ghaemiyeh.com
سرشناسه : مفید، محمدبن محمد، ق413 - 336
عنوان و نام پديدآور : المسائل العکبریه/ تالیف الشیخ المفید محمدبن محمد؛ تحقیق علیاکبر الالهی الخراسانی
مشخصات نشر : [قم]: الموتمر العالمی لالفیه الشیخ المفید، 1413ق. = 1372.
مشخصات ظاهری : 135 ص.نمونه
فروست : (مصنفات الشیخ المفید49)
وضعیت فهرست نویسی : فهرستنویسی قبلی
يادداشت : عربی
یادداشت : کتابنامه: ص. 15 - 12؛ همچنین بهصورت زیرنویس
موضوع : کلام شیعه امامیه -- قرن ق4
شناسه افزوده : الهی خراسانی، علیاکبر، مصحح
شناسه افزوده : کنگره جهانی هزاره شیخ مفید (1372: قم)
رده بندی کنگره : BP209/6/م7م6،49.ج
رده بندی دیویی : 297/4172
شماره کتابشناسی ملی : م72-2314
اَلْمَسَائِلُ اَلْعُكْبَرِيَّةُ
تأليف
الامام اَلشَّيْخُ اَلْمُفِيد
مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اَلنُّعْمَانِ ابْنُ الْمُعَلّمِ
اَبَي عَبْدِاللَّهِ اَلْعُكْبَرِيُّ اَلْبَغْدَادِيّ
(413-336 ه)
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين، و خير الصّلاة و السّلام على رسوله المصطفى محمّد و آله الطيّبين الطاهرين، و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.
و بعد: لقد أمر اللّه سبحانه و تعالى المسلمين بالسؤال عمّا لا يعلمون، فقال مكرّرا:
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (1). لذلك ترى المسلمين في الصدر الأوّل كانوا يسألون الرسول 6 عمّا لا يعلمون و عمّا يشتبه عليهم، و هذا ما نجد مصاديقه في القرآن الكريم من خلال كلمة «يسألونك»، حيث وردت هذه الصيغة في السؤال عن مختلف الظواهر، كالسؤال عن الأحكام الشرعيّة المتعلّقة بالأهلّة و الإنفاق و القتال و الخمر و الميسر و اليتامى و المحيض و الأنفال:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ ... سورة البقرة (2): 189 يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ ... سورة البقرة (2): 215 يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ... سورة البقرة (2): 217 يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ... سورة البقرة (2): 219 وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ... سورة البقرة (2): 219 وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ... سورة البقرة (2): 220
1) سورة النحل (16): 43، و سورة الأنبياء (21): 7.
وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً ... (1)سورة البقرة (2): 222 يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ ... سورة الأنفال (8): 1
كما وردت الصيغة المذكورة في السؤال عن الظواهر الطبيعيّة كالجبال، و عن قصص بعض الشخصيّات الغابرة مثل ذي القرنين، و عن حقيقة الروح و عن قيام الساعة:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً ... سورة طه (20): 105 يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً ... سورة الكهف (18): 83 يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ... سورة الإسراء (17): 85 يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ... سورة الأعراف (7): 187
و لمّا استشكل بعض الصحابة قوله تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ (2)، و قالوا: أيّنا لم يظلم؟ بيّن لهم النبيّ 6 أنّ المراد بالظلم الشرك، و استدلّ بقوله سبحانه في آية أخرى:
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (3). (4)
و إذا تجاوزنا صدر الإسلام، نجد أنّ أهل الذكر الّذين أمر اللّه تعالى بتوجيه
1) اعلم انّه تعالى جمع في هذا الموضع ستّة من الأسئلة، فذكر الثلاثة الأولى بغير الواو، و ذكر الثلاثة الأخيرة بالواو، و السبب أنّ سؤالهم عن تلك الحوادث الأول وقع في أحوال متفرقة، فلم يؤت فيها بحرف العطف، لأنّ كل واحد من تلك السؤالات سؤال مبتدأ و سألوا عن المسائل الثلاثة الأخيرة في وقت واحد، فجيء بحرف الجمع لذلك، كأنّه قيل:
2) سورة الأنعام (6): 82.
3) سورة لقمان (31): 13.
4) في رحاب السنّة: 10، و في مجمع البيان (4/ 327): روي عن عبد اللّه بن مسعود، قال: لمّا نزلت هذه الآية شقّ على الناس، و قالوا: يا رسول اللّه و أيّنا لم يظلم نفسه؟ فقال 6: إنّه ليس الّذي تعنون، أ لم تستمعوا إلى ما قال العبد الصالح: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.
الأسئلة إليهم و هم أئمة أهل البيت :، يتكفّلون بالإجابة على مختلف الأسئلة الّتي كانت ترد إليهم من الأصحاب أو من الأعداء أيضا.
و إذا انتقلنا إلى عصر الغيبة، نجد أنّ الفقهاء و المتكلّمين و هم النوّاب عن أهل الذكر يتكفّلون أيضا بالإجابة على الأسئلة الّتي تثار أمامهم، حيث ألّفوا رسائل و كتبا تتناول أسئلة الآخرين و الإجابة عليها. و قد اتّخذ تأليف هذه الرسائل و الكتب «عناوين» منتزعة من نفس المادّة المتّصلة ب (السؤال) و (الجواب) عن الأمور الشرعية و غيرها، فجاءت هذه الرسائل و الكتب تحمل عناوين مثل (السؤال و الجواب) أو (السؤالات و الجوابات) أو (الأسئلة و الأجوبة) أو غيرها.
و بامكاننا أن نلقى نظرة سريعة على موسوعة العلّامة الطهرانيّ الّتي ذكرت مصنّفات علمائنا في هذا الميدان لنجدها شاهدا على ما نقول، و في هذا الصدد يوضّح صاحب الموسوعة الملابسات الّتي تكتنف تأليف هذه الرسائل و الكتب من حيث الأسئلة و أجوبتها، فيقول:
«إذا علم ان الكتاب في جواب شخص خاصّ، أو في جواب اعتراض معين، أو أنّه جواب عن سؤال مخصوص، أو عن شبهة معلومة، أو أنّه جواب عن مسألة مخصوصة، أو عن مسائل متعدّدة كما هو الشائع من إلقاء المسألة الواحدة، أو المسائل من القرب، أو من البلاد البعيدة الى العلماء و هم يكتبون جواباتها بغير عنوان خاصّ، أو علم أنّه جواب رسالة أو كتاب، أو مكتوب، يصحّ أن يعبّر عنه بالجواب المضاف الى ما يعلم من احدى هذه الأمور» (1).
و إليك نماذج من تلك العناوين الّتي أوردها العلّامة الطهرانيّ:
(الأجوبة ...) (2).
(جواب ... أو جوابات ...) (1).
(السؤال و الجواب أو سؤال و جواب) (2).
(المسائل ... أو المسائل و الجوابات) (3).
(مسألة ...) (4).
حيث نرى أنّه ذكر تحت هذه العناوين مئات من الكتب، الّتي دوّن فيها المصنّف نفسه أو أمر من دوّن فيها مجموع السؤالات أو الاستفتاءات الّتي القيت إليه على الدفعات التدريجيّة و ما كتبه من جواباتها في أوقات متطاولة فإنّه بعد التدوين في مجلّد يسمّى باحد هذه العناوين. (5).
و في ضوء هذه الحقيقة الّتي ذكرناها عن المسائل و أجوبتها، نجد أنّ واحدا من أكبر فقهاء الطائفة و متكلّميها و هو الشيخ المفيد يتكفّل بالإجابة على مختلف الأسئلة، و منها أجوبة المسائل الحاجبيّة أو العكبريّة و هي أجوبة كتبها الشيخ لأحد و خمسين سؤالا سألها الحاجب أبو الليث بن سراج الأواني، الّذي دعا له الشيخ بطول البقاء و دوام التوفيق.
و أكثر ما فيها السؤال عن معاني آيات و أحاديث و توجيهها، و دفع ما ورد عند السائل حولها من شبهات. و فيها مجموعة من الأسئلة المرتبطة بالنبوّة و الإمامة و شئونهما.
و يستشفّ من نمط بعض الأسئلة و كذا من جوابات الشيخ أنّ السائل كان ممّن تعمّد تنظيمها و أراد بها الإلزام، لا مجرّد الاستفسار و المعرفة. و قد تصدّى الشيخ للإجابة عنها بكلّ جلاء و قوّة، مع حسن البيان و قوّة الأداء، كما هو المعهود في أجوبته.
الكتاب يشتمل على إحدى و خمسين مسألة كلاميّة، عن الآيات المتشابهة و الأحاديث المشكلة، سأل الحاجب أبو الليث بن سراج شرحها و بيانها، فأجاب عنها الشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان العكبريّ البغداديّ، المتوفّى سنة 413 ه و الّذي مدحه الإمام الغائب المنتظر و الحجّة الثاني عشر (عجّل اللّه فرجه الشريف) ورثا عليه بعد موته و قال:
لا صوّت الناعي لفقدك انّه* * * يوم على آل الرسول عظيم
إن كنت قد غيّبت في جدث الثرى* * * فالعلم و التوحيد فيك مقيم (1)
و الكتاب نسب تارة إلى السائل فقيل: «المسائل الحاجبيّة» (2)و «جوابات المسائل الحاجبيّة» (3)و «أجوبة المسائل الحاجبيّة» (4)و «جوابات أبي الليث الأوانيّ» (5).
و تارة نسب إلى المسئول عنه، فقيل: «المسائل العكبرية» (6)و «جوابات المسائل العكبريّة» (7).
و تارة إلى عدد الأسئلة، فقيل: «جوابات الإحدى و الخمسين مسألة» (8)و «أجوبة المسائل الإحدى و الخمسين» (9).
و قد ذكر بعض تلامذة العلّامة المجلسي و هو المولي الجليل الميرزا
عبد اللّه الأفندي الأصفهانيّ صاحب «رياض العلماء و حياض الفضلاء» المتوفّى سنة 1130 ه، في رسالته إلى العلّامة المجلسي، المندرجة بعينها في آخر إجازات بحار الأنوار بعنوان: «خاتمة فيها مطالب عديدة لبعض أزكياء تلامذتنا، تناسب هذا المقام و به نختم الكلام» ما نصّه:
... إنّ فهرست الكتب التي ينبغي أن تلحق ببحار الأنوار على حسب ما أمرتم به هي هذه:
كتاب المزار ... و أجوبة المسائل الإحدى و الخمسين، و جوابات المسائل السرويّة، و جوابات المسائل العكبريّة، كلّها للشيخ المفيد، ممدوح صاحب الزمان عليه صلوات الرحيم الرحمن ...
و أجوبة المسائل الإحدى و الخمسين هي التي اشتريتها لكم لا زالت همّتكم عالية، و السائل عنها رجل كان يعرف بالحاجب، و كان مكتوبا في ظهرها انّها للشيخ، و لكنّكم نسبتموها إلى المفيد (ره)، و علامة تلك المسائل انّها مع كتاب شهاب الأخبار مجلّدة. و جواب المسائل السروية و العكبريّة نقلتم عنها في مواضع من البحار ... إلى آخره (1).
و هذا الكلام من الأفندي صريح في أنّ «جوابات المسائل العكبريّة» غير «أجوبة المسائل الإحدى و الخمسين» (2)، و هو سهو منه، و لعلّ منشأه أنّ الكتاب لم يضع له الشيخ المفيد اسما خاصّا، فانتزع الآخرون له عناوين متنوّعة- كما ذكرنا- و التبس الأمر على أمثال الأفنديّ. فإنّ كثيرا من مصنّفي الشيعة- كما قال العلّامة الطهرانيّ، قد بلغوا من تواضع النفس، و خضوع الجوانح، و خلوص النيّات، حدّا لا يرون أنفسهم شيئا قابلا للذكر و الإشارة، و لا يحسبون تصانيفهم مع كونها جيّدة قيّمة كتابا لائقا بالعنوان و التّسمية، فبقيت الكتب بعد عصر المصنّفين بغير اسم
خاصّ يدعى به، فمسّت الحاجة الى أن يشار إليها بعنوان ينطبق عليها (1).
و ممّا يدلّل على وحدة الكتاب ما ذكره العلّامة الخوانساري: و كذا كتاب «أجوبة المسائل الاحدى و الخمسين» فإنّ المراد به هو كتابه المعروف ب «المسائل الحاجبية» و هو في أجوبة اشكالات و شبهات في معاني بعض الآيات و الروايات المتشابهات على عدد الاحدى و الخمسين، عرضها عليه و سأله عنها حاجب خليفة ذلك العصر، كما يستفاد من ديباجة ذلك الكتاب، و فيه فوائد لا تحصى، و غلط من نسبه الى سيّدنا المرتضى ; فليتفطّن و لا يغفل (2).
أ- مقابلة النسخ:
قد حقّقناها اعتمادا على النسخ التالية:
1- النسخة المحفوظة بمكتبة آية اللّه الحكيم العامّة، ضمن المجموعة 436 بخطّ محمّد بن الشيخ طاهر السماوي، مكتوبة في سنة 1335 ه، تقع في 31 ورقة. و هي نسخة كاملة، مقروّة الخط، خالية من الأخطاء و السقط تقريبا، و لذلك جعلناها «الأصل».
2- النسخة المحفوظة بمكتبة آية اللّه الحكيم العامّة أيضا، ضمن المجموعة 1087، بخطّ حاجى آقا شيرازى نمازى، مكتوبة في سنة 1327 ه و هي نسخة كاملة، حسنة الخطّ، قليلة الخطأ، نادرة السقط.
رمزها: حش
3- النسخة المحفوظة في المكتبة الرضوية- مشهد، برقم 7722، بخطّ محمّد حسين بن زين العابدين الارمويّ، مكتوبة في سنة 1352 ه، و هي نسخة
كاملة، جيّدة الخطّ، قليلة الأخطاء، و السقط.
رمزها: ر ض
4- النسخة المحفوظة بالمكتبة الوطنية- طهران، ضمن المجموعة 1927/ ع مكتوبة في سنة 1116 ه. و هي نسخة جيّدة، إلّا أنّه سقط منها أربع عشر مسألة، من المسألة السابعة و الثلاثين إلى المسألة الحادية و الخمسين.
رمزها: مل
5- النسخة المحفوظة بمكتبة آية اللّه المرعشيّ- قم، برقم 4 ضمن المجموعة 3694، مكتوبة في سنة 1056 ه. و هي نسخة ناقصة، كثيرة السقط و الغلط. رمزها: مر
6- النسخة المحفوظة بالمكتبة الرضوية- مشهد، برقم 2428، و هي نسخة ناقصة، كثيرة السقط و الخطأ.
رمزها: ر ض 2
و بعد مراجعة هذه النسخ و مقابلتها، فقد جعلنا النسخة الأولى أصلا، لأنّها تمتاز على بقيّة النسخ بالكمال، و قلّة الأخطاء و السقط، و اعتمدنا عليها في عملنا، و أشرنا إلى اختلاف النسخ في الهامش، إلّا إذا كان الموجود في الأصل لا يتلاءم مع النصّ أو السياق، و العبارة الأخرى أقرب إلى الصحّة، ففي هذه الحالة جعلنا العبارة الصحيحة في المتن، مع الإشارة في الهامش إلى ما كان موجدا في الأصل.
كما ملأنا موارد السقط من هذه النسخة- على قلّتها- بما جاء في باقي النسخ أو بعضها، مع الإشارة إلى ذلك في الهامش.
و أمّا ما حدث من سقط في بعض النسخ- و هو كثير- فلم نشر في الهامش، إلّا إلى ما ينبغي الإشارة إليه. كما لم نشر إلى كلّ ما وقع من الأخطاء ففي باقي النسخ، إلّا في موارد قليلة.
و قد اهملنا الإشارة إلى ما اختلفت فيه النسخ في تذكير الكلمة و تأنيثها، أو تعريفها و تنكيرها و أمثال ذلك و ما تضمّنته من الأخطاء اللغويّة و الإعرابية و
الإملائيّة، إلّا في موارد نادرة. فأوردنا النصّ مطابقا لما تقتضيه القواعد الأدبيّة و الإملائيّة، المعمول بها حاليّا.
كما أشرنا في نهاية كل صفحة من المخطوطة إلى رقم الورقة، و رمزنا إلى وجه الورقة بالحرف (و) و إلى ظهرها بالحرف (ظ)، مثل [2 و] [2 ظ] حيث انّ العدد يشير إلى رقم ورقة المخطوطة، و الحرف (و) إلى وجه الورقة، الحرف (ظ) يشير إلى ظهر الورقة.
و بعد الانتهاء من التصحيح و التحقيق ظفرنا بثلاث نسخ من هذا الكتاب، نرجو أن نفيد منها في المستقبل، و هي كما يلي:
1- النسخة المحفوظة بالمكتبة الآستانة المعصوميّة- قم، ضمن المجموعة 87، الرسالة السادسة، مكتوبة في سنة 1319 ه، بخطّ مهدي بن علي رضا القمّيّ.
2- النسخة المحفوظة بمكتبة جامعة طهران، ضمن المجموعة 2319، الرسالة الثانية.
3- النسخة المحفوظة بالمكتبة الرضوية- مشهد، ضمن المجموعة 12851، الرسالة الرابعة، مكتوبة في سنة 1126 ه، و هي نسخة ناقصة.
ب: تخريج الآيات القرآنية، و إثبات رقمها و اسم السورة و رقمها في الهامش.
ج: تخريج الأحاديث و الآثار التي أوردها المصنّف، من مصادر الفريقين المعتبرة فثبتنا الأحاديث كما وردت فيها- لا كما وردت في نسخ الكتاب- في الهامش، نظرا إلى أنّ هذه الكتب قد طبعت غالبا بتحقيق العلماء، فهي أقرب إلى الصواب.
د: وضعنا قائمة المصادر التي اعتمدناها في تحقيق الكتاب و هي كما يلي:
القرآن الكريم.
الاحتجاج، لأحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسيّ، تحقيق السيّد محمّد باقر الخرسان، افست على الطبعة الأولى، نشر المرتضى- مشهد، 1403 ه.
الاختصاص، المنسوب إلى الشيخ المفيد أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان، المتوفّى سنة 413 ه، تصحيح علي أكبر الغفّاري منشورات مؤسّسة الأعلمي، بيروت، 1402 ه.
الإرشاد، للشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان، المتوفّى سنة 413 ه تصحيح السيّد كاظم الموسويّ، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1377 ه.
بحار الأنوار الجامعة لدرر اخبار الأئمة الأطهار (ع)، للعلّامة المحدّث محمّد باقر بن محمّد تقيّ المجلسي، المتوفّى سنة 1110 ه، دار الكتب الإسلامية، طهران.
البداية و النهاية، لأبي الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي، المتوفّى سنة 774 ه، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الرابعة 1408 ه.
بصائر الدرجات في فضائل آل محمد (ع)، للمحدّث الجليل أبي جعفر محمّد بن الحسن الصفّار، المتوفّى سنة 290 ه، من أصحاب الإمام العسكريّ 7، الطبعة الثانية، تصحيح العلامة ميرزا محسن كوچه باغى.
تاريخ الرسل و الملوك، لأبي جعفر محمّد بن جرير الطبريّ، المتوفّى سنة 310 ه، مكتبة خيّاط، بيروت في خمسة عشر مجلدا، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، 1358 ه.
تصحيح الاعتقاد بصواب الانتقاد، للشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان، المتوفّى سنة 413 ه، تقديم و تعليق العلّامة السيّد هبة الدين الشهرستاني، منشورات الرضي، قم، 1363 ه.
تفسير البرهان، للعلامة السيّد هاشم بن السيّد سليمان البحرانيّ، المتوفّى سنة 1107 ه، الطبعة الثانية على نفقة السالك.
التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، للفخر الرازيّ المتوفّى سنة 606 ه، الطبعة الثالثة دار إحياء التراث العربي بيروت.
تفسير الكشّاف، لأبي القاسم جار اللّه محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، المتوفّى سنة 538 ه، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1397 ه.
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب، للعلامة الشيخ محمّد بن محمّد رضا القمّيّ المشهديّ، من أعلام القرن الثاني عشر، تحقيق حسين درگاهي، مؤسّسة الطبع و النشر، ايران، الطبعة الأولى 1366 ه. ش.
تفسير القمّيّ، لأبي الحسن عليّ بن إبراهيم القمّيّ، تصحيح السيّد طيّب الموسوي الجزائريّ، منشورات مكتبة الهدى، النجف الأشرف، 1387 ه.
التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ 7، تحقيق و نشر مدرسة الإمام المهديّ 7، قم المقدّسة، الطبعة الأولى، 1409 ه.
تفسير نور الثقلين، للعلّامة الشيخ عبد عليّ بن جمعة العروسي الحويزي، المتوفّى سنة 1112 ه، تحقيق و تصحيح السيّد هاشم الرسولي المحلاتي، الطبعة الثانية، 1383 ه.
الدّر المنثور في التفسير بالمأثور، للعلّامة جلال الدين عبد الرحمن، السيوطي، المتوفّى سنة 911 ه، منشورات مكتبة آية اللّه المرعشيّ، قم، 1404 ه
حلية الأولياء و طبقات الأصفياء للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد اللّه الأصبهانيّ، المتوفّى سنة 430 ه، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الخامسة، 1407 ه.
ديوان حسّان بن ثابت، تقديم و تعليق عبدا مهنّا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1406 ه.
الذريعة إلى تصانيف الشيعة، للعلّامة الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ، المتوفّى سنة 1389 ه، دار الأضواء، بيروت، الطبعة الثالثة، 1403 ه.
رجال النجاشيّ، للشيخ الجليل أبي العبّاس أحمد بن عليّ بن أحمد بن العبّاس النجاشيّ الأسدي الكوفيّ، المتوفّى سنة 450 ه، مؤسّسة النشر الإسلامي
التابعة لجماعة المدرّسين بقم، 1407 ه.
سفينة البحار و مدينة الحكم و الآثار، للمحدث المتبحر الشيخ عبّاس القمّيّ، المتوفّى سنة 1359 ه، انتشارات كتابخانه سنائى.
سنن أبي داود، للحافظ أبي داود سليمان بن الاشعث السجستانيّ، المتوفّى سنة 275 ه، دار إحياء السنّة النبويّة.
السنن الكبرى، للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقيّ، المتوفّى سنة 458 ه، دار المعرفة، بيروت.
شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، المتوفّى سنة 656 ه، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، الطبعة الثالثة 1399 ه.
صحيح البخاريّ، لأبي عبد اللّه محمّد بن إسماعيل البخاري، المتوفّى سنة 256 ه.، دار المعرفة، بيروت.
الطبقات الكبرى، لمحمّد بن سعد، المتوفّى سنة 230 ه، دار صادر، بيروت.
علل الشرائع للشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّيّ، المتوفّى سنة 381 ه، تقديم العلّامة السيّد محمّد صادق بحر العلوم، المكتبة الحيدريّة في النجف، 1385 ه.
الغدير في الكتاب و السنّة و الأدب للعلّامة عبد الحسين احمد الأميني، المتوفّى سنة 1390 ه، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الرابعة، 1379 ه.
فرائد السمطين في فضائل المرتضى و البتول و السبطين و الأئمة من ذريتهم :، للشيخ المحدث إبراهيم بن محمّد بن المؤيد بن عبد اللّه بن علي بن محمّد الجويني الخراسانيّ، المتوفّى سنة 730 ه، تحقيق الشيخ محمّد باقر المحمودي، مؤسّسة المحمودي للطباعة و النشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1398 ه
في رحاب السنة الكتب الصحاح الستة للدكتور محمّد محمّد أبو شهبة، مجموع البحوث الإسلامية، الأزهر 1389 ه.
قرب الإسناد للشيخ الجليل أبي العباس بن جعفر الحميري من أعلام القرن
الثالث الهجري، تحقيق و نشر مؤسّسة آل البيت : لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1413 ه.
الكافي، لثقة الإسلام أبي جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، المتوفّى سنة 329 ه، تصحيح علي أكبر الغفاري، الطبعة الرابعة، دار صعب، بيروت، 1401 ه.
كنز العمّال في سنن الأقوال و الأفعال، للعلّامة علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي، المتوفّى سنة 975 ه، مؤسّسة الرسالة، بيروت، 1409 ه.
لسان العرب، للعلّامة ابن منظور، المتوفّى سنة 711 ه، تنسيق علي شيرى، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1408 ه.
مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، لخاتمة المحدّثين الحاجّ ميرزا حسين النوريّ الطبرسيّ، المتوفّى سنة 1320 ه، تحقيق و نشر مؤسّسة آل البيت : لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1407 ه.
المستدرك على الصحيحين، للحافظ أبي عبد اللّه الحاكم النيشابوري، اشراف يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة، بيروت.
معاني الأخبار، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّيّ، المتوفّى سنة 381 ه، تصحيح علي أكبر الغفّاري، مكتبة الصدوق، 1379 ه
نهج البلاغة، و هو مجموع ما اختاره الشريف أبو الحسن محمّد الرضي بن الحسن الموسوي من كلام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب 7، شرح الشيخ محمّد عبده المكتبة التجاريّة الكبرى بمصر، مطبعة الاستقامة.
وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، للفقيه المحدّث محمّد بن الحسن الحرّ العامليّ، المتوفّى سنة 1104 ه، تحقيق و نشر مؤسّسة آل البيت : لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1409 ه.
ينابيع المودة، للحافظ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي، المتوفّى سنة 1294 ه، تقديم العلّامة السيّد محمّد مهدي الخرسان، الطبعة السابعة، المطبعة الحيدريّة في النجف، 1384 ه.
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
أجوبة المسائل الحاجبية (1)
للشيخ المفيد رضي الله عنه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي يؤيد بالتوفيق من يتمم (2)هداه و يخذل من عدل عن سبيله و اتبع هواه و صلى الله على نبيه الذي استخلفه (3)و اجتباه و اصطفاه من كافة بريته و ارتضاه و على البررة من أهل بيته المقتدين به في طاعته لربه و تقواه و سلم كثيرا و بعد فقد وقفت أطال الله بقاء الحاجب في عز طاعته و أدام توفيقه و حرسه بعصمته على المسائل التي أنفذها إلي و سأل الإجابة عنها بما يزيل الشبهات
المعترضة في معانيها و تأملت ما تضمنه (1)و ليس منها سؤال إلا و قد سلف لي فيه أجوبة (2)و ثبت في معناه عني كلام يزول به عن (3)فهمه الارتياب و الأمر في جميع ذلك بمن الله (4)قريب و أنا بمشيئة (5)الله و عونه أثبت له أيده الله (6)الأجوبة كما سأل و أعتمد الإيجاز (7)فيها و الاختصار إذ كان استقصاء القول في ذلك مما ينتشر (8)به الخطاب و يتسع به الكلام و يطول به الكتاب و الله (9)الموفق للصواب.
(المسألة الأولى) عن قول الله تعالى (10)إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (11)قال السائل و إذا كانت أشباحهم قديمة و هم في الأصل طاهرون فأي رجس أذهب عنهم قال و أخرى (12)أنه لا يذهب بالشيء إلا بعد كونه قال و نحن مجمعون على أنهم (13)لم يزالوا طاهرين قديمي الأشباح قبل آدم ع.
الجواب عما تضمنه هذه الأسئلة (14)أن الخبر عن إرادة الله تعالى إذهاب الرجس عن أهل البيت ع و التطهير لهم (15)لا يفيد إرادة عزيمة أو ضميرا
1) - رض، مل: تضمّنته.
2) - مر: جواب.
3) - رض 2: عمّن.
4) - رض، مل: بمنّة اللّه. مر: للّه تعالى و أنا.
5) - رض، مل، مر: بمشيّة.
6) - ليس في مر.
7) - مر: الأخبار.
8) - مل، مر: ينشر.
9) - مر:+ تعالى.
10) - رض، مل: عن قوله تعالى. مر: ما قوله- أدام اللّه توفيقه- في قول اللّه سبحانه.
11) - سورة الأحزاب (33): 33.
12) - رض: قال السائل: و أخرى. مر: و قال: و شيء آخر.
13) - حش، مل: و نحن مجمعون أنّهم، و رض:+ :.
14) - رض: تضمّنته هذه المسألة.
15) - أثبتناه عن سائر النسخ.
أو قصدا على ما يظنه جماعة ضلوا عن السبيل في معنى إرادة الله عز اسمه و إنما يفيد إيقاع الفعل الذي يذهب الرجس و هو العصمة في الدين أو التوفيق (1)للطاعة التي يقرب العبد بها من رب العالمين (2)و ليس يقتضي الإذهاب للرجس وجوده من قبل كما ظنه السائل بل قد يذهب بما كان موجودا و يذهب بما لم يحصل له وجود للمنع منه و الإذهاب عبارة عن الصرف و قد يصرف عن الإنسان ما لم يعتره كما يصرف ما اعتراه أ لا ترى أنه يقال في الدعاء صرف الله عنك السوء فيقصد إلى المسألة منه تعالى عصمته من السوء دون أن يراد بذلك الخبر عن سوء به و المسألة في صرفه عنه (3).
و إذا كان الإذهاب و الصرف بمعنى واحد فقد بطل ما توهمه السائل فيه و ثبت أنه قد يذهب بالرجس عمن لم يعتره قط الرجس على معنى العصمة له منه (4)و التوفيق لما يبعده من حصوله به فكان تقدير الآية حينئذ إنما يذهب الله عنكم الرجس الذي قد (5)اعترى سواكم بعصمتكم منه و يطهركم أهل البيت من تعلقه بكم (6)على ما بيناه.
و أما القول بأن أشباحهم ع قديمة فهو منكر لا يطلق و القديم في الحقيقة هو الله تعالى الواحد الذي لم يزل و كل ما سواه محدث مصنوع مبتدأ له أول و القول بأنهم لم يزالوا طاهرين قديمي الأشباح قبل آدم (7)كالأول في الخطإ و لا يقال لبشر إنه لم يزل قديما.
1) - سائر النسخ: و التوفيق.
2) - روى الحافظ القندوزى الحنفيّ عن الحسن بن عليّ (سلام اللّه عليهما) انّه قال في خطبته: إنّا أهل بيت أكرمنا اللّه، و اختارنا و اصطفانا، و أذهب عنّا الرجس و طهّرنا تطهيرا. (ينابيع المودّة 576).
3) - أثبتناه عن سائر النسخ.
4) - أثبتناه عن سائر النسخ.
5) - أثبتناه عن سائر النسخ.
6) - و يؤيّد هذا المعنى ما ورد في زيارة الجامعة الكبيرة- الّتى علّمها الإمام عليّ بن محمّد الهادى 8 موسى بن عبد اللّه النخعيّ-: عصمكم اللّه من الزلل، و آمنكم من الفتن، و طهّركم من الدنس، و أذهب عنكم الرجس، و طهّركم تطهيرا. (فرائد السمطين في فضائل المرتضى و البتول و السبطين 2/ 181).
7) - رض، مل، مر:+ 7.
و إن قيل إن أشباح آل محمد ع سبق وجودها وجود آدم (1)فالمراد بذلك أن أمثلتهم (2)في الصور كانت في العرش فرآها آدم (3)ع و سأل عنها فأخبره الله (4)أنها أمثال صور من ذريته (5)شرفهم بذلك و عظمهم به فأما أن يكون (6)ذواتهم ع كانت قبل آدم موجودة فذلك باطل بعيد من الحق لا يعتقده محصل و لا يدين به عالم و إنما قال به طوائف من الغلاة الجهال و الحشوية من الشيعة الذين لا بصر (7)لهم بمعاني الأشياء و لا حقيقة الكلام.
و قد قيل إن الله تعالى كان قد كتب أسماءهم على العرش (8)فرآها آدم
1) - رض، مر، رض 2:+ 7.
2) - مر، رض 2: مثلهم.
3) - رض، مر:+ 7.
4) - رض:+ تعالى. مر:+ عزّ و جلّ.
5) - قال عليّ بن الحسين 7: حدّثني أبى، عن أبيه، عن رسول اللّه 6 [قال:] قال: يا عباد اللّه إنّ آدم لمّا رأى النور ساطعا من صلبه- إذ كان اللّه قد نقل أشباحنا من ذروة العرش الى ظهره- رأى النور و لم يتبيّن الاشباح. فقال: يا ربّ ما هذه الأنوار؟ قال اللّه عزّ و جلّ: أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشى إلى ظهرك، و لذلك أمرت الملائكة بالسجود لك، إذ كنت وعاء لتلك الأشباح. فقال آدم: يا ربّ لو بيّنتها لي؟ فقال اللّه عزّ و جلّ: انظر يا آدم إلى ذروة العرش. فنظر آدم، و وقع (رفع- ن خ) نور أشباحنا من ظهر آدم على ذروة العرش، فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا الّتى في ظهره كما ينطبع وجه الإنسان في المرآة الصافية، فرأى أشباحنا. فقال يا ربّ ما هذه الاشباح؟ قال اللّه تعالى: يا آدم هذه الأشباح أفضل خلائقى و بريّاتى: هذا محمّد و أنا المحمود الحميد في أفعالى، شققت له اسما من اسمى. و هذا عليّ، و أنا العلىّ العظيم، شققت له اسما من اسمى.
6) - رض، مل، مر: تكون.
7) - مر، رض 2: لا نظر.
8) - عن ابى جعفر 7: ... و إنّ اسمه لمكتوب على العرش: محمّد رسول اللّه 6 ... (بحار الأنوار 16/ 98).
ع و عرفهم بذلك و علم أن شأنهم به عند الله العظيم عظيم (1)و أما القول بأن ذواتهم كانت موجودة قبل آدم ع فالقول في بطلانه على ما قدمناه (2).
(المسألة الثانية) قال السائل قد أجمعنا (3)أن محمدا و آله ص (4)أفضل من إبراهيم و آله ع قال و نحن نسأل الله في الصلاة على ما ورد به الأثر أن يصلي على محمد و آله كما صلى على إبراهيم و آل إبراهيم (5)فكأنا نسأله الحطيطة عن منزلتهم إذ كنا قد أجمعنا على أنهم أفضل من إبراهيم (6)و آله قال و إذا صح أن الأنوار قديمة فما بال إبراهيم قال رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ (7)و شدد (8)ذلك
ما ورد به الخبر أنه قيل يا رسول الله ما بدء أمرك قال دعوة إبراهيم (9)
. و الجواب و بالله التوفيق أنه ليس في مسألتنا الله تعالى أن يصلي على محمد و آله كما صلى على إبراهيم (10)و آل إبراهيم ما يقتضي الرغبة إليه في إلحاقهم بدرجة إبراهيم و آل إبراهيم و أنهم محطوطون عن تلك الدرجة و إنا نسأله التفضل عليهم برفعهم إليها كما ظنه السائل و أشباهه ممن لا علم لهم بمعاني الكلام و إنما المراد بذلك الرغبة إلى الله (11)في أن يفعل بهم المستحق لهم من التعظيم و الإجلال كما فعل بإبراهيم و آله ما استحقوه من ذلك فالسؤال يقتضي
1) - «العظيم» ليس في سائر النسخ.
2) - مر، رض 2: بيّنّاه.
3) - رض: قد ثبت. مل: قال السائل إنّ محمّدا. مر: فصل مسألة قد أجمعنا.
4) - حش:+ أجمعين.
5) - «و آل إبراهيم» ليس في حش. رض، مل، مر: و آله.
6) - حش، مل:+ 7.
7) - سورة البقرة (2)، 129.
8) - مر، رض 2: شيد. رض: شذ.
9) - حش، مل:+ 7. رض:+ الخليل 7.
10) - رض:+ :.
11) - مل:+ تعالى.
تنجيز (1)المستحق لهم منه (2)تعالى و إن كان أفضل مما استحقه إبراهيم و آله و لهذا نظير من الكلام في المتعارف (3)و هو أن يقول القائل لمن كسي عبده في ماضي الدهر (4)و أحسن إليه اكس ولدك الآن كما كسوت عبدك و أحسن إليه كما أحسنت إلى عبدك من قبل و لا يريد مسألة إلحاق الولد برتبة العبد في الإكرام و لا التسوية بينهما في ماهية (5)الكسوة و الإحسان و مماثلتهما في القدر بل يريد به الجمع بينهما في الفعلية و الوجود (6)و لو أن رجلا استأجر إنسانا بدرهم أعطاه إياه عند فراغه من عمله ثم عمل له أجير من بعد عملا يساوي أجرته دينارا لصح أن يقال عند فراغ الإنسان من العمل أعط هذا الإنسان أجره كما أعطيت فلانا أجره أو يقول الأجير نفسه وفني أجرتي كما وفيت أجيرك بالأمس أجرته (7)و لا يقصد (8)التمثيل بين الأجيرين في قدرهما و لا السؤال في إلحاق الثاني برتبة الأول على وجه الحط (9)عن منزلته و النقص له من حقه فهكذا القول في مسألتنا الله سبحانه الصلاة على محمد و آله ع كما صلى على إبراهيم و آل إبراهيم (10)حسب ما بيناه و شرحناه.
(فصل) فأما تكرار القول بأنه قد صح أنهم أنوار فقد قلنا فيه ما يكفى (11)و بينا
1) - في الأصل وحش: بتحيز. مل، مر، رض 2: تنجز، و لعلّ الصواب ما أثبتناه عن رض.
2) - رض: من اللّه.
3) - مل، مر، رض 2: التعارف.
4) - مر، رض 2: لمن كسا عبده أو ولده: «افعل مع هذا كما فعلت مع فلان، و إن لم يكن الأوّل أفضل من الآخر و يكون الآخر مستحقّا أكثر». و من هنا إلى المسألة الرابعة سقط في هاتين النسختين.
5) - رض، مل: مائية.
6) - رض، مل: و الوجوب.
7) - رض، حش: اجره.
8) - رض، مل:+ بذلك.
9) - رض، مل:+ له.
10) - «كما صلى على إبراهيم و آل إبراهيم» غير موجودة في رض و مل و حش.
11) - حش، رض، مل: كفى.
أنه مذهب مردود (1)و وصفنا الذاهب إليه من الناس بما ذكره (2)من الغلو و التقليد بغير بيان و أما الخبر الثابت
عن النبي ع (3)أنا دعوة إبراهيم (4)
فلم يأت بأنه كان جوابا عن المسألة له عن بدء أمره و لو سئل عن بدء أمره لما كان لقوله أنا دعوة إبراهيم محصول (5)لأنه إن أراد بالبدء الإرسال فلم يكن عن (6)دعوة إبراهيم و إن أراد الذكر فقد كان ذلك قبل إبراهيم حين ذكره الله لنبيه آدم ع و في الخبر أنه مذكور (7)للملائكة (8)قبل آدم ع (9)و بالجملة (10)فإنا غير مصححين لقدم الأنوار التي ذكرها السائل و قد قلنا في ذلك ما فيه مقنع إن شاء الله تعالى.
(المسألة الثالثة) و سأل السائل أيضا عن قول يعقوب ع لما رأى يوسف (11)المنام فقال وَ كَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ (12)و قوله بعد ذلك لإخوته وَ أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (13)و قد علم أنه يكون نبيا و أنه
1) - رض، مل: مرذول.
2) - رض، مل: بما ذكرناه.
3) - رض، مل:+ أنّه قال.
4) - عن أبي أمامة قال: قلت يا رسول اللّه! ما كان بدء أمرك؟ قال: دعوة أبى إبراهيم، و بشرى عيسى، و رأت أمّى أنّه خرج منها شيء أضاءت منه قصور الشام. (تفسير نور الثقلين 1/ 130).
5) - رض: معنى محصّل.
6) - رض، مل: عند.
7) - رض: كان مذكورا.
8) - عن أبي ذرّ الغفارىّ عن النبيّ 6 في خبر طويل في وصف المعراج ساقه إلى أن قال: قلت: يا ملائكة ربّى هل تعرفونا حقّ معرفتنا؟ فقالوا: يا نبىّ اللّه و كيف لا نعرفكم و أنتم اوّل ما خلق اللّه؟ خلقكم اشباح نور من نوره ... ثمّ خلق الملائكة من بدء ما أراد من أنوار شتّى، و كنّا نمرّ بكم و أنتم تسبّحون و تحمدون و تهلّلون و تكبّرون و تمجّدون و تقدّسون، فنسبّح و نقدّس و نمجّد و نكبّر و نهلّل بتسبيحكم و تحميدكم و تهليلكم و تكبيركم و تقديسكم و تمجيدكم ... الخ. (بحار الأنوار 15/ 8).
9) - «و في الخبر ... 7» غير موجودة في مل.
10) - رض، مل: و في الجملة.
11) - حش، رض، مل:+ 7.
12) - سورة يوسف (12): 6.
13) - سورة يوسف (12): 13. «وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ» غير موجودة في رض و مل.
لا يجوز أن يأكله الذئب (1)مع إجماعنا على أن لحوم الأنبياء محرمة على الوحش الجواب و بالله التوفيق أن يعقوب ع تأول رؤيا يوسف ع على حكم رؤيا البشر التي يصح منها و يبطل و يكون التأويل لها مشترطا بالمشيئة (2)و لم يكن يوسف ع (3)في تلك الحال (4)نبيا يوحى إليه في المنام فيكون تأويلها على القطع و الثبات فلذلك لم يجزم على ما اقتضته من التأويل و خاف عليه أكل الذئب عند إخراجه مع إخوته في الوجه الذي التمسوا إخراجه معهم فيه و ليس ذلك بأعجب من رؤيا إبراهيم ع في المنام و هو نبي مرسل و خليل للرحمن (5)مصطفى مفضل أنه يذبح ابنه ثم صرفه الله تعالى عن ذبحه و فداه منه بنص التنزيل مع أن رؤيا المنام أيضا على شرط صحة تأويلها و وقوعه لا محالة ليس بخاص لا يحتمل الوجوه (6)بل هو جاري مجرى القول الظاهر المصروف بالدليل عن حقيقته إلى المجاز و كالعموم الذي يصرف عن ظاهره إلى الخصوص بقرائنه من البرهان و إذا كان (7)على ما وصفناه أمكن أن يخاف يعقوب (8)على يوسف ع من العطب قبل البلوغ و إن كانت رؤياه تقتضي على ظاهر حكمها بلوغه و نيله النبوة و سلامته من الآفات و هذا بين لمن تأمله و الله الموفق للصواب.
(المسألة الرابعة) و سأل هذا السائل (9)عن قوله تعالى وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ (10)و قوله أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي (11)الْأَرْضِ
1) - «و قد علم أنّه ... أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ» غير موجودة في رض و مل.
2) - رض، مل: بالمشيّة.
3) - حش، رض، مل:+ 7.
4) - «فى تلك الحال» غير موجودة في رض.
5) - حش، رض، مل: خليل الرحمن.
6) - حش: الوجوب.
7) - رض، مل:+ الامر.
8) - رض، مل:+ 7.
9) - مر، رض 2: مسألة من الأول و سأل.
10) - سورة الرحمن (55): 6.
11) - «من في» ساقطة من الأصل و حش و مل.
وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ (1)و قال هذه كلها جمادات لا حياة لها (2)فكيف تكون ساجدة لله و ما معنى سجودها المذكور.
و الجواب و بالله التوفيق أن السجود في اللغة التذلل (3)و الخضوع و منه سمي المطيع لله ساجدا لتذلله بالطاعة لمن أطاعه و سمي واضع جبهته على الأرض ساجدا لمن وضعها له لأنه تذلل بذلك له و خضع و الجمادات و إن فارقت الحيوانات بالجمادية فهي متذللة لله عز و جل من حيث لم تمتنع من تدبيره لها و أفعاله فيها و العرب تصف الجمادات بالسجود و تقصد بذلك (4)ما شرحناه في معناه أ لا ترى إلى قول الشاعر و هو زيد الخيل.
بجمع تضل البلق في حجراته* * * ترى الأكم فيه سجدا للحوافر
أراد أن الأكم الصلاب في الأرض لا تمتنع من هدم حوافر الخيل لها و انخفاضها بها بعد الارتفاع و قال سويد الشاعر
ساجد المنخر لا يرفعه* * * خاشع الطرف أصم المستمع
و التذلل بالاضطرار و الاختيار لله عز اسمه يعم الجماد و الحيوان الناطق و المستبهم معا فالمتذلل لله تعالى بالاختيار و الفعل من نفسه (5)هو الحي العاقل المكلف المطيع و المتذلل له بالاضطرار هو الحي المستبهم و الناطق الناقص عن حد التكليف و الكامل الكافر أيضا.
و الجمادات جميعهم مصرف بتدبير الله تعالى و غير ممتنع من أفعاله به و آثاره فيه فالكل إذا سجد لله جل اسمه متذلل له خاضع على ما بيناه و هذا ما لا يختل معناه على من له فهم باللسان.
(المسألة الخامسة) قال السائل و الأنبياء عندنا معصومون كاملون فما بال موسى ع كان (1)تلميذا للخضر (2)و هو أعلى منه ثم أنكر على الخضر (3)فعله و الحق فيه.
الجواب و بالله التوفيق أن موسى ع (4)اتبع الخضر قبل أن ينبأ و يبعث و هو إذ ذاك يطلب العلم و يلتمس الفضل فيه فلما كلمه الله و انتهى من الفضل في العبادة و العلم إلى الغاية التي بلغها بعثه الله تعالى رسولا و اختاره كليما نبيا و ليس في اتباع الأنبياء العلماء قبل نبوتهم قدح فيهم و لا منفر (5)عنهم و لا شين لهم و لا مانع من بعثتهم و اصطفائهم و لو كان موسى ع اتبع الخضر (6)بعد بعثته لم يكن ذلك أيضا قادحا في نبوته لأنه لم يتبعه لاستفادته منه علم شريعته و إنما اتبعه ليعرف باطن أحكامه التي لا يخل فقد علمه بها بكماله (7)في علم ديانته و ليس من شرط الأنبياء ع أن يحيطوا بكل علم و لا أن يقفوا على باطن كل ظاهر و قد كان نبينا محمد ص (8)أفضل النبيين و أعلم المرسلين و لم يكن محيطا بعلم النجوم و لا متعرضا لذلك و لا يتأتى منه قول الشعر و لا ينبغي له و كان أميا بنص التنزيل و لم يتعاط معرفة الصنائع (9)و لما أراد المدينة (10)استأجر دليلا على سنن الطريق و كان يسأل عن الأخبار و يخفى عليه منها ما لم يأت به إليه صادق من الناس فكيف (11)ينكر أن يتبع
1) - اثبتناها عن رض لاقتضاء السياق.
2) - رض:+ 7.
3) - «على الخضر» ساقطة من رض.
4) - رض، مل:+ 7.
5) - رض، مل: تنفير.
6) - رض:+ 7.
7) - رض، مل: فقد علمه بكماله.
8) - حش: عليه و آله الصلاة و السلام. رض: عليه و آله السلام.
9) - رض، مل:+ و المهن.
10) - رض، مل: اللّه، هو تصحيف من الناسخ.
11) - رض، مل: فلا.
موسى (1)ع الخضر (2)بعد نبوته ليعرف بواطن الأمور فيما (3)كان يعلمه مما أورده الله سبحانه بعلمه من كون ملك يغصب السفن و كنز في موضع (4)من الأرض و طفل إن بلغ كفر و أفسد (5)و ليس عدم العلم بذلك نقصا و لا شينا و لا موجبا لانخفاض عن رتبة نبوته (6)و إرسال و أما إنكاره ع خرق السفينة و قتل الطفل فلم ينكره على كل حال و إنما أنكر الظاهر منه ليعلم باطن الحال منه و قد كان منكرا في ظاهر الحال و ذلك جار مجرى قبول الأنبياء ع شهادات العدول في الظاهر و إن كانوا كذبه في الباطن و عند الله و إقامة الحدود بالشهادات و إن كان المحدودون براء في الباطن و عند الله و هذا أيضا مما لا يلتبس (7)الأمر فيه على متأمل له من العقلاء.
(المسألة السادسة) و سئل عن
قول أمير المؤمنين ع في دعائه على القاعدين عن نصرته من جنده اللهم أبدلني بهم خيرا منهم و أبدلهم بي شرا مني (8)
فقال ما وجه هذا الكلام و لم يكن ع شريرا و لا كانوا هم أخيارا و كيف يسأل الله أن يبدلهم به شريرا و الشر ليس من الله.
الجواب و بالله التوفيق أن العرب تصف الإنسان بما يعتقده في نفسه و إن كان اعتقاده ذلك باطلا و تذكر أنفسها بما هي على خلافه لاعتقاد المخاطب فيها (9)ذلك و لما ذكرناه نظائر في القرآن و أشعار العرب الفصحاء.
1) - حش، مل:+ 7.
2) - رض:+ 7.
3) - في الأصل و حش: فما صحّحناها عن رض و مل.
4) - «فى موضع» ساقطة من رض و مل.
5) - حش: فسد
6) - رض: لانخفاض رتبته عن نبوّة.
7) - رض، مل: لا يلبس.
8) - نهج البلاغة، الخطبة 25: اللّهمّ إنّي قد مللتهم و ملّونى و سئمتهم و سئمونى، فأبدلنى بهم خيرا منهم و أبدلهم بى شرّا منّى.
9) - رض، مل: فيه.
قال الله عز اسمه ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (1)و لم يكن كذلك بل كان ذليلا لئيما فوصفه بضد ما هو عليه لاعتقاده ذلك في نفسه و اعتقاد من اعتقد فيه ذلك (2).
و قال حكاية عن موسى ع فيما خاطب به السامري وَ انْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً (3)و لم يرد إلهه في الحقيقة الذي هو الله عز و جل و إنما أراد إلهه في اعتقاده و قال حسان بن ثابت يرد على أبي سفيان فيما هجا به النبي ص
أ تهجوه و لست له بند* * * فشركما لخيركما الفداء (4)
و لم يكن في النبي ص (5)شر و لا كان ص (6)شريرا حاشاه من ذلك و إنما أراد حسان بما أورده من لفظ الدعاء في البيت الذي أثبتناه عنه ما قدمناه من تعلق الصفة باعتقاد المخاطب أو تقديرها على ما يمكن من اعتقاد الخطإ في ذلك حسب ما شرحناه و في معنى ذلك قوله تعالى أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (7)و معلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم (8)على حال و نظائر ذلك كثيرة.
(فصل) فأما قول السائل إن أمير المؤمنين ع سأل الله إبدالهم به شرا منه و التمس منه الشر مع أنه تعالى لا يفعل الشر (1)فالوجه فيه على خلاف ما ظنه و هو أنه ع لم (2)يسأل الله سبحانه أن يفعل بخلقه شرا و لا أن ينصب عليهم شريرا لكنه سأله التخلية بين الأشرار من خلقه و بينهم عقوبة لهم و امتحانا و سأله أيضا أن لا يعصمهم من فتنة الظالمين بما قدمت أيديهم مما يستحقون به العذاب المهين و نظير ذلك في معناه قوله تعالى وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ (3)و قوله أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (4)و قوله تعالى وَ كَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها (5)و لم يرد بذلك البعثة التي هي بعثة الرسل و لا الأمر بذلك (6)و الترغيب فيه و إنما أراد التخلية و التمكين و ترك الحيلولة بينهم و بين المذكور (7)و هذا بين و الله المحمود.
(المسألة السابعة) و سأل فقال إذا كان الله تعالى لا تعلم (1)هيئته و لا يحس و لا يدرك كيفيته و لا يشبه خلقه و لا تحسه الأوهام و الخواطر و لا يحويه مكان و لا حيث (2)و لا أوان فكيف صدر الأمر و النهي عنه إلى الحجج ع و كيف هيئة ذلك هذا سؤال السائل بألفاظه مع اختلاطها و فسادها.
و الجواب و بالله التوفيق إن الله تعالى (3)عن أن يكون له هيئة أو كيفية أو يشبه شيئا من خلقه أو يتصور في الأوهام أو يصح خطور ذلك (4)على الصحة لأحد ببال و تعالى (5)أيضا عن المكان و الزمان و حصول الأمر منه و النهي للحجج ع و السفراء ثابت معقول لا يشتبه معناه على الألباء (6)و هو أن يحدث سبحانه كلاما في محل يقوم به الكلام كالهواء و غيره من الأجسام يخاطب به المؤهل للرسالة و يدله على أنه كلامه سبحانه (7)دون من سواه بأنه لا يقدر عليها أحد من الخلق على كل حال (8)فيعلم المخاطب بذلك أنه كلام الله لما قد ثبت في العقول من حكمته تعالى (9)و أنه لا يلبس على العباد و لا يصدق كاذبا عليه و لا يعضد باطلا ببرهان.
و نظير ذلك إرساله لموسى ع و تكليمه (10)إياه و وحيه إليه في البعثة له
1) - رض، مل، مر، رض 2: لا يعلم.
2) - في الأصل و حش: بحيث. صحّحناها عن رض و مر و رض 2.
3) - رض، مل: يتعالى.
4) - رض: حضور ذاته. مل: حضور ذلك.
5) - رض، مل: و يتعالى.
6) - رض، مل: الأولياء.
7) - أثبتناها عن حش و رض و مر.
8) - حش، رض، مل، مر، رض 2: على حال.
9) - أثبتناها عن حش و رض و مل. مر: حكمة اللّه تعالى.
10) - رض، مل، رض 2: كلامه.
و الإرسال فأحدث كلاما في الشجرة التي رام موسى منها اقتباس النار أو فيما يتصل بالشجرة من الهواء (1)و دله على أنه كلامه تعالى (2)دون من سواه بجعل يده بيضاء من غير سوء و قلب عصاه ثعبانا حيا يسعى في الحال فعلم موسى ع بهذين المعجزين أن المكلم (3)له إذ ذاك هو الله جل اسمه الذي لا يقدر على مثل صنيعه (4)باليد و العصا أحد من الخلق (5).
ثم قد يكون الكلام من الله تعالى في معنى الإرسال بخاطب (6)المرسل نفسه من غير واسطة بينه و بينه من السفراء و قد يكون بخطاب ملك يتوسط في السفارة بينه و بين المبعوث من البشر و يعضد كلامه للملك بمثل ما عضد كلامه لموسى ع من الآيات و هذا بين لا إشكال فيه و المنة لله (7)
(المسألة الثامنة) و سأل فقال قد ورد الخبر
أن النبي ص قال ما منا إلا من هم أو عصى إلا يحيى بن زكريا فإنه ما هم و لا عصى (8)قال و قد سماه الله سيدا (9)و لم يسم غيره
و إذا صح ذلك فهو خير الأنبياء.
1) - في الأصل: فيما يتّصل من الهواء بالشجرة، اخترناها وفاقا لسائر النسخ.
2) - باقى النسخ: سبحانه.
3) - رض، مل، مر، رض 2: المتكلّم.
4) - رض 2: صنعته. مر: صفته.
5) - مر، رض 2:+ و العباد.
6) - رض: يخاطب.
7) - رض:+ تعالى.
8) - ورد في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ 7 (ص 659): لكنّه ما من عبد عبد اللّه عزّ و جلّ إلّا و قد أخطأ أو همّ بخطإ، ما خلا يحيى بن زكريّا، فانّه لم يذنب، و لم يهمّ بذنب. و نقلها العلّامة المجلسيّ في البحار 14/ 186.
9) - اشارة إلى قوله تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً وَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ- سورة آل عمران (3): 39.
و الجواب و بالله التوفيق أن هذا الخبر غير ثابت عن النبي ص و لو ثبت لما وجب أن يكون يحيى أفضل الأنبياء (1)إذ كان من هم و عصى قد تزيد (2)تكاليفه على من لم يهم و لم يعص و تكون طاعاته و قربه أكبر (3)و أعماله أشق (4)و أكثر صلاحا للخلق و أنفع لا سيما و هم (5)الأنبياء (6)و معاصيهم على مذهب من جوز ذلك عليهم من أهل العدل صغائر مغفورة.
فأما وصف الله تعالى ليحيى ع (7)بأنه سيد فذلك أيضا مما لا يوجب تفضيله على الأنبياء ع لأنه لم يوصف بالسيادة و الفضل عليهم و إنما وصف بسيادة قومه و التقدم (8)على أتباعه و أهل عصره و ذلك غير مقتض لسيادته على النبيين (9)و تقدمه في الفضل على كافة المرسلين حسبما ذكرناه.
(المسألة التاسعة) و سئل عن قوله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (10)فسمي المعدوم شيئا و المعدوم ليس بشيء و خاطب المعدوم و المخاطب لا يكون إلا لموجود (11).
و الجواب و بالله التوفيق أن العرب (12)تطلق على المعدوم ما لا يستحقه من
1) - حش، مل:+ :.
2) - رض، مل: يزيد.
3) - رض، مل: أكثر.
4) - رض: و أشق أعمالا.
5) - رض، مل: و همّة.
6) - حش، مل:+ :.
7) - حش، رض، مل:+ 7.
8) - في الأصل: و التقديم، صحّحناها على باقى النسخ.
9) - مل: لسيادته النبيّين.
10) - سورة النحل (16): 40.
11) - مل: بموجود.
12) - مر، رض 2: إنّ القرآن نزل بلسان العرب و العرب ...
السمة (1)على الحقيقة إلا عند الوجود توسعا و مجازا أ لا ترى أنهم يقولون فلان مستطيع للحج فيطلقون على ما لم (2)يقع من الفعل الذي إذا وجد كان حجا اسم الحج و يقولون تريد (3)في هذه السنة الجهاد فيسمون ما لم يقع بالجهاد و هو لا يستحق السمة (4)بذلك إلا بعد الوجود و زيد في نفسه خصومة عمرو و صلح خالد و خطاب عبد الله و مناظرة بكر و الخصومة و الصلح و الخطاب و المناظرة لا تكون في الحقيقة إلا بأفعال موجودة و قد أطلقوا عليها السمة قبل الوجود و في حال عدمها و قبل كونها على ما وصفناه و قد قال الله تعالى مخبرا عن المسيح ع أنه قال وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (5)فسماه رسولا قبل وجوده و الرسول لا يكون رسولا في حال عدمه و لا يستحق هذه السمة إلا بعد وجوده و بعثته.
(فصل) (6)فأما قوله إن الخطاب لا يتوجه إلا إلى موجود و لا يصح توجهه إلى المعدوم فالأمر كذلك و لم يخبر الله تعالى بأنه خاطب معدوما و لا كلم غير موجود و إنما أخبر أن الأفعال غير متعذرة عليه و أنه مهما أراد إيجاده (7)منها وجد كما أراد و العرب تتوسع بمثل ذلك في الكلام فيقول القائل منهم في الخبر عمن يريد ذكره باتساع القدرة و نفوذ الأمر و قوة السلطان فلان إذا أراد شيئا و قال له كن فكان و هو لا يقصد بذلك الخبر عن كلامه لمعدوم و إنما يخبر عن قدرته و تيسر الأمر (8)له حسبما بيناه.
(المسألة العاشرة) و سئل عن قوله تعالى لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ (1)فقال هذا خطاب منه لمعدوم لأنه يقوله عند فناء الخلق ثم يجيب نفسه فيقول لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ و كلام المعدوم سفه لا يقع من حكيم و جوابه لنفسه عن سؤاله المعدوم أو تقريره إياه خلاف للحكمة و العقول (2).
و الجواب و بالله التوفيق أن الآية غير متضمنة (3)للخبر عن خطاب معدوم و لا تقرير لغير موجود بل فيها ما يوضح الخبر عن تقرير لموجود و هو قوله عز و جل لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ (4)و يوم التلاق هو يوم الحشر عند التقاء الأرواح و الأجساد و تلاقي الخلق بالاجتماع في الصعيد الواحد و قوله يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ يؤكد ذلك إذ كان البروز (5)لا يكون إلا لموجود و المعدوم لا يوصف بظهور و لا بروز فدل ذلك على أن قوله تعالى لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ خطاب للموجود (6)و تقرير لفاعل ثابت العين غير معدوم ثم ليس في الآية أن الله تعالى هو القائل ذلك بل فيها قول غير مضاف إلى قائل بعينه فيحتمل أن يكون القائل ملكا أمر بالنداء فأجابه أهل الموقف و يحتمل أن يكون الله تعالى هو القائل مقررا غير مستخبر و المجيبون هم البشر المبعوثون أو الملائكة الحاضرون أو الجميع مع الجان و سائر المكلفين غير أنه ليس في ظاهر الآية و لا باطنها ما يدل على أن الكلام لمعدوم على ما ظنه السائل و أقدم على القول به من غير بصيرة و لا يقين (7).
و وجه آخر و هو أن قوله عز و جل لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ يفيد وقوعه في حال إنزال (8)
الآية دون المستقبل أ لا ترى إلى قوله لنبيه ص لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ يعني اليوم الذي تقدم ذكره ثم قال لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ فكان قوله لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ تنبيها على أن الملك لله تعالى وحده يومئذ و لم يقصد به إلى تقرير و لا استخبار و قوله تعالى لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ تأكيد (1)للتنبيه و الدلالة على تفرده تعالى بالملك دون من سواه و يكون تقدير الآية كقول (2)القائل يوم كذا و كذا لمن الأمر في اليوم المذكور أ ليس هو لفلان أو فلان و لم يقصد بذلك تقريرا و لا استخبارا و لا إخبارا (3)و إنما قصد الدلالة على حال المذكور في اليوم الموصوف و هذا ما لا شبهة فيه و الله المحمود.
[كيف كلم الله (4)موسى ع]
(المسألة الحادية عشرة) و سئل عن كلام الله لموسى ع بأي شيء كان ذلك و قد علمنا أن النطق لا يخرج إلا عن (5)مكيف تعالى الله عن ذلك فما هذا النطق و ما ورد فيه.
و الجواب و بالله التوفيق أن الله تعالى كلم موسى ع بأن فعل كلاما له في الشجرة التي سمعه منها أو في الهواء المتصل بها (6)و الكلام غير محتاج إلى كيفية المتكلم (7)به و إنما يحتاج إلى محل يقوم به سواء كان لفاعله كيفية أم لم يكن (8)له و كذلك ما عدا (9)الكلام من الأعراض كلها يحتاج إلى كيفية (10)
1) - رض، رض 2: تاكيدا.
2) - مر، رض 2: على قول. رض، مل: قول.
3) - مر، رض 2: و لا يقصد بذلك تقرير و لا استخبار و لا إخبار.
4) - باقى النسخ:+ تعالى.
5) - سائر النسخ: من.
6) - رض، مل، مر، رض 2: به.
7) - حش، رض، مر: للمتكلّم.
8) - رض، مل: لم تكن.
9) - أثبتناها عن رض و مل. و في مر و رض 2: ما سوى.
10) - رض، مل، مر، رض 2: إلى محلّ يقوم به.
و لا يفتقر في صحة العقل (1)لها إلى كيفية الفاعل (2)و لم يكن الفاعل فاعلا من حيث كانت له كيفية و لا ذلك من حده و حقيقته و لا من شرط كونه فاعلا بل حقيقة الفاعل خروج مقدوره إلى الوجود و هو معناه و كل فاعل خارج مقدوره إلى الوجود فهو فاعل فأما كون الشيء جسما أو جوهرا فليس من حدود الفاعلين و لا من حقائقهم و لا من (3)شروطهم على ما ذكرناه.
و الذي يدل على ذلك أنه قد يعرف الفاعل فاعلا من لا يعتقده جسما و لا جوهرا و لا يعرفه بذلك و يعرف الجسم جسما و الجوهر جوهرا من لا يعتقده فاعلا و لا يعلمه كذلك و لا يجوز الفعلية منه فيعلم أن المتكلم لا يحتاج في كونه متكلما إلى كيفيته (4)إذ كان معنى المتكلم و حقيقته من فعل الكلام بدلالة أن كل من عرف شيئا فاعلا للكلام عرفه متكلما و كل من عرفه متكلما علمه فاعلا للكلام و من اشتبه الأمر في فعله للكلام اشتبه في كونه متكلما و هذا واضح لمن تأمله إن شاء الله.
(فصل) (5)فأما الوصف لكلام الله تعالى بأنه نطق فمنكر من القول و لا يجوز وصف الباري تعالى بالنطق و إن وصف بالكلام إذ ليس معنى النطق معنى الكلام بل هما مختلفان في لسان العرب غير متفقين إذ كان المتكلم عندهم من فعل الكلام على ما بيناه و الناطق ما كانت له أصوات تختص بآلته المنبثة (6)في جملة جسمه و إن لم تكن تلك الأصوات كلاما مفهوما على ما ذكرناه و لو لم يكن به شرع و لا تضمنه القرآن و لا أطلقه أحد من أئمة أهل الإيمان لكفى فكيف و القول فيه ما ذكرناه.
(المسألة الثانية عشر) و سأل فقال إن قال المخالف أوجدونا النص على علي ع في القرآن و أن النص أوجب من الاختيار بدليل عقل و شرع و بطلان الخبر المروي في الاستخلاف على الصلاة و أنه لو صح لم يجز خلافه به و الجواب و بالله التوفيق (1)هذه ثلاث مسائل متباينات في المعاني و الألفاظ و قد أمليت في كل واحدة منها كلاما محفوظا عند أصحابنا و أوضحت فيها ما يحتاج إليه المسترشد من البيان فأنا (2)أرسم في كل واحدة منها جملة من القول كافية في هذا المكان إن شاء الله. (3)(فصل) أما قوله (4)أوجدونا النص على أمير المؤمنين ع في القرآن فإنا نقول إن ذلك ثابت في مجملة (5)دون التفصيل منه و الظاهر الذي يخرج عن الاحتمال و لو كان ظاهرا في القرآن على التفصيل و البيان لما وقع فيه تنازع و اختلاف و ليس وجوده في المحتمل من الكلام بمانع من قيام الحجة به على الأنام كما كان النص على رسول الله ص بالنبوة و البشارة به في مجمل كلام الله سبحانه من التوراة و الإنجيل و لم يكن (6)ذلك مانعا من قيام الحجة به على الأنام و كما ثبت عند المخالف لنا إمامة أئمتهم (7)و إن لم يكن عليها نص جلي من القرآن و ثبت أنهم في الجنة (8)على قولهم (9)بالنص (10)عن
1) - «و الجواب و باللّه التوفيق» ليست في رض و مل و مر و رض 2. و الموجود في الثلاث الأخيرة:
2) - رض، مل: فأنا.
3) - رض، رض 2:+ تعالى.
4) - رض، مل: أمّا قولهم. مر، رض 2: فامّا قولهم.
5) - مر: فى الجملة. رض: فى محله.
6) - رض، مل، رض 2: لم يك.
7) - باقى النسخ: ائمته.
8) - في الأصل: بالجنّة، اخترناها عن سائر النسخ.
9) - حش، رض، مل: على قوله.
10) - في الأصل: فى النصّ، اخترناها عن باقى النسخ.
النبي ص و إن لم يكن ذلك موجودا في نصوص القرآن و كما ثبت النص (1)على النصاب في المال الذي (2)فيه الزكاة و صفة الصلاة و كيفيتها و صفة الصيام و مناسك الحج و إن لم يكن ذلك كله منصوصا في (3)القرآن و ثبتت معجزات النبي (4)ص و قامت حجتها على الخلق و إن لم تكن منصوصة في ظاهر القرآن فكذلك ثبتت (5)إمامة أمير المؤمنين ع بالنص من رسول الله ص (6)و إن لم يكن ذلك مودعا في صريح القرآن.
(فصل) فمن المواضع التي (7)ثبت فيها النص على إمامة أمير المؤمنين ع من مجمل القرآن قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (8)ففرض طاعة أولياء الأمر كفرض طاعة نفسه و نبيه ص (9)و أمير المؤمنين ع من أولياء الأمر بغير إشكال (10)إذ كان للناس في معنى هذه الآية أقوال أحدها أن أولياء الأمر العلماء الثاني (11)هم أمراء السرايا الثالث (12)أنهم الأئمة للأنام و قد حصل لأمير المؤمنين ع جميع هذه الأوصاف فكان من جملة العلماء باتفاق و كان من وجوه أمراء السرايا للنبي (13)ص
1) - أثبتناها عن رض، مل، مر و رض 2.
2) - مل:+ تزكو. مر، رض 2:+ يجب.
3) - رض، مل، مر، رض 2:+ ظاهر.
4) - رض، مل: للرسول. مر: الرسول. رض 2: النبيّ الرسول.
5) - رض 2: ثبّتنا.
6) - حش: :. مر: 8. رض 2: عليه و آله السلام.
7) - في الأصل: الّذى، صحّحناها على باقى النسخ.
8) - سورة النساء (4): 59.
9) - رض 2: عليه و آله السلام.
10) - رض: بلا إشكال.
11) - باقى النسخ: و الثاني.
12) - باقى النسخ: و الثالث.
13) - رض: سرايا النبيّ.
بغير اختلاف و كانت له الإمامة بعده في حال على الاجتماع (1)في ذلك و عدم التنازع فيه بين جمهور العلماء فوجب أن يكون معينا بالآية على ما بيناه و إذا كانت الآية مفيدة لفرض طاعته على حسب إفادتها طاعة النبي ص (2)ثبت بذلك (3)إمامته في تنزيل القرآن. (4)(فصل) و من ذلك قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (5)و قد ثبت أن المنادى به غير المنادى إليه و أن المأمور بالاتباع غير المدعو إلى اتباعه فدل ذلك على أن (6)المأمورين باتباع الصادقين ليسوا هم الأمة بأجمعها و إنما هم طوائف منها و أن المأمور باتباعه غير المأمور بالاتباع (7)و لا بد من تمييز الفريقين بالنص و إلا وقع الالتباس (8)و كان فيه تكليف ما لا يطاق فلما بحثنا عن المأمور باتباعه وجدنا القرآن دالا عليه بقوله تعالى لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ وَ آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السَّائِلِينَ وَ فِي الرِّقابِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (9)فذكر سبحانه خصالا تقتضي لصاحبها بمجموعها التصديق و الصدق و دل على أنه عنى بالصادقين الذين
1) - رض 2: الإجماع.
2) - رض 2: عليه و آله السلام.
3) - حش: ذكر.
4) - مر:+ على ما بيّنّاه.
5) - سورة التوبة (9): 119.
6) - رض، مل:+ المؤمنين. حش، مر، رض 2:+ أمير المؤمنين، و هو تصحيف من الناسخ كما انّه في حش قد شطب عليها.
7) - رض: و أنّ المأمور بالاتّباع غير المأمور باتّباعه.
8) - رض، مل، رض 2: الإلباس.
9) - سورة البقرة (2): 177.
أمروا (1)باتباعهم من جمع الخلال التي عددناها دون غيره (2)و صح بذلك التمييز (3)بين المأمور بالاتباع و المدعو إلى اتباعه و لم نجد أحدا كملت له هذه الخصال المذكورة في القرآن من أصحاب النبي ص سوى أمير المؤمنين ع (4)بتواتر الأخبار و دلائل معاني القرآن أ لا ترى أنه (5)أعظم مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ و أجلهم و أرفعهم قدرا إذ كان أولهم إيمانا و كان مشهودا له بالإيمان بالله و اليوم الآخر وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ و كان ع ممن آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ ... وَ فِي الرِّقابِ و قد شهد بذلك له القرآن في قوله تعالى وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً (6)و كان هو المعني بذلك في هذه الآية على اتفاق العلماء (7)بتأويل القرآن و كان ع ممن أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ و قد نطق القرآن بذلك فيه (8)على الخصوص و الإفراد حيث يقول سبحانه إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ (9)فكانت هذه الآية على ما جاء به الثبت (10)في تفسير القرآن و طابق اللفظ باللفظ في الاثنين (11)معا على البيان و كان ع من الموفين لله بالعهد إذ لم يول الدبر في حرب قط و لا انهزم في مقام من المقامات عن الأعداء و لا عصى نبي الله تعالى (12)في شيء
1) - رض، مل، مر، رض 2: أمر.
2) - في الأصل: غير، صحّحناها على باقى النسخ.
3) - رض، رض 2: التميّز.
4) - مل: (صلوات اللّه عليه).
5) - رض، مل، مر، رض 2:+ من.
6) - سورة الإنسان (76): 8.
7) - رض 2: و كان المعنىّ في هذه الآية عليّ باتّفاق العلماء.
8) - حش، رض، مر، رض 2: فيه بذلك.
9) - سورة المائدة (5): 55.
10) - حش: السبب. مر، رض 2: الاثر.
11) - حش، رض، مل: الآيتين. رض 2: التلفظ اللفظ في الاثنين.
12) - رض 2: عليه و آله السلام.
و لا فرط في عهد له عليه و عقد على حال (1)و كان ع من الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ بظاهر شجاعته (2)و ثبوته في كل هول من غير جزع و لا خور له معروف (3)على حال و ليس يمكن القطع باجتماع هذه الخلال لأحد سواه من الصحابة و غيرهم من الناس فثبت أنه هو الذي عناه الله تعالى بقوله وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (4)و هذا نص على فرض اتباعه و الطاعة له و الإيمان (5)به في الدين من معنى المنزل في القرآن.
(فصل) و من ذلك قوله تعالى إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ (6)فواجه الله سبحانه بالنداء جماعة أضافهم إلى غيرهم بالولاء و جعل علامة المنادي إليه إيتاءه (7)الزكاة في حال الركوع بقوله سبحانه وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ و لا خلاف عند أهل اللغة أن قول القائل (8)جاءني زيد راكبا و جاءني زيد في حال ركوبه و رأيت عمرا و هو قائم و رأيته في حال قيامه كل واحد (9)من هذه الألفاظ يقوم مقام صاحبه و يفيد مفاده و إذا ثبت أن الولاء في هذه الآية واجب لمن آتى الزكاة في حال ركوعه و لم يدع أحد من أهل القبلة لأحد أنه آتى الزكاة في حال ركوعه سوى أمير المؤمنين ع وجب أنه المعني بقوله وَ الَّذِينَ آمَنُوا (10)و إذا ثبت ولايته حسب ولاية الله و رسوله ص وجبت له بذلك الإمامة
1) - مل: كلّ حال.
2) - حش، مل، مر، رض 2:+ 7.
3) - حش، رض، مل: و لا خور معروف له. مر، رض 2: و لا جاوز معروفا له.
4) - سورة التوبة (9): 119.
5) - باقى النسخ: الايتمام.
6) - سورة المائدة (5): 55.
7) - في الأصل و حش و مل: إتيانه، صحّحناها على رض، و في مر و رض 2: بايتاء.
8) - رض، مل:+ «جاءنى زيد و هو راكب» يفيد مفاد قوله: «جاءنى زيد راكبا».
9) - رض: واحدة.
10) - أثبتناها من رض، مل، رض 2 و مر.
إذ كانت ولاية الله و رسوله ص للخلق إنما هي فرض الطاعة التي تجب للرعية و هذا كاف في معنى الآية عن إطالة خطب ينتشر به الكلام.
(فصل) مع أن الولاية في اللغة و إن كانت تكون بمعنى المودة فإنها في هذا الموضع غير متوجهة إلا إلى معنى فرض الطاعة لأن قوله تعالى إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ جار مجرى قوله لا ولي لكم إلا الله (1)و محال أن يقصد بالولاية هاهنا المحبة و المودة و لأنه (2)قد أخبر في آية أخرى أن المؤمنين بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ فدل على أن الولاية بهذه (3)الآية خاصة لأمير المؤمنين (4)ع بمعنى يزيد على المودة و لا وجه لما زاد على معنى المودة إلا ما ذكرناه من فرض الطاعة المقتضي لصاحبه من الخلق التقدم بالإمامة (5)على من عداه من الأنام و في هذا القدر مع إيجازه غناء (6)عما سواه و الإبانة (7)عما ذكرناه من تضمن الآية النص على أمير المؤمنين ع بالإمامة حسب ما قدمناه.
(فصل) و قد اشتبه على ضعفه من مخالفينا اختصاص أمير المؤمنين ع بالولاية المذكورة في القرآن لظاهر لفظ العموم في قوله (8)وَ الَّذِينَ آمَنُوا فأنكروا لذلك أن يكون المعني بها أمير المؤمنين ع و هو واحد و هذا بعد منهم عن اللغة إذ كانت قد أتت بمثله في مواضع كثيرة من القرآن كقوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ (9)و هو لفظ عموم اختص بالبارئ وحده تعالى (10)
و كذلك قوله إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ (1)و قوله عز و جل وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ (2)و قوله إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (3)و قوله يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ (4)و المخاطب به رسول واحد و قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَ (5)فواجه (6)تعالى بلفظ التوحيد ثم اتبع الكلام بلفظ الجمع و قال المفسرون في قوله تعالى ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ (7)إن الناس هاهنا واحد و قوله (8)تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (9)نزلت في واحد بعينه نادى النبي ص فقال يا محمد إن مدحي زين و إن شتمي شين.
و قد جنى مخالفونا في هذا الباب على أنفسهم (10)جناية واضحة و ذلك لقولهم أن المعني بقوله وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (11)نزلت في واحد بعينه و هو أبو بكر بن أبي قحافة على قولهم فكيف جاز أن يعبر عن أبي بكر بلفظ الجمع (12)و فسد أن يعبر عن أمير المؤمنين (13)بذلك لو لا الخزي (14)و الخذلان نعوذ بالله من عدم التوفيق
1) - سورة نوح (71): 1.
2) - سورة الذاريات (51): 47.
3) - سورة الغاشية (88): 25- 26.
4) - سورة المؤمنون (23): 51.
5) - سورة الطلاق (65): 1.
6) - حش، رض، مل: فواجهه.
7) - سورة البقرة (2): 199.
8) - رض، مل: و قالوا في قوله.
9) - سورة الحجرات (49): 4.
10) - رض، مل: على أنفسهم في هذا الباب.
11) - سورة الزمر (39): 33.
12) - رض، مل: الجماعة.
13) - حش، رض، مل:+ 7.
14) - في الأصل و حش: الحين، صحّحناها على رض.
(فصل) و أما مسألتهم (1)من أين صار النص أولى من الاختيار فالجواب (2)أنه كان كذلك لأن من شرط الإمام أنه الأفضل عند الله و الأعلم الأشجع الأصلح و ذلك مما لا يعلم المستحق له على التعيين بالعقل و لا بالحدس (3)فثبت أنه لا طريق إليه إلا بالنص من العالم بالسرائر و التوقيف منه عليه.
و أيضا فإن الإمام يجب أن يكون معصوما كعصمة النبي ص و لا طريق إلى العلم بالعصمة إلا من جهة النص من صادق عن الله أو علم معجز خارق للعادات.
و أيضا فإن الاختيار طريقه السمع دون العقول و ليس في الشرع فرض الاختيار و لا إباحته فبطلت الدعوى له في الإمامة و في بطلانها ثبوت النص و التوقيف.
(فصل) و أما سؤالهم (4)في الخبر المروي عن النبي ص أنه استخلف أبا بكر على الصلاة فالجواب (5)أن ذلك من أخبار الآحاد التي لا توجب علما و لا عملا و ما كان هذا سبيله لم تثبت (6)به حجة في الدين و لأن الخبر بذلك جاء مختلفا في لفظه و معناه اختلافا يتناقض و القصة واحدة فدل على فساده بحسب ما ذكرناه.
و لأنهم قد
رووا عن النبي ص رواية لا تنازع فيها أنه قال يؤمكم أقرؤكم للقرآن فإن استووا في القرآن فأفقهكم في الدين (1)
و لم يكن أبو بكر أقرأ الصحابة (2)لما
رووه من قوله ص أقضاكم علي ع (3)و أعلمكم بالحلال و الحرام معاذ (4)و أفرضكم زيد (5)و أقرؤكم أبي (6)(7)
و إذا كان الأمر على ما ذكرناه لم يجز أن يسن ص في إمامة الصلاة سنة ثم يخالفها إلى غيرها لما تضمنه القرآن من قول النبي ص وَ ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ (8)و هكذا جرت سنة الأنبياء (9)لم يختلفوا فيها بل اتفقوا عليها من غير (10)اختلاف.
(فصل) و لو ثبت أن النبي ص أمره بالصلاة على ما ادعاه أهل الخلاف لما أوجب (11)ذلك له الاستخلاف في مقام النبوة و لا النص (12)عليه بالإمامة إذ ليس في الاستخلاف على الصلاة دليل على دعواهم الاستخلاف في
1) - روى البيهقيّ (فى السنن الكبرى 3/ 125) بإسناده أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، قال: يؤمّكم أقرؤكم لكتاب اللّه، و أقدمكم قراءة للقرآن، فإن كانت قراءتكم سواء فأقدمكم هجرة، فإن كانت هجرتكم سواء فأقدمكم سنّا. و روى الحاكم (فى المستدرك على الصحيحين 1/ 243) بإسناده عن ابن مسعود قال قال رسول اللّه 6: يؤمّ القوم أكثرهم قرآنا، فإن كانوا في القرآن واحدا فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة واحدا فأفقههم فقها، فإن كانوا في الفقه واحدا فأكبرهم سنّا. و انظر أيضا سنن ابى داود 1/ 160 ح 585.
2) - رض، مل:+ للقرآن.
3) - بحار الأنوار 41/ 141، و راجع الغدير 3/ 96 للوقوف على مصادر هذا الحديث من العامّة.
4) - في البداية و النهاية لابن كثير 7/ 97 ما نصّه: و أعلمهم بالحلال و الحرام معاذ بن جبل. و في حلية الأولياء 1/ 228: أعلم أمّتى بالحلال و الحرام معاذ بن جبل.
5) - في كنز العمّال 11/ 684 ح 4. 333 ما نصّه: أفرض أمّتي زيد بن ثابت.
6) - في الطبقات الكبرى لابن سعد 3/ 498: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: أقرأ أمّتى أبيّ.
7) - «و أقراكم أبىّ» ليست في رض و مل.
8) - سورة هود (11): 89.
9) - رض، مل:+ :.
10) - رض:+ خلاف و.
11) - رض، مل: وجب.
12) - رض، مل: و لا نصّ.
الإمامة من عقل و لا عادة و لا شرع و لا لسان و قد استخلف رسول الله ص ابن أم مكتوم على الصلاة في المدينة (1)و لم يكن ذلك دليلا على استخلافه في الأنام (2)و قد أمر رسول الله ص عمرو بن العاص على أبي بكر و عمر و أبي عبيدة بن الجراح و غيرهم من المهاجرين الأولين و استخلفه عليهم في الحرب و الصلاة و لم يكن ذلك دليلا على استخلافه في الإمامة العظمى على الأنام و استخلف عمر بن الخطاب صهيبا مولاه على الصلاة بالمسلمين في مدة أيام الشورى و لم يكن في ذلك دليل على استخلافه في مقامه على الأنام هذا و هم أنفسهم
يروون عن النبي ص أنه قال صلوا خلف كل بر و فاجر (3)
فأباح الصلاة خلف الفجار و ما أباحه لأمته جاز أن يتولى فعله فلا يكون في تقديمه (4)رجلا للصلاة بالناس دليل على بره و طهارته فضلا عن أن يكون فيه دليل على إمامته للأنام (5)مع أنهم قد ناقضوا فيما اعتقدوه و رووه من الأخبار
فرووا أن النبي ص قال يؤمكم خياركم (6)
1) - حش، رض، مل: بالمدينة.
2) - رض: فى الإمامة.
3) - روى البيهقيّ (في السنن الكبرى 4/ 19) بإسناده عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال: صلوا خلف كل برّ و فاجر، و صلوا على كلّ برّ و فاجر، و جاهدوا مع كلّ برّ و فاجر. و راجع ايضا: كنز العمّال 6/ 54 ح 14815.
4) - رض: تقديم النبيّ 6.
5) - رض، مل: الأنام.
6) - في كنز العمّال 7/ 596 ح 433. 2: إن سرّكم أن تقبل صلاتكم فليؤمّكم خياركم.
7) - رض، مل: فوجب.
8) - «الى» ليست في رض و مل.
و رووا أن أبا بكر قال وليتكم و لست بخيركم (1)
فنفى أن يكون خيرا من رعيته و ذلك يبطل روايتهم (2)عن النبي ص أنه قدمه للصلاة و دل بذلك على أنه خيرهم و إذا اختلفت أحاديثهم في هذا المعنى و تضادت أقوالهم فيه على ما بيناه سقط التعلق في الاحتجاج منهم (3)بالصلاة على ما شرحناه.
و قد أفردت في مسألة الصلاة المنسوبة إلى أبي بكر كتابا استقصيت الكلام فيه و شرحت وجوه القول في معناه فمن ظفر به أغناه في هذا الباب عما سواه إن شاء الله.
(المسألة الثالثة عشر) و سأل أيضا صاحب المسائل فقال ما العلة التي قسم بها أمير المؤمنين ع (4)الغنائم بصفين و لم يقسمها بالبصرة و الطائفتان في فعلهما سواء بل أهل الجمل أعظم لنكثهم (5)بعد إقرارهم و شبهة معاوية أقوى لطلبه (6)بثار عثمان و هو وليه و ابن عمه.
و الجواب و بالله التوفيق الأمر على خلاف ما ظنه السائل و لم يختلف حكم أمير المؤمنين ع في الفريقين و لم يقسم (7)غنائم الطائفتين إلا بما (8)
1) - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/ 169، و قال ابن سعد (فى الطبقات الكبرى 3/ 212): أخبرنا وهب بن جرير قال: أخبرنا أبى سمعت الحسن قال: لمّا بويع أبو بكر قام خطيبا- فلا و اللّه ما خطب خطبته أحد بعد- فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّى ولّيت هذا الأمر و أنا له كاره و اللّه لوددت أنّ بعضكم كفانيه، ألا و إنّكم إن كلفتموني أن أعمل فيكم بمثل عمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، لم أقم به، كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عبدا أكرمه اللّه بالوحى و عصمه به، ألا و إنّما أنا بشر و لست بخير من أحد منكم فراعونى، فإذا رأيتموني استقمت فاتبعونى، و إن رأيتموني زغت فقوّمونى، و اعلموا أنّ لي شيطانا يعترينى، فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبونى لا أؤثّر في أشعاركم و أبشاركم.
2) - رض: مبطل رواياتهم. مل: مبطل روايتهم.
3) - رض: منهم في الاحتجاج.
4) - رض: (صلوات اللّه و سلامه عليه).
5) - رض، مل: بنكثهم.
6) - مل: بطلبه.
7) - رض، مل:+ من.
8) - رض، مل: ما.
حواه عسكره دون ما سواه و لم يبح اتباع مدبر من الفريقين و لا الإجهاز على جريحهم (1)من الفئتين و من ظن أنه خالف بين حكمهما فقد ظن باطلا على ما ذكرناه.
(فصل) فأما الشبهة التي قويت عند السائل فهي ضعيفة جدا و ليس لمعاوية ولاية في دم عثمان مع ولده فإن ادعى ولده التوكيل في ذلك ادعى لطلحة و الزبير فيتساوى الدعويان (2)مع أنه لم يتول أمير المؤمنين ع قتل عثمان فيكون لأحد من أنسابه مطالبته بذلك و لو تولاه لكان المطالب به مبطلا لأنه يكون مطالبا لمحق (3)بما يلزم المبطل
و قد قال رسول الله ص علي مع الحق و الحق مع علي اللهم أدر الحق مع علي حيثما دار (4)
و قال ص اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله (5)
فأي شبهة مع هذا في جواز قتال أمير المؤمنين ع.
(المسألة الرابعة عشر) و قال السائل رأينا رسول الله ص مقدما للرجلين أعني أبا بكر و عمر لغير شرف كان لهما في الجاهلية و لا كثرة عشيرة و ظاهر شجاعة ثم صاحبهما (6)و عظمهما حتى تم لهما بعده (7)من الشبهة
1) - رض، مل: جريح.
2) - رض: فإن ادّعى لطلحة و الزبير مثله فتتساوى الدعوتان. مل: فإن ادّعى طلحة و الزبير مثله فتساوى الدعويان.
3) - رض، مل: لحقّ.
4) - الحديث متواتر عن رسول اللّه 6، رواه أربعة و عشرون صحابيّا و نقله من ائمّة الحديث مائة و تسعة و عشرون في مصنّفاتهم، راجع أسانيده في كتاب «الحقّ مع عليّ». لسماحة الشيخ مهديّ فقيه ايمانى.
5) - هذا الحديث متواتر قطعا، رواه مائة و عشرة من الصحابة و أربعة و ثمانون من التابعين و ثلاثمائة و ستون من ائمة الحديث في مصنّفاتهم، راجع: إحقاق الحقّ، عبقات الأنوار، و الغدير.
6) - رض، مل: صانهما.
7) - رض، مل: بعد.
ما تم لكبرهما (1)في نفوس الناس فعرفنا هل كانا منافقين و رسول الله ص يعلم ذلك منهما و يقدمهما على علم به أم ارتدا بعده و حملهما الحسد على ما كان منهما و قد كان يسع الرسول ص لما علم نفاقهما اطراحهما و أن لا يتزوج منهما.
و الجواب و بالله التوفيق أقول إن هذا السؤال مختلط غير مخلص و قد سمع صاحبه شيئا في موضع من المواضع فجعله في غيره و الذي سأل عنه القوم في تقديم الناس أبا بكر و لم يكن من أشرف العرب نسبا و لا أكثرهم عشيرة و لا أوفرهم مالا و إنهم زعموا (2)أن ذلك إنما كان لفضل وجدوه له في الدين.
فأما تقديم رسول الله ص من قدم فليس تدخل (3)الشبهة على أحد في أنه لم يفعل ذلك لشرف النسب أو عن (4)العشيرة أو المال فخلط السائل بين علل التقديمين و أسبابهما و تحقيق السؤال أن يقولوا لم قدم رسول الله ص الرجلين أ قدمهما على علم بفضلهما و رتبتهما أم (5)قدمهما و هو شاك في ذلك أم متيقن ضده فيهما و نقيضه.
فالجواب (6)عن ذلك أنا لا نسلم للقوم أن النبي ص قدم الرجلين تقديما يدل على فضلهما في الدين و لا عاملهما إلا بما يقتضيه التدبير في من ظاهره بالإيمان (7)و النصرة له بالكلام فأما التقديم المنبئ عن منازل الثواب فلم يكن من رسول الله ص إلا في من أطلعه الله تعالى (8)على مغيبه
من أهل الدين و قد قال الله جل اسمه ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (1)و لو قلنا إن النبي ص وضعهما بحيث يستحقه المشكوك في نيته أو (2)المعروف بأمارات عداوته لكنا نقول مقالا واضحا عند أهل الاعتبار أ لا ترى أن رسول الله (3)ص منعهما من شريف المقام في الجهاد و لم يأتمنهما على المبارزة و النزال و أنه عرضهما بخيبر للقتال فانكشف عنهما من سوء الحال فيه ما حقق ضعف بصائرهما في الجهاد فردا راية رسول الله ص و غرا أهل الإسلام بما كان منهما في الانهزام و لم يثبتا في يوم أحد و وليا في يوم حنين الأدبار و لم يرهما ص أهلا لولاية في حياته و لا إمارة على طائفة من الأمة قبل وفاته.
و سلم إلى أبي بكر عشر آيات من سورة البراءة لينبذ بها عهد المشركين فنزل جبرائيل (4)الأمين من عند الله العلي العظيم بمنع (5)ذلك و صرفه عن الأداء و تولية (6)أمير المؤمنين ع ذلك المقام و قلد عليهما تارة عمرو بن العاص و تارة أخرى أسامة بن زيد مع كونه في عداد الأحداث و ردهما عن تزويج فاطمة ع و لم يرهما أهلا للمصاهرة بها ع و لما استشار (7)الناس في الأسرى ببدر أشارا عليه (8)بما انصرف عنه فخالفهما فيما رأياه و لما رأت عائشة تقديم أبيها أبي بكر في الصلاة على نفر من أهل الإسلام و علم النبي ص ذلك (9)بادر معجلا و هو من المرض و الاضطرار إلى الدعة
و الرفاهية (1)على أظهر حال حتى عزله عن الصلاة و لم يرضه لذلك المقام في أمثال ما ذكرناه مما يطول باستقصائه الكلام فأي تقديم كان منه ص لهما في الدين يموه الأمر فيه على النصاب لو لا أنهم جهال أغمار.
(فصل) فأما سؤالهم عن علم رسول الله ص بباطنهما في الاعتقاد فإن أصحابنا قد أجابوا عن ذلك بثلاثة أجوبة.
أحدها أن قالوا لم يكن ع عالما بباطنهما في ذلك لأن الله تعالى ستره عنه كما ستر بواطن غيرهما من الناس فقال تعالى وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ (2).
و الثاني أن الأمر مشتبه في الباب (3)فجاز (4)أن يكون الله تعالى أطلعه على باطنهما فعرفه حق المعرفة و جاز (5)أن يكون ستره عنه و ليس على أحد الأمرين دليل.
الثالث أنه قد كان يعرف باطنهما على القطع و الثبات و القول بأنهما كانا على حقيقة الإيمان أو النفاق مما يختلف فيه أصحابنا أيضا.
فمنهم من يقطع على سلامة باطنهما في أول الأمر.
و منهم من يقطع (6)على خبث سرائرهما في الدين و هم أصحاب الموافاة من أصحاب (7)الإمامة و معهم بذلك دلائل عقلية و سمعية معا على الاتفاق.
و منهم من يقف في ذلك.
و ليس يمكن المخالف (1)التعلق بفعل من رسول الله (2)ص بهما يضاد القول الذي حكيناه عن أصحاب الموافاة و المدعى على النبي ص الإجلال لهما و الإعظام مقتصر في (3)الدعوى على ذلك بغير برهان فلا وجه للتشاغل بالكلام على وجوه أفعال لم تثبت بحجة عقل و لا خبر معلوم و لا حجة كتاب.
(فصل) فأما تزوج (4)النبي ص بابنتيهما فغير مضاد للقول بعلمه من باطنهما ما ذكرته الإمامية من أصحاب الموافاة لأنه قد تزوج (5)بنات المنافقين و الكفار فتزوج بسودة (6)بنت زمعة و كان أبوها مشركا و مات على الضلال و تزوج برملة بنت أبي سفيان قبل الهجرة و كان أبوها إذ ذاك أكبر رءوس الكفار و صاحب الحروب مع النبي (7)ص في مقام بعد مقام و تزوج بصفية بنت حي بن أخطب بعد أن أعتقها و (8)قتل أباها على الكفر و الضلال فأي شبهة تدخل على عاقل في سلامة (9)بواطن آباء أزواج النبي ص و إخوتهم و أقاربهم مع ما ذكرناه و في هذا القدر كفاية و غنى (10)في هذا الباب عما (11)سواه.
(المسألة الخامسة عشرة) و سأل أيضا عن تزويج أمير المؤمنين ع ابنته أم كلثوم عمر بن الخطاب و قد عرف خلافه و كفره و قول الشيعة أنه رد أمرها
1) - مل: للمخالف.
2) - رض: بفعل رسول اللّه.
3) - رض، مل: على.
4) - رض: تزويج.
5) - حش، مل:+ 7.
6) - في الأصل و حش و رض و مل: بسلمة، لعلّه تصحيف، صحّحناه على رض 2.
7) - رض: حروب النبيّ. مل: حروب النبيّ معه.
8) - حش، رض، مل:+ قد.
9) - رض 2: معرفته.
10) - رض، مل: غنى.
11) - في الأصل: عمّن، صحّحناها على باقى النسخ.
إلى العباس يدل على (1)أنه كان يرى تزويجه في الشريعة لأنه (2)لو لم يجز لما ساغ له التزويج (3)و التوكيل فيه قال السائل فإن كان عمر مسلما فلم امتنع علي (4)ع من مناكحته ثم جعل ذلك إلى العباس رضي الله عنه. (5)و الجواب و بالله التوفيق أن المناكح (6)على ظاهر الإسلام دون حقائق الإيمان و الرجل المذكور و إن كان بجحده النص و دفعه الحق قد خرج عن الإيمان فلم يخرج عن الإسلام لإقراره بالله و رسوله ص و اعترافه بالصلاة و الصيام و الزكاة و الحج و إذا كان مسلما بما ذكرناه جازت مناكحته من (7)حكم الشريعة و ليس يمتنع كراهة مناكحة من يجوز مناكحته (8)للإجماع على جواز مناكحة الفاسقين من أهل القبلة لفسقهم و إن كانت الكراهة لذلك لا تمنع من إباحته (9)على ما بيناه.
و قد ورد عن أهل البيت ع (10)كراهة مناكحة شارب مسكر و قالوا من زوج ابنته شارب الخمر (11)فكأنما قادها إلى الزناء (12)
و لا خلاف أنه إن عقد عليها لشارب (13)خمر على سبيل التحريم أن العقد ماض و إن كان مكروها
1) - أثبتناها عن رض و مل.
2) - مل: إذ.
3) - «التزويج و» ليس في رض و مل.
4) - رض:+ 7.
5) - «رضي اللّه عنه» ليست في حش و رض و مل.
6) - رض: المناكحة.
7) - حش، رض، مل: فى.
8) - في الأصل: مناكحه، صحّحناها على باقى النسخ.
9) - «و إن كانت الكراهة لذلك لا تمنع من إباحته» ليست في رض و مل.
10) - أثبتناها عن باقى النسخ.
11) - في الأصل و حش: خمر، صححناها على رض و مل و مصدر الحديث.
12) - عن الصّادق 7 أنّه قال: شارب الخمر إذا مرض فلا تعودوه- إلى أن قال- و إذا خطب إليكم فلا تزوّجوه، فإنّه من زوّج ابنته شارب الخمر، فكأنّما قادها إلى الزّنى. (مستدرك الوسائل 14/ 191).
13) - مل: شارب.
و هذا (1)يسقط شبهة الخصم في تزويج أمير المؤمنين ع عمر بن الخطاب و ما أورده في توكيله العباس في ذلك و توهم المناقضة (2)و التضاد. (3)(فصل) و قد قال بعض الشيعة أنه ع كان فيما فعله من ذلك مضطرا و إنما جعل الأمر فيه إلى العباس و لم يتوله بنفسه ليدل بذلك على اضطراره إليه فالضرورة تبيح ما يحظره الاختيار و هذا أيضا يسقط شبهة الخصم التي تعلق بها.
(فصل) و بالجملة (4)إن مناكحة الضال قد وجدت من الأنبياء ع عملا و عرضا و دعاء و لم يمنع من ذلك ضلالهم و لا أوجب موالاة الأنبياء لهم و لا دل على ذلك أ لا ترى أن النبي ص قد أنكح ابنتيه برجلين كافرين و هما عتبة بن أبي لهب و أبو العاص بن الربيع و لم يقض (5)ذلك بضلاله ص و لا هداهما و لا منعت المناكحة بينهما من براءة (6)منهما في الدين و قد قال الله تعالى مخبرا عن لوط ع هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ (7)فعرض بناته على الكفار من قومه و قد أذن الله في إهلاكهم (8)و لم يقتض (9)ذلك بولايته لهم و لا منع من عداوتهم في الدين.
و قد أقر رسول الله المنافقين على نكاح المؤمنات و أقر المؤمنين على نكاح المنافقات (10)و لم يمنع ذلك من تباين الفريقين في الدين و هذا القدر كاف في جواب ما سأل عنه السائل و لي في هذه المسألة كتاب مفرد قد استقصيت الكلام
فيه فمن وجده و تأمله أغناه في معناها عمن سواه إن شاء الله (1).
(المسألة السادسة عشر) قال (2)السائل إذا صح النص (3)بحديث الغدير و غيره و كانت الأنصار قد سمعت ذلك و عرفته فكيف دعت إلى أنفسها أ تراها أ نسيت (4)ذلك حين اجتمعت (5)على سعد بن عبادة أم عاندت فيه و ما بالهم لما رأوا الأمر خارجا عنهم إلى قريش لم يذعنوا بالحق و يظهروا ما أبطنوه و يردوا الأمر إلى صاحبه و يمنعوا قريشا منه بذكر النص و الاحتجاج به.
و الجواب و بالله التوفيق أن الأنصار لم تنس ذلك النص و لا جهلت معناه و إنما أقدمت على طلب الأمر و الاستبداد به كما يقدم المسلم على ارتكاب محظور على غير الاستحلال له لدواع تدعوه إلى ذلك و شهوات و استعجال اللذات و محبة التأمر في الدنيا و الرئاسات و لا يكون بفعله ذلك ناسيا للشرع و لا معاندا فيه.
(فصل) فأما تركهم الإقرار بالنص عند خروج الأمر عنهم فذلك لأسباب اقتضته.
أحدها طمعهم في نيله من بعد فلو اعترفوا بالنص لأيسوا من الظفر به مع حصوله في المنصوص عليه.
الثاني (6)أنهم كرهوا أن يظهروا ضلالهم فيما سبق منهم من (7)ادعاء الأمر فأمسكوا عن الإقرار بالحق لذلك.
الثالث (1)أنهم اعتقدوا في الإقرار بالنص ظهور باطلهم في الدعوة إلى أنفسهم مع قرب (2)ما يرجونه من إخراج الأمر عن قريش إلى صاحبه و لا يكونون (3)حينئذ قد نالوا غرضا صحيحا في الاعتراف بالنص اللهم إلا أن يريدوا لله عز اسمه (4)و ليس كل واحد (5)يرى الرجوع في كل حال إلى الله تعالى (6)و إنما يرى ذلك من ترتفع (7)عنه دواعي الدنيا و لم تكن مرتفعة عن طائفة من الأنصار فكذلك قاموا (8)على ما كانوا عليه من دفع النص (9)و الإنكار.
(فصل) و قد قال بعض الشيعة إن الأنصار لم تدعوا إلى أنفسها لتتأمر على الأمة و تقوم في مقام الخلافة و إنما دعوا إلى الأمر و التدبير مدة شغل أمير المؤمنين (10)بالنبي ص و فراغ قلبه للنظر في أمر الإمرة من المصيبة به (11)و هذا هو الظاهر من دعواهم لقولهم منا أمير و منكم أمير (12)و لم يقولوا نحن الأئمة و الخلفاء و لا منا خليفة و لا إمام و منكم خليفة أو
1) - حش، رض، مل: و الثالث.
2) - رض: قوّة.
3) - حش، رض: و لا يكونوا، مل: و لا يكون.
4) - حش، رض، مل: عزّ و جلّ.
5) - حش، رض، مل: أحد.
6) - حش، رض، مل: عزّ اسمه.
7) - رض، مل: يرتفع.
8) - رض، مل: فلذلك أقاموا.
9) - رض، مل: الدفع للنصّ.
10) - حش، رض، مل:+ 7.
11) - رض:+ 6.
12) - في صحيح البخاريّ، باب مناقب المهاجرين (2/ 291): و اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بنى ساعدة، فقالوا: منّا أمير و منكم أمير. فذهب اليهم أبو بكر و عمر بن الخطّاب و أبو عبيدة بن الجرّاح فذهب عمر يتكلّم فأسكته أبو بكر، و كان عمر يقول: و اللّه ما اردت بذلك إلّا أنّى قد هيّأت كلاما قد اعجبنى خشيت أن لا يبلغه أبو بكر. ثمّ تكلّم أبو بكر فتكلّم أبلغ الناس فقال في كلامه: نحن الامراء و أنتم الوزراء. فقال حباب بن المنذر: لا و اللّه لا نفعل، منّا أمير و منكم أمير. فقال أبو بكر: لا، و لكنّا الامراء و أنتم الوزراء، هم أوسط العرب دارا و أعربهم أحسابا، فبايعوا عمر أو و أبا عبيدة! فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيّدنا و خيرنا و أحبّنا الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فأخذ عمر بيده فبايعه و بايعه الناس.
إمام (1)و هذا يسقط سؤال السائل و ما فرع عليه من الكلام.
(فصل) و قال أيضا بعض الشيعة إن الذي منع عند فوت الأمر لهم من الإقرار بالنص و الشهادة به أنهم كانوا في أول أمرهم و طلبهم الرئاسة قاصدين (2)غرضين أحدهما إزالته عن المنصوص عليه و الثاني حوزه دون قريش فلما فاتهم أحد الغرضين حصل لهم الآخر فلم يقع (3)منهم الاعتراف بالنص لمناقضته (4)أحد الغرضين المذكورين و مناقضة (5)الغرض الآخر بل من (6)العقلاء و الجوابان الأولان أشبه بالأصل الذي قدمناه في الجواب عن طلبهم الأمر و أقرب وضوحا عند ذوي العقول و الدين و إليهما أذهب و عليهما أعول دون الآخرين (7)و إن كانا مسقطين لاعتراض الخصوم على كل حال
(المسألة السابعة عشر) و قال السائل اعتراض فلسفي فقال إذا قلتم إن الله (8)وحده لا شيء كان معه فالأشياء المحدثة من أي شيء كانت فقلنا له مبتدعة لا من شيء فقال أحدثها معا أو في زمان بعد زمان قال فإن قلتم معا أوجدناكم أنها لم تكن معا و أنها حدثت شيئا بعد شيء و إن قلتم أحدثها في زمان بعد زمان فقد صار معه شريك و هو الزمان.
و الجواب و بالله التوفيق أن الله (9)لم يزل واحدا لا شيء معه و لا ثاني له و أنه ابتدأ ما أحدثه في غير زمان و ليس يجب إذا أحدث بعد الأول
حوادث أن يحدثها في زمان و لو فعل لها زمانا لما وجب بذلك (1)قدم الزمان إذ الزمان حركات الفلك أو ما يقوم مقامها مما هو بقدرها في التوقيت فمن أين يجب عند هذا الفيلسوف أن يكون الزمان قديما إذا (2)لم توجد الأشياء ضربة واحدة لو لا أنه لا يعقل معنى الزمان.
(فصل) على أنه يقال لمن ظن أن الأفعال لا تكون إلا في زمان خبرونا عما بين الزمانين المتصلين أ هو زمان أو غير زمان فإن قالوا زمان أحالوا بجعلهم (3)بينهما فصلا (4)و المسألة عن غير هذا و إن قالوا لا زمان بينهما اعترفوا بتقدير فعل لا في زمان و إن زعموا أن الزمان شيء واحد لا يتقدم بعضه بعضا أوجبوا (5)أن يكون الموجود في سنة أربع مائة من الهجرة هو الموجود في أول سنة من الهجرة و الموجود في عهد آدم (6)على الابتداء مبتدأ في عهد النبي (7)و أن زمان آدم هو زمان محمد ص (8)و هذا تجاهل لا خفاء به.
(المسألة الثامنة عشر) قال السائل خبرونا عن الفرق بين الزمان و الدهر و قول الله تعالى هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (9)قال و نحن نقول إن الأشباح مخلوقة قديمة.
و الجواب عما تضمنه هذا الفصل من المسائل أن الزمان هو ما ضمن شيئا
مفروضا فأضيف إليه كقولهم كان كذا في (1)زمن آدم (2)أو زمان سليمان (3)و نحو ذلك و الدهر ما امتد من الأوقات و طال و لم يضف إلى شيء بعينه فالزمان على ما ذكرناه أقصر من الدهر و الدهر أطول من الزمان.
(فصل) و معنى قوله تعالى هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ قد أتى على الإنسان طائفة من الدهر و بعض الدهر لم يكن فيه شيئا مذكورا و الحين على ما جاء به الأثر ستة أشهر و مقدارها من الزمان قال (4)تعالى تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها (5)و هي تأتي بثمرها في كل ستة أشهر و لسنا نقطع على أن الحين الذي كان أتى على الإنسان هذا القدر بعينه و إنما يجعل (6)معنى الحين في الشرع و حكمه ما قدرناه للأثر (7)على ما بيناه.
(فصل) و أما (8)قوله إن الأشباح مخلوقة قديمة فهو باطل و كلامه (9)متناقض اللهم إلا أن يريد بذكر القدم تقدم الزمان الذي لا ينافي الابتداء و الحدوث فذلك مما يسلم به الكلام من التناقض إلا أنا لسنا نعلم ما أراد بقوله الأشباح قديمة و مخلوقة (10)و لا ما عناه بذلك فيكون كلامنا بحسبه و القول بأن الأشباح (11)قديمة
1) - حش:+ كذا أو.
2) - رض:+ 7.
3) - «من الدهر» ساقطة من رض.
4) - حش، رض، مل:+ اللّه.
5) - سورة إبراهيم (14): 25.
6) - رض، مل: نجعل.
7) - رض، مل: ما قدّره الأثر.
8) - رض، مل: فأمّا.
9) - رض، مل: كلامه.
10) - حش: قديمة مخلوقة.
11) - في الأصل و حش و مل: أشباحا. و في رض: أشباحنا. و لعلّ ما اخترناه أنسب لما يقتضيه السياق.
بدع من القول (1)لم يثبت عن صادق عن الله سبحانه فيما نعرفه (2)إلا من كلام طائفة من الغلاة و عامة لا معرفة لهم بمعاني الكلام.
(المسألة التاسعة عشر) قال السائل و خبرنا (3)عن الجنة و النار أ خلقتا (4)أم لا و عن الصور أي شيء هيئته (5)و عن (6)الريح من أي شيء خلقت.
و الجواب عن هذه المسائل (7)أن الجنة و النار مخلوقتان على ما جاء به الأثر عن النبي ص و هما أيضا مسكونتان تسكنهما الملائكة إلى يوم المآب فيسكنهما حينئذ الإنس و الجان و أما الصور فهو جمع صورة لأنه يقال صور (8)و صور كما يقال في جمع السورة سور و سور و المعنى في قوله وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ (9)يريد به إحياء الصور من الجن و الإنس و كل مصور مات في الدنيا فجعل إنشاء الحياة فيها كالنفخ في الجسم (10)يحركه فشبه الحياة التي يكون فيها حركة الأجسام بالنمو بالريح التي يتحرك فيها ما جاورها من الأجسام.
(فصل) فأما الريح فليس لها أصل خلقت منه مقطوع به و قد قيل إنها بخار الأرض و ما يتحلل من الأجسام بالاستحالة و هي أجسام لطاف شفاف (11)تتحرك
1) - حش، مل: المقال. رض: المقام.
2) - مل: و لم نعرفه. رض: و لم يعرفه.
3) - رض: خبّرونا.
4) - في الأصل خلقتا، صحّحناها على حش و مل و مر. و في رض: أخلقا.
5) - حش: هى.
6) - «عن» ساقطة من باقى النسخ.
7) - رض، مل:+ الثلاث.
8) - حش، رض: صورة.
9) - سورة الكهف (18): 99 و غيرها.
10) - رض، مل، رض 2:+ الّذى.
11) - رض: لطافة شفافة. مل، مر، رض 2: لطاف شفافة.
و تسكن و تجتمع و تفترق و تسخن و تبرد (1)و تلذ و تؤلم يقضي بذلك (2)المشاهدة و يستغنى بالظهور عن الاستدلال عليه.
(المسألة العشرون) قال السائل الإمام عندنا مجمع (3)على أنه يعلم ما يكون فما بال أمير المؤمنين ع خرج إلى المسجد و هو يعلم (4)أنه مقتول و قد عرف قاتله و الوقت و الزمان و ما بال الحسين ع صار إلى أهل الكوفة و قد علم أنهم يخذلونه و لا ينصرونه و أنه مقتول في سفره تلك (5)و لم لما حوصر و قد علم (6)أن الماء منه لو حفر على أذرع يسيرة لم يحفر (7)و لم أعان على نفسه حتى تلف عطشا و الحسن ع وادع معاوية (8)و هو يعلم أنه ينكث و لا يفي و يقتل شيعة أبيه ع.
و الجواب و بالله التوفيق عن (9)قوله أن الإمام يعلم ما يكون بإجماعنا (10)أن الأمر على خلاف ما قال و ما أجمعت الشيعة قط على هذا القول و إنما إجماعهم ثابت على أن الإمام يعلم الحكم في كل ما يكون دون أن يكون عالما بأعيان ما يحدث و يكون على التفصيل و التمييز و هذا يسقط الأصل الذي بنى عليه الأسئلة بأجمعها.
(فصل) و لسنا نمنع أن يعلم الإمام أعيان الحوادث (11)تكون بإعلام الله تعالى له
1) - «و تسخن و تبرد» ساقطة عن مل.
2) - رض، مل:+ الحسّ.
3) - أثبتناها عن حش، رض، مل.
4) - رض: و قد يعلم. مل: و قد علم.
5) - رض، مل: تيك.
6) - حش: و قد عرف. مل، رض: و لم لمّا حضر و قد عرف.
7) - مر، رض 2: و لم لمّا حضر و عرف أنّ الماء قد منع منه و أنّه إن حفر أذرعا قريبة نبع الماء و لم يحفر.
8) - مر، رض 2:+ و هاونه.
9) - أثبتناها عن مر و رض 2.
10) - مر، رض 2: فإجماعنا أنّ الأمر ...
11) - رض، مل: حوادث. مر، رض 2: ما يحدث.
ذلك فأما القول بأنه يعلم كل ما يكون فلسنا نطلقه و لا نصوب قائله لدعواه فيه من غير حجة و لا بيان.
(فصل) و القول بأن أمير المؤمنين ع كان يعلم قاتله و الوقت الذي يقتل فيه فقد جاء الخبر متظاهرا أنه كان يعلم في الجملة أنه مقتول و جاء أيضا بأنه كان يعلم قاتله على التفصيل (1)فأما علمه في وقت (2)قتله فلم يأت فيه أثر على التفصيل و لو جاء فيه أثر (3)لم يلزم ما ظنه المستضعفون إذ كان لا يمتنع أن يتعبده الله بالصبر على الشهادة و الاستسلام للقتل ليبلغه الله بذلك من علو الدرجة ما لا يبلغه إلا به و لعلمه تعالى بأنه يطيعه في ذلك طاعة لو كلفها سواه لم يؤدها و يكون في المعلوم من اللطف بهذا التكليف لخلق من الناس ما لا يقوم مقامه غيره فلا يكون بذلك أمير المؤمنين ع ملقيا بيده إلى التهلكة و لا معينا على نفسه معونة مستقبحة في العقول.
1) - روى الشيخ المفيد في كتابه (الإرشاد ص 6) تحت عنوان «الأخبار الّتى جاءت بذكره 7 الحادث قبل كونه، و علمه به قبل حدوثه»: عن الأصبغ بن نباته، قال: أتى ابن ملجم أمير المؤمنين فبايعه 7 فيمن بايع، ثمّ أدبر عنه فدعاه أمير المؤمنين 7 فتوثّق منه و توكّد عليه ألّا يغدر و لا ينكث، ففعل ثمّ أدبر عنه، فدعاه أمير المؤمنين 7 الثانية فتوثّق منه و توكّد عليه ألّا يغدر و لا ينكث، ففعل ثمّ أدبر عنه، فدعاه أمير المؤمنين الثالثة فتوثّق منه و توكّد عليه ألّا يغدر و لا ينكث، فقال ابن ملجم لعنه اللّه: و اللّه يا أمير المؤمنين ما رأيتك فعلت هذا باحد غيرى. فقال أمير المؤمنين 7:
2) - باقى النسخ: بوقت.
3) - روى الشيخ المفيد في كتابه (الإرشاد ص 8) في حديث آخر: أن أمير المؤمنين 7 قد سهر تلك الليلة فأكثر الخروج و النظر الى السماء و هو يقول: و اللّه ما كذبت و لا كذبت و انّها الليلة الّتى وعدت بها، ثمّ يعاود مضجعه، فلمّا طلع الفجر شدّ إزاره و خرج و هو يقول:
(فصل) فأما علم الحسين ع بأن أهل الكوفة خاذلوه فلسنا نقطع على ذلك إذ لا حجة عليه من عقل و لا سمع و لو كان عالما (1)بذلك لكان الجواب عنه ما قدمناه في الجواب عن أمير المؤمنين ع بوقت قتله و المعرفة بقاتله لما ذكرناه.
(فصل) أما دعواه علينا أنا نقول إن الحسين ع كان عالما بموضع الماء و قادرا عليه فلسنا نقول ذلك و لا جاء به خبر على حال و ظاهر الحال التي كان عليها الحسين ع في طلب الماء و الاجتهاد فيه يقتضي بخلاف ذلك و لو ثبت أنه كان عالما (2)بموضع الماء لم يمتنع في العقول أن يكون متعبدا بترك السعي في طلب الماء من ذلك الموضع و متعبدا بالتماسه من حيث كان ممنوعا منه حسب ما ذكرناه في أمير المؤمنين ع غير أن الظاهر (3)في
1) - روى أنّه (صلوات اللّه عليه) لمّا عزم على الخروج الى العراق و قام خطيبا فقال: الحمد للّه و ما شاء اللّه، و لا حول و لا قوة إلّا باللّه و صلّى اللّه على رسوله و سلّم، خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، و ما أولهنى إلى أسلافى اشتياق يعقوب الى يوسف. و خيّر لي مصرع أنا لاقيه، كأنّى بأوصالى يتقطّعها عسلان الفلوات، بين النواويس و كربلا، فيملأنّ منّى أكراشا جوفا و أجربة سغبا، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم ... من كان فينا باذلا مهجته، موطّنا على لقاء اللّه نفسه فليرحل معنا، فإنّى راحل مصبحا إن شاء اللّه. (بحار الأنوار 44/ 366).
2) - قال (محمّد بن أبي طالب): و رجعت خيل ابن سعد حتّى نزلوا على شاطئ الفرات، فحالوا بين الحسين و أصحابه و بين الماء، و أضرّ العطش بالحسين و أصحابه، فأخذ الحسين 7 فأسا و جاء الى وراء خيمة النساء، فخطا في الأرض تسع عشر خطوة نحو القبلة ثمّ حفر هناك، فنبعت له عين من الماء العذب، فشرب الحسين 7 و شرب الناس بأجمعهم، و ملئوا أسقيتهم، ثمّ غارت العين، فلم ير لها أثر، و بلغ ذلك ابن زياد فأرسل إلى عمر بن سعد: بلغني أنّ الحسين يحفر الآبار، و يصيب الماء، فيشرب هو و أصحابه، فانظر إذا ورد عليك كتابى فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت و ضيّق عليهم، و لا تدعهم يذوقوا الماء، و افعل بهم كما فعلوا بالزكىّ عثمان، فعندها ضيّق عمر بن سعد عليهم غاية التضييق. (بحار الأنوار 44/ 387).
3) - رض: ظاهر الحال.
خلاف ذلك على ما قدمناه.
(فصل) و الكلام في علم الحسن ع بعاقبته حال موادعته معاوية بخلاف ما تقدم و قد جاء الخبر بعلمه ذلك و كان شاهد الحال له يقتضي به غير أنه دفع به عن تعجيل قتله و تسليم أصحابه (1)إلى معاوية و كان في ذلك لطف في مقامه إلى حال معينة و لطف لبقاء كثير من شيعته و أهله و ولده و رفع لفساد في الدين هو أعظم من الفساد الذي حصل عند هدنته و كان ع أعلم (2)بما صنع لما ذكرناه و بينا الوجه (3)فيه و فصلناه.
(المسألة الحادية و العشرون) و سأل عن قوله تعالى إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (4)و قال في هذه الآية تأكيد (5)فقد أوجب تعالى بأنه (6)ينصرهم في الحالين جميعا في الدنيا و الآخرة و هذا الحسين بن علي ع حجة الله
1) - رض، مل:+ له.:
2) - عن سليم بن قيس قال: قام الحسين بن عليّ بن أبي طالب 8 على المنبر حين اجتمع مع معاوية، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس إنّ معاوية زعم أنّى رأيته للخلافة أهلا، و لم أر نفسى لها أهلا، و كذب معاوية، أنا أولى الناس، بالناس، في كتاب اللّه و على لسان نبىّ اللّه، فأقسم باللّه لو أنّ الناس بايعونى و أطاعوني و نصروني لأعطتهم السماء قطرها و الأرض بركتها، و لما طمعت فيها يا معاوية ... و قد هرب رسول اللّه 6 من قومه، و هو يدعوهم إلى اللّه، حتّى فرّ إلى الغار، و لو وجد عليهم أعوانا ما هرب منهم، و لو وجدت أنا أعوانا ما بايعتك يا معاوية. (بحار الانوار 44/ 22). و قد أجاب 7 حجر بن عدىّ الكنديّ لمّا قال له: سوّدت وجوه المؤمنين، فقال 7: ما كلّ أحد يحبّ ما تحبّ و لا رأيه كرأيك، و انّما فعلت ما فعلت إبقاء عليكم. (بحار الأنوار 44/ 28). و روى الكليني عن أبي جعفر 7 قال: و اللّه، للّذى صنعه الحسن بن عليّ 8 كان خيرا لهذه الامّة ممّا طلعت عليه الشمس. (الكافي 8/ 330 و راجع أيضا بحار الأنوار 44/ 25).
3) - رض، مل: الوجوه.
4) - سورة غافر (40): 51.
5) - رض، مل: و هذه لام تأكيد.
6) - باقى النسخ: انّه.
قتل مظلوما فلم ينصره أحد و الله تعالى غضب لناقة فأهلك الأرض و من عليها و قد قتل هو (1)و أهل بيته و سبي الباقون منهم فأملى الله لهم و لم يظهر غضبه عليهم فليعرفنا ما عندك (2)في ذلك مأجورا إن شاء الله تعالى.
و الجواب و بالله التوفيق أن الله تعالى وعد رسله و المؤمنين في الدنيا و الآخرة بالنصر فأنجز وعده في الدنيا و (3)منجز لهم وعده (4)في الآخرة و ليس النصر الذي وعدهم به في الدنيا هو الدولة الدنيوية (5)و الإظفار لهم بخصومهم و التهليك لهم إياهم بالغلبة بالسيف و القهر به و إنما هو ضمان لهم (6)بالحجج البينات و البراهين القاهرات و قد فعل سبحانه ذلك فأيد الأنبياء و الرسل و الحجج من بعدهم بالآيات المعجزات و أظهرهم على أعدائهم بالحجج البالغات و خذل أعداءهم بالكشف عما (7)اعتمدوه من الشبهات و فضحهم بذلك و كشف عن سرائرهم و أبدى منهم العورات و كذلك حال المؤمنين في النصر العاجل إذ هم مؤيدون في الدنيا (8)بالبينات و أعداؤهم مخذولون بالالتجاء إلى الشبهات.
فأما ما وعدهم (9)تعالى من النصر في الآخرة فإنه بالانتقام لهم من الأعداء و حلول عقابه بمن خالفهم من الخصماء و حميد العاقبة لهم بحلول دار الثواب و ذميم عاقبة أعدائهم بصليهم (10)في العذاب الدائم و العقاب أ لا ترى إلى قوله تعالى وَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (11)فأخبر عز اسمه أنه لا ينفع أعداء الرسل و المؤمنين
1) - رض، مل: قد قتل و قتل بنوه.
2) - في الأصل و حش: ما عنده، صحّحناها على رض و مل.
3) - رض، مل:+ هو.
4) - حش، رض، مل: وعدهم.
5) - حش، رض، مل: الدنياوية.
6) - رض، مل: لنصرتهم.
7) - حش، رض، مل: عن ضعف ما.
8) - رض: فى الدين.
9) - رض:+ اللّه.
10) - في الأصل و حش: يصليهم، صحّحناها على رض و مل.
11) - سورة غافر (40): 52.
معاذيرهم في القيامة و أن لهم فيها اللعنة و هي الطرد عن الخير و الثواب و التبعيد لهم عن ذلك وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ يعني العاقبة و هو خلودهم في العقاب و هذا يبطل الشبهة في أن الحسين ع لم يتوجه إليه الوعد بالنصر لأنه قتل و قتل معه بنوه و أهل بيته و أسر الباقون منهم إذ النصر المعنى ما ذكرناه.
و ليس في قتل الرسل في الدنيا و ظفر أعدائهم في الأولى و إن كانوا هم الأعلون عليهم بالحجة و الغالبون لهم بالبرهان و الدلالة و يوم القيامة ينتصر الله لهم منهم بالنقمة (1)الدائمة حسب ما بيناه و قد قالت الإمامية إن الله تعالى ينجز الوعد بالنصر للأولياء قبل الآخرة عند قيام القائم و الكرة التي وعد بها المؤمنين و هذا لا يمنع (2)من تمام الظلم عليهم حينا مع النصر لهم في العاقبة حسب ما ذكرناه.
(فصل) فأما قوله إن الله غضب لناقة فأهلك الأرض و من عليها فالغضب من الله تعالى لم يكن للناقة و إنما كان لمعصية القوم له فيها و جرأتهم على خلافه فيما أمرهم به في معناها و قد عقرت على كل حال و نصر الله تعالى نبيه صالحا ع بالحجة عليهم لأنه كان أخبرهم بتعجيل النقمة منه (3)على عقر الناقة و لو كان النبي ص أخبر بذلك لعجل لقاتليه (4)العذاب و لما أخر عنهم إلى يوم المآب و لو علم الله تعالى أن تعجيل العذاب لقاتل الحسين ع من اللطف في الدين مثل اللطف الذي كان في تعجيل العذاب لعاقري (5)الناقة لعجله كتعجيل ذلك لكنه تعالى علم اختلاف الحالين في الخلق و تباين الفريقين في اللطف فدبر الجميع بحسب ما تقتضيه الحكمة من التدبير و هذه أسئلة شديدة الضعف و شبهات ظاهرة الوهن و الاضمحلال و الله نسأل (6)التوفيق
في كل حال.
(المسألة الثانية و العشرون) قال السائل و ما بال أمير المؤمنين ع مع اعتقاده في عائشة و علمه بنفاقها و خلافها لم يطلقها عن الرسول ع (1)و لم ردها (2)إلى الحجاب و لم يحل ناموسها فليس ذلك بأعظم من قتل طلحة و الزبير و من قتل من المسلمين (3)في ذلك المكان.
و الجواب (4)أن المرأة لم تكن لها برسول الله ص عصمة في الدين بعد الذي كان منها من (5)الخلاف على أمير المؤمنين ع و قد كان ما فرط منها في العداوة مغنيا في انقطاع عصمتها من رسول الله ص عن إحداث تطليق لها أو ما يقوم مقام ذلك من الفعل بل لم يكن لتطليقها معنى يصح فعله (6)من العقلاء لأن الطلاق إنما يقصد به قطع العصمة الحاضرة على المرأة النكاح لغير الزوج الذي هي في حباله بمتقدم عقد النكاح فإذا وقع الطلاق حلت به لغيره من الأزواج على شرط الشرع في قضاء العدة أو (7)تركها لاختلاف الأحوال و قد حظر (8)الله تعالى نكاح أزواج النبي ص على من سواه و لم يبح ذلك بفرقة (9)تقع بهن من موت و لا طلاق فلا معنى لإيقاع الطلاق بهن (10)في
الحياة و لا بعد الوفاة إذ هن في الحالين (1)جميعا محبوسات عن نكاح من سواه أ لا ترى أن فرقة الموت أوكد من فرقة الطلاق و هي مع ذلك غير مبيحة لأزواجه النكاح فعلم (2)أنه لا معنى لإيقاع الطلاق لهن لذلك و لا لقطع العصمة في الدين إذ هي ثابتة للمطلقات مع الاتفاق في الديانات.
فأما قوله لم ردها إلى الحجاب و لم يحل ناموسها بترك ذلك فإنه إنما ردها إلى الحجاب بحراسة (3)حكم الله تعالى في تحريمها على الناس و حظر نكاحها بعد النبي ص (4)على كل حال و لم يكن ذلك إعظاما لحقها و لا إجلالا لقدرها و إنما كان إعظاما لحق النبي ص و إجلالا لقدره و صيانة له بعد الوفاة ما صانه به في الحياة و تمييزا له عن (5)كافة الخلق سواه فيما ذكرناه.
و لو اقتضى الدين سوى ذلك فيها لأمضاه ع كما أمضى حكم الله تعالى (6)في الرجلين اللذين شركاها في الفتنة و أتباعهما من البغاة لكن حكم الله (7)كان فيها ما صنعه ع و ليس ذلك بإكرام لها و لا إجلال في الدين على ما ذكرناه.
(المسألة الثالثة و العشرون) و سئل عن قول الله تعالى وَ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً (8)و قال
ما كان ذلك السر و الجواب (1)عن ذلك أنا لو قلنا إن تعاطي الأخبار عن السر المذكور تكلف ساقط عنا لما توجهت حجة بذلك علينا إذ القرآن ناطق بأنه سر النبي ص إلى بعض أزواجه و لم ينطق بأنه شاع بعد الاستسرار به فلا عهدة علينا في العجز عن ذكره إذ لم يجعل لنا سبيل إلى علمه.
مع أنه (2)قد
جاء في حديث الشيعة (3)عن جعفر بن محمد ع أن السر الذي كان من رسول الله ص إلى بعض أزواجه إخباره عائشة (4)أن الله أوحى إليه أن يستخلف أمير المؤمنين ع و أنه قد ضاق ذرعا (5)بذلك لعلمه بما في قلوب قريش له من البغضاء و الحسد و الشنئان و أنه خائف منه فتنة عاجلة تضر بالدين و عاهدها أن تكتم ذلك و لا تبديه و تستره و تخفيه.
فنقضت عهد الله سبحانه عليها في ذلك و أذاعت سره إلى حفصة و أمرتها أن تعلم أباها ليعلمه صاحبه فيأخذ القوم لأنفسهم و يحتالوا (6)في بعض (7)ما يثبته (8)رسول الله ص لأمير المؤمنين ع في حديث طويل له أسباب مذكورة ففعلت ذلك حفصة و اتفق القوم على عقد (9)بينهم إن مات رسول الله ص لم يورثوا أحدا من أهل بيته و لا يؤتوهم (10)
1) - رض: فصل و الجواب.
2) - رض، مل: فصل مع انّه.
3) - راجع تفسير القمّيّ 2/ 375 و البرهان في تفسير القرآن 4/ 352 و نور الثقلين 5/ 367 و بحار الأنوار 22/ 246 و تفسير كنز الدقائق 13/ 324.
4) - رض، مل: الى بعض ازواجه عائشة.
5) - الذّرع: الطاقة. و ضاق بالأمر ذرعه و ذراعه اي ضعفت طاقته و لم يجد من المكروه فيه مخلصا و لم يطقه و لم يقو عليه، و أصل الذرع إنّما هو بسط اليد فكأنّك تريد مددت يدي إليه، فلم تنله. (لسان العرب).
6) - في الأصل: يحتالون، صحّحناها على باقى النسخ.
7) - رض: نقص. مل: نقض.
8) - حش: ينتسبه. مل: بيّنه. مر، رض 2: نبّأها به.
9) - باقى النسخ: عهد.
10) - باقى النسخ: و لا يولّوهم.
مقامه و اجتهدوا في تأخيرهم و التقدم عليهم.
فأوحى الله إلى نبيه ص بذلك و أعلمه ما صنع القوم و تعاهدوا عليه و أن الأمر يتم لهم محنة من الله تعالى للخلق بهم (1)فوقف (2)النبي ص (3)عائشة على ذلك و عرفها ما كان منها من إذاعة السر (4)و طوى عنها الخبر بما علمه من تمام الأمر لهم لئلا تتعجل المسرة به و تلقيه إلى أبيها فيتأكد طمع القوم فيما عزموا عليه
فهو قوله تعالى عَرَّفَ بَعْضَهُ وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ (5)فالبعض الذي عرفه ما كان منها من إذاعة سره (6)و البعض الذي أعرض عنه ذكر تمام الأمر لهم و كان في الآية ما يؤذن بشك المرأة في نبوته ص بقولها عند إخباره إياها بضيعها (7)مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (8)(فصل) و العامة تقول إن السر الذي أسره النبي ص خلوة (9)بمارية القبطية في يوم عائشة منه و قد كانت حفصة اطلعت على ذلك فاستكتمها رسول الله ص إياه (10)فأذاعته (11)و علماء الأمة مجمعون على اختلافهم أن هذه الآية نزلت في عائشة و حفصة خاصة من بين الأزواج فهذا الذي قاله في
1) - رض، مل: لهم.
2) - رض، مل، مر، رض 2: فواقف.
3) - رض: عليه و آله السلام.
4) - باقى النسخ: سرّه.
5) - سورة التحريم (66): 3.
6) - باقى النسخ: فى الإذاعة.
7) - حش: بصنيعها. مر، رض 2: بعضها.
8) - سورة التحريم (66): 3.
9) - رض، مل، مر، رض 2: خلوته.
10) - رض إيّاها.
11) - قال الزمخشريّ في تفسيره: روى أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم خلا بمارية في يوم عائشة، و علمت بذلك حفصة فقال لها: اكتمى عليّ و قد حرّمت مارية على نفسى، و أبشّرك أنّ أبا بكر و عمر يملكان بعدى أمر أمّتى. فاخبرت به عائشة. (الكشّاف 4/ 124).
الآية الفريقان (1)
(المسألة الرابعة و العشرون) قال السائل قد أجمعنا على أن الحجج ع أحياء غير أموات يعون و يسمعون فهل هم في قبورهم فكيف يكون الحي في الثرى باقيا.
و الجواب (2)أنهم عندنا أحياء في جنة من جنات (3)الله عز و جل يبلغهم السلام عليهم من بعيد و يسمعونه من مشاهدهم كما جاء الخبر بذلك مبينا (4)على التفصيل و ليسوا عندنا في القبور حالين و لا في الثرى ساكنين و إنما جاءت العبادة بالسعي إلى مشاهدهم و المناجاة لهم عند قبورهم امتحانا و تعبدا و جعل الثواب على السعي و الإعظام للمواضع التي حلوها عند فراقهم دار التكليف و انتقالهم إلى دار الجزاء و قد تعبد الله الخلق بالحج إلى البيت الحرام و السعي إليه من جميع البلاد و الأمصار و جعله بيتا له مقصودا و مقاما معظما محجوجا و إن كان الله عز و جل لا يحويه مكان و لا يكون إلى مكان أقرب من مكان فكذلك يجعل مشاهد الأئمة ع مزورة و قبورهم مقصودة و إن لم تكن ذواتهم لها مجاورة و لا أجسادهم فيها حالة.
1) - روى البخارى بإسناده عن ابن عبّاس يقول: أردت أن أسأل عمر، فقلت يا أمير المؤمنين: من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؟ فما اتممت كلامى حتّى قال: عائشة و حفصة. (صحيح البخاريّ- كتاب تفسير القرآن، سورة التحريم- 3/ 204).
2) - باقى النسخ: فصل و الجواب.
3) - حش، مل، رض 2: جنان.
4) - حش، مل: مبنيّا.
(المسألة الخامسة و العشرون) و سأل عن قوله تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (1)و قال فهل يكون الرزق بغير (2)جسم و ما صورة هذه الحياة فإنا مجمعون على أن الجواهر لا تتلاشى فما حينئذ الفرق (3)في الحياة بين الكافر و المؤمن.
و الجواب (4)أن الرزق عندنا لا يكون إلا للحيوان و الحيوان عندنا ليسوا بأجسام بل هم ذوات أخرجوا (5)في هذه الدار إلى الأجساد و تعذر عليهم كثير من الأفعال إلا بها و صارت آلة لهم في الأفعال و الاكتساب فإن أغنوا عنها بعد الوفاة جاز أن يرزقوا مع عدمها رزقا تحصل (6)لهم به اللذات و إن افتقروا إليها كان الرزق لهم (7)بحسبه في الدنيا على السواء.
(فصل) فأما قوله ما صورة هذه الحياة فالحيوة لا صورة لها لأنها عرض من الأعراض و هي تقوم بالذات (8)الفعالة دون الأجساد التي تقوم بها حيوة النمو دون الحياة التي هي (9)شرط العلم و القدرة و نحوهما من الأعراض.
(فصل) و قوله إنا مجمعون على أن الجواهر لا تتلاشى فليس ذلك كما ظن و لو كان الأمر فيه كما توهم لم يمتنع أن توجد الحياة لبعض الجواهر و ترفع من بعض كما توجد حيوة النمو لبعض الأجسام و ترفع من (10)بعض على الاتفاق و لو
قلنا إن الحياة بعد النقلة عن هذه الدار تعم أهل الكفر و الإيمان لم يفسد ذلك علينا أصلا في الدين و كانت الحياة لأهل الإيمان شرطا في وصول اللذات إليهم و الحياة لأهل الكفر شرطا في وصول الآلام إليهم بالعقاب (1).
(المسألة السادسة و العشرون) و سأل فقال خبرني (2)عن قول الله تعالى وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ (3)فالوحي قد عرفناه فما الحجاب و هل يقع الحجاب إلا على محدود و كيف صورة الكلام.
و الجواب (4)أن الوحي الذي عناه الله تعالى في هذه الآية ما سمعه الرسول بغير واسطة و المسموع من وراء الحجاب هو الكلام الذي تؤديه (5)الوسائط إلى الرسل و البشر من غيرهم و ليس الحجاب المعني في هذه الآية هو الشيء الذي يستر المتكلم عمن كلمه و يجول بينه و بين مشاهدته كما ظنه السائل لكنه ما وصفناه من الرسل و الوسائط بين الخلق و بين الله تعالى فشبههم بالحجاب الذي يكون بين الإنسان و بين غيره عند الكلام فيسمعه من ورائه و لا يرى المتكلم من أجله و العرب تستعير للتشبيه و التمثيل و لا تضع ذلك موضع الحقائق إذ لو وضعته موضع الحقيقة لم تكن مستعيرة للأمثال و قد قال الله عز اسمه وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ (6).
(فصل) و أما قوله كيف صورة الكلام فالكلام أيضا مما لا صورة له لأنه عرض لا يحتمل التأليف و الصورة هي ذات التأليف غير أنا نراه أراد بالصورة الحقيقة
فحقيقة الكلام عندنا الأصوات المقطعة ضربا من التقطيع يفيد المعاني التي يقصدها (1)دون الأعراض و هو محتاج إلى محل يقوم به كحاجة غيره من الأعراض و ليس يكون المحل هو المتكلم بل المتكلم هو فاعل الكلام كما أنه ليس يكون المتفضل محل التفضل بل المتفضل فاعل التفضل بلا ارتياب.
(المسألة السابعة و العشرون) و سأل عن قول الله (2)تعالى وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (3)فقال ما اليمين و ما القبضة و الجواب (4)أن اليمين في الآية هي القدرة و القبضة هي الملك قال الشاعر
إذا ما راية رفعت لمجد* * * تلقاها عرابة باليمين
يريد تلقاها بالقوة فأما شاهد الملك بالقبضة فيقول القائل هذه الدار في قبضتي و هذا الغلام في قبضتي يريد به في ملكي فكان المعنى في قوله (5)وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ (6)يريد في ملكه وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ يريد به أنها مطويات في قدرته (7)و ليس المراد بالقدرة هاهنا معنى من المعاني كالكون و الحركة و القدرة التي يقدر بها الحيوان و إنما يريد به أنها مطويات بكونه قادرا على طيها كما يقول القائل لي على كذا و كذا قدرة و هو يعني أنه قادر عليه إذ كان أكثر من يتكلم بهذا الكلام لا يقصد به إلى إثبات معنى من المعاني قائم بالذات بل يقصد به ما ذكرناه.
(المسألة الثامنة و العشرون) و سأل عن قوله عز و جل إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ (1)ثم قال عرفنا هل يجوز أن يغفر قتل العمد و يعفو عن الخوارج على الأئمة (2)و إن لم يخالفوا في الأصول.
و الجواب (3)عن ذلك أن كل معصية لله عز و جل تكون كفرا فهي شرك في حكم الشرع و الدين و كل كافر فهو مشرك من أسماء الدين دون أسماء اللغة و كل مشرك فهو كافر من أسماء الدين و اللغة و إذا كان الأمر على ما ذكرناه وجب القطع على وعيد (4)الكفار بأي ضرب من الكفر و أنواعه لما ذكرناه من استحقاق السمة لهم بالشرك في حكم الدين و الخوارج على أئمة العدل إذا استحلوا حربهم و عداوتهم و قتل المؤمنين من أنصارهم فهم كفار بذلك و حكمهم حكم المشركين و قد دخلوا بذلك في الوعيد من قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ (5).
(فصل) فأما قتل العمد فهو على ضربين أحدهما أن يكون القاتل مستحلا له و الضرب الآخر أن يقع على وجه التحريم فمن قتل مؤمنا مستحلا لدمه فهو كافر بقتله مستحق للوعيد لقوله (6)إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ و بأمثال هذه الآية من (7)وعيد الكفار و من قتل مؤمنا محرما لقتله خائفا من العقوبة له على ذلك معتقدا لوجوب الندم عليه منه كان مستثنى بقوله (8)وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ غير
أنا لا نقطع على عقابه و لا نجزم بالعفو (1)عنه إلا أن يندم و يتوب فيكون مقطوعا له بالعفو و الغفران.
(المسألة التاسعة و العشرون) و سأل فقال رأينا صاحب الحبشة لما سار إلى البيت منعه الله منه و أهلكه دونه و الحجاج رماه بالعذرة (2)و هدمه و القرمطي قتل الناس حوله و سلبه كسوته و قلع الحجر و لم يمنعا من ذلك و لا عجل عليهما العقوبة عليه و الجواب (3)عن هذا السؤال قد سلف (4)في إمهال (5)الله تعالى قتل (6)الحسين (7)ع و ذكر ما (8)يتعلق بأفعال (9)الله عز و جل من مصالح (10)الخلق و أن المصالح تختلف (11)فلا حاجة (12)إلى تكراره.
(فصل) على أن بين الأمرين فرقا و هو أن صاحب الحبشة قصد البيت للاستخفاف بحرمته و الإنكار لحرمته و الدفع لفرض الله تعالى في تعظيمه و الكفر بما أوجبه من ذلك و لم يقصد لغيره و لا أراد السوء (13)لسواه فعجل الله تعالى له النقمة لذلك و أنظر القاصدين له من أهل الملة إذ لم يكن قصدهم له
1) - حش: للعفو. رض، مل: على العفو.
2) - حش، مر: بالقذرة.
3) - رض: فصل و الجواب.
4) - مل: قد سبق.
5) - رض: إنّه قد سلف إمهال ...
6) - رض، مل، مر: قتلة.
7) - رض، مل، مر، رض 2:+ بن عليّ.
8) - مر، رض 2: و ذكرنا.
9) - رض، مل، مر، رض 2: تعلّق افعال.
10) - رض، مر، رض 2: بمصالح.
11) - مر، رض 2: مختلف.
12) - رض، مل:+ هنا. مر، رض 2:+ بنا.
13) - رض، مل:+ به.
من أجل نفسه و لا للكفر بفرضه و العناد لله في تعظيمه و إنما قصدوه لغيره ممن لم يكن له عند الله تعالى من الحرمة كحرمته بل لم يكن لأكثرهم عند الله سبحانه حرمة في الدين لضلالهم عن الهدى و سلوكهم في الأفعال و الأقوال طريق الردى (1)و هذا يوضح عن فرق ما بين الجرمين (2)و يفصل بين أحكام (3)المعصيتين و الله ولي التوفيق.
(المسألة الثلاثون) و سأل هل يجوز أن يحسن الله قبيحا في حال و يقبحه في أخرى مثل شرب الخمر و أكل لحم الخنزير و القتل و الربا و الزناء و هل كانت هذه الأشياء محللة ثم حرمت أم لم تزل محرمة غير محللة.
و الجواب (4)عن ذلك أن الله تبارك و تعالى لا يحسن قبيحا و لا يقبح حسنا إذ تقبيح الحسن و تحسين القبيح باطل لا يقع إلا من جاهل بحقيقتهما أو متعمد للكذب في وصفهما بغير صفتهما و الله تعالى (5)عن ذلك علوا كبيرا.
(فصل) و قد تدخل على العامة شبهة في هذا الباب يعترضهم شك في النسخ و حظر ما كان مباحا و أباحه ما كان محظورا فيتوهمون أن الله تعالى حسن قبيحا و قبح حسنا و ليس الأمر كما ظنوه و ذلك أن الحسن و القبيح (6)إنما هما وصفان للأفعال فالأفعال التي مضت و تعلق بها الحظر كانت قبيحة و ما مضى مما تعلقت به الإباحة و الأمر بها كان حسنا فإذا طرأ الحظر على أفعال في المستقبل كان ما يتعلق به ذلك في المستقبل قبيحا و ما مضى منه حسنا و الأفعال المستقبلة غير
الماضية و كذلك إذا تجددت الإباحة لأفعال في المستقبل كانت الأفعال المستقبلة حسنة و ما تعلق به النهي من ماضيها قبيحا و الماضي غير المستقبل على ما بيناه.
و إنما تقبح (1)الأفعال التي لا دليل في العقل على قبحها و لا (2)حسنها للعلم بالفساد بإباحتها و يقبح حظرها للعلم بالاستفساد بتحريمها و أحوال المكلف (3)تتغير فلتغيرها يحسن إباحتهم حينا ما كان نوعه محظورا عليهم حينا و يحسن منعهم حينا ما كان نوعه لهم مطلقا (4)حينا و هذا باب لا يخفى معناه على متأمل له و مفكر من أهل العقل فيه.
(فصل) فأما تحريم الزناء و الربا (5)فلسنا نعلم خلافا في أنه كان كذلك في كل شريعة و لم يأت بإباحته نبي و الاستفساد به ظاهر لذوي الألباب و تحريم الخمر عندنا كان في كل شريعة و لم يكن مباحا في حال من الأحوال و قد خالف في ذلك الجمهور و معنا به آثار صادقة عمن يجب التسليم (6)له من حجج الله تعالى و أصفيائه في الدين و لو قلت إن الاعتبار يدل عليه أيضا لما أبعد (7)بذلك عن الحق من قبل أن الفساد بشرب (8)كثير من الخمر معلوم و أن شرب القليل منه يدعو إلى شرب كثيره و قد قال الله سبحانه إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ
وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (1)فدل على أن عاقبة الخمر ترك الصلاة و الإعراض عن ذكر الله و وقوع البغضاء و العداوة بين الناس و ما كان هذا عاقبته فهو قبيح و معلوم أن شرب قليل الخمر يدعو إلى هذا الكثير الذي نص الله على الفساد به فدل على أن شرب القليل و الكثير من المسكر محرم في كل شرع فهذا الضرب من الاعتبار و وافق ذلك ما جاءت به عن الأئمة الصادقين ع الآثار (2).
و أما إباحة لحم الفيل و القرد و الدب و أشباهها مما لم يأت بإباحته شريعة فقد عرفنا تحريمه في كل شرع و لسنا نعلم للعقلاء حالا قبل الشرع فنتكلم عليها فإن كنا لو قدرناها لوجب الوقف عندنا في الحظر و الإباحة لما لا تدل (3)العقول على حسنه و قبحه من الأشياء و أما لحم الخنزير فالنصارى تزعم أن المسيح ع أباحهم أكله و لسنا نثق بدعواهم و إن كنا نجوز (4)صحتها في العقول فإن بطلت فقد كفينا (5)الكلام على وجه حظره بعد إباحته و إن صحت فالوجه في حظر المستقبل منه بعد إباحته في الماضي (6)ما قدمناه (7)و في ذلك كفاية و المنة لله.
(المسألة الإحدى و الثلاثون) و سأل عن قوله تعالى ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (8)قال
و الملأ الأعلى هم الملائكة فبم (1)اختصموا.
و الجواب و بالله التوفيق إن الله أخبر عن نبيه ص أنه لم يكن له علم بذلك (2)و أنه طوى عنه علمه فالسؤال لنا عن ذلك إعنات و تكلفنا الجواب عنه ضلالة (3)و ما رأيت أعجب ممن يسئل رعايا الأنبياء عما طوى عن أنبيائهم و يكلفهم الإخبار عما لم يخبروا به و ليس كل أمر حدث فقد أوحى الله به إلى الأنبياء ع و لا كل معلوم له قد أعلمهم إياه و ليس يمتنع أن يطوي عنهم علم كثير من معلوماته (4)و يعلم أن ذلك أصلح لهم في التدبير و غير منكر أيضا أن يطلعهم على شيء و يكلفهم ستره عن غيرهم فسؤال هذا السائل عما أخبر نبي الهدى ص (5)بأنه لا علم له به ضلال عن الحق و عدول عن طريق الهدى و تكليف بممتنع (6)لا يحسن من حكيم تكليفه.
(فصل) مع أنه قد روى في الحديث أن الله تعالى أعلم نبيه من بعد فيما اختصموا به و هو أنهم اختصموا في الدرجات بالأعمال و التفاوت (7)فيها فكانت (8)طائفة منهم تظن في ذلك شيئا و تخالفها الأخرى فيه فبين الله لهم الحق في ذلك فأجمعوا عليه و هذا خبر و إن كان مرويا فليس مما يقطع به و الله أعلم.
(المسألة الثانية و الثلاثون) و سأل عن قوله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ
فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (1)فقال (2)فهل يجوز العرض على الجماد و التكليف له أ و ليس الامتناع من ذلك كفرا و هل كان العرض على سبيل التخيير أم على الإيجاب فإن كان على الإيجاب فقد وقع العصيان و إن كان على التخيير فقد جاز حظر (3)الأمانة و ترك أدائها.
و الجواب (4)أنه لم يكن عرض في الحقيقة على السماوات و الأرض و الجبال بقول صريح أو دليل ينوب مناب القول و إنما الكلام في هذه الآية مجاز (5)أريد به الإيضاح عن عظم الأمانة و ثقل التكليف بها و شدته على الإنسان و أن السماوات و الأرض و الجبال لو كانت ممن يعقل لأبت (6)حمل الأمانة لو عرضت عليها (7)و قد تكلفها الإنسان و لم يؤد مع ذلك حقها.
(فصل) و نظير ذلك قوله تعالى تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (8)و معلوم أن السماوات و الأرض و الجبال جماد لا تعرف الكفر من الإيمان و لكن المعنى في ذلك إعظام ما فعله المبطلون و تفوه به الضالون و أقدم عليه المجرمون من الكفر بالله تعالى و أنه من عظمه جار مجرى ما يثقل (9)باعتماده على السماوات و الأرض و الجبال من الأحمال و أن الوزر به (10)كذلك فكان الكلام في معناه بما جاء به التنزيل مجازا و استعارة كما ذكرناه.
(فصل) و من ذلك قوله تعالى وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَ إِنَّ مِنْها
لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (1)و معلوم أن الحجارة جماد و لا تعلم فتخشى أو تحذر أو ترجو أو تأمل و إنما المراد بذلك تعظيم الوزر في معصية الله و ما يجب أن يكون العبد عليه من خشية الله و قد بين الله تعالى ذلك بقوله في نظير ما ذكرناه وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً (2)فبين بهذا المثل عن جلالة القرآن و عظيم قدره و علو شأنه و أنه لو كان كلام يكون به ما عدده (3)و وصفه لكان بالقرآن ذلك و كان القرآن به أولى لعظم قدره على سائر الكلام و جلالة محله حسب ما قدمناه (فصل) و قد قيل إن المعنى في قوله إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ عرضها على أهل السموات و أهل الأرض و أهل الجبال و العرب تخبر عن أهل الموضع بذكر الموضع و تسميهم باسمه قال الله عز و جل وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها (4)يريد أهل القرية و أهل العير فكان العرض على أهل السموات و أهل الأرض و أهل الجبال قبل خلق آدم (5)و خيروا بين التكليف بما كلف به آدم و بنوه فأشفقوا من التفريط فيه و استعفوا منه فأعفوا (6)و تكلفه الناس ففرطوا فيه و ليس الأمانة على ما ظنه السائل أنها الوديعة (7)و ما في بابها لكنه (8)التكليف الذي وصفناه و هذا يسقط الشبهة التي
اعترضت له في جواز (1)الأمانة على ما قدره من ذلك و قطعناه (2).
(فصل) و لطائفة تنسب إلى الشيعة و هم برآء منهم تأويل هذه الآية بعيد من الصواب و لقوم من أصحاب الحديث الذاهبين إلى الإمامة جواب تعلقوا به من جهة بعض الأخبار و هو أن الأمانة هي الولاية لأمير المؤمنين ع و أنها عرضت قبل خلق آدم ع على السموات و الأرض و الجبال ليأتوا على شروطها فأبين من حملها على ذلك خوفا من تضييع الحق فيها و كلفها الناس فتكلفوها و لم يؤد أكثرهم حقها و للعامة تأويل آخر إن عملنا على إثباته طال به الكلام و لم يكن في إثباته طائل و فيما ذكرناه كفاية إن شاء الله.
(المسألة الثالثة و الثلاثون) و سأل عن قوله تعالى لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ (3)قال و ليس يخشى الله إلا مكلف يعقل فما معنى هذا الكلام و الجواب عن ذلك كالمتقدم في المسألة الأولى و هو أن الله تعالى يخبر عن عظم قدر القرآن و جلالة محله و موقع وعده و وعيده و مواعظه من القلوب فقدر (4)تقديرا على المثل و كان الكلام في ذلك مجازا و معناه أن القرآن لو أنزل على جبل في شدته و عظمه و كان الجبل حيا مع ذلك عاقلا ففهمه و عرف معانيه لانصدع مع شدته و انخشع (5)مع صلابته من خشية الله أ لا ترى إلى قوله في صلة الكلام وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فبين أن مثل نبه به على
عظم محل القرآن و ما يجب أن يكون الإنسان عليه عند سماعه و تدبره من الحذر من الله تعالى و الخشوع له و الطاعة و الخضوع.
(المسألة الرابعة و الثلاثون) و سأل فقال قد ثبت أن الله عدل لا يجور و أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها و هو العالم بأن العرب لا تأتي بمثل القرآن و لا تقدر عليه فلم كلفهم أن يأتوا بعشر سور مثله أو بسورة من مثله و كذلك إن كانوا عليه قادرين لكنهم كانوا منه ممنوعين فالسؤال واحد.
و الجواب (1)أن قوله تعالى فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ (2)ليس بأمر لهم و إلزام و ندبة و ترغيب لكنه تحد و تعجيز أ لا ترى إلى قوله عز و جل أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ (3)يريد به تعالى أنه لو كان القرآن من كلام بشر قد افترته لكان مقدورا لغيره من البشر فامتحنوا أنفسكم فإذا عجزتم عن افتراء مثله فقد علمتم بطلان دعويكم على محمد ص الافتراء للقرآن و من لم يفهم فرق ما بين التحدي و التقريع و التعجيز و الأمر و التكليف و الإلزام كان في عداد البهائم و ذوي الآفات الغامرة للعقول (4)من الناس و كذلك قوله فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ليس بأمر و إلزام لكنه تحد و تعجيز أ لا ترى قوله إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا (5)فحداهم (6)و بين عجزهم و أنهم يعجزون عن ذلك و لم يتهيأ لهم أبدا.
و مثل (1)ما ذكرناه في هذا الباب أن يقول امرؤ (2)لكاتب محسن إنني قادر على كل ما تقدر عليه فيقول الكاتب لست قادرا على ذلك و لا تيسر مما يتأتى مني و الدليل على ذلك أنني أكتب كتابا حسنا فإن كنت تحسن منه ما أحسن فاكتب مثله أو بعضه و كقول المفحم (3)للشاعر ليس يمكنك من النظم إلا ما يمكنني مثله فينظم قصيدة و يتحداه بنظم مثلها فإذا عجز عن ذلك أعلمه بعجزه بطلان دعواه مماثلته (4)في الشعر و لم تزل العرب يتحدى بعضها بعضا [بالشعر و يعجز بعضها بعضا] (5)و كذلك كل ذي صناعة يتحدى بعضهم بعضا على وجه التقريع و التعجيز و لا يكون تحديهم أمرا و لا إلزاما و من خفي عنه القول في هذا الباب و عرضت له من الشبهة فيه ما عرض لصاحب السؤال كان بعيدا من العلم ناقصا عن رتبة الفهم وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ.
(المسألة الخامسة و الثلاثون) قال السائل قد
ورد عن صاحب الشريعة ص أنه (6)قال اتقوا
فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله (1)
و قد رأينا آدم ع لم يعرف إبليس لما تصور له (2)و أغواه (3)و لا مريم ع عرفت جبرائيل (4)و لا عرف داود الملكين و لا لوط و إبراهيم (5)عرفا الملائكة لما جاءوا بصورة ضيوف و لا صاحب شريعتنا ص (6)عرف المنافقين حتى عرفه الله إياهم.
و الجواب أن هذا حديث لا نعرف له سندا متصلا و لا وجدناه في الأصول المعتمدة و ما كان هذا حكمه لم يصح التعلق به و الاحتجاج بمضمونه.
(فصل) مع أن له وجها في النظر لو ثبت لكان محمولا عليه و هو الخبر عن صحة ظن المؤمن في أكثر الأشياء و ليس يخبر (7)بالغائبات (8)من طريق المشاهدة و قد قيل أن الإنسان لا ينتفع بعلمه ما لم ينتفع بظنه أراد بذلك أنه متى (9)لم يكن
1) - روى الشيخ المفيد في كتابه (الاختصاص 143): عن الصادق 7، انّه قال: ... و قد قال رسول اللّه 6: اتّقوا فراسة المؤمن، فإنّه ينظر بنور اللّه. و رواه الشيخ الصدوق في معاني الأخبار (ص 350)، و نقله العلّامة المجلسيّ في بحار الأنوار 38/ 83 و 67/ 61، و نقل أيضا عن بصائر الدرجات (ص 79) عن سليمان الجعفرى، قال: كنت عند أبى الحسن 7 قال:
2) - رض 2: لمّا سوّله.
3) - رض: أغراه. مل: غواه.
4) - مل، مر: جبرئيل. رض، رض 2: جبرئيل 7.
5) - رض: 8.
6) - حش، مر، رض 2: 7.
7) - رض، مل، مر، رض 2:+ عن علمه.
8) - رض، مل: بالغائب.
9) - حش: حتّى.
زكيا (1)فطنا متيقظا صافي (2)الطبيعة لم يكد يعلم كثيرا من الأشياء و إنما يكثر علم الإنسان بخلوص طبيعته من الشوائب و شدة ذهنه و اجتهاده و طلبه و متى كان كذلك صدقت ظنونه فكان المعنى في القول بصحة فراسة المؤمن هو ما ذكرناه من صدق ظنه في الأكثر و ليس إصابة الإنسان في الأكثر تمنع من سهوه في الأقل و هذا يسقط شبهة السائل لأنها مبنية على توهمه أن المؤمن يعلم بالفراسة الغيب و لا يخفى معها عليه علم باطن (3)و ذلك فاسد لم يتضمنه الخبر بصريحه و لا أفاده بدليل منه عليه (4)(فصل) مع أن آدم ع قد تفرس في إبليس (5)المكر و الخديعة فحذره حتى أقسم له بالله عز و جل فاشتبه عليه أمره بالقسم قال الله تعالى وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ (6)و ليس يمتنع أن يرجع الإنسان عما قوى في ظنه بشبهة تعرض (7)له في ذلك و هو على صورته التي خلق عليها فيصدق ظنه فيه بتفرسه و إنما شاهده على غيرها فالتبس الأمر عليه لذلك مع أنا لا نعلم أن آدم ع رأى إبليس بعينه في حال غوايته و لا ينكر أن يكون وصلت إليه وسوسته (8)مع احتجابه عنه كما تصل وسوسته إلى بني آدم من حيث لا يرونه فلا يكون حينئذ لآدم (9)فراسة لإبليس لم تصدق على ما ظنه السائل و تخيله في معناه و الخبر الذي جاء أنه (10)تصور لآدم (11)في صورة شاهده عليها خبر شاذ يتعلق به أهل الحشو و ما كان ذلك سبيله فهو مطرح عند العلماء.
(فصل) و أما الملكان اللذان هبطا على داود ع فإنه قد ظن بفراسته لهما ما عرف اليقين (1)منه بعد الحال أ لا ترى إلى قوله تعالى وَ هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ (2)فبين تعالى عن صدق ظنه فيهما و بصحة فراسته لهما و إنهما غطيا عليه الأمر بقوله خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ (3)و القول في هذا الباب قد تضمنه ما تقدم من القول بأن الإنسان قد ينصرف عن غالب ظنه بشبهة تعترض (4)له و أن الفراسة لا توجب اليقين (5)و أن النظر بنور الله (6)يدل على قوة الظن إذ لا طريق إلى العلم بالغائبات من جهة المشاهدات.
(فصل) و كذلك القول في لوط و إبراهيم ع و اشتباه الأمر عليهما في حال الملائكة و أنهما ظنا بالفراسة لهم ما تحققاه من بعد أ لا ترى (7)قوله تعالى فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (8)و قالوا للوط (9)إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ (10). (فصل) و بعد أن الملكين اللذين تسورا (11)على داود (12)و الملائكة الذين نزلوا بهلاك (13)قوم لوط لم يكونوا بصورهم (14)التي هي لهم فتكون فراسة الأنبياء
1) - رض، مل: النفس.
2) - سورة ص (38): 21 و 22.
3) - أثبتناها عن رض و مل و رض 2.
4) - باقى النسخ: تعرض.
5) - رض: لا يوجب التعيين.
6) - حش:+ تعالى. رض، مل:+ تعالى في الخبر.
7) - رض، مل، مر، رض 2:+ إلى.
8) - سورة هود (11): 70.
9) - رض:+ 7.
10) - سورة هود (11): 81.
11) - حش، رض، مل: تسوّروا.
12) - رض:+ 7.
13) - رض: على هلاك. مل، مر، رض 2: لهلاك.
14) - رض، مل، مر: فى صورهم. رض 2: فى صورتهم.
ع لهم توجب لهم اليقين في حالهم لكنهم جاءوا في غيرها فلذلك التبس أمرهم (1)على ما شرحناه.
(فصل) و أما فراسة النبي ص للمنافقين فقد صدقت و لم يخف على (2)النبي ص أمرهم مع التفرس لهم و قوله تعالى وَ لَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (3)يدل على ما ذكرناه (4)و ذلك أن الله تبارك و تعالى رده في علم أحوالهم إلى التفرس لهم و أحاله في معرفتهم على مشاهدته (5)مخارج كلامهم و سماع مقالهم و قطع على وصوله إلى معرفة بواطنهم بتأمله لحن قولهم و جعل ذلك نائبا مناب تعيينهم و تسميتهم و هذا خلاف ما توهمه (6)السائل و تظناه. (7)(فصل) فإن سأل سائل عن قوله تعالى وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ (8)فقال كيف يكون صادق التوسم و هو لا يعلم أهل النفاق مع تفرسه لهم فالجواب عن هذا قد تقدم و هو أن الله تعالى نفى علمه بهم و لم ينف ظنه (9)بنفاقهم و الخبر إنما يدل على قوة ظنه بهم عند تفرسه لهم و لا يدل على علم (10)و يقين لهم على ما قدمناه.
(فصل) مع أن القوم الذين عناهم الله تعالى بهذه الآية من أهل النفاق لم يقم
1) - رض 2: الأمر.
2) - رض 2: عن.
3) - سورة محمّد (47): 30.
4) - أثبتناها عن مر و رض 2.
5) - مر، رض 2: مشاهدتهم.
6) - مر: ظنّه.
7) - رض: و أبطلناه. و تظنّاه من التظنّى، و التظنّى: إعمال الظنّ. و أصله التظنّن، أبدل من إحدى النونات ياء. (لسان العرب).
8) - سورة التوبة (9): 101.
9) - رض: تفطنه. مل: و لم يتفطّنه.
10) - حش: علمه.
دليل على تفرس النبي ص بهم (1)في حال نفاقهم و لا يمتنع أن يكون القوم كانوا غيبا عنه أو كانوا (2)يحضرونه فلا يتميز بينهم (3)لشغله بغيرهم فأنبأه الله عز و جل عن حالهم بالتمرد على النفاق و هو العتو فيه و التمرد عليه.
و لا يمتنع أيضا أن يكون قد عرفهم بالنفاق غير أنه لم يعرفهم بالتمرد عليه و ليس في الخبر ما يدل على أن فراسة المؤمن تدل (4)على كل حال يكون عليها من تفرسه و إنما يقتضي (5)أنها (6)تميز بينه و بين غيره في الجملة دون التفصيل و هذا الكلام يأتي (7)على معنى الخبر لو صح و ثبت فكيف و القول فيه ما قدمناه.
(المسألة السادسة و الثلاثون) و سأل فقال قد كان أمير المؤمنين و الحسن و الحسين ع في زمان واحد و جميعهم أئمة منصوص عليهم فهل كانت طاعتهم جميعا واجبة في وقت واحد و هل كانت طاعة بعضهم واجبة (8)على بعض و كيف الحال في ذلك.
و الجواب (9)عن ذلك أن الطاعة في وقت رسول الله ص كانت له من جهة الإمامة دون غيره و الأمر له خاصة دون من سواه فلما قبض ص صارت الإمامة من بعده لأمير المؤمنين ع و من عداه من الناس كافة رعية له فلما قبض ع صارت الإمامة للحسن بن علي ع و الحسين ع إذ ذاك رعية لأخيه الحسن ع
فلما قبض الحسن ع صار الحسين ع إماما مفترض الطاعة على الأنام و هكذا حكم كل إمام و خليفة في زمانه و لم تشترك الجماعة في الإمامة معا و كانوا معها (1)على الترتيب الذي ذكرناه.
(فصل) و قد ذهب قوم من أصحابنا الإمامية إلى أن الإمامة كانت لرسول الله ص و أمير المؤمنين ع و الحسن ع و الحسين ع (2)في وقت واحد إلا أن النطق و الأمر و التدبير كان للنبي ص مدة حياته دونهم و كذلك كان الأمر و التدبير لأمير المؤمنين ع دون الحسن ع و الحسين ع (3)و جعلوا الإمام في وقت صاحبه صامتا و جعلوا الأول ناطقا و هذا خلاف في عبارة و الأصل ما قدمناه.
(المسألة السابعة و الثلاثون) و سأل عن
قول الصادق ع ما بدا لله في شيء ما (4)بدا له في إسماعيل (5)
و قال هل يبدأ الله شيئا ثم ينقضه قبل تمامه.
و الجواب (6)أن البداء من الله تعالى هو الظهور فإذا ظهر (7)من أفعاله ما لم
1) - حش، رض، مل: فيها.
2) - حش، رض، مل: :.
3) - حش: :. رض، مل: 8.
4) - رض: كما.
5) - قال الشيخ المفيد في تصحيح الاعتقاد (ص 51): و قول أبي عبد اللّه 7: «ما بدا للّه شىء كما بدا له في إسماعيل» فانّما أراد به ما ظهر من اللّه تعالى فيه من دفاع القتل عنه، و قد كان مخوفا عليه من ذلك مظنونا به، فلطف له في دفعه عنه. و قد جاء الخبر بذلك عن الصادق 7 فروى عنه 7 أنّه قال: كان القتل قد كتب على إسماعيل مرّتين، فسألت اللّه في دفعه عنه فدفعه، و قد يكون الشى مكتوبا بشرط فيتغيّر الحال فيه. و من أراد تفصيل القول في مسألة البداء، فليراجع الى ما أورده العلّامة المجلسيّ في بحار الأنوار (4/ 122) تحت عنوان: بسط كلام لرفع شكوك و أوهام.
6) - رض: فصل و الجواب.
7) - رض: اظهر.
يكن في الاحتساب و الظنون قيل في ذلك بدا لله كذا و كذا و قد قال الله عز و جل وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (1)أي ظهر لهم من فعله بهم ما لم يكن في احتسابهم و ليس البداء من الله تعالى تعقب رأي و لا استدراك فائت و لا انتقال (2)من تدبير إلى تدبير لحدوث علم بما لم يكن في المعلوم (3)و المعنى في
قوله ع ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل
بمعنى (4)ما ظهر له (5)فعل في أحد من أهل البيت ع ما ظهر له في إسماعيل و ذلك أنه كان الخوف عليه من القتل مستندا (6)و الظن به غالبا فصرف الله عنه ذلك بدعاء الصادق ع و مناجاته بالله (7)و بهذا جاء الخبر (8)عن الرضا علي بن موسى ع و ليس الأمر في هذا الخبر كما (9)ظنه قوم من الشيعة في (10)أن النص كان (11)قد استقر في إسماعيل فقبضه الله إليه و جعل الإمامة من (12)بعده في موسى (13)
فقد جاءت الرواية بضد ذلك عن أئمة آل الرسول ص (14)فروي أنهم قالوا مهما بدا لله في شيء فإنه لا يبدوا له في نقل نبي عن نبوته و لا إمام عن إمامته و لا مؤمن قد أخذ عهده بالإيمان عن إيمانه
فكان هذا الخبر مصححا من التأويل في البداء ما قدمناه.
(المسألة الثامنة و الثلاثون) و سأل عن القلم فقال نحن مجمعون عليه و هو مذكور في القرآن حيث يقول الله تعالى وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ (1)و قد ثبت أنه يجري في اللوح فخبرنا هل هو جار بسواه فمن الذي يكتب به.
و الجواب (2)أن القلم المعروف هو ما يكتب به الكاتب (3)و ليس في القرآن دليل على ما رواه أصحاب الحديث أن الله تعالى خلق قلما و لوحا يسطر بالقلم في اللوح و الذي تضمنه القرآن في (4)القلم يجري مجرى القسم كما جاء القسم بأمثاله من المخلوقات المعروفة (5)فقال سبحانه وَ الطُّورِ وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (6)ق وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (7)وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ وَ طُورِ سِينِينَ وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (8)فكان الله تعالى أقسم بالقلم كما أقسم بالتين و الزيتون و على حسب ما ذهب إليه الناس في ذلك فقال بعضهم إن لله أن يقسم بما شاء من خلقه و ليس لخلقه أن يقسموا إلا به و قال آخرون إن القسم في هذه المواضع برب المذكورات و إن كان اسم الرب فيها مضمرا و تقديره و رب التين و الزيتون و رب القلم و ما يسطرون و رب ق و القرآن المجيد و أمثال ذلك و قال آخرون إنه في صورة القسم و معناه ابتداء الكلام بذكر منافع الخلق و على جميع الوجوه فليس في القرآن شاهد ما ذكره أصحاب الحديث في اللوح و القلم على التفصيل.
و إن صح الحديث بذلك فإن الله تعالى يحدث في القلم اعتمادات و حركات
تتولد (1)منها (2)الكتابة في اللوح بما شاء و الكتابة فعله و هو الكاتب لها كما يحدث الكلام في الهواء فيكون الكلام فعله و هو المتكلم هذا على الحديث الوارد به بأنه يأمر القلم فيجري بما يريد.
و يحتمل أن يكون لله ملك موسوم يكتب وحيه في اللوح لما يتلقاه (3)الملائكة و يكون المعنى فيما تضمنه الخبر من أن الله تعالى يأمر القلم فيجري في اللوح بما شاء (4)أنه يأمر الملك بكتب (5)ما يشاء بقلمه فيكتبه و يكون ذكر القلم يراد به صاحبه تجوزا في الكلام و على مذهب الاستعارة فيه.
فأما القول بأن هناك قلما جمادا يؤمر على الحقيقة فيفعل فإنه حال فاسد في العقول و من ذهب إلى أن القلم ملك حي ناطق و اللوح كذلك أخرج الحديث من جملة المفهوم و استعار ذلك اسما لا يعرف (6)في اللغة مع أنه لا معنى لكتابة ملك في ملك و إن كان الذاهب إلى ذلك قد تعلق فيه بحديث فهو ضعيف لا يثبت لما ذكرناه
(المسألة التاسعة و الثلاثون) و سأل فقال أجمعنا أن الجنة خلقت من ذهب و فضة و حلية و أنها لا تفنى و تهلك و سائر الناس اجتمعوا و أن الحجر الأسود من الجنة نزل مع آدم ع (7)و لما
حرقه القرمطي احترق و أتى الفناء عليه و لما كسره (1)لم يوجد فيه الكتاب الذي قد أجمعنا أن الله تعالى أودعه إياه.
و الجواب أن الذي ادعاه من إجماعنا على أن الجنة مخلوقة من فضة و ذهب ليس كما ذكر و ما في هذا إجماع و إن كان يجوز في العقول ذلك و لو أجمعنا عليه كما قال لما امتنع أن يكون عنصر الجنة من ذهب و فضة أحيل إلى خلق آخر كما كان الناس مخلوقة (2)من تراب أحيل إلى الحيوانية و الجان مخلوقا من نار أحيل إلى الحيوانية أيضا و لو كانت الجنة من ذهب و فضة على حالهما لم يمتنع وجود ما ليس بذهب و فضة فيها و قد علمنا أن فيها أنهارا (3)مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ و مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ و مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ و مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى و فيها حور عين و فواكه و أطيار و طعام و شراب و هذا كله ليس بذهب و لا فضة فكذلك (4)يكون الحجر من الجنة و ليس بذهب و لا فضة.
بل قد
جاء الحديث بأنه كان درة بيضاء (5)فأهبط إلى البيت و أن لونه تغير لكثرة من كان يلمسه من الخطاءين (6)
و ليس يمتنع أن تسود (7)الدرة البيضاء و تستحجر (8)بشيء فيحدثه الله فيها من الصلابة و السواد و يجعل ذلك علما على
1) - حش، رض: كسر.
2) - حش، رض: مخلوقا.
3) - حش: أنهار، و لعلّه أراد نفس الآية: فيها أنهار من ماء غير آسن و أنهار من لبن لم يتغيّر طعمه و أنهار من خمر لذّة للشاربين و أنهار من عسل مصفّى، (سورة محمد (47): 15).
4) - حش: فلذلك.
5) - عن ابن أبي عمير رفعه عن احدهما 8، أنّه سئل عن تقبيل الحجر؟
6) - روى عن النّبى 6 و الأئمة :: أنّه انّما يقبّل الحجر و يستلم ليؤدّى الى اللّه العهد الذي أخذ عليهم في الميثاق، و انّما يستلم الحجر لأنّ مواثيق الخلائق فيه، و كان أشدّ بياضا من اللبن، فاسودّ من خطايا بني آدم، و لو لا ما مسّه من أرجاس الجاهلية، ما مسّه ذو عاهة الّا برئ. (وسائل الشيعة 13/ 318).
7) - رض: تسوّد.
8) - رض: يستحجر.
عظم ضلال اللامس (1)لها مع الخبر بذلك فأي منكر في كون حجر هبط من جنة مخلوقة من ذهب و فضة صورة الأمر فيه ما ذكرناه لو لا أن المتعلق بذلك لشبهة دخلت عليه فيه بعيد (2)من العلم و العلماء.
(فصل) و قوله إن الجنة لا تفنى فهو كذلك و ليس بقاؤها يمنع من فناء شيء فيها إذ (3)ليس بقاء الدار منافيا لفناء أهلها و بقاء المكان منافيا لفناء أهله أو منافيا (4)لما حله و (5)جاوره من الأشياء و هذا اشتباه ضعيف لا يغتر (6)به إلا مأفوف (7)مع أن انكسار الشيء و تفرق أجزائه (8)ليس بفناء في الحقيقة و تخلل (9)الأجسام ليس بعدم لها و ما أظن المتعلق بالكلام في هذا السؤال ممن يجزم بشيء من العلم و أظنه حشويا تعاطى (10)الاعتبار فتورط بذلك في الجهالات.
(فصل) و قوله إنه لما انكسر الحجر لم يوجد فيه الكتاب الذي أودعه في الميثاق فلم يرد الخبر بأن الله (11)كتب كتابا ثم ألقمه الحجر فيظن السائل ذلك و إنما ورد بأن الله عز و جل لما أخذ العهد على بني آدم أودعه الحجر (12)و أخذ
1) - رض: الملامس.
2) - رض: فهو بعيد.
3) - رض: كما انّه.
4) - حش:+ لفناء.
5) - حش، رض: أو.
6) - حش: لا يعتبر.
7) - حش: ضعيف. رض: مصفوف.
8) - رض: الأجزاء.
9) - رض: تحلّل.
10) - رض: يعاطى.
11) - رض:+ تعالى.
12) - عن الحلبيّ قال: قلت لأبي عبد اللّه 7: لم جعل استلام الحجر؟ فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ حيث أخذ ميثاق بني آدم، دعا الحجر من الجنّة، فأمره فالتقم الميثاق، فهو يشهد لمن وافاه بالموافاة، (وسائل الشيعة 13/ 317). و في حديث آخر: ثم قال أبو عبد اللّه 7:
العهد محتمل (1)إثبات الحجة عليهم بالعقول و الأقدار و التمكين و إن مستنسخي الأعمال موكلون بالحجر ليرفعوا أعمال المسلمين من المقربين (2)إلى غيرهم من الملائكة تعبدا لهم بذلك و ليلقى الكتاب المؤمن يوم القيامة بعمله الصالح فبشر (3)بالبشارة به و قد قال الله عز و جل إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (4)و ليس كل من استودع شيئا جعله في نفسه و رأيه و لا كل من أخبر عنه بأنه قد أودع شيئا كان المعنى بذلك نفسه دون ما جاوره و تعلق به ضربا من التعلق لجواز ذكر تسمية الشيء باسم ما جاوره و قاربه.
مع أنه لو ثبت أن الحجر وضع فيه كتاب لم يمتنع أن يرفع الله الكتاب منه قبل كسره أو عنده فلا تجد بفقده ألا يكون موجودا فيه قبل تلك الحال هذا على تأويل الخبر و سلامته فأما مع الريب فيه و (5)الوقوف في صحته فلا عهدة علينا في صحته و سقمه.
و الحديث الذي روي أن أمير المؤمنين ع قال لعمر بن الخطاب عند قوله للحجر (6)إنني أعلم أنك لا تضر و لا تنفع مه يا ابن الخطاب إن له عينين يبصر بهما و أذنين يسمع بهما (7)
. أراد به أن معه موكلا من الملائكة ذا عينين يبصر
1) - حش: يحتمل.
2) - رض: المقرّين.
3) - رض: فيسرّ.
4) - سورة الجاثية (45): 29.
5) - حش: أو.
6) - رض: في الحجر.
7) - عن أبي عبد اللّه 7 قال: مرّ عمر بن الخطّاب على الحجر الأسود، فقال: و اللّه يا حجر! إنّا لنعلم أنك حجر لا تضرّ و لا تنفع، إلّا أنّا رأينا رسول اللّه 6 يحبّك فنحن نحبّك. فقال له أمير المؤمنين 7: كيف يا بن الخطّاب! فو اللّه ليبعثنّه اللّه يوم القيامة و له لسان و شفتان، فيشهد لمن وافاه، و هو يمين اللّه في أرضه يبايع بها خلقه. فقال عمر: لا أبقانا اللّه في بلد لا يكون فيه عليّ بن أبي طالب، (علل الشرائع 2/ 426).
بهما و أذنين يسمع بهما (1)و قد يقال في الكلام إن لهذا الطفل لسانا يحتج به (2)عن نفسه يراد به الناصر (3)الذي يدفع عنه دون أن يراد به نفسه و هذا معروف في التحاور و مجاز (4)الكلام.
فأما القول بأن له عينين في نفسه مع جماديته يبصر بهما و أذنين (5)يسمع بهما فهو محال ببديهة (6)العقول و ليس بممتنع حمل الأخبار على مجاز الكلام إذ أكثر ما في القرآن محمول على المجاز و أكثر كلام العرب في نظمها و نثرها كذلك.
(المسألة الأربعون) و سأل فقال خبرنا عن قوله تعالى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (7)و تعبد الله النبي ص بقوله (8)ما وجهه و أي صراط بعد الإسلام و القرآن.
و الجواب (9)أن الله تعبد نبيه ص و كافة المسلمين بالرغبة إليه في إدامة التوفيق و الألطاف في الدين و التمسك منه بالصراط (10)المستقيم بالمسألة لله تعالى في ذلك فالنبي ص و إن كان مهتديا و متمسكا بسبيل (11)الحق فلا غناء له (12)عن إمداد الله تعالى بالتوفيق و اللطف له في استدامة ما هو عليه
من ذلك و ليس يمتنع (1)أن يكون من لطفه رغبة (2)إلى الله في ذلك و إظهار التضرع فيه و المسألة في إدامته له و لفظ القرآن يدل على ذلك لأنه تعبد بسؤال ما يستقبل من الأفعال و لا ينكر أيضا أن يكون السؤال لذلك شرطا في كمال العصمة و حراستها و إذا لم يكن ذلك منكرا زالت الشبهة في معناه على ما بيناه.
(المسألة الإحدى و الأربعون) و سأل عن قوله تعالى وَ لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا (3)قال (4)و الله (5)لا يجعل الغل في قلب أحد فما وجه الدعاء.
و الجواب (6)عن هذه المسألة كالأولى و هو أن الله تعبد (7)بالرغبة إليه في التوفيق لاستدامة مودة المؤمنين و اللطف في إبقاء (8)ذلك (9)و إدامته عليهم (10)إذ بدوامه ينتفي الغل عن قلوبهم لأهل الإيمان و لم يتعبدهم بالرغبة إليه أن لا يخلق غلا للمؤمنين في قلوبهم كما ظنه السائل و ليس كل من سأل الله تعالى أن يجنبه شيئا يكرهه فقد سئله أن لا يفعل به ما يكرهه إذ كان انتفاء الشيء قد يكون بفعل المسئول به (11)تركه و بفعل (12)ما يستعين به السائل على تركه و إنما أضيف جعل ذلك إلى الله تعالى و إن لم يكن فاعلا له في الحقيقة لأن تركه التوفيق لما ينفيه كالفعل له فجاز أن يضاف إليه على طريق الاستعارة و اتساع
الكلام و هذا معروف في اللسان.
(فصل) أ لا ترى أنهم يقولون لمن ترك تأديب ولده و المراعات له فلان قد أهلك ولده و أفسده و إن لم يكن فعل به شيئا على حال و إنما أضافوا إليه إفساده و إهلاكه لأنه ترك أن يفعل به ما يحميه عن الفساد و الهلاك و إذا كان الأمر على ما ذكرناه بأن به ما شرحناه في تأويل الآية على ما قدمناه.
(المسألة الثانية و الأربعون) و سأل عن قوله تعالى وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ (1)ثم قال في الأسرى ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا إلى قوله لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (2)فأين كان التثبيت هاهنا و قد تهدده بما تهدده.
و الجواب (3)أن الله تعالى ذكر منته على نبيه (4)بالتثبيت له و العصمة و التأييد و أنه لو لم يفعل ذلك به لركن إلى المشركين ركونا يستحق به منه العقاب كما ركن غيره إليهم ركونا أوبقه و أهلكه فأخبر تعالى أنه عصمه مما تورط فيه غيره و ثبته بالتوفيق ليثبت به (5)الحجة على الخلق و عدد ذلك من آلائه عليه و نعمائه لديه و لم يزل ص موفقا مثبتا محروسا بالعصمة و التأييد.
و لم يكن منه (6)في الأسرى ذنب عوتب عليه و إنما كان ذلك من أصحابه الذين أسروا بغير علمه و كفوا عن القتل طمعا في الفداء و أشاروا به على النبي
ص فتوجه العتب عليهم (1)في ذلك و اللوم و التهديد و إن كان أول الخطاب قد وجه إلى النبي ص و خاتمته تدل على أنه لغيره و إنما وجه به ص لأنه السفير بين الخلق و بين الله سبحانه كما قال في موضع آخر يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ (2)فواجهه بالخطاب و كان المراد به أمته أ لا ترى إلى قوله بعد إفراد النبي ص بالخطاب إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فجاء بلفظ الجمع بعد الإفراد و كذلك قوله تعالى ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا (3)فجاء بلفظ الجمع دون التوحيد مع أن قوله ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى غير مفيد للخبر عن تخصيصه بالرأي في الأسرى و لا دال على أنه عتاب له (4)بل هو محتمل لعتاب من أشار بذلك و رآه فيمن (5)سواه و قد أكد ذلك بقوله عز و جل تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ (6)و ليس من صفات النبي ص إرادة عرض الدنيا و الخلاف لله تعالى فيما أراد من عمل الآخرة و لا من صفاته ص مقارفة (7)ما يحبط الأعمال و يستحق عليه العقاب العظيم على التعجيل و التأجيل في ظاهر الكلام من توجهه إلى غير النبي ص بقوله تريدون و هذا اللفظ جمع على ما قدمناه.
(فصل) مع أنه لا منافاة بين تثبيت الله تعالى لنبيه ص على شيء لو زل عنه لمسه عذاب أليم (8)و بين وقوع ضرب آخر منه لو لم يعف عنه لاستحق
1) - رض: اليهم.
2) - سورة الطلاق (65): 1.
3) - سورة الأنفال (8): 67.
4) - حش، رض:+ 7.
5) - رض: ممّن.
6) - سورة الأنفال (8): 67.
7) - المقارفة: المخالطة. و قارف فلان الخطيئة اي خالطها، و قارف الشيء: داناه، و لا تكون المقارفة إلّا في الأشياء الدنيّة. و في حديث الإفك: إن كنت قارفت ذنبا فتوبى إلى اللّه. و هذا راجع الى المقاربة و المداناة. (راجع: لسان العرب).
8) - حش، رض: عظيم.
عليه عذاب عظيم (1)و قد يعصم الإنسان من (2)شيء تكون العصمة له فيه لطفا و يخلى بينه و بين شيء يكون التخلي (3)لمن سواه لطفا و تكون المصلحة بذلك عموما و هذا بحسب المعلوم (4)و الكلام فيه متعلق بالأصلح و ليس يكاد يفهم معناه إلا من عرف قواعد الكلام في الأصلح و قليل من يعرف ذلك اليوم من المتكلمين.
(المسألة الثالثة و الأربعون) و سأل عن قوله تعالى ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا (5)و معلوم أنهم لقنوه عن النبي ص في حياته فكيف يرثون ما حصل لهم في حياة الموروث ثم قال فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ (6)فوصفهم بالظلم مع وصفه لهم بالاصطفاء و قال في أصحاب الجنة يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ (7)و الميراث (8)لا يكون إلا من مورث فمن الموروث منه الفردوس و هل كان لأحد قبلهم فمضى و ورثوه (9)بعده و الجواب (10)أن التوريث للكتاب في هذه الآية هو إقامة من وصف بالميراث مقام الحكام به فيما مضى من الاستحفاظ (11)له و الاستيداع عليه و النصب لهم حكاما به كما كان يحكم به الماضون من خلفاء الله تعالى و لم يرد به حقيقة الميراث الذي هو تملك الأعيان من جهة ماض كان يملكها قبل مضيه و إنما أراد
ما ذكرناه تشبيها و استعارة على ما بيناه.
(فصل) و قوله تعالى فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ (1)بعد وصفه الوارثين للكتاب بالصفوة فإنه غير متناقض على ما ظنه السائل لأنه لم يرد بقوله فمنهم من أعيانهم و إنما أراد من ذوي أنسابهم و ذراريهم فأما المصطفون فقد حرسوا بالاصطفاء من الظلم و وفقوا به للعدل و كذلك قوله وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ (2)يريد به من نسلهم و أهلهم و ذوي أنسابهم و قوله وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ كذلك و لم يرد بالأصناف الثلاثة أعيان من خبر عن اصطفائه و توريثه الكتاب و هذا يسقط ما توهمه السائل و اعترضته الشبهة في علته فيه.
(فصل) و قوله تعالى الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (3)معناه مصيرهم إلى الفردوس بأعمالهم الصالحة و استحقاقهم الخلود في النعيم فشبههم في ذلك بمن انتقل إليه مال من ماض لحق (4)و إن لم يكن ما ملكوه من ذلك منتقلا من مالك كان له فيما سلف فجعل استحقاقهم لنعم (5)الفردوس بأعمالهم كاستحقاق ذوي الأنساب أموال الماضين من أقربائهم بأنسابهم و لم يرد به الميراث الحقيقي على ما وصفناه.
و هذا الضرب من المجاز في الميراث معروف عند أهل اللسان لا يتناكره منهم اثنان و لو لم يكن معروفا لوجد المخالفون لرسول الله ص من العرب طريقا (6)إلى القدح في نبوته ص (7)و لطعنوا بذلك في القرآن و قالوا (8)قد جئتنا بمعاني فيه لا يعقلها أهل اللسان و تجوزت فيه بما لا يسوغ
المجاز في معناه و هذا يبطل إضافتك إياه إلى الله (1)و لما لم يتعلق مخالف للنبي ص (2)بطعن في القرآن من جهة تناقض و اختلاف أو فساد عبارة أو معنى تضمنه على حال مع تقريع النبي ص لهم بالعجز عنه و وصفه له بالبيان و الحكمة و فصل الخطاب دل على سلامته مما ظنه الملحدون فيه و بأن بذلك جهل متعاطي الطعن فيه بإفساد معانيه أو ألفاظه على حال.
(المسألة الرابعة و الأربعون) و سأل عن تحريم الله تعالى الشجرة على آدم (3)قال و قد ثبت أنها الحنطة و الجسد لا بد له من الغذاء فكأنه لما حرم عليه ما لا بد له منه دل على أنه يريد إخراجه من الجنة و أنه قد ألجأه إلى المعصية التي خرج بها من الجنة.
و الجواب (4)أن الشجرة المحرمة على آدم (5)ليست الحنطة على الاصطلاح و الاتفاق حسب ما ادعاه السائل و قد ذهب خلق كثير من المسلمين إلى أنها الكرمة و لو كانت الحنطة كما قال السائل لما كان في تحريمها إلجاء آدم (6)إلى تناولها لأن له في غيرها من الغذاء مندوحة عنها و لو لم تكن (7)مندوحة عنها لما كان ملجأ إلى تناوله (8)لأن لله تعالى إن يتعبده (9)بالصبر على ما يتلف نفسه كما تعبد أكثر خلقه بالصبر على الشهادة و فرض عليهم من الصبر في القتال على ما لا
بقاء لهم معه و هذا أيضا يبطل شبهة السائل فيما تعلق به من تحريم الله تعالى على آدم الأكل من الشجرة المذكورة في القرآن.
(المسألة الخامسة و الأربعون) و سأل عن قوله تعالى وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى (1)قال فكيف يصح خطاب أشباح غير مكلفة و مع هذا فلسنا نرى أحدا يذكر ذلك في الدنيا و لسنا نعلم ذلك عموما أو (2)خصوصا فليعرفنا ما عنده في ذلك إن شاء الله. (3)و الجواب (4)أن الآية تتضمن أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم (5)و ليست متضمنة أخذها (6)من ظهر آدم على ما تخيله فريق من الناس و الذي أخذه الله من ذرية آدم هو العهد و أخذ (7)العهد منهم بإكمال عقولهم و إلزام أنفسهم دلالة حدوثهم و الحجة عليهم بالربوبية و ذلك هو الإشهاد لهم على أنفسهم و إخباره عنهم بأنهم قالوا بلى مجاز في الكلام يفيد أنهم غير منكرين آثار الصنعة (8)فيهم و قيام الحجة عليهم لبارئهم (9)بالإلهية و التوحيد و الإيجاب و الإقرار له و الاعتراف منهم بنعمته عليهم و الشكر له على ذلك.
و مثله قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها
وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (1)و هو تعالى لم يقل للسماء و الأرض قولا صريحا ائتيا لكنه فعلهما فكان بفعله بهما (2)و تيسر ذلك عليه كالقائل لغيره ائت (3)فأتاه من غير تعذر و لا تثبت و لم تقل السماء و الأرض قولا صريحا أَتَيْنا طائِعِينَ بل انفعلتا بمشيئة الله تعالى و لم يتعذر صنعهما عليه فكانتا بذلك كالمجيب لمن دعاه مسرعا و أطاعه باخعا (4)و قال سمعا و طاعة و العرب تتوسع بمثل هذا الكلام في نحو ما ذكرناه.
قال الشاعر
و قالت لي (5)العينان سمعا و طاعة* * * و حدرتا
(6)كالدر لما يثقب و العينان لم تقل قولا على الحقيقة لكنهما أسرعتا بالدموع على وفاق إرادة صاحبهما فعبر عنهما بالقول الصريح.
و قال آخر
امتلأ الحوض و قال قطني* * * مهلا رويدا قد ملئت بطني
و قال الآخر (7)
شكا إلي جملي طول السرى
و هذا كقوله
شكا إلي بعيرة (8)و تحمحم
.
و المراد في ذلك كله الخبر عن الأفعال و وقوعها دون الكلام الحقيقي و هذا هو الاستعارة في الكلام (9)و التشبيه و المجاز (فصل) فأما سؤاله عن العموم في ذلك و الخصوص فهو عندنا عموم في كل
مكلف من بني آدم و ليس بعموم في الجميع دلالة اختصاص الحجة بذوي التكليف دون الأطفال و نواقص العقول.
(المسألة السادسة و الأربعون) و سأل فقال إذا كان الرسول ص معصوما فما وجه التهدد له و الوعيد في القرآن. و الجواب (1)أن العصمة لا تنافي القدرة على المعصية و الخواطر فيها و دعاء الشهوة إلى فعلها فلذلك احتاجت الأنبياء معها إلى الوعيد و التهديد و لأن العصمة إنما هي بالأمر و النهي و الوعد و الوعيد و التهديد و لو لا ذلك لم يتكامل في معناها و إذا كانت بمجموع أشياء من جملتها الوعد و الوعيد و الترهيب و الترغيب (2)بطل قول القائل ما وجه ذلك مع العصمة و سقطت الشبهة فيما تخيله مع (3)الغناء عن ذلك على ما شرحناه.
(المسألة السابعة و الأربعون) و سأل عن قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ (4)فقال ما (5)رأيناه جاهد المنافقين فما الوجه في ذلك.
و الجواب (6)أن الجهاد على ضربين جهاد بالسيف و جهاد باللسان و كان الجهاد بالسيف (7)مفروضا على النبي ص للكفار الذين ظاهروا
بالكفر و الشرك و كان جهاد اللسان (1)مفروضا عليه للمنافقين و قد أدى الفرضين معا فجاهد الكفار بالسيف (2)و جاهد المنافقين باللسان كما فرض عليه.
و وجه آخر هو أنه قد جاهد الفريقين بالسيف فتولى جهاد (3)الكفار و أوصى (4)أخاه و ابن عمه أمير المؤمنين ع (5)بجهاد المنافقين من بعده (6)فقام بأمره في ذلك و نفذ وصاته فيه فجاهد أهل البصرة و أهل الشام و أهل النهروان و أقام حد الله (7)فيهم.
و ليس لقائل أن يقول إن الجهاد فرض عليه ليتولاه بنفسه إذ جهاد كثير من الكفار في أمراء لم يباشر جهادهم بنفسه و كان (8)هو المجاهد لهم بحكم الدين إذ كان أمراؤه تولوه (9)نيابة عنه و امتثالا لأمره فيه فكذلك يكون الحكم فيما تولاه أمير المؤمنين (10)في جهاد من سميناه و يكون النبي ص هو المجاهد لهم بحكم الدين على ما شرحناه.
(فصل) و لعل قائلا يقول قد وجدناكم حكمتم على طوائف بالنفاق لم يتول علي ع (11)جهادهم.
فيقال له قد وجدنا جماعة كفارا من أهل الكتاب و غيرهم لم يتول رسول الله ص جهادهم و لم يمنع ذلك أداء الفرض عليه في جهاد الكفار.
1) - حش، رض: و جهاد اللسان كان.
2) - حش:+ كما أمر اللّه تعالى. رض:+ كما أمر اللّه تعالى.
3) - حش، رض:+ الفريق من.
4) - حش: و وصّى.
5) - أثبتناه عن حش و رض.
6) - حش، رض:+ بالسيف.
7) - حش:+ تعالى.
8) - حش، رض:+ 7.
9) - حش: و كان أمراؤه يتولّونه. رض:+ عنه 6.
10) - حش:+ 7. رض:+ (صلوات اللّه عليه و آله).
11) - أثبتناه عن حش و رض.
(المسألة الثامنة و الأربعون) و سأل عن قوله تعالى يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا (1)و قال ما معنى هذا الكلام و الخزي بعيد عنه (2)لعصمته.
و الجواب (3)أن الله تعالى أخبر بأنه لا يخزي نبيه (4)و المؤمنين يوم القيامة و يخزي أعداءه من الكافرين و دل بذلك على أنه محروس من العذاب يوم يحل بالظالمين الضالين (5)لهداه (6)و طاعته لله و اجتناب معاصيه فأي شبهة عرضت للسائل في هذه الآية من حيث إنه ثبتت (7)عنده عصمة النبي ص أ و ليس (8)ثبوت (9)العصمة يدل (10)على بعد صاحبها من الخزي و حراسته من ذلك فإذا جاء الخبر بوفاق العصمة كان مؤكدا لما في العقول و تأكيد الشيء ينفى (11)الشبهة فيه فتخيل صاحب السؤال في الآية خلاف ما يقتضيه تخيل فاسد و إنما كانت الشبهة تعرض لو جاء الخبر بخلاف مضمونه و العياذ بالله فأما ما هو مؤكد لدلالة العصمة فالشبهة بعيدة عن (12)قلوب العقلاء في معناه و الهادي هو الله (13)
(المسألة التاسعة و الأربعون) و سأل فقال رأينا الناس بعد الرسول (1)قد اختلفوا خلافا عظيما في فروع الدين و بعض أصوله حتى لم يتفقوا على شيء منه و حرفوا الكتاب و جمع كل واحد منهم مصحفا و زعم أنه الحق مثل أبي بن كعب و ابن مسعود و عثمان بن عفان و رويتم أن أمير المؤمنين ع جمع القرآن و لم يظهره و لا تداوله الناس كما ظهر غيره و لم يكن أبي و ابن مسعود (2)بأجل من أمير المؤمنين ع في قلوب الناس و لم يتمكن عثمان (3)منعهما مما جمعاه و لا حظر (4)عليهما قراءته فما بال مصحف أمير المؤمنين ع لم يظهره حتى يقرؤه الناس و يعرفوه و هل الحجة ثابتة بهذا المتداول أم لا.
و الجواب (5)أن سبب اختلاف الناس في الفروع و الأصول بعد النبي ص عدول جمهورهم عن أمير المؤمنين (6)و تقديم من قدموه عليه و رغبتهم عن الاقتداء بآل محمد ع و التجائهم إلى من عمل في دينه بالرأي و الظنون و الأهواء و لو اتبعوا سبيل الحق في الاقتداء بالعترة ع و التمسك بالكتاب لما وجد بينهم تنازع و اختلاف.
قال الله تعالى اسمه في ذم ما صاروا إليه من الاختلاف و نهيهم عن ذلك (7)وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (8)و نفى عن دينه و كتابه الاختلاف فقال سبحانه (9)وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ
اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (1).
فأما سؤاله (2)عن ظهور مصحفي (3)أبي و ابن مسعود و استتار مصحف أمير المؤمنين ع فالسبب في ذلك عظم وطأة أمير المؤمنين ع على ملوك الزمان و خفة وطأة أبي و ابن مسعود عليهم و ما اعتقدوه من الفساد (4)بظهور خلاف أمير المؤمنين ع و قلة احتفالهم بسواه (5)و لأن أمير المؤمنين (6)كان في عداد الأضداد لهم و الأنداد و أبي و ابن مسعود في عداد الرعية (7)و الأتباع و لم يكن على القوم كثرة ضرر بظهور مصحفيهما بخلاف مصحف أمير المؤمنين ع فبذلك تباينت الحالتان في مصاحف (8)القوم.
(فصل) مع أنه لا يثبت لأبي و ابن مسعود وجود مصحفين منفردين و إنما يذكر ذلك من طريق الظن و أخبار الآحاد و قد جاءت بكثير مما يضاف إلى أمير المؤمنين ع من القراءة أخبار الآحاد التي جاءت بقراءة أبي و ابن مسعود على ما ذكرناه.
(فصل) و أما قوله خبرونا هل الحجة ثابتة فيما جمعه عثمان فإن أراد بالحجة الإعجاز فهي فيه و إن أراد الحجة في جميع المنزل فهي في أكثره دون جميعه و هذا الباب يطول الشرح بمعناه (9)و فيما أثبتناه منه كفاية إن شاء الله تعالى.
(المسألة الخمسون) و سأل فقال الناس مختلفون في رقية و زينب هل كانتا ابنتي رسول ص أم ربيبتيه فإن كانتا ابنتيه فكيف زوجهما من أبي العاص بن الربيع و عتبة بن أبي لهب و قد كان عندنا منذ أكمل الله عقله على الإيمان و ولد مبعوثا و لم يزل نبيا ص و ما باله رد الناس عن فاطمة ع و لم يزوجها إلا بأمر الله عز و جل و زوج ابنتيه بكافرين على غير الإيمان.
و الجواب (1)أن زينب و رقية كانتا ابنتي رسول الله ص و المخالف لذلك شاذ بخلافه فأما تزويجه (2)لهما بكافرين فإن ذلك كان قبل تحريم مناكحة الكفار و كان له (3)أن يزوجهما لمن يراه و قد كان لأبي العاص (4)و عتبة نسب برسول الله ص و كان لهما محل عظيم إذ ذاك و لم يمنع شرع من العقد لهما فيمتنع رسول الله ص من أجله.
(فصل) و أما فاطمة (5)فإن السبب الذي من أجله رد رسول الله ص خاطبيها (6)حتى جاء الوحي بتزويجها أمير المؤمنين ع فلأنها كانت سيدة نساء العالمين و واحدة الأبرار من النساء أجمعين و كانت بفضلها في الدين تفوق على كافة نساء العالمين (7)فلم يكن لها كفو إلا (8)أمير المؤمنين ع و كان رسول الله ص يرتقب الوحي في أمرها ليكون العقد لها بحجة يخصم بها المخالفين و يدل بها على مكانها من
الله تعالى و منزلتها في الدين و لو كانت كأختيها في الأعمال لكان لها من الخلق أكفاء كثيرة و لم تكن الحاجة إليها في الاختيار (1)صادقة إلى نزول الوحي في ذلك عن علام الغيوب.
(فصل) و قوله إن النبي (2)ولد مبعوثا و لم يزل نبيا فإنه محتمل الحق من المقال و باطل فيه على حال فإن أراد بذلك أنه لم يزل في الحكم مبعوثا في العلم نبيا فهو كذلك و إن أراد أنه لم يزل موجودا في الأزل ناطقا رسولا و كان في حال ولادته نبيا مرسلا كما كان بعد الأربعين من عمره فذلك باطل لا يذهب إليه إلا ناقص غبي لا يفهم عن نفسه ما يقول (3)وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ و به التوفيق.
(المسألة الحادية و الخمسون) و سأل فقال لم لم يرد أمير المؤمنين ع فدكا لما أفضى الأمر إليه و تابعه (4)الناس و كيف وسعه ذلك و ما بال عمر بن عبد العزيز تيسر له (5)ردها و تعذر على أمير المؤمنين ع و كيف ردها المأمون و لم يمنعه من ذلك مانع و علي ع أتقى لله منهما و أعظم سلطانا و أجل في النفوس.
و الجواب (6)عن ذلك أن أمير المؤمنين ع كان ممتحنا في زمانه بما لم يمتحن به عمر بن عبد العزيز و المأمون بل لم يمتحن به أحد من الخلق أجمعين و هي مباينة (7)عائشة بنت أبي بكر له ع و هي عند الجمهور أفضل أزواج النبي ص و مباينة طلحة و الزبير و هما عند أنفسهما و جمهور من العامة نظراؤه (8)في الجلالة و اجتماع الثلاثة على حربه و الطعن في إمامته
و الاجتهاد في التماس الحيل لحل أمره و تفريق جمعه و سفك دمه و دماء ذريته و أنصاره و التشنيع عليه بالأباطيل مع كون ناصريه في الحروب ممن (1)يرى صواب أبي بكر في منع فاطمة ع فدكا و ضلالة ناقض كلمته في ذلك و مني عليه بمعاوية بن أبي سفيان و من كان في حيزه (2)من الصحابة و الوجوه عند العامة بأعظم مما (3)مني به (4)طلحة و الزبير و عائشة و اتفق عليه من أصحابه الذين كانوا بطانته و خاصته ما شهرته من (5)المحنة له به يغني (6)عن ذكره مفصلا حتى أكفره فريق منهم و ألحد فيه آخرون فاتخذوه ربا معبودا فاضطر لذلك (7)إلى الاستنصار عليهم من جمهورهم القائلين (8)بتصويب المتقدمين عليه في منع فاطمة فدكا و تخطئة من شك في ذلك فلم يجد لهذه الأسباب طريقا لاسترجاع فدك (9)و إظهار التضليل لمن تقدمه و قضاؤه (10)فيها بنقيض الصواب عند الله تعالى و خلاف المنزل من القرآن. و رأى ع أن تركه بعض حقوقه و استنزال ولده عن الطلب بميراثه للتوصل بذلك إلى إقامة (11)حقوق الله تعالى و هي أعظم و حراسة الدين و هو أولى فوجه الرأي و صواب التدبير أنه لا يسعه تضييع معظم الدين بالنظر في صغيره و إهمال كثيره بحفظ قليله لا سيما و قد علم (12)أن ما يرومه من ذلك لا يتم و أن
السعي فيه يفسد عليه نظام الدين و الدنيا معا و يحل عليه عقد التدبير و قد بين ذلك ع في
قوله لقضاته و قد سألوه بم نقضي فقال اقضوا بما كنتم تقضون حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي
و قوله (1)ع لو ثنيت (2)لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم و بين أهل الزبور بزبورهم و بين أهل القرآن بقرآنهم حتى يزهر (3)كل كتاب من هذه الكتب و يقول يا رب إن عليا قضى بقضائك
و قوله إذا حدثتكم عن رسول الله ص الحديث (4)
فلأن أخر من السماء فتخطفني الطير أحب إلي من أن أقول على رسول الله ص ما لم يقل و إذا حدثتكم عن نفسي فإنما أنا رجل محارب و الحرب خدعة (1)
فبين ع أنه كان مضطرا إلى التألف (2)و المداراة و غير متمكن من القضاء لما (3)يراه في الدين و محتاجا إلى التقية و الاستصلاح.
و في هذا القدر كفاية و غناء عما سواه في جواب ما سأل عنه السائل من أمر فدك و ترك أمير المؤمنين ع نقض أحكام المتقدمين عليه فيها مع بيعة الناس له و بذلك يندفع ما توهمه و تظناه.
(فصل) و بعد فشتان بين حالتي أمير المؤمنين ع و من ذكره السائل في الرأي و القضاء فأمير المؤمنين ع مدبر الدين و الدنيا و أهلهما على علم بالحال و العاقبة و صلاح شامل في العاجل و الآجل و مثال قد مثل له في
1) - روى أبو العبّاس الحميري (في قرب الإسناد 133) عن جعفر بن محمّد، عن أبيه عن علي 7 أنّه قال: الحرب خدعة، إذا حدّثتكم عن رسول اللّه 6 حديثا، فو اللّه لأن أخّر من السماء أو تخطفني الطير أحبّ إليّ من أن أكذب على رسول اللّه 6، و إذا حدثتكم عنّي فانّما الحرب خدعة. و نقله عن قرب الإسناد العلّامة المجلسي في بحاره 20/ 246 و 100/ 31. أقول و يشبهه قول أبي القاسم الحسين بن روح وكيل الناحية المقدّسة رضي اللّه عنه، قال محمّد بن إبراهيم بن إسحاق (ره): فعدت إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (ره) في الغد و أنا أقول في نفسي: أ تراه ذكر لنا ما ذكر يوم أمس من عند نفسه؟ فابتدأني و قال: يا محمّد بن إبراهيم! لئن أخّر من السماء فتختطفني الطيّر، أو تهوي بي الريح في مكان سحيق، أحبّ إليّ من أن أقول في دين اللّه برأيي و من عند نفسي، بل ذلك عن الأصل، و مسموع من الحجّة (صلوات اللّه عليه و سلامه) و سلامه. الاحتجاج 2/ 473 و راجع سفينة البحار 1/ 402.
2) - حش: التآلف.
3) - باقي النسخ: بما.
ذلك و نص لا يتعداه و غيره من أمراء الدنيا و ملوكها يعملون على الهوى و يخبطون في الدين و الدنيا خبط عشواء و لا علم لهم بالعاقبة و لا بصيرة لهم بشاهد الحال و لا فكرة لهم في الصلاح و لو فكروا في ذلك لكان غير مأمون عليه الخطإ فيه و الضلال.
و هذا أيضا يسقط شبهة السائل و ما اعتمده من ضرب الأمثال و في غير هذه المسألة أجوبة شتى قد سارت بها الركبان و ثبتت في أمالي المنثورة في الأصقاع و الأمصار و فيما أثبته في هذا المقام (1)بلاغ و إقناع لمن تأمله بعين الإنصاف و الله الموفق و المعين (2)و هو حسبنا وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ (3).
تمت بحمد الله تعالى و الصلاة على نبيه محمد و آله و السلام عليهم أجوبة الشيخ المفيد رضي الله عنه عن أسئلة الحاجبالمعروفة بالمسائل الحاجبية على يد محمد بن الشيخ طاهر السماوي في النجف في منتصف ربيع الثاني 1335 حامدا مصليا مسلما