)

أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ(5)

والجملة دعاء عليهم بالهلاك.

، وَلَا بَقِيَ مِنْكُمْ آبِرُ(6)أَبَعْدَ إِيمَانِي بِاللَّهِ، وَجِهَادِي مَعَ

1) لا تنافي بين الأمر بالشيء والإخبار عن أنّه لا يقع ، كما قال تعالى : «فَتَمَنَّوُا الْمَوتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ . وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً ...» [الجمعة: 6 و 7) .

2) قد تسب شخصاً وأنت مُكْرَه ولحبه مستبطن فتنجو من شرّ من أكرهك. وما أكرهك على سبّه إلّا مستعظم لأمره يريد أن يحطّ منه وذلك زكاة للمسبوب . وأمّا البراءة من شخص فهي الانسلاخ من مذهبه .

3) رواه ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) ج 1 ص 124، وسبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواص) ص 100 .

4) زعم الخوارج خطأ الإمام في التحكيم، وغلوا فشرطوا في العودة إلى طاعته أن يعترف بأنّه كان كفر ثم آمن، فخاطبهم بما منه هذا الكلام.

5) الحاصب: الريح الشديدة التي تُثير الحصباء؛ وهو صغار الحصي؛ ويقال لها أيضاً حَصِيبَة.

6) آبر: يمكن أن يزاد في التفسيرات التي ذكرها الرضي لقوله(علیه السّلام) «آبر » فيقال: يجوز أن يريد: نمّام يفسد ذات البين؛ والمثبر: النميمة، وأبر فلان، أي نمّ. والأبر أيضاً : مَنْ يبغي القوم الغوائل خفيّةً، مأخوذ من أبَر۫ت الكلب إذا أطعمته الإبرة في الخبز. وعلى رواية «آثر» يمكن أن يُريد به ساجي باطن خُفَ البعير حيث كانوا يُسَجُون باطن الخفّ بحديدة ليقتض أثره؛ رجل آثر وبعير مأثور .

رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ! «لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ» . فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ(1)، وَاَرْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الْأَعْقَابِ(2). أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذلاً شَامِلاً ، وَسَيْفاً قَاطِعاً، وَأَثَرَةٌ يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةٌ (3).

قَالَ الرَّضِيُّ(رحمه الله) : قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : « وَلَا بَقِيَ مِنْكُمْ آبِرُ» يُرْوَى عَلى ثلاثة أوجه : أحدُها: أن يكون كما ذَكَرْناهُ: «آبر» بالرَّاءِ ، من قولهم : رَجُلٌ آيرُ : للذي يَأْبُرُ النَّخْلَ - أي يُصْلِحُهُ - وَيُرْوَى: « آثِرٌ » بالثَّاء ، بثلاث نقطٍ ، يُرَاد به الذي يَأثِرُ الحديثَ، أي يرويه ويحكيه ؛ وهو أصحُّ الوُجُوه عندي. كأنهُ عَلَيْهِ السَّلام قال : لا بَقيَ منكم مُخَبِرُ، وَيُرْوَى : « آبزُ» بالزَّاي المعجمةِ، وهو الوَاثِبُ ، والهَالِكُ أيضاً يُقَالُ له : آبِزُ .

59 - وقال عليه السلام

لَمَّا عَزَمَ عَلَى حَرْبِ الْخَوَارِجِ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ عَبَرُوا جِسْرَ النَّهْرَوَانِ

مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ ، وَاللَّهِ لَا يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ(4)، وَلَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ


1) قوله(علیه السّلام) : «فأوبوا شرَ مآب» أي ارجعوا شرّ مرجع وانقلبوا شرّ منقلب بضلالكم في زعمكم ،وارتدّوا على أعقابكم بفساد هواكم فلن يضرني ذلك شيئاً وأنا على بصيرة في أمري

2) الأعقاب : جمع عَقِب بكسر القاف؛ وهو مؤخر القدم، وهذا كله دعاء عليهم .

3) أنذرهم بما سيلاقون من سوء المنقلب، والأثرة والاستبداد فيهم، والاختصاص بفوائد الملك دونهم، وحرمانهم من كل حق لهم . والأثرة ههنا الاستبداد عليهم بالفيء والغنائم واطّراح جانبهم .

4) هذا الخبرُ من الأخبار التي تكاد تكون متواترة؛ لاشتهاره ونَق۫ل الناس كافة له؛ وهو من معجزاته وأخباره المفصّلة عن الغيوب. إذ ما نجا منهم إلّا تسعة تفرّقوا في البلاد، وما قتل من أصحاب أميرالمؤمنين إلّا ثمانية.

قَالَ الرَّضِي (رحمه الله) : يَعْنِي بِالنُّطْفَةِ مَاءَ النَّهْرِ ، وَهِي أَفْصَحُ كِنَايَةٍ عَنِ الْمَاءِ وَإِنْ كَانَ كَثيراً جَمّاً، وَقَدْ أشرنا إلى ذلِكَ فيما تَقَدَّم عِندَ مُضِيّ ما أَشبَهَه.

60 - وقال عليه السلام

اشارة

60 - وقال عليه السلام (1)

لمَّا قُتِلِ الْخَوَارِجُ فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ. هَلَكَ الْقَوْمُ بِأَجْمَعِهِمْ

كَلَّا وَاللهِ : إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ، وَقَرَارَاتِ النِّسَاءِ(2)، وَكُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنُ قُطع (3)حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلَابِينَ.

61 - وقال عليه السلام

فِي الْخَوَارِج

لَا تُقَاتِلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي ؛ فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ. (يَعْنِي مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابَهُ) (4).


1) رواء المبرد في ( الكامل ) ج 2 ص 120 ، والبيهقي في (المحاسن والمساوئ ) ص 380 ، في باب محاسن الصدق ، والمسعودي في (مروجه) ج 2 ص 416 .

2) قرارات النساء : كتابة لطيفة عن الأرحام.

3) نَجم : ظَهَرَ وطلع ، أي كلّما ظهر وطلع منهم رئيس قتل، حتى ينتهي أمرهم إلى أن يكونوا الصوصاً سلايين ، لا يقومون بملك ، ولا ينتصرون إلى مذهب، ولا يدعون إلى عقيدة شأن الأشرار الصعاليك الجهلة.

4) مرادهُ أن الخوارج ضلّوا بشبهة دخلت عليهم، وكانوا يطلبون الحقّ، ولهم في الجملة تمسُّك بالدين، ومحاماة عن عقيدة اعتقدوها، وإن أخطأوا فيها؛ وأما معاوية فلم يكن يطلبُ الحق ، وإنّما كان ذا باطل، لا يحامى عن اعتقاد قد بناء على شبهة. فهم اعتقدوا الخروج عن طاعة الإمام مما يوجبه الدين عليهم . فقد طلبوا حقّاً وتقريره شرعاً فأخطأوا الصواب فيه ، لكنّهم بعد أميرالمؤمنين يخرجون بزعمهم هذا على من هذا على من غلب على الإمرة بغير حق ، وهم الملوك الذين طلبوا الخلافة باطلاً فأدركوها وليسوا من أهلها. فالخوارج على ما بهم أحسن حالاً منهم.

62 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

62 - ومن كلام له عليه السلام (1)

لَمَّا خُوِّفَ مِنَ الْغِيلَةِ

لَمَّا خُوِّفَ مِنَ الْغِيلَةِ (2)

وَإِنَّ عَلَيَّ مِنَ اللَّهِ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ (3). فَإِذَا جَاءَ يَوْمِي أَنْفَرَجَتْ عَنِّي وَأَسْلَمَتْنِي ؛ فَحِينَئِذٍ لَا يَطِيشُ السَّهُم(4)، وَلَا يَبْرَأُ الْكَلْمُ(5).

63 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

63 - ومن كلام له عليه السلام (6)

يُحَذِّرُ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا

أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ لَا يُسْلَمُ مِنْهَا إِلَّا فِيهَا(7)، وَلَا يُنْجَى بِشَيْءٍ كَانَ


1) رواه الزمخشري في (ربيع الأبرار) ، وروى أوله ابن كثير في (البداية والنهابة): ج 8 ص 12.

2) الغيلة : القتل على غرة بغير شعور من المقتول كيف يأتيه القاتل.

3) الجُنَّة الدِّرع: وما يُجنّ به ، أي يُستُتر من تُر۫س وغيره كالملجأ والحصن. ويعني بها ههنا الأجل.

4) طاش السهم، إذا صَدَف عن الغرض ، أي : جاوزه ولم يصبه.

5) الكَل۫م: الجرح.

6) ذكره الآمدي في (غررالحكم) تحت حرف إنّ.

7) تقدير الكلام : أن الدنيا دارٌ لا يُسلّم من عقاب ذنوبها إلّا فيها لأنّ العقاب المستحقّ إنّما يَسْقُط بأحد أمرين : إمّا بثواب على طاعات أو بتوبة كاملة الشروط ، وكلاهما لا يكون إلّا في دار التكاليف وهي دار الدنيا. فمن أراد السلامة من محنتها فليهي وسائل النجاة وهو فيها إذ بعد الموت لا يمكن التدارك ولا ينفع الندم.

لَهَا(1)لَهَا ابْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا فِتْنَةٌ، فَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْهُ وَحُوسِبُوا عَلَيْهِ(2). وَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْهِ، وَأَقَامُوا فِيهِ؛ فَإِنَّهَا عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ كَفَيْءِ الظَّلِّ (3)، بَيْنَا(4)تَرَاهُ سَابِغاً حَتى قَلَصَ (5)، وَزَائِداً حَتى نَقَصَ .

64 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

64 - ومن خطبة له عليه السلام (6)

فِي الْإِسْتِعْدَادِ لِلْمَوْتِ

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ(7)، وَأَبْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا


1) لیست طُرق النجاة إلّا بأفعال البرّ التي يقصد فيها وجه الله تعالى لا غير أمّا ما يفعله لأغراضه الدنيوية فليس طريقاً للنجاة .

2) ما أخذوه منها لها كالمال بذخر للذة ويقتني لقضاء الشهوة، وما أخذوه لغيرها كالمال ينفق في سبيل الخيرات يقدم صاحبه في الآخرة على ثوابه بالنعيم المقيم.

3) إضافة الفيء إلى الظل من إضافة الشيء إلى نفسه مثل : كرى النوم، ويمكن أن يقال : من إضافة الخاص للعام والظل أعم من الفيء، لأنّ الفيء لا يكون إلّا بعد الزوال.

4) «بينا» أصلها «بين» فأشبعت الفتحة، فصارت «بينا» على وزن فَعْلَى .

5) سابغاً: ممتداً سائراً للأرض ، وقلص : انقبض ، و«حتى هنا لمجرد الغاية بلا تدريج، أي أن غاية سبوغه الانقباض وغاية زيادته النقص.

6) ذكرها ابن الجوزي في ( تذكرته) ص 145، ونشر الآمدي في (الغرر والدرر).

7) البِدار : العجلة ، «بادروا أجالَكم بأعمالِكم» أي سابقوها وعاجلوها بها، أي استكملوا أعمالكم قبل حلول أجالكم.

يَزُولُ عَنْكُمْ(1)، وَتَرَحَلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ(2)، وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ (3)، وَكُونُوا قَوْماً صِبحَ بِهِمْ فَأَنْتَبَهُوا(4)، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا(5)فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لِمْ يَخْلُقُكُمْ عَبَثاً(6)، وَلَمْ يَتْرُكُكُمْ سُدى (7)، وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ


1) ابتاعوا الآخرة الباقية بالدنيا الفانية الزائلة أي: اشتروا ما يبقى من النعيم الأبدي بما يفنى من لذة الحياة الدنيا وشهواتها المنقضية.

2) «فقد جُدّ بكم»، أي حثثتم على الرحيل وأزعجتم؛ يقال: جدَّ الرحيل، وقد جُدّ بفلان، إذا أزعج وحُتُ على الرحيل، أو فقد أسرع بكم مستر حلكم وأنتم لا تشعرون، الترحل الانتقال، والمراد منه هنا لازمه وهو إعداد الزاد الذي لابدّ منه للراحل، والزاد في الانتقال عن الدنيا ليس إلّا زاد التقوى.

3) استعدوا للموت: يمكن أن يكون بحض «أعدُّوا» كأنّه قال: أعدُّوا للموت عُدّة، ويمكن أن يكون بمعنى الطّلَب؛ كما تقول: استطعم، أي طلب الطعام، كأنّه قال: اطلبوا للموت عُدّة، ولا عدة له إلّا الأعمال الصالحة. وقوله: «فقد أظلّكم»: أي قرب منكم حتى كأنّ له ظلّاً قد ألقاه عليكم. وهذا من باب الاستعارة.

4) أي كونوا قوماً حذرين إذا استنامتهم الغفلة وقتاً ما ثم صاح بهم صالح الموعظة انتبهوا من نومهم وهبّوا الطلب نجاتهم.

5) قوله : «وعِلموا» إلى آخره أي عرفوا الدنيا أنّها ليست بدار بقاء وقرار فاستبدلوها بدار الآخرة وهي الدار التي ينتقل إليها.

6) العَبث : اللعب، أو ما لاغرض فيه ، تعالى الله أن يفعل شيئاً عبثاً، وقد خلق الإنسان، وأتاه قوة العقل التي تصغر عندها كل لذّة دنيوية، ولا تقف رغائبها عند حدّ منها ، مهما علت رتبته ، فكأنّها مفطورة على استصغار كل ما تلاقيه في هذه الحياة ، وطلب غاية أعلى مما يمكن أن ينال فيها، فهذا الباعث الفطري لم يوجده الله تعالى عبثاً ، بل هو الدليل الوجداني المرشد إلى ما وراء هذه الحياة .

7) «لم يترككم سُدىّ» أي مُهمَلين بلا راع يزجركم عمّا يضركم ويسوقكم إلى ما ينفعكم ، ورعاتنا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وخلفاؤهم .

أَوِ النَّارِ إِلَّا الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ(1). وَإِنَّ غَايَةً تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ، وَتَهْدِمُهَا السَّاعَةُ. لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِ الْمُدَّةِ(2). وَإِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ ، اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الْأَوْبَةِ (3). وَإِنَّ قَادِماً يَقْدُمُ بِالفَوْزِ أَوِ الشَّفْوَةِ لَمُسْتَحِقُّ لِأَفْضَلِ الْعُدَّةِ(4). فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا(5)، مِنَ الدُّنْيَا، مَا تُحْرِزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً(6)، فَاتَّقَى عَبْدُ رَبَّهُ نَصَحَ نَفْسَهُ، وَقَدَّمَ تَوْبَتَهُ، وَغَلَبَ شَهْوَتَهُ(7)، فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ، وَأَمَلَهُ خَادِحٌ لَهُ، وَالْشَّيْطَانُ


1) «أن ينزل به» موضعه رفع لأنّه بدلٌ من الموت، أي ليس بين الواحد منّا وبين الجنة إلّا نزول الموت به ، إن كان قد أعدّ لها عدّتها، ولا بينه وبين النار إلّا نزول الموت به ، إن كان قد عمل بعمل أهلها ، فما بعد هذه الحياة إلّا الحياة الأخرى وهي إمّا شقاء، وإمّا نعيم.

2) تلك الغاية هي الأجل، وتنقصها أي تنقص أمد الانتهاء إليها، وكل لحظة تمرّ فهي نقص في الأمد بيننا وبين الأجل والساعة تهدم ركناً من ذلك الأمد وما كان كذلك فهو جدير بقصر المدة.

3) يحدوه الجديدان: يسوقه الليل والنهار ، والغائب المشار إليه هو الموت ، وقيل : الغائب هنا هو الإنسان يسوقه الجديدان إلى داره الحقيقية، وهى الآخرة والأول أظهر ؛ لأنّ الأجل المقسوم لك إن كان بعد ألف سنة فالليل والنهار بكرورهما عليك يسوقان إليك ذلك المنتظر على رأس الألف وما أسرع مرورهما والانتهاء إلى الغاية، وما أسرع أوبة ذلك الغائب الذي يسوقانه إليك: أي رجوعه ، والأوية : الرجعة .

4) الموت هو ذلك القادم إمّا بفوز وإمّا بشقوة . وعُدَّته : الأعمال الصالحات والملكات الفاضلة.

5) «فتزوّدوا في الدنيا من الدنيا» كلام فصيح؛ لأنّ ما يتمكّن المكلّف من إحراز نفسه في الآخرة: إنّما يكتسبه في الدنيا منها، وهو التقوى والإخلاص والإيمان.

6) ما تحرزون به أنفسكم: أي تحفظونها به ، وذلك هو تقوى الله في السرّ والنجوى وطاعة الشرع وعصيان الهوى.

7) قوله : «فاتّقى عبد ربّه» وما بعده أوامر بصيغة الماضي، والفاء في «فاتّقى» لبيان ماهيّة الأمر الذي يحرزُ الإنسان به نفسه ولتفصيل أقسامه وأنواعه ، كما تقول: فعل اليوم فلانٌ أفعالاً جميلة؟ فأعطى فلاناً، وصفَح عن فلان، وفعل كذا، ويجوز أن يكون بياناً للتزود المأمور به في قوله : «فتزودوا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم».

مُوَكَّلُ بِهِ، يُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا ، وَيُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا(1)، إِذَا هَجَمَتْ مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أَغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا (2).

فَيَالَهَا حَسْرَةً عَلَى ذِي غَفْلَةٍ أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً (3)، وَأَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إلَى الشَّقْوَةِ! نَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ نِعْمَةٌ(4)، وَلَا تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَايَةٌ، وَلَا تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَدَامَةٌ وَلَا كَآبَةٌ .

65 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

65 - ومن خطبة له عليه السلام (5)

فِي تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقُ لَهُ حَالُ حَالاً ((6)، فَيَكُونَ أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ


1) يسوّفها: أي يؤجّلها ويؤخّرها، رويت بكسر الواو وفتحها ، فعلى الكسر يرجع الضمير إلى نفسه ، وعلى الفتح جعله فعلُ ما لم يسمّ فاعله، وتقديره: ويمنّيه الشيطان التوبة . والتسويف: أن يقول في نفسه سوف أفعل؛ وأكثر ما يستعمل للوعد الذى لا نَجَاز له.

2) قوله : «أغفل ما يكون» حال من الضمير في «عليه»، والمنية: الموت، أي لا يزال الشيطان يزين له المعصية، ويمنيه بالتوبة أن تكون في مستقبل العمر ، ليسوفها حتى يفاجئه الموت وهو في أشد الغفلة عنه .

3) يكون عمره حجة عليه لأنّه أوتي فيه المهلة، ومُكِّن فيه من العمل، فلم ينشط له.

4) لا تُبطرُه النعمة: لا تُطغِيه ولا تُسدل على بصيرته حجاب الغفلة عمّا ، هو صائر إليه.

5) ذكرها الصدوق في (التوحيد) ص 19 و 62، والآمدي في (غرر الحكم) ص 238.

6) ما لله من وصف فهو لذاته يجب بوجوبها، فكما أنّ ذاته سبحانه لا يدنو منها التغير والتبدل، فكذلك أوصافه هي ثابتة له معاً لا يسبق منها وصف وصفاً ، وإن كان مفهوماً قد يشعر بالتعاقب إذا أضيفت إلى غيره، فهو أول وآخر أزلاً وأبداً ، أي هو السابق بوجوده لكل موجود ، وهو بذلك السبق باق لا يزول، وكل وجود سواه فعلى أصل الزوال مبناه، ثم هو في ظهوره بأدلة وجوده، باطن بكنهه، لا تدركه العقول ، ولا تحول عليه الأوهام.

آخراً(1)، وَيَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً (2)، كُلُّ مُسَمّى بِالْوَحْدَةِ غَيْرَهُ قَلِيلٌ (3). وَكُلُّ عَزِيزِ غَيْرَهُ ذَلِيلٌ(4)، وَكُلُّ قَوِيٌّ غَيْرَهُ ضَعِيفٌ، وَكُلُّ مَالِكٍ غَيْرَهُ مَمْلُوكُ، وَكُلُّ عَالِم غَيْرَهُ مُتَعَلَّمُ(5)، وَكُلُّ قَادِرٍ غَيْرَهُ يَقْدِرُ وَيَعْجَزُ(6)، وَكُلُّ سَمِيعِ غَيْرَهُ يَصَمُّ عَنْ لَطِيفِ الْأَصْوَاتِ(7)

فالسامعون من الحيوان والإنسان لقوى سمعهم حدّ محدود، فما خفي من الأصوات لا يصل إليها فهي صماء عنه . فَيُصَمُّ - بفتح الصاد - مضارع صمَّ إذا أصيب بالصمم وفقد السمع ، وما عظم من الأصوات حتى فات المألوف الذي يستطاع احتماله يحدث فيها الصمم بصدعه لها، فَيُصِمُّ بكسر الصاد : مضارع أصَمّ وما بعد من الأصوات عن السامع بحيث لا يصل موج الهواء المتكيف بالصوت إليه ذهب عن تلك القوى فلا تناله ، كل ذلك في غيره سبحانه، أمّا هو جلّ شأنه فيستوي الخفي والشديد والقريب والبعيد؛ لأنّ نسبة الأشياء إليه واحدة ومثل ذلك يقال في البصر والبصراء.

، وَيُصِمُّهُ كَبِيرُهَا، وَيَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعْدَ مِنْهَا، وَكُلُّ بَصِيرٍ غَيْرَهُ

1) أولاً : أي أنّه لم يزَل۫ موجوداً ، ولا شيء من الأشياء بموجود أصلاً؛ وآخراً أي أنّه باقٍ لايزال، وكل الأشياء تعدم عدَماً محضاً ، ويمكن أن يُريد(علیه السّلام) أنّه تعالى لا يجوز أن يكون مورداً للصفات المتعاقبة.

2) الظاهر: بمعنى أن الأدلة والبراهين عليه جلية واضحة، والباطن: غير مدرَك بالحواسّ الظاهرة، بل يدرك بالعقل ، ويمكن: أن يُفسّر الظاهر بالغالب ، والباطن بالعالم.

3) «کلّ مسمى بالوحدة قليل» فلأنّ الواحد أقل العدد ، ومعنى كونه واحداً يُباين ذلك، لأنّ معنى كونه واحداً إما نفي الثاني في الإلٰهية ، أو كونه يستحيل عليها الانقسام، وعلى التفسيرين يُسلب عنها مفهوم القلّة. ويمكن القول أيضاً أنّ من كان واحداً منفرداً عن الشريك محروماً من المعين كان محتقراً لضعفه، ساقطاً لقلّة أنصاره. أمّا الوحدة في جانب الله فهي على الذات عن التركيب المشعر بلزوم الانحلال، وتفردها بالعظمة والسلطان وفناء كل ذات سواها إذا اعتبرت منقطعة النسبة إليها ، فوصف غير الله بالوحدة تقليل، والكمال في عالمه أن يكون كثيراً، إلّا الله فوصفه بالوحدة تقديس وتنزيه.

4) وكلُّ عزيز غيرهُ ذليل: لأنّه في قبضة القضاء والقدر.

5) لأنّه تعالى مفيض العلوم، فهو المعلم الأول.

6) لأنّه تعالى قادرٌ لذاته ، وغيره قادر لأمرٍ خارج عن ذاته .

7) الصَّمم : فساد حاسة السمع . «وكل سميع غيرَهُ يَصَمُ ...». لأنّه يسمع بآلة جسمانية، وهي ذات قوة متناهية محدودة، والبارى تعالى بخلاف ذلك. وكذا قوله «وكل بصير غيره يعمى ....».

يَعْمَى عَنْ خَفِيٌّ الْأَلْوَانِ وَلَطِيفِ الْأَجْسَامِ، وَكُلُّ ظَاهِرٍ غَيْرَهُ بَاطِنٌ، وَكُلُّ بَاطِنِ غَيْرَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ(1). لَمْ يَخْلُقُ مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، وَلَا تَخَوُّفٍ مِنْ عَوَاقِبِ زَمَانٍ ، وَلَا أَسْتِعَانَةِ عَلَى تِدَّ (2)مُثَاوِدٍ (3)وَلَا شَرِيكَ مُكَاثِرٍ(4)، وَلَا ضِدٍّ مُنَافِرٍ (5)، ولَكِنْ خَلَائِقُ مَرْبُوبُونَ، وَعِبَادٌ دَاخِرُونَ (6)لَمْ يَحْلُلْ فِي الْأَشْيَاءِ فَيُقَالَ : هُو فِيهَا كَائِنُ ، وَلَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيْقَالَ : هُوَ مِنْهَا بَائِنُ (7). لَمْ يَؤُدُهُ خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ(8)، وَلَا تَدْبِيرُ مَا


1) الباطن هنا غيره فيما سبق، أي كل ما هو ظاهر بوجوده الموهوب من الله سبحانه فهو باطن بذاته، أي لا وجود له في نفسه فهو معدوم بحقيقته ، وكل باطن سواه فهو بهذا المعنى فلا يمكن أن يكون ظاهراً بذاته ، بل هو باطن أبداً .

2) الندّ : النظير والمثل ولا يكون إلّا مخالفاً ، وجمعه أنداد مثل حِمل وأح۫مال .

3) المثاور : المواثب والمحارب.

4) الشريك المكاثر : أى المفتخر بالكثرة ، هذا إذا قرىء بالثاء المثلثة، ويروى المكابر - بالباء الموحدة - أي المفاخر بالكبر والعظمة.

5) الضد المنافر : أي المحاكم في الرفعة والحسب ، يقال نافرته في الحسن فنفرته أي غلبته وأثبتُ رفعتي عليه .

6) مربوبون: أي مملوكون. وداخرون : أذلاء، من «دخر» ذلّ وصغر .

7) لم ينأ عنها : لم يبعد، أي لم ينفصل انفصال الجسم حتى يقال هو بائن: أي منفصل .

8) «لم يَؤدهُ خَلْق ما ابتدأ» إلى قوله: «عمّا خَلق» فلانه تعالى قادر لذاته، فهو لا يتعب ولا يعجز؛ لأنه ليس بجسم؛ ولا قادر بقدرة محدودة. و لم يُؤُده لم يثقله ولم يتعبه. آده الأمر: أثقله وأتعبه.

ذَرَأَ (1)، وَلَا وَقَفَ بِهِ عَجْزٌ عَمَّا خَلَقَ، وَلَا وَلَجَتْ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فِيمَا قَضَى وَقَدَّرَ (2)، بَلْ قَضَاءٌ مُتَقَنْ، وَعِلْمٌ مُحْكَمْ، وَأَمْرٌ مُبْرَمُ(3)، الْمَأْمُولُ مَعَ النِّقَمِ، الْمَرْهُوبُ(4)مَعَ النِّعَمِ.

66 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

66 - ومن كلام له عليه السلام (5)

يَقُولُهُ لِأَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَيَّامٍ صِفِّينَ

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ أَسْتَشْعِرُوا الْخَشْيَةَ (6)وتَجَلْبَبُوا السَّكِينَةَ (7)، وَعَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذِ (8)،


1) ذراً : خلق .

2) ولجت عليه: دخلت، وقوله: «ولا ولَجتْ عليه شُبهة» إلى قوله : «وأمر مُبْرَم» فلانّه تعالى عالم لذاته؛ ويستحيل دخول الشبهة عليه .

3) مبرم: محتوم، وأصله من أبرم الحبل : جعله طاقين ثم قتله وبهذا أحكمه.

4) المرهوب: المخوف.

5) ذكره البيهقي في (المحاسن ) ص 45 وابن عساكر في ( تاريخ دمشق) وابن قتيبة في (عيون الأخبار) 110:1.

6) «استشعروا الخشية» أي اجعلوا الخوفَ من الله تعالى من شعاركم؛ والشّعار من الثياب: ما يكون دون الدِّثار، وهو ما يلى الجلد، والمراد: أمرهم بملازمة الخشبة والتقوى، كملازمة الشعار للجلد.

7) «وتتجليبوا السكينة» أي اجعلوا السكينة والحلم والوقار جلباباً لكم، وتجليب : لبس الجلباب. والجلباب : الثوب المشتمل على البدن وما تغطي به المرأة ثيابها من فوق ، ولكون الخشية، أي الخوف من الله ، غاشية قلبية عبر في جانبها بالاستشعار، وعبر بالتجليب في جانب السكينة ، لأنّها عارضة تظهر فى البدن كما لا يخفى.

8) «وعضُّوا على النواجذ»: جمع ناجذ، وهو أقصى الأضراس، وللإنسان أربعة نواجذ في كل شق،والنواجذ بعد الأرحاء، ويسمی الناجذ ضرس الحِلْم وضرس العقل؛ لأنّه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل، ويقال: إنّ العاضّ على نواجذه ينبُو السيف عن هامته نبواً ما، وهذا مما يساعد التعليل الطبيعي عليه، وذلك أنّه إذا عضّ على نواجذه تصلّبت الأعصاب والعَضَلات المتصلة بدماغه، وزال عنها الاسترخاء، فكانت على مقاومة السيف أقدر، وكان تأثيرُ السيف فيها أقلّ.

فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ(1). وَأَكْمِلُوا اللَّأُمَةَ(2)، وَتَلْقِلُوا السُّيُوفَ فِي أَغْمَادِهَا قَبْلَ سَلّهَا(3)، وَالْحَقُوا الْخَزْرَ(4)، وَأَطْعُنُوا الشَّزْرَ(5)، وَنَافِحُوا بِالظُّبَا(6)

والظُّبا جمع ظُبة، هى طَرَف السبف وحدّه.

وَصِلُوا السُّيُوفَ بِالْخُطَا (7)

وقال آخر:

إذا قَصُرَتْ أسياقُنا كان وص۫لُها *** خُطانا إلى أعدائنا فَتُضارب

نَصِلُ السيوفَ إذا قَصُرْنَ بخطونا*** يوماً ونلحقها إذا لم تَل۫حقِ

إذا قصرت سُيوفكم عن الوصول إلى أعدائكم فصلوها بخطاكم، أو تكون صِلوا: من الوصل، أي اجعلوا سيوفكم متصلة بخطا أعدائكم، جمع خطوة.

وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِعَيْنِ اللهِ(8)، وَمَعَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ

1) الضمير راجع إلى المصدر الذي دلّ الفعل عليه تقديره : فإنّ العضّ أنبي، وأنبى «أفعل»، من نبا السيف، إذا لم يقطع . والهام : جمع هامة وهي الرأس.

2) اللامة : الدرع. وإكمالها: استيفاؤها بأن يزاد عليها البيضة والسواعد ونحوها. وقد يراد من اللامة آلات الحرب والدفاع.

3) «قلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلّها» يوم الحرب؛ لئلا يدومَ مكثها في الأجفان فتلحج فيها فيستصعب سلّها وقت الحاجة إليها.

4) «والحَظوا الخَزْر» الخز۫ر أن ينظر الإنسان بعينه، وكأنه ينظر بمؤخرها ومن أحد الشقين وهى أمارة الغضب، والذي أعرفه «الخَزَر» بالتحريك ، [كما أثبته عبده في المتن] وإن كان قد جاء مسكّناً فتسكينه جائز للسجعة الثانية ، «واطعنوا الشَزْر».

5) «واطعنوا» مضمومة ، يقال : طعنت بالرمح أطعُن ، بالضم ، وطعنت فى نسبه ،أطعَن، بالفتح ، أي قدحت وقد يفتح فيهما. والطعن شز۫راً ، هو الطعن عن اليمين والشمال.

6) نافحوا: أي ضاربوا وكافحوا ، نَف۫حة بالسيوف، أي ضربة، ونفحت الناقة برجلها أي ضربت .

7) «وصِلوا السيوف بالخُطَا مثل قول الشاعر:

8) «واعلموا أنكم بعين الله» أي ملحوظون بها، فهو يراكم ويعلم أعمالكم .

عَلَيْهِ وَآلِهِ . فَعَاوِدُوا الْكَرَّ (1)، وَأَسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرّ (2)فَإِنَّهُ عَارٌ فِي الْأَعْقَابِ(3)، وَنَارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ. وَطِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفْساً(4)، وَامْشُوا إِلَى الْمَوتِ مَشْياً سُجُحاً(5). وَعَلَيْكُمْ بِهَذَا السَّوَادِ الْأَعْظَمِ(6)وَالرَّوَاقِ الْمُطَنَّبِ(7)، فَأَضْرِبُوا ثَبَجَهُ(8)، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنْ فِي كِسْرِهِ(9)، وَقَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً، وَأَخَّرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلاً . فَصَمْداً صَمْداً (10)حَتَّى يَنْجَلِيَ لَكُمْ عَمُودُ الْحَقِّ (11)«وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ، وَاللهُ مَعَكُمْ، وَلَنْ


1) «فعاودوا الكر» أي لا تقتصروا على كرة ، بل كرَوا كرةً أُخرى بعدها.

2) الفرّ: الفرار.

3) «الأعقاب» أي في الأولاد ، فإنّهم يعيّروا بفرار الآباء، أو يريد بها جمع عُقِب؛ وهو العاقبة وما يؤول إليه الأمر ، فيكون المعنى أنّ القرار عارٌ في عاقبة أمركم ، وما يتحدث به الناس عن مستقبل الزمان عنكم . وقوله : «ونار يوم الحساب» لأن الفرار من الزحف ذنبٌ عظيم .

4) «طيبوا عن أنفسكم نَفْساً»: وطّنوا أنفسكم على الموت ولا تكرهوه، وهوَنوه عليكم، تقول: طبت عن مالى نفساً، اذا هوّنت ذهابه، أو ارضوا ببدلها فإنّكم تبذلونها اليوم لتحرزوها غداً .

5) سُجُحاً : أى سهلاً، والسجاحة: السهولة ، ومن رواه «سمحاً» أراد سهلاً أيضاً.

6) السواد الأعظم : يعني به جمهور أهل الشام.

7) «والرواق المطنَب» ، يريد به مضرب معاوية ذا الأطناب، وكان معاوية في مضرب عليه قُبّة عالية ، وحوله صناديد أهل الشام. والرِّواق: الفسطاط . والمطنَّب : المشدود بالأطناب جمع طُنُب - بضمتين - حبل يشد به سرادق البيت .

8) ثبجه : وَسَطه ، وثبج الإنسان : ما بين كاهله إلى ظهره.

9) الكِس۫ر : جانب الخِباء وشقه الأسفل كناية عن الجوانب التي يفر إليها المنهزمون. وقوله : « فإنّ الشيطان كامنٌ في كسره يحتمل وجهين؛ أحدهما : أن يعني به الشيطان الحقيقيّ ، وهو إبليس، والشيطان الكامن في الكسر مصدر الأوامر بالهجوم والرجوع، والثاني : أن يعنى به معاوية وهو الأظهر للقرينة التي تؤيده ، وهي قوله : «قد قدَّم للوثبة يداً ، وأخّر للنكوص رجلاه ، أي إن أجبتم وثب، وإن شجعتم نكص.

10) صمدت لفلان: أي قصدت له، والصمد: القصد، أي فاثبتوا على قصدكم.

11) «حتى ينجلي لكم عمودُ الحق» أي يسطع نورُه وضوءُه.

يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ » (1).

67 - ومن كلام له عليه السلام

67 - ومن كلام له عليه السلام (2)

قَالُوا: لَمَّا انْتَهَتْ إِلَى أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْبَاءُ السَّقِيفَةِ (3)بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا قَالَتِ الْأَنْصَارُ؟ قَالُوا: قَالَتْ: مِنَّا أَمِيرُ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ؛ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:

فَهَلًا احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ، وَيْتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ!

قالُوا: وَما في هذا مِنَ الحَجَّةِ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: لَوْ كَانَتِ الْإِمَامَةُ(4)فِيهِمْ لَمْ تَكُنِ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ. ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامِ: فَمَاذَا قَالَتْ قُرَيْشُ؟

قَالُوا: أَحْتَجَّتْ بِأَنَّهَا شَجَرَةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.

فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامِ: أَخْتَجُوا بِالشَّجَرَةِ ، وَأَضَاعُوا الثَّمَرَةَ (5)!


1) لن يَتِرَكم أعمالكم : أي لن ينقصكم شيئاً من جزائها. وهذا الكلام خطب به أمير المؤمنين (علیه السّلام) في اليوم الذي كانت عشيته ليلة الهرير في كثير من الروايات، وفي رواية نصر بن مزاحم أنّه خطب في أوّل أيام اللقاء والحرب بصفّين ، وذلك في صفر من سنة سبع وثلاثين.

2) روى صدره النويري في (نهاية الإرب) ج 8 ص 168 .

3) سقيفة بني ساعدة اجتمع فيها الصحابة بعد وفاة النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، لاختيار خليفة له .

4) أثبت عبده في المتن: «لو كانت الإمارةُ فيهم ...».

5) يريد من الثمرة : آل بيت الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).

68 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

68 - ومن كلام له عليه السلام (1)

لَمَّا قَلَّدَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ مِصْرَ فَمُلِكتْ عَلَيْهِ وَقُتِلَ

لَمَّا قَلَّدَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ (2)مِصْرَ فَمُلِكتْ عَلَيْهِ وَقُتِلَ

وَقَدْ أَرَدْتُ تَوْلِيَةً مِصْرَ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ (3)وَلَوْ وَلَّيْتُهُ إِيَّاهَا لَمَا خَلَّى لَهُمُ الْعَرْصَةَ (4)، وَلَا أَنْهَزَهُمُ الْفُرْصَةَ(5)، بِلَا ذَمِّ لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ(6)، فَلَقَدْ كَانَ إِلَيَّ حَبِيباً، وَكَانَ لِي رَبِيباً(7).


1) رواه الطبري في حوادث سنة 36، والبلاذري في (أنساب الأشراف) ص 404ط الأعلمي.

2) محمد بن أبي بكر : أمّه أسماء بنت عُمَيس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة بن خَثْعَم، كانت تحت جعفر بن أبي طالب، وهاجرت۫ معه إلى الحبشة، فولدت له هناك عبدالله بن جعفر الجواد ، ثم قتل عنها يوم مؤنة ، فخلّف عليها أبو بكر ، فأولدها محمداً، ثم مات عنها، فخَلف عليها عليّ بن أبي طالب، وكان محمد ربيبه وخِرّيجَه ، وجارياً عنده مجرى أولاده، رضع الولاء والتشيع من زمن الصبا، فنشأ عليه، فلم يكن يعرف له أباً غير علىّ ، وحتى قال علي(علیه السّلام) : محمد ابني من صل۫ب أبي بكر .

3) هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، فعمَه سعد بن أبي وقّاص، وأبوء عتبة بن أبي وقّاص الذي كسر رباعية رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يوم أحُد ، وهاشم هو المِر۫قال : سمّي المرقال ؛ لأنّه كان يُرْقِلُ في الحرب إرقالاً، وهو من شيعة عليّ .

4) «لما خَلَى لهم العرْضَة» يعنى عَرصة مصر، والعَر۫صة: كل بقعة واسعة بين الدور، والمراد ما جعل لهم مجالاً للمغالبة وقد كان محمد - رحمه الله تعالى - لما ضاق عليه الأمر ترك لهم مصر وظن أنّه ينجو بالفرار ، فلم ينجُ وأخذ وقتل .

5) «ولا أنهزهم الفُرصة» أي ولا جعلهم للفرصة منتهزين.

6) «بلا ذم لمحمد ....» لما يتوهم من مدح عتبة .

7) الربيب : ابن امرأة الرجل من غيره، وجمعه : أرِيَّا. وَأَرِيَّة.

69 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

69 - ومن كلام له عليه السلام (1)

فِي ذَمِّ أَصْحَابِهِ

كَمْ أَدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى البِكَارُ الْعَمِدَةُ(2)، وَالرِّيَابُ الْمُتَدَاعِيةُ (3)! كُلَّمَا حِيصَتْ (4)مِنْ جَانِبِ تَهَتَكَتْ (5)مِنْ آخَرَ، كُلَّمَا أَطَلَّ عَلَيْكُمْ مِنْسَرٌ مِنْ مَنَاسِرِ(6)أَهْلِ الشَّامِ أَغْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَهُ، وَأَنْجَحَرَ أَنْجِحَارَ الضَّيَّةِ(7)فِي جُحْرِهَا، وَالضَّبْعِ فِي وِجَارِهَا(8). الذّلِيلُ وَاللَّهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ! وَمَنْ رُمِيَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ (9).


1) رواه البلاذري في (أنساب الأشراف) ص 438 في ترجمة عليُّ(علیه السّلام) .

2) البِكار: جمع بَك۫ر، وهو الفتيُّ من الإبل، والعَمِدَة : التي قد انشدَخَتْ أستِمتها من داخلٍ وظاهرها صحيح؛ لكثرة ركوبها. ومداراتها : استعمالها بالرفق التام.

3) الثياب المتداعية : الخلقة المتخرقة، أي الأس۫مال التي قد أخلَقت، وسميت متداعية، لأنّ بعضها يتخرّق فيدعو بعضَها إلى مثل حاله .

4) حیصت: خبطت ، والحو۫ص: الخياطة .

5) تهتكت: تخرُقت.

6) أطلّ عليكم: أشرف. ومِن۫سر: قطعة من الجيش تمرُ قدام الجيش الكبير، والأفصح «مِن۫سر» بكسر الميم وفتح السين، ويجوز «مَنسِر» بفتح الميم وكسر السين .

7) انجحر : دخل الجحر واستتر في بيته. والضبّة : أنثى الضَّباب، وأوقع التشبيه على الضبة مبالغة في وصفهم بالجبن والفرار.

8) الوِجار: بيت الضبع.

9) السهم الأفوق الناصل : المكسور الفُوق، المنزوع النصل ، والفُوق: موضع الوَثَر من السهم؛ والناصل: العاري من النصل ، وهذا مثل يضرب لمن استنجد بمن لا ينجده ، والسهم إذا كان مكسور الفوق عارياً عن النصل لم يؤثر في الرمية. فهم في ضعف أثرهم وعجزهم عن النكاية بعدوّهم أشبه به .

إِنَّكُمْ وَاللهِ لَكَثِيرٌ فِي الْبَاحَاتِ(1)، قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ، وَإِنِّي لَعَالِمُ بِمَا يُصْلِحُكُمْ، وَيُقِيمُ أَوَدَكُمْ(2)، وَلَكِنِّي وَاللهِ لَا أَرَى إِصْلَاحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِي .

أَضَرَعَ اللهُ خُدُودَكُمْ(3)، وَأَتْعَسَ جُدُودَكُمْ(4)! لَا تَعْرِفُونَ الْحَقِّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلَ، وَلَا تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمُ الْحَقَّ .

70- وقال عليه السلام

اشارة

70- وقال عليه السلام (5)

فِي سُحْرَةِ الْيَوْمِ الَّذِي ضُرِبَ فِيهِ

فِي سُحْرَةِ(6)الْيَوْمِ الَّذِي ضُرِبَ فِيهِ

مَلَكَتْنِي عَيْنِي وَ أنَّا جَالِسٌ (7)، فَسَنَحَ لِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَاذَا لَقِيتُ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ الْأَوَدِ وَاللَّدَدِ! فَقَالَ: «أَدْعُ عَلَيْهِمْ»،


1) الباحات: جمع باحة، وهى ساحة الدار.

2) الأوَد : العوج، أود الشيء يأوَد أوَداً؛ أي اعوجُ، وتأوّد أي تعوّج .

3) أضرع الله خدودكم : أذلّ وجوهكم . ضَرَع الرجل ذلّ، وأضرعه غيره.

4) أتعس جدودكم: أي أحال حظوظكم وسعودكم وأهلكها فجعلها إدباراً ونحساً. والتَّعَس: الهلاك والانحطاط والعثار.

5) رواه ابن سعد في (الطبقات) 3 ص 36، والقالي في (ذيل الأمالي) ص 190، والأصفهاني في (مقاتل الطالبيين) ص 16 ، وابن عبد ربه في (العقد الفريد)، ج 2 ص 298 ، وغيرهم.

6) السُحرة - بالضم - : السحر الأعلى من آخر الليل.

7) مملكتني عيني : من فصيح الكلام، يريد غلبني النوم، وسنح لي رسول الله : مرَّ بي كما تسنخ الظباء والطير.

فَقُلْتُ: أَبْدَلَنِي اللهُ بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ، وَأَبْدَلَهُمْ بِي شَرّاً لَهُمْ مِنِّي (1).

قَالَ الرَّضِيُّ (رحمه الله) : يَعْنِي بِالأَوَدِ الاعوجاج، وَبِاللَّدَد الْخِصَامَ، وَهَذَا مِنْ أَفْصَح الكلام.

71 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

71 - ومن خطبة له عليه السلام (2)

فِي ذَمِّ أَهْلِ الْعِرَاقِ

أَمَّا بَعْدُ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالْمَرْأَةِ الْحَامِلِ، حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ (3)، وَمَاتَ قَيِّمُهَا، وَطَالَ تأَيُّمُهَا ، وَوَرِثَهَا أَبْعَدُهَا (4).

أَمَا وَاللهِ مَا أَتَيْتُكُم اَخْتِيَاراً ؛ وَلَكِنْ جِئْتُ إِلَيْكُمْ سَوْقاً(5). وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ


1) «شرّاً» ههنا لا يدل على أنّ فيه شراً ، كقوله : «قُلْ أذلك خير أم جنةُ الخُلْدِ» (الصافات: 102) لا يدل على أنّ في النار خيراً .

2) رواها المفيد في (الإرشاد) ص 61 ، وابن دأب في (الاختصاص) ص 155 ، والطبرسي في (الاحتجاج) ج 1 ص 254.

3) أمصلت: ألفت ولدها ميتاً .

4) قيُمها: زوجها وتأيمها: خلوها من الأزواج. يريد أنّهم لما شارفوا استئصال أهل الشام، وبدت لهم علامات الظفر بهم، جنحوا إلى السلم ، إجابة لطلاب التحكيم فكان مثلهم مثل المرأة الحامل، لما أتّمت أشهر حملها ، ألقت ولدها بغير الدافع الطبيعي بل بالحادث العارضي ، كالضربة والسقطة وقلّما تلقيه كذلك إلّا هالكاً ، ولم يكتف في تمثيل خيفتهم في ذلك حتى قال: ومات مع هذه الحالة زوجها، وطال ذلها بفقدها من يقوم عليها، حتى إذا هلكت عن غير ولد ، ورثها الأباعد السافلون فى درجة القرابة ممن لا يلتفت إلى نسبه.

5) يقسم أنّه لم يأت العراق مستنصراً بأهله اختياراً لتفضيله إيّاهم على من سواهم، وإنّما سيق إليهم بسائق الضرورة، فإنّه لولا وقعة الجمل لم يفارق المدينة المنورة. ويروى هذا الكلام على وجهٍ آخر وهو: «ما أتيتكم اختياراً ولا جنت إليكم شوقاً» بالشين المعجمة .

تَقُولُونَ : عَلِيٌّ يَكْذِبُ، قَاتَلَكُمُ اللهُ تَعَالَى! فَعَلَى مَنْ أَكْذِبُ؟ أَعَلَى اللَّهِ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ! أَمْ عَلَى نَبِيِّهِ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ(1)كَلَّا وَاللهِ ، لَكِنَّهَا لَهْجَةُ غِبْتُمْ عَنْهَا(2)، وَلَمْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا ، وَيَلُمِّهِ كَيْلاً بِغَيْرِ ثَمَنٍ(3)، لَوْ كَانَ لَهُ وِعَاءُ.

«وَلْتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ».


1) أخرجه مخرج الاستبعاد لدعواهم وزعمهم . وقد كان كرّم الله وجهه كثيراً ما يخبرهم بما لا يعرفون ، ويعلمهم ما لم يعلمون، فيقول المنافقون من أصحابه: «إنّه يكذب» يقولون مثل ذلك للنبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فهو يرد عليهم قولهم بأنّه أول من آمن بالله، وصدق برسوله، فكيف يجترئ على الكذب على الله أو على رسوله، مع قوة إيمانه، وكمال يقينه ، ولا يجتمع كذب وإيمان صحيح.

2) اللهجّة - بفتح الجيم - : هي آلة النطق ، يقال : فصيح اللهجة. ويمكن أن يريد بها هنا لهجة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ويمكن أن يعنى بها لهجته هو ؛ يقول : إنها لهجة غبتم عن منافعها، أي ضرب من الكلام أنتم في غيبة عنه أي بعد عن معناه ونبو طبع عما حواه فلا تفهمونه، ولهذا تكذبونه.

3) ويُلُمّه : كلمة تقال للتعجب والاستعظام؛ يقال : «ويلّمه فارساً»! تكتب موصولة وأصلها «ويل امّه» مرادهم التعظيم، تقال في مقام المدح، وإن كان أصل وضعها لضده ، ومثل ذلك معروف في لسانهم ، يقولون للرجل يعظمونه ويقرظونه: «لا أبا لك». وفي الحديث: «فاظفر بذات الدين تربت يداك» وقال الحسن البصريّ وهو يذكر علياً(علیه السّلام) ، ويصف كونه على الحقّ في جميع أموره: «وما لك والتحكيم والحق في يديك ، لا أبا لك». وقوله(علیه السّلام) : كيلاً: مصدره محذوف أي أنا أكيل لكم العلم والحكمة كيلاً بلا ثمن لو أجد وعاء أكيل فيه، أي لو أجد نفوساً قابلة وعقولاً عاقلة .

72 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

72 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

عَلَّمَ فِيهَا النَّاسَ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللهُ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )

اللَّهُمَّ دَاحِيَ الْمَدْحُوَّاتِ (2)وَدَاعِمَ الْمَسْمُوكَاتِ (3)

والسُّم۫ك : الثخن المعروف في اصطلاح أهل الكلام بالعمق . ودعمه للسماوات : إقامته لها وحفظها من الهوي بقوة معنوية وإن لم يكن ذلك بدعامة حسية، قال صاحب القاموس: «المسموكات لحن والصواب مسمكات» و لعلّ هذا في إطلاق اللفظ اسماً للسماوات ، أمّا لو أطلق صفة كل في كلام الإمام فهو صحيح فصيحّ بل لا يصحّ غيره فإن الفعل سمك لا أسمك.

وَجَابِلَ الْقُلُوبِ (4)عَلَى فِطَرَتِهَا (5)شَقِيهَا وَسَعِيدِهَا (6)أجْعَلْ شَرَائِفَ (7)صَلَوَاتِكَ، وَنَوَامِيَ بَرَكَاتِكَ، عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ

1) رواها ابن قتيبة في (غريب الحديث)، والثقفي في (الغارات)، والقاضي القضاعي في (دستوره) ص 119، وسبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواص) ص 136 ، والسماهيجي في (الصحيفة العلوية) ص 3.

2) داحي المدحوات: أي باسط المبسوطات وأراد منها الأرضين دَحَوْتُ الرَّغيف دَحْواً: بسطته، وبسطها أن تكون كل قطعة منها صالحة لأن تكون مستقراً و مجالاً للبشر ، وسائر الحيوان ، تتصرف عليها هذه المخلوقات في الأعمال التي وجهت إليها ، بهادي الغريزة كما هو المشهود لنظر الناظر وإن كانت الأرض في جملتها كروية الشكل .

3) داعم المسموكات: مقيمها وحافظها، دعمه - كمنعه -: أقامه وحفظه. والمسموكات: المرفوعات وهي السماوات ، وقد يراد من هذا الوصف المجعول لها سمكاً يفوق كل سمك.

4) جابل القلوب : أي خالقها ، والجَبْل : الخَلق ، وجِبلَة الإنسان : خِلْفَتُه .

5) الفطرة: الحالة التي يفطر الله عليها الإنسان، وهي أول حالات المخلوق التي يكون عليها في بدء وجوده، يخلقه عليها خالياً من الآراء والديانات والعقائد والأهوية.

6) قوله «شقيها....» بدل من القلوب، أي جابل الشفي والسعيد من القلوب على فطرته الأولى التي هو بها کاسب محض، فحسن اختياره يهديه إلى السعادة وسوء تصرفه يضلله في طرق الشقاوة.

7) الشرائف : جمع شريفة، والنوامي: الزوائد .

وَرَسُولِكَ، الْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ(1)، وَالْفَاتِحِ لِمَا أَنْغَلَقَ(2)وَالْمُعْلِنِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ (3)، وَالدَّافِعِ جَيْشَاتِ الْأَبَاطِيلِ(4)، وَالدَّامِعِ صَوْلَاتِ الْأَصَالِيلِ (5)، كَمَا حُمِّلَ فَأَضْطَلَعَ(6)

تكون الكاف في «كما حمّل» للتعليل ، كما في قوله :

فقلتُ له أبا المِلْحاة خذها ***كما أوسعتنا بغياً وعَدْواً

، قَائِماً بِأَمْرِكَ ، مُسْتَوْفِزا(7)فِي مَرْضَاتِكَ، غَيْرَ نَاكِلٍ عَنْ قُدُم (8)، وَلَا وَاه(9)في عَزْمٍ، وَاعِياً لِوَحْيِكَ (10)، حَافِظاً لِعَهْدِكَ ، مَاضِياً (11)عَلَى نَفَاذِ أَمْرِكَ ، حَتَّى أَوْرَى قَبَسَ الْقَابِسِ(12)،

1) الخاتم لما سبق : أي لما تقدمه من النبوات.

2) الفاتح لما انغلق: كانت أبواب القلوب قد أغلقت بأقفال الضلال عن طوارق الهداية فافتتحها (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بآيات نبوته، وأعلن الحق وأظهره بالحق وبالبرهان.

3) أعلن الحق بالحق وقمع الباطل وقهر الضلال كما حمل تلك الأعمال الجليلة بتحمّله أعباء الرسالة.

4) جيشاتها : جمع جيشة من جاشت القدر إذا ارتفع غليانها ، والأباطيل : جمع باطل على غير قياس، والمراد أنّه قامع ما نجم من الباطل.

5) الدامغ : المهلك، من دمغه إذا شجّه حتى بلغت الشجّة دماغه ، والصولات : جمع صولة السطوة. والأضاليل : جمع ضلال على غير قياس. والمراد الكاسر الشوكة الضلال وسطون، وذلك بسطوع البرهان، وظهور الحجة.

6) «كما حمِّل» يعني حمل أعباء الرسالة، فاضطلع : أي نهض بها قوياً. والضلاعة: القوة. وقد

7) المستوفز : المسارع المستعجل، والوفز: العجلة.

8) الناكل : الناكص والمتأخر ، أي غير جبان يتأخر عند وجوب الإقدام. والقُدُم : بضمتين المشي إلى الحرب، ويقال: مضى قدماً أي سار ولم يعرج.

9) الواهى : الضعيف ، وَهَى أي ضعف.

10) واعياً : أي حافظاً وفاهماً . وعيت الحديث : حفظته وفهمته وَعَقَل۫تُه.

11) ماضياً على نفاذ أمرك : أي ذاهباً في سيره على ما فيه نفاذ أمر الله سبحانه .

12) يقال : وَرَى الزَّنْدُ ووَرِىَ فهو وارٍ: خرجت نارُه وأَوْرَيْتُه ووَرَّيْتُه واسْتَوْرَيْتُه. والقبس: شعلة من النار. والقابس: الذي يطلب النار. يقال قيست ناراً فأقبسني، أي طلبت منها فأعطاني والكلام تمثيل لنجاح طلّاب الحق ببلوغ طلبتهم منه، وإشراق النفوس المستعدة لقبوله بما سطع من أنواره.

وَأَضَاءَ الطَّرِيقَ لِلْخَابِطِ(1)، وَهُدِيَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ الْفِتَنِ وَالْآثَامِ. وَأَقَامَ بِمُوضِحَاتِ الْأَعْلَامِ(2)وَنَيِّرَاتِ الْأَحْكَامِ(3)، فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ وَخَازِنُ عِلْمِكَ الْمَخْزُونِ(4)، وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ (5)، وَبَعِيتُكَ بِالْحَقِّ(6)، ورَسُولُكَ إِلَى الْخَلْقِ . اللّهُمَّ أَفْسَحْ لَهُ مَفْسَحاً فِي ظِلِّكَ(7)، وَأَجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ(8). اللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَاتِينَ بِنَاءَهُ(9)، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَتَهُ(10)، وَأَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ، وَأَجْزِهِ


1) الخابط : الذي يسير ليلاً على غير جادة واضحة ، فأضاء الطريق له : جعلها مضيئة ظاهرة فاستقام عليها سائراً إلى الغاية: وهي السعادة ، فكان في ذلك أن هُديت به القلوب إلى ما فيه سعادتها بعد أن خاضت الفتن أطواراً، واقتحمتها مراراً . والخوضات: جمع خوضة، وهي المرة من الخوض.

2) الأعلام : جمع عَلَم - بالتحريك - ما يستدلّ به على الطريق كالمنار ونحوه ، والأعلام موضحات الطرق لأنّها تبينها للناس وتكشفها .

3) النيّرات: ذوات النور.

4) العِل۫م المخزون: ما اختصّ الله به من شاء من عباده ولم يبح لغير أهل الحظوة به أن يطلعوا عليه وذلك مما لا يتعلق بالأحكام الشرعية.

5) شهيدك : شاهدك على الناس كما قال تعالى:«فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا » [النساء: 41].

6) بعيثك : أي مبعوثك فهو فعيل بمعنى مفعول كجريح وطريح.

7) افسح له: وسَع له ما شئت أن توسع «في ظلّك» ويمكن أن يكون مجازاً ، كقولهم: فلان : يشملني ظلّه ، أي إحسانه وبرّه ، ويمكن أن يكون حقيقة ، ويعني به الظل المحدود الذي ذكره الله تعالى، فقال «وَظِلٍّ مَمْدُودٍ »*«وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ » [الواقعة: 30-31] .

8) مضاعفات الخير : أطواره ودرجاته .

9) «وأعل على بناءِ الباتين بناءَه» أي اجعل منزلته فى دار الثواب أعلى المنازل ، أو يريد من بنائه ما شیده(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بأمر ربّه من الشريعة العادلة والهدى الفاضل مما يلجأ إليه التائهون ويأوي إليه المضطهدون، فالإمام يسأل الله أن يعلي بناء شريعته على جميع الشرائع، ويرفع شأن هديه فوق كل هدي لغيره.

10) إكرام المنزلة بإتمام النور: والمراد من إتمام النور: تأييد الدين حتى يعمّ أهل الأرض، ويظهرعلى الدين كله كما وعده بذلك . وإكرام المنزلة في الآخرة، فقد تقدم في قوله افسح له وأجزه مضاعفات الخير.

مِنَ ابْتِعَائِكَ لَهُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ(1)، وَمَرْضِيَّ الْمَقَالَةِ ، ذَا مَنْطِقٍ عَدْلٍ(2)، وَخُطبَةٍ فَصْلِ (3). اللّهُمَّ أَجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي بَرْدِ الْعَيْشِ وَقَرَارِ النِّعْمَةِ(4)، وَمُنَى الشَّهَوَاتِ(5)، وَأَهْوَاءِ اللَّذَّاتِ(6)، وَرَخَاءِ الدَّعَةِ(7)، وَمُنْتَهَى الطُّمَأْنِينَةِ(8)، وَتُحَفِ الْكَرَامَةِ (9).


1) مقبول الشهادة، أى مصدّقاً فيما يشهد به على أُمته وعلى غيرها من الأمم . أي أجزه على بعثتك له إلى الخلق ، وقيامه بما حملته ، واجعل ثوابه على ذلك الشهادة المقبولة ، والمقالة المرضية يوم القيامة، وتلك الشهادة والمقالة تصدران منه وهو ذو منطق عدل.

2) «ذا منطق عَدْل» أي عادل .

3) «خطبة فصل» أى يخطب خطبة فاصلة يوم القيامة. وفصل أي فاصل يفصل بين الحق والباطل. وقد روي أنّه (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يقوم ذلك المقام يوم القيامة فيشهد على أمّته وعلى غيرهم من الأمم فيكون كلامه الفصل ، [وأثبت عبده في المتن «خُطّةٍ فصل»] وخطة فصل: أي أمر فاصل.

4) تقول العرب : «عيش بارد»: أى لا حرب فيه ولا نزاع، لأنّ البرد والسكون متلازمان تلازم الحرارة والحركة . وقرار النعمة: مستقرّها حيث تدوم ولا تفنى .

5) مُنَى : جمع مُنْية - بالضم - ما يتمناه الإنسان لنفسه، والشهوات: ما يشتهيه. منى الشهوات: ما تتعلّق به الشهوات من الأماني .

6) أهواء اللذات: ما تهواه النفوس وتستلذّه.

7) الرخاء : من قولهم «رجل رخي البال» أي واسع الحال . الدعة : السكون والطمأنينة.

8) منتهى الطمأنينة : غايتها التي ليس بعدها غاية .

9) التُحف :جمع تحفة، وهو ما يكرم به الإنسان من البرّ واللطف . وكان(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من أرخى الناس بالاً، وألزمهم للطمأنينة، وأعلاهم منزلة في القلوب، فالإمام يطلب من الله أن يدنيه منه في جميع هذه الصفات الكريمة. يدعو بأن يتّفق مع النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )في في جميع رغباته وميوله .

73 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

73 - ومن كلام له عليه السلام (1)

قَالَهُ لِمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بِالْبَصْرَة

قالوا: أُخِذَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ أسيراً يَوْمَ الجمل فاسْتَشْفَعَ الحسن والحسين(علیهما السّلام) (2)إلى أميرالمؤمنينَ (علیه السّلام) فكلماهُ فيه فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فقالا له: يُبايِعُك يا أميرالمؤمنين؟ فقال عليه السلام: أَوَلَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ؟ لَا حَاجَةَ لِي فِي بَيْعَتِهِ ! إِنَّهَا كَلٌّ يَهُودِيَةٌ (3)، لَوْ بَايَعنِي بِيَدِهِ لَغَدَرَ بِسُبْتِهِ(4)؟ أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعَقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ(5). وَهُوَ أَبُو الْأَكْبُشِ الْأَرْبَعَةِ (6)، وَسَتَلْقَى الْأُمَّةُ مِنْهُ وَمِنْ وَلَدِهِ يَوْماً أَحْمَرَ (7)!


1) روى طرفاً من هذا الكلام ابن سعد في (الطبقات) ج 1، والبلاذري في (الأنساب) ص 361.

2) استشفعهما إليه : سألهما أن يشفعا له عنده. وليس من الجيد قولهم استشفعت به.

3) كف يهودية ، أى غادرة ماكرة، واليهود تنسّب إلى الغدر والخبث.

4) السُّبَّة: الإست، وهو مما يحرص الإنسان على إخفائه. وكنى به عن الغدر الخفي واختاره لتحقير الغادر. وقد يكون ذلك إشارة إلى ما كانت تفعله سفهاء العرب عند الغدر بعقد أو عهد من أنّهم كانوا يحبقون عند ذكره استهزاء .

5) الإمرة: الولاية . وقوله : «كلعقة الكلب أنفه» يريد قصر المدة، وكذلك كانت مدّة خلافة مروان ، : فإنّه ولي تسعة أشهر. ورويت فيه زيادة وهي قوله(علیه السّلام) في مروان: «يحمل راية ضلالة بعد ما ان يشيب صُدْغاه ، وإنّ له إمرة» وكُلُّ ما أخبر به أميرالمؤمنين وقَعَ كما أخبر به، وكذلك قوله «يحمل راية ضلالة بعدما يشيب صُدغاه» فإنّه ولِيَ الخلافة وهو ابن خمسة وستين في أعدل الروايات.

6) جمع كبش وهو من القوم رئيسهم . وفسّروا الأكبش ببني عبدالملك بن مروان هذا وهم الوليد وسليمان ويزيد وهشام. وقالوا: ولم يتولَ الخلافة أربعة أخوة سوى هؤلاء. ويجوز أن يراد بهم بنو مروان الصلبه وهم عبدالملك وعبدالعزيز وبشر ومحمد وكانوا كباشاً أبطالاً : أما عبدالملك فولي الخلافة، وولي محمد الجزيرة، وعبدالعزيز مصر، وبشر العراق. وهذا التفسير أولى؛ لأنّ الوليد وإخوته أبناء ابنه ، وهؤلاء بنوه الصُل۫به .

7) يقال لليوم الشديد : يوم أحمر. وللسّنة ذاتِ الجَدْب : سنة حَمْراء.

74 - ومن كلام له عليه السلام

لَمَّا عَزَمُوا عَلَى بَيْعَةِ عُثْمَانَ

لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِي ؛ وَوَاللهِ لأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً (1)، الْتِمَاساً لأَجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ، وَزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَزِبْرِجِهِ (2).

75 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

75 - ومن كلام له عليه السلام (3)

لَمَّا بَلَغَهُ أَنْهَامُ بَنِي أُمَيَّةَ لَهُ بِالْمُشَارَكَةِ فِي دَمِ عُثْمَانَ

أَوَلَمْ يَنْهَ أُمَيَّةَ عِلْمُهَا بِي عَنْ قَرْفِي (4)؟ أَوَمَا وَزَعَ الْجُهَّالَ سَابِقَتِي عَنْ تُهَمَتِي!


1) يقسم بالله ليسلمن للأمر في الخلافة لعثمان، ما دام التسليم غير ضار بالمسلمين، وحافظاً لهم من الفتنة ، طلباً لثواب الله على ذلك ، وزهداً في الإمرة التي تنافسوها - أي رغبوا فيها - وإن كان في ذلك جود عليه خاصة.

2) أصل الزخرف: الذهب، وكذلك الزَّب۫رج، ثم أطلق على كل مموه مزور. وأغلب ما يقال الزبرج على الزينة من وَش۫ي أو جوهر. ومن زخرفه ليس للبيان ولكن حرف جرّ للتعليل، أي أنّ الرغبة إنّما كان الباعث عليها الزخرف والزبرج ولولا لزوم ذلك للإمارة ما كان فيها التنافس.

3) رواه ابن الأثير في (النهاية) في مادة قرف.

4) القَرْف: العيب، قرفتُه بكذا: عبته. ووزّع: كفّ وردَع يقول(علیه السّلام) : أمّا كان في عِلم بني أمية بحالي ومكاني من الدين، والتحرج من سفك الدماء، بغير حق ما ينهاها عن قَرْفي بدم عثمان؟ خصوصاً وقد علموا أنّي كنت له لا عليه، ومن أحسن الناس قولاً فيه ؟ وحاله التي أشار إليها هي منزلته فى الدِّين التي لا منزلة أعلى منها، وما نطق به الكتاب الصادق من طهارته وطهارة بنيه وزوجته، في قوله تعالى «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً»[ الاحزاب: 33] وعلمها فاعل ينه، وأميّة مفعول، والتّهمة - بفتح الهاء : رميه بعيب الاشتراك في دم عثمان.

وَلَمَا وَعَظَهُمُ اللَّهُ بِهِ أَبْلَخُ مِنْ لِسَانِي(1)أَنَا حَجِيجُ الْمَارِقِينَ (2)، وَخَصِيمُ النَّاكِثِينَ الْمُرْتَابِينَ ، وَعَلَى كِتَابِ اللهِ تُعْرَضُ الْأَمْثَالُ(3)، وَبِمَا فِي الصُّدُورِ تُجَازَى الْعِبَادُ.

76 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

76 - ومن خطبة له عليه السلام (4)

فِي الزُّهْدِ

رَحِمَ اللهُ امْرَأَ سَمِعَ حُكْماً فَوَعَى، وَدُعِيَ إِلَى رَشَادٍ فَدَنَا(5)، وَأَخَذَ بَحُجْزَةٍ هَادٍ


1) «ولما ...». الام هي التي للتأكيد، و «ما» موصول مبتدأ، وأبلغ خبره والله قد وعظهم في الغيبة بأنّها في منزلة أكل لحم الأخ ميتاً .

2) «أنا حجيج المارقين، وخصيم المرتابين» يعني يوم القيامة، روي عنه(علیه السّلام) : «أنا أوّل من يَجثو للحكومة بين يدي الله تعالى» والحجيج - كالخصيم - : ذو الحجاج والخصومة. والمسارقون: الخارجون من الدين. والمرتابون : الذين لا يقين لهم . و هو (علیه السّلام) قارعهم بالبرهان الساطع فغلبهم .

3) يريد قوله تعالى : «هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ » [الحج : 190] والأمثال : متشابهات الأعمال والحوادث تعرض على القرآن فما وافقه فهو الحق المشروع وما خالفه فهو الباطل الممنوع ، وهو كرّم الله وجهه قد جرى على حكم كتاب الله في أعماله فليس للغامز عليه أن يشير إليه بمطعن ما دام ملتزماً لأحكام الكتاب.

4) رواها الحراني في (التحف) ص 150 ، وابن شاكر في (عيون الحكم والمواعظ)، والزمخشري في (ربيع الأبرار) ج 1 ص 231 والحصري في (زهر الآداب) ج 1 ص 42 .

5) الحُكْم هنا : الحكمة ، قال تعالى: «وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً » (مریم: 12)، ووعى: حفظ وفهم المراد واعتبر بما سمع وعمل عليه . ودنا: قُرب من الرشاد الذي دعي إليه.

فَنَجَا(1)رَاقَبَ رَبَّهُ، وَخَافَ ذَنْبَهُ ، قَدَّمَ خَالِصاً ، وَعَمِلَ صَالِحاً اَكْتَسَبَ مَذْخُوراً(2)، وَاجْتَنَبَ مَحْذُوراً. رَمَى غَرَضاً، وَأَحْرَزَ عِوَضاً(3). كَابَرَ هَوَاهُ(4)، وَكَذَّبَ مُنَاهُ (5).

جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ ، وَالتَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ . رَكِبَ الطَّرِيقَةَ الْغَرَّاءَ (6). وَلَزِمَ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ . أَغْتَنَمَ الْمَهَلَ(7)، وَبَادَرَ الْأَجَلَ ، وَتَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَلِ.

77 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

77 - ومن كلام له عليه السلام (8)

فِي بَنِي أُمَيَّةً

إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَيُفَوِّتُونَنِي تُرَاثَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ تَفْوِيقاً، وَاللهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَهُمْ لأَنْفُضَنَّهُمْ نَفْضَ النَّعَامِ الْوِذَامَ التَّرِبَةَ .


1) الحُجْزة : مَعْقِد الإزار ، ومن السراويل موضع التكة، والمراد الاقتداء والتمسك، وأخذ فلان بحُجزة فلان إذا اعتصم به ولجأ إليه .

2) اكتسب مذخوراً : كسب بالعمل الجليل ثواباً يذخره ويعدّه لوقت حاجته في الآخرة.

3) رمى غرضاً: قصد إلى الحق ،فأصابه، والغَرَض: ما يرمى بالسهام، والعوض المحرّز ههنا الثواب.

4) کابر هواه: غالبه ویروی كاثر - بالمثلثة - أي غالبة بكثرة أفكاره الصائبة فغليه .

5) كذّب مناه: أي أُمنيّته .

6) الطريقة الغرّاء : البيضاء النيرة الواضحة. والمحجّة: جادة الطريق ومعظمه، والطريقة الغرّاء والمحجة البيضاء: سبيل الحق ومنهج العدل.

7) المَهَل : النظر والتؤدة ، وهنا مدّة الحياة مع العافية ، فإنّه أمهل فيها دون أن يؤخذ بالموت، أو تحل به بائقة عذاب، فهو يغتنم ذلك ليعمل فيه لآخرته، فيبادر الأجل قبل حلوله بما يتزوده من طيب العمل.

8) رواه الأصفهاني في (الأغاني) ج 11 ص 29 ، والأزهري في تهذيب اللغة ) ج 15 ص 27 مادة وذم.

قَالَ الرَّضِيُّ(رحمه الله) : وَيُرْوَى «التَرَابَ الْوذَمَةُ» وهو على القلب (1). وقوله « علیه السلام «لَيُفَوِّتُونَنِي» أي يُعْطُونني من المال قليلاً كفواق الناقة : وهو الحلبة الواحدةُ من لبنها . وَالوِذَامُ التربةُ : جمع وَذَمَةٍ، وهي الحُزَّة من الكَرِش أو الكَبِد تقع في التُّراب فَتُنْفَضُ (2).

78 - ومن كلمات له عليه السلام

اشارة

78 - ومن كلمات له عليه السلام (3)

كَانَ يَدْعُو بِها

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ، فَإِنْ عُدْتُ فَعُدْ عَلَيَّ بِالْمَغْفِرَةِ، اللهُمَّ أَغْفِرْ لِي مَا وَأَيْتُ مِنْ نَفْسِي ، وَلَمْ تَجِدْ لَهُ وَفَاءً عِنْدِي (4)اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَيْكَ بِلِسَانِي، ثُمَّ خَالَفَهُ قَلْبَي(5)اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رَمَزَاتِ الْأَلْحَاظِ (6)، وَسَقَطَاتِ


1) على القلب : أي أنّ الحقيقة الوذام التربة كما في الرواية الأولى لا التراب الوذمة؛ إذ لا معنى له ، فهذه الرواية يراد منها مقلوبها.

2) الحُزة - بالضم -: القطعة . وفسر صاحب «القاموس» الوذمة : بمجموع المعي والكرش.

3) روى آخر هذا الدعاء الجاحظ في (المئة المختارة).

4) وأيت: وعدتُ، الوأي: الوعد. وأى - كوعى- : وعد وضمِن، إذا عزمت على عمل خير فكأنك وعدت من نفسك بتأدية أمر الله ، فإن لم توف به فكأنّ الله لم يجد عندك وفاء بما وعدته، فتكون قد أخلفته ، ومخلف الوعد مسيء ، فهو يطلب المغفرة على هذا النوع من الإساءة.

5) تقرب باللسان مخالفة القلب كأن يقول الحمدلله على كل حال ، ويسخط على أغلب مع الأحوال ، أو يقول إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، وهو يستعين بغير الله ، ويعظم أشباهاً ممّن دونه.

6) رمزات الألحاظ: الإشارة بها . والألحاظ جمع لحَظ - بفتح اللام - وهو مؤخر العين ، أمّا اللحاظ -وهو مؤخر العين - فلا أعرف له جمعاً إلّا لُحُظ بضمتين .

الْأَلْفَاظِ (1)، وَسَهَوَاتِ الْجَنَانِ (2)، وَهَفَوَاتِ اللِّسَانِ (3).

79 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

79 - ومن كلام له عليه السلام (4)

قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج، وقد قال له: «يا أميرالمؤمنين إنْ سِرْتَ في هذا الوقتِ خَشِيتُ أنْ لا تظفر بمُرادِكَ من طريق عِلْمِ النُّجُومِ» فقال(علیه السّلام) :

أَتَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ، وَتُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ (5)؟ فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ، وَاسْتَغْنَى عَنِ الاِسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ فِي نَيْلِ الْمَحْبُوبِ وَدَفْعِ الْمَكْرُوهِ؛ وَتَبْتَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ أَنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ : لِأَنَّكَ - بِزَعْمِكَ - أَنْتَ هَدَيْتَهُ إلَى السَّاعَةِ الَّتِى نَالَ فِيهَا النَّفْعَ، وَأَمِنَ الضُّرَّ .

ثم أقبل عليه السلام على الناس فقال: أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَتَعَلَّمَ النُّجُوم مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرٌّ أَوْ بَحْرٍ(6)، فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ، وَالْمُنَجِّمُ


1) سقطات الألفاظ: لغوها.

2) سهوات الجنان: غَفلاته، [وعند عبده والصالح : شهوات الجنان] وشهواته: ما يكون من ميل منه إلى غير الفضيلة والجَنان : القلب .

3) هفوات اللسان: زلّاته.

4) رواه إبراهيم بن الحسن بن ديزيل في كتاب (صِفّين)، والصدوق في (عيون أخبار الرضا) ج 1 ص 138.

5) حاق به الضرّ: أحاط به.

6) طلب لنعلم علم الهيئة الفلكية وسير النجوم وحركاتها للاهتداء بها، وإنّما ينهى عمّا يسمّى «علم التنجيم» وهو العلم المبني على الاعتقاد بروحانية الكواكب، وأنّ لتلك الروحانية العلوية سلطاناً معنوياً على العوالم العنصرية، وأن من يتصل بأرواحها بنوع من الاستعداد، ومعاونة من الرياضة، تكاشفه بما غُيّب من أسرار الحال والاستقبال.

كَالْكَاهِنِ(1)، وَالْكَاهِنُ كَالسَّاحِرٍ ، وَالسَّاحِرُ كَالْكَافِرِ، وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ، سِيرُوا عَلَى أَسْمِ اللهِ .

80 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

80 - ومن خطبة له عليه السلام (2)

بَعْدَ حَرْبِ الْجَمَلِ فِي ذَمّ النِّسَاء

مَعَاشِرَ النَّاسِ، إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الْإِيمَانِ (3)، نَوَاقِصُ الْحُظُوظ ، نَوَاقِصُ الْعُقُولِ. فَأَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فِي أَيَّامٍ حَيْضِهِنَّ، وَأَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ فَشَهَادَةُ أَمْرَأَتَيْنِ مِنْهُنَّ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ، وَأَمَّا نُقْصَانُ حُطُوظِهِنَّ فَمَوارِيتُهُنَّ عَلَى الْأَنْصَافِ مِنْ مَوَارِيثِ الرِّجَالِ .

فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ، وَكُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ، وَلَا تُطِيعُوهُنَّ فِي


1) الكاهن: من يدّعي كشف الغيب. وكلام أميرالمؤمنين حجّة حاسمة لخيالات المعتقدين بالرمل والجفر والتنجيم وما شاكلها. ودليل واضح على عدم صحتها ومنافاتها للأصول الشرعية والعقلية.

2) رواها سبط ابن الجوزي في (التذكرة) ص 85، وروى بعضها أبو طالب المكي في (قوت القلوب) ج 1 ص282.

3) خلق الله النساء وحملهن على ثقل الولادة وتربية الأطفال إلى سنّ معين، لا يكاد ينتهي حتی تستعدّ لحمل وولادة وهكذا، فلا يكدن يفرغن من الولادة والتربية، فكأنّهن قد خصصن لتدبير أمر المنزل وملازمته، وهو دائرة محدودة يقوم عليهن فيها أزواجهن، فخلق لهن من العقول بقدر ما يحتجن إليه في هذا، وجاء الشرع مطابقاً للفطرة فكن في أحكامه غير لاحقات للرجال لا في العبادة ولا الشهادة ولا الميراث.

الْمَعْرُوفِ حَتَّى لَا يَطْمَعْنَ فِي الْمُنْكَرِ (1).

81 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

81 - ومن كلام له عليه السلام (2)

فِي الزُّهْدِ

أَيُّهَا النَّاسُ الزَّمَّادَةُ قِصَرُ الْأَمَلِ (3)، وَالشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ(4)، وَالتَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمَحَارِمِ(5)، فَإِنْ عَزَبَ ذَلِكَ عَنْكُمْ فَلَا يَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَكُمْ(6)وَلَا تَنْسَوْا عِنْدَ


1) لا يريد أن يترك المعروف لمجرّد أمرهن به. فإنّ في ترك المعروف مخالفة السنّة الصالحة خصوصاً إن كان المعروف من الواجبات ، بل يريد أن لا يكون فعل المعروف صادراً عن مجرّد طاعتهن، فإذا فعلت معروفاً فافعله لأنّه معروف، ولا تفعله امتثالاً لأمر المرأة. ولقد قال الإمام قولاً صدقته التجارب في الأحقاب المتطاولة ، ولا استثناء ممّا قال إلّا بعضاً منهن وهين فطرة تفوق في سمّوها ما استوت به الفطن، أو تقاربت، أو أخذ سلطان من التربية طباعهن، على خلاف ما غرز فيها، وحوّلها إلى غير ما وجهتها الجبلة إليه.

2) رواه الصدوق في (معاني الأخبار) ص 251 وفي (الخصال) ج 11/1، والبرقي في (المحاسن) ص 234.

3) قصر الأمل : توجس الموت والاستعداد له بالعمل، وليس المراد منه انتظار الموت بالبطالة.

4) الشكر عند النعم : الاعتراف بأنّها من الله والتصرّف فيها على وفق ما شرّع.

5) [أثبت عبده في المتن: الورَع] وهو الكفّ عن الشبهات خوف الوقوع في المحرمات. أي إذا عرض المحرم فمن الزهادة أن تكفّ عما يشتبه به فضلاً عنه .

6) «فإن عزب ذلك عنكم» أي بَعُدُ عنكم وفاتكم ، فأمران من الثلاثة لابدّ منهما؛ وهما الورع وشكر النعم ، جعلهما أكد وأهمّ من قصر الأمل ، أي فإن عسر عليكم أن تقصروا أمالكم ، وتكونوا من الزهادة على الكمال المطلوب لكم، فلا يغلب الحرام صبركم، أي فلا يفتكم الركنان الآخران وهما: شكر النعم، واجتناب المحرم ؛ فإن نسيان الشكر يجر إلى البطر، وارتكاب المحرم يفسد نظام الحياة المعاشية والمعادية. والبطر والفساد مجلبة للنقم في الدنيا، والشقاء في الآخرة .

النِّعَمِ شُكْرَكُمْ ، فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ(1)بِحُجَجٍ مُسْفِرَةٍ ظَاهِرَةٍ(2)، وَكُتُبِ بَارِزَةِ الْعُذْرِ وَاضِحَةٍ .

82- ومن كلام له عليه السلام

اشارة

82- ومن كلام له عليه السلام (3)

فِي صِفَةِ الدُّنْيَا

مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءُ(4)، وَآخِرُهَا فَنَاءُ فِي حَلَالِهَا حِسَابٌ ، وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ . مَنْ أَسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ، وَمَنْ أَفْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ ، وَمَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ (5).


1) «فقد أعذر الله إليكم» أي بالغ ، يريد(علیه السّلام) أنّه قد أوضح لكم بالحجج النيّرة ما يجب اجتنابُه ، وما يجب فعله، فإن خالفتم استوجبتم العقوبة فكان له في تعذيبكم العذر. وأعذر: بمعنى أنصف، وأصله ممّا همزته للسلب، فأعذرت فلاناً سلبت عذره، أي ما جعلت له عذراً يبديه لو خالف ما نصحته ،به ويقال: «أعذرت إلى فلان» أي أقمت لنفسي عنده عذراً واضحاً فيما أنزله به من العقوبة حيث حذّرته ونصحته. ويصحّ أن تكون العبارة في الكتاب على هذا المعنى أيضاً، بل هو الأقرب من لفظ «إليكم» ويكون الكلام على المجاز وتنزيل قيام الحجة له منزلة قيام العذر لنا .

2) المسفرة: الكاشفة عن نتائجها الصحيحة، وبارزة العذر: ظاهرته.

3) رواه المبرد في (الكامل ) ج 1 ص 88، والقالي في (الأمالي ) ج 2 ص 117، وابن عبد ربه في (العقد الفريد) ج 3 ص 172 ، وابن دريد في (المجتنى) ص 31 .

4) العناء : التعب .

5) ساعاها : جارها سعياً ، أي من جرى معها في مطالبها، والقصد: اهتمّ بها وجدُّ في طلبها. وقوله فاتته : أي سبقته، فإنّه كلّما نال شيئاً فتحت له أبواب الأمال فيها، فلا يكاد يقضي مطلوباً واحداً حتى يهتف به ألف مطلوب.

وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ(1)، وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ (2)، وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ.

قَالَ الرَّضِى(رحمه الله) : أقول : وإذا تأمَّلَ المُتَأَمِّلُ قوله عَلَيْهِ السَّلَام : «ومَن أبصر بها بصَّرَتْه» وَجدَ تحته من المعنى العجيب، والغرض البعيد، ما لا تُبلغ غايته ولا يدرك غُورُه، لاسِيَّما إذا قرن إليه قوله : «وَمَنْ أَبْصَرَ إليها أعمتُهُ» فإنّه يجد الفرق بين «أبصرَ بها» و «أبصَرَ إليها» وَاضِحاً نَيْراً عجيباً باهراً.

83- ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

83- ومن خطبة له عليه السلام (3)

وَتُسَمَّى بِالْغَرَّاءِ، وَهِيَ مِنَ الْخُطَبِ الْعَجِيبَةِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَا بِحَوْلِهِ (4)، وَدَنَا بِطَوْلِهِ(5)، مَانِحِ (6)كُلِّ غَنِيمَةٍ


1) واتته : طاوعتهُ . يريد أن من قوم اللذائذ الفانية بقيمتها الحقيقية وعلم أن الوصول إليها إنّما يكون بالعناء ، وفواتها يعقب الحسرة عليها، والتمتع بها لا يكاد يخلو من شوب الألم، فقد وافقته هذه الحياة وأراحته، فإنّه لا يأسف على فانت منها، ولا يبطر الحاضر، ولا يعاني ألم الانتظار لمقتبل .

2) أبصر بها: أي من جعلها مرأةً عبرةِ تجلو لقلبه آثار الجد في عظائم الأعمال، وتمثّل له هياكل : المجد الباقية مما رفعته أيدي الكاملين ، وتكشف له عواقب أهل الجهالة من المترفين، فقد صارت الدنيا له بصراً ، وحوادثها عبراً. وأمّا من أبصر إليها، واشتغل بها، فإنّه يعمى عن كل خير فيها، ويلهو عن الباقيات بالزائلات، وبئس ما اختار لنفسه.

3) رواها ابن شعبة في (تحف العقول) ص 146 ، والقاضي القضاعي في الباب الثالث من (دستور معالم الحكم) ص 59 وأبو نعيم في (الحلية) ج 1 ص 77، والآمدي في (غرر الحكم).

4) الحول: القوة ، علا بحوله أي عزّ وارتفع عن جميع ما سواه؛ لقوته المستعلية بسلطة الإيجاد على كل قوة .

5) الطَّول : الإفضال، دنا بطوله : أي أنّه مع علّوه - سبحانه - وارتفاعه في عظمته فقد دنا وقرب من خلقه بطوله، أي عطائه وإحسانه .

6) المانح : المعطي ، ومانح الغنيمة : معطيها والمتفضّل بها.

سُلِ، وَكَاشِفِ كُلِّ عَظِيمَةٍ وَأَزْلٍ(1). أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ كَرَمِهِ (2)، وَسَوَابِعْ نِعَمِهِ(3)، وَأُومِنُ بِهِ أَوَّلاً بَادِياً(4)، وَأَسْتَهْدِيهِ قَرِيباً هَادِياً، وَأَسْتَعِينُهُ قَاهِراً قَادِراً، وَأَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ كَافِياً نَاصِراً، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ لِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ، وَإِنْهَاءِ عُذْرِهِ(5)، وَتَقْدِيمِ نُذْرِهِ(6)أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي ضَرَبَ لَكُمْ الْأَمْثَالَ (7)وَوَقَتَ لَكُمُ الْأَجَالَ (8)، وَأَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ (9)وَأَرْفَعَ لَكُمُ الْمَعَاشَ (10)، وَأَحَاطَ


1) الأزل - بفتح الهمزة - : الضيق والحبس والشدة، وكاشف الشدّة: المنقذ منها.

2) العواطف : جمع عاطفة،وهي ما يعطفك على الغير، ويدنيه من معروفك . وصفة الكرم في الجناب الإلهي وخلقه في البشر مما يعطف الكريم على موضع الإحسان.

3) السوابع: التوامُ الكوامل، سَبغَ الظَّلّ إذا عمّ وشملُ .

4) أولاً بادياً : موضعه من سابقه كموضع قريباً هادياً، وما جاء به بعده من سوابقها فهي أحوال من الضمائر الراجعة إلى الله سبحانه وتعالى. فيكون أول صفة نصبت على الحال من ضمير «به» أي أصدّق بالله على أنّه سابق كل شيء في الوجود فهو البادي - أي الظاهر - بذاته المظهر لغيره، ومن كان كذلك لم تخالط التصديق به ريبه. والقريب الهادي جدير بأن تطلب منه الهداية. والقادر القاهر حقيق بأن يُستعان به؛ لأنّه قويّ على المعونة . والكافى الناصر حريّ بأن يُتوكل عليه .

5) إنهاء عذره: إبلاغه. والعذر هنا: كناية عن الحجج العقلية والنقلية التي أقيمت ببعثه النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، على أنّ مَنْ خالف شريعة الله استحقُ العقاب، ومن جرى عليها استحق جزيل الثواب .

6) النذر : جمع نذير، أي الأخبار الإلهيه المنذرة بالعقاب على سوء الأعمال، أو هو مفرد بمعنى الإنذار.

7) ضرب الأمثال : جاء بها في الكلام لإيضاح الحجج وتقريرها في الأذهان.

8) وَقَّتَ الأجال: جعلها لوقتٍ مقدّر، أي في أوقات محدودة لا متقدم عنها ولا متأخر .

9) الرياش : ما ظهر من اللباس. ووجه النعمة فيه أنّه ساتر للعورة واقٍ من الحر والبرد. ويقال: الرياش : الخِصب والغنى. ومنه ارتاش فلان، حَسُنَت حاله ، ويكون لفظ «ألبستكم» مجازاً إن فُسِّر بذلك .

10) «أَرْفَغَ لَكُمُ الْمَعَاشَ»، أى جعله رفيغاً ، أى واسعاً مخصِباً ، يقال : رَفُغَ عيشُه رفاعةً : اتسع.

بِكُمُ الْإِحْصَاءُ (1)، وَأَرْصَدَ لَكُمُ الْجَزَاء(2)، وَآثَرَكُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابِعِ، وَالرِّفَدِ الرَّوَافِعِ(3). وَأَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَعِ الْبَوَالِعِ(4)، فَأَحْصَاكُمْ عَدَداً، وَوَظَفَ لَكُمْ مُدَداً(5)، فِي قَرَارِ خِبْرَةٍ (6). وَدَارِ عِبْرَةٍ، أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِيهَا، وَمُحَاسَبُونَ عَلَيْهَا. فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا(7)رَدغ مَشْرَعُهَا (8)، يُونِقُ مَنْظَرُهَا (9)وَيُوبِقُ مَخْبَرُهَا غُرُورٌ حَائِلٌ (10)وَضَوْءُ آفِلٌ (11)وَظِلُّ زَائِلُ. وَسِنَادٌ (12)مَائِلٌ، حَتَّى إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا، وَأَطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا (13)، قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا (14)) وَقَنَصَتْ


1) «وأحاطكم بالإحصاء» أي جعل إحصاء أعمالكم والعلم بها عملاً كالسور ، لاتنفذون منه، ولا تتعدونه، ولا تشذّ عنه شاذّة.

2) «وأرضدّ لكم الجزاءَ»: أعَدَّه لكم فلا محيص عنه.

3) الرّفَد: جمع رِفْدَة، وهي : العطيّة والصَّلة، مثل كِس۫رة وكسَرة، والروافع : الواسعة.

4) الحجج البوالغ: الظاهرة المبينة .

5) أي قدّر ، ومنه وظيفة الطعام. والمدد جمع مدّة، أي عيّن لكم أزمنة تحيون فيها.

6) قرار خِب۫رة - بكسر الخاء - : دار بلاء واختبار وهي دار الدنيا وفيها الاعتبار والاتعاظ والحساب عليها، أي على ما يؤتى من خير وشر.

7) ريقَ - كفرِح - كدِر ، وعيشٌ رئِق : أي كدِرٌ .

8) مشرع رَدِغ: ذو طين ووحّل والمشرع: مورد الشاربة للشرب.

9) «يُونقُ منظرُها : يعجب الناظر . آنقَني الشيء أعجبني. ويوبق منظرها : يُهلك

10) الغُرور - بضم الغين : ما يغترّ به من متاع الدنيا ، والغُرور - بالفتح - الشيطان . والحائل : الزائل . - اسم فاعل من «حال» إذا تحوّل وانتقل ، أي أنّ شأنها الغرور الذى لا بقاء له .

11) الأفل : الغائب الذي لا يلبث أن يظهر حتى يغيب .

12) السِناد : ما يستند إليه، ودعامة يُستّد بها السقف .

13) ناكرها : فاعل من نكرت كذا، أي أنكرته.

14) «قمصت بأرجلها»: قمصَ الفرسُ و غيره يقمِص وبقمُص قنصاً وقِماصاً: أي استنّ، وهو أن يرفع يديه ويطرحهما معاً، ويعجن برجليه وقال: «بأرجلها»، وإنّما للدايه رجلان، إمّا لأنّ المثنى قد يطلق عليه صيغة الجمع، كما في قولهم: امرأة ذات أوراك، وهما وركان. وإمّا لأنّه أجرى اليدين والرجلين مجرى واحد، فسماها كلها أرجلاً. ومن رواه «بأرحلها» فهو جمع رَحْل الناقة.

بِأَحْبُلِهَا(1)، وَأَقْصَدَتْ (2)بِأَسْهُمِهَا ، وَأَعْلَقَتِ الْمَرْءَ أَوْهَاقَ الْمَنِيَّةِ(3)، قَائِدَةٌ لَهُ إِلَى ضَنْكِ الْمَضْجَعِ(4)، وَوَحْشَةِ الْمَرْجِعِ ، وَمُعَايَنَةِ الْمَحَلِّ(5)وَثَوَابِ الْعَمَلِ(6). وَكَذَلِكَ الْخَلَفُ(7)بِعَقْبِ السَّلَفِ ، لَا تُفْلِعُ الْمَنِيَّةُ اخْتِرَاماً(8)، وَلَا يَرْعَوِي الْبَاقُونَ اجْتِرَاماً (9)، يَحْتَذُونَ مِثَالاً(10)، وَيَمْضُونَ أَرْسَالاً(11)، إِلَى غَايَةِ الْاِنْتِهَاءِ، وَصَيُّورِ الْفَنَاءِ (12)حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الْأُمُورُ (13)، وَتَقَضَّتِ الدُّهُورُ، وَأَزِفَ النُّشُورُ(14)، أَخْرَجَهُمْ مِنْ


1) «وقنصت بأحبلها»: أي اصطادت وأوقعت من اغترّبها في شباكها وحبالها .

2) أقصدت: قتلت مكانها من غير تأخير.

3) علقت به وربطت بعنقه. والأوهاق : جمع وَهَق - بالتحريك وبالتسكين- : وهو الحبل ، وأوهاق - المنية : أي حبال الموت.

4) ضنك المضجع: ضيق المرقد، والمراد القبر .

5) «معاينة المحل» أي الموضع الذي يُحلَّ به المكلّف بعد الموت، ولابدّ لكلّ مكلّف أن يعلم عَقِيب الموت مصيره، إمّا إلى الجنة وإمّا إلى النار ، ويشاهد مكانه من النعيم والجحيم.

6) ثواب العمل ، يريد الجزاء الأعمّ الشامل للسعادة والشقاوة.

7) الخَلْف : المتأخرون . السلف : المتقدمون. وعَق۫ب ههنا بالتسكين بمعنى بَعد، جئت بعق۫ب فلان أي بعده، وأصله جَرى الفرس بعد جَرْيه . يقال لهذا الفرس عَق۫ب حسن.

8) «لا تقلع المنية اختراماً» لا تقلع أي لا تكفّ، والاخترام : إذهاب الأنفس واستئصالها للأحياء.

9) ارعوى: كف عن الأمر وأمسك. والاجترام: افتعال من الجرم، وهو الذنب ، أي اقتراف السيئات . لا يرعوي الباقون : أي لا يرجعون ولا يكفّون عن اجتراح السيئات.

10) «يحتذون مثالاً» ، أي يقتدون ، ويشاكلون بأعمالهم صور أعمال من سبقهم ويقتدون بهم.

11) «ويمضون ارسالاً» جمع رَسَل - بفتح السين - وهو القطيع من الإبل والغنم والخيل.

12) صيَور الأمر - كتنور - : آخره وما يؤول إليه ، ومصيره . يريد الإمام من ذلك أنّ الدنيا لا تزال تغرّ بنيها ليأنسوا إليها بالارتياح إلى لذائذها ، واستسهال احتمال آلامها، ثم تنقلب بهم إلى ما لابدّ منه وهم في غفلة لاهون.

13) تصرّمت الأمور: تقطعت، ومثله «تقضّت الدهور».

14) أزف : قَرَبَ ودنا ، أزف النشور : قرب البعث، والضمير في «أخرجهم» إلى البعث على سبيل المجاز أو إلى الله تعالى والضرائح: جمع ضريح، وهو الشَّقُ في وسط القبر، وأصله من «ضرحه» دفعه وأبعده؛ فإن المقبور مدفوع منبوذ ، وهو أبعد الأشياء عن الأحياء.

ضَرَائِحِ الْقُبُورِ، وَأَوْكَارِ الطُّيُورِ(1)، وَأَوْجِرَةِ السَّبَاعِ(2)

والذين يبعثون من الأوكار والأوجرة هم الذين افترستهم الطيور الصائدة، والسباع الكاسرة.

، وَمَطَارِحِ الْمَهَالِكِ ، سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ، مُهْطِعِينَ إِلَى مَعَادِهِ (3)، رَعِيلاً صُمُوتاً(4)، قِيَاماً صُفُوفاً، يَنْفُذُهُ الْبَصَرُ (5)، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الاسْتِكَانَةِ(6)، وَضَرَعُ الاِسْتِسْلَامِ وَالذُّلَّةِ (7). قَدْ ضَلَّت اَلْحِيَلُ، وَأنْقَطَعَ الأَمَلُ، وَهَوَتِ الْأَفْئِدَةُ كَاظِمَةٌ(8)، وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ مُهَيْنِمَةً(9)، وَأَلْجَمَ الْعَرَقُ(10)، وَعَظُمَ الشَّفَقُ(11)، وَأُرْعِدَتِ الْأَسْمَاعُ ،

1) الأوكار : جمع وَكْر - بفتح الواو - هو عشّ الطائر .

2) أوجِرَة السِّباع : جمع وِجار - بكسر الواو - ويجوز فتحها وهو بيت السَّبُع والضبُع ونحوهما.

3) مهطعين: مسرعين إلى معاده - سبحانه- الذي وعد أن يعيدهم فيه. -

4) الرعيل : القطعة من الخيل. شبههم في تلاحق بعضهم ببعض برعيل الخيل، أي الجملة القليلة منها، لأنّ الإسراع لا يدع أحداً منهم ينفرد عن الآخر فإنّ الانفراد من الإبطاء، ولا يدعهم يجتمعون جماً فإنّ التضام والإلفاف إنّما يكون من الاطمئنان .

5) «ينفذهم البَصّر» يجاوزهم، أي يأتي عليهم ويحيط بهم، أي لا يغرب واحد منهم عن بصرالله، فهم مع كثرتهم لا يخفى منهم أحدٌ عن إدراك البارئ سبحانه ، وعلى كثرتهم لا يبقى منهم أحدٌ إلّا إذا دعا داعي الموت سمع دعاءه ونداءه .

6) اللبوس - بفتح اللام - ما يُلبس والاستكانة : الخضوع.

7) الضرع: الخشوع والضعف والوهن ، هذا لو جعلنا «عليهم» متعلقاً بمحذوف خبر عن لبوس وضرع، فإن جعلناه متعلقاً بالداعي بمعنى المنادي والصائح عليهم جعلنا لبوس جملة مبتدأه، ويكون لبوس جمع لابس، وضرع - محركة - : اسم جمع للضريع بمعنى الذليل.

8) هوت القلوب: خلت من المسرّة والأمل من النجاة، كاظمة: ساكنة كاتمة لما يزعجها من الفزع.

9) مهينمة : متخافية ، ذات هَيْئَمة ، وهي الصوت الخفي.

10) ألجم العرق : صار لجاماً وكثر حتى امتلأت به الأفواه لغزارته فمنعها من النطق وكان كاللجام.

11) الشفق : الخوف والحذر. أرعدت: عرتها الرعدة.

لِزَيْرَةِ الدَّاعِي إِلَى فَصْلِ الْخِطَابِ(1)، وَمُقَايَضَةِ الْجَزَاءِ(2)، وَنَكَالِ الْعِقَابِ (3)، وَنَوَالِ الثَّوابِ. عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ افْتِدَاراً، وَمَرْبُوبُونَ أَقْتِسَاراً(4)، وَمَقْبُوضُونَ احْتِصَارا(5)، وَمُضَمَّتُونَ أَجْدَاثَاً(6)

ومضمّنون الأجداث : مجعولون في ضمنها.

، وَكَائِنُونَ رُفَاتاً (7)، وَمَبْعُوثُونَ أَفْرَاد(8)وَمَدينُونَ جَزَاءً(9)، وَمُمَيَّزُونَ حِسَاباً (10). قَدْ أُمْهِلُوا فِي طَلَبِ الْمَخْرَج(11)

التوبة هو المخرج من ربقة المعصية.

، وَهُدُوا

1) زبرة الداعي : صوته وصيحته، ولا يقال زبره إلّا إذا كان فيها زجر وانتهار فإنها واحدة الزبر، أي الكلام الشديد، ، وفَص۫ل الخطاب : بثّ الحكومة بين الله وبين عباده في الموقف .

2) المقايضة : المعاوضة ، أي مبادلة الجزاء الخير بالخير والشر والشرّ.

3) النّكال : العذاب.

4) مربوبون: مملوكون، والاقتسار: الغلبة والقهر ، أي أنّهم كما خلقوا باقتدار الله سبحانه وقوته، فهم مملوكون له بسطوة عزته ، لا خيرة لهم في ذلك وإذا جاء الأجل قُبضت أرواحهم إليه بما يحضر عند الأجل من مزهقات الأرواح والقوى المسلّطة على الفناء.

5) أصل الاحتضار حضور الملائكة لقبض الروح ، احتضر فلان: حضرته الملائكة تقبض روحه، وكانت العرب تقول: لبن محتضر، أى فاسد ، يعنون أنّ الجنّ حضرته ، يقال : «اللبن محتَضَر فغطّ إناءك». وجاء في بعض الروايات: «ومقبوضون اختصاراً» وهو موت الشاب غضّاً أخضر، أى مات شاباً ، والرواية الأولى أحسن ، لأنّها أعمّ.

6) الأجداث : جمع جَدَث، وهو القبر، واجتدث الرجل: اتّخذ جدثاً، ويقال: جَدَف بالفاء .

7) الرفات: الحطام ، ويقال رفته - كنصر وضرب - أي كسره ودقه، أي فته بيده كما يفت المدر والعظم البالي .

8) ومبعوثون أفراداً : أي كان كل يسأل عن نفسه لا يلتفت الرابطة تجمعه مع غيره، من قوله تعالى : «وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى » [الأنعام: 94 ].

9) مدينون : أي مجزيون، والدين: الجزاء، ومنه : «مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ » [الفاتحة: 1].

10) ومميزون حساباً : كل يحاسب على عمله منفصلاً عمّن سواه « وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى » [فاطر: 18)، أو هو من قوله تعالى : «وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ » (يس: 59].

11) «قد أُمهلوا في طلب الخروج» أي أنظروا ليفينوا إلى الطاعة ويخلصوا التوبة، لأنّ إخلاص

سَبِيلَ الْمَنْهَجِ(1)، وَعُمُرُوا مَهَلَ الْمُسْتَعْتَبِ(2)، وَكُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرِّيَبِ(3)

والرّيب: جمع ريبة، وهي الشبهة وإبهام الأمر، وكشف ذلك بما أبان من البراهين الواضحة.

، وَخُلُّوا لِمِضْمَارِ الجِيَادِ(4)، وَرَوِيَّةِ الاِرْتِيَادِ(5)، وَأَنَاةِ الْمُقْتَبِسِ الْمُرْتَادِ(6)، فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ، وَمُضْطَرَبِ الْمَهَلِ (7). فَيَالَهَا أَمْثَالاً صَائِبَةً، وَمَوَاعِظَ شَافِيَةٌ(8)، لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زَاكِيَةً، وَأَسْمَاعاً وَاعِيَةٌ(9)، وَآرَاءٌ عَازِمَةً، وَأَلْبَاباً حَازِمَةٌ (10)فَاتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ

1) المنهج : الطريق الواضح التي دلّت عليه الشريعة المطهّرة.

2) المستعتَب : المسترضى ، ويقال أيضاً استعتبه أناله العتبى، وهي الرضى. وإنّما ضرب المثل بمهل المستعتب لأنّك إذا استرضيت شخصاً وطلبت منه أن يرضى لا ترهقه في المطالبة، بل تفسح له حتى يرضى بقلبه لا بلسانه، أي أنّ الله فسح لهم في الآجال حتى يتمكنوا من إرضائه، وأوتوا من العمر مهلةً من ينال العتبى - أي الرضا - لو أحسن العمل. استعتبه: أناله العتبى، فهو المستعِيب والمفعول مستعتَب.

3) السُدّف : جمع سُدفة: هي القطعة من الليل المظلم فى لغة أهل نجد، وأما غيرهم فيجعل السدفة الضوء، وهذا اللفظ من الأضداد ، ويقال : أسدف الليل، أظلم؛ وأسدف الصبح أضاء.

4) خلوا : تركوا في مجال يتسابقون فيه إلى الخيرات. والجياد من الخيل: كرامها، والمضمار: المكان الذي تضمر فيه الخيل، والمدة التي تضمر فيها أيضاً. وفي رواية «لمضمار الخيار» أي للمضمار الذى يستبق فيه الأبرار الأتقياء إلى رضوان الله سبحانه .

5) الروية : الفكر وإعمال الفكر في الأمر ليأتي على أسلم وجوهه، والارتياد : طلب ما يراد .

6) الأناة : الانتظار والتؤدة. المقتبس: متعلم العلم ههنا ، ولابد له من أناة ومَهَل ليبلغ حاجتَه، والمقتبس: المرتاد، أي الذي أخذ بيده مصباحاً ليرتاد على ضوئه شيئاً غاب عنه، ومثل هذا يتأنى في حركته خوف أن يطفأ مصباحه، وخشية أن يفوته في بعض خطواته ما يفتش عليه لو أسرع، فلذا ضرب المثل به.

7) المضطرب مدّة الاضطراب أي الحركة في العمل.

8) صائبة : غير عادلة عن الصواب. وشافية : تبرئ من مرض الجهل والهوى.

9) القلوب الزاكية: الطاهرة ، والاسماع الواعية : الحافظة.

10) الآراء العازمة : ذات العزم. الألباب : العقول، والحازمة : ذات الحزم.

مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ(1)، وَاقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ (2)، وَوَجِلَ فَعَمِلَ(3)، وَحَاذَرَ فَبَادَرَ(4)، وَأَيْقَنَ فَأَحْسَنَ، وَعُبِّرَ فَاعْتَبَرَ(5)، وَحُذْرَ فَأَزْدَجَرَ (6)، وَأَجَابَ فَأَتَابَ(7)، وَرَاجَعَ فَتَابَ، وَاقْتَدَى فَاحْتَذَى(8)، وَأُرِيَ فَرَأَى، فَأَسْرَعَ طَالِباً، وَنَجَا هَارِباً، فَأَفَادَ ذَخِيرَةً(9)، وَأَطَابَ سَرِيرَةً وَعَمَّرَ مَعَاداً، وَاسْتَظْهَرَ زَادا (10)، لِيَوْمٍ رَحِيلِهِ، وَوَجْهِ سَبِيلِهِ (11)، وَحَالِ حَاجَتِهِ، وَمَوْطِن فَاقَتِهِ، وَقَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارٍ مُقامَهِ.

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللَّهَ جِهَةَ مَا خَلَقَكُمْ لَهُ (12)، وَأَحْذَرُوا مِنْهُ كُنْهَ مَا حَذَرَكُمْ مِنْ


1) خَشَع الرجل : أي خضع.

2) اقترف: اكتسب ومثله قرَف يقرفُ - بالكسر - يقال: هو يقرف لعياله، أي يكسب ومنه «وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ » [الأنعام: 113).

3) وجل : خاف، وجلاً وموجلاً بفتح الميم والجيم .

4) بادر: سارع.

5) عُبّر : مبني للمجهول مشدد الباء ، أي عرضت عليه العبر مراراً كثيرة فاعتبر: أي اتّعظ.

6) حُذَر : مبني للمجهول أيضاً، أي خوف من عواقب الخطايا، فازدجر: أي امتنع عنها، ويروى «و حُذَر فَحَذَر ، وزُجِر فَازْدَجَر [كما في نسخة ابن أبي الحديد والصالح].

7) أجاب داعي الله إلى طاعته فأناب إليه : أي رجع .

8) احتذى: مُشاكِل بين عمله وعمل متقداه أي أحسن القدوة. وأري بضم الهمزة: مبني للمجهول، أي أراه الشريعة ما يجب عليه وما يجب له، وما يعقب الطّاعة وما يعقب المعصية، فرأى ذلك رؤية صحيحة ترتب عليها حسن العمل.

9) أفاد الذخيرة: استفادها واقتناها وهو من الأضداد. أفدت المال زيداً ، أعطيته إياه، وأفدت أنا مالاً، أي استفدته واكتسبته.

10) استظهر زاداً : أي حمل زاداً. حمل ظهر راحلته إلى الآخرة، والكلام تمثيل .

11) وجه السبيل : المقصد الذي يركب السبيل لأجله.

12) الجهة - مثلثة - : الناحية والجانب ، وقوله(علیه السّلام) : «فاتقوا الله عباد الله جهة ما خلقكم له». نصب «جهة» بفعل مقدر ، تقديره : «واقصدوا جهة ما خلقكم له» يعني العبادة، لأنّه تعالى قال : «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » (الذاريات :96) وهو ظرف متعلق بحال من ضمیر«اتّقوا» أي متوجهين جهة ما خلقكم لأجله من العمل النافع لكم الباقي أثره لأخلافكم.

نَفْسِهِ (1)

وقد يكون المراد من كنه ما حذرنا: هو البحث عن كنهه وحقيقته، فيأمرنا الإمام بالتقوى، والبعد عن البحث في حقيقته وكنهه فإنّ الوصول إلى كنه ذاته محال .

، وَأَسْتَحِقُوا مِنْهُ مَا أَعَدَّ لَكُمْ(2)بِالتَّنَجُزِ لِصِدْقٍ مِيعَادِهِ(3)، وَالْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَاده.

ومنها: جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِيَ مَا عَنَاهَا(4)، وَأَبْصَاراً لِتَجْلُو عَنْ عَشَاهَا (5). وَأَشْلَاء جَامِعَةً لِأَعْضَائِهَا(6)، مُلَائِمَةٌ لِأَحْنَائِهَا(7)، فِي تَرْكِيبٍ صُوَرِهَا(8)، وَمُدَدِ


1) حذرنا من نفسه سبحانه أن نتعرض لما يغضبه بمخالفة أوامره ونواهيه . والكُنه : الغاية والنهاية؛ تقول : أعرفه كُنه المعرفة أى نهايتها ، أي احذروا نهاية ما حذركم ولا تقعوا في شيء ممّا يغضبه.

2) قوله: «و استحقوا منه ما أعدّ لكم» أي اجعلوا أنفسكم مستحقّين لثوابه الذي أعدّه لكم إنّ أطعتم.

3) يتنجّز الحاجة ، يستنجحها ويطلب تعجّلها، والناجز : العاجل، والتنجّز من المكلفين بصدق ميعاده سبحانه؛ وهو مواظبتهم على فعل الواجب ، وتجنّب القبيح ، وبهذا التنجّز العملي يستحق ما أعدّ الله للصالحين والحذر معطوف على التنجّز .

4) «لتعى ما عناها» أي لتحفظ وتفهم ما أهمّها.

5) لتجلو: أى لتكشف، من «جلا عن المكان» فارقه، أي تخلص من عماها، أي لتبصر ولا تكون مبصرة حقيقة حتى يفيدها الإبصار حركة إلى نافع وانقباضاً عن ضار. والعشا - مقصور - : مصدر عَشِيَ ، يَعْشَى ، فهو عَشِ ، إذا أبصر نهاراً ولم يبصر ليلاً.

6) الأشلاء: جمع شلو ، وهو العضو أو الجسد، أراد(علیه السّلام) بالأشلاء - هنا - الأعضاء الظاهرة، وبالأعضاء الجوارحَ الباطنة، ولاريب أنّ الاعضاء الظاهرة تجمع الأعضاء الباطنة وتضمّها.

7) الملائِمة: الموافقة. والأحناء - جمع حِنو بالكسر - : الجوانب والجهات أو كل ما اعوج من البدن، وملاءمة الأعضاء لها: تناسبها معها، و«ملاءمة» حال من الأعضاء، وملاءمة الأعضاء للجهات التي وضعت فيها أن يكون العضو في تلك الجهة أنفع منه في غيرها، تكون العين في موضعها المعروف أنفع من كونها في قمة الرأس مثلاً.

8) قوله «تركيب صورها»: أي آتية في صورها المركبة كما تقول: «ركب في سلاحه» أي متسلحاً.

عُمُرِهَا، بِأَبْدَانٍ قَائِمَةٍ بِأَرْفَاقِهَا(1)، وَقُلُوبٍ رَائِدَةٍ لِأَرْزَاقِهَا، فِي مُجَلِّلَاتِ نِعَمِهِ (2)، وَمُوجِبَاتِ مِنَنِهِ، وَ حَوَاجِزِ عَافِيَتِهِ (3).

وَقَدَّرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ، وَخَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنَ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ، مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلَاقِهِمْ، وَمُسْتَفْسَح خَنَاقِهِمْ(4)، أَرْهَقَتْهُمُ الْمَنَايَا دُونَ الْآمَال (5). وَشَذَّبَهُمْ(6)عَنْهَا تَخَرُّمُ الْآجَالِ(7)، لَمْ يَمْهَدُوا فِي سَلَامَةِ الْأَبْدَانِ(8)، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِي أَنْفِ الْأَوَانِ(9). فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ (10)الشَّبَابِ إِلَّا حَوَانِيَ الْهَرَم (11)شطاط الجسد : قوامه. (12)

والهرم الكبر والغضارة : طيب العيش والنعمة، والسعة والخصب.


1) بأرفاقها: أي بمنافعها، والأرفاق جمع رِف۫ق - بالكسر - :المنفعة أو ما يستعان به عليها. ويروى «بأرماقها» والرّمَق : بقية الروح ورائدة : طالبة .

2) تجلّل الناسَ: أي تعمّهم، على صيغة اسم الفاعل من جلّله بمعنى : غطاه أي غامرات نعمه، من قولهم : «سحاب مجلّل» أى يطبق الأرض. وهذا من باب إضافة الصفة للموصوف .

3) «حواجز عافيته» الحواجز: الموانع، أي في عافية تحجز وتمنع عنكم المضارُ، وفُسّر على أنّ المراد به ما يحجز العافية ويمنعها عن الزوال والعدم، ويروى «وحواجز بَليَّتهِ».

4) الخلاق : النصيب الوافر من الخير، والخَنّاق - بالفتح - : حبل يخنق به، وبالضم: داء يمتنع معه ، نفوذ النفس. وتقدير الكلام: خلّف لكم عِبَراً من القرون السالفة ، منها تمتَّعهم بنصيبهم من الدنيا ثم فناؤهم، ومنها فسحة خناقهم وطول إمهالهم، ثم كانت عاقبتهم الهلكة.

5) أرهقتهم المنايا: أعجلتهم: وأدركتهم بسرعة، والمرهَق : الذي أُدرك ليقتل .

6) شذَّبَهُم عنها: قطعهم وفرقهم؛ من تشذيب الشجرة، وهو تقشيرها ، [وعند عبده والصالح : شذَّبهم.]

7) تخرّمت زيد المنية : استأصلته واقتطعته ، تخرم الأجل : استئصاله واقتطاعه.

8) «ولم يمهدوا في سلامة البدن» أي لم يمهدوا لأنفسهم، من تمهيد الأمور: تسويتها وإصلاحها .

9) أنف الأوان: أوله ، يقال : روضةٌ أنُف لم تُرْعَ قبل، وكأس أنُف : لم تُشْرَب بها قَبْلُ ، وأمر أنف: مستأنف لم يسبق به قدر، والأنف : أيضاً المشية الحسنة .

10) البضاضة : رقة الجلد وامتلاؤه، رجلٌ بَضٌ ، أي ممتلئ البدن رقيق الجلد، وامرأة بضَة .

11) حواني الهرم : جمع حانية ، حانية ، وهي العلّة التى تحني شِطاط الجسد

12) ، وتميله عن لاستقامة.

وَأَهْلُ غَضَارَةِ الصَّحَةِ إِلَّا نَوَازِلَ السَّقَمِ، وَأَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلَّا آوِنَةَ الْفَنَاءِ(1)، مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ(2)، وَأُزُوفِ الاِنْتِقَالِ(3)، وَعَلَزِ الْقَلَقِ(4)، وَأَلَمِ الْمَضَضِ(5)وَغُصَصٍ الْجَرَضِ(6)، وَتَلَقَّتِ الإِسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ(7)وَالْأَقْرِبَاءِ، وَالْأَعِزَّةِ وَالْقُرَنَاءِ! فَهَلْ

دَفَعَتِ الْأَقَارِبُ، أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ(8)، وَقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الْأَمْوَاتِ رَهِيناً (9)، وَفِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً، قَدْ هَتَكَتِ (10)أَلْهَوَامُ (11)جِلْدَتَهُ، وَأَبْلَتِ النَّوَاهِكُ (12)جِدَّتَهُ، وَعَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ (13)، وَمَحَا الْحَدَثَانُ (14)مَعَالِمَهُ(15)، وَصَارَتِ الْأَجْسَادُ


1) آونة الفناء : جمع أوان، وهو الحَيْن ، كزمان وأزمنة.

2) الزّيال : مصدر زايلة مزايلة وزيالاً : فارقه.

3) الأزوف: الدنو والقرب.

4) العَلَز : قلق وخِفّة وهلع تصيب الإنسان المريض والمحتضر.

5) المضض : الوجع وبلوغ الحزن من القلب .

6) الغُصَص: جمع غُصَّة، وهي الشجا. والجريض : الرِّيق يغص به ، جَرَضَ بريقه، يبلع ريقه على همُّ وحزن بالجهد.

7) الحفدة : الأعوان والخدم، وقيل: ولد الولد والأصهار ، واحدهم حافد.

8) النواحب : جمع ناحبة ، وهي الرافعة صوتها بالبكاء، ويروى: «النوادب».

9) غودر: تُرك وبقي. ورهبناً: حبيساً.

10) هتکت: جذبت جلدته فقطعتها .

11) الهوامَ : جمع هامّة ، وهي ما يخاف ضرره من الحيات ، وكل ذي سمّ يقتل كالعقارب ونحوها.

12) النواهك : جمع ناهكة، و هي ما ينهك البدن، أي يبليه من قولهم: نهكه السلطان، إذا بالغ في عقوبته.

13) عَفَتْ : دَرَست و محت، ويروى بالتشديد. والعواصف: الرياح الشديدة.

14) الحدثان : مصدر يدل على الاضطراب بمعنى ما يحدث.

15) المعالم : جمع مَعْلَم، وهو ما يستدلّ به .

شَحِبَةً بَعْدَ بَضَتِهَا(1)، وَالْعِظَامُ نَخِرَةٌ(2)بَعْدَ قُوَّتِهَا، وَالْأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَل أَعْبَائِهَا (3)، مُوقِنَةٌ بِغَيْبِ أَنْبَائِهَا(4)، لَا تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحٍ عَمَلِهَا(5)، وَلَا تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَيِّئُ زَلَلِهَا(6)!

أَوَ لَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَالْآبَاءَ، وَإِخْوَانَهُمْ وَالْأَقْرِبَاءَ؟ تَحْتَذُونَ أَمْيْلَتَهُمْ، وَتَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ(7)، وَتَطَؤُونَ جَادَتَهُمْ(8)؟! فَالْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَنْ حَظِّهَا، لَاهِيَةٌ عَنْ رُشْدِهَا، سَالِكَةٌ فِي غَيْرِ مِضْمَارِهَا، كَأَنَّ الْمَعْنِي سِوَاهَا(9)، وَكَأَنَّ الرُّشْدَ فِي إِحْرَازِ دُنْيَاهَا.


1) شَحِبة : هالكة ، والشَّحَب الهلاك . والبضة - هنا - :الواحدة من البض، وهو مصدر بضّ الماء، إذا ترشح قليلاً قليلاً، أي بعد امتلائها حتى كأنّ الماء يترشّح منها .

2) نخرة: بالية.

3) الأعباء: الأثقال، جمع عِبْء، أي حمل.

4) «موقنة بغيب أنبائها» أي منكشفاً لها ما كان غائباً عنها من أخبارها وما أعدّ لها في الآخرة، لأنّ الميت يعلم بعد موته ما يصير إليه حاله من جنة أو نار .

5) لا تكلف بعد ذلك زيادة في العمل الصالح فإنّه لا عمل بعد الموت ، ولا يطلب منها التوبة من القبيح؛ لأنّ التكليف قد بطل.

6) لا تستعتب: مبني للمفعول، أي لا يطلب منها تقديم العتبى : أي التوبة من العمل القبيح أو مبني للفاعل، أي لا يمكنها أن تطلب الرضاء والإقالة من خطئها السيئ، وزللها : خطئها ، وأصله انزلاق القدم .

7) الفِدّة : الطريقة، ويُقال لكل فِرقة من الناس إذا كانت ذات هويّ على حدة: قِدّة، ومنه قوله تعالى: «وكُنّا طرائِقَ قِدَداً» (سورة الجن : 11] ويروى : «وتركبون قُذّتهم» قدة السهم: الريشة، والمعنى : تقتفون آثارهم وتشابهونهم في أفعالهم .

8) تطأون جادتهم: تسيرون على سبيلهم بلا انحراف عنهم في شيء، أي يصيبكم ما أصابهم بلا أقل تفاوت.

9) كأنّ المعنيّ أي المقصود بالتكاليف الشرعية والموجه إليه التحذير والتبشير غيرها، وقوله كأنّ الرشد ... أي مع أنّ الرشد لم ينحصر في هذا ، بل الرشد كل الرشد إحراز الآخرة لا الدنيا.

وَأَعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ وَمَزَالِقِ دَحْضِهِ(1)، وَأَهَاوِيلِ زَلَلِهِ، وَتَارَاتِ أَهْوَالِهِ (2).

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبِّ شَغَلَ التَّفَكُرُ قَلْبَهُ، وَأَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ (3)، وَأَسْهَرَ التَّهَجُدُ غِرَارَ نَوْمِهِ(4)

يقول: أسهره التهجّد : أي أزال قيام الليل نومه القليل فأذهبه بالمرة. ووصفه لقلّة النوم بالسهر وإنّما يوصف بالسّهَر الإنسان نفسه من باب المجاز؛ كقولهم ليل ساهر، وليل نائم.

، وَأَطْمَأَ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ يَوْمِهِ (5)، وَظَلَفَ (6)الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ، وَأَوْجَفَ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ(7)، وَقَدَّمَ الْخَوْفَ لَأَمَانِهِ(8)، وَتَنَكَّبَ الْمَخَالِجَ عَنْ

1) أنّ مجازكم ... أنّكم تجوزون على الصراط مع ما فيه من مزالق الدحض، والدحض: هو انقلاب الرجل بغتة فيسقط المار ، مكانٌ دَحْض ودَحَض ، بالتحريك ، أي زلّق، وأدحضته أنا أزلفتُهُ فدحض هو.

2) الأهاويل: الأمور المفزعة، وتارات أهواله كقوله : دفّعات أهواله. وجعلها نارات، لأنّ الأمور الهائلة إذا استمرت لم تكن في الإزعاج والترويع ، كما تكون إذا طرأت تارة وسكنت تارة. والزلل : هو انزلاق القدم. والتارات : النوب والدفعات.

3) أنصب الخوف بدنه : أتعب ، والنّصّب : التعب .

4) التهجّد هنا : صلاة الليل ، وأصلُه السهر ، وقد جاء التهجّد بمعنى النوم أيضاً، وهو من الأضداد. والغِرار : قلّة النّوم ، وأصله قلّة لبن الناقة؛ يُقال : غارت الناقة تغار غِراراً قل لَبنُها .

5) الهواجر : جمع هاجرة، وهي نصف النهار عند اشتداد الحرّ. وأظمأ الرجاء ... : أي أظمأ نفسه في هاجرة اليوم، والمعنى صام رجاء الثواب .

6) ظَلّف : منع.

7) أوجف : أسرع ، كأنه جعل الذّكر لشدة تحريكه اللسان مُوجفاً به، كما توجف الناقة براكبها ،والوجيف: ضرْب من السَّيْر [وعند عبده : «وأرجف الذِّكْرَ»]، وأرجف به أي حركه .

8) «قدّم الخوف لأمانه» اللام ههنا لام التعليل ، أي قدّم خوفه ليأمن ، أي خاف في الدنيا ليأمن في الآخرة . [وعند عبده: «قدّم الخوفُ لابانه»] وإيَّان الشيء بكسر فتشديد: وقته الذي يلزم ظهوره فيه، أي أنّه خاف فى الوقت الذي ينفع فيه الخوف.

وَضَح السَّبِيلِ(1)، وَسَلَكَ أَقْصَدَ الْمَسَالِكِ (2)إِلَى النَّهْجِ الْمَطْلُوبِ؛ وَلَمْ تَفْتِلْهُ فَاتِلَاتُ الْغُرُورِ(3)، وَلَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَبِهَاتُ الْأُمُورِ(4)، ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى، وَرَاحَةِ النُّعْمَى(5)، فِي أَنْعَمِ نَوْمِهِ، وَآمَنِ يَوْمِهِ. قَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَةِ حَمِيداً(6)، وَقَدَّمَ زَادَ الأجِلَةِ سَعِيداً، وَبَادَرَ مِنْ وَجَلٍ(7)، وَأَكْمَشَ فِي مَهَلٍ(8)، وَرَغِبَ فِي طَلَبِ، وَذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ(9)، وَرَاقَبَ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ، وَنَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ (10). فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً وَنَوَالاً. وَكَفَى بِالنَّارِ عِقاباً وَوَبَالاً! وَكَفَى بِاللهِ مُنتَقِماً وَنَصِيراً ! وَكَفَى بِالْكِتَابِ حَجِيجاً وَخَصِيماً (11).


1) تنكب الشيء : مال عنه . والمَخَالج: الشعوب من الطريق المائلة عن وضحه، والوضّح - محركة :الجادة، وعن وضح متعلق بالمخالج، أي تنكب المائلات عن الجادة.

2) أقصد المسالك : أقومها ، وطريق قاصد: أي مستقيم.

3) فتله عن كذا ، أى ردّه وصرفه ، وهو قلب «لفت».

4) لم تعم عليه - من عمي يعمى - : أي لم تخف عليه الأمور المشتبهة حتى يقع فيها بحذر على غير بصيرة .

5) النُّعمى - بالضم - : سعة العيش ونعيمه، وظافراً حال من الضمائر السابقة العائدة على ذي لبّ، وفي أنعم متعلق براحة النعمى، وجعل اتّصافه بتلك الأوصاف في حال الظفر تمثيلاً لالتصاق السعادة بالفضيلة وملازمتها إيّاها .

6) العاجلة : الدنيا، وسميت معبراً لأنّها طريق يعبر منها إلى الآخرة وهي الآجلة.

7) بادر من وجل : أي سبق إلى خير الأعمال خوفاً من لقاء الأهوال.

8) أكمش: أسرع ، ومثله انكمش و كمشته تكميشاً : أعجلته ، والمراد جدّ السير في مهلة الحياة.

9) أي رغب فيما ينبغي طلبه، وذهب وانصرف عمّا يجب الهروب منه .

10) نظر قُدماً أمامه: أي ونظر ما بين يديه مقدماً لم يَنْتَنِ ولم يعرّج. [وأثبت عبده] القَدّم بفتحتين: وهو السابق، أي نظر إلى ما يتقدم أمامه من الأعمال.

11) الكتاب: القرآن . وحجيجاً وخصيماً : أي مقنعاً لمن خالفه بأنّه جلب الهلاك على نفسه، وقد يراد من الكتاب: ما أحصى من الأعمال على العامل إذا عرض عليه يوم الحساب.

أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي أَعْذَرَ بِمَا أَنْذَرَ، وَاحْتَجَّ بِمَا نَهَجَ(1)، وَحَذَرَكُمْ عَدُوّاً نَفَذَ فِي الصُّدُورِ خَفِيّاً (2)، وَنَفَثَ فِي الْآذَانِ نَجِيّاً(3)، فَأَضَلَّ وَأَرْدَى، وَوَعَدَ فَمَنَّى(4)، وَزَيَّنَ سَيِّئاتِ الْجَرَائِمِ، وَهَوَّنَ مُوبِقَاتِ الْعَظَائِمِ، حَتَّى إِذَا اسْتَدْرَجَ قَرِينَتَهُ (5)، وَاسْتَغْلَقَ رَهِينَتَهُ(6)أَنْكَرَ مَا زَيَّنَ(7)، وَاسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ، وَحَذَّرَ مَا أَمَّنَ .

وَمِنْهَا فِي صِفَةِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ

أَمْ هَذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ(8)

أن تكون منقطعه بمعنى «بل»، فبعد ما بيّن وصف الشيطان انتقل لبيان صفة الإنسان.

، وَشُغُفِ(9)الْأَسْتَارِ، نُطْفَةً

1) «أعذرَ بما أنذر» ما ههنا مصدرية ، أي أعذر بإنذاره، ويجوز أن تكون بمعنى «الذي». والمعنى سلب عذر المعتذر بإنذاره إيّاه بعواقب العمل، وقامت له الحجة على الضالين بما نهج وأوضح من طرق الخير والفضيلة.

2) العدوّ المذكور : الشيطان، ونفذ في الصدور... تمثيل لدقة مجاري وسوسته في الأنفس. فهو فيما يسؤله يجري مجرى الأنفاس، ويسلك بما يأتي من مسالك الأصدقاء كأنّه نجى يسارك وينفث في أذانك بما تظنه خيراً لك .

3) النجيّ: الذي يسارّه ، أي يحادثه سراً، والجمع الأنجية، وقد يكون النجيُ جماعة مثل الصديق ، قال تعالى : «خَلَصُوا نَجيّاً » [يوسف: 80].

4) أردى : أهلك . ووعد فمنى: أي صوّر الأماني كذباً.

5) القرينة ههنا : الإنسان الذي قارنه الشيطان، قال تعالى: «فَبِئْسَ الْقَرِينُ » [الزخرف : 28) ويجوز أن يكون أراد بالقرينة النفس ، يقارنها بالوسوسة. واستدرجها : أنزلها من درجة الرشد إلى درجته من الضلالة.

6) يُقال : عَلِق الرّهن إذا لم يفتكّه الراهن في الوقت المشروط ، فاستحقّه المرتهن .

7) أنكر ... : بيان لعمل الشيطان وبراءته ممن أغواه عندما تحقّ كلمة العذاب.

8) «أم» هنا إمّا استفهامية على حقيقتها ، كأنّه قال: أعظُكُم بحال الشيطان، أم بحال الإنسان، وإمّا

9) الشُّغْف: جمع شُغاف ، بفتح الشين، وأصله غلاف القلب، استعاره للمشيمة، يُقال: شغفه الحبّ ، أي بلغ شفافه.

دِهَاقاً(1)، وَعَلَقَةً مِحَاقاً(2)، وَجَنِيناً وَرَاضِعاً، وَوَلِيداً وَيَافِعاً (3)، ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً، وَلِسَاناً لَافِظاً، وَبَصَراً لاحظاً، لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً، وَ يُقَصِّرَ مُزْدَجِراً(4)؛ حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ، وَاسْتَوَى مِثَالُهُ(5)، نَفَرَ مُسْتَكْبِراً، وَخَبَطَ (6)سَادِراً(7)، مَاتِحاً فِي غَرْبِ هَوَاهُ(8)، كَادِحاً (9)سَعْياً لِدُنْيَاهُ، فِي لَذَّاتِ طَرَبِهِ، وَبَدَوَاتِ أَرَبِهِ (10)ثمَّ لَا يَحْتَسِبُ رَزِيَّةٌ (11)، وَلَا يَخْشَعُ تَقِيَّةُ: فَمَاتَ فِي فِتْنَتِهِ غَرِيراً (12)، وَعَاشَ فِي هَفْوَتِهِ يَسِيراً (13)،


1) دهاقاً : متتابعاً، دهقها: أي صبّها بقوة، وقد تفسّر الدهاق بالمملوءة، أي ممتلئة من جراثيم الحياة. ويروى «دفاقاً» من دَفَقت الماء أي صبيته.

2) «وعَلَقَةً محاقاً» المحاق: ثلاث ليال من آخر الشهر ، وسميت محاقاً لأنّ القمر يستحق فيهنّ ، أي يخفى وتبطل صورته، وإنّما جعل العَلَقَة محاقاً هنا ؛ لأنّها لم تحصل لها الصورة الإنسانية بعد؛ فكانت ممحوّة ممحوقة .

3) الجنين: الولد بعد تصويره ما دام في بطن أمه، واليافع : الغلام المرتفع، راهق العشرين .

4) يقصر : يكف عن الرذائل ممتنعاً عنها بالعقل والرويّة .

5) استوى مثاله : أي بلغت قامته حدّ ما قُدِّرَ لها من النمو.

6) خبط البعير : إذا ضرب بيديه الأرض لا يتوقى شيئاً .

7) السادر: المتحير أو الذى لا يهتم ولا يبالي بما صنع ، والموضع يحتمل كلا التفسيرين .

8) المانح : الذي يستقي الماء من البئر وهو على رأسها ، والمائح الذي نزل البئر إذا قل ماؤها ، فيملأ الدلاءَ. والغَرْب : الدلو العيظمة، أي لا يستقي إلّا من الهوى.

9) الكدح : شدة السعي والحركة.

10) بدوات: جمع بداة، أي ما يخطر له من آرائه التي تختلف فيها دواعيه ، أي ذاهباً فيما يبدو له من رغائبه، غير متقيد بشريعة ، ولا ملتزم صدور فضيلة .

11) لا يحتسب رزية : أي لا يظنها، ولا يفكر في وقوعها، ولا يخشع من التقية والخوف من الله تعالى.

12) مات غريراً : أى شاباً، ويمكن أن يراد به أنّه غير مجرب للأمور ، أي مغروراً ، ويروى عزيزاً بمعجمتين ، أي شاباً، وهي رواية ضعيفة غير ملائمة سياق النظم.

13) عاش في هفواته ... : عاش في أخطائه وخطيئاته الناشئة عن الخطأ في تقدير العواقب زمناً يسيراً وهو مدّة الأجل، ويروى أسيراً، والهفوة: الزّلة .

لَمْ يُفِدْ عِوَض (1)، وَلَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً . دَهِمَتْهُ (2)فَجَعَاتُ الْمَنِيَّةِ فِي غُيَّرِ حِمَاحِهِ (3)، وَسَنَنِ مِرَاحِهِ(4)، فَظَلَّ سَادِراً (5)، وَبَاتَ سَاهِراً، فِي غَمَرَاتِ الآلامِ، وَطَوَارِقِ الْأَوْجَاعِ وَالْأَسْقَامِ بَيْنَ أَحْ شَقِيقٍ، وَوَالِدٍ شَفِيقٍ، وَدَاعِيَةٍ بِالْوَيْلِ جَزَعاً، وَلَادِمَةٍ لِلصَّدْرِ فَلَقاً(6)؛ وَالْمَرْءُ فِي سَكْرَةٍ مُلْهِئَةٍ(7)، وَغَمْرَةٍ كَارِثَةٍ(8)، وَأَنَّةٍ مُوْجِعَةٍ (9)، وَجَذْبَةٍ مُكْرِبَةٍ (10)، وَسَوْقَةٍ مُتْعِبَةٍ (11)


1) لم يُفد عوضاً : أي لم يكتسب ولم يستفد ثواباً .

2) دَهِمته : غَشِيَتْهُ.

3) غُبَّر : جمع غابر أي باقي ، وغُبر جماحه : بقاياه . والجماح : الشَّرَة وارتكاب الهوى ، أي في بقايا تعنته على الحق وعدم انقياده له .

4) سَنَن مِرَاحه : السّنّن : الطريقة ، والمِرَاح : شدَّة الفرح والنشاط والبطر.

5) السادر ههنا غير السادر الأول ، لأنّه ههنا المغمى عليه كأنّه سكران، ومراده (علیه السّلام) ههنا أنّه بَدَأ به المرض ، وذلك بعدما غشيته فجعات المنية، وهي عوارض الأمراض المهلكة التي تفضي إلى الموت.

6) لادمة للصدر : ضاربة له .

7) سكرة مُلهِثة : تجعل الإنسان لاهثاً لشدّتها ، ويروى «ملهية» [كما أثبتها عبده في المتن ] أي تُلهي الإنسان وتُشغله .

8) الغَمْرة : الشدّة تحيط العقل والحواس. والكارثة : القاطعة للآمال، من «كرثه الغم» اشتدّ عليه وبلغ منه غاية المشقة.

9) الأنّة - بفتح فتشديد - : الواحدة من الأن، أي التوجّع.

10) الجذبة : جذب الملك الرَّوح من الجسد، أو جذب الإنسان إذا احتضر ليُسَجّى، أو جذبات الأنفاس عند الاحتضار .

11) السوقة : من سياق الروح عند الموت، من ساق المريض نفسه عند الموت سوقاً وسياقاً، وسيق: على المجهول شرع في نزع الروح.

ثُمَّ أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِس (1)

والإبلاس أيضاً : الانكسار والحزن.

، وَجُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً (2)، ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الْأَعْوَادِ(3). رجِيعَ وَصَبٍ(4)، وَنِضْوَ سَقَمٍ(5)، تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الْوِلْدَانِ(6)، وَحَشَدَةُ الْإِخْوَانِ(7)، إِلَى دَارِ غُرْبَتِهِ، وَمُنْقَطَع زَوْرَتِهِ(8)، وَمُفْرَدِ وَحْشَتِهِ؛ حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ الْمُشَيِّعُ، وَرَجَعَ الْمُتَفَجِّعُ، أَقْعِدَ فِي حُفْرَتِهِ نَجِيّاً (9)لِبَهْتَةِ السُّؤَالِ(10)، وَعَثْرَةِ الاِمْتِحَانِ.

وَأَعْظَمُ مَا هُنَالِكَ بَلِيَّةً نُزُولُ الْحَمِيمِ (11)، وَتَصْلِيَةُ الْجَحِيمِ، وَفَوْرَاتُ السَّعِيرِ، سَوْرَاتُ (12)الزَّفِيرِ (13)، لَا فَتْرَةٌ مُرِيحَةٌ (14)، وَلَا دَعَةٌ مُزِيحَةٌ، وَلَا قُوَّةٌ حَاجِزَةٌ، وَلَا مَوْتَةٌ


1) المبْلِس : الذى یَيس من رحمة الله ، أبلس يبلس ، فهو مبلس . ومنه سمّي إبليس.

2) السَّلِس : السَهْل المقاد، لعدم قدرته على الممانعة .

3) الأعواد - هنا -: خشب الجنازة.

4) رجيع وَصب : الرّجيع المعنَى الكالّ، والوصِب : الوجع الموصَّب - بالتشديد - : الكثير الأوجاع ، والوصب : التعب. والرجيع من الدواب : ما رجع به من سفر إلى سفر فكلَّ.

5) النّضو: الهزيل .

6) الحفدة: الأعوان.

7) حشدة الإخوان: المسارعون في التعاون، جمع حاشد، وهو المتأهّب المستعدّ .

8) دار غربته: قبره. وكذلك : منقطع زورته، لأنّ الزيارة تنقطع عنده فلا يزار .

9) أقعد في حفرته : هذا تصريح بعذاب القبر . والنجي: المناجي، من تحادثه سرّاً، والميت لا يسمع كلامه سوى الملائكة المكلّمين له.

10) بهتة السؤال: حيرته.

11) الحميم في الأصل : الماء الحار، والتصلية: الإحراق ، والمراد هنا دخول جهنم.

12) السورة : الشدّة .

13) الزفير: صوت النار عند توقدها.

14) الفترة: السكون ، أي لا يفتر العذاب حتى يستريح المعذَّب من الألم، ولا تكون دِعة : أي راحة، حتى تزيح ما أصابه من التعب، وليست له قوة تحجز عنه وترد غواشي العذاب.

نَاجِزَةٌ(1)، وَلَا سِنَةٌ مُسْلِيَةٌ(2)، بَيْنَ أَطْوَارِ الْمَوْتَاتِ(3)، وَعَذَابِ السَّاعَاتِ! إِنَّا بِاللَّهِ عَائِدُونَ (4)!

عِبَادَ اللَّهِ، أَيْنَ الَّذِينَ عُمْرُوا فَنَعِمُوا(5)، وَعُلِّمُوا فَفَهِمُوا، وَأُنْظِرُوا فَلَهَوْا (6)، وَسُلِّمُوا فَنَسُوا (7)أُمْهِلُوا طَوِيلاً، وَمُنِحُوا جَمِيلاً، وَحُذْرُوا أَلِيماً، وَوُعِدُوا جَسِيماً! أحْذَرُوا الذُّنُوبَ الْمُوَرِّطَةَ(8)، وَالْعُيُوبَ الْمُسْخِطَةً.

أُولِي الْأَبْصَارِ وَالْأَسْمَاعِ(9)، وَالْعَافِيَةِ وَالْمَتَاعِ، هَلْ مِنْ مَنَاصٍ (10)أَوْ خَلَاصٍ، أَوْ مَعَاذٍ أَوْ مَلَادٍ، أَوْ فِرَارٍ أَوْ مَحَارٍ(11)! أَمْ لَا؟ «وفَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (12)؟»، أَمْ أَيْنَ تُصْرَفُونَ، أَمْ بِمَاذَا تَغْتَرُّونَ! وَإِنَّمَا حَظٍّ أَحَدِكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، ذَاتِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ،


1) لا بموته يجد موتة تذهب بإحساسه عن الشعور بتلك الآلام والناجز الحاضر.

2) السيئة - بالكسر والتخفيف : أوائل النوم، ومسلية ملهية عن الألم.

3) أطوار الموتات، أراد بها الآلام العظيمة، وكل نوبة من نوب العذاب كأنّها موت لشدتها. وأطوار هذه الموتات: ألونها وأنواعها.

4) عذتُ بفلان: استعدتُ به، أي التجأت إليه .

5) عُمْروا ... : عاشوا فتنعموا.

6) أنظروا: أمهلوا فألهاهم المهل عن العمل، وذلك بعد أن علموا ففهموا، وكان مقتضى الفهم أن لا يغتروا بالمهلة ويضيعوا الفرصة.

7) سلمت عاقباتهم وأرزاقهم فنسوا نعمة الله في السلامة .

8) الذنوب المورّطة : المهلكة التي تُلقي أصحابها في الورطة، وهي الهلاك.

9) ناداهم نداءُ بعد النداء الذي في أول الفصل، وهو قوله «عبادالله»، فقال: يا مَنْ منحهم الله أبصاراً وأسماعاً ....

10) المناص : الملجأ والمفرّ .

11) المحار: المرجع ، من حار يحور أي رجع ،أي مرجع إلى الدنيا بعد فراقها.

12) تؤفَكون: تُقلبون، أي تنقلبون.

قِيدُ قَدِّهِ (1)، مُنعَفِراً عَلَى خَدِّهِ (2).

الآنَ عِبَادَ اللهِ، وَالْخِنَاقُ مُهْمَلُ(3)، وَالرُّوحُ مُرْسَلٌ(4)، فِي فَيْنَةِ الْإِرْشَادِ(5). وَرَاحَةِ الْأَجْسَادِ، وَبَاحَةِ الْاِحْتِشَادِ(6)، وَمَهَلِ الْبَقِيَّةِ، وَأُنُفِ الْمَشِيَّةِ (7)، وَإِنْظَارِ التَّوْبَةِ، وَأَنْفِسَاحِ الْحَوْبَةِ(8)، قَبْلَ الصَّنْكِ(9)وَالْمَضِيقِ، وَالرَّوْعِ وَالزُّهُوقِ(10)، وَقَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ الْمُنْتَظَرِ(11)، وَأَخْذَةِ الْعَزِيزِ الْمُقْتَدِرِ.

قَالَ الرَّضِي (رحمه الله) : وفي الخبر أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلام لَما خطب بهذه الخُطْبَة أقْتَعَرَّتْ لَهَا الجُلُودُ ، وَبَكَتِ الْعُيُونُ، وَرَجَفَتِ الْقُلُوبُ، وَمِنَ الناسِ مَنْ يُسميَّ هَذِهِ الخُطْبَة : «الْغَرَّاءَ».


1) قيدُ قدّة : مقدارُ قدّة، أي طوله ، والمراد - هاهنا - مضجعه من القبر ، لأنّه بمقدار قامة الإنسان.

2) المُنعفِرُ : الذى لامسّ العَفَر، وهو التراب. [وفي نسخة عبده والصالح: متعفّراً)

3) أي: اعملوا الآن وأنتم مخلّونَ متمكّنون لم يعقد الحبل في أعناقكم، ولم تقبض أرواحكم. والخناق : الحبل الذي يخنق به ، وإهماله عدم شده على العنق مدى الحياة ، أي وأنتم في قدرة من العمل وسعة من الأمل.

4) الروح يُذكّر ويؤنث.

5) الفيئة : الوقت والحال والساعة ، ويروى «وفَيْنة الارتياد» وهو الطّلب.

6) باحة الدار : ساحتها، والاحتشاد الاجتماع، أي أنتم في ساحة يسهل عليكم فيها التعاون على البر باجتماع بعضكم على بعض .

7) أُنف المشيّة: أول أوقات الإرادة والاختيار ، لو أردتم استئناف مشيئة وإرادة حسنة لأمكنكم.

8) وانفساح الحوبة: أي سعة وقت الحاجة، والحَو۫بة : الحاجة والأرَب أو الحالة.

9) الضَنك : الشدة .

10) الروع الخوف ، والزهوق : الاضمحلال.

11) الغائب المنتظر: الموت .

84 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

84 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي ذِكْرِ عَمْرُو بْن الْعَاصِ

عَجَباً لابْنِ النَّابِغَةِ(2)! يَزْعُمُ لِأَهْلِ الشَّامِ أَنَّ فِي دُعَابَةً(3)، وَأَنِّي أَمْرُقُ تِلْعَابَةٌ (4). أَعَافِسُ وَأُمَارِسُ (5)! لَقَدْ قَالَ بَاطِلاً، وَنَطَقَ آثِماً. أَمَا - وشَرُّ الْقَوْلِ الْكَذِبُ - إِنَّهُ لَيَقَولُ فَيَكْذِبُ، وَيَعِدُ فَيُخْلِفُ، وَيَسْأَلُ فَيُلْحِفُ(6)، وَيُسْأَلُ فَيَبْخَلُ، وَيَخُونُ الْعَهْدَ، وَيَقْطَعُ الإِلَّ(7)فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَيُّ زَاجِرٍ وَآمِرٍ هُوَا مَا لَمْ تَأْخُذِ السُّيُوفُ مَا خِذَهَا(8)، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ أَكْبَرُ مَكِيدَتِهِ أَنْ يَمْنَحَ الْقَوْمَ سَبَّتَهُ(9).


1) ذكرها ابن قتيبة في (عيون الأخبار ) ج 3 ص 10 وابن عبد ربه في (العقد الفريد) ج 2 ص 287 .

2) النابغة : المشهورة فيما لا يليق بالنساء، من نبغ إذا ظهر.

3) الدُّعابة : المُزاح واللعب.

4) رجلٌ تِلْعابة - بكسر التاء - : كثير اللعب .

5) المعافسة : المعالجة والمصارعة، أعافس : أعالج الناس وأضاربهم مزاحاً، ويقال المعافسة: معالجة النساء بالمغازلة. والممارسة : كالمعافسة .

6) يسألها هنا مبني للفاعل، ويُسأل في الجملة بعدها للمفعول يُلحِف : يُلحِف: في السؤال؛ قال تعالى « لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا » [البقرة: 273] .

7) الإلّ : العهد أو القرابة ، والمراد أنّه يقطع الرحم .

8) «ما لم تأخذ السيوف مآخذها» أي ما لم تبلغ الحرب إلى أن تخالط الرؤوس، أي هو مليء بالتحريض قبل أن تلتحم الحرب ، فإذا التحمت واشتدّت فلا يمكث ، فهو في الحرب زاجر وآمر عظيم، أي محرّض حاث ما لم تأخذ السيوف مأخذها فعند ذلك يجبن كما قال: فإذا كان ذلك....

9) السَّبُة : الإست، والسُّبُة بالضم: الإست أيضاً، تقريع له بفعلته عندما نازل أميرالمؤمنين في واقعة صفين، فصال عليه وكاد يضرب عنقه فكشف عورته فالتفت أميرالمؤمنين عنه وتركه . [وعند عبده والصالح: أن يمنح القرم سُبَّته] .

أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَيَمْنَعُنِي مِنَ اللَّعِبِ ذِكْرُ الْمَوْتِ، وَإِنَّهُ لَيَمْنَعُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ نِسْيَانُ الْآخِرَةِ، إِنَّهُ لَمْ يُبَايِعْ مُعَاوِيَةَ حَتَّى شَرَطَ لَهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ أَتِيَّةً(1)، وَيَرْضَخَ لَهُ عَلَى تَرْكِ الدِّينِ رَضِيخِةً (2).

85- ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

85- ومن خطبة له عليه السلام (3)

فِي تَعْظِيمِ اللَّهِ وَتَمْجِيدِهِ

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْأَوَّلُ لَاشَيْءَ قَبْلَهُ، وَالْآخِرُ لَا غَايَةَ لَهُ، لَا تَقَعُ الْأَوْهَامُ لَهُ عَلَى صِفَةٍ، وَلَا تُعْقَدُ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّة (4)، وَلَا تَنَالُهُ التَّجْزِئَةُ وَالتَّبْعِيضُ، وَلَا تُحِيطُ بِهِ الْأَبْصَارُ وَالْقُلُوبُ (5)

الأولى : أنّه لا ثاني له سبحانه في الإلهية .

الثانية : أنّه قديم لا أول له.

الثالثة : أنّه أبديّ لا انتهاء ولا انقضاء لذاته .

الرابعة : نفي الصفات

الخامسة : نفي كونه مكيّفاً .

السادسة : أنّه غير متبعَض لأنّه ليس بجسم ولا عَرَض.

السابعة : أنّه لا يُرى ولا يدرَك .

الثامنة : أنّ ماهيته غير معلومة.

.

1) الأتية : العطية ، والمراد بالأتيّة والرضيخة - هنا - ولاية مصر.

2) رضخ له رضخاً : أعطاء عطاءً كثيراً أو أعطاء قليلاً، وهي الرضيخة؛ لما يعطّى.

3) ذكرها الواسطي في (عيون الحكم والمواعظ ) ، وابن سبط الجوزي في ( تذكرة الخواص ) ص 131 .

4) تُعقد مجاز عن استقرار حكمها، أي ليست له كيفية فتحكم بها .

5) فى هذا الفصل على قصره ثماني مسائل من مسائل التوحيد :

ومنها: فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اللَّهِ بِالْعِبَر(1)النَّوَافِع ، وَأَعْتَيرُوا بِالْآي(2)السَّوَاطِعِ(3)، وَازْدَجِرُوا بِالنُّذُرِ(4)الْبَوَالعُ(5)، وَأَنْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ وَالْمَوَاعِظِ، فَكَأَنْ قَدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ الْمَنِيَّةِ، وَأَنْقَطَعَتْ مِنْكُمْ عَلَائِقُ الْأُمْنِيَّةِ، وَدَهَمَتْكُمْ مُنْطِعَاتُ الأُمُور (6)، وَالسِّيَاقَةُ إِلَى الْوِرْدِ الْمَوْرُودِ(7)، فَ«كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقُ وَشَهِيدٌ» : سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى مَحْشَرِهَا، وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا.

ومِنْهَا فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ

دَرَجَاتٌ (8)مُتَفَاضِلَاتٌ، وَمَنَازِلُ مُتَفَاوِتَاتٌ، لَا يَنْقَطِعُ نَعِيمُهَا، وَلَا يَطْعَنُ مُقِيمُهَا، وَلَا يَهْرَمُ خَالِدُهَا، وَلَا يَبْأَسُ سَاكِنُهَا (9).


1) العِبَر : جمع عِبْرَة ، وهي ما يُعتبر به أي يُتعظ .

2) الآي : جمع آية وهي الدليل ، ويجوز أن يريد بها أي القرآن، ويجوز أن يريد بها آيات الله في خلقه، وفي غرائب الحوادث في العالم.

3) السواطع: المشرقة المنيرة، والظاهرة الدلالة .

4) النذر : جمع نذير ، وهو المخوِّف أو الإنذار، والمراد إنذار المنذرين.

5) البوالغ: جمع البالغة، غاية البيان لكشف عواقب التفريط .

6) مفظعات الأمور : شدائدها الشنيعة، من أفظع الأمر إذا اشتد، ويقال: أفظع الرجل للمجهول إذا نزلت به الشدة.

7) «السياقة إلى الورد المورود» يعني الموت أو المحشر، والأصل فيه الماء يورد للري.

8) الدَرّجات : جمع درجة ، وهي الطبقات والمراتب .

9) يبأس : يصيبه البؤس والشقاء، مضارع بنس کسمع: اشتدت حاجته.

86 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

86 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي الْوَعْظِ

قَدْ عَلِمَ السَّرَائِرَ، وَخَبَرَ الضَّمَائِرَ(2)، لَهُ الْإِحَاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَالْغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَالْقُوَّةُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامٍ مَهْلِهِ(3)، قَبْلَ إِرْهَاقِ أَجَلِهِ (4)وَفِي فَرَاغِهِ قَبْلَ أَوَانِ شُغْلِهِ، وَفِي مُتَنَفَّسِهِ(5)قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ(6)، وَلْيُمَهِّدْ لِنَفْسِهِ وَقَدَمِهِ، وَلْيَتَزَوَّدْ مِنْ دَارِ ظَعْنِهِ لِدَارِ إِقَامَتِهِ (7).

فَالله الله أَيُّهَا النَّاسُ فِيمَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، وَأَسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ حُقُوقِهِ، فَإِنَّ


1) ذكرها الدينوري في (الأخبار الطوال) ص 145، وابن شعبة في (تحف العقول) ص 100، والبرقي في (المحاسن) ص 233 .

2) السرائر : جمع سَريرة، وهو ما يكنم من السِّرَ ، وخَبَر الضمائر - بفتح الباء - : امتحنها وابتلاها، ومن رواه بكسر الباء أراد «علم» والاسم الخُبْر - بضم الخاء - وهو العلم. والضمائر : جمع ضمير، وهو ما تضمره وتكنّه في نفسك .

3) المهَل : المهلة والتؤدة .

4) الإرهاق: مصدر أرهق ، تقول : أرهقه ، إذا غشيه ليقتله ، وإرهاق الأجل: أن يعجل المفرط عن تدارك ما فاته من العمل أي يحول بينه وبينه.

5) في متنفّسه : أي في سعَة وقته.

6) الكَظّم بفتحهما : مخرج النَّفُس أو الحلق ، والجمع أكظام ، والأخذ بالكظم: كناية عن التضييق عند مداركة الأجل.

7) يجوز ظعَنه وظعنه، بتحريك العين وتسكينها .

اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقُكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدَى (1)وَلَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهَالَةٍ وَلَا عَمْيَّ، قَدْ سَمَّى آثَارَكُمْ(2)، وَعَلِمَ أَعْمَالَكُمْ، وَكَتَبَ أَجَالَكُمْ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ، وَعَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ أَزْمَاناً (3)، حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَلَكُمْ - فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ - دِينَهُ الَّذِي رَضِيَ لِنَفْسِهِ؛ وَأَنْهَى إِلَيْكُمْ - عَلَى لِسَانِهِ - مَحَابَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَمَكَارِهَهُ(4)، وَتَوَاهِيَهُ وَأَوَامِرَهُ، وَأَلْقَى إِلَيْكُم الْمَعْذِرَةَ، وَاتَّخَذَ عَلَيْكُم الحُجَّةَ، وَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ، وَأَنْذَرَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ.

فَاسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُمْ، وَأَصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ(5)، فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ الْأَيَّامِ الَّتِي تَكُونُ مِنْكُمْ فِيهَا الْغَفْلَةُ، وَالتَّشَاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ، وَلَا تُرَخِّصُوا لِأَنْفُسِكُمْ، فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الظَّلَمَةِ(6)، وَلَا تُدَاهِنُوا فَيَهْجُمَ بِكُمُ(7)الْإِدْهَانُ عَلَى المَعْصِيَّة.

عِبَادَ اللهِ، إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ(8)، وَإِنَّ أَغَشَهُمْ لِنَفْسِهِ


1) السُّدى : المهمَل ، ويجوز بالفتح، أسديت الإبل: أهملتها.

2) قوله: «قد سمّى آثاركم» يفسّر بتفسيرين: أحدهما: قد تبيّن لكم خيرها وشرها، أي بيّن لكم أعمالكم وحدّدها ، والثاني : قد أعلى مآثركم، أي رفع منازلكم إن أطعتم .

3) عمَّر نبيه : مدّ في أجله .

4) محابّه: جمع محبة، ومواضع حبّه هي الأعمال الصالحة ومكارمه : الأعمال الصالحة. ومكارهه: جمع مَك۫رهة، وهي ما تُك۫ره.

5) اصبروا أنفسكم : اجعلوا لأنفسكم صبراً فيها.

6) الظلَمة : جمع ظالم.

7) المداهنة : النفاق والمصانعة وإظهار خلاف ما في الطوية، والأدَّهان مثله .

8) «إنّ أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربه» لأنّه قد صانها من العقاب، وأوجب لها الثواب؛ وذلك غاية النصيحة.

أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ (1)وَالْمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ (2)، وَالْمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ (3). وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَالشَّقِيُّ مَنِ أَنْخَدَعَ لِهَوَاهُ وَغُرُورِهِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكُ (4)، وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ لِلإِيمَانِ (5)، وَمَحْضَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ(6). جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبُ لِلْإِيمَانِ الصَّادِقُ عَلَى شَفَا مَنْجَاةٍ وَكَرَامَةٍ(7)، وَالْكَاذِبُ عَلَى شُرَفِ(8)مَهْوَاةٍ(9)وَمَهَانَةٍ(10). وَلَا تَحَاسَدُوا، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ، وَلَا تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ(11)؛ واَعْلَمُوا أَنَّ الأَمَلَ يُسْهِي العَقْلَ، وَيُنْسِي الذِّكْرَ (12)فَأَكْذِبُوا الْأَمَلَ فَإِنَّهُ غُرُورُ، وَصَاحِبُهُ مَغْرُورُ.


1) «وإن أغشّ الناس لنفسه أعصاهم لربه» لأنّه ألقاها في الهلاك الدائم، وذلك أقصى ما يمكن من غشها والإضرار بها .

2) المغبون: المخدوع.

3) المغبوط : الذي يُتمنّى مثلُ حاله والمستحق لتطلع النفوس إليه والرغبة في نيل مثل نعمته .

4) الرياء : أن تعمل ليراك الناس وقلبك غير راغب فيه .

5) مَن۫سأة للإيمان: موضع لنسيانه وداعية للذهول عنه، أي داعية إلى نسيان الإيمان وإهماله.

6) محضرة الشيطان: موضع حضوره، وداع له .

7) شفا منجاة: أى حَرف نجاة وخَلَاص، وشفا الشيء حرفه .

8) الشّرف : المكان العالي، وأشرفت عليه، أي اطّلعت من فوق .

9) المهواة : موضع السقوط.

10) المهانة : الحقارة.

11) فإنّها أي المباغضة، والحالقة: أي الماحية لكل خير وبركة، والمستأصلة التي تأتي على القوم، كالحلق للشعر .

12) الأمل الذي يذهل العقل وينسي ذكر الله وأوامره ونواهيه، هو استقرار النفس على ما وصلت إليه ، غير ناظرة إلى تغيّر الأحوال ، ولا أخذة بالحزم في الأعمال.

87- ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

87- ومن خطبة له عليه السلام (1)

في صفَاتِ مَنْ يُحِبُّهُ اللهُ تَعَالَى

عِبَادَ اللهِ، إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِاللَّهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ(2)، وَتَجَلْبَبَ الْخَوْفَ (3)فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ (4)، وَأَعَدَّ الْقِرَى لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بهِ(5)، فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ، وَهَوَّنَ الشَّدِيدَ(6). نَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ(7)، وَأَرْتَوَى مِنْ عَذْبِ فُرَاتٍ سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ، فَشَرِبَ نَهَلاً(8)، وَسَلَكَ


1) رواها الزمخشري في ( ربيع الأبرار) باب العز والشرف.

2) استشعر الحزن : جعله كالشعار، وهو ما يلى الجسد من الثياب والحزن: العجز عن الوفاء بالواجب، وهو قلبي لا يظهر له أثر في البعد عمّا يغضب الله ، والمسارعة للعمل فيما يرضیه، وذلك أثر ظاهر .

3) تجلببَ الخوف : جعله جلباباً ، وهو ما يكون فوق جميع الثياب.

4) زهر مصباح الهدى : أضاء وتلألأ .

5) «أعدّ القِرى ليومه» أي أعدّ ما قدّمه من الطاعات قِرئ لضيف الموت النازل به، والقرى بالكسر: ما يهيأ للضيف ، وهو هنا العمل الصالح يهيؤه للقاء الموت وحلول الأجل.

6) جعل الموت على بعده قريباً منه فعمل له، ولذلك هان عليه الصبر عن اللذائذ الفانية والأخذ بالجد في إحراز الفضائل السامية، وذلك هو الشديد.

7) ذكر الله فاستكثر من العمل في رضاه . والعذب والفرات مترادفان.

8) فشرب نَهَلاً: يجوز أن يكون أراد بقوله: «نَهَلا» المصدر ، من نَهَلَ يَنْهَلُ نَهْلاً، أي شرب حتى رَوي، ويجوز أن يريد بالنّهل الشرب الأول فقط ، ويريد أنّه اكتفى بما شربه أولاً، فلم يحتج إلى العلل وهو الشرب الثاني.

سَبِيلاً جَدَداً(1). قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ، وَتَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ، إِلَّا هَمّاً وَاحِداً أَنْفَرَدَ بِهِ(2)، فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى، وَمُشَارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَى، وَصَارَ مِنْ مَفَاتِيحِ أَبْوَابٍ الْهُدَى، وَمَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى. قَدْ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ، وَسَلَكَ سَبِيلَهُ، وَعَرَفَ مَنَارَهُ، وَقَطَعَ غِمَارَهُ(3)، وَاسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا، وَمِنَ الْجِبَالِ بَأَمْتَنِهَا، فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ، قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ(4)فِي أَرْفَعِ الْأُمُورِ؛ مِنْ إِصْدَارِ كُلِّ وَارِدٍ عَلَيْهِ، وَتَصْبِيرِ كُلِّ فَرْعِ إِلَى أَصْلِهِ (5)؟. مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ، كَشَّافُ عَشَوَاتٍ (6)، مِفْتَاحُ مُبْهَمَاتٍ، دَفَّاعُ مُعْضِلَاتٍ (7)، دَلِيلُ فَلَوَاتٍ، يَقُولُ فَيُفهِمُ (8)،


1) طريق جَدَد : لا عثار فيه لقوة أرضه، والجدَد - بالتحريك - : الأرض الغليظة، أي الصلبة المستوية ومثلها يسهل السير عليه .

2) الهمّ الواحد هو همّ الوقوف عند حدود الشريعة .

3) «قطع غِماره» يقال : بحرٌ غَمْر، أي كثير الماء، وبحار غِمار ، جمع غَمْر - بالفتح - : معظم البحر ، والمراد أنّه عبر بحار المهالك إلى سواحل النجاة .

4) «نَصَب نفسه الله» أى أقامها .

5) لأن من كان همه التزام حدود الله في أوامره ونواهيه نفذت بصيرته إلى حقائق سرّ الله في ذلك، فصار من درجات العرفان بحيث لا يرد عليه أمر إلّا أصدره على وجهه ، ولا يعرض له فرع إلّا ردّه إلى أصله.

6) كشّاف عَشَوات : جمع عُشْوة - بتثليث الأول - وهى الأمر الملبّس . [و أثبت عبده في المتن : كشّاف عشاوات ] وعشاوات: جميع عشاوة ، سوء البصر أو العمى، أي أنّه يكشف عن ذوي العشاوات عشاواتهم.

7) المعضلات: الشدائد والأمور لا يهتدى لوجهها.

8) دليل فلوات : أي يُهتدى به كما يهتدي الركب في الفلاة بدليلهم. والفلوات: جمع فلاة، الصحراء الواسعة، مجاز عن مجالات العقول في الوصول إلى الحقائق.

وَيَسْكُتُ فَيَسْلَمُ. قَدْ أَخْلَصَ لِلَّهِ فَاسْتَخْلَصَهُ، فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ، وَأَوْتَادِ أَرْضِهِ.

قَدْ أَلزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ، فَكَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيُّ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ. يَصِفُ الْحَقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ، لَا يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةً إِلَّا أَمَّهَا(1)، وَلَا مَظِنَّةٌ إِلَّا قَصَدَهَا(2)، قَدْ أَمْكَنَ الْكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ (3)فَهُوَ قَائِدُهُ وَإِمَامُهُ، يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ(4)، وَيَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ.

وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَلَيْسَ بِهِ(5)، فَأَقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالِ(6)، وَأَضَالِيلَ مِنْ ضُلَّالٍ(7)، وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلٍ غُرُورٍ، وَقَوْلِ زُورٍ؛ قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ؛ وَعَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ(8)، يُؤمِّنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ، وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ، يَقُولُ: أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ، وَفِيهَا وَقَعَ؛ وَيَقُولُ: أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ، وَبَيْنَهَا أَضْطَجَعَ؛ فَالصُّورَةُ صُورَةٌ إِنْسَانٍ، وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ، لَا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ، وَلَا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ، وَذَلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ.


1) أَمَّها: قصدها.

2) مظنة: أي موضع ظن لوجود الفائدة، ومظنة الشيء: حيث يُظنّ وجوده.

3) الكتاب : القرآن، «وأمكنه من زمامه» تمثيل لانقياده لأحكامه كأنه مطية والكتاب يقوده إلى حیت شاء.

4) الثَّقَل : متاع المسافر وحَشَمه، وثقل الكتاب : ما يحمل من أوامر ونواه .

5) آخرُ ... ، هذا عبد آخر غير العبد الذي وصفه بالأوصاف السابقة يخالف في وصفه وصفه.

6) اقتبس: استفاد . وجهائل : جمع جهالة، ويراد منها هنا تصور الشيء على غير حقيقته، ولا يستفاد من الجهال إلّا ذلك .

7) الأضاليل : الضلالة ، جمع أضلولة، ويقال: لا واحد لها من لفظها وهو الأشهر ، والضُلال - بضم فتشديد - : جمع ضال.

8) «وقد حمل الكتاب على آرائه» يعني فسّر الكتاب وتأوّله على مقتضى هواء، وقد أوضح ذلك بقوله : « وعطف الحقِّ على أهوائه»، أي حمل الحق على رغباته، أي لا يعرف حقاً إلّا إياها .

«فأَيْنَ تَذْهَبُونَ» وَ أ«َنَّى تُؤْفَكُونَ» ؟ (1)وَالْأَعْلَامُ قَائِمَةٌ(2)، وَالآيَاتُ وَاضِحَةٌ، وَالْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ (3)، فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ (4)،وَكَيْفَ تَعْمَهُونَ وَبَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّكُمْ (5)! وَهُمْ أَزِمَّهُ الْحَقِّ(6)

زمامها ، وقد نبّه الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) على صدق هذه القضية بقوله : «وأدِر الحقّ معه حيث دار».

وَأَعْلَامُ الدِّينِ، وَأَلْسِنَةُ الصِّدْقِ! فَأَنْزِلُوهُمْ بأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ(7)، وَرِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ (8).

أَيُّهَا النَّاسُ، خُذُوهَا عَنْ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: «إِنَّهُ يَمُوتُ مَنْ


1) تُؤفكون: تُق۫لبون وتُصرفون بالبناء للمجهول.

2) الأعلام - هاهنا - : المعجزات جمع عَلَم، وأصله الجبل أو الراية والمنارة، تنصب في الفلاة ليهتدى بها .

3) المنار : جمع منارة ، والمراد هنا ما أقيم علامة على الخير والشر.

4) «فأين يُناه بكم» من التيه بمعنى الضلال والحيرة، أي أين يذهب بكم في التيه! ويقال : أرضٌ تَي۫هاء يتحيّر سالكها. وتعمَهون : تتحيّرون وتَضِلُّون .

5) عترة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : أهله الأذنَون ونسله، وليس بصحيح أنّهم رهطُه وإن بعدوا. وقد بيّن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و عترته من هي ، لما قال : «إني تارك فيكم الثَّقَلَين» فقال: «عترتي أهل بيتي» وبيّن في مقام آخر مَن أهلُ بيته حيث طرح عليهم الكساء، وقال حين نزلت : « إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ » [الأحزاب: (33) اللهم هؤلاء أهلُ بيتى فأذهب الرجس عنهم ، وأراد أميرالمؤمنين بالعترة هنا نفسُه وولديه؛ والأصل في الحقيقة نفسه، لأنّ ولديه تابعان له.

6) «وهم أزمَة الحق» جمع زمام، كأنّه جعل الحق دائراً معهم حيث داروا، كما أنّ الناقة طوع

7) «فأنزلوهم منازل القرآن» تحته سرّ عظيم ، وذلك أنّه أمر المكلّفين بأن يُجروا العِترة في إجلالها وإعظامها والانقياد لها والطاعة لأوامرها مَجْرَى القرآن، يقول: أحلوا عترة النبي من قلوبكم محلّ القرآن من التعظيم والاحترام، وإنّ القلب هو أحسن منازل القرآن .

8) «ورِدوهم وِزد الهيم العطاش» أي كونوا ذوي حِرْصٍ وانكماش على أخذ العلم والدين منهم، كحرص الهيم الظماء على وُرود الماء ، وهلموا إلى بحار علومهم مسرعين كما تسرع الهيم: أي الإبل العطشى إلى الماء.

مَاتَ مِنَّا وَلَيْسَ بِمَيِّتٍ(1)، وَيَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا وَلَيْسَ بِبَالٍ» فَلَا تَقُولُوا بِمَا لَا تَعْرِفُونَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ(2)، وَأَعْذِرُوا مَنْ لَا حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ - وَهُوَ أَنَا - أَلَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالتَّقَلِ الْأَكْبَرِ (3)! وَأَتْرُكْ فِيكُمْ الثَّقَلَ الْأَصْغَرَ؟ ورَكَرْتُ

فِيكُمْ رَايَةَ الْإِيمَانِ، وَوَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَأَلْبَسْتُكُمْ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي، وَفَرَشْتُكُمُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِي وَفِعْلِي(4)، وَأَرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ الْأَخْلَاقِ مِنْ نَفْسِي.

فَلَا تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيمَا لَا يُدْرِكُ قَعْرَة الْبَصَرُ، وَلَا تَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ الْفِكَّرُ(5).

ومنها: حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُ أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ (6)تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا (7). وَتُورِدُهُمْ صَفْوَهَا، وَلَا يُرْفَعُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَوْطُهَا وَلَا سَيْفُهَا، وَكَذَبَ الظَّانُ


1) خذوا هذه القضية عنه، وهي أنّه يموت الميت من أهل البيت وهو في الحقيقة غير ميت لبقاء روحه ساطع النور في عالم الظهور .

2) الجاهل يستغمض الحقيقة فينكرها، وأكثر الحقائق دقائق.

3) التَّقَل هنا : بمعنى النفيس من كل شيء وفي الحديث عن النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال : «تركت فيكم الثُقُلَين : كتاب الله، وعترتي» أي النفيسين. وأميرالمؤمنين قد عمل بالثقل الأكبر وهو القرآن ويترك الثقل الأصغر وهو ولداه، يقال عترته قدوة للناس.

4) فرشتكم: بسطت لكم.

5) نهاهم أن يستعملوا الرأي فيما ذكره لهم من خصائص العترة وعجائب ما منحها الله تعالى، فقال : إنّ أمرنا صعبٌ لا تهتدي إليه العقول، ولا تدرك الأبصار فعرَه ولا تتغلغل الأفكار إليه . والتغلغل : الدخول، من تغلغل الماء بين الشجر ، إذا تخللها ودخل بين أصولها.

6) معقولة : محبوسة بعقال كما تعقّل الناقة .

7) تمنحهم: تعطيهم، والمنح العطاء والدَّرَ في الأصل: اللَّبن، ثم استعمل الدَّرَ في كل خير ونفع ، فقيل : لا دَر درّه ، أي لاكثر خيره، ويقال في المدح: لله درّها أي عمله . جعل الدنيا كناقة معقولة عليهم، مقصورة عليهم، مسخّرة لهم، كأنّهم شدّوها بعقال كالناقة تمنحهم درها، أي تمنحهم لبنها.

لِذلِكَ، بَلْ هِيَ مَجَّةٌ مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ (1)يَتَطَعَمُونَهَا بُرْهَةً (2)، ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةً (3).

88- ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

88- ومن خطبة له عليه السلام (4)

فِي وَصْفِ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْخَطَأ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَقْصِمْ(5)جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ إِلَّا بَعْدَ تَمْهِيلٍ وَرَخَاءٍ (6)وَلَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ وَبَلَاءٍ(7)، وَفِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ


1) مجة من لذيذ العيش ، مصدر مَجَّ الشراب من فيه، أي رمى به وقَذَفه ، ويُقال: انمجّت نقطةُ من القلم ، أي ترشَّشَت، وشيخ ماجَ، أي كبير يمجّ ريفه، ولا يستطيع حبسه لكبره . ]وأثبت عبده في المتن : مُجَّة] و مُجة بضم الميم: واحدة المُج - بضمها أيضاً - : نقط العسل، أي قطرة عسل تكون في أفواههم كما تكون في فم النحلة ، يذوقونها زماناً ثم يقذفونها، وهذا التفسير أفضل من تفسير المجة - بالفتح - بالواحدة من مصدر مج الشراب من فيه.

2) يتطعمونها : أي يذوقونها . وبَر۫هة : أي مدة من الزمان فيها طول .

3) لفظت الشيء من فمي ألفظه لفظاً: رميته ، وذلك الشيء اللُّفاظة واللُّفاظ، أي يلفظونها كلَّها لا يبقى منها شيء معهم.

4) رواها الكليني في (الروضة) ص 62، والشيخ المفيد في (الإرشاد) ص 173، وفسر غريبها ابن الأثير في (النهاية) في مادة أزل.

5) القَص۫م : الكسر ، يقصم : يهلك ، يقال : قصمتُه فانقصم، وقصّمته فتقصّم، ورجل أقصم الثنيّة : أى مكسورها.

6) التمهيل : التأخير، ويروى «رجاء» وهو التأخير أيضاً ، والرواية المشهورة «ورخاء» أي بعد إعطائهم من سعة العيش وخصب الحال ما اقتضته المصلحة.

7) جبر العظم: طبه بعد الكسر حتى يعود صحيحاً، والأزل : الضيق والشدّة.

عَتْبٍ(1)وَمَا أَسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطبٍ مُعْتَبَرُ(2). وَمَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبيبٍ، وَلَا كُلُّ ذِي سَمْع بِسَمِيعِ، وَلَا كُلٌّ ذِي نَاظِرٍ بِبَصِيرٍ.

فَيَا عَجَباً! وَمَا لِيَ لَا أَعْجَبُ مِنْ خَطَا هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلَافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا! لَا يَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِيٍّ(3)، وَلَا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ، وَلَا يَعِقُونَ عَنْ عَيْبٍ(4)، يَعْمَلُونَ فِي الشُّبُهَاتِ، وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ، الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا، وَالْمُنْكَرُ عِنْدَهُم مَا أَنْكَرُوا (5)، مَفْزَعُهُمْ (6)في الْمُعْضِلَاتِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ، وَتَعْوِيلُهُمْ فِي المُهِمَّاتِ عَلَى آرَائِهِمْ ،كَانّ كلّ أمرِیُّ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ (7)،


1) عَتْب : أي مشقة، وسمّى المشقّة عثباً ، لأنّ العَت۫ب مصدر عَتَب عليه، أي وَجَد عليه ، فجعل الزمان كالواجد عليهم، القائم في إنزال مشاقّه بهم مقامَ الإنسان ذي الموجّدة يعتِب على صاحبه، وروي «من عَتَب» بتحريك التاء، جمع عتَبة أي أمر كريه من البلاء، وهو الأصح يقال : «ما في هذا الأمر رتبة ولا عتبة» أي شدة، أي أنّكم لجديرون أن تعتبروا بأقلّ من الشدة المقبلة عليكم بعدة ضعف أمركم، وأقلّ من الخطب العظيم الذي مرّبكم ، فكيف بمثل هذه الأمور الجسام فأنتم أجدر أن تعتبروا بها . وروي «من عنَتٍ» وهو الأمر الشاقُ.

2) وما استدبرتم من خطب، أي ما نصرَم عنهم من حروب ووقائع. ويروى «واستدبرتم من خِصْب» وهو رخاء العيش.

3) يتقصُّون: يتبعون .

4) ولا يعفُّون - بكسر العين وتشديد الفاء -: من عففت عن الشيء، إذا كففت عنه . ويروى «ولا : يَعْفُون عن عيب» أى لا يصفحون .

5) أي يستحسنون ما بدا لهم استحبابه، ويستقبحون ما خطر لهم قبحه، بدون رجوع إلى دليل بيّن، أو شريعة واضحة يثق كل منهم بخواطر نفسه، كأنّه أخذ منها بالعروة الوثقى على ما بها من جهل ونقص.

6) مفزعهم : ملجؤهم .

7) «كأنَ كلَّ امرئ منهم إمامُ نفسه» أي أنّهم لا يستشيرون عالِماً، ولا يستفتون فقيهاً، بل مفزعهم فى الأمور المشكلة إلى أنفسهم وآرائهم، وهذه هي صفات مَن يدعي العلم والفضل. ويروى بحذف «كأنَّ» وإسقاطها، وهو أحسن .

قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُرِيَّ ثِقَاتٍ(1)، وَأَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ.

89 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

89 - ومن خطبة له عليه السلام (2)

يَذْكُرُ حَالَ النَّاسِ قَبْلَ الْبِعْثَة

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينٍ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ(3)، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ (4)، وَأَعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ(5)، وَأَنْتِشَارٍ مِنَ الْأُمُورِ، وَتَلَطِّ مِنَ الْحُرُوبِ(6)، وَالدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّور (7)، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ؛ عَلَى حِينِ أَصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا(8)، وَإِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا، وَإِعْوَارٍ مِنْ


1) فيما يرى : أي فيما يظنّ . وروي: «بعراً وثيقات».

2) ذكرها القمي في (تفسيره) ص 3، والكليني في (الأصول) ج 1 ص 69.

3) الفترة بين الرسل : انقطاع الرسالة والوحي، وقد كان بين محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وبين عهد المسيح (علیه السّلام) عهداً طويلاً ، أكثر الناس على أنّه ستمائة سنة .

4) الهجعة : النومة ليلاً.

5) «واعتزام الفتن» من قولهم «اعتزم الفرس» إذا مرّ جامحاً ، أي وغلبة من الفتن، كأنّه جعل الفِتَن معتزمة ، أي مريدة مصمّمة للشّغب والهرج ويروى : «واعتراض» ویروی: «و اعترام» [كما في نسخة ابن المؤدب] من العُرام ، وهي الشَّرَّة ، يقال اعترم الفرس: سطا ومال .

6) التلظّي : التلهّب.

7) كاسفة النور: قد ذهب ضوؤها، كما تكسف الشمس ، ثم وصفها بالتغيّر وذبول الحال فجعلها كالشجرة التي اصفرّ ورَقها ويبس ثمرها وأعور ماؤها.

8) هذا وما بعده تمثيل لتغيير الدنيا وإشرافها على الزوال، ويأس الناس من التمتع بها أيام الجاهلية.

مَائِهَا(1)، قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى، وَظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَى، فَهِيَ مُتَجَهَّمَةٌ لَأَهْلِهَا (2). عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبهَا، ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ، وَطَعَامُهَا الْجِيفَةُ(3)، وَشِعَارُهَا الْخَوْفُ. وَدِثَارُهَا السَّيْفُ (4). فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللَّهِ، وَاذْكُرُوا تِيكَ (5)الَّتِي آبَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ بِهَا مُرْتَهَنُونَ(6)، وَعَلَيْهَا مُحَاسَبُونَ. وَلَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ وَلَا بِهِمُ الْعُهُودُ، وَلَا خَلَتْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمُ الْأَحْقَابُ وَالْقُرُونَ(7)، وَمَا أَنْتُمُ الْيَوْمَ مِنْ يَوْمَ(8)كُنتُمْ فِي صْلَابِهِمْ بِبَعِيدٍ.

وَاللهِ مَا أَسْمَعَكُمُ الرَّسُولُ شَيْئاً إِلَّا وَهَا أَنَا ذَا الْيَوْمَ مُسْمِعُكُمُوهُ، وَمَا


1) الإعوار: ذهاب الماء، فلاة عَو۫راء : لاماء فيها. ومن رواه «وإغوار من مائها» جعله من غار الماء ، أى ذهب. [وأثبت عبده والصالح: «واغورَارٍ من مائها».] وأغورار الماء: ذهابه.

2) متجهمة لأهلها : كالحة في وجوههم، من «تجهمه» أي استقبله بوجه كريه .

3) ثمرها الفتنة: أى ليست لها نتيجة سوى الفتن، طعامها الجيفة: يعنى أكل الجاهلية الميتة من شدّة الاضطرار ، أو يكون على وجه الاستعارة ، أى أكلها خبيث. ويروى «الخِيفة» أى الخوف.

4) جعل الخوف والسيف شعارها و دثارها ، فالشعار ما يلي الجسد، والدِّثار فوق الشعار، وهذا من بديع الكلام، لأنّه لما كان الخوفُ يتقدّم السيفَ والسيفُ يتلُوه ، جعل الخوفَ شِعاراً لأنّه الأقربُ إلى الجسد، وجعل الدّثار تالياً له ، فالخوف باطن والسيف ظاهر.

5) «وأذكروا تيك» إشارة إلى المؤنثة الغائبة، وهى الدنيا التي تقدّم ذكرها، أو هي الأمانة عرضت على الإنسان وحملها، أو تيك إشارة إلى سيئات الأعمال، وبواطل العقائد، وقبائح العوائد.

6) الارتهان: الاحتباس، وهم بها مرتهنون: أي محبوسون على عواقبها في الدنيا من الذلّ والضعف.

7) «ولا خلت فيما بينكم وبينهم الأحقاب» أي لم يطل العهد، والأحقاب: المدد المتطاولة :جمع حُقُب - بالضم وبضمتين - قيل ثمانون سنة، وقيل أكثر، وقيل هو الدهر. والقرون: الأمم من الناس.

8) «من يوم كنتم» يروى يومَ بفتح الميم على أنّه مبني، ويروى بجرّها بالإضافة ، على اختلاف القولين في علم العربية.

أَسْمَاعُكُمُ الْيَوْمَ بِدُونِ أَسْمَاعِكُمْ بِالْأَمْسِ(1)العبارة في نسخة عبده: «ما أسمعَهُم شيئاً... بدون أسماعهم بالأمسِ». (2)، وَلَا شُقَّتْ لَهُمُ الْأَبْصَارُ، وَلَا جُعِلَتْ لَهُمُ الْأَفْئِدَةُ فِي ذَلِكَ الْأَوَانِ، إِلَّا وَقَدْ أَعْطِيتُمْ مِثْلَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَاللهِ مَا يُصَرْتُمْ بَعْدَهُمْ شَيْئاً جَهِلُوهُ، وَلَا أُصْفِيتُمْ بِهِ وَحُرِمُوهُ (3)، وَلَقَدْ نَزَلَتْ بِكُمُ الْبَلِيَّةُ (4)جَائِلاً خِطَامُهَا(5)، رِخْواً بِطَانُهَا، فَلَا يُغُرَّنَّكُمْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ الْغُرُورِ، فَإِنَّمَا هُوَ ظلُّ مَمْدُودُ، إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ (6).


1) «والله ما أسمعكم» روي «ما أسمعهم»، وقوله «بدون أسماعكم بالأمس» روي «بدون أسماعهم»

2) . فمن رواء بهاء الغيبة في الموضعين فالكلام منتظم، ومن رواه بكاف الخطاب، قال : إنّه خاطب به مَن صحب النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وشاهده وسمع خطابه؛ لأنّ أصحاب علي(علیه السّلام) كانوا فريقين : صحابة وتابعين ، ويعضد الرواية الأولى سياق الكلام.

3) أَصفيتُم به: أي خُصصتم به ومنحتُموه من الصفيّ وهو ما يصطفيه الرئيس من المغنم لنفسه قبل القسمة ، يقال : صفيّ وصفيّة . يريد أن حالهم كحال من سبقهم ، وأنّ من السابقين من اهتدى بهدى الرسول فنجا من سوء عاقبة ما كان فيه ، ومنهم من جهل فحلّ به من النكال ما حلّ. والإمام اليوم مع هؤلاء كما كان الرسول مع أولئك ، وحال السامعين في المدارك كحال السابقين، وليس هؤلاء مختصين بشيء حرمه أولئك، ولا عالمين بأمر جهلوه.

4) «ولقد نزلت بكم البليّة» أي المحنة العظيمة، يعنى فتنة معاوية وبني أُمية.

5) جائلاً خطامها؛ لأنّ الناقة إذا اضطرب زمامها استصعبت۫ على راكبها، ويسمى الزمام خِطاماً لكونه في مقدّم الأنف، والخطم من كلّ دابة مقدّم أنفها وفمها ، والخِطام : ما جعل في أنف البعير لينقاد به. وجولان الخطام : حركته وعدم استقراره لأنّه غير مشدود، وإنّما جعلها «رخواً بطانها» لتكون أصعب على راكبها ؛ لأنّه لو استرخى البطان كان الراكب في معرض السقوط عنها ، وبطان القَتَب: هو الحزام الذي يجعل تحت بطن البعير . والعبارة تصوير لانطلاق الفتنة، تأخذ فيهم مأخذها، لا مانع لها ولا مقاوم .

6) «إنّها ظلُّ ممدود، إلى أجل معدود» وإنّما جعلها كالظلّ لأنّه ساكن في رأي العين، وهو متحرك في الحقيقة ، لا يزال يتقلّص ، فهو شبيه بالدنيا .

90 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

90 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي بَعْضٍ صِفَاتِ الْخَالِقِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، وَالْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ(2)، الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَائِماً دَائِماً(3)، إِذْ لَا سَمَاءُ ذَاتُ أَبْرَاجٍ(4)، وَلَا حُجُبُ ذَاتُ إِرْتَاجِ(5)، وَلَا لَيْلٌ دَاجٍ (6)،


1) ذكرها الواسطي في (عيون الحكم)، والآمدي في (غرر الحكم) ص 185، وابن الأثير في (النهاية) ج 2 ص 345 .

2) الرويّة : الفكرة وإمعان النظر، وأصلها الهمز ، رَوَأتُ في الأمر، ومثلها البريّة من برأ، أي خلق ، والذريّة من ذَراً، أى خلق أيضاً، والمعنى: أنّه تعالى يُعرف من غير أن تتعلق الأبصار بذاته، ويخلق من غير تروّ فيما يخلقه .

3) القائم والقيوم : الثابت الذي لا يزول ، وقد فُسّر على معنى قولهم: فلان قائم بأمر كذا، أي والٍ و ممسك له أن يضطرب.

4) الأبراج : الأركان، ولا مانع أن يُحمل لفظ الأبراج على الأبراج الاثني عشر المعروفة في علم الهيئة.

5) الإرتاج: مصدر أرتج أي أغلق، أي ذات إغلاق، ومن رواه «ذاتِ رتاج» فالرتاج الباب المغلق، ويُبعد رواية مَن رواه «ذات أرتاج» [كما في نسخة عبده] لأن «فعالاً» قلَ أن يجمع على «أفعال»، والأَرتاج : جمع رَتَج بالتحريك: الباب العظيم. ويعني بالحجب ذات الإرتاج حجب النور المضروبة بين عرشه العظيم وبين ملائكته، ويجوز أن يريد بالحجب السماوات أنفسها؛ لأنّها حجبت الشياطين عن أن تعلم ما الملائكة فيه .

6) الداجي : المظلم.

وَلَا بَحْرٌ سَاجِ(1)، وَلَا جَبَلْ ذُو فِجَاج (2)، وَلَا فَجٌ ذُو أَعْوِجَاج، وَلَا أَرْضُ ذَاتُ مِهَادٍ(3)، وَلَا خَلْقَ ذُو اعْتَمَادٍ(4)، ذَلِكَ مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ (5)وَوَارِتُهُ، وَإِلَهُ الخَلْقِ وَرَازِقُهُ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ دَائِبَانِ فِي مَرْضَاتِهِ (6)، يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ، وَيُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ.

قَسَمَ أَرْزَاقَهُمْ، وَأَحْصَى آثَارَهُمْ(7)وَأَعْمَالَهُمْ، وَعَدَدَ أَنْفَاسِهِمْ، وَخَائِنَةَ أَعْيُنِهِمْ(8)، وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ مِنَ الضَّمِيرِ(9)، وَمُسْتَقَرَّهُمْ وَ مُسْتَوْدَعَهُمْ مِنَ الأَرْحَامِ وَالظُّهُورِ (10)إِلَى أَنْ تَتَنَاهَى بِهِمُ الْغَايَاتُ.


1) الساجي: الساكن.

2) الفجاج : جمع فجّ ، وهو الطريق الواسع بين جبلين.

3) المهاد : الفراش.

4) الخلق : بمعنى المخلوق، وذو اعتماد: أي بطش وتصرّف بقصد وإرادة .

5) مبتدع الخلق: مخرجه ومنشئه من العدم المحض. ووارثه: الباقي بعده.

6) دائبان: تثنية دائب وهو المجدُ المجتهد ، وصفهما بذلك لتعاقبهما على حال واحدة لا يفتران ولا يسكنان، وذلك كما أراد سبحانه، وروي «دائبين» [كما في نسخة ابن المؤدب] بالنصب على الحال ويكون خبر المبتدأ «يُبْليانِ»، وهذه من الألفاظ القرآنية.

7) آثارهم : قد يريد آثار وطنهم في الأرض ، أو يريد حركاتهم وتصرّفاتهم.

8) خائنة الأعين : ما يومي به مسارقة وخفية، أو هي ما يسارق من النظر إلى ما لا يحلّ، وتلك أخفى مما قبلها .

9) من الضمير بيان لما تخفي الصدور، وذلك أخفى من خائنة الأعين.

10) مستقرهم: أي في الأرحام. ومستودعهم: أي في الأصلاب، ويمكن أن يقال: أراد مستقرهم ومأواهم على ظهر الأرض، ومستودعهم في بطنها بعد الموت، ومن الأرحام والظهور: أي فيها، أو تكون «من» للتبعيض، أي للجزء الذي كانوا فيه من أرحام الأمهات وظهور الآباء.

هُوَ الَّذِي أَشْتَدَّتْ نِقْمَتُهُ(1)عَلَى أَعْدَائِهِ فِي سَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَاتَّسَعَتْ رَحْمَتُهُ لِأَوْلِيَائِهِ فِي شِدَّةِ نِقْمَتِهِ. قَاهِرُ مَنْ عَازَّهُ (2)، وَمُدَمِّرُ مَنْ شَاقَهُ(3)، وَمُذِلُّ مَنْ نَاوَاهُ(4)، وَغَالِبُ مَنْ عَادَاهُ. مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَمَنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ، وَمَنْ أَقْرَضَهُ قضَاهُ(5)، وَمَنْ شَكَرَهُ جَزَاهُ.

عِبَادَاللهِ، زِنُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُوزَنُوا، وَحَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَاسَبُوا ،وَتَنَقَّسُوا قَبْلَ ضِيقِ الْخِنَاقِ، وَأَنْقَادُوا قَبْلَ عُنْفِ السَّيَاقِ(6)، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظُ وَزَاجِرٌ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا لَازَاجِرُ وَلَاوَاعِظُ (7).


1) يجوز نَقِمَة ونِقْمَة ، مثل كَلِمَة وَكِلْمَة، وَلَبِنَة ولِبنُة.

2) عازّه : أي غالبه ورام مشاركته في شيء من عزّته، وعزّه أي غلبه .

3) المدمّر : المهلك. شاقّه : عاداه ونازعه، قيل: إنّ أصلَه من الشَّق وهو النّصف، لأنّ المعادي يأخذ في شَقّ والمعادي في شقّ يقابله.

4) ناواه : أى عاداه أو خالفه، وهي مهموزة، وإنّما ليّنها لأجل القرينة السجعية.

5) جعل تقديم العمل الصالح بمنزلة القرض، والثواب عليه بمنزلة قضاء الدين إظهاراً لتحقق الجزاء على العمل؛ قال تعالى: «مَنْ ذا الذي يُقْرِضُ الله قرضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضعَافاً كَثِيرةً» [البقرة: 245] .

6) العُنف - بالضم - : وهو ضدّ الرفق، يقال: عنُف عليه وعنُف به أيضاً . والعنيف : الذي لا رفق له بركوب الخيل، والجمع عُنف. أي انقادوا إلى ما يطلب منكم بالحثّ الرفيق قبل أن تسُاقوا إليه بالعنف الشديد.

7) من لم يُعّن - مبني للمجهول - : أي من لم يساعده الله على نفسه حتى يكون لها من وجدانها منبه لم ينفعه تنبيه غيره، ويجوز أن يكون للفاعل، أي من لم يعن الزواجر على نفسه بالتذكير والاعتبار لم تؤثّر فيه .

91 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

91 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

تُعْرَفُ بِخُطْبَةِ الْأَشْبَاحِ ، وَهِيَ مِنْ جَلَائِلِ الْخُطَبِ

تُعْرَفُ بِخُطْبَةِ الْأَشْبَاحِ(2)، وَهِيَ مِنْ جَلَائِلِ الْخُطَبِ

روی مَسعَدَةُ بنُ صَدَقَةً عن الصادق جعفر بن محمدٍ عليهما السلام، أنّه قال: خطب روى أميرالمؤمنين(علیه السّلام) بهذه الخطبة على منبر الكوفةِ، وذلك أن رجلاً أتاه فقال: يا أميرالمؤمنين، صِف لنا ربّنا مثل ما نراه عياناً، لنزداد حبّاً، وبه ،معرفة، فغضِبَ (علیه السّلام) ونادَي: الصلاة جامعة. فاجتمع إليه الناسُ حتى غَصّ المسجدُ بأهلهِ، فصعِدَ المنبر وهو مغضَبٌ متغيّرُ اللَّوْنِ، فحمَدَ الله وأثنى عليه، وصلّى على النبي صلّى الله عليه وآله، ثم قال:

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَفِرُهُ الْمَنْعُ وَالْجُمُودُ (3)، وَلَا يُكْدِيهَ الْإِعْطَاهُ وَالْجُودُ (4)إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُنتَقَصُ سِوَاهُ، وَكُلُّ مَانع مَدْمُومُ مَا خَلَاهُ(5)وَهُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النّعَمِ، وَعَوَائِدِ الْعَزيدِ وَالْقِسَمِ؛ عِمَالُهُ الْخَلَائِقُ، ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ، وَقَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ، وَنَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ، وَالطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ، وَلَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلُ(6). الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلُ فَيَكُونَ شَيْءٍ قَبْلَهُ، وَالْآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ


1) ذكرها ابن عبد ربه في (العقد الفريد) ج 2 ص 406 ، والصدوق في (التوحيد) ص 34.

2) الأشباح: الأشخاص، والمراد بهم هاهنا الملائكة ، لأنّ الخطبة تتضمّن ذِكْرَ الملائكة .

3) يفره المنع : يزيد في ماله . والجمود : أشدّ البخل .

4) لا يكديه الإعطاء: لا يفقرُه، يقال: كَدَتِ الأرضُ تكدُو فهي كادية، إذا أبطأ نباتُها وقلّ خيرها.

5) «وكلّ مانع مذمومُ ما خلاء» وذلك لأنّه تعالى إنّما يمنع مَن۫ تقتضي الحكمة والمصلحة منعه ، وليس كما يمنع البشر .

6) «وليس بما سُئل بأجودَ منهُ بما لم يُسأل» جود البارئ ليس على منهاج البشر الذين يحركهم السؤال، بل جوده عامُّ في جميع الأحوال.

بَعْدُ فَيَكُونَ شَيْءٍ بَعْدَهُ، وَالرَّادِعُ أَنَاسِيَّ(1)الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ، مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهَ دَهْرٌ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ، وَلَا كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الانْتِقَالُ. وَلَوْ وَهَبَ مَا تَنَقَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ (2)، وَضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ (3)، مِنْ فِلِزَّ(4)اللُّجَيْنِ(5)وَالْعِقْيَانِ(6)، وَنُثَارَةِ الدُّرُ(7)وَحَصِيدِ الْمَرْجَانِ(8)

ویروى «وحَص۫باء المرجان»، والحصباء : الحصى، والمرجان: صغار اللؤلؤ .

قال الشاعر:

أدْمَى لها المرجانُ صَفْحَةَ خَدِّهِ*** وبكَى عليهَا اللؤلؤُ المكنونُ

، مَا أَثَرَ ذَلِكَ فِي فِلِةٌ جُودِهِ، وَلَا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ، وَلَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الْأَنْعَامِ مَا لَا تُنْفِدُهُ(9)مَطَالِبُ

1) الأناسيّ : جمع إنسان ، وإنسان البصر هو ما يرى وسط الحدقة ممتازاً عنها في لونها.

2) تنفست عنه معادنُ الجبال» ،استعارة، كأنّها لمّا أخرجته كانت كالحيوان يتنفس فيخرج من صدره ورثته الهواء ، وقد أبدع الإمام في تسمية انفلاق المعادن عن الجواهر تنفساً ، فإن أغلب ما يكون من ذلك - بل كلّه - عن تحرك المواد الملتهبة في جوف الأرض إلى الخارج، وهي في تبخرها أشبه بالنفّس ، كما أبدع في تسمية انفتاح الصدف عن الدّر ضحكاً .

3) «ضحكت عنه أصدافُ البحار» أي تفتّحت عنه وانشقّت ، يقال للطَّلع حين ينشقّ : الضّحك، وإنّما سُمي الضاحك ضاحكاً ، لأنّه يفتح فاه.

4) الفِلِز - بكسر الفاء واللام - : الجوهر النفيس، واسم الأجسام الذائبة كالذهب والفضة والرصاص ونحوها . [وفي نسخة ابن المؤدب : فِلَقِ اللَّجَين]

5) اللُّجين : اسم الفضة الخالصة، جاء مُصغراً ، كالكُمّيت .

6) العِقيان : الذهب الخالص، ويقال: ما ينبت نباتاً وليس مما يحصل من الحجارة.

7) نثارة الدُّر: ما تناثر منه كالسُّقاطة، وتأتي «فُعالة تارة للجيّد المختار نحو الخلاصة، وتارة للساقط المتروك نحو القُلامة.

8) حصيد المَرجان: محصوده، يشير إلى أن المرجان نبات وقد حققته كاشفات الفنون جديدها وقديمها، كأنه أراد المتبدّد منه كما يتبدد الحبّ المحصود ، ويجوز أن يعنى به الصلب المحكم.

9) أنفده : بمعنى أفناه، ونَفِدَ - كَفَرِحَ - : أي فني .

الْأَنَامِ، لِأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لَا يَغِيضُهُ (1)سُؤَالُ السَّائِلِينَ، وَلَا يُبَخّلُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِينَ (2)

أمّا بخُله - بالتشديد - : فمعناه رماه بالبخل. والإلحاح : مصدر ألح على الأمر ، أي أقام عليه دائماً ، مِن ألحّ السحاب؛ إذا دام مطره .

.

فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِه فَانْتَمَّ بِهِ (3)، وَاسْتَضِي بِنُورِ هِدَايَتِهِ، وَمَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ، وَلَا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَأَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ، فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ(4)، فَإِنَّ ذلِكَ مُنْتَهَى حَقٌّ اللَّهِ عَلَيْكَ. وَأَعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ (5)السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ (6)دُونَ الْغُيُوبِ اَلْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ ، فَمَدَحَ اللهُ أَعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا به عِلْماً. وَسَمَّى تَرْكَهُمْ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفُهُمُ الْبَحْتَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً، فَأَقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللهِ سُبحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقِلِكَ فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ.

هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا اَرْتَمَتِ الْأَوْهَامُ(7)لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ(8)، وَحَاوَلَ الْفِكْرُ


1) يَغيض - بفتح حرف المضارعة - : من غاض المستعدي، يقال: غاض الماء لازماً وغاضه الله متعدياً، ويقال: أغاضه أيضاً، وكلاهما بمعنى أنقصه وأذهب ما عنده .

2) روي «ولا يُبخِلُهُ» بالتخفيف؛ تقول : أبخلت زيداً ، أي صادقته بخيلاً؛ وأجبنته: وجدته جباناً .

3) ائتمَّ فلان بفلان: جعله إماماً واقتدى به، أي اتّبعه فصفه كما وصفه اقتداءٌ به.

4) كِل علمه : فوّض علمه .

5) الاقتحام : الهُجُوم والدخول مغالبة .

6) السُّدد المضروبة : جمع سُدّة، وهي باب الدار ، والإقرار فاعل أغناهم.

7) ارتمت الأوهام: ذهبت أمام الأفكار كالطليعة لها، أي ترامت ارتمى القوم بالنَّبل ، أي تراموا ، فشبّه جَوَلان الأوهام والأفكار بالترامي.

8) منقطع الشيء: ما إليه ينتهي .

الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطْرِ الْوَسَاوِسِ(1)أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبٍ مَلَكُوتِهِ، وَتَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ (2)لِتَجْرِي فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ (3)، وَغَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ(4)فِي حَيْثُ لَا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلْمٍ ذَاتِهِ، رَدَعَهَا (5)وَهِيَ تَجُوبُ مَهَاوِي (6)سُدَفِ (7)الْغُيُوب، مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ (8)مُعْتَرِفَةٌ بِأَنَّهُ لَا يُنَالُ بِجَوْرٍ الاِعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ(9)، وَلَا تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ (10)خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ


1) خَطر الوساوس - بتسكين الطاء - : مصدر خَطَر له خاطر ، أي عرض في قلبه، وروي «من خطرات الوساوس» [كما أثبته عبده والصالح في المتن] والمبّرأ : المجرّد ، وأمّا الملابس لهذه الخطرات فمعلوم أنّه لا يصل إلى شيء لوقوفه عند وساوسه .

2) «تولّهت القلوب إليه»: اشتدّ عِشقها وميلها لمعرفة كنهه حتى أصابها الولَه، وهو الحيرة.

3) «لتجري في كيفية صفاته» أي لتصادف مجرئ ومسلكاً في ذلك، لتجول ببصائرها في تحقيق كيف قامت صفاته بذاته أو كيف اتّصف سبحانه بها.

4) «وغَمُضَت مداخِلُ العقول» أى غمض دخولها ، ودقّ في الأنظار العميقة التي لا تبلغ الصفات كنهَها لدّقتها وغموضها طالبة أن تنال معرفته تعالى، إذ أنّها خفيّت ودقت وبلغت في الخفاء والدّقة إلى حدّ لا يبلغه الوصف.

5) ردعها ... : جواب للشرط في قوله إذا ارتمت .... وردعها كفّها وردّها.

6) المهاوي : المهالك، الواحدة مَه۫واة - بالفتح ، وهي ما بين جبلين أو حائطين ونحو ذلك.

7) السُّدَف - بضم ففتح - : جمع سدفة، وهي القطعة من الليل من الليل المظلم.

8) جُبهت : رُدّت ، وأصله مِنْ جَبَهْتُه ، أى صَكَكْتُ جَبهتَه ، والمراد ردّت بالخيبة .

9) الجور : العدول عن الطريق. والاعتساف: قطع المسافة على غير جادة معلومة ، وسلوك العقول في أي طريق طلباً لاكتناه ذاته، وللوقوف على ما لم تُكلَّف الوقوف عليه من كيفية صفاته، يعد جوراً وعدولاً عن الجادة، فإنّ العقول الحادثة ليس فى طبيعتها ما يؤهّلها للإحاطة بالحقائق الأزلية ، اللهم إلّا ما دلّت عليه الآثار، وذلك هو الوصف الذي جاء في الكتاب والسنّة ، وكنه معرفته: نائب فاعل يُنال .

10) الرويّات: جمع رَويّة، وهي الفكر.

جَلَالِ عِزَّتِهِ. الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ أَمْتَتَلَهُ(1)، وَلَا مِقْدَارٍ أختَذَى عَلَيْهِ (2)مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ كَانَ قَبْلَهُ، وَأَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ، وَعَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ، وَاعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ، مَا دَلَّنَا بِأَضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ (3)، وَظَهَرَتْ فِي الْبَدَائِعِ الَّتِي أَحْدَثَهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ، وَأَعْلَامُ حِكْمَتِهِ، فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ، وَدَلِيلاً عَلَيْهِ؛ وَإِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً، فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِع قَائِمَةٌ.

فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَائِنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ، وَتَلَاحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمْ (4)الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ(5)لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ(6)، وَلَمْ يُبَاشِرْ


1) قوله «ابتدع «الخلق» أى أوجده من العدم المحض «على غير مثال امتثله» يمكن أن يريد ب- «امتثله» مثّله، والمعنى أنّه تعالى لم يُمثِّل لنفسه مثالاً قبل شروعه في خلق العالم؛ ثم احتذى ذلك المثال ، ويمكن أن يريد ب- «امتثله» احتذا واتبعه، والمعنى أنّه تعالى لم يمثِّل له فاعل آخر قبله مثالاً اتبعه واحتذاء وفَعَل نظيره.

2) لا مقدار سابق احتذى عليه : أي قاس و طبق عليه، إذ لا خالق سواه.

3) المِساك ، بكسر الميم: ما يمسّك ويعصّم به الشيء، كالملاك ما به يملك؛ ««إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا [فاطر: 41] وقد جعل الحاجة الظاهرة من المخلوقات إلى إقامة وجودها بما يمسكها من قوته بمنزلة الناطق بذلك المعترف به، وقوله باضطرار متعلق ب- «دَلَّنا» وعلى معرفته متعلق به أيضاً، أي دلّنا على معرفته بسبب أنّ قيام الحجة اضطرنا لذلك . وما دلّنا مفعول لأرانا . وظهرت في البدائع ... معطوف على أرانا.

4) الحقاق : جمع حُقة - بضم الحاء - وهو رأس العظم عند المَفصِل، واحتجاب المفاصل : استتارها باللحم والجلد، وذلك الاستتار مما له دخل في تقوية المفاصل على تأدية وظائفها التي هي الغاية من وضعها في تدبير حكمة الله في خلقة الأبدان، والمراد من شبّهه بالإنسان ونحوه.

5) المحتجبة : المستترة ، لأنّ تركيبها الباطن خفيّ محجوب، وروي «المحتجّة» أي أنّها بما فيها من لطيف الصنعة كالمحتجّة المستدلة على التدبير الحكمي من لدنه سبحانه .

6) غيب الضمير: باطنه، والمراد هنا العلم واليقين، أي لم يحكم بيقينه في معرفتك بما أنت أهل له ، وروي: «لم يُعتقد»، على ما لم يسمّ فاعله.

قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لَا نِدَّ لَكَ(1)، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّوَ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ: إِذْ يَقُولُونَ : «تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَرِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ»! كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ(2)، إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ، وَنَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ(3)، وَجَزَّءُوكَ تَجْزِنَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ، وَقَدَّرُوكَ(4)عَلَى الْخِلْقَةِ المُخْتَلِفَةِ الْقُوَى بِقَرَائح عُقُولِهِمْ(5)وَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ، وَالْعَادِلُ بِكَ كَافِرُ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتٌ آيَاتِكَ، وَنَطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجٍ بَيِّنَاتِكَ، وَأَنْتَ اللهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ، فَتَكُونَ فِي مَهَبٌ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً(6)، وَلَا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا (7)فَتَكُونَ مَحْدُوداً مُصَرَّفاً (8).

ومنها: قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ، وَدَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ، وَوَجْهَهُ لِوِجْهَتِهِ (9)فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ، وَلَمْ يَقْصُرْ دُونَ الاِنْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ، وَلَمْ يَسْتَصْعِبْ إِذْ أَمَرَ


1) النِدّ: المثل.

2) العادلون بك : الذين جعلوا لك عديلاً ونظيراً ، فعدلوا بك غيرك أي سووه بك وشبهوك به.

3) نحلوك : أعطوك ، وهي النّحلة ، وحِلية المخلوقين: صفاتهم الخاصة بهم من الجسمانية وما يتبعها، أي وصفوك بصفات المخلوقين، وذلك إنّما يكون من الوهم الذي لا يصل إلى غير الأجسام ولواحقها دون العقل الذي يحكم فيما وراء ذلك.

4) قدروك: قاسوك .

5) القرائح: جمع فريحة، وهي القوة التي تُستنبط بها المعقولات، وأصله من قريحة البئر ، و هو أوّل مائها .

6) أي لم تكن متناهياً محدود الأطراف حتى تحيط بك العقول فتكيفك بكيفية مخصوصة.

7) «ولا في رَويَّات خواطرها» أي في أفكارها .

8) محدوداً: ذا حدَّ، ومُصَرَفاً: أي قابلاً للحركة والتغير، أي تصرفك العقول بأفهامها في حدودك .

9) الوِجهة : الجهة التي يتوجّه نحوها .

بِالْمُضِي عَلَى إِرَادَتِهِ(1)، وَكَيْفَ وَإِنَّمَا صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِيئَتِهِ! المُنْشِئُ أَصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلَا رَوِيَّةِ فِكْرٍ آلَ إِلَيْهَا، وَلَا قَرِيحَةٍ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا(2)، وَلَا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا(3)مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ، وَلَا شَرِيكَ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الْأُمُورِ، فَتَمَّ خَلْقُهُ، وَأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ، وَأَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ، لَمْ يَعْتَرِضٌ دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِيُّ(4)، وَلَا أَنَاةُ الْمُتَلَكِّيُّ(5)، فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوَدَهَا(6)، وَنَهَجَ حُدُودَهَا(7)، وَلَاءَ مَ (8)بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَصَادِّهَا، وَوَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا(9)، وَفَرَّقَهَا أَجْنَاساً، مُخْتَلِفَاتٍ فِي الْحُدُودِ وَالْأَقْدَارِ، وَالْغَرَائِزِ وَالْهَيْئَاتِ (10)، بَدَايَا (11)خَلَائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا، وَفَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَابْتَدَعَهَا.


1) استصعب المركوب: لم يَنْقَذ في السير لراكبه ، وكلّ مخلوق خلقه الله لأمر أراده بلغ الغاية مما أراد الله منه، ولم يقصر دون ذلك منقاداً غير مستصعب.

2) غريزة: طبيعة ومزاج ، أي ليس له مزاج كما للمخلوقات الحسّاسة فينبعث عنه إلى الفعل، بل هو انفعال بما له بمقتضى ذاته لا بأمر عارض.

3) أفادها: استفادها.

4) لم يعترض دونه: أي دون الخلق وإجابة دعوة الله . والريث: التثاقل عن الأمر والبطء، أي أجاب الخلق دعوة الخالق فيما وجهت إليه فطرته بدون جهل.

5) الأناة : تؤدة تمازجها رويّة في اختيار العمل وتركه، والمتلكي : المتأخر المتعلل، يقول أجاب الخلق ربّه طائعاً مقهوراً بلا تلكؤ .

6) الأود: الاعوجاج.

7) نَهَج : عَيْنَ ورَسَم.

8) لاءم بين كذا وكذا ، أي جمع.

9) القرائن - هنا - : الأنفس ، واحدتها قرونة وقُرينة ، أي وصل حبال النفوس وهي من عالم النور بالأبدان وهي من عالم الظلمة.

10) الغرائز : الطبائع .

11) بدايا - هنا - : جمع بَدِيء أي مصنوع، أو جمع بديّة، وهي الحالة العجيبة ، أبدأ الرجل، جاء بالأمر البديء، أي المعجب، والبديّة أيضاً: الحالة المبتدأة المبتكرة، ويروى «برايا» جمع بريّة.

ومنها في صفةِ السَّمَاء

وَنَظَمَ بِلَا تَعْلِيقِ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا(1)، وَلَاحَمَ صُدُوعَ أَنْفِرَاجِهَا(2)، وَوَشَجَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَزْوَاجِهَا(3)، وَذَلَّلَ لَلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ، وَالصَّاعِدِينَ(4)بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ، حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا(5)، وَنَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانُ مُبِينٌ (6)

«وناداها بعدَ إذ هي» روي باضافة «بَع۫د» إلى «إذ» وروي بضمّ «بعد» ، أي ونادها بعد ذلك إذ هي دخان، والأول أحسن وأصوب ؛ لأنّها على الضمّ تكون دخاناً بعد نظمه وَ هَوات فروجها وملاحمة صدوعها، والحال تقتضي أن دخانها قبل ذلك لا بعده.

، فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا(7)العَنبَة: وعاءٌ من خوص و نحو. (8)، وَفَتَقَ

1) الرَّهوات: جمع رَهْوة، وهي المكان المرتفع والمنخفض أيضاً ، يجتمع فيه ماء المطر، وهو ، الأضداد. والفُرَج : جمع فُرجة ، وهي المكان الخالي. يقول قد فرّج الله ما بين جرم وآخر من الأجرام السماوية ونظمها على ذلك بدون تعليق أحدها بالآخر وربطه به بآلة حسيّة.

2) لاحم: ألصق. والصّد۫ع الشَّقَ ، أي ما كان في الجرم الواحد منها من صدع لَحْمَهُ سبحانه . وأصلحه فسوّاه وذلك كما كان في بدء خلقة الأرض وانفصالها عن الأجرام السماوية وانفراج الأجرام عنها ، فما تصدّع بذلك أصلحه الله «أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا (الأنبياء: 30) .

3) وَشَجَ ، من «وشج محمله» إذا شبكه بالأربطة حتى لا يسقط منه شيء، أي شبّك، ووشجّت العرُوق والأغصان، اشتبكت، وبيننا رحم واشِجة، أي مشتبكة. أي أنّه سبحانه شبّك بين كل سماء وأجرامها، وبين أزواجها: أي مثالها وقرائنها وأشباهها من الأجرام الأخرى في الطبقات العليا والسفلى عنها ، بروابط الماسكة والمعنوية العامة ، وهي من أعظم المظاهر لقدرته .

4) الهابطين والصاعدين : الأرواح العلوية والسفلية.

5) الحُزونة : الصعوبة ، ضدّ السهولة.

6) قوله ناداها... رجوع إلى بيان بعض ما كانت عليه قبل النظم، يقول كانت السماء هباء مائراً أشبه بالدخان منظراً وبالبخار مادة ، فتجلّى من الله فيها سرّ التكوين، فالتحمت عرى أشراجها.

7) أشراجها : جمع شَرَج وهو عُرَا العَعنبة

8) ، وأشرجتُ العيبة، أي أقفلت أشراجَها ، وأشراج الوادى: ما انفسح منه واتسع. وأشار بإضافة العرى للأشراج إلى أنّ كل جزء من مادتها عروة للآخر يجذبه إليه ليتماسك به، فكلّ ماسك وممسوك ، وكلّ عروةٌ وله عروة.

بَعْدَ الْاِرْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا(1)، وَأَقَامَ رَصَدَاً(2)مِنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا(3)، وَأَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تَمُورَ فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ(4)، وَأَمَرَهَا أَنْ تَقِف مُسْتَسْلِمَةٌ لأَمْرِهِ، وَجَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا(5)، وَقَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا(6)، وَأَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا(7)، وَقَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِي مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا، لِيُمَيِّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِهِمَا، وَلِيُعْلَمَ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابِ بِمَقَادِيرِهِمَا، ثُمَّ عَلَّقَ في جَوْهَا فَلَكَهَا(8)، وَنَاطَ بِهَا زِينَتَهَا(9)، مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيهَا (10)، وَمَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا (11)وَرَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا، وَأَجْرَاهَا عَلَى أَذْلَالِ (12)تَسْخِيرِهَا، مِنْ ثَبَاتِ


1) الارتفاق: الارتتاج، بعد أن كانت جسماً واحداً فتق الله رتقه، وفصلها إلى أجرام بينها فُرَجٍ وأبواب، وأفرغ ما بينها بعد ما كانت صوامت، أي لا فراغ فيها .

2) الرصد: القوم يرصدون كالحرس، وكون الرصد من الشهب في أصل تكوين الخلقة كما قال الإمام دليل على ما أثبته العلم من أنّ الشهب مقذوفات لبعض أجرام الكواكب، فما نقب وخرق من جرم عُوّض بالشهاب، وذلك أمر آخر غير ما جاء في الكتاب العزيز فما جاء في الكتاب بمعنى آخر.

3) النقاب : جمع نَق۫ب ، وهو الطريق في الجبل . والثواقب : المضيئات .

4) تمور: تتحرّك وتذهب وتجيء ، والأيدُ القوة ، وأمسكها عن أن تمور أي تضطرب في الهواء بأيده أي بقوته، وأمرها أن تقف أي تلزم مراكزها لا تفارق مداراتها ، لا بمعنى أن تسكن .

5) مبصرة: أي جعل شمس هذه الأجرام السماوية مضيئة يبصر بضوئها مدة النهار كلّه دائماً.

6) ممحوة : يمحى ضوؤها في بعض أطراف الليل في أوقات من الشهر، وفي جميع الليل أياماً منه.

7) مناقل مجراهما : الأوضاع التي ينقلان فيها من مداريهما .

8) فلكها : هو الجسم الذي ارتكزت فيه وأحاط بها وفيه مدارها.

9) ناطَ بها : علّق بها وأحاطها .

10) الدّراريّ: الكواكب المضيئة ، نسبت إلى الدُّرّ لبياضها، واحدها دُرِّيّ ، ويجوز كسر الدال : مثل بحر لُجّي ولِجّي .

11) نجومها الصغار.

12) اذلال - على وزن أقفال- : جمع ذِلّ وهو محجّة الطريق أي على الطرق، التي سخّرها فيها .

ثَابِتِهَا (1)، وَمَسِيرِ سَائِرِهَا (2)، وَهُبُوطِهَا وَصُعُودِهَا (3)، وَتُحُوسِهَا وَسُعُودِهَا (4).

وَمِنْهَا فِي صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ

ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْكَانِ سَمْوَاتِهِ، وَعِمَارَةِ الصَّفِيحِ الأَعْلَى (5)مِنْ مَلَكُوتِهِ، خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلَائِكَتِهِ، وَمَلَأَ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا(6)، وَحَشَى بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا (7)، وَبَيْنَ فَجَوَاتِ (8)تِلْكَ الْفُرُوجِ زَجَلُ(9)الْمُسَبِّحِينَ مِنْهُمْ فِي حَظَائِرِ الْقُدُسِ (10)، وَسُتُرَاتِ


1) من ثبات ثابتها: يعني الكواكب التي في كُرة البروج.

2) مسير سائرها: يعني الخمسة والنّيرين؛ لأنّها سائرة دائماً .

3) صعودها وهبوطها: وذلك أنّ للكواكب السيارة صعوداً في الأوج وهبوطاً في الحضيض ، فالأوّل هو البعد الأبعد عن المركز ، والثاني البعد الأقرب.

4) إنّ النجوم تؤثّر سعوداً ونحوساً في الأمور الكلية نحو أن تقتضي حرّاً أو برداً، أو تدلُ على مرضٍ أو قحط عام أو مطر دائم ، ونحو ذلك من الأمور التي لا تخصّ إنساناً بعينه، والذى أنكره على من أشار عليه ألّا يحارب في يوم مخصوص تأثيرَ النجوم في الأمور الجزئية كالسفر أو المقام والحرب والسلم وغيرها.

5) الصّفيح الأعلى : السماء وسطح الفَلَك الأعظم، ويقال لوجه كلّ شيء عريض : صفيح وصَفْحَة.

6) الفروج: الأماكن الخالية . والفجاج : جمع فَجَ ، والفَجَ : الطريق الواسع بين جبلين أو حائطين.

7) أجوائها : جمع جَوِّ ، وهو ما اتّسع من الأودية، ويقال لما بین السماء والأرض جَوّ. ويروى «أجوَازها» جمع جَوْز ، وهو وَسَط الشيء. ويروى : «أجوابها» جمع جَوب۫ه، وهي الفُر۫جة في السحاب وغيرة.

8) الفجوات : جمع فَج۫وة ، وهي الفُر۫جة بين الشيئين، تقول منه : تفاجّى الشيء ، إذا صار له فَج۫وة ، ومنه الفُجاء ، وهو تباعد ما بين عُرْقوبي البعير .

9) الزَّجَل : رفع الصوت.

10) الحظائر : جمع حظيرة، موضع يحاط عليه لتأوي إليه الغنم والإبل توقياً من البرد والريح، وهو مجاز هنا عن المقامات المقدسة للأرواح الطاهرة. القدس - بضمتين أو بضم فسكون : الطهر.

الْحُجُبِ (1)وَسُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ (2)، وَوَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيحِ (3)الَّذِي تَسْتَكُ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ (4)سُبْحَاتُ نُورٍ(5)تَرْدَعُ الْأَبْصَارَ(6)عَنْ بُلُوغِهَا، فَتَقِفُ خَاسِنَةٌ (7)عَلَى حُدُودِهَا (8).

أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ، وَأَقْدَارٍ مُتَقَاوِتَاتٍ، أُولِي أَجْنِحَةٍ تُسَبِّحُ جَلَالَ عِزَّتِهِ، لاَ يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ(9)، وَلَا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا أَنْفَردَ بِهِ؛ «بَلْ عِبَادُ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ»، جَعَلَهُمْ اللهُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ، وَحَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَعَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ، فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ (10)عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ. وَأَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ الْمَعُونَةِ، وَأَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ (11)السَّكِينَةِ، وَفَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلاً (12)


1) السترات: جمع سترة، وهو ما يستتر به.

2) السرادقات: جمع سرادق، وهو ما يمدّ على صحن البيت فيغطيه .

3) الرجيج : الزلزلة والاضطراب.

4) تستك الأسماع : تنسدّ وتصم منه الآذان لشدّته .

5) سبحات الأنوار: طبقات نوره، وأصل السبحات الأنوار نفسها، عبارة عن جلالة الله تعالى وعظمته.

6) تردع الأبصار: تكفّها.

7) خاسئة : سادرة ، مدفوعة مطرودة عن الترامي إليها .

8) «على حدودها» أي تقف حيث تنتهى قوتها ؛ لأنّ قوتها متناهية .

9) «لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه » أي لا يدّعون الإلهية لأنفسهم.

10) الزائغ : العادل عن الطريق .

11) الإخبات : التذلّل والاستكانة والخضوع والخشوع.

12) أبواباً ذللاً : أي سهلة وطيئة ، جمع ذلول: خلاف الصعب.

إِلَى تَمَاجِيدِهِ(1)، وَنَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً (2)وَاضِحَةٌ عَلَى أَعْلَام تَوْحِيدِهِ(3)، لَمْ تُثقِلْهُمْ مُؤْصِرَاتُ الآثَامِ(4)، وَلَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ(5)، وَلَمْ تَرْمِ الشُّكُوك بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ(6)، وَلَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُّونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ(7)، وَلَا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الْإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ(8)، وَلَا سَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ مَا لَاقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ(9). وَمَا سَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَهَيْبَةِ جَلَالِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ(10)، وَلَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ


1) تماجيده : الثناء عليه بالمجد.

2) قال بعض أهل اللغة : إنّ منارة تجمع على منار ، وإن لم يذكره صاحب القاموس، وأرى أنّ مناراً ها هنا: جمع منارة بمعنى المسرجة، وهي ما يوضع فيه المصباح.

3) الأعلام: ما يقام للاهتداء على أفواه الطرق، ومرتفعات الأرض، والكلام تمثيل لما أنار به مداركهم حتى انكشف لهم سرّ توحيده.

4) المؤصِرات: المثقلات والإص۫ر : الثقل.

5) ارتحلت البعير: أي ركبته. والعَقَبَة: النوبة ، والجمع عُقَب ومعنى «لم ترتحلهم عُقّب الليالي . والأيام» أي لم تؤثر فيهم نوبات الليالي والأيام وكرورها ، كما يؤثر ارتحال الإنسان البعيرّ في ظهره. والليل والنهار عقيبان لتعاقبهما ، أي لم يتسلّط عليهم تعاقب الليل والنهار فيفنيهم، أو يغيّرهم.

6) النوازع : جمع نازعة، وهي النجم أو القوس، وعلى الأول المراد منها الشهب ، وعلى الثاني تكون الباء في «بنوازعها» بمعنى من، أو نوازعها: شهواتها النازعة المحرّكة ، وروي «نوازغها» مِنْ نَزَعْ بينهم ، أي أفسد.

7) «لم تعترك الظنون» لم تزدحم على يقينهم الذي عقدوه ومعاقد : جمع معقد، محلّ العقد بمعنى الاعتقاد.

8) الإحن : جمع إحنة، وهي الحقد الحقد والضغينة.

9) ما لاق، أى ما التصق.

10) أثناء صدورهم : جمع ثِن۫ي، وهي التضاعيف .

الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ (1)بِرَيْنِهَا (2)عَلَى فِكْرِهِمْ.

وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلَّحِ(3)، وَفِي عِظَمِ الْجِبَالِ السُّمَّخ(4)، وَفِي قَتْرَةِ الظُّلامِ الْأَيْهم(5). وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَى (6). فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضِ قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ (7)، وَتَحْتَهَا رِيحٌ هَفَّافَةٌ (8)تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ، قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشغالُ عِبَادَتِهِ(9)، وَوَصَّلَتْ حَقَائِقُ الْإِيمَانِ(10)بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ، وَقَطَعَهُمُ الْإِيقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ


1) تقترع: من الاقتراع بالسهام بمعنى ضرب القرعة، بأن تتناوب كلّ من الوسواس عليها . ويروى «فيفترع» بالفاء، أي تعلو برينها ، فَرْعَه ، أي علاه.

2) الرَّيْن - بفتح الراء - : الدُنُس والغلبة وما يطبع على القلب من حجب الجهالة.

3) الغمام: جمع غمامة ، وهي السحابة . والدَّلْح : الثّقال جمع دالح: وهو الثقيل بالماء من السحاب ، جاء يدلح بِجَمَلِه ، أي جاء مثقّلاً به .

4) الجبال الشُّمّخ : العالية الشاهقة.

5) في فَت۫رة الظلام: أي سواده. والقَتَرة: هنا الخفاء والبطون، ومنها قالوا: «أخذه على قترة» أي من حيث لا يدري. والايهم - بالياء المثنّاة -: الذى لا يهتدى فيه . ومنه «فلاة يَهْماء» ، [و أثبت عبده في المتن: الأیهم)، والأبهم : أصله من لا يعقل ولا يفهم، وصف به الليل وصفاً للشيء بما ينشأ عنه، فإنّ الظلام الحالك يوقع في الحيرة ، ويأخذ بالفهم عن رشاده.

6) التُّخُوم - بضم التاء - : جمع تَخ۫م، وهو منتهى الأرض أو القرية مثل فَلْس فُلُوس. ويروى «تَخُوم» بفتح التاء على أنّها واحد، والجمع تُخُم مثل صَبُور وصُبُر .

7) مواضع ما خرقت أقدامهم ومَخَارق : جمع مَخْرَق ، أي موضع الخَر۫ق .

8) ريح هَفَافة : أي ساكنة طيبة ، يقول : كأنّ أقدامهم التي خرقتِ الهواء إلى حضيض الأرض رايات بيض تحتها ريحٌ ساكنة ليست مضطربة ، فتموج تلك الرايات؛ بل هي ساكنة تحبسها حيث انتهت .

9) جعلتهم فارغين من الاشتغال بغيرها.

10) ویروی «ووسّلت حقائق الايمان» [كما في نسخة ابن المؤدب] بالسين المشددة، يقال: وسَّل فلان إلى ربِّه وسيلة ، والوسيلة ما يتقرب به، والجمع وسيل ووسائل.

إِلَيْهِ (1)، وَلَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ. قَدْ ذَاقُوا حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِهِ، وَشَرِبُوا بِالْكَأْسِ الرَّوِيَّةِ (2)مِنْ مَحَبَّتِهِ، وَتَمَكَّنَتْ مَنْ سُوَيْدَاوَاتِ قُلُوبِهِمْ(3)وَشِيجَةُ خِيفَتِهِ(4)، فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ(5)، وَلَمْ يُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ(6)، وَلَا أَطلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ(7)، وَلَمْ يَتَوَلَّهُمْ الْإِعْجَابُ (8)فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مَنْهُمْ، وَلَا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الْإِجْلَالِ (9)نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ، وَلَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُؤُوبِهِمْ(10)، وَلَمْ تَغِضٌ(11)رَغَبَاتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ، وَلَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسَلَاتُ أَلْسِنَتِهِمْ(12)،


1) شدة الشوق إليه .

2) الرويّة : التي تروي وتطفئ العطش.

3) سويداوات القلوب : جمع سويداء ، وهي حَبّة القلب، محل الروح الحيواني من مضغة القلب .

4) الوشيجة في الأصل: عرق الشجرة، وهي هنا استعارة ، أراد منها هنا بواعث الخوف من الله.

5) حَنيتُ ضلعى ، أي عوجتها .

6) أي أنّ شدة رجائهم لم تفن مادة خوفهم وتذللهم .

7) الرِّبَق : جمع رِبقة، وهي الحبل . وربقة - بالكسر والفتح : وهي العروة، من عُرى الربق - بكسر الراء - ، وهو حبل فيه عدّة عرى تُرْبَطُ فيه البُه۫م.

8) «ولم يتولّهم الإعجاب» أي لم يستول عليهم.

9) الاستكانة : ميل للسكون من شدّة الخوف، ثم استعملت في الخضوع.

10) الدؤوب : الجد والاجتهاد، دأب في العمل: بالغ في مداومته حتى أجهده.

11) لم تَغِضُ : لم تنقص.

12) الأسلات: جمع أسَلة: طرف اللسان ومستدقّه، أي لم تيبس أطراف ألسنتهم فتقف عن ذكره.

وَلَا مَلَكَتْهُمُ الْأَشْغَالُ فَتَنْقَطَعَ بِهَمْسِ الْجُزَارِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ(1)، وَلَمْ تَخْتَلِفٌ فِي مَقاوِمِ الطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ(2)وَلَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ، وَلَا تَعْدُو (3)عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِمْ بَلَادَةُ الْغَفَلَاتِ، وَلَا تَنْتَضِلُ فِي هِمَمِهِمْ(4)خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ(5)قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْمٍ فَاقَتِهِمْ(6)، وَيَمَّمُوهُ عِنْدَ أَنْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ(7)، لَا يَقْطَعُونَ أَمَدَ غايَةِ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِمْ اَلاِسْتِهْتَارُ بِلُزُومِ طَاعَتِهِ (8)إِلَّا إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ وَمَخَافَتِه(9)، لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ (10)فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ(11)، وَلَمْ تَأْسِرْهُمُ


1) الجؤار : الصوت المرتفع بالتضرع ، والهَمْس: الصوت الخفيّ، أي لم يكن لهم عن الله شاغل يضطرهم للهمس والإخفاء وخفض جوارهم بالدعاء إليه .

2) المقاوم : جمع مقام، والمراد الصفوف.

3) لا تعدو : لا تسطو، من عَدّا عليه ، إذا قهره وظلمه، وهو هاهنا استعارة.

4) « لا تنتضل الخدائع فى هممهم» استعارة أيضاً من النضال، وهو المراماة بالسهام. يقال: انتضلت الإبل : رمت بأيديها في السير بسرعة.

5) خدائع الشهوات للنفس بما تزينه لها ، أي لم تسلك خدائع الشهوات طريقاً في هممهم .

6) فاقتهم: حاجتهم.

7) يمموه : قصدوه بالرغبة والرجاء عندما انقطعت الخلق سواهم إلى المخلوقين.

8) الاستهتار: التولع ، مصدر استهتر فلان بكذا، أي لازمة وأولع به.

9) مواد: جمع مادة، أصلها من مدّ البحر إذا زاد، وكُلّ ما أعنْتَ به غيرك فهو مادة، ويريد(علیه السّلام) بها ، البواعث المعينة على الأعمال، أي كلّما تولّعوا بطاعته زادت بهم البواعث عليها من الرغبة والرهبة.

10) الشفقة : الخوف .

11) «فَيّنوا» أي فيضعفوا، وني يني: ضعف أو تأنّى . والجِدّ : الاجتهاد والانكماش .

الْأَطْمَاعُ فَيُؤْثِرُوا وَشِيكَ السَّعْيِ عَلَى أَجْتِهَادِهِمْ(1). لَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوِ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ(2)، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ(3). وَلَمْ يُفَرِّقُهُمْ سُوءُ التَّقَاطِعِ، وَلَا تَوَلَّاهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ(4)، وَلَا تَشَعَبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرَّيْبِ(5)، وَلَا أَقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ أَلْهِمَمِ6(6)، فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ لَمْ يَفُكَهُمْ مِنْ رِبَّقَتِهِ زَيْغٌ وَلَا عُدُولٌ، وَلَا وَنيَّ وَلَا فُتُورٌ (7)، وَلَيْسَ فِي أَطْبَاقِ السَّمَوَاتِ مَوْضِعُ إِهَابٍ(8)إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكُ سَاجِدٌ، أَوْ سَاعِ حَافِدٌ(9)، يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً، وَتَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً.


1) وشيك السعي: مقاربه وهيّنه، أي أنّه لا طمع لهم في غيره فيختاروا هيّن السعي على الاجتهاد الكامل.

2) أي أنّهم لا يستعظمون عبادتهم، ولو أنّ أحداً منهم استعظم عبادتَه لأذهب خوفُه رجاءَه الذي تولد من استعظام تلك العبادة، فيصفهم بعظم التقوى. والشفقات: تارات الخوف وأطواره، وهو فاعل نسخ، والرجاء مفعول . والوجل : الخوف أيضاً.

3) الاستحواذ الغَلبة .

4) الغِل : الحِق۫د .

5) تشعّبتهم : تقسّمتهم وفَرّقتهم، ومنه قيل للمنية شُعوب ، أي مفرقة، وصروف الريب: جمع ريبة و هي ما لا تكون النفس على ثقة من موافقته للحق.

6) أخياف الهمم : أي الهمم المختلفة، وأصله من الخَيف، وهو كَحل إحدى العينين دون الأخرى ، أو يكون المراد هنا سواقط الهمم، من الخَيف أيضاً وهو ما انحدر عن سفح الجبل، فإنّ التفرّق والاختلاف كثيراً ما يكون من انحطاط الهمّة، بل أعظم ما يكون منه ينشأ عن ذلك، وقد يكون الخيف بمعنى الناحية، أي متطرفات الهمم.

7) ونی: مصدر وني - كتعب - أي تأنى .

8) الإهاب: الجِل۫د.

9) الحافد : المسرع ، ومنه الدعاء : اللهم إليك نسعى ونحفِد .

وَمِنْهَا فِي صِفَةِ الْأَرْضِ وَدَحُوهَا عَلَى الْمَاءِ

وَمِنْهَا فِي صِفَةِ الْأَرْضِ وَدَحُوهَا عَلَى الْمَاءِ (1)

كَبَسَ الْأَرْضَ (2)عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجِ مُسْتَفْحِلَةٍ (3)، وَلُجَجِ بِحَارٍ زَاخِرَةٍ(4)، تَلْتَطِيمُ أَوَاذِيُّ أَمْوَاجِهَا(5)، وَتَصْطَفِقُ مُتَفَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا(6)، وَتَرْغُوا(7)زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا(8)، فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ(9)الْمُتَلَاطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا، وَسَكَنَ هَيْجُ أَرْتِمَائِهِ (10)إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا (11)، وَذَلَّ مُسْتَخْذِياً (12)إِذْ تَمَعَّكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا (13)، فَأَصْبَحَ بَعْدَ


1) دحوها: بسطها.

2) كبَسَ الأرض ، أي أدخلها في الماء بقوة واعتماد شديد؛ ويقال لضرب من التمر : الكَبيس؛ لأنّه يكبَس حتى يتراصّ ، وكبس النهر والبئر : أي طمهما بالتراب، وعلى هذا كان حقّ التعبير كبس بها مور أمواج، لكنه أقام الآلة مقام المفعول لأنّها المقصود بالعمل .

3) المؤر : التّحرك الشديد مصدر «مار» أي ذهب وجاء ومستفحلة : هائجة هَيَجان الفحول يصعب التغلب عليها، واستفحل الأمر : تفاقم واشتدّ .

4) زاخرة ممتلثة ، زخر الماء امتدّ جدّاً وارتفع.

5) الأواذي: جمع آذيّ، وهو أعلى الموج.

6) تصطفق : يضرب بعضها بعضاً ، اصطفقت الأشجار: اهتزت بالريح والأثباج هاهنا أعالي الأمواج، وأصل الثَبَج - بالتحريك - : ما بين الكاهل إلى الظهر أو صدر القطاة، استعارة لأعالي الموج ، والمتقاذفات التي يقذف بعضها بعضاً .

7) ترغو: تصوّت صوت البعير ، والرغاء : صوتُ ذات الخُفّ .

8) الزبد : ما يظهر فوق السيل . والفحول عند هياجها: فحول الإبل إذا هاجتْ للضَّرَاب .

9) جماح الماء : صعودُه وغَلَبانه. وخَضَع : ذلّ.

10) هَيْج -ماء : اضطرابه، و هیچ ارتمائه يعني تقاذفه و تلاطمه.

11) كلكلها: صدرها ، وهو في الأصل الصدر استعارة لما لاقى الماء في الأرض.

12) المستخذي: الخاضع، المنكسر المسترخي، وقد يُهمز ، أصله من خَذَا الشيء، أي استرخى، وأُذنٌ خَذْواءُ : بيّنة الخذاء ، أي مسترخية .

13) تمعكت: تمرغت، مستعار من تَمَعُك الدابة في الأرض. وكواهلها: جمع كاهل، وهو ما بين الكِتفين، ويسمى الحارك .

أَصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ(1)سَاجِياً(2)مَقْهُوراً، وَفِي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً(3). وَسَكَنَتِ الْأَرْضُ مُدْحُوَّةٌ(4)فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ(5)، وَرَدَّتْ مِنْ نَخْوَةٍ بَأْوِهِ وَاعْتِلَائِهِ (6)، وَشُمُوخ أَنْفِهِ(7)وَسُمُو غُلَوَائِهِ(8)، وَكَعَمَتْهُ(9)عَلَى عِظَةِ جَرْيَتِهِ (10)، فَهَمَدَ(11)بَعْدَ نَزَقَاتِهِ (12)وَلَبَدَ بَعْدَ زَيَفَانِ وَثَبَاتِهِ (13)فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا (14).


1) اصطخاب: افتعال من الصخب بمعنى ارتفاع الصوت، والصَّخَب : الصباح والجَلَبَة .

2) ساجياً : ساكناً.

3) الحَكَمَة - محركة - : ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه وفيها العِذَارَان .

4) مدحوة: مبسوطة ، قال تعالى «وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا» (النازعات 30) ويجوز أن تكون «مدحوة» هاهنا بمعنى مقذوفة مرمية، من دحوت الحصاة ، أي قذفتُها .

5) التيّار : أعظم من الموج، ولجته: أعمقه.

6) البأو: الكبِر والفخر والزهو، وهذا الكلام استعارة؛ يقال : كَسَرت الأرضُ سَوْرة الماء الجامح كما تُكسر سَوْرة بأو الرجل المتكبر المفتخر. والاعتلاء التَّبه والتكبّر .

7) الشُّموخ العلوّ ، والجبال الشوامخ : الشاهقة .

8) السموّ : العلو، وسمو غلوائه أي غلّوه وتجاوز الحدّ ، والغُلواء - بضم الغين وفتح اللام - : النشاط وتجاوز الحد.

9) كَعَم البعير كمنع: شدّ فاه لئلا يعضّ أو يأكل ، وما يُشَدّ به كِعَام - ككتاب.

10) الكِظّة - بالكسر - : ما يعرض من امتلاء البطن بالطعام، ويراد بها هنا ما يشاهد في جري الماء من ثقل الاندفاع ، يقول : كعمت الأرضُ الماء حال كونه محظوظاً، لشدة امتلائه وكثرة وازدحام أمواجه .

11) فهمدَ: أى سكن ، همدت النارُ تهمُد هُموداً ، أى طفئت وذهبت البتّةُ. والخمود دون الهمود.

12) النَزّق والنّزقان : الخفّة والطيش ، نَزِق الرجلُ ينزَق نَزَقاً، والنَّزقات : الدفعات من ذلك.

13) لبَد الشيء بالأرض ، أي لصق بها ساكناً . والزَّيفان : التبختر في المشي، والزيّافة من النوق المختالة، ويروى : «ولَبَد بعد زّفيان وثباته» والزَّفيان: شدة هبوب الريح. ومنه ناقة زَفيان: سريعة .

14) أكنافها: جوانبها ونواحيها ، وكنفا الطائر جناحاه .

وَحَمْلِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ(1)الشُّمَّخِ الْبُذَخِ عَلَى أَكْتَافِهَا، فَجَّرَ يَنَابِيحَ(2)الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا(3)، وَفَرَّقَهَا فِي سُهُوبِ بِيدِهَا(4)وَأَخَادِيدِهَا(5)، وَعَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلَامِيدِهَا (6)، وَذَوَاتِ الشَّنَاخِيبِ السُّم (7)مِنْ صَيَاخِيدِهَا(8)، فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيَدَانِ (9)لِرُسُوبِ الْجِبَالِ (10)فِي قِطَعِ أَدِيمِهَا (11)، وَتَغَلْغُلِهَا (12)مُتَسرِّبَةٌ فِي


1) الجبال الشواهق: العالية، ومثله البذَّخ ، وباذخ أي عالٍ ورفيع ، غير أنّي أجد من لفظ الباذخ معنى أخصّ وهو الضخامة مع الارتفاع. وحمل : عطف على أكناف .

2) الينابيع : جمع يُنُبوع ، وهو ما انفجر من الأرض.

3) عرّانين: جمع عِزنين - بالكسر : أوّل الأنف تحت مجتمع الحاجبين أو ما صلب من عظم الأنف ، والمراد أعالي الجبال، غير أنّ الاستعارة من ألطف أنواعها فى هذا المقام.

4) السُّهوب : جمع سَهْب ، وهو الفلاة. والبيد: جمع بيداء ،و هي الفلاة أيضاً.

5) الأخاديد : جمع أخدود ، وهو الشقّ أو الحفر المستطيلة في الأرض، والمراد منها مجاري الأنهار .

6) الراسيات : الثّقال . الجلاميد: الصخور، واحدها جُلمود : وهو الحجر القاسي والصّلُد ، والضمير للأرض كما يظهر من بقية الكلام.

7) الشناخيب - جمع شُنْخُوب - : رؤوس الجبال . والشُّمُ : العالية الرفيعة.

8) الصياخيد: جمع صَيخود وهي الصخرة الصلبة الشديدة.

9) المَيَدان: التحرّك والاضطراب، وماد الرجل يميد أي تبختر.

10) رسوب الجبال: نزولُها ، رسب الشيء في الماء، أي سَفُل فيه، وسيفٌ رَسُوب: ينزل في العظام.

11) «في قطع أديمها» جمع قِطعة ، يريد في أجزائها وأبعاضها، ويروى في «قُطَع أديمها» جمع قطعة،و هي القُطمة و وهى مفروزة من الأرض ، ويروى «في قطع أديمها» بسكون الطاء، والقطع: طِن۫فسة الرَّحْل ، فنقل ذلك إلى هذا الموضع استعارة ، كأنّه جعل الأرض ناقة ، وجعل لها قطعاً، وجعل الجبال ثابتة في ذلك القطع . وأديم الأرض: وجهها وظاهرها .

12) التغلغل : المبالغة في الدخول، وتغلغُل الماء في الشجر : دخوله وتخللّه في أصوله . وعروقه متسرّبة : أي داخلة ، تسرّب الثعلبُ أي دخل السَّرَب .

جَوْبَاتِ (1)خَيَاشِيمِهَا (2)، وَرُكُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُولِ الْأَرَضِينَ (3)وَجَرَاثِيمِهَا(4). وَفَسَحَ(5)بَيْنَ الْجَوِّ وَبَيْنَهَا، وَأَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً(6)لِسَاكِنِهَا، وَأَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِهَا(7). ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الْأَرْضِ (8)الَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَابِيهَا(9)، وَلَا تَجِدُ جَدَاوِلُ الْأَنْهَارِ ذَرِيعَةً إِلَى بُلُوغِهَا (10)، حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا (11)وَتَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا. أَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ (12)


1) الجَوْبات : جمع جَوْبَة بمعنى الفُرجة في جبل أو غيره.

2) خياشيمها: جمع خيشُوم، وهو أقصى الأنف أو منفذ الأنف إلى الرأس، أو ما رقّ من الغضاريف : الكائنة فوق قصبة الأنف متصلة بالرأس، وضمير تغلغلها للجبال وخياشيمها للأرض، والمجاز ظاهر .

3) ركوب الجبال أعناقَ السهول : استعلاؤها عليها. وأعناقها : سطوحها .

4) جراثيمها - جمع جُرثومة، وهي أصل الشجر - ما سفل عن السطوح من الطبقات الترابية، واستعلاء الجبال عليها ظاهر.

5) فَسَح: أوسع.

6) متنسماً : يعني موضع النسيم.

7) مرافق البيت: ما يستعان به فيه وما يحتاج إليه في العيش خصوصاً ما يكون من الأماكن ، أو هو ما يتمّ به الانتفاع بالسكنى كمصاب المياه، والطرق الموصلة إليه، والأماكن التي لابدّ منها للساكنين فيه لقضاء حاجاتهم، وما يشبه ذلك.

8) الأرض الجرُز : التي لانبات فيها لانقطاع المطر عنها.

9) الروابي : التَّلاع وما علا من الأرض .

10) الجداول : الأنهار الصغار. والذريعة : الوصلة والوسيلة.

11) ناشئة سحاب : ما يبتدى ظهوره. والمَوات : القَفّر من الأرض، وهو ما لا يزرع.

12) اللّمع : جمع لُمعة. وهي القطعة من السحاب أو غيره، والأصل القطعة من النبات مالت لليبس استعارها لقطع السحاب، والمشابهة في لونها وذهابها إلى الاضمحلال لولا تأليف الله إيّاها مع غيرها.

وَتَبَايُنِ قَزَعِهِ(1)، حَتَّى إِذَا تَمَخَضَتْ لُجَّةُ الْمُزْنِ فِيهِ (2)، وَالْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كُفَفِهِ (3)في نسخة ابن المؤدب «كِفَفِة» والكفّة: كلُّ شيءٍ مستدير، ومنه كِفّة الميزان والجمع : كِفَفٌ، وكفافُ. (4)، وَلَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ(5)فِي كَنَهْوَرِ رَبَابِهِ(6)، وَمُتَرَاكِمٍ سَحَابِهِ(7)، أَرْسَلَهُ سَحاً مُتَدَارِكاً(8)، قَدْ أَسَفَ هَيْدَبُهُ(9)، يَمْرِي الْجَنُوبُ (10)دِرَرَ أَهَاضِيبِهِ (11)، وَدُفَعَ شَابِيبِهِ (12)فَلَمَّا أَلْقِتِ


1) تباينها: افتراقها. والقَزَع قطع من السحاب رقيقة واحدها قَزَعَة : وهي القطعة من الغيم .

2) تمخّضت: تحركت بقوة تمخّض اللبن إذا تحرّك في الممخضة، وتمخّض الولد: تحرك في بطن الحامل ، والهاء في «فيه» ترجع إلى المزن، أي تحرّكت لجة المُزْن في المُزن نفسه ، ويصح أن يرجع للغمام في أول العبارة.

3) التمع البرق ولمع أي أضاء . وكفَفُه

4) : جمع كُفّة . والكفّة كالدّارة تكون في السحاب ، والأصل في الكُفّة : الحاشية والطرف لكل شيءٍ ، أي جوانبه ، ومنه كُفّة الثوب؛ وهي حاشيته .

5) الوميض : الضياء واللّمعان. «لم ينم» أي لم يفتر ولم ينقطع ، نامت النار : هَمّدت .

6) الكَنَهور: العظيم من السحاب أو المتراكم منه ، والرّباب : الغمام الأبيض، وهو جمع الواحدة ربابة ، وبه سميت المرأة الرّباب، أي لم يمهد لمعان البرق حقاً في رُكام هذا الغمام .

7) المتراكم : الذى قد ركب بعضُه بعضاً .

8) سحّاً : صبّاً متلاحقاً متواصلاً. ومتداركاً : يلحق بعضه بعضاً من غير انقطاع .

9) هيدّبه: ما تهذّب منه، أي تدلّى كما يتدلّى هدبُ العين على أشفارِها . والهيدب - كجعفر - : السحاب المتدلي أو ذَيْلُهُ ، وأسَفَّ الطائر: دنا من الأرض.

10) يَمْري: بمعنى يحلب ويستدرُ ، من مرّى الناقة: مسح على ضرعها ليحلب لبنها، ويروى: «تمرية الجَنُوب» [كما عند عبده والصالح] ويروى «تمترى الجَنُوب» وهو بمعنى تَمْري من مريت الفرس، إذا استخرجت بالسوط ما عنده من الجري، وخصّ الجنوب بذلك لأنّ عليها يكون المطر.

11) الدّرر : جمع دِرّة، وهي كثرة اللبن وسيلانه وصبُّه . والأهاضيب : جمع هِضّاب ، والهِضاب : جمع هَضْب : : وهي حلبات القَط۫ر بعد القَط۫ر، أي دنا السحاب من الأرض لثقله بالماء، وريح الجنوب تسندره الماء كما يستدر الحالب لبن الناقة، فإن الريح تحركه فيصبُ ما فيه.

12) الدُّفَع : جمع دُفعة - بالضم - وهي الدُّفقة من المطر. والشآبيب : جمع شؤبوب، وهي رَشّة قوية من المطر ، تنزل دفعة بشدة، وكأنّما ينصبّ من جانب لا من أعلى.

السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا (1)في نسخة أبن المؤدب وكذلك في نسخة عبده: «بَوَانِيها».(2)، وَبَعَاعَ (3)ما اسْتَقَلَّتْ بِهِ (4)مِنَ الْعِبْءِ (5)الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا، أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الْأَرْضِ النَّبَاتَ(6)، وَمِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الْأَعْشَابَ(7)، فَهِيَ تَبْهَجُ(8)بِزِينَةِ رِيَاضِهَا، وَتَزْدِهِي(9)بِما أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ (10)أَزَاهِيرِهَا(11)، وَحِلْيَةٍ مَا سُمِطَتْ (12)


1) البر۫ك: الصدر ، وبِوانَيها، تثنية بِوّان على «فِعال» بكسر الفاء، وهو عمود الخيمة، والجمع بُون - بالضم - ومن روى «بَوَانِيها»

2) أراد لواصقها . والبَرَك بالفتح: في الأصل ما يلي الأرض من جلد صدر البعير كالبَر۫كة. والبواني هي أضلاع الزور. وشبه السحاب بالناقة إذا بركت ، وضربت بعنقها على الأرض ، ولاطمتها بأضلاع زورها، واشتبه ابن أبي الحديد في معنى البرك والبواني فأخرج الكلام عن بلاغته.

3) بَعاع السحب : ثقله بالمطر ، وألقى السحاب بَعاعَه : أمطر كلّ ما فيه . و«بعّاع» معطوف على «بِر۫ك».

4) استقلّت: ارتفعت ونهضّت .

5) العبء: الثقل والحِم۫ل.

6) هوامد الأرض ، هي الأرضون التي لا نبات بها.

7) زُع۫ر : المواضع القليلة النبات، زُع۫ر الجبال : جمع أزعر، المراد به قلة العشب والخَلَى، وأصله من الزَّعَرِ وهو قلة شعر الرأس ، والأنثى زَع۫رَاء.

8) تبهج : تُسرّ ونفرح.

9) تزدهي : أي تتكبّر ، أو تعجب، ويروى «وتُزدَهَى بما أُلبسَتْهُ».

10) جمع رَيْطة - بالفتح : وهي كل ثوب رقيق ليّن .

11) الأزاهير : النَّوْر ذو الألوان، جمع أزهار الذي هو جمع زهرة بمعنى النبات

12) سُمِطَت به: علّق عليها السُّموط ، جمع سِم۫ط وهو العقد. ومن رواه «شَمَطَت» أراد ما خالط سواد الرياض من النّور الأبيض كالاقحوان وغيره، فصارت الرياض كالشعر الأشمط، والشَّمِيطُ من النبات ما كان فيه لون الخضرة مختلطاً بلون الزهر.

بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا(1)، وَجَعَلَ ذلِكَ بَلاغاً لِلأَنَامِ(2)، وَرِزْقاً لِلْأَنْعَامِ، وَخَرَقَ الْفِجَاجَ فِي آفَاتِهَا(3)، وَأَقَامَ الْمَنَارَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى جَوَادٌ طُرْقِها. فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ(4)، وَأَنْفَذَ أَمْرَهُ اخْتَارَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خِيَرَةً مِنْ خَلْقِهِ(5)، وَجَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ(6)، وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، وَأَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ(7)، وَ أَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ(8)، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ، وَالْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ، فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ - مُوَافَاةٌ لِسَابِقِ عِلْمِهِ - فَأَهْبَطَهَ بَعْدَ التَّوْبَةِ، لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ، وَلِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ (9)مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ، وَيَصِلُّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ، بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ (10)عَلَى أَلْسُنِ الْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ، وَمُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالَاتِهِ ، قَرْنا فَقَرْنا (11)حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ


1) الناضر ذو النّضارة، وهي الحسن والطّرّاوة والأنوار : جمع نُو۫ر - بفتح النون - وهو الزهر بالمعنى المعروف، أي حلية القلائد التي علقت عليها من أزهار نباتها.

2) بلاغاً للأنام: أي كفاية ، والبلاغ : ما يُتبَلُغ به من القُوت.

3) الآفاق: النواحي، والمنار: الأعلام.

4) مهّد أرضه : سوّاها وأصلحها، ومنه المهاد وهو الفراش، ومَهَد۫تُ الفراش، أي بسطته ووطأته.

5) «خِيَرةٌ من خلقه» الاسم من : اختاره الله، ويجوز «خِيْرَة الله» بالتسكين، والاختيار الاصطفاء.

6) الجبِلَة : الخَل۫ق، وجِبِلَّته: خِلقَته.

7) «وأرغَدَ فيها أكُله» أي جعل أكُله - وهو المأكول - رغداً، أي واسعاً طيباً.

8) «وأوعز إليه فيما نهاه عنه» أي تقدّم إليه بالإنذار.

9) بعد قبض آدم(علیه السّلام) .

10) أي حَدّد العهد عندهم بها. ويروى «بل تعهدّهم» بالتشديد والتعهّد : التحفّظ بالشيء، و هو أفصح من «تعاهدتُ» لأنّ التفاعل إنّما يكون بين شيئين؛ وتقول : فلان يتعهده صَر۫عُ.

11) فَرْناً فقَرناً بفتح القاف، وهو أهل الزمان الواحد.

وَآلِهِ - حُجَّتُهُ، وَبَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذُرُهُ وَنُذُرُهُ(1). وَقَدَّرَ الْأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَقَلَّلَهَا، وَقَسَّمَهَا عَلَى الضّيقِ وَالسَّعَةِ، فَعَدَّلَ فِيهَا (2)لِيَبْتَلِيَ مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا وَمَعْسُورِهَا. وَلِيَخْتَبِرَ بِذلِكَ الشُّكْرَ وَالصَّبْرَ مِنْ غَنِيّهَا وفَقِيرِهَا . ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا (3). وَبِسَلَامَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا(4)، وَبِفُرَج (5)أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا(6). وَخَلَقَ الْآجَالَ فَأَطَالَهَا وَقَصَّرَهَا، وَقَدَّمَهَا وَأَخَّرَهَا، وَوَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا(7)، وَجَعَلَهُ خَالِجاً لأَشْطَائِهَا (8)، وَقَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقرَانِهَا(9)

وإضافة المرائر للأقران بعد استعمالها في الشديدة بلا قيد أن تكون حبالاً.

، عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ

1) «وبَلَغ المقطع عُذْرُهُ ونُذُرُهُ» مقطع الشيء حيث ينقطع، ولا يبقى خلفه شيء منه، أي أنّ الحُجة قد تمت على الخلق أجمعين ببعثه محمداً(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وبلغ الأمر مقطعه، فلم يبقَ بعده رسولُ يُنتظر؛ وانتهت عُذر الله تعالىٰ ونُذُره فعذرُه ما بيَّن للمكلَّفين من الإعذار في عقوبته لهم إنْ عَصَوْه، ونُذره: ما أنذرهم به من الحوادث.

2) عدُل فيها: من التعديل وهو التقويم، وروي «فعدَلَ» بالتخفيف [كما في نسخة عبده والصالح] من العدل نقيض الظلم.

3) العقابيل في الأصل : الحلأ، وهو قروح صغار تخرج بالشَّفة من بقايا المرض، والعقابيل - هنا : الشدائد، جمع عُقْبُولة - بضم العين .. والفاقة : الفقر.

4) طوارق الآفات : متجدّدات المصائب، وأصلُ الطُّروق ما يأتي ليلاً.

5) الفُرْج : جمع فرجة، وهي التفضي من الهمّ.

6) الأتراح: الغموم، جمع تَرَح - بالتحريك - : الغم والهلاك.

7) أسبابها: حبالها.

8) خالجاً : جاذباً، والخلج الجذب، ومنه الخليج : الحبل لأنّه يُجتذب به، وسمي خليج البحر خليجاً؛ لأنّه يجذّب من معظم البحر. والأشطان : الحِبال، واحدها شَطَن: الحبل الطويل، شبه به الأعمار الطويلة، وشطنتُ الفرسَ إذا شددته بالشَّطَن.

9) المرائر : جمع مَرِيَرة، وهو الحبل يُق۫تَل على أكثر من طاق أو الشديد القَت۫ل. والأقران : جمع قَر۫ن بالتحريك - وهو الحبل يُج۫مَع به بعيران، وذكره لقوته أيضاً، وهذا الكلام من باب الاستعارة.

وَنَجْوَى(1)الْمُتَخَافِتِينَ (2)وَخَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ (3)، وَعُقَدِ عَزِيمَاتِ الْيَقِينِ(4)وَمَسَارِقِ (5)إِيمَاضِ الْجُفُونِ(6)، وَمَا ضَمِنَتْهُ أَكْنَانُ الْقُلُوبِ (7)، وَغَيَابَاتُ الْغُيُوبِ (8)وَما أَصْغَتْ لاِسْتِرَاقِهِ(9)مَصَائِحُ الْأَسْمَاعِ (10)، وَمَصَائِفُ الذَّرُ (11)، وَمَشَاتِي الْهَوَام (12)


1) النَّج۫وى : المسارّة، ويقال للسِّرِّ نفسه النَّجو.

2) المتخافتين : الذين يسرّون المنطق، وهي المخافتة والتخافت والخف۫ت أي المكالمة سرّاً.

3) رج۫م الظنون: القول بالظَّن، أو يريد منه(علیه السّلام) : ما يخطر على القلب أنّه وقع، أو يصحّ أن يقع بلا برهان.

4) العُقد: جمع عُق۫دة، ما يرتبط القلب بتصديقه لا يصدق نقيضه ولا يتوهمه. والعزيمات - جمع عَزِيمة - : العزائم، وهي ما يوجب البرهان الشرعيّ أو العقليّ تصديقّه والعملُ به، فيعقِد القلب عليها وتطمئنّ النفس إليها.

5) المسارق: جمع مَشرِق : مكان مُسَارَقَةِ النظر أو زمانها أو البواعث عليها، أو من «فلان يسارق فلاناً النظر» أي ينتظر منه غفلة فينظر إليه.

6) الإيماض : اللمعان، أومض البصر أو البرق: إذا لمع لَمْعاً خفيفاً، وهو أحق أن ينسب إلى العيون لا إلى الجفون، ونسبته إلى الجفون لأنّه ينبعث من بينها.

7) ضَمنَت۫ه حونه. وأكنانُ القلوب غُلّفها، والكنّ: الستر ، والجمع أكنان ويروى : «أكنّة القلوب» وهي الأغطية أيضاً واحدها كِنَان.

8) غيابات الغيوب: أعماقها، جمع غَيابة، وهي قَع۫ر البئر في الأصل ثم نقلت لكل غامضٍ. وروي «غَبَابات» بالباء .

9) أصْغَت: تسمّعت ومالت نحوه، ولاستراقِه : لاستماعه في خُفية. ومصائخ الأسماع : خروقُها التى يُصبح بها، أي يتسمّع.

10) المَصَائخ : جمع مُصَاحَ، مكان الإصاخة وهو ثقبة الآذان.

11) مصائف الذرّ : المواضع التي يصيف الذرّ فيها، أي يقيم الصيف. والذرّ : جمع ذَرَة، وهي أصغر النمل، وهو وما بعده عطف على ضمائر المضمرين.

12) مشاتيها : محل إقامتها في الشتاء. والهوام: جمع هامّة، ولا تقال إلّا للمُخوف من الأحناش.

وَرَجْعِ الْحَنِينِ مِنَ الْمُولَهَاتِ(1)، وَهَمْسِ الْأَقْدَامِ(2)، وَمُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ(3)مِنْ وَلَائج(4)غُلُفِ الأَكْمَامِ (5)، وَمُنْقَمَعِ الْوُحُوشِ (6)مِنْ غِيرَانِ (7)الجِبَالِ وَأَوْدِيَتِهَا، وَ مُخْتَبَا الْبَعُوضِ بَيْنَ سُوقِ الْأَشْجَارِ وَأَلْحِيَتِهَا(8)، وَمَغْرِزِ الْأَوْرَاقِ مِنَ الْأَفْنَانِ(9)، وَمَحَطَّ الْأَمْشَاجِ (10)مِنْ مَسَارِبِ الْأَصْلَابِ (11)وَناشِئَةِ الْغُيُومِ وَمُتَلَاحِمِهَا (12)، وَدُرُورٍ قَطْرِ السَّحَابِ فِي مُتَرَاكِمِهَا (13)، وَمَا تَسْفِي الأَعَاصِيرُ بِذُبُولِهَا (14)، وَتَعْفُو الْأَمْطَارُ


1) المولهات: الحزينات، من النُّوق والنساء اللواتي حيل بينهنّ وبين أولادهنّ، ورجع الحنين: ترجیعه و تردیده.

2) همس الأقدام : صوت وطئها خفياً جداً. والأسدُ الهمُوس : الخفيّ الوطء، والهمس : أخفى ما يكون من صوت القدم على الأرض.

3) منفسح الثّمرة: أي موضع سعتها من الأكمام ومكان نموها، وقد روي «متفسّح» من تفسّحت الثمرة، إذا انقطعت.

4) الولائج : المواضع الساترة الواحدة وليجة، كالكهف وغيره.

5) الغُلُف : جمع غِلاف. والأكمام : جمع كِمّ - بالكسر - وهو غطاء النّوار ووعاء الطَّلعْ.

6) منقمع الوحوش: موضع تقمّعها، أي اختفائها واستتارها.

7) غِيران الجبال : جمع غار، وهو كالكهف في الجبل.

8) مختبأ البعوض : موضع اختبائها واستتارها. وسُوق الأشجار : جمع ساق، وهو أسفل الشجرة تقوم عليه فروعها. وألحيتُها: جمع لحاء، وهو القشر.

9) مغرز الأوراق : موضع غَر۫زها فيها. والأفنان: الغصون، جمع فَنَن، وهو الغصن

10) الأمشاج : ماء الرجل يختلط بماء المرأة ودمها، جمع مَشِيج، سميت أمشاجاً من «مَشَجَ» إذا خلط، لأنّها مختلطة من جراثيم مختلفة، كُلّ منها يصلح لتكوين عضو من أعضاء البدن.

11) مسارب الأصلاب : المواضع التي يتسرب المني فيها من الصُّلُب، أي يسيل.

12) ناشئة الغيوم : أوّل ما ينشأ منها. ومتلاحمها: ما يلتصق منها بعضها ببعض ويلتحم.

13) ودُرور قطر السحاب: مصدر، من درّ یدِرّ، أي سال، وناقة دَرُور : أي كثيرة اللبن، وسحاب دَرُور : أي كثير المطر. ومُتَرَاكمها : المجتمع المتكائف منها.

14) سفت الريحُ الترابُ: ذرته أو حملته، والأعاصير : جمع إعصار، وهي ربح تثير الغبار فيرتفع إلى السماء كالعمود وذيولها ههنا، يريد به أطرافها وما لاحف الأرض منها.

بِسُيُولِهَا(1)، وَعَوْمِ بَنَاتِ الْأَرْضِ فِي كُتبَانِ الرِّمَالِ(2)، وَمُسْتَقَرٌّ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَةِ بِذُرَى (3)شَنَاخِيبِ (4)الْجِبَالِ، وَتَغْرِيدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ(5)فِي دَيَاجِيرِ الْأَوْكَارِ (6)، وَمَا أَوَعَبَتُهُ الْأَصْدَافُ (7)، وَحَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ(8)، وَمَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةٌ لَيْلِ(9)، أَوْ ذَرَّ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهَارِ (10)، وَمَا أَعْتَقَبَتْ (11)عَلَيْهِ أَطْبَاقُ الدَّيَاجِيرِ (12)، وَسُبْحَاتُ النُّورِ (13)، وَأَثَرِ كُلِّ خَطْوَةٍ، وَحِسٌ كُلِّ حَرَكَةٍ، وَرَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ (14)، وَتَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ، وَمُسْتَقَرٌّ كُلِّ نَسَمَةٍ(15)، وَمِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ، وَهَمَاهِم كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ (16)، وَمَا عَلَيْهَا (17)مِنْ


1) تعفو: نمحو، وما تعفو الأمطار أي ما تدرس.

2) وبنات الأرض: الهوام والحشرات التي تكون في الرمال. وعَوْمها فيها : سباحتها؛ ويقال لسير السفينة وسير الإبل أيضاً: عَو۫م، والكثبان: جمع كَثيب، وهو التل.

3) الذرى: أعلى الشيء، وذُرها: أعاليها، جمع ذِروة وذُروة، بالكسر والضم.

4) الشناخيب : رؤوس الجبال.

5) التغريد : التطريب بالغناء، غرّد الطائر إذا طرّب بصوته، وذوات المنطق - ههنا : الأطيار ؛ وسمي صوتها منطقاً مجازاً.

6) الدياجير : جمع دَي۫جور، وهو الظلام. والأوكار: جمع وَك۫ر، وهو عُشّ الطائر.

7) «وما أوعبته الأصداف»، أي من اللؤلؤ، وأوعَبَت۫ه : جمعته.

8) «حَضَنتْ عليه ...» كالعنبر ونحوه، ربته فتولد في حِض۫نها كما تحضن الأنثى من الطير بيضّها.

9) سُد۫فة الليل : ظلمته. وغشيته : غطّته.

10) ذَرٌ : طلع، وذرّ عليه شارق نهار، أي ما طلعت عليه الشمس.

11) اعتقبت : تعاقبت و توالت.

12) الأطباق : الأغطية. والدياجير : الظلمات.

13) سبحات النور : درجاته وأطواره، أي يعلم سبحانه ما تعاقب عليه الظلام والضياء.

14) رَجْع كل كلمة : ما ترجع به من الكلام إلى نفسك وتردّده في فكرك.

15) النسّمة : الإنسان نفسه، وجمعها نَسَم.

16) هَماهِم : هُمُوم، مجاز من الهَمْهَمَة، ترديد الصوت في الصدر من الهمّ.

17) «ما عليها» أي ما على الأرض .

ثَمَرِ شَجَرَةٍ، أَوْ سَاقِطِ وَرَقَةٍ، أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ(1)، أَوْ نُقَاعَةٍ دَمٍ وَمُضْغَةٍ(2)، أَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ وَسُلَالَةٍ(3)، لَمْ يَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ كُلفَةٌ(4)، وَلَا اعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا أَبْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَةٌ(5)وَلَا أَعْتَوَرَتْهُ(6)فِي تَنْفِيزِ الْأُمُورِ وَتَدَابِيرِ الْمَخْلُوقِينَ مَلَالَةٌ وَلَا فَتْرَةٌ، بَلْ نَفَذَهُمْ عِلْمُهُ، وَأَحْصَاهُمْ عَدَدُهُ(7)، وَوَسِعَهُمْ عَدْلُهُ، وَغَمَرَهُمْ فَضْلُهُ،مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ .

اللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ، وَالتَّعْدَادِ الْكَثِيرِ(8)، إِنْ تُؤَمَّلْ فَخَيْرُ مَأْمُولٍ. وَإِنْ تُرْجَ فَخَيْرُ مَرْجُو. اللَّهُمَّ فَقَدْ بَسَطتَ لِي فِيمَا لَا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ، وَلَا أُثْنِي عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ، وَلَا أُوَجِّهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ وَمَوَاضِعِ الرِّيبَةِ(9)، وَعَدَلْتَ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ الْآدَمِيِّينَ، وَالتَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ الْمَخْلُوقِينَ. اللَّهُمَّ وَلِكُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثوبَةٌ (10)مِنْ جَزَاءٍ، أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءٍ، وَقَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلاً


1) قرارتها : مقرّها وقرارة النطفة: ما يستقرّ فيه الماء من الأماكن، والنُّطفة: الماء نفسه، ويجوز أن يريد المنيّ، ويقويه ما ذكره بعده من المُضغة.

2) النُّقاعة : نُقرة يجتمع فيها الدم، ونقاعة الدم : ما ينقع منه في أجزاء البدن. ونقاعة عطف على نطفة، والمضغة: قطعة اللّحم، وهي عطف على نقاعة، أي يعلم مقر جميع ذلك.

3) السلالة في الأصل: ما استلّ من الشيء، وسميت النطفة سلالة الإنسان، لأنّها استلَتْ منه، وكذلك الولد.

4) الكلفة : المشقة.

5) العارضة : هي ما يعترض العامل فيمنعه عن عمله .

6) اعتورَتْهُ : تَدَاوَلَتُهُ وتناولته.

7) ويروى «وأحصاهم عدّه».

8) المبالغة في عدّ كمالاتك إلى ما لا ينتهي.

9) يعني بمعادن الخيبة: البشر؛ لأنّ مادحهم ومؤملهم بخيب في الأكثر، وجعلهم مواضع الريبة، لأنّهم لا يوثق بهم في حال.

10) مثوبة : ثواب وجزاء.

عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ وَكُنُوزِ الْمَغْفِرَةِ(1).

اللَّهُمَّ وَهَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوحِيدِ الَّذِي هُوَ لَكَ، وَلَمْ يَرَ مُسْتَحِقاً لِهَذِهِ الْمَحَامِدِ وَالْمَمَادِحِ غَيْرَكَ ، وَبِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ لَا يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلَّا فَضْلُكَ، وَلَا يَنْعَشُ (2)مِنْ خَلَّتِهَا (3)إِلَّا مَنكَ(4)وَجُودُكَ، فَهَبْ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ رِضَاكَ، وَأَغْنِنَا عَنْ مَدٌ الْأَيْدِي إِلَى سِوَاكَ؛ «إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .

92 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

92 - ومن خطبة له عليه السلام (5)

لَمَّا أَرَادَهُ النَّاسُ عَلَى الْبَيْعَةِ بَعْدَ قَتْل عثمان

لَمَّا أَرَادَهُ النَّاسُ عَلَى الْبَيْعَةِ بَعْدَ قَتْل عثمان (6)

دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي، فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلَوَانٌ، لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ، وَلَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ(7)، وَإِنَّ الْآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ(8)، وَالْمَحَجَّةَ قَدْ


1) يرجو أن۫ يدلّه على الأعمال التي ترضيه، وكأنّه جعلها ذخائر للرحمة وكنوزاً.

2) ينعَش يرفع، والماضى نعَش، ومنه النع۫ش؛ لارتفاعه.

3) الخُلّة - بالفتح - : الفقر.

4) المَنّ: العطاء والنعمة والإحسان.

5) ذكرها الطبري وابن الأثير في حوادث سنة 35 بتفاوت يسير جداً.

6) في أكثر النسخ: «لما أراده الناس على البيعة»، ووجدت في بعضها: «أداره الناس على البيعة»، من أدرت فلاناً على كذا، أي عالجته.

7) لا تثبت عليه العقول: لا تصبر له، ولا تُطيق احتماله.

8) أغامت الآفاق: غطّاها الغيم.

تَنكَّرَتْ(1)، وَاعْلَمُوا أَنَّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ، وَلَمْ أُضْعَ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ، وَعَتْبِ الْعَاتِبِ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ، وَلَعَلَّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ، وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً .

93 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

93 - ومن خطبة له عليه السلام (2)

وَفِيهَا يُنَبِّهُ أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ عَلَى فَضْلِهِ وَعِلْمِهِ وَيُبَيِّنُ فِتْنَةَ بَنِي أُمَيَّةَ

أَمَّا بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، فَإِنِّي فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ (3)، وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا(4)، وَاشْتَدَّ


1) المحجة: الطريق المستقيمة، وتنكّرت: أي تغيرت علائمها فجُهلت ولم تُعرف والمعنى: أنّ الشبهة قد استولت على العقول والقلوب، وجهل أكثرُ الناس محجّة الحق أين هي، وذلك أنّ الأطماع كانت قد تنبهت في كثير من الناس على عهد عثمان بما نالوا من تفضيلهم بالعطاء، فلا يسهل عليهم فيما بعد أن يكونوا في مساواة مع غيرهم، فلو تناولهم العدل انفلتوا منه، وطلبوا طائشة الفتنة؛ طمعاً في نيل رغباتهم، وأولئك هم أغلب الرؤساء في القوم، فإنّ أقرّهم الإمام على ما كانوا عليه من الامتياز فقد أتى ظلماً، وخالف شرعاً، والناقمون على عثمان قائمون على المطالبة بالنصفة، إن لم ينالوها تحرشوا للفتنة، فأين اتّجه للوصول إلى الحق على أمن من الفتن. وقد كان بعد بيعته ما تفرّس به قبلها.

2) ذكرها أبو نعيم في (حلية الأولياء ) ج 1 ص 68، وابن واضح في (تاريخه) ج 2 ص 182.

3) فَقَاتُهَا: شَقَفْتُها وفَلَعْتُها، تمثيل لتغلبه عليها، جعل للفتنة عينٌ محدقة بهابها الناس، فأقدم هو عليها، ففقأ عينها فسكنت بعد هيجانها، وهذا من الاستعارة. وذلك كان بعد انقضاء أمر النهروان وتغلبه على الخوارج.

4) الغَيْهَب: الظلمة، وموجها شمولها وامتدادها، والمراد بعد ما عمّ ضلالُها فشمل، فكنّى عن الضلال بالغيهب، وعن العموم والشمول بالتموّج.

كَلَمُهَا (1).

فَأَسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَسْأَلُونَنِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ، وَلَا عَنْ فِئَةٍ (2)تَهْدِي مِنَةٌ وَتُضِلُّ مِنَةٌ إِلَّا أَنْبِأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا (3)وَقَائِدِهَا وَسَائِقِهَا ، وَمُنَاخ (4)رِكَابِهَا(5)، وَمَحَطَّ رِحَالِهَا ، وَمَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلاً . وَمَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً.

وَلَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي وَنَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ الْأُمُورِ(6)، وَحَوَازِبُ الْخُطُوبِ (7). لأَطرَقَ كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ، وَفَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْؤُولِينَ(8)، وَذَلِكَ إِذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ(9)، وَشَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ (10)، وَكَانَتْ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضِيقاً ، تَسْتَطِيلُونَ أَيَّامَ


1) «اشتدّ كَلَبُها» أى شرّها وأذاها، ويقال للقحط الشديد: كَلَب، والكَلَب: داء معروف يصيب الكلاب، فكلّ من عضّته أصيب به فَجّنَ ومات، شبه به اشتداد الفتنة حتى لا تصيب أحداً إلّا أهلكته.

2) الفئة: الطائفة.

3) ناعقها : الداعي إليها، من نعيق الراعي بغنمه، وهو صوته، نعق بغنمه: صاح بها لتجتمع.

4) المُنّاخ - بضم الميم - : محلّ البروك، من أنخت الجمل.

5) الركاب: الإبل ، واحدتها ،راحلة، إذ لا واحد لها من لفظها، وجمعها رُكُب.

6) كرائه الأمور: جمع كريهة، وهي الشدّة في الحرب.

7) حوازب الأمور: جمع حازِب، وهو الأمر الشديد، وحَزَبه الأمر، أي دَهمه واشتدّ عليه.

8) فَشِلَ: جبن.

9) «إذا قلّصت حربكم» يروى بالتشديد وبالتخفيف، ويروى «عن حربكم» فمن رواه مشدداً أراد انضمّت واجتمعت وذلك لأنّه يكون أشدّ لها من تفرّقها ومن رواها بالتخفيف أراد كثرت و تزايدت من «قَلَصتِ البئر» أي ارتفع ماؤها الى رأسها أو دونه.

10) «وشمّرت عن ساق» استعارة وكناية، يقال للجادّ في أمره: شمّر عن ساق، وذلك لأنّ سبوغ الذيل مَعْثَرة.

الْبَلَاءِ عَلَيْكُمْ(1)، حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ لِبَقِيَّةِ الْأَبْرَارِ مِنْكُمْ.

إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ(2)، وَإِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ (3)، يُنْكَرْنَ مُقْبِلَاتٍ، وَيُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ(4)، يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّيَاحِ، يُصِبْنَ بَلَداً وَيُخْطِئُنَ بَلَداً.

أَلَا وَإِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةٌ بَنِي أُمَيَّةَ، فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ: عَمَّتْ خُطَّتُهَا(5)، وَخَصَّتْ بَلِيَّتُهَا ، وَأَصَابَ الْبَلاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا(6)، وَأَخْطَأَ الْبَلَاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا(7). وَايْمُ اللَّهِ (8)لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سُوءٍ بَعْدِي كَالنَّابِ الضَّرُوسِ (9)تَعْدِمُ بِفِيهَا (10)، وَتَخْبِطُ بِيَدِهَا ، وَتَزينُ بِرِجْلِهَا (11)، وَتَمْنَعُ دَرَّهَا (12)، لَا يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لَا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلَّا نَافِعاً لَهُمْ، أَوْ غَيْرَ ضَائِرٍ بِهِمْ. وَلَا يَزَالُ بَلَاؤُهُمْ عَنْكُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلَّا مِثْلَ أَنْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ


1) لأنّ أيّام البؤس طويلة.

2) شَبَّهَتْ: اشتبه فيها الحق بالباطل.

3) يُعْرَفْنَ مُذبراتٍ : لأنّها تعرف بعد انقضائها وتنكشف حقيقتها فتكون عبرة.

4) ومثال ذلك فتنة الجمل، وفتنة الخوارج، كان كثير من الناس فيها في مبدأ الأمر متوقفّين ، واشتبه عليهم الحال، إلى أن انقضت الفتنة، فبان لهم صاحبُ الضلالة من صاحب الهداية.

5) الخُطة الأمر ، أي شمل أمرها لأنّها رئاسة عامة، وخصّت بليتها آل البيت لأنّها اغتصاب لحقهم.

6) من عرف الحق فيها نزل به بلاء الانتقام من بني أمية.

7) معناه: أنّ العالم بارتكابهم المنكر مأثوم إذ لم ينكر، والجاهل بذلك لا إثم عليه إذا لم ينههم عن المنكر؛ لأنّ مَنْ لا يعلم المنكر مُن۫كراً لا يلزمه إنكاره.

8) «وايم الله»، أصله: وايْمُنُ الله.

9) الناب: الناقة المسنة. والضروس: السيئة الخلق تعضّ حالبها.

10) تعذم: من «عدم الفرس» إذا أكل بجفاء أو عضّ، فرسٌ عَذومٌ: يعضّ بأسنانه.

11) تَزْبُن: أي تضرب، والزَّب۫ن: الدفع.

12) درها: لبنها، والمراد خيرها.

رَبِّهِ(1)، وَالصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ (2)تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشِيَّةٌ (3)، وَقِطَعاً جَاهِلِيَّةً ، لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدىً، وَلَا عَلَمٌ يُرَى(4)، نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْهَا بِمَنْجَاةٍ(5). وَلَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ ، ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيج الْأَدِيمِ(6)، بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً(7). وَيَسُوقُهُمْ عُنْفا(8)، وَيَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ(9)لَا يُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ ، وَلَا يُخْلِسُهُمْ إِلَّا الْخَوْفَ (10)، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَيْسُ بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً ، وَلَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ (11)، لِأَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ الْيَوْمَ بَعْضَهُ فَلَا يُعْطُونَنِيهِ (12)أي بني العباس، وقد كان السواد شعارهم. (13)!


1) أي انتصار الأذلاء وما هو بانتصار؛ لأنّ العبد لا ينتصر من مولاه أبداً.

2) الصاحب من مستصحِبِهِ: التابع من متبوعه.

3) شوهاء: قبيحة الوجه والمنظر، وجمعها شُوه، والرجل مشوّه ولا يقال للذكر: أشوه، ويروى «قطعاء» أى نكراء كالمقطوعة اليد. ومخشيّة: مَخُوفة مرعبة.

4) عَلَم: دلیل یهتدی به.

5) بمنجاة: أى بمعزل، وبمكان النجاة من إثمها، والنّجاة والنّجوة: المكان المرتفع، ولسنا فيها بدعاة، أي لسنا من أنصار تلك الدعوة.

6) الأديم: الجلد، وتفرجه سلخه، وَعَدّهم(علیه السّلام) بأنّ الله تعالى يكشف تلك الغمّاء كانكشاف الجلد عن اللحم.

7) يَسُومُهم خَسْفاً: يلزمهم ويُوليهم ذلاً، وقوله بمن متعلق ب«يفرجها».

8) العُنّف: ضد الرفق.

9) وكأس مصبّرة: ممزوجة بالصَّبر، وهو المرّ، ويجوز أن يكون «مصبّرة» مملوءة إلى أضبارها، وهي جوانبها، جمع صبر- بالضم والكسر - بمعنى الحرف: أي إلى رأسها.

10) يُحلسهم: يُلبسهم، من أجلس البعير: إذا ألبسه الجلس - بكسر الحاء - وهو كساء يوضع على ظهره تحت البرذعة، أي لا يكسوهم إلّا خوفاً.

11) الجزور: الناقة المجزورة، أو البعير مطلقاً، أو الشاة المذبوحة، أي ولو مدة ذبح البعير أو الشاة.

12) وهذا إخبارٌ عن ظهور المسوُّدة

13) ، وانقراض ملك بني أمية. وقد وقع ما أخبر به صلوات الله عليه، حتى لقد صدق قوله: «تودّ قريش .....». فقد نقل أرباب السير كلهم أنّ مروان بن محمّد قال يوم الزَّاب لما شاهد عبدالله بن علي بن عبدالله بن العباس بإزائه في صفّ خراسان: لوددتُ أنّ عليّ بن أبي طالب تحت هذه الراية بدلاً من هذا الفتى.

94 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

94 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي صِفَةِ الأَنْبِيَاءِ

فَتَبَارَكَ اللهُ (2)

وثانيهما أن يُراد به تزايد وتعالى ذاته وصفاته عن أن يقاس به غيره، وهذا تمجيد.

الَّذِى لَا يَبْلُغُهُ بُع۫دُ الْهِمَم(3)، وَلَا يَنَالُهُ حَدْسُ الْفِطَنِ (4)، الْأَوَّلُ الَّذِي لَا غَايَةَ فَيَنْتَهِي ، وَلَا آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِي .

ومنها: فَأَسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَعٍ، وَأَقَرَّهُمْ فِي خَيْرِ مُسْتَقَرٌّ ، تَنَاسَخَتْهُمْ كَرَائِمُ الْأَصْلَابِ(5)إِلَى مُطَهَّرَاتِ الْأَرْحَامِ : كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللهِ خَلَفٌ(6)، حَتَّى أَفْضَتْ (7)كَرَامَةُ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ؛ فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً(8)، وَ أَعَزّ الْأَرُومَاتِ مَغْرِساً(9)مِنَ


1) رواها ابن عبد ربه في (العقد الفريد) ج 4 ص 74 ، والصدوق في (التوحيد) ص 20.

2) «فتبارك اللهُ» يحتمل معنيين: أحدهما أن يُراد: تبارك خَيْره وزادت نعمه وإحسانه، وهذا دعاء.

3) «لا يبلغه بعدُ الهمم» أي بُعد الأفكار والأنظار، عبّر عنها بالهمم لمشابهتها إياها.

4) حَدْس الفطن: ظنُّها وتخمينها.

5) تناسختهم: تناقلتهم، ومنه نسخت الكتاب وانتسخته واستنسخته، أي نقلت ما فيه، ويروى: «تناسلَت۫هم».

6) السّلَف: المتقدمون، والخلف: الباقون.

7) أفضت: أي انتهت.

8) منبت - كمجلس - : موضع النبات ينبت فيه.

9) الأرومات: جمع أرومة، وهي الأصل. والمغرس : موضع الغرس.

الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ(1)، وَأَنْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ(2)، عِتْرَتُهُ خَيْرُ العِتَرِ(3)، وَأُسْرَتُهُ خَيْرُ الْأُسَرِ ، وَ شَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ ، نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ (4)وَبَسَقَتْ فِي كَرَمٍ (5)لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ : وَثَمَرُ لَا يُنَالُ (6)فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى، وَبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى . سِرَاجُ لَمَعَ ضَوْءُهُ، وَشِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ(7)، وَزَنْدُ بَرَقَ لَمْعُهُ(8)؛ سِيرَتُهُ الْقَصْدُ(9)، وَسُنَّتُهُ الرُّشْدُ، وَكَلَامُهُ الْفَضْلُ، وَحُكْمُهُ الْعَدْلُ ؛ أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ (10)، وَهَفْوَةٍ عَنِ الْعَمَلِ(11)، وَغَبَاوَةٍ مِنَ الْأُمَم (12).

اعْمَلُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - عَلَى أَعْلَامٍ بَيِّنَةٍ (13)، فَالطَّرِيقُ نَهْجُ يَدْعُو إِلَى دَارِ


1) صَدّع: شقّ، صَدَعَ فلاناً : قصده لكرمه، أي اختصّهم بالنبوة من بين فروعها، وهي شجرة إبراهيم (علیه السّلام) .

2) انتجب: إصطفى واختار.

3) عترته: آل بيته والأسرة: رهط الرجل الأدنون.

4) «ونَبَتَتْ في حَرَم»: يجوز أن يعني به مكّة، ويجوز أن يعني به المنعة والعزّ.

5) بسقت: ارتفعت.

6) لا يريد به أنّ ثمرها لا يُنتفع به، لأنّه ليس بمدح، وإنّما أراد أنّ ثمرها لاينال قهراً، ولا يجنى غصباً.

7) سَطَعَ الصبح، أي ارتفع، والسَّطيع: الصبح.

8) الزَّند: العود تقدح به النار.

9) القصد: الاعتدال والاستقامة.

10) الفترة: الزمان بين الرسولين.

11) الهفوة: الزلة، هفوة عن العمل: زلّة وانحراف من الناس عن العمل بما أمر الله على ألسنة الأنبياء السابقين.

12) الغباوة: الجهل وقلة الفطنة.

13) أعلام بيّنة: أي مَنار واضح، أي مَوَاضح الطرق المبينة.

السَّلَامِ (1)، وَأَنْتُمْ فِي دَارِ مُسْتَعْتَبٍ (2)عَلَى مَهَلٍ وَفَرَاعَ؛ وَالصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ، وَالْأَقْلَامُ جَارِيَةٌ، وَالْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ ، وَالْأَلْسُنُ مُطلَقَةٌ، وَالتَّوْبَةٌ مَسْمُوعَةٌ ، وَالْأَعْمَالُ مَقْبُولَةٌ .

95 - ومن خطبة له عليه السلام

يَصِفُ فِيهَا حَالَ النَّاسِ عِنْدَ البعْثَةِ

بَعَثَهُ وَالنَّاسُ ضُلَّالُ فِي حَيْرَةٍ، وَحَاطِبُونَ فِي فِتْنَةٍ(3)، قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الْأَهْوَاء(4). وَاسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ(5)، وَأَسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلاءُ(6)، حَيَارَى فِي زَلْزَالٍ(7)مِنَ


1) نهج: أي واضح وفويم. ويدعو إلى دار السلام: يوصل إليها، ودار السلام: الجنة. ويروى «والطريق نهج» بالواو، واو الحال.

2) مستَعْتَب - بفتح التاءين - : طلب العُتبى، أي الرضى من الله بالأعمال النافعة. «أنتم في دار مستعتَب» أي في دار يمكنكم فيها استرضاء الخالق سبحانه واستعتابه.

3) حاطبون في فتنة: جمع حاطب، وهو الذي يجمع الحَطَب، ويقال لمن يجمع بين الصواب والخطأ، أو يتكلم بالغثّ والسمين: حاطب ليل؛ لأنّه لا يبصر ما يجمع فيه حَبّله. ويروى : «خابطون» [كما في نسخة عبده، وغيرها] .

4) واستهوتهم الأهواء: دعتهم إلى نفسها.

5) استزلّتهم الكبرياء : جعلتهم ذوي زلل وخطأ، فادّتْ بهم للزّلَل والسقوط في المضَارّ، وتأنيث ، الفعل على تأويل أنّ الكبرياء صفة. وفي رواية : استزلّهم «الكُبَراءُ» أي أضلّهم كبراؤهم وسادتهم.

6) استخفّتهم الجاهلية: جعلتهم ذوي خِفة وطَيْش وخُزق، والجاهلية حالة العرب قبل نور العلم الإسلامي، والجهلاء وصف لها للمبالغة.

7) زَلْزَال، بالفتح: الاسم ، وبالكسر المصدر، والزلازل: الشدائد.

الْأَمْرِ، وَبَلَاءٍ مِنَ الْجَهْلِ ، فَبَالَغَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فِي النَّصِيحَةِ، وَمَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَدَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ، وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ .

96 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَوَّلِ فَلَا شَيْءٍ قَبْلَهُ، وَالْآخِرِ فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ، وَالظَّاهِرِ فَلَا شَيْءَ فَوْقَهُ، وَالْبَاطِنِ فَلَا شَيْءَ دُونَهُ .

وَمِنْهَا فِي ذِكْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ

مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٌّ، وَمَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ، فِي مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ، وَمَمَاهِدِ السَّلَامَةِ(1)؛ قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الْأَبْرَارِ، وَتُنيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأَبْصَارِ(2)، دَفَنَ اللهُ بِهِ الصَّغَائِنَ(3)، وَأَطْفَاً بِهِ التَّوَائِرَ(4)، أَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً، وَفَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً(5)، وَأَعَزَّ


1) المِهِاد: الفراش، ولما قال: «في معادن» وهي جمع معدن، قال بحكم القرينة والازدواج: «ومَمَاهِد» وإن لم يكن الواحد منها «مَع۫هَداً»، كما قالوا: الغدايا والعشايا. ويعني بالسلامة ههنا البراءة من العيوب، أي في نسب طاهر غير مأفون ولا معيب؛ فإنّه ولد في أسلم موضع وأنقاه من دنس السفاح .

2) الأزِمَّة: جمع زمام، وانثناء الأزِمّة إليه عبارة عن تحولّها نحوه.

3) الضعائن: الأحقاد، جمع ضعينة، وهي الحِق۫د ودَفَنَهَا: أكمنها وأخفاها، فهو رسول الألفة، وأهل دينه المتآلفون المتعاونون على الخير، ومن لم يكن في عروة الألفة منهم فهو - والله أعلم - خارج عنهم.

4) الثوائر: جمع ثائرة، وهي العداوة الواثبة بصاحبها على أخيه ليضرّه إن لم يقتله.

5) «ألف به إخواناً وفرّق به أقراناً» لأنّ الإسلام قد ألّف بين المتباعدين كَعِليّ وعمّار، وفرّق بين المتقاربين كحمزة وأبي لهب، وفرّق به أقران الألفة على الشرك.

بِهِ الذُّلَّةَ(1)، وَأَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ . كَلَامُهُ بَيَانُ، وَصَمْتُهُ لِسَانٌ (2).

97 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

97 - ومن كلام له عليه السلام (3)

فِي تَوْبِيخِ أَصْحَابِهِ

وَلَئِنْ أَمْهَلَ اللهُ الظَّالِمَ فَلَنْ يَفْوتَ أَخْذُهُ(4)، وَهُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ(5)، عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ (6)، وَبِمَوْضِعِ الشَّجَا مِنْ مَسَاغِ رِيقِهِ (7).

أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيَظْهَرَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَيْكُمْ، لَيْسَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ، وَلكِنْ لِإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِهِمْ، وَإِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقّي ، وَلَقَدْ أَصْبَحَتِ الأُمم تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا ، وَأَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّنِي. أَسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا ، وَأَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا، وَدَعَوْتُكُمْ سِرّاً وَجَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا ، وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ


1) ذلة الضعفاء من أهل الفضل المستترين بحجب الخمول، وأذلّ به عزّة الشرك والظلم والعدوان.

2) «صَم۫تُه لسان» أي أن صمته(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كلامٌ وقولٌ مفيد.

3) ذكرها ابن قتيبة في (عبون الأخبار) ج 2 ص 301 ، وأبو نعيم في (الحلية) ج 1 ص 76، وابن عساكر في (تأريخ دمشق) في ترجمة علي (علیه السّلام).

4) أمهله: أخّره. و«لن يَفوت أخذه» أي لا يذهب عنه أن يأخذه.

5) المرصاد: الطريق.

6) مجاز طریقه: مسلکه وموضع جوازه .

7) الشَّجَا: ما ينشب ويعترض في الحلق من عظم أو غيره، وموضع الشجا: الحلق نفسه ومساغُ ريقه: موضع الإساغة، أسغت الشراب: أوصلتُه إلى المعدة، أي ممره من الحلق، والكلام تمثيل لقرب السطوة الإلٰهية من الظالمين.

تقبلوا(1). شُهُودُ كَغُيَّابٍ (2)، وَعَبِيدُ كَأَرْبَابٍ (3)أَتْلُو عَلَيْكُمُ الْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا ، وَأَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا ، وَأَحْتُكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ البَغْيِ فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِى حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا (4). تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ، وَتَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظُكُمْ(5). أُقَوِّمُكُمْ غُدْوَةً وَتَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةٌ، كَظَهْرِ الْحَنِيَّةِ(6)، عَجَزَ الْمُقَوِّمُ، وَأَعْضَلَ الْمُقَوَّم (7).

أَيُّهَا الْقَوْمُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، اَلْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، الْمُبْتَلَى بِهِمْ أَمَرَاؤُهُمْ، صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللَّهَ وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ، وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللهَ وَهُمْ يُطِيعُونَهُ! لَوَدِدْتُ وَاللهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَم، فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةً مِنْكُمْ وَأَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ!

يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلَاثٍ وَاثْنَتَيْنِ(8): صُمَّ ذَوُو أَسْمَاعِ، وَبُكُمْ ذَوُو كَلَامٍ، وَعُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارٍ ، لَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ الْلْقَاءِ(9)، وَلَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلَاءِ!


1) «نصحتُ لكم» هو الأفصح، وعليه ورد لفظ القرآن، وقول العامة: «نصحتك» ليس بالأفصح.

2) شهود: جمع شاهد، بمعنى الحاضر، وغيّاب: جمع غائب.

3) «عبيدُ كأرباب»، يصفهم بالكِب۫ر والتُّيه.

4) «أيادى سبأ» مثل يضرب للمتفرّقين، قالوا: إنّ سبأ هو أبو عرب اليمن، كان له عشرة أولاد، جعل منهم ستة يميناً له وأربعة شمالاً؛ تشبيهاً لهم باليدين، ثم تفرق أولئك الأولاد أشدّ التفرّق.

5) «تنخادعون عن مواعظكم» أي تمسكون عن الاتِّعاظ والانزجار، من قولهم كان يُعطي ثم خدع، أي أمسك وأقلع، ويجوز أن يريد: تتلونون وتختلفون في قبول الموعظة.

6) الحنيّة: القوس، وقوله: «كظهر الحنيّة»، يريد اعوجاجهم.

7) أعضل، أي أعيا واستعصى واستصعب، ويروى «أيها الشاهدة أبدانهم» بحذف القوم.

8) إنّما لم يقل بخمس؛ لأنّ ثلاث إيجابية والإثنين سَل۫بية، فأحبّ أن يفرّق بين الإثبات والنفي.

9) ويروى: «لا أحرار صُدُق» جمع صادق، وهذه وما بعدها هما الثنتان، وما قبلها هي الثلاثة.

تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ(1)! يَا أَشْبَاهَ الْإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا ! كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ آخَرَ . وَاللهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ فِيمَا إِخَالُكُمْ(2)أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى (3)، وَحَمِيَ الضَّرَابُ وَقَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنْفِرَاجَ الْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا(4). وَإِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَمِنْهَاجٍ مِنْ نَبِيِّي، وَإِنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ أَلْقُطهُ لَقْطا(5).

أنْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَأَلْزَمُوا سَمْتَهُمْ(6)، وَاتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ، فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدىً ، وَلَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَديَّ ، فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا(7)، وَإِنْ نَهَضُوا فَأَنْهَضُوا، وَلَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا ، وَلَا تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا. لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَمَا أَرَى أَحَداً يُشْبِهُهُمْ مِنْكُمْ(8)، لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْتَاً غُبْراً(9).


1) «تربت۫ أيديكم» كلمة يدعى على الإنسان بها، أي لا أصبتُم خيراً، وأصل «ترِبَ» أصابه التراب، فكأنه يدعو عليه بأن يفتقر حتى يلتصق بالتراب.

2) إخال : أي أظنّ، والأفصح كسر الألف وهو السماع، وبنو أسد يفتحونها وهو القياس.

3) حمِس الوغى، بكسر الميم: اشتدَّ وعَظُم، والوغى في الأصل: الأصوات والجلبة، وسميت الحرب وغىّ لما فيها من ذلك.

4) «انفراج المرأة عن قُبُلها» أي وقت الولادة، أو عندما يشرع عليها السلاح، والمشابهة في العجز والدناءة فى العمل.

5) «ألقطه لَق۫طاً» يريد أنّ الضلال غالب على الهدى، فأنا ألتقط طريق الهدى من بين طريق الضلال لقطاً من هٰهنا وهٰهنا. واللّقط أخذ الشيء من الأرض، وإنّما سمي اتباعه لمنهاج الحق لقطاً لأنّ الحق واحد والباطل ألوان مختلفة، فهو يلتقط الحق من بين ضروب الباطل.

6) السمت: الطريق، وهنا طريقهم أو حالهم أو قصدهم.

7) لَبَدَ: أقام، وليد الشيءُ بالأرض، يلبُد - بالضم - لُبوداً: التصق بها، أي إن أقاموا فأقيموا.

8) في بعض النسخ «فما أرى أحداً منهم يشبهه».

9) «يُصبحون شُعثاً غُبراً» من قَشَف العبادة وقيام الليل وصوم النهار وهجر الملّاذ وشُعثاً جمع أشعَث، وهو المغبر الرأس. والغُبر: جمع أغبر ، والمراد أنّهم كانوا متقشفين.

وَقَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَقِيَاماً ، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَخُدُودِهِمْ(1)، وَيَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ ، كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَى (2)مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ، إِذَا ذُكِرَ اللهُ هَمَلَتْ أَعْيُتُهُمْ (3)حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ (4)، وَمَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ، خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ ، وَرَجَاءَ لِلتَّوَابِ (5)!

98 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

98 - ومن كلام له عليه السلام (6)

فِي ظُلْمٍ بَنِي أُمَيَّةَ

وَاللهِ لَا يَزَالُونَ حَتَّى لَا يَدَعُوا لِلَّهِ مُحَرَّماً إِلَّا اسْتَحَلُّوهُ(7)، وَلَا عَقْداً إِلَّا حَلُّوهُ.


1) تارة يسجدون على الجباء، وتارة على الخدود؛ تذللاً وخضوعاً، والمراوحة بين العمل: أن۫ يعمل هذا مَرّة وهذا مرة، ويراوح بين رجليه، إذا قام على هذه تارة وعلى هذه أُخرى.

2) رُكَب: جمع ركبة، موصل الساق من الرجل بالفخذ، وإنّما خصّ ركب المعزى ليبوستها واضطرابها من كثرة الحركة، أي أنّهم لطول سجودهم يطول سهودهم، وكأنّ بين أعينهم جسم خشن يدور فيها فيمنعهم عن النوم والاستراحة.

3) هَمَلَتْ أعينهم: سالَت، تهمُل وتهمِل.

4) ويروى «حتى تُبلّ جباههم» أي يبل موضع السجود فتبتل الجبهة بملاقاته.

5) مادوا: تحركوا واضطربوا وارتعدوا، إمّا خوفاً من العقاب كما يتحرك الرجل ويضطرب، أو رجاءً للثواب كما يتحرك النشوان من الطرب، والمسرور من الفرح.

6) رواه ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) ج 1 ص 151.

7) الكلام في بني أمية. والمحرَّم: ما حرمه الله، واستحلاله: استبَاحَتُهُ.

وَحَتَّى لَا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ(1)إِلَّا دَخَلَهُ ظُلُمُهُمْ، وَنَبَا بِهِ (2)سُوءُ رِعَتِهِمْ (3). وَحَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ : بَاكٍ يَبْكِي لِدِينِهِ ، وَبَاكٍ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ، وَحَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيّدِهِ(4)، إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ، وَإِذَا غَابَ أَغْتَابَهُ، وَحَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فِيهَا غَنَاءً أَحْسَنُكُمْ بِاللهِ ظَنّاً، فَإِنْ أَتَاكُمُ اللهُ بِعَافِيَةٍ فَأَقْبَلُوا، وَإِنِ ابْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا، فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.

99 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

99 - ومن خطبة له عليه السلام (5)

فِي وَصْفِ الدُّنْيَا

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا كَانَ، وَنَسْتَعِينُهُ مِنْ أَمْرِنَا عَلَى مَا يَكُونُ، وَنَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الأَدْيَانِ ، كَمَا نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الْأَبْدَانِ(6).


1) بيوت المُدَر: هي البيوت المبنيّة في القرى من طوب وحجر ونحوها. وبيوت الوَبّر: الخيام ، تتّخذ في البادية من وبر الإبل.

2) نبا به منزله: إذا ضرّه ولم يوافقه فارتحل عنه.

3) سوء رِعتهم: أي سوء ورعهم، ويروى «سوء رَع۫يهم» [كما أثبته عبده والصالح] أي سوء سياسيتهم إمرتهم. وإن البيوت تستوبل سوءً الحكومة فتأخذ عنه منجاة فيخسر العمران، ولا تتبوأ الحكومة الظالمة إلّا خراباً تنعق فيه فلا يجيبها إلّا صدى نعيقها.

4) «نصرة أحدكم من أحدهم» أي انتصاره منه وانتقامه.

5) رواها النوري في (المستدرك) ج 1 ص 411 ، والصدوق في (من لا يحضره الفقيه) ج 1 ص 270 .

6) لقد ظرُف وأبدع (علیه السّلام)في قوله هذا، وذلك أنّ للأديان سُقماً وطبّاً وشفاءً، كما أنّ للأبدان ذلك.

أُوصِيكُمْ بِالرَّفْضِ لِهَذِهِ الدُّنْيَا التَّارِكَةِ لَكُمْ وَإِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَهَا (1)، وَالْمُبْلِيَةِ لأَجْسَامِكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا ، فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهَا كَسَفْرٍ (2)سَلَكُوا سَبِيلاً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ ، وَأَمُّوا عَلَماً(3)فَكَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوهُ ، وَكَمْ عَسَى الْمُجْرِي إِلَى الْغَايَةِ أَنْ يَجْرِيَ إِلَيْهَا (4)حَتَّى يَبْلُغَهَا! وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ يَوْمٌ لَا يَعْدُوهُ، وَطَالِبٌ حَثِيتٌ(5)مِنَ الْمَوْتِ يَحْدُوهُ(6)، وَمُزْعِجٌ فِي الدُّنْيَا عَنِ الدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا رَغْماً ! فَلَا تَنَافَسُوا (7)فِي عِزّ الدُّنْيَا وَفَخْرِهَا، وَلَا تَعْجَبُوا بِزِينَتِهَا وَنَعِيمِهَا، وَلَا تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وَيُؤْسِهَا(8)، فَإِنَّ عِزَّهَا وَفَخْرَهَا إِلَى انْقِطَاعٍ، وَزِينَتَهَا وَنَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ، وَضَرَّاءَهَا وَبُؤْسَهَا إِلَى نَفَادٍ (9)، وَكُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى انْتِهَاءٍ ، وَكُلٌّ حَيِّ فِيهَا إِلَى فَنَاءٍ. أَوَلَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الْأَوَّلِينَ مُزْدَجَرُ (10)، وَفِي آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ تَبْصِرَةٌ وَمُعْتَبَرُ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ! أَوَ لَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُونَ، وَإِلَى


1) التَّرْك: الرفض، وإبلٌ رَفْض: متروكة ترعى حيث شاءت.

2) قوم سَفْر - بفتح فسكون - : أي مسافرون، أي أنّكم في مسافة العمر كالمسافرين في مسافة الطريق، فلا يلبثون أن يأتوا على نهايتها لأنّها محدودة.

3) أمّوا: قصدوا. والعَلَم: الجبل أو المنار في الطريق يهتدى به.

4) «وكم عسى المجري ...». أجرى فلان فرسه الى الغاية، إذا أرسلها، ثم نُقل ذلك الى كل من يقصد بكلامه معنى أو بفعل غرضاً، فقيل : فلان يجري بقوله كذا، أي يقصِد كذا.

5) الحثيث: السريع.

6) يحدوه: يتَبعُهُ ويسوقه [في نسخة ابن المؤدب وعبده: «وطالب حثيثُ يحدوه في الدنيا حتى يفارقها» .].

7) المنافسة: المحاسدة، ونفستُ عليه بكذا، أي ضَنِنت.

8) البؤس: الشدة.

9) النفاد: الفناء.

10) مُزدّجَر: مصدر ميمي من ازْدَجَر، ومعناه الارتداع والانزجار، أو مزدجر مكان للازدجار والارتداع.

الْخَلَفِ الْبَاقِينَ لَا يَبْقَوْنَ! أَوَ لَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُمْسُونَ وَيُصْبِحُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى : فَمَيْتُ يُبْكَى وَآخَرُ يُعَزَّى، وَصَرِيعُ مُبْتَلَى، وَعَائِدٌ يَعُودُ، وَآخَرُ ، بِنَفْسِهِ يَجُودُ(1)، وَطَالِبٌ لِلدُّنْيَا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ، وَغَافِلٌ وَلَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ؛ وَعَلَى الْمَاضِي مَا يمْضِي الْبَاقِي ! أَلَا فَاذْكُرُوا هَادِمَ اللَّذَّاتِ ، وَمُنَفِّصَ الشَّهَوَاتِ، وَقَاطِعَ الْأُمْنِيَّاتِ، عِنْد الْمُسَاوَرَةِ لِلْأَعْمَالِ الْقَبِيحَةِ (2)وَاسْتَعِينُوا اللهَ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبٍ حَقِّهِ، وَمَا لَا يُحْصَى مِنْ أَعْدَادِ نِعَمِهِ وَإِحْسَانِهِ.

100 - ومن خطبة له عليه السلام

فِي رَسُولِ اللهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وَأَهْل بَيْتِهِ

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ النَّاشِرِ فِي الْخَلْقِ فَضْلَهُ، وَالْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ (3). نَحْمَدُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِهِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً(4)، وَبِذِكْرِهِ نَاطِقاً، فَأَدَّى أَمِيناً، وَمَضَى


1) بنفسه يجود: من «جاد بنفسه» إذا قارب أن يقضي نحبه، كأنّه يسخو بها ويُسلمها إلى خالقها.

2) «عند» متعلق ب«ذكروا» والمساورة: المواثبة، ومنه سَوّار، أي وثّاب مُعَز۫يد، كأنّ العمل القبيح- لبعده عن ملاءمة الطبع الإنساني بالفطرة الإلٰهية - ينفر من مُقْتَرِفه كما ينفر الوحش، فلا يصل إليه المغبون إلّا بالوثبة عليه، وهو فى غائلته على مجترمه كالضاريات من الوحوش، فهو يشب على مواثبه ليهلكه، فما ألطف التعبير بالمساورة في هذا الموضع!.

3) يده - ههنا - : نعمته.

4) صادعاً: أي مظهراً ومجاهراً للمشركين، فالقاً به جدران الباطل فهادِمُها.

رشيداً؛ وَخَلَّفَ فِينَا رَايَةَ الْحَقِّ(1)، مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ (2)، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ (3)، وَمَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ . دَلِيلُهَا مَكِيتُ الْكَلَامِ(4)، بَطِيءُ الْقِيَامِ، سَرِيحٌ إِذَا قَامَ. فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ(5)، وَأَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِكُمْ(6)، جَاءَهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ ، فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اللهُ، حَتَّى يُطْلِعَ اللهُ لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ وَيَضمُّ نَشْرَكُمْ(7)، فَلَا تَطْمَعُوا فِي غَيْرِ مُقْبِلِ(8)، وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ(9)، فَإِنَّ الْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلُّ بِهِ إِحْدَى


1) راية الحقِّ: الثَّقلان المخلّفان بعد رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؛ وهما الكتاب والعترة.

2) مَرَق: خرج عن الدين، والذي يتقدم راية الحق هو من يزيد على ما شرع الله أعمالا وعقائد يظنها مزينة للدين، ومتممة له، ويسميها بدعة حسنة.

3) زهقَ الباطل: اضمحّل وهلك.

4) «دليلُها مكيثُ الكلام» يعنى نفسه(علیه السّلام) ، ومكيثُ الكلام: بطيئه، رزين في قوله، لا يبادر به عن غير روية، ورجل مكيث؛ أي رزين، والمعنى أنّه ذو أناة وتؤدة، ثم أكّد ذلك بقوله: «بطيء القيام» و «سريع إذا قام» إذا نهض جَدّ وبالغ، فهو لا ينبعث للعمل بالطيش وإنّما يأخذ له عدّة إتمامه، فإذا أبصر منه وجه الفوز قام فمضى إليه مسرعاً، وكأنّه يصف بذلك حال نفسه كرّم الله وجهه.

5) أي أطعتموه.

6) أي أعظمتموه وأجللنمو، كالملك الذي يشار إليه بالإصبع، ولا يخاطب باللسان.

7) أخبرهم أنّهم يلبثون بعده ما شاء الله، ولم يحدده بوقت معين، ثم يطلع الله لهم مَنْ يجمعهم ويضمهم، يعني من أهل البيت(علیهم السّلام) ، وهذا إشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الوقت. وقوله: «يضمُّ نشركم» أي يصل متفرقكم.

8) فلا تطعموا في غير مقبل: أي لا تطعموا في صلاح أموركم بشيء من الرياسات التي تشهدونها وإنّما تنصلح أموركم على يد رئيس يقدِمُ عليكم، مستأنف الرياسة خامل الذكر، ليس أبوه بخليفة، ولا كان هو ولا أبوه مشهورين بينكم برياسة، وهذه صفة المهدي الموعود به. والإقبال والإدبار في الجملتين لا يتواردان على جهة واحدة، فالمُقبل: بمعنى المتوجه إلى الأمر ، الطالب له، الساعي إليه، والمُدبر: بمعنى من أدبرت حاله، واعترضته الخيبة في عمله وإن كان لم يزل طالباً.

9) «ولا تيأسوا مِن۫ مدبر» أى وإذا مات هذا المهدي وخلفه بنوه بعده، فاضطرب أمر أحدهم فلا تيأسوا وتتشككوا وتقولوا: لعلنا أخطأنا في اتباع هؤلاء؛ فأنّ المضطرب الأمر منّا ستثبت دعائمه، واذا زلّت إحدى رجليه ثبتت الأخرى فثبتت الأولى أيضاً. ويروى: «فلا تطعنوا في عين مقبل»، أي لا تحارِبوا أحداً منّا، ولا تيأسوا من إقبَال مَنْ يدبر أمره منّا.

قَائِمَتَيْهِ(1)، وَتَثْبُتَ الأُخْرَى فَتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُنَا جَمِيعاً .

أَلَا إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ، إِذَا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمُ(2)، فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اللهِ فِيكُمُ الصَّنَائِعُ، وَأَرَاكُمْ مَا كُنتُمْ تَأْمُلُونَ (3).

101 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

101 - ومن خطبة له عليه السلام (4)

وَهِيَ إِحْدَى الخُطَبِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ الْمَلَاحِمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَوَّلِ قَبْلَ كُلِّ أَوَّلِ، وَالْآخِرِ بَعْدَ كُلِّ آخِرٍ، وَبِأَوَّلِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لَا أَوَّلَ لَهُ، وَبِآخِرِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لَا آخِرَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شَهَادَةً يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الْإِعْلَانَ، وَالْقَلْبُ النِّسَانَ.

أَيُّهَا النَّاسُ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَافِي(5)، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ عِصْيَانِي (6)، وَلَا تَتَرَامَوْا


1) قائمتاه: رِج۫لاه.

2) خوی: مال للمغيب.

3) وعدهم بقرب الفرج، وهذا على نمط المواعيد الإلٰهية بقيام الساعة، فإنّ الكتب المنزلة كلّها صرّحت بقربها وإن كانت بعيدة عندنا، لأنّ البعيد في معلوم الله قريب؛ «إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعيداً ونراهُ قَريباً » (المعارج : 7]

4) هذا الفصل وما يأتي بعده والذي يأتي برقم 128 كلها خطبة واحدة.

5) لا يجر منّكم: لا يحملنّكم، وشِقاقي: مخالفتي وعصياني، وتقدير الكلام: « لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي علی أن تکذبوني»، وقيل لا يكسبنّكم، والمفعول محذوف أي خسراناً، أي لا تشاقوني فيكسبكم الشقاق خسراناً، ولا تعصوني فيتيه بكم عصياني في ضلال وحيرة.

6) لايستهوينّكم: أي لا يستهیمنّكم، يجعلكم هائمين.

بِالْأَبْصَارِ عِنْدَمَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي(1)، فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ(2)، إِنَّ الَّذِي أُنَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَاللَّهِ، مَا كَذَبَ الْمُبَلِّغُ، وَلَا جَهِلَ السَّامِعُ (3). لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ضِلِّيلٍ (4)قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ(5)، وَفَحَصَ بِرَايَاتِهِ (6)فِي ضوَاحِي كُوفَانَ(7)، فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ(8)، وَأَشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ(9)، وَثَقُلَتْ فِي الْأَرْضِ وَطَأَتُهُ (10)، عَضَتِ الْفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْيَابِهَا، وَمَاجَتِ الْحَرْبُ بِأَمْوَاجِهَا، وَبَدَا مِنَ


1) «لا تتراموا بالأبصار» أى لا يلحَظُ بعضكم بعضاً؛ فعل المنكِر المكذّب، أي لا ينظر بعضكم إلى بعض تغامزاً بالإنكار لما أقول.

2) «فَلَقَ الحبّة من البُرّ» أي شقها وأخرج منها الورق الأخضر. وبرأ النسمة: أي خلق الإنسان أو الروح، وهذا القَسّم من مبتكراته (علیه السّلام) .

3) المبلّغ والسامع هو نفسه(علیه السّلام) .

4) الضّليل - كالشَّريب - الكثير الضَّلال، مبالغة فى الضلال، وهذا كناية عن عبدالملك بن مروان؛ لأنّ هذه الصفات فيه أتمّ منها في غيره، وقيل أنّه كنّى عن معاوية، والأول أرجح.

5) النعيق: صوت الراعِي بغنمه.

6) «فحصَ براياته» من قولهم: ماله مفحَص قطاة، أي مجثمها، وفحص القطا التراب: إذا اتّخذ فيه فُحوصاً - بالضم - : وهو مَجْتَمُهُ، أي المكان الذي يقيم فيه عندما يكون على الأرض، يريد أنّه نصب له رايات بحثت لها في الأرض مراكز ، فكأنّهم جعلوا ضواحى الكوفة مفحَصاً ومجئماً لراياتهم.

7) كوفان: اسم الكوفة، أي أنّه كاد يصل الكوفة حيث إنّ راياته انتشرت على بعض بلدان من حدودها، وهو ما أشار إليه بالضواعي.

8) فغَرَ القَمُ: الفتح، وفغرته، فهو لازم ومتعد، وفغرت فاغرته: فتح فاء، أى إذا فتكَ فتح فاه وقتل،كالأسد يفتح فاه عند الافتراس، والتأنيث للفتنة.

9) الشكيمة في الأصل: حديدة معترضة في اللجام في فم الدّابّة، ثم قالوا: فلانٌ شديد الشكيمة، إذا كان شديد المراس، عَسِر الانقياد.

10) ثقلت وطأته: عظم جَو۫ره وظلمه.

الأَيَّامِ كُلُوحُهَا (1)، وَمِنَ اللَّيَالِي كُدُوحُهَا(2). فَإِذَا أَيْنَعَ زَرْعُهُ(3)، وَقَامَ عَلَى يَنْعِهِ (4). وَهَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ(5)، وَبَرَقَتْ بَوَارِقُهُ (6)، عُقِدَتْ رَايَاتُ الْفِتَنِ الْمُعْضِلَةِ(7)، وَأَقْبَلْنَ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، وَالْبَحْرِ الْمُلْتَطِمِ.

هذَا، وَكُمْ يَخْرِقُ الْكُوفَةَ مِنْ قَاصِفٍ(8)، وَيَمُرُّ عَلَيْهَا مِنْ عَاصِفٍ(9)! وَعَنْ قَلِيلٍ تَلْتَفُ الْقُرُونُ بِالْقُرُونِ (10)، وَيُحْصَدُ الْقَائِمُ، وَيُحْطَمُ الْمَحْصُودُ (11)!


1) كلوح الأيام: عبوسها.

2) الكدوح: الآثار من الجراحات والقروح، الواحد الكَد۫ح، أي الخدش، المراد من قوله: «من الأيام»، ثم قال: «من الليالى» أنّ هذه الفتنة مستمرة الزمان كلّه؛ لأنّ الزمان ليس إلّا النهار والليل.

3) أينع الزرع: أدرك ونضج وحان قطافه، وهو اليَنْع واليُنْع، بالفتح والضم؛ مثل النَّضج والنُّضج.

4) «قام على يَنْعه» الأحسن أن يكون «ينع» ههنا جمع يانع كصاحب وصَح۫ب، ويجوز أنّه أراد المصدر، أي وقام على صفةٍ وحالةٍ هي نضجة وإدراكه.

5) الشقاشِق: جمع شِقْشِقة، وهي شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج، وصوت البعير بها عند إخراجها هَدير.

6) برقت بوارقه: سيوفه ورماحه.

7) المعضلة: العسرة العلاج، داء معضل.

8) يخرق الكوفة: يقطعها. والقاصف: الريح القوية تكسر ما تمر به وتقصفه، أو هو ما اشتدّ صوته من الرعد والريح وغيرهما.

9) العاصف: ما اشتد من الريح، والمراد مزعجات الفتن.

10) وهذا كناية عن الدولة العباسية التي ظهرت على دولة بني أمية، والقرون: الأجيال من الناس، واحدها قَرْن بالفتح. يكون الاشتباك بين قواد الفتنة وبين أهل الحق كما تشتبك الكباش بقرونها عند النطاح، وما بقي من الصلاح قائماً يُحصد، وما كان قد حُصِد۫ يُحطم ويُهشم ، فلا يبقى إلّا شرّ عام وبلاء تام إن لم يقم للحق أنصار.

11) كناية عن قتل الأمراء من بني أمية في الحرب، ثم قتل المأسورين منهم صَبراً، وهكذا وقعت الحال مع عبدالله بن عليّ، وأبي العباس السفاح.

102 - ومن خطبة له عليه السلام

تَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى

وَذَلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لِنِقَاشِ الْحِسَابِ (1)وَجَزَاءِ الْأَعْمَالِ، خُضُوعاً، قِيَاماً، قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ(2)، وَرَجَفَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ (3)، فَأَحْسَنُهُمْ حَالاً مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً ، وَلِنَفْسِهِ مُتَسَعاً.

وَمِنْهَا: فِتَنْ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ(4)، لَا تَقُومُ لَهَا قَائِمَةٌ(5)، وَلَا تُرَدُّ لَهَا رَايَةٌ، تَأْتِيكُمْ مَزْمُومَةً مَرْحُولَةً(6)، يَحْفِرُهَا قَائِدُهَا (7)، وَيَجْهَدُهَا رَاكِبُهَا(8)، أَهْلُهَا قَوْمٌ


1) نقاش الحساب: الاستقصاء فيه.

2) ألجمهم العَرق: سال منهم حتى بلغ الى موضع اللجام من الدابة؛ وهو الفم.

3) رجفت بهم: تحركت و اضطربت، والرَجفة: الزلزلة والرجّاف من أسماء البحر؛ سمي بذلك لإضطرابه.

4) قِطَع الليل: جمع قِط۫ع، وهو الظلمة.

5) لا تقوم لها قائمة: أي لا تنهض بحربها فئة ناهضة، ولا يتمكن أحد من القيام لها وصدّها، أو لا تقوم لتلك الفتن قائمة من قوائم الخيل، وقوائم الفرس: رجلاه، يعني لا سبيل الى قتال أهلها، ولا يقوم لها قلعة قائمة أو بيّنة قائمة بل تنهدم.

6) مزمومة مرحولة : أى تامّة الأدوات كاملة الآلات، كالناقة التى عليها رَحْلها وزمامها قد استعدّت لأن تُرْكَبَ.

7) يحفّز۫ها يدفعها، أي يحثّونها ليقرّوا بها في دياركم، وفيكم يحطون الرحال.

8) يجهَدها: يحمل عليها في السَي۫ر فوق طاقتها، والمراد أنّ أرباب الفتن يجتهدون في إظرام نارِها، رُجلاً وفرساناً ، فالرّجَل كنّى عنهم بالقائد، والفرسان بالراكب.

شَدِيدٌ كَلَبُهُمْ (1)، قَلِيلٌ سَلَبُهُمْ(2)

إن الأسودَ أسود الغاب هِمَّهَا*** يومَ الكريهة في المسلُوبِ لا السَّلَب

، يُجَاهِدُهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَوْمٌ أَذِلَّةُ عِنْدَ الْمُتَكَبِّرِينَ (3)، الْأَرْضِ مَجْهُولُونَ، وَفِي السَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ(4)، فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةُ عِنْدَ ذلِكِ، مِنْ جَيْشِ مِنْ نِقَمِ اللَّهِ! لَا رَهَجَ لَهُ وَلَا حَسَّ (5)

وصاحب الزنج: هو علي بن محمد بن عبدالرحيم من بني عبدالقيس، ادّعى أنّه علوي من أبناءمحمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين، وجمع الزنوج الذين كانوا يسكنون السباخ في نواحي البصرة، وخرج بهم على المهتدي العباسي في سنة خمس وخمسين ومائتين واستفحل أمره، وانتشر أصحابه في أطراف البلاد للسلب والنهب، وملك «ابلة» عنوة وفتك بأهلها، واستولى على عبادان والأهواز، ثم كانت بينه وبين الموفق في زمن المعتمد حروب انجلى فيها عن الأهواز وسلّم عاصمة ملكه - وكان سماها المختارة - بعد محاصرة شديدة، وقتله الموفق أخو الخليفة المعتمد سنة سبعين ومائتين، وفرح الناس بقتله لانكشاف رزئه عنهم.

، وَسَيْبْتَلَى أَهْلُكِ بِالْمَوْتِ الْأَحْمَرِ. وَالْجُوعِ الأَغْبَرِ(6)!

1) الكَلَب: الشدة من البرد ،وغيره ومثله الكُل۫بة، والكَلَب أيضاً: الشَّرَ والأذى.

2) السَّلْب - محرَّكة : - ما يأخذه القاتل من ثياب المقتول وسلاحه في الحرب، أي ليسوا من أهل الثروة، «قليل سَلَبُهم» أي همُّهم القتل لا السلب، كما قال أبو تمّام :

3) وهذه من صفات المؤمنين.

4) وهذا إنذار بملحمةٍ تجري في آخر الزمان، وقد أخبر النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بنحو ذلك، وقيل أنّه أشار الى الملائكة، إلّا أن لفظ «أذلةٍ غير متكبرين» يبعد هذا التفسير.

5) الرهج: الغبار، والحَسّ - بفتح الحاء - : الجلبة والأصوات المختلطة. وكنّى بهذا الجيش عن جَدْب وطاعون يصيب أهلها حتى يبيدهم. وفسر قوم هذا الكلام بوقعة صاحب الزّنج؛ وهو بعيد، لأنّ جيشه كان ذا حسَ ورَهج، ولأنّه (علیه السّلام) أنذر البصرة بهذا الجيش عند حدوث تلك الفتن، ولم يكن قبل خروج صاحب الزنج فِتَنٌ شديدة على الصفات التي ذكرها أميرالمؤمنين(علیه السّلام) .

6) الموت الأحمر، كناية عن الوباء والجوع، وسُمِّي الموت الأحمر لشدّته، ووصف الجوع بأنّه أغبر، لأنّ الجائع يرى الآفاق كأنّ عليها غبرة وظلاماً. والجوع الأغبَرَ: كناية عن المَحْل والجَذب.

103 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

103 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي التَّزْهِيمِ فِي الدُّنْيَا

أَيُّهَا النَّاسُ أنْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا ، الصَّادِفِينَ عَنْهَا(2)، فَإِنَّهَا وَاللهِ عَمَّا قَلِيلٍ تُزِيلُ التَّاوِي السَّاكِنَ (3)وَتَفْجَعُ الْمُتْرَفَ (4)الْآمِنَ، لَا يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ ، وَلَا يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فَيُنْتَظَرُ. سُرُورُهَا مَشُوبٌ (5)بِالْحُزْنِ. وَجَلَدُ الرِّجَالِ فِيهَا إِلَى الضَّعْفِ وَالْوَهَنِ(6)، فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا .

رَحِمَ اللهُ امْرَأَ تَفَكَّرَ ،فَاعْتَبَرَ، وَأَعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ ، فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيل لَمْ يَكُنْ (7)، وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنُ مِنَ الْآخِرَةِ عَمَّا قَلِيلِ لَمْ يَزَلْ، وَكُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ ، وَكُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ، وَكُلٌّ آتٍ قَرِيبٌ دَانٍ .


1) ذكرها الزمخشري في (ربيع الأبرار) ج 2 ص 219، وابن قتيبة في (عيون الأخبار ) ج 2 ص 352، وابن طلحة في (مطالب السؤول) ج 1 ص 202.

2) الصادقين عنها: أي المعرضين، وأمرأة صدوف: التي تعرض وجهها عليك ثم تصدف عنك.

3) عمّا قليل: عن قليل، وما زائدة. والثاوي: المقيم.

4) المترّف: الذي قد أترفته النعمة، أي أطغته، أو المتروك يصنع ما يشاء لا يُمْنَع.

5) مشوب: مخلوط .

6) الجلد: الصلابة والقوة. والوهن: الضعف نفسه.

7) فإنّ الذي هو موجود في الدنيا بعد قليل كأنّه لم يكن، وإن الذي هو كائن في الآخرة بعد قليل كأنّه كان لم يزل، فكأنّه وهو في الدنيا من سكان الآخرة.

ومنها: الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلَّا يَعْرِفَ قَدْرَهُ، وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَعَبْداً وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ ، جَائِراً عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، سَائِراً بِغَيْرِ دَلِيلٍ، إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ ، وَإِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ (1)الْآخِرَةِ كَسِلَ، كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ (2)، وَكَأَنَّ مَا وَنَى فِيهِ سَاقِطْ عَنْهُ (3).

ومنها: وَذَلِكَ زَمَانٌ لَا يَنْجُو فِيهِ إِلَّا كُلُّ مُؤْمِنٍ نُوَمَةٍ(4)، إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَف(5). وَإِنْ غَابَ لَمْ يُفتَقَدْ أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى وَأَعْلَامُ السُّرَى(6)، لَيْسُوا بِالْمَسَابِيحِ وَلَا الْمَذَايِيعِ الْبُذْرِ، أُولَئِكَ يَفْتَحُ اللَّهُ لَهُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ وَيَكْشِفُ عَنْهُمْ ضَرَّاءَ نِقْمَتِهِ (7).

أَيُّهَا النَّاسُ ، سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانُ يُكْفَأُ فِيهِ الْإِسْلَامُ كَمَا يُكْفَأُ الْإِنَاءُ بِمَا فِيهِ (8).

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ، وَلَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ(9)، وَقَدْ قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِل : «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ » (10).


1) الحَرثٌ - هنا - : كلّ ما يُص۫نَع لَيُثمر فائدة.

2) ما عمل له هو حرث الدنيا.

3) وَنّى فيه: تُراخى فيه، وهو حرث الآخرة.

4) نُومَة - بضم ففتح -: كثير النوم ،يريد به البعيد عن مشاركة الأشرار في شرورهم، فإذا رأوه لا يعرفونه منهم، وإذا غاب لا يفتقدونه.

5) شَهِدُ: حَضَرَ.

6) السُّرى: السير في الليل، وبقية الألفاظ يأتى شرحها بعد أسطر لصاحب الكتاب.

7) وروي: «أولئك يفتح : أولئك يفتح بهم أبواب رحمته، ويكشف بهم ضرّاء نقمته»، أي ببركاتهم يكون الخير ويندفع الشرّ.

8) كفأتُ الإناء: أي قلبتُه وكببته.

9) ليتبين الصادق من الكاذب والمخلص من المريب، فتكون الله الحجة على خلقه.

10) أي أنّه تعالى إذا فسد الناس لا يلجئهم إلى الصلاح، لكن يتركهم واختيارهم امتحاناً لهم.

قال الرضيّ (رحمه الله) : أَمَّا قوله(علیه السّلام) : «كُلُّ مُؤْمِنٍ نُوَمَةٍ» فَإِنَّما أَراد به الحَامِلَ الذِّكْر القليل الشرِّ، والمَسايِيحُ : جمعُ مِسْيَاح، وهو الذي يَسِيحُ بينَ النَّاسِ بِالْفِسادِ والنقائمِ. والمَذَابِيعُ : جمعُ مِدْيَاع، وهو الذي إِذا سَمِعَ لغيرِهِ بِفَاحِشَةٍ أَذاعَها، وَنَوَّهَ بها . وَالْبُذُرُ : جمع بَذُورٍ، وهو الَّذِي يَكثُر سَفَهُهُ وَيَلْغُو مَنْطِقُهُ (1).

104 - ومن خطبة له عليه السلام

104 - ومن خطبة له عليه السلام (2)

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً، وَلَا يَدَّعِي نُبُوَّةً وَلَا وَحْياً ، فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ، يَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ(3)، وَيُبَادِرُ بِهِمْ السَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ(4)، يَحْسِرُ الْحَسِيرُ (5)، وَيَقِفُ الْكَسِيرُ(6)، فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ(7)، إِلَّا هَالِكاً لا خَيْرَ فِيهِ، حَتَّى أَراهُمْ


1) البُذُر: جمع بَذور، وهو الذي يذيع الأسرار، وليس كما قال الرضى (رضی الله عنه) فقد يكون الإنسان بذوراً وإن لم يكثُر سفهه ولم يَلْغُ منطقه، والذي في القاموس أن البَذور بالفتح: كالبذير، هو النمام.

2) تقدم مصدر هذه الخطبة تحت رقم 33 .

3) مَن۫جاتهم: نجاتهم.

4) «يبادر بهم الساعة» كأنّه كان يخاف أن تستبقه القيامة، فهو يبادرها بهدايتهم وإرشادهم قبل أن تقوم، وهم على ضلالهم.

5) الحسير: المعيا، ومنه حَسَرَ البصر، أى كلّ، وحَسَرَ البعير: إذا أعيا وكلّ.

6) الكسير: المكسور، أي أنّ من ضعف اعتقاده، أو كلّت عزيمته، فتراخى في السير على سبيل المؤمنين، أو طرقته الوساوس فهشمت قوائم همته، بزلزال في عقيدته، فإنّ النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كان يقيم على ملاحظته وعلاجه حتى ينصل من مرضه هذا، ويلحق بالمخلصين، إلّا من كان ناقص الاستعداد خبيث العنصر فلا ينجح فيه الدواء فيهلك.

7) أي حتى يوصله إلى الغاية، وهي اعتقاد الحق وسكون النفس إلى الإسلام، وهو معنى ما سيأتي من قوله: وبوأهم مَحلّتهم.

مَنْجَاتَهُمْ، وَبَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ، فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ(1)، وَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ، وَايْمُ اللهِ، لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا (2)حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا (3)، وَاسْتَوْسَقَتْ فِي قِيَادِهَا(4)مَا ضَعُفْتُ وَلَا جَبْنْتُ وَلَا خُنْتُ وَلَا وَهَنْتُ، وَأيْمُ اللهِ لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ (5)حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ!

قَالَ الرَّضِيّ (رحمه الله) وَقَدْ تَقَدَّمَ مُخْتَارُ هَذِهِ الْخُطْبَةِ، إِلَّا أَنَّنِي وَجَدْتُهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى خِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ، فَأَوْجَبَتِ الْحَالُ إِثْبَاتُهَا ثَانِيَةٌ.

105 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

105 - ومن خطبة له عليه السلام (6)

فِي بَعْضٍ صِفَاتِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ، وَتَهْدِيدِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَعِظَةِ النَّاسِ

حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ شَهِيداً(7)، وَبَشِيراً، وَنَذِيراً، خَيْرَ الْبَرِيَّةِ


1) الرَّحى: رحى الحرب يطحنون بها. والقناة الرمح. واستقامتها كناية عن صحة الأحوال وصلاحها، يقول: «فاستدارت رحاهم» أي انتظم أمرهم، لأنّ الرحا إنّما تدور إذا تكاملت أدواتها وآلاتها كلّها، وهو أيضاً معنى قوله «واستقامت قناتُهم»، وكلُّ هذا من باب الاستعارة، كناية عن وفرة أرزاقهم، فإنّ الرَّحَى إنّما تدور على ما تطحنه من الحب. أو كناية عن قوة سلطانهم على غيرهم.

2) الساقة: جمع سائق، والمراد الجاهلية، كأنّه جعلها مثل كتيبة مصادمة لكتيبة الإسلام، فحمل عليها بسيفه حتى فرّت وأدبرت، وأتبعها يسوقها وهى موليّة بين يديه.

3) بحذافيرها: أى كلّها عن آخرها

4) «واستوسقت في قيادها» يعنى الملّة الإسلامية أو الدعوة، واستوسقت: اجتمعت، ويجوز أن يعود الضمير هنا للجاهلية أيضاً، أى واجتمعت تحت ذلّ المقادة.

5) البَق۫ر بالفتح: الشق، أي لأشُقَنَّ جَوْفَ الباطل بقهر أهله فأنتزع الحق من أيدي المبطلين، والتمثيل في غاية من اللطف.

6) روى الشيخ المفيد طرفاً من هذه الخطبة في (الإرشاد) ص 160 .

7) معنى كونه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) شهيداً ، أنّه يشهد على الأمة بما فعلته من طاعة وعصيان.

طِفْلاً، وَأَنْجَبَهَا كَهْلاً(1)، وَأَطْهَرَ الْمُطَهَّرِينَ شِيمَةٌ (2)، وَأَجْوَدَ الْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمةً (3). فَمَا أَحْلَوْلَتْ لَكُمُ الدُّنْيَا(4)فِي لَذَّتِهَا ، وَلَا تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلَافِهَا(5)إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا صَادَفْتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا(6)، قَلِقاً وَضِينُهَا(7)، قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ الْمَخْضُودِ(8)، وَحَلَالُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ، وَصَادَفْتُمُوهَا وَاللهِ ظِلّاً مَمْدُوداً إِلَى أَجَلِ مَعْدُودٍ. فَالْأَرْضُ لَكُمْ شَاعِرَةٌ(9)، وَأَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ، وَأَيْدِي الْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ، وَسُيُونُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ(10)، وَسُيُوفُهُمْ عَنكُمْ مَقْبُوضَةٌ (11).

أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ دَم ثَائِراً (12)، وَلِكُلٍّ حَقٌّ طَالِباً، وَإِنَّ التَّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالْحَاكِمِ فِي


1) أنجبها: أكرمها، ومنه أنجب الرجل، أي وَلَد ولداً نجيباً.

2) الشيمة: الخُلق.

3) الديمة: مَطَرٌ يدوم في سكون والمستطَمرون: المستَنجدَوْنَ والمستماحون، أي من يُطلَب منهم المطر، والمراد هنا النجدة والمعونة ، فالنبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أغزر الناس فيضاً للخير على طلابه.

4) احلولت: حَلَت.

5) الأخ۫لاف: جمع خِلْف بالكسر، وهو خِلْف بالكسر، وهو حَلَمَة الضَّرْعِ.

6) الخِطام: زمام الناقة، وهو ما يوضع في أنف البعير ليُقادَ به، خطمتُ البعير: زممته.

7) الوضين: بِطانٌ عريض منسوج من سُيور أو شَعَر، يكون للرحل كالحِزام للسُرج. وجولان الخطام وقلق الوضين إمّا كناية عن الهزال، فإنّ الخطام الجائل لا يشتد على البعير فيجذبه، وإمّا كناية عن صعوبة القياد، وعن قلق الراكب وعدم اطمئنانه؛ لاضطراب الرحل بقلق الوضين.

8) السِّدر: شجر النبق، والمخضود الذي خُضِد شوكه، أي قطع، أو مثني الأغصان من ثقل الحمل، والتشبيه في اللذة.

9) شاغرة: خالية، وبلدة شاغرة إذا لم تمتنع من غارة أحد، أي بعد بعثة النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) شعرت لكم الأرض، أي لم يبق فيها من يحميها دونكم ويمنعكم عن خيرها.

10) وسيوفكم مسلّطة على أهل البيت الذين هم القادة والرؤساء.

11) وكأنّه كان يرمز الى ما سيقع من قَت۫ل الحسين(علیه السّلام) وأهله، وكأنّه يشاهد ذلك عياناً.

12) الثائر: طالب الثأر، ولا يُبقي على شيء حتى يدرك ثأره، وَثَأَرَهُ: طَلَبَ بدمه وقَتَلَ قاتله.

حَقٌّ نَفْسِهِ(1)، وَهُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ ، وَلَا يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ. فَأُقْسِمُ بِاللهِ يَا بَنِي أُمَيَّةَ عَمَّا قَلِيلٍ لَتَعْرِفُنَّهَا فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ، وَفِي دَارٍ عَدُوِّكُمْ! أَلَا إِنَّ أَبْصَرَ الْأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي الْخَيْرِ طَرْفُهُ! أَلَا إِنَّ أَسْمَعَ الْأَسْمَاع مَا وَعَى التَّذْكِيرَ وَقَبِلَهُ! (2)

أَيُّهَا النَّاسُ ، أَسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةٍ مِصْبَاحٍ وَاعِظٍ مُتَّعِظٍ (3)، وَأَمْتَاحُوا مِنْ صَفِيّ عَيْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدَرِ (4).

عِبَادَالله ، لَا تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ، وَلَا تَنْقَادُوا إِلَى أَهْوَائِكُمْ، فَإِنَّ النَّازِلَ بِهَذَا الْمَنْزِلِ(5)نَازِلٌ بِشَفَا جُرُفٍ هَارٍ6(6)، يَنْقُلُ الرَّدَى (7)عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعِ إِلَى مَوْضِعِ، لِرَأْيِ يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْيِ: يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لَا يَلْتَصِقُ، وَيُقَرِّبَ مَا لَا يَتَقَارَبُ! فَاللَّهَ اللَّهَ أَنْ تَشْكُوا إِلَى مَنْ لَا يُشْكِي شَجْوَكُمْ(8)، وَلَا يَنْقُضُ بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ.


1) الطالب بدمائنا ينال ثأره حتماً كأنّه هو القاضي بنفسه لنفسه، ليس هناك من يحكم عليه فيمانعه عن حقّه.

2) أي: أشدّ العيون إدراكاً ما نفذ طرفها في الخير، وأشد الأسماع إدراكاً ما حفظ الموعظة وقَبِلها.

3) جعله متعظاً واعظاً، لأنَ مَنْ لم يتعظ في نفسه فبعيد أن يتعظ به غيرُه، وعنى بهذا المصباح نفسه (علیه السّلام).

4) الامتياح: نزول البئر وملء الدلاء فيها امتاحوا: استَقُوا وانزِعوا الماء لري عطشكم من عین صافية صفَتْ من الكدر، وهي عين علومه. وُروِّقت۫: صُفُيت۫.

5) منزل الركون إلى الجهالة والانقياد للهوى.

6) شفا الشيء : حَرْفَهُ. والجُرْف - بضمتين - : ما جرفته السيول وأكلته من الأرض. والهاري- كالهائر - : المتهدّم أو المُش۫رف على الانهدام، هارَ الجرفُ: انهدم، فهو هائر، أي أنّه بمكان التهور في الهلكة.

7) الردى: الهلاك، أي أنّه إذا نقل حمل المهلكات فإنّما ينقله من موضع من ظهره إلى موضع آخر منه، فهو حامل لها دائماً، وإنّما يتعب في نقلها من أعلاه لوسطه أو أسفله بآرائه وبدعه، فهو في كل رأي يتنقل من ضلالة إلى ضلالة حيث إنّ مبنى الكل على الجهالة والهوى.

8) أشكيتُ زيداً: أزلت شِكايتَه. والشجو: الهم والحزن أو الحاجة، نهاهم أن يشكُوا إلى مَن لا يزيل شكايتهم، ومن لا رأي له في الدين ولا بصيرة، لينقض ما قد أبرمه الشيطان في صدورهم لإغوائه. ويروى «ومَنْ ينتقض برأيه ما قد أُبرم لكم» وهذه الرواية أليق، أى لا تشكوا إلى مَنْ لا يدفع عنكم ماتشكون منه؛ وإنّما ينقض برأيه الفاسد ما قد أبرمه الحق والشرع لكم، أو يكون معنى كلامه: إنّ ما تسوّله لكم الجهالات والأهواء من الحاجات، يلزمكم أن تنصرفوا عن خيالها، ولا تشكوها إليّ، فإنّي لا أتبع أهواءكم، ولا أقضي هذه الرغبات الفاسدة، ولا أستطيع أن أنقض برأيي ما أبرم لكم في الشريعة الغراء.

إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ إِلَّا مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ : الْإِبْلَاغُ فِي الْمَوْعِظَةِ ، وَالاجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ ، وَالْإِحْيَاءُ لِلسُّنَّةِ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيها ، وَإِصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا (1). فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحٍ نَبْتِهِ (2)، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ مُسْتَارِ (3)الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ، وَأَنْهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَتَنَاهَوْا عَنْهُ، فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْيِ بَعْدَ التَّنَاهِي!

106 - ومن خطبة له عليه السلام

وَفِيهَا يُبَيِّنُ فَضْلَ الإِسْلَامِ وَيَذْكُرُ الرَّسُولَ الْكَرِيمَ ثُمَّ يَلُومُ أَصْحَابَهُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ الْإِسْلَامَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ، وَأَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى


1) السُّهْمَان - بالضم - : جمع سهم بمعنى الحظ والنصيب، وإصدار السّهمان: إعادتها إلى أهلها المستحقين لها لا ينقصهم منها شيئاً، وسمّاه إصداراً لأنّها كانت منعتها أربابها بالظلم في بعض الأزمان ثم ردّت إليهم ،كالصدور وهو رجوع الشاربة من الماء إلى أعطانها.

2) وأصل التصويح: التجفيف، صوّح النبت، أي جَفَّ أعلاه، أي سابقوا إلى العلم وهو في غضارته قبل أن يجف فلا تستطيعون إحياءه.

3) مستثار: اسم مفعول بمعنى المصدر، والاستثارة: طلب الثُوّر، وهو السطوع والظهور.

مَنْ غَالَبَهُ ، فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ(1)، وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ(2)، وَبُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ عَنْهُ، وَنُوراً لِمَن أَسْتَضَاءَ بِهِ، وَفَهْماً لِمَنْ عَقَلَ، وَلُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ ، وَآيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ (3)، وَتَبْصِرَةً لِمَنْ عَزَمَ ، وَعِبْرَةً لِمَنِ اتَّعَظَ، وَنَجَاةً لِمَنْ صَدَّقَ، وَثِقَةٌ لِمَنْ تَوَكَّلَ، وَرَاحَةٌ لِمَنْ فَوَّضَ ، وَجُنَّةٌ لِمَنْ صَبَرَ (4). فَهُوَ أَبْلَجُ الْمَنَاهج(5)، وَأَوْضَحُ الْوَلَائِج(6)، مُشْرَفُ الْمَنَارِ(7)، مُشْرِقُ الْجَوَادُ(8)، مُضي الْمَصَابِيح ، كَرِيمُ الْمِضْمَارِ (9)، رَفِيعُ الْغَايَةِ (10)، جَامِعُ الْحَلْبَةِ (11)، مُتَنَافِسُ السُّبْقَةِ (12). شَرِيفٌ الْفُرْسَانِ. التَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ ، وَالصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ، وَالْمَوْتُ غَايَتُهُ (13)،


1) عَلِقَهُ - كَعَلِمَهُ - : تعلّق به.

2) من دخله لا يحارب.

3) توسّم: تفرّس.

4) جُنَّة - بالضم - : أي وقاية وصوناً، والجُنّة: التّرس.

5) وأبلج المناهج: معروف الطريق، بل أشدّ الطرق وضوحاً وأنورُها.

6) الولائج: جمع وَلِيجة، وهو المدخل إلى الوادي وغيره، وهي الدخيلة المذهب.

7) مُشْرَف - بفتح الراء - : هو المكان ترتفع عليه فتطلع من فوقه على شيء، ومنار الدين: هي دلائله من العمل الصالح، يطلع منها البصير على حقائق العقائد ومكارم الأخلاق.

8) الجَوادُ: جمع جادة، وهي الطريق الواضح.

9) كريم المِض۫مار: أي إذا سُوبِق سَبَق، والمِض۫مار: موضع تضمير الخيل، وزمان تضميرها.

10) الغاية: الراية المنصوبة، وهي ههنا خرقة تجعل على قُصّبة وتنصب في آخر المَدى الذي تنتهي إليه المسابقة .

11) الحَلْبَة : الخيل المجموعة من كل صَو۫ب للمسابقة أو للنصرة، والإسلام جامعها يأتي إليه الكرائم والعِتاق.

12) السُبْقَة - بالضم - جزاء السابقين.

13) يريد بالموت الموت عن الشهوات البهيمية، والحياة بالسعادة الأبدية كما يعلم من قوله: «رفيع الغاية» وإلّا فالموت المعروف غاية كلّ حي، أو يكون معنى «والموت غايته»: أي الدنيا سِج۫ن المؤمن، وبالموت يخلص من ذلك السجن، ويحظى بالسعادة الأبدية.

وَالدُّنْيَا مِضْمَارُهُ(1)، وَالْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ، وَالْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ (2).

وَمِنْهَا فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ

حَتَّى أَوْرَى قَبْسَاً لِقَابِسٍ(3)، وَأَنَارَ عَلَماً لِحَابِسٍ(4)، فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ، وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ ، وَبَعِيتُكَ (5)نِعْمَةً، وَرَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً.

اللَّهُمَّ أَقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً(6)مِنْ عَدْلِكَ، وَأَجْزِهِ مُضَعَّفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ.

اللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ(7)، وَشَرِّفْ عِنْدَكَ مَنْزِلَهُ، وَآتِهِ الْوَسِيلَةَ، وَأَعْطِهِ السَّنَاءِ(8)وَالْفَضِيلَةَ، وَاَحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ (9)، غَيْرَ


1) لأنّها مزرعة الآخرة من سبق فيها سبق فى الأخرى.

2) والجنّة سُبقتُه: أي جزاء سُبقتِه، أي جزاء السابقين به، كأنّه (علیه السّلام)جعل الإسلام كخيل السباق التي مضمارها كريم، وغايتها رفيعه، وحَلْبتها جامعة حاوية و... و... إلى آخر الصفات المذكورة.

3) القَبَس: شعلة من النار تُقْتَبس من مُع۫ظم النار ، ويريد أورى - أي أوقد - رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قبساً، - والقابس: طالب الاستصباح منها، وأخذُ النار من النار، والمراد الهداية في الدين وأنّ النبي أفاد طلاب الحق ما به يستضيؤون لاكتشافه.

4) أي وأنار رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عَلماً لحابس، أي نَصَبَ لمن قد حَبَس ناقته وعَقَلَها - ضلالاً وحَيْرَةً منه فهو يخبط لا يدري كيف يهتدي إلى المنهج فيقف عن السير - عَلَماً يهتدي به، أي وضع له ناراً في رأس جبل ليستنقذه من حَي۫رَته.

5) بعيثك: مبعوثك.

6) المُق۫سّم: النصيب والحظ.

7) النُّزُل - بضمتين - : ما هُيئ للضيف لأن ينزل عليه.

8) السناء: الرفعة والشرف.

9) زمرته: جماعته.

خَزَايَا(1)، وَلَا نَادِمِينَ، وَلَا نَاكِبِينَ (2)، وَلَا نَاكِثِينَ(3)، وَلَا صَالِّينَ، وَلَا مُضِلِّينَ، وَلَا مَفْتُونِينَ !

قال الرضيّ (رحمه الله) وَقَدْ مَضَى هَذَا الْكَلَامُ فِيمَا تَقَدَّمَ، إِلَّا أَنَّنَا كَرَّرْنَاهُ هاهنا لِمَا فِي الرِّوَايَتَيْنِ مِنَ الاخْتِلَافِ.

وَمِنْهَا فِي خِطَابٍ أَصْحَابِهِ

وَمِنْهَا فِي خِطَابٍ أَصْحَابِهِ (4)

وَقَدْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَكُمْ مَنْزِلَةٌ تُكْرَمُ بِهَا إِمَاؤُكُمْ، وَتُوصَلُ بِهَا جِيرَانُكُمْ، وَيُعَظْمُكُمْ مَنْ لَا فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ، وَلَا يَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ، وَيَهابُكُمْ مَنْ لا يَخَافُ لَكُمْ سَطْوَةً، وَلَا لَكُمْ عَلَيْهِ إِمْرَةٌ .

وَقَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللَّهِ مَنْقُوضَةً فَلَا تَغْضَبُونَ ، وَأَنْتُمْ لِنَقْضِ ذِمَمِ آبَائِكُمْ تَأْتَفُونَ، وَكَانَتْ أُمُورُ اللهِ عَلَيْكُمْ تَرِدُ ، وَعَنْكُمْ تَصْدُرُ، وَإِلَيْكُمْ تَرْجِعُ(5)، فَمَكَّنتُمُ الظُّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ، وَأَلْقَيْتُمْ إِلَيْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ، وَأَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللهِ فِى أَيْدِيهِمْ، يَعْمَلُونَ بِالشُّبُهَاتِ، وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ. وَايْمُ اللهِ لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ، لَجَمَعَكُمْ اللهُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ(6)!


1) خزايا: جمع خَزْيان، وهو الخجل المستحي، من «خَزِيّ» إذا خجل من قبيح ارتكبه.

2) ناکبین: عادلين عن طريق الحق.

3) ناكثين: ناقضين للعهد.

4) هذا خطاب لأصحابه الذين أسلموا مدنهم ونواحيهم إلى جيوش معاوية، التي كان يُغير بها على أطراف أعمال عليِّ(علیه السّلام) كالأنبار وغيرها.

5) أي كانت الأحكام الشرعيّة ترد إليكم منّي ومن تعليمي إياكم، ثم تصدرُ عنكم إلى من تعلّمونه إياها، ثم ترجع إليكم بأن يتعلّمها بنوكم وإخوتكم من هؤلاء المتعلمين.

6) أقسم بالله إنّ أهل الشام لو فرّقوكم تحت كل كوكب ليجمعنّكم الله اليوم، وهو شرّ يوم لهم، أي أنّكم ستجتمعون لقهر الظالمين، ولن يكون في طاقتهم أن يفرّقوكم حتى لو شتتوكم تشتیت الكواكب في السماء لاجتمعتم لقتالهم، وكنّى بذلك عن ظهور المسودّة وانتقامها من أهل الشام وبني أمية، وكانت المسوّدة المنتقمة منهم عراقية وخراسانية، وقيل إنّه يريد أنّ البلاء سيعمّ حتى لو فرقكم بنو أمية تحت كل كوكب طلباً لخلاصكم من البلاء، لجمعكم الله لشرّ يوم لهم، حتى يأخذكم البلاء كما يأخذهم.

107 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

107 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي بَعْضِ أَيَّامِ صِفِّينَ

وَقَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ، وَأَنْحِيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ(2)، تَحُوزُكُمْ الْجُفَاةُ الطَّغَام (3)رجل فدم: ثقيل الفهم عَبِيّ. (4). وَأَعْرَابُ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ(5)، وَيَآفِيحُ الشَّرَفِ(6)، وَالْأَنْفُ الْمُقَدَّمُ، وَالسَّنَامُ الْأَعْظَمُ. وَلَقَدْ شَفَا وَحَاوِحَ صَدْرِي (7)أَنْ رَأَيْتُكُمْ بِأَخَرَةٍ (8)


1) رواه الطبري في (تأريخه) في حوادث سنة 37 ، وابن مزاحم في (صِفّين) ص 256.

2) جولتكم: هزيمتكم. «وانحيازكم عن صفوفكم» كناية عن الهرب أيضاً.

3) تحوزكم: تعدل بكم مراكزكم، والجفاة: جمع جافٍ، وهو القدم

4) الغليظ. والطَّعام: الأوغاد، وروي «الطغاة» عوض «الطغام».

5) اللهاميم: جمع لهموم، وهو السابق الجواد من الناس والخيل.

6) اليافيخ: جمع يافُوخ، وهو معظم الشيء، ذَهَبَ يافوخ الليل، أي أكثره، ويجوز أن يريد به اليافوخ، وهو أعلى الرأس، حيث يلتقي عَظ۫م مقدمه مع مؤخره، وهذا أليق؛ لأنّه ذكر بعده الأنف والسنام.

7) الوَحَاوح: جمع وَخوَحة: صوت معه بُحَحٌ يصدر عن المتألم، والمراد حُرقة الغيظ والحزازات.

8) لقينه بأخَرة: أي أخيراً، الأخَرَةُ - محرّكة - : آخر الأمر، وجملة «أن رأيتكم» فاعل شفي.

تَحُوزُونَهُمْ كَمَا حَازُوكُمْ، وَتُزِيلُونَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ كَمَا أَزَالُوكُمْ، حَسَّاً بِالنِّصَالِ(1). وَشَجْراً بِالرِّمَاحِ(2)، تَرْكَبُ أُولَاهُمْ أُخْرَاهُمْ كَالْإِبِلِ الْهِيمِ الْمَطْرُودَةِ(3)، تُرْمَى عَنْ حيَاضِهَا ؛ وَتُذَادُ عَنْ مَوَارِدِهَا !

108 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

108 - ومن خطبة له عليه السلام (4)

وهي من خُطَبِ المَلاحِمِ

وهي من خُطَبِ المَلاحِمِ (5)

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَجَلِّي لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ(6)، وَالظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ(7)، خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ، إِذْ كَانَتِ الرَّوِيَّاتُ لَا تَليقُ إِلَّا بِذَوِي الضَّمَائِرِ(8)، وَلَيْسَ بِذِي ضَمِيرٍ نَفْسِهِ (9).خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَيْبِ السُّتُرَاتِ، وَأَحَاطَ بِغُمُوضٍ عَقَائِدِ السَّرِيرَاتِ.


1) وروي بالنضال، وهو المناضلة والمراماة. والحَسّ - بالفتح - : القتل، وروي «حشأ» بالهمز من حشأت الرجل، أي أصبت حشاه.

2) الشَجر - كالضرب - : الطعن. والتأنيث في «أولاهم» و «أُخراهم» للكتائب.

3) الهيم - بالكسر - : العِطاش. وتُذادٌ: تُمْنَعُ.

4) رواها الزمخشري في (ربيع الأبرار) في الجزء الأوّل، باب تبدل الأحوال.

5) الملاحم: جمع ملحمة، وهي الواقعة العظيمة في الحرب.

6) لما كانت دلائل إثبات الصانع ظاهرة ظهور الشمس وصفه(علیه السّلام) بكونه ظهر وتجلّى لخلقه، ودلّهم عليه بخلقه إياهم وإيجاده لهم.

7) لم يقل «لعيونهم» لأنّه غير مرئيّ.

8) المراد ب- «بذوي الضمائر» ذوو القلوب والحواس البدائية.

9) نفى عنه الروية والفكر؛ لأنّ ذلك إنّما يكون لأرباب الضمائر والقلوب أولِي النوازع المختلفة.

ومنها فِي ذِكْرِ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ

أَخْتَارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْأَنْبِيَاءِ(1)، وَمِشْكَاةِ الضَّيَاءِ (2)، وَذُوَابَةِ الْعَلَيَاءِ (3)الذُّوابةُ من كل شيء: أعلاه، ويقال: فلانُ ذُؤابة قويةً: شريفهم والمقدّم فيهم. والعلياء؛ كلُّ شيءٍ مرتفع، والسماءُ، والشرفُ. (4)، وَسُرَّةِ الْبَطْحَاءِ(5)، وَمَصَابِيحِ الظُّلْمَةِ، وَيَنَابِيعِ الْحِكْمَةِ .

ومنها: طَبِيبٌ دَوَارٌ بِطِبّهِ ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ(6)، وَأَحْيِي مَوَاسِمَهُ (7)، يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، مِنْ قُلُوبِ عُمْيِ، وَآذَانٍ صُمٌّ، وَأَلْسِنَةٍ بُكْم : مُتَنَبِّعُ بِدَوَانِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ ، وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ .

لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِأَصْوَاءِ الْحِكْمَةِ(8)، وَلَمْ يَقْدَحُوا بِزِنَادِ الْعُلُومِ الثَّاقِبَةِ ؛ فَهُمْ فِي ذلِكَ كَالأَ نْعَامِ السَّائِمَةِ ، وَالصُّحُورِ الْقَاسِيَةِ . قَدِ انْجَابَتِ السَّرَائِرُ لِأَهْلِ الْبَصَائِرِ (9)،


1) شجرة الأنبياء: أولاد إبراهيم(علیه السّلام) ؛ لأنّ الأنبياء منهم.

2) المشكاة: كوّة غير نافذة، يجعل فيها مصباح.

3) الذؤابة: طائفة من شعر الرأس أو الناصية أو مَن۫بَتُها من الرأس

4) .

5) سُرَّة البطحاء: وسطها، ما بين أخْشَبي مكة، كانت تسكنه قبائل من قريش، ويقال لهم قريش البطاح.

6) إِنّما قال: «دَوّار بطبّه»، لأنّ الطبيب الدوّار أكثر ،تجربة، أو أراد أنّه يدور على مَنْ يعالجه؛ لأنّ الصالحين يدورون على مرضى القلوب، فيعالجونهم. والمَرَاهِم: الأدوية المركّبة للجراحات والقروح.

7) المواسم : حدائِدُ يُوسَمُ بها الخيل وغيرها، جمع مِيسم-بالكسر - : وهو المِكواة، يجمع على مواسم ومَيُاسم.

8) قوله: «لم يستضيئوا» يحكي حال من لم ينجع فيهم الدواء ممن صار الفساد من مقوّمات أمزجتهم.

9) انجابت: انكشفت، من قولهم: انجابت الناقة، إذا مدّت عُنقها للحلب، أي أنّ السرائر خضعت لنور البصائر، فهو يكشفها ويملكها. وأهل البصائر يصرفون السرائر إلى ما يريدون.

وَوَضَحَتْ مَحَجَّةُ الْحَقِّ لِخَابِطِهَا(1)، وَأَسْفَرَتِ السَّاعَةُ(2)عَنْ وَجْهِهَا، وَظَهَرَتِ الْعَلَامَةُ لِمُتَوَسمِهَا (3).

مَالِي أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلَا أَرْوَاحٍ، وَأَرْوَاحاً بِلَا أَشْبَاحٍ(4)، وَنُسَّاكاً بِلَا صَلَاحٍ(5). وَتُجَّاراً بِلَا أَرْبَاحٍ(6)، وَأَيْقَاطاً نُوْماً(7)، وَشُهُوداً غُيَّباً، وَنَاظِرَةٌ عَمْيَاءَ، وَسَامِعَةً صَمَّاءَ، وَنَاطِقَةً بَكْمَاءَ !

ومنها: (8)

رَايَةُ ضَلَالٍ قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا(9)، وَتَفَرَّقَتْ بِشَعْبِهَا (10)، تَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا (11)


1) المحجة: الطريق. والخابط: السائر على غير سبيل واضحة.

2) أسفرت الساعة: أضاءت وأشرقت.

3) المتوسِّم: المتفرُّس.

4) «أشباحاً بلا أرواح» أى أشخاصاً لا أرواح لها ولا عقول. «وأرواحاً بلا أشباح» يمكن أن يريد به الخفة والطيش، تشبيهاً بروحٍ بلا جسد، ويمكن أن يعني به نقصهم.

5) «نساكاً بلا صلاح» نسبهم إلى النفاق.

6) «تجاراً بلا أرباح»: نسبهم إلى الرياء.

7) « أيقاظاً نُوَماً »: لأنّهم أولو يقظة، وهم غفول عن الحق كالنيام، وكذلك باقي العبائر.

8) هذا الكلام منقطع عمّا قبله، لأنّ الرضي رحمه الله كان يلتقط ما في الطبقة العليا من الفصاحة من كلام أميرالمؤمنين(علیه السّلام) فيذكره، ويتخطّى ما قبله، وما بعده، وهٰهنا يذكر(علیه السّلام) ما يحدث في آخر الزمان من فتن، كظهور السفياني وغيره.

9) القطب - ههنا - : الرئيس الذي عليه يدور أمر الجيش. وقامت على قُط۫بها: تمثيل لانتظام أمرها واستحكام قوتها.

10) الشَّعْب: القبيلة العظيمة، وليس التفرّق للراية نفسها، بل لنضّارها وأصحابها، أي تفرّق ذلك الجمع العظيم في الأقطار، داعين إلى أمرٍ واحد ويروى «بشُعَبها» جمع شُعبَة وهو الفرع، أي انتشرت بفروعها .

11) المعنى: تحملكم على دينها ودعوتها، ويجوز أن يُريد بقوله: «تكيلكم بصاعها» يقهركم أربابها على الدخول في أمرهم، ويتلاعبون بكم، ويرفعونكم ويضعونكم كما يفعل كيّال البُرّ به إذا كاله بصاعه، أو تأخذكم للهلاك جملةٌ كما يأخذ الكيّال ما يكيله من الحَبّ.

وَتَخْبِطُكُمْ بِبَاعِهَا(1)، قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ ، قَائِمٌ عَلَى الضَّلَةِ (2)فَلَا يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ إِلَّا تُفَالَةٌ كَثفَالَةِ الْقِدْرِ(3)، أَوْ نُفَاضَةٌ كَنُفَاضَةِ الْعِكْمِ(4)، تَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الأدِیمِ(5)، وَتَدُوسُكُمْ دَوْسَ الحَصِيدِ (6)، وَتَسْتَخْلِصُ الْمُؤْمِنَ مِنْ بَيْنِكُمْ اسْتِخْلَاصَ الطَّيْرِ الْحَبَّةَ الْبَطِينَةَ(7)مِنْ بَيْنِ هَزِيلِ الْحَبِّ.

أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ ، وَتَتِيهُ بِكُمُ الْغَيَاهِبُ (8)، وَتَخْدَعُكُمُ الْكَوَاذِبُ (9)؟ وَمِنْ أَيْنَ تُؤْتَوْنَ، وَأَنَّى تُؤْفَكُونَ؟ فَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ، وَلِكُلِّ غَيْبَةٍ إِيَابٌ. فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيّكُمْ (10)، وَأَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ(11)، وَاسْتَيْقِظُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ (12). وَلْيَصْدُقَ رَائِدُ


1) تخبطكم بباعها: تظلمكم وتعسفكم، من «خَبَط الشجرة» ضربها بالعصا ليتناثر ورقها، أو من «خبط البعير بيده الأرض» أي ضربها، وعبر بالباع ليفيد استطالتها عليهم، وتناولها لقريبهم وبعيدهم.

2) قائدها ليس على ملّة الإسلام بل مقيم على الضلالة.

3) الثُقالة: ما ثفل - أي بقى - في قَعْر القدر من الطبيخ، والثافل: ما استقرّ تحت الشيء من كُد۫رة والمراد الأراذل والسّفلة.

4) النفاضة: ما يسقط بالنفض. والعِك۫م - بالكسر - : العِد۫ل بالكسر أيضاً، والعِكم أيضاً: نَمَطٌ تجعل فيه المرأة ذخيرتها، والمراد ما يبقى بعد تفريغه في خلال نسيجه فينفض لينظف.

5) عركت الشيء: دلكته بقوة، والعَرْك: شديد الذلك ، وعَرَكه: حَكَه حتى عفاه. والأديم: الجلد.

6) الحصيد: الزرع المحصود.

7) البطيئة: السمينة، ومعنى استخلاص الفتنة المؤمن أنّها تخصّ المؤمن بنكايتها وأذاها.

8) تنيه بكم: تجعلكم تائهين، والتائه: المتحيّر والغياهب: الظلمات، الواحد غَيْهَب.

9) الكواذب - هنا - : الأماني.

10) الربّانيّ: يعني به نفسه(علیه السّلام) ، ورجل ربّانيّ أي متأله عارف بالربِّ سبحانه.

11) «وأحضروه قلوبكم» أي اجعلوا قلوبكم حاضرة عنده، ولا تقتنعوا بحضور الأجساد.

12) هتف بكم: صاح بكم.

أَهْلَهُ(1)، وَلْيَجْمَعْ شَمْلَهُ(2)، وَلْيُحْضِرْ ذِهْنَهُ ، فَلَقَدْ فَلَقَ لَكُمُ الْأَمْرَ فَلْقَ الْخَرَزَةِ، وَقَرْفَهُ قَرْفَ الصَّمْغَةِ (3)فَعِنْدَ ذلِكَ أَخَذَ الْبَاطِلُ مَآخِذَهُ، وَرَكِبَ اَلْجَهْلُ مَرَاكِبَهُ، وَعَظُمَتِ الطَّاغِيَةُ(4)، وَقَلَّتِ الدَّاعِيَةُ، وَصَالَ الدَّهْرُ صِيَالَ السَّبُعِ العَقُورِه(5)، وَهَدَرَ (6)فَنِيقُ (7)الْبَاطِلِ بَعْدَ كُظُومٍ(8)، وَتَوَاخَى النَّاسُ عَلَى الْفُجُورِ (9)، وَتَهَاجَرُوا عَلَى الدِّينِ (10)، وَتَحَابُّوا عَلَى الْكَذِبِ ، وَتَبَاغَضُوا عَلَى الصِّدْقِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ الْوَلَدُ غَيْظاً (11)، وَالْمَطَرُ قَيْظاً، وَتَفِيضُ اللُّنَامُ فَيْضاً، وَتَغِيضُ الكِرامْ غَيْضاً (12).


1) الرائد: مَن يتقدم ليكشف لهم مواضع الكَلا، ويتعرف سهولة الوصول إليها من صعوبته، والمثل «لا يكذب الرائد أهله»، يأمر الهداة والدعاة الذين يتلقّون عنه، ويوصيهم بالصدق في النصيحة.

2) وليجمع شمله: أي وليجمع عزائمه وأفكاره لينظر.

3) أي فَلَقَ هذا الربانيّ لكم الأمر ، كما تفلق الخرزة فيعرّف باطنها، وكما تقشر الصمغة عن عود الشجرة وتقلع، وقَرَفه، أي قشره، وخصّ هذا بالذكر لأنّ الصمغة إذا قُشِرت لا يبقى لها أثر، كذا قالوا .

4) عظمت الطاغية: أي الطغيان، أو عظمت الفئة الطاغية. وقلّت الداعية مثله، أي الفرقة الداعية.

5) صال: حمل ووثب، والصّيال والمصاولة: المواثية.

6) هَدَر: ردّد صوته في حَنْجَرته.

7) الفنيق: فحل الإبل.

8) الكُظوم: الإمساك والسكوت، وإبل كُظوم لا تجترُ، وقوم كُظم ساكتون.

9) تواخى الناس: صاروا إخوة.

10) تهاجروا على الدين: أي تعادَوْا وتقاطعوا، والمراد أنّ صاحب الدين مهجور عندهم.

11) «كان الولد غيضاً»، أي لكثرة عقوق الأبناء للآباء، ولشُبّوبه على العقوق، «وصار المطر فيضاً» يقال إنّه من علامات الساعة وأشراطها، ويكون المطر قيظاً لعدم فائدته فإنّ الناس منصرفون عن فوائدهم، والانتفاع بما يفيض من خير إلى إضرار بعضهم ببعض ما أشبه هذه الحال بحال هذا الزمان !.

12) تغيض: من «غاض الماء» إذا غار في الأرض وجفّت ينابيعه.

وَكَانَ أَهْلُ ذلِكَ الزَّمَانِ ذِتَاباً، وَسَلَاطِينُهُ سِبَاعاً، وَأَوْسَاطُهُ أَكَالاً(1)، وَفُقَرَاؤُهُ أَمْوَاتاً، وَغَارَ الصِّدْقُ ، وَفَاضَ الْكَذِبُ (2)، وَاسْتُعْمِلَتِ الْمَوَدَّةُ بِاللِّسَانِ، وَتَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ، وَصَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً، وَالْعَفَافُ عَجَباً(3)، وَلبِسَ الإِسْلَامُ لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباً(4).

109 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

109 - ومن خطبة له عليه السلام (5)

فِي بَيانِ قُدرةِ اللَّهِ وَأَنفِرادِهِ بِالعَظَمَةِ وأمرِ البَعْثِ

كُلُّ شَيْءٍ خَاشِعٌ لَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ : غِنَى كُلِّ فَقِيرٍ، وَعِةٌ كُلّ ذَلِيلٍ، وَقُوَّةُ كُلِّ ضَعِيفٍ ، وَمَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفٍ . مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ نُطقَهُ، وَمَنْ سَكَتَ عَلِمَ سِرَّهُ، وَمَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَمَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ

لَمْ تَرَكَ الْعُيونُ فَتُخْبِرَ عَنْكَ ، بَلْ كُنْتَ قَبْلَ الْوَاصِفِينَ مِنْ خَلْقِكَ. لَمْ تَخْلُقِ الْخَلْقَ لِوَحْشَةٍ ، وَلَا أَسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ، وَلَا يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ(6)، وَلَا يُفْلِتُكَ مَنْ


1) «وأوساطُه أكالاً» أي طعاماً، والأجود الرواية الأخرى؛ وهي «آكالاً» بمد الهمزة، وروي «كالاً» بضمّها [كما عند عبده والصالح]، يقول (علیه السّلام) صار أوساط الناس طُعمة للولاة وأصحاب السلاطين.

2) غار الماء: سفل لنقصه، وفاض: سال.

3) يصير الفاسق صديق الفاسق، كأنّ بينهم نَسَباً. ويعجب الناس من العفاف؛ لقلّته وعدمه.

4) المراد انعكاس الأحكام الإسلامية في ذلك الزمان.

5) رواها الزمخشري في (ربيع الأبرار) في باب الملائكة، وابن عبد ربه في (العقد الفريد) ج 4 ص 76.

6) لا تطلب أحداً فيسبقك، أي يفوتك.

أَخَذْتَ(1)، وَلَا يَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصَاكَ ، وَلَا يَزِيدُ فِى مُلْكِكَ مَنْ أَطَاعَكَ، وَلَا يَرُدُّ أَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ قَضَاءَكَ ، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْكَ مَنْ تَوَلَّى عَنْ أَمْرِكَ.

كُلُّ سِرٌّ عِنْدَكَ عَلَانِيَةٌ(2)، وَكُلُّ غَيْبٍ عِنْدَكَ شَهَادَةٌ. أَنْتَ الْأَبَدُ فَلَا أَمَدَ لَكَ(3)، وَأَنْتَ الْمُنْتَهَى فَلَا مَحِيصَ عَنْكَ، وَأَنْتَ الْمَوْعِدُ فَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ ، بِيَدِكَ نَاصِيَةُ كُلِّ دَابَّةٍ ، وَإِلَيْكَ مَصِيرُ كُلِّ نَسَمَةٍ . سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ شَأْنَكَ ! سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرَى مِنْ خَلْقِكَ ! وَمَا أَصْغَرَ كُلَّ عَظِيمَةٍ فِي جَنْبِ قُدْرَتِكَ! وَمَا أَهْوَلَ مَا نَرَى مِنْ مَلَكُوتِكَ! وَمَا أَحْقَرَ ذَلِكَ فِيمَا غَابَ عَنَّا مِنْ سُلْطَائِكَ! وَمَا أَسْبَغَ نِعَمَكَ فِي الدُّنْيَا، وَمَا أَصْغَرَهَا فِي نِعَمِ الْآخِرَةِ!

ومنها: مِنْ مَلَائِكَةٍ أَسْكَنْتَهُمْ سَمْوَاتِكَ، وَرَفَعْتَهُمْ عَنْ أَرْضِكَ، هُمْ أَعْلَمُ خَلْقِكَ بِكَ، وَأَخْوَفُهُمْ لَكَ ، وَأَقْرَبُهُمْ مِنْكَ ؛ لَمْ يَسْكُنُوا الْأَصْلَابَ، وَلَمْ يُضَمَّنُوا الْأَرْحَامَ، وَلَمْ يُخْلَقُوا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ(4)، وَلَمْ يَتَشَعَّبُهُمْ رَيْبُ الْمَنُونِ(5)وَإِنَّهُمْ عَلَى مَكَانِهِمْ


1) لا يُفْلِتُك: لا يَنْفَلتُ منك، والمراد: أن مَن أخذت لا يستطيع أن يُفْلِت، كما يستطيع المأخوذون مع ملوك الدنيا أن يفِلتوا بحيلة من الحِيُل.

2) لأنّه عالِم لذاته، ونسبة ذاته إلى كلّ الأمور واحدة.

3) له فى العربية محملان: أحدهما أن المراد به: أنت ذو الأبد، كما قالوا: رجل داء، أى به داء، والمحمل الثاني: أنّه لمّا كان الأزل والأبد لا ينفكّان عن وجوده سبحانه جعله(علیه السّلام) كأنّه أحدهما بعينه، كقولهم أنتِ الطلاق، يريد المبالغة في البينوئة.

4) المهين: الحقير، يريد النُطقَة.

5) الشَّعَب: التفريق، ومنه قيل للمنيّة: شعوب، لأنّها تفرق الجماعات. والمنون: الدهر. والرّيب: صَرْفه، وريب المنون: حوادث الدهر نفسه، أي لم تفرقهم صروف الزمان، والمنون أيضاً المنيّة، لأنّها تمنّ المدّة أي تقطعها، والمنّ: القطع، ومنه قوله تعالى « لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ » [فصلت: 8].

مِنْكَ ، وَمَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَكَ ، وَأَسْتِجْمَاعِ أَهْوَائِهِمْ(1)فِيكَ ، وَكَثْرَةِ طَاعَتِهِمْ لَكَ ، وَقِلَّةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ أَمْرِكَ ، لَوْ عَايَنُوا كُنْهَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ، لَحَقَّرُوا أَعْمَالَهُمْ، وَلَزَرَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ(2)، وَلَعَرَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَلَمْ يُطِيعُوكَ حَقٌّ طَاعَتِكَ.

سُبْحَانَكَ خَالِقاً وَمَعْبُودا! بِحُسْنِ بَلَائِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ (3)، خَلَقْتَ دَاراً، وَجَعَلْتَ فِيهَا مَأْدَبَةً (4): مَشْرَباً وَمَطْعَماً، وَأَزْوَاجاً وَخَدَماً، وقُصُوراً وَأَنْهَاراً، وَزُرُوعاً وَثِمَاراً، ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو إِلَيْهَا(5)، فَلَا الدَّاعِيَ أَجَابُوا، وَلَا فِيمَا رَغَبْتَ رَغِبُوا، وَلَا إِلَى مَا شَوَّقْتَ إِلَيْهِ أَشْتَاقُوا. أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَةٍ قَدِ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا(6). وَأَصْطَلَحُوا عَلَى حُبِّهَا ، وَمَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ (7)، وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ، فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ، وَيَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ، قَدْ خَرَقَتْ الشَّهَوَاتُ عَفْلَهُ (8)، وَأَمَاتَتْ الدُّنْيَا قَلْبَهُ، وَوَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ، فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا، وَلِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ


1) الهوى: الحبُّ ومثِل النفس، وقد تكون في باطل وحقّ، وإنّما يُحْمَلُ على أحدهما بالقرينة، والأهواء تستعمل فيهما، والمراد هنا: أنّ دواعيهم إلى طاعته وخدمته لا تنازعها الصوارف، فهي مجتمعة مائلة إلى شقّ واحد.

2) زَرَى عليه: عَابَهُ، وزرَو۫ا على أنفسهم، أي عابوها.

3) البلاء يكون نعمة ويكون نقمةٌ، ويتعيّن الأول بإضافة الحسن إليه، أي ما عبدوك إلّا شكراً لنعمك عليهم.

4) «خلقت داراً» يعني الجنة، والمأدُبة والمأدّبة: الطعام الذي يُدعى الإنسان إليه في عرس ونحوه، والأدِب: الداعي الى طعامه، والمراد منها نعيم الجنة.

5) يعني الأنبياء.

6) جيفة هنا: يعني الدنيا.

7) أعشاه: أعماء.

8) «قد خرقت الشهواتُ عقلّه» أي أفسدته كما تخرِق الثوب فيفسد.

مِنْهَا ، حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا ، وَحَيْتُمَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا ، لَا يَنْزَجِرُ مِنَ اللَّهِ بِزَاجِرٍ. وَلَا يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظُ، وَهُوَ يَرَى الْمَأْخُوذِينَ عَلَى الْغِرَّةِ(1)، حَيْثُ لَا إِقَالَةَ لَهُمْ وَلَا رَجْعَةَ ، كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ ، وَجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ. وَقَدِمُوا مِنَ الْآخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ . فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهِمْ : أَجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ، وَحَسْرَةُ الْقَوْتِ (2)، فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ، وَتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ، ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فِيهِمْ وَلُوجاً(3)، فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ مَنْطِقِهِ، وَإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ، وَيَسْمَعُ بِأُذُنِهِ، عَلَى صِحَةٍ مِنْ عَقْلِهِ ، وَبَقَاءِ مِنْ لُيّهِ (4)، يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمْرَهُ، وَفِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ! وَيَتَذَكَّرُ أَمْوَالاً جَمَعَهَا، أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا(5). وَأَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَمُشْتَبَهَاتِهَا (6)، قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا(7)، وَأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا، تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يُنَعَمُونَ فِيهَا، وَيَتَمَتَّعُونَ بِهَا، فَيَكُونُ الْمَهْنَأُ لِغَيْرِهِ (8).


1) الغِرّة: الاغترار والغَف۫لة، والغارَ: الغافل، ويجوز أن يعني بقوله: «المأخوذين على الغرّة» الحداثة والشبيبة، يقول: كان ذلك في غرارتي وغرّتي، أي في حداثتي وصبايّ.

2) أي الحسرة على ما فاتهم من الدنيا ولذّتها، والحسرة على ما فاتهم من التوبة والندم.

3) ولوجاً: دخولاً.

4) «وبقاء من لبّه» أي لبُّه باقٍ لم يُعدم ، ويروى «ونقاء» بالنون، وهو النظافة.

5) «أغمض في مطالبها» أي تساهل في دينه في اكتسابه إياها، فلم يفرِّق بين حلال وحرام، كأنّه أغمض عينيه فلا يميّز ، أو أنّه كان يحتال بحيل غامضة دقيقة في تلك المطالب حتى حصّلها واكتسبها من أدق الوجوه وأخفاها فضلاً عن أظهرها وأجلاها.

6) أي أخذها من وجوه مباحة وذوات شبهة، وهذا يؤكد المحمل الأول في «أغمض».

7) التبعات: الآثام، وما يطالبه به الناس من حقوقهم فيها، وما يحاسبه به الله من منع حقّه منها و تخطي حدود شرعه في جميعها.

8) المهنأ: المصدر من هَنئ الطعام بهنَأ، وهَنؤ يهنُؤ أي صار هنيئاً، والمهنا: ما أتاك من خير بلا مشقّة.

وَالْعِبْءُ عَلَى ظَهْرِهِ (1)، وَالْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُونُهُ بِهَا (2)، فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ(3)، وَيَزْهَدُ فِيمَا كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمْرِهِ، وَيَتَمَنَّى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا وَيَحْسُدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ ، فَلَمْ يَزَلِ الْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ، حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ(4)، فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لَا يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ، وَلَا يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ، يُرَدَّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ فِي وُجُوهِهِمْ، يَرَى حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ، وَلَا يَسْمَعُ رَجْعَ كَلَامِهِمْ(5)، ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ الْتِيَاطاً بِهِ (6)، فَقَبَضَ بَصَرَهُ كَمَا قَبَضَ سَمْعَهُ، وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ، فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ ، قَدْ أُوحِشُوا مِنْ جَانِبِهِ(7)، وَتَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ، لَا يُسْعِدُ بَاكِياً ، وَلَا يُجِيبُ دَاعِياً، ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَخَطّ فِي الْأَرْضِ(8)، فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إِلَى عَمَلِهِ، وَأَنْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ(9).


1) العبء: الحمل والثقل، والجمع أعباء.

2) غلقت رهونه: استحقها مُرتَهنَّها، وأعوَزَتهُ القدرةُ على تخليصها، كناية عن تعذّر الخلاص، والمعنى أنّ أمواله التي جمعها صارت مستحقة لغيره، كالرهن الذي غلق على صاحبه، وصار لغيره، وهو المرتهِن.

3) أَصْحَرَ له: من «أصْحَر» إذا برز في الصحراء، أي على ما ظهر له وانكشف من أمره.

4) خالط لسانه سمعه: شارك السمع اللسان في العجز عن أداء وظيفته.

5) رجع كلامهم: ما يتراجعونه بينهم من كلام.

6) التباطاً: أي التصاقاً به.

7) المستوحِش: المهموم الفزع، ويروى «أو۫حشوا من جانبه» [كما في نسخة الصالح] ، أي خلوا منه وأففروا، تقول: قد أوحش المنزل من أهله، أي أقفر.

8) مَخَطُ: أى خطُّ، سماء مخطّاً لدقته، یعني اللَّحد، ويروى: «إلى محطّ» بالحاء المهملة؛ وهو المنزل، وحطّ القوم، أى نزلوا.

9) زَوْرَزته .زيارته.

حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، وَالْأَمْرُ مَقَادِيرَهُ، وَأُلْحِقَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَوَّلِهِ(1). وَجَاءَ مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ، أَمَادَ السَّمَاءَ وَفَطَرَهَا(2)، وَأَرَجّ الْأَرْضَ وَأَرْجَفَهَا(3)، وَقَلَعَ جِبَالَهَا وَنَسَفَهَا(4)، وَدَكَ بَعْضُهَا بَعْضاً مِنْ هَيْبَةِ جَلَالَتِهِ ،وَمَخُوفِ سَطوَتِهِ، وَأَخْرَجَ مَنْ فِيهَا فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إِخْلَاقِهِمْ(5)، وَجَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ،ثُمَّ مَيَّزَهُمْ(6)لِمَا يُرِيدُهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ عَنْ خَفَايَا الْأَعْمَالِ، وَخَبَايَا الْأَفْعَالِ وَجَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ : أَنْعَمَ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَأَنْتَقَمَ مِنْ هَؤُلَاءِ، فَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ فَأَثَابَهُمْ بِجِوَارِهِ، وَخَلَّدَهُمْ فِي دَارِهِ، حَيْثُ لَا يَطْعَنُ(7)النُّزَّالُ، وَلَا تَتَغَيَّرُ بِهِمُ الْحَالُ، وَلَا تَنُوبُهُم الْأَفْرَاعٌ(8)، وَلَا تَنَالُهُمُ الْأَسْقَامُ، وَلَا تَعْرِضُ لَهُمُ الْأَخْطَارُ، وَلَا تُشْخِصُهُمُ الْأَسْفَارُ(9)وَأَمَّا أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ، فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ، وَغَلَّ الْأَيْدِيَ إِلَى الْأَعْنَاقِ(10).


1) أي تساوى الكلّ فى شمول: الموت والفناء لهم، فالتحق الآخر بالأوّل.

2) أماد السماء: حَركها على غير انتظام، ويروى: «أمار» والمَوَران: الحركة. وفطرها: شقّها وصَدَعها، وأماد: جواب إذا بلغ الكتاب.....

3) أرجَ الأرض: أي زلزلها ، وروي «رجُ الأرضَ» بغير الهمزة، وهو الأصحّ وعليه ورد القرآن: « کلاإِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا » [الواقعة: 4] وأرجفها: جعلها راجفة، أي مرتعدة متزلزلة.

4) نسفها: قَلَعها من أصولها.

5) إخ۫لاقهم: من قولهم: «ثوب خَلق، وثياب أخلاق» إذا كانت الخلوقة شاملة له كله، والخلوقة البلى، والمراد أن البلى يشملهم كما يشمل الثياب البالية.

6) ميّزهم: أي فصّل بينهم، فجعلهم فريقين: سعداء وأشقياء.

7) يطعَن: يرحل.

8) تنوبهم الأفزاع: تعاودُهم وتنتابهم، والأفزاع: جمع فَزع، بمعنى الخوف.

9) تُشخصهم الأسفار: تخرجهم من منزل إلى منزل، أش۫خَصَه: أزعجه.

10) غلّ الأيدى: جعلها في الأغلال، جمع غُلَ، وهو القَيْد.

وَقَرْنَ النَّوَاصِي بِالْأَقْدَامِ، وَأَلْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ الْقَطِرَانِ(1)القطران: عصارة شجر الأرز والأبهل تطبخ ثم تُطلى بها الإبل، والقطران شديد الاشتعال.(2)، وَمُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ(3)، فِي عَذَابٍ قَدِ اشْتَدَّ حَرُّهُ، وَبَابٍ قَدْ أُطْبِقَ عَلَى أَهْلِهِ ، فِي نَارٍ لَهَا كَلَبٌ وَلَجَبٌ (4)وَلَهَبٌ سَاطِعٌ، وَقَصِيفٌ هَائِلٌ(5)، لَا يَطْعَنُ مُقِيمُهَا ، وَلَا يُفَادَى أَسِيرُهَا ، وَلَا تُفْصَمُ كُبُولُهَا(6)، لَا مُدَّةَ لِلدَّارِ فَتَقْنَى ، وَلَا أَجَلَ لِلْقَوْمِ فَيُقْضَى .

وَمِنها في ذِكْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ

قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيَا وَصَغَرَهَا6(7)، وَأَهْوَنَ بِهَا وَهَوَّنَهَا(8)، وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ زَوَاهَا (9)عَنْهُ اخْتِيَارا(10)، وَبَسَطَهَا لِغَيْرَهِ احْتِقَاراً، فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ ، لِكَيْلَا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً (11)، أَوْ يَرْجُوَ فِيهَا


1) السّر۫بال: القميص، والقّطِران

2) : الهِناء.

3) مقطّعات النيران، أي ثياب من النيران، قد قطعت وفصّلت لهم، وكل ثوب يُقطّع كالقميص والجبة ونحوها، بخلاف ما لا يُقطّع كالإزار والرداء، والمقطعات أشمل للبدن وأشدّ استحكاماً في احتوائه، وقيل: المقطّعات: قصار الثياب.

4) الكَلب: الشدة، عبّر به عن هَيَجانها. والجلّب واللّجَب: الصوت المرتفع.

5) القصِيف: الصوت الشديد.

6) لا يُقصم كبُولُها: لا يكسر قيودها، الواحد كَب۫ل، وهو القيد. وتُفْصَم: تنقطع.

7) فَعُل مشدّد للتكثير، «قتلت» أكثر من «قَتَلْت» فقوله(علیه السّلام) : «قد حقّر الدنيا» زيادة تحقير النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )لها، وذلك أبلغ في الثناء، وقوله: «وصغّرها» أي وصغرها عند غيره.

8) أي أهون هو بها وهوّنها عند غيره.

9) زَوَاها: قبضها.

10) اختياراً أي باختيار ورضاً من النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بذلك.

11) الرياش والريش: اللباس الفاخر، ويقال: الريش والرياش: المال والخِص۫ب والمعاش.

مُقَاماً . بَلغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً(1)، وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ مُنْذِراً، وَدَعَا إِلَى الْجَنَّةِ مُبِشِّراً، وَخَوَّفَ مِنَ النَّارِ مُحَذِّراً.

نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، وَمَحَطُّ الرِّسَالَةِ، وَمُخْتَلَفُ الْمَلَائِكَةِ (2)، وَمَعَادِنُ الْعِلْمٍ، وَيَنَابِيعُ الْحُكْمِ (3)، نَاصِرُنَا وَمُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ، وَعَدُونَا وَمُبْغِضُنَا يَنْتَظِرُ السَّطْوَة (4).

110 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

110 - ومن خطبة له عليه السلام (5)

يَذكرُ فِيها فَرائِضَ الإسلام

إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، الْإِيمَانُ بِهِ ، وَبِرَسُولِهِ ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الْإِسْلَامِ(6)، وَكَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ : وَإِقَامُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ : وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ : وَصَوْمُ شَهْرٍ


1) مُعْذِراً: أي مبالغاً، ومُعْذِراً مبيناً لله حجة تقوم مقام العذر في عقابهم إن خالفوا أمره.

2) محط الرسالة: منزلها، ومُخْتَلَف الملائكة: موضع اختلافها في صعودها ونزولها، أي ورود واحد منهم بعد آخر، فيكون الثاني كأنّه خَلَف للأول وهكذا.

3) قوله «ومعادن العلم، وينابيع الحُك۫م»، يعني الحكمة أو الحكم الشرعيّ، قال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب».

4) لأنّها ستحل بهم يقيناً، صاروا كالمنتظرين لها، وأيضاً فإنّهم ينتظرون الموت، وهو مقدمة العقاب، جعل انتظاره انتظار ما يكون بعده.

5) رواها ابن شعبة في (تحف العقول) ص 104 ، والبرقي في (المحاسن) ص 233 .

6) ذروة الإسلام: أعلاه.

رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ؛ وَحَجُ الْبَيْتِ وَاعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَيَرْحَضَانِ الذَّنْبَ (1)وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَتْرَاةٌ فِي الْمَالِ (2)، وَمَنْسَأَةُ فِي الْأَجَلِ (3)وَصَدَقَهُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ(4)، وَصَدَقَةُ الْعَلَانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّو وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَفِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ.

أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِّكْرِ، وَأَرْغَبُوا فِيمَا وَعَدَ الْمُتَّقِينَ فَإِنَّ وَعْدَهُ أَصْدَقُ الْوَعْدِ، وَاقْتَدُوا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهَدْيِ(5)، وَأَسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا أَهْدَى السُّنَنِ، وَتَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ، وَتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ، وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ، وَأَحْسِنُوا تِلَاوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ . وَإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لَا يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ ، بَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ وَالْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَم(6)، وَهُوَ عِنْدَاللهِ أَلْوَم (7).


1) يَرْحضان الذنب: أي يغسلانه؛ رَحَضت الثوب، وثوب رَحيض.

2) مَثْرَاة في المال: أي تُثريه وتكثره.

3) مَنْسأة فى الأجل: أي تَنسَؤُه وتؤخّره، منسأة: مَطَالٌ فيه ومزيد، ويقال: نسأ الله في أجلك.

4) التكفير هو إسقاط عقاب مستحقُ بثواب أزيد منه أو توبة، وأصله السَّت۫ر والتغطية، ومنه الكافر؛ لأنّه يغطّي الحق، وسمّي البحر كافراً لتغطيته ما تحته، وسمي الفلّاح كافراً لأنّه يغطي الحب في الأرض المحروثة.

5) الهد۫ي: السيرة، وفي الحديث: «واهدوا هَدْي عَمّار» يقال: هَدْيَ فلانٌ هَدْيَ فلان، أى سار سيرته.

6) لأنّه عند الموت يتأسّف ألّا يكون عَمِل بما علم، والجاهل لا يأسف ذلك الأسف.

7) أي أحقّ أن يُلام، لأنّه عالِمٌ فيكون استحقاقه اللوم والعقاب أشدّ، وهو أشدّ لوماً لنفسه بين يدي الله لأنّه لا يجد منها عذراً يقبل أو يرد.

111 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

111 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي ذَمّ الدُّنْيا

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ(2)، حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، وَتَحيَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ (3)وَرَاقَتْ بِالْقَلِيلِ (4)، وَتَحَلَّتْ بِالْآمَالِ(5)، وَتَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ لَا تَدُومُ حَبْرَتُهَا (6)، وَلَا تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا . غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ، حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ، نَافِدَهُ بَائِدَةٌ (7)، أَكَالَةٌ غَوَالَةٌ(8). لَا تَعْدُو - إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ الرَّغْبَةٍ فِيهَا وَالرِّضَاءِ بِهَا(9)- أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى : «كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ (10)فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ (11)وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً».


1) رواها القضاعي في (الدستور) ص 51 ،وابن طلحة في (المطالب) ص 144.

2) خَضِرة: أي ناضرة.

3) تحبّبت بالعاجلة: أي تحبّيت إلى الناس بكونها لذّة عاجلة، والنفوس مولَعة بحبّ العاجل.

4) راقت بالقليل: أي أعجبت أهلها بأمر قليل ليس دائم.

5) تحلّت بالآمال: من الحِلية، أي تزينت عند أهلها بما يؤمّلون منها.

6) الحَبرَة: السرور والنعمة.

7) حائلة: متغيّرة. ونافدة: فانية، وبائدة: منقضية، أي هالكة.

8) أكّالة: قتالة، وغوّالة: مهلكة، والغَوّل: ما غال، أي أهلك.

9) أي أنّها إذا وصلت بأهل الرغبة فيها إلى أمانيهم فلا تتجاوز الوصف الذي ذكره الله في قوله كماء.... فقوله «أن تكون» مفعول لتعدو.

10) فاختلط، أى فالتفّ نبات الأرض، وتكاثف به، أي بسبب ذلك الماء، ويجوز تقديره: فاختلط بنبات الأرض، لأنّه لمّا غذّاه فقد صار مختلطاً به، وعندئذٍ يجوز « فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ»، أو «فَاخْتَلَطَ هُوَ بِنَبَاتِ اَلْأَرْضِ».

11) الهشيم: ما تهشّم وتحطم، والنبت اليابس المكسّر ، والواحد هشيمة. وتذرُوه الرياح: تطيره.

لَمْ يَكُنِ امْرُؤٌ مِنْهَا فِي حَبْرَةٍ إِلَّا أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةً(1)، وَلَمْ يَلْقَ مِنْ سَرَّائِهَا بَطْناً (2)إِلَّا مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً، وَلَمْ تَطْلَّهُ(3)فِيهَا دِيمَةُ رَخَاءٍ (4)إِلَّا هَتَنَتْ(5)عَلَيْهِ مُزْنَةٌ بَلَاءٍ. وَحَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنتَصِرَةٌ(6)أَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكَّرَةٌ، وَإِنْ جَانِبُ مِنْهَا أَعْذَوْذَبَ وَأَحْلَوْلَى(7)أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبُ فَأَوْبَى(8)! لَا يَنَالُ أَمْرُقُ مِنْ غَضَارَتِهَا رَغَباً(9)إِلَّا أَرْهَقَتْهُ مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً(10)! وَلَا يُمْسِي مِنْهَا فِي جَنَاحَ أَمْنٍ إِلَّا أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِم خَوْفٍ (11)غَرَّارَةٌ غُرُورُ مَا فِيهَا ، فَانيَةٌ ، فَان مَنْ عَلَيْهَا ، لَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَزْوَادِهَا إِلَّا الْتَّقْوَى. مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يَؤَمِّنُهُ وَمَنِ


1) عَبْرَة - بالفتح- : الدمعة قبل أن تفيض، أو تردد البكاء في الصدر، أو الحزن بلا بكاء.

2) كني بالبطن والظهر كتابة عن الإقبال والإدبار، وقيل: لأنّ الترس بطنه إليك وظهره لعدوّك.

3) طلّه السحابُ يطلُّه، إذا أمطره مطراً قليلاً، والطّل: المطر الضعيف، يقول: إذا أعطت قليلاً من الخير أعقبته بكثير من الشرّ، لأنّ التهتان الكثير المطر.

4) الديمة: مطر يدوم في سكون، لا رعد ولا برق معه. والرّخاء: السعة.

5) هَتَنَتِ المُزْن: انصبّت.

6) حريّ: أي جدير وخليق.

7) اعذوذب: صار عذباً ، واحْلُولَى: صار حُل۫واً.

8) أمرَ الشيءُ: صار مُراً ، وأوبى: صارَ وبيّاً، أي كثير الوباء، والوباء: هو المعروف بالريح الأصفر.

9) الغَضَارة : النعمة والسعة . والرَّغَب - بالتحريك - : الرغبة والمرغوب، رَغبت في الأمر، أي أردته.

10) أرهَقَت۫هُ التعب: ألحقَتهُ به، يقال: أرهقه إثماً، أي حمّله وكلّفه.

11) القوادم: مقاديمُ الريش جمع قادمة، وهي الواحدة من أربع أو عشر ريشات في مقدّم جناح الطائر، والعَشُر التي تحتها هي الخَوافي. وخصّ القوادمَ بالخوف؛ لأنّ الراكب عليها في خطر عظيم وسقوط قريب، وخصّ الجَناح بالأمن؛ لأنّه يستر ويقي البرد والأذى.

اسْتَكْثَرَ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُوبِقُهُ (1)، وَزَالَ عَمَّا قَلِيلٍ عَنْهُ . كَمْ مِنْ وَاثقٍ بِهَا قَدْ فَجَعَتْهُ(2)، وَذِي طُمَأْنِينَةٍ قَدْ صَرَعَتْهُ، وَذِي أَنَّهَةٍ قَدْ جَعَلَتْهُ حَقِيراً(3)، وَذِي نَخْوَةٍ (4)قَدْ رَدَّتْهُ ذَلِيلاً!

سُلْطَانُهَا دُوَلٌ(5)، وَعَيْشُهَا رِنَقٌ(6)، وَعَذْبُهَا أُجَاجُ(7)، وَحُلْوهَا صَبِرٌ (8)،وَغِذَاؤُهَا سِمَامٌ (9)، وَأَسْبَابُهَا رِمَامُ (10). حَيُّهَا بِعَرَضِ مَوْتٍ، وَصَحِيحُهَا بِعَرَضِ(11)سُقْم . مُلْكَهَا مَسْلُوبٌ ، وَعَزِيرُهَا مَغْلُوبٌ ، وَمَوْفُورُهَا مَنْكُوبٌ (12)، وَجَارُهَا مَحْرُوبُ (13)أَلَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْمَارًا، وَأَبْقَى آثَارِاً، وَأَبْعَدَ


1) توبقه: تُه۫لكه.

2) أوجعته بفقد ما يعزّ عليه.

3) الأبّهة: الكِب۫ر والعظّمَة.

4) النَّخ۫وة - بالفتح - : الافتخار.

5) دُوَل: جمع دولة ، وهي انقلاب الزمان [و عند الصالح] دُوَّل - بضم الدال وفتح الواو المشددة -: المتحوّل.

6) الرَّنق - بفتح النون - : مصدر رَنق الماء، أي تكدّر، والرَّنِق - بالكسر - الكَدِر، وقد روي ههنا يفتح النون وكسرها، والفتح على تقدير حذف المضاف، أي ذو رَنق.

7) ماءٌ أُجاج: قد جمع المرارة والمُلوحة.

8) الصَبِر: عُصارة شجر ،مرّ، ثم سُمّي كلُّ مرّ صبراً.

9) السِمام: جمع سَمّ - مثلّث السين - والجمع سِمام وسُموم، وهو من المواد ما إذا خالط المزاجَ أفسده فقتل صاحبه.

10) أسبابها: حبالها. ورمام: جمع رُمَّة - بالضم - : وهي القطعة البالية من الحبل، أي ما يتمسك به منها فهو بال منقطع.

11) في نسخة: بعُرْضِ، بضم العين وسكون الراء.

12) موفورها منكوب: ذو الوفر والثروة منها مصاب بالنكبة، وهي المصيبة، أي في مَع۫رض لذلك.

13) المحروب: المسلوب، أي لا تحمي جاراً ولا تمنعه من حَربّه حَرْباً : إذا سلب ماله.

أمَالَاً ، وَأَعَدَّ عَدِيداً(1)، وَأَكْتَفَ جُنُوداً ! تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَيَّ تَعَبُّدٍ، وَآثَرُوهَا أَيَّ إِيثَارِ ،ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلِّغ ، وَلَا ظَهْرٍ قَاطع (2). فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَةٍ(3)، أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَةٍ ، أَوْ أَحْسَنتْ لَهُمْ صُحْبَةً! بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ بِالْفَوَادِحِ(4)، وَأَوْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَارِعِ(5)الوَهَقُ والوَهُقُ: الحبلُ في أحد طرفيه أنشوطةُ يُطرح في عنق الدَّابة والإنسان حتى يؤخذ، جمعه: أوهاق، وأوهق الدابة: طرح في عنقها الوَهَق.(6)، وَضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوَائِبِ(7)، وَعَفَّرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرِ (8)، وَوَطِئَتْهُمْ بِالْمَنَاسِمِ(9)، وَأَعَانَتْ عَلَيْهِمْ رَيْبَ الْمَنُونِ. فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكَّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا (10)، وَآثَرَهَا وَأَخْلَدَ لَهَا (11)، حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ الْأَبَدِ (12).

وَهَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلَّا السَّغَبَ (13)، أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلَّا الضَّنْكَ (14)، أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلَّا


1) العديد: العدوّ الكثير، وأعدّ منهم، أي أكثر.

2) ظهر قاطع: راحلة تُرْكَب لقطع الطريق.

3) أي سخت نفسها لهم بغداء.

4) أر۫هقَتهم: غَشيِتّهم، والفوادح: المثقلات، فَدَحَه الدَّين: أثقله، ويروى «بالقوادح» بالقاف، [كما أثبته عبده والصالح] وهي آفة تظهر في الشجر، وصدوع تظهر في الأسنان، أي غشيتهم بما ينهكهم ويمزّق أجسادهم.

5) أَوْ هَقَتَهُم : جعلتهم في الوَهَق

6) - بفتح الهاء - وهو حبل كالطّوَل ، والقوارع : المحن والدواهي.

7) ضعضعتهم: أذلتهم.

8) كبَتهم على مناخرهم في العفر: وهو التراب.

9) المناسم: جمع منسِم - بكسر السين - وهو خُفُّ البعير، أو مقدم الخفّ.

10) دان لها: خضع وأطاعها.

11) أخلد إليها: ركن إليها ومال، قال تعالى: « وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ » (الأعراف: 176).

12) أي فراق مدته لا نهاية لها.

13) السُغَب: الجوع.

14) الضنك: الضيق.

الظُّلْمَةَ (1)! أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلَّا النَّدَامَةَ ! أَفَهَذِهِ تُؤْثِرُونَ؟ أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ؟ أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ! فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا(2)، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَلٍ مِنْهَا !

فَأعلموا - وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ- بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا ، وَظَاعِنُونَ عَنْهَا . وَاتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا: «مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً»، حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلَا يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً(3)، وَأُنْزِلُوا الْأَجْدَاتَ(4)فَلَا يُدْعُونَ ضِيفَاناً ، وَجُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِيحِ(5)أَجْنَانُ(6)، وَمِنَ التُّرَابِ أَكْفَانٌ (7)وَمِنَ الرُّفَاتِ جِيرَانُ (8). فَهُمْ جِيرَةٌ لَا يُجِيبُونَ دَاعِياً ، وَلَا يَمْنَعُونَ ضَيْماً ، وَلَا يُبَالُونَ (9)مَنْدَبَةٌ (10)إِنْ جِيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا (11)، وَإِنْ تُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا (12)، جَمِيعٌ وَهُمْ آحَادٌ، وَجِيرَةٌ وَهُمْ أَبْعَادُ. مُتَدَانُونَ لَا يَتَزَاوَرُونَ (13)، وَقَرِيبُونَ لَا


1) أو نورت لهم..... لم يكن لهم مما ظنوه لها إلّا ظلام، فهي لم تسمح لهم بالنور بل بالظلمة.

2) مَن لم يتّهمها، أي مَنْ لم يسؤ ظنّاً بها.

3) لا يقال لهم ،رُكبان، جمع راكب؛ لأنّ الراكب من يكون مختاراً وله التصرّف في مركوبه.

4) الأجداث: القبور.

5) الصفيح: وَجْهُ كلّ شيء عريض، والمراد وجه الأرض أو الحجارة.

6) الأجنان: القبور، الواحد جَنّن.

7) لأنّ أكفانهم تبلى ولا يغشى أبدائهم سوى التراب. [وفي رواية: «ومِنَ التراب أكنان] والأكنان: جمع كِنّ: وهو السِّتْر.

8) الرّفات: العظام البالية، المندقّة المحطومة.

9) لا يبالون: لا يكترثون.

10) المندية: النَدب على الميت.

11) جِيدُوا: مُطِرُوا.

12) قُحِطوا: انقطع المطر عنهم فأصابهم القَح۫ط.

13) متقاربون لا يزور بعضهم بعضاً.

يَتَقَارَبُونَ . حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَاتُهُمْ، وَجُهَلَاءُ قَدْ مَاتَتْ أَحْقَادُهُمْ، لَا يُخْشَى فَجْعُهُمْ(1)، وَلَا يُرْجَى دَفْعُهُمْ ،أَسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الْأَرْضِ بَطْناً، وَبِالسَّعَةِ ضِيقاً، وَبِالْأَهْلِ غُرْبَةٌ، وَبِالنُّورِ ظُلْمَةً ، فَجَاءُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا (2)، حُفَاةً عُرَاةً، قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ، وَالدَّارِ الْبَاقِيَةِ ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : «كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ».

112 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

112 - ومن خطبة له عليه السلام (3)

يَذْكُرُ فِيها مَلَكَ المَوتِ وتَوفِيةِ النَّفْسِ

هَلْ تُحِسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلاً؟ أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى أَحَداً(4)! بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى الْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ! أَيَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا(5)، أَمِ الرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا؟ أَمْ هُوَ سَاكِنُ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا؟ كَيْفَ يَصِفُ إِلَهَهُ مَنْ يَعْجَزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقٍ مِثِلهِ!


1) لا يُخشى فَجْعُهُمْ: لا تَخافُ منهم أن يَف۫جعوك بضرر.

2) جاؤوا إلى الأرض واتصلوا بها بعد ما فارقوها، وانفصلوا عنها في بدء خلقتهم، فإنّهم خُلقوا منها كما قال تعالى: «مِنْهَا خَلَقْنَاكُم وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ» [طه: 55] وقوله : قد طعنوا عنها، يشير إلى أنّهم بعد الموت يذهبون بأرواحهم إمّا إلى نعيم وإمّا إلى شقاء، أو الظعن عنها هو البعث يوم القيامة ومفارقتها، إمّا إلى الجنة وإمّا إلى النار كما يرشد إليه الاستشهاد بالآية.

3) رواها الواسطي في كتاب (عيون الحكم والمواعظ ).

4) التوفّي: الإماتة وقبض الأرواح.

5) يلج: يدخل.

113 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

113 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي التَّحذير من الدُّنْيا

وَأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ(2)، وَلَيْسَتْ بِدَارِ نُجْعَةٍ(3)، قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا، وَغَرَّتْ بِزِينَتِهَا . دَارُ هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا فَخَلَطَ حَلَالَهَا بِحَرَامِهَا، وَخَيْرَهَا بِشَرِّهَا ، وَحَيَاتَهَا بِمَوْتِهَا، وَحُلْوَهَا بِمُرِّهَا . لَمْ يُصْفِهَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ، وَلَمْ يَضِنَّ بِهَا عَلَى أَعْدَائِهِ (4)خَيْرُهَا زَهِيدُ(5)، وَشَرُّهَا عَتِيدٌ(6)، وَجَمْعُهَا يَنْفَدُ، وَمُلْكُهَا يُسْلَبُ، وَعَامِرُهَا يَخْرَبُ. فَمَا خَيْرُ دَارٍ تُنْقَضُ نَقْضَ الْبِنَاءِ، وَعُمُرٍ يَفْنَى فِيهَا فَنَاءَ الزَّادِ، وَمَدَّةٍ تَنْقَطِعُ انْقِطَاعَ السَّيْرِ (7)! أجْعَلُوا مَا أفْتَرضَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِكُم (8)، وَأَسْأَلُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ كَمَا سَأَلَكُمْ، وَأَسْمِعُوا دَعْوَةَ الْمَوْتِ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى


1) روي الزمخشري فصلاً منها في أوائل (ربيع الأبرار)، ونثرها الآمدي في (غرره).

2) «فإنّها منزلُ قُل۫عة» أى ليست بمستوطّنة، ويقال: هذا مجلس قُلعة، إذا كان صاحبه يحتاج إلى أن يقوم مرة بعد مرة، يقال: هم على قُلعة أي على رحلة، وفلان ،قُلعة، إذا كان ينقلع عن سرجه، ولا يثبت في الصراع.

3) النُجعة - بالضم - : طلب الكلأ في موضعه، أي ليست محطُ الرحال ولا مبلغ الآمال.

4) ويروى: «على أعدائه»، والرواية المشهورة «عن أعدائه»، وكلاهما مستعمل.

5) الزهيد: القليل.

6) العتيد: الحاضر.

7) السّيرة: سير المسافر.

8) طَلَبكم: مطلوبكم، أي اجعلوا الفرائض من مطالبكم التي تسعون ليلها، واسألوا الله أن يمنحكم ما سألكم من أداء حقّه، أي أن يمنّ عليكم بالتوفيق لأداء حقّه.

بِكُمْ. إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَإِنْ ضَحِكُوا، وَيَشْتَدُّ حُزْنُهُمْ وَإِنْ فَرِحُوا ، وَيَكْتُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَإِنِ اغْتَبَطُوا بِمَا رُزِقُوا (1). قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ الْآجَالِ، وَحَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ الْآمَالِ ، فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنْ الْآخِرَةِ. وَالْعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ الْآجِلَةِ ، وَإِنَّمَا أَنتُمْ إِخْوَانُ عَلَى دِينِ اللَّهِ ، مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلَّا خُبْتُ السَّرَائِرِ، وَسُوءُ الصَّمَائِرِ ، فَلَا تَوَازَرُونَ وَلَا تَنَاصَحُونَ، وَلَا تَبَاذَلُونَ (2)وَلَا تَوَادُّونَ.

مَا بَالُكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا تُدْرِكُونَهُ ، وَلَا يَحْزُنُكُمْ الْكَثِيرُ مِنَ الْآخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ! وَيُقلِقُكُمْ الْيَسِيرُ مِنَ الدُّنْيَا يَفُوتُكُمْ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذلِكَ فِي وُجُوهِكُمْ، وَقِلَّةِ صَبْرِكُمْ (3)عَمَّا زُوِيَ مِنْهَا عَنْكُمْ (4)! كَأَنَّهَا دَارُ مُقَامِكُمْ، وَكَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ عَلَيْكُمْ.

وَمَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا يَخَافُ مِنْ عَيْبِهِ ، إِلَّا مَخَافَةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْلِهِ. قَدْ تَصَافَيْتُمْ عَلَى رَفْضِ الْآجِلِ، وَحُبِّ الْعَاجِلِ، وَصَارَ دِينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةً عَلَى لِسَانِهِ (5)، صَنِيعَ مَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ، وَأَحْرَزَ رِضَا سَيّدِهِ.


1) اغتُبِطُوا: غبطهم غيرُهم بما آتاهم الله من الرزق.

2) أصله فلا تتوازرون، ولا تتناصحون، ولا تتباذلون، والتباذل : أن يجودّ بعضهم على بعض بماله ويبذله له.

3) «قلّة صبركم» عطف على «وجوهكم».

4) زُويّ: من «زَواه» إذا نحّاه.

5) أصل اللُّعقة: شيء قليل يُؤخذ بالمِل۫عقة من الإناء، يصِف دينهم بالنَّزارة والقِلَة كتلك اللُّعقة ، ولم يقنع بأن جعله لعقة حتى جعله على ألسنتهم فقط، أي ليس في قلوبهم. وعبر «باللّع۫قَة» عن الإقرار باللسان مع ركون القلب إلى مخالفته .

114 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

114 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

وَفِيهَا مَوَاعِظُ لِلنَّاسِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاصِلِ الْحَمْدَ بِالنِّعَمِ، وَالنَّعَمَ بِالشُّكْرِ، نَحْمَدُهُ عَلَى آلَائِهِ ، كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلَائِهِ، وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى هَذِهِ النُّفُوسِ الْبِطَاءِ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ(2)، السَّرَاعِ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ. وَنَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ، وَأَحْصَاهُ كِتَابُهُ، عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرٍ. وَكِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ (3)وَتُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ الْغُيُوبَ، وَوَقَفَ عَلَى الْمَوْعُودِ، إِيمَاناً نَفَى إِخْلَاصُهُ الشِّرْكَ ، وَيَقِينُهُ الشَّكَ. وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، شَهَادَتَيْنِ تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ ، وَتَرْفَعَانِ الْعَمَلَ (4). لَا يَخِفُّ مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ، وَلَا يَنْقُلُ مِيزَانُ تُرْفَعَانِ

عِنْهُ (5).

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّتِي هِيَ الزَّادُ وَبِهَا الْمَعَاذُ : زَادُ مُبْلِخٌ، وَمَعَاذُ


1) رواها ابن شعبة في (تحف العقول ) ص 156، والقضاعي في (دستور معالم الحكم) ص 33 .

2) البِطاء - بالكسر - : جمع بطيئة. والسِراع: جمع سريعة.

3) غيرُ مُغادِرٍ: غير تاركِ شيئاً إلّا أحاط به.

4) قوله: «تُصعدان القول وترفعانِ العمل» إشارة إلى قوله تعالى: «إليهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالحُ يرفعُهُ» [فاطر: 10)، وروي «تسعدان القول بالسين، أي هما شهادتان بالقلب يعاضدان الشهادة باللسان، ويُسعدانها.

5) ليس كما يقول المرجئة أصحاب مقاتل بن سليمان: أنّه لا يضرّ مع الشهادتين معصية أصلاً، بل يريد الشهادتين الموصوفتين بأنّهما يصعدان القول، ويرفعان العمل.

منجح (1). دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ(2)، وَوَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ(3)، فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا(4)، وَفَازَ واعيها.

عِبَادَ اللَّهِ ، إِنَّ تَقْوَى اللهِ حَمَتْ أَوْلِيَاءَ اللهِ مَحَارِمَهُ(5)، وَأَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ، حَتَّى أَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ، وَأَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ (6)فَأَخَذُوا الرَّاحَةَ بِالنَّصَبٍ (7)وَالرِّيَّ بِالظَّمَإِ؛ وَاسْتَقْرَبُوا الْأَجَلَ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ(8)، وَكَذَّبُوا الأَمَلَ فَلَاحَظُوا الْأَجَلَ.

ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَعَنَاءٍ ، وَغِيَرٍ وَعِبَرٍ؛ فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرُ قَوْسَهُ(9)، لا تُخْطِيُّ سِهَامُهُ، وَلَا تُؤْسَى جِرَاحُهُ (10)يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ، وَالصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ ، وَالنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ. آكِلٌّ لَا يَشْبَعُ، وَشَارِبُ لَا يَنْقَعُ (11). وَمِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ


1) زاد مُب۫لغ: أي يبلغُك المقصد والغاية التي تسافر إليها، ومعاذ منجح: أي يصادف عنده النجاح.

2) يعني البارئ تعالى. وروي: «دعا إليها أحسن داعٍ»، أي أحسن داعٍ دعا.

3) وَعَاها: فهمها وحفظها، أي من وعاها عنه تعالى وعَقَلها وأجاب تلك الدعوة، فهو خير واعٍ، وقيل: عني بقوله: «أسمع داع» رسولَ الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وعني بقوله: «خير واع» نفسَهُ؛ لأنّه أُنزل فيه: «وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ» [الحاقة 12] والأول أظهر.

4) «فاسمع داعيّها» أي لم يبق أحداً من المكلَّفين إلّا وقد أسمعه تلك الدعوة، ثم قال: «وفاز واعيّها» أي أفلح من فَهِمها وأجاب عليها.

5) حَمى الشيء: منعه، أي منعتهم ارتكاب محرماته.

6) الهَواجر: جمع هاجرة، وهي شدة حرّ النهار، وقد أظمئت هذه الهواجر بالصيام.

7) النّصَب: التعب، ويروى «فاستبدلوا الراحة».

8) استقربوا الأجل: رأوه قريباً، والأجل هنا: المدة، وفى «فلاحظوا الأجلّ» بمعنى الموت نفسه.

9) فمن أسباب الفناء كون الدهر قد أوتر قوسه ليرمي بها أبناءه. يروى: «موتِر» و «موتَر» بالتشديد.

10) لا تؤسى جراحه: لا تطبّ ولا تصلح ،تُوسَى: تُداوى من «أسَوْتُ الجرح» داويته.

11) لا ينقع: لا يروى ولا يَشتفي من العطش بالشرب.

الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لَا يَأْكُلُ، وَيَبْنِي مَا لَا يَسْكُنُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، لَا مَالاً حَمَلَ، وَلَا بِنَاءً نَقَلَ وَمِنْ غِيْرِهَا(1)أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً ، وَالْمَغْبُوط مَرْحُوماً، لَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا نَعِيماً زَلَّ(2)، وَبُؤْساً نَزَلَ. وَمِنْ عِبَرِهَا أَنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ، فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ ، فَلَا أَمَلُ يُدْرَكُ، وَلاَ مُؤَمَّلُ يُتْرَكُ . فَسُبْحَانَ الله مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا! وَأَظْمَأُ رِيَّهَا ! وَأَضْحَى فَيْتَهَا (3)! لَا جَاءٍ يُرَدُّ(4)، وَلَا مَاضٍ يَرْتَدُّ، ! فَسُبْحَانَ اللهِ ، مَا أَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ لِلْحَاقِهِ بِهِ، وَأَبْعَدَ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ لانْقِطَاعِهِ عَنْهُ !

إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِشَرٌ مِنَ الشَّرِّ إِلَّا عِقَابُهُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ بِخَيرٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا ثَوَابُهُ.

وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِن الْآخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ . فَلْيَكْفِكُمْ مِنْ الْعِيَانِ السَّمَاعُ، وَمِنَ الْغَيْبِ الخَبَرُ. وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا وَزَادَ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنْ الْآخِرَةِ وَزَادَ فِي الدُّنْيَا، فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ، وَمَزِيدٍ خَاسِرٍ ! إِنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ(5). وَمَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ. فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ، وَمَا ضَاقَ لِمَا اتَّسَعَ. قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ، وَأُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ؛ فَلَا يَكُونَنَّ الْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ


1) غِيّرها - بكسر ففتح - : تقلّبها. والمرحوم الذي ترق له وترحمه لسوء حاله يصبح مغبوطاً على ما تجدد له من نعمة.

2) من زَلّ فلان زليلاً وزُلُولاً : إذا مرّ سريعاً، والمراد انتقل، أو هو الفعل اللازم من أزل إليه نعمة: أسداها.

3) «أضحى فيئَها» من أضحى الرجل إذا برز للشمس. والفئء: الظلّ بعد الزوال أو مطلقاً.

4) الجائي: يريد به الموتَ.

5) المعنى: أنّ فيما أحلّ الله غنىً عمّا حرّم، بل الحلالُ أوسع.

أَوْلَى(1)بِكُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ، مَعَ أَنَّهُ وَاللهِ لَقَدِ اعْتَرَضَ الشَّكُّ، وَدَخِلَ الْيَقِينُ (2)، حَتَّى كَأَنَّ الَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَكَأَنَّ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وُضِعَ عَنْكُمْ. فَبَادِرُوا الْعَمَلَ ، وَخَافُوا بَغْتَةَ الْأَجَلِ، فَإِنَّهُ لَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الْعُمُرِ مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الرِّزْقِ(3). مَا فَاتَ الْيَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ، وَمَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ الْيَوْمَ رَجْعَتُهُ. الرَّجَاءُ مَعَ الْجَائِي، . وَالْيَأْسُ مَعَ الْمَاضِي فَ«اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ(4)، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » .

115 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

115 - ومن خطبة له عليه السلام (5)

في الإِسْتِسْقَاءِ

اللَّهُمَّ قَدِ انْصَاحَتْ جِبَالُنَا(6)، وَأَغْبَرَتْ أَرْضُنَا، وَهَامَتْ دَوَابُّنَا(7)، وَتَحَيَّرَتْ فِي


1) طلبه: مبتدأ خبره أولى ، وجملتهما خبر يكون.

2) دَخِلَ: خالطّه فسادُ الأوهام.

3) الذي يفوت من العمر لا يرجى رجوعه، بخلاف الذي يفوت من الرزق، فإنّه يمكن تعويضه.

4) حق تقاته: أى حقّ تقيّته، أى خوفه.

5) ذكرها الزمخشري في (ربيع الأبرار) باب السحاب، وابن الأثير في (النهاية) مادة ذهب، ومادة حدير.

6) انصاحَتْ: جفت أعالي بُقُولها ويَبست من الجُذب. وليس من المناسب تفسير انصاحت ب «انشقت» إلّا أن يراد المبالغة في الحرارة التي اشتدت لتأخر المطر حتى اتّقد باطن الأرض ناراً، و تنفست في الجبال فانشقت. وتفسير بقية الألفاظ يأتي في آخر الدعاء لصاحب الكتاب.

7) يجوز أن يريد بقوله: «وهامت دوابُّنا» معنىً غير ما فسّره الشريف الرضي(رضی الله عنه) به، وهو نُدودها وذهابها على وجوهها لشدة المحل، يقول: هام على وجهه، يهيم هَيْماً وَهَيماناً. وهذا أنسب من تفسير الهيام بالعطش كما يقول الرضي في آخر الدعاء.

مَرَابِضِهَا(1)، وَعَجَّتْ عَجِيجَ الثَّكَالَى عَلَى أَوْلَادِهَا (2)، وَمَلَّتِ التَّرَدُّدَ فِي مَرَاتِعِهَا ، وَالْحَنِينَ إِلَى مَوَارِدِهَا! اللَّهُمَّ فَارْحَمْ أَنِينَ الْآنَّةِ ، وَحَنِينَ الْحَانَّةِ(3)! اللَّهُمَّ فَأَرْحَمْ حَيْرَتَهَا فِي مَذَاهِبِهَا ، وَأَنِينَهَا فِي مَوَالِجِهَا(4)! اللَّهُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ اعْتَكَرَتْ عَلَيْنَا حَدَابِيرُ السِّنِينَ (5)وَأَخْلَفَتْنَا مَخَايِلُ الْجَوْدِ(6)فَكُنْتَ الرَّجَاءَ لِلْمُبْتَئِسِ (7)، وَالْبَلَاغ (8)لِلْمُلْتَمِسِ، نَدْعُوكَ حِينَ قَنَطَ الْأَنَامُ، وَمُنِعَ الْغَمَامُ(9)وَهَلَكَ السَّوَام (10)، أَلَّا تُؤَاخِذْنَا بِأَعْمَالِنَا، وَلَا تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنَا (11)وَأَنْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ بِالسَّحَابِ الْمُنْبَعِقِ (12)،


1) المرابض: مبارك الغنم، واحدها مَر۫بِض، وهى لها كالمواطن للإبل.

2) عَجّت: صرخت، وصاحت بأعلى صوتها، ويحتمل الضمير في «أولادها» أن يرجع إلى الثكالى، أي كعجيج الثكالى على أولادهنّ، ويحتمل أن يرجع إلى الدوابٌ، أي وعَجّت على أولادها كعجيج الثكالى.

3) الآنّة : الشاة. والحانّة: الناقة، ويقال: ما له حانّة ولا آنّة.

4) الموالج: المداخل، موالجها: مداخلها في المرابض.

5) فاعتکرت: رَدف بعضُها بعضاً.

6) قوله: «وأخلقتنا مخايل الجَوْد»، كلّما شِمْنا برقاً، واختلنا سحاباً، أخلّفنا ولم يمطر، والجَو۫د: المطر الغزير .ويروى: «مخايل الجُود» بالضم، ومَخَايل: جمع مُخِيلة - كمُصِيبة - وهي السحابة تظهر كأنّها ماطرة ثم لا تمطر.

7) المبتئس: ذو البؤس، الذي مسته البأساءُ والضرّاءُ.

8) البلاغ: أي الكفاية للطالب.

9) قال: «ومُنَعَ الغمام» فبنى الفعل للمجهول، لأنّه كره أن يضيف المنع إلى الله تعالى، وهو منبع النعم . وروى «مَنَعَ الغمام»، أي ومَنَعَ الغمامُ القطرَ.

10) السّوام: جمع سائمة، وهي البهيمة الراعية من الإبل ونحوها.

11) الفرق بين «تؤاخذنا» وبين «تأخذنا» أنّ المؤاخذة دون الأخذ؛ لأنّ الأخذ الاستئصال، والمؤاخذة عقوبة وإن قلّت.

12) انْبَعَقَ المُزْن: انفرج عن المطر كأنّما هو حيّ، انشقت بطنه فنزل ما فيها.

وَالرَّبِيعِ الْمُغْدِقِ(1)، وَالنَّبَاتِ الْمُوفِقِ (2)، سَحّاً وَابِلا (3)، تُحْيِي بِهِ مَا قَدْ مَاتَ ، وَتَرُدُّ بِهِ مَا قَدْ فَاتَ(4)اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ مُحْيِيَةٌ (5)مُرْوِيَةٌ، تَامَّةٌ عَامَّةٌ، طَيِّبَةً مُبَارَكَةً ،هَنِيئَةً مَرِيعَةً(6)، زَاكِياً نَبْتُهَا(7)، ثَامِراً فَرْعُهَا(8)، نَاظِراً وَرَقُهَا، تُنْعِشُ (9)بِهَا الضَّعِيفَ مِنْ عِبَادِكَ ، وَتَحْيِي بِهَا الْمَيِّتَ مِن بِلَادِكَ! اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ بِهَا نِجَادُنَا (10). وَتَجْرِي بِهَا وِهَادُنَا (11)، وَيُخْصِبُ بِهَا جَنَابُنَا (12)، وَتُقْبِلُ بِهَا ثِمَارُنَا، وَتَنْدَى بِهَا أَقَاصِينَا (13)، وَتَسْتَعِينُ بِهَا صَوَاحِينَا (14)مِنْ بَرَكَاتِكَ الْوَاسِعَةِ، وَعَطَايَاكَ الجزِيلَةِ، عَلَى بَرِيَّتِكَ الْمُرْمِلَةِ (15)وَوَحْشِكَ الْمُهْمَلَةِ (16)وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا سَمَاءً


1) الربيع المغدق: الكثير ، أغدَقَ المطرُ: كثر ماؤه.

2) النبات المُوفِق: المعجب من «آفُقَني» إذا أعجبني، أو من «آفُقَهُ» إذا سره وأفرحه.

3) سحَاً: صَبّاً. والوابل: المطر الشديد، الضخم القَط۫ر.

4) أي يستدرك به الناس ما فاتهم من الزرع والحرث.

5) السقيا مؤنثة، وهي الاسم من سَقى.

6) المريعة: الخصيبة.

7) زاكياً: نامياً.

8) ثامراً فرعُها، ذو ثمر، أو آتياً بالثمر.

9) تنعش: ترفع.

10) النجاد: جمع نجد، وهو ما ارتفع من الأرض، وروي: «نجادَنا» بالنصب على أنّه مفعول.

11) الوِهاد: جمع وهدة، وهي ما انخفض من الأرض.

12) الجناب: الناحية.

13) يندى بها: ينتفع. والقاصية: الناحية، أو هي بمعنى البعيدة عنا من أطراف بلادنا، في مقابلة جنابنا.

14) الضواحي: النواحي القريبة من المدينة العظمى أو الضواحي من «ضاحية الماء» وهي الماشية التي تشرب ضُحىً والضَّواحي جمعها.

15) المُرْمِلة - بصيغة الفاعل - الفقيرة، أرمل: افتقر ونقد زاده.

16) وحشَكَ المُهْمَلَة: التي لا راعي لها ولا صاحب ولا مشفق.

مُخْضِلَةً (1)، مِدْرَاراً هَاطِلَةً، يُدَافِعُ الْوَدْقُ (2)مِنْهَا الْوَدْقَ، وَيَحْفِرُ الْقَطْرُ مِنْهَا الْقَطْرَ(3)، غَيْرَ خُلَّبٍ بَرْقُهَا(4)وَلَا جَهَامٍ عَارِضُهَا(5)، وَلَا قَزَعٍ رَبَابُهَا(6)، وَلَا شَفَانٍ ذِهَابُهَا(7)، حَتَّى يُخْصِبَ لِإِمْرَاعِهَا الْمُجْدِبُونَ(8)، وَيَحْيَا بِبَرَكَتِهَا الْمُسْتِتُونَ(9)، فَإِنَّكَ تُنْزِلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا، وَتَنْشُرُ رَحْمَتَكَ وَأَنْتَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ .

قال الشريف الرضي(رحمه الله) : قوله عَلَيْهِ السَّلام: «أَنْصَاحَتْ جِبَالُنَا»، أَيْ تَشَقَّقَتْ مِنَ الْمُحُولِ، يُقَالُ : أَنصَاحَ الثَّوْبُ، إِذَا أَنْشَقَّ ، وَيَقَالُ أَيْضاً : أَنْصَاحَ النَّبْتُ، وَصَاحَ وَصَوَّحَ : إِذَا جَنَّ وَيَبِسَ : كُلُّهُ بِمَعْنىً . وَقَوْله : «وَهَامَتْ

دَوَابنا» أَيْ عَطِشتْ وَالْهِيَامُ: الْعَطَسُ ، وَقَوْلُهُ: «حَدَابِيرُ السَّنِينَ»، جَمْعُ جدْبَارٍ: وَهِيَ النَّاقَةُ الَّتِي أَنْضَاهَا السَّيْرُ: فَشَبَّهُ بِهَا السَّنَةَ الَّتِي فَشَا فِيهَا الْجَدْبُ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ :

خدابِیرُ مَا تَنْفَكُ إِلَّا مُتاحة*** عَلَى الْخَسْفِ أَوْ نَرْمِي بِهَا بَلَداً فَفَرًا

وَقَوْلُهُ : «وَلَا قَزَع رَبَابُهَا»، الْقَرَعُ: الْقِطْعُ الصِّغَارُ المُتَفَرِّفَةُ مِنَ السَّحَابِ .

وَقَوْلُهُ : «وَلَا شَفَّانٍ ذِهَابُهَا» فَإِنَّ تَقْدِيرَهُ: «وَلَا ذَاتٌ شَفَّانٍ ذِهَابُهَا». وَالشَّفَانُ: الرِّيحُ الْبَارِدَةُ، وَالذَّهَابُ: الْأَمْطَارُ اللَّيْنَةُ، فَحَذَفَ «ذَاتَ» لِعِلْمٍ السَّامِعِ بِهِ.


1) تُخضِل النبت أي تبلّه، من أخْضَلَهُ إذا بَلهُ، وروي «مخضَلَّة، أي ذات نبات وزروع مخضَلّة.

2) الودق: المطر.

3) يحفز: يدفع بشدّة، واذا دفع القط۫ر القطرَ، كان أعظم وأغزر له.

4) البرق الخُلَب: ما يُطمِعك في المطر ولا مطر معه.

5) الجَهّام - بالفتح - : السحاب الذي لا مطرّ فيه. والعارض: ما يع۫رِض في الأفق من السحاب.

6) الرباب: السحاب الأبيض.

7) الذَّهاب : جمع ذِهْبَة - بكسر الذال - : المطرة القليلة، وهو المراد باللينة في تفسير صاحب الكتاب.

8) المجدِبون: أهل الجد۫ب.

9) المسنِتون: المقحطون، الذين أصابتهم السّنة، وهي المح۫ل والقحط الشديد.

116 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

116 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

يَنْصَحُ أَصْحَابَهُ

أَرْسَلَهُ دَاعِياً إِلَى الْحَقِّ ، وَشَاهِداً عَلَى الْخَلْقِ ، فَبَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ غَيْرَ وَانٍ (2)وَلَا مُقَصِّرٍ، وَجَاهَدَ فِي اللَّهِ أَعْدَاءَهُ، غَيْرَ وَاهِنٍ (3)وَلَا مُعَذِّرٍ (4)، إِمَامُ مَنِ اتَّقَى، وَبَصَرُ مَن أَهْتَدَى.

ومنها: وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ إِذا لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعْدَاتِ (5). تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، وَتَلْتَدِمُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ(6)، وَلَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لَا حَارِسَ لَهَا، وَلَا خَالِفَ عَلَيْهَا (7)، وَلَهَمَّتْ كُلَّ أمْرِيُّ مِنْكُمْ نَفْسُهُ (8)، لَا يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهَا ؛


1) ذكرها الأزهري في (تهذيب اللغة) مادة خضر، والمسعودي في (مروج الذهب) ج 3 ص 150، والهروي في (الجمع بين الغريبين)، وابن الأثير في (النهاية) ج 5 ص 170 مادة وذح.

2) وانِ : متباطئ متثاقل.

3) واهن: ضعيف.

4) المُعذَّر: من يعتذر ولا يثبت له عذر.

5) الصُّعُدات - بضمتين - : جمع صعيد بمعنى الطريق، أي لتركتم منازلكم وهِمْتُم في الطرق من شدّة الخوف، والصعيد: التراب، ويقال: وج۫ه الأرض، والجمع صُعُد وصُعُدات.

6) الالْتِدام: ضرب النساء صدورَهن أو وجوههن للنياحة.

7) لا خالف عليها: أي لا مستخلّف، والخالِف: من تتركه في أهلك ومالك إذا خرجت لسفر أو حرب.

8) هَمْتَهُ: حَزَنَتهُ وشَغَلَتَهُ، أو أذابته وأنحلته، هممتُ الشحَم، أي أذبته. ويروى: «ولأهمّت» وهو أصحّ من الرواية الأولى؛ أهمني الأمر، أي أحزنني.

وَلَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ، وَأَمِنْتُمْ مَا حُذَرْتُمْ، فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأْيُكُمْ(1)، وَتَشَتَّتَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ. وَلَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَأَلْحَقِّنِي بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِي مِنْكُمْ(2). قَوْمٌ وَاللَّهِ مَيَامِينُ الرَّأْيِ(3)، مَرَاجِيحُ الْحِلْمِ(4)، مَقاوِيلُ بِالْحَقِّ(5)، مَتَارِيكُ لِلْبَغْيِ. مَضَوْا قُدُماً (6)عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَأَوْجَفُوا عَلَى الْمَحَجَّةِ(7)، فَظَفَرُوا بِالْعُقْبَى الدَّائِمَةِ ، وَالْكَرَامَةِ الْبَارِدَةِ(8)العسف: القوة والشدة. (9). أَمَا وَاللَّهِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلَامُ تَقِيفٍ (10)الذَّيَّالُ الْمَيَّالُ (11)يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ (12)، وَيُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ، إِيهِ أَبَا وَذَحَةَ (13)


1) تاه عن فلان رأيه: أي غزب وضلّ.

2) يريد النبيَّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) والصالحين من أصحابه.

3) میامین: جمع ميمون، المبارك.

4) مراجيح: أي حُلماء، من «رجح» إذا ثَقُل ومال بغيره، والمراد الرزانة، أي رزناء الحِلم: وهو العقل.

5) مقاويل: جمع مِقْوَال، وهو من يُحْسِنُ القولَ. ومتاريك: جمع متراك، المبالغ في الترك.

6) القُدّم - بضمتين - : المُضِيّ أمام، أي سابقين ومتقدّمين.

7) أوجفوا: أسرعوا، والوَجيف: ضرب من سير الخيل والإبل، وأوْجَفَ خيلَه سيّرها بهذا النوع، أي أسرعوا على الطريق المستقيمة.

8) يقال: غنيمة باردة وكرامة باردة، أي لم تؤخذ بحرب ولا عسف

9) ، من قولهم: «عيش بارد» أي هنيء.

10) هو الحجاج بن يوسف.

11) الذّيال: التائه الطويل الذّيل، المتبختر في مشيته، وأصله من «ذال» أي تبختر، وجرّ ذيله على الأرض. والميّال: الظالم.

12) يأكل خضرتكم: يستأصل أموالكم، ويذيب شحمتكم مثله، وكلتا اللفظتين استعارة.

13) «إيه أبا وَذَحة» إيه كلمة يستزاد بها من الفعل، تقديره: زِد۫ وهات أيضاً ما عندك، وضدّها إيهاً أي كفّ وأمسك.

قال الرضي (رحمه الله) : الْوَذَحَة : الْخُنْفسَاءُ . وهذا القول يُومئُ به إلى الحَجَّاج، وَله مع الْوَذَحَةِ حَدِيثُ لَيْسَ هَذَا مَوْضِع ذِكْرِهِ (1)ذكر ابن أبي الحديد أربعةً وجوه، وقال: هذا مجموع ما ذكره المفسرون، وما سمعته من أفواه الناس في هذا الموضع.(2)هذا هو معنى الوَذَحة في كتب اللغة. (3)

وقد روى قوم «إيه أبا ودجه» قالوا: واحدة ،الأوداج، كنّاه بذلك لأنّه كان قتالا يقطع الأوداج بالسيف، ورواه قوم «أبا وحرة» وهي دويبة تشبه الحزباء قصيرة الظهر، شبّهه بها، وهذا وما قبله ضعيف، وما ذكرناه نحن أقرب إلى الصواب.

.

117 - ومن كلام له عليه السلام

يُوَبِّخُ البُخَلَاءَ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ

فَلَا أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا، وَلَا أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا، تَكْرُمُونَ بِاللهِ عَلَى عِبَادِهِ(4)، وَلَا تُكْرِمُونَ اللَّهَ فِي عِبَادِهِ! فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ


1) قال الرضيّ(رحمه الله) : الوَذَحَة الخُن۫فساء، ولم أسمع هذا من شيخ من أهل الأدب، ولا وجدتُه في كتاب من كتب اللغة، ولا أدرى من أين نقل الرضيّ(رحمه الله) ذلك ! ثم إنّ المفسرين بعد الرضيّ (رحمه الله) قالوا في قصّة هذه الخنفساء وجوهاً عديدة

2) . ويغلب على ظني أنّه أراد معنى آخر؛ وذلك أنّ عادة العرب أن تكني الإنسان إذا أرادت تعظيمه بما هو مظنّة التعظيم، كقولهم: أبو الهول، وأبو المقدام، فإذا أرادت تحقيره كنَت۫ه بما يستحقر ويستهان به، كقولهم في كنية يزيد بن معاوية: أبو زنّة، يَعنون القِردَ ، فلمّا كان أميرالمؤمنين (علیه السّلام) يعلمُ من حال الحجاج نجاسته بالمعاصي؛ التي لو شوهدت بالبصر لكانت بمنزلة البعر الملتصق بشعر الشاء

3) ، كنّاه «أبا وذَحة»، ويمكن أن يكنيه بذلك لدمامته فى نفسه، فإنّه كان قصيراً دميماً نحيفاً، مجدورُ الوجه.

4) كَرَّمَ الشيء - كَحَسُنَ يَحْسُنُ - أي عزّ ونَفْسَ ، أي أنّكم تصيرون أعزاء بنسبتكم للإيمان بالله، ثم لا تبجَلون الله، ولا تعظمونه بالإحسان إلى عباده.

مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَأَنْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِكُمْ(1)!

118 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

118 - ومن كلام له عليه السلام (2)

في الصَّالِحِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ

أَنتُمُ الْأَنْصَارُ عَلَى الْحَقِّ، وَالْإِخْوَانُ فِي الدِّينِ، وَالْجُنَنُ (3)يَوْمَ الْبَأْسِ(4)وَالْبِطَانَهُ دُونَ النَّاسِ(5)بِكُمْ أَضْرِبُ الْمُدْبِرَ ، وَأَرْجُو طَاعَةَ الْمُقْبِلِ(6). فَأَعِينُونِي بِمُنَاصَحَةٍ خَلِيَّةٍ مِنَ الْغِشَّ سَلِيمَةٍ مِنَ الرَّيْبِ : فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ ! (7)كتاب الجمل للمدائني، وكتاب الجمل للواقدي. (8)


1) وروي عن «أصل إخوانكم»، وذلك بموت الأب، فإنّه ينقطع أصل الأخ الواشج بينه وبين أخيه، والرواية الأولى أظهر.

2) رواه الطبري في (تأريخه ) ج 4 ص 58 ، وابن قتيبة في (الإمامة والسياسة ) ج 1 ص 121 .

3) الجُنن: جمع جُنَّة، وهي ما يُستَر به.

4) البأس: الشدّة.

5) بطانة الرجل: خواصّه وخالصته الذي لا يطوي عنهم سرّه.

6) مَن ينضوي إليه من المخالفين، فإنّه إذا رأى ما عليه شيعته وبطانته من الأخلاق الحميدة، أطاعه بقلبة باطناً، بعد أن كان انضوى إليه ظاهراً.

7) هذا الكلام قاله أميرالمؤمنين (علیه السّلام) للأنصار بعد فراغه من حرب الجمل؛ وقد ذكره المدائني والواقدي في كتابيهما

8) .

119 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

119 - ومن كلام له عليه السلام (1)

وَقَدْ جَمَعَ النَّاسَ، وَحَضَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ فَسَكَتُوا مَلِيّاً

وَقَدْ جَمَعَ النَّاسَ، وَحَضَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ فَسَكَتُوا مَلِيّاً (2)

فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَا بَالُكُمْ أَمُخْرَسُونَ أَنْتُمْ ؟ فَقَالَ قَوْمُ مِنْهُمْ: يَا أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ، إِنْ سرْتَ سِرْنَا مَعَكَ. فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:

مَا بَالُكُمْ! لَا سُدِّدْتُمْ لِرُشْدٍ(3)، وَلَا هُدِيتُمْ لِقَصْدٍ، أَفِي مِثْلِ هَذَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَخْرُجَ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ، وَذَوِي بَأْسِكُمْ، وَلَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ الْجُنْدَ وَالْمِصْرَ وَبَيْتَ الْمَالِ وَجِبَايَةَ الْأَرْضِ ، وَالْقَضَاءَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالنَّظَرَ فِي حُقُوقِ الْمُطَالِبِينَ، ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَى (4). أَتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ الْقِدْحِ فِي الْجَفِيرِ الْفَارِعَ(5)، وَإِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَا، تَدُورُ عَلَيَّ وَأَنَا بِمَكَانِي ، فَإِذَا فَارَقْتُهُ أَسْتَحَارَ(6)مَدَارُهَا ، وَأَضْطَرَبَ ثِفَالُهَا(7). هَذَا لَعَمْرُ اللهِ الرَّأْيُّ


1) ذكره ابن الأثير في (النهاية) ج 1 ص 215، مادة الثفل.

2) سكتوا ملياً، أي ساعة طويلة. قال بعضهم: إن أميرالمؤمنين قال هذا الكلام عندما كان يغير أهل الشام على أطراف أعماله بعد واقعة صفين.

3) سدده: وفّقه للسداد.

4) الكتيبة: قطعة من الجيش.

5) التقلقل : الحركة في اضطراب. والقِدْح السهم قبل أن يُرَاش ويُنْصَل. والجَفير: الكنانة، وقيل وعاء للسهام أوسع من الكنانة، وإنما خصّ القِدْح لأنّه يكون أشدّ قلقلة من السهم المراش حيث إنّ حدّ الريش قد يمنعه من القلقلة أو يخففها.

6) استحار مدارها: اضطرب وتَردّد.

7) الثَّفال: جلدٌ يبسط وتوضع الرحا فوقه، فتطحن باليد ليسقط عليه الدقيق أو هو الحجر الأسفل من الرحى.

السُّوءُ وَاللهِ لَوْلَا رَجَائِي الشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِي الْعَدُوَّ - وَلَوْ قَدْ حُمَّ لِي لِقَاؤُهُ(1)- لَقَرَّبْتُ رِكَابِي (2)، ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْكُمْ(3)فَلَا أَطْلُبُكُمْ مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَشَمَال ؛ طَعَانِينَ عَيَّابِينَ، حَيَّادِينَ رَوَاغِينَ(4). إِنَّهُ لَا غَنَاءَ فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ(5)، مَعَ قِلَّةِ اجْتِمَاعِ قُلُوبِكُمْ، لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ الَّتِي لَا يَهْلِكُ عَلَيْهَا إِلَّا هَالِكُ (6). مَنِ اسْتَقَامَ فَإِلَى الْجَنَّةِ ، وَمَنْ زَلَّ فَإِلَى النَّارِ !

120 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

120 - ومن كلام له عليه السلام (7)

في عِظَةِ النَّاسِ

تَاللهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ (8)تَبْلِيغَ الرِّسَالَاتِ(9)، وَإِثْمَامَ الْعِدَاتِ (10)وَتَمَامَ الْكَلِمَاتِ(11)،


1) حُمّ: قُدّر.

2) الرِّكاب: الإبل، وقربتُ ركابي: أي حزمت إبلي، وأحضرتها للركوب.

3) شخصت عنكم: خرجت وبعدتُ عنكم وتخليت عن أمر الخلافة.

4) وصفهم بعيب الناس والطعن فيهم، وأنّهم يحيدون عن الحق وعن الحرب، أي ينحرفون ويروغون كما يروغ الثعلب.

5) الغَناء - بالفتح والمد - : النفع.

6) الذي حُتّم هلاكه لتمكن الفساد من طبعه وجبلّته.

7) هذا الكلام مروي قبل نهج البلاغة في كتاب (سُليم بن قيس) ص 142، ومنثور في (غرر) الآمدي.

8) رواها قومٌ «لقد عَلِمْتُ» بالتخفيف وفتح العين [كابن المؤدب وعبده] والرواية الأولى أحسن.

9) أي تبليغ الشرائع بعد وفاة الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: «يُبلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ ...» [الأحزاب: 39] وإلى قول النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في قصة براءة: «لا يؤدي عنّي إلّا أنا أو رجل منّي».

10) العِدات: جمع عِدة بمعنى الوعد، وإتمام العِدات إنجازها.

11) تمام الكلمات: تأويل القرآن .

وَعِنْدَنَا - أَهْلَ الْبَيْتِ - أَبْوَابُ الْحُكْمِ وَضِيَاءُ الْأَمْرِ(1).

أَلَا وَإِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ، وَسُبُلَهُ قَاصِدَةٌ (2)، مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَغَيْمَ، وَمَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ وَنَدِمَ. اَعْمَلُوا لِيَوْمٍ تُذْخَرُ لَهُ الدَّخَائِرُ ، وَتُبْلَى (3)فِيهِ السَّرَائِرُ، وَمَنْ لَا يَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّهِ فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَرُ(4)، وَغَائِبُهُ أَعْوَزُ (5). وَاتَّقُوا نَاراً حَرُّهَا شَدِيدٌ، وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَحِلْيَتُهَا حَدِيدٌ(6)، وَشَرَابُهَا صَدِيدٌ (7). أَلَا وَإِنَّ اللَّسَانَ الصَّالِحَ (8)يَجْعَلُهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُورِثُهُ مَنْ لَا يَحْمَدُهُ.

121 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

121 - ومن كلام له عليه السلام (9)

بَعْدَ لَيْلَةِ الْهَرِيرِ

وَقَدْ قَامَ إِليهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: نَهَيْتَنَا عَنِ الْحُكُومَةِ ثُمَّ أَمَرْتَنَا بِهَا، فَمَا نَدْرِي أَيُّ الأمْرَيْنِ أَرْشَدُ؟ فَصَفَّقَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إحْدَى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرَى ثُمَّ قَالَ:


1) أبواب الحُكْم: يعني الشرعيات والفتاوى. وضياء الأمر: يعني العقليات والعقائد.

2) سبُله قاصدة: أي قريبة سهلة ومستقيمة.

3) تُبْلَى: أي تختبر.

4) عازبُهُ: غائبه، أي مَنْ لم يكن من نفسه ومن ذاته زاجر عن القبيح ولم ينتفع بعقله الموهب له، الحاضر في نفسه، فبعيد أن ينزّجر، وأن يرتدع بعقل غيره وموعظته؛ إذ من الأولى أن لا ينتفع بعقل غيره الذي هو غائب عن نفسه، أي ليس من صفاتها بل من صفات الغير.

5) عوِزَ الشيء - كفَرِحَ - : أي لم يوجد.

6) حليتها حديد: يعنى القيود والأغلال.

7) الصديد: ماء الجرح الرقيق، والحميم.

8) اللسان الصالح : الذكر الحسن.

9) ذكره ابن عبد ربه في (العقد الفريد) ج 2 ص 165 والزمخشري في (ربيع الأبرار) ج 1 ص 130.

هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْعُقْدَةَ(1)! أَمَا وَاللهِ لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ الَّذِي يَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْراً، فَإِنْ أَسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ، وَإِنِ أَعْوَجَجْتُمْ قَدَّمْتُكُمْ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ، لَكَانَتِ الْوُثْقَى (2)، وَلَكِنْ بِمَنْ وَإِلَى مَنْ (3)؟ أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِي بِكُمْ وَأَنْتُمْ دَائِي، كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلْعَهَا مَعَهَا(4)! اللَّهُمَّ قَدْ مَلَّتْ أَطِبَّاءُ هَذَا الدَّاءِ الدَّوِيِّ(5)، وَكَلَّتِ النَّزَعَةُ(6)بِأَشْطَانِ (7)الركي (8)!

أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الْإِسْلَام فَقَبِلُوهُ، وَقَرَأُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَهِيجُوا إِلَى الْجِهَادِ فَوَلِهُوا وَلَة اللِّقَاحِ إِلَى أَوْلَادِهَا(9)، وَسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا ،


1) أي مَن تَرَك الرأي الوثيق، أو يريد من «العقدة» ما حصل عليه التعاقد من حرب الخارجين عن البيعة حتى يكون الظفر أو الهزيمة.

2) أي لو فعلتُ ذلك لكانت هي العقدة الوثقى؛ أي الرأي الأصوب الأحزم.

3) أي لكن بمن كنت أعمل ذلك، وإلى مَنْ أخلدُ في فعله.

4) نَقش الشوكة: إخراجها من العضو تدخل فيه. يقول: لا تستخرج الشوكة الناشبة في رجلك بشوكة مثلها، فإنّ أحدهما في القوة والضعف كالأخرى. والضَّلْع: الميل. وأصل المثل «لا تنقش الشوكة بالشوكة فإنّ ضَل۫عها معها» يُضْرب للرجل يخاصم آخر ويستعين عليه بمن هو من قرابته أو أهل مَشْرَبه.

5) الدَّوِي - بفتح فكسر - : المؤلم الشديد، وقد وصف بما هو من لفظه، كما تقول: ليلُ ألبل.

6) كلّت ضعفت. والنزعة: جمع نازع، وهو الذي يستقي الماء.

7) الأشطان : جمع شَطَن، وهو الحبل.

8) الركيّ: الآبار، جمع رَكيّة، وهي البئر، وتجمع أيضاً على ركايا. أي ضعفت قوة النازعين لمياه المعونة من آبار هذه الهمم الغائضة الغائرة.

9) الوله: شدّة الحب حتى يذهب العقل، واللِّقاح الإبل، والواحدة لقوح، وهي الناقة الحلوب ، وَوَلَهُها إلى أولادها: فَزَعها إليها إذا فارقتها.

وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الْأَرْضِ (1)زَحْفَاً زَحْفَاً، وَصَفَاً صفّاً. بَعْضُ هَلَكَ ، وَبَعْضُ نَجَا . لا يُبَشِّرُونَ بِالْأَحْيَاءِ (2)، وَلَا يُعَزَّوْنَ عَنِ الْمَوْتَى. مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ (3)، خُمْصُ الْبُطُونِ(4)مِنَ الصِّيَامِ، ذُبُلُ الشَّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ (5)، صُفْرُ الْأَلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ ، عَلَى وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ ، أُولَئِكَ إِخْوَانِي النَّاهِبُونَ. فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْماً إِلَيْهِمْ، وَنَعَضَ الْأَيْدِيَ عَلَى فِرَاقِهِمْ!

إِنَّ الشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ(6)، وَيُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً، وَيُعْطِيَكُمْ بِالْجَمَاعَةِ الْفُرْقَة (7)، وَبِالْفُرْقَةِ الْفِتْنَةَ ، فَاصْدِفُوا(8)عَنْ نَزَغَاتِهِ وَنَفَثَاتِهِ(9)، وَأَقْبَلُوا النَّصِيحَةَ ممَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُمْ، وَأعْقِلُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ (10).


1) أي أخذوا على الناس بأطراف الأرض، أي حصروهم.

2) يعني أنّ هؤلاء قوم نجرّدوا عن العلائق الدنيوية، فإذا ولد لأحدهم مولود لم يبشّر به، وإذا مات له ميّت لم يُعزَّ عنه، وإذا قيل لهم نجا فلان فبقي حياً لا يفرحون؛ لأنّ أفضل الحياة عندهم الموت في سبيل الحق، ولا يحزنون إذا قيل لهم مات فلان؛ فإنّ الموت عندهم حياة السعادة الأبدية.

3) مُرْهُ: جمع أمره، وهو على صيغة «أفعل» الذي يجمع على فُع۫ل كأحمر وحُم۫ر، مَرِهت عينُ فلان، إذا فسدت لترك الكُحْل ، لكنّ أميرالمؤمنين (علیه السّلام) جعل مَرّه العيون من البكاء من خوف خالقهم سبحانه .

4) خمص البطون: ضَوَامِرُها.

5) ذبلت شفته: جَفَّتْ ويبست۫ لذهاب الرّيق.

6) يُسَنّي: يُسَهْل.

7) يعطيكم الفرقة بدل الجماعة كأنّه يبيعهم الثانية بالأولى.

8) فاصْدِفوا: أي فأعْرِضوا عن وساوسه، صدف عن الأمر، يصدِف، أى انصرف عنه.

9) نفئاته: ما ينفِث به وينفُث، بالكسر والضم؛ أي يخيّل ويسحر.

10) اعقلوها: اربطوها والزموها واحبسوها على أنفسكم، لا تتركوها فتضيع منكم، فتخسرون.

122 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

122 - ومن كلام له عليه السلام (1)

قَالَهُ لِلْخَوَارِج وَقَدْ خَرَجَ إِلَى مُعْسكَرِهِمْ وَهُمْ مُقِيمُونَ عَلَى إِنْكَارِ الْحُكُومَةِ، فَقَال(علیه السّلام) :

أَكُلُكُمْ شَهِدَ مَعَنَا صِفِّينَ (2)؟ فَقَالُوا مِنَّا مَنْ شَهِدَ، وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدٌ. قَالَ:

فَأَمْتَازُوا فَرْقَتَيْنِ، فَلْيَكُنْ مَنْ شَهِدَ صِفِّينَ فِرْقَةً، وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا فِرْقَةً، حَتَّى أُكَلَّمَ كُلاً مِنْكُمْ بِكَلَامِهِ (3). وَنَادَى النَّاسَ، فَقَالَ: أَمْسِكُوا عَنِ الْكَلَامِ، وَأَنْصِتُوا لِقَوْلِي ، وَأَقْبِلُوا بِأَفْئِدَتِكُمْ إِلَيَّ ، فَمَنْ نَشَدْنَاهُ شَهَادَةً فَلْيَقُلْ بِعِلْمِهِ فِيهَا.

ثُمَّ كَلَّمَهُمْ عَلَيْهِ السَّلَام بِكَلَامٍ طَوِيلٍ، مِنْ جُمْلَتِهِ أَنْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامِ:

أَلَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ الْمَصَاحِفَ حِيلَةٌ وَغِيلَةٌ (4)، وَمَكْراً وَخَدِيعَةً : إِخْوَانُنَا وَأَهْلُ دَعْوَتِنَا، اسْتَقَالُونَا وَاسْتَرَاحُوا إِلَى كِتَابِ اللهِ سُبْحَانَهُ، فَالرَّأْيُّ الْقَبُولُ مِنْهُمْ، وَالتَّنْفِيسُ عَنْهُمْ، فَقُلْتُ لَكُمْ: هَذَا أَمْرُ ظَاهِرُهُ إِيمَانُ، وَبَاطِنُهُ عُدْوَانٌ، وَأَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَآخِرُهُ نَدَامَةٌ ، فَأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُمْ، وَالْزَمُوا طَرِيقَتَكُمْ، وَعَضُّوا عَلَى الْجِهَادِ بِنَوَاجِدِكُمْ، وَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَى نَاعِقٍ نَعَق(5)، إِنْ أُجِيبَ أَضَلَّ(6)، وَإِنْ تُرِكَ ذَكَ.


1) ذكره الطبرسي في (الاحتجاج ) ج 1 ص 274 .

2) شَهِدَ صفين: حَضَرها.

3) أي بالكلام الذي يليق به.

4) الغيلة: الخداع.

5) الناعق: المصوّت.

6) «إن أجيب ضلّ» أى ازداد ضلالا؛ لأنّه قد ضلّ قبل أن يجاب.

وَلَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْفَعْلَةُ، وَقَدْ رَأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوهَا(1). وَاللَّهِ لَئِنْ أَبَيْتُهَا مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ فَرِيضَتُهَا ، وَلَا حَمَّلَنِي اللهُ ذَنْبَهَا . وَواللهِ إِنْ جِئْتُهَا إِنِّي لَلْمُحِقُ الَّذِي يُتَّبَعُ: وإِنَّ الْكِتَابَ لَمَعِيَ ، مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ، فَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، وَإِنَّ الْقَتْلَ لَيَدُورُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْإِخْوَانِ وَالْقَرَابَاتِ، فَمَا نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ وَشِدَّةٍ إِلَّا إِيمَاناً وَمُضِيّاً عَلَى الْحَقِّ، وَتَسْلِيماً لِلْأَمْرِ، وَصَبْراً عَلَى مَضَضِ الْجِرَاحِ. وَلَكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي الْإِسْلَامِ عَلَى مَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ الزَّيْغِ وَالِاعْوِجَاجِ ، وَالشُّبْهَةِ وَالتَّأْوِيلِ ، فَإِذَا طَمِعْنَا فِي خَصْلَةٍ (2)يَلُمُ اللهُ بِهَا شَعَتَنَا(3)، وَنَتَدَانَى(4)بِهَا إِلَى الْبَقِيَّةِ فِيمَا بَيْنَنَا ، رَغِبْنَا فِيهَا ، وَأَمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا !

123 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

123 - ومن كلام له عليه السلام (5)

قَالَهُ لِأَصْحَابِهِ فِي سَاحَةِ الْحَرْبِ

وَأَيُّ أَمْرِيُّ مِنْكُمْ أَحَسَّ(6)مِنْ نَفْسِهِ رَبَاطَةَ جَأْسٍ عِنْدَ اللقَاءِ(7)، وَرَأَى مِنْ


1) أنتم الذين أعطيتم لها صورتها هذه التي صارت عليها برأيكم.

2) المراد من الخَصّلة - بالفتح - : هنا الوسيلة.

3) لم شَعَثَهُ: جمع أمره.

4) نتداني: نتقارب إلى ما بقي بيننا من علائق الارتباط.

5) رواه ابن عبد ربه في (العقد الفريد ) ج 4 ص 338 ، والمفيد في (الإرشاد) ص 139 و 159 .

6) أحسّ: علم ووجد.

7) رَباطَةُ جأش : شدة القل۫ب عند لقاء الأعداء ، كأنّه يربط نفسه عن الفِرار، والمروي: رِباطة بالكسر ، [كما أثبتها عبده في المتن ].

أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فَشَلاً(1)، فَلْيَذُبَّ عَنْ أَخِيهِ (2)بِفَضْلِ نَجْدَتِهِ (3)الَّتِي فُضْلَ بِهَا عَلَيْهِ، كَمَا يَذُبُ عَنْ نَفْسِهِ ، فَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُ مِثْلَهُ. إِنَّ الْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثُ(4)لَا يَفُوتُهُ الْمُقِيمُ، وَلَا يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ . إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ(5)، وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِهِ، لأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيتَةٍ(6)عَلَى الْفِرَاشِ فِي غَيْرِ طَاعَة الله(7)

يستعذِبون مناياهم كأنّهمُ*** لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا

!

وَمِنْه: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ تَكِشُونَ كَثِيشَ الضَّبَابِ(8)، لَا تَأْخُذُونَ حَقًّاً، وَلَا تَمْنَعُونَ ضَيْماً. قَدْ خُلّيتُمْ وَالطَّرِيقَ(9)

تأخَّرْتُ أستَبقي الحياةَ فلم أجِدْ ***لِنَفْسي حياة مثل أن أتقدّما

، فَالنَّجَاةُ لِلْمُقْتَحِمِ، وَأَلْهَلَكَةُ لِلْمُتَلَوِّمِ.

1) الفَشّل الضعف والجبن.

2) فليذب: فليدفع، وذبُ الرجل عن صاحبه، أي أكثر الذبُّ، وهو الدفع والمنع؛ وفي بعض الروايات: «فليذبُ» بالإدغام، وفي بعضها «فَلْيذْبُبْ» بفك الإدغام.

3) النجدة: الشجاعة.

4) الحثيث: السريع.

5) في سبيل الحماية عن الحق ورد كيد الباطل عنه.

6) المِيتة - بالكسر - : هيئة الميّت، كالجلسة هيئة الجالس. وقد روي «من موتة»، وهو الأليق ، يعني المرّة الواحدة، ليقع في مقابلة الألف.

7) الموت الذي يطلبه إنّما هو القتل بالسيف، لا الموت على الفراش وكما قال الشاعر:

8) الكشيش: الصوت يشوبه خَوَر، مثل الخشخشة، وكشيش الأفعى صوتها من جلدها لا من فمها، وكشيش الضباب: صوت احتكاك جلودها عند ازدحامها، والمراد حكاية حالهم عند الهزيمة. يقول: لكأنّي أنظر إليكم وأصواتكم من الهلع كأنّها أصوات الضّباب المجتمعة والضّباب : مع ضبّ. وهو الحيوان المعروف.

9) قد خلِّيتم وطريق النجاة عند الحرب أو طريق الآخرة، وهي أن تقتحموا؛ ومنى تلوّمتم وأحجمتم هلكتم، ومن هذا المعنى قول الشاعر:

124 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

124 - ومن كلام له عليه السلام (1)

فِي حَثٌ أَصْحَابِهِ عَلَى الْقِتَالِ

فَقَدِّمُوا الدَّارِعَ(2)، وَأَخِّرُوا الْحَاسِرَ ، وَعَضُّوا عَلَى الْأَضْرَاسِ ، فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ(3)وَالْتَوُوا فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ (4)، فَإِنَّهُ أَمْوَرُ لِلأَسِنَّةِ : وَغُضُّو الْأَبْصَارَ ، فَإِنَّهُ أَرْبَطُ لِلْجَأَشِ، وَأَسْكَنُ لِلْقُلُوبِ(5)، وَأَمِيتُوا الأَصْوَاتَ ، فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ(6). وَرَايَتَكُمْ فَلَا تُمِيلُوهَا وَلَا تُخِلُوهَا ، وَلَا تَجْعَلُوهَا إِلَّا بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ، وَالْمَانِعِينَ الذَّمَارَ(7)مِنْكُمْ، فَإِنَّ الصَّابِرِينَ عَلَى نُزُولِ الْحَقَائِقِ (8)هُمُ الَّذِينَ يَحْفُونَ بِرَايَاتِهِمْ (9)وَيَكْتَنِفُونَهَا: حِفَافَيْهَا (10)، وَوَرَاءَهَا ، وَأَمَامَها ؛ لَا يَتَأَخَّرُونَ عَنْهَا فَيُسْلِمُوهَا ، وَلَا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهَا فَيُفْرِدُوهَا.


1) رواه نصر بن مزاحم في (كتاب صِفّين) ص 235، والطبري في (التأريخ) ج 6 ص 9 في حوادث 37.

2) الدارع: لابس الدُّرع، والحاسر: الذي لا درع عليه ولا مِغْفَر.

3) أنبي: من نبا السيف إذا دَفَعَتْهُ الصلابة من موقعه فلم يَق۫طَع والهام: جمع هامة، وهي الرأس.

4) أَمَرَهم أن يتلوّا إذا طُعنوا، لكي يتحرك السنان عن موضع الطعنة؛ فيخرج زالقاً، وإلّا خرق ونفذ، فقتل وأم۫وُر: أي أشد فعلاً للمُؤر، وهو الاضطراب الموجب للانزلاق وعدم النفوذ.

5) لأنّ الغاض بصرَه فى الحرب لا يرتاع لهو۫ل ما ينظر.

6) الفشل: الجبن والخوف، لأنّ الجبان يرعد ويُبرق، والشجاع صامت.

7) الذُّمار: ما وراء الرجل مما يحقّ عليه أن يحميه من ماله وعرضه، وسمّي ذِماراً؛ لأنّه يجب على أهله التذمّر له، أي الغضب .

8) جمع حاقة: وهي النازلة الثابتة، والأمر الصعب الشديد.

9) يحفُون بالرايات: أي يستديرون حولها، ويكتنفونها: يحيطون بها.

10) حفافيها: جانبيها.

أَجْزَأَ أَمْرُقُ قِرْنَهُ(1)، وَآسَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ(2)، وَلَمْ يَكِلْ فِرْنَهُ إِلَى أَخِيهِ (3)، فَيَجْتَمَعَ عَلَيْهِ قِرْنُهُ وَقِرْنُ أَخِيهِ . وَايْمُ اللَّهِ لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعَاجِلَةِ لَا تَسْلَمُوا مِنْ سَيْفِ الْآخِرَةِ، وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ(4)، وَالسَّنَامُ الْأَعْظَمُ (5).

إِنَّ فِي الْفِرَارِ مَوْجِدَةَ اللهِ(6)، وَالذَّلَّ اللَّازِمَ(7)، وَالْعَارَ الْبَاقِيَ. وَإِنَّ الْفَارَّ لَغَيْرُ مَزِيدٍ فِي عُمُرِهِ، وَلَا مَحْجُورٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِهِ، مَنْ رَائِحُ إِلَى اللهِ كَالظَّمْآنِ يَرِدُ الْمَاءَ! الْجَنَّةُ تَحْتَ أَطْرَافِ الْعَوَالِي(8)الْيَوْمَ تُبْلَى الْأَخْبَارُ(9). وَاللَّهِ لَأَنَا أَشْوَقُ إِلَى لِقَائِهِمْ مِنْهُمْ إِلَى دِيَارِهِمْ. اللَّهُمَّ فَإِنْ رَدُّوا الْحَقَّ فَأَغْضُضْ جَمَاعَتَهُمْ، وَشَتِّتْ كَلِمَتَهُمْ، وَأَبْسِلْهُمْ(10)بِخَطَايَاهُمْ إ(11)ِنَّهُمْ لَنْ يَزُولُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ دُونَ طَعْنٍ دِرَاكٍ:


1) من الناس مَنْ يجعل هذه الصيغة وهي صيغة الإخبار بالفعل الماضي، في قوله: «أجزأ امرٶ قرْنَه» في معنى الأمر؛ كأنّه قال: ليُجزىء كلُ امرئ قِرنَّه أي فليكف كل منكم قِر۫نه، ومنهم من قال: معنى ذلك: هلّا أجزأ امرؤ قرنه! فيكون تحضيضاً محذوف الصيغة للعلم بها. وأجزأ، أي كفى. وقِر۫نك: مقارنك فى القتال ونحوه.

2) آسى أخاه بنفسه مؤاساةُ، أي جعله أسوة نفسِه، أو قوّاه، رباعي، ثلاثيه: أسى البناء إذا قوي، ومنه الأسيّة للمحكم من البناء والدعامة.

3) ولا يترك خصمه إلى أخيه فيجتمع على أخيه خصمان فيغلبانه، ثم ينقلبان عليه فيهلكانه.

4) اللهاميم: السادات الأجواد من الناس، والجياد من الخيل، الواحد لهموم.

5) السَّنام الأعظم يريد شَرَفهم وعلو أنسابهم؛ لأنّ السَّنام أعلى أعضاء البعير.

6) مَوْجِدته: غضبه.

7) ويروى: «الذلّ اللاذم؛ وهو بمعنى اللازم أيضاً.

8) العوالى: الرماح.

9) تبلى: تمتحن أخبار كلّ امرئ عما في قلبه من دعوى الشجاعة والصدق في الإيمان فيتيين الصادق من الكاذب.

10) أَبْسَلَهُ: أسلمه للهلكة.

11) هذه الألفاظ كلّها لا يتلو بعضها بعضاً، وإنّما هي منتزعة من كلام طويل انتزعها الرضي(رحمه الله) واطّرح ما عداها.

يَخْرُجُ مِنْهُ النَّسِيمُ (1)وَضَرْبٍ يَفْلِقُ الْهَامَ(2)، وَيُطِيحُ الْعِظَامَ (3)، وَيُنْدِرُ (4)السَّوَاعِدَ(5)وَالْأَقْدَامَ؛ وَحَتَّى يُرْمَوْا بِالْمَنَاسِرِ (6)تَتْبَعُهَا الْمَنَاسِرُ؛ وَيُرْجَمُوا بِالْكَتَائِبِ (7)تَقْفُوهَا الْحَلَائِبُ (8): وَحَتَّى يُجَرَّ بِبِلَادِهِمُ الْخَمِيسُ يَتْلُوهُ الْخَمِيسُ (9)؛ وَحَتَّى تَدْعَقَ الْخُيُولُ فِي نَوَاحِرٍ أَرْضِهِمْ(10)، وَبِأَعْنَانِ (11)مَسَارِبِهِمْ وَمَسَارِحِهِمْ(12).

قال الشريف الرضيّ(رحمه الله) : الدَّعْق : الدَّقُّ، أَي تدقُ الخيولُ بِحَوَافِرِهَا أَرْضَهُمْ (13)وَنَوَاحِرُ أَرْضِهِمْ: مُتَقَابِلَاتُهَا، وَيُقَالُ : مَنَازِلُ بَنِي فَلَانٍ تَتَنَاحَرُ ، أَيْ تَتَقَابَلُ .


1) دِراك: أي متتابع يتلو بعضُه بعضاً، يفتح في أبدانهم أبواباً، ويخرج منه النسيم، أي لسَعَتِه،والنسيم: الريح اللينة.

2) فلقت الشيء: أي شققتُه.

3) يُطيح العظام: يسقطها.

4) بندرها: أي يُسقطها ندرَ الشيء يندر نَدْراً، أي سقط، ومنه النوادر.

5) الساعد: من الكوع إلى المِرفق، وهو الذراع.

6) المناسر: جمع مَنْسِر، وهو القطعة من الجيش تكون أمام الجيش الأعظم.

7) يُرجَمُوا : أى يُغْزوا بالكتائب، جمع كتيبة وهي طائفة من الجيش، من المائة إلى الألف.

8) تقفوها الحلائب: جمع حلبة: الجماعة من الخيل تجتمع من كل صَو۫ب للنصرة، أي تتابعها طوائف لنصرها والمحاماة عنها.

9) الخميس: الجيش العظيم، وقيل أربعة آلاف إلى اثني عشر ألفاً.

10) الدَّعْق؛ قد فسره الرضىّ (رحمه الله) ، ويجوز أن يفسَّر بأمر آخر، وهو الهي۫ج والتنفير، وكذلك يمكن تفسیر «نواحِر» بأمر آخر وهو أقصى أرضهم وآخرها، من قولهم لآخر ليلة في الشهر: ناحرة.

11) أعنان الشيء: أطرافه.

12) المسارب: المذاهب للرّع۫ي، ما يسربُ فيه المال الراعي. والمسارح: ما يسرح فيه. والفرق بينهما أنّ السُّروح في أوّل النهار، وليس ذلك بشرط في السُّروب.

13) دَعَقَ الطريق - كمنع - وطنه وطئاً شديداً، ودَعَقَ الغارةَ: بثّها.

125 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

125 - ومن كلام له عليه السلام (1)

فِي التَّحْكِيمِ

إِنَّا لَمْ نُحَكِّمِ الرِّجَالَ ، وَإِنَّمَا حَكَمْنَا الْقُرْآنَ . هَذَا الْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطُّ مَسْطُورٌ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ(2)، لَا يَنْطِقُ بِلِسَانٍ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ ، وَإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ الرِّجَالُ.

وَلَمَّا دَعَانَا الْقَوْمُ إِلَى أَنْ نُحَكِّمَ بَيْنَنَا الْقُرْآنَ لَمْ نَكُنِ الْفَرِيقَ الْمُتَوَلِّيَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: «فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ» ، فَرَدُّهُ إِلَى اللهِ أَنْ نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ ، وَرَدُّهُ إِلَى الرَّسُولِ أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ ، فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اللهِ، فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ حكِمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ وَأَوْلَاهُمْ بِهَا .

وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: لِمَ جَعَلْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ أَجَلاً فِي التَّحْكِيمِ؟ فَإِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ الْجَاهِلُ، وَيَتَقَبَّتَ الْعَالِمُ؛ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ فِي هَذِهِ الهُدْنَةِ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ: وَلَا تُؤْخَذَ بِأَكْظَامِهَا(3)، فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَيُّنِ الْحَقِّ، وَتَنقَادَ لِأَوَّلِ الْغَيِّ .

إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَاللهِ مَنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ - وَإِنْ نَقَصَهُ


1) رواه الطبري في (التأريخ ) ج 6 ص 37 في حوادث سنة 37، وسبط ابن الجوزي في (التذكرة) ص 100، والمفيد في (الإرشاد) ص 157.

2) الدفتان: صفحتان من جلد تحويان ورق المصحف [و عند عبده والصالح: مَستّورُ بين الدفتين] .

3) الأكظام: جمع كظ۫م أو كَظم - محرّكة - مخرج النفس، والأخذ بالأكظام: المضايقة والاشتداد بسلب المهلة.

وَكَرَثَهُ (1)- مِنَ الْبَاطِلِ، وَإِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وَزَادَهُ، فَأَيْنَ يُنَاهُ بِكُمْ !(2)وَمِنْ أَيْنَ أُتِیتُم۫(3)! أَسْتَعِدُّوا لِلْمَسِيرِ إِلَى قَوْمٍ حَيَارَى عَنِ الْحَقِّ لَا يُبْصِرُونَهُ، وَمُوزَعِينَ بِالْجَوْرِ (4)لَا يَعْدِلُونَ (5)بِهِ ، جُفَاةٍ عَنِ الْكِتَابِ (6)، نُكْبٍ عَنِ الطَّرِيقِ (7). مَا أَنْتُمْ بِوَثِيقَةٍ يُعْلَقُ بِهَا(8)، وَلَا زَوَافِرَ عِزّ يُعْتَصَمُ إِلَيْهَا(9)، لَبئسَ حُشَاشُ نَارِ الْحَرْبِ أَنتُمْ(10)! أُفٍّ لَكُمْ(11)! لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ بَرْحاً (12)يَوْماً أُنَادِيكُمْ وَيَوْماً أُنَاجِيكُمْ، فَلَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ النَّدَاءِ (13)، وَلَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ النَّجَاءِ (14)!


1) كرثه: أي أشتد عليه، وبلغ منه المشقة فإنّ الحزن بالحق مسرة لديه، والمسرة بالباطل زهرة ثمرتها الغم الدائم ، وقوله «من الباطل» متعلق بأحب.

2) أي أين تذهبون في التيه ؟ يعني في الحيرة، وروي: «فأنّى يُتاهُ بكم»؟.

3) أي كيف دخل عليكم الشيطان أو الشبهة.

4) مُوزَعون : ملهُمون، من أوْزَعَه أي أغراه، وأصله بمعنى «ال۫هَمَ».

5) لا يتركونه إلى غيره، وروى «لا يعدلون به» أي لا يعدلون بالجَور شيئاً آخر، أى لا يرضون إلّا به.

6) جفاة عن الكتاب: جمع جافٍ، وهو النابي عن الشيء، أي قد نَبو۫ا عن الكتاب، لا يلائمهم ولا يناسبونه، أو يريد: أجلافٌ لا أفهام لهم.

7) تُكبّ: أي عادلون جمع ناكب وهو حائد عن الطريق.

8) «وما أنتم بوثيقة» أي بذي وثيقة، والوثيقة: الثقة، أو بعروة وثيقة يستمسك بها.

9) الزوافر: العشيرة والأنصار «يعتصم إليها»: أي بها.

10) حُشَاشُ النار: ما تحشُّ به، أي توقد. وروي «حَشاش» بالفتح، وهو الحطب الذي يلقى في النار قبل الجزل، وروي: «حُشَاش» جمع حاشُّ، وهو المُوقِد للنار، من «حش النار» أي أوقدها، أي لبئس الموقدون لنار الحرب أنتم.

11) أَفٍ: من الألفاظ القرآنية، والمعنى استقذار المعنيُ بالتأفيف.

12) بَرْحاً: أى شدّة أو شرّاً، ويروى: «ترحاً»، أي حزناً.

13) يوم النداء: يوم الدعوة إلى الحرب.

14) النُجاء: المناجاة، وهي الإفضاء بالسرّ والتكلّم مع شخص بحيث لا يسمع الآخر، «ويوم النجاء: يوم العتاب على التقصير.

126 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

126 - ومن كلام له عليه السلام (1)

لَمَّا عُوتِبَ عَلَى التَّسْوِيَةِ فِي الْعَطَاءِ

أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ! وَاللَّهِ لَا أَطُورُ بِهِ(2)مَا سَمَرَ سَمِيرٌ(3)، وَمَا أَمَّ نَجْمُ فِي السَّمَاءِ نَجْماً (4)وَلَوْ كَانَ الْمَالُ لِى لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ !

ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:

أَلَا وَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرُ وَإِسْرَافُ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا، وَيَضَعُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ، وَيُهِينُهُ عِنْدَاللهِ ، وَلَمْ يَضَع أَمْرُٶُ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَعِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ ، إِلَّا حَرَمَهُ اللهُ شُكْرَهُمْ، وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ. فَإِنْ زَلَتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَأَحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَلِيلٍ ، وَأَلْأَمْ خَدِينٍ4(5).


1) رواه ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) ج 1 ص 153 ، وابن شعبة في (تحف العقول) ص 131 ، والمفيد في (المجالس) ص 95 .

2) لا أطور به من «طار يطور» حام حول الشيء، أي ما أمرّ به ولا أقاربه، مبالغة في الابتعاد عن العمل بما يقولون.

3) «ما سمر سمير» يعنى الدهر ، أى ما أقام الدهر وما بقي.

4) ما أمّ نجمٌ: أي قصد وتقدّم، لأنّ النجوم تتبع بعضها بعضاً.

5) الخدين: الصديق.

127 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

127 - ومن كلام له عليه السلام (1)

لِلْخَوَارِجِ أَيْضاً

فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّي أَخْطَأْتُ وَضَلَلْتُ، فَلِمَ تُصَلِّلُونَ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بِضَلَالِي ، وَتَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَئِي، وَتُكَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوبِي ! سيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ الْبُرْءِ وَالسُّقْمِ، وَتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ . وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ رَجَمَ الزَّانِي الْمُحْصَنَ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ؛ وَقَتَلَ الْقَاتِلَ وَوَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ، وَقَطَعَ يَدَ السَّارِقِ وَجَلَدَ الزَّانِي غَيْرَ الْمُحْصَنِ، ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْءِ، وَنَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ ، فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بِذُنُوبِهِمْ، وَأَقَامَ حَقَّ اللَّهِ فِيهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْن أَهْلِهِ (2). ثُمَّ أَنْتُمْ شِرِارُ النَّاسِ، وَمَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ (3)وَضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ (4)! وَسَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفَانِ : مُحِبُّ مُفْرِطُ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَمُبْغِضُ مُفْرِطُ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ ، وَخَيْرُ النَّاسِ فِيَّ حَالاً النَّمَطُ الأَوْسَطُ فَالْزَمُوهُ،


1) رواه الطبري في (التأريخ ) ج 6 ص 48 ، في حوادث سنة 37 بتفاوت مع رواية الرّضي.

2) كان من زعم الخوارج أن من أخطأ وأذنب فقد كفر ، فأراد الإمام أن يقيم الحجّة على بطلان زعمهم بما رواه عن النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).

3) أي أضلّه، كأنّه رمَى به مرمىّ بعيداً ، فضل عن الطريق، ولم يهتدِ إليها.

4) حيّره وجعله تائهاً في بادية ضلاله.

وَالْزَمُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ(1)، فَإِنَّ يَدَاللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّاذَ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ ، كَمَا أَنَّ الشَّاذَ مِنَ الْغَنَمِ لِلذَّنْبِ. أَلَا مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ(2)، وَلَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هَذِهِ، فَإِنَّمَا حُكِّمَ الْحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ، وَيُمِينَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ، وَإِحْيَاؤُهُ الْإِجْتِمَاعُ عَلَيْهِ، وَإِمَاتَتُهُ الْاِفْتِرَاقُ عَنْهُ، فَإِنْ جَرَّنَا الْقُرْآنُ إِلَيْهِمْ أَتَّبَعْنَاهُمْ، وَإِنْ جَرَّهُمْ إِلَيْنَا اتَّبَعُونَا، فَلَمْ آتِ - لَا أَبَا لَكُمْ - يُجْراً (3)، وَلَا خَتَلْتُكُمْ(4)عَنْ أَمْرِكُمْ، وَلَا لَبَّسْتُهُ(5)عَلَيْكُمْ، إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأْيُّ مَلَئِكُمْ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ(6)، أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَلَّا يَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ، فَتَاهَا عَنْهُ، وَتَرَكَا الْحَقِّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ، وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا، فَمَضَيَا عَلَيْهِ . وَقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا - فِي الْحُكُومَةِ بِالْعَدِلِ ، وَالصَّمْدِ (7)لِلْحَقِّ - سُوءَ(8)رَأيهِمَا ، وَجَوْرَ حُكْمِهِما .


1) السواد الاعظم: أي الجماعة.

2) الشعار: علامة القوم فى الحرب والسفر ، وهو ما يتنادون به ليعرف بعضهم بعضاً، وكان شعار الخوارج أنّهم يحلِقّون وسط رؤوسهم ويبقى الشعر مستديراً حوله كالإكليل، وقيل: كان شعار الخوارج «لا حكم إلّا لله»، وقيل: المراد بهذا الشعار هو ما امتازوا به من الخروج عن الجماعة، فيريد الإمام أن كل خارج عن رأي الجماعة مستبد برأيه، عامل على التصرف بهواه، فهو واجب القتل، وإلّا كان أمره فتنة وتفريقاً بين المؤمنين.

3) البُجر: الشر والأمر العظيم.

4) خَتَلْتكم: خدعتكم، خَتَلَهُ وخاتله : أي خدعه، والتخاتل: التخادع.

5) التلبيس: خلط الأمر وتشبيهه حتى لا يعرف وجه الحق فيه.

6) الملأ: الجماعة من الناس.

7) الصَّم۫د: القصد.

8) «سوء» مفعول لاستثناؤنا. قال: سبق شرطُنا سوءَ رأيهما، لأنّا اشترطنا عليهما في كتاب الحكومة ما لا مضرّة علينا، مع تأمّله فيما فعلاه من اتباع الهوى وترك النصيحة للمسلمين.

128 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

128 - ومن كلام له عليه السلام (1)

فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الْمَلاحِمِ بِالْبَصْرَةِ

فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الْمَلاحِمِ بِالْبَصْرَةِ (2)

يَا أَحْنَفُ، كَأَنِّي بِهِ وَقَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ الَّذِي لَا يَكُونُ لَهُ غُبَارُ وَلَا لَجَبٌ(3)، وَلَا قَعْقَعْةُ لُجُمٍ(4)، وَلَا حَمْحَمَةُ خَيْلٍ(5)، يُثِيرُونَ الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَامِ .

قال الشريف الرضيّ (رحمه الله) : يُومِيُّ بِذلِكَ إلى صاحِبِ الزَّنْج.

ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:

وَيْلٌ لِسِکَکُمُ الْعَامِرَةِ (6)وَالدُّورِ الْمُزَخْرَفَةِ(7)الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةُ كَأَجْنِحَةِ (8)الرَّوشن - هنا : الشُّرفة ، والجمع رواشِن. (9)


1) هذا الفصل من خطبة طويلة خطيها (علیه السّلام) بعد حرب الجمل وقد نثر فصولاً منها الشيخ البحراني في شرحه.

2) الملاحم: جمع مَلْحَمة وهي الواقعة العظيمة.

3) اللّجَب: الصياح.

4) اللُّجُم : جمع الجام، وقَعقُعَتها: ما يسمع من صوت واضطرابها بين أسنان الخيل.

5) الحَمْحَمَة: صوت البِرْذَون عند الشعير وعر الفرس - أي صوته - عندما يقصر في الصهيل ويستعين بنفسه.

6) السكك: جمع سكة، وهي الطريق المستوي، وهو إخبار عمّا يصيب تلك الطرق من تخريب ما حواليها من البنيان على يد صاحب الزنج ، وقد تقدم خبره في قيامه وسقوطه فراجعه.

7) الدُّور المزخرفة: المزيّنة المموُهة بالزُّخرف، وهو الذهب.

8) أجنحة النسور رواشنها

9) ، وقيل : إنّ الجناح والروشن يشتركان في إخراج الخشب من حائط الدار إلى الطريق بحيث لا يصل إلى جدار آخر يقابله وإلّا فهو الساباط ، ويختلفان في أن الجناح توضع له أعمدة من الطريق بخلاف الروشن.

النُّسُورِ، وَخَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الْفِيْلَةِ(1)، مِنْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَا يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ(2)، وَلَا يُفْقَدُ غَائِبُهُمْ. أَنَا كَابُ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا ، وَقَادِرُهَا بِقَدْرِهَا، وَنَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا !

ومِنْهُ وَيُومِنُ بِهِ إِلَى وَصْفِ الأَتْرَاكِ

كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُ الْمُطْرَقَةُ(3)، يَلْبَسُونَ السَّرَقَ (4)وَالدِّيبَاجَ(5)، وَيَعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِتَاقَ (6)، وَيَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ قَتْلٍ (7)حَتَّى يَمْشِيَ اَلْمَجْرُوحُ عَلَى الْمَقْتُولِ، وَيَكُونَ الْمُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ الْمَأْسُورِ(8).

فَقَالَ لَهُ بعضُ أصحابِهِ: لقد أُعطيت يا أميرالمؤمنين عِلْمَ الغَيبِ فَضَحَكَ عليه السلام

وقال للرّجل - وكان كَلْبِيّاً - : يَا أَخَا كَلْبٍ ، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمٍ غَيْبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلَّمْ مِنْ ذِي


1) خراطيمها ما يعمل من الأخشاب والبواري بارزة عن السقوف لوقاية الغرف عن الأمطار وشعاع الشمس، أو الخراطيم: هى الميازيب تطلى بالفار على طول نحو خمسة أذرع أو أزيد.

2) أي القتيل منهم، وذلك لأنّ أكثر الزنج الذين أشار إليهم كانوا عبيداً، ولم يكونوا ذوي زوجات وأولاد، يريد به كثرتَهم وأنّهم كلّما قُتِل منهم قتيل سدُ مسدّه غيره، فلا يظهر أثر فقده.

3) المِجانّ: جمع مِجَنّ، وهو التُّرس، وسُمي مِجَنّاً، لأنّه يُستَتر به والجُنّة: السُّترة. والمُط۫رَقة: التي قد أُطرق بعضُها على بعض، أي ضُمَّت طبقاتها؛ فجعل بعضها يتلو بعضاً، يُقال: جاءت الإبل مطاريق؛ أي يتلو بعضها بعضاً. والنعل المطرَقة المخصوفة. ويروى: «المجان المُطَرَّقة» بتشديد الراء [كما في نسخة عبده والصالح]، أي كالنرسة المتخذة من حديد مطرَقٍ بالمطرقة، وفي «القاموس» أي التي يطرق بعضها على بعض كالنعل المطرقة أي المخصوفة، وهو عجز عن التعبير، والأحسن أن يقال أي التي أُلْزِق بها الطَّرَاق - ككتاب - وهو جلد يُقَوّر على مقدار الترس ثم يُلْزَق به.

4) السَّرَق : شُقق الحرير، وقيل : لا تُسمَّى سَرَقاً إلّا إذا كانت بِيضاً، الواحدة سَرَقة.

5) الدِّيباج: ضرب من الثياب سَداه ولُحْمَته حرير (فارسي معرُب).

6) يعتقبون الخيل: يجنبونها لينتقلوا من غيرها إليها، أو يحتسبون كرائم الخيل ويمنعونها غيرهم.

7) استحرار القتل: اشتداده.

8) المفِلت: الهارب.

عِلْمٍ، وَإِنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَمَا عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ : «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ» ، فَيَعْلَمُ اللهُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الْأَرْحَامِ، مِنْ ذَكَرٍ أو أُنثَى، وَقَبِيحِ أَوْ جَمِيلٍ، وَسَخِيٌّ أَوْ بَخِيلٍ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٍ، وَمَنْ يَكُونُ لِلنَّارِ حَطَبَاً أَوْ فِي الْجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً، فَهَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللهُ.

وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَعَلَّمَنِيهِ، وَدَعَا لِي بِأَنْ يَعِيَهُ صَدْرِي ، وَتَضْطَمَّ عَلَيْهِ جَوَانِحِي(1).

129 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

129 - ومن خطبة له عليه السلام (2)

فِي ذِكْرِ الْمَكَایيلِ وَالْمَوَازِينِ

عِبَادَاللهِ ، إِنَّكُمْ وَمَا تَأْمُلُونَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا أَثْوِيَاءُ (3)مُؤَجَّلُونَ (4)، وَمَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ(5): أَجَلُ مَنْقُوصٌ وَعَمَلُ مَحْفُوظ. . فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَيَّعَ(6)، وَرُبَّ كَادِحٍ


1) تضطمَ عليه جوانحي: تفتعل من الضمّ، وهو الجمع، أي وتنضم عليه جوانحي، أي تجتمع عليه جوانح صدري، ويروى: «جوارحي». والجوانح: الأضلاع تحت الترائب مما يلي الصدر ، وانضمامها عليه اشتمالها على قلب يعيها.

2) روى الزمخشري في (ربيع الأبرار) في باب تبدل الأحوال جزءاً منها.

3) أثوياء: جمع ثَويّ، وهو الضيف.

4) مؤجّلُون: مؤخّرون إلى أجَلٍ، أي وقت معلوم.

5) مدينون: مُقْرَضُون ومقتضَوّن: جمع مقتَضى، أي مطالب بأداء الدين.

6) الدائب: المجتهد، ذو الجدِّ والتعب، المداوم في العمل.

خَاسِرٌ(1)، وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَنٍ لَا يَزْدَادُ الْخَيْرُ فِيهِ إِلَّا إِدْبَاراً، وَالشَّرُّ إِلَّا إِثْبَالاً، وَالشَّيْطَانُ فِي هَلَاكِ النَّاسِ إِلَّا طَمَعاً ، فَهَذَا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ، وَعَمَّتْ مَكِيدَتُهُ ،وَأَمْكَنَتْ فَرِيسَتُهُ (2)أَضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ تُبْصِرُ إِلَّا فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً، أَوْ بَخِيلاً أتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وَفُراً (3)، أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً(4)!

أَيْنَ خِيَارُكُمْ وَصَلَحَاؤُكُمْ وَأَيْنَ أَخْرَارُكُمْ وَسُمَحَاؤُكُمْ! وَأَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ، وَالْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ! أَلَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِيعاً عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ، وَالْعَاجِلَةِ الْمُنَغْصَةِ(5)! وَهَلْ خُلَّفْتُمْ إِلَّا فِي حُثَالَةٍ (6)لَا تَلْتَقِي بِذَمِّهِمُ الشَّفَتَانِ (7)، اسْتِصْغَاراً لَقَدْرِهِمْ، وَذَهَابَاً عَنْ ذِكْرِهِمْ(8)! فَ «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! »

ظَهَرَ الْفَسَادُ فَلَا مُنْكِرُ مُغَيِّرُ وَلَا زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ (9). أَفَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللهَ فِي دَارِ قُدْسِهِ (10)، وَتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ! هَيْهَاتَ لَا يُخْدَعُ اللَّهُ عَنْ جَنَّتِهِ، وَلَا تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ. لَعَنَ اللهُ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ، وَالنَّاهِينَ


1) الكادح: الساعي لنفسه بجهد ومشقة، والمراد من يَق۫صُر سعيه على جمع حطام الدنيا.

2) الضمير للشيطان. وأمكنت الفريسة: أي سهلت وتيسرت.

3) الوفر: المال الكثير، أى بخِل ولم يؤدّ حق الله سبحانه، فكثر مالُه.

4) الوَقْرة: الثَّقل في الأذن.

5) وروي: «المنغَصة» بفتح الغين.

6) الحُثالة: السّاقط الرديّ من كلّ شيء، والمراد قَزّم الناس وصغراء النفوس.

7) «لا تلتقي بذمّهم الشفتان» أي بأنَف الإنسان أن يذمّهم [وعند الصالح: لا تلتقي إلّا بذمِّهم الشفتان].

8) ذهاباً عن ذكرهم: أي ترفعاً.

9) أي ليس فى الناس مَنْ يزجُر عن القبيح وينزجر هو عنه.

10) دار القدس: هي الجنّة، ولا يُخدَع الله عنها، لأنّه لا تخفى عليه خافية.

عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِهِ (1)!

130 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

130 - ومن كلام له عليه السلام (2)

لِأَبِي ذَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا أُخْرِجَ إِلَى الرَّبَذَةِ

لِأَبِي ذَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا أُخْرِجَ إِلَى الرَّبَذَةِ (3)

واعلم أنّ الذي عليه أكثر أرباب السيرة وعلماء الأخبار والنقل، أنّ عثمان نفى أبا ذرّ أولاً الى الشام، ثم استقدمه إلى المدينة لما شَكّا منه معاوية، ثم نفاه إلى الرّبَذة لمّا عمل بالمدينة ما كان يعمل بالشام، حيث كان يقول بين الناس وفي الطرقات: «بشر الكافرين بعذاب أليم....». وذلك بعد أن أعطى عثمانُ مروانَ بن الحكم وغيّره بيوتَ الأموال.

يَا أَبَا ذَرٍّ ، إِنَّكَ غَضِبْتَ لِلَّهِ فَأَرْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ. إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ وَخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ، فَأَتْرُكُ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ، وَأَهْرَبْ مِنْهُم بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ ، فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ، وَأَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ ! وَسَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ غَداً. وَالْأَكْثَرُ حُسَداً ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَٰوَاتِ وَالْأَرْضِينَ كَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتقَاً، ثُمَّ اتَّقَى الله ، لَجَعَلَ اللهُ لَه مِنْهُمَا مَخْرَجاً. لَا يُؤْنِسَنَّكَ إِلَّا الْحَقُّ ، وَلَا يُوحِشَنَّكَ إِلَّا الْبَاطِلُ، فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لأَحَبُّوكَ ، وَلَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا لَأَمَّنُوكَ (4).


1) ولست أرى في الخطبة ذكراً للموازين والمكاييل ؛ التي أشار اليها الرضى (رحمه الله)، اللّهم إلّا أن يكون قوله(علیه السّلام) : «وأين المتورعون في مكاسبهم»، أو قوله: «ظهر الفساد»، ودلالتهما على الموازين والمكاييل بعيدة.

2) رواه الكليني في (روضة الكافي) ص 206 ، والبعقوبي في (تاريخه) ج 2 ص 120 .

3) الرَّبذة: موضع على قرب المدينة المنورة فيه قبر أبي ذر الغفاري، والذي أخرجه إليه الخليفة الثالث. وواقعة أبي ذرّ رحمه الله وإخراجه إلى الرَّبَذَة أحدُ الأحداث التي نُقِمَتْ على عثمان.

4) لو قرضت منها: لو قطعت منها جزءاً واختصصت به نفسك أي لو رضيت أن تنال منها.

131 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

131 - ومن كلام له عليه السلام (1)

فِي وَصْفِ الإِمَامِ الْحَقِّ

أَيَّتُهَا النُّفُوسُ المُخْتَلِفَةُ، وَالْقُلُوبُ الْمُتَشَتَّتَةُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، وَالْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ(2)وَأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ(3)! هَيْهَاتَ أَنْ أُطْلِعَ بِكُمْ سِرَارَ الْعَدْلِ (4)

ويمكن فيه أيضاً أن ينصب «سِرار» ههنا على الظرفية، ويكون التقدير: هيهات أن أطلع بكم الحق زمان استسرار العدل واستخفائه.

، أَوْ أُقِيمَ أعْوِجَاجَ الْحَقِّ. (5)اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةٌ فِي سُلْطَانٍ، وَلَا الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ، وَلَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَنُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلادِكَ، فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ ، وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ، وَسَمِعَ وَأَجَابَ، لَمْ يَسْبِقْنِي إِلَّا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بِالصَّلَاةِ .

1) رواه ابن الجوزي في ( تذكرته) ص 120 ، والقاضي النعمان في (دعائم الإسلام) ج 2 ص 531.

2) أظأركم: أعطفكم.

3) الوعوعة: الصوت.

4) قوله: «هيهات أن أطلع بكم سِرار العدل» يفسّره الناس بمعنى هيهات أن أطلعكم مضيئين ومنوّرين لسرار العدل. والسِرار: آخر ليلة في الشهر، وتكون مظلمة. ويمكن عندى أن يفسّر السرار ههنا بالسُّرور: وهي خطوط مضيئة في الجبهة، كما نصّ أهل اللغة، ويقال: بَرَقَتْ أَسِرَة وجهه وأسارير وجهه فيصبح معنى كلامه(علیه السّلام) : هيهات أن تلمع بكم لوامع العدل، ويبرق وجهه.

5) الحق لا اعوجاج فيه، ولكن قوماً خلطوه بالباطل، فهذا ما أصابه من اعوجاج.

وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ وَالْمَغَائِمِ وَالْأَحْكَام وَإِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ، فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ(1). وَلَا الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ، وَلَا أَلْجَانِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ ، وَلَا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ (2)فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ . وَلَا الْمُرتَشِي فِي الْحُكُم فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ ، وَيَقِفَ بِهَا دونَ الْمَقَاطع (3)، وَ لَا الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الْأُمَّةَ.

132 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

132 - ومن خطبة له عليه السلام (4)

يَعِظُ فِيهَا وَيُزَهّدُ فِي الدُّنْيَا

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَخَذَ وَأَعْطَى، وَعَلَى مَا أَبْلَى وَابْتَلَى(5). الْبَاطِنُ لِكُلِّ


1) النَّهْمَة : الهمة الشديدة بالأمر، نُهِم بكذا، فهو مَنهوم، أي مولَه به حريص عليه ومن رواها «نَهمَتَه» بالتحريك فهي إفراط الشهوة في الطعام والماضي نَهِم ، بالكسر.

2) «ولا الحائف للدول»، أي الظلّام لها، والجائر عليها، من الحي۫ف، أي الجَو۫ر والظلم والدُوّل: جمع دُولة - بالضم - وهي المال؛ لأنّه يُتَدَاول أي ينتقل من يد ليد، والمراد من يحيف في قسم الأموال فيفضل قوماً في العطاء على قوم بلا موجب للتفضيل. وروى: «ولا الخائف الدولَ» ،بالخاء ونصب «الدول» [كما في نسخة ابن المؤدب] أي من يخاف دول الأيام وتقلبات الدهر فيتخذ قوماً دون قوم ظهريّاً، وهذا معنى لا بأس به.

3) المقاطع: الحدود التي عينها الله لها، جمع مقطع، وهو ما ينتهي الحقّ إليه، أي لا تصل الحقوق إلى أربابها لأجل ما أخذ من الرشوة عليها.

4) ذكرها ابن الأثير في (النهاية) ج 5 ص 239 مادة هيل، والآمدي في (الغرر).

5) الإبلاء: الإحسان والإنعام، وعلى ما أبلى، أي على ما أعطى، يقال قد أبلاه الله بلاءً حسناً، أي أعطاء والابتلاء: إنزال المضرة بالإنسان على سبيل الاختيار، وقد يكون في الخير، إلّا أنّه أكثر ما يستعمل في الشرّ.

خَفِيَّةٍ(1)، وَالْحَاضِرُ لِكُلِّ سَرِيرَةٍ، الْعَالِمُ بِمَا تُكِنَّ الصُّدُورُ (2)، وَمَا تَخُونُ الْعُيُونُ (3). وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - نَجِيبُهُ وَبَعِيتُهُ (4)، شَهَادَةً يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الإعْلَانَ، وَالْقَلْبُ أللِّسُانَ.

ومنها: فَإِنَّهُ وَاللهِ الْجِدُّ لَا اللَّعِبُ، وَالْحَقُّ لَا الْكَذِبُ، وَمَا هُوَ إِلَّا الْمَوْتُ أَسْمَعَ دَاعِيهِ (5)، وَأَعْجَلَ حَادِيهِ(6). فَلَا يَغَرَّنَّكَ سَوَادُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ(7)، وَقَدْ رَأَيْتَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِمَّنْ جَمَعَ الْمَالَ وَحَذِرَ الْإِقْلَالَ(8)، وَأَمِنَ الْعَوَاقِبَ - طُولَ أَمَلِ (9)وَاسْتِبْعَادَ أَجَلٍ - كَيْفَ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَأَزْعَجَهُ عَنْ وَطَنِهِ ، وَأَخَذَهُ مِنْ مَأْمَنِهِ، مَحْمُولاً عَلَى أَعْوَادِ الْمَنَايَا(10)، يَتَعَاطَى بِهِ الرِّجَالُ الرِّجَالَ(11)، حَمْلاً عَلَى الْمَنَاكِبِ، وَإِمْسَاكاً بِالْأَنَامِلِ. أَمَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَأْمُلُونَ بَعِيداً ، وَيَبْنُونَ مَشيداً (12)،


1) الباطن: العالِم.

2) تكنّ الصدور: تستر.

3) ما تخون العيون: ما تسترِقُ من اللحظات على غير الوجه الشرعيّ.

4) بَعيثه: مصطفاه ومبعوثه .

5) أي أنّ الداعي إلى الموت قد أسمع بصوته كل حي ، فلا حي إلّا وهو يعلم أنّه يموت.

6) أعجل حاديه: أي أنّ الحادي لسير المنايا إلى منازل الأجسام لإخلائها من سكنة الأرواح قد أعجل المدبرين عن تدبيرهم، وأخذهم قبل الاستعداد لرحيلهم.

7) لا تغتر بكثرة الأحياء، فكلّما رأيت حياً زعمت أنّك باق مثله، أو يريد: لا يغرنك الناس بنفسك وصحتك وشبابك، فتستبعد الموت اغتراراً بذلك. وسواد الناس عامّتهم.

8) الاقلال: الفقر.

9) «طول» مفعول لأجله، أي كان منه ذلك لطول الأمل و .....

10) أعواد المنايا: النعش.

11) أى يتداولونه، تارة على أكتاف هؤلاء، وتارة على أكتاف هؤلاء.

12) المشيد: المبنى بالشَّيد، وهو الجص.

وَيَجْمَعُونَ كَثِيراً، أَصْبَحَتْ بُيُوتُهُمْ قُبُوراً ، وَمَا جَمَعُوا بُوراً(1)وَصَارَتْ أَمْوَالُهُمْ لِلْوَارِثِينَ، وَأَزْوَاجُهُمْ لِقَوْمٍ آخَرِينَ؛ لَا فِي حَسَنَةٍ يَزِيدُونَ، وَلَا مِنْ سَيِّئَةِ يُسْتَعْتَبُونَ (2)

ومن رواه «يَستَعْتبون» بالفتح [كما في نسخة الصالح]، فهو من استعتَبَ فلان، أي طلب أن يُعتَب أي ،يرضَى، تقول: استعتبته فأعتبني؛ أي استرضيته فأرضاني .

! فَمَنْ أَشْعَرَ التَّقْوَى قَلْبَهُ (3)، بَرَزَ مَهَلُهُ(4)، وَفَازَ عَمَلُهُ.

فَاهْتَبِلُوا هَبَلَهَا(5)، وَاعْمَلُوا لِلْجَنَّةِ عَمَلَهَا(6)، فَإِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقَ لَكُمْ دَارَ مُقَام (7)، بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجَازا(8)لِتَزَوَّدُوا مِنْهَا الْأَعْمَالَ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ. فَكُونُوا مِنْهَا عَلَى أَوْفَاز(9)، وَقَرِّبُوا الظُّهُورَ (10)لِلزِّيَالِ (11).


1) البُور: الفاسد الهالِك.

2) يُستَعتبون: ههنا يُفسر بنفسرين، فمن رواه بالضم - مبني للمجهول - فمعناه لا يعاتبهم الناس.

3) أشْعَرَ التقوى قلبه: جعله كالشعار له.

4) بَرَزَ مَهَلُه - بالرفع - : من بَرَزَ الرجلُ على أقرانه، أي فاقهم، والمهلُ: شوط الفرس والتقدم في الخير، أي فاق تقدّمه إلى الخير على ما تقدّم غيره. ومن رواه بالنصب جعل «برز» بمعنى أبرز، أي أظهر وأبان.

5) اهتبلوا هَبَلها: اهتَبَلَ الصيد: طلبه، أي اغتنموا وانتهزوا الفرصة، أي أغنموا خير التقوى. والضمير في «هبلها» للتقوى لا للدنيا.

6) أي العمل الذي يصلح أن يكون ثمرته الجنّة.

7) دار مقام: اي دار إقامة.

8) المجاز : الطريق يجاز عليه الى المقصد.

9) الأوفاز: جمع وفز - بسكون الفاء ويحرّك - ، وهو العجلة، أي كونوا منها على استعجال.

10) الظُّهور : الرّكاب، وبنو فلان مظهرون أي لهم ظهور ينقلون عليها الأثقال.

11) الزيِّال: المفارقة، وهنا فراق الدنيا.

133 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

133 - ومن كلام له عليه السلام (1)

فِي صِفَةِ الْقُرْآنِ وَالنَّبِيِّ

وَانْقَادَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ بِأَزِمَّتِهَا(2)، وَقَذَفَتْ إِلَيْهِ السَّمَوَاتُ وَالأَرَضُونَ مَقَالِيدَهَا (3)، وَسَجَدَتْ لَهُ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ الْأَشْجَارُ النَّاضِرَةُ(4)، وَقَدَحَتْ لَهُ مِنْ قُضَبَانِهَا النِّيرَانُ الْمُضِيئَةُ(5)، وَآتَتْ أُكُلَهَا(6)بِكَلِمَاتِهِ (7)الثَّمَارُ الْيَانِعَةُ (8).

منها: وَكِتَابُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ(9)نَاطِقُ لَا يَعْيَا لِسَانُهُ(10)، وَبَيْتُ لَا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ، وَعِزُّ لَا تُهْزَمُ أَعْوَاتُهُ .


1) رواه الآمدي في (الغرر) ص 88 .

2) أزمّتها: لفظة مستعارة من انقياد الإبل بأزمّتها مع قائدها. ومعنى انقياد الدنيا والآخرة له نفوذ حكمه فيهما.

3) مقاليدها: جمع مِق۫لاد، وهو المفتاح.

4) سجود الأشجار الناضرة له: تصرفها حَسّب إرادته.

5) قُضبان - بالضم - : جمع قضيب، وهو الغصن، والمعنى أنّه بقدرته أخرج من الشجر الأخضر ناراً. [وعند عبده والصالح: النيرانَ المضيئة] أي أنّ الأشجار أشعلت النيرانَ المضيئةً من قضبانها.

6) آتت أكلها: أعطت ما يؤكل منها.

7) بكلماته: أي بقدرته ومشيئته، وبأوامره التكوينية، والضمائر لله سبحانه.

8) اليانعة: الناضجة.

9) يقال: بين أظهرهم، وظهريهم، وظهرانَي۫هم - يفتح النون - ، أي نازل بينهم. وقالت العرب ذلك ولم تقل «بين صدورهم» أرادت الإشعار بشدة المحاماة عنه، لأنّ النّزيل إذا حامي القوم عنه استقبلوا شبا الأسئة وأطراف السيوف بصدورهم، وكان هو محروساً وراء ظهورهم.

10) لا يعيا لسانه: لا يكِل.

منها: أَرْسَلَهُ عَلَى حِينٍ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ(1)، وَتَنَازُعٍ مِنَ الْأَلْسُنِ(2)، فَقَفَّى بِهِ الرُّسُلَ(3)، وَخَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ، فَجَاهَدَ فِي اللهِ الْمُدْبِرِينَ عَنْهُ، وَالْعَادِلِينَ بِهِ (4)

منها: وَإِنَّمَا الدُّنْيَا مُنْتَهَى بَصَرِ الْأَعْمَى (5)، لا يُبْصِرُ مِمَّا وَرَاءَهَا شَيْئاً، وَالْبَصِيرُ يَنْفُذُهَا بَصَرُهُ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الدَّارَ وَرَاءَهَا، فَالْبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصٌ ، وَالأَعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصٌ ، وَالْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدُ، وَالْأَعْمَى لَهَا مُتَزَوِّدٌ.

مِنْهَا(6): وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَيَكَادُ صَاحِبُهُ يَشْبَعُ مِنْهُ وَيَمَلُهُ إِلَّا الْحَيَاةَ فَإِنَّهُ لَا يَجِدُ فِي الْمَوْتِ رَاحَةً(7)

قال: وإنّما ذلك، - أي شعور الإنسان - يخيفة من ما بعد الموت بمنزلة حكمة واعظة تنبهه من غفلة الغرور، وتبعثه إلى خير العمل، ثم بعد بيانه لما يجده الإنسان في نفسه من خيفة ما وراء الموت، ولما يرشد إليه ذلك الوجدان، أخذ يبين الوسيلة الموصلة إلى منجاة مما يخشاه القلب، وتتوجس منه النفس، وإنّها التمسك بكتاب الله الذي بين أوصافه. وبهذا التفسير التأم الكلام، واندفعت حيرة الشارحين في هذا المقام. وقوله «كتاب الله» جملة مستأنفة، أي هذا كتاب الله فيه ما تحتاجون إليه مما هدتكم الفطرة إلى طلبه.

، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحِكْمَةِ الَّتِي هِيَ حَیَاةُ لِلْقَلْبِ، الْمَيِّتِ، وَبَصَرُ لِلْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ، وَسَمْعُ لِلْأُذُنِ الصَّمَّاءِ، وَرِيُّ لِلظَّمْآنِ، وَفِيهَا الْغِنَى كُلُّهُ وَالسَّلَامَةُ.

1) الفترة: زمان انقطاع الوحي.

2) «و تنازع من الألسن» كل طائفة تجادل مخالفيها بألسنتها لتقودها إلى معتقدها.

3) وقفّى به الرّسل: أتبعها به، قال سبحانه: «ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا » [النحل: 40] ومنه الكلام المقَفّى، وسمّيت قوافي الشعر، لأنّ بعضها يتبع بعضاً.

4) العادلين به: الجاعلين له عديلاً، أي مثلاً .

5) يشير إلى أنّ من يقصر نظره على الدنيا فكأنّه لم يبصر شيئاً، فهو بمنزلة الأعمى.

6) هذه فصول متفرقة التقطها الرضي من خطبة طويلة على عادته في التقاط ما يستفصحه من كلامه(علیه السّلام) ، وإن كان كلّ كلامه فصيحاً.

7) لا يجد في الموت راحة، حيث لم يهيئ من العمل الصالح الباقي، ما يكسبه السعادة بعد الموت.

كِتَابُ اللهِ تُبْصِرُونَ بِهِ، وَتَنْطِقُونَ بِهِ، وَتَسْمَعُونَ بِهِ، وَيَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ،وَيَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا يَخْتَلِفُ فِي اللهِ(1)، وَلَا يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللَّهِ(2).

قَدِ أصْطَلَعْتُمْ عَلَى الْغِلِّ فِيمَا بَيْنَكُمْ(3)، وَنَبَتَ الْمَرْعَى عَلَى دِمَنِكُمْ(4)، وَتَصَافَيْتُمْ عَلَى حُبِّ الْأَمَالِ، وَتَعَادَيْتُمْ فِي كَسْبِ الْأَمْوَالِ. لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكُمُ الْخَبِيثُ (5)، وَتَاهَ بِكُمُ الْغُرُورُ (6)، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِى وَأَنْفُسِكُمْ.

134 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

134 - ومن كلام له عليه السلام (7)

وَقَدْ شَاوَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْخُرُوجِ إِلَى غَزْوِ الرُّومِ بِنَفْسِهِ

وقَدْ تَوَكَّلَ اللهُ لِأَهْلِ هَذَا الدِّينِ بِإِعْزَازِ الْحَوْزَةِ(8)، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالَّذِي


1) لا يختلف في الدلالة على الله وصفاته، أي لا يتناقض.

2) لا يأخذ بالإنسان المعتمِد عليه إلى غيرِ الله.

3) الغل: الحقد. والاصطلاح عليه: الاتفاق على تمكينه في النفوس.

4) الدَّمَن: جمع دِمْنة، وهي الحقد القديم أيضاً. ونبت المرعى عليها، أي دامت، وطال الزمان عليها حتى نبت النبات عليها، وأصل الدمن السرجين وما يكون من أرواث الماشية وأبوالها، وسميت بها الأحقاد لأنّها أشبه بها، قد تنبت عليها الخضر، وهي على ما فيها من قذر. وهذا كلام ينعى به حالهم مع وجود كتاب الله ومرشد الإلهام.

5) الخبيث: يعنى الشيطان. واستهام بكم: جعلكم هائمين، أي استهامكم. ويمكن أن يكون «استهام بكم» أي استدعى منكم أن تهيموا وتقعوا في التّيه والضلال، أصله: من هام على وجهه، إذا خرج لا يدري أين يذهب، أي أخرجكم الشيطان من نور الفطرة وضياء الشريعة إلى ظلمات الضلال والحيرة.

6) وتاه بكم: جعلكم تائهين حائرين.

7) رواه أبو عبيد في (كتاب الأموال) ص 252، وابن الأثير في (النهاية) ج 4 ص 250، مادة كتف.

8) توكَّل لهم: صار وكيلاً، ويروى: «وقد تكفَّل»، أي صار كفيلاً، والحوزة: الناحية أو ما يَحُوزه المالك ويتولى حفظه، وإعْزَازُ حوزة الدين: حمايتها من تغلّب أعدائه. يقول: إنّما الذي نصرهم في الابتداء على ضَع۫فهم هو الله تعالى، وهو حَيٌّ لا يموت، ينصرهم ثانياً، كما نصرهم أولاً.

نَصَرَهُمْ، وَهُمْ قَلِيلُ لَا يَنْتَصِرُونَ، وَمَنَعَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لَا يَمْتَنِعُونَ، حَيٌّ لَا يَمُوتُ .

إِنَّكَ مَتَى تَسِرْ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ بِنَفْسِكَ ، فَتَلْقَهُمْ فَتُنْكَبْ، لَا تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ كَانِفَةٌ(1)دُونَ أَقْصَى بِلَادِهِمْ. لَيْسَ بَعْدَكَ مَرْجِعٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، فَابْعَتْ إِلَيْهِمْ رَجُلاً مِحْرَباً (2)، وَأَحْفِزْ مَعَهُ أَهْلَ الْبَلَاءِ وَالنَّصِيحَةِ(3)، فَإِنْ أَظْهَرَ اللَّهُ فَذَاكَ مَا تُحِبُّ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى ، كُنْتَ رِدْءاً لِلنَّاسِ(4)، وَمَثَابَةً لِلْمُسْلِمِينَ (5).

135 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

135 - ومن كلام له عليه السلام (6)

وَقَدْ وَقَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُثْمَانَ مُشَاجَرَةٌ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ الأَخْنَسِ لِعُثْمَانَ: أَنَا أَكْفِيكَهُ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمُغِيرَةِ:

وَقَدْ وَقَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُثْمَانَ مُشَاجَرَةٌ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ الأَخْنَسِ(7)لِعُثْمَانَ: أَنَا أَكْفِيكَهُ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمُغِيرَةِ:

يَابْنَ اللَّعِينِ الْأَبْتَر(8)ِ، وَالشَّجَرَةِ الَّتي لَا أَصْلَ لَهَا وَلَا فَرْعَ أَنْتَ تَكْفِينِي؟


1) كانفة: أي جهة عاصمة، يلجأون إليها، كنفه: أي صانه وستره. من قولك: كنفت الإبل، جعلتُ لها كنيفاً من الشجر تستتر به وتعتصم. وفى رواية «كهفٌ» أي ملجأ ، [كما أثبته ابن أبي الحديد في المتن].

2) مِحرباً: أي صاحب حروب.

3) حفزتُ الرجل أحفِزه: دفعته من خَلْفِه وسقتُه سوقاً شديداً. وأهل البلاء: أهل المهارة في الحرب مع الصدق في القصد والجرأة في الإقدام، والبلاء: هو الإجادة في العمل وإحسانه.

4) الرَّدء - بالكسر - : الملجأ أو العون.

5) مثابةٌ: مرجعاً.

6) نقله أحمد بن أعثم الكوفي في (الفتوح) ج 2، ص 165.

7) هو المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفيّ، حليف بني زهرة.

8) قالوا: كان نزاع بين أميرالمؤمنين وبين عثمان، فقال المغيرة بن الأخنس بن شريق لعثمان:«أنا أكفيكه»، فقال علىُّ : يابن اللعين .... وإنّما قال له أميرالمؤمنين(علیه السّلام) : «يابن اللعين» لأنّ الأخنس بن شريق كان من أكابر المنافقين، وقال له: «يابن الابتر» لأنّ من كان عقبه ضالّاً خبيثاً، فهو كمن لا عقب له. ويروى: «ولا أقام من أنت منهضة» بالهمزة.

فَوَاللَّهِ مَا أَعَدَّ اللهُ مَنْ أَنْتَ نَاصِرُهُ، وَلَا قَامَ مَنْ أَنْتَ مُنْهِضُهُ، أَخْرُجْ عَنَّا أَبْعَدَ اللَّهُ نَوَاكَ(1)، ثم أبْلُغْ جَهْدَكَ(2)، فَلَا أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ إِنْ أَبْقَيْتَ !

136 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

136 - ومن كلام له عليه السلام (3)

فِي أَمْرِ الْبَيْعَةِ

لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَهُ(4)، وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً ، إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ(5)أَيُّهَا النَّاسُ، أَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ(6)، وَايْمُ اللهِ لأُنصِفَنَّ الْمَظْلُومَ وَلَأقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ(7)، حَتَّى أُوِردَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وإِن كَانَ كَارِهاً.


1) النوى: ههنا بمعنى الدار. ويروى «أبعدالله نوءك» من أنواء النجوم التي كانت العرب تنسب المطر إليها، وكانوا إذا دعوا على إنسان قالوا: أبعدالله نوءك ! أي خيرك.

2) الجَهد - بالفتح - : الغاية.

3) رواه الهروي في (الجمع بين الغريبين).

4) الفَلْتة: الأمر يقع عن غير تدبّر ولا رويّة، وفي الكلام تعريض ببيعة أبي بكر؛ وقد قال عمر: «كانت بيعة أبي بكر فَل۫تة وفى الله شرّها».

5) لأنّه لا يريد من طاعتهم له إلّا نصرة الدين، وأمّا هم فإنّهم يريدونه لحظوظ أنفسهم من العطاء والتقريب.

6) اعينوني على أنفسكم: خذوها بالعدل، واقنعوها على اتّباع الهوى.

7) الخِزامة: حل۫قة من شعر تُجعَل في أنف البعير، ويُجعل الزمام فيها.

137 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

137 - ومن كلام له عليه السلام (1)

فِي شَأْنٍ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ

وَاللهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً، وَلَا جَعَلُوا بَيني وَبَيْنَهُمْ نِصْفاً(2)، وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حقاً هُمْ تَرَكُوهُ، وَدَماً هُمْ سَفَكُوهُ ، فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي فَمَا الطَّلِبَةُ إِلَّا قِبَلَهُمْ (3). وَإِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ لَلْحُكْمُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي، مَا لَبَسْتُ وَلَا لُبِسَ عَلَيَّ . وَإِنَّهَا لَلْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فِيهَا الْحَمَةُ وَالْحُمَةُ (4)

وإذا أرادت العربُ أن تعبّر عن الضلال والفساد قالت: الحَمْء، مثله الحم۫أة بالتاء. ويروى فيها: «الحما»

أثبت «عبده» في المتن «الحَمَا» بألف مقصورة، وقد اختلط الأمر على «الصالح» ففسّر الحماً بما فسّر به «عبده» الحما. (5)، وَالشُّبْهَةُ الْمُغْدَفَةُ(6)؛ وَإِنَّ الْأَمْرَ لَوَاضِحٌ : وَقَدْ زَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ

1) نقله ابن عبد البر في (الاستيعاب)، وابن الأثير في (أسد الغابة) في ترجمة طلحة.

2) النِّصْفُ: الإنصاف، وعلى حذف المضاف: ذا نِص۫فٍ، أي حكماً منصفاً عادلاً يحكم بيني وبينكم.

3) الطّلبة - بكسر اللام : ما طلبتَه من شيء، وهنا ما يطالب به من الثأر.

4) الحماً: الطين الأسود. وحُمة العقرب: سمّها، أي في هذه الفئة الباغية الضلالُ والفسادُ والضرر.

5) بألف مقصورة وهو كناية عن الزُّبير، لأنّ كل ما كان الزبير، لأن كل ما كان بسبب الرجل فهم الأحماء؛ واحدهم «حما»، وما كان بسبب المرأة فهم الأختان، فأما الأصهار فيجمع الجهتين معاً. وكان الزبير ابن عمة الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وكان النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أعلّم علياً بأن فئة من المسلمين تبغي عليه، فيها بعضُ زوجاته وبعض أحمائه، فكنى عليّ (علیه السّلام) عن الزوجة بالحُمّة وهي سمّ العقرب أو إبرة اللاسعة من الهوام. ويروى: «والحَمء» يضرب مثلاً لغير الطَّيب ولغير الصافي.

6) المرأة تُغْدِف وجهها بقناعها، أي تستره، وأغدف الليل، أي أظلم، يعني أنّ شبهة الطلب بدم عثمان شبهة ساترة للحق.

نِصَابِهِ(1)وَأَنْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ شَغَبِهِ(2). وَايْمُ اللهِ لَأُخْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً(3)أَنَا مَاتِحُهُ(4)، لَا يَصْدُرُونَ عَنْهُ بِرِيٌّ (5)، وَلَا يَعُبُّونَ (6)بَعْدَهُ فِي حَسْي (7).

ومِنْهُ : فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ الْعُودِ(8)الْمَطَافِيلِ (9)عَلَى أَوْلَادِهَا، تَقُولُونَ : الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ ! قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا ، وَنَازَعْتُكُمْ يَدِي فَجَاذَبْتُمُوهَا .

اللَّهُمَّ إِنَّهُمَا قَطَعَانِي وَظَلَمَانِي ، وَنَكَنَا بَيْعَتِي ، وَأَلبَّا (10)النَّاسَ عَلَيَّ؛ فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا، وَلَا تُحْكِمْ لَهُمَا مَا أَبْرَمَا ، وَأَرِهِمَا الْمَسَاءَةَ فِيمَا أَمَّلَا وَلَقَدِ اسْتَتَبْتُهُمَا قَبْلَ الْقِتَالِ (11)، وَاسْتَأْتَيْتُ (12)بِهِمَا أَمَامَ الْوِقَاعِ (13)، فَغَمَطَا النِّعْمَةَ (14)وَرَدًّا الْعَافِيَة .


1) زاح يزيح زيحاً وزيحاناً: بَعُدَ وذهب. «عن نصابه»: عن مركزه ومقرّه، والنصاب: الأصل، أي قد انقلع الباطل عن مغرسه.

2) الشغب - بالفتح - : تهيّج الشر.

3) «لأفرِطنَ لهم حوضاً» أي لأملأنَ، أفرط الحوض: ملأه حتى فاض، والمراد حوض المنية.

4) الماتح: المستقي من فوق، والمايح: مالي الدّلاء من تحت .

5) «لا يصدرون عنه بريّ» أي ليس كهذه الحياض الحقيقية يصدر عنها الظمآن بريِّ، بل لا يصدرون عنه إلّا وهم جَزَر السيوف، ولا يعبّون بعده حسّي لأنّهم هلكوا.

6) العَبّ: الشرب بلا مصّ وبلا تنفس، كما تشرب الدّابة.

7) الحَسي - بفتح الحاء وتكسر -: سهل الأرض يستنفع فيه الماء، أو يكون غليظ من الأرض فوقه رمل يجمع ماء المطر، فتحفر فيه حفرة لتنزح منها ماء، وكلّما نزحت دلواً جمعت أخرى، فتلك الحفرة حسي، يريد أنّه يسقيهم كأساً لا يتجرعون سواها.

8) العُوذ : النّوق الحدِيثات النتّاج، الواحدة عائذ، وقد يقال ذلك للخَي۫ل والظّباء أولكل أُنثى.

9) المطافيل: جمع مُطفِل: ذات الطفل من الإنس والوحش والتي زال عنها اسمُ العِياذ ومعها طِفلها.

10) ألبا: أي حرّضا، والتأليب الإفساد.

11) طلبت منهم أن يثوبا، أى يرجعا، ويروى: «ولقد اسْتَتَبتهما» أي طلبت منهما أن يتوبا.

12) استانیت بهما: من الأناة والانتظار.

13) أمام الوِقاع: أي قبل المواقعة بالحرب، والوقاع: مصدر «واقعتهم» في الحرب وِقاعاً.

14) غَمَط فلان النعمة، إذا حَقَرها وجَحَدها وأزرى بها غَمْطاً.

138 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

138 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

يُومِي فِيهَا إِلَى ذِكْرِ الْمَلاحِمِ

يُومِي فِيهَا إِلَى ذِكْرِ الْمَلاحِمِ (2)تعتقد الشيعة أن الإمام موجود ولكنه غائب الآن وسيظهر في آخر الزمان. (3)

يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى (4)، إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى، وَيَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ، إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ(5).

ومنها: حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ، بَادِياً نَوَاجِذْهَا(6)، مَمْلُوءَةً أَخلَافُهَا(7)، حُلُوا رَضَاعُهَا(8)، عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا(9). أَلَا وَفِي غَدٍ - وَسَيَأْتِي غَدْ بِمَا لَا تَعْرِفُونَ - يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِيُّ أَعْمَالِهَا(10)، وَتُخْرِجُ لَهُ


1) رواها الآمدي في (الغرر) ص 296 .

2) فيها إشارة إلى إمام يخلقه الله تعالى في آخر الزمان

3) ، وهو الموعود به في الأخبار والآثار.

4) «يعطف الهوى»: يقهره ويثنيه، ويجعل الهُدى قاهراً له، وظاهراً عليه «ويعطف...» خبر عن قائم ينادي بالقرآن ويطالب الناس باتباعه وردّ كلّ رأي إليه.

5) أي يقهر حكم الرأي والقياس والعمل بغَلبّة الظنّ عاملاً عمل القرآن، وهذا إشارة إلى فِرَق المخالفين لهذا الإمام، الذين لا يعملون بالهدى بل بالهوى، ولا يحكمون بالقرآن بل بالرأى.

6) الساق: الشدّة. والنواجذ : أقصى الأضراس أو الأنياب، وهو كناية عن بلوغ الحرب غايتها، كما أنّ غاية الضحك أن تبدو النواجذ، وكناية عن شدة الاحتدام، فإنّما تبدو من الأسد إذا اشتد غضبه.

7) الأخلاف للناقة: حلمات الضرع، واحدها خِلْف، وامتلاء الأخلاف: غزارتها من الشر.

8) حلاوة الرضاع: استطابة أهل النجدة واستعذابهم لما ينالهم منها.

9) مرارة العاقبة بما يصير إليه الظالمون وبئس المصير.

10) إذا انتهت الحرب حاسب الوالي القائم كل عامل من عمال السوء على مساوئ أعمالهم، وإنّما كان الوالي من غيرها لأنّه بريء من جرمها. والوالي هنا: الإمام الذي يخلقه الله تعالى في آخر الزمان، يأخذ عمّال هذه الطائفة على سوء أعمالهم، و«يأخذ» بمعنى «يؤاخذ» من قولك: أخذته بذنبه.

الْأَرْضُ أَفَالِيذَ (1)كَبِدِهَا ، وَتُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِبِدَهَا(2)، فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَةِ، وَيُحْيِي مَيِّتَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

مِنْهَا (3): كَأَنِّي بِهِ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ(4)وَفَحَصَ بِرَايَاتِهِ (5)فِي صَوَاحِي كُوفَانَ(6)، فَعَطَفَ عَلَيْهَا عَطفَ الضَّرُوسِ(7)، وَفَرَشَ الْأَرْضَ بِالرُّؤُوسِ . قَدْ فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ (8)، وَثَقُلَتْ فِي الْأَرْضِ وَطَأَتُهُ(9)، بَعِيدَ الْجَوْلَةِ(10)، عَظِيمَ الصَّوْلَةِ ، وَاللَّهِ لَيُشَرِّ دَنَّكُمْ(11)ِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا قَلِيلُ كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ ، فَلَا تَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى تَؤُوبَ إِلَى الْعَرَبِ عَوَازِبُ أَحْلَامِهَا (12)!.


1) الأفاليذ: جمع أفلاذ، وأفلاذ جمع فَلّذ،و هي القطعة من الكبد والذهب والفضة، وهو كناية عن الكنوز التي تظهر للقائم بالأمُر، وقد فُسّر قوله تعالى: «وأخْرَجَتِ الأرضُ أَثْقَالَهَا» [الزلزلة: 2) بذلك في بعض التفاسير.

2) المقاليد: المفاتيح.

3) هذا إخبار عن عبدالملك بن مروان وظهوره بالشام وملكه بعد ذلك العراق.

4) نعق: من نَعَقَ الراعي بغنمه.

5) فَحَصَ: بَحَثَ، والتقدير: فحص الناسَ ،براياته، أى نحُاهم وقلّبهم يميناً وشمالاً.

6) کوفان: اسم الكوفة. وضواحيها : ما قرب منها من القرى.

7) الضروس: الناقة السيئة الخُلُق تعضّ حالبها.

8) وفغرت فاغرته: كأنّه يقول: فتح فاه، والكلام استعارة.

9) ثقُلتُ في الأرض وطأته: كناية عن الجور والظلم.

10) بعيد الجولة: استعارة، والمعنى أنّ تطواف خيوله وجيوشه في البلاد، أو جَولان رجاله في الحرب على الأقران طويل جدّاً لا يتعقّبه السكون إلّا نادراً.

11) ليشر دنّكم؛ أي ليفرقنكم.

12) عوازب أحلامها: ما ذهب من عقولها، عَزّب عنه الرأي، أي بَعُد.

فَالْزموا السُّنَنَ الْقَائِمَةَ، وَالْآثَارَ الْبَيِّنَةَ ، وَالْعَهْدَ الْقَرِيبَ الَّذِي عَلَيْهِ بَاقِي النُّبُوَّةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يُسَنِّي (1)لَكُمْ طُرُقَهُ لِتَتَّبِعُوا عَقِبَهُ (2).

139 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

139 - ومن كلام له عليه السلام (3)

فِي وَقْتِ السُّورَى

لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةٍ حَقٌّ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، وَعَائِدَةِ كَرَمٍ، فَأَسْمَعُوا قَوْلِي، وَعُوا مَنْطِقي؛ عَسَى أَنْ تَرَوْا(4)هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْيَوْمِ تُنتضَى(5)فِيهِ السُّيُوفُ، وَتُخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لِأَهْلِ الضَّلَالَةِ، وَشِيعَةً لِأَهْلِ الْجَهَالَةِ.

140 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

140 - ومن كلام له عليه السلام (6)

فِي النَّهْي عَنْ عَيْبِ النَّاسِ

وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِصْمَةِ وَالْمَصْنُوعِ إِلَيْهِمْ فِي السَّلَامَةِ(7)أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ


1) يُسَنِّي: يسهّل.

2) العقِب - بكسر القاف - : مؤخّر القدم.

3) رواه الطبري في ( تأريخه ) ج 5 ص 39 في حوادث سنة 23.

4) قوله: عسى أن تروا ... ، ابتداء كلام ينذرهم به من عاقبة الأمر.

5) تنتضى: تسل.

6) رواه الآمدي في (الغرر) في موضعين ص 135، ص 359.

7) الذين أنعم الله عليهم وأحسن صنعه إليهم بالسلامة من الآثام.

الذُّنُوبِ وَالْمَعْصِيَةِ ، وَيَكُونَ الشُّكْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ، وَالْحَاجِزَ لَهُمْ عَنْهُمْ ، فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ الَّذِي عَابَ أَخَاهُ، وَعَيَّرَهُ بِبَلْوَاهُ! أَمَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ(1)مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي عَابَهُ بِهِ! وَكَيْفَ يَذْمُّهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ! فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَكِبَ ذَلِكَ الذَّنْبَ بِعَيْنِهِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ فِيمَا سِوَاهُ، مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ . وَايْمُ اللهِ لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَاهُ فِي الْكَبِيرِ، وَعَصَاهُ فِي الصَّغِيرِ ، لَجُرْأَتُهُ عَلَى عَيْبِ النَّاسِ أَكْبَرُ! يَا عَبْدَاللهِ، لَا تَعْجَلْ فِي عَيْبٍ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ، فَلَعَلَّهُ مَغْفُورُ له، وَلَا تَأْمَنْ عَلَى نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةٍ ، فَلَعَلَّكَ مُعذَّبٌ عَلَيْهِ . فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبٍ نَفْسِهِ ، وَلْيَكُنِ الشُّكْرُ شَاغِلاً لَهُ عَلَى مُعَافَاتِهِ مِمَّا أَبْتُلِيَ بِهِ غَيْرُهُ .

141 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

141 - ومن كلام له عليه السلام (2)

فِي النَّهْي عَنْ سَمَاعِ الْغِيبَةِ

أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَرَفَ مِنْ أَحْيِهِ وثيقةَ دِينٍ وَسَدَادَ طَرِيقٍ، فَلَا يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَقَاوِيلَ الرِّجَالِ (3). أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرَّامِي، وَتُخْطِئُ السِّهَامُ، وَيُحيِلُ الْكَلَامُ(4)،


1) مما هو أعظم ....، بيان للذنوب التي سترها الله عليه.

2) رواه القاضي القضاعي في (دستور معالم الحكم) ص 139 ، وابن عبد ربه في (العقد الفريد) ج 6 ص 26.

3) هذا الكلام هو نهى عن التسرّع الى التصديق بما يقال من العيب والقَد۫ح في حق الإنسان المستور الظاهر المشتهر بالصلاح والخير.

4) يُحيل الكلام: أي يكون باطلاً، أحال الرجلُ في منطقه: تكلّم بما لا حقيقة له، ويروى: «ويُحيك» من قولك: ما حاك فيه السيف، أي ما أثّر، وحاك القول في القلب، أخذ، يعني أن القول يؤثر في العِرض وإن كان باطلاً، والرواية الأولى أشهر وأظهر.

وَبَاطِلُ ذَلِكَ يَبُورُ(1)، وَاللَّهُ سَمِيعٌ وَشَهِيدٌ. أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ إِلَّا أَرْبَعُ أَصَابعَ (2).

فَسُئِل عَلَيْهِ السَّلَام عن معنى قولِهِ هَذَا، فَجَمَعَ أصابعه ووضعها بَيْنَ أُذُنه وعينه ثمّ قال: الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ: سَمِعْتُ، وَالحَقُّ أَنْ تَقُولَ: رَأَيْتُ .

142 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

142 - ومن كلام له عليه السلام (3)

فِي وَضْعِ الْمَعْرُوفِ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ

وَلَيْسَ لِوَاضِعِ الْمَعْرُوفِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ ، وَعِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ، مِنَ الْحَظِّ فِيمَا أَتَى إِلَّا مَحْمَدَةُ اللئامِ، وَتَنَاءُ الأَشْرَارِ، وَمَقَالَةُ الجُهَّالِ، مَا دَامَ مُنْعِماً عَلَيْهِمْ: مَا أَجْوَدَ يَدَهُ! وَهُوَ عَنْ ذَاتِ اللهِ بَحْيِلُ ! (4)فَمَنْ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَلْيَصِلْ بِهِ الْقَرَابَةَ، وَلْيُحْسِنْ مِنْهُ الضَّيَافَةَ ، وَلْيَفُكَ بِهِ الْأَسِيرَ وَالْعَانِي، وَلْيُعْطِ مِنْهُ الْفَقِيرَ وَالْغَارِمَ(5)،


1) يبور: يفسد.

2) الأصبع مؤنثة، ولذلك قال: «أربع أصابع».

3) رواه ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) ج 1 ص 153 ، وابن شعبة في (تحف العقول) ص 131 .

4) هذا الكلام يتضمّن ذمّ من يُخرِج ماله الى الأقران ونحوهم، ويبتغي به المدح والسمعة، ولا يُخرجه في وجوه البِّر ، قال(علیه السّلام) : ليس له إلّا محمدة اللنام وثناء الأشرار، وقولهم ما أجود يده!. أي ما أسمحه.

5) الغارِم: مَن عليه الديون.

وَلْيَصْبِرُ(1)نَفْسَهُ عَلَى الْحُقُوقِ وَالنَّوَائِبِ، ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ؛ فَإِنَّ فَوْزاً بِهَذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا، وَدَرْكُ فَضَائِلِ الْآخِرَةِ؛ إِنْ شَاءَ اللهُ.

143 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

143 - ومن خطبة له عليه السلام (2)

فِي الاسْتِسْقَاءِ

أَلَا وَإِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي تَحْمِلُكُمْ، وَالسَّمَاءَ الَّتِي تُظِلُّكُمْ(3)، مُطِيعَتَانِ لِرَبِّكُمْ. وَمَا أَصْبَحَنَا تَجُودَانِ لَكُمْ بِبَرَكَتِهِمَا تَوَجعاً لَكُمْ، وَلَا زُلْفَةٌ إِلَيْكُمْ(4)، وَلَا لِخَيْرٍ تَرْجُوَانِهِ مِنْكُمْ، وَلكِنْ أُمِرَنَا بِمَنَافِعِكُمْ فَأَطَاعَتَا، وَأُقِيمَتَا عَلَى حُدُودٍ مَصَالِحِكُمْ فَقَامَتَا(5)إِنَّ اللهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ، وَحَبْسِ الْبَرَكَاتِ، وَإِغْلَاقٍ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ، لِيَتُوبَ تَائِبُ ، وَيُقلع مُقْلع، وَيَتَذَكَّرَ مُتَذَكَّر، وَيَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ. وَ قَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ الاِسْتِغْفَارَ سَبَباً لِدُرُورِ الرِّزْقِ، وَرَحْمَةِ الْخَلْقِ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً • يُرسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً• . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً».


1) يَصْبِر: يحبس.

2) رواه الديلمي في (أعلام النبوة)، وابن الأثير في (النهاية) ج 1 ص 137، مادة بطن.

3) تُظلّكُم: تعلو فوقكم.

4) الزلفة: القُرية.

5) والكلام مجاز ،واستعارة، لأنّ الجماد لا يؤمر، والمعنى أنّ الكل مسخّر تحت القدرة الإلٰهية.

فَرَحِمَ اللَّهُ أَمْرَأَ أَسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ(1)، وَاسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ (2)، وَبَادَرَ مَنِيَّنَهُ (3)اللَّهُمَّ إِنَّا ! خَرَجْنَا إِلَيْكَ مِنْ تَحْتِ الْأَسْتَارِ وَالأَكْنَانِ ، وَبَعْدَ عَجِيجِ الْبَهَائِمِ وَالْوِلْدَانِ، رَاعْبِينَ فِي رَحْمَتِكَ، وَرَاجِينَ فَضْلَ نِعْمَتِكَ، وَخَائِفِينَ مِنْ عَذَابِكَ وَنِقْمَتِكَ. اللَّهُمَّ فَأَسْقِنَا غَيْثكَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ ، وَلَا تُهْلِكْنَا بِالسِّنِينَ(4)، «وَلَا تُؤَاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا» ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ! اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ نَشْكُو إِلَيْكَ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ ، حِينَ أَلْجَأَتْنَا الْمَصَابِقُ الْوَعْرَةُ(5)، وَأَجَاءَتْنَا الْمَقَاحِطُ الْمُجْدِبَةُ(6)، وَأَعْيَتْنَا الْمَطَالِبُ الْمُتَعسِّرَةُ، وَتَلَا حَمَتْ(7)عَلَيْنَا الْفِتَنُ الْمُسْتَصْعَبَةُ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَلَّا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ، وَلَا تَقْلِبَنَا وَاجِمِينَ(8)، وَلَا تُخَاطِبَنَا بِذُنُوبِنَا(9)، وَلَا تُقَايِسَنَا بِأَعْمَالِنَا.

اللَّهُمَّ أَنْشُرْ عَلَيْنَا غَيْتَنَكَ وَبَرَكَتَكَ ، وَرِزْقَكَ وَرَحْمَتَكَ ، وَأَسْقِنَا سُقْيَا نَاقِعَةً مُرْوِيَةً (10)مُعْشِبَةً، تُنْبِتُ بِهَا مَا قَدْ فَاتَ، وَتُحْيِي بِهَا مَا قَدْ مَاتَ ، نَافِعَةَ الْحَيَا (11)، كَثِيرَةَ


1) استقال خطيئته : طلب الإقالة منها والرحمة.

2) بادر منيّته : سابَقَ الموت قبل أن يدهمه.

3) استقبل توبته: أى استأنفها وجدّدها.

4) السِّنين: جمع سَنَة، وهي الجذب والمحل والقحط، قال تعالى: «وَلَقَد أخذْنَا آلَ فِرْعَونَ بالسِّنين) [الأعراف: 130) .

5) المضابق الوَعرة -بالتسكين ولا يجوز التحريك : الصعبة.

6) أجاء تنا: ألجأتنا. والمقاحط المجدبة: السّنون الممحلة، جمع مَقْحَطَة.

7) تلاحمت: اتصلت.

8) واجمين: كاسفين حزينين، الواجِم: الذي اشتدّ حزنُه حتى أمسك عن الكلام.

9) لا تخاطبنا: أي لا تدعنا باسم المذنبين ولا تجعل فعلك بنا مناسباً لأعمالنا.

10) ناقعة مُرويةً : مسكنة للعطش.

11) الحياة: المطر والخِص۫ب.

الْمُجْتَنَى(1)، تُرْوِي بِهَا الْقِيعَانَ(2)، وَتُسِيلُ الْبُطْنَانَ(3)، وَتَسْتَوْرِقُ الْأَشْجَارَ (4)، وَتُرْخِصُ الْأَسْعَارَ : «إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ».

144 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

144 - ومن خطبة له عليه السلام (5)

فِي بِعْثَةِ الأَنْبِيَاءِ

بَعَثَ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ ، وَجَعَلَهُمْ حُجَّةٌ لَهُ عَلَى خَلْقِهِ ، لِئَلَّا تَجِبَ الحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الْإِعذَارِ إِلَيْهِمْ، فَدَعَاهُمْ بِلِسَانِ الصِّدْقِ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ.

أَلَا إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ كَشَفَ الْخَلْقَ كَشْفَةٌ(6)لَا أَنَّهُ جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ وَمَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ؛ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَهُمْ «أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» فَيَكُونَ الثَّوَابُ جَزَاءً ، وَالْعِقَابُ بَوَاءُ(7). أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخونَ فِي العِلْمِ دُونَنَا(8)، كَذِبَاً وَبَغْياً عَلَيْنَا، أَنْ رَفَعَنَا اللَّهُ وَوَضَعَهُمْ، وَأَعْطَانًا وَحَرَمَهُمْ، وَأَدْخَلَنَا وَأَخْرَجَهُمْ، بِنَا


1) كثيرة المجتنى: أي كثيرة الكلأُ، والكلأُ: الذي يجننى ويرعى.

2) القيعان: جمع قاعٍ: الأرض السهلة المطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والأكام.

3) البُطنان: جمع بطن، بمعنى ما انخفض من الأرض في ضيق.

4) تستورق الأشجار: تخرج أوراقها.

5) رواها الآمدي في (غرره) وبزيادة على رواية الرضي تدل أن للآمدي مصدراً غير (النهج).

6) كشف الخلق: علم حالهم في جميع أطوارهم.

7) والعِقاب بَوَاء: أى مكافأة، مصدر باء فلان بفلان: أي قتل به، والعقاب: القصاص.

8) «أين الذين زعموا...». هذا الكلام كناية وإشارة إلى قوم من الصحابة كانوا ينازعونه الفضل.

يُسْتَعْطَى الْهُدَى، وَيُسْتَجْلَى الْعَمَى .

إِنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ ، غُرِسُوا فِي هَذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِمٍ: لَا تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ، وَلَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ مِنْ غَيْرِهِمْ .

منها: أثَرُوا عَاجِلاً(1)، وَأَخَّرُوا آجِلاً ، وَتَرَكُوا صَافياً، وَشَرِبُوا آجِناً(2)، كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ وَقَدْ صَحِبَ الْمُنكَرَ فَأَلِفَهُ، وَبَسِئَ بِهِ وَوَافَقَهُ(3)، حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ(4)، وَصُبِغَتْ بِهِ خَلَائِقُهُ(5)، ثُمَّ أَقْبَلَ مُزْجِداً (6)كَالْتَيَّارِ(7)لَا يُبَالِي مَا غَرَّقَ، أَوْ كَوَقْع النَّارِ فِي الْهَشِيمِ(8)لَا يَحْفِلُ(9)مَا حَرَّقَ.

أَيْنَ الْعُقُولُ الْمُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحِ الْهُدَى، وَالْأَبْصَارُ الْلَّامِحَةُ (10)إِلَى مَنَارٍ التَّقْوَى! أَيْنَ الْقُلُوبُ الَّتِي وُهِبَتْ لِلَّهِ ، وَعُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ! أَزْدَحَمُوا عَلَى الْحُطَامِ(11)، وَتَشَاحُوا عَلَى الْحَرَامِ (12)وَرُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، فَصَرَفوا عَنِ


1) آثروا: اختاروا. وأخّروا: تركوا.

2) الأجن: الماء المتغير اللون والطعم.

3) بَسيء به: ألفه واستأنس به، وناقة بَسُوء: ألفت الحالب ولا تمنعه.

4) طال عهده به مُذ زمن الصّبا حتى صار شيخاً .

5) خلائقه: ملكاته الراسخة في نفسه، وصُبِغت به خلائقه: صارت طبعاً: لأنّ العادة طبيعة ثانية.

6) مزيد: أي ذو زَبَد، وهو ما يخرج من الفم كالرغوة، يضرب مثلاً للرجل الصائل المقتحم.

7) التيّار: معظم اللجّة، والمراد به هنا السّيل.

8) الهشيم: دقاق الحطب.

9) لا يَحْفِل: لا يبالي.

10) الأبصار اللامحة: الناظرة.

11) ازدَحُموا على الحُطام: استعار لفظ الحُطام لمقتنيات الدنيا، السرعة فنائها وفسادها.

12) تشاحُّوا: تضايقوا، كل منهم يريد ألّا يفوته ذلك، وأصله الشحّ، وهو البخل.

الْجَنَّةِ وُجُوهَهُمْ، وَأَقْبَلُوا إِلَى النَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ: وَدَعَاهُمْ رَبُّهُمْ فَنَفَروا وَوَلُّوا، وَدَعَاهُم الشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا وَأَقْبَلُوا !

145 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

145 - ومن كلام له عليه السلام (1)

فى شُؤُونِ الدُّنْيَا وَالنَّاسِ

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا غَرَضُ تَنْتَضِلُ فِيهِ الْمَنَايَا(2)، مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ، وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصْ (3)، لَا تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةً إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى، وَلا يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ، وَلَا تُجَدَّدُ لَهُ زِيَادَةٌ فِي أَكْلِهِ إِلَّا بِنْفَادِ مَا قَبْلَهَا مِنْ رِزْقِهِ، وَلَا يَحْيَا لَهُ أَثَرُ إِلَّا مَاتَ لَهُ أَثَرُ؛ وَلَا يَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدٌ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَخْلَقَ(4)لَهُ جَدِيدٌ؛ وَلَا تَقُومُ لَهُ نَابِتَةٌ إِلَّا وَتَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ(5).

وَقَدْ مَضَتْ أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا، فَمَا بَقَاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابٍ أَصْلِهِ !

منها: وَمَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إِلَّا تُرِكَ بِهَا سُنَّةُ(6)، فَاتَّقُوا البِدَعَ، وَالْزَمُوا الْمَهْيَعَ (7).


1) روى طرفاً من هذه الخطبة ابن شعبة في (تحف العقول)، والمفيد في (الإرشاد) ص 139.

2) الغَرَض: ما ينصب ليُرمى، وهو الهدف، و«تنتضل فيه المنايا» تترامى فيه للسَّبق.

3) الغَصص: مصدر غَصِصت يا فلان بالطعام، وروي: «عُصَص» جمع غُصّة، وهي الشجا.

4) يخ۫لَق: يَبْلى.

5) هذه إشارة إلى ذهاب الآباء عند حدوث أبنائهم في الأعمّ الأغلب.

6) البِد۫عة: كل ما أحِدث مما لم يكن على عهد رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، والمعنى: أنّ من السنّة ألّا تحدث البدعة، فوجود البدعة عدمٌ للسنة لا محالة.

7) المهيع: الطريق الواضح.

إِنَّ عَوَازِمَ الْأُمُورِ أَفْضَلُهَا(1)، وَإِنَّ مُحْدَثَاتِهَا شِرَارُهَا (2).

146 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

146 - ومن كلام له عليه السلام (3)

وَقَدِ اسْتَشَارَهُ عُمَرُ فِي الشُّخُوصِ لِقِتَالِ الْقُرْسِ بِنَفْسِهِ

إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ وَلَا خُذْلَانُهُ بِكَثْرَةٍ وَلَا بِقِلَّةٍ، وَهُوَ دِينُ اللهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ، وَجُنْدُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ وَأَمَدَّهُ، حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ ، وَطَلَعَ حَيْثُمَا طَلَعَ؛ وَنَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللهِ ، وَاللهُ مُنْجِزُ وَعْدَهُ، وَنَاصِرٌ جُنْدَهُ، وَمَكَانُ الْقَيِّمِ بِالْأَمْرِ (4)مَكَانُ لنّظامِ(5)مِنَ الْخَرَزِ، يَجْمَعُهُ وَيَضُمُّهُ ، فَإِنِ انْقَطَعَ النّظامُ تَفَرَّقَ وَذَهَبَ ، ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِهِ أَبَدا(6). وَالْعَرَبُ الْيَوْمَ وَإِنْ كَانُوا قَلِيلاً فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالْإِسْلَامِ.

عَزِيزُونَ بِالاجْتِمَاعِ ، فَكُنْ قُطْباً وَاسْتَدِرِ الرَّحَى بِالْعَرَبِ، وَأَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ، فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ (7)مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا


1) عوازم الأمور: ما تقادم منها، وكانت عليه ناشئة الدين، من قولهم: عجوز عو۫زم: أي مسنّة، فيها بقية شباب.

2) المحدّث: في مقابلة القديم.

3) رواه ابن أعثم في (الفتوح ) ج 2 ص 37، والدينوري في (الأخبار الطوال) ص 134 ، والطبري في (تأريخه) ج 4 ص 237 .

4) القيّم بالأمر: القائم به، يريد الخليفة.

5) النظام: السلك ينظم فيه الخرز.

6) بحذافيره: أي بأصله، والحذافير: جمع حِذفار، وهو أعلى الشيء وناحيته.

7) شخصت: خرجت.

وَأَقْطَارِهَا ، حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَ الْعَوْرَاتِ(1)أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ.

إِنَّ الْأَعَاجِمَ إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَداً يَقُولُوا: هَذَا أَصْلُ الْعَرَبِ، فَإِذَا اقْتَطَعْتُمُوهُ أَسْتَرَحْتُمْ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِمْ(2)عَلَيْكَ وَطَمَعِهِمْ فِيكَ .

فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ الْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ ، وَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَغْيِيرِ مَا يَكْرَهُ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ، فَإِنَّا لَمْ نكُنْ نُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالْكَثرَةِ، وَإِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ وَالْمَعُونَةِ .

147 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

147 - ومن خطبة له عليه السلام (3)

فِي الْغَايَةِ مِنْ بِعْثَةِ الرَّسُول

فَبَعثَ اللهُ مُحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ (4)، وَمِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ ، بِقُرْآن قَدْ بَيَّتَهُ وَأَحْكَمَهُ ، لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ، وَلِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ، وَلِيُنْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ، فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ(5)فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ، وَخَوَّفَهُمْ


1) العورات: الأحوال التي يخاف انتقاضها في ثَغ۫ر أو حرب.

2) الكَلَب: الشرّ والأذى.

3) رواها قبل الرّضي الكليني في ( روضة الكافي) ص 386 باختلاف يسير.

4) الأوثان: جمع وَثَنٌ، وهو الصَّنَم، وسمي وَثَناً لانتصابه وبقائه على حالٍ واحدة، من قولك: وَثِنَ فلان بالمكان فهو واثن، وهو الثابت الدائم.

5) تجلّى لهم سبحانه: ظهر لهم من غير أن يُرى بالبصر.

مِنْ سَطْوَتِهِ . وَكَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقِّ بِالْمَثْلَاتِ(1)، وَاحْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالتَّقِمَاتِ !

وَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ، وَلَا أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ، وَلَا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةُ أَبْوَرَ(2)مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ، وَلَا أَنْفَقَ مِنْهُ (3)إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ؛ وَلَا فِي الْبِلادِ شَيْءٍ أَنْكَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَلَا أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ ! فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتْهُ(4)، وَتَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ، فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وَأَهْلُهُ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ(5)، وَصَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ، فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ لَا يُؤْوِيهِمَا مُؤْوٍ(6)، فَالْكِتَابُ وَأَهْلُهُ فِي ذلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَلَيْسَا فِيهِمْ، وَمَعَهُمْ وَلَيْسَا مَعَهُمْ! لِأَنَّ الضَّلَالَةَ لَا تُوَافِقُ الْهُدَى وَإِنِ اجْتَمَعَا . فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ، وَافْتَرَقُوا عَنِ الْجَمَاعَةِ ، كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ ، وَلَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلَّا أَسْمُهُ، وَلَا يَعْرِفُونَ إِلَّا خَطَّهُ وَزَبْرَهُ(7)، وَمِنْ قَبْلُ مَا مَتَّلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُقْلَةٍ(8)جدَعَه : قَطَّعَ أنفَه، أو طرفاً من أطرافه. (9)، وَسَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى


1) المَثْلاث - بضم الثاء - : العقوبات.

2) أَبْوَر: أفسد، من بار الشيء، أي هلك. والسلعة: المتاع.

3) أنفق منه: أروج منه.

4) نبذ الكتاب: ألقاه.

5) يطردهما وينفيهما أهل الباطل وأعداء الكتاب.

6) لا يؤويهما: لا يضمّهما إليه، وينزلهما عنده.

7) الزَّبر: الكتابة، مصدر زبرتُ أزبُر بالضم، أي كتبت، والزِّبر بالكسر: الكتاب وجمعه زبور، والزَّبور ، بفتح الزاي: الكتاب المزبور.

8) مَثَّلوا - بالتشديد - : أي جدّعوهم

9) بعد قتلهم. ومَثّلوا بالصالحين - بالتخفيف - [كما أثبته ابن أبي الحديد في المتن] : نكَلُوا بهم. وما مصدرية. والاسم منه: المُث۫لة - بضم الميم-.

اللهِ فِرْيَةً(1)، وَجَعَلُوا فِي الْحَسَنَةِ عُقُوبَةَ السَّيِّئَةِ(2). وَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ، وَتَغَيُّبِ آجَالِهِمْ، حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ الْمَوْعُودُ(3)الَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ، وَتُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، وَتَحْلُّ مَعَهُ الْقَارِعَةُ(4)وَالنِّقْمَةُ. أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ مَنِ اسْتَنْصَحَ اللهَ وُفِّق(5)، وَمَنِ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلاً هُدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ(6)، فَإِنَّ جَارَ اللهِ آمِنُ، وَعَدُوَّهُ خَائِفٌ؛ وَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ، فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ، وَسَلَامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ. فَلَا تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ مِنَ الْأَجْرَبِ، وَأَلْبَارِي مِنْ ذِي السَّقَمِ(7). وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ، وَلَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ، وَلَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ. فَالْتَمِسُوا ذلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ(8)، فَإِنَّهُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ، وَمَوْتُ الْجَهْلِ . هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ ، وَصَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ، وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ ، لا يُخَالِفونَ الدِّينَ وَلَا يَخْتَلِفونَ فِيهِ؛ فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِق (9)، وَصَامِتٌ نَاطِقُ (10).


1) فِرية - بالكسر - : أي كذباً.

2) وروي: «وجعلوا في الحسنة العقوبة السيئة»، والرواية الأولى أحسن.

3) الموعود ههنا: الموت الذي لا يقبل فيه عذر ولا تفيد بعده توبة.

4) القارعة: الداهية المهلكة، والمصيبة تقرّع، أي تلقى بشدّة وقوة.

5) من استنصح الله: مَن أطاع أوامره.

6) التي هي أقوّم: يعني الحالة والخَلَّة التي اتّباعها أقوم.

7) الباري: المعافي من المرض. والسقم: المرض والعلّة.

8) «فالتمسوا ذلك عند أهله»، كناية عنه (علیه السّلام).

9) أي فالدين بينهم شاهد صادق يأخذون بحكمه، كما يؤخذ بحكم الشاهد الصادق.

10) صامت لأنّه لا ينطق بنفسه، بل لابد له من مترجم، فهو صامت في الصورة، وهو في المعنى أنطق الناطقين، لأنّ الأوامر والنواهي والآداب كلّها مبيّنة عليه، ومتفرّعة عليه.

148 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

148 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي ذِكْر أَهْلِ الْبَصْرَة

كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْجُو الأَمْرَ لَهُ، وَيَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ ، لَا يَمُتَّانِ إِلَى اللهِ بِحَبْلٍ (2)، وَلَا يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ (3). كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَامِلُ ضَبِّ لِصَاحِبِهِ (4)، وَعَمَّا قَلِيلِ يَكْشِفُ قِنَاعَهُ بِهِ. وَاللَّهِ لَئِنْ أَصَابُوا الَّذِي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هَذَا نَفْسَ هَذَا، وَلَيَأْتِيَنَّ هَذَا عَلَى هَذَا.

قَدْ قَامَتْ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فَأَيْنَ الْمُحْتَسِبُونَ (5)! قَدْ سُنَّتْ لَهُمُ السُّنَنُ، وَقُدِّمَ لَهُمُ الْخَبَرُ . وَلِكُلِّ ضَلَّةٍ عِلَّةٌ ، وَلِكُلِّ نَاكِبٍ شُبْهَةٌ .

وَاللهِ لَا أَكُونُ كَمُسْتَمِعِ اللَّدْمِ(6)، يَسْمَعُ النَّاعِيَ ، وَيَحْضُرُ الْبَاكِي ، ثُمَّ لَا يَعْتَبِرُ !


1) رواها قبل الرضي أبو مخنف في (كتاب الجمل ) ، ورواها المفيد في (الإرشاد) ص 142 .

2) الضمير لطلحة والزبير . وقوله لا يمُتان: أي لا يمدان.

3) السبب: الحبل أيضاً.

4) الضَّبَ : الحقد.

5) المحتسبون: الذين يجاهدون حسبة لله، أي طلباً للحِسبة، وهي الأجر.

6) اللدم: الضرب على الصدر والوجه عند النياحة. ومستمع اللّدم: كناية عن الضبُع، تسمع وقع الحجر بياب جُحرها من الصائد فتنخذل وتكفّ جوارحها إليها حتى يدخل عليها فيربطها. يقول(علیه السّلام) : لا أكون مقرّاً بالضيم، أسمع الناعي المخير عن قتل عسكر الجمل لحكيم بن جبلة وأتباعه،فلا يكون عندي من الإنكار ذلك، إلّا أن أسمعه وأحضر الباكين على قتلاهم.

149 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

149 - ومن كلام له عليه السلام (1)

قَبْلَ مَوْتِهِ

أَيُّهَا النَّاسُ، كُلُّ أَمْرِيُّ لَاقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي فِرَارِهِ. وَالْأَجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ(2)، وَالْهَرَبُ منهُ مُوَافَاتُهُ. كَمْ طَرَدْتُ الأَيَّامَ (3)أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الْأَمْرِ، فَأَبَى اللهُ إِلَّا إِخْفَاءَهُ. هَيْهَاتَ! عِلْمُ مَخْزُونٌ !

أَمَّا وَصِيَّتِي، فَاللَّهَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً (4)، ومُحَمَّداً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَلَا تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ، أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ، وَأَوْقِدُوا هَذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ، وخَلَاكُمْ ذَمٌ (5)مَا لَمْ تَشْرُدُوا (6). حُمِّلَ كُلُّ امْرِى مِنْكُمْ مَجْهُودَهُ(7)، وَخُفِّفَ عَنِ الْجَهَلَةِ. رَبُّ


1) سيأتي الكلام على مصادر هذا الكلام في باب (الكتب) برقم 23.

2) والأجل مَسَاق النفس: أى الأمر الذى تساق إليه، تسوقها إليه أطوار الحياة حتى توافيه.

3) أطردت الرجل، إذا أمرت بطرده، فالإطراد أدَلّ على العِزّ من الطرد، وكأنّه(علیه السّلام) جعل الأيام أشخاصاً يأمر بإخراجهم وإبعادهم عنه، أي ما زِلْتُ أبحث عنه كيفية قتلي، وفي أيّ وقت، وفي أيّ أرض، يوماً يوماً، فإذا لم أجده فى اليوم أطردته واستقبلت غده، هكذا حتى وقع المقدور.

4) «فالله لا تشركوا به شيئاً» الرواية المشهورة «فاللهَ» بالنصب، وكذلك «محمداً» بتقدير فعل، لأنّ الوصية تستدعي الفعل بعدها، أي وحدوا اللهَ، وقد روي بالرفع [كما في نسخة عبده]، وهو جائز على المبتدأ والخبر.

5) خَلَاكم ذمٌ: كلمة جارية مجرى المثل، معناها: ولا ذمّ عليكم، فقد أعذر تم وبرئتم من الذم.

6) ما لم تشردوا: أي ما لم ترجعوا عن ذلك وتنفروا وتميلوا عن الحق.

7) [في نسخة عبده]: «حَمّل كل امرئ...». هذا وما بعده ماض قصد به الأمر.

رَحِيمٌ، وَدِينٌ قَوِيمٌ، وَإِمَامٌ عَلِيمٌ (1).

أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ، وَأَنَا الْيَومَ عِبْرَةٌ لَكُمْ، وغَداً مُفَارِقُكُمْ! غَفَرَ اللهُ لِيَ وَلَكُمْ! إِنْ تَثْبُتِ الْوَطَّأَةُ فِي هَذِهِ الْمَزَلَّةِ فَذَاكَ (2)، وَإِنْ تَدْحَضِ الْقَدَمُ(3)، فَإِنَّا كُنَّا فِي أَفْيَاءِ أَغْصَانٍ(4)، وَمَهَبٌ رِيَاحٍ ، وَتَحْتَ ظِلٍّ غَمَامٍ ، أَضْمَحَلَّ(5)فِي الْجَوِّ مُتَلَفْتُهَا(6). وَعَفَا فِي الْأَرْضِ مَخَطُهَا(7). وَإِنَّمَا كُنْتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً ، وَسَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثّةً خَلَاءٍ(8)، سَاكِنَةً بَعْدَ حَرَاكٍ، وَصَامِتَةً بَعْدَ نُطْقِ، لِيَعِظُكُمْ هُدُوّي (9)، وَخُفُوتُ إِطْرَاقِي (10)، وَسُكُونُ أَطْرَافِي، فَإِنَّهُ أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ الْمَنْطِقِ الْبَلِيعَ ، وَالْقَوْلِ الْمَسْمُوعِ. وَدَاعِي لَكُمْ وَدَاعُ أَمْرِيُّ مُرْصِدٍ (11)لِلتَّلاقِي (12)غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي ، وَيُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي، وَتَعْرِفُونَنِي بَعْدَ خُلُوِّ مَكَانِي ، وَقِيَامٍ غَيْرِي مَقَامِي.


1) ديِنٌ قويم: أي مستقيم، وإمامُ عليم، يعني رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .

2) قوله: «إن تثبت» يريد بثبات الوطأة معافاته من جراحه. والمزلة: محل الزلل.

3) دحضت القدم: زلّت وزَلَقت.

4) الأفياء: جمع فيء، وهو الظل ينسخ ضوء الشمس عن بعض الأمكنة.

5) اضمحلّ: ذهب، والميم زائدة، ومنه الضَّحْل وهو الماء القليل.

6) متلفّقها: مجتمعها، المنضم بعضه على بعض، أي ما اجتمع من الغيوم في الجو.

7) عفا: اندرس وذهب ومخطّها أثرها، كالخطة، مكان ما خطت في الأرض. وضمير مخطها للرياح، يريد أنّه كان في حال شأنها الزوال فزالت وما هو بالعجيب.

8) جثه خلاء: خالية من الروح.

9) ليعظكم هُدُوّي: أي سكوني.

10) «خفوت إطراقي» خَفَتَ: سَكَنَ، والخفوت: السكون، وإطراقه: إرخاؤه عينيه ينظر إلى الأرض، لضعفه عن رفع حاجبيه، وأطرافه، يداه ورجلاه ورأسه (علیه السّلام).

11) مُرْصد : - اسم فاعل من «أرصد» - ، أي مُن۫تَظِر.

12) التلاقي ههنا: لقاء الله . ویروی: «ودَاعيكم» أي وداعي إياكم.

150 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

150 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

وَيُومِيُّ فِيهَا إلَى الْمَلاحِم

وَأَخَذُوا يَميِناً وَشِمَالاً(2)ظَعْناً فِي مَسَالِكِ الْغَيِّ، وَتَرْكاً لِمَذَاهِبِ الرُّشْدِ، فَلَا تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائِنٌ مُرْصَدٌ، وَلَا تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِيءُ بِهِ الْغَدُ، فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِلٍ بِمَا إِنْ أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ. وَمَا أَقْرَبَ الْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ غَدٍ (3)! يَا قَوْمِ، هَذَا إِيَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ(4)، وَدُنُو مِنْ طَلْعَةِ مَا لَا تَعْرِفُونَ(5). أَلَا وَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاج مُنِيرٍ(6)، وَيَحْذُو فِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ، لِيَحُلَّ فِيهَا رِبقاً(7)، وَيُعْتِقَ فِيهَا رِقّاً، وَيَصْدَعَ شَعْباً (8)، وَيَشْعَبَ صَدْعاً(9)، فِي سُتْرَةٍ عَنِ النَّاسِ(10)يذهب الإماميه إلى أن الإمام المهدي حيُّ يرزق الآن، ولكنه غائب مستتر يظهر في آخر الزمان. (11)،


1) رواها الطبري في (المسترشد) ص 74 .

2) يذكر قوماً من فرق الضلال أخذوا يميناً وشمالاً، أي ظلّوا عن الطريق الوسطى، وهي الكتاب والسنة.

3) تباشيره: أوائله.

4) أي دنا وقت القيامة وظهور الفتن التي تظهر أمامها، وإبّان الشيء: وقتُه وزمانُه، والدنو: القرب.

5) لأنّ تلك الملاحم غير معهود مثلُها، نحو دابّة الأرض، والدجّال، وواقعة السفياني.

6) وهو المهديّ من آل محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وأتّباع الكتاب والسنة.

7) ليَحُلَّ فيها: أي في هذه الفتن، ربِقاً: أي حبلاً معقوداً، والربق: حبل فيه عدة عرى كلّ عروة رُبقة - بفتح الراء - تشدّ فيه البهم. ويعتق رِقّاً، أي يستفِك أسُرى.

8) يصدَع شَعباً: أي يفرق جماعة من جماعات الضلال.

9) يشعَبُ صَدْعاً: يجمع ما تفرّق من كلمة أهل الهدى والإيمان.

10) «في سُتْرة عن الناس» هذا الكلام يدلّ على استتار هذا الإنسان المشار إليه، وليس ذلك بنافع للإمامية على مذهبهم

11) ، فمن الجائز أن يخلق الله هذا الإمام في آخر الزمان، ويكون مستتراً مدة، ثم يظهر بعد ذلك الاستتار.

لَا يُبْصِرُ الْقَائِفُ(1)أَثَرَهُ وَلَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ. ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَيْنِ النَّصْل(2). تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ(3)، وَيُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ، وَيُعْبَقُونَ كَأسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوح (4)الغبوق في الأصل: شراب المساء. والصبوح: شراب الصباح. (5).

مِنْهَا(6): وَطَالَ الْأَمَدُ بِهِمْ (7)لِيَسْتَكْمِلُوا الخِزْيَ، وَيَسْتَوْجِبُوا الغِيَرَ (8)، حَتَّى إِذَا اخْلَوْلَقَ الْأَجَلُ(9)، وَاسْتَرَاحَ قَوْمٌ إِلَى الْفِتَنِ(10)، وَأَشَالُوا عَنْ لَقَاحِ


1) أي هو في استتار شديد لا يدركه القائف، وهو الذي يعرف الآثار فيتبعها.

2) أي لَيْحَرَضْنّ في هذه الملاحم قومٌ على الحرب وقتل أهل الضلال. ويشحذن من «شحذ السكين» أي حددها. والقّب۫ن: الحداد، والنّضل: حديدة السيف والسكين ونحوها.

3) «تُجلى بالتنزيل أبصارهم» يعودون إلى القرآن وتدبّره فينكشف الغطاء عن أبصارهم وتخلقَ المعارف في قلوبهم، فينهضون إلى الحق كما نهض أهل القرآن عند نزوله.

4) أي لا تزال المعارف الإلهية تفيض عليهم صباحاً ومساء، ويُشقّون كأس الحكمة بالمساء بعد ما شربوه بالصباح، فالغبوق كناية عن الفيض في الأصال، والصبوح عن الفيض في الغدوات

5) .والمراد أنّها تفاض عليهم الحكم الإلهية فى حركاتهم وسكونهم وسرّهم وإعلانهم.

6) هذا الكلام يتصل بكلام قبله لم يذكره الرضيّ(رضی الله عنه) ، وهو وصف لفئة ضالة قد استولت ومَلَكَت، وأملى لها الله سبحانه.

7) قوله وطال ... انتقال الحكاية أهل الجاهلية، وطول الأمد فيها ليزيد الله لهم في العقوبة.

8) الغَيّر: أحداث الدهر ونوائبه.

9) أي قارب أمرُهم الانقضاءَ، من قولهم «أخلولق السحاب» أي استوى، وصار خليقاً أن يمطر.

10) أي صبا قومٌ من شيعتنا وأوليائنا إلى هذه الفتنة.

حَرْبِهِمْ(1)لَمْ يَمُنُّوا عَلَى اللَّهِ بِالصَّبْرِ (2)، وَلَمْ يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي الْحَقِّ؛ حَتَّى إِذَا وَافَقَ وَارِدُ الْقَضَاءِ انْقِطَاعَ مُدَّةِ الْبَلَاءِ، حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْيَافِهِمْ (3). وَدَانُوا لِرَبِّهِمْ بِأَمْرِ وَاعِظِهِمْ؛ حَتَّى إِذَا قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الْأَعْقَابِ. وَغَالَتْهُمُ السُّبُلُ(4)، وَاتَّكَلُوا عَلَى الْوَلَائِجِ (5)، وَوَصَلُّوا غَيْرَ الرَّحِمِ(6)، وَهَجَرُوا السَّبَبَ الَّذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ(7)، وَنَقَلُوا الْبِنَاءَ عَنْ رَبِّ أَسَاسِهِ، فَبَتَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعه (8).

مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَأَبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ فِي غَمْرَةٍ(9). قَدْ مَارُوا فِي


1) أشالت الناقة ذنبها: رفعته، أي رفعوا أيديهم وسيوفهم عن أن يشبّوا الحرب بينهم وبين هذه الفئة، مهادنةً لها وسلماً وكراهية للقتال، أو رفعوا أيديهم بسيوفهم ليلقحوا حروبهم على غيرهم، أي يسعروها عليهم، ولقاح حربهم: مصدر من لقحت الناقة.

2) الضمير في «يمنُّوا» راجع إلى العارفين الذين تقدم ذكرهم في الفصل السابق أو للمؤمنين المفهومين من سياق الخطاب، والجملة جواب إذا.

3) من ألطف أنواع التمثيل، يريد أشهروا عقيدتهم داعين إليها غيرهم.

4) غالتهم السُّبُل: أهلَكَهُم اختلاف الآراءِ والأهواء، والسُّبُلُ: الطرق.

5) الولائج جمع وَليجة، وهي البِطانة يتخذها الإنسان لنفسه، والمراد: دخائل المكر والخديعة.

6) أى غير رحم رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).

7) «وهجروا السبب» يعني أهل البيت وهذه إشارة الى قول النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «خَلَفَتُ فيكم الثَّقلين: كتاب الله وعِترتي أهل بيتي، حبلان ممدودان من السماء إلى الأرض لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض، فعبّر أميرالمؤمنين عن أهل البيت بلفظ «السبب» لمّا كان النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال: «حَبْلان» والسبب في اللغة: الحبل. وعنى بقوله: «أمِروا بمودّته» قول الله تعالى: «قُلْ لا أَسْأَلُكُم عَلَيْهِ أجراً إِلَّا المَودَةَ في القُربى» (الشورى: (23).

8) أي نقلوا الأمر من أهله إلى غير أهله.

9) الغمرة: الضلال والجهل، والغمرة: الشدة والمزدحم، يريد مزدحم الفتن. والضارب فيها: الداخل المعتقد فيها.

الْحَيْرَةِ(1)، وَذَهَلُوا فِي السَّكْرَةِ، عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ(2): مِنْ مُنْقَطِع إِلَى الدُّنْيَا رَاكِنٍ(3)، أَوْ مُفَارِقٍ لِلدِّينِ مُبَايِنٍ.

151 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

151 - ومن خطبة له عليه السلام (4)

فِي التَّحْذِيرِ مِنَ الْفِتَنِ

وَأَحْمَدُ اللهَ وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى مَدَاحِرِ الشَّيْطَانِ وَمَزَاجِرِهِ(5)، وَالِاعْتِصَامِ مِنْ حَبَائِلِهِ وَمَخَاتِلِهِ(6)وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وَتَجِيبُهُ وَصَفْوَتُهُ. لَا يُؤَازَى فَضْلُهُ(7)، وَلَا يُجْبَرُ فَقْدُهُ، أَضَاءَتْ بِهِ الْبِلادُ بَعْدَ الصَّلَالَةِ الْمُظْلِمَةِ ، وَالْجَهَالَةِ الْغَالِبَةِ، وَالْجَفْوَةِ الْجَافِيَةِ (8)وَالنَّاسُ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيمَ، وَيَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيمَ(9)؛ يَحْيَوْنَ عَلَى فَتْرَةٍ(10)، وَيَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَةٍ !


1) ماروا: تحرّكوا واضطربوا، من مار: ذهب وجاء، فكأنّهم يسبحون في الحيرة كالسابح في الماء.

2) أي على طريقه آل فرعون، وهم أتباعه.

3) منقطع إلى الدنيا: لا همّ له غيرها وراكن: مخلّد إليها.

4) استشهد السيد اليماني في (الطراز) ج 1 ص 334 بفقرات منها .

5) الدّح۫ر - بالفتح - : الطرد، والمداجر والمزاجِر: ما بها يُذخر ويُرْجَر، وهي الأعمال الفاضلة.

6) حبائل الشيطان: مكائده وأشراكه التي يُضِلَّ بها البشر. ومخاتله: الأمور التي يختِل۫ بها ويخدع.

7) لا يؤازى فضله : أى لا يساوَى آزيت فلاناً، حاذيته، ولا يجوز «وازيته».

8) الجفوة الجافية: غِلَظ الطّبع وبلادة الفهم.

9) يستذلّون الحكيم: يستضيمون العقلاء.

10) على فترة: على انقطاع الوحي ما بين نبوّتين، وخلوَّ من الشرائع الإلهية لا يعرفون منها شيئاً لعدم الرسول المبلغ، ثم يغيرون ويبدّلون ويتّخذون الأصنام آلهة والأهواء شريعة فيموتون كفاراً.

ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ (1)أَغْرَاضُ(2)بَلَايَا قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ (3)، وَأَحْذَرُوا بَوَائِقَ النِّقْمَةِ(4)، وَتَثَبَّتُوا فِي قَتَامِ الْعِشْرَةِ (5)، وَأَعْرِجَاج الْفِتْنَةِ(6)، عِنْدَ طُلُوعِ جَنينِهَا ، وَظُهُورٍ كَمِينِهَا ، وَانْتِصَابِ قُطْبِهَا، وَمَدَارٍ رَحَاهَا(7). تَبْدَأَ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ ، وَتَزُولُ إِلَى فَطَاعَةٍ جَلِيَّةٍ ، شَبَابُهَا كَشَبَابِ الْغُلَامِ(8)، وَآثَارُهَا كَآثَارِ السَّلَامِ(9)، يَتَوَارَتُهَا الظُّلَمَةُ بِالْعُهُودِ! أَوَّلُهُمْ قَائِدُ لِآخِرِهِمْ، وَآخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ؛ يَتَنَافَسُونَ فِي دُنْيَا دَنِيَّةٍ ، وَيَتَكَالَبُونَ عَلَى جِيفَةٍ مُرِيحَةٍ (10)، وَعَنْ قَلِيلٍ يَتَبَرَّاْ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ، وَالْقَائِدُ مِنَ الْمَقُودِ، فَيَتَزَايَلُونَ(11)بِالْبَغْضَاءِ، وَيَتَلَاعَنُونَ عِنْدَ اللّقَاءِ . ثمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ طَالِعُ الْفِتْنَةِ الرَّجُوفِ (12)

وسمّى الفتنةَ «رَجوفاً»، لشدّة الاضطراب فيها.

، وَالْقَاصِمَةِ الزَّحُوفِ (13)، فَتَزِيعُ

1) ویروى: «ثم إنّكم معشر الناس».

2) الأغراض: الأهداف.

3) سكرات النعمة: ما تحدثه النَّعم عند أربابها من الغفلة المشابهة للسُّكر.

4) البوائق: جمع بائقة، وهي الداهية.

5) القَتَام: الغبار والعشوة - بالضم ويكسر ويفتح - ركوب الأمر على غير بيان ووضوح.

6) اعوجاج الفتنة: أخذها في غَيْر القصد، وعدولها عن المنهج.

7) كنّى عن استحكام الفتنة بقوله: «وانتصاب قطبها، ومدار رحاها».

8) شباب كل شيء: أوله، أي بداياتها في عنفوان وشدّة كشباب الغلام وفتوته.

9) السَّلام - بكسر السين - : الحجارة وآثارها في الأبدان: الرضُ والحطم.

10) جيفة مُريحة: منتنة، أراحت: ظهر ريحُها، وأراح اللحم: أنتن، ويجوز أن تكون من أراحَ البعير : أى مات.

11) يتزايلون: يتفرّقون.

12) طالعها: مقدماتها، والرجوف: شديدة الرجفان والاضطراب، أو شديد إرجافها وزلزالها للناس.

13) القاصمة: الكاسرة، والزحوف: الشديدة ،الزحف وسماها زحوفاً تشبيهاً بمشي الدُّبى الذي يهلك الزروع ويُبيدها.

قُلُوبُ بَعْدَ اسْتِقَامَةٍ ، وَتَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلَامَةٍ، وَتَخْتَلِفُ الأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا ، وَتَلْتَبِسُ الْآرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا(1). مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ (2)، وَمَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ؛ يَتكَادَمُونَ فِيهَا تَكَادُمَ الْحُمُرِ فِي الْعَانَةِ (3)قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ، وَعَمِيَ وَجْهُ الْأَمْرِ. تَغِيضُ فِيهَا الْحِكْمَةُ(4)، وَتَنْطِقُ فِيهَا الظَّلَمَةُ، وَتَدقُ أَهْلَ الْبَدْوِ بِمِسْحَلِهَا(5)، وَتَرْضُهُمْ بِكَلْكَلِهَا(6)! يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا الْوُحْدَانُ(7)، وَيَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ، تَرِدُ بِمُرِّ الْقَضَاءِ(8)، وَتَحْلُبُ عَبِيطَ الدِّمَاءِ(9)، وَتَثِلِمُ مَنَارَ الدِّينِ (10)، وَتَنْقُضُ عَقْدَ الْيَقِينِ. يَهْرُبُ مِنْهَا الْأَكْيَاسُ (11)، وَيُدَبِّرُهَا الْأَرْجَاسُ (12). مِرْعَادُ


1) نجومها: ظهورها، مصدر نَجَم الشرّ إذا ظهر.

2) مَن أشرف لها: مَن صادفها وقابلها.

3) يتكادمون: بعضٌ بعضهم بعضاً، والتكادُم: التعاض بأدنى الفم، كما يكدم الحمار. والعانة: القطيع من حُمر الوحش، والجمع عُون.

4) تغيض: تنقص وتغور .

5) المِسْحَل: المبرد أو المنحت، والمراد بالدق: التفتيت.

6) الكلكل: الصدر، وترضَهم تدقُّهم دقّاً جريشاً. والرض: التهشيم.

7) الوحدان: جمع واحد، أي المتفردون أى مَنْ كان يسير وحده فإنّه يهلك فى غبارها، وأمّا إذا كانوا جماعة فإنّهم يضلّون. ويجوز أن يكون الوحدان جمع أوحد، يقال: فلان أوحد زمانه، والمعنى: يضل في هذه الفتنة فضلاء عصرها وعلماء عهدها، لغموض الشبهة.

8) ترِدُّ بمُرّ القضاء: أي بالهلاك والاستئصال.

9) عبيط الدماء: الطريّ الخالص منها، وهو كناية عن الحرب.

10) تثلِمُ منارُ الدين: تكسره. وأصله من «ثلم الإناء والسيف أو نحوه»: كسر حرفه، ومنار الدين: أعلامه، وهم علماؤه. وثَلمها: قتل العلماء وهدم قواعد الدين.

11) الأكياس: العقلاء، جمع كَیَس: الحاذق العاقل.

12) الأرجاس: جمع رجس، وهو القذر والنجس، والمراد الفاسقون والأشرار.

مِبْرَاقٌ(1)، كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقٍ (2)، تُقْطَعُ فِيهَا الْأَرْحَامُ، وَيُفَارَقُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ! بَرِيئُهَا سَقِيمُ، وَظَاعِنُهَا مُقِيمٌ (3)!

منها: بَيْنَ قَتِيلٍ مَطْلُولٍ(4)، وَخَائِفِ مُسْتَجِيرٍ، يَخْتِلُونَ بِعَقْدِ الأَيْمَانِ(5)، وَبِغُرُورٍ الْإِيمَانِ : فَلَا تَكُونُوا أَنْصَابَ الْفِتَنِ(6)، وَأَعْلَامَ الْبِدَعِ ؛ وَالْزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ الْجَمَاعَةِ، وَبُنِيَتْ عَلَيْهِ أَرْكَانُ الطَّاعَةِ ؛ وَأَقْدَمُوا عَلَى اللهِ مَظْلُومِينَ، وَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ ؛ وَاتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ(7)، وَمَهَابِطَ الْعُدْوَانِ(8)، وَلَا تُدْخِلوا بُطُونَكُمْ لَعَقَ الْحَرَامِ(9)، فَإِنَّكُمْ بِعَيْنِ مَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَعْصِيَةَ(10)، وَسَهَّلَ لَكُمْ سُبُلَ الطَّاعَة .


1) مِرعاد مبراق: أي ذات وعيد وتهدّد.

2) عن ساقٍ: عن شدّة ومشقة.

3) ما يفارق الإنسان من شرّها كأنّه غير مفارق له.

4) طللت دمه: هدرته، ومطلول: أى مُهدّر لا يُطلب به.

5) يَخْتِلُون: يخدعون بالأيمان التي يعقدونها، وبالإيمان الذي يظهرونه، وعلى رواية يُخْتَلُون [كما في نسخة ابن المؤدب وعبده] : أي يخدعهم الظالمون بحلف الأيمان، ويغرونهم بظاهر الإيمان وأنّهم مؤمنون مثلهم.

6) أي لا تكونوا ممّن يُشار إليكم في البدع كما يشار إلى الأعلام المبنية القائمة، والأنصاب كل ما نصب ليقصد.

7) مدارج الشيطان: جمع مَدْرَجة، وهي السبيل التي يدرجها فيها.

8) مهابط العدوان: محالّهُ التي يهبط فيها.

9) لُعَق الحرام: جمع لُعقةٍ ، بالضمّ ، وهي اسم لما تأخذه الملعقة، واللَّعفة: المرّة الواحدة.

10) إنّكم بعين .... أي أنّه يراكم، يقال: أنت بعين فلان، أي أنت بمرأى منه، وهذا من باب الاستعارة؛ قال تعالى: «وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي » [طه: 39].

152 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

152 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي صِفَاتِ اللهِ وَصِفَاتِ أَئِمَّةِ الدِّين

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ، وَبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّهِ ، وَبِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لَا شَبَهَ لَهُ، لَا تَسْتَلِمُهُ الْمَشَاعِرُ (2)، وَلَا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ ، لافْتِرَاقِ الصَّائِعِ وَالْمَصْنُوعِ ، وَالْحَادٌ وَالْمَحْدُودِ، وَالرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ الْأَحَدِ بِلَا تَأْوِيلِ عَدَدٍ، وَالْخَالِقِ لَا بِمَعْنَى حَرَكَةٍ وَنَصَبٍ(3)، وَالسَّمِيعِ لَا بِأَدَاةٍ(4)، وَالْبَصِيرِ لَا بِتَفْرِيقِ آلَةٍ(5)، وَالشَّاهِدِ لَا بِمُمَاسَّةٍ ، وَأَلْبَائِنِ لَا بِتَرَاخِي مَسَافَةٍ(6)، وَالظَّاهِرِ لَا برُؤْيَةٍ، وَالْبَاطِنِ لَا بِلَطَافَةٍ. بَانَ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْقَهْرِ لَهَا، وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَبَانَتِ الْأَشْيَاءُ مِنْهُ بِالخُضُوع لَهُ، وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ . مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ(7)، ومَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ، وَمَنْ قَالَ: «كَيْفَ» فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ، وَمَنْ قَالَ: «أَيْنَ»، فَقَدْ حَيَّرَهُ. عَالِمٌ إِذْ لَا مَعْلُومٌ، وَرَبِّ إِذْ لَا مَرْبُوبٌ، وَقَادِرُ إِذْ لَا مَقْدُورٌ .


1) روى الكليني في (أصول الكافي ) ج 1: 139 فقرات عديدة منها، وذكرها الآمدي في (غرره): 232.

2) لا تستلمه المشاعر: أي لا تصل إليه الحواس.

3) النَصّب - محرّكة - : التعب.

4) الأداة: الآلة.

5) تفريق الآلة: تفريق الأجفان وفتح بعضها عن بعض.

6) البائن: المنفصل عن خلقه.

7) مَنْ وَصَفَهُ: أي من كيّفه بكيفيات المحدثين.

منها: قَدْ طَلَعَ طَالِعُ(1)، وَلَمَعَ لَائعٌ ، وَلَاحَ لَائِحٌ(2)، وَأَعْتَدَلَ مَائِلُ(3)، وَأَسْتَبْدَلَ اللهُ بِقَومٍ قَوْماً، وَبِيَوْمٍ يَوْماً ؛ وَأَنْتَظَرْنَا الْغِيَرَ(4)انْتِظَارَ الْمُجْدِبِ الْمَطَرَ(5). وَإِنَّمَا الْأَئِمَّةُ قُوَّامُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ(6)، وَعُرَفَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ(7)، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ عَرَفَهُمْ وَعَرَفُوهُ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَأَنْكَرُوهُ. إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَصَّكُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَاسْتَخْلَصَكُمْ لَهُ، وَذَلِكَ لأَنَّهُ اسْمُ سَلَامَةٍ، وَجِمَاعُ كَرَامَةٍ(8). أَصْطَفَى اللهُ تَعَالَى مَنْهَجَهُ، وَبَيَّنَ حُجَجَهُ، مِنْ ظَاهِرِ عِلْمٍ، وَبَاطِنِ حِكَمِ(9). لَا تَفْنَى غَرَائِبُهُ. وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ فِيهِ مَرَابِيعُ النِّعَمِ(10)، وَمَصَابِيحُ الظُّلَمِ، لَا تُفْتَحُ الْخَيْرَاتُ إِلَّا


1) هذه الخطبة خطب بها بعد قتل عثمان حين أفضت الخلافة إليه، وقد طلع طالع، يعني عَو۫د الخلافة إليه.

2) لاح: بدا.

3) «واعتدل مائل» إشارة إلى ما كانت الأمور عليه من الاعوجاج في أواخر أيام عثمان، واستبدل الله بعثمان عليّاً وشيعته، وبأيام ذاك أيام هذا.

4) الغِيّر - بكسر ففتح - : صروف الحوادث وتقلباتها، انتظرها لعلّما يقوم حق وينتكس باطل.

5) هذا الكلام يدلُ على أنّه قد كان يتربَص بعثمان الدوائر، ويرتقب حلول الخطوب بساحته، لِيَليَ الخلافة، ليس لحظُّ دنيويً يريد، فهو الذي طلّق الدنيا، بل ليقيم الدين الذي أمره الله بإقامته، ولا سبيل الى ذلك إلّا بولاية الخلافة. ويجوز أن يكون أراد انتظار خلعه وعزله عن الخلافة.

6) أي يقومون بمصالحهم، وقيّم المنزل: هو المدبّر له.

7) عرفاء: جمع عريِف، وهو النقيب والرئيس.

8) جِماعُ الشيء : مجمعه.

9) يعني بظاهر علم وباطن حِكَم، القرآن الذي مهما تأمله الإنسان استخرج منه بفكره غرائبَ وعجائبَ لم تكن عنده من قبل.

10) المرابيع: الأمطار التي تجيء في أول الربيع فتكون سبباً لظهور الكلأ، أو المكان ينبت نبته في أول الربيع، وكذلك تدبّر القرآن سبب للنعم الدينية وحصولها.

بِمَفَاتِيحِهِ ، وَلَا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلَّا بِمَصَابِيحِهِ ، قَدْ أَحْمَى حِمَاهُ(1)، وَأَرْعَى مَرْعَاهُ. فِيهِ شِفَاءُ الْمُشْتَفِي، وَكِفَايَةُ الْمُكْتَفِي .

153 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

153 - ومن خطبة له عليه السلام (2)

فِي صِفَةِ الضَّالِّ

وَهُوَ فِي مُهْلَةٍ مِنَ اللَّهِ يَهْوِي مَعَ الْغَافِلِينَ (3)، وَيَعْدُو مَعَ الْمُذْنِبِينَ، بِلَا سَبِيلٍ قَاصِدٍ (4)، وَلَا إِمَامٍ قَائِدِ(5).

منها: حَتَّى إِذَا كَشَفَ(6)لَهُمْ عَنْ جَزَاءِ مَعْصِيَتِهِمْ، وَأَسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلَابِيبِ غَفْلَتِهِمْ، أَسْتَقْبَلُوا مُدْبِراً(7)، وَاسْتَدْبَرُوا مُقْبِلاً (8)، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا أَدْرَكُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ، وَلَا بِمَا قَضَوْا مِنْ وَطَرِهِمْ .


1) «قد أحمي حماه، وأرعى مرعاه» الضمير يرجع إلى الله تعالى، أي قد أحمى الله حماه، من «أحْمَى المكان»: جعله حمى لا يقرب، والمراد: أعزّ الله الإسلام ومنعه من الأعداء، ومن دخل فيه وصار من أهله متّعه الله بخيراته وأباحه رعى ما تنبته أرضه الطيبة من الفوائد.

2) رواها ابن شعبه في (تحف العقول) ص 108 ، والكلينى في (الكافي ) ج 5 ص 82.

3) قوله: «وهو في مهلة» كلام في ضال غير معين، ويهوي: يسقط.

4) السبيل القاصد: الطريق المؤدية إلى المطلوب.

5) يُطلق لفظة الإمام على الخليفة، أو الأستاذ أو الدين، أو الكتاب.

6) فاعل «کشف» هو الله تعالى.

7) قال: «استقبلوا مدبراً» أي استقبلوا أمراً كان في ظنهم مدبراً عنهم، وهو الشفاء والعذاب.

8) «واستدبروا مقبلاً» تركوا وراء ظهورهم ما كانوا خُوَلُوه من الأولاد والأموال والنعم.

وَإِنِّي أُحَذِّرُكُمْ، وَنَفْسِي(1)، هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ، فَلْيَنْتَفَع أَمْرُقُ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ ، وَنَظَرَ فَأَبْصَرَ ، وَانْتَفَعَ بِالْعِبَر ، ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً واضحاً يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي الْمَهَاوِي (2)، وَالضَّلَالَ فِي الْمَغَاوِي (3)، وَلَا يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ الْغُوَاةَ بِتَعَسُّفٍ فِي حَقٌّ، أَوْ تَحْرِيفٍ فِي نُطْقٍ، أَوْ تَخَوُّفٍ مِنْ صِدْقٍ.

فَأَفِق أَيُّهَا السَّامِعُ مِنْ سَكْرَتِكَ، وَاسْتَيْقِظُ مِنْ غَفْلَتِكَ، وَأَخْتَصِرْ مِنْ عَجَلَتِكَ (4)، وأَنْعِمِ الْفِكْرَ(5)فِيمَا جَاءَكَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ(6)- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - مِمَّا لابدَّ مِنْهُ، وَلَا مَحِيصَ عَنْهُ ؛ وَخَالِفْ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ، وَدَعْهُ وَمَا رَضِيَ لِنَفْسِهِ ؛ وَضَعْ فَخْرَكَ ، وَأحْطُطُ كِبْرَكَ ، وَاذْكُرْ قَبْرَكَ ، فَإِنَّ عَلَيْهِ مَمَرَّكَ ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ، وَكَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ، وَمَا قَدَّمْتَ الْيَوْمَ تَقْدَمُ عَلَيْهِ غَداً، فَأَمْهَدْ لِقَدَمِكَ(7)، وَقَدَّمْ لِيَوْمِكَ. فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ! وَالْجِدَّ الْجِدَّ أَيُّهَا الْغَافِلُ، «وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ» إِنَّ مِنْ عَزَائِمِ اللهِ فِي الذِّكْرِ الْحَكيم، ألَّتِي عَلَيْهَا يُثيبُ وَيُعَاقِبُ (8). وَلَهَا يَرْضَى وَيَسْخَطُ، أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ عَبْداً - وَإِنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ، وَأَخْلَصَ فِعْلَهُ - أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا لَا قِياً رَبَّهُ بِخَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا : أَنْ يُشْرِكَ بِاللهِ


1) جعل نفسه شريكة لهم في هذا التحذير، ليكونوا إلى الانقياد له أقرب، وعن الإباء والنفرة أبعد.

2) المهاوي: جمع مَهواة، وهي الهوّة التي يتردّى فيها.

3) المغاوي: جمع مَغواة، وهي الشبهة التي يُغوّى بها الناس، أي یضلّون، ويذهب معها الإنسان إلى ما يخالف الحق.

4) أي لا تكن عجلتك كثيرة، فإذا كانت لك فلتكن شيئاً يسيراً.

5) أنعم الفكر ،دقّق مِن «أنعمت سَحْقَ الحجر»، وقيل: إنّه مقلوب «أمعن».

6) النبي الأميّ: إمّا الذي لا يُحسن الكتابة، أو المنسوب إلى أمّ القرى، وهي مكة.

7) مَهَدَ: بَسَط فامهد: أي سوّ ووَطأ.

8) عزائم الله: هي موجباته، والأمر المقطوع عليه.

فِيمَا أَفْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِهِ ، أَوْ يَشْفِيَ غَيْظَهُ بِهَلَاكِ نَفْسٍ، أَوْ يُعِرَّ بِأَمْرٍ فَعَلَهُ غَيْرُهُ(1)

[وفي نسخة عبده: يُقرَّا.

، أَوْ يَسْتَنْجِحَ حَاجَةً إِلَى النَّاسِ بِإِظْهَارِ بِدْعَةٍ فِي دِينِهِ (2)، أَوْ يَلْقَى النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ، أَوْ يَمْشِي فِيهِمْ بِلِسَانَيْنِ . أَعْقِلْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمِثْلَ دَلِيلٌ عَلَى شِبْهِهِ (3).

إِنَّ الْبَهَائِمَ هَمُّهَا بُطُونُهَا، وَإِنَّ السَّبَاعَ هَتُهَا الْعُدْوَانُ عَلَى غَيْرِهَا ، وَإِنَّ النِّسَاءَ هَمُّهُنَّ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْفَسَادُ فِيهَا: إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَكِينُونَ(4). إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُشْفِقُونَ. إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ خَائِفُونَ.

154 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

154 - ومن خطبة له عليه السلام (5)

فِي فَضَائِلِ أَهْلِ الْبَيْتِ

وَنَاظِرُ قَلْبِ اللَّبِيبِ بِهِ يُبْصِرُ أَمَدَهُ(6)، وَيَعْرِفُ غَوْرَهُ(7)وَنَجْدَهُ (8). دَاعٍ دَعَا (9)،


1) عرّه بكذا يُعرّه عراً، أي عابه ولطّخه، أو يروم بلوغ حاجةٍ من أحد بإظهار بدعة في الدين.

2) يستنجح: أي يطلب نجاح حاجته من الناس بالابتداع في الدين.

3) رَمَز بباطن هذا الكلام إلى الرؤساء يوم الجمل. وروى «المَثَل» واحد الأمثال.

4) مستكينون: خاضعون الله عز وجل، استكان الرجلُ، أي خَضَع وذلّ.

5) روى السيد اليماني في (الطراز) ج 1 ص 217 بعض هذه الخطبة، والآمدي في (الغرر) ص 324 و 331.

6) ناظِرُ القلب: استعارة من ناظر العين، وهو النقطة السوداء منها، والمراد بصيرة القلب بها يدرك اللبيب أمده، أي غايته ومنتهاه.

7) الغَو۫ر: ما انخفض من الأرض، أي يدرك باطن أمره وظاهره.

8) النَّجد: المرتفع من الأرض، ومنه قولهم للعالم بالأمور: «طلّاع أنجُد».

9) موضع «داعٍ» الرفع، لأنّه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: «في الوجود داع دعا، وراع رعى».

وَرَاعٍ رَعَى ، فَأَسْتَجِيبُوا لِلدَّاعِي، وَأَتَّبِعُوا الرَّاعِي(1).

قَدْ خَاضُوا بِحَارَ الْفِتَنِ(2)، وَأَخَذُوا بِالْبِدَع دُونَ السُّنَنِ ، وَأَرَزَ الْمُؤْمِنُونَ (3). وَنَطَقَ الصَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ. نَحْنُ الشَّعَارُ(4)وَالْأَصْحَابُ، وَالْخَزَنَةُ وَالْأَبْوَابُ (5)وَلَا تُؤْتَى الْبُيُوتُ إِلَّا مِنْ أَبْوَابِهَا؛ فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقاً .

منها: فِيهِمْ كَرَائِمُ الْقُرْآنِ(6)وَهُمْ كُنُوزُ الرَّحْمَنِ (7)إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا، وَإِنْ صَمَتُوا لَمْ يُسْبَقُوا(8). فَلْيَصْدُقَ رَائِدُ أَهْلَهُ(9)وَلْيُحْضِرْ عَفْلَهُ، وَلْيَكُنْ مِنْ أَبْنَاءَ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ، وَإِلَيْهَا يَنْقَلِبُ، فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ، اَلْعَامِلُ بِالْبَصَرِ، يَكُونُ مُبْتَدَأُ عَمَلِهِ أَنْ يَعْلَمَ:


1) یعنى بالدّاعي رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وبالراعي نفسه (علیه السّلام).

2) هذا كلامُ متصل بكلام لم يحكه الرضيّ، وهو ذكر قوم من أهل الضّلال قد كان أخذ في ذمّهم.

3) أرَزَ يأْرِزُ: أي انقبض وثبت، وأرزت الحية: لاذت بجحورها ورجعت إليه.

4) «نحن الشعار والأصحاب» يشير إلى نفسه، والشعار: ما يلي الجسد من الثياب، فهو أقرب من سائرها إليه ومراده الاختصاص برسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).

5) «الخزنة والأبواب» يمكن أن يعنى به خَزنة العلم وأبواب العلم، لقول النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها، فمن أراد الحكمة فليأتِ الباب» وقوله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فيه: «خازن علمي» و «وعَيبة علمي». ويمكن أن يريد خزنة الجنة وأبواب الجنة، أي لا يدخل الجنة إلّا مَن وافَى بولايتنا، فقد جاء في حقّه الخبر الشائع المستفيض: إنّه قَسِيم النار والجنة.

6) قوله: «فيهم يرجع الى آل محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وكرائم الإيمان: جمع كريمة، وهي المنفسات منه ،والمراد أنزلت في مدحهم آيات كريمات والقرآن كريم كلّه وهذه كرائم من كرائم.

7) «وهم كنوز الرحمن» لأنّ الكنز مال يدّخر لشديدة، أو مُلمّة تلمُ بالإنسان، وكذلك هم قد ذُخروا لإيضاح المشكلات الدينية على المكلّفين.

8) إن سكتوا لم يكن سكوتهم عن عيّ يوجب كونّهم مسبوقين، لكنّهم ينطقون حُكْماً، ويصمّتون حلماً، أو لم يسبقهم أحد إلى الكلام وهم سكوت، أي يهاب سكوتهم فلم يجرؤ أحد على الكلام فيما سكتوا عنه.

9) الرائد: الذاهب من الحي يرتاد لهم المرعى.

أَعْمَلُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَهُ ؟! فَإِنْ كَانَ لَهُ مَضَى فِيهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقَفَ عَنْهُ ، فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ (1)فَلَا يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ الْوَاضِح إِلَّا بُعْداً مِنْ حَاجَتِهِ، وَالْعَامِلُ بِالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِح ، فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ: أَسَائِرٌ هُوَ أَمْ رَاجِعُ ؟! وَأَعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ ظَاهِرٍ بَاطِناً عَلَى مِثَالِهِ ، فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ، طَابَ بَاطِنُهُ، وَمَا خَبُتَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ ، وَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ الصَّادِقُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - : «إنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ (2)وَيُبْغِضُ عَمَلَهُ، وَيُحِبُّ الْعَمَلَ وَيُبْغِضُ بَدَنَهُ». وَأَعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ نَباتاً، وَكُلُّ نَبَاتٍ لَا غِنَى بِهِ عَنِ الْمَاءِ، وَالْمِيَاهُ مُخْتَلِفَةٌ ؛ فَمَا طَابَ سَفْيُهُ طَابَ غَرْسُهُ وَحَلَتْ ثَمَرَتُهُ، وَمَا خَبُثَ سَفْيُهُ، خَبُتَ غَرْسُهُ وَأَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ (3).

155 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

155 - ومن خطبة له عليه السلام (4)

يَذْكُرُ فِيهَا بَدِيعَ خِلْفَةِ الْخُفَّاش

يَذْكُرُ فِيهَا بَدِيعَ خِلْفَةِ الْخُفَّاش (5)

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْحَسَرَتِ الْأَوْصَافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ(6)، وَرَدَعَتْ عَظَمَتُهُ


1) ویروی «كالسابل على غير طريق»، والسابل طالب السبيل.

2) إنّ الله يحب .... أي يحب من المؤمن إيمانه ويبغض ما يأتيه من سيئات الأعمال ولا يفيده ذلك الحب مع هذا البغض إلّا عذاباً يتطهر به من خبث أعماله، ويحب من الكافر عمله إن كان حسناً، ويبغض ذاته لالتياثها بدنس الكفر ، ولا ينتفع بالعمل المحبوب إلّا نفعاً في الدنيا، وله في الآخرة عذاب عظيم، فلا يكمل للإنسان حظه من السعادة إلّا إذا كان مؤمناً طيب العمل.

3) أمرّ الشيءُ: أي صار مُرّاً.

4) رواها السيد اليماني في (الطراز) ج 1 ص 334.

5) الخفّاش مأخوذ من الخَفَش، وهو ضعف فى البصر خِلْقة، والرجلُ أخفش.

6) انحسرت الأوصاف: كلّت وأعيت وانقطعت. وردعت .کَفّت.

الْعُقُولَ فَلَمْ تَجِدْ مَسَاعَاً(1)إِلَى بُلُوغ غَايَةِ مَلَكُوتِهِ . هُوَ اللهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، أَحَقُّ وَأَبْيَنُ مِمَّا تَرَى الْعُيُونُ، لَمْ تَبْلُغْهُ الْعُقُولُ بِتَحْدِيدٍ فَيَكُونَ مُشَبَّهَا ، وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الْأَوْهَامُ بِتَقْدِيرٍ فَيَكُونَ مُمَثَلاً. خَلَقَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ تَمْشِيلٍ، وَلَا مَشُورَةٍ مُشِيرٍ، وَلَا مَعُونَةٍ مُعِينٍ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ وَأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ ، فَأَجَابَ وَلَمْ يُدَافِعْ، وَأَنْقَادَ وَلَمْ يُنَازِعْ.

وَمِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ، وَعَجَائِبِ خِلْقَتِهِ، مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ الْحِكْمَةِ فِي هَذِهِ الْخَفَافِيشِ الَّتِي يَقْبِضُهَا الصِّيَاءُ البَاسِطُ لِكُلِّ شَيْءٍ (2)، وَيَبْسُطُهَا الظُّلامُ الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيٍّ. وَكَيْفَ عَشِيَتْ أَعْيُنُهَا(3)عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ نُوراً تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا ، وَتَتَّصِلُ بِعَلَانِيَةِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفِهَا . وَرَدَعَهَا بِتَلَالُوِ ضِيَائِهَا عَنِ الْمُضِي فِي سُبْحَاتِ إِشْرَاقِهَا(4)، وَأَكَنَّهَا(5)فِي مَكَامِنِهَا عَنِ الذَّهَابِ فِي بُلَج انْتِلَاقِهَا(6)، فَهِيَ مُسْدَلَةُ الْجُفُونِ بِالنَّهَارِ عَلَى حِدَاقِهَا(7). وَجَاعِلَةُ اللَّيْلِ سِرَاجاً تَسْتَدِلُ بِهِ فِي الْتِمَاسِ أَرْزَاقِهَا؛ فَلَا يَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ ظُلْمَتِهِ(8)، وَلَا تَمْتَنعُ مِنَ الْمُضِيّ فِيهِ لِغَسَقِ دُجُنَّتِهِ(9)، فَإِذَا أَلْقَتِ الشَّمْسُ قِنَاعَهَا ،


1) المساغ: المسلك.

2) يقبضها الضياء: أي يقبضُ أعينها.

3) العَشَا - مقصوراً - : سوء البصر وضعفه.

4) سُبُحات :إشراقها: جلاله ،وبهاؤه وسُبُحات النور: درجاته وأطواره.

5) أكنّها: سترها.

6) بُلج ائتلاقها: البلج - بالتحريك - : الضوء ووضوحه، جمع بُل۫جة، وهي أول الصبح. والانتلاق: اللمعان.

7) الحِدَاق: جمع حَدَق العين.

8) الإسداف: مصدر أسدف الليل، أي أظلم.

9) الدُجنّة: الظلمة، وغَسَقُ الدجُنّة: شدتها.

وَبَدَتْ أَوضَاحُ نَهَارِهَا(1)، وَدَخَلَ مِنْ إِشْرَاقِ نُورِهَا عَلَى الصِّبَابِ فِي وِجَارِهَا(2)، أَطْبَقَتِ الْأَجْفَانَ عَلَى مَاقِيهَا (3)، وَتَبَلَّغَتْ بِمَا أكْتَسَبَتْهُ مِنَ الْمَعَاشِ فِي ظُلَم لَيَالِيهَا(4). فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اللَّيْلَ لَهَا نَهَاراً وَمَعَاشاً، وَالنَّهَارَ سَكَناً وَقَرَاراً ! وَجَعَلَ لَهَا أَجْنِحَةٌ مِنْ لَحْمِهَا تَعْرُجُ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّيَرَانِ ، كَأَنَّهَا شَطَايَا الآذَانِ(5)، غَيْرَ ذَوَاتِ رِيشٍ وَلَا قَصَبٍ (6)، إِلَّا أَنَّكَ تَرَى مَوَاضِعَ الْعُرُوقِ بَيِّنَةً أَعْلَاماً(7). لَهَا جَنَاحَانِ لَمَّا يَرِقَا فَيَنْشَقًا(8)، وَلَمْ يَغْلُظَا فَيَثْقُلَا. تَطِيرُ وَوَلَدُهَا لَاصِقُ بِهَا، لَاجِيٌّ إِلَيْهَا ، يَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ ، وَيَرْتَفعُ إِذَا ارْتَفَعَتْ ، لَا يُفَارِقُهَا حَتَّى تَشْتَدَّ أَرْكَانُهُ، وَيَحْمِلَهُ لِلنُّهُوضِ جَنَاحُهُ ، وَيَعْرِفَ مَذَاهِبَ عَيْشِهِ، وَمَصَالِحَ نَفْسِهِ. فَسُبْحَانَ الْبَارِئُ لِكُلِّ شَيْءٍ ، عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غَيْرِهِ (9)!


1) الأوضاح: جمع وَضَح، وقد يُراد به حليّ يعمل من الدراهم الصّحاح، أو يراد منه الدراهم الصحاح نفسها وإن لم يكن حُليّاً، وهو هنا بياض الصبح.

2) الضّباب : جمع ضَبَ الحيوان المعروف، ووجارها: بيتها والوِجار: الحُجْر.

3) مافيها جمع مأقٍ، وهو طرف العين مما يلي الأنف.

4) نَبَلَغَتْ: اكتفت أو اقتاتت.

5) شظايا: جمع شظيّة، وهي الفلقة من الشيء، شظايا الآذان: أقطاع منها، أي كأنّها مؤلّفة من شقق الآذان.

6) القصّبة: عمود الريشة أو أسفلها المتصل بالجناح، وقد يكون مجرداً عن الزغب في بعض الحيوانات مما ليس بطائر، كبعض أنواع القنفذ أو الفيران له قصب محدد الأطراف يرمي به صائده كما يرمي النابل، ويعرف بالفأر الأمريكي.

7) أعلاماً: أي رسوماً ظاهرة.

8) لما يرقا، عبر بلمَا إشارة إلى أنّهما ما رقًا في الماضي ولا هما رقيقان، فهو نفي مستمر إلى وقت الكلام في أي زمن كان.

9) خلا تقدّمه من سواه فحاذاه.

156 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

156 - ومن كلام له عليه السلام (1)

خَاطَبَ بِهِ أَهْلَ الْبَصْرَةِ عَلَى جِهَةِ اقْتِصَاصِ الْمَلاحِم

فَمَنِ اسْتَطَاعَ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَعْتَقِلَ نَفْسَهُ عَلَى اللهِ فَلْيَفْعَلْ(2)، وَإِنْ أَطَعْتُمُونِي، فَإِنِّي حَامِلُكُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ عَلَى سَبِيلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ ذَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَمَذَاقَةٍ مَرِيرَةٍ (3). وَأَمَّا فُلَانَةٌ فَأَدْرَكَهَا رَأْيُّ النِّسَاءِ، وَضِغْنُ غَلَا فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ الْقَيْنِ (4)، وَلَو دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ لَمْ تَفْعَلْ4(5). وَلَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الأُولَى ، وَالْحِسَابُ عَلَى اللهِ !

مِنْهُ :(6)سَبِيلُ أَبْلَجُ الْمِنْهَاجِ(7)، أَنْوَرُ السِّرَاجِ، فَبِالْإِيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ. وَبِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْإِيمَانِ، وَبِالْإِيمَانِ يُعْمَرُ الْعِلْمُ، وَبِالْعِلْمِ يُرْهَبُ اَلْمَوْتُ، وَبِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا، وَبِالدُّنْيَا تُحْرَزُ الْآخِرَةُ(8)، وَبِالْقِيَامَةِ تُزَلَفُ


1) روى بعضها الطبرسي في (الاحتجاج) ج 1 ص 326 ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال) ج 8 ص 215 .

2) يعتقل نفسه على الله: يحبها على طاعته.

3) لأنّ التكليف صعب وترك الملاذّ العاجلة شاقُ شديد المشقّة.

4) الضّغن: الحقد. والمِرجل قِد۫ر كبيرة. والفين: الحداد، أي كغَلَيان قِد۫ر من حديد، أي أنّ ضغينتها وحقدها كانا دائمي الغليان كقدر الحداد فإنّه يغلي ما دام يصنع.

5) لو دعاها أحد لتصيب من غيري غرضاً من الإساءة والعدوان ما أتت إلي - أي فعلت بي - لم تفعل، لأنّ حقدها كان عليّ خاصة.

6) هو الآن في ذكر الإيمان.

7) أي واضح الطريق.

8) وبالدنيا... أي أنّه إذا رهب الموت وهو ختام الدنيا كانت الرهبة سبباً في حرص الإنسان على الفائدة من حياته، فلا يضيع عمره بالباطل، وبهذا يحرز الآخرة.

الْجَنَّةُ (1)، وَتُبْرَّزُ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ . وَإِنَّ الْخَلْقَ لَا مَقْصَرَ لَهُمْ عَنِ الْقِيَامَةِ (2)، مُرْقِلِينَ فِي مِضْمَارِهَا إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى (3).

مِنْهُ: قَدْ شَخَصُوا مِنْ مُسْتَقَرِّ الْأَجْدَاثِ(4)، وَصَارُوا إِلَى مَصَائِرِ الْغَايَاتِ (5)لِكُلِّ دَارٍ أَهْلُهَا، لَا يَسْتَبْدِلُونَ بِهَا، وَلَا يُنْقَلُونَ عَنْهَا . وَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، لَخْلَقَانِ مِن۫ خُلُقِ اللهِ سُبْحَانَهُ؛ وَإِنَّهُمَا لَا يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلِ، وَلَا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ(6). وَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ، فَإِنَّهُ الْحَبْلُ الْمَتِينُ والنُّورُ الْمُبِينُ ، وَالشّفَاءُ النَّافِعُ، وَالرّيُّ النَّاقِعُ(7)، وَالْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ ، وَالنَّجَاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ. لَا يَعْوَجُ فَيُقَامَ ، وَلَا يَزِيعُ (8)فَيُسْتَعْتَبَ(9)، وَلَا يُخْلِقُهُ كَثرَةُ الرَّد (10)، وَوُلُوج


1) تزلف لهم: تقدّم لهم وتقرّب إليهم.

2) المَقْصَر: المحبس، لا مقصر لي عن كذا، لا محبس ولا غاية لي دونه، أي لا مستقر لهم دون القيامة فهم ذاهبون إليها.

3) أرقل: أسرع. والمضمار: حيث تستبق الخيل، أي مسرعين في ميدان هي غايته ومنتهاه.

4) شخصوا من بلد كذا: خرجوا. ومستقرّ الأجداث: مكان استقرارهم بالقبور، وهي جمع جَدَث.

5) مصائر الغايات: جمع مصير، ما يصير إليه الإنسان من شقاء وسعادة، والكلام في القيامة.

6) إنّما قال ذلك، لأنّ كثيراً من الناس يكفّ عن نهي الظلمة عن المنكر خوفاً منهم أن يقتلوه، أو يقطعوا رزقه، وينبغي حمل كلامه (علیه السّلام) على حال السلامة وغلبة الظنّ بعدم ترتب الضرر.

7) ماء ناقع: ينقع الغلّة، أي يقطعها ويُروي منها ، نَقَعَ العطش إذا أزاله.

8) يزيغ: يميل.

9) يُستعتب: يطلب منه العتبى وهي الرضا، أو من أعتب، إذا انصرف، والسين والتاء للطلب أو زائدتان، أي لا يميل عن الحق فيصرف، أو يطلب منه الانصراف عنه.

10) أخْلَقَهُ: ألبسه ثوباً خَلَقاً: أي بالياً، وكثرة الردّ: كثرة ترديده على الألسنة بالقراءة، أي أن القرآن دائماً في أثوابه الجدد، رائقُ لنظر العقل وإن كثرت تلاوته، لانطباقه على الأحوال المختلفة في الأزمنة المتعددة، وليس كسائر الكلام كلّما تكرر ابتذل وملته النفس.

السَّمْعِ (1). مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَقَ .

وَقَامَ إِلَيْهِ رَجَلٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ، أَخْبِرْنَا عَنِ الْفِتْنَةِ، وَهَلْ سَأَلْتَ عَنْهَا رَسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:

إِنَّهُ لمَّا أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ «الَم • أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ» عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لَا تَنْزِلُ بِنَا، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَقُلْتُ : يَارَسُولَ اللهِ، مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللهُ بِهَا (2)؟

، فَقَالَ: «يَا عَلِيُّ ، إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي»، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَ لَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ أَسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحِيزَتْ عَنِّى الشَّهَادَةُ، فَشَقَ ذَلِكَ عَليَّ فَقُلْتَ لِي: «أَبْشِرْ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ(3)مِنْ وَرَائِكَ ؟ »فَقَالَ لِي: «إِنَّ ذلِكَ لَكَذلِكَ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذَنْ ؟»(4)فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ ، وَلَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى وَالشُّكْرِ (5). وَقَالَ: «يَا عَلِيُّ، إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ


1) وُلُوج السمع: دخول الآذان والمسامع.

2) فقلت يا رسول الله ... أشكل على الشارحين العطف بالفاء مع كون الآية مكية والسؤال كان بعد أحد، ووقعته كانت بعد الهجرة، وصعب عليهم التوفيق بين كلام الإمام وبين ما أجمع عليه المفسرون من كون «العنكبوت» مكيّة بجميع أياتها، والذي أراه أنّ علمه يكون الفتنة لا تنزل، والنبيّ بين أظهرهم كان عند نزول الآية في مكة، ثم شغله عن استخبار الغيب اشتداد المشركين على الموحدين، واهتمام هؤلاء برد كيد أولئك، ثم بعد ما خفّت الوطأة، وصفا الوقت لاستكمال العلم، سأل هذا السؤال، فالفاء لترتيب السؤال على العلم، والعلم كان ممتداً إلى يوم السؤال، فهي التعقيب قوله لعلمه، والتعقيب يصدق بأن يكون ما بعد الفاء غير منقطع عما قبلها، وإن امتد زمن ما قبلها سنين تقول تزوج فولد له، وحملت فولدت.

3) حِيزت عني الشهادةُ: أي منعت عني فلم أنلها.

4) على أية حالة يكون صبرك إذا هيئت لك الشهادة.

5) قوله: «من مواطن البشرى» هذا شأن أهل الحق يستبشرون بالموت في سبيل الحق فإنّه الحياة الأبدية.

بِأَمْوَالِهِمْ، وَيَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ، وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ، وَيَأْمَنُونَ سَطوَتَهُ، وَيَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ، وَالْأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ(1)، فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ ، وَالسُّحْتَ (2)بِالْهَدِيَّةِ وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَبِأَيِّ الْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ ؟ أَبِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ ، أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ ؟ فَقَالَ: بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ .

157 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

157 - ومن خطبة له عليه السلام (3)

لِلْحَثِّ عَلَى التَّقْوَى

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْحَمْدَ مِفْتَاحاً لِذِكْرِهِ، وَسَبَباً لِلْمَزِيدِ (4)مِنْ فَضْلِهِ، وَدَلِيلاً عَلَى آلَائِهِ وَعَظَمَتِهِ .

عِبَادَاللهِ ، إِنَّ الدَّهْرَ يَجْرِي بِالْبَاقِينَ كَجَرْيِهِ بِالْمَاضِينَ؛ لَا يَعُودُ مَا قَدْ وَلَّى مِنْهُ، وَلَا يَبْقَى سَرْمَداً مَا فِيهِ. آخِرُ فَعَالِهِ كَأَوَّلِهِ ، مُتَشَابِهَةٌ أُمُورُهُ(5)، مُتَظَاهِرَةٌ


1) الأهواء الساهية: الغافلة.

2) السحت: الحرام.

3) فسر غريب هذه الخطبة ابن الأثير في (النهاية) ج 2 ص 510 مادة شول.

4) لأنّ أول الكتاب العزيز: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ » [الفاتحة: (2) والقرآن هو الذكر، وسبباً للمزيد لقوله تعالى: « لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» (إبراهيم: 7]، والحمد ههنا هو الشكر.

5) أمور الدهر: أي مصائبه، لأنّه - كما كان من قبل - يرفع ويضع، ويغني ويفقر، ويوجد ويعدم، فكذلك هو الآن أفعاله متشابهة. وروي: «متسابقة» [كما في نسخة عبده] أي شيء منها قبل الشيء، كأنّها خيل تتسابق في مِضمار ، كأنّ كلاً منها يطلب النزول قبل الآخر، فالسابق منها مهلك، والمتأخر لاحق له في مثل أثره.

أَعْلَامُهُ(1)، فَكَأَنَّكُمْ بِالسَّاعَةِ (2)تَحْدُوكُمْ حَدْوَ الزَّاجِرِ(3)بِشَوْلِهِ(4)العِشار من الإبل: التي مضى على حملها عشرة أشهر. (5)، فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ وَاَرْتَبَكَ فِي الْهَلَكَاتِ(6)، وَمَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ (7)، وَزَيَّنَتْ لَهُ سَيِّئَ أَعْمَالِهِ. فَالْجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ، وَالنَّارُ غَايَةُ الْمُفَرِّطِينَ.

اَعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ ، أَنَّ التَّقْوَى دَارُ حِصْنٍ عَزِيزِ، وَالْفُجُورَ دَارُ حِصْنٍ ذَلِيلٍ ، لَا يَمْنَعُ أَهْلَهُ، وَلَا يُحْرِزُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ(8). أَلَا وَبِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ الْخَطَايَا(9)، وَبِالْيَقِينِ تُدْرَكَ الْغَايَةُ الْقُصْوَى.

عِبَادَ الله، الله الله(10)فِي أَعَزُّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكُمْ(11)، وَأَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبِيلَ الْحَقِّ وَأَنَارَ طُرُقَهُ. فَشِقْوَةٌ لَازِمَةٌ، أَوْ سَعَادَةُ دَائِمَةٌ ، فَتَزَوَّدُوا فِي


1) متظاهرة أعلامه: أى دلالاته على سجیّته التي عامل الناس بها قديماً وحديثاً أو هي الرايات كنى بها عن الجيوش ومتظاهرة: يقوي بعضها بعضاً.

2) الساعة: القيامة. وحَدُوُها: سَوْقها وحثّها لأهل الدنيا على المسير للوصول إليها.

3) الزاجر: الذى يزجر الإبل بسوقها. والحدو: سَو۫قها والغناء لها.

4) الشَّوْل: النُّوق التي خَفٌ لبنها وارتفع ضَرْعها، وأتى عليها من نتّاجها سبعة أشهر أو ثمانية، الواحدة شائلة. والمعنى أنّ سائق الشَّوْل يعف بها ولا يتّقي سَوْقها كما يتّقي عندما يسوق العِشار

5) .

6) الارتباك: الاختلاط، ارتبك الرّجل فى الأمر، أي نشب فيه ولم يكد يتخلّص منه.

7) وروى: «ومدّت له شياطينه» ومعناه الإمهال.

8) لا يُحْرِزُ : أي لا يحفظ.

9) حُمّة الخطايا: سمّها، فكأنّه جعل سمّ الخطايا سارياً في الأبدان، والتّقوى تقطع شريانه، والحُمّة في الأصل إبرة الزنبور والعقرب ونحوها تلسع بها، والمراد هنا سطوة الخطايا على النفس.

10) انتصب «اللَّهَ اللَّهَ» على الإعزاء. وفي متعلقة بالفعل المقدّر وتقديره: راقبوا.

11) وهي أنفسهم.

أَيَّامِ الْفَنَاءِ(1)لِأَيَّامِ الْبَقَاءِ. قَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ، وَأُمِرْتُمْ بِالظَّعَنِ(2)، وَحُشِئْتُمْ عَلَى الْمَسِيرِ ؛ فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَرَكْبٍ وُقُوفٍ لَا يَدْرُونَ مَتَى يُؤْمَرُونَ بِالسَّيْرِ. أَلَا فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنیَا مَنْ خُلِقَ لِلآخِرَةِ! وَمَا يَصْنَعُ بِالْمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِيلٍ يُسْلَبُهُ، وَتَبْقَى عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ وَحِسَابُهُ (3)!

عِبَادَاللهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِمَا وَعَدَ اللهُ مِنَ الْخَيْرِ مَتْرَكٌ، وَلَا فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَرْغَبُ . عِبَادَ اللهِ ، اَحْذَرُوا يَوْمَاً تُفْحَصُ فِيهِ الْأَعْمَالُ، وَيَكْفُرُ فِيهِ الزِّلْزَالُ، وَتَشِيبُ فِيهِ الْأَطْفَالُ .

اعْلَمُوا - عِبَادَ اللهِ - أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ(4)، وَعُيُوناً مِنْ جَوَارِ حِكُمْ (5)وَحُفَّاظَ صِدْقٍ (6)يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ، وَعَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ، لَا تَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْل دَاجٍ، وَلَا يُكِنَّكُمْ مِنْهُمْ بَابٌ ذُو رِتَاجِ(7)، وَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ . يَذْهَبُ الْيَوْمُ


1) أيام الغناء: يريد أيام الدنيا.

2) وأُمرتم بالظّعَن: أي أُمرتم بهجر الدنيا، ويجوز «الظّعن» بالتسكين، والمراد بالظعن والمأمور به ههنا: السير إلى السعادة بالأعمال الصالحة، وهذا ما حثنا الله عليه ، والمراد بالمسير الذي لا ندري متى نؤمر به هو مفارقه الدنيا. والأمر في الأول خطابي شرعي وفي الثاني فعلي تكويني.

3) تَبِعَتُهُ: ما يتعلق به من حق الغير فيه.

4) الرّصَد: يريد به رقيب الذمّة وواعظ السرّ الروحي الذي لا يغفل عن التنبيه، ولا يخطئ في الإنذار والتحذير حتى لا تكون من مخطئ خطيئة إلّا ويناديه من سرّه مناد يعنفه على ما ارتكب ، ويعيبه على ما اقترف، ويبين له وجه الحق فيما فعل، ولا تعارضه علل الهوى، ولا يخفف مرارة نصحه تلاعب الأوهام، وأي حجاب يحجب الإنسان عن سرّه.

5) لأنّ الأعضاء تنطق في القيامة بأعمال المكلّفين، وتشهد عليهم.

6) وحفّاظ صدق: يعني الملائكة الكانبين.

7) الرتاج: الباب العظيم إذا كان مُح۫كَم الغَل۫ق.

بِمَا فِيهِ، وَيَجِيءُ الْغَدُ لاحقاً بِهِ ، فَكَأَنَّ كُلَّ أَمْرِيُّ مِنْكُمْ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْأَرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ (1)وَمَخَطَّ حُفْرَتِهِ. فَيَالَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَةٍ، وَمَنْزِلِ وَحْشَةٍ، وَمَفْرَدِ غُرْبَةٍ وَكَأَنَّ الصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتْكُمْ(2)، وَالسَّاعَةَ قَدْ غَشِيتْكُمْ، وَبَرَزْتُمْ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ ، قَدْ زَاحَتْ عَنْكُمْ الأَبَاطِيلُ (3)، وَأضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ الْعِلَلُ(4)، وَاسْتَحَقَّتْ بِكُمُ الْحَقَائِقُ (5)، وَصَدَرَتْ بِكُم الأُمُورُ مَصَادِرَهَا، فَاتَّعِظُوا بِالْعِبَرِ، وَاَعْتَبِرُوا بِالْغِيَرِ، وَاَنْتَفِعُوا بِالنُّذُرٍ .

158 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

158 - ومن خطبة له عليه السلام (6)

فِي فَضْلِ الرَّسُولِ وَالْقُرْآنِ

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينٍ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ(7)، وَانْتِقَاضٍ مِنَ الْمُبْرَمِ(8)، فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ(9)، وَالنُّورِ الْمُقْتَدَى بِهِ. ذَلِكَ الْقُرْآنُ


1) منزل وحدته: هو القبر.

2) الصيحة: نفخة الصُّور، والمراد الصيحة الثانية، لقوله تعالى: «إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً »(يس : 29)

3) زاحت: بعدت وانكشفت.

4) اضمحلت: تلاشت و ذهبت.

5) استحقت: أى حقّت ووقعت.

6) فسر غريب هذه الخطبة ابن الأثير في (النهاية) مادة عذر.

7) الهَجْعَة: النَّومَة الخفيفة، وقد تستعمل في النوم المستغرّق أيضاً، وهي المرة من الهجوع وهو النوم ليلاً، والمراد نوم الغفلة في ظلمات الجهالة.

8) المُبَرم: المُحكَم، مِن أبْرَمَ الحبل إذا أحكَمَ قَتلَه، والمبرّم: أي الحبل المفتول. وانتقاض الأحكام الإلهية التي أبرمت على ألسنة الأنبياء السابقين نقضها الناس بمخالفتها.

9) الذي بين يديه: التوراة والإنجيل.

فَاسْتَنْطِقُوهُ، وَلَنْ يَنْطِقَ ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عُنْهُ: أَلَا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي، وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي ، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ، وَنَظمَ مَا بَيْنَكُمْ.

وَمِنْهَا فَعِنْدَ ذَلِكَ (1)لَا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ (2)إِلَّا وَأَدْخَلَهُ الظَّلَمَةُ تَرْحَةً (3). وَأَوْلِجُوا فِيهِ نِقْمَةً، فَيَوْمَئِذٍ لَا يَبْقَى لَهُمْ فِي السَّمَاءِ عَاذِرٌ، وَلَا فِي الْأَرْضِ نَاصِرُ (4).

أَصْفَيْتُمْ بِالْأَمْرِ غَيْرَ أَهْلِهِ(5)، وَأَوْرَدْتُمُوهُ غَيْرَ مَوْرِدِهِ(6)، وَسَيَنْتَقِمُ اللهُ مِمَّنْ ظَلَمَ، مَأْكَلاً بِمَأْكَلٍ ، وَمَشْرَباً بِمَشْرَبٍ، مِنْ مَطَاعِمِ الْعَلْقَمِ، وَمَشَارِبِ الصَّبْرِ وَالْمَقِرِ(7)، وَلِبَاسِ شِعَارِ الْخَوْفِ ، وَدِثَارِ السَّيْفِ (8)وَإِنَّمَا هُمْ مَطَايَا الْخَطِيئَاتِ(9)، وَزَوَامِلُ الاقام (10). فَأُقْسِمُ، ثُمَّ أُقْسِمُ، لَتَنْخَمَنَّهَا أُمَيَّةً مِنْ بَعْدِي كَمَا تُلْفَظُ النُّخَامَةُ(11)، ثُمَّ لَا

تَذُوقُهَا وَلَا تَتَطَعَمُ بِطَعْمِهَا أَبَداً، مَا كَرَّ الْجَدِيدَانِ (12)!


1) الإشارة بذلك لحالة الاختلاف ومخالفة القرآن بالتأويل.

2) بيت مَدَر ولا وَبَر: كتابة عن أهل الحاضرة والبادية.

3) التَّرْحة: الحزن.

4) هذا إخبارُ عن مُلك بني أُميّة بعده وزوال أمرهم عند تفاقم فسادهم في الأرض.

5) أصفيتهُ بكذا: آثرته به وخصصتُه، وصفية المغنم: شيء كان يصطفيه الرئيس لنفسه من الغنيمة.

6) أوردتموه غير ورده: أنزلتموه عند غير مستحقه.

7) الصّير: عصارة شجر مرّ. والمَقِر: السمّ أو المرّ.

8) شعارهم الخوف، لأنّه باطن في القلوب، ودِثارهم السَّيْف لأنّه ظاهر في البدن، كما أنّ الشِّعار ما كان إلى الجسد والدّثار ما كان فوقه. والسيف يكون أشبه بالدثار إذا عمّت إباحة الدم بأحكام الهوى فلا يكون لبدن ولا لعضو منه أنقلات عنه.

9) مطايا الخطيات: حوامل الذنوب.

10) الزوامل: جمع زامله، وهي بعير وهي بعير يستظهر به الإنسان يحمل متاعه عليه.

11) نَخِمَ - كَفِرحَ - : أخرج النّخامة من صدره فألقاها، والنخامة - بالضمّ - : ما يدفعه الصدر أو الدماغ من المواد المُخاطيّة.

12) الجديدان: الليل والنهار.

159 - ومن خطبة له عليه السلام

في حُسْنِ مُعَامَلَةِ الرَّعِيَّة

وَلَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ، وَأَحَطتُ بِجُهِدِي مِنْ وَرَائِكُمْ(1)، وَأَعْتَقَتُكُمْ مِنْ رِبَقِ الذُّلّ(2)البُهم جمع بَهمَة، وهي الصغير من الضّأن (الذكر والأنثى في ذلك سواء). (3)، وَحَلَقِ الصَّيْمِ (4)، شُكراً مِنِّي لِلْبِرِّ الْقَلِيلِ، وَإِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ الْبَصَرُ ، وَشَهِدَهُ الْبَدَنُ مِنَ الْمُنْكَرِ الْكَثِيرٍ .

160 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

160 - ومن خطبة له عليه السلام (5)

فِي عَظَمَةِ اللَّهِ

أَمْرُهُ قَضَاءٌ وَحِكْمَةٌ، وَرِضَاهُ أَمَانُ وَرَحْمَةٌ، يَقْضِي بِعِلْمٍ، وَيَعْفُو بِحِلْمٍ (6).

اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وَتُعْطِي ، وَعَلَى مَا تُعَافِي وَتَبْتَلِي : حَمْداً يَكُونُ أَرْضَى الْحَمْدِ لَكَ ، وَأَحَبَّ الْحَمْدِ إِلَيْكَ، وَأَفْضَلَ الْحَمْدِ عِنْدَكَ. حَمْداً يَمْلَأُ مَا


1) أحطت بجُهدي من ورائكم: حميتكم وحضُنتكم. والجُهد - بالضم - : الطاقة.

2) الرّبَق: جمع ربقة، وهي الحبل يُربَق به البَهم

3) .

4) حَلَق: جمع حَلقَة.

5) رواها الزمخشري في (ربيع الأبرار) في باب اليأس والقناعة.

6) لا عن عجز وذلّ، كما يعفو الضعيف عن القويّ.

خَلَقْتَ، وَيَبْلُغَ مَا أَرَدْتَ(1). حَمْداً لَا يُحْجَبُ عَنْكَ ، وَلَا يُقْصَرُ دُونَكَ (2). حَمْداً لَا ينقطعُ عَدَدُهُ، وَلَا يَفْنَى مَدَدُهُ. فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ، إِلَّا أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ حَيٌّ قَيُّومُ ، لَا تَأْخُذُكَ سِنَةٌ (3)وَلَا نَوْمٌ لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ، وَلَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرٌ. أَدْرَكْتَ الْأَبْصَارَ، وَأَحْصَيْتَ الْأَعْمَالَ ، وَأَخَذْتَ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ. وَمَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ، وَنَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ، وَنَصِفُهُ مِنْ عَظِيمٍ سُلْطَانِكَ، وَمَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ، وَقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ، وَأنْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ، وَحَالَتْ سَوَاتِرُ الْغُيُوبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَعْظَمُ. فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ، وَأَعْمَلَ فِكْرَهُ، لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ، وَكَيْفَ ذَرَأَتَ خَلْقَكَ (4)وَكَيْفَ عَلَّقْتَ ، فِي الْهَوَاءِ سَمْوَاتِكَ ، وَكَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْر (5)الْمَاءِ أَرْضَكَ ، رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيراً (6)، وَعَقْلُهُ مَبْهُوراً(7)، وَسَمْعُهُ وَالِها(8)، وَفِكْرُهُ حَائِراً(9).

مِنْهَا: يَدَّعِي بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اللَّهَ، كَذَبَ وَالْعَظِيمِ(10)! مَا بَالُهُ لَا يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ


1) أي هو غاية ما تنتهي إليه الإرادة.

2) «ولا يُقْصَرُ دونك» لا يحبس، أي لا مانع من وصوله إليك، وروي «ولا يقصُر» من القُصور ، روي «ولا يقصُر» من التقصير.

3) السُنة: أوائل النوم.

4) ذَرَأتَ : خَلَقت.

5) المَوْر - بالفتح - : الموج.

6) الحسير: المتعَب.

7) المبهور: المغلوب، والمنقطع نفسه من الإعياء.

8) الواله: المتحيّر، من الوله وهو ذهاب الشعور.

9) روي: «وفكره جائراً» بالجيم، أي عادلاً عن الصواب.

10) لم يقل: والله العظيم، تأكيداً لعظمة البارئ سبحانه، لأنّ الموصوف إذا تُرِك واعتمِد على الصفة حتى صارت كالاسم كان أدلّ على تحقّق مفهوم الصفة، كالحارث والعباس.

فِي عَمَلِهِ ؟ فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ. وَكُلُّ رَجَاءٍ - إِلَّا رَجَاءَ اللَّهِ تَعَالَى -فَإِنَّهُ مَدْخُولُ(1)، وَكُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّق (2)- إِلَّا خَوْفَ اللَّهِ - فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ (3).

يَرْجُو الله فِي الْكَبِيرِ، وَيَرْجُو الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ، فَيُعْطِي الْعَبْدَ مَا لَا يُعْطِي الرَّبَّ ! فَمَا بَالُ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ بِهِ لِعِبَادِهِ ؟

أَتَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً؟ أَوْ تَكُونَ لَا تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً؟ وَكَذَلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ، أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لَا يُعْطِي رَبَّهُ، فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً، وَخَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِمَاراً وَوَعْداً(4)

يرجى من الوعود والديون، أي ما كان مسوّفاً به من الوعود

. وَكَذَلِكَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا فِى عَيْنِهِ، وَكَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ (5)، آثَرَهَا عَلَى اللهِ، فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا ، وَصَارَ عَبْداً لَهَا .

1) المدخول: المغشوش غير الخالص، أو هو المعيب الناقص لا يترتب عليه عمل.

2) الخوف المحقق: هو الثابت الذي يبعث على البعد عن الخوف والهرب منه، وهو في جانب الله ما يمنع عن إتيان ،نواهيه، ويحمل على إتيان أوامره، هرباً من عقابه وخشية من جلاله.

3) الخوف المعلول: هو ما لم يثبت في النفس، ولم يخالط القلب، وإنّما هو عارض في الخيال. يزيله أدنى الشواغل، ويغلب عليه أقلّ الرغائب، فهو يرد على الوهم ثم يفارقه ثم يعود إليه، شأن الأوهام التي لا قرار لها، فهو معلول: من «عله يعله» إذا شربه مرة بعد أخرى، ومراد الإمام: أن الراجي لعبد من العبيد يظهر رجاؤه في سعيه واهتمامه بشأن من رجاه، وموافقته على أهوانه، وكذلك الخائف من أمير أو سلطان يرى أثر خوفه في تهيبه، والامتناع من كلّ ما يحرّك غضبه، بل ما يتوهم فيه أنّه غير حسن عنده، لكنهم في رجاء الله يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم مه أنّهم يرجون الله في سعادة الدارين، ويخافونه في شقاء الأبد، فيعطون للعبيد ما لا يعطون لله.

4) خوف بعضهم من بعض كالنقد المعجّل، وخوفهم من خالفهم ضِمَار ووعد. والضِّمار: ما لا

5) كبُر - بالضمّ - يكبُر: أي عَظُم فهو كبير وكُبّار بالتخفيف، فإذا أفرط فيل: «كُبّار» بالتشديد، فأمّا كَبِر بالكسر فمعناه أسنّ، والمصدر منهما كَبَراً بفتح الباء.

وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - كَافٍ لَكَ فِي الْأَسْوَةِ(1)، وَدَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمّ الدُّنْيَا وَعَيْبِهَا ، وَكَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَمَسَاوِيهَا (2)، إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا، وَوُطَّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا (3)، وَفُلِمَ عَنْ رَضَاعِهَا، وَزُوِي (4)عَنْ زَخَارِفِهَا (5).

وَإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسَى كَلِيمِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - حَيْثُ يَقُولُ: «رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» ، وَاللَّهِ مَا سَأَلَهُ إِلَّا خُبْراً يَأْكُلُهُ، لأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الْأَرْضِ ، وَلَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفٍ صِفَاقِ (6)بَطنِهِ، لِهْزَالِهِ وَتَشَدُّبِ (7)لَحْمِهِ .

وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّقْتُ بِدَاوُودَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ (8)، وَقَارِئ أهلِ الْجَنَّةِ ، فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوصِ بِيَدِهِ(9)، وَيَقُولُ لجُلَسَائِهِ : «أَيُّكُمْ يَكفِينِي بَيْعَهَا !» وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا .


1) الأسوة: القدوة.

2) المخازي: جمع مَخْزاة، وهي الأمر يستحّى من ذكره لقبحه والمساوئ: العيوب.

3) الأكناف: الجوانب.

4) زوي: أي قبض.

5) زخارف: جمع زُخرف، وهو الذهب.

6) الصفاق: هو الجلد الأسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر، أو هو ما بين الجلد والمصران، أو جلد البطن كلّه، وشفيفه: رقيقه الذي يستشفُ ما وراءه.

7) النشذَب: التفرّق. وانهضام اللحم: تحلل الأجزاء وتفرقها.

8) المزامير : جمع مزمار، وهو الآلة التي يزمّر فيها، ويقال: إنّ داود أعطِي من طيب النَغَم ولذّة ترجيع القراءة ما كانت الطيور لأجله تقع عليه وهو في محرابه، والوحش تسمعه فتدخل بين الناس ولا تنفر منهم لما قد استغرقها من طيب صوته.

9) سفائف الخوص: جمع سفيفة، وهي النسيجة منه، وصف من «سَفَ الخوص» إذا نسجه، وهذا الذي ذكره(علیه السّلام) عن داود في فقره قبل أن۫ يملك.

وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلَقَد كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ . وَيَلْبَسُ الْخَشِنَ، وَيَأْكُلُ الْجَشِبَ، وَكَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ، وَسِرَاجُهُ بِاللِّيلِ الْقَمَرَ. وَظِلَالُهُ فِي الشَّتَاءِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا (1)، وَفَاكِهَتُهُ وَرَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ، وَلَا وَلَدٌ يَحْزُنُهُ، وَلَا مَالٌ يَلْفِتُهُ، وَلَا طَمَعْ يُذِلُّهُ، دَابَّتُهُ رِجْلَاهُ، وَخَادِمُهُ يَدَاهُ!

فَتَأَسَ (2)بِنَبِيِّكَ الْأَطْيَبِ الْأَطْهَرِ ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تأَسَى، وَعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى . وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللهِ الْمُتَأَسَى بِنَبِيِّهِ، وَالْمُقْتَصُّ لأَثَرِهِ(3). قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً (4)، وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً. أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً(5). وَأَخْمَصُهُمْ (6)مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ، وَحَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَرَهُ(7)، وَصَغَرَ شَيْئاً فَصَغَرَهُ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلَّا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَتَعْظِيمُنَا مَا صَغَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ، لَكَفَى بِهِ شِقاقاً(8)لِلَّهِ تَعَالَى وَمُحَادَّةً(9)عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى!


1) ظِلاله: جمع ظلّ بمعنى الكنّ والمأوى، ومن كان كنّه المشرق والمغرب فلا كِن له.

2) تأسَ: أي اقْتَدِ.

3) المقتصُ لأثره: المتّبع له.

4) قَضَم الدنيا: تناول منها قَدر الكَفاف، كأنّه لم يتناول منها إلّا على أطراف أسنانه ولم يملأ منها فمه، وأصل القَضم: أكل الشيء اليابس بأطراف الأسنان. وروي «قَصَم» بالصاد، أي كسر.

5) رجل أهضَم: بين الهضَم: إذا كان خميصاً لقلة الأكل، من الهضم وهو خمص البطن، أي خلوها وانطباقها من الجوع والكشح: ما بين الخاصرة إلى الضّلْع الخلفي.

6) أخْمَصُهم: أخلاهم.

7) وروي: «وحقَر شيئاً فحقّره» بالتخفيف.

8) الشقاق: الخلاف.

9) المحادّة: المعاداة والمخالفة في عناد.

وَلَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ ، وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ، وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ(1)، وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِي (2)، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ(3)، وَيَكُونُ السِّرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ: «يَا فُلَانَةٌ- لإِحْدَى أَزْوَاجِهِ - غَيِّبِيهِ عَنِّي ، فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَزَخَارِفَهَا (4)» .

فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ، لِكَيْلَا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاه(5)، وَلَا يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً، وَلَا يَرْجُو فِيهَا مُقَاماً ، فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْس ، وَأَشْخَصَهَا عَن الْقَلْب (6)، وَغَيَّبَهَا عَن الْبَصَرِ. وَكَذَلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنظُرَ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ.

وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - مَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسَاوِيٌّ الدُّنْيَا وَعُيُوبِهَا: إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ (7)، وَزُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمٍ زُلْفَتِهِ(8)، فَلْيَنْظُرْ نَاظِرُ بِعَقْلِهِ: أَكْرَمَ اللهُ مُحَمَّداً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - بِذلِكَ أَمْ أَهَانَهُ! فَإِنْ قَالَ: «أَهَانَهُ» فَقَدْ كَذَبَ - وَاللَّهِ الْعَظِيمِ - بِالْإِفْكِ الْعَظِيمِ، وَإِنْ قَالَ: «أَكْرَمَهُ» فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ، وَزَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ


1) خَصَفَ النّعل: خرزها .

2) الحمار العاري: ما ليس عليه بَرذَعة ولا إكاف.

3) أردف خلفه: أركب معه شخصاً آخر على حمار واحد أو جمل أو فرس أو نحوها وجعله خلفه.

4) في هذا دليل على أن الرسم على الورق والأثواب ونحوها لا يمنع استعماله، وإنّما يتجافى عنه بالنظر تزهداً وتوزعاً.

5) الرياش الزينة واللباس الفاخر.

6) أشخصها: أبعدها.

7) خاصته: اسم فاعل في معنى المصدر، أي مع خصوصيته وتفضله عند ربّه.

8) عظيم الزلفة : منزلته العليا من القرب إلى الله، وزوى الدنيا عنه: قبضها وأبعدها.

النَّاسِ مِنْهُ، فَتَأَشَى مُتَأَسٌ بِنَبِيِّهِ(1)، وَاقْتَصَّ أَثَرَهُ، وَوَلَجَ مَوْلِجَهُ، وَإِلَّا يَأْمَنِ الْهَلَكَةَ فَإِنَّ اللهَ جَعَلَ مُحَمَّداً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - عَلَماً لِلسَّاعَةِ(2)، وَمُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ، وَمُنْذِراً بِالْعُقُوبَةِ، خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً (3)، وَوَرَدَ الْآخِرَةَ سَلِيماً. لمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ . فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللَّهِ عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ، وَقَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ (4)!

وَاللهِ لَقَدْ رَفَعْتُ مِدْرَعَتِي (5)هَذِهِ حَتَّى أَسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَافِعِهَا، وَلَقَدْ قَالَ لِي قَائِلُ : أَلَا تَنْبِذُهَا عَنْكَ ؟ فَقُلْتُ : أَغْرُبْ عَنِّي ، فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى(6)!

161 - ومن خطبة له عليه السلام

فِي صِفَةِ النَّبِيِّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَاتَّبَاعِ دِينِهِ

ابْتَعَثَهُ بِالنُّورِ الْمُضِي (7)، وَالْبُرْهَانِ الْجَلِيِّ ، وَالْمِنْهَاجِ الْبَادِي(8)، وَالْكِتَابِ


1) فتأسی: خبر یرید به الطلب، أي فليقتد مقتد بنبيه.

2) العلم - بالتحريك - : العلامة، أي أنّ بعثته دليل على قرب الساعة حيث لا نبي بعده.

3) خميصاً: أي خالي البطن، كناية عن عدم التمتع بالدنيا.

4) العَقب - بفتح فكسر - : مؤخر القدم، ووطء العقب مبالغة في الاتباع والسلوك على طريقه، نَقْفُوه خطوة خطوة حتى كأنّنا نطأ مؤخر قدمه.

5) المِدرعة - بالكسر -: ثوب من صوف.

6) اغرب عني: إذهب وأبعد والمثل معناه: إذا أصبح النائمون وقد رأوا السائرين واصلين إلى مقاصدهم، حمدوا سراهم وندموا على نوم أنفسهم، أو إذا أصبح السائرون وقد وصلوا إلى ما ساروا إليه، حمدوا سراهم، وإن كان شاقاً، حيث أبلغهم إلى ما قصدوا. والسُّرى السير ليلاً.

7) بالنور المضىء: أى بالدين أو بالقرآن.

8) المنهاج البادي: أي الظاهر.

الْهَادِي. أَسْرَتُهُ خَيْرُ أُسْرَةٍ(1)، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَةٍ؛ أَغْصَانُهَا مُعْتَدِلَةٌ(2)، وَثِمَارُهَا مُتَهَدِّلَةٌ (3)، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ ، وَهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ(4). عَلَا بِهَا ذِكْرُهُ، وَأَمْتَدَّ مِنْهَا صَوْتُهُ.

أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كَافِيَةٍ، وَمَوْعِظَةٍ شَافِيَةٍ ، وَدَعْوَةٍ مُتَلَافِيَةٍ (5). أَظْهَرَ بِهِ الشَّرَائِعَ الْمَجْهُولَةَ، وَقَمَعَ بِهِ الْبِدَعَ الْمَدْخُولَةَ ، وَبَيَّنَ بِهِ الْأَحْكامَ الْمَفْصُولَةَ(6). فَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً تَتَحَقَّقْ شِقْوَتُهُ، وَتَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ، وَتَعْظُمْ كَبُوَتُهُ (7)، وَيَكُنْ مَآبُهُ (8)إِلَى الْحُزْنِ الطَّوِيلِ وَالْعَذَابِ الْوَبِيلِ (9).

وَأَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلَ الْإِنَابَةِ إِلَيْهِ(10)، وَأَسْتَرْشِدُهُ السَّبِيلَ الْمُؤَدِّيَةَ إِلَى جَنَّتِهِ ، الْقَاصِدَةَ إِلَى مَحَلِّ رَغْبَهِ (11).

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ وَطَاعَتِهِ ، فَإِنَّهَا النَّجَاةُ غَداً، وَالْمَنْجَاةُ أَبَداً .


1) أُسرته: أهله، والأسرة: رهط الرجل الأدنون.

2) أغصانها معتدلة: كناية عن عدم الاختلاف بينهم في الأمور الدينية.

3) ثمارها متهدّلة : أى متدلّية، دانية للاقتطاف، كناية عن سهولة اجتناء العلم منها.

4) طَيْبة: اسم المدينة المنوّرة، كان اسمها يثرب فسماها رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) طَيبة. ومما أكفَر الناسُ به يزيد بن معاوية أنّه سمّاها « خبيثة» مراغمة لرسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .

5) أي تتلافى ما فسد في الجاهلية من أديان البشر، من تلافاه: تداركه بالإصلاح قبل أن يهلكه الفساد، فدعوة النبي تلافت أمور الناس قبل هلاكهم.

6) بیّن به الأحكام التي هي الآن مفصولة عندنا وواضحة لنا لأجل بيانه لها، أو المفصولة: التي فصلها الله، أي قضى بها على عباده.

7) الكبوة: السقطة، مصدر كبا الجواد، إذا عثر فوقع على الأرض.

8) المآب : المرجع.

9) العذاب الوبيل: ذو الوبال، وهو الهلاك.

10) الإنابة: الرجوع.

11) من أول الخطبة إلى هنا زيادة في بعض النسخ.

رَهْبَ فَأَبْلَغَ(1)وَرَغَبَ فَأَسْبَغَ (2)وَوَصَفَ لكُم الدُّنْيَا وَانْقِطَاعَهَا، وَزَوَالَهَا وَانْتِقَالَهَا. فَأَعْرِضُوا عَمَّا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا . أَقْرَبُ دَارٍ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، وَأَبْعَدُهَا مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ فَغضُوا عَنْكُمْ - عِبَادَ اللهِ - عُمُومَهَا وَأَشْغَالَهَا(3)، لِمَا أَيْقَتْتُمْ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا، وَتَصَرُّفِ حَالَاتِهَا . فَأَحْذَرُوهَا حَذَرَ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ(4)، وَالْمُجِدِّ الْكَادح(5). وَأَعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصَارِع الْقُرُونِ قَبْلَكُمْ : قَدْ تَزَايَلَتْ أَوْصَالُهُمْ(6)، وَزَالَتْ أَبْصَارُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ، وَذَهَبَ شَرَفُهُمْ وَعِزُّهُمْ. وَأَنْقَطَعَ سُرُورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ؛ فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ الْأَوْلَادِ فَقْدَهَا ، وَبِصُحْبَةِ الْأَزْوَاجِ مُفَارَقَتَهَا . لَا يَتَفَاخَرُونَ، وَلَا يَتَنَاسَلُونَ، وَلَا يَتَزَاوَرُونَ، وَلَا يَتَحَاوَرُونَ (7).

فَاحْذَرُوا - عِبَادَ اللَّهِ - حَذَرَ الْغَالِبِ لِنَفْسِهِ ، أَلْمَانِعِ لِشَهْوَتِهِ ، النَّاظِرِ بِعَقْلِهِ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ وَاضِحٌ، وَالْعَلَمَ قَائِمُ(8)، وَالطَّرِيقَ جَدَدٌ(9)، وَالسَّبِيلَ قَصْدُ (10).


1) الضمير يرجع إلى الله سبحانه، أي خوّف المكلّفين فأبلغ في التخوف.

2) أسْبَغَ: أي أحاط بجميع وجوه الترغيب.

3) أي كفّوا عن أنفسكم الغمّ لأجلها والاشتغال بها، يقال: غضضت فلاناً عن كذا أي كففته، قال تعالى: «وَأغْضُضْ مِنْ صَوتِكَ » [لقمان 19].

4) الشفيق: الخائف والناصح: الخالص.

5) المجد: المجتهد. والكادح: المبالغ في سعيه، أي فاحذروها على أنفسكم لأنفسِكم كما يحذر الشفيق الناصح على صاحبه، وكما يحذر المجدّ الكادح.

6) تزایلت: تفرّقت. والأوصال: المفاصل أو مجتمع العظام وتفرقها كناية عن تبددهم وفنائهم.

7) المحاورة: المخاطبة والمناجاة، وروى «ولا يتجاورون» بالجيم.

8) العَلَم: ما يستدلّ به في المفازة.

9) الجَدّد: المستوي المسلوك، طريق جَدّد أي سهل واضح.

10) السبيلُ قَصد: أي مستقيم.

162 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

162 - ومن كلام له عليه السلام (1)

لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَقَدْ سَأَلَهُ: «كَيْفَ دَفَعَكُمْ قَوْمُكُمْ عَنْ هَذَا الْمَقَامِ وَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِهِ؟» فَقَالَ:

يَا أَخَا بَنِي أَسَدٍ ،إِنَّكَ لَقَلِقُ الْوَضِينِ(2)، تُرْسِلُ فِي غَيْرِ سَدَدٍ (3)، وَلَكَ بَعْدُ ذِمَامَةُ الصِّهْرِ وَحَقُّ الْمَسْأَلَةِ(4)، وَقَد أَسْتَعْلَمْتَ فَأَعْلَمْ : أَمَّا الاِسْتِبْدَادُ(5)عَلَيْنَا بِهَذَا الْمَقَامِ ، وَنَحْنُ الْأَعْلَوْنَ نَسَباً، وَالْأَشَدُّونَ بِالرَّسُولِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ- نَوْطا(6)، فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةً(7)شَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ


1) رواه الصدوق في (الأمالي ) ص 368) و(العلل) الباب 119 ، كما رواه الطبري في (المسترشد) ص 64.

2) الوَضِين: بطان يشد به الرحل على البعير كالحزام للسرج، فإذا قلق واضطرب اضطرب الرحل، فكثر تململ الجمل، وقل ثباته في سيره، ويُقال للرجل المضطرب في أموره: إنّه لقلقُ الوضين.

3) الإرسال: الإطلاق والإهمال، ويرسل في غير سّدد، أي يتكلَّم في غير قصد وفي غير صواب، ويطلق لسانه بالكلام في غير موضعه كحركة الجمل المضطرب في مشيته. والسَّدَدُ والاسَّتداد: الاستقامة والصواب.

4) ذِمامة الصهر: حرمته، والذمامة: الحماية والكفاية، ويروى: «ماتَّة الصَّهر، أي حرمته ووسيلته. والصّهر: الصلة بين أقارب الزوجة وأقارب الزوج، وإنّما قال (علیه السّلام) : «ولك بعد زمامة الصّهر» لأنّ زينب بنت جَحش زوّج رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كانت أسدية، وأُمّها أُميّة بنت عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف، فهى بنت عمة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، والمصاهرة المشار إليها هي هذه.

5) الاستبداد بالشيء: التفرّد به.

6) النَّوْط: الالتصاق والتعلّق.

7) الأثَرَة: الاختصاص بالشيء دون مستحقه.

آخَرِينَ(1)، وَالْحَكَمُ اللهُ، وَالْمَعْودُ إِلَيْهِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ .

وَدَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ*** وَلَكِنْ حَدِيثاً مَا حَدِيثُ الرَّوَاحِل(2)

وَهَلُمَّ الْخَطْبَ فِي ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ(3)، فَلَقَدْ أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ بَعْدَ إِبْكَائِهِ(4)وَلَا غَرْوَ وَاللهِ(5)، فَيَا لَهُ خَطباً يَسْتَفْرِغُ الْعَجَبَ، وَيُكْثِرُ الْأَوَدَ(6)!

حَاوَلَ الْقَوْمُ إِطْفَاءَ نورِ اللهِ مِنْ مِصْبَاحِهِ، وَسَدَّ فَوَارِهِ مِنْ يَنْبُوعِهِ(7)، وجَدَحُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ شِرْباً وَبِيئاً(8)، فَإِنْ تَرْتَفِعْ عَنَّا وَعَنْهُمْ مِحَنُ الْبَلْوَى، أَحْمِلُهُمْ مِنَ الْحَقِّ


1) شَحَتْ بخلت. وسَخَت: جادت، ويعني بالنفوس التي سَخَتْ نفسه، وبالنفوس التي شخّت نفوس أهل الشورى بعد مقتل عمر، وعلى قول الإمامية أنّها نفوس أهل السقيفة.

2) البيت لامرئ القيس ، قاله عندما كان جاراً لخالد بن سدوس، فأغار عليه بنو جديلة، فذهبوا بأهله فشكا لمجيره خالد، فقال له : «أعطنى رواحلك ألحق بها القوم»، فأردُ إبلك وأهلك، فأعطاه، وأدرك خالد القوم فقال لهم : «ردّوا ما أخذتم من جاري»، فقالوا : «ما هو لك بجار»، فقال : «والله إنّه جاري وهذه رواحله»، فقالوا : «رواحله؟» فقال: «نعم» فرجعوا إليه، وأنزلوه عنهن، وذهبوا بهن. والنَّهب : الغنيمة. وصيح : أي صاحوا للغارة، وحُجراته : جمع حَجَرة: الناحية، ووجه التمثيل ظاهر.

3) يقول(علیه السّلام) : ولكن هيهات ذكر الخطب، فحذف المضاف. والخطب: الحادث الجليل، وعظيم عليك الأمر وعجيبه، يعني الأحوال التي أدّت إلى أن صار معاوية منازعاً في الرئاسة وندّاً له.

4) قال: «فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه» يشير إلى ما كان عنده من الكآبة لتقدّم مَن سلف عليه، فلم يقنع الدّهر له بذلك حتى جعل معاوية نظيراً له فضحك (علیه السّلام) من تصرّف الدّهر وتقلّبه.

5) «ولا غرو والله» أي ولا عَجَب والله، «ويستفرغُ العجب»، أي يستنفذه ويفنيه.

6) الأود: الاعوجاج.

7) الفَوّار والفَوّارة من الينبوع: الثقب الذي يفور الماء منه بشدّة، يعني ما تقدّم من منابذة طَل۫حة والزبير وأصحابهما له، وما شفع ذلك من معاوية وعمرو وشيعتهما.

8) جَدحوا.. أي خلطوه ومزجوه وأفسدوه، والشِّرب: النصيب من الماء. والوبيء: ذو الوباء والمرض، يريد به الفتنة التي يردونها نزاعاً له في حقه، كأنّها ماء خلط بالمواد السامّة القاتلة.

عَلَى مَحْضِهِ (1)وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى(2)، «فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ » .

163 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

163 - ومن خطبة له عليه السلام (3)

فِي الْخَالِقِ جَلَّ جَلالُهُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ الْعِبَادِ ، وَسَاطح الْمِهَادِ (4)، وَمُسِيلِ الْوِهَادِ(5)، وَمُخْصِبٍ النَّجَادِ(6). ليْسَ لِأَوَّلِيَّهِ ابْتِدَاءُ(7)، وَلَا لِأَزَلِيَّهِ أَنْقِضَاء (8)، هُوَ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَزَلْ، وَالْبَاقِي بِلَا أَجَلٍ. خَرَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ، وَوَخَدَتْهُ الشَّفَاهُ. حَدَّ الْأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا


1) الحق المحض: الخالص الذي لا يمازجه باطل، كاللبن المحضِ الذي لا يخالطه شيء من الماء.

2) وإن لا يزالوا مفتونين فلا تمت نفسك غمّا عليهم.

3) روى بعضها أبو نعيم في (حلية الأولياء) ج 1 ص 72 ، والواسطي في (عيون الحكم والمواعظ ).

4) المهاد هنا: الأرض، وأصله الفراش. وساطحه باسطه، وجاعله سطحاً سهلاً، ومنه تسطيح القبور خِلاف تَسنِيمها.

5) الوهاد: جمع وَهْدة، ما انخفض من الأرض. وسيلها: مجرى السِيل فيها وتسييل الوهاد بمياه الأمطار، وتخصيب النجاد بأنواع النبات.

6) النجاد: جمع نجد، ما ارتفع منها. ومخصبها: مروّضها وجاعلها ذوات خِصب.

7) لأنّه لو كان لأوّليته ابتداء لكان محدثاً.

8) إذ لو صحّ عليه العَدَمُ لكان لعدمه سبب، فكان وجوده موقوفاً على انتفاء سبب عدمه، والمتوقِّف على غيره يكون ممكن الذات. وقوله هو الأول لم يَزَل، والباقي بلا أجل» تأكيد لهذين المعنيين.

إِبَانَةٌ لَهُ مِنْ شَبَهِهَا(1). لَا تُقَدِّرُهُ الْأَوْهَامُ بِالْحُدُودِ وَالْحَرَكَاتِ، وَلَا بِالْجَوَارِح وَالْأَدَوَاتِ. لَا يُقَالُ لَهُ: «مَتَى؟» وَلَا يُضْرَبُ لَهُ أَمَدُّ ب- «حَتىَّ» (2). الظَّاهِرُ لَا يُقَالُ: «مِمَّ ؟» (3)وَالْبَاطِنُ لَا يُقَالُ: «فِيم؟ » (4)

بطن؟

لَا شَبَحُ فَيُتَقَصَّى (5)، وَلَا مَحْجُوبُ فَيُحْوَى.

لَمْ يَقْرُبْ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْتِصَاقٍ، وَلَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِأَفْتِرَاقٍ(6)، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَةٍ (7)، وَلَا كرُورُ لَفْظَةٍ(8)، وَلَا أَزْدِلَافُ رَبْوَةٍ(9)، وَلَا أَنْبِسَاطُ خُطوَةٍ، فِي لَيْلٍ دَاجٍ(10)، وَلَا غَسَقٍ سَاجِ(11)، يتقيَّأُ عَلَيْهِ الْقَمَرُ الْمُبِيرُ(12)وَتَعَقُبُهُ الشَّمْسُ ذَاتُ


1) الإبانة ههنا: التمييز والفصل، والضمير في له: يرجع إليه سبحانه، أي تمييزاً لذاته تعالى عن شبهها أي مشابهتها. وإبانة: مفعول لأجله يتعلق بحدّ، أي حدّ الأشياء تنزيهاً لذاته عن مماثلتها.

2) لأنّ متى للزمان وحتى للغاية وواجب الوجود يرتفع عن الزمان، ولا غاية له.

3) ظاهر بآثار قدرته ولا يقال من أي شيء ظهر.

4) أي جعل المخلوقات ذوات حدود ليتميّز هو سبحانه عنها، إذ لا حدّ له، أي لا يقال في ماذا

5) الشّبح: الشاخص، ويُتقصّى: يُطلب أقصاه. [في نسخة عبده: ولا شبح فيَتّقضَّى أي: ليس بجسم فيفنى بالانحلال .

6) لأنّ هذه الأمور كلّها من خصائص الأجسام، وواجب الوجود لا يشبه الأجسام ولا يماثلها.

7) شخوص لحظة: أن تسكن العين فلا تتحرك.

8) ولا كرور لفظه: أي رجوعها.

9) ازدلاف الرَبوة: تقربها من النظر، وظهورها له، لأنّه يقع عليها قبل المنخفضات، أو يريد صعود إنسان أو حيوان ربوة من الأرض، وهي الموضع المرتفع.

10) الداجي: المُظلم.

11) الغَسَق: الليل. وساجٍ: أي ساكن لا حركة فيه.

12) « يتفيّأ عليه» يتقلب ذاهباً وجائياً في حالَتي أخذه في الضوء إلى التبدّر، وأخذه في النقص إلى المحاق، وأصل التفيؤ للظل نسخ نور الشمس، ولما كان الظلام بالليل عاماً كالضياء بالنهار عبر عن نسخ نور القمر له بالتفيؤ تشبيهاً له بنسخ الظل لضياء الشمس، هو من لطيف التشبيه ودقيقه.

النُّورِ فِي الْأُقُولِ وَالْكُرُورِ(1)، وَتَقْلِيبِ الْأَزْمِنَةِ وَالدُّهُورِ، مِنْ إِقْبَالِ لَيْلٍ مُقْبِل، وَإِدْبَارِ نَهَارٍ مُدْبِرٍ. قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ وَمُدَّةٍ(2)، وَكُلِّ إِحْصَاءٍ وَعِدَّةٍ، تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُهُ (3)الْمُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الْأَقْدَارِ (4)، وَنِهَايَاتِ الْأَقْطَارِ(5)، وَتَأْتُلِ الْمَسَاكِنِ(6)، وتَمَكَّنِ الْأَمَاكِنِ(7). فَالْحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ، وَإِلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ .

لَمْ يَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ، وَلَا مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ، بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ، وَصَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ(8). لَيْسَ لِشَيءٍ مِنْهُ أَمْتِنَاعٌ(9)، وَلَا لَهُ بِطَاعَةِ شَيْءٍ انْتِفَاعُ، عِلْمُهُ بِالْأَمْوَاتِ الْمَاضِينَ كَعِلْمِهِ بِالْأَحْيَاءِ الْبَاقِينَ، وَعِلْمُهُ بِمَا فِي السَّمَوَاتِ الْعُلَى كَعِلْمِهِ بِمَا فِي الْأَرْضِينَ السُّفْلَى .


1) «وتعقبه الهاء ترجع إلى القمر، أي وتسير الشمس عقبه في كروره، وأفوله، أي غيبوبته. والكرور: الرجوع بالشروق.

2) قوله: «قبل كلّ غاية» متعلق بيخفى على معنى السلب، أي لا يخفى عليه شيء من ذلك قبل كلّ غاية، أي يعلمه قبل .... ويصح أن يكون خبراً عن ضمير الذات العلية، أي هو موجود قبل كلّ غاية.

3) نَحْلَهُ القول - كَمَنَعَه - : نسبه إليه ، أي عمّا ينسبه المحددون لذاته تعالى والمعرّفون لها.

4) صفات الأقدار: جمع قدر - بسكون الدال - وهو حال الشيء من الطول والعرض والعمق ومن الصغر والكبر.

5) نهايات الأقطار: أى الجوانب، ونهايات الأبعاد الثلاثة المتقدمة.

6) التأثل: التأصّل، مجدٌ مؤثّل أي أصيل، وبيت مؤثّل أي معمور، وكأنّ أصل الكلمة أن تبنى الدار بالأثل، وهو شجر معروف.

7) تمكّن الأماكن: ثبوتها واستقرارها.

8) لم تكن مواد متساوية في القدم والأزلية وكان له أثر التصوير والتشكيل فقط، بل خلق مادة بجوهرها، وأقام لها حدّها، أي ما به امتازت عن سائر الموجودات وصور منها ما صوّر من أنواع النباتات والحيوانات وغيرها.

9) أي لا يمتنع عليه ممكن، إذا قال للشيء كن فيكون.

منها: أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ السَّوِيُّ(1)، وَالْمُنْشَأُ الْمَرْعِيُّ(2)، فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ، وَمُضَاعَفَاتِ الْأَسْتَارِ . بُدِثْتَ «مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (3)»، وَوُضِعْتَ «فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (4)• إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ(5)»، وَأَجَلٍ مَقْسُومٍ(6)، تَمُورُ(7)فِي بَطْنِ أُمِّكَ جَنِيناً لا تُحِيرُ دُعَاءُ(8)، وَلَا تَسْمَعُ نِدَاءً؛ ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إِلَى دَارٍ لَمْ تَشْهَدْهَا(9)، وَلَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا. فَمَنْ هَدَاكَ لااِجْتِرَارِ الْغِذَاءِ مِنْ تَدْيِ أَمِّكَ، وَعَرَّفَكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلَبِكَ وَإِرَادَتِكَ (10)!

هَيْهَاتَ، إِنَّ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَاتِ ذِي الْهَيْئَةِ وَالْأَدَوَاتِ فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ أَعْجَرُ، وَمِنْ تَنَاوُلِهِ بِحُدُودِ الْمَخْلُوقِينَ أَبْعَدُ!


1) السويّ: المستوي الخِلقة غير ناقص.

2) المُنشأ: المبتدَع ، مفعول من «أنشأ» أي خلق وأوجد. المرعيّ: المحوط المحفوظ.

3) أي كان ابتداء خلقك سُلالة، وهي خلاصة الطين، لانّها من بین لبکَدَر،، و«فُعالة» بناء للقلّة، كالقُلامة، والسُلالة من الشيء: ما انسلّ منه. والنطفة: مزيج ينسل من البدن المؤلف من عناصر الأرض المخلوطة بالمواد السائلة، فالمزاج البدني أشبه بالمزاج الطيني، بل هو بنوع اتّقان وإحكام .

4) قال: «ووضعتَ في قِرار مَكّين» والكلام الأول لآدم الذي هو أصلُ البشر، والثاني لذرّيّته والقرار المكين: الرحِم.

5) إلى قدر معلوم: أي مقدِّراً طوله وشكله أو مبلغ المدة المحددة للحمل.

6) إلى أجل مقسوم: مدة حياته.

7) تُمور: تتحرك.

8) لا تحيرُ: من قولهم: «ما أحار جواباً» ما ردّ، أي لا تستطيع دعاء.

9) يعني الدنيا.

10) أي أعلمك بموضع الحَلَمة عند طلبك الرضاع فالتقمتها بفمّك.

164 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

164 - ومن كلام له عليه السلام (1)

لَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَشَكوا مَا نَقَمُوهُ عَلَى عُثْمَانَ، وَسَأَلُوهُ مُخَاطَبَته عَنْهُمْ، وَاسْتِعْتَابَهُ لَهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ:

إِنَّ النَّاسَ وَرَائِي وَقَدِ اسْتَسْفَرُونِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ(2)، وَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ! مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ(3)، وَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ لَا تَعْرِفُهُ.

إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ، مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْءٍ فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ، وَلَا خَلَوْنَا بِشَيْءٍ فَنُبَلِّغَكَهُ. وَقَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا، وَسَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا ، وَصَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - كَمَا صَحِبْنَا. وَمَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَلَا أَبْنُ الْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الْحَقِّ مِنْكَ، وَأَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَشِيجَةَ رَحِمٍ مِنْهُمَا (4)وَقَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِهِ مَا لَمْ يَنَالَا، فَاللَّه اللهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ وَاللهِ مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمَى، وَلَا تُعَلَّمُ مِنْ جَهْلٍ، وَإِنَّ الطُّرُقَ لَوَاضِحَةٌ، وَإِنَّ أَعْلامَ الدِّينِ لَقَائِمَةٌ .


1) رواه البلاذري في (أنساب الأشراف) ج 5 ص 60، والطبري في (تأريخه) في حوادث سنة 34.

2) استسفروني: جعلوني سفيراً ووسيطاً بينك وبينهم.

3) أي من هذه الأحداث خاصة.

4) الوشيجة: عروقُ الشجرة، وهنا: اشتباك القرابة، وإنّما كان عثمان أقرب وشيجة لرسول الله لأنّه من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف رابع أجداد النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، أما أبو بكر فهو من بني تيم بن مرة سابع أجداد النبي، وعمر من بني عدي بن كعب ثامن أجداده(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وأمّا أفضليته عليهما في الصهر: فلأنّه تزوج بنتي رسول الله رقية وأم كلثوم، توفيت الأولى فزوجه النبيّ بالثانية، ولذا سمي «ذا النورين». وغاية ما نال الخليفتان أنّ النبي تزوج من بناتهما.

فَأَعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللهِ عِنْدَاللهِ إِمَامٌ عَادِلٌ ، هُدِي وَهَدَى، فَأَقَامَ سُنَّةٌ مَعْلُومَةً ، وَأَمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةً . وَإِنَّ السُّنَنَ لَنَيّرَةٌ، لَهَا أَعْلَامٌ، وَإِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ، لَهَا أَعْلَامٌ. وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَاللهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَضُلَّ بِهِ ، فَأَمَاتَ سُنَّةٌ مَأْخُوذَةً، وَأَحْيَا بِدْعَةٌ مَتْرُوكةً. وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - يَقُولُ: «يُؤتى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْإِمَامِ الْجَائِرِ وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَلَا عَاذِرُ ، فَيُلْقِيَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى ، ثُمَّ يَرْتَبِطُ (1)فِي قَعْرِهَا» . وَإِنِّي أُنْشُدُكَ اللَّهَ أَلَّا تَكُونَ إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَقْتُولَ! فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ: يُقْتَلُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ إِمَامٌ يَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَةِ، وَيَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا، وَيَبُثُ الْفِتَنَ فِيهَا، فَلَا يُبْصِرُونَ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ ؛ يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجاً، وَيَمْرُجُونَ فِيهَا مَرْجاً (2).

فَلَا تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةٌ (3)يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلَالِ السِّنِّ، وتقضي الْعُمر (4).

فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: كلَّم النَّاسَ فِي أَنْ يُؤْجُلُونِي، حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَظالمهم.

فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلَا أَجَلَ فِيهِ، وَمَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ إِلَيْهِ


1) ربطه فارتبط، أي شدّه وحبسه.

2) مَرَج الدين: أي فسد. والمَرْج: الخلط.

3) السِّيقة: ما استاقه العدوّ من الدواب وكان مروان كاتباً ومشيراً لعثمان.

4) [أثبت ابن أبي الحديد في المتن: جلال السن] والجُلال - بالضم - : الجليل، أي بعد السن الجليل، أي العمر الطويل.

165 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

165 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

يَذْكُرُ فِيهَا عَجِيبَ خِلْقَةِ الطَّاوُوسِ

ابْتَدَعَهُمْ خَلْقاً عَجِيباً مِنْ حَيَوَانٍ وَمَوَاتٍ(2)، وَسَاكِنٍ وَذِي حَرَكَاتٍ (3)وَأَقَامَ مِنْ شَواهِدِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى لَطِيفِ صَنْعَتِهِ ، وَعَظِيمٍ قُدْرَتِهِ ، مَا أَنْقَادَتْ لَهُ الْعُقُولُ مُعْتَرِفَةً وَمُسَلَّمَةٌ لَهُ، وَنَعَقَتْ (4)فِي أَسْمَاعِنَا دَلَائِلُهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَمَا ذَرَأَ(5)مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الْأَطْيَارِ الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الْأَرْضِ(6)، وَخُرُوقَ فِجَاجِهَا(7). وَرَوَاسِيَ أَعْلَامِهَا (8)، مِنْ ذَاتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَهَيْئَاتٍ مُتَبَابِنَةٍ ، مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامٍ التَّسْخِيرِ (9)، وَمُرَفْرِفَةٍ (10)بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ (11)الْجَوِّ الْمُنْفَسِحِ، وَالْفضَاءِ


1) رواها الزمخشري في الجزء الأول من (ربيع الأبرار)، وفسّر ابن الأثير في (النهاية) غريبها.

2) المَوات: ما لا حياة فيه، وأرض موات أي قَفر.

3) الساكن - هنا - كالأرض والجبال، وذو الحركات كالنار والماء الجاري والحيوان.

4) نَعقَتْ: من نَعَقَ يغنمه: صاح.

5) ذرأ : خلق.

6) أخاديد الأرض: شقوقها، جمع أُخْدُود.

7) الخروق: جمع خرق، الأرض الواسعة تتخرق فيها الرياح. وفجاجها: جمع فجّ وهو الطريق بين الجبّلين، وقد يستعمل في متسع الفلا.

8) رواسي أعلامها: أثقال جبالها، والأعلام : جمع عَلَم - بالتحريك - : وهو الجبل.

9) يصرفها الله في أطوار مختلفة تنتقل فيها بزمام تسخيره، واستخدامه لها فيما خلقها لأجله.

10) مرفرفة : من رفرف الطائر، بسط جناحيه.

11) المخارق: جمع مخرق، الفلاة، وشبه الجو بالفلا للسعة فيهما.

الْمُنْفَرِج كَوَنهَا بَعْدَ إِذْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ، وَرَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ (1)، وَمَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ (2)خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ فِي الْهَوَاءِ خُفُوفاً(3)، وَجَعَلَهُ يَدِفُّ دَفِيفاً(4)، وَنَسَقَهَا(5)عَلَى اخْتِلَافِهَا فِي الْأَصَابِيغِ(6)بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ، وَدَقِيقِ صَنْعَتِهِ، فَمِنْهَا مَغْمُوسُ فِي قَالَبٍ (7)لَوْنٍ لَا يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيهِ؛ وَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي لَوْنِ صِبْعَ قَدْ طُوِّقَ بِخِلَافِ مَا صُبغَ بِهِ .(8).

وَمِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطَّاوُوسُ ، الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَمِ تَعْدِيلٍ، وَنَضَدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيد(9)،ٍ بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ(10)، وَذَنْبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ إِذَا دَرَجَ إِلَى الْأُنْثَى نَشَرَهُ مِنْ طَيْهِ، وَسَمَا بِهِ مُطِلاً عَلَى رَأْسِهِ (11)، كَأَنَّهُ قِلْعُ دَارِيٌّ عَنَجَهُ


1) الحقاق: جمع حُق - بالضم - مجتمع المفصلين. واحتجاب المفاصل: استتارها باللحم والجلد.

2) عَبَالة الحيوان: كثافة جَسده، والعبالة: الضخامة.

3) الخفوف: سرعة الحركة. ويسمو: يرتفع .

4) الدفيف للطائر: طيرانه فُوَيق الأرض، أو أن يحرك جناحيه ورجلاه في الأرض، يقال : عُقاب دَفُوف.

5) نسقها: رتبها.

6) الأصابيغ: جمع أصباغ، وأصباغ: جمع صِبغ - بالكسر - وهو اللون أو ما يصبغ به.

7) القالب: مثال تفرغ فيه الجواهر لتأتي على قدره، والطائر ذو اللون الواحد كأنّما أفرغ في قالب من اللون.

8) قوله: «قد طوّق» أي جميع بدنه بلون واحد إلّا لون عنقه فإنّه يخالف سائر ،بدنه، كأنّه طوقُ صِيغَ لحليته. وروي: «قد طورق لون» أي على لون، كما تقول: طارقت بين الثوبين.

9) نضّد: رتّب، والتنضيد: النظم والترتيب.

10) قوله «أشرج قصبه»: القصب ههنا: عروق الجناح، وأشرجَها: ركَب بعضها في بعض، أي داخل بین آحاده ونظمها على اختلافها في الطول والقصر، وإذا مشى إلى أنثاه ليسافدها نشر ذلك الذنب بعد طيّه.

11) سما به: أي ارتفع به، أي رفعه، ومطلّاً على رأسه، أي مشرفاً عليه كأنّه يظلله.

نُوتِيُّهُ (1). يَخْتَالُ بِأَلْوَانِهِ (2)، وَيَمِيسُ بِزَيفَانِهِ (3). يُفْضِي كَإِفْضَاءِ الدِّيَكَةِ(4)، وَيَؤُرُ بِمَلَاقِحِهِ(5)أَرَّ الْفُحُولِ الْمُغْتَلِمَةِ(6)لِلضَّرَابِ (7). أُحِيلُكَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مُعَايَنَةٍ (8)

يقول: إن لم يكفك الخبر فإنّي أحولك عنه إلى المعاينة فاذهب وعاين تجد صدق ما أقول.

، لا كَمَنْ يُحِيلُ عَلَى ضَعِيفٍ إِسْنَادُهُ . وَلَوْ كَانَ كَزَعْمِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُلْقَحُ بِدَمْعَةٍ تَسْفَحُه مَدَامِعُهُ(9)، فَتَقِفُ فِي ضَفَتَيْ جُنُونِهِ(10)، وَأَنَّ أَنْتَاهُ تَطْعَمُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَبِيضُ لَا مِنْ لِقَاحِ فَحْلٍ سِوَى الدَّمْعِ الْمُنْبَجِسِ (11)لَمَا كَانَ ذَلِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَةِ الْغُرَابِ (12)!

1) القلع: شِراع السفينة، وجمعه قِلاع. والدّاريّ: جالب العطر في البحر من دَارِين، وهي فُرْضه بالبحرين فيها سوق يحمل إليها المسّك من الهند. والنُّوتي: الملّاح، وجمعه نواتيّ، وعَنجه: عَطَفَه وجذبه فرفعه، من عنجت البعير إذا جذبته بخطامه فرددته على رجليه .

2) يختال: من الخُيّلاء، وهي العُجب.

3) يميس: يتبختر. وزَيفانه: تبختره، ومنه ناقة زيّافة أي مختالة، وأصل الزيَفَان التبختر ، ويريد به هنا حركة ذنب الطاووس يميناً وشمالاً.

4) يُقضي: أي يسافد أنثاه كما تسافد الديكة، جمع ديك.

5) الأرّ: الجماع. ومَلاقحه: أدوات اللقاح وأعضاؤه وهي آلات التناسل.

6) أرَ الفحول: أي أراً مثل أرّ الفحول ذات العلمة والشَّبَق، والمغتلمة: على صيغة اسم الفاعل، من اغتلم إذا غلب للشهوة.

7) الضراب: لقاح الفحل لأنثاه.

8) أي إنّه لم يقل ذلك عن إسناد قد يضعّف ويتداخله الطعن، بل قال ذلك عن عيان ومشاهدة.

9) تسفحها: تصبّها، وترسلها أوعية الدمع، وروي «تنشجها مدامعه» من النشيج، وهو صوت الماء وغَليانه من زقُ أو قِدر.

10) ضفة الجفن: استعارة من ضفتي النهر بمعنى جانبيه. وتَطْعَم ذلك - كتعلم - : تذوقه كأنّها تترشفه.

11) لقاح الفحل: ماء التناسل يلقح به الأنثى. والمنبجس: النابع من العين.

12) «لما كان ذلك بأعجب» أي لو صحّ ذلك الزعم في الطاووس لكان له نظير فيما زعموا في مطاعمة الغراب وتلقيحه لأنثاه حيث قالوا: إنّ مطاعمة الغراب بانتقال جزء من الماء المستقر في قانصة الذكر إلى الأُنثى تتناوله من منقاره. والمماثلة بين الزعمين في عدم الصحة، ومنشأ الزعم في الغراب إخفاؤه لسفاده حتى ضرب المثل بقولهم: أخفى من سفاد الغراب.

تَخَالُ قَصَبَهُ مَدَارِيَ مِنْ فِضَّةٍ(1)، وَمَا أُثْبِتَ عَلَيْهَا مِنْ عَجِيبِ دَارَاتِهِ وَشُمُوسِهِ خَالِصَ الْعِقْيَانِ (2)وَفِلَذَ الزَّبَرْجَدِ (3). فَإِنْ شَبَّهْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ(4)الْأَرْضُ قُلْتَ: جُنِيَ جَنِيٌّ مِنْ زَهْرَةِ كُلِّ رَبيع (5)، وَإِنْ ضَاهَيْتَهُ(6)بِالْمَلَابِسِ فَهُوَ كَمَوْشِيِّ الْحُلَلِ(7)، أَوْ كَمُونِقِ عَصْبِ الْيَمَنِ(8). وَإِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحُلِيِّ (9)فَهُوَ كَفُصُوصٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ قَدْ نُطِقَتْ بِاللُّجَيْنِ الْمُكَلَّلِ (10).

يَمْشِي مَشْيَ الْمَرِح الْمُخْتَالِ (11)، وَيَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وَجَنَاحَهُ، فَيُقَهْقِهُ ضَاحِكاً


1) قَصَبُهُ: عظام أجنحته، والمداري: جمع مِدْرَى، وهو في الأصل القَرْن، ويقال المِدْرَى لشيء كالمِسَلَة تُصلِحُ بها الماشطة شُعُور النساء، قال ابن الأثير: «المدرى والمدراة مصنوع من حديد أو خشب على شكل سن من أسنان المشط وأطول منه، يسرّح به الشعر المتلبّد ويستعمله من لا مشط له»، شبّه عظام أجنحة الطاووس بمدارَى من فضّة لبياضها.

2) شبّه ما أنبت الله عليها من تلك الدّارات والشموس التي في الرّيش بخالِصِ العقيان، وهو الذّهب أو ما ينمو منه فى معدنه. والدارات: هالات القمر.

3) فلذ: جمع فلذة بمعنى القطعة.

4) ما أنبت: معطوف على قصبه، والتشبيه في بياض القصب والصفرة والخضرة في الريش.

5) جُنيّ: أي مجتنى جمع كلّ زهر لأنّه جمع كلّ لون، يقول: إن شبّهته بنبات الأرض قلت: إنّه قد جُنِيّ من زهرة كلّ ربيع في الأرض لاختلاف ألوانه وأصباغه.

6) المضاهاة: المشاكلة.

7) مؤشي الحُلَل: ما دُبّج بالوشي وهو الأرقم الملوّن، المنقوش المنمنم، على صيغة اسم الفاعل.

8) العَصْب يُرود اليمن.

9) الحُليّ: جمع حَلْي، وهو ما تلبسه المرأة من الذهب والفضة.

10) نطِقّت باللجين: جعلت الفضّة كالنَّطاق لها. والمكَلّل: ذو الإكليل، المزين بالجواهر، فكما تمنطقت الفصوص باللجين كذلك زين اللجين بها.

11) المَرح: المعجب والمختال الزاهي بحسنه.

لِجَمَالِ سِرْبَالِهِ(1)، وَأَصَابِيغِ وِشَاحِهِ (2)فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ زَقَا مُعْوِلاً (3)بِصَوْتٍ يَكَادُ يُبِينُ عَنِ اسْتِغَاثَتِهِ، وَيَشْهَدُ بِصَادِقِ تَوَجُعِهِ، لأَنَّ قَوَائِمَهُ حُمْسٌ (4)كَقَوَائِمِ الدِّيَكَةِ الْخِلَاسِيَّةِ (5). وَقَدْ نَجَمَتْ (6)مِنْ ظُنُّبُوبِ (7)سَاقِهِ صِيصِيَةٌ خَفِيَّةٌ (8)، وَلَهُ فِي مَوْضِعِ الْعُرْفِ قُنَزُعَةٌ (9)خَضْرَاءُ مُوَشَّاةٌ(10)، وَمَخْرَجُ عُنُقِهِ كَالْإِبْرِيقِ ، وَمَغْرِزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْنُهُ كَصِبْغِ الْوَسِمَةِ الْيَمَانِيَّةِ (11)، أَوْ كَحَرِيرَةٍ مُلْبَسَةٍ مِرْأَةً ذَاتَ


1) السَّرْبال: اللباس مطلقاً أو هو الدرع خاصة.

2) الوشاح: نظامان من لؤلؤ وجوهر يخالف بينهما ويعطف أحدهما على الآخر بعد عقد طرفه به حتى يكونا كدائرتين إحداهما داخل الأخرى، كلّ جزء من الواحدة يقابل جزءاً من قرينتها، ثم تلبسه المرأه على هيئة حمالة السيف، وأديم عريض مرصع بالجواهر يلبس كذلك ما بين العاتق والكشح.

3) زَقَا: صَوّت. مُعولاً صارخاً، وأعول فهو معول رفع صوته بالبكاء يكاد يبين - أي يفصح - عن استغاثته من كراهة قوائمه، أي ساقيه.

4) قوائمه حُمْش: دِقاق، جمع أحمش، أي دقيق.

5) الدِّيكة الخِلاسيّة: هي المتولّدة من الدجاج الهندي والفارسي. يقول(علیه السّلام) : إنّ الطاووس يَزْهَو بنفسه ويتيه إذا نظر فى أعطافه، ورأى ألوانه المختلفة، فإذا نظر إلى ساقَيه وَجَم لذلك وانكسر نشاطه وزهوه، فصاح صباح العويل لحزنه وذلك لدقة ساقيه ونُتوء عَرقوبَيه.

6) نَجَمَتْ: ظهرت و نبتت.

7) الظَّنبوب: حَرْف الساق، وهو هذا العظم اليابس.

8) الصّيصية في الأصل: شوكة الحائك التي يسوّي بها السَدَاة واللّحمة، ونُقِل الى صِيصية الدّيك لتلك الهيئة، وهي الشوكة التي في رجله.

9) العُرْف: الشعر المرتفع من عُنقه على رأسه. والقُنْزعة: واحدة القنازع، وهي الشّعر حوالي الرأس، والخصلة من الشعر تترك على رأس الصبي.

10) موشّاة: ذات وشي، ومنقوشة.

11) مغرزها: الموضع الذي غرز فيه العنق منتهياً إلى مكان البطن، لونه كلون الوسمة، وهي نبات يخضب به، أو هي نبات النيل الذي منه صبغ النيلج المعروف بالنيلة.

صِقَالٍ(1)، وَكَأَنَّهُ مُتَلَفِّعُ بِمِعْجَرٍ أَسْحَمْ(2)إِلَّا أَنَّهُ يُخَيَّلُ لِكَفْرَةِ مَائِهِ، وَشِدَّةِ بَرِيقِهِ، أَنَّ الْخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ مُمْتَزِجَةٌ بِهِ. وَمَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خَطُّ كَمُسْتَدَقِّ الْقَلَمِ فِي لَوْنِ الْأَقْحُوَانِ (3)البابونج: جنس نباتات عشبيّة يستعمل في الصباغة أو التداوي (معرّبة). (4)، أَبْيَضُ يَقَقِّ(5)، فَهُوَ بِبَيَاضِهِ فِي سَوَادِ مَا هُنَالِكَ يَأْتَلِقٌ(6)، وَقَلَّ صِبْعُ إِلَّا وَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطٍ (7)، وَعَلَاهُ بِكَثْرَةِ صِقَالِهِ (8)وَبَرِيقِهِ، وَبَصِيصِ دِيبَاجِهِ وَرَوْنَقِهِ (9). فَهُوَ كَالْأَزَاهِيرِ الْمَبْثُوثَةِ(10)، لَمْ تُرَبِّهَا أَمْطَارُ رَبيع (11)، وَلَا شُمُوسُ قَيْظٍ (12).

وَقَدْ يَنْحَسِرُ مِنْ رِيشِهِ (13)، وَيَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ ، فَيَسْقُطُ تَتْرَى (14)، وَيَنْبُتُ تِبَاعاً،


1) الصقال: الجلاء.

2) المتلفّع: الملتحف. والمِعْجَر: وهو ما تشدُّه المرأة على رأسها كالرِّداء، فتضع طرفه على رأسها ثم تمر الطرف الآخر من تحت ذقنها حتى تردّه إلى الطرف الأول، فيغطي رأسها وعنقها وعاتقها وبعض صدرها، وهو معنى التلفّع ههنا. والأسحم: الأسود.

3) الأقحوان: البابونج

4) الأبيض وجمعه أقاح.

5) أبيض يَقَق: خالص البياض.

6) يأتِلق: يلمع.

7) قِس۫ط: نصيب.

8) علاه: أي فاق اللون الذي أخذ نصيباً منه بكثرة جلانه.

9) البصيص: البريق، وبصّ الشيء: لَمَع ، والرونق: الحسن.

10) الأزاهير: جمع أزهار، وهو جمع زهر.

11) تربّها الأمطار: تربيّها وتجمعها ، يقول(علیه السّلام) : كأنّ هذا الطائر ملتحِف بملحقة سوداء، إلّا أنّها لكثرة رونقها يتوهّم أنّه قد امتزج بها خضرة ناضرة، وقلّ أن يكون لون إلّا وقد أخذ هذا الطائر منه بنصيب، فهو كأزهاير الربيع، إلّا أنّ الأزهار تربيّها الأمطار والشموس، وهذا مستغن عن ذلك.

12) القَيظ : الحر.

13) ينحسر من ريشه: ينكشف فيسقط، من حسره أي كشفه، ويروى: «يتحسّر».

14) تَث۫رى: أي شيئاً بعد شيء وبينهما فترة. «وينبتُ تباعاً»، أي لا فترات بينهما.

فَيَنْحَتُ مِنْ قَصَبِهِ أَنْحِتَاتَ أَوْرَاقِ الْأَغْصَانِ (1)، ثُمَّ يَتَلَاحَقُ نَامِيا (2)حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ ، لَا يُخَالِفُ سَالِفَ أَلْوَانِهِ، وَلَا يَقَعُ لَوْنٌ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ! وَإِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرةً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ أَرَتْكَ حُمْرَةً وَرْدِيَّةً ، وَتَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةً(3)، وَأَحْيَاناً صُفْرَةٌ عَسْجَدِيَّةٌ(4)، فَكَيْفَ تَصِلُ إِلَى صِفَةِ هَذَا عَمَائِقُ الْفِطَنِ (5)، أَوْ تَبْلُغُهُ قَرَائِحُ الْعُقُولِ(6)، أَوْ تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهُ أَقْوَالُ الْوَاصِفِينَ! وَأَقَلُّ أَجْزَائِهِ قَدْ أَعْجَزَ الأَوْهَامَ أَنْ تُدْرِكَهُ، وَالأَلْسِنَةَ أَنْ تَصِفَهُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بَهَرَ الْعُقُولَ(7)عَنْ وَصْفِ خَلْقِ جَلَّاهُ لِلْعُيونِ(8)، فَأَدْرَكَتْهُ مَحْدُوداً مُكَوَّناً ، وَمُؤَلَّفاً مُلَوَّناً، وَأَعْجَزَ الْأَلْسُنَ عَنْ تَلْخِيصِ صِفَتِهِ، وَقَعَدَ بِهَا عَنْ تَأْدِيَةِ نَعْتِهِ! وَسُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ قَوَائِمَ الذَّرَّةِ (9)

وقوائمها: أرجلها.

وَالْهَمَجَةِ (10)إِلَى مَا فَوْقَهُمَا مِنْ خَلْقِ الْحِيتَانِ وَالْفِيلَةِ! وَوَأَى (11)على نَفْسِهِ أَلَّا

1) ينحت: يتساقط، وانحتاتُ الورق: تناثرها.

2) نامياً: زائداً.

3) الخضرة الزّبرجديّة: منسوبة الى الزّبرجد، ولفظة «الزبرجد » تارة تستعمل له، وتارة لهذا الحَجر الأحمر المسمّى «بلخش».

4) عسجديّة: ذهبية، العسجد: الذهب.

5) عمائق الفِطَن: البعيدة القَعْر ،جمع عميقة.

6) القريحة: الخاطر والذهن.

7) بهَرَ: غَلَب، بهر العقول: قهرها فردّها.

8) جلّاه: أظهره وكشفه، ويروى بالتخفيف.

9) أدمج القوائم : أحكمها، كالحبل المدمّج الشديد الفَتل، أو أودعها فيها. والذرّة : النملة الصغيرة.

10) الهَمَجَة: واحدة الهمج، وهو ذباب صغير يسقط على وجوه الغنم.

11) وَأَى: وَعْد، والوأي: الوعد.

يَضْطَرِبَ شَبَحٌ مِمَّا أَوْلَجَ فِيهِ الرُّوحَ إِلَّا وَجَعَلَ الْحِمَامَ(1)مَوْعِدَهُ، وَالْفَنَاءَ غَايَتَهُ.

مِنْهَا فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ

فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ (2)نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ (3)عَنْ بَدَائِع مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا، وَزَخَارِفِ(4)مَنَاظِرِهَا، وَلَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ أصْطِفَاقِ أَشْجَارِ (5)غُيِّبَتْ عُرُوتُهَا فِي كُثبَانِ(6)الْمِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا .

وَفِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُوِ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا وَأَفْنَانِهَا(7)، وَطُلُوعِ تِلْكَ الثَّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا (8)، تُجْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلَّفٍ (9)فَتَأْتِي عَلَى مُنْيَةٍ مُجْتَنِيهَا (10). وَيُطَافُ عَلَى نُزَالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالْأَعْسَالِ الْمُصَفَّقَةِ (11)وَالْخُمُورِ الْمُرَوَّقة


1) الحِمام: الموت.

2) رميت بيصر قلبك: أي أفكّرت وتأمّلت.

3) عَزَفَتْ نفسُك: كرهت وزهدت. عزفت الإبل : اشتكت بطونها من أكل العزف، وهو الثمام، أي لكرهت بدائع الدنيا كما تكره الإبل النمام أو لتألمت نفسك من النظر والتناول لما تراه من بدائع الدنيا كما تألم بطون الإبل من أكل الثمام.

4) الزخارف: جمع زُخرف، وهو الذهب وكلّ مموّه.

5) اصطفاق الأشجار: تضارب أوراقها بالنسيم بحيث يسمع لها صوت. وفي نسخة ابن أبي الحدید: اصطفاف الأشجارا واصطفاف الأشجار: انتظامها صَفَاً.

6) الكثبان: جمع كثيب، وهو التل.

7) الأفنان : جمع فَنّن - بالتحريك - وهو الغصن .

8) غُلُف - بضمتين - : جمع غلاف. والأكمام: جمع كِمُ - بكسر الكاف - وهو وعاء الطلع وغطاء النوار.

9) تُجنى: تُقطّف. [وفي نسخة عبده : تُحنى] من حناه حنوا: عطفه.

10) لا يترك له مُنْية أصلاً لأنّه يكون قد بلغ نهاية الأماني.

11) المُصفّقة : المصفّاة، والعسل المصفّق: المصفَّى.

قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الْكَرَامَةُ تَتَمَادَى بِهِمْ حَتَّى حَلُّوا دَارَ الْقَرَارِ (1)، وَأَمِنُوا نُقْلَةَ الْأَسْفَارِ، فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ بِالْوُصُولِ إِلَى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ الْمَنَاظِرِ الْمُونِقَةِ (2)لَزَهِقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إِلَيْهَا (3)، وَلَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا إِلَى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ الْقُبُورِ اسْتِعْجَالاً بِهَا ، جَعَلَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْعَى بِقَلْبِهِ إِلَى مَنَازِلِ

الْأَبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ!

في تفسير بعض ما في هذه الخطبة من الغريب

في تفسير بعض ما في هذه الخطبة من الغريب (4)

قال الرضي (رحمه الله) قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلام: «يؤُرُّ بِمَلَافِحِهِ» الأَرُّ : كنَايَةُ عن النِّكَاح ، يُقَال: أَرَّ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ يَؤُدُّهَا ، إِذَا نَكَحَهَا. وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَام: «كأنه قَلْعُ دَارِيِّ عَنَجَهُ نُونِيُّهُ». الْقَلْع: شِرَاعُ السفينة . وَدَارِيُّ: منسوب إِلَى دَارِين، وهي بلدةٌ عَلَى الْبحرِ يُحْلَبُ منها الطِّيبُ ، وَعَنَجَهُ ، أَى عَطَفَهُ، يقال: عَنَجْتُ الناقة. أَعْنُجُهَا إِذا عَطَفْتُهَا . وَالنُّونى: المَلاحُ.

وقوله عَلَيْهِ السَّلام: «ضَفَتَيْ جُفُونِهِ»، أَراد جَانِبَيْ جُفُونِهِ، وَالصَّفَتَانِ: الْجَانِبَانِ . وقوله: «وَفِلَدْ الزَّبَرْجَدِ»، الْفِلَذُ: جمع فِلْذَةٍ، وَهِيَ الْقِطْعَة .

وقوله عَلَيْهِ السَّلام: «كَبَائِسِ اللُّؤْلُو الرَّطِبِ» الْكِبَاسَةُ : الْعِدْقُ (5).

وَالْعَسَالِيجُ: الْغُصون، واحدهَا عُسْلُوجٌ.


1) قوله: «قوم ... » أي هم قوم، أي نزال الجنة قوم شأنهم ما ذكره.

2) المونقة: المعجِبة.

3) زهقت نفسه: مات.

4) هذا التفسير غير موجود في بعض النسخ.

5) العِذق للنخلة كالعنقود العنب: مجموع الشماريخ وما قامت عليه من العُرْجون.

166 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

166 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي الْحَثِّ عَلَى التَّالُفِ

لِيَتَأَسَ صَغِيرُكُمْ بِكَبِيرِكُمْ(2)وَلْيَرْأَفْ كَبِيرُكُمْ بِصَغِيرِكُمْ؛ وَلَا تَكُونُوا كَجْفَاةِ الْجَاهِلِيَّةِ : لَا فِي الدِّينِ يَتَفَقَّهُونَ(3)، وَلَا عَنِ اللَّهِ يَعْقِلُونَ؛ كَفَيْضِ بَيْضٍ فِي أَدَاحٍ (4)

شبّههم ببيضِ الأفاعي في الأعشاش، يُظنّ بيض القطا فلا يُكسر، وحضانه يُخْرج شرّاً لأنّه يفقصُ عن أفعى. واستعار لفظة «الأداحي» للأعشاش مجازاً لأنّ الأداحي لا تكون إلّا للنعام تدحوها بأرجلها وتبيض فيها، ودَحوها: توسيعها. وكذلك الإنسان الجاهل الجافي صورته الإنسانية تمنع من إتلافه، ولا ينتج الإبقاء عليه إلّا شرّاً، فإنّه بجهله يكون أشدّ ضرراً على الناس من الثعبان بسمه.

، يَكُونُ كَسْرُهَا وِزْراً ، وَيُخْرِجُ حِصَاتُهَا شَرّاً .

منها: أَفْتَرَقُوا بَعْدَ أُلْفَتِهِمْ، وَتَشَتّتُوا عَنْ أَصْلِهِم(5)، فَمِنْهُمْ آخِذُ بِغُصْنٍ(6)، أَيْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ. عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَجْمَعُهُمْ لَشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ(7)، كَمَا يَجْتَمِعُ


1) رواها قبل الرضيّ سليمُ بن قيس في (كتابه) ص 89، والمفيد في (الإرشاد) ص 373.

2) لِيَتأسَ: أي لِيَقْتدِ.

3) روي: «تتفقهون» بناء الخطاب.

4) القَيْض: القشرة العليا اليابسة على البيضة، والأداحي: جمع أدحى، وهو مبيض النعام في الرمل.

5) عن أصلهم: أي عنّي بعد مفارقتي.

6) «فمنهم آخذ بغصن» أي يكون منهم مَن يتمسّك بمن أُخلّفه يعدي من ذرية الرسول.

7) قال: إنّ هؤلاء القوم الثابت على عقيدته فينا وغير الثابت سيجمعهم الله تعالى لشرّ يوم لبني أمیة.

فَزَعُ الْخَرِيفِ (1)! يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ (2)ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ لَهُمْ أَبْوَاباً . يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَتَارِهِمْ (3)كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ(4)، حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَيْهِ قَارَهُ(5)، وَلَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ(6)، وَلَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ(7)رَصُّ طَوْدٍ (8)، وَلَا حِدَابُ أَرْضِ(9)، يُذَعْذِعُهُمُ اللَّهُ فِي بُطُونِ أَودِيَتِهِ (10)، ثمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ(11)، يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ ، وَيُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْمِ(12). وَأَيمُ اللَّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ (13)بَعْدَ الْعُلُوِّ وَالتَّمْكِينِ، كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ(14)عَلَى النَّارِ .


1) القَزّع - محرّكاً - : القطع المتفرقة من السحاب واحدته قزّعة - بالتحريك.

2) الرُكام: السحاب المتراكم، وركمت الشيء ،أركُمه، إذا جمعتُه وألقيتُ بعضه على بعض.

3) مستثارهم: موضع ثورتهم.

4) سيل الجنتين: هو الذي سماه الله سيل العرم الذي عاقب الله به سبأ على ما بطروا نعمته، فدمّر جنّاتهم، وحول نعيمهم شقاء.

5) قارة: وهي الجُبيل الصغير، وما اطمأن من الأرض.

6) الأكمة: الثَّلْعَة من الأرض.

7) سَنّنه: أي طريقه.

8) الطود: الجبل العظيم، والمقصود الجمع. والرصّ: يراد به الارتصاص، أي الانضمام والتلاصق، أي لم يمنع جريته تلاصق الجبال.

9) جِدَاب أرض : جمع حَدَبة أو جمع حَدَب - بالتحريك - ، ما غلظ من الأرض في ارتفاع.

10) الذعذعة: التفريق، وذعذعة الشرّ: إذاعته. وبطون الأودية كناية عن مسالك الاختفاء.

11) «ثم يسلكهم ينابيع في الأرض» أي أنّهم يسرّون دعوتهم وينفثونها في الصدور حتى تثور ثائرتها في القلوب كما تفور الينابيع من عيونها. وقد كان ذلك في قيام الهاشميين على الأمويين في زمن مروان الحمار.

12) أي يفرّقهم الله تعالى في بطون الأودية وغوامض الأغوار، ثم يظهرهم بعد الاختفاء فيأخذ من قوم حقوق آخرين، ويمكن منهم قوماً من ملك قوم وديارهم.

13) الضمير في أيديهم لبني أمية.

14) الألية: الشحمة.

أَيُّهَا النَّاسُ ، لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نَصْرِ الْحَقِّ، وَلَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ ، لَمْ يَطْمَعْ فِيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ، وَلَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ، لَكِنَّكُمْ تِهْتُمْ مَتَاهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَلَعَمْرِي، لَيُضَعَّفَنَّ لَكُمُ النِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافاً(1)، بِمَا خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَقَطَعْتُمُ الْأَدْنَى(2)، وَوَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ. واعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمُ الدَّاعِيَ لَكُمْ، سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ، وَكُفِيتُمْ مَؤُونَةَ الاِعْتِسَافِ (3)، وَتَبَذْتُمْ الثَّقْلَ الْفَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاقِ(4).

167 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

167 - ومن خطبة له عليه السلام (5)

فِي أَوَّلِ خِلافَتِهِ

إِنَّ اللهَ تَعَالَى سُبْحَانَهُ أَنْزَلَ كِتَاباً هَادِياً بَيَّنَ فِيهِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ ، فَخُذُوا نَهْجَ الْخَيْرِ تَهْتَدُوا، وَأصْدِفُوا عَنْ سَمْتِ الشَّرِّ (6)تَقْصِدُوا (7).


1) ليُضَعَّفَنَّ لكم التيه: يعني الضلال، يضعفه لكم الشيطان وأنفسكم، ولَتُزادنَّ لكم الحيرة أضعاف ما هي لكم الآن.

2) الأدني يعني نفسه، والأبعد يعني معاوية، ويروى: «إن اتبعتم الراعي لكم».

3) الاعتساف: سلوك غير الطريق.

4) الفادح: الثَّقَل، فدحه الدَّيْنِ: أثقله.

5) رواها الطبري في (تأريخه ) ج 5 ص 157 في حوادث سنة 35.

6) اصدفوا عن سَمْت الشر: أي أعرضوا عن طريقه، صَدَفَ أَعْرَضَ. والسمت: الجهة.

7) تقصدوا: أي تعدلوا وتستفيموا، والقصد: العدل.

الْفَرَائِضَ الْفَرَائِضَ! أَدُّوهَا إِلَى اللهِ تُؤَدِّكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ . إِنَّ اللهَ حَرَّمَ حَرَاماً غَيرَ مَجْهُولٍ ، وَأَحَلَّ حَلَالاً غَيْرَ مَدْخُولٍ(1)، وَفَضَّلَ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحُرَمِ كُلِّهَا ، وَشَدَّ بِالْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا (2)، فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا يَحِلُّ أَذَى الْمُسْلِمِ إِلَّا بِمَا يَجِبُ .

بَادِرُوا أَمْرَ الْعَامَّةِ وَخَاصَّةَ أَحَدِكُمْ وَهُوَ الْمَوْتُ (3)

وفي تقديم الإمام أمر العامة على أمر الخاصة دليل على أنّ الأول أهم ولا يتم الثاني إلّا به، وهذا ما تضافرت عليه الأدلّة الشرعية وإن غفل عنه الناس فى أزماننا هذه. وسمّى الموت الواقعة العامة لأنّه يعمّ الحيوان كلّه، ثم سمّاء خاصة أحدكم لأنّه وإن كان عاماً إلّا أنّ له مع كل إنسان بعينه خصوصية زائدة على ذلك العموم.

، فَإِنَّ النَّاسَ أَمَامَكُمْ(4)، وَإِنَّ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ(5)مِنْ خَلْفِكُمْ. تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا ، فَإِنَّمَا يُنْتَظرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ(6).

اتَّقُوا اللهَ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ، فَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَالْبَهَائِمِ.

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَلَا تَعْصُوهُ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الْخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الشَّرَّ فَأَعْرِضُوا

عَنْهُ.


1) غير مدخول: أي لا عيب ولا نقص فيه.

2) أي جعل الحقوق مرتبطة بالإخلاص والتوحيد لا تنفك عنه، لأنّ الإخلاص والتوحيد داعيان إلى المحافظة على حقوق المسلمين صارفان عن انتهاك محارمهم. ومعاقد الحقوق: مواضعها من الذمم.

3) بادره: عاجله، أي عاجلوا أمر العامة بالإصلاح لئلا يغلبكم الفساد فتهلكوا ، فإذا انقضى عملكم في شؤون العامة، فبادروا الموت بالعمل الصالح كيلا يأخذكم على غفلة فلا تكونوا منه على أهبة.

4) فإنّ الناس أمامكم: أي سبقوكم، وروي: «فإن البأس أمامكم» يعني الفتنة. والرواية الأولى أظهر.

5) تحدُوكم: تسوقكم.

6) أي إنّما ينتظر ببعث الموتى المتقدّمين أن يموت الأواخر أيضاً، فيبعث الكلّ في وقت واحد.

168 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

168 - ومن كلام له عليه السلام (1)

بَعْدَ مَا يُويِعَ لَهُ بِالْخِلافَةِ، وَقَدْ قَالَ لَهُ قَومٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: «لَوْ عَاقَبْتَ قَوْماً مِمَّنْ أَجْلَبَ عَلَى عُثْمَانَ؟» فَقَالَ (علیه السّلام)

بَعْدَ مَا يُويِعَ لَهُ بِالْخِلافَةِ، وَقَدْ قَالَ لَهُ قَومٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: «لَوْ عَاقَبْتَ قَوْماً مِمَّنْ أَجْلَبَ عَلَى عُثْمَانَ؟ (2)» فَقَالَ (علیه السّلام)

يَا إِخْوَتَاهُ! إِنِّي لَسْتُ أَجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ، وَلَكِنْ كَيْفَ لِي بِقُوَّةٍ وَالْقَوْمُ الْمُجْلِبُونَ عَلَى حَدٌ شَوْكَتِهِمْ (3)، يَمْلِكُونَنَا وَلَا نَمْلِكُهُمْ! وَهَا هُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ تَارَتْ مَعَهُمْ عِبْدَانُكُمْ(4)، وَالْتَفَّتْ إِلَيْهِمْ أَعْرَابُكُمْ، وَهُمْ خِلَالَكُمْ(5)يَسُومُونَكُمْ مَا شَاءُ وا؛ وَهَلْ تَرَوْنَ مَوْضِعاً لِقُدْرَةٍ عَلَى شَيْءٍ تُرِيدُونَهُ!

إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ أَمْرُ جَاهِلِيَّةٍ، وَإِنَّ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مَادَّةٌ (6). إِنَّ النَّاسَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ إِذَا حُرِّكَ عَلَى أُمُورٍ: فِرْقَةٌ تَرَى مَا تَرَوْنَ، وَفِرْقَةٌ تَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَفِرْقَةٌ لَا تَرَى هَذَا وَلَا هذَا، فَأَصْبِرُوا حَتَّى يَهْدَأَ النَّاسُ، وَتَقَعَ الْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا، وَتُؤْخَذَ الْحُقُوقُ مُسْمَحَةً (7)فَأَهْدَءُوا عَنِّي(8)، وَأَنْظُرُوا مَاذَا يَأْتِيكُمْ بِهِ أَمْرِي، وَلَا تَفْعَلُوا فَعْلَةٌ تُضَعْضِعْ قُوَّةً(9)،


1) رواه الطبري في ( تأريخه ) ج 5 ص 158 حوادث سنة 35.

2) أجلب عليه: أعان عليه.

3) على حد شوكتهم: شدّتهم أي لم تنكسر سَوْرتُهم.

4) العِبدان: جمع عَب۫د

5) وهم خِلالكم: أي بينّكم. يسومونكم ما شاؤوا: يكلّفونكم.

6) مادة: أي عوناً ومدّداً.

7) مسمحة: اسم فاعل من أسمح، أي ذلّ وانقاد، أو جاد وكرم ، كأنّها لتيسرها عند القدرة تجود عليه ينفسها فيأخذها مُيَسّرة.

8) فَاهْدَءُوا عَنِّى: أي فاسكنوا.

9) ضعضعه: هدمه حتى الأرض.

وَتُسْقِط مُنَّةٌ(1)، وَتُورِثُ وَهُنَا(2)وَذِلَّةً. وَسَأَمْسِكُ الْأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ. وَإِذَا لَمْ أَجِدْ بُدّاً فَآخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ (3).

169 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

169 - ومن خطبة له عليه السلام (4)

عِنْدَ مَسِير أَصْحَابِ الْجَمَلِ إلَى الْبَصْرَةِ

إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولاً هَادِياً بِكِتَابٍ نَاطِقٍ، وَأَمْرٍ قَائِمٍ(5)، لَا يَهْلِكُ عَنْهُ إِلَّا هَالِكٌ (6). وَإِنَّ الْمُبْتَدَعَاتِ(7)الْمُشَبَّهَاتِ (8)هُنَّ المُهْلِكَاتُ إِلَّا مَا حَفِظَ اللهُ مِنْهَا .

وَإِنَّ فِي سُلْطَانِ اللَّهِ عِصْمَةٌ لِأَمْرِكُمْ(9)، فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ(10)وَلَا مُسْتَكْرَهٍ


1) المُنَة: القوة والقدرة.

2) الوهن: الضعف.

3) «فآخر الدواء الكي» أي الحرب، لأنّها الغاية التي ينتهي أمر العصاة إليها، وهم طلحة والزبير وقد سارا الى البصرة.

4) رواها الطبري في (تأريخه) ج 6 ص 163 .

5) أمرٌ قائم: أي مستقيم ليس بذي عَوَج.

6) إلّا من كان في طبعه عوج جُبلَ عليه فحتّم عليه الشقاء الأبدي.

7) المبتَدعات: ما أحدث ولم يكن على عهد الرسول.

8) المشبَّهات: التي تشبه السُّنن وليست منها، أي المشبّهات بالسُّنن، وهي البِدَع الملبسة ثوب الدين، المشبهة به، هي المهلكة إلّا أن يحفظ الله منها بالتوبة. وروي «المشبِّهات» بالكسر ، أي المشبِّهات على الناس. ويروى : «المشتبّهات» أي الملتبسات، لا يُعرف حقُّها من باطلها.

9) أي مَنْ عصمه الله بألطاف يمتنع لأجلها عن الخطأ.

10) ملوّمة: من لَوْمَهُ، مبالغة في لامه، أي غير ملوم عليها بالنفاق. ويروى: «غير ملويّة» أي معوجة ، من لَوَي۫تُ العود.

بِهَا(1)وَاللَّهِ لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اللَّهُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَا يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَداً ، حَتَّى يَأْرِزَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِكُمْ(2). إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ تَمَالَؤُوا عَلَى سَخْطَةِ إِمَارَتِي (3)، وَسَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُمْ، فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَّمُوا عَلَى فَيَالَةِ هَذَا الرَّأْي(4)أَنْقَطَعَ نِظَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا طَلَبُوا هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَداً لِمَنْ أَفَاءَهَا اللهُ عَلَيْهِ(5)، فَأَرَادُوا رَدَّ الْأُمُورِ عَلَى أَدْبَارِهَا . وَلَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - وَالْقِيَامُ بِحَقِّهِ، وَالنَّعْشُ لِسُنَّتِهِ (6).

170 - ومن كلام له عليه السلام

170 - ومن كلام له عليه السلام (7)

كَلَّمَ بِهِ بَعْضَ الْعَرَبِ، وَقَدْ أَرْسَلَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، لَمَّا قَرُبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنْهَا، لِيَعْلَمَ لَهُمْ مِنْهُ حَقِيقَةُ حَالِهِ مَعَ أَصْحَابِ الْجَمَلِ لِتَزُولَ الشَّبْهَةُ مِنْ نُفُوسِهِمْ فَبَيَّنَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنْ أَمْرِهِ مَعَهُمْ مَا عَلِمَ بِهِ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «بَايِعْ»، فَقَالَ: «إِنِّي رَسُولُ قَوْمٍ. وَلَا أُحْدِثُ حَدَثاً حَتَّى أَرْجِعْ إِلَيْهِمْ» فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الَّذِينَ وَرَاءَ ك


1) ولا مستكره بها: أي ليست عن استكراه.

2) أي حتى ينقبض وينضمّ ويجتمع، ويأرز: يرجع.

3) وقد تمالأوا: قد اجتمعوا، وتساعدوا على سَخطة إمارتي: على كراهيتها وبغضها. والشخطة: الكراهة وعدم الرضاء، والمراد من هؤلاء من انتفض عليه من طلحة والزبير والمنضمين إليهما.

4) فيالة الرأي - بالفتح - : ضعفه، ورجلٌ فِيلُ الرأي: أي ضعيفه.

5) أفاءها عليه: أرجعها إليه، وردّها عليه، فاء يفيء: رجع.

6) النعش: مصدر نعش أي رفع، ولا يجوز: «أنعش».

7) رواه الطبري في (تأريخه) في حوادث سنة 36 ،الزمخشري في (ربيع الأبرار) باب الجوابات المسكتة.

بَعْثُوكَ رَائِداً تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ الْغَيثِ(1)، فَرَجَعْتَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرْتَهُمْ عَنِ الْكَلَا وَالْمَاءِ(2)، فَخَالَفُوا إِلَى الْمَعَاطِشِ وَالْمَجَادِبِ (3)مَا كُنْتَ صَانِعاً؟

قَالَ: «كُنْتُ تَارِكَهُمْ وَمُخَالِفَهُمْ إِلَى الْكَلَا وَأَلْمَاءِ». فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: «فَأَمْدُدْ إِذا يَدَكَ».

فقالَ الرَّجلُ: «فَوَاللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْتَنِعَ عِنْدَ قيام الحُجَّةِ عليَّ، فَبَايَعْتُهُ عَلَيْهِ السَّلَام».

والرَّجل يُعْرَفُ بِكَلَيْبِ الْجَرْمِي (4).

171 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

171 - ومن كلام له عليه السلام (5)

لَمَّا عَزَمَ عَلَى لِقَاءِ الْقَوْمِ بِصِفِّينَ

اللَّهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ(6)، وَالْجَرِّ الْمَكْفُوفِ (7)

والجو: ما بين الأرض والأجرام العالية. وفيه من مصنوعات الله ما لا يحصى نوعه، ولا يعد جنسه.

وهو بحر تسبح فيه الكائنات الجويّة، ولكنها مكفوفة عن الأرض، لا تسقط عليها حتى يريد الله إحداث أمر فيها. والكلام الآتي صريح في أنّ الكواكب السيارة، كالشمس والقمر، تختلف أي يختلف بعضها بعضاً في الجو فهو مجال سيرها، وميدان حركاتها.

، الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضاً لِلَّيْلِ

1) مساقط الغيث: المواضع التي يسقط الغيث فيها.

2) الكلأ: النبت إذا طال وأمكن أن يُرعى، وأول ما يظهر يسمى الرُّطَب، فإذا طال قليلاً فهو الخَلا، فإذا طال فهو الكلأ، فإذا يبس فهو الحشيش.

3) المعاطش والمجادب: مواضع العطش والجدب، وهو المخل. ولا شيء ألطف ولا أوضح من المثال الذي ضربه(علیه السّلام) ، وهو حجّة لازمة لا مدفع لها.

4) الجرميّ: منسوب إلى بني جَرْم بن رَيَّان من حِميرَ.

5) ذكره ابن مزاحم في كتابه (صِفّين) ص 232 ، والطبري في (تأريخه) في حوادث سنة 37.

6) السقف المرفوع: السماء.

7) الجو المكفوف: السماء أيضاً، والمكفوف اسم مفعول من «كفّه» إذا جمعه وضمّ بعضه إلى بعض.

وَالنَّهَارِ(1)، وَمَجْرى لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَمُخْتَلَفاً لِلنُّجُومِ السَّيَّارَةِ؛ وَجَعَلْتَ سُكَّانَهُ سِبْطاً (2)مِنْ مَلَائِكَتِكَ ، لَا يَسَأَمُونَ (3)مِنْ عِبَادَتِكَ ؛ وَرَبَّ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي جَعَلْتَهَا قرَاراً لِلأَنامِ، وَمَدْرَجاً لِلْهَوَامِّ وَالْأَنْعَامِ، وَمَا لَا يُحْصَى مِمَّا يُرَى وَمَا لَا يُرَى: وَرَبَّ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي الَّتِي جَعَلْتَهَا لِلْأَرْضِ أَوْتَاداً، وَلِلْخَلْقِ اعْتِمَادَاً(4)، إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ ، وَسَدِّدْنَا لِلْحَقِّ(5)، وَإِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَأَرْزُقْنَا الشَّهَادَةَ، وَأَعْصِمْنَا مِنَ الْفِتْنَةِ. أَيْنَ الْمَانِعُ لِلذَّمَارِ (6)، وَالْغَائِرُ (7)عِنْدَ نُزُولِ الْحَقَائِقِ (8)مِنْ أَهْلِ الْحِفَاظِ (9)الْعَارُ وَرَاءَكُمْ، وَالْجَنَّةُ أَمَامَكُمْ(10)!


1) «جعلته مغيضاً لليل والنهار»: أي غَيْضة لهما، وهي في الأصل الأجَمة يجتمع إليها الماء، فتسمّى غَيْضة ومغيضاً وينبت فيها الشجر، كأنّه جعل الفلك كالغَيضة، والليل والنهار كالشجر النابت فيها. ووجه المشاركة أنّ الغيضة أو المغيض يتولّد منهما الشجر، وكذلك الليل والنهار يتولّدان من جريان الفَلَك، أو جعلته مغيضاً : من غاض الماء إذا نقص، كأنّ هذا الجو منبع الضياء والظلام، وهو مغيضها كما يغيض الماء في البئر.

2) السبط: أي القبيلة أو الأمّة.

3) لا يسأمون: لا يملّون.

4) اعتماداً: أي معتمداً، أي ملجأ يعتصمون بها إذا طردتهم الغارات من السهول، وكما هي كذلك للحيوانات للإنسان هي أيضاً تعتصم بها، لأنّهم يجعلونها كالمساكن لهم، ولأنّها أُمهات العيون ومنابع المياه باعتماد الخلق على مرافقهم ومنافعهم عليها.

5) سدّدنا للحق: أي صوبنا إليه، من قولهم: «سهم سديد» أي مصيب.

6) الذَّمار: ما يحامى عنه، وما يلزم الرجل حفظه من أهله وعشيرته.

7) الغائر: ذو الغَيرة، من غار على امرأته أو قريبته أن يمسّها أجنبي.

8) نزول الحقائق: نزول الأمور الشديدة كالحرب ونحوها، والحقائق: وصف لا اسم، يريد النوازل الثابتة التي لا تدفع بل لا تقلع إلّا بعازمات الهمم.

9) الحفاظ: الوفاء ورعاية الذمم ، و«من أهل الحفاظ» بيان للمانع والغائر.

10) العار وراءكم: أي إن رجعتم القهقرى هاربين، والجنّة أمامكم إن أقدمتم على العدو مجاهدين.

172 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

172 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي مَنْ رَمَاهُ بِالْحِرْصِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا تُوَارِي سَمَاءُ (2)عَنْهُ سَمَاءً، وَلَا أَرْضُ أَرْضاً (3).

مِنْهَا: وَقَدْ قَالَ قَائِلُ: إِنَّكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ يَابْنَ أَبِي طَالِبٍ لحَرِيصٌ (4)فَقُلتُ: بَلْ أَنْتُمْ وَاللهِ لَأَحْرَصُ وَأَبْعَدُ، وَأَنَا أَخَصُّ وَأَقْرَبُ، وَإِنَّمَا طَلَبْتُ حَقّاً لِي وَأَنْتُمْ تَحُولُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَتَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ(5). فَلَمَّا قَرَّعْتُهُ(6)بِالْحُجَّةِ فِي

الْمَلَا الْحَاضِرِينَ هَبَّ(7)كَأَنَّهُ بُهِتَ لَا يَدْرِي مَا يُجِيبُنِي بِهِ!


1) ذكرها الطبري في (المسترشد) ص 80 .

2) لا تُوارِي: لا تُحْجُب.

3) هذا الكلام يدل على إثبات أرضين بعضها فوق بعض، كما أنّ السماوات كذلك، ويمكن تأويل كلامه (علیه السّلام) مع الرأي الآخر القائل بأنّها أرض واحدة بأن يقال: إنّها أرضٌ واحدة لكنّها أقاليم وأقطار مختلفة.

4) هذا من خطبة يذكر فيها (علیه السّلام) ما جرى يوم الشورى وبعد مقتل عمر، والذي قال له: «إنّك على هذا الأمر لحريص» سَع۫د بن أبي وقاص مع روايته فيه: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» وهذا عجيب. وقالت الإمامية: هذا الكلام يوم السقيفة، والقائل أبو عبيدة بن الجراح، والرواية الأولى أظهر وأشهر.

5) ضرب الوجه: كناية عن الردّ والمنع.

6) وروي: «فلما قَرَعته» بالتخفيف [كما عند عبده] ، أي صدمته بها، من قرعه بالعصا ضربه بها.

7) [في نسخة عبده والصالح] هَبَّ: من هبيب التيس، أي صیاحه، أي كان يتكلم بالمهمل مع سرعة حمل عليها الغضب كأنّه مخبول لا يدري ما يقول، كما تقول: استيقظ وانبته، كأنّه كان غافلاً ذاهلاً عن الحجة فهبّ لمّا ذكرتُها.

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ(1)عَلَى قُرَيْشٍ وَمَنْ أَعَانَهُمْ! فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي(2)، وَصَغَرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِي، وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي أَمْراً هُوَ لِي، ثُمَّ قَالُوا: أَلَا إِنَّ في الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ، وَفِي الْحَقِّ أَنْ تَتْرُكَهُ (3).

مِنْهَا فِي ذِكْرِ أَصْحَابِ الْجَمَلِ

فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللهِ(4)- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - كَمَا تُجَرُّ الْأَمَةٌ عِنْدَ شِرَائِهَا، مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا، وَأَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا(5)فِي جَيْشِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ، وَسَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ، طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَةٍ، فَقَدِمُوا عَلَى


1) استعديك: أطلب أن تُعدِيَني عليهم وأن تنتصف لي منهم. [وفي نسخة عبده: أستعينك ] أي أستنصرك وأطلب منك المعونة.

2) قطعوا رحمي: لم يرعَوْا قربه من رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .

3) قال: لم يقتصروا على أخذ حقّي ساكتين عن الدعوى، ولكنّهم أخذوه وادّع۫وا أنّ الحقّ لهم وأنّه يجب عليّ أن أترك المنازعة فيه، فليتهم أخذوه معترفين بأنّه حقّي، فكانت المصيبة به أخفّ وأهون، أو يريد: أنّهم اعترفوا بفضله، وأنّه أجدرهم بالقيام به، ففي الحق أن يأخذه، ثم لما اختار المقدم في الشورى غيره، عقدوا له الأمر ، وقالوا للإمام: «في الحق أن تتركه»، فتناقض حكمهم بالحقيّة في القضيتين، ولا يكون الحق في الأخذ إلّا لمن توفرت فيه شروطه. واعلم أنّه قد تواترت الأخبار عنه (علیه السّلام) بنحو من هذا القول، نحو قوله: «ما زلتُ مظلوماً منذ قبضَ الله رسولَه حتى يوم النّاس هذا»، وقوله: (اللَّهمّ أخرِ قريشاً فإنّها منعتني حقّي وغصبتني أمري»، وقوله وقد سمع صارخاً ينادي: أنا مظلوم، فقال: «هلمُ فلنصرُخ معاً، فإنّي ما زلتُ مظلوماً».

4) حُرمة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كناية عن الزوجة، وكذلك حبيس رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .

5) حبيس: فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وأُمّ المؤمنين كانت محبوسة لرسول الله لا يجوز لأحد أن يمسها بعده كأنّها في حياته.

عَامِلِي بِهَا، وَخُزَانِ(1)بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا، فَقَتَلُوا طَائِفَةً صَبْراً (2)، وَطَائِفَةٌ غَدْراً . فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ يُصِيبُوا مِنْ الْمُسلِمِينَ إِلَّا رَجُلاً وَاحِداً مُعْتَمِدِينَ لِقَتْلِهِ(3)، بِلَا جُرْمٍ جَرَّهُ، لَحَلَّ لِي قَتْلُ ذلِكَ الْجَيْشِ كُلِّهِ ، إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ يُنْكِرُوا ، وَلَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ بِلِسَانٍ وَلَا بِيَدٍ، دَعْ مَا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ الْعِدَّةِ الَّتِي دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ (4)!

173 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

173 - ومن خطبة له عليه السلام (5)

فِي رَسُولِ الله والأجْدَر بِالْخِلافَةِ بَعْدَهُ

أَمِينُ وَحْيِهِ، وَخَاتَمُ رُسُلِهِ ، وَبَشِيرُ رَحْمَتِهِ ، وَنَذِيرُ نِقْمَتِهِ .

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَيْهِ، وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللهِ فِيهِ، فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبُ اسْتُعْتِبَ(6)، فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ. وَلَعَمْرِي، لَئِنْ كَانَتِ الْإِمَامَةُ لَا


1) خُزان: جمع خازن.

2) قتلوهم صَبْراً: أي بعد الأسر، والقتل صبراً: أن تحبس الشخص ثم ترميه حتى يموت.

3) معتمدین: قاصدين.

4) قوله: «دع ما أنّهم ...» أي لم يحل لي قتلهم بقتل مسلم واحد عمداً، فدع من أعمالهم ما زاد على ذلك، وهو أنّهم قتلوا من المسلمين عدد جيشهم، فذلك مما يستحقون عليه عقاباً فوق حلّ دمائهم و «ما» مثل «لو» في قولهم يعجبني لو أنّ فلاناً يتكلم، ومثلها في قوله تعالى: «إِنه لَحَقِّ مِثل ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ» [الذاريات: 23 ]فهي زائدة أو مساعدة على سبك الجملة بالمصدر.

5) أورد بعض هذا الكلام أبو جعفر الإسكاني في رسالته (نقض العثمانية)، وابن شعبة في (تحف العقول).

6) الشغب: تهييج الفساد واستعتب : طلب منه الرضا بالحق.

تَنْعَقِدُ حَتَّى تَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ ، فَمَا إِلَى ذلِكَ سَبِيلٌ، وَلَكِنْ أَهْلُهَا يَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا، ثُمَّ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ، وَلَا لِلْغَائِبِ أَنْ يَخْتَارَ . أَلَا وَإِنِّي أُقَاتِلُ رَجُلَيْنِ: رَجُلاً اَدَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ(1)، وَآخَرَ مَنَعَ الَّذِي عَلَيْهِ(2). أُوصِيكُمْ - عِبَادَ اللهِ - بِتَقْوَى اللهِ فَإِنَّهَا خَيْرُ مَا تَوَاصَى الْعِبَادُ بِهِ ، وَخَيْرُ عَوَاقِبِ الأُمُورِ عِنْدَاللهِ . وَقَدْ فُتِحَ بَابُ الْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَهْل الْقِبْلَةِ(3)، وَلَا يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ إِلَّا أَهْلُ الْبَصَرِ وَالصَّبْرِ(4)وَالْعِلْمِ بِمَوَاقِعِ الْحَقِّ، فَأَمْضُوا لِمَا تُؤْمَرُونَ بِهِ، وَقِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ، وَلَا تَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا، فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِيَراً (5).

أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا وَتَرْغَبُونَ فِيهَا ، وَأَصْبَحَتْ تُغْضِبُكُمْ وَتُرْضِيكُمْ، لَيْسَتْ بَدَارِكُمْ وَلَا مَنْزِلِكُمْ الَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ ، وَلَا الَّذِي دُعِيتُمْ إِلَيْهِ.

أَلَا وَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَةٍ لَكُمْ، وَلَا تَبْقَوْنَ عَلَيْهَا، وَهِيَ وَإِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا فَقَدْ حَذَرَتْكُمْ شَرَّهَا . فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِيرِهَا ، وَأَطْمَاعَهَا لِتَخْوِيفِهَا ، وَسَابِقُوا فِيهَا إِلَى الدَّارِ الَّتِي دُعِيتُمْ إِلَيْهَا ، وَأَنْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا ؛ وَلَا يَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَنِينَ


1) كمن يدعي الخلافة لنفسه.

2) كمَن يمتنع من الطاعة.

3) أهل القِبْلَة : من يعتقد بالله، وصدّق ما جاء به محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ويصلي معنا إلى قبلة واحدة.

4) أي لا يحمل علم الحرب ورايتها، لقتال أهل القبلة إلّا أهل العقل والمعرفة بالشرع، وهم الإمام ومن معه، أي ليس حملنا لهذا العلم عن جهل أو غفلة عن أحكام الله.

5) أي إذا اتّفق أهل الحل والعقد من المسلمين، على إنكار شيء، عدلنا إلى حكمهم وغيرنا حكمنا متى كان اتّفاقهم لا يخالف نصّاً شرعياً، أي لستُ كعثمان أصرّ على ارتكاب ما أنهى عنه، بل أغيّر كلُ ما ينكره المسلمون، ويقتضي الحال والشرع تغييرّه. فالغير - بكسر ففتح - : اسم للتغيير أو التغيّر.

الْأَمَةِ (1)عَلَى مَا زُوِيَ (2)عَنْهُ مِنْهَا ، وَاسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا أَسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ . أَلَا وَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكُمْ تَضْيِيعُ شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَةً دِينِكُمْ. أَلَا وَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُكُمْ بَعْدَ تَضييع دِينِكُمْ شَيْءٌ حَافَظَتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ. أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِكُمْ إِلَى الْحَقِّ ، وَأَلْهَمَنَا وَإِيَّاكُمُ الصَّبْرَ!

174 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

174 - ومن كلام له عليه السلام (3)

فِي مَعْنَى طَلْحَةَ بْن عُبَيْدِ الله

قَدْ كُنْتُ وَمَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ (4)، وَلَا أُرَهَبُ بِالضَّرْبِ ، وَأَنَا عَلَى مَا وَعَدَنِي رَبِّي مِنَ النَّصْرِ. وَاللَّهِ مَا اسْتَعْجَلَ مُتَجَرِّداً لِلطَّلَبِ بِدَمٍ عُثْمَانَ(5)إِلَّا خَوْفاً مِنْ أَنْ يُطَالَبَ بِدَمِهِ ، لِأَنَّهُ مَظِنَّتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْمِ أَحْرَصُ عَلَيْهِ مِنْهُ(6)، فَأَرَادَ أَنْ يُغَالِطَ بِمَا أَجْلَبَ فِيهِ لِيَلْتَبِسَ الْأَمْرُ(7)، وَيَقَعَ الشَّكُ . وَوَاللهِ مَا صَنَعَ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ وَاحِدَةٌ


1) الخنين: صوت يخرجُ من الأنف عند البكاء، وأضافَه إلى الأمّة، لأنّ الإماء كثيراً ما يُضرَبن فيبكين، ويسمع الخنين منهنّ، ولأنّ الحرة تأنف من البكاء والخنين.

2) زُوِي: قُبِضَ.

3) رواه الطوسي في (الأمالي) ص 172، وفسر ابن الأثير في (النهاية) غريب هذه الخطبة.

4) أي خُلِقْت ووجدتُ وأنا بهذه الصفة، كما تقول: خلقني الله وأنا شجاع.

5) يشرح حال طلحة. ومتجرداً كأنّه سيف تجرّد من غمده.

6) أحرص عليه: أي على دم عثمان، بمعنى سفكه.

7) يلبس: رباعي من قولهم «أمر ملبس» أي مشتبه، ويلتَبِس: أي يشتبه.

مِنْ ثَلَاثٍ (1): لَئِنْ كَانَ ابْنُ عَفَّانَ ظَالِماً- كَمَا كَانَ يَزْعُمُ - لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَازِرَ قَاتِلِيهِ (2)، وَأَنْ يُنَابِذَ نَاصِرِيهِ. . وَلَئِنْ كَانَ مَظْلُوماً لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُنَهْنِهِينَ عَنْهُ (3)، وَالْمُعَذِّرِينَ فِيهِ (4). وَلَئِنْ كَانَ فِي شَكٍّ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَزِلَهُ، وَيَرْكُدَ جَانِباً(5)، وَيَدَعَ النَّاسَ مَعَهُ، فَمَا فَعَلَ وَاحِدَةً مِنَ الثَّلَاثِ ، وَجَاءَ بِأَمْرٍ لَمْ يُعْرَفْ بَابُهُ، وَلَمْ تَسْلَمْ مَعَاذِيرُهُ.

175 - من خطبة له عليه السلام

اشازة

175 - من خطبة له عليه السلام (6)

فِي الْمَوْعِظَة

أَيُّهَا الْغَافِلُونَ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ، وَالتَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهمْ(7). مَا لِي أَرَاكُمْ


1) قسّم حالَ طلحة، الى ثلاثة أقسام: إمّا أنّه كان يعتقد حلّ دم عثمان، فِلَم ينصر إنساناً حلال الدم، وإمّا أنّه كان يعتقد حرمته فكان يجب أن ينهئِة عنه الناس، أي يكفّهم، وإن كان شاكّاً، فقد كان يجب عليه أن يعتزل الأمر.

2) يوازر: ينصر ويعين. والمنابذة: المراماة، والمراد المعارضة والمدافعة، مراده(علیه السّلام) أنّه إن كان عثمان ظالماً وجب أن يوازر قاتليه بعد قتله، يحامى عنهم، ويمنعهم ممّن يروم دماءهم ومعلوم أنّه لم يفعل ذلك، وإنّما وازرهم حيث كان عثمان محصوراً.

3) نهنه عن الأمر: كفّه وزجره عن إتيانه.

4) المعذرين فيه: المعتذرين عنه فيما نقم منه.

5) ويَرْكُد جانباً: يسكن فى جانب عن القاتلين والناصرين.

6) رواها الآمدي في (الغرر ) ص 191 في حرف اللام بلفظ «لو».

7) التاركون: أي يتركون الواجبات. ومعنى الأخذ منهم انتقاصُ أعمارهم - تطويها عنهم يد القدرة ساعة بعد ساعة - وانتقاص قواهم واستلاب أحبابهم وأموالهم. فالمأخوذ منهم صفة للتاركين.

عَنِ اللَّهِ ذَاهِبِينَ ، وَإِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ! كَأَنَّكُمْ نَعَمْ(1)أَرَاحَ بِهَا (2)سَائِمُ (3)إِلَى مَرْعَىً وَبيٌ (4)، وَمَشْرَبٍ دَوِيٌّ (5)وَإِنَّمَا هِي كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَى (6)، لَا تَعْرِفُ مَاذَا يُرَادُ بِهَا! إِذَا أَحْسِنَ إِلَيْهَا تَحْسِبُ يَوْمَهَا دَهْرَهَا (7)، وَشِبَعَهَا أَمْرَهَا(8). وَاللهِ لَوْ شِئْتُ أَن أُخْبرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَمَوْلِجِهِ(9)وَجَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ، وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِي بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ (10)أَلَا وَإِنِّي مُفْضِيهِ إِلَى الْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُؤْمَنُ ذلِكَ مِنْهُ (11). وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، وَأَصْطَفَاهُ عَلَى الْخَلْقِ، مَا أَنْطِقُ إِلَّا صَادِقاً،


1) النَّعَم - محركه - : الإبل أو هي والغنم.

2) أراح بها: ذهب بها، وأصل الإراحة: الانطلاق في الريح، فاستعمله في مطلق الانطلاق.

3) السائم: الراعي، وسائمة، أي راعية، وذلك أبلغ في ضرب المثل بجهلها من الإبل التي يُسيمُها راعيها.

4) المرعى الوبيّ: ذو الوّباء والمرض.

5) المشرب الدّويّ: ذو الداء الوبيل يفسد الصحة، أصله من الدوا - بالقصر - أي المرض.

6) المُدى: جمع مُدْيَة، وهي السّكين، أي معلوفة للذبح لا تعرف ماذا يُراد بها، وتظنّ أنّ ذلك العلف إحسان إليها على الحقيقة.

7) تحسب يومها دهرها: أي لا تنظر إلى عواقب أمورها فلا تعد شيئاً لما بعد يومها، ومتى شبعت ظنت أنّه لا شأن لها بعد هذا الشبع، وتظن أنّ ذلك العلف والإطعام كما هو حاصلُ لها ذلك اليوم يكون حاصلاً لها أبداً. وهذا كلام كأنّه ثوب فصل على أقدار أهل هذا الزمان.

8) شبعها أمرَها: أي تظن أنّه ليس أمُرها وشأنُها إلّا أن يطعمها أربابُها لتشبع وتحسُن وتسمن، ليس يريدون بها غير ذلك.

9) بمخرجه: أي من أين يخرج، وأين يلج: أي يدخل.

10) أي أخاف عليكم الغلوَّ في أمري، وأن تُفضّلوني على رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، بل أخاف أن تدّعوا فيّ الإلهية، كما ادّعته النصارى في المسيح.

11) مفضيه: أصله من «أفضى إليه» خلا به، والمراد أنّي موصله إلى أهل اليقين ممن لا تُخشى عليهم الفتنة.

وَلَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذلِكَ كُلِّهِ، وَبِمَهْلِكِ مَنْ يَهْلِكُ، وَمَنْجَى مَنْ يَنْجُو، وَمَالِ هَذَا الْأَمْرِ.

وَمَا أَبْقَى شَيْئاً يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلَّا أَفْرَغَهُ فِي أُذُنَيَّ، وَأَفْضَى بِهِ إِلَيَّ.

أَيُّهَا النَّاس، إِنِّي وَاللهِ مَا أَحْثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلَّا وَأَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا ، وَلَا أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلَّا وَأَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا .

176 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

176 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي النَّهْي عَنِ الْبِدْعَةِ

انْتَفِعُوا بِبَيَانِ اللَّهِ، وَاتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِ اللَّهِ ، وَأَقْبَلُوا نَصِيحَةَ الله، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْكُمْ بِالجَلِيَّةِ(2)، وَأَخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ ، وَبَيَّنَ لَكُمْ مَحَابَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَمَكَارِهَهُ مِنْهَا (3)لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ، وَتَجْتَنِبُوا هَذِهِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ الجَنَّةَ حُقَّتْ بِالْمَكَارِهِ، وَإِنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ».

وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اللهِ شَيْءٌ إِلَّا يَأْتِي فِي كُرْهِ(4)، وَمَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ


1) روی بعض هذه الخطبة الزمخشري في (ربيع الأبرار) باب الجوابات المسكنة، والكليني في (الكافي) ج 2 ص 443، والبرقي في (المحاسن) في كتاب الأشكال والقرائن.

2) أعذر إليكم: أوضح عذره في عقابكم إذا خالفتم أوامره. بالجليّة: أي بالأعذار الجلية، والعذر هنا مجاز عن سبب العقاب في المؤاخذة عند مخالفة الأوامر الإلهية.

3) محابه من الأعمال: أي الطاعات التي يحبّها ومكارهه منها: أي القبائح التي يكرهها منهم.

4) أي لا شيء من طاعة الله إلّا وفيه مخالفة لهوى النفس البهيمية فتكره إتيانه، ولا شيء من معصية الله إلا وهو موافق لميل حيواني فتشتهي النفوس إتيانه.

شَيْءٌ إِلَّا يَأْتِي فِي شَهْوَةٍ فَرَحِمَ اللَّهُ أَمْرَأَ نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ(1)، وَقَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ (2)، فَإِنَّ هَذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَيْءٍ مَنْزِعاً (3)وَإِنَّهَا لَا تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَى مَعْصِيَةٍ فِي هَوى.

وَاعْلَمُوا - عِبَادَ اللهِ - أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُمْسِي وَلَا يُصْبِحُ إِلَّا وَنَفْسُهُ ظَنُونُ عِنْدَهُ(4)، فَلَا يَزَالُ زَارِياً عَلَيْهَا (5)، وَمُسْتَزِيداً لَهَا(6)فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ ، وَالْمَاضِينَ أَمَامَكُمْ. قَوَّضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْوِيضَ الرَّاحِلِ(7)، وَطَوَوْهَا طَيَّ الْمَنَازِلِ . وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لَا يَغُشُ، وَالْهَادِي الَّذِي لَا يَضِلُّ. وَالْمُحَدِّثُ الَّذِي لَا يَكْذِبُ، وَمَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانِ : زِيَادَةٍ فِي هُدى، أو نقصانٍ مِنْ عَمَىً .

وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ(8)، وَلَا لِأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ عِنيَّ، فَأَسْتَسْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لَأَوَائِكُمْ(9)، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ


1) نزع عنه: انتهى وأقلع، فإن عُدي بإلى كان بمعنى اشتاق.

2) قمع هَوَى نفسه: أي قهره.

3) أبعد منزعاً: أي نزوعاً بمعنى الانتهاء والكف عن المعاصي.

4) الظُّنُّون: البئر التى لا يدرى أفيها ماء أم لا، فالمؤمن لا يصبح ولا يمسى إلّا وهو على حَذَرٍ من نفسه، غير قاطع على صلاحها وسلامة عاقبتها، ولا يثق بنفسه إذا وسوست له بأنّها أدّت حقّ ما فرض عليها.

5) رازياً عليها: عائياً.

6) مستزيداً: طالباً لها الزيادة من طيبات الأعمال.

7) التقويض: نزع أعمدة الخيمة وأطنابها، والمراد أنّهم ذهبوا بمساكنهم وطووا مدة الحياة كما يطوي المسافر منازل سفره، أي مراحله ومسافاته.

8) أي فقر وحاجة إلى هاد سواه يرشد إلى مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، وسائق إلى شرف المنازل وغايات المجد والرفعة .

9) اللأواء: الشّدّة.

أَكْبَرِ الدَّاءِ: وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ، وَالْغَيُّ وَالضَّلَالُ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ(1)، وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ، وَلَا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ، إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ.

وَاَعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعُ ، وَقَائِلٌ مُصَدَّقٌ، وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفّعَ فِيهِ (2)وَمَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ(3)، فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: «أَلَا إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلَىً فِي حَرْثِهِ(4)وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ، غَيْرَ حَرَثَةٍ الْقُرْآنِ». فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ ، وَاسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ، وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ(5)، وَأَتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ(6)، وَاسْتَغِشُوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ.

الْعَمَلَ الْعَمَلَ ، ثُمَّ النّهَايَةَ النَّهَايَةَ ، وَالاِسْتِقَامَةَ الإِسْتِقَامَةَ ، ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ، وَالْوَرَعَ الْوَرَعَ! إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَأَنْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ(7)، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا


1) فاطلبوا من الله ما تحبون من سعادة الدنيا والآخرة باتّباعه، وأقبلوا داعي الله بالرغبة في اقتفاء هديه، وهو المراد من حبّه، ولا تجعلوه آلة لنيل الرغبات من الخلق لأنّه ما تقرب العباد إلى الله بمثل احترامه والأخذ به كما أنزل الله.

2) شفاعة القرآن: نطق آياته بانطباقها على عمل العامل.

3) مَحَلَ بهِ - مثلث الحاء - : كاده بتبيين سيئاته عند السلطان، وقال عنه ما يضرّه، كناية عن مباينة أحكامه لما أناه العبد من أعماله، كأنّه جعل القرآن يَمْحل يوم القيامة عندالله بقومٍ، أي يقول عنهم شرّاً، ويشفع عندالله لقوم، أي يُثن عليهم خيراً.

4) الحارث: المكتسب، والحرث الكسب. وحَرَثة القرآن: المتاجرون به إلى الله.

5) أى إذا أشار عليكم بأمر وأشارت عليكم أنفسكم بأمر يخالفه فاقبلوا مشورة القرآن دون مشورة أنفسكم.

6) إذا خالفت آراؤكم القرآن فاتّهموها بالخطأ واستغشّوا أهواءكم، أي ظنّوا فيها الغش، وارجعوا إلى القرآن.

7) المراد بالنهاية والغاية أن يموت الإنسان على توبةٍ من فعل القبيح والإخلال بالواجب.

بِعَلَمِكُمْ(1)، وَإِنَّ لِلْإِسْلَامِ غَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى غَايَتِهِ(2). وَأَخْرُجُوا إِلَى اللَّهِ مِمَّا أَفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّهِ (3)، وَبَيَّن لَكُمْ مِنْ وَظَائِفِهِ (4). أَنَا شَاهِدُ لَكُمْ، وَحَجِيجُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْكُمْ(5)

والإمام كرّم الله وجهه بعلوّ منزلته من الله يشهد للمحسنين ويقوم بالحجّة عن المخلصين.

.

أَلَا وَإِنَّ الْقَدَرَ السَّابِقَ قَدْ وَقَعَ وَالْقَضَاءَ الْمَاضِي قَدْ تَوَرَّدَ(6). وَإِنِّي مُتَكَلِّمُ بِعِدَةِ اللهِ (7)وَحُجَّتِهِ ، قَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: «إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ(8)أَنْ لَا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ» ، وَقَدْ قُلْتُمْ «رَبُّنَا اللَّهُ» ، فَاسْتَقِيمُوا عَلَى كِتَابِهِ، وَعَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِه، وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادَتِهِ ، ثُمَّ لَا تَمْرُقُوا مِنْهَا (9)، وَلَا تَبْتَدِعُوا فِيهَا (10)، وَلَا تُخَالِفُوا عَنْهَا (11)، فَإِنَّ أَهْلَ الْمُرُوقِ مُنْقَطَعْ بِهِمْ عِنْدَاللهِ يَوْمَ الْقِيَامة.


1) أمرهم بالاهتداء بالعلم المنصوب لهم، وإنّما يعني نفسه(علیه السّلام) ، أو يريد به القرآن.

2) غايته: هي أداء الواجبات، واجتناب المقبّحات.

3) خرج إلى فلان من حقّه: أداه، فكأنّه كان حبيساً في مؤاخذته فانطلق، إلّا أنّ «من حقّه» في العبارة بيان لما افترض، و معمول «اخرجوا» مقدّر مثله.

4) الوظائف: ما قدّر الله لنا من الأعمال المخصصة بالأوقات والأحوال، كالصوم والصلاة والزكاة.

5) لأنّه إذا شهد لهم فكأنّه أثبت لهم الحجّة، فصار محاجّاً عنهم. وحَجيج: من حج، إذا أقنع بحجّته.

6) يشير به إلى الخلافة. تورُّد: هو تفعل كتنزل، أي ورد شيئاً بعد شيء، والمراد من القضاء الماضي ما قُدِّر حدوثه من حادثة الخليفة الثالث وما تبعها من الحوادث.

7) عِدَة الله - بكسر ففتح مخفف-:هي وعده، أي لا تخرجوا منها.

8) تتنزّل عليهم الملائكة: عند الموت، أو في القبر، أو عند النشور.

9) لا تمرقوا منها: مرق السهمُ، إذا خرج من الرميّة مروقاً.

10) لا تبتدعوا: لا تحدثوا ما لم يأت به الكتاب والسنة.

11) لا تخافوا عنها: تقول: خالفت عن الطريق، أي عدلتُ عنها.

ثُمَّ إِيَّاكُمْ وَتَهْزِيعَ الْأَخْلَاقٍ(1)وَتَصْرِيفَهَا(2)، وَاجْعَلُوا اللَّسَانَ وَاحِداً، وَلْيَخْزُنِ الرَّجُلُ لِسَانَهُ (3)، فَإِنَّ هَذَا اللَّسَانَ جَمُوحٌ (4)بِصَاحِبِهِ، وَاللهِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْتَزِنَ لِسَانَهُ، وَإِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ(5)، وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ ، وَإِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ لَا يَدْرِي مَاذَا لَهُ، وَمَاذَا عَلَيْهِ . وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - : «لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ». فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ سُبْحَانَهُ، وَهُوَ نَقِيُّ الرَّاحَةِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، سَلِيمُ اللَّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ، فَلْيَفْعَلْ.

وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَحِلُّ الْعَامَ مَا اسْتَحلَّ عَاماً أَوَّلَ ، وَيُحرِّمُ الْعَامَ مَا حَرَّمَ عَاماً أَوَّلَ؛ وَأَنَّ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ لَا يُحِلُّ لَكُمْ شَيْئاً مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ(6)، وَلَكِنَّ الْحَلالَ مَا أَحَلَّ اللهُ، وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللهُ، فَقَدْ جَرَّبْتُمُ الْأُمُورَ


1) تهزيع :الأخلاق تغييرها، وأصل الهَزْع، الكسر، أسدٌ مهزّع: يكسر الأعناق ويرضَ العظام ، وتهزيع الشيء: تكسيره ، والصادق إذا كذب فقد انكسر صدقه، والكريم إذا لزم فقد انثلم كرمه، فهو نهي عن حطم الكمال بمعول النقص.

2) تصريف الأخلاق: من صرفته إذا قلبته، نهى عن النفاق والتلون في الأخلاق، وهو معنى الأمر بجعل اللسان واحداً.

3) ليخزُن - كينصُر - : أي ليحفظ لسانه وليحبسه.

4) الجموح: من «جمح الفرس» إذا غلب فارسه فيوشك أن يطرح به في مهلكة فيرديه.

5) لسان المؤمن تابع لاعتقاده، لا يقول إلّا ما يعتقد، والمنافق يقول ما ينال به غايته الخبيثة، فإذا قال شيئاً أخطره على قلبه حتى لا ينساه فيناقضه مرة أخرى فيكون قلبه تابعاً للسانه.

6) البدع التي أحدثها الناس لا تغيّر شيئاً من حكم الله.

وَضَرَّسْتُمُوهَا(1)، وَوُعِظْتُمْ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَضُرِبَتْ الأَمْثَالُ لَكُمْ، وَدُعِيتُمْ إلَى الْأَمْرِ الْوَاضِح، فَلَا يَصَمُّ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا أَصَمُّ، وَلَا يَعْمَى عَنْهُ إِلَّا أَعْمَى . وَمَنْ لَمْ يَنْفَعُهُ اللهُ بِالْبَلَاءِ وَالتَّجَارِبِ لَمْ يَنْتَفَعُ بِشَيْءٍ مِنَ الْعِظَةِ، وَأَتَاهُ التَّقْصِيرُ مِنْ أَمَامِهِ(2)، حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ، وَيُنْكِرَ مَا عَرَفَ، فَإِنَّ النَّاسَ رَجُلانِ : مُتَّبِعُ شِرْعَةٍ (3). ، وَمُبْتَدِعْ بِدْعَةٌ، لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ (4)سُنَّةٍ ، وَلَا ضِيَاءُ حُجَّةٍ. وَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظُ أَحَداً بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ(5)، وَسَبَبُهُ الْأَمِينُ. وَفِيهِ رَبِيعُ الْقَلْبِ(6)، وَيَنَابِيعُ الْعِلْمِ(7)، وَمَا لِلْقَلْبِ جِلَاءُ (8)غَيْرُهُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْمُتَذَكَّرُونَ، وَبَقِيَ النَّاسُونَ أَو الْمُتَنَاسُونَ(9). فَإِذَا رَأَيْتُمْ خَيْراً فَأَعِينُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ شَرَّاً فَاذْهَبُوا عَنْهُ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - كَانَ يَقُولُ: «يَابْنَ آدَمَ، أَعْمَلِ الْخَيْرَ وَدَعِ الشَّرَّ ، فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ (10)».


1) ضرَّستموها: أي جربتموها ، ضَرَسْتَه الحرب: جرّبته، ورجل مضرّس.

2) الإتيان من الأمام: كناية عن الظهور، كأن التقصير عدوّ قويّ يأتي مجاهرة لا يخدع ولا يفر فيأخذه أخذ العزيز المقتدر، عند ذلك يعرف من الحق ما كان أنكر وينكر من الباطل ما كان عرف.

3) الشرعة: المنهاج.

4) البرهان: الحجّة.

5) إنّما جعله حبّل الله، لأنّ الحبل ينجو من تعلّق به من هوّة، والقرآن ينجو من الضلال مَنْ يتعلّق به. وجعله متيناً - أي قويّاً - لأنّه لا انقطاع له أبداً، ومَتن الشيء - بالضم - أي صَلُب وقوِيّ.

6) وفيه ربيع القلب: لأنّ القلب يحيا به كما تحيا الأنعام بَرْعي الربيع.

7) ينابيع العِلم، لأنّ العلم منه يتفرّع، كما يخرج الماء من الينبوع ويتفرّع إلى الجداول.

8) الجِلاء: مصدر جلوتُ السيف، يقول: لا جِلاء لصدأ القلوب من الغفلات إلّا القرآن.

9) وروي «الناسون المتناسون» ]كما أثبتها عبده في المتن] .

10) الجواد القاصد: السهل السير، لا سريع يتعَب بسرعته، ولا بطيء يفوتُ الغرض ببطئه، أو جواد قاصد: مستقيم أو قريب من الله والسعادة.

أَلَا وَإِنَّ الظُّلْمَ ثَلَاثَةٌ: فَظْلَمُ لَا يُغْفَرُ، وَظُلْمُ لَا يُتْرَكُ، وَظُلم مَغْفُورُ لَا يُطلَبُ.

فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللهِ ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» . وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ فَظْلَمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْهَنَاتِ(1). وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يُتْرَكُ فَظْلَمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً .

الْقِصَاصُ هُنَاكَ شَدِيدٌ، لَيْسَ هُوَ جَرْحاً بِالْمُدَى (2)، وَلَا ضَرْباً بِالسِّيَاطِ، وَلَكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذَلِكَ مَعَهُ (3). فَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَونَ فِي دِينِ اللهِ، فَإِنَّ جَمَاعَةً فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ فُرْقَةٍ فِيمَا تُحِبُّونَ مِنَ الْبَاطِلِ(4)، وَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَيْراً مِمَّنْ مَضَى وَلَا مِمَّنْ بَقِيَ .

يَا أَيُّهَا النَّاسُ، طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ! وَطُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ (5)، وَأَكَلَ قُوتَهُ، وَاشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ ، وَبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ، فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغُل ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ!


1) الهَنات - بفتح الهاء - : جمع هَنة - محركة - : وهي الشيء اليسير والعمل الحقير. والمراد به صغائر الذنوب.

2) المُدى: جمع مُدْية، وهي السكّين والسياط: جمع سَوْط.

3) ولكنّه العذاب الذي يعد الجرح والضرب صغيراً بالنسبة إليه.

4) من يحافظ على نظام الألفة والاجتماع وإن ثقل عليه أداء بعض حقوق الجماعة، وشق عليه ما تكلّفه به من الحق، فذلك الجدير بالسعادة دون من يسعى للشقاق وهدم نظام الجماعة ، وإن نال بذلك حقّاً باطلاً، وشهوة وقتية، فقد يكون في حظه الوقتي شقاؤه الأبدي. ومتى كانت الفرقة، عمّ الشقاق وأحاطت العداوات وأصبح كلّ واحد عرضة لشرور سواه، فمحيت الراحة وفسدت حال المعيشة.

5) قوله: «لمن لزم بيته» ترغيب في العزلة عن إثارة الفتن واجتناب الفساد، وليس ترغيباً في الكسالة وترك العامة وشأنهم، فقد حثّ أميرالمؤمنين في غير هذا الموضع على مقاومة المفاسد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

177 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

177 - ومن كلام له عليه السلام (1)

فَي مَعْنَى الْحَكَمَيْنِ

فَأَجْمَعَ رَأْيُ مَلَيْكُمْ(2)عَلَى أَنِ اخْتَارُوا رَجُلَيْنِ، فَأَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَنْ يُجَعْجِعا عِنْدَ الْقُرْآنِ(3)، وَلَا يُجَاوِزَاهُ، وَتَكُونَ أَلْسِنَتُهُما مَعَهُ وَقُلُوبُهُمَا تَبَعَهُ (4)، فَتَاهَا عَنْهُ (5). وَتَرَكَا الْحَقَّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ، وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا ، وَالاِعْرِجَاجُ دَابَهُمَا(6)، وَقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ وَالْعَمَلِ بِالْحَقِّ سُوءَ رَأْيِهِمَا(7)وَجَوْرَ حُكْمِهِمَا ، وَالثَّقَةُ فِي أَيْدِينَا لِأَنْفُسِنَا(8)، حِينَ خَالَفَا سَبِيلَ الْحَقِّ، وَأَتَيَا بِمَا لَا يُعْرَفُ مِنْ مَعْكُوسِ الْحُكْمِ.


1) رواه الطبري في (تأريخه) في حوادث سنة 37.

2) الملأ: الجماعة.

3) يُجَعْجِعًا: يحبسا نفوسهما وآراءهما عند القرآن ،جعجعت: حبست، من جعجع البعير: إذا برك، ولزم الجعجاع: أي الأرض.

4) التّبع - محرّكاً - : التابع للواحد والجمع.

5) فتاها عنه: أي عدلا وضلّا،وتركا الحق على عِلم منهما به.

6) الدأب: العادة، [وفي نسخة الصالح: والاعوجاج رأیّهُما] .

7) «سوء» مفعول سبق، أي أنّ استثناءنا وقت التحكيم حيث قلنا: لا تحكموا إلّا بالعدل، كان سابقاً على سوء الرأي وجور الحكم، فهما المخالفان لما شُرِط عليهما لا نحن. ويصحّ أن يكون مفعول استثناؤنا، والمعنى أننا استثنيا عليهم فيما سبق أن لا يسينا رأياً ولا يجورا حكماً، فيقبل حكمهما إلّا أن يجورا ويسيئا.

8) والثقة في أيدينا: أي نحن على برهان وثقة من أمرنا، فعبر بالثقة عن الحجّة القوية والسبب المتين في رفض حكمهما.

178 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

178 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

خَطَبَهَا بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ

لَا يَشْغَلُهُ شَأْنُ(2)، وَلَا يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ، وَلَا يَحْوِيهِ مَكَانُ، وَلَا يَصِفُهُ لِسَانُ (3)، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ(4)، وَلَا نُجُومِ السَّمَاءِ، وَلَا سَوَافِي الرِّيحِ فِي الهَوَاءِ(5)، وَلَا دَبِيبُ النَّمْلِ(6)عَلَى الصَّفَا (7)وَلَا مَقِيلُ الذَّرِّ(8)فِي اللَّيْلَةِ الظُّلْمَاءِ. يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الأَوْرَاقِ، وَخَفِيَّ طَرْفِ الْأَحْدَاقِ(9).

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ(10)، وَلَا مَشْكُوكٍ فِيهِ، وَلَا مَكْفُورٍ


1) رواها ابن شاكر الليثي في (عيون الحكم والوعظ) والزمخشري في (ربيع الأبرار) باب تبدل الأحوال، وفسّر ابن الأثير في (النهاية) غريب هذه الخطبة.

2) لا يشغّله أمر، لأنّه لا يغيب عنه شيء أصلاً، ولا يعجز عن شيء أصلاً.

3) لأنّ كُن۫ه ذاته غير معلوم، وإنّما المعلوم منه إضافات أو سُلوب.

4) لا يعزب عنه أمرٌ من الأمور، لا يفوته عِلْم شيء أصلاً.

5) السوافي: التي تَسفي التراب أي تَذْرُوهُ، جمع سافية مِن «سَفّت الريح الترابُ والورقَ» أي حملته.

6) دبيب النمل: أي حركتها عليه في غاية الخفاء لا يسمع لها حسن.

7) الصفا - مقصوراً- جمع صفاة، الحجر الأملس الضخم.

8) الذرّ: صغار النمل، ومقِيلها: محل استراحتها ومَبِيتها.

9) طَرْف الأحداق: مصدر «طرّف البصر» إذا انطبق أحدُ الجفنين على الآخر. طرف الحَدقة: تحريك جَفنَيها. والحدقة - هنا - : العين .

10) غير معدول به: غیر مسوّىّ بينه وبين أحد، عَدَلَ بالله: جعل له مِثلاً وعَديلاً.

دِينُهُ، وَلَا مَجْحُودٍ تَكوينُهُ (1)، شَهَادَةً مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ، وَصَفَتْ دِخْلَتُهُ (2)، وَخَلَصَ يقِينُهُ، وَثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُجْتَبَى (3)مِنْ خَلَائِقِهِ ، وَالْمُعْتَامُ لِشَرْح حَقَائِقِهِ(4)، وَالْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ (5)كَرَامَاتِهِ(6)، وَالْمُصْطَفَى لِكَرَائِم رِسَالَاتِهِ، وَالْمُوَضَحَةُ بِهِ أَشْرَاطُ الْهُدَى (7)، وَالْمَجْلُو بِهِ غِرْبِيبُ الْعَمَى(8).

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ الْمُؤمِّلَ لَهَا، وَالْمُخْلِدَ إِلَيْهَا(9)، وَلَا تَنْفَسُ (10)بِمَنْ نَافَسَ فِيهَا، وَتَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا . وَأَيْمُ اللهِ مَا كَانَ قَوْمُ قَطُّ فِي غَضٌ نِعْمَةٍ (11)مِنْ عَيْشٍ فَزَالَ عَنْهُمْ إِلَّا بِذُنُوبِ أَجْتَرَحُوهَا (12)، لِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ .

وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ حِين تَنْزِلُ بِهِمُ النَّقَمُ، وَتَزُولُ عَنْهُمُ النّعَمُ، فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ


1) تكوينه: خَلْقه للخلق جميعاً.

2) الدَّخلة: باطن الأمر.

3) المجتبى: المصطفى.

4) العِيَمة - بكسر العين - : المختار من المال، واعتامُ: أخذها، فالمُعتام: المختار لبيان حقائق توحيده وتنزيهه.

5) العقائل : الكرائم، جمع عقيلة، وهي كريمة كلّ شيء من الناس والإبل وغير ذلك، ويقال للذرّة عقيلة البحر.

6) الكرامات: ما أكرم الله به نبيه من معجزات ومنازل في النفوس عاليات.

7) أشراط الهدي: علاماته ودلائله.

8) الغربيب: الأسود الشديد السواد، وغِربِيبُ الشيء: أشدّه سواداً، فغربيب العمى: أشدّ الضلال ظلمة، ويُجلى به غربيب العمى: تُكشَفُ به ظُلَم الضلال.

9) المخلِد: الراكن والمائل إليها، قال تعالى «ولكنّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ » [الأعراف: 176].

10) نَفِسَ: ضَنّ، أي لا تضنّ الدنيا بمن يباري غيره في اقتنائها وعدّها من نفائسه ولا تحرص عليه ، بل تهلكه.

11) نعمة غزّة: أى طريّة ناضرة، والغضّ: الناضر .

12) اجترحوها: أي اكتسبوها، واجترحَ الذنب: اكتسبه وارتكبه.

مِنْ نِيَّاتِهِمْ، وَوَلَهِ (1)مِنْ قُلُوبِهِمْ، لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ(2)، وَأَصْلَحَ لَهُمْ كَلَّ فَاسِدٍ.

وَإِنِّي لَأَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ(3)، وَقَدْ كَانَتْ أُمُورُ مَضَتْ مِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً ، كُنتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ(4)، وَلَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ(5)إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ.

وَمَا عَلَيَّ إِلَّا الْجُهْدُ(6)، وَلَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ.

179 - ومن كلام له عليه السلام

179 - ومن كلام له عليه السلام (7)

وَقَدْ سَأَلُهُ ذِعْلِبُ الْبَمَانِيُّ (8)فَقَالَ: «هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ يَا أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ؟». فقال عليه السلام: «أَفَأَعْبُدُ مَا لَا أَرَى !(9)»فقال: «وَكَيْفَ تَرَاهُ؟» فقال: لَا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ،


1) الوَله: كالتحيّر يحدث عند الخوف أو الوجد.

2) الشارد: الذاهب.

3) أي في أمر جاهليّة لغَلَبة الضلال والجهل على الأكثرين منهم، فكنّى بالفترة عن جهالة الغرور، أو أراد في فترة من عذاب ينتظر بكم عقاباً على انحطاط هممكم وتباطئكم عن جهاد عدوكم.

4) خَطَب بهذه الخطبة في أول خلافته، والأمور التي مالوا فيها عليه: اختيارهم عثمان وعدولهم عنه يوم الشورى.

5) «لئن رُدّ عليكم أمركم» أي أحوالكم التي كانت أيام رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من صلاح القلوب والنیّات إنّكم سعداء.

6) الجُهد - بالضم - : الطاقة، ثم قال: لو شئت لذكرتُ سبب التحامل عليّ وتأخري عن غيري ، ولكنّى لا أشاء ذلك، ولا أستصلح ذكره.

7) رواه ابن الجوزي في (التذكرة) ص 157 ، والمفيد في (الإرشاد) ص 131، و(الاختصاص) ص 236.

8) الذُّعلب في الأصل: الناقة السريعة، ثم نقل فسمّي به إنسان.

9) «أفأعبد ما لا أرى» مقام رفيع لا يصلح أن يقوله غيره(علیه السّلام) ، ثم قال: إنّها رؤية البصيرة، لا رؤية البصر. وروي «لاتراه العيون بمشاهدة العيان» [كما أثبته عبده في المتن].

وَلَكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحِقَائِقِ الْإِيمَانِ. قَرِيبٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرَ مُلَامِسِ(1)، بَعِيدُ مِنْهَا غَيْرَ مُبَايِنٍ ، مُتَكلّم بِلَا رَوِيَّةٍ (2)، مُرِيدٌ لا بِهِمَّةٍ (3)، صَانعُ لَا بِجَارِحَةٍ (4). لَطِيفٌ لَا يُوصَفَ بِالْخَفَاءِ (5)، كبِيرٌ لَا يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ(6)، بَصِيرٌ لَا يُوصَفُ بِالْحَاسَّة، رَحِيمٌ لَا يُوصَفُ بِالرِّقَةِ . تَعْنُو الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ(7)، وَتَجِبُ الْقُلُوبُ (8)مِنْ مَخَافَتِهِ .

180 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

180 - ومن كلام له عليه السلام (9)

فِي ذَمِّ الْعَاصِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ

أَحْمَدُ اللهَ عَلَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرِ، وَقَدَّرَ مِنْ فِعْلِ ، وَعَلَى ابْتِلَائِي(10)بِكُمْ أَيَّتُهَا


1) الملامسة والمباينة على معنى البعد المكاني من خواص المواد. وذات الله مبرأة من المادة وخواصها، فنسبة الأشياء إليها سواء وهي في تعاليها، فهي مع كلّ شيء وهي أعلى من كلّ شيء، فالبُعد بُعد المكانة من التنزيه.

2) الرؤية: الفكرة يرتثي الإنسان بها ليصدر عنه ألفاظ سديدة دالّة على مقصده.

3) بلا همّة: أي بلا عَز۫م، والهمّة: الاهتمام بالأمر بحيث لو لم يفعل لجرّ نقصاً وأوجب هماً وحزناً.

4) الجارحة: العضو البدني.

5) لأنّ العرب إذا قالوا لشيء: إنّه لطيف، أرادوا أنّه صغير الحجم. والبارئ تعالى لطيف لا بهذا الاعتبار بل باعتبار أنّه لا يُرى لعدم صحّة رؤية ذاته، وباعتبار أنّه لطيفُ بعباده.

6) الجفاء: الغلّظ والخشونة.

7) تعنو الوجوه: أي تخضع وتذلّ.

8) تجبُ القلوب: أى تخفِق ووَجَبَ القلب يجب وَجِيباً ووَجَباناً: خفق واضطرب، وأصله من وَجَب الحائط: أي سقط. ويروى: «تَؤجل القلوب» أي تخاف، وَجَلِ: خافَ.

9) رواها ابن هلال الثقفي في كتاب (الغارات)، والطبري في (تأريخه) حوادث سنة 38 .

10) ویروی: «علی ما ابتلاني».

الْفِرْقَةُ الَّتِي إِذَا أَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ، وَإِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ . إِنْ أُهْمِلْتُمْ خُضْتُمْ(1)، وَإِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ(2)، وَإِنْ أَجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ، وَإِنْ أُجِئْتُمْ(3)إِلَى مُشَاقَّةٍ (4)نَكَصْتُمْ(5). لَا أَبَا لِغَيْرِكُمْ(6)مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ، وَالْجِهَادِ عَلَى حَقَّكُمْ؟ الْمَوْتُ أَو الذُّلُّ لَكُمْ(7)! فَوَاللَّهِ لَئِنْ جَاءَ يَوْمِي - وَلَيَأْتِيَنِّي - لَيُفَرِّقَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَأَنَا لِصُحْبَتِكُمْ قَالٍ (8)وَبِكُمْ غَيْرُ كَثِيرٍ (9).

لِلَّهِ أَنْتُمْ (10)! أَمَا دِينُ يَجْمَعُكُمْ! وَلَا حَمِيَّةُ تَشْحَذْكُمْ(11)! أَوَ لَيْسَ عَجَباً أَنَّ


1) أَهمِلْتم: خُلّيتم وتركتم، ويروى: «أُمهلتم» [كما في نسخة عبده والصالح] أي أُخّرتم، وخُضْتُم أي في الكلام الباطل.

2) خُرْتُم: أي ضعفتم وجبتم، والخَوَرُ: الضعف. ويجوز أن يكون «خرتم» أي صحتم، كما يخور الثور، ومنه قوله تعالى: «عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ » [طه: 88] ويروى: «جُرْتُم» أي عدلتم عن الحرب فراراً.

3) أَجَئتم: أُلجنتم.

4) المشافة: المقاطعة والمصارمة ، والمراد بها الحرب.

5) نكصتم: أحجمتم ورجعتم القهقرى.

6) المعروف في التقريع: لا أبا لكم، ولا أبا لك، وهو دعاء يفقد الأب أو تعبير بجهله، فتلطف الإمام بتوجيه الدعاء أو الذمّ لغيرهم.

7) دعاء عليهم بأن يصيبهم أحد الأمرين، الموت أو الذل، لأنّه نظير الموت في المعنى ولكنّه دونه في الصورة.

8) القِلى: البغض، وقال: أي كاره.

9) غير كثير بكم: أي أنّى أفارق الدنيا وأنا في قلّة من الأعوان، وإن كنتم حولي كثيرين، ويدل عليه قوله فيما بعد «لله أنتم».

10) لله أنتم: أي لله سعيكم، أو عملكم.

11) الحمِيّة: الأنفة. وشحذتُ النصل: أحددته.

مُعَاوِيَةَ يَدْعُو الْجُفَاةَ الطَّغَامَ(1)فَيَتَّبِعُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَعُونَةٍ (2)وَلَا عَطَاءٍ، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ - وَأَنْتُمْ تَرِيكَةُ الْإِسْلَامِ (3)وَبَقِيَّةُ النَّاسِ - إِلَى الْمَعُونَةِ أَوْ طَائِفَةٍ مِنَ الْعَطَاءِ، فَتَتَفَرَّقُونَ عَنِّي ، وَتَخْتَلِفُونَ عَلَيَّ! إِنَّهُ لَا يَخْرُجُ إِلَيْكُمْ مِنْ أَمْرِي رِضىً فَتَرْضَوْنَهُ(4)، وَلَا سُخَطُ فَتَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لَاقٍ إِلَيَّ الْمَوتُ! قَدْ دَارَسْتُكُمُ الْكِتَابَ (5)، وَفَاتَحْتُكُمُ الْحِجَاجَ (6)، وَعَرَّفْتُكُمْ مَا أَنْكَرْتُمْ، وَسَوَّغْتُكُمْ مَا مَجَجْتُمْ(7)، لَوْ كَانَ الْأَعْمَى يَلْحَظُ(8)، أَوِ النَّائِمُ يَسْتَيْقَظُ !

وَأَقْرِبْ بِقَوْمٍ(9)مِنَ الْجَهْلِ بِاللَّهِ قَائِدُهُمْ مُعَاوِيَةُ! وَمُؤَدِّبُهُمْ أَبْنُ النَّابِغَةِ (10)!


1) الجُفاة: جمع جاف، أي غليظ. والطَّعام - بالفتح - : أراذل الناس.

2) المعونة: ما يعطى للجند لإصلاح السلاح، وعلف الدواب، زائداً على العطاء المفروض والأرزاق المعيّنة لكلّ منهم.

3) التريكة: بيضة النعامة بعد أن يخرج منها الفرخ تتركها في مجثمها، والمراد أنتم خلف الإسلام وعوض السلف.

4) يريد أنّه لا يوافقكم مني شيء لا ما يرضى ولا ما يسخط.

5) دارستُكم الكتاب: أي قرأت عليكم القرآن تعليماً وتفهيماً.

6) فاتحتكم: مجردُهُ فتح بمعنى قضى، فهو بمعنى قاضيتكم: أي حاكمتكم. والحِجاج: المحاجة، أي قاضيتكم عند الحجّة حتى قضت عليكم بالعجز عن الخصام، وعرفتكم الحق الذي كنتم تجهلونه، وسوغت لأذواقكم من مشرب الصدق ما كنتم تمجّونه وتطرحونه.

7) مججْتُ الشراب من فمي: أي رميت به، يقول ما كانت عقولكم تنفر عنه من الأمور الدينيّة أوضحته لكم حتى عرفتموه.

8) «لو» للتمني كأنّه يقول ليت الأعمى....

9) «أقرب بقومٍ» أي ما أقربهم من الجهل كما قال تعالى: «أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ » [الكهف: 26].

10) ابن النابغة: عمرو بن العاص.

181 - ومن كلام له عليه السلام

181 - ومن كلام له عليه السلام (1)

وَقَدْ أَرْسَلَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ يَعْلَمُ لَهُ عِلْمَ أَحْوَالِ قَوْمٍ مِنْ جُنْد الْكُوفَةِ(2)قَدْ هَمُوا بِاللحاق بِالْخَوَارِجِ وَكَانُوا عَلَى خَوْفٍ مِنْهُ(علیه السّلام) ، فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ قَالَ لَهُ: «أَأَمِنُوا(3)فَقَطَنُوا(4)، أَمْ جبُنُوا فَظَعَنُوا » (5)فقال الرَّجُلُ: «بَلْ ظَعَنُوا يَا أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ». فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلام:

بُعْداً لَهُمْ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ(6)! أَمَا لَوْ أُشْرِعَتِ الأَسِنَّةُ إِلَيْهِمْ(7)، وَصُبَّتِ السُّيُوفُ عَلَى هَامَاتِهِمْ(8)، لَقَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ. إِنَّ الشَّيْطَانَ الْيَومَ قَدِ اسْتَفلَّهُمْ (9)،وَهُوَ غَداً مُتَبَرِّئُ مِنْهُمْ، وَمُتَخَلَّ عَنْهُمْ، فَحَسْبُهُمْ بِخُرُوجِهِمْ مِنَ الْهُدَى (10).


1) رواه الطبري في ( تأريخه) ج 6 ص 65، في حوادث سنة 38.

2) القوم المذكورون هنا هم الخريت بن راشد الناجي وأصحابه من بني ناجية.

3) أمنوا: اطمأنوا.

4) قطنوا: أقاموا، قَطَن الرجلُ بالمكان، يقطُنُ - بالضمّ - : أقام به وتوطّنه، فهو قاطن، والجمع قُطّان .

5) ظَعَنوا: رحلوا.

6) قیل سُميت ثمود لقلّة مائها، من الثّمْد وهو الماء القليل.

7) أشرعت: سُدّدت وصُوّبت نحوهم، أشرعتُ الرمح إلى زيد، أي سدّدنه نحوه.

8) صبّت السيوفُ على هاماتهم: استعارة من صَبَيْتُ الماء، والهامات: الرؤوس.

9) استفلّهم الشيطان: وجدهم مَفلولين، فاستزلَهم، أو دعاهم للتقلّل وهو الانهزام عن الجماعة ، هكذا فسروه، ويمكن عندي أن يريد أنّه وجدهم فلا ،لا خير فيهم، والفلُّ في الأصل: الأرض لا نيات بها لأنّها لم تُمْطَر. ويروى: «استفزّهم»، أي استخفّهم.

10) حَس۫بُهُم بخروجهم: كافيهم من الشر خروجهم....، والباء زائدة، وإن جعل حسب اسم فعل بمعنى اكتف كانت الباء فى موضعها أي فليكتفوا من الشرّ والخطيئة بذلك فهو كفيل لهم بكل شقاء.

وَاَرْتِكَاسِهِمْ فِي الصَّلَالِ وَالْعَمَى(1)، وَصَدِّهِمْ (2)عَنِ الْحَقِّ ، وَجِمَاحِهِمْ فِي التِّيهِ(3).

182 - ومن خطبة له عليه السلام

182 - ومن خطبة له عليه السلام (4)

رُوِيَ عَنْ نَوْفِ الْبِكالِي (5). قَالَ خَطَبنَا بِهَذِهِ الخُطْبَةِ أَمِيرُالمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلام بالكوفة ، وَهُوَ قائِمٌ على حِجَارَةٍ نَصَبهَا لَهُ جَعْدَةُ بْنُ هُبَيْرَةَ الْمَخْرُومِيُّ (6)، وعليه مِدْرَعَةً مِنْ صُوفٍ (7)، وَحَمَائِلُ سَيْفِهِ لِيفُ وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ مِن لِيفٍ، وَكَأَنَّ جَبِينَهُ ثَفِنَةُ بَعِيرٍ (8)فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي إِلَيْهِ مَصَائِرُ الْخَلْقِ(9)، وَعَوَاقِبُ الْأَمْرِ! نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِيمٍ


1) الارتكاس في الضلال: الرجوع والانقلاب والانتكاس.

2) صدّهم: أعرضهم.

3) الجماح في التِّيه: الغلوّ والإفراط، مستعار من جماح الفرس، وهو أن يغلب الفرس راكبه ، والمراد تعاصيهم في التيه، أي الضلال.

4) روى الزمخشري بعضها في (ربيع الأبرار) باب التفاضل والتفاوت، والليثي في (عيون الحكم والمواعظ ).

5) هو نوف بن فضالة التابعي البكالي نسبة إلى بني بِكال، بطن من حِميَر، ضبطه بعضهم بتشديد الكاف، کشداد .

6) جعدة بن هبيرة هو ابن أخت أمير المؤمنين(علیه السّلام) ، وأمّه أم هانئ بنت أبي طالب، كان فارساً شجاعاً، فقيهاً. وولى خُراسان لأميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، وهو من الصحابة الذين أدركوا رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يوم الفتح، مع أمّه أمّ هانئ، وهرب أبو هبيرة بن أبي وهب ذلك اليوم هو وعبدالله بن الزِّبعرى إلى نجران.

7) المِدرعة: ثوب يعرف عند بعض العامة بالدراعية، قميص ضيق الأكمام، قال في القاموس: «ولا يكون إلّا من صوف»، وتَدرَّع لبسها.

8) الثفِئَة - بكسر بعد فتح - : ما يمس الأرض من البعير عند البروك، ويكون فيه غلظ من ملاطمة الأرض، وكذلك كان في جبين أميرالمؤمنين من كثرة السجود.

9) مصائر الأمور: جمع مَصِير، ومعناه المرجع.

إِحْسَانِهِ، وَنَيْرِ بُرْهَانِهِ، وَنَوَامِي (1)فَضْلِهِ وَأَمْتِنَانِهِ، حَمْداً يَكُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً، وَلِشُكْرِهِ أَدَاءً، وَإِلَى ثَوَابِهِ مُقَرِّباً، وَلِحُسْنِ مَزِيدِهِ مُوجِباً، وَنَسْتَعِينُ بِهِ اسْتِعَانَةَ رَاجِ لِفَضْلِهِ، مُؤَمِّلٍ لِنَفْعِهِ ، وَايْقٍ بِدَفْعِهِ، مُعْتَرِفٍ لَهُ بِالطَّوْلِ(2)، مُذْعِنٍ لَهُ بِالْعَمَلِ وَالْقَوْلِ ، وَنُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً، وَأَنَابَ إِلَيْهِ مُؤْمِناً (3)، وَخَنَعَ لَهُ مُذْعِنا (4)، وَأَخْلَصَ لَهُ مُوَحّداً، وَعَظَمَهُ مُمَجِّداً، وَلَاذَ بِهِ راغِباً مُجْتَهِداً .

لَمْ يُولَدْ سُبْحَانَهُ فَيَكُونَ فِي الْعِزَّ مُشَارَكاً(5)، وَلَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً.

وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَقْتُ وَلَازَمَانُ، وَلَمْ يَتَعَاوَرْهُ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانُ(6)، بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلَامَاتِ التَّدْبِيرِ الْمُتَقَنِ ، وَالْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ. فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمْوَاتِ مُوَطَّدَاتِ بِلَا عَمَدٍ (7)، قَائِمَاتٍ بِلَاسَنَدٍ، دَعَاهُنَّ فَأَجَيْنَ طَائِعَاتٍ مُدْعِنَاتٍ ، غَيْرَ مُتَلَكَئاتٍ (8)وَلَا مُبْطِئَاتٍ . وَلَوْلَا إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَإِذْعَانُهُنَّ لَهُ بِالطَّوَاعِيَةِ، لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ وَلَا مَسْكَناً لِمَلَائِكَتِهِ ، وَلَا مَصْعَداً لِلْكَلِم الطَّيِّبِ ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ.


1) النوامي: جمع نام، بمعنی زائد.

2) الطَّول: الإفضال.

3) أناب إليه: أقبل وتاب.

4) خَنَع: ذل وخضع ، والإذعان: الانقياد والطاعة.

5) لأنّ أباه يكون شريكه في العزّ، بل أعزّ لأنّه علّة وجوده. وسرّ الولادة حفظ النوع فلو صحّ لله أن يلد لكان فانياً يبقى نوعه في أشخاص أولاده، فيكون موروثاً هالكاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

6) يتعاوره: يتداوله ويتبادل عليه، أي لم تختلف عليه زيادة أو نقصان.

7) موطّدات: أى ممهدات مثبتات في مداراتها على ثقل أجرامها.

8) المتلكئ: المتوقف، والتلكُؤ: التوقف والتباطؤ.

جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلَاماً يَسْتَدِلُّ بِهَا الْحَيْرَانُ فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الْأَقْطَارِ(1)، لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا أَدْلِهمَام (2)سُجُفٌ (3)اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، وَلَا أَسْتَطَاعَتْ جَلَابِيبُ (4)سَوَادِ الْحَنَادِسِ (5)أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِي السَّمَوَاتِ مِنْ تَلَأُلُو نُورِ الْقَمَرِ(6)، فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ سَوادُ غَسَقٍ دَاجٍ(7)، وَلَا لَيْلٍ سَاجٍ(8)فِي بِقَاعِ الْأَرَضِينَ الْمُتَطَأْطِئَاتِ(9)، وَلَا فِي يَفَاعِ (10)السُّفْعِ (11)الْمُتَجَاوِرَاتِ، وَمَا يَتَجَلْجَلُ بِهِ الرَّعْدُ (12)فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَمَا تَلَاشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ الْغَمَامِ (13)، وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ تُزِيلُهَا


1) الفِجَاج: جمع فجّ، وهو الطريق في الجبل.

2) ادلهمامُ سواد الليل: أي شدّة ظلمته. وقد روى بعض «ادلهمامُ» بالنصب، وجعله مفعولاً، «وضوء نورها» بالرفع وجعله فاعلاً، وهذه الرواية أحسن.

3) السُّجف: جمع سِجْف، وهو السِّتر، ويجوز فتح السين.

4) الجلابيب: جمع جِلْبَاب، ثوب واسع تلبسه المرأة فوق ثيابها كأنّه مِلحَفة. ووجه الاستعارة فيها ظاهر.

5) الحَنادس: جمع حِنْدِس - بكسر الحاء - الليل المظلم.

6) شاعَ: تفرّق، والتلألؤ: اللَمعان.

7) الغسق الظلمة، والدّاجي: المظلم.

8) الساجي: الساكن، ووصف الليل بالسكون وصف له بصفة المشمولين به فإنّ الحيوانات تسكن بالليل وتطلب أرزاقها بالنهار.

9) المتطأطنات: المنخفضات.

10) اليفاع: التل أو المرتفع مطلقاً من الأرض.

11) سفعع:جمع سفعا، السوداء، يضرب إلى الحمرة، والمراد منها الجبال، عبر عنها بلونها فيما يظهر للنظر على بعد.

12) ما يجلجل به الرعد: صوته، والجلجة والتجلجل: صوت الرعد.

13) تلاشت: اضمحلت، وأصله من لَشِيء بمعنى حسّ بعد رفعة، وما يضمحل عنه البرق هو الأشياء التي ترى عند لمعانه.

عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ (1)الْأَنْوَاءِ (2)وَأَنْهِطَالُ السَّمَاءِ (3)! وَيَعْلَمُ مَسْقَطَ القَطرَةِ وَمَقَرَّهَا ، وَمَسْحَبَ الذَّرَّةِ وَمَجَرَّهَا(4)، وَمَا يَكْفِي الْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا، وَمَا تَحْمِلُ الْأُنْثَى فِي بَطْنِهَا.

والْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيُّ أَوْ عَرْشٌ، أَوْ سَمَاءُ أَوْ أَرْضُ، أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ . لَا يُدْرَكُ بِوَهُم(5)، وَلَا يُقَدَّرُ بِفَهُم، وَلَا يَشْغَلُهُ سَائِلٌ(6)، وَلَا يَنْقُصُهُ نَائِلُ(7)، وَلَا يَنْظُرُ بِعَيْنِ، وَلَا يُحَدُّ بِأَيْن(8)، وَلَا يُوصَفُ بِالْأَزْوَاجِ(9)، وَلَا يَخْلُقُ بِعِلاج (10)، وَلَا يُدْرَكُ بِالْحَواسِ، وَلَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ. الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً، وَأَرَاهُ


1) العواصف: الرياح الشديدة، وإضافتها للأنواء من إضافة الشيء لمصاحبه عادة.

2) الأنواء: جمع نَؤء، أحد منازل القمر ، يعدّها العرب ثمانية وعشرين يغيب منها عن الأفق في كل ثلاث عشرة ليلة منزلةً ويظهر عليه أخرى، والمغيب والظهور عند طلوع الفجر. وكانوا ينسبون المطر لهذه الأنواء فيقولون مطرنا بنوء كذا المصادفة هبوب الرياح وهطول الأمطار في أوقات ظهور بعضها حتى جاء الإسلام فأبطل الاعتقاد بتأثير الكواكب في الحوادث الأرضية تأثيراً روحانياً.

3) الانهطال: الانصباب، والسماء هنا: المطر.

4) أي موضع سحب النملة الصغيرة وجرّها.

5) الوهم هنا: الفكرة والتوّهم.

6) لا يشغلُه سائل: كما يشغل السؤال مِنّا مَنْ يسألونه، لإحاطة علمه وقدرته.

7) النائل : العطاء.

8) الأين: المكان.

9) الأزواج: القُرْناء والأمثال أي لا يقال: ذو قرناء، ولا هو قرين لشيء، ويراد من هذا نفي الإثنينية والتعدد عنه جلّ شأنه، أو يريد لا يوصف بصفات الأزواج، وهي الأصناف؛ قال سبحانه: « وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ »[ق: 7].

10) لا يخلقُ بعلاج: أي أنّه لا يشبه المخلوقات في احتياج وجودها إلى معالجة ومزاولة، لأنّه بذاته واجب الوجود سبحانه، والعلاج لا يكون إلّا بين شيئين أحدهما يقاوم الآخر فيتغلب الآخر عليه، والله لا يعالج شيئاً بل يقول له كن فيكون.

مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً ، بِلا جَوَارِحَ وَلَا أَدواتٍ ، وَلَا نُطْقِ وَلَا لَهَوَاتٍ(1)، بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا الْمُتَكِلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ (2)، فَصِفْ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَجُنُودَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، فِي حُجُرَاتِ الْقُدْسِ (3)مُرْجَحِنِّينَ (4)، مُتَوَلِّهَةً عُقُولُهُمْ(5)أَنْ يَحُدُّوا أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ. وَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو الْهَيْئَاتِ وَالْأَدَوَاتِ، وَمَنْ يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ. فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلَامٍ، وَأَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُورٍ .

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ الَّذِي أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاضَ(6)، وَأَسْبَغَ(7)عَلَيْكُمُ الْمَعَاشَ، فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً، أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلاً، لَكَانَ ذَلِكَ سُلَيْمَانَ بْنُ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، الَّذِي سُخَّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ، مَعَ النُّبُوَّةِ وَعَظِيمِ الزُّلْفَةِ(8)، فَلَمَّا أَسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ(9)، وَاسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتْهُ قِسِيُّ (10)أَلْفَنَاءِ


1) اللَهَوَات: جمع لهاة، وهي اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى الفم.

2) المتكلّف: هو شديد التعرّض لما لا يعنيه، أي إن كنت أيّها المتعرّض لما لا يعنيك، من وصف ربّك، صادقاً في دعوى القدرة على وصفه، فصف أحد مخلوقاته، فإذا عجزت فأنت عن وصف الخالق أشدّ عجزاً.

3) حُجرات القدس: جمع حُجرة، وهي الغرفة.

4) مرجَحِنِّين: مائلين الى جهة «تحت» خضوعاً لجلال البارئ سبحانه ارجحنّ الحجر، إذا مال هاوياً، والمُرْجَحِن: المائل لثقله والمتحرك يميناً وشمالاً، كناية عن انحنائهم لعظمة الله واهتزازهم لهيبته.

5) متولّهة عقولهم، أي حائرة أو متخوّفة.

6) الرياش: اللباس الفاخر.

7) أسبغ: أوسع.

8) الزُّلفة: القرب.

9) الطُعمة المأكلة، أي ما يؤكل، والمراد رزقه المقسوم.

10) القِسيّ: جمع قَوْس.

بِنبَالِ الْمَوْتِ، وَأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً، وَالْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةٌ، وَوَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ.

وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً! أَيْنَ الْعَمَالِقَةُ وَأَبْنَاءُ الْعَمَالِقَةِ! أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَأَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ! أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّس الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ ، وَأَطْفَئُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ، وَأَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ(1)! أَيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ، وَهَزَمُوا الأُلُوفٌ، وَعَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ، وَمَدَّنُوا الْمَدَائِنَ!

وَمِنْهَا: قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا(2)تعتقد الشيعة الإمامية أن المهدي من آل محمد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حيّ يُرزق الآن وسيظهر في آخر الزمان. (3)، وَأَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا، مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا ،


1) سئل أميرالمؤمنين عن أصحاب مدائن الرس فيما رواه الرضيّ عن آبائه إلى جدّه الحسين فقال: «إنّهم كانوا يسكنون في مدائن لهم على نهر يسمى الرس من بلاد المشرق، هو نهر أرس فى بلاد آذربيجان، وكانوا يعبدون شجرة صنوبر مغروسة على شفير عين تسمى دوشاب، يقال غرسها يافث بن نوح، وكان اسم الصنوبرة «شاه درخت» وعدّة مدائنهم اثنتا عشرة مدينة، اسم الأولى أبان، والثانية آذر ، والثالثة دي، والرابعة بهمن، والخامسة اسفندارمز، والسادسة فروردين، والسابعة اردي بهشت، والثامنة خرداد، والتاسعة مرداد، والعاشرة تير ،والحادية عشرة مهر، والثانية عشرة شهریور، فبعث الله لهم نبيّاً ينهاهم عن عبادة الأشجار، ويأمرهم بعبادة الله، فبغوا عليه وقتلوه أشنع قتل، حيث أقاموا فى العين أنابيب من رصاص بعضها فوق بعض كالبرابخ ، ثم نزعوا منها الماء، واحتفروا حفرة في قعرها، وألقوا نبيهم فيها حيّاً، واجتمعوا يسمعون أنينه وشكواه حتى مات ،فعاقبهم الله بإرسال ريح عاصفة، ملتهبة، سلقت أبدائهم، وقذفت عليهم الأرض مواد كبريتية متّقدة، فذابت أجسادهم، وهلكوا، وانقلبت مدائنهم».

2) فسّرت الإمامية هذا الكلام بالمهديّ المنتظر عندهم، والصوفية بوليّ الله في الأرض، والفلاسفة فسروه بالعارف، وليس ببعيد عندي أنّه يريد به القائم من آل محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في آخر الوقت، وليس في الكلام ما يدل على وجوده الآن

3) ، وقد اتفق المسلمون على أنّ الدنيا والتكليف لا ينقضي إلّا عليه. لبس جنّة الحِكمة: أي قمعَ عن المشتهيات وقَطّع علائق النفس عن المحسوسات، فإنّ ذلك مانع للنفس أن يصيبها سهام الهوى. وجُنّة الحكمة ما يحفظها على صاحبها من الزهد والورع وأصل الجُنّة الوقاية، ومنه الدّرع والمجنّ، وما يُتّقى به.

وَالْمَعْرِفَةِ بِهَا، وَالتَّفَرُّخِ لَهَا، فَهِي عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا ، وَحَاجَتُهُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا، فَهُوَ مُغْتَرِبْ إِذَا اغْتَرَبَ الْإِسْلَامُ(1)، وَضَرَبَ بِعَسِيبٍ ذَنْبِهِ، وَأَلْصَقَ الْأَرْضَ بِجِرَانِهِ (2)

والجران: مقدم عنق البعير من المذبح إلى المنحر، والبعير أقلّ ما يكون نفعه عند بروكه. وإلصاق جِرانه بالأرض كناية عن الضعف كسابقه.

، بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ (3)، خَلِيفَةٌ مِنْ خَلَائِفِ أَنْبِيَائِهِ.

ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ بَثَثتُ لَكُمُ الْمَواعِظَ الَّتِي وَعَظَ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ أُمَمَهُمْ(4)، وَأَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الأَوْصِيَاءُ (5)إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا، وَحَدَوْثکُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا (6).

لِلَّهِ أَنتُمْ! أَتَتَوَكَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ(7)، وَيُرْشِدُكُمُ السَّبِيلَ! أَلَا إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَانَ مُقْبِلاً ، وَأَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً، وَأَزْمَعَ التَّرْحَالَ عِبَادُ


1) «هو مغترب إذا اغترب الإسلام»، يقول هذا الشخص يُخْفي نفسُه ويحملها إذا اغتربُ الإسلام ،واغتراب الإسلام أن يظهر الفسق والجَو۫ر على الصلاح والعدل.

2) قال: «وضربَ بعسيب ذَنبَه، وألصق الأرض بجرانه»، أي إذا صار الإسلام غريباً مقهوراً، وصار الإسلام كالبعير البارك يضرب الأرض بعَسِيبه، وهو أصل الذَّنَب، ويلصق جِرانه - وهو صدره - في الأرض، فلا يكون له تصرّف ولا نهوض، فهو مع الإسلام فإذا صار الإسلام غريباً اغترب معه لا يضلّ عنه. والضمير في «ضرب» للإسلام، وهذا كناية عن التعب والإعياء، يريد ضعف.

3) الصفات للشخص المذكور، والضمير يرجع إلى الله سبحانه. وبقية: تابع لمغترب، وضمير حجُته وأنبيائه لله المعلوم من الكلام.

4) بثثتُ لكم المواعظ: فرّقتها ونشرتُها.

5) الأوصياء: الذين يأتمنُهم الأنبياء على الأسرار الإلهية.

6) حدوثكم: سقتكم كما تُحدّى الإبل، فلم تستوسقوا، أي لم تجتمعوا، استَوْسَقَت الإبل: اجتمعت وانضم بعضها إلى بعض.

7) يطأ بكم الطريق: أي يحملكم على المِنهاج الشرعي.

اللهِ الْأَخْيَارُ (1)، وَبَاعُوا قَلِيلاً مِنَ الدُّنْيَا لَا يَبْقَى، بِكَثِيرٍ مِنَ الْآخِرَةِ لَا يَفْنَى!

مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ بِصِفِّينَ أَلَّا يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاء (2)؟ يُسِيغُونَ الْغُصَصَ، وَيَشْرَبُونَ الرَّنقَ (3)! قَدْ - وَاللهِ - لَقُوا اللهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ، وَأَحَلَّهُمْ دَارَ الْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ.

أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارُ ؟ (4)وَأَيْنَ أَبْنُ التَّيْهَانِ(5)؟ وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ(6)؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنيَّةِ(7)، وَأُبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ ! (8)

قال: ثُمَّ ضَربَ عَلَيْهِ السَّلَام بيده عَلَى لِحْيَتِهِ الشَّرِيفَةِ الْكَرِيمَةِ، فَأَطَالُ الْبُكَاءَ، ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:

أَوْهِ(9)عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ!


1) أرْمَعَ الترحال: أي ثبت عزمُهم عليه.

2) يقول : لم يضرّ إخواننا القتلى بصفين كونهم اليوم ليسوا بأحياء حياتنا المشوبة بالغُصّص.

3) الرَنقُ - بكسر النون وفتحها وسكونها - : الكَدِر.

4) عمّار بن ياسر من السابقين الأولين. [ستأتي ترجمته في باب الحكم ص 850 ].

5) هو الصحابي أبو الهيثم بن مالك بن التّيهان، ممن شهد بدراً، والأكثر أنّه أدْرَك صِفّين، وشهدها مع عليّ(علیه السّلام) ، وقتل بها.

6) ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت الخطمي الأنصاري جعل رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) شهادته كشهادة رجلين؛ لقصة مشهورة. شهد بدراً وما بعدها من المشاهد، وكانت رايةُ بني خَطمة بيده يوم الفتح. شهد صِفّين مع عليّ بن أبي طالب ، فلما قُتِل عمّار قاتل حتى قُتِل.

7) تعاقدوا على المنيّة: جعلوا بينهم عقداً، وروي «تعاهدوا»، ويعني بهم الذين قتلوا معه من الصحابة، كابن بُدَيل، وهاشم بن عتبة، وغيرهما.

8) وأبرد برؤوسهم إلى الفَجَرة: حُمِلت رؤوسهم مع البريد إلى الفسقة للبشارة بها، والفجرة ههنا: أمراء عسكر الشام.

9) «أَوْهِ» ساكنة الواو مكسورة الهاء، كلمة شكوى وتوجُّع.

أَحْيَوُا السُّنَّةَ، وَأَمَاتُوا الْبِدْعَةَ، دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ (1).

ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: الْجِهَادَ الْجِهَادَ عِبَادَ اللَّهِ! أَلَا وَإِنِّي مُعَسْكِرُ فِي يَوْمِي هذَا ؛ فَمَنْ أَرَادَ الرَّوَاحَ إِلَى اللهِ فَلْيَخْرُج .

قالَ نَوْفٌ: وَعقَدَ لِلْحُسَيْنِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي عَشْرَةِ آلَافٍ، وَلِقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ (2)رَحِمَهُ اللهُ فِي عَشْرَةِ آلَافٍ، وَلِأَبِي أَيُّوبِ الْأَنْصَارِي (3)فِي عَشْرَةِ آلَافٍ، وَلِغَيْرِهِمْ عَلَى أَعْدَادٍ أُخَرَ، وَهُوَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ إِلَى صِفّينَ، فَمَا دَارَتِ الْجُمْعَةُ حَتَّى ضَرَبَهُ المَلعُونُ ابْنُ مُنْجَم لَعَنَهُ اللهُ، فَتَرَاجَعَتِ الْعَسَاكِرُ، فَكُنَّا كَأَعْنَامٍ فَقَدَتْ رَاعِيهَا، تَخْتَطِفُهَا الذِّنَابُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ! (4)

183 - من خطبة له عليه السلام

اشارة

183 - من خطبة له عليه السلام (5)

فِي قُدْرَةِ اللَّهِ وَفَضْلِ الْقُرْآنِ

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، وَالْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ مَنْصَبَةٍ(6). خَلَقَ الْخَلَائِقَ


1) وثقوا بالقائد، یعنی نفسه.

2) قيس بن سعد بن دُليم الخزرجي، صحابي يكنّى أبا عبدالملك، وكان طُوالاً جداً سبطاً شجاعاً جواداً، وأبوه رئيس الخزرج، وكان فيس من كبار شيعة أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، شهد معه حروبه كلّها.

3) أبو أيوب الأنصاريِ، الخزرجيّ، من بنيّ النّجار، شهد العُقبة وبدراً وسائر المشاهد، وعليه نزل رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )حين قدم المدينة مهاجراً من مكّة، فلم يزل عنده حتى بنى مسجده ومساكنه، ثم انتقل إليها، ويوم المؤاخاة أخى رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بينه وبين مُصعب بن عمير، قال أبو عمر في «الاستيعاب»: إنّ أبا أيوب شهد مع عليّ(علیه السّلام) مشاهده كلّها.

4) الاختطاف: أخذُك الشيء بسرعة، ويروى: «تتخطّفها». ويقال: إنّ هذه الخطبة آخرُ خطبة لأمير المؤمنين (علیه السّلام) قائماً.

5) رواها الزمخشري في ( ربيع الأبرار ) ج 1 باب النار، وفسر غريبها ابن الأثير في (النهاية) مادة يَفَن.

6) المنصبة: التعب.

بِقُدْرَتِهِ، وَأَسْتَعْبَدَ الْأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ(1)، وَسَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ، وَبَعَثَ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ رُسُلَهُ، لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا ، وَلِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا(2)، وَلِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا، وَلِيُبَصِّرُوهُمْ عُيُوبَهَا . وَلِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ (3)بِمُعْتَبَرٍ (4)مِنْ تَصَرُّفِ (5)مَصَاحَهَا وَأَسْقَامِهَا(6)، وَحَلَالِهَا وَحَرَامِهَا ، وَمَا أَعَدَّ اللهُ سُبْحَانَهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَالْعُصاةِ، مِنْ جَنَّةٍ وَنَارٍ، وَكَرَامَةٍ وَهَوَانٍ.

أَحْمَدُهُ إِلَى نَفْسِهِ ، كَمَا أَسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ(7)، وَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ، وَلِكُلِّ قَدْرٍ أَجَلاً، وَلِكُلٍّ أَجَلٍ كِتَاباً .

وَمِنْهَا فِي ذِكْرِ الْقُرْآن

فَالْقُرْآنُ آمِرُ زَاجِرٌ، وَصَامِتْ نَاطِقُ (8)، حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ، أَخَذَ عَلَيْهِ مِيثَاقَهُمْ ، وَأَرْتَهَنَ عَلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ(9)، أَتَمَّ نُورَهُ، وَأَكْرَمَ بِهِ دِينَهُ، وَقَبَضَ نَبِيَّهُ - صَلَّى


1) استعبدت فلاناً: اتخذته عبداً.

2) الضرّاء: الشدة.

3) قوله: «وليهجموا عليهم» هجمتُ على الرجل: دخلت عليه بَغْتَةً.

4) مُعْتَبَر: مصدر بمعنى الاعتبار والاتّعاظ.

5) التصرّف: التبدّل.

6) المصاح: جمع مصحة، بمعنى الصحة والعافية، يقول(علیه السّلام) : ليدخلوا عليهم بما في تصريف الدنيا من الصحة والسّقَم، وما أحلّ وما حرّم على طريق الابتلاء. كأنّ الناس في غفلة عن سرّ تعاقب الصحة والمرض على بدن الإنسان حتى نبهتهم رسل الله إلى أن هذا ابتلاء منه سبحانه ليعرف الإنسان عجزه وأنّ أمره بيد خالقه.

7) استحمَد: أي كما طلب من خلقه أن يحمدوه.

8) لأنّه من حيث هو حروف وأصوات صامتٌ ومن حيث تضمّنه الأخبار والأمر والنهي وغيرها كالناطق.

9) ارتهنّ عليهم أنفسهم: حبس نفوسهم في ضنك المؤاخذة حتى يؤذوا حقّ القرآن من العمل به فإن لم يفعلوا لم يخلصوا بل يهلكوا ، فكأنّه جعلها رَهناً على الوفاء بميثاقهم.

اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - وَقَدْ فَرَغَ إِلَى الْخَلْقِ مِنْ أَحْكَامِ الْهُدَى بِهِ .

فَعَظْمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَلَّمَ مِنْ نَفْسِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُخْفِ عَنْكُمْ شَيْئاً مِنْ دِينِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً رَضِيَهُ أَوْ كَرِهَهُ إِلَّا وَجَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِياً ، وَآيَةً مُحْكَمَةً ، تَزْجُرُ عَنْهُ ، أَوْ تَدْعُوا إِلَيْهِ، فَرِضَاهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ، وَسَخَطُهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ .

وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرْضَى عَنْكُمْ بِشَيْءٍ سَخِطَهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَلَنْ يَسْخَطَ عَلَيْكُمْ بِشَيْءٍ رَضِيَهُ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّمَا تَسِيرُونَ فِي أَثْرٍ بَيِّنٍ(1)، وَتَتَكَلَّمُونَ بِرَجْعِ قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ الرِّجَالُ مِنْ قَبْلِكُمْ(2).

قَدْ كَفَاكُمْ مَؤُونَةَ دُنْيَاكُمْ، وَحَبَّكُمْ عَلَى الشُّكْرِ ، وَافْتَرَضَ مِنْ أَلْسِنَتِكُمُ الذِّكْرَ (3)، وَأَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى، وَجَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ، وَحَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ (4).

فَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِعَيْنِهِ(5)، وَنَوَاصِيكُمْ بِيَدِهِ(6)، وَتَقَلُّبُكُمْ فِي قَبْضَتِهِ. إِنْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ، وَإِنْ أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ ؛ قَدْ وَكَلَ بِذلِكَ حَفَظَةً كِرَاماً ، لَا يُسْقِطُونَ حَقًّاً، وَلَا يُثْبِتُونَ بَاطِلاً.


1) أي أنّ الأدلة واضحة، وليس مراده الأمر بالتقليد.

2) قوله: «وتتكلّمون برجع قول قد قاله الرجل من قبلكم»، يعني كلمة التوحيد «لا إله إلّا الله»، قد قالها الموّحدون من قبل هذه الملّة، لا تقليداً، بل بالنَظر والدليل، فقولوها أنتم كذلك.

3) أي افترض عليكم أنّ تذكُروه وتشكُروه بألسنتكم.

4) الله تعالى غير محتاج، ولكنّه لمّا بالغ في الحثّ والحضّ على التقوى، جعله كالمحتاج الى شيء.

5) أي يعلم أحوالكم، يقال: «فلان بعين فلان» إذا كان بحيث لا يخفى عليه منه شيء.

6) الناصية: مقدّم شعر الرأس؛ أي هو قادر عليكم، متمكّن من التصرّف فيكم، كالإنسان القابض على ناصية غيره.

وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الفِتَنِ، وَنُوراً مِنَ الظُّلَم، وَيُخَلَّدْهُ فِيمَا أَشْتَهَتْ نَفْسُهُ، وَيُنْزِلْهُ مَنْزِلَ الْكَرَامَةِ عِنْدَهُ، فِي دَارٍ أَصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ (1)ظِلُّهَا عَرْشُهُ، وَنُورُهَا بَهْجَتُهُ ، وَزُوَّارُهَا مَلَائِكَتُهُ، وَرُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ. فَبَادِرُوا الْمَعَادَ، وَسَابِقُوا الْآجَالَ ، فَإِنَّ النَّاسَ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَطعَ بِهِمُ الْأَمَلُ (2)، وَيَرْهَقَهُمُ الْأَجَلُ(3)، وَيُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ التَّوْبَةِ . فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَيْهِ الرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ(4)، وَأَنْتُمْ بَنُو سَبِيلٍ، عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ(5). وَقَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالْاِرْتِحَالِ، وَأُمِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ .

وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ ، فَأَرْحَمُوا نُفُوسَكُمْ، فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا. أَفَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، وَالْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ ، وَالرَّمْضَاءِ (6)تُحْرِقُهُ؟ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ ، ضَجِيعَ حَجَرٍ ، وَقَرِينَ شَيْطَانٍ! أَعَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً(7)إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ، وَإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ.


1) معنى «اصطنعها لنفسه» إعظامها وإجلالها.

2) يوشك - بكسر الشين - : فعل مستقبل، ماضيه: «أوشك» أي أسرع.

3) يَرْهَقُهُم بالأجل: أي يَغْشاهم بالمنية، ورهِقّه الأمر - بالكسر - : فاجأه.

4) أي أنّكم في حالة يمكنكم فيها العمل لآخرتكم وهي الحالة التي ندم المهملون على فواتها وسألوا الرجعة إليها كما حكى الله عنهم إذ يقول الواحد منهم: «ربّ ارجعون. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ» [المؤمنون: 99 و 100] .

5) بنو سبيل: أرباب طريق مسافرون.

6) الرّمضاء: الأرض الشديدة الحرارة، والرَّمَض: شدة وقع الشمس على الرّمل وغيره.

7) مالك: هو الموكّل بالجحيم.

أَيُّهَا الْيَفَنُ الْكَبِيرُ (1)الَّذِي قَدْ لَهَزَهُ (2)الْقَتِيرُ (3)، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَامِ الْأَعْنَاقِ، وَنَشِبَتِ الْجَوَامِعُ(4)حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ (5)! فَاللَّهَ اللَّهَ مَعْشَرَ الْعِبَادِ! وَأَنْتُمْ سَالِمُونَ فِي الصِّحَّةِ قَبْلَ السُّقْمِ، وَفِي الْفُسْحَةِ قَبْلَ الضّيقِ، فَأَسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ(6)مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا(7). أَسْهِرُوا عُيُونَكُمْ، وَأَضْمِرُوا بُطُونَكُمْ وَاسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ، وَأَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ، وَخُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ (8)فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: «إنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ» ، وَقَالَ تَعَالَى: «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ، وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ». فَلَمْ يَسْتَنْصِرْكُمْ مِنْ ذُلّ، وَلَمْ يَسْتَقْرِضُكُمْ مِنْ قُلَّ(9)اسْتَنْصَرَكُمْ «وَلَهُ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» ، وَاسْتَقْرَضَكُمْ «وَلَهُ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ «يَبْلُوَكُمْ(10)أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً».

فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِيرَانِ اللهِ فِي دَارِهِ. رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَهُ، وَأَزَارَهُمْ


1) اليَفَن - بالتحريك - : الشيخ الكبير المسن.

2) لَهَزَهُ: أي خالطه.

3) القَتير: الشيب، وأصله رؤوس المسامير في الدُّروع تسمّى قتيراً.

4) نَشِبَتْ: عَلِقَت. والجوامع: جمع جامعة، وهي الغُلّ؛ لأنّها تجمع اليدين إلى العنق.

5) السواعد: جمع ساعد، وهو الذراع.

6) فُكاك الرقاب: عتقها قبل أن تغلّقَ رهائنها.

7) غَلِقَ الرهنُ: استحقّه صاحب الحق، وذلك إذا لم يُمكن فكاكه في الوقت المشروط.

8) خذوا من أجسادكم: أي أتعبُوها بالعبادة حتى تَنْحَل.

9) القُلّ: القِلّة.

10) يبلوكم: يختبركم.

مَلَائِكَتَهُ، وَأَكْرَمَ أَسْمَاعَهُمْ أَنْ تَسْمَعَ حَسِيسَ نَارٍ أَبَداً (1)، وَصَانَ أَجْسَادَهُمْ أَنْ تَلْقَى لُغُوباً (2)وَنَصَباً: «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» .

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِي وَأَنْفُسِكُمْ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ!

184 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

184 - ومن كلام له عليه السلام (3)

قَالَهُ لِلْبُرْ قائه للبرج بن مُسْهِرٍ الطَّائِي ، وَقَدْ قَالَ لَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ: «لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ» وَكَانَ مِنَ الْخَوَارِجِ

قَالَهُ لِلْبُرْ قائه للبرج بن مُسْهِرٍ الطَّائِي(4)، وَقَدْ قَالَ لَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ: «لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ» وَكَانَ مِنَ الْخَوَارِجِ

اسْكُتْ قَبَحَكَ اللهُ(5)يَا أَثرَمُ(6)، فَوَاللهِ لَقَدْ ظَهَرَ الْحَقُّ فَكُنْتَ فِيهِ ضَئِيلاً (7)شَخْصُكَ ، خَفِيّاً صَوْتُكَ؛ حَتَّى إِذَا نَعَرَ(8)الْبَاطِلُ، نَجَمْتَ نُجُومَ قَرْنِ الْمَاعِزِ (9).


1) الحسيس: الصوت الخفي، حسيس النّار: صوتها.

2) اللغوب: النَّصَب لَعِب لَغَباً ولَغُوباً أُعيي أشدّ الإعياء. والنَصَب: التعب أيضاً.

3) رواه أبو هلال العسكري في كتاب (الصناعتين) ص 285 .

4) البرج بن مُسهِر شاعر مشهور من شعراء الخوارج، نادى بشعارهم بحيث يسمعه أميرالمؤمنين (علیه السّلام) ، فزجره.

5) قبَحك الله : لفظة معناها كَسَرك، يقال: قبحتُ الجوزة، أي كسرتها، وقيل قَبَحه: نحّاه عن الخير. [و في نسخة عبده: قَبَّحَكَ].

6) الثرم - محرّكاً - : سقوط الثنية من الأسنان، وكان البُرج ساقطُ الثنيّة، فأهانه بأن دعاء به.

7) الضئيل: النحيف المهزول، كناية عن الضعف، ضَٶُل الرجل، بالضم ضآلة: نَحُفَ.

8) نَعَرَ: أي صاح.

9) نَجْمْتَ : ظَهَرْتَ وَبَرَزْتَ، والتشبيه بقرن الماعز في الظهور على غير شرفٍ ولا شجاعة ولا قدم.

185 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

185 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي صِفَة خَلْقٍ بَعْضِ الْحَيْوَانَاتِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ(2)، وَلَا تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ (3)، وَلَا تَرَاهُ النَّواظِرُ ، وَلَا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ. اَلدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ، وَبِحُدُوثِ خَلْقِهِ، عَلَى وُجُودِهِ، وَبِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لَا شَبَهَ لَهُ (4)الَّذِي صَدَقَ فِي مِيعَادِهِ، وَأَرْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ، وَقَامَ بِالْقِسْطِ فِي خَلْقِهِ، وَعَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ ، مُسْتَشْهِدُ بِحُدُوثِ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ ، وَبِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ ، وَبِمَا أَضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنْ الْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ . وَاحِدٌ لَا بِعَدَدِ(5)، وَدَائِمٌ لَا بِأَمَدٍ (6)، وَقَائم لا


1) رواها الطبرسي في (الاحتجاج ) ج 1 ص 305 ، والزمخشري في (ربيع الأبرار) باب دواب البر والبحر.

2) الشواهد ههنا يريد بها الحواس، وسمّاها «شواهد» إمّا لحضورها، أو لشهادتها على ما تدركه وتثبته عند العقل.

3) المشاهد - ههنا - : المجالس والنوادي، يقال: «حضرت مشهد بني فلان» أي ناديهم ومجتمعهم.

4) قوله(علیه السّلام) : «وباشتباههم على أن لا شبه له» هذا دليل صحيح، وذلك لأنّه إذا ثبت أنّ جسماً ما محدث، ثبت أنّ سائر الأجسام محدثة؛ لأنّ الأجسام متماثلة، ولمّا كان البارئ تعالى ليس بمحدّث فليس بمشابه لشيء منها.

5) واحد لا بعدد: أي لا يتكون من أجزاء ، لأنّ وحدته ذاتية، وليست صفة زائدة عليه.

6) الأمد: الغاية، وهو «دائم لا بأمد» لأنّه تعالى ليس بزمانيّ، ولا داخل تحت الحركة والزمان، وهذا أيضاً من دقائق العلم الإلهيّ، والعرب دون أن تفهم هذا أو تنطق به، ولكنّ هذا الرجل كان ممنوحاً من الله تعالى بالفيض المقدّس والأنوار الربّانيّة.

بِعَمَدٍ. تَتَلَقَّاهُ الْأَذهَانُ لَا بِمُشَاعَرَةٍ(1)وَتَشْهَدُ لَهُ الْمَرَائِي لَا بِمُحَاضَرَةٍ(2). لَمْ تُحِطْ بِهِ الْأَوْهَامُ(3)، بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا، وَبِهَا أَمْتَنَعَ مِنْهَا(4)، وَإِلَيْهَا حَاكَمَهَا(5). لَيْسَ بِذِي كِبَرٍ أَمْتَدَّتْ بِهِ النَّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيماً، وَلَا بِذِي عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ الْغَايَاتُ فَعَظَمَتْهُ تَجْسِيداً : بَلْ كَبُرَ شَآناً، وَعَظُمَ سُلْطَاناً .

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّفِيُّ، وَأَمِينُهُ الرَّضِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ(6)، وَظُهُورِ الْفَلَجِ (7)، وَإِيضَاحِ الْمَنْهَج؛ فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ صَادِعاً بهَا (8)، وَحَمَلَ عَلَى الْمَحَجَّةِ دَالّا عَلَيْهَا ، وَأَقَامَ أَعْلَامَ الاِهْتِدَاءِ، وَمَنَارَ الصِّيَاءِ، وَجَعَلَ أَمْرَأَسَ(9)الْإِسْلَامِ مَتِينَةً ، وَعُرَى الْإِيمَانِ وَثِيقَةٌ .


1) أي تتلقاه تلقّياً عقلياً، ليس كما يتلقى الجسمُ الجسم بمشاعره وحواسُه وجوارحه، والمراد يتلقيه سبحانه ههنا تلقي صفاته، لا تلقي ذاته. والمُشَاعرة: انفعال إحدى الحواس بما تحسّه من جهة عُروض شيء منه عليها.

2) المرائي: جمع مرئي، وهو الشيء المدرَك بالبَصر، أو جمع مَرآة - بالفتح - :و هي المنظر، أي تشهد له مناظر الأشياء لا بحضوره فيها شاخصاً للأبصار، وهي تشهد بوجوده لأنّه لولا وجوده لما وُجدت، وليس ذلك كشهادتها بوجود الأبصار، لأنّها شهدت بوجود الأبصار لحضورها فيها.

3) الأوهام - ههنا - : العقول.

4) أي وبالعقول وبالنظر علمنا أنّه تعالى يمتنع أن تدركه العقول.

5) أي حاكَمَ العقول المدعية أنّها أحاطت به إلى العقول السليمة، فحَكَمت له سبحانه على العقول المدعية، فهو بعد ما تجلّى للأوهام بآثاره فعرفته امتنع عليها بكنه ذاته وحاكمها إلى نفسها حيث رجعت بعد البحث خاسئة حسيرة معترفة بالعجز عن الوصول إليه.

6) أي ليلزم العباد بالحجج البيّنة على ما دعاهم إليه من الحق.

7) الفَلَج : النُّصرة والظفر، وأصله سكون اللام، وحرّكه ليوازن بين الألفاظ، وظهوره: علوّ كلمة الدين.

8) صادعاً: مظهراً مجاهراً، وأصله الشقّ.

9) الأمراس الحِبال، جمع مَرَس - بالتحريك - وهو جمع مَرّسة بالتحريك - وهو الحبل.

مِنْهَا فِي صِفَةِ عَجِيبٍ خَلْقِ أَصْنَافٍ مِنَ الْحَيْوَانِ

وَلَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ، وَجَسِيمِ النِّعْمَةِ، لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِيقِ ، وَخَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، وَلَكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ، وَالْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ(1). أَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ، وَأَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ، وَفَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ (2)، وَسَوَّى لَهُ الْعَظْمَ وَالْبَشَرَ (3)!

أنْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا ، وَلِطَافَةِ هَيْئَتِهَا، لَا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ، وَلَا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا ، وَصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا (4)تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا (5)، وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا ، تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا، وَفِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا (6)مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا ، مَرْزُوقَةٌ بِوفْقِهَا (7)؛ لَا يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ(8)، وَلَا يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ(9)، وَلَوْ فِي الصَّفَا أَلْيَابِسِ (10)، وَالْحَجَرِ الْجَامِسِ (11)! وَلَوْ فَكَّرْتَ فِي


1) مَدْخُولة: معيبة.

2) فَلَقَ: شقّ وخلق.

3) البَشَر : جمع بَشَرة، وهي ظاهر الجلد الإنساني.

4) ویروی: «وضنّت على رزقها» أي بخلت.

5) حُجرها: بيتها.

6) الصَدر - محرّكاً - : الرجوع بعد الورود، أي تجمع في أيّام التمكّن من الحركة لأيّام العجز عنها.

7) قوله بوِفقِها - بكسر الواو - : أي بما يوافقها من الرزق ويلائم طبعها، [وعند ابن أبي الحديد] «رزقُها وفقها» أي بقدر كفايتها.

8) المنانّ: من أسماء الله تعالى العائد إلى صفاته الفعيلة، أي هو كثير المنّ والإنعام على عباده.

9) الدّيان: المُجازي للعباد على أفعالهم.

10) الصَفا: الحجر الأملس لا شقوق فيه.

11) الجامس: الجامد.

مَجَارِي أَكْلِهَا، وَفِي عُلُوهَا وَسُفْلِهَا، وَمَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا(1)، وَمَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَأُذُنِهَا لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً، وَلَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً! فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا، وَبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا ! لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرُ ، وَلَمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ .

وَلَوْ ضَرَبْتَ (2)فِي مَذَاهِبِ (3)فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ مَا دَلَّتْكَ الدَّلَالَةُ إِلَّا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ، لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ(4)، وَغَامِضِ اخْتِلَافِ كُلِّ حَيٌّ. وَمَا الْجَلِيلُ وَاللَّطِيفُ ، وَالثَّقِيلُ وَالْخَفِيفُ ، وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ فِي خَلْقِهِ إِلَّا سَوَاءٌ. وَكَذَلِكَ السَّمَاءُ وَالْهَوَاءُ، وَالرِّيَاحُ وَالْمَاءُ. فَأَنْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالنَّبَاتِ وَالشَّجَرِ، وَالْمَاءِ وَالْحَجَرِ، وَاخْتِلَافِ هَذَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَتَفَجُرِ هذِهِ الْبِحَارِ ، وَكَثْرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ ، وَطُولِ هَذِهِ الْقِلَالِ(5)، وَتَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ ، وَالأَلسُ الْمُخْتَلِفَاتِ. فَالْوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمُقَدِّرَ، وَجَحَدَ الْمُدَبِّرَ!

زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعُ ، وَلَا لِاخْتِلَافِ صُوَرِهِمْ صَانعُ، وَلَمْ يَلْجَأّوا(6)إِلَى حُجَّةٍ فِيمَا ادَّعَوْا، وَلَا تَحْقِيقِ لِمَا أَوْعَوْا(7)، وَهَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ ، أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ ! (8)


1) الشَّرَاسِيف: مَقَاطَ الأضلاع، وهي أطرافها التي تشرف على البطن.

2) ضَرَبْتَ: بمعنى سِرْتَ.

3) المذاهب: الطرق.

4) أي أنّ دقة التفصيل في النملة على صغرها، والنخلة على طولها، تدلك على أنّ الصانع واحد.

5) القِلال: جمع قُلّة ، وهي رأس الجبل.

6) لم يلجأوا: لم يستندوا.

7) أو عاه: كوعاه، بمعنى حفظه.

8) المراد عموم الفعليّة لا خصوص الجناية، أي مستحيل أن يكون الفعلُ من غير فاعل.

وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي الْجَرَادَةِ، إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ ، وَأَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ(1)، وَجَعَلَ لَهَا السَّمْعَ اَلْخَفِيَّ، وَفَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِيَّ، وَجَعَلَ لَهَا الْحِسَّ الْقَوِيَّ، وَنَابَيْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ، وَمِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ (2). يَرْهَبُهَا (3)الزُّرَّاعُ فِي زَرْعِهِمْ، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ذَبَّهَا(4)، وَلَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ، حَتَّى تَرِدَ الْحَرْثَ فِي نَزَوَاتِهَا(5)، وَتَقْضِيَ مِنْهُ شَهَوَاتِهَا ، وَخَلْقُهَا كُلُّهُ لَا يُكَوِّنُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَةً.

فَتَبَارَكَ اللهُ الَّذِي يَسْجُدُ لَهُ «مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً»، وَيُعَفِّرُ لَهُ خَدّاً وَوَجْهاً، وَيُلْقِي إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ إِلَيْهِ سِلْماً وَضَعْفاً، وَيُعْطِي الْقِيَادَ رَهْبَةً وَخَوْفاً! فَالطَّيْرُ مُسَخَّرَةٌ لِأَمْرِهِ : أَحْصَى عَدَدَ الرِّيشِ مِنْهَا وَالنَّفَسِ ، وَأَرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى النَّدَى وَالْيَبَسِ(6)، وَقَدَّرَ أَقْوَاتَهَا ، وَأَحْصَى أَجْنَاسَهَا . فَهَذَا غُرَابٌ، وَهذَا عُقَابٌ . وَهُذَا حَمَامٌ، وَهَذَا نَعَامُ . دَعَا كُلَّ طَائِرٍ بِاسْمِهِ، وَكَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ . وَأَنْشَأَ السَّحَابَ الثَّقَالَ فَأَهْطَلَ (7)دِيَمَهَا (8)، وَعَدَّدَ قِسَمَهَا (9)، فَبَلَ الْأَرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا،


1) أي جعلهما مضيئتين كما يضيء السراج وقَمْراوَيْن أي مضينتين، كأنّ كلّاً منهما ليلة قمراء أضاءها القمر، يقال: حدقة قمراء أي منيرة، كما يقال: ليلة قمراء، أى نيرة بضوء القمر.

2) المِنْجَلان: رِجْلاها، شبّههما بالمناجل لعوجهما وخشونتهما ، والمِنْجَل - كمِنبَر - : آلة من حديد معروفة يُقْبَض بها الزرع.

3) يَرهبها: يخافها.

4) ذَبّها: دفعها.

5) نزواتها: وثباتها، نزا عليه: وثب.

6) المراد من الندى هنا مقابل اليَبَس - بالتحريك - فيعمّ الماء، كأنّه يريد أنّ الله جعل من الطير ما تثبت أرجله في الماء، ومنه ما لا يمشي إلّا في الأرض اليابسة.

7) الهَطل - بالفتح - : تتابع المطر والدمع.

8) الدِيم - كالهِمْم - : جمع ديِمة، وهي مطر يدوم في سكون بلا رعد ولا برق.

9) تعديد القِسّم: إحصاء ما قدّر منها لكل بقعة.

وَأَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا(1).

186 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

186 - ومن خطبة له عليه السلام (2)

فِي التَّوْحِيدِ، وَتَجْمَعُ هَذِهِ الْخُطْبَةُ مِنْ أُصُول الْعِلْمِ مَا لَا تَجْمَعُهُ خُطْبَةٌ

مَا وَحدَهُ مَنْ كَيْفَهُ (3)، وَلَا حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَلَهُ، وَلَا إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ، وَلَا صَمَدَهُ(4)مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَتَوَهَّمَهُ. كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ(5)، وَكُلُّ قَائِمٍ فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ . (6)فَاعِلٌ لَا بِاضْطِرَابِ آلَةٍ ، مُقَدِّرُ لَا بِجَوْلٍ فِكْرَةٍ، غَنِيٌّ لَا بِاسْتِفَادَةٍ. لَا تَصْحَبُهُ الْأَوْقَاتُ ، وَلَا تَرْفِدُهُ الْأَدَوَاتُ (7)سَبَقَ الْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ(8)، وَالْعَدَمَ وُجُودُهُ،


1) جُدوب الأرض: يَبّسها لاحتجاب المطر عنها.

2) رواها الطبرسي في (الاحتجاج) ج 1 ص 299 ، والكليني في (الكافي ) ج 1 ص 138 .

3) جعله كيفاً: جعله ذا هيئة وشكل أو ذا لونٍ وضوء، أو غيرهما من أقسام الكيف.

4) الصّمد في اللغة العربية: السيّد، والصمد أيضاً الذي لا جوف له، وصار التصميد في الاصطلاح العرفيّ عبارة عن التنزيه، وصَمَده قَصَده.

5) أي كلّ معروف بالمشاهدة والحس فهو مصنوع، أو كلّ معروف الذات بالكُنّه مصنوع، لأنّ معرفة الكُنّه إنّما تكون بمعرفة أجزاء الحقيقة، فمعروف الكُنّه مركّب، والمركّب مفتقر في الوجود لغيره، فهو مصنوع.

6) أي وكلّ شيء يتقوّم بغيره فهو معلول.

7) تَرْفِدُهُ - كتنصره - : أي تعينه، لأنّنا نفعل بالآلات وهو سبحانه قادر لذاته فاستغنى عن الآلة، ونحن إذا قدّرنا أجَلْنا أفكارنا ، وهو سبحانه على خلاف ذلك.

8) لأنّه سبحانه ليس بزمان ولا قابل للحركة، فذاته فوق الزمان والدهر.

وَالابْتِدَاءَ أَوَّلُهُ بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لَا مَشْعَرَ لَهُ(1)، وَبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ(2)، وَبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لَا قَرِينَ لَهُ(3). ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ، وَالْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ(4)، وَالْجُمُودَ بِالْبَلَلِ (5)، وَالْحَرُورَ بِالصَّرَدِ(6). مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا (7)، مُقارِنُ بَيْنَ مُتَبَايِنَاتِهَا، مُقَرِّبُ بَيْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا ،


1) المشاعر الحواس، والمُشْعَر - كمَقْعَد - : محلّ الشعور أي الإحساس، فهو الحاسّة. وتشعيرها إعدادها للانفعال المخصوص الذي يعرض لها من المواد، وهو ما يسمى بالإحساس، فالمشعر من حيث هو مَش۫عر منفعل دائماً ولو كان الله يشعر لكان منفعلاً، والمنعفل لا يكون فاعلاً، وقد قلنا إنّه هو الفاعل بتشعير المشاعر، وهذا بمنزلة أن يقال: إنّ الله فاعل في خلقه فلا يكون منفعلاً عنهم كما يأتي التصريح به، وإنّما خصّ باب الشعور بالذكر ردّاً على من زعم أنّ الله مشاعر.

2) لأنّه تعالى لمّا دلّنا بالعقل على أنّ المتضادّات إنّما تتضاد على موضوع تقوم به دلّنا بذلك على أنّه تعالى لا ضدّ له، لأنّه يستحيل أن يكون قائماً بموضوع يحلّه كالمتضادات، وعقده التضاد بين الأشياء دليل على استواء نسبتها إليه فلا ضدّ له، إذ لو كانت له طبيعة تضاد شيئاً لاختصّ إيجاده بما يلائمها لا ما يضادها فلم تكن أضداد.

3) لأنّه تعالى لمّا قرن بين العَرض والجوهر، وبين كثير من الأعراض، مقارنةً يستحيل انفكاك أحدهما عن الآخر علمنا أنّه لا قرينَ له سبحانه، لأنّه لو قارن شيئاً لاستحال انفكاكه عنه، فكان محتاجاً إليه، والمقارنة بين الأشياء في نظام الخلقة دليل أنّ صانعها واحد، إذ لو كان له شريك لخالفه في النظام الإيجادي فلم تكن مقارنة. والمقارنة هنا، المشابهة.

4) «الوضوحُ بالبُهمة» يعني البياض والسواد.

5) «الجمودُ بالبَلَل» يعني اليبوسة والرطوبة.

6) الصَّرَد - محركاً - والصَّرْد: البرد، أصلها فارسية «الحرور بالصَّرْد» يعني الحرارة والبرودة. والحرور - ههنا - : الريح الحارّة، وهي بالليل كالسُّموم بالنهار.

7) متعادياتها كالعناصر . قال(علیه السّلام) : إنّه تعالى مؤلِّف بين هذه المتباعدات، المتعاديات، المتباينات، وليس المراد من تأليفه بينها جمعه إيّاها في مكان واحد، وكيف وذلك مستحيل في نفسِه، بل هو سبحانه مؤلف لها في الأجسام المركّبة حتى خلع منها صورة مفردة، هي المِزاج.

مُفَرِّقُ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا(1). لَا يُشْمَلُ بِحَدٌ، وَلَا يُحْسَبُ بِعَدٌ، وَإِنَّمَا تَحُدُّ الأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا(2)، وَتُشِيرُ الآلاتُ إِلَى نَظَائِرِهَا . مَنَعَتُهَا «مُنذُ» الْقِدْمَةَ، وَحَمَتْهَا «قَدْ» الْأَزَلِيَّةَ، وَجَنَّبَتْهَا «لَوْلَا» التَّكْمِلَةَ (3)! بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ(4)، وَبِهَا أَمْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُيُونِ(5)، وَلَا تَجْرِي عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ، وَكَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ، وَيَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ، وَيَحْدُثُ فِيهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ! إِذا لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ(6)، وَلَتَجَزَّاً كُنْهُهُ، وَلَا مُتَنَعَ مِنَ الْأَزَلِ مَعْنَاهُ، وَلَكَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ، وَلا لتَمَسَ التَّمَامَ إِذْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ، وَإِذا لَقَامَتْ آيَةُ الْمَصْنُوع فِيهِ(7)، وَلَتَحَوَّلَ دَلِيلاً بَعْدَ أَنْ كَانَ مَدْلُولاً عَلَيْهِ(8)، وَخَرَجَ بِسُلْطَانِ الاِمْتِنَاع(9)مِنْ أَنْ يُؤَثْرَ فِيهِ مَا يُؤَكِّرُ فِي غَيْرِهِ.


1) مُتَدَانياتها: كالجزئين من عنصر واحد في جسمين مختلفي المزاج، أو يريد أنّ كلّ جسم مركّبُ من العناصر المختلفة الكيفيّات المتضادّة الطبائع، فإنّه سينحلَ ويتفرّق.

2) لأنّ الأدوات كالجوارح، إنّما تحدُّ ما كان مثلها من ذوات التقادير، والأدوات أي آلات الإدراك التي هي حادثة ناقصة، كيف يمكن لها أن تحدّ الأزلي المتعالي عن النهاية في الكمال، وكذلك إنّما تشير الآلات - وهي الحواس - إلى ما كان نظيراً لها في الجسمية ولوازمها.

3) منذ، وقد، ولولا ، فواعل للأفعال قبلها و «منذ» لابتداء الزمان، و «قد» لتقريبه، ولا يكون الابتداء والتقريب إلّا في الزمان المتناهي، وكل مخلوق يقال فيه: «قد وجد ووجد منذ كذا» وهذا مانع للقدم والأزليّة، وكلّ مخلوق يقال فيه: «لولا خالقه ما وجد» فهو ناقص لذاته محتاج للتكملة بغيره.

4) أي بهذه الأدوات وهي حواسنا، تجلّى للعقول وعُرِف، وبها عرفنا استحالة أن يُعرّف بغير العقل.

5) وبها امتنع عن نظر العيون: أي بمقتضى طبيعة تلك الأدوات من أنّها لا تدرك إلّا مادياً محدوداً امتنع سبحانه عن إدراك العيون التي هي نوع من تلك الأدوات.

6) لتفاوَتَتْ ذاتُه: أي لاختلفت ذاته باختلاف الأعراض عليها ولتجزأت حقيقته، فإنّ الحركة والسكون من خواصّ الجسم وهو منقسم، ولصار حادثاً فإنّ الجسم بتركّبه مفتقر لغيره.

7) لأنّ آية المصنوع كونه متغيراً منتقلاً من حال إلى حال.

8) أي لو كان البارئ متحركاً لكان دليلاً على غيره.

9) المراد بسلطان الامتناع وجوب الوجود والتجريد وكونه ليس بمنحيّز ولا حال في المتحيّز و«خَرَج» عطف على قوله « لا يجري عليه السكون»، وسلطان الامتناع: هو سلطان العزّة الأزلية.

الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، وَلاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْأُفُولُ(1). لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْلُوداً (2)، وَلَمْ يُولَدْ فَيصِيرَ مَحْدُوداً(3). جَلَّ عَنِ اتِّخَاذِ الْأَبْنَاءِ، وَطَهُرَ عَنْ مُلَامَسَةِ النِّسَاءِ، لَا تَنَالُهُ الْأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ ، وَلَا تَتَوهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُّ فَتُحِسَّهُ، وَلَا تَلْمِسُهُ الْأَيْدِي فَتَمَسَّهُ، وَلَا يَتَغَيَّرُ بِحَالٍ، وَلَا يَتَبَدَّلُ فِي الْأَحْوَالِ. وَلَا تُبْلِيهِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ، وَلَا يُغَيِّرُهُ الضَّيَاءُ وَالظَّلَامُ . وَلا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَجْزَاءِ(4)، وَلَا بِالْجَوَارِحِ وَالْأَعْضَاءِ ، وَلَا بِعَرَضٍ مِنَ الْأَعْرَاضِ ، وَلَا بِالْغَيْرِيَّةِ وَالْأَبْعَاضِ ، وَلَا يُقَالُ: لَهُ حَدٌ وَلَا نِهَايَةٌ ، ولَا انْقِطَاعٌ وَلَا غَايَةٌ، وَلَا أَنَّ الْأَشْيَاءَ تَحْوِيهِ، فَتُقِلَّهُ أَوْ تُهْوِيَهُ(5)، أَوْ أَنَّ شَيْئاً يَحْمِلُهُ فَيُمِيلَهُ أَوْ يُعَدِّلَهُ. لَيْسَ فِي الْأَشْيَاءِ بِوَالجِ(6)، وَلَا عَنْهَا بِخَارِج . يُخْبِرُ لَا بِلِسَانٍ وَلَهَوَاتٍ(7)، وَيَسْمَعُ لَا بِخُرُوقٍ وَأَدَوَاتٍ . يَقُولُ وَلَا يَلْفِظُ، وَيَحْفَظُ وَلَا يَتَحَفَظُ (8)، ويُرِيدُ وَلَا يُضْمِرُ . يُحِبُّ ويَرْضَى مِنْ غَيْرِ رِقَةٍ، وَيُبْغِضُ وَيَغْضَبُ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ. يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ:


1) الأفُول: من «أفل النجم» إذا غاب.

2) المراد بالمولود: المتولّد عن غيره، سواء كان بطريق التناسل المعروف أو كان بطريق النشوء كتولّد النبات عن العناصر، ومن ولد له كان متولداً بإحدى الطريقتين.

3) تكون بداية وجوده يوم ولادته.

4) أي لا يقال ذو جزء كذا ولا ذو عضو كذا .

5) تُقلَه: أي ترفعه. وتُهويه: أي تحطّه وتسقطه.

6) والِج: أي داخل.

7) اللّهَوات - بفتح الهاء : جمع لَهاة، وهي اللحمة في سقف أقصى الفم.

8) لا يتحفّظ: أي لا يتكلّف الحفظ« وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ». (البقرة: 255).

«كُنْ فَيَكُونُ»، لَا بِصَوْتٍ يَقْرَعُ، وَلَا بِنِدَاءٍ يُسْمَعُ، وَإِنَّمَا كَلَامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ (1)أَنْشَأَهُ وَمَثْلَهُ، لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كَائِناً ، ولَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلهاً ثَانِياً.

لَا يُقَالُ: كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ، فَتَجْرِيَ عَلَيْهِ الصَّفَاتُ الْمُحْدَثَاتُ وَلَا يَكُونُ (2)بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ فَص۫لُ ، وَلَا لَهُ عَلَيْهَا فَضْلُ، فَيَسْتَوِي الصَّانِعُ وَالْمَصْنُوعُ، وَيَتَكَافَاً الْمُبْتَدَعُ وَالْبَدِيعُ خَلَقَ الْخَلَائِقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ، وَأَنْشَأَ الْأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ(3)، وَأَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ ، وَأَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ(4)، وَرَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ، وَحَصَّنَهَا مِنَ الْأَوَدِ وَالاِعْوِ جَاج (5)، وَمَنَعَهَا مِنَ التَّهَافُتِ(6)وَالانْفِرَاج (7). أَرْسَى أَوْتَادَهَا(8)، وَضَرَبَ أَسْدَادَهَا(9)، وَاسْتَفَاضَ عُيُونَهَا (10)، وَخَدَّ أَوْدِيَتَهَا (11)فَلَمْ يَهِنَّ (12)مَا بَنَاهُ، وَلَا ضَعُفَ


1) كلامه: أي الألفاظ والحروف التي يطلق عليها كلام الله باعتبار ما دلّت عليه، وهي حادثة عند عموم الفرق ما خلا جماعة من الحنابلة، أو المراد بالكلام هنا ما أريد في قوله تعالى: «قُلْ لو كَانَ البَحْرُ مِداداً لكلِمَاتِ رَبِّى لنَفَدَ البَحْرُ قَبل أن تنْفَدَ كلماتُ رَبِّي...». [الكهف: 109] وهو على ما قال بعض المفسّرين أعيان الموجودات.

2) «ولا يكون» عطف على «تجري».

3) ليس كالواحد منّا يمسك الثقيل فيشتغل بإمساكه عن كثير من أموره.

4) «وأرساها» جعلها راسية على غير قرار تتمكّن عليه بل واقفة بإرادته التي اقتضت وقوفها .

5) الأود: الاعوجاج، والاعوجاج: عطف تفسير على الأود.

6) التهافت: التساقط قطعة قطعة.

7) الانفراج: الانشقاق.

8) الأوتاد: جمع وتد، ویراد به هنا الجبل.

9) الأسداد: جمع سَدّ، ،، وهو الجبل.

10) استفاض عيونها: بمعنى أفاض، أي جعلها فائضة.

11) خدّ أوديتها: أي شقَّها.

12) يَهِن: من «الوهن» بمعنى الضعف، أي لم يضعف.

مَا قَوَّاهُ. هُوَ الظَّاهِرُ (1)عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَهُوَ الْبَاطِنُ (2)لَهَا بِعِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَالْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا بِجَلَالِهِ وَعِزَّتِهِ، لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ، وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبَهُ، وَلَا يَقُوتُهُ السَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسْبِقَهُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِي مَالٍ فَيَرْزُقَهُ. خَضَعَتِ الْأَشْيَاءُ لَهُ ، وَذَلَّتْ مُسْتَكِينَةً لِعَظَمَتِهِ ، لَا تَسْتَطِيعُ الْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَتَمْتَنعَ مِن نَفْعِهِ وَضُرِّهِ، وَلَا كُفْءَ لَهُ فَيُكَافِتَهُ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيَهُ. هُوَ الْمُفْنِي لَهَا بَعْدَ وَجُودِهَا حَتى يَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا .

وَلَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَاخْتِرَاعِهَا . وَكَيْفَ وَلَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وَبَهَائِمِهَا ، وَمَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا (3)وَسَائِمِهَا ، (4)وَأَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا وَأَجْنَاسِهَا(5)، وَمُتَبَلِّدَةِ (6)أُمَمِهَا وَأَكْيَاسِهَا(7)، عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَةٍ، مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا ، وَلَا عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى إِيجَادِهَا ، وَلَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْمٍ ذَلِكَ وَتَاهَتْ، وَعَجَزَتْ قُوَاهَا وَتَنَاهَتْ، وَرَجَعَتْ خَاسِثَةٌ (8)


1) الظاهر: الغالب القاهر.

2) الباطن: العالم الخبير.

3) المُراح - بضم الميم - : النّعم تُردُّ إلى المُراح - بالضمّ أيضاً - وهو الموضع الذي تأوي إليه النّعم، وهو اسم مفعول من «أراح الإبل» ردها إلى المُراح، وليس المُراح ضد السائم، بل أحدهما هو الآخر، وضدهما المعلوفة.

4) السائم : الراعي، يريد ما كان في مأواه وما كان في مرعاه.

5) الأسناخ الأصول، جمع سِنخ بالكسر ، وهو الأصل، والمراد منها الأنواع، أي الأصناف الداخلة في أنواعها.

6) المتبلِّدة: أي الغبية.

7) الأكياس: جمع كيِّس بالتشديد - وهو العاقل الحاذِق.

8) الخاسئ: الذليل.

حَسِيرَةً(1)، عَارِفَةً بِأَنَّهَا مَقْهُورَةٌ، مُقِرَّةٌ بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا، مُدْعِنَةٌ بِالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِهَا ! وَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لَا شَيْءَ مَعَهُ، كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا ، كَذلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا، بِلا وَقْتٍ وَلَا مَكَانٍ، وَلَا حِينٍ وَلَا زَمَانٍ .

عُدِمَتْ عِنْدَ ذلِكَ الْآجَالُ وَالْأَوْقَاتُ ، وَزَالَتِ السِّنُونَ وَالسَّاعَاتُ، فَلَا شَيْءَ إلاّ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الْأُمُورِ. بَلَا قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاءُ خَلْقِهَا ، وَبَغْيرِ أَمْتِنَاعٍ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا ، وَلَوْ قَدَرَتْ عَلَى الْاِمْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا . لَمْ يَتَكَأْءَ دْهُ صُنْعُ شَيْءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ (2)، وَلَمْ يَؤُدُهُ(3)مِنْهَا خَلْقُ مَا بَرَأَهُ(4)وَخَلَقَهُ، وَلَمْ يُكَوِّنْهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ ، وَلَا لِخَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَنُقْصَانٍ ، وَلَا لِلاِسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى نِدَّ مُكَاثِرٍ (5)وَلَا لِلاِحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدَّ مُثَاوِرٍ(6)، وَلَا لِلاِزْدِيَادِ بِهَا فِي مُلْكِهِ، وَلَا لِمُكَاثَرَةِ شَرِيكٍ فِي شِرْكِهِ، وَلَا لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِسَ إِلَيْهَا . ثمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا ، لَا لِسَأَم دَخَلَ عَلَيْهِ فِي تَصْرِيفِهَا وَتَدْبِيرِهَا ، وَلَا لِرَاحَةٍ وَاصِلَةٍ إِلَيْهِ ، وَلَا لِثِقَلِ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ . لَا يُمِلُّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوَهُ إِلَى سُرْعَةِ إِفْنَائِهَا ، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ، وَأَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ، وَأَثْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ ، ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ اَلْفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا ، وَلَا اسْتِعَانَةٍ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا، وَلَا لِانْصِرَافٍ مِنْ حَالِ وَحْشَةٍ إِلَى حَالِ أَسْتتْنَاسٍ، وَلَا مِنْ حَالِ جَهْلٍ وَعَمَىً إِلَى حَالِ عِلْمٍ وَالْتِمَاسٍ.


1) الحسِير: الكالُ المُعْیى.

2) لم يتكأده: لم يشق عليه، وأصله من العقبة الكؤود، وهي الشاقّة.

3) ولم يؤده: أي لم يثقله.

4) بَرَأه : مرادف ل «خَلَقَه».

5) النِدُ - بالكسر - : المِثل. والمكاثّرة: المغالبة بالكثرة، يقال: «كاثره فكثره» أي غلبه.

6) المُثاور : المواثب المهاجم.

وَلَا مِنْ فَقْرٍ وَحَاجَةٍ إِلَى عِنيَّ وَكَثْرَةٍ، وَلَا مِنْ ذُلِّ وَضَعَةٍ إِلَى عِزّ وَقُدْرَةٍ.

187 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

187 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي ذِكْرِ الْمَلاحِم

أَلَا بِأَبِي وَأُمِّي هُمْ مِنْ عِدَّةٍ أَسْمَاؤُهُمْ فِي السَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ(2)وَفِي الْأَرْضِ مَجْهُولَةٌ (3)أَلَا فَتَوقَعُوا مَا يَكُونُ مِنْ إِدْبَارِ أُمُورِكُمْ، وَانْقِطَاعِ وَصَلِكُمْ، وَاسْتِعْمَالِ صِغَارِكُمْ. ذَاكَ حَيْثُ تَكُونُ ضَرْبَةُ السَّيْفِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَهْوَنَ مِنْ الدَّرْهَمِ مِنْ حِلْهِ(4). ذَاكَ حَيْثُ يَكُونُ الْمُعْطَى أَعْظَمَ أَجْراً مِنَ الْمُعْطِي(5)ذَاكَ حَيْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَيْرِ شَرَابٍ، بَلْ مِنَ النِّعْمَةِ وَالنَّعِيمِ، وَتَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ أَضْطِرَارٍ، وَتَكْذِبُونَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَاجٍ (6).


1) رواها أبو الحسن المدائني في كتاب (صفّين)، والزمخشري في (ربيع الأبرار) باب المال والكسب.

2) الإمامية تقول: «هذه العدّة هم الأئمة الأحد عشر من ولده(علیه السّلام)» ، وغيرهم يقول: «إنّه عَلَى الأبدال الذين هم أولياء الله في الأرض».

3) يريد أهل الحق الذين سترتهم ظلمة الباطل في الأرض فجهلهم أهلها، وأشرقت بواطنهم فأضاءت بها السماوات العلى فعرفهم سكانها، أي الملائكة المعصومون، أعلمهم الله تعالى بأسمائهم.

4) لفساد المكاسب واختلاط الحرام بالحلال.

5) أي حيث يكون الخير في الفقراء، ويعمّ الشر جميع الأغنياء، فيعطي الغني سرفاً وتبذيراً، وينفق الفقير ما يأخذ من مال الغني في وجهه الشرعي، أو لأنّ أكثر من يُعطي في ذلك الزمان يكون مالُه حراماً، ثم أكثرهم يقصد الرياء والسمعة، وأمّا المعطّى فيكون فقيراً ذا عيال، يصرف المال في قوت عياله، فيكون أعظم أجراً، أو لأنّه بأخذه المال على وجه الصدقة قد فوّت عليه صرفه في القبائح والمحظورات.

6) أي يصير الكذب لكم عادة، والإحراج: التضييق، وروي من غير «إحواج» بالواو، أي من غير أن يُحوجكم إليه أحد. وهذا الكلام غير متصل بما قبله، وهذه عادة الرضيّ رحمه الله يلتقط الكلام التقاطاً، وقبل هذا الكلام ما ينال شيعته من البؤس والقنوط ومشقّة انتظار الفرج.

ذَاكَ إِذَا عَضَكُمُ الْبَلَاءُ كَمَا يَعَضُّ الْقَتَبُ (1)القَتّبِّ: الرَّحْلُ الصغير على قدر سنام البعير، وجمعه أقتَاب. (2)غَارِبَ (3)الْبَعِيرِ. مَا أَطْوَلَ هَذَا الْعَنَاءَ! وَأَبْعَدَ هَذَا الرَّجَاءَ! (4)

أَيُّهَا النَّاسُ ، أَلْقُوا هَذِهِ الْأَزِمَّةَ(5)الَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُهَا الْأَثْقَالَ مِنْ أَيْدِيكُمْ(6)، وَلَا تَصَدَّعُوا عَلَى سُلْطانِكُمْ فَتَذُمُّوا غِبَّ فِعَالِكُمْ(7)، وَلَا تَفْتَحِمُوا مَا أَسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الْفِتْنَةِ(8)، وَأَمِيطُوا عَنْ سَنَيْهَا(9)، وَخَلُوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا ، فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهَبِهَا الْمُؤْمِنُ، وَيَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِ.

إِنَّمَا مَثَلِي بَيْنَكُمْ كَمَثَلِ السِّرَاج فِي الظُّلْمَةِ يَسْتَضِيءُ بِهِ مَنْ وَلَجَهَا(10).

فَاسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ وَعُوا ، وَأَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا .


1) القَتَب - محرّكاً - : الأكاف

2) .

3) الغارب: ما بين العنُق والسُنام.

4) هذا حكاية كلام شيعتِه وأصحابه.

5) الأزمة - كأئِمّة - : جمع زمام، وإلقاء الأزمّة: ترك اعتماد القبيح.

6) هذه كناية عن ارتكاب القبيح وما يوجب الإثم والعقاب والظهور هنا: الإبل. والأثقال: المآثم. والكلام تجوّز عن ترك الآراء الفاسدة التي يقاد بها قوم يحملون أثقالاً من الأوزار.

7) لا تصدّعوا: أي لا تفرقوا، ولا تختلفوا على إمامكم فتقبح عاقبتكم فتذموها، و«غبّ فعالِكم» أى عاقبته.

8) فَوْر النار: غلَيانها واحتدامُها وارتفاع لهبها، أي لا ترموا بأنفسكم في الفتنة التي تقبلون عليها، ویروی: «ما استقبلكم».

9) أميطوا: أي تنحّوا عن طريقها، وميلوا عن وجهة سيرها، وخلّوا لها سبيلها التي استقامت عليها.

10) أي دخل في ضوئها.

188 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

188 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي الْوَصِيَّةِ بِالتَّقْوَى

أُوصِيكُمْ - أَيُّهَا النَّاسُ - بِتَقْوَى اللَّهِ وَكَثْرَةِ حَمْدِهِ عَلَى آلَائِهِ إِلَيْكُمْ ، وَنَعْمَائِهِ عَلَيْكُمْ، وَبَلائِهِ لَدَيْكُمْ(2)، فَكَمْ خَصَّكُمْ بِنِعْمَةٍ ، وَتَدَارَكَكُمْ بِرَحْمَةٍ ! أَعْوَرْتُمْ (3)لَهُ فَسَتَرَكُمْ، وَتَعَرَّضْتُمْ لِأَخْذِهِ(4)فَأَمْهَلَكُمْ! وَأُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَإِقْلَالِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ، وَكَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ(5)، وطَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ، فَكَفَى وَاعِظَاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبينَ(6)، وَأُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُمَّاراً، وَكأَنَّ الْآخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً . أَوْحَشُوا مَا كَانُوا يُوطِنُونَ (7)، وَأَوْطَنُوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ ، وَاشْتَغَلُوا بِمَا فَارَقُوا(8)، وَأَضَاعُوا


1) رواها أبو منصور الثعالبي في (الإعجاز والإيجاز) ص 31.

2) البَلاء: الإحسان، وأصله للخير والشر، ولكنّه هنا بمعنى الخير.

3) أعورتم: أي انكشفتم وبدت عوراتكم، وهي المقاتِل، تقول: «أعور الناس» إذا بدت مقاتلُه.

4) لأخذه: أي أن يأخذكم بالعقاب.

5) أغفله: سها عنه وتركه.

6) إنّما يقال: «ركب ونزل» حقيقةً لمن فعل بإرادته.

7) أي أوطنوا قبورهم التي كانوا يوحشونها، أوطن المكان: أتّخذه وطناً. وأوحشه: هجره حتى لا أنيس منه به.

8) «واشتغلوا بما فارقوا» أي اشتغلوا وهم في القبور بما فارقوه من الأموال والقينات، لأنّها أذىّ وعقاب عليهم في قبورهم، ولولاها لكانوا فى راحة، ويجوز أن يريد أنّهم اشتغلوا أيّام حياتهم من الأموال والمنازل بما فارقوه، وأضاعوا من أمر آخرتهم ما انتقلوا إليه.

مَا إِلَيْهِ أَنْتَقَلُوا، لَا عَنْ قَبِيحِ يَسْتَطِيعُونَ أَنْتِقَالاً، وَلَا فِي حَسَنٍ يَسْتَطِيعُونَ أَزْدِيَاداً ، أَنسُوا بِالدُّنْيَا فَغَرَّتْهُمْ، وَوَثقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ .

فَسَابِقُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - إِلَى مَنَازِلِكُمُ الَّتِي أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْمُرُوهَا(1)لعل الأنسب أن تُفسر المنازل هنا بالمنازل التي في الجنة. لا بالمقابر. (2)، وَالَّتِي رَغِبْتُم فِيهَا وَدُعِيتُمْ إِلَيْهَا، وَاسْتَتِمُّوا نِعَمَ اللهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَالْمُجَانَبَةِ لِمَعْصِيَتِهِ، فَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ. مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِي الْيَوْمِ، وَأَسْرَعَ الْأَيَّامَ فِي الشَّهْرِ ، وَأَسْرَعَ الشُّهُورَ فِي السَّنَةِ، وَأَسْرَعَ السِّنِينَ فِي العُمر !

189 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

189 - ومن كلام له عليه السلام (3)

فِي الإِيمَانِ وَوُجُوبِ الْهِجْرَةِ

فَمِنَ الْإِيمَانِ مَا يَكُونُ ثَابِتاً مُسْتَقِرّاً فِي الْقُلُوبِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ عَوَارِيَ (4)بَيْنَ الْقُلُوبِ وَالصُّدُورِ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. فَإِذَا كَانَتْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ مِنْ أَحَدٍ فَقِفُوهُ حَتَّى يَحْضُرَهُ الْمَوْتُ (5)

وينبغي أن تُحمل هذه البراءة على البراءة المطلقة، وإلّا يجوز أن نبرأ من الفاسق وهي حيُّ.

، فَعِنْدَ ذلِكَ يَقَعُ حَدُّ الْبَرَاءَةِ. وَالْهِجْرَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حَدِّهَا

1) المنازل التي أمروا بعمارتها المقابر

2) ، وعمارتها: الأعمال الصالحة.

3) رواه أبو منصور الثعالبي في (الإعجاز والإيجاز) ص 32، والصفار في (البصائر) ص 31 .

4) العواري: جمع عاريّة، أي أنّه وإن كان في القلب إلّا أنّ حكمه حكم العارية في البيت، فإنّها بعرضة الخروج، كناية عن كونه زعماً بغير فهم.

5) إذا ارتبتم في أحد وأردتم البراءة فلا تسارعوا لذلك وانتظروا به الموت عسى أن تدركه التوبة.

الْأَوَّلِ(1). مَا كَانَ لِلَّهِ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ حَاجَةٌ مِنْ مُسْتَسِرِّ الْامَّةِ وَمُعْلِنِهَا (2)لَا يَقَعُ اسْمُ الهِجْرَةِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ الْحُجَّةِ فِي الْأَرْضِ (3)، فَمَنْ عَرَفَهَا وَأَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرُ. وَلَا يَقَعَ اسْمُ الاِسْتِضْعَافِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ فَسَمِعَتْهَا أُذُنُهُ وَوَعَاهَا قَلْبُهُ.

إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبُ مُسْتَصْعَبٌ (4)لَا يَحْمِلُهُ إِلَّا عَبْدُ مُؤْمِنٌ أَمْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ، وَلَا يَعِي حَدِيثَنَا إِلَّا صُدُورُ أَمِينَةٌ ، وَأَخْلَامٌ رَزِينَةٌ (5).

أَيُّهَا النَّاسُ ، سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي(6)، فَلَأَنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الْأَرْضِ(7)، قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا(8)فِتْنَةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا(9)، وَتَذْهَبَ بِأَحْلَامٍ قَوْمِهَا.


1) هذا الكلام يختصُّ به أميرالمؤمنين (علیه السّلام) وهو من أسرار الوصيّة، لأنّ الناس يروُون عن النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنّه قال: «لا هجرة بعد الفتح» والهجرة التي أشار إليها أميرالمؤمنين ليست تلك الهجرة، بل هي هجرة الى الإمام، قال: إنّها قائمة على حدّها الأوّل ما دام التكليف باقياً، أي لم يزل حكمها الوجوب على من بلغته دعوة الإسلام ورضي الإسلامَ ديناً ، وهو المراد بمعرفة الحجّة الآتي في الكلام، فلا يجوز لمسلم أن يقيم في بلاد حرب على المسلمين، ولا أن يقبل سلطان المسلم، بل تجب الهجرة إلّا إذا تعذّر عليه ذلك لمرض أو عدم نفقة، فيكون من المستضعفين المعفو عنهم ، وقول النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) «لا هجرة بعد الفتح» محمول على الهجرة من مكة.

2) استَسَرَّ الأمر: كتمه. والإمّة: الحالة، وبضمها الطاعة. أي أنّ الهجرة فرضت على المكلّفين لمصلحتهم، وإلّا لا حاجة به إلى مضمر إيمانه في بلاد الكفر ، ولا إلى معلنه في ديار الإسلام.

3) أي لا يصحّ أن يعدَّ الإنسان من المهاجرين إلّا بمعرفة إمام زمانه.

4) ویروی: «مستصعِب» بكسر العين.

5) أحلام: عقول.

6) أجمع الناس كلُّهم على أنّه لم يقل أحدٌ من الصحابة ولا من العلماء «سلوني» غير علي(علیه السّلام) .

7) قوله: «فلانا بطرق...» فالقصد به أنّه في العلوم الملكوتيّة والمعارف الإلهية أوسع إحاطة منه بالعلوم الصناعية، وفي تلك تظهر مزية العقول العالية والنفوس الرفيعة، وبها ينال الرشد ويستضيء الفكر.

8) شَغَرَ برجله: رفعها، ثم الجملة كناية عن كثرة مداخل الفساد فيها، من قولهم: «بلدة شاغرة برجلها» أي معرّضة للغارة ولا تمتنع عنها.

9) تطأ في خطامها: أي تتعثر فيه، كناية عن إرسالها وطيشها وعدم قائد لها.

190 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

190 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى

أَحْمَدُهُ شُكراً لِإِنْعَامِهِ، وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى وَطَائِفِ حُقُوقِهِ(2)، عَزِيزَ الْجُنْدِ، عَظِيمَ الْمَجْدِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دَعَا إِلَى طَاعَتِهِ، وَقَاهَرَ أَعْدَاءَهُ (3)جِهَاداً عَنْ دِينِهِ؛ لَا يَثْنِيهِ عَنْ ذَلِكَ اجْتِمَاعٌ عَلَى تَكْذِيبِهِ، وَالْتمَاسُ لِإِطْفَاءِ نُورِهِ.

فَأَعْتَصِمُوا بِتَقْوَى اللَّهِ ، فَإِنَّ لَهَا حَبْلاً وَثِيقاً عُرْوَتُهُ، وَمَعْقِلاً منيعاً (4)ذِرْوَتُهُ (5).

وَبَادِرُوا الْمَوْتَ وَغَمَرَاتِهِ (6)، وَأَمْهَدُوا (7)لَهُ قَبْلَ حلُولِهِ، وَأَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ، فَإِنَّ الْغَايَةَ الْقِيَامَةُ، وَكَفَى بِذلِكَ وَاعِظاً لِمَنْ عَقَلَ، وَمُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ! وَقَبْلَ بُلُوغ الْغَايَةِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِيقِ الْأَرْمَاسِ(8)، وَشِدَّةِ الإِبْلَاسِ(9)، وَهَوْلِ الْمُطَلَعِ (10)،


1) روى الآمدي طرقاً من هذه الخطبة في (الغرر) ص 50 و 108.

2) وظائف حقوقه: الواجبات المؤقّتة كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان.

3) قاهرَ اعداءه: حاربهم، وروي: «وقهَر أعداءه».

4) المَعْقِل - كمَسْجِد - : الملجأ وما يُعْتَصم به.

5) ذروته: أعلاه.

6) مبادرة الموت: سبقه بالأعمال الصالحة، و«في غمراته» حال من الموت، والغمرات:الشدائد .

7) مَهَدَ - كمنع - : معناه هنا عَمِل، يريد: اتِخذوا مهاداً ، وهو الفراش، وهذه استعارة.

8) الأرماس: جمع رَمْس، وهو القبر، وأصله اسم للتراب.

9) الإبلاس: مصدر «أبلس» أى خاب ويئس، والإبلاس أيضاً: الانكسار والحزن.

10) المُطَّلع - بضم فتشديد مع فتح - : المنزلة التي منها يشرف الإنسان على أُمور الآخرة، وهي منزلة البرزخ، وأصل المُطَلَّع موضع الاطّلاع من ارتفاع إلى انحدار.

وَرَوْعَاتِ الْفَزَعِ ، وَاخْتِلَافِ الْأَضْلاعِ(1)، وَاسْتِكَاكِ الْأَسْمَاعِ(2)، وَظُلْمَةِ اللَّحْدِ، وَخِيفَةِ الْوَعْدِ، وَغَمِّ الضَّرِيح(3)، وَرَدْمِ الصَّفِيحِ (4).

قالله الله عِبادَ اللهِ! فَإِنَّ الدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بِكُمْ عَلَى سَنَنٍ (5)، وَأَنْتُمْ وَالسَّاعَةُ فِي قَرَنٍ (6).

وَكَأَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا(7)، وَأَزِفَتْ بِأَفْرَاطِهَا (8)

وأفراطها: وهم المتقدّمون السابقون من الموتى، ومن روى «بإفراطها»، فهو مصدر أفرط في الشيء.

، وَوَقَفَتْ بِكُمْ عَلَى صِرَاطِهَا. وَكَأَنَّهَا قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلَازِلِهَا ، وَأَنَاخَتْ بِكَلاكِلِهَا(9)، وَانْصَرَفَتِ (10)الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا، وَأَخْرَجَتْهُمْ مِنْ حِضْنِهَا (11)، فَكَانَتْ كَيَوْمٍ مَضَى، أَوْ شَهْرٍ أَنْقَضَى، وَصَارَ جَدِيدُهَا رَثّا(12)، وَسَمِينُهَا غَنَّا (13). فِي مَوْقِفٍ صَنْكِ الْمَقَامِ (14)وَأَمُورٍ مُشْتَبِهَةٍ عِظَامٍ، وَنَارٍ شَدِيدٍ كَلَبُهَا (15)،

1) اختلاف الأضلاع: دخول بعضها في موضع الآخر من شدّة الضغط.

2) استكاك الأسماع: صَمَمُها من التراب أو الأصوات الهائلة.

3) الضريح: اللحد، وغمّ الضريح: ضيق القبر وكَر۫به.

4) الرَدْم: السدّ. والصفيح: الحجر العريض، والمراد ما يسدّ به القبر.

5) السَنّن: الطريق، أي طريق معرفةٍ تفعل بكم فعلها بمن سبقكم.

6) القَرَن - محركاً - : الحبلُ، يقرن به البعيران، كناية عن القرب وأن لابدّ منها.

7) الأشراط: العلامات، وأشراط الساعة: علاماتها.

8) أزفت: قربت. والأفراط : جمع فَرْط - بسكون الراء - وهو العَلّم المستقيم يهتدى به، أي بدلائلها.

9) الكلاكل: الصدور، جمع كلكل، وهو الصدر، كناية عن الأثقال.

10) انصرَفَتْ: أي ولّت، ويروى: «وانصرمت» أي انقضت [كما في نسخة عبده والصالح].

11) الحِض۫ن - بكسر الحاء - : مادون الإبط إلى الكَش۫ح.

12) الرّث: الخلق البالي.

13) الغثَ: الهزيل.

14) مقام ضنك: أي ضيق.

15) شدید کَلَبها: أي شرّها وأذاها، والكلب - محرّكاً - : أكلُ بلا شيع.

عَالِ لَجَبُهَا (1)، سَاطِع لَهَبُهَا، مُتَغَيّظٍ زَفِيرُهَا (2)، مُتَأَجِّج سَعِيرُهَا، بَعِيدٍ خُمُودُهَا، ذَاكٍ وُقُودُهَا (3)، مَخُوفٍ وَعِيدُهَا ، عَمِ قَرَارُهَا(4)، مُظْلِمَةٍ أَقْطَارُهَا ، حَامِيَةٍ قُدُورُهَا . فَظِيَعةٍ أُمُورُهَا. «وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً» . قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ، وَانْقَطَعَ الْعِتَابُ: وَزُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ، وَاطْمَأَنَّتْ بِهِمُ الدَّارُ، وَرَضُوا الْمَثْوَى وَالْقَرَارَ. الَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا زَاكِيَةً، وَأَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةً، وَكَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً، تَخَشُعاً وَاسْتِغْفَاراً ؛ وَكَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلاً، تَوَحُشاً وَانْقِطَاعاً(5)، فَجَعَلَ اللهُ لَهُمُ الْجَنَّةَ مَآبَاً(6)، وَالْجَزَاءَ ثَوَاباً ، «وَكَانُوا أَحَقَ بِهَا وَأَهْلَهَا» فِي مُلْكٍ دَائِمٍ، وَنَعِيمٍ قَائِمٍ. فَأَرْعَوْا عِبَادَ اللَّهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَايْرُكُمْ، وَبِإِضَاعَتِهِ يَحْسَرُ مُبْطِلُكُمْ، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ مَرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ . وَمَدِينُونَ (7)بِمَا قَدَّمْتُمْ، وَكَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكُمُ الْمَخُوفُ، فَلَا رَجْعَةً تُنَالُونَ(8)، وَلَا عَثرَةً تُقَالُونَ.

اسْتَعْمَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَعَفَا عَنَّا وَعَنْكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ.


1) اللَّجَب: الصوت والصياح أو الاضطراب.

2) التغيظ: الهيجان. والزفير: صوت توقّد النار.

3) ذكت النار: اشتدّ لهيبها. وُقُودها ها هنا - بضم الواو - : الحدّث، ولا يجوز الفتح لأنّ «وقود» هو ما يوفد به كالحطب ونحوه، وهذا لا يوصف بأنّه ذاكٍ.

4) «عمّ قرارُها»: أي لا يُهتَدى فيه لظلمته ولأنّه عميق جداً. [وأثبت عبده في المتن: «غمِّ قرارها » ] وغَمٍ: صفةٌ من «غمّه» إذا غطاه، أي مستور قرارها المستقرّ فيه أهلها.

5) لا يريد من التوحُش النفرة من الناس، والجفوة في معاملتهم، بل يريد عدم الاستئناس بشؤون الدنيا والركون إليها. ويروى «وكأنّ ليلهم نهار».

6) المآب: المرجع.

7) مدينون: مجزيّون.

8) تُنالون - بضم التاء - : تُعْطَوْن، يُقال: أنلت فلاناً مالاً، أي منحته، وروي: «تَنالون» بالفتح [كما عند عبده والصالح].

الْزَمُوا الْأَرْضَ (1)، وَأَصْبِرُوا عَلَى الْبَلَاءِ، وَلَا تُحَرِّكُوا بِأَيْدِيكُمْ (2)وَسُيُوفِكُمْ فِي هَوَى أَلْسِنَتِكُمْ، وَلَا تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ الله لَكُمْ، فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ وَهُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقٌّ رَبِّهِ وَحَقٌّ رَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ مَاتَ شَهِيداً ، وَوَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَاسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صَالِحٍ عَمَلِهِ ، وَقَامَتِ النِّيَّةُ مَقَامَ إِصْلَاتِهِ لِسَيْفِهِ (3)، فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مُدَّةً وَأَجَلاً (4).

191 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

191 - ومن خطبة له عليه السلام (5)

فِي وَصِيَّتِهِ بِالزُّهْدِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْفَاشِي(6)فِي الْخَلْقِ حَمْدُهُ، وَالْغَالِبِ جُنْدُهُ، وَالْمُتَعَالِي جَدُّهُ(7).


1) لزوم الأرض: كناية عن السكون، وليس هذا تثبيطاً لهم عن حرب أهل الشام بل موجّه لخاصته الذين كانوا يطّلعون على ما عند قوم من أهل الكوفة من نفاق فيرومون قتلهم وقتالهم فنهاهم عن ذلك، أو أنّه ينصحهم به عند عدم توفّر أسباب المغالبة، وينهاهم عن التعجّل بحمل السلاح تثبيتاً لقول يقوله أحدهم في غير وقته، ويأمرهم بالحكمة في العمل لا يأتونه إلّا عند رجحان نجحه.

2) وروي بإسقاط الباء من قوله: «بأيديكم».

3) الإصلات: مصدر «أصلت» أي سَلَّ، وإصْلاتُ السيف: سَلَّه.

4) هذه الخطبة من أعيان خطبه(علیه السّلام) ، ومن ناصع كلامه، وفيها من صناعة البديع الرائقة المستحسّنة البريئة من التكلّف ما لا يخفى، وقد أخذ ابنُ نُباته الخطيب كثيراً من ألفاظها فأودعها خطبه.

5) رواها الآمدي في (غرره) ص 87، في حرف الألف بلفظ «إنّ» المشدّدة.

6) الفاشي: الذائع والمنتشر.

7) الجُدّ - ههنا - : العظمة.

أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ التَّؤامِ(1)، وَآلَائِهِ(2)الْعِظَامِ. الَّذِي عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَفَا، وَعَدَلَ فِي كُلِّ مَا قَضَى، وَعَلِمَ بِمَا يَمْضِي وَمَا مَضَى، مُبْتَدعِ الْخَلَائِقِ بِعِلْمِهِ، وَمُنْشِيْهِمْ بِحُكْمِهِ (3)، بِلَا أَقْتِدَاءٍ وَلَا تَعْلِيمِ، وَلَا احْتِذَاءٍ لِمِثَالِ صَانِعِ حَكِيمٍ، وَلَا إِصَابَةِ خَطَإ، وَلَا حَضْرَةِ مَلَا. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَبْتَعَثَهُ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ فِي غَمْرَةٍ(4)، وَيَمُوجُونَ فِي حَيْرَةٍ، قَدْ قَادَتْهُمْ أَزِمَّةُ(5)الْحَيْنِ(6)، وَاسْتَغْلَقَتْ عَلَى أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفَالُ الرَّيْنِ(7).

عِبَادَ اللهِ، أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ فَإِنَّهَا حَقٌّ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وَالْمُوجِبَهُ عَلَى اللهِ حَقَّكُمْ(8)، وَأَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللهِ، وَتَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللَّهِ(9)، فَإِنَّ التَّقْوَى فِي


1) التؤام: جمع توءم على فَوْعل، وهو الولد المقارن أخاه في بطن واحد، وكلّ واحد من الولدين توءم، وهما توءمان، وجاء في جمعه «تُؤَام» على وزن فُعال، وهي اللفظة التي وردت هنا، وهو جمع غریب نادر.

2) الآلاء النعم، وهو مجاز عن الكثير أو المتواصل.

3) الحُكم - هنا - : الحكمة.

4) «يضربون في غَمْرة» أي يسيرون في جَهل وضلالة، والضرب: السير السريع، ضَرَبَ في الماء: سبح، وضرب في الأرض: سار بسرعة وأبعد. والغَم۫رة: الماء الكثير والشدّة، والمراد هنا إمّا شدّة الفتن وبلاياها أو شدّة الجهل ورزاياه.

5) الأزمّة: جمع زمام، ما تقاد به الدّابة.

6) الحَيْن - بفتح الحاء - : الهلاك.

7) الرّين - بفتح الراء - : الذنب على الذنب حتى يسودُ القلب، وقيل: هو الطّبع والدنس، والتغطية والحجاب، وهو هنا حجاب الضلال.

8) جرى في الكلام على نحو قوله تعالى: «وكانَ حَقَّاً عَليْنا نَصْرُالمُؤمِنين » [الروم: 47] يريد أنّ التقوى جعلها الله سبباً لاستحقاق ثوابه، ومعينة على رضائه.

9) أي أوصيكم بأن تستعينوا بالله على التقوى بأن تدعوه ليعينكم عليها، وأوصيكم أنّ تستعينوا بالتقوى على لقاء الله ومحاكمته وحسابه.

الْيَوْمِ الحِرْزُ وَالْجُنَّةُ(1)، وَفِي غَدٍ الطَّرِيقُ إِلَى الجَنَّةِ، مَسْلَكُهَا وَاضِحُ، وَسَالِكُهَا رَابِحُ، وَمُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ (2). لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةٌ نَفْسَهَا عَلَى الْأُمَم الْمَاضِينَ مِنْكُمْ وَالْغَابِرِينَ، لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً(3)، إِذَا أَعَادَ اللهُ مَا أَبْدَى ، وَأَخَذَ مَا أَعْطَى ، وَسَأَلَ عَمَّا أَسْدَى(4). فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا(5)، وَحَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا ! أُولَئِكَ الأقلُّونَ عَدَداً، وَهُمْ أَهْلُ صِفَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ» . فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا(6)، وَأَلِطُّوا بِجِدِّكُمْ عَلَيْهَا(7)، وَاعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَفٍ خَلَفاً، وَمِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً . أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ، وَأَقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ، وَأَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ(8)، وَأَرْحَضُوا(9)بِهَا ذُنُوبَكُمْ، وَدَاوُوا بِهَا الْأَسْقَامَ ، وَبَادِرُوا بِهَا


1) الجُنّة - بضم الجيم - : الوقاية وما يستتر به، ويفتحها دار الثواب.

2) مُسْتَودَع التقوى: هو الذي تكون التقوى وديعة عنده و هو الله؛ لأنّه مستودع الأعمال.

3) الغابر - هنا - : الباقي، وهو من الأضداد، يستعمل بمعنى الباقي وبمعنى الماضي.

4) أسدّى: منح وأعطى وأرسل معروفه، «وسأل عمّا أسدى»: أي سأل أرباب الثروة عمّا أسدى إليهم من النّعم.

5) «فما أقلّ من قبلها» : يعني ما أقلّ من قبل التقوى العارضة نفسها على الناس.

6) الإهِطاع: الإسراع، أهطَعَ البعيُر: مدّ عنقه وصوّب رأسه، أهطعوا: أسرعوا، ويروى «فانقطعوا بأسماعكم إليها»، أي فانقطعوا إليها مصفين بأسماعكم.

7) وألِظُّوا بجدّكم: أي ألحُوا، والإلفاظ: الإلحاح في الأمر. وبجدِّكم» أي باجتهادكم، جددتُ في الأمر جدّاً بالغت واجتهدت، ويروى: «وأكظُوا بجِدّكم» [كما في نسخة عبده] والكِظاظ - ككِتاب - : الممارسة وطول الملازمة، وفعله كَكَتَب.

8) أَشْعِرُوها قُلُوبَكُم: اجعلوها شعاراً لقلوبكم، وهو ما دون الدّثار وألصق بالجسد منه، أو يريد: اجعلوها علامةُ لقلوبكم، أو يريد أخرجوا قلوبكم بها من أشعار البدن، أي طهّروا القلوب بها.

9) رَحْضَ - كَمَنَعَ - : غسل ، ارحَضُوا بها: أي اغسلوا، وثوب رَحِيض ومَرحوض، أي مغسول.

الْحِمَامَ (1)، وَأَعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا، وَلَا يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا(2). أَلَا فَصُونُوهَا وَتَصَوَّنُوا بِهَا(3)، وَكُونُوا عَنِ الدُّنْيَا نُزَّاها (4)، وَإِلَى الْآخِرَةِ وُلاها(5). وَلَا تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَى، وَلَا تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ الدُّنْيَا، وَلَا تَشِيمُوا بَارِقَهَا(6)، وَلَا تَسْمَعُوا نَاطِقَهَا، وَلَا تُجِيبُوا نَاعِقَهَا، وَلَا تَسْتَضِينُوا بِإِشْرَاقِهَا، وَلَا تُفْتَنُوا بِأَعْلَاقِهَا(7)، فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبُ (8)، وَنُطْقَهَا كَاذِبُ، وَأَمْوَالَهَا مَحْرُوبَةٌ(9)، وَأَعْلَاقَهَا مَسْلُوبَةٌ. أَلَا وَهِيَ الْمُتَصَدِّيَةُ الْعَنُونُ (10)، وَالْجَامِعَةُ (11)الْحَرُونَ (12)، وَالْمَائِنَةُ (13)الْخَوُونُ (14)، وَالْجَحُودُ


1) الحِمام - ككِتاب - : الموت.

2) أي لا تكونوا عبرة يتعظ بسوء مصيركم من أطاع التقوى وأدى حقوقها.

3) تَصَوّنوا: تحفّظوا.

4) النُزّاه: جمع نَازِه، العفيف النفس المتباعد عمّا يوجب الذمّ.

5) الولّاه: جمع وَالهِ: المشتاق ذو الوجد حتى يكاد يذهب عقله، والحزين على الشيء حتى يناله.

6) الشيم: النظر إلى البرق انتظاراً للمطر، «شامُ البرقَ» نظر إليه أين يمطر. والبارق: السحاب، أي لا تنظر و لما يغرّكم من مطامعها.

7) الأعلاق: جمع عِلْق - بالكسر - : بمعنى النفيس.

8) خالب: خادع، برق خالب وخُلّب: لا مطرّ فيه.

9) محروية: مسلوبة منهوبة.

10) شبهها بالمرأة المومس تتصدّى للرجال تريد الفجور. والمتصدية: المرأة تتعرض للرجال تميلهم إليها، ومن الدواب ما تمشي معترضة خابطة. والعَنُون - بفتح فضم - : مبالغة من «عنّ» إذا ظهر، ومن الدواب المتقدمة في السير، شبّه الدنيا بالمرأة المتبرّجة المستميلة، أو بالدابة تسبق الدواب وإن لم يدم تقدمها، أو الخابطة على غير طريق.

11) الجامحة: شبّهها بالدابّة ذات الجماح، وهي التي لا يُستطاع ركوبها لأنّها تعثر بفارسها وتغلبه.

12) الحَٶون: التى إذا طلب بها السير وقفت.

13) المائنة: الكاذبة، من «مان» أي كذب.

14) الخؤون: مبالغة فى الخيانة، شبّهها بامرأة كاذبة خائنة.

الْكَنُودُ(1)، وَالْعَنُودُ الصَّدُودُ(2)، وَالْحَيُودُ الْمَيُودُ(3). حَالُهَا انْتِقَالُ، وَوَطاتُهَا زِلْزَالَ(4)، وَعِزُّهَا ذُلُّ، وَجِدُّهَا هَزْلُ، وَعُلُوهَا سُفَلٌ. دَارُ حَرْبٍ وَسَلَبٍ (5)،وَنَهْبٍ وَعَطَبٍ(6). أَهْلُهَا عَلَى سَاقٍ وَسِيَاقٍ(7)، وَلَحَاقٍ(8)وَفِرَاقٍ . قَدْ تَحَيَّرَتْ مَذَاهِبُهَا(9)، وَأَعْجَزَتْ مَهَارِبُهَا (10)، وَخَابَتْ مَطَالِبُهَا ، فَأَسْلَمَتْهُمُ الْمَعَاقِلُ (11)، وَلَفَظَتْهُمُ(12)الْمَنَازِلُ ، وَأَعْيَتْهُمُ الْمَحَاوِلُ (13): فَمِنْ نَاجِ مَعْقُورٍ (14)، وَلَحْمٍ


1) جحد الشيء: أنكره وهو به عالم، وكُند النعمة: كفرها .

2) العنُود: الناقة تعدل عن مرعى الإبل وترعى ناحية. والصَّدود: المعرضة، كثيرة الصدّ والهجر.

3) الحيود: مبالغة في الحيد بمعنى الميل، «حادت النافة» مالت. والميود من «ماد» إذا اضطرب، مادت: مالت، يريد بهذه الأوصاف أنّ الدنيا في طبيعتها لؤم فمن سالمها حاربته، ومن حاربها سالمته.

4) الوطأة: كالضّغطة، وأصلها موضع القدم. والزلزال: الشدّة العظيمة.

5) الحَرَب - بالتحريك : سلب المال.

6) العطب : الهلاك.

7) «على ساق وسِياق: أي قائمون على ساقٍ استعداداً لما ينتظرون من آجالهم. يقال: «قامت الحرب على ساق» أي على شدّة، والسياق: مصدر «ساق فلاناً» إذا أصاب ساقه، أي ولا يلبثون أن يضربوا على سوقهم، فينكبّوا للموت على وجوهم، أو هو السياق بمعنى الشروع في نزع الروح من «ساق المريض سياقاً».

8) اللحاق للماضين، والفراق عن الباقين.

9) تحيّر المذاهب: حيرة الناس فيها.

10) المَهَارب أعجزت الناس عن الهروب؛ لأنّها ليست كما يرونها مهارب، بل هي مهالك.

11) أسلمتهم المعاقل: لم تحضنهم.

12) لفظتهم: رمت بهم.

13) المحاول: المطالب، أو المَحَاول: جمع مَحال - فتح الميم - أو محالة بمعنى الحذق وجودة النظر، أي لم يفدهم ذلك خلاصاً.

14) أي فمنهم ناجٍ من الموت مَعْفُور: أي مجروح، أو هو من «عَقَرَ الشاةَ والبعير» إذا ضرَب ساقه بالسيف وهو قائم.

مَجْزُورٍ(1)، وَشِلُو مَذْبُوحٍ(2)، وَدَمٍ مَسْفُوحٍ(3)، وَعَاضُ عَلَى يَدَيْهِ(4)، وَصَافِقٍ بِكَفَّيْهِ(5)، وَمُرْتَفِقٍ بِخَدَّيْهِ(6)، وَزَارٍ عَلَى رَأْيِهِ(7)، وَرَاجِعٍ عَنْ عَزْمِهِ؛ وَقَدْ أَدْبَرَتِ الْحِيلَةُ ، وَأَقْبَلَتِ الْغِيلَةُ(8)، «وَلَاتَ حِينَ مَنَاصِ» (9). هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ (10)! قَدْ فَاتَ مَا فَاتَ، وَذَهَبَ مَا ذَهَبَ ، وَمَضَتِ الدُّنْيَا لِحَالِ بَالِهَا (11)، «فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ» (12).


1) لحم مجزور: أي قتيل قد صار جُزُراً للسباع، أو المسلوخ أخذ عنه جلده.

2) شِل۫و مذبوح: العضو من أعضاء الحيوان المذبوح أو الميت، أو الشِلو - هنا - : البدن كلّه.

3) مسفوح: مسفوك.

4) عاض على يديه: أي ندماً.

5) صافق بكفّيه: أي تعسفاً أو تعجباً.

6) المُرْتَفق بخدّيه: واضع خديه على مرفقيه، ومرفقيه على ركبتيه منصوبتين، وهو جالس على إليتيه . وهذه الأوصاف كتابة عن الندم على التفريط والإفراط.

7) الزاري على رأيه: المقبّح له، اللائم لنفسه عليه.

8) الغِيلة: أي الشرّ الذي أضمرته الدنيا في خداعها أو يكون بمعنى الاغتيال، يُقال: «قتله غيلة» أي خديعة.

9) المناص: المهرب، «ولات حينَ مناص» أي ليس الوقت وقت التملّص والفرار. ويكون المناص أيضاً بمعنى الملجأ والمفزع، أي ليس هذا حين تجد مفزعاً ومعقلاً تعتصم به.

10) هيهات: اسم للفعل ومعناه بَعُد، والتاء في «هيهاتُ» مفتوحة مثل كيفَ، وأصلها هاء، وناس يكسرونها على كلّ حال بمنزلة نون التثنية. وقد تبدل الهاء همزة، فيقال «أيهات» مثل هراق وأراق.

11) البال: القلب والخاطر، «ومضت الدنيا لحالها وبالها» كلمة تقال فيما انقضى، ومعناها: مضى بما فيه إن كان خيراً وإن كان شرّاً، والمراد ذهبت على ما تهواه لا على ما يريد أهلها.

12) المراد أهل السماء وهم الملائكة وأهل الأرض وهم البشر، والمعنى أنّهم لا يستحقون أن يتأسّف عليهم، وقيل: أراد المبالغة في تحقير شأنهم؛ لأنّ العرب تقول في العظيم القدر يموت: بكته السماء، وبكته النجوم. فنفى عنهم ذلك، وقال: ليسوا ممن يقال فيه مثل هذا القول.

192 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

192 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي ذَمِّ الْكِبَرِ، وَتُسمَّى هَذِهِ الْخُطْبَةُ بِالْقَاصِعَةِ

فِي ذَمِّ الْكِبَرِ، وَتُسمَّى هَذِهِ الْخُطْبَةُ بِالْقَاصِعَةِ(2)

وَهِيَ تَتَضَمَّنُ ذَمَّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللهُ، عَلَى اسْتِكْبَارِهِ وَتَرْكِهِ السُّجُودَ لِآدَمَ عليه السلام، وأَنَّهُ أوّل مَنْ أَظْهَرَ العَصَبِيَّة (3)وتبِعَ الحَمِيَّةَ، وَتَحْذِيرَ النَّاسِ مِنْ سُلُوكِ طَرِيقَتِهِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ وَالْكِبْرِيَاءَ ، وَاخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ ، وَجَعَلَهُمَا حميَّ (4)وَحَرَماً عَلَى غَيْرِهِ، وَاصْطَفَاهُمَا (5)لِجَلَالِهِ ، وَجَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ. ثُمَّ اَخْتَبَرَ بِذلِكَ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ ، لِيَمِينَ الْمُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ الْقُلُوبِ، وَمَحْجُوبَاتِ الْغُيُوبِ:


1) رواها الزمخشري في (ربيع الأبرار) ج 1 ص 113، والماوردي في (أعلام النبوة) ص 97.

2) يجوز أن تسمى هذه الخطبة «القاصعة» من قولهم: «قَصَعت الناقة بجِرّتها»، وهي أن تردّها الى جوفها، أو تخرجها فتملأ فاها ،فلمّا كانت الزواجر والمواعظ في هذه الخطبة مردّدة من أولها الى آخرها شبّهها بالناقة تقصع الجِرَّة. ويجوز أن تسمّى القاصعة لأنّها كالقاتلة لإبليس وأتباعه، من قولهم: «فَضَعتُ القملة» إذا هشمتها وقتلتها. ويجوز أن تسمّى القاصعة لأنّ المستمع المعتبر بها يذهب كبره ونخوته، فيكون من قولهم: «قصع الماء عطشه» أي أذهبه وسكنه. ويجوز أن تسمّى القاصعة لأنّها تتضمّن تحقير إبليس وأتباعه وتصغيرهم، من قولهم: «قصعتُ الرجلُ» إذا امتهنته وحقرته.

3) العَصَبية: الاعتزاز بالعصبة، وهي قوم الرجل الذين يدافعون عنه، واستعمال قوّتهم في الباطل والفساد، فهي هنا عصبية الجهل، كما أنّ الحمية حمية الجاهلية ، أمّا التناصر في الحق والحمية عليه فهو أمر محمود في جميع أحواله، والكبر على الباطل تواضع للحق.

4) الحِمَى: ما حمَيْتَه عن وصول الغير إليه والتصرّف فيه.

5) اصطفاهما: إختارهما.

«إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ» أَعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَأَفْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ، وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لِأَصْلِهِ. فَعَدُوُّ اللَّهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ، وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةَ، وَنَازَعَ اللَّهَ رِدَاءَ الْجَبَرِيَّةِ ، وَادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَرُّزِ، وَخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ. أَلَا يَرَوْنَ كَيْفَ صَغَرَهُ اللهُ بِتَكَبُرِهِ، وَوَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ ، فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً، وَأَعَدَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ سَعِيراً ؟!

وَلَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطَفُ الْأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ، وَيَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ(1)، وَطِيبٍ يَأْخُذُ الْأَنْفَاسَ عَرْفُهُ(2)، لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَل لَظَلَّتْ لَهُ الْأَعْنَاقِ خَاضِعَةٌ، وَلَخَفَّتِ الْبَلْوَى فِيهِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَلَكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ بِبَعْضٍ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ، تَمْيِيزِاً بِالاخْتِبَارِ لَهُمْ، وَنَفْياً لِلاسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ، وَإِبْعَاداً لِلْخَيلَاءِ (3)مِنْهُمْ، فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللهِ بإِبْلِيسَ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ. وَجَهْدَهُ الْجَهِيدَ(4)، وَكَانَ قَدْ عَبَدَاللَّهَ سِتَّةَ آلَافٍ سَنَةٍ، لَا يُدْرَى أَمِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي الْآخِرَةِ، عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ(5). فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ (6)كَلَّا، مَا كَانَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً.

إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَوَاحِدٌ. وَمَا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ


1) الرُّواء: المنظر الحسن.

2) العَرْف: الريح الطيبة.

3) الخُيلاء - بضم الخاء وكسرها - : الكِبر.

4) جَهْده: اجتهاده وجِدّه، والجهيد: أي المستقصى.

5) «عن» متعلق ب- «أحبط» أي أضاع عمله بسبب كبر ساعة.

6) أي يسلم من عقابه، وكأنّه استعمل سَلَمَ بمعنى ذهب أو فات فأتى ب- «على».

هَوَادَةٌ(1)فِي إِبَاحَةِ حِمىً حَرَّمَهُ عَلَى الْعَالَمِينَ . فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللَّهِ عَدُوَّ اللَّهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ (2)، وَأَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِنِدَائِهِ(3)، وَأَنْ يُجْلِبَ عَلَيْكُمْ بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ فَوْقَ لَكُمْ سَهْمَ الْوَعِيدِ(4)، وَأَغْرَقَ إِلَيْكُمْ بِالنَّزْعِ الشَّدِيدِ(5)، وَرَمَاكُمْ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ(6)، فَ«قَالَ : رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ»، قَدْفاً بِغَيْبٍ بَعِيدٍ(7)، وَرَجْماً بِظَنِّ غَيْرِ مُصِيبٍ، صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الْحَمِيَّةِ(8)، وَإِخْوَانُ الْعَصَبِيَّةِ ، وَفُرْسَانُ الْكِبْرِ وَالْجَاهِلِيَّةِ ، حَتَّى إِذَا انْقَادَتْ لَهُ الْجَامِحَةُ مِنْكُمْ(9)،


1) الهوادة: الموادعة والمصالحة واللين والرخصة.

2) العَد۫وى: ما يُعدي من جَرَبٍ أو غيره، يُعديكم بدائه: أن يصيبكم بشيء من دائه بالمخالطة كما يُعدي الأجرب السليمَ، والضمير لإبليس.

3) «يَسْتَفزَكم» أي يستخفّكم أو يستنهضكم لما يريد فإنّ تباطأتم عليه أجلب عليكم بخيله، أي رُكْبَانه، وَرَجُلِه : أي مُشاته، والمراد أعوان السوء. وفي نسخة الصالح: ورَجِلهِ] والخيل: الخيّالة. والرَّجُل: اسم جمع الراجل كركب لراكب. والكلام خرج مخرج المثّل، شبّهت حاله في تسلّطه على بني آدم بمن يُغِير على قوم بخيله ورجله فيستأصلهم، وقيل: «بصوتك» أي بدعائك إلى القبيح، وخيله ورجله: كلّ ماش وراكب من أهل الفساد من بنى آدم.

4) فوّقت السهم: جعلت له فُوقاً، وهو موضع الوَتر، وهو كناية عن الاستعداد .

5) النزع في القوس: مدُّها، و«أغرق النازع» إذا استوفى مدّ قوسه، وقوله: « وأغرق إليكم بالنَّزع» أي استوفى مدّ القوس وبالغ في نَزْعِها ليكون مرماه أبعدُ، ووقع سهامه أشدّ.

6) قوله: «ورماكم من مكان قريب» لأنّه كما جاء في الحديث: «يجري من ابن آدم مجرى الدمُّ، ويخالط القلب، ولا شيء أقرب من ذلك.

7) أي قال إبليس هذا القول قذفاً بغيب بعيد، والقذف في الأصل: رمي الحجر وأشباهه، والغيب: الأمر الغائب.

8) صدَّق إبليسَ في توعُد بني آدم بالإغواء أولئك الغشماء أبناء الحمية الجاهلية.

9) أي الأنفس الجامحة أو الأخلاق الجامحة، أي استعان ببعضكم على من لم يطعه منكم، وهو المراد بالجامحة.

وَأَسْتَحْكَمَتِ الطَّمَاعِيَةُ(1)مِنْهُ فِيكُمْ، فَنَجَمَتِ فِيهِ الْحَالُ مِنَ السِّرِّ الْخَفِي إِلَى الْأَمْرِ الْجَلِيِّ(2)، أَسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهُ عَلَيْكُمْ ، وَدَلَفَ بِجُنُودِهِ نَحْوَكُمْ (3)، فَأَقْحَمُوكُمْ (4)وَلَجَاتِ الذُّلِّ(5)، وَأَحَلُّوكُمْ وَرَطَاتِ(6)الْقَتْلِ ، وَأَوْطَئُوكُمْ إِثخَانَ الْجِرَاحَةِ(7)، طَعْناً فِي عُيُونِكُمْ، وَحَزَاً فِي حُلُوقِكُمْ، وَدَقَاً لِمَنَاخِرِكُمْ(8)، وَقَصْداً لِمقَاتِلِكُمْ، وَسَوْقاً بِخَزَائِمِ(9)الْقَهْرِ إِلَى النَّارِ الْمُعَدَّةِ لَكُمْ. فَأَصْبحَ أَعْظَمَ فِي دِينِكُمْ حَرْجاً(10)، وَأَوْرَى دُنْيَاكُمْ قَدْحاً ، مِنَ الَّذِينَ أَصْبَحْتُمْ لَهُمْ مُنَاصِبِينَ ، وَعَلَيْهِمْ مُتَأَلِّبِينَ(11). فَاجْعَلُوا


1) الطماعية: الطمع.

2) قوله: «فنجمت فيه الحال» أي ظهرت، أي بعد أن كانت وسوسة في الصدور وهمساً في القول ظهرت إلى المجاهرة بالنداء ورفع الأيدي بالسلاح، وقد روي: «فتجمت الحال من السرّ الخفيّ» [كما في نسخة عبده والصالح].

3) دَلَفَ بجنوده: تقدّم بهم، و«دَلَفَتْ الكتيبة في الحرب»: تقدمت.

4) أقحموكم: أدخلوكم بغتة.

5) الوَلجات: جمع وَلَجَة - بالتحريك - وهي موضع أو كهف يستتر فيه المارة من مطر وغيره.

6) الورطة: الهلَكة.

7) أوطأه: أركبه . واثخَان الجِرّاحة: المبالغة فيها، أي أركبوكم الجراحات البالغة، كناية عن إشعال الفتنة بينهم حتى يتقاتلوا.

8) واعلم أنّه لمّا ذكر الطعن نسبه إلى العيون، ولمّا ذكر الحزّ وهو الذبح نسبه إلى الحلوق، ولمّا ذكر الدّق وهو الصدم الشديد أضافه إلى المناخر، وهذا من صناعة الخطابة التي علّمه الله إياها بلا تعليم، وتعلّمها الناس كلّهم بعده منه.

9) الخزائم: جمع خِزَامَة، وهي شَعر توضع في وَتَرة أنف البعير فيشدّ فيها الزمام.

10) «فأصبح» أي إبليس. وقوله: «وأورى ....». أي أشدّ قدحاً للنار في دنياكم لإتلافها، وبالجملة فهو أضرّ عليكم بوسواسه من إخوانكم في الإنسانية الذين أصبحتم لهم مناصبين، أي مجاهرين لهم بالعداوة.

11) متألبين: أي مجتمعين.

عَلَيْهِ حَدَّكُمْ(1)، وَلَهُ جَدَّكُمْ(2)، فَلَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِكُمْ، وَوَقَعَ فِي حَسَبِكُمْ(3)، وَدَفَعَ فِي نَسَبِكُمْ، وَأَجْلَبَ بِخَيْلِهِ عَلَيْكُمْ، وَقَصَدَ بِرَجْلِهِ سَبِيلَكُمْ(4).

يقْتَنِصُونَكُمْ(5)بِكُلِّ مَكَانٍ ، وَيَضْرِبُونَ مِنْكُمْ كُلَّ بَنَانٍ(6)، لَا تَمْتَنِعُونَ بِحِيلَةٍ، وَلَا تَدْفَعُونَ بِعَزِيمَةٍ، فِي حَوْمَةٍ ذُلّ(7)، وَحَلْقَةٍ ضِيقٍ، وَعَرْصَةٍ مَوْتٍ، وَجَوْلَة بَلَاءِ (8).

فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ(9)مِنْ نِيرَانِ الْعَصَبِيَّةِ ، وَأَحْقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَإِنَّمَا تِلْكَ الْحَمِيَّةُ تَكُونُ فِي الْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ الشَّيْطَانِ وَنَخَوَاتِهِ (10)، وَنَزَغَاتِهِ (11)وَنفَثَاتِهِ (12). وَأَعْتَمِدُوا وَضَعَ التَّذَلُّلِ عَلَى رُؤُوسِكُمْ، وَإِلْقَاءَ التَّعَرُّزِ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ. وَخَلْعَ التَّكَبُرِ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ؛ وَأَتَّخِذُوا التَّوَاضُعَ مَسْلَحَةٌ (13)بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّكُمْ


1) حدّكم: أي غضبكم وحِدتكم وبأسكم.

2) له جَدّكم - بفتح الجيم - : أي قطعكم، يريد قطع الوصلة بينكم وبينه. وجِدّكم - بكسر الجيم - [كما أثبته ابن أبي الحديد في المتن] : من «جددت في الأمر جداً» أي اجتهدت فيه وبالغت.

3) وقع في حَسَبِكم: أي عاب حسبكم وهو الطين، فقال: إنّ النّار أفضلُ منه.

4) أي جمع خيّالته وفرسانه وألّبها [وعند الصالح: برجِلهِ] .

5) يقتنصونكم: يتصيّدونكم.

6) البَنان: أطراف الأصابع، وهو جمعٌ واحدته بنانة، ويجمع في القلّة على بنانات، ويقال: بنان مخضّب، لأنّ كلّ جمع ليس بينه وبين واحده إلَّا الهاء فإنّه يذكر ويوحّد.

7) حَومة الشيء: معظمه وأشدّ موضع فيه وأكثر ما يستعمل في حومة القتال والبحر والرمل.

8) الجَولة : الموضع الذي تجول فيه.

9) كَمَنَ فى قلوبكم: استتر، ومنه الكمين في الحرب.

10) النخوة: التكبّر والتعاظم.

11) النَزعة : المَرّة من «النزع» بمعنى الإفساد.

12) النفْثة: النفحة.

13) المَسْلّحة: الثغر يدافع العدو عنده والقوم ذوو السلاح، والمسلحة: خيل معدّة للحماية والدفاع.

إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ؛ فَإِنَّ لَهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ جُنُوداً وَأَعْوَاناً، وَرَجِلاً وَفُرْسَاناً، وَلَا تَكُونُوا كَالْمُتَكَبِّرِ عَلَى أَبْنِ أُمِّهِ(1)مِنْ غَيْرِ مَا فَضْلِ جَعَلَهُ اللهُ فِيهِ سِوَى مَا أَلْحَقَتِ الْعَظَمَةُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ الْحَسَبِ(2)، وَقَدَحَتِ الْحَمِيَّةُ فِي قَلْبِهِ مِنْ نَارِ الْغَضَبِ، وَنَفَعَ الشَّيْطَانُ فِي أَنْفِهِ مِنْ رِيحِ الْكِبْرِ الَّذِي أَعْقَبَهُ اللهُ بِهِ النَّدَامَةَ، وَأَلْزَمَهُ آثّامَ الْقَاتِلِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. أَلَا وَقَدْ أَمْعَنْتُمْ فِي الْبَغْيِ(3)، وَأَفْسَدْتُمْ فِي الْأَرْضِ، مُصَارَحَةٌ(4)لِلَّهِ بِالْمُنَاسَبَةِ (5)، وَمُبَارَزَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْمُحَارَبَةِ. فَالله اللهَ فِي كِبْرِ الْحَمِيَّةِ ، وَفَخْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ! فَإِنَّهُ مَلَاقعُ (6)ردّ ابن أبي الحديد هذا الرأي على الراوندي، وقال: «والصحيح أن ملاقح - ههنا - جمع مَلقح، وهو المصدر من «لقحت» کضربت مضرباً وشربت مَشرّباً. (7)الشَّنَآنِ(8)، وَمَنَافِخُ الشَّيْطَانِ (9)، الَّتِي خَدَعَ بِهَا الْأُمَمَ الْمَاضِيَةَ، وَالْقُرُونَ


1) نهاهم أن يكونوا كقابيل الذي حسد أخاه هابيل فقتله، وهما أخوان لأب وأم وإنّما قال: «ابن أمّه» فذكر الأمّ دون الأب، لأنّ الأخوين من الأمّ أشدّ حنوّاً ومحبة والتصاقاً من الأخوين من الأب، لأنّ الأمّ هي ذات الحضانة والتربية.

2) في نسخة عبده والصالح: عداوة الحَسَدِ.

3) أَمْعَنْتم: بالغتم فيه، من «أمعن في الأرض»، أي ذهب فيها بعيداً.

4) مصارحة لله : أي مكاشفة.

5) المناصبة : المعاداة.

6) المَلاقِح: جمع مُلْقَح - كمُكْرَم - : الفحول التي تلقح الإناث وتستولد الأولاد

7) .

8) الشَنآن: البغض.

9) منافخ الشيطان: جمع منفخ، وهو مصدر أيضاً من «نفخ» ونفخ الشيطان ونفثه واحد، وهو وسوسته وتسويله.

الْخَالِيَةَ ، حَتَّى أَعْنَقُوا (1)فِي حَنَادِسِ (2)جَهَالَتِهِ ، وَمَهَاوِي (3)ضَلَالَتِهِ ، ذُلُلاً عَنْ سِيَاقِهِ(4)، سُلُساً فِي قِيَادِهِ (5). أَمْراً تَشَابَهَتِ الْقُلُوبُ فِيهِ(6)، وَتَتَابَعَتِ الْقُرونُ عَلَيْهِ (7)، وَكِبْراً تَضَايَقَتِ الصُّدُورُ بِهِ(8).

أَلَا فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمْ! الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ(9)، وَتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ، وَأَلْقَوُا الْهَجِينَةَ عَلَى رَبِّهِمْ (10)وَجَاحَدُوا اللهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ، مُكَابَرَةً لِقَضَائِهِ، وَمُغَالَبَةً لآلائِهِ (11)فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ الْعَصَبِيَّةِ.

وَدَعَائِمُ أَرْكَانِ الْفِتْنَةِ ، وَسُيُوفُ اعْتِزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ (12).

فَاتَّقُوا اللهَ وَلَا تَكُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَيْكُمْ أَصْدَاداً ، وَلَا لِفَضْلِهِ عِنْدَكُمْ حُسَّاداً. وَلَا


1) أعْنَقوا: من «أعتقت الثريا» غابت، أي غابوا واختفوا.

2) الحَنَادِس: جمع حندس - بكسر الحاء الظلام الشديد.

3) المَهَاوي: جمع مهواة، الهوّة التي يتردّى فيها الصيد.

4) الذلُل: جمع ذلول، من الذُّل - بالضم - ضد الصعوبة، وذللاً حال من الضمير في «أعتقوا» أي أسرعوا منقادين لسوقه إياهم. والسِياق - هنا - السوق.

5) السُّلُس - بضمتين - : جمع سَلِس - ككَتِف - : السهل، والقياد من أمام كالسوق من خلف.

6) أي أنّ الحمية والفخر والكبر والعصبية مازالت القلوب متشابهة متماثلة فيها.

7) القرون: جمع قَرْن - بالفتح - وهي الأمّة من الناس.

8) أي كبر في الصدور حتى امتلأت به وضاقت عنه لكثرته.

9) أى جهلو أنفسهم، ولم يفكّروا في أصلهم من النُّطَف المستقذرة من الطين المنتن، قال الشاعر: ما بال من أوّله نُطْفَةٌ *** وجيفةٌ آخرُه يَفْخَرُ

10) الهجينة: الفعلة القبيحة. والتهجين التقبيح، أي أنّهم باحتقار غيرهم من الناس قبحوا خلق الله لهم.

11) الآلاء: النعم.

12) اعتزاء الجاهلية: قولهم يا لَفلان! وتفاخرهم بأنسابهم كلّ منهم يعتزي - أي ينتسب - إلى أبيه وما فوقه من أجداده، وكثيراً ما يجرّ التفاخر إلى الحرب ، وإنّما تكون بدعوة الرؤساء، فهم سيوفها.

تُطِيعُوا الْأَدْعِيَاءَ(1)الَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفُوكُمْ كَدَرَهُمْ(2)، وَخَلَطتُمْ بِصِحتِكُمْ مَرَضَهُمْ. وَأَدْخَلْتُمْ فِي حَقِّكُمْ بَاطِلَهُمْ، وَهُمْ آسَاسُ (3)الْفُسُوقِ ، وَأَخْلَاسُ الْعُقُوقِ(4). أَتَّخَذَهُمْ إبْلِيسُ مَطَايَا ضَلالٍ، وَجُنْداً بِهِمْ يَصُولُ عَلَى النَّاسِ، وَتَرَاجِمَةٌ يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، أَسْتِرَاقاً لِعُقُولِكُمْ، وَدُخُولاً فِي عُيُونِكُمْ، وَنَفْثاً فِي أَسْمَاعِكُمْ(5)، فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَيْلِهِ (6)، وَمَوْطِئَ قَدَمِهِ، وَمَأْخَذَ يَدِهِ.

فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الْأُمَمَ الْمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللهِ وَصَوْلَاتِهِ، وَوَقَائِعِهِ وَمَثْلَاتِهِ (7)، وَاتَّعِظُوا بِمَثَاوِي خُدُودِهِمْ(8)، وَمَصَارِعِ جُنُوبِهِمْ(9)، وَاسْتَعِيدُوا بِاللهِ مِنْ لَوَاقِحَ الْكِبْرِ (10)، كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ .

فَلَوْ رَخَّصَ اللهُ فِي الْكِبْرِ لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ؛ وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّمَ إِلَيْهِمُ التَّكَابُرَ ، وَرَضِيَ لَهَمَ التَّوَاضُعَ ، فَأَلْصَقُوا بِالْأَرْضِ


1) الأدعياء: جمع دَعِي، وهو من ينتسب إلى غير أبيه، والمراد منهم الأخسّاء المنتسبون إلى الأشراف، والأشرار المنتسبون إلى الأخيار، أو يريد الذين ينتحلون الإسلام ويبطنون النفاق.

2) شربتم بصفوكم كَدَرَهم: أي خلطوا صافيّ إخلاصكم بكَدَرِ نفاقهم، وبسلامة أخلاقكم مرضَ أخلاقهم.

3) اَساس - بالمد - : جمع أساس، دِعامة الشيء. [وفي نسخة عبده وا والصالح: أساس] .

4) الأحلاس: جمع حِلْس - بالكسر - : كساء رقيق يكون على ظهر البعير ملازماً له، فقيل لكلّ ملازم أمر : هو حلس ذلك الأمر. والعقوق العصيان.

5) ويروى: «ونثاً في أسماعكم» من «نَثَّ الحديث»، أي أفشاه.

6) النَبل - بالفتح - : العقوبات.

7) المَثُلات - بفتح فضم - : العقوبات.

8) مَثَاوِي: جمع مثوى، بمعنى المنزل، ومنازل الخدود: مواضعها من الأرض بعد الموت.

9) مصارع الجُنُوب: مطارحها على التراب.

10) لواقع الكِبر: محدثاته في النفوس.

خُدُودَهُمْ، وَعَفَّرُوا فِي التُّرَابِ وُجُوهَهُمْ(1)وَخَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ (2)، وَكَانُوا قَوْماً مُسْتَضْعَفِينَ. قَدِ اخْتَبَرَهُمُ اللهُ بِالْمَخْمَصَة (3)، وَأَبْتَلَاهُمْ بِالْمَجْهَدَةِ (4)، وَأَمْتَحَنَهُمْ بِالْمَخَاوِفِ ، وَمَحْصَهُمْ بِالْمَكَارِهِ(5). فَلَا تَعْتَبِرُوا الرّضَا وَالسُّخَطَ بِالْمَالِ وَالْوَلَدِ(6)جَهْلاً بِمَوَاقِعِ الْفِتْنَةِ ، وَالاِخْتِبَارِ فِي مَوْضِعِ الْغِنَى وَالْإِقْتَارِ* ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : «أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (7)نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ» . فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ بِأَوْلِيَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ.

وَلَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمَا - عَلَى فِرْعَوْنَ وَعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ(8)، وَبِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ ، فَشَرَطَا لَهُ - إِنْ أَسْلَمَ - بَقَاءَ مُلْكِهِ، وَدَوَامَ عِزّهِ، فَقَالَ: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَيْنِ يَشْرِطَانِ لِى دَوَامَ الْعِزِّ، وَبَقَاءَ الْمُلْكِ ؛ وَهُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَالذُّلِّ ! فَهَلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ (9)» إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَجَمْعِهِ، وَاَحْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَلُبْسِهِ !


1) عفّر وجهّه: ألصقه بالعَفّر.

2) خفضوا أجنحتهم: ألأنُوا جانبهم.

3) المَخْمَصة: الجوع.

4) المَجْهَدة: المشقّة.

5) ومحْصَهُم: أي طهّرهم، وروي «مخَضَهم» [كما عند عبده والصالح] أي حرّكهم وزلزلهم، ومَخض اللبن: تحريكه ليخرج زُب۫ده، والمكاره تستخلص إيمان الصادقين وتظهر مزاياهم العقلية والنفسية.

6) لا تجعلوا كثرة الأولاد ووفرة الأموال دليلاً على رضاء الله، والنقص فيهما دليلاً على سخطه، فقد يكون الأول فتنة واستدراجاً، والثاني ابتلاء.

7) في نسخة عبده والصالح: الاقتدار بدل الإقتار

8) مدارع الصوف: جمع مِدرَعة، وهي كالكساء، وتدرّع الرجل وتمدرع إذا لبسها.

9) تقول: هذا سوار المرأة، والجمع أسوِرة، وجمع الجمع أساورة.

وَلَوْ أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذِّهْبَانِ (1). وَمَعَادِنَ الْعِقْيَانِ (2)، وَمَغَارِسَ الْجِنَانِ ، وَأَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طُيُورَ السَّمَاءِ، وَوُحُوشَ الْأَرَضِينَ لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلاءُ (3)، وَبَطَلَ الْجَزَاءُ، وَأَضْمَحَلَّتِ الْأَنْبَاءُ (4). وَلَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ الْمُبْتَلَينَ(5)، وَلَا اسْتَحَقَّ الْمُؤْمِنُونَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ، وَلَا لَزِمَتِ الْأَسْمَاءُ مَعَانِيهَا(6)، وَلَكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِهِمْ، وَضَعَفَةً فِيمَا تَرَى الْأَعْيُنُ مِنْ حَالَاتِهِمْ، مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلَأُ الْقُلُوبَ وَالْعُيُونَ غِنيَّ، وَخَصَاصَةٍ تَمْلَأُ الْأَبْصَارَ وَالْأَسْمَاعَ أَذىً (7).

وَلَوْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لَا تُرَامُ، وَعِزَّةٍ لاتُضَامُ، وَمُلْكِ تُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ، وَتُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ ، لَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِي


1) الذّهبان - بكسر الذال وبضمه - : جمع ذهب.

2) العقيان: الذهب أيضاً، أو نوع من الذهب ينمو في معدنه.

3) لو كان الأنبياء بهذه السلطة لخضع لهم الناس كافة بحكم الاضطرار فسقط البلاء، أي ما به يتميز الخبيث من الطيب، ولم يبق محلّ للجزاء على خير أو شرّ، فإنّ الفعل اضطراري وبذلك تضمحل أخبار السماء بالوعد والوعيد لعدم الحاجة، ثم لا يكون للقابلين دعوة لأنبياء أجور المبتلين: أي الممتحنين بالشدائد الصابرين على المكاره؛ لاستهوائهم مع من قبل بالسطوة.

4) اضمحلّت الأنباء: تلاشت وفنِيت. والأنباء: جمع نَبَأ، وهو الخير، أي لسقط الوعد والوعيد وبطلا.

5) المتبلَين - بفتح اللّام - : جمع ،مبتلىّ، كالمعطّين ،والمرتَضَيْن، جمع معطىّ ومرتضى. [و عند عبده والصالح المبتلين - بكسر اللّام -].

6) فإنّ الخضوع بالرهبة يسمى إذا ذاك إيماناً مع أنّ الإيمان في الحقيقة هو الإذعان والتصديق، فلا يكون معنى الاسم لازماً له، ومَن يسمّى مؤمناً أو مسلماً حينئذٍ فإنّ تسميته مجاز لا حقيقة؛ لأنّه ليس بمؤمن إيماناً من فعله وكَسبه، بل يكون مُلجَاً إلى الإيمان بما يشاهده من الآيات العظيمة.

7) خصاصة: فقر وحاجة.

الاعْتِبَارِ(1)، وَأَبْعَدَ لَهُمْ مِنَ الاِسْتِكْبَارِ، وَلَآمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ، أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ، فَكَانَتِ النّيَاتُ مُشْتَرَكَةٌ (2)، وَالْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً . وَلَكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الاِتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ ، وَالتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ ، وَالْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ ، وَالاِسْتِكَانَةٌ لأَمْرِهِ، وَالاِسْتِسْلَامُ لِطَاعَتِهِ ، أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً، لَا تَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ.

وَكُلَّمَا كَانَتِ الْبَلْوَى وَالاِخْتِبَارُ أَعْظَمَ كَانَتِ الْمَثُوبَةُ وَالْجَزَاءُ أَجْزَلَ(3). أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ اخْتَبَرَ الْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - إِلَى الْآخِرِينَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ بِأَحْجَارٍ(4)لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَسْمَعُ، فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ «الْحَرَامَ الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً » (5). ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَجَراً ، (6)وَأَقَلٌ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً(7)، وَأَضْيَقِ بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ قُطراً(8). بَيْنَ


1) أي أضعف تأثيراً في القلوب من جهة اعتبارها واتّعاظها، فلو كان الأنبياء كالملوك في البطش لم يشقّ على المكلّف الانزجار عن القبائح كما يشقُ عليه لو تركها لقبحها لا لخوف السيف، وكان البُعد عن الاستكبار لخوف السيف أعظم من البُعد عنه إذا تُرك لقبحه. وأبعد للناس: أي أشدّ توغلاً بهم في الاستكبار؛ لأنّ الأنبياء يكونون قدوة في العظمة والكبرياء حينئذٍ.

2) فكانت النيات مشتركة: أي لأنّ الإيمان لم يكن خالصاً لله بل أعظم الباعث عليه الرغبة والرهبة.

3) المثوبة: أي الثواب. وأجزل أكثر، والجزيل: العظيم.

4) الأحجار هي الكعبة .

5) جعله للناس قياماً : أي عِماداً، وفلان قيام أهله، أي يقيم شؤونهم.

6) أوعرُ بقاع الأرض حجراً: أي أصعبها، ومكان وعر: صعب المسلك أو المقام.

7) النَتّائق: جمع نتيقة، البقاع المرتفعة، ومكّة مرتفعة بالنسبة لما انحطّ عنها من البلدان، والأصل: «امرأة مِنتاق» أي كثيرة الولادة، ويقال: «صيعة مِنتاق» أي كثيرة الرّيع، فجعل(علیه السّلام) الضيّاع ذوات المدَر التي تُثار للحرث نتائق، وقال: إنّ مكّة أقلّها صلاحاً للزرع، لأنّ أرضها حجريّة والمَدّر: قطع الطين البابس أو العلك الذي لا رمل فيه، وأقلّ الأرض مدراً لا ينبت إلّا قليلاً.

8) القُطر: الجانب.

جِبَالٍ خَشِنَةٍ ، وَرِمَالٍ دَمِئَةٍ(1)، وَعُيُونٍ وَشِلَةٍ (2)، وَقُرى مُنْقَطِعَةٍ : لَا يَزْكُو بِهَا خُفٌ (3). وَلَا حَافِرٌ وَلَا ظِلْفٌ ، ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَوَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ(4)، فَصَارَ مَثَابَةٌ (5)لِمُنْتَجَع أَسْفَارِهِمْ(6)، وَغَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ(7)، تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الْأَفْئِدَةِ(8)، مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ(9)، وَمَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ (10)، وَجَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ ، حَتَّى يَهُزُوا مَنَاكِبَهُمْ ذُللاً (11)، يُهَلِّلُونَ لِلَّهِ حَوْلَهُ (12)،


1) رمالُ دمِئة: سهلة ليّنة يضعف السير فيها والاستنبات منها، وكلّما كان الرمل أسهل كان أبعد عن أن ينبت.

2) عيون وشلة: أي قليلة الماء، والوَشَل: الماء القليل.

3) لا يزكو: لا ينمو، أي لا تزيد الإبل فيها أي لا تسمن، والخُفّ - ههنا - الإبل، والحافر: الخيل : والحمير والظِّلف الشاة تعبير عن الحيوان بما ركبت عليه قوائمه، أى ليس حولها مرعىً يرعاه الغنم فتسمّن.

4) أي يقصدوه ويحجّوه، وعِطْفَا الرَّجل: جانباه، يقال: «ثنى عِطْفَه إليه» مال وتوجه إليه.

5) مثابة: أي يُثاب إليه ويُرجع نحوه مرةً بعد أخرى.

6) النُّجعَة: طلب الكلأ في الأصل، ثم سمي كلّ مَنْ قصد أمراً يروم النفع منه منتجعاً، فمَنتَجَع الأسفار: محل الفائدة منها، ومكّة صارت بفريضة الحج داراً للمنافع التجارية، كما هي دار لكسب لمنفعة الأخروية.

7) مُلقى: مصدر ميمي من «ألقى» أي نهاية حصر حالهم عن ظهور إبلهم.

8) ثمرة الفؤاد: سويداء القلب، «وتهوي إليه» تتشوّقه وتحنّ نحوه وتسرع سيراً إليه، والثمار: جمع ثمرة، والمراد هنا الأرواح.

9) المفاوز: جمع مفازة، الفلاة لا ماء بها، سُمّيت مفازة إمّا لأنّها مهلِكة، من قولهم: «فوّز فلان» أي هلك، وإمّا تفاؤلاً بالسلامة والفوز. والسحيقة: البعيدة.

10) المَهَاوي - كالهوّات - : منخفضات الأراضي. والفِجاج: الطرق الواسعة بين الجبال.

11) أي يحرّكهم الشوق نحوه إلى أن يسافروا إليه، فكنّى عن السفَر يهزُ المناكب أو يريد: يحرّكوا مناكبهم، أي رؤوس أكتافهم لله، وواحد المناكب منكب ، وهو مجمع عظم العضد والكتف.

12) «يُهلّلون»: يقولون: لا إله إلّا الله، وروي: «يُهلّون لله»، أي يرفعون أصواتهم بالتلبية ونحوها.

وَيَرْمُلُونَ (1)عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبْراً(2)لَهُ. قَدْ تَبَذُوا السَّرَابِيلَ (3)وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ. وَشَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ (4)مَحَاسِنَ خَلْقِهِمْ، اَبْتِلَاءً عَظِيماً، وَأَمْتِحَاناً شَدِيداً ،وَاخْتِبَاراً مُبِيناً، وَتَمْحِيصا (5)بليغاً ، جَعَلَهُ اللهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ، وَوُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ .

وَلَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ ، وَمَشَاعِرَهُ(6)الْعِظَامَ، بَيْنَ جَنَّاتٍ وَأَنْهَارٍ،وَسَهْلٍ وَقَرَارٍ(7)، جَمَّ الْأَشْجَارِ(8)، دَانِي الثَّمَارِ ، مُلْتَفَّفَ الْبُنَى(9)، مُتَصِلَ الْقُرَى، بَيْنَ بُرَّةٍ سَمْرَاء (10)، وَرَوْضَةٍ خَضْرَاءَ ، وَأَرْيَافٍ مُحْدِقَةٍ (11)، وَعِرَاصٍ مُغْدِقَةٍ (12)، وَزُرُوع نَاضِرَةٍ، وَطُرُقٍ عَامِرَةٍ، لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ ، عَلَى حَسَبٍ ضَعْفِ الْبَلَاءِ. وَلَوْ


1) الرّمل: السعي فوق المشيء قليلاً دون الجري.

2) الأشعث: المنتشر الشعر مع تلبّد فيه. والأغبر: من علا بدَنَه الغبار، أي لا يتعهدون شعورهم ولا ثيابهم ولا أبدانهم.

3) السّرَابيل: الثياب، «قد نبذوا السرابيل»: رموا ثيابهم وقمصانهم المخيطة، أي صار البيت هو الغاية التي هي الغرض والمقصد، وعنده تلقى الرّحال، أي تحطّ الإبل عند ظهورها، ويبطل السفر، لأنّهم قد انتهوا إلى الغاية المقصودة.

4) إعفاء الشعور: تركها بلا حلق ولا قصّ.

5) التمحيص: التطهير من «محصّتُ الذهب بالنار» أي صفّيته، والتمحيص: الامتحان والاختبار.

6) المشاعر: معالم النُّسُك.

7) القَرار: المطمئن من الأرض.

8) جمّ الأشجار: كثيرها.

9) البُنى: جمع بُنيّة - بضم الباء وكسرها - : ما ابتنيته، وملتفُ البنى: كثير العمران.

10) البُرَّة: الواحدة من البُرّ، وهو الحنطة، والسمراء: أجودها.

11) الأرياف: جمع ريف، وهو الخِصب والمرعى في الأصل، وهو الأصل، وهو ههنا السّواد والمزارع ، ومحدِقة محيطة، من «أحدقت الروضة، صارت ذات شجر.

12) العِراص: جمع عرصة، الساحة ليس بها بناء. والمُغْدِقة: الغزيرة، من «أغدَق المطرُ» كثر مَاؤه والغدق: الماء الكثير.

كَانَ الْإِسَاسُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا(1)، وَالْأَحْجَارُ الْمَرْفُوعُ بِهَا ، بَيْنَ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاء (2). وَيَاقُونَةٍ حَمْرَاءَ ، وَتُورٍ وَضِيَاءٍ ، لَخَفَّفَ ذَلِكَ مُصَارَعَةَ الشَّكٍّ فِي الصُّدُورِ، وَلَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنِ الْقُلُوبِ، وَلَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّيْبِ مِنَ النَّاسِ (3)، وَلَكِنَّ اللهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، وَيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ(4)، وَيَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ. إخْرَاجاً لِلتَّكَبْرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَإِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ، وَلِيَجْعَل ذَلِكَ أَبْوَاباً فتحاً(5)إِلَى فَضْلِهِ، وَأَسْبَاباً ذُلُلاً (6)لِعَفْوِهِ.

فَاللَّهَ اللَّهَ فِي عَاجِلِ الْبَغْيِ، وَآجِلِ وَخَامَةِ الظُّلْمِ، وَسُوءِ عَاقِبَةِ الْكِبْرِ، فَإِنَّهَا مَصْيَدَةُ إِبْلِيسَ الْعُظْمَى وَمَكِيدَتُهُ الْكُبْرَى الَّتِي تُسَاوِرُ قُلُوبَ الرِّجَالِ (7)مُسَاوَرَةَ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ، فَمَا تُكْدِي أَبَداً(8)، وَلَا تُشْوِي أَحَداً (9)، لَا عَالِماً لِعِلْمِهِ، وَلَا مُقِلّاً فِي طِمْرِهِ (10).


1) الإساس - بكسر الهمزة - : جمع أُسَ - مثلثها - أو أساس.

2) وروي «مضارعة الشك» ومعناه مقارنة الشك ودنوّه من النفس.

3) معتلَج الريب: أي اعتلاجه ومُعتَلج: مصدر ميمي من «الاعتلاج، والاعتلاج: الالتظام، اعتلجت الأمواج التطمت، أي زال تلاطم الريب والشك من صدور الناس.

4) المجاهد: جمع مَجهدة، وهي المشقّة.

5) فتحاً: أي مفتوحة واسعة.

6) ذُلُلاً: أي سهلة.

7) تُساوِرُ قلوبَ الرجال: تواثبُها وتُقاتلها.

8) ما تكدِي: ما تردُّ عن تأثيرها، من قولك: «أكدى حافر الفرس» إذا بلغ الكُدية، وهي الأرض الصُّلْبة، فلا يمكنه أن يحفر.

9) لا تشوى أحداً: لا تخطئ المَقْتل وتصيب غيره، وهو الشَّوَى، والشوى: الأطراف، كاليد والرجل ، يقال: «أشْوَتِ الضربة» أي أخطأت المقتل.

10) الطِمر: الثوب الخَلق .

وَعَنْ ذَلِكَ مَا حَرَسَ اللهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ (1)بِالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ ، وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الْأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ، تَسْكِيناً لِأَطْرَافِهِمْ(2)، وَتَخْشِيعاً لِأَبْصَارِهِمْ، وَتَدْلِيلاً لِنُفُوسِهِمْ، وَتَخْفِيضاً لِقُلُوبِهِمْ، وَإِذْهَاباً لِلْخَيَلَاءِ عَنْهُمْ(3)، وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ الْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً(4)، وَالْتِصَاقِ كَرَائِمِ الْجَوَارِحِ بِالْأَرْضِ تَصَاغُراً، وَلُحُوقِ الْبُطُونِ بِالْمُتُونِ(5)مِنَ الصِّيَامِ تَذَلُّلاً؛ مَعَ مَا فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الْأَرْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالفَقْرِ (6).

أنْظُرُوا إِلَى مَا فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ مِنْ قَمْع نَوَاجِمِ الْفَخْرِ(7)، وَقَدْع (8)طَوَالِع الْكِبْرِ ! وَلَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ يَتَعَصَّبُ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا عَنْ عِلَّةٍ تَحْتَمِلُ تَمْوِيهَ الْجُهَلَاءِ (9)، أَوْ حُجَةٍ تَلِيطُ بِعُقُولِ السُّفَهَاءِ غَيْرَكُمْ(10)، فَإِنَّكُمْ


1) أي حراسة الله للمؤمنين بالصلوات و ... ناشئة عن ذلك، فهذه الفرائض لتخليص النفوس من تلك الرذائل.

2) الأطراف: الأيدي والأرجل.

3) الخُيلاء: التكبّر.

4) عِناق الوجوه: كرامها، وهو جمع عَتيق من «عَتُق» إذا رقّت بَشّرته.

5) المتُون: الظهور.

6) المسكنة: أشدُّ الفقر، وهذا نوع من تحكيم الفقراء في أموال الأغنياء، وتسليط لهم عليهم، وفيه إضعاف لكِبر الأغنياء.

7) القمع: القهر، والنّواجم جمع ناجمة، وهي ما يظهر ويطلع من الكبر وغيره، من «نجم» إذا طلع وظهر.

8) القَدع: الكفّ والمنع.

9) النمويه: التلبيس من «موّهت النحاس» إذا طليته بالذهب ليخفى.

10) تَليطُ وتلوط: أي تلصق و«لاط الشيءُ بقلبي» أي التصق، وقوله: «غيركم» أي إلّا أنتم فإنّكم تتعصبون لا عن حجّة يقبلها السفيه، ولا عن علّة تحتمل التمويه.

تَتَعَصَّبُونَ لِأَمْرٍ مَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبُ وَلَا عِلَّةٌ. أَمَّا إِبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لِأَصْلِهِ، وَطَعَنَ عَلَيْهِ فِي خِلْقَتِهِ، فَقَالَ : أَنَا نَارِيُّ وَأَنْتَ طِينِيُّ.

وَأَمَّا الْأَغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرَفَةِ(1)الْأُمَمِ فَتَعَصَّبُوا لِآثَارِ مَوَاقِعِ النِّعَمِ(2)، فَ«قَالُوا : نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذِّبِينَ». فَإِنْ كَانَ لَابُدَّ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ، وَمَحَامِدِ الْأَفْعَالِ، وَمَحَاسِنِ الْأُمُورِ، الَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا الْمُجَدَاءُ(3)وَالنُّجَدَاءُ مِنْ بُيُوتَاتِ الْعَرَبِ(4)، وَيَعَاسِيبِ الْقَبَائِلِ (5)بِالْأَخْلَاقِ الرَّغِيبَةِ(6)، وَالْأَخْلَام(7)الْعَظِيمَةِ ، وَالْأَخْطَارِ (8)الْجَلِيلَةِ ، وَالْآثَارِ الْمَحْمُودَةِ. فَتَعَصَّبوا لِخِلَالِ الْحَمْدِ مِنَ الْحِفْظِ لِلْحِوَارِ(9)، وَالْوَفَاءِ بِالذّمَامِ(10)، وَالطَّاعَةِ لِلْبِرِّ، وَالْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ، وَالْأَخْذِ بِالْفَضْلِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْبَغْيِ ، وَالْإِعْظَامِ لِلْقَتْلِ، وَالْإِنْصَافِ لِلْخَلْقِ، وَالْكَظمِ لِلْغَيْظِ ،


1) المُتْرَف - على صيغة اسم المفعول - : الذي أطغته النعمة، والمُتَوسَّع له في النعم يتمتع بما يشاء من اللّذات.

2) آثار مواضع النعم: ما ينشأ عنها من التعالي والتكبّر. وعلّة إبليس والأمم المترفة وإن كانت فاسدة إلّا أنّها شيء في جانب ما تتعلل به القبائل في مقاتلة بعضها بعضاً.

3) تفاضلت فيها: أي تزايدت. والمجداء: جمع ماجد.

4) النّجداء: الشجعان، واحدهم نَجيد: وبيوتات العرب: قبائلها.

5) يعاسيب القبائل: رؤساؤها، واليعسوب في الأصل: ذَكَر النحل وأميرها، ويستعمل مجازاً في رئيس القوم كما هنا.

6) الأخلاق الرغيبة: المَرْضِية المرغوبة، والرغيبة: الخصلة يُرغب فيها.

7) الأحلام: العقول.

8) الأخطار: الاقدار .

9) الجِوار - بالكسر - : المجاورة، بمعنى الاحتماء بالغير من الظلم.

10) الذِمام: العهد.

وَاجْتِنَابِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. وَاحْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ الْمَثْلَاتِ (1)بِسُوءٍ الْأَفْعَالِ، وَذَمِيمِ الْأَعْمَالِ(2)، فَتَذَكَّرُوا فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ أَحْوَالَهُمْ، وَأَحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ. فَإِذَا تَفَكَّرْتُمْ فِي تَفَاوُتِ حَالَيْهِمْ (3)، فَالْزَمُوا كُلَّ أَمْرٍ لَزِمَتِ العِزَّةُ بِهِ شَأْتَهُمْ(4)، وَزَاحَتِ الْأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ(5)، وَمُدَّتِ (6)الْعَافِيَةُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَنْقَادَتِ النِّعْمَةُ لَهُ مَعَهُمْ، وَوَصَلَتِ الْكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُمْ، مِنَ الاِجْتِنَابِ لِلْفُرْقَةِ(7)، وَاللُّزوم لِلْأُلْفَةِ، وَالتَّحَاضُ عَلَيْهَا ، وَالتَّوَاصِي بِهَا . وَاجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتَهُمْ (8)، وَأَوْهَنَ(9)مُتَتَهُمْ (10)مِنْ تَضَاعَنِ الْقُلُوبِ، وَتَشَاحُنِ الصُّدُورِ، وَتَدَابُرِ النُّفُوسِ، وَتَخَاذُلِ الْأَيْدِى (11).

وَتَدَبَّرُوا أَحْوَالَ الْمَاضِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ، كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ التَّمْحِيصِ(12)


1) المَثّلات : العقوبات.

2) ذميم الأفعال: ما يُذمَ منها.

3) تفاوت: اختلاف و تباين. وحاليهم: من سعادة وشقاء.

4) لزمت العزة به شأنهم: أي كان سبباً في عزتهم وما يتبعها من الأحوال الآتية.

5) زاحت الأعداء: بعدت. وله، أي لأجله.

6) مُدّت: أي انبسطت.

7) «من الاجتناب» بيان لأسباب العزة وبعد الأعداء وانبساط العافية وانقياد النعمة والصلة بحبل الكرامة.

8) الفِقرة - بالكسر والفتح - : واحدة فِقّر الظّهر، ما انتظم من عَظم الصُلب من الكاهل إلى عَجْز الذَّنَب، ويقال لمن قد أصابته مصيبة شديدة: قد كُسرت فِقرته.

9) أَوْهَنَ: أي أضعف.

10) المنّة - بضم الميم - : القوّة.

11) تخاذل الأيدي: ألَّا ينصُر الناس بعضهم بعضاً.

12) التمحيص: التطهير والتصفية أو الابتلاء والاختبار.

وَالْبَلَاءِ! أَلَمْ يَكُونُوا أثْقَلَ الخَلَائِقِ أَعْبَاءُ(1)، وَأَجْهَدَ الْعِبَادِ بَلَاءٌ(2)وَأَضْيَقَ أَهْلِ الدُّنْيَا حَالاً. اتَّخَذَتْهُمُ الْفَرَاعِنَةُ (3)عَبِيداً فَسَامُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، وَجَرَّعُوهُمْ الْمُرَارَ(4)، فَلَمْ تَبْرَح اَلْحَالُ بِهِمْ فِي ذُلِّ الْهَلَكَةِ وَقَهْرِ الْغَلَبَةِ ، لَا يَجِدُونَ حِيلَةً فِي أمْتِنَاعٍ، وَلَا سَبِيلاً إِلَى دِفَاعِ، حَتَّى إِذَا رَأَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ جِدَّ الصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى فِي مَحَبَّتِهِ ، وَالِاحْتِمَالَ لِلْمَكْرُوهِ مِنْ خَوْفِهِ، جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَايقِ الْبَلَاءِ فَرَجاً، فَأَبْدَلَهُمْ الْعِزَّ مَكَانَ الذُّلِّ ، وَالْأَمْنَ مَكَانَ الْخَوْفِ، فَصَارُوا مُلُوكاً حُكّاماً. وَأَئِمَّةً أَعْلَاماً(5)، وَقَدْ بَلَغَتِ الْكَرَامَةُ مِنْ اللَّهِ لَهُمْ، مَا لَمْ تَذْهَبِ الْآمَالُ إِلَيْهِ بِهِمْ.

فَأَنْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ الْأَمْلَاءُ(6)مُجْتَمِعَةً، وَالْأَهُوَاءُ مُؤْتَلِفَةً ،وَالْقُلُوبُ مُعْتَدِلَةً، وَالْأَيْدِي مُتَرَادِفَةٌ(7)، وَالسُّيُوفُ مُتَنَاصِرَةٌ، وَالْبَصَائِرُ نَافِذَةً، وَالْعَزَائِمُ وَاحِدَةً. أَلَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً فِي أَقْطَارِ الْأَرَضِينَ(8)، وَمُلُوكاً عَلَى رِقَابِ الْعَالَمِينَ! فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ، حِينَ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ. وَتَشَتَّتَتِ (9)الْأُلْفَةُ، وَاخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ وَالْأَفْئِدَةُ، وَتَشَغَبُوا مُخْتَلِفِينَ، وَتَفَرَّقُوا


1) الأعباء: الأثقال، واحدها عبء.

2) أجهد العباد : أتعبهم.

3) الفراعنة: العتاة، وكلُّ عاتٍ فرعون.

4) أي جرعوهم عُصارته، والمُرار: شجر مرّ تتقلص منه شفاه الإبل إذا أكلته، «واستعير شرب المرار لكلّ مَنْ يلقى شديد المشقّة. [وعند ابن أبي الحديد وجرعوهم جُزعَ المُرار ] .

5) أئمة أعلاماً: أى يُهتدى بهم، كالعَلَم في الفَلَاة.

6) الأملاء: جمع مَلأ، بمعنى الجماعة والقوم.

7) الأيدي المترادفة: المتعاونة.

8) أرباباً: سادات. وأقطار الأرضين: نواحيها.

9) و تشتنت : تفرّقت.

مُتَحَارِبِينَ ، قَدْ خَلَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ ، وَسَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نِعْمَتِهِ(1)، وَبَقِيَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ (2)فِيكُمْ عِبْراً لِلْمُعتَبِرِينَ .

فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَبَنِي إِسْحَاقَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ . فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ(3)الْأَحْوَالِ ، وَأَقْرَبَ اشْتِبَاهَ الْأَمْثَالِ ! (4). تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشَتُتِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ لَيَالِي كَانَتِ الْأَكَاسِرَةُ وَالْقَيَاصِرَةُ أَرْبَاباً لَهُمْ (5)، يَحْتَازُونَهُمْ (6)عَنْ رِيفِ (7)الْآفَاقِ، وَبَحْرِ الْعِرَاقِ(8)، وَخُضْرَةِ الدُّنْيَا، إِلَى مَنَابِتِ الشَّيح(9)، وَمَهَا فِي الرِّيح(10)، وَنَكَدِ الْمَعَاشِ(11)، فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً مَسَاكِينَ (12)، إِخْوَانَ دَبَرٍ وَوَبَرٍ (13)، أَذَلَّ الْأُمَمِ دَاراً (14)،


1) غضارة النعمة: الطيّب الليّن منها.

2) قَصَص الأخبار : حكايتها وروايتها.

3) الاعتدال هنا: التناسب.

4) الاشتباه: التشابه، أى ما أشبه الأشياء بعضها ببعض، وإنّ حالكم لشبيهة بحال أولئك فاعتبروا بهم.

5) أرباباً : أي ملوكاً، وكانت العرب تسمي الأكاسرة أرباباً.

6) يحتازونهم عن الريف: يبعدونهم عنه.

7) الريف : الأرض ذات الخِصب والزرع، والجمع أرياف، أرافت، الأرض أى أخصبت.

8) بحر العراق: دجلة والفرات، أمّا الأكاسرة فطردوهم عن بَحر العراق، وأمّا القياصرة فطردوهم عن ريف الآفاق، أى عن الشام.

9) منابت الشَّيح: أرض العرب، والشِّيح: نَب۫ت معروف.

10) مهافي الريح: المواضع التي تهفو فيها، أي تهبُ، وهي الفيافي والصحاري.

11) نكد المعاش : ضيقه وقلّته، والنَكّد - بالتحريك - أي الشدّة والعسر.

12) تركوهم عالةٌ: أي فقراء، جمع عائل، والعائل: ذو العَيْلة، والعَي۫لة: الفقر.

13) الذبَر - بالتحريك - : القرحة في ظهر الدابة. والوَبَر شعر الجمال، وهو للبعير بمنزلة الصوف للضأن والشّعر للمعز، والمراد أنّهم رعاة.

14) قوله: «أذلّ الأمم داراً»؛ لعدَم المعاقل والحصون المنيعة فيها.

وَأَجْدَبَهُمْ قَرَاراً(1)، لَا يَأْوُونَ إِلَى جَنَاحِ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بِهَا(2)، وَلَا إِلَى ظِلَّ أُلْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزّهَا ، فَالْأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ، وَالْأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ، وَالْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ ؛ فِي بَلَاءِ أَزْلٍ(3)، وَأَطْبَاقِ جَهْلٍ(4)! مِنْ بَنَاتٍ مَوْؤُدَةٍ(5)، وَأَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ، وَأَرْحَامٍ مَقْطُوعَةٍ، وَغَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ(6). فَأَنْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً(7)، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ، وَجَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ الْفَتَهُمْ، كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا ، وَأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا(8)، وَالْتَفَّتِ الْمِلَّهُ بِهِمْ(9)في عَوَائِدِ (10)بَرَكَتِهَا، فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ، وَفِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَاكِهِينَ (11). قَدْ تَرَبَّعَتِ الْأُمُورُ بِهِمْ (12)، فِي ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ، وَآوَتْهُمْ أَلْحَالُ إِلَى كَنَفِ (13)عِزّ غَالِبٍ،


1) الجدب: المحل، وأجدبهم قراراً؛ لعدم الزرع والشجر والنخل بها.

2) لا يأوون: لا يلتجثون ولا ينضمّون؛ إذ لم يكن فيهم داع إلى الحق فيأوون إليه، ويعتصمون بمناصرة دعوته.

3) بلاء أزلٍ: على الإضافة، والأزل - بفتح الهمزة وسكون الزاي - : الشدة والضيق.

4) أطباق جهل: جمع طَبَق أي جهل متراكم بعضُه فوق بعض.

5) مَوْؤُدة من «وَأَدَ بنته» أي دفنها وهي حيّة، وكان بنو إسماعيل من العرب يفعلون ذلك بيناتهم.

6) غارات مشنونة: متفرقة، و«شنّ الغارة عليهم» صبّها من كلّ وجه، وهي أصعب الغارات.

7) هو نبينا(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).

8) الجداول: الأنهر.

9) التفّت الملّة بهم: أي كانوا متفرّقين فالتفّت ملّة محمّد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بهم، أي جمعتهم بعد تفرّقهم، وجعلتهم جميعاً في بركاتها العائدة إليهم، يقال: «التفُ الحبلُ بالحطَب» أي جمعه، و «التفُ الحطب بالحبل» أي اجتمع به ، وروي «والتقت الملّة»، والرواية الأولى أصحّ.

10) العوائد: جمع عائدة وهي المنفعة، ما يعود على الناس من الخيرات والنعم.

11) فاكهين: ناعمين، وروي «فَكِهين» [كما في نسخة عبده والصالح ]أي أشرين أو راضين، طيبة نفوسهم.

12) تربعت الأمور بهم: أي قامت من «رَبّع بالمكان» أي أقام به.

13) الكنّف: الجانب.

وَتَعَطَّفَتِ الْأُمُورُ عَلَيْهِمْ(1)فِي ذُرَى مُلْكِ ثَابِتٍ. فَهُمْ حُكّامٌ عَلَى الْعَالَمِينَ ، وَمُلُوك فِي أَطْرَافِ الْأَرَضِينَ يَمْلِكُونَ الْأُمُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ، وَيُمْضُونَ الْأَحْكَامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ، لَا تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ(2)، وَلَا تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ (3)!

أَلَا وَإِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ(4)، وَثَلَمْتُمْ(5)حِصْنَ اللهِ الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ بِأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ(6)، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ أَمْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هذِهِ الْأُمَّةِ فِيمَا عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هَذِهِ الْأُلْفَةِ الَّتِي يَتَقَلَّبُونَ فِي ظِلْهَا، وَيَأْوُونَ إِلَى كَنَفِهَا، بِنِعْمَةٍ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لَهَا قِيمَةً، لِأَنَّهَا أَرْجِحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ، وَأَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ. وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْرَاباً(7)، وَبَعْدَ الْمُوَالَاةِ أَحْزَابِاً(8)مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الْإِسْلَام إِلَّا بِاسْمِهِ، وَلَا تَعْرِفُونَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا رَسْمَهُ، تَقُولُونَ النَّارَ وَلَا الْعَارَ! كَأَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُكْفِثُوا (9)الْإِسْلَامَ عَلَى


1) تعطّفت الأمور عليهم: كناية عن السيادة والإقبائل، يقال: «قد تعطّف الدهر على فلان»، أي أقبل حظُّه وسعادته، بعد أن لم يكن ذلك.

2) هذا وما بعد، كناية عن القوة والامتناع من الضيم يقال: «لا يغمز له قناة» أي هو صلب، والقّناة: الرمح ، وعَمْرُها جَسَها باليد لينظر هل هي محتاجة للتقويم والتعديل فيفعل بها ذلك.

3) الصّفاة: الحجر الصلد ، وفَرعها: صدمها لتكسر. وهو مَثّلُ لمن لا يُطمع في جانبه لعزّته وقوّته.

4) نفضتم أيديكم: كلمة تقال في اطّراح الشيء وتركه، وهي أبلغ من أن تقول: «تركتم حبلُ الطاعة» لأنّ نفضها إشعار وإيذان بشدّة الاطّراح والإعراض.

5) ثَلَمتم: خرفتم.

6) الباء في قوله «بأحكام الجاهلية» متعلقة ب«ثلمتم»، أي ثلمتم حصن الله بأحكام الجاهلية.

7) أي صرتم من أعراب البادية الذين يكتفى في إسلامهم بذكر الشهادتين وإن لم يخالط الإيمان قلوبهم، بعد أن كنتم من المهاجرين الصادقين.

8) المولاة: المحبة. والأحزاب: المتفرّقون المتقاطعون.

9) أكفأتُ الإناء وكفأته: لغتان، أي كبيتُه.

وَجْهِهِ أَنْتِهَاكاً لِحَرِيمِهِ، وَنَقْضَاً لِمِيثَاقِهِ (1)الَّذِي وَضَعَهُ اللهُ لَكُمْ حَرَماً فِي أَرْضِهِ، وَأَمْناً بَيْنَ خَلْقِهِ . وَإِنَّكُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلَى غَيْرِهِ حَارَبَكُمْ أَهْلُ الْكُفْرِ ، ثُمَّ لَا جَبْرَائِيلَ وَلَا مِيكَائِيلَ، وَلَا مُهَاجِرِينَ وَلَا أَنْصَارَ يَنْصُرُونَكُمْ، إِلَّا الْمُقَارَعَةَ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَكُمْ.

وَإِنَّ عِنْدَكُمُ الْأَمْثَالَ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَقَوَارِعِهِ ، وَأَيَّامِهِ وَوَقَائِعِهِ، فَلَا تَسْتَبْطِئُوا وَعِيدَهُ جَهْلاً بِأَخْذِهِ، وَتَهَارُنَا بِبَطْشِهِ، وَيَأْساً مِنْ بَأْسِهِ ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَلْعَن الْقُرُونَ الْمَاضِيَةَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ إِلَّا لِتَرْكِهِمُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنكَرِ. فَلَعَنَ اللهُ السُّفَهَاءَ لرُكُوبِ الْمَعَاصِي ، وَالْحُلَمَاءَ لِتَرْكِ التَّنَاهِي (2).

أَلَا وَقَدْ قَطَعْتُمْ قَيْدَ الْإِسْلَامِ، وَعَطَّلْتُمْ حُدُودَهُ، وَأَمَتُمْ أَحْكَامَهُ. أَلَا وَقَدْ أَمَرَنِي اللّهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِي وَالنَّكْثِ (3)

الشام بصفّين، والمارقون: الذين مرقوا من الدين، أي خرجوا منه، وهم الخوارج.

وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ، فَأَمَّا النَّاكِثُونَ فَقَدْ قَاتَلْتُ ،وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَقَدْ جَاهَدْتُ، وَأَمَّا الْمَارِقَةُ فَقَدْ دَوَّخْتُ (4)وَأَمَّا شَيْطَانُ الرَّدْهَةِ (5)

1) هو ميثاق الأخوة الدينية.

2) التناهي: مصدر تناهى القوم عن كذا، أي نهى بعضهم بعضاً، يقول: لعن الله الماضين من قبلكم، لأنّ سُفَهَاء هم ارتكبوا المعصية، وحلماءهم لم ينهوهم عنها.

3) النَكث: نقض العهد، والناكثون أصحاب الجمل، والقاسطون: الجائرون عن الحق، وهم أهل

4) دوّخهُم: أي أضعفهم وأذلّهم.

5) شيطان الردهة: قال قوم: إنّه ذو الثُّديَّة صاحب النهروان، من رؤساء الخوارج، وُجِد مقتولاً في ردهة، وقال قوم: شيطان الردهة أحد الأبالسة المَرَدة من أعوان عدوّ الله إبليس. وعَضَدَ كلُّ فريق رأيه بخير عن النبيِّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، والوَّدهة: شبه نُقرة في الجبل يجتمع فيها الماء.

فَقَدْ كُفِيتُهُ بِصَعْقَةٍ (1)سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَةُ قَلْبِهِ (2)، وَرَبَّةٌ صَدْرِهِ (3)، وَبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَلَئِنْ أَذِنَ اللهُ فِي الْكَرَّةِ عَلَيْهِمْ لَأدِيلَنَّ مِنْهُمْ(4)إِلَّا مَا يَتَشَذَّرُ فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ تَشَذُّراً(5).

أَنَا وَضَعْتُ فِي الصِّغَرِ بِكَلاكِلِ الْعَرَبِ(6)، وَكَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ(7)

و «قرون» مضاف و«ربيعة» مضاف إليه.

. وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْتُفُنِي فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ(8)، وَكَانَ يَمْضَعُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وَمَا وَجَدَ لِي كَذَّبَةً فِي قَوْلٍ، وَلَا خَطلَةً فِي فِعْلِ (9).

وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَظِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ


1) الصَعقَة: الغشية تصيب الإنسان من الهول. وقال قوم ومنهم الجوهريّ صاحب «الصحاح»: إنّ ذا الثُّديَّة لم يُقتَل بسيف، ولكنّ الله رماه يوم النهروان بصاعِقة.

2) وجبة القلب: اضطرابه و خفقانه.

3) رَجّة الصدر: اهتزازه و ارتعاده.

4) لأديلَنّ منهم: لأمحقنهم، ولتكونن الدَّولة لي عليهم «أدلت من فلان» أي غلبته وقهرته، وصرت ذا دولةٍ عليه.

5) أي لا يفلت مني إلّا من يتفرّق في أطراف البلاد، ويتشذّر: يتمزّق ويتبدّد، ومنه قولهم: «ذهبوا شَذَرَ مَذَرَ».

6) بكلاكل العرب: الباء زائدة. والكلاكل: الصُّدُور، الواحد كلكل، عبّر بها عن الأكابر. والمعنى أنّي أذللتهم وصرعتهم الى الأرض.

7) نواجم قرون ربيعة ومضر: الظاهرة الرفيعة، مَن «نجم منهم وظهر»، يريد بها أشراف القبائل.

8) العَرْف: الريح الطيبة الذكية.

9) الخَطلَة: واحدة الخَطَّل - كالفَرْحَة واحدة الفَرَح - وهو الخطأ ينشأ عن عدم الرويّة.

مِنْ مَلَائِكَتِهِ ، يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ، لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ.

وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ(1)، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً ، وَيَأْمُرُنِي بِالْاِقْتِدَاءِ بِهِ، وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ(2)فَأَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي ، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتُ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا ، أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشْمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ.

وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ (3)الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ- فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ ؟ فَقَالَ: «هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيسَ مِنْ عِبَادَتِهِ .

إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ ، وَتَرَى مَا أَرَى إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ ، وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ ، وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ».

وَلَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - لَمَّا أَتَاهُ الْمَلَأُ(4)مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقَالُوا لَهُ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّكَ قَدِ ادَّعَيْتَ عَظِيماً لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ بَيْتِكَ، وَنَحْنُ نَسْأَلُكَ أَمْراً إِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وَأَرَيْتَنَاهُ ، عَلِمْنَا أَنَّكَ نَبِيُّ وَرَسُولُ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ.

فَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - : «وَمَا تَسْأَلُونَ ؟» قَالُوا : تَدْعُو لَنَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى تَنْقَلعَ بِعُرُوقِهَا وَتَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ ، فَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - : «إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، فَإِنْ فَعَلَ اللهُ لَكُمْ ذَلِكَ، أَتُؤْمِنُونَ وَتَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ ؟»


1) الفَصِيل : ولد الناقة.

2) حِراء - بكسر الحاء - جبل على القرب من مكّة.

3) الرّنَة: الصوت.

4) الملأ: الجماعة.

قَالُوا : نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنِّي سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لَا تَفِيئُونَ إِلَى خَيْرٍ(1)، وَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي الْقَلِيبِ(2)، وَمَنْ يُحَذِّبُ الْأَحْزَابَ». ثُمَّ قَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - : «يَا أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ، إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَأَنْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اللهِ» فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَانْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهَا، وَجَاءَتْ وَلَهَا دَوِيٌّ شَدِيدٌ، وَقَصْفٌ كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِ(3)، حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مُرَفْرِفَةً، وَأَلْقَتْ بِغُصْنِهَا الْأَعْلَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - وَبِبَعْضِ أَغْصَانِهَا عَلَى مَنْكِبِي، وَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى ذَلِكَ ، قَالُوا - عُلُوّاً وَاسْتِكْبَاراً - : فَمُرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا وَيَبْقَ نِصْفُهَا ، فَأَمَرَهَا فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا كَأَعْجَبِ إِقْبَالِ وَأَشَدِّهِ دَوِيّاً، فَكَادَتْ تَلْتَفُ بِرَسُولِ بِرَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَقَالُوا - كُفْراً وَعُتُواً - : فَمُرْ هَذَا النِّصْفَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى نِصْفِهِ كَمَا كَانَ، فَأَمَرَهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَرَجَعَ ، فَقُلْتُ أَنَا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِنٍ بِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى تَصْدِيقاً بِنُبُوَّتِكَ، وَإِجْلَالاً لِكَلِمَتِكَ. فَقَالَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ: بَلْ سَاحِرٌ كَذَّابٌ ، عَجِيبُ السِّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ، وَهَلْ يُصَدِّقُكَ فِي أَمْرِكَ إِلَّا مِثْلُ هَذَا ! - يَعْنُونَنِي - وَإِنِّي


1) لا تفيئون: لا ترجعون.

2) القَليب - كأمير - : البئر، والمراد منه قَليب بَدر، طرح فيه نيف وعشرون من أكابر ،قريش، كعُتبة وشيبة ابني ربيعة بن عبد شمس، وعمرو بن هشام بن المغيرة المكنّى أبا جهل وغيرهم، طُرحوا في قَليب بدر بعد انقضاء الحرب، ومن يحزّب الأحزاب أبو سفيان، والأحزاب متفرقة من القبائل اجتمعوا على حربه (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في وقعة الخندق.

3) القصف والقصيف: الصوت الشديد. وحديث الشجرة كثيرٌ مستفيض، وهو من معجزات الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .

لَمِنْ قَوْمٍ لَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، سِيمَاهُمْ سِيمَا الصِّدِّيقِينَ(1)، وَكَلَامُهُمْ كَلَامُ الْأَبْرَارِ ، عُمَّارُ (2)اللَّيلِ ، وَمَنَارُ النَّهَارِ . مُتَمَسِّكُونَ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ : يُحْيُونَ سُنَنَ اللهِ وَسُنَنَ رَسُولِهِ : لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَلَا يَعْلُونَ، وَلَا يَغُلُونَ (3)وَلَا يُفْسِدُونَ. قُلُوبُهُمْ فِي الْجِنَانِ، وَأَجْسَادُهُمْ فِي الْعَمَلِ .

193 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

193 - ومن خطبة له عليه السلام (4)

فِي وَصْفِ الْمُتَّقِينَ

رُوِي أنَّ صاحباً لأميرالمؤمنين عَلَيْهِ السَّلَام يقال له همَّامُ (5)، كان رجلا عابداً، فقال له: يا أميرالمؤمنين: صِف لي الْمُتَّقين حتى كأنّي أنظر إليهم ، فَتَثَاقَل(علیه السّلام) عن جوابه (6). ثم قال:

يَا هَمَّامُ اتَّقِ اللهَ وَأَحْسِنُ: فَ«إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ».

فلم يقنع هَمَّامٌ بهذا القول حتَّى عَزَمَ عليه، فحمدالله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، ثم قال عَلَيْهِ السَّلَام


1) سیماهم: علامتهم، ومثله «سيمياء».

2) عُمّار: جمع عامر، أي يَعْمُرُونه بالسهر للفكر والعبادة.

3) يَغُلُون: يخونون.

4) رواها سليم بن قيس في (كتابه) ص 211، وابن قتيبة في (عيون الأخبار) ج 2 ص 352.

5) هو همّام بن شُريح بن يزيد، كان من شيعة أميرالمؤمنين عليه السلام وأوليائه، وكان ناسكاً عابداً.

6) تثاقل عن جوابه، أي أبطأ فعَزَمَ عليه، أي أصرّ وقَطَع، وتثاقَلَ لأنّه علم المصلحة في ذلك، أو لحضور مَن لا يُحب أن يجيبَ وهو حاضر ، أو أنّ تثاقله يشد شوق همّام إلى سماعه.

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ . فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ، وَوَضَعَهُمْ مِن الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ. فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ : مَنْطِقُهُمْ الصَّوَابُ ، وَمَلْبَسُهُمْ الْاِقْتِصَادُ(1)، وَمَشْيُهُم التَّوَاضُعُ. غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ(2)، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِع لَهُمْ (3)نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ، كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ(4)، وَلَوْلَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ لَهُمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ ، شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ. وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ. عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا(5)، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا ، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ. قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ(6)، وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ. صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً، أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةٌ. تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ (7)


1) ملبسهم الاقتصاد: أي ليس بالثمين جدّاً، ولا بالحقير جدّاً، أو يريد أنّهم لا يأتون من شهواتهم إلّا بقدر حاجاتهم في تقويم حياتهم فكان الإنفاق كتوب لهم على قدر أبدانهم لكنّهم يتوسعون في الخيرات.

2) غضّوا أبصارهم: خفضوها وغمضوها .

3) الأوهام - مهنا - : العقول.

4) يعني أنّهم طابوا نفساً في البلاء كطيب أنفسهم في الرخاء، فإذا كانوا في بلاء كانوا بالأمل في الله كأنّهم كانوا في رخاء لا يجزعون ولا يَهِنون، وإذا كانوا في رخاء كانوا من خوف الله وحذر النقمة كأنّهم في بلاء، ولا يبطرون ولا يتجبّرون.

5) أي هم على يقين من الجنة والنار كيفين من رآهما، فكأنّهم في نعيم الأولى وعذاب الثانية، رجاء وخوفاً، وهذا مقام جليل، ومثله قوله (علیه السّلام) في حقّ نفسه: «لو كُشِفَ الغِطاء ما ازددتُ يقيناً».

6) نحافة أجسادهم من الفكر في صلاح دينهم والقيام بما يجب عليهم له.

7) تجارةٌ مربحةٌ: أي تجارتهم تجارة مربحة، يقال: أربحت التجارة، إذا أفادت ربحاً.

يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا.

أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُقُونَ أَقْدَامَهَمْ، تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلاً(1)، يُحْزَنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ(2)، فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقُ رَكَنُوا إِلَيهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ(3)وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ(4)، فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ(5)، مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ(6)وَأَكُفِّهِمْ وَرُكَبِهِمْ، وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطلُبُونَ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ(7).

وَأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ، أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ. قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاح (8). نظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى، وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَض (9)، وَيَقُولُ: لَقَدْ


1) الترتيل: التبيين والإيضاح، وهو ضدّ الإسراع والعَجَل.

2) استثار الساكن: هيّجه، وقارئ القرآن يستثير به الفكر الماحي للجهل فهو دواؤه، أو هو إشارة إلى البكاء، فإنّه دواء الحزين.

3) زفير النّار: صوتها، أي صوت توقدها.

4) شهيقها: الشديد من زفيرها، كأنّه تردد البكاء أو نهيق الحمار، أي أنّهم من كمال يقينهم بالنار يتخيّلون صوتها تحت جدران آذانهم، فهم من شدّة الخوف، قد حنوا ظهورهم، وسلّطوا الانحناء على أوساطهم.

5) حَنَيْتُ العُود: عَطَفته، يصف هيئة ركوعهم وانحنائهم في الصّلاة.

6) منفرشُون لجباههم: باسطون لها على الأرض.

7) يطلُبون الى الله: أي يسألونه، وفكاك الرقاب: خلاصها.

8) القِداح السهام، واحدها قِدح، وهو السهم قبل أن يراش. وبراه: نحته، أي رقّق الخوفُ أجسامهم كما ترفق السهام بالنحت.

9) كانت العرب تقول للكرام من النّاس، قليلي المأكل والمشرب، رافضي اللباس الرفيع، ذوي الأجسام النحيفة: مراض من غير مرض، ويقولون أيضاً للمرأة ذات الطرف الغضيض الفاتِر: مريضة من غير مرض.

خُولِطُّوا، وَلَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ(1)، لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ، وَلَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ . فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ ، وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ (2)

يتجنّب الآثام ثم يخافها *** فكأنّما حسناتُهُ آتَامُ

إِذَا زُكِّي (3)أَحَدُهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: «أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي، وَرَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي! اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ، وَأَغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ»! فَمِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ، أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةٌ فِي دِينِ، وَحَزْماً فِي لِينٍ، وَإِيمَاناً فِي يَقِينٍ، وَحِرْصاً فِي عِلْمٍ وَعِلْماً فِي حِلْمٍ، وَقَصْداً فِي غِنىً(4). وَخُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ، وَتَجَمُّلاً فِي فَاقَةٍ(5)، وَصَبْراً فِي شِدَّةٍ، وَطَلَباً فِي حَلَالِ وَنَشَاطاً فِي هُدىً ، وَتَحَرُّجاً عَنْ طَمَع (6). يَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَهُوَ عَلَى وَجَلِ.

يُمْسِي وَهَمُّهُ الشُّكْرُ، وَيُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ . يَبِيتُ حَذِراً، وَيُصْبِحُ فَرِحاً؛ حَذِراً لِمَا حُذْرَ مِنَ الْغَفْلَةِ ، وَفَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ . إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ (7)لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ . قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لَا يَزُولُ، وَزَهَادَتُهُ فِيمَا لَا يَبْقَى (8)، يَمْرُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ، وَالْقَوْلَ بِالْعَمَلِ .


1) خولُطوا: أي أصابتهم جِنّة، يقال: خُولط في عقله: أي مازَجَهُ خُلَلُ فيه. والأمر العظيم الذي خالط : عقولهم هو الخوف الشديد من الله، أي مازجهم خوف عظيم تولّهوا لأجله، فصاروا كالمجانين.

2) مشفقون: خائفون من التقصير فيها ألّا تُقبل، وإلى هذا نظر أبو تمام، فقال:

3) زُكّي : مدحه أحد.

4) قصداً: أي اقتصاداً.

5) التجمّل: التظاهر باليسر عند الفاقة، أي الفقر.

6) التحرّج: عد الشيء حَرَجاً، أي إثماً، أي تباعداً عن طمع.

7) أي إذا لم تطاوعه نفسه فيما يشقّ عليها من الطاعة عاقبها بعدم إعطائها ما ترغبه من الشهوة.

8) ما لا يزول هو الآخرة، وما لا يبقى هو الدنيا.

تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ(1)، قَلِيلاً زَلَلُهُ(2)، خَاشِعاً قَلْبُهُ، قَانِعَةٌ نَفْسُهُ، مَنْزُوراً أَكْلُهُ(3). سَهْلاً أَمْرُهُ، حَرِيزاً دِينُهُ(4)، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ، مَكْظُوماً غَيْظُهُ، الخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولُ، وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونُ . إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ، وَإِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ (5). يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ، وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ بَعِيداً فُحْشُهُ (6)، لَيّناً قَوْلُهُ، غَائِباً مُنْكَرُهُ، حَاضِراً مَعْرُوفُهُ، مُقْبِلاً خَيْرُهُ ، مُدْبِراً شَرُّهُ فِي الزَّلَازِلِ وَقُورُ (7)، وَفِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ ، وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورُ . لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ، وَلَا يَأْتُمُ فِيمَنْ يُحِبُّ (8). يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ، لَا يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظَ ، وَلَا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ، وَلَا يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ(9)، وَلَا يُضَارُّ بِالْجَارِ، وَلَا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ . إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ (10)، وَإِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ، وَإِنْ يُغِي عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللهُ


1) تراه قريباً أملُه: أي ليست نفسه متعلّقة بما عظم من آمال الدنيا، وإنّما قُصارى أمره أن يؤمن القوت والملبس.

2) قليلاً زلله: أي خطؤه.

3) منزوراً أكله: أي قليلاً.

4) حَرَيزاً: أي حصيناً.

5) أي إن كان بين الساكتين عن ذكر الله فهو ذاكر له بقلبه، وإن كان بين الذاكرين بلسانهم لم يكن مقتصراً على تحريك اللسان مع يك اللسان مع غفلة القلب.

6) بعيداً فُحشُه: ليس يعني به أنّه قد يفحِش تارة، ويترك الفحش تارات، بل لا فحش له أصلاً، فكنّى عن العَدم بالبعد، لأنّه قريب منه. والفُحش : القبيح من القول.

7) في الزلازل: أي الشدائد المُرْعِدة. والوقور: الذي لا يضطرب، أي لا تحرّكه الخطوب الطارقة.

8) لا يأثم... : أي لا تحمله المحبة على أن يرتكب إثماً لإرضاء حبيبه.

9) لا يُنابز بالألقاب: أي لا يدعو غيره باللقب الذي يكره ويشمئز منه.

10) أي لا يحزن لفوات الكلام، لأنّه يَرى الصُّمت مغنماً لا مغرماً.

هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ(1). أَتْعَبَ نَفْسَهُ لآخِرَتِهِ ، وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ . بُعْدُهُ عمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدُ وَنَزَاهَةٌ ، وَدُنُوهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَرَحْمَةٌ، لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَعَظَمَةٍ، وَلَا دُنُوهُ بِمَكْرٍ وَخَدِيعَةٍ.

قال: فَصَعِقَ هَمَّامُ صَعْقَةً كانت نَفْسُهُ فيها (2)، فقال أميرُالمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا تَصْنَعُ المَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا!

فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: فَمَا بَالُكَ يا أميرالمؤمنين؟ (3)فقال عَلَيْهِ السَّلام:

وَيْحَكَ! إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لَا يَعْدُوهُ، وَسَبَبَاً لَا يَتَجَاوَزُهُ، فَمَهْلاً لَا تَعُدْ لِمِثْلِهَا، فَإِنَّمَا نَفَتَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ ! (4)

194 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

194 - ومن خطبة له عليه السلام (5)

يَصِفُ فِيهَا الْمُنَافِقِينَ

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا وَفَّقَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ ، وَذَادَ عَنْهُ (6)مِنَ الْمَعصِيَةِ ، وَنَسْأَلُهُ لِمِنَّتِهِ تَمَاماً، وَلِحَبْلِهِ أعْتِصَاماً . وَتَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَاصَ إِلَى رِضْوَانِ


1) لأنّه يُتعب نفسه بالعبادة، والناس لا يلقون منه عَنتاً ولا أذى.

2) «فَصَعِقَ همّام» أغمي عليه ومات. «وكانت نفسه فيها»: أي مات.

3) فما بالك لا تموت مع انطواء سرّك على هذه المواعظ البالغة ؟ وهذا سؤال الوقح البارد.

4) نَفثَ الشيطان على لسانك: أي تكلّم بلسانك، أصله النفخ بالفم، وهو أقل من التّفل.

5) رواها اليماني في (الطراز) ج 2 ص 308.

6) ذاد عنه: حمى عنه، وذاد: طرد، والمصدر الذِّياد.

اللهِ كُلَّ غَمْرَةٍ(1)، وَتَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّةٍ(2)، وَقَدْ تَلَوَّنَ لَهُ الْأَدْنَوْنَ (3)، وَتَأَلَّبَ عَلَيْهِ الْأَقصَوْنَ(4)، وَخَلَعَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ أَعِنَّتَهَا(5)، وَضَرَبَتْ إِلَى مُحَارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا(6)، حَتَّى أَنْزَلَتْ بِسَاحَتِهِ عَدَاوَتَهَا(7)مِنْ أَبْعَدِ الدَّارِ ، وَأَسْحَقِ الْمَزَارِ (8).

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ، فَإِنَّهُم الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ وَالزَّالُونَ الْمُزِلُّونَ(9)، يَتَلَوَّتُونَ أَلْوَاناً، وَيَفْتَتُونَ افْتِنَاناً(10)، وَيَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادِ (11)، وَيَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ (12). قُلُوبُهُمْ دَوِيَةٌ (13). وَصِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ (14).


1) الغَمْرة: ما ازدحم وكثر من الماء، وكذلك من الناس، والجمع غِمار، والغمرة هنا: الشدّة.

2) الغصة: الشجا.

3) تَلُونَ: أي تقلّب له الأدْنَون: أي الأقربون، فلم يثبتوا معه.

4) تألب: أي اجتمع على عداوته الأقصون: أي الأبعدون.

5) خلعت العرب أعنتها : جمع عِنان، وهو حبل اللجام أي خرجت عن طاعته فلم تنقد له بزمام، أو المراد: أنّها خلعت الأعنّة سرعة إلى حربه فإنّ ما لا يمسكه عنان يكون أسرع جرياً.

6) الرواحل: جمع راحلة، وهي الناقة، أي ساقوا ركائبهم إسراعاً لمحاربته.

7) أنزلت بساحته عداوتها: أي حَربها، فعبّر عنها بالعداوة، لأنّ العداوة سببُ الحرب.

8) أسحق المزار: أبعده، مكان سحيق، أي بعيد، والسُّحق البعد.

9) الزالّون: من زلّ، أي أخطأ والمُزلّون من «أزلّة» إذا أوقعه في الخطأ.

10) يفتنُّون يتشعُبون فنوناً، أى ضروباً، يأخذون فى فنون من القول لا يذهبون مذهباً واحداً.

11) يعمدونكم: أي يهدونّكم ويقدحونكم، «وبعماد» أي بأمر فادح وخطب مؤلم، وأصل العَمْد انشداخُ سَنام البعير، أو يريد من يَعْمِدونكم: أي يقيمونكم بكل عماد، والعماد: ما يُقام عليه البناء، أي إذا ملتم عن أهوائهم أقاموكم عليها بأعمدة من الخديعة حتى توافقوهم.

12) يرصدونكم: يعدُون المكائد لكم، ويقعدون لكم بكلّ طريق ليحوّلوكم عن الاستقامة. والمِرصاد : محل الارتقاب.

13) قلب دوٍ: أي فاسد من داءٍ أصابه دَويّة: أي مريضة، من الدِّوى - بالقصر - وهو المرض.

14) الصِّفاح: جمع صَفحة الوجه، وهي ظاهِرَةٌ، ونقاوتها: صفاؤها من علامات العداوة وقلوبهم ملتهبة بنارها.

يَمْشُونَ الْخَفَاءَ(1)، وَيُدِبُّونَ الضَّرَاءَ (2). وَصْفُهُمْ دَوَاءُ، وَقَوْلُهُمْ شِفَاءُ، وَفِعْلُهُمُ الدَّاءُ الْعَيَاءُ(3)، حَسَدَةُ الرَّخَاءِ(4)

وكأَنَّا لَمْ يَرْضَ فينا بريب الدّ ***هْرِ حَتَّى أعانه مَنْ أَعَانَا

كُلّما أنبت الزمانُ قَناةُ ***ركّب المرءُ في القناةِ سِنانا

، وَمُؤَكِّدُو الْبَلَاءِ، وَمُقْنِطُو الرَّجَاءِ لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ صَرِيحٌ (5)، وَإِلَى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيعٌ (6)، وَلِكُلِّ شَجْوِ دُمُوعٌ(7)، يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ (8)، وَيَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاء إِنْ سَأَلُوا أَلْحَفُوا(9)، وَإِنْ عَذَلُوا كَشَفُوا (10)، وَإِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا.

قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٌّ بَاطِلاً ، وَلِكُلٍّ قَائِم مَائِلاً ، وَلِكُلِّ حَيٍّ قَاتِلاً ، وَلِكُلٍّ بَابٍ مِفْتَاحاً، وَلِكُلٍّ لَيْلٍ مِصْبَاحاً. يَتَوَكَّلُونَ إِلَى الطَّمَعِ بِالْيَأْسِ لِيُقِيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ(11)، وَيُنْفِقُوا


1) يمشون مشي التستر.

2) الضّرَاء: شجر الوادى الملتفّ، وهذ مَثَلُ يضرب لمن يختلُ صاحبّه، يقال: هو يدبّ له الضَّراء، أي يمشون على هيئة دبيب الضّرَاء: أي يسرون سريان المرض في الجسم، أو سريان النقص في الأموال والأنفس والثمرات.

3) الداء العُياء - بالفتح - : الذي أعيا الأطباء، ولا يمكن الشفاء منه.

4) حَسَدَة : جمع حاسد، أي يحسدون على السعة والنّعم، وإذا نزل بلاء بأحدكم أكّدوه وزادوه، وإذا رجى أحد شيئاً أوقعوه في القنوط واليأس. ولقد أحسن أبو الطيِّب في قوله يذمّ البشر:

5) الصريع: المطروح على الأرض، أي أنّهم كثيراً ما خدعوا أشخاصاً حتى أوقعوهم في الهلكة.

6) يصف خلابة ألسنتهم وشدّة مُلقهم، فقد استحوذوا على قلوب الناس بالرياء والتصنّع.

7) الشّج۫و: الحزن، أي يبكون تباكياً ونصنعاً متى أرادوا، عند أهل كلّ حزن ومصاب.

8) بتقارضون: كل واحد منهم يثني على الآخر ليثني الآخر عليه، مأخوذ من القَرْض، كأنّ كلاً منهم يسلف الآخر دَيناً ليؤديه إليه، وكلّ يعمل للآخر عملاً يرتقب جزاءه عليه.

9) الإلحاف في السؤال: الاستقصاء فيه، ألحقوا: بالغوا في السؤال وألحّوا.

10) إن عذلوا: أي لاموا، كشفوا: أي فضحوا من يلومونه.

11) أي لتنفق سِلْعَتُهم. وينفقون: أي يروُجون، وأصله الثلاثي «نَفَقَ يَنفُقُ» من النّفاق - بالفتح - ضد الكساد.

بِهِ أَعْلَاقَهُمْ(1). يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ (2)، وَيَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ(3). قَدْ هَوَّنُوا الطَّرِيق(4). وَأَضْلَعُوا الْمَضِيقَ(5)، فَهُمْ لُمَةُ الشَّيْطَانِ(6)، وَحُمَةُ النِّيرَانِ: «أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ، أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ».

195 - ومن خطبة له عليه السلام

فِي حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَى نَبِيِّهِ

الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْهَرَ مِنْ آثَارِ سُلْطَانِهِ، وَجَلَالِ كِبْرِيَائِهِ ، مَا حَيَّرَ مُقَلَ(7)الْعُقُولِ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ، وَرَدَعَ خَطَرَاتِ هَمَاهِمِ النُّفُوسِ (8)عَنْ عِرْفَانِ كُنْهِ صِفَتِهِ (9). وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ شَهَادَةَ إِيمَانٍ وَإِيقَانٍ، وَإِخْلَاصٍ وَإِذْعَانٍ .


1) الأعلاق: جمع عِلْق، وهو السلعة الثمينة والشيء النفيس، والمراد ما يزينونه من خدائعهم.

2) يقولون فيشبّهون: أي يشبّهون الحقّ بالباطل فيوقعون الشُّبَه في القلوب.

3) التمويه: التزيين، وأصله أن تطلي الحديدة بذهب يحسّنها.

4) يهوّنون على الناس طرق السير معهم على أهوائهم الفاسدة، ثم بعد أن ينقادوا لهم يُضلعون عليهم المضائق: أي يجعلونها معوجة يصعب تجاوزها فيهلكون.

5) أضلعوا المضيق: أمالوه، وجعلوه ضَلَعاً، أي معوّجّاً، أي جعلوا المسلك الضيّق معوّجّاً بكلامهم وتلبيسهم، فإذا أسلكوه إنساناً اعوجُ لاعوجاجه.

6) اللُّمّة: الجماعة. والحُمَة: السّم، والإبرة تلسع بها العقرب ونحوها، والمراد لهيب النيران، وكنى عن إحراق النار بالحمة للمشابهة في المضرّة.

7) المُقَل : جمع مُقْلة، وهي شحمة العين التي تجمع البياض والسواد، وأضافها للعقول مجازاً.

8) ردع: زجر ودفع. وهَماهِمُ النفوس: أفكارها وما يهمهم به عند التمثل والرويّة في الأمر، وأصل الهمهمة، صُويتٌ يسمع، لا يفهم محصوله. أو هَماهِمُ النفوس: همومها في طلب العلم.

9) العِرفان: المعرفة. وكُنه الشيء: نهايته وأقصاه.

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ وَأَعْلَامُ الْهُدَى دَارِسَةُ، وَمَنَاهِجُ الدِّينِ طَامِسَةٌ(1)، فَصَدَعَ بِالْحَقِّ(2)، وَنَصَحَ لِلْخَلْقِ ، وَهَدَى إِلَى الرُّشْدِ، وَأَمَرَ بِالْقَصْدِ(3)، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.

وَاعْلَمُوا، عِبَادَ اللهِ ، أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقُكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يُرْسِلُكُمْ هَمَلاً(4)، عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِهِ عَلَيْكُمْ، وَأَحْصَى إِحْسَانَهُ إِلَيْكُمْ، فَاسْتَفْتِحُوهُ وَأَسْتَنْجِحُوهُ(5)، وَأَطْلُبُوا إِلَيْهِ وَاسْتَمْنِحُوهُ(6)، فَمَا قَطَعَكُمْ عَنْهُ حِجَابٌ ، وَلَا أُغْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بَابٌ . وَإِنَّهُ لَبِكُلِّ مَكَانٍ، وَفي كُلِّ حِينٍ وَأَوَانٍ، وَمَعَ كُلِّ إِنْسِ وَجَانٌ، لَا يَثلِمُهُ الْعَطَاءُ(7)، وَلَا يَنقُصُهُ الْحِبَاءُ (8)، وَلَا يَسْتَنْفِدُهُ سَائِلٌ (9)، وَلَا يَسْتَقْصِيهِ نَائِلٌ (10)، وَلَا يَلْوِيهِ (11)شَخْصُ عَنْ شَخْصٍ، وَلَا يُلْهِيهِ صَوْتُ عَنْ صَوْتٍ، وَلَا تَحْجُزُهُ هِبَةٌ عَنْ سَلْبٍ، وَلَا يَشْغَلُهُ غَضَبُ عَنْ رَحْمَةٍ ، وَلَا تُولِهُهُ (12)رَحْمَةٌ عَنْ عِقَابِ، وَلَا يُجِنُّهُ (13)الْبُطُونُ عَنِ


1) المناهج: السِّبُل الواضحة. والطامسة: كالدراسة، من طَمَسَ: أي انمحى واندرس.

2) صَدع بالحقّ: بيّن، وأصله الشقّ يظهر ما تحته.

3) القصد: الاعتدال في كلّ شيء.

4) الهمَل: الإبل بلا راع، وقد أهمَلْتُ الإبل: أرسلتها سدىَ.

5) استفتحوه: إسألوه الفتح على أعدائكم، واستنجحوه: اسألوه النجاح في أعمالكم.

6) استمنحوه : التمسوا منه العطاء والمِنْحَة، وهي العطيّة.

7) ثَلْم السيف: كسر جانبه، مجاز عن عدم انتقاص خزائنه بالعطاء.

8) الحباء: العطية لا مكافأة.

9) استنفده: جعله نافد المال لا شيء عنده.

10) استقصاه: أتى على آخر ما عنده، والله سبحانه لا نهاية لما لديه من المواهب.

11) لا يَلْوِيه: أي لا يميله.

12) تُولههُ: تُذهِلُهُ.

13) يُجنّه: يستره. وكأنّه يريد رضي الله عنه: أنّ صور الموجودات حجاب بين الوهم وسبحات وجهه ، وعلو ذاته مانع للعقل عن اكتناهه فهو بهذا باطن، ومع ذلك فالأشياء بذاتها لا وجود لها وإنّما وجودها نسبتها إليه، فالوجود الحقيقي البريء من شوائب العدم وجوده، فالوجودات أشعة ضياء الوجود الحق، فهو الظاهر على كلّ شيء، وبهذا تتبين الأوصاف الآتية.

الظُّهُورِ ، وَلَا يَقْطَعُهُ الظُّهُورُ عَنِ الْبُطُونِ. قَرُبَ فَنَأَى، وَعَلَا فَدَنَا، وَظَهَرَ فَبَطَنَ، وَبَطَنَ فَعَلَنَ، وَدَانَ وَلَمْ يُدَنْ(1). لَمْ يَذْرَأَ الْخَلْقَ بِاحْتِيَالٍ (2)، وَلَا أَسْتَعَانَ بِهِمْ لِكَلَالٍ (3).

أُوصِيكُمْ، عِبَادَ اللهِ بتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهَا الزَّمَامُ وَالْقِوَامُ(4)، فَتَمَسَّكُوا بِوَثَائِقِهَا، وَاعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا، تَؤُلْ بِكُمْ إِلَى أَكْنَانِ الدَّعَةِ(5)، وَأَوْطَانِ السَّعَةِ، وَمَعَاقِلِ الْحِرْزِ (6)، وَمَنَازِلِ الْعِزَّ، فِي «يَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ» ، وَتُظْلِمُ لَهُ الْأَقْطَارُ،

، وَتُعَطَّلُ فِيهِ صُرُومُ الْعِشَارِ (7)، وَيُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَتَرْهَقُ كُلُّ مُهْجَةٍ ، وَتَبْكَمْ كُلُّ لَهْجَةٍ ، وَتَذِلُّ الشُّمُّ الشَّوامِخُ(8)، وَالصُّمُّ الرَّوَاسِخُ(9)، فَيَصِيرُ صَلْدُهَا (10)سَرَاباً (11)


1) دانَ: جازی و حاسَبَ ولم يحاسبه أحد.

2) ذرأ: أي خَلَق، والاحتيال: التفكّر في العمل وطلب التمكّن من إبرازه ولا يكون إلّا من العجز.

3) الكلال: الملل من التعب.

4) التقوى: زمام يقود للسعادة، والزمام: المِقود. وقوام: أي عيش يحيا به الأبرار.

5) الأكنان: جمع كِن - بالكسر - : ما يستكن به. والدّعَة: خَفَضُ العيش وسَعَته.

6) المعاقل: الحصون، جمع مَعْقِل، وهي الملجأ. والحِرْز: الحفظ.

7) الصُرُوم: جمع صِرمة - بالكسر : وهي قطعة من الإبل فوق العشرة إلى تسعة عشر، أو فوق العشرين إلى الثلاثين، أو الأربعين أو الخمسين. والعِشار: جمع عُشَراء، وهي الناقة مضى لحملها عشرة أشهر. وتعطيل جماعات الإبل : إهمالها من الرّعي، والمراد أن يوم القيامة تهمل فيه نفائس الأموال لاشتغال كل شخص بنجاة نفسه.

8) السُّمّ: جمع أشمّ، أي رفيع. والشامخ:المتسامي في الارتفاع.

9) الصُمّ: جمع أصمّ، وهو الصلب المصمت، أي الذي لا تجويف فيه. والراسخ الثابت.

10) الصَلد: الصلب الأملس.

11) السرّاب : ما يخيله ضوء الشمس كالماء، خصوصاً في الأراضي السّبخِة وليس بماء.

رَقْرَقاً (1)، وَمَعْهَدُها (2)قاعاً (3)سَمْلَقَاً(4)، فَلَا شَفِيعٌ يَشْفَعُ، وَلَا حَمِيمٌ يَنْفَعُ، وَلَا مَعْذِرَةٌ تَدْفَعُ .

196 - ومن خطبة له عليه السلام

196 - ومن خطبة له عليه السلام (5)

بَعَثَهُ حِينَ لَا عَلَمٌ قَائِمٌ(6)، وَلَا مَنَارٌ سَاطِعُ ، (7)َولَا مَنْهَجٌ وَاضِحٌ .

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ، بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوص (8). وَمَحَلَّةُ تَنْغِيصِ، سَاكِنُهَا ظَاعِنُ (9)، وَقَاطِنُهَا بَائِنُ (10). تَمِيدُ بِأَهْلِهَا مَيَدَانَ السَّفِينَةِ (11)تَقْصِفُهَا الْعَوَاصِفُ (12)فِي لُجَجِ الْبِحَارِ (13)، فَمِنْهُمُ الْغَرِقُ الْوَبِقُ (14)

محمولاً على بطون الأمواج كأنّ الأمواج، في انتفاخها كالحيوان المنقلب على ظهره وبطنه للأعلى.

وتَحْفِرَه أي تدفعه ومصير هذا الناجى أيضاً إلى الهلاك بعد طول العناء.

، وَمِنْهُمُ النَّاجِي

1) الرّقْرَق: المضطرب.

2) معهدها: المحل الذي كان يعهد وجودها فيه.

3) القاع: ما اطمأن من الأرض.

4) السَمْلَق: الصفصف المستوى، أي تنف تلك الجبال ويصير مكانها قاعاً صفصفاً: أي مستوياً.

5) رواها الآمدي في (غرره) في حرف الألف بلفظ «إنّ» المشدّدة.

6) الضمير في بعثه للنبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، أي بعث الله سبحانه محمد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في زمان الفترة.

7) المنار الساطع: المرتفع، سطح الصُّبحُ سطوحاً: ارتفع.

8) الشُّخُوص: الذهاب والانتقال إلى بعيد، دار شخوص: دار رحلة: شَخُصَ عن البلد: رحل عنه.

9) الظاعن: المسافر.

10) القاطن: المقيم. وبائن: مبتعد منفصل.

11) وتميد بأهلها: تتحرك وتميل، والمَيّدان: حركة واضطراب، أي تضطرب اضطراب السفينة.

12) تقصفها العواصف: تضربها بشدة، أي تكسرها الرياح الشديدة القويّة.

13) اللّجج: جمع لجّة، وهي معظم البحر.

14) الوَبِق: الهالك، أي منهم من هلك عند تكسّر السفينة ومنهم من بقيت فيه الحياة فخلص

عَلَى بُطُونِ الْأَمْوَاجِ، تَحْفِرُهُ الرِّيَاحُ بِأَذْيَالِهَا، وَتَحْمِلُهُ عَلَى أَهْوَالِهَا، فَمَا غَرِقَ مِنْهَا فَلَيْسَ بِمُسْتَدْرَك ، وَمَا نَجَا مِنْهَا فَإِلَى مَهْلَكَ !

عِبَادَاللهِ، الآنَ فَاَعْلَمُوا، وَالْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ(1)، والْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ ، والْأَعْضَاءُ لَدْنَةٌ(2)، وَالْمُنْقَلَبُ فَسِيحُ (3)، والْمَجَالُ عَرِيضٌ ، قَبْلَ إِرْهَاقِ الْفَوْتِ(4)، وَحُلُول الْمَوْتِ. فَحَقِّقُوا عَلَيْكُمْ نُزُولَهُ، وَلَا تَنْتَظِرُوا قُدُومَهُ (5).

197 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

197 - ومن كلام له عليه السلام (6)

فِي بَيَانِ اخْتِصَاصِهِ بِالنَّبِيِّ

وَلَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ(7)- أَنِّي


1) لأنّ المحتَضر يُعتقل لسانه، ويكون سقيم البدن.

2) لَدْنَة: أي لينة، أي والأعضاء في لين الحياة يمكن استعمالها في العمل حيث تكون في الشيخوخة يابسة.

3) المُنْقَلَب : مكان الانقلاب من الضلال إلى الهدى في هذه الحياة.

4) المرهُق: الذي أدرك ليقتل، وأرهقه الشيء: أعجله فلم يتمكّن من فعله. والفوت: ذهاب الفرصة بحلول الأجل.

5) اعملوا عملَ مَنْ يشاهد الموت حقيقة، لا عمل مَنْ ينتظره انتظاراً.

6) رواه المفيد في الأمالي باختلاف يسير، والآمدي في حرف الواو من (الغرر) ص 243.

7) استحفظوا الكتاب: كلّفوا حفظّه وحراسته، والمستحفَظون: اسم مفعول، أي الذين أودعهم النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أمانة سرّه وطالبهم بحفظها.

لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللهِ وَلَا عَلَى رَسُولِهِ (1)سَاعَةً قَطُّ، وَلَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تَنْكُصُ فِيهَا الْأَبْطَالُ(2)، وَتَتَأَخَّرُ الْأَقْدَامُ، نَجْدَةٌ أَكَرَمَنِي اللهُ بِهَا(3).

وَلَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - وَإِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِي، وَلَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفِّي، فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِي (4)وَلَقَدْ وَلِيّتُ غُسْلَهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - وَالْمَلَائِكَةُ أَعْوَانِي، فَضَجَّتِ الدَّارُ وَالْأَغْنِيَةُ (5): مَلأُ يَهْبِطُ، وَمَلأُ يَعْرُجُ(6)، وَمَا فَارَقَتْ سَمْعِي (7)هَيْئَمَةُ مِنْهُمْ(8)يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، حَتَّى وَارَيْنَاهُ فِي ضَرِيحِهِ(9)، فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّي حَيّاً وَمَيّتاً؟ (10)

فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِكُمْ(11)، وَلْتَصْدُقَ نِيَّاتُكُمْ فِي جِهَادِ عَدُوِّكُمْ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ


1) لم يرد على الله ورسوله: لم يعارضهما في أحكامهما، والظاهر أنّه يرمز إلى أمور وقعت من غيره، كما جرى يوم الحديبيّة عند سَطرِ كتاب الصلح، فإنّ بعض الصحابة أنكر ذلك.

2) وهذا مما اختصّ(علیه السّلام) بفضيلته غير مدافع، ثبت معه في أحد وحُنين عندما فرّ الناس، وثبت تحت رايته يوم خيبر حتى فتحها وفرّ مَنْ كان بعث بها من قبله. والمواساة بالشيء: الإشراك فيه فقد أشرك النبى فى نفسه، ولا تكون بالمال إلّا أنّ يكون كفافاً فان أعطيت عن فضل فليس بمواساة. قالوا: والفصيح في الفعل آسيته، [كما رجحه ابن أبي الحديد] ولكنّ نطق الإمام حجّة.

3) النجدة: الشجاعة، ونصبها هنا على المصدرية لفعل محذوف.

4) يقال: إنّ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قاء دماً يسيراً وقت موته وإنّ علياً(علیه السّلام) مح بذلك الدم وجهه.

5) ضجيج الدار كان بالملائكة النازلين والعارجين. والأفنية: جمع فِناء - بكسر الفاء - : ما اتّسع أمام الدار.

6) الملأ: الجماعة، يهبط قوم ويصعد قوم. والعروج: الصعود.

7) یعني أنّي سمعت ذلك ولم يسمعه غيري، من أهل الدار.

8) الهينمة: الصوت الخفي، وحديث الهينمة رواه خَلق كثير من المحدثين.

9) الضريح: الشقّ في القبر.

10) مراده: أنّه أحقّ بالخلافة بعده وأحقّ الناس بالمنزلة منه.

11) البصيرة: ضياء العقل، كأنّه يقول فاذهبوا إلى عدوكم محمولين على اليقين الذي لا ريبة فيه.

إلَّا هُوَ إِنِّي لَعَلَى جَادَّةِ الْحَقِّ، وَإِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّةِ الْبَاطِلِ(1). أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.

198 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

198 - ومن خطبة له عليه السلام (2)

فِي فَضْلِ الْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ

يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ (3)فِي الفَلَوَاتِ، وَمَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ، وَاخْتِلَافَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ (4)، وَتَلَاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاح الْعَاصِفَاتِ .

وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّداً نَجِيبُ اللهِ(5)، وَسَفِيرُ وَحْيِهِ (6)وَرَسُولُ رَحْمَتِهِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ، وَإِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ. وَبِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ، وَإِلَيْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُمْ، وَنَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ، وَإِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ(7)، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ، وَبَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ، وَشِفَاءُ مَرَضِ


1) المزلّة: مكان الزلل الموجب للسقوط في الهلكة، كالمزلفة: موضع الزَلَق.

2) سبق مصدرها تحت رقم 104.

3) العجيج: رفع الصوت، وكذلك العَجَ، وفي الحديث: «أفضل الحجّ العَجَ والشَّجَ»، أي التلبية وإراقة الدمُ، وعجيج، أي صوت، ومضاعفة اللفظ دليل على تكرير التصويت.

4) النِّينان: جمع نُون، وهو الحوت، واختلافها هنا: إصعادها وانحدارها.

5) نجيب الله: منتجبه ومختاره

6) سفير وحيه: رسول وحيه، والجمع سفراء، مثل فقيه وفقهاء.

7) وإليه مرامي مفزعكم: إليه تَفزعون وتلجأون، ومرمى المفزَع: ما يدفع إليه الخوف وهو الملجأ أي وإليه ملاجئ خوفكم.

أَجْسَادِكُمْ، وَصَلَاحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ، وَطُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ، وَجِلَاءٌ غِشَاءِ أَبْصَارِكُمْ (1)وَأَمْنُ فَزَعِ جَأْشِكُمْ(2)، وَضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ. فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اللهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ(3)، وَدَخيلاً(4)دَونَ شِعَارِكُمْ، وَلَطيفاً بَيْنَ أَضْلاعِكُمْ(5)، وَأَمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ، وَمَنْهَلاً (6)لِحِينِ وُرُودِكُمْ، وَشَفيعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ (7)، وَجُنَّةً (8)لِيَوْمٍ فَزَعِكُمْ، صَابِيحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ(9)، وَسَكَناً لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ(10)، وَنَفْساً لِكَرْبِ مَوَاطِنِكُمْ (11)، فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ حِرْزُ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَنِفَةٍ (12)، وَمَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَةٍ وَأَوَارِ (13)نِيرَانٍ مُوقَدَةٍ. فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا (14)، وَأَخَلَوْلَتْ (15)لَهُ الْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا ، وَأَنْفَرَجَتْ عَنْهُ الْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمِهَا (16)،


1) ويُروي: «وجلاء عَشَا أبصاركم» [كما في نسخة عبده والصالح].

2) الجأش: القلب، وما يضطرب في القلب عند الفزع أو التهيّب أو توقّع المكروه.

3) الشَّعار: أقرب إلى الجَسَد من الدِّثار.

4) الدّخيل: ما خالط باطن الجسد، وهو أقرب من الشعار.

5) لطيفاً بين أضلاعكم: أي في القلب.

6) المنهل : الماء يرده الوارد من الناس وغيرهم.

7) الدّرَك - بالتحريك - : اللحاق، والطّلبة - بالكسر - : المطلوب.

8) الجُنّة - بالضم - : الوِقاية.

9) جاء في الخبر: «إنّ العمل يُضيء قبر صاحبه كما يُضيء المصباحُ الظلمة».

10) السّكن: ما يُسْكَن إليه.

11) نَفْساً لكرب مواطنكم: أي سعَة ورَوْحاً.

12) مكتنفه: محيطة.

13) الأوار - بالضم - : حرارة النار ولهيبها.

14) عَزَبت - بالزاي : غابت وبعُدت.

15) احلولت: صارت حلوة.

16) تراكمُها: اجتماعها وتكاثُفها.

وَأَسْهَلَتْ لَهُ الصِّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا(1)، وَهَطَلَتْ (2)عَلَيْهِ الْكَرَامَةُ بَعْدَ (3)قُحُوطِهَا .

وَتَحَدَّبَتْ (4)عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورهَا، وَتَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ النّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا (5)، وَوَبَلَتْ عَلَيْهِ الْبَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا(6)

وإرذاذها: إتيانها بالرِّذاذ، وهو ضعيف المطر، أردت - بتشديد الذال - إرذاذاً مطرت مطراً ضعيفاً في سكون، كأنّه الغبار المتطاير.

فَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي نَفَعَكُمْ بِمْوَعِظَتِهِ، وَوَعَظَكُمْ بِرِسَالَتِهِ، وَأَمْتَنَّ عَلَيْكُمْ بِنِعْمَتِهِ . فَعَبْدُوا أَنْفُسَكُمْ لِعِبَادَتِهِ(7)، وَأَخْرُجُوا إِلَيْهِ مِنْ حَقٌّ طاعته (8).

ثُمَّ إِنَّ هَذَا الإِسْلَامَ دِينُ اللهِ الَّذِي أصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، وَأَصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ(9)، وَأَصْفَاهُ خِيَرَةَ خَلْقِهِ(10)، وَأَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّهِ . أَذَلَّ الْأَدْيَانَ بِعِزّتِهِ، وَوَضَعَ الْمِلَلَ بِرَفْعِهِ، وَأَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِكَرَامَتِهِ ، وَخَذَلَ مُحَادِّيهِ بِنَصْرِهِ (11)، وَهَدَمَ أَرْكَانَ


1) أسهلت: صارت سهلة، والإنصاب: مصدر، بمعنى الإتعاب، بعد إنصابها، أي بعد إتعابها لكم.

2) هطلت: سالت.

3) قحوطها: قلّتها.

4) تحدّيت عليه: عطفت وَحَنَت.

5) نصب الماء نضوباً : غار وذهب في الأرض، ونضوب النعمة: قلتها أو زوالها وانقطاعها.

6) وَبَل المطر: صار وابلاً، وهو أشدّ المطر وأكثره، يقال وبلت السماء: أمطرت مطراً شديداً.

7) عبِّدوا أنفسكم: أي ذلّلوها، ومنه طريق معبَد.

8) أدوا المفْتَرَض عليكم من العبادة، يقال: خرجت إلى فلان من دَي۫نه، أي قضيته إياه.

9) اصطناع الشيء على العين: الأمر بصنعته تحت النظر خوف المخالفة في المطلوب من صنعته. و«اصطنعه على عينه»: كلمة تقال لمن يشتدّ الاهتمام به، يقول: اصنع لي كذا على عيني، أي اصنعه صنعة كاملة كالصنعة التي تصنعها وأنا حاضر أشاهدها بعيني والمراد هنا تشريع الدين وتكميله على حسب علم الله الأعلى وتحت عنايته بحفظه، ووجه التجوّز ظاهر.

10) أصفاه خيرةً خلقه: أي آثر به خيّرة خلقه، وخيّره - بفتح الياء : أفضل ما يضاف إليه، أي وآثر هذا الدين بأفضل الخلق وهو خاتم النبيين، ليبلّغه للناس، أو هم المسلمون.

11) مُحاديه: جمع مُحادٌ ، وهو الشديد المخالفة.

الضَّلَالَةِ بِرُكْنِهِ (1)، وَسَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِيَاضِهِ، وَأَتْأَقَ الْحِيَاضَ بِمَوَاتِحِهِ (2).

ثُمَّ جَعَلَهُ لَا أَنْفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ، وَلَا فَكَ لِحَلْقَتِهِ ، وَلَا أَنْهِدَامَ لأَسَاسِهِ ، وَلَازَوَالَ لِدَعَائِمِهِ، وَلَا أَنْقِلَاعَ لِشَجَرَتِهِ ، وَلَا انْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ ، وَلَا عَفَاءَ لِشَرَائِعِهِ (3)، وَلَا جَدَّ (4)لِفُرُوعِهِ ، وَلَا صَنْكَ (5)لِطْرُقِهِ ، وَلَا وُعُوثَةَ لِسُهُولَتِهِ(6)، وَلَا سَوَادَ لِوَضَحِهِ(7)، وَلَا عِوَجَ لِانْتِصَابِهِ(8)، وَلَا عَصَلَ فِي عُودِهِ (9)، وَلَا وَعَثَ لِفَجِّهِ (10)، وَلَا انْطِفَاءَ لِمَصَابِيحِهِ ، وَلَا مَرَارَةَ لِحَلَاوَتِهِ. فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاحَ فِي الْحَقِّ أَسْنَاخَهَا(11)، وَثَبَّتَ لَهَا آسَاسَهَا، وَيَنَابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُهَا (12)، وَمَصَابِيحُ شُبَّتْ نِيرَانُهَا، وَمَنَارُ (13)أقْتَدَى بِهَا سُفّارُهَا (14)،


1) الرُّكن: العزّ والمنعة.

2) أتأق الحياض: ملأها، وتَيِقَ الحوضُ: امتلأ. ومواتحه: الدّلاء، ويمتح بها، أي يسقى بها، أو المواتح: جمع ماتح، وهو نازع الماء من الحوض.

3) العفاء: الدروس والاضمحلال.

4) الجذ: القطع.

5) الضَنك: الضيق.

6) الوعوثة: رخاوة في السهل تغوص بها الأقدام عند السير فيعسر المشي فیه.

7) الوضَح: البياض.

8) العَوَج - بفتح العين - : فيما ينتصب كالنّخلة والرمح، والعِوَج - بكسرها - : فيما لا ینتصب كالأرض والرأي والدّين.

9) العَصل: الالتواء والاعوجاج يصعب تقويمه، ناب أعصل وشجرة عصلة وسهام عُصل.

10) وَعثَ الطريق: تعسّر المشي فيه، والفَجّ: الطريق الواسع بين جبلين.

11) الأسناخ: جمع سِنْخ، وهو الأصل. وأساخها في الأرض: أدخلها فيها، وأصل سَاخَ : غاص في لين وخاض فيه.

12) غَزُرت: کثرت. وشُبّت نيرانها: أوقدت.

13) المنار: ما ارتفع لتوضع عليه نارٌ يُهتدى إليها.

14) السُفّار - بضم فتشديد - : ذوو السفر، أي يهتدي إليه المسافرون في طريق الحق.

وَأَعْلَامٌ قُصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا(1)، وَمَنَاهِلُ رَوِيَ بِهَا وَرَّادُهَا(2). جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مُنْتَهَى رضْوَانِهِ، وَذِرْوَةَ دَعَائِمِهِ (3)، وَسَنَامَ طَاعَتِهِ : فَهُوَ عِنْدَاللهِ وَثيقُ الْأَرْكَان رَفِيعُ الْبُنْيَانِ، مُنِيرُ الْبُرْهَانِ، مُضِيءُ النِّيرَانِ، عَزِيزُ السُّلطَانِ، مُشْرِفُ الْمَنَارِ(4)، مُعْوذُ الْمَثَارِ(5)فَشَرِّفُوهُ وَاتَّبِعُوهُ، وَأَدُّوا إِلَيْهِ حَقَّهُ، وَضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - بِالْحَقِّ ، حِينَ دَنَا مِنَ الدُّنْيَا الاِنْقِطَاعُ، وَأَقْبَلَ مِنَ الْآخِرَةِ الاِطَّلاعُ(6)، وَأَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ(7)، وَقَامَتْ بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ(8)، وَخَشنَ مِنْهَا مِهَادٌ(9)، وَأَزِفَ مِنْهَا قِيَادٌ (10)، فِي انْقِطَاعِ مِنْ مُدَّتِهَا ، وَأَقَتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا (11)، وَتَصَرُّم (12)مِنْ أَهْلِهَا ، وَأَنْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا (13)وَأَنْتِشَارٍ مِنْ


1) الأعلام: ما يوضع على أوليات الطرق أو أوساطها ليدلّ عليها، فهو هدايات بسببها قصد السالكون طرقها. أو «قُصِد بها فِجاجُها» أي قصد بنصب تلك الأعلام اهتداء المسافرين في تلك الفجاج.

2) وروي «روّادها» جمع رائد، وهو الذي يسبق القوم فيرتاد لهم الكلأ والماء.

3) الذُّروة: أعلى السنام والرأس وغيرهما.

4) مُشْرِف المنار: مرتفعه.

5) مُعوِذ من «أعُوذُ - بالذال - كأعاذ» بمعنى ألجأ . [وعند عبده «مُعوِزُ المثّار»] من أعوزه الشيء، وأعوزه الشيء: احتاج إليه فلم ينله. والمثار: مصدر من «ثار الغبار إذا هاج، أي لو طلب أحد إثارة هذا الدين لما استطاع لثباته، ولألجأه إلى مشقّة لقوّته ومتانته.

6) الاطّلاع : الإتيان؛ اطلع فلان علينا، أي أتانا.

7) الضمير في «بهجتها» للدنيا.

8) الساق: الشدّة، والمعنى: انكشفت عن شدّة عظيمة فأفزعتهم.

9) المهاد: الفراش، وخشونة المِهاد: كناية عن شدّة آلامها.

10) أزف منها قياد: أي قرب انقيادُها الى التقضّي والزوال.

11) الأشراط - جمع شرط : أي علامات انقضائها.

12) التصرّم: التقطّع.

13) الانفصام: الانقطاع، وإذا انفصمت الحَلقة انقطعت الرابطة.

سَبَبِهَا(1)، وَعَفَاءٍ مِنْ أَعْلَامِهَا(2)، وَتَكَشُفٍ مِنْ عَوْرَاتِهَا، وَقِصَرٍ مِنْ طُولِهَا (3). جَعَلَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ بَلَاغاً لِرِسَالَتِهِ(4). وَكَرَامَةً لِأُمَّتِهِ، وَرَبيعاً لِأَهْلِ زَمَانِهِ، وَرِفْعَةً لِأَعْوَانِهِ، وَشَرَفاً لِأَنْصَارِهِ. ثمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ نُوراً لَا تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ، وَسِرَاجاً لا يَخْبُو تَوَقُدُهُ(5)، وَبَحْراً لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وَمِنْهَاجاً لا يُضِلُّ نَهْجُهُ(6)، وَشُعَاعاً لَا يُظْلَمُ ضَوْءُهُ، وَفُرقَانَا(7)لَا يُحْمَدُ بُرْهَانُهُ، وَتِبْيَاناً لَا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ، وَشَفَاءً لَا تُخْشَى أَسْقَامُهُ، وَعِزّاً لا تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ، وَحَقَّاً لَا تُخَذَلُ أَعْوَانُهُ. فَهُوَ مَعْدِنُ الْإِيمَانِ وَيُحْبُوحَتُهُ(8)، وَيَنَابِيعُ الْعِلْمِ وَبُحُورُهُ، وَرِيَاضُ الْعَدْلِ وَغُدْرَاتُهُ(9)، وَأَثَافِيُّ الْإِسْلَامِ وَبُنْيَانُهُ(10)، وَأَوْدِيَةُ الْحَقِّ وَغِيطَانُهُ (11)، وَبَحْرُ لَا يَنْزِفُهُ الْمُسْتَنْزِفُونَ(12)، وَعُيُونُ


1) انتشار الأسباب: تبددها حتى لا تُضبَط.

2) عُفاء الأعلام: اندراسها.

3) وروي: «من طِوَلها» والطِّول: الحبل.

4) عاد إلى ذكر النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فقال: جعله سبحانه بلاغاً لرسالته: أي ذا بلاغ، والبلاغ: التبليغ، فحذف المضاف.

5) لا تخبو: لا تنطفئ.

6) المِنهاج: الطريق الواسع. والنَهج - هنا - : السلوك. ويُضِلَّ رباعي، أي لا يكون من سلوكه إضلال.

7) الفرقان: ما يُفْرَق به بين الحق والباطل.

8) يُحْبُوحة المكان: وسطه.

9) الرياض: جمع روضة، وهي مستنقع الماء في رمل أو عشب. والغُدْران: جمع غَدِير، وهو القطعة من الماء يغادرها السيل، والمراد أنّ الكتاب مجمع العدالة تلتقي فيه متفرقاتها.

10) الأثافيّ: جمع أَثفيّة، وهي الأحجار توضع عليها القِدر، شكل مثلث، أي عليه قام الإسلام.

11) غيطان الحق: جمع غاط أو غوط، وهو المطمئن من الأرض، أي أنّ هذا الكتاب منابت طيبة يزكو بها الحق وينمو.

12) لا يَنْزِفه: أي لا يفنى ماؤه، ولا يستفرغه المغترفون .

لَا يَنْصِبُهَا الْمَاتِحُونَ (1)، وَمَنَاهِلُ لَا يَغِيضُهَا الْوَارِدُونَ (2)، وَمَنَازِلُ لَا يَضِلُّ نَهْجَهَا الْمُسَافِرُونَ ، وَأَعْلَامٌ لَا يَعْمَى عَنْهَا السَّائِرُونَ، وَآكَامُ لَا يَجُوزُ عَنْهَا الْقَاصِدُونَ (3).

جَعَلَهُ اللهُ ريّاً لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ، وَرَبيعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ(4)، وَمَحَاجَّ (5)لِطُرُقِ الصَّلَحَاءِ، وَدَوَاءٌ لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ، وَنُوراً لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ، وَحَبْلاً وثيقاً عُرْوَتُهُ. وَمَعْقِلاً(6)منيعاً ذِرْوَتُهُ ، وَعِزّاً لِمَنْ تَوَلَّاهُ ، وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ، وَهُدىً لِمَنْ أَنْتَمَّ بِهِ، وَعُذْراً لِمَن أَنْتَحَلَهُ (7)وَبُرْهَاناً لِمَن تَكَلَّمَ بِهِ، وَشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ ، وَفَلْجا(8)لِمَنْ حَاجَّ بِهِ، وَحَامِلاً لِمَنْ حَمَلَهُ(9)، وَمَطِيَّةٌ لِمَنْ أَعْمَلَهُ، وَآيَةً لِمَنْ تَوَسَّم (10)، وَجُنَّةٌ لِمَنِ اسْتَلأَمَ (11)، وَعِلْماً لِمَنْ وَعَى (12)، وَحَدِيثاً لِمَنْ رَوَى، وَحُكْماً لِمَنْ قَضَى (13).


1) لا يُنْصِبُها: أي ينقصها والمانحون: جمع ماتح، نازع الماء للحوض.

2) المناهل: مواضع الشرب من النهر. ولا يُغيضها: من «أغاض الماء» نقصه. وروي: «لا يُغضيها بالضمّ، وهي لغة ليست بالمشهورة.

3) آکام: جمع أكَمة، وهو الموضع يكون أشدّ ارتفاعاً ممّا حوله، وهو دون الجبل في غلظ لا يبلغ أن يكون حجراً، فطرق الحق تنتهي إلى أعالي هذا الكتاب، وعندها ينقطع سير السائرون إليه، لا يتجاوزونها، والمتجاوز هالك .

4) الضمير يرجع الى القرآن. والربيع ههنا: الجدول، ويجوز أن يريد المطر في الربيع.

5) المحاجُ: جمع محجّة، وهي جادة الطريق.

6) المَعْقِل: الملجَأ.

7) انتحله: دان به وجعله نِحْلَته .

8) الفَلج : الظفر والفوز.

9) أي أنّ القرآن ينجّي يوم القيامة مَنْ كان حافظاً له في الدنيا، بشرط أن يعمل به.

10) معنى إعماله، اتّباع قوانينه والوقوف عند حدوده. ولمن توسّم: لمن تفرّس.

11) الجُنّة - بالضم - : ما به يتقى الضرر. واستلامُ: أي لبس اللأُمَةَ، وهي الدرع أو جميع أدوات الحرب، أي أنّ من جعل القرآن لأمةً حربه لمدافعة الشُّبه والتوقّي من الضلالة، كان القرآن وقاية له.

12) وَعَى: حَفِظ.

13) قضى: حكم وفصل.

199 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

199 - ومن كلام له عليه السلام (1)

كَانَ يُوصِي بِهِ أَصْحَابَهُ

تَعَاهَدُوا(2)أَمْرَ الصَّلَاةِ، وَحَافِظُوا عَلَيْهَا ، وَاسْتَكْثِرُوا مِنْهَا ، وَتَقَرَّبُوا بِهَا ، فَإِنَّهَا «كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً» . أَلَا تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ حِينَ سُئِلُوا «مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ» . وَإِنَّهَا لَتَحْتُ الذُّنُوبَ حَتَّ الْوَرَقِ (3)، وَتُطْلِقُهَا إِطْلَاقَ الرِّبَقِ (4)، وَشَبَّهَهَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - بِالْحَمَّةِ (5)تَكُونُ عَلَى بَابِ الرَّجُلِ ، فَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَمَا عَسَى أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَنِ(6)! وَقَدْ عَرَفَ حَقَّهَا رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَا تَشْغَلُهُمْ عَنْهَا زِينَةُ مَتَاعٍ، وَلَا قُرَّةٌ عَيْنِ، مِنْ وَلَدٍ وَلَا مَالٍ،


1) رواه الكليني في كتاب الجهاد من (الكافي) ج 5 ص 36.

2) ویروی «تعهَّدوا»، يقال: تعاهدت ضَيعتي وتعهّدتها، وهو القيام عليها، وأصله من تجديد العهد بالشيء، والمراد المحافظة عليه.

3) الحتُ: نثر الورق من الغصن، حتَّ الورقَ عن الشجرة: قشّره، وانحاتُ، أي تناثر.

4) الربَق - بالكسر : حبل فيه عدّة عرى كلّ منها رِبقة، أي إطلاق الحبل ممن ربط به فكأنّ الذنوب ريق في الأعناق والصلاة تفكها منه.

5) الحمَّة: كلّ عين تنبع بالماء الحار يُستشفى بها من العلل. وقد روي في الحديث أنّ النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال: «أيسرَ أحدكم أن يكون على بابه حمة يغتسل منها كلّ يوم خمسة مرات فلا يبقى من دونه شيء ؟ »قالوا: «نعم»، قال: «إنّها الصلوات الخمس». وهذا الخبر من الأحاديث الصحاح.

6) الدرن: الوسخ .

يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: «رِجَالُ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ» . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - نَصِباً بِالصَّلَاةِ(1)بَعْدَ التَّبْشِيرِ لَهُ بِالْجَنَّةِ، لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَأصْطَبِرْ عَلَيْهَا» . فَكَانَ يَأْمُرُ بِهَا أَهْلَهُ، وَيُصْبِرُ عَلَيْهَا نَفْسَهُ (2).

ثُمَّ إِنَّ الزَّكَاةَ جُعِلَتْ مَعَ الصَّلَاةِ قُرْبَاناً(3)لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَمَنْ أَعْطَاهَا طَيِّبَ النَّفْسِ بِهَا، فَإِنَّهَا تُجْعَلُ لَهُ كَفَّارَةً، وَمِنَ النَّارِ حِجَازا(4)وَوِقَايَةً. فَلَا يُتْبِعَنَّهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ (5)، وَلَا يُكْثِرَنَّ عَلَيْهَا لَهَفَهُ، فَإِنَّ مَنْ أَعْطَاهَا غَيْرَ طَيِّبِ النَّفْسِ بِهَا، يَرْجُو بِهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا، فَهُوَ جَاهِلُ بِالسُّنَّةِ ، مَغْبُونُ الْأَجْرِ (6)، ضَالُ الْعَمَلِ ، طَوِيلُ النَّدَمِ.

ثُمَّ أَدَاءَ الْأَمَانَةِ ، فَقَدْ خَابَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا ، إِنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى السَّمَوَاتِ الْمَبْنِيَّةِ ، وَالْأَرَضِينَ الْمَدْحُوَّةِ(7)، وَالْجِبَالِ ذَاتِ الطُّولِ الْمَنْصُوبَةِ، فَلَا أَطْوَلَ وَلَا أَعْرَضَ ، وَلَا أَعْلَى وَلَا أَعْظَمَ مِنْهَا . وَلَوِ امْتَنَعَ شَيْءٌ بِطُولٍ أَوْ عَرْضٍ، أَوْ قُوَّةٍ أَوْ عِزٍّ، لَامْتَنَعْنَ، وَلَكِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَعَقَلْنَ مَا جَهِلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ، وَهُوَ الْإِنْسَانُ «إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً » .

إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا الْعِبَادُ مُقْتَرِفُونَ فِي لَيْلِهِمْ


1) نَصِباً - بفتح فكسر - : أي تَعِباً.

2) «ويُصْبِرُ نفْسَه» من الصبر، وروي «ويَصبر عليها نفسه» أي يحبس.

3) القُربان: اسم لما يتقرّب به من صدقة، أو غيرها.

4) ومن النار حجازاً: أي مانعاً.

5) أي من أعطى الزكاة، فلا تذهب نفسه مع ما أعطى، تعلقاً به، ولهفاً عليه. واللهفة: الحسرة.

6) مَغْبون الأجر: منقوصه.

7) المدحُوّة: المبسوطة.

وَنَهَارِهِمْ (1)لَطَّفَ بِهِ خُبْراً(2)، وَأَحَاطَ بِهِ عِلْماً أَعْضَاؤُكُمْ شُهُودُهُ ، وَجَوَارِحُكُمْ جُنُودُهُ، وَضَمَائِرُكُمْ عُيُونُهُ ، وَخَلَوَاتُكُمْ عِيَانُهُ (3).

200 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

200 - ومن كلام له عليه السلام (4)

فِي مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ

وَاللهِ مَا مُعَاوِيةُ بِأَدهَى مِنِّي ، وَلَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ، وَلَوْلَا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ ، وَلَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ(5)، وَكُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ، وَلِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ(6). وَاللَّهِ مَا أَسْتَغْفَلُ بِالْمَكِيدَةِ(7)، وَلَا أُسْتَغْمَرُ بِالشَّدِيدَة (8).


1) مقترفون: أي مكتسبون.

2) الخُبْر - بضم الخاء - : العلم. والله لطيف العلم بما يكسبه الناس، أي دقيقه، كأنّه ينفذ في سرائرهم كما ينفذ لطيف الجواهر في مسامُ الأجسام، بل هو أعظم من ذلك.

3) العِيان - بكسر العين - : المعاينة والمشاهدة .

4) رواه الكليني في (أصول الكافي) ج 2 ص 336، ص 338.

5) الغُدَرَة - على «فَعَلة» - : الكثير الغَدْر. والفُجّرة والكُفَرة : الكثير الفجور والكفر. ويروى [كما ورد في نسخة كل من ابن المؤدب وعبده] : «ولكن كل غَدْرة فَجْرة ، وكلّ فَجْرة كفرة» على «فَعْلة» للمرة الواحدة.

6) قوله: «لكلّ غادر لواء يعرف به يوم القيامة»، حديث صحيح مرويّ عن عن النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).

7) لا أُستغفَل بالمكيدة: أي لا تجوز المكيدة عليّ، كما تجوز على ذوي الغفلة.

8) لا أُستغمّز - مبني للمجهول - : أي لا أَسْتَضعف بالقوة الشديدة. والمعنى لا يستضعفني شديد القوة. والغَمَز - محركة - : الرجل الضعيف.

201 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

201 - ومن كلام له عليه السلام (1)

فِي النَّهْي عَنِ الاعوجَاجِ

أَيُّهَا النَّاسُ ، لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ(2)، فَإِنَّ النَّاسَ أَجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُها قَصِيرُ (3)، وَجُوعُهَا طَوِيلٌ.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا وَالسُّخْطُ (4)، وَإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلُ وَاحِدٌ فَعَمَّهُمُ اللهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: «فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ» ، فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ(5)بِالخَسْفَةِ خُوَارَ السِّكَةِ الْمُحْمَاةِ فِي الْأَرْضِ الْخَوَّارَةِ(6).

أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوَاضِحَ وَرَدَ الْمَاءَ، وَمَنْ خَالَفَ وَقَعَ فِي التِّيهِ! (7)


1) رواه النعماني في (الغيبة) ص 208، والبرقي في (المحاسن)، والطبري في (المسترشد) ص 76 .

2) الاستيحاش: ضدّ الاستئناس، وكثيراً ما يحدثه التوحّد وعدم الرفيق.

3) المائدة:هي مائدة الدنيا، فلا تغرنّكم رغباتها، فتنضم بكم مع الضالين في محبتها، فذلك متاع قليل.

4) أي يجمعهم في استحقاق العقاب، فإنّ الراضي بالمنكر كفاعله، ومن لم ينه عنه فهو به راض.

5) خارَت: صوّتَت كخُوار الثور.

6) السِكّة المحماة: حديدة المِحراث إذا أُحْمِيت في النار فهي أسرع غَوْراً في الأرض الخوّارة، أي السهلة اللينة، وقد يكون لها صوت شديد إذا كان فى الأرض من جذور النبات يشتد الصوت كلّما اشتدت السرعة.

7) التيه: المفازة يتحيّر سالكها.

202 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

202 - ومن كلام له عليه السلام (1)

عِنْدَ دَفْنِ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلامُ

عِنْدَ دَفْنِ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلامُ (2)

السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ عَنِّي ، وَعَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ ، وَالسَّرِيعَةِ اللَّحَاقِ بِكَ! قَلَّ يَا رَسُولَ اللهِ عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي، وَرَقَ عَنْهَا تَجَلُّدِي ، إِلَّا أَنَّ فِي التَّأَسِّي(3)لِي بِعَظِيمِ فُرْقَتِكَ ، وَفَادح (4)مُصِيبَتِكَ مَوْضِعَ تَعَزٍّ(5)، فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ5(6)، وَفَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَصَدْرِي نَفْسُكَ، فَ«إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ».

فَلَقَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ، وَأُخِذَتِ الرَّهِينَةُ!(7)أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدُ، وَأَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ(8)إِلَى أَنْ يَخْتَارَ اللهُ لِي دَارَكَ الَّتِي أَنْتَ بِهَا مُقِيمٌ. وَسَتنَبِّئُكَ (9)أَبْنَتُكَ


1) رواه البخاري في (صحيحه) ج 4 ص 247 في كتاب بدأ الخلق.

2) قول الرضي رحمه الله: «عند دفن سيدة النساء» فلأنّه قد تواتر الخبر عنه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنّه قال: «فاطمة سيدة نساء العالمين» إمّا هذا اللفظ بعينه، أو لفظ يؤدّي هذا المعنى.

3) يريد ب- «التأسي» الاعتبار بالمثال المتقدم.

4) الفادح: المُثْقِل.

5) التعزّي: التصبّر .

6) «ملحودة قبرك» أي الجهة المشقوفة من قبرك، واللّحد: الشَقّ في جانب القبر.

7) الوديعة والرهينة، عبارة عن فاطمة، ويريد من «الرهينة» أنّها كانت عنده كالعوض من رؤية رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).

8) ينقضي بالسهاد: وهو السهر .

9) «ستنبئك»: ستعلمك.

بِتَضَافُرٍ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا(1)فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ(2)، وَأَسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ، هَذَا وَلَمْ يَطْلِ اَلْعَهْدُ وَلَمْ يَخْلُ مِنْكَ الذِّكْرُ (3). وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمَا سَلَامَ مُوَدِّع، لَا قَالٍ (4)وَلَا سَيْمِ (5)، فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلَا عَنْ مَلَالَةٍ ، وَإِنْ أُقِمْ فَلَا عَنْ سُوءِ ظَنُّ بِمَا وَعَدَاللَّهُ الصَّابِرِينَ.

203 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

203 - ومن كلام له عليه السلام (6)

فِي التَّزْهِيدِ مِنَ الدُّنْيَا وَالتَّرْغِيبِ فِي الآخِرَةِ

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازِ (7)، وَالْآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ(8)، فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ، وَلَا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ، وَأَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ، فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ، وَلِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ.

إِنَّ الْمَرْءَ إِذَا هَلَكَ قَالَ النَّاسُ : مَا تَرَكَ! وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ : مَا قَدَّمَ! لِلَّهِ آبَاؤُكُمْ! فَقَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ قَرْضاً ، وَلَا تُخْلِفُوا كُلّاً فَيَكُونَ فَرْضاً عَلَيْكُمْ .


1) هَضمها: ظلمها.

2) إخفاء السؤال: الاستقصاء فيه، فأحفها السؤال: أي استقصِ في مسألتها.

3) قوله: «هذا ولم يَطُل العهد، ولم يخلُق الذِكر»، أي لم يُنسَ.

4) القالي: المبغض.

5) ولا سنم: أي لا ملول، من السامة، وهي الضجر.

6) رواه المفيد في (الإرشاد) ص 139 .

7) دار مجاز: أي يُجاز فيها إلى الآخرة، ومنه سمّي المجاز في الكلام مجازاً، لأنّ المتكلّم قد عَبّر الحقيقة إلى غيرها.

8) دار القرار: دار الاستقرار الذي لا آخر له.

204 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

204 - ومن كلام له عليه السلام (1)

كَانَ كَثِيراً مَا يُنَادِي بِهِ أَصْحَابَهُ

تَجَهَّرُوا (2)رَحِمَكُمُ اللهُ! فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ ، وَأَقِلُوا الْعُرْجَةَ (3)عَلَى الدُّنْيَا، وَأنْقَلِبُوا بِصَالح مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ، فَإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَؤُوداً (4). وَمَنَازِلَ مَخُوفَةٌ مَهُولَةٌ ، لَا بُدَّ مِنَ الْوُرُودِ عَلَيْهَا ، وَالْوُقُوفِ عِنْدَهَا . وَاعْلَمُوا أَنَّ مَلَاحِظَ الْمَنِيَّةِ (5)نَحْوَكُمْ دَانِيَةُ (6)، وَكَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا وَقَدْ نَشِبَتْ فِيكُمْ(7)، وَقَدْ دَهَمَتْكُمْ فِيهَا مُفْطِعَاتُ الْأُمُورِ(8)، وَمُضْلِعَاتُ الْمَحْذُورٍ(9)، فَقَطَّعُوا عَلَائِق الدُّنْيَا، وَاسْتَظْهِرُوا بِزَادِ التَّقْوَى (10).

وقد مضى شيءٌ من هذا الكلامِ فيما تقدَّم بخلاف هذه الرِّواية.


1) رواه المفيد في (الإرشاد) ص 110 ، والصدوق في (الأمالي).

2) تَجهّزو الكذا: تهيأ وا له.

3) العرجة: التعريج، وهو الإقامة، وعرّج فلان على المنزل، إذا حبَس عليه مطيّته، أي اجعلوا ركونكم إليها قليلاً.

4) العقبة الكؤود: الشاقّة المصعد، الصعبة المرتقى.

5) مَلاحِظ المنية : منبعث نظرها.

6) دانية: قريبة. [وفي نسخة ابن أبي الحديد، دائبة، أي جادّة].

7) المخلب للسَّبع بمنزلة الظّفر للإنسان، ونَشِبَتْ: علقت بكم.

8) أفظع الأمرُ: جاوز المقدار شدّة.

9) مضلعات المحذور: الخطوب التي تُضلِع. أي تجعل الإنسان ضليعاً، أي معوّجاً. ومن رواها بالظاء، مظلعات، أراد الخطوب التي تجعل الإنسان ظالعاً، أي يغمز في مَشيه لثقّلها عليه.

10) استظهروا: استعينوا.

205 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

205 - ومن كلام له عليه السلام (1)

كَلَّمَ بِهِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ بَعْدَ بَيْعَتِهِ بِالْخِلافَةِ وَقَدْ عَتِبَا عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِ مَشْوَرَتِهِمَا، وَالاِسْتِعَانَةِ فِي الْأُمُورِ بِهِمَا

لَقَدْ نَقَمْتُمَا يَسِيراً(2)، وَأَرْجَأْتُمَا كَثِيراً (3)أَلَا تُخْبِرَانِي أَيُّ شَيْءٍ كَانَ لَكُمَا فِيهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ؟ أَمْ أَيُّ قَسْمِ اسْتَأْثَرْتُ عَلَيْكُمَا بِهِ؟ أَوْ أَيُّ حَقٌّ رَفَعَهُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ضَعُفَتُ عَنْهُ، أَمْ جَهِلْتُهُ، أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ ؟!

وَاللهِ مَا كَانَتْ لِي فِي الْخِلَافَةِ رَغْبَةٌ، وَلَا فِي الْوِلَايَةِ إِرْبَةٌ(4)، وَلَكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهَا ، وَحَمَلْتُمُونِي عَلَيْهَا ، فَلَمَّا أَنْضَتْ إِلَيَّ نَظَرْتُ إِلَى كِتَابِ اللهِ وَمَا وَضَعَ لَنَا، وَأَمَرَنَا بِالْحُكْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ، وَمَا اسْتَنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَأَقْتَدَيْتُهُ، فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَى رَأْيِكُمَا، وَلَا رَأْي غَيْرِكُمَا، وَلَا وَقَعَ حُكُمْ جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِيرَكُمَا وَإِخْوَانِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ أَرْغَبُ عَنْكُمَا وَلَا عَنْ غَيْرِكُمَا . وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ الْأَسْوَةِ(5)، فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ أَنَا فِيهِ بِرَأْيِي، وَلَا وَلِيتُهُ هَوِيٌّ مِنِّي ، بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَأَنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ


1) رواه أبو جعفر الإسكاني في كتاب (نقض العثمانية).

2) نَقمتما: أي غضبتما.

3) أرجأتما: أخرّتما. أي نقمتما من أحوالي اليسير ، وتركتما الكثير الذي ليس لكما ولا لغيركما فيه مطعن فلم تذكراه، وليس هذا اعترافاً بأنّ ما نقماه موضع طعن، ولكنّه على جهة الجدل والاحتجاج.

4) الإربة : الحاجة والغرض والطلبة.

5) الأسوة - ههنا - : التسوية بين المسلمين في قسمة الأموال، وكان ذلك قد أغضبهما على ما روي.

عَلَيْهِ وَآلِهِ - قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ، فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَيْكُمَا فِيمَا قَدْ فَرَغَ اللَّهُ مِنْ قَسْمِهِ، وَأَمْضَى فِيه حُكْمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمَا، وَاللهِ، عِنْدِي وَلَا لِغَيْرِكُمَا فِي هَذَا عُتْبَى (1). أَخَذَ الله بِقُلُوبِنَا وَقُلُوبِكُمْ إِلَى الْحَقِّ، وَأَلْهَمَنَا وَإِيَّاكُمُ الصَّبْرَ.

ثُمَّ قال عليه السلام: رَحِمَ اللهُ رَجُلاً رَأَى حقاً فَأَعَانَ عَلَيْهِ، أَوْ رَأَى جَوْراً فَرَدَّهُ، وَكَانَ عَوْناً بِالْحَقِّ عَلَى صَاحِبِهِ.

206 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

206 - ومن كلام له عليه السلام (2)

وَقَدْ سَمِعَ قَوْماً مَنْ أَصْحَابِهِ يَسُبُّونَ أَهْلَ الشَّامِ أَيَّامَ حَرْبِهِمْ بِصِفِّينَ

إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ (3)

وقد كانوا يشتمونهم بالآباء والأمهات، ومنهم من يطعن في نسب قوم منهم، ومنهم مَنْ يذكرهم باللوم، ومنهم من يعيّرهم بالجبن والبخل وبأنواع الأهاجي التي يتهاجي بها الشعراء، فنهاهم عند ذلك وقال: الأصوب أن تَصِفُوا لهم أعمالهم، وتذكروا حالهم.

، وَلَكِنَّكُمْ لَوِ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ، كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ، وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ ، وَقُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُم إِيَّاهُمْ: اللَّهُم أَحْقِنُ دِمَاءَنَا (4)وَدِمَاءَهُمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَبَيْنِهِمْ، وَأَهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ، حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ ، وَيَرْعَوِيَ عَنِ الْغَيِّ (5)وَالْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ (6).

1) العُتبى: الرّضا، أى لست أرضيكما بارتكاب ما لا يحلّ لي فى الشرع ارتكابه.

2) رواه الدينوري في (الأخبار الطوال) ص 155 ، وابن مزاحم في كتابه (صِفّين) ص 103.

3) السبّ: الشتم، والتّسابُ: التشاتم، ورجل سُبَّة، أي يسبه الناس، ورجل سُببَة، أي يسبّ الناس.

4) حقنت الدم: منعت أن يسفَك، أي ألهمهم الإنابة إلى الحق، فإنّ فيه حقن للدماء.

5) ارعوى عن الغيّ: رجع وكفّ، والارعواء: النزوع عن الغيّ والرجوع عن وجه الخطأ.

6) لَهجَ: أي أولع به وثابر عليه.

207 - وقال عليه السلام

اشارة

207 - وقال عليه السلام (1)

فِي بَعْضِ أَيَّامٍ صِفِّينَ وَقَدْ رَأَى الْحَسَنَ(علیه السّلام) يَتَسَرَّعُ إِلَى الحَرْبِ

أمْلِكُوا عَنِّي هَذَا الْغُلَامَ لَا يَهُدَّنِي (2)، فَإِنَّنِي أَنْفَسُ (3)بِهَذَيْنِ - يَعْنِي الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - عَلَى الْمَوْتِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.

قَالَ الرَّضِيُّ(رحمه الله) : قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَام: «أَمْلِكُوا عَنِّي هَذَا الْغُلَامَ» مِن أَعْلَى الْكَلَامِ وَأَفْصَحه.

208 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

208 - ومن كلام له عليه السلام (4)

قَالَهُ لَمَّا اضْطَرَبَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ فِي أَمْرِ الْحُكُومَةِ

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرِي مَعَكُمْ عَلَى مَا أُحِبُّ، حَتَّى نَهِكَتُكُمُ الْحَرْبُ (5)، وَقَدْ، وَاللهِ، أَخَذَتْ مِنْكُمْ وَتَرَكَتْ(6)، وَهِيَ لِعَدُوِّكُمْ أَنْهَكُ(7).


1) رواه الطبري في (تاريخه) ج 6 في حوادث سنة 37.

2) املِكُوا: أى احجُروا عليه كما يَحجُر المالك على مملوكه، وخذوه بالشدة، وأمسكوه لئلا يَهُدني - أي يهدمني - ويقوّض أركان قوتي بموته في الحرب.

3) نَفِس به: أي ضنّ به، أي أبخل بالحسن والحسين عن الموت.

4) رواه ابن مزاحم في كتابه (صِفّين) ص 484 ، والمسعودي في (مروج الذهب) ج 2 ص 400 .

5) نهِكتكم: أدنفتكم وأذابتكم ،نَهِكته الحمّى: أضعفته، أي كنتم مطيعين حتى أضعفتكم الحرب فجبنتم مع أنّها في غيركم أشد تأثيراً.

6) «وقد أخذت منكم وتركت» أي لم تستأصلكم.

7) «وهى لعدوّكم أنهك»: لأنّ القتل في أهل الشام كان أكثر .

لَقَدْ كُنْتُ أَمْسِ أَمِيراً ، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَأْمُوراً، وَكُنْتُ أَمْسِ نَاهِياً ، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَنْهِيّا(1). وَقَدْ أَحْبَبْتُمُ الْبَقَاءَ ، وَلَيْسَ لِي أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ!

209 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

209 - ومن كلام له عليه السلام (2)

بِالْبَصْرَةِ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَى الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ الْحَارِثِي - وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ - يَعُودُهُ، فَلَمَّا رَأَى سِعَةَ دَارِهِ قَالَ:

بِالْبَصْرَةِ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَى الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ الْحَارِثِي(3)- وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ - يَعُودُهُ، فَلَمَّا رَأَى سِعَةَ دَارِهِ قَالَ:

مَا كُنتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هَذِهِ الدَّارِ فِي الدُّنْيَا، أَمَا أَنْتَ إِلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ كُنْتَ أَخْوَجَ! وَبَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَةَ: تَقْرِي فِيهَا الضَّيْفَ (4)، وَتَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ ، وَتُطْلعُ مِنْهَا الْحُقُوق مَطَالِعَهَا(5)، فَإِذا أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَةَ!

فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ: يَا أَمِيرَالمُؤْمِنِينَ، أَشْكُو إِلَيْكَ أَخِي عَاصِمَ بنَ زِيَادٍ. قَالَ: وَمَا لَهُ ؟ قَالَ:لَبِسَ الْعَبَاءَةَ، وَتَخَلَّى عَنِ الدُّنْيَا. قال: عَلَيَّ بِهِ ، فلما جَاءَ، قال: يَا عُدَيَّ نَفْسِهِ (6)!


1) قد ألزمه قومه بقبول التحكيم فالتزم بإجابتهم فكأنّهم أمروه ونهوه فامتثل لهم.

2) رواه أبو طالب المكي في كتابه (قوت القلوب) ج 1 ص ،531 ، وابن عبد ربه في (العقد الفريد) ج 1 ص329 .

3) العلاء بن زياد الذي ذكره الرضيّ رحمه الله لا أعرفه، ولعل غيري يعرفه. وإنّ الذي رويته عن الشيوخ، ورأيته بخط الخشاب رحمه الله: الربيع بن زياد الحارثي الذي افتتح بعضَ خُراسان.

4) الضيف : لفظ يقع على الواحد والجمع، وقد يجمع فيقال: ضيوف وأضياف.

5) أي تُوقِعُها في مظان استحقاقها ، يقال أطْلَعَ الحقِّ مَطلَعهُ: أي أظهره حيث يجب أن يظهر.

6) « يا عُدَى نفسه» تصغير «عدوّ»، وقد يمكن أن يراد به التحقير المحض ههنا، أو يريد به الاستعظام لعداوته لها، ويمكن أن يخرج مخرج التحنّن والشفقة، كقولك: يا بنيّ.

لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الْخَبِيثُ (1)أَمَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ! أَتَرَى اللَّهَ أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا! أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذَلِكَ (2)!

قال: يَا أمِيرَالمؤمنينَ، هَذَا أَنْتَ في خُشُونَةِ مَلْبَسِكَ، وَجُشُوبَةٍ مَأْكَلِكَ! (3)

قَالَ: وَيْحَكَ، إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الْحَقِّ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ(4)، كَيْلَا يَتَبَيَّعَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ(5)!

210 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

210 - ومن كلام له عليه السلام (6)

وَقَدْ سَأَلَهُ سَائِلٌ عَنْ أَحَادِيثِ الْبِدَعِ، وَعَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ اخْتِلافِ الْخَيْرِ ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:

وَقَدْ سَأَلَهُ سَائِلٌ عَنْ أَحَادِيثِ الْبِدَعِ، وَعَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ اخْتِلافِ الْخَيْرِ(7)، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:

إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقَّاً وَبَاطِلاً، وَصِدْقاً وَكَذِباً، وَنَاسِخاً وَمَنْسُوخاً، وَعَاماً وَخَاصَّاً ، وَمُحْكَماً وَمُتَشَابِها، وَحِفْظاً وَوَهَماً. وَقَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَ عَلَيْهِ وَآلِهِ - عَلَى عَهْدِهِ، حَتَّى قَامَ خَطِيباً ، فَقَالَ: « مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً


1) الخبيث يعني الشيطان، جعلك هائماً ضالاً.

2) في هذا الكلام بيان أنّ لذائذ الدنيا لا تبعد العبد عن الله لطبيعتها ولكن لسوء القصد فيها.

3) طعام جَشِب: أي غليظ، وقيل: إنّه الذي لا أُدمَ معه.

4) «يقدّروا أنفسهم بضَعفة الناس»: أي يشبُهوا ويمثّلوا أنفسهم بالضعفاء ليكونوا قدوة للغني في الاقتصاد، وصرف الأموال في وجوه الخير ، ومنافع العامة، وتسلية للفقير على فقره.

5) تبيّغ الدم بصاحبه: أي هاج به، وقيل: أصل «يتبيّغ» يتبغّى، فقُلِبَ، مثل جَذَبَ وجَبَذْ.

6) ذكره التوحيدي في (الإمتاع والمؤانسة) ج 3 ص 197، والطبري في (المسترشد) ص 30.

7) الخبر - هنا - : الحديث المروي عن النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).

فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»(1). وَإِنَّمَا أَتَاكَ بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ ، لَيْسَ لَهُمْ خَامِسُ : رَجُلٌ مُنَافِقُ مُظهِرُ لِلْإِيمَانِ، مُتَصَنِّعُ بِالْإِسلام ، لَا يَتَأَثُمُ(2)وَلَا يَتَحَرَّجُ (3)، يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - مُتَعَمِّداً ، فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ كَاذِبٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ ، وَلَمْ يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا : صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ ، وَلَقِفَ عَنْهُ(4)، فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ ، وَقَدْ أَخْبَرَكَ اللهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَكَ ، وَوَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ ، ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ، فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ، وَالدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ بِالنُّورِ وَالْبُهْتَانِ ، فَوَلَّوْهُمْ الْأَعْمَالَ ، وَجَعَلُوهُمْ حُكّاماً عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، فَأَكَلُوا بِهِمُ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا النَّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ وَالدُّنْيَا إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللهُ، فَهَذَا أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ .

وَ رَجُلٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ شَيْئاً لَمْ يَحْفَظْهُ عَلَى وَجْهِهِ ، فَوَهِمَ فِيهِ (5)، وَلَمْ يَتَعَمَّدْ كَذِباً ، فَهُوَ فِي يَدَيْهِ ، وَيَرْوِيهِ وَيَعْمَلُ بِهِ، وَيَقُولُ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ لَمْ يَقْبَلُوهُ مِنْهُ ، وَلَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ كَذلِكَ لَرَفَضَهُ.

وَرَجُلٌ ثَالِثُ، سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - شَيْئاً يَأْمُرُ بِهِ، إِنَّهُ نَهَى عَنْهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، أَوْ سَمِعَهُ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ،


1) تبوّأت المنزل: نزلته.

2) التأثَم: الكف عن موجب الإثم، والتحرّج مثله، لا يتأثّم: أي لا يخاف الإثم.

3) لا يتخرّج لا يخشى الوقوع في الحرج، وهو الجُرم.

4) لَقِفَ : تناول وأخذ عنه.

5) وَهِمَ: غلط وأخطأ.

فَحَفِظَ الْمَنْسُوحَ، وَلَمْ يَحْفَظِ النَّاسِحَ، فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخُ لَرَفَضَهُ، وَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخُ لَرَفَضُوهُ.

وَآخَرُ رَابِعٌ، لَمْ يَكْذِبْ عَلَى اللهِ وَلَا عَلَى رَسُولِهِ، مُبْغِضُ لِلْكَذِبِ خَوْفاً مِنَ اللهِ ، وَتَعْظِيماً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - وَلَمْ يَهِمْ(1)، بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ ، فَجَاءَ بِهِ عَلَى سَمْعِهِ، لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ، فَهُوَ حَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ، وَحَفِظَ الْمَنْسُوحَ فَجَنَّبَ عَنْهُ (2)، وَعَرَفَ الْخَاصَّ وَالْعَام، وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِة، فَوَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ مَوضِعَهُ (3).

وَقَدْ كَانَ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - اَلْكَلَامُ، لَهُ وَجْهَانِ : فَكَلَامٌ خَاصٌ ، وَكَلَامُ عَامُّ ، فَيَسْمَعُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَا عَلَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ، وَلَا مَا عَنَى رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَيَحْمِلُهُ السَّامِعُ ، وَيُوَجِّهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْنَاهُ، وَمَا قَصَدَ بِهِ، وَمَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ ، وَيَسْتَفْهِمُهُ، حَتَّى إِنْ كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِيءَ الْأَعْرَابِيُّ وَالطَّارِيُّ(4)، فَيَسْأَلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَتَّى يَسْمَعُوا وَكَانَ لَا يَمُرُّ بِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، وَحَفِظْتُهُ

فَهْذِهِ وُجوهٌ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي اخْتِلَافِهِمْ، وَعِلَلِهِمْ فِي رِوَايَاتِهِمْ .


1) لم يَهِم: أي لم يخطئ ولم يظن خلاف الواقع.

2) جنّب عنه: أي تجنّب، أخذ عنه جانباً.

3) أي عرف المتشابه من الكلام، وهو ما لا يعلمه إلّا الله والراسخون في العلم، ومحكم الكلام: أي صريحه الذي لم ينسخ.

4) الطارئ: الطالع عليهم.

211 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

211 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

فِي عَجِيبٍ صَنْعَةِ الْكَوْنَ

وَكَانَ مِنْ اقْتِدَارِ جَبَرُوتِهِ ، وَبَدِيعِ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ، أَنْ جَعَلَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ الزَّاخِرِ (2)الْمُتَرَاكِم (3)الْمُتَقَاصِفِ (4)، يَبَسا (5)جَامِداً، ثُمَّ فَطَرَ مِنْهُ (6)أَطباقا (7)، فَفَتَقَهَا سَبْعَ سَمَوَاتٍ بَعْدَ ارْتِتَاقِهَا، فَاسْتَمْسَكَتْ بِأَمْرِهِ(8)، وَقَامَتْ عَلَى حَدِّهِ يَحْمِلُهَا الْأَخْضَرُ(9)الْمُثْعَنْجِرُ (10)، وَالْقَمْقَامُ(11)الْمُسَخَّرُ ، قَدْ ذَلَّ لِأَمْرِهِ، وَأَذْعَنَ لِهَيْبَتِهِ ، وَوَقَفَ


1) رواها الزمخشري في جلد الأول من (ربيع الأبرار) باب السماء والكواكب.

2) البحر الزاخر: الذي قد امتدّ جدّاً وارتفع، زَخَرَ البحر زُخوراً، وتَزَخَرَ: طمّى وامتلأ.

3) المتراكم: المجتمع بعضُه على بعض.

4) المتقاصف: الشديد الصوت.

5) الیَبَس: المكان يكون رطباً ثم ييبس.

6) الضمير في «منه» يرجع الى ماء البحر في أظهر النظر، ويمكن أن يرجع الى اليَبس.

7) الأطباق: طبقات مختلفة في تركيبها إلّا أنّها كانت رتقاً يتصل بعضها ببعض ففتقها سبعاً وهي السماوات. وقف كلّ منها حيث مكّنه الله على حسب ما أودع فيه من السرّ الحافظ له فاستمسكت له بأمر الله التكويني، وقامت على حدّه، أي حدّ الأمر الإلهي، وليس المراد من البحر هذا الذي نعرفه، ولكن مادة الأجرام قبل تكاثفها فإنّما كانت مائرة أشبه بالبحر، بل هي البحر الأعظم.

8) فاستمسكت: أي وقفت وثبتت.

9) الأخضر: البحر، يسمى بذلك لأنّه يصف لون السماء فيُرى أخضر، أو لأنّه يُرى أسود لصفائه فيطلقون عليه عليه لفظ الأخضر.

10) المُثْعَنْجِر: معظم البحر وأكثر مواضعه ماء.

11) القَمْقام - بفتح القاف وتضم - : البحر أيضاً، وهو مسخّر لقدرة الله تعالى. وحَمْله للأرض: إحاطته بها كأنّها قارّة فيه.

الْجَارِي مِنْهُ لِخَشْيَتِهِ ، وَجَبَلَ (1)جَلَامِيدَهَا (2)، وَنُشُوزَ مُتُونِهَا (3)وَأَطْوَادَهَا(4)، فَأَرْسَاهَا فِي مَرَاسِيهَا(5)، وَأَلْزَمَهَا فَرَارَاتِهَا(6)، فَمَضَتْ رُؤُوسُهَا فِي الْهَوَاءِ، وَرَسَتْ (7)أُصُولُهَا فِي الْمَاءِ، فَأَنْهَدَ جِبَالَهَا عَنْ سُهُولِهَا(8)، وَأَسَاخَ قَوَاعِدَهَا(9)فِي مُتُونِ أَقْطَارِهَا، وَمَوَاضِعِ أَنْصَابِهَا(10)، فَأَشْهَقَ قِلَالَهَا(11)، وَأَطَالَ أَنْشَازَهَا (12)، وَجَعَلَهَا لِلأَرْضِ عِمَاداً، وَأَرَّزَهَا فِيهَا أَوْتَادا (13). ، فَسَكَنَتْ عَلَى حَرَكَتِهَا مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا(14)

بأهلها وتتزلزل بهم إلّا ما يشاء الله في بعض مواضعها لبعض الأسباب.

،

1) جَبَل: خلق.

2) الجلاميد: الصخور الصُلبة، جمع جُلمود.

3) النُشُور : جمع نَشْر، ما ارتفع من الأرض. ومتونها: جوانبها.

4) أطوادَها: جبالها. ويروى [كما في نسخة عبده والصالح] : أطوادِها بالجرِّ عطفاً على متونها.

5) فأرساها في مراسيها: أثبتها في مواضعها، رسا الشيء يرسُو: ثبت.

6) ألزمها قراراتها: أمسكها حيث استقرّت.

7) رست: أي رسخت فيه.

8) فأنهد جبالها: أي أعلاها، كأن النشوز والمتون والأطواد كانت في بداية أمرها على ضخامتها غير ظاهرة الامتياز، ولا شامخة الارتفاع عن السهول، حتى إذا ارتجّت الأرض بما أحدثت يد القدرة الإلهية في بطونها تهدت الجبال عن السهول، فانفصلت كلّ الانفصال، وامتازت بقواعد سائحة، أي غائصة في المتون من أقطار الأرض.

9) أساخ قواعدها: أى غيَّب قواعد الجبال في جوانب أقطار الأرض.

10) مواضع الأنصاب: جمع نُصُب، وهو ما جعل عَلَماً يُشهد فيُقصد، فإنّ الجبال إنّما تشامخت من مرتفع الأرض.

11) قُلّة الجبل: أعلاه. وأشهقها: جعلها شاهقة، أي عالية بعيدة الارتفاع.

12) أطال أنشازها: أي مدّ متونها المرتفعة في جانب الأرض.

13) أرَزها: أثبتها فيها. وروي: «و أرزها» بالمد من قولهم: شجرة آرزة، أي ثابتة في الأرض.

14) تميد: تتحرك، أي أنّ الأرض على حركتها المخصوصة بها سكنت عن أن تميد، أي تضطرب

أَوْ تَسِيخَ بِحِمْلِهَا (1)، أَوْ تَزُولَ عَنْ مَوَاضِعِهَا (2).

فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ مَوَجَانِ مِيَاهِهَا ، وَأَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطُوبَةِ أَكْنَافِهَا(3)فَجَعَلَهَا لِخَلْقِهِ مِهَاداً(4)، وَبَسَطَهَا لَهُمْ فِرَاشاً ! فَوْقَ بَحْرٍ لُجِّيٍّ (5)رَاكِدٍ لَا يَجْرِي (6).

وَقَائِمٍ لَا يَسْرِي، تُكَرْكِرُهُ الرِّيَاحُ الْعَوَاصِفُ (7)، وَتَمْخَضُهُ الْغَمَامُ الذَّوَارِفُ (8): «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ».

212 - ومن خطبة له عليه السلام

فِي اسْتِنْهَاضِ أَصْحَابِهِ إِلَى جِهَادِ أَهْلِ الشَّامِ

اللَّهُمَّ أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِكَ سَمِعَ مَقَالَتَنَا الْعَادِلَةَ غَيْرَ الْجَائِرَةِ، وَالْمُصْلِحَةَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا غَيْرَ الْمُفْسِدَةِ، فَأَبَى بَعْدَ سَمْعِهِ لَهَا إِلَّا النُّكُوصَ (9)عَنْ نُصْرَتِكَ،


1) تَسِيخ: تنزل وتهوي.

2) زوالها عن مواضعها: تحوّلها عن مركزها المعيّن لها.

3) أجمدها: أي جعلها جامدة. وأكنافها: جوانبها.

4) المهاد: الفراش وما تهيئه لنوم الصبي.

5) بحر لُجيّ: كثير الماء، منسوب إلى اللّجّة، وهي معظم البحر .

6) لا يجري - هنا - : لا يسيل في الهواء.

7) الكركرة: تصريف السحاب إذا جمعته بعد تفريق، وأصله «يكرّر» من التكرير. تُكَركِرُه: تذهب به وتعود. والرياح العواصف: الشديدة الهبوب.

8) الذوارف: أي السحب المواطر. وشبه اشتمال السحاب على خلاصة ماء البحر وهو بخاره بمخضها له، كأنّه لبن تخرج زبده الذوَارِف، جمع ذَارفِة، من «ذرف الدمع» إذا سال.

9) النكوص: التأخّر.

وَالْإِبْطَاء عَنْ إِعْزَازِ دِينِكَ، فَإِنَّا نَسْتَشْهِدُكَ عَلَيْهِ يَا أَكْبَرَ الشَّاهِدِينَ شَهَادَةٌ(1). وَنَسْتَشْهِدُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَا أَسْكَنْتَهُ أَرْضَكَ وَسَمَوَاتِكَ، ثُمَّ أَنْتَ بَعْدُ الْمُغْنِي عَنْ نَصْرِهِ، وَالْآخِذُ لَهُ بِذَنْبِهِ.

213 - ومن خطبة له عليه السلام

في تَمْجِيدِ اللهِ وَتَعْظيمه

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ عَنْ شَبَهِ الْمَخْلُوقِينَ (2)، الْغَالِبِ لَمَقَالِ الْوَاصِفِينَ (3)، الظَّاهِرِ بِعَجَائِبِ تَدْبِيرِهِ لِلنَّاظِرِينَ، وَالْبَاطِنِ بِجَلَالِ عِزَّتِهِ عَنْ فِكْرِ الْمُتَوَهِّمِينَ، الْعَالِم بِلا اكْتِسَابٍ وَلَا أَزْدِيَادٍ، وَلَا عِلْمٍ مُسْتَفَادٍ الْمُقدِّرِ لِجَمِيعِ الأُمُورِ بِلا رَوِيَّةٍ وَلَا ضَمِيرٍ، الَّذِي لَا تَغْشَاهُ الظُّلَمُ، وَلَا يَسْتَضِيءُ بِالْأَنْوَارِ(4)، وَلَا يَرْهَقُهُ لَيْلٌ(5)، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ نَهَارُ (6)، لَيْسَ إِدْرَاكُهُ بِالْإِبْصَارِ ، وَلَا عِلْمُهُ بِالْإِخْبَارِ .


1) نستشهدُك عليه: أي نسألك أن تشهد عليه، ووصفه تعالى بأنّه أكبر الشاهدين شهادة، لقوله تعالى: «قُلْ أَيُّ شيءٍ أكَبَرُ شهادةً قُلِ الله ..» [الأنعام: 19] [وفي نسخة عبده: فإنا نستشهدك بأكبر الشاهدين.. ] وهو النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أو القرآن.

2) شَبَه - بالتحريك - : أي مشابهة. ويجوز شَبَه وشِبه، والرّواية ههنا بالفتح.

3) «الغالب لمقال الواصفين»: أي أنّ كُن۫ه جلاله وعظمته لا يستطيع الواصفون وصفه وإن أطنبواوأسهبوا.

4) لا يغشاه ظلام: لأنّه ليس بجسم، ولا يستضيء بالأنوار، كالأجسام ذوات البصر.

5) لا يرهقه ليل: أي لا يغشاه.

6) ولا يجري عليها نهار: لأنّه ليس بزمانيّ.

ومِنْهَا فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ

أَرْسَلَهُ بِالضّيَاءِ(1)، وَقَدَّمَهُ فِي الاِصْطِفَاءِ، فَرَتَقَ بِهِ الْمَفَاتِقَ (2)، وَسَاوَرَ بِهِ الْمُغَالِبَ (3)، وَذَلَّلَ بِهِ الصُّعُوبَةَ، وَسَهَّلَ بِهِ الْحُزُونَةَ(4)، حَتَّى سَرَّحَ الضَّلَالَ ، عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ .

214 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

214 - ومن كلام له عليه السلام (5)

في صفَةِ الرَّسول وَالْعُلَمَاء

وَأَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ عَدَلَ(6)، وَحَكَمْ فَصَلَ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَسَيَّدُ عِبَادِهِ، كُلَّمَا نَسَخَ اللَّهُ الْخَلْقَ فِرْقَتَيْنِ (7)جَعَلَهُ فِي خَيْرِهِمَا ، لَمْ يُسْهِمْ فِيهِ


1) أرسله بالضياء: أي بالحق أو بالقرآن.

2) الرَئق: سدّ الفَتق ، والمفاتق: مواضع الفَتق، وهي ما كان بين الناس من فساد، وفي مصالحهم من اختلال. «فرتق به المفاتق»: أي أصلح به المفاسد.

3) ساور به المغالب: ساورتُ زيداً أي واثبته.

4) الحزونة: ضدّ السهولة والحزّن: ما غلظ من الأرض. والسّهل: ما لان منها، واستعير للأخلاق وغيرها. أي وثب بالنبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كلّ من يغالب الحق، والمراد - هنا - سهل به خشونة الأخلاق الرديئة والعقائد الفاسدة بتهذيب الطباع، وتنوير العقول حتى سرح به الضلال، أي أبعده عن يمين السالكين نهج الاعتدال وشمالهم، وكأن يريد جانبي الإفراط والتفريط، والإبعاد تجنبهما، ولزوم العدل الوسط.

5) روى الآمدي بعض هذه الخطبة في (الغرر).

6) الضمير في «أنّه» يرجع الى القضاء والقدر المذكور في صدر هذه الخطبة، ولم يذكره الرضيّ.

7) النسخ: النقل، ومنه نسخت الكتاب، ونَسَخَ الخلق: نقلهم بالتناسل عن أصولهم فجعلهم بعد الوحدة في الأصول فِرَقاً. يقول: كلّما قسم الله تعالى الأب الواحد الى ابنين، جعل وأفضلهما لولادة محمد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).

عَاهِرُ (1)، وَلَا ضَرَبَ فِيهِ فَاجِرٌ. أَلَا وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ لِلْخَيْر أَهْلاً، وَلِلْحَقِّ دَعَائِمَ، وَلِلطَّاعَةِ عِصَماً (2)، وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدَ كُلِّ طَاعَةٍ عَوْناً مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ، يَقُولُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ ، وَيُثَبِّتُ بِهِ الْأَفْئِدَةَ فِيهِ كِفَاءُ لِمُكْتَفٍ (3)، وَشِفَاءٌ لِمُشْتَفٍ .

وَاعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ اللهِ الْمُسْتَحْفَظِينَ عِلْمَهُ(4)، يَصُونُونَ مَصُونَهُ، وَيُفَجِّرُونَ عُيُونَهُ يَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلَايَةِ(5)

الموالاة والمُصّافاة.

، وَيَتَلاقَوْنَ بِالْمَحَبَّةِ، وَيَتَسَاقَوْنَ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ (6). وَيَصْدُرُون بِرِيَّةٍ (7)، لَا تَشُوبُهُمُ الرِّيبَةُ(8)، وَلَا تُسْرِعُ فِيهِمُ الْغِيبَةُ (9)، عَلَى ذَلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ (10)، فَعَلَيْهِ يَتَحَابُّونَ (11)وَبِهِ يَتَوَاصَلُونَ ، فَكَانُوا كَتَفَاضُلِ الْبَدْرِ يُنتَقَى (12)،

1) لم يسهم: لم يضرب فيه عاهر بسهم، أي بنصيب، والعاهر: ذو العَهَر، وهو الفجور والزنا، والفاجر كالعاهر ههنا، وأصل الفجور : الميل، وضرب في الشيء: صار له نصيب منه.

2) العِصَم: جمع عِضمة، وهي ما يعتصم به. وعِصَم الطاعات: الإخلاص لله وحده.

3) الكِفاء: الكافي أو الكفية.

4) المستحفَظين - بصيغة اسم المفعول - : الذين أُودعوا العلم ليحفظوه.

5) يتواصلون بالولاية: يتواصلون وهم أولياء، أو يتواصلون بالقلوب لا بالأجسام. والولاية:

6) الزويّة: فعيلة بمعنى فاعلة، أي يروي شرابها من ظمأ التباعد والنفرة بكأس المعرفة والأنس بالله.

7) ربَّة: الواحدة من الري، وهي زوال العطش، يقال من أين ريّتكم ؟ أي من أين ترتوون الماء ؟

8) لا يخالطهم الريب والشك في عقائدهم ولا تسرع الغيبة فيهم بالإفساد لامتناعهم عن الاغتياب وعدم إصغائهم إليه.

9) لا تخالطهم الظِئَة والتهمة، ولا تسرع فيهم الغِيبة، لأنّ أسرار هم مشغولةٌ بالحق على الخلق.

10) الضمير في «عَقَد» يرجع إلى الله تعالى، أي على هذه الصفات عَقَد الخالق تعالى خِلْقَتِهم وخُلقهم، أي أنّه وصل خلقهم الجسماني وأخلاقهم النفسية بهذه الصفات، وأحكم صلتهما بها حتى كأنّهما معقودان بها.

11) أي ليس حبُّهم ومواصلتهم بعضهم بعضاً إلّا فى الله.

12) أي مَثَلُهم مثل الحب الذي يُنتقى للبَذر، يستصلح بعضه، ويسقط بعضه، أي كانوا إذا نسبتهم إلى سائر الناس رأيتهم يفضلونهم ويمتازون عليهم كتفاضل البذر، فإنّ البذر يعتنى بتنقيته ليخلص النبات من الزوان، ويكون النوع صافياً لا يخالطه غيره، وبعد التنقية يؤخذ منه ويلقى في الأرض، فالبذر يكون أفضل الحبوب وأخلصها.

فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُلْقَى، قَدْ مَيَّزَهُ التَّخْلِيصُ (1)، وَهَذَبَهُ التَّمْحِيصُ (2).

فَلْيَقْبَلِ اَمْرُؤٌ كَرَامَةً بِقَبُولِهَا(3)، وَلْيَحْذَرْ قَارِعَةً قَبْلَ حُلُولِهَا(4)، وَلَيَنْظُرِ امْرُؤٌ فِي قَصِيرِ أَيَّامِهِ، وَقَلِيلٍ مُقَامِهِ، فِي مَنْزِلٍ حَتَّى يَسْتَبْدِلَ بِهِ مَنْزِلاً(5)، فَلْيَصْنَعْ لِمُتَحَوَّلِهِ(6)، وَمَعَارِفِ مُنْتَقَلِهِ(7). فَطُوبَى (8)لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ، أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ(9)، وَتَجَنَّبَ مَنْ يُرْدِيهِ (10)، وَأَصَابَ سَبِيلَ السَّلَامَةِ بِبَصَرِ مَنْ بَصَّرَهُ (11)، وَطَاعَةِ هَادٍ أَمَرَهُ، وَبَادَرَ الْهُدَى قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ أَبْوَابُهُ (12)، وَتُقْطَعَ أَسْبَابُهُ، وَاسْتَفْتَحَ التَّوْبَةَ وَأَمَاطَ الْحَرْبَةَ (13)، فَقَدْ أُقِيمَ عَلَى الطَّرِيقِ، وَهُدِيَ نَهْجَ السَّبِيلِ .


1) قد ميّزه التخليص: قد فرق الانتقاء بين جيده ورديئه.

2) التهذيب: التنقية. والتمحيص: الاختبار.

3) الكرامة - هنا - : النصيحة، أي اقبلوا نصيحة لا أبتغي عليها أجراً إلّا قبولها.

4) القارعة: داعية الموت أو القيامة تأتي بغتة، والمراد هنا الموت.

5) «حتى» غاية للقصر والقلّة، فقصير الأيام وما بعده ينتهي باستبدال المنزل بمنزل آخر.

6) فليصنع المتحوّله: أي فليعدُ ما يجب إعداده للموضع الذي يتحوّل إليه، تقول: اصنع لنفسك ، أي اعمل لها.

7) معارف المنتقّل: المواضع التي يعرف الانتقال إليها، يقال: معارف الدّار: أي ما يعرفها المتوسّم بها، مثل معاهد الدار ومعالمه .

8) «طوبی» هي «فُعْلَى» من الطّيب، قلبوا الياء واواً للضمّة قبلها.

9) فأطاع مَنْ يهديه: أي قَبِل مشورة الناصح الأمر له بالمعروف، والناهي له عن المنكر.

10) وتجنّب من يُرديه: أي يُهلكه بإغوائه وتحسين القبيح له.

11) أي باستنارته بإرشاد من أرشده وطاعة الهادي الذي أمره قبل أن تغلق أبواب الهدى بالموت.

12) أي قبل أن يحضره الموت فلا تقبل توبته.

13) الحَوْبة : الإثم، وإماطته: إزالته.

215 - ومن دعاء له عليه السلام

اشارة

215 - ومن دعاء له عليه السلام (1)

كَانَ يَدعُو بِهِ كَثِيراً

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُصْبحْ بِي مَيْناً وَلَا سَقِيماً(2)، وَلَا مَضْرُوباً عَلَى عُرُوقِي بِسُوءٍ (3)، وَلَا مَأْخُوذاً بِأَسْوَإِ عَمَلِي، وَلَا مَقْطُوعاً دَابِرِي(4)، وَلَا مُرْتَدَاً عَنْ دِينِي. وَلَا مُنْكِراً لِرَبِّي ، وَلَا مُسْتَوْحِشاً مِنْ إِيمَانِي(5)، وَلَا مُلْتَبِساً عَقْلِي(6)، وَلَا مُعَذَّباً بِعَذَابِ الْأُمَمِ مِنْ قَبْلِي(7). أَصْبَحْتُ عَبْداً مَمْلُوكاً، ظَالِماً لِنَفْسِي، لَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ وَلَا حُجَّةَ لِي. وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَخُذَ إِلَّا مَا أَعْطَيْتَنِي(8)، وَلَا أَتَّقِيَ إِلَّا مَا وَفَيْتَنِي.

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَفْتَقِرَ فِي غِنَاكَ ، أَوْ أَضِلَّ فِي هُدَاكَ، أَوْ أَصَامَ فِي


1) رواه السيد ابن باقي في (الاختيار).

2) «ميتاً» حال من المجرور» و«أصبح» تامة.

3) «ولا مضروباً على عروقي بسوء» أي ولا أبرَص، والعرب تكنّي عن البرص بالسّوء. وأراد بعروقه أعضاءَه.

4) دابري: أي عقبي ونسلي، والدابر في الأصل: التابع، لأنّه يأتي دُيراً، وكنّى بقطعه عن الدواعي التي من شأنها قطع القوة وإبادة النسل.

5) «ولا مستوحشاً من إيماني»: أي ولا شاكّاً في إيماني، لأنّ من شكّ في عقيدة استوحش منها.

6) «ولا ملتبساً عقلى»: ولا مختلطاً عقلي.

7) عذاب الامم من قبلُ المسخ والزّلزلة والظلمة ونحو ذلك.

8) أي لا أستطيع أن أرزق نفسي أمراً ، ولكنّك الرازق، ولا أدفع عن نفسي محذوراً من المرض والموت إلّا ما دفعته أنت عنّي.

سُلْطَانِكَ، أَوْ أَضْطَهَدَ وَالْأَمْرُ لَكَ !

اللَّهُمَّ اجْعَلْ نَفْسِي أَوَّلَ كَرِيمَةٍ تَنْتَزِعُهَا مِنْ كَرَائِمِي(1)، وَأَوَّلَ وَدِيعَةٍ تَرْتَجِعُهَا مِنْ وَدَائِعِ نِعَمِكَ عِنْدِي! اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَذْهَبَ عَنْ قَوْلِكَ ، أَوْ أَنْ نُفْتَتَنَ عَنْ دِينِكَ (2)، أَوْ تَتَتَابَعَ بِنَا أَهْوَاؤُنَا (3)دُونَ الْهُدَى الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِكَ !

216 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

216 - ومن خطبة له عليه السلام (4)

خَطَبَهَا بِصِفِّينَ

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً بِوِلايَةِ أَمْرِكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ(5)، وَالْحَقُّ أَوْسَعُ الْأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وَأَضْيَقُهَا فِي التَّناصُفِ (6)، لا يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلَّا جَرَى عَلَيْهِ ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلَّا جَرَى لَهُ. وَلَوْ كَانَ


1) هذه الدعوة كدعوة النبيِّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «اللَّهمَّ مَنّعنا بأسماعنا وأبصارنا، واجعله الوارث منّا» أي لا تجعل موتنا متأخراً عن ذهاب حواسّنا. ومن دعاء على بن الحسين: اللَّهمَّ احفَظ عليّ سمعي وبصري، إلى انتهاء أجَلي.

2) تُفتَتَن: نصاب بفتنة تُضِلُّنا عن الدين، وروي «نَفْتَتِنَ» بفتح حرف المضارعة. [كما في نسخة عبده]

3) وروي: أو تتابع [كما في نسخة عبده والصالح]. والتتابع: ركوب الأمر على خلاف الناس، أراد به هنا الإسراع إلى الشرّ واللجاجة.

4) رواها الكليني في ( روضة الكافي) ص 352.

5) الحق الذي له عليهم هو وجوب طاعته، والذي لهم عليه هو وجوب معدلته فيهم.

6) أى أنّ كلّ أحدٍ يصف الحق والعدل، يقول: لو وُليّت لعدلت، فهو بالوصف باللسان وسیع، وبالفعل ضيّق يتسع القول في وصفه، حتى إذا وجب على الإنسان الواصف له، فَرّ من أدائه، ولم ينتصف من نفسه كما ينتصف لها.

لِأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَهُ(1)وَلَا يَجْرِيَ عَلَيْهِ ، لَكَانَ ذَلِكَ خَالِصاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ . لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ ، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلاً مِنْهُ، وَتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ (2). ثُمَّ جَعَلَ - سُبْحَانَهُ - مِن حُقُونِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا (3)، وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَ لَا يُسْتَوْجَبُ بَعضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ (4).

وَأَعْظَمُ مَا أَفْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ ، وَحَقُ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي ، فَرِيضَةً فَرَضَهَا اللهُ - سُبْحَانَهُ - لِكُلٍّ عَلَى كُلِّ ، فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِأُلْفَتِهِمْ، وَعِزّاً لِدِينِهِمْ، فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلَاحٍ الْوُلَاةِ، وَلَا تَصْلُحُ الْوْلَاةُ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ ، فَإِذَا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ، وَأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا ، عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ، وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلَالِهَا السُّنَنُ (5)، فَصَلَحَ بِذلِكَ الزَّمَانُ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ


1) عادَ إلى تقرير الكلام الأول، وهو وجوب الحقّ له وعليه، فيقول: لا يجري الحق لأحدٍ إلّا وجرى عليه، ولا يجري عليه إلّا وجرى له، لا استثناء في ذلك بين الموجودين وإلّا لكان أحقهم بذلك البارئ سبحانه، وتقدير الكلامُ لكنّه يُستحق عليه أمور كالواحد منا، ولكنّه(علیه السّلام) حذف هذا الكلام المقدّر أدباً وإجلالاً لله تعالى.

2) أي ما هو أهله من المزيد.

3) تتكافأ في وجوهها: تتساوى، وهي حقّ الوالي على الرعيّة، وحق الرعيّة على الوالي.

4) حقوق العباد التي يكافيء بعضها بعضاً، ولا يستحق أحد منها شيئاً إلّا بأدائه مكافأة ما يستحقه، هي من حقوقه تعالى أيضاً.

5) اذلال الطريق: جمع ذِلُ - بكسر الذال - : مجراه ووسطه. و«جرت أمور الله أذلالها، وعلى أذلالها»: أي وجوهها. والسُنن: جمع سُنّة.

الْأَعْدَاءِ. وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا، أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ(1)، اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ، وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ، وَكَثُرَ الْإِدْغَالُ فِي الدِّينِ (2)، وَتُرِكَتْ مَحَاجُ السُّنَنِ (3)، فَعُمِلَ بِالْهَوَى، وَعُطِّلَتِ الْأَحْكَامُ، وَكَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ(4)، فَلَا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيم حِقٌّ عُطِّل(5)، وَلَا لِعَظِيم بَاطِلِ فُعِلَ، فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ، وَتَعِزُّ الْأَشْرَارُ، وَتَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعِبَادِ. فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ، وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ ، فَلَيْسَ أَحَدٌ - وَإِنْ أَشْتَدَّ عَلَى رِضَا اللَّهِ حِرْصُهُ، وَطَالَ فِي الْعَمَلِ أَجْتِهَادُهُ - بِبَالِغ حَقِيقَةَ مَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنْ الطَّاعَةِ لَهُ. وَلَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللهِ سُبْحَانَهُ عَلَى عِبَادِهِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغ جُهْدِهِمْ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ بَيْنَهُمْ، وَلَيْسَ أَمْرُٶٌ - وَإِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ - بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ مِنْ حَقَّهِ(6)، وَ لَا أَمْرُؤٌ - وَإِنْ صَغَرَتْهُ

النُّفُوسُ ، وَاقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ (7)- بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ(8)، أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ

فَأَجَابَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجَلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِكَلامٍ طَوِيلٍ يُكْثِرُ فِيهِ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَيَذْكُرُ سَمْعَهُ وَطَاعَتَهُ لَهُ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:


1) أجحف الوالى برعيته: ظلمهم.

2) الإدغال في الأمر: إدخال ما يفسده فيه.

3) محاجُ السُّنن: جمع مَحَجَة، وهي جادّة الطريق وأوسطها.

4) كثرت عِلل النفوس: أي تعللّها بالباطل.

5) «لا يُستُوحَشُ لعظيم»: أي إذا عطل الحق لا تأخذ النفوس وحشة أو استغراب لتعوّدها على تعطيل الحقوق وأفعال الباطل.

6) «بفِوّق أن يُعان ...»: أي بأعلى من أن يحتاج إلى الإعانة، أي يستغني عن المساعدة.

7) اقتحمته العيون: احتقرته واز درته وازدرته.

8) بدون أن يعين: أي أعجز أن يساعد غيره.

إِنَّ مِنْ حَقٌّ مِن عَظُمَ جَلَالُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي نَفْسِهِ، وَجَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ ، أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ - لِعِظَمِ ذَلِكَ - كُلُّ مَا سِوَاهُ(1)، وَإِنَّ أَحَقُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ(2)، وَلَطْفُ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَى أَحَدٍ، إِلَّا أَزْدَادَ حَقٌّ الله عَلَيْهِ عِظَماً .

وَإِنَّ مِنْ أَسْخَفِ حَالَاتِ الْوُلَاةِ عِنْدَ صَالِحٍ النَّاسِ، أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ (3). وَيُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْكِبْرِ. وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنّكُمْ أَنِّي أُحبُّ الإطرَاءَ، وَاسْتَمَاعَ الثَّنَاءِ(4)، وَلَسْتُ - بِحَمْدِاللهِ - كَذَلِكَ ، وَلَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذلِكَ لَتَرَكْتُهُ أنْحِطَاطًا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ .

وَرُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلاءِ (5)، فَلَا تُقْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءٍ ، لإِخْرَاجِي(6)


1) «كلّ» فاعل «يصغر»، أي يصغر عنده كلّ ما سوى الله لعظم ذلك الجلال الإلهي ، وهذا مقام جليل من مقامات العارفين، وهو استحفار كلّ ما سوى الله تعالى.

2) وأحقّ المعظمين لله بتصغير ما سواه هو الذي عظمت نعمة الله عليه.

3) أصل السخف: رقة العقل وغيره، أي ضعفه، والمراد أدنى حالة للولاة أن يظن بهم الصالحون أنّهم يحبّون ويبنون أمورهم على أساس الكبر.

4) كره الإمام أن يخطر ببال قومه كونه يحب الإطراء، أي المبالغة فى الثناء عليه، فإنّ حقّ الثناء لله وحده فهو ربّ العظمة والكبرياء.

5) يقول(علیه السّلام) : إنّ مَن يكره الإطراء والثناء، قد يحب ذلك بعد البلاء والاختبار، ولو فرضنا أنّ ذلك سائغ، لم يجز لكم أن تثنوا عليّ فى وجهي ولا جاز لي أن أسمعه منكم والبَلاء - هنا - : إجهاد النفس في إحسان العمل.

6) «الإخراجي» متعلق ب-«تثنوا». [وفي نسخة عبده والصالح: التّقية] والتّقيّة: الخوف، والمراد لازمه، وهو العقاب. و«من» متعلق ب-«إخراجي»، أي: إذا أخرجت نفسي من عقاب الله في حقّ من الحقوق، أو قضاء فريضة من الفرائض، فلا تثنوا عليّ لذلك فإنّما وقيت نفسي، وعملت لسعادتي، على أنّي ما أديت الواجب عليّ في ذلك، وما أجزل هذا القول وأجمعه.

نَفْسِي إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَإِلَيْكُمْ مِنَ الْبَقِيَّةِ فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفَرُغْ مِنْ أَدَائِهَا(1). وَفَرَائِضَ لَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا، فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ(2)، وَلَا تَتَحَفَظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَقَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَ لَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ(3)وَلَا تَظُنُّوا اسْتِثْقَالاً فِي حَقٌّ قِيلَ لِي ، وَلَا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ، أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ، فَلَا تَكْفُوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقِّ، أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ، وَلَا آمَنُ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي ، إِلَّا أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بَهِ مِنِّي(4)، فَإِنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبِّ وَلَا رَبَّ غَيْرُهُ؛ يَمْلِكُ مِنَّا مَا لاَ نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا ، وَأَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى(5)، وَأَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى.


1) أي أنّه قد بقيت عليّ بقيّة لم أفرُغ من ادائها، وإذا لم يتمّ البلاء الذي فرضنا أنّ الثناء يحسن بعده، لم يحسن الثناء.

2) ينهاهم عن مخاطبتهم له بألقاب العظمة كما يلقّبون الجبابرة، وعن التحفظ منه بالتزام الذلة والموافقة على الرأي صواباً أو خطأ كما يفعل مع أهل البادرة، أي الغضب.

3) المُصّانعة: المُداراة، وصانعه إذا أتى ما يرضيه وإن كان غير راض عنه. يقول(علیه السّلام) : لا تصانعوني ما بالمدح والإطراء عن عمل الحق.

4) يقول لا أمن من الخطأ في أفعالي إلّا إذا كان يسّر الله لنفسي فعلاً هو أشدّ ملكاً له مني فقد كفاني الله ذلك الفعل فأكون على أمن من الخطأ فيه.

5) ليس هذا إشارة إلى خاصّ نفسه(علیه السّلام) ، لأنّه لم يكن كافراً فأسلم، ولكنّه يشير إلى القوم الذين يخاطبهم.

217 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

217 - ومن كلام له عليه السلام (1)

فِي التَّظَلُّمِ مِنْ قُرَيْشٍ

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ(2)عَلَى قُرَيْشٍ وَمَنْ أَعَانَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي(3)، وَأَكْفَلُوا إِنَائِي (4)، وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقّاً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِي، وَقَالُوا : أَلَا إِنَّ فِى الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ. وَفِي الْحَقِّ أَنْ تُمْنَعَهُ(5)، فَأَصْبِرْ مَغْمُوماً ، أَوْ مُتْ مُتَأَسَفاً. فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدُ(6)، وَلَا ذَابُ (7)وَلَا مُسَاعِدٌ، إِلَّا أَهْلَ بَيْتِي. فَضَنَنْتُ (8)بِهِمْ عَنِ الْمَنِيَّةِ، فَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى(9)، وَجَرِعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجَا(10)، وَصَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَمِ، وَآلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ وَخْزِ الشِّفَارِ (11).


1) رواه الكليني في كتاب الرسائل من (الكافي).

2) أستعديك: أستعينك، والعدوى طلبك إلى والٍ ليُعدِيك على مَن۫ ظلمك، أي ينتقم لك منه.

3) قعطوا رحمي: قطعوا قرابتي، أي أجرؤني مجرى الأجانب، ويجوز أن يُريد أنّهم عدوّني كالأجنبيّ من رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ويجوز أن يريد أنّهم جعلوني كالأجنبيّ منهم؛ لا ينصرونه، ولا يقومون بأمره.

4) أكفأوا إنائي: قلبوه وكبّوه، والمعنى أضيعت حقوقه.

5) أي لو وليت أنت كانت ولا يتك حقّاً، وإن وُلي غيرُك كانت ولايته حقّاً. وروي «نأخذه» بالنون.

6) الرافد: المُعين.

7) الذابُ: الناصر والمدافع.

8) ضننت بهم : أي بخلت بهم.

9) القذى: ما يقع في العين، وأغضيت على كذا: صَبرت.

10) الشجا: ما يعترض في الحلق من عظم ونحوه، يريد به غصة الحزن.

11) الوخز: الطعن الخفيف، وروى: «من حزّ الشِفار» [كما في نسخة عبده] والحزُ: القطع، والشِّفار : جمع شفرة، وهي حدّ السيف والسكّين.

قَالَ الرَّضِيّ رَحِمَهُ اللهُ : وَقَدْ مَضَى هَذَا الْكَلَامُ فِي أَثْنَاءِ خُطْبَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ ، إِلَّا أَنِّى ذَكَرْتُهُ هَا هُنَا لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ.

218 - ومن كلام له عليه السلام

في ذِكْرِ السَّائِرِينَ إِلَى الْبَصْرَةِ لِحَرْبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ

فَقَدِمُوا عَلَى عُمَّالِي وَخُزَانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي فِي يَدَيَّ، وَعَلَى أَهْلِ مِصْرٍ، كُلّهُمْ فِي طَاعَتِي وَعَلَى بَيْعَتِي، فَشَتَتُوا كَلِمَتَهُمْ، وَأفْسَدُوا عَلَيَّ جَمَاعَتَهُمْ، وَوَثَبُوا عَلَى شِيعَتِي، فَقَتَلُوا طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَدْراً؛ وَطَائِفَةٌ عَضُّوا عَلَى أَسْيَافِهِمْ(1)، فَضَارَبُوا بِهَا حَتَّى لَقُوا اللهَ صَادِقِينَ.

219 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

219 - ومن كلام له عليه السلام (2)

لَمَّا مَرَّ بِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِاللَّهِ وَعَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ أُسيد وَهُمَا قَتِيلَانِ يَوْمَ الْجَمَلِ

لَمَّا مَرَّ بِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِاللَّهِ وَعَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ أُسيد(3)وَهُمَا قَتِيلَانِ يَوْمَ الْجَمَلِ

لَقَدْ أَصْبَحَ أَبُو مُحَمَّدٍ بِهَذَا الْمَكَانِ غَرِيباً! أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ قُرَيْشٍ


1) «وطائفةٌ عَضّوا على أسيافهم» كناية عن الصَّبر في الحرب وترك الاستسلام. وروي : «وطائفةٌ» بالرفع [كما في نسخة عبده والصالح] ، والتقدير: ومنهم طائفة. والعضّ على السيوف: مجاز عن ملازمة العمل بها.

2) رواه الأصفهاني في (الأغاني) ج 1 ص 246، والمبرد في (الكامل) ج 1 ص 126.

3) عبدالرحمن بن عتّاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس، تابعي، وليس بصحابي، أبوه من مُسلمة الفتح، ولما خرج رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من مكة إلى حُنَين، استعمله عليها، فلم يزل أميرها حتى قُبض رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .

قَتْلَى تَحْتَ بُطُونِ الْكَوَاكِبِ ! أَدْرَكْتُ وَتْرِي مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ(1)، وَأَفْلَتَتْنِي أَعْيَانُ بَنِي جُمَحٍ(2)، لَقَدْ أَتْلَعُوا أَعْنَاقَهُمْ إِلَى أَمْرٍ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَهُ(3)فَوْقِصُوا دُونَهُ.

220 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

220 - ومن كلام له عليه السلام (4)

في وَصْفِ السَّالِكِ إلى اللهِ تَعَالَى

قَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ(5)، وَأَمَاتَ نَفْسَهُ، حَتَّى دَقَ جَلِيلُهُ (6)، وَلَطْفَ غَلِيظُهُ (7)، وَبَرَقَ لَهُ


1) الوِتر: الثأر. وقد قال القطب الراوندي في شرح نهج البلاغة: «يعني طلحة والزبير، كانا من عبد مناف» [وكذلك قال عبده في شرحه للعبارة] وهذا غلط قبيح، لأنّ طحة من تَي۫م بن مرّة، والزبير من أسد بن عبد العزّى بن قصي، وليس أحد منهما من بني عبد مناف، وولد عبد مناف أربعة : هاشم وعبد شمس ونوفل وعبدالمطلب، فكلّ مَنْ لم يكن من ولد هؤلاء الأربعة فليس من ولد عبد مناف.

2) أفلته الشيء : خلص منه فجأة. وجُمَح: قبيلة عربية كان من أعيانها - أي عظمائها وساداتها . ورؤسائها - جماعة مع أم المؤمنين في واقعة الجمل ولم يصبهم ما أصاب غيرهم. ومن هذه القبيلة صفوان بن أمية بن خلف واسمه عبدالله، وعبدالرحمن بن صفوان [و أثبت ابن أبي الحديد في المتن]: «وأفلتتني أعيارُ بني جُمَح» والأعيار: الحمير وكان من بني جمح يوم الجمل جماعة هربوا، ولم يقتل منهم إلّا اثنان هما: عبدالرحمن بن وهب بن أسيد، وعبدالله بن ربيعة بن درّاج.

3) أتلعوا أعناقهم: رفعوها، ورجل أتلع: طويل العنق. والضمير يرجع إلى قريش. ومعنى كلامه: رفعوا أعناقهم ومدوها لتناول أمر: وهو مناوأة أميرالمؤمنين على الخلافة، فوقِصوا - أي كسرت أعناقهم - دون الوصول إليه، وقِصَ الرّجل، إذا اندقّت عنقه.

4) رواه الآمدي في (غرره) ص 233 .

5) يصف العارفُ بأنّه قد أحيا قلبه بمعرفة الحقّ سبحانه، وأمات نفسه بالمجاهدة، وإحياء العقل بالعلم والفكر والنفوذ في الأسرار الإلهية. وإماتة النفس بكفّها عن شهواتها.

6) الجليل: العظيم. ودقّ: أي صغر حتى خفي أو كاد أي حتى نَحَل بدنُه الكثيف.

7) لطف غليظُه : تلطّفت أخلاقه وصفت نفسه.

لَامِعُ كَثِيرُ الْبَرْقِ(1)، فَأَبَانَ لَهُ الطَّرِيقَ، وَسَلَكَ بِهِ السَّبِيلَ، وَتَدَافَعَتْهُ الْأَبْوَابُ(2)إِلَى بَابِ السَّلَامَةِ، وَدَارِ الْإِقَامَةِ، وَثَبَتَتْ رِجْلَاهُ بِطُمَأْنِينَةِ بَدَنِهِ فِي قَرَارِ الْأَمْنِ وَالرَّاحَةِ، بِمَا أَسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ، وَأَرْضَى رَبَّهُ (3).

221 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

221 - ومن كلام له عليه السلام (4)

قَالَهُ بَعْدَ تِلاوَتِهِ: «أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ »

قَالَهُ بَعْدَ تِلاوَتِهِ: «أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ » (5)

يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ(6)وَزَوْراً مَا أَغْفَلَهُ(7)! وَخَطَراً مَا أَفْظَعَهُ(8)! لَقَدِ اسْتَخْلَوْا


1) بروق اللامع من نور المقام الإلهي يوضّح طريق السعادة.

2) لا يزال السالك ينتقل من مقام عرفان وفضل إلى مقام آخر من مقامات الكمال، وهذا هو التدافع من باب إلى باب حتى يصل إلى أعلى ما يمكن له، وهناك سعادته ومقر نعيمه الأبدي.

3) أي كانت الراحة الكليّة والسعادة الأبديّة مستثمرة من ذلك التعب الذي تحمله.

4) رواه ابن شاكر الليثي في كتاب (عبون الحكم والمواعظ ).

5) اختلف المفسرون في تأويل هاتين الآيتين، فقال قوم: المعنى أنكم قطعتم أيام عمركم في التكاثر بالأموال والأولاد، حتى أتاكم الموت، فكنّى عن حلول الموت بهم بزيارة المقابر. وقال قوم: بل كانوا يتفاخرون بأنفسهم، ثم تفاخروا بأسلافهم الأموات، وهذا هو التفسير الذي يدلُّ عليه كلام أميرالمؤمنين(علیه السّلام) . وألهاه عن الشيء: صرفه عنه باللهو. أي صرفكم عن الله اللهوُ بمكاثرة بعضكم لبعض وتعديد كلّ منكم مزايا أسلافه حتى بعد زيارتكم المقابر.

6) «ما أبعده!» أى لا فخر في ذلك، وإنّما الفخر بتقوى الله وطاعته، والمرام: الطلب بمعنى المطلوب.

7) «وزوراً ما أغفله!» إشارة إلى المتفاخرين، جعلهم كالزائرين لقبورهم. الزَّور - بالفتح - : الزائرون وهم يرومون نيل الشرف بمن تقدمهم وتلك غفلة، فإنّما ينالون الشرف بما يكون من موجباته في ذواتهم فما أبعد ما يرومون بغفلتهم. والزَّوْر اسم للواحد والجمع كالصّيف.

8) «وخطراً ما أفضعه!» إشارة إلى الموت أي: ما أشدّه!.

منْهُمْ أَيَّ مُدَّكِرٍ (1)

ويمكن أن يكون معنى اسْتَخْلَوهم أي وجدوهم خالين. والمُدَّكر : مصدر ميمي من الادکار،بمعنی اعتبار، أي أخلوا أسلافهم من الاعتبار، ثم قلب المعنى في عبارة الإمام فكان أخلوا الادكار من آبائهم مبالغة في تقريعهم حيث أخلوهم منه وهو محيط بهم، و«أيّ» صفة لمحذوف نقديره مدكراً.

وَتَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (2).

أَفَبِمَصَارِعَ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ! أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلْكَى يَتَكَاثَرُونَ يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ (3)، وَحَرَكَاتٍ سَكَنَتْ، وَلَأَنْ يَكُونُوا عِبَراً أَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونُو مُفْتَخَراً، وَلَأَنْ يَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ(4)أَحْجَى مِن أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ(5).

لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصَارِ الْعَشْوَةِ(6)، وَضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرةٍ جَهَالَةٍ(7)، وَلَوِ أَسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْكَ الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ(8)، وَالرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ ، لَقَالَتْ : ذَهَبُوا


1) أراد(علیه السّلام) ب-«استخلّوا» ذكر من خلا من آبائهم، أي من مضى؛ يقال: هذا الأمر من الأمور الخالية، وهذا القرن من القرون الخالية، أي الماضية، واستخلى في حديثه، أى حدّث عن أمور خالية. والمعنى أنّه استعظم ما يوجبه حديثُهم عما خلا وعمّن خلا من أسلافهم وآثارهم من التذكير، فقال: أيّ مدكر وواعظ في ذلك! وروي: أي مذكّر بمعنى المصدر، كالمعتقد بمعنى الاعتقاد .

2) تَنَاوَشُوهم: تناولوهم بالمفاخرة من مكان بعيد عنها، والمراد ذكروهم وتحدثوا عنهم، فكأنّهم تناولوهم.

3) «يرتجعون منهم أجساداً»: أي يذكرون آباءهم، فكأنّهم ردّوهم إلى الدنيا. وخَوَت: خَلَت وسقط بناؤها وخلت من أرواحها .

4) الجناب: الفِناء.

5) أحْجَى: أقرب للحجى، أي العقل، فإنّ موت الآباء دليل الفَناء، ومَن۫ عاقبته فناء فكيف يفتخر ؟!

6) أي لم ينظروا النظر المفضي إلى الرؤية، لأنّ أبصارهم ذات عَش۫وة، وهو مرض يصيب العين ينقص به الإبصار.

7) «وضربوا بهم في غَمْرة جهالة»: أي وضربوا من ذكر هؤلاء الموتى في بحر جهلٍ، والضرب هنا استعارة، أو يكون من الضرب بمعنى السير.

8) الربوع: المساكن ، ويمكن أن يريد بالديار والربوع القبورَ. والخاوية: المنهدمة.

فِي الْأَرْضِ ضَلالاً(1)، وَذَهَبْتُمْ فِي أَعْقَابِهِمْ جُهَّال (2)، تَطَأُونَ فِي هَامِهِمْ(3)، وَتَسْتَنْبِتُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ(4)، وَتَرْتَعُونَ فِيمَا لَفَظُوا(5)الصديد: القيح المختلط بالدم. (6)، وَتَسْكُنُونَ فِيمَا خَرَّبُوا (7)، وَإِنَّمَا الْأَيَّامُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ بَوَاكٍ وَنَوَائِحُ عَلَيْكُمْ(8). أُولَئِكُمْ سَلَفُ غَايَتِكُمْ (9). وَفُرَّاطُ مَنَاهِلِكُم (10)، الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ الْعِزَّ(11)، وَحَلَبَاتُ الْفَخْرِ (12)مُلُوكاً


1) الضُّلال - كعشّاق - : جمع ضالُ، ضُلالاً: أي هالكين. ومنه قوله تعالى: «وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ » [السجدة: 10).

2) «وذهبتهم في أعقابهم» أي بعدهم «جهالاً»، لغفلتكم وغروركم.

3) هام: جمع هامة، أعلى الرأس.

4) «تستنبتون في أجسادهم»: أي تزرعون النبات في أجسادهم، وروي: «تستثبتون»، بالثاء [كما في نسخة عبده] أي تحاولون إثبات ما تثبتون من الأعمدة والأوتاد والجدران في أجسادهم لذهابها تراباً وامتزاجها بالأرض التى تقيمون فيها ما تقيمون.

5) «وترتعون فيما لفظوا»: لفُظتُ الشيءُ: رميتُه من فمي، ويجوز أن يريد به أنّكم تأكلون ما خلّفوه وتركوه، أو يريد أنّكم تأكلون ما ينبت في أجزاء ترابيّة خالطها الصديد

6) الجاري من أفواههم.

7) أي وتسكنون في المساكن التي لم يعمروها بالذكر والعبادة، أو يريد أنّهم فارقوها وأخلوّها، فأطلق على الخلو والفراغ لفظ «الخراب» مجازاً.

8) بَواكٍ: جمع باكية. ونوائح: جمع نائحة . يريد أنّ الأيّام والليالى تشيّع رائحاً إلى المقابر وتبكي وتنوح على الباقين الذين سيلتحقون بهم عن قريب، وبكاء الأيّام على السابقين واللاحقين حفظها لما يكون من مصابهم.

9) السلف: المتقدمون. والغاية: الحدّ الذي يُنتهى إليه، وهو الموت.

10) الفَرط والفُرُاط: جمع فارط، القوم يسبقون الحَيّ إلى المنهل. والمناهل: مواضع ما تشرب الشاربة من النهر مثلاً.

11) مَقاوِم العزّ: دعائمه، جمع مِقوَم، وأصلها الخشبة التي يمسكها الحرّاث.

12) حلبات الفخر: جمع حلبة، وهي الدفعة من الخيل تجمع للسباق، أو هي الخيل تجتمع للنصرة من كل أوب.

وَسُوَقا(1). سَلَكُوا فِي بُطُونِ الْبَرْزَخ (2)سَبِيلاً سُلْطَتِ الْأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ ، فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ، وَشَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لا يَنْمُونَ (3)، وَضِمَاراً لَا يُوجَدُونَ(4)لَا يُفْزِعُهُمْ وُرُودُ الْأَهْوَالِ، وَلَا يَحْزُنُهُمْ تَنَكُرُ الْأَحْوَالِ، وَلَا يَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفِ(5)وَلَا يَأْذَنُونَ لِلْقَوَاصِفِ (6). غُيَّباً لَا يُنْتَظَرُونَ. وَشُهُوداً لَا يَحْضُرُونَ(7)، وَإِنَّمَا كَانُوا جَمِيعاً فَتَشَتَّتُوا، وَأَلَافاً فَأَفْتَرَقُوا(8)، وَ مَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ، وَلَا بُعْدِ مَحَلِّهِمْ، عَمِيَتْ أَخْبَارُهُمْ، وَصَمَّتْ دِيَارُهُمْ(9)، وَلَكِنَّهُمْ سُقُوا كَأْساً (10)بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً ، وَبِالسَّمْعِ صَمَماً، وَبِالْحَرَكَاتِ سُكُوناً، فَكَأَنَّهُمْ


1) السُّوق: جمع سُوقة، أي الرعيّة.

2) البرزخ: الحاجز بين شيئين، والبرزخ ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث، فيجوز أن يريد به القبر، أو يريد به الوقت بين حال الموت إلى حال النشور، والأول أقرب إلى مراده.

3) الفَجَوات: جمع فجوة، وهي الفرجة، والمراد منها شقّ القبر. ولا يَنْمُون: من النمو وهو الزيادة من الغذاء، ويروى: «ولا ينِمُون» من النميمة، وهي الهمس والحركة.

4) ضِماراً: يقال لكلّ ما لا يُرجى من الدِّين والوعد، وكلّ ما لا تكون منه على ثقة: ضِمار.

5) لا يَحفِلون - بكسر الفاء - : لا يبالون. والرواجِف: جمع راجفة، الزلزلة توجب الاضطراب، أي لا يكترثون بالزلازل.

6) «ولا يأذنون للقواصف»: أي لا يسمعون الأصوات الشديدة. يأذَنُون: يستمعون. والمصدر منه الأذّن بالتحريك.

7) جمع الغائب غُيّب وغَيّب، وكلاهما مرويُّ ههنا، أراد أنّهم شهود في الصورة، وغير حاضرين في المعنى.

8) أَلاقاً - على فُعّال - : جمع آلِف؛ كالطُّراق جمع طارِق، والكُفّار جمع كافِر. ويروى: آلافاً [كما في نسخة عبده والصالح]: جمع أليف، أي مؤتلف مع غيره.

9) صَمَ يَصُمّ - بالفتح فيهما -: خرس عن الكلام، وخرس الديار: عدم صعود الصوت من سكانها.

10) يريد كأس المنون

فِي أَرْتِجَالِ الصِّفَةِ صَرْعَى سُبَاتٍ (1). جِيرَانٌ لَا يَتَأَنسُّونَ، وَأَحِبَّاءُ لَا يَتَزَاوَرُونَ.

بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ عُرَى التَّعَارُفِ (2)، وَأَنْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ الْإِخَاءِ، فَكُلُّهُمْ وَحِيدُ وَهُمْ جَمِيعُ(3)، وَبِجَانِبِ الْهَجْرِ وَهُمْ أَخِلَّاءُ (4). لَا يَتَعَارَفُونَ لِلَيْلٍ صَبَاحاً، وَلَا لِنَهَارٍ مَسَاءٌ. أَيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً (5)،شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارِ دَارِهِم أَفْظَعَ مِمَّا خَافُوا، وَرَأَوْا مِنْ آيَاتِهَا أَعْظمَ مِمَّا قَدَّرُوا(6)، فَكِلْتَا الْغَايَتَيْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إِلَى مَبَاءَةٍ (7)فَاتَتْ مَبَالِغَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ. فَلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا لَعيُّوا (8)بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَمَا عَايَنُوا. وَلَئِنْ عَمِيَتْ آثَارُهُمْ وَأَنْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ، لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ أَبْصَارُ الْعِبَرِ (9)، وَسَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ الْعُقُولِ، وَتَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ جِهَاتِ النُّطْقِ،


1) ارتجال الصفة: وصف الحال بلا تأمّل، فالواصف لهم بأول النظر يظنّهم صرعوا من السُّبات، أي النوم. وصرعى : جمع صريع، أي هالك.

2) العُرى: جمع عروة، وهي مُقبِض الدلو والكوز مثلاً، وبليت: رئت وفنيت، والمراد زوال نسبة التعارف بينهم.

3) كلّ واحدٍ منهم موصوف بالوحدة، وهم مع ذلك مجتمعون.

4) أي وكلّ واحد منهم في جانب الهجر وهم مع ذلك أهل خُلّة ومودة، أي كانوا كذلك.

5) الجديدان: الليل والنهار، فإن ذهبوا في نهار فلا يعرفون له ليلاً أو في ليل فلا يعرفون له نهاراً .

6) قوله(علیه السّلام) : «شاهدوا من أخطار دارهم» المعنى أنّه شاهَدَ المتقون من آثار الرحمة وأماراتها، وشاهَدَ المجرمون من آثار النقمة وأماراتها عند الموت، والحصول في القبر أعظم مما كانوا يسمعون في الدنيا.

7) الغايتان: غابة الشقيّ منهم وغاية السعيد، وهما النار والجنة. والمَبَاءة: مكان التبوّء والاستقرار، والمراد منها ما يرجعون إليه في الآخرة، وقد مدت الغاية: أي أخّرت عنه في الدنيا إلى مرجع يفوق في سعادته أو شقائه كلّ غاية سما إليها الخوف والرجاء.

8) عيّوا: عجزوا.

9) رجعت فيهم أبصار العبر: نظرت إليهم بعد الموت نظرة ثانية، والعِبَر: جمع عبرة، وهي ما يُعتبر به، ويُتخذ موعظة.

فَقَالُوا: كَلَحَتِ الْوجُوهُ النَّوَاضِرُ(1)وَخَوَتِ الْأَجْسَادُ النَّوَاعِمُ (2)، وَلَبِسْنَا أَهْدَامَ الْبِلَى (3)، وَتَكَاءَ دَنَا ضِيقُ الْمَضْجَعِ(4)، وَتَوَارَثْنَا الْوَحْشَةَ(5)، وَتَهَدَّمَتْ عَلَيْنَا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ(6)، فَأَنْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا ، وَتَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا، وَطَالَتْ فِي مَسَاكِنِ الْوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا ؛ وَلَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجاً، وَلَا مِنْ ضِيقٍ مُتَسَعاً.

فَلَوْ مَثَلْتَهُمْ بِعَقْلِكَ ، أَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ الْغِطَاءِ لَكَ ، وَقَدِ ارْتَسَخَتْ (7)أَسْمَاعُهُمْ بِالْهَوَامِّ فَاسْتَكَّتْ(8)، وَاكْتَحَلَتْ أَبْصَارُهُمْ بِالتُّرَابِ فَخَسَفَتْ(9)، وتَقَطَّعَتِ الأَلْسِنَةُ فِي أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلَاقَتِهَا (10)، وَهَمَدَتِ (11)الْقُلُوبُ فِي صُدُورِهِمْ بَعْدَ يَقَظَتِهَا.


1) كَلَحت الوجوه كُلُوحاً، وهو تكشّر في عُبوس، والنواصِر: النواعم الحسنة البواسم.

2) «وخوت الأجسادُ النواعِم»: خلت من دمِها ورطوبتها وحشوتها، أو سقطت وتهدّمت بنيتها وتفرّقت أعضاؤها.

3) الأهدام: جمعُ هِدّم، وهو الثوب البالي أو المرقع.

4) تكاء دَنا: شقّ علينا.

5) توارثنا الوحشة: كأنّه لمّا مات الأب فاستوحش أهله منه، ثم مات الابن فاستوحش منه أهله أيضاً، صار كأنّ الابن ورث تلك الوحشة من أبيه كما تورث الأموال.

6) تهدّمت علينا الربوع: يقال: تهدّم فلانٌ غضباً، إذا اشتدّ غضبه، ويجوز أن يكون تهدّمت أي تساقطت. وروي: «و تهکّمت» بالكاف [كما أثبتها عبده والصالح في المتن] وهي كقولك: «تهدّمت» بالتفسيرين جميعاً. والرُبُوع: أماكن الإقامة. ويعني بالربوع الصموت، القبور لأنّها لا نطق فيها.

7) ارتسخ: مبالغة في «رسخ»، ورسخ الغدير : نش ماؤه، أي أخذ في النقصان ونضب، أي نضب مستودع قوة السماع، وذهبت مادته بامتصاص الهوام، وهي الديدان هنا.

8) استكّت: أي ضاقت وانسدّت، واستكّت الأذن صمّت.

9) خسفت: أي غارت وذهبت في الرأس، وخَسَفَ عينَ فلانٍ .فقأها

10) ذلاقة الألسن: حدّتها في النطق.

11) هَمَدت: سكنت وحمدت

وَعَاتَ (1)فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ جَدِيدُ بِليَّ (2)سَمَّجَها (3)، وَسَهَّلَ طُرُقَ الْآفَةِ إِلَيْهَا(4)مُسْتَسْلِمَاتٍ (5)فَلَا أَيْدٍ تَدْفَعُ، وَلَا قُلُوبٌ تَجْزَعُ، لَرَأَيْتَ أَشْجَانَ قُلُوب (6)، وَأَقْذَاءَ عُيُونٍ (7)، لَهُمْ فِي كُلِّ فَظَاعَةٍ صِفَةٌ حَالٍ لَا تَنْتَقِلُ(8)، وَغَمْرَةٌ لَا تِنْجَلِي (9). فَكَمْ أَكَلَتِ الْأَرْضُ مِنْ عَزِيزِ جَسَدٍ (10)، وَأَنِيقِ لَوْنِ (11)، كَانَ فِي الدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفٍ (12)وَرَبِيبَ شَرَفٍ (13)يَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ فِي سَاعَةِ حُزْنِهِ (14)، وَيَفْزَعُ إِلَى السَّلْوَةِ(15)إِنْ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ، ضَنّاً بِغَضَارَةِ عَيْشِهِ (16)، وَشَحَاحَةً (17)بِلَهْوِهِ وَلَعِبِهِ! فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إِلَى


1) عاث: أفسد.

2) البِلى: التحلل والفناء.

3) سمّج الصورة تسميجاً: قبّحها، أي أفسد الفناء في كلّ عضو منهم فقبحه.

4) «وسهّل طرق الآفة إليها» وذلك أنّه إذا استولى العنصر الترابيّ على الأعضاء قوي استعدادها للاستحالة من صورتها الأولى إلى غيرها.

5) مستسلمات: أي منقادة طائعة غير عاصية.

6) أشجان القلوب: همومها، والأشجان: جمع شَجَن، وهو الحزن، و«الرأيت»: جواب «لو مثّلتهم».

7) الأقذاء: جمع قَذىً، وهو ما يسقط في العين فيؤذيها.

8) أي لا تنتقل الى حسن وصلاح.

9) الغَمْرة: الشدّة.

10) رجل عزيز: أي حدث، وعزيز الجسد، أي طريّ.

11) أنيق اللون: معجب اللون رائق الحسن.

12) غذيٌّ تَرَف: قد غُذِي بالترف، وهو التنعم المطفي، والغَذِىّ: اسم بمعنى المفعول أي مغذّى بالنعيم.

13) ربيب شَرَف: أي قد رُبّي في الشرف، والربيب: بمعنى المربى، ربَّه يربّه أي ربّاه.

14) يتشاغل بأسباب السرور ليتلهَى بها عن حزنه.

15) ويفزع الى السّلوة يلتجئ إليها، والسلوة: انصراف النفس عن الألم بتخيل اللذة.

16) ضَناً : أي بخلاً. وغضارة العيش: نعيمه ولينه وطيبه.

17) شحاحة: بخلاً.

الدُّنْيَا وَتَضْحَكُ إِلَيْهِ(1)، فِي ظِلٍّ عَيْشٍ غَفُولٍ (2)

ووصف العيش بالغفلة لأنّه إذا كان هنيئاً يوجبها.

، إِذْ وَطِئَ الدَّهْرُ حَسَكَهُ (3). ونَقَضَتِ الْأَيَّامُ قُوَاهُ(4)، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ الْحُتُوفُ مِنْ كَثبٍ(5)، فَخَالَطَهُ بَثَّ (6)لَا يَعْرِفُهُ، وَنَجِيُّ هَمِّ مَا كَانَ يَجِدُهُ(7)، وَتَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِلَلِ(8)، آنَسَ مَا كَانَ بِصِحَتِهِ (9)، فَفَزِعَ إِلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ الْأَطِبَّاءُ مِنْ تَسْكِينِ الْحَارُ بِالْقَارٌ (10)، وَتَحْرِيكِ الْبَارِدِ بِالْحَارِّ ، فَلَمْ يُطْفِيُّ بِبَارِدٍ إِلَّا ثَوَّرَ حَرَارَةً ، وَلَا حَرَّكَ بِحَارٌّ إِلَّا هَيَّجَ بُرُودَةً، وَلاَ اعْتَدَلَ بَمُمَازِج لِتِلْكَ الطَّبَائِع لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ إِلَّا أَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ (11)حَتَّى فَتَرَ مُعلِّلُهُ (12)،

1) يضحك إلى الدنيا ونضحك إليه: كناية عن الفرَح بالعمر والعيشة.

2) عيش غَفول: قد غفل عن صاحبه، فهو مستغرق فى العيش لم ينتبه له الدّهر فيكدّر عليه وقته.

3) أي إذا أوطأه الدهر حَسَكه، والهاء في «حَسَكه» ترجع الى الدهر، والحسك: نبات تعلق قشرته بصوف الغنم، ورقه كورق الرجلة أو أدق، وعند ورقه شوك ملزز صلب ذو ثلاث شعب وهو تمثيل لمس الآلام.

4) قُواه: جمع قوّة، وهي المِرّة من مرائر الحبل.

5) الحُتوف: المهلكات، وأصل الحتف: الموت. مِنْ كَتَبٍ - بالتحريك - : أي قُرب، أي توجهت إليه المهلكات على قرب منه.

6) البَثّ: الحزن. والبثّ أيضاً: الأمر الباطن الدخيل.

7) نجيّ الهمّ: المُناجي، الذي يناجبك ويسارُك.

8) الفترات: جمع فترة، وهي المدة من الزمن، ويريد بفترات العلل أوائل المرض وانحطاط القوّة، أي تولّد فيه الضعف بسبب العلل حال كونه أشد أنساً بصحته من جميع الأوقات السابقة.

9) «أنس» حال من الضمير فيه.

10) القارُ: هنا البارد.

11) اعتدل بممازج : أي ما طلب تعديل مزاجه بدواء يمازج ما فيه من الطبائع ليعدلها إلّا وساعد كلّ طبيعة على تولّد الداء.

12) لأنّ معلّلي المرض إذا رأوا أمارات الهلاك فترت همتهم. وكذلك «ذَهَل ممرّضُه»، لأنّ الممرَض إذا أعيا عليه المرض، وانسدّت عليه أبواب التدبير يَذْهَل. ومُعَلَّل المريض من يسليه عن مرضه بترجية الشفاء، كما أن ممرضه: من يتولّى خدمته في مرضه لمرضه.

وَذَهَلَ مُمَرِّضُهُ، وَتَعَايَا أَهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ (1)، وَخَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السَّائِلِينَ عَنْهُ. وَتَنَازَعُوا دُونَهُ شَجَى خَبَرٍ يَكْتُمُونَهُ (2)، فَقَائِلُ يَقُولُ: هُوَ لِمَا بِهِ (3)، وَمُمَنٌ لَهُمْ إِيَابَ عَافِيَتِهِ(4)، وَمُصَبِّرُ لَهُمْ عَلَى فَقِدِهِ، يُذَكِّرُهُمْ أَسَى(5)الْمَاضِينَ مِنْ قَبْلِهِ . فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ عَلَى جَنَاحَ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا(6)، وَتَرْكِ الْأَحِبَّةِ، إِذْ عَرَضَ لَهُ عَارِضُ مِنْ غُصَصِهِ (7)، فَتَحَيَّرَتْ نَوَافِذُ فِطْنَتِهِ(8)، وَيَبِسَتْ رُطُوبَةٌ لِسَانِهِ . فَكَمْ مِنْ مُهِم مِنْ جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَيَّ عَنْ رَدِّهِ (9)! وَدُعَاءٍ مُؤْلِمٍ بِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَّ عَنْهُ (10)! مِنْ كَبِيرٍ كَانَ يُعَلِّمُهُ(11)، أَوْ صَغِيرٍ كَانَ يَرْحَمُهُ (12)وَإِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ، أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ الدُّنْيَا (13).


1) تَعَايا أهله: أي اشتركوا في العجز عن وصف دائه.

2) «وتنازعوا دونه شَجّى خبر يكتمونه»، أي تخاصموا في خبر ذي شجي، أي خبر ذي غُصّة يتنازعونه وهم حول المريض ستراً دونه، وهو لا يعلم نجواهم. [وفي نسخة عبده والصاح: شجيُّ خبر ].

3) هو لما به: أي هو مملوك لعلته فهو هالك، قد أشفى على الموت.

4) المُمَنِّي: مخيّل الأمنية. والإياب الرجوع، آب فلان إلى أهله، أي عاد.

5) الأسى: جمع أسوة، وهو ما يتأسى به الإنسان.

6) أي سرعان ما يفارقها؛ لأنّ مَنْ كان على جناح طائر، فأوشِك به أن يسقط !

7) العارض: يعني الموت، ومن غُصَصِه: جمع غُصّة، وهو ما يعترض مَجْرَى الأنفاس.

8) «فتحيّرت نوافذ فطنته» أي تلك الفطنة النافذة تحيّرت عند الموت، ونوافذ فطنته: ما كان من أفكار نافذة، أي مصيبة للحقيقة.

9) عَيّ: عجز لضعف القوة المحركة للسان.

10) تصام عنه: أظهر الصّمم، لأنّه لا حيلة له.

11) «من كبير كان يعظّمه»: نحو صُراخ الوالد على الولد والولد يسمع ولا يستطيع الكلام.

12) «وصغير كان يرحمه»: نحو صراخ الولد على الوالد، وهو يسمع ولا قدرة له على جوابه.

13) تعتدل: أي تستقيم عليها بالقبول والإدراك، أي لغفلتهم عنها لا تتناسب عند عقولهم فيدركوها.

222 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

222 - ومن كلام له عليه السلام (1)

قَالَهُ عِنْدَ تِلاوَتِه: «يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالُ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةً وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ »

إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الذِّكْرَ (2)جِلَاءَ لِلْقُلُوبِ (3)، تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَة)،

وَتُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشْرَةِ(4)، وَتَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَةِ. وَمَا بَرِحَ لِلَّهِ - عَزَّتْ آلَاؤُهُ (5)فِي الْبُرْهَةِ بَعْدَ الْبُرْهَةِ(6)، وَفِي أَزْمَانِ الْفَتَرَاتِ (7)، عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِي فِكْرِهِمْ(8)، وَكَلَّمَهُمْ فِي ذَاتِ عُقُولِهِمْ، فَأَسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقَظَةٍ فِي الْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ وَالْأَفْئِدَةِ(9)، يُذَكِّرُونَ بِأَيَّامِ اللَّهِ، وَيُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ، بِمَنْزِلَةِ الْأَدِلَّةِ فِي الْفَلَوَاتِ (10).

مَنْ أَخَذَ الْقَصْدَ حَمِدُوا إِلَيْهِ طَرِيقَهُ (11)، وَبَشَّرُوهُ بِالنَّجَاةِ، وَمَنْ أَخَذَ يَمِيناً وَشِمَالاً (12)


1) روى صدر هذا الكلام الآمدي في (غرره) ص 81 بحرف الألف بلفظ «إنّ» المشدّدة.

2) الذكر: استحضار الصفات الإلهية.

3) جِلاء - بالكسر - : من جلد السيف يجلوه، إذا صقله وأزال من صداه.

4) العَشْوة: من العشا في العين، أي: ضعف البصر.

5) عزت آلاؤه: کرمت وعظمت.

6) البرهة من الدهر: المدة الطويلة.

7) الفَترة بين العملين: زمان بينهما يخلو منهما، والمراد أزمنة الخلو من الأنبياء مطلقاً.

8) وناجاهم في فكرهم: ألهمهم.

9) استصبح: أضاء مصباحه، أي أضاء مصباح الهدى لهم بنور اليقظة في أبصارهم ....

10) الفّلوات: المفازات والقفار .

11) أخذ القصد: أي ركب الاعتدال في سلوكه.

12) «مَن أخذ يميناً أو شمالاً»: أي ضلّ عن الجادّة.

ذَمُّوا إِلَيْهِ الطَّرِيقَ، وَحَذَرُوهُ مِنَ الْهَلَكَةِ، وَكَانُوا كَذَلِكَ مَصَابِيحَ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ، وَأَدِلَّةَ تِلْكَ الشُبُهَاتِ. وَإِنَّ لِلذِّكْرِ لَأَهْلاً أَخَذُوهُ مِنَ الدُّنْيَا بَدَلاً، فَلَمْ تَشْغَلُهُمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْهُ، يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ الْحَيَاةِ، وَيَهْتِفُونَ بِالزَّواجِرِ(1)عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، فِي أَسْمَاعِ الْغَافِلِينَ، وَيَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ (2)وَيَأْتَمِرُونَ بِهِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ، فَكَأَنَّهُمْ قَطَعُوا الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ وَهُمْ فِيهَا ، فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ ، فَكَأَنَّمَا أطَلَعُوا غُيُوبَ الْبَرْزَحَ فِي طُولِ الْإِقَامَةِ فِيهِ(3)، وَحَقَّقَتِ الْقِيَامَةُ عَلَيْهِمْ عِدَاتِهَا (4)،فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الدُّنْيَا، حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لَا يَرَى النَّاسُ ، وَيَسْمَعُونَ مَا لَا يَسْمَعُونَ. فَلَوْ مَثَلْتَهُمْ لِعَقْلِكَ فِي مَقَاوِمِهِمُ الْمَحْمُودَة(5)، وَمَجَالِسِهِمُ الْمَشْهُودَةِ، وَقَدْ نَشَرُوا دَوَاوِينَ أَعْمَالِهِمْ(6)، وَفَرَغُوا لِمُحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا ، أَوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فِيهَا، وَحَمَّلُوا ثِقَلَ أَوْزَارِهِم ظُهُورَهُمْ(7)، فَضَعُفُوا عَنِ الإِسْتِقْلَالِ بِهَا، فَنَشَحُوانَشِيجاً(8)، وَتَجَاوَبُوا


1) يهتفون بالزواجر: يصوّتون بها، هتف به: صاح ودعا، وهتفت الحمامة: صاتت.

2) القِسط: العدل. ويأتمرون به: يمتثلون الأمر.

3) «في طول الإقامة» حال من أهل البرزخ.

4) العِدّات- جمع عِدَة بكسر ففتح مخفف - : الوعود، أي كأنّما القيامة كشفت لهم عن الوعود التي وعد بها الأخيار والأشرار.

5) مُقاوِم - جمع مُقام - : مقاماتهم في خطاب الوعظ .

6) الدواوين: جمع ديوان، وهو مجتمع الصحف. والدفتر: ما يكتب فيه أسماء الجيش وأهل الأعطيات.

7) الأوزار: جمع وِزر ،الحمل، ويراد به هنا: الذنوب، أي نسبوا ما صدر عنهم إلى تقصير هممهم عن أداء الواجب عليهم، ولم يحولوه على ربِّهم فجعلوا الأوزار حملاً على ظهورهم، فأحسّوا بالضعف عن الاستقلال بها، أي القيام بحملها.

8) النشيج: صوت البكاء، ونشج الباكي ينشج نشيجاً: غصّ بالبكاء في حلقه.

نَحِيباً(1)، يَعِجُّونَ (2)إِلَى رَبِّهِمْ مِنْ مَقَامِ نَدَمٍ وَاعْتِرَافٍ، لَرَأَيْتَ أَعْلَامَ هُدِى، وَمَصَابِيحَ دُجى ، قَدْ حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ، وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِم السَّكِينَةُ ، وَفُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَأُعِدَّتْ لَهُمْ مَقَاعِدُ الْكَرَامَاتِ (3)، فِي مَقْعَدٍ أطَّلَعَ اللهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، فَرَضِيَ سَعْيَهُمْ،وَحَمِدَ مَقَامَهُمْ. يَتَنَسَّمُونَ بِدُعَائِهِ رَوْحَ التَّجَاوُزِ (4). رَهَائِنُ فَاقَةٍ إِلَى فَضْلِهِ، وَأَسَارَى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ ، جَرَحَ طُولُ الأَسَى قُلُوبَهُمْ(5)، وَطُولُ الْبُكَاءِ عُيُونَهُمْ. لِكُلِّ بَابِ رَغْبَةٍ إِلَى اللهِ مِنْهُمْ يَدٌ قَارِعَةٌ(6)، يَسْأَلُونَ مَنْ لَا تَضِيقُ لَدَيْهِ الْمَنَادِحُ(7)، وَلَا يَخِيبُ عَلَيْهِ الرَّاغِبُونَ . فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ ، فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْأَنْفُسِ لَهَا حَسِيبُ غَيْرُكَ (8).

223 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

223 - ومن كلام له عليه السلام (9)

قَالَهُ عِنْدَ تِلاوَتِهِ: «يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ »

أَدْحَضُ مَسْؤُولٍ حُجَّةٌ(10)، وَأَقْطَعُ مُعْتَرٌّ مَعْذِرَةٌ(11). لَقَدْ أَبْرَحَ جَهَالَةً


1) النّجيب: أشدّ البكاء، وتجاوبوا به: أجاب بعضهم بعضاً يتناحبون.

2) عجَ يعج: صاح ورفع صوته، فهم يصبحون من مواقف الندم والاعتراف بالخطأ.

3) المقعد: موضع القعود.

4) تنسّم النسيمّ: تشممه. والرّوح : النسيم، أي بتوقعون التجاوز بدعائهم له.

5) الأسى: الحزن.

6) يَدٌ قارعة: تطرق باب الرحمة، وهذا الكلام مجاز.

7) المنادح: المواضع الواسعة، جمع مندوحة، وهي كالنُّدْحة، والمُتدح: المتسع من الأرض.

8) الحسيب: المحاسب.

9) ذكره الآمدي في (الغرر ) ص 232 ، والسيد اليماني في (الطراز) ج 2 ص 272.

10) الحجّة الداحضة: الباطلة، ودَحَضَت الحجّةُ: بَطَلَت. و«أدحض » خبرٌ لمبتدأ محذوف هو الإنسان.

11) المعذرِة: العذر.

بِنَفْسِهِ(1). يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ، مَا جَرَّأَكَ عَلَى ذَنْبِكَ، وَمَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ، وَمَا آنَسَكَ بهَلَكَةِ نَفْسِكَ ؟ أَمَا مِنْ دَائِكَ بُلُولُ(2)، أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمِكَ يَقَظَةٌ ! أَمَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِكَ! فَلَرُبَّمَا تَرَى الصَّاحِيَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ (3)، أَوْ تَرَى الْمُبْتَلَى بِأَلَمٍ يُمِضُ جَسَدَهُ(4)فَتَبْكِي رَحْمَةً لَهُ فَمَا صَبَّرَكَ عَلَى دَائِكَ ، وَجَلَّدَكَ عَلَى مُصَابِكَ، وَعَزَّاكَ عَنِ البُكَاءِ عَلَى نَفْسِكَ ، وَهِيَ أَعَزُّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكَ! وَكَيْفَ لَا یُوقِظُكَ خَوْفُ بَيَاتِ نِقْمَةٍ (5)، وَقَدْ تَوَرَّطت (6)بِمَعَاصِيه مَدَارِجَ (7)سَطَوَاتِهِ ! فَتَدَاوَ مِنْ دَاءِ الْفَتْرَةِ فِي قَلْبِكَ بِعَزِيمَةٍ ، وَمِنْ كَرَى (8)الْغَفْلَةِ فِي نَاظِرِكَ بِيَقَظَةٍ، وَكُنْ لِلَّهِ مُطيعاً، وَبِذِكْرِهِ آنِساً. وَتَمَثَلُ (9)فِي حَالِ تَوَلِّيكَ عَنْهُ، إِقْبَالَهُ عَلَيْكَ ، يَدْعُوكَ إِلَى عَفْوِهِ، وَيَتَعَمَّدُكَ (10)بِفَضْلِهِ، وَأَنْتَ مُتَوَلَّ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ. فَتَعَالَى (11)مِنْ قَوِيٌّ مَا أَكْرَمَهُ! وَتَوَاضَعْتَ مِنْ ضَعِيفٍ مَا أَجْرَأَكَ عَلَى مَعْصِيَهِ! وَأَنْتَ فِى كَنَفِ سِتْرِهِ مُقِيمٌ، وَفِي سَعَةِ فَضْلِهِ مُتَقَلِّبُ فَلَمْ يَمْنَعُكَ فَضْلَهُ، وَلَمْ يَهْتِكَ عَنْكَ سِتْرَهُ، بَلْ لَا


1) أبرح فلان جهالة، أو شجاعة، أو لؤماً، أو أنى بالبرح من ذلك، أي بالشديد العظيم، وأبرح بنفسه: أي أعجبته نفسه بجهالتها.

2) البُلُول: مصدر بَلْ الرجل من مرضه بلولاً: إذا برئ وحسنت حاله بعد هُزال.

3) الضاحي لحرّ الشمس: البارز ،من ضَحًا ضَحْواً وضُحُواً: برز في الشمس.

4) داءٌ ممض: أي مؤلم، ويُمِضُ جسده: يبالغ في نهكه.

5) بَيَات النقمة: طروقها ليلاً، أي خوف أن تبيت بنقمة من الله، ورزية تذهب بنعيمك، وقد وقعت بمعاصيك في طرق سطوانه، وتعرّضت لانتقامه.

6) تورّط: وقع في الورطة، وهي الهلاك، وأصل الورطة أرضٌ مطمئنة لا طريق فيها.

7) المدارج : الطرق والمسالك.

8) الكَرّى: بالفتح والقصر -: النوم .

9) تمثّل: تصور واذكر عند إعراضك عن الله إلى لهوك أنّه مقبل عليك بنعمه.

10) يتغمدك: أي يغمرك ويسترك بعفوه.

11) الضمير في «تعالى» لله.

تَخْلُ مِنْ لُطْفِهِ مَطْرَفَ عَيْنٍ (1)، فِي نِعْمَةٍ يُحْدِثُهَا لَكَ، أَوْ سَيِّئَةٍ يَسْتُرُهَا عَلَيْكَ، أَوْ بَلِيَّةٍ يَصْرِفُهَا عَنْكَ، فَمَا ظَنُّكَ بِهِ لَوْ أَطَعْتَهُ! وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذِهِ الصَّفَةَ كَانَتْ فِي مُتَفِقَيْنِ فِي الْقُوَّةِ، مُتَوَازِبَيْنِ فِي الْقُدْرَةِ(2)، لَكُنْتَ أَوَّلَ حَاكِمِ عَلَى نَفْسِكَ بِذَمِيمٍ الْأَخْلَاقِ، وَمَسَاوِيُّ الْأَعْمَالِ. وَحَقًّا أَقُولُ! مَا الدُّنْيَا غُرَّتْكَ، وَلَكِنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ ، وَلَقَدْ كَاشَفَتْكَ الْعِظَاتِ(3)، وَآذَنَتْكَ عَلَى سَوَاءٍ(4). وَلَهِيَ بِمَا تَعِدُكَ مِنْ نُزُولِ الْبَلَاءِ بِجِسْمِكَ، وَالنَّقْضِ فِي قُوَّتِكَ ، أَصْدَقُ وَأَوْفَى مِنْ أَنْ تَكْذِبَكَ أَوْ تَغُرَّكَ. وَلَرُبَّ نَاصِحِ لَهَا عِنْدَكَ مُتَّهَم(5)، وَصَادِقٍ مِنْ خَبَرِهَا مُكَذِّبُ. وَ لَئِنْ تَعَرَّفْتَهَا(6)فِي الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ، وَالرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ ، لَتَجِدَنَّهَا مِنْ حُسْنِ تَذْكِيرِكَ. وَبَلاغ مَوْعِظَتِكَ، بِمَحَلَّةِ الشَّفِيقِ عَلَيْكَ ، وَالشَّحِيح بِكَ(7)!وَلَنِعْمَ دَارُ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا دَاراً، وَمَحَلُّ مَنْ لَمْ يُوَطِّنْهَا مَحَلاً(8)! وَإِنَّ السُّعَدَاءَ بِالدُّنْيَا غَداً هُمُ الْهَارِبُونَ مِنْهَا الْيَوْمَ.


1) طَرَفَ عَينَهُ: أطبق جفنّيها، والمراد من المَطرَف: اللحظة يتحرّك فيها الجفن، و «في نعمة» يتعلق بلطفه.

2) «متوازيين في القُدرة» أي متساويين، وروي: «متوازنين».

3) العظات - ج- عظة - : المواعظ، وهو منصوب على نزع الخافض، أي كاشفتك بالعظات، والمعنى: أنّ الدنيا ما خبّأت عن بصرك شيئاً من تقلّباتها المفزعة، ولكن غفلت عمّا ترى، ولقد كاشفتك، وأظهرت لك العظات. وروي: «العظاتُ» بالرفع على أنّه فاعل [كما في نسخة عبده] . وروي: «كاشفتك الغطاء».

4) آذنتك: أعلمتك، وعلى سواء، أي على عَد۫ل وانصاف.

5) «ربّ ناصحٍ لها عندك متهم» ربّ حادث من حوادثها يلقي إليك النصيحة بالعبرة فتتهمه وهو مخلص.

6) تعرّفتها: طلبت معرفتها وعاقبة الركون إليها.

7) الشحيح بك: البخيل بك على الشقاء والهلكة.

8) وطّنه: اتَّخذه وطناً .

إِذَا َرجَفَتِ الرَّاجِفَةُ (1)، وَحَقَّتْ بِجَلَائِلِهَا الْقِيَامَةٌ(2)، وَلَحِقَ بِكُلِّ مَنْسِكِ أَهْلُهُ (3). وَبِكُلِّ مَعْبُودٍ عَبَدَتُهُ، وَبِكُلِّ مُطَاع أَهْلُ طَاعَتِهِ ، فَلَمْ يَجُرْ فِي عَدْلِهِ وَقِسْطِهِ يَوْمَئِذٍ خَرْقُ بَصَرٍ فِي الْهَواءِ(4)، وَلَا هَمْس قَدَمٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا بِحَقِّهِ . فَكَمْ حُجَةٍ يَوْمَ ذَاكَ دَاحِضَةٌ، وَعَلَائِقِ عُذْرٍ مُنْقَطِعَةٌ !

فَتَحَرَّ (5)مِنْ أَمْرِكَ مَا يَقُومُ بِهِ عُذْرُكَ ، وَتَثْبُتُ بِهِ حُجَّتُكَ ، وَخُذْ مَا يَبْقَى لَكَ مِمَّا لَا تَبْقَى لَهُ(6)وَتَيَسَّرْ لِسَفَرِكَ(7)، وَشِمْ بَرْقَ النَّجَاةِ(8)وَارْحَلْ مَطَايَا التَّشْمِيرِ (9).


1) الراجفة: النفخة الأولى حين ته- حين تهب ريح الفناء فتنسف الأرض نسفاً.

2) حقّت القيامة: وقعت وثبتت بعظائمها.

3) المَنْسِك - بكسر السين ويجوز فتحها - : الموضع الذي تذبح فيه النسائك، وهي ذبائح القربان. والمَنْسَك: العبادة أو مكانها.

4) اختلف الرواة في هذه اللفظة، فرواها قومٌ «فلم يَجْرِ» وهو مضارع «جرى يجري»، أي لم يكن دیوان حسابه ذلك اليوم صغير ولا حقير إلّا بالحقّ والإنصاف، وروى «فلم يَجُزْ» مضارع «جاز يجوز»، أي لم يسغ ولم يرخص ذلك اليوم لأحد من المكلّفين في حركة من الحركات، وإلّا ما فعله بحق، [وفي نسخة عبده والصالح]: يُجْزَ - من الجزاء - : مبني للمجهول ونائب فاعله: «خَرْقُ بَصَرِ» و «هَمْس قدم» أي لا تجازَى لمحة البصر تنفذ في الهواء ولا همسة القدم في الأرض إلّا بحق، وذلك بعدل الله، والهمس: الصوت الخفي.

5) تَحَرّ: من التحري، أي أطلب ما هو أحرى وأليق لأن يقوم به عذرك، وتحرّيت كذا، أي نوخُيته وقصدته واعتمدته.

6) ما يبقى لك هو العمل الصالح فخذه من الدنيا التي لا تبقى لها.

7) تيسّر لسفرك: هيئ أسباب السفر، ولا تترك لذاك عائقاً.

8) الشّيم: النظر إلى البرق، شام البرق: لَمَحَهُ.

9) رحلتُ مطبتي، إذا شددت على ظهرها الرّحل. والتشمير: الجدّ والانكماش في الأمر.

224 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

224 - ومن كلام له عليه السلام (1)

فِي التَّبَرُّو مِنَ الظُّلْمِ

وَاللَّهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ(2)مُسَهَّداً(3)، أَوْ أُجَرَّ فِي الْأَغْلَالِ مُصَفّداً (4)، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَن أَلْقَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ. وَغَاصِباً لِشَيْءٍ مِنَ الْحُطَامِ(5)، وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا(6). ! وَيَطُولُ فِي الثَّرَى خُلُولُهَا! وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً (7)وَقَدْ أَمْلَقَ(8)حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرْكُمْ صَاعاً(9)، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْتَ الشُّعُورِ (10)، غُبْرَ(11)الْأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ،


1) رواه السبط ابن الجوزي في (التذكرة) ص 155 والزمخشري في (ربيع الأبرار) باب الخير والصلاح.

2) كأنّه يريد من الحسك الشوك. والسَّعدان: نبتُ ذو شوك، وهو من أفضل مراعي الإبل تُشبّه به حلمةُ الثدي.

3) المسهِّد: الممنوع النوم، وهو السهاد، مِن «سَهّده» إذا أسهره.

4) الأغلال القيود، والمصفّد: المقيّد.

5) الحُطام: عروض الدنيا ومتاعها، شبّه - لزواله - بما يتحطُم من العِيدان ويتكسر.

6) القفول: الرجوع. ويريد من النفس نفسَه - كرّم الله وجهه - أي كيف أظلم لأجل منفعة نفس یسرع إلى الفناء رجوعها. والثرى: التراب.

7) هو عقيل بن أبي طالب(علیه السّلام) أخو أميرالمؤمنين(علیه السّلام) لأمّه وأبيه، وكان بنو أبي طالب أربعة: طالب، وعقيل، وجعفر، وعليّ وهو أصغرهم سِناًّ، وأعظمهم قَدراً ، بل أعظم الناس بعد ابن عمه قَدْراً.

8) أمْلَقَ: افتقر أشدّ الفقر.

9) استماحني: طلب منّي أن أعطيّه صاعاً من الحنطة، والبُرّ: القمح.

10) شُعْت: جمع أشعث، وهو من الشعر المتلبّد بالوسخ.

11) الغُبر - بضم الغين - : جمع أغبر. متغير اللون شاحبه، وقيل: هو النيلج، أي النيلة.

كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ(1)، وَعَاوَدَنِي مُؤكّداً ، وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدّداً، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي (2)فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي، وَأَتَّبِعُ قِيَادَهُ(3)مُفَارِقاً طَريقَتِي، فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةٌ(4)، ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا ، فَضَجَ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أَلْمِهَا(5)، وَكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مَيْسَمِهَا(6)، فَقُلْتُ لَهُ: ثکِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ يَا عَقِيلُ (7)! أَتَئنُ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلْعِبِهِ(8)، وَتَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ ! أَتَئِنُّ مِنَ الْأَذَى وَلَا أَئِنُّ مِنْ لَظَى(9)!

وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ طَارِقُ طَرَقَنَا بِمَلْفُوفَةٍ فِي وِعَائِهَا (10)، وَمَعْجُونَةٍ شَنِتْتُهَا (11). كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّةٍ أَوْ قَيْئِهَا ، فَقُلْتُ : أَصِلَةٌ (12)أَمْ زَكَاةً أَمْ صَدَقَةُ ؟ فَذَلِكَ مُحَرَّمُ


1) العِظْلم: نَبتٌ يصبغ به ما يراد اسوداده، ويقال: هو الوَسمة.

2) أصغيت إليه: أملت سمعي نحوه .

3) القِياد: ما يُقادُ به كالزِمام، وأتبع قياده: أطيعه وأنقاد له.

4) أحميتُ الحديدة فى النار فهى محماة، ولا يقال حَمِيت الحديدة.

5) الدَنف - بالتحريك - : المرض، وذي دنف، أي ذي سقم مؤلم.

6) من ميسهما: من أثرها في يده، والمِيسم - بكسر الميم وفتح السين - المكواة.

7) ثَكِل - كفَرِحَ - : أصاب ثُكلاً - بالضم - وهو فقدان الحبيب أو خاص بالولد. والثواكل: النساء، دعاء عليه بالموت لتألمه من نار ضعيفة الحرارة وطلبه عملاً - وهو تناول شيء من بيت المال زيادة عن المفروض له - يوجب الوقوع في نار سجرها - أي أضرمها - الجبّار وهو الله للانتقام ممن عصاه.

8) أحماها إنسانها: أي صاحبها، وسَجَرها: أوقدها وأحماها، والسِّجور: ما يُسجر به التنور.

9) لظی: اسم جهنم .

10) أهدى له الأشعث بن قيس نوعاً من الحلواء تأنّق فيه، لغرض دنيويّ كان في نفس الأشعث، فردّها أميرالمؤمنين، ولولا ذلك لقبلها، وقال: «ملفوفة في وعائها»، لأنّه كان طبقاً مغطيّ.

11) «شَتْتُها» أي أبغضتها ونفرت عنها.

12) الصُلة: العطية لا يُراد بها الأجر، بل يراد بها وصلة التقرب إلى الموصول. والصدقة هنا هي صدقة التطوع.

عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ (1)فَقَالَ : لَا ذَا وَلَا ذَاكَ ، وَلَكِنَّهَا هَدِيَّةٌ ، فَقُلْتُ : هَبِلَتْكَ الْهَبُولُ (2)! أَعَنْ دِينِ اللَّهِ أَتَيْتَنِي لِتَخْدَعَنِي(3)! أَمُخْتَبِطُ أَنْتَ أَمْ ذُو جِنَّةٍ أَمْ تَهْجُرُ(4)! وَاللهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ(5)مَا فَعَلْتُهُ، وَإِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا (6).

مَا لِعَلِيٍّ وَلِنَعِيمٍ يَفْنَى ، وَلَذَّةٍ لَا تَبْقَى ! نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ سُبَاتِ الْعَقْلِ(7)، وَقُبْحِ الزَّلَلِ(8)، وَبِهِ نَسْتَعِينُ .


1) أراد بقوله: «أهل البيت» الأشخاص الخمسة: محمداً، وعلياً، وفاطمة، وحسناً، وحسيناً: فهؤلاء خاصة دون غيرهم من بني هاشم محرّم عليهم الصلة وقبول الصدقة، وأما غيرهم من بني هاشم فلا يُحرم عليهم إلّا الزكاة الواجبة خاصّة. فإن قلت: فكيف كان الحسن والحسين (علیه السّلام) يقبلان صلة معاوية؟ قلت كلّا لم يقبلا صلته، ومعاذ الله أن يقبلاها! وإنّما قبلا منه ما كان يدفعه إليهما من جملة حقّهما من بيت المال.

2) هبلتك الهبول: أى ثكلتك أمُّك، والهَبُول: التى لها عادة بثكل الولد، أي لا يعيش لها ولد.

3) «عن دين الله» متعلق ب-«تخدعني».

4) المختبط : المصروع، وذو جِنّة: مَن به مسُّ من الشيطان والذي يهجرُ: هو الذي يهدِي من مرض. يقول: أمختبط في رأسك فاختل نظام إدراكك، أم أصابك جنون، أم تهجر، أي تهدو بما لا معنى له.

5) جُلْب الشعيرة - بضم الجيم، وكسرها - [كما في نسخة عبده] : قشرتها، والجُلب والجُلبة أيضاً جليدة تعلو الجرح عند البرء، وأصل الجلب غطاء الرحل فتجوّز في إطلاقه على غطاء الحبة.

6) تقضّمها - يفتح الضاد - والماضي قَضِم - بالكسر - قَضِمَتِ الدابةُ الشعير من باب عَلِمُ - : كسرته بأطراف أسنانها.

7) سبات العقل: نومه.

8) الزلل : السقوط في الخطأ.

225 - ومن دعاء له عليه السلام

اشارة

225 - ومن دعاء له عليه السلام (1)

كَانَ يَدْعُو بَهِ

اللَّهُمَّ صُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ (2)، وَلَا تَبْذُلْ جَاهِي بِالْإِقْتَارِ (3)، فَأَسْتَرْزِقَ طَالِبِي رِزْقِكَ(4)، وَأَسْتَعْطِفَ شِرَارَ خَلْقِكَ ، وَأَبْتَلَى بِحَمْدِ مَنْ أَعْطَانِي، وَأُفْتَتَنَ بذَمِّ مَنْ مَنَعَنِي، وَأَنْتَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلِيُّ الْإِعْطَاءِ وَالْمَنْعِ: «إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».

226 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

226 - ومن خطبة له عليه السلام (5)

فِي التَّنْفِيرِ مِنَ الدُّنْيَا

دَارُ بِالْبَلَاءِ مَحْفُوفَةٌ(6)، وَبِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ. لَا تَدُومُ أَحْوَالُهَا ، وَلَا يَسْلَمُ نُزَّالُهَا (7). أَحْوَالُ مُخْتَلِفَةٌ ، وَتَارَاتٌ مُتَصَرِّفَةٌ (8)، اَلْعَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ، وَالْأَمَانُ مِنْهَا مَعْدُومٌ،


1) رواه السيد اليماني في (الطراز) ج 1 ص 119 .

2) صيانة الوجه: حفظه من التعرض للسؤال، يقول(علیه السّلام): «صن وجهي باليسار»، أي استره بأن ترزقّني يساراً وثروة، استغني بهما عن مسألة الناس، واليسار: الغني.

3) بذل الجاه بالإقتار : إسقاط المنزلة من القلوب، يقول(علیه السّلام) : «ولا تبذل جاهي بالاقتار»، أي لا تسقط مروءتي بين الناس بالفقر، والإقتار: الفقر.

4) فأسترزق: ترتيب على البذل بالإقتار؛ فإنّه لو افتقر لطَلَب الرزقَ من طلّاب رزق الله وهم الناس.

5) رواها المتقي الهندي في ( كنز العمال) ج 3 ص 511 ، وسبط ابن الجوزي في (التذكرة) ص 122 .

6) بالبلاء محفوفة: قد أحاط بها البلاء من كلِّ جانب.

7) النُزّال - بالضم وتشديد الزاي - : جمع نازل.

8) تارات: جمع تارة، وهي المرّة الواحدة، ومتصرّفة: منتقلة متحوّلة.

وَإِنَّمَا أَهْلُهَا فِيهَا أَغْرَاضٌ مُسْتَهْدِفَةٌ(1)، تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِهَا ، وَتُفْنِيهِمْ بِحِمَامِهَا (2).

وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّكُمْ وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضَى قَبْلَكُمْ (3)، مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَاراً ، وَأَعْمَرَ دِيَاراً، وَأَبْعَدَ آثَاراً(4)، أَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةٌ، وَرِيَاحُهُمْ رَاكِدةً(5)، وَأَجْسَادُهُمْ بَالِيَةٌ ، وَدِيَارُهُمْ خَالِيَةٌ ، وَآثَارُهُمْ عَافِيَةً(6)، فَاسْتَبْدَلُوا بِالْقُصُورِ الْمُشَيَّدَةِ(7)، وَالنَّمَارِقِ (8)الْمُمَهَّدَةِ(9)، الصُّحُورَ وَالْأَحْجَارَ الْمُسْنَّدَةَ، وَالْقُبُورَ اللَّاطِئَةَ الْمُلْحَدَة (10)الَّتِي قَدْ بُنِيَ عَلَى الْخَرَابِ فِنَاؤُهَا (11)

و «بناء الفناء بالخراب» تمثيل لما يتخيله الفكر في ديار الموتى من الفناء الدائم إلى نهاية العالم.

، وَشُيّدَ بِالتُّرَابِ بِنَاؤُهَا ، فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبُ، وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبُ، بَيْنَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُوحِشِينَ، وَأَهْلِ فَرَاغِ مُتَشَاغِلِينَ (12)، لَا يَسْتَأْنِسُونَ بِالْأَوْطَانِ، وَلَا يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصْلَ الْجِيرَانِ، عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الْجِوَارِ ، وَدُنُو الدَّارِ ، وَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ

1) مستهدِفة - بكسر الدال - : منتصبة مهيّأة للرمى، وروى: «مستهدَفة» يفتح الدال [كما في نسخة الصالح] ، كأنّها قد استهدفها غيرُها، أي جعلها أهدافاً.

2) الحِمام - بالكسر - : الموت.

3) أنتم وما تتمتعون به قیام على سبيل الماضين إلى نهايته وهو الفناء.

4) أبعد الآثار: طول بقائها بعد ذويها.

5) راكدة: ساكنة، وركود الريح كناية عن انقطاع العمل وبطلان الحركة.

6) آثار هم عافية: أي مندرسة.

7) المشيّدة: العالية.

8) النمارق: الوسائد، جمع نُمْرُقة، تطلق على الوسادة الصغيرة وعلى الطنفسة، أي البساط، ولعلّه المراد هنا.

9) الممهدة: المفروشة، و«الصخور» مفعول «استبدلوا».

10) لطأ بالأرض - كمنع وفرح - : لصق والقبور المُلْحَدة: ذوات اللحود، من «ألحد القبر»: جعل له لحداً، أي شقاً في وسطه أو جانبه.

11) أي بنيت لا لتسكن الأحياءُ فيها كما تبنى منازل أهل الدنيا. وفناء الدار: ساحتها وما اتّسع أمامها.

12) متشاغلين بما شاهدوا من عقبى أعمالهم.

تَزَاوُرٌ، وَقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبِلَى(1)، وَأَكَلَتْهُمُ الْجَنَادِلُ وَالثَّرَى (2)! وَكَأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ(3)، وَأَرْتَهَنَّكُمْ ذَلِكَ الْمَضْجَعُ، وَضَمَّكُمْ ذَلِكَ الْمُسْتَوْدَعُ.

فَكَيْفَ بِكُم لَوْ تَنَاهَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ(4)، وَيُعْثِرَتْ الْقُبُورُ(5): «هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ(6)، وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ، وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ » (7).

227 - ومن دعاء له عليه السلام

اشارة

227 - ومن دعاء له عليه السلام (8)

يَلْجَأُ فِيهِ إِلَى اللَّهِ لِيَهْدِيَهُ إِلَى الرَّشَادِ

اللَّهُمَّ إِنَّكَ آنَسُ الأنسِينَ لِأَوْلِيَائِكَ(9)، وَأَحْضَرُهُمْ بِالْكِفَايَةِ لِلْمُتَوَكِّلِينَ


1) الكَلْكَل: هو صدر البعير، كأنّ البِلَى - بكسر الباء - أي الفناء جمل برك عليهم فطحنهم.

2) الجنادل: الحجارة، والثرى: التُراب.

3) ولقرب أجالكم كأنّكم قد صرتم إلى مصيرهم، وحبستم في ذلك المضجع كما يحبس الرهن في يد المرتهن.

4) تناهى به الأمر: وصل إلى غايته، والمراد انتهاء مدّة البرزخ.

5) بُعثرت القبور : قُلب ثراها وأخرج موتاها.

6) تَبْلُوه: أي تخبره فتقف على خيره وشرّه. و«تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ » أى تخير وتعلم جزاء أعمالها.

7) «وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ» (30):بطل عنهم ما كانوا يدّعونه ويكذبون فيه من القول بالشركاء وأنّهم شفعاء.

8) رواه السماهيجي في (الصحيفة العلوية الأولى)، والشيخ الطوسي في (مصباحه) ص 249.

9) آنست: ضد وحشت، والإيناس ضد الإيحاش، وكان القياس أن يقول: إنك أنس المؤنسين، وآنس: أشدّ أنساً، فقلوب الأولياء أشدّ أنساً بالله من كلّ أليف، فالله أنس الموجودات عندها،وهو أشدّ النصراء حضوراً بما يكفي المعتمدين عليه.

عَلَيْكَ(1). تُشَاهِدُهُمْ فِي سَرَائِرِهِمْ(2)، وَتَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ فِي ضَمَائِرِهِمْ، وَتَعْلَمُ مَبْلَغَ بَصَائِرِهِمْ (3). فَأَسْرَارُهُمْ لَكَ مَكْشُوفَةٌ، وَقُلُوبُهُمْ إِلَيْكَ مَلْهُوفَةٌ(4). إِنْ أَوْحَشَتْهُم الْغُرْبَةُ آنَسَهُمْ ذِكُرُكَ ، وَإِنْ صُبَّتْ عَلَيْهِمُ الْمَصَائِبُ لَجَلُّوا إِلَى الاسْتِجَارَةِ بِكَ ، عِلْماً بأَنَّ أَزِمَّةَ الْأُمُورِ بِيَدِكَ، وَمَصَادِرَهَا عَنْ قَضَائِكَ.

اللَّهُمَّ إِنْ فَهِهْتُ عَنْ مَسْأَلَتِي(5)، أَوْ عَمِيتُ عَنْ طِلْبَتِي(6)، فَدُلَّنِي عَلَى مَصَالِحِي، وَخُذْ بِقَلْبِي إِلَى مَرَاشِدِي(7)، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنُكْرٍ مِنْ هِدَايَاتِكَ(8)، وَلَا بِبَدْعٍ مِنْ كِفَايَاتِكَ (9). اللَّهُمَّ احْمِلْنِي عَلَى عَفْوِكَ ، وَلَا تَحْمِلْنِي عَلَى عَدْلِكَ (10)


1) أحضرهم بالكفاية: أي أبلغهم إحضاراً لكفاية المتوكّلين عليه وأقومهم بذلك.

2) تشاهدهم في سرائرهم: أي تطلع على غيبهم.

3) البصائر: العزائم.

4) الملهوف: المضّطر يستغيث ويتحسّر، وقلوبهم إليك ملهوفة: أي صارخة مستغِثة.

5) فههت عن مسألتي: عَبِيت، والفهَّة والفَهاهةُ: العيّ، فَهِهَ - كفرح - : عَيَّ فلم يستطع البيان.

6) الطِلبة - بكسر الطاء -: المطلوب. ويروى: «أو عمهت» والعَمّه: التحيّر والتردّد، وأرض عَمهاء: لا أعلام بها.

7) المَرَاشد: مواضع الرشد.

8) النُّكر: العجب أو المنكر.

9) البِدع - بالكسر - : المبتدع، والأمر يكون أوّلاً، أي الغريب غير المعهود، ومنه: «قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ » [الاحقاف:9. ].

10) اعتراف منه بالتقصير، فلو عامله الله بالعدل لاشتدّ عليه الهول فالتجأ إلى العفو. ومثل قوله هذا قول المروانيّة للهاشميّة لما قُتل مروان: ليسعنا عدلُكم، قالت الهاشميّة: إذن لا نبقي منكم أحداً، لأنّكم حاربتم علياً (علیه السّلام)، وسَممتم الحسن(علیه السّلام) ، وقتلتم الحسين وزيداً وابنه، وضربتم عليّ بن عبدالله، وخنقتم إبراهيم الإمام في جراب النورة، قالت: قد يسعنا عفوكم، قالت: أمّا هذا فنعم.

228 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

228 - ومن كلام له عليه السلام (1)

يُرِيدُ بِهِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ

لِله بِلادُ فُلَانٍ(2)، فَلَقَدْ قَوَّمَ الْأَوَدَ(3)، وَدَاوَى الْعَمَدَ(4)، وَأَقَامَ السُّنَّةَ، وَخَلَّفَ الْفِتْنَةِ(5)! ذَهَبَ نَقِيَّ الثَّوْبِ ، قَلِيلَ الْعَيْبِ. أَصَابَ خَيْرَهَا(6)، وَسَبَقَ شَرَّهَا(7). أَدَّى إِلَى اللهِ طَاعَتَهُ، وَأَتَّقَاهُ بِحَقِّهِ(8). رَحَلَ وَتَرَكَهُمْ فِي طُرُقٍ مُتَشَعْبَةٍ (9)، لَا يَهْتَدِي بِهَا الضَّالُ، وَلَا يَسْتَيْقِنُ الْمُهْتَدِي .


1) رواه الطبري في (تاريخه) ج 5 ص 48 .

2) لله بلاد فلان: أي لله البلاد التي أنشأتهُ وأنبتتهُ. ويروى : «لله بلاءُ فلان» [كما في نسخة عبده والصالح ] أي لله ما صنع! وفلان المكنى عنه عمر بن الخطاب. وقال الراوندي في شرحه: إنّه(علیه السّلام) مَدح بعض أصحابه بحسن السيرة، وأنّ الفتنة هي التى وقعت بعد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) من الاختيار والأثرة، وهذا بعيد؛ لأنّ اللفظ ظاهر فى أنّه يمدح والياً ذا رعية وسيرة.

3) الأوَد: العِوَج، وقَوْمَ الأودَ: عدل الاعوجاج.

4) العَمَد: انفضاخُ سنام البعير، ومنه يقال للعاشق: عميد القلب ومعموده، والعَمَد - بالتحريك - : العلة.

5) خَلْفَ الفتنة: تركها خلفاً ، لا هو أدركها ولا هي أدركته.

6) أصاب خيرّها: أي خير الولاية.

7) سبق شرها: أي مات أو قتل قبل الأحداث والاختلاط الذي جرى بين المسلمين.

8) اتقاء بحقّه: أي بأداء حقه والقيام به.

9) متشّعبة: متابينة مختلفة، عبارة عن الاختلاف.

229 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

229 - ومن كلام له عليه السلام (1)

فِي وَصْفِ بَيْعَتِهِ بِالْخِلافَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ بِأَلْفَاطِ مُخْتَلِفَةٍ

وَبَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا ، وَمَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا ، ثُمَّ تَدَا كَكْتُمْ عَلَيَّ (2)تَدَاكَ الْإِبِلِ الهيم(3)عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ، وَسَقَطَ الرِّدَاءُ، وَوُطِئ الضَّعِيفُ (4)، وَبَلَغَ مِنْ سُرُورٍ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ ، وَهَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ(5)، وَتَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ، وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكَعَابُ (6)

والغرض من الكلام الاحتجاج على المخالفين بأنّ الأمّة بايعته مختارة.

.

230 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

230 - ومن خطبة له عليه السلام (7)

فِي الْوَصِيَّةِ بِالتَّقْوَى

فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ مِفْتَاحُ سَدَادٍ، وَذَخِيرَةُ مَعَادٍ، وَعِتْقُ مِنْ كُلِّ مَلَكَةٍ(8)، وَنَجَاةٌ مِنْ


1) رواه المفيد في كتاب (الإرشاد) ص 124 ، وفي كتاب (الجمل) ص 128.

2) التداك: الازدحام الشديد، كأنّ كل واحد يدكَ الآخر، أي يدقه.

3) الإبل الهیم: العطاش ، جمع هَیمَاء، کعَیناء و عِین.

4) قوله: «حتى انقطع النّعل وسقط الرداء» شبيه بقوله في الخطبة الشَّقشقيّة: «حتى لقد وُطئ الحَسَنان وشُقَ عِطفاي».

5) هَدَج يهدِج: مشى مشياً ضعيفاً مرتعشاً. تحامل نحوها العليل: تكلّف المشي على مشقّة.

6) الكَعَاب: الجارية التي قد نَهَد ثديُها، و«حَسَرتْ إليها الكَعَاب»: كشفت عن وجهها حِرصاً على حضور البيعة، لنعقدها بلا استحياء لشدّة الرغبة والحرص على إتمام الأمر لأمير المؤمنين.

7) فسر غريب هذه الخطبة ابن الأثير في (النهاية) في مادة «خلس» و «عبل» و«حدم».

8) عِتْق من كل ملكة، هو مثل قوله(علیه السّلام) : (التوبة تجبُّ ما قبلها» أي كلّ ذنب موبِق يملك الشيطان فاعله ويستحوذ عليه، فإنّ تقوى الله تعتِق منه. والمَلَكة بالتحريك - : الرقَ، أي عِنقُ من رقَ الشهوات والأهواء.

كُلِّ هَلَكَة(1)، بِهَا يَنْجَحُ الطَّالِبُ ، وَيَنْجُو الْهَارِبُ، وَتُنَالُ الرَّغَائِبُ .

فَاعْمَلُوا وَالْعَمَلُ يُرْفَعُ (2)، وَالتَّوْبَةُ تَنْفَعُ، وَالدُّعَاءُ يُسْمَعُ، وَالْحَالُ هَادِئَةٌ (3). وَالْأَقْلَامُ جَارِيَةٌ(4). وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ عُمُراً نَاكِسا(5)

«عمراً ناكساً» يعني الهرم، من قوله تعالى: «وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ» [يس 68 ].

، أَوْ مَرَضاً حَابِساً(6)، أَوْ مَوْتاً خَالِساً(7)، فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِكُمْ (8). زَائِرُ غَيْرُ مَحْبُوبٍ، وَقِرْنُ غَيْرُ مَغْلُوبٍ(9)، وَوَاتِرٌ غَيْرُ مَطلُوبٍ (10). قَدْ أَعْلَقَتْكُمْ حَبَائِلُهُ(11)،

1) الهلكة .. بالتحريك - : الهلاك.

2) والعمل ينفع: أي اعملوا في دار التكليف، فإنّ العمل يوم القيامة غير نافع. والواو واو الحال.

3) والحال هادئة: أي ساكنة ليس فيها ما في أحوال الموقف من تلك الحركات الفظيعة، نحو تطاير الصحف ونطق الجوارح.

4) والأقلام جارية: يعني أنّ التكليف باق، وأنّ الملائكة الحفَظة تكتب أعمال العباد، بخلاف يوم القيامة فإنّه يبطل ذلك، ويُستغنى عن الحفظة لسقوط التكليف.

5) وبادروا: أي اسبقوا بأعمالكم حلول أجالكم التي تنكّسكم: أي تقلبكم من الحياة إلى الموت.

6) الحابس: المانع من العمل.

7) الخالس: المختطِف.

8) الطِّيّات: جمع طيّة بالكسر ، وهي منزل السفر أو القصد، أي يحول بينكم وبين مقاصدكم فيبعدها.

9) القِرن - بالكسر - : الكفؤ في الشجاعة، والتسمية تبكيت لمن يظن مغالبة الموت فلا يستعد له بالصالحات، كأنّه يقول: إذا كنتم أقوياء فالموت كفؤ لكم غير مغلوب.

10) الواتر: الجاني والقاتل، وهو الموت لا يطالب بالقصاص على جنايته.

11) أعلقتكم حبائله: جعلتكم معتلِقين فيها، أوقعتكم فيها فاقتنصتكم، وهي جمع حبالة: المصيدة من الحبال، ويروى «عَلِقَتكم» بغير همز.

وَتَكَتَّفَتُكُمْ غَوَائِلُهُ(1)، وَأَقْصَدَتْكُمْ مَعَابِلُهُ(2)، وَعَظُمَتْ فِيكُمْ سَطْوَتُهُ، وَتَتَابَعَتْ عَلَيْكُمْ عَدْوَتُهُ (3)، وَقَلَّتْ عَنْكُمْ نَبْوَتُهُ(4)، فَيُوشِكُ (5)أَنْ تَغْشَاكُمْ (6)دَوَاجِي (7)ظُلَلِهِ (8)وَاخْتِدَامُ عِلَلِهِ (9)، وَحَنَادِسُ (10)غَمَرَاتِهِ (11)، وَغَوَاشِي سَكَرَاتِهِ، وَأَلِيمُ إِرْهَاقِهِ(12).

وَدُجُو (13)إِطْبَاقِهِ (14)، وَخُشُونَهُ مَذاقِهِ (15). فَكَأَنْ قَدْ أَتَاكُمْ بَغْتَةً فَأَسْكَتَ نَجِيَّكُمْ(16). وَفَرَّقَ نَدِيَّكُمْ (17)، وَعَفَّى آثَارَكُمْ (18)، وَعَطَّلَ دِيَارَكُمْ، وَبَعَثَ وَرَاثُکُمْ يَقْتَسِمُونَ


1) تكنّفتكم غوائله: أحاطت بكم دواهيه ومصائبه.

2) أقصدتكم: أصابتكم، أقصده: رماه بسهم فأصاب مقتله، والمعابل: نِصال عِرَاض، الواحدة مِعبَلة -كمِكنسّة بكسر الميم - وهي: النصل الطويل العريض.

3) العَدوة - بالفتح - : العُدوان، عَدوته: ظُلْمه.

4) نَبْوَته: مصدر نَبا السيف، إذا لم يؤثِّر فى الضربة.

5) يوشِك: يقرب.

6) تَغشاكم: تحيط بكم.

7) الدّواجي: الظُّلَم الواحدة داجية.

8) الظُّلَل: جمع ظُلّة، و وهي السحابة.

9) الاحتدام: الاضطرام والاشتداد .

10) الحنادس: الظلمات، جمع حِندِس - بكسر الحاء والدال - : الظلمة الشديدة.

11) الغمرات: الشدائد.

12) إرهاقه: مصدر أرهقته، أي أعجلته، ويروى: «إزهاقه» بالزاي [كما أثبتها عبده].

13) الدُجُو: الإظلام.

14) الأطباق: جمع طَبَق، والمعنى: تكاثف ظلماتها طبق فوق طبق.

15) ویروى «جشوبة مذاقه» [كما أثبتها عبده والصالح في المتن] وهي غلظ الطعام وخشونته.

16) النجيّ: القوم يتناجون.

17) النديّ: القوم يجتمعون في النادي للمشاورة.

18) عَفّى الآثار: محاها .

تُرَاثَكُمْ، بَيْنَ حَمِيمٍ (1)خَاصٌ لَمْ يَنْفَعْ، وَقَرِيبٍ مَحْزُونٍ لَمْ يَمْنَعْ، وَآخَرَ شَامِتٍ لَمْ يَجْزَعْ. فَعَلَيْكُمْ بِالْجِد وَالاجْتِهَادِ، وَالتَّأَهبِ وَالاِسْتِعْدَادِ، وَالتَّزَوُّدِ فِي مَنْزِل الزَّادِ. وَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا كَمَا غَرَّتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ، الَّذِينَ احْتَلَبُوا دِرَّتَهَا (2)، وَأَصَابُوا غِرَّتَهَا (3)، وَأَفْنَوْا عِدَّتَهَا ، وَأَخْلَقُوا جِدَّتَهَا . وَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجْدَاثاً(4)، وَأَمْوَالُهُمْ مِيرَاثاً، لَا يَعْرِفُونَ مَنْ أَتَاهُمْ، وَلَا يَحْفِلُونَ (5)مَنْ بَكَاهُمْ، وَلَا يُجِيبُونَ مَنْ دَعَاهُمْ . فَاحْذَرُوا الدُّنْيَا فَإِنَّهَا غَدَّارَةٌ غَرَّارَةً خَدُوعٌ، مُعْطِيَةٌ مَنُوعٌ، مُلْبِسَةٌ نَزُوعُ(6)، لَا يَدُومُ رَخَاؤُهَا ، وَلَا يَنْقَضِي عَنَاؤُهَا ، وَلَا يَرْكُدُ بَلَاؤُهَا (7).

وَمِنْهَا فِي صِفَةِ الزُّهّادِ

كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا(8)، فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا، عَمِلُوا فِيهَا بِمَا يُبْصِرُونَ، وَبَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ (9)تَقَلَّبُ أَبْدَانُهُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ


1) التراث: الميراث، والحَميم: الصديق.

2) الدِرّة - بالكسر - : اللبن، احتلبوا دِرّتها: فازوا بمنافعها، كما يحتلب الإنسانُ اللبنَ.

3) الغِرّة - بالكسر - : الغفلة، أي أصابوا منها غفلة فتمتعوا بلذاتها، وأفنوا العدد الكثير من أيامها، وجعلوا جديدها خَلَقاً قديماً بطول أعمارهم.

4) الأجداث: القبور.

5) يَحْفِلُون: يبالون.

6) ما ألبست إلّا نزعت عمن ألبسته.

7) لا يَرْكُدُ: أي لا يسكن.

8) أي هم من أهلها في الظاهر وليسوا من أهلها؛ لأنّه لا رغبة عندهم في ملاذّها ونعيمها، فكأنّهم خارجون عنها.

9) أي بما يرونه أصلح لهم ، ويجوز أن يريد أنّهم قد أبصروا المآل، فعملوا فيها على حسب ما يشاهدون من دار الجزاء. و«بادروا فيها ما يحذرون»، أي سابقوه يعنى الموت: بَادَرَا المحذَور: سبقه فلم يصبه.

أَهْلِ الْآخِرَةِ (1)، وَيَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُعَظَّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ، وَهُمْ أَشَدُّ إِعْظَاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحْيَائِهِمْ.

231 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

231 - ومن خطبة له عليه السلام (2)

خَطَبَهَا بِذِي قَارٍ ، وَهُوَ مُتَوَجِّهُ إِلَى الْبَصْرَةِ ذَكَرَهَا الْوَاقِدِيُّ فِي كِتَابِ «الجَمَلِ»

خَطَبَهَا بِذِي قَارٍ (3)، وَهُوَ مُتَوَجِّهُ إِلَى الْبَصْرَةِ ذَكَرَهَا الْوَاقِدِيُّ فِي كِتَابِ «الجَمَلِ»

فَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ بِهِ (4)، وَبَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ، فَلَمَّ اللَّهُ بِهِ الصَّدْعَ(5)، وَرَتَقَ بِهِ الْفَتْقَ(6)، وَأَلَّفَ بِهِ الشَّمْلَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ، بَعْدَ الْعَدَاوَةِ الْوَاغِرَةِ(7)فِي الصُّدُورِ ، وَالصَّغَائِنِ (8)الْقَادِحَةِ فِي الْقُلُوبِ(9).


1) تَقَلّب أبدانهم: أي تتقلب، أي أنّ أبدانهم وهي في الدنيا تتقلب بين أظهر أهل الآخرة؛ لأنّهم يخالطون إلّا أهلَ الدين ولا يجالسون أهل الدنيا. وهو بين ظهرانيهم: أي بينهم حاضراً ظاهراً.

2) رواها المفيد في (الإرشاد) ص 115 ، وابن عبد ربه في (العقد الفريد) ج 2 ص 227 .

3) ذي قارٍ: اسم موضع قريب من البصرة، وفيه كانت وقعة للعرب مع الفرس قبل الإسلام.

4) صَدَع بما أمر به: أي جهر، وأصل الصَّدْع الشقّ، والضمير في «صَدّع» للنبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).

5) لمَ به: جمع ، لمَ الصّدْعَ: لَحْمَ المنشقّ فأعاده إلى القيام بعد الإشراف على الانهدام.

6) الفتق: نقض خياطة الثوب فينفصل بعض أجزائه عن بعض. والرتق: خياطتها ليعود ثوباً، أي جمع الله به متفرق القلوب ومتشتت الأحوال.

7) العداوة الواغرة: ذات الوغرة، وهي شدة الحرّ. والواغِرة: الداخلة.

8) الضغائن: الأحقاد.

9) القادحة: المشتعلة، و«القادحة في القلوب» كأنّها تقدح النار فيها كما تقدح النار بالمِقْدَحة.

232 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

232 - ومن كلام له عليه السلام (1)

كَلَّمَ بِهِ عَبْدَاللَّهِ بْنَ زَمَعَة، وَهُوَ مِنْ شِيعَتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ فِي خِلافَتِهِ يَطْلُبُ مِنْهُ مَالاً، فَقَالَ(علیه السّلام) :

كَلَّمَ بِهِ عَبْدَاللَّهِ بْنَ زَمَعَة(2)

عَيْن بكِّي لنوفل ولعمرو *** ثم لا تبخلي على زَمَعَهُ

، وَهُوَ مِنْ شِيعَتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ فِي خِلافَتِهِ يَطْلُبُ مِنْهُ مَالاً، فَقَالَ(علیه السّلام)

إِنَّ هَذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلَا لَكَ ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ (3)، وَجَلْبُ أَسْيَافِهِمْ(4)، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظَّهِمْ، وَإِلَّا فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لَا تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ.

233 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

233 - ومن كلام له عليه السلام (5)

فِي إِحْجَامِ النِّسَانِ عَنِ الْكَلَامِ

أَلَا وَإِنَّ اللَّسَانَ بَضْعَةٌ(6)مِنَ الْإِنْسَانِ، فَلَا يُسْعِدُهُ الْقَوْلُ إِذَا امْتَنَعَ، وَلَا


1) رواه الآمدي في (غرره) في حرف الألف بلفظ «إنّ» المشدّدة.

2) هو عبدالله بن زمَعَة بن الأسود، كان شيعةٌ لعلي(علیه السّلام) ومن أصحابه، أبوه الأسود قُتِل يوم بدر كافراً، وذكره أُميّة بن أبي الصلت في رثاءه لقتلى بدر:

3) الفيء: الخراج والغنيمة، والأصحّ فيه كما قال الشافعي وغيره أنه مختص بما أخذ من مال الكفار بغير قتال. وشَرِكه - كعَلِمَه - : شاركه . والجّناة - بفتح الجيم - : ما يُجنى من الشجر، أي يُقطف.

4) الجَلب: المال المجلوب، و«جَلب أسيافهم» أي ما جلبته أسيافهم وساقته إليهم.

5) رواه الزمخشري في الجزء الأول من ( ربيع الأبرار).

6) بَضْعة من الإنسان: قطعة منه.

يُمْهِلُهُ(1)النُّطْقُ إِذَا أَتَّسَعَ . وَإِنَّا لَأُمَرَاءُ الْكَلَامِ، وَفِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ(2)، وَعَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ (3).

وَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - أَنَّكُمْ فِي زَمَانِ الْقَاتِلُ فِيهِ بِالْحَقِّ قَلِيلٌ، وَالنِّسَانُ عَنِ الصِّدْقِ كَلِيلٌ(4)، وَاللَّازِمُ لِلْحَقِّ ذَلِيلُ، أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى الْعِصْيَانِ، مُصْطَلِحُونَ عَلَى الْإِدْهَانِ ، فَتَاهُمْ عَارِمٌ (5)، وَشَائِبُهُمْ آثِمٌ ، وَعَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ ، وَقَارِتُهُمْ مُمَاذِقٌ(6)، لَا يُعَظِّمُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَلَا يَقُولُ غَنِيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ (7).


1) الهاء في «يسعده» ترجع الى اللسان، والضمير في «امتنع» يرجع إلى الإنسان. والهاء في «لا يمهله» ترجع إلى اللسان، والضمير في «اتسع» يرجع إلى الإنسان، والتقدير: فلا يسعد اللسانُ القول إذا امتنع الإنسان عن أن يقول، ولا يمهل اللسان النطق إذا اتسع للإنسان القول. والمعنى: أنّ اللسان آلة للإنسان، فإذا صرفه صارفٌ عن الكلام لم يكن اللسان ناطقاً، وإذا دعاه داعٍ إلى الكلام نطق اللسان بما في ضمير صاحبه، إذ أنّ اللسان آلة تحرّكها سلطة النفس فلا يسعد بالنطق ناطق امتنع عليه ذهنه من المعاني فلم يستحضرها، ولا يمهله النطق إذا هو اتّسع في فكره، بل تنحدر المعاني إلى الألفاظ جاربة على اللسان قهراً عنه، فسعة الكلام تابعة لسعة العلم.

2) تنشبت عروقه، أي علقت وثبتت وروي: «انتشبت» والمراد من «العروق» الأفكار العالية والعلوم السامية.

3) التهدّل التدلّي، وتهدّلت أي تدّلت علينا فأظلتنا، والمراد من «الغصون» وجوه القول في فصاحته وصفاته الفاعلة في النفوس.

4) كُلّ لسانه: نَبًا عن الغرض، وإذا مرنت الأسماع على سماع الكذب نبا عنها لسان الصدق فلم يحسب منها حظاً.

5) عارم: شرس، سيئ الخلق.

6) المُمَاذق: من يمزج وده بالغش وهو من صنف المنافقين.

7) هذا الكلام قاله أميرالمؤمنين(علیه السّلام) عندما أمر ابن أخته جَعْدة بن هبيرة المخزوميّ أن يخطب الناس يوماً، فصعد المنبر، فحصِر ولم يستطع الكلام، فقام أميرالمؤمنين(علیه السّلام) فتسنّم ذروة المنبر ،وخطب خطبة طويلة، ذكر الرضي رحمه الله منها هذه الكلمات.

234 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

234 - ومن كلام له عليه السلام (1)

رَوَى ذُعْلُبُ الْيَمَانِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ قُتَيْبَةِ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِحْيَةً قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ، وَقَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُ أُخْتِلافُ النَّاسِ»:

رَوَى ذُعْلُبُ الْيَمَانِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ قُتَيْبَةِ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِحْيَةً(2)قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ، وَقَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُ أُخْتِلافُ النَّاسِ»:

إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِئُ طِينِهِمْ(3)، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِلْقَةً (4)مِنْ سَبَحْ أَرْضِ (5)وَعَذْبِهَا ، وَحَزْنِ (6)تُرْبَةٍ وَسَهْلِهَا ، فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُونَ ، وَعَلَى قَدْرِ اخْتِلَافِهَا يَتَفَاوَتُونَ (7)، فَتَامُ الرُّوَاءِ (8)نَاقِصُ الْعَقْلِ، وَمَادُّ الْقَامَةِ (9)قَصِيرُ الْهِمَّة،


1) رواه اليماني في (الطراز)، والزمخشري في (ربيع الأبرار).

2) ذعلب وأحمد وعبدالله ومالك رجال من رجال الشَّيعة ومحدّثيهم.

3) طينهم: جمع طينة يريد عناصر تركيبهم، وهذا الفصل عندي لا يجوز أن يحمل على ظاهره، والذى أراه أنّ لكلامه(علیه السّلام) تأويلاً باطناً، وهو أن يريد به اختلاف النفوس المدبّرة للأبدان وكنّى عنها بقوله: «مبادىء طينهم» لأنّها لمّا كانت الماسكة للبدن من الانحلال، صارت كالمبدأ وكالعلة له، فإذا فارقت عند الموت افترقت العناصر، وانحلَت الأجزاء، فرجع اللطيف منها إلى الهواء، والكثيف إلى الأرض.

4) الفِلقَة - بكسر الفاء - : القطعة من الشيء.

5) سَبّخ الأرض : مالحها.

6) الحزن - بفتح الحاء - : الخشن، ضد السهل.

7) فتقارب الناس حسب تقارب العناصر المؤلفة لبناهم وكذلك تباعدهم بتباعدها.

8) الرّواء: المنظر الجميل.

9) مادُ القامة: طويلها.

وَزَاكِي الْعَمَلِ(1)قَبِيحُ الْمَنْظَرِ ، وَقَرِيبُ الْقَعْرِ بِعِيدُ السَّبْرِ(2)، وَمَعْرُوفُ الضَّرِيبَةِ (3)مُنْكَرُ الْجَلِيبَةِ(4)، وَتَائِهُ الْقَلْبِ مُتَفَرِّقُ اللُّبِّ ، وَطَلِيقُ اللِّسَانِ حَدِيدُ الْجَنَانِ(5).

235 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

235 - ومن كلام له عليه السلام (6)

قَالَهُ وَهُوَ يَلِي غُسْلَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - وَتَجْهِيزَهُ

بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي(7)يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْإِنْبَاءِ (8)وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ(9)، خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِوَاكَ (10)،


1) يريد بزكاء أعماله حسنّها وطهارتها.

2) «قريب القعر بعيد السّبر» أي قد يكون الإنسان قصيراً، ولكنه داهية باقعة، والمراد بقرب قعره تقارب ما بين طرفيه، فلیست بطنه بمديدة ولا مستطيلة، وإذا سبرته واختبرت ما عنده وجدته لبيباً فَطِناً، لا يوقّف على أسراره ولا يدرك باطنه.

3) الضريبة : الطبيعة.

4) الجليبة: الخلُق الذي يتكلّفه الإنسان ويسّجلبه، مثل أن يكون جباناً بالطبع فيتكلّف الشجاعة.

5) لمّا فرغ من الأخلاق المتضادة ذكر بعدها ذي الأخلاق المتناسبة، فقال: «وتائه القلب متفرق اللّب» وهذان الوصفان متناسبان لا متضادان، وكذلك «طليق اللسان حديد الجنان» وهما متضادان للوصفين قبلهما، فالأولان في الذم، والآخران في المدح.

6) رواه الزجاج في (أماليه) ص 112.

7) أي بأبي أنت مفدّى وأُمّي.

8) الإنباء: الإخبار، مصدر «أنبأ ينبئ» وروي: «الأنباء» بفتح الهمزة [كما أثبتها عبده في المتن] ، جمع «نَبَأ» وهو الخبر.

9) أخبار السماء: الوحي.

10) أي خصّت مصيبتُك أهل بيتك، وعمّت هذه المصيبة أيضاً الناس حتى استوى الخلائق كلُّهم فيها، فهي مصيبة خاصة بالنسبة، وعامّة بالنسبة. أو يريد أنّ النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) خصّ أقاربه وأهل بيته حتى كان فيه الغنى والسلوة لهم عن جميع من سواه، وهو برسالته عام للخلق فالناس في النسبة إلى دينه سواء.

وَعَمَّمْتَ حَتَّى صَارَ النَّاسُ فِيكَ سَوَاءً. وَلَوْلَا أَنَّكُ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ ، وَنَهَيْتَ عَن الْجَزَعِ، لأَنْفَدْنَا عَلَيْكَ مَاءَ الشُّؤُونِ (1)، وَلَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلاً (2)، وَالْكَمَدُ (3)مُحَالِفاً ، وَقَلَّا لَكَ(4)وَلَكِنَّهُ مَا لَا يُمْلَكُ رَدُّهُ(5)، وَلَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ !

بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ! أذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّكَ ، وَاجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ !

236 - من كلام له عليه السلام

اشارة

236 - من كلام له عليه السلام (6)

اقتصَّ فِيهِ ذِكْرَ مَا كَانَ مِنْهُ بَعْدَ هِجَرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ثُمَّ لِحَاقِهِ بِهِ

فَجَعَلْتُ أَتْبَعُ مَأْخَذَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَأَطَأُ ذِكْرَهُ حَتَّى أَنْتَهَيْتُ إِلَى الْعَرْج (7). في كلام طويل.


1) لأنفدنا: أي لأفنينا على فراقك ماء عيوننا الجاري من شؤونه، وهي منابع الدمع مع الرأس.

2) «ولكان الداء مماطلاً» أي مماطلاً بالبرء، أي لا يجيب إلى الإقلاع.

3) الکَمَد: الحزن، ومخالفته: ملازمته.

4) قلّا: فعل ماض متصل بألف التثنية، أي مماطلة الداء ومخالفة الكمد قليلتان لك.

5) «ما» خبر لكن، أي لكنّه الموت الذي لا يملك ردّه ... ، وما حتم وقعه فلا يفيد الأسف عليه؛ لأنّ الأسف وضع في النفوس المداركة الفائت والحذر من الآتي.

6) رواه ابن الأثير في (النهاية) ج 5 مادة بطأ.

7) العَرْج: منزل بين مكة والمدينة، إليه يُنسب العَرْجيُ الشاعر. [وعنده عبده والصالح: العَرَج ]

قَالَ الرَّضِيُّ(رحمه الله) : قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَام: «فَأَطَأُ ذِكْرَهُ»، مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي رُمِيَ بِهِ إِلَى غَايَتَي الْإِيجَازِ وَالْفَصَاحَةِ ، أَرَادَ أَنِّي كُنْتُ أُعْطَى خَبَرَهُ (1)- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - مِنْ بَدْءِ خُرُوجِي إِلَى أَنِ انْتَهَيْتُ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعَ ، فَكَنَّى عَنْ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْكِنَايَةِ الْعَجِيبَةِ .

237 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

237 - ومن خطبة له عليه السلام (2)

فِي الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْعَمَلِ

فَاعْمَلُوا وَأَنْتُمْ فِي نَفَسِ الْبَقَاءِ(3)، وَالصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ(4)، وَالتَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ(5)، وَالْمُدْبِرُ يُدْعَى (6)، وَالْمُسِيءُ يُرْجَى(7)قَبْلَ أَنْ يَجْمُدَ الْعَمَلُ (8)، وَيَنْقَطعَ الْمَهَلُ (9). وَيَنْقَضِيَ الْأَجَلُ، وَيُسَدَّ بَابُ التَّوْبَةِ، وَتَصْعَدَ الْمَلَائِكَةُ(10)فَأَخَذَ امْرُؤٌ مِن نَفْسِهِ


1) أُعطى: بالبناء للمجهول.

2) رواها الآمدي في (الغرر) ص 54 حرف الألف.

3) في نَفَس البقاء: في سعته، تقول: «أنت في نَفَسٍ من أمرك» أي في سَعَة.

4) الصحف منشورة: أي وأنتم بعد أحياء، وصحف الأعمال منشورة لكتابة الصالحات والسيئات.

5) بسط التوبة: قبولها، أي والتوبة مبسوطة لكم غير مقبوضة عنكم.

6) المدير يدعَى: أي من يدبر عنكم عن الخير يُدعى إليه، والمعرض عن الطاعة يدعى إليها.

7) المسىء يُرجى: أي يرجى عوده وإقلاعه، ويُرجى إحسانه ورجوعه عن إساءته.

8) «قبل أن يَجْمُد العمل»، استعارة مليحة؛ لأنّ الميت يجمد عمله ويقف، ويروى: «يَخْمُد» [كما أثبتها عبده والصالح في المتن] من «خمدت النار» و خمود العمل: انقطاعه بحلول الموت، والأول أحسن.

9) ينقطع المَهَل: أي العمر الذى أمهلتم فيه.

10) لأنّ الإنسان عند موته تصعد حفَظته إلى السماء، لأنّه لم يبق لهم شغل في الأرض، وصعود الملائكة لعرض أعمال العبد إذا انتهى أجله ليس بعده توبة.

لِنَفْسِهِ(1)، وَأَخَذَ مِنْ حَيٌّ لِمَيِّتٍ، وَمِنْ فَانِ لِبَاقٍ (2)، وَمِنْ ذَاهِبٍ لِدَائِمِ. اَمْرُؤٌ خَافَ الله (3)وَهُوَ مُعَمَّرُ إِلَى أَجَلِهِ، وَمَنْظُورٌ إِلَى عَمَلِهِ (4). أَمْرُقُ أَلْجَمَ نَفْسَهُ بِلِجَامِهَا، وَزَمَّهَا بِزِمَامِهَا، فَأَمْسكَهَا بِلِجَامِهَا عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ وَقَادَهَا بِزِمَامِهَا (5)إِلَى طَاعَةِ اللهِ.

238 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

238 - ومن كلام له عليه السلام (6)

في شأنِ الْحَكَمَيْنِ وَذَمّ أَهْلِ الشَّامِ

جفَاةً طَغَامٌ(7)، عَبِيدٌ(8)أَقْزّامُ(9)، جُمِعُوا مِنْ كُلِّ أَوْبِ(10)وَتُلْقَطُوا مِنْ كُلِّ


1) المعنى: أنّ من يصوم ويصلي فإنّما يأخذ بعض قوّة نفسه مما يلقى من المشقة لنفسه، أي عُدَة وذخيرة لنفسه يوم القيامة. وأخذ من حيّ لميت، أي من حال الحياة لحال الموت. و «أخذه» أمر بصيغة الماضي، أي فليأخذ، أو هو على حقيقته مرتب على قوله «فاعملوا أي لو عملتم لأخذ امرؤ، وأخذه من نفسه: تعاطي الأعمال الجليلة لنفسه، أي لتسعد بها نفسه. والحي والميت هو المرء نفسه ولكنّه في حياته قادر على العمل فإذا مات فليس له إلّا ما أخذه من حياته.

2) من فانٍ: أي حياه فانية وهي الدنيا، لباقٍ وهو الآخرة، وهكذا الذاهب والدائم.

3) امرؤ خاف... أي الناجي هو أمرؤ خاف الله فأدّى الواجب عليه له وللناس، وهو في مهلة الحياة تمتدّ به إلى أجله.

4) منظور : أي ممهل من الله لا يأخذه بالعقاب إلى أن يعمل فيعفو عن تقصيره ويثيبه على عمله.

5) زمّها: أي قادها بقيادها.

6) تقدم مصدر هذا الكلام تحت رقم 26.

7) الجُفاة - بضم الجيم - : جمع جَافٍ، أي غليظ فظ. والطَّعَام - كسَحَاب - : أوغاد الناس.

8) العبيد كناية عن رديئي الأخلاق، يُقال للأشرار واللئام: عبيد وإن كانوا أحراراً.

9) الأقزام: جمع قَزَم - بالتحريك - : أرذال الناس وسِفلتهم.

10) جُمعوا من كلّ أوب: أي ناحية.

شَوْبٍ(1)، مِمَّنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَقَّهَ وَيُؤَدَّبَ(2)، وَيُعَلَّمَ وَيُدَرَّبَ، وَيُوَلَّى عَلَيْهِ، وَيُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهِ. لَيْسُوا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَا مِنَ الَّذِينَ تَبَوَّلُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ(3).

أَلَا وَإِنَّ الْقَومَ أَخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمَّا يُحِبُّونَ(4)، وَإِنَّكُمْ أَخْتَرْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمَّا تَكْرَهُونَ (5). وَإِنَّمَا عَهْدُكُمْ بِعَبْدِاللهِ بْنِ قَيْسٍ(6)

والصحيح أنّه ليس منهم، ولكنّه أسلم ثم رجع إلى بلاد قومه، فلم يزل بها حتى قِدم هو وناس من الأشعريين على رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فوافق قدومهم قدوم أهل السفينتين جعفر وأصحابه من أرض الحبشة ، فوافَوا رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ،بخیبر، فظنّ قوم أن أبا موسى قِدم من الحبشة مع جعفر. كان أبو موسى والياً على الكوفة في زمن عثمان، فلما قُتل عزله عليّ(علیه السّلام) عنها، فلم يزل واجداً على عليّ(علیه السّلام) .


1) الشَّوْب: الخلط، «من كلّ شوب» أي من فِرَقٍ مختلطة، كناية عن كونهم أخلاطاً ليسوا من صراحة النسب في شيء.

2) أي أنّهم على جهل فينبغي أن يفقَّهوا ويؤدَّبوا ويعلَّموا فرائضهم ويمرَّنوا على العمل بها، وهم سفهاء الأحلام فينبغي أن يولّى عليهم، أي يقام لهم الأولياء ليلزمهم بمصالحهم ويعملوا لهم ويأخذوا على أيديهم فلا يبيحون لهم التصرف من أنفسهم وإلّا جرّتهم إلى الضرر بالجهل والسفه.

3) تبوأوا الدار: أي نزلوا المدينة المنورة ، كناية عن الأنصار الأولين. ومعنى قوله «تبوؤا الدار والإيمان» سكنوهما، وإن كان الإيمان لا يُسكن كما تُسكن المنازل، لكنهم لما ثبتوا عليه، واطمأنوا سمّاه منزلاً ومتبوَّاً.

4) أي إنّ أهل الشام اختاروا لأنفسهم أقرب القوم مما يحبّونه، وهو عمرو بن العاص و «مما يحُبّون»، الذي يحبه أهل الشام هو الانتصار على أهل العراق. وكان ابن العاص أقربّهم إلى بلوغ ذلك، والوصول إليه بمكره وحيلته وخدائعه [و أثبت عبده في المتن: ألا وإنّ القومَ اختاروا لأنفسهم أقرب القومِ ممّا تكرهون. وإنّما عهدكم....].

5) واخترتم لأنفسكم أبا موسى الأشعري، وهو أقرب الناس ممّا تكرهونه، والذي يكرهه أهل العراق استيلاء أهل الشام عليهم. وكان أبو موسى أقرب الناس إلى وقوع ذلك وأبو موسى الأشعري - وهو عبدالله بن قيس - لعدم وقوفه على وجوه الحيل يؤخذ بالخديعة فيكون أقرب إلى موافقة الأعداء على أغراضهم، وهو ما يكرهه أصحاب أميرالمؤمنين، خصوصاً وقد عهدوه بالأمس - أي عند إعداد الجيش للحرب - يقول: إن الحادثة فتنة فقطّعوا أوتار القسِي، وشِيموا - أي أغمدوا - السيوف ولا تقاتلوا، يثبّط بذلك أصحاب عليَّ عن الحرب.

6) عبدالله بن قيس هو أبو موسى الأشعري،اختلف الرواة في أنه من مهاجرة الحبشة أم لا؟

بِالْأَمْسِ (1)يَقُولُ: «إِنَّهَا فِتْنَةٌ فَقَطْعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَشِيمُوا سُيُوفَكُمْ» فَإِنْ كَانَ صَادِقاً(2)فَقَدْ أَخْطَأَ بِمَسِيرِهِ غَيْرَ مُسْتَكْرَةٍ، وَإِنْ كَانَ كَاذِباً فَقَدْ لَزِمَتْهُ التُّهْمَهُ.

فَادْفَعُوا فِي صَدْرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِعَبْدِاللهِ بْنِ الْعَبَّاسِ (3)، وَخُذُوا مَهَلَ الأَيَّام (4)، وَحُوطُوا قَوَاصِيَ الإِسْلَامِ (5).

أَلَا تَرَوْنَ إِلَى بِلَادِكُمْ تُغْزَى (6)، وَإِلَى صَفَاتِكُمْ تُرْمَى (7)؟


1) أنتم بالأمس - يعني في واقعة الجمل - قد سمعتم أبا موسى ينهى أهل الكوفة عن نُصرتي، ويقول لهم: «هذه هي الفتنة التي وُعدنا بها، فقطّعوا أوتار قسيّكم وشيموا سيوفكم» أي أغمدوها ، فإن كان صادقاً فما باله سار إليّ وصار معي في الصفّ، وإن كان كاذباً فقد لزمته التُّهمة.

2) إن صحّ قول أبي موسى إنّها فتنة، ولم يكرهه أحد على الدخول فيها فقد أخطأ بمسيره إلیها، وكان عمله خلاف عقيدته، ومن كان شأنه ذلك فلا يصلح للحكم، وإن كان كاذباً في ما يقول فقد كان عارفاً بالحق ونطق بالباطل، فهو منهم، ويخشى أن يكون منه مثل ذلك في الحكم.

3) قوله : «فادفعوا ...» أي اختاروا ابن عباس حَكَماً ، فإنّه كفؤ لعمرو بن العاص.

4) «وخذوا مهل الأيام»: أي اغتنموا سَعَة الوقت، وخذوا مهل الأيام في فسحتها، فاستعدوا فيها بجميع قواكم، وتوفير عددكم، وتجنيد جيوشكم.

5) قواصي الإسلام: ما بعد من الأطراف والنواحي، و «حوطوا قواصي الإسلام»: أي احفظوها من غارة أهل الفتنة عليها، واجعلوا كلّ قاصية لكم لا عليكم.

6) هذا يدل على أن الخطبة بعد انقضاء أمر التحكيم، حيث بعث معاوية السرايا الى أعمال أميرالمؤمنين(علیه السّلام) .

7) رمي الصَّفاة - بفتح الصاد - : كناية عن طمع العدو فيما باليد. رمى فلانٌ صَفاة فلان، إذا دهاه بداهية، وأصل ذلك الصخرة الملساء، لا يؤثر فيها السهام ولا يرميها الرامي، إلّا بعد أن مَهَل غيرها، يراد منها القوة، وما يحميه الإنسان. يقول: قد بلغت غاراتُ أهل الشام حدودُ الكوفة - مقر الخلافة - وذلك لا يكون إلّا بعد الإثخان في غيرها من الأطراف.

239 - ومن خطبة له عليه السلام

اشارة

239 - ومن خطبة له عليه السلام (1)

يَذْكُرُ فِيهَا آلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ

هُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ، وَمَوْتُ الْجَهْلِ (2). يُخْبِرُكُمْ عِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ، وَصَمْتُهُمْ عَنْ حُكْمِ مَنْطِقِهِمْ (3). لَا يُخَالِفُونَ الْحَقِّ(4)وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.

وَهُمْ دَعَائِمُ الْإِسْلَامِ(5)، وَوَلَائِجُ الاِعْتِصَامِ(6)بِهِمْ عَادَ الْحَقِّ إِلَى نِصَابِهِ(7)، وَأَنْزَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ مَقَامِهِ، وَأنْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ مَنْبِتِهِ(8)، عَقَلُوا الدِّينَ عَقْلَ وِعَايَةٍ وَرِعَايَةٍ(9)، لَا عَقْلَ سَمَاعٍ وَرِوَايَةٍ. فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ.


1) هذا فصلٌ من الخطبة 148، وقد تعرضنا لمصادرها.

2) يقول: «بهم يحيا العلم ويموت الجهل» فسمّاهم حياة ذاك، وموت هذا، نظراً إلى السببية.

3) حُكْم منطقهم: حكمة منطقهم، [و عند عبده والصالح: حِكَمِ منطقهم].

4) لا يخالفون الحق: لا يعدلون عنه.

5) دعائم الإسلام: أركانه.

6) ولائج: جمع وليجة، وهي ما يدخل فيه السائر اعتصاماً من مطر أو برد أو توقّياً من مفترس.

7) نِصاب الحق: أصله، والأصل في معنى النصاب مقبض السكين ، فكأنّ الحق نصل ينفصل عن مقبضه ويعود إليه. عاد الحقُّ إلى نصابه: رجع إلى مستقرّه وموضعه.

8) انزاح الباطل: زال. وانقطاع لسان الباطل عن مَنْبِتِه - بكسر الباء - : أي عن أصله، مجاز عن بطلان حجّته وانخذاله عند هجوم جيش الحق عليه.

9) «عقلوا الدينَ عقلَ رِعاية» أي عرفوا الدين معرفة مَن وعى الشيء وفهمه وأتقنه. ووعاية: أي وعوا الدين وحفظوه وحاطوه، لبس كما يعقله غيرهم عن سماع وروايةٍ، فإنّ من يروي العلم ویسنده الى الرجال كثير، ومَن يحفظ العلم حفظ فَهم وإدراك أصالةً لا تقليداً قليل. فالرعاية و هي ملاحظة أحكام الدين، وتطبيق الأعمال عليها، هي العلم بالدين حقيقة، أمّا السماع والرواية مجردين عن الفهم والرعاية فمنزلتهما لا تخالف منزلة الجهل إلّا في الاسم.

240 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

240 - ومن كلام له عليه السلام (1)

قاله لعَبْدِ اللهِ بن عَبّاس

قاله لعَبْدِ اللهِ بن عَبّاس وَقَدْ جَاءَهُ بِرِسَالَةٍ مِنْ عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورُ يَسْأَلُهُ فِيهَا الْخُرُوجَ إِلَى مَالِهِ بِيَنْبُعَ(2)، لِيَقِلْ

هَتْفُ(3)النَّاسِ بِاسمِه لِلْخِلافَةِ(4)، بَعْدَ أَنْ كَانَ سَأَلَهُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:

يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا يُرِيدُ عُثْمَانُ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَنِي جَمَلًا نَاضِحَاً (5)بِالْغَرْبِ(6)، أَقْبِلْ وَأَدْبِرُ (7)

أراك إذا أصبحت للقومِ ناضحاً*** يُقال له بالغَرْبِ أدْبِرُ وأَقْبِلِ

! بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَقْدُمَ، ثَمَ هُوَ آلَآنَ يَبْعَثُ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ ! وَاللهِ لَقَدْ دَفَعْتُ عَنْهُ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ أَثِماً(8).

1) رواه المبرد في (الكامل ) ج 1 ص 11 ، وابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) ج 1 ص 34.

2) ينُبع: اسم موضع، كان فيه نخلٌ لعليّ بن أبي طالب(علیه السّلام) ، وهو الآن بلد صغير من أعمال المدينة.

3) هَتْفُ الناس باسمه: نداؤهم ودعاؤهم، وأصله الصوت، يُقال: هتف الحمام يهتف هتفاً، وهتف زید بعمرو هُتافاً، أي صاح به، وقوّس هتّافة وهتفى، أي ذات صوت.

4) كان الناس يهتفون باسم أميرالمؤمنين للخلافة، أي ينادون به وعثمان محصور، فأرسل إليه عثمان يأمره أن يخرج إلى ينبع، وكان فيها رزق لأميرالمؤمنين فخرج ، ثم استدعاء لينصره فحضر، ثم عاود الأمر بالخروج مرة ثانية.

5) الناضح: البعير يُستقى عليه. نَضَحَ الجَمَلُ الماءَ: حمله من بئر أو نهر ليسقي به الزرعَ، فهو ناضح، والكلام تمثيل للتسخير.

6) الغَرْب - بفتح فسكون : الدلو العظيمة.

7) «أقبل وأدبر، [وأثبت عبده في المتن: «أُقْبِلُ وأُدْبِرُ»]، أي يقول لي ذلك كما يقال للناضح، وقد صرّح العباس بن مرداس بهذه الألفاظ فقال:

8) بالغت في الدفاع عنه حتى خشيت أن أكون آثماً في ذلك، لأنّه لا يستحق الدفاع عنه لجرائمه وأحداثه، وهذا تأويل مَن ينحرِف عن عثمان، ويحتمل أن يريد: لقد دفعتُ عنه حتى کدت أن أُلقيّ نفسي بالتهلكة، وأن يقتلني الثائرون عليه فأكون آثماً.

241 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

241 - ومن كلام له عليه السلام (1)

يَحُثُ فِيهِ أَصْحَابَهُ عَلَى الْجِهَادِ

وَاللهُ مُسْتَأْدِيكُمْ شُكْرَهُ(2)، وَمُورِّتُكُمْ أَمْرَهُ(3)، وَمُمْهِلُكُمْ في مِضْمَارٍ مَحدُود (4). لِتَتَنَازَعُوا سَبَقَهُ(5). فَشُدُّوا عُقَدَ الْمَآزِرِ (6)، وَأطْوُوا فُضُولَ الْخَوَاصِرِ (7)، لَا تَجْتَمِعُ عَزِيمَةٌ وَوَلِيمَةٌ (8)مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ(9)! وَأَمْحَى الظُّلَمَ لِتَذَاكِيرِ الْهِمَم(10)!

وصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَبِيِّ الأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ مصابيح الدجى وَالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كثيراً .


1) رواه الآمدي في (غرره) ص 308.

2) مُستأديكم: طالب منكم أداء شكره.

3) أمره: سلطانه في الأرض يورثه الصالحين المحافظين على رعاية أوامره ونواهيه.

4) مُمْهِلكم : أي معطيكم مهلة في مضمار الحياة المحدود بالأجل وأصل المضمار المكان تضمّر فيه الخيل، أي تحضر للسباق، وهو هنا كناية عن مدة العمر.

5) لتتنازعوا: أي تتنافسوا في سَبْقِهِ. والسبق : الخط يوضع بين المتسابقين يأخذه السابق منهم، وهو هنا الجنة. شبّه الآجال المضروبة للمكلّفين بالمضمار المحدود لخيل تتنازع فيه السبق.

6) العُقد: عُقدة. والمآزر: جمع مِنْزر. وشدّ عُقَد المآزر كناية عن الجد والتشمير، فإنّ من شدّ العقدة أمن من انحلالها فيمضي في عمله غير خائف.

7) نهى(علیه السّلام) عن كثرة الأكل، لأنّ الإنسان الكثير الأكل لا يطوي فضول خواصره لامتلائها، والقليل الأكل يأكل في بعضها ويطوي بعضها. ويمكن أن يريد معنى آخر وهو ما فضل من مآزركم يلتف على أقدامكم فاطووه حتى تخفّوا في العمل ولا يعوقكم شيء عن الإسراع في عملكم.

8) «لا تجتمع عزيمة ووليمة»: أي لا يجتمع طلب المعالي مع الركون إلى اللذائذ.

9) «ما» تعجبية، أي ما أشدّ نقضاً لعزيمة النهار بعزم السائر على قطع جزء من الليل في السير، فإذا جاء الليل غلبه النوم فنقض عزيمته.

10) الظُلَم: جمع ظُلمة، متى دخلت محت تذكار الهمّة التي كانت في النهار، فهو يريد من الظُّلَم التي ينام فيها، لا كلّ الظُّلم والتذاكير: جمع تُذكار .

رَسَائِلُ أميرالمومنين (علیه السّلام)

بَابُ الْمُخْتَارِ مَنْ كَتَبَ مَوْلَانَا أميرَالمُؤمِنينَ عَلَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَ رَسَائِلِهِ إِلَى أَعْدَائِهِ وَ أُمَرَاءِ بِلَادِهِ وَ یدخل فِي ذَلِكَ مَا اخْتَبَرَ عَمُودُهُ الی عُمَالَةُ وَ وَصَايَاهُ الأهله وَ أَصْحَاب

اشارة

1 - من كتاب له عليه السلام

اشارة

1 - من كتاب له عليه السلام (1)

إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ عِنْدَ مَسِيرِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ إلَى الْبَصْرَةِ

مِنْ عَبدِاللهِ عَلِيٌّ أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَهْلِ الكُوفَةِ، جَبْهَةِ الْأَنْصَارِ(2)قيلة : هي قيلة أمّ الأوس والخزرج. (3)وَسَنَامٍ الْعَرَبِ (4).

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَمْرِ عُثْمَانَ حَتَّى يَكُونَ سَمْعُهُ كَعِيَانِهِ. إِنَّ النَّاسَ طَعَنُوا عَلَيْهِ ، فَكُنْتُ رَجُلاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أُكْثِرُ اسْتِعْتَابَهُ(5)، وَأُقِلُ عِتَابَهُ، وَكَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ أَهْوَنُ سَيْرِهِمَا فِيهِ الْوَجِيفُ(6)، وَأَرْفَقُ حِدَائِهِمَا الْعَنِيفُ ، وَكَانَ مِنْ


1) رواه ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة ) ج 1 ص 67، والزمخشري في (ربيع الأبرار) باب العداوة والبغضاء.

2) قوله : «جبهة الأنصار» يمكن أن يريد جماعة الأنصار؛ فإنّ الجبهة في اللغة الجماعة، ويمكن أن يريد به سادة الأنصار وأشرافهم؛ لأنّ جبهة الإنسان أعلى أعضائه، وليس يريد ها هنا بني قَيْلة

3) ، بل الأنصار ها هنا الأعوان.

4) وسنام العرب: أي أهل الرفعة والعلوُ منهم؛ لأنّ السنام أعلى أعضاء البعير، فشبههم بالجبهة من حيث الكرم، وبالسنام من حيث الرفعة.

5) الاستعتاب : طلب العُتبى، وهي الرّضا، واستعتابه : استرضاؤه. قال : كنت أكثر طلب رضاه، وأقل عتابه وتعنيفه على الأمور، وأمّا طلحة والزبير فكانا شديدين عليه.

6) الوجيف : ضرب من سير الخيل والإيل سريع، وهذا مَثَلٌ للمشمّرين في الطعن عليه، حتى إنّ السّير السريع أبطأ ما يسيران في أمره، والحداء العنيف أرفق ما يحرّضان به عليه. وجملة «أهون سيرها الوجيف» خبر كان، أي أنّهما سارعا لإثارة الفتنة عليه. والحِذَاء : زجر الإبل وسَوْقها .

عَائِشَةَ فِيهِ فَلْتَهُ غَضَبٍ(1)، فَأُتِيحَ لَهُ قَوْمٌ فَقَتَلُوهُ(2)، وَبَايَعَنِي النَّاسُ غَيْرَ مُسْتَكْرَهِينَ وَلَا مُجْبَرِينَ ، بَلْ طَائِعِينَ مُخَيَّرِينَ .

وَاعْلَمُوا أَنَّ دَارَ الْهِجْرَةِ (3)قَدْ قَلَعَتْ بِأَهْلِهَا وَقَلَعُوا بِهَا(4)، وَجَاشَتْ جَيْسَ الْمِرْجَلِ (5)وَقَامَتِ الْفِتْنَةُ عَلَى الْقُطْبِ(6)، فَأَسْرِعُوا إِلَى أَمِيرِكُمْ، وَبَادِرُوا جِهَادَ عَدُوِّكُمْ، إِنْ شَاءَ اللهُ.

2 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

2 - ومن كتاب له عليه السلام (7)

إِلَيْهِمْ بَعْدَ فَتْحِ الْبَصْرَةِ

وَجَزَاكُمُ اللهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرٍ عَن أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ أَحْسَنَ مَا يَجْزِي الْعَامِلِينَ


1) قيل: إنّ عائشة أمّ المؤمنين أخرجت نعلي رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وقميصه، من تحت ستارها، وعثمان على المنبر، وقالت : «هذان نعلا رسول الله، وقميصه، لم تبل، وقد بَدَّلتَ من دينه، وغيّرتَ من سنته» وجرى بينهما كلام المخاشنة، فقالت : «أقتلوا نعثلاً» تشبّهه برجلٍ معروف.

2) فأُتيح : أي قُدرَ له قوم فقتلوه.

3) دار الهجرة : المدينة.

4) قوله : «قد قلعت بأهلها وقلعوا بها» الباء في الأول زائدة، وفي الثاني بمعنى «من» يقول : فارقت أهلها وفارقوها، ومنه قولهم : «هذا منزلٌ قُلعة» أي ليس بمستوطن، و«قلع المكان بأهله» نبذهم فلم يصلح لاستياطنهم.

5) جاشت : اضطربت وغَلّت، والجَيش : الغليان. والمِرْجل : القِدْر ، أي فعليكم أن تقتدوا بأهل دار الهجرة؛ فقد خرجوا جميعاً لقتال أهل الفتنة.

6) القطب : هو نفس الإمام، قامت عليه فتنة أصحاب الجمل.

7) نقله المفيد في (كتاب النصرة) ص 215 عن كتاب (الجمل ) للواقدي.

بِطَاعَتِهِ ، وَالشَّاكِرِينَ لِنِعْمَتِهِ ، فَقَدْ سَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ، وَدُعِيتُمْ فَأجَبتُم.

3- ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

3- ومن كتاب له عليه السلام (1)

كَتَبَهُ لِشُرَيْح بْن الْحَارِثِ فَاضِيهِ

كَتَبَهُ لِشُرَيْح بْن الْحَارِثِ فَاضِيهِ (2)

رُويَ أَنَّ شُرَيْحَ بْنَ الْحَارِثِ قَاضِي أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَام أَشْتَرَى عَلَى عَهْدِهِ دارأ بِثَمَانِينَ دِينَاراً؛ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَأَسْتَدْعَى شُرَيْحاً، وَقَالَ لَهُ:

بَلَغَنِي أَنَّكَ ابْتَعْتَ دَاراً بِثَمَانِينَ دِينَاراً ، وَكَتَبْتَ لَهَا كِتَاباً، وَأَشْهَدْتَ فِيهِ شُهُوداً .

فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٍ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ : فَنَظَرَ إِلَيْهِ نَظَرَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ:

يَا شُرَيْحُ، أَمَا إِنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَنْ لَا يَنْظُرُ فِي كِتَابِكَ ، وَلَا يَسْأَلُكَ عَنْ بَيِّنَتِكَ، حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنْهَا شَاخِصا (3)، وَيُسْلِمَكَ إِلَى قَبْرِكَ خَالِصاً. فَأَنْظُرْ يَا شُرَيْحُ لَا تَكُونُ ابْتَعْتَ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ مَالِكَ، أَوْ نَقَدْتَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ حَلَالِكَ! فَإِذَا أَنْتَ قَدْ خَسِرْتَ دَارَ الدُّنْيَا وَدَارَ الْآخِرَةِ .


1) رواه سبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواص) ص 185 ، والقاضي القضاعي في (دستور معالم الحكم) ص135.

2) هو شُريح بن الحارث بن المنتجع الكنديّ، وقيل: إنّه حَليفٌ لكِندة من بني الرائش، ويكنّى أبا أُميّة. استعمله عمر على القضاء بالكوفة، فلم يزل قاضياً ستين سنة، ثمّ استعفى الحجّاج من العمل فأعفاء، فلزم منزله إلى أن مات.

3) شاخصاً : ذاهباً مبعداً.

أَمَا إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ أَتَيْتَنِي عِنْدَ شِرَائِكَ مَا أَشْتَرَيْتَ، لَكَبْتُ لَكَ كِتَاباً عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ، فَلَمْ تَرْغَبْ فِي شِرَاءِ هَذِهِ الدَّارِ بِالدِّرْهَم فَمَا فَوْقَ ، وَالنُّسْخَةُ هَذِهِ :

«هَذَا مَا أَشْتَرَى عَبْدٌ ذَلِيلٌ ، مِنْ مَيّتٍ قَدْ أُزْعِجَ لِلرَّحِيلِ ، أَشْتَرَى مِنْهُ دَاراً مِنْ دَارِ الْغُرُورِ، مِنْ جَانِبِ الْفَانِينَ، وَخِطَّةِ الْهَالِكِينَ (1)وَتَجْمَعُ هَذِهِ الدَّارَ حُدُودُ أَرْبَعَةُ : الْحَدُّ الْأَوَّلُ يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الآفَاتِ، وَالْحَدُّ الثَّانِي يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الْمُصِيبَاتِ، وَالْحَدُّ الثَّالِثُ يَنْتَهِي إِلَى الْهَوَى الْمُرْدِي، وَالْحَدُّ الرَّابِعُ يَنْتَهِي إِلَى الشَّيْطَانِ الْمُغْوِي. وَفِيهِ يُشْرَعُ بَابُ هَذِهِ الدَّارِ (2)أَشْتَرَى هذَا الْمُغَتَرُّ بِالْأَمَلِ ، مِنْ هَذَا الْمُزْعَجِ بِالْأَجَلِ هَذِهِ الدَّارَ بِالْخُرُوجِ مِنْ عِزِّ الْقَنَاعَةِ، وَالدُّخُولِ فِي ذُلِّ الطَّلَبِ وَالصَّرَاعَةِ (3)، فَمَا أَدْرَكَ هَذَا الْمُشْتَرِي فِيمَا أَشْتَرَى مِنْ دَرَكٍ(4)، فَعَلَى مُبِلْبِلِ أَجْسَامِ الْمُلُوكِ(5)، وَسَالِبٍ نُفُوسِ الْجَبَابِرَةِ، وَمُزِيلِ مُلْكِ الْفَرَاعِنَةِ، مِثْلِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَتُبَّعِ وَحِمْيَرَ، وَمَنْ جَمَعَ الْمَالَ عَلَى الْمَالِ فَأَكْثَرَ، وَمَنْ بَنَى وَشَيَّدَ، وَزَخْرَفَ(6)وَنَجَّدَ(7)،


1) خِطّة الهالكين - بكسر الخاء - : وهي الأرض يختطّها الإنسان، أي يُعْلِم عليها علامة بالخَطّ؛ ليعمرها، ومنه خطط الكوفة والبصرة.

2) يشرع : أي يفتح في الحد الرابع.

3) الضراعة : الذِلّة.

4) الدرك - بالتحريك - : التبعة، والمراد منه ما يضرّ بملكية المشتري أو منفعته بما اشترى ويكون الضمان فيه على البائع.

5) مبلبل الأجسام: مهيج داءاتها المهلكة لها.

6) شيّد : رفع البناء. وزَخرَف البناءَ: أي ذهَب جدرانه بالزَخرف، وهو الذهب.

7) نجد: فَرَشَ المنزل بالوسائد وزيّنه، والنَّجاد: الذى يعالج الفرش والوسائد ويخيطهما، والتنجيد: التزيين بذلك، ويجوز أن يُريد بقوله : «نجد» رفع وعلا، من النَجد، وهو المرتفع من الأرض.

وَأَدَّخَرَ وَأَعْتَقَدَ(1)، وَنَظَرَ بِزَعْمِهِ لِلْوَلَدِ، إِشْخَاصُهُمْ(2)جَمِيعاً إِلَى مَوْقِفِ الْعَرْضِ وَالْحِسَابِ، وَمَوْضِعِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، إِذَا وَقَعَ الْأَمْرُ بِفَصْلِ الْقَضَاءِ، «وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ» شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ الْعَقْلُ إِذَا خَرَجَ مَنْ أَسْرِ الْهَوَى، وَسَلِمَ مِنْ عَلَائِقِ الدُّنْيَا » (3).

4 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

4 - ومن كتاب له عليه السلام (4)

إِلَى بَعْضٍ أُمَرَاءِ جَيْشِهِ

فَإِنْ عَادُوا إِلَى ظِلٍّ الطَّاعَةِ فَذَاكَ الَّذِي نُحِبُّ، وَإِنْ تَوَافَتِ(5)الْأُمُورُ بِالْقَوْمِ إِلَى الشَّقَاقِ وَالْعِصْيَانِ فَأَنْهَدْ(6)بِمَنْ أَطَاعَكَ إِلَى مَنْ عَصَاكَ، وَأَسْتَغْنِ بِمَنِ أنْقادُ


1) اعتقد : جعل لنفسه عُقدة كالضيعة أو الذخيرة من المال الصامت، واعتقد المال : اقتناه.

2) «إشخاصهم» مبتدأ مؤخر خبرُه «على مبلبل الأجسام» أي إذا لحق المشتري ما يوجب الضمان فعلى مبلبل الأجسام إرساله هو والبائع الى موقف الحساب .... ومعنى إشخاصهم : إرسالهم وترحيلهم حتى يحضروا بأشخاصهم.

3) وموضع الاستحسان في هذا الفصل - وإن كان كلّه حسناً - أمران : الأوّل : أنّه نظر إليه نظر مغضب؛ إنكاراً لابتياعه داراً بثمانين ديناراً، وهذا يدلُ على زهد شديدٍ في الدنيا واستكثار للقليل منها. الثاني : أنّه أملى عليه كتاباً زهديّاً وعظياً، مماثلاً لكتب الشروط التي تكتب في ابتياع الأملاك، ولم نسمع عن أحدٍ من الصحابة أنّه نقل صيغة الشرط الفقهي إلى معنى آخر كما قد نظمه هو (علیه السّلام)، ولا غرو فما زال سبُاقاً إلى العجائب والغرائب!

4) رواه السبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواص).

5) توافى القوم : وافى بعضهم بعضاً حتى تم اجتماعهم، أي وإن اجتمعت أهواؤهم إلى الشقاق.

6) أَنْهَد : أي انهض.

مَعَكَ عَمَّنْ تَقَاعَسَ عَنْكَ (1)فَإِنَّ الْمُتَكَارِة (2)مَغِيبُهُ خَيْرٌ مِنْ مَشْهَدِهِ، وَتُعُودُهُ أَغْنَى مِنْ نُهُوضِهِ.

5- ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

5- ومن كتاب له عليه السلام (3)

إِلَى الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وَهُوَ عَامِلُ أَذْرَ بَيْجَانَ

إِلَى الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وَهُوَ عَامِلُ أَذْرَ بَيْجَانَ (4)

وَإِنَّ عَمَلَكَ (5)لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ(6)، وَلَكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ، وَأَنْتَ مُسْتَرعيَّ(7)لِمَنْ فَوْقَكَ . لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفْتَاتَ فِي رَعِيَّةٍ(8)، وَلَا تُخَاطِرَ إِلَّا بِوَثِيقَةٍ(9)، وَفِي يَدَيْكَ


1) تقاعس : أي أبطأ وتأخّر.

2) المتكارِه : الذي يخرج إلى الجهاد من غير نيّة بصيرة، وإنّما يخرج كارهاً مرتاباً، متثاقلاً بكراهة الحرب، وجوده في الجيش يضرّ أكثر مما ينفع.

3) نقله ابن مزاحم في كتابه (صفّين) ص 20 ، وابن عبد ص 20 ، وابن عبد ربه في (العقد الفريد) ج 2، ص 91 .

4) أذربيجان : اسمُ أعجميُّ غير مصروف، والنسبة إليه أذريٌ بسكون الذال.

5) عملك : أي ما ولّيت لتعمله في شؤون الأمّة.

6) الطُّعمة - بضم الطاء - : المأكلة.

7) مُسترعىّ : يرعاك من فوقك، وهو الخليفة.

8) يقال : «افتات فلان على فلان» إذا فعل بغير إذنه ما سبيلُه أن يستأذنه فيه، وأصله من الفَوت وهو السَّبق، كأنّه سبقه إلى ذلك الأمر. وتفتات : أي تستبدَ ، وهو افتعال من الفوت. يقول(علیه السّلام) : إنّ عملك لم يُجعل لك أكلاً، لكنّه أمانة في يدك وعنقك للمسلمين، وفوقك سلطان أنت له رعيّة، فليس لك أن تفتاتَ في الرعية الذين تحت يدك.

9) «ولا تخاطر إلّا بوثيقة»، أي لا تُقدِم على أمرٍ مَخوفٍ فيما يتعلّق بالمال الذي تتولاً إلّا بعد أن تتوثّق لنفسك، يقال : أخذ فلان بالوثيقة في أمره، أي احناط.

مَالٌ مِنْ مَالِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنْتَ مِنَ خُزَانِهِ(1)حَتَّى تُسَلِّمَهُ إِلَيَّ، وَلَعَلِّي أَلَّا أَكُونَ شَرَّ ولاتِكَ لَكَ (2)، وَالسَّلامُ (3).

6 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

6 - ومن كتاب له عليه السلام (4)

إِلَى مُعَاوِيَةَ

إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ . فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ ، وَلَا لِلْغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ، وَإِنَّمَا السُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضىً، فَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ، فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى اتِّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَلَّاهُ اللهُ مَا تَوَلَّى.

وَلَعَمْرِي يَا مُعَاوِيَةٌ، لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ ، لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ النَّاسِ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ، وَلَتَعْلَمَنَّ أَنِّي كُنْتُ فِي عُزْلَةٍ عَنْهُ، إِلَّا أَنْ تَتَجَنَّى(5)فَتَجَنَّ مَا بَدَا لَكَ وَالسَّلَامُ .


1) خُزان - بضم فتشديد - : جمع خازن، والمراد الحافظ.

2) أي ربّما تحمد خلافتي وولايتي عليك، وتصادف منّي إحساناً إليك والولاة : جمع والٍ، من «ولى عليه» إذا تسلّط يرجو أن لا يكون شرَّ المتسلطين عليه، ولا يحقّ الرجاء إلّا إذا استقام.

3) هذا الكتاب كتبه إلى الأشعث بعد انقضاء الجمل.

4) ذكره ابن مزاحم في كتابه (صفّين) ص 29 ، وابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) ج 1 ص 93 .

5) تجنّى - كتولّى - : ادّعى الجناية على مَن لم يفعلها.

7- ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

7- ومن كتاب له عليه السلام (1)

إِلَيْهِ أَيْضاً

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَتَتْنِي مِنْكَ مَوْعِظَةٌ مُوَصَّلَةٌ(2)، وَرِسَالَةٌ مُحَبَّرَةٌ (3)، نَمَّقْتَهَا بِصَلَالِكَ، وَأَمْضَيْتَهَا بِسُوءٍ رَأْيِكَ (4)، وَكِتَابُ (5)أَمْرِيُّ لَيْسَ لَهُ بَصَرُ يَهْدِيهِ، وَلَا قَائِدُ يُرْشِدُهُ، قَدْ دَعَاهُ الْهَوَى فَأَجَابَهُ، وَقَادَهُ الضَّلَالُ فَاتَّبَعَهُ ، فَهَجَرَ لَا غِطَاه(6)، وَضَلَّ خَابِطا(7).

وَمِنْ هَذَا الْكِتَابِ: لأَنّها بَيْعَةُ وَاحِدَةٌ لَا يثَنَّى فِيهَا النَّظَرُ(8)، وَلَا يُسْتَأْنَفُ فِيهَا الْخِيَارُ(9). الْخَارِجُ مِنْهَا طَاعِنُ ، وَالْمُرَوِّي فِيهَا مُدَاهِنُ (10).


1) نقله ابن أعثم الكوفي في (الفتوح ) ج 2 ص 431 ، والمبرد في (الكامل ) ج 1 ص 193.

2) موعظة موصّلة: أي مجموعة الألفاظ من ها هنا وها هنا، ملفّقة من كلام مختلف وصِلّ بعضه ببعض على التباين، كالثوب المرقع، وذلك عيب في الكتابة والخطابة.

3) الرسالة المحبّرة : المزيّنة بالألفاظ، ونمقتها : حسّنت كتابتها، كأنّه (علیه السّلام) يشير إلى أنّه قد كان يظهر عليها أثر التكلّف والتصنّع. والتنميق : التزيين أيضاً.

4) أمضيتها: أنقذتها وبعثتها.

5) «کتاب» عطف على «موعظة».

6) هَجَر الرّجل: أي هَذى في كلامه ولغا. واللاغط : ذو اللغط، وهو الصوت والجَلَبة.

7) خَبّط البعير فهو خابط، إذا مشى ضالاً فخبط بيديه كلَّ ما يَلْقاء، ولا يتوقّى شيئاً. وهذا كتاب كتبه عليُّ(علیه السّلام) جواباً عن كتاب كتبه معاوية إليه في أثناء حرب صفِّين، بل في أواخرها.

8) لا يُثَنَّى فيها النظر: لا يعاود ولا يراجع ثانية.

9) لا يستأنف فيها الخيار: ليس بعد عقدها خيار لمن عقدها ولا لغيرهم.

10) المُروِّي فيها مُدَاهِنٌ أي الذي يرتني ويبطئ عن الطاعة ويفكّر هل يقبلها أو ينبذها، وأصله من الرويّة. والمداهن : المنافق.

8- ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

8- ومن كتاب له عليه السلام (1)

إِلَى جَرِيرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ الْبَجَلِيِّ لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى مُعَاوِيَةً

إِلَى جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ(2)لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى مُعَاوِيَةً

أَمَّا بَعْدُ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي فَأَحْمِلْ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْفَصْلِ(3)، وَخُذْهُ بِالْأَمْرِ الْجَزْمِ(4)، ثُمَّ خَيِّرْهُ بَيْنَ حَرْبٍ مُجْلِيَةٍ(5)، أَوْ سِلْمِ مُخْزِيَةٍ(6)

وإنّما جعلها مخزية لأنّ معاوية امتنع أولاً من البَيعة، فإذا بايع بأن دَخَل في السِّلم فقد دخل تحت الهَضْم؛ وذلك هو الخِزْي.

، فَإِنِ اخْتَارَ الْحَرْبَ فَأَنْبِذْ إِلَيْهِ(7)، وَإِنِ اخْتَارَ السِّلْمَ فَخُذْ بَيْعَتَهُ، وَالسَّلَامُ.

1) رواه ابن مزاحم في كتابه (صفّين) ص 55 ، وابن عبد ربه في (العقد الفريد) ج 2 ص 232 .

2) قد تقدّم ذكر جرير بن عبدالله البجليّ [ص 116 من هذا الكتاب].

3) أي لا تتركه متلكّناً متردداً، يُطْمعُك تارة ويؤيسك أخرى، بل احمله على أمرٍ فَيصَلٍ، إمّا البَيعة، أو أن يأذَن بالحرب، والفصل : الحكم القطعي.

4) الأمر الجزم : المقطوع به، وأصل الجزم القطع.

5) حربٌ مُجْلِية : تُجلي المقهورين فيها عن ديارهم، أي تُخرجهم.

6) سِلْم مخزية: أي فاضحة، وهو الصلح الدال على العجز والخطل في الرأي الموجب للخزي.

7) فانبذ إليه أي اطرح إليه عهد الأمان وأعلنه بالحرب، والفعل من باب ضرب، وأصله العهد والهدنة وعقد الحِلف يكون بين الرجلين أو بين القبلتين، ثم يبدو لهما في ذلك فينتقلان الى الحرب فينبذ أحدهما إلى الآخر عهده، كأنّه كتاب مكتوب بينهما قد نبذه أحدهُما يوم الحرب وأبطله، فاستعير ذلك للمجاهرة بالعداوة والمكاشفة، ونسخ شريعة السلام السابقة بالحرب المعاقبة لها.

9 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

9 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إِلَى مُعَاوِيَةً

فَأَرَادَ قَوْمُنَا قَتْلَ نَبِيِّنَا(2)، وَاجْتِيَاحَ أَصْلِنَا(3)، وَهَمُّوا بِنَا الْهُمُوم (4)، وَفَعَلُوا بِنَا الْأَفَاعِيلَ(5)، وَمَنَعُونَا الْعَذَبَ(6)، وَأَحْلَسُونَا الْخَوْف (7)، وَأَضْطَرُّونَا إِلَى جَبَلٍ وَعْرٍ (8).


1) ذكره البلاذري في (أنساب الأشراف) ص 282 ، وابن عبد ربه في (العقد الفريد ) ج 4 ص 335.

2) قَوْمُنا : يعني قريشاً ، يحكي معاملتهم للنبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في أول البعثة.

3) الاجتياح : الاستئصال والإهلاك، ومنه الجائحة وهي السَّنَة، أو الفتنة التي تجتاح المال أو الأنفس.

4) همُّوا الهموم : قصدوا نزولها.

5) الأفاعيل: جمع أفعولة، الفَعلة الردينة، يقال لمن أثّروا آثاراً منكره : فعلوا بنا الأفاعيل وقلّ أن يقال ذلك في غير الضرر والأذى.

6) منعونا العذب: أي العيش العذب، والعذب : هنيء العيش، لا أنّهم منعوهم الماء العَذب، وإنْ نُقل أنّهم مُنِعوا أيام الحصار في الشِعب من الماء العذب.

7) أحلسونا الخوف: أي ألزمونا، والحِلْس : كساء رقيق يكون تحت برذعة البعير. وأحلاس البيوت : ما يُبسَط تحت حُرِّ الثياب، وفي الحديث : «كن حِلس بيتك» أي لا تخالط الناس واعتزل عنهم ، فلمّا كان الحِلْس ملازماً ظهرَ البعير، وأحلاس البيوت ملازمة لها ، قال : «وأحلسونا الخوف» أي جعلوه لنا كالحِلس الدائم.

8) «واضطرونا الى جبل وعر» ألجأونا. والجبل الوَعْر : الصعب الذي لا يرقى إليه. مَثَل ضربه (علیه السّلام) لخشونة مُقامهم وشَظَف منزلهم، وكناية عن مضايقة قريش لشعب أبي طالب، حيث جاهروهم بالعداوة، وحلفوا لا يزوّجونهم، ولا يكلّمونهم ولا يبايعونهم، وكتبوا على ذلك عهدهم؛ عداوة للنبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) . ويجوز أن يكون حقيقةٌ لا مثلاً؛ لأنّ الشُعب الذي حصروهم فيه مَضيق بين جبلين.

وَأَوْقَدُوا لَنَا نَارَ الْحَرْبِ، فَعَزَمَ اللَّهُ لَنَا عَلَى الذَّبٌ عَنْ حَوْزَتِهِ(1)، وَالرَّمْيِ مِنْ وَرَاءِ حُرْمَتِهِ (2)مَؤْمِنُنَا يَبْغِي بِذلِكَ الْأَجْرَ ، وَكَافِرُنَا يُحَامِي عَنِ الْأَصْلِ(3). وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ قُرَيْشٍ خِلْو(4)مِمَّا نَحْنُ فِيهِ بِحِلْفٍ (5)يَمْنَعُهُ ، أَوْ عَشِيرَةٍ تَقُومُ دُونَهُ، فَهُوَ مِنَ الْقَتْلِ بِمَكَانِ أَمْنِ (6).

وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - إِذَا أَحْمَرَّ الْبَأْسُ(7)، وَأَحْجَمَ النَّاسُ(8)، قَدَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ فَوَقَى بِهِمْ أَصْحَابَهُ حَرَّ السُّيُوفِ وَالْأَسِنَّةِ(9)، فَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ يَوْمَ بَدْرٍ (10)، وَقُتِلَ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقُتِلَ جَعْفَرٌ يَوْمَ مُؤْتَةً، وَأَرَادَ مَنْ


1) «فعزم الله لنا» أي قضى الله لنا أن نذبّ عن حوزته، ووفّقنا لذلك، وجعلنا عازمين علیه. والحوزة: الناحية، وحوزة الملك : بَي۫ضته، والمراد من الحوزة هنا الشريعة الحقّة.

2) رمى من وراء الحُرمة : جعل نفسه وقاية لها يدفع السوء عنها، فهو من ورائها، أو هي من ورائه. والرمي عنها : المناضلة والمحاماة، والضمير في «حوزته» و «حومته» راجع الى النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وقد سبق ذكره، وهو قوله : «نبينا»، ويروى «والرّميا». [وأثبت ابن أبي الحديد في المتن : «والرمي من وراء حومته»] وحومة الماء والرمل : معظمه.

3) يحامي عن الأصل: أي يدافع عن محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ويذبِّ عنه حميّةً ومحافظة على النسب.

4) خلو: أي خالٍ.

5) الحِلْف : العهد.

6) كان المسلمون من غير آل البيت آمنين على أنفسهم، إمّا بنحالفهم مع بعض القبائل أو بالاستناد إلى عشائرهم.

7) احمرُ البأس: كلمة مستعارة، أي اشتدت الحرب حتى احمرّت الأرض من الدم، فجعل البأس هو الأحمر مجازاً، كقولهم : الموت الأحمر.

8) أحجم الناس: أي كَفُّوا عن الحرب وجَبُنوا عن الإقدام.

9) حَرّ الأسنة - بفتح الحاء - : شدّة وقعها.

10) عبيدة ابن عمه، وحمزة عمه، وجعفر أخو الإمام. ومُؤتة - بضم الميم - : بلد في حدود الشام.

لَوْ شِئْتُ ذَكَرْتُ أَسْمَهُ (1)مِثْلَ الَّذِي أَرَادُوا مِنَ الشَّهَادَةِ، وَلَكِنَّ آجَالَهُمْ عُجِّلَتْ، وَمَنِيَّتَهُ أُجِّلَتْ.

فَيَا عَجَبًا لِلدَّهْرِ ! إِذْ صِرْتُ يُقْرَنُ بِي مَنْ لَمْ يَسْعَ بِقَدَمِي(2)، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ كَسَابِقَتِي الَّتِي لَا يَدْلِي أَحَدٌ بِمِثْلِهَا، إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ مَا لَا أَعْرِفُهُ، وَلَا أَظُنُّ اللَّهَ يَعْرِفُهُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.

وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ مِنْ دَفْعِ قَتَلَةٍ عُثْمَانَ إِلَيْكَ، فَإِنِّي نَظَرْتُ فِي هَذَا الْأَمْرِ ، فَلَمْ أَرَهُ يَسَعُنِي دَفْعُهُمْ إِلَيْكَ (3)وَلَا إِلَى غَيْرِكَ، وَلَعَمْرِي لَئِنْ لَمْ تَنْزِعُ(4)عَنْ غَيْكَ (5)وَشِقَاقِكَ(6)، لَتَعْرِفَنَّهُمْ عَنْ قَلِيلِ يَطْلُبُونَكَ ، لَا يُكَلِّفُونَكَ طَلَبَهُمْ فِي بَرٌّ وَلَا بَحْرٍ ، وَلَا جَبَلٍ وَلَا سَهْلٍ، إِلَّا أَنَّهُ طَلَبُ يَسُوؤُكَ وِجْدَانُهُ (7)، وَزَوْرٌ (8)لا يَسُرُّكَ لُقْيَانُهُ(9)، وَالسَّلَامُ لِأَهْلِهِ (10).


1) «وأرادَ مَنْ لو شئتُ لذكرت اسمُه» یعني به نفسه.

2) أي بقدمٍ مثل قدمي جَرَتْ وثَبتت في الدفاع عن الدين، إشارة إلى معاوية في الظّاهر، وإلى مَنْ تقدّم عليه من الخلفاء في الباطن. والسابقة : فضله السابق في الجهاد. وأدلى إليه برَحِمِه : توسَّلَ، وبمال دفعه إليه، وكلا المعنيين صحيح.

3) «فلم أره يسعُني»: أي لم أرّ أنّه يحلُ لي دفعهم إليك، و «أره» من الرأي لا من الرؤية.

4) تَن۫زع - كتضرب - أي تنته، ونزع فلانُ عن كذا، أي فارقه وتركه.

5) الغيّ : الجهل والضلال.

6) الشّقاق : الخلاف.

7) الوجدان : مصدر وجدت كذا، أي أصبته.

8) الزَور : الزائر والزائرون.

9) اللُّقيان : مصدر لقيت، تقول : لقيته لقاءً ولقياناً، وإفراد الضمير في «لقيانه» باعتبار اللفظ.

10) قال: «والسلام لأهله» لم يستجز في الدين أن يقول له : «والسلام عليك»؛ لأنّه عنده فاسق لا يجوز إكرامه، فقال : «والسلام لأهله» أي على أهله.

10 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

10 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إلى مُعَاوِيةً أيضاً

وَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعُ إِذا تَكَشَفَتْ عَنْكَ جَلَابِيبُ مَا أَنْتَ فِيهِ(2)مِنْ دُنْيَا قَدْ تَبَهَّجَتْ بِزِينَتِهَا (3)، وَخَدَعَتْ بِلَذَّتِهَا. دَعَتْكَ فَأَجَبْتَهَا، وَقَادَتْكَ فَاتَّبَعثهَا، وَأَمَرَتْكَ فَأَطَعْتَهَا، وَإنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَقِفَكَ وَاقِفٌ (4)عَلَى مَا لَا يُنْجِيكَ مِنْهُ مُنْحٍ(5)، فَأَقْعَش (6)عَنْ هذَا الْأَمْرِ، وَخُذْ أُهْبَةَ الْحِسَابِ(7)، وَشَمِّرْ لِمَا قَدْ نَزَلَ بِكَ(8)، وَلَا تُمَكِّنِ الْغُوَاةَ مِنْ سَمْعِكَ(9)، وَإِلَّا تَفْعَلْ أَعْلِمْكَ مَا أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ(10)، فَإِنَّكَ مُتْرَفٌ قَدْ أَخَذَ الشَّيْطَانُ


1) رواه ابن مزاحم في كتابه (صفّين)، وابن عساكر في (تاريخ دمشق) في ترجمة معاوية.

2) الجلابيب: جمعُ جِلباب، وهو الثوب فوق جميع الثياب كالمِلحفة.

3) تبهّجت بزينتها: صارت ذاتَ بهجة، أي زينة وحُسن، والضمير فيه وفيما بعده للدنيا.

4) يُوشِك : يسرع ، ويقفك واقف، يعني الموتَ.

5) يُروى : «ولا ينجيك مِجَنّ» [كما في نسخة عبده والصالح] والرواية الأولى أصحّ. والمِجنُ : التُرْس ، أي يوشك أن يطلعك الله على مهلكة لك لا تتقي منها بترس.

6) اقعَس : تأخّر.

7) أهبة الحساب : عُدّته، وتأهّب : استعدُ وجمع الأهبة أُهَب.

8) «شمِّر لما قد نزل بك»: أي جِدَّ واجتهد وخِفَّ، ومنه رجل شمَّريّ بفتح الشين، وتُكسر.

9) الغواة : جمع غاوٍ، وهو الضال، وهم قرناء السوء يزينون الباطل ويحملون على الفساد.

10) يقول : وإن كنت لا تفعل ما قد أمرتُك ووعظتُك به فإنّي أُعرّفك من نفسك ما أغفلتَ معرفته أي أنبهك بصدمة القوة إلى ما لم تنتبه من نفسك، فتعرف الحق وتقلع عن الباطل.

مِنْكَ مَأْخَذَهُ(1)، وَبَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ، وَجَرَى مِنْكَ مَجَرَى الرُّوحِ وَالدَّمِ.

وَمَتَى كُنتُمْ يَا مُعَاوِيَةُ سَاسَةَ الرَّعِيَّةِ ، وَوَلَاةَ أَمْرِ الْأُمَّةِ ؟ بِغَيْرِ قَدَمٍ سَابِقٍ(2)، وَلَا شَرَفٍ بَاسِقٍ(3)، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ لُزُومِ سَوَابِقِ الشَّفَاءِ. وَأُحَذّرُكَ أَنْ تَكُونَ مُتَمَادِياً (4)فِي غِرَّةِ الْأُمْنِيَّةِ (5)، مُخْتَلِفَ الْعَلَانِيَةِ وَالسَّرِيرَةِ (6).

وَقَدْ دَعَوْتَ إِلَى الْحَرْبِ فَدَعِ النَّاسَ جَائِباً، وَأَخْرُجْ إِلَيَّ، وَأَعْفِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْقِتَالِ ، لِتَعْلَمَ أَيُّنَا الْمَرِينُ عَلَى قَلْبِهِ(7)، وَالْمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ! فَأَنَا أَبُو حَسَنٍ ، قَاتِلُ جَدِّكَ (8)وَأَخِيكَ وَخَالِكَ شَدْخاً يَوْمَ بَدْرٍ ، وَذَلِكَ السَّيْفُ مَعِي، وَبِذَلِكَ الْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّي ، مَا اسْتَبْدَلْتُ دِيناً ، وَلَا أَسْتَخدَثْتُ نَبِيَّاً، وَإِنِّي لَعَلَى الْمِنْهَاج الَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طائعين (9)، وَدَخَلْتُمْ فِيهِ مُكْرَهِينَ.


1) المترفَ: من أترفته النعمة، أى أطغته. «وقد أخذ الشيطان منك مأخذه» أي تناول الشيطانُ منك لُبَّك وعقلك، ويروى «مآخذه» بالجمع.

2) يقال: لفلان قدمُ صِدق، أي سابقة وأثرَةٌ حسنة.

3) باسق: عالٍ.

4) تمادى : تَفاعل، من «المُدى» وهو الغاية، أي لم يَقِف بل مَضَى قُدماً.

5) الغرَّة : الغَفْلة أو الغرور. والأمنية : طمع النّفس، وما يتمناه الإنسان ويؤمل إدراكه.

6) مختلف السريرة والعلانِيّة : منافق.

7) المَرين على قلبه : المغلوبُ عليه من قوله تعالى : «بَلْ رَانَ عَلى قُلُوبِهِم» (المطففين: (14) وهو اسم مفعول من «ران ذنبُهُ على قلبه» غلب عليه فغطّى بصيرته ، وقيل : الرّين : الذنب على القريب.

8) جد معاوية لأمّه عتبة بن أبي ربيعة، وخاله الوليد بن عتبة، وأخوه حنظلة بن أبي سفيان. وشدخاً : أي كسراً. قالوا: هو الكسر في الرطب، وقيل: في اليابس، أو كسرُ الشيء الأجوف.

9) المنهاج : هو طريق الدين الحق، لم يدخل فيه أبو سفيان ومعاوية إلّا بعد الفتح كرهاً.

وَزَعَمْتَ أَنَّكَ جِئْتَ ثَائِراً(1)بِدَم عُثْمَانَ! وَلَقَدْ عَلِمْتَ حَيْثُ وَقَعَ دَمُ عُثْمَانَ (2)فَاطْلُبُهُ مِنْ هُنَاكَ إِنْ كُنْتَ طَالِباً ، فَكَأَنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ تَضِحُ مِنَ الْحَرْبِ إِذَا عَضَتْكَ صَحِيحَ الْحِمَالِ بِالْأَثْقَالِ(3)، وَكَأَنِّي بِجَمَاعَتِكَ تَدْعُونِي جَزَعاً مِنَ الضَّرْبِ الْمُتَتَابِعِ . وَالْقَضَاءِ الْوَاقِعِ ، وَمَصَارِعَ بَعْدَ مَصَارِعَ، إِلَى كِتَابِ اللهِ ، وَهِيَ كَافِرَةٌ جَاحِدَةٌ (4). أَوْ مُبَايِعَةٌ حَائِدَةٌ (5).

11 - ومن وصية له عليه السلام

اشارة

11 - ومن وصية له عليه السلام (6)

وَصَى بِهَا جَيشاً بَعَثَهُ إلى العَدوِّ

فَإِذَا نَزَلْتُمْ بِعَدُوٌّ أَوْ نَزَلَ بِكُمْ، فَلْيَكُنْ مُعَسْكَرُكُمْ (7)فِي قُبُلِ


1) الثائر: طالب الدم، وثأر به : طلب بدمه.

2) قوله: «قد علمتَ حيثُ وقع دمُ عثمان فاطلبهُ من هناك» يريد به إن كنت تطلبُ ثأرك من عند مَن أجْلَب وحاصر، فالذى فَعَل ذلك طلحةُ والزبير، وإن كنت تطلبه ممّن خَذَل، فاطلبه من نَفسك فإنّك خَذَلْته ؛ وكنتَ قادراً على أن ترفده وتُمِدّه بالرجال.

3) تضجّ : تصوّت، وقوله: «وكأنّي بجماعتك يدعونني جَزعاً من السيف إلى كتاب الله تعالى» تفرّس فيما يكون من معاوية وجنده، وكان الأمر كما تفرّس الإمام(علیه السّلام) ، وهي فراسةً نبويّة صادقة، وهذا عظيم، أو يكون إخباراً عن غَيْب مفصّل، وهو أعظمُ وأعجب.

4) الجاحِدة : المنكرة.

5) الحائدة : العادلة عن الحق، أي عن البيعة بعد الدخول فيها، من «حاد عن الشيء» إذا مال عنه وعدل عنه إلى سواه.

6) رواها الدينوري في (الأخبار الطوال) ص 166 ، وابن مزاحم في كتابه (صِفّين) ص 123.

7) المُعَسكر: موضع العَسْكَر، وحيث ينزل.

الْأَشْرَافِ(1)، أَوْ سِفَاحٍ الْجِبَالِ ، أَوْ أَثْنَاءِ الْأَنْهَارِ (2)، كَيْمَا يَكُونَ لَكُمْ رِدْءاً ، وَدُونَكُمْ مَرَداً (3). وَلْتَكُنْ مُقَاتَلَتَكُمْ مِنْ وَجْهِ وَاحِدٍ أَو أَثْنَيْنِ(4)، وَأَجْعَلُوا لَكُمْ رُقَبَاءَ فِي صَيَاصِي الْجِبَالِ (5)وَمَنَاكِبِ الْهِضَابِ (6)، لِئَلَّا يَأْتِيَكُمْ الْعَدُوُّ مِنْ مَكَانِ مَخَافَةٍ أَوْ أَمْنِ(7). وَاعْلَمُوا أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْقَوْم عُيُونُهُمْ(8)، وَعُيُونَ الْمُقَدِّمَةِ طَلَائِعُهُمْ (9). وَإِيَّاكُمْ وَالتَّفَرُّقَ ، فَإِذَا نَزَلْتُمْ فَانْزِلُوا جَمِيعاً ، وَإِذَا أَرْتحَلْتُمْ فَأَرْتَحِلُوا جَمِيعاً ، وَإِذَا غَشِيَكُمُ اللَّيْلُ فَاجْعَلُوا الرِّمَاحَ كِفَّةٌ(10)، وَلَا تَذُوقُوا النَّوْمَ إِلَّا غِرَاراً أَوْ مَضْمَضَةٌ (11).


1) الأشراف : جمع شَرَف - محرّكة - : العلو والعالي، وقُبُلها : ما أستقبُلَك منها، وقُبُل الأشراف : قُدّام الجبال. وسفاح الجبال : أسافلها حيث يَسفَح منها الماء.

2) أثناء الأنهار : ما انعطف منها، واحدها ثِني والمعنى: أنّه أمرهم أن ينزلوا مسندين ظهورهم إلى مكان عالٍ كالهضاب العظيمة، أو الجبال، أو منعطف الأنهار؛ لتكون كالخنادق لهم؛ ليأمنوا بذلك العدو. وفسّر ذلك بقوله : «كيما يكون لكُم رِدءاً» والرِّد : العون.

3) ودونكم مَرَداً: أي حاجزاً بينكم وبين العدوُ. والمردّ - بتشديد الدال : مكان الردّ والدفع.

4) أمرهم أن تكون مُقاتَلتهم، وهى مَصدر «قاتل»، من وجه واحدٍ أو اثنين، أي لا تتفرقوا.

5) صَياصي الجبال : أعاليها وما كان منها بمنزلة الحصون، وأصل الصباصي : القرون، ثم استُعير ذلك للحصون؛ لأنّه يُمتنع بها كما يمتنع ذو القَرْن بِقَرْنه.

6) المناكب : المرتفعات. والهضاب: جمع هَضبة - بفتح فسكون - : الجبل لا يرتفع عن الأرض كثيراً مع انبساط في أعلاه.

7) أي لئلا يأتيكم العدوُ إمّا من حيث تأمَنون، أو من حيث تخافون.

8) المقدِّمة - بكسر الدال - : وهم الذّين يتقدّمون الجيش، أصله مقدِّمه القوم، أي الفرقة المتقدمة.

9) الطلائع : طائفة من الجيش تُبعَث ليُعلم منها أحوال العدوٌ. وقال (علیه السّلام) : المقدِّمة عيون الجَيش والطلائع عيون المقدمة، فالطلائع إذن عُيون الجَيش.

10) أي أجعلوها مُستَديِرة حولكم كالدائرة، وكلّ ما استدار كِفّة - بالكسر - نحو كِفّة الميزان، وكلّ ما أستطال كُفّة - بالضم - نحو : كُفّه الثوب، وهي حاشيته .

11) الغِرار - بكسر الغين - : النوم الخفيف. والمضمضة: أن ينام ثم يستيقط ثم ينام، تشبيهاً بمضمضة الماء في الفم يأخذه ثم يمجّه، وهو أدقّ التشبيه وأجمله.

12 - ومن وصية له عليه السلام

اشارة

12 - ومن وصية له عليه السلام (1)

وَصَى بِهَا مَعْقِلُ بْنَ قَيْسِ الرِّياحي حين أنفذَهُ إلى الشّام في ثَلاثَةِ آلافٍ مُقدِّمةً لَهُ

وَصَى بِهَا مَعْقِلُ بْنَ قَيْسِ الرِّياحي(2)حين أنفذَهُ إلى الشّام في ثَلاثَةِ آلافٍ مُقدِّمةً لَهُ

اتَّقِ اللهَ الَّذِي لَا بُدَّ لَكَ مِنْ لِقَائِهِ، وَلَا مُنْتَهَى لَكَ دُونَهُ، وَلَا تُقَاتِلَنَّ إِلَّا قَاتَلَكَ، وَسِرِ الْبَرْدَيْنِ (3)

والمراد أن يَرفُقَ بالنّاس ولا يكلّفهم السير في الحرّ.

، وَغَوِّرُ بِالنَّاسِ (4)وَرَفَّهُ فِي السَّيْرِ(5)، وَلَا تَسِرْ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ اللهَ جَعَلَهُ سَكَناً، وَقَدَّرَهُ مُقَاماً لَا ظَعْناً ، فَأَرِحِ فِيهِ بَدَنَكَ ، وَرَوِّحْ ظَهْرَكَ5(6)فَإِذَا وَقَفْتَ حِينَ يَنْبَطحُ السَّحَرُ(7)، أَوْ حِينَ يَنْفَجِرُ الفَجْرُ، فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللهِ . فَإِذَا لَقِيتَ الْعَدُوَّ فَقِفْ مِنْ أَصْحَابِكَ وَسَطاً، وَلَا تَدْنُ مِنَ الْقَوْمِ دُنُوَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُنْشِبَ

1) روى طرفاً من هذه الوصية ابن مزاحم في كتابه (صفّين) ص198.

2) مَعْقِل بن قيس، من رجال الكوفة وأبطالها، وله رياسة وقَدَم ومن شيعة عليّ(علیه السّلام) ، حارب المستَورد بن عُلفة الخارجيّ، فقتل كلّ واحدٍ منهما صاحبّه بدجلة.

3) البَرْدَين : الغَداة والعَشيّ، وهما الأبَردان أيضاً، أي وقت ابتراد الأرض والهواء من حرِّ النهار.

4) غوّر بالناس: انزل بهم القائلة، والمصدر التغويرُ، ويقال للقائلة وهي وقت اشتداد الحر: الغائرة.

5) رَفّه في السّير: أي دَع الإبل تَردُ رِفْها، وهو أن تردِ الماء كلُ يوم متى شاءت ولا تُرهقها وتجشِّمها السير، ويجوز أن يكون من قولك : رَفَهتُ عن الغريم، أي نفسّت عليه.

6) الظَهر: وهى الإبل، وبنو فلان مُظهرون، أي لهم ظَهر ينقّلون عليه.

7) أي فإذا وقفتُ ثقُلك ورَحلك لتسير فليكن ذلك حين ينبطح السَحَر، أي حين يتّسع ويمتدُ وينبسط، وهو مجاز عن استحكام بعد مضي مدة منه وبقاء مدة، وأصل الانبطاح السّعة، ومنه الأبطح بمكة، وانفجر الفجرُ : انشقّ.

الْحَرْبَ. وَلَا تَبَاعَدْ عَنْهُمْ تَبَاعُدَ مَنْ يَهَابُ الْبَأْسَ ، حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي (1). وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ شَنَآنُهُمْ (2)عَلَى قِتَالِهِمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ وَالْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ.

13 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

13 - ومن كتاب له عليه السلام (3)

إلى أمِيرَيْنِ من أمراء جيشِهِ

وَقَدْ أَمَّرْتُ عَلَيْكُمَا وَعَلَى مَنْ فِي حَيِّزِكُمَا (4)مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ (5)، فَأَسْمَعَا لَهُ وَأَطِيعًا، وَاجْعَلاهُ دِرْعاً وَمِجَنَّاً(6)، فَإِنَّهُ مِمَّنْ لا يُخَافُ وَهْنُهُ(7)وَلَا سَقْطَتُهُ(8)وَلَا يُطْؤُهُ عَمَّا الْإِسْرَاعُ إِلَيْهِ أَحْزَمُ(9)، وَلَا إِسْرَاعُهُ إِلَى مَا الْبُطْءُ عَنْهُ أَمْثَلُ.


1) أمره(علیه السّلام) أن يكون على حالٍ متوسطة بين الدنو من العدو دنو من يريد أن يُنشِب الحرب، وبين أن يبعد منهم بُعدَ من يهاب الحرب، وهي البأس، حتى يأتيه الأمر من أميرالمؤمنين (علیه السّلام).

2) الشَّنَآن - بسكون النون وتحريكها - البغض.

3) ذكره الطبري في (تاريخه ) ج 5 ص 238 ، و ابن مزاحم في (صفّين) ص 135.

4) فى حَيّزكُما: في ناحيتكما، والخيِّز : ما يتحيّز فيه الجسم، أي يتمكّن، والمراد مقرّ سلطتها.

5) مالك النَخَعي، كان فارساً شجاعاً، رئيساً من أكابر الشّيعة وعُظمائها، شديد التحقّق بولاء أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ونصرِه، وقال فيه بعد موته: رحم الله مالِكاً فلقد كان لى كما كنتُ لرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .

6) الدرع : ما يلبس من مصنوع الحديد للوقاية من الضرب والطعن. والمجن : التُرس، أي اجعلاه حامياً لكما.

7) الوَهن : الضعف.

8) السّقطة : الغَلطة والخطأ.

9) أحزم : أقرب للحزم، وهذا الرأي أحزم من هذا، أي أدخل في باب الحزم والاحتياط، وهذا أمثل من هذا أي أفضّل وأولى وأحسن.

14 - ومن وصية له عليه السلام

اشارة

14 - ومن وصية له عليه السلام (1)

لِعَسْكَرِهِ بصِفِّينَ قَبْلَ لِقاءِ العَدوِّ

لا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَؤُوكُمْ(2)، فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِاللهِ عَلَى حُجَّةٍ، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَؤُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ ، فإذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ فَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِراً، وَلَا تُصِيبُوا مُعْوِراً(3)، وَلَا تُجْهَرُوا عَلَى جَرِيحٍ(4)، وَلَا تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذِيَّ(5)وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَيْنَ أُمَرَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَالْأَنْفُسِ وَالْعُقُول : إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ (6)، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْفِهْرِ(7)أَوِ الْهِرَاوَةِ(8)، فَيُعَيَّرُ بِهَا وَعَقِبُهُ(9)مِنْ بَعْدِهِ.


1) رواها الطبري في (تاريخه) في حوادث 37 ، والمسعودي في (مروجه ) ج 2 ص 31 ، وغيرهم.

2) نهى أصحابه عن البغي والابتلاء بالحرب.

3) المُعُور - كمُجْرِم : الذي أمكن من نفسه وعجز عن حمايتها، واعتصم منك في الحَرب بإظهار عورته لتكفّ عنه، وأصله «أعوَرَ» أبدى عورته.

4) الإجهاز على الجريح، هو إتمام قتله.

5) «ولا تهيجوا النساء بأذى»: أي لا تحرّكوهنّ.

6) هذا حكم الشريعة الإسلامية، لا ما يتوهمه جاهلوها من إباحتها التعرّض لأعراض الأعداء، نعوذ بالله.

7) الفِهر - بالكسر - : الحَجَر على مقدار ما يدقَ به الجوز أو يملأ الكف.

8) الهراوة - بالكسر : العصا أو شبه الدبوس من الخشب.

9) «عقبه» عطف على ضمير «يعير».

15 - وكان عليه السلام يقول

اشارة

15 - وكان عليه السلام يقول (1)

إذا لَقِي العَدوُّ مُحارباً

اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَفْضَتِ الْقُلُوبُ(2)، وَمُدَّتِ الأَعْنَاقُ، وَشَخَصَتِ الْأَبْصَارُ ، وَنُقِلَتِ الْأَقْدَامُ، وَأَنْضِيَتِ الْأَبْدَانُ(3). اللَّهُمَّ قَدْ صَرَّحَ مَكْنُونُ الشَّنَآنِ (4)، وَجَاشَتْ (5)مَرَاجِلُ الْأَضْغَانِ (6). اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنَا ، وَتَشَتَّتَ أَهْوَائِنَا . «رَبَّنَا أَفْتَحَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ».

16 - وكان عليه السلام يقول

اشارة

16 - وكان عليه السلام يقول (7)

لِأصْحَابِهِ عِنْدِ الحَرْبِ

لَا تَشْتَدَّنَّ عَلَيْكُمْ فَرَّةٌ بَعْدَهَا كَرَّةٌ(8)، وَلَا جَوْلَةٌ بَعْدَهَا حَمْلَةٌ(9)، وَأَعْطُوا السُّيُوفَ


1) رواه ابن مزاحم في كتابه (صفّين) ص 231 ، والمفيد في (النصرة) ص 182.

2) أفضت القلوب : أي دَنت وقَرَّبَت، وانتهت ووصلت، ويجوز أن يكون «أفضت» أي بسرّها.

3) أنضيت : أبليت بالهزال والضعف فى طاعتك.

4) صَرّح : انكشّف. والشنآن : البغضة، والمعنى صرّح القوم بما يكتمون من البغضاء.

5) جاشت : تحرّكت واضطربَت.

6) المراجل : جمع مِرْجل، وهي القِدر. والأضغان : الأحقاد، واحدها ضِغْن، وهو الحقد.

7) رواه ابن مزاحم في كتابه (صفّين) ص 215، وروى الكليني فقرات منه في (فروع الكافي) ج 5 ص 41.

8) قال : «لا تستصعبوا فَرَّة تفرونها بعدها كرّة، وإنّما استصعبوا فَرّة لا كرّة بعدها وهذا حضّ لهم على أن يكرّوا ويعودوا الى الحرب إن وقعت عليهم كسرةٌ.

9) الجَولة: هزيمة قريبة ليست بالممعنة.

حُقُوقَهَا، وَوَطَّئُوا لِلْجُنُوبِ مَصَارِعَهَا(1)، وَاذْمُرُوا أَنْفُسَكُمْ(2)عَلَى الطَّعْنِ الدَّعْسِيِّ(3)، وَالضَّرْبِ الطَّلَحْفِيّ(4)، وَأَمِيتُوا الْأَصْوَاتَ(5)، فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ.

وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا أَسْلَمُوا وَلَكِنِ أَسْتَسْلَمُوا(6)، وَأَسَرُّوا اَلْكُفْرَ ، فَلَمَّا وَجَدُوا أَعْوَاناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ.

17 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

17 - ومن كتاب له عليه السلام (7)

إلى مُعاوِيَةَ جَوابِاً عَنْ كِتَابٍ مِنْهُ إِليهِ

وَأَمَّا طَلَبُكَ إِلَيَّ الشَّامَ(8)، فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ لِأُعْطِيَكَ الْيَوْمَ مَا مَنَعْتُكُ أَمْسِ. وَأَمَّا


1) وطّنوا: مهِّدوا للجنوب: جمع جَن۫ب، مصارعها: أماكن سقطوها، أي إذا ضربتم فاحكموا الضرب ليصيبَ، فكأنّكم مهّدتم للمضروب مصرعه.

2) اذمُرُوا أنفسكم: من ذمَره على كذا أي حضّه عليه.

3) الطَّعْن الدَّعْسي: الذى يُحشى به أجواف الأعداء، وأصل الدَّعس: الحشو، دَعسْتُ الوعاء: حشوته. والدعسي: اسم من الدعس، أي الطعن الشديد.

4) ضرب طِلَحْفِي: بكسر الطاء وفتح اللام، أي شديد [وعند عبده: «الطَّلّحْفِي» بفتحتين فسكون].

5) إماتة الأصوات: انقطاعها بالسكوت، أمرهم بها لأنّ شِدّة الضَوضاء في الحرب أمارة الخوف والوَجَل.

6) أقسم أنّ معاوية وعَمْراً ومن والاهما ما أسلموا ولكن استسلموا خوفاً من السيف ونافقوا.

7) رواه ابن مزاحم في كتابه (صفّين) ص 471، والبيهقي في (المحاسن والمساوي) ص 53، وابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) ج 1 ص 117 ، وغيرهم.

8) كتب معاوية إلى عليِّ يطلب منه أن يترك له الشام، و يدعوه للشفقة على العرب الذين أكلتهم الحرب ، و لم يبق منهم إلّا حشاشات أنفس: جمع حُشاشة، بقية الروح، ويخوّفه باستواء العدد في رجال الفريقين، و يفتخر بأنّه من أمية ، وهو وهاشم من شجرة واحدة، فأجابه أميرالمؤمنين بما ترى.

قَوْلُكَ: إِنَّ الْحَرْبَ قَدْ أَكلَتِ الْعَرَبَ إِلَّا حُشَاشَاتِ أَنْفُسٍ(1)بَقِيَتْ، أَلَا وَمَنْ أَكَلَهُ الْحَقُّ فَإِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَكَلَهُ الْبَاطِلُ فَإِلَى النَّارِ(2). وَأَمَّا اسْتِوَاؤُنَا فِي الْحَرْبِ وَالرِّجَالِ، فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلَى الشَّكُ مِنِّى عَلَى الْيَقِينِ، وَلَيْسَ أَهْلُ الشَّامِ بِأَحْرَصَ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى الْآخِرَةِ. وَأَمَّا قَوْلُكَ : إِنَّا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ ، فَكَذَلِكَ نَحْنُ ، وَلَكِنْ لَيْسَ أُمَيَّةُ كَهَاشِمٍ، وَلَا حَرْبُ كَعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلَا أَبُو سُفْيَانَ كَأَبِي طَالِبٍ، وَلَا الْمُهَاجِرُ كَالطَّلِيقِ(3)، وَلَا الصَّرِيحُ كَاللَّصِيقِ (4)، وَلَا الْمُحِقُ كَالْمُبْطِلِ، وَلَا الْمُؤْمِنُ كَالْمُدْغِلِ (5). وَلَبِئْسَ الْخَلَفُ خَلَفٌ يَتْبَعُ سَلَفاً هَوَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ(6).

وَفِي أَيْدِينَا بَعْدُ فَضْلُ النُّبُوَّةِ الَّتِي أَذْلَلْنَا بِهَا الْعَزِيزَ، وَنَعَشْنَا بِهَا الذَّلِيلَ(7). وَلَمَّا أَدْخَلَ اللهُ الْعَرَبَ فِي دِينِهِ أَفْوَاجاً وَأَسْلَمَتْ لَهُ هَذِهِ الْأُمَّةٌ طَوْعاً وَكَرْهاً ، كُنتُمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الدِّينِ؛ إِمَّا رَغْبَةً وَإِمَّا رَهْبَةٌ، عَلَى حِينَ فَازَ أَهْلُ السَّبْقِ بِسَبْقِهِمْ، وَذَهَبَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ بِفَضْلِهِمْ، فَلَا تَجْعَلَنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيكَ


1) ويُروى « إلَّا حُشاشة نَفْسٍ» بالإفراد، و هو بقيّة الرُّوح في بدن المريض .

2) ورُوي: « ألا ومن أكله الحقّ فإلى النار»، و هذه الرواية ألبق من الرواية المشهورة؛ لأنّ الحقّ يأكل أهل الباطل، وعلى الرواية المشهورة يكون التقدير «أعداء الحقّ» و «أعداء الباطل».

3) الطَليق: الذي أسرّ فأطلق بالمنّ عليه أو الفدية، و أبو سفيان و معاوية كانا من الطلقاء يوم الفتح، و المهاجر: من آمن في المخافة و هاجر تخلّصاً منها.

4) الصريح: صحيح النسب في ذوي الحسب، واللصيق: مَن ينتمي إليهم و هو أجنبي عنهم. و الصراحة والالتصاق بالنسبة إلى الدين، فالصريح: من أسلّم اعتقاداً وإخلاصاً، واللَّصيق فيه: مَنْ أسلّم تحتَ السيف أو رغبةً في الدنيا.

5) المدخل: المفسد.

6) ما عابَ أميرالمؤمنين(علیه السّلام) معاويةَ بأنّ سَلَفه كُفّار فقط، بل بكَونه متبعاً لهم.

7) أي إذا فَرَضْنَا تَسَاوِيَ الأقدام في مآثِر أسلافكم كان في أيدينا بعدُ الفضلُ عليكم بالنبوّة التي نَعشنا بها الخامل، وأخملنا بها النّبيه، ونعشنا: رفعنا .

نَصِيباً (1)، وَلَا عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلاً، وَالسَّلَامُ .

18 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

18 - ومن كتاب له عليه السلام (2)

إِلَى عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ وهو عامِلُهُ على البَصْرَةِ

وَأَعْلَمْ أَنَّ الْبَصْرَةَ مَهْبِطُ إِبْلِيسَ ، وَمَغْرِسُ الْفِتَنِ (3)، فَحَادِث أَهْلَهَا بِالْإِحْسَانِ (4)إِلَيْهِمْ، وَأَحْلُلْ عُقْدَةَ الْخَوفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ.

وَقَدْ بَلَغَنِي تَنَمُّرُكَ لِبَنِي تَمِيمٍ(5)، وَغِلْظَتُكَ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّ بَنِي تَمِيمٍ لَمْ يَغِبْ لَهُمْ إِلَّا طَلَعَ لَهُمْ آخَرُ(6)، وَإِنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا بِوَغمِ (7)فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامِ، وَإِنَّ لَهُمْ بِنَا رَحِماً مَاسَّةٌ(8)، وَقَرَابَةً خَاصَّةً ، نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا، وَمَأْزُورُونَ


1) ما كتب(علیه السّلام) إليه هذه الرسالة إلّا بعد أن صار للشيطان فيه أوفّرُ نصيب، والمراد نهيُه عن دوام ذلك و استمرارِه.

2) روى أبو هلال العسكري في (الصناعتين) فقرات منه، والباقلاني في (إعجاز القرآن) ج 1 ص 103.

3) مَهبِط إبليس : موضع هُبوطه، و مَغْرِس الفِتَن موضع غَرْسِها، ويُروى « ومُغْرِس الفتن» وهو الموضع الذي تنزل فيه القومُ آخر اللِّيل للاستراحة، يقال: غَرَسوا وأعْرّسوا.

4) فحادِث۫ أهلَها: أي تعهّدهم بالإحسان، من قولك: حادثت السيفَ بالصِّقال.

5) التَنمّر للقوم: الغلظة عليهم، والمعاملة لهم بأخلاق النَّمر، من الجرأة والوثوب، وكان عبدالله بن عباس قد اشتدّ على بني تميم؛ لأنّهم كانوا مع طلحة والزبير يوم الجمل فأقصى كثيراً منهم، فعظم على بعضهم من شيعة الإمام فشكى له.

6) غيبوبة النجم: كناية عن الضعف. وطلوعه: كناية عن القوة.

7) الوَغ۫م - بفتح فسكون - : الحرب والتّرة، والأوغام: التّرات، أي لم يسبقهم أحد في البأس، ولم يُهْدَر لهم دمٌ في جاهليّة ولا إسلام، يصفُهم بالشجاعة والحَميّة.

8) كان بين بني تميم وهاشم مصاهرة وهي تستلزم القرابة بالنسل.

عَلَى قَطِيعَتِهَا . فَأَرْبَعُ(1)أَبَا الْعَبَّاسِ، رَحِمَكَ اللهُ، فِيمَا جَرَى عَلَى يَدِكَ وَلِسَانِكَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرًا فَإِنَّا شَرِيكَانِ فِي ذَلِكَ ، وَكُنْ عِنْدَ صَالح ظَنِّي بِكَ(2)، وَلَا يَفِيلَنَّ رَأْيِي فِيكَ ، (3)وَالسَّلَامُ .

19 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

19 - ومن كتاب له عليه السلام (4)

إلى بَعْضٍ عُمّالِهِ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ دَهَاقِينَ(5)

دِهقان، بكسر الدال، ولفظه معرَّب .

أَهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةً وَقَسْوَةً ، وَاحْتَقَاراً وَجَفْوَةً. وَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلاً لأَنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ(6)، وَلَا أَنْ يُقْصَوْا وَيُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ ، فَالْبَسْ لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ اللَّينِ تَشُوبُهُ(7)بطَرَفٍ مِنَ الشِّدَّةِ، وَدَاوِلْ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَالرَّأْفَةِ(8)، وَأَمْرُجْ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْرِيبِ وَالْإِدْنَاءِ ، وَالْإِبْعَادِ وَالْإِقْصَاءِ . إِنْ شَاءَ اللهُ .

1) «أربع أبا العباس»: أرفق وقف عند حدّ ما تعرف، وتثبِّت في جميع ما تعتمدُه فِعلاً وقَوْلاً من خَيْر وشر، ولا تعجل به فإنّي شريكك فيه إذ أنت عاملي والنائب عنّي. ويعني بالشرّ هنا الضررَ فقط، لا الظلم والفِعل القبيح.

2) كن عند صالح ظنّي فيك كن واقفاً عنده كأنّك تشاهِدُه فتَمنعَك مشاهَدَتُه عن فعل ما لا يجوز .

3) فالَ الرأي يَفيل، أي ضَعُف وأخطأ.

4) رواه البلاذري في (أنساب الأشراف) ص 161 ، وابن واضح في (تأريخه) ج 2 ص 192.

5) الدَّهاقين: الأكابر والزعماء، أرباب الأملاك بالسواد، يأمرون مَن۫ دونهم ولا يأتمرون، واحدُهم

6) لأنّ يُدنَوْا: لأن يقرّبوا فإنّهم مشركون، ولا لأن يبعدوا فإنّهم معاهدون . ويُجفّوا يعاملوا بخشونة.

7) تشوبه: تخلطه.

8) داوِل بينهم، أي مرّة هكذا ومرّة هكذا، أمره أن يسلك معهم مَنهُجاً متوسطاً، ويعاملهم معاملةً آخِذةً من كلِّ واحدٍ من القسمين بنصيب .

20 - ومن كتاب له عليه السلام

إلى زِيَادِ بن أَبِيه وهو خليفة عاملِهِ عبدِاللهِ بن عبّاسٍ على البَصْرَةِ، وعبدالله عامِلُ أميرِالمُؤمِنينَ(علیه السّلام) يومئذٍ عَليها وعَلَى كُوَر الأهواز وفارس وكِرْمَانَ

إلى زِيَادِ بن أَبِيه وهو خليفة عاملِهِ عبدِاللهِ بن عبّاسٍ على البَصْرَةِ، وعبدالله عامِلُ أميرِالمُؤمِنينَ(علیه السّلام) يومئذٍ عَليها وعَلَى كُوَر (1)الأهواز وفارس وكِرْمَانَ

وَإِنِّي أُقْسِمُ بِاللهِ قَسَماً صَادِقاً ، لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْءٍ(2)الْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً، لَأَشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةً تَدَعُكَ قَلِيلَ الْوَفْرِ (3)، ثَقِيلَ الظَّهْرِ(4)، ضَئِيلَ الأَمْره(5)، وَالسَّلَامُ .

21 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

21 - ومن كتاب له عليه السلام (6)

إلى زياد أيضاً

فَدَعِ الْإِسْرَافَ مُقْتَصِداً، وَاذْكُرْ فِي الْيَوْمِ غَداً، وَأَمْسِكْ مِنَ الْمَالِ بِقَدْرِ


1) کُوّر: جمع كُورة، وهي الناحية المضافة إلى أعمال بلد من البلدان. والأهواز: تسع كور بين البصرة وفارس .

2) فيثهم: مالهم من غنيمة أو خراج .

3) «لأشدّن عليك شدّة» مثل قوله: «الأحملنّ عليك حَملةً» والمراد تهديده بالأخذ واستصفاء المال، ثم وصف تلك الشدّة فقال: «إنّها تتركك قليل الوَقْر» أي أُفقرك بأخذ ما احتجتَ من بيت مال المسلمين، والوفر: المال.

4) ثقيل الظّهر: أي مسكين لا تقدر على مؤونة عيالك.

5) الضئيل: الضعيف النحيف، وضئيل الأمر ، أي حقير؛ لأنّك إنّما كنت نبيهاً بين الناس بالغني والثروة، فإذا افتقرت صغرت عندهم، واقتحمتك أعيُنُهم.

6) رواه البلاذري في (أنساب الأشراف) ص 169.

ضَرُورَتِكَ ، وَقَدِّمِ الْفَضْلَ لِيَوْمِ حَاجَتِكَ (1).

أَتَرْجُو أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ أَجْرَ الْمُتَواضِعِينَ ، وَأَنْتَ عِنْدَهُ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ! وَتَطْمَعُ - وَأَنْتَ مُتَمَرِّغُ فِي النَّعِيمِ (2)تَمْنَعَهُ الضَّعِيفَ وَالْأَرْمَلَةَ - أَنْ يُوجِبَ لَكَ ثَوَابَ الْمُتَصَدِّقِينَ ! وَإِنَّمَا الْمَرْءُ مَجْزِيٌّ بِمَا أَسْلَفَ (3)، وَقَادِمٌ عَلَى مَا قَدَّمَ ، وَالسَّلَام (4).

22 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

22 - ومن كتاب له عليه السلام (5)

إلى عِبدِاللهِ بن العباس (رحمه الله) وكان ابنُ عبّاسٍ يَقولُ: «ما انتفَعْتُ بعد كلامٍ رَسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ - كانتِفَاعِي بهذا الكلام»

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَسُرُّهُ دَرْكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ(6)، وَيَسُوؤُهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ (7)، فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا تِلْتَ مِنْ آخِرَتِكَ، وَلْيَكُنْ أَسَفُكَ عَلَى مَا فَاتَكَ


1) الفَضل: ما يفضل من المال فقدّمهُ ليوم الحاجة كالإعداد ليوم الحرب مثلاً، أو قدّم فضل الاستقامة للحاجة يوم القيامة.

2) المتمرّغ في النعيم: المتقلّب فيه.

3) أسلف: قدّم في سالف أيامه.

4) قلتُ: قبّح الله زياداً! فإنّه كافاً إنعام عليّ(علیه السّلام) وإحسانه إليه بما لا حاجة الى شرحه من أعماله القبيحة بشيعته ومحبِّيه والإسراف في لعنه .

5) رواه ابن مزاحم في كتابه (صفّين) ص 107 ، والكليني في (روضة الكافي) ص 240 ، وابن عبد ربه في (العقد الفريد) ج 2 ص 142 ، وغيرهم الكثير.

6) يفوته الشيء: يذهب عنه الى غير رجعة.

7) يقول: كلّ ما يصيب الإنسانَ مِن نفع وضَرّ فبقضاء من الله وقدره، لكن الإنسان يُسَرَ بما يصيبه من النّفع، ويُساء یفوت ما يَفُوته منه، غير عالم أنّ النفع الذي أصابه كان لابدّ أن يصيبه، وما فاته كان لابد أن يفوته، ولو عرف ذلك حقّ المعرفة لم يفرح ولم يُحزن؛ لأنّ المقطوع بحصوله لا يصح الفرح به كالمقطوع بفواته لا يصحّ الحزن له؛ لعدم الفائدة في الثاني ونفي الغائلة في الأول.ویدركه يناله ويصيبه .

مِنْهَا، وَمَا نِلْتَ مِنْ دُنْيَاكَ فَلَا تُكْثِرُ بِهِ فَرَحاً، وَمَا فَاتَكَ مِنْهَا فَلَا تَأْسَ عَلَيْهِ(1)جَزَعاً، وَلْيَكُنْ هَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ .

23 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

23 - ومن كلام له عليه السلام (2)

قَالَهُ قَبْلَ مَوتِهِ عَلَى سَبِيلِ الوَصِيَّةِ لَمَّا ضَرَبَهُ ابنُ مُلجَمٍ لَعَنَهُ اللَّهُ

وَصِيَّنِي لَكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئاً، وَمُحَمَّدٌ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَلَا تُضَيْعُوا سُنَّتَهُ (3)أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ، وَأَوْقِدُوا هَذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ، وَخَلَاكُمْ ذَمُّ (4)أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ، وَالْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ، وَغَداً مُفَارِقُكُمْ، إِنْ أَبْقَ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي، وَإِنْ أَفْنَ فَأَلْفَنَاءُ مِيعَادِي، وَإِنْ أَعْفُ فَالْعَفُرُ لِي قُرْبَةٌ، وَهُوَ لَكُمْ حَسَنَةٌ(5)، فَاعْفُوا : «أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ».


1) لا تأس: أي لا تحزن.

2) رواه المسعودي في (مروح الذهب) ج 2 ص 436، وفي (إثبات الوصية) ص 103.

3) أراد(علیه السّلام) أن يبيّن لأهله وشيعته وقت الوصيّة أنّ المهمّ الأعظم هو التّوحيد، والقيام بما يُعلم من دين محمد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنّه واجب. ولا عليكم بالإخلال بما عدا ذلك.

4) وخلاكم ذمّ: لفظة تقال على سبيل المَثل، أي قد أعذَرتم، وسَقَط عنكم الذم، فعداكم وجاوزكم بعد قيامكم بالوصية.

5) أوماً إلى أنّه إن سليم عفا، وأوماً أيضاً إلى أنّ العفو منهم - أي من الورثة - أحسن ويحمل أمره بالعفو هنا على النّدب.

وَاللَّهِ مَا فَجَأَنِي مِنَ الْمَوْتِ وَارِدُ كَرِهْتُهُ(1)، وَلَا طَالِعُ أَنْكَرْتُهُ، وَمَا كُنْتُ إِلَّا كَقَارِبٍ وَرَدَ(2)، وَطَالِب وَجَدَ؛ «وَمَا عِنْدَاللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ» .

قَالَ الرَّضِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : أَقُولُ وَقَدْ مَضَى بَعْضُ هَذا الكَلَامِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْخُطَبِ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ هَا هُنَا زِيَادَةً أَوْجَبَتْ تَكْرِيرَهُ.

24 - ومن وصية له عليه السلام

اشارة

24 - ومن وصية له عليه السلام (3)

بمَا يُعْمَلُ فِى أموالِهِ، كَتَبَهَا بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ صِفِّينَ

هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُاللهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ فِي مَالِهِ (4)ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ لِيُولِجَهُ (5)بِهِ الْجَنَّةَ ، وَيُعْطِيَهُ بِهِ الْأَمَنَةَ (6).

مِنْهَا: فَإِنَّهُ يَقُومُ بِذلِكَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(7)يَأْكُلُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيُنْفِقُ مِنْهُ


1) أقسم(علیه السّلام) أنّه ما فجأه من الموت أمرٌ أنكَرَه ولا كَرهه، وفجأني الشيء: أتاني بغتةً.

2) القارب: الذي يسير إلى الماء وقد بقي بينه وبين الماء ليلة واحدة، وقال الخليل: «القارب: طالب الماء ليلاً، ولا يقال لطالبه نهاراً» يُريد (علیه السّلام) أنّه مستعد للموت راغب فى لقاء الله، وليس يكره ما يقبل عليه منه .

3) رواها الكليني في (فروع الكافي) ج 7 ص 49، وابن شبة في تاريخ (المدينة المنوّرة) ص 225.

4) استخرج عليٌّ(علیه السّلام) عيوناً بكدِّ يدِه بالمدينة وينبع، وأحيا بها مواتاً كثيراً، ثم أخرجها عن ملکه، وتصدّق بها على المسلمين، ولم يُورّث بنيه قليلاً من المال ولا كثيراً إلّا عبيده وإماءَه وسبعمائة درهم من عطائه، تركها ليشتريّ بها خادماً لأهله.

5) يولجه: يدخله.

6) الأمَنّة - بالتحريك - : الأمن، وروي: «ويعطيني به الأمنة».

7) جعل للحسن ابنه(علیه السّلام) ولاية صدقات أمواله، وأذن له أن يأكل منه بالمعروف أي لا يُسرف .

بِالْمَعْرُوفِ ، فَإِنْ حَدَثَ فَإِنْ حَدَثَ بِحَسَنِ حَدَثُ وَحُسَيْنُ حَيٌّ ، قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَأَصْدَرَهُ مَصْدَرَهُ. وَإِنَّ لِابْنَيْ فَاطِمَةَ مِنْ صَدَقَةِ عَلِيٍّ مِثْلَ الَّذِي لِبَنِي عَلِيٌّ . وَإِنِّي إِنَّمَا جَعَلْتُ الْقِيَامَ بِذلِكَ إِلَى ابْنَيْ فَاطِمَةَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ، وَقُرْبَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - وَتَكْرِيماً لِحُرْمَتِهِ، وَتَشْرِيفاً لِوُصْلَتِهِ(1)وَيَشْتَرِطُ (2)عَلَى الَّذِي يَجْعَلُهُ إِلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ الْمَالَ عَلَى أُصُولِهِ (3)، وَيُنْفِقَ مِنْ ثَمَرِهِ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ وَهُدِي لَهُ، وَأَلَّا يَبِيعَ مِنْ أَوْلَادِ نَخِيلِ هَذِهِ الْقُرَى وَدِيَّةٌ (4)حَتَّى تُشْكِلَ أَرْضُهَا غِرَاساً.(5)وَمَنْ كَانَ مِنْ إِمَائِي - اللَّاتِي أَطُوفُ عَلَيْهِنَّ (6)- لَهَا وَلَدٌ، أَوْ هِيَ حَامِلُ فَتُمْسَكَ عَلَى وَلَدِهَا (7)وَهِيَ مَنْ حَظَّهِ، فَإِنْ مَاتَ وَلَدُهَا وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ عَتِيقَةٌ، قَدْ أَفْرَجَ عَنْهَا الرِّقُ وَحَرَّرَهَا الْعِتْقُ (8).


1) الوصلة - بالضم -: الصلة، وهي هنا القرابة، وفى هذا رَمز وإزراء بمن صَرَفَ الأمر عن أهل بيت رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، مع وجود مَن يصلُح للأمر ، أي كان الأليق بالمسلمين أن يجعلوا الرياسة بعده لأهله.

2) ضمير الفعل إلى علي أو الحسن، والذي يجعله إليه هو مَن يتولى المال بعد علي أو الحسن بوصيته.

3) ترك المال على أصوله: أن لا يباع منه شيء ولا يقطع منه غرس، فيفضي الأمرُ الى خراب الضياع وعُطلة العَقار.

4) أولاد النخيل: الفُسلان الصِّغار، سمّاها أولاداً، والوَدِيَة - كهَديَة - : الفَسِيلة، واحدة الودي، أي صغار النخل وهو هنا الفسيل، والسرّ في النهي أنّ النخلة في صغرها لم يستحكم جذعها في الأرض فقلْع فسيلها يُصرُّ بها.

5) تُشْكِلَ أرضها: تمتلي بالغِراس حتى لا يَبقى فيه طريقة واضحة .

6) «أطوفُ عليهن» كناية لطيفة عن غِشيان النساء.

7) «فتمسك علىٰ ولدها» أي تقوّم عليه بقيمة الوقت الحاضر، وهي من حظّه، أي من نصيبه من التركة، فإذا ببعث عليه عتقت عليه، لأنّ الولد إذا اشترى الوالدُ عتق الوالدُ عنه.

8) قال: فإن مات ولدها وهي حيّة بعد أن تقوّم عليه فلا يجوز بيعها لأنّها خرجت عن الرِّق بانتقالها إلى ولدها، فلا يجوز بيعُها .

قَالَ السَّيْدُ الرَّضِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : قوله عليه السلام في هذِهِ الوَصِيَّة «وَأَلَّا يَبيعَ مِنْ نَخْلِهَا وَدِيَّةٌ» الْوَدِيَّةُ : الفَسِيلَةُ، وَجَمِعُها وَدِيُّ . وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَام: «حَتَّى تُشْكِلَ أَرْضُهَا غِرَاساً» هُوَ مِنْ أَفْصَحِ الْكَلَامِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الْأَرْضَ يَكْثُرُ فِيهَا غِرَاسُ النَّخْلِ حَتَّى بَرَاهَا النَّاظِرُ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ الَّتِي عَرَفَهَا بهَا ، فَيُشكِلَ عَلَيْهِ أَمْرُهَا وَبَحْسبُهَا غَيْرَهَا .

25 - ومن وصية له عليه السلام

اشارة

25 - ومن وصية له عليه السلام (1)

كان يكتُبُها لمن يستعمِلُهُ على الصَّدَقَاتِ وإنّما ذكرنا هنا جُمَلاً منها ليُعلم بها أنّه عليه السلام كانَ يُقِيمُ عِمادَ الحَقِّ ويَشْرَعُ أمثلَةَ العَدْلِ فِي صَغِيرِ الأُمورِ وكَبِيرِهَا ودَقِيقِهَا وجَلِيلِها

أَنْطَلِقْ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا تُرِوِّعَنَّ مُسْلِماً(2)، وَلَا تَجْتَازَنَّ عَلَيْهِ كَارِها (3)وَلَا تَأْخُذَنَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقٌّ اللهِ فِي مَالِهِ، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى الْحَيِّ فَأَنْزِلْ بِمَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْيَاتَهُمْ(4)، ثُمَّ أَمْضِ إِلَيْهُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ؛ حَتَّى تَقُومَ بَيْنَهُمْ فَتُسَلَّمَ عَلَيْهِمْ(5)، وَلَا تُخْدِج (6)بِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ، ثُمَّ تَقُولَ : عِبَادَاللهِ ،


1) رواها الكليني في (فروع الكافي ) ج 3 ص 536 ، والثقفي في (الغارات)، والمفيد في (المقنعة) ص 542.

2) لا تُرَوْعَنَ: أي لا تُفَزِّعَنَ والرَّوع الفَزَع، روّعته ترويعاً خوّفته .

3) الاجتياز: المرور، أي لا تَمُرّن ببيوت أحدٍ من المسلمين يكره مُرورَك، والهاء في «عليه» ترجع إلى «مُسلِماً».

4) لأنّ الغريب يُحمَد منه الانقباض، ويُستهجَن في القادم أن يُخالط بيوت الحيّ الذي قدم عليه.

5) أمره أن يمضيّ إليهم غير متسرّع ولا عجل ولا طائش نزِق .

6) غير مخدّجة: أي غير ناقصة، أخدجَتِ الناقةُ إذا جاءت بوَلَدها ناقصّ الخَلق، وإن كانت أيامه تامّة، وخَدَجتْ: ألقت الولد قبل تمام أيّامه، وأخْدَجَتِ السحابةُ: قلّ مطرها، والمراد من قوله: «لا تُخدِج بالتحية لهم لا تبخل بها عليهم، وحيِّیهم تحيّة كاملةً.

أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللَّهِ وَخَلِيفَتُهُ، لأخُذَ مِنْكُمْ حَقَّ اللَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ، فَهَلْ لِلَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ حَقٌّ فَتُؤَدُّوهُ إِلَى وَلِيِّهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَا ، فَلَا تُرَاجِعْهُ(1)، وَإِنْ أَنْعَمَ لَكَ (2)مُنْعِمْ فَانْطَلِقْ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخِيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ، أَوْ تَعْسِفَهُ (3)أَوْ تُرْهِقَهُ فَخُذْ مَا أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَاشِيَةً أَوْ إِبِلٌ فَلَا تَدْخُلُهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ . فَإِنَّ أَكْثَرَهَا لَهُ(4)، فَإِذَا أَتَيْتَهَا فَلَا تَدْخُلْ عَلَيْهَا دُخُولَ مُتَسَلِّطٍ عَلَيْهِ، وَلَا عَنِيفٍ بِهِ.

وَلَا تُنَفِّرَنَّ بَهِيمَةً وَلَا تُفْزِعَنَّهَا، وَلَا تَسُوءَنَّ صَاحِبَهَا فِيهَا(5)، وَأَصْدَعِ الْمَالَ صَدْعَيْنِ، ثُمَّ خَيْرُهُ(6)، فَإِذَا اخْتَارَ فَلَا تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ. ثُمَّ أَصْدَعِ الْبَاقِيَ صَدْعَيْنِ، ثُمَّ خَيّرْهُ، فَإِذَا أَخْتَارَ فَلَا تَعْرِضَنَّ لِمَا أَخْتَارَهُ(7). فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَبْقَى مَا فِيهِ وَفَاءُ لِحَقِّ اللَّهِ فِي مَالِهِ؛ فَأَقْبِضْ حَقَّ اللَّهِ مِنْهُ، فَإِنِ اسْتَقَالَكَ فَأَقِلْهُ، ثُمَّ أخْلِطْهُمَا ثُمَّ أَصْنَعْ مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتَ أَوَّلاً حَتَّى تَأخُذَ حَقَّ اللَّهِ فِي مَالِهِ. وَلَا تَأْخُذَنَّ


1) لأنّ القول قول ربِّ المال، فلعلّه قد أخرج الزكاة قبل وصول المصدّق إليه .

2) وأنعمَ لك: أي قال: نعم .

3) تعسفه: تأخذه بشدة، وأصل العَسف: الأخذ على غير الطريق. «ولا تُرهِقُهُ» لا تكلّفه العُسْرَ والمشقّة.

4) «فإن أكثرها له» كلام لا مزيدُ عليه من الفصاحة والرِّياسة والدِّين، وذلك لأنّ الصدقة المستَحقّة جزءُ يسيرُ من النِّصاب، والشريك إذا كان له الأكثر حَرُم عليه أن يدخل ويتصرّف إلّا بإذن شریکِه، فكيف إذا كان له الأقلّ.

5) «لا تسوءَ نَ صاحبَها فيها» أي لا تغمّوه ولا تُحزنوه.

6) اقسمه قسمين ثم خيِّر صاحب المال في أيّهما، فإذا اختار أحد النّصفين فلا تَعرِّضنّ لما اختار.

7) أي فإن ظنّ في نفسه سوء الاختيار وأنّ ما أخذت منه الزكاة أكرم مما في يده، وطلب الإعفاء من هذه القسمة، فأعفه منها واخلط وأعد القسمة.

عَوْداً(1)وَلَا هَرِمَةً وَلَا مَكْسُورَةٌ(2)وَلَا مَهْلُوسَةً(3)، وَلَا ذَاتَ عَوَارٍ(4)، وَلَا تَأْمَنَنَّ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ تَيْقُ بِدِينِهِ، رَافِقاً بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُوَصِّلَهُ إِلَى وَلِيّهِمْ فَيَقْسِمَهُ بَيْنَهُمْ، وَلَا تُوَكَّلْ بِهَا إِلَّا نَاصِحاً شَفِيقاً وَأَمِيناً حَفِيظاً، غَيْرَ مُعَنِّفٍ (5)وَلَا مُجْحِفٍ (6)، وَلَا مُلْعِبٍ (7)وَلَا مُتَّعِبٍ . ثُمَّ أَحْدُرْ إِلَينَا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ (8)، نُصَيِّرُهُ حَيْثُ أَمَرَ اللهُ، فَإِذَا أَخَذْهَا أَمِينُكَ فَأَوْعِزْ إِلَيْهِ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَ نَاقَةٍ وَبَيْنَ فَصِلِيهَا(9)، وَلَا يَمصُرَ(10)لَبَنَهَا فَيَضُرَّ ذَلِكَ بوَلَدِهَا، وَلَا يَجْهَدَنَّهَا رُكُوباً، وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذَلِكَ (11)وَبَيْنَهَا ، وَلْيُرَفِّهُ عَلَى اللَّاغِب (12)وَلْيَسْتَأْنِ (13)بِالنَّقِبِ (14)وَالظَّالِعِ (15)، وَلْيُورِدْهَا مَا


1) العود: المُسِن من الإبل، والهرمة: المسِنُة أيضاً، بل أسنّ من العود.

2) المكسورة التي أحد قوائمها مكسورة العظم أو ظهرها مكسور.

3) المهلوسة: الضعيفة المريضة، قد هَلَسها المرض وأفنّى لحمها هلسه المرض: أضعفه، والهُلاس السلّ.

4) العَوار - بفتح العين - : العَيْب، وقد جاء بالضَمّ.

5) المعنِّف: ذو العُنف - بالضم - وهو ضد الرِّفق.

6) المجحِف: الذي يسوق المال - أي الأيل - سوقاً عنيفاً فيجحف به، أي يهلكه، أو يذهب كثيراً من لحمه.

7) المُلْعِب: المُنعِب، الذي يغيي غيره ويتعبه، واللُّغوب: الإعياء.

8) حَذَرَ يَحْدُر - كنصر ويضرب - : أسرع، والمراد: سُقُ إلينا سريعاً.

9) فَصِيل الناقة: ولدها وهو رضيع .

10) المَصْرَ: حَلْب ما في الضرع جميعه، نهاء من أن يحلب اللّين كلّه فيبقى الفصيل جائعاً.

11) أمَرَه أن يعدل بين الركاب في ذلك، لا يخصّ بالركوب واحدةً بعينها؛ ليكون ذلك أروَح لهنّ.

12) ليُرَفُهُ على اللاغب: أي ليرح ما الغِبَ، أي أعياه التعب، فيتركه ويعفه عن الركوب ليستريح. والرفاهِيّة: الدّعَة والراحَة.

13) ليستأن: أي يرفق من «الأناة» بمعنى الرفق والمُهلة.

14) النَّقِب: ذو النّقب، وهو رقّة خُفَ البعير حتى تكاد الأرضُ تَجرحه.

15) الضالع: الذي ضَلَعَ، أي غَمز في مَشيه.

تَمُرُّ بِهِ مِنَ الْغُدُرِ(1)، وَلَا يَعْدِلْ بِهَا عَنْ نَبْتِ الْأَرْضِ إِلَى جَوَادُ الطُّرُقِ(2)، وَلْيُرَوِّحْهَا فِي السَّاعَاتِ، وَلْيُمْهِلْهَا عِنْدَ النِّطَافِ (3)وَالْأَعْشَابِ، حَتَّى تَأْتِيَنَا بِإِذْنِ اللهِ بُدَّنا (4)مُنْقِيَاتٍ (5)، غَيْرَ مُتْعَبَاتٍ وَلَا مَجْهُودَاتٍ، لِنَفْسِمَهَا عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَإِنَّ ذلِكَ أَعْظَمُ لِأَجْرِكَ ، وَأَقْرَبُ لِرُشْدِكَ، إِنْ شَاءَ الله .

26 - ومن عهد له عليه السلام

إِلَى بَعْضٍ عُمَالِهِ وَقَدْ بَعَثَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ

آمُرُهُ بِتَقْوَى اللهِ فِي سَرَائِرِ أَمْرِهِ، وَخَفِيَّاتِ عَمَلِهِ، حَيْثُ لَا شَاهِدَ غَيْرُهُ، وَلَا وَكِيلَ دُونَهُ.

وَآمُرُهُ أَلَّا يَعْمَلَ بِشَيْءٍ مِنْ طَاعَةِ اللهِ فِيمَا ظَهَرَ فَيُخَالِفَ(6)إِلَى غَيْرِهِ فِيمَا أَسَرَّ ، وَمَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ سِرُّهُ وَعَلَانِيَتُهُ، وَفِعلُهُ وَمَقَالَتُهُ، فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ، وَأَخْلَصَ


1) الغُدَر: جمع غدير الماء، وهو ما غادره السيل من المياه.

2) جوادُ الطريق: حيث لا ينبت المرعى.

3) النِّطاف: جمع نطقة،وهي الماء الصافي القليل، أي يجعل لها مهلة لتشرب وتأكل.

4) البُدَن - بالتشديد - : السَّمان واحدها بادن .

5) المُنْقِيات: ذواتُ نِفي، وهو المُخَ في العَظم والشحم في العَين من السِّمن، وأنقَت الإبلُ وغيرُها: سَمنت وصار فيها نِقيٌ.

6) «فيخالف» هو مصبُ النهي، أي لا ينافق فيعمَل الطاعة في الظاهر، والمعصية في الباطن .

الْعِبَادَةَ. وَآمُرُهُ أَلَّا يَجْبَهَهُمْ(1)، وَلَا يَعْضَهَهُمْ(2)، وَلَا يَرْغَبَ عَنْهُمْ (3)تَفَضُّلاً بِالْإِمَارَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمُ الْإِخْوَانُ فِي الدِّينِ، وَالْأَعْوَانُ عَلَى اسْتِخْرَاج الْحُقُوقِ(4). وَإِنَّ لَكَ فِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً، وَحَقَّاً مَعْلُوماً ، وَشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسْكَنَةٍ ، وَضُعَفَاءَ ذَوِي فَاقَةٍ. وَإِنَّا مُوَفُوكَ حَقًّكَ، فَوَفِّهِمْ حُقُوقَهُمْ، وَإِلَّا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ خُصُوماً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُؤْسَى (5)لِمَنْ خَصْمُهُ عِنْدَاللهِ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، وَالسَّائِلُونَ وَالْمَدْفُوعُونَ (6)، وَالْغَارِمُونَ (7)وَابْنُ السَّبِيلِ (8)! وَمَنِ اسْتَهَانَ بِالْأَمَانَةِ، وَرَتَعَ فِي الْخِيَانَةِ، وَلَمْ يُنَزِّهَ نَفْسَهُ وَدِينَهُ عَنْهَا ، فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ الذُّلّ وَالْخِزْيَ فِي الدُّنْيَا(9)، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَذَلُّ وَأَخْرَى. وَإِنَّ أَعْظَمَ الْخِيَانَةِ خِيَانَةُ الْأُمَّةِ(10)، وَأَفْطَعَ الغِضُ غِشُ الأَئِمَّةِ ، وَالسَّلَامُ


1) وألّا يجبههم: لا يواجههم بما يَكرهونه، وأصل الجَبْهِ لقاءُ الْجَبْهة أو ضَرْبُها ، فلمّا كان المواجِه غيرَه بالكلام القبيح كالضارب جَبهتَه به سُمِّى بذلك جَبْهاً.

2) ولا يعضههم: أي لا يرميِهم بالبُهتان والكَذِب، يقال: عَضِهتَ يا فلان، أي جئتَ بالبهتان .

3) أي لا يتجافى، يقال: «فلان يرغّب عن القوم» أي يأنف من الانتماء إليهم أو من مخالطتهم.

4) لأنّ الحق إنّما يمكن استيفاؤه بمعاونة ربِّ المال واعترافه به، ودفعه الى العامل .

5) بُؤْسَى، على وزن «فُعلّى» [وفي نسخة عبده: بؤساً] وبَيْسَ - كسَمِعَ - بؤسا:ً اشتدت حاجته، ومن كان خصمه الفقراء فلابد أن يبأس؛ لأنّهم لا يعفون ولا يتسامحون في حقهم لتقرّح قلوبهم من المنع عند الحاجة.

6) المدفوع: الفَقير؛ لأنّ كلّ أحد يكرّهه ويَدفعه عن نفسه، وقيل: هم الحجيج المنقطع بهم، دُفِعوا عن إتمام حجّهم، أو عن العَو۫د إلى أهلهم .

7) الغارمون: الذين ركبتهم الدّيونُ.

8) ابنُ السبيل: المسافر المنقطع عن ماله.

9) أي جعل نفسَه محلّاً لهما، والخِري: أشدّ الذل، جمع خَزية - بفتح الخاء - أي بليّة .

10) لأنّ الساعيّ إذا خان فقد خان الأمّة كلّها، وإذا غَشَ في الصدقة فقد غَشّ الإمامَ.

27 - ومن عهد له عليه السلام

اشارة

27 - ومن عهد له عليه السلام (1)

إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ قَلَّدَهُ مِصْرَ

فَأَخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ، وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ ، وَابْسُطُ لَهُمْ وَجْهَكَ ، وَآسِ (2)بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ لَهُمْ(3)، وَلَا يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُسَائِلُكُمْ مَعْشَرَ عِبَادِهِ عَنِ الصَّغِيرَةِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَالْكَبِيرَةِ، وَالظَّاهِرَةِ وَالْمَسْتُورَةِ، فَإِنْ يُعَذِّبْ فَأَنْتُمْ أَظْلَمُ(4)، وَإِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ.

وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الْآخِرَةِ، فَشَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ، وَلَمْ يُشَارِكْهُمْ أَهْلُ الدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ؛ سَكَنُوا الدُّنْيَا بِأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ، وَأَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ، فَحَظُوا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا حَظِي بِهِ المُترَفُونَ(5)، وَأَخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ الْجَبَابِرَةُ الْمُتَكَبِّرُونَ: ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ


1) رواه الثقفي في (الغارات) ص 232 ، وابن شعبه في (تحف العقول) ص 176 ، والمفيد في (المجالس) ص 137، وابن ورام في (مجموعته) ص 12 وص 489 .

2) آسِ: أمر من آسى - بمد الهمزة - أي سوَى، يريد اجعل بعضهم أسوة بعض، أي مستوين، لا تفضّل بعضهم على بعض في اللَّحظة والنظرة فضلاً عن العطاء والإنعام والتقريب.

3) حَيْفِكَ لهم: أي ظلمك؛ لأنّهم يطمعون في ذلك إذا خصصتهم بشيء من الرعاية.

4) «فإن يعذب فأنتم أظلم» أفعل هنا بمعنى الصفة، لا بمعنى التفضيل، وإنّما يراد فأنتم الظالمون.

5) المترفون: المنعِّمون، فإنّ المتقي يؤدّي حقّ الله وحقوق العباد، ويتلذذ بما أتاه الله من النعمة ، وينفق ماله فيما يرفع شأنه، ويعلي كلمته فيعيش سعيداً مترفاً كما عاش الجبابرة ثم ينقلب بالزاد وهو الأجر الذي يبلغه سعادة الآخرة ، جزاء على رعاية حقّ نفسه، ومنفعتها الصحيحة فيما أتي من الدنيا، وهو بهذا يكون زاهداً في الدنيا وهي مغدقة عليه.

الْمُبَلّغ ؛ وَالْمَتْجَرِ الرَّابِحِ . أَصَابُوا لَذَّةَ زُهْدِ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ جِيرَانُ الله(1)ِ غَداً فِي آخِرَتِهِمْ. لَا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ، وَلَا يَنْقُفُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةٍ.

فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللَّهِ الْمَوْتَ وَقُرْبَهُ، وَأَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَخَطْبٍ جَلِيلٍ ، بِخَيْرٍ لَا يَكُونُ مَعَهُ شَرٌّ أَبَداً، أَوْ شَرٌّ لَا يَكُونُ مَعَهُ خَيْرٌ أَبَداً. فَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ عَامِلِهَا! (2)وَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى النَّارِ مِنْ عَامِلِهَا ! وَأَنْتُمْ طُرَدَاءُ الْمَوْتِ(3)إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ، وَإِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ، وَهُوَ أَلْزَمُ لَكُمْ مِنْ ظِلَّكُمْ. اَلْمَوْتُ مَعْقُودُ بِنَوَاصِيكُمْ(4)

والنواصي : جمع ناصية، مقدّم شعر الرأس.

وَالدُّنْيَا تُطْوَى مِنْ خَلْفِكُمْ. فَاحْذَرُوا نَاراً قَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَحَرُّهَا شَدِيدٌ، وَعَذَابُهَا جَدِيدُ. دَارُ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ، وَلَا تُسْمَعُ فِيهَا دَعْوَةُ، وَلَا تُفَرَّجُ فِيهَا كُرْبَةٌ. وَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَشْتَدَّ خَوْفُكُمْ مِنَ اللهِ ، وَأَنْ يَحْسُنَ ظَنَّكُمْ بِهِ ، فَأَجْمَعُوا بَيْنَهُمَا (5)، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يَكُونُ حُسْنُ ظَنْهِ بِرَبِّهِ عَلَى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ(6)، وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ ظَنّاً بِاللَّهِ أَشَدُّهُمْ خَوْفاً لِلَّهِ.

1) ظاهر اللفظ غيرُ مراد، لأنّ البارئ تعالى ليس في مكان وجهة ليكونوا جيرانه، ولكن لمّا كان الجار يُكرِم جاره سمّاهم جيران الله، لإكرامه لهم.

2) استفهام بمعنى النفي، أي لا أقرب الى الجنة ممن يعمل لما ألحَ. و«من عاملها» أي من العامل لها.

3) طُردَاء الموت: جمع طَريد، أي يطردكم عن أوطانكم ويُخرجكم منها.

4) معقودٌ بنواصيكم: أي ملازمٌ لكم، كالشيء المعقود بناصية الإنسان أين ذهب ذهب معه.

5) الجمع بين حُسن الظن بالله وبين الخوف منه مقامٌ جليل لا يصل إليه إلّا كلُّ ضامر مهزول. قال على بن الحسين(علیه السّلام) : لو أنزل الله عزّوجلّ كتاباً أنّه معذَّب رجلاً واحداً لخفتُ أن أكونه، وأنّه راحمٌ رجلاً لرجوتُ أن أكونَه، أو أنّه معذِّبي لا محالة ما ازددتُ إلّا اجتهاداً لئلا أرجع الى نفسي بلائمة.

6) فإنّ من خاف ربّه وعمل لطاعته وانتهى عن معصيته فرجا ثوابه بخلاف مَنْ لم يخفه، فإنّ رجاءه يكون طمعاً في غير مطمع، نعوذبالله منه.

وَأَعْلَمْ - يَا مُحَمَّدُ بْنَ أَبِي بَكْرٍ - أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ أَعْظَمَ أَجْنَادِي(1)فِي نَفْسِي أَهْلَ مِصْرَ، فَأَنْتَ مَحْقُوق أَنْ تُخَالِفَ عَلَى نَفْسِكَ (2)، وَأَنْ تُنَافِحَ (3)عَنْ دِينِكَ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلَّا سَاعَةٌ مِنَ الدَّهْرِ، وَلَا تُسْخِطِ اللَّهَ بِرِضًا أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ : فَإِنَّ فِي اللهِ خَلَفاً مِنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ خَلَفٌ فِي غَيْرِهِ .(4)

صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا الْمُؤَقَتِ لَهَا، وَلَا تُعَجِّلْ وَقْتَهَا لِفَرَاعَ، وَلَا تُؤَخِّرْهَا عَنْ وَقْتِهَا لِاشْتِغَالٍ، وَأَعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِكَ تَبْعُ لِصَلَاتِكَ .

وَمِنْ هَذَا الْعَهْدِ: فَإِنَّهُ لَا سَوَاءَ إِمَامُ الْهُدَى وَإِمَامُ الرَّدَى (5)، وَوَلِيُّ النَّبِيِّ وَعَدُوُّ النَّبِيِّ. وَلَقَدْ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ : «إِنِّي لَا أَخَافُ عَلَى مُؤْمِناً وَلَا مُشْرِكاً؛ أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَمْنَعُهُ اللهُ بِإِيمَانِهِ(6)، وَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيَقْمَعُهُ اللهُ بِشِرْكِهِ ، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلَّ مُنَافِقِ الْجَنَانِ(7)، عَالِمِ اللَّسَانِ، يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ، وَيَفْعَلُ مَا تُنْكِرُونَ».


1) يقال للأقاليم والأطراف: أجناد، تقول: وَلِيَ جُندَ الشام، وولي جندَ مِصر.

2) «فأنت محقوقٌ أن تُخالِفَ على نفسك» كقولك: حَقِيق وجَدِير وخليق، أي مطالب بحقّ بمخالفتك شهوة نفسك.

3) تُنافِح: تُجالِد، نافحتُ بالسيف أي خاصمتُ به ، والمنافحة: المدافعة والمجالدة.

4) اذا فقدت مخلوقاً ففي فضل الله عوض عنه، وليس في خلق الله عوض عن الله.

5) الإشارة بإمام الهُدى إليه نفسه، وبإمام الرَّدى إلى معاوية، وسمّاه إماماً كما سمّى الله تعالى أهل الضَّلال أئمّة، فقال: «وَجَعَلْناهُمْ أَيْمَةً يَدْعُونَ إِلى النَّارِ » (القصص: 41)، ثم وصفه بأنّه عدوّ النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، لقوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) له(علیه السّلام) : عدوّك عدوّي وعدوّي عدوّ الله.

6) أي يمنعه الله بإيمانه أن يُضِلُ الناسُ. والمشرك يقمعه الله ويقهره بإظهار شركه ويَخذُله، أي يقهره لعلم الناس أنّه مشرك فيحذرونه.

7) منافق الجَنّان: من أسرّ النفاق في قلبه. وعالم اللسان مَنْ يعرف أحكام الشريعة ويسهل عليه بيانها، فيقول حقاً يعرفه المؤمنون، ويفعل منكراً ينكرونه.

28 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

28 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إِلَى مُعَاوِيَةً جَوَابِاً وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ الْكُتُبِ

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ أصْطِفَاءَ اللهِ مُحَمَّداً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - لِدِينِهِ ، وَتَأْبِيدَهُ إِيَّاهُ لِمَنْ أَيَّدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ فَلَقَدْ خَبَّأَ لَنَا الدَّهْرُ مِنْكَ عَجَباً(2)، إِذْ طَفِقْتَ تُخْبِرُنَا بِبَلاءِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا (3)، وَنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِي نَبِيِّنَا، فَكُنْتَ فِي ذَلِكَ كَنَاقِلِ التَّمْرِ إِلَى هَجَرَ (4)، أَوْ دَاعِي مُسَدِّدِهِ إِلَى النِّضَالِ(5).

وَزَعَمْتَ أَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ (6)فَذَكَرْتَ أَمْراً إِنْ تَمَّ أعْتَزَلَكَ كُلُّهُ(7)، وَإِنْ نَقَصَ لَمْ يَلْحَقُكَ ثَلْمُهُ. وَمَا أَنْتَ وَالْفَاضِلَ وَالْمَفْضُول، وَالسَّائِسَ وَالْمَسُوسَ ! وَمَا لِلطَّلَقَاءِ وَأَبْنَاءِ الطُّلَقَاءِ، وَالتَّمْيِينَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ


1) رواه القلقشندي في (صبح الأعشى ) ج 1 ص 229، والنويري في (نهاية الإرب) ج 7 ص 233 .

2) خبّاً عجباً: أخفى أمراً عجيباً ثم أظهره، وموضع التعجُّب أنّ معاوية يُخبر علياً (علیه السّلام)باصطفاء الله تعالى محمداً وتشريفه، وهذا ظريف، إذ كان النبيُّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وعليُّ (علیه السّلام) كالشيء الواحد.

3) طَفِقْت: أخذت. وبلاءُ الله تعالى: إنعامُه وإحسانه، وعطفُ «النعمة» على «البلاء» تفسير.

4) «كناقِلِ التمر الى هَجَر»، مثلٌ قديم لناقل الشيء الى معدنه، وهَجَر: مدينة بالبحرين كثيرة النخل يُحمل منها التمر الى غيرها.

5) المُسدّد: معلّم رمي السهام، وسدَّدتُ فلاناً: علّمته النِّضال، وسهمٌ سَديد: مصيب، والنضال: المراماة، أي كمن يدعو أستاذه في فن المناضلة، وهو مثل للمتعالم على معلّمه.

6) أي أبو بكر وعمر.

7) إن صحَّ ما ادعيت من فضلهم لم يكن لك حظ منه فأنت عنه بمعزل. وثلمه: عيبه.

الْأَوَّلِينَ(1)، وَتَرْتِيبَ دَرَجَاتِهِمْ، وَتَعْرِيفَ طَبَقَاتِهِمْ! هَيْهَاتَ لَقَدْ حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا(2)قال النيسابوري في مجمع الأمثال: «القِدح: أحد قداح الميسر، وإذا كان أحد القِداح من غير جوهر أخواته ثم أجاله المفيض (الضارب بالأقداح) خرج له صوت يخالف أصواتها فيعرف أنّه ليس من جملة القداح ... وتمثّل عمر به...». فيظهر من ذلك اشتباء محمد عبده - وتبعاً له الصالح - في معنى المثل، وكذلك في أصل المثل، إذ أنّ عمر تمثَّل به لا أنَّ الأصل يعود إليه. (3)، وَطَفِقَ يَحْكُمُ فِيهَا مَنْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ لَهَا !(4)أَلَا تَرْبَعُ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ عَلَى ظَلْعِكَ(5)، وَتَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِكَ (6)وَتَتَأَخَّرُ حَيْثُ أَخَّرَكَ القَدَرُ! فَمَا عَلَيْكَ غَلَبَةٌ المَغْلُوبِ ، وَلَا ظَفَرُ الظَّافِرِ ؛ فَإِنَّكَ لَذَهَّابٌ فِي التِّيهِ(7)، رَبَّاغُ عَنِ الْقَصْدِ (8).


1) يريد أيّ حقيقة تكون لك مع هؤلاء، أي ليست لك ماهية تذكر بينهم. والطلقاء الذين أسروا بالحرب ثم أطلقوا، وكان منهم أبو سفيان ومعاوية، والمهاجرون: من نصروا الدين.

2) «هيهات حنَّ قِدْحَ ليس منها» هذا مَثَل يضرب لمن يُدخل نفسه بين قوم ليس له أن يَدخُل بينهم، وأصله القِداح من عودٍ واحد يجعَل فيها قِدح من غير ذلك الخشَب، فيصوّت بينها إذا أرادها المفِيض، فذلك الصوت حنينُه. وحنَّ: صوّت والقِدح - بالكسر - : السهم. وإذا كان السهم يخالف السهام كان له صوت عند الرمي يخالف أصواتها

3) يضرب لمن يفتخر بقوم وليس منهم. وأصل المثل لعمر بن الخطاب، قال له عقبة بن أبي معيط: «أقتل من بين قريش؟» فأجابه: «حنَّ قدح ليس منها».

4) أي وطفق يحكُم فى هذه القضية مَنْ يجب أن يكون الحكم لها عليه لا له فيها.

5) أي ألَا تَرْفُق بنفسك، ولا تحمل عليها ما لا تطيقُه، يقال: أربع على ظَلْعِك، أي قف عند حدّك. والضّلْع: مصدر «ضَلَع البعير يضلّع» أي غمز في مشيته.

6) أصل الذرع: بسط اليد، ويقال للمقدار.

7) «ذهّاب» فعّال، للتكثير، أي كثير الذهاب، ويحتمل قوله (علیه السّلام) في التّيه معنيين: أحدهما بمعنى الكِبر، والآخر التيه، من قولك: «تاه فلان في البيداء» والثاني أحسن، يقول: إنّك شديد الإيغال في الضلال. يقال: أرض متيهة، أي يُتاهُ فيها.

8) الروَّاغ الميّال. والقصد: الاعتدال أي تترك ما يلزمك فعلُه وتعدل عمّا يجب عليك أن تجيب عنه إلى حديث الصحابة.

أَلَا تَرَى - غَيْرَ مُخْبِرٍ لَكَ وَلَكِنْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ أُحَدِّثُ(1)- أَنَّ قَوْماً أَسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَلِكُلِّ فَضْلُ، حَتَّى إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا قِيلَ : سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ(2)، وَخَصَّهُ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةً عِنْدَ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ! أَوَ لَا تَرَى أَنَّ قَوْماً قُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِكُلٍّ فَضْلُ، حَتَّى إِذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنَا (3)مَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ، قِيلَ : الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ وَذُو الْجَنَاحَيْنِ! وَلَوْلَا مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ، لَذَكَرَ ذَاكِرُ فَضَائِلَ جَمَّةً(4)، تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا تَمُجُهَا آذَانُ السَّامِعِينَ (5).

فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِهِ الرَّمِيَّةُ(6)، فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا ، وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا (7)،


1) لستَ عندي أَهْلاً لأن أخبرك بذلك أيضاً، فإنّك تَعلّمه، ولكن أذكر ذلك لأنّه تحدُّث بنعمة الله علينا.

2) المراد هنا سيّدالشهداء حمزة (رضی الله عنه)، استشهد في أحد، والقائل رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وينبغي أن يُحمَل قول النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فيه إنّه سيدالشهداء على أنّه سيّد الشهداء في حياة النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؛ لأنّ علياً (علیه السّلام) مات شهيداً، ولا يجوز أن يقال: حمزة سيّده، بل هو سيّد المسلمين كلِّهم.

3) واحدنا هو جعفر بن أبي طالب أخو الإمام، استشهد في مؤتة.

4) قوله: «ولولا ما نهى الله عنه» هذا إشارة إلى نفسه (علیه السّلام) ، وجمّة: أي كثيرة.

5) لا تمجُّها: أي لا تقذفها، يقال: «مَجَّ الرجل مِن فيه» أي قذفه.

6) الرمية: الصيد يرميه الصائد. ومالت به: خالفت قصده فاتبعها، مَثَلُ يضرب لمن اعوجُ غرضه فمال عن الاستقامة لطلبه، والمعنى: دَعْ ذكر من مالَ الى الدنيا ومالت به، أي أمالته إليها.

7) قوله: «فإنّا صنائع ربِّنا، والناس بعدُ صَنائعُ لنا» هذا الكلام عظيم، عالٍ عن الكلام، ومعناه عالٍ على المعاني، وصنيعة الملِك: من يصطنعُه الملك ويرفع قدرَه، وأصل الصنيع من تصنعه لنفسك بالإحسان حتى خصصته بك كأنّه عمل يدك . يقول(علیه السّلام) : ليس لأحد من البشر علينا نعمة، بل الله تعالى هو الذي أنعم علينا، فليس بيننا وبينه واسطة، والناس بأسرهم صنائعنا ؛ فنحن الواسطة بينهم وبين الله تعالى، وهذا مقامٌ جليل ظاهره ماسمعت، وباطنه أنّهم عبيدالله، وأنّ الناس عبيدهم؛ إذ أنّ آل النبيّ أسراء إحسان الله عليهم، والناس أسراء فضلهم بعد ذلك.

لَمْ يَمْنَعْنَا قَدِيمٌ (1)عِزْنَا ، وَلَا عَادِيٌّ طَوْلِنَا (2)عَلَى قَوْمِكَ أَنْ خَلَطنَاكُمْ بِأَنْفُسِنَا (3)، فَنَكَحْنَا وَأَنْكَحْنَا، فِعْلَ الْأَكْفَاءِ وَلَسْتُمْ هُنَاكَ(4)، وَأَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ كَذلِكَ وَمِنَّا النَّبِيُّ وَمِنْكُمُ الْمُكَذِّبُ(5)قال الشيخ محمد عبده وتبعه الصالح: «المكذِّب أبو جهل»، وهو قول عارٍ عن الصحة؛ لأنّ أبا جهل بن هشام من مخزوم وليس من بني أُميّة. (6)، وَمِنَّا أَسَدُاللهِ وَمِنْكُمْ أَسَدُ الْأَخْلَافِ(7)، وَمِنَّا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (8)قال الشيخ عبده وتبعه الصالح - كعادته - : «صبية النار، قيل هم أولاد مروان بن الحكم»، وقد عاب ابن أبي الحديد على الراوندي هذا الرأي. وقال التستري: ولا ريب أنّ المراد ما قاله ابن أبي الحديد. (9)وَمِنْكُمْ صِبْيَةُ النَّارِ، وَمِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ(10)، وَمِنْكُمْ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ،فِي كَثِيرٍ مِمَّا لَنَا وَعَلَيْكُمْ!(11)فَإِسْلَامُنَا مَا قَدْ سُمِعَ ، وَجَاهِلِيَّتُنَا لَا تُدْفَعُ (12)، وَكِتَابُ


1) «قديم» مفعول «يمنع».

2) العادي: القديم، ومنه بئرٌ عاديّة. والطّول - بفتح فسكون - : الفضل.

3) « أن خالطاكم» فاعل يمنع.

4) الأكفاء: جمع كفؤ - بالضم - : النظير في الشرف، يقول (علیه السّلام) : تزوِّجنا فيكم وتزوّجتم فينا كما يَفعل الأكفاء، ولستم أكفاءنا.

5) المكذِّب يعنى أبا سفيانَ بن حرب

6) .

7) «أسد الله» يعني حمزة، و« أسدالأحلاف» يعني عُتبة بن ربيعة.

8) «سيّدا شباب أهل الجنّة» يعني حَسَناً وحسيناً (علیهما السّلام)، و«صبية النار»، هذه الكلمة قالها النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لعُقبة بن أبي مُعَيْط حين قَتَله صَبْراً يوم بدر، وقد قال كالمستعطف له: مَنْ للصبية يامحمّد؟ قال: النار

9) .

10) «خير نساء العالمين» يعنى فاطمة(علیها السّلام) ، نصّ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) على ذلك ، لا خلاف فيه. و«حمّالة الحطب» هي أمّ جميل بنت حَرْب بن أميّة، امرأة أبي لهب.

11) أي هذه الفضائل المعدودة لنا وأضدادها المسرودة لكم قليل في كثير ممّا لنا وعليكم، وأنا قادر على أن أذكر مِن هذا شيئاً كثيراً، ولكنّي أكتفي بما ذكرت.

12) أي شرفنا في الجاهليّة لا ينكره أحد.

اللَّهِ يَجْمَعُ لَنَا مَا شَدَّ عَنَّا ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: «وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ»، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» ، فَنَحْنُ مَرَّةً أَوْلَى بِالْقَرَابَةِ ، وَتَارَةً أَوْلَى بِالطَّاعَةِ. وَلَمَّا اَحْتَجَّ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ برسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَلَجُوا عَلَيْهِمْ(1)، فَإِنْ يَكُنِ الْفَلَجُ بِهِ فَالْحَقُّ لَنَا دُونَكُمْ، وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِهِ فَالْأَنْصَارُ عَلَى دَعْوَاهُمْ.

وَزَعَمْتَ أَنِّى لِكُلِّ الْخُلَفَاءِ حَسَدْتُ، وَعَلَى كُلِّهِمْ بَغَيْتُ ، فَإِنْ يَكُنْ ذلِكَ كَذَلِكَ فَلَيْسَتِ الْجِنَايَةُ عَلَيْكَ ، فَيَكُونَ الْعذْرُ إِلَيْكَ .

*وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرُ عَنْكَ عَارُهَا *(2)

وَقُلْتَ : إِنِّي كُنْتُ أَقَادُ كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ الْمَخْشُوشُ حَتَّى أَبَايِعَ (3)وَلَعَمْرُ اللهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَذُمَّ فَمَدَحْتَ ، وَأَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ! وَمَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَةٍ(4)فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُنْ شَاكاً فِي دِينِهِ، وَلَا مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ !


1) يوم السقيفة عندما اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة بعد موت النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ليختاروا خليفة له، وطلب الأنصار أن يكون لهم نصيب في الخلافة، فاحتج المهاجرون عليهم بأنّهم شجرة الرسول ففلجوا، أي ظفروا بهم، فظفر المهاجرين بهذه الحجّة ظفر لأميرالمؤمنين على معاوية، لأنّ الإمام من ثمرة شجرة الرسول، فإن لم تكن حجّة المهاجرين بالنبيّ صحيحة فالأنصار قائمون على دعواهم من حقّ الخلافة، فليس لمثل معاوية حقّ فيها؛ لأنّه أجنبي عنهم.

2) شَكاة - بالفتح : أي نقيصة، وأصلها المرض وظاهر: من «ظهر» إذا صار ظهراً، إي خلفاً، أي بعيد. والشطر لأبي ذؤيب، وأول البيت: وعيّرها الواشون أنّي أحبّها.

3) الخِشاش - ككتاب - : ما يدخل في عظم أنف البعير من خشب لينقاد، وخششت البعير: جعلت في أنفه الخشاش، طعن معاوية على الإمام بأنّه كان يُجبّر على مبايعة السابقين من الخلفاء.

4) الغضاضة: النقص.

وَهَذِهِ حُجَّتِي إِلَى غَيْرِكَ قَصْدُهَا(1)، وَلَكِنِّي أَطْلَقْتُ لَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَنَحَ (2)مِنْ ذِكْرِهَا.

ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَأَمْرِ عُثْمَانَ ، فَلَكَ أَنْ تُجَابَ عَنْ هَذِهِ لِرَحِمِكَ مِنْهُ(3)، فَأَيُّنَا كَانَ أَعْدَى لَهُ(4)، وَأَهْدَى إِلَى مَقَاتِلِهِ! أَمْ مَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ(5)وَأَسْتَكَفَّهُ(6)، أَمْ مَنِ اسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاخَى عَنْهُ وَبَثَّ الْمَنُونَ إِلَيْهِ(7)، حَتَّى

أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ! كَلَّا وَاللَّهِ لَ«قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ (8)مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً» . وَمَا كُنْتُ لِأَعْتَذِرَ مِنْ أَنِّي كُنْتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ أَحْدَاثاً(9)؛ فَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ إِلَيْهِ إِرْشَادِي وَهِدَايَتِي لَهُ؛ فَرُبَّ مَلُومٍ لَا ذَنْبٍ لَهُ .

«وَقَدْ يَسْتَفِيدُ الظَّنَّةَ الْمُتَنَبِّحُ* (10)

وَمَا أَرَدْتُ «إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ».


1) يحتجُ الإمام على حقّه لغير معاوية لأنّه مظنة الاستحقاق، أمّا معاوية فهو منقطع عن جرثومة الأمر، فلا حاجة للاحتجاج عليه.

2) سنح: أي ظهر وعرض.

3) لِرَحِمِكَ منه : لقرابتك منه يصحّ الجدال معك فيه.

4) أعدى: أشدّ عدواناً. والمُقاتل: وجوه القتل.

5) من بذل النصرة هو الإمام، واستقعده عثمان: أي طلب قعوده ولم يقبل نصره.

6) استكَفّه: طلب كفّه عن الشيء.

7) استنصر عثمان بعشيرته من بني أميّة كمعاوية فخذلوه وخلّوا بينه وبين الموت، فكأنّما بثوا المَنُون: أي أفضَوْا بها إليه.

8) المعوِّقين: المانعون من النصرة.

9) نَقَمَ عليه - كضَرَبَ - عاب عليه، والأحداث: جمع حدث، البدعة.

10) الظِنّة - بالكسر - : التهمة. والمتنصِّح: المبالغ في النصح لمن لا ينتصح، أي ربما تنشأ التهمة من إخلاص النصيحة عند من لا يقبلها. وصدر البيت: وكم سقت في آثاركم من نصيحة.

وَذَكَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي وَلِأَصْحَابِي عِنْدَكَ إِلَّا السَّيْفُ، فَلَقَدْ أَضْحَكْتَ بَعْدَ اسْتِعْبَارِ! (1)مَتَى أَلْفَيْتَ (2)بَنِي عَبْدِالْمُطَّلِبِ عَنِ الْأَعْدَاءِ نَاكِلِينَ(3)، وَبِالسَّيْفِ مُخَوَّفِينَ ؟!

ف لَبَث قَلِيلاً يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ (4)

وحَمَل - بالتحريك - : هو ابن بدر، رجل من قشير أغير على إبله في الجاهلية فاستنقذها، وقال: لَبَّث قَليلاً يَلْحَق الْهَيْجَا حَمَلْ *** لا بأس بالموت إذا الْمَوْتُ نَزل

فصار مثلاً يضرب للتهديد بالحرب.

فَسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ، وَيَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبِعدُ ، وَأَنَا مُرْقِلْ نَحْوَكَ(5)فِي جَحْفَلِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، شَدِيدٍ زِحَامُهُمْ(6)، سَاطِعِ قَتَامُهُمْ(7)، مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ الْمَوْتِ(8)، أَحَبُّ اللقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاء رَبِّهِمْ، وَقَد صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَةٌ بَدْرِيَّةٌ(9)، وَسُيُوفُ هَاشِمِيَّةٌ ، قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا فِي أَخِيكَ وَخَالِكَ وَجَدِّكَ وَأَهْلِكَ (10)«وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ» .


1) الاستعبار: البكاء، فقوله «يُبكي» من جهة أنّه إصرار على غير الحقّ وتفريق في الدين، ويُضحِك لتهديد من لا يُهدّد.

2) ألفيت: وجدت.

3) ناكلين: متأخّرين.

4) لَبِّث - بتشديد الباء - : فعل أمر من «لبُثه» إذا استزاد لبثه، أي مكثه، يريد أمهل والهَيجاء الحرب.

5) مُرْقِل: مسرع. والجُحْفَل: الجيش العظيم.

6) «شدید زحامهم» صفة الجحفل .

7) الساطع: المنتشر .والقتام - بالفتح - :الغبار.

8) متسربلين: لابسين لباس الموت كأنّهم في أكفانهم.

9) بَدريّة: من ذراري أهل بدر .

10) أخوه: حنظلة، وخاله: الوليد بن عتبة، وجدّه: عتبة بن ربيعة.

29 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

29 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إلَى أَهْلِ الْبَصْرَة

وَقَدْ كَانَ مِن أَنْتِشَارِ حَبْلِكُمْ(2)وَشِقَاقِكُمْ مَا لَمْ تَغْبُوا عَنْهُ(3)، فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ ، وَرَفَعْتُ السَّيْفَ عَنْ مُدْبِرِكُمْ(4)، وَقَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ، فَإِنْ خَطَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ الْمُرْدِيَةُ(5)، وَسَفَهُ الْآرَاءِ الْجَاثِرَةِ(6)إِلَى مُنَابَذَتِي وَخِلَافِي(7)، فَهَا أَنَا ذَا قَدْ قَرَّبْتُ حِيَادِي (8)، وَرَحَلْتُ رِكَابِي(9). وَلَئِنْ أَلْجَأْتُمُونِي إِلَى الْمَسِيرِ إِلَيْكُمْ لَأُوقِعَنَّ بِكُمْ وَقْعَةً لَا يَكُونُ يَوْمُ الْجَمَلِ إِلَيْهَا إِلَّا كَلَعْقَةِ لَاعِقِ(10)مَعَ أَنِّي عَارِفُ لِذِي الطَّاعَةِ مِنْكُمْ


1) ذكره ابن هلال الثقفي في كتاب (الغارات) ص 403.

2) انتشار الحبل: تفرّق طاقاته وانحلال قتله، مجاز عن التفرّق.

3) غبا عنه: جهله، و«ما لم تغبوا عنه» أي لم تسهوا ولم تغفلوا، يقول لهم: «قد كان من خروجكم يومَ الجمل عن الطاعة ونشرِكم حبلَ الجماعة، وشقاقِكم لي ما لستم أغبياء عنه، فغفرت ورفعت السيف، وقبلت التوبة والإنابة».

4) المُدْير هنا: الهارب، والمُقْبِل : الذي لم يفرّ ؛ لكن جاءنا فاعتذر وتنصّل.

5) خَطَتْ: تجاوزت. والمردية: المهلكة.

6) سفه الآراء: ضعفها، والجائرة: العادلة عن الصواب المائلة عن الحقّ.

7) المنابذة: المخالفة، مفاعلة، من نبذتُ إليه عهدَه، أي ألقيتُه وعدلت من السِّلم الى الحرب، أو من نبذت زيداً، أي اطَرحته ولم أحفل به.

8) قرّبت جيادي: أي أمرت بتقريب خيلي إليّ لأركب وأسير إليكم.

9) الركاب: الإبل، ورحلتها: اشددت على ظهرها الرَّحل.

10) هي في السهولة وسرعة الانتهاء كلَعقة لاعق، وهو مثل يضرب للشيء الحقير التافه، ويُروى بضم اللام، وهى ما تأخذه الملعقة، أي اللحة.

فَضْلَهُ، وَلِذِي النَّصِيحَةِ حَقَّهُ، غَيْرَ مُتَجَاوِرٍ مُتَّهَماً إِلَى بَرِيُّ، وَلَا نَاكِثاً إِلَى وَفِيٍّ(1).

30 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

30 - ومن كتاب له عليه السلام (2)

إِلَى مُعَاوِيَةً

فَاتَّقِ اللهَ فِيمَا لَدَيْكَ ، وَأَنْظُرْ فِي حَقِّهِ عَلَيْكَ ، وَأَرْجِعْ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا لَا تُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ ، فَإِنَّ لِلطَّاعَةِ أَعْلَاماً وَاضِحَةً، وَسُبُلاً نَيَّرَةً، وَمَحَجَّةً نَهْجَةٌ (3)، وَغَايَةً مُطَلَبَةٌ (4)، يَرِدُهَا الْأَكْيَاسُ(5)، وَيُخَالِفُهَا الْأَنْكَاسُ (6)مَنْ نَكَبَ عَنْهَا جَارَ عَنِ الْحَقِّ (7)، وَخَبَطَ فِي التِّيهِ (8)، وَغَيَّرَ اللهُ نِعْمَتَهُ، وَأَحَلَّ بِهِ نِقْمَتَهُ.

نَفْسَكَ نَفْسَكَ! فَقَدْ بَيَّنَ اللهُ لَكَ سَبِيلَكَ ، وَحَيْثُ تَنَاهَتْ بِكَ أُمُورُكَ (9)، فَقَدْ أَجْرَيْتَ إِلَى غَايَةِ خُسْرٍ(10)، وَمَحَلَّةِ كُفْرٍ، فَإِنَّ نَفْسَكَ قَدْ أَوْلَجَتْكَ شَرَا (11)، وَأَقْحَمَتْكَ


1) الناكث: ناقض عهده، أي عاقبت لما عاقبت البريء بالسقيم، ولأخذت الوفيّ بالناكث.

2) رواه السيّد العلوي في (الطراز) ج 2 ص 123 .

3) المحجّة: الطريق الواضحة. والنهجة: الواضحة كذلك.

4) غاية مُطَلَبَة: أي مساعفه لطالبها بما يطلبه.

5) الأكياس : العقلاء، جمع كَيِّس، كسيِّد.

6) الأنكاس: جمع نِكس، وهو الدنيء الخسيس من الرجال.

7) نكب عنها: عَدل وجارُ: مال .

8) خبط: مشى على غير هداية. والتيه: الضلال.

9) كفولهم لمن يأمرونه بالوقوف: حيث أنت، أي قف حيث أنت.

10) أجريت مطيتك مسرعاً الى غاية الخسران، يقال: فلان قد أجرى بكلامه الى كذا، أي الغابة التي يقصدها هي كذا، مأخوذ من إجراء الخيل للمسابقة.

11) أو لجتك: أدخلتك. ويُروى: «أوحلنك» أي أورطتك في الوحل.

غَيّاً (1)، وَأَوْرَدَتْكَ الْمَهَالِكَ ، وَأَوْعَرَتْ عَلَيْكَ الْمَسَالِكَ (2).

31 - ومن وصيته عليه السلام

اشارة

31 - ومن وصيته عليه السلام (3)

لِلْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَتَبَهَا إِليهِ بِحَاضِرِينَ عِنْدَ أَنْصِرافِهِ مِنْ صِفِّينَ

لِلْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ (4)

حجّ الحسن(علیه السّلام) خمس عشرة حجّة ماشياً تقاد النجائب معه، وخرج من ماله مرتين، و فاسم الله عزّ وجل ثلاث مرّات ماله، حتى إنّه كان يعطي فعلاً ويمسك فعلاً، ويعطى خفّاً ويمسك خفاً.

قال المدائني : وكانت وفاته في سنة تسع وأربعين، وكان مرضه أربعين يوماً، وكان سنّه سبعاً وأربعين سنة، دسّ إليه معاوية سماً على يد جعدة بنت الأشعث بن قيس زوجة الحسن(علیه السّلام).

قال ابن عباس (رحمه الله) : أوّل ذلّ دخل على العرب موت الحسن(علیه السّلام) .

كَتَبَهَا إِليهِ بِحَاضِرِينَ (5)عِنْدَ أَنْصِرافِهِ مِنْ صِفِّينَ مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ (6)، المُدْبِرِ الْعُمُرِ (7)، الْمُسْتَسْلِم لِلدَّهْرِ .

1) الغيّ : ضد الرشاد، وأقحمتك غيّاً: رمت بك في الغي وجعلتك مقتحماً له.

2) أو عرت : أخشنت وصعَبت وجعلتها وعرة.

3) رواه الكليني في كتاب (الرسائل)، وابن عبد ربّه في (العقد الفريد) ج 3 ص 155 و 156 .

4) ولد الحسن بن على (علیه السّلام) النصف من شهر ،رمضان السنة الثالثة من الهجرة، وسمّاه رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حسناً. روت زينب بنت أبي رابع، قالت أتت فاطمة(علیها السّلام) بابنيها إلى رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في شكوه الذي توفى فيه، فقالت: يا رسول الله، هذان ابناك، فورّثهما شيئاً، فقال: أمّا حسن فإنّ له هيبتي وسؤدّدي، وأمّا حسين فإنّ له جراءتي وجودي.

5) حاضرين: اسم بلدة في نواحي صفِّين، وكنّا نقرؤه قديماً «بالحاضرَين»، يعني حاضر حلب و حاضر قِنّسرين أما «حاضِرين»، فلم أجدها فى الكتب المصنِّفة.

6) المقرّ للزمان: المعترِف له بالشدّة المقرّ له بالغلبة، كأنّه جعل نفسه فيما مضى خصماً للزمان بالقهر.

7) المدير العمر: لأنّه كان قد جاوز السنين، وهي نصف العمر الطبيعي الذي قلّ أن يبلغه أحدٌ فعلى تقدير أنّه يبلغه، فكلّ ما بعد الستين أقلّ مما مضى، فلا جرم يكون العمر قد أدبر .

الدَّام لِلدُّنْيَا(1)، اَلسَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى(2)، الظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً (3)إِلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّلِ مَا لَا يُدْرَكُ(4)، السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ، غَرَضِ الْأَسْقَامِ(5)

والأسقام: الأمراض.

، وَرَهِينَةِ الأَيَّامِ(6)، وَرَمِيَّةِ(7)الْمَصَائِبِ ، وَعَبْدِ الدُّنْيَا، وَتَاجِرِ الْغُرُورِ، وَغَرِيمِ الْمَنَايَا ،

وَأَسِيرِ الْمَوْتِ، وَحَلِيفِ الْهُمُومِ، وَقَرِينِ الْأَحْزَانِ، وَنُصُبٍ الْآفَاتِ (8)، وَصَرِيعِ(9)الشَّهَوَاتِ، وَخَلِيفَة الأَمْوَاتِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي ، وَجُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَّ(10)، وَإِقْبَالِ الْآخِرَةِ إِلَيَّ، مَا يَزَعْنِي (11)عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ، وَالِاهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي (12)، غَيْرَ أَنِّي


1) عند الصالح: «المسلم للدنيا» ويظهر سقوط كلمتي « للدهر، الذام»، فجاءت العبارة لا تتناسب وشأن علي (علیه السّلام) مع الدنيا.

2) «الساكن مساكن الموتى» إشعار بأنّه سيموت.

3) لا يريد الغد بعينه، بل يريد قُرْب الرحيل والظَّعن.

4) أي يؤمل البقاء وهو مما لا يدركه أحد، وإنّما أراد جنس البشر لا خصوص الحسن(علیه السّلام) ، وكذلك سائر الأوصاف التي تلي هذه اللفظة.

5) غرض الأسقام: هدفها ترمي اليه سهامها؛ لأنّ الإنسان كالهدف لآفات الدنيا وأعراضها.

6) رهينة الأيام الرهينة ههنا: المهزول، ويجوز أن يريد بالرهينة واحدة الرهائن، أي أنّه في قبضتها وحكمها.

7) الرمية: ما أصابه السهم .

8) نُصُب الآفات: لا تفارقه العلل، من قولهم: فلان نُصب عيني - بالضم - أي لا يفارقني.

9) الصريع: الطريح.

10) جُموح الدهر: استعصاؤه وتغلبه.

11) يزعني: يكفّني ويصدّني، و«ما» مفعول تبينت.

12) إنّ فيما قد بان لي من إدبار الدنيا وإقبال الآخرة شاغلاً عن الاهتمام بأحد غيري والاهتمام في أمر الولد وغيره ممن أخلفه ورائي، أخلفه وراثى، أو يريد بما ورائى من أمر الآخرة.

حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ(1)هَمُّ نَفْسِي، فَصَدَفَنِي رَأْيِي(2)، وَصَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ، وَصَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي(3)، فَأَفْضَى بِي إِلَى جِدِّ لَا يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ، وَصِدْقٍ لَا يَشُوبُهُ كَذِبٌ وَوَجَدْتُكَ بَعْضِي بَلْ وَجَدْتُكَ كُلّي، حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي، وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي، فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي ، فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ (4)كِتَابِي هَذَا مُسْتَظهِراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ.

فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ - أَيْ بُنَيَّ - وَلُزُومِ أَمْرِهِ، وَعِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ، وَالاِعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ، وَأَيُّ سَبَبٍ أَوْثَقُ مِنْ سَبَبٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ إِنْ أَنْتَ أَخَذْتَ بِهِ!

أَحي قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ، وَأَمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ، وَقَوْهِ بِالْيَقِينِ، وَنَوْرُهُ بِالْحِكْمَةِ، وَذَلَّلْهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ ، وَقَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ (5)، وَبَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا(6)، وَحَذَّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَفُحْشَ تَقَلُّبِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، وَأَعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ ، وَذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ ، وَسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ ، فَانْظُرْ فِيمَا فَعَلُوا، وَعَمَّا انْتَقَلُوا، وَأَيْنَ حَلُّوا وَنَزَلُوا! فَإِنَّكَ تَجِدُهُمْ أَنْتَقَلُوا عَنِ الْأَحِبَّةِ، وَحَلُّوا دَارَ الْغُرْبَةِ، وَكَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ ، وَلَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ ؛ وَدَعِ الْقَوْلَ فِيمَا لَا تَعْرِفُ، وَالْخِطَابَ فِيمَا لَمْ تُكَلَّفْ . وَأَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلَالَتَهُ،


1) أي دون الهموم التي كانت تعتريني لأجل أحوال الناس.

2) صدفه صرفه، والضمير في صرفني للرأي. [وفي نسخة ابن أبي الحديد: فصدَّقَني رأيي].

3) صرّح: كشف أو انكشف، ومحُض الأمر: خلّصه.

4) مفعول كَتَبَ هو قوله: «فإنّى أُوصيك...». وقوله: «مُسْتَظْهِراً به»: أي مستعيناً بما أكتب إليك على میل قلبك وهوى نفسك.

5) قرّره بالفناء: اطلب منه الإقرار بالفناء.

6) بصَّرْه: أي اجعله بصيراً بالفجائع، جمع فجيعة: وهي المصيبة تفزع بحلولها.

فَإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ الصَّلَالِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْأَهْوَالِ. وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، وَأَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِيَدِكَ وَلِسَانَكَ ، وَبَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ(1)، وَجَاهِدْ فِي حَقَّ جِهَادِهِ، وَلَا تَأْخُذْكَ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ. وَخُضِ الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ حَيْثُ كَانَ(2). وَتَفَقَّهُ فِي الدِّينِ وَعَوِّدْ نَفْسَكَ الصَّبْرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ، وَنِعْمَ الْخُلُقُ التَّصَبُّرُ فِي الْحَقِّ! وَأَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ، فَإِنَّكَ تُلْجِنُّهَا إِلَى كَهْفٍ حَرِيزٍ (3)، وَمَانِعِ عَزِيزِ . وَأَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ ، فَإِنَّ بِيَدِهِ الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ ، فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَالْحِرْمَانَ، وَأكْثِر الاِستِخَارَة(4)، وَتَفَهَّمْ وَصِيَّتِي ، وَلَا تَذْهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحاً (5)، فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ. وَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لَا يَحِقُ تَعَلَّمُهُ (6).

أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِناً (7)، وَرَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً ، بَادَرْتُ بِوَصِيَّنِي إِلَيْكَ ، وَأَوْرَدْتُ خِصَالاً مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أُنْضِيَ إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي(8)، أَوْ أَنْ أَنْقَصَ(9)فِي رَأْيِي كَمَا نُقِصْتُ فِي جِسْمِي، أَوْ يَسْبِقَنِي


1) باين: أي باعِد وجانِب الذي يفعل المنكر.

2) الغمرات: الشدائد. ولا شبهة أنّ الحسن (علیه السّلام) لو تمكّن لخاضها، إلّا أنَ مَنْ فقد الأنصار لا حيلةَ له، وهل ينهض البازي بغيرِ جَناحِ.

3) الكهف: الملجأ. والحريز: الحافظ.

4) «وأكثر الاستخارة»: ليس يعني بها ما يفعله اليوم قوم من الناس مِن سَطر الرقاع وجعلها في بنادق، وإنّما المراد أمره إياه بأن يطلب الخيرة من الله فيما يأتي ويذر والاستخارة أيضاً: إجالة الرأي في الأمر قبل فعله لاختيار أفضل وجوهه.

5) صفحاً: أي جانباً، أي لا تعرض عنها.

6) لا يحِقُّ - بكسر الحاء وضمها - : أي لا يكون من الحقّ كالسحر ونحوه.

7) أي وصلت النهاية من جهة السنّ، فقد كتب(علیه السّلام) هذه الوصية بعد أن تجاوز الستين.

8) أفضي: أُلقي إليك.

9) «أن أنْقُصَ» عطف على «أن يجعل».

إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى (1)وَفِتَنِ الدُّنْيَا، فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ(2)، وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أَلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ، فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ يَفْسُوَ قَلْبُكَ، وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدٌ رَأْبِكَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارُبِ بُغْيَتَهُ وَتَجْرِبَتَهُ (3)، فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَؤُونَةَ الطَّلَبِ، وَعُوفِيتَ مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَةِ، فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ(4)، وَاسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا مِنْهُ (5).

أَيْ بُنَيَّ ، إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي ، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ؛ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ؛ بَلْ كَأَنِّي بِمَا أنْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أَمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ، فَأَسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ(6)، وَتَوَخَيْتُ(7)لَكَ جَمِيلَهُ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ، وَرَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي(8)مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ


1) أي يسبقني بالاستيلاء على قلبك غلبات الأهواء فلا تتمكن نصيحتي من النفوذ الى قلبك.

2) «فتكون كالصعب النَّفور» أي كالبعير الصعب الذي لا يُمكن راكباً، وهو مع ذلك نفور عن الأنس.

3) ليكون جدّ رأيك - أي محققه وثابته - مستعداً لقبول الحقائق التي وقف عليها أهل التجارب وكفوك طلبها، والبغية - بالكسر - : الطلب.

4) «فأتاك من ذلك ما كُنّا نأتيه» أي الذي كنّا نحن نتجشّم المشقّة في اكتسابه، ونتكلّف طلبه، يأتيك أنت الآن صَفوا عَفواً.

5) استبان: ظهر، إذا انضمُ رأيه الى آراء أهل التجارب فربما يظهر له ما لم يكن ظهر لهم، فإنّ رأيه يأتي بأمر جديد لم يكونوا أتوا به.

6) النخيل: المختار المصطفى.

7) توخّيت: أي تحرّيت.

8) عناني: أهمني.

الشَّفِيقَ، وَأَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ(1)أَنْ يَكُونَ ذلِكَ وَأَنْتَ مُقْبِلُ الْعُمْرِ وَمُقْتَبَلُ الدَّهْرِ(2)، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ، وَنَفْسٍ صَافِيَةٍ، وَأَنْ أَبْتَدِنَكَ بِتَعْلِيمٍ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَأْوِيلِهِ، وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَأَحْكَامِهِ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، لَا أُجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ إِلَى غَيْرِهِ (3). ثُمَّ أَشَفَقْتُ(4)أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيه مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ، مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ(5)، فَكَانَ إِحْكَامُ ذَلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِن تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِن إِسْلَامِكَ إِلَى أَمْرٍ لَا آمَنْ عَلَيْكَ فِيهِ الْهَلَكَةَ(6)، وَرَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ، وَأَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ، فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هَذِهِ.

وَأَعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذُ بِهِ إِلَيَّ مِنْ وَصِيَّتِي تَقْوَى اللَّهِ وَالاِقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللهُ عَلَيْكَ ، وَالْأَخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ ، والصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ نَظَرُوا لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرُ (7). وَفَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ ، ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذَلِكَ إِلَى الْأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا ، وَالْإِمْسَاكِ عَمَّا


1) أجمعت: عَزَمت، عطف على «يعنى الوالد» و «أن يكون» مفعول «رأيت».

2) مُقْتَبَل الدهر، يقال: اقتبل الغلام فهو مقتبَل - بالفتح - وهو من الشواذ، والقياس مُقتبِل بكسر الباء؛ لأنّه اسم فاعل، ومُقتبَل الإنسان: أول عمره.

3) لا أتعدى بك كتاب الله الى غيره، بل أقف بك عنده.

4) أشفقت: أي خشيت وخفت.

5) مثل: صفة لمفعول مطلق محذوف، أي التباساً مثل الذي كان لهم.

6) أي أنّك وإن كنت تكره أن ينبّهك أحد لما ذكرت لك، فإنّي أعدّ إتقان التنبيه على كراهتك له، أحبّ إلي من إسلامك - أي القائك - الى أمر أخشى عليك به الهَلَكّة، وهي الهلاك.

7) لأنّهم إذا تأمّلوا الأدلّة وفكّروا فيها نظروا لأنفسهم كما ينظر الإنسان لنفسه ليخلّصها من مضرّة عظيمة، وهم لم يتركوا النظر لأنفسهم في أول أمرهم بعين لاترى نقصاً، ولا تحذر خطراً، ثم ردتهم آلام التجربة الى الأخذ بما عرفوا حسن عاقبته، وإمساك أنفسهم عن عمل لم يكلّفهم الله إنيانه.

لَمْ يُكَلَّفُوا، فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أنْ تَقْبَلَ ذلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ كَمَا عَلِمُوا فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذلِكَ بِتَفَهُم وَتَعَلُّم(1)، لَا بِتَوَرُّطِ الشُّبُهَاتِ، وَعُلَقِ الْخُصُومَاتِ. وَأَبْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ في ذلِكَ بِالاسْتِعَانَةِ بِالْهِكَ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ ، وَتَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ أَوْلَجَتْكَ شُبهةٍ(2)، أَوْ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلَالَةٍ ، فَإِنْ أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ، وَتَمَّ رَأَيْكَ فَاجْتَمَعَ، وَكَانَ هَمُّكَ فِي ذَلِكَ هَمّاً وَاحِداً ، فَأَنْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ، وَفَرَاغِ نَظَرِكَ وَفِكْرِكَ، فَأَعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ (3)، وَتَتَوَرَّطُ الظُّلمَاءَ ، وَلَيْسَ طَالِبُ الدِّينِ مَنْ خَبَطَ أَوْ خَلَطَ ، وَالْإِمْسَاكُ عَنْ ذَلِكَ أَمْثَلُ(4).

فَتَفَهُمْ يَا بُنَيَّ وَصِيَّتِي ، وَأَعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ ، وَأَنَّ الْمُفْنِيَ هُوَ الْمُعِيدُ، وَأَنَّ الْمُبْتَلِيَ هُوَ الْمُعَافِي، وَأَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إِلَّا عَلَى مَا جَعَلَهَا اللهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّعْمَاءِ(5)وَالِابْتِلَاءِ وَالْجَزَاءِ فِي


1) أي فإن كرهت التقليد المحض، وأحببت أن تسلك مسلكهم في النظر، فينبغي أن تنظر وأنت مجتمع الهمّ خالٍ من الشبهة، وتكون طالباً للحقّ، غير قاصد الى الجدل والمراء.

2) الشائبة: ما يشوب الفكر من شكّ وحيرة، وأولجتك: أدخلتك.

3) قال: فإذا اجتمع لك كلّ ذلك فانظر، وإن لم يجتمع لك ذلك ونظرت كنت كالناقة العَشواء الخابطة لا تهندي، والعَشواء: الضعيفة البصر، أي تخبط عشواء لا تأمن أن تسقط فيما لا خلاص منه، أو تكون كمن يتورّط في الظلماء لا يعلم أين يضع قدمه. وتورّط الأمر: دخل فيه على صعوبة في التخلّص منه.

4) ليس طالب الدين مَنْ كان خابطاً أو خالطاً، وحبس النفس عن الخلط و الخبط في الدين أحسن، والإمساك عن ذلك أمثل وأفضل.

5) لا تثبت الدنيا إلّا على ما أودع الله في طبيعتها من التلوّن بالنعماء تارة، والاختبار بالبلاء تارة، وإعقابها للجزاء في المعاد يوم القيامة على الخير خيراً وعلى الشرّ شرّاً.

الْمَعَادِ، أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لَا تَعْلَمُ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَأَحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ، فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ بِهِ جَاهِلاً ثُمَّ عُلِّمْتَ، وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأَمْرِ ، وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأَيْكَ، وَيَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ، ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ! فَأَعَتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَسَوَّاكَ ، فَلْيَكُنْ لَهُ تَعَبُدُكَ ، وَإِلَيْهِ رَغْبَتُكَ ، وَمِنْهُ شَفَقَتُكَ (1).

وَأَعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِيُّ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَأَرْضَ بِهِ رَائِداً (2)وَإِلَى النَّجَاةِ قَائِداً ، فَإِنِّي لَمْ آلُكَ نَصِيحَةً (3)، وَإِنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي النَّظَر لِنَفْسِكَ - وَإِنِ اجْتَهَدْتَ - مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ .

وَأَعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكَ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ، وَلَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَلَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَصِفَاتِهِ ، وَلَكِنَّهُ إِلَهُ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ ، لَا يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ، وَلَا يَزُولُ أَبَداً وَلَمْ يَزَلْ. أَوَّلُ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ بَلَا أَوَّلِيَّةٍ(4)، وَآخِرٌ بَعْدَ الْأَشْيَاءِ بِلَا نِهَايَةٍ(5). عَظُمَ أَنْ تُثْبَتَ رُبُوبِيَّتُهُ بِإِحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ. فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَأَفْعَلْ كَمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ (6)، وَقِلَّةٍ مَقْدِرَتِهِ ، وَكَفْرَةٍ عَجْزِهِ ، وَعَظِيمٍ حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ ، فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ، وَالرَّهِينَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ، وَالْخَشْيَةِ مِنْ


1) شفقتك: أي خوفك.

2) الرائد: من ترسله في طلب الكلأ ليتعرف موقعه والرسول قد عرف عن الله وأخبرنا، فهو رائد سعادتنا.

3) «لم ألك نصحاً»: لم أقصّر في نصحك، ألى الرجل في كذا يألو،أي قصّر فهو آلٍ، وهذه امرأة آلية، أي مقصّرة، وجمعها أوالٍ.

4) فهو أوّل بالنسبة الى الأشياء لكونه قبلها إلّا أنّه لا أوليّة له أي لا ابتداء له.

5) أي آخرية مطلقة لبس تنتهى الى غاية معينة.

6) خَطَره: أي قدره.

عُقُوبَتِهِ ، وَالشَّفَقَةِ مِنْ سُخْطِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرُكَ إِلَّا بِحَسَنٍ، وَلَمْ يَنْهَكَ إِلَّا عَنْ قَبِيحٍ.

يَا بُنَيَّ، إِنِّي قَدْ أَنْبَأَتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَحَالِهَا، وَزَوَالِهَا وَانْتِقَالِهَا، وَأَنْبَأَتُكَ عَنِ الْآخِرَةِ وَمَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا فِيهَا، وَضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا الْأَمْثَالَ، لِتَعْتَبِرَ بِهَا ، وَتَحْذُو عَلَيْهَا(1). إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا (2)كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ(3)، نَبَا بِهِمْ مَنْزِلُ جَدِيبٌ(4)، فَأَمُّوا(5)مَنْزِلاً خَصِيباً ، وَجَنَاباً مَرِيعاً(6)، فَاحْتَمَلُوا وَعْتَاءَ الطَّرِيقِ(7)، وَفِرَاقَ الصَّدِيقِ، وَخُشُونَةً السَّفَرِ، وَجُشُوبَةَ الْمَطْعَمِ(8)الأدم: الإدام، ما يستمرأ به الخبز. (9)، لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ، وَمَنْزِلَ قَرَارِهِمْ، فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً ، وَلَا يَرَوْنَ نَفَقَةً فِيهِ مَغْرَماً. وَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ، وَأَدْنَاهُمْ إِلَى مَحَلَّتِهِمْ. وَمَثَلُ مَنِ أَغْتَرَ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خَصِيبٍ، فَنَبًا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدِيبٍ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهُ إِلَيْهِمْ، وَلَا أَفْظَعْ عِنْدَهُمْ. مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ، إِلَى مَا يَهْجِمُونَ عَلَيْهِ (10)، وَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ (11).


1) حذا عليه يحذو ، واحتذى مثاله يحتذي، آي افتدی به.

2) خَبَر الدنيا: عرفها كما هي بامتحان أحوالها.

3) قوم سَفْر - بالتسكين - : أي مسافرون.

4) نَبّا المنزل بأهله: لم يوافقهم المقام فيه لو خامته، والمنزل الجديب: المُقْحِط لا خير فيه، ضدّ المنزل الخصيب.

5) أمُّوا: قصدوا.

6) الجناب المَرِبع: ذو الكلأ والعشب، والجناب: الفِناء والناحية.

7) وَعْثَاء الطريق: مشقّتها.

8) جُشُوية المطعم : غِلَظه، طعام جَشِيب، ومَجشوب، ويقال إنّه الذي لا أدمَ معه

9) .

10) هجم عليه: انتهى إليه بغتةً.

11) يقول : مثل من عرف الدنيا وعمل فيها للآخرة، كمن سافر من منزل جدب الى منزل خصيب، فلقي في طريقه مشقّة، فإنّه لا يكترث بذلك في جنب ما يطلب، وبالعكس مَن عمل للدنيا وأهمل أمر الآخرة، فإنّه كمن يسافر الى منزل ضَنك ويهجر منزلاً رحيباً طيباً، وهذا من قول رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «الدنيا سِجن المؤمن وجنّة الكافر».

يَا بُنَيَّ ، أَجْعَلْ نَفَسَكَ مِيزَانَا فِيمَا بَينَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ ، وَأَكْرَهُ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا ، وَلَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ (1)، وَأَسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ ، وَأَرْضَ مِنَ النَّاسِ بمَا تَرْضَاهُ لهُمْ مِنْ نَفْسِك (2)، وَلَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ وَإنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ، وَلَا تَقُلْ مَا لَا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ .

وَأَعْلَمْ أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ، وَآفَهُ الْأَلْبَابِ (3). فَأَسْعَ فِي كَدْحِكَ(4)، وَلَا تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ (5)، وَإِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ، فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ.

وَأَعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ(6)، وَمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَأَنَّهُ لَا غِنى بِكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ الاِرْتِيَادِ(7)، وَقَدْرِ بَلَاغِكَ (8)مِنَ الزَّادِ، مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ ، فَلَا تَحْمِلَنَّ


1) قوله: «وأحْسِن» من قول الله تعالى: « وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ » [القصص: 77].

2) يقول(علیه السّلام) : إذا عاملوك بمثل ما تعاملهم فارض بذلك، ولا تطلب منهم أزيد مما تُقدّم لهم. وروي: «وأرض من الناس لك» وهو أحسن.

3) الإعجاب: استحسان ما يصدر عن النفس مطلقاً، وهو خُلُقٌ من أعظم الأخلاق مصيبة على صاحبه، ومن أشدّ الآفات ضرراً لقلبه.

4) الكدح: أشدّ السعي، والكدح ههنا: هو المال الذي كدح في حصوله، والسعى فيه إنفاقه، وقوله: «واسع في كَدحك» أي أذهب ما اكتسبت بالإنفاق.

5) لا تحرص على جمع المال ليأخذه الوارثون بعدك، بل أنفق فيما يجلب رضاء الله عنك.

6) هو طريق السعادة الأبدية.

7) الارتياد ،الطلب، وحسنه: إتيانه من وجهه.

8) البلاغ - بالفتح - : الكفاية، يقول(علیه السّلام) : من سلك طريقاً فلا غنىً له عن أن يرتاد لنفسه، ويتزوّد من الزاد قدر ما يبلغه الغاية، وأن يكون خفيف الظهر في سفره ذلك.

عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ، فَيَكُونَ ثِقْلُ ذلِكَ وَبَالاً عَلَيْكَ، وَإِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَأَغْتَنِمْهُ وَحَمِّلْهُ إِيَّاهُ(1)، وَأَكْثِرُ مِنْ تَزْوِيدِهِ وَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ ، فَلَعَلَّكَ تَطْلُبُهُ فَلَا تَجِدُهُ. وَأَغْتَنِمْ مَنِ اسْتَقْرَضَكَ فِي حَالِ غِنَاكَ ، لِيَجْعَلَ قَضَاءَهُ لَكَ فِي يَوْمِ عُسْرَتِكَ .

وَأَعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ عَقَبَهُ كَوَّوداً (2)الْمُخِفٌ فِيهَا أَحْسَنُ حَالاً مِنَ الْمُثْقِلِ (3). وَالْمُبْطِئُ عَلَيْهَا أَقْبَحُ أَمْراً مِنَ الْمُسْرِعِ ، وَأَنَّ مَهْبِطَهَا بِكَ لَا مَحَالَةَ إِمَّا عَلَى جَنَّةٍ أَوْ عَلَى نَارٍ، فَأَرْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ(4)، وَوَطَّيُّ الْمَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ ، فَلَيْسَ بَعْدَ اَلْمَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ (5)، وَلَا إلَى الدُّنْيَا مُنْصَرَفُ (6).

وَأَعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ، وَتَكَفَّلَ لَكَ بِالْإِجَابَةِ، وَأَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ، وَتَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَكَ مَنْ يَحْجُبُكَ عَنْهُ، ولَمْ يُلْجِنَّكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَمْنَعْكَ إِنْ أَسَأْتَ مِنَ التَّوْبَةِ، وَلَمْ يُعَاجِلكَ بِالنِّقْمَةِ، وَلَمْ يَفْضَحكَ حَيْثُ تَعَرَّضَتَ لِلْفَضِيحَةِ ،


1) الفاقة: الفقر، وإذا أسعفت الفقراء بالمال كان أجر الإسعاف وثوابه ذخيرة تنالها في القيامة، فكأنّهم حملوا عنك زاداً يبلغك موطن سعادتك، يؤدّونه إليك وقت الحاجة. وهذا الكلام من أفصح ما قيل في الحثّ على الصدقة.

2) كؤوداً: صعبة المرتقى. (

3) المُخِفّ - بضم فكسر - : الذي خفّ حمله، والمُثْقِل يعكسه، وهو من أثقل ظهره بالأوزار.

4) ابعث رائداً من طيبات الأعمال توقفك الثقة به على جودة المنزل.

5) المُستَعتَب: مصدر ميمي من استعتب، والاستعتاب: الاسترضاء، والمراد أن الله لا يسترضى بعد إغضابه إلّا باستئناف العمل.

6) المُنصَرَف: مصدر ميمي من اتصرف، والمراد الى الدنيا بعد الموت.

وَلَمْ يُشَدِّدْ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ الْإِنَابَةِ(1)، وَلَمْ يُنَاقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ، وَلَمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ، بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ عَنِ الذَّنْبِ حَسَنَةٌ (2)، وَحَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً، وَحَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً (3)وَفَتَحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ، وَبَابَ الاِسْتِعْتَابِ؛ فَإِذَا نَادَيْتَهُ سَمِعَ نِدَاكَ ، وَإِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ(4)، فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ (5)، وَأَبْتَلْتَهُ ذَاتَ نَفْسِكَ (6). وَشَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ، وَاسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ(7)، وَاسْتَعَنْتُهُ عَلَى أُمُورِكَ، وَسَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غَيْرُهُ ، مِنْ زِيَادَةِ الْأَعْمَارِ ، وَصِحَّةِ الْأَبْدَانِ، وَسَعَةِ الْأَرْزَاقِ . ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ، بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ، فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ، وَاسْتَمَطَرْتَ شَابِيبَ رَحْمَتِهِ(8)، فَلَا يُقْنِطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ (9)، فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ، وَرُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِأَجْرِ السَّائِلِ، وَأَجْزَلَ لِعَطَاءِ الْآمِلِ. وَرُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَلَا تُعْطَاهُ، وَأُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلاً أو آجلاً، أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ


1) الإنابة: الرجوع الى الله، لم يعيّر الراجع إليه برجوعه.

2) نزوعك: رجوعك .

3) إشارة الى قوله تعالى: «مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالْسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَا مِثْلَهَا» [الأنعام: 160 ].

4) المناجاة: المكالمة سرّاً، والله يعلم السرّ كما يعلم العلن.

5) أَفْضَيْتَ: ألقيت.

6) وأبثئته: كاشفته وذات النفس: حالتها وحاجتها.

7) اسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ : طلبت كشفها.

8) شآبيب: جمع الشؤبوب - بالضم - : الدفعة من المطر، وما أشبه رحمة الله بالمطر ينزل على الأرض الموات فيحيبها، وما أشبه نوباتها بدفعات المطر.

9) القنوط: اليأس.

لَكَ ، فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلَاكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ، فَلْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ، وَيُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ؛ فَالْمَالُ لَا يَبْقَى لَكَ، وَلَا تَبْقَى لَهُ (1).

وَأَعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلْآخِرَةِ لَا لِلدُّنْيَا، وَلِلْفَنَاءِ لَا لِلْبَقَاءِ، وَلِلْمَوْتِ لَا لِلْحَيَاةِ ؛ وَأَنَّكَ فِي مَنْزِلِ قُلْعَةٍ(2)، وَدَارِ بُلْغَةٍ (3)، وَطَرِيقٍ إِلَى الْآخِرَةِ، وَأَنَّكَ طَرِيدُ الْمَوْتِ الَّذِي لَا يَنْجُو هَارِبُهُ، وَلَا يَفُوتُهُ طَالِبُهُ، وَلَا بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ، فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ أَنْ يُدْرِكَكَ وَأَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ ، قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ ، فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ.

يَا بُنَيَّ ، أَكْثِرُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ، وَتُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ. حَتَّى يَأْتِيَكَ وَقَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ(4)، وَشَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ(5)، وَلَا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ (6). وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَيْهَا(7)، وَتَكَالُبِهِمْ(8)عَلَيْهَا ، فَقَدْ نَبَّأَكَ اللهُ عَنْهَا، وَنَعَتْ لَكَ نَفْسَهَا(9)، وَتَكَشَفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا،


1) قوله: «فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له» لفظ شريف فصيح، ومعنى صادق محقّق فيه عِظة بالغة.

2) يقول: هذا منزل قُلعَة، أي ليس بمستوطَن، لا يُمْلَك لنازله، أو لا يُدرى متى ينتقل عنه، ويقال: هذا مجلس قُلعَة، إذا كان صاحبه يحتاج الى أن يقوم مرّة بعد مرّة، ويقال أيضاً: هم على قُلْعَة، أي رحلة، والقُلعَة أيضاً: هو المال العارية.

3) البُلغة: الكفاية وما يُتبلّغ به من العيش، أي دار تؤخذ منها الكفاية للآخرة.

4) الحِذر - بالكسر : الاحتراز و الاحتراس.

5) الأزر : القوة.

6) بَهَرَ: غلب، أي يغلبك على أمرك.

7) إخلاد أهل الدنيا: سكونهم إليها.

8) التكالب: التواثب.

9) نعاه: أخبر بموته. والدنيا تخبر بحالها عن فنائها. [وعند ابن أبي الحديد: «نعتت»].

فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلَابٌ عَاوِيَةٌ، وَسِبَاعٌ صَارِيَةٌ(1)، يَهِرُّ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ (2)، وَيَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا، وَيَظْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا . نَعَمُ مُعَقَلَةٌ(3)الوَظِفٌ: مُسْتَدَقُ الذراع والشاق من الخيل والإبل وغيرها. (4)، وَأُخْرَى مُهْمَلَةٌ، قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا(5)، وَرَكِبَتْ مَجْهُولَهَا سُرُوحُ عَاهَةٍ (6)بِوَادٍ وَعْثٍ (7)، لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا ، وَلَا مُسِيمٌ يُسِيمُهَا(8)، سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ الْعَمَى، وَأَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنْارِ الْهُدَى، فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا ، وَغَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا ، وَاتَّخَذُوهَا رَبَّاً فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَلَعِبُوا بِهَا، وَنَسُوا مَا وَرَاءَهَا .

رُوَيْداً يُسْفِرُ الظُّلَامُ(9)، كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الْأَطْعَانُ (10)يُوشِكُ مَنْ أَسَرَعَ أَنْ يَلْحَقَ!

وَأَعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَإِنْ كَانَ


1) ضارية: مولعة بالافتراس .

2) يهِرّ - بكسر الهاء وضمها - : أي يمقت وبكره بعضها بعضاً. ويهر يعوي وينبح، وأصلها هَرير الكلب، شبّه الإمام أهل الدنيا بالكلاب العاوية.

3) مُعَقَلَة - من عقل البعير بالتشديد - : شدّ وَظِيفَهُ

4) إلى ذراعه. والنَعَم - بالتحريك - : الإبل، أي إبل منعها عن الشرّ عقالها، وهم الضعفاء، وأخرى مهملة تأتي من السوء ما تشاء، وهم الأقوياء.

5) أضَلَّت: أضاعت عقولها وركبت طريقها المجهول لها.

6) السُّروح : جمع سَرح ؛ وهو المال السارح السائم من الإبل ونحوها. والعاهة: الآفة، أعاء القومُ: أصابت ماشيتهم العاهة، أي أنّهم يسرحون لرعي الآفات في وادي المتاعب.

7) وادٍ وَعْت: رخو، لا يثبت الحافر والخفّ فيه ؛ بل يغيب فيه، ويشقّ على مَنْ يمشي فیه ، وأوعث القوم: وقعوا في الوَعث.

8) مُسِيمٌ يُسيمها: راع يرعاها، أسام الدابة: سرحها الى المرعى.

9) يُسْفِر: أي يكشف ظلام الجهل عمّا خفي من الحقيقة عند انجلاء الغفلة بحلول المنية.

10) الأظعان: جمع ظعينة، وهي الهودج تركب فيه المرأة، عبّر به عن المسافرين في طريق الدنيا الى الآخرة كأنّ حالهم أن وردوا على غاية سيرهم.

وَاقِفاً، وَيَقْطَعُ الْمَسَافَةَ وَإِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً (1).

وَأَعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ، وَلَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ، وَأَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ . فَخَفِّضْ فِي الطَّلَبِ (2)، وَأَجْمِلْ فِي الْمُكْتَسَبٍ (3)، فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ(4)وَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ، وَلَا كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ. وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ (5)وَإِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ(6)، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً(7). وَلَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللهُ حُرّاً. وَمَا خَيْرُ خَيْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِشَرِّ(8)، وَيُسْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ (9)، وَإِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ (10)، فَتُورِدَكَ


1) الوادع: الساكن المستريح .

2) خَفَضْ: أمرٌ من خَفَضَ - بالتشديد - أي رفق.

3) أجمل في كَسبِه: أي سعى سعياً جميلاً، لا يحرص فيمنع الحقّ ولا يطمع فيتناول ما لا يستحقّ.

4) الحَرب - بالتحريك - : سلب المال.

5) الدنيّة: الشيء الحقير المبتذل.

6) إنّ رغائب المال إنّما تطلب لصون النفس عن الابتذال، فلو بذل باذل نفسه لتحصيل المال فقد ضيّع ما هو المقصد من المال، فكان جمع المال عبثاً ولا المال عبثاً ولا عوض لما ضيع والرغائب. جمع رغيبة ، وهي ما يرغب في اقتنائه من المال وغيره.

7) عِوَضاً: بدلاً.

8) يريد أي خير في شيء سمّاه الناس خيراً وهو ممّا لا يناله الإنسان إلّا بالشرّ، فإن كان طريقه شرّاًفكيف يكون هو خيراً؟

9) اليُسر السهولة، والمراد سعة العيش. والحشر: الصعوبة، والمراد ضيق العيش، والمعنى: أنّ العسر الذي يخشاه الإنسان هو ما ينتظره لرذيل الفعال فهو يسعى كلّ جهده ليتحاشى الوقوع فيه، فإنّ جعل الرذائل وسيلة لكسب اليسر - أي السعة - فقد وقع أوّل الأمر فيما يهرب منه، فما الفائدة في يسره وهو لا يحميه من النقيصة؟

10) تُو جف: تسرع. والمطايا: جمع مطية، وهي ما يركب ويمتطى من الدواب ونحوها.

مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ (1). وَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَأَفْعَلْ، فَإِنَّكَ مُدْرِك قَسْمَكَ، وَآخِذُ سَهْمَكَ، وَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ أَكْرَمُ وَأَعْظَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ مِنْهُ. وَتَلَافِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ (2)أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ (3)، وَحِفْظُ مَا فِي الْوِعَاءِ بِشَدٌ أَلْوِكَاءِ(4)، وَحِفْظُ مَا فِي يَدَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدَيْ غَيْرِكَ (5)، وَمَرَارَةُ الْيَأْسِ خَيْرٌ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى النَّاسِ، وَالْحِرْفَةُ مَعَ الْعِفَّةِ(6)خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْفُجُورِ ، وَالْمَرْءُ أَحْفَظُ لِسِرِّه (7)، وَرُبَّ سَاعِ فِيمَا يَضُرُّهُ!(8)مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ(9)، وَمَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ . قَارِنْ أَهْلَ الخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ، وَبَايِنْ أهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ .بِئْسَ الطَّعَامُ الحَرَامُ! وَظُلْمُ الضَّعِيف


1) المناهل: ما ترده الإبل ونحوها للشرب، والهلكة الهلاك والموت.

2) التلافي: التدارك لإصلاح ما فسد أو كاد. وما فرط أي قصر عن إفادة الغرض أو إنالة الوطر.

3) إدراك مافات: هو اللحاق به لأجل استرجاعه، وفات: أي سبق الى غير صواب، وسابق الكلام لا يدرك فيسترجع بخلاف مقصّر السكوت فسهل تداركه .

4) إنّما يحفظ الماء في القربة مثلاً بشدّ وكانها: أي رباطها، وإن لم يشدّ الوكاء صبّ ما في الوعاء ولم يمكن إرجاعه، فكذلك اللسان.

5) ليس مراد أميرالمؤمنين(علیه السّلام) وصايته بالإمساك والبخل، بل نهيه عن التفريط والتبذير، فهو إرشاد للاقتصاد في المال.

6) الحِرْفة - بالكسر - مثل الحُرف بالضم، وهو نقصان الحظ وعدم المال، ومنه «رجل محارَف» ، يقول: لأن يكون المرء هكذا وهو عفيف الفَرج واليد، خير من الغنى مع الفجور.

7) أي الأولى ألّا تبوح بسرّك الى أحد، فأنت أحفظ له من غيرك، فإن أذعته فانتشر فلا تَلُمْ إلَّا نفسك.

8) قد يسعى الإنسان بقصد فائدته فينقلب سعيه بالضرر الجهله أو سوء قصده.

9) أَهْجَرْ إهجاراً وهُجْراً - بالضم - : هذا في كلامه، وكثير الكلام لا يخلو من الإهجار، وأهجر الرجل، إذا أفحش في المنطق السوء والخنا.

أَفحَشُ الظُّلْم! إِذَا كَانَ الرِّفْقُ خُرْقاً ، كَانَ الْخُرْقُ رِفْقاً (1). رُبَّمَا كَانَ الدَّوَاءُ دَاءً، وَالدَّاهُ دَوَاءٌ. وَرُبَّمَا نَصَحَ غَيْرُ النَّاصِحِ ، وَغَشَ الْمُسْتَنْصَحُ(2).

وَإِيَّاكَ وَالاِتِّكَالَ عَلَى الْمُنَى فَإِنَّهَا بَصَائِعُ النَّوْكَى (3). وَالْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ ، خَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ(4). بَادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً. لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ، وَلَا كُلُّ غَائِبٍ يَؤُوبُ، وَمِنَ الْفَسَادِ إِضَاعَةُ الزَّادِ(5)، وَمَفْسَدَةُ الْمَعَادِ. ولِكُلٍّ أَمْرٍ عَاقِبَةُ، سَوْفَ يَأْتِيكَ مَا قُدِّرَ لَكَ. التَّاجِرُ مُخَاطِرُ(6)، وَرُبَّ يَسِيرٍ أَنْمَى مِنْ كَثِيرٍ ! لَا خَيْرَ فِي مُعِينٍ مَهِينٍ(7)، وَلَا فِي صَدِيقِ ظَنِينِ (8). سَاهِلِ الدَّهْرَ مَا ذَلَّ لَكَ


1) الخرق - بالضم - : العنف. يقول(علیه السّلام) : إذا كان استعمال الرفق مفسدة وزيادةٌ في الشرّ فلا تستعمله؛ فإنّه حينئذٍ ليس برفْقٍ بل هو خرق، ولكن استعمل الخرق ؛ فإنّه يكون رفقاً والحالة هذه؛ لأنّ الشرّ لا يلقى إلّا بشرّ مثله، وذلك كمقام التأديب وإجراء الحدود مثلاً.

2) المستنصح - اسم مفعول - : المطلوب منه النصح، فيلزم التفكر والتروّي في جميع الأحوال لئلا يروج غشّ أو تنبذ نصيحة.

3) المُنى: جمع مُنية - بضم فسكون - مايتمناه الشخص لنفسه ويعلل نفسه باحتمال الوصول اليه، وهي بضائع الموتى [أثبت عبده: فإنّها بضائعُ الموتى] لأنّ المتجر بها يموت ولا يصل الى شيء، فإن تمنيت فاعمل لأمنيتك. والنّؤكَى جمع أنوَك وهو الأحمق وزناً ومعنى.

4) أفضل التجربة ما زجرت عن سيئة، وحملت على حسنة، وذلك الموعظة.

5) لا ريب أنّ مَنْ كان في سفر وأضاع زاده وأفسد الحال التي يعود إليها فإنّه أحمق، وهذا مثلُ ضربه للإنسان في حالتي دنياه وآخرته والزاد زاد الصالحات والتقوى، أو المراد إضاعة المال مع مفسدة المعاد بالإسراف في الشهوات، وهو أظهر.

6) «التاجر مخاطر، لأنّه يتعجل بإخراج الثمن ولا يعلم هل يعود أم لا! وباطن هذا الكلام أنّه مخاطر لأنّه لا يأمن أن تحبط سيناته أعمالَه الصالحة.

7) مهين إمّا بفتح الميم بمعنى حقير لا يصلح لأن يكون معيناً، أو بضمها بمعنى فاعل الإهانة فيعينك ويهينك فيفسد ما يصلح.

8) الظنين - بالظاء - : المتهم، وبالضاد: البخيل.

قَعُودُهُ(1)، وَلَا تُخَاطِرْ بِشَيْءٍ رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ اللَّجَاجِ(2).

اَحْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلَى الصَّلَةِ (3)، وَعِنْدَ صُدُودِهِ (4)عَلَى اللَّطَفِ (5)وَالْمُقَارَبَةِ، وَعِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى الْبَدْلِ (6)، وَعِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنْوِّ ، وَعِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اللَّينِ، وَعِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ ، حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدُ ، وَكَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ.

وَإِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ . لَا تَتَّخِذِنَّ عَدُوٌّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ، وَأَمْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ، حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ قَبِيحَةً، وَتَجَرَّع الْغَيْظَ (7)فَإِنِّي لَمْ أَرَ جُرْعَةٌ أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَةٌ، وَلَا أَلَذَّ مَغَبَّةٌ (8). وَلِنْ لِمَنْ غَالَظَكَ (9)فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ، وَخُذْ عَلَى عَدُوِّكَ بِالْفَضْلِ فَإِنَّهُ أَحْلَى الظَّفَرَيْنِ. (10)


1) «ساهل الدهر ماذلّ لك قعوده» هذا ،استعارة، والقَعُود: البَكْر حين يمكّن ظهره من الركوب الى أن يثني، أي ساهل الدهر ما دام منقاداً وخذ حظك من قياده.

2) المَطيَّة: ما يركب ويمتطى، واللّجاج - بالفتح - : الخصومة، أي أحذرك من أن تغلبك الخصومات فلا تملك نفسك من الوقوع في مضارّها.

3) صَرْمه: قطيعته، أي ألزم نفسك بصلة صديقك إذا قطعك والوصلة: الوصال، وهو ضد القطيعة.

4) الصُدود: الهجر.

5) اللَّطَف - بفتح بفتح اللام والطاء : الاسم من «ألطفه بكذا» أي برّه به ، وجاءتنا لُطفة من فلان، أي هدیّة.و روي «عن اللّطف» [كما أثبته عبده في المتن] وهو الرفق للأمر، والمعنى أنّه أوصاه إذا قطعه أخوه أن يصله، وإذا جفاء أن يبرّه، وإذا بخل عليه أن يجود عليه.

6) جموده: بخله. والبَذل: العطاء.

7) الغيظ: الغضب الشديد.

8) المَغَبَة : بمعنى العاقبة، وكظم الغيظ وإن صعب على النفس في وقته إلّا أنّ لذته عند الإفاقة من الغيظ، فللعفو لذّة إن كان في محلّه، وللخلاص من الضرر المعقب لفعل الغضب لذة أخرى.

9) لِنْ: أمر من اللين ضد الغلظ والخشونة. وغالظك: عاملك بغلظ وخشونة.

10) ظفر الانتقام والتملّك بالإحسان، والثاني أحلى وأربح فائدة [وعند ابن أبي الحديد: أحد الظفرين ).

وَإِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَأَسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً يَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذَلِكَ يَوْماً مَا (1). وَمَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقَ ظَنَّهُ (2)، وَلَا تُضِيعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ اتِّكَالاً عَلَى مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَحْ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ. وَلَا يَكُنْ أَهْلُكَ أَشْقَى الْخَلْقِ بِكَ.

وَلَا تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ عَنْكَ ، وَلَا يَكُونَنَّ أَخُوكَ أَقْوَى عَلَى قَطِيعَتِكَ مَنْكَ عَلَى صِلَتِهِ(3)، وَلَا تَكَونَنَّ عَلَى الْإِسَاءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الْإِحْسَانِ. وَلَا يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ، فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ وَنَفْعِكَ، وَلَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُووَّهُ (4).

وَأَعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ الرِّزْقَ رِزْقَانِ : رِزْقُ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطلُبُكَ ، فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ. مَا أَقْبَحَ الْخُضُوعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَالْجَفَاءَ عِنْدَ الْغِنَى! إِنَّمَا لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ ، مَا أَصْلَحْتَ بِهِ مَثْوَاكَ(5)، وَإِنْ كُنْتَ جَازِعاً عَلَى مَا تَفَلَّتَ مِنْ يَدَيْكَ (6)فَأَجْزَعْ عَلَى كُلِّ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ . أَسْتَدِلَّ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا قَدْ كَانَ، فَإِنَّ الْأُمُورَ أَشْبَاهُ؛ وَلَا تَكُونَنَّ مِمَّنْ لَا تَنْفَعُهُ الْعِظَةُ إِذَا بَالَغَتْ فِي إِيلَامِهِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ


1) بقية من الصلة يسهل لك معها الرجوع إليه إذا ظهر له حسن العودة.

2) صدّقه بلزوم ماظنّ بك من الخير.

3) مراده إذا أتى أخوك بأسباب القطيعة فقابلها بموجبات الصلة حتى تغلبه، ولا يصلح أن يكون أقدر على ما يوجب القطيعة منك على ما يوجب الصلة، وهذا أبلغ قول في لزوم حفظ الصد الصداقة.

4) يقول: لا تنتقم ممّن ظلمك فإنّه قد نفعك في الآخرة بظلمه لك، وليس جزاء مَن۫ ينفع إنساناً أن يسيء إليه، وهذا مقام جليل لا يقدر عليه إلّا الأفراد من الأولياء الأبرار.

5) مثواك: مُقامك، من ثوى يثوي: أقام يقيم، والمراد - هنا - منزلتك من الكرامة في الدنيا والآخرة.

6) تفلّت - بتشديد اللام : أي تملّص من اليد فلم تحفظه، فالذي يجزع على ما فاته كالذي يجزع على ما لم يصله، والثاني لا يحصر فينال فالجزع عليه غير لائق فكذا الأول.

يَتَّعِظُ بِالْآدَابِ ، وَالْبَهَائِمَ لَا تَتَّعِظُ إِلَّا بِالضَّرْبِ. أطْرَح عَنْكَ وَارِدَاتِ الهُمُو بِعَزَائِمِ الصَّبْرِ وَحُسْنِ الْيَقِينِ. مَنْ تَرَكَ الْقَصَدَ جَارَ (1)، وَالصَّاحِبُ مُنَاسِبُ (2)، وَالصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ (3)، وَالْهَوَى شَرِيكُ الْعَمَى (4)، وَرُبَّ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِنْ قَرِيبٍ، وَقَرِيبٍ أَبْعَدُ مِنْ بَعِيدٍ، وَالْغَرِيبُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبِيبُ(5). مَنْ تَعَدَّى اَلْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ(6)، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ كَانَ أَبْقَى لَهُ، وَأَوْثَقُ سَبَبٍ أَخَذْتَ بِهِ سَبَبُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَمَنْ لَمْ يُبَالِكَ فَهُوَ عَدُوكَ(7). قَدْ يَكُونُ الْيَأْسُ إِدْرَاكاً . إِذَا كَانَ الطَّمَعُ هَلَاكا(8). لَيْسَ كُلُّ عَوْرَةٍ تَظْهَرُ(9)

تظهر، وقد تظهر لك ولا يمكنك إصابتها.

، وَلَا كُلُّ فُرْصَةٍ تُصَابُ، وَرُبَّمَا أَخْطَأَ الْبَصِيرُ قَصْدَهُ، وَأَصَابَ الْأَعْمَى رُشْدَهُ. أَخْرِ الشَّرَّ فَإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ تَعَجَّلْتَهُ (10).

1) القصد: الطريق المعتدل، وجار: مال عن الصواب. و«مَنْ ترك القصد جار» يعنى أنّ خير الأمور أوسطها.

2) يراعي فيما يراعي في قرابة النسب.

3) الغَيب: ضد الحضور، أي مَنْ حفظ لك حقّك وهو غائب عنك.

4) هذا مثل قولهم: «حُبُّك الشيء يُعمي ويُصِمَ» والهوى: شهوة غير منظبطة ولا مملوكة بسلطان الشرع والأدب. [أثبت عبده في المتن: «والهوى شريك العَنّاء» ]والعناء: الشقاء.

5) بريد بالحبيب ههنا المحبُ لا المحبوب.

6) يريد بمذهبه ههنا طريقته، وهذه استعارة، ومعناه أنّ طريق الحقّ لا مشقّة فيها لسالكيها، وطرق الباطل فيها المشاقّ والمضار، وكأنّ سالكها سالك طريقة ضيّقة يتعثّر فيها، ويتخبّط في سلوكها.

7) لم يبالك: أي لم يهتم بأمرك، ولم يكترث بك، باليته وباليت به: أي راعيت و اعتنيت به.

8) المعنى: ربّما كان بلوغ الأمل فى الدنيا والفوز بالمطلوب منها سبباً للهلاك فيها، وإذا كان كذلك كان الحرمان خيراً من الظفر.

9) «ليس كلّ عورة تظهر، ولا كلّ فرصة تصاب» يقول: قد تكون عورة العدوّ مستترة عنك فلا

10) لأنّ فرص الشرّ لا تنقضي لكثرة طرقه، وطريق الخير واحد وهو الحقّ. وتعجلته: استبقت حدوثه.

وَقَطِيعَةُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ (1). مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ، وَمَنْ أَعْظَمَهُ أَهَانَهُ(2).

لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَمَى أَصَابَ. إِذَا تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ، تَغَيَّرَ الزَّمَانُ. سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ، وَعَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ . إِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَكُونُ مَضْحِكاً، وَإِنْ حَكَيْتَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِكَ (3).

وَإِيَّاكَ وَمُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّ رَأْيَهُنَّ إِلَى أَفْنِ(4)

ومن رواه: «إلى أفَن» بالتحريك فهو ضعف الرأي ، أفن الرجلُ يَأْفِنُ أفَناً، أى ضعف رأيه.

، وَعَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ(5)، وَأَكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَّاهُنَّ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحِجَابِ أَبْقَى عَلَيْهِنَّ، وَلَيْسَ خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ مِنْ إِدْخَالِكَ مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ عَلَيْهِنَّ(6)، وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ فَأَفْعَلْ. وَلَا تُمَلِّكِ الْمَرأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ، وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ. (7)وَلَا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا(8)، وَلَا تُطْمِعْهَا فِي أَنْ تَشَفَعَ لِغَيْرِهَا. وَإِيَّاكَ وَالتَّغَايُرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ غَيْرَةٍ(9)، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُو الصَّحِيحَةَ إِلَى السَّقَمِ.

1) لأنّ الجاهل إذا قطعك انتفعت ببعده عنك، كما تنتفع بمواصلة الصديق العاقل لك.

2) أعظمه: هابهُ وأكبر مِن قدره، ومَنْ هابَ شيئاً سلّطه على نفسه.

3) نهاه أنّ يذكر من الكلام ما كان مضحكاً؛ لأنّ ذلك مِن۫ شغل أرباب الهزل والبطالة، وقلّ أنّ يخلوَ ذلك من غيبة أو سخرية.

4) الأفن - بالسكون - : النقص، والمتأفّن: المنتقّص، يقال: فلان يتأفّن فلاناً، أي ينتقصه ويعيبه.

5) الوهن: الضعف.

6) نهاه أن يُدخِل عليهنّ من لا يُوثق به، وقال إنّ خروجهنّ أهون من ذلك، وذلك لأنّ مَنْ تلك صفتُه يتمكّن من الخلوة ما لا يتمكّن منه مَنْ يراهنّ في الطرقات.

7) القهرمان: الذي يحكم فى الأمور ويتصرف فيها بأمره.

8) ولا تَعد - بفتح فسكون - أي لا تجاوز بإكرامها نفسها فتكرم غيرها بشفاعتها. أين هذه الوصية من حال الذين يصرفون النساء في مصالح الأمة ، بل ومَنْ يختص بخدمتهن كرامة لهن !!

9) التغاير: إظهار الغيرة على المرأة بسوء الظن في حالها من غير موجب .

وَالْبَرِيئَةَ إِلَى الرِّيَبِ. وَاجْعَلْ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ خَدَمِكَ عَمَلاً تَأْخُذُهُ بِهِ، فَإِنَّهُ أَخرَى أَلَّا يَتَوَاكَلُوا فِي خِدْمَتِكَ (1). وَأَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ، فَإِنَّهُمْ جَنَاحُكَ الَّذِي بِهِ تَطيرُ، وَأَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ، وَيَدُكَ الَّتِي بِهَا تَصُولُ.

أسْتَوْدِع اللهَ دِينَكَ وَدُنْيَاكَ، وَأَسْأَلْهُ خَيْرَ الْقَضَاءِ لَكَ فِي الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ، وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالسَّلَام.

32 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

32 - ومن كتاب له عليه السلام (2)

إِلَى مُعَاوِيَةَ

وَأَرْدَيْتَ جِيلاً (3)مِنَ النَّاسِ كَثِيراً ؛ خَدَعْتَهُمْ بِغَيِّكَ(4)، وَأَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْجٍ بَحْرِكَ، تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ ، وَتَتَلاطَمُ بِهِمُ الشُّبُهَاتُ، فَجَازُوا عَنْ وِجْهَتِهِمْ(5)، وَنَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ(6)، وَتَوَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ، وَعَوَّلُوا عَلَى أَحْسَابِهِمْ(7)

فأخلدوا إليها وتركوا الدين، والإشارة الى بني أميّة وخلفائهم الذين اتّهموها(علیه السّلام) بدم عثمان،فحاموا عن الحسب، ولم يأخذوا بموجب الشرع في تلك الواقعة.

، إِلَّا مَنْ

1) يتواكلوا: يتكل بعضهم على بعض.

2) رواه أبو الحسن المدائني في كتابه (الفتوح).

3) ارديتَ: أهلكت، وجيلاً من الناس، أي قبيلاً وصِنفاً من الناس.

4) الغيّ: الضَّلال ضد الرشاد.

5) جازُوا: تعدّوا عن وجهتهم، أي جهة قصدهم يقال: هذا وجه الرأي، أي هو الرأي نفسه، والاسم الوجه بالكسر ويجوز ، بالضم ، يقول(علیه السّلام) : كانوا يقصدون حقّاً فمالوا إلى باطل. وجاروا [كما أثبته ابن أبي الحديد] : عدلوا عن القصد.

6) نكصوا: رجعوا.

7) عوّلوا على أحسابهم: أي لم يعتمدوا على الدين، وإنّما أردتهم الحميّة ونخوة الجاهلية،

فَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ(1)، فَإِنَّهُمْ فَارَقُوكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ، وَهَرَبُوا إِلَى اللهِ مِنْ مُوَازَرَتِكَ (2)، إِذْ حَمَلْتَهُمْ عَلَى الصَّعْبِ (3)، وَعَدَلْتَ بِهِمْ عَنِ الْقَصْدِ .

فَاتَّقِ اللهَ يَا مُعَاوِيَةُ فِي نَفْسِكَ ، وَجَاذِبِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ ، فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْكَ ، وَالْآخِرَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ ، وَالسَّلَامُ .

33 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

33 - ومن كتاب له عليه السلام (4)

إلَى قُثَمَ بْنِ الْعَبَّاسِ وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى مَكَّةَ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ عَيْنِي بِالْمَغْرِبِ (5)كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي أَنَّهُ وُجّه إلَى الْمَوْسِمِ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ (6)الْعُمْيِ الْقُلُوبِ، اَلصُّمَّ الْأَسْمَاعِ، الْكُمْهِ الْأَبْصَارِ(7)، الَّذِينَ يَلْبِسُونَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ(8)، وَيُطِيعُونَ الْمَخْلُوقَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ .


1) إلّا من فاء: أي رجع الى الحقّ، استثنى قوماً فاء وا: أي رجعوا عن نُصرة معاوية.

2) الموازرة : المعاضدة.

3) أي على الأمر الشاقّ، والأصل في ذلك البعير المستصعَب يركبه الإنسان فيغرّر بنفسه.

4) رواه قبل النهج الثقفي في (الغارات) ص 509 .

5) عيني: أي رقيبي في البلاد الغربيّة، وهم أصحاب أخباره عند معاوية، وسمّى الشام مغرباً لأنّه من الأقاليم المغربيّة.

6) وُجِّه - مبني للمجهول، أي وجّههم معاوية، والموسم: الأيام التي يقام فيها الحجّ، وكان معاوية قد بثّ الى مكة دعاةٌ في السرّ يدعون الى طاعته، ويثبّطون العرب عن نصرة أميرالمؤمنين فكتب أميرالمؤمنين(علیه السّلام) هذا الكتاب الى عامله بمكّة ينبّهه على ذلك.

7) الكُمه: جمع أكمه، وهو من ولد أعمى.

8) يلبسون: يخلطون، وروي: «الذين يلتمسون الحقّ بالباطل» أي يتبعون معاوية وهو على الباطل التماساً وطلباً للحقّ، ولا يعلمون أنّهم قد ضلّوا.

وَيَحْتَلِبُونَ الدُّنْيَا دَرَّهَا بِالدِّينِ (1)، وَيَشْتَرُونَ عَاجِلَهَا بِآجِلِ الْأَبْرَارِ الْمُتَّقِينَ؛ وَلَنْ يَفُوزَ بِالْخَيْرِ إِلَّا عَامِلُهُ، وَلَا يُجْزَى جَزَاءَ الشَّرِّ إِلَّا فَاعِلُهُ، فَأَقِمْ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ قِيَامَ الْحَازِمِ الصَّلِيبِ(2)، وَالنَّاصِحِ اللَّبِيبِ ، والتَّابِعِ لِسُلْطَانِهِ، الْمُطِيعِ لِإِمَامِهِ .

وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ (3)، وَلَا تَكُنْ عِنْدَ النَّعْمَاءِ بَطِراً (4)، وَلَا عِنْدَ الْبَأْسَاءِ فَشِلاه(5)، وَالسَّلَامُ .

34 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

34 - ومن كتاب له عليه السلام (6)

إلى مُحَمَّدِ بنِ أَبِي بَكْرٍ لَمَا بَلَغَهُ تَوَجُدُهُ مِنْ عَزْلِهِ بِالْأَشْتَرِ عَنْ مِصْرَ، ثُمّ تُوفَّيَ الأشْتَرُ فِي تَوَجُهِهِ إلَى مِصْرَ قبل وُصُولِهِ إِلَيْهَا

إلى مُحَمَّدِ بنِ أَبِي بَكْرٍ لَمَا بَلَغَهُ تَوَجُدُهُ مِنْ عَزْلِهِ(7)بِالْأَشْتَرِ عَنْ مِصْرَ، ثُمّ تُوفَّيَ الأشْتَرُ فِي تَوَجُهِهِ إلَى مِصْرَ قبل وُصُولِهِ إِلَيْهَا

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي مَوْجِدَتُكَ(8)مِنْ تَسْرِيحٍ الْأَشْتَرِ إِلَى عَمَلِكَ(9). وَإِنِّي لَمْ


1) أي يستخلصون خيرها والدرّ - بالفتح - : اللّبن، ودرَّها منصوب بالبدل من «الدنيا»، والمعنى: يجعلون الدينَ وسيلة لما ينالون من حطامها فيظهرون سَمْت الدين، وناموس العبادة.

2) الصليب: الشديد. [وفي نسخة ابن أبي الحديد: الحازم الطَّبِيب]

3) «وإيّاكَ وما يُعْتَذَرُ مِنْهُ» من الكلمات الشريفة الجليلة الموقع، معناها: احذر أن تفعل شيئاً يحتاج الى الاعتذار منه.

4) النعماء: الرخاء والسعة، والبطير: الشديد الفرح ،والبَطَر : شدّة الفرح مع ثقة بدوام النعمة.

5) البأساء: الشدّة، وقشِلاً : جباناً ضعيفاً.

6) رواه الطبري في (التاريخ) في حوادث سنة 38، والبلاذري في (الأنساب) في ترجمة علي(علیه السّلام).

7) توجُّدُهُ: تكدُره.

8) مُؤجدتك: أي غيظك وغضبك، وجدت على فلان مَوجِدة، ووِجداناً لغة قليلة.

9) التسريح: الإرسال والعمل - هنا - الولاية.

أَفْعَلْ ذَلِكَ اسْتِبْطَاءً لَكَ فِي الْجَهْدِ(1)، وَلَا أَزْدِيَاداً لَكَ فِي الْجِدٌ (2)، وَلَوْ نَزَعْتُ مَا تَحْتَ يَدِكَ مِنْ سُلْطَانِكَ لَوَلَّيْتُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مَؤُونَةٌ ، وَأَعْجَبُ إِلَيْكَ وِلَايَةٌ (3).

إِنَّ الرَّجلَ الَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ كَانَ رَجُلاً لَنَا نَاصِحاً ، وَعَلَى عَدُوِّنَا شَدِيداً نَاقِماً(4)، فَرَحِمَهُ اللهُ! فَلَقَدِ اسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ، وَلَاقَى حِمَامَهُ(5)، وَنَحْنُ عَنْهُ رَاضُونَ؛ أَوْلَاهُ اللهُ رِضْوَانَهُ(6)، وَضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ، فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّكَ (7)الخِيس: موضع الآن الأسد، جمعه أخياس. (8)، وَأَمْضِ عَلَى بَصِيرَتِكَ، وَشَمِّرْ لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ (9)، وَأَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ، وَأَكْثِرُ الاِسْتِعَانَةَ باللهِ يَكْفِكَ مَا أَهَمَّكَ ، وَيُعِنْكَ عَلَى مَا يُنْزِلُ بِكَ، إِنْ شَاءَ الله.


1) الجَهْد: الطاقة، أي استبطئك في بذل طاقتك ووسعك.

2) أي ما رأيت منك تقصيراً فأردت أن أعاقبك بعزلك لتزداد جِدّاً.

3) طيّب(علیه السّلام) نفسه بأن قال له: لو تمّ الأمر الذي شرعت فيه من ولاية الأشتر مصرَ لعوّضتك بما هو أخفّ عليك مؤونة وثقلاً؛ لأنّه كان في مصرَ بإزاء معاوية من الشام وهو مدفوع الى حربه.

4) ناقماً: أي كارهاً، من نقمت على فلان كذا، إذا أنكرته عليه وكرهته منه.

5) الحِمام - بالكسر : الموت.

6) دعا له بالرضوان، ولست أشك بأنّ الأشتر بهذه الدعوة يغفر اللهُ له ويكفّر ذنوبه ويدخله الجنّة، ولا فرق عندى بينها وبين دعوة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، و يا طُوبى لمن حصل له مَن علي(علیه السّلام) بعض هذا!

7) «وأَصْحِر لعدوّك» أي ابرز له ولا تستتر عنه بالمدينة التي أنت فيها، أصحر الأسدُ من خِیسه

8) إذا خرج الى الصحراء.

9) شمّر فلان للحرب: إذا أخذ لها أُهبتُها.

35- ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

35- ومن كتاب له عليه السلام (1)

إلى عَبْدِاللهِ بْنِ العَبّاسِ بَعْدَ مَقْتَلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مِصْرَ قَدِ افْتِحَتْ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللهُ - قَدِ اَسْتُشْهِدَ، فَعِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُهُ وَلَداً نَاصِحا (2)، وَعَامِلاً كَادِحاً (3)، وَسَيْفاً قَاطِعاً، وَرُكْناً دَافِعاً. وَقَدْ كُنْتُ حَثَثقْتُ النَّاسَ عَلَى لَحَاقِهِ، وَأَمَرْتُهُمْ بِغِيَانِهِ قَبْلَ الْوَقْعَةِ ، وَدَعَوْتُهُمْ سِرّاً وَجَهْراً، وَعَوْداً وَبَدْءاً ، فَمِنْهُمْ الْآتِي كَارِها ، وَمِنْهُمْ الْمُعْتَلُّ كَاذِباً، وَمِنْهُمْ الْقَاعِدٌ خَاذِلاً(4). أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لِي مِنْهُمْ فَرَجاً عَاجِلاً ؛ فَوَاللَّهِ لَوْلَا طَمَعِي عِنْدَ لِقَائِي عَدُوِّي فِي الشَّهَادَةِ، وَتَوْطِينِي نَفْسِي عَلَى الْمَنِيَّةِ ، لَأَحْبَبْتُ أَلَّا أَبْقَى مَعَ هَؤُلَاءِ يَوْماً وَاحِداً، وَلَا أَلْتَقِيَ بِهِمْ أَبَداً.


1) رواه الطبري في (تاريخه) في حوادث سنة 38 ، والثقفي في (الغارات) ص 399 ، وابن الأثير في (الكامل) ج 3 ص 178 .

2) احتسبه عندالله: أسأل الأجر على الرزية فيه، يقال: احتسب ولده، إذا مات كبيراً، وافترط ولده، إذا مات صغيراً، وسمّاه ولداً لأنّه كان ربيباً له، وأمّه أسماء بنت عميس كانت مع جعفر بن أبي طالب، وولدت له محمداً وعوناً وعوفاً وعبدالله بالحبشة أيام هجرتها معه إليها، وبعد قتله تزوجها أبو بكر فولدت له محمداً هذا، وبعد وفاته تزوّجها عليُ(علیه السّلام) فولدت له يحيى.

3) الكادح: المبالغ في سعيه.

4) قسّم جنده أقساماً، فمنهم مَنْ أجابه وخرج كارهاً للخروج، ومنهم مَنْ قعد واعتلُ بعلّة كاذبة، ومنهم مَنْ تأخر وصرّح بالقعود والخذلان.

36 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

36 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إلى أخِيهِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي ذِكْرِ جَيش أنفذَهُ إلى بَعْض الأعداء، وهو جوابُ كِتَابٍ كَتَبَهُ إِلَيهِ عَقِيلُ

فَسَرَّحْتُ إِلَيْهِ جَيْشَاً كَثِيفاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ شَمَّرَ هَارِباً، وَنَكَصَ نَادِماً ، فَلَحِقُوهُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَقَد طَفَلَتِ (2)الشَّمْسُ لِلْإِيَابِ(3)، فَاقْتَتَلُوا شَيْئاً كَلَا وَلا (4)فَمَا كَانَ إِلَّا كَمَوْقِفِ سَاعَةٍ حَتَّى نَجَا جَرِيضاً (5)، بَعْدَ مَا أُخِذَ مِنْهُ بِالْمُخَنَّقِ(6)،


1) رواه الثقفي في (الغارات)، والأصفهاني في (الأغاني) ج 15 ص 44 ، وابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) ج 1 ص 44 .

2) يقال: طفُلت الشمس - بالتشديد - إذا مالت للغروب ودنت ،وقربت، وطَفّل الليل، إذا أقبل ظلامُه والطَّفَل - بالتحريك - : بعد العصر حين تطفُل الشمس للغروب.

3) الإياب: الرجوع الى مغربها، «للإياب» أي للرجوع الى ما كانت عليه في الليلة التي قبلها، يعني غيبوبتها تحت الأرض، وهذا الخطاب إنّما هو على قَدر أفهام العرب ؛ كانوا يعتقدون أنّ الشمس منزلها ومقرّها تحت الأرض، وأنّها تخرج كلّ يوم فتسير على العالم، ثم تعود الى منزلها، فنأوي اليه كما يأوى الناس ليلاً الى منازلهم.

4) «فاقتتلوا شيئاً كلا ولا» أى شيئاً قليلاً، كناية عن السرعة التامة، فإنّ حرفين ثانيهما حرف لين سريعا الانقضاء عند السمع ،والمعروف عند أهل اللغة: «كلا وذا» قال ابن المغربي: وأسرعُ في العين من لحظةٍ*** وأقصرُ في السمع من لا، وذا

5) أي قد غصَ بالريق من شدّة الجهد والكرب، يقال: جَرَض بريقه بجرض بالكسر، مثال كسر یكسر، ويجوز أن يريد بقوله: «فنجا جريضاً» أى ذا جريض، والجريض: الغصّة نفسها.

6) المُخَنَّق: موضع الخنق من الحيوان، وكذلك الخُناق بالضمّ ، يقال أخذ بخُناقه، فأمّا الخِناق بالكسر، فالحبل تُخْتَقُ به الشاة.

وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ غَيْرُ الرَّمَقِ(1)، فَلَأْياً بِلَأَي مَا نَجَا (2).

فَدَعْ عَنْكَ قُرَيْشاً (3)وَتَرْكَاضَهُمْ فِي الضَّلَالِ(4)، وَتَجْوَالَهُمْ فِي الشَّقَاقِ (5)، وَجِمَاحَهُمْ فِي التِّيهِ(6)، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِي كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى حَرْبٍ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - قَبْلِي ، فَجَزَتْ قُرَيْشاً عَنِّي الْجَوَازِي(7)! فَقَدْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَسَلَبُونِي سُلْطَانَ أَبْنِ أُمِّي .(8)

وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ رَأْيِي فِي الْقِتَالِ، فَإِنَّ رَأْبِي قِتَالُ الْمُحِلِّينَ حَتَّى أَلْقَى الله(9)لَا يَزِيدُنِي كَفْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي عِزَّةٌ، وَلَا تَفَرَّقُهُمْ عَنِّي وَحْشَةٌ، وَلَا تَحْسَبَنَّ


1) الرّمق: بقية الروح.

2) «فلاياً بلأي مانجا» أي بعد بطء وشدّة، وما زائدة أو مصدرية، وانتصب «لأيا» على المصدر القائم مقام الحال، أي نجا مبطناً، والعامل في المصدر محذوف أي أبطأ بطئاً، والفائدة في تكرير اللفظة المبالغة في وصف البطء الذي نجا موصوفه به أي لأياً مقروناً بلأي.

3) قوله: «فدع عنك قريشاً» الى قوله: «على حرب رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )» هذا الكلام حقّ، فإنّ قريشاً اجتمعت على حربه منذ يوم بويع بغضاً له وحسداً وحقداً عليه، فأصفقوا كلّهم يداً واحدة على شقاقه وحَربه، كما كانت حالهم في ابتداء الإسلام مع رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، لم تخرم حاله من حاله أبداً إلّا أنّ ذاك عصمه الله من القتل، فمات موتاً طبيعياً، وهذا اغتاله إنسان فقتله.

4) التركاض: مبالغة في الركض، واستعارة لسرعة خواطرهم في الضلال.

5) التجوال: مبالغة فى الجول والجولان. والشقاق: الخلاف.

6) جِماحهم استعصاؤهم على سابق الحقّ. والتيه: الضلال والغواية.

7) «فجزت قريشاً عنّى الجوازي» هذه كلمة تجري مجرى المثل، تقول لمن يسيء إليك وتدعو عليه: جزتك عنّى الجوازي! والجوازي: جمع جازية، بمعنى المكافأة، دعاء عليهم بالجزاء على أعمالهم.

8) «سلطان ابن أمّي» يعنى به الخلافة، وابن أمّه رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لأنّهما ابنا فاطمة بنت عمرو بن عمران بن مخزوم، أمّ عبدالله و أبي طالب، أو لأنّ فاطمة بنت أسد أمّ أميرالمؤمنين ربّت رسول الله في حجرها فقال النبي في شأنها: «فاطمة أُمّي بعد أمّي».

9) المحلّون: الذين يحلون القتال ويجوّزونه، الخارجون من الميثاق والبيعة، يعني البُغاة ومخالفي الإمام، ويقال لكلّ مَنْ خرج من إسلام أو حارب في الحرم أو في الأشهر الحُرُم: مُحلّ.

ابْنَ أَبِيكَ - وَلَوْ أَسْلَمَهُ النَّاسُ - مُتَضَرِّعاً مُتَخَشُعاً، وَلَا مُقِرّاً لِلضَّيْمِ وَاهِناً(1)، وَلَا سَلِسَ الزِّمَامِ لِلْقَائِدِ(2)، وَلَا وَطِيءَ الظَّهْرِ لِلرَّاكِبِ الْمُتَقَعِدِ(3)، وَلَكِنَّهُ كَمَا قَالَ أَخُو بَنِي سَلِيمٍ(4):

فَإِنْ تُسْأَلِينِي كَيْفَ أَنْتَ فَإِنَّنِي*** صَبُورٌ عَلَى رَيْبِ الزَّمَانِ صَلِيبُ (5)

یعَزُّ عَلَيَّ أَنْ تُرَى بِي كَابَةٌ (6)***فَيَشْمَتَ عَادٍ(7)أَوْ يُسَاءَ حَبِيبُ

37 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

37 - ومن كتاب له عليه السلام (8)

إلَى مُعَاوِيَةً

فَسُبْحَانَ اللهِ ! مَا أَشَدَّ لُزُومَكَ لِلأَهْوَاءِ الْمُبْتَدَعَةِ، وَالْحَيْرَةِ الْمُتَّبَعَةِ (9)، مَعَ تَضِيعِ الْحَقَائِقِ، وَأَطْرَاحِ الْوَثَائِقِ، الَّتِي هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى طِلْبَةٌ(10)، وَعَلَى عِبَادِهِ


1) مقرّاً للضيم وبالضيم، أي هو راضٍ به صابرُ عليه. وواهناً، أي ضعيفاً.

2) السَلس: السهل.

3) الوطيء: اللين . والمقعد: الذي يتخذ الظهر - أي الدابّة - قعوداً يستعمله للركوب في كلّ حاجاته.

4) الشعر ينسب الى العباس بن مرداس السُّلَميّ، ولم أجده في ديوانه، ومعناه ظاهر.

5) صلیب: شدید .

6) يعزّ عليّ يشقّ عليّ. والكآبة: ما يظهر على الوجه من أثر الحزن.

7) عادٍ: أي عدوّ.

8) رواه ابن ميثم البحراني في (شرح النهج).

9) الحَيرَة المُتَّبعة: اسم مفعول من «اتّبعه»، والحَيرة - هنا - بمعنى الهوى الذي يتردد الإنسان في قبوله.

10) طِلْبَة - بالكسر ويفتح فكسر - : مطلوبة.

حُجَّةٌ.

فَأَمَّا إِكْتَارُكَ الْحِجَاجَ (1)عَلَى عُثْمَانَ وَقَتَلَتِهِ ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا نَصَرْتَ عُثْمَانَ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَكَ (2)، وَخَذَلْتَهُ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَهُ، وَالسَّلَامُ .

38 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

38 - ومن كتاب له عليه السلام (3)

إلَى أَهْلِ مِصْرَ، لَمَا وَلَّى عَلَيْهِمُ الْأَشْتَرَ

مِنْ عَبْدِاللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ، إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ غَضِبُوا لِلَّهِ حِينَ عُصِيَ فِي أَرْضِهِ، وَذُهِبَ بِحَقِّهِ ، فَضَرَبَ الْجَوْرُ (4)سُرَادِقَهُ(5)عَلَى الْبَرِّ(6)وَالْفَاجِرِ، وَالْمُقِيمِ وَالظَّاعِنِ(7)، فَلَا مَعْرُوفٌ يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ(8)، وَلَا مُنْكَرُ يُتَنَاهَى عَنْهُ.

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَبْداً مِنْ عِبَادِاللهِ ، لَا يَنَامُ أَيَّامَ الْخَوْفِ، وَلَا يَنْكُلُ


1) الحِجاج - بالكسر - - الجدال.

2) حيث كان للانتصار له فائدة لك تتخذه ذريعة لجمع الناس الى فرضك، أمّا وهو حيّ وكان النصر يفيده فقد خذلته وأبطأت عنه.

3) رواه الطبري في (تاريخه) ج 6 حوادث سنة 38، والمفيد في (الاختصاص) ص 80 و (الأمالي) ص 45.

4) الجَور: الظلم والبغي.

5) السَّرادق - بضم السين - : الغطاء الذي يمدّ فوق صحن البيت، والغبار والدخان .

6) البَرّ - بفتح الباء - : التقي.

7) الظاعن: المسافر.

8) يستراح إليه: يعمل به، وأصله استراح إليه: بمعنى سكن إليه واطمأن، والسكون الى المعروف يستلزم العمل به .

عَنِ الْأَعْدَاءَ سَاعَاتِ الرَّوْعِ(1)، أَشَدَّ عَلَى الْفُجَّارِ مِنْ حَرِيقِ النَّارِ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو مَدْحِجٍ(2)، فَأَسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا أَمْرَهُ فِيمَا طَابَقَ الْحَقَّ ، فَإِنَّهُ سَيْفُ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ (3)، لا كَلِيلُ(4)الظُّبَةِ(5)، وَلَا نَابِي(6)الضَّرِيبَةِ(7)، فَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا فَأَنْفِرُوا وَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تُقِيمُوا فَأَقِيمُوا، فَإِنَّهُ لَا يُقْدِمُ وَلَا يُحْجِمُ وَلَا يُؤَخِّرُ وَلَا يُقَدِّمُ إِلَّا عَنْ أَمْرِي؛ وَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِهِ عَلَى نَفْسِي(8)لِنَصِيحَتِهِ لَكُمْ، وَشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ عَلَى عَدُوِّكُمْ(9).


1) نكل عنه - كضرب ونصر وعلم -: نكص وجبن. والروع: الخوف.

2) مَدْحِج - كمَجْلِس - : قبيلة مالك، وأصله اسم أكمة ولد عندها أبو القبيلتين طيء و فسمیت قبيلتاهما به .

3) «فإنّه سيفٌ من سيوف الله» هذا لقبُ خالد بن الوليد، واختُلف فيمن لقّبه به، فقيل لقّبه به رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، والصحيح أنّه لقّبه به أبو بكر؛ لقتاله أهل الردّة، وقتله مسيلمة.

4) الكليل: الذي لا يقطع.

5) الظُّبَة: حدُّ السيف والسنان ونحوهما.

6) النابي من السيوف: الذي لا يقطع، وأصله نبا أي ارتفع، فلمّا لم يقطع كان مرتفعاً، قسمي نابياً، يقال: نبا عنها السيف: لم يؤثّر فيها.

7) الضريبة: الشيء المضروبُ بالسيف، وإنّما دخلته التاءُ وإن كان بمعنى «مَفْعول» لأنّه صار في عداد الاسماء، كالنطيحة والايكة.

8) أثر تكم به: خصصتكم به، وأنا في حاجة إليه، تقديماً لنفعكم على نفعي، وقد كان(علیه السّلام) يصول على الأعداء بالأشتر، ويقوّى أنفس جيوشه بمقامه بينهم، فلمّا بعثه إلى مصرَ كان مؤثراً لأهل مصرَ به على نفسه.

9) الشكيمة في اللجام: الحديدة المعترضة في فم الفرس، ويعبّر بشدّتها عن قوّة النفس، وشدّة البأس .

39 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

39 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ

فَإِنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ دِينَكَ تَبَعاً لِدُنْيَا أَمْرِى ظَاهِرٍ غَيْهُ(2)، مَهْتُوكَ سِتْرُهُ(3)، يَشِينُ الْكَرِيمَ بِمَجْلِسِهِ(4)، وَيُسَفِّهُ الْحَلِيمَ بِخِلْطَتِهِ ، فَاتَّبَعْتَ أَثَرَهُ، وَطَلَبْتَ فَضْلَهُ، أَتِّبَاعَ الْكَلْبِ لِلضَّرْغَامِ (5)يَلُوذُ بِمَخَالِبِهِ ، وَيَنْتَظِرُ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ فَضَلِ فَرِيسَتِهِ ، فَأَذْهَبْتَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ! وَلَوْ بِالْحَقِّ أَخَذْتَ أَدْرَكْتَ مَا طَلَبْتَ(6). فَإِنْ يُمَكِّنِي اللهُ مِنْكَ وَمِنِ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَجْزِكُمَا بِمَا قَدَّمْتُمَا ، وَإِنْ تُعْجِزَا وَتَبْقَيَا ، فَمَا أَمَامَكُمَا شَرٌّ لَكُمَا(7)، وَالسَّلَامُ .


1) رواه نصر بن مزاحم في كتاب (صفّين)، والسبط ابن الجوزي فِي (التذكرة) ص 84 .

2) قوله(علیه السّلام) في معاوية: «ظاهر غيُّه» فلا ريب فِي ظهور ضَلاله وبغيه؛ وكلُّ باغٍ غاوٍ.

3) مَهْتُوك سِترُه: لأنّه كان كثير الهزل والخلاعة، صاحب جُلَساء وسمّار، لم يتوفّر إلّا عندما خرج على أميرالمؤمنين، واحتاج إلى السكينة، وإلّا فقد كان فِي أيام عثمانَ شديد التهتّك موسوماً بكلُ قبيح.

4) «يشين الكريمَ بمجلسه، ويسفّه الحليم بخُلطته» لأنّه لم يكن فِي مجلسه إلّا شتم بني هاشم وقَدْفُهم، والتعرّضُ بذكر الإسلام والطعن عليه وإن أظهر الانتماء إليه.

5) الضرغام: الأسد، ولم يقل: الثعلب، غضَاً من قدر عَمرو، وتشبيهاً له بما هو أبلغُ في الإهانة والاستخفاف.

6) أي لو قعدتَ عن نصره ولم تشخَص إليه ممالناً به على الحقّ لوَصَل إليك من بيت المال قدر كفايتك.

7) وإن تعجزاني عن الإيقاع بكما وتبقيا فِي الدنيا بعدي، فما أمامكما شرّ لكم من عقوبة الدنيا ، عذاب الدنيا منقطع، وعذاب الآخرة غيرُ منقطع.

40 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

40 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إلى بَعْضٍ عُمَّالِهِ

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ، إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطتَ رَبَّكَ، وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ ، وَأَخْزَيْتَ أَمَانَتَكَ(2). بَلَغَنِي أَنَّكَ جَرَّدْتَ الْأَرْضَ (3)فَأَخَذْتَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ ، وَأَكَلْتَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ، فَأَرْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ، وَأَعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ ، وَالسَّلَامُ.

41 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

41 - ومن كتاب له عليه السلام (4)

إلَى بَعْضٍ عُمَّالِهِ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي كُنْتُ أَشْرَكْتُكَ فِي أَمَانَتِي(5)، وَجَعَلْتُكَ شِعَارِي وَبِطَانَتِي، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِي رَجُلُ أَوْثَقَ مِنْكَ فِي نَفْسِي لِمُواسَاتِي وَمُوَازَرَتِي(6)وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ


1) رواه قبل الشريف الرضي ابنُ عبد ربه في (العقد الفريد ) ج 4 ص 355.

2) أَخْزَيْت أمانتك: أذلَلتها وأهَنتَها، وألصقت بأمانتك خَزية - بالفتح - أي رزيّة ،أفسدتها، وكأن هذا العامل أخذ ما عنده من مخزون بيت المال.

3) جرّدت الأرض: قشرتّها، والمعنى أنّه نسبه إلى الخيانة في المال، وإلى إخراب الضِّياع.

4) رواه ابن قتيبة في (عيون الأخبار ) ج 1 ص 57 ، والهندي في ( كنز العمال) ج 1 ص 410.

5) أشركتك في أمانتي: جعلتك شريكاً فيما قمتُ فيه من الأمر.

6) المواساة: مِن «أساء» إذا أناله من ماله عن كفاف لا عن فضل أو مطلقاً، وقالوا: ليست مصدراً لواساه فإنّه غير فصيح، وتقدّم للإمام استعماله وهو حجّة. والموازرة: المناصرة.

إِلَيَّ ؛ فَلَمَّا رَأَيْتَ الزَّمَانَ عَلَى ابْنِ عَمِّكَ قَدْ كَلِبَ(1)، وَالْعَدُوَّ قَدْ حَرِبَ (2)، وَأَمَانَةَ النَّاسِ قَدْ خَزِيَتْ (3)، وَهَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ فَنَكَتْ(4)وَشَغَرَتْ(5)، قَلَبْتَ لِابْنِ عَمِّكَ ظَهْرَ الْمِجَنِّ(6)، فَفَارَقْتَهُ مَعَ الْمُفَارِقِينَ، وَخَذَلْتَهُ مَعَ الْخَاذِلِينَ، وَخُنْتَهُ مَعَ الْخَائِنِينَ، فَلَا ابْنَ عَمِّكَ آسَيْتَ(7)، وَلَا الْأَمَانَةَ أَدَّيْتَ . وَكَأَنَّكَ لَمْ تَكْنِ اللَّهَ تُرِيدُ بِجِهَادِكَ ، وَكَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكَ ، وَكَأَنَّكَ إِنَّمَا كُنْتَ تَكِيدُ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَنْ دُنْيَاهُمْ(8)، وَتَنْوِي غِرَّتَهُمْ عَنْ فيئِهِمْ(9)، فَلَمَّا أَمْكَتَتَكَ الشِّدَّةُ(10)فِي خِيَانَةِ الْأُمَّةِ أَسْرَعْتَ الكرة(11)، وَعَاجَلْتَ الوَثْبَةَ وَاخْتَطَفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمُ المَصُونَةِ


1) كَلِبَ - كَفَرحَ - : اشتدّ و خشن، وكذلك: كلِب البردُ ، والكُلبة - بالضم - : الشدّة والضيق.

2) حَرِبَ العدوّ - كفَرِحَ - : اشتدّ غضبه و استأسد في القتال، أو كَطَلَب بمعنى سَلَبَ مالنا.

3) خَزِيَتْ كَرَضِيتُ - : ذلّت وهانت، ووقعت في بلية الفساد والفاضح.

4) من «فَنكّت الجارية» إذا صارت ماجنة، ومجون الأمّة أخذها بغير الحزم في أمرها كأنّها هازلة. [و أثبت ابن أبي الحديد في المتن: «وهذه الأمّة قد فُتِكِتْ»].

5) شَغَرت الأمّة: خلت من الخير أو لم يبق فيها مَن۫ يحميها ، وشَغَرَ البلد: خلا من الناس.

6) المِجنّ الترس، وهذا مثل يضرب لمن يخالف ما عهد فيه، قلبتُ له ظهر المِجنُ: إذا كنت معه فصرت عليه، وأصل ذلك أنّ الجيش إذا لقوا العدوّ كانت مجانّهم إلى وجه العدوُ، وبطون مجانّهم إلى وجه عسكرهم، فإذا فارقوا رئيسهم وصاروا مع العدوَ كان وضع مجانّهم بدلاً من الوضع الذي كان من قبل، وذلك أنّ ظهور التَرسة لا يمكن أن تكون إلّا في وجوه الأعداء، لأنّها مَرمى سهامهم.

7) آسَيْتَ: ساعدت وشاركت فى الملمات.

8) كادّه عن الأمر: خدعه حتى ناله منه.

9) الغرّة الغفلة، والفيء: مال الغنيمة والخراج، وأصله ما وقع للمؤمنين صلحاً من غير قتال.

10) أمكنتك الشدّة: أي الحملة.

11) أسرعت الكرّة: لا يجوز أن يقال: الكرّة إلّا بعد فرّة، فكأنّه لمّا كان مقلعاً في ابتداء الحال عن التعرّض لأموالهم، كان كالفارُ عنها، فلذلك قال: أسرعت الكرّة.

لأَرَامِلِهِمْ وَأَيْتَامِهِمْ اخْتِطَافَ الذِّنْبِ الْأَزَل (1)دَامِيَةَ (2)الْمِعْزَى الْكَسِيرَة(3)، فَحَمَلْتَهُ إِلَى الْحِجَازِ رَحِيبَ الصَّدْرِ بِحَمْلِهِ ، غَيْرَ مُتَأَتِّمٍ مِنْ أَخْذِهِ(4)، كَأَنَّكَ لَا أَبَا لِغَيْرِكَ (5)- حَدَرْتَ(6)إِلَى أَهْلِكَ تُرَاثَكَ مِنْ أَبِيكَ وَأُمِّكَ .

فَسُبْحَانَ اللَّهِ! أَمَا تُؤْمِنُ بِالْمَعَادِ ؟ أَوَ مَا تَخَافُ نِقَاشَ الْحِسَابِ (7)أَيُّهَا الْمَعْدُودُ كَانَ عِنْدَنَا(8)مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ ، كَيْفَ تُسِيعُ(9)شَرَاباً وَطَعَاماً وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ تَأْكُلُ حَرَاماً ، وَتَشْرَبُ حَرَاماً، وَتَبْتَاعُ الْإِمَاءَ، وَتَنْكِحُ النِّسَاءَ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ، الَّذِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْأَمْوَالَ، وَأَحْرَزَ بِهِمْ هَذِهِ الْبِلَادَ! فَاتَّقِ اللَّهَ وَأَرْدُدْ إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَمْوَالَهُمْ ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمْ أَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْكَ لَأُعْذِرَنَّ إِلَى اللَّهِ فِيكَ(10)، وَلَأَضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي الَّذِي مَا ضَرَبْتُ بِهِ أَحَداً إِلَّا دَخَلَ النَّارَ .

وَوَاللهِ لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَعَلَا مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ، مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي


1) الذئب الأزلَ: السريع الجري، أو الخفيف لحم الوَرِكين، وذلك أشدّ لعدوه، وأسرع لوثبته.

2) الدامية: المجروحة.

3) الكسيرة: المكسورة. والمعزى: أخت الضأن، اسم جنس كالمعز والمعيز، وإن اتفق أن تكون شاءٌ من المِعزَى كسيرة ودامية أيضاً كان الذئب على اختطافها أقدر.

4) التأثم: التحرّز من الإثم بمعنى الذنب.

5) « لا أبا لغيرك» تقال للتوبيخ مع التحامي من الدعاء عليه.

6) حدرت: أسرعت إليهم بتراث، أي ميراث، أو هو من «حدره» بمعنى حطّه من أعلى لأسفل.

7) نقاش الحساب: مناقشته، بمعنى الاستقصاء الاستقصاء في الحساب.

8) «كان» ههنا زائدة لإفادة معنى المضى فقط، لا تامة ولا ناقصة.

9) سغت الشراب أسيغه - كبعته أبيعه -: بلعته بسهولة.

10) لأعذرن إلى الله فيك: أي لأعاقبنك عقاباً يكون لي عذراً عندالله في فعلتك هذه.

هَوَادَةٌ(1)، وَلَا ظَفِرَا مِنِّي بِإِرَادَةٍ، حَتَّى أخُذَ الْحَقَّ مِنْهُمَا، وَأُزِيحَ الْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا. وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَا أَخَذْتَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَلَالُ لِي (2)، أَتْرُكُهُ مِيرَاثاً لِمَنْ بَعْدِي ، فَضَحٌ رُوَيْداً (3)، فَكَأَنَّكَ قَدْ بَلَغْتَ الْمَدَى(4)، وَدُفِنْتَ تَحْتَ الثَّرَى(5)، وَعُرِضَتْ عَلَيْكَ أَعْمَالُكَ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يُنَادِي الظَّالِمُ فِيهِ بِالْحَسْرَةِ، وَيَتَمَنَّى الْمُضَيِّعُ فِيهِ الرَّجْعَةَ ، «وَلَاتَ حِينَ مَنَاصِ»(6)) (7)

وقد أشكل على أمر هذا الكتاب، فإن كذّبت النقل خالفتُ الرواة، وإن صرفته إلى عبدالله بن عباس صدّني عنه ما أعلمه من ملازمته لطاعة أميرالمؤمنين(علیه السّلام) في حياته وبعد وفاته، وإن صرفته إلى غيره لم أعلم إلى مَن أصرفه من أهل أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، والكلامُ يشعرُ بأنّ الرجل المخاطب من أهله وبني عمّه، فأنا في هذا الموضع من المتوقِّفين!

!

1) الهَوَادة - بالفتح : الصلح واختصاص شخص ما يميل إليه وملاطفة له.

2) أي لا تعتمد على قرابتك مني فإنّي لا أُسَرّ بأن يكون لي فضلاً عن ذوي قرابتي.

3) «فضحَ رويداً»، كلمة تقال لمن يؤمر بالتّؤدة والأناة والسكون، وأصلها الرّجل يطعم إبله ضحى، ويسيّرها مسرعاً ليسير، فلا يشبعها، فيقال له: ضعٍّ رويداً، وهنا يريد(علیه السّلام) : فارعَ نفسك على مهل فإنّما أنت على شرف الموت.

4) المَدى - بالفتح - : مفرد بمعنى الغاية.

5) الثرى: التراب.

6) لاتُ حين مناص: أي ليس الوقت وقت فرار.

7) اختلف الناس في المكتوب إليه هذا الكتاب، فقال الأكثرون: إنّه عبدالله بن العباس (رحمه الله) ، ورَووا في ذلك روايات، واستدلُّوا بألفاظ هذا الكتاب كقوله «ابن عمك» في غير موضع، وقوله: «لو أنّ الحسن والحسين»، وهذا يدلُ على أنّ المكتوب إليه قريب من أن يجرى مجراهما عنده. وقال آخرون وهم الأقلون: هذا لم يكن، ولا فارق عبدالله بن عباس عليّاً(علیه السّلام) ولم يزل أميراً على لله البصرة إلى أن قتل عليّ(علیه السّلام) ، وهذا عندي هو الأمثل والأصوب، وقد قال الراوندي: «المكتوب إليه هو عبيدالله بن العباس، لا عبدالله» وليس ذلك بصحيح، لأنّ عبيدالله كان عامله على اليمن.

42 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

42 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إِلَى عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَحْزُومِيّ، وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى الْبَحْرَينِ ، فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ النُّعْمَانَ بْنَ عَجْلَانَ الرُّرَقِي مَكَانَهُ

إِلَى عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَحْزُومِيّ(2)، وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى الْبَحْرَينِ ، فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ النُّعْمَانَ بْنَ عَجْلَانَ الرُّرَقِي(3)مَكَانَهُ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ وَلَيْتُ النُّعْمَانَ بْنَ عَجْلَانَ الزُّرَقِيَّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَنَزَعْتُ يَدَكَ بِلَا ذَمِّ لَكَ، وَلَا تَثْرِيبٍ عَلَيْكَ (4)، فَلَقَدْ أَحْسَنْتَ الْوِلَايَةَ، وَأَدَّيْتَ الأَمَانَةَ، فَأَقْبِلْ غَيْرَ ظَنِينٍ(5)وَلَا مَلُومٍ، وَلَا مُتَّهَمٍ وَلَا مَأْتُومٍ، فَلَقَدْ أَرَدْتُ الْمَسِيرَ إِلَى ظَلَمَةِ أَهْلِ الشَّامِ(6)، وَأَحْيَبْتُ أَنْ تَشْهَدَ مَعِي، فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ(7)بِهِ عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ ، وَإِقَامَةِ عَمُودِ الدِّينِ، إِنْ شَاءَ اللهُ.


1) رواه ابن واضح في (تاريخه) ج 2 ص 190 ، والبلاذري في (أنساب الأشراف) ص 159 .

2) عُمَرُ بن أبي سَلَمة هو ربيبُ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وُلد فى السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة ، وقيل: إنّه كان يوم قُبِض رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و ابن تسع سنين، وتوفّي في المدينة في خلافة عبدالملك سنة ثلاث وثمانين، وقد حَفظ عن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) الحديث، وروى عنه سعید بن المسيّب وغيره.

3) النعمان بن عجلان الزُّرَقي من الأنصار ، ثم من بني زُرَيق، خَلَف على خولة زوجة حمزة بن عبدالمطلب(رضی الله عنه) بعد قتله، كان لسان الأنصار وشاعرهم.

4) «ولا تثريب عليك»، التشريب الاستقصاء في اللّوم، ويقال ثرّبت عليه وعرُبت عليه، إذا قبّحت عليه فعله.

5) الظَّلَّنين: المتّهم، والظُّنّة: التهمة، والجمع الظُّنن.

6) الظَلمة - بالتحريك - : جمع ظالم.

7) أستظهر به: أستعين.

43 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

43 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إلَى مَصْقَلَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ الشَّيْبَانِي وَكَانَ عَامِلَهُ عَلى أَرْدَشِيرَ خُرَّة

إلَى مَصْقَلَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ الشَّيْبَانِي وَكَانَ عَامِلَهُ عَلى أَرْدَشِيرَ خُرَّة (2)

بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرُ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطَتَ إِلَهَكَ ، وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ امَامَكَ : أنّكَ تَقْسِمُ (3)فَيْءَ (4)الْمُسْلِمِينَ الَّذِي حَازَتْهُ رِمَاحُهُمْ وَخُيُولُهُمْ، وَأُرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ فِيمَنْ أَعْتَامَكَ (5)مِنْ أَعْرَابِ قَوْمِكَ. فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ (6)، لَئِنْ كَانَ ذلِكَ حَقَّاً لَتَجِدَنَّ لَكَ عَلَيَّ هَوَاناً ، وَلَتَخِفَّنَّ عِنْدِي مِيزَانَا، فَلَا تَسْتَهِنَّ بِحَقِّ رَبِّكَ ، وَلَا تُصْلِحْ دُنْيَاكَ بِمَحْقِ(7)دِينِكَ ، فَتَكُونَ مِنَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً.

أَلَا وَإِنَّ حَقٌّ مَنْ قِبَلَكَ وَقِبَلَنَا (8)مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قِسْمَةِ هَذَا الْفَيْءِ سَوَاءٌ: يَرِدُونَ عِنْدِي عَلَيْهِ، وَيَصْدُرُونَ عَنْهُ .


1) رواه البلاذري (أنساب الأشراف) ص 160 ، وابن واضح في (التاريخ) ج 2 ص 190.

2) أردشير خُرّة - بضم الخاء وتشديد الراء - بلدة من بلاد فارس.

3) «إنّك ...» بدل من «أمر».

4) الفيء: مال الغنيمة والخراج، وأصله ما وقع للمؤمنين صلحاً من غير قتال.

5) اعْتَامَك: اختارَك من بين الناس، أصله من العِيمة بالكسر، وهي خيارُ المال.

6) النَسمة - محركة - : الروح، وهي في البشر أرجح، وبرأها: خلقها.

7) المحق: الإهلاك.

8) قبل - بكسر الفتح : ظرف بمعنى عند.

44 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

44 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إلَى زِيَادَ بْنِ أَبِيهِ ، وَقَدْ بَلَغَهُ أَنَّ مُعاوِيَةَ كَتَبَ إِلَيْهِ يُرِيدُ خَدِيعَتَهُ بِاسْتِلْحَاقِهِ

وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَيْكَ يَسْتَزِلُّ لُبَكَ (2)، وَيَسْتَفِلُ غَرْبَكَ (3)، فَأَحْذَرْهُ فَإِنَّمَا هُوَ الشَّيْطَانُ يَأْتِي الْمَرْءَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ، لِيَقْتَحِمَ غَفْلَتَهُ (4)وَيَسْتَلِبَ غِرَّتَهُ(5). وَقَدْ كَانَ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلْتَةٌ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ (6)،وَنَزْغَةٌ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ(7)، لَا يَثبُتُ بِهَا نَسَبٌ، وَلَا يَستَحَقُ بِهَا إِرْثٌ(8)، وَالْمُتَعَلِّقُ بِهَا كَالْوَائِلِ الْمُدَقَّعِ، وَالنَّوْطِ الْمُذَبْذَبِ.


1) رواه ابن الأثير في (الكامل) ج 3 ص 220 في حوادث سنة 44، وفي (أُسد الغابة) ج 2 ص 217.

2) يستزلُ لبّك : يطلب زلله وخطأه، أى يحاول أن نزل واللبّ: العقل أو القلب.

3) يستفل غَرْبك: يحاول أن يفل حدّك، أي عزمك. والغُرب أيضاً: الحِدّة والنشاط.

4) ليقتحم غفلته: أي ليلجَ ويهجم عليه وهو غافل، جعل اقتحامه إياء اقتحاماً للغِرّة نفسها لما كانت غالبةً عليه، وتشبيه الغفلة بالبيت يسكن فيه الغافل من أحسن أنواع التشبيه.

5) الغِرّة - بالكسر - : خلو العقل عن مضارب الحيل، المراد منها العقل الغرّ، أي يسلب العقل الساذج، وليس معنى استلابه الغرّة أن يرفعها ويأخذها، وإلّا صار ذلك الغافل المغترَ فاقداً للغفلة والغِرَه، وكان لبيباً فطناً، فلا يبقى له سبيل عليه، وإنّما المعنى ما يعنيه الناس بقولهم: أخذ فلانُ غفلتي وفعل كذا.

6) فلتة: أمرٌ وقع من غير تثبت ولا رويّة، وفلتة أبي سفيان قوله في شأن زياد: «إني أعلم من وضعه في رحم أمّه» يريد نفسه.

7) نَزْغَة: كلمة فاسدة، من نزغات الشيطان أى من حركاته القبيحة المفسِدة.

8) لأنّ المقرّ بالزنا لا يلحقه النسب ولا يرثه المولود؛ لقوله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : الولد للفراش، وللعاهر الحجر.

فلَمَّا قَرَأَ زِيَادُ الْكِتَابَ قَالَ: شَهِدَ بهَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَلَمْ تَزَلْ فِي نَفْسِهِ حَتَّى ادَّعَاهُ مُعَاوِيَةُ.

قالَ الرَّضِيُّ رَحمهُ اللهُ تعالى : قَوْله عَلَيْهِ السَّلام: «الوَاعْلُ»: هو الذي يَهجُمُ على الشُّرَّب ليشرب معهم، وليس منهم ، فَلا يَزَالُ مُدَفَعا مُحاجَزاً. والنَّوْطُ المُذَبُ : هو ما يُنَاطُ بِرَحْلِ الرَّاكِبِ من قَعْبِ أوْ قدح، أو ما أشبه ذلك ، فهو أبداً يتقلقلُ إذا حثَّ ظهرَهُ، واستعجلَ سيرَهُ.

45 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

45 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ الأَنْصَارِيّ ، وكانَ عَامِلَهُ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَقَدْ بَلَغَهُ أَنَّهُ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِهَا فَمَضَى إِلَيْهَا

إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ الأَنْصَارِيّ(2)، وكانَ عَامِلَهُ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَقَدْ بَلَغَهُ أَنَّهُ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِهَا فَمَضَى إِلَيْهَا

أَمَّا بَعْدُ يَابْنَ حُنَيْفٍ ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ(3)أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلَى مَأْدُبَةٍ (4)

الدّاعي إليه.

فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا ، تُسْتَطَابُ لَكَ الْأَلْوَانُ(5)، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ(6). وَمَا ظَنَنْتُ

1) رواه الصدوق في (الأمالي).

2) عثمان بن حُنيف الأنصاري ثم الأوسيّ أخو سهل بن حُنَيف، ولّاه عمر مساحة الأرض وجبايتها بالعراق، وولّاه علي (علیه السّلام) البصرة، فأخرجه طلحة والزُّبير منها حين قدِماها، وسكن عثمان الكوفة بعد وفاة عليّ(علیه السّلام) ، ومات في زمن معاوية.

3) من فِتية البَصرة: أي من فتيانها، أي من شبابها أو مِن أسخيانها؛ يقال للسخيّ: هذا فتى، ويروى: «أن رجلاً من قُطَّان البصرة» أي سكانها.

4) المأدُبه - بضم الدال أو فتحها - : الطعام يُدعى إليه القوم يُصنع لدعوة أو عرس، والآداب:

5) تستطاب لك: يطلب لك طيبها. والألوان - هنا - : أصناف الطعام.

6) الجِفان - بكسر الجيم - : جمع جفنة، وهي القصعة، ويروى : «وكثرت عليك الجِفان فكّرعتَ وأكلت أكلّ ذنبٍ نَهِم، أو ضَبع قَرِمٍ».

أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْمٍ عَائِلُهُمْ مَجْفُوُّ(1)، وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ: فَأَنْظُرْ إِلَى مَا تَقْضِمَهُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ (2)، فَمَا اشْتَبَة عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظهُ(3)، وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبٍ وُجُوهِهِ (4)فَنَلْ مِنْهُ.

أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَعْتَدِي بِهِ، وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ؛ أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ (5)وَمِنْ طَعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ(6). أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ ، وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ(7)، وَعِفَةٍ وَسَدَادٍ(8)، فَوَاللَّهِ مَا كَنَزتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً(9)، وَلَا أَدَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً (10)، وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً (11)، وَلَا حُزتُ مِنْ أَرْضِهَا (12)شِبْراً، وَلَا أَخَذْتُ مِنْهُ إِلَّا كَفُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ (13)، وَلَهِيَ فِي


1) عائُلهُم: فقيرهم ومحتاجهم. مجفوّ: مطرود، من الجفاء. وروي: «ما حَسِبتك تأكل طعامُ قوم».

2) المقضم: المأكل. وسمّى ذلك قَضْماً ومقضماً لأنّه عنده ليس مما يستحق أن يسمّى بأسماء المرغوب فيه؛ وذلك لأنّ القضم يطلق على معنيين: أحدُهما على أكل الشيء اليابس، والثاني على ما يؤكل ببعض الفم، وكلاهما يدلان على أنّ ذلك المقضم مرغوب عنه، لا فيه.

3) الفظه: اطرحه حيث اشتبه عليك حلّه من حرمته.

4) بطيب وجوهه: بالحِل في طرق كسبه.

5) الطَّمْر : الثوب الخَلَق البالي.

6) قُرْصيه: أي فرصان، تثنية قرص، وهو الرغيف، يفطر عليهما لا ثالث لهما.

7) إنّ ورع الولاة وعفتهم يعين الخليفة على إصلاح شؤون الرعية.

8) السداد: التصرّف الرشيد، وأصله الاحتراز من المخطأ.

9) التبر - بكسر فسكون - : فتات الذهب والفضة قبل أن يصاغ.

10) الوفر: المال.

11) أي ما كان يهيئ لنفسه طمراً آخر بدلاً عن الثوب الذي يبلى، بل كان ينتظر حتى يبلى ثم يعمل الطمر، والثوب هذا عبارة عن الطمرين فإنّ مجموع الرداء والإزار يعدّ ثوباً واحداً فيهما يكسو البدن لا بأحدهما.

12) الضمير في «أراضيها»، يرجع إلى «دنياكم».

13) أتانٍ دَبرةٍ: هي التي عُقر ظهرُها فقلُ أكلها.

عَيْنِي أَوْهَى مِنْ عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ (1)عَفِضَ الطَّعَام: كان فيه مرارة. (2).

بَلَى! كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكُ (3)مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ، فَشَجَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ آخَرِينَ(4)، وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ(5)، وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَكٍ وَغَيْرِ فَدَكٍ، وَالْنَفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَتْ(6)، تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا، وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا، وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا، وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا، لِأَضْغَطَهَا(7)الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ(8)، وَسَدَّ فُرَجَهَا(9)الْتُرَابُ الْمُتَرَاكِمْ؛ وَإِنَّمَا هِي نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى (10)لِتَأْتِيَ آمِنِةً يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبِرِ، وَتَثْبُتَ عَلَى جَوانِبِ الْمَزْلَقِ (11)وَلَوْ شِئْتُ


1) عفصة

2) مقرة: أي مرّة، مقِر الشيءُ - بالكسر - أي صار مرّاً.

3) فَدَك - بالتحريك - : قرية الرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )كان صالح أهلها على النصف من نخيلها بعد فتح خيبر وإجماع الشيعة على أنّه كان أعطاها فاطمة رضى الله عنها قبل وفاته إلّا أن أبا بكر ردّها لبيت المال قائلاً: «إنّها كانت مالاً في يد النبيّ يحمل به الرجال وينفقه فى سبيل الله، وإنّا إليه كما كان عليه».

4) القوم الآخرون الذين سَخت نفوسهم عنها هم بنو هاشم، وسخت: أي سامحت وأغْضَتْ، وليس يعني هنا بالسخاء إلّا هذا، لا السخاء الحقيقيّ، لأنّه(علیه السّلام) وأهله لم يسمحوا بفَدَك إلّا غصباً وقَسْراً.

5) الحَكَم: الحاكم ، وهذا الكلام كلامُ شاكٍ منظلّم.

6) المظانٌ: جمع مَظِنّة، وهو موضع الشيء ومألفة الذي يكون فيه ويُظنّ فيه وجوده. وموضع النفس الذي يظن وجودها فيه في غدٍ جَدَتْ - بالتحريك - أي قبر.

7) أضغطها: جعلها من الضيق بحيث تضغط وتعصر الحالَّ فيها.

8) المَدَر - جمع مَدَرة مثل قصب وقصَية - : وهو التراب المتابد، أو قطع الطين.

9) فُرجها - جمع فُرجَة مثال غُرف وغُرفة - : كلُ منفرج بين شيئين.

10) أروضها: أذَللُها .

11) المزلق ومثله المزلقة : موضع الزلل، وهو المكان الذي يخشى فيه أن تنزل القدمان، والمراد: الصراط.

لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيق(1)إِلَى مُصَفّى هَذَا الْعَسَلِ، وَلُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ ، وَنَسَائِجِ هَذَا الْقَزْ، وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي (2)إِلَى تَخَيْرِ الْأَطْعِمَةِ - وَلَعَلَّ بِالحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ(3)مَنْ لَا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ ، وَلَا عَهْدَ لَهُ بِالشَّبَعِ - أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْنَى(4)، وَأَكْبَادٌ حَرَّى(5)، أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:

وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ (6)*** وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ(7)

أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ: هَذَا أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أُشَارِكَهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أَسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ(8)! فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ، هَمُّهَا عَلَفُهَا ، أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغْلُهَا تَقَمُّمُهَا(9)، تَكْتَرِشُ


1) كان كرم الله وجهه إماماً عالى السلطان واسع الإمكان فلو أراد التمتع بأي اللذائذ شاء لم يمنعه مانع، وهو قوله: «لو شئت لاهتديت ....». والقمح: الحنطة والقزُ: الحرير.

2) الجشع: أشدّ الحِرْص.

3) جملة «ولعلّ ... » حاليّة، عمل فيها «تخيّر الأطعمة» أي هيهات أن يتخيّر الأطعمة لنفسه والحال أنّه قد يكون بالحجاز أو اليمامة من لا يجد القرص: أي الرغيف، ولا طمع له في وجوده؛ لشدّة الفقر، ولا يعرف الشبع.

4) هيهات أن يبيت مبطاناً: أي ممتلىء البطن، والحال أنّ حوله بطوناً غرثى: أي جائعة. والمبطان: الذي لا يزال عظيم البطن من كثرة الأكل، فأمّا المبطن؛ فالظامر البطن، وأمّا البطين، فالعظيم البَطن لا من الأكل؛ وأمّا البِطِن، فهو الذى لا يهمُه إلّا بطنُه؛ وأمّا المبطون فالعليل البَطْن.

5) كباد حرّى : مؤنث حران، أي عطشان.

6) البِطنة: البطر والأشر والكِظّة، وذلك أن يمتلئ الإنسان من الطعام امتلاءٌ شديداً.

7) القِدّ - بالكسر - سير من جلد غير مدبوغ، أي أنّها تطلب أكله ولا تجده.

8) الجشوبة: الخشونة، وتقول: جشب الطعام - كنصر وسمع - فهو جَشب ، وجَشِب كشهم وبطر، وجشيب ومِجشاب ومجشوب، أي غَلُظ فهو غليظ.

9) تقمّمها: التقاطها للقمامة، أي الكناسة، والتقّم: أكل الشاة ما بين يديها بمقمّتها أي بشفتها، وكلّ ذي ظِلف كالثور وغيره فهو ذو مقمّة.

مِنْ أَعْلَافِهَا(1)، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا ، أَوْ أُتْرَكَ سُدىً ، أَوْ أَهْمَلَ عَابِثاً، أَوْ أَجْرٌ حَبْلَ الضّلَالَةِ ، أَوْ أَعْتَسِفَ (2)طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ (3)!

وَكَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ: «إِذَا كَانَ هَذَا قُوتُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ الْأَقْرَانِ، وَمُنَازَلَةِ الشُّجْعَانِ». أَلَا وَإِنَّ الشَّجَرَةَ الْبَرِّيَّةَ(4)أَصْلَبُ عُوداً، وَالرَّوَاتِعَ الْخَضِرَةَ أَرَقُ جُلُوداً (5)، وَالنَّبَاتَاتِ الْعِذْيَةَ(6)أَقْوَى وَقُودا(7)ً، وَأَبْطَاً خُمُوداً .

وَأَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ كَالضَّوْءِ مِنَ الضَّوْءِ(8)الجرثومة: الأصل. (9)، وَالذَّرَاعِ مِنَ الْعَضُدِ(10)، وَاللَّهِ لَوْ


1) تكترش من أعلافها: تملأ كرشها من العَلَف، والأعلاف: جمع علف، ما يهياً للدابة لتأكله.

2) الاعتساف: السلوك في غير طريق واضح، واعتَسف: ركب الطريق على غير قصد.

3) المتاهة: الأرض يُتاه فيها، أي يتحيّر.

4) الشجرة البريّة: التي تنبت في البرّ الذى لا ماء فیه.

5) الروائع الخضرة: الأشجار والأعشاب الغضّة الناعمة الحسنة التي تنبت في الأرض النديّة.

6) النباتات العِذْيَةَ: التي تنبت عِدياً، والعِذْي - بسكون الذال - : الزرع لا يسقيه إلّا ماء المطر، ويكون أقلّ أخذاً من الماء من النبت سقياً. ]وفي نسخة عبده: النباتات البدويّة].

7) الوقود: اشتعال النار، أي إذا وقدت بها النار تكون أقوى اشتعالاً من النباتات غير البدوية وأبطأ منها خموداً.

8) «كالضوء من الضوء» شبّه نفسَه بالضوء الثاني، وشبّه رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بالضّوء الأوّل، وشبّه منبع الأضواء سبحانه بالشمس التي توجب الضوء الأوّل ثم الضوء الأوّل يوجب الضوء الثاني. [و أثبت عبده في المتن: كالصنوِ من الصِّنو) والصنوان: النخلتان يجمعهما أصل واحد، فهو من جرثومة

9) الرسول، يكون فى حاله كما كان شديد البأس وإن كان خشن المعيشة.

10) شبّه(علیه السّلام) نفسَه بالنسبة إلى رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بالذراع الذي أصله العضد، كناية عن شدّة الامتزاج والقرب بينهما.

تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا، وَلَوْ أَمْكَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا(1)، وَسَأَجْهَدُ فِي أَنْ أُطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْ هَذَا الشَّخْصِ الْمَعْكُوسِ(2). وَالْجِسْمِ الْمَرْكُوسِ (3)، حَتَّى تَخْرُجَ الْمَدَرَةُ مِنْ بَيْنِ حَبِّ الْحَصِيدِ(4).

وَمِنْ هذا الكِتابِ، وَهُو آخرُهُ:

إِلَيْكِ عَنِّي يَا دُنْيَا(5)، فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِيكِ (6)، قد أنْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِكِ(7)، وَأَفْلَتُ مِنْ حَبَائِلِكِ (8)وَاجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ؟(9)، أَيْنَ الْقُرُونُ الَّذِينَ غَرَرْتِهِمْ بِمَدَاعِبِكِ (10)أَيْنَ الْأُمَمُ الَّذِينَ فَتَنْتِهِمْ بِزَخَارِفِكِ! فَهَا هُمْ رَهَائِنُ الْقُبُورِ .


1) غرضه أن يقرّر في نفوس أصحابه أنّه يحارب على حقّ، وأنّ حربه لأهل الشام كالجهاد أيام رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وأنّ من يجهاد الكفّار يجب عليه أن يُغلِظ عليهم.

2) جَهَدَ - كمنع - : جدّ ، والإشارة في هذا الى معاوية، سمّاء شخصاً معكوساً، والمراد انعكاس عقيدته، وأنّها ليست عقيدة هدىٌ، بل هي معاكسة للحق والصواب.

3) المركوس: من قولهم: «ارتكسَ في الضلال» والرّكس: ردّ الشيء مقلوباً، وقلبُ آخره على أوله، والمراد مقلوب الفكر.

4) المَدْرَة - بالتحريك : قطعة الطين اليابس. وحبّ النباتات المحصود كالقمح ونحوه، شبّه معاوية بالمَدَر ونحوه من مفسدات الحبّ، وشبّه الدين بالحَبّ الذي هو ثمرة الزرع، والمعنى: حتى يتطهُر وأهله منه.

5) إليكِ عني: أي ابعدي.

6) حبلُك على غاربك: أي اذهبي حيث شئت، لأنّ الناقة إذا أُلقي حبلها على غاربها فقد فسح لها أن ترعى حيث شاءت. والغارب: ما بين السَّنام والعنق.

7) انسل من مخالبها: لم يعلق به شيء من شهواتها.

8) الحبائل: جمع حبالة، وهي شبكة الصياد، وأفلت منها: خلص.

9) المداحض: المزالق والمساقط.

10) المَداعب: جمع مدعبة، من «الدعابة» وهي المزاح، والتاءات والكافات كلها بالكسر خطاباً للدنيا.

وَمَضَامِينُ اللُّحُودِ(1). وَاللَّهِ لَوْ كُنْتِ شَخْصاً مَرْئياً(2)، وَقَالَباً حِسّيّاً، لَأَقَمْتُ عَلَيْكِ حُدُودَ اللَّهِ فِي عِبَادٍ غَرَرْتِهِمْ بِالْأَمَانِي، وَأُمَمٍ أَلْقَيْتِهِمْ فِي الْمَهَاوِي (3)، وَمُلُوكٍ أَسْلَمْتِهِمْ إِلَى التَّلَفِ، وَأَوْرَدْتِهِمْ مَوَارِدَ الْبَلاءِ، إِذْ لَا وِرْدَ وَلَا صَدَرَ(4)هَيْهَاتَ ! مَنْ وَطِئَ دَحْضَكِ زَلِقَ(5)، وَمَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ غَرِقَ ، وَمَنِ أَزْوَر(6)عَنْ حَبَائِلِكِ وُفِّقَ، وَالسَّالِمُ مِنْكِ لَا يُبَالِي إِنْ ضَاقَ بِهِ مُنَاخُهُ(7)، وَالدُّنْيَا عِنْدَهُ كَيَوْمٍ حَانَ أَنْسِلَاخُهُ (8).

أَعْزُيِي عَنِّي(9)! فَوَاللَّهِ لَا أَذِلُّ فَتَسْتَذِلّينِي ، وَلَا أَسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِينِي (10)وَايْمُ اللَّهِ - يَميِناً أَسْتَقْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللهِ - لَأَرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةٌ تَهِشُ مَعَهَا إِلَى الْقُرْصِ (11)إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مَطْعُوما (12)وَتَقْنَعُ بِالْمِلْحِ مَأْدُوما؛ وَلَأَدَعَنَّ مُقْلَتِي كَعَيْنِ مَاءٍ نَضَبَ مَعِينُهَا (13)، مُسْتَفْرِغَةً دُمُوعَهَا . أَتَمْتَلِيُّ السَّائِمَةُ مِنْ رِعْيِهَا


1) مضامين اللحود: أي الذين تضمنتهم القبور.

2) أي لو كُنتِ أيتها الدنيا إنساناً محسوساً كالواحد من البَشَر لأقمتُ عليكِ الحدّ كما فعلتِ بالناس.

3) المهاوي: جمع مهوى، مكان السقوط، وهو من هوى يهوي.

4) الورد - بكسر الواو - : ورود الماء والصدر - بالتحريك - : الصدور عنه بعد الشرب.

5) مكان دَحْض - بفتح فسكون : أي زلق لا تثبت فيه الأرجل.

6) ازورُ: مال وتنكُب.

7) مُناخُهُ: أصله مبرك الإبل، من أناخ يُنيخ، والمراد به هنا: مُقامه.

8) حان: حضر. وانسلاخه: زواله، يقول: والدنيا عند من قد سَلِم منها كيوم قرب انقضاؤه وفناؤه.

9) اعزبي: ابعدي، يقال عَزب الرجل، أى بَعُد.

10) لا أسلس: أي لا أنقاد لك، سلس الرجل يسلَس، أي سهل قياده.

11) تهش إلى القرص: أي تنبسط إلى الرغيف وتفرح به من شدّة ما حرمها.

12) مطعوماً: حال من القرص، كما أن مأدوماً من الملح، أي مأدوماً به الطعام.

13) أي لأتركن مقلتي - أي عيني - وهي كعين ماءٍ نضب أي غار معينها، ومَعيِنُها ماؤها الجاري، والمعنى: أبكي حتى لا يبقى دمع.

فَتَبْرُكَ(1)؟ وَتَشْبَعُ الرَّبِيضَةُ مِنْ عُشْبِهَا فَتَرْبِضَ (2)وَيَأْكُلُ عَلِيٌّ مِنْ زَادِهِ فَيَهْجَعَ (3)قَرَّتْ إِذا عَيْنُهُ(4)إِذَا أَقْتَدَى بَعْدَ السِّنِينَ الْمُتَطَاوِلَةِ بِالْبَهِيمَةِ الْهَامِلَةِ(5)، وَالسَّائِمَةِ الْمَرْعِيَّةِ ! طُوبَى لِنَفْسٍ أَدَّتْ إِلَى رَبِّهَا فَرْضَهَا ، وَعَرَكَتْ بِجَنْبِهَا بُؤْسَهَا(6)، وَهَجَرَتْ اللَّيْلِ غُمْضَهَا(7)، حَتَّى إِذَا غَلَبَ الْكَرَى عَلَيْهَا افْتَرَشَتْ أَرْضَهَا، وَتَوَسَّدَتْ كَفَّقا (8). فِي مَعْشَرٍ أَسْهَرَ عُيُونَهُمْ خَوْفُ مَعَادِهِمْ، وَتَجَافَتْ عَنْ مَضَاجِعِهِمْ جُنُوبُهُمْ(9)، وَهَمْهَمَتْ بِذِكْرِ رَبِّهِمْ شِفَاهُهُمْ(10)، وَتَقَشَّعَتْ بِطُولِ اسْتِغْفَارِهِمْ ذُنُوبُهُمْ(11)، (أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ، أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .

فَاتَّقِ اللهَ يَأْبَنَ حُنَيْفٍ وَلْتَكْفُفْ أَقْرَاصُكَ (12)، لِيَكُونَ مِنَ النَّارِ خَلَاصُكَ .


1) السائمة: الأنعام التي تسرح، ورعيها - بكسر الراء - : الكلأ.

2) الربيضة: جماعة من الغنم أو البقر تربض فى أماكنها، والربوض للغنم كالبروك للايل.

3) يهجع: أي يسكن كما سكنت الحيوانات بعد طعامها.

4) دعاءُ على نفسه ببرود العين - أي جمودها - مِن فقد الحياة،وهو تعبیر باللازم .

5) الهامِلَة: المسترسلة المتروكة ، والهَمْل من الغنم ترعى نهاراً بلا راع.

6) البؤس: الضر، وعرك البؤس بالجنب: الصبر عليه كأنّه شوك فيسحقه بجنبه، يقال: قد عرك فلانُ بجنبه الأذى أى أغضى عنه، وصبر عليه.

7) الغُمْض - بالضم - : النوم. والكرى - بالفتح - : كذلك، أو النعاس.

8) أي لم يكن لها فراش ألا الأرض، «وتوسُدت كفّها» لم يكن لها وسادة إلّا الكف.

9) تجافت: تباعدت ونأت. ومضاجع: جمع مضجع، موضع النوم.

10) همهمت: تكلّمت كلاماً خفياً، والهمهمة: الصوت يردد في الصدر وأراد منه الأعم.

11) تقشعت ذنوبهم: زالت وذهبت كما ينقشع السحاب، وتقشّع الغمام: انجلى.

12) «ولتكفُف أقراصك»، كان الإمام يأمر الأقراص - أي الأرغفة - بالكف - أي الانقطاع - عن ابن حنيف، وإنّما هو نهيُ لابن حُنيف أن يكفُ عن الأقراص استعفاقاً، ورفع «أقراصك» على الفاعلية أبلغ من نصبها على المفعولية.

46 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

46 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إِلَى بَعْضٍ عُمّالِهِ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ مِمِّنْ أَسْتَظْهِرُ(2)بِهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ، وَأَقْمَعُ بِهِ نَخْوَةَ الْأَثِيمِ(3)، وَأَسُدُّ بِهِ لَهَاةَ (4)التَّغْرِ الْمَخُوفِ (5). فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَى مَا أَهَمَّكَ، وَاخْلِطِ الشِّدَّةَ بِضِغْتَ مِنَ اللِّينِ(6)، وَأَرْفُقْ مَا كَانَ الرِّفْقُ أَرْفَقَ، وَأَعْتَزِمْ بِالشِّدَّةِ(7)حِينَ لَا تُغْنِي عَنْكَ إِلَّا الشَّدَّةُ، وَاخْفِضْ لِلرَّعِيَّةِ جَنَاحَكَ، وَابْسُطُ لَهُمْ وَجْهَكَ، وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، وَآسِ بَيْنَهُمْ(8)فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ، وَالْإِشَارَةِ وَالتَّحِيَّةِ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ (9)، وَلَا يَبْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ، وَالسَّلاَمُ.


1) رواه الثقفي في كتاب (الغارات)، والبلاذري في (أنساب الأشراف) ص 368، والطبري في (التأريخ) حوادث سنة 38 .

2) اُستظهرُ به: أجعله كالظّهر، أي أستعين به.

3) أقمعُ: أي أكسرُ. والنخوة الكبرياء والكير، والأثيم: المخطئ المذنبُ، أي فاعل الخطايا والآثام.

4) اللهاة: قطعة اللحم مدلاة في سقف الفم على باب الحلق، قرنها بالثغر تشبيهاً له بفم الإنسان.

5) التَّغْر: مظنة طروق الأعداء في حدود الممالك، والمخوف: الذي يخشى جانبه ويرهب.

6) الضغث في الأصل: قبضة حشيش مختلط يابها بشيء من الرّطّب، والمراد: امزج الشدّة بشيء من اللين فاجعلهما كالضغث.

7) «فاعتزم بالشدّة»، أي إذا جدّ بك الجِدَ فدع اللّين، فإنّ في حال الشدّة لا تغني إلّا الشدّة.

8) آس: أي شارك وسوّ بينهم، أي واجعلهم سواء.

9) «حتى لا يطمع العظماء في حَيْفك» أي حتّى لا يطمع العظماء في أن تمالِثهم على حَیف الضعفاء، وقد تقدّم مثل هذا فيما سبق.

47 - ومن وصية له عليه السلام

اشارة

47 - ومن وصية له عليه السلام (1)

لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لَمَّا ضَرَبَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اللَّهُ

أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأَلَّا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُمَا(2)، وَلَا تَأْسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا(3)، وَقُولَا بِالْحَقِّ، وَأَعْمَلَا لِلْأَجْرِ(4)، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً ، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْناً.

أُوصِيكُمَا وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اللهِ وَنَظمِ أَمْرِكُمْ. وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - يَقُولُ: «صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ».

الله الله فِي الْأَيْتَامِ، فَلَا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ(5)، وَلَا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ.

وَالله اللهَ فِي جِيرَانِكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ، مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سيورثهُم (6).


1) رواها الأصفهاني في (مقاتل الطالبيين) ص 38، والسجستاني في كتابه (المعمرون والوصايا) ص 149 .

2) «لا تَبْغَيا الدنيا وإن بغتكُما»: لا تطلباها وإن طلبتكما.

3) وروي: «ولا تأسيا» وكلاهما بمعنى واحد ، أي لا تحزنا. وزُوِي : أي قبض ونحي عنكما.

4) روي: «واعملا للآخرة».

5) اغبَ القوم: جاءهم يوماً وترك يوماً، أي لا تجيعوهم بأن تطعموهم غِباً، صلوا أفواههم بالإطعام ولا تقطعوه عنها، وروي: «فلا تغيّروا أفواهكم» لأنّ الجائع يتغيّر فمُه.

6) يورَثهم: يجعل لهم حقاً من الميراث.

والله اللهَ فِي الْقُرْآنِ، لَا يَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ.

والله اللهَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ.

والله الله فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ، لَا تُخَلُوهُ مَا بَقِيتُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُناظَرُوا (1).

وَاللهَ اللَّهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ.

وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّبَاذُلِ (2)، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطِعَ لَا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ.

ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِالْمُطَّلِبِ، لَا أُلْفِيَنَّكُمْ(3)تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْض (4). تَقُولُونَ: «قُتِلَ أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ، قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ» أَلَا لَا تَقْتُلُنَّ بِي إِلَّا قَاتِلِي، انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هَذِهِ فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ، وَلَا تُمَتِّلُوا بِالرَّجُلِ (5)فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - يَقُولُ: «إِيَّاكُمْ وَالْمُثْلَةَ (6)وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُور »


1) لم تُناظروا - مبني للمجهول - : أي لا يُنظر إليكم بالكرامة لا من الله ولا من الناس لإهمالكم فرض دينه، أو بمعنى يتعجَّل الانتقام منكم.

2) التباذل: مداولة البذل، أي العطاء.

3) لا ألفينكم: لا أجدنّكم نفي في معنى النهي، أي لا تخوضوا دماء المسلمين بالسفك انتقاماً منهم بقتلي.

4) تخوضون دماء المسلمين: تسفكون دماءهم، أصله خوض الماء: الدخول والمشي فيه.

5) أي لا تمثّلوا به. والتمثيل: التنكيل والتعذيب، أو هو التشويه بعد القتل أو قبله بقطع الأطراف مثلاً.

6) المثّلة : الاسم من التمثيل، وهو التشوية الذي سبق شرحه .

48 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

48 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إلَى مُعاوية

فَإِنَّ الْبَغْيَ وَالزُّورَ يُوتِغَانِ (2)الْمَرْءَ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَيُبْدِيَانِ خَلَلَهُ عِنْدَ مَنْ يَعِيبُهُ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ غَيْرُ مُدْرِكٍ مَا قُضِيَ فَوَاتُهُ (3)، وَقَدْ رَامَ أَقْوَامٌ أَمْراً بِغَيْرِ اَلْحَقِّ، فَتَأَلَّوْا عَلَى اللهِ (4)فَأَكْذَبَهُمْ(5)، فَاحْذَرْ يَوْماً يُعْتَبَطُ فِيهِ مَنْ أَحْمَدَ عَاقِبَةَ عَمَلِهِ (6)، وَيَنْدَمُ مَنْ أَمْكَنَ الشَّيْطَانَ مِنْ قِيَادِهِ فَلَمْ يُجَاذِبُهُ(7)، وَقَدْ دَعَوْتَنَا إِلَى حُكْم الْقُرْآنِ وَلَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَسْنَا إِيَّاكَ أَجَبْنَا، وَلَكِنَّا أَجَيْنَا الْقُرْآنَ فِي حُكمه ، وَالسَّلَام


1) رواه نصر بن مزاحم في كتاب (صِفّين) ص 493، وابن الأعثم في (الفتوح) ج 3 ص 322 .

2) يُوتغان: يَهْلِكان الوتَغ: الهلاك. [وفي نسخة عبده يذيعان بالمرء] أي يشهرانه ويفضحانه.

3) ما قضى فواته: أي ما فات منه لا يدرك، والمراد دم عثمان والانتصار له، ومعاوية يعلم أنّه لا يدركه لانقضاء الأمر بموت عثمان.

4) أولئك الذين فتحوا الفتنة بطلب دم عثمان يريد يريد بهم أصحاب الجمل. وقوله: «فتألوا على الله»، أي حلفوا من الأليّة وهي اليمين، وروي: «تأوّلوا على الله» [كما في نسخة عبده] أي تطاولوا على أحكامه بالتأويل، وحرّفوا الكلم عن مواضعه، والأول أصح.

5) أكذبهم: حكم بكذبهم، أو أظهر للعقلاء فساد تأويلاتهم.

6) يغتبط: يفرح ويُسرّ، والغبطة السرور، أي يفرح مَن جعل عاقبة عمله محمودة بإحسان العمل، أو مَن وجد العاقبة حميدة.

7) أمكن الشيطان من قياده: أي مكّنه من زمامه ولم ينازعه.

49 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

49 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إلَى مُعَاوِيَةً أيضاً

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا مَشْغَلَةٌ عَنْ غَيْرِهَا، وَلَمْ يُصِبْ صَاحِبُهَا مِنْهَا شَيْئاً إِلَّا فَتَحَتْ لَهُ حِرْصاً عَلَيْهَا، وَلَهَجاً بِهَا(2)، وَلَنْ يَسْتَغِنيَ صَاحِبُهَا بِمَا نَالَ فِيهَا عَمَّا لَمْ يَبْلُغْهُ مِنْهَا، وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ فِرَاقُ مَا جَمَعَ وَنَقْصُ مَا أَبْرَمَ، وَلَوِ اعْتَبَرْتَ بِمَا مَضَى حَفِظَتَ مَا بَقِي(3)، وَالسَّلَامُ.

50 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

50 - ومن كتاب له عليه السلام (4)

إلى أُمَرَائِهِ عَلَى الْجُيُوشِ

مِنْ عَبْدِاللَّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَصْحَابِ الْمَسَالِحِ (5):

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ حَقّاً عَلَى الْوَالِي أَلَّا يُغَيِّرَهُ عَلَى رَعِيَّتِهِ فَضْلُ نَالَهُ، وَلَا طَوْلٌ خُصَّ


1) رواه ابن أعثم في (الفتوح) ج 3 ص 323، والدينوري في (الأخبار الطوال) ص 154 .

2) لهجاً: أي ولوعاً وشدّة حرص، تقول: قد لَهَج بالشيء - من باب طرب - إذا أُغري به فثابر عليه.

3) معنى قوله: «لو اعتبرت بما مضى حفظت ما بقي» أي لو اعتبرت بما مضى من عمر عمرك لحفظت باقيه أن تنفقه في الضَّلال وطلب الدنيا وتضيّعه.

4) رواه ابن مزاحم في كتاب (صفّين) ص 107، والطوسي في (الأمالي) ج 1 ص 221.

5) المسالح - جمع مسلحة - : أي الثغور، لأنّها مواضع السلاح، وأصلُ المَسْلَحة: قوم ذوو سلاح.

بِهِ (1)، وَأَنْ يَزِيدَهُ مَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ نِعَمِهِ دُنُوّاً مِنْ عِبَادِهِ، وَعَطَفَاً عَلَى إِخْوَانِهِ.

أَلَا وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدِي أَلَّا أَحْتَجِزَ دُونَكُمْ سِرّاً إِلَّا فِي حَرْبٍ(2)، وَلَا أَطُويَ دُونَكُمْ أَمْراً إِلَّا فِي حُكْمٍ(3)، وَلَا أُؤَخِّرَ لَكُمْ حَقًّاً عَنْ مَحَلِّهِ، وَلَا أَقِفَ بِهِ دُونَ مَقْطَعِهِ(4)، وَأَنْ تكُونُوا عِنْدِي فِي الْحَقِّ سَوَاءٌ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ وَجَبَتْ لِلهِ عَلَيْكُمُ النِّعْمَةُ وَلِي عَلَيْكُمُ الطَّاعَةُ، وَأَلَّا تَنْكِصُوا عَنْ دَعْوَةٍ(5)، وَلَا تُفَرِّطُوا فِي صَلَاحٍ، وَأَنْ تَخُوضُوا الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ(6)، فَإِنْ أَنتُمْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا لِي عَلَى ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِمَّنِ أَعْوَجَ مِنْكُمْ، ثُمَّ أَعْظِمْ لَهُ الْعُقُوبَةَ، وَلَا يَجِدُ عِنْدِي فِيهَا رُخْصَةً.

فَخُذُوا هَذَا مِنْ أُمَرَائِكُمْ، وَأَعْطُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ مَا يُصْلِحُ اللهُ بِهِ أَمْرَكُمْ(7)

أمركم.

، وَاَلسَّلَامُ.

1) الطَّوْل - بفتح الطاء - : عظيم الفضل، أي من الواجب على الوالي إذا خصّه الله بفضل أن يزيده فضله قرباً من العباد وعطفاً على الإخوان، وليس من حقّه أن يتغيّر.

2) «لا أحتجز دونكم بسرِّ» أي لا أستتر، قال: «إلّا في حرب»، وذلك لأنّ الحرب يحمد فيها طيُ الأسرار، والحرب خُدعة، وكان النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إذا أراد حرباً ورى بغيرها.

3) طواه عنه لم يجعل له نصيباً فيه، أي لا أدع مشاورتكم في أمر إلا في حكم صرّح به الشرع في حدّ من الحدود مثلاً فحكم الله النافذ دون مشورتكم، أو يريد لا أعلمكم بحكم القضاء على أحد الخَصمين قبل وقوعه.

4) دون مَقْطَعِهِ: دون الحدّ الذي قطع به أن يكون لكم.

5) لا تَنْكِصُوا عن دَعْوَة: أى لا تتأخروا ولا تتقاعسوا عن الجهاد إذا دعوتُكم إليه.

6) الغمرات: المشاقُ العظيمة والشدائد.

7) أي خذوا حقّكم من أمرائكم، وأعطوهم من أنفسكم الحق الواجب عليكم، وهو ما يصلح الله به

51 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

51 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إلى عُمَّالِهِ عَلَى الْخَرَاج مِنْ عَبْدِاللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَصْحَابِ الْخَرَاجِ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَحْذَرْ مَا هُوَ سَائِرٌ إِلَيْهِ، لَمْ يُقَدِّمْ لِنَفْسِهِ مَا يُحْرِزُهَا (2). وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا كُلَّفْتُمْ يَسِيرُ ، وَأَنَّ ثَوَابَهُ كَثِيرُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا نَهَى اللهُ عَنْهُ مِنَ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ عِقَابٌ يُخَافُ لَكَانَ فِي ثَوَابِ اجْتِنَابِهِ مَا لَا عُذْرَ فِي تَرْكِ طَلَبِهِ، فَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَأَصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ، فَإِنَّكُمْ خُزَانُ الرَّعِيَّة (3)، وَوَكَلَاءُ الْأُمَّةِ، وَسُفَرَاءُ الْأَئِمَّةِ، وَلَا تُحْشِمُوا أَحَداً عَنْ حَاجَتِهِ (4)وَلَا تَحْبِسُوهُ عَنْ طَلِبَتِهِ (5)،وَلَا تَبِيعُنَّ لِلنَّاسِ فِي الْخَرَاج كِسْوَةَ شِتَاءٍ وَلَا صَيْفٍ، وَلَا دَابَّةٌ يَعْتَمِلُونَ عَلَيْهَا، وَلَا عَبْداً، وَلَا تَضْرِبُنَّ أَحَداً سَوْطاً لِمَكانِ دِرْهَمٍ(6)، وَلَا تَمَسُّنَّ مَالَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ(7)،


1) رواه ابن مزاحم في كتاب (صفّين) ص 108 وص 132.

2) مَن لن يحذر العاقبة التي يصير إليها لم يعمل عملاً لنفسه يحفظها من سوء المصير.

3) الخُزان: جمع خازن، والخزان يخزنون أموال الرعيّة في بيت المال لتنفق في مصالحها.

4) لا تُحشموا: أى لا تغضبوا طالب حاجة فنقطعوه عن طلبها. [وأثبت عبده في المتن] ولا تَحْسِمُوا: أي لا تقطعوا.

5) الطلبة - بالكسر - : المطلوب.

6) أي لا تضطروا الناس لأن يبيعوا لأجل أداء الخراج شيئاً من كسوتهم ولا من الدواب اللازمة لأعمالهم في الزرع والحمل مثلاً، ولا تضربوهم لأجل الدراهم.

7) ولا تمسّوا مال أحد من المصلين أي المسلمين، أو المعاهدين بالمصادرة، إلّا ما كان عدّة للخارجين على الإسلام يصولون بها على أهله.

مُصَلًّ ولَا مُعَاهَدٍ(1)إِلَّا أَنْ تَجِدُوا فَرَساً أَوْ سِلاحاً يُعْدَى بِهِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ، فَيَكُونَ شَوْكَةٌ عَلَيْهِ. وَلَا تَدَّخِرُوا أَنْفُسَكُمْ نَصِيحَةٌ (2)، وَلَا الْجُنْدَ حُسْنَ سِيرَةٍ، وَلَا الرَّعِيَّةَ مَعُونَةٌ، وَلَا دِينَ اللَّهِ قُوَّةٌ، وَأَبْلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ(3)، فَإِنَّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ قَدِ اصْطَنَعَ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ أَنْ نَشْكُرَهُ بِجُهْدِنَا(4)، وَأَنْ نَنْصُرَهُ بِمَا بَلَغَتْ قُوَّتُنَا، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيم.

52 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

52 - ومن كتاب له عليه السلام (5)

إلى أُمَرَاءِ الْبِلَادِ فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ

أَمَّا بَعْدُ، فَصَلُّوا بِالنَّاسِ الظُّهْرَ حَتَّى تَفِيءَ الشَّمَسُ مِثْلَ مَرْبِضِ الْعَنْزِ(6)، وَصَلُّوا


1) المعاهد ههنا هو الذميّ الذي لا بدّ من الوفاء بعهده، أو مَن يدخل دار الإسلام من بلاد الشرك على عهد لتجارة ونحوها، ثم يعود إلى بلاده.

2) ادّخر الشيء: استبقاه لا يبذل منه لوقت الحاجة، وضمن «ادخر» هنا معنى «منع» فعداه بنفسه المفعولين، أي لا تمنعوا أنفكسم شيئاً من النصيحة بدعوى تأخيره لوقت الحاجة، بل حاسبوا أنفسكم على أعمالها كلّ وقت ومثل هذا يقال في المعطوفات.

3) أبلوا: أدوا، يقال أبليته عذراً، أديته إليه. يقول(علیه السّلام) : اصطنعوا من المعروف في سبيل الله ما استوجب عليكم

4) يقال اصطنعت عنده، أي طلبت منه أن يصنع لي شيئاً، فالله سبحانه طلب منّا أن نصنع له الشكر بطاعتنا له ورعاية حقوق عباده وفاء بحق ما له علينا من النعمة.

5) رواه الثعالبي المعاصر للشريف الرضي في (الإعجاز والإيجاز) ص 33.

6) تفيء: أي تصل في ميلها جهة الغرب إلى أن يكون لها في أي ظل - من حائط المريض على قدر طوله، وذلك حيث يكون ظل كلّ شيء مثله. ومريض العنز المكان الذي تريض فيه وتبرك.

بِهِمُ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ حَيَّةٌ فِي عِضو مِنَ النَّهَارِ حِينَ يُسَارُ فِيهَا فَرْسَخَانِ (1). وَصَلُّوا بِهِمُ الْمَغْرَبَ حِينَ يُفْطِرُ الصَّائِمُ، وَيَدْفَعُ الْحَاجُ (2)إِلَى مِنيَّ، وَصَلُّوا بِهِمْ الْعِشَاءَ حِينَ يَتَوَارَى الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَصَلُّوا بِهُم الغَدَاةَ والرَّجُلُ يَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهِ (3)، وَصَلُّوا بِهِمْ صَلَاةَ أَضْعَفِهُمْ(4)، وَلَا تَكُونوا فَتَّانِينَ(5).

53 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

53 - ومن كتاب له عليه السلام (6)

كَتَبَهُ لِلأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ لمَّا وَلَاهُ عَلى مِصْرَ وأَعْمَالِهَا حِينَ أَضْطَرَبَ أمْرُ أمِيرِها مُحَمَّدِ بْنِ أَبي بَكْرٍ، وَهُوَ أطْوَلُ عَهْدٍ كَتَبَهُ وَأَجْمَعُهُ لِلْمَحَاسِنِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ حِينَ وَلَّاهُ مِصْرَ: جِبَايَةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا، وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا.


1) أي لا تزالوا تصلّون بهم العصر من نهاية وقت الظهر ما دامت الشمس بيضاء حيّة لم تصفر، وذلك في جزء من النهار يسع السير فرسخين والضمير في «فيها» للعضو باعتبار كونه مدّة.

2) يدفع الحاجُ: يفيض من عرفات.

3) قوله: «والرجل يعرف وجه صاحبه» معناء الإسفار.

4) «وصَلُّوا بهم صلاةَ أضعفهم» أي لا تطيلوا بالقراءة الكثيرة والدعوات الطويلة، بل صلّوا مثل ما يطيقه أضعف القوم .

5) «ولا تكونوا فتّانين» أي لا تفتنوا الناس بإتعابهم، وإدخال المشقّة عليهم بإطالة الصلاة.

6) رواه النويري في (نهاية الأرب ) ج 6 ص 19، والقاضي النعمان في (دعائم الإسلام) ج 1 ص 350.

أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَإِيتَارِ طَاعَتِهِ، وَأَتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ الَّتِي لَا يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا، وَلَا يَشْقَى إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا، وَأَنْ يَنْصُرَ اللهَ سُبْحَانَهُ بِيَدِهِ وَقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ : فَإِنَّهُ، جَلَّ أَسْمُهُ، قَدْ تَكَفَّلَ بَنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ الشَّهَوَاتِ، وَيَزَعَهَا عِنْدَ (1)الْجَمَحَاتِ (2)فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةُ بِالسُّوءِ، إِلَّا مَا رَحِمَ اللهُ.

ثُمَّ أَعْلَمْ يَا مَالِكُ أَنِّي قَدْ وَجَهْتُكَ إِلَى بِلادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلُ قَبْلَكَ مِنْ عَدْلٍ وَجَوْرٍ، وَأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِي مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أَمُورِ الْوُلَاةِ قَبْلَكَ مِنْ عَدْلٍ وَجَوْرٍ، وَيَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيهِمْ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللَّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ، فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَأَمْلِكْ هَوَاكَ، وَشُحَ بِنَفْسِكَ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَكَ (3)، فَإِنَّ الشُّحَ بِالنَّفْسِ الْإِنْصَافُ مِنْهَا فِيمَا أَحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّة (4). وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطَفَ بِهِمْ، وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبْعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ : إِمَّا أَحْ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ، يَفْرُطُ (5)مِنْهُمُ


1) يَزَعَها: أي يكفّها عن مطامعها إذا جمحت عليه فلم تنقد لقائد العقل الصحيح، والشرع الصحيح .

2) الجَمحات: منازعة النّفْس إلى شهواتها ومآربها.

3) شُحَّ: أبخل بنفسك عن الوقوع في غير الحل، فليس الحرص على النفس إيفاءها كلّ ما تحب، بل من الحرص عليها أن تحمل على ما تكره إن كان ذلك في الحق، فربّ محبوب يعقب هلاكاً ومكروه يحمد عاقبة.

4) «أشعر قلبك الرحمة» أي اجعلها كالشّعار له ، وهو الثّوب الملاصق للجسد.

5) يَفْرُط: يسبق.

الزَّلَلُ(1)، وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ، وَيُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَا(2)، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِي تُحِبُّ وَتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ مِنْ عَفْوهِ وَصَفْحِهِ، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ، وَوَالِي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ، وَاللهُ فَوْقَ مَنْ وَلاكَ، وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ(3)، وَابْتَلَاكَ بِهِمْ وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللهِ(4)، فَإِنَّهُ لَا يَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ(5).

وَلَا غِنَى بِكَ عَنْ عَفُوهِ وَرَحْمَتِهِ. وَلَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوِ، وَلَا تَبَجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ(6)، وَلَا تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَةٍ(7)وَجَدْتَ عَنْهَا مَنْدُوحَةً، وَلَا تَقُولَنَّ إِنِّي مُؤَمَّرُ آمُرُ فَأُطَاعٌ(8). فَإِنَّ ذَلِكَ إِدْغَالُ(9)فِي الْقَلْبِ، وَمَنْهَكَةُ لِلدِّينِ (10)، وَتَقَرُّبُ مِنَ الْغِيَرِ (11)وَإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَائِكَ أُبْهَةٌ (12)أَوْ مَخِيلَةٌ (13)، فَأَنْظُرْ إِلَى عِظَمٍ مُلْكِ اللَّهِ فَوْقَكَ،


1) الزلل : الخطأ.

2) «ويؤتى على أيديهم» أي يهذّبون، أو تأتي السيئات على أيديهم... ، و«يؤتى» مبني للمجهول نائب فاعله «على أيديهم».

3) استكفاك: طلب منك كفاية أمرهم والقيام بتدبير مصالحهم.

4) أراد «بحرب الله» مخالفة شريعته بالظلم والجور.

5) لا يذلك بنقمته: أي ليس لك يد أن تدفع نقمته، أي لا طاقة لك بها.

6) بجح به: كفَرِحَ لفظاً ومعنى.

7) البادرة: ما يبدر من الحدّة عند الغضب في قولٍ أو فعل.

8) «ولا تقولنّ إنِّي مُؤمَر» أي لا نقل: إنّي أمير ووالٍ آمرُ بالشيء فأطاع.

9) الإدغال: الإفساد.

10) منهكة للدين: ضعف وسقم، تقول «نهكة» أي أضعفه ونهكه السلطان - من باب فهم - أي: بالغ في عقوبته.

11) الغيّر: حادثات الدهر بتبدّل الدول، والاغترار بالسلطة تقرّب منها، أي تعرّض للوقوع فيها.

12) الأبّهة: العظمة والكبرياء.

13) المَخيلة: الخيلاء والعجب.

وَقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّ ذلِكَ يُطَامِنُ (1)إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ (2)، وَيَكْثُ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ (3)، وَيَفِيءُ إِلَيْكَ بِمَا عَزَّبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ (4).

إِيَّاكَ وَمُسَامَاةَ اللهِ فِي عَظَمَتِهِ(5)وَالتَّشَبَّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ، وَيُهِينُ كُلَّ مُخْتَالٍ !

أَنْصِفِ الله (6)، وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوى مِنْ رَعِيَّتِكَ(7)، فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللهِ كَانَ اللهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ (8)حُجَّتَهُ، وَكَانَ لِلَّهِ حَرْباً (9)حَتَّى يَنْزِعَ (10)يَتُوبَ. وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللَّهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ.

وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَتُهَا فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضا الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ سُخَطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضًا الْخَاصَّةِ(11)، وَإِنَّ سُخَطَ الْخَاصَّةِ


1) يُطَامِنُ: أي يخفض منه.

2) الطماح: النشوز والجماح .

3) الغَرْب: في الأصل حدّ السيف، وهنا الحدّة.

4) يفيءُ: : أي يرجع بما بَعُدُ عنك من عَقلك، وعزب أي غاب.

5) مساماة الله تعالى: مباراته فى السموّ، وهو العلوّ.

6) أنصِف الله : أي قُم له، بما فَرَض عليك من العبادة والواجبات.

7) من لك فيه هوى: أي لك إليه ميل خاص.

8) أدحض : أبطل.

9) كان الله حرباً: أي محارباً.

10) ينزع: أي يقلع عن ظلمه .

11) يجحف أي يذهب برضا الخاصة فلا ينفع الثاني معه، أما لوسخط الخاصة ورضي العامة فلا أثر لسخط الخاصة فهو مغتفر.

يُغْتَقَرُ مَعَ رِضًا الْعَامَّةِ. وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَؤُونَةٌ فِي الرَّخَاءِ، وَأَقَلَّ مَعُونَةٌ لَهُ فِي الْبَلَاءِ، وَأَكْرَهَ لِلْإِنْصَافِ، وَأَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ(1)، وَأَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ، وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنعِ، وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ، مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ (2)وَإِنَّمَا عَمُودُ الدِّينِ، وَجِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ (3)، وَالْعُدَّةُ لِلأَعْدَاءِ الْعَامَّةُ الأُمَّةِ، فَلْيَكُنْ صِغُوكَ(4)لَهُمْ، وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ.

وَلْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ، وَأَشْنَاهُمْ عِنْدَكَ (5)، أَطْلَبُهُمْ لِمَعَايِبِ النَّاسِ(6)، فَإِنَّ فِي النَّاسِ عُيُوباً، الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا(7)، فَلَا تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ، وَاللهُ يَحْكُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْكَ، فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ يَسْتُرِ اللَّهُ مِنْكَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِن رَعِيَّتِكَ. أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ كُلِّ حِقْدٍ(8)، وَأَقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِتْرِ (9)، وَتَغَابَ (10)عَنْ كُلِّ مَا لَا يَضِحُ لَكَ (11)، وَلَا تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاعٍ، فَإِنَّ السَّاعِيَ (12)غَاقُ وَإِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ.


1) الإلحاف: الإلحاح والشدّة في السؤال.

2) من أهل الخاصة متعلّق بأثقل وما بعده من أفعال التفضيل.

3) جِماع الشيء - بالكسر - : جمعه، أي جماعة الإسلام والعامة خبر عماد وما بعده.

4) الصِّغو - بالكسر والفتح - : الميل.

5) أشنأهم عندك: أبغَضَهم إليك.

6) الأطلب للمعائب: الأشدّ طلباً لها.

7) ستر : فعل ماض صلة «من» أي أحقّ السائرين لها بالستر.

8) أطلق عقدة كلّ حقد: أي أحلل عقد الأحقاد من قلوب الناس بحسن السيرة معهم.

9) الوتر: العداوة، أي اقطع عنك أسباب الأوتار - أي العداوات - بترك الإساءة إلى الرعية.

10) تَغَابَ: تَغافَل، يُقال: تَغابى فلانّ عن كذا .

11) يَضِيح: يظهر، والماضى وَضَحَ.

12) الساعي: هو النّمّام بمعائب الناس.

وَلَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ(1)، وَيَعِدُكَ الْفَقْرَ (2)، وَلَا جَبَاناً يُضَعْفُكَ عَنِ الْأُمُورِ، وَلَا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَة(3)بِالْجَوْرِ، فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى(4)يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ.

إِنَّ شَرُّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ لِلْأَشْرَارِ وَزِيراً، وَمَنْ شَرَكَهُمْ فِي الْآثَامِ، فَلَا يَكُونُنَّ لَكَ بِطَانَةٌ(5)، فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ(6)، وَإِخْوَانُ الظُّلَمَةِ(7)، وَأَنْتَ وَاحِدٌ مِنْهُم خَيْرَ الْخَلَفِ (8)مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَادِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ(9)وَآثَامِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ، وَلَا آثماً عَلَى إِثْمِهِ؛ أُولئِكَ أَخَفٌ عَلَيْكَ مَؤُونَةٌ، وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةٌ، وَأَخْشَى عَلَيْكَ عَطفاً، وَأَقَلُّ لِغَيرِكَ إِلْفاً(10)، فَاتَّخِذْ أُولَئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ وَحَفَلَاتِكَ، ثُمَّ لِيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَكَ (11). وَأَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةٌ فِيمَا يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِهَ اللهُ لِأَوْلِيَاتِهِ، وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ (12).


1) الفضل - هنا - : الإحسان بالبذل.

2) يَعِدُك الفقر: يخوّفك من الفقر لو بذلت.

3) الشَّرَه - بالتحريك - : أشدّ الحرص.

4) غرائز: طبائع متفرقة تجتمع في سوء الظن بكرم الله وفضله.

5) بطانة الرجل: خاصته، وهو من بطانة الثوب خلاف ظهارته.

6) الأثمة: جمع آثم، فاعل الإثم أي الذنب.

7) الظلمة: جمع ظالم.

8) (((منهم)» متعلق بالخلف أو متعلق بواحد، و «من» مستعملة في المعنى الاسمي بمعنى بدل.

9) الآصار: جمع إصر، وهو الذنب والإثم، وكذلك الأوزار.

10) الإلف: الإلفة والمحبة.

11) ليكن أفضلهم لديك أكثرهم قولاً بالحق المر، ومرارة الحق: صعوبته على نفس الوالي.

12) «واقعاً» حال «مما كره الله» أي لا يساعدك على ماكره الله حال كونه نازلاً من ميلك إليه منزلة أي وإن كان من أشدّ مرغوباتك.

والْصَقَ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَالصِّدْقِ(1)، ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلَّا يُطرُوكَ (2)وَلَا يُبجِّحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ(3)، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ (4)، وَتُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ (5).

ولَا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لِأَهْل الإِحْسَانِ فِي الْإِحْسَانِ، وَتَدْرِيباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ عَلَى الْإِسَاءَةِ، وَأَلْزِمْ كُلّاً مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ(6). وَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى إِلَى حُسْنٍ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ الیهم(7)، وَتَخْفِيفِهِ الْمَؤُونَاتِ عَلَيْهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ(8). فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلاً(9)، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلَاؤُكَ عِنْدَهُ، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلَاؤُكَ عِنْدَهُ (10).

وَلَا تَنْقُض سُنَّةٌ صَالِحَةٌ عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاجْتَمَعَتْ بِهَا الْأَنْفَةُ،


1) «والصَق بأهل الورع»، كلمةٌ فصيحة ، يقول: اجعلهم خاصتك وخُلصاءك.

2) رُضُهم : أي عودهم على أن لا يطروك، أي يزيدوا في مدحك.

3) لا يبجحوك بباطل: لا يجعلوك ممن يبجَح - أي يفخر - بباطل لم يفعله.

4) الزهو: العُجب.

5) تدني: أي تقرّب من العزة، أي الكبر.

6) فإنّ المسيء ألزم نفسه استحقاق العقاب والمحسن ألزمها استحقاق الكرامة.

7) إذا أحسن الوالي إلى رعيته وثق من قلوبهم بالطاعة له، فإن الإحسان قياد الإنسان فيحسن ظنّه بهم بخلاف ما لو أساء إليهم فإنّ الإساءة تحدث العداوة في نفوسهم فينتهزون الفرصة لعصيانه فيسوء ظنّه بهم.

8) قِبْلَهُم: أي عندهم.

9) النُصب - بالتحريك - : التعب.

10) البلاء - هنا - : الصنع مطلقاً حسناً أو مسيئاً.

وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ. وَلَا تُحْدِئَنَّ سُنَّةٌ تَضُرُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ فَيَكُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا، وَالْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضتَ مِنْهَا.

وَأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ، وَمُنَاقَشَةَ الْحُكَمَاءِ، فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلَادِكَ، وَإِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتُ، لَا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ، وَلَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ: فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ، وَمِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ(1)، وَمِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ، وَمِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَالرِّفْقِ، وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَالخَرَاج مِنْ أَهْلِ الذَّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَمِنْهَا التَّجَارُ وَأَهْلُ الصَّنَاعَاتِ، وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَكُلٌّ قَدْ سَمَّى اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ (2)، وَوَضَعَ عَلَى حَدِّهِ وَفَرِيضَتِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً.

فَالْجُنُودُ بِإِذْنِ اللهِ حُصُونُ الرَّعِيَّةِ وَزَيْنُ الْوُلَاةِ، وَعِزُّ الدِّينِ، وَسُبُلُ الْأَمْنِ، وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِهِمْ ثُمَّ لَا قِوَامَ لِلْجُنُودِ لا بِمَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِي يَفْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ، وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ، وَيَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ (3)ثُمَّ لَا قِوَامَ لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إِلَّا بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضاة وَالْعُمَّالِ وَالْكِتَابِ، لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ(4)، وَيَجْمَعُونَ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَيُؤْتَمَنُونَ


1) کتاب: جمع كاتب. والكتبة منهم عاملون للعامة كالمحاسبين والمحررين في المعتاد من شؤون العامة، كالخراج والمظالم، ومنهم مختصون بالحاكم يفضي إليهم بأسراره ويوليهم النظر فيما يكتب لأوليائه وأعدائه وما يقرر في شؤون حربه وسلمه مثلاً.

2) سَهْمه: نصيبه من الحق.

3) أي يكون محيطاً بجميع حاجاتهم دافعاً لها.

4) هو وما بعده نشر على ترتيب اللف. والمعاقد: العقود في البيع والشراء وما شابهها ممّا هو من شأن القضاة. وجمع المنافع من حفظ الأمن وجباية الخراج وتصريف الناس في منافعهم العامة ذلك شأن العمال والمؤتمنون هم الكتاب.

عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصَ الْأُمُورِ وَعَوَامِّهَا. وَلَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلَّا بِالتَّجَارِ وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ، فِيمَا يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ(1)، وَيُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، وَيَكْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُقِ بِأَيْدِيهِمْ، مِمَّا لَا يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ، ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ، الَّذِينَ يَحِقُ رِفْدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ(2). وَفِي اللَّهِ لِكُلِّ سَعَةٌ، وَلِكُلِّ عَلَى الْوَالِي حَقٌّ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ، وَلَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِيَ مِنْ حَقِيقَةِ مَا أَلْزَمَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِالاهْتِمَامِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ، وَتَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلَى لُزُومِ الْحَقِّ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيمَا خَفَّ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَ. فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلإِمَامِكَ، وَأَظْهَرَهُمْ جَيْباً(3)، وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً(4)، مِمَّنْ يُبْطِقُ عَنِ الْغَضَبِ، وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ(5)وَيَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ، وَيَنْبُو عَلَى الْأَقْوِيَاءِ(6)، وَمِمَّنْ لَا يُثِيرُهُ الْعُنْفُ(7)، وَلَا يَقْعُدُ بِهِ الصَّعْفُ.


1) الضمير للتجار وذوي الصناعات، أي أنّهم قوّام لمن قبلهم بسبب المرافق أي المناخ التي يجتمعون لأجلها، ولها يقيمون الأسواق ويكفون سائر الطبقات من الترفّق - أي التكسب - بأيديهم ما لا يبلغه كسب غيرهم من سائر الطبقات.

2) رفدهم: مساعدتهم وصلتهم.

3) أطهرهم جيباً : أي عفيفاً أميناً، ويُكنّى عن العفة والأمانة بطهارة الجَيْب، لأنّ الذي يسرق يجعل المسروق فى جَيْبه وجيب القميص طوقه، [وأثبت عبده والصالح في المتن: «وأنقاهم جيباً»] يقال «نقيّ الثوب» أي طاهر الصدر والقلب.

4) الحِلم - هنا - : العقل.

5) يستريح إلى العذر: أي يقبّل أذنى عذر، ويستريح إليه.

6) يَنْبو عن الأقوباء: يتجافى ويبعد، أى لا يُمكنهم من الظلم والتعدّى على الضعفاء.

7) لا يثيره العُنف: لا يهيج غَضبَه عُنف وقسوة، ولا يَقعد به الضَعف أى ليس عاجزاً.

ثُمَّ الصَق بِذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَالْأَحْسَابِ (1)وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالسَّوابِقِ الْحَسَنَةِ، ثُمَّ أَهْلِ التَّجِدَةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَالسَّخَاءِ وَالسَّمَاحَةِ؛ فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ(2)، وَشُعَبُ مِنَ الْعُرْفِ (3). ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا، وَلَا يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ(4)، وَلَا تَحْقِرَنَّ لُطفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ (5)وَإِنْ قَلَّ: فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ.

وَلَا تَدَعْ تَفَقَّدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمْ أَنكَالاً عَلَى جَسِيمِهَا، فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَلِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ.

وَلْيَكُنْ آثَرُ رُؤُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ (6)مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ(7)مِنْ جِدَتِهِ، بِمَا يَسَعُهُمْ وَيَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ(8)، حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ


1) ثم ألصق ... : تبيين للقّبيل الذي يؤخذ منه الجند ويكون منه رؤساؤه وشرح لأوصافهم.

2) جماع من الكرم: مجموع منه.

3) العُرْف: المعروف، «وشُعَب من العُرْف»، أي هي أقسامه وأجزاؤه.

4) تفاقم الأمر: عظم، أي لا تعدّ شيئاً قوّيتهم به غاية في العظم زائداً عمٌا يستحقون، فكلّ شيء قوّيتهم به واجب عليك إتيانه وهم مستحقون لنيله.

5) أي لا تعدّ شيئاً من تلطّفك معهم حقيراً فتتركه لحقارته، بل كلّ تلطّف وإن قلٌ فله موقع من قلوبهم.

6) آثر: أي أفضل وأعلى منزله، فليكن أفضل رؤساء الجند من واسى الجند، أي ساعدهم بمعونته لهم.

7) أفضل عليهم: أي أفاض وجاد من جدته. والجِدَة - بكسر ففتح - الغنى، والمراد ما بيده من أرزاق الجند وما سلم إليه من وظائف المجاهدين لا يقتّر عليهم في الفرض ولا ينقصهم شيئاً مما فرض لهم، بل يجعل العطاء شاملاً لمن تركوهم في الديار.

8) «من خُلُوف أهليهم» ، أي ممن يخلفونه من أولادهم وأهليهم من النساء والعجزة في الحيّ.

هَمّاً وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ ، فَإِنَّ عَطْقَكَ عَلَيْهِمْ (1)يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ. (2)وَلَا تَصِحُ بحتُهُمْ إِلَّا بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وَلَاةِ أُمُورِهِمْ(3)، وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ (4)، وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ، فَأَفْسَحْ فِي آمَالِهِمْ، وَوَاصِلْ مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَتَعْدِيدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلَاءِ(5)مِنْهُمْ؛ فَإِنَّ كَثرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ، وَتُحَرِّضُ النَّاكِلَ، إِنْ شَاءَ اللهُ.

ثُمَّ أَعْرِفْ لِكُلٍّ أَمْرِيُّ مِنْهُمْ مَا أَبْلَى، وَلَا تَضمَّنَّ بَلَاءَ أَمْرِيُّ إِلَى غَيْرِهِ(6)، وَلَا تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلَائِهِ. وَلَا يَدْعُونَكَ شَرَفُ أَمْرِيُّ إِلَى أَنْ تُعَلِّمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ صَغِيراً، وَلَا ضَعَةُ أَمْرِيُّ إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً، وَارْدُدْ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ مَا يُصْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ(7)، وَيَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأُمُورِ، فَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ


1) «عليهم» أي على الرؤساء.

2) [وفي نسخة عبده والصالح]: وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْمُلَاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلادِ، وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ. وَإِنَّهُ لَا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلَّا بِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ، وَلَا تَصِحُ ...

3) حيطة - بكسر الحاء - : من مصادر حاطه بمعنى حفظه وصانه، أي بمحافظتهم على ولاة أمورهم وحرصهم على بقائهم، وأن لا يستثقلوا دولتهم ولا يستبطئوا انقطاع مدتهم، بل يعدون زمنهم قصيراً يطلبون طوله.

4) «قلة استثقال دُولهم» أي لا تصحّ نصيحة الجُند لك إلّا إذا أحبّوا أُمراءهم ثم لم يستثقلوا دولهم، ولم يتمنّوا زوالها.

5) أمره أن يذكر في المجالس والمحافل بلاء ذوي البلاء منهم؛ فإنّ ذلك مما يُرهِفَ عَزْم الشجاع ويهزّه ، أي يحركه للإقدام، ويحرّض الناكل أي المتأخر القاعد.

6) «ولا تضُمَّنَّ بلاء آمري إلى غيره» أي اذكر كلِّ من أبلى منهم مفرداً غير مضموم إلى غيره، كي لا يكون مغموراً في جَنب ذكر غيره، وبلاء امرى صنيعه الذي أبلاه.

7) « ما يُضلعك من الخطوب» المراد ما يشكل عليك ويؤودك ويُميلك لثقّله من الأمور الجسام، ضلع فلاناً: ضربه في ضلعه.

وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ» فَالرَّدُّ إِلَى اللهِ الْأَخْذُ بِمُحْكَم كِتَابِهِ(1)، وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ : الْأَخْذُ بِسُتَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ(2).

ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّكَ (3)فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ، وَلَا تَمْحَكُهُ الْخُصُومُ(4)، وَلَا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ(5)، وَلَا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ(6)، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَع(7)، وَلَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهُم دُونَ أَقْصَاهُ(8)وَأَوْتَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ(9)، وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّ ما (10)


1) محكم الكتاب: نصّه الصريح.

2) سنة الرسول كلّها جامعة ولكن رويت عنه سُنن افترقت بها الآراء، فإذا أخذت فخذ بما أجمع عليه مما لا يختلف في نسبته إليه.

3) «ثم اختر...» انتقال من الكلام في الجند إلى الكلام في القضاة.

4) تَمْحَكه الخصوم: تجعله ،ماحكاً، أي لجوجاً، مَحَك الرّجل، أي لجّج في الخصومة، [وعند عبده: لا تُمْحِكَهُ] من «أمحكه» جعله محكان، أي عسر الخلق أو أغضبه، أي لا تحمله مخاصمة الخصوم على اللجاج والاصرار على رأيه. [وعند الصالح: لا تُمَحُّكُهُ بالتشديد] .

5) الزلّة: السقطة في الخطأ. «ولا يتمادى في الزلة»، أي إن ذلُ رجع وأناب.

6) الفيء: الرجوع، ولا يحصر، أي لا يعيا في المنطق، لأنّ من الناس إذا زل حصر عن أن يرجع. وحصر: ضاق صدره، أي لا يضيق صدره من الرجوع إلى الحق.

7) لا تُشرفُ نفسه أي لا تشفق، والإشراف الإنفاق والخوف والإشراف على الشيء: الاطّلاع عليه من فوق، فالطمع من سافلات الأمور، من نظر إليه وهو في أعلى منزلة النزاهة لحقته وصمة النقيصة، فما ظنّك بمن هبط إليه وتناوله!

8) لا يكتفي في الحكم بما يبدو له بأوّل فهم، وأقربه، ولا يكون قانعاً بما يخطر له بادئ الرأي في أمر الخصوم، بل يستقصي ويبحث أشدّ البحث، ويأتي على أقصى الفهم بعد التأمّل.

9) الشبهات: ما لا يتضح الحكم فيها بالنص، فينبغي الوقوف على القضاء حتى يرد الحادثة إلى أصل صحيح.

10) النبرّم: التضجُر والملل.

بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُفِ الْأُمُورِ، وَأَصْرَمَهُمْ(1)عِنْدَ أَتَصاحِ الْحُكْمِ، مِمَّنْ لَا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءُ(2)، وَلَا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءُ(3)، وَأُولَئِكَ قَلِيلٌ ثُمَّ أَكْثَرُ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ(4)، وَأَفْسِحْ لَهُ فِي الْبَدْلِ مَا يُزِيحُ عِلَّتَهُ(5)، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ، وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ(6)، لِيَأْمَنَ بِذلِكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ. فَأَنْظُرْ فِي ذَلِكَ نَظَراً بَلِيغاً، فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ، يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى، وَتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا (7).

ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ، فَأَسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِيَاراً(8)، وَلَا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وَأَثَرَةٌ (9). فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ. وَتَوَخَّ (10)مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَالْحَيَاءِ مِنْ


1) أصرمهم : أقطعهم للخصومة وأمضاهم.

2) لا يزدهيه : لا يستخفه زيادةُ الثناء عليه، والإطراء: المدح.

3) الإغراء: التحريض.

4) تعاهده: تتبعه بالاستشكاف والتعرّف، وضمير قضائه لأفضل الرعية الموصوف بالأوصاف السابقة.

5) البذل: العطاء، أي أوسع له حتى يكون ما يأخذه كافياً لمعيشة مثله وحفظ منزلته.

6) إذا رفعت منزلته عندك هابته الخاصة كما نهابه العامة فلا يجرؤ أحد على الوشاية به عندك، خوفاً منك، وإجلالاً لمن أجللته.

7) هذه إشارة إلى قضاة عثمان وحكامه، وأنّهم لم يكونوا يقضون بالحقّ عنده، بل بالهوى لطلب الدنيا.

8) لمّا فرغ (علیه السّلام) من أثر القضاء، شرع في أمر العمّال، فأمَرَ أن يستعملهم بعد اختيارهم وتجربتهم وألّا يولّيهم محاباةً، أي اختصاصاً وميلاً منك لمعاونتهم. [و أثبت عبده والصالح في المتن: فاستعملهُمُ اختباراً] .

9) أثَرَة : أي استبداداً بلا مشورة، فإنّهما - أي المحاباة والأثرة - يجمعان الجور والخيانة.

10) توخُ: أي اطلب وتحرّ أهل التجربة...

أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالْقَدَمِ(1)فِي الْإِسْلَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلَاقاً. وَأَصَحُ أَعْرَاضاً وَأَقَلُّ فِي الْمَطَامِع إِشْرَافاً، وَأَبْلَعُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً. ثُمَّ أَسْبِعْ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ(2)، فَإِنَّ ذَلِكَ قُوَّةً لَهُمْ عَلَى أَسْتِصْلَاحِ أَنْفُسِهِمْ، وَغِنىً لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ، أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ (3). ثُمَّ تَفَقَدْ أَعْمَالَهُمْ، وَأَبْعَثِ الْعُيُونَ(4)مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لأُمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ(5)عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَمَانَةِ، وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ، وَتَحَفَظُ مِنَ الْأَعْوَانِ: فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَةٍ أَجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ (6)أكْتَفَيْتَ بِذلِكَ شَاهِداً، فَبَسَطتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ، وَأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ، ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ، وَوَسَمْتَهُ بِالْخِيَانَةِ، وَقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ.

وَتَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاج بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ(7)، فَإنَّ فِي صَلَاحِهِ وَصَلَاحِهِمْ صَلَاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ،ولا صَلَاحَ لِمَنْ سِوَاهُم إِلَّا بِهِمْ لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ.

وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَرَاج ؛ لِأَنَّ ذلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ، وَأَهْلَكَ


1) القَدَم - بالتحريك - : واحدة ،الأقدام أي الخطوة السابقة، وأهلها هم الأولون.

2) أسبغ عليه الرزق: أكمله وأوسع له فيه، فإنّ الجائع لا أمانةَ له.

3) ثلموا أمانتك : نقصوا في أدائها أو خانوا.

4) العيون: الرقباء.

5) حَدْوَة : أي سوق لهم وحثّ ، وأصله سَوْق الإبل، ويقال للشمال حدواء؛ لأنّها تسوق السحاب.

6) اجتمعت... : أي اتفقت عليها أخبار الرقباء.

7) انتقل(علیه السّلام) من ذكر العمال إلى ذكر أرباب الخراج، فقال: تفقّد أمرهم، فإن الناس عيال عليهم.

الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِيلاً، فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلا(1)أَوْ عِلَّةٌ(2)، أَو أَنْقِطَاعَ شِرْبٍ (3)و بَالَّةٍ، أَوْ إِحَالَةَ أَرْضِ أَغْتَمَرَهَا غَرَقٌ(4)، أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَسٌ(5)، خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ وَلَا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَزُونَةَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلَادِكَ، وَتَزْيِينِ وِلَايَتِكَ، مَعَ اسْتِجْلَابِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ، وَتَبَجِّحِكَ (6)بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ، مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ(7)، بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِكَ (8)لَهُمْ، وَالثَّقَةَ (9)مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ وَرِفْقِكَ بِهِمْ، فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الْأُمُورِ مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةً نْفُسُهُمْ بِهِ (10)، فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلُ مَا حَمَّلْتَهُ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا(11)، وَإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لِإِشْرَافٍ أَنْفُسِ الْوُلَاةِ عَلَى الْجَمْعِ (12)وَسُوءِ


1) «فإن شكَوْا ثِقلاً»، أي ثقل الخراج المضروب عليهم، أو ثقل وطأة العامل.

2) «أو علة» كالجراد أو البرق أو البرد.

3) انقطاع شرب: أي ماء في بلاد تسقى بالأنهار.

4) إحالة أرض: أي تحويلها البذور إلى فساد بالتعفن؛ لأنّ الفرق غمرها وأفسد زَرْعها.

5) أي أتلفها وذهب بمادّة الغذاء من الأرض فلم ينبت، فعليك عند الشكوى أن تخفّف عنهم.

6) التبجّح: السرور بما يرى من حسن عمله في العدل.

7) معتمداً فضل قوتهم: أي متخذاً زيادة قونهم عماداً لك تستند إليه عند الحاجة.

8) الإجمام: الترفيه والإراحة.

9) «الثقة» منصوب بالعطف على «فضل».

10) [أثبت عبده: «طيّبةَ أنفُسِهِم به» ونحن أثبتنا ما أثبته ابنُ أبي الحديد والصالح] وطيِبة - بكسر الطاء - : مصدر «طاب» وهو علّة لاحتملوه، أي لطيب أنفسهم باحتماله، فإنّ العمران ما دام قائماً ونامياً فكلّ ما حملت أهله سهل عليهم أن يحتملوا.

11) الإعواز: الفقر والحاجة.

12) أي لتطّلع أنفسهم إلى جمع المال ادخاراً لما بعد زمن الولاية إذا عُزلوا، ويحتمل أن يريد به أنّهم يظنّون طول البقاء وينسَون الموتَ والزوال.

ظَنّهِمْ بِالْبَقَاءِ، وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ.

ثُمَّ انْظُرُ فِي حَالِ كُتَّابِكَ(1)، فَوَلٌ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ، وَأَخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَايِدَكَ وَأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُودِ صَالِحٍ الْأَخْلَاقِ(2)، مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ (3)، فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلَافٍ لَكَ بِحَضْرَةِ مَلإٍ. وَلَا تُقَصِّرُ بِهِ الْغَفْلَةُ (4)عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمَّالِكَ عَلَيْكَ، وَإِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْكَ، وَفِيمَا يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ، وَلَا يُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ، وَلَا يَعْجِزُ عَنْ إِطْلَاقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ(5)

اجتهد في نقضه وحَلَّه.

، وَلَا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الْأُمُورِ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ. ثُمَّ لَا يَكُنْ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ (6)وَاسْتِنَامَتِكَ(7)وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ، فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلَاةِ بِتَصَنُّعِهِمْ(8)وَحُسْنِ حَدِيثِهِمْ،

1) «ثم انظر ...» انتقال من الكلام في أهل الخراج إلى الكلام في الكتاب، جمع كاتب.

2) «بأجمعهم» متعلق ب- «اخصص» أي ما يكون من رسائلك حاوياً لشيء من المكائد للأعداء وما يشبه ذلك من أسرارك فاخصصه بمن فاق غيره في جميع الأخلاق الصالحة.

3) لا تبطره: أي لا تطغيه الكرامة فيجرؤ على مخالفتك في حضور ملأ وجماعة من الناس فيضر ذلك بمنزلتك منهم.

4) لا تكون غفلته لتقصيره في اطلاعك على ما يرد من أعمالك، ولا في إصدار الأجوبة عنه على وجه الصواب، بل يكون من النباهة والحذق بحيث لا يفوته شيء من ذلك.

5) أي يكون خبيراً بطرق المعاملات، فإن عقد لك عَقّداً قوّاه وأحكمه، وإن عقد عليك عقداً

6) الفِراسة - بالكسر - : قوة الظن وحسن النظر في الأمور، نهاه أن يكون مستند اختياره هؤلاء فراستُه فيهم وميله الخاص، فإنّ التدليس ينمُ في ذلك كثيراً.

7) الاستنامة: السكون والثقة.

8) يتعرّضون للفراسات: أي يتوسلون إليها لتعرفهم ، و «بتصنّعهم»: أي بتكلّفهم إجادة الصنعة.

وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالْأَمَانَةِ شَيْءٌ، وَلَكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ، فَأَعْمِدُ لِأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً، وَأَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَةِ وَجْهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ عَلَى نَصِيحَتِكَ لِلَّهِ، وَلِمَنْ وَلَّيتَ أَمْرَهُ. وَأَجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً ، مِنْهُمْ (1)، لَا يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا، وَلَا يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرهَا، وَمَهُمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْبٍ، فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ(2).

ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالْتُجَّارِ وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ(3)، وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْراً، الْمُقِيمِ مِنْهُمْ وَالْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ(4)، وَالْمُتَرَفِّقِ بِبَدنِهِ(5)، فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِع وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ، وجُلَّابُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَالْمَطَارِح(6)، فِي بَرِّكَ وَبَحْرِكَ، وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ، وَحَيْثُ لَا يَلْتَئمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا(7)، وَلَا يَجْتَرِؤُونَ عَلَيْهَا ، فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لَا تُخَافُ بِائِقَتُهُ (8)، وَصُلْحُ لَا تُخْشَى غَائِلَتُهُ. وَتَفَقَدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ، وَفِي حَوَاشِي بِلَادِكَ(9)، وَأَعْلَمْ - مَعَ


1) أي اجعل لرئاسة كلّ دائرة من دوائر الأعمال رئيساً من الكتّاب مقتدراً على ضبطها لا يقهره عظيم تلك الاعمال ولا يخرج عن ضبطه كثيرها .

2) إذا تغابيت: أي تغافلت عن عيب في كتابك كان ذلك العيب لاصقاً بك.

3) انتقال من الكلام في الكتّاب إلى الكلام في التجّار والصنّاع. وقوله «استوصِ بالتجار خيراً» أي أوصِ نفسك بذلك، ويجوز أن يكون (استوص) أي أقبل الوصيّة منّي بهم، وأوصى بهم غيرَك.

4) المضطرب بماله: المسافر المتردد به بين البلدان والضّرب: السير في الأرض.

5) المترفّق: المكتسب.

6) المَطارح: الأماكن البعيدة.

7) «وحيثُ لا يلتئم الناسُ» لا يجتمعون، أي يجلبونها من أمكنة بحيث لا يمكن التئام الناس و اجتماعهم في مواضع تلك المرافق من تلك الأمكنة.

8) «فإنّهم ... » علّة لاستوص وأوص والبائقة الداهية والتجّار والصنّاع مسالمون لا تخشى منهم داهية العصيان.

9) حواشي البلاد: أطرافها.

ذلِكَ - أنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضيقاً فَاحِشَاً1(1)، وَشُحاً قبيحاً(2)، وَاحْتِكاراً لِلْمَنَافِعِ (3)، وَتَحَكُماً فِي الْبِيَاعَاتِ، وَذَلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ، وَعَيْبٌ عَلَى الْوُلَاةِ، فَأَمْنَعْ مِنَ الاحْتِكَارِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ . مَنَعَ مِنْهُ، وَلْيَكُنِ البَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً، بِمَوَازِينِ عَدْلٍ، وَأَسْعَارٍ لَا تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ(4)، فَمَنْ قَارَفَ حُكْرَةً بَعْدَ نَهْيِكَ إِيَّاهُ(5)فَنَكُلْ بِهِ، وَعَاقِبْهُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ.

ثُمَّ الله الله فِى الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَاحِيلَةَ لَهُمْ(6)، مِنَ الْمَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى وَالزَّمْنَى(7)، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعَا(8)وَمُعْتَراً(9).

وَاَحْفَظ اللهَ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ. وَقِسْماً مِنْ غَلَّاتِ صَوَافِي الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ(10)، فَإِنَّ لِلْأَقصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلْأَدْنَى، وَكُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ؛ فَلَا يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرُ (11)، فَإِنَّكَ لَا تُعْذَرُ


1) الضيق: عسر المعاملة.

2) الشحّ: البخل.

3) الاحتكار: حبس المطعوم ونحوه عن الناس لا يسمحون به إلّا بأثمان فاحشة.

4) المبتاع: المشتري.

5) قارَف حُكْرة: واقعها، والحُكرة: الاحتكار، أمره أن يؤدّب فاعل ذلك من غير إسراف، ولا تجاوز عن حدّ العدل فيها. ونكل به: أي أوقع به النكال والعذاب.

6) انتقل الى ذكر فقراء الرعية ومغموريها، فقال: وأهل البؤسى، وهي البؤس والبؤسى: شدّة الفقر.

7) الزمني: جمع زَمِن، وهو المصاب بالزمانة، أي العاهة، يريد أرباب العاهات المانعة لهم عن الاكتساب.

8) القائع: السائل، مِن «قنع» أي سأل وخضع وذلّ، وقد تبدّل القاف كافاً فيقال: كنع.

9) المعترَ: المتعرّض للعطاء بلا سؤال، الذي يَعرض لك ولا يسألك.

10) صوافي الإسلام جمع صافية، وهي أرض الغنيمة، وغلاتها: ثمراتها.

11) بَطَر: طغيان بالنعمة.

بِتَضْيِيعِكَ التَّافِة (1)لإِحْكامِكَ الْكَثِيرَ الْمُهِمَّ فَلَا تُشْخِصُ هَمَّكَ عَنْهُمْ(2)، وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ (3)، وَتَفَقَدْ أَمُورَ مَنْ لَا يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ، مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ (4)، وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ: فَفَرِّغْ لِأُولَئِكَ ثِقَتَكَ(5)مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَالتَّوَاضُعِ، فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ. ثُمَّ أَعْمَلْ فِيهِمْ بِالْإِعْذَارِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ يَوْمَ تَلْقَاهُ(6)فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَى الْإِنْصَافِ مِنْ غِيْرِهِمْ، وَكُلُّ فَأَعْذِرْ إِلَى اللهِ فِي تَأْدِيَةِ حَقٌّهِ إِلَيْهِ.

وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتِم(7)، وَذَوِي الرِّقَةِ فِي السِّنِّ(8)، مِمَّنْ لَا حِيَلةَ لَهُ، وَلَا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ، وَذَلِكَ عَلَى الْوُلَاةِ ثقِيلُ، وَالْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلَ: وَقَدْ يُخَفِّفُهُ اللهُ عَلَى أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَوَتِقُوا بِصِدْقٍ مَوْعُودِ اللهِ لَهُمْ، وَاجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً (9)تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَاماً فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ، وَتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ (10)مِنْ أَحْرَاسِكَ (11)


1) التافه: الحقير القليل لا تعذر بتضييعه إذا أحكمت وأتقنت الكثير المهم.

2) لا تُشخص همّك: أي لا تصرف اهتمامك عن ملاحظة شؤونهم.

3) صعّر خدّه: أماله إعجاباً وكبراً.

4) تقتحمه :العيون: تَزدريه وتحتقِرُه، وتكره أن تنظر إليه احتقاراً وازدراءً.

5) فرّغ لأولئك ثقتك: أي اجعل للبحث عنهم أشخاصاً يتفرغون لمعرفة أحوالهم يكونون ممن تثق بهم، يخافون الله ويتواضعون لعظمته، لا يأنفون من تعرّف حال الفقراء ليرفعوها إليك.

6) الإعذار إلى الله: الاجتهاد والمبالغة في تأدية حقّه والقيام بفرائضه، أي بما يقدّم لك عذراً عنده.

7) أهل البتم: الأيتام.

8) ذوو الرقة في السن: المتقدمون فيه.

9) لذوي الحاجات: أي المتظلّمين، تتفرّغ لهم فيه بشخصك للنظر في مظالمهم.

10) تُقْعِد عنهم جندك: تأمر بأن يقعد عنهم ولا يتعرّض لهم جندك.

11) الأحراس: جمع حَرَس مَنْ يحرس الحاكم من وصول المكروه.

و شرطِكَ(1)، حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتع(2)، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ (3): «لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ(4)لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقَّهُ مِنَ الْقَوِيِّ؛ غَيْرَ مُتَتَعْتِع». ثُمَّ اَحْتَمِلِ الْخُرْقَ (5)مِنْهُمْ وَالْعِيَّ(6)، وَنَحٌ (7)عَنْهُمْ الضّيق (8)وَالْأَنْفَ (9)يَبْسُطِ اللَّهُ عَلَيْكَ بِذلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ (10)، وَيُوجِبْ لَكَ ثَوَابَ

طَاعَتِهِ، وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَ هَنِيئاً (11)، وَأَمْنَعْ فِي إِجْمَالٍ وَإِعْذَارٍ.

ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِكَ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا: مِنهَا إِجَابَةُ عُمَّالِكَ بِمَا يَعْيَا عَنْهُ كتَابُكَ (12)، وَمِنْهَا إصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ عِنْدَ وُرُودِهَا عَلَيْكَ بِمَا تَحْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَائِكَ (13)وَأَمْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلَهُ؛ فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ مَا فِيهِ. وَأَجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيمَا


1) الشُّرَط - بضم ففتح - : طائفة من أعوان الحاكم، وهم المعروفون بالضابطة، واحده شُرطة - بضم فسكون .

2) غير متتعتع: غير مزعج ولا مقلق، والتعتعة في الكلام التردّد فيه من عجزٍ أو عي، والمراد غير خائف، تعبيراً باللازم.

3) في غير موطن: أي في مواطن كثيرة.

4) التقديس : التطهير ، أي لا يطهر الله أمّة....

5) الخُرق: الجهل أو العنف ضد الرفق.

6) العِيّ - بالكسر - : العجز عن النطق، أي لا تضجر من هذا ولا تغضب لذاك.

7) نَحْ: فعل أمر من نحُى ينحي، أي أبعد عنهم.

8) الضيق: ضيق الصدر بسوء الخلق.

9) الأنف - محرّكة - : الاستنكاف والاستكبار

10) أكناف الرحمة: أطرافها.

11) هنيئاً: سهلاً لا تخشنه باستكثاره والمنّ به، وإذا منعت فامنع بلطف و تقديم عذر .

12) يعيا: يعجز.

13) حرجَ يَحْرَج - من باب تعب - : ضاق، والأعوان تضيق صدورهم بتعجيل الحاجات ويحبّون المماطلة في قضائها استجلاباً للمنفعة أو إظهاراً للجبروت.

بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ، وَأَجْزَلَ تِلْكَ الْأَقْسَامِ(1)، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا لِلَّهِ إِذَا صَلَحَتْ فِيهَا النِّيَّةُ، وَسَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِيَّةُ.

وَليَكُنْ فِى خَاصَّةِ مَا تُخْلِصُ بِهِ لِلَّهِ دِينَكَ: إِقَامَةُ فَرَائِضِهِ الَّتِي هِيَ لَهُ خَاصَّةٌ(2)، فَأَعْطِ اللَّهَ مِنَ بَدَنِكَ فِي لَيْلِكَ وَنَهَارِكَ، وَوَفٌ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ مِنْ ذَلِكَ كَامِلاً غَيْرَ مَثْلُومٍ(3)وَلَا مَنْقُوصٍ، بَالِغاً مِنْ بَدَنِكَ مَا بَلَغَ(4). وَإِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ لِلنَّاسِ فَلَا تَكُونَنَّ مُنَفِّراً وَلَا مُضَيِّعاً(5)، فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ بِهِ الْعِلَّةُ، وَلَهُ الْحَاجَةُ. وَقَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - حِينَ وَجَّهَنِي إِلَى الْيَمَنِ : كَيْفَ أَصَلِّي بِهِمْ؟ فَقَالَ : صَلِّ بِهِمْ كَصَلَاةِ أَضْعَفِهِمْ، وَكُنْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً».

وَأَمَّا بَعْدَ هَذَا، فَلَا تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلَاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضّيقِ، وَقِلَّةُ عِلْمٍ بِالْأُمُورٍ؛ وَالِاحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا أَحْتَجَبُوا دُونَهُ، فَيَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ، وَيَعْظُمُ الصَّغِيرُ، وَيَقْبُحُ اَلْحَسَنُ، وَيَحْسُنُ الْقَبِيحُ، وَيُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، وَإِنَّمَا الْوَالِي بَشَرُ لَا يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ


1) أجزلها: أعظمها.

2) لما فرغ (علیه السّلام)من وصیّته بأمور رعيّته، شَرع في وصيته بأداء الفرائض.

3) كاملاً غير مثلوم: أي غير مخدوش بشيء من التقصير ولا مخروق بالرياء، يقول: لا يحملنك شُغل السلطان على أن تختصر الصلاة اختصاراً بل صلّها بفرائضها وسُننها وشعائرها في نهارك ولَيلك، وإن أتعبك ذلك ونال من بَدَنك وقوّتك.

4) «بالغاً» حال بعد الأحوال السابقة، أي وإن بلغ من إتعاب بدنك أي مبلغ.

5) أَمَرَه إذا صلّى بالناس جماعة ألّا يُطيل فينفّرهم عنها، وألا يُنقصها فيضيعها والمطلوب التوسط.

بِهِ مِنَ الْأُمُورِ، وَلَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتُ(1)تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الكَذِبِ، وَإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ: إِمَّا أَمْرُو سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ فِي الْحَقِّ، فَقِيمَ احْتِجَابُكَ (2)مِنْ وَاجِبِ حَقٌّ تُعْطِيهِ، أَوْ فِعْلٍ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ! أَوْ مُبْتَلَى بِالْمَنْعِ، فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا أَيسُوا مِنْ بَذَلِكَ (3)، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ مَا لَا مَؤُونَةَ فِيهِ عَلَيْكَ، مِنْ شَكَاة مَظْلِمَةٍ(4)، أَوْ طَلَبِ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلةٍ.

ثُمَّ إِنَّ لِلوَالِي خَاصَّةً وَبِطَانَةً فِيهِمُ اسْتِثْنَارُ وَتَطَاوُلٌ(5)، وَقِلَّةُ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ، فَأَحْسِمْ مَادَّةَ أُولئِكَ بِقَطع أَسْبَابِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ(6)، وَلَا تَفْطَعَنَّ لِأَحَدٍ مِنْ حَاشِيَتِكَ وَحَامَّتِكَ قَطِيعَةً (7)، وَلَا يَطْمَعَنَّ مِنْكَ فِي اعْتِقَادِ عُقْدَةٍ(8)تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا مِنَ


1) سمات: جمع سِمة، وهي العلامة، أي ليس للحقِّ علامات ظاهرة يتميز بها الصدق من الكذب. وإنّما يعرف ذلك بالامتحان، ولا يكون إلّا بالمحافظة.

2) فلأي سبب تحتجب عن الناس في أداء حقّهم أو في عمل تمنحه إيّاهم.

3) أيسُوا : قنطوا ويئسُوا ، والبذل: العطاء، فإن قنط الناس من قضاء مطالبهم منك أسرعوا إلى البعد عنك فلا حاجة للاحتجاب.

4) شَكاة - بالفتح - : شكاية.

5) نهاه (علیه السّلام) أن يَحمِل أقاربه وحاشيّتَه وخواصّه على رقاب الناس، وأن يمكّنهم من الاستثثار عليهم والتطاول والإذلال.

6) فاحسم: أي اقطع مادة شرورهم عن الناس بقطع أسباب تعدّيهم، وإنّما يكون بالأخذ على أيديهم ومنعهم من التصرّف في شؤون العامة.

7) الإقطاع: المنحة من الأرض، والقطيعة: الممنوح منها. والحامّة: الخاصة والقرابة، حامّة الرجل: أقاربه وبطانته.

8) الاعتقاد: الامتلاك، والعُقدة الضيعة، واعتقاد الضيعة اقتناؤها، وإذا اقتنوا ضيعة فربّما أضرّوا بمن يليها، أي يقرب منها من الناس.

النَّاسِ، فِي شِرْبٍ (1)أَوْ عَمَلٍ مُشْتَرَكٍ، يَحْمِلُونَ مَؤُونَتَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَيَكُونَ مَهْنَا (2)ذلِكَ لَهُمْ دُونَكَ، وَعَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَكُنْ فِي ذَلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً، وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وَخَوَاصْكَ حَيْثُ وَقَعَ، وَأَبْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَنْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ، فَإِنَّ مَغَبَّةَ ذَلِكَ مَحْمُودَةٌ (3).

وَإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذرِكَ(4)، وَاعْدِلْ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ (5)بِإِصْحَارِكَ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رِيَاضَةً مِنْكَ لِنَفْسِكَ(6)، وَرِفْقَاً بِرَعِيَّتِكَ، وإعْدَاراً (7)تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ .

وَلَا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوكَ لِلهِ فِيهِ رِضَيَّ، فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ (8)، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ، وَأَمْناً لِبِلادِكَ، وَلكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ(9)، فَخُذْ بِالْحَزْمِ، وَأَتَّهِمْ فِي ذَلِكَ حُسْنَ


1) الشَّرب - بالكسر - : هو النصيب في الماء.

2) مهنؤه: منفعته الهنيئة، ومصدر هناه كذا.

3) المغبة: العاقبة، ومغبة الشيء: عاقبتهُ، وإلزام الحقّ لمن لزمهم وإن ثقل على الوالي وعليهم فهو محمود العاقبة بحفظ الدولة في الدنيا ونيل السعادة في الآخرة.

4) وإن فعلت فعلاً ظنّت الرعية أنّ فيه حيفا - أي ظُلماً - فأضحِرْ لهم بعذرك: أي أبرز لهم، وبيّن عذرك فيه، يقال: أصحرتُ بكذا، أي كشفته؛ مأخوذ من الإصحار، وهو الخروج إلى الصّحراء.

5) اعدل عنك ظنونهم: نحُها.

6) رياضةُ: تعويداً لنفسك على العدل.

7) الإعذار: إقامة العذر، وتقديمه أو إبداؤه.

8) الدّعَة - محرّكة - : الراحة.

9) قارب ليتغفّل: أي يطلب غفلتك، فتقرب منك بالصلح ليلقي عليك غفلة عنه فيغدرك فيها.

الظَّنِّ. وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوٌّ لَكَ عُقْدَةً، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةٌ (1)، فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ(2)، وَأَرْعَ ذِمَّتَكَ بِالْأَمَانَةِ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةٌ دُونَ مَا أَعْطَيْتَ(3)، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ شَيْءٌ النَّاسُ(4)أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعاً، مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشَتُتِ آرَائِهِمْ، مِنْ تَعْظِيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ(5)، وَقَدْ لَزِمَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ (6)لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ (7)فَلَا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ، وَلَا تَخِيسَنَّ بِعَهْدِكَ(8)، وَلَا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ(9)، فَإِنَّهُ لَا يَجْتَرِئُ عَلَى اللهِ إِلَّا جَاهِلٌ شَقِيٌّ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً (10)أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ (11)، وَحَرِيماً يَسْكُنُونَ إِلَى


1) أصل معنى الذمة: وجدان مودع في جِبِلة الإنسان ينبهه لرعاية حقّ ذوي الحقوق عليه، ويدفعه لأداء ما يجب عليه فيها، ثم أُطلقت على معنى العهد، وجعل العهد لباساً لمشابهته له في الوقاية من الضرر.

2) حُطّ عهدك أمر من «حاطه يحوطه» بمعنى حفظه وصانه.

3) قال(علیه السّلام) : واجعل نفسك جُنّة دون ما أعطيت، أي ولو ذهبت نفسك فلا تَعْدِر، والجُنّة : الوقاية.

4) «الناس» مبتدأ « وأشدّ» خبر ، والجملة خبر ليس.

5) يعني أنّ الناس لم يجتمعوا على فريضة من فرائض الله أشدّ من اجتماعهم على تعظيم الوفاء بالعهود مع تفرّق أهوائهم وتشتت ،آرائهم، حتى أنّ المشركين التزموا الوفاء فيما بينهم فأولى أن يلتزمه المسلمون.

6) أي حال كونهم دون المسلمين في الأخلاق والعقائد.

7) استَؤبلوا: وجدوه وَبِيلاً، أي ثقيلاً، استوبلتُ البلد، أي استوْخَمته واستثقلته، ولم يوافق مِزاجَك. والمعنى: أنّهم وجدوا عواقب الغدر وبيلة أي مهلكة، و«ما» والفعل بعدها في تأويل مصدر، أي استيبالهم.

8) لا تخيسَنّ بعهدك: أى لا تَغدِرنَ، خاس فلانٌ بذمته وعهده: غَدَر ونَكَث وخان.

9) لا تختلنَ عدوك: أى لا تمكرنَ به خَتلْتُهُ أي خدعتُهُ، والختل: الخداع.

10) الأمن: الأمان.

11) أفضاه - هنا - : بمعنى أفشاه، وجعله مشتركاً بينهم لا يختصُ به فريق دون فريق، وأصل أفضَى من «فَضَا فَضُوَّاً» أي اتّسع، والسعة مجازية يراد بها الإفشاء والانتشار.

مَنَعَتِهِ (1)، وَيَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ (2)فَلَا إِدْغَالَ (3)وَلَا مُدَالَسَةً(4)وَلا خِدَاعَ فِيهِ.

وَلَا تَعْقِدْ عَقْداً تُجَوِّزُ فِيهِ الْعِلَلَ(5)، وَلَا تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنِ الْقَوْلِ بَعْدَ التَّأْكِيدِ والتَّوْثِقَةِ(6). وَلَا يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْرٍ، لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللَّهِ، إِلَى طَلَبِ أَنْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ أَلْحَقِّ، فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيقِ أَمْرٍ تَرْجُو أَنْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ، خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ، وأَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللهِ فِيهِ طِلْبَةٌ(7)لَا تَسْتَقِيلَ فِيهَا دُنْيَاكَ وَلَا آخِرَتَكَ.

إِيَّاكَ وَالدِّمَاءَ وَسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى لِنِقْمَةٍ، وَلَا أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ، وَلَا أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ، وَأَنْقِطَاعِ مُدَّةٍ، مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقَّهَا، وَاللهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِى بِالْحُكْمِ بَيْنَ الْعِبَادِ فِيمَا تَسَافَكُوا مِنَ الدِّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَلَا تُقَدِّيَنَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ، بَلْ يُزِيلُهُ وَيَنْقُلُهُ، وَلَا عُذْرَ


1) الحريم: ما حرم عليك أن تمسه والمَنعة ما تمتنع به من القوة.

2) يستفيضون إلى جواره: أي ينتشرون في طلب حاجاتهم ومآربهم، ساكنين إلى جواره.

3) لا إدغال: أى لا إفساد، والدَّغَل: الفساد.

4) لا مُدالسة: أي لا خديعة، يُقال: فُلان لا يوالس ولا يُدالس، أي لا يخادع ولا يخون، وأصل الدَلس: الظلمة، والتدليس فى البَيع: كتمانُ عيب السِّلعة عن المشتري.

5) العِلل: جمع علّة: وهي في العقد والكلام بمعني ما يصرفه عن وجهه، ويحوله إلى غير المراد، وذلك يطرأ على الكلام عند إبهامه وعدم صراحته.

6) لحن القول: ما يقبل التوجيه كالتورية والتعريض، يقول: إذا تعلل المعاقِدُ لك بهذا، وطلب شيئاً لا يوافق ما أكدته، وأخذت عليه الميثاق فلا تعوّل عليه، وكذلك لو رأيت ثقلاً من التزام العهد فلا تركن إلى لحن القول لتتملّص منه، فخذ بأصرح الوجوه لك وعليك.

7) «و أن تحيط» عطف على «تبعة»: أي وتخاف أن تتوجه عليك من الله مطالبة بحقه في الوفاء الذي غدرته، ويأخذ الطلب بجميع أطرافك، فلا يمكنك التخلص منه، ويصعب عليك أن تسأل الله أن يقيلك من هذه المطالبة بعفو عنك في دنيا أو آخرة بعد ما تجرّأت على عهده بالنقض .

لَكَ عِندَاللهِ وَلَا عِنْدِي فِي قَتْلِ الْعَمْدِ، لِأَنَّ فِيهِ قَوَدَ الْبَدَنِ(1)، وَإِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطَا، وَأَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ (2)أَوْ سَيْفُكَ أَوْ يَدُكَ بِالْعُقُوبِةِ؛ فَإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ(3)فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةً، فَلَا تَطْمَحَنَّ (4)بِكَ نَحْوَةُ سُلْطَانِكَ عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ.

وَإِيَّاكَ وَالْإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ، وَالثَّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا، وَحُبَّ الْإِطْرَاءِ (5)، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْتَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ(6)فِي نَفْسِهِ، لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ.

وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ، أَوِ التَّزَيَّدَ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ(7)أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُبعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ، فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الْإِحْسَانَ، وَالتَّزَيدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ، وَالْخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ (8)عِنْدَاللهِ وَالنَّاسِ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :


1) القَود - بالتحريك - : القصاص، وإضافته للبدن لأنّه يقع عليه، والمراد إرهابه بهذه اللفظة فإنّها أبلغ من أن يقول له: «فإنّ فيه القَوّده».

2) أفرط عليك سوطُك: عَجَلَ بما لم تكن تريده، أردت تأديباً فأعقَبَ قتلاً.

3) الوكزة: الضربة بجمع الكف، أي قبضته، وهي المعروفة باللكمة. وقوله «فإنّ في الوَكْزة» تعليل لأفرط.

4) لا تطمحنّ : أي لا يترفعن بك كبرياء السلطان عن تأدية الدية إليهم في القتل الخطأ، وقوله «لا تطمحن» جواب الشرط.

5) الإطراء: المبالغة في الثناء.

6) الفُرصة: حادث يمكّنك - لو سعيت - من الوصول لمقصدك. والعُجُب في الإنسان من أشدّ الفرص لتمكين الشيطان من قصده، وهو محق الإحسان بما يتبعه من الغرور والتعالي بالفعل على مَن وصل إليه أثره.

7) التزيد: إظهار الزيادة في الأعمال عن الواقع منها في معرض الافتخار، مثل أن يسديّ ثلاثة أجزاء من الجميل فيدّعي فى المجالس والمحافل أنّه أسَدى عشرةً، فإنّ ذلك يَذهَب بنور الحقِّ؛ لأنّ الحقّ إذا خالط الكذب أذهب نوره.

8) المَقْت: البُغض والسخط.

«كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ» ...

وإِيَّاكَ وَالْعَجَلَةَ بِالْأُمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا، أَوِ التَّسَقُطُ فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا(1)، أَوِ اللجَاجَةَ (2)فِيهَا إِذَا تَنَكَّرَتْ (3)، أَوِ الْوَهْنَ عَنْهَا إِذَا اسْتَوْضَحَتْ(4)، فَضَعْ كُلَّ مَوْضِعَهُ، وَأَوْقِعْ كُلَّ عَمَلٍ مَوْقِعَهُ.

وَإِيَّاكَ وَالاسْتِثْقَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ(5)، وَالتَّغَابِي (6)عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذُ مِنْكَ لِغَيْرِكَ، وَعَمَّا قَلِيلٍ تَنْكَشِفُ عَنْكَ أَغْطِيَةُ الْأُمُورِ، وَيُنْتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُوم . أَمْلِكُ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ (7)، وَسَوْرَةَ حَدِّكَ(8)، وَسَطوَةً يُدِكَ. وَغَرْبَ لِسَانِكَ(9)، وَأَحْتَرِسْ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ(10)، وَتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ، حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الاِخْتِيَارَ، وَلَنْ تَحْكُمَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تُكْثِرَ هُمُوَمَكَ


1) التسقّط: من قولهم «تسقط في الخبر يتسقّط» إذا أخذه قليلاً قليلاً، يريد به هنا التهاون. وفي نسخة [كما في نسخة ابن أبي الحديد] التساقط، من «ساقط الفرس عدوه» إذا جاء مسترخياً.

2) اللّجاجة: الإصرار على منازعة الأمر ليتم على عسر فيه.

3) تنكّرّت: لم يُعرف وجه الصواب فيها.

4) استوضحت، أي وَضَحتْ وانكشفت، والوَهْن فيها إهمالُها وتركُ انتهاز الفرصة فيها، والوهن في الاصل: الضعف.

5) إيّاك والاستئثار: أي احذر أن تخصّ نفسك بشيء تزيد به عن الناس وهو مما تجب فيه المساواة من الحقوق العامة، والناس فيه أسوة، أي متساوون.

6) التغابي: التغافل و «ما تُعنى به» مبني للمجهول، أي يُهتم به.

7) يقال «فلان حميّ الأنف»: إذا كان أبيّاً يأنف الضيم، أي املُك نفسك عند الغضب.

8) السَّوْرة: الجدة والحَدّ - بالفتح - : البأس.

9) الغَرْب: الحدّ ، تشبيهاً له بحدّ السيف ونحوه.

10) البادرة: ما يبدر من اللسان عند الغضب من سباب ونحوه، وإطلاق اللسان يزيد الغضب اتّقاداً والسكوت يطفئ من لهيه.

بِذِكْرِ الْمَعَادِ إِلَى رَبِّكَ.

وَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ مَا مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَكَ، مِنْ حُكُومَةٍ عَادِلَةٍ، أَوْ سُنَّةٍ فَاضِلَةٍ، أَوْ أَثَرٍ عَنْ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - أَوْ فَرِيضَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ، فَتَقْتَدِيَ بِمَا شَاهَدْتَ مِمَّا عَمِلْنَا بِهِ فِيهَا، وَتَجْتَهِدَ لِنَفْسِكَ (1)فِي اتَّبَاعِ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ فِي عَهْدِي هَذَا، وَأَسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّةِ لِنَفْسِي عَلَيْكَ، لِكَيْلَا تَكُونَ لَكَ عِلَّةٌ عِنْدَ تَسَرُّع نَفْسِكَ إِلَى هَوَاهَا.

ومن هذا العَهْدِ وهو آخِرُهُ

وَأَنَا أَسْأَلُ اللهَ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَعَظِيمٍ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَةٍ(2)، أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكَ لِمَا فِيهِ رِضَاهُ مِنْ الْإِقَامَةِ عَلَى الْعُذْرِ الْواضِحِ (3)إِلَيْهِ وَإِلَى خَلْقِهِ، مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِي الْعِبَادِ، وَجَمِيلِ الْأَثَرِ فِي الْبِلادِ، وَتَمَامِ النِّعْمَةِ، وَتَضْعِيف الْكَرَامَةِ(4)، وَأَنْ يَخْتِمَ لِي وَلَكَ بِالسَّعَادَةِ وَالشَّهَادَةِ، إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً، وَالسَّلَامُ.


1) ضمير «فيها» يعود إلى جميع ما تقدّم، أي تذكر كلّ ذلك واعمل فيه مثل ما رأيتنا نعمل، واحذر التأويل حسب الهوى.

2) «على» متعلقة بقدرة، وروي: «كلّ رَغيبة»، والرغيبةُ : ما يُرغب فيه؛ فأمّا الرغبة فمصَدرُ رَغِب في كذا .

3) معنى قوله: «من الإقامة على العُذر» أي أسأل الله أن يوفقني للإقامة على الاجتهاد وبَذل الوُسع في الطاعة، وذلك لأنّه إذا بذل جهدَه فقد أعذر، أو يريد من العذر الواضح العدلُ، فإنّه عذر لك عند من قضيت عليه، وعذر عندالله فيمن أجريت عليه عقوبة أو حرمته من منفعة.

4) تضعيف الكرامة: أي زيادة الكرامة أضعافاً.

54 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

54 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إلَى طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ مَعَ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَينِ الخُرَاعِي وَذَكَر هذا الكِتابَ أبو جَعْفَرِ الإسْكافِي فِي كِتابِ المَقامَاتِ» فِي مَناقِبٍ أَمِيرِ المؤمِنينَ(علیه السّلام)

إلَى طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ مَعَ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَينِ الخُرَاعِي(2)وَذَكَر هذا الكِتابَ أبو جَعْفَرِ الإسْكافِي(3)فِي كِتابِ المَقامَاتِ» فِي مَناقِبٍ أَمِيرِ المؤمِنينَ(علیه السّلام)

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ عَلِمْتُمَا - وَإِنْ كَتَمْتُمَا أَنِّي لَمْ أُرِدِ النَّاسَ حَتَّى أَرَادُونِي(4)، وَلَمْ أُبايِعْهُمْ حَتَّى بَايَعُونِي. وَإِنَّكُمَا مِمَّنْ أَرَادَنِي وَبَايَعَنِي(5)، وَإِنَّ الْعَامَّةَ لَمْ تُبَايِعْنِي لِسُلْطَانٍ غَالِبٍ، وَلَا لِحِرْصِ حَاضِرٍ (6)، فَإِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُمَانِي طَائِعَيْنِ فَأَرْجِعَا وَتُوبَا إِلَى اللهِ مِنْ قَرِيبٍ، وَإِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُمَانِي كَارِهَيْنِ فَقَدْ جَعَلْتُمَا لِي عَلَيْكُمَا السَّبِيلَ (7)


1) رواه - إضافة لأبي جعفر الإسكافي في (المقامات) - ابن الأعثم الكوفي في (تاريخه) ص 173، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة ج 1 ص 70.

2) عمران بنُ الحُصَين الخزاعي، أسلم هو وأبو هريرة عامَ خَيْبر، من فضلاء الصحابة وفقهائهم ،ومات بالبصرة سنة أثنتين وخمسين في أيّام معاوية.

3) أبو جعفر الإسكافيّ، من المعتزلة، كان فاضلاً عالماً ، صنّف سبعين كتاباً في علم الكلام ،ونقض كتاب «العثمانية» على الجاحظ في حياته، وكان يقول بالتفضيل على قاعدة معتزلة بغداد ، ويبالغ في ذلك، وكان عَلَوِيَّ الرأي، محققاً مُنصفاً، قليلَ العصبية.

4) أي لم أرد الولاية عليهم حتّى أرادوا هم منّي ذلك.

5) لم أمدُدْ يدي إليهم مدّ الطلب والحرص على الأمر، ولم أمدُدها إلّا بعد أن خاطَبُوني بالإمرة والخلافة.

6) «ولا لخرص حاضر» أي مال موجود فرّقته عليهم. [وفي نسخة عبده والصالح: ولا لعَرض حاضِر] والعَرض: هو المتاع، وما سوى النقدين من المال، أي ولا طمع في مال حاضر.

7) السبيل: الحجّة، أي قد جعلتُما لي على أنفسكما السَبيل بإظهاركم الطاعة، والدخول فيما دخل فيه الناس ولا اعتبار بما أسررتما من كراهية ذلك.

بِإِظْهَارِكُمَا الطَّاعَةَ وَإِسْرَارِكُمَا الْمَعْصِيَةَ. وَلَعَمْرِي مَا كُنْتُمَا بِأَحَقِّ الْمُهَاجِرِينَ بِالتَّقِيَّةِ وَالْكِثْمَانِ(1)وَإِنْ دَفْعَكُمَا هَذَا الْأَمْرَ (2)مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْخُلَا فِيهِ كَانَ أَوْسَعَ عَلَيْكُمَا مِنْ خُرُوجِكُمَا مِنْهُ بَعْدَ إِقْرَارِكُمَا بِهِ(3). وَقَدْ زَعَمْتُمَا أَنِّي قَتَلْتُ عُثْمَانَ، فَبَيْنِي وَبَيْنَكُمَا مَنْ تَخَلَّفَ عَنِّي وَعَنْكُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ يُلْزَمُ كُلُّ امْرِى بِقَدْرِ مَا احْتَمَلَ (4)فَاَرْجِعَا أَيُّهَا الشَّيخَانِ عَنْ رَأْيِكُمَا؛ فَإِنَّ الْآنَ أَعْظَمُ أَمْرِكُمَا الْعَارُ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجتَمَعَ الْعَارُ وَالنَّارُ(5)، وَالسَّلَامُ.

55 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

55 - ومن كتاب له عليه السلام (6)

إلَى مُعَاوِيَةَ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا(7)، وَأَبْتَلَى فِيهَا أَهْلَهَا،


1) أي لو كان عندي ما يكرهه المسلمون لكان المهاجرون في كراهية ذلك سواء؛ فما الذي جعلكما أحقّ المهاجرين بالكتمان والتقيّة!

2) الأمر هو الخلافة.

3) يقول: إنّ امتناعكما عن البيعة في مبدأ الأمر أجمل من دخولكما فيها ثم نكتها.

4) أي نرجع في الحكم لمن تقاعد عن نصري ونصركما من أهل المدينة، كمحمّد بن مسلمة وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر وغيرهم، فإن حكموا قبلنا حكمهم، ثم ألزمت الشريعة كلّ واحد منّا بقدر مداخلته في قتل عثمان، ولا شبهة أنّهم لو حكموا لحكموا ببراءة علي(علیه السّلام) من دم عثمان، وبأنّ طلحة كان هو الجملة والتفصيل في أمره وحصره وقتله، وكان الزبير مساعداً له في ذلك، وإن لم يكن مكاشفاً مكاشفة طلحة.

5) قوله: «من قبل أن يجتمع» متعلق بفعل محذوف، أي ارجعا من قبل....

6) رواه السيد اليماني في (الطراز) ج 2 ص 393، والآمدي في (غرر الحكم) ص 119 .

7) أي جعلها طريقاً إلى الآخرة.

لِيَعْلَمَ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، وَلَسْنَا لِلدُّنْيَا خُلِقْنَا، وَلَا بِالسَّعْي فِيهَا أُمِرْنَا(1)، وَإِنَّمَا وُضِعْنَا فِيهَا لِنُبْتَلَى بِهَا، وَقَدْ أَبْتَلَانِي اللهُ بِكَ وَابْتَلَاكَ بِي، فَجَعَلَ أَحَدَنَا حُجَّةً عَلَى الْآخَرِ، فَعَدَوْتَ عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ(2)، وَطَلَبْتَنِي بِمَا لَمْ تَجْنِ يَدِي وَلَا لِسَانِي، وَعَصَبْتَهُ أَنْتَ وَأَهْلُ الشَّامِ بِي(3)، وَأَلَّبَ عَالِمُكُمْ جَاهِلَكُمْ(4)، وَقَائِمُكُمْ قَاعِدَكُمْ فَاتَّقِ اللهَ فِي نَفْسِكَ، وَنَازِعِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ (5)، وَأَصْرِفْ إِلَى الْآخِرَةِ وَجْهَكَ، فَهِيَ طَرِيقُنَا وَطرِيقُكَ، وَأحْذَرْ أَنْ يُصِيبَكَ اللهُ مِنْهُ بِعَاجِلِ قَارِعَةٍ (6)تَمَسُّ الأصل(7)، وَتَقْطَعُ الدَّابِرَ(8)، فَإِنِّي أُولِي لَكَ بِاللَّهِ أَلِيَّةً غَيْرَ فَاجِرَةٍ(9)، لَئِنْ جَمَعَتْنِي وَإِيَّاكَ جَوَامِعُ الْأَقْدَارِ لَا أَزَالُ بِبَاحَتِكَ (10)«حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ».


1) يقول: لم نؤمر بالسعي فيها لها، بل أُمِرنا بالسعى فيها لغيرها.

2) فعدوت: أي وثبت أو تعديت وظلمت، ويريد(علیه السّلام) بقوله: «بتأويل القرآن» ما كان معاوية يموّه به على أهل الشام فيقول لهم: أنا وليّ عثمان، وقد قال الله تعالى: «وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لوليه سلطاناً» [الاسراء : (33).

3) أي أنّك وأهل الشام عصبتم - أي ربطتم - دم عثمان ،بي كما تلزم العصابة الرأس، وألزمتموني ثأره .

4) أَلَّب: حرّض قالوا بريد بالعالم أبا هريرة، وبالقائم عمرو بن العاص.

5) القِياد: حبل تقاد به الدابّة، ونازعه القياد إذا لم يسترسل معه.

6) القارعة: البلية والمصيبة.

7) تمسّ الأصل: أي تصيبه، فتقعله، ومنه ماء ممسوس، أي يقطع الغُلّة.

8) الدابر هو الآخر أو العقب والنسل، ويقال للأصل أيضاً، أي لا تبقي لك أصلاً ولا فرعاً.

9) الأليّة: اليمين، أولى أليّةً: أي أحلف بالله جلفة غير حانثة.

10) باحة الدار: وَسَطها، وكذلك ساحَتُها، ورُوي بناحيتك.

56 - ومن كلام له عليه السلام

اشارة

56 - ومن كلام له عليه السلام (1)

وَصَّى بِهِ شُرَيْحَ بْنَ هَانِي لَمَّا جَعَلَهُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ إِلَى الشَّام

وَصَّى بِهِ شُرَيْحَ بْنَ هَانِي(2)لَمَّا جَعَلَهُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ إِلَى الشَّام

اتَّقِ اللهَ فِي كُلِّ مَسَاءٍ وَصَبَاحٍ، وَخَفْ عَلَى نَفْسِكَ الدُّنْيَا الْغَرُورَ، وَلَا تَأْمَنْهَا عَلَى حَالٍ. وَأَعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَرْدَعْ نَفْسَكَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا تُحِبُّ مَخَافَةَ مَكْرُوهِهِ، سَمَتْ بِكَ الْأَهْوَاءُ (3)إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَرِ، فَكُنْ لِنَفْسِكَ مَانِعاً رَادِعاً (4)، وَلِنَزَوَاتِكَ (5)عِنْدَ الْحَفِيظَةِ (6)وَاقِماً قَامِعاً(7).

57 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

57 - ومن كتاب له عليه السلام (8)

إلى أَهْلِ الكُوفَةِ عِنْدَ مَسِيرِهِ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى البَصْرَةِ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي خَرَجْتُ عَنْ حَيّي هَذَا(9): إِمَّا ظَالِماً وَإِمَّا مَظْلُوماً، وَإِمَّا بَاغِياً وَإِمَّا


1) رواها ابن مزاحم في كتاب (صِفّين) ص 121 .

2) شُريح بن هانئ يكنى أبا المِقْدام من أجلة أصحاب عليّ(علیه السّلام) ، شَهِد معه المشاهد كلَّها، وعاش حتى قُتِل بسجستان في زمن الحجّاج، وشُرَيح جاهليّ إسلاميّ.

3) سمت: أي ارتفعت والأهواء جمع هوى، وهو الميل مع الشهوة حيث مالت.

4) الرادع: الكاف المانع.

5) النزوات: الوَثبات، من «نزا ينزو نزْواً» أي وَثَب.

6) الحفيظة: الغضب .

7) الواقم: فاعلُ من «وقَمْتُه» أي رددتُه أقبحَ الردّ وقهرتُه وقمعه: ردّه وكسره.

8) رواه الطبري في (تاريخه) ج 6 ص 173 في حوادث سنه 36.

9) الحي: موطن القبيلة ومنزلها.

مَبْغِيّاً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَذَكِّرُ اللهَ مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا لَمَّا نَفَرَ إِلَيَّ(1)، فَإِنْ كُنْتُ مُحْسِناً أَعَانَنِي، وَإِنْ كُنْتُ مُسِيئاً أسْتَعْتَبَي(2).

58 - ومن كتاب له عليه السلام

كَتَبَهُ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ يقصُّ فيه مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيَنَ أَهْلِ صِفَينَ

وَكَانَ بَدْهُ أَمْرِنَا أَنَّا الْتَقَيْنَا بِالْقَوْمِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ رَبَّنَا وَاحِدٌ(3). وَنَبِيَّنَا وَاحِدٌ وَدَعْوَتَنَا فِي الْإِسْلَامِ وَاحِدَةٌ، لَا نَسْتَزِيدُهُمْ فِي الْإِيمَانِ بِاللَّهِ (4)وَالتَّصْدِيقِ بِرَسُولِهِ وَلَا يَسْتَزِيدُونَنَا، اَلْأَمْرُ وَاحِدٌ(5)إِلَّا مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ، وَنَحْنُ مِنْهُ بَرَاءٌ ! فَقُلْنَا : تَعَالَوْا نُدَاوِي مَا لَا يُدْرَكَ الْيَومَ بِإِطْفَاءِ النَّائِرَةِ(6)، وَتَسْكِينِ الْعَامَّةِ، حَتَّى يَشْتَدَّ الْأَمْرُ وَيَسْتَجْمِعَ، فَتَقْوَى عَلَى وَضْعِ الْحَقِّ فِي مَوَاضِعِهِ(7)،


1) «من بلغه» مفعول «أُذَكَّر» وقوله: «لما نفر إليّ» إن كانت مشدّدة فلمّا بمعنى إلّا، وإن كانت مخفّفة فهي زائدة واللام للتأكيد.

2) استعتبني: طلب مني العتبى، أي الرضا، أي طلب منّي أن أرضيه بالخروج عن إساءتي وما أحسنَ هذا التقسيم وما أبلَغه فى عطف القلوب عليه، واستمالة النفوس إليه!

3) والظاهر ... : الواو للحال، أي كان التقاؤنا فى حال يظهر فيها أننا متحدون في العقيدة لا اختلاف بيننا إلّا في دم عثمان.

4) لا نستزيدهم: أي لا نطلب منهم زيادة في الإيمان لأنّهم كانوا مؤمنين.

5) قوله: «والأمر واحد» جملة مستأنفة لبيان الاتحاد في كلّ شيء إلّا دم عثمان.

6) النائرة : اسم فاعل من «نارت الفتنة تنور» إذا انتشرت والنائرة أيضاً العداوة والشحناء.

7) في نسخة عبده والصالح: وضع الحقِّ مَوَاضِعَهُ.

فَقَالُوا: «بَلْ نُدَاوِيهِ بِالْمُكَابَرَةِ(1)! » فَأَبَوْا حَتَّى جَنَحَتِ (2)الْحَرْبُ وَرَكَدَتْ (3)،وَوَقَدَتْ نِيرَانُهَا (4)وَحَمِشَتْ (5)فَلَمَّا ضَرَّسَتْنَا وَإِيَّاهُمْ(6)، وَوَضَعَتْ مَخَالِبَهَا فِينَا وَفِيهِمْ، أَجَابُوا عِنْدَ ذلِكَ إِلَى الَّذِي دَعَوْنَاهُمْ إِلَيْهِ، فَأَجَبْنَاهُمْ إِلَى مَا دَعَوْا، وَسَارَعْنَاهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا (7)، حَتَّى اسْتَبَانَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ، وَأَنْقَطَعَتْ مِنْهُمُ الْمَعْذِرَة فَمَنْ تَمَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ الَّذِي أَنْقَذَهُ اللهُ مِنَ الْهَلَكَةِ، وَمَنْ لَجٌ وَتَمَادَى فَهُوَ الرَّاكِسُ (8)الَّذِي رَانَ (9)اللهُ عَلَى قَلْبِهِ، وَصَارَتْ دَائِرَةُ (10)السَّوْءِ عَلَى رَأْسِهِ.


1) المكابرة: المعاندة، أي دعاهم للصلح حتى يسكن الاضطراب ثم يوفيهم طلبهم فأبوا إلا الإصرار على دعواهم.

2) جنحت: أقبلت، ومنهُ: قد جَنَح الليلُ أي أقبل، أو جنحت الحرب: بمعنى مالت، أي مال رجالُها لا يقادها.

3) رَكَدت: دامت و ثَبَتت واستقرّت.

4) وَقَدتْ نيرانُها: أي التهبت واتّقدت.

5) حَمِشت: أي استعرت وشَبّت، ومن رواها «حَمَست» (كما أثبته عبده في المتن | أراد اشتدّت وصَلُبت.

6) ضَرَستنا: أي عضُتنا بأضراسها، ويقال: ضَرَسهم الدهر، أي اشتدّ عليهم.

7) قوله: «وسارعنا إلى ما طلبوا كلمةٌ فصيحة، وهى تَعدِية الفعل اللّازم، كأنّما لمّا كانت فى معنى المُسابقَة ، والمسابقة متعدّية عدّى المُسارعةَ.

8) قال قومٌ: الراكس - هنا - : المَرْكوس، وعندي أنّه يعني أنّ مَنْ لج فقد رَكَس نفسه، فهو الراكس وهو المَرْكوس. والراكس: الناكث الذي قلب عهده ونكثه، والراكس أيضاً: الثور الذي يكون في وسط البيدر حين يداس والثيران حواليه، وهو يرتكس: أي يدور مكانه.

9) رانَ: غَلَب وغطّى.

10) الدائرة - هنا - : الهزيمة، والدوائر: الدُّوَل، والدوائر أيضاً: الدواهي.

59 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

59 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إِلَى الأَسْوَدِ بْنِ قُطْبَةَ صَاحِبٍ جُنْدِ حُلْوَانَ

إِلَى الأَسْوَدِ بْنِ قُطْبَةَ(2)صَاحِبٍ جُنْدِ حُلْوَانَ(3)

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْوَالِيَ إِذَا اخْتَلَفَ هَوَاهُ(4)مَنَعَهُ ذَلِكَ كَثِيراً مِنَ الْعَدْلِ، فَلْيَكُنْ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَكَ فِي الْحَقِّ سَوَاءٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَوْرِ عِوَضُ مِنَ الْعَدْلِ، فَاجْتَنِبْ مَا تُنْكِرُ أَمْثَالَهُ(5)، وَأَبْتَذِلْ نَفْسَكَ فِيمَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكَ، رَاجِياً ثَوَابَهُ وَمُتَخَوِّفاً عِقَابَهُ.

وَأَعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلِيَّةٍ لَمْ يَفْرُغْ صَاحِبُهَا فِيهَا قَطُّ سَاعَةً إِلَّا كَانَتْ فَرْغَتُهُ (6)عَلَيْهِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَنْ يُغْنِيكَ عَنِ الْحَقِّ شَيْءٌ أَبَداً، وَمِنَ الْحَقِّ عَلَيْكَ حِفْظُ نَفْسِكَ، وَالاِحْتِسَابُ عَلَى الرَّعِيَّةِ بِجُهْدِكَ (7)، فَإِنَّ الَّذِي يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ


1) نقله السيد اليماني في (الطراز) ج 1 ص 170 .

2) الأسود بن قُطبة: لم أقف على نَسَبه، والذي يغلب على ظنّي أنّه الأسود بنُ زيد بن قُطبة الأنصاري، يقال: إنّه ممن شَهِد بَدْراً.

3) حُلْوَان: إيالة من إيالات فارس.

4) اختلاف الهوى: جريانه مع الأغراض النفسية حيث تذهب، ووحدة الهوى: توجّهه إلى أمر واحد، وهو تنفيذ الشريعة العادلة على مَنْ يصيب حكمها.

5) أي ما لا تستحسن مثله لو صدر من غيرك.

6) الفَرْغَة: وهى المرّة المرّة الواحدة من الفَرَاغ، ومراده (علیه السّلام) ههنا: الفَراغُ من عمل الآخرة خاصة، والفراغ الذي يعقب حسرة يوم القيامة: هو خلّو الوقت من عمل يرجع بالنفع على الأمة، فعلى الإنسان أن يكون عاملاً دائماً فيما ينفع أمته، ويصلح رعيته، إن كان راعياً.

7) الاحتساب على الرعية: مراقبة أعماله، وتقويم ما اعوجُ منها وإصلاح ما فسد، والأجر الذي يصل إليه العامل من الله، والكرامة التي ينالها من الخليفة هما أفضل وأعظم من الصلاح الذي يصل إلى الرعية بسببه، أو معناه: إنّ الذي يصل إليك من ثواب الاحتساب على الرعية، وحفظ نفسك من مَظالمِهم، أفضل من الذي يصل بك من حراسة دمائهم وأعراضهم وأموالهم، لأنّ النفع الدائم أفضلُ من المنقطِع.

أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يَصِلُ بِكَ، وَالسَّلَامُ.

60 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

60 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إلَى العُمّال الَّذِينَ يَطَأُ الجيش عَمَلَهُمْ

إلَى العُمّال الَّذِينَ يَطَأُ الجيش عَمَلَهُمْ (2)

مِنْ عَبْدِاللهِ عَلِيٌّ أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ مَرَّ بِهِ الْجَيْشُ مِنْ جُبَاةِ الْخَرَاجِ (3)وَعُمَّالِ الْبَلَادِ :

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ سَيَّرْتُ جُنُوداً هِيَ مَارَّةٌ بِكُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَقَدْ أَوْصَيْتُهُمْ بِمَا يَجِبُ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ مِنْ كَفِّ الْأَذَى، وَصَرْفِ الشَّذَى(4)، وَأَنَا أَبْرَأُ إِلَيْكُم وَإِلَى ذِمَّتِكُمْ(5)مِنْ مَعْرَّةِ الْجَيْشِ (6)إِلَّا مِنْ جَوْعَةِ الْمُضْطَرِّ (7)لَا يَجِدُ عَنْهَا مَذْهَباً إِلَى شِبَعِهِ، فَنَكَّلُوا مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُمْ ظُلْماً عَنْ ظُلْمِهِمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَ سُفَهَائِكُمْ عَنْ مُضَادَّتِهِمْ، وَالتَّعَرُّضِ لَهُمْ فِيمَا أَسْتَثْنَيْنَاهُ مِنْهُمْ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِ الْجَيْشِ، فَارْفَعُوا إِلَيَّ


1) روى مثل هذا الكتاب ابن مزاحم في كتابه (صفّين) ص 125 مع زيادة واختلاف في بعض الفقرات.

2) يَطأُ الجيشُ عملَهُم أي يمرّ بأراضيهم.

3) جُباة الخَراج: الذين يجمَعونه، جَبيتُ الماء في الحوض، أي جمعتُه.

4) الشَّذى: الضرب والشّرّ، تقول: لقد أشذَيتُ وأَذَيتُ.

5) وإلى ذمّتكم: أي إلى اليهود والنصارى الذين بينكم.

6) مَعَرّة الجيش: أذاه ومَضَرّته، والإمام يتبرأ منها لأنّها من غير رضاه.

7) جوعة: الواحدة من مصدر جاع، يستثني حالة الجوع المهلك فإنّ للجيش فيها حقاً أن يتناول سدُّ رمَقِه؛ لأنّ المضطرُ تباح له الميتة فضلاً عن غيرها.

مَظَالِمَكُمْ، وَمَا عَرَاكُمْ مِمَّا يَغْلِبُكُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ وَلَا تُطِيقُونَ دَفْعَهُ إِلَّا بِاللهِ وَبِي، فَأَنَا أَغَيْرُهُ بِمَعُونَةِ اللهِ، إِنْ شَاءَ الله.

61 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

61 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إلى كُمَيْلِ بْنِ زِيَادِ النَّخَعِي ، وَهُوَ عَامِلهُ عَلَى هِيْتَ، يُنْكِرُ عَلَيْهِ تَرْكَهُ دَفْعَ مَنْ يَجْتَازُ بِهِ مِنْ جَيشِ العَدوّ طالباً للغارَةِ

إلى كُمَيْلِ بْنِ زِيَادِ النَّخَعِي(2)، وَهُوَ عَامِلهُ عَلَى هِيْتَ، يُنْكِرُ عَلَيْهِ تَرْكَهُ دَفْعَ مَنْ يَجْتَازُ بِهِ مِنْ جَيشِ العَدوّ طالباً للغارَةِ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ تَضْيِيعَ الْمَرْءِ مَا وُلِّي، وَتَكَلَّفَهُ مَا كُفِي، لَعَجْزُ حَاضِرٌ(3)، وَرَأَيُّ مُتَّبرُ (4)وَإِنَّ تَعَاطِيَكَ الْغَارَةَ عَلَى أَهْلِ قَرْقِيسِيَا (5)، وَتَعْطِيلَكَ مَصَالِحَكَ (6)الَّتِي وَلَّيْنَاكَ - لَيْسَ بِهَا مَنْ يَمْنَعُهَا، وَلَا يَرُدُّ الْجَيْسَ عَنْهَا لَرَأَيِّ شَعَاعٌ(7)، فَقَدْ صِرْتَ


1) رواه البلاذري في كتاب (أنساب الأشراف) ص 473، بأخصر من رواية الرضيّ.

2) كُمَيل بن زياد النَخَعي، كان من أصحاب عليّ(علیه السّلام) وشيعتهِ وخاصّتِه، وقتله الحجاج على المَذهب فيمن قَتَل من الشيعة.

3) تضييع الإنسان الشأن الذي تولّى حفظه، وتجشّمه الأمر الذي لم يطلب منه، وكفاه الغير ثقله، عجزٌ عن القيام بما تولّاه، وكان كميل بن زياد تمرُ عليه سرايا معاوية تنهَبُ أطراف العِراق ولا يردّها، ويحاول أن يجبُرَ ضعفَه بالإغارة على أطراف أعمال معاوية مثل فَرْقيسيا، فأنكر(علیه السّلام) ذلك من فِعله.

4) المتَبَّر: الهالك، من «تبره تنبيراً» إذا أهلكه، أي هالكُ صاحبه.

5) قرقيسيا: بلد على الفرات.

6) المسالح: جمعُ مَسلّحة، وهي المواضع التي يقام فيها طائفةٌ من الجند لحمايتها.

7) رأيٌ شَعاع - بالفتح - : أي متفرُق، أمّا الرأي المجتمع على صلاح فهو تقوية المسالح، ومنع العدوّ من دخول البلاد.

جِسْراً (1)لِمَنْ أَرَادَ الْغَارَةَ مِنْ أَعْدَائِكَ عَلَى أَوْلِيَائِكَ، غَيْرَ شَدِيدِ الْمَنْكِبِ (2)، وَلَا مَهِيبِ الْجَانِبِ، وَلَا سَاةٌ ثُغْرَةً(3)، وَلَا كَاسِرٍ لِعَدُوِّ شَوْكَةً، وَلَا مُغْنٍ عَنْ أَهْلِ مِصْرِهِ(4)، وَلَا مُجْرٍ عَنْ أَمِيرِهِ(5).

62 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

62 - ومن كتاب له عليه السلام (6)

إِلَى أَهْلِ مِصْرَ مَعَ مَالِكِ الأَشْتَرِ رَحِمَهُ اللهُ لَمّا وَلَاهُ إمَارَتَهَا

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَمُهَيْمِناً عَلَى الْمُرْسَلِينَ(7). فَلَمَّا مَضَى عَلَيْهِ السَّلَامُ تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ. فَوَاللَّهِ مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي (8)الخُلد: البال والنَّفْس ومنه يقال: لم يَدُر في خلَدِي كذا. (9)وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِي أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ


1) «قد صرتَ جِسْراً»، أي يَعبُر عليك العدوّ كما يعبر الناس على الجُسور، وكما أنّ الجِسر لا يَمنَع من يَعبُر به ويمرّ عليه فكذاك أنت.

2) المنكِب: مجتمع الكتِف والعَضُد، وشدته كناية عن القوة والمنعة.

3) الثَّغْرَة: الثُلْمة والفرجة يدخل منها العدوّ.

4) أغنى عنه: ناب منابه، وقائد المسالح ينبغي أن ينوب عن أهل المصر في كفايتهم غارة عدوّهم.

5) مُجْز: كافٍ ومُغْنِ؛ والأصل «مجزئ» بالهمز ،فخفّف، وأجزى عنه: قام مقامه وكفى عنه.

6) رواه ابن هلال الثقفي في كتاب (الغارات)، وابن قتيبة في (الإمامة والسياسة ) ج 1 ص 154 .

7) المُهيمن: الشاهد، والنبي شاهد برسالة المرسلين الأوّلين.

8) الرُّوع: الخلّد

9) ، أو القلب، أو موضع الرَّوع منه - بفتح الراء - أي الفزع، أي ما كان يقذف في قلبي هذا الخاطر، وهو أن العرب تزعج - أي تنقل - هذا الأمر - أي الخلافة - عن آل بيت النبي عموماً، ولا أنّهم ينحُونه - أي يبعدونه - عنّي خصوصاً.

هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَا أَنَّهُمْ مُنَحو عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ! فَمَا رَاعَنِي إِلَّا أَنْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلانٍ (1)یُبَایِعُونَهُ، فَأَمْسَكْتُ يَدِي (2)حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ (3)النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ، يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دِينِ(4)مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ تَلْماً(5)أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَا يَتِكُمْ، الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ، وَكَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ، فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ(6)وَزَهَقَ(7)، وَأَطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَة(8).


1) قال: «فما راعني إلّا انثيال الناس» تقول للشيء يفجّوك بغتَةً: ما راعني إلّا كذا، والرَّوع - بالفتح - : الفَزَع، كأنّه يقول: ما أفزعني شيءٌ إلّا ما وقع من انثيال الناس - أي انصبابهم من كلّ وجه كما ينثال التراب - على أبي بكر.

2) فأمسكتُ يدي: أي امتنعتُ عن بيعته، أو كففتها عن العمل وتركت الناس وشأنهم.

3) راجعة الناس: يعني أهل الردّة كمسيلمة وسَجَاح، أو الراجعين من الناس قد رجعوا عن دين محمد بارتكابهم خلاف ما أمر الله، وإهمالهم حدوده، وعدولهم عن شريعته يريد بهم عمّال عثمان وولاته على البلاد.

4) محقُ الدِّين: إبطاله ومحوه وإزالته.

5) ثَلْماً: أي خرقاً، ولو لم ينصر الإسلام بإزالة أولئك الولاة، وكشف بدعهم، لكانت المصيبة على أميرالمؤمنين بالعقاب على التفريط أعظم من حرمانه الولاية في الأمصار، فالولاية يتمتع بها أيّاماً قلائل ثمّ تزول كما يزول السراب، فنهض الإمام بين تلك البدع فبددها.

6) زاح الباطلُ: ذَهَبَ.

7) زَهَقَ: خَرَج وزال أو خرجت روحه ومات، مجاز عن الزوال التام.

8) تنهنَه: سكن، وأصله الكفّ، تقول: نهنهت السبعَ فَتَنَهنَّه، أي كَفّ عن حركته وإقدامه، فكأنّ الدّين كان متحرّكاً مضطرباً منزعجاً من تصرّف هؤلاء نازعاً إلى الزوال فكفّه أميرالمؤمنين ومنعه فاطمأن وثبت وكفّ عن ذلك الاضطراب.

وَمِنْ هَذَا الْكِتَابِ: إِنِّي وَاللهِ لَوْ لَقِيتُهُمْ وَاحِداً وَهُمْ طِلاعُ الْأَرْضِ كُلِّهَا (1)مَا بَالَيْتُ وَلَا اسْتَوحَشْتُ، وَإِنِّي مِنْ ضَلَالِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَالْهُدَى الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ لَعَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ نَفْسِي، وَيَقِينِ مِنْ رَبِّي وَإِنِّي إِلَى لِقَاءِ اللهِ لَمُشْتَاقُ، وَلِحُسْنِ ثَوَابِهِ لَمُنْتَظِرُ رَاجِ، وَلَكِنَّنِي آسَى (2)أَنْ يَلِي هَذِهِ الْأُمَّةَ سُفَهَاؤُهَا وَفُجَّارُهَا، فَيَتَّخِذُوا مَالَ اللهِ دُولاً (3)، وَعِبَادَهُ خَوَلاً(4)، وَالصَّالِحِينَ حَرْباً (5)، وَالْفَاسِقِينَ حِزْباً، فَإِنَّ مِنْهُمُ الَّذِي شَرِبَ فِيكُمُ الْحَرَامَ(6)، وَجُلِدَ حَداً فِي الإِسْلَام. وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى رُضِخَتْ لَهُ عَلَى الإِسْلَامِ الرَّضَائِحُ (7). فَلَوْلَا ذَلِكَ مَا أَكْثَرْتُ تَأْلِيبَكُمْ(8)وَتَأنیِبَكُمْ وَجَمْعَكُمْ وَتَحْرِيضَكُمْ، وَلَتَرَكْتُكُمْ إِذْ أَبَيْتُمْ وَوَنَيْتُمْ(9).

أَلَا تَرَوْنَ إِلَى أَطْرَافِكُمْ(10)قَدِ انْتَقَصَتْ، وَإِلَى أَمْصَارِكُمْ قَدِ افْتُحَتْ، وَإِلَى


1) وهم طلاع: حال من مفعول لقيتهم، والطلاع : ملء الشيء، طلاع الأرض ملؤُها، أي لو كنت واحداً وهم يملأون الأرض للقيتهم غير مبال بهم.

2) آسىَ: أحزّن، مضارع أسِيت عليه، أي حزنت، أي أنّه يحزن لأن يتولّى أمر الأمّة سفهاؤها.

3) الدُّوَل: جمع دُولّة، أي شيئاً يتداولونه بينهم بتصرّفون فيه بغير حقّ الله.

4) الخَوّل: العبيد.

5) حَرْباً: أي محاربين.

6) شَرِبُ الحرام: يريد الخمر والذي شَرِب الحرام، وجُلِد في حدُ الإسلام هو الوليدُ بن عُقبة بن أبي مُعيط، وقالوا: عتبة بن أبي سفيان حدّه خالد بن عبدالله في الطائف.

7) رُضِخَتْ له: أُعْطِيَتْ له، والرّضائخ جمع ،رضيخة وهي شيء قليل، يُعطّاه الإنسان يُصانع به عن شيء يُطلب منه كالأجر، والذي رُضخت له على الإسلام الرضائخ، فمعاوية، لأنّه من المؤلّفة قلوبُهم الذين رَغِبوا في الإسلام والطاعة بجمال وشاء دُفِعَتْ إليهم.

8) تألييكم: تحريضكم وتحويل قلوبكم عنهم، والتأنيب: أشدّ اللّوم.

9) وَنَيْتم: ضَعُفْتم وفَتَرْتُم، وأبطأتم عن إجابتي.

10) أطراف البلاد: جوانبها، وانتقصت: حصل فيها النقص باستيلاء العدوّ عليها.

مَمَالِكِكُمْ (1)تُزْوَى ، وَإِلَى بِلَادِكُمْ تُغْرَى! أَنْفِرُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - إِلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ، ، وَلَا تَثَّاقَلُوا إِلَى الْأَرْضِ فَتَفِرُّوا بِالْخَسْفِ(2)، وَتَبُولُوا بِالذُّلِّ(3)وَيَكُونَ نَصِيبُكُمُ الْأَخَسَّ ، وَإِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الْأَرِقُ(4)، وَمَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ، وَالسَّلَامُ .

63 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

63 - ومن كتاب له عليه السلام (5)

إلى أبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى الكوفة، وَقَدْ بَلَغَهُ عَنْهُ تثبيطُهُ النَّاسَ عَنِ الْخُرُوج إِلَيْهِ لَمَّا نَدَبَهُمْ لِحَرْب أَصْحَابِ الْجَمَلِ
اشارة

إلى أبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى الكوفة، وَقَدْ بَلَغَهُ عَنْهُ تثبيطُهُ(6)النَّاسَ عَنِ الْخُرُوج إِلَيْهِ لَمَّا نَدَبَهُمْ لِحَرْب أَصْحَابِ الْجَمَلِ

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِاللهِ بْنِ قَيْسٍ :

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ قَوْلٌ هُوَ لَكَ وَعَلَيْكَ(7)، فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ رَسُولِي فَأَرْفَعْ ذَيْلَكَ(8)، وَاشْدُدْ مِئزَرَكَ، وَأَخْرُجْ مِنْ جُحْرِكَ(9)، وَانْدُبْ مَنْ


1) وممالككم تُزوّى، أي تُقبّض، تزوى مبني للمجهول من «زواه» إذا قبضه عنه.

2) تُقِرّوا بالخسف: تعترفوا بالضُيم وتَصبروا له.

3) تبُوؤا بالذلّ: ترجعوا به.

4) الأرق: الساهر الذي لا ينام، وصاحبُ الحرب لا ينام، والذي ينام لا ينام الناس عنه.

5) رواه الطوسي في (أماليه) ص 43.

6) التثبيط : الترغيب في القعود والتخلّف.

7) المراد بقوله: «قول هوَ لك وعليك» أنّ أبا موسى كان يقول لأهل الكوفة: «إن علياً إمامُ هُدىً، وبَيعته صحيحة، إلّا أنّه لا يجوز القِتال معه لأهل القِبلة»، وهذا القولُ بعضُه حقّ، وبعضه باطل.

8) فارفَع ذَيلك: أي شمّر للنُهوض معي واللّحاق بي، لنشهَد حربُ أهل البصرة، وكذلك قوله: «واشدد مِئزوك» وكلتاهما كنايتان عن الجدّ والتشمير في الأمر.

9) اخرج من جُحْرك: أمرٌ له بالخروج من منزلهِ للّحاق به کنّی به عن مقرّه، استهانة به.

مَعَكَ (1)، فَإِنْ حَقَّقْتَ فَأَنْفُذ (2)، وَإِنْ تَفَضَّلْتَ فَأَبْعُدْ (3)! وَايْمُ اللهِ لَتُؤْتَيَنَّ مِنْ حَيْثُ أَنْتَ ، وَلَا تُتْرَكُ حَتَّى يُخْلَطَ زُبْدُكَ بِخَاثِرِكَ(4)، وَذَائِبُكَ بِجَامِدِكَ، وَحَتَّى تُعْجَلَ عَنْ قِعْدَتِكَ (5)، وَتَحْذَرَ مِنْ أَمَامِكَ، كَحَذَرِكَ مِنْ خَلْقِكَ(6)، وَمَا هِيَ بِالْهُوَيْنَى(7)الَّتِي تَرْجُو، وَلَكِنَّهَا الدَّاهِيَةُ الْكُبْرَى، يُرْكَبُ جَمَلْهَا ، وَيُذَلُّ صَعْبُهَا، وَيُسَهَّلُ جَبَلُهَا.

فَأَعْقِلْ عَقْلَكَ(8)، وَأَهْلِكَ أَمْرَكَ، وَخُذْ نَصِيبَكَ وَحَظَّكَ ، فَإِنْ كَرِهْتَ فَتَنَحَ إِلَى غَيْرِ رَحْبٍ (9)، وَلَا فِي نَجَاةٍ، فَبِالْحَرِي (10)لَتُكْفَيَنَّ وَأَنْتَ نَائِمُ(11)، حَتَّى لَا يُقَالُ : أَيْنَ فَلَانُ ؟ وَاللهِ إِنَّه لَحَقُّ مَعَ مُحقِّ (12)وَمَا يُبَالِي مَا صَنَعَ الْمُلْحِدُونَ، وَالسَّلَام.


1) اندُب من معك: أي واندُب رعيّتك من أهل الكوفة إلى الخروج معى واللّحاق بي.

2) إن حَقّقت: أي أخذت بالحق والعزيمة وحقّقتَ لزومُ طاعتي لك فانفذ، أي سرّ حتى تَقدم عليّ.

3) وإن تفشّلت: أي جبنت فابعد عنّا، أو إن أقمتَ على الشكّ فاعتزلِ العَمل، فقد عزلتُكَ.

4) الخاثِر: اللبن الغليظ، والزُّبد: خلاصة اللين وصَفْوَته، فإذا أثخنت الإنسانَ ضَرْباً كنت كأنّك خلطت ما رَقّ من أخلاطه بما غَلُظَ منها. والكلام تمثيل لاختلاط الأمر عليه من الحيرة، وأصل المثل «لا يدري أيخثر أم يذيب». قالوا: إنّ المرأة تسلا السمن فيختلط خاثره برقيقه فتقع في حيرة، إن أوقدت النار حتى يصفو احترق، وإن تركته بقي كَدِراً.

5) القِعدة:هيئة القعود وأعجله عن الأمر حال دون إدراكه، أي يحال بينك وبين جلستك في الولاية.

6) يحيط الخوف بك حتى تخشاه من أمام كما تخشاه من خلف .

7) الهُوَيْنى: تصغير «الهونى» مؤنث أهْوَن» أي ليست هذه الداهية التي أذكُرها لك بالشيء الهيّن الذي ترجو اندفاعه وسهولته.

8) اعقِل عقلك: قيّده بالعزيمة، ولا تدعه يذهب مذاهب التردّد من الخوف.

9) فتنحُ عن العمل فقد عزلتُك، وابعُد عنّا لا في رحبٍ، أي لا في سَعَة، وهذا ضدّ قولهم مَرْحباً.

10) بالحريّ: أي بالوجه الجدير بنا أن نفعله.

11) لَتُكفين - بلام التأكيد ونونه - أي إنا لنكفيك القتال وتظفر فيه وأنت نائم حامل لا اسم لك ولا يُسأل عنك.

12) أي إنّي في حرب هؤلاء لَعَلَى حقّ، وإن مَنْ أطاعني مع إمام مُحِقّ، وهذا إشارةٌ إلى قول النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «اللهمّ أدِر الحقّ معه حيثما دارَ».

64 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

64 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إِلَى مُعَاوِيَةَ جَوابِاً عَنْ كِتَابِهِ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْأُلْفَةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَفَرَّقَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَمْسِ أَنَّا آمَنَّا وَكَفَرْتُمْ(2)، وَالْيَوْمَ أَنَّا أَسْتَقَمْنَا وَفُتِنْتُمْ، وَمَا أَسْلَمَ مُسْلِمُكُمْ إِلَّا كَرْهَا(3)، وَبَعْدَ أَنْ كَانَ أَنْفُ الْإِسْلَامِ (4)كُلُّهُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ حِزْباً.

وَذَكَرْتَ أَنِّي قَتَلْتُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، وَشَرَّدْتُ (5)بِعَائِشَةَ، وَنَزَلْتُ بَيْنَ المِصْرَيْنِ(6)، وَذَلِكَ أَمْرٌ غِبْتَ عَنْهُ فَلَا عَلَيْكَ، وَلَا الْعُذْرُ فِيهِ إِلَيْكَ (7).

وَذَكَرْتَ أَنَّكَ زَائِرِي فِي جَمْعِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ يَوْمَ


1) رواه ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) ج 1 ص 70 مختصراً، والطبرسي في (الاحتجاج) ج 1 ص 263.

2) قال : العمري إنّا كنّا بَيْتاً واحداً في الجاهلية، لأنّا بنو عبد مناف، إلّا أنّ الفرقة بيننا وبينكم حصلت منذ بعث اللهُ محمّداً(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فإنّا آمنا وكفرتُم، ثمّ تأكدت الفُرقة اليومَ بأنّا استقمنا على منهاج الحقّ وفُتِنتم.

3) كرهاً: أي من غير رغبة، فإنّ أبا سفيان إنّما أسلم قبل فتح مكّة بليلة، خوف القتل، وخشية من جيش النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) البالغ عشرة آلاف ونيفاً.

4) أنف الإسلام: كناية عن أشراف العرب الذين دخلوا فيه قبل الفتح، أو في أوّل الإسلام، يقال: كان ذلك في أنف دولة بني فلان، أي في أوّلها، وأنف كلّ شيء أوّله وطَرَفه.

5) شرْدَ به: سمّع الناس بعيوبه ، أو طرده وفرّق أمره.

6) المِصْرَانِ: الكوفة والبصرة.

7) أي هذا أمرٌ غبتَ عنه، فليس عليك كان العدوان الذي تَزْعُم، ولا العذرُ إليك لو وجب عليّ العذرُ عنه.

أُسِرَ أَخُوكَ(1)، فَإِنْ كَانَ فِيكَ عَجَلٌ فَاسْتَرْفِه(2)، فَإِنِّي إِنْ أَزُرْكَ فَذَلِكَ جَدِيرٌ أَنْ يَكُونَ اللهُ إِنَّمَا بَعَثَنِي إِلَيْكَ لِلنِّقْمَةِ مِنْكَ(3)، وَإِنْ تَزُرْنِي فَكَمَا قَالَ أَخو بَنِي أَسَدٍ:

مُسْتَقْبِلِينَ رِيَاحَ الصَّيْفِ تَضْرِبُهُمْ*** بحَاصِبٍ(4)بَيْنَ أَغْوَارٍ (5)وَجُلْمُودِ (6)

وَعِنْدِي السَّيْفُ الَّذِي أَعْضَضْتُهُ بِجَدِّكَ(7)وَخَالِكَ وَأَخِيكَ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ.

فَإِنَّكَ وَاللهِ مَا عَلِمْتُ (8)الْأَغْلَفُ الْقَلْبِ(9)، الْمُقَارِبُ الْعَقْل (10)وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَكَ : ، إِنَّكَ رَقِيتَ سُلَّماً أَطْلَعَكَ مَطْلَعَ سُوءٍ عَلَيْكَ لَا لَكَ، لأَنَّكَ نَشَدْتَ غَيْرَ ضَالَّتِكَ (11)،


1) يقول(علیه السّلام) : ليس معك مهاجر لأنّ أكثرَ مَنْ معك ممَن رأى رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) هم أبناء الطُّلَقَاء، ومن أسلم بعد الفَتح، وقد قال النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «لا هجرة بعد الفتح». وأخوه يزيد بن أبي سُفيان أُسِرَ يوم الفَتح، أمّا أخوه عمرو بن أبي سفيان فقد أسر يوم بدر.

2) فاسترفة: فعل أمر، أي استرخ وكن ذا رَفاهية، ولا تستعجل.

3) أي إن غَزَوتك في بلادكِ فخليق أن يكون الله بعثني للانتقام منك، وإن زُرْتَني - أي إِنْ غَزَوتني -في بلادي كنتم كما قال أخو بني أسد...

4) ريحٌ حاصب: تُحمل الحضباء ، وهى صغارُ الحَصَى.

5) الأغْوَار : جمع غَور، وهو ما سَفُل من الأرض. وإذا كانت الريح الحاصب بين أغوار، وكانت مع ذلك ريح صَيف كانت أعظمَ مشقّة.

6) الجُلْمود - بالضم -: الصخر.

7) أعضضته: أي أعضّضت رؤوس أهلك به وجدُّهُ عُتبة بن ربيعة، وخاله الوليدُ بن عتبة، وأخوه حنظلة قتلهم عليّ(علیه السّلام) يوم بدر.

8) «ما» خبر إنَّ، أي أنت الذي أعرفه.

9) الأغلف القلب: الذي لا بصيرة له، كأنّ قلبه في غلافٍ، لا يدرك، ولا تنفذ إليه المعاني. والأغلف خبر بعد خبر.

10) مُقارب العقل: ناقصُهُ ضعيفهُ، ليس عَقله بجيد، كأنّه يكاد أن يكون عاقلاً وليس به.

11) الضالة: ما فقدته من مالٍ ونحوه، ونشد الضالة: طلبها ليردها، مثل يضرب لطالب غير حقّه.

وَرَعَيْتَ غَيْرَ سَائِمَتِكَ(1)، وَطَلَبْتَ أَمْراً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَلَا فِي مَعْدِنِهِ، فَمَا أَبْعَدَ قَوْلَكَ مِنْ فِعْلِكَ! وَقَرِيبٌ مَا أَشْبَهْتَ (2)مِنْ أَعْمَامِ وَأَخْوَالٍ! حَمَلَتْهُمُ الشَّقَاوَةُ وَتَمَنِّي الْبَاطِلِ عَلَى الْجُحُودِ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَصْرِعُوا مَصَارِعَهُمْ(3)حَيْثُ عَلِمْتَ، لَمْ يَدْفَعُوا عَظِيماً، وَلَمْ يَمْنَعُوا حَرِيماً، بِوقْعِ سُيُوفٍ مَا خَلَا مِنْهَا الْوَغَى (4)، وَلَمْ تُمَاشِهَا الْهُوَيْنِى (5).

وَقَدْ أَكْثَرْتَ فِي قَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ (6)، ثُمّ حَاكِمِ الْقَوْمَ إِلَيَّ، أَحْمِلْكَ وَإِيَّاهُمْ عَلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى؛ وَأَمَّا تِلْكَ الَّتِي تُرِيدُ(7)فَإِنَّهَا خُدْعَةٌ الصَّبِيِّ عَنِ اللَّبَنِ في أَوَّلِ الْفِصَالِ(8)، وَالسَّلَامُ لِأَهْلِهِ.

65 - ومن كتاب له عليه السلام

إِلَيْهِ أَيْضاً

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِاللَّمْحِ الْبَاصِرِ مِنْ عِيَانِ الْأُمُور(9)، فَلَقَدْ سَلَكْتَ


1) السائِمَة: الماشية من الحيوان.

2) «ما» في قوله: «وقريب ما أشبهت» مصدرية، أي وقريب شبهك بأعمام وأخوال.

3) أي سقطوا قتلى في مطارحهم حيث تعلم، أي في بدر وحنين وغيرهما من المواطن.

4) الوغى: الحرب، أي لم تزل تلك السيوف تلمع في الحروب ما خلت منها.

5) أي لم تصحبها ولم ترافقها المُسَاهَلَة، يصفها بالسرعة والمضيّ فى الرؤوس والأعناق.

6) وهو البيعة.

7) من إيقائك والباً في الشام وتسليمك قتلة عثمان.

8) الخُدْعَة - مثلُثة الخاء . : ما تصرف به الصبي عن اللبن وطلبه في أوّل فطامه، وما تصرف به عدوّك عن قصدك به في الحروب ونحوها.

9) يقال: لأريناك لمحاً باصراً أي أمراً واضحاً، أي ظهر الحق فلك أن تنتفع بوضوحه من مشاهدة الأُمور ومعاينتها.

مَدَارِجَ أَسْلَافِكَ بِادْعَائِكَ الْأَبَاطِيلَ(1)، وَاقْتِحَامِكَ غُرُورَ الْمَيْنِ (2)وَالْأَكَاذِيبٍ، بِانْتِحَالِكَ (3)مَا قَدْ عَلَا (4)عَنْكَ، وَابْتِزَازِكَ لِمَا قَدِ اخْتُزِنَ دُونَكَ (5)فِرَاراً مِنَ الْحَقِّ ، وَجُعُوداً لِمَا هُوَ أَلْزَمُ لَكَ مِنْ لَحْمِكَ وَدَمِكَ (6)مِمَّا قَدْ وَعَاهُ سَمْعُكَ، وَمُلِئَ بِهِ صَدْرُكَ، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ الْمُبِينُ، وَبَعْدَ الْبَيَانِ إِلَّا اللَّبْسُ(7)؟ فَأَحْذَرِ الشُّبْهَةَ وَاشْتِمَالَهَا عَلَى لُبْسَتِهَا (8)، فَإِنَّ الْفِتْنَةَ طَالَمَا أَغْدَفَتْ جَلَابِيبَهَا(9)، وَأَعْشَتِ الْأَبْصَارَ ظُلْمَتُهَا (10).

وَقَدْ أَتَانِي كِتَابٌ مِنْكَ ذُو أَفَانِينَ مِنَ الْقَوْلِ (11)ضَعُفَتْ قُوَاهَا عَنِ


1) الأباطيل: جمع باطل على غير قياس، كأنّهم جَمَعوا إبطيلاً.

2) الاقتحام: إلقاءُ النّفس في الأمر من غير رَويّة والمَيْن: الكذب.

3) انتحالك: ادعاؤك لنفسك ما هو أرفع من مقامك انتحلت القصيدة: أي ادّعيتها كَذِباً.

4) ما قَدْ عَلا عنك: ما هو أرفع من مقامك، أي أنت دونَ الخلافة، ولست مِن أهلها.

5) ابتزازك، أي سلبك أمراً اختزن، أي مُنِعَ دون الوصول إليك، وهو التسمّي بإمرة المؤمنين، أو هو أمر الطلب بدم عثمان والاستبداد بولاية الشام فإنّهما من حقوق الإمام لا من حقوق معاوية.

6) المراد بالذي هو ألزم له من لحمه ودمه البيعة بالخلافة لأميرالمؤمنين.

7) اللَّبس : مصدر «لبس عليه الأمر يُلبس» أي خلطه.

8) اللُّبسة - بالضم - : الإشكال، يقال: في الأمر لَبسة، أي اشتباه وليس بواضح.

9) أغدقت المرأة قناعها: أرسلته على وجهها، وأغدُف الليلُ، أي أرخّى سُدولّه، أي أعْطِيتُهُ من الظلام، وأصل الكلمة التغطِيّة. والجلابيب: جمع جلباب، وهو الثوب الأعلى يغطي ما تحته، أي طالما أسدلت الفتنة أغطية الباطل فأخفت الحقيقة.

10) أعشت الأبصار: أى أكسبتها العَشي، وهو ظلمة العين، فأضعفتها ومنعتها النفوذ إلى المرئيات الحقيقية. وروي «وأغشت الأبصار ظلمَتها» [كما في نسخة الصالح] أي جعلت الفتنةُ ظُلمتها غِشاء للأبصار.

11) الأفانين: الأساليب المختلفة، أفانين القول: ضروبه وطرائفه.

السَّلْمِ(1)، وَأَسَاطِيرَ (2)لَمْ يَحُكْهَا (3)عَنْكَ عِلْمٌ وَلَا حِلْمُ(4)أَصْبَحْتَ مِنْهَا كَالْخَائِضِ فِي الدِّهَاسِ(5)، وَالْخَابِطِ (6)فِي الدِّيمَاسِ(7)، وَتَرَقَّيْتَ إِلَى مَرْقَبَةٍ بَعِيدَةِ الْمَرَامِ (8)، نَازِحَةِ الأَعْلَامِ(9)تَقْصُرُ دُونَهَا الْأَنُوقُ (10)، وَيُحَاذَى بِهَا الْعَيُّوقُ(11)، وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ تَلِيَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِي صَدَراً أَوْ وِرْداً(12)، أَوْ أُجْرِيَ لَكَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ عَقْداً أَوْ


1) عن السَّلم: أي عن الإسلام، أي لا تصدر تلك الأفانين المختلطة عن مُسْلِم. وكان كتب إليه يَطلُب منه أن يفرده بالشام، وأن يولِّيه العهد من بعده، [وفي نسخة عبده والصالح: السِّلم - بكسر السين -] وهو ضد الحرب. ومعنى «ضَعُفت قواها» أي ليس لتلك الطلبات التي تضمّنها كتابُك من القوة ما يقتضي أن يكون المتمسّك به .مسلماً.

2) الأساطير: الأباطيل، واحدها أسطُورة، بمعنى الخرافة لا يعرف لها منشأ.

3) حاكه يحوكه: نسجه، وحَوْلُ الكلام: صَنْعتُه ونَظْمُه، ونسيج الكلام، تأليفه.

4) الحِلم - بالكسر - : العقل، يقول له: ما صدر هذا الكلام والهجر الفاسد عن عالم ولا عاقل.

5) الدِّهاس - بالكسر - جمع دَهْس، والدَّهاس - بالفتح - مُفرَد، يقول: هذا دَهْس ودَهاس، للأرض الرِخوة والمكان السّهل الذي لا يَبلُغ أن يكون رملاً، وليس هو بتراب وطين، يعسر فيه السير.

6) خبط في سيره: لم يهتد الطريق.

7) الدِّيماس - بالكسر - : المكان المُظلِم تحتَ الأرض، وكان للحجّاج سِجنُ اسمه الدِّيماس لظُلمته، وأصله من دَمَس الظلام يَدمُس أي اشتدّ، وليلّ دامِسٌ ودامُوس: أي مظلم.

8) المَرْقبة: مكان الارتقاب، وهو العلو والإشراف، أي رفعت نفسك إلى منزلة بعيدٍ عنك مطلبها. وهي دعوى الخِلافة.

9) نازحة: بعيدة. والأعلام : جمع عَلَم ما يُهتَدى به فى الطّرقات من المَنار، أي خفية المسالك.

10) الأنوق: طائر أصلع الرأس أصفر المنقار، وفي المثل: «أعزّ من بَيْضِ الأنوق»؛ لأنّها تُحرزه ولا يكاد أحدٌ يظفُر به، وذلك لأنّ أوكارها في رؤوس الجبال والأماكن الصعبة البعيدة، ولهذا الطائر خصال عدّها صاحب القاموس.

11) العَيّوق: نجم أحمر مضيء في طرف المجرة الأيمن يتلو الثريا لا يتقدّمها. وهذه أمثال ضرّبها في بُعدِ معاوية عن الخلافة.

12) الصَّدّر: الرجوع بعد الشرب والورد: الإشراف على الماء.

عَهْداً! فَمِنَ الْآنَ فَتَدَارَكَ نَفْسَكَ وَانْظُرْ لَهَا، فَإِنَّكَ إِنْ فَرَّطْتَ حَتَّى يَنْهَدَ إِلَيْكَ عِبَادُ اللهِ(1)أُرْتِجَتْ (2)عَلَيْكَ الْأُمُورُ، وَمُنِعْتَ أَمْراً(3)هُوَ مِنْكَ الْيَوْمَ مَقْبُولٌ ، وَالسَّلَامُ.

66 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

66 - ومن كتاب له عليه السلام (4)

كَتَبَهُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُهُ بِخِلَافِ هَذِهِ الْرُوايَةِ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَفْرَحُ بِالشَّيْءِ لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ(5)، وَيَحْزَنُ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، فَلَا يَكُنْ أَفْضَلَ مَا يُلْتَ فِي نَفْسِكَ مِنْ دُنْيَاكَ بُلُوغ لَذَّةٍ أَوْ شِفَاءٌ غَيْظِ، وَلَكِنْ إِطْفَاءُ بَاطِلٍ، وَإِحْيَاءُ حَقٌّ، وَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا قَدَّمْتَ، وَأَسَفُكَ عَلَى مَا خَلَّفْتَ، وَهَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ.


1) ينهد: ينهض عباد الله الحربك.

2) أُرتجَتْ: أُغلِقت، أرتّحَ الباب كرتجه: أي أغلقه.

3) ذلك الأمر هو حقن دمه بإظهار الطاعة.

4) رواه ابن عساکر في (تاريخ دمشق) في أحوال علي(علیه السّلام) .

5) إذا وصل إليك شيء مما كُتِبَ لك في علم الله فلا تفرح به إن كان لذّة أو شفاء غيظ، بل عدّ ذلك في عداد الحرمان، وإنّما تفرح بما كان إحياء حقّ وإبطال باطل، وعليك الأسف والحزن بما خلّفت - أي تركت - من أعمال الخير، والفرح بما قدمت منها لآخرتك.

67 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

67 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

كَتَبَهُ إِلَى قُثَمِ بْنِ العَبَّاسِ، وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى مَكَّةَ

أَمَّا بَعْدُ، فَأَقِمْ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ(2)، وَأجْلِسْ لَهُمْ الْعَصْرَيْنِ (3)، فَأَنْتِ الْمُسْتَفْتِي، وَعَلَّمٍ الْجَاهِلَ، وَذَاكِرِ الْعَالِمَ، وَلَا يَكُنْ لَكَ إِلَى النَّاسِ سَفِيرُ إِلَّا لِسَانَكَ ، وَلَا حَاجِبُ إِلَّا وَجْهَكَ. وَلَا تَحْجُبَنَّ ذَا حَاجَةٍ عَنْ لِقَائِكَ بِهَا، فَإِنَّهَا(4)إِنْ ذِيدَتْ عَنْ أَبْوَابِكَ فِي أَوَّلِ وِرْدِهَا(5)لَمْ تُحْمَدْ فِيمَا بَعْدُ عَلَى قَضَائِهَا.

وَأَنْظُرْ إِلَى مَا أَجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ اللهِ فَاصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قِبَلَكَ (6)مِنْ ذَوِي الْعِيَالِ وَالْمَجَاعَةِ، مُصِيباً(7)بِهِ مَوَاضِعَ الْمَفَاقِرِ (8)وَالْخَلَّاتِ(9)، وَمَا فَضَلَ عَنْ ذَلِكَ


1) رواه القطب الراوندي في كتاب (فقه القرآن) بصورة تدلّ على أنّه لم ينقله عن (نهج البلاغة).

2) أيّام الله: وهي أيّام الإنعام، وأيّام الانتقام، التي عاقب فيها الماضين على سوء أعمالهم.

3) العَصْرَان: الغَداة والعشيّ، على سبيل التغليب.

4) فإنّها - أي الحاجة - إن ذِيدت أي طُردت ودُفعت ومُنِعَت - مبنيّ للمجهول - من «ذاده يذوده» إذا طرده ودفعه.

5) وِردِها: ورودها، وعدم الحمد على قضائها بعد الذود لأنّ حسنة القضاء لا تذكر في جانب سيئة المنع.

6) قِبَلك: أي عندك.

7) مصيباً: حال.

8) المفاقر: الحاجات؛ يقال: سدُ الله ،مفاقره، أي أغنى الله فقره، [وعند عبده والصالح: مواضع الفاقّة] والفاقة: الفقر الشديد.

9) الخَلَّة - بالفتح - : الحاجة.

فَأَحْمِلْهُ إِلَيْنَا لِنَفْسِمَهُ فِيمَنْ قِبَلَنَا.

وَمُرْ أَهْلَ مَكَّةَ أَلَّا يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِنٍ أَجْراً ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : « سَوَاءٌ الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ» فَالْعَاكِفُ : الْمُقِيمُ بِهِ، وَالْبَادِي: الَّذِي يَحُجُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، وَفَقَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ لِمحَابهِ، وَالسَّلَام.

68 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

68 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

كَتَبَهُ إِلى سَلْمَانَ الفارِسِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَبْلَ أَيَّامٍ خِلَافَتِهِ

كَتَبَهُ إِلى سَلْمَانَ الفارِسِيِّ (2)رَحِمَهُ اللَّهُ قَبْلَ أَيَّامٍ خِلَافَتِهِ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ الْحَيَّةِ، لَيِّنٌ مَسُّهَا، قَاتِلُ سَمُّهَا، فَأَعْرِضْ عَمَّا يُعْجِبُكَ فِيهَا، لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكَ مِنْهَا، وَضَعْ عَنْكَ هُمُومَهَا، لِمَا أَيْقَنْتَ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا. وَتَصَرُّفِ حَالَاتِهَا، وَكُنْ آنَسَ (3)مَاتَكُونُ بِهَا أَحْذَرَ مَا تَكُونُ مِنْهَا، فَإِنَّ صَاحِبَهَا كُلَّمَا أَطْمَأَنَّ فِيهَا إِلَى سُرُورٍ أَشْخَصَتْهُ(4)إِلَى مَحْذُورٍ، أَوْ إِلَى إِينَاسٍ أَزَالَتْهُ عَنْهُ إِلَى إِيحَاشٍ، وَالسَّلَامُ


1) رواه الكليني في (أصول الكافي) ج 2 ص 136، والمفيد في (الإرشاد) ص 124.

2) سلمان، رجلٌ من قارِسَ من رَامَهُرْمُز، وقيل: بل من أصبهانَ، من قرية يقال لها جَيّ، وهو معدود من مَوالى رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؛ وكُنيتُه أبو عبدالله، وكان إذا قبل: ابنُ مَن أنت؟ يقول: أنا سَلْمان، ابنُ الإسلام، أنا مِن بني آدم. كان سَلمان خيراً، فاضِلاً، حَبْراً، عالماً، زاهداً، متقشَفاً. وأوّل مشاهده الخَندق، توفّي في آخر خلافة عثمان سنة خمس وثلاثين، على الأكثر.

3) آنس: افعل تفضيل من الأنس، أي أشدّ أنساً، وهي هنا حال من اسم «كن» أو من الضمير في إحذر، وأحْذَر: خبر، والمراد فليكن أشدّ حذرك منها في حال شدّة أنسك بها.

4) أَشْخَصَتْه أي: أذْهَبَتْه.

69 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

69 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

كَتَبَهُ إِلَى الْحَارِثِ الْهَمْدَانِيِّ

كَتَبَهُ إِلَى الْحَارِثِ الْهَمْدَانِيِّ (2)

وَتَمَسَّكْ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ وَأَنْتَصِحْهُ(3)، وَأَحِلَّ حَلَالَهُ، وَحَرِّمْ حَرَامَهُ، وَصَدِّقَ بِمَا سَلَفَ مِنَ الْحَقِّ ، وَأَعْتَبِرُ بِمَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا لِمَا بَقِيَ مِنْهَا (4)، فَإِنَّ بَعْضَهَا يُشْبِهُ بَعْضَاً، وَآخِرَهَا لَاحِقُ بِأَوَّلِهَا، وَكُلُّهَا حَائِلٌ مُفَارِقٌ(5). وَعَظْمِ اسْمَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرَهُ إِلَّا عَلَى حَقٌّ(6)، وَأَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ إِلَّا بِشَرْطٍ وَثِيقٍ (7). وَأَحْذَرُ كُلَّ عَمَلٍ يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهُهُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَحْذَرُ (2) كُلَّ عَمَلِ يُعْمَلُ بِهِ فِي السِّرِّ وَيُسْتَحَى مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَةِ، وَأَحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْكَرَهُ وَأَعْتَذَرَ مِنْهُ. وَلَا تَجْعَلْ عِرْضَكَ غَرَضاً لِنِبَالِ الْقَوْمِ، وَلَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِكُلِّ مَا سَمِعْتَ بِهِ، فَكَفَى بِذلِكَ كَذِباً، وَلَا تَرُدَّ عَلَى النَّاسِ كُلَّ مَا حَدَّثُوكَ


1) نثر الآمدي هذا الكتاب في مواضع من كتابه (غرر الحكم).

2) هو الحارث الأعور الهَمَدَاني صاحب أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، كان أحد الفُقهاء، له قولٌ فى الفُتْيَا.

3) انتصحه: أي عُده ناصحاً لك فيما أمرك به ونهاك عنه. [وفي نسخة عبده والصالح: واستنصِحهُ].

4) ما بقي: مفعول «اعتبر» بمعنى قِش، أي قيس الباقي بالماضي.

5) حائل: أي زائل.

6) لا تحلف به إلّا على الحق تعظيماً له وإجلالاً لعظمته.

7) «ولا تتمنّ الموت إلّا بشرط وثيق» أي مُحكَم قويّ، وهذه كلمة شريفة عظيمة القدر، أي لا تتمنّ الموت إلّا وأنت واثق من أعمالك الصالحة أنّها تؤدّيك إلى الجنّة، وتُنْقِذك من النار.

بِهِ، فَكَفَى بِذلِكَ جَهْلاً. وَأَكْظِمِ الْغَيْظَ وَاحْلُمْ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَتَجَاوَزْ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ، وَأَصْفَعْ مَعَ الدَّوْلَةِ (1)تَكُنْ لَكَ الْعَاقِبَةُ، وَاسْتَصْلِحْ كُلَّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اللهُ عَلَيْكَ(2)، وَلَا تُضَيِّعَنَّ نِعْمَةً مِنْ نِعَمَ اللهِ عَنْدَكَ ، وَلْيُرَ عَلَيْكَ أَثَرُ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْكَ.

وَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُهُمْ تَقْدِمَةٌ مِنْ نَفْسِهِ(3)وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَإِنَّكَ مَا تُقَدِّمَ مِنْ خَيْرٍ يَبْقَ لَكَ ذُخْرُهُ، وَمَا تُؤَخِّرُهُ يَكُنْ لِغَيْرِكَ خَيْرُهُ، وَأَحْذَرْ صَحَابَةً مَنْ يَفِيلُ رَأْيُهُ(4)، وَيُنْكَرُ عَمَلُهُ، فَإِنَّ الصَّاحِبَ مُعْتَبَرُ بِصَاحِبِهِ. وَأَسْكُنِ الْأَمْصَارَ الْعِظَامَ فَإِنَّهَا جِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، وَأَحْذَرُ مَنَازِلَ الْغَفْلَةِ وَالْجَفَاءِ، وَقِلَّةِ الْأَعْوَانِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَأَقْصُرْ رَأْيَكَ عَلَى مَا يَعْنِيكَ. وَإِيَّاكَ وَمَقَاعِدَ الْأَسْوَاقِ فَإِنَّهَا مَحَاضِرُ الشَّيْطَانِ، وَمَعَارِيضُ الْفِتَنِ(5). وَأَكْثِرْ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَنْ فُضِّلْتَ عَلَيْهِ(6)، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الشُّكْرِ. وَلَا تُسَافِرْ فِي يَوْمٍ جُمُعَةٍ حَتَّى تَشْهَدَ الصَّلَاةَ إِلَّا فَاصِلاً فِي سَبِيلٍ اللهِ(7)، أَوْ فِي أَمْرٍ تُغذَرُ بِهِ. وَأَطِع اللهَ فِي جُمَلِ أُمُورِكَ(8)، فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ فَاضِلَةٌ عَلَى مَا سِوَاهَا. وَخَادِعْ نَفْسَكَ فِي الْعِبَادَةِ وَأَرْفُق بِهَا وَلَا تَقْهَرْهَا، وَخُذْ عَفْوَهَا


1) اصْفَحْ مع الدّوْلَة : أي عندما تكون لك السلطة.

2) استصلحها: استَدِمُها، لأنَّه إذا استدامها فقد أصلحها، فإنَّ بقاءها صلاحٌ لها، واستدامتها بالشكر.

3) تَقْدِمَة - كتَجْرِبَة - : مصدر قدّم - بالتشديد - أي بذلاً وإنفاقاً.

4) الصَّحابة - هنا - : مصدر صحبتُ، وقال رأيه يَقيلُ: ضَعُفَ وفَسّد.

5) المَعَارِيض: جمع مِعْرَاض - كمِحْرَاب -، وهو سهمٌ بلا ريش رقيق الطرفين غليظ الوسط يصيب بعرضه دون حدّه، والأسواق كذلك لكثرة ما يمرّ على النظر فيها من مثيرات اللذات والشهوت.

6) من فَضَّلْت عليه: أي من دونك ممّن فضُلك الله عليه.

7) فاصلاً: أي خارجاً ذاهباً.

8) «في جُمَل أُمورك» أي في جُمْلَتها، أي كلِّها، وليس يعني في جُملَتها دونَ تفاصِليها، [وعند عبده والصالح في جميع أمورك].

وَنَشَاطَهَا(1)، إِلَّا مَا كَانَ مَكْتُوباً عَلَيْكَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا، وَتَعَاهُدِهَا عِنْدَ مَحَلِّهَا. وَإِيَّاكَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ آبِقُ(2)مِنْ رَبِّكَ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، وَإِيَّاكَ وَمُصَاحَبَةَ الفُسَّاقِ، فَإِنَّ الشَّرَّ بِالشَّرِّ مُلْحَقِّ، وَوَقْرِ اللهَ، وَأَحْبِبْ أَحِبَّاءَهُ، وَأَحْذَرِ الْغَضَبَ، فَإِنَّهُ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ (3)، وَالسَّلَامُ .

70 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

70 - ومن كتاب له عليه السلام (4)

إِلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفِ الْأَنْصَارِيِّ وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، فِي مَعْنَى قَومِ مِنْ أَهْلِهَا لَحِقُوا بِمُعَاوِيَةَ

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالاً مِمَّنْ قِبَلَكَ يَتَسَلَّلُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ(5)، فَلَا تَأْسَفْ عَلَى مَا يَفُوتُكَ مِنْ عَدَدِهِمْ، وَيَذْهَبُ عَنْكَ مِنْ مَدَدِهِمْ، فَكَفَى لَهُمْ غَيّا(6)وَلَكَ مِنْهُمْ شَافِياً


1) خُذْ عَفْوَها: أي وقت فراغها وارتياحها إلى الطاعة، وأصله العفو بمعنى ما لا أثر فيه لأحد بملك، عبّر به عن الوقت الذي لا شاغل للنفس فيه.

2) آبق: أي هارب منه متحوّل عنه إلى طلب الدنيا، وهذه وصيّة شريفة جدّاً، جَعَلَ طالبُ الدّنيا المُعرِضَ عن الله عند موته كالعَبد الآبق يقدم به على مَولاه أسيراً مكتوفاً ناكِسَ الرأس، فما ظنُّك به حينئذٍ!

3) إن الغضب يوجب الاضطراب في ميزان العقل ويدفع النفس للانتقام أيّاً كان طريقه، وهذا أكبر عون للمضلُ على إضلاله.

4) رواه البلاذري في (انساب الأشراف)، ص 157، وابن واضح في (تاريخه) ج 2 ص 192.

5) قبلك: أي عنك. ويتسلّلون: يخرجون واحداً بعد واحد إلى معاوية هاربين في خِفية واستتار.

6) الغي: الضلال، وفرارهم كافٍ في الدلالة على ضلالهم، والضالّون مرض شديد في بنية الجماعة ربما يسري ضرره فيفسدها، ففرارهم كافٍ في شفاها من مرضهم، ورئيس الجماعة كأنّه كلّها لهذا نسب الشفاء إليه.

فِرَارُهُمْ مِنَ الْهُدَى وَالْحَقِّ، وَإِيضَاعُهُمْ(1)إِلَى الْعَمَى وَالْجَهْلِ؛ فَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ دُنْيَا مُقْبِلُونَ عَلَيْهَا، وَمُهْطِعُونَ(2)إِلَيْهَا، قَدْ عَرَفُوا الْعَدْلَ وَرَأَوْهُ، وَسَمِعُوهُ وَوَعَوْهُ، وَعَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا فِي الْحَقِّ أَسْوَةٌ، فَهَرَبُوا إِلَى الْأَثَرَةِ(3)، فَبُعْداً لَهُمْ وَسُحقاً(4)! إِنَّهُمْ وَاللهِ لَمْ يَفِرُّوا مِنْ جَوْرٍ، وَلَمْ يَلْحَقُوا بِعَدْلٍ، وَإِنَّا لَنَطْمَعُ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يُذَلِّلَ اللهُ لَنَا صَعْبَهُ، وَيُسَهِّلَ لَنَا حَزْنَهُ(5)، إِنْ شَاءَ اللهُ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ

71 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

71 - ومن كتاب له عليه السلام (6)

إِلَى الْمُنذِرِ بْنِ الْجَارُودِ الْعَبْدِي
اشارة

إِلَى الْمُنذِرِ بْنِ الْجَارُودِ الْعَبْدِي (7)

وَقَدْ كَانَ أَسْتَعْمَلَهُ عَلَى بَعْضِ النَّواحِي، فَخَانَ الأَمَانَةَ فِي بَعْضٍ مَا وَلَاهُ مِنْ أَعْمَالِهِ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ صَلَاحَ أَبِيكَ غَرَّنِي مِنْكَ، وَظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ(8)، وَتَسْلُكُ


1) الإيضاع: الإسراع وَضَعَ البعيرُ أي أسرَع، وأوْضَعَه صاحبُه.

2) مهطعون: مُسرعون.

3) الأثرَة: الاستثثار واختصاص النفس بالمنفعة وتفضيلها على غيرها بالفائدة. يقول(علیه السّلام) : قد عرفو أنّي لا أقسم إلّا بالسّويّة، ولا أعطي على الأحساب والأنساب كما فعل غيري، فَتَركوني وهربوا إلى مَنْ يستأثر ويُؤثِر.

4) «قبُعْداً لهم وسُحقاً»: دعاءُ عليهم بالبُعد والهلاك. والسّحق: البُعد أيضاً.

5) الحَزْن: ما غَلُظ من الأرض، وضدّه السَّهْل.

6) رواه ابن الواضح في (تاريخه)، ج 2، ص 192 ، والبلاذري في (أنساب الأشراف) ص13 .

7) هو المُنْذِر بن الجارود من عبد القيس، كان شريفاً، وابنُه الحكم بن المنذر يتلوه في الشرف، والمنذر غير معدود في الصحابة، ولا رأى رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وكان تائهاً معجباً بنفسه، أبوه الجاورد وقد على النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في سنة تسع، ويقول ابن عبد البرّ في «الاستيعاب»: إنّ الجارود كان نصرانيّاً فأسلم وحُسُن إسلامه، وقُتِل بأرض فارس سنة إحدى وعشرين.

8) الهدي: الطريقة والسيرة.

سَبِيلَهُ، فَإِذَا أَنْتَ فِيمَا رُفِّي إِلَيَّ عَنْكَ(1)لَا تَدَعُ لِهَوَاكَ انْقِيَاداً، وَلَا تُبْقِي لآخِرَتِكَ عَتَادا (2)، تَعْمُرُ دُنْيَاكَ بِخَرَابِ آخِرَتِكَ، وَتَصِلُ عَشِيرَتَكَ بِقَطِيعَةِ دِينِكَ (3)وَلَئِنْ كَانَ . مَا بَلَغَنِي عَنْكَ حَقّاً لَجَمَلُ أَهْلِكَ(4)

لقد عَظُمَ البعيرُ بغَير لُب ***ولم يستغن بالعِظَم البعيرُ

یُصرِّفُهُ الصَّبيُّ بكل وجهٍ*** ويحبسه على الخَسْفِ الجريرُ

وتضربُهُ الوليدةُ بالهراوى *** فلاغِيّر لديهَ ولا نكيرُ

وَشِسْعُ نَعْلِكَ(5)خَيْرٌ مِنْكَ ، وَمَنْ كَانَ بِصِفَتِكَ فَليْسَ بِأَهْلِ أَنْ يُسَدَّ بِهِ ثَغْرُ، أَوْ يُنَفَذَ بِهِ أَمْرُ، أَوْ يُعْلَى لَهُ قَدْرٌ أَوْ يُشْرَكَ فِي أَمَانَةٍ . أَوْ يُؤْمَنَ عَلَى جِبَايَةٍ (6)فَأَقبِلْ إِلَيَّ حِينَ يَصِلُ إِلَيْكَ كِتَابِي هَذَا، إِنْ شَاءَ اللهُ.

قَالَ الرَّضِيُّ (رحمه الله) : الْمُنذِرُ بنِ الجَارُودَ هَذَا هُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ عَلَيهِ السَّلَامُ: إِنَّهُ لَنَظَّارُ فِي عِطْفَيْهِ (7)مُخْتَالُ فِي بُرْدَيْهِ (8)، تَفَّالُ فِي شِرَاكيهِ (9)

والشِراكان: تثنية شِراك، وهو السَّير الذي يكون في النعل على ظَهر القدم.

.

1) «فيما رُقِّيَ إليّ» أي فيما رفع وأُنهي إليّ.

2) العَتاد: الذّخِيرة المُعدّة لوقت الحاجة.

3) أي أنّه كان يقتطع المال ويُفِيضه على رَهْطه وقومه ويُخرج بعضه في لذاته ومآربه.

4) قوله: «لَجَمَلُ أهلِك» العرب تضرب بالجمل المَثل فى الهوان والذلّة والجهل، قال الشاعر:

5) الشسع: سير بين الإصبع الوسطى والتي تليها في النعل العربي، كأنّه زمام، ويسمّى قبالاً وضَرْبُ المثل بها في الاستهانة مشهور، لابتذالها ووطئها الأقدام في التراب.

6) جِبَاية أي: تحصيل أموال الخراج ونحوه، عمل من أعمال الدولة. ثمّ أمره أن يُقبل إليه، وهذه كنايةٌ عن العَزل.

7) نَظَار: كثير النظر. والعطف - بالكسر : الجانب، أي كثير النظر في جانبيه عجباً وخيلاء .

8) المُختال المُعجَب، والبُرْدَانِ تثنية بُرد، وهو ثوبٌ مخطُط، أى يمشي الخُيلاء عُجْباً.

9) التَفْل - بالسكون - : مصدر تَفّل أى بَصَق والتَّفَل - محركاً - : البُصاقُ نفسه، وإنّما يفعله المُعجِب بشراكيه ليذهب عنهما الغُبار والوسخ، يَنْقُل فيهما ويمسَحهما ليعودا كالجَديدين.

72 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

72 - ومن كتاب له عليه السلام (1)

إِلَى عَبْدِاللَّهِ بْنِ العَبَّاسِ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ لَسْتَ بِسَابِقٍ أَجَلَكَ، وَلَا مَرْزُوقٍ مَا لَيْسَ لَكَ؛ وَأَعْلَمْ بِأَنَّ الدَّهْرَ يَوْمَانِ : يَوْمُ لَكَ، وَيَوْمٌ عَلَيْكَ، وَأَنَّ الدُّنْيَا دَارُ دُوَلِ(2)، فَمَا كَانَ مِنْهَا لَكَ أَتَاكَ عَلَى ضَعْفِكَ. وَمَا كَانَ مِنْهَا عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِكَ.

73- ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

73- ومن كتاب له عليه السلام (3)

إلَى مُعَاوِيَةَ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي عَلَى التَّرَدُّدِ فِي جَوَابِكَ(4)وَالاِسْتِمَاع إِلَى كِتَابِكَ، لَمُوَهُنَّ رَأْيِي.


1) رواه ابن شعبة في (تحف العقول ص 207.

2) دُوَل: جمع دولة - بالضم - : ما يُتداول من السعادة في الدنيا ينتقل من يد إلى يد.

3) رواه اليماني في كتاب (الطراز) ج 2، ص 294 بتفاوت مع رواية الشريف الرضي يدلّ على اختلاف المصدر.

4) من قولك: تردّدت إلى فلان» رجعت إليه مرّة بعد أخرى، أي أنّي في ارتكابي للرجوع إلى مجاوبتك واستماع ما تكتبه موهِّن - أي مضعِّف - رأيي ومخطئ فراستي - أي صدق ظنّي - ، وكان الأجدر بي السكوت عن إجابتك لهِوانِك.

وَمُخَطَّةٌ فِرَاسَتِي، وَإِنَّكَ إِذْ تُحَاوِلُنِي الْأُمُورَ(1)، وَتُرَاجِعُنِي السُّطُورَ(2)، كَالْمُسْتَلْقِلِ النَّائِمِ تُكَذِّبُهُ أَحْلَامُهُ(3)، وَالْمُتَحَيِّرِ الْقَائِمِ(4)يَبْهَظُهُ مَقَامُهُ(5)، لَا يَدْرِي أَلَهُ مَا يَأْتِي أَمْ عَلَيْهِ، وَلَسْتَ بِهِ(6)، غَيْرَ أَنَّهُ بِكَ شَبِيهُ.

وَأُقْسِمُ بِاللهِ أَنَّهُ لَوْلَا بَعْضُ الاِسْتِبْقَاءِ(7)، لَوَصَلَتْ مِنِّي إِلَيْكَ قَوَارِعُ تَقْرَعُ الْعَظمَ(8)، وَتَهْلِسُ اللَّحْمِ(9)، وَأَعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ثَبَّطَكَ عَنْ أَنْ تُرَاجِعَ أَحْسَنَ أُمُورِكَ (10)، وَتَأْذَنَ لِمَقَالِ نَصِيحَتِكَ، وَالسَّلَامُ لأَهْلِهِ.


1) حَاوّل الأمر: طلبه ورَامَهُ ، أي تطالبني ببعض غاياتك كولاية الشام ونحوها.

2) تراجعني السطور: أي تطلب منّي أن أرجع إلى جوابك بالسطور.

3) كالمُسْتتقِل النائم: يقول أنت في محاولتك كالنائم الثقيل نومه، يحلم أنّه نال شيئاً، فإذا انتبه وجد الرؤيا كذبته، أي كذبت عليه، فأمانيك فيما تطلبه شبيهة بالأحلام إن هي إلّا خيالات باطلة.

4) أي وأنت أيضاً كالمتحيّر في أمره، القائم في شكّه، لا يخطو إلى قصده.

5) يُبْهِظه : أي يُثْقِله ويشقّ عليه مقامه من الحيرة.

6) أي وإنّك لست بالمتحيّر لمعرفتك الحقّ معنا، ولكن المتحيّر شبيه بك فأنت أشدّ منه عناء وتعباً.

7) الاستبقاء: الإبقاء، والمراد: إبقائي لك، وعدم إرادتي لإهلاكك.

8) قوارع: أي دواهي تقرع العظم تَصدِمه فتكسره.

9) تهْلِسُ اللحم: تذيبه و تنهكه حتى يصير كبدنٍ به الهُلاس وهو السلّ، وأمّا «يَنْهَس» [كما أثبته ابن أبي الحديد في المتن] فمعناه يعترق.

10) ثَبَّطك: أي أقعدك عن مراجعة أحسن الأمور لك وهو الطاعة لنا، وعن أن تأذن - أي تسمع -لمقالنا في نصيحتك.

74- ومن حلف له عليه السلام

اشارة

74- ومن حلف(1)له عليه السلام (2)

كَتَبَهُ بَيْنَ رَبِيعَةَ وَالْيَمَنِ ، وَنُقِلَ مِنْ خَطْ هِشَامٍ أبنِ الكَلْبِيِّ

كَتَبَهُ بَيْنَ رَبِيعَةَ(3)وَالْيَمَنِ(4)، وَنُقِلَ مِنْ خَطْ هِشَامٍ أبنِ الكَلْبِيِّ (5)

هَذَا مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْيَمَنِ حَاضِرُهَا وَبَادِيهَا(6)، وَرَبيعَةُ حَاضِرُهَا وَبَادِيهَا، أَنَّهُمْ عَلَى كِتَابِ اللهِ يَدْعُونَ إِلَيْهِ، وَيَأْمُرُونَ بِهِ، وَيُجِيبُونَ مَنْ دَعَا إِلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ، لَا يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً، وَلَا يَرْضَوْنَ بِهِ بَدَلًا، وَأَنَّهُمْ يَدُ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ وَتَرَكَهُ، وَأَنَّهُمْ أَنْصَارٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، دَعْوَتُهُمْ وَاحِدَةٌ، لَا يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ لِمَعْتَبَةِ عَاتِبٍ(7)، وَلَا لِغَضَبٍ غَاضِبٍ، وَلَا لِاِسْتِذْلَالِ قَوْمٍ قَوْماً، وَلَا لِمَسَبَّةِ قَوْمٍ قَوْماً، عَلَى ذلِكَ شَاهِدُهُمْ وَغَائِبُهُمْ، وَسَفِيهُهُمْ وَعَالِمُهُمْ، وَحَلِيمُهُمْ وَجَاهِلُهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْهِمْ بِذلِكَ عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ، «إِنَّ عَهْدَ اللهِ كَانَ مَسْئُولًا».

وَكَتَبَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.


1) الحِلْف: العهد، أى ومن كتاب حِلف، فحذف المضاف.

2) ذَكرَ الرضي أنّه نقل مصدر هذا الحلف من خط هشام ابن الكلبي.

3) ربيعة: هو ربيعة بن نِزار بن معدّ بن عدنان، وهم بكر وتغلِب وعبد القيس.

4) اليمن: كلّ من وَلَدَهُ قحطان؛ نحو حِمْيَر وعك وجُذام وكنِدة والأزد، وغيرهم.

5) هو هشام بن محمّد بن السائب الكلبيّ، نسّابة ابن نسّابة عالِم بأيّام العرب وأخبارها، وأبوه أعلم منه، وهو يروي عن أبيه.

6) الحاضر: ساكنو الحَضَر، أي المدينة والبادي: ساكنو البادية، واللفظ لفظ المفرد والمعنى الجمع.

7) لمَعْتِبَةِ عاتب: أي لا يؤثّر في العهد والحلف أن يعتب أحد منهم على بعضهم، ولا يعودون للتقاتل عند غضب بعضهم من بعض، أو استدلال بعضهم لبعض، أو سبّ بعضهم لبعض.

75 - ومن كتاب له عليه السلام

إلَى مُعَاوِيَةَ فِي أَوّل مَا يُويعَ لَهُ بالخِلافَةِ ذَكَرَهُ الوَاقِدِيُّ فِي كِتابِ الْجَمَلِ»

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ (1).

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ عَلِمْتَ إِعْذَارِي فِيكُمْ(2)، وَإِعْرَاضِي عَنْكُمْ(3)، حَتَّى كَانَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا دَفْعَ لَهُ، وَالْحَدِيثُ طَوِيلُ، وَالْكَلَامُ كَثِيرٌ، وَقَدْ أَدْبَرَ مَا أَدْبَرَ، وَأَقْبَلَ مَا أَقْبَلَ، فَبَايِعْ مَنْ قِبَلَكَ(4)، وَأَقْبِلْ إِلَيَّ فِي وَفْدٍ (5)مِنْ أَصْحَابِكَ، وَالسَّلَامُ.

76 - ومن وصية له عليه السلام

اشارة

76 - ومن وصية له عليه السلام (6)

لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَاسِ عِنْدَ اسْتِخْلافِهِ إِيَّاهُ عَلَى البَصْرَةِ

سَعِ النَّاسَ بَوَجْهِكَ وَمَجْلِسِكَ وَحُكْمِكَ ، وَإِيَّاكَ وَالْغَضَبَ فَإِنَّهُ طَيْرَةٌ مِنَ


1) كتابه إلى معاوية ومخاطبته لبني أُميّة جميعاً.

2) إعذاري فيكم: أي كوني ذا عذرٍ لو لمْنكُمْ أو ذممتكم، يعني في أيّام عثمان.

3) إعراضي عنكم: أي مع كوني ذا عذر لو فعلت ذلك فلم أفعله، بل أعرضت عن إساءتكم إليّ وضربت عنكم صفحاً حتى كان ما لا بدّ منه، يعني قتل عثمان وما جرى في المدينة.

4) أي ذهب ما ذهب من أمر عثمان وأقبل علينا من أمر الخلافة ما استقبلناه فبايع الذين قِبَلَك، أي عندك.

5) الوَفد: الجماعة الوافدون، أي القادمون.

6) رواه ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة)، ج 1، ص 185 ، واليماني في (الطراز)، ج 2 ص 293.

الشَّيْطَانِ (1)، وَأَعْلَمْ أَنَّ مَا قَرَّبَكَ مِنَ اللهِ يُبَاعِدُكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا بَاعَدَكَ مِنَ اللهِ يُقَرِّبُكَ مِنَ النَّارِ.

77- ومن وصية له عليه السلام

اشارة

77- ومن وصية له عليه السلام (2)

لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ العَبّاسِ أيضاً لَمّا بَعَثَهُ لِلِاحْتِجَاجِ عَلَى الْخَوَارِجِ

لَا تُخَاصِمْهُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ الْقُرآنَ حَمَّالٌ(3)ذُو وُجُومٍ، تَقُولُ ويَقُولُونَ، وَلَكِنْ حَاجِجْهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْهَا مَحِيصا (4).

78 - ومن كتاب له عليه السلام

إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ فِي كِتابِ «المَغازِي»

فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَغَيَّرَ كَثِيرُ مِنْهُمْ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ حَظْهِمْ(5)، فَمَالُوا مَعَ الدُّنْيَا، وَنَطَقُوا


1) طَيْرَةٌ من الشيطان: أى خِفّة وطيش، وعلى رواية «طِيرَة» [كما أثبتها عبده في المتن] وهي: الفأل الشؤم. والغضب يتفاءل به الشيطان في نيل مأربه من الغضبان.

2) رواها الزمخشري في الجزء الثاني من (ربيع الأبرار) باب الجوابات المسكنة.

3) حمّال: أي يحمل معاني كثيرة إن أخذتَ بأحدها احتجّ الخصم بالآخر.

4) محيصاً: أي مهرباً.

5) أي أنّ كثيراً من الناس قد انقلبوا عن حظوظهم الحقيقيّة، وهي حظوظ السعادة الأبدية بنصرة الحقّ.

بِالْهَوَى. وَإِنِّي نَزَلْتُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَنْزِلاً مُعْجِباً(1)، أَجْتَمَعَ بِهِ أَقْوَامٌ أَعْجَبَتْهُمْ أَنْفُسُهُم. وَأَنَا أُدَاوِي مِنْهُمْ قَرْحاً(2)أَخَافُ أَنْ يَعُودَ عَلَقاً(3)، وَلَيْسَ رَجُلٌ - فَأَعْلَمْ - أَخْرَصَ (4)النَّاسِ عَلَى جَمَاعَةِ أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - وَأُلْفَتِهَا مِنِّي ، أَبْتَغِي بِذَلِكَ حُسْنَ الثَّوَابِ، وَكَرَمَ الْمَآبِ(5). وَسَأَفِي بِالَّذِي وَأَيْتُ(6)عَلَى نَفْسِي ، وَإِنْ تَغَيَّرْتَ عَنْ صالح مَا فَارَقْتَنِي عَلَيْهِ(7)، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ نَفْعَ مَا أُوتِيَ مِنَ الْعَقْلِ وَالتَّجْرِبَةِ، وَإِنِّي لَأَعْبَدُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ بِبَاطِلِ(8)، وَأَنْ أُفْسِدَ أَمْراً قَدْ أَصْلَحَهُ اللهُ(9)،


1) مُعْجِباً: أي موجباً للتعجّب، والأمر هو الخلافة. ومنزله من الخلافة: بيعة الناس له ثمّ خروج طائفة منهم عليه.

2) القرح: في الأصل الجرح، وهو - هنا - مجاز عن فساد بواطنهم.

3) العلّق: الدم الغليظ الجامد، ومتى صار في الجرح الدم الغليظ الجامد صعبت مداواته وضرب فساده في البدن كلّه.

4) أحرصُ: خبر ليس ، وجملة «فاعلم» معترضة.

5) المآب: المُرجع إلى الله.

6) سأوفي بما وأيتُ: أي سوف أفي بما وعدتُ وأخذت على نفسي. تقول: وأيتُ وأياً، أي وعدت وعداً.

7) تغيّرتُ: خطاب لأبي موسى، يقول إذا انقلبت عن الرأي الصالح الذي تفارقنا عليه وهو الأخذ بالحذر، والوقوف عند الحقّ الصريح، فإنّك تكون شقيّاً، لأنّ الشقي: من حرمه الله نفع التجربة فأخذه الناس بالخديعة.

8) وإنّي لأعْبَدُ: أي آنَفٌ مِن «عَبد يَعْبَدُ»، والمراد: إنّي لأنف من أن يقول غيري قولاً باطلاً، فكيف لا أنف أنا من ذلك لنفسي.

9) الأمر: هو الخلافة، أصلحه اللهُ بالبيعة، ونسبة الإفساد لنفسه لأنّ أبا موسى نائب عنه، وما يقع عن النائب كما يقع عن الأصيل.

فَدَعْ عَنْكَ مَا لَا تَعْرِفُ (1)

إن يَسْمَعُوا الخيْرَ يُخْفُوه وإِن سَمعوا ***شراً أذاعوا وإن لم يسمعوا كَذَبُوا

ونحو قول الآخر:

إن يَسْمَعُوا ريبةٌ طَارُوا بها فَرَحاً *** وإِن ذُكِرْتُ بخير عندهم دَفَنُوا

فَإِنَّ شِرَارَ النَّاسِ طَائِرُونَ إِلَيْكَ بِأَقَاوِيلِ السُّوءِ، وَالسَّلَامُ.

79 - ومن كتاب له عليه السلام

اشارة

79 - ومن كتاب له عليه السلام (2)

لَمَّا اسْتُخْلِفَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا النَّاسَ الْحَقَّ فَاشْتَرَوْهُ(3)، وَأَخَذُوهُمْ بِالْبَاطِلِ فَأَقْتَدَوْهُ(4).


1) أي ما فيه الريبة والشبهة فاتركه، ولا تبن أمرك إلّا على اليقين والعلم القطعيّ، ولا تُضع إلى أقوال الوشاة ونقلة الحديث؛ فإنّ الكذب يخالط أقوالهم كثيراً، فلا تصدِّق ما عساه يبلِّغك عنّي شرار الناس فإنّهم سِراع إلى أقاويل السوء؛ ولقد أحسن القائل فيهم:

2) رواه ابن عبد البر في (بهجة المجالس ) ج 1 ص 231 .

3) أي منعوا الناس الحقّ فاشتروا الحقّ منهم بالرّشا والأموال، أي لم يضعوا الأمور مواضعها، ولا ولوا الولايات مستحقّيها، وكانت أمورهم الدينية والدنيوية تجري على وفق الهوى والغرض الفاسد، فاشترى الناس منهم الميراث والحقوق كما تشترى السلع بالمال، فانقلبت الدولة عن أولئك المانعين فهلكوا. «وأنّهم منعوا» فاعل «أهلك». ويروى: «فاستروه» أي اختاروه، يقال: استريتُ خيار المال، أي اخترته، ويكون المعنى حينئذ: أنّهم منعوا الناسَ حقّهم من المال واختاروه لأنفسهم واستأثروا به.

4) أي كلّفوهم بإتيان الباطل فأتوه، وصار قُدوة يتّبعها الأبناء بعد الآباء.

حکم المؤمنين (علیه السّلام)

بابَ المُختارِ مِن حِكمِ اَمیرِ المؤُمنينَ عَلَيهِ السَّلامُ وَيُدخُلُ فِي ذلكَ المُختارِ من اجِوبةِ مَسَائِلِهُ والكلامِ القِصَّةِ الخارجِ فِي سائر اَغراضِهِ

اشارة

المختار من حكم أميرالمؤمنين عليه السلام

1 - قال عليه السلام كُنْ فِي الْفِتْنَةِ (1)كَأَبْنِ اللَّبُونِ (2)، لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ.

[رواها أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة ج 2 ص 31 ]

2 - وقال عليه السلام: أَزْرَى بِنَفْسِهِ(3)مَنِ اسْتَشْعَرَ الطَّمَعَ(4)، وَرَضِيَ بِالذُّلِّ مَنْ كَشَفَ عَنْ ضُرِّهِ (5)، وَهَانتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمَّرَ عَلَيْهَا لِسَانَهُ(6).

[روى ابن شعبة في تحف العقول ص 201 هذه الحكمة إلى الحكمة 7 ]

3 - وقال عليه السلام: الْبُخْلُ عَارُ، وَالْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ، وَالْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حَاجَتِهِ، وَالْمُقِلُ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ(7)

لا تظنّي أنّ الغريبَ هو النّا *** ئِي ولكنّما الغريب المُقلُ

.

1) أيام الفتنة هي أيّام الخصومة والحرب بين رئيسين ضالّين يدعوان كلاهما إلى ضلالة، كفتنة عبدالملك وابن الزبير، وفتنة مروان والضحّاك، فأمّا إذا كان أحدهما صاحب حقّ فليست أيام فتنة كالجمل وصِفّين ونحوهما، بل يجب الجهاد مع صاحب الحقّ.

2) ابن اللّبون: ولد النّاقة الذّكر إذا استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة؛ ولا يقال للأنثى: ابنة اللّبون، واللّبون من الإبل والشاة: ذات اللّبن وابن اللّبون لا يكون قد كمل وقويّ ظهره على أن يركب، وليس أنثى ذات ضرعٍ فيُحلب، وهو مطّرح لا ينتفع به. يريد: تجنّب الظالمين في الفتنة لا ينتفعوا بك.

3) أزرى بنفسه: قصّر بها وحَقّرَها.

4) استشعر الطمع: جعله شعاره، أي لازمه وتبطّنه و تخلّق به.

5) أي مَنْ شكى إليهم بؤسه وفقره فقد رضي بالذل؛ لأنّه دعاهم للتهاون به.

6) أمر لسانه: جعله أميراً.

7) المُقِلُ: الفقير. ومثل قوله(علیه السّلام) : «والمقلّ غريب في بلدته» قول خلف الأحمر:

4 - وقال عليه السلام: اَلْعَجْرُ آفَةٌ(1)، وَالصَّبْرُ شَجَاعَةُ، وَالزُّهْدُ ثَرْوَةٌ(2)، وَالْوَرَعُ جُنَّةٌ (3)، وَنِعْمَ الْقَرِينُ الرّضا.

5 - وقال عليه السلام: الْعِلْمُ وِراثَةٌ كَرِيمَةٌ(4)، وَالْآدَابُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ، والْفِكْرُ مِرْآةُ صَافِيَةٌ.

6 - وقال عليه السلام: صَدْرُ الْعَاقِلِ صُنْدُوقُ سِرِّهِ (5)، وَالْبَشَاشَةُ حِبَالَةُ الْمَوَدَّةِ (6)، وَاْلاِحْتِمَالُ قَبْرُ الْعُيُوبِ (7).

ورُويَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْعِبَارَةِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضاً: الْمُسَالَمَةُ خَبُّ الْعُيُوبِ (8)، وَمَنْ رَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ كَثُرَ السّاخِطُ عَلَيْهِ.

7- وقال عليه السلام: الصَّدَقَةُ دَوَاءٌ مُنجِحٌ، وَأَعْمَالُ الْعِبَادِ فِى عَاجِلِهِمْ نَصْبُ أَعْيُنِهِمْ فِي آجِلِهِمْ.


1) «العجز آفة» وهذا حقّ لأنّ الآفة هي النقص أو ما يوجب النقص، والعجز كذلك.

2) «الزهد ثروة» لأنّ الثروة ما استغنى به الإنسان عن النّاس، ولا غناء عنهم كالزهد عن دنياهم ، فالزّهد على الحقيقة هو الغِنَى الأكبر.

3) الجُنّة: الوقاية.

4) إنّما قال «العلم وراثة» لأنّ كلّ عالم إنّما يكتسب علمه من أستاذٍ يهذّبه، فكأنّه ورث العلم عنه كما يرث الابنُ المالَ من أبيه.

5) لا يفتح الصندوق فيطلع الغير على ما فيه.

6) الحِباله: شَبكة الصيد، ومثله الأحُبول والأحُبولة - بضم الهمزة فيهما - ، والبشوش يصيد مودات القلوب.

7) الاحتمال: تحمل الأذى، ومن تحمّل الأذى خفيت عيوبه، كأنّما دفنت فى قبر، وهذا مثل قولهم في الجود: كلّ عيبٍ فالكرم يغطّيه.

8) الخَبْءُ : مصدر خبأته أخبؤه، والمعنى في الروايتن واحد.

8- وقال عليه السلام: أَعْجَبُوا لِهَذَا الْإِنْسَانِ يَنْظُرُ بِشَحْم (1)، وَيَتَكَلَّمُ بِلَحْم(2)، ويَسْمَعُ بِعَظْمٍ(3)، وَيَتَنَفَّسُ مِنْ خَرْمٍ.

[غرر الحكم ص 70]

9 - وقال عليه السلام: إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى قَوْمٍ أَعَارَتْهُمْ مَحَاسِنَ غَيْرِهِمْ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُمْ سَلَبْتهُمْ مَحَاسِنَ أَنْفُسِهِمْ.

[مروج الذهب ج 3 ص 434]

10 - وقال عليه السلام: خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مُتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ (4).

[تذكرة الخواص ص 142]

11 - وقال عليه السلام: إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكراً لِلقَدْرَة عَلَيْه.

[المحاضرات للراغب الأصفهاني ج 1 ص 111]

12 - وقال عليه السلام: أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الْإِخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ(5)

لَعَمْرُكَ ما مالُ الفتى بذخيرةٍ*** ولكنّ إخوانَ الصّفاءِ الذخائرُ

.

[ ذيل أمالي القالي ص 110]

13 - وقال عليه السلام: إِذَا وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلَا تُنَفِّرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ اَلشُّكْرِ (6).

[ المئة المختارة للجاحظ ]


1) ينظر بشحمٍ: يريد بالشحم شَحم الحدقة.

2) يتكلّم بلحم: يريد باللحم اللسان.

3) يسمع بعظم: يريد عظام الأذان يضربها الهواء فتقرع عصب الصماخ فيكون السماع.

4) «إلى» تتعلق بمحذوف، أى حنُّوا شوقاً إليكم. وقد روي: «خَنُوا» من الخنين، وهو صوت يخرج من الأنف عند البكاء.

5) في الحديث المرفوع أنّ النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بكى لما قُتِل جعفر بمؤته، وقال: «المرء كثير بأخيه». وقال جعفر بن محمد(علیه السّلام) : «لكلّ شيء حِلْيَة وحِلبةُ الرجلِ أودّاؤء». وأنشد ابن الإعرابي:

6) أطراف النعم: أوائلها، فإذا بطرتم ولم تشكروها بأداء الحقوق منها نفرت عنكم أقاصيها - أي أواخرها - فحرمتموها.

14 - وقال عليه السلام: مَنْ ضَيَّعَهُ الْأَقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الْأَبْعَدُ(1).

[نهاية الأرب ج 3 ص 6]

15 - وقال عليه السلام: مَا كُلُّ مَفْتُونٍ يُعَاتَبُ (2).

[الجمل للمفيد]

16 - وقال عليه السلام: تَذِلُّ الْأُمُورُ لِلْمَقَادِيرِ، حَتَّى يَكُونَ الْحَتْفُ فِي التَّدْبِيرِ (3).

[تحف العقول ص 223]

17 - وَسُئِلَ عَلَيْهِ السَّلَام عَنْ قَوْلِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: غَيْرُوا الشَّيْبَ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ(4)، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:

إِنَّمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ذَلِكَ وَالدِّينُ قُلُّ(5)، فَأَمَّا الْآنَ وَقَدِ اتَّسَعَ نِطَاقُهُ(6)، وَضَربَ بِجِرَانِهِ(7)، فَامْرُؤٌ وَمَا أَخْتَارَ.

[البديع لابن المعتز، ص 20]


1) أُتيح له: قُدّر له، وكم شخص أضاعه أقاربه فقدّر الله له من الأباعد من يحفظه ويساعده، فرسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ضيّعه أهلُه ورهطه من قريش، فقام بنصره الأوس والخزرج، وهم أبعد الناس نسباً منه؛ لأنّه من عدنان وهم من قحطان، وقامت ربيعة بنصر علي (علیه السّلام) في صفّين، وهم أعداء مُضَر الذين هم أهله ورهطه.

2) أي لا يتوجه العتاب واللوم على كلّ داخل في فتنة، فقد يدخل فيها مَنْ لا محيص له عنها لأمر اضطره فلا لوم عليه، وهذه الكلمة قالها عليُّ(علیه السّلام) لسعد بن أبي وَقّاص، ومحمد بن مَسلَمة وعبدالله بن عمر لمّا امتنعوا من الخروج معه لحرب أصحاب الجَمَل.

3) الحَتف : الهلاك.

4) اليهودُ لا تَخضِب، وكان النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أمر أصحابه بالخِضاب ليكونوا في مرأى العين شَباباً فيَجبنَ المشركون عنهم حال الحرب، فإنّ الشيخ مَظِنّة الضّعف.

5) «كان ذلك والإسلام قُلّ»، أي قليلٌ أهله، وأمّا الآن وقد اتّسع نطاقُه وضَرَب بجرانه فقد سقط ذلك الأمرُ وصار الخضاب مُباحاً غيرَ مندوب، فالإنسان بعد قوة الإسلام مع اختياره إن شاء خضب وإن شاء ترك.

6) النِّطاق: الحزام العريض، واتّساعه كناية عن العظم والانتشار.

7) الجِران: مُقدِّم عُنُق البعير يضرب به على الأرض إذا استراح وتمكّن.

18 - وقال عليه السلام في الذين اعتزلوا القتال معه: خَذَلُوا الْحَقَّ وَلَمْ يَنْصُرُوا البَاطِلَ(1).

[تلبيس إبليس ص 109]

19 - وقال عليه السلام: مَنْ جَرَى فِي عِنَانِ أَمَلِهِ عَثَرَ بِأَجَلِهِ (2).

[المئة المختارة للجاحظ ]

20 - وقال عليه السلام: أَقِيلُوا ذَوِي الْمُرُوءَاتِ عَتَرَاتِهِمْ(3)فَمَا يَعْتُرُ مِنْهُمْ عَاثِرُ إِلَّا وَيَدُهُ بِيَدِاللهِ يَرْفَعُهُ(4).

[عيون الأخبار لابن قتيبة]

21 - وقال عليه السلام: قُرِئَتْ الْهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ(5)، وَالْحَيَاء بِالْحِرْمَانِ(6)، وَالْفُرْصَةً تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، فَأَنْتَهِزُوا فَرَصَ الْخَيْرِ.

[العقد الفريد، ج 2 ص 414 ]

22 - وقال عليه السلام: لَنَا حَقٌّ فَإِنْ أُعْطِينَاهُ وَإِلَّا رَكِبْنَا أَعْجَازَ الإِبِلِ، وَإِنْ طَالَ السُّرَى (7).

[تهذيب اللغة للأزهري ج 1 ص 341]


1) أي خذلوني ولم يحاربوا معى معاوية، وهؤلاء عبدالله بن عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن عمرو بن نُفيل، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة وأنس بن مالك وجماعة غيرهم.

2) العِنان: سير اللجام تُمسك به الدابة، أي من كان جريه إلى سعادته بعنان الأمل، يُمنّي نفسه بلوغ مطلبه بلا عمل، سقط في أجله بالموت، قبل أن يبلغ شيئاً مما تريد.

3) العثرة: السقطة، وأقالَهُ العثرةَ: رفعه من سقطته. والمُرُوءة: صفة للنفس تحملها على فعل الخير لأنّه خير .

4) قوله: «يرفعه» جملة حاليّة من لفظ الجلالة وإن كان مضافاً إليه لوجود شرطه.

5) أي مَنْ تهيّب أمراً خاب من إدراكه، وكانت العربُ إذا أوفدت وافداً قالت له: إيّاك والهَيِّبة، فإنّها خَيْبة، ولا تبت عند ذنب الأمر وبتْ عند رأسه.

6) الحياء بالحِرْمان: أي مَنْ أفرط به الخَجل من طلب شيء حُرِم منه، والإفراط في الحياء مذموم كطرح الحياء، والمحمود الوسط.

7) هذا الكلام تزعم الإمامية أنّه قاله يوم السّقيفة أو في تلك الأيام، ويذهَب أصحابنا إلى أنّه قاله يوم الشورى بعد وفاة عمر واجتماع الجماعة لاختيار واحد من الستة.

قَالَ الرَّضِيُّ(رحمه الله) : وهذا القَولُ مِنْ لطيف الكلام وفَصِيحِهِ، وَمَعْناهُ أَنَّا إِنْ لَمْ نُعْطَ حَقَنَا كُنَّا أَذِلَّا (1)، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّدِيفَ يَرْكَبُ عَجْزَ البَعِير، كَالْعَبْدِ والأسير وَمَنْ يُجري مَجْراهما.

23 - وقال عليه السلام: مَنْ أَبْطَاً بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ حَسَبُهُ (2)

[العقد الفريد، ج 2: 290]

24 - وقال عليه السلام: مِنْ كَفَّارَاتِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ، وَالتَّنْفِيسُ عَنِ الْمَكْرُوب.

[دستور معالم الحكم ص 25]

25 - وقال عليه السلام بِابْنَ آدَمَ، إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَأَنْتَ تَعْصِيهِ فَأَحْذَرْهُ(3).

[تذكرة الخواص ص 132 ]

26 - وقال عليه السلام: مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلَّا ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ، وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ (4)

ومهما تكن عند امرئٍ من خليفَةٍ*** وإن خالَها تَخْفَى على الناس تُعلَمِ

.

[المئة المختارة للجاحظ، ودستور معالم الحكم ص 23]

27 - وقال عليه السلام: أَمْشِ بِدَائِكَ مَا مَشَى بِكَ (5). [غررالحكم ص 62]

28 - وقال عليه السلام: أَفْضَلُ الزُّهْدِ إِخْفَاءُ الزُّهْدِ(6).

[تذكرة الخواص ص 136]


1) وقد يكون المعنى إن لم نُعط حقنا تحملنا المشقة في طلبه وإن طالت المشقة، وركوب مؤخرات الابل مما يشق احتماله والصبر عليه.

2) هذا مثل قول النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : يا فاطمة بنت محمّد، إنّي لا أُغنى عنكِ من الله شيئاً، يا عبّاس بن عبدالمطلب، إنّي لا أغني عنك من الله شيئاً؛ «إن أكرَمَكُم عندالله أتقاكم» [الحجرات : 13].

3) هذا الكلام تخويف وتحذير من الاستدراج؛ وذلك لأنّ العبد بغروره يعتقد أنّ موالاة النّعَم عليه وهو عاصٍ من باب الرّضا عنه، ولا يعلم أنّه استدارج له ونقمةٌ عليه.

4) قالوا: «العين والوجه واللّسان أصحاب أخبار على القلب» وقال زُهير بن أبي سُلمى:

5) أي ما دام الداء سهل الاحتمال يمكنك معه العمل في شؤونك فاعمل، فإن أعياك فاسترح له.

6) لأنّ الجهر بالعبادة والزّهادة قلّ أن يسلم من مخالطة الرّياء. رأى المنصورُ رجلاً واقفاً ببابه، فقال: مثل هذا الدرهم بين عينيك وأنتَ واقفٌ بيابنا! فقال الربيع: نعم، لأنّه ضُرب على غير السُكّة.

29 - وقال عليه السلام: إِذَا كُنْتَ فِي إِدْبَارٍ وَالْمَوْتُ فِي إِقْبَالٍ، فَمَا أَسْرَعَ الْمُلْتَقَى! (1)

[دستور معالم الحكم ص 121 ]

30 - وقال عليه السلام: الْحَذَرَ الْحَذَرَ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَتَرَ، حَتَّى كَأَنَّهُ قَدْ غَفَرَ(2).

[المنة المختارة للجاحظ ]

-31 - وسئل عليه السلام عن الإيمان فقال:

الْإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ : عَلَى الصَّبْرِ، وَالْيَقِينِ، وَالْعَدْلِ، وَالْجِهَادِ، وَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى الشَّوْقِ، وَالشَّفَقِ(3)، وَالزُّهْدِ، وَالتَّرَقُبِ: فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ؛ وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا أَسْتَهَانَ بِالْمُصِيبَاتِ؛ وَمَنِ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ فِي الْخَيْرَاتِ.

وَالْيَقِينُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبِ : عَلَى تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ، وَتَأْقُلِ الْحِكْمَةِ(4)، وَمَوْعِظَةِ الْعِبْرَةِ(5)، وَسُنَّةِ الْأَوَّلِينَ(6)، فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي الْفِطْنَةِ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ، وَمَنْ تَبَيَّنَت لَهُ الْحِكْمَةُ؛ عَرَفَ الْعِبْرَةَ؛ وَمَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الْأَوَّلِينَ.

وَالْعَدْلُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبِ : عَلَى غَائِصِ الْفَهْمِ، وَغَوْرِ الْعِلْمِ(7)، وَزُهْرَةِ


1) يطلبك الموت من خلفك ليلحقك وأنت مدبر إليه تقرّب عليه المسافة.

2) الضمير لله، ستر مخازي عباده حتى ظُنّ أنّه غفرها لهم ويوشك أن يأخذهم بمكره، وهذا هو الاستدراج.

3) الشَّفَق - بالتحريك - : الخوف.

4) تأول الحكمة: الوصول إلى دقائقها.

5) العبرة: الاعتبار والاتعاظ بأحوال الأوّلين وما رزئوا به عند الغفلة وما حظوا به عند الانتباه.

6) سنة الأولين: طريقتهم وسيرتهم.

7) غَوْر العلم: سرّه وباطنه.

الحُكْمِ(1)، وَرَسَاخَةِ الْحِلْمِ، فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ وَمَنْ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الْحُكْمِ (2)وَمَنْ حَلْمَ لَمْ يُفَرِّط فِي أَمْرِهِ، وَعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيداً.

وَالْجِهَادُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالصِّدْقِ فِي الْمَوَاطِنِ (3)وَشَنَآنِ الْفَاسِقِينَ (4)فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ الْمُؤْمِنِينَ؛ وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أُنُوفَ الْمُنَافِقِينَ؛ وَمَنْ صَدَقَ فِي الْمَوَاطِنِ قَضَى مَا عَلَيْهِ؛ وَمَنْ شَنِئَ الْفَاسِقِينَ وَغَضِبَ لِلَّهِ غَضِبَ اللهُ لَهُ وَأَرْضَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَالْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: عَلَى التَّعَمُّقِ(5)، وَالتَّنَازُعِ، وَالزَّيْغِ (6)، وَالشَّقَاقِ (7)فَمَنْ تَعَمَّقَ لَمْ يُنِبْ (8)إِلَى الْحَقِّ؛ وَمَنْ كَثُرَ نِزَاعُهُ بِالْجَهْلِ دَامَ عَمَاهُ عَنِ الْحَقِّ؛ وَمَنْ زَاغَ سَاءَتْ عِنْدَهُ الْحَسَنَةُ، وَحَسُنَتْ عِنْدَهُ السَّيِّئَةُ، وَسَكِرَ سُكْرَ الضَّلَالَةِ، وَمَنْ شَاقَ وَعُرَتْ عَلَيْهِ طُرْقُهُ(9)، وَأَعْضَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ (10)، وَضَاقَ عَلَيْهِ مَخْرَجُهُ.


1) زُهرة الحُكم - بضم الزاي : أي حُسنه.

2) الشرائع: جمع شريعة، أصلها مورد الشاربة، والمراد - هنا - الظاهر المستقيم من المذاهب، وصدر عنها: أي رجع عنها بعدما اغترف ليفيض على الناس مما اعترف فيحسن حكمه.

3) الصدق في المواطن: مواطن القتال في سبيل الحق.

4) الشَنآن - بالتحريك - البغض.

5) التعمّق: الذهاب خلف الأوهام على زعم طلب الأسرار.

6) الزيغ: الحَيّدان عن مذاهب الحق والميل مع الهوى الحيواني.

7) الشِقاق: العناد .

8) لم يُنِب: أي لم يرجع، أناب ينيب: يرجع.

9) وَعُرَ الطريقُ: خَشنَ ولم يسهل السير فيه.

10) أَعْضَلَ: اشتدّ وأعجزت صعوبته.

وَالشَّكُ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى التَّمَارِي(1)، وَالْهَوْلِ(2)، وَالتَّرَدُّدِ(3). وَالإِسْتِسْلَامِ (4)فَمَنْ جَعَلَ الْمِرَاءُ(5)دَيْدَنَا لَمْ يُصْبحْ لَيْلُهُ(6)وَمَنْ هَالَهُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ؛ وَمَنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّيْبِ وَطِئَتْهُ سَنَابِكُ الشَّيَاطِينِ (7)وَمَنِ اسْتَسْلَمَ لِهَلَكَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ هَلَكَ فِيهِمَا (8).

قَالَ الرَّضِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : وَبَعْدَ هَذَا كَلَامُ تَرَكْنَا ذِكْرَهُ خَوْفَ الْإِطَالَةِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ فِي هَذَا الْكِتَابِ.

32 - وقال عليه السلام: فَاعِلُ الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنْهُ، وَفَاعِلُ الشَّرِّ شَرٌّ مِنْهُ.

[ربيع الأبرار، ج 1]

33 - وقال عليه السلام: كُنْ سَمْحاً وَلَا تَكُنْ مُبَدِّراً، وَكُنْ مُقَدِّراً(9)وَلَا تَكُنْ مُقتراً (10).

[روض الأخيار، ص 38]

34 - وقال عليه السلام: أَشْرَفُ الْغِنَى ، تَرْكُ الْمُنَى (11). [تحف العقول ص 97]


1) التماري: التجادل لإظهار قوة الجدل لا لإحقاق الحق.

2) الهَوْل: مخافتك من الأمر لا تدري ما هجم عليك فتندهش.

3) التردّد: انتقاض العزيمة وانفساخها ثم عودها ثم انفساخها.

4) الاستسلام: إلقاء النفس في تيار الحادثات، أي ما أتى عليها يأتي.

5) المِراء - بكسر الميم - : الجَدل.

6) الدَيْدَن: العادة. وقوله: «لم يصبح ليله»: أي لم يخرج من ظلام الشك إلى نهار اليقين.

7) الريب: الظن، أي الذي يتردّد في ظنّه ولا يعقد العزيمة في أمره تطؤه سنابك الشياطين: جمع سُنبك، وهو طَرَف الحافر، أي تستزلّه شياطين الهوى فتطرحه في الهلكة.

8) من هذا الفصل أخذَتِ الصّوفية وأصحاب الطريقة والحقيقة كثيراً من فنونهم في علومهم.

9) المُقَدِّر : المقتصد كأنّه يقدّر كلّ شيء بقيمته فينفق على قدره.

10) المُقَتُر: المضيق فى النفقة كأنّه لا يعطي إلّا الفتر، أي الرمقة من العيش.

11) المُنى: جمع مُنْية، وهي ما يتمناه الإنسان لنفسه، وفي تركها غنى كامل، لأنّ من زهد شيئاً استغنى عنه .

35 - وقال عليه السلام: مَنْ أَسْرَعَ إِلَى النَّاسِ بِمَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا فِيهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ.

[غرر الحکم ص 289]

36 - وقال عليه السلام: مَنْ أَطَالَ الأَمَلَ أَسَاءَ الْعَمَلَ (1).[ التحف ص 211، والمئة المختارة ]

37 - وقال عليه السلام: وقد لَقِيَهُ عِندَ مَسِيرِهِ إِلى الشَّامِ دَهَاقِينُ الأنبار (2)فَتَرَجَلوا (3)له واشتدوا بين يديهِ (4): مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ؟ فَقَالُوا خُلُقٌ مِنَّا نُعَظمُ بِهِ أَمَرَاءَنَا: فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهَذَا أُمَرَاؤُكُمْ، وَإِنَّكُمْ لَتَشْقُونَ(5)بِهِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وَتَشْقَوْنَ(6)بِهِ فِي أُخْرَاكُمْ، وَمَا أَخْسَرَ الْمَشَقَّةَ وَرَاءَهَا الْعِقَابُ، وَأَرْبَحَ الدَّعَةَ (7)مَعَهَا الْأَمَانُ مِنَ النَّارِ !

[كتاب صِفّين لا بن مزاحم ص 144]

38 - قال عليه السلام لابنه الحسن(علیه السّلام): يَا بُنَيَّ أَحْفَظْ عَنِّي أَرْبَعاً وَأَرْبَعاً، لَا يَضُرُّكَ مَا عَمِلْتَ مَعَهُنَّ: إِنَّ أَغْنَى الغِنَى الْعَقْلُ، وَأَكْبَرَ الْفَقْرِ الْحُمْقُ، وَأَوْحَشَ الْوَحْشَةِ الْعُجْبُ(8)، وَأَكْرَمَ الْحَسَبِ حُسْنُ الْخُلُقِ.

يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْأَحْمَقِ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرَّكَ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْبَخِيلِ، فَإِنَّهُ يَقْعُدُ عَنْكَ أَحْوَجَ(9)مَا تَكُونُ إِلَيْهِ؛ وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْفَاجِرِ، فَإِنَّهُ


1) طول الأمل: الثقة بحصول الأماني بدون عمل لها أو استطالة العمر والتسويف بأعمال الخير.

2) الدّهاقين: جمع دِهقان، وهو زعيم الفلاحين في العَجَم، والأنبار: من بلاد العراق.

3) ترجّلوا: أي نزلوا عن خيولهم مُشاةٌ.

4) اشتدُّوا: بين يديه أسرعوا.

5) تَشُقُون: من المشقّة.

6) تَشْقُون الثانية - بسكون الشين - من الشقاوة.

7) الدّعَة: الراحة.

8) العُجب: الإعجاب بالنفس، ومن أعجِب بنفسه مقته الناس، فلم يكن له أنيس وبات في وحشة دائمة.

9) «أحوجَ» حال من الكاف في «عَنك».

يَبِيعُكَ بِالتَّافِهِ(1)وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْكَذَّابِ، فَإِنَّهُ كَالسَّرَابٍ (2): يُقَرِّبُ عَلَيْكَ الْبَعِيدَ، وَيُبَعدُ عَلَيْكَ الْقَريب.

[ربيع الأبرار، ج 1]

39 - وقال عليه السلام: لَا قُرْبَةَ بِالنَّوافِلِ إِذَا أَضَرَّتْ بِالْفَرَائِضِ (3)

والمراد أنّ المتطوّع بما لم يكتب عليه لا يقربه إلى الله تطوّعه إذا قصّر في أداء الواجب، كمن ينقطع للصلاة والذكر ويفرّ من الجهاد.

. [غرر الحكم ص 345]

40 - وقال عليه السلام: لِسَانُ الْعَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ، وَقَلْبُ الْأَحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ.

قالَ الرضيُّ (رحمه الله) : وَهَذَا مِنَ الْمَعَانِي الْعَجِيبَةِ الشَّرِيفَةِ، وَالمُرَاد بِهِ أَنَّ العَاقِلَ لا يُطْلِقُ لِسَانَهُ إِلَّا بَعْدَ مُشاوَرَةِ الرَّوِيَّةِ، ومُؤَامَرَةِ الْفِكْرَةِ، والأَحْمَقُ تَسْبِقُ حَذَفَاتُ لسانِهِ (4)، وَفَلَتاتُ كَلامِهِ، مُرَاجَعَةَ فِكْرِهِ (5)، وَمُمَاخَضَةَ رَأْيِهِ (6). فَكَأَنَّ لِسانَ الْعاقِلِ تابع لِقَلْبِهِ، وَكَأَنَّ قَلْبَ الْأَحْمَقِ تابع للسَانِهِ.

41 - وقَدْ رُوِيَ عنهُ عَلَيْهِ السَّلَام هَذَا المَعْنَى بلفظ آخَرَ وهُو قَوْلُهُ:

قَلْبُ الْأَحْمَقِ فِي فِيهِ، وَلِسَانُ الْعَاقِلِ فِي قَلْبِهِ. وَمَعْنَاهُما وَاحِدٌ.

[رواهما الجاحظ في المئة المختارة]

42 - وقال عليه السلام لبعض أصحابه في علة اعتلها:

جَعَلَ اللهُ مَا كَان مِنْكَ مِنْ شَكْوَاكَ حَطَّاً لِسَيِّئَاتِكَ، فَإِنَّ الْمَرَضَ لَا أَجْرَ فِيهِ. وَلَكِنَّهُ يَحُطُّ السَّيِّئَاتِ وَيَحُتُهَا حَتَّ الْأَوْرَاقِ(7)، وَإِنَّمَا الْأَجْرُ فِي الْقَوْلِ


1) التافه: القليل.

2) السراب: ما يراه السائر الظمآن في الصحراء فيحسبه ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً .

3) النوافل: جمع نافلة، و وهي ما يُتطوّع به من الأعمال الصالحات زيادة على الفرائض المكتوبة.

4) حَذَفات :اللسان: ما يلقيه الأحمق من العبارات العَجلَى بدون رويّة ولا تفكير.

5) مراجعة الفكر: أي التروي فيما سبق به اللسان. و «مراجعة» وما بعده مفعول تسبق، وحذفات فاعله.

6) مُمَاخَضَة الرأي: تحريكه حتى يظهر زُبده، وهو الصواب.

7) حَتُ الورق عن الشجرة: قَشْرَهُ، والصبر على العلّة: رجوع إلى الله واستسلام لقدره، وفي ذلك خروج اليه من جميع السيئات وتوبة منها، لهذا كان يَحُبُّ الذنوب.

بِاللِّسَانِ، وَالْعَمَلِ بِالْأَيْدِي وَالْأَقْدَامِ، وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يُدْخِلُ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَالسَّرِيرَةِ الصَّالِحَةِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الْجَنَّةَ.

[كتاب صِفّين ص 528]

قال الرضيُّ (رحمه الله) : وأقولُ : صَدَقَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّ المَرَضَ لا أَجرَ فيه، لأنّهُ مِنْ قَبيل ما يُستَحَقُّ عَلَيْهِ العِوَضُ؛ لأنَّ العِوَضَ (1)يُستحقُ على ما كانَ فِي مقابلة فِعْلِ اللهِ تَعَالَى بِالعَبدِ مِنَ الآلام والأمراضِ وَمَا يجْرِي مَجرَى ذلِكَ، وَالأَجْرُ والثوابُ يُستحقان على ما كانَ في مُقابِل فِعْل العَبْدِ، فَبَيْنَهُما فَرقٌ قَدْ بَيَّنَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا يَقتَضيهِ عِلمُهُ الثَّاقِبُ ورأيُهُ الصَّائِبُ.

43 - وقال عليه السلام في ذِكْرِ خَبَّاب (2)

نزل خبّابُ إلى الكوفة، ومات بها في سنة سبع وثلاثين، وقيل: تسع وثلاثين، بعد أن شهد مع أميرالمؤمنين(علیه السّلام) صِفّين ونَهروان، وصلّى عليه عليُّ(علیه السّلام)، وكانت سنُّه يومَ مات ثلاثاً ثلاثاً وسبعین سنة، ودُفِن بظّهر الكوفة، وهو أوّل من دُفِن بظّهر الكوفة، وعبدالله بن خَبَاب هو الذي قتله الخوارج، فاحتجّ علي(علیه السّلام) به وطالبهم بدمه.

: رَحِمَ اللهُ خَبَّابَ بْنِ الْأَرَتْ، فَلَقَدْ أَسْلَمَ رَاغِباً، وَهَاجَرَ طَائِعاً، وَقَنعَ بِالْكَفَافِ (3)، وَرَضِيَ عَنِ اللهِ، وعَاشَ مُجَاهِداً .

[أسد الغابة ج 2 ص 100]

44 - وقال عليه السلام: طُوبَى لِمَنْ ذَكَرَ الْمَعَادَ، وَعَمِلَ لِلْحِسَابِ، وَقَنعَ بِالْكَفَافِ،


1) الضمير في «لأنّه» للمرض، أي أنّ المرض ليس من أفعال العبدلله حتى يؤجر عليها، وإنّما هو من أفعال الله بالعبد التي ينبغي أنّ الله يعوّضها عن آلامها والذي قلناه في المعنى أظهر من كلام الرضي.

2) هو خَبَّاب بن الأرت التميمي، كان من فقراء المسلمين وخيارهم، وكان به مرض وكان في الجاهلية حداداً يَعمل السيوف، وهو قديمُ الإسلام؛ قيل إنّه كان سادس ستة، وشهد بَدْراً وما بعدها من المشاهد، وهو معدودٌ في المعذّبين في الله؛ سأله عمرُ أيام خلافته: ما لقيت من أهل مكة؟ فقال: انظُر إلى ظهري؛ فنظر فقال: ما رأيت كاليوم ظَهرَ رجل! فقال خبَاب: أوقدوا لي ناراً وسُحِبت عليها، فما أطفأها إِلّا وَدَلُ ظَهْري.

3) الكفاف: العيش الوسط الذي يكفي الإنسان حاجاته الأصلية.

وَرَضِيَ عَنِ اللهِ. [كتاب صِفّين ص 531]

45 - وقال عليه السلام: لَوْ ضَرَبْتُ خَيْشُومَ الْمُؤْمِنِ (1)بِسَيْفِي هَذَا عَلَى أَنْ يُبْغِضَنِي مَا أَبْغَضَنِي، وَلَوْ صَبَبْتُ الدُّنْيَا بِجَمَّاتِهَا (2)عَلَى الْمُنَافِقِ عَلَى أَنْ يُحِبَّنِي مَا أحَبَّني، وَذَلِكَ أَنَّهُ قُضِيَ فَأَنْقَضَى عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَنَّهُ قَالَ : « يَا عَلِيُّ، لَا يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يُحِبُّكَ مُنَافِقٌ » (3).

[ربيع الأبرار، ج 1 ص 138]

46 - وقال عليه السلام: سَيِّئَةٌ تَسُوؤُكَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ حَسَنَةٍ تُعْجِبُكَ (4).

العقد الفريد، ج 1 ص 147]

47 - وقال عليه السلام: قَدْرُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ، وَصِدْقُهُ عَلَى قَدْرِ مُرُوءَتِهِ، وَشَجَاعَتُهُ عَلَى قَدْرِ أَنْفَتِهِ، وَعِفَّتُهُ عَلَى قَدْرِ غَيْرَتِهِ. [مجمع الأمثال ج 2 ص 450]

48- وقال عليه السلام: الظُّفَرُ بِالْحَزْمِ، وَالْحَزْمُ بِإِجَالَةِ الرَّأْيِ، وَالرَّأْيُ بِتَحْصِينِ الْأَسْرَارِ.

[نهاية الأرب ج 6 ص 62]

49 - وقال عليه السلام: أَحْذَرُوا صَوْلَةَ الْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ، وَاللَّهِيمِ إِذَا شَبعَ (5)

لا يصبرُ الحُرُّ تحت ضَيْمٍ *** وإنما يصبر الحِمارُ

ومثل المعنى الثانى قولُ أبي الطيّب:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكتَهُ*** وإن أنتَ أكرمتَ اللّئيم تَمرّدا

(غرر الحكم]

1) الخيشوم: أقصى الأنف وأصله.

2) جَمَاتها: جمع جَمَة، وهم وهى المكان يجتمع فيه الماء، والجمّة من السفينة مُجْتَمَعُ الماء المترشّح من ألواحها، وهذه استعارة، أي لو كفأتُ عليهم الدنيا بجليلها وحقيرها.

3) وهذا الخبرُ مَرُويٌّ في الصحاح بغير هذا اللفظ: «لا يُحبُّك إلّا مؤمن، ولا يبغضك إلّا منافق».

4) لأنّ الحسنة المعجبة ربما جرّ الإعجاب بها إلى سيئات، والسيئة المسيئة ربما بعث الكدر منها إلى حسنات.

5) ليس يعني بالجوع والشَّبع ما يتعارفه الناس، وإنما المراد، احذروا صَوّلة الكريم إذا ضِيمَ،وامتّهن، وأحذَرُوا صَوْلة اللئيم إذا أكِرم. ومثِل المعنى الأوّل قول الشاعر:

50 - وقال عليه السلام: قُلُوبُ الرِّجَالِ وَحْشِيَّةٌ، فَمَنْ تَأَلَّفَهَا أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ (1)

وإنّي لوَحْشِيُّ إِذا ما زجرْتَني *** وإنّي إذا ألفتَنى لألوفُ

.

]ربيع الأبرار، باب المحبة ج1 ]

51 - وقال عليه السلام: عَيْبُكَ مَسْتُورُ مَا أَسْعَدَكَ جَدُّكَ (2).

[ ربيع الأبرار، ج 1]

52 - وقال عليه السلام: أَوْلَى النَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ.

[نهاية الإرب ج 3: 258]

53 - وقال عليه السلام: السَّخَاءُ مَا كَانَ ابْتِدَاءً، فَإِذَا كَانَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَحَيَاء وَتَذَمُّمٌ(3)هو أبو القيان محمد بن سلطان بن محمد بن خيُّوس الشاعر الشامي المشهور، له ديوان شعر كبير ، مدح بني مرداس في حلب بقصائد أنيقة. (4)

إني دعوتُ نَدَى الكِرام فلم يُجِبْ ***فلأَشْكُرَنَّ نَدى أجابَ وما دُعِي

ومن العجائب والعجائب جَمَّةٌ *** شکرٌ بطِيٌ عن نَدَى المتسرّعِ

.

[أدب الدنيا والدين ص 165]

54 - وقال عليه السلام: لَا غِنَى كَالْعَقْلِ، وَلَا فَقْرَ كَالْجَهْلِ، وَلَا مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ، وَلَا ظَهِيرَ كَالْمُشَاوَرَةِ.

[تحف العقول ص 201 ]


1) هذا مثل قولهم: من لان استمال، ومن قسا نفّر، وما استُعبد الحُرّ بمثل الإحسان إليه. وقال الشاعر:

2) الجَدّ - بالفتح - : الحظ، أي ما دامت الدنيا مقبلة عليك. وقد سُمع من امرأةٍ من الأعراب تُرقص ابناً لها فتقول له: رَزَقك الله جَداً يَخدمُك عليه ذَوُو العقُول، ولا رَزقَك عقلاً تَخْدُم به ذوي الجدُود.

3) التذمّم: الفرار من الذمّ، كالتأثّم والتحرّج. ويعجبني في هذا المعنى قولُ ابن حَيُّوس

4) :

55 - وقال عليه السلام: الصَّبْرُ صَبْرَانِ : صَبْرُ عَلَى مَا تَكْرَهُ، وَصَبْرٌ عَمَّا تُحِبُّ (1).

[أصول الكافي ج 2 ص 90]

56 - وقال عليه السلام: الْغِنَى فِي الْغُرْبَةِ وَطَنَّ، والْفَقْرُ فِي الْوَطَنِ غُرْبَةُ. [الغرر، ص 33]

57 - وقال عليه السلام: الْقَنَاعَةُ مَالٌ لا يَنْفَدُ (2)

وما الناسُ إلّا واجدٌ غير قانعٍ*** بأرزاقِه أو طالبٌ غيرُ واجدِ

قال رجلٌ لبقراط ورآه يأكل العُشْب: لو خدمتَ المَلِك لم تحتج إلى أن تأكل الحشيشَ، فقال له: وأنتَ إن أكلتَ الحشيش لم تحتج أن تخدم المَلِك!

.

[روضة الكافي 18]

قال الرضي (رحمه الله) : وَقَدْ رُوي هذا الكلام عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ .

58 - وقال عليه السلام: إِذَا حُيِّيتَ بِتَحِيَّةٍ فَحَيِّ بِأَحْسَنَ مِنْهَا، وَإِذَا أُسْدِيَتْ إِلَيْكَ يَدُ فَكَافِتْهَا بِمَا يُرْبِي عَلَيْهَا، وَالْفَضْلُ مَعَ ذَلِكَ لِلْبَادِيُّ.

[ نهاية الأرب ج 6 ص 25]

59 - وقال عليه السلام: اَلْمَالُ مَادَّةُ الشَّهَوَاتِ.

[مطالب السؤول ج 1 ص 164 ]

60 - وقال عليه السلام: مَنْ حَذَرَكَ(3)، كَمَنْ يَشْرَكَ (4). [سراج الملوك للطرطوشي ص 383]

61 - وقال عليه السلام: اللّسَانُ سَبع، إِنْ خُلّى عَنْهُ عَقَرَه(5).

[الاختصاص للمفيد ص 229 ]

62 - وقال عليه السلام: الْمَرْأَةُ عَقْرَبُ حُلْوَةُ اللَّسْبَة (6).

[ربيع الأبرار باب المحبة]


1) النوع الأول أشقّ من النوع الثاني، لأنّ الأول صبرٌ على مضرّة نازلة، والثاني صبرٌ على محبوب متوقّع لم يحصل.

2) وكان يقال: الناس رجلان واجدُ لا يَكتفِي، وطالبٌ لا يَجِد، أخَذَه الشاعر فقال :

3) التحذير هو النّصح، والنّصح واجب، وهو تعريفُ الإنسان ما فيه صلاحُه، وقد جاء في الخبر الصحيح «الدين النصيحة»، فقيل: يا رسول، لمن؟ فقال: «لعامّة المسلمين».

4) أي ينبغي لك أن تُسَرّ بتحذيره لك، كما تُسَرُ لو بشّرك بأمرٍ تحبه.

5) عقر: عَض، ومنه الكلب العَقُور.

6) اللَّسْبَة: اللّسعة، لَسَبَتْه العقرب - بالفتح - : لسعته، ولَسِبْتُ العسل - بالكسر ، أي لعقْتُه [وفي نسخة عبده: «حَلْوَة اللَّبْسَة»] واللّبسة بالكسر: حالة بالكسر: حالة من حالات اللُّبس بالضم، يقال:لبست فلانة، أي عاشرتها زمناً طويلاً، والعقرب لا تحلو لبستها، أمّا المرأة فهي هي في الإيذاء لكنها حلوة اللبسة.

63 - وقال عليه السلام: الشَّفِيعُ جَنَاحُ الطَّالِبِ. [المئة المختارة للجاحظ ]

64 - وقال عليه السلام: أَهْلُ الدُّنْيَا كَرَكْبِ يُسَارُ بِهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ. [تحف العقول ص 52]

65 - وقال عليه السلام: فَقْدُ الْأَحِبَّةِ غُرْبَةُ(1)

أسرة المرء والدهُ وقيما *** بين حِضْنَيْهما الحياةُ نَطِيبُ

وإذا وَليا عن المرءِ يَوماً *** فهوَ في الناس أجنبيٌّ غَرِيبٌ

وقال آخر:

إذا مضى القَرْنُ الذي كنتَ فيهمُ*** وخُلَفتَ في قَرْنٍ فأنتَ غَرِيبٌ

القرن: الجيل من الناس. (2). [مجمع الأمثال ج 2 ص 83]

66 - وقال عليه السلام: فَوْتُ الْحَاجَةِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِهَا إِلَى غَيْرِ أَهْلِهَا.

[التحف، 359]

67 - وقال عليه السلام: لَا تَسْتَح مِنْ إِعْطَاءِ الْقَلِيلِ، فَإِنَّ الْحِرْمَانَ أَقَلُّ مِنْهُ (3).

[نهاية الإرب ج 3 ص 204]

68 - وقال عليه السلام: الْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ(4)

أَقسِم بالله لَمَضُ النَّوَى *** وشربُ ماءِ القُلُب المالِحَة

أحسنُ بالإنسان من ذُلُّه *** ومن سؤالِ الأوجُهِ الكالِحَة

، وَالشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى.

[تحف العقول، ص 90]

69 - وقال عليه السلام: إِذَا لَمْ يَكُنْ مَا تُريدُ فَلَا تُبَلْ كَيْفَ كُنْتَ (5)

إذا لم تَسْتَطِعْ شَيْئاً فَدَعْهُ ***وجاوِزهُ إلى ما تَسْتَطِيعُ

.

[ الغرر، ص 140]


1) قال الشاعر:

2)

3) هذا نوع من الحثُ على الإفضال والجُود لطيف، وقد استُعمِل كثيراً في الهديّة والاعتذار لِقِلّتها. وسُئِل أرسطو هل من جُودٍ يستطاع أن يُتناول به كلُّ أحد؟ قال: نعَم، أن تَنوِي الخير لكلّ أحد.

4) ومن أمثالهم المشهورة: «تجوعُ الحُرّة ولا تأكل بثَدييها». وأنشد الأصمعيّ لبعضهم:

5) مرادُه: إذا لم يكن ما تُريد فلا تُبَل لذلك، أي لا تكترِث بفُوتْ مُرادِك ولا تَبْتَيس بالحِرمان، وإذا كان لك مرام لم تنله فاذهب في طلبه كلّ مذهب ولا تبال إن حقروك أو عظّموك فإنّ محطّ السير الغاية وما دونها فداء لها، وقد يكون المعنى إذا عجزت عن مرادك فارض بأي حال، على رأي القائل:

70 - وقال عليه السلام: لَا يُرَى الْجَاهِلُ إِلَّا مُفرِطاً أَوْ مُفَرِّطاً. [نهاية ابن الأثير، ج 3 ص 435]

71 - وقال عليه السلام: إِذَا تَمَّ الْعَقْلُ نَقَصَ الْكَلَامُ.

[مجمع الأمثال ج 2 ص 454]

72 - وقال عليه السلام: الدَّهْرُ يُخْلِقُ الْأَبْدَانَ(1)، وَيُجَدِّدُ الأمَالَ، وَيقَرِّبُ الْمَنِيَّةَ، ويُبَاعِدُ الْأُمْنِيَّةَ (2)مَنْ ظَفِرَ بِهِ نَصَبَ (3)، وَمَنْ فَاتَهُ تَعِب. [تذكرة الخواص ص 133]

13 - وقال عليه السلام: مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيم غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ، وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالإِجْلَالِ مِنْ مُعَلِّم النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ.

[المستطرف ج 1 ص 20]

74 - وقال عليه السلام: نَفَسُ الْمَرْءِ خُطَاهُ إِلَى أَجَلِهِ (4). [غرر الحكم ص 322 ]

75 - وقال عليه السلام: كُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ، وَكُلُّ مُتَوقَّع آتٍ.

[غرر الحكم ص 237]

76 - وقال عليه السلام: إِنَّ الْأُمُورَ إِذَا اشْتَبَهَت أعتُبِرَ أَخِرُهَا بِأَوَّلِهَا(5).

[كتاب صِفّين لا بن مزاحم ص 476]

77 - ومنْ خبر ضرَارِ بْنِ سَمُرَةَ الصّابي عند دخوله على معاوية، ومسألته لهُ عن أميرالمؤمنين عليه السلام، قال: فأشهد لقد رأيتُهُ في بعض مواقفه وقَدْ أرْخى اللّيلُ


1) يُخْلِقُ الأبدان : أي يبليها.

2) بباعِدُ الأمنيّة: أي يجعلها بعيدة صعبة المنال.

3) نَصِبَ: أعيى، ومن ظفر بالدهر لزمته حقوق و حفّت به شؤون يعييه ويعجزه مراعاتها وأداؤها، هذا إلى ما يتجدّد له من الآمال التي لا نهاية لها وكلّها تحتاج إلى طلب ونصُب.

4) نفسُ المرء خُطاهُ إلى أجلهِ: كأنّ كلّ نَفْسٍ يتنفّسه الإنسان خطوة يقطعها إلى الأجل.

5) اعتبر آخرُها بأوّلها: أي يقاس آخرها على أولها، فعلى حسب البدايات تكون النهايات. وروي: «إذا استبْهَمَتْ»، والمعنى واحد.

سُدوله (1)وهو قائم في محرابه قابض على لحيته، يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ (2)السليم (3)، ويُبكي بكاء الحزين وهو يقولُ:

يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا، إِلَيْكِ عَنِّي أَبِي تَعَرَّضْتِ(4)؟ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ؟ لَا حَانَ حَينُكِ(5)، هَيْهَاتَ، غُرِّي غَيْرِي، لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلاثاً، لا رَجْعَةً فِيهَا، فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ، وَخَطَرُكِ يَسِيرٌ، وَأَمَلُكِ حَقِيرٌ. آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ، وَطُولِ الطَّرِيقِ،

وبُعْدِ السَّفَرِ، وَعَظِيمِ الْمَوْرِدِ (6)!

[مروج الذهب ج 2 ص 433]

78 - ومن كلامه عليه السلام للسائل الشامي لمّا سأله: أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدر؟ بعد كلام طويل هذا مختاره:

وَيْحَكَ! لَعَلَّكَ ظَنَنْتَ قَضَاءً (7)لازماً، وَقَدَراً (8)حَاتِما(9)، لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، وَسَقَطَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ. إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخْيِيراً، وَنَهَاهُمْ تَحْذِيراً، وَكَلَّفَ يَسِيراً، وَلَمْ يُكَلِّفُ عَسِيراً، وَأَعْطَى عَلَى الْقَلِيل


1) السُّدُول: جمعُ سَدِيل، وهو ما أسدل على الهَودَج، ويجوز في جَمْعه أيضاً أسدال وسدائل ، وهو ههنا استعارة، أرخى سُدُوله: أي حجبّ ظلامه.

2) التَملَمُل والتّملّل أيضاً: عدم الاستقرار من المرض، كأنّه على مَلَّةٍ، وهي الرّماد الحارَ.

3) السليم: الملدوغ من حيّة ونحوها .

4) تَعرِض به - كتعرّضه - : تصدّى له وطلبه.

5) «لا حان حَينُك» دعاء عليها، أي لا حَضَر وَقتك، كما تقول: لا كنت، يقول(علیه السّلام) : لا جاء وقت وصولك لقلبي وتمكّن حبك منه.

6) المَوْرد: موقف الورود على الله في الحساب.

7) القضاء: علم الله السابق بحصول الأشياء على أحوالها في أوضاعها.

8) القدر: إيجاد الله للأشياء عند وجود أسبابها، ولا شيء منهما يضطر العبد لفعل من أفعاله، فالعبد وما يجد من نفسه من باعث على الخير والشر، ولا يجد شخص إلّا أن اختياره دافعه إلى ما يعمل، والله يعلمه فاعلاً باختياره إمّا شقيّاً به وإمّا سعيداً، والدليل ما ذكره الإمام.

9) الحاتم: الذي لا مفرّ من وقوعه حتماً.

كَثِيراً؛ وَلَمْ يُعْض مَغْلُوباً، وَلَمْ يُطْعْ مُكْرِهاً، وَلَمْ يُرْسِلِ الْأَنْبِيَاءَ لَعِباً، وَلَمْ يُنْزِلِ الْكُتُبَ لِلْعِبَادِ عَبَثاً، وَلَا خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ» . [أصول الكافي ج 1 ص 195]

79 - وقال عليه السلام: خُذِ الْحِكْمَةَ أَنَّى كَانَتْ، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ تَكُونُ فِي صَدْرِ الْمُنَافِقِ فَتَلَجْلَجُ(1)فِي صَدْرِهِ حَتَّى تَخْرُجَ فَتَسْكُنَ إِلَى صَوَاحِبِهَا فِي صَدْرِ الْمُؤْمِنِ.

[البيان والتبيين ج 2 ص 24]

80- وقال عليه السلام: الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَخُذْ الْحِكْمَةَ وَلَوْ مِنْ أَهْلِ الْنِّفَاقِ(2).

[عيون الأخبار، ج 2 ص 123]

81 - وقال عليه السلام: قِيمَةُ كُلِّ أَمْرِى مَا يُحْسِنُهُ.

[عيون الأخبار، ج 2 ص 10]

قَالَ الرَّضيّ (رحمه الله) : وَهَذه الْكَلِمَةُ الَّتِي لا تُصَابُ لها قِيمَةٌ، وَلَا تُوزَنُ بِهَا حِكْمَةٌ، وَلَا تُقْرَنُ إِلَيْها كَلِمَةٌ.

82 - وقال عليه السلام: أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ لَوْ ضَرَبْتُمْ إِلَيْهَا آبَاطَ الْإِبِلِ(3)لَكَانَتْ لِذَلِكَ أَهْلاً : لَا يَرْجُوَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا رَبَّهُ، وَلَا يَخَافَنَّ إِلَّا ذَنْبَهُ، وَلَا يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ : لا أَعلَمُ، وَلَا يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ إِذَا لَمْ يَعْلَم الشَّيْءَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ، فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الْإِيمَانِ كَالرَّاسِ مِنَ الْجَسَدِ، وَلَا خَيْرَ فِي جَسَدٍ لَا رَأْسَ مَعَهُ، وَلَا خَيْرَ فِي إِيمَانٍ لَا صَبْرَ مَعَهُ .[عيون الأخبار، ج 2 ص 119]


1) تَلَجْلَج - بحذف إحدى التاثين تخفيفاً : أي تتحرك.

2) خَطَبَ الحجّاج فقال: «إنّ الله أمرنا بطلب الآخرة، وكفانا مؤونة الدّنيا، فليتَنا كُفِينا مؤونة الآخرة وأُمِرنا بطلب الدنيا!» فسمعها الحسن فقال: هذه ضالّة المؤمن خرجت من قلب المنافق.

3) الآباط: جمع إبط، وضرب الأباط كناية عن شدّ الرحال وحثّ المسير.

83 - وقال عليه السلام لرجل أفَرطَ في الثَّناء عليه، وكانَ لهُ مُتَّهِما: أَنَا دُونَ مَا تَقُولُ ، وفَوْقَ مَا فِى نَفْسِكَ.

[محاضرات الراغب ج 1 ص 175 ]

84 - وقال عليه السلام: بَقِيَّةُ السَّيْفِ أَنْمَى عَدَداً، وَأَكْثَرُ وَلَداً (1)

[العقد الفريد، ج 1 ص 102] .

85 - وقال عليه السلام: مَنْ تَرَكَ قَوْلَ «لَا أَدْرِي» أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ (2).

[قوت القلوب ج 1 ص 277]

86 - وقال عليه السلام: رَأْيُّ الشَّيْخِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَلَدِ الْغُلَامِ(3).

ويُرْوَى: «مِنْ مَشْهَدِ الْغُلَامِ» (4)

ولذلك قال أبو الطيّب: الرأيُ قبل شجاعة الشُّجعان ***هو أولُ وهي المحلُّ الثاني

وإذا هما اجتمَعا لنفسٍ مِرّةٍ*** بلغت من العَلْيَاءِ كلَّ مكانِ

ولرُبما طَعن الفتى أقرانَه *** بالرّأي قبل تطاعن الأقرانِ

.

[غرر الحکم ص 187]

87 - وقال عليه السلام: عَجِبْتُ لِمَنْ يَقْنَطُ وَمَعَهُ الاِسْتِغْفَارُ (5). [الكامل ج 1 ص 177 ] .

88 - وحكى عنه أبو جعفر محمّد بن علي الباقر عليهما السلام أنّه كان عليه السلام قال:

كَانَ فِي الْأَرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَقَدْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا، فَدُونَكُمْ الْآخَرَ


1) بقية السلف: هم الذين يبقون بعد الذين قُتلوا في حفظ شرفهم ودفع الضيم عنهم، وفضّلوا الموت على الذلّ، فيكون الباقون شرفاء نجداء، فعددهم أبقى وولدهم يكون أكثر ، بخلاف الأذلاء فإنّ مصيرهم إلى المحو والفناء.

2) مقاتله: مواضع قتله؛ لأنّ مَن قال ما لا يعلم عُرِف بالجهل، ومن عرفه الناس بالجهل مقتوه فحرم خيره كلّه فهلك. وقال بعض الفُضَلاء: إذا قال لنا إنسانُ: «لا أدري» علَّمناه حتى يَدري، وإن قال: أدري، امتحنّاه حتى لا يدري.

3) جَلَد الغلام: صبره على القتال.

4) مَشْهَد الغلام: إيقاعه بالأعداء والرأي في الحرب أشدّ فعلاً في الإقدام، وإنّما قال كذلك لأنّ الشيخ كثيرُ التجربة، فيبلغ من العَدُوّ برأيه ما لا يبلُغ بشجاعته الغلامُ الحَدَث غير المجرّب.

5) أي التوبة.

فَتَمَسَّكُوا بِهِ، أَمَّا الْأَمَانُ الَّذِي رُفِعَ فَهُوَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَأَمَّا الْأَمَانُ الْبَاقِي وَ لإِسْتِغْفَارُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: «وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ». [تذكرة الخواص ص 133 ]

قال الرَّضِيُ (رحمه الله) : وهذا مِنْ مَحَاسِنِ الاِسْتِحْرَاجِ، وَلَطَّائِفِ الاِسْتَنْبَاطِ.

89 - وقال عليه السلام: مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ أَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ.

وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظُ، كَانَ عَلَيْهِ منَ اللهِ حَافِظٌ.

[تذكرة الخواص ص 133 ]

90 - وقال عليه السلام: الْفَقِيهُ كُلُّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَلَمْ يُؤْيِسْهُمْ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ(1)، وَلَمْ يُؤَمِّنْهُمْ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ(2).

[حلية الأولياء، ج 1 ص 177 ]

91 - وقال عليه السلام: إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانُ، فَبْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ الْحِكَمِ (3).

[العقد الفريد، ج 6 ص 279]

92 - وقال عليه السلام: أَوْضَعُ الْعِلْمِ(4)مَا وُقِفَ عَلَى اللّسَانِ(5)، وَأَرْفَعُهُ مَا ظَهَرَ فِي الْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ (6).

[روض الأخيار، ص 15]

93- وقال عليه السلام: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ(7)» لأَنَّهُ


1) رَوح الله: لطفه ورأفته.

2) مَكْرُ الله : أخذه للعبد بالعقاب من حيث لا يشعر.

3) طرائف الحِكَم: غرائبها المستطرفة، لتنبسط إليها القلوب كما تنبسط الأبدان لغرائب المناظر.

4) أوْضَع العلم: أي أدناه.

5) ما وقف على اللسان: أي لم يظهر أثره في الأخلاق والأعمال.

6) أركان البدن: أعضاؤه الرئيسية كالقلب والمخ.

7) الفتنة: أصل اللفظة الاختبار والامتحان، يقال: فتنت الذهب، إذا أدخلته النار لتنظر ما جَودته، ودينار مَفتون.

لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ مُشْتَمِلُ عَلَى فِتْنَةٍ، وَلَكِنْ مَنِ اسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : « وَاَعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ».

ومَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ لِيَتَبَيَّنَ السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ، وَالرَّاضِيَ بِقِسْمِهِ، وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلكِنْ لِتَظْهَرَ الْأَفْعَالُ الَّتِي بِهَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ؛ لأَنَّ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ الذُّكُورَ وَيَكْرَهُ الْإِنَاثَ، وَبَعْضَهُمْ يُحِبُّ تَثْمِيرَ الْمَالِ(1)، وَيَكْرَهُ أَنْثِلَامَ الْحَالِ(2).

[أمالي الطوسي ج 2 ص 193]

قَالَ الرَّضِيُ (رحمه الله) : وهَذَا مِنْ غَرِيبٍ ما سُمِعَ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام فِي التَّفْسِير .

94 - وسُئِلَ عَنِ الْخَيْرِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ: لَيْسَ الْخَيْرُ أَنْ يَكْثُرَ مَالُكَ وَوَلَدُكَ، وَلَكِنَّ الْخَيْرَ أَنْ يَكْثُرَ عِلْمُكَ، وَأَنْ يَعْظُمَ حِلْمُكَ ، وأَنْ تُبَاهِيَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ؛ فَإِنْ أَحْسَنْتَ حَمِدْتَ اللهَ، وَإِنْ أَسَأْتَ اسْتَغْفَرْتَ اللهَ وَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِرَجُلَيْنِ : رَجُلٍ أَذْنَبَ ذُنُوباً فَهُوَ يَتَدَارَكُهَا بِالتَّوْبَةِ، وَرَجُلٍ يُسَارِعُ فِي الْخَيْرَاتِ.

[حلية الأولياء، ج 1 ص 75]

95 - وقال عليه السلام: لَا يَقِلُّ عَمَلُ مَعَ الْتَقْوَى، وَكَيْفَ يَقِلُّ مَا يُتَقَبَّلُ؟

[تنبيه الخواطر، ص23]

96 - وقال عليه السلام: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالأَنْبِيَاءِ أَعْلَمُهُمْ(3)بِمَا جَاؤُوا بِهِ، ثُمَّ ثلا عَلَيْهِ


1) تثمير المال: إنماؤه بالربح.

2) انثلام الحال: نقصه.

3) هكذا الرواية «أعلمهم»، والصحيح «أعملهم»، لأنّ استدلاله بالآية يقتضى ذلك، وكذا قوله فيما بعدُ، فلم يذكر العلم، وإنّما ذكر العمل.

السَّلَامُ: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا..»، ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلام: إِنَّ وَلِيَّ مُحَمَّدٍ مَنْ أَطَاعَ اللهَ وَإِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ(1)، وَإِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ مَنْ عَصَى اللَّهَ وَإِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ (2).

[ربيع الأبرار باب التفاضل ]

97 - وَسَمِعَ عَلَيْهِ السَّلَام رَجُلاً مِنَ الْحَرُورِيَّةِ (3)خروراء: قرية بظاهر الكوفة، نزل بها الذين خالفوا علي بن أبي طالب (علیه السّلام)

و نَسبوا إليها. (4)يَتَهَجَّدُ (5)وَيَقْرَأُ، فَقَالَ:

نَوْمٌ عَلَى يَقِينِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةٍ عَلَى شَكٍّ.

[مطالب السؤول ج 1 ص 164 ]

98 - وقال عليه السلام: أَعْقِلُوا الْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ لَا عَقْلَ رِوَايَةٍ(6)، فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ. [محاضرات الأدباء، ج 1 ص 14]

99 - وَسَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» ، فَقَالَ عليه السلام: إِنَّ قَوْلَنَا «إِنَّا لِلَّهِ» إِقْرَارُ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْمِلْكِ (7)، وَقَوْلَنَا : « وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» إِقْرَارُ عَلَى


1) اللُحمة - بالضم - : النسب والقرابة.

2) وهذا مثلُ الحديث المرفوع: «ائتوني بأعمالكم، ولا تأتوني بأنسابكم، «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَاللَّهِ أَتْقَاكُمْ » (الحجرات : (13) وفي الحديث الصحيح: «يا فاطمة بنت محمد، إنّي لا أُغني عنك من الله شيئاً».

3) الحَرورية: الخوارج الذين خرجوا عليه بحروراء

4) .

5) يتهجّد: أي يصلي الليل.

6) أمرَهم (علیه السّلام) أن يعقلوا ما يَسمعونه عقل رِعاية، أي مَعرفة وفَهم، ونهاهم عن أن يقتصروا على روايته.

7) قوله: «إنّا لله» اعترافٌ بأنّا مملوكون الله، وعبيدٌالله؛ لأن هذه اللامُ لامُ التمليك، كما تقول: الدارُ لزيد.

أَنْفُسِنَا بِالْهُلكَ (1).

[تحف العقول ص 209]

100 - وقال عليه السلام وقد مَدَحَهُ قومُ فِي وجهه: اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي، وَأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي خَيْراً مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ !

[غرر الحكم ص 57]

101 - وقال عليه السلام : لَا يَسْتَقِيمُ قَضَاءُ الْحَوَائِجِ إِلَّا بِثَلَاثٍ : بِاسْتِصْغَارِهَا لِتَعْظُم(2).

وَبِاسْتِكْتَامِهَا لِتَظْهَرَ (3)، وَبِتَعْجِيلِهَا لِتَهْنُو (4).

[قوت القلوب ج 2 ص 222]

102 - وقال عليه السلام: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُقَرَّبُ فِيهِ إِلَّا الْمَاحِلُ(5)، وَلَا يُظَرَّفُ فِيهِ إِلَّا الْفَاجِرُ(6)، وَلَا يُضَعَّفُ فِيهِ إِلَّا الْمُنْصِفُ (7)، يَعُدُّونَ الصَّدَقَةَ فِيهِ غُرْماً (8)، وَصِلَةَ الرَّحِمِ مَنَّا(9)، وَالْعِبَادَةَ اسْتِطَالَةً عَلَى النَّاسِ(10)، فَعِنْدَ ذَلِكَ


1) الهُلك - بالضم - : الهلاك.

2) المراد استصغارها في الطلب لتعظم بالقضاء.

3) استكتامها: أي الحرص على كتمانها عند محاولتها لتظهر بعد قضائها، فلا تُعْلَم إلّا مقضيّة، وقد جاء في الحديث المرفوع: «استعينوا على حاجاتكم بالكِتمان؛ فإنّ كلّ ذي نِعْمَةٍ محسود».

4) وتعجيلها للتمكُن من التمتع بها فتكون هنيئة، ولو عظمت عند الطلب أو ظهرت قبل القضاء خيف الحرمان منها، ولو أخّرت خيف النقصان.

5) الماحِل: الساعي في الناس بالوشاية عند السلطان، يقال: مَحَل به إذا سَعَى به إلى السلطان فهو ماحِلٌ ومَحُول ؛ والمَحْل: المكر والكَيْد؛ والمُماحَلة : المماكَرة والمكايدة.

6) «لا يُظرف فيه إلّا الفاجر»، لا يَعُدّ الناسُ الإنسان ظريفاً إلا إذا كان خليعاً ماجناً متظاهراً بالفسق.

7) «ولا يُضعف فيه إلّا المنصِف» أي إذا رأوا إنساناً عنده وَرَع وإنصاف في معامِلته الناس عَدُّوه ضعيفاً، ونَسبوه إلى الرَّكة والرخاوة، وليس الشّهم عندهم إلّا الظالم.

8) الغَزم: الخسارة والغرامة.

9) المَنّ: ذكرك النعمة على غيرك مظهراً بها الكرامة عليه.

10) الاستطالة على الناس : التفوق عليهم والتزيّد عليهم في الفضل.

يَكُونُ السُّلْطَانُ بِمَشُورَةِ الْإِمَاءِ، وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ، وَتَدْبِيرِ الْخِصْيَانِ.

[الكامل للمبرد، ج 1 ص 177]

103 - وَرُنِي عَلَيْهِ إِزارُ خَلَقَ مَرْفُوعَ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ:

يَخْشَحُ لَهُ الْقَلْبُ، وَتَذِلُّ بِهِ النَّفْسُ وَيَقْتَدِي بِهِ الْمُؤْمِنُونَ

[الطبقات ج 3 ص 89]

104 - وقال عليه السلام: إِنَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ عَدُوَّانِ مُتَقَاوِتَانِ، وَسَبِيلَانِ مُخْتَلِفَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا وَتَوَلَّاهَا أَبْغَضَ الْآخِرَةَ وَعَادَاهَا، وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَاشٍ بِيْنَهُمَا كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعْدَ مِنَ الْآخَرِ، وَهُمَا بَعْدُ ضَرَّتَانِ.

[حلية الأولياء، ج 1 ص 83]

105 - وَعَنْ نَوْفٍ أَلْبَكَالِي (1)قَالَ: رَأَيْتُ أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامِ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ فِرَاشِهِ فَنظَرَ إِلَى النُّجُومِ، فَقَالَ: يَا نَوْفُ، أَرَاقِدٌ أَنْتَ أَمْ رَامِقٌ (2)؟ قُلْتُ: بَلْ رَامِقٌ يَا أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ:

يَا نَوْفُ، طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِيِينَ فِي الْآخِرَةِ! أُولَئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطاً، وَتُرَابَهَا فِرَاشاً، وَمَاءَهَا طِيباً، وَالْقُرْآنَ شِعَاراً(3)، وَالدُّعَاءَ دِثاراً(4)، ثُمَّ قَرَضُوا الدُّنْيَا قَرْضاً عَلَى مِنْهَاجِ الْمَسِيحِ (5).


1) قال صاحبُ الصّحاح: نَوْف البَكاليّ كان صاحب عليّ(علیه السّلام) . وقال ثعلب: هو منسوب إلى قبيلة تُدعَى بَكالة، ولم يذكر من أيّ العرب هي، والظاهر أنّها من اليَمَن، وأمّا بكيل فحيّ من هَمْدان.

2) قوله: «أم رامق» أي مستيقظُ منتبه العين، تَرمُق السماء والنجومُ بِبَصرِك، في مقابلة الراقد: بمعنى النائم، يقال: «رمقه» إذا لحظه لحظاً خفيفاً.

3) شعاراً : يقرأونه سرّاً للاعتبار بمواعظه والتفكير في دقائقه، وأصل الشِعار: ما يلي البدن من الثياب.

4) والدعاء دِثاراً: يجهرون به إظهاراً للذلّة والخضوع الله، وأصل الدِثار : ما علا من الثياب.

5) فَرَضوا الدّنيا: أي تركوها وخَلّفوها وراء ظهورهم قال تعالى: «وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال» [سورة الكهف : 17] أي تترُكهم وتُخلفهم شمالاً، يقول الرجل لصاحبه: هل مررت بمكان كذا، يقول: نَعَم فَرَضته ليلاً ذات اليمين، أو يريد من «قرضوا الدنيا»: مزّقوها كما يمزّق الثوب بالمِقراض على طريقة المسيح في الزهادة.

يَا نَوْفُ إِنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَامَ فِي مِثْلِ هَذِهِ السّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ : إِنَّهَا لَسَاعَةٌ لَا يَدْعُو فِيهَا عَبْدٌ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَشَاراً(1)، أَوْ عَرِيفاً(2).

أَو شُرْطِياً (3)، أَوْ صَاحِبَ عَرْطَبَةٍ - وَهِيَ الطُّنْبُور - أَوْ صَاحِبَ كُوَبَةٍ.

[تاريخ بغداد ج 1627]

قال الرضيّ: وَهِي الطَّبْلُ، وَقَدْ قِيلَ أيضاً: إنَّ العَرْطَبَة الطَّبل، والكوبَة: الطَّنبُور(4).

106 - وقال عليه السلام: إِنَّ اللهَ تَعَالَى اَفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيَّعُوهَا، وَحَدَّ لَكُمْ حُدُوداً فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَنَهَاكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا(5)، وَسَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ وَلَمْ يَدَعْهَا نِسْيَاناً فَلَا تَتَكَلَّفُوهَا (6).

[المجالس للمفيد، ص 94 ]

107 - وقال عليه السلام: لَا يَتْرُكُ النَّاسُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ لاسْتِصْلاح دُنْيَاهُمْ إِلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ.

[غرر الحكم ص 351 ]

108- وقال عليه السلام: رُبَّ عَالِمٍ قَدْ قَتَلَهُ جَهْلُهُ، وَعِلْمُهُ مَعَهُ لَمْ يَنْفَعُهُ(7).

[الجمل لأبي مخنف ]


1) العشّار: مَن يتولّى أخذ أعشار الأموال، وهو المَكّاس.

2) العريف: مَن يتجسس على أحوال الناس وأسرارهم فيكشفها لأميرها مثلاً.

3) الشُّرطي: نسبة إلى الشُرطة، واحد الشُرط وهم أعوان الحاكم.

4) لم نرَ هذا فى ما وقفنا عليه من كتب اللغة، والمنقول أن الكُوبة - بالضم - الطبل الصغير و هو المعروف بالدربكة.

5) أي لا تنتهكوا نهيه عنها بإتيانها، والانتهاك: الإهانة والإضعاف.

6) لا تتكلّفوها: أي لا تكلّفوا أنفسكم بها بعد ما سكت الله عنها.

7) وهذا هو العالِم الذي يحفظ ولا يدري، أو يعلم ولا يعمل، أو ينقل ولا بصيرة له.

109 - وقال عليه السلام: لَقَدْ عُلِّقَ بِنِيَاطِ (1)هَذَا الْإِنْسَانِ بَضْعَةٌ (2)هِيَ أَعْجَبُ مَا فِيهِ وَهُوَ الْقَلْبُ، وَذَلِكَ أَنَّ لَهُ مَوَادَّ مِنَ الِحْكْمَةِ وَأَضْدَاداً مِنْ خِلَافِهَا، فَإِنْ سَنَحَ لَهُ الرَّجَاءُ (3)أَذَلَّهُ الطَّمَعُ، وَإِنْ هَاجَ بِهِ الطَّمَعُ أَهْلَكَهُ الْحِرْضُ، وَإِنْ مَلَكَهُ الْيَأْسُ قَتَلَهُ الْأَسَفُ، وَإِنْ عَرَضَ لَهُ الْغَضَبُ اشْتَدَّ بِهِ الْغَيْظُ، وَإِنْ أَسْعَدَهُ الرِّضَا نَسِيَ التَّحْفِظَ (4)وَإِنْ غَالَهُ الْخَوْفُ شَغَلَهُ الْحَذَرُ، وَإِنِ اتَّسَعَ لَهُ الْأَمْرُ اسْتَلَبَتْهُ الْغِرَّةُ(5)، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَضَحَهُ الْجَزَعُ، وَإِنْ أَفَادَ مَالاً(6)أَطْغاهُ الْغِنَى، وَإِنْ عَضَتْهُ الْفَاقَةٌ(7)شَغَلَهُ الْبَلَاءُ، وَإِنْ جَهَدَهُ الْجُوعُ (8)قَعَدَتْ بِهِ الضَّعَةُ ، وَإِنْ أَفْرَطَ بِهِ الشَّبَعُ كَظَتْهُ (9)الْبِطْنَةُ(10)، فَكُلُّ تَقْصِيرٍ بِهِ مُضِرُّ، وَكُلُّ إِفْرَاطٍ لَهُ مُفسدُ.

[تاریخ ابن عساكر ترجمة علي ]

110 - وقال عليه السلام: نَحْنُ النُّمْرُقَةُ الْوُسْطَى الَّتِي يَلْحَقُ بِهَا التَّالِي، وَإِلَيْهَا يَرْجِعُ الْغَالِي(11).

[الاشتقاق ص 462]


1) النّياط: عِزق معلّق به القلب إذا قُطع مات صاحبُه، ويقال له النّيط أيضاً.

2) البَضْعَة: القِطعة من اللحم، والمراد بها ههنا القلب.

3) سنح له: بدا وظهر.

4) التحفّظ: هو التَوّقّي والتحرّز من المضرّات.

5) الغِرّة: الغفلة، واستلبته: أي سلبته وذهبت به عن رشده.

6) أفاد المال: استفاده.

7) الفاقة: الفقر.

8) جَهَدَه: أعياه وأتعبه.

9) كظّته: أي كربته والمته.

10) البِطنة: امتلاء البطن حتى يضيق النّفَس.

11) النُّمرُق والنُّمرُقة - بالضم فيهما - : وِسادة صغيرة، ويجوز النِّمرِقة بالكسر فيهما، والمعنى أن كلّ فضيلة فإنّها مجنّحة بطرَفّين معدودين من الرذائل، والمراد أنّ آل محمّد عليه وعليهم السلام هم الأمر المتوسط بين الطرفين، فكلُّ من جاوَزَهم فالواجب أن يَرجِعَ إليهم، وكلّ من قصّر عنهم فالواجب أن يَلحَق بهم، أو شبه آل البيت بالوسادة للاستناد إليهم في أمور الدين كما يستند إلى الوسادة لراحة الظهر واطمئنان الأعضاء. ووصفها بالوسطى لاتصال سائر النمارق بها، فكأنّ الكلّ يعتمد عليها، إمّا مباشرة، أو بواسطة ما بجانبه، وآل البيت على الصراط الوسط العدل، يلحق بهم مَن قصّر، ويرجع إليهم مَن علا وتجاوز.

111 - وقال عليه السلام: لَا يُقِيمُ أَمْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِلَّا مَنْ لَا يُصَانِعُ (1)، وَلَا يُضَارِع (2)، وَلَا يَتَّبِعُ المَطَامِع (3).

[غرر الحكم ص 351]

112 - وقال عليه السلام وقد تُوُفِّيَ سَهْلُ بنُ حُنَيْفِ الأَنْصارِيُّ بِالْكُوفَةِ بَعْدَ مَرْجِعِهِ مِنْ صِفِّينَ مَعَهُ، وَكَانَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِليه: لَوْ أَحَبَّنِي جَبَلُ لَتَهافت(4).

[الغرر والدرر، ص 261]

قال الرَّضِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : وَمَعْنى ذلِك أَنَّ الْمِحْنَةَ تَغْلُظْ عَلَيْهِ، فَتُسْرِعُ الْمَصَائِبُ إِلَيْهِ، وَلَا يُفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْأَنْقِيَاءِ الْأَبْرَارِ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ.

113 - وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام: «مَنْ أَحَبَّنَا أَهْلَ البَيْتِ فَلْيَسْتَعِدَّ لِلْفَقْرِ جِلْبَاباً»

وَقَدْ يُؤَوَّلُ ذلِكَ عَلَى مَعْنَى آخَرَ (5)لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذكْرِهِ.

[أمالي المرتضى ج 1 ص 17]

114 - وقال عليه السلام: لَا مَالَ أَعْوَدُ(6)مِنَ الْعَقْلِ، وَلَا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ، ولا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ ، وَلَا كَرَمَ كَالتَّقْوَى، وَلَا قَرِينَ كَحُسْنِ الْخُلْقِ، وَلَا مِيرَاثَ


1) لا يصانع: أي لا يداري في الحقّ.

2) يضار: يتعرّض لطَلَب الحاجَة؛ ويجوز أن يكون من الضّراعة وهي الخُضوع؛ ويجوز أن يكون من المضَارعة بمعنى المشابهة، والمعنى أنّه لا يشتبه في عمله بالمبطلين.

3) اتباع المطامع: الميل معها وإن ضاع الحقّ.

4) تهافت: تساقط بعد ما تصدّع.

5) هو أنّ مَنْ أحبهم فليخلص الله حبّهم فليست الدنيا تطلب عندهم.

6) أعود: أنفع.

كَالأَدَبِ، وَلَا قَائِدَ كَالتَّوفِيقِ، وَلَا تِجَارَةَ كَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَلَا زَرْعَ كَالثَّوَابِ، وَلَا وَرَعَ كَالْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبْهَةِ، وَلَا زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي الْحَرَامِ، وَلَا عِلْمَ كَالتَفَكَّرِ، وَلَا عِبَادَةَ كَأَدَاءِ الْفَرَائِضِ. وَلَا إِيمَانَ كَالحَيَاءِ وَالصَّبْرِ، وَلَا حَسَبَ كَالتَّواضع، وَلَا شَرَفَ كَالْعِلْمٍ، وَلَا عِزَّ كَالْحِلْمٍ، وَلَا مُظَاهَرَةَ أَوْثقُ مِنَ الْمُشاوَرَةِ.

[البصائر والذخائر ص25]

115 - وقال عليه السلام: إِذا اسْتَولَى الصَّلاحُ على الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ ثُمَّ أَسَاءَ رَجُلُ الظَّنَّ برَجُلٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ حَوْبَةٌ (1)فَقَدْ ظَلَمَ، وَإِذَا اسْتَوْلَى الْفَسَادُ عَلَى الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ فَأَحْسَنَ رَجُلُ الظَّنَّ بِرَجُلٍ فَقَدْ غَرَّرَ.[غرر الحكم 143]

116 - وقيل له عليه السلام : كَيْفَ تَجِدُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ يَفْنَى بِبَقَائِهِ (2)، وَيَسْقَمْ (3)بِصِحَتِهِ، وَيُؤْتَى مِنْ مَأْمَنِهِ (4).

[أمالي الطوسي ج 2 ص 254]

117 - وقال عليه السلام: كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَج بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ (5)، وَمَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ، وَمَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَولِ فِيهِ! وَمَا ابْتَلَى اللهُ أَحَداً بِمِثْلِ الإمْلاء (6)لَهُ. [تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 182]

118 - وقال عليه السلام: هَلَكَ فِيَّ رَجُلَانِ : مُحِبُّ غَالٍ(7)، وَمُبْغِضُ قَالٍ (8). [الحيوان للجاحظ ج 2 ص90]


1) الحَوية: المعصية والإثم [و عند عبده: لم تظهر منه خِزْية] والخزية: البلية تصيب الإنسان فتذلّه وتفضحه.

2) كلّما طال عمره - وهو البقاء - تقدّم إلى الفناء، وكلّما مدّت عليه الصحة تقرّب من مرض الهرم.

3) سَقِيم: مرض.

4) يأتيه الموت من مأمنه: أي الجهة التي يأمن إتيانه منها، فإنّ أسبابه كامنة في نفس البدن.

5) استدرجه الله: تابع نعمته عليه وهو مقيم في عصيانه، إبلاغاً للحجّة، وإقامة للمعذرة في أخذه.

6) الإملاء: الإمهال.

7) الغالي: المتجاوز الحدّ في حبّه بسبب غيره أو دعوى حلول اللاهوت فيه أو نحو ذلك.

8) القالي: المبغض الشديد البغض.

119 - وقال عليه السلام: إِضَاعَةُ الْفُرْصَةِ غُصَّةٌ.

[غرر الحكم ص 24]

120 - وقال عليه السلام: مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْحَيَّةِ لَيْنُ مَسُّهَا، وَالسُّمُ النَّاقعُ فِي جَوْفِهَا، يَهْوِي إِلَيْهَا الْغُرُّ الْجَاهِلُ، وَيَحْذَرُهَا ذُو اللُّبِّ الْعَاقِلُ.

[تحف العقول ص 90]

121 - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: أَمَّا بَنُو مَخْزُومٍ فَرَيْحَانَةُ قُرَيْشٍ، تُحِبُّ حَدِيثَ رِجَالِهِمْ، وَالنِّكَاحَ فِي نِسَائِهِمْ(1). وَأَمَّا بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ (2)فَأَبْعَدُهَا رَأْياً، وَأَمْنَعُهَا لِمَا وَرَاءَ ظُهُورِهَا. وَأَمَّا نَحْنُ فَأَبْدَلُ لِمَا فِي أَيْدِينَا وَأَسْمَحُ عِنْدَ الْمَوْتِ يَنْفُوسِنَا(3)، وَهُمْ أَكْثَرُ وَأَمْكَرُ وَأَنْكَرُ، وَنَحْنُ أَفْصَحُ وَأَنْصَحُ وَأَصْبَحُ.

[العقد الفريد ج 3 ص 315]

122 - وقال عليه السلام: شَتَّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ(4): عَمَلِ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وَتَبْقَى تَبِعَتُهُ (5)

تَفْني اللّذاذهُ مِمَن نال بُغْبَتَهُ ***من الحرام ويبقى الإثمُ والعارُ

تُبقي عواقِبَ سوءٍ في مغبتها

مغبة الشيء: عاقبته.(6)،

1) إنّ أميرالمؤمنين(علیه السّلام) لم يقل هذا الكلام احتقاراً لهم، ولا استصغاراً لشأنهم، ولكنّ أميرالمؤمنين (علیه السّلام) كان أكثر همّه يوم المُفاخرة أن يفاخر بني عبد شمس لما بينه وبينهم، فلمّا ذَكَرَ مخزوماً بالعرَض قال فيهم ما قال، ولو كان يريد مفاخرتهم لما اقتصر لهم على ما ذكره عنهم.

2) ومنهم بنو أميّة.

3) لا مناقضة بين قوله في بني عبد شمس: إنّهم أمنَع لما وراء ظهورهم، وقوله في بني هاشم: إنّهم أسمحُ عند الموت بنفوسهم؛ لأنّه أراد كثرة بني عبد شمس، فبالكَثرة تمنع ما وراء ظهورها، وكان بنو هاشم أقلّ عدداً منهم، إلّا أنّ كلّ واحد على انفراده أشجع وأسمح بنفسه عند الموت من كلّ واحد على انفراده من بني عبد شمس.

4) الأوّل عمل في شهوات النفس، والثاني عمل في طاعة الله.

5) أخذ هذا المعنى بعض الشعراء، فقال:

6) *** لا خيرَ في لذةٍ من بعدها نارُ

وَعَمَلِ تَذْهَبُ مَؤُونَتُهُ وَيَبْقَى أَجْرُهُ. [ربيع الأبرار للزمخشري]

123 - وقال عليه السلام وَقَدْ تَبِع جنازة فسمعَ رَجلاً يضحك، فقال:

كَأَنَّ الْمَوْتَ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا كُتِبَ، وَكَأَنَّ الْحَقِّ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا وَجَبَ، وَكَأَنَّ الَّذِي نَرَى مِنَ الْأَمْوَاتِ سَفْرُ(1)عَمَّا قَلِيلِ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ! نُبَوِّتُهُمْ (2)أَجْدَاثَهُمْ (3)، وَنَأْكُلُ تُرَاتَهُمْ(4)، كَأَنَّتَا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ، قَدْ نَسِينَا كُلَّ وَاعِطٍ وَوَاعِظَةٍ، وَرُمِينَا بِكُلِّ جَائِحَة (5).

[قوت القلوب ج 1 ص 160]

124 - وقال عليه السلام: طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ، وَطَابَ كَسْبُهُ، وَصَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ، وَحَسُنَتْ خَلِيفَتُهُ(6)، وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ، وَعَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ، وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ، وَلَمْ يُنْسَبْ إِلَى بِدْعَةٍ

[تاريخ ابن واضح ج 2: 89]

قالَ الرَّضِيّ(رحمه الله) : أَقولُ : ومِنَ النَّاسِ مَن يَنسُبُ هذا الكلام إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ.

125 - وقال عليه السلام: غَيْرَةُ الْمَرْأَةِ كُفْرُ(7)، وَغَيْرَةُ الرَّجُلِ إِيمَانُ [غرر الحكم: 223]

126 - وقال عليه السلام: لَأَنْسُبَنَّ الْإِسْلَامَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسُبْهَا أَحَدٌ قَبْلِي الْإِسْلَامُ هُوَ


1) سَفر: أي مسافرون.

2) نُبوِّئهم تنزلهم.

3) أجداثهم: قبورهم .

4) التراث: الميراث.

5) الجائحة: الآفة تهلك الأصل والفرع.

6) الخليقة: الخلق والطبيعة.

7) سمّاها (علیه السّلام) كُفْراً لمشاركتها الكُفر فى القُتح فأجرى عليها اسمّه، وأيضاً فإنّ المرأة قد تؤدِّي بها الغيرة إلى ما يكون كُفراً على الحقيقة كالسِّحر، أو أنّها تحرّم على الرجل ما أحل الله له من أزواج متعددات، أمّا غيرة الرجل فتحريم لما حرّمه الله وهو الزنا.

التَّسْلِيمُ، وَالتَّسْلِيمُ هُوَ الْيَقِينُ، وَالْيَقِينُ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الْإِقْرَارُ، وَالْإِقْرَارُ هُوَ الْأَدَاءُ، وَالأَدَاءُ هُوَ الْعَمَلُ.

[المحاسن ج 1 ص 222]

127 - وقال عليه السلام: عَجِبْتُ لِلْبَخِيلِ يَسْتَعْجِلُ الْفَقْرَ (1)الَّذِي مِنْهُ هَرَبَ، وَيَفُوتُهُ الْغِنَى الَّذِي إِيَّاهُ طَلَبَ، فَيَعِيشُ فِي الدُّنْيَا عَيْشَ الْفُقَرَاءِ، وَيُحَاسَبُ فِي الْآخِرَةِ حِسَابَ الْأَغْنِيَاءِ، وَعَجِبْتُ لِلْمُتَكَبِّرِ الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ نُطْفَةٌ، وَيَكُونُ غَداً حِيفَةٌ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ شَكٍّ فِي اللَّهِ وَهُوَ يَرَى خَلْقَ اللهِ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ نَسِيَ الْمَوْتَ وَهُوَ يَرَى مَنْ يَمُوتُ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَنْكَرَ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى وَهُوَ يَرَى النَّشْأَةَ الْأُولَى، وَعَجِبْتُ لِعَامِرٍ دَارَ الْفَنَاءِ، وَتَارِكِ دَارَ الْبَقَاءِ. [روض الأخبار: 224]

128 - وقال عليه السلام: مَنْ قَصَّرَ فِي الْعَمَلِ ابْتُلِيَ بِالْهَمْ(2)[غرر الحكم ص 295]

129 - وقال عليه السلام: لَا حَاجَةَ لِلَّهِ فِيمَنْ لَيْسَ لِلهِ فِي مَالِهِ وَنَفْسِهِ نَصِيبٌ. [غرر الحكم ص 295]

130 - وقال عليه السلام: تَوَقَّوُا الْبَرْدَ(3)فِي أَوَّلِهِ، وَتَلَقَّوْهُ فِي آخِرِهِ(4)فَإِنَّهُ يَفْعَلُ فِي الْأَبْدَانِ كَفْعِلِهِ فِي الْأَشْجَارِ، أَوَّلُهُ يُحْرِقُ، وَآخِرُهُ يُورِقُ.

[نهاية الإرب ج 1 ص 176]


1) الفقر ما قصّر بك عن درك حاجتك. والبخيل تكون له الحاجة فلا يقضيها ويكون عليه الحقّ فلا يؤدّيه، فحاله حال الفقراء يحتمل ما يحتملون، فقد استعجل بالفقر وهو يهرب منه بجمع المال.

2) الهمّ همّ الحسرة على فوات ثمراته، ومن لم يجعل لله نصيبه في ماله بالبذل في سبيله، ولا روحه باحتمال المتاعب في إعزاز دينه، فلا يكون له رجاء في فضل الله؛ فإنّه لا يكون في الحقيقة عبدالله بل عبد نفسه والشيطان.

3) توقّو البرد: أي احفظوا أنفسكم من أذاه.

4) لأنّه في أوّله يأتي على عهد من الأبدان بالحر فيؤذيها، أمّا في آخره فيمسّها بعد تعوّدها عليه وهو إذ ذاك أخفٌ.

131 - وقال عليه السلام: عُظْمُ الْخَالِقِ عِنْدَكَ يُصَغْرُ الْمَخْلُوقَ فِي عَيْنِكَ.

132 - وقال عليه السلام وَقَدْ رَجَعَ مِنْ صِفِّينَ فَأَشْرَفَ عَلَى الْقُبُورِ بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ:

يَا أَهْلَ الدِّيَارِ الْمُوحِشَةِ(1)، وَالْمَحَالُ الْمُقْفِرَةِ(2)، وَالْقُبُورِ الْمُظْلِمَةِ، يَا أَهْلَ التُّرْبَةِ، يَا أَهْلَ الْغُرْبَةِ، يَا أَهْلَ الْوَحْدَةِ، يَا أَهْلَ الوَحْشَةِ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ(3)سَابِقٌ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَحعُ(4)لَاحِقٌ. أَمَّا الدُّورُ فَقَدْ سُكِنَتْ(5)، وَأَمَّا الْأَزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ، وَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَقَدْ قُسِّمَتْ. هَذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا، فَمَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ؟

ثمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ لَأَخْبَرُوكُمْ أَنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى.

[البيان والتبيين ج 6 ص 219 ]

133 - وقال عليه السلام وقد سَمِعَ رجلاً يذم الدنيا: أَيُّهَا الذَّامُّ لِلدُّنْيَا، اَلْمُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا، الْمُنْخَدِعُ بِأَبَاطِيلِهَا! أَتَفْتَتِنُ بِهَا ثُمَّ تَذْمُّهَا ؟ أَنْتَ الْمُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا(6)أَمْ هِيَ الْمُتَجَرِّمَةُ عَلَيْكَ ؟ مَتَى أَسْتَهْوَتْكَ(7)، أَمْ مَتَى غَرَّتْكَ ؟ أَبِمَصَارِع (8)آبَائِكَ مِنَ الْبِلَى(9)، أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى (10)؟ كَمْ عَلَلْتَ بِكَفَّيْكَ (11)، وَكَمْ


1) الموحشة: الموجبة للوحشة، ضد الأنس.

2) المحال: جمع محل، أي الأماكن المقفرة، من «أقفر المكان» إذا لم يكن به ساكن ولا نابت.

3) الفَرَط: المتقدم إلى الماء، للواحد والجمع، والكلام هنا على الإطلاق، أي المتقدمون.

4) التَبَع: التابع.

5) أي أنّ دياركم سكنها غيركم، ونساؤكم تزوجت، وأموالكم قسّمت، فهذه أخبارنا إليكم.

6) تَجَرَّم عليه: ادّعى عليه الجُرْم - بالضم - أي الذنب.

7) استهواه: ذهب بعقله وأذلّه فحيّره.

8) المَصارع: جمع المَصْرَع، وهو مكان الانصراع، أي السقوط، أي مكان سقوط آبائك من الفناء.

9) البِلى: الفناء بالتحلل.

10) الثّرى: التراب.

11) عَلَّل المريض: خدمه فى علّته، كمرّضه أي خدمه في مرضه.

مَرَّضَتَ بِيَدَيْكَ! تَبْتَغِي لَهُمُ الشَّفَاءَ، وَتَسْتَوْصِفُ لَهُمْ (1)الْأَطِبَّاءَ (2)، غَدَاةَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ دَوَاؤُكَ، وَلَا يُجْدِي عَلَيْهِمْ بُكَاؤُكَ! لَمْ يَنْفَعْ أَحَدَهُمْ إِشْفَاقُكَ (3)، وَلَمْ تُسْعَفْ فِيهِ بِطَلِبَتِكَ(4)، وَلَمْ تَدْفَعْ عَنْهُ بِقُوَّتِكَ، وَقَدْ مَثَلَتْ لَكَ بِهِ الدُّنْيَا نَفْسَكَ(5)، وَبِمَصْرَعِهِ مَصْرَعَكَ.

إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنَى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا(6)، وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهَا. مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اللهِ، وَمُصَلَّى مَلَائِكَةِ اللهِ، وَمَهْبِطُ وَحْيِ اللهِ، وَمَتِّجَرُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، اَكْتَسَبُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ، وَرَبِحُوا فِيهَا الْجَنَّةَ، فَمَنْ ذَا يَذُمُّهَا وَقَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا(7)، وَنَادَتْ بِفِرَاقِهَا، وَنَعَتْ نَفْسَهَا (8)وَأَهْلَهَا، فَمَتَّلَتْ لَهُمْ بِبَلائِهَا الْبَلاءَ (9)، وَشَوَّقَتُهُمْ بِسُرُورِهَا إِلَى السُّرُورِ رَاحَتْ بِعَافِيَةٍ (10)، وَابْتَكَرَتْ بِفَجِيعَةٍ (11)، تَرْغِيباً وَتَرْهِيباً، وَتَخْوِيفاً


1) الضمير في «لهم» يعود على الكثير المفهوم من «كم».

2) اسْتَوْصف الطبيبَ: طلب منه وصف الدواء بعد تشخيص الداء.

3) إشفاقك: خوفك.

4) الطِلبة - بالكسر ويفتح فكسر - : المطلوب وأسعفه بمطلوبه: أعطاه إيّاه على ضرورة إليه.

5) «مَتَلَتْ لك به الدنيا نَفْسَك» أي أنّ الدنيا جعلت الهالك قبلك مثالاً لنفسك تقيسها إليه.

6) تَزوَّد: أي أخذ منها زاده للآخرة.

7) آذنت: أي علمت أهلها ببينها، أي ببعدها وزوالها عنهم.

8) نعاه: إذا أخبر بفقده. والدنيا أخبرت بفنائها وفناء أهلها بما ظهر من أحوالها.

9) «فمثّلت لهم ببلانها البلاء» أي بلاء الآخرة وعذاب جهنّم، وشوَقَتْهم بسرورها إلى السرور، أي إلى سُرورِ الآخرة ونعيم الجنّة.

10) راح إليه: وافاه وقت العشي، أي أنّها تمشي بعافية.

11) تبتكر: أي تصبح بفجيعة، أي بمصيبة فاجعة.

وَتَحْذِيراً، فَذَمَّهَا رِجَالٌ غَدَاةَ النَّدَامَةِ(1)، وَحَمِدَهَا آخَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ذَكَرَ تْهُمُ الدُّنْيَا فَتَذَكَّرُوا (2)، وَحَدَّقَتْهُمْ فَصَدَّقُوا، وَوَعَظَتْهُمْ فَاتَّعَظُوا (3).

[عيون الأخبار، ج 2 ص 329]

134 - وقال عليه السلام: إِنَّ لِلَّهِ مَلَكاً يُنَادِي فِي كُلِّ يَوْمٍ: لِدُوا لِلْمَوْتِ(4)، وَأَجْمَعُوا لِلْفَناءِ، وَابْنُوا لِلْخَرَابِ.

[الاختصاص ص (232]

135 - وقال عليه السلام: الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ، لَا دَارُ مَقَرٌّ، وَالنَّاسُ فِيهَا رَجُلَانِ : رَجُلٌ بَاعَ نَفْسَهُ فَأَوْبَقَهَا (5)، وَرَجُلٌ أبْتَاعَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَهَا (6).

[نهاية الإرب ج 7 ص 66]

136 - وقال عليه السلام: لَا يَكُونُ الصِّدِيقُ صَدِيقاً حَتَّى يَحْفَظَ أَخَاهُ فِي ثَلَاثٍ (7): فِي نَكْبتِه، وَغَيْبَتِهِ، وَوَفَاتِه.

[روض الأخيار، ص 86]

137 - وقال عليه السلام: مَنْ أُعْطِيَ أَرْبَعاً لَمْ يُحْرَمْ أَرْبَعاً : مَنْ أُعْطِيَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَم الْإِجَابَةَ(8)، وَمَنْ أُعْطِيَ التَّوْبَةَ لَمْ يُحْرَمِ الْقَبُولَ، وَمَنْ أُعْطِيَ الاِسْتِغْفَارَ لَمْ


1) أي ذمّوها عندما أصبحوا نادمين على ما فرطوا فيها، أمّا الذين حمدوها فهم الذين عملوا فجنوا ثمرة أعمالهم.

2) ذكرتهم بحوادثها فانتبهوا لما يجب عليهم، وكأنّها بتقلّبها تحدّثهم بما فيه العبرة وتحكي لهم ما به العظة.

3) وهذا الفصل كلّه في مدح الدنيا، وهو ينبئ عن اقتداره(علیه السّلام) على ما يريد من المعاني؛ لأنّ كلامه كلّه في ذمّ الدنيا، وهو الآن يمدحها، وهو صادق في ذاك وفي هذا.

4) لِدُوا: فعل أمر من الولادة لجماعة المخاطبين، واللام في «للموت» لامُ العاقبة.

5) أي باع نفسه لهواه وشهواته فأوبقها: أي أهلكها.

6) ابْتَاع نفسه: أي اشتراها وخلّصها من أسر الشهوات.

7) أي لا يضيع شيئاً من حقوقه في الأحوال الثلاثة.

8) المراد بالدعاء المجاب ما كان مقروناً باستعداد بأن يصحبه العمل لنيل المطلوب.والتوبة والاستغفار ما كانا ندماً على الذنب يمنع من العود إليه. والشكر تصريف النعم في وجوهها المشروعة.

يُحْرَمِ الْمَغْفِرَةَ، وَمَنْ أُعْطِيَ الشُّكْرَ لَمْ يُحْرَمِ الزِّيَادَةَ.

[تذكرة الخواص ص 133]

قال الرَّضيّ(رحمه الله) : وتصديق ذلِكَ في كتاب الله تعالى؛ قال في الدُّعاء: «ادُعونِي أَسْتَجِبْ لَكُم». وقالَ في الاسْتِغْفَار : «وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً » . وقال في الشُّكْرِ : «لئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ». وقال في التَّوْبَةِ : « إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً» .

138 - وقال عليه السلام: الصَّلَاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقُّيٍّ، وَالْحَج جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ، وَلَكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةً، وَزَكَاةُ الْبَدنِ الصَّوْمُ، وَجِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَقُلِ (1).

[التحف 221]

139 - وقال عليه السلام: أَسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ. [غرر الحكم ص 144]

140 - وقال عليه السلام: مَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ.[زهر الأداب ج 1 ص 43]

141 - وقال عليه السلام: تَنْزِلُ الْمَعُونَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَؤُونَةِ. [غرر الحكم ص 152]

142 - وقال عليه السلام: مَا عَالَ(2)مَن أَقْتَصَدَ (3).

[ تحف العقول ص 100]

143 - وقال عليه السلام: قِلَّةُ الْعِيَالِ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ (4). [البيان والتبيين ج 1 ص 35]

44 - وقال عليه السلام: التَّوَدُّدُ نِصْفُ الْعَقْل. [البيان والتبيين ج 1 ص 35]


1) حسن التبعُّل: إطاعة الزوج وحسنُ معاشرته وحفِظ ماله وعرضه.

2) ما عال: ما افتَقرَ.

3) مَن اقتصد: أي من أنفق في غير إسراف.

4) اليسار الثاني كثرة المال.

145 - وقال عليه السلام: أَلْهَمُّ نِصْفُ الْهَرَمِ (1)

شاب رأسى وما رأيتُ مشيبَ الرّأس*** إلّا من فضل شيب الفُؤادِ

وكذاك القلوبُ في كلّ بؤسٍ*** ونعيم طلائعُ الأجسادِ

طالَ إنكاريّ البياضَ ولو عُمر*** تُ شيئاً أنكرتُ لونَ السَّوادِ

. [الخصال ص 156]

146 - وقال عليه السلام: يَنْزِلُ الصَّبْرُ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ، وَمَنْ ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ عَنْدَ مُصِيبَتِهِ حَبِطَ أَجْرُهُ (2).

[ربيع الأبرار للزمخشري]

147 - وقال عليه السلام: كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالظَّمَأُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ وَالْعَنَاءُ، حَبَّذَا نَوْمُ الْأَكْيَاسِ وَإِفْطَارُهُمْ (3)!

[تاريخ أصفهان ج 1 ص 255]

148 - وقال عليه السلام: سُوسُوا إِيمَانَكُمْ بِالصَّدَقَةِ(4)، وَحَصِّنُوا أَمْوالَكُمْ بِالزَّكَاةِ، وَادْفَعُوا أَمَوَاجَ الْبَلَاءِ بِالدُّعَاءِ.

[تحف العقول ص 112]

149 - قال كُمَيل بنُ زياد: أخذ بيَدِي أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالبٍ عَلَيْهِ السَّلَام فَأَخْرَجَني إلَى الْجَبّانِ (5)، فلمّا أصحَرَ (6)تَنَفُس الصعداء (7)، ثمَّ قَالَ:


1) قال أبو تمّام:

2) حَبِطَ عمله: أي حُرِم من ثواب أعماله فكأنّها بطلت.

3) الأكياس: جمع كيّس - بتشديد الياء - أي العقلاء العارفون يكون نومهم وفطرهم أفضل من صوم الحمقى وقيامهم، وذلك لأنّ عباداتهم تقع مطابِقةً لعقائدهم الصحيحة، فتكون فروعاً راجعة إلى أصل ثابت، وليس كذلك الجاهلون بالله تعالى.

4) سُوسُوا: أمر من السياسة، وهي حفظ الشيء بما يحوطه من غيره، فسياسة الرعية حفظ نظامها بقوة الرأي والأخذ بالحدود، والصدقة تستحفظ الشفقة، والشفقة تستزيد الإيمان وتذكر الله.

5) الجَبَّان والجبانة: الصحراء أو المقبرة.

6) أضحرَ: أي صار في الصحراء.

7) تنفّس الصَعداء: أي تنفّس تنفساً ممدوداً طويلاً.

يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ، إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةُ(1)، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا(2)، فَأَحْفَظْ مَا أَقُولُ لَكَ:

النَّاسُ ثَلَاثَةٌ : فَعَالِمٌ رَبَّانِيُّ (3)، وَمُتَعَلِّمْ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ(4)، وَهَمَجٌ رِعَاعُ (5)أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ(6)يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمٍ، وَلَمْ يَلْجَأُوا إِلَى رُكنٍ وَثِيقٍ.

يَا كُمَيْلُ، الْعِلمُ خِيْرٌ مِنَ الْمَالِ، اَلْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ. وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ وَالْعِلمُ يَزْكُو (7)عَلَى الْإِنْفَاقِ، وَصَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ (8).

يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ، مَعْرِفَةُ الْعِلْمِ دِينُ يُدَانُ بِهِ ، بِهِ يَكْسِبُ الْإِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ، وَجَمِيلَ الْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ (9). وَالْعِلْمُ حَاكِمْ، وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ.

يَا كُمَيْلُ، هَلَكَ خُزَانُ الْأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءُ، وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ؛ أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودةً. هَا إِنَّ هَا هُنَا لَعِلْماً جَمّاً


1) أوعية: جمع وعاء، وهو الإناء وما أشبهه.

2) أوعاها: أحفظها.

3) العالم الرّباني: المتألّه العارف بالله، المنسوب إلى الربّ.

4) المتعلّم على طريق النجاة إذا أتمّ علمه نجا.

5) الهَمّج: الحمقى من الناس. والرعاع الأحداث الطغام الذين لا منزلة لهم في الناس.

6) الناعق: مجاز عن الداعي إلى باطل أو حقّ.

7) يزكو: يزداد نماءً.

8) من كان صنيعاً لك متحبباً إليك لمالك زال ما تراه منه بزوال مالِكَ، أمّا صنيع العلم فيبقى ما بقي العلم، فإنّما العالم في قومه كالنبيّ في أمّته، فالعلم أشبه شيء بالدِّين - بكسر الدال - يوجب على المتدينين طاعة صاحبه في حياته والثناء عليه بعد موته.

9) «جميل الأُحدوثةِ بعد وفاته» أي الذّكر الجميل بعد مَوْتِه.

وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ -(1)لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً (2)بَلَى أَصَبْتُ لَقِنا(3)غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ، مُسْتَعْمِلاً آلَةَ الدِّينِ لِلدُّنْيَا، وَمُسْتَظْهِراً بِنِعَمِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَبِحُجَجِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ؛ أَوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ الْحَقِّ(4)، لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ، يَنْقَدِحُ الشَّكُ فِي قَلْبِهِ لِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهِةٍ. أَلَا لَا ذَا وَلَا ذَاكَ(5)! أَوْ مَنْهُوماً بِاللَّذَّةِ(6)، سَلسَ الْقِيَادِ(7)لِلشَّهْوَةِ، أَوْ مُغْرَماً بِالْجَمْعِ وَالْاِذْخَارِ(8)، لَيْسَا مِنْ رُعَاةِ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، أَقْرَبُ شَيْءٍ شَبَهَا بِهِمَا الْأَنْعَامُ (9)السَّائِمَةُ (10)، كَذَلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ (11).

1) قوله(علیه السّلام) : «ها إنّ ههنا لَعِلْماً جماً هذا عندي إشارةٌ إلى العِرفان والوصول إلى المقام الأشرَف الذى لا يصل إليه إلّا الواحد الفذّ من العالم ممّن الله تعالى فيه سرّ، وله به اتّصال.

2) الحمَلة: جمع حامل. و«أصبت» بمعنى وجدت، أي لو وجدت له حاملين لأبرزته وبثثته، ولكن مَن الذي يُطيق حَمْله بل من الذي يُطيق فهمه فضلاً عن حَمله !

3) اللَّقِن: مَن يفهم بسرعة، إلّا أنّ العلم لا يطبع أخلاقه على الفضائل، فهو يستعمل وسائل الدين لجلب الدنيا، ويستعين بنعم الله على إيذاء عباده.

4) المُنْقاد لحاملي الحقّ: وهو المنساق المُقلّد في القول والعمل، ولا بصيرة له في دقائق الحقّ وخفاياه، فذاك يسرع الشكّ إلى قلبه لأقلّ شبهة.

5) أي لا يصلح لحمل العلم واحدٌ منهما.

6) المفهوم: المفرط في شهوة الطعام.

7) سَلس القِياد: سَهْلُه.

8) المغرم بالجمع: المولع بكسب المال واكتنازه.

9) الأنعام: أي البهائم السائمة أقرب شبهاً بهذين، فهما أحطّ درجة من راعية البهائم لأنّها لم تسقط عن منزلة أعدتها لها الفطرة، أمّا هما فقد سقطا واختارا الأدنى على الأعلى.

10) السائمة: التي ترسل لترعى من غير أن تُعلّف.

11) قال(علیه السّلام) : «كذلك يموت العلمُ بموت حامِليهِ» أي إذا مِتُّ مات العلمُ الذي في صدري، لأنّي لم أجد أحداً أدفعه إليه، وأُوَرثه إيَّاه، ثم استدرك فقال: «اللّهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله تعالى»، وهذا يكاد يكونُ تصريحاً بمذهب الإماميّة، إلّا أنّ أصحابنا يحملونه على أن المراد به الأبدال الذين وردت الأخبار النبويّة عنهم أنّهم في الأرض سائمون، فمنهم من يُعرَف، ومنهم مَن لا يُعرَف.

اللَّهُمَّ بَلَى! لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بحُجَّةٍ ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً(1)، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وَبَيِّنَاتُهُ. وَكَمْ ذَا(2)وَأَيْنَ أُولَئِكَ! أُولَئِكَ - وَاللهِ - اَلْأَقَلُّونَ عَدَداً، وَالْأَعْظَمُونَ عِنْدَاللهِ قَدْراً، يَحْفَظُ اللَّهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وَبَيِّنَاتِهِ حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ، وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ. هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ، وَبَاشَرُوا رَوْحَ الْيَقِينِ، وَاسْتَلَانُوا(3)مَا اسْتَوْعَرَهُ(4)الْمُتْرَفُونَ(5)، وَأَنِسُوا بِمَا أَسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى. أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ ، آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ !

أَنصَرِفْ يَا كُمَيْلُ إِذَا شِئْتَ (6).

[العقد الفريد، ج 1 ص 265 ]

150 - وقال عليه السلام: الْمَرْءُ مَخْبُوءُ تَحتَ لِسَانِهِ (7). [الأمالي للطوسي)


1) مغموراً: غَمَرَه الظلم حتى غطّاه فهو لا يظهر.

2) استفهام عن عدد القائمين لله بحجّته، واستقلالٌ له وقوله «وأين أولئك»: استفهام عن أمكنتهم وتنبيه على خفائها.

3) استلانوا: عَدّوا الشيء ليناً .

4) استوعره: عدُه وعراً خَشِناً .

5) المترفون: أهل الترف والنعيم، أي عدّوا ما استخشنه المنعمون ليناً، وهو الزهد.

6) قال(علیه السّلام) الكميل: «انصرف إذا شئت»، وهذه الكلمة من محاسِن الآداب، ومن لطائف الكلم لأنّه لم يقتصر على أن قال: «انصرف» فيكون فيه نوعُ عُلّو عليه، فأتبَع ذلك بقوله: «إذا شئت».

7) قد تكرّر هذا المعنى مراراً؛ فأمّا هذه اللفظة فلا نظير لها في الإيجاز والدلالة على المعنى، وهي من ألفاظه (علیه السّلام) المعدودة، يقول: إنّما يظهر عقل المرء وفضله بما يصدر عن لسانه فكأنّه قد خبئ تحت لسانه فإذا تحرّك اللسان انكشف.

151 - وقال عليه السلام: هَلَكَ أَمْرُءُ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَهُ (1).[الطراز لليمني]

152 - وقال عليه السلام لرجل سألهُ أن يَعِظَهُ: لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الْآخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَيُرَبِّي التَّوْبَةَ(2)بِطُولِ الْأَمَلِ، يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِ الزَّاهِدِينَ، وَيَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِ الرَّاغِيِينَ، إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ، وَإِنْ مُنعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعْ؛ يَعْجِزُ عَنْ شُكْرِ مَا أُوتِيَ، وَيَبْتَغِي الزَّيَادَةَ فِيمَا بَقِيَ؛ يَنْهَى وَلَا يَنْتَهِي، وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِمَا لَا يَأْتِي؛ يُحَبُّ الصَّالِحِينَ وَلَا يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ، وَيُبْغِضُ الْمُذْنِبِينَ وَهُوَ أَحَدُهُمْ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ، وَيُقِيمُ عَلَى مَا يَكْرَهُ الْمَوْتَ (3)مِنْ أَجْلِهِ، إِنْ سَقِمَ ظَلَّ نَادِماً(4)، وَإِنْ صَحَ أَمِنَ لَاهِياً، يُعْجَبُ بِنَفْسِهِ إِذَا عُوفِي، وَيَقْنَطُ إِذَا ابْتُلِيَ ؛ إِنْ أَصَابَهُ بَلَاءٌ دَعَا مُضْطَرَاً، وَإِنْ نَالَهُ رَخَاءُ أَعْرَضَ مُغْتَرَاً؛ تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ عَلَى مَا يَظُنُّ، وَلَا يَغْلِبُهَا عَلَى مَا يَسْتَيْقِنُ(5)يَخَافُ عَلَى غَيْرِهِ بِأَدْنَى مِنْ ذَنْبِهِ، وَيَرْجُو لِنَفْسِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ عَمَلِهِ: إِنِ اسْتَغْنَى بَطِرَ وَفُتِنَ(6)، وَإِنِ افْتَقَرَ قَنَطَ (7)


1) هذه الكلمة من كلماته المعدودة.

2) یرجي: أي يؤخر التوبة.

3) الذي يُكره الموت لأجله هو الذنوب. وأقام عليها : داوم على إتيانها.

4) إن أصابه السقم لازم الندم على التفريط أيام الصحة، فإذا عادت له الصحة غرّه الأمن وغرق في اللهو. وسَقِمَ: مَرِضَ.

5) قال(علیه السّلام) : «تغلبهُ نفسه على ما يَظُن، ولا يغلبها على ما يستيقن» هذه كلمة جارية جليلةٌ عظيمة يقول: هو يستيقن - أي يكون على ثقة ويقين - الحسابَ إلى ذلك الخَطَر العظيم، وتغلبُه نفسه على السعي إلى ما يَظنُ أن فيه لَذَةً عاجلة، وما ذاك إلّا لضعف يقين الناس وحب العاجل.

6) بَطِرَ: اغترُ بالنعمة، والغرور فتنة.

7) القنوط: اليأس.

وَوَهَنَ (1)، يُقَصِّرُ إِذَا عَمِلَ، وَيُبَالِغُ إِذَا سَأَلَ: إِنْ عَرَضَتْ لَهُ شَهْوَةٌ أَسْلَفَ(2)الْمَعْصِيَةَ، وَسَوَّفَ (3)التَّوْبَةَ، وَإِنْ عَرَتْهُ مِحْنَةٌ (4)أَنْفَرَجَ (5)عَنْ شَرَائِطِ الْمِلَّةِ (6)يَصِفُ الْعِبْرَةَ وَلَا يَعْتَبِرُ(7)، وَيُبَالِغُ الْمَوْعِظَةً وَلَا يَتَّعِظُ، فَهُوَ بِالْقَوْلِ مُدِلٌ (8)وَمِنَ الْعَمَلِ مُقِلٌ. يُنَافِسُ فِيمَا يَفْنَى ، وَيُسَامِعُ فِيمَا يَبْقَى. يَرَى الْغُنْمَ مَغْرَما (9)، وَالْغُرْمَ مَغْنَماً؛ يَخْشَى اَلْمَوْتَ، وَلَا يُبَادِرُ الْفَوْنَ (10)يَسْتَعْظِمُ مِنْ مَعْصِيَةِ غَيْرِهِ مَا يَسْتَقِلُ أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَسْتَكْثِرُ مِنْ طَاعِتِهِ مَا يُحَقِّرُهُ مِنْ طَاعَةِ غَيْرِهِ، فَهُوَ عَلَى النَّاسِ طَاعِنُ، وَلِنَفْسِهِ مُدَاهِنٌ؛ اللَّغْوُ مَعَ الْأَغْنِيَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ مَعَ الْفُقَرَاءِ، يَحْكُمُ عَلَى غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ؛ يُرشِدُ نَفْسَهُ وَيُغْوِي غَيْرَهُ، فَهُوَ يُطَاعُ وَيَعْصِي، وَيَسْتَوفِي وَلَا يُوفِي، وَيَخْشَى الْخَلْقَ فِي غَيْرِ رَبِّهِ(11)

خلقه.

، وَلَا يَخْشَى رَبَّهُ فِى خَلْقِهِ. [تحف العقول ص 157]

قال الرّضيّ (رحمه الله) : وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْكِتَابِ إِلَّا هَذَا الْكَلَامُ لَكَفَى بِهِ مَوْعِظَةٌ نَاجِعَةٌ، وَحِكْمَةٌ بَالِغَةٌ، وَبَصِيرَةً لِمُبْصِرٍ ، وَعِبْرَةً لِنَاظِرٍ مُفَكِّرٍ.


1) الوهن: الضعف، وَهَنَ الرجلُ يَهِن، أي ضَعُف.

2) أشلَف: قدّم.

3) سَوف: أخّر.

4) عَرَتُه مِحنّة عَرضت له مصيبة ونزلت به.

5) انفّرّج عنها: انخلع وبَعُدَ.

6) شرائط المِلَّة: الثبات والصبر واستعانة الله على الخلاص عند غزو المحن، أي طروق البلايا.

7) العِبرة تنبه النفس لما يصيب غيرها فتحترس من إتيان أسبابه.

8) أدلّ على أقرانه: استعلى عليهم.

9) الغُنم: الغنيمة. والمغرم: الغرامة، والأعمال العظيمة غنيمة العقلاء والشهوات خسارة الأعمار.

10) بادره: عاجله قبل أن يذهب. والفَوت: فوات الفرصة وانقضاؤها.

11) أي يخشى الخلق فيعمل لغير الله خوفاً منه، ولكنّه لا يخاف الله فيضرّ عباده، ولا ينفع

153 - وقال عليه السلام: لِكُلِّ أَمْرِيُّ عَاقِبَةُ حُلْوَةٌ أَوْ مُرَّةً(1). [الغرر، حرف اللام]

154 - وقال عليه السلام: لِكُلِّ مُقْبِل إِدْبَارُ، وَمَا أَدْبَرَ فَكَأَنْ لَمْ يَكُنْ (2). [ دستور معالم الحكم ص 251]

155 - وقال عليه السلام: لَا يَعْدَمُ الصَّبُورُ الظَّفَرَ وَإِنْ طَالَ بِهِ الزَّمَانُ. [ربيع الأبرار للزمخشري]

156 - وقال عليه السلام: الرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ، وَعَلَى كُلِّ دَاخِلٍ فِي بَاطِلٍ إِثْمَانِ : إِثْمُ الْعَمَلِ بِهِ، وَإِثْمُ الرِّضَا بِهِ.

[غرر الحكم ص 45]

157 - وقال عليه السلام: أَسْتَعْصِمُوا بِالدِّمَمِ فِي أَوْتَادِهَا (3).

[غرر الحكم ص 46]

158- وقال عليه السلام: عَلَيْكُمْ بِطَاعَةِ مَنْ لَا تُعْذَرُونَ فِي جَهَالَتِهِ (4).

[دعائم الإسلام ص 353]

159 - وقال عليه السلام: قَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبَصَرْتُمْ(5)، وَقَدْ هُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ، وَأَسْمِعْتُمْ إِنِ أَسْتَمَعْتُمْ.

[عيون الأخبار، ج 2 ص 123]

160 - وقال عليه السلام: عَاتِبْ أَخَاكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَأَرْدُدْ شَرَّهُ بِالْإِنْعَامِ عَلَيْهِ.

[أسرار الحكماء، ص 86]


1) هكذا قرأناه ووجدناه في كثير من النُّسخ، ووجَدنا في كثير منها «لكلّ أمرٍ عاقبة»، وهو الأليق.

2) قال الشاعر: في هذه الدّار في هذا الرّواق على*** هذي الوِسادة كان العزُّ فانقرضا

3) تحصنوا بالذمم: أي العهود، واعقدوها بأوتادها أي الرجال أهل النجدة الذين يوفون بها، وإيّاكم والركون لعهد من لا عهد له.

4) يعني نفسَه(علیه السّلام) ، يقول : عليكم بطاعة عاقل لا تكون له جهالة تعتذرون بها عند البراءة من عيب السقوط في مخاطر أعماله فيقل عذركم في اتّباعه.

5) كشف الله لكم عن الخير والشر فإن كانت لكم أبصاراً فأبصروا، وكذا يقال فيما بعده.

161 - وقال عليه السلام: مَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مَوَاضِعَ التَّهَمَةِ فَلَا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ.

[الاختصاص ص 226]

162 - وقال عليه السلام: مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ (1).

[تحف العقول ص 7]

163 - وقال عليه السلام: مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ، وَمَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا.

[ربيع الأبرار باب العقل والفطنة ]

164 - وقال عليه السلام: مَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ الْخِيَرَةُ فِي يَدِهِ (2).

[أمالي الصدوق ص 182]

165 - وقال عليه السلام: الْفَقْرُ الْمَوْتُ الْأَكْبَرُ.

[ربيع الأبرار، ج1]

166 - وقال عليه السلام: مَنْ قَضَى حَقٌّ مَنْ لَا يَقْضِي حَقَّهُ فَقَدْ عَبْدَهُ(3).

167 - وقال عليه السلام: لَاطَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ.

[صحيفة الرضاص 34]

168 - وقال عليه السلام: لَا يُعَابُ الْمَرْءُ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ، إِنَّمَا يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ (4).

[كتاب الرسائل للكليني]

169 - وقال عليه السلام: الْإِعْجَابُ يَمْنَعُ مِنَ الْاِزْدِيَادِ (5).

[غرر الحكم ص 21]

170 - وقال عليه السلام: الأَمْرُ قَرِيبٌ وَالاِصْطِحَابُ قَلِيلٌ(6).

[الغرر، حرف الألف]


1) اسْتَأثَرَ: استبد، والمعنى أنّ الأغلب فى كلّ مَلِك يستأثر على الرعية بالمال والعزُّ والجاه.

2) مثلاً لو أسرّ عزيمةً فله الخيار في إنفاذها أو فسخها، بخلاف ما لو أفشاها فربّما ألزمته البواعث على فعلها، أو أجبرته العوائق التي تعرض له من إفشائها على فسخها، وعلى هذا القياس.

3) عَبْده - بالتشديد - : أى اتخذه عَبْداً، يقال: عبده واستعبده بمعنى واحد والمعنى بهذا الكلام مَدْحُ مَن لا يقضي حقّةُ، أي من فعل ذلك بإنسان فقد استعبد ذلك الإنسان؛ لأنّه لم يفعل ذلك مكافأةً له عن حقّ قضاء إيّاه، بل فعل ذلك إنعاماً مبتدأ، فقد استعبده بذلك.

4) المتسامح في حقّه لا يعاب وإنّما يعاب سالب حق غيره.

5) من أعجب بنفسه وَثِقَ بكمالها فلم يطلب لها الزيادة في الكمال فلا يزيد بل ينقص، وإنّما يَطُلب الزيادة مَنْ يستشعِر التقصير لا مَنْ يتخيّل الكمال.

6) أمر الآخرة قريب، والاصطحاب في الدنيا قصير الزمن قليل.

171 - وقال عليه السلام: قَدْ أَضَاءَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ.

[دستور معالم الحكم ص 23 ]

172 - وقال عليه السلام: تَرْكُ الذَّنْبِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِ التَّوْبَةِ.

[الكافي ج 2 ص 451]

173 - وقال عليه السلام: كَمْ مِنْ أَكْلَةٍ تَمْنَعُ أَكَلَاتٍ (1)!

[البخلاء ص 188]

174 - وقال عليه السلام: النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا.

[زهر الآداب ج 1 ص 43]

175 - وقال عليه السلام: مَنِ اسْتَقْبَلَ وُجُوهَ الْآرَاءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ الْخَطَا (2).

[التحف: 90]

176 - وقال عليه السلام: مَنْ أَحَدَّ (3)سِنَانَ(4)الْغَضَبِ لِلهِ قَوِيَ عَلَى قَتْلِ أَشِدَّاءِ الْبَاطِلِ (5).

[الطراز، ج 1 ص 168]

177 - وقال عليه السلام: إِذَا هِبْتَ أَمْراً(6)فَقَعْ فِيهِ، فَإِنَّ شِدَّةَ تَوَفِّيهِ(7)أَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ منه(8).

[غرر الحكم ]

178 - وقال عليه السلام: آلَةُ الرِّيَاسَةِ سَعَةُ الصَّدْرِ (9).

[الطراز لليماني]

179 - وقال عليه السلام: أَزْجُرِ الْمُسِيءَ بِثَوَابِ الْمُحْسِنِ (10)

فما لَك والتناوُل من بعيدٍ*** ويمكنك التناوُل من قريبِ

.

[روض الأخيار، ص 41]


1) ربّ شخص أكلّ مرة فأفرط فابتلي بالتخمة ومرض المعدة وامتنع عليه الأكل أياماً. وهذا المعنى أخذه الحريريُّ بلفظه فقال في المقامات: «رُبَّ أكْلَةٍ هاضَت الآكل، ومنعته مآكِل».

2) من طلب الآراء من وجوهها الصحيحة انكشف له موقع الخطأ فاحترس منه.

3) أَحَدٌ: شَحَذَ.

4) السِنان: نصل الرمح .

5) أي مَن اشتدّ غضبه الله اقتدر على قهر أهل الباطل وإن كانوا أشداء.

6) هِبت أمراً: خفت منه .

7) توقّية: الاحتراز منه.

8) أي اذا تخوّفت من أمرٍ فادخل فيه، فإنّ ألم الخوف منه، أشدّ من مصيبة الوقوع فيه.

9) الرئيس محتاجُ إلى أمور، منها الجود، ومنها الشجاعة، ومنها - وهو الأهمّ - سَعَة الصَّدر، فإنّه لا تتمّ الرئاسة إلّا بذلك.

10) إذا كافأت المحسن على إحسانه أقلع المسيء عن إساءته طلباً للمكافأة، قال أبو العتاهية:إذا جازيت بالإحسانِ قَوماً *** زجرت المذنبينَ عن الذّنوب

180 - وقال عليه السلام: أَحْصُدِ الشَّرَّ مِنْ صَدْرِ غَيْرِكَ، بِقَلْعِهِ مِنْ صَدْرِكَ (1).

[سراج الملوك ص 384]

181 - وقال عليه السلام: اللَّجَاجَةُ تَسُلُّ الرَّأْي (2).

[كنز الفوائد]

182 - وقال عليه السلام: الطَّمَعُ رِقٌ مُؤَيَّد.

[ربيع الأبرار، باب الطمع ]

183- وقال عليه السلام: ثَمْرةُ التَّفْرِيطِ النَّدَامَةُ، وَتَمْرَةُ الْحَزْمِ السَّلَامَةُ.

[الطراز ، ج 1 ص 18

184 - وقال عليه السلام: لَا خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.

[ربيع الأبرار ]

185 - وقال عليه السلام: مَا اخْتَلَفَتْ دَعْوَتَانِ إِلَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ضَلَالَةٌ (3).

غرر الحكم ص 310]

186 - وقال عليه السلام: مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُنْذُ أُرِيتُهُ (4)


1) أي لا تضمر لأخيك سوءُ فيضمر لك مثله؛ لأنّ القلوب يشعرُ بعضها ببعض، أو يريد: لا تَعِظ الناس ولا تَنْهَهُم عن منكر إلّا وأنت مُقلعٌ عنه.

2) اللّجاجة: شدّة الخصام تعصّباً لا للحقّ، وهي تسلّ الرأيّ، أي تَذْهَبُ بِه وتَنْزِعه.

3) لأنّ الحق واحد.

4) أي منذ أُعلِمْتُه، وقد رُوي أنّ النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لمّا بعثه إلى اليمن قاضياً ضرب على صدره وقال: « اللّهم اهدِ قلبه، وثَبِّت لسانه» فكان يقول: ما شَكَكْتُ بعدّها في قضاءٍ بين اثنين. ورُوي أن رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لما قرأ: «وتَعِيَها أُذُنٌ واعيةٌ» [الحاقة : 12] قال: «اللّهم اجعلها أُذُنَ عليِّ»، وقيل له: «قد أجيبت دعوتُك».

187 - وقال عليه السلام: مَا كَذَبْتُ وَلَا كُذِبْتُ (1)المخدّج . :ج: هو ذو الثدية. وكان مخدج اليد. أي ناقص اليد. (2)، وَلَا ضَلَلْتُ وَلَا ضُلَّ بي (3).

[تاريخ الطبري حوادث سنة 37]

188 - وقال عليه السلام: لِلظَّالِمِ الْبَادِي غَداً بِكَفِّهِ عَضَةٌ (4).

[تفسير القمي، سورة الفرقان]

189 - وقال عليه السلام: الرَّحِيلُ وَشِيكُ (5).

[تفسير القمي]

190 - وقال عليه السلام: مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ (6).

191 - وقال عليه السلام: مَنْ لَمْ يُنْجِهِ الصَّبْرُ أَهْلَكَهُ الْجَزَعُ (7).

[الغرر، ص 274]

192 - وقال عليه السلام: وَاعَجَبَا أَنْ تَكُونَ الْخِلَافَةُ بِالصَّحَابَةِ وَلَا تَكُونُ بالصَّحَابَةِ وَالْقَرَابَةِ (8)(9)

وأما النظم فموجّه إلى أبي بكر، لأنّ أبا بكر حاج الأنصار فقال: نحن عِترة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وبيضته التي تفقأت عنه، فلما بويع احتجّ على الأنصار بالبيعة، وأنها صدرت عن أهل الحلّ والعقد، فقال علي(علیه السّلام) أمّا احتجاجك على الأنصار بأنّك من بيضة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و من قومه، فغيرك أقرب نسباً منك إليه، وأما احتجاجك بالاختيار، فقد كان قوم من جملة الصحابة غائبين لم يحضروا العقد فكيف يثبت *

.

[ خصائص الأئمة ص 85]


1) هذه كلمةٌ قد قالها مراراً، إحداهن في وقعة النّهروان وكُذِبت - بالضم - أُخبرتُ بخبر كاذب، - أي لم يخبرني رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) عن المخدج

2) خبراً كاذباً؛ لأنّ أخباره(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كلها صادقة.

3) ضُلَّ بي - بالضم - أي لم يُضللني مضلّل عن الصدق والحقِّ؛ لأنّه كان يُستند في أخباره عن الغيوب إلى رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .

4) بكفِّهِ عَضَة: أي يعضُ الظالمُ على يده ندماً يوم القيامة، وهذا من قوله تعالى: «وَيَوْمَ يَعَض يَعَضُ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ » [الفرقان: 27] وإنّما قال: «للبادي» لأنّ من انتصر بعد ظُلمه فلا سبيل عليه، ومن أمثالهم: البادي أظلم.

5) الوشيك: السريع والقريب، أي أنّ الرحيل من الدنيا إلى الآخرة قريب.

6) من ظهر بمقاومة الحقّ هلك، وإبداء الصفحة: إظهار الوجه. وقد يكون المعنى من أعرض عن الحقِّ، والصفحة تظهر عند الإعراض بالجانب.

7) لأنّه إذا لم يصبر فلا شكّ أنّه يجزع، وكلّ جازع آثم والإثم مهلكة.

8) حديثه(علیه السّلام) في النثر والنظم المذكورين مع أبي بكر وعمر، أمّا النثر فتوجيهه إلى عمر لأنّ أبا بكر قال لعمر: امدد يدك، فقال له عمر: أنت صاحب رسول الله في المواطن كلّها، شدّتها ورخائها،

9) العبارة عند عبده والصالح: «واعجباه أتكون الخِلافةُ بالصحابة والقرابة».فامدد أنت يدك، فقال علي(علیه السّلام): إذا احتججت لاستحقاقه الأمر بصحبته إيّاه في المواطن كلّها فهلا سلّمت الأمر إلى من قد شركه في ذلك، وزاد عليه «بالقرابة»!

قال الرضىٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وقد رُوي له شعر قريب من هذا المعنى وهو :

فَإِنْ كُنْتَ بِالسُّورَى مَلَكْتَ أُمُورَهُمْ *** فَكَيْفَ بهذا وَالمُشِيرُونَ غُيَّب (1)

وَإِنْ كُنْتَ بِالْقُرْبَى حَجَجْتَ خَصِيمَهُمْ *** فَغَيْرُكَ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ وَأَقْرَبُ

193 - وقال عليه السلام: إِنَّمَا الْمَرْءُ فِي الدُّنْيَا غَرَضٌ (2)تَنْتَضِلُ فِيهِ (3)الْمَنَايَا (4). وَنَهْبُ (5)تُبَادِرُهُ الْمَصَائِبُ: وَمَعَ كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقٌ(6)، وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصُ، وَلَا يَنَالُ العَبْدُ نِعْمَةً إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى، وَلَا يَسْتَقبِلُ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا بِفِرَاقِ آخَرَ مِنْ أَجْلِهِ. فَنَحْنُ أَعْوَانُ الْمَنُونِ(7)، وَأَنْفُسُنَا نَصْبُ الْحُتُوفِ(8)فَمِنْ أَيْنَ


1) غُيّب: جمع غائب.

2) الغَرَض: ما يُنصب ليصيبه الرامي.

3) تَنتَضِل فيه: أي تصيبه وتثبت فيه، والنَّضل: شيءٌ يرمى.

4) المنايا: جمع مَنيّة، وهي الموت.

5) النَهب: المال المنهوب غنيمة، وجمعه نِهاب.

6) الشَرَق: وقوف الماء في الحلق، أي مع كلّ لذّة ألم.

7) المَنون: الموت، وكلّما تقدّمنا في العمر تقرّبنا منه، فنحن بمعيشتنا أعوانه على أنفسنا.

8) أنفسنا نَصْب الحُتُوف: أي تجاهها. والحتوف جمع حتف، أي هلاك.

تَرْجُو الْبَقَاءَ وَهَذَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ لَمْ يَرْفَعًا مِنْ شَيْءٍ شَرَفاً(1)، إِلَّا أَسْرَعَا الْكَرَّةَ فِي هَدْمِ مَا بَنَيَا، وَتَفْرِيقِ مَا جَمَعَا!

[أمالي القالي ج 2 ص 53]

194 - وقال عليه السلام: يَابْنَ آدَمَ، مَا كَسَبْتَ فَوْقَ قُوَّتِكَ، فَأَنْتَ فِيهِ خَازِنُ لِغَيْرِكَ.

[مروج الذهب ج 2 ص 264 ]

195 - وقال عليه السلام: إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَهْوَةٌ وَإِدْبَاراً، فَأْتُوهَا مِنْ قِبَلِ شَهْوَتِهَا وَإِقْبَالِهَا، فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا أُكْرِهَ عَمِيَ.

[ الكامل ج 2 ص 2 ]

196 - وكان عليه السلام يقول: مَتَى أَشْفِي غَيْظِي إِذَا غَضِبْتُ؟ أَحِينَ أَعْجَزُ عَنِ الْانْتِقَامٍ فَيُقَالُ لِي: لَوْ صَبَرْتَ ! أَمْ حِينَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لِي: لَوْ عَفَوْتَ (2)

أجمل.

!

[سراج الملوك ص 159]

197 - وقال عليه السلام وقَدْ مَرَّ بِقَذَرٍ على مزبلةٍ: هذَا مَا بَخِلَ بِهِ الْبَاخِلُونَ (3).

وفِي خَبرٍ آخَرَ أَنَّهُ قال: هَذَا مَا كُنتُم تَتَنَافَسُونَ فِيهِ بِالْأَمْسِ !

[أنساب الأشراف: 134]

198 - وقال عليه السلام: لَمْ يَذْهَبْ مِنْ مَالِكَ مَا وَعَظَكَ (4).

[ الكامل ج 1 ص 121]

199 - وقال عليه السلام: إِنَّ هَذَه الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانُ، فَابْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ الحكمة.

[نهاية الأرب ج 1 ص 181]


1) الشرف: المكان العالي، والمراد به هنا كُلّ ما علا من مكان وغيره.

2) لا يصحّ التشفّي على أي حال، أمّا في حال العجز فالصبر أشفى، وأمّا عند القدرة فالعفو

3) تلك الأقذار هي لذائذ الأطمعة التي كانت يبخل ببذلها البخلاء، وهي ما كان الناس يتنافسون فيه كلّ يطلبه.

4) إذا أحدثَ فيك ضياعُ المال بصيرةً وحذراً فما اكتسبته خير ممّا ضاع، ومثل هذا قولهم: إنّ المصائب أثمانُ التجارب.

200 - وقال عليه السلام لَمَّا سَمِعَ قَولَ الخَوَارِجِ: «لا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ»: كَلِمَةُ حَقٌّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ(1).

[الاشتقاق ص (219

201 - وقال عليه السلام في صفة الغوغاء (2): هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا غَلَبُوا، وَإِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُعْرَفُوا. وقيل: بَل قال عليه السلام: هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمُعوا ضَرُّوا، وَإِذَا تَفَرَّقُوا نَفَعُوا، فَقِيلَ: قَدْ عَلِمْنا مَضَرَّةَ اجْتِمَاعِهِمْ، فما مَنْفَعةُ افْتِرَاقِهِم؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السّلَامُ:

يَرْجِعُ أَهْلُ الْمِهَنِ إِلَى مِهَنِهِمْ، فَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِمْ، كَرُجُوعِ الْبَنَّاءِ إِلَى بِنَائِهِ، وَالنَّسَّاج إِلَى مَنْسَجِهِ، وَالْخَبَّازِ إِلَى مَخْبَرِهِ.

[العقد الفريد، ج 2 ص 264 ]

202 - وقال عليه السلام وَقَدْ أُتِيَ بِجَانٍ وَمَعَهُ غَوْغَاءُ: لَا مَرْحَباً بِوُجُومٍ لَا تُرَى إِلَّا عِنْدَ كُلِّ سَوْأَةٍ.

[تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 151 ]

203 - وقال عليه السلام: إِنَّ مَعَ كُلِّ إِنْسَانِ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ، فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَإِنَّ الْأَجَلَ(3)جُنَّةٌ حَصِينَةٌ(4).

[ الطبقات ج 3 ص 43]

204 - وقال عليه السلام وقد قال لَهُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ: نَبَايِعُكَ عَلَى أَنَّا شُرَكَاؤُكَ فِي هَذَا الأَمْر: لا، وَلَكِنَّكُمَا شَرِيكَانِ فِي الْقُوَّةِ وَالاِسْتِعَانَةِ(5)، وَعَوْنَانِ عَلَى الْعَجْزِ وَالْأَوَدِ(6).

[الإمامة والسياسة ج 1 ص 51]


1) فإنّهم قصدوا بها الاحتجاج على خروجهم من طاعة الخليفة.

2) الغوغاء: أوباش الناس يجتمعون على غير ترتيب وهم يغلبون على ما اجتمعوا عليه، ولكنّهم إذا تفرّقوا لا يعرفهم أحد لانحطاط درجة كلّ منهم.

3) الأجل: ما قدّره الله للحي من مدة العمر.

4) حصينة: وقاية منيعة من الهلكة.

5) الاستعانة ههنا الفوزُ والظّفَر، كانوا يقولون للمقامر يفوز قِدْحه: قد جَرَى ابنا عِنان، وهما خطّان يُخطَان في الأرض يُزجر بهما الطير، واستعانَ الإنسانُ، إذا قال وقت الظَّفَر والغَلَبة هذه الكلمة.

6) الأود: بلوغ الأمر من الإنسان مجهوده لشدّته وصعوبة احتماله يقول: إنّما تشركاني في القوّة والاستعانة، أي إذا قَوِي أمري وأمرُ الإسلام بي قوِيتما أنتما أيضاً وإذا عجزتُ عن أمر، أو تأوّد عليّ أمر - أي أعوّجَّ - كنتما عَونين لي ومساعدَين على إصلاحه.

205 - وقال عليه السلام: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهُ الَّذِي إِنْ قُلْتُمْ سَمِعَ، وَإِنْ أَضْمَرْتُمْ عَلِمَ، وَبَادِرُوا الْمَوْتَ الَّذِي إِنْ هَرَبْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ، وَإِنْ أَقَمْتُمْ أَخَذَكُمْ، وَإِنْ نَسِيتُمُوهُ ذَكَرَكُمْ.

[الكامل للمبرد، ج 1 ص 223 ]

206 - وقال عليه السلام: لَا يُزَهْدَنَّكَ فِي الْمَعْرُوفِ مَنْ لَا يَشْكُرُهُ لَكَ، فَقَدْ يَشْكُرُكَ عَلَيْهِ مَنْ لَا يَسْتَمْعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَقَدْ يُدْرَكُ مِنْ شُكْرِ الشَّاكِرِ أَكْثَرَ مِمَّا أَضَاعَ الْكَافِرُ، «وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ».

[أمالي الصدوق ص 134]

207 - وقال عليه السلام: كُلُّ وِعَاءٍ يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ إِلَّا وِعَاهُ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ يَتَّسِعُ(1)بِهِ.

[غرر الحکم ص 239]

208 - وقال عليه السلام: أَوَّلُ عِوَضِ الْعَلِيمِ مِنْ حِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ أَنْصَارُهُ عَلَى الْجَاهِلِ.

[عيون الأخبار، ج 1 ص 285]

209 - وقال عليه السلام: إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ(2)، فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ.

[أعلام الدين للديلمي ]

210 - وقال عليه السلام: مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ رَبحَ، وَمَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ، وَمَنْ خَافَ أَمِنَ (3)، وَمَنِ اعْتَبَرَ أَبْصَرَ ، وَمَنْ أَبْصَرَ فَهِمْ، وَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ.

[غرر الحكم وكنز الفوائد ص 255 ]


1) وعاء العلم هو العقل، وهو يتسع بكثرة العلم.

2) التحلُّم: تكلُّف الحِلْم.

3) قوله: «ومن خاف أمِن» أي مَن اتّقى الله أمِنَ مِنْ عذابه يوم القيامة.

211 - وقال عليه السلام: لَتَعْطِفَنَّ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا (1)عَطفَ الضَّرُوسِ (2)

والإمامية تزعم أن ذلك وعدُ منه بالإمام الغائب الذي يملك الأرض في آخر الزمان، وأصحابنا يقولون: إنّه وعدٌ بإمام يملك الأرض، ولا يلزم من ذلك أنه لابدَّ أن يكون موجوداً، بل يكفي في صحّة هذه الكلام أن يُخلق في آخر الوقت.

عَلَى وَلَدِهَا، وَتَلَا عَقِيبَ ذَلِكَ: « وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضِعَفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجَعْلَهُمُ الوَارِثِينَ » .

[ربيع الأبرار ]

212 - وقال عليه السلام: أَتَّقُوا اللَّهَ تَقِيَّةَ مَنْ شَمَّرَ تَجْرِيداً، وَجَدَّ تَشْمِيراً، وَكَمَّسَ فِي مَهَلِ (3)، وَبَادَرَ عَنْ وَجَلٍ (4)وَنَظَرَ فِي كَرَّةِ الْمَوْئِلِ(5)، وَعَاقِبَةِ الْمَصْدَرِ ، وَمَغَيَّةِ (6)الْمَرْجِعِ (7).

[تحف العقول ص 211 ]

213 - وقال عليه السلام: الْجُودُ حَارِسُ الْأَعْرَاضِ ، وَالْحِلْمُ فِدَامُ السَّفِيهِ(8)، وَالْعَفو


1) الشِماس امتناع ظهر الفرس من الركوب، مصدر شَمس الفرسُ إذا منع ظهره.

2) الضّروس: الناقة السيئة الخلُق تعضُ حالبّها، أي أنّ الدنيا ستنقاد لنا بعد جُمُوحها، وتلين بعد خشونتها، كما تنعطف الناقة على ولدها وإن أبّت على الحلب.

3) كمَّش: جدّ في السوق، [وفي نسخة ابن أبي الحديد: أكمش] أي جدَّ وأسرع، ورجل كميش، أي جادَّ، أي: بالغ في حثّ نفسه على المسير إلى الله لكن مع تمهل البصيرة، أو في مهلة العمل قبل أن يضيق عليه وقتُه بدنوَ الأجل.

4) الوجل: الخوف.

5) الموئل: مستقر السير، يريد به - هنا - ما ينتهي إليه الإنسان من سعادة وشقاء، وكرّته حملته وإقباله.

6) المغبّة: العاقبة، إلّا أنّه يلاحظ فيها مجرّد كونها بعد الأمر، أمّا العاقبة ففيها أنّها مسببة عنه. والمصدر: عملك الذي يكون عنه ثوابك وعقابك.

7) المرجع: ما ترجع إليه بعد الموت، ويتبعه إمّا السعادة أو الشقاء.

8) الفِدام: شيء تشده العجم على أفواهها عند السّقي، وخِرقة تجعل على فَمِ الإبريق، فشبّه الحلم بها، يقول: إذا حلمت فكأنّك ربطت فم السفيه بالفِدام فمنعته عن الكلام.

زَكَاةُ الظُّفَرِ، وَالسُّلُوُّ عِوَضُكَ مِمَّنْ غَدَرَ(1)، وَالاِسْتِشَارَةُ عَيْنُ الْهِدَايَةِ. وَقَدْ خَاطَرَ مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ، وَالصَّبْرُ يُنَاضِلُ الْحِدْثَانَ(2)، وَالْجَزَعُ مِنْ أَعْوَانِ الزَّمَانِ(3)، وَأَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْمُنَى(4). وَكمْ مِنْ عَقْلِ أَسِيرٍ عِنْدَ هَوىً أمِيرٍ(5)! وَمِنَ التَّوْفِيقِ حِفْظُ التَّجْرِبَةِ، وَالْمَودَّةُ قَرَابَةٌ مُسْتَفَادَةٌ، وَلَا تَأْمَنَنَّ مَلُولاً (6).

[روضة الكافي ص 16]

214 - وقال عليه السلام: عُجْبُ الْمَرْءِ بَنَفْسِهِ أَحَدٌ حُمَّادِ عَقْلِهِ (7).

[روض الأخبار، ص 200]

215 - وقال عليه السلام: أَغْضِ(8)عَلَى الْقَذَى(9)وَالْأَلَم تَرْضَ أَبَداً (10)

وَمَنْ لَمْ يُغَمُضْ عَيْنَه عن صَديقِهِ*** وعَنْ بعضِ ما فيه يمت وهو عائبُ

ومن يتبَّع جاهداً كلُ عثرة *** يجدها ولا يسلم له الدهرَ صاحبُ

.

(الغرر، ص 62]

216 - وقال عليه السلام: مَنْ لانَ عُودُهُ كَثفَتْ أَغْصَانُهُ (11)

[المئة المختارة للجاحظ ]


1) أي مَن غدرك فلك خلف عنه وهو أن تسلوه وتهجره كأنّه لم يكن.

2) الحِدثان: نوائب الدهر. والصبر يناضلها: أي يدافعها.

3) الجَزّع - وهو شدّة الفزع - يعين الزمان على الإضرار بصاحبه.

4) المُنى: جمع منية، وهي ما يتمناه الإنسان، وإذا لم تتمنَّ شيئاً فقد استغنيت عنه.

5) كثير من الناس جعلوا أهواءهم مسلّطة على عقولهم، فعقولهم أسرى تحت حكمها.

6) المَلُول: السريع الملل والسآمة، وهو لا يؤمن، إذ قد يملُ عند حاجتك إليه فيفسد عليك عملك.

7) العُجب: إعجاب المره بنفسه، فهو حجاب بين العقل وعيوب النفس، فإذا لم يدركها سقط بل أوغل فيها فيعود عليه بالنقص، فكأنّ العجب حاسد ، فكأن العجب حاسد يحول بين العقل ونعمة الكمال.

8) الإغضاء على الشيء: كناية عن تحمّله.

9) القَذَى: الشيء يسقط من العين.

10) يقول : من لم يحتمل يعش ساخطاً لأنّ الحياة لا تخلو من أذى، ونظير هذا قول الشاعر:

11) یريد من «لين العود» طراوة الجثمان الإنساني ونضارته بحياة الفضل وماء الهمة. وكثافة الأغصان: كثرة الآثار التي تصدر عنه كأنّها فروعه، أو يريد بها كثرة الأعوان.

217 - وقال عليه السلام: الْخِلَافُ يَهْدِمُ الرَّأْيَ.

[سراج الملوك ص 384 ]

218 - وقال عليه السلام: مَنْ نَالَ اَسْتَطَالَ (1).

[تحف العقول ص 98]

219 - وقال عليه السلام: فِي تَقَلُّبِ الْأَحْوالِ عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ (2).

[التحف ص 97]

220 - وقال عليه السلام: حَسَدُ الصَّدِيقِ مِنْ سُقْمِ الْمَوَدَّةِ (3).

[ربيع الأبرار ]

221 - وقال عليه السلام: أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِعِ.

[محاضرات الأدباء، ج 1 ص 251]

222 - وقال عليه السلام: لَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ الْقَضَاءُ عَلَى الثَّقَةِ بِالظَّنِّ(4).

[ربيع الأبرار ]

223 - وقال عليه السلام: بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْمَعَادِ الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَادِ

[التحف ص 91]

224 - وقال عليه السلام: مِنْ أَشْرَفِ أَفْعَالِ الْكَرِيم غَفْلَتُهُ عَمَّا يَعْلَمُ(5).

[دعوات الراوندي]

225 - وقال عليه السلام: مَنْ كَسَاهُ الْحَيَاءُ ثَوْبَهُ لَمْ يَرَ النَّاسُ عَيْبَهُ.

[ربيع الأبرار باب السكوت ]


1) نال: أي أعطى، يقال نُلته، أي أعطيته، ورجلٌ نالُ، أي جوادُ ذو نائل، وهذا مثل قولهم: «من جاد ساد» فإنّ الاستطالة الاستعلاء بالفضل. ويجوز أن يريد به، من أثرَى ونال من الدنيا حظّاً استطال على النّاس.

2) معناه: لا تُعلّم أخلاق الإنسان إلّا بالتجربة، واختلاف الأحوال عليه. وقديماً قيل: ترى الفتيان كالنِّخل، وما يدريك ما الدَّخل.

3) لولا ضعف المودة ما كان الحسد، وأول الصداقة انصراف النظر عن رؤية التفاوت، فإذا حسدك صديقك على نعمة أعطيّتها لم تكن صداقته صحيحة، فإنّ الصديق حقّاً من يجري مجرى نفسِك، والإنسان لا يحسد نفسه.

4) الواثق بظنه واهمُ فلابدّ لمريد العدل من طلب اليقين بموجب الحكم.

5) أي عدم التفاته لعيوب الناس وإشاعتها وإن علمها. وكان يقال: التغافل من السُّؤدد، وقال أبو تمّام: ليس الغَبِيُّ بسيِّدٍ في قومه*** لكنّ سيِّدَ قومِه المتغابي

226 - وقال عليه السلام: بِكَثْرَةِ الصَّمْتِ تَكُونُ الْهَيْبَةُ، وَبِالنَّصَفَةِ(1)يَكْثُرُ الْمُوَاصِلُونَ، وَبِالْإِنْضَالِ تَعْظُمُ الْأَقْدَارُ، وَبِالتَّوَاضُع تَتِمُّ النِّعْمَةُ، وَبِاحْتِمَالِ الْمُؤَنِ يَجِبُ السُّوْدَدُ (2)، وَبِالسِّيرَةِ الْعَادِلَةِ يُقْهَرُ الْمُنَاوِيُّ (3)وَبِالْحِلْمِ عَنِ السَّفِيهِ تَكْثُرُ الْأَنْصَارُ عَلَيْهِ. [عيون الأخبار، ج 1 ص 284]

227 - وقال عليه السلام: الْعَجَبُ لِغَفْلَةِ الْحُسّادِ عَنْ سَلَامَةِ الْأَجْسَادِ (4)(الغرر، ص 219]

228 - وقال عليه السلام: الطَّامِعُ فِي وِثَاقِ الذُّلِّ. [المئة المختارة للجاحظ ]

229 - وقد سئل عن الإيمان، فقال: الْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ، وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلُ بِالْأَرْكَانِ .

[تاریخ بغداد، ج 10 ص 344 ]

230 - وقال عليه السلام: مَنْ أَصْبَحَ عَلَى الدُّنْيَا حَزِيناً فَقَدْ أَصْبَحَ لِقَضَاءِ اللَّهِ سَاخِطاً. وَمَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ فَقَدْ أَصْبَحَ يَشْكُو رَبَّهُ، وَمَنْ أَتَى غَنِيّاً فَتَوَاضَعَ لَهُ لِعْنَاهُ ذَهَبَ ثُلُنَا دِينِهِ(5). وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَهُوَ مِمَّنْ كَانَ يَتَّخِذُ آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً، وَمَنْ لَهِجَ قَلْبُهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا الْتَاطَ (6)قَلْبُهُ مِنْهَا بِثَلَاثٍ: هَمِّ لَا يُغِيُّهُ(7)، وَحِرْصِ لَا يَتْرُكُهُ، وَأَمَلٍ لَا يُدْرِكُهُ. [كنز الفوائد: 160]


1) النّصَفة: الإنصاف: ومتى أنصف الإنسان كثر مواصلوه، أي محبوه.

2) المُؤَن: جمع مؤونة، وهي القوت، أي أنّ السؤدد والشرف باحتمال المؤنات عن الناس.

3) المناوئ المخالف المعاند.

4) أي من العجيب أن يحسد الحاسدون على المال والجاه مثلاً ولا يحسدون الناس على سلامة أجسادهم مع أنّها من أجلّ النِّعم.

5) لأنّ استعظام المال ضعف في اليقين بالله، والخضوع أداء عمل لغير الله فلم يبق إلّا الإقرار باللسان.

6) التاط التَصّق.

7) لا يُعْبُهُ: لا يأخذه غِبًا، بل يلازمه دائماً.

231 - وقال عليه السلام: كَفَى بِالْقَنَاعَةِ مُلْكاً، وَبِحُسْنِ الْخُلُقِ نَعِيماً. وسُئِلَ عليه السلام عن قول الله عزَّ وجلَّ: «فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً». فَقَالَ: هِيَ الْقَنَاعَةُ [الكشاف ج 3: 366]

232 - وقال عليه السلام: شَارِكُوا الَّذِينَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ، فَإِنَّهُ أَخْلَقُ لِلْعِنَى، وَأَجْدَرُ بِإِقْبَالِ الْحَظِّ (1).

[غرر الحكم ص 200 ]

233 - وقال عليه السلام في قَوْلِهِ عَزَّ َوجَلٌ: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ» : اَلْعَدْلُ: الْإِنْصَافُ، وَالْإِحْسَانُ : التَّفَضُلُ. [عيون الأخبار، ج 3 ص 19]

234 - وقال عليه السلام: مَنْ يُعْطِ بِالْيَدِ الْقَصِيرَةِ يُعْطَ بِالْيَدِ الطُّوِيلَةِ. [ربيع الأبرار، ج 2]

قالَ الرَّضيّ (رحمه الله) : ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ ما يُنْفِقُهُ المَرْءُ من مالِهِ في سَبيل الخير والبر وإنْ كان يَسِيراً فإنَّ الله تعالى يَجْعَلُ الجَزاءَ عَلَيه عظيما كَثيراً؛ والْيَدَان ها هنا عِبارَةٌ عَن النَّعْمَتين، فَفَرّقَ عليه السلام بَيْنَ نِعْمَةِ الْعَبْدِ ونِعْمَةِ الرَّبِّ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِالْقَصِيرَة والطَّويلة، فجعلَ تِلْكَ قَصِيرَةٌ وهَذه طويلَةٌ؛ لأنَّ نِعَمَ اللهِ أبَداً تُضَعَفُ (2)على نِعم المخْلُوقِينَ أَضْعَافاً كثيرة؛ إذ كانتْ نِعَمُ اللهِ أَصْلَ النِّعَمِ كُلها، فَكُلُّ نِعْمَةٍ إِلَيْهَا تَرْجِعُ، ومنها تُنْزَعُ.

235 - وقال عليه السلام لابْنِهِ الْحَسَنِ: لَا تَدْعُوَنَّ إِلى مُبَارَزَةٍ(3)، وَإِنْ دُعِيتَ إِلَيْهَا فَأَجِبْ؛ فَإِنَّ الدَّاعِيَ إِلَيْهَا بَاعٍ، وَأَلْبَاغِي مَصْرُوعُ (4). [عيون الأخبار، ج 1 ص 128]

236 - وقال عليه السلام: خِيَارُ خِصَالِ النِّسَاءِ شِرَارُ خِصَالِ الرِّجَالِ : الزَّهْوُ (5)


1) أي إذا رأيتم شخصاً أقبل عليه الرزق فاشتركوا معه في عمله من تجارة أو زراعة، أو غيرها فإنّه مظنة الربح.

2) تُضعف: مجهول من «أضْعَفَهُ» - : إذا جعله ضِعفّين.

3) المُبارزة: بروز كلَّ لآخر ليقتتلا.

4) مصروع: مغلوب مطروح.

5) الزّهو الكِبر، ومنه مَزْهَوة: أي متكبرة.

وَالجُبْنُ وَالبُخْلُ، فَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مَزْهُوَّةً لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِهَا، وَإِذَا كَانَتْ بَخِيلَةً حَفِظَتْ مَالَهَا وَمَالَ بَعْلِهَا، وَإِذَا كَانَتْ جَبَانَةٌ فَرِقَتْ (1)مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَعْرِضُ لَهَا.

[قوت القلوب ج 2 ص 522]

237 - وَقِيلَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صِف لَنَا العَاقِلَ، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي يَضَعُ الْشَيْءَ مَوَاضِعَهُ. فَقِيل: فَصِف لَنَا الْجَاهِلَ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. [غرر الحكم ص 48 ]

قالَ الرَّضيّ(رحمه الله) : يَعْنِي أَنَّ الْجَاهِلَ هُوَ الَّذِي لَا يَضَعُ الشَّيء مَوَاضِعَهُ. فَكَأَنَّ تَرْكَ صِفَتِه صِفَةٌ لَهُ، إِذْ كَانَ بِخِلَافِ وصف العَاقِل.

238 - وقال عليه السلام: وَاللَّهِ لَدُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَهْوَنُ فِي عَيْنِي مِنْ عِرَاقِ خِنْزِيرٍ فِي يَدِ مَجْذُومٍ(2).

]غرر الخصائص الواضحة ص 71]

239 - وقال عليه السلام: إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التَّجَّارِ(3)، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ(4)، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ شُكراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأَحْرَارِ (5).[روض الأخبار، ص 10]

240 - وقال عليه السلام: اَلْمَرْأَةُ شَرٌّ كُلُّهَا، وَشَرُّ مَا فِيهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا. [غرر الحكم ص 47]ّ

241 - وقال عليه السلام: مَنْ أَطَاعَ التَّوَانِيَ ضَيَّعَ الْحُقُوق، وَمَنْ أَطَاعَ الْوَاشِيَ ضَيَّعَ الصَّدِيقَ .

[غرر الحكم ص 279]


1) فَرِقتْ خافت وفزعت، والفَرَق: الخوف.

2) العِراق - بكسر العين - : هو من الحَشَا ما فوق السرة مُعترِضاً البطن. المجذوم: المصاب بمرض الجذام، وما أقذر كرش الخنزير وأمعاءه إذا كانت في يد شوّهها الجذام. [وفي نسخة ابن أبي الحديد: «عُراقِ خنزيرٍ»] والعُراق: جمع عَرق، وهو العظم عليه شيءٌ من اللَّحم، وهذا من الجموع النادرة.

3) لأنّهم يعبدون لطلب عوض.

4) لأنّهم ذلّوا للخوف، وتلك ليست عبادةٌ نافعة، وهي كمن يعتذِر إلى إنسان خوفَ أذاه ونقمته، لا لأنّ ما يعتذر منه قبيحُ لا ينبغي فعله.

5) لأنّهم عرفوا حقّاً عليهم فأدوه، وتلك شيمة الأحرار.

242 - وقال عليه السلام: اَلْحَجَرُ الْغَصْبُ (1)فِي الدَّارِ رَهْنُ عَلَى خَرَابِهَا. [زهر الآداب ج 1 ص 43]

قال الرضي(رحمه الله) : وَقَدْ رُوِيَ مَا يَنَاسِبُ هَذَا الْكَلَامَ عَنِ النَّبِيِّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وَلَا عَجَبَ

أَن يَشْتَبِه الكَلَامَانِ فَإِنَّ مُسْتَقَاهُما مِنْ قَلِيبٍ (2)، وَمَفْرَغَهُمَا مِنْ ذَنُوبٍ (3)

ومما قاله ابن بسّام لأبي عليّ بن مُقلة عندما بنى داره بالزّاهر ببغداد من الغَضب وظلم الرعيّة:

قل لابن مُقلَة مهلاً لا تكن عَجِلاً ***فإنّما أنتَ في أضغاث أحلام

تَبني بأنقاض دُور الناسِ مجتهداً*** داراً سَتُنقَضٌ بعد أيَّامٍ

وكان ما تفرّسه ابن بسّام فيه حقّاً، فإنّ داره نُقِضَتْ حتى سوّيت بالأرض في أيّام الراضي بالله.

.

243 - وقال عليه السلام: يَوْمُ الْمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الظَّالِمِ عَلَى الْمَظْلُومِ.

[الغرر والدرر، ص 40]

244 - وقال عليه السلام: اتَّقِ اللهَ بَعْضَ التَّقَى وَإِنْ قَلَّ، وَاجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ سِتْراً وإِنْ رَبَّ.

[ربيع الأبرار، باب الخير والصلاح]

245 - وقال عليه السلام: إِذَا ازْدَحَمَ الْجَوَابُ خَفِيَ الصَّوَابُ ((4)[سراج الملوك ص 372

246 - وقال عليه السلام: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ نِعْمَةٍ حَقَّاً، فَمَنْ أَدَّاهُ زَادَهُ مِنْهَا، وَمَنْ قَصَّرَ فِيهِ خَاطَرَ بِزَوَالِ نِعْمَتِهِ. [تحف العقول ص 206 ]

247 - وقال عليه السلام: إِذا كَثُرَتِ الْمَقْدِرَةُ قَلَّتِ الشَّهْوَة(5).

[غرر الحکم ص 139 ]


1) [في نسخة عبده والصالح: الغَصيب] أي المغصوب.

2) القَلّيب: البئر.

3) الذُّنوب: الدلو الكبيرة المَلأى، ولا يقال لها وهى فارغةٌ: ذَنوب، ومعنى الكلمة أنّ الدار المبنيّة بالحجارة المغصوبة ولو بحجرٍ واحد، لابدّ أن يتعجّل خرابها.

4) ازدحام الجواب: تشابه المعاني حتى لا يدرى أيّها أوفق بالسؤال، وهو مما يوجب خفاء الصواب.

5) فإنّ مَن مَلك زهد.

248 - وقال عليه السلام: أَحْذَرُوا نِفَارَ النَّعَمِ(1)

إذا كنتَ في نعمةٍ فارْعَها *** فإنّ المعاصي تُزيل النَّعَمْ

، فَمَا كُلُّ شَارِدٍ بِمَرْدُودٍ. [المنة المختاره ]

249 - وقال عليه السلام: الْكَرَمُ أَعْطَفُ مِنَ الرَّحِمِ (2).

250 - وقال عليه السلام: مَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ (3)[ربيع الأبرار، باب الظن والفراسة ]

251 - وقال عليه السلام: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ مَا أَكْرَفْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ(4). [تذكرة الخواص: 135]

252 - وقال عليه السلام: عَرَفْتُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ(5)، وَحَلَّ الْعُقُودِ(6)، وَنَقْضِ الْهِمَمِ.

[توحيد الصدوق ص 209]

253 - وقال عليه السلام: مَرَارَةُ الدُّنْيَا حَلَاوَةُ الْآخِرَةِ، وَحَلَاوَةُ الدُّنْيَا مَرَارَةُ الْآخِرَةِ (7)

[روضة الواعظين ص 441]

254 - وقال عليه السلام: فَرَضَ اللهُ الْإِيمَانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلَاةَ تَنْزِيهَا عَنِ الْكِبْرِ، وَالزَّكَاةَ تَسْبِيباً لِلرِّزْقِ، وَالصِّيَامَ ابْتِلَاءً لِإِخْلَاصِ الْخَلْقِ، وَالْحَجَّ تَقْرِبَةٌ


1) نِفَار النعم: نفورها، وتفورها بعدم أداء الحق منها فتزول. وهذا أمرٌ بالشُّكر على النعمة وترك المعاصي، فإنّ المعاصي تُزيلُ النّعَم كما قيل:

2) الرّحِم - هنا - : كناية عن القرابة، والمراد أنّ الكريم ينعطف للإحسان بكرمه أكثر مما ينعطف القريب لقرابته، وهي كلمة من أعلى الكلام.

3) يعمل الخير الذي ظنّه بك.

4) «ما أكرَهْتَ نفْسَكَ عَلَيه» هو ما خالفت فيه الشهوة ولا رَيب أنّه أفضل الأعمال لأنّ الثّواب على قدر المَشقّة، ولهذا قال(علیه السّلام) : «أفضل العبادة أحمَزُها» أي أشَفَها.

5) العزائم: جمع عزيمة، وهي ما يصمم الإنسان على فعله. وفسخها: نقضها.

6) العقود: جمع عقد بمعنى النية تنعقد على فعل أمر، ولولا أنّ هناك قدرة سامية فوق إرادة البشر وهي قدرة الله لكان الإنسان كلّما عزم على شيء أمضاه، لكنّه قد يعزم والله يفسخ.

7) حلاوة الدنيا باستيفاء اللذات، ومرارتها بالعفاف عنها، وفي الأول مرارة العذاب في الآخرة، وفي الثانية حلاوة الثواب فيها.

لِلدِّينِ(1)، وَالْجِهَادَ عِزّاً لِلإِسْلَامِ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةٌ لِلْعَوامُ، وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ رَدْعاً لِلْسُّفَهَاءِ، وَصِلَةَ الرَّحِمِ مَنْمَاةٌ لِلْعَدَدِ(2)، وَالْقِصَاصَ حَقْناً لدِّمَاءِ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ إِعْظَاماً لِلْمَحَارِمِ، وَتَرْكَ شُرْبِ الْخَمْرِ تَحْصِينَاً لِلْعَقْلِ، ومُجَانَبَةَ السَّرِقَةِ إِيجَاباً لِلْعِفَّةِ، وَتَرْكَ الزِّنَا تَحْصِينَاً لِلنَّسَبِ، وَتَرْكَ اللّوَاطِ تَكْثِيراً لِلنَّسْلِ، وَالشَّهَادَاتِ(3)اسْتِظْهَاراً (4)عَلَى الْمُجَاحَدَاتِ(5)، وَتَرْكَ الْكَذِبِ تَشْرِيفاً لِلصِّدْقِ، وَالسَّلَامَ أَمَاناً مِنَ الْمَخَاوِفِ، وَالْإِمَامَةَ نِظَاماً لِلأُمَّةِ(6)، وَالطَّاعَةَ تَعْظِيماً لِلْإِمَامَةِ. [ نهاية الإرب ج 8 ص 182]

255 - وكان عليه السلام يقول: أَحْلِفُوا الظَّالِمَ - إِذَا أَرَدْتُمْ يَمِينَهُ - بِأَنَّه بَرِيءٌ مِنْ حَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا حَلَفَ بِهَا كَاذِباً عُوجِلَ، وَإِذَا حَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَمْ يُعَاجَلْ، لِأَنَّهُ قَدْ وَحدَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. [مقاتل الطالبيين ص 477]


1) تَقْرِبةً للدين: أي سبباً لتقرّب أهل الدين بعضهم من بعض، إذ يجتمعون من جميع الأقطار، في مقام واحد، لغرض واحد، وفي نسخة [كما عند ابن أبي الحديد) «تقوية، فإنّ تجديد الإلفة بين المسلمين في كلّ عام بالاجتماع والتعارف ممّا يقوّي الإسلام.

2) مَنمَاة: إكثار وتنمية، فإنّه إذا تواصل الأقرباء على كثرتهم كثر بهم عدد عدد الأنصار.

3) الشهادات: هي ما يدلي به الشهداء على حقوق الناس. [وعند عبده: الشهادة] وهي الموت في نصر الحقِّ، وإنّما فرضت ليستعان بذلك على قهر الجاحدين له، فيبطل جحوده .

4) استظهاراً: إسناداً وتقوية.

5) المُجاحَدات: جمع مُجاحدة، وهي الإنكار والجحود.

6) فُرضت الإمامة نظاماً للأمة، وذلك لأنّ الخَلْق لابدَّ لهم من سلطان قاهر ينظّم مصالحهم [وفي نسخة الصالح: «والأمانة نِظاماً للأمة» وعند عبده: «والأمانات ...»] ، لأنّه إذا روعيت الأمانة في الأعمال، أدّى كلّ عامل ما يجب عليه، فتنتظم شؤون الأمّة، أما لو كثرت الخيانات فقد فسدت الأعمال، وكثر الإهمال فاختلُ النظام.

256 - وقال عليه السلام: يَابْنَ آدَمَ كُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ فِي مَالِكَ، وَأَعْمَلْ فِيهِ مَا تُؤْثِرُ أَنْ يُعْمَلَ فِيهِ مِنْ بَعْدِكَ (1).

[غرر الحكم ص 246]

257 - وقال عليه السلام: اَلْحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ، لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنُونُهُ مُسْتَحْكِمْ.

[غرر الحكم ص 52]

258 - وقال عليه السلام: صِحَةُ الْجَسَدِ مِنْ قِلَّةِ الْحَسَدِ. [غرر الحكم ]

259 - وقال عليه السلام لكُميل بن زيادِ النَّخَعي: يَا كُمَيْلُ، مُرْ أَهْلَكَ أَنْ يَرُوحُوا(2)فِي كَسْبِ الْمَكَارِمِ، وَيُدْلِجُوا فِي حَاجَةِ مَنْ هُوَ نَائِمَ(3)، فَوَالَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْواتَ، مَا مِنْ أَحَدٍ أَوْدَعَ قَلْباً سُرُوراً إِلَّا وَخَلَقَ اللهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ السُّرُورِ لطفاً، فَإِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَائِبَةٌ (4)جَرَى إِلَيْهَا (5)كَالْمَاءِ فِي انْحِدَارِهِ حَتَّى يَطْرُدَهَا عَنْهُ كَمَا تُطْرَدُ غَرِيبَةُ الْإِبِلِ(6).

[المستطرف ج 1 ص 114]

260 - وقال عليه السلام: إِذَا أَملَقْتُمْ فَتَاجِرُوا اللهَ بالصَّدَقَةِ(7). [المئة المختارة للجاحظ ]

261 - وقال عليه السلام: الْوَفَاء لِأَهْلِ الْغَدْرِ غَدْرُ عِنْدَاللهِ، وَالْغَدْرُ بِأَهْلِ الْغَدْرِ وَفَاء


1) أي إعمل في مالك وأنت حيّ ما تؤثِرُ - أي تحب - أن يعمل فيه خلفاؤك، ولا حاجة أن تدّخر ثم توصي ورثتك أن يعملوا خيراً بعدك.

2) الرواح: السير من بعد الظهر، والمراد من المكارم المحامد، وكسبها بعمل المعروف.

3) الإدلاج: السير من أوّل الليل، وكأنّه يقول: أوص أهلك أن يواصلوا أعمال الخير، فرواحهم في الإحسان، وإدلاجهم في قضاء الحوائج، وإن نام عنها أربابها.

4) نائبة: مصيبة.

5) الضمير في «جرى» للطف، وفي «إليها» للنائبة.

6) غريبة الإبل لا تكون من مال صاحب المرعى فيطردها من بين ماله.

7) إذا أملَقنم: أي إذا أفتقرتم فتصدّقوا، فإنّ الله يعطف الرزق عليكم بالصدقة، فكأنّكم عاملتم الله بالتجارة.

عِنْدَ الله. [غرر الخصائص الواضحة ص 39]

262 - وقال عليه السلام: كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَج بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَمَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ، وَمَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ، وَمَا ابْتَلَى اللهُ سُبْحَانَهُ أَحَداً بِمِثْلِ الْإِمْلَاءِ لَهُ. [أمالي الطوسي ج 2 ص 58]

قَالَ الرَّضِيُّ(رحمه الله) : وَقَدْ مَضَى هَذَا الكلام فيما تقدَّمَ، إِلَّا أَنَّ فيه ها هنا زِيادَةً جَيدَةٌ.

فَصْلُ نَذْكُرُ فِيهِ شيئاً مِن غَرِيبٍ كَلَامِهِ المُحْتاج إلى التَّفْسِيرِ

1 - في حديثه عليه السلام: فَإِذَا كَانَ ذلِكَ ضَرَبَ يَعْسُوبُ الدِّينِ بِذَنَبِهِ، فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ كَمَا يَجْتَمِعُ قُزَعُ الْخَرِيفِ(1). [تهذيب اللغة مادة قزع]

قال الرَّضَيُّ (رحمه الله) : يَعْسُوبُ الدِّينِ : السَّيِّدُ الْعَظِيمُ الْمالِكُ لأُمُورِ النَّاسِ يَوْمِنذ؛ والْقُزّعُ : قِطَعُ الْغَيْمِ الَّتِي لا مَاءَ فيها (2).

2 - في حديثه عليه السلام: هذَا الْخَطِيبُ الشَّحْشَحُ (3)[النهاية مادة سلق ].

قالَ الرَّضِيُّ : يُرِيدُ الْمَاهِرَ بالخُطْبَةِ، الْمَاضِي فِيهَا، وَكُلُّ مَاضٍ فِي كَلَام أو سيْر فَهُوَ شَحْشِحُ. والشَّحْشَحُ فِي غَيْرِ هذا الموضع الْبَخِيلُ الْمُمْسِكَ.


1) هذا الخبر من أخبار المَلاحِم التي كان يُخير بها (علیه السّلام) وهو يذكُر فيه المهديّ، ومعنى قوله: «ضَرَب بذنَبه» أقام وثبت بعد اضطرابه، وذلك لأنّ اليعسوب فَحْل النَّحْل وسيّدها وهو أكثر زمانه طائر بجناحيه، فإذا ضرَب بذَنَبه الأرضَ فقد أقام وتَرَك الطّيران والحركة.

2) أصاب في اليَعسوب، فأمّا القُزَع فلا يشترط فيها أن تكون خاليةُ من الماء، بل القُزَع: قطع من السحاب رفيقة، سواء كان فيها ماء أو لم يكن، الواحدة قَزّعة.

3) هذه الكلمة قالها عليُّ(علیه السّلام) لصَعصَعة بن صُوحان العبديِّ رحمه الله ، وكَفَى صعصعة بها فخراً أن يكون مثل عليُّ(علیه السّلام) يُثني عليه بالمهارة وفَصاحة اللسان، وكان صَعصعةُ من أفصَح الناس.

3 - وفي حديثه عليه السلام: إِنَّ لِلْخُصُومَةِ قُحَما (1). [الجمع بين الغريبين]

قال : يُرِيدُ بِالْقُحَمِ الْمَهَالِكَ ، لأنَّهَا تُفْحِمُ أَصْحَابَهَا فِي الْمَهَالِكِ وَالْمَتَالِفِ فِي الأَكْثَر. فَمِنْ ذلِكَ قُحْمَةُ الأَعْراب، وَهُوَ أنْ تُصِيبَهُمُ السَّنَةُ فَتَتَعَرَّقُ أَمْوَالُهُمْ (2)، فَذَلِكَ تَقحُمُهَا فِيهِمْ. وَقِيلَ فِيهِ وَجْهُ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهَا تُقْحِمُهُمْ بِلادَ الريف، أَيْ تُخوِجُهُمْ إِلى دُخُول الْحَضَرِ عِنْدَ مُحُولِ الْبَدْوِ .

4 - وفي حديثه عليه السلام: إِذَا بَلَغَ النِّسَاءُ نَصَّ الْحِقَاقِ فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى. [النهاية 414:1]

قال الرضيّ: ويروى «نصُّ الحقائقِ»، وآلنصُّ مُنْتَهى الأشياء ومبلغ أقصاها كالنصِّ في السير لأنّه أقصى مَا تقدرُ عليه الدابّةُ؛ ويقال : نصصتَ الرجلَ عن الأمرِ إِذا استقصيتَ مسألتَهُ لتستخرجَ مَا عِنْدَهُ فِيهِ، ونَصُّ الحقائقِ يريدُ به الإدراكَ؛ لأنّه منتهى الصِّغر، والوقتُ الذي يخرجُ منه الصغيرُ إلى حدِّ الْكَبِيرِ، وهو من أفصح الكِناياتِ عن هذا الأمرِ وأغربها؛ يقولُ : فإذا بلغَ النساءُ ذلك فالعصّبةُ أولَى بالمرأةِ مِنْ أُمِّها إذا كانوا محرماً مثلُ الْإِخوةِ والأعمام، وبتزويجها إِنْ أرادوا ذلك. والحقاقُ : مُحَاقَةُ الأُمّ للعصَبةِ في المرأةِ، وهو الجدالُ، والْخُصُومَةُ، وقولُ كلٌّ واحِدٍ منهما لِلآخَرِ : أنا أحقُّ منك بهذا، يُقال منهُ : حاقَقتُهُ حِقاقاً، مِثْلُ جادلته جدالاً. وقد قيلَ: إِنَّ نَصَّ الحقاق بُلُوغُ العقل وهو الإدراكُ، لأنّه عليه السَّلَامُ إنما أرادَ مُنتَهَى الأمر الذي تجبُ به الحُقوقُ والأحكامُ ومَنْ رواهُ «نصُّ الحقائِقِ» فإنما أرادَ جَمْعَ حقيقةٍ. هذا معنى مَا ذكرهُ أبو عُبَيْد القاسمُ بن سلَّامٍ. والذي عندي أنَّ المراد بنصِّ الحقاقِ ها هنا بُلُوغ المرأةِ إلى الحَدِّ الذي يجوزُ فيه تزويجُها وتصرُّفها فِي حقوقِها، تشبيهاً بالحقاقِ مِنَ الْإِبِلِ، وهي جَمْعُ حِقَّةٍ وحِقِّ (3)، وهو الذي استكملَ ثلاثَ سنينَ ودخلَ فِي الرابعةِ، وعندَ ذلك


1) هذه الكلمة قالها أميرالمؤمنين حين وَكَّل عبدَالله بن جعفرٍ في الخصومة عنه، وهو شاهد .

2) تتعرق أموالهم: من قولهم «تَعَرَّقَ فلان العظمَ» أي أكل جميع ما عليه من اللحم.

3) بكسر الحاء فيهما.

يبلغ إلى الحد الذي يُمكنُ فيه مِنْ رُكوب ظهره ونصِّهِ فِي سيره. والحقائِقُ أيضاً: جَمْعُ حِقَّةٍ؛ فالرّوايتانِ جميعاً ترجعان إلى مسمِّى واحِدٍ؛ وهذا أشبهُ بطريقَةِ العربِ من المعنى المذكور أوّلاً.

5 - وفي حديثه عليه السلام: إِنَّ الإِيمَانَ يَبْدُو لُمْظَةٌ فِي الْقَلْبِ، كُلَّمَا أَزْدَادَ الإِيمَانُ اَزْدَادَتِ اللُّمْظَةُ(1).

[قوت القلوب ج 2 ص 275]

قال الرضيّ: اللُّمْظَةُ مِثْلُ النُّكْنَةِ أَوْ نَحْوِهَا مِنَ الْبَيَاضِ، وَمِنْهُ قِيلَ : فَرَسٌ أَلْمَظُ إِذَا كَانَ بِجَحْفَلَتِهِ (2)شَيْءٌ مِنَ الْبَيَاضِ.

6 - وفي حديثه عليه السلام: إِنَّ الرّجُلَ إِذَا كَانَ لَهُ الدَّيْنُ الظُّنُّونُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَهُ لِمَا مَضَى، إِذَا قَبَضَهُ.

[رواه قبل الرّضي أبو عُبيدالقاسم بن سلّام ]

قَالَ : الظَّنُّونُ الَّذِي لَا يَعْلَمُ صَاحِبُهُ أَيَقْضبه مِنَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ أَمْ لَا، فَكَأَنَّهُ : الَّذِي يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ، فَمَرَّةً يَرْجُوهُ، وَمَرَّةً لَا يَرْجُوهُ، وهو مِنْ أَفْصَحِ الكَلَامِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ أَمْرٍ تَطْلُبُهُ وَلَا تَدْرِي عَلَى أَيُّ شَيْءٍ أَنْتَ مِنْهُ، فَهُوَ ظَنُّونٌ، وَعَلَى ذلِكَ قَوْلُ الْأَعْشَى :

مَنْ يَجْعَلُ الْجُدِّ الظَّنُونَ الَّذِي*** جنّبَ صَوْبَ اللجِبِ الْمَاطِرِ

مِثَلَ الفُرَاتِى إِذَا مَا طَما*** يَقْذِفُ بِالْبُوصِيِّ وَالْمَاهِرِ

وَالْجُدُّ (3): الْبِنْرُ الْعادِيةُ فِي الصَّحْرَاءِ، وَالظُّنُّونُ: الَّتِي لَا يُعْلَمُ هَلْ فِيهَا مَاء أَمْ لَا.

7- وفي حديثه عليه السلام: أَنَّهُ شَيْعَ جَيْشاً يُغْزِيهِ فَقَالَ: أَعْذِبُوا (4)عَنِ الْنِّسَاءِ مَا اسْتَطَعْتُم. [النهاية مادة عذب ]


1) اللُّمْظَة بضم اللام وسكون الميم.

2) الجحفلة: للخيل والبغال والحمير بمنزلة الشفة للإنسان.

3) الجُدّ بضم الجيم، وتقدّم تفسير الأبيات في الخطبة الشِّقشِقية.

4) اعذِبوا واصدِفوا: أي أعرضوا واتركوا.

وَمَعْنَاهُ: أصْدِفُوا عَنْ ذِكْرِ النِّسَاء وَشُغْلِ الْقَلبِ بِهِنَّ، وَأَمْتَنِعُوا مِنَ الْمُقارَبَةِ لَهُن، لأنَّ ذلِكَ يَفتُ (1)فِي عَضُدِ الْحَمِيَّةِ، وَيَقْدَحُ فِي مَعَاقِدَ الْعَزِيمة (2). وَيُكْسِرُ عَن الْعَدُوّ(3)، وَيَلْفِتُ عَنِ الْإِبْعَادِ فِي الْعَزْمِ، فَكُلُّ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ أَعْذَبَ عَنْهُ، وَالْعَاذِبُ والعَذُوبُ : الْمُمْتَنِعُ منَ الأكْلِ وَالشُّرْبِ.

8- وفي حديثه عليه السلام: كَالْيَاسِرِ الْفَالج، يَنتَظِرُ أوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ. [النهاية، مادة فلج]

قال الرّضيّ: الْباسِرُونَ (4)هُمُ الَّذين يَتَضارَبُونَ بالقِداحِ (5)عَلَى الْجَزُورِ (6). والفالِجُ : الْقَاهِرُ الْغَالِبُ، يُقَالُ : قَدْ فَلَجَ (7)عَلَيْهِمْ وَفَلَجَهُمْ ، قَالَ الرَّاجِزُ :

*لمَّا رَأَيْتُ فَالِجاً قَدْ فَلَجا *

9 - وفي حديثه عليه السلام: كُنَّا إِذَا أَحْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنِّا أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ.

[النهاية مادة حمر ]

قَالَ الرّضيّ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَ عَظُمَ الْخَوْفُ مِنَ الْعَدُوِّ، وَأَشْتَدَّ عِضَاضُ الْحَرْبِ (8)فَزِعَ الْمُسْلِمُونَ (9)إِلَى قِتَال رسُول الله صلى اللهُ عَلَيهِ وآلهِ بِنَفْسِهِ، فَيُنزِلُ اللهُ تعالى النَّصْرَ عَلَيْهِمْ بِهِ، وَيَأْمَنُونَ مَا كَانُوا يَخَافُونَهُ بِمَكانِهِ.

وقَوْلُهُ: «إِذَا أَحْمَرَّ الْبَأْسُ« كِنَايَةً عَنِ اشْتِدَادِ الْأمْرِ، وقد قِيل فِي ذَلِكَ أَقْوَالُ:


1) الفتَ: الدقَ والكسر، وفَت في ساعده - من باب نصر - : أي أضعفه كأنّه كسره.

2) معاقد العزيمة: مواضع انعقادها في القلوب، وقدح فيها بمعنى خَرّقها، كناية عن أوهنها.

3) العَدو: الجري. ويكسر عنه: أي يقعد عنه.

4) الياسِرُون: اللاعبون بالمَيسر، وهو القمار.

5) يتضاربون بالفِداح: أي يقامرون، والمضاربة بالسهام: المقامرة على النصيب من الناقة.

6) الجَزُور: الناقة المجزورة، أي المنحورة.

7) فَلَج - من باب ضرب ونصر - : فاز وانتصر.

8) العِضاض: أصله عضّ الفرس، مجاز عن إهلاكها للمتحاربين.

9) فَزع المسلمون: لجأوا إلى طلب رسول الله ليقاتل بنفسه.

أَحْسَنُهَا أَنَّهُ شَبَّهَ حَمْيِ(1)الْحَرْبِ بِالنَّارِ الَّتِي تَجْمَعُ الْحَرَارَةَ وَالْحُمرَةَ بِفِعْلِهَا ولَوْنها. ومِمَّا يُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وقَدْ رَأى مُجْتَلَد (2)النَّاسِ يَوْمَ حُنَيْن وهى حرب هَوَازِنَ: «الآن حَمِيَ الْوَطِيسُ».

والوطيسُ : مُسْتَوْقَدُ النَّارِ، فَشَبَّه رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ مَا استحَرَّ (3)من جِلادِ الْقَوْمِ بِاحْتِدَامِ النَّارِ وَشِدَّةِ الْتِهابِها .

انقَضَى هَذَا الْفَضْلُ، وَرَجَعْنَا إِلَى سَنَنِ الْغَرَضِ الْأَوَّلِ فِي هَذَا الْبَابِ.

263 - وقال عليه السلام لمَّا بَلغهُ إغارَةُ أَصْحَابِ مُعَاوِيةَ على الأنْبار، فخرج بنفسِهِ ماشياً حتى أتى النُّخَيْلَةَ (4)، وأدْرَكهُ النَّاسُ، وقالوا: يا أمير المؤمِنينَ، نَحْن نَكْفِيكَهُمْ، فَقال(علیه السّلام) : واللهِ مَا تَكْفُوَنَنِي أَنْفُسَكُمْ، فَكَيْفَ تَكْفُوَنَنِي غَيْرَكُمْ؟ إِنْ كَانَتْ الرَّعَايَا قَبْلِي لَتَشْكُو حَيْفَ رُعَاتِهَا، فَإِنِّي الْيَوْمَ لَأَشْكُو حَيْفَ (5)رَعِيَّنِي، كَأَنَّنِي الْمَقُودُ وَهُمُ الْقادَةُ(6)، أَوِ الْمَوْزُوعُ وَهُمُ الْوَزَعَةُ (7)! [البيان والتبيين ج 1 ص 170]

قال: فلمّا قال هذا القول فِي كلام طويلٍ قد ذكرْنَا مُخْتَارَهُ فِي جملةِ الخُطب، تقدَّم إِلَيْهِ رَجُلان من أصحَابِهِ؛ فقال أحدهما: إنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ يَا أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ نُنَفّذ، فقال: وَأَيْنَ تَقَعَانِ مِمَّا أَرِيدُ (8)؟


1) الحَمْيِ: مصدر «حَمِيّت النار» اشتدّ حرّها.

2) مُجْتَلّد: مصدر ميمي من من «الاجتلاد» أي الاقتتال.

3) استحرّ: اشتدّ، والجِلاد: القتال.

4) النُّخَيْلَة : موضع بالعراق بظاهر الكُوفة، اقتتل فيه الإمام مع الخوارج بعد صِفّين.

5) الحيف: الظلم.

6) المَقود: اسم المفعول، والقادة: جمع قائد.

7) الوَزّعة: جمع وازع، وهو الدافع الكافُ، أو الوازع بمعنى الحاكم، والموزوع: المحكوم.

8) أين تَقَعان ممّا أريد أي أين أنتما؟ وما هي منزلتكما من الأمر الذي أريده؟ وهو يحتاج إلى قوة عظيمة، فلا موقع لكما منه.

264 - وَقِيلَ: إِنَّ الْحَارِثَ بن حَوْطٍ أتاهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ لَهُ: أَتْرَانِي (1)أَظُنُّ أَنَّ أَصْحَابَ الْجَمَل كَانُوا عَلَى ضَلَالَةٍ؟ فَقَالَ عَليهِ السَّلَامُ:

يَا حَارِ، إِنَّكَ نَظَرْتَ تَحْتَكَ ، وَلَمْ تَنْظُرْ فَوْقَكَ (2)فَحِرْتَ (3)، إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ الْحَقَّ فَتَعْرِفَ أَهْلَهُ، وَلَمْ تَعْرِفِ الْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ (4).

فَقَالَ الْحَارِثُ: فَإِنِّي أَعْتَزِلُ مَعَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ(5)وَعَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ عليه السلام: إِنَّ سَعْداً وَعَبْدَاللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَنْصُرَا الْحَقَّ، وَلَمْ يَخْذُلَا الْبَاطِلَ.

[تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 152]

265 - وقال عليه السلام: صَاحِبُ السُّلْطَانِ كَرَاكِب الأَسَدِ: يُغْبَطُ بِمَوْقِعِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَوْضِعِهِ (6).

[سراج الملوك ص 222]

266 - وقال عليه السلام: أَحْسِنُوا فِي عَقِبِ غَيْرِكُمْ تُحْفَظُوا فِي عَقِبِكُمْ(7). [تاريخ ابن عساكر]

267 - وقال عليه السلام: إِنَّ كَلَامَ الْحُكَمَاءِ إِذَا كَانَ صَوَاباً كَانَ دَوَاءٌ، وَإِذَا كَانَ خَطَأَ كَانَ داء (8).

[غرر الحكم ]


1) أَتُرَاني - بضم التاء - : مبني للمجهول، أي أتظنني.

2) «نظرت تحتك ولم تنظر فوقك» أي أصاب فكره أدنى الرأي ولم يصب أعلاه.

3) «حِزت: من «حار» أي تحيّر.

4) أتى الحق: أخذ به.

5) في نسخة عبده والصالح: «سعيد بن مالك».

6) يُغْبَط - مبني للمجهول - أي: يغبطه الناس، ويتمنون منزلته لعزته، ولكنّه أعلم بموضعه من الخوف والحذر، فهو وإن أخاف بمركوبه إلّا أنّه يخشى أن يغتاله.

7) «أحسِينوا في عَقِب غيركم ... » أي: كونوا رحماء بأبناء غيركم يرحم غيرُكم أبناءكم، فالعَقيب هنا يُراد به النسل والأبناء.

8) لشدّة لصوقه بالعقول في الحالين.

268 - وقال عليه السلام حين سأله رجلٌ أَنْ يُعَرِّفَهُ مَا أَلْإِيمَانُ: إِذَا كَانَ غَدُ فَأْتِنِي حَتَّى أُخْبِرَكَ عَلَى أَسْمَاعِ النَّاسِ، فَإِنْ نَسِيتَ مَقَالَتِي حَفِظَهَا عَلَيْكَ غَيْرُكَ، فَإِنَّ الْكَلَامَ كَالشَّارِدَةِ (1)يَثْقَفُهَا (2)هَذَا وَيُخْطِئُهَا هَذَا.

[تحف العقول ص 162]

قال الرّضيّ: وقد ذكرنَا مَا أَجابه به عليهِ السَّلَامُ فيما تقدَّم من هذا الباب، وهو قوله : «أَلْإِيمانُ على أرْبَعِ شُعَبٍ».

269 - وقال عليه السلام: يَابْنَ آدَمَ لَا تَحْمِلْ هَمَّ يَوْمِكَ الَّذِي لَمْ يَأْتِكَ عَلَى يَوْمِكَ الَّذِي أَتَاكَ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُنْ مِنْ عُمُرِكَ يَأْتِ اللَّهُ فِيهِ بِرِزْقِكَ. [عيون الأخبار: 371/2]

270 - وقال عليه السلام: أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمَاً مَا، وَأَبْغِضٌ بَغِيضَكَ هَوْناً مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً مَا (3)

وأحبِب إذا أحْيَيْتَ حُبَّاً مقارباً ***فإِنَّكَ لا تَدْري متى أنت نازعُ

وأبغض إذا أبْغَضْتَ غيرَ مُباينٍ*** فإِنَّكَ لا تدري متى أنت راجعُ

.

[أنساب الأشراف ج 5 ص 95]

271 - وقال عليه السلام: اَلنَّاسُ فِي الدُّنْيَا عَامِلَانِ : عَامِلٌ فِي الدُّنْيَا لِلدُّنْيَا، قَدْ شَغَلَتْهُ دُنْيَاهُ عَنْ آخِرَتِهِ، يَخْشَى عَلَى مَنْ يَخْلُفُهُ الْفَقْرَ، وَيَأْمَنُهُ عَلَى نَفْسِهِ(4)، فَيُفْنِي


1) الشاردة: الضالة.

2) يثقّفها: يجدها، ثَقِفتُ كذا، أي وجدته وصادفته، [وفي نسخة عبد، والصالح! «يَنْقُفُها» من «نَقَفَهُ» أي ضربه، أي يصيبها واحد فيصيدها، ويخطئها الآخر فتنفلت منه.

3) الهَوْن: التأنّي أو الحقير، والمراد منه هنا الخفيف، لا مبالغة فيه، أي لا تبالغ في الحب، ولا في البغض، فعسى أن ينقلب كلّ إلى ضده، فلا تعظم ندامتك على ما قدمت منه. والبَغِيض المبغَض. قال الشاعر:

4) معنى قوله « ويأمنه على نَفْسِه»، أي ولا يبالي أن يكون هو فقبراً؛ لأنّه يعيش عيشُ الفقراء وإن كان ذا مالٍ، لكنّه يدخر المال لولده فيفني عمرَه في منفعة غيره. ويجوز أن يكون معناه: إنّه لكثرة مالِه قد أمن الفقر على نفسه ما دام حيّاً، ولكنّه لا يأمَن الفقرَ على ولده.

عُمُرَهُ فِي مَنْفَعَةٍ غَيْرِهِ. وَعَامِلُ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا، فَجَاءَهُ الَّذِي لَهُ مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ عَمَلٍ، فَأَحْرَزَ الْحَظّيْنِ مَعاً، وَمَلَكَ الدَّارَيْنِ جَمِيعاً، فَأَصْبَحَ وَجِيهاً عِنْدَاللهِ(1)، لَا يَسْأَلُ اللهَ حَاجَةٌ فَيَمْنَعَهُ.

[أعلام الدين للديلمي ]

272 - وَرُوِيَ أَنهُ ذُكِرَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ فِي أَيَامِهِ حَلْيٍّ الْكَعبة وكثرَتْهُ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَوْ أَخَذْتَهُ فَجَهُزْتَ بهِ جيوشَ المسلمين كانَ أعظم للأجر، وما تَصْنَعُ الكعبةُ بِالحلي! فَهمَّ عُمَرُ بذلك، وسأل أميرَالمؤمنينَ عليه السلام، فقال:

إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَالْأَمْوَالُ أَرْبَعَةٌ : أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْفَرَائِضِ؛ وَالْفَيءُ فَقَسَّمَهُ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ؛ وَالْخُمْسُ فَوَضَعَهُ اللهُ حَيْثُ وَضَعَهُ؛ والصَّدَقَاتُ فَجَعَلَهَا اللهُ حَيْثُ جَعَلَهَا، وَكَانَ حَلْيُ الْكَعْبَةِ فِيهَا يَوْمِئِذٍ، فَتَرَكَهُ اللهُ عَلَى حَالِهِ، وَلَم يَتْرُكْهُ نِسْيَاناً، وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَكَانًا(2)، فَأَقِرَّهُ حَيْثُ أَقَرَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْلَاكَ لأَفْتَضَحْنَا! وَتَرَكَ الحَلْيَ بِحَالِهِ.

[بهذا المضمون في صحيح البخاري ج 3 ص 81]

273 - رُوِيَ أَنَّهُ رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ سَرَقا مِنْ مَالِ الله أَحَدُهُما عَبْدُ مِنْ مَالِ اللهِ، والآخَرُ مِنْ عُرُوضِ النَّاسِ (3)، فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَهُوَ مِنْ مَالِ اللَّهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، مَالُ اللَّهِ أَكَلَ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَأَمَّا الْآخَرُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ الشَّدِيدُ. فَقَطعَ يَدَهُ.

[دعائم الإسلام ج 2 ص 471]


1) وجيهاً : أي ذا منزلة عَليّة من القرب إليه سبحانه.

2) لم يخفَ عليه مكاناً: أي لم يكن مكان حلي الكعبة خافياً على الله، «فمكاناً»، تمييز نسبة الخفاء إلى الحلي.

3) أي أن السارقَين كانا عبدين: أحدهما عبد لبيت المال، والآخر عبد لأحد الناس، من عُرُوضهم، جمع عَرْض، وهو المتاع غير الذهب والفضة، وكلاهما سرق من بيت المال.

274 - وقال عليه السلام: لَوْ قَدِ اسْتَوَتْ قَدَمَايَ مِنْ هَذِهِ الْمَدَاحِضِ لَغَيَّرْتُ أَشْيَاءُ (1).

[غرر الحكم ]

275 - وقال عليه السلام: أَعْلَمُوا عِلْماً يَقِيناً أَنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَبْدِ - وَإِنْ عَظُمَتْ حِيلَتُهُ، وَاشْتَدَّتْ طَلِبَتُهُ، وَقَوِيَتْ مَكِيدَتُهُ - أَكْثَرَ مِمّا سُمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ، وَلَمْ يَحْلُ بَيْنَ الْعَبْدِ فِي ضَعْفِهِ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ مَا سُمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ(2). وَالْعَارِفُ لِهَذَا، الْعَامِلُ بِهِ، أَعْظَمُ النَّاسِ رَحْمَةً فِي مَنْفَعَةٍ، وَالتَّارِكُ لَهُ الشَّاتُ فِيهِ أَعْظَمُ النَّاسِ شُغْلاً فِي مَضَرَّةٍ. وَرُبَّ مُنْعَمٍ عَليهِ مُسْتَدْرَجُ بِالنُّعْمَى (3)، وَرُبَّ مُبْتَلَىً مَصْنُوعٌ لَهُ بِالْبَلْوَى(4)! فَزِدْ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ فِي شُكْرِكَ، وَقَصِّرْ مِنْ عَجَلَتِكَ (5)، وَقِفْ عِنْدَ مُنْتَهَى رِزْقِكَ. [التحف ص 154]

276 - وقال عليه السلام: لَا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلاً، وَيَقِينَكُمْ شَكَا؟(6). إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا،


1) المَداحِضِ المَزَالِقُ، يريد الفتن التي ثارت عليه، ويقول: إنّه لو ثبتت قدماه في الأمر، وتفرّغ لغير أشياء من عادات الناس وأفكارهم التي تبعد عن الشرع الصحيح، ولهذا قال لقُضاتِه: «اقضُوا كما كنتم تقضون حتّى يكونَ للناس جماعةٌ».

2) الذكر الحكيم: القرآن، وليس لإنسان أن ينال من الكرامة عندالله فوق ما نصّ عليه القرآن، ولن يحول الله بین أحد وبين ما عيّن في القرآن وإن اشتدّ طلب الأوّل وقويت مكيدته وضعف حال الثاني، فكلّ مكلّف مستطيع أن يؤدي ما فرض الله في كتابه، وينال الكرامة المحدودة له، وقد يراد من الذكر الحكيم علم الله ، أي ما قدّر لك فلن تعدوه، ولن تقصر عنه.

3) المُسْتَدْرَج: الذي يُمهلهُ الله ويمدّ له في النعمة مدّاً، والمعنى: لا يغترّ المنعم عليه بالنعمة فرّبما تكون استدراجاً من الله له يمتحن بها قلبه ثم يأخذه من حيث لا يشعر.

4) المُبلى: المُمتحن بالبلايا، أي لا يقنط مبتلى فقد تكون البلوى صنعاً من الله له يرفع بها منزلته عنده.

5) أي قصّر من العجلة في طلب الدنيا.

6) من لم يظهر أثر علمه فكأنّه جاهل وعلمه لم يزد على الجهل، ومن لم يظهر أثر يقينه في عزيمته وفعله فكأنّه شاكَ متردّد، إذ لو صحّ اليقين ما مرض العزم.

وإِذَا تَيَقَّتْتُمْ فَأَقْدِمُوا . [غرر الحكم ص 337]

277 - وقال عليه السلام: إِنَّ الطَّمَعَ مُورِدٌ غَيْرُ مُصْدِرٍ(1)، وَضَامِنٌ غَيْرُ وَفِيٌّ، وَرُبَّمَا شَرِقَ شَارِبُ الْمَاءِ قَبْلَ رِيِّهِ (2)وَكُلَّمَا عَظُمَ قَدْرُ الْشَيْءٍ الْمُتَنَافَسِ فِيهِ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ لِفَقْدِهِ، وَالْأَمَانِيُّ تُعْمِي أَعْيُنَ الْبَصَائِرِ، وَالْحَقُّ يَأْتِي مَنْ لَا يَأْتِيهِ. [ نهاية الإرب ج 3 ص 336]

278 - وقال عليه السلام: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ تَحْسُنَ فِي لَامِعَةِ الْعُيُونِ عَلَانِيَتِي، وتَقْبُحَ فِيمَا أُبْطِنُ لَكَ سَرِيرَتِي(3)، مُحَافِظاً عَلَى رِيَاءِ النَّاسِ مِنْ نَفْسِي بِجَمِيعِ(4)مَا أَنْتَ مُطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنِّي، فَأُبْدِيَ لِلنَّاسِ حُسْنَ ظَاهِرِي، وَأُقْضِيَ إِلَيْكَ بِسُوءٍ عَمَلِي، تَقَرُّباً إِلَى عِبَادِكَ، وَتَبَاعُداً مِنْ مَرْضَاتِكَ [العقد الفريد، ج 3: 222]

279 - وقال عليه السلام: لَا وَالَّذِي أَمْسَيْنَا مِنْهُ فِي غُبْرِ (5)لَيْلَةٍ دَهْمَاءَ (6)، تَكْثِرُ (7)عَنْ یَومٍ أَغَرَّ(8)، مَا كَانَ كَذَا وَكَذَا.


1) «مُورِدٌ غيرُ مُصْدِر» : أي مَن ورده هلك فيه ولم يصدر عنه.

2) شَرِق: أي غضّ، تمثيل لحالة الطامع بحال الظمآن فربّما يشرق بالماء عند الشرب قبل أن يرتوي به، وربّما هلك الطامع في الطلب قبل الانتفاع بالمطلوب.

3) يستعيذ بالله من حسن ما يظهر منه للناس، وقبح ما يبطنه الله من السريرة، وقوله «محافظاً» حال من الياء في «سريرتي».

4) رياء الناس: إظهار العمل لهم ليحمدوه، وقوله» ب «جميع» متعلق ب- «ریاء».

5) غُبر الليلة: بقيتها ، والغَيّر: البقايا، وكذلك الإغبار.

6) الدّهماء: السوداء.

7) كَشَرَ: أي بَسم، وأصلُه الكَشف، «كشر عن أسنانه» أبداها في الضحك ونحوه.

8) الأغرّ: أبيض الوجه، يحلف (علیه السّلام) بالله الذي أمسى بتقديره في ليلة سوداء تنفجر عن فجر ساطع الضياء، ووجه التشبيه ظاهر .

280 - وقال عليه السلام: قَلِيلٌ تَدُومُ عَلَيْهِ، أَرْجَى مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ (1)مِنْهُ. [روض الأخبار، ص 202]

281 - وقال عليه السلام: إِذَا أَضَرَّتِ النَّوَافِلُ بِالْفَرَائِضِ فَأَرْفُضُوهَا. [غرر الحكم]

282 - وقال عليه السلام: مَنْ تَذَكَّرَ بُعْدَ السَّفَرِ اسْتَعَدَّ. [غرر الحكم]

283 - وقال عليه السلام: لَيْسَتِ الرَّوِيَّةُ كَالْمُعَايَنَةِ مَعَ الْإِبْصَارِ(2)، فَقَدْ تَكْذِبُ الْعُيُونُ أَهْلَهَا، وَلَا يَغُشُ الْعَقْلُ مِن أَسْتَنْصَحَهُ. [غرر الحكم]

284 - وقال عليه السلام: بَيْنَكُمْ وَبَينَ المَوْعِظَةِ حِجَابٌ مِنَ الْغِرَّةِ(3). [التحف ص 167]

285 - وقال عليه السلام: جَاهِلُكُمْ مُزْدَادُ، وَعَالِمُكُمْ مُسَوَّفٌ (4).

286 - وقال عليه السلام: قَطَعَ الْعِلْمُ عُذْرَ الْمُتَعَلِّلِينَ (5).[غرر الحكم]

287 - وقال عليه السلام: كُلُّ مُعَاجَلٍ يَسْأَلُ الْإِنْظَارَ، وَكُلُّ مُؤَجَلٍ يَتَعَلَّلُ بِالتَسْوِيفِ (6).

[غرر الحکم ص 38 ]


1) مَملُول: بسامُ منه ويُتَضَجر، يقول: إعمل قليلاً وداوم عليه، فهو أفضل من كثير تسأم منه فتتركه.

2) الرويّة: إعمال العقل في طلب الصواب، وهي أهدى إليه من المعاينة بالبصر، فإنّ البصر قد يكذب صاحبه فيريه العظيم البعيد صغيراً، وقد يربه المستقيم معوجّاً كما في الماء، أمّا العقل فلا يغشّ من طلب نصيحته. وفي نسخة : الرُّؤْية - بضم فهمز - [كما في نسخة ابن أبي الحديد]، أي أنّ الرؤية الصحيحة ليست هي رؤية البصر، وليس العلم قاصراً على شهود المحسوس، فإنّ البصر قد يغش، إذ ليس العَمَى عَمَى العين، بل عَمَى القَلْب.

3) الغرّة: الغفلة.

4) جاهلكم يزداد: أي يغالي ويزداد في العمل على غير بصيرة، وعالمكم يسوّف بعمله، أي يؤخّره عن أوقاته.

5) يقول: قَطَع العِلْم عُذرَ الذين يُعلِّمون أنفسهم بالباطل، ويقولون: إنّ الربّ كريم رحيم، فلا حاجة إلى إتعاب أنفسنا بالعبادة.

6) [في نسخة عبده] «كلُّ» بالتنوين في الموضعين: فيكون «كلٌ» مبتدأ خبره معاجَلُ في الأوّل، ومؤجِّل في الثاني، أي كلّ واحد من الناس يستعجله أجله ولكنّه يطلب الإنظار أي التأخير وكلّ منهم قد أجّل الله عمره وهو لا يعمل؛ تعلّلاً بتأخير الأجل والفسحة في مدته وتمكّنه من تدارك الفائت في المستقبل.

288 - وقال عليه السلام: مَا قَالَ النَّاسُ لِشَيْءٍ: «طُوبَى لَهُ» إِلَّا وَقَدْ خَبَّأَ لَهُ الدَّهْرُ يَوْمَ سَوْءٍ. [تذكرة الخواص ص 156]

289 - وقال عليه السلام وقد سُئِلَ عنِ الْقَدَرِ:

طَرِيقٌ مُظْلِمٌ فَلَا تَسْلُكُوهُ، ثُمَّ سُئِلَ ثانياً فقال: بَحْرُ عَمِيقٌ فَلَا تَلِجُوهُ، ثُمَّ سُئِلَ ثالثاً، فقال: سِرُّ الله فَلَا تَتَكَلَّفُوهُ.

[توحيد الصدوق ص 374 ]

290 - وقال عليه السلام: إِذا أَرْذَلَ اللهُ عَبْداً حَظَرَ عَلَيْهِ الْعِلْمَ(1). [غرر الحكم]

291 - وقال عليه السلام: كَانَ لِي فِيمَا مَضَى أَخٌ فِي اللهِ(2)وَكَانَ يُعْظِمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ، وَكَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ، فَلَا يَشْتَهِي مَا لَا يَجِدُ، وَلَا يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ، وَكَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً، فَإِنْ قَالَ بَذَ الْقَائِلِينَ (3)، وَنَقَعَ غَلِيلَ السَّائِلِينَ(4)، وَكَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفاً، فَإِنْ جَاءَ الْجِدُّ(5)فَهُوَ لَيْتُ غَابِ(6)، وَصِلُّ


1) أرذّله: جعله رذيلاً، وحظره عليه: أي حرمه منه، وكان يقال: من علامة بُغض الله تعالى للعبد أن يبُغض إليه العِلم.

2) اختلف الناس فى المعنيِّ بهذا الكلام، فقال قوم: هو رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، واستبعده قوم: لقوله: «وكان ضعيفاً مستضعفاً»، وقال قوم: هو أبو ذر الغفاري، وقال آخرون: هو المقداد بن عَمرو المعروف بالمقداد بن الأسَود. وقيل: إنّه ليس بإشارة إلى أخٍ مُعيّن، ولكنّه كلام خارج مخرج المثل، وعادةُ العرب جارية بمثل ذلك، مِثل قولهم في الشعر فقلت لصاحبي ويا صاحبي، وهذا عندي أقوى الوجوه.

3) بَذّهم: أي كفّهم عن القول ومنعهم.

4) نقع الغليل: أزال العطش.

5) الجِدّ: ضدّ الهزل.

6) الليث: الأسد. والغاب: جمع غابة، وهي الشجر الكثير الملتف يستوكر فيه الأسد.

وَادٍ(1)، لَا يُدْلِي بِحُجَّةٍ (2)حَتَّى يَأْتِيَ قَاضِياً. كَانَ لَا يَلُومُ أَحَداً عَلَى مَا لَا يَجِدُ الْعُذْرَ فِي مِثْلِهِ حَتَّى يَسْمَعَ اعْتِدَارَهُ (3)وَ كَانَ لَا يَشْكُو وَجَعاً إِلَّا عِنْدَ بُرْئِهِ؛ وَكَانَ يَفْعَلُ مَا يَقُولُ، وَلَا يَقُولُ مَا لَا يَفْعَلُ؛ وَكَانَ إِنْ غُلِبَ عَلَى الْكَلَامِ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى السُّكُوتِ، وَكَانَ عَلَى أَنْ يَسْمَعَ أَحْرَصَ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ؛ وَكَانَ ذَا بَدَهَهُ أَمْرَانِ(4)نَظَرَ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى الهَوَى فَخَالَفَهُ، فَعَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْخَلَائِقِ فَالْزَمُوهَا، وَتَنَافَسُوا فِيهَا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوهَا فَأَعْلَمُوا أَنَّ أَخْذَ القَلِيلِ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِ الْكَثِير .[تاریخ بغداد، ج 12 ص 315]

292 - وقال عليه السلام: لَوْ لَمْ يَتَوَعَّدِ اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ (5)لَكَانَ يَجِبُ أَلَّا يُعْصَى شُكراً لِنِعَمِهِ.

[غرر الحكم ص 262 ]

293 - وقال عليه السلام للأشْعَثِ بن قَيْسٍ وَقَد عَزَّاهُ عَن أَبْن لَهُ:

يَا أَشْعَثُ، إِنْ تَحْزَنْ عَلَى أَبْنِكَ فَقَدِ اسْتَحَقَّتْ ذَلِكَ مِنْكَ الرَّحِمْ، وَإِنْ تَصْبِرْ فَفِي اللهِ مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ خَلَفٌ. يَا أَشْعَثُ، إِنْ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَأْجُورٌ، وَإِنْ جَزِعْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَأْزُورُ(6)

ولا بدّ مِن جَرَيان القضاء*** إمَا مُثاباً وإما أثِيمًا

. يَا أَشْعَثُ، أَبْنُكَ

1) الصِلّ: الحيّة. والوادي معروف.

2) أدلى بحجّته: أحضرها.

3) أي كان لا يلوم في فعل يصحّ في مثله الاعتذار إلّا بعد سماع العذر.

4) بَدَهَهُ الأمرُ: فجأه وبغته.

5) التوعّد: الوعيد، أي لو لم يوعد على معصيته بالعقاب.

6) مأزور: مُقْترف للوِزر، وهو الذنب وقد روي هذه الكلام عنه (علیه السّلام) على وجوهٍ مختلفة وروايات متنوُعة، هذا الوجهُ أحدها، وأخَذَ أبو العتاهية ألفاظه (علیه السّلام) فقال لمن يعزّيه على وَلَد:

سَرَّكَ وَهُوَ بَلَاءٌ وفِتْنَةٌ (1)، وَحَزَنَكَ (2)وهُوَ ثَوَابٌ ورَحْمَةٌ [العقد الفريد، ج 3 ص 304]

294 - وقال عليه السلام عند وقوفه على قَبْر رَسُولِ الله صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ ساعةَ دُفِنَ:

إِنَّ الصَّبْرَ لَجَمِيلُ إِلَّا عَنْكَ، وَإِنَّ الْجَزَعَ لَقَبِيحُ إِلَّا عَلَيْكَ، وَإِنَّ الْمُصَابَ بِكَ لَجَلِيلٌ، وَإِنَّهُ قَبْلَكَ وَبَعْدَكَ لَجَلَل (3)

أمست بجفني للدموع كُلُومُ *** حزناً عليك وفي الخُدودِ رسومُ

والصبرُ يُحمد في المَواطِن كلِّها ***إلّا عليك فإنّه مذمومُ

وقال أبو الطّيب:

أجِدُ الجَفاءَ على سِواك مُروءةُ*** والصَبرَ إلّا في نواكَ جميلا

[دستور معالم الحكم ص 198 ]

295 - وقال عليه السلام: لَا تَصْحَب اَلْمَائِق (4)فَإِنَّهُ يُزَيِّنُ لَكَ فِعْلَهُ، وَيَوَدُّ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُ .

[عيون الأخبار، ج 3 ص 79]

296 - وقال عليه السلام وقَدْ سُئِلَ عَنْ مَسافَةِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَقَالَ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلشَّمْسِ.

[تاریخ ابن واضح ج 2 ص 151]

297 - وقال عليه السلام: أصْدِقَاؤُكَ ثَلَاثَةٌ، وَأَعْدَاؤُكَ ثَلَاثَةٌ فَأَصْدِقَاؤُكَ : صَدِيقُكَ، وَصَدِيقُ صَدِيقِكَ، وَعَدُوُّ عَدُوِّكَ. وَأَعْدَاؤُكَ : عَدُوُّكَ، وَعَدُوٌّ صَدِيقِكَ، وَصَدِيقُ عُدوّكَ.

[العقد الفريد، ج 2 ص 306]

298 - وقال عليه السلام لرَجُلٍ رَآهُ يَسْعَى على عَدُوٌّ لَهُ بِمَا فِيه إِضْرَارُ بِنَفْسِهِ: إِنَّمَا أَنْتَ


1) سَرَّك: أي أكسبك سروراً، وذلك عند ولادته وهو إذ ذاك بلاء بتكاليف تربيته، وفتنة بشاغل محبته.

2) حَزَنَك: أكسبك الحزن وذلك عند الموت.

3) أي أنّ المصائب قبل مصيبتك وبعدها هيئة حقيرة. والجَلَل: الهيّن الصغير، وقد يطلق على العظيم وليس مراداً هنا. وقد أخذَتْ هذا المعنى الشعراء، فقال بعضهم:

4) المائق: الشديد الحُمْق، والمُوق: شدة الحُمْق.

كَالطَّاعِنِ نَفْسَهُ لِيَقْتُلَ رِدْفَهُ(1). [تاريخ الطبري حوادث سنة 30]

299 - وقال عليه السلام: مَا أَكْثَرَ الْعِبَرَ وَأَقَلَّ الاِعْتِبَارَ (2)[تذكرة الخواص ص 144]

300- وقال عليه السلام: مَنْ بَالَغَ فِي الْخُصُومَةِ أَيْمَ، وَمَنْ قَصَّرَ فِيهَا ظُلِمَ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَّقِيَ الله مَنْ خَاصَمَ.

[نهاية الإرب ج 3 ص 6]

301 - وقال عليه السلام: مَا أَهَمَّنِي أَمْرُ أُمْهِلْتُ بَعْدَهُ حَتَّى أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَأَسْأَلَ اللَّهَ الْعَافِيَةَ (3).

[سراج الملوك ص 372]

302 - وَسُئِلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَيْفَ يُحَاسِبُ اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَى كَثْرَتِهِمْ؟ فَقَالَ: كَمَا يَرْزُقُهُمْ عَلَى كَثرَتِهِمْ فَقِيلَ: كَيْفَ يُحَاسِبُهُمْ وَلَا يَرَوْنَهُ فَقَالَ: كَمَا يَرْزُقُهُمْ وَلَا يَرَوْنَهُ.

[العقد الفريد، ج 4 ص 206 ]

303 - وقال عليه السلام: رَسُولُكَ تَرْجُمَانُ عَقْلِكَ، وَكِتَابُكَ أَبْلَغُ مَا يَنْطِقُ عَنْكَ.

[مجمع الأمثال ج 2 ص 454]

304 - وقال عليه السلام: مَا الْمُبْتَلَى الَّذِي قَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْبَلَاءُ بِأَخْرَجَ إِلَى الدُّعَاءِ مِنَ الْمُعَافَى الَّذِي لَا يَأْمَنُ الْبَلَاءَ.

[دستور معالم الحكم ص 24 ]

305 - وقال عليه السلام: النَّاسُ أَبْنَاءُ الدُّنْيَا، وَلَا يُلَامُ الرَّجُلُ عَلَى حُبِّ أُمِّهِ.

[محاضرات الأدباء ج 2 ص 169]


1) الرِّدف: الرجل الذي تَرْتدِفه خلفَك على فرس أو ناقةٍ أو غيرهما.

2) ما أوجز هذه الكلمة وما أعظم فائدتها! ولا ريب أن العبرَ كثيرة جدّاً، ولكنّ المعتبرين بها قليلون.

3) المعنى: أنّ الذُّنْب الذي لا يعاجَل الإنسانُ عقيبه بالموت ينبغي للإنسان ألّا يهتم به، أي لا ينقطع رجاؤه عن العفو وتأميله الغفران، وذلك بأن يقوم إلى الصلاة ،عاجلاً، ويستغفر الله، ويسأله العافية من الذنوب.

306 - وقال عليه السلام: إِنَّ الْمِسْكِينَ رَسُولُ اللهِ(1)، فَمَنْ مَنَعَهُ فَقَدْ مَنَعَ اللَّهَ، وَمَنْ أَعْطَاهُ فَقَدْ أَعْطَى الله.

[دعائم الإسلام ج 1 ص 243]

307 - وقال عليه السلام: مَا زَنَى غَيُورٌ قَطُّ.

[مجمع الأمثال ج 2 ص 290]

308 - وقال عليه السلام: كَفَى بِالْأَجَلِ حَارِساً !

[التوحيد، ص 264]

309 - وقال عليه السلام: يَنَامُ الرَّجُلُ عَلَى الثّكْلِ (2)، وَلاَ يَنَامُ عَلَى الْحَرَب (3).

[مجمع الأمثال ج 2 ص 454]

قال السَّيِّدُ الرّضِيّ : ومَعْنى ذلِكَ أَنَّهُ يَصبِرُ عَلَى قَتْلِ الْأَولادِ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى سَلْبِ الأموال.

310 - وقال عليه السلام: مَوَدَّةُ الْآبَاءِ قَرَابَةٌ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ، وَالْقَرَابَةُ أَحْوَجُ إِلَى الْمَوَدَّةِ مِنَ الْمَوَدَّةِ إِلَى الْقَرَابَةِ(4).

[مطالب السؤول ج 1 ص 162 ]

311 - وقال عليه السلام: اتَّقُوا ظُنُّونَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَل الْحَقَّ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ.

[غرر الحكم ص 68]

312 - وقال عليه السلام: لَا يَصْدُقُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَكُونَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَوْثَقَ منْهُ بِمَا فِي يَدِهِ (5).

مروج الذهب ج 4 ص 434]

313 - وقال عليه السلام لأنَسِ بْنِ مَالك، وقد كان بَعَثَهُ إلى طلحةَ والزُّبير لمّا جاء إلى البصرة


1) لأنّ الله هو الذي حرمه الرزق فكأنّه أرسله إلى الغني ليمتحنه به.

2) الثُّكل: فقد الأولاد.

3) الحَرَب - بالتحريك - : سلب الأموال.

4) إذا كان بين الآباء مودة كان أثرها في الأبناء أثر القرابة من التعاون والمرافدة، والمودة أصل في المعاونة، والقرابة من أسبابها، وقد لا تكون مع القرابة معاونة إذا فقدت المحبة، فالأقرباء في حاجة إلى المودة، أمّا الأوداء فلا حاجة بهم إلى القرابة.

5) أي حتى تكون ثقته بما عندالله، من ثواب وفضل، أشدّ من ثقته بما في يده.

يُذَكِّرُهُما شيئاً قد سمِعَهُ مِنْ رَسولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ فِي معناهُما فَلَوَى عن ذلك فرجع إليه (1)، فقالَ: إِنِّي أُنْسِيتُ ذلِكَ الأمْرَ ، فقال عليه السلام: إِنْ كُنْتَ كَاذِباً فَضَرَبَكَ اللهُ بِهَا بَيْضَاءَ لَامِعَةٌ لَا تُوَارِيهَا الْعِمَامَةُ.

[حلية الأولياء، ج 5 ص 26]

قالَ الرّضي: يعنى الْبَرَصَ، فأصَابَ أنساً هذا الداء فيما بَعْدُ في وجهه، فكانَ لا يُرَى إِلا مُتَبَرْقِعاً.

314 - وقال عليه السلام: إِنَّ لِلْقُلُوبِ إِقْبَالاً وَإِدْبَاراً(2)، فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَاحْمِلُوهَا عَلَى النَّوَافِلِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاقْتَصِرُوا بِهَا عَلَى الْفَرَائِضِ. [غرر الحكم ص 113]

315- وقال عليه السلام: فِي الْقُرْآنِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ (3).

[ تفسير الرازي ج 2 ص 4]

316 - وقال عليه السلام: رُدُّوا الْحَجَرَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ(4)

بالأحسن قال الشاعر: ولا أتمنّى الشُّر والشرُّ تاركي*** ولكن مَتى أَحْمَلْ على الشرِّ أركبُ

، فإِنَّ الشَّرَ لَا يَدْفَعُهُ إِلَّا الشَّرُّ.

[نهاية الإرب ج 6 ص 65]

317 - وقال عليه السلام لِكَاتِبِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن أَبِي رَافِعٍ:

أَلِفْ دَوَاتَكَ(5)، وَأَطِلْ جِلْفَةَ قَلَمِكَ(6)، وَفَرِّجْ بَيْنَ السُّطُورِ، وَقَرْمِطُ بَيْنَ


1) الضمير في «قال» و «رجع» و «لوى» لأنس. وقد رُوي أنّ أنس كان في حضرة النبي (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وهو يقول لطلحة والزبير: إنّكما تحاربان علياً، وأنتما له ظالمان.

2) إقبال القلوب: رغبتها في العمل، وإدبارها مللها منه.

3) «نبأ ما قَبلَنا» أي خبرهم في قصص القرآن، «ونبأ ما بعدنا»: الخبر عن مصير أمورهم، وهو يُعْلَم من سنّة الله فيمن قبلنا. «وحُكم ما بيننا» في الأحكام التي نُصّ عليها.

4) رَدّ الحجر: كتابة عن مقابلة الشرّ بالدفع على فاعله ليرتدع عنه، وهذا إذا لم يمكن دفعه

5) لاقَ الحبرُ بالكاعد يليق، أي التصق، وهذه دواة مليفة، أي قد أصلح مدادُها، وجاء ألق الدّواة إلاقةً فهي مُلِيقة، وهي لغة قليلة وعليها وردت كلمة أمير المؤمنين(علیه السّلام) .

6) جِلفة القلم: ما بين مبّراه وسنته، وأصل الجَلف القَشر، والجِلفة: هيئة فتحة القلم التي يستمدّ بها المداد.

الْحُرُوفِ (1)فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْدَرُ بِصَبَاحَةِ الْخَطِّ.

[الوزراء والكتاب ص 14]

318 - وقال عليه السلام: أَنَا يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمَالُ يَعْسُوبُ الْفُجَّارِ (2).

[كنز العمال ج 6 ص 394]

قالَ الرّضيّ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَتْبَعُونَني، والْفُجَّار يَتْبَعُونَ الْمَالَ ، كما تَتْبَعُ النَّحْلُ يَعْسُوبَها، وهُوَ رَئيسُها .

319 - وقال له بعضُ اليهودِ: مَا دَفَنْتُمْ نَبِيَّكُمْ حَتَّى اخْتَلَفْتُمْ فيه، فقال له عليه السلام: إِنَّمَا اَخْتَلَفْنَا عَنْهُ لَا فِيهِ (3)، وَلَكِنَّكُمْ مَا جَفَّتْ أَرْجُلُكُمْ مِنَ الْبَحْرِ حَتَّى قُلْتُمْ لِنَبِّيكُمْ : «اجْعَلْ لَنَا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمُ تَجْهَلُونَ» [الكشاف ج 2 ص 150]

320 - وقيلَ لَهُ عليهِ السَّلامُ: بِأَيِّ شَيْءٍ غَلَبْتَ الأَقرَانَ؟ قَالَ: مَا لَقِيتُ أَحَداً إِلَّا أَعَانَنِي عَلَى نَفْسِه.

[البصائر والذخائر ص 111 ]

قالَ الرَّضَيُّ(رحمه الله) : يُومِنُ بذلِكَ إلَى تَمَكُن هَيْبَتِهِ في القُلُوب.

321 - وقال عليه السلام لابنه محمد بن الحنفية: يَا بُنَيَّ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ الْفَقْرَ، فَأَسْتَعِذْ مِنْهُ، فَإِنَّ الْفَقْرَ مَنْقَصَةٌ لِلدِّينِ(4)، مَدْهَشَةٌ لِلْعَقْلِ، دَاعِيَةٌ لِلْمَقْتِ.

[غرر الخصائص الواضحة 211 ]


1) القَرْمطة بين الحروف: المقاربة بينها وتضييق فواصلها، تقول: قرمط فلانٌ خطّوه، إذا مشى مشياً فيه ضِيق وتقارُب.

2) هذه كلمةٌ قالها رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بلفظين مختلفين، تارةً: «أنت يعسوب الدِّين، وتارةً: «أنت يعسوب المؤمنين» والكلّ راجع إلى معنىً واحد، كأنّه جعله رئيس المؤمنين وسيِّدهم، أو جعل الدِّين يتبعه، ويقفو أثرَه حيث سلك كما يتبع النحلُ اليعسوبَ.

3) ما أحسن قوله: «اختلفنا عنه لا فيه»، وذلك لأنّ الاختلاف لم يكن في التوحيد والنبوّة، بل في فروع خارجة عن ذلك، نحو الإمامة والميراث، واليهود لم يختلفوا كذلك، بل اختلفوا في التوحيد الذي هو الأصل.

4) منقصة: نقص وعيب، فإذا اشتدَّ الفقر فربما يحمل على الخيانه، أو الكذب، أو احتمال الذلّ ،أو القعود عن نصرة الحق، وكلّها نقص في الدين.

322- وقال لسائل سأله عن مُعْضلَةٍ (1): سَلْ تَفَقُها، وَلَا تَسْأَلُ تَعَنتاً، فَإِنَّ الجَاهِلَ الْمُتَعَلّمَ شَبِيهُ بِالْعَالِمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ الْمُتَعَسِّفَ شَبِيهُ بِالْجَاهِلِ الْمُتَعَنِّتِ.

[مجمع الأمثال 2: 454]

323 - وقال عليه السلام لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي شَيْءٍ لَمْ يُوَافِقُ رَأْيَهُ:

لكَ أنْ تُشِيرَ عَلَيَّ وَأَرَى، فَإِذَا عَصَيْتُكَ فَأَطِعْنِي (2)

[مروج الذهب ج 2 ص 265]

324 - وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا وَرَدَ الكُوفَةَ قَادِماً مِنْ صِفِّينَ مَرَّ بالشبامِيِّينَ (3)، فَسَمِعَ بُكَاءَ النِّسَاءِ عَلَى قَتْلَى صِفِّين، وَخَرَجَ إِلَيْهِ حَرْبُ بْنُ شَرَخبيل الشَّبامِيّ، وَكَانَ مِنْ وُجُوهِ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَتَغْلِبُكُمْ نِسَاؤُكُمْ عَلَى مَا أَسْمَعُ(4)؟ أَلَا تَنْهَوْنَهُنَّ عَنْ هذَا الرَّنِينِ (5)؟ وأَقْبَلَ حَرْبُ يَمْشِي مَعَهُ وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَاكِبٌ، فَقَالَ لَهُ: أَرْجِعْ، فَإِنَّ مَشْيَ مِثْلِكَ مَعَ مِثْلِي فِتْنَةٌ لِلْوَالِي وَمَذَلَّةٌ لِلْمُؤْمِنِ (6). [كتاب صِفين لا بن مزاحم: 531]

325 - وقال عليه السلام وقد مرَّ بقَتْلَى الْخَوارِجِ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ:

بُؤساً لَكُم ! لَقَدْ ضَرَّكُمْ مَنْ غَرَّكُمْ.

فقيل له: من غرّهم يا أميرالمؤمنينَ؟ فقال:


1) مُعْضِلة: أي أحجية بقصد المُعَاياة لا يقصد الاستفادة.

2) وذلك عندما أشار عليه أن يكتب لابن طلحة بولاية البصرة، ولابن الزبير بولاية الكوفة، ولمعاوية بإقراره في ولاية الشام، حتى تسكن القلوب وتتم بيعة الناس وتلقى الخلافة بوانيها ، فقال أميرالمؤمنين: لا أفسد ديني بدنيا غيري ولك أن تشير....

3) شِبام: اسم حي.

4) على ما أسمع: أي من البكاء، وتغلبكم عليه: أي يأتينه قهراً عنكم.

5) الرنين: صوت البكاء.

6) أي مشيك وأنت من وجوه القوم معي وأنا راكب فتنة للحاكم، تنفخ فيه روح الكبر، ومذلة: أي موجب لذلّ المؤمن، ينزلونه منزلة العبد والخادم.

الشَّيْطَانُ الْمُضِلُ، وَالنَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ، غَرَّتْهُمْ بِالْأَمَانِيِّ، وَفَسَحَتْ لَهُمْ فِي الْمَعَاصِي، وَوَعَدَتْهُمُ الْإِظْهَارَ(1)، فَأَقْتَحَمَتْ بِهِمُ النَّارَ. [مروج الذهب ج 418:2]

326 - وقال عليه السلام: أَتَّقُوا مَعَاصِيَ اللهِ فِي الْخَلَوَاتِ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الْحَاكِمُ.

[ربيع الأبرار باب الخير والصلاح]

327 - وقال عليه السلام لما بلغه قتل محمد بن أبي بكرٍ: إِنَّ حُزْنَنَا عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ سُرُورِهِمْ

بِهِ، إِلَّا أَنَّهُمْ نَقَصُوا بَغِيضاً، وَنَقَصْنَا حَبِيباً.

[الموفقيات ص 347]

328 - وقال عليه السلام: الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللهُ فِيهِ إِلَى ابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةٌ(2).

[غرر الحكم، ص 35]

329 - وقال عليه السلام: مَا ظَفِرَ مَنْ ظَفِرَ الْإِثْمُ بهِ، وَالْغَالِبُ بِالشَّرِّ مَغْلُوبٌ (3).

[زهر الآداب ج 1 ص 43]

330- وقال عليه السلام: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ، فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مُنْعَ بِهِ غَنِيُّ، وَاللهُ تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ.

[دعائم الإسلام ج 1 ص 245]

331 - وقال عليه السلام: الإِسْتِغْنَاءُ عَنِ الْعُذْرِ أَعَزُّ مِنَ الصِّدْقِ بِهِ(4).


1) الإظهار: مصدر أظهرته على زيد، أي جعلته ظاهراً عليه غالباً له، أي وعدتهم الانتصار والظفر.

2) أعذَرَ الله فيه: أي سَوَّغ لابن آدم أن يَعتذر ، يعني أنّ ما قبل الستين هي أيام الصَبا والشبيبة والكُهولة، وقد يُمكن أن يُعذر الإنسان فيه على اتّباع هَوَى النفس لغَلَبة الشهوة وشَره الحداثة، فإذا تجاوز الستين دخل في سِنّ الشَّيخوخة، وذهبت عنه غُلَواء شِرَّتِه، فلا عُذر له في الجهل.

3) إذا كانت الوسيلة لظفرك بخصمك ركوب إثم، واقتراف معصية، فإنّك لم تظفر حيث ظفرت بك المعصبة فألقت بك إلى النار ، وعلى هذا قوله: «الغالب بالشر مغلوب».

4) العذر وإن صدق لا يخلو من تصاغر عند الموجُه إليه، فإنّه اعتراف بالتقصير في حقّه، فالعبد عمّا يوجب الاعتذار أعزّ.

332 - وقال عليه السلام: أَقَلُّ مَا يَلْزَمُكُمْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ أَلَّا تَسْتَعِينُوا بِنِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ.

[روض الأخيار، ص 146]

333 - وقال عليه السلام: إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الطَّاعَةَ غَنِيمَةَ الْأَكْيَاسِ (1)عِنْدَ تَفْرِيطِ الْعَجَزَة (2).

[روض الأخبار، ص 42]

334 - وقال عليه السلام: السُّلْطَانُ وَزَعَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ (3).

[النهاية مادة وزع]

335 - وقال عليه السلام في صفة المؤمن :

بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ(4)، وَحُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ، أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً ، وأَذَلُّ شَيْءٍ نَفْساً(5). يَكْرَهُ الرّفْعَةَ(6)، وَيَشْنَأُ السُّمْعَةَ. طَوَيلٌ غَمُّهُ(7)، بَعِيدٌ هَمُّهُ، كَثِيرٌ صَمْتُهُ، مَشْغُولُ وَقْتُهُ، شَكُورٌ صَبُورٌ. مَغْمُورُ بِفِكْرَتِهِ (8)، ضَنِينٌ بِخَلَّتِهِ (9).


1) الأكياس - جمع كَيّس - : العُقلاء أُولُو الألباب.

2) العجزة - جمع عاجز - : المقصّرون في أعمالهم لغلبة شهواتهم على عقولهم، فإذا منع الضعيف إحسانه على فقير مثلاً، كان ذلك غنيمة للعاقل فى الإحسان إليه، وعلى ذلك بقية الأعمال الخيريّة.

3) الوَزّعة: جمع وازع، والوازع عن الشيء الكافُّ عنه، والمانع منه ، والوازع الحاكم، يمنع من مخالفة الشريعة والإخبار بالجمع لأنّ «ال» في السلطان للجنس.

4) البِشر: البشاشة والطلاقة، أي لا يظهر عليه إلا السرور وإن كان في قلبه حزيناً، كناية عن الصبر والتحمّل.

5) ذَلّ نفسه لعظمة ربّه، وللمتضعين من خلقه، وللحقّ إذا جرى عليه.

6) كراهته للرفعة: بغضهُ للتكبّر على الضعفاء، ولا يحب أن يسمع أحد بما يعمل الله فهو يشنأ - أي يبغض - السمعة.

7) طولُ غمَّه خوفاً مما بعد الموت ، وبُعدُ همّه لأنّه لا يطلب إلّا معالي الأمور.

8) مَغمُور: أي غريق فى فكرته لأداء الواجب عليه لنفسه وملته.

9) الخَلَّة: الحاجة، وضنين بخَلّته: أي بخيل بإظهار فقره للناس.

سَهْلُ الْخَلِيقَةِ(1)، لَيْنُ الْعَرِيكَةِ (2)، نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ(3)، وَهُوَ أَذَلُّ مِنَ الْعَبْدِ.

[مجمع الأمثال ج 2 ص 454]

336 - وقال عليه السلام: لَوْ رَأَى الْعَبْدُ الأَجَلَ وَمَصِير لَأَبْغَضَ الْأَمَلَ وَغُرُورَهُ.

[أمالي الطوسي ج 1 ص 76]

337 - وقال عليه السلام: لِكُلِّ أَمْرِى فِي مَالِهِ شَرِيكَانِ : الْوَارِثُ وَالْحَوَادِثُ (4)

خُذْ تُراتِك ما استطعتَ فإنّما ***شُركاؤك الأيامُ والورّاثُ

لم يقضِ حَقِّ المالِ إِلَّا مَعشَرُ ***نظروا الزمانَ يعيثُ فيه فعاثُوا

.

[عين الأدب والسياسة ص 11]

338 - وقال عليه السلام: الْمَسْؤُولُ حُرٌّ حَتَّى يَعِدَ.

[المئة المختارة للجاحظ ]

339 - وقال عليه السلام: الدَّاعِي بِلَا عَمَلٍ كَالرَّامِي بِلَا وَتَرٍ (5)

[التحف ص 158]

340 - وقال عليه السلام: الْعِلْمُ عِلْمَانِ : مَطْبُوعٌ وَمَسْمُوعٌ، وَلَا يَنْفَعُ الْمَسْمُوعُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَطْبُوعُ (6).

[كشف الغمة ج 3 ص 139]

341-وقال عليه السلام: صَوَابُ الرَّأْيِ بِالدُّوَلِ: يُقْبِلُ بِإِقْبَالِهَا ، وَيُدْبِرُ بِإِدْبَارِهَا (7).

[ مجمع الأمثال ج 2 ص 454]


1) الخليقة: الطبيعة.

2) العريكة: النفس.

3) الصَّلد: الحجر الصلب، ونفس المؤمن أصلب منه في الحقّ، وإن كان في تواضعه أذلّ من العبد.

4) أخذَهُ الرَّضِيُّ فقال:

5) الرامي من قوس بلا وتر يسقط سهمه ولا يصيب، والذي يدعو الله ولا يعمل لا يجيب الله دعاء..

6) مَطبوع العلم: ما رسخ في النفس وظهر أثره في أعماله ، ومسموعه: منقوله ومحفوظه، والأوّل هو العلم حقّاً.

7) إقبال الدولة: كناية عن سلامتها وعلوّها، كأنّها مقبلة على صاحبها تطلبه للأخذ بزمامها، وإن لم يطلبها، وعلو الدولة يعطي العقل مكنة الفكر ، ويفتح له باب الرشاد، وإدبارها يقع بالعقل في الحيرة والارتباك، فيذهب عنه صائب الرأي.

342 - وقال عليه السلام: الْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ(1)

وأنشد الأصمعيّ لبعضهم:

أُقسِم بالله لَمَصُّ النَّوَى *** وشربُ ماء القُلُبِ المالِحَه

أحسنُ بالإنسان مِن ذُلِّهِ*** ومن سؤالِ الأوجُه الكالِحَه

، وَالشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى.

[التحف ص 75]

343- وقال عليه السلام: يَوْمُ الْعَدْلِ عَلَى الظَّالِمِ، أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الْجَوْرِ عَلَى الْمَظْلُومِ.

[الغرر والدرر ، ص 40]

344 - وقال عليه السلام: الْغِنَى الْأَكْبَرُ الْيَأْسُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ.

345 - وقال عليه السلام: الْأَقَاوِيلُ مَحْفُوظَةٌ، وَالسَّرَائِرُ مَبْلُوَّةٌ(2)، وَ«كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ». وَالنَّاسُ مَنْقُوصُونَ (3)مَدْخُولُونَ(4)إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللهُ: سَائِلُهُمْ مُتَعَنِّتْ ، وَمُجِيبُهُمْ مُتَكَلِّفُ ، يَكَادُ أَفْضَلُهُمْ رَأْياً يَرُدُّهُ عَنْ فَضْلِ رَأْيِهِ الرّضَا وَالسُّخَطُ (5)، وَيَكَادُ أَصْلَبُهُمْ عُوداً (6)تَنْكَؤُهُ اللَّحْظَةُ(7)، وَتَسْتَحِيلُهُ الْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ (8).

[غرر الحكم ص 57 ]


1) ومن أمثالهم المشهورة: «تجوعُ الحُرّة ولا تأكل بثّدييها».

2) السرائر - هاهنا: - ما أسِرَّ فى القلوب من النّیّات والعقائد وغيرها، وما يخفى من أعمال الجوارح أيضاً، وبلاؤها: تعرُّفها وتصفُحها، بلاها الله واختبرها وعلمها، يريد أنّ ظاهر الأعمال وخفيّها معلوم لله، والأنفس مرهونة بأعمالها، فإن كانت خيراً خلّصتها، وإن كانت شرّاً حبستها.

3) المنقوص: المأخوذ عن رُشْدِه وكماله كأنّه نقص منه بعض جوهره.

4) المدخول: المغشوش مصاب بالدِّخل، وهو مرض العقل والقلب.

5) لو كان فيهم ذو رأي غلب على رأيه رضاه وسخطه فإذا رضي حكم لمن استرضاه بغير حق، وإذا سخط حكم على من أسخطه بباطل.

6) أصلبهم عوداً: أشدّهم بدينه تمسّكاً.

7) اللحظة: النظرة إلى مشتهى. وتنكؤه: أي تسيل جرحه، وتأخذ بقلبه، تقول: نكاتُ القَرحة إذا صَدَمْتَها بشيءٍ فتَقشِرها.

8) قال: «وتستحيله الكلمةُ الواحدة» أي تحبله وتغيّره عن مقتضى طبعِه، يصفهم بسرعة التقلّب والتلوّن، فنظرة إلى مرغوب تجذبه إلى مواقع الشهوة، وكلمة من عظيم تميله إلى موافقة الباطل.

346- وقال عليه السلام: مَعَاشِرَ النَّاسِ اتَّقُوا اللهَ، فَكَمْ مِنْ مُؤَمِّلٍ مَا لَا يَبْلُغُهُ ، وَبَان مَا لَا يَسْكُنُهُ، وَجَامِع مَا سَوْفَ يَتْرُكُهُ، وَلَعَلَّهُ مِنْ بَاطِلِ جَمَعَهُ، وَمِنْ حَقِّ مَنَعَهُ، أَصَابَهُ حَرَاماً، وَأَحْتَمَلَ بِهِ آثَاماً ، فَبَاءَ بِوِزْرِهِ، وَقَدِمَ عَلَى رَبِّهِ، آسِفاً لايفاً، قَدْ «خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ » .

[تذكرة السبط : 135]

347 - وقال عليه السلام: مِنَ الْعِصْمَةِ تَعَذَّرُ الْمَعَاصِي (1).

[غرر الحكم ص 101]

348 - وقال عليه السلام: مَاءُ وَجْهِكَ جَاهِدٌ يُقْطِرُهُ السُّؤَالُ، فَأَنْظُرْ عِنْدَ مَنْ تُقْطِرُهُ.

[ربيع الأبرار، ج 1]

349- وقال عليه السلام: الثَّنَاءُ بِأَكْثَرَ مِنَ الاِسْتِحْقَاقِ مَلَقٌ(2)، وَالتَّقْصِيرُ عَنِ الْاِسْتِحْقَاقِ عِيُّ (3)أَوْ حَسَدٌ. [محاضرات الأدباء، ج 1 ص 175]

350 - وقال عليه السلام: أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَهَانَ بِهِ صَاحِبُهُ.

[ربيع الأبرار، باب الخطايا ]

351 - وقال عليه السلام: مَنْ نَظَرَ فِي عَيْبِ نَفْسِهِ أَشْتَغَلَ عَنْ عَيْبٍ غَيْرِهِ، وَمَنْ رَضِيَ بِرِزْقِ اللهِ لَمْ يَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَهُ، وَمَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ، وَمَنْ كَابَدَ الْأُمُورَ (4)عَطِبَ (5)، وَمَنْ أَفْتَحَمَ اللُّجَجَ غَرِقَ، وَمَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ السُّوءِ أَتُهِمَ.

وَمَنْ كَثرَ كَلَامُهُ كَثرَ خَطَؤُهُ، وَمَنْ كَثُرَ خَطَوُّهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ، وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَ


1) هو من قبيل قولهم: «إنّ من العصمة أن لا تجد» وروي حديثاً.

2) مَلَق: تَمَلّق

3) العَيّ: العجز.

4) كابدها: قاساها بلا إعداد أسبابها، فكأنّه يجاذبها وتطارده.

5) عَطِبَ: انكسر، والمراد خَسِرَ.

وَرَعُهُ، وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ ، ومَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ . وَمَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ غَيرِهِ فَأَنْكَرَهَا ثُمَّ رَضِيَهَا لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ الْأَحْمَقُ بِعَيْنِهِ(1)، وَالْقَنَاعَةُ مَالٌ لَا يَنْفَدُ. وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ. وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ. .

[تحف العقول ص 64]

352 - وقال عليه السلام لِلظَّالِمِ مِنَ الرِّجَالِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ : يَظْلِمُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ (2)وَمَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ (3)، وَيُظَاهِرُ الْقَوْمَ الظَّلَمَةَ (4). [معدن الجواهر 233]

353 - وقال عليه السلام: عِنْدَ تَنَاهِي الشِّدَّةِ تَكُونُ الْفَرْجَةُ، وَعِنْدَ تَضَائِقِ حَلَقَ الْبَلَاءِ يَكُونُ الرَّخَاءُ.

[الفرج بعد الشدة ج 1 ص 43]

354- وقال عليه السلام لِبَعْضِ أصْحَابه: لَا تَجْعَلَنَّ أَكْثَرَ شُغْلِكَ بِأَهْلِكَ وَوَلَدِكَ ، فَإِنْ يَكُنْ أَهْلُكَ وَوَلَدُكَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضَيِّعُ أَوْلِيَاءَهُ، وَإِنْ يَكُونُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ فَمَا هَمُّكَ وَشُغْلُكَ بِأَعْدَاءِ اللهِ ؟![ربيع الأبرار ]

355 - وقال عليه السلام: أَكْبَرُ الْعَيْبِ أَنْ تَعِيبَ مَا فِيكَ مِثْلُهُ. [غرر الحكم ص 68]

356 - وهَنَّا بِحَضْرَتِهِ رَجُلٌ رَجلاً آخرَ بِغُلام وُلِدَ لَهُ فَقَالَ لَهُ: لِيَهْنِتُكَ الفارس (5)فقال عليه السلام: لَا تَقُلْ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ قُلْ : شَكَرْتَ اَلْوَاهِبَ ، وبُورِكَ لكَ فِي الْمَوْهُوبِ ، وبَلَغَ أَشُدَّهُ، وَرُزِقْتَ بِرَّهُ.


1) لأنّه قد أقام الحجة لغيره على نفسه ورضي برجوع عيبه على ذاته.

2) معصية أوامره ونواهيه أو خروجه عليه ورفضه لسلطته وذلك ظلم؛ لأنّه عدوان على الحقّ.

3) الغلبة: القهر.

4) يُظاهر: أي يعاون، والظلمة: جمع جمع ظالم.

5) «ليَهينك الفارِسُ»: كلمة كانت من شِعار الجاهلية، فنُهيّ عنها كما نُهِيَ عن تحيّة الجاهلية: «أبيتَ اللّعنَ»، وجُعل عِوضها «سلام عليكم».

357 - وبَني رَجُلٌ مِن عُمَّالِهِ بِناء فَخْماً (1)فقال عليه السلام: أَطْلَعَتِ الْوَرِقُ رُؤُوسَهَا (2)إِنَّ الْبِنَاءَ يَصِفُ لَكَ الْغِنَى.

358 - وقِيلَ له عليه السلام: لَوْ سُدَّ على رَجُلٍ بابُ بَيْتٍ وتُرِك فِيهِ، مِنْ أَيْنَ كَانَ يَأْتِيهِ رِزْقُهُ؟ فقال عليه السلام: مِنْ حَيْثُ يَأْتِيهِ أَجَلُهُ. [ربيع الأبرار باب اليأس والقناعة]

359 - وَعَزّى قَوْماً عن مَيّتٍ مَاتَ لَهُمْ، فقال عليه السلام

إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَيْسَ بِكُمْ بَدَأَ ، وَلَا إِلَيْكُمُ انْتَهَى ((3)، وَقَدْ كَانَ صَاحِبُكُمْ هذَا يُسَافِرُ ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ قَالَ: فَعُدُّوهُ فِي بَعْضٍ سَفَرَاتِهِ ، فَإِنْ قَدِمَ عَلَيْكُمْ وَإِلَّا قَدِمْتُمْ عَلَيْهِ .

[غرر الحکم ص 77]

360 - وقال عليه السلام: أَيُّهَا النَّاسُ، لِيَرَكُمُ اللهُ مِنَ النِّعْمَةِ وَجِلِينَ(4)، كَمَا يَرَاكُمْ مِنَ النِّقْمَةِ فَرِقِينَ (5)إِنَّهُ مَنْ وُسعَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ، فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجاً فَقَدْ أَمِنَ مَخُوفاً، وَمِنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ، فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اخْتِبَاراً، فَقَدْ ضَيَّعَ مَأْمُولاً . [تحف العقول ص 146 ]


1) فخماً : أي عظيماً ضخماً.

2) الوَرِق: الفِضَّة، أي ظهرت الفضة، فأطلعت رؤوسها كناية عن الظهور، ووضح هذا بقوله: «إنّ البناء يصف لك الغني» أي يدل عليه.

3) هذا الأمر: أي الموت، لم يكن تناوله لصاحبكم أول فعل له، ولا آخر فعل له، بل سبقه میّتون وسيكون بعده، وقد كان ميّتكم هذا يسافر لبعض حاجاته فاحسبوه مسافراً، فإذا طال زمن سفره فإنّكم ستتلاقون معه وتقدمون عليه عند موتكم.

4) وَجِلين: خائفين.

5) فرقين: فزعين. يقول: كونوا بحيث يراكم الله خائفين من مَكره عند النعمة كما يراكم فزعين من بلائه عند النقمة، فإنّ صاحب النعمة إذا لم يظن نعمته استدراجاً من الله فقد أمن من مكر الله، ومن كان في ضيق فلم يحسب ذلك امتحاناً من ذلك امتحاناً من الله فقد أيس من رحمة الله وضيّع أجرأ مأمولاً .

361 - وقال عليه السلام: يَا أَسْرَى الرَّغْبَةِ(1)أَقْصِرُوا (2)، فَإِنَّ الْمُعَرَّجَ (3)عَلَى الدُّنْيَا لَا يَرُوعُهُ(4)مِنْهَا إِلَّا صَرِيفٌ (5)أَثْيَابِ الْحِدْثَانِ(6). أَيُّهَا النَّاسُ، تَوَلَّوْا مِنْ أَنْفُسِكُمْ تَأْدِيبَهَا (7)، وَأَعْدِلُوا بِهَا عَنْ ضَرَاوَةِ عَادَاتِهَا (8).

[النهاية ج 3 ص 35 ]

362- وقال عليه السلام: لَا تَظُنُّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدٍ سُوءاً وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مُحْتَمَلاً .

[تحف العقول ص 220]

363 - وقال عليه السلام: إِذَا كَانَتْ لَكَ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ حَاجَةٌ فَأَبْدَأُ بِمَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، ثُمَّ سَلْ حَاجَتَكَ ؛ فإِنَّ اللهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ حَاجَتَيْنِ (9)، فَيَقْضِيَ إِحْدَاهُمَا وَيَمْنَعَ الْأُخْرَى .

[غرر الحكم ص 43]

364 - وقال عليه السلام: مَنْ ضَنَّ (10)بِعِرْضِهِ فَلْيَدَعِ الْمِرَاءَ (11).

365 - وقال عليه السلام: مِنْ الْخُرْقِ (12)الْمُعَاجَلَةُ قَبْلَ الْإِمْكَانِ ، وَالْأَنَاةُ (13)بَعْدَ


1) أسرى: جمع أسير، والرغبة: الطمع.

2) أَقْصِرُوا: كُفّوا.

3) المُعَرَّج: المائل إليها أو المعوّل عليها أو المقيم بها.

4) يَرُوعُهُ: يفزعه.

5) الصريف: صوت الأسنان ونحوها عند الاصطكاك .

6) الحِدثان: النوائب.

7) تَولّى الشيء: تحمّل ولايته ليقوم به.

8) الضَرَاوة: اللّهَج بالشيء والولوع به، أي: كُفّوا أنفسكم عن اتباع ما تدفع اليه عاداتها.

9) الحاجتان: الصلاة على النبيّ وحاجتك، والأولى مقبوله مجابة قطعاً.

10) ضنّ: بخل.

11) المِراء: الجدال في غير حقّ، وفي تركه صون للعِرض عن الطعن.

12) الخُرْق الحُمق، وضده الرفق.

13) الأناة: التأنّي.

الْفُرْصَةِ .(1). [مجمع الأمثال ج 2 ص 454]

366 - وقال عليه السلام: لَا تَسْأَلْ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَفِي الَّذِي قَدْ كَانَ لَكَ شُغْلُ (2). [غرر الحكم ص 250]

367 - وقال عليه السلام: الْفِكْرُ مِرْأَةٌ صَافِيَةٌ ، وَالاِعْتِبَارُ (3)مُنْذِرٌ نَاصِحٌ، وَكَفَى أَدَبَاً لِنَفْسِكَ تَجَنُّبُكَ مَا كَرِهْتَهُ لِغَيْرِكَ. [تحف العقول ص 143]

368 - وقال عليه السلام: الْعِلْمُ مَفْرُونُ بِالْعَمَلِ ، فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ ، وَالْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ ، فَإِنْ أَجَابَ وَإِلَّا أَرْتَحَلَ عَنْهُ (4). [الكافي ج 1 ص 40]

369 - وقال عليه السلام: أَيُّهَا النَّاسُ مَتَاعُ الدُّنْيَا حُطَام(5)مُوبِيُّ (6)، فَتَجَنَّبُوا مَرْعَاةً(7)قُلْعَتُهَا أَحْظَى مِنْ طُمَأْنِينَتِهَا(8)، وَبُلْغَتُهَا أَزْكَى مِن ثَرْوَتِهَا (9).

حُكِمَ عَلَى مُكْثِرِيهَا بِالْفَاقَةِ(10)، وَأُعِينَ مَنْ غَنِيَ عَنْهَا بِالرَّاحَةِ(11). مَنْ


1) الفرصة: ما يمكنّك من مطلوبك، ومن الحكم أن لا تتعجّل حتى تتمكّن، وإذا تمكّنت فلا تمهل.

2) أي لا تتمنَّ من الأمور بعيدها فكفاك من قريبها ما يشغلك.

3) الاعتبار: الاتّعاظ بما يحصل للغير ويترتّب على أعماله.

4) العلم يطلب العمل ويناديه فإن وافق العملُ العلمَ وإلّا ذهب العلم، فحافِظُ العلم العملُ.

5) متاع الدنيا: أموالها وقُنياتُها والحطام: ما تكسَّر من الحشيش واليبس، وشَبّه متاع الدنيا بذلك لحقارته.

6) موبئ: أي ذو وَباء مُهْلِك.

7) مَرْعاة: بقعةُ تُرعى، كقولك مَأسَدة، فيها الأسد.

8) القُلعَة: سكونك للتوطّن، وأحظى: أسعد، وطُمَأنينتها: سُكونها وهدوؤها، أي كون الإنسان عدم فيها منزعجاً متهيّئاً للرحيل عنها خيرٌ له من أن يكون ساكناً إليها مطمئناً بالمُقام فيها.

9) البُلغة: مقدار ما يُتَبَلَّغ به من القوت، والثروة: اليسار والغِنى.

10) المُكْثِرُ بالدنيا حَكَمَ اللهُ عليه بالفقر، لأنّه كلّما أكثر زاد طمعه وطلبه فهو في فقر دائم إلى ما يطمع فيه.

11) غَنِي: استغنى، وغنيّ القلب عن الدنيا في راحة تامة.

رَاقَهُ(1)زِبْرِجُهَا (2)أَعْقَبَتْ نَاظِرَيْهِ كَمَها (3)، وَمَنِ اسْتَشْعَرَ الشَّغَفَ(4)بِهَا مَلَأَتْ ضَمِيرَهُ أَشْجَاناً (5)لَهُنَّ رَقَصُ(6)عَلَى سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ(7): هَمْ يَشْغَلُهُ، وَغَمْ يُحْزِنُهُ، كَذَلِكَ حَتَّى يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ فَيُلقَى بِالْفَضاءِ (8)، مُنْقَطِعاً أَبْهَرَاهُ(9)، هَيْناً عَلَى اللهِ فَنَاؤُهُ، وَعَلَى الْإِخْوَانِ الْقَاؤُهُ (10)وَإِنَّمَا يَنْظُرُ الْمُؤْمِنُ إِلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ الاِعْتِبَارِ (11)وَيَقْتَاتُ مِنْهَا بِبَطْنِ الاِضْطِرَارِ (12)، وَيَسْمَعُ فِيهَا بِأُذُنِ الْمَقْتِ (13)وَالْإِبْغَاضِ ، إِنْ قِيلَ أَثْرِيَ قِيلَ أَكْدَى (14)وَإِنْ فُرِحَ له بِالْبَقَاءِ حُزِنَ لَهُ بِالْفَنَاءِ ! هَذَا وَلَمْ يَأْتِهِمْ يَوْمٌ فِيهِ يُبْلِسُونَ (15).


1) راقه: أعجَبَه وحَسُنَ فى عينه.

2) الزِّبرج: الزّينة.

3) الكَمَه: العمى الشديد، وقيل: هو أن يولد أعمى، فمن نَظَر لزينتها بعين الاستحسان أعمت عينيه عن الحقّ.

4) الشَّغَفَ: الولوع وشدّة التعلّق.

5) الأشجان: الأحزان.

6) الرَّقَص - بفح القاف - : الاضطراب والحركة.

7) سويداء القلب: حَبّته، و«لهنُ» أي للأشجان، فهي تلعب بقلبه.

8) الكظّم: مجرى النَّفّس، أي حتى يخنقه الموت فيُطرح ويُتبذ بالفضاء.

9) الأبْهَران: وَريدا العنق، وانقطاعهما كتابة عن الهلاك، يقال للميّت: قد انقطع أبهَراه.

10) إلقاؤه: المراد - هنا - طرحه في قبره.

11) الاعتبار: أخذ العِبرة والعِظّة.

12) أي ويأخذ من القوت ما يكفي بطن المضطر، وهو ما يزيل الضرورة.

13) المَقت: الكُره والسخط.

14) بيان لحال الإنسان في الدنيا فلا يقال فلان أثرى - أي اسْتَغْنى - حتى يسمع بعد مدة بأنّه أكدى - أي افْتَقَر - وصفُ لقلب الحال.

15) أبلَس: ينس وتحيّر، يقال: أبلس الرجلُ يُبلسُ إبْلاساً أي قَنِط ويئس. ويوم الحيرة: يوم القيامة.

370 - وقال عليه السلام: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَضَعَ الثَّوابَ عَلَى طَاعِتِهِ، وَالْعِقَابَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ، ذِيَادَةٌ لِعِبَادِهِ عَنْ نِقْمَتِهِ (1)وَحِيَاشَةٌ (2)لَهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ [الغرر، ص 77]

371 - وقال عليه السلام: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ، وَمِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَسْمُهُ، مَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ مِنَ الْبِنَاءِ، خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى، سُكَّانُهَا وَعُمَّارُهَا شَرُّ أَهْلِ الْأَرْضِ، مِنْهُمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ، وَإِلَيْهِمْ تَأْوَى الْخَطِيئَةُ، يَرُدُّونَ مَنْ شَدَّ عَنْهَا فِيهَا ، وَيَسُوقُونَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا إِلَيْهَا، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولئِكَ فِتْنَةٌ تَتُرُكُ فِيهَا الْحَلِيمَ حَيْرَانَ ، وَقَدْ فَعَلَ، وَنَحنُ نَسْتَقِيلُ اللهَ عَشْرَةَ الْغَفْلَة

[ميزان الاعتدال ج 4 ص 417]

372 - ورُوِي أَنَّهُ عليهِ السَّلَامُ قَلَّمَا أَعْتَدَلَ بِهِ الْمِنْبَرُ إِلَّا قَالَ أَمَامَ خُطْبَتِهِ:

أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللهَ، فَمَا خُلِقَ امْرُؤٌ عَبَثاً فَيَلْهُو (3)، وَلَا تُرِكَ سُدىً فَيَلْغُو (4)وَمَا دُنْيَاهُ الَّتِي تَحَسَّنَتْ لَهُ بِخَلَفٍ (5)مِنَ الْآخِرَةِ الَّتِي قَبَّحَهَا سُوءُ النَّظَرِ عِنْدَهُ وَمَا الْمَغْرُورُ الَّذِي ظَفِرَ منَ الدُّنْيَا بِأَعْلَى هِمَّتِهِ كَالْآخَرِ الَّذِي ظَفِرَ مِنَ الْآخِرَةِ بِأَدْنَى سُهْمَتِهِ (6). [دستور معالم الحكم ص 48 ]


1) زيادةً: أي دفعاً ومنعاً لهم عن المعاصي الجالبة للنقم.

2) حياشةً: مصدر حُشْتُ الصّيد، أحوشه، إذا جئته من حوالَيه لتَصرِفه إلى الحِبالة، وقد احتوش القوم الصيد إذا نفره بعضهم إلى بعض.

3) لَغَا: تَلَهّى بلذاته.

4) لغَا: أتى باللغو، وهو ما لا فائدة فيه.

5) خَلف: ما يَخْلُفُ الشيء ويأتي بعده.

6) السهمة: النصيب، وأدنى حظّ من الآخرة أفضل من أعلاه في الدنيا، والفرق بين الباقي والفاني وإن كان الأول قليلاً والثاني كثيراً - لا يخفى.

373 - وقال عليه السلام: لَا شَرَفَ أَعْلَى مِنَ الْإِسْلَامِ، وَلَا عِزَّ أَعَزُّ مِنَ التَّقْوى، وَلَا مَعْقِلَ أَحْسَنُ مِنَ الْوَرَعَ ، وَلَا شَفِيعَ أَنْجَحُ مِنَ التّوبَةِ، وَلَا كَنْزَ أَغْنَى مِنَ الْقَنَاعَةِ، وَلَا مَالَ أَذْهَبُ لِلْفَاقَةِ مِنَ الْرّضَى بِالْقُوتِ . ومَنِ اقْتَصَرَ عَلَى بُلْغَةِ الْكَفَافِ فَقَدِ انْتَظَمَ الرَّاحَةَ(1)، وَتَبَوَّاً خَفْضَ الدَّعَةِ (2)وَالرَّغْبَةُ مِفْتَاحُ النَّصَبِ (3)، وَمَطِيَّةُ التَّعَبِ(4)، وَالْحِرْصُ وَالْكِبْرُ وَالْحَسَدُ دَوَاعٍ إِلَى التَّفَحُمِ فِي الذُّنُوبِ ، وَالشَّرُّ جَامِعُ لِمَسَاوِيُّ الْعُيُوبِ. [تحف العقول ص 67]

374 - وقال عليه السلام لجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأنصاري:

يَا جَابِرُ، قِوَامُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا بِأَرْبَعَةٍ : عَالِمٍ يَسْتَعْمِلُ عِلْمَهُ، وَجَاهل لا يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَتَعَلَّمَ، وَجَوَادٍ لَا يَبْخَلُ بِمَعْرُوفِهِ، وَفَقِيرٍ لَا يَبِيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ، فَإِذَا ضَيَّعَ الْعَالِمُ عِلْمَهُ اسْتَنْكَفَ الْجَاهِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ(5)، وَإِذَا بَخِلَ الْغَنِيُّ بِمَعْرُوفِهِ بَاعَ الْفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ (6).

يَا جَابِرُ، مِنْ كَثُرَتْ نِعَمُ اللهِ عَلَيْهِ كَثُرَتْ حَوَائِجُ النَّاسِ إِلَيْهِ ، فَمَنْ قَامَ لِلَّهِ فِيهَا بِمَا يَجِبُّ عَرَّضَهَا لِلدَّوَامِ وَالْبَقَاءِ(7)، وَمَنْ لَمْ يَقُمْ فِيْهَا بِمَا يَجِبُ عَرَّضَهَا لِلزَّوَالِ وَالفَتَاءِ.

[تحف العقول ص 159]


1) انْتَظَمَ الراحةَ: من قولك «انتظمه بالرمح»، أي أنقذه فيه، كأنّه ظَفِرَ بالراحة.

2) تبوّأ: نزل الخفض، أي السعة، والدّعَة كالخفض، والإضافة على حدّ «كرى النوم».

3) الرغبة: الطمع والنَّصَب: أشدّ التعب.

4) المَطِية: ما يُعتطَى ويُركَب من دابّة ونحوها.

5) لاستواء العلم والجهل في نظره.

6) لأنّه يضطرّ للخيانة أو الكذب حتى ينال بهما من الغني شيئاً.

7) عَرَّضَها: أي جعلها عُرْضَةً، أي نَصْبَها له.

375 - وَرَوى ابْنُ جَرِيرِ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْفَقِيهِ، وَكَانَ مِمَّنْ خَرَجَ لِقِتَالَ الْجَجَّاجِ مع أبْن الْأَشْعَثِ، أَنَّهُ قَال فِيمَا كَانَ يَحُضُّ به النَّاسَ عَلَى الْجِهَادِ: إِنِّي سَمِعْتُ عَلِيّاً رَفَعَ اللهُ دَرَجَتَهُ فِي الصَّالِحِينَ، وَأَذَابَهُ ثَوَابَ الشُّهَدَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ. يَقُول يَوْمَ لَقِينَا أَهْلَ الشَّامِ:

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّهُ مَنْ رَأَى عُدْوَاناً يُعْمَلُ بِهِ، وَمُنْكَراً يُدْعَى إِلَيْهِ، فَأَنْكَرَهُ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ وَبَرِئَ(1)، وَمَنْ أَنْكَرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ أُجِرَ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ ، وَمَنْ أَنْكَرَهُ بِالسَّيْفِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَكَلِمَةُ الظَّالِمِينَ هِيَ السُّفْلَى، فَذَلِكَ الَّذِي أَصَابَ سَبِيلَ الْهُدَى، وَقَامَ عَلَى الطَّرِيقِ، وَنَوَّرَ فِي قَلْبِهِ الْيَقِينُ.

[الطبري في حوادث سنة 82]

376 - وقال عليه السلام في كلام له يجري هذا المجرى:

فَمِنْهُمُ الْمُنْكِرُ لِلْمُنْكَرِ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ ، فَذَلِكَ الْمُسْتَكْمِلُ لِخِصَالِ الْخَيْرِ : وَمِنْهُمُ الْمُنْكِرُ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَالتَّارِكُ بِيَدِهِ، فَذَلِكَ مُتَمَسِّكُ بِخَصْلَتَيْنِ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ ، وَمُضَيِّعٌ خَصْلَةً ؛ وَمِنْهُمُ الْمُنْكِرُ بِقَلْبِهِ ، وَالتَّارِكُ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ،

فَذَاكَ الَّذِي ضَيَّعَ أَشْرَفَ الْخَصْلَتَيْنِ مِنَ الثَّلَاثِ(2)، وَتَمَسَّكَ بَوَاحِدَةٍ ؛ وَمِنْهُمْ تَارِكٌ لِإِنْكَارِ الْمُنكَرِ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَيَدِهِ، فَذَلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ، وَمَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِندَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ


1) بريء من الإثم وسلم من العقاب إن كان عاجزاً.

2) أشرف الخصلتين: من إضافة الصفة للموصوف، أي الخصلتين الفائقتين في الشرف عن الثالثة. وليس من قبيل إضافة اسم التفضيل إلى متعدّد.

الْمُنْكَرِ إِلَّا كَتَفْتَةٍ(1)فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ(2)، وَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ، وَلَا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ، وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ .

[قوت القلوب ج 1 ص 381 ]

377- وروى أبو جُحَيْفَةً قَال: سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ:

أَوَّلُ مَا تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ (3)مِنَ الْجِهَادِ الْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ، ثُمَّ بِأَلْسِنَتِكُمْ، ثُمَّ بِقُلُوبِكُمْ؛ فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ بِقَلْبِهِ مَعْرُوفاً، وَلَمْ يُنْكِرْ مُنْكَراً، قُلِبَ فَجُعِلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، وَأَسْفَلُهُ أَعْلَاهُ.

[دستور معالم الحكم ص 152]

378 - وقال عليه السلام: إِنَّ الْحَقِّ تَقِيلُ مَرِيءٌ ، وَإِنَّ الْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِي (4)

[ أنساب الأشراف ج 5 ص 44]

379- وقال عليه السلام: لَا تَأْمَنَنَّ عَلَى خَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَذَابَ اللهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: «فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ» وَلَا تَيْأَسَنَّ لِشَرِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ رَوْحِ الله (5)لِقَوْلِهِ تَعَالَى: «إِنَّهُ لَا يَبْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ»

[العقد الفريد، ج 2 ص 139]


1) النفثة: يُراد ما يمازج النَّفْسَ من الريق عند النفخ، والنَفثَة: الفعلة الواحدة من نفثت الماء فمي، أي قذفته بقوة.

2) لُجَّة الماء: أعظَمُه، وبحر لُجِّي: ذو ماء عظيم، كثير الموج.

3) تُغلَبون عليه: بمعنى يُحِدث أثراً شديداً عليكم إذا قمتم به.

4) مريء: من «مَرَأ الطعام» - مثلثة الراء - مُراءة فهو مريء أي هني، حميد العاقبة. والحقّ وإن ثقل إلّا أنّه حميد العاقبة، والباطل وإن خفٌ فهو وبي، وخيم العاقبة، وتقول: أرض وَبيئة، أي كثيرة الوَبَاء، وهو المرض العام.

5) رَوْحُ الله: رحمته.

380 - وقال عليه السلام: اَلْبُخْلُ جَامِعُ لَمَسَاوِي الْعُيُوبِ، وَهَوَ زِمَامٌ يُقَادُ بِهِ إِلَى كُلِّ سُوءٍ.

[تحف العقول ص 66]

381 - وقال عليه السلام: يَابْنَ آدَمَ الرِّزْقُ رِزْقَانِ : رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ ، فَلَا تَحْمِلْ هَمَّ سَنَتِكَ عَلَى هَمِّ يَوْمِكَ ، كَفَاكَ كُلُّ يَوْمٍ مَا فِيهِ، فَإِنْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيُؤْتِيكَ فِي كُلِّ غَدٍ جَدِيدٍ مَا قُسِمَ لَكَ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فمَا تَصْنَعُ بِأَلَهُمْ فِيمَا لَيْسَ لَكَ، وَلَنْ يَسْبِقَكَ إِلَى رِزْقِكَ طَالِبٌ ، وَلَنْ يَغْلِبَكَ عَلَيْهِ غَالِبٌ، وَلَنْ يُبْطِئَ عَنْكَ مَا قَدْ قُدِّرَ لَكَ . [قوت القلوب ج 1 ص 31 و ص 158]

قالَ الرّضيّ: وقدْ مَضَى هَذَا الكلامُ فيما تقدَّمَ مِنْ هذَا الْبابِ ، إلَّا أنّه ها هنا أوضحُ وأشرحُ ، فلذلك كرَّرْنَاه على الْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ .

382 - وقال عليه السلام: رُبَّ مُسْتَقْبِل يَوْماً لَيْسَ بِمُسْتَدْبِرِهِ (1)، وَمَغْبُوطٍ فِي أَوَّلِ لَيْلِهِ قَامَتْ بَوَاكِيهِ فِي آخِرِهِ(2)

يا راقدَ الليل مسروراً بأوَّله*** إنّ الحوادث قد يَطرُقن أسحارا

.[تذكرة الخواص ص 135]

( 383 - وقال عليه السلام: الْكَلَامُ فِي وَثَاقِكَ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ(3)، فَإِذَا تَكَلَّمْتَ بِهِ صِرْتَ ، فِي وَثَاقِهِ، فَأَخْزُنْ لِسَانَكَ كَمَا تَخْرُنُ (4)ذَهَبَكَ وَوَرِقَكَ(5)، فَرُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ


1) أي ربّما يستقبل شخص يوماً فيموت، ولا يستدبره: أي لا يعيش بعده فيخلفه وراءه.

2) المغبوط: المنظور إلى نعمته، وقد يكون المرء كذلك في أول الليل فيموت في آخره فتقوم بواكيه، جمع باكية. ومثل هذا قول الشاعر:

3) الوثاق: ما يشدّ به ويربط، أي أنت مالك لكلامك قبل أن يصدر عنك، فإذا تكلّمت به صرت مملوكاً له، فإمّا نفعك أو ضرّك.

4) خَزَنَ: حفظ ومنع الغير من الوصول إلى مخزونه.

5) الوَرِق: الفِضّة.

نِعْمَةً وَجَلَبَتْ نِقْمَةٌ. [الفقيه ج 4 ص 277]

384- وقال عليه السلام: لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ، بَلْ لَا تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدْ فرَضَ عَلَى جَوَارِحِكَ كُلِّهَا فَرَائِضَ يَحْتَجُ بِهَا عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .

[الاختصاص ص 331 ]

385 - وقال عليه السلام: أَحْذَرْ أَنْ يَرَاكَ اللهُ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ، وَيَفْقِدَكَ عِنْدَ طَاعَتِهِ (1)، فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وَإِذَا قَوِيتَ فَأَقْوَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَإِذَا ضَعُفت فَأَضْعُفْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ .

[غرر الحكم ص 77]

386 - وقال عليه السلام: الرُّكُونُ إِلَى الدُّنْيَا مَعَ مَا تُعَايِنُ مِنْهَا جَهْلٌ (2)، وَالتَّقْصِيرُ فِي حُسْنِ الْعَمَلِ إِذَا وَثِقْتَ بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ غَبْنُ (3)، وَالطُّمَأْنِينَةُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ قَبْلَ الاخْتِبَارِ لَهُ عَجْز.

[مجمع الأمثال ج 2 ص 454]

387 - وقال عليه السلام: مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللهِ أَنَّهُ لَا يُعْصَى إِلَّا فِيهَا، وَلَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِتَرْكِهَا (4).

[غرر الحكم ص 304 ]

388 - وقال عليه السلام: مَنْ طَلَبَ شَيْئاً نَالَهُ أَوْ بَعْضَهُ (5). [مجمع الأمثال ج 2 ص 454]


1) فقده يفقده: أي عدمه فلم يجده، والكلام من الكناية، أي أنّ الله يراك في الحالين فاحذر أن تعصيه ولا تطيعه.

2) تُعّاين: أي ترى بعينك من الدّنيا تقلباً وتحوّلاً، لا ينقطع ولا يختصُ بخيّر ولا شرير، فالثقة بها عمى عما نشاهد منها.

3) الغَبْن: الخسارة الفاحشة. وعند اليقين بثواب الله لا خسارة أفحش من الحرمان بالتقصير في العمل مع القدرة عليه.

4) هذا الكلام نسبَه الغَزالي في كتاب «إحياء علوم الدين» إلى أبي الدَّرداء، والصحيح أنّه من كلام عليّ(علیه السّلام) ذكره الجاحظ في غير موضع من كُتبه، وهو أعرف بكلام الرجال.

5) أي أنّ الذي يطلب ويعمل لما يطلبه ويداوم على ذلك لابد أن يناله أو ينال بعضاً منه.

389 - وقال عليه السلام: مَا خَيْرٌ بِخَيْرِ بَعْدَهُ النَّارُ ، وَمَا شَرٌّ بِشَرِّ بَعْدَهُ الْجَنَّةُ(1)، وَكُلٌّ نَعِيمٍ دُونَ الْجَنَّةِ مَحْفُورُ (2)، وَكُلُّ بَلَاءٍ دُونَ النَّارِ عَافِيَة

[تحف العقول ص 71]

390 - وقال عليه السلام: أَلَا وَ إِنَّ مِنَ الْبَلَاءِ الْفَاقَةَ(3)، وَأَشَدُّ مِنَ الْفَاقَةِ مَرَضُ الْبَدَنِ، وَأَشَدُّ مِنْ مَرَضِ الْبَدَنِ مَرَضُ الْقَلْبِ. أَلَا وَإِنَّ مِنَ النِّعَمِ سَعَةَ المَالِ، وَأَفْضَلُ مِنْ سَعَةِ الْمَالِ صِحَّةُ الْبَدَنِ، وَأَفْضَلُ مِنْ صِحَّةِ الْبَدَنِ تَقْوَى الْقَلْبِ.

[أمالي الطوسي ج 1 ص 145]

391 - وقال عليه السلام: مَنْ أَبْطَاً بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ.

وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: مَنْ فَاتَهُ حَسَبُ نَفْسِهِ ، لَمْ يَنْفَعُهُ حَسَبُ آبَائِهِ .

392 - وقال عليه السلام: لِلْمُؤْمِنِ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ : فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يَرُمُّ فِيهَا مَعَاشَهُ (4)وَسَاعَةٌ يُخَلَّى فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ .

وَلَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ شَاخِصاً(5)إِلَّا فِي ثَلَاثٍ : مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ(6)، أَوْ خُطْوَةٍ فِي مَعَادٍ7(7)، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ.

[المحاسن ص 345 ]


1) «ما» استفهامية إنكاربة، أي لا خير فيما يسمّيه أهل الشهوة خيراً من الكسب بغير الحقّ والتغلّب بغير الشرع، حيث أن وراء ذلك النار. ولا شرّ فيما يدعوه الجهلة شرّاً من الفقر أو الحرمان مع الوقوف عند الاستقامة فوراء ذلك الجنّة.

2) المَحْقُور: الحقير المحقّر .

3) الفاقة: الفقر.

4) يَرُم معاشه: يُصلِحه.

5) شاخصاً: راحلاً.

6) المَرّمة: الإصلاح.

7) المَعاد: ما تعود إليه في القيامة.

393 - وقال عليه السلام: أَزْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُبْصِرُكَ اللهُ عَوْرَاتِهَا، وَلَا تَغْفُلُ فَلَسْتَ بِمَغْفُولٍ عَنكَ.

394 - وقال عليه السلام: تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ الْمَرْءَ مَحْبُوهُ تَحْتَ لِسَانِهِ (1)

وكائن نرى من صامت لك معجب*** زیادته أو نقصُه في التكلّم

لسانُ الفتى نصفُ ونصفُ فؤادُهُ*** فلم يَبقَ إلّا صورةُ اللحم والدمِ

.

395 - وقال عليه السلام: خُذْ مِنَ الدُّنْيَا مَا أَتَاكَ، وَتَوَلَّ عَمَّا تَوَلَّى عَنْكَ ، فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَأَجْمِلْ فِي الطَّلَبِ (2). [غرر الحكم ص 117 ]

396 - وقال عليه السلام: رُبَّ قَوْلٍ، أَنْفَذُ مِنْ صَوْلٍ(3)[مجمع الأمثال جا حرف الراء]

397 - وقال عليه السلام: كُلُّ مُقْتَصَرٍ عَلَيْهِ كَافٍ (4).. [مجمع الأمثال ج 2 ص 404]

398 - وقال عليه السلام: الْمَنِيَّةُ وَلَا الدَّنِيَّةُ(5)، وَالتَقَلُّلُ وَلَا التَّوَسُّلُ (6).

399 - وقال عليه السلام: مَنْ لَمْ يُعْطَ قَاعِداً، لَمْ يُعْطَ قَائِماً (7).

400 - وقال عليه السلام: الدَّهْرُ يَوْمَانِ : يَوْمُ لَكَ ، وَيَوْمُ عَلَيْكَ ، فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ ، وَإِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِرْ .

[تحف العقول ص 207]


1) هذه إحدى كلماته(علیه السّلام) التي لا قيمة لها ولا يقدّر قدرها، والمعنى قد تداوله الناس، قال:

2) أجمل في الطَلَب أي: فإن رغبت في طلب ما تولّى وذهب عنك منها فليكن طلبك جميلاً، واقفاً بك عند الحقّ.

3) الصَول: السَطوة.

4) مقتصّر: اسم مفعول ، وإذا اقتصرت على شيء فقنعت به فقد كفاك.

5) المنيّة : أي الموت، يكون ولا يكون ارتكاب الدنيّة كالتذلّل والنفاق.

6) التقلّل: أي الاكتفاء بالقليل يرضى به الشريف ولا يرضى بالتوسّل الى الناس.

7) مرادُه أنّ الرزق قد قَسّمه الله تعالى، فمن لم يرزقه قاعداً لم يجب عليه القيام والحركة، كنّى «بالقعود» عن سهولة الطلب، و«بالقيام» عن التعسّف به.

401 - وقال عليه السلام: نِعْمَ الطَّيبُ المِسْكُ، خَفِيفٌ مَحْمِلُهُ، عَطِرٌ رِيحُهُ.

402 - وقال عليه السلام: ضَعْ فَخَرَكَ ، وَأحطُطُ كِبْرَكَ ، وَاذْكُرْ قَبْرَكَ. [التحف ص 156]

403 - وقال عليه السلام: إِنَّ لِلْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ حَقّاً، وَإِنَّ لِلْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ حَقَّاً، فَحَقُّ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ أَنْ يُطِيعَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَحَقٌّ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ أَنْ يُحَسِّنَ أَسْمَهُ ، وَيُحَسِّنَ أَدَبَهُ، وَيُعَلِّمَهُ الْقُرْآنَ.

[محاضرات الأدباء، ج 1 ص 157]

404 - وقال عليه السلام: الْعَيْنُ حَقٌّ، وَالرُّقَى حَقٌّ، وَالسِّحْرُ حَقٌّ، وَالْفَالُ حَقٌّ(1)، وَالطَّيَرَةُ لَيْسَتْ بِحَقِّ (2)، وَالْعَدْوَى لَيْسَتْ بِحَقِّ، وَالطَّيبُ نُشْرَةٌ(3)، وَالْعَسَلُ نُشْرَةٌ، وَالرُّكُوبُ نُشْرَةٌ، وَالنَّظَرُ إِلَى الْخُضْرَةِ نُشْرَةٌ.

[صحيفة الرضا ]

405 - وقال عليه السلام: مُقَارَبَةُ النَّاسِ فِي أَخْلَاقِهِمْ أَمْنُ مِنْ غَوَائِلِهِمْ (4)

فالمقاربة لهم في أخلاقهم. أخلاقهم حافظة لمودتهم لكن لا تجوز الموافقة في غير حقّ.

.

[الغر: 171]

406 - وقال عليه السلام لِبَعْضِ مُخَاطِبِيهِ وَقَدْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ يُسْتَصْغَرُ مِثْلُهُ عَنْ قَوْلٍ مِثْلِهَا (5): لَقَدْ طِرْتَ شَكِيراً، وَهَدَرْتَ سَقْباً (6).

[غرر الحكم ]

قَالَ الرّضيّ: الشَّكِيرُها هنا : أَوَّلُ مَا يَنْبُتُ مِنْ رِيس الطَّائِرِ قَبْلَ أَنْ يَقْوَى وَيَسْتَحْصِفَ ، وَالسَّفْبُ : الصَّغِيرُ مِنَ الْإِبِلِ ، وَلَا يَهْدِرُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَسْتَفْحِل.


1) الفَالُ: الكلمة الحسنة يُتفاعل بها.

2) الطِيّرة: التشاؤم.

3) النُشرة في اللغة: العُوذة والرُّقية، نَشَرْت فلاناً تنشيراً، أي رَقَيته وعوّدته. وفي رواية: «والغسلُ نُشرة» أي التطهير بالماء.

4) المنافرة في الأخلاق والمباعدة فيها مجلبة للعداوات، ومن عاداه الناس وقع في غوائلهم.

5) أي قال كلمة عظيمة، ومثله في صغره قاصرُ عن قول مثلها.

6) كأنّه(علیه السّلام) قال : لقد طرت وأنت فرخ لم تنهض.

407 - قال عليه السلام: مَنْ أَوْمَاً (1)إِلَى مُتَفَاوِتٍ خَذَلَتْهُ الْحِيَلُ (2). [تحف العقول ص 143]

408 - وقال عليه السلام وقَدْ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بَاللَّهِ»:

إِنَّا لَا تَمْلِكُ مَعَ اللهِ شَيْئاً، وَلَا نَمْلِكُ إِلَّا مَا مَلَكَنَا ، فَمَتَى مَلَّكَنَا مَا هُوَ أَمْلَكُ مِنَّا كَلَّفَنَا(3)، وَمَتَى أَخَذَهُ مِنَّا وَضَعَ تَكْلِيفَهُ عَنَّا. [تحف العقول ص 345]

409 - وقال عليه السلام لِعَمَّارِ بْنِ ياسِرٍ(4)

أسلم عمّار وأخوه وأبواهما، وكان إسلامهم قديماً في أول الإسلام فعُذّبوا في الله عذاباً عظيماً، وكان الرسول(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يمرُ بهم وهم يعذَّبون فيقول: «صبراً يا آلَ ياسِر، فإنّ موعدكم الجنّة». هاجر عمار وأخوه إلى أرض الحبشة وصلّى القِبلَتين، وشَهِد بدراً والمشاهد كلها وأبلى بلاءً حسناً، ثم شَهِد اليمامة، فأبلى فيها أيضاً، ويومئذ قطعتْ أذنه. واستشهد مع عليُّ(علیه السّلام) في صفّين وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، والخَبر المرفوع مشهور في حقّه: «تقتُلك الفئةُ الباغية».

رَحِمَهُ اللهُ تعالى وقَدْ سَمِعَهُ يُرَاجِعُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ كَلَاماً: دَعْهُ يَا عَمَّارُ ، فَإِنَّهُ لَنْ يَأْخُذَ مِنَ الدِّينِ إِلَّا مَا قَارَبَهُ مِنَ الدُّنْيَا (5).

وَعَلَى عَمْدٍ لَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ (6)، لِيَجْعَلَ الشُّبُهَاتِ عَاذِراً لِسَقَطَاتِهِ .

[الإمامة والسياسة ج 1 ص 50]


1) أوما: أشار، والمراد طَلَبَ وأراد.

2) المُتَفاوت: المتباعد، أي من طلب تحصيل المتباعدات وضم بعضها إلى بعض خذلته الحيل فيما يريد فلم ينجح فيه.

3) أي متى ملكنا القوة على العمل وهي في قبضته أكثر مما هي في قبضته فرض علينا العمل.

4) هو عمّار بن ياسر العَنسي المذحجي، قدم أباه ياسر من اليمن إلى مكّة مع أخوين له، فأقام بمكّة وحالف أبا حذيفة المخزومي، وزوّجه أبو حذيفة أمةً له يقال لها سميّة بنت خياط، فولدت عمّار بن ياسر فأعتقه أبو حذيفة، فصار ولاؤه لبني مخزوم.

5) كان إسلامُ المغيرة من غير اعتقاد صحيح، ولا إنابة ونيّة جميلة، كان قد صحب قوماً في بعض الطرق، فاستغفلهم وهم نيام، فقتَلهم وأخذ أموالهم وهرب خوفاً أن يُلحق فيُقتل، فَقَدِم المدينة فأظهر الإسلام، وكان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )لا يردَ على أحد إسلامَه، ذكر حديثه أبو الفرج الأصفهاني في کتاب «الأغاني». [ج16 ص 80-82).

6) على عمدٍ: متعلق «بلَبُس»، أي أوقع نفسه في الشبهة عامداً؛ لتكون الشبهة عذراً له في زلّاته. [وعند الصالح: لَبَسَ على نفسه].

410 - وقال عليه السلام: مَا أَحْسَنَ تَرَاضُعَ الْأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ طَلَبَا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ تِيهُ الْفُقَرَاءِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ اتِّكَالاً عَلَى اللهِ (1)). [قوت القلوب ج 2: 101]

11 4 - وقال عليه السلام: مَا اسْتَوْدَعَ اللهُ امْرَأَ عَقْلاً إِلَّا لِيَسْتَنْقِذَهُ بِهِ يَوْماً مَا (2). [غرر الحكم ص 232]

412 - وقال عليه السلام: مَنْ صَارَعَ الْحَقَّ صَرَعَهُ. [مجمع الأمثال ج 2 ص 454]

413 - وقال عليه السلام: الْقَلْبُ مُصْحَفُ الْبَصَر (3)

إنّ العيونَ لَتُبدي في تقلُّبِها ***ما في الضمائر من وُدٌ ومِنْ حَنَقِ

.[ مجمع الأمثال ج 2 ص 454]

414 - وقال عليه السلام التَّقَى رَئيسُ الأَخْلَاق . [مجمع الأمثال ج 2 ص 454]

415 - وقال عليه السلام لَا تَجْعَلَنَّ ذَرَبَ(4)لِسَانِكَ عَلَى مَنْ أَنْطَقَكَ، وَبَلاغَةَ قَوْلِكَ عَلَى مَنْ سَدَّدَكَ (5).

[غرر الحكم ص 253]

416 - وقال عليه السلام: كَفَاكَ أَدَبَاً لِنَفْسِكَ اجْتِنابُ مَا تَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِكَ . [التحف: 70]

417 - وقال عليه السلام يعزّي قوماً: من صَبَرَ صَبْرَ الْأَحْرَارِ، وَإِلَّا سَلَا(6)سُلُو


1) لأنّ تيه الفقير وأنفته على الغني أدلّ على كمال اليقين بالله، فإنّه بذلك قد أمات طمعاً، ومحا خسوفاً، وصابر في يأس شديد، ولا شيء من هذا في تواضع الغني.

2) أي أنّ الله لا يهب العقل، إلّا حيث يريد النجاة، فمتى أعطى شخصاً عقلاً خلّصه به من شقاء الدّارَين.

3) القلبُ مُصْحُفُ البصر: أي ما يتناوله البصر يحفظ فى القلب كأنّه يكتب فيه، أو يريد: أنّ الإنسان إذا أبصر صاحبه فإنّه يَرَى قلبه بواسطة رؤية وجهه، ثم يعلم ما في قلبه من حُبّ ويُغض وغيرهما، كما يعلم برؤية الخطّ الذي في المصحف ما يدلّ الخطّ عليه، قال الشاعر:

4) الذَرَب: الحِدّة.

5) التسديد: التقويم والتثقيف، أي لا تطل لسانك على من علّمك النطق، ولا تظهر بلاغتك على من تقّفك وقوم عقلك.

6) سَلا: نسَي.

الْأَغْمَارِ (1).

وفِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّهُ عليهِ السَّلَامُ قَالَ لِلأشْعَثِ بْنِ قِيسٍ مُعَزِّياً عَن ابْنِ لَهُ:

إِنْ صَبَرْتَ صَبْرَ الْأَكَارِمِ، وَإِلَّا سَلَوْتَ سُلُوَّ الْبَهَائِمِ(2)

وقال عليّ في التعازي لأشعثٍ*** وخاف عليه بعضَ تلك المآثِم

أتصبرُ للبَلوى عَزاء وحِسْبَةً *** فتؤجّر أم تسلو سُلُوَّ البهائم!

. [الغرر ص 121 وص 122 ]

18 4 - وقال عليه السلام في صفة الدُّنْيا: الدُّنْيَا تَغْرُّ وَتَضُرُّ وَتَمُرُّ إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَرْضَهَا قَوَاباً لِأَوْلِيَائِهِ، وَلَا عِقَابِاً لِأَعْدَائِهِ ، وَإِنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ بَيْنَا هُمْ حَلُّوا إِذْ صَاحَ بِهِمْ سَائِقُهُمْ فَاَرْتَحَلُوا (3).

[المحاضرات ج 2 ص 390]

419 - وقال عليه السلام لابنه الحسن(علیه السّلام) : يَا بُنَيَّ، لَا تُخَلَّفَنَّ وَرَاءَكَ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا، فَإِنَّكَ تُخَلَّفُهُ لِأَحَدٍ رَجُلَيْنِ : إِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ، وَإِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللهِ فَشَقِي بِمَا جَمَعْتَ لَهُ؛ فَكُنْتَ عَوْناً لَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَلَيْسَ أَحَدُ هَذَيْنِ حَقِيقاً أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ. [الغرر ص 257]

قال الرّضيّ: وَيُرْوَى هذا الكلام على وجه آخر ، وهو :

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الَّذِي فِي يَدَيْكَ مِنَ الدُّنْيَا قَدْ كَانَ لَهُ أَهْلُ قَبْلَكَ، وَهُوَ صَائِرٌ إِلَى أَهْلِ بَعْدَكَ، وَإِنَّمَا أَنْتَ جَامِعٌ لِأَحَدٍ رَجُلَيْنِ : رَجُلٍ عَمِلَ فِيمَا جَمَعْتَهُ بِطَاعَةِ اللهِ فَسَعِدَ بِمَا شَفَيْتَ بِهِ؛ أَوْ رَجُلٍ عَمِلَ فِيمَا جَمْعَتَهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ فَشَقِيَ بمَا جَمَعْتَ لَهُ، وَلَيْسَ أَحَدُ هَذَيْن أَهْلاً أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ ، أَوْ تَحْمِلَ لَهُ عَلَى


1) الأغمار: جمع غِمر - مثلث الأوّل - وهو الجاهل لم يجرب الأمور، ومن فاته شرف الجلد والصبر فلا بدُ يوماً أن يسلو بطول المدة، فالصبر أولى.

2) حكى أبو تمّام هذا المعنى فقال:

3) صَاحَ بِهِم. سائِقُهُمْ فَارْتَحلوا: أي بينما هم قد حلّوا فاجأهم صائح الأجل - وهو سائفهم - بالرحيل فارتحلوا.

ظَهْرِكَ ، فَأَرْجُ لِمَنْ مَضَى رَحْمَةَ اللهِ، وَلِمَنْ بِقي رِزْقَ الله.

420 - وقال عليه السلام لقائل قال بحضرَتِهِ: «أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ»:

ثکِلَتْكَ أُمُّكَ! أَتَدْرِي مَا الاِسْتِغْفَارُ ؟ اَلاِسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ العِلِّيِّينَ، وَهُوَ أسْم واقع عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ : أَوَّلُهَا النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى، وَالثَّانِي الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً، وَالثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى الله عَزَّ وَجَلَّ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ، وَالرَّابِعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّي حَنَّهَا ، وَالْخَامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اللَّحْمِ الَّذِي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ (1)فَتُذِيبَهُ بِالْأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ الْجِلْدَ بِالْعَظم، وَيَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمُ جَدِيدٌ، وَالسَّادِسُ أَنْ تُذِيقَ الْجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلَاوَةَ الْمَعْصِيَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ: «أَسْتَغْفِرُ الله».

[تحف العقول ص 138]

421 - وقال عليه السلام: الْحِلْمُ عَشِيرَةٌ (2)

ولَلْكَفُّ عن شَتْم اللنيم تكرُّماً *** أضرُّ له من شَتْمه حينَ يُشْتَمُ

.

422 - وقال عليه السلام: مِسْكِينُ ابْنُ آدَمَ! مَكْتُومُ الْأَجَلِ، مَكْنُونُ الْعِلَلِ، مَحْفُوظُ الْعَمَل . تُؤْلِمُهُ الْبَقَةُ، وَتَقْتُلُهُ الشَّرْقَةُ ، وَتُنْتِنُهُ الْعَرْقَةُ (3)[المنة المختارة للجاحظ }

423 - وَيُرْوَى أَنهُ عليهِ السَّلَامُ كَانَ جالساً فِي أصحابه إذ مرَّتْ بهِمُ امْرَأَةٌ جَمِيلةً فَرَمَقَهَا الْقَوْمُ بأبصارهم، فقال عليهِ السَّلَامُ:


1) قوله: «نَبَت على السُّحْت» أي على الحرام يقال سُحت ،بالتسكين، وسُحُت بالضم، وأسحَت الرجل في تجارته، أي اكتَسَب السُّحْت.

2) خُلق الحِلْم يجمع إليك من معاونة الناس لك ما يجتمع لك بالعشيرة، لأنّه يوليك محبّة الناس فكأنّه عشيرة. وقال(علیه السّلام) : وجدتُ الاحتمال أنصَرَ لي من الرّجال، وقال الشاعر:

3) مَكْنُون: أي مستور العلل والأمراض لا يعلم من أين تأتيه، إذا عضَته بقة تألّم، وقد يموت بجرعة ماء إذا شرق بها، وتنتن ريحه إذا عَرَق عَرْقه والعَرقة: الواحد من العَرَق يتصبّب من الإنسان.

إِنَّ أَبْصَارَ هَذِهِ الْفُحُولِ طَوَامِعُ(1)، وَإِنَّ ذَلِكَ سَبَبُ هَبَابِهَا ، فَإِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى أَمْرَأَةٍ تُعْجِبُهُ فَلْيُلامِسْ أَهْلَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ أَمْرَأَةٌ كَامْرَأَتِهِ.

فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ: «قَاتَلَهُ اللَّهُ كَافِراً مَا أَفْقَهَهُ» فَوَثَبَ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ؛ فَقَالَ عليه السَّلَامُ:

رُوَيْداً(2)، إِنَّمَا هُوَ سَبُّ بِسَبِّ، أَوْ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ (3). [تحف العقول ص 89]

424 - وقال عليه السلام: كَفَاكَ مِنْ عَقْلِكَ مَا أَوْضَحَ لَكَ سُبُلَ غَيِّكَ مِنْ رُشْدِكَ .

[غرر الحكم ص 177 ]

425 - وقال عليه السلام: أَفْعَلُوا الْخَيْرَ ، وَلَا تَحْقِرُوا مِنْهُ شَيْئاً، فَإِنَّ صَغِيرَهُ كَبِيرٌ ، وَقَلِيلَهُ كَثِيرُ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنَّ أَحَداً أَوْلَى بِفِعْلِ الْخَيْرِ مِنِّي ، فَيَكُونَ وَاللهِ كَذَلِكَ . إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلَلشَّرِّ أَهْلاً ، فَمَهُمَا تَرَكْتُمُوهُ مِنْهُمَا كَفَاكُمُوهُ أَهْلُهُ (4).

[غرر الحكم، ص 253]

426 - وقال عليه السلام: مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللهُ عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ عَمِلَ لِدِينِهِ كَفَاهُ اللهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ أَحْسَنَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ.

427 - وقال عليه السلام: الْحِلْمُ غِطَاءُ سَاتِرٌ ، وَالعَقْلُ حُسَامٌ قَاطِعُ ، فَاسْتُرْ خَلَلَ خُلْقِكَ


1) طوامِح: جمع طامح أو طامحة ، طمح البصر: إذا ارتفع، وطَمَح أبعد في الطلب، وإنَّ ذلك أي طموح الأبصار سبب هَبَابها - بالفتح : أي هيجان هذه الفحول لملامسة الأنثى.

2) رويداً: أي مَهلاً.

3) إنّ الخارجي سبّ أمير المؤمنين بالكفر في الكلمات السابقة، فأمير المؤمنين لم يسمح بقتله ويقول: إمّا أن أسبّه أو أعفو عن ذنبه.

4) ما تركتموه من الخير يقوم أهله بفعله بدلكم، وما تركتموه من الشر يؤدّيه عنكم أهله، فلا تختاروا أن تكونوا للشرّ أهلاً، ولا أن يكون عنكم في الخير بدل.

بِحِلْمِكَ ، وَقَاتِلْ هَوَاكَ بِعَقْلِكَ . [الكافي ج 1 ص 20]

428 - وقال عليه السلام: إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً يَخْتَصُّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، فَيُقِرُّهَا (1)فِي أَيْدِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا ، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، ثُمَّ حَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ. [الغرر: 76]

429 - وقال عليه السلام: لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَبْقَ بِخَصْلَتَيْنِ : الْعَافِيَةِ وَالْغِنَى بَيْنَا تَرَاهُ مُعَافىً إِذْ سَقِمَ؛ وَبَيْنَا تَرَاهُ غَنِيّاً إِذِ أَفْتَقَرَ (2)

ورُبّ غنيّ عظيم الثراءِ*** أمسى مُقِلَلاً عَديماً فقيرا

وكم باتَ مِنْ مُترف فى القصور *** فعوّض في الصُّبح عنها القبورا

.

43 - وقال عليه السلام: مَنْ شَكَا أَلْحَاجَةَ إِلَى مُؤْمِنٍ فَكَأَنَّمَا شَكَاهَا إِلَى اللَّهِ، وَمَنْ شَكَاهَا إلى كَافِرٍ فَكَأَنَّمَا شَكَا الله . [غرر الحکم ص 212 ]

431 - وقال عليه السلام فى بعض الأعيادِ: إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللَّهُ صِيَامَهُ، وَشَكَرَ قِيَامَهُ، وَكُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ عِيدٌ (3).

432 - وقال عليه السلام: إِنَّ أَعْظَمَ الْحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَسْرَةُ رَجُلٍ كَسَبَ مَالاً فِي غَيْرِ طَاعِةِ اللهِ ، فَوَرَّثَهُ رَجُلاً فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، فَدَخَلَ بِهِ الْجَنَّةَ، ودَخَلَ الْأَوَّلُ بِهِ النَّارَ .

433 - وقال عليه السلام: إِنَّ أَخْسَرَ النَّاسِ صَفْقَةٌ (4)، وَأَخْيَبَهُمْ سَعْياً ، رَجُلٌ أَخْلَقَ بَدَنَهُ ، فِي طَلَبِ مَالِهِ ، وَلَمْ تُسَاعِدُهُ الْمَقَادِيرُ عَلَى إِرَادَتِهِ، فَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا


1) يقرّها: أي يبقيها ويحفظها مدّة بذلهم لها.

2) قال الشاعر:

3) وعند ابن أبي الحديد: «وَكُلُّ يومٍ لا نعصي الله فيه فهو يوم عِيدٍ»

4) الصَفقة: أي البيعة، أي أخسرهم بيعاً، وأشدّهم خيبة في سعيه، ذلك الرجل الذي أخلق بدنه، أي أبلاه، ونهكه في طلب المال، ولم يحصّله.

بِحَسْرَتِهِ، وَقَدِمَ عَلَى الْآخِرَةِ بِتَبِعَتِهِ (1). [غرر الحکم ص 82]

434 - وقال عليه السلام: الرِّزْقُ رِزْقَانِ : طَالِبٌ وَمَطْلُوبٌ ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ الْمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا ، وَمَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مِنْهَا رِزْقَهُ .

[غرر الحكم ص 150]

435 - وقال عليه السلام: إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ هُمُ الَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى بَاطِنِ الدُّنْيَا إِذَا نَظَرَ النَّاسُ إِلَى ظَاهِرِهَا ، وَاشْتَغَلُوا بِآجِلِهَا (2)إِذَا اشْتَغَلَ النَّاسُ بِعَاجِلِهَا، فَأَمَاتُوا مِنْهَا مَا خَشُوا أَنْ يُمِيتَهُمْ وَتَرَكُوا مِنْهَا مَا عَلِمُوا أَنَّهُ سَيرُكُهُمْ، وَرَأَوُا (3)اسْتِكْثَارَ غَيْرِهِم مِنْهَا اسْتِقْلَالاً ، وَدَرْكَهُمْ لَهَا فَوْتاً ، أَعدَاءُ مَا سَالَمَ النَّاسُ وَسَلْمُ مَا عَادَى النَّاسُ (4)! بِهِم عُلِمَ الْكِتَابُ وَبِهِ عَلِمُوا، وَبِهِمْ قَامَ الكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا، لَا يَرَوْنَ مَرْجُوا فَوْقَ مَا يَرْجُونَ ، وَلَا مَخُوفاً فَوْقَ مَا يَخَافُونَ(5). [حلية الأولياء ج 1 ص 10]

436 - وقال عليه السلام: اذْكُرُوا انْقِطَاعَ اللَّذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ [غرر الحكم ص 48]

437 - وقال عليه السلام: أَخْبُرُ تَقْلِه (6)

وأمّا المأمون فليس يريد حقيقة القِلي، وهو البغض، بل المراد الهجر والقطيعة، يقول: قاطِع أخاك مجرُباً له هل يبقى على عَهدك أم ينقضه ويحوّله عنك يقول أبو العلاء :

جرّبت دهرى وأهليه فما تركت *** ليّ التجاربُ في وَدَّ امري غَرَضا

. [غرر الخصائص الواضحة ص 320]

1) التَّبِعة حقّ الله، وحقّ الناس عنده يُطالب به.

2) إضافة «الأجل» إلى «الدنيا» لأنّه يأتي بعدها، أو لأنّه عاقبة الأعمال فيها، والمراد منه ما بعد الموت.

3) «أماتُوا فيها ما خشُوا أن يميتهم»: أي أماتوا قوة الشهوة والغضب التي يخشون أن تميت ،فضائلهم، وتركوا اللّذات العاجلة التي ستتركهم، ورأوا أنّ الكثير من هذه اللّذات قليل في جانب الأجر على تركه، وإدراكه فوات لأنّه يعقب حسرات العقاب.

4) سُلم: مصدر بمعنى الصفة، أي مُسالِم. ومعنى كلامه: الناس يسالمون الشهوات وأولياء الله يحاربونها، والناس يحاربون العِفّة والعدالة، وأولياء الله يسالمونهما وينصرونهما.

5) أيُّ مرجوُّ فوق ثواب الله، وأيُّ مخوف أعظم من غضب الله.

6) أخبُر: أمرٌ من «خبرته»، أي علمته، و«تَقْلِه، مضارع مجزوم بعد الأمر، من «قلاه يَقلِيه» بمعنى أبْغَضَه، أي: إذا أعجبك ظاهر الشخص فاختبره فربّما وجدت فيه ما لا يسرّك فتبغضه، فإنّ التجربة تكثّف لك مساوئ الناس وسوء أخلاقهم، فضرب مثلاً لمن يُظّنّ به الخير وليس هناك.

قالَ الرَّضِيّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : ومِنْ النَّاسِ مَنْ يَرْوِي هذا الرسول الله صلى اللهُ عليهِ وآلِهِ ، وَمِمَّا يُقَوِّي أَنَّهُ مِنْ كلام أمير المؤمنين عليهِ السلامُ ما حَكَاهُ تَعْلَبُ قَالَ : حدثنا ابن الأعرابي قال : قال المأمون: لولا أن علياً عليه السلام قالَ : أَخْبُرْ تَقْلِه ، لقلتُ أنا أقلِة َتَخْبُرْ .

438 - وقال عليه السلام: مَا كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدٍ بَابَ الشُّكْرِ ويُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الزِّيَادَةِ، وَلَا لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدٍ بَابَ الدُّعَاءِ وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الْإِجَابَةِ (1). وَلَا لِيَفْتَحَ عَلَيْهِ بَابَ التَّوْبَةِ وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الْمَغْفِرَةِ. [الغرر 230]

439 - وقال عليه السلام: أَوْلَى النَّاسِ بِالْكَرَمِ مَنْ عَرَّقَتْ (2)فِيهِ الْكِرَامُ.

440 - وسئل عليه السلام: أيُّما أفْضَلُ: الْعَدْلُ أو الجُودُ؟ فَقَالَ:

الْعَدْلُ يَضَعُ الْأُمُورَ مَواضِعَهَا ، وَالْجُودُ يُخْرِجُهَا مِنْ جِهَتِهَا، وَالْعَدْلُ سَائِسُ عَامٌ، وَالْجُودُ عَارِضٌ خَاصٌ ، فَالْعَدْلُ أَشْرَفُهُمَا وَأَفْضَلُهُمَا (3).


1) تكرر الكلام في أنّ الدعاء والإجابة والاستغفار والمغفرة إذا صدقت النيّات، وطابق الرجاء العمل، وإلّا فليست من جانب الله في شيء، إلّا أن تخرق سعة فضله سوابق سنته.

2) عَرْقَتْ: أي ضربت عروقُه في الكَرَم، أى له سَلَف وآباءُ كرامٌ.

3) هذا كلام شريف جليلُ القَدْر ، فضَّل(علیه السّلام) العَدل بأمرين: أحدهما: أنّ العدل وضعُ الأمور مواضعها، وهكذا العدالة في الاصطلاح الحُكْمي، لأنّها المرتبة المتوسطة بين طَرَفي الإفراط والتفريط، والجود يُخرج الأمر من موضعه، لأنّ الجُود الحقيقيّ ليس يُخرج الأمر من جهته، نحو جود البارئ تعالى والوجه الثاني: أنّ العدل سائس عام : أن العدل سائس عام في جميع الأمور الدينيّة والدنيويّة، وبه نظام العالَم وقِوام الوجود؛ وأمّا الجود فأمرٌ عارضٌ خاصَ ليس عموم نفعه كعموم نفع العَدل.

441 - وقال عليه السلام النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهلُوا (1)

جهلتَ أمراً فأبدَيْتَ النَّكيرَ له ***والجاهلون لأهْلِ العِلْمِ أعداءُ

.[المئة المختارة للجاحظ ]

442 - وقال عليه السلام: الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ ؛ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: «لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ»، وَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي (2)، وَلَمْ يَفْرَحْ بِالْآتِي، فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ. [ربيع الأبرار، ج 1]

443 - وقال عليه السلام: مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ! (3)

444 - وقال عليه السلام: الْوِلَايَاتُ مَضَامِيرُ الرِّجَالِ (4). [مجمع الأمثال ج 2 ص 453]

445- وقال عليه السلام: لَيْسَ بَلَدٌ بِأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَدٍ (5). خَيْرُ الْبِلَادِ مَا حَمَلَكَ. [مجمع الأمثال ج 2 ص 453]

446 - وقال عليه السلام وقَدْ جاءَهُ نَعْيُ الْأَشْتَرِ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَالِكُ (6)، وَمَا مَالِكُ ! واللهِ لَوْ كَانَ جَبَلاً لَكَانَ فِنْداً(7)، أَوْ كَانَ حَجَراً لَكَانَ صَلْداً، لَا يَرْتَقِيهِ الْحَافِرُ، وَلَا يُوفِي عَلَيْهِ الطَّائِرُ (8)[ربيع الأبرار، باب الأرض والجبال ]


1) هذه من ألفاظه الشريفة التى لا نظير لها. وكان يقال: مَن جَهِل شيئاً عاداه. وقال الشاعر:

2) لم يَأسَ: لم يحزن على ما نفذ ما نفذ به القضاء.

3) أي قد يجمع العازم على أمرٍ، فإذا نام وقام وُجَد انحلالاً في عزيمته، أو ثم يغلبه النوم عن إمضاء عزيمته.

4) المضامير: جمع مِضْمَار ، وهو الموضع أو المُدّة التي تُضمر فيها الخيل، والولايات أشبه بالمضامير إذ يتبيّن فيها الجواد من البِرْذَون.

5) يقول: كلّ البلاد تصلح سكناً، وإنّما أفضلها ما حملك، أي كنت فيه على راحة فكأنّك محمول عليه.

6) مالك: هو الأشتر النَّخْعِي.

7) الفِند: الجبل العظيم. والجملتان بعده كناية عن رفعته وامتناع همّته.

8) لا يُوفي عليه الطائر: أي لا يصعد عليه، يقال: أوفى فلانٌ على الجبل: أشرف.

قالَ الرَّضِيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى : الْفِنْدُ : المُنْفَرِدُ مِنَ الْجِبَالِ .

447 - وقال عليه السلام: قَلِيلٌ مَدُومُ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ مِنْهُ .

[روض الأخيار، ص 203]

448 - وقال عليه السلام: إِذَا كَانَ فِي رَجُلٍ خَلَّةٌ رَائِعَةٌ(1)، فَانْتَظِرُوا مِنْهُ أَخَوَاتِهَا .

[مجمع الأمثال ج 2 ص 454]

449 - وقال عليه السلام لِغَالِبِ بْنِ صَعْصَعَةَ أبي الفَرَزْدَقِ في كلام دارَ بينهما:

مَا فَعَلَتْ إِبِلُكَ الْكَثِيرَةُ؟ قَالَ: ذَعْذَعَتَها الْحُقُوقُ (2)يا أميرَالمؤمنينَ، فقال عليه السلامُ: ذَلِكَ أَحْمَدُ سُبُلِهَا (3).

[النهاية ج 3 ص 162]

450 - وقال عليه السلام: مَن اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْهِ فَقَدِ ارْتَطْمَ فِي الرِّبَا (4). [الفقيه ج 3 ص 120]

451 - وقال عليه السلام: مَنْ عَظَمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلَاهُ اللهُ بِكِبَارِهَا (5).

[مجمع الأمثال ج 2 ص 453]

452 - وقال عليه السلام: مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .

[مجمع الأمثال ج 2 ص 453]

453 - وقال عليه السلام: مَا مَزَحَ أَمْرُؤُ مَرْحَةً إِلَّا مَجَ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةٌ (6). [الغرر، ص 232]


1) الخَلَّة الخصلة [عند الصالح: «رائقة» وعند عبده: «ذائعة»] أي إذا أعجبك خلق من شخص فلا تعجل بالركون إليه وانتظر سائر الخلال.

2) ذعذَعَتْها: فرقتها ، ذَعذع المال: فرّقه وبدده أي فرّق إيلي حقوق الزكاة والصدقات.

3) ذلك أَحْمَدُ سُبُلِها: جمع سبيل، أي أفضل طرق إفنائها.

4) ارْتَطَمَ: وقع في الوَرْطة فلم يمكنه الخلاص، والتاجر إذا لم يكن على علم بالفقه لا يأمن الوقوع في الربا جهلاً.

5) مَن تفاقم به الجزع ولم يجمل منه الصبر عند المصائب الخفيفة حمله الهمّ إلى ما هو أعظم منها.

6) المزح والمزاحة والمزاح بمعنى واحد: وهو المضاحَكة بقول أو فعل، وأغلبه لا يخلو عن سخرية، وقيل: إنّما سُمِّي المِزاحُ مِزاحاً لأنّه أزيح عن الحقّ. ومجّ الماء من فيه رماء وكأنّ المازح يرمي بعقله، ويقذف به في مطارح الضياع.

454 - وقال عليه السلام: زُهْدُكَ فِي رَاغِبٍ فِيكَ نَقْصَانُ حَظٍّ ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِدٍ فِيكَ ذُلُّ نَفْسٍ (1)

مازلتُ أزهَد في مودّة راغبٍ*** حتّى ابتليتُ بَرغْبَةٍ في زَاهِدِ

هذا هو الدّاءُ الذي ضاقَت به *** حِيلُ الطبيب وطال يأسُ العائِدِ

.

[غرر الحکم ص 135 ]

455 - وقال عليه السلام: الْغِنَى وَالْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْض عَلَى اللهِ تَعَالَى (2). [الغرر، ص 23]

456 - وقال عليه السلام: مَا زَالَ الزُّبَيْرُ رَجُلاً مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ حَتَّى نَشَأَ ابْنُهُ الْمَشْؤُومُ عَبْدُ اللهِ (3)

شَهِد عبدُالله «الجَمَل» مع أبيه وخالتِه، وكان له لَسَنُ وفصاحة، وكان كثير الصلاة والصيام، إلّا أنّه كان فيه خلال لا يَصلُح فيها للخلافة، فإنّه كان بخيلاً، سيّء الخُلُق، حَسُوداً، كثير الخلاف أخرج محمد بن الحنفية من مكّة إلى المدينة، ونفى عبدَالله بن عباس إلى الطائف.

.

[العقد الفريد ج 3 ص 96]

457 - وقال عليه السلام: مَا لِابْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرِه جِيفَةُ. لَا يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلَا يَدْفَعُ حَتْفَهُ.

[مجمع الأمثال ج 2 ص 454]

458 - وسُئِلَ عَنْ أَشْعَرِ الشُّعرَاءِ، فقال عَلَيْهِ السَّلَامُ:

إِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَجْرُوا فِي حَلْبَةٍ (4)تُعْرَفُ الْغَايَةُ عِنْدَ قَصَبَتِهَا(5)، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ


1) بعدك عمّن يتقرّب منك ويلتمس مودتك تضييع لحظّ من الخير يصادفك وأنت تلوي عنه، وتقرّبك لمن يبتعد عنك ذلّ ظاهر. قال العباس بن الأحنف:

2) العرض على الله يوم القيامة، وهناك يظهر الغنى بالسعادة الحقيقية والفقر بالشقاء الحقيقي.

3) قال أبو عمر بن عبد البرّ في كتاب «الاستيعاب» في ترجمة عبدالله بن الزبير أنّه أوّل مولود ولد في الإسلام من المهاجرين بعد الهجرة، هاجرت أُمّه أسماءُ من مكّة إلى المدينة وهي حاملٌ به، فوَلدته في سنة اثنتين من الهجرة، وقيل: في السنة الأولى.

4) الحَلْبة: القِطعة من الخيل تجتمع للسباق عبّر بها عن الطريقة الواحدة.

5) القصبة: ما ينصبه طلبة السباق حتى إذا سبق سابق أخذه ليعلم أنّه السابق بلا نزاع، وكانوا يجعلون هذا من قصب، أي لم يكن كلامهم في مقصد واحد، بل ذهب بعضهم مذهب الترغيب وآخر مذهب الترهيب، وثالث مذهب الغَزَل والتشبيب.

فَالْمَلِكُ الضّلِّيلُ (1). [العمدة ج 1 ص 41]

قال الرّضي: يُرِيدُ امْرَأَ الْقَيْس.

459 - وقال عليه السلام: أَلَا حُرٌّ يَدَعُ هَذِهِ اللُّمَاظَةَ لِأَهْلِهَا(2)! إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنْ إِلَّا الْجَنَّةَ، فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا . [مجمع الأمثال ج 2 ص 453]

460 - وقال عليه السلام: مَنْهُو مَانِ (3)لَا يَشْبَعَانِ : طَالِبُ عِلْمٍ وَطَالِبُ دُنْيَا . [ الكافي ج 1 ص 46]

461 - وقال عليه السلام: عَلَامَةُ الْإِيمَانِ: أَنْ تُؤْثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حيْثُ يَنْفَعُكَ ، وَأَلَّا يَكُونَ فِي حَدِيثِكَ فَضْلُ عَنْ عِلْمِكَ(4)، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ(5). [ الآداب ص 4]

462 - وقال عليه السلام: يَغْلِبُ الْمِقْدَارُ عَلَى التَّقْدِيرِ(6)، حَتَّى تَكُونَ الْآفَةُ فِي التَّدْبِيرِ .

[المئة المختارة للجاحظ ]

قال الرّضيّ: وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فيما تَقَدِّمَ بروايةٍ تُحَالِفُ بَعْضَ هَذِهِ الأَلْفاظِ .


1) الضّليل من الضَّلال؛ لأنّه كان فاسقاً.

2) اللُّماظة: ما تَبقَى في الفم من الطَعام يريد بها الدنيا، أي ألا يوجد حرّ يترك هذا الشيء الدنيء لأهله.

3) تقول: نَهم فلانُ بكذا فهو مَنْهوم، أي مولع به، والنَّهم: إفراط الشهوة في الطعام.

4) قال(علیه السّلام) : «وألا يكون في حديثك فَضْل عن علمِك» مَتَى زاد مَنِطق الرجل على عِلمِه فقد لغا وظهر نقصُه، والفاضل من كان عِلْمُه أكثَرَ من مَنطِقه. [وعند عبده والصالح: عن عملك ].

5) حديث الغير: الرواية عنه. والتقوى فيه: عدم الافتراء، أو حديث الغير التكلّم في صفاته، فهو نهي عن الغيبة.

6) المِقدار : القدر الإلهي والتقدير: القياس.

463 - وقال عليه السلام: الْحِلْمُ(1)وَالأَنَا(2)تَوْامَانِ (3)، يُنْتِجُهُمَا عُلُو الْهِمَّة .

[البديع لابن المعتز ص 21 ]

464 - وقال عليه السلام: الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجِزِ (4).[مجمع الأمثال ج 2 ص 454]

465 - وقال عليه السلام: رُبَّ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ . [مجمع الأمثال ج 2 ص 454]

466 - وقال عليه السلام: الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا ، وَلَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا (5). [ الغرر، ص 89]

467 - وقال عليه السلام: إِنَّ لِبَنِي أُمَيَّةَ مِرْوَداً يَجْرُونَ فِيهِ، وَلَوْ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ ثُمَّ كَادَتْهُمُ الصِّبَاحُ لَغَلَبَتْهُمْ (6).

قال الرضيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَهَذَا مِنْ أَفْصَح الكلام وَأَغْرَيهِ، وَالمِرْوَدُ ها هنا مِنْعَل مِنَ الإزْوَادِ، وَهُوَ الإمهال وَالإِنْظَارُ، فَكَأَنَّهُ عليهِ السلامُ شَبَّهَ المُهْلَة التي هم فيها بالمضمارِ الَّذِي يجرون فيه إلى الغاية، فإذا بلغوا

مُنْقَطَعَها انْتَقَضَ نِظامُهُمْ .بعدها .

468 - وقال عليه السلام في مدحِ الأنصار: هُمْ وَاللهِ رَبَّوا(7)الْإِسْلَامَ كَمَا يُرَبَّى الْفُلُوُّ (8)


1) الحِلْم: حبس النفس عند الغضب.

2) الأناة: يريد بها التأنّي.

3) التوأمان: المولودان في بطن واحد، والتشبيه في الاقتران والتوالد من أصل واحد.

4) الغيبة: ذكرك الآخر بما يكره وهو غائب، وهي سلاح العاجز ينتقم به من عدوّه، وهي جهده: أي غاية ما يمكنه .

5) خلقت الدنيا سبيلاً للآخرة، ولو خلقت لنفسها لكانت دار خلد.

6) مُرْود: فسّره صاحب الكتاب بالمُهْلة وهي مدّة اتحادهم فلو اختلفوا ثم كادتهم - أي مَكَرَت بهم -أو حاربتهم الضِّباع دون الأسود لقهرتهم.

7) «رَبَوا» من التربية والإنماء.

8) القُلُو والفِلو [كما في نسخة عبده والصالح] : المُهر إذا فطم أو بلغ السنة.

مَعَ غَنَائِهِمْ(1)، بأَيْدِيهِمُ السَّبَاطِ(2)السِنَتِهِمُ السَّلَاطِ (3).[ربيع الأبرار ]

469 - وقال عليه السلام: اَلْعَيْنُ وِكَاءُ السَّتَه .(4). [المقتضب للمبرد]

قالَ الرَّضِيُّ رَحمهُ اللهُ تعالى : وهَذِهِ مِنَ الاسْتِعَارَاتِ الْعَجِيبَةِ، كَأَنَّهُ شَبَّة السَّنَةَ بالوِعاء، والْعَيْنَ بالوِكاءِ، فَإِذَا أُطْلِقَ الوِكَاءُ لَمْ يَنْضَبِط الوِعاءُ. وهذا الْقَوْلُ في الأَشْهَرِ الأَظهَرِ مِنْ كَلامِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وآله وقَدْ رَوَاهُ قَوْمٌ لأميرِالمُؤمِنِين عَلَيْهِ السلامُ ؛ وذَكَرَ ذَلِكَ الْمُبرِّدُ في كتاب «المُقْتَضَبِ» في باب اللفظ المعرُوفِ . (5)قالَ الرَّضيّ : وقَدْ تَكَلَّمْنا على هَذِهِ الاسْتَعارَةِ في كتابنا المَوْسُوم بمجازات الآثار النبويّة.

470 - وقال عليه السلام في كلام لهُ: وَوَلِيَهُمْ وَالٍ فَأَقَامَ وَاسْتَقَامَ، حَتَّى ضَرَبَ الدِّينُ بِجِرَانِهِ (6).


1) الغَناء: الغِنى، أي مع استغنائهم.

2) السباط: جمع سَبط، يعني السِّماح، ويقال: رجلٌ سَبط اليدين أي سخي، ويروى: «بأيديهم البساط»، أي الباسطة.

3) ألسنتهم السِّلاط: يعني الفَصيحة، والسلاط: جمع سليط وهو الشديد، واللسان الطويل.

4) السَّتَه: الاسْتُ والسَّهِ - بفتح السين وتخفيف الهاء - [كما في نسخة عبده والصالح] : العجز ومؤخر الإنسان، والعين الباصرة. وإنّما جعل العجز وعاء؛ لأنّ الشخص إذا حفظ من خلفه، لم يُصّب من أمامه في الأغلب، فكأنّه وعاء الحياة والسلامة إذا حفظ حفظتا. والباصرة وكاء ذلك الوعاء: أي رباطه؛ لأنّها تلحظ ما عساه يصل إليه فتنبّه العزيمة لدفعه والتوقّي منه، فإذا أهمل الإنسان النظر إلى مؤخرات أحواله أدركه العطب. والكلام تمثيل لفائدة العين في حفظ الشخص مما قد يعرض عليه من خلفه، وأنّها لا تختلف عن فائدتها في حفظه مما يستقبله من أمامه، وإرشاد إلى وجوب التبصّر في مظنّات الغفلة. وهذا هو المحمل اللائق بمقام النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أو مقام أمير المؤمنين.

5) عند عبده والصالح: في باب اللفظ بالحروف.

6) الجِران: مقدّم عُنق البعير، يضرب على الأرض عند الاستراحة كتابة عن التمكّن. والوالي: يريد به النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ووليهم: أي تولّى أمورهم وسياسة الشريعة فيهم، وقال قائل: يريد به عمر بن الخطّاب.

471 - وقال عليه السلام: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانُ عَضُوضُ (1)، يَعَضُّ الْمُوسِرُ (2)فِيهِ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: «وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» يَنْهَدُ فِيهِ الْأَشْرَارُ (3)، وَيُسْتَذَلُّ الْأَخْيَارُ، وَيُبَايِعُ الْمُضْطَرُّونَ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عَنْ بِيَعِ الْمُضْطَرِّينَ (4). [الكافي ج 5 ص 310]

472 - وقال عليه السلام: يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلَانِ : مُحِبُّ مُفْرِطٌ ، وَبَاهِتٌ مُفْتَرٍ (5).

قالَ الرَّضِيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وهذا مثل قوله عليه السلام: يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلَانِ: مُحِبُّ غالٍ ، ومُبْغِضُ قال .

473 - وسُئل عن التوحيد والعدل، فقال:

التَّوْحِيدُ أَلَّا تَتَوَهَّمَهُ، وَالْعَدْلُ أَلَّا تَتَّهِمَهُ (6). [غرر الحكم ص 14 ]

474 - وقال عليه السلام: لَا خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.

[ربيع الأبرار ]


1) زمانٌ عَضُوض، أي كلبٌ على الناس، كأنّه يَعَضَهم، ويجوز أن يكون من قولهم بئرُ عَضُوض، أى بعيدةُ القَعْرِ ضَيّقة.

2) الموسر الغني، ويعضُ على ما في يده: يمسكه بخلاً على خلاف ما أمره الله في قوله: «وَلَا تَنْسُوا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ» [البقرة: 237] أي الإحسان.

3) ينهدُ فيه الأشرار: ينهضون إلى الولايات والرِّياسات، وترتفع أقدارهم في الدنيا، ويُستَذَلّ فيه أهل الخير والدِّين، ويكون فيه بَيع على وجه الاضطرار والإلجاء، كمن بيعت ضيعته، وهو ذليل ضعيف.

4) بِيَع: جمع بِيعه، هيئة البيع، كالجِلسة لهيئة الجلوس.

5) بهته: قال عليه ما لم يفعل. ومفتر: اسم فاعل من الافتراء.

6) الضمير المنصوب الله، فمن توحيده أن لا تتوهمه: أي لا تصوّره بوهمك، فكلّ موهوم محدود ، والله لا يُحدّ بوهم، واعتقادك بعدله أن لا تتهمه في أفعاله بظن عدم الحكمة فيها.

475 - وقال عليه السلام في دُعاءِ اسْتَسْقَى بِهِ: اللَّهُمَّ أَسْقِنَا ذُلُلَ السَّحَابِ دُونَ صِعَابِهَا .

[النهاية ج 2 ص 166]

قالَ الرَّضيّ رَحمهُ اللهُ تعالى : وهَذَا مِنَ الْكَلَامِ الْعَجِيبِ الفصاحةِ، وذلكَ أنّهُ عليهِ السلامُ شَبّة السُّحُبَ ذَوَاتِ الرُّعُودِ والبَوَارِقِ، والرّياح والصَّوَاعِقِ، بِالْإِبِلِ الصِّعابِ الَّتِي تَقْمُصُ بِرِحَالِهَا (1)، وَتَتَوَقَّصُ (2)بِرُكْبانِها ، وشَبَّةَ السَّحَابَ الخَالِيَةَ مِنْ تِلْكَ الزَّوَابِع (3)بِالإِبِلِ الذُّلُلِ الَّتِي تُحْتَلَبُ (4)طَيْعَةٌ (5)، وتُقْتَعَدُ (6)مُسْمِحَةٌ (7).

476 - وقيل له عليه السلام: لَوْ غَيْرتَ شَيْبَكَ يا أمِيرالْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: الْخِصَابُ زِينَةٌ ، وَنَحْنُ قَوْمُ فِي مُصِيبَةٍ.

قال الرّضي: بريد وفاةً رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وَآلِهِ.

477 - وقال عليه السلام: مَا الْمُجَاهِدُ الشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَعْظَمَ أَجْراً مِمَّنْ قَدَرَ فَعَفَّ : لَكَادَ الْعَفِيفُ أَنْ يَكُونَ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ .

478 - وقال عليه السلام: الْقَنَاعَةُ مَالُ لَا يَنْفَدُ.

قال الرّضيّ: وقد روى بعضهم هذا الكلام الرسول (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .


1) فَمَصَ الفَرَسُ وغيره: رفع يديه وطرحهما معاً وعجن برجليه. والرَّحال جمع رحل، أي أنّها تمتنع حتى على رحالها فتَقْمُصُ لتلقيها.

2) وقصت به راحلته: تقحَمت به فکسرت عنقه.

3) [وفي نسخة عبده والصالح: «الروائع»] جمع رائعة، أي مُفزعة.

4) الاحتلاب: استخراج اللبن من الضرع.

5) طيّعة: شديدة الطاعة.

6) تُقتعد: مبنى للمجهول من «اقتعده» اتخذه قُعدة - بالضم - يركبه في جميع حالاته .

7) مسمحة: اسم فاعل من «أسْمَحَ» أي سمح، بمعنى جَادَ، وسماحها مجاز عن إتيان ما يريده الراكب من حسن السير.

479 - وقال عليه السلام لزيادِ بْنِ أَبيه وقد استخلفه لعبدِ اللهِ بن العباس على فارسَ وأعمالِها، في كلام طوِيلٍ كانَ بَيْنَهُما نَهَاهُ فِيهِ عَنْ تَقْدِيمِ الخَرَاجِ (1):

اسْتَعْمِلِ الْعَدْلَ ، وَأَحْذَرِ الْعَسْفَ (2)وَالْحَيْفَ ، فَإِنَّ الْعَسْفَ يَعُودُ بِالْجَلَاءِ (3)، وَالْحَيفَ (4)يَدْعُو إِلَى السَّيْفِ .

[غرر الحكم ص 49]

480 - وقال عليه السلام: أشَدُّ الذَّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ .

481 - وقال عليه السلام: مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ العِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا (5).

[الكافي ج 1 ص 41]

482 - وقال عليه السلام: شَرُّ الْإِخْوَانِ مَنْ تُكلَّفَ لَهُ. [عيون الأخبار، ج 4 ص 231]

قال الرّضيّ: لأنّ التّكليفَ مُستلزمُ للمشقّةِ، وهو شر لازم عن الأخِ المُتَكَلِّفِ له، فهو سُرُّ الإخوانِ.

483 - وقال عليه السلام: إِذَا احْتَشَمَ الْمُؤْمِنُ أَخَاهُ فَقَدْ فَارَقَهُ (6). [محاضرات الأدباء، ج 2: 28]

قال الرضي: يُقال حَشَمَهُ وأَحْشَمهُ إذا أغْضَبَهُ، وقيل: أخْجَلَهُ، وأحْتَشَمَهُ طَلب ذلك له، وهو مَظنَّةُ مفارقتِهِ.


1) كانت عادة أهل فارس في أيّام عثمان أن يَطلب الوالي منهم خراجَ أملاكهم قبل بَيع الثّمار على وَجْه الاسْتِسْلاف فنهاه أميرالمؤمنين عن ذلك.

2) العسف: الشدّة في غير حقّ.

3) الجلاء: التفرّق والتشتّت.

4) الحيف: الميل عن العدل إلى الظلم، وهو ينزع بالمظلومين إلى القتال لإنقاذ أنفسهم.

5) كما أوجب الله على الجاهل أن يتعلّم أوجب على العالِم أن يُعلِّم.

6) أي أنّ الاحتشام دلالة وأمارة على الفرقة، لأنّه لو لم يَحدّث عنه ما يقتضي الاحتشام لانبسط على عادته الأولى، فالانقباض أمارة المباينة.

وهذا حين انتهاء الغايَةِ بِنَا إِلَى قَطْعِ الْمُخْتَارِ مِنْ كلامٍ أَمِيرِالْمُؤمنينَ عَليهِ السلامُ، حَامِدِينَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ على مَا مَنْ بِهِ مِنْ تَوْفِيقِنا لِضَمَّ مَا أَنْتَشرَ مِنْ أَطْرافِهِ، وتَفْرِيبٍ مَا بَعُدِ مِنْ أَقْطَارِهِ. وَتَقَرَّرَ العَرْمُ كَمَا شَرَطْنَا أَولاً عَلى تَفْضِيلِ أَوْراقٍ مِنْ البياض في آخرِ كلِّ بابٍ مِنْ الأبواب ليكون لاقتناص الشارد، واسْتِلْحاق الوارد، وَمَا عسى أَنْ يظهر لَنَا بَعْدَ الْعُمُوضِ، وَيَقَعَ إِلَيْنا بَعْدَ الشُّذوذ، وَمَا تَوْفِيقُنا إلّا بالله، وهو حَسْبُنَا، وَنِعْمَ الوكيل. وذلك في رجبٍ سنةً أربعمائة من الهجرةِ، وصَلَّى الله عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خاتم الرُّسُلِ، وَالْهَادِي إِلى خَيْرِ السُّبُلِ، وآلِهِ

الطَّاهِرينَ، وأصحَابِهِ نُجُومِ الْيَقِينِ.

تم الكتاب بحمد الله وتوفيقه

الفهرس

اشارة

(1) فهرس الآيات القرآنية«نذكر في هذا الفهرس الجزء من الآية الذي اقتبس منه الإمام»

« اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ » البقرة : 34 ...32

« فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ » الحجر : 37 و 38 ...33

«وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ » آل عمران : 97 ...38

«تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » القصص : 83. ...49

« مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ » الأنعام : 38 ...73

« وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا » النساء : 82 ...73

« قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ » إبراهيم: 30 ...93

« كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ » الأنفال : 6. ...112

«قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ » الأنعام : 56 ...134

« وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ، وَاللَّهُ مَعَكُمْ ، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ » محمد : 35 ...145

«وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ »

ص: 88 ...151

«كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ » ق : 21 ...187

«فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ »؟ - التكوير : 26 ...194

«فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ »؟ الأنعام: 95 ...194

«تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ الشعراء: 97 و 98 ...209

«بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ* لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ » الأنبياء : 26 و 27 ...214

«إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » آل عمران : 26 ...232

«إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ » المؤمنون : 30 ...255

«كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا » الكهف : 45 ...279

« مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً » فصلت : 15 ...283

« كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ » ( الأنبياء : 104 ...284

« اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ،وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » آل عمران : 102 ...290

« فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ» النساء : 59 ....309

«إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ » لقمان : 156 ...316

« إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ » البقرة 156 ...317

« اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا » نوح: 10-12 ...335

«ولا تواخذنا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا» الأعراف : 155 ...336

« لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا » الكهف : 7

« وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ » فاطر : 14 ...357

الم . «أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ » العنكبوت : 1 و 2 ...365

« رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ » القصص : 24 ...374

« فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ » فاطر : 8 ...382

«مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ » المؤمنون : 12 ...385

« فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ». «إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ » المرسلات : 21 و 22 ...385

«إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ » فصلت : 30 ...416

«إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ » النساء : 48 ...419

« وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا » الطلاق : 2 ...

« إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ » محمد : 7 ...440

«مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ » الحديد : 11 ...440

«وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا » الفتح : 7 ...440

«لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ » الحج : 64 ...440

« لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا » هود : 6. ...440

«ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » الجمعة : 4. ...441

«وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا » الرعد : 15 ...

«وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا الزمر : 73 ...461

« وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا » الفتح : 26 ...461

«وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ » سبأ 13 ...464

« وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ » ص : 3 ...467

«فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ » الدخان: 29 ...467

« قَالَ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ *. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إلّا إبليس » ص : 71-74 ...469

«قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ » الحجر : 29 ...470

«أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * «نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ » المؤمنون : 56,55 ...476

« الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ » المائدة : 97 ...478

«وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ » سبأ : 35 ...483

«إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ » النمل: 138 ...493

«اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ ، أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ»، المجادلة : 19 ...501

« لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ » إبراهيم : 43 ...503

« إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا » النساء : 103 ...514

«مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ*قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ » المدثر : 42 0 43 ...514

«رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ » النور : 37 ...515

«وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا » طه : 132 ...515

« إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا » الأحزاب : 72. ...515

«فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ » الشعراء : 157 ...517

« إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ » البقرة : 156 ...518

«إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى » النازعات : 26 ...530

«أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ» التكاثر : 1 و 2 ...544

« يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ • رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ » النور : 36 و 37 ...553

«يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ » الانفطار : 6 ...555

«إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » آل عمران : 26 . ...562

«هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ، وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ » یونس : 30 ...564

« وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ » غافر : 78 ...591

«رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ » الأعراف : 89 ...606

«أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ » النور : 22. ..613

« وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ » آل عمران : 198 ...614

« وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ»» الأنفال : 75 ...628

«إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ » آل عمران : 68

...628

«قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا » الأحزاب : 18 ..629

« إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ » هود : 88... .629

«وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ » هود : 83 ...630

«وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ » ص : 3 ...668

« أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » - المجادلة : 22 ...679

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ » النساء : 59 ...698

«كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ » الصف : 3 ...714

« حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ » الأعراف : 87 ...718

« سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ » الأحزاب : 15 ...745

« ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ » ص : 27 ...769

«وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » الأنفال : 33 ...771

«وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ » الأنفال : 28 ...772

«إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ...» آل عمران : 68 ...773

« إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ » البقرة : 156...773

«فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى » البقرة : 197 ...783

« ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ » غافر : 60 ...786

«وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا » النساء: 110 ...786

« لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ » إبراهيم : 7 ...786

«إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا » النساء : 17

« وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » آل عمران : 134 ...801

«وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ » القصص : 5 ...802

« فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً » النحل : 97 ...806

«إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ » النحل : 90 ...806

« اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ » الأعراف: 38 ...829

«كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ » المدثر : 38 ...834

« خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ » الحج : 11 ...835

«فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ » الأعراف : 99...844

« إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ » يوسف : 87 ...844

«لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ، وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ » العديد : 23 ...858

« وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ » البقرة : 237 ...864

(2) فهرس الابيات الشعرية

صفحة 44:

شتان ما يومي على كورها *** ويوم حيان أخي جابر

صفحة 83 :

لعمر أبيك الخير يا عمرو إنني *** على وضر من ذا الاناء قليل

صفحة 84:

هنالك لو دعوت أتاك منهم *** فوارس مثل أرمية الحميم

صفحة 103:

أدمت لعمري شربك المحض صابحا*** وأكلك بالزبد المقشرة البجرا

ونحن وهبناك العلاء ولم تكن ***عليا، وحطنا حولك الجرد والسمرا

صفحة 107:

أمرتكم أمري بمنعرج اللوى ***فلم تستبينوا النصح إلَّا ضحى الغد

صفحة 381 :

ودع عنك نهبا صيح في حجراته ***ولكن حديثا ما حديث الرواحل

صفحة 628 :

وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

صفحة 629:

وقد يستفيد الظنة المتنصح

صفحة 630:

لبث قليلا يلحق الهيجا حمل

صفحة 661 :

فإن تسأليني كيف أنت فإنني***صبور على ريب الزمان صليب

يعز علي أن ترى بي كآبة *** فيشمت عاد أو يساء حبيب

صفحة 675:

وحسبك داء أن تبيت ببطنة ***وحولك أكباد تحن إلى القد

صفحة 731:

مستقبلين رياح الصيف تضربهم ***بحاصب بين أغوار وجلمود

صفحة 800:

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم ***فكيف بهذا والمشيرون غيب !

وإن كنت بالقربی حججت خصيمهم *** فغيرك أولى بالنبي وأقرب

صفحة 816:

من يجعل الجد الظنون الذي***جنب صوب اللجب الماطر

مثل الفراتي إذا ما طما ***يقذف بالبوصي والماهر

صفحة :817

لما رأيت فالجا قد فلجا

(3) فهرس الاعلام من الرجال والنساء والقبائل والطوائف والشعوب

(أ)

آدم ، 4830478,469،33,31

آل النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، 41

آل فرعون، 350

آل محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، 41، 249، 581

إبراهيم الخليل(علیه السّلام) ، 628

ابن التيهان (مالك، أبو الهيثم، الصحابي)، 435

ابن الأشعث، 845

ابن الأعرابي، 859

ابن ملجم (لعنه الله ) ، 436 ، 613، 681

ابن النابغة (أنظر عمرو بن العاص )

إسحاق(علیه السّلام) ، 486

إسماعيل(علیه السّلام) ، 486

الأسود بن قطبة، 722

الأشتر النخعي يأتي في (مالك بن الحارث)

الأشعث، 74، 75، 592، 854

الأعاجم، 341

الأعشى (الشاعر الجاهلي)، 44

الأكاسرة. 486

الأنصار، 146 ، 297 ، 489، 579،592، 626، 628، 630، 730، 864

أبو أيوب الأنصاري، 436

أبو بكر، 386، 593

أبو جُحَيفة. 846

أبو جعفر الإسكافي، 716

أبو ذر الغفاري، 318

أبو سفيان بن حرب 671,608,517,381،54

أبو طالب (عم النبي)، 608

أبو موسى الاشعري. 747،728

أحمد بن قتيبة، 575

أسد الأحلاف، 627

أسد الله، 627

أسد (قبيلة)، 380، 731

أصحاب الجمل، 58، 728,407,403,402،60

أصحاب محمد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) 528،5050243

أصحاب مدائن الرسُ، 433

أصحاب معاوية، 82، 125، 818

أنس بن مالك (الصحابي)، 829

امرؤ القيس، 863

أهل البيت(علیهم السّلام) 243، 462، 0588 597، 726

(ب)

بدرية، 620

البرج بن مسهر الطائي (من الخوارج ) . 441

بسر بن أبي أرطاة، 82، 84

بنو إسرائيل، 399، 486

بنو أمية، 157، 159 ، 195، 233، 235، 244، 257، 259، 397، 608، 864

(ت)

التابعون، 630

تبع، 590

تميم (بنو)، 609

(ث)

ثعلب (ابو العباس)، 859

ثمود،427، 518

(ج)

الجاحظ، 101

جرير بن عبدالله البجلي 116، 595

جعفر بن محمد الصادق، 204

جعدة بن هبيرة المخزومي. 428

جمع (بنو)، 544

(ح)

الحارث بن حوط، 819

الحارث الهمداني، 738

الحجاج بن يوسف الثقفي، 295، 845

حرب بن أمية. 608

حرب بن شرحبيل الشبامي، 832

الحسنان (الحسن والحسين)(علیهما السّلام) ، 49، 156، 524، 615، 667، 681

الحسن بن علي(علیه السّلام) ،633،614،523 ،

الحكمان، 313، 579،120

حمالة الحطب، 627

حمزة ( عم النبي)، 597

حسان بن حسان البكري، 88

الحرورية (من الخوارج)، 775

حِمیّر، 590

(خ)

خالد بن الوليد، 75

خباب بن الأرت. 764

خديجة بنت خويلد ام المؤمنين). 491

الخوارج، 82، 113 ، 133، 135، 135، 161، 303، 312، 427، 441، 741

(د)

داوود(علیه السّلام) ، 374، 778

دهاقين الأنبار، 762

(ذ)

ذعلب اليماني، 423، 575

ذو الشهادتين (خزيمة بن ثابت الأنصاري)، 435

(ر)

ربيعة (قبيلة)، 490، 745

الروم، 325

(ز)

الزبير بن العوام، 56،51، 9796،58، 521،328 ، 587، 716، 730، 829

الزنج، 314

زياد بن أبيه، 611، 868،671

(س)

بنو سليم، 661

سبأ ، 242

سعد (سعيد) بن مالك، 819

سعید بن نمران، 82

سعید بن یحیی الأموي، 747

سلمان الفارسي، 737

سلیمان بن داوود(علیه السّلام) . 432

سهل بن حنيف الأنصاري. 740، 780

(ش)

الشباميون، 832

شريح بن الحارث (قاضي علي)، 589

شریح بن هانئ 719

شيطان الردهة (ذو الثدية من الخوارج). 489

(ض)

ضرار بن ضمرة الضبابي، 769

(ط)

الطبري (ابن جرير المؤرخ)، 845

طلحة بن عبيدالله 51، 56، 97، 328، 410،521، 543، 587، 716، 730، 829

الطلقاء، 624

(ع)

عائشة (أم المؤمنين)، 730.588

عاصم بن زیاد، 525

العباس (عم النبي)، 54

عبدالرحمن بن عتاب بن أسيد، 543

عبدالرحمن بن أبي ليلى، 845

عبد شمس (قبيلة)، 782

عبدالله بن زمعة ( من شيعة على)، 573

عبد الله بن عباس 50، 101، 581، 583، ،610،609، 735،658،612،611، 746،743 ، 747، 832، 868

عبدالله بن عمر بن الخطاب، 819

عبدالله بن قيس، 580 ،728

عبدالله بن يزيد، 575

عبد المطلب (جد النبي)، 608

عبد مناف (بنو)، 608,543

عبيدالله بن أبي رافع (كاتب الإمام علي) ،830

عبيدالله بن العباس. 82

عبيدة بن الحارث، 597

عثمان بن حنيف الأنصاري، 672

عثمان بن عفان. 64، 78، 95، 156، 157، 232، 326، 386، 387، 401، 410، 421، 583، 587، 587، 593،

العرب ،85، 101، 256، 331.3070264، 340. 341، 351، 483، 490، 587، 608، 677، 725

عقيل بن أبي طالب ، 559، 560، 659

العلاء بن زياد الحارثي 525

علي بن أبي طالب(علیه السّلام) ، 90,55، 243،151،105، 305، 406، 562، 587، 614، 615، 662، 676، 679، 684، 686، 688، 723، 728، 746، 763

عمار بن ياسر . 435 852

العمالقة، 433

عمران بن الحصين الخزاعي، 716

عمر بن الخطاب 325 340، 6710593،386، 821

عمر بن أبي سلمة المخزومي، 669

عمرو بن العاص 426,185، 581، 664

عیسی ابن مریم(علیه السّلام) ، 375، 777

(غ)

غالب بن صعصعة (أبو الفرزدق). 861

غامد (قبيلة)، 88

(ف)

فاطمة (سيدة النساء)، 518، 615

فراس بن غنم، 84

الفراعنة 433، 590

الفرزدق (الشاعر ) . 861

الفرس. 340

فرعون، 476

(ق)

قثم بن العباس، 655، 736

قریش 146.103,90، 2380236، 4910407، 542، 543، 597، 660، 782

قیس بن سعد، 436

قيصر - القياصرة، 590,486

(ك)

کسری 590

كُلَيب الجرمي، 404

كميل بن زياد النخعي، 724، 789، 813,800

(م)

مالك بن الحارث (الأشتر النخعي)، 604، 656، 662، 663، 688، 725، 860

مالك بن دحية، 575

المأمون (الخليفة)، 859

محمد بن أبي بكر، 147، 623,621، 656، 658، 688، 833

محمد بن الحنفية، 60

محمد رسول الله(علیه السّلام)، 35، 38، 85، 101، 106، 117، 129، 152، 165، 226، 237، 243، 247، 256، 257، 260، 287، 312، 321، 341، 345، 350، 376، 377، 387، 408، 422، 443، 459، 463، 491، 498، 502، 507، 511، 525، 532، 575، 583، 613، 624، 725، 726، 732، 748، 775، 821

مخزوم (بنو)، 782

مذحج (قبيلة). 663

مروان بن الحكم 156، 387

مسعدة بن صدقة، 204

المسيح = سبق في (عيسى بن مريم )

مصقلة بن هبيرة الشيباني ، 117، 670

مضر (قبيلة)، 490

معاوية، 100، 101، 117،116، 125، 135، 139، 186، 242، 426، 517، 593، 595، 596، 599، 600، 607، 624، 632، 654، 655، 672، 671، 672، 683، 684، 717، 730، 740، 743، 746، 769

معقل بن قيس الرياحي، 603

المغيرة بن الأخنس، 326

المغيرة بن شعبة 852

المنذر بن الجارود العبدي، 742,741

موسى بن عمران(علیه السّلام)، 476،431،374،53

المهاجرون، 489، 580، 593،587، ،608 ،624، 626، 628، 630، 717، 730

(ن)

ناجية (بنو)، 117

نعمان بن عجلان الزرقي، 669

نوف البكالي ،428، 463، 777، 778

(ه)

هارون بن عمران(علیه السّلام) ، 476

هاشم بن عتبة، 147

هاشم (جد النبي)، 338، 608

هشام ابن الكلبي 745

همام (من أصحاب علي)، 493، 498

هوازن (قبيلة)، 107

(و)

الواقدي (المؤرخ)، 572، 746

(ي)

اليهود، 756، 831

(4) فهرس الحيوان

(أ)

الآنة (الشاق)، 291

الايل، 48. 129، 265 ، 757.568، 813،771 ، 813، 815، 851، 861، 867

الأتان، 673

الأسد، 819

الأنوق (طير أصلع الرأس)، 734

(ب)

البعوض، 229 ، 431، 452

البعير، 758,455

البكار. 148

(ث)

الثور، 97

(ج)

الجرادة، 562،446

الجزور (الناقة المجزورة)، 236

الجمل، 112، 628

(ح)

الحانة (من الإبل)، 291

الحقاق ( من الابل)، 815

الحمار، 376

الحمام، 37، 127، 395

حمر الوحش، 352

الحوت (الحيتان). 394

الحية، 782

(خ)

الخفاش (الخفافيش). 361

الخيل، 308، 315،314

(د)

الديكة، 390، 392

(ذ)

الذئب (الذئاب)، 313،270، 667,436

الذر ( صغار النمل)، 228. 394، 431،421

(ر)

الربيضة (الغنم في مرابضها)، 679

(س)

السائمة (الأنعام التي تسرح)، 732،679,678

السبع (السباع)، 269 ، 358،270، 646، 689

السقب (الصغير من الإبل)، 851

(ض)

الضبع (الضباع)،49، 56، 148، 864

الضبة (الضباب)، 148، 305، 362،344

الضروس (الناقة)، 235، 331

(ط)

الطاووس، 388، 389

الطير . 268، 362، 446، 478، 492، 860

(ع)

العجال (من النوق)، 127

العقاب، 446

العنز 687،50

العُود، 618

العوذ (الابل). 330

(غ)

الغراب، 391، 446

الغنم (الأغنام)، 313،49، 436

(ف)

الفحول (من الإبل)، 391

الفصيل ( ولد الناقة). 492، 618

الفلو، 864

الفنيق (الفحل من الابل)، 269

الفيل (الفيلة). 395،315

(ك)

الكلب، 682،664,646

(ل)

اللبون (الناقة)، 753

اللقاح (الابل)، 301

(م)

المطافيل (الابل). 330

المعزى (الماعز ) ، 319،244، 667,441

(ن)

الناب (الناقة المسنة)، 235

الناقة ،618.160.51

النحل، 831

النعامة، 62، 314، 447

النعم (الأنعام)، 413،406، 646

النمل، 422، 445، 446، 563

النينان (الحيتان)، 509

(ه)

الهاملة (الغنم المتروكة)، 679

الهمجة (ذبابة صغيرة)، 395

الهوام، 551.406

الهيم (الابل)، 129، 194، 568،265

(و)

الوحش (الوحوش)، 78، 509

الوذحة (الخنفساء)، 295

(ی)

يعسوب النحل (رئيسها) 831

(5)فهرس النبات

الأزاهير، 393

الأقحوان، 393

البَذر. 534

البُرء 480

التمر، 624

حب الحصيد، 677

الحسك (حسك السعدان نبات ذو شوك) ، 551، 560

الخوص، 374

الريحان، 375، 653، 782

الشعير. 562،374

الشيخ، 486

الصبر، 370

العشب (الأعشاب)، 679,619

العفصة، 674

العلقم. 542،370

الكلا، 404

الليف، 428

النخلة، 445، 615

الوَدِيّة (الفسيلة من النخل)، 615

الوسمة نبات يخضب به 392

(6)فهرس الكواكب والأفلاك

أطباق السماء، 219

الجو المكفوف، 404

الدراري، 212

الشمس 192، 202، 212، 405،383،361، 827،687،659،557.445

الشهب الثواقب، 212

العيوق (نجم أحمر مضيء في طرف المجرة)، 734

الفضاء، 388

الفلك، 212،29

القمر، 29، 202، 212، 375، 383، 405 430، 445

الكوكب، 29، 263

النجم، 121 ، 161، 609.405،311

(7)فهرس المعادن والجواهر

الدر. 205

الذهب.391، 384

الزبرجد، 394391

الزمرد، 481

العسجد، 394

العقيان، 205، 391، 477

الفضة، 391

الكحل، 331

اللؤلؤ، 395

اللجين، 391،205

المرجان، 205

الوَرق (الفضة)، 847،839

الوشاح (نظامان من لؤلؤ وجوهر)، 392

الياقوت، 481

(8)فهرس الوقائع التأريخية

أحد،597

الأحزاب (يوم الخندق)، 492

بدر 597 ، 600

الجمل (وقعة)، 60، 156،96، 162،543، 631

حُنَين (غزوة)، 818

السقيفة (يوم). 146، 628

صفین، 38 ،125، 130، 131، 143، 303،264، 4360435،404 605،537،523، ،633،614 ، 720، 780، 785، 832

القليب (قليب بدر)، 492

مؤتة، 597

النهروان (يوم)، 832

الهجرة، 4580457،378. 577،488، 588، 730

الهرير، 300

هوازن (غزوة)، 818

(9)فهرس الأماكن والبلدان

أذربيجان، 592

أردشير خرة، 670

الأقاليم السبعة، 562

الأنبار، 88، 762، 818

الأهواز، 611

البحرين، 669

البصرة، 61، 101، 156، 314،253، 363،344، 402، 403، 407، 525، 543، 572، 587، 588، 609، 611، 631، 672، 719، 746، 829

حاضرين. 633

الحجاز، 97، 675،667

حراء، 491

حلوان، 722

ذو قار، 572

الربذة، 318

سقيفة بني ساعدة، 146، 628

السواد سواد العراق). 50

شاطئ الفرات، 122

الشام، 103، 116، 117، 119، 121، 130، 148، ،579،531،523،331،264,250,242,185 ، ،720 ،719،718.669.655،608،607,603 ، 720، 762، 770، 845

طيبة (المدينة)، 292، 378

العراق، 97، 150، 486، 608

العرج، 577

فارس. 868،611

فدك، 674

الفرات، 122، 125

قرقيسيا، 724

کرمان 611

الكعبة، 672، 819

الكوفة ، ،74، 83 20120، 242، 251، 427، 428، 587، 719، 780، 785، 832

مدائن الرس. 433

المدينة ،64، 387، 740,719,717.587

مصر ،147، 621، 623، 656، 657، 657، 658، 662، 688، 725

المصران) (الكوفة والبصرة)، 730

المغرب، 655

مكة، 378، 655، 736، 737

منعرج اللوى، 107

منی، 688

النخيلة، 818

النهروان، 134,108

هَجر ،624

هِیت، 724

اليمامة، 675،75

،اليمن، 82، 84، 708، 745

(10)جدول اختلاف ارقام الخطب، الرسائل الحكم جدول اختلاف ارقام خطبه (علیه السّلام)

اشارة

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

الحمد لله الذي لا يبلغ/ 1/ 1/ 1/ 1

أحمده استتماماً لنعمه/ 2/ 2/ 2/ 2

أما بعدوالله لقد/3/ 3/ 3/3

بنا اهدیتم/4/ 4/ 4/4

أيّها النّاس شقّوا/5/ 5/5/5

والله لااکون/6/ 6/ 6/6

اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ/ 7/ 7/ 7/ 7

یزعم إنّه قد بایع/8/ 8/ 8/ 7

و قد ارعدوا/9/ 9/ 8/9

ألا وإنّ الشّیطان/ 10/ 10/ 9/10

تزوا الجبال/11/ 11/ 10/11

أهویٰ أخیك/ 12/ 12/ 12/ 11

كنتم جند المرأة/ 13/ 13/ 13/ 12

أرضكم قريبة / 14/ 14/ 14/ 13

والله لو وجدته / 15/ 15/ 15/ 14

ذمّتى بما أقول / 16/ 16/ 16/ 15

إنّ ابغض الخلائق / 17/ 17/ 17/ 16

ترد على احدهم / 18/ 18/ 18/ 17

ما يدريك ما عليّ/ 19/ 19/ 19/ 18

فانّكم لو قد عاينتم / 20/ 20/ 20/ 19

فإنّ الغاية أمامكم / 21/ 21/ 21/ 20

ألا وإنّ الشيطان / 22/ 22/ 22/ 21

أما بعد فإنّ الأمر /23/ 23/ 23/ 22

ولعمرى ما عليّ/ 24/ 24/ 24/ 23

ما هي إلّا الكوفة / 25/ 25/ 25/ 24

إنّ الله بعث محمّداً/ 26/ 26/ 26/ 25

أمّا بعد فإنّ الجهاد / 27/ 27/ 27/ 26

فواتح الخطب /صفوة الشروح/ صبحی الصالح / ابن ابی الحدید/ محمد عبده

أمّا بعد فإنّ الدّنیا/ 28/ 28/ 28/ 27

أیّها النّاس/ 29/ 29/ 29/ 28

لو أمرت به لكنت / 30/ 30/ 30/ 29

لا تلقينّ طلحة / 31/ 31/ 31/ 30

أیّها النّاس إنا قد / 32/ 32/ 32/ 31

إن الله بعث محمّداً / 33/ 33/ 33/ 32

أفّ لکم/ 34/ 34/ 34/ 33

الحمد لله وإن أتي/ 35/ 35/ 35/ 34

فأنا نذيرُ لكم / 36/ 36/ 36/ 35

فقمت بالأمر حين / 37/ 37/ 37/ 36

وإنّما سمّيت الشبهة / 38/ 38/ 38/ 37

منيت يمن لا يطيع / 39/ 39/ 39/ 38

كلمة حق يراد بها / 40/ 40/ 40/ 39

أيّها الناس إنّ الوفاء / 41/ 41/ 41/ 40

أيّها النّاس إنّ أخوف/ 42/ 42/ 42/ 42

انّ استعدادي لحرب / 43/ 43/ 43/ 42

قبّح الله مصقلة / 44/ 44/ 44/ 43

الحمد لله غير مقنوط / 45/ 45/ 45/ 44

اللَّهمَّ أنِّي أعوذ بك / 46/ 46/ 46/ 45

كأنّي بك ياكوفة / 47/ 47/ 47/ 46

الحمد الله كلّما وجب / 48/ 48/ 48/ 48

الحمد لله الّذي بطن / 49/ 49/ 49/ 48

إنّما بدهُ وقوع الفتنة / 50/ 50/ 50/ 49

قد استطعموكم القتال / 51/ 51/ 51/ 50

الا وإنّ الدّنيا / 52/ 52/ 52/ 51

ومن تمام الاضحية / 53/ 53/ 52/ 51

فتداكّو عليّ/ 54/ 54/ 53/ 52

فواتح الخطب /صفوة الشروح/ صبحی الصالح / ابن ابی الحدید/ محمد عبده

أمّا قولكم اكلُ / 55/ 55/ 54/ 53

ولقد كنّا مع رسول الله / 56/ 56/ 55/ 54

أما أنّه سيظهر عليكم / 57/ 57/ 56/ 55

أصابكم حاصب / 58/ 58/ 57/ 56

مصارعهم دون / 59/ 59/ 58/ 57

كلّا والله انّهم / 60/ 60/ 59/ 57

لا تقاتلوا الخوارج / 61/ 61/ 60/ 57

وانّ عليّ من الله/ 62/ 62/ 61/ 58

ألا وإنّ الدّنيا/ 63/ 63/ 62/ 59

فاتّقوا الله عباد الله / 64/ 64/ 63/ 60

الحمد لله الّذي لم / 65/ 65/ 64/ 61

معاشر المسلمين / 66/ 66/ 65/ 62

فهلا احتججتم / 67/ 67/ 66/ 63

وقد اردت تولية / 68/ 68/ 67/ 64

کم اداريكم كما تداری/ 69 / 69/ 68/ 65

ملكتني عيني / 70/ 70/ 69/ 66

أمّا بعد يا أهل العراق / 71/ 71/ 70/ 67

اللّهُمَّ داحي المدحوّات / 72/ 72/ 71/ 68

أولم يبايعني / 73/ 73/ 72/ 69

ولقد علمتم انّي احقّ/ 74/ 74/ 73/ 70

أولم ينه بني أميّة/ 75/ 75/ 74/ 71

رحم الله امرأ / 76/ 76/ 75/ 72

انّ بني اميّة/ 77/ 77/ 76/ 73

اللهم اغفر لي / 78/ 78/ 77/ 74

اتزعم أنك تهدي / 79/ 79/ 78/ 75

معاشر النّاس / 80/ 80/ 79/ 76

أيّها النّاس الزّهادة / 81/ 81/ 80/ 77

ما أصف من دار أوّلها / 82/ 82/ 81/ 78

الحمد لله الّذي علا / 83/ 83/ 82/ 79

فواتح الخطب /صفوة الشروح/ صبحی الصالح / ابن ابی الحدید/ محمد عبده

عجياً لابن النّابغة / 84/ 84/ 83/ 80

واشهد ان لا اله الّا الله / 85/ 85/ 84/ 81

قد علم السّرائر / 86/ 86/ 85/ 82

عباد الله إنّ من/ 87/ 87/ 86/ 83

أمّا بعد فانّ الله / 88/ 88/ 87/ 84

أرسله على حين / 89/ 89/ 88/ 85

الحمد الله المعروف / 90/ 90/ 89/ 86

الحمد لله الّذي لا يضره / 91/ 91/ 90/ 87

دعوني والتمسوا غيري/ 92 / 92/ 91/ 88

امّا بعد حمد الله / 93/ 93/ 92/ 89

فتبارك الله الّذي / 94/ 94/ 93/ 90

بعثه والنّاس / 95/ 95/ 94/ 91

الحمد لله الأوّل / 96/ 96/ 95/ 91

ولئن أمهل الظالم / 97/ 97/ 96/ 92

والله لا يزالون / 98/ 98/ 97/ 93

نحمده على ما كان / 99/ 99/ 98/ 94

الحمد الله الناشر / 100/ 100/ 99/ 94

الحمد لله الاوّل / 101/ 101/ 100/ 95

وذلك يوم / 102/ 102/ 101/ 96

أيّها النّاس انظروا / 103/ 103/ 102/ 97

امّا بعد فانّ الله سبحانه / 104/ 104/ 103/ 98

حتّى بعث محمّداً / 105/ 105/ 104/ 99

الحمد الله الذي شرع / 106/ 106/ 105/ 100

وقد رأيت جولتكم / 107/ 107/ 106/ 101

الحمد لله المتجلّي / 108/ 108/ 107/ 102

كلّ شيء خاشع له / 109/ 109/ 108/ 103

انّ افضل ما توسّل / 110/ 110/ 109/ 104

امّا بعد فانّي أحذركم / 111/ 111/ 110/ 105

هل تحسّ به اذا دخل / 112/ 112/ 111/ 106

فواتح الخطب /صفوة الشروح/ صبحی الصالح / ابن ابی الحدید/ محمد عبده

واحذّركم الدنيا / 113/ 113/ 112/ 107

الحمد لله الواصل / 114/ 114/ 113/ 108

اللَّهم قد انصاحت / 115/ 115/ 114/ 109

أرسله داعياً / 116/ 116/ 115/ 110

فلا أموال / 117/ 117/ 116/ 111

أنتم الأنصار / 118/ 118/ 117/ 112

ما بالكم أمخرسون / 119/ 119/ 118/ 113

تا الله لقد عُلّمت / 120/ 120/ 119/ 114

هذا جزاء من ترك / 121/ 121/ 120/ 115

اكلكم شهد معنا / 122/ 122/ 121/ 116

وأيّ أمري منكم / 123/ 123/ 122/ 117

وكأني انظر / 123/ 123/ 123/ 117

فقدموا الدّارع / 124/ 124/ 124/ 118

انا لم نحكّم الرجال / 125/ 125/ 125/ 119

أتأمرونّي ان اطلب / 126/ 126/ 126/ 120

فان ابيتم الّا / 127/ 127/ 127/ 121

يا أحنف / 128 128/ 128/ 122

عباد الله انّكم / 129/ 129/ 129/ 123

یا ابا ذر / 130/ 130/ 130/ 124

أيّتها النفوس / 131/ 131/ 13/ 125

نحمده على ما أخذ / 132/ 132/ 132/ 126

وانقادت / 133/ 133/ 133/ 127

وقد توكّل الله / 134/ 134/ 134/ 128

يابن اللعين الأبتر / 135/ 135/ 135/ 129

لم تكن بيعتكم / 136/ 136/ 136/ 130

والله ما أنكررا / 137/ 137/ 137/ 131

يعطف الهوىٰ / 138/ 138/ 138/ 132

لم يسرع احد قبلي / 139/ 139/ 139/ 133

وانّما ينبغي / 140/ 140/ 140/ 134

فواتح الخطب /صفوة الشروح/ صبحی الصالح / ابن ابی الحدید/ محمد عبده

ايّها الناس من / 141/ 141/ 141/ 135

وليس الواضع المعروف/ 142 / 142/ 142/ 136

الا وأنّ الارض / 143/ 143/ 143/ 136

بعث الله رسله / 144/ 144/ 144/ 137

أيّها النّاس انّما انتم / 145/ 145/ 145/ 138

انّ هذا الأمر لم يكن / 146/ 146/ 146/ 139

فبعث الله محمّداً / 147/ 147/ 147/ 140

كلّ واحدٍ منهما / 148/ 148/ 148/ 141

أيّها النّاس كلّ امري / 149/ 149/ 149/ 142

وأخذوا يميناً / 150/ 150/ 150/ 143

وأحمد الله واستعينه / 151/ 151/ 151/ 144

الحمد لله الدّالّ/ 152/ 152/ 152/ 145

فهو في مهلة من الله / 153/ 153/ 153/ 146

وناظر قلب اللّبيب / 154/ 154/ 154/ 147

الحمد لله الذي انحسرت/ 155 / 155/ 155/ 148

فمن استطاع عند / 156/ 156/ 157/ 149

الحمد لله الذي جعل / 157/ 157/ 158/ 150

أرسله على حين / 158/ 158/ 159/ 151

ولقد أحسنت / 159/ 159/ 160/ 152

امره قضاء / 160/ 160/ 161/ 153

بعثه بالنّور المضيء / 161/ 161/ 162/ 154

يا أخا بني اسد / 162/ 162/ 163/ 155

الحمد لله خالق العباد / 163/ 163/ 164/ 156

انّ النّاس وراتي / 164/ 164/ 165/ 157

ابتدعهم خلقاً / 165/ 165/ 166/ 158

ليتأس صغيركم / 166/ 166/ 167/ 159

ان الله تعالى أنزل / 167/ 167/ 168/ 160

يا اخوتاه / 168/ 168/ 169/ 161

ان الله بعث رسولاً / 169/ 169/ 170/ 162

فواتح الخطب /صفوة الشروح/ صبحی الصالح / ابن ابی الحدید/ محمد عبده

ارأيت لو أنّ الّذين / 170/ 170/ 171/ 163

اللهم رب السقف / 171/ 171/ 172/ 164

الحمد لله الذي لاتوارى /172 / 172/ 173/ 165

امین وحیه / 173/ 173/ 174/ 166

قد كنت وما أهدد / 174/ 174/ 175/ 167

أيّها النّاس غير المغفول/ 175 / 175/ 176/ 168

انتفعوا ببيان الله / 176/ 176/ 177/ 169

فأجمع رأي ملتكم / 177/ 177/ 178/ 170

لا يشغله شأن / 178/ 178/ 179/ 171

لا تدركه العيون / 179/ 179/ 180/ 172

أحمد الله على ما قضىٰ / 180/ 180/ 181/ 173

بعداً لهم كما بعدت / 181/ 181/ 182/ 174

الحمد لله الذي اليه / 182/ 182/ 183/ 175

الحمد لله المعروف / 183/ 183/ 184/ 176

أسكت قبحك الله / 184/ 184/ 185/ 177

الحمد لله الذي لا تدركه/ 185 / 185/ 231/ 178

ما وحدّه من كيّفه / 186/ 186/ 232/ 179

ألا بأبي وأمّي / 187/ 187/ 233/ 180

أوصيكم أيّها النّاس / 188/ 188/ 234/ 181

فمن الایمان / 189/ 189/ 235/ 182

أحمده شكراً / 190/ 190/ 236/ 183

الحمد لله الفاشي / 191/ 191/ 237/ 184

الحمد لله الذي لبس / 192/ 192/ 238/ 185

امّا بعد فان الله / 193/ 193/ 186/ 186

نحمده على ما / 194/ 194/ 187/ 187

الحمد لله الّذي اظهر / 195/ 195/ 188/ 188

بعثه حين علم / 196/ 196/ 189/ 189

ولقد علم المستحفظون/ 197 / 197/ 190/ 190

يعلم عجيج الوحوش / 198/ 198/ 191/ 191

تعاهدوا أمر الصلوة / 199/ 199/ 192/ 192

فواتح الخطب /صفوة الشروح/ صبحی الصالح / ابن ابی الحدید/ محمد عبده

والله ما معاوية بأدهى / 200/ 200/ 193/ 193

أيّها النّاس لا / 201/ 201/ 194/ 194

السلام عليك يارسول الله/ 202 / 202/ 195/ 195

أيّها النّاس انّما الدّنيا / 203/ 203/ 196/ 196

تجهزوا رحمكم الله / 204/ 204/ 197/ 197

لقد نقمتما يسيراً / 205/ 205/ 198/ 198

انّي اكره لكم / 206/ 206/ 199/ 199

املكوا عنّي هذا / 207/ 207/ 200/ 200

ايّها النّاس انّه لم يزل / 208/ 208/ 201/ 201

ما كنت تصنع / 209/ 209/ 202/ 20

انّ في ايدى النّاس / 210/ 210/ 203/ 203

وكان من اقتدار / 211/ 211/ 204/ 204

اللّهم ايّما عبد / 212/ 212/ 205/ 205

الحمد لله العليّ/ 213/ 213/ 206/ 206

وأشهد أنّه عدل / 214/ 214/ 207/ 207

الحمد لله الذي لم يصبح/ 215 / 215/ 208/ 208

امّا بعد فقد جعل الله / 216/ 216/ 209و 210/ 209

اللّهم انّي استعديك / 217/ 217/ 211/ 210

فقدّموا على عمّالي/ 218/ 218/ 212/ 210

لقد أصبح ابو محمّد / 219/ 219/ 213/ 211

قد أحيا عقله / 220/ 220/ 214/ 212

ياله مراماً / 221/221/ 216/ 213

انّ الله سبحانه و تعالى / 222/ 222/ 217/ 214

أدحض مسؤول / 223/ 223/ 218/ 215

والله لأنّ أبيت على / 224/ 224/ 219/ 216

اللّهم صن وجهي/ 225/ 225/ 220/ 217

دار بالبلاء محفوضة / 226/ 226/ 221/ 218

اللّهم انك آنس / 227/ 227/ 222/ 219

لله بلاء فلان / 228/ 228/ 223/ 220

فواتح الخطب /صفوة الشروح/ صبحی الصالح / ابن ابی الحدید/ محمد عبده

وبسطتم يدي / 229/ 229/ 224/ 221

فانّ تقوى الله / 230/ 230/ 225/ 222

قصدع بما أمر به / 231/ 231/ 226/ 223

انّ هذا المال / 232/ 232/ 227/ 224

ألا ان اللّسان / 233/ 233/ 228/ 225

انّما فرّق بينهم / 234/ 234/ 229/ 226

بابي أنت وامّي / 235/ 235/ 230/ 227

فجعلت اتّبع مأخذ / 236/ 236/ 240/ 228

فاعملوا وانتم / 237/ 237/ 241/ 229

جفاء طعام / 238/ 238/ 242/ 231

هم عيش العلم / 239/ 239/ 243/ 231

یابن عبّاس / 240/ 240/ 239/ 232

والله مستأديكم / 241/ 241/ 215/ 233

جدول اختلاف ارقام کتبه(علیه السلام)

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

من عبدالله عليّ/ 1/ 1/ 1/ 1

وجزاكم الله / 2/ 2/ 2/ 2

بلغنى انك / 3/ 3/ 3/ 3

فان عادوا / 4/ 4/ 4/ 4

وانّ عملك / 5/ 5/ 5/ 5

انّه بايعني / 6/ 6/ 6/ 6

امّا بعد فقد أتتني / 7/ 7/ 7

امّا بعد فاذا اتاك / 8/ 8/ 8/ 8

فاراد قومنا / 9/ 9/ 9/ 9

وكيف أنت صانع / 10/ 10/ 10/ 10

فاذا نزلتم / 11/ 11/ 11/ 11

اتق الله الذي/ 12/ 12/ 12/ 12

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

وقد أمرت عليكما / 13/ 13/ 13/ 13

لا تقاتلوهم / 14/ 14/ 14/ 14

اللّهم اليك / 15/ 15/ 15/ 15

لا تشتدّنّ عليكم / 16/ 16/ 16/ 16

وامّا طلبك الي / 17/ 17/ 17/ 17

اعلم انّ البصرة / 18/ 18/ 18/ 18

امّا بعد فانّ دهاتين / 19/ 19/ 19/ 19

وانّي اقسم بالله / 20/ 20/ 20/ 20

فدع الاسراف / 21/ 21/ 21/ 21

أمّا بعد فأنّ المره / 22/ 22/ 22/ 22

وصّيتي لكم / 23/ 23/ 23/ 23

هذا ما أمر به / 24/ 24/ 24/ 24

انطلق على تقوى الله / 25/ 25/ 25/ 25

آمُرُه بتقوى الله / 26/ 26/ 26/ 26

فاخفض لهم / 27/ 27/ 27/ 27

امّا بعد فقد اتاني / 28/ 28/ 28/ 28

وقد كان من انتشار / 29/ 29/ 29/ 29

فاتّق الله في ما / 30/ 30/ 30/ 30

من الوالد الفان / 31/ 31/ 31/ 31

وأرديت جيلاً / 32/ 32/ 32/ 32

أمّا بعد فانّ عينيّ/ 33/ 33/ 33/ 33

أمّا بعد فقد بلغني / 34/ 34/ 34/ 34

امّا بعد فانّ مصر / 35/ 35/ 35/ 35

فسرّحت اليه / 36/ 36/ 36/ 36

فسبحان الله / 37/ 37/ 37/ 37

من عبدالله علي / 38/ 38/ 38/ 38

فانّك جعلت دينك / 39/ 39/ 39/ 39

أمّا بعد فقد بلغني / 40/ 40/ 40/ 40

امّا بعد فانّي كنت / 41/ 41/ 41/ 41

امّا بعد فانّي ولّيت / 42/ 42/ 42/

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

بلغني عنك / 43/ 43/ 43/ 43

وقد عرفت / 44/ 44/ 44/ 44

أما بعد يابن حنيف / 45/ 45/ 45/ 45

امّا بعد فانّك ممّن / 46/ 46/ 46/ 46

أوصيكما بتقوى الله / 47/ 47/ 47/ 47

وانّ البغي / 48/ 48/ 48/ 48

امّا بعد فانّ الدنيا / 49/ 49/ 49/ 49

اما بعد فان حقا / 50/ 50/ 50/ 50

اما بعد فانّ من / 51/ 51/ 51/ 51

اما بعد فصلّوا / 52/ 52/ 52/ 52

هذا ما أمر به / 53/ 53/ 53/ 53

أما بعد فقد علمتما / 54/ 54/ 54/ 54

امّا بعد فانّ الله سبحانه / 55/ 55/ 55/ 55

اتّق الله في كل / 56/ 56/ 56/ 56

امّا بعد فانّي خرجت / 57/ 57/ 57/ 57

وكان بدء امرنا / 58/ 58/ 58/ 58

امّا بعد فانّ الوالي / 59/ 59/ 59/ 59

امّا بعد فانّي قد سيّرت / 60/ 60/ 60/ 60

امّا بعد فانّ تضييع / 61/ 61/ 61/ 61

امّا بعد فانّ الله سبحانه / 62/ 62/ 62/ 62

امّا بعد فقد بلغني عنك / 63/ 63/ 63/

امّا بعد فانا كنا نحن / 64/ 64/ 64/ 64

امّا بعد فقد آن لك / 65/ 65/ 65/ 65

امّا بعد فانّ المرء ليفرح / 66/ 66/ 66/ 66

امّا بعد فاقم للنّاس الحجّ/ 67 / 67/ 67/ 67

امّا بعد فانّما مثل الدّنيا / 68/ 68/ 68/ 68

و تمسّک بحبل القرآن / 69/ 69/ 69/ 69

امّا بعد فقد بلغني / 70/ 70/ 70/ 70

امّا بعد فانّ صلاح / 71/ 71/ 71/ 71

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

امّا بعد فانك لست / 72/ 72/ 72/ 72

امّا بعد فانّي على التردد/ 73 / 73/ 73/ 73

هذا ما اجتمع عليه / 74/ 74/ 74

اما بعد نقد علمت / 75/ 75/ 75/ 75

سع النّاس / 76/ 76/ 76/ 76

لا تخاصمهم / 77/ 77/ 77/ 77

فان النّاس / 78/ 78/ 78/ 78

امّا بعد فانّما أهلك / 79/ 79/ 79/ 79

جدول اختلاف ارقام حكمه (علیه السّلام)

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

كن في الفتنة / 1/ 1/ 1/ 1

أزرى بنفسه / 2/ 2/ 2/2

البخل عار / 3/ 3/ 3/ 3

العجز آفة / 4/ 4/ 4/ 3

العلم وراثة / 5/ 5/ 5/ 4

صدر العاقل / 6/ 6/ 6/ 6

الصدقة دواء / 7/ 7/ 7/ 6

اعجبوا لهذا الانسان / 8/ 8/ 8/ 7

اذا اقبلت / 9/ 9/ 9/ 8

خالطوا الناس / 10/ 10/ 10/ 9

اذا قدرت / 11/ 11/ 11/ 10

اعجز الناس / 12/ 12/ 12/ 11

اذا وصلت / 13/ 13/ 14/ 12

من ضيّعه الأقرب / 14/ 14/ 15/ 13

ماكلّ مفتون / 15/ 15/ 16/ 14

تذلّ الأمور / 16/ 16/ 17/ 15

غيروا الشيب / 17/ 17/ 18/ 16

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

خذلوا الحق / 18/ 18/ 13/ 17

من جرىٰ في عنان / 19/ 19/ 19/ 18

اقيلوا ذوي المرؤات / 20/ 20/ 20/ 19

قرنت الهيبة / 21/ 21/ 21/ 20

لنا حقّ/ 22/ 22/ 22/ 21

من أبطأ به / 23/ 23/ 23/ 22/

من كفّارات الذّنوب / 24/ 24/ 24/ 23

یابن آدم / 25/ 25/ 25/ 24

ما أضمر أحَدٌ / 26/ 26/ 26/ 25

امش بدائك / 27/ 27/ 27/ 26

أفضل الزهد / 28/ 28/ 28/ 27

اذا كنت في ادبار / 29/ 29/ 29/ 28

الحذر الحذر / 30/ 30/ 30/ 29

الايمان على اربع / 31/ 31/ 31/ 30

الكفر على أربع / 31/ 31/ 31/ 31

فاعل الخير / 32/ 32/ 32/ 32

كن سمُحاً / 33/ 33/ 33/ 33

اشرف الغنى / 34/ 34/ 34/ 34

من أسرع الى النّاس / 35/ 35/ 35/ 35

من أطال العمل / 36/ 36/ 36/ 36

والله ما ينتفع / 37/ 37/ 37/ 37

يا بنيّ احفظ / 38/ 38/ 38/ 38

لا قربة بالنّوافل / 39/ 39/ 39/ 39

لسان العاقل / 40/ 40/ 40/ 40

قلب الأحمق / 41/ 41/ 40/ 41

جعل الله / 42/ 42/ 41/ 42

يرحم الله خبّاب / 43/ 43/ 42/ 43

طوبى لمن / 44/ 44/-/ 44

لو ضربت / 45/ 45/ 43/ 45

سيّئة تسووك / 46/ 46/ 44/ 46

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

قدر الرّجل / 47/ 47/ 45/ 47

الظفر بالحزم / 48/ 48/ 46/ 48

احذروا / 49/ 49/ 47/ 49

قلوب الرجال / 50/ 50/ 48/ 50

عيبك مستور / 51/ 51/ 49/ 51

أولى الناس / 52/ 52/ 50/ 52

السّخاء ما كان / 53/ 53/ 51/ 53

لا غنىٰ كالعقل / 54/ 54/ 52/ 54

الصبر صبران / 55/ 55/ 53/ 55

لغنىٰ في الغربة / 56/ 56/ 54/ 56

القناعة / 57/ 57/ 55/ 57

المال مادة / 58/ 58/ 56/ 59

من حذّرك / 59/ 59/ 57/ 60

اللّسان سبع / 60/ 60/ 58/ 61

المرأة / 61/ 61/ 59/ 62

اذا حیّيت / 62/ 62/ 60/ 58

الشّفيع جناح / 63/ 63/ 61/ 63

اهل الدّنيا / 64/ 64/ 62/ 64

فقد الأحبّة / 65/ 65/ 63/ 65

قوت الحاجة / 66/ 66/ 64/ 66

لا تستح من اعطاء / 67/ 67/ 65/ 67

العفاف / 68/ 68/ 66/ 68

اذا لم يكن / 69/ 69/ 67/ 69

لا ترى الجاهل / 70/ 70/ 68/ 70

اذا تمّ العقل / 71/ 71/ 69/ 71

الدّهر يخلق / 72/ 72/ 70/ 72

من نصب نفسيه / 73/ 73/ 71/ 73

نفس المرء / 74/ 74/ 72/ 74

كلّ معدود / 75/ 75/ 73/ 75

انّ الأمور / 76/ 76/ 74/ 76

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

یا دنیا یا دنیا / 77/ 77/ 75/ 77

ويحك / 78/ 78/ 76/ 78

خذ الحكمة / 79/ 79/ 77/ 79

الحكمة ضالة المؤمن / 80/ 80/ 77/ 80

قيمة كل امرء / 81/ 81/ 78/ 81

اوصيكم بخمس / 82/ 82/ 79/ 82

انا دون ما تقول / 83/ 83/ 80/ 83

بقيّة السيف / 84/ 84/ 81/ 84

من ترك قول / 85/ 85/ 82/ 85

رأي الشيخ / 86/ 86/ 83/ 86

عجبت لمن / 87/ 87/ 84/ 87

كان في الأرض / 88/ 88/ 85/ 88

من أصلح / 89/ 89/ 86/ 89

الفقيه / 90/ 90/ 87/ 90

انّ هذه القلوب / 91/ 91/ 88/ 91

اوضع العلم / 92/ 92/ 89/ 92

لا يقولنّ احدكم / 93/ 93/ 90/ 93

ليس الخير / 94/ 94/ 91// 94

لا يقلُ/ 95/ 95/ 91/ 95

انّ اولى النّاس / 96/ 96/ 91/ 96

انّ وليّ محمّد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )/ 96/ 96/ 92/ 96

نوم على يقين / 97/ 97/ 93/ 97

اعقلوا الخبر / 98/ 98/ 94/ 98

انّ قولنا / 99/ 99/ 95/ 99

اللّهم إِنَّكَ / 100/ 100/ 97/ 101

لا يستقيم قضاء / 101/ 101/ 97/ 101

يأتي على النّاس / 102/ 102/ 98/ 103

يخشع له القلب / 103/ 103/ 99/ 103

إن الدنيا والآخرة / 104/ 103/ 100/ 103

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

طوبي للزّاهدين/ 105/ 104/ 101/ 105

انّ الله افترض / 106/ 105/ 102/ 106

لا يترك النّاس / 107/ 106/ 103/ 107

ربّ عالم / 108/ 107/ 104/ 108

لقد علّق / 109/ 108/ 105/ 109

نحن النّمرقة / 110/ 109/ 106/ 110

لا يقيم أمر الله / 111/ 110/ 107/ 111

لو أحبّني / 112/ 111/ 108/ 112

من أحبّنا / 113/ 112/ 108/ 113

لا مال أعود / 114/ 113/ 109/ 114

اذا استولّى / 115/ 114/ 110/ 115

كيف يكون / 116/ 115/ 111/ 116

كم من مستدرج / 117/ 116/ 112/ 117

هلك في رجلان / 118/ 117/ 113/ 118

اضاعة الفرصة / 119/ 118/ 114/ 119

مثل الدنيا / 120/ 119/ 115/ 120

امّا بنو مخزوم / 121/ 120/ 116/ 121

شتّان ما بين العملين / 122/ 121/ 117/ 122

كأنّ الموت / 123/ 122/ 118/ 123

طوبىٰ لمن ذلّ/ 124/ 123/ 118/ 124

غيرة المرأة / 125/ 124/ 119/ 125

لأنسينّ الاسلام / 126/ 125/ 120/ 126

عجبت للبخيل / 127/ 126/ 121/ 127

من قصّر في العمل / 128/ 127/ 122/ 128

لا حاجة لله / 129/ 127/ 123/ 128

توقّوا البرد / 130/ 128/ 124/ 129

عظم الخالق / 131/ 129/ 125/ 130

يا اهل الدّيار / 132/ 130/ 126/ 131

أيّها الذّام / 133/ 131/ 127/ 132

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

ان لله ملكاً / 134/ 132/ 128/ 133

الدّنيا دار ممر / 135/ 133/ 129/ 134

لا يكون الصّديق / 136/ 134/ 130/ 135

من أعطي اربعاً / 137/ 135/ 131/ 136

الصلوة قربان / 138/ 136/ 132/ 137

استنزلوا الرزق / 139/ 137/ 133/ 138

من أيقن / 140/ 138/ 134/ 139

تنزل المعونة / 141/ 139/ 135/ 140

ما عال / 142/ 140/ 136/ 141

قلّة العيال / 143/ 141/ 137/ 142

التودد / 144/ 142/ 138/ 142

الهمّ نصف الهرم / 145/ 143/ 139/ 143

ينزل الصّبر / 146/ 144/ 140/ 144

كم من صائم / 147/ 145/ 141/ 145

سوسوا إيمانكم / 148/ 146/ 142/ 146

يا كميل / 149/ 147/ 143/ 147

المرء مخبوءٍ/ 150/ 148/ 144/ 148

هلك المرؤ / 151/ 149/ 145/ 149

لا تكن / 152/ 150/ 146/ 150

لكل امرى / 153/ 151/ 147/ 151

لكلّ مقبل / 154/ 152/ 149/ 152

لا يَعْدَمُ الصّبور / 155/ 153/ 150/ 153

الرّاضي بفعل قوم / 156/ 154/ 148/ 154

اعتصموا / 157/ 155/ 156/ 155

عليكم بطاعة / 158/ 156/ 157/ 156

وقد بُصرتم / 159/ 157/ 159/ 157

عاتب أخاك / 160/ 158/ 160/ 158

من وضع / 161/ 159/ 161/ 159

من ملك / 162/ 160/ 162/ 160

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

من استبدُ / 163/ 161/ 163/ 161

من كتم / 164/ 162/ 164/ 162

الفقر / 165/ 163/ 165/ 163

من قضىٰ/ 166/ 164/ 166/ 164

لا طاعة / 167/ 165/ 167/ 165

لا يعاب المرء / 168/ 166/ 168/ 166

الإعجاب / 169/ 167/ 169/ 167

الأمر قريب / 170/ 168/ 170/ 168

قد أضاء / 171/ 169/ 171/ 169

ترك الذَّنب / 172/ 170/ 172/ 170

كم من أكلة / 173/ 171/ 173/ 171

النّاس اعداء / 174/ 172/ 174/ 172

من استقبل / 175/ 173/ 175/ 173

من احدُ/ 176/ 174/ 176/ 174

إذا هبت / 177/ 175/ 177/ 175

الة الرّياسة / 178/ 176/ 178/ 176

ازجر المسيء / 179/ 177/ 179/ 177

احصدُ الشر / 180/ 178/ 180/ 178

اللّجاجة / 181/ 179/ 181/ 179

الطمع / 182/ 180/ 182/ 180

ثمرة التفريط / 183/ 181/ 183/ 181

لا خير في الصّمت / 184/ 182/ 187/ 182

ما اختلفت / 185/ 183/ 151/ 183

ما شککت / 186/ 184/ 158/ 184

ما كذبت / 187/ 185/ 152/ 185

للظالم البادي / 188/ 186/ 153/ 186

الرّحيل / 189/ 187/ 154/ 187

من أبدىٰ/ 190/ 188/ 155/ 188

من لم يُنجه / 191/ 189/ 184/ 189

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

واعجباه / 192/ 190/ 185/ 190

انّما المرء / 193/ 191/ 186/ 191

یابن آدم / 194/ 192/ 188/ 192

انّ للقلوب / 195/ 193/ 189/ 193

متى أشفى / 196/ 194/ 190/ 194

هذا ما يخل / 197/ 195/ 191/ 195

لم يذهب / 198/ 196/ 192/ 197

انّ هذه القلوب / 199/ 197/ 193/ 198

كلمة حقّ/ 200/ 198/ 194/ 199

هم الّذين / 201/ 199/ 195/ 200

لا مرحباً / 202/ 200/ 196/ 201

انّ مع كلّ انسان / 203/ 201/ 197/ 202

لا ولكنّكما / 204/ 202/ 198/ 203

أيّها الناس / 205/ 203/ 199/ 204

لا يزهدنك / 206/ 204/ 200/ 205

كلّ وعاء / 207/ 205/ 201/ 206

اول عوض / 208/ 206/ 202/ 207

أن لم يكن حليماً / 209/ 207/ 203/ 208

من حاسب نفسه / 210/ 208/ 204/ 209

لتعطفنّ/ 211/ 209/ 205/ 210

اتقوا الله / 212/ 210/ 206/ 211

الجود / 213/ 211/ 207/ 212

عجب المرء / 214/ 212/ 208/ 213

أغض على / 215/ 213/ 209/ 214

من لأن عوده / 216/ 214/ 210/ 215

الخلاف / 217/ 215/ 211/ 216

مَن نَالَ / 218/ 216/ 212/ 217

في تقلّب / 219/ 217/ 213/ 218

حسدالصّديق / 220/ 218/ 214/ 219

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

اكثر مصارع / 221/ 219/ 215/ 220

ليس من العدل / 222/ 220/ 216/ 221

يئس الزّاد / 223/ 221/ 217/ 222

من أشرف / 224/ 222/ 218

من كساهُ/ 225/ 223/ 219/ 224

بكثرة الصّمت / 226/ 224/ 220/ 225

العجب / 227/ 225/ 221/ 226

الطامع / 228/ 226/ 222/ 227

الايمان / 229/ 227/ 223/ 228

من أصبح / 230/ 228/ 224/ 229

كفى بالقناعة / 231/ 229/ 225/ 226/ 230

شاركوا / 232/ 230/ 227/ 232

انّ الله / 233/ 231/ 228/ 233

من يعط / 234/ 232/ 229/ 234

لا تدعون / 235/ 233/ 230/ 235

خیار خصال / 236/ 234/ 231/ 236

هو الّذي / 237/ 235/ 232/ 237

والله لدنياكم / 238/ 236/ 233/ 238

انّ قوماً / 239/ 237/ 234/ 239

المرأة / 240/ 238/ 235/ 240

من أطاع / 241/ 239/ 236/ 241

الحجر الغصيب / 242/ 240/ 237/ 242

يوم المظلوم / 243/ 241/ 238/ 243

اتّق الله / 244/ 242/ 239/ 244

إذا ازدحم / 245/ 243/ 240/ 245

انّ الله / 246/ 244/ 241/ 246

اذا كثرت / 247/ 245/ 242/ 247

احذروا / 248/ 246/ 243/ 248

الكرم / 249/ 247/ 244/ 249

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

من ظنّ/ 250/ 248/ 245/ 250

أفضل الاعمال / 251/ 249/ 246/ 251

عرفت / 252/ 250/ 247/ 252

مرارة الدّنيا / 253/ 251/ 248/ 253

فرض الله / 254/ 252/ 249/ 254

أحلفوا الظالم / 255/ 253/ 250/ 255

یابن آدم / 256/ 254/ 251/ 256

الحدّة / 257/ 255/ 252/ 257

صحّة الجسد / 258/ 256/ 253/ 258

یا کمیل / 259/ 257/ 254/ 259

اذا أملقتم / 260/ 258/ 255/ 260

الوفاء / 261/ 259/ 256/ 261

كم من / 262/ 260/ 257/ 262

والله ما تكفرنني / 263/ 261/ 267/ 263

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

یا حارث / 264/ 262/ 268/ 264

صاحب السلطان / 265/ 263/ 269

أحسنوا / 266/ 264/ 270/ 266

انّ كلام / 267/ 265/ 271/ 267

اذا كان / 268/ 266/ 272/ 268

یابن آدم / 269/ 267/ 273/ 269

أحبب حبيبك / 270/ 268/ 274/ 270

النّاس في الدّنيا / 271/ 269/ 275/ 271

انّ هذا القرآن / 272/ 270/ 276/ 272

امّا هذا فهو من / 273/ 271/ 277/ 273

لوقد استوت / 274/ 272/ 278/ 274

اعلموا علماً / 275/ 273/ 279/ 275

لا تجعلوا / 276/ 274/ 280/ 276

انّ الطمع / 277/ 275/ 281/ 277

اللّهم أنِّي أعوذ / 278/ 276/ 282/ 278

لا والّذي / 279/ 277/ 283/ 279

قليل تدوم / 280/ 278/ 284/ 280

اذا أضرّت / 281/ 279/ 285/ 281

من تذكّر/ 282/ 280/ 286/ 282

ليست الرّوية / 283/ 281/ 287/ 283

بينكم وبين / 284/ 282/ 288/ 283

جاهلكم / 285/ 283/ 289/ 284

قطع العلم / 286/ 284/ 290/ 285

كلّ معالج / 287/ 285/ 291/ 286

ما قال النّاس / 288/ 286/ 292/ 287

طریق مظلم / 289/ 287/ 293/ 288

اذا أردل / 290/ 288/ 294/ 289

كان لي فيما مَضىٰ/ 291/ 289/ 295/ 290

لولم يتوعّد / 292/ 290/ 296/ 291

يا أشعث / 293/ 291/ 297/ 292

انّ الصّبر / 294/ 292/ 298/ 293

جدول اختلاف ارقام غریب كلامه(علیه السّلام)

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

فاذا كان ذلك / 1/ 1/ 258/ 1

هذا الخطيب / 2/ 2/ 259/ 2

ان للخصومة / 3/ 3/ 260/ 2

اذا بلغ النّساء / 4/ 4/ 261/ 4

انّ الايمان / 5/ 5/ 262/ 5

انّ الرجل / 6/ 6/ 263/ 6

اعزلوا عن النساء / 7/ 7/ 264/ 7

کالیاسر / 8/ 8/ 265/ 8

كنا اذا أحمر / 9/ 9/ 266/ 9

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

لا تصحب / 295/ 293/ 299/ 294

مسيرة / 296/ 294/ 300/ 295

أصدقاؤك / 297/ 295/ 301/ 296

انّما انت / 298/ 296/ 302/ 297

ما أكثر العبر / 299/ 297/ 303/ 298

من بالغ / 300/ 298/ 304/ 299

ما أهمّني / 301/ 299/ 305/ 300

كما يرزقهم / 302/ 300/ 306/ 301

رسولك / 303/ 301/ 307/ 302

ما المبتلیٰ / 304/ 302/ 308/ 303

النّاس / 305/ 303/ 309/ 304

ان المسكين / 306/ 304/ 310/ 305

مازنیٰ/ 307/ 305/ 311/ 306

كف بالأجل / 308/ 306/ 312/ 307

ينام الرّجل / 309/ 307/ 313/ 308

مودّة / 310/ 308/ 314/ 309

اتّقوا ظنون / 311/ 309/ 315/ 310

لا يصدق / 312/ 310/ 316/ 311

انّي أنسيت / 313/ 311/ 317/ 312

انّ القلوب / 314/ 312/ 318/ 313

وفي القرآن / 315/ 313/ 319/ 314

رُدّوا الحجر / 316/ 314/ 320/ 315

ألق دواتك / 317/ 315/ 321/ 316

أنا يعسوب / 318/ 316/ 322/ 317

انّما اختلفنا / 319/ 317/ 323/ 318

ما لقيتُ / 320/ 318/ 324/ 319

يا بُنيّ/ 321/ 319/ 325/ 320

سل تفقّهاً / 322/ 320/ 326/ 321

لك أن تشير / 323/ 321/ 327/ 322

أتغليكم نساؤكم / 324/ 322/ 328/ 323

بُؤساً لكم / 325/ 323/ 329/ 324

ص: 903

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

اتّقوا معاصي / 326/ 324/ 330/ 325

انّ زننا / 327/ 325/ 331/ 326

العمر الّذي / 328/ 326/ 332/ 327

ما ظفر / 329/ 327/ 333/ 328

انّ الله سبحانه / 330/ 328/ 334/ 329

الاستغناء / 331/ 329/ 335/ 330

أقلّ ما يلزمكم / 332/ 330/ 336/ 331

انّ الله سبحانه / 333/ 331/ 337/ 332

السلطان / 334/ 332/ 338/ 333

المؤمن بشره في / 335/ 333/ 339/ 334

لر رأىٰ العبد / 336/ 334/ 342/ 335

لكلّ أمري / 337/ 335/ 343/ 336

المسؤول حُرّ/ 338/ 336/ 341/ -

الدّاعي / 339/ 337/ 344/ 337

العلم علمان / 340/ 338/ 345/ 338

صواب الرّأي / 341/ 339/ 346/ 339

العفاف / 342/ 340/ 347/ 340

يوم العدل / 343/ 341/ 348/ 341

الغنى / 344/ 342/ 340/ 342

الأقاويل / 345/ 343/ 349/ -

معاشر الناس / 346/ 344/ 350/ 343

من العصمة / 347/ 345/ 351/-

ماء وجهك / 348/ 346/ 352/ 344

الثّناء باكثر / 349/ 347/ 353/ 345

أشدّ الذُّنوب / 350/ 348/ 354/ 346

من نظر / 351/ 349/ 355/ 347

للظالم / 352/ 350/ 356/ 348

عند تناهي / 353/ 351/ 357/ 349

لا تجعلن / 354/ 352/ 358/ 350

اكبر العيب / 355/ 353/ 359/ 351

لا تقل ذلك / 356/ 354/ 360/ 352

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

أطلعت / 357/ 355/ 361/ 353

من حيث / 358/ 356/ 362/ 354

انّ هذا الأمر / 359/ 357/ 363/ 356

أيّها الناس / 360/ 358/ 364/ 357

يا أسرى الرّغبة / 361/ 359/ 365/ 358

لا تظنّن / 362/ 360/ 366/ 359

اذا كانت / 363/ 361/ 367/ 360

من ضنّ/ 364/ 362/ 368/ 361

من الخرق / 365/ 363/ 369/ 362

لا تسأل / 366/ 364/ 370/ 363

الفكر مرأة / 367/ 365/ 371/ 364

العلم مقرون / 368/ 366/ 372/ 365

يا أيّها النّاس / 369/ 367/ 373/ 366

انّ الله سبحانه / 370/ 368/ 374/ 367

يأتي على النّاس / 371/ 369/ 375/ 368

أيّها الناس / 372/ 370/ 376/ 369

لا شرف أعلىٰ / 373/ 371/ 377/ 370

یا جابر / 375/ 373/ 379/ 372

أيّها المؤمنون / 375/ 373/ 379/ 372

فمنهم المنكر / 376/ 374/ 380/ 373

اوّل ما تغلبون / 377/ 375/ 381/ 374

انّ الحقّ/ 378/ 376/ 382/ 375

لا تأمننّ/ 379/ 377/ 383/ 376

البخل / 380/ 378/ 384/ 377

يا بن آدم الرّزق / 381/ 379/ 385/ 378

ربّ مستقبل / 382/ 380/ 386/ 379

الكلام / 383/ 381/ 387/ 380

لا تقل / 384/ 382/ 388/ 381

احذر / 385/ 383/ 389/ 382

الرّكون / 386/ 384/ 390/ 383

من هوان / 387/ 385/ 391/ 384

من طلب / 388/ 386/ 393/ 385

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

ما خير بخير / 389/ 387/ 394/ 386

ألا وانّ/ 390/ 388/ 395/ 387

من أبطأ / 391/ 389/ 392/ -

للمؤمن ثلاث / 392/ 390/ 396/ 388

ازهد / 393/ 391/ 397/ 389

تكلّموا / 394/ 392/ 398/ 390

خذ من الدّنيا / 395/ 393/ 401/ 391

رُبِّ قول / 396/ 394/ 402/ 392

كلّ مقتصر / 397/ 395/ 403 / 393

المنيّة / 398/ 396/ 404/ 394

من لم يعط / 399/ 396/ 405/ 394

الدهر يومان / 400/ 396/ 406/ 394

نعم الطيب / 401/ 397/ 399/-

ضع فخرك / 402/ 398/ 400/-

انّ للوالد / 403/ 399/ 407/-

العين حقّ/ 404/ 400/ 408/-

مقاربة النّاس / 405/ 401/ 409/ 395

لقد طرت / 406/ 402/ 410/ 396

من أوماً / 407/ 403/ 411/ 397

أنّا لا نملك / 408/ 404/ 412/ 398

دعه يا عمار / 409/ 405/ 413/ 399

ما أحسن / 410/ 406/ 414/ 400

ما استودع / 411/ 407/ 415/ 401

من صارع / 412/ 408/ 416/ 402

القلب / 413/ 409/ 417/ 403

التّقى / 414/ 410/ 418/ 404

لا تجعلنّ/ 415/ 411/ 419/ 405

كفاك / 416/ 412/ 420/ 406

من صبر / 417/ 413/ 421/ 407

ان صبرت / 417/ 414/ 421/ 408

تغرّ و تضرّ/ 418/ 415/ 422و 423/ 409

يا بُنيّ/ 419/ 416/ 424/ 410

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

ثكلتك أمّك / 420/ 417/ 425/ 412

الحلم / 421/ 418/ 426/ 413

مسکین ابن آدم / 422/ 419/ 427/ 414

انّ ابصار / 423/ 420/ 428/ 415

كفاك/ 424/ 421/ 429/ 416

أفعلوا / 425/ 422/ 430/ 417

من أصلح / 426/ 423/ 432/ 418

الحلم غطاء / 427/ 424/ 433/ 419

انّ الله عباداً / 428/ 425/ 434/ 420

لا ينبغي / 429/ 426/ 435/ 421

من شكا / 430/ 427/ 436/ 422

انّما هو عيد / 431/ 428/ 437/ 423

عنّ اعظم / 432/ 429/ 438/ 424

انّ أخسر / 433/ 430/ 439/ 425

الرّزق رزقان / 434/ 431/ 440/ 426

انّ اولياء الله / 435/ 432/ 441/ 427

اذكروا / 436/ 433/ 442/ 428

اخیر تقله / 437/ 434/ 443/ 429

ما كان الله / 435/ 435/ 444/ 430

أولى النّاس / 436/ 436/ 445/-

العدل / 440/ 437/ 446/ 431

النّاس اعداء / 441/ 438/ 447/ 432

الزّهد كلّه / 442/ 439/ 448/ 433

ما أنقص / 443/ 440/ 449/ 434

الولايات / 444/ 441/ 450/ 435

ليس بلد / 445/ 442/ 451/ 436

مالك وما مالك / 446/ 443/ 452/ 437

قليل مدوم / 447/ 444/ 453/ 438

إذا كان / 448/ 445/ 454/ 439

ما فعلت / 449/ 446/ 455/ 440

من اتّجر / 450/ 447/ 456/ 441

من عظّم / 451/ 448/ 457/ 442

فواتح الخطب / صفوة الشروح /صبحی الصالح/ ابن ابی الحدید/محمد عبده

من كرمت / 452/ 449/ 458/ 443

ما مزح / 453/ 450/ 459/ 444

زهدك / 454/ 451/ 460/ 445

الغنىٰ / 455/ 452/ 463/ 446

ما زال الزُّبير / 456/ 453/ 461/-

ما لابن آدم / 457/ 454/ 462/ 447

انّ القوم / 458/ 455/ 464/ 448

ألا حُر / 459/ 456/ 465/ 449

منهومان / 460/ 457/ 466/ 450

علامة الايمان / 461/ 458/ 467/ 451

يغلب المقدار / 462/ 459/ 468/ 452

الحلم والأناة / 463/ 460/ 469/ 453

الغيبة / 464/ 461/ 470 / 454

ربّ مفتون / 465/ 462/ 471/ 455

الدّنيا / 466/ 463/ 472/ 456

إنّ لبني اميّة / 467/ 464/ 473/ 457

هم والله / 468/ 465/ 474/ 458

العين / 469/ 466/ 475/ 459

روليهم وال / 470/ 467/ 476/ 460

يأتي على النّاس / 471/ 468/ 477/ 461

يهلك في / 472/ 469/ 478/ 462

التّوحيد / 473/ 470/ 479/ 464

لاخير في / 474/ 471/- 465

اللّهم اسقنا / 475/ 472/ 480/ 466

الخضاب / 476/ 473/ 481/ 467

ما المجاهد / 477/ 474/ 482/-

القناعة / 478/ 475/ 483/ 468

استعمل / 479/ 476/ 484/ 469

أشدّ الذنوب / 480/ 477/ 485/ 470

ما أخذ الله / 481/ 478/ 486/ 471

شرّ الاخوان / 482/ 479/ 487/ 472

اذا احتشم / 483/ 480/ 488/ 473

الفهرس التفصيلي

• المقدمة ...5

نبذة عن حياة الشريف الرضي...11

مقدمة السيد الشريف الرضي...15

• خطب أميرالمؤمنين (علیه السّلام)...21

رقم 1 - من خطبة له(علیه السّلام) يذكر فيها ابتداء خلق السماء والارض وخلق آدم وفيها في ذكر الحج...23

رقم 2 - ومن خطبة له(علیه السّلام) بعد انصرافه من صفين...23

رقم 3 - ومن خطبة له(علیه السّلام) وهى المعروفة بالشقشقية...42

رقم 4 - ومن خطبة له(علیه السّلام) بعد مقتل طلحة والزبير في هداية الناس وكمال يقينه...51

رقم 5 - ومن خطبة له(علیه السّلام) لما قبض رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وخاطبه العباس وأبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة...54

رقم 6 - ومن خطبة له(علیه السّلام) لما أشير عليه بألَّا يتبع طلحة والزبير، ولا يرصد لهما القتال...56

رقم 7 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في ذم اتباع الشيطان...57

رقم8 - ومن كلام له(علیه السّلام) يعني به الزبير في حال اقتضت ذلك...58

رقم 9- و من كلام له(علیه السّلام) في صفته وصفة خصومه، ويقال: إنّها في أصحاب الجمل...58

رقم 10 - ومن كلام له(علیه السّلام) يريد الشيطان، أو يكني به عن قوم...59

رقم 11 - ومن كلام له(علیه السّلام) لابنه محمد بن الحنفية لما أعطاه الراية يوم الجمل...60

رقم 12 - ومن كلام له(علیه السّلام) لما أظفره الله بأصحاب الجمل...60

رقم 13 - ومن كلام له(علیه السّلام) في ذم أهل البصرة...61

رقم 14 - ومن كلام له(علیه السّلام) في مثل ذلك ...63

رقم 15 - ومن كلام له(علیه السّلام) فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان...64

رقم 16 - ومن كلام له (علیه السّلام) لما بويع بالمدينة...64

رقم 17 - ومن كلام له(علیه السّلام) في صفة من يتصدى للحكم بين الامة وليس لذلك بأهل...69

رقم 18 - ومن كلام له(علیه السّلام) هي في ذم اختلاف العلماء في الفتيا ...73

رقم 19- و من كلام له(علیه السّلام) قاله للاشعت بن قيس ، وهو على منبر الكوفة...74

رقم 20- ومن كلام له(علیه السّلام) في تهويل ما بعد الموت وتعظيمه ...76

رقم 21 - و من كلام له(علیه السّلام) في موعظة الناس....77

رقم 22 - ومن كلام له(علیه السّلام) بعدما اتهموه يقتل عثمان...78

رقم 23 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في قسمة الارزاق بين الناس...79

رقم 24 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في الحث على قتال الخوارج على الحق...82

رقم 25 - ومن خطبة له(علیه السّلام) وقد تواترت عليه الاخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد...82

رقم 26 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في ذم من بايعه بشروط...85

رقم 27 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في الحث على الجهاد وذم القاعدين...87

رقم 28 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في الحث على التزود للآخرة...91

رقم 29 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في ذم المتخاذلين...93

رقم 30 - ومن كلام له(علیه السّلام) فى معنى قتل عثمان...95

رقم 31- ومن كلام له(علیه السّلام) لِابنِ العباس...96

الله رقم 32- ومن خطبة له(علیه السّلام) في جور الزمان...97

رقم 33 -ومن خطبة له(علیه السّلام) عند خروجه لقتال أهل البصرة...101

رقم 34 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في استنفار الناس إلى أهل الشام ...103

رقم 35 - ومن خطبة له(علیه السّلام) بعد التحكيم ...106

رقم 36 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في تخويف أهل النهروان...108

رقم 37 - ومن كلام له (علیه السّلام) يجري مجرى الخطبة...109

رقم 38 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في معنى معنى الشبهة...111

رقم 39 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في ذم المتقاعدين عن القتال...112

رقم 40 - ومن كلام له(علیه السّلام) في الخوارج لما سمع قولهم « لا حكم إلَّا لله»...113

رقم 41- ومن خطبة له(علیه السّلام) في الوفاء والصدق...114

رقم 42- ومن كلام له (علیه السّلام) في اتباع الهوى وطول الامل ...115

رقم 43 - ومن كلام له(علیه السّلام) وقد أشار عليه أصحابه بالاستعداد للحرب بعد إرساله جرير بن عبدالله

البجلي إلى معاوية...116

رقم 44 - ومن كلام له (علیه السّلام) لما هرب مصقلة بن هبيرة الشيباني إلى معاوية...117

رقم 45 - ومن خطبة له(علیه السّلام) وهي من خطبة طويلة خطبها يوم الفطر، وفيها ذم الدنيا ...118

رقم 46 - ومن كلام له (علیه السّلام) عند عزمه على المسير إلى الشام...119

رقم 47 - ومن كلام له(علیه السّلام) في ذكر الكوفة...120

رقم 48 - ومن خطبة له(علیه السّلام) عند المسير إلى الشام...121

رقم 49 - ومن كلام له (علیه السّلام) في صفات الربوبية والعلم الالهي...122

رقم 50 - و من كلام له (علیه السّلام) في وقوع الفتن...124

رقم 51 - ومن خطبة له(علیه السّلام) لما غلب أصحاب معاوية أصحابه(علیه السّلام) على شريعة الفرات بصفين ومنعوهم من الماء...125

رقم 52 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في الزهد في الدنيا ...126

رقم 53 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في ذكر يوم النحر وصفة الأضحية...128

رقم 54 - ومن خطبة له(علیه السّلام) عند تزاحم الناس لبيعته...129

رقم 55 - ومن كلام له(علیه السّلام) وقد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين...130

رقم 56 - ومن كلام له(علیه السّلام) يوم صفين حين أمر الناس بالصلح...131

رقم 57 و من كلام له (علیه السّلام) يخبر به عمن يأمر بسبه...132

رقم 58 - ومن كلام له(علیه السّلام) كلم به الخوارج ...133

رقم 59 - وقال(علیه السّلام) لما عزم على حرب الخوارج ، وقيل له : إن القوم قد عبروا جسر النهروان...134

رقم 60 - وقال(علیه السّلام) لما قتل الخوارج فقيل له : يا أميرالمؤمنين ، هلك القوم بأجمعهم...135

رقم 61 - وقال(علیه السّلام) في الخوارج...135

رقم 62 ومن كلام له(علیه السّلام) لما خوف من الغيلة ....136

رقم 63 - ومن كلام له (علیه السّلام) يحذر من فتنة الدنيا...136

رقم 64 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في الاستعداد للمؤت...137

رقم 65 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في تنزيه الله تعالى.

رقم 66 - ومن كلام له(علیه السّلام) يقوله لأصحابه في بعض أيام صفين...143

رقم 67 - ومن كلام له(علیه السّلام) لما انتهت إليه(علیه السّلام) الأنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ...146

رقم 68 - ومن كلام له(علیه السّلام) لما قلد محمد بن أبي بكر مصر فملكت عليه وقتل...147

رقم 69 - ومن كلام له(علیه السّلام) في ذم أصحابه...148

رقم 70 - وقال(علیه السّلام) في سحرة اليوم الذي ضرب فيه...149

رقم 71 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في ذم أهل العراق...150

رقم 72 - ومن خطبة له (علیه السّلام) علم فيها الناس الصلاة على رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ رقم 73- و من كلام له(علیه السّلام) قاله لمروان بن الحكم بالبصرة...156

رقم 74 - ومن كلام له(علیه السّلام) لما عزموا على بيعة عثمان...157

رقم 75 -و من كلام له(علیه السّلام) لما بلغه اتهام بني أمية له بالمشاركة في دم عثمان...157

رقم 76 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في الزهد...158

رقم 77 - ومن كلام له(علیه السّلام) في بني أمية...159

رقم 78 - ومن كلمات له(علیه السّلام) الالوان كان يدعو بها ...160

رقم 79 - و من كلام له(علیه السّلام) قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج...161

رقم 80 - ومن خطبة له(علیه السّلام) بعد حرب الجمل في ذم النساء...162

رقم 81- ومن كلام له (علیه السّلام) في الزهد...163

رقم 82- و من كلام له(علیه السّلام) في صفة الدنيا...164

رقم 83 - ومن خطبة له(علیه السّلام) وتسمى بالغراء، وهي من الخطب العجيبة...165

رقم 84 و من خطبة له(علیه السّلام) في ذكر عمر و بن العاص...185

رقم 85- ومن خطبة له (علیه السّلام)...186

رقم 86 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في الوعظ...188

رقم 87- ومن خطبة له(علیه السّلام) في صفات من يحبه الله تعالى...191

رقم 88- ومن خطبة له(علیه السّلام) في وصف ما عليه الناس من الخطأ...196

رقم 89 ومن خطبة له(علیه السّلام) يذكر حال الناس قبل البعثة ...198

رقم 90 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في بعض صفات الخالق...201

رقم 91 - ومن خطبة له (علیه السّلام)تعرف بخطبة الاشباح، وهي من جلائل الخطب...204

رقم 92 - ومن خطبة له(علیه السّلام) لما أراده الناس على البيعة بعد قتل عثمان...232

رقم 93 - ومن خطبة له(علیه السّلام) وفيها ينبه أميرالمؤمنين على فضله وعلمه ويبينفتنة بني أمیة...233

رقم 94 - ومن خطبة له (علیه السّلام) في صفة الأنبياء...237

رقم 95 - ومن خطبة له(علیه السّلام) يصف فيها حال الناس عند البعثة...239

رقم 96 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في الله وفي الرسول الاكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )...240

رقم 97 - ومن كلام له (علیه السّلام) في توبيخ أصحابه...241

رقم 98 - ومن كلام له(علیه السّلام) في ظلم بني أمية...244

رقم 99- و من خطبة له(علیه السّلام) في وصف الدنيا...245

رقم 100 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وأهل بيته...247

رقم 101 - ومن خطبة له(علیه السّلام) وهي إحدى الخطب التي تشتمل على ذكر الملاحم...249

رقم 102 - ومن خطبة له(علیه السّلام) تجرى هذا المجرى...252

رقم 103 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في التزهيد في الدنيا ...254

رقم 104 . ومن خطبة له(علیه السّلام) في البعثة النبوية...256

رقم 105 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في بعض صفات النبي الكريم. وتهديد بني أمية...257

رقم 106 - ومن خطبة له(علیه السّلام) وفيها يبين فضل الإسلام ويذكر الرسول الكريم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )...260

رقم 107 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في بعض أيام صفين...264

رقم 108 - ومن خطبة له(علیه السّلام) وهي من خطب الملاحم...265

رقم 109 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في بيان قدرة الله وانفراده بالعظمة وأمر البعث...270

رقم 110 - ومن خطبة له(علیه السّلام) يذكر فيها فرائض الإسلام...277

رقم 111 - ومن خطبة له(علیه السّلام). في ذم الدنيا...279

رقم 112 - ومن خطبة له (علیه السّلام) يذكر فيها ملك الموت وتوفية النفس ...284

رقم 113 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في التحذير من الدنيا....285

رقم 114 - ومن خطبة له(علیه السّلام) وفيها مواعظ للناس...287

رقم 115 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في الاستسقاء...290

رقم 116 - ومن خطبة له(علیه السّلام) ينصح أصحابه...294

رقم 117 - ومن كلام له(علیه السّلام) يوبخ البخلاء بالمال والنفس...296

رقم 118 - ومن كلام له(علیه السّلام) في الصالحين من أصحابه ...297

رقم 119 - ومن كلام له (علیه السّلام) وقد جمع الناس، وحضهم على الجهاد فسكتوا مليا...298

رقم 120 - ومن كلام له(علیه السّلام) في عظة الناس...299

رقم 121 - ومن كلام له(علیه السّلام) بعد ليلة الهرير...300

رقم 122 - ومن كلام له (علیه السّلام) قاله للخوارج وقد خرج إلى معسكرهم...303

رقم 123 - ومن كلام له(علیه السّلام) قاله لأصحابه في ساحة الحرب...304

رقم 124 - ومن كلام (علیه السّلام) في حث أصحابه على القتال...306

رقم 125 - ومن كلام له(علیه السّلام) في التحكيم...309

رقم 126 - ومن كلام له(علیه السّلام) لما عوتب على التسوية في العطاء...311

رقم 127 - ومن كلام له(علیه السّلام) للخوارج أيضا...312

رقم 128 - ومن كلام له(علیه السّلام) فيما يخبر به عن الملاحم بالبصرة...314

رقم 129 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في ذكر المكاييل والموازين...316

رقم 130 - ومن كلام له(علیه السّلام) لأبي ذر رحمه الله لما أخرج إلى الربذة...318

رقم 131 - ومن كلام له (علیه السّلام) في وصف الإمام الحق...319

رقم 132 - ومن خطبة له(علیه السّلام) يعظ فيها ويزهد في الدنيا...320

رقم 133 - ومن كلام له(علیه السّلام) في صفة القرآن والنبي...323

رقم 134 - ومن كلام له(علیه السّلام) وقد شاوره عمر بن الخطاب في الخروج إلى غزو الروم بنفسه...325

رقم 135 - ومن كلام له(علیه السّلام) وقد وقعت بينه وبين عثمان مشاجرة فقال المغيرة بن الأخنس لعثمان:

أنا أكفيكه...326

رقم 136 - ومن كلام له(علیه السّلام) في أمر البيعة...327

رقم 137 - ومن كلام له(علیه السّلام) في شأن طلحة والزبير...328

رقم 138 - ومن خطبة له(علیه السّلام) يومي فيها إلى ذكر الملاحم ...330

رقم 139 - ومن كلام له(علیه السّلام) في وقت الشورى...332

رقم 140 - ومن كلام له(علیه السّلام) في النهي عن عيب الناس...332

رقم 141 - و من كلام له(علیه السّلام) في النهي عن سماع الغيبة...333

رقم 142 - ومن كلام له لها في وضع المعروف في غير

رقم 143 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في الاستسقاء ...335

رقم 144 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في بعثة الأنبياء...337

رقم 145- ومن كلام له(علیه السّلام) في شؤون الدنيا والناس...339

رقم 146 - ومن كلام له(علیه السّلام) وقد استشاره عمر في الشخوص لقتال الفرس بنفسه...340

رقم 147 - ومن خطبة له(علیه السّلام) هي في الغاية من بعثة الرسول...341

رقم 148 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في ذكر أهل البصرة ...344

رقم 149 - ومن كلام له(علیه السّلام) قبل موته...345

رقم 150 - ومن خطبة له(علیه السّلام) ويومى فيها إلى الملاحم ...347

رقم 151 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في التحذير من الفتن...350

رقم 152 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في صفات الله وصفات أئمة الدين...354

رقم 153 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في صفة الضال...356

رقم 154 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في فضائل أهل البيت...358

رقم 155 - ومن خطبة له(علیه السّلام) يذكر فيها بديع خلقة الخفاش ...360

رقم 156 - ومن كلام له(علیه السّلام) خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم...363

رقم 157 - ومن خطبة له(علیه السّلام) للحث على التقوى...366

رقم 158 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في فضل الرسول والقرآن...369

رقم 159 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في حسن معاملة الرعية...371

رقم 160 - ومن خطبة له (علیه السّلام) في عظمة الله...371

رقم 161 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في صفة النبي وأهل بيته واتباع دينه...377

رقم 162 - ومن كلام له(علیه السّلام) لبعض أصحابه، وقد سأله: «كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم

أحق به ؟ ......380

رقم 163 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في الخالق جل جلاله...383

رقم 164 - ومن كلام له(علیه السّلام) لما اجتمع الناس إليه، وشكوا ما نقموه على عثمان، وسألوه مخاطبته

عنهم، واستعتابه لهم ...386

رقم 165 - ومن خطبة له(علیه السّلام) يذكر فيها عجيب خلقة الطاووس...388

رقم 166 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في الحث على التآلف...397

رقم 167 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في أول خلافته...399

رقم 168 - ومن كلام له(علیه السّلام) بعد ما بويع له بالخلافة، وقد قال له قوم من الصحابة: «لو عاقبت قوماً

ممن أجلب على عثمان؟»...401

رقم 169 - ومن خطبة له(علیه السّلام) عند مسير أصحاب الجمل إلى البصرة...402

رقم 170 - ومن كلام له(علیه السّلام) في وجوب اتباع الحق عند قيام الحجة...403

رقم 171 - ومن كلام له(علیه السّلام) لما عزم على لقاء القوم بصفين...404

رقم 172 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في من رماه بالحرص...406

رقم 173 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في رسول الله والأجدر بالخلافة بعده...408

رقم 174 - ومن كلام له(علیه السّلام) في معنى طلحة بن عبيدالله...410

رقم 175 - من خطبة له(علیه السّلام) في الموعظة...411

رقم 176 - ومن خطبة (علیه السّلام) في النهى عن البدعة...413

رقم 177 - ومن كلام له (علیه السّلام) في معنى الحكمين...420

رقم 178 - ومن خطبة له (علیه السّلام)خطبها بعد مقتل عثمان ...421

رقم 179 - ومن كلام له(علیه السّلام) وقد سأله ذعلب اليماني فقال: «هل رأيت ربك...423

رقم 180 - ومن كلام له(علیه السّلام) في ذم العاصين من أصحابه...424

رقم 181 - ومن كلام له(علیه السّلام) وقد أرسل رجلاً من أصحابه يعلم له علم أحوال قوم من جند الكوفة قد

هموا باللحاق بالخوارج، وكانوا على خوفا منه (علیه السّلام)...427

رقم 182 - ومن خطبة له(علیه السّلام) روي عن نوف البكالي، قال خطبنا بهذه الخطبة أمير المؤمنين عليُّ

بالكوفة ، وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي...428

رقم 183 - من خطبة له(علیه السّلام) في قدرة الله وفضل القرآن...436

رقم 184 - ومن كلام له(علیه السّلام) قاله للبرج بن مسهر الطائي وقد قال له: «لا حكم الا لله»....441

رقم 185 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في صفة خلق بعض الحيوانات...422

رقم 186 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في التوحيد...447

رقم 187 - ومن خطبة له (علیه السّلام) في ذكر الملاحم ...454

رقم 188 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في الوصية بالتقوى...456

رقم 189 - ومن كلام له (علیه السّلام) في الإيمان ووجوب الهجرة...457

رقم 190 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في الأمر بالتقوى ...459

رقم 191 - ومن خطبة له (علیه السّلام) في وصيته بالزهد...462

رقم 192 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في ذم الكبر وتسمى هذه الخطبة بالقاصعة...468

رقم 193 - ومن خطبة له في وصف المتقين

رقم 194 - ومن خطبة له (علیه السّلام) يصف فيها المنافقين...498

رقم 195 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في حمدالله والثناء على نبيه...501

رقم 196 - ومن خطبة له (علیه السّلام)...504

رقم 197 - ومن كلام له(علیه السّلام) في بيان اختصاصه بالنبي...505

رقم 198 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في فضل الإسلام والقرآن...507

رقم 199 - ومن كلام له(علیه السّلام) كان يوصى به أصحابه...514

رقم 200 - و من كلام له(علیه السّلام) في معاوية بن أبي سفيان...516

رقم 201 - ومن كلام له(علیه السّلام) في النهي عن الاعوجاج...517

رقم 202 - ومن كلام له(علیه السّلام) عند دفن سيدة النساء فاطمة(علیها السّلام)...518

رقم 203 - ومن كلام له(علیه السّلام) في التزهيد من الدنيا والترغيب في الآخرة...519

رقم 204 - ومن كلام له(علیه السّلام) كان كثيرا ما ينادي به أصحابه...520

رقم 205. و من كلام له(علیه السّلام) کلم به طلحة والزبير وقد عتبا عليه من ترك مشورتهما...521

رقم 206 - ومن كلام له(علیه السّلام) وقد سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين ...522

رقم 207 - وقال(علیه السّلام) في بعض أيام صفين وقد رأى الحسن(علیه السّلام) يتسرع إلى الحرب...523

رقم 208 - و من كلام له(علیه السّلام) قاله لما اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة...523

رقم 209 و من كلام له(علیه السّلام) بالبصرة، وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي يعوده...524

رقم 210 - ومن كلام له(علیه السّلام) وقد سأله سائل عن أحاديث البدع، وعما في أيدي الناس من اختلاف

الخبر ...525

رقم 211 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في عجيب صنعة الكون...528

رقم 212 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في استنهاض أصحابه إلى جهاد أهل الشام ...530

رقم 213 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في تمجيد الله وتعظيمه ...531

رقم 214 - ومن كلام له(علیه السّلام) في صفة الرسول والعلماء...532

رقم 215 - ومن دعاء له(علیه السّلام) كان يدعو به كثيرا...535

رقم 216 - ومن خطبة له(علیه السّلام) خطبها بصفين. ...536

رقم 217 - ومن كلام له (علیه السّلام) في التظلم من قريش ... 541

رقم 218 - و من كلام له(علیه السّلام) في ذكر السائرين إلى البصرة لحربه...542

رقم 219 - ومن كلام له(علیه السّلام) لما مر بطلحة وعبدالرحمن بن عتاب وهما قتيلان يوم الجمل...542

رقم 220 - ومن كلام له (علیه السّلام) في وصف السالك إلى الله تعالى...543

رقم 221 - ومن كلام له(علیه السّلام) قاله بعد تلاوته :«أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ*حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ»...544

رقم 222 - ومن كلام له(علیه السّلام) قاله عند تلاوته « يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ .رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ »...553

223 - ومن كلام له (علیه السّلام) قاله عند تلاوته : «يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ » ...555

رقم 224 - ومن كلام له (علیه السّلام) في التبرؤ من الظلم ...559

رقم 225 - ومن دعاء له(علیه السّلام) كان يدعو به ...562

رقم 226 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في التنفير من الدنيا ...562

رقم 227 - ومن دعاء له(علیه السّلام) يلجأ فيه إلى الله ليهديه إلى الرشاد ...564

رقم 228 - ومن كلام له (علیه السّلام) يريد به بعض أصحابه...566

رقم 229- و من كلام له(علیه السّلام) في وصف بيعته بالخلافة ، وقد تقدم مثله بألفاظ مختلفة ...568

رقم 230- ومن خطبة له(علیه السّلام) في الوصية بالتقوى ...567

رقم 231 - ومن خطبة له(علیه السّلام) خطبها بذي قار، وهو متوجه إلى البصرة ...571

رقم 232 - و من كلام له(علیه السّلام) کلم به عبدالله بن زمعة، وهو من شيعته وذلك أنه قدم عليه في خلافته يطلب منه مالا...572

رقم 233 - ومن كلام له(علیه السّلام) في إحجام اللسان عن الكلام...572

رقم 234 - ومن كلام له(علیه السّلام) روى ذعلب اليماني عن أحمد بن قتيبة عن عبدالله بن يزيد عن مالك

بن دحية ...574

رقم 235 - ومن كلام له(علیه السّلام) قاله وهو يلى غسل رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )

وتجهيزه ...575

رقم 236 - من كلام له(علیه السّلام) اقتص فيه ذكر ما كان منه بعد هجرة النبي(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ثم لحاقه به ...576

رقم 237 - ومن خطبة له(علیه السّلام) في المسارعة إلى العمل...577

رقم 238 - و من كلام له(علیه السّلام) في شأن الحكمين وذم أهل الشام ...578

رقم 239 - ومن خطبة له(علیه السّلام) يذكر فيها آل محمد (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )...581

رقم 240 - و من كلام له (علیه السّلام) قاله لعبدالله بن عباس...582

رقم 241 - ومن كلام له(علیه السّلام) يحث فيه أصحابه على الجهاد...583

•رسائل أميرالمؤمنين (علیه السّلام)...585

رقم 1 - من كتاب له(علیه السّلام) الى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة الى البصرة...587

رقم 2 -و من كتاب له(علیه السّلام) إليهم بعد فتح البصرة...588

رقم 3 - ومن كتاب له(علیه السّلام) كتبه لشريح بن الحارث قاضيه...589

رقم 4- و من كتابه له (علیه السّلام) الى بعض أمراء جيشه...591

رقم 5 -و من كتاب له (علیه السّلام) الى الاشعث بن قيس ، وهو عامل أذربيجان...592

رقم 6 - و من كتاب له(علیه السّلام) الى معاوية ...593

رقم 7 - ومن كتاب له(علیه السّلام) إليه أيضا...594

رقم 8 - ومن كتاب له (علیه السّلام)...595

رقم 9 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى معاوية...596

رقم 10 - ومن كتاب له (علیه السّلام) الى معاوية أيضا...599

رقم 11 - ومن وصية له(علیه السّلام) وصى بها جيشا بعثه الى العدو ...601

رقم 12 - ومن وصية له(علیه السّلام) و وصى بها معقل بن قيس الرياحي...603

رقم 13 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى أميرين من أمراء جيشه...604

رقم 14 - ومن وصية له(علیه السّلام) العسكره بصفّين قبل لقاء العدو...605

رقم 15 - وكان(علیه السّلام) يقول إذا لقي العدو محاربا...606

رقم 16 - وكان(علیه السّلام) يقول لأصحابه عند الحرب...606

رقم 17 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى معاوية جوابا عن كتاب منه إليه...607

رقم 18 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى عبدالله بن عباس وهو عامله على البصرة...609

رقم 19 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى بعض عماله...610

رقم 20 - ومن كتاب له (علیه السّلام) الى زياد بن أبيه ....611

رقم 21 - ومن كتاب له (علیه السّلام) الى زياد أيضا ...611

رقم 22 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى عبدالله بن العبّاس ...612

رقم 23 - ومن كلام له(علیه السّلام) قاله قبل موته على سبيل الوصية لما ضربه ابن ملجم لعنه الله...613

رقم 24 - ومن وصية له(علیه السّلام) بما يعمل في أمواله ، كتبها بعد منصرفه من صفّين...614

رقم 25 - ومن وصية له (علیه السّلام) كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات...616

رقم 26 - ومن عهد له(علیه السّلام) الى بعض عماله وقد بعثه على الصدقة...619

رقم 27 - ومن عهد له(علیه السّلام) الى محمد بن أبي بكر حين قلد، قلد، مصر ...621

رقم 28 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى معاوية جوابا ، وهو من محاسن الكتب...624

رقم 29 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى أهل البصرة...631

رقم 30 - ومن كتاب له (علیه السّلام) إلى معاوية ....632

رقم 31 - ومن وصيته(علیه السّلام) للحسن كتبها اليه بحاضرين عند انصرافه من صفين...633

رقم 32- و من كتاب (علیه السّلام) الى معاوية. ...654

رقم 33 ومن كتاب له (علیه السّلام) الى قثم بن العباس وهو عامله على مكة...655

رقم 34 -و من كتاب له(علیه السّلام) الى محمد بن أبي بكر لما بلغه توجده من عزله بالأشتر عن مصر، ...656

رقم 35 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى عبدالله بن العبّاس، بعد مقتل محمد بن أبي بكر...658

رقم 36 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى أخيه عقيل بن أبي طالب في ذكر جيش أنفذه الى بعض الأعداء...659

رقم 37- و من كتاب له(علیه السّلام) الى معاوية...661

رقم 38- و من كتاب له(علیه السّلام) الى أهل مصر، لما ولى عليهم الأشتر ...662

رقم 39 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى عمرو بن العاص...664

رقم 40- ومن كتاب له(علیه السّلام) الى بعض عماله...665

رقم 41 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى بعض عماله...665

رقم 42 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى عمر بن أبي سلمة المخزومي...669

43 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى مصقلة بن هبيرة الشيباني وكان عامله على أردشير خرة...670

رقم 44 - ومن كتاب له(علیه السّلام) وقد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه...671

رقم 45 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى عثمان بن حنيف الانصاريّ. وكان عامله على البصرة، ...672

رقم 46- ومن كتاب له(علیه السّلام) الى بعض عماله...680

رقم 47 - ومن وصية له(علیه السّلام) للحسن والحسين عليهما السلام لما ضربه ابن ملجم لعنه الله...681

رقم 48- ومن كتاب له(علیه السّلام) الى معاوية...683

رقم 49 ومن كتاب له(علیه السّلام) الى معاوية أيضا...684

رقم 50 و من كتاب له(علیه السّلام) الى أمرائه على الجيوش ...684

رقم 51 و من كتاب له(علیه السّلام) الى عماله على الخراج...686

رقم 52 -و من كتاب له(علیه السّلام) الى أمراء البلاد في معنى الصلاة...687

رقم 53- ومن كتاب له(علیه السّلام) كتبه للأشتر النخعي رحمه الله لمّا ولّاه على مصر وأعمالها ...688

رقم 54 -و من كتاب له(علیه السّلام) الى طلحة والزبير مع عمران بن الحصين الخزاعي...716

رقم 55 -و من كتاب له(علیه السّلام) الى معاوية ...717

رقم 56 - ومن كلام له(علیه السّلام) و وصى به شريح بن هانئ لما جعله على مقدّمته الى الشام...719

رقم 57 -ومن كتاب له(علیه السّلام) الى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة الى البصرة...719

رقم 58- ومن كتاب له(علیه السّلام) كتبه الى أهل الأمصار يقص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين...720

رقم 59- ومن كتاب له(علیه السّلام) الى الأسود بن قطبة صاحب جند حلوان...722

رقم 60 - و من كتاب له(علیه السّلام) الى العمال الذين يطأ الجيش عملهم...723

رقم 61 - ومن كتاب الله (علیه السّلام) الى كميل بن زياد النخعيّ، وهو عامله على هيت ينكر عليه تركه دفع

من يجتاز به من جيش العدو طالبا للغارة...724

رقم 62 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى أهل مصر مع مالك الأشتر رحمه الله لمّا ولّاه إمارتها ...725

رقم 63 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى أبي موسى الاشعريّ وهو عامله على الكوفة، وقد بلغه عنه ......728

رقم 64 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى معاوية جوابا عن كتابه...730

رقم 65 - ومن كتاب له (علیه السّلام) إليه أيضا ...732

رقم 66 - ومن كتاب له(علیه السّلام) وقد تقدم ذكره بخلاف هذه الرّواية...735

رقم 67 - ومن كتاب له (علیه السّلام) كتبه الى قثم بن العباس، وهو عامله على مكة...736

رقم 68 - ومن كتاب له(علیه السّلام) كتبه الى سلمان الفارسيّ رحمه الله قبل أيّام خلافته...737

رقم 69 ومن كتاب له(علیه السّلام) كتبه الى الحارث الهمدانيّ...738

رقم 70 - ومن كتاب له(علیه السّلام) وهو عامله على المدينة، في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية...740

رقم 71- ومن كتاب له(علیه السّلام) وقد كان استعمله على بعض النواحى فخان الأمانة...741

رقم 72- و من كتاب له(علیه السّلام) الى عبدالله بن العباس...743

رقم 73 - ومن كتاب له(علیه السّلام) الى معاوية...743

رقم 74 - ومن حلف له(علیه السّلام) كتبه بين ربيعة واليمن، ونقل من خطّ هشام ابن الكلبيّ...745

رقم 75 - ومن كتاب له(علیه السّلام) إلى معاوية في أول ما بويع له بالخلافة...746

رقم 76 - ومن وصية له(علیه السّلام) للعبدالله بن العبّاس عند استخلافه إياه على البصرة...746

رقم 77 - ومن وصية له(علیه السّلام) للعبدالله بن العبّاس أيضا لمّا بعثه للاحتجاج على الخوارج...747

رقم 78- ومن كتاب له(علیه السّلام) ذكره سعيد بن يحيى الأموي في كتاب «المغازي»...747

رقم 79 - ومن كتاب له(علیه السّلام) لما استخلف الى أمراء الاجناد...749

•حكم أميرالمؤمنين (علیه السّلام)...751

فهارس صفوة شروح نهج البلاغة

(1) فهرس الآيات القرآنية ...873

(2) فهرس الابيات الشعرية...879

(3) فهرس الأعلام من الرجال والنساء والقبائل والطوائف والشعوب...881

( 4 ) فهرس الحيوان....886

(5) فهرس النبات...888

(6) فهرس الكواكب والأفلاك...888

(7) فهرس المعادن والجواهر...889

(8) فهرس الوقائع التأريخية...889

(9) فهرس الأماكن والبلدان...889

( 10 ) جدول اختلاف أرقام الخطب والرسائل والحِكم...891

(11) الفهرس التفصيلي ....905