ghaemiyeh.com
عَقَائِدُ الإمَاميَّة
لِلعَلاَّمَةِ المُحَقِّق الشَّيخ مُحَمَّد رِضا مُظَفَّر
ت 1383 ه
وَبهَا مِشِه أَضْوَاءٌ عَلَى عَقَائِدُ الاِمَامِيَّة
حَیدَر الوَكيل
المؤلف: الوكيل، حیدر، 1971 م -
العنوان: عقائد الامامية للعلامة الشيخ محمد رضا المظفر و بهامشه اضواء على عقائد الامامية / حيدر الوكيل
الناشر: قم، دار النشر باقيات، 1443 ق = 2022 م
الايداع الدولي: 9 - 492 - 213 - 600 - 978 ISBN
الموضوع: الشيعة الامامية - العقائد Imamate Shiites Doctrines
الموضوع: كلام الشيعة الامامية Imamate Shiites theology
التسلسل الرقمي: 5 / BP211 التسلسل الديويي: 4172 / 297
رقم المكتبة الوطنية : 8850389
محرر الرقمي: زاهراء شريفيان
المؤلف: الوكيل، حیدر، 1971 م -
العنوان: عقائد الامامية للعلامة الشيخ محمد رضا المظفر و بهامشه اضواء على عقائد الامامية / حيدر الوكيل
الناشر: قم، دار النشر باقيات، 1443 ق = 2022 م
الايداع الدولي: 9 - 492 - 213 - 600 - 978 ISBN
الموضوع: الشيعة الامامية - العقائد Imamate Shiites Doctrines
الموضوع: كلام الشيعة الامامية Imamate Shiites theology
التسلسل الرقمي: 5 / BP211 التسلسل الديويي: 4172 / 297
رقم المكتبة الوطنية : 8850389
عقائد الامامية وبهامشه «أضواء على عقائد الامامية»
حيدر الوكيل
الناشر: باقيات - المطبعة: الوفاء - الطبعة الاولى - 1443 ه . ق
العدد: 1000 نسخة - رقم الايداع الدولي: 9 - 492 - 213 - 600 - 978 ISBN
«كافة حقوق الطبع محفوظة ومسجلة»
قم المقدسة، شارع معلم، زقاق 15، هاتف: 37743900 (025) - موبايل: 09122525625
Email: Vafaprint110@gmail.com
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة على الأدلّاء إليه محمّد وعترته صلوات الله عليه وعليهم أجمعين.
لكلّ مجتمع بشري روابط تجمعه، وتنظّم مسيرته في الحياة، وعندما تكون هذه الرابطة هي العقيدة المُوَحِدَة بين أفراده فقد وصل المجتمع إلى أرفع حالات الترابط المُوَحِدَة لتفكيرهم وسلوكهم، ويتّضح هذا جلياً في الإسلام، إذ أنّه باللإضافة إلى نظامه القانوني، ومناحيه الأخلاقية، وتنظيماته الاجتماعية والسياسية فإنّ له عقيدة جامعة تربط بين أبنائه حتّى وإن خُدشت المقوّمات الأخرى.
ولهذا غدت هذه العقيدة مركزاً لتلّقي الضربات العدائية الخارجية والداخلية، وخصوصاً مع وجود حفظة لهذه العقيدة، تمثلّت بعرة النبيّ الأعظم علیهم السلام، ثمّ بعلماء يدافعون عن هذه العقيدة، ويردّون كيد خصومها، فإنّ هذا الوجود المبارك كان حصناً عن محاولات التحريف والتبديل التي ما
انفكّت عن البحث عن إسلوب جديد لذلك، بينما مَن فقد مثل هذا الوجود، وكان المدافع الناصح هو المزور الناجح، فقد إنتهت أمورهم إلى تبديلات جذرية عظمى.
ولأنّ الإمامية الممثّلون الواقعيون للإسلام فقد تركّزت الضربات العقائدية على مراكز قوّتهم الفكرية، ولكنّها كانت صلبة أمام العدوان، صامدة بوجه الاختراق؛ وذلك بفضل أقلام نافحت عنها، وبيّنت مضامينها، وقد يبخل بهذه الأقلام عصر ويجود آخر، وقد جاد عصرنا بخيرة طيّبة منهم سماحة الأخ العلّامة الشيخ حيدر الوكيل.
إنّ هذا الرجل بذل سنين عمره للتكامل العلمي، وخصوصاً في الجانب الفكري والعقائدي؛ فأتحف المكتبة العقائدية الإيمانية بمجموعة من الصفحات النورية، والكتابات الفكرية الناضجة التي أخذت بمجامع الأدلّة نقضاً وإثباتاً، متنوعة الأسلوب، واضحة البيان، غزيرة الفكرة، متوزّعة على فئات الطالبين للحقّ والعلم، متحرّك ظمن إطار منهجي، يعتمد على المعارف المحمّدية، والأفكار القرآنية، والعقائد المالكة لزمام أدلّتها، نقلاً وعقلاً؛ ضارباً بمناهج المدارس الأخرى عرض الجدار، لا ضرب تعصّب أو تبع، بل ضرب تحقيق وتتبّع، وتدقيق وتمحيص.
فقد انتظمّت لدى سماحته بعض الكتابات الأوّلية، التي حاول من خلالها بيان العقيدة ملخّصة، بنحو يظهرها خالصة ممّا شابها من أفكار فلسفة
وتصوّف، إذ تكاد بوصلة العقيدة تفقد مؤشرها الصحيح لإندكاك الشبهات في مجاميع الكتب، ومناهج التأليف، وتتغير النتائج الواضحة بفضل الأدلّة الفاسدة، ممّا يُربك الفكرة عند الخاصّة من طلبة العلم، فضلاً عن العامّة ممّن يطلب الثقافة والمعرفة العقائدية الملخصة الواضحة.
وبعض آخر يشكّل سلسلة منهجية تعليمية، تمثّل في كتابي (معالم العقيدة)، ثمّ (أصول العقيدة)، وننتظر ثالثة الأثافي، لتكون منهجية متصاعدة منتظمة.
ورجع إلى التراث الفكري، فأسفر عن الأسفار حجابات خيالية، وأوضح التوهّمات النقلية، والسقطات المنهجية، وبيّن في الباب الحادي عشر المسائل العلمية، والأسس الروائية، ليستكمل تسيطر عشرات البحوث والدراسات، التي ماينفكّ يفرغ من واحدة إلّا وقد تمّت مسودات أخرى؛ ولا زال بالرغم من شدّة الموانع، مكافحاً بقلمه، راسماً لوحته العقائدية، وما أن ينتهي من تنسيق يزيدها جمالاً وبهاءاً حتّى يبدأ بتفاصيل تزيدها وضوحاً وكمالاً.
فنسأله تعالى أن يفتح له خزائن التوفيق، ومهيع الطريق، ويسلك به سبل الخير، إنّه نعم المولى ونعم المجيب.
محمّد آل حيدر
12 ربيع المولود 1443 ه
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.
ما زلنا نؤكّد على أهمّية العقيدة، ودورها الفاعل في تكوين الرؤية الصحيحة للإنسان، فهي المنطلق الأساس للحياة الكريمة في الدنيا والنجاة في الآخرة.
ومن الكتب المؤلَّفة في عصورنا الأخيرة كتاب (عقائد الإمامية) لمؤلِّفه الفاضل الكبير العلّامة المحقّق آية الله الشيخ محمّد رضا المظفّر قدس سرّه، وقد صار هذا الكتاب رغم اختصاره مداراً للتعرّف على عقائد الإمامية الإثني عشرية، فهو كتاب يسّر الله تعالى له الانتشار في سائر الأقطار؛ وذلك لإيجازه، ووضوح بيانه، وأهتمامه ببيان العقيدة في زمن لم يتصدّ الكثيرون للبيان والدفاع.
ولمّا كان من منهاج الحوزات العَليّة العلمية (حرسها الله تعالى) أن يدرس الطالب في أوّل وروده إلى التحصيل العلمي هذا الكتاب فقد رافقته دارساً، ودرّسته مرّات عديدة، واستفدت منه...
وبعد أن مَنّ الله تعالى عليّ بالتعليق على كتاب الباب الحادي عشر، وكتابة كتاب في العقيدة بمستوى عقائد الإمامية - ولعقائد الإمامية الفضل بالسبق - رأيت أن أكتب على العقائد تعليقاً يبيّن ما أبهم، ويفصّل ما أجمل، ويردّ ما حاد عن الصواب، من غير استقصاء..
ولكن حالت الظروف دون إتمامه، وها آنذا أُقدّمه إلى القاريء الكريم بعد إعادة النظر فيه، وإتمامه بما سمح به الوقت، ومن هنا قد تجد - قارئي العزيز - توسّعاً في التعليق في مواضع، واختصاراً في أُخرى، سائلاً المولى القدير التوفيق والتسديد، إنّه نعم المولى ونعم النصير..
النجف الاشرف
حيدر الوكيل
23 رجب الأصبّ 1437 ه
مُقَدِّمَةُ الطَبعَةِ الثَّانيَةِ(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
مضى على صدور هذا (الكُتيب) عشر سنوات، ولم أجد في هذه الأعوام ما يدعوني إلى تبديل رأيي فيه، من أنّه جاء وفق متطلّبات الحاجة العامة من توضيح معتقدات الشيعة الإمامية وتثبيتها.
بل وجدت ما يشجّعني على الموافقة على إعادة نشره مرّة أخرى، آملا أن يكون قد أصاب الهدف، وأدّى الغرض من محاولة رفع الغيوم المتلبّدة التي حجبت طويلاً بين الطائفتين الإسلاميتين الكبيرتين: أهل السنّة والشيعة، ومن محاولة نفض الغبار عمّا خلّفه الماضي السحيق على العقائد الإسلامية الصحيحة.
وإني لواثق بأنّ فكرة (التقريب بين المذاهب) أصبحت اليوم حاجة ملحّة، وهدفاً رفيعاً لكلّ مسلم غيور على الإسلام، مهما كانت نزعته المذهبية، ورأيه في المخلّفات العقائدية؛ وليس شئ أفضل في التقريب من
1) من عقائد الإمامية
تولي أهل كل عقيدة أنفسهم كشف دفائنها وحقائقها.
وهذه الطريقة - فيما أعتقد - أسلم في إعطاء الفكرة الصحيحة عن المذهب، وأقرب إلى فهم الصواب من الرأي الذي يعتنقه جماعته.
وإجابة لرغبة قرّة عيني العامل في سبيل الله الفاضل السيّد مرتضى الكشميري - فقد أعدت النظر في هذه الرسالة، وأدخلت عليها بعض التنقيحات والإضافات التي سمح بها الوقت المزدحم بالمشاكل، مع تصحيح ما وقع في الطبعة الأولى من هفوات مطبعيّة وغير مطبعيّة، لأقدّمها مرّة أخرى إلى المطبعة، راجياً من الله تعالى أن يحقّق فيها الغرض المرجو، وأن يوفّقنا لالتماس سبيل الصواب وإصابة الحقّ، إنّه خير مسؤول.
21 شوال سنة 1380
المؤلِّف
مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ الأُولى(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
حمداً وشكراً وصلاة وسلاماً على محمّد خير البشر وآله الهداة، أمليت هذه (المعتقدات)، وما كان القصد منها إلّا تسجيل خلاصة ما توصّلت إليه من فهم المعتقدات الإسلامية على طريقة آل البيت علیهم السلام.
وقد سجّلت هذه الخلاصات مجرّدة عن الدليل والبرهان ومجرّدة عن النصوص والواردة عن الأئمّة فيها على الأكثر؛ لينتفع بها المبتدئ، والمتعلّم، والعالم، وأسميتها (عقائد الشيعة)، وغرضي من الشيعة (الإمامية الإثنى عشرية) خاصّة.
وكان إملاؤها سنة (1363 ه) بدافع إلقائها محاضرات دورية في كلّية منتدى النشر الدينية، للاستفادة منها تمهيداً للأبحاث الكلامية العالية.
وفي حينه قد توفّقت لإلقاء الكثير منها، وما كنت يومئذ قد أعددتها مؤلَّفا ينشر ويقرأ، فأُهمِلَت في أوراق مبعثرة، شأن كثير من المحاضرات
1) من عقائد الإمامية
والدروس التي أمليتها في تلك الظروف، لا سيّما فيما يتعلّق بالعقائد وعلم الكلام.
غير أنّه في هذا العام، وبعد مضى ثماني سنوات عليها رغّب إليّ الفاضل النبيل محمّد كاظم الكتبي - رعاه الله تعالى - في تجديد النظر فيها، وجمعها مؤلَّفة في رسالة مختصرة موصولة الحلقات، لغرض نشرها وتعميم الفائدة منها، ولتُدرأ كثير من الطعون التي أُلصقت بالإمامية، ولا سيّما أنّ بعض كتّاب العصر في مصر وغيرها لا زالوا مستمّرين يحملون بأقلامهم الحملات القاسية على الشيعة ومعتقداتها، جهلاً أو تجاهلاً بطريقة آل البيت في مسالكهم الدينية.
وبهذا قد جمعوا إلى ظلم الحقّ، وإشاعة الجهل بين قرّاء كتبهم الدعوة إلى تفرّق كلمة المسلمين، وإثارة الضغائن في نفوسهم، والأحقاد في قلوبهم، بل تأليب بعضهم على بعض.
ولا يجهل خبير مقدار الحاجة - اليوم خاصّة - إلى التقريب بين جماعات المسلمين المختلفة، ودفن أحقادهم، إن لم نستطع أن نوحّد صفوفهم وجمعهم تحت راية واحدة.
أقول ذلك، وإني لشاعر مع الأسف أنّا لا نستطيع أن نصنع شيئاً بهذه المحاولات مع من جرّبنا من هؤلاء الكتّاب كالدكتور أحمد أمين وأضرابه من دعاة التفرقة، فما زادهم توضيح معتقدات الإمامية إلّا عناداً،
وتنبيههم على خطأهم إلّا لحاجا.
وما يهمّنا من هؤلاء وغير هؤلاء أن يستمرّوا على عنادهم مصرين، لو لا خشية أن ينخدع بهم المغفّلون؛ فتنطلي عليهم تلك التخرّصات، وتورّطهم تلك التهجّمات في إثارة الأحقاد والحزازات.
ومهما كان الأمر، فإنّي في تقديمي هذه الرسالة للنشر أملي أن يكون فيها ما ينفع الطالب للحقّ، فأكون قد ساهمت في خدمةٍ إسلاميّةٍ نافعة، بل خدمةٍ إنسانيةٍ عامّة، فوضعتها في مقدّمة وفصول، ومنه تعالى وحده أستمدّ التوفيق.
النجف الأشرف - العراق
محمّد رضا المظفّر
27 جمادي الآخرة 1370 ه
نعتقد أنّ الله تعالى لمّا منحنا قوّة التفكير، ووهب لنا العقل، أمرنا أن نتفكّر في خلقه وننظر بالتأمّل في آثار صنعه، ونتدبّر في حكمته، وإتقان تدبيره في آياته في الآفاق وفي أنفسنا، قال تعالى: «سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ»(1)
نبذة موجزة حول فهم القرآن:
لا شكّ أنّ القرآن نزل بلسان عربي مبين، ولم يكن عند العرب كالألغاز، بل كانوا يفهمون ما أُنزل إليهم.
كما أنّنا أمام أمرين:
الأوّل: إنّهم لم يكونوا يدركون تمام معانيه، إمّا لقصور في الثقافة اللغوية، مثل ما ورد من سؤال عمر عن معنى: «وَفَكِهَةً وَأَبَا» [سورة عبس: 31]، فعدم معرفته باللغة - رغم كونه عربيّاً - تسبّب في عدم فهمه للآية الكريمة، وهو ليس بعزيز، فما زلنا نجد ذلك إلى اليوم، حيث لا نفهم ما يتكلّم به الشاعر الشعبي إلّا بعد السؤال، أو لغموض في النصّ لا يجعل السامع يفهم المراد بيسر
.1) سورة فصلت: 53.
الثاني: أنّ السؤال عن الآية سواء لإجمالها أو حتّى التي لها ظاهر واضح كان أمراً وارداً ممّا يعني أنّ هناك مرتكزاً عند المسلمين بوجود معان للقران غير ما يستفاد من ظاهره، والسبب في وجود هذه الفكرة هي تركيز الحجج الأطهار علیهم السلام على أنّ للقران أبعاداً ليست ميسّرة لجميع الناس، بل هي شأنهما علیهم السلام، وهم القيّمون على تلك المعاني.
ومن هنا فإنّنا نقدم هذا التقسيم لعلّه ينفع في التعامل مع آيات الكتاب العزيز. فالخطاب القراني إما أن يكون له معنى واضح وإمّا مجمل، وبغض النظر عن سبب الإجمال والحكمة منه فهو لا يكون حجّة؛ لعدم وضوحه.
وأمّا القسم الأوّل - ما له معنى واضح - فقد قسّموه إلى النصّ والظاهر.
والنصّ: هو ما لا يحتمل معنى آخر.
وأمّا الظاهر: فهو ما يكون دالّا على معنى معيّن، ويمكن إرادة معنى آخر من اللفظ.
هذا من جهة اللفظ.
وأمّا من جهة الروايات المفسّرة فهي لم تستوعب القرآن كلّه.
والرواية إمّا انّ تكون منبهة على المعنى بالإرشاد إليه وفق معايير اللغة.
وإمّا أن تكون مفسّرة بنحو (الباطن).
وعلى أيّة حال، ففي الآيات التي تكون مجملة بحسب الظهور اللفظي، فمع وجود النصّ المفسّر نقتصر عليه ونقف عنده.
ومع وضوح المعنى نصّاً أو ظاهراً، فمع وجود النصّ المفسّر فالنصّ المفسّر إن كان يبيّن معنى غير الظاهر لكن لا يعارضه فلا إشكال في حجّية المعنيين، ومع تعارض المعنى البياني للقران مع النصّ المفسّر - إن وجد - فلا بدّ من التوقّف، وإيكال الأمر إلى أهله من حجج آل محمّد علیهم السلام.
وقد ذمّ المقلّدين لآبائهم بقوله تعالى: «قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ باءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ»(1).
وفي تفسير الآية الكريمة وردت نصوص، وهي على نحوين:
النحو الأوّل: اعتمدت التفسير الغيبي، ومنها:
1- «عن أبي عبد الله علیه السلام في قوله الله عزّوجلّ: «سَنُرِيهِمْ ايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى أَن يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ»، قال: خسف، ومسخ، وقذف، قال: قلت: «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُم»؟ قال: دع ذا، ذاك قيام القائم». [الكافي: 166/8، ب طاعة علي علیه السلام ومعصيته، ح 181].
2- «عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: سألته عن قول الله عزّوجلّ: «سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ»، قال: يريهم في أنفسهم المسخ، ويريهم في الأفاق انتقاض الآفاق عليهم، فيرون قدرة الله عزّوجلّ في أنفسهم وفي الآفاق، قلت له: «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ»؟ قال: خروج القائم هو الحقّ من عند الله عزّوجلّ، يراه الخلق، لا بدّ منه». [الكافي: 381/8، بیان لقوله تعالى: «سَنُرِيهِمْ ايَتِنَا فِي الْآفَاقِ...»، ح 575].
والنحو الثاني: يوافق المعنى البياني، ومنه:
ما ورد في محاورة الإمام علي علیه السلام مع اليهودي، «قال له اليهودي: فإنّ هذا موسى بن عمران قد أرسله الله إلى فرعون وأراه الآية الكبرى؟ قال له علي علیه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد ارسل إلى فراعنة شتى، مثل أبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة، وابى البخترى، والنضر بن الحرث، وابي بن خلف، ومنبه ونبيه ابني الحجاج، وإلى الخمسة المستهزئين: الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب، والحرث بن أبي الطلالة، فأراهم الآيات «فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ». [الاحتجاج: 321/1].
1) سورة البقرة: 170
كما ذمّ من يتّبع ظنونه ورجمه بالغيب فقال: «إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ»(1).
وفي الحقيقة أنّ الذي نعتقده أنّ عقولنا هي التي فرضت علينا النظر في الخلق، ومعرفة خالق الكون، كما فرضت علينا النظر في دعوى من يدّعي النبوة، وفي معجزته(2)
الأوّل: العقل، والمراد منه القوّة الفطرية المودعة في الإنسان، التي بها يُدرك ما حوله، ويستنتج، ويقايس بين الأشياء، ويميّز الحقّ عن غيره من الأوهام والخيالات.
الثاني: وصول الدعوة.
والعلم بالاختلاف هو مثير النفس للبحث، فعند وصول الدعوة للعاقل غير المستضعف يحتّم عليه العقل النظر فيها؛ دفعاً للضرر المحتمل من اختلاف الأراء، وعدم وجود ما يؤمّن منه دون النظر، ومن هنا نعرف أنّ ما يوجبه العقل هو النظر في صدق المدعي، أمّا ما سواه فهو يؤخذ من الحجّة المنصوبة أعني الشخص المرتبط بالله تعالى نبياً أو إماماً، ونحن الشيعة الإمامية نعتقد أنّ المبلغين عن تعالى هم الرسول الأعظم محمّد والأئمّة الإثنا عشر بدءاً بالإمام أمير المؤمنين، وانتهاءاً بإمام العصر الحجّة ابن الحسن علیهم السلام، فلا يسوغ لأحد تجاوزهم في أخذ المعارف، والعقل دوره آلي لإدراك المعارف، وهم علیهم السلام يعلّمون الناس سبل الاستدلال، فلا يستقلّ العقل دونهم بشيء من المعارف، سوى ما ذكرناه من ضرورة النظر في دعوى الحجّة الارتباط بالله تعالى
.ولا يصحّ عندها تقليد الغير في ذلك، مهما كان لذلك الغير منزلة وخطراً.
وما جاء في القرآن الكريم من الحثّ على التفكير، واتّباع العلم والمعرفة، فإنّما جاء مقرّرا لهذه الحرّية الفطرية في العقول، التي تطابقت عليها آراء العقلاء، وجاء منبّها للنفوس على ما جُبلت عليها من الاستعداد للمعرفة والتفكير، ومفتّحاً للأذهان، وموجّهاً لها على ما تقتضيه طبيعة العقول.
فلا يصحّ - والحال هذه - أن يهمل الإنسان نفسه في الأمور الاعتقادية، أو يتّكل على تقليد المربّين، أو أي أشخاص آخرين.
بل يجب عليه بحسب الفطرة العقلية المؤيّدة بالنصوص القرآنية أن يفحص ويتأمل، وينظر، ويتدبّر في أصول اعتقاداته(1)المسمّاة بأصول الدين التي أهمّها: التوحيد والنبوّة، والإمامة، والمعاد(2)
لم يستقرّ الأصحاب على المراد منه، وتحديد مفرداته، نعم، استقرّوا على تحديدها بالخمسة المعروفة وهي: (التوحيد والعدل والنبوة، والإمامة، والمعاد) منذ عصر الخواجة نصير الدين الطوسي صاحب التجريد، والشيخ المظفّر قدس سرّه جرى على ذلك، لكنّه أضاف (العدل) لمباحث التوحيد كما ستعرفه في هذا الكتاب
.1) ليس كلّ ما ذكر في هذه الرسالة هو من أصول الاعتقادات، فإنّ كثيراً من الاعتقادات المذكورة كالقضاء والقدر، والرجعة، وغيرهما لا يجب فيها الاعتقاد ولا النظر، ويجوز الرجوع فيها إلى الغير المعلوم صحّة قوله كالأنبياء والأئمّة، وكثير من الاعتقادات من هذا القبيل كان اعتقادنا فيها مستندا إلى ما هو المأثور عن أئمتنا من صحيح الأثر القطعي (منه)
2) أصول الدين اصطلاحاً:
ومن قلّد آباءه أو نحوهم في اعتقاد هذه الأصول فقد ارتكب شططا، وزاغ عن الصراط المستقيم، ولا يكون معذورا أبداً.
وبالاختصار عندنا هنا إدّعاءان:
(الأوّل) وجوب النظر والمعرفة في أصول العقائد، ولا يجوز تقليد الغير فيها.
(الثاني) إنّ هذا وجوب عقلي قبل أن يكون وجوباً شرعياً.
والأفضل هو جعل الأصول أصلين، هما التوحيد، والحجّة، كما فعله صاحب الكافي في أصول الكافي، ومعرفة الحجّة طريق إلى التوحيد، ومنه يظهر أنّه هو الأصل الأوّل والأساسي.
(1) تقدّم أنّ الواجب هو النظر في دعوى النبوّة، ثمّ يجب اتّباع النبي، ولا يُوجب العقل أكثر من هذا، أمّا ما ذكره الشيخ المصنّف فهو ناشيء من أنّ القوم لم يفرّقوا بين أصناف الاستدلال، وينبغي هنا التنبيه إلى أنّ الاستدلال على قسمين:
الأوّل: يجب عقلاً دون الرجوع إلى الحُجج، بل هو الأساس في وجوب اتّباعهم فلا يتوقّف على الأخذ منهم، وهو وجوب النظر في دعوى من يدعي الإرتباط بالسماء حتى تحصيل المؤمن اما بصدقه وإتباعه أو كذبه.
الثاني: الاستدلال بدِلالةِ الحجج المعصومين بعد ثبوت حقّانيتهم بالطريق الأوّل، وهذا سبيل عقلي لكن لا بدّ من الرجوع في بيان طريق الاستدلال إليهم علیهم السلام، ثمّ هم يُرشدون إلى ما هو حقٍّ موافقٍ لموازين العقل والفطرة.
فإن عنوا بوجوب النظر في أُصول الدين الرجوع إلى الحُجج لاستيضاح الطريق الصحيح للاستدلال فهو الحقّ، وإن عنوا أنّ العقل يستقلّ بالدِلالة عليها فهو باطل.
أي لا يستقي علمه من النصوص الدينية وإن كان يصحّ أن يكون مُؤيَّداً بها بعد دلالة العقل(1)
كلا، بل الصادع بالدين الحنيف صادع بجميع تفاصيله، والمرشد إلى أحكام الله تعالى الفرعية هو الدليل إلى أُصول الدين حتّى التوحيد ففي الخبر «عن يونس بن عبد الرحمن، قال: قلت لأبي الحسن الأوّل علیه السلام: بما أوحّدُ الله؟ فقال: يا يونس، لا تكوننّ مُبتدِعاً، مَن نظر برأيه هلك، ومَنْ ترك أهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ضلّ، ومَن ترك كتاب الله وقول نبيه كفر» . [الكافي: 56/1، ب البدع والرأي والمقاييس، ح10]
.وليس معنى الوجوب العقلي إلّا إدراك العقل لضرورة المعرفة، ولزوم التفكير والاجتهاد في أصول الاعتقادات.
2- عقيدتنا في التقليد بالفروع(2)
وتوضيحه: أنّا قد أسبقنا أنّ كلّ مكلّف يعلم - علماً إجمالياً - بثبوت أحكام إلزامية في الشريعة المقدّسة من وجوب، أو تحريم وبه تَنجّزت الأحكام الواقعية
أمّا فروع الدين: وهي أحكام الشريعة المتعلّقة بالأعمال، فلا يجب
1) الأُصول التي ذكرها لا سبيل إلى العقل لتحصيلها جميعاً، فقد صرّح القوم أنّ الدِلالة على المعاد من المنقول الذي ثبت عن صاحب الشرع، كما هو المعروف عن ابن سينا، كما لا ريب أنّ نبوة الرسول الأعظم محمّد صلی الله علیه وآله وسلم ليست ممّا يَثبت بالبحث العقلي، وكذلك الإمامة، فكيف يجعل المصنّف أُصولَ الدين ممّا يجب النظر فيها دون الرجوع إلى الشرع الشريف؟! وإن وجدت الدِلالة الشرعية فهي مؤيّدة للدليل العقلي.
2) قال السيّد الخوئي قدس سرّه: «مسألة التقليد ليست تقليدية.
عليه، وهو يقتضي الخروج عن عهدتها؛ لاستقلال العقل بوجوب الخروج عن عهدة التكاليف المتوجّهة إلى العبد من سيّده.
والمكلّف لدى الامتثال إمّا أن يأتي بنفس الواجبات الواقعية ويترك المحرّمات، وإمّا أن يعتمد على ما يعذره على تقدير الخطاء، وهو ما قُطع بحجّيّته؛ إذ لا يجوز - لدى العقل - الاعتماد على غير ما علم بحجّيّته حيث يحتمل معه العقاب.
وعلى هذا يترتّب أنّ العامّي لا بدّ في استناده إلى فتوى المجتهد أن يكون قاطعاً بحجّيّتها في حقّه، أو يعتمد في ذلك على ما يقطع بحجّيّته، ولا يسوغ له أن يستند في تقليده على ما لا يعلم بحجّيّته؛ إذ معه يحتمل العقاب على أفعاله وتروكه؛ وعليه لا يمكن أن تكون مسألة التقليد تقليدية، بل لابد أن تكون ثابتة بالاجتهاد.
نعم، لا مانع من التقليد في خصوصياته كما يأتي عليها الكلام، إلّا أنّ أصل جوازه لا بدّ أن يستند إلى الاجتهاد.
ما يمكن أنّ يعتمد عليه العامّي
الذي يمكن أن يعتمد عليه العامّي في حجّيّة فتوى المجتهد في حقّه أمران:
أحدهما: الارتكاز الثابت ببناء العقلاء، حيث جرى بنائهم في كلّ حرفة وصنعة، بل في كلّ أمر راجع إلى المعاش والمعاد على رجوع الجاهل إلى العالم؛ لأنّه أهل الخبرة والاطلاع، ولم يرد في هذه السيرة ردع من الشريعة المقدّسة، وهذه السيرة والبناء وإن جاز أن لا يلتفت إليهما العامّي مفصّلا إلّا أنّهما مرتكزان في ذهنه بحيث يلتفت إليهما، ويعلم بهما تفصيلا بأدنى إشارة وتنبيه.
وثانيهما: دليل الانسداد.
وتقريبه: أنّ كلّ أحد يعلم بثبوت أحكام إلزامية في حقّه، كما يعلم أنّه غير مفوّض في أفعاله بحيث له أن يفعل ما يشاء، ويترك ما يريد، وهذان العلمان ينتجان استقلال العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكاليف الواقعية المنجّزة بعلمه،
فيها النظر والاجتهاد، بل يجب فيها - إذا لم تكن من الضروريات في الدين الثابتة بالقطع كوجوب الصلاة والصوم، والزكاة - أحد أمور ثلاثة: إمّا أن يجتهد وينظر في أدلّة الأحكام إذا كان أهلا لذلك، وإمّا أن يحتاط في أعماله إذا كان يسعه الاحتياط، وأمّا أن يقلّد المجتهد الجامع للشرائط، بأن يكون مَن يقلّده عاقلاً، عادلاً (صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه)(1).
وطريق الخروج عنها منحصر في الاجتهاد، والاحتياط، والتقليد.
أمّا الاجتهاد، فهو غير متيسّر على الكثير، بل على الجميع؛ لأنّ كلّ مجتهد كان برهة من الزمان مقلّداً، أو محتاطاً لا محالة، وكونه مجتهداً منذ بلوغه وإن كان قد يتّفق إلّا أنه أمر نادر جداً، فلا يمكن أن يكون الاجتهاد واجباً عينياً على كلّ أحد، بل لعلّه خلاف الضرورة بين المسلمين». [ينظر كتاب الاجتهاد والتقليد (تقريرات الشيخ علي الغروي): 82 - 84].
(1) الاحتجاج: 2/ 262 - 265. والخبر بتمامه: «عن أبي محمّد العسكري علیه السلام في قوله تعالى: «وَمِنْهُمْ أُمِتُونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِي» [البقرة - 78]: إنّ الأُمّي منسوب إلى أُمّه أي: هو كما خرج من بطن أُمّه، لا يقرأ ولا يكتب، «لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ» المنزّل من السماء، ولا المتكذّب به، ولا يميّزون بينهما «إِلَّا أَمَانِيَّ» أَي إِلَّا أن يُقرأ عليهم، ويقال لهم: إنّ هذا كتاب الله وكلامه، لا يعرفون إن قرأ من الكتاب خلاف ما فيه، «وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ» أي ما يقرأ عليهم رؤساؤهم من تكذيب محمّد صلى الله عليه وآله وسلم في نبوّته وإمامة علي سيّد عترته، وهم يقلّدونهم، مع أنّه محرّم عليهم تقليدهم، «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ...»
[البقرة : 79] «هَذَا»: القوم اليهود، كتبوا صفة زعموا أنّها صفة محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، وهي خلاف صفته، وقالوا للمستضعفين منهم: هذه صفة النبي المبعوث في آخر الزمان أنّه: طويل، عظيم البدن، والبطن، أهدف [أي: الجسيم]، أصهب الشعر، ومحمّد صلی الله علیه وآله وسلم بخلافه، وهو يجئ بعد هذا الزمان بخمسمائة سنة، وإنّما أرادوا بذلك أن تبقى لهم على ضعفائهم رئاستهم، وتدوم لهم إصاباتهم، ويُكفوا أنفسهم مؤنة خدمة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وخدمة علي علیه السلام وأهل بيته وخاصّته، فقال الله عزّوجلّ: «فَوَيْلٌ لَهُم مِّمَّا أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُم مِّمَّا مِمَّا يَكْسِبُونَ» من هذه الصفات المحرّفات، والمخالفات لصفة محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، وعلي علیه السلام: الشدّة لهم من العذاب في أسوء بقاع جهنم، «وَوَيْلٌ لَّهُم»: الشدّة في العذاب ثانية مضافة إلى الأولى، بما يكسبونه من الأموال التي يأخذونها إذا ثبّتوا عوامّهم على الكفر بمحمّد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، والحجّة لوصيه وأخيه علي بن أبي طالب علیه السلام ولي الله.
ثمّ قال علیه السلام: قال رجل للصادق علیه السلام: فإذا كان هؤلاء القوم من اليهود لا يعرفون الكتاب إلّا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم إلى غيره، فكيف ذمّهم بتقليدهم والقبول من علمائهم، وهل عوام اليهود إلّا كعوامنا يقلّدون علماءهم؟ فقال علیه السلام: بين عوامّنا وعلمائنا، وعوامّ اليهود وعلمائهم فرق من جهة، وتسوية من جهة، أمّا من حيث استووا: فإنّ الله قد ذمّ عوامّنا بتقليدهم علمائهم كما ذمّ عوامهم.
وأمّا من حيث افترقوا فلا.
قال: بيّن لي يابن رسول الله!
قال علیه السلام: إنّ عوامّ اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح، وبأكل الحرام والرشاء، وبتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات والمصانعات، وعرفوهم بالتعصّب الشديد الذي يفارقون به أديانهم، وأنّهم إذا تعصّبوا أزالوا حقوق من تعصّبوا عليه، وأعطوا ما لا يستحّقه مَن تعصّبوا له من أموال غيرهم،
وظلموهم من أجلهم، وعرفوهم يقارفون المحرّمات، واضطروا بمعارف قلوبهم إلى أنّ مَن فعل ما يفعلونه فهو فاسق لا يجوز أن يصدق على الله، ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله، فلذلك ذمّهم، لمّا قلّدوا مَن قد عرفوه، ومَن قد علموا أنّه لا يجوز قبول خبره، ولا تصديقه في حكايته، ولا العمل بما يؤديّه إليهم عمّن لم يشاهدوه، ووجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى، وأشهر من أن لا تظهر لهم.
وكذلك عوامّ أمّتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة، والتكالب على حطام الدنيا وحرامها، وإهلاك من يتعصّبون عليه وإن كان لإصلاح أمره مستحقّاً، وبالترفرف بالبرّ والإحسان على من تعصّبوا له وإن كان للإذلال والإهانة مستحقّاً، فمَن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمّهم الله بالتقليد لفسقة فقهائهم، فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه، وذلك لا يكون إلّا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فإنّه مَن ركب مِن القبائح والفواحش مراكب فسقة العامّة فلا تقبلوا منّا عنه شيئاً، ولا كرامة، وإنّما كثر التخليط فيما يُتحمل عنّا أهل البيت لذلك، لأنّ الفسقة يتحمّلون عنّا فيحرّفونه بأسره بجهلهم، ويضعون الأشياء على غير وجهها لقلّة معرفتهم، وآخرون يتعمّدون الكذب علينا ليجرّوا من عَرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنّم، ومنهم قوم (نُصّاب) لا يقدرون على القدح فينا، يتعلّمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجّهون به عند شيعتنا، وينتقصون بنا عند نصّابنا، ثمّ يُضيفون إليه أضعاف وأضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن براء منها، فيتقبّله المستسلمون من شيعتنا على أنّه من علومنا، فضلّوا وأضلّوا، وهم أضرّ على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي علیه السلام وأصحابه، فإنّهم يسلبونهم الأرواح والأموال، وهؤلاء علماء السوء
فمَن لم يكن مجتهداً، ولا محتاطاً ثمّ لم يُقلّد المجتهد الجامع للشرائط فجميع عباداته باطلة لا تُقبل منه، وإن صلّى وصام وتعبّد طول عمره، إلّا إذا وافق عمله رأي من يقلّده بعد ذلك، وقد اتّفق له أنّ عمله جاء بقصد القربة إلى الله تعالى.
الناصبون المتشبّهون بأنّهم لنا موالون، و لأعدائنا معادون، ويدخلون الشّك والشبهة على ضعفاء شيعتنا فيضلّونهم ويمنعونهم عن قصد الحقّ المصيب، لا جرم أنّ من علم الله من قلبه من هؤلاء القوم أنّه لا يريد إلّاصيانة دينه، وتعظيم وليه لم يتركه في يد هذا المتلبّس الكافر، ولكنّه يُقيض له مؤمناً يقف به على الصواب، ثمّ يوفّقه الله للقبول منه، فيجمع الله له بذلك خير الدنيا والآخرة، ويجمع على من أضلّه لعناً في الدنيا وعذاباً الآخرة.
ثمّ قال: قال رسول الله: أشرار علماء أُمّتنا: المضلّون عنّا، القاطعون للطرق إلينا، المسمّون أضدادنا بأسمائنا، الملقّبون أضدادنا بألقابنا، يصلّون عليهم وهم للعن مستحقّون، ويلعنونا ونحن بكرامات الله مغمورون، وبصلوات الله وصلوات ملائكته المقرّبين علينا عن صلواتهم علينا مستغنون.
ثمّ قال: قيل لأمير المؤمنين علیه السلام: من خير خلق الله بعد أئمّة الهدى، ومصابيح الدجى؟
قال: العلماء إذا صلحوا.
قيل: فمن شرار خلق الله بعد إبليس، وفرعون، ونمرود، وبعد المتسمّين بأسمائكم، والمتلقّبين بألقابكم، والآخذين لأمكنتكم، والمتأمّرين في ممالككم؟
قال: العلماء إذا فسدوا، هم المظهرون للأباطيل، الكاتمون للحقائق، وفيهم قال الله عزّوجلّ: «أَوْلَئِكَ يَلْعَهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَهُمُ اللَّعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا»» [سورة البقرة: 159 - 160].
نعتقد أنّ الاجتهاد في الأحكام الفرعية واجب بالوجوب الكفائي على جميع المسلمين في عصور غيبة الإمام، بمعنى(1)أنّه يجب على كلّ مسلم في كلّ عصر، ولكن إذا نهض به مَن به الغنى والكفاية سقط عن باقي المسلمين، ويكتفون بمَن تصدّى لتحصيله، وحصل على رتبة الاجتهاد وهو جامع للشرائط فيقلّدونه، ويرجعون إليه في فروع دينهم.
ففي كلّ عصر يجب أن ينظر المسلمون إلى أنفسهم فإن وجدوا مِن بينهم من تبرّع بنفسه وحصل على رتبة الاجتهاد التي لا ينالها إلّا ذو حظّ عظيم، وكان جامعاً للشرائط التي تؤهّله للتقليد اكتفوا به وقلّدوه، ورجعوا إليه في معرفة أحكام دينهم، وإن لم يجدوا مَن له هذه المنزلة وجب عليهم أن يُحصّل كلّ واحد رتبة الاجتهاد، أو يهيّئوا من بينهم من يتفرّغ لنيل هذه المرتبة حيث يتعذّر عليهم جميعاً السعي لهذا الأمر أو يتعسّر، ولا يجوز لهم أن يقلّدوا من مات من المجتهدين(2).
والاجتهاد: هو النظر في الأدلّة الشرعية لتحصيل معرفة الأحكام الفرعية التي جاء بها سيّد المرسلين، وهي لا تتبدّل، ولا تتغيّر بتغير
الزمان والأحوال (حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة)(1)، والأدلّة الشرعية هي الكتاب الكريم، والسنّة(2)والإجماع، والعقل على التفصيل المذكور في كتب أصول الفقه.
وتحصيل رتبة الاجتهاد تحتاج إلى كثير من المعارف والعلوم التي لا تتهيّأ إلا لمن جدّ واجتهد، وفرّغ نفسه، وبذل وسعه لتحصيلها.
وعقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط أنّه نائب للإمام علیه السلام في حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس المطلق، له ما للإمام في الفصل في القضايا
1) عن محمّد بن النعمان الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر الباقر علیه السلام قال: قال جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيّها الناس، حلالي حلال إلى يوم القيامة، وحرامي حرام إلى يوم القيامة، ألّا وقد بينهما الله عزّوجلّ في الكتاب، وبيّنتهما لكم في سنّتي وسيرتي، وبينهما شبهات من الشيطان، وبدع بعدي من تركها صلح له أمر دينه، وصلحت له مروّته وعرضه، ومن تلبّس بها، ووقع فيها، واتّبعها كان كمن رعى غنمه قرب الحمى، ومن رعى ماشيته قرب الحمى نازعته نفسه إلى أن يرعاها في الحمى، ألّا وإنّ لكلّ مَلك حمى، ألّا وإنّ حمى الله عزّوجلّ محارمه، فتوقّوا حمى الله ومحارمه». [كنز الفوائد: 164]
2) الكتاب والسنّة هما العمدة في الفكر الديني، فقهاً وعقيدة، والإجماع إن كشف عن السنّة فهو حجّة وإلّا فلا قيمة له، وفي العقل كلام فليُراجع في مضانّه من كتب أُصول الفقه، يُنظر كتاب الرسائل للشيخ الأعظم
والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الإمام والراد على الإمام راد على الله تعالى، وهو على حدّ الشراك بالله كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت علیهم السلام(1)
قال: من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يُحكم له فإنّما يأخذ سُحتاً، وإن كان حقّاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: «يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ» [سورة النساء: 60].
قلت: فكيف يصنعان؟
قال: ينظران إلى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما استخفّ بحكم الله، وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرادّ على الله وهو على حدّ الشرك بالله..» إلى آخر الرواية المعروفة بمقبولة عمر بن حنظلة. [الكافي: 67/1، ب اختلاف الحديث، ح10].
ومورد الرواية القضاء لا مطلقاً وإلّا فإنّ المجالات الأخرى كالفتوى يمكن ردّ الفقيه بردّ دليله، بل هو دأب الأعلام في بحوثهم، فتنبّه
.فليس المجتهد الجامع للشرائط مرجعاً في الفتيا فقط، بل له الولاية العامّة(2)، فيُرجع إليه في الحكم والفصل والقضاء، وذلك من مختصّاته لا
1) «عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دَين، أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحلّ ذلك؟
2) اختلف العلماء في حدود ولاية الفقيه في زمن الغيبة: فمنهم من خصّها بما قام الدليل عليه في موارده الخاصّة، وعليه مشهور العلماء، ومنهم من وسّعها إلى كلّ ما للإمام المعصوم علیه السلام إلّا ما خرج بالدليل، وبينهما آراء وتوجّهات مختلفة
يجوز لأحد أن يتولّاها دونه، إلّا بإذنه، كما لا تجوز إقامة الحدود والتعزيزات إلّا بأمره وحكمه.
ويُرجع إليه أيضاً في الأموال التي هي من حقوق الإمام ومختصّاته.
وهذه المنزلة أو الرئاسة العامّة أعطاها الإمام علیه السلام للمجتهد الجامع للشرائط ليكون نائباً عنه في حال الغيبة، ولذلك يسمّى (نائب الإمام).
أمّا عبارة المصنّف رحمه الله فهي لا تخلو من تشويش، فهو بعد أن صرّح بأنّ للفقيه الولاية العامّة، عقّبها بقوله: «فيُرجع إليه في الحكم، والفصل، والقضاء»، والظاهر أنّ المراد من «العامّة» هو تعميمها إلى ولاية القضاء وفصل الخصومات، فيكون كلامه داخلاً ضمن الولاية الخاصّة.
(1) وعلى هذا يجوز القضاء لغير المجتهد العالم بالأحكام عن تقليد، لكن بإذن المجتهد الجامع للشرائط.
(2) اختلف الأصحاب في جواز إقامة الحدود والتعزيرات في زمن الغيبة على قولين:
الأول: الحرمة.
الثاني: الجواز، لكن يتولاها الحاكم الشرعي (المجتهد الجامع للشرائط).
(1) وقد ذكروا أدلّة لإثبات وجود الباري، نذكر منها دليل الحدوث.
وخلاصة ما ذكره المتكلمون: أنّ العالم متغيّر، وكل متغيّر حادث فالعالم حادث، وكلّ حادث لا بدّ له من مُحدث أوجده بعد عدمه، وذلك المُحدث ليس حادثاً، فهو قديم لا أوّل له.
ودليل الحدوث في بيانات الحجج المعصومين علیهم السلام أفضل وأدقّ؛ حيث حدّدوا لوازم أكثر وأوضح، منها التحديد، والاضطرار، والتجزيء، إضافة إلى التغير.
خواصّ الحادث كما وردت في الأخبار الشريفة:
الأولى: التجزيء
1 - عن أمير المؤمنين: «وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن أشار إليه فقد حدّه ومن حدّه فقد عدّه». [الاحتجاج: 296/1].
2- «عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي جعفر الثاني علیه السلام فسأله رجل، فقال: أخبرني عن الربّ تبارك وتعالى له أسماء وصفات في كتابه؟ وأسماؤه وصفاته هي هو؟
فقال أبو جعفر علیه السلام: إنّ لهذا الكلام وجهين إن كنت تقول: هي هو أي أنّه ذو عدد وكثرة فتعالى الله عن ذلك، وإن كنت تقول: هذه الصفات والأسماء لم تزل فإنّ «لم تزل» محتمل معنيين فإن قلت: لم تزل عنده في علمه وهو مستحقّها فنعم، وإن كنت تقول: لم يزل تصويرها، وهجاؤها، وتقطيع حروفها فمعاذ الله أن يكون معه شيء غيره، بل كان الله ولا خلق، ثمّ خلقها وسيلة بينه وبين خلقه، يتضرّعون بها
إليه ويعبدونه، وهي ذكره، وكان الله ولا ذكر، والمذكور بالذكر هو الله القديم الذي لم يزل.
والأسماء والصفات مخلوقات، والمعاني والمعني بها هو الله الذي لا يليق به الاختلاف ولا الإئتلاف، وإنمّا يختلف ويأتلف المتجزيء، فلا يقال: الله مؤتلف، ولا الله قليل ولا كثير، ولكنّه القديم في ذاته، لأنّ ما سوى الواحد متجزيء، والله واحد لا متجزيء، ولا مُتوهَّم بالقلّة والكثرة، وكلّ متجزيء أو مُتوهَّم بالقلّة والكثرة فهو مخلوق، دالّ على خالق له، فقولك: إنّ الله قدير، خبّرت أنه لا يعجزه شيء، فنفيت بالكلمة العجز، وجعلت العجز سواه، وكذلك قولك: عالم إنّما نفيت بالكلمة الجهل، وجعلت الجهل سواه، وإذا أفنى الله الأشياء أفنى الصورة، والهجاء، والتقطيع، ولا يزال مَن لم يزل عالما». [الكافي: 1/ 116، ب معاني الأسماء واشتقاقها، ح7، التوحيد: 193].
3- متى كان؟ عن أبي بصير قال: جاء رجل إلى أبي جعفر علیه السلام، فقال له: أخبرني عن ربّك متی کان؟
فقال: ويلك، إنّما يُقال لشيء لم يكن: متى كان، إنّ ربّي تبارك وتعالى كان ولم يزل حيّا بلا كيف، ولم يكن له كان، ولا كان لكونه كون، كيف ولا كان له أين، ولا كان في شيء، ولا كان على شيء، ولا ابتدع لمكانه مكاناً، ولا قوي بعد ما كوّن الأشياء، ولا كان ضعيفاً قبل أن يكون شيئاً، ولا كان مستوحشاً قبل أن يبتدع شيئاً، ولا يشبه شيئاً مذكوراً، ولا كان خلواً من المُلك قبل إنشائه، ولا يكون منه خلواً بعد ذهابه، لم يزل حيّا بلا حياة، ومَلكاً قادراً قبل أن يُنشيء شيئاً، ومَلكاً جبّاراً بعد إنشائه للكون، فليس لكونه كيف، ولا له أين، ولا له حدّ، ولا يُعرف بشيء يشبهه، ولا يهَرم لطول البقاء، ولا يُصعق لشيء، بل لخوفه تُصعق الأشياء كلّها، كان حيّاً بلا حياة حادثة، ولا كون موصوف، ولا كيف محدود، ولا أين
موقوف عليه، ولا مكان جاور شيئاً، بل حيّ يعرف، وملك لم يزل له القدرة، والملك أنشأ ما شاء حين شاء بمشيئته، لا يُحدّ، ولا يُبعّض، ولا يفنى». [الكافي: 1 / 88 - 89، ب الكون والمكان، ح3].
الثانية: الاضطرار
«فقال أبو عبد الله علیه السلام: أيّها الرجل، ليس لمن لا يعلم حجّة على من يَعلم، ولا حجّة للجاهل، يا أخا أهل مصر، تفهّم عنّي فإنّا لا نشكّ في الله أبداً، أما ترى الشمس، والقمر، والليل، والنهار يلجان فلا يشتبهان و يرجعان، قد اضطرا، ليس لهما مكان إلّا مكانهما، فإن كانا يقدران على أن يذهبا فلّم يرجعان؟! وإن كانا غير مضطرّين فلِم لا يصير الليل نهاراً والنهار ليلاً؟! اضطرا والله يا أخا أهل مصر إلى دوامهما، والذي اضطرّهما أحكم منهما وأكبر.
فقال الزنديق: صدقت». [الكافي: 1/ 72 - 73، ب حدوث العالم وإثبات المحدث، ح1، التوحيد: 295].
الثالثة: التحديد
1- «عن أبي حمزة قال: قال لي علي بن الحسين علیه السلام: يا أبا حمزة إنّ الله لا يُوصف بمحدوديّة، عظم ربّنا عن الصفة، فكيف يوصف بمحدودية من لا يحدّ ولا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير؟». [ الكافي: 1/ 100، ب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالی، ح2].
2- «عن إبراهيم بن محمّد الهمداني قال: كتبت إلى الرجل علیه السلام: أنّ مِن قِبلنا مِن مواليك قد اختلفوا في التوحيد: فمنهم من يقول: جسم، ومنهم من يقول: صورة، فكتب علیه السلام بخطّه: سبحان مَن لا يُحدّ ولا يُوصف، ليس كمثله شيء، وهو السميع العليم - أو قال-: البصير». [الكافي: 102/1، ب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى، ح 5].
3 - «عن علي بن أبي حمزة قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام: سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم أنّ الله جسم، صمدي نوري، معرفته ضرورة يمّن بها على مَن يشاء مِن خلقه.
فقال علیه السلام: سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلّا هو، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا يُحدّ، ولا يحُسّ، ولا يُجسّ، ولا تُدركه الأبصار ولا الحواس، ولا يُحيط به شيء، ولا جسم، ولا صورة، ولا تخطيط ، ولا تحديد». [الكافي: 1/ 104، ب النهي عن الجسم والصورة، ح 1].
4- قال الإمام أمير المؤمنين علیه السلام: «كلّ معروف بنفسه مصنوع». [نهج البلاغة: 272، ورواه الصدوق عن الإمام الرضاء علیه السلام في عيون أخبار الرضا: 136/2، والتوحيد: 35].
الرابعة: التغير
«أنّ ابن أبي العوجاء حين كلّمه أبو عبد الله علیه السلام عاد إليه في اليوم الثاني فجلس ساكت لا ينطق، فقال أبو عبد الله علیه السلام كأنّك جئت تُعيد بعض ماكنّا فيه.
فقال: أردت ذاك يا ابن رسول الله.
فقال أبو عبد الله علیه السلام: ما أعجب هذا، تنكر الله وتشهد أنّي ابن رسول الله.
فقال: العادة تحملني على ذلك.
فقال له العالم علیه السلام: فما يمنعك من الكلام؟
قال: إجلالاً لك، ومهابة ما ينطلق لساني بين يديك، فإنّي شاهدت العلماء، وناظرت المتكلّمين فما تداخلني هيبة قط مثل ما تداخلني من هیبتك.
قال: يكون ذلك، ولكن أفتح عليك بسؤال، وأقبل عليه، فقال له: أمصنوع أنت أم غير مصنوع؟!
فقال عبد الكريم بن أبي غير مصنوع. العوجاء: أنا
فقال له العالم علیه السلام: فصف لي لو كنت مصنوعاً كيف كنت تكون؟
فبقي عبد الكريم مليّاً لا يحير جواباً، وولع بخشبة كانت بين يديه وهو يقول: طويل، عریض، عمیق، قصير متحرك، ساكن، كلّ ذلك صفة خلقه.
فقال له العالم علیه السلام: فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة غيرها فاجعل نفسك مصنوعاً لما تجد في نفسك ممّا يحدث من هذه الأمور.
فقال له عبد الكريم: سألتني عن مسألة لم يسألني أحد عنها قبلك، ولا يسألني أحد بعدك عن مثلها.
فقال له أبو عبد الله علیه السلام: هبك علمت أنّك لم تُسأل فيما مضى، فما علمك أنّك لا تُسال فيما بعد؟ على أنّك يا عبد الكريم نقضت قولك؛ لأنّك تزعم أنّ الأشياء من الأوّل سواء. فكيف قدمت وأخرت؟
ثم قال: يا عبد الكريم، أزيدك وضوحاً، أرأيت لو كان معك كيس فيه جواهر فقال لك قائل: هل في الكيس دينار؟ فنفيت كون الدينار في الكيس، فقال لك قائل: صف لي الدينار وكنت غير عالم بصفته، هل كان لك أن تنفي كون الدينار في الكيس وأنت لاتعلم؟
قال: لا.
فقال أبو عبد الله علیه السلام: فالعالم أكبر، و أطول، وأعرض من الكيس، فلعلّ في العالم صنعة لا تَعلم صفة الصنعة من غير الصنعة.
فانقطع عبد الكريم، وأجاب إلى الإسلام بعض أصحابه، وبقي معه بعض.
فعاد في اليوم الثالث فقال: أقلب السؤال؟
فقال له أبو عبد الله علیه السلام: سل عمّا شئت.
فقال: ما الدليل على حدث الاجسام؟
فقال: إنّي ما وجدت شيئاً صغيراً ولا كبيراً إلّا إذا ضمّ إليه مثله صار أكبر، وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الأولى، ولو كان قديماً ما زال ولا حال، لأنّ الذي
نعتقد أنّ الله تعالى واحد أحد(1)، ليس كمثله شيء(1)، قديم لم يزل
يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث، وفي كونه في الأولى دخوله في العدم، ولن يجتمع صفة الأزل والعدم في شيء واحد.
فقال عبد الكريم: هبك علمت في جري الحالتين والزمانين على ما ذكرت واستدللت على حدوثها، فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدلّ على حدوثها؟
فقال العالم علیه السلام: إنّما نتكلّم على هذا العالم الموضوع، فلو رفعناه ووضعنا عالما أخر كان لا شيء أدلّ على الحدث من رفعنا إياه ووضعنا غيره، ولكن أجيبك من حيث قدّرت أنّك تلزمنا.
ونقول: إنّ الأشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنّه متى ما ضمّ شيء منه إلى مثله كان أكبر، وفي جواز التغيّر عليه خروجه من القدم كما بان في تغيّره دخوله في الحدث، ليس لك وراءه شيء يا عبد الكريم.
فانقطع، وخُزي». [التوحيد: 296].
وقد ذكروا أدلّة أخرى، منها:
1- دليل الإمكان.
2- دليل الفطرة.
وهما غير دالّان على المطلوب، وقد ذكرنا ما فيهما في (أضواء على النافع يوم الحشر) فراجعه.
(1) لا ريب في اختلاف (واحد) عن (أحد) مفهوماً بدليل اختلافهما استعمالاً، فإنّ قولنا: «لم يحمل الصخرة واحد» يختلف عن «لم يحمل الصخرة أحد» فالأوّل يحتمل فيه أن يكون حامل الصخرة أكثر من واحد، وأمّا الثاني فلا يحتمل فيه ذلك، بل هو
نصّ على نفيه.
وقد ذكروا لاختلاف (أحد) عن (واحد) وجوهاً، قال الشيخ ابن فهد الحلّي قدس سرّه: «الواحد - الأحد: هما إسمان يشملهما نفي الأبعاض عنهما، والأجزاء، والفرق بينهما من وجوه:
الأوّل: أنّ الواحد هو المنفرد بالذات، والأحد هو المنفرد بالمعنى.
الثاني: أنّ الواحد أعمّ مورداً؛ لكونه يُطلق على مَن يعقل وغيره، ولا يُطلق الأحد إلّا على من يعقل.
الثالث: أنّ الواحد يدخل في الضرب والعدد، ويمتنع دخول الأحد في ذلك». [عدّة الداعي: 300].
وأضاف الشيخ النمازي نقلاً عن الشيخ الصدوق أمرين آخرين:
«والرابع: إنّك إذا قلت: فلان لا يقاومه واحد جاز أن يقال: لكنّه يقاومه اثنان مثلاً، بخلاف الأحد.
والخامس: أنّ الواحد يستعمل في الإثبات، والأحد في النفي». [مستدرك سفينة: 63/1].
وفي الخبر: «عن المقدام بن شريح بن هانيء، عن أبيه، قال: إنّ أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين علیه السلام فقال: يا أمير المؤمنين، أتقول: إنّ الله واحد؟
قال: فحمل الناس عليه، قالوا: يا أعرابي، أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم القلب؟!
فقال أمير المؤمنين علیه السلام: دعوه، فإنّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم، ثمّ قال: يا أعرابي، إنّ القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام: فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّوجلّ، ووجهان يثبتان فيه، فأمّا اللذان لا يجوزان عليه، فقول القائل: واحد يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في
ولا يزال، هو الأوّل والآخر، عليم، حكيم، عادل، حي، قادر، غني، سميع، بصير.
ولا يوصف بما توصف به المخلوقات، فليس هو بجسم ولا صورة، وليس جوهراً ولا عرضاً، وليس له ثقل أو خفة، ولا حركة أو سكون، ولا مكان ولا زمان ولا يشار إليه.
كما لا ندّ له، ولا شبه، ولا ضدّ، ولا صاحبة له ولا ولد، ولا شريك، ولم يكن له كفواً أحد.
لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار.
باب الأعداد، أما ترى أنّه كفر من قال: ثالث ثلثة.
وقول القائل: هو واحد من الناس، يريد به النوع من الجنس، فبهذا ما لا يجوز عليه لأنه تشبيه، وجلّ ربّنا عن ذلك وتعالى.
وأمّا الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا، وقول القائل: إنّه عزّوجلّ أحدي المعنى، يعنى به أنّه لا ينقسم في وجود، ولا عقل، ولا وهم كذلك ربّنا عزّوجلّ». [التوحيد: 83].
(1) سورة الشورى: 11.
(2) اختلف المسلمون في رؤية الله تعالى، فذهب الأشاعرة وغيرهم من فرق المخالفين إلى إمكان الرؤية، بل ادّعوا أنّه تعالى يُرى في الاخرة، ورووا في ذلك رواية.
واتّفق الشيعة - تبعاً لأئمّتهم علیهم السلام - على عدم إمكان الرؤية فضلاً عن تحقّقها في الدنيا، أو الآخرة.
ولنا على ذلك أدلّة:
منها: ما في القرآن الكريم:
قوله تعالى: «لَن تَرَني». [سورة الأعراف: 143].
ومنها: في الأخبار الشريفة:
1 - «عن السكوني، عن أبي عبد الله، عن آبائه علیهم السلام قال: مرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على رجل وهو رافع بصره إلى السماء يدعو، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: غضّ بصرك فإنّك لن تراه.
وقال: ومرّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم على رجل رافع يديه إلى السماء وهو يدعو، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: أقصر من يديك فإنّك لن تناله». [التوحيد : 107].
2- عن يعقوب بن إسحاق قال: كتبت إلى أبي محمّد علیه السلام أسأله كيف يعبد العبد ربّه وهو لا يراه؟!
فوقّع علیه السلام: يا أبا يوسف، جلّ سيدي ومولاي، والمنعم علي وعلى آبائي أن يُرى.
قال: وسألته: هل رأى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ربّه؟
فوقّع علیه السلام: إن الله تبارك وتعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحبّ». [ التوحيد: 108].
3- «عن عاصم بن حميد، قال: ذاكرت أبا عبد الله علیه السلام فيما يروون من الرؤية.
فقال: الشمس جزء من سبعين جزءاً من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزءاً من نور العرش، والعرش جزء من سبعين جزءاً من نور الحجاب، والحجاب جزء من سبعين جزءاً من نور الستر، فإن كانوا صادقين فليملؤوا أعينهم من الشمس ليس دونها سحاب». [التوحيد: 108].
4- «عن ابن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، لما أسري بي إلى السماء بلغ بي جبرئيل مكاناً لم يطأه جبرئيل قط، فكشف لي فأراني اللهُ عزّوجلّ من نور عظمته ما أحبّ». [التوحيد: 108].
5 - «عن عبد الله بن سنان، عن أبيه، قال: حضرت أبا جعفر علیه السلام فدخل عليه رجل من الخوارج فقال له: يا أبا جعفر أي شيء تعبد؟
قال: الله.
قال: رأيته؟
قال: لم تره العيون بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يُعرف بالقياس، ولا يُدرك بالحواس، ولا يشبّه بالناس، موصوف بالآيات. معروف بالعلامات، لايجور في حكمه، ذلك الله لا إله إلّا هو.
قال: فخرج الرجل وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته». [التوحيد: 108].
6- عن أبي الحسن الموصلي، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: جاء حبر إلى أمير المومنين علیه السلام فقال: يا أمير المؤمنين، هل رأيت ربّك حين عبدته؟
فقال: ويلك، ماكنت أعبد ربّاً لم أره.
قال: وكيف رأيته؟
قال: ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان». [ التوحيد: 109].
7 - «عن أحمد بن إسحاق، قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث علیه السلام أسأله الرؤية، وما فيه الناس.
فكتب علیه السلام: لا يجوز الرؤية ما لم يكن بين [الرائي] والمرئي هواء ينفذه البصر، فإذا انقطع الهواء وعُدم الضياء بين الرائي والمرئي لم تصحّ الرؤية، وكان في ذلك الاشتباه، لأنّ الرائي متى ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه، وكان في ذلك التشبيه، لأنّ الأسباب لا بدّ من اتصالها بالمسبّبات». [التوحيد: 109].
8- «عن محمّد بن عبيدة، قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا علیه السلام أسأله عن الرؤية وما ترويه العامّة والخاصّة، وسألته أن يشرح لي ذلك.
فكتب علیه السلام بخطّه: اتّفق الجميع لا تمانع بينهم أنّ المعرفة من جهة الرؤية ضرورة، فإذا جاز أن يُرى عزّوجلّ بالعين وقعت المعرفة ضرورة، ثمّ لم تخل تلك المعرفة من أن تكون إيماناً أو ليست بإيمان، فإن كانت تلك المعرفة من جهة الرؤية إيماناً فالمعرفة التي في دار الدنيا من جهة الاكتساب ليست بإيمان لأنّها ضدّه فلا يكون في الدنيا أحد مؤمناً لأنهم لم يروا الله عزّ ذكره، وإن لم تكن تلك المعرفة التي من جهة الرؤية إيماناً لم تخل هذه المعرفة التي هي من جهة الاكتساب أن تزول أو لا تزول في المعاد، فهذا دليل على أنّ الله عزّ ذكره لا يُرى بالعين، إذ العين تؤدّي إلى ما وصفنا». [التوحيد: 109 - 110].
9- «عن صفوان بن يحيى، قال: سألني أبو قرّة المحدّث أن أدخله على أبي الحسن الرضا علیه السلام فاستأذنته في ذلك فأذان لي، فدخل عليه فسأله عن الحلال والحرام، والأحكام حتّى بلغ سؤاله التوحيد، فقال أبو قرّة: إنّا روينا أنّ الله عزّوجلّ قسّم الرؤية والكلام بين اثنين، فقسم الموسى علیه السلام الكلام ولمحمّد صلی الله علیه وآله وسلم الرؤية.
فقال أبو الحسن علیه السلام: فمن المبلغ عن [الله عزّوجلّ] إلى الثقلين الجنّ والإنس: «لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ» [سورة الأنعام: 103]، «وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا» [ سورة طه: 110] و «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ» [سورة الشورى: 11]، أليس محمّداً صلی الله علیه وآله وسلم؟!
قال: بلى؟
قال: فكيف يجئ رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله، وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله ويقول: «لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ»، «وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا»، و«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»، ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علما وهو على صورة البشر، أما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن الله بشيء، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر!
قال أبو قرّة: فإنّه يقول: «وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى» [سورة النجم: 13].
فقال أبو الحسن علیه السلام: إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى، حيث قال: «مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى» [سورة النجم: 11]، يقول: ما كذب فؤاد محمّد صلی الله علیه وآله وسلم ما رأت عيناه، ثمّ أخبر بما رأى فقال: «لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى» [سورة النجم: 13]، فآيات الله عزّوجلّ غير الله: وقد قال: «وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمً»، فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة.
فقال أبو قرّة: فتكذب بالروايات؟
فقال أبو الحسن علیه السلام: إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذّبت بها، وما أجمع المسلمون عليه أنّه لا يحاط به علم ولا تدركه الابصار، وليس كمثله شيء». [التوحید: 110 - 112].
10- «عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله علیه السلام في قوله عزّوجلّ: «لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ» [سورة الأنعام: 103] قال: إحاطة الوهم، ألا ترى إلى قوله: «قَدْ جَاءَ كُم بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ» [سورة الأنعام: 104] ليس بمعنى بصر العيون «فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ»، ليس يعني من البصر بعينه «عَمِيَ فَعَلَيْهَا» لم يعن عمى العيون، إنمّا عنى إحاطة الوهم كما يقال: فلان بصير بالشعر، وفلان بصير بالفقه، وفلان بصير بالدراهم وفلان بصير بالثياب، الله أعظم من أن يرى بالعين». [التوحيد: 112].
11 - «عن أبي هاشم الجعفري، عن أبي الحسن الرضا علیه السلام قال: سألته عن الله عزّوجلّ هل يوصف؟
فقال: أما تقرء القرآن؟!
قلت: بلى.
قال: أما تقرأ قوله عزّوجلّ: «لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ» [الانعام: 103].
قلت: بلي.
قال: فتعرفون الأبصار؟
قلت: بلى.
قال: وماهي؟
قلت: أبصار العيون.
فقال: إنّ أوهام القلوب أكثر من أبصار العيون، فهو لا تدركه الأوهام، وهو يدرك الاوهام». [التوحيد: 112 - 113].
12- عن أبي هاشم الجعفري، قال: قلت لأبي جعفر ابن الرضا علیهما السلام: «لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ»؟
فقال: يا أبا هاشم، أوهام القلوب أدقّ من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك السند، والهند، والبلدان التي لم تدخلها، ولا تدركها ببصرك، فأوهام القلوب لا تدركه فكيف أبصار العيون». [التوحيد: 113].
13- «عن إبراهيم بن محمّد الخزاز ومحمّد بن الحسين، قالا: دخلنا على أبي الحسن الرضا علیه السلام، فحكينا له ما روي أنّ محمّداً صلی الله علیه وآله وسلم رأى ربّه في هيئة الشاب الموفّق، في سن أبناء ثلاثين سنة، رجلاه في خضرة.
وقلت: إنّ هشام بن سالم، وصاحب الطاق، والميثمي يقولون: إنّه أجوف إلى السرّة والباقي صمد، فخرّ ساجداً، ثمّ قال: سبحانك ما عرفوك ولا وحدوك، فمن أجل ذلك وصفوك، سبحانك لو عرفوك لوصفوك بما وصفت به نفسك، سبحانك كيف طاوعتهم أنفسهم أن شبّهوك بغيرك، إلهي لا أصفك إلّا بما وصفت نفسك، ولا اشبّهك بخلقك، أنت أهل لكلّ خير فلا تجعلني من القوم الظالمين.
ثمّ التفت إلينا، فقال: ما توهّمتم من شيء فتوهّموا الله غيره.
ثمّ قال: نحن آل محمّد، النمط الأوسط الذي لا يدركنا الغالي، ولا يسبقنا
التالي، يا محمّد، إنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم حين نظر إلى عظمة ربّه كان في هيئة الشاب الموفّق، وسن أبناء ثلاثين سنة.
يا محمّد، عظم ربّي، وجلّ أن يكون في صفة المخلوقين.
قال: قلت: جعلت فداك، مَن كانت رجلاه في خضرة؟
قال: ذاك محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، كان إذا نظر إلى ربّه بقلبه جعله في نور مثل نور الحجب حتّى يستبين له ما في الحجب، إنّ نور الله منه أخضر ما - اخضرّ، ومنه أحمر ما احمرّ، ومنه أبيض ما ابيضّ، ومنه غير ذلك.
يا محمّد، ما شهد به الكتاب والسنّة فنحن القائلون به». [التوحيد: 113 - 115].
14- «عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال: إنّ الله عظيم، رفيع، لا يقدر العباد على صفته، ولا يبلغون كنه عظمته، ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، ولا يوصف بكيف، ولا أين، ولا حيث، فكيف أصفه بكيف وهو الذي كيّف الكيف حتّى صار كيفاً، فعرفت الكيف بما كيّف لنا من الكيف، أم كيف أصفه بأين وهو الذي أيّن الأين حتّى صار إينا، فعرفت الأين بما أيّن لنا من الأين أم كيف أصفه بحيث وهو الذي حيّث الحيث حتّى صار حيثاً، فعرفت الحيث بما حيّث لنا من الحيث فالله تبارك وتعالى داخل في كلّ مكان، وخارج من كلّ شيء، «لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ»، «لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» [سورة البقرة: 163]، «الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ» [سورة البقرة: 255]، «وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ» [سورة الأنعام: 103]». [التوحيد: 115]
15- «عن عبيد بن زرارة، عن أبيه، قال: قلت لابي عبد الله علیه السلام: جعلت فداك، الغشية التي كانت تصيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اذا انزل عليه الوحي؟
فقال: ذاك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد، ذاك إذا تجلّى الله له، قال: ثمّ قال: تلك النبوّة يا زرارة، وأقبل متخشّع». [التوحيد: 115].
ومن قال بالتشبيه(1)في خلقه، بأن صوّر له وجهاً، ويداً، وعيناً، أو أنّه ينزل إلى السماء الدنيا، أو أنّه يظهر إلى أهل الجنّة كالقمر، أو نحو ذلك فإنّه بمنزلة الكافر به، جاهل بحقيقة الخالق المنزّه عن النقص، بل كلّ ما ميّزناه بأوهامنا في أدقّ معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلنا، مردود إلينا(2)، على حدّ تعبير الإمام الباقر .
وما أجلّه من تعبير حكيم! وما أبعده من مرمى علمي دقيق!
وكذلك يلحق بالكافر من قال: إنّه يتراءى لخلقه يوم القيامة(3)، وإن نفى عنه التشبيه بالجسم لقلقة في اللسان، فإنّ أمثال هؤلاء المدّعين جمدوا على ظواهر الألفاظ في القرآن الكريم أو الحديث، وأنكروا عقولهم، وتركوها وراء ظهورهم.
فلم يستطيعوا أن يتصرّفوا بالظواهر حسبما يقتضيه النظر، والدليل، وقواعد الاستعارة والمجاز.
ونعتقد بأنّه يجب توحيد الله تعالى من جميع الجهات، فكما يجب
توحيده في الذات ونعتقد بأنّه واحد في ذاته ووجوب وجوده، كذلك يجب - ثانياً - توحيده في الصفات، وذلك بالاعتقاد بأنّ صفاته عين ذاته(1)، كما سيأتي بيان ذلك، وبالاعتقاد بأنّه لا شبه له في صفاته الذاتية، فهو في العلم والقدرة لا نظير له(2)، وفي الخلق والرزق لا شريك له، وفي كلّ كمال لا ندّ له.
وكذلك يجب - ثالثاً - توحيده في العبادة، فلا تجوز عبادة غيره بوج من الوجوه، وكذا إشراكه في العبادة في أي نوع من أنواع العبادة واجبة أو غير واجبة، في الصلاة وغيرها من العبادات.
ومن أشرك في العبادة غيره فهو مشرك كمن يرائي في عبادته ويتقرّب إلى غير الله تعالى، وحكمه حكم من يعبد الأصنام والأوثان، لا فرق بينهما.
أمّا زيارة القبور، وإقامة المآتم فليست هي من نوع التقرّب إلى غير الله تعالى في العبادة، كما توهّمه بعض من يريد الطعن في طريقة الإمامية،
1) لا يجب الاعتقاد بذلك، بل لا موجب له إلّا إن كان مرادهم بالعينية نفي التركيب بين الصفة والذات، لا الحكم بعينيّة الصفة للذات، فإنّه لا من حكم العقل، ولا من بلاغ المبلّغين عن الله، فالالتزام به تقوّل على الله تعالى
2) لا نظير له في صفاته الذاتية؛ لأنّها تختلف عمّا فينا، ولا يجمعنا معها إلّا اللفظ، وأمّا المعنى فهو أمر آخر لا ندركه، ولا نفهمه، ولم يبيّنه الحجج علیهم السلام، فصفاته في معانيها، وفي كيفيّة اتّصافه تعالى بها غيب لا يُدرك لأحد أبداً
غفلة عن حقيقة الحال فيها، بل هي من نوع التقرّب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة كالتقرّب إليه بعيادة المريض، وتشييع الجنائز، وزيارة الإخوان في الدين، ومواساة الفقير، فإنّ عيادة المريض - مثلاً - في نفسها عمل صالح يتقرّب به العبد إلى الله تعالى.
وليس هو تقرّباً إلى المريض، يوجب أن يجعل عمله عبادة لغير الله تعالى، أو الشرك في عبادته.
وكذلك باقي أمثال هذه الأعمال الصالحة التي منها: زيارة القبور، وإقامة المآتم، وتشييع الجنائز، وزيارة الإخوان.
أمّا كون زيارة القبور وإقامة المآتم من الأعمال الصالحة الشرعية فذلك يثبت في علم الفقه وليس هنا موضع إثباته. والغرض، أنّ إقامة هذه الأعمال ليست من نوع الشرك في العبادة كما يتوهّمه البعض.
وليس المقصود منها عبادة الأئمّة، وإنّما المقصود منها إحياء أمرهم(1)، وتجديد ذكرهم، وتعظيم شعائر الله فيهم «وَمَن يُعَظَّمْ شَعَرَ
1) وقد غفل - أو تغافل - المشنّعون على طريقة الشيعة، ومسلكهم في المآتم والزيارات عن معنى التعبّد، إذ لا بدّ فيه من الخضوع لمن تعتقد أنّه إله، أمّا مطلق الخضوع فليس عبادة، بل أمر الله تعالى به بنصّ القران الكريم: «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ» [سورة الإسراء: 24]، فهل بعد خفض جناح الذلّ خضوع؟! ولكنّه للوالدين مع عدم اعتقاد أنّهم آلهة
اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ».
فكلّ هذه أعمال صالحة ثبت من الشرع استحبابها، فإذا جاء الإنسان متقرّباً بها إلى الله تعالى، طالباً مرضاته استحقّ الثواب منه، ونال جزاءه.
ونعتقد أنّ من صفاته تعالى الثبوتية الحقيقية الكمالية التي تسمّى بصفات (الجمال والكمال)، كالعلم، والقدرة، والغنى، والإرادة،
أمّا ما ملئ المخالفون الدنيا به من دعوى نسبة الشيعة صفاتاً الله تعالى دون غيره - أي بما هو إله - وهذا كفر فهو جهل منهم، وتقصير في معرفة الله تعالى، وتقصير في معرفة من كرّمهم الله تعالى.
فمثلاً جعلوا الطلب من النبي أو الإمام علیها السلام كفراً، بدعوى أنّهم عاجزون عن جرّ النفع لأنفسهم والله الغني القدير.
ولكن نقول: إنّ كلّ من دون الله تعالى فهو عاجز بلا إشكال، لكنّ الله يمنّ بفضله على من يشاء، والقرآن ناطق بغنى الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، بل وإغناءه: «وَمَا نَقَمُوا إلَّا أَنْ أَغْنَهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ» [سورة التوبة: 74].
(1) سورة الحج: 32.
(2) جَعلُ الإرادة عين الذات خلاف ما عليه النصوص الشريفة والعقل أيضاً، وتَمسّك بما عليه الفلاسفة وهو في غير محلّه، فإنّهم أرجعوها إلى العلم فقالوا: بأنّها صفة ذات، والنصّ خلافه، وإليك بعض النصوص المخالفة لما ذهبوا إليه والدالّة على حدوث الإرادة:
1 - «عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قلت: لم يزل الله مريداً؟
والحياة هي كلّها عين ذاته، ليست هي صفات زائدة عليها، وليس
قال: إنّ المريد لا يكون إلّا لمراد معه، لم يزل الله عالماً قادراً، ثمّ أراد». [الكافي: 1 / 109، ب الإرادة أنّها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل، ح1].
2- «عن بُكير بن أعَين قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام: علم الله ومشيئته، هما مختلفان، أو متّفقان؟
فقال: العلم ليس هو المشيئة، ألا ترى أنّك تقول: سأفعل كذا إن شاء الله، ولا تقول: سأفعل كذا إن علم الله؟! فقولك: إن شاء الله دليل على أنّه لم يشأ، فإذا شاء كان الذي شاء كما شاء، وعلم الله السابق للمشيئة». [ الكافي: 1/ 109، ب الإرادة أنّها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل، ح 2].
3- «عن صفوان بن يحيى قال: قلت لأبي الحسن علیه السلام: أخبرني عن الإرادة، من الله ومن الخلق؟
قال: فقال: الإرادة من الخلق الضمير، وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأمّا من الله تعالى فإرادته إحداثه لا غير، ذلك لأنّه لا يروي، ولا يهمّ، ولا يتفكّر، وهذه الصفات منفيّة عنه، وهي صفات الخلق، فإرادة الله الفعل لا غير ذلك، يقول له: كن فيكون، بلا لفظ، ولا نطق بلسان، ولا همة ولا تفكّر، ولا كيف لذلك، كما أنّه لا كيف له» [الكافي: 1/ 109، ب الإرادة أنّها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل، ح 3].
(1) للمسلمين في مسألة علاقة الصفة الإلهية بالذات مسالك:
منها: مسلك الأشاعرة الذين قالوا: إنّ الصفة غير الذات، خارجاً وذهناً.
ومنها: مسلك المعتزلة الذين قالوا بخلوا الذات عن الصفة حتّى الموجودية.
ومنها: - وهو ما اشتهر عند الشيعة - أنّ الصفة عين الذات.
ويَردّ مسلك الأشاعرة: أنّه قول بتعدّد القدماء، ولا قديم إلّا الله تعالى، فإن
وجودها إلّا وجود الذات، فقدرته من حيث الوجود حياته، وحياته قدرته، بل هو قادر من حيث هو حي(1)، وحي من حيث هو قادر، لا اثنينية في صفاته ووجودها، وهكذا الحال في سائر صفاته الكمالية.
نعم، هي مختلفة في معانيها ومفاهيمها، لا في حقائقها ووجوداتها؛ لأنّه لو كانت مختلفة في الوجود وهي بحسب الفرض قديمة وواجبة
كانت الصفات غيره تعالى فهي إذن موجودات قديمة مع الله، تعالى عمّا يقولون علوا كبيراً.
ويَردّ مسلك المعتزلة: أنّه يلزم منه عدم وجود الذات أصلاً.
أمّا ما ذهب إليه جمهور المتأخّرين من الشيعة، وهو أنّ الصفات عين الذات، فنقول: الظاهر أنّ الصحيح هو عدم التركّب بين الصفة والذات، وهذا نعتقده، ونسلّم به بلا إشكال، لكن ربّما يقال بالعينية بين الصفة والذات؛ لمكان لزومه لعدم التركّب بينهما، بمعنى: إذا لم تكن الصفة خارجة عن الذات وغيرها خارجاً فهي عين الذات، ويبدو كلاماً معقولاً مقبولاً.
لكن نقول: إنّ الانتقال من عدم التركّب إلى العينية لا مجال له؛ وذلك للنهي عن الكلام في الكيفيّة، إلّا ما استفيد من النصّ، ونفي التركيب هو المتيقّن من النصّ فلا ننتقل منه إلى غيره، فإنّ الكلام في الذات المقدّسة وكيفيّتها ممنوع، لا تصله العقول.
(1) الحيثية: وهي الجهة المفهومية الملحوظة المخصّصة للشيء الملحوظ عن غيره، تختلف فحيثية الحياة غير حيثية القدرة، نعم، يجب الالتزام بعدم التركّب في وهي الذات المقدّسة.
كالذات للزم تعدّد واجب الوجود، ولانثلمت الوحدة الحقيقية، وهذا ما ينا في عقيدة التوحيد.
وأمّا الصفات الثبوتية الإضافية كالخالقية، والرازقية، والتقدّم، والعلية فهي ترجع في حقيقتها إلى صفة واحدة حقيقية وهي القيومية لمخلوقاته، وهي صفة واحدة تُنتّزع منها عدّة صفات باعتبار اختلاف الآثار والملاحظات.
وأمّا الصفات السلبية التي تسمّى بصفات (الجلال)، فهي ترجع جميعها إلى سلب واحد هو سلب الإمكان(1)عنه، فإنّ سلب الإمكان لازمة، بل معناه سلب الجسمية، والصورة، والحركة، والسكون، والثقل، والخفة وما إلى ذلك، بل سلب كلّ نقص.
ثمّ إنّ مرجع سلب الإمكان في الحقيقة إلى وجوب الوجود، ووجوب الوجود من الصفات الثبوتية الكمالية، فترجع الصفات الجلالية (السلبية) آخر الأمر إلى صفات الكمالية (الثبوتية).
والله تعالى واحد من جميع الجهات، لا تكثّر في ذاته المقدّسة، ولا تركيب في حقيقة الواحد الصمد.
ولا ينقضي العجب من قول مَن يذهب إلى رجوع الصفات الثبوتية إلى
1) كلّ ما في المخلوق الحادث ليس في الخالق القديم، فصفات خلقه عنه منفيّه؛ لمكان القدم
الصفات السلبية، لما عزّ عليه أن يفهم كيف أنّ صفاته عين ذاته فتخيّل
(1) بل لا ينقضي العجب ممّن نفى رجوع الصفات الثبوتية إلى السلبية؛ وذلك:
أوّلاً: للنصوص الصريحة التي أرجعت الثبوتية إلى سلب أضدادها، ومنها:
1 - «عن أبي الحسن الرضا علیه السلام قال: قال: اعلم علّمك الله الخير، أنّ الله تبارك وتعالى قديم، والقدم صفته التي دلّت العاقل على أنّه لا شيء قبله، ولا شيء معه في ديموميته، فقد بان لنا بإقرار العامّة معجزة الصفة أنّه لا شيء قبل الله ولا شيء مع الله في بقائه، وبطل قول من زعم أنّه كان قبله أو كان معه شيء، وذلك أنّه لو كان معه شيء في بقائه لم يجز أن يكون خالقاً له لأنّه لم يزل معه، فكيف يكون خالقاً لمن لم يزل معه؟! ولو كان قبله شيء كان الأوّل ذلك الشيء لا هذا، وكان الأوّل أولى بأن يكون خالقاً للأوّل [في التوحيد، والعيون: الثاني].
ثمّ وصف نفسه تبارك وتعالى بأسماء دعا الخلق إذ خلقهم، وتعبّدهم، وابتلاهم إلى أن يدعوه بها، فسمّى نفسه سميعاً، بصيراً، قادراً، قائماً، ناطقاً، ظاهراً، باطناً، لطيفاً، خبيراً، قويّاً، عزيزاً، حكيماً، عليماً وما أشبه هذه الأسماء، فلمّا رأى ذلك من أسمائه القالون المكذّبون وقد سمعونا نحدّث عن الله أنّه لا شيء مثله، ولا شيء من الخلق في حاله قالوا: أخبرونا - إذا زعمتم أنّه لا مِثل الله، ولا شِبه له - كيف شاركتموه في أسمائه الحسنى فتسمّيتم بجميعها؟ فإنّ في ذلك دليلاً على أنّكم مثله في حالاته كلّها، أو في بعضها دون بعض إذ جمعتم الأسماء الطيبة؟
قيل لهم: إنّ الله تبارك وتعالى ألزم العباد أسماء من أسمائه على اختلاف المعاني، وذلك كما يجمع الاسم الواحد معنيين مختلفين، والدليل على ذلك قول الناس الجائز عندهم الشائع وهو الذي خاطب الله به الخلق فكلّمهم بما يعقلون ليكون عليهم حجّة في تضييع ما ضيعوا، فقد يقال للرجل: كلب، وحمار، وثور، وسكرة،
وعلقمة، وأسد كلّ ذلك على خلافه وحالاته، لم تقع الأسامي على معانيها التي كانت بنيت عليه، لأنّ الإنسان ليس بأسد، ولا كلب فافهم ذلك رحمك الله.
وإنّما سمّي الله تعالى بالعلم بغير علم حادث علم به الأشياء استعان به على حفظ ما يستقبل من أمره والرويّة فيما يخلق من خلقه، ويُفسد ما مضى ممّا أفنى من خلقه ممّا لو لم يَحضُره ذلك العلم ويَغيبُه كان جاهلاً ضعيفاً، كما أنّا لو رأينا علماء الخلق إنّما سمّوا بالعلم لعلم حادث إذ كانوا فيه جهلة، وربّما فارقهم العلم بالأشياء فعادوا إلى الجهل، وإنّما سمّي الله عالماً لأنّه لا يجهل شيئاً، فقد جمع الخالق والمخلوق اسم العالم واختلف المعنى على ما رأيت.
وسمّي ربّنا سميعاً لا بخَرت فيه يسمع به الصوت ولا يبصر به، كما أن خرتنا الذي به نسمع لا نقوی به على البصر، ولكنّه أخبر أنّه لا يخفى عليه شيء من الأصوات، ليس على حدّ ما سمّينا نحن فقد جمعنا الاسم بالسمع، واختلف المعنى.
وهكذا البصر، لا بخرت منه أبصر كما أنّا نبصر بخرت منّا لا ننتفع به في غيره، ولكنّ الله بصير لا يحتمل شخصاً منظوراً إليه، فقد جمعنا الإسم واختلف المعنى، وهو قائم ليس على معنى انتصاب، وقيام على ساق في كبد كما قامت الأشياء، ولكن قائم يخبر أنّه حافظ كقول الرجل: القائم بأمرنا فلان، والله هو القائم على كلّ نفس بما كسبت، والقائم أيضاً في كلام الناس: الباقي، والقائم أيضاً يخبر عن الكفاية كقولك للرجل: قم بأمر بني فلان أي اكفهم، والقائم منّا قائم على ساق، فقد جمعنا الاسم، ولم نجمع المعنى.
وأمّا اللطيف، فليس على قلّة، وقضافة وصغر، ولكن ذلك على النفاذ في الأشياء والامتناع من أن يدرك، كقولك للرجل: لطف عنّي هذا الأمر، ولطف فلان في مذهبه، وقوله: يخبرك أنّه غمض فيه العقل، وفات الطلب، وعاد متعمّقاً،
متلطفاً، لا يدركه الوهم، فكذلك لطف الله تبارك وتعالى عن أن يُدرك بحدّ، أو يُحدّ بوصف، واللطافة منّا الصغر والقلّة، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى.
وأمّا الخبير، فالذي لا يعزب عنه شيء ولا يفوته، ليس للتجربة، ولا للاعتبار بالأشياء، فعند التجربة والاعتبار علمان ولولاهما ما علم، لأنّ مَن كان كذلك كان جاهلاً، والله لم يزل خبيراً بما يخلق، والخبير من الناس المستخبر عن جهل المتعلّم، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى.
وأمّا الظاهر، فليس من أجل أنّه علا الأشياء بركوب فوقها، وقعود عليها، و تسنّم لذراها، ولكن ذلك لقهره، ولغلبته الأشياء، وقدرته عليها كقول الرجل: ظهرت على أعدائي، وأظهرني الله على خصمي، يخبر عن الفلج والغلبة، فهكذا ظهور الله على الأشياء، ووجه آخر أنّه الظاهر لمن أراده، ولا يخفى عليه شيء، وأنّه مدبّر لكلّ ما برأ، فأي ظاهر أظهر وأوضح من الله تبارك وتعالى، لأنّك لا تُعدم صنعته حيثما توجّهت، وفيك من آثاره ما يغنيك، والظاهر منّا البارز بنفسه والمعلوم بحدّه، فقد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى.
وأمّا الباطن، فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها، ولكن ذلك منه على استبطانه للأشياء علماً، وحفظاً، وتدبيرا كقول القائل: أبطنته، يعني خبرته، وعلمت مكتوم سرّه، والباطن منّا الغائب في الشيء المستتر، وقد جمعنا الاسم واختلف المعنى.
وأمّا القاهر، فليس على معنى علاج، ونصب، واحتيال، ومداراة، ومكر، كما يقهر العباد بعضهم بعضاً، والمقهور منهم يعود قاهراً، والقاهر يعود مقهوراً، ولكن ذلك من الله تبارك وتعالى على أن جميع ما خلق ملبّس به الذل لفاعله، وقلّة الامتناع لما أراد به، لم يخرج منه طرفة عين، أن يقول له: كن فيكون، والقاهر منّا على ما ذكرت ووصفت فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى، وهكذا جميع الاسماء وإن كنا
لم نستجمعها كلها فقد يكتفي الاعتبار بما ألقينا إليك والله عونك وعوننا في إرشادنا وتوفيقنا». [الكافي: 1 / 120 - 123 ب آخر وهو من الباب الأول، ح2]، ذكرنا الحديث بطوله ليزداد القارئ بصيرة في معرفة الصفات المقدّسة.
2- «عن الفضل شاذان قال: سَئل المأمون علي بن موسى الرضا علیهما السلام أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز والاختصار، فكتب علیه السلام له: أنّ محض الإسلام شهادة أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، إلهاً، واحداً، أحداً، فرداً، صمداً، قيّوماً، سميعاً، بصيراً، قديراً، قديماً، قائماً، باقياً، عالماً لا يجهل، قادراً لا يعجز، غنيّاً لا يحتاج، عدلاً لا يجور، وأنّه خالق كلّ شيء وليس كمثله شيءّ لا شبه له، ولا ضدّ له، ولا ندّ ولا كفؤ له». [عيون أخبار الرضاء علیه السلام: 129/1].
3- «عن محمّد بن أبي عمير، قال: دخلت على سيّدي موسى بن جعفر علیهما السلام، فقلت له: يا ابن رسول الله، علّمني التوحيد.
فقال: يا أبا أحمد، لا تتجاوز في التوحيد ما ذكره الله تعالى ذكره في كتابه فتهلك، واعلم أنّ الله تعالى واحد، أحد، صمد، لم يلد فيورث، ولم يولد فيُشارك، ولم يتّخذ صاحبة، ولا ولداً، ولا شريكاً، وإنّه الحيّ الذي لا يموت، والقادر الذي لا يعجز، والقاهر الذي لا يُغلب، والحليم الذي لا يعجل، والدائم الذي لا يبيد، والباقي الذي لا يفنى، والثابت الذي لا يزول، والغني الذي لا يفتقر، والعزيز الذي لا يذلّ، والعالم الذي لا يجهل، والعدل الذي لايجور، والجواد الذي لا يبخل، و إنّه لا تقدره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، ولا تحيط به الأقطار، ولا يحويه مكان، و «لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» [سورة الأنعام: 103]، و«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» [سورة الشورى: 11]، «مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةِ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا» [سورة المجادلة: 7]، وهو الأوّل الذي لا شيء قبله، والآخر الذي لا شيء بعده، وهو
القديم وما سواه مخلوق مُحدَث، تعالى عن صفات المخلوقين علوّاً كبيرا». [التوحيد: 76].
4- «عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي جعفر الثاني علیه السلام، فسأله رجل، فقال: أخبرني عن الربّ تبارك وتعالى، له أسماء وصفات في كتابه؟ وأسماؤه وصفاته هي هو؟
فقال أبو جعفر علیه السلام: إنّ لهذا الكلام وجهين، إن كنت تقول: هي هو أي أنّه ذو عدد، وكثرة فتعالى الله عن ذلك، وإن كنت تقول: هذه الصفات والأسماء لم تزل فإنّ (لم تزل) محتمل معنيين، فإن قلت: لم تزل عنده في علمه وهو مستحقّها، فنعم، وإن كنت تقول: لم يزل تصويرها، وهجاؤها، وتقطيع حروفها فمعاذ الله أن يكون معه شيء غيره، بل كان الله ولا خلق، ثمّ خلقها وسيلة بينه وبين خلقه، يتضرّعون بها إليه، ويعبدونه، وهي ذكره وكان الله ولا ذكر، والمذكور بالذكر هو الله القديم الذي لم يزل.
والأسماء والصفات مخلوقات، والمعاني والمعني بها هو الله الذي لا يليق به الاختلاف، ولا الائتلاف، وإنّما يختلف وتأتلف المتجزّىء، فلا يقال: الله مؤتلف، ولا الله قليل ولا كثير، ولكنّه القديم في ذاته، لأنّ ما سوى الواحد متجزىء، والله واحد لا متجزىء، ولا متوهّم بالقلّة والكثرة، وكلّ متجزىء، أو متوهّم بالقلّة والكثرة فهو مخلوق دالّ على خالق له، فقولك: إنّ الله قدير خبرت أنّه لا يعجزه شيء، فنفيت بالكلمة العجز، وجعلت العجز سواه، وكذلك قولك: عالم إنّما نفيت بالكلمة الجهل، وجعلت الجهل سواه، وإذا أفنى الله الأشياء أفنى الصورة، والهجاء، والتقطيع، ولا يزال من لم يزل عالما.
فقال الرجل: فكيف سمّينا ربّنا سميعاً؟
فقال: لأنّه لا يخفى عليه ما يُدرك بالأسماع، ولم نصفه بالسمع المعقول في
أن الصفات الثبوتية ترجع إلى السلب، ليطمئن إلى القول بوحدة الذات وعدم تكثرها، فوقع بما هو أسوأ، إذ جعل الذات التي هي عين الوجود ومحض الوجود والفاقدة لكل نقص وجهة إمكان، جعلها عين العدم ومحض السلب، أعاذنا الله من شطحات الأوهام وزلات الأقلام.
الرأس، وكذلك سمّيناه بصيراً، لأنّه لا يخفى عليه ما يُدرك بالأبصار من لون، أو شخص أو غير ذلك، ولم نصفه ببصر لحظة المعيّن، وكذلك سمّيناه لطيفاً لعلمه بالشيء اللطيف مثل البعوضة وأخفى من ذلك، وموضع النشوء منها، والعقل والشهوة للفساد والحدب على نسلها، وإقام بعضها على بعض، ونقلها الطعام والشراب إلى أولادها في الجبال، والمفاوز، والأودية، والقفار، فعلمنا أنّ خالقها لطيف بلا كيف، وإنّما الكيفيّة للمخلوق المكيّف، وكذلك سمّينا ربّنا قويّا لا بقوة البطش المعروف من المخلوق، ولو كانت قوّته قوّة البطش المعروف من المخلوق لوقع التشبيه، ولاحتمل الزيادة، وما احتمل الزيادة احتمل النقصان، وما كان ناقصاً كان غير قديم، وما كان غير قديم كان عاجزاً، فربّنا تبارك وتعالى لا شبه له، ولا ضدّ ولا ندّ، ولا كيف ولا نهاية، ولا تبصار بصر، ومحرّم على القلوب أن تمثّله، وعلى الأوهام أن تحدّه، وعلى الضمائر أن تكوّنه، جلّ وعزّ عن أدات خلقه، وسمات بريّته، وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً». [الكافي: 116/1 - 117، ب معاني الأسماء، ح 7، التوحيد: 193].
ثانياً: أنّ دعوى: أنّ الصفات الثبوتيّة هي بعين المعنى الذي فينا، ولا ترجع إلى السلبية - تخلّصاً من التعطيل - إلّا أنّها في الباري عزّوجلّ أشدّ، يلزم منه التركّب في الذات المقدّسة، لضرورة رجوع التشكيك إلى التركيب.
(1) وهذا من عجيب الدعاوى الغريبة، وسقطات الفكر، فإنّ نفي الجهل، والعجز،
كما لا ينقضي العجب من قول من يذهب إلى أن صفاته الثبوتية زائدة على ذاته فقال بتعدد القدماء ووجود الشركاء لواجب الوجود، أو قال بتركيبه تعالى عن ذلك، قال مولانا أمير المؤمنين، وسيّد الموحّدين علیه السلام: «وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، بشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمَن وصفه سبحانه فقد قرنه، ومَن قرنه فقد ثنّاه، ومَن ثنّاه جزّأه، ومَن جزّأه فقد جهله».
ونعتقد أنّ من صفاته تعالى الثبوتية الكمالية أنّه عادل غير ظالم، فلا يجور في قضائه، ولا يحيف في حكمه، يُثيب المطيعين، وله أن يجازي العاصين، ولا يكلّف عباده ما لا يطيقون، ولا يعاقبهم زيادة على ما يستحقّون.
ونعتقد أنّه سبحانه لا يترك الحسن عند عدم المزاحمة، ولا يفعل القبيح؛ لأنّه تعالى قادر على فعل الحسن، وترك القبيح، مع فرض علمه
والموت عن الذات المقدّسة كيف يجعلها محض السلب، وعين العدم؟!
والظاهر أنّ المؤلّف رحمه الله خلط بين مقام الواقع، ومقام الذهن والتصوّر، فإنّ ما يمكن للإنسان أن يتصوّره عن الصفات هو نفي أضدادها، أمّا الواقع فهو محض الكمال الذي لا يمكن لأحد إدراكه إلّا هو عزّوجلّ.
(1) نهج البلاغة: 39، ونحوه الكافي: 1 / 140، ب جوامع التوحيد، ح 6.
بحسن الحسن وقبح القبيح، وغناه عن ترك الحسن، وعن فعل القبيح، فلا الحسن يتضرّر بفعله حتّى يحتاج إلى تركه، ولا القبيح يفتقر إليه حتّى يفعله، وهو مع كلّ ذلك حكيم لا بدّ أن يكون فعله مطابقاً للحكمة وعلى حسب النظام الأكمل.
فلو كان يفعل الظلم والقبح - تعالى عن ذلك - فإنّ الأمر في ذلك لا يخلو عن أربع صور:
1- أن يكون جاهلاً بالأمر، فلا يدري أنّه قبيح.
2- أن يكون عالماً به، ولكنّه مجبور على فعله، وعاجز عن تركه.
3- أن يكون عالماً به، وغير مجبور عليه، ولكنّه محتاج إلى فعله.
4- أن يكون عالماً به، وغير مجبور عليه، ولا يحتاج إليه، فينحصر في أن يكون فعله له تشهيّاً، وعبثاً، ولهواً.
وكلّ هذه الصور محال على الله تعالى، وتستلزم النقص فيه، وهو محض الكمال، فيجب أن نحكم أنّه منزّه عن الظلم وفعل ما هو قبيح.
غير أنّ بعض المسلمين جوّز عليه تعالى فعل القبيح تقدّست أسماءه، فجوز أن يعاقب المطيعين، ويدخل الجنّة العاصين، بل الكافرين، وجوز أن يكلّف العباد فوق طاقتهم، وما لا يقدرون عليه، ومع ذلك يعاقبهم على تركه، وجوّز أن يصدر منه الظلم، والجور، والكذب، والخداع، وأن يفعل الفعل بلا حكمة وغرض ، ولا مصلحة وفائدة، وبحجّة أنّه لا
يُسأل عمّا يفعل وهم يسألون(1)
والآية الكريمة غير دالّة على مراد هؤلاء، بل هي لا تنافي أنّه تعالى يفعل لحكمة.
قال سيّدنا الأستاذ الأعظم: «فالمراد به أحد أمرين:
الأوّل: أنّه تعالى الأعلم بالصلاح والفساد، و لا يتجاوزهما ليحاسب على فعله.
الثاني: أنّه ليس له نظير أو رئيس، ليقف في وجهه ويحاسبه على فعله، كما قد يناسب السياق». [أصول العقيدة (للسيّد محمّد سعيد الحكيم): 394 - 395]
.فربُّ أمثال هؤلاء الذين صوّروه على عقيدتهم الفاسدة ظالم، جائر، سفيه، لاعب، كاذب، مخادع، يفعل القبيح، ويترك الحسن الجميل، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيراً.
وهذا هو الكفر بعينه، وقد قال الله تعالى في محكم كتابه: «وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ»(2)، وقال: «وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ»(3)، وقال: «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبين»(4)، وقال: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ»(5)، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة، سبحانك ما خلقت هذا باطلا.
نعتقد أنّه تعالى لا يكلّف عباده إلّا بعد إقامة الحجّة عليهم(1)، ولا يكلّفهم إلّا ما يسعهم، وما يقدرون عليه، وما يطيقونه(2)، وما يعلمون(3)، لأنّه من الظلم تكليف العاجز، والجاهل غير المقصر في التعليم.
أمّا الجاهل المقصّر في معرفة الأحكام والتكاليف فهو مسؤول عند الله تعالى، ومعاقب على تقصيره، إذ يجب على كلّ إنسان أن يتعلّم ما يحتاج إليه من الأحكام الشرعية.
ونعتقد أنّه تعالى لا بد أن يكلّف عباده، ويسنّ لهم الشرائع، وما فيه صلاحهم، وخيرهم؛ ليدلّهم على طرق الخير، والسعادة الدائمة،
1) التكليف - أصولاً وفرعاً - يعمّ الجاهل والعالم، ولكن فعلية التكليف بحيث تصحّ من المولى المؤاخذة عليه مشروط بإقامة الحجّة، ومن هنا فالمجتمعات التي غرقت في بحر الضلال ولم تصلهم الحجّة - لمنع الظالمين - مُستضعفة يشملها حكم المستضعفين
2) «عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: الله أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون، والله أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد». [الكافي: 1/ 160، ب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، ح14]
3) عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وضع عن أمتي تسع خصال: الخطاء، والنسيان، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، وما استكرهوا عليه، والطيرة، والوسوسة في التفكر في الخلق والحسد ما لم يظهر بلسان أو يد». [الكافي: 462/2، ب ما رفع عن الأمّة، ح 2]
ويرشدهم إلى ما فيه الصلاح، ويزجرهم عمّا فيه الفساد، والضرر عليهم، وسوء عاقبتهم، وإن علم أنّهم لا يطيعونه، لأنّ ذلك لطف، ورحمة بعباده، وهم يجهلون أكثر مصالحهم، وطرقها في الدنيا والآخرة، ويجهلون الكثير مما يعود عليهم بالضرر والخسران.
والله تعالى هو الرحمن الرحيم بنفس ذاته، وهو من كماله المطلق الذي هو عين ذاته ويستحيل أن ينفكّ عنه.
ولا يرفع هذا اللطف، وهذه الرحمة أن يكون العباد متمرّدين على طاعته، غير منقادين إلى أوامره ونواهيه.
ذهب قوم وهم (المجبّرة) إلى أنّه تعالى هو الفاعل لأفعال المخلوقين، فيكون قد أجبر الناس على فعل المعاصي، وهو مع ذلك يعذّبهم عليها، وأجبرهم على فعل الطاعات ومع ذلك يثيبهم عليها، لأنّهم يقولون: إنّ أفعالهم في الحقيقة أفعاله، وإنّما تنسب إليهم على سبيل التجوّز، لأنّهم محلّها، ومرجع ذلك إلى إنكار السببية الطبيعية بين الأشياء، وأنّه تعالى هو السبب الحقيقي لا سبب سواه.
وقد أنكروا السببية الطبيعية بين الأشياء إذ ظنوا أنّ ذلك هو مقتضى كونه تعالى هو الخالق الذي لا شريك له، ومن يقول بهذه المقالة فقد نسب الظلم إليه تعالى عن ذلك.
وذهب قوم آخرون وهم (المفوّضة) إلى أنّه تعالى فوّض الأفعال إلى المخلوقين، ورفع قدرته، وقضاءه، وتقديره عنها، باعتبار أنّ نسبة الأفعال إليه تعالى تستلزم نسبة النقص إليه، وإنّ للموجودات أسبابها الخاصّة وإن انتهت كلّها إلى مسبّب الأسباب، والسبب الأوّل وهو الله تعالى.
ومن يقول بهذه المقالة فقد أخرج الله تعالى من سلطانه، وأشرك غيره معه في الخلق.
واعتقادنا في ذلك تبع لما جاء عن أئمّتنا الأطهار علیهم السلام من الأمر بين الأمرين، والطريق الوسط بين القولين، الذي كان يعجز عن فهمه أمثال أولئك المجادلين من أهل الكلام، ففرّط منهم قوم، وأفرط آخرون.
ولم يكتشفه العلم والفلسفة إلّا بعد عدّة قرون، وليس من الغريب ممّن لم يطّلع على حكمة الأئمّة علیهم السلام، وأقوالهم أن يحسب أنّ هذا القول، وهو الأمر بين الأمرين من مكتشفات بعض فلاسفة الغرب المتأخّرين، وقد سبقه إليه أئمّتنا قبل عشرة قرون.
فقد قال إمامنا الصادق علیه السلام: لبيان الطريق الوسط كلمته المشهورة: «لا جبر، ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين»(1)، ما أجلّ هذا المغزى،
1) عن محمّد بن يحيى، عمّن حدّثه عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لا جبر ولا تفويض الله ولكن أمر بين أمرين
وما أدقّ معناه.
قال: قلت وما أمر بين أمرين؟
قال: مَثل ذلك: رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته، فتركته، ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية». [الكافي: 160/1، ب الاستطاعة، ح 13].
2- «عن بريد [يزيد بن] عمير بن معاوية الشامي قال: دخلت على علي بن موسى الرضا الرضا بمرو فقلت له: يا بن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمّد علیه السلام قال: إنّه لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين أمرين، فما معناه؟
قال: من زعم أنّ الله يفعل أفعالنا ثمّ يعذّبنا عليها فقد قال بالجبر، ومن زعم أنّ الله عزّوجلّ فوّض أمر الخلق، والرزق إلى حججه علیهم السلام فقد قال بالتفويض، والقائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك.
فقلت له: يا بن رسول الله، فما أمر بين أمرين؟
فقال: وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه.
فقلت له: فهل لله عزّوجلّ مشيّة وإرادة في ذلك؟
فقال: فأمّا الطاعات فإرادة الله ومشيّته فيها الأمر بها، والرضا لها، والمعاونة عليها، وإرادته ومشيّته في المعاصي النهي عنها، والسخط لها، والخذلان عليها.
قلت: فهل الله فيها القضاء؟
قال: نعم، ما من فعل يفعله العباد من خير أو شر إلّا ولله فيه قضاء.
قلت: ما معنى هذا القضاء؟
قال: الحكم عليهم بما يستحقّونه على أفعالهم من الثواب، والعقاب في الدنيا والآخرة». [ عيون أخبار الرضا: 2/ 114].
وخلاصته: أنّ أفعالنا من جهة هي أفعالنا حقيقة ونحن أسبابها الطبيعية، وهي تحت قدرتنا واختيارنا، ومن جهة أخرى هي مقدورة الله تعالى وداخلة في سلطانه، لأنّه هو مفيض الوجود ومعطيه، فلم يجبرنا على أفعالنا حتّى يكون قد ظلمنا في عقابنا على المعاصي لأنّ لنا القدرة والاختيار فيما نفعل، ولم يفوّض إلينا خلق أفعالنا حتّى يكون قد أخرجها عن سلطانه، بل له الخلق، والحكم، والأمر، وهو قادر على كلّ شيء، ومحيط بالعباد.
وعلى كلّ حال، فعقيدتنا أنّ القضاء والقدر سرّ من أسرار الله تعالى(1)، فمن استطاع أن يفهمه على الوجه اللآئق بلا إفراط ولا تفريط فذاك، وإلّا فلا يجب عليه أن يتكلّف فهمه، والتدقيق فيه؛ لئلّا يضلّ، وتفسد عليه عقيدته، لأنّه من دقائق الأمور، بل من أدقّ مباحث الفلسفة التي لا يدركها إلّا الأوحدي من الناس؛ ولذا زلّت به أقدام كثير من المتكلّمين.
فالتکلیف به تکلیف بما هو فوق مستوى مقدور الرجل العادي، ويكفي أن يعتقد به الإنسان على الإجمال إتّباعاً لقول الأئمة الأطهار من أنّه أمر بين الأمرين ليس فيه جبر ولا تفويض.
1) «وسُئل عن القدر فقال: طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسرّ الله فلا تتكلّفوه». [نهج البلاغة: 526، ينظر التوحيد: 365]
وليس هو من الأصول الاعتقادية حتّى يجب تحصيل الاعتقاد به على كلّ حال على نحو التفصيل والتدقيق.
البداء(1)
«عن عمرو بن عثمان الجهني، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إن الله لم يبد له من جهل». [الكافي: 1/ 148، ب في البداء، ح 10]
«عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله بالامس؟
قال: لا، من قال هذا فأخزاه الله.
قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس في علم الله؟
قال: بلى قبل أن يخلق الخلق». [الكافي: 12/ 148، ب في البداء، ح11]
في الانسان: أن يبدو له رأي في الشيء لم يكن له ذلك الرأي سابقاً، بأن يتبدّل عزمه في العمل الذي كان يريد أن يصنعه، إذ يحدث عنده ما يغيّر رأيه وعلمه ،به فيبدو له تركه بعد أن كان يريد فعله، وذلك1) بدا بمعنى ظهر [ينظر لسان العرب: 66/14]، وبداء على وزن سلام بمعنى الظهور، وهذا المعنى يكون في الإنسان بعد الخفاء، ومن هنا ظنّ المخالفون إنّنا ننسب الجهل إلى ساحة الحقّ تعالى ولكن البداء - عندنا - هو إظهار الباري لما خفي علينا، ومن هنا ورد ما يرفع الإشكال، ويبيّن الحال في البداء الذي تقول به الإمامية، ففي الخبر: «عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: ما بدا لله في شيء إلّا كان في لا علمه قبل أن يبدو له». [الكافي: 148/1، ب في البداء، ح 9]
عن جهل بالمصالح وندامة على ما سبق منه.
والبداء بهذا المعنى يستحيل على الله تعالى؛ لأنّه من الجهل والنقص، وذلك محال عليه تعالى، ولا تقول به الإمامية.
قال الصادق علیه السلام: «مَن زعم أنّ الله تعالى بدا له في شيء بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم»(1)، وقال أيضا: «مَن زعم أنّ الله بدا له في شيء ولم يعلمه أمس فأبرأ منه»(2)
ثمّ قال الشيخ الصدوق رحمه الله: «وإنّما البداء الذي ينسب إلى الإمامية القول به هو ظهور أمره، يقول العرب بدا لي شخص أي ظهر لي لا بدا ندامة، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، وكيف ينصّ الصادق علیه السلام على إسماعيل بالإمامة مع قوله فيه: إنّه عاصٍ لا يشبهني ولا يشبه أحداً من آبائي». [كمال الدين وتمام النعمة: 69]
.غير أنّه وردت عن أئمّتنا الأطهار علیهم السلام روايات توهم القول بصحّة الروايات البداء بالمعنى المتقدّم، كما ورد عن الصادق علیه السلام: «ما بدا الله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني»(3)، ولذلك نسب بعض المؤلّفين في الفرق الإسلامية إلى الطائفة الإمامية القول بالبداء، طعناً في المذهب وطريق آل البيت،
1) الاعتقادات في دين الإمامية: 41
2) «حدّثنا أبي رضی الله عنه عن محمّد بن يحيى العطّار، عن محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري قال: حدّثنا أبو عبد الله الرازي، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي، عن عمّار، عن أبي بصير، وسماعة، عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام قال: من زعم أنّ الله يبدو له في شيء اليوم لم يعلمه أمس فابرؤوا منه».
3) الاعتقادات في دين الإمامية: 41، ينظر التوحيد: 336
وجعلوا ذلك من جملة التشنيعات على الشيعة.
والصحيح في ذلك أن نقول كما قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد: «يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُنْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَبِ»(1).
ومعنى ذلك أنّه تعالى قد يظهر شيئاً على لسان نبيّه، أو وليّه، أو في ظاهر الحال لمصلحة تقتضي ذلك الإظهار، ثمّ يمحوه، فيكون غير ما قد ظهر أوّلاً، مع سبق علمه تعالى بذلك، كما في قصّة إسماعيل علیه السلام لمّا رأى أبوه إبراهيم علیه السلام أنّه يذبحه، فيكون معنى قول الإمام علیه السلام أنّه ما ظهر الله سبحانه أمر في شيء كما ظهر له في إسماعيل ولده إذ اخترمه قبله، ليعلم الناس أنّه ليس بإمام، وقد كان ظاهر الحال أنّه الإمام بعده؛ لأنّه أكبر ولده.
وقريب من البداء في هذا المعنى نسخ أحكام الشرائع السابقة بشريعة نبينا صلی الله علیه وآله وسلم، بل نسخ بعض الأحكام التي جاء بها نبيّنا صلی الله علیه وآله وسلم.
نعتقد أنّه تعالى جعل أحكامه من الواجبات، والمحرّمات وغيرهما طبقاً لمصالح العباد في نفس أفعالهم، فما فيه المصلحة الملزمة جعله واجباً، وما فيه المفسدة البالغة نهى عنه، وما فيه مصلحة راجحة ندبنا إليه، وهكذا في باقي الأحكام، وهذا من عدله، ولطفه بعباده.
1) سورة الرعد: 39
ولا بدّ أن يكون له في كلّ واقعة حكم، ولا يخلو شيء من الأشياء من حكم واقعي الله فيه وإن انسدّ علينا طريق علمه.
ونقول أيضاً: إنّه من القبيح أن يأمر بما فيه المفسدة، أو ينهى عمّا فيه المصلحة، غير أنّ بعض الفرق من المسلمين يقولون: إنّ القبيح ما نهى الله تعالى عنه، والحسن ما أمر به، فليس في نفس الأفعال مصالح، أو مفاسد ذاتية، ولا حسن أو قبح ذاتيان.
وهذا قول مخالف للضرورة العقلية، كما أنّهم جوّزوا أن يفعل الله تعالى القبيح، فيأمر بما فيه المفسدة، وينهى عمّا فيه المصلحة.
وقد تقدّم أنّ هذا القول فيه مجازفة عظيمة؛ وذلك لاستلزامه نسبة الجهل، أو العجز إليه سبحانه تعالى علوّاً كبيراً.
وللخلاصة: أنّ الصحيح في الاعتقاد أن نقول: إنّه تعالى لا مصلحة له، ولا منفعة في تكليفنا بالواجبات، ونهينا عن فعل ما حرّمه، بل المصلحة، والمنفعة ترجع لنا في جميع التكاليف، ولا معنى لنفي المصالح والمفاسد في الأفعال المأمور بها، والمنهي عنها، فإنّه تعالى لا يأمر عبثاً، ولا ينهى جزافاً، وهو الغنى عن عباده.
نعتقد أنّ (النبوّة) وظيفة إلهيّة، وسفارة ربّانية، يجعلها الله تعالى لمن ينتجبه ويختاره من عباده الصالحين، وأوليائه الكاملين في إنسانيّتهم، فيرسلهم إلى سائر الناس؛ لغاية إرشادهم إلى ما فيه منافعهم، ومصالحهم في الدنيا والآخرة، ولغرض تنزيههم، وتزكيتهم من درن مساوئ الأخلاق، ومفاسد العادات، وتعليمهم الحكمة، والمعرفة، وبيان طرق السعادة والخير، لتبلغ الإنسانية كمالها اللائق بها، فترتفع إلى درجاتها الرفيعة في الدارين، دار الدنيا، ودار الآخرة.
ونعتقد أنّ قاعدة اللطف - على ما سيأتي معناها - توجب أن يبعث الخالق اللطيف بعباده رسله لهداية البشر، وأداء الرسالة الإصلاحية، وليكونوا سفراء الله وخلفاءه.
كما نعتقد أنّه تعالى لم يجعل للناس حقّ تعيين النبيّ، أو ترشيحه، أو انتخابه، وليس لهم الخيرة في ذلك، بل أمر كلّ ذلك بيده تعالى؛ لأنّه «أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ»(1).
1) سورة الأنعام: 124
وليس لهم أن يتحكّموا فيمن يرسله هادياً، ومبشراً، ونذيراً، ولا أن يتحكّموا فيما جاء به من أحكام، وسنن، وشريعة(1).
إنّ الإنسان مخلوق غريب الأطوار، معقّد التركيب في تكوينه، وفي طبيعته، وفي نفسيته، وفي عقله، بل في شخصيّة كلّ فرد من أفراده، وقد اجتمعت فيه نوازع الفساد من جهة، وبواعث الخير والصلاح من جهة أخرى.
فمن جهة قد جبل على العواطف، والغرائز من حب النفس، والهوى، والأثرة، وإطاعة الشهوات، وفطر على حبّ التغلّب، والاستطالة، والاستيلاء على ما سواه، والتكالب على الحياة الدنيا، وزخارفها، ومتاعها كما قال تعالى: «إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ»(2)وَ«إِنَّ الْإِنسَنَ لَيَطْغَى أَن رَّاهُ أَسْتَغْى»(3)، و«إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ»(4)، إلى غير
1) فالأحكام كلّها توقيفية لا يُرجع فيها لأحد سوى الشارع المقدّس ومَن نصبهم لتبيان أحكامه وتبليغ شريعته، ومن هنا رفض الإمامية ما استساغه غيرهم من تغييرات في الشرع كتحريم المتعتين، والزيادة في الأذان وغير ذلك من تغييرات، بل رفضوا القياس والاستحسان وغيرها ممّا يفعله غيرهم قولاً في الشرع بغير علم، وتمسّك الإمامية بالهداة الأطهار المبلّغين رسالة الله تعالى
2) سورة العصر: 2
3) سورة العلق: 6 - 7
4) سورة يوسف: 53
ذلك من الآيات المصرّحة والمشيرة إلى ما جبلت عليه النفس الإنسانية من العواطف والشهوات.
ومن الجهة الثانية خلق الله تعالى فيه عقلاً هادياً يرشده إلى الصلاح ومواطن الخير، وضميراً وازعاً يردعه عن المنكرات والظلم، ويؤنبه على فعل ما هو قبيح ومذموم.
ولا يزال الخصام الداخلي في النفس الإنسانية مستعراً بين العاطفة والعقل، فمن يتغلّب عقله على عاطفته كان من الأعلين مقاماً، والراشدين في إنسانيتهم، والكاملين في روحانيتهم، ومن تقهره عاطفته كان من الأخسرين منزلة، والمتردّين إنسانية، والمنحدرين إلى رتبة البهائم.
وأشدّ هذين المتخاصمين مراساً على النفس هي العاطفة وجنودها، فلذلك تجد أكثر الناس منغمسين في الضلالة، ومبتعدين عن الهداية بإطاعة الشهوات وتلبية نداء العواطف، «وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ»(1)، على أنّ الإنسان لقصوره، وعدم اطّلاعة على جميع الحقائق، وأسرار الأشياء المحيطة به، والمنبثقة من نفسه لا يستطيع أن يعرف بنفسه كلّ ما يضرّه وينفعه، ولا كلّ ما يسعده ويشقيه، لا فيما يتعلّق بخاصّة نفسه، ولا فيما يتعلّق بالنوع الإنساني ومجتمعه ومحيطه، بل
1) سورة يوسف: 103
لا يزال جاهلاً بنفسه، ويزيد جهلاً أو إدراكا لجهله بنفسه كلّما تقدّم العلم عنده بالأشياء الطبيعية والكائنات المادية.
وعلى هذا فالإنسان في أشدّ الحاجة ليبلغ درجات السعادة إلى من يُنصب له الطريق اللآحب، والنهج الواضح إلى الرشاد، واتباع الهدى، لتقوى بذلك جنود العقل حتّى يتمكّن من التغلّب على خصمه اللدود اللجوج عندما يهيىء الإنسان نفسه لدخول المعركة الفاصلة بين العقل والعاطفة.
وأكثر ما تشتدّ حاجته إلى مَن يأخذ بيده إلى الخير والصلاح عندما تخادعه العاطفة، وتراوغه - وكثيراً ما تفعل - فتزيّن له أعماله وتحسن لنفسه انحرافاتها، إذ تريه ما هو حسن قبيحاً، أو ما هو قبيح حسناً، وتلبس على العقل طريقه إلى الصلاح، والسعادة، والنعيم، في وقت ليس له تلك المعرفة التي تميّز له كلّ ما هو حسن ونافع، وكلّ ما هو قبيح وضار، وكلّ واحد منّا صريع لهذه المعركة من حيث يدري ولا يدري، إِلَّا مَن عصمه الله.
ولأجل هذا يعسر على الإنسان المتمدّن المثقّف فضلاً عن الوحشي الجاهل أن يصل بنفسه إلى جميع طرق الخير والصلاح، ومعرفة جميع ما ينفعه ويضرّه في دنياه وآخرته فيما يتعلّق بخاصّة نفسه، أو بمجتمعه، ومحيطه، مهما تعاضد مع غيره من أبناء نوعه ممّن هو على شاكلته،
وتكاشف معهم، ومهما أقام بالاشتراك معهم المؤتمرات، والمجالس، والاستشارات.
فوجب أن يبعث الله تعالى في الناس رحمة لهم، ولطفاً بهم «رَسُولاً منْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَيْهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ»(1)، وينذرهم عمّا فيه فسادهم، ويبشّرهم بما فيه صلاحهم وسعادتهم.
إنّما كان اللطف من الله تعالى واجباً فلأنّ اللطف بالعباد من كماله المطلق، وهو اللطيف بعباده، الجواد، الكريم، فإذا كان المحلّ قابلاً ومستّعداً لفيض الجود واللطف فإنّه تعالى لا بدّ أن يفيض لطفه، إذ لا بخل في ساحة رحمته، ولا نقص في جوده وكرمه(2).
وليس معنى الوجوب - هنا - أنّ أحداً يأمره بذلك فيجب عليه أن يطيع تعالى عن ذلك، بل معنى الوجوب في ذلك هو كمعنى الوجوب في قولك: إنّه واجب الوجود أي اللزوم، واستحالة الانفكاك.
نعتقد أنه تعالى إذ ينصّب الخلقه هادياً ورسولاً لا بدّ أن يعرّفهم
بشخصه، ويرشدهم إليه بالخصوص على وجه التعيين، وذلك منحصر بأن ينصّب على رسالته دليلاً وحجّة يقيمها لهم، إتماماً للطف، واستكمالاً للرحمة، وذلك الدليل لا بدّ أن يكون من نوع لا يصدر إلّا من خالق الكائنات، ومدبّر الموجودات أي فوق مستوى مقدور البشر، فيجريه على يدي ذلك الرسول الهادي ليكون معرّفاً به، ومرشداً إليه.
وذلك الدليل هو المسمّى بالمعجز أو المعجزة؛ لأنّه يكون على وجه يعجز البشر عن مجاراته، والإتيان بمثله(1)
الأمر الأوّل: ما هو الاعجاز؟
عرّفه المحقّق الطوسي في التجريد ب«ثبوت ما ليس بمعتاد، أو نفي ما هو معتاد مع خرق العادة، ومطابقة الدعوى» [كشف المراد: 474].
وعلى هذا التعريف مدار كلماتهم فلا داعي لاستقصائها، ومتابعة قيودها.
الأمر الثاني: ظهور المعجز على يد مدّعي المنصب الإلهي دليل ظاهر على صحّة مدّعاه، وارتباطه بمولاه.
وفي المعجزة جانبان:
الأوّل: الجانب العقلي، فإنّ الإعجاز يعني خرق نظام الطبيعة، وهذا لا يمكن إلّا من خلال موجد الطبيعة وفق النظام الأكمل.
وليست المعجزة من نوع التصرّف في المادّة، واكتشاف قوانينها الفيزيائية والكيميائية المتعارفة، بل هو خروج عن طاقة البشر في ما هو المحصَّل منها، نعم، أنّ الانتقال السريع في الأرض، أو الصعود إلى السماء - مثلاً - يكون معجزاً في ظرف لا يعرف الإنسان أسرع من الدوابّ، أمّا اليوم فلا، ولكن هذا في حدّ نفسه إعجاز لا من جهة سرعة الانتقال، بل من حيث توفّر المعجزة على تلك المعلومة، وتطبيقها في عصر أبعد ما يكون عنها.
ثمّ لا بدّ من التنبيه إلى أنّ فعل المعجز لم يكن بالوسائط المؤدّية إلى نفس النتيجة التي توصّل إليها العلم في حراكه التطوّري عبر القرون، ومن هنا يكون - مثلاً - وصول الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم إلى بيت المقدّس، أو وصول الإمام أمير المؤمنين علیه السلام إلى سلمان في المدائن معجزاً لكن لا من باب الوصول السريع، وقطع المسافة ضمن القانون الطبيعي، بل حصل هنا أمران:
أولاً: سرعة الانتقال، مع عدم وجود آلة له آنذاك، بحيث أنّ العلم لا يعرف إلى اليوم وسيلة الانتقال تلك.
ثانياً: نفس الحصول على المعلومة، وإن كان التوصّل إليها بعد ألف أو ألفين أو عشرة ألآف سنة ضمن الحركة العلمية المادّية ممكناً، لكن ذلك الحصول يكون خارجاً عن النظام، بينما الحصول اليوم أو غداً يكون ضمن النظام.
الجانب الآخر: الجانب النفسي، فالمعجزة حالة مُدركة بالحسّ والوجدان، فيكون تأثيرها النفسي كبيراً جداً.
ولاجتماع الأمرين العقلي والنفسي لا يبقى مجال لإنكار المنكرين، إلّا العناد، والتمرّد على المولى الجواد.
ومن هذا يظهر أنّ الإعجاز إنّما هو إثارة للعقول، وليس سباتاً لها.
وأمّا ما دلّ على أنّ الآيات والمعجزات ليست بيد النبيّ، ولا باقتراح المشركين فإنّه صحيح، لكنّه تعالى لم يبعث نبيّاً دون معجزة، بل معاجز، والقرآن الكريم نصّ على ذلك بما لا يُبقي شكّاً إِلَّا لمن في قلبه مرض
.1) يحسن هنا بيان أمرين:
وكما أنّه لا بدّ للنبي من معجزة يظهر بها للناس؛ لإقامة الحجّة عليهم فلا بدّ أن تكون تلك المعجزة ظاهرة الإعجاز بين الناس على وجه يعجز عنها العلماء، وأهل الفنّ في وقته، فضلاً عن غيرهم من سائر الناس، مع اقتران تلك المعجزة بدعوى النبوّة منه لتكون دليلاً على مدّعاه، وحجّة بين يديه.
فإذا عجز عنها أمثال أولئك عُلم أنها فوق مقدور البشر، وخارقة للعادة، فيُعلم أنّ صاحبها فوق مستوى البشر بما له من ذلك الاتّصال الروحي بمدبّر الكائنات، وإذا تمّ ذلك لشخص من ظهور المعجز الخارق للعادة، وادّعى مع ذلك النبوّة والرسالة، يكون حينئذ موضعاً لتصديق الناس بدعواه، والإيمان برسالته، والخضوع لقوله وأمره، فيؤمِن به من يؤمِن، ويكفر به من يكفر.
ولأجل هذا وجدنا أنّ معجزة كلّ نبي تناسب ما يشتهر في عصره من العلوم والفنون، فكانت معجزة موسى علیه السلام هي العصا التي تلقف السحر وما يأفكون، إذ كان السحر في عصره فنّاً شائعاً، فلمّا جاءت العصا بطل ما كانوا يعملون، وعلموا أنّها فوق مقدورهم، وأعلى من فنّهم، وأنّها ممّا يعجز عن مثله البشر، ويتضاءل عندها الفنّ والعلم، وكذلك كانت معجزة عيسى علیه السلام، وهي إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، إذ جاءت في وقت كان فنّ الطبّ هو السائد بين الناس، وفيه علماء، وأطبّاء
لهم المكانة العليا، فعجز علمهم عن مجاراة ما جاء به عيسى علیه السلام.
ومعجزة نبيّنا الخالدة هي القرآن الكريم، المعجز ببلاغته، وفصاحته، في وقت كان فنّ البلاغة معروفاً، وكان البلغاء هم المقدّمون عند الناس بحسن بيانهم، وسموّ فصاحتهم، فجاء القرآن كالصاعقة أذلّهم، وأدهشهم، وأفهمهم أنّهم لا قِبل لهم به، فخنعوا له مهطعين عندما عجزوا عن مجاراته، وقصروا عن اللحاق بغباره.
ويدلّ على عجزهم أنّه تحدّاهم بإتيان عشر سور مثله، فلم يقدروا، ثم تحدّاهم أن يأتوا بسورة من مثله فنكصوا.
ولمّا علمنا عجزهم عن مجاراته مع تحدّيه لهم، وعلمنا لجوءهم إلى المقاومة بالسنان دون اللسان - علمنا أنّ القرآن من نوع المعجز، وقد جاء به محمّد بن عبد الله مقروناً بدعوى الرسالة، فعلمنا أنّه رسول الله، جاء بالحقّ، وصدّق به صلی الله علیه وآله وسلم.
ونعتقد أنّ الأنبياء معصومون قاطبة، وكذلك الأئمّة عليهم جميعاً التحيات الزاكيات، وخالفنا في ذلك بعض المسلمين، فلم يوجبوا العصمة في الأنبياء فضلاً عن الأئمّة.
والعصمة: هي التنزّه عن الذنوب والمعاصي، صغائرها وكبائرها،
وعن الخطأ والنسيان(1)
والعصمة في التبليغ ممّا يحتّمه العقل؛ إذ من المستقبح إرسال رسول، وإقامة حجّة يخطيء في أداء الرسالة، وبيان الحجّة، والله تعالى قادر على التسديد.
لكن الدليل العقلي لا يفي بامتداد العصمة إلى مساحة أكبر من التبليغ، ولكنّنا نعتقد بتلك المساحة الواسعة حيث تشمل العصمة جميع حياة وأفعال النبيّ والإمام علیهما السلام تبعاً للادلّة النقلية القطعية، ومنها آية التطهير
، وإن لم يمتنع عقلاً على النبيّ أن يصدر منه ذلك، بل يجب أن يكون منزّهاً حتّى عمّا ينا في المروّة، كالتبذّل بين الناس من أكل في الطريق، أو ضحك عال، وكلّ عمل يستهجن فعله عند العرف العامّ.والدليل على وجوب العصمة: أنّه لو جاز أن يفعل النبيّ المعصية أو يخطأ وينسى، وصدر منه شيء من هذا القبيل، فأمّا أن يجب اتّباعه في فعله الصادر منه عصياناً أو خطأ، أو لا يجب، فإن وجب اتّباعه فقد جوّزنا فعل المعاصي برخصة من الله تعالى، بل أو جبنا ذلك، وهذا باطل بضرورة الدين العقل، وإن لم يجب اتّباعه فذلك ينافي النبوّة التي لا بدّ أن تقترن بوجوب الطاعة أبداً، على أنّ كلّ شيء يقع منه من فعل، أو قول فنحن نحتمل فيه المعصية، أو الخطأ فلا يجب اتّباعه في شيء من الأشياء فتذهب
1) العصمة: وهي المنع، فالمعصوم منعه الله تعالى من ارتكاب المعاصي، ومن الخطأ، والسهو، والنسيان بما منحه من علم وصفاء في النفس، وتسديد خاصّ، والعصمة - عند الإمامية - تشمل جميع عمر النبي، أو الإمام علیه السلام، كما تكون شاملة لجميع أفعاله.
فائدة البعثة، بل يصبح النبيّ كسائر الناس، ليس لكلامهم، ولا لعملهم تلك القيمة العالية التي يعتمد عليها دائماً، كما لا تبقى طاعة حتمية لأوامره، ولا ثقة مطلقة بأقواله وأفعاله.
وهذا الدليل(1)على العصمة يجري عيناً في الإمام؛ لأنّ المفروض فيه أنّه منصوب من الله تعالى لهداية البشر خليفة للنبي على ما سيأتي في فصل الإمامة.
ونعتقد أنّ النبيّ كما يجب أن يكون معصوماً يجب أن يكون متّصفاً بأكمل الصفات الخلقية، والعقلية، وأفضلها من نحو: الشجاعة، والسياسة، والتدبير، والصبر، والفطنة، والذكاء، حتّى لا يدانيه بشر سواه فيها؛ لأنّه لو لا ذلك لما صحّ أن تكون له الرئاسة العامّة على جميع الخلق، ولا قوّة إدراة العالم كله.
كما يجب أن يكون طاهر المولد، أميناً، صادقاً، منزّهاً عن الرذائل قبل بعثته أيضاً؛ لكي تطمئنّ إليه القلوب وتركن إليه النفوس، بل لكي يستحقّ هذا المقام الإلهي العظيم.
1) وهو الدليل العقلي الذي بيّنه الشيخ المؤلّف رحمه الله، وقد تقدّم أنّه لا يفي بجميع مساحة العصمة في عقيدة الشيعة، فراجع التعليقة السابقة
نؤمن على الإجمال بأنّ جميع الأنبياء والمرسلين(1)على حقّ، كما نؤمن بعصمتهم وطهارتهم، وأمّا إنكار نبوتهم، أو سبّهم، أو الاستهزاء بهم فهو من الكفر والزندقة؛ لأنّ ذلك يستلزم إنكار نبيّنا الذي أخبر عنهم وصدّقهم.
أمّا المعروفة أسماؤهم، وشرائعهم كآدم، ونوح، وإبراهيم، وداود، وسليمان، وموسى، وعيسى وسائر من ذكرهم القرآن الكريم بأعيانهم، فيجب الإيمان بهم على الخصوص، ومن أنكر واحداً منهم فقد أنكر الجميع، وأنكر نبوّة نبينا بالخصوص.
وكذلك يجب الإيمان بكتبهم وما نزل عليهم.
وأمّا التوراة، والإنجيل(2)الموجودان الآن بين أيدي الناس فقد ثبت
1) وعددهم - على المشهور الوارد به النصّ - مائة وأربعة وعشرون ألف نبيّ، منهم ثلاث مائة وثلاثة عشر رسولاً
2) ورد في النصوص الإسلامية أنّ الإنجيل هو احد الكتب المنزلة من الله تعالى على نبيّه عيسى على نبينا وآله وعليه السلام، ولكن الموجود اليوم هو عدّة أناجيل، الموجود المعترف به من قبل الكنيسة أربعة أناجيل يقولون: إنّ التلامذة الأربعة كتبوها لتكون قصّة عيسى، ولا يدّعون أنّها كتاب منزّل من الله تعالى، وفي ما وصلوا إليه ضياع للحقيقة وتعمية عليها، ومنه نعرف مدى ما تعرّضت له المسيحية من تغيير وتبديل
أنّهما محرّفان عمّا أنزلا، بسبب ما حدث فيهما من التغيير، والتبديل، والزيادات والإضافات بعد زماني موسى وعيسى علیهما السلام بتلاعب ذوي الأهواء والأطماع، بل الموجود منهما أكثره أو كلّه موضوع بعد زمانهما من الأتباع والأشياع.
نعتقد أنّ الدين عند الله الإسلام، وهو الشريعة الإلهية الحقّة التي هي خاتمة الشرائع، وأكملها، وأوفقها في سعادة البشر، وأجمعها لمصالحهم في دنياهم وآخرتهم، وصالحة للبقاء مدى الدهور والعصور، لا تتغيّر، ولا تتبدّل، وجامعة لجميع ما يحتاجه البشر من النظم الفردية، والاجتماعية، والسياسية.
ولمّا كانت خاتمة الشرائع، ولا نترقب شريعة أخرى تُصلح هذا البشر المنغمس بالظلم والفساد فلا بدّ أن يأتي يوم(1)يقوى فيه الدين الإسلامي فيشمل المعمورة بعدله وقوانينه.
ولو طبّقت الشريعة الإسلامية بقوانينها في الأرض تطبيقاً كاملاً صحيحاً، لعمّ السلام بين البشر، وتمّت السعادة لهم، وبلغوا أقصى ما
1) وهو اليوم الذي وعدنا به الله تعالى في القران الكريم: «وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ» [سورة القصص: 5]، وهو يوم غلبة الحق على الباطل بظهور الخلف الحجّة ابن الحسن علیهما السلام
يحلم به الإنسان من الرفاه، والعزّة، والسعة، والدعة، والخلق الفاضل، ولانقشع الظلم من الدنيا، وسادت المحبّة والإخاء بين الناس أجمعين، ولانمحى الفقر والفاقة من صفحة الوجود.
وإذا كنّا نشاهد اليوم الحالة المخجلة، والمزرية عند الذين يسمّون أنفسهم بالمسلمين، فلأنّ الدين الإسلامي في الحقيقة لم يطبّق بنصّه وروحه، ابتداء من القرن الأوّل من عهودهم، واستمرّت الحال بنا - نحن الذين سمّينا أنفسنا بالمسلمين - من سيء إلى أسوأ إلى يومنا هذا، فلم يكن التمسّك بالدين الإسلامي هو الذي جرّ على المسلمين هذا التأخّر المشين، بل بالعكس، إنّ تمرّدهم على تعاليمه، واستهانتهم بقوانينه، وانتشار الظلم والعدوان فيهم من ملوكهم إلى صعاليكهم، ومن خاصّتهم إلى عامّتهم هو الذي شلّ حركة تقدّمهم، وأضعف قوّتهم، وحطّم معنوياتهم، وجلب عليهم الويل والثبور، فأهلكهم الله تعالى بذنوبهم «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيْرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ»(1)، تلك سنّة الله في خلقه «إنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ»(2)، «وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ»(3)، «وَكَذَلِكَ أَخَذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ
ظَلِمَةُ إِنَّ أَخَذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ»(1).
وكيف يُنتظر من الدين أن ينتشل الأمّة من وهدتها وهو عندها حبر على ورق؟! لا يُعمل بأقلّ القليل من تعاليمه.
إنّ الإيمان، والأمانة، والصدق، والإخلاص، وحسن المعاملة، والإيثار، وأن يحبّ المسلم لأخيه ما يحبّ لنفسه وأشباهها من أوّل أسس دين الإسلام، والمسلمون قد ودّعوها من قديم أيامهم إلى حيث نحن الآن.
وكلّما تقدّم بهم الزمن وجدناهم أشتاتاً، وأحزاباً، وفرقاً، يتكالبون على الدنيا، ويتطاحنون على الخيال، ويكفّر بعضهم بعضاً بالآراء غير المفهومة، أو الأمور التي لا تعنيهم، فانشغلوا عن جوهر الدين، وعن مصالحهم ومصالح مجتمعهم بأمثال النزاع في خلق القرآن، والقول بالوعيد والرجعة، وأنّ الجنّة والنار مخلوقتان أو سيخلقان، ونحو هذه النزاعات التي أخذت منهم بالخناق، وكفّر بها بعضهم بعضاً، وهي إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على انحرافهم عن سنن الجادّة المعبّدة لهم، إلى حيث الهلاك والفناء.
وزاد الانحراف فيهم بتطاول الزمان حتّى شملهم الجهل والضلال، وانشغلوا بالتوافه والقشور، وبالأتعاب والخرافات، والأوهام،
1) سورة هود: 102
وبالحروب، والمجادلات، والمباهاة، فوقعوا بالأخير في هاوية لا قعر لها، يوم تمكّن الغرب المتيقّظ - العدو اللدود للإسلام - من أنّ يستعمر هذه البقاع المنتّسبة إلى الإسلام، وهي في غفلتها وغفوتها، فيرمي بها في هذه الهوّة السحيقة، ولا يعلم إلّا الله تعالى مداها ومنتهاها «وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ»(1).
ولا سبيل للمسلمين اليوم وبعد اليوم إلّا أن يرجعوا إلى أنفسهم فيحاسبوها على تفريطهم، وينهضوا إلى تهذيب أنفسهم والأجيال الآتية بتعاليم دينهم القويمة، ليمحوا الظلم والجور من بينهم.
وبذلك يتمكّنون من أن ينجوا بأنفسهم من هذه الطامّة العظمى، ولا بدّ بعد ذلك أن يملؤا الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلما وجوراً، كما وعدهم الله تعالى ورسوله، وكما هو المترقب من دينهم الذي هو خاتمة الأديان، ولا رجاء في صلاح الدنيا وإصلاحها بدونه.
ولا بدّ من إمام ينفي عن الإسلام ما علق فيه من أوهام، وألصق فيه من بدع وضلالات، وينقذ البشر وينجيهم ممّا بلغوا إليه من فساد شامل، وظلم دائم، وعدوان مستمر، واستهانة بالقيم الأخلاقية، والأرواح البشرية عجل الله تعالی فرجه الشریف.
1) سورة هود: 117
نعتقد أنّ صاحب الرسالة الإسلامية هو محمّد بن عبد الله، وهو خاتم النبيّين، وسيّد المرسلين، وأفضلهم على الإطلاق، كما أنّه سيّد البشر جميعاً، لا يوازيه فاضل في فضل، ولا يدانيه أحد في مكرمة، ولا يقاربه عاقل في عقل، ولا يشبهه شخص في خلق، وأنّه لعلى خلق عظيم، ذلك من أوّل نشأة البشر إلى يوم القيامة.
نعتقد أنّ القرآن هو الوحي الإلهي المنزل من الله تعالى على لسان نبيّه الأكرم، فيه تبيان كلّ شيء، وهو معجزته الخالدة التي أعجزت البشر عن مجاراتها، في البلاغة، والفصاحة، وفيما احتوى من حقائق ومعارف عالية، لا يعتريه التبديل، والتغيير، والتحريف، وهذا الذي بين أيدينا نتلوه هو نفس القرآن المنزّل على النبيّ، ومن ادّعى فيه غير ذلك فهو مخترق، أو مغالط، أو مشتبه، وكلّهم على غير هدى، فإنّه كلام الله الذي «لَا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ»(1).
ومن دلائل إعجازه: أنّه كلّما تقدّم الزمن، وتقدّمت العلوم والفنون، فهو باق على طراوته وحلاوته، وعلى سمّو مقاصده وأفكاره، ولا يظهر
1) سورة فصلت: 42
فيه خطأ في نظرية علمية ثابتة(1)
لكنّه لم يخلوا من معلومات علمية، ولا شكّ أنّه أشار إلى بعض المعلومات التي اكتشفت في العصور الأخيرة، منسجماً تمام الانسجام مع العلم الحديث.
كما لا شكّ أنّه خالف بعض النظريات العلمية، وهنا جرى - وما يزال - صراع بين من آمن بالقران كتاباً من وحي السماء، معصوماً عن الخطأ، محفوظا عن التلاعب، وبين من بهرته تلك النظريات، فصرنا نسمع بالاعتراضات على الكتاب العزيز، وأنّه لا يوافق العلم الحديث، أو أنّه مبني على خرافات تلك الأزمنة، وغير ذلك
، ولا يتحمّل نقض حقيقة فلسفية يقينية(2)، على العكس من كتب العلماء وأعاظم الفلاسفة مهما بلغوا في منزلتهم العلمية ومراتبهم الفكرية، فإنّه يبدو بعض منها على الأقلّ تافهاً، أو نابياً، أو مغلوطاً، كلّما تقدّمت الأبحاث العلمية، وتقدّمت العلوم بالنظريات المستحدثة، حتّى من مثل أعاظم فلاسفة اليونان كسقراط، وإفلاطون، وأرسطو الذين اعترف لهم جميع من جاء بعدهم بالأبوّة العلمية، والتفوّق الفكري.1) لا شكّ أنّ القران الكريم هو كتاب الله تعالى، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل العزيز الحكيم، وهو كتاب الله المعجز للبشر أن يأتوا بسورة من مثله، والهدف من القرآن هو الدلالة إلى طريق الحقّ، ورسم منهاج الحياة، وإيصال رسالة السماء إلى الإنسان، وليس القرآن كتاباً علمياً معدّاً للنظريات العلمية، بل هو كتاب هداية لمن اتبعه «ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ» [سورة البقرة: 2].
2) بعض ما تخيّلته الفلسفة يقيناً مناف للدين بلا إشكال كقدم العالم، وذاتية الإرادة، ووحدة الوجود وغيرها
ونعتقد أيضاً بوجوب احترام القرآن الكريم، وتعظيمه بالقول والعمل، فلا يجوز تنجيس كلماته حتّى الكلمة الواحدة المعتبرة جزأ منه على وجه يقصد أنّها جزء منه، كما لا يجوز لمن كان على غير طهارة أن يمسّ كلماته أو حروفه «لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ»(1)، سواء كان مُحدِثاً بالحدث الأكبر كالجنابة، والحيض والنفاس وشبهها، أو مُحدِثاً بالحدث الأصغر حتّى النوم، إلّا إذا اغتسل أو توضّأ على التفاصيل التي تُذكر في الكتب الفقهية.
كما أنّه لا يجوز إحراقه، ولا يجوز توهينه بأيّ ضرب من ضروب التوهين الذي يُعدّ في عرف الناس توهيناً، مثل: رميه، أو تقذيره، أو سحقه بالرجل، أو وضعه في مكان مستحقر، فلو تعمّد شخص توهينه، وتحقيره بفعل واحد من هذه الأمور وشبهها فهو معدود من المنكرين للإسلام وقدسيته، المحكوم عليهم بالمروق عن الدين، والكفر بربّ العالمين.
لو خاصمنا أحد في صحّة الدين الإسلامي(2)، نستطيع أن نخصمه
بإثبات المعجزة الخالدة له، وهي القرآن الكريم على ما تقدّم من وجه إعجازه، وكذلك هو طريقنا لإقناع نفوسنا عند ابتداء الشكّ والتساؤل اللَذين لا بدّ أن يمرّا على الإنسان الحرّ في تفكيره عند تكوين عقيدته أو تثبيتها.
أمّا الشرائع السابقة كاليهودية والنصرانية، فنحن قبل التصديق بالقرآن الكريم، أو عند تجريد أنفسنا عن العقيدة الإسلامية - لا حجّة لنا لإقناع نفوسنا بصحّتها، ولا لإقناع المشكّك المتسائل، إذ لا معجزة باقية لها كالكتاب العزيز، وما ينقله أتباعها من الخوارق معاجز للأنبياء السابقين فهم متّهمون في نقلهم لها، أو حكمهم عليها.
وليس في الكتب الموجودة بين أيدينا المنسوبة إلى الأنبياء كالتوراة والإنجيل ما يصلح أن يكون معجزة خالدة تصحّ أن تكون حجّة قاطعة، ودليلاً مقنعاً في نفسها قبل تصديق الإسلام لها.
منها: ما ذكره المؤلّف رحمه الله وهو القرآن الكريم.
ومنها: أنّه جاء بشريعة كاملة مفصّلة، لا يمكن أن تكون نتاج تلك الحقبة المتخلّفة حتّى في أرقى حضاراتها، فإنّها تفرق عن ما جاء به النبي صلی الله علیه وآله وسلم كثيراً.
ومنها: إيمان أسرته به رغم أنّهم من أعاظم الإنسانية، لا تطاولهم الرجال في فضل، حووا من كلّ مكرمة أسناها، ووصلوا في كلّ فضيلة غايتها ومبتغاها، ولم ينتفعوا - دنيوياً - بتلك النبوّة، بل قاسوا أشدّ البلاء، وأعظم المحن، تثبيتاً لتلك الحقيقة التي آمنوا بها.
وإنّما صحّ لنا - نحن المسلمين - أن نعتقد ونصدّق بنبوّة أهل الشرائع السابقة فلأنّا بعد تصديقنا بالدين الإسلامي كان علينا أن نصدّق بكلّ ما جاء به وصدّقه، ومن جملة ما جاء به وصدّقة نبوّة جملة من الأنبياء السابقين على نحو ما مرّ ذكره.
وعلى هذا فالمسلم في غنى عن البحث والفحص عن صحّة الشريعة النصرانية، وما قبلها من الشرائع السابقة بعد اعتناقه الإسلام؛ لأنّ التصديق به تصديق بها، والإيمان به إيمان بالرسل السابقين والأنبياء المتقدّمين، فلا يجب على المسلم أن يبحث عنها ويفحص عن صدق معجزات أنبيائها، لأنّ المفروض أنّه مسلم قد آمن بها بإيمانه بالإسلام وكفى.
نعم، لو بحث الشخص عن صحّة الدين الإسلامي فلم تثبت له صحّته، وجب عليه عقلاً - بمقتضى وجوب المعرفة والنظر - أن يبحث عن صحّة دين النصرانية، لأنّه هو آخر الأديان السابقة على الإسلام، فإن فحص ولم يحصل له اليقين به أيضاً وجب عليه أن ينتقل فيفحص عن آخر الأديان السابقة عليه، وهو دين اليهودية حسب الفرض، وهكذا ينتقل في الفحص حتّى يتمّ له اليقين بصحة دين من الأديان، أو يرفضها جميعاً.
وعلى العكس فيمن نشأ على اليهودية أو النصرانية، فإنّ اليهودي لا
يغنيه اعتقاده بدينه عن البحث عن صحّة النصرانية والدين الإسلامي، بل يجب عليه النظر والمعرفة بمقتضى حكم العقل.
وكذلك النصراني ليس له أن يكتفي بإيمانه بالمسيح علیه السلام، بل يجب أن يبحث ويفحص عن الإسلام وصحّته، ولا يُعذر في القناعة بدينه من دون بحث وفحص، لأنّ اليهودية وكذا النصرانية لا تنفي وجود شريعة لاحقة لها، ناسخة لأحكامها.
ولم يقل موسى، ولا المسيح علیهما السلام أنّه لا نبي بعدي(1)
2- «قال صلی الله علیه وآله وسلم وقد حشده المهاجرون والأنصار، وانغصّت بهم المحافل: أيّها الناس، إنّ علياً منّي كهارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي». [الكافي: 26/8، خطبة الوسيلة].
3- «عن فرات القزّاز قال: سمعت أبا حازم قال: قاعدت أبا هريرة... خمس سنين، فسمعته يحدّث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: كانت بنو اسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلّما هلك نبيّ خلفه نبيّ، وأنّه لا نبيّ بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون». [صحيح البخاري: 144/4].
4- «عن سعد ابن أبي وقّاص قال: خلّف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله، تخلّفني في النساء والصبيان، فقال: أما ترضى أنّ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبيّ بعدي». [صحيح مسلم: 7/ 120]
.1) 1- «عن أبي أميّة يوسف بن ثابت بن أبي سعيد، قال: قال أبو عبد الله علیه السلام: أن تكونوا وحدانيين فقد كان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وحدانياً، يدعو الناس فلا يستجيبون له، وقد كان أوّل من استجاب له علي بن أبي طالب علیه السلام، وقد قال له رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: أنت منّى بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي». [المحاسن: 159/1].
فكيف يجوز لهؤلاء النصارى واليهود أن يطمئنّوا إلى عقيدتهم، ويركنوا إلى دينهم قبل أن يفحصوا عن صحّة الشريعة اللاحقة لشريعتهم كالشريعة النصرانية بالنسبة إلى اليهود، والشريعة الإسلامية بالنسبة إلى اليهود والنصارى، بل يجب بحسب فطرة العقول أن يفحصوا عن صحّة هذه الدعوى اللآحقة، فإن ثبتت لهم صحّتها انتقلوا في دينهم إليها، وإلّا صحّ لهم في شريعة العقل حينئذ البقاء على دينهم القديم والركون إليه.
أمّا المسلم - كما قلنا - فإنّه إذا اعتقد بالإسلام لا يجب عليه الفحص لا عن الأديان السابقة على دينه، ولا عن اللاحقة التي تدّعى.
أمّا السابقة فلأنّ المفروض أنّه مصدّق بها فلماذا يطلب الدليل عليها؟ وإنّما فقط قد حُكم له بأنّها منسوخة بشريعته الإسلامية، فلا يجب عليه العمل بأحكامها ولا بكتبها.
وأمّا اللاحقة فلأنّ نبيّ الإسلام محمّد صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا نبيّ بعدي»(1)، وهو الصادق الأمين كما هو المفروض، لا «يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْى يُوحَى»(2)، فلماذا يطلب الدليل على صحّة دعوى النبوّة المتأخّرة إن ادّعاها مدّع؟
نعم، على المسلم - بعد تباعد الزمان عن صاحب الرسالة، واختلاف المذاهب والآراء، وتشعّب الفرق والنحل - أن يسلك الطريق الذي يثق فيه أنّه يوصله إلى معرفة الأحكام المنزلة على محمّد صاحب الرسالة؛ لأنّ المسلم مكلّف بالعمل بجميع الأحكام المنزلة في الشريعة كما أنزلت، ولكن كيف يعرف أنّها الأحكام المنزلة كما أنزلت، والمسلمون مختلفون، والطوائف متفرّقة، فلا الصلاة واحدة، ولا العبادات متّفقة، ولا الأعمال في جميع المعاملات على وتيرة واحدة! فماذا يصنع؟ بأيّة طريقة من الصلاة - إذن - يصلّي؟ وبأيّة شاكلة من الآراء يعمل في عباداته ومعاملاته كالنكاح، والطلاق، والميراث، والبيع، والشراء، وإقامة الحدود، والديّات وما إلى ذلك؟
ولا يجوز له أن يقلّد الآباء، ويستكين إلى ما عليه أهله وأصحابه، بل لا بدّ أن يتيقّن بينه وبين نفسه، وبينه وبين الله تعالى، فإنّه لا مجاملة هنا، ولا مداهنة، ولا تحيّز، ولا تعصّب، نعم، لا بدّ أن يتيقّن بأنّه قد أخذ بأمثل الطرق التي يعتقد فيها بفراغ ذمّته بينه وبين الله من التكاليف المفروضة عليه منه تعالى، ويعتقد أنّه لا عقاب عليه، ولا عتاب منه تعالى باتِّباعها، وأخذ الأحكام منها.
ولا يجوز أن تأخذه في الله لومة لائم «أَيَحْسَبُ الإِنسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى»(1)،
1) سورة القيامة: 36
«بَلِ الإِنسَنُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَهُ»(1)، «إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا»(2)، وأوّل ما يقع التساؤل فيما بينه وبين نفسه أنّه هل يأخذ بطريقة آل البيت، أو يأخذ بطريقه غيرهم؟
وإذا أخذ بطريقة آل البيت، فهل الطريقة الصحيحة طريقة الإمامية الاثنى عشرية(3)
ودليلنا على وجوب اتّباعهم: هو ما دلّنا عليه الحديث الشريف الذي اتّفق على روايته المسلمون - أعني حديث الثقلين - قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «يا أيّها الناس، إنّي تارك فيكم الثقلين، أمّا إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا على الحوض». [ينظر: بصائر الدرجات: 433، و 434، قرب الإسناد: 7، الكافي: 1/ 209، ب ما فرض الله عزّوجلّ ورسوله صلی الله علیه وآله وسلم من الكون مع الأئمّة علیهم السلام، ح 6، و 3/ 423، ب أدنى ما يكون به العبد مؤمناً أو كافراً أو ضالّاً، ح 1، عيون أخبار الرضا علیه السلام: 1/ 34، و 68 و 2/ 60، كفاية الأثر: 87، ورواه العامّة في كتبهم المعروفة منها مسند أحمد: 14/3، 17/3، 371/4، سنن الدارمي: 2 / 431، سنن الترمذي: 5 / 328]
، أو طريقة من سواهم من الفرق الأخرى؟ثمّ إذا أخذ بطريقة أهل السنّة، فمن يقلّد من المذاهب؟ الأربعة، أو من غيرهم من المذاهب المندرسة؟ هكذا يقع التساؤل لمن أعطي الحرية في التفكير والاختيار، حتّى يلتجيء من الحقّ إلى ركن وثيق.
ولأجل هذا وجب علينا - بعد هذا - أن نبحث عن الإمامة، وأن نبحث عمّا يتبعها في عقيدة الإمامية الاثنى عشرية.
نعتقد أنّ الإمامة أصل من أصول الدين(1)
قسّم علماء الكلام العقائد إلى أصول الدين، وعقائد فرعية، والضابط لتكون المسألة أصولية هو أنّ الدين ينهدم ولا تحصل جدوى منه إلّا بتحقّقها؛ لأنّها عامل أساسي في صيرورة الإنسان مسلماً، ولتحقيق فعالية الدين فكرياً كمنظومة لها أبعادها العملية، لذا نجد أن التوحيد أو النبوة من أصول الدين، حيث لا معنى لبقاء الإسلام دونهما، حيث شكّلا مرتكزاً أساسياً في الفكر الإسلامي، يحدّدان مسار الإنسان عند وصوله إلى مفترق طرق مع من يدّعي غير ذلك، ومن هنا فالإمامة أصل أصيل للدين الإسلامي، حيث تفترق الأمّة إلى مشارب مختلفة، لا وضوح في تحديد المسار فيها إلّا بتحديد الموقف من الإمامة، ولمّا كان ما تقوله الشيعة في الإمامة وأنّها الحافظة للدين الحقّ بعد الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم فهي إذن من أصول الدين
، لا يتمّ الإيمان إلّا بالاعتقاد بها، ولا يجوز فيها تقليد الآباء والأهل والمربّين، مهما عظموا وكبروا، بل يجب النظر فيها كما يجب النظر في التوحيد والنبوّة.وعلى الأقلّ أنّ الاعتقاد بفراغ ذمّة المكلّف من التكاليف الشرعية
1) ما هو الضابط لتكون العقيدة أصلا من أصول الدين؟
المفروضة عليه يتوقّف على الاعتقاد بها إيجاباً أو سلباً، فإذا لم تكن أصلاً من الأصول لا يجوز فيها التقليد؛ لكونها أصلاً، فإنّه يجب الاعتقاد بها من هذه الجهة أي من جهة أنّ فراغ ذمّة المكلّف من التكاليف المفروضة عليه قطعاً من الله تعالى واجب عقلاً، وليست كلّها معلومة من طريقة قطعية، فلا بدّ من الرجوع فيها إلى من نقطع بفراغ الذمة باتّباعه، أمّا الإمام على طريقة الإمامية، أو غيره على طريقة غيرهم.
كما نعتقد أنّها كالنبوة، لطف من الله تعالى، فلا بدّ أن يكون في كلّ عصر إمام هاد، يخلف النبيّ في وظائفه من هداية البشر، وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبيّ من الولاية العامّة(1)على الناس؛ لتدبير شؤونهم، ومصالحهم، وإقامة العدل، بينهم ورفع، الظلم والعدوان من بينهم، وعلى هذا فالإمامة استمرار للنبوّة.
والدليل(2)الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الأنبياء هو نفسه يوجب أيضاً نصب الإمام بعد الرسول.
فلذلك نقول: إنّ الإمامة لا تكون إلّا بالنصّ من الله تعالى على لسان
النبيّ، أو لسان الإمام الذي قبله.
وليست هي بالاختيار والانتخاب من الناس، فليس لهم إذا شاءوا أن ينصّبوا أحداً نصّبوه، وإذا شاءوا أن يعيّنوا إماماً لهم عيّنوه، ومتى شاءوا أن يتركوا تعيينه تركوه، ليصحّ لهم البقاء بلا إمام، بل (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)(1)على ما ثبت ذلك عن الرسول الأعظم بالحديث المستفيض.
وعليه لا يجوز أن يخلو عصر من العصور من إمام مفروض الطاعة، منصوب من الله تعالى، سواء أبى البشر أم لم يأبوا، وسواء ناصروه أم لم يناصروه، أطاعوه أم لم يطيعوه، وسواء كان حاضراً أم غائباً عن أعين الناس، إذ كما يصحّ أن يغيب النبيّ كغيبته في الغار والشعب صحّ أن يغيب الإمام، ولا فرق في حكم العقل بين طول الغيبة وقصرها، قال الله تعالى: «وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ»(2)، وقال: «وَإِن مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ»(3).
ونعتقد أنّ الإمام كالنبيّ يجب أن يكون معصوماً(1)من جميع الرذائل والفواحش، ما ظهر منها وما بطن، من سنّ الطفولة إلى الموت، عمداً وسهواً.
كما يجب أن يكون معصوماً من السهو، والخطأ، والنسيان؛ لأنّ الأئمّة حفظة الشرع، والقوّامون عليه، حالهم في ذلك حال النبيّ، والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمّة بلا فرق.
ليسَ على اللهِ بمُستَنكَرٍ *** أن يَجمعَ العالمَ في واحدِ(2)
ونعتقد أنّ الإمام كالنبيّ يجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال من شجاعة، وكرم، وعفّة، وصدق، وعدل، ومن تدبير، وعقل، وحكمة، وخلق.
والدليل في النبيّ هو نفسه الدليل في الإمام.
أمّا علمه، فهو يتلّقى المعارف والأحكام الإلهية وجميع المعلومات من طريق النبيّ أو الإمام من قبله.
وإذا استجدّ شيء لا بدّ أن يعلمه من طريق الإلهام بالقوّة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه، فإن توجّه إلى شيء وشاء أن يعلمه على وجهه الحقيقي لا يخطأ فيه، ولا يشتبه، ولا يحتاج في كلّ ذلك إلى البراهين العقلية، ولا إلى تلقينات المعلّمين، وإن كان علمه قابلاً للزيادة والاشتداد، ولذا قال صلی الله علیه وآله وسلم في دعائه: «رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا»(1).
أقول: لقد ثبت في الأبحاث النفسية أنّ كلّ إنسان له ساعة أو ساعات في حياته قد يعلم فيها ببعض الأشياء من طريق الحدس الذي هو فرع من الإلهام، بسبب ما أودع الله تعالى فيه من قوّة على ذلك، وهذه القوّة تختلف شدّة، وضعفاً، وزيادة، ونقيصة في البشر باختلاف أفرادهم.
فيطفر ذهن الإنسان في تلك الساعة إلى المعرفة من دون أن يحتاج إلى التفكير، وترتيب المقدّمات، والبراهين، أو تلقين المعلمين، ويجد كلّ إنسان من نفسه ذلك في فرص كثيرة في حياته.
وإذا كان الأمر كذلك فيجوز أن يبلغ الإنسان من قوّته الإلهامية أعلى الدرجات وأكملها، وهذا أمر قرّره الفلاسفة المتقدّمون والمتأخّرون.
فلذلك نقول - وهو ممكن في حدّ ذاته: إنّ قوة الإلهام عند الإمام التي تسمّى بالقوّة القدسية تبلغ الكمال في أعلى درجاته، فيكون في صفاء
1) سورة طه: 114
نفسه القدسية على استعداد لتلقي المعلومات في كلّ وقت، وفي كل حالة، فمتى توجّه إلى شيء من الأشياء وأراد معرفته استطاع علمه بتلك القوّة القدسية الإلهامية بلا توقّف، ولا ترتيب مقدّمات، ولا تلقين معلّم(1).
وتنجلي في نفسه المعلومات كما تنجلي المرئيات في المرآة الصافية، لا غطش فيها، ولا إبهام.
ويبدو واضحاً هذا الأمر في تاريخ الأئمّة علیهم السلام كالنبيّ محمّد صلی الله علیه وآله وسلم، فإنّهم لم يتربّوا على أحد، ولم يتعلّموا على يد معلّم، من مبدأ طفولتهم إلى سنّ الرشد، حتّى القراءة والكتابة، ولم يثبت عن أحدهم أنّه دخل الكتاتيب، أو تلمّذ على يد أستاذ في شيء من الأشياء، مع ما لهم من منزلة علمية لا تجاری.
وما سئلوا عن شيء إلّا أجابوا عليه في وقته، ولم تمرّ على ألسنتهم كلمة (لا أدري)، ولا تأجيل الجواب إلى المراجعة، أو التأمّل أو نحو ذلك.
في حين أنّك لا تجد شخصاً مُتَرجماً له من فقهاء الإسلام، ورواته، وعلمائه إلّا ذُكرت في ترجمته: تربيته، وتلمذته على غيره، وأخذه الرواية
1) ما تميّز به الحجّج الأطهار إنّما هو لمكان إعدادهم من قبل الله تعالى، وتعليمهم الإلهي، وفتح سبل المعرفة لا لمجرّد الإلهام، وطي مراحل الاستدلال، بل تعليم من الله بسبل مختلفة، فتأمّله، وراجع الأخبار في كتاب الحجّة من الكافي الشريف
أو العلم على المعروفين، وتوقّفه في بعض المسائل، أو شكّه في كثير من المعلومات، كعادة البشر في كلّ عصر ومصر.
(1) علم الإمام
المبحث الأوّل: حقيقة العلم
وقد شاع في العصور الأخيرة تقسيم العلم إلى حصولي، وهو حصول صورة الشيء في الذهن، وحضوري وهو حضور نفس الشيء عند العالم دون توسّط صورة، أو هو حضور مجرّد عند مجرّد.
وقد يقال: إنّ علم الإمام حضوري، والصحيح إنّ «العلم الحضوري» أمر موهوم، لا حقيقة له، ولا نافذة للإنسان على الأشياء سوى العلم الحصولي، والصور الحاكية عن الأشياء، والمنطبعة في ذهنه.
ولا نحتاج إلى الكثير من البحث في المقام، فإنّ عهدة إثبات «العلم الحضوري» على مدّعيها، ولم نجد لهم دليلاً ينهض بها.
تنبيه:
لا شك إنّ من العلم ما هو مكتسب من خلال التعليم والتوضيح بالاستدلالات والتعريفات، ومنه ما هو موهوب يقع في النفس دون الخوض في مقدمات كسبية كما هو المألوف فينا...
المبحث الثاني: مساحة العلم.
وهنا أمور:
الأمر الأوّل: العلم بالدين شريعة وعقيدة.
«عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله علیه السلام قال: سمعته يقول: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: نحن في الأمر، والفهم، والحلال، والحرام نجري مجرى واحد، فأمّا رسول
الله صلی الله علیه وآله وسلم وعلي علیه السلام فلهما فضلهما». [الكافي: 275، ب في أنّ الأئمّة علیهم السلام في العلم والشجاعة والطاعة سواء، ح 3].
الأمر الثاني: العلم بما كان أو يكون.
1- «عن سيف التمّار قال: كنّا مع أبي عبد الله علیه السلام الجماعة من الشيعة في الحجر، فقال: علينا عين؟
فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحداً، فقلنا: ليس علينا عين.
فقال: وربّ الكعبة، وربّ البنية - ثلاث مرّات - لو كنت بين موسى و لأخبرتهما أنّي أعلم منهما، ولا نبئتهما بما ليس في أيديهما، لأنّ موسى والخضر علیهما السلام أعطيا علم ما كان، ولم يُعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتّى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وراثة». [الكافي: 1 / 260، ب أنّ الأئمّة علیهم السلام يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنّه لا يخفى عليهم الشيء علیهم السلام، ح 1].
2 - «عن يونس بن يعقوب عن الحارث بن المغيرة، وعدّة من أصحابنا منهم: عبد الأعلى، وأبو عبيدة، وعبد الله ابن بشر الخثعمي سمعوا أبا عبد الله علیه السلام يقول: إنّي لأعلم ما في السماوات، وما في الأرض، وأعلم ما في الجنّة، وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون.
قال: ثمّ مكث هنيئة فرأى أنّ ذلك كبر على من سمعه منه فقال: علمت ذلك من كتاب الله عزّوجلّ، إنّ الله عزّوجلّ يقول: فيه تبيان كلّ شيء» [كذا في الكافي، وفي المصحف سورة النحل: 89 «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَنَا لِكُلِّ شَيْءٍ»، [الكافي: 1 / 261، ب أنّ الأئمّة علیهم السلام يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنّه لا يخفى عليهم الشيء علیهم السلام، ح 2].
تنبيه:
روت العامّة:
1- «عن المغيرة بن شعبة أنّه قال: قام فينا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مقاماً فأخبرنا بما يكون
في أمته إلى يوم القيامة، وعاه من وعاه ونسيه من نسيه». [مسند أحمد: 254/4].
2- قال الحاكم النيسابوري: «عن حذيفة رضي الله عنه قا: قام فينا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مقاماً أخبرنا بما يكون فيه إلى قيام الساعة، عقله فينا من عقله، ونسيه من نسيه.
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه، وقد رواه أبو عوانة، وأبان بن يزيد القطّان عن عاصم، وعاصم بن أبي النجود إمام مُتّفق على إمامته في القرآن وسائر العلوم، إذا انفرد بالحديث لزمنا قبوله.
أمّا حديث أبي عوانة فحدّثناه أبو عبد الله محمّد بن يعقوب، ومحمّد بن صالح بن هاني قالا: ثنا يحيى بن محمّد بن يحيى الشهيد، ثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا أبو عوانة عن عاصم عن زر عن حذيفة رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقاماً فلم يدع شيئاً إلّا ذكره إلى أن تقوم الساعة، عقله من عقله، ونسيه من نسيه». [المستدرك على الصحيحين: 4 / 472].
الأمر الثالث: الاستزادة من العلم.
1- «عن أبي يحيى الصنعاني، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال لي: يا أبا يحيى، إنّ لنا في ليالي الجمعة لشأناً من الشأن.
قال: قلت: جعلت فداك، وما ذاك الشأن؟
قال: يؤذن لأرواح الأنبياء الموتى علیهم السلام، وأرواح الأوصياء الموتى، وروح الوصي الذي بين ظهرانيكم، يعرج بها إلى السماء حتّى توافي عرش ربّها، فتطوف به أسبوعاً، وتصلّي عند كلّ قائمة من قوائم العرش ركعتين، ثمّ تُردّ إلى الأبدان التي كانت فيها، فتصبح الأنبياء والأوصياء قد مُلؤا سروراً، ويصبح الوصي الذي بين ظهرانيكم وقد زيد في علمه مثل جم الغفير». [الكافي: 253/1 - 254، ب في أنّ الأئمّة علیهم السلام يزدادون في ليلة الجمعة، ح 1].
2- «عن المفضّل قال: قال لي أبو عبد الله علیه السلام ذات يوم، وكان لا يكنّيني قبل
ذلك: يا أبا عبد الله.
قال: قلت: لبّيك.
قال: إنّ لنا في كلّ ليلة جمعة سروراً.
قلت: زادك الله، وما ذاك؟
قال: إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم العرش، ووافي الأئمّة علیهم السلام معه، ووافینا معهم، فلا تردّ أرواحنا إلى أبداننا إلّا بعلم مستفاد، ولولا ذلك لأنفدنا». [الكافي: 1 / 254، ب في أنّ الأئمّة علیهم السلام يزدادون في ليلة الجمعة، ح 2].
3- «عن يونس أو المفضل، عن أبي عبد الله علیه السلام، قال: ما من ليلة جمعة إلّا ولأولياء الله فيها سرور.
قلت: كيف ذلك؟ جعلت فداك.
قال: إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم العرش ووافى الائمة عليهم السلام ووافيت معهم، فما أرجع إلّا بعلم مستفاد، ولولا ذلك لنفد ما عندي». [الكافي: 1 / 254، ب في أنّ الأئمّة علیهم السلام يزدادون في ليلة الجمعة، ح 3].
4- «عن صفوان بن يحيى قال: سمعت أبا الحسن علیه السلام يقول: كان جعفر بن محمّد علیهما السلام يقول: لولا أنا نزداد لانفدنا.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن صفوان، عن أبي الحسن مثله». [الكافي: 1 / 254، ب لولا أنّ الأئمّة علیهم السلام يزدادون لنفد ما عندهم، ح 1].
5- «عن ذريح المحاربي قال: قال لي أبو عبد الله علیه السلام: لو لا أنّا نزداد لأنفدنا». [الكافي: 1 / 254، ب لولا أنّ الأئمّة علیهم السلام يزدادون لنفد ما عندهم، ح 2].
6- «عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: لولا أنّا نزداد لأنفدنا. قال: قلت: تزدادون شيئاً لا يعلمه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم؟
قال: أما إنّه إذا كان ذلك عرض على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ثمّ على الأئمّة، ثمّ انتهى
الأمر إلينا». [الكافي: 1 / 255، بل لولا أنّ الأئمّة علیهم السلام يزدادون لنفد ما عندهم، ح 3].
7- «عن أبي عبد الله علیه السلام قال: ليس يخرج شيء من عند الله عزّوجلّ حتّى يبدأ برسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ثمّ بأمير المؤمنين علیه السلام، ثمّ بواحد بعد واحد، لكيلا يكون آخرنا أعلم من أوّلنا». [الكافي: 1 / 255، ب لولا أنّ الأئمّة علیهم السلام يزدادون لنفد ما عندهم، ح 4].
الأمر الثالث: منابع العلم عندهم علیهم السلام.
المورد الأوّل: عندهم علم القرآن.
1- «عن جابر قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: ما ادّعى أحد من الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما أنزل إلّا كذّاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلّا علي بن أبي طالب علیه السلام والأئمّة من بعده عليهم السلام». [الكافي: 228/1، ب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلّا الأئمّة علیهم السلام، وأنّهم يعلمون علمه كلّه، ح 1].
2- «عن جابر، عن أبي جعفر علیه السلام أنّه قال: ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه ظاهره وباطنه غير الأوصياء». [الكافي: 228/1، ب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلّا الأئمّة علیهم السلام، وأنّهم يعلمون علمه كلّه، ح 2].
3- «عن سلمة بن محرز قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: إنّ مَن علم ما أوتينا تفسير القرآن وأحكامه، وعلم تغيير الزمان وحدثانه، إذا أراد الله بقوم خيراً أسمعهم، ولو أسمع مَن لم يسمع لولّى معرضاً كأن لم يسمع، ثمّ أمسك هنيئة، ثمّ قال: ولو وجدنا أوعية أو مستراحاً لقلنا والله المستعان». [الكافي: 1/ 229، ب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلّا الأئمّة علیهم السلام، وأنّهم يعلمون علمه كلّه، ح 3].
4- «عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: والله إنّي لأعلم كتاب الله من أوّله إلى آخره، كأنه في كفّي، فيه خبر السماء، وخبر الأرض، وخبر ما كان، وخبر ما هو كائن، قال الله عزّوجلّ: فيه تبيان كلّ شيء» [كذا في الكافي، وفي المصحف سورة النحل : 89 «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَا لِكُلِّ شَيْءٍ»، [الكافي: 229/1، ب أنّه لم
يجمع القرآن كلّه إلّا الأئمّة علیهم السلام، وأنّهم يعلمون علمه كلّه، ح 4].
5- «عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمُ مِنَ الْكِتَبِ أَنَا ءَانِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ» قال: ففرّج أبو عبد الله علیه السلام بين أصابعه، فوضعها في صدره، ثم قال: وعندنا والله علم الكتاب كلّه». [الكافي: 229/1، ب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلّا الأئمّة علیهم السلام، وأنّهم يعلمون علمه كلّه، ح 5].
6- «عن بُريد بن معاوية قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام: «قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ»؟ قال: إيَّانا عنى، وعلي أوّلنا، وأفضلنا، وخيرنا بعد النبي صلی الله علیه وآله وسلم». [الكافي: 229/1، ب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلّا الأئمّة علیهم السلام، وأنّهم يعلمون علمه كلّه، ح 6].
المورد الثاني: الجامعة، والجفر، ومصحف فاطمة علیها السلام وغيرها.
1- «عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله علیه السلام فقلت له: جعلت فداك، إنّي مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبد الله علیه السلام ستراً بينه وبين بيت آخر فاطّلع فيه، ثمّ قال: يا أبا محمّد سل عمّا بدا لك.
قال: قلت: جعلت فداك، إنّ شيعتك يتحدّثون: أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم علّم علياً علیه السلام باباً يُفتح له منه ألف باب؟
قال: فقال: يا أبا محمّد، علّم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم علياً علیه السلام ألف باب يُفتح من كلّ باب ألف باب.
قال: قلت: هذا والله العلم.
قال: فنكت ساعة في الأرض، ثمّ قال: إنّه لعلم، وما هو بذاك.
قال: ثمّ قال: يا أبا محمّد وإنّ عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة؟!
قال: قلت: جُعلت فداك، وما الجامعة؟
قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وإملائه من فلق فِيه،
وخطّ علي بيمينه، فيها كلّ حلال وحرام، وكلّ شيء يحتاج الناس إليه حتّى الأرش في الخدش، وضرب بيده إليّ فقال: تأذن لي يا أبا محمّد؟
قال: قلت: جعلت فداك، إنّما أنا لك، فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده وقال: حتّى أرش هذا - كأنّه مغضب -
قال: قلت هذا والله العلم قال: إنّه لعلم، وليس بذاك.
ثمّ سكت ساعة، ثمّ قال: وإنّ عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟!
قال قلت: وما الجفر؟
قال: وعاء من أُدم، فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل.
قال قلت: إنّ هذا هو العلم.
قال: إنّه لعلم وليس بذاك.
ثمّ سكت ساعة، ثمّ قال: وإنّ عندنا لمصحف فاطمة علیها السلام، وما يدريهم ما مصحف فاطمة علیها السلام؟!
قال: قلت: وما مصحف فاطمة علیها السلام؟
قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد.
قال: قلت: هذا والله العلم.
قال: إنّه لعلم، وما هو بذاك.
ثمّ سكت ساعة، ثمّ قال: إنّ عندنا علم ما كان، وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة.
قال: قلت: جعلت فداك، هذا والله هو العلم.
قال: إنّه لعلم، وليس بذاك.
ونعتقد أنّ الأئمّة هم أولو الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم، وأنّهم الشهداء على الناس، وأنّهم أبواب الله، والسبل إليه، والأدلاء عليه، وأنّهم عيبة علمه، وتراجمة وحيه، وأركان توحيده، وخزّان معرفته، ولذا كانوا أماناً لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء على حدّ تعبيره صلی الله علیه وآله وسلم.
وكذلك - على حدّ قوله أيضا -: «أنّ مثلهم في هذه الأمّة كسفينة نوح
قلت: جعلت فداك فأي شيء العلم؟
قال: ما يحدث بالليل والنهار، الأمر من بعد الأمر، والشيء بعد الشيء، إلى يوم القيامة». [الكافي: 1 / 238 - 240، ب فيه ذكر الصحيفة، والجفر، والجامعة، ومصحف فاطمة علیها السلام، ح 1].
2- «عن حمّاد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة، وذلك أنّي نظرت في مصحف فاطمة علیها السلام.
قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟
قال: إنّ الله تعالى لمّا قبض نبيّه صلی الله علیه وآله وسلم دخل على فاطمة عليها السلام من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلّا الله عزّوجلّ، فأرسل الله إليها ملكاً يسلّي غمّها ويحدّثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين علیه السلام فقال: إذا أحسست بذلك، وسمعت الصوت قولي لي، بذلك فجعل أمير المؤمنين علیه السلام يكتب كلّما سمع حتّى أثبت من ذلك مصحفاً.
قال: ثمّ قال: أما إنّه ليس فيه شيء من الحلال والحرام، ولكن فيه علم ما يكون». [الكافي: 1 / 240، ب فيه ذكر الصحيفة، والجفر، والجامعة، ومصحف فاطمة علیها السلام، ح 2].
من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى»(1)، وأنّهم حسبما جاء في الكتاب المجيد: عباد الله المكرمون الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون(2)، وأنّهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً(3).
بل نعتقد أنّ أمرهم أمر الله تعالى، ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته، ووليهم وليه، وعدوّهم عدوّه، ولا يجوز الردّ عليهم، والرادّ عليهم كالرادّ على الرسول، والرادّ على الرسول كالرادّ على الله تعالى.
فيجب التسليم لهم، والانقياد لأمرهم، والأخذ بقولهم.
ولهذا نعتقد أنّ الأحكام الشرعية الإلهية لا تستقى إلّا من نمير مائهم، ولا يصحّ أخذها إلّا منهم، ولا تفرغ ذمّة المكلّف بالرجوع إلى غيرهم، ولا يطمئنّ بينه وبين الله إلى أنّه قد أدّى ما عليه من التكاليف المفروضة إلّا من طريقهم.
1) الأمالي (للصدوق): 342، مجمع الزوائد: 9 / 168، كنز العمال: 12/ 94، 95، 98، الأحاديث: 34144، 34151، 34169، 34170
2) مضمون قوله تعالى: «بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِه يَعْمَلُونَ» من سورة الأنبياء: 26 - 27
3) مضمون قوله تعالى: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهَرَكُم تَطهِيرًا» من سورة الأحزاب: 33
إنّهم كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق في هذا البحر المائج الزاخر بأمواج الشبه والضلالات، والادعاءات والمنازعات.
ولا يهمّنا من بحث الإمامة في هذه العصور إثبات أنّهم هم الخلفاء الشرعيون، وأهل السلطة الإلهيّة(1)، فإنّ ذلك أمر مضى في ذمّة التاريخ، وليس في إثباته ما يعيد دورة الزمن من جديد، أو يعيد الحقوق المسلوبة إلى أهلها.
وإنّما الذي يهمّنا منه ما ذكرنا من لزوم الرجوع إليهم في الأخذ بأحكام الله الشرعية، وتحصيل ما جاء به الرسول الأكرم على الوجه الصحيح الذي جاء به.
وأنّ في أخذ الأحكام من الرواة والمجتهدين الذين لا يستقون من نمير مائهم، ولا يستضيئون بنورهم ابتعاداً عن محجّة الصواب في الدين، ولا يطمئنّ المكلّف من فراغ ذمّته من التكاليف المفروضة عليه من الله تعالى، لأنّه مع فرض وجود الاختلاف في الآراء بين الطوائف والنحل فيما يتعلّق بالأحكام الشرعية إختلافاً لا يُرجى معه التوفيق - لا يبقى للمكلّف مجال أن يتخيّر ويرجع إلى أيّ مذهب شاء، ورأي اختار، بل لا بدّ له أن يفحص، ويبحث حتّى تحصل له الحجّة القاطعة بينه وبين الله
1) بل هو من مهمّات البحث العقائدي، وما ذكره المصنّف بعد ذلك متفرّع عليه، فكيف لا يكون الأساس مهماً؟! فتامل
تعالى على تعيين مذهب خاصّ، يتيقّن أنّه يتوصّل به إلى أحكام الله، وتفرغ به ذمّته من التكاليف المفروضة، فإنّه كما يقطع بوجود أحكام مفروضة عليه يجب أن يقطع بفراغ ذمّته منها، فإنّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.
والدليل القطعي دالّ على وجوب الرجوع إلى آل البيت، وأنّهم المرجع الأصلي بعد النبيّ لأحكام الله المنزلة.
وعلى الأقلّ قوله عليه أفضل التحيات: «إنّي قد تركت فيكم ما أن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً، الثقلين، وأحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»(1).
وهذا الحديث اتّفقت الرواية عليه من طرق أهل السنّة والشيعة.
فدقّق النظر في هذا الحديث الجليل تجد ما يقنعك، ويدهشك في مبناه ومعناه، فما أبعد المرمى في قوله: «إن تمسّكتم به لن تضلوا بعدي أبداً»، والذي تركه فينا هما الثقلان معاً، إذ جعلهما كأمر واحد، ولم يكتف
1) ينظر: بصائر الدرجات: 433، و 434، قرب الإسناد: 7، الكافي: 1/ 209، ب ما فرض الله عزّوجلّ ورسوله صلی الله علیه وآله وسلم من الكون مع الأئمّة علیهم السلام، ح 6، 3/ 423، ب أدنى ما يكون به العبد مؤمناً أو كافراً أو ضالّاً، ح 1، عيون أخبار الرضا علیه السلام: 1/ 34، و68 و 2 / 60، كفاية الأثر: 87، ورواه العامّة في كتبهم المعروفة منها: - مسند أحمد: 3/ 14، 3/ 17، 4 / 371، سنن الدارمی: 431/2، سنن الترمذي: 5 / 328
بالتمسّك بواحد منهما فقط فيهما معاً لن نضل بعده أبداً.
وما أوضح المعنى في قوله: «لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» فلا يجد الهداية أبداً مَن فرّق بينهما، ولم يتمسّك بهما معاً.
فلذلك كانوا (سفينة النجاة)، و(أماناً لأهل الأرض)(1)، ومَن تخلّف عنهم غرق في لحج الضلال، ولم يأمن من الهلاك.
وتفسير ذلك بحبّهم فقط من دون الأخذ بأقوالهم، واتّباع طريقهم هروب من الحقّ، لا يُلجئ إليه إلّا التعصّب، والغفلة عن المنهج الصحيح في تفسير الكلام العربي المبين.
قال الله تعالى: «قُل لَّا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَی»(2).
نعتقد أنّه زيادة على وجوب التمسّك بآل البيت، يجب على كلّ مسلم أن يدين بحبّهم ومودّتهم، لأنّه تعالى في هذه الآية المذكورة حصر المسؤول عليه الناس في المودّة في «الْقُرْبَى».
وقد تواتر عن النبىّ صلی الله علیه وآله وسلم أنّ حبّهم علامة الإيمان، وأنّ بعضهم علامة النفاق، وأنّ من أحبّهم أحبّ الله ورسوله، ومن أبغضهم أبغض الله ورسوله.
بل حبّهم فرض من ضروريات الدين الإسلامي التي لا تقبل الجدل والشكّ، وقد اتّفق عليه جميع المسلمين، على اختلاف نحلهم وآرائهم، عدا فئة قليلة اعتُبروا من أعداء آل محمّد، فنبزوا باسم (النواصب) أي مَن نصبوا العداوة لآل بيت محمّد، وبهذا يعدّون من المنكرين لضرورة إسلامية ثابتة بالقطع، والمنكر للضرورة الإسلامية كوجوب الصلاة، والزكاة يُعدّ في حكم المنكر لأصل الرسالة، بل هو على التحقيق منكر للرسالة، وإن أقرّ في ظاهر الحال بالشهادتين، ولأجل هذا كان بغض آل محمّد من علامات النفاق، وحبّهم من علامات الإيمان، ولأجله أيضاً كان بغضهم بعضاً الله ولرسوله.
ولا شكّ أنّه تعالى لم يفرض حبّهم، ومودّتهم إلّا لأنّهم أهل للحبّ والولاء، من ناحية قربهم إليه سبحانه، ومنزلتهم عنده، وطهارتهم من الشرك والمعاصي، ومن كلّ ما يُبعد عن دار كرامته، وساحة رضاه.
(1) وفي القرآن الكريم نصّ قطعي يدلّ على طهارتهم وهو آية التطهير: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهركم تَطهِيرًا» [سورة الأحزاب: 33].
وقد دلّت الأخبار من الفريقين على تحديد أهل البيت هنا: بعلي، وفاطمة، والحسن والحسين علیهم السلام.
وقد حاول الآخرون إبعاد الآية عن مفادها بحجج واهية، تارة بالسياق، وأخرى بروايات موضوعة تعمّم أهل البيت إلى غير الخمسة أصحاب الكساء، بل حاول الرازي التصرّف باللغة ليدّعي أنّ «إِنَّمَا» لا تدلّ على الحصر، ولا مجال لأي هذه الدعاوى بعد وضوح النصوص النبويّة على اختصاصها بالأفراد المعينين.
ولا يمكن أن تتصوّر أنّه تعالى يفرض حبّ من يرتكب المعاصي، أو لا يطيعه حقّ طاعته، فإنّه ليس له قرابة مع أحد، أو صداقة، وليس عنده الناس بالنسبة إليه إلّا عبيداً مخلوقين على حدّ سواء، وإنّما أكرمهم عند الله أتقاهم.
فمن أوجب حبّه على الناس كلّهم لا بدّ أن يكون أتقاهم، وأفضلهم جميعاً، وإلّا كان غيره أولى بذلك الحبّ، أو كان الله يفضّل بعضاً على بعض في وجوب الحبّ والولاية عبثاً، أو لهواً بلا جهة استحقاق وكرامة.
لا نعتقد في أئمّتنا ما يعتقده الغلاة: والحلوليون: «كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ»(1)، بل عقديتنا الخاصّة أنّهم بشر مثلنا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، وإنّما هم عباد مُكرَمون، اختصّهم الله تعالى بكرامته، وحباهم بولايته(2)، إذ كانوا في أعلى درجات الكمال اللائقة في البشر من العلم، والتقوى، والشجاعة، والكرم والعفّة، وجميع الأخلاق الفاضلة، والصفات الحميدة، لا يدانيهم أحد من البشر فيها اختصّوا به.
وبهذا استحقّوا أن يكونوا أئمّة، وهداة، ومرجعاً بعد النبيّ في كلّ ما
يعود للناس من أحكام وحِكم، وما يرجع للدين من بيان وتشريع، وما يختصّ بالقرآن من تفسير وتأويل(1).
قال إمامنا الصادق علیه السلام: «ما جاءكم عنّا ممّا يجوز أن يكون في المخلوقين ولم تعلموه، ولم تفهموه فلا تجحدوه، وردّوه إلينا، وما جاءكم عنّا ممّا لا يجوز أن يكون في المخلوقين فأجحدوه، ولا تردّوه إلينا»(2)
فقال: ليعن قويّكم ضعيفكم، وليعطف غنيّكم على فقيركم، ولينصح الرجل أخاه كنصيحته لنفسه، واكتموا أسرارنا، ولا تحملوا الناس على أعناقنا، وانظروا أمرنا وما جاءكم عنا، فإن وجدتموه للقرآن موافقاً فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقاً فردّوه، وإن اشتبه الأمر عليكم فيه فقفوا عنده، وردّوه إلينا حتّى نشرح لكم من ذلك ما شُرح لنا، وإذا كنتم كما أوصيناكم، لم تعدوا إلى غيره، فمات منكم ميّت قبل أن يخرج قائمنا كان شهيداً، ومن أدرك منكم قائمنا فقتل معه كان له أجر شهيدين، ومن قَتل بين يديه عدوّاً لنا كان له أجر عشرين شهيداً». [الأمالي (للطوسي): 231]
.نعتقد أنّ الإمامة كالنبوّة لا تكون إلّا بالنصّ(3)من الله تعالى على لسان رسوله، أو لسان الإمام المنصوب بالنصّ إذا أراد أن ينصّ على
1) بل لولاهم لساخت الأرض بأهلها، بهم يمسك السماء أن تقع على الأرض
2) «عن جابر، قال: دخلنا على أبي جعفر محمّد بن علي علیهما السلام ونحن جماعة، بعدما قضينا نسكنا، فودّعناه وقلنا له: أوصنا يابن رسول الله.
3) فالصفات النفسية كالعصمة مثلاً لا يمكن للبشر التحقّق منها في الإمام إلّا بالدلالة عليه من خالقه، أو طريق معصوم يرشدنا إليه
الإمام من بعده، وحكمها في ذلك حكم النبوّة بلا فرق، فليس للناس أن يتحكّموا فيمن يعيّنه الله هادياً، ومرشداً لعامّة البشر، كما ليس لهم حقّ تعيينه، أو ترشيحه، أو انتخابه؛ لأنّ الشخص الذي له من نفسه القدسية استعداد لتحمّل أعباء الإمامة العامّة، وهداية البشر قاطبة يجب ألّا يُعرّف إلّا بتعريف الله، ولا يُعيّن إلّا بتعيينه.
ونعتقد أنّ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم نصّ على خليفته، والإمام في البرية من بعده، فعيّن ابن عمّه علي بن أبي طالب أميراً للمؤمنين، وأميناً للوحي، وإماماً للخلق في عدّة مواطن، ونصّبه، وأخذ البيعة له بإمرة المؤمنين يوم الغدير، فقال: «ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهمّ وآل من وآلاه، وعاد عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه كيفما من دار»(1)
ومن طرق المخالفين: مسند أحمد: 1/ 84، 118، 119، سنن ابن ماجة: 1 / 45، سنن الترمذي: 297/5، المستدرك على الصحيحين: 109/3
.1) رواه المحدّثون منّا ومن المخالفين، وهو متواتر، وقد ألّف فيه العلّامة الأميني قدس سرّه كتاباً كبيراً مستوفياً، ونذكر هنا إشارة إلى مصادره، فمن طرقنا: الكافي: 1/ 287، 295، 420، ب ما نصّ الله عزّوجلّ ورسوله على الأئمّة ...، ح 1، ب الإشارة والنصّ على أمير المؤمنين علیه السلام، ح 3، ب سيرة الإمام في نفسه، وفي المطعم، والملبس إذا ولي الأمر، ح 42، من لا يحضره الفقيه: 1/ 229، ب فضل المياجد وحرمتها، ح 686، عيون أخبار الرضا علیه السلام: 52/1.
ومن أوّل مواطن النصّ على إمامته قوله حينما دعا أقرباءه الأدنين، وعشيرته الأقربين، فقال: «هذا أخي، ووصيي، وخليفتي من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا»(1)، وهو يومئذ صبي لم يبلغ الحلم.
وكرّر قوله له في عدّة مرّات: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي»(2)
ومن طرق العامّة: صحيح مسلم: 120/7، سنن الترمذي: 302/5، المستدرك على الصحيحين: 337/2، السنن الكبرى (للبيهقي): 40/9، وغيرها
، إلى غير ذلك من روايات، وآيات كريمة دلّت على، ثبوت الولاية العامة له كآية: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»(3)، وقد نزلت فيه عندما تصدّق بالخاتم وهو راكع(4)، ولا يساعد وضع هذه الرسالة على استقصاء كلّ ما ورد في إمامته من الآيات، والروايات، ولا بيان وجه دلالتها.ثمّ إنه علیه السلام نصّ(5)على إمامة الحسن والحسين، والحسين نصّ على
1) الشافي في الإمامة: 2/ 77، تأريخ الطبري: 2/ 321، الاحتجاج: 1/ 117، وغيرها
2) المحاسن: 1/ 159، الكافي: 107/8، ب في الردّ على من زعم أنّ الكمال كلّه في عفّة البطن والفرج، ح 80، علل الشرائع: 1 / 66، 136، 138، ومواضع أخرى.
3) سورة المائدة: 55
4) ينظر كتابنا (آية الولاية)
5) راجع كتاب (في رحاب العقيدة) لسيّدنا الأستاذ السيّد محمّد سعيد الحكيم قدس سرّه، الجزء الثالث، فقد استقصى النصوص بما يُشبع نهم الباحث عن الحقيقة
إمامة ولده علي زين العابدين، وهكذا إماماً بعد إمام، ينصّ المتقدّم منهم على المتأخّر إلى آخرهم، وهو أخيرهم على ما سيأتي.
ونعتقد أنّ الأئمّة الذين لهم صفة الإمامة الحقّة هم مرجعنا في الأحكام الشرعية، المنصوص عليهم بالإمامة اثنا عشر إماماً، نصّ عليهم النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم جميعاً بأسمائهم، ثمّ نص المتقدّم منهم على مَن بعده، على النحو الآتي:
1- أبو الحسن علي أبي طالب (المرتضى)، المتولّد سنة 23 قبل الهجرة، والمقتول سنة 40 بعدها.
2- أبو محمّد الحسن بن علي (الزكي)، (2 - 50 ).
3- أبو عبد الله الحسين بن علي (سيد الشهداء)، (3 - 61).
4- أبو محمّد علي بن الحسين زين العابدين)، (38 - 95)
5- أبو جعفر محمّد بن علي (الباقر)، (57 - 114)
6- أبو عبد الله جعفر بن محمّد (الصادق)، (83 - 148)
7- أبو إبراهيم موسى بن جعفر (الكاظم)، (128 - 183)
8- أبو الحسن علي بن موسى (الرضا)، (148 - 203)
9- أبو جعفر محمّد بن علي (الجواد)، (195 - 220)
10- أبو الحسن علي بن محمّد (الهادي)، (212 - 254)
11- أبو محمّد الحسن بن علي (العسكري)، (232 - 260)
12- أبو القاسم محمد(1)بن الحسن (المهدي)، (256 -...)
وهو الحجّة في عصرنا، الغائب المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف، ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً، بعد ما ملئت ظلما وجوراً.
إنّ البشارة بظهور (المهدي) من ولد فاطمة في آخر الزمان ليملاً الأرض قسطاً وعدلاً، بعد ما ملئت ظلما وجوراً - ثابتة عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم بالتواتر، وسجّلها المسلمون جميعاً فيما رووه من الحديث عنه على اختلاف مشاربهم(2)
فممّا روي من طرقنا:
1- «عن أبي بصير، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن آبائه علیهم السلام، قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: المهدي من ولدي، إسمه إسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً، تكون له غيبة وحيرة حتّى تضلّ الخلق عن أديانهم، فعند ذلك يُقبل كالشهاب الثاقب، فيملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجوراً». [الإمامة والتبصرة: 119]
.2- «عن جابر قال: أقبل رجل إلى أبي جعفر علیه السلام وأنا حاضر، فقال: رحمك الله، اقبض هذه الخمسمائة درهم فضعها في موضعها، فإنّها زكاة مالي، فقال له أبو جعفر علیه السلام: بل خذها أنت، فضعها في جيرانك، والأيتام، والمساكين، وفي إخوانك من المسلمين، إنّما يكون هذا إذا قام قائمنا، فإنّه يقسّم بالسويّة، ويعدل في خلق الرحمن، البرّ منهم والفاجر، فمن أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، فإنمّا سمّي المهدي لأنّه يهدى لأمر خفي، يستخرج التوراة، وسائر كتب الله من غار بانطاكية، فيحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل الفرقان بالفرقان، وتُجمع إليه أموال الدنيا كلّها، ما في بطن الأرض وظهرها، فيقول للناس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام، وسفكتم فيه الدماء، وركبتم فيه محارم الله، فيعطي شيئاً لم يُعط أحداً كان قبله.
قال: وقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: وهو رجل منّي: إسمه كاسمي، يحفظني الله فيه، ويعمل بسنّتي، يملأ الأرض قسطاً، وعدلاً، ونوراً بعد ما تمتلي ظلماً، وجوراً، وسوءاً». [علل الشرائع: 161/1].
ومن طرق المخالفين:
1- «أبو الصّديق الناجي قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يكون من أمتي المهدي، فإن طال عمره، أو قصر عمره عاش سبع سنين، أو ثمان سنين، أو تسع سنين، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وتخرج الأرض نباتها، وتُمطر السماء قطرها». [مسند أحمد: 3/ 27].
2- «عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم) قال زائدة في حديثه: (الطول الله ذلك اليوم) ثمّ اتّفقوا: (حتّى يبعث فيه رجلاً منّي)، أو (من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي)، زاد في
حديث فطر: (يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجوراً)، وقال في حديث سفيان: (لا تذهب، أو لا تنقضي الدنيا حتّى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي).». [سنن أبي داود: 309/2].
3- «عن عبد الله بن مسعود رضی الله عنه قال: أتينا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فخرج إلينا مستبشراً، يُعرف السرور في وجهه، فما سألناه عن شيء إلّا أخبرنا به، ولا سكتنا إلّا ابتدأنا، حتّى مرّت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين، فلّما رآهم التزمهم، وانهملت عيناه، فقلنا: يا رسول الله، ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه.
فقال: إنّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وأنّه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً، أو تشريداً في البلاد، حتّى ترتفع رايات سود من المشرق، فيسألون الحقّ فلا يُعطونه، ثمّ يسألونه فلا يعطونه، ثمّ يسألونه فلا يطعونه، فيقاتلون، فينصرون، فمن أدركه منكم، أو من أعقابكم فليأت إمام أهل بيتي ولو حبواً على الثلج، فإنّها رايات هدى، يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي، يواطىء اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، فيملك الأرض، فيملأها قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً». [المستدرك على الصحيحين: 464/4].
4- «وعن حذيفة قال: بعث رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم إلى جزيرة العرب فملأها قسطاً وعدلاً، ثمّ طعن بهم أبو بكر فطعن بهم طعنة رغيبة، ثمّ طعن بهم عمر فطعن بهم طعنة رغيبة». [مجمع الزوائد: 5/ 180].
5- «أخبرنا عبد الرزاق عن معمّر عن أبي إسحاق عن عاصم ابن ضمرة عن على قال: لتُملانّ الأرض ظلماً وجوراً حتّى لا يقول أحد: الله الله، يستعلق به، ثمّ لتملان بعد ذلك قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً». [المصنف (للصنعاني):
373/11].
وليست هي بالفكرة المستحدثة عند (الشيعة)، دفع إليها انتشار الظلم والجور، فحلموا بظهور من يطهر الأرض من رجس الظلم، كما يريد أن يصوّرها بغض المغالطين غير المنصفين.
ولو لا ثبوت (فكرة المهدي) عن النبيّ على وجه عرفها جميع المسلمين، وتشبّعت في نفوسهم، واعتقدوها لما كان يتمكّن مدّعوا المهديّة في القرون الأولى كالكيسانية، والعبّاسيين، وجملة من العلويين وغيرهم من خدعة الناس، واستغلال هذه العقيدة فيهم، طلباً للملك والسلطان، فجعلوا ادعاءهم المهدية الكاذبة طريقاً للتأثير على العامّة، وبسط نفوذهم عليهم.
ونحن مع إيماننا بصحّة الدين الإسلامي، وأنّه خاتمة الأديان الإلهية، ولا نترقّب ديناً آخر لإصلاح البشر، ومع ما نشاهد من انتشار الظلم، واستشراء الفساد في العالم، على وجه لا تجد للعدل، والصلاح موضع قدم في الممالك المعمورة، ومع ما نرى من انكفاء المسلمين أنفسهم عن دينهم، وتعطيل أحكامه، وقوانينه في جميع الممالك الإسلامية، وعدم التزامهم بواحد من الألف من أحكام الإسلام - نحن مع كلّ ذلك لا بدّ أن ننتظر الفرج بعودة الدين الإسلامي إلى قوّته، وتمكينه من إصلاح هذا العالم المنغمس بغطرسة الظلم والفساد.
ثمّ لا يمكن أن يعود الدين الإسلامي إلى قوّته، وسيطرته على البشر
عامّة، وهو على ما هو عليه اليوم، وقبل اليوم من اختلاف معتنقيه في قوانينه وأحكامه، وفي أفكارهم عنه، وهم على ما هم عليه اليوم، وقبل اليوم من البدع والتحريفات في قوانينه، والضلالات في ادّعاءاتهم.
نعم، لا يمكن أن يعود الدين إلى قوته إلّا إذا ظهر على رأسه مصلح عظيم، يجمع الكلمة، ويردّ عن الدين تحريف المبطلين، ويُبطل ما ألصق به من البدع والضلالات، بعناية ربّانية، وبلطف إلهي، ليجعل منه شخصاً، هادياً، مهدياً، له هذه المنزلة العظمى، والرئاسة العامّة، والقدرة الخارقة، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعد ما مُلئت ظلما وجوراً.
والخلاصة: أنّ طبيعة الوضع الفاسد في البشر البالغة الغاية في الفساد والظلم، مع الإيمان بصحّة هذا الدين، وأنّه الخاتمة للأديان - يقتضي انتظار هذا المصلح (المهدي)؛ لإنقاذ العالم ممّا هو فيه.
ولأجل ذلك آمنت بهذا الانتظار جميع الفرق المسلمة، بل الأمم من غير المسلمين، غير أنّ الفَرق بين الإمامية وغيرها هو أنّ الإمامية تعتقد أنّ هذا المصلح المهدي هو شخص معيّن، معروف، ولد سنة 256 هجرية(1)ولا يزال حيّاً، هو ابن الحسن العسكري، واسمه (محمد)(2)
اختلف الأصحاب في جواز تسمية الإمام الثاني عشر باسمه الشريف، فذهب بعضهم كصاحب الوسائل قدس سرّه إلى عدم الجواز، لكن خصّه بزمن التقيّة، وعمّم الحكم لسائر الأئمّة الهداة علیهم السلام. [ينظر وسائل الشيعة: 16/ 237، ب 33 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث عنون الباب «تحريم تسمية المهدي علیه السلام، وسائر الأئمّة علیهم السلام وذكرهم وقت التقية، وجواز ذلك مع عدم الخوف»].
وذهب المحقّقان الصدوق، والمجلسي قدس سرّهما إلى عدم الجواز مطلقاً، وهو الأحوط، والأخبار مختلفة المضامين في هذا الباب، فمنها ما أطلق فيه النهي عن التسمية، ومنها ما علّل بالخوف عليه علیه السلام، ومنها ما جعل الغاية للنهي هو ظهوره الشريف، وعمدة ما تمسّك به المجوّزون هو تسميته في بعض الأخبار.
ونقول: إنّ التسمية لأجل التعريف لا تنافي نهي الشيعة عن تسميته بعد أن يعرفوا اسمه، إذ لا موضوع للنهي عن التسمية ما لم يُعرّفوه لشيعتهم، وجعل الغاية للنهي هي الظهور ينفي التقييد بخصوص التقيّة، أما في حال التقيّة فلا خصوصية للحجّة ابن الحسن علیهما السلام، بل لا خصوصية للأئمّة علیهم السلام، إذ مع فرض التقيّة، والتفصّي عن مورد الخوف على الشخص يستوي في ذلك حتّى عوّام الشيعة، لكنّنا نجد في الأخبار أنّ النهي خصوصية للإمام الثاني عشر «يغيب عنكم شخصه، ولا يحلّ لكم تسميته». [كمال الدين وتمام النعمة: 333].
ولسان هذه الأخبار، ومقتضى الجمع بينها آب عن تخصيصه بزمن التقيّة كما ذهب إليه الشيخ الحرّ في الوسائل، وبعض المعاصرين [ينظر القواعد الفقهية: 1/ 494]، أو بزمن الغيبة الصغرى.
والتحقيق هو ما ذهب إليه المحقّق المجلسي، حيث قال: «هذه التحديدات مصرّحة في نفي قول من خصّ ذلك بزمان الغيبة الصغرى تعويلاً على بعض العلل المستنبطة، والاستبعادات الوهمية». [بحار الأنوار: 32/51]
.وذلك بما ثبت عن النبيّ وآل البيت من الوعد به، وما تواتر عندنا من ولادته واحتجابه.
ولا يجوز أن تنقطع الإمامة، وتحول في عصر من العصور، وإن كان الإمام مخفيّاً، ليظهر في اليوم الموعود به من الله تعالى الذي هو من الأسرار الإلهية التي لا يعلم بها إلّا هو تعالى.
ولا يخلو من أن تكون حياته، وبقاؤه هذه المدّة الطويلة معجزة جعلها الله تعالى له، وليست هي بأعظم من معجزة أن يكون إماماً للخلق وهو ابن خمس سنين يوم رحل والده إلى الرفيق الأعلى، ولا هي بأعظم من معجزة عيسى إذ كلّم الناس في المهد صبيّاً، وبُعث في الناس نبيّاً.
وطول الحياة أكثر من العمر الطبيعي أو الذي يُتخيّل أنّه العمر الطبيعي لا يمنع منها فنّ الطبّ، ولا يحيلها، غير أنّ الطبّ بعد لم يتوصّل إلى ما يُمكّنه من تعمير حياة الإنسان.
وإذا عجز عنه الطبّ فإنّ الله تعالى قادر على كلّ شيء، وقد وقع فعلاً تعمير نوح، وبقاء عيسى علیهما السلام، كما أخبر عنهما القرآن الكريم، ولو شكّ الشاكّ فيما أخبر به القرآن فعلى الإسلام السلام.
ومن العجب أن يتساءل المسلم عن إمكان ذلك وهو يدّعي الإيمان بالكتاب العزيز!
وممّا يجدر أن نذكره في هذا الصدد، ونذكّر أنفسنا به: أنّه ليس معنى
انتظار هذا المصلح المنقذ (المهدي)، أن يقف المسلمون مكتوفي الأيدي فيما يعود إلى الحقّ من دينهم، وما يجب عليهم من نصرته، والجهاد في سبيله، والأخذ بأحكامه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
بل المسلم أبداً مكلّف بالعمل بما أُنزل من الأحكام الشرعية، وواجب عليه السعي لمعرفتها على وجهها الصحيح، بالطرق الموصلة إليها حقيقة، وواجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ما تمكّن من ذلك، وبلغت إليه قدرته: «كلّكم راع، وكلّكم مسؤول عن رعيّته»(1).
فلا يجوز له التأخّر عن واجباته بمجرّد الانتظار للمصلح المهدي، والمبشّر الهادي، فإنّ هذا لا يُسقط تكليفاً، ولا يؤجّل عملاً، ولا يجعل الناس هَملاً كالسوائم.
إنّ الذي تذهب إليه الإمامية - أخذاً بما جاء عن آل البيت علیهم السلام - أنّ الله تعالى يعيد قوماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم(2)التي كانوا
عليها، فيُعزّ فريقاً، ويُذلّ فريقا آخر، ويديل المحقّين من المبطلين، والمظلومين منهم من الظالمين، وذلك عند قيام مهدي آل محمّد علیهم السلام.
ولا يرجع إلَّا مَن علت درجته في الإيمان، أو من بلغ الغاية من الفساد، ثمّ يصيرون بعد ذلك إلى الموت، ومن بعده إلى النشور وما يستحقّونه من الثواب أو العقاب، كما حكى الله تعالى في قرآنه الكريم تمنّي هؤلاء المرتجعين الذين لم يصلحوا بالارتجاع فنالوا مقت الله أن يخرجوا ثالثاً لعلّهم يصلحون: «قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوج مِّن سَبِيلِ»(1).
نعم، قد جاء القرآن الكريم بوقوع الرجعة إلى الدنيا، وتظافرت بها الأخبار عن بيت العصمة.
والإمامية بأجمعها عليه، إلّا قليلون منهم تأوّلوا ما ورد في الرجعة بأنّ معناها رجوع الدولة، والأمر والنهي إلى آل البيت بظهور الإمام المنتظر، من دون رجوع أعيان الأشخاص وإحياء الموتى.
والقول بالرجعة يُعدّ عند أهل السنّة من المستنكرات التي يستقبح الاعتقاد بها، وكان المؤلِّفون منهم في رجال الحديث يعدّون الاعتقاد بالرجعة من الطعون في الراوي، والشناعات عليه، التي تستوجب رفض روايته، وطرحها.
1) سورة غافر (المؤمن): 11
ويبدو أنهم يعدّونها بمنزلة الكفر والشرك، بل أشنع، فكان هذا الاعتقاد من أكبر ما تُنبز به الشيعة الإمامية، ويشنع به عليهم.
ولا شكّ في أن هذا من نوع التهويلات التي تتّخذها الطوائف الإسلامية - فيما غبر - ذريعة لطعن بعضها في بعض، والدعاية ضدّه، ولا نرى في الواقع ما يبرّر هذا التهويل، لأنّ الاعتقاد بالرجعة لا يخدش في عقيدة التوحيد، ولا في عقيدة النبوّة، بل يؤكّد صحة العقيدتين؛ إذ الرجعة دليل القدرة البالغة الله تعالى كالبعث، والنشر، وهي من الأمور الخارقة للعادة التي تصلح أن تكون معجزة لنبينا محمّد وآل بيته علیهم السلام.
وهي عيناً معجزة إحياء الموتى التي كانت للمسيح علیه السلام، بل أبلغ هنا؛ لأنّها بعد أن يصبح الأموات رمياً: «قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَمَ وَهِيَ رَمِيمٌ - قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِ خَلْقٍ عَلِيمٌ»(1).
وأمّا من طعن في الرجعة باعتبار أنّها من التناسخ الباطل، فلأنّه لم يفرق بين معنى التناسخ وبين المعاد الجسماني، والرجعة من نوع المعاد الجسماني.
فإنّ معنى التناسخ: هو انتقال النفس من بدن إلى بدن آخر منفصل عن الأوّل، وليس كذلك معنى المعاد الجسماني، فإنّ معناه: رجوع نفس البدن الأوّل بمشخّصاته النفسية، فكذلك الرجعة.
وإذا كانت الرجعة تناسخاً فإنّ إحياء الموتى على يد عيسى علیه السلام كان
1) سورة يس: 79
تناسخاً، وإذا كانت الرجعة تناسخاً كان البعث والمعاد الجسماني تناسخاً.
إذن، لم يبق إلّا أن يناقش في الرجعة من جهتين:
الأولى: أنّها مستحيلة الوقوع.
الثانية: كذب الأحاديث الواردة فيها.
وعلى تقدير صحّة المناقشتين فإنّه لا يعتبر الاعتقاد بها بهذه الدرجة من الشناعة التي هوّلها خصوم الشيعة.
وكم من معتقدات لباقي طوائف المسلمين هي من الأمور المستحيلة، أو التي لم يثبت فيها نصّ صحيح، ولكنها لم توجب تكفيراً، وخروجاً عن الإسلام، ولذلك أمثلة كثيرة: منها: الاعتقاد بجواز سهو النبيّ(1)
«عن أبي هريرة قال: صلّى بنا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم إحدى صلاتي العشيّ، سيرين: قد سمّاها أبو هريرة ولكن نسيت أنا.
قال: فصلّى بنا ركعتين، ثمّ سلّم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتّكأ عليها كأنّه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خدّه الأيمن على ظهر كفّه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة؟ وفي القوم أبو بكر، وعمر فهابا أن يكلّماه، وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين، قال: يا رسول الله، أنسيت، أم قصرت الصلاة؟
قال: لم أنس، ولم تقصر.
فقال: أكما يقول ذو اليدين؟
فقالوا: نعم، فتقدّم فصلّى ما ترك، ثمّ سلّم، ثمّ كبّر، وسجد مثل سجوده، أو أطول، ثمّ رفع رأسه وكبّر، ثمّ كبّر وسجد، مثل سجوده، أو أطول، ثمّ رفع رأسه وكبّر، فربّما سألوه ثمّ سلم؟ فيقول: نبّئت أنّ عمران بن حصين قال: ثمّ سلم». [صحيح البخاري: 123/1].
فهذا الخبر يعني جواز سهو النبي صلی الله علیه وآله وسلم، وهذا خلاف ما يلزم العصمة، وهو خبر لا يمكننا التصديق به؛ لأنّ ذا اليدين استشهد في بدر، وأبو هريرة أسلم في السنة السابعة، فبين وفاته وإسلام الهُريري خمس سنوات.
وما ورد من طرقنا إسهاء، وليس سهواً، وقد تقدّم.
الفرق السهو والإسهاء:
إنّ السهو من الطبيعة البشرية، وحصولة لا يترك مجالاً للوثوق بالتبليغ، خلافاً للإسهاء، فإنّه يعني أنّ الأصل في النبيّ هو العصمة عن السهو، حتّى أنّه لا يحصل فيه إلّا بتدخّل إلهيّ
، أو1) مسألة سهو النبي صلی الله علیه وآله وسلم
عصیانه(1)
وللإمامية بيان آخر في الآية الشريفة: «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ»، «فالخطاب له، والمراد به الأمّة؛ لأنّه صلی الله علیه وآله وسلم لا ذنب له يستغفر منه، ويجوز أن يكون ذلك على وجه الانقطاع إليه تعالى». [التبيان: 300/9]
.1) فقد قالوا في تفسير قوله تعالى: «فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنُكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَبَكُمْ وَمَثْوَكُمْ» [سورة محمّد: 19]، «يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّد صلی الله علیه وآله وسلم: فاعلم يا محمّد أنّه لا معبود تنبغي، أو تصلح له الألوهية، ويجوز لك وللخلق عبادته إلّا الله الذي هو خالق الخلق، ومالك كلّ شيء، يدين له بالربوبية كلّ ما دونه، واستغفر لذنبك، وسل ربّك غفران سالف ذنوبك وحادثها». [جامع البيان: 69/26].
ومنها: الاعتقاد بقدم القرآن(1).
ومنها: القول بالوعيد.
ومنها الاعتقاد بأنّ النبيّ لم ينصّ على خليفة من بعده.
على أنّ هاتين المناقشتين لا أساس لهما من الصحّة.
أمّا أنّ الرجعة مستحيلة فقد قلنا أنّها من نوع البعث والمعاد الجسماني، غير أنّها بعث موقوت في الدنيا، والدليل على إمكان البعث دليل على إمكانها، ولا سبب لاستغرابها إلّا أنّها أمر غير معهود لنا فيما ألفناه في حياتنا الدنيا، ولا نعرف من أسبابها، أو موانعها ما يقرّبها إلى اعترافنا، أو يبعدها، وخيال الإنسان لا يسهل عليه أن يتقبّل تصديق ما لم يألفه، وذلك كمن يستغرب البعث فيقول: «قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَمَ وَهِيَ رَمِيمُ»، فيقال له: «قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِ خَلْقٍ عَلِيمٌ»(2).
نعم، في مثل ذلك، ممّا لا دليل عقلي لنا على نفيه، أو إثباته، أو نتخيّل عدم وجود الدليل - يلزمنا الرضوخ إلى النصوص الدينية التي هي من مصدر الوحي الإلهي، وقد ورد في القرآن الكريم ما يثبت وقوع الرجعة إلى الدنيا لبعض الأموات كمعجزة عيسى علیه السلام في إحياء الموتى: «وَأُبَرِئُ
الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأَحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ»(1)، وكقوله تعالى: «أَنَّ يُحي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ»(2)، والآية المتقدّمة: «قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَنَا اثْنَينِ»(3)، فإنّه لا يستقيم معنى هذه الآية بغير الرجوع إلى الدنيا بعد الموت، وإن تكلّف بعض المفسّرين في تأويلها بما لا يروي الغليل، ولا يحقّق معنى الآية.
وأما المناقشة الثانية - وهي دعوى أنّ الحديث فيها موضوع - فإنّه لا وجه لها؛ لأنّ الرجعة من الأمور الضرورية فيما جاء عن آل البيت من الأخبار المتواترة.
وبعد هذا، أفلا تعجب من كاتب شهير يدّعى المعرفة مثل أحمد أمين في كتابه (فجر الإسلام) إذ يقول: «فاليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة»(4)!
فأنا أقول له على مدّعاه: فاليهودية أيضاً ظهرت في القرآن بالرجعة، كما تقدّم ذكر القرآن لها في الآيات المتقدّمة.
ونزيده، فنقول: والحقيقة أنّه لا بدّ أن تظهر اليهودية والنصرانية في
كثير من المعتقدات والأحكام الإسلامية؛ لأنّ النبيّ الأكرم جاء مصدّقاً لما بين يديه من الشرائع السماوية، وإن نسخ بعض أحكامها، فظهور اليهودية أو النصرانية في بعض المعتقدات الإسلامية ليس عيباً في الإسلام، على تقدير أنّ الرجعة من الآراء اليهودية كما يدّعيه هذا الكاتب.
وعلى كلّ حال، فالرجعة ليست من الأصول التي يجب الاعتقاد بها والنظر فيها، وإنّما اعتقادنا بها كان تبعاً للآثار الصحيحة الواردة عن آل البيت علیهم السلام الذين ندين بعصمتهم من الكذب، وهي من الأمور الغيبية التي أخبروا عنها، ولا يمتنع وقوعها.
روي عن صادق آل البيت علیه السلام في الأثر الصحيح: «التقيّة ديني ودين آبائی»(1)، و «مَن لا تقيّة له لا دين له»(2).
وكذلك هي، لقد كانت شعاراً لآل البيت علیهم السلام، دفعاً للضرر عنهم وعن أتباعهم، وحقناً لدمائهم، واستصلاحاً لحال المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، ولمّا لشعثهم.
وما زالت سمة تعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف والأمم، وكلّ إنسان إذا أحسّ بالخطر على نفسه، أو ماله بسبب نشر معتقده، أو التظاهر به لا بدّ أن يتكتم، ويتّقى في مواضع الخطر.
وهذا أمر تقضيه فطرة العقول، ومن المعلوم أنّ الإمامية وأئمّتهم لاقوا من ضروب المحن، وصنوف الضيق على حرّيّاتهم في جميع العهود ما لم تلاقه أيّة طائفة، أو أمّة أخرى، فاضطروا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقيّة بمكاتمة المخالفين لهم، وترك مظاهرتهم، وستر اعتقاداتهم، وأعمالهم المختصّة بهم عنهم، لما كان يعقب ذلك من الضرر في الدين والدنيا، ولهذا السبب امتازوا (بالتقيّة)، وعرفوا بها دون سواهم.
وللتقيّة أحكام من حيث وجوبها وعدم وجوبها بحسب اختلاف مواقع خوف الضرر، مذكورة في أبوابها في كتب العلماء الفقهية، وليست هي بواجبة على كلّ حال، بل قد يجوز أو يجب خلافها في بعض الأحوال، كما إذا كان في إظهار الحقّ والتظاهر به نصرة للدين، وخدمة للإسلام، وجهاد في سبيله، فإنّه عند ذلك يستهان بالأموال، ولا تَعزّ النفوس.
وقد تحرم التقيّة في الأعمال التي تستوجب قتل النفوس المحترمة، أو رواجاً للباطل، أو فساداً في الدين، أو ضرراً بالغاً على المسلمين بإضلالهم، أو إفشاء الظلم والجور فيهم.
وعلى كل حال، ليس معنى التقيّة عند الإمامية أنّها تجعل منهم جمعية
سرّية لغاية الهدم والتخريب، كما يريد أن يصوّرها بعض أعدائهم غير المتورّعين في إدراك الأمور على وجهها، ولا يكلّفون أنفسهم فهم الرأي الصحيح عندنا.
كما أنّه ليس معناها أنّها تجعل الدين وأحكامه سرّاً من الأسرار لا يجوز أن يذاع لمن لا يدين به، كيف؟ وكتب الإمامية ومؤلّفاتهم فيما يخصّ الفقه والأحكام، ومباحث الكلام والمعتقدات قد ملأت الخافقين، وتجاوزت الحدّ الذي ينتظر من أيّة أمّة تدين بدينها.
بلى، إنّ عقيدتنا في التقيّة قد استغلّها من أراد التشنيع على الإمامية، فجعلوها من جملة المطاعن فيهم، وكأنّهم كان لا يشفي غليلهم إلّا أن تقدّم رقابهم إلى السيوف لاستئصالهم عن آخرهم في تلك العصور التي يكفي فيها أن يقال: هذا رجل شيعي ليلاقي حتفه على يد أعداء آل البيت من الأمويين والعبّاسيين، بل والعثمانيين.
وإذا كان طعن من أراد أن يطعن يستند إلى زعم عدم مشروعيّتها من ناحية دينية، فإنّا نقول له:
أولاً: أنّنا متّبعون لأئمّتنا علیهم السلام، ونحن نهتدي بهداهم، وهم أمرونا بها، وفرضوها علينا وقت الحاجة، وهي عندهم من الدين، وقد سمعت قول الصادق علیه السلام: «من لا تقيّة له لا دين له» .
وثانيا: قد ورد تشريعها في نفس القرآن الكريم ذلك قوله تعالى:
«إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ»(1)، وقد نزلت هذه الآية في عمّار بن ياسر الذي التجأ إلى التظاهر بالكفر خوفا من أعداء الإسلام، وقوله تعالى: «إِلَّا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَةً»(2)، وقوله تعالى: «وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنُ مِنْ عَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ»(3).
إنّ الأئمّة من آل البيت علیهم السلام علموا من ذي قبل أنّ دولتهم لن تعود إليهم في حياتهم، وأنّهم وشيعتهم سيبقون تحت سلطان غيرهم ممّن يرى ضرورة مكافحتهم بجميع وسائل العنف والشدّة.
فكان من الطبيعي - من جهة - أنّ يتّخذوا التكتّم (التقية) ديناً، وديدنا لهم ولأتباعهم، ما دامت التقيّة تحقن من دمائهم ولا تسيء إلى الآخرين ولا إلى الدين، ليستطيعوا البقاء في هذا الخضم العجاج بالفتن، والثائر على آل البيت بالإحن.
وكان من اللازم بمقتضى إمامتهم - من جهة أخرى - أن ينصرفوا إلى تلقين أتباعهم أحكام الشريعة الإسلامية، وإلى توجيههم توجيهاً دينياً صالحاً، وإلى أن يسلكوا بهم مسلكاً اجتماعياً مفيداً، ليكونوا مثال المسلم الصحيح (العادل).
وطريقة آل البيت في التعليم لا تحيط بها هذه الرسالة، وكتب الحديث الضخمة متكلّفة بما نشروه من تلك المعارف الدينية، غير أنّه لا بأس أن نشير هنا إلى بعض ما يشبه أن يدخل في باب العقائد فيما يتعلّق بتأديبهم لشيعتهم بالآداب التي تسلك بهم المسلك الاجتماعي المفيد، وتقرّبهم
زلفى إلى الله تعالى، وتطهّر صدورهم من درن الآثام والرذائل، وتجعل منهم عدولاً صادقين.
وقد تقدّم الكلام في (التقية) التي هي من تلك الآداب المفيدة اجتماعيّاً لهم، ونحن ذاكرون هنا بعض ما يعن لنا من هذه الآداب.
قال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم: «الدعاء سلاح المؤمن وعمود الدين، ونور السماوات والأرض»(1)، وكذلك هو، أصبح من خصائص الشيعة التي امتازوا بها، وقد ألّفوا في فضله وآدابه.
وفي الأدعية المأثورة عن آل البيت ما يبلغ عشرات الكتب من مطوّلة ومختصرة، وقد أودع في هذه الكتب ما كان يهدف إليه النبيّ وآل بيته علیهم السلام من الحثّ على الدعاء والترغيب فيه، حتّى جاء عنهم: «أفضل العبادة الدعاء»(2)، و«أحبّ الأعمال إلى الله عزّوجلّ في الأرض الدعاء»(3)بل ورد عنهم: «إنّ الدعاء يردّ القضاء والبلاء»(4)، و«أنّه شفاء من كلّ داء»(5).
وقد ورد أنّ أمير المؤمنين علیه السلام: «كان رجلاً دعّاء»(1)، أي كثير الدعاء، وكذلك ينبغي أن يكون، وهو سيّد الموحّدين، وإمام الآلهيين.
وقد جاءت أدعيته كخطبه آية من آيات البلاغة العربية كدعاء كميل بن زياد المشهور، وقد تضمّنت من المعارف الإلهية، والتوجيهات الدينية ما يصلح أن تكون منهجاً رفيعاً للمسلم الصحيح.
وفي الحقيقة، إنّ الأدعية الواردة عن النبيّ وآل بيته علیهم السلام خير منهج للمسلم إذا تدبّرها، تبعث في نفسه قوّة الإيمان، والعقيدة، وروح التضحية في سبيل الحقّ، وتُعرّفه سرّ العبادة، ولذّة مناجاة الله تعالى، والانقطاع إليه، وتلقّنه ما يجب على الإنسان أن يعلمه لدينه، وما يقرّبه إلى الله تعالى زلفى، ويبعده عن المفاسد، والأهواء، والبدع الباطلة.
وبالاختصار، إنّ هذه الأدعية قد أودعت فيها خلاصة المعارف الدينية من الناحية الخلقية والتهذيبية للنفوس، ومن ناحية العقيدة الإسلامية، بل هي من أهم مصادر الآراء الفلسفية(2)، والمباحث العلمية في الإلهيات والأخلاقيات.
ولو استطاع الناس - وما كلّهم بمستطيعين - أن يهتدوا بهذا الهدى الذي تثيره هذه الأدعية في مضامينها العالية لما كنت تجد من هذه المفاسد المثقلة بها الأرض أثراً، ولحلّقت هذه النفوس المكبّلة بالشرور في سماء الحقّ حرّة طليقة، ولكن أنّى للبشر أن يصغي إلى كلمة المصلحين، والدعاة إلى الحقّ، وقد كشف عنهم قوله تعالى: «النَّفْسَ لَأَمَارَةُ بِالسُّوءِ»(1)، «وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ»(2).
نعم، إنّ ركيزة السوء في الإنسان اغتراره بنفسه، وتجاهله لمساوئه، ومغالطته لنفسه في أنّه يحسن صنعاً فيها اتّخذ من عمل فيظلم، ويتعدّى، ويكذب، ويراوغ، ويطاوع شهواته ما شاء له هواه، ومع ذلك يخادع نفسه أنّه لم يفعل إلّا ما ينبغي أن يفعل، أو يغضّ بصره متعمّداً عن قبيح ما يصنع، ويستصغر خطيئته في عينه.
وهذه الأدعية المأثورة التي تُستمدّ من منبع الوحي تجاهد أن تحمل الإنسان على الإختلاء بنفسه، والتجرّد إلى الله تعالى؛ لتلقّنه الاعتراف بالخطأ، وأنّه المذنب الذي يجب عليه الانقطاع إلى الله تعالى لطلب التوبة والمغفرة، ولتلمّسه مواقع الغرور، والاجترام في نفسه، ومثل أنّ يقول الداعي من دعاء كميل بن زياد: «إلهي، ومولاي، أجريت عليّ حكماً
اتّبعت فيه هوى نفسي، ولم أحترس فيه من تزيين عدوّي، فغرّني بما أهوى، وأسعده على ذلك القضاء، فتجاوزت بما جرى عليّ من ذلك بعض حدودك، وخالفت بعض أوامرك»(1).
ولا شكّ أنّ مثل هذا الاعتراف في الخلوة أسهل على الإنسان من الاعتراف علانية مع الناس، وإن كان من أشقّ أحوال النفس أيضاً، وإن كان بينه وبين نفسه في خلواته، ولو تمّ ذلك للإنسان فله شأن كبير في تخفيف غلواء نفسه الشريرة، وترويضها على طلب الخير.
ومن يريد تهذيب نفسه لا بدّ أن يصنع لها هذه الخلوة، والتفكير فيها بحرّية لمحاسبتها، وخير طريق لهذه الخلوة والمحاسبة أن يواظب على قراءة هذه الأدعية المأثورة التي تصل بمضامينها إلى أغوار النفس، مثل أن يقرأ في دعاء أبي حمزة الثمالي رضی الله عنه: «أي ربّ، جلّلني بسترك، واعف عن توبيخي بكرم وجهك»(2)، فتأمل كلمة «جلّلني» فإنّ فيها ما يُثير في النفس رغبتها في كتم ما تنطوي عليه من المساوئ، ليتنبه الأنسان إلى هذه الدخيلة فيها، ويستدرجه إلى أن يعترف بذلك حين يقرأ بعد ذلك: «فلو اطلع اليوم على ذنبي غيرك ما فعلته ولو خفت تعجيل العقوبة لاجتنبته»(3).
وهذا الاعتراف بدخيلة النفس، وانتباهه إلى الحرص على كتمان ما عنده من المساوئ يستثيران الرغبة في طلب العفو، والمغفرة من الله تعالى لئلّا يُفتضح عند الناس لو أراد الله أن يعاقبه في الدنيا أو الآخرة على أفعاله، فيلتدّ الإنسان ساعتئذ بمناجاة السرّ، وينقطع إلى الله تعالى، ويحمده أنّه حلم عنه، وعفا عنه بعد المقدرة فلم يفضحه، إذ يقول في الدعاء بعد ما تقدّم: «فلك الحمد على حلمك بعد علمك، وعلى عفوك بعد قدرتك»(1)، ثمّ يوحي الدعاء إلى النفس سبيل الاعتذار عمّا فرّط منها على أساس ذلك الحلم والعفو منه تعالى، لئلّا تنقطع الصلة بين العبد وربّه، ولتلقين العبد أنّ عصيانه ليس لنكران الله، واستهانة بأوامره إذ يقول: «ويحملني ويجرّئني على معصيتك حلمك عنّي، ويدعوني إلى قلّة الحياء سترك عليّ، ويسر عني إلى التوثّب على محارمك معرفتي بسعة رحمتك وعظيم عفوك»(2).
وعلى أمثال هذا النمط تنهج الأدعية في مناجاة السرّ لتهذيب النفس وترويضها على الطاعات وترك المعاصي.
ولا تسمح الرسالة هذه بتكثير النماذج من هذا النوع، وما أكثرها.
ويعجبني أن أورد بعض النماذج من الأدعية الواردة بأسلوب
الاحتجاج مع الله تعالى لطلب العفو والمغفرة، مثل ما تقرأ في دعاء كميل بن زیاد: «ولیت شعري يا سيدي ومولاي، أتسلّط النار على وجوه خرّت لعظمتك ساجدة، وعلى ألسن نطقت بتوحيدك صادقة وبشكرك مادحة، وعلى قلوب اعترفت بإلهيتك محقّقة، وعلى ضمائر حوت من العلم بك حتّى صارت خاشعة، وعلى جوارح سعت إلى أوطان تعبّدك طائعة، وأشارت باستغفارك مذعنة، ما هكذا الظنّ بك، ولا أخبرنا بفضلك»(1).
كرّر قراءة هذه الفقرات، وتأمّل في لطف هذا الاحتجاج، وبلاغته، وسحر بيانه، فهو في الوقت الذي يوحي للنفس الاعتراف بتقصيرها وعبوديّتها، يلقّنها عدم اليأس من رحمة الله تعالى وكرمه، ثمّ يكلّم النفس بابن عمّ الكلام، ومن طرف خفي لتلقينها واجباتها العليا، إذ يفرض فيها أنّها قد قامت بهذه الواجبات كاملة، ثمّ يعلّمها أنّ الإنسان بعمل هذه الواجبات يستحقّ التفضل من الله بالمغفرة، وهذا ما يشوّق المرء إلى أن يرجع إلى نفسه فيعمل ما يجب أن يعمله إن كان لم يؤدّ تلك الواجبات.
ثمّ تقرأ أسلوباً آخر من الاحتجاج من نفس الدعاء: «فهبني يا إلهي وسيّدي وربّي، صبرت على عذابك، فكيف أصبر على فراقك، وهبني يا إلهي، صبرت على حرّ نارك، فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك»، وهذا تلقين للنفس بضرورة الالتذاذ بقرب الله تعالى ومشاهدة كرامته وقدرته،
1) إقبال الأعمال: 221
حبّاً له وشوقاً إلى ما عنده، وبأنّ هذا الالتذاذ ينبغي أن يبلغ من الدرجة على وجه يكون تأثير تركه على النفس أعظم من العذاب وحّر النار، فلو فرض أنّ الإنسان تمكّن من أن يصبر على حرّ النار فإنّه لا يتمكّن من الصبر على هذا الترك، كما تُفهّمنا هذه الفقرات أنّ هذا الحبّ، والالتذاذ بالقرب من المحبوب المعبود خير شفيع للمذنب عند الله لأن يعفو ويصفح عنه.
ولا يخفى لطف هذا النوع من التعجب، والتملق إلى الكريم الحليم، قابل التوب، وغافر الذنب.
ولا بأس في أن نختم بحثنا هذا بإيراد دعاء مختصر جامع لمكارم الخلاق، ولما ينبغي لكلّ عضو من الإنسان، وكلّ صنف منه أن يكون عليه من الصفات المحمودة: «اللهمّ ارزقنا توفيق الطاعة، وبعد المعصية، وصدق النية، وعرفان الحرمة، وأكرمنا بالهدى والاستقامة، وسدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة، واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة، وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة، واكفف أيدينا عن الظلم والسرقة، واغضض أبصارنا عن الفجور والخيانة، واسدد أسماعنا عن اللغو والغيبة، وتفضّل على علمائنا بالزهد والنصيحة، وعلى المتعلّمين بالجهد والرغبة، وعلى المستمعين بالإتباع والموعظة، وعلى مرضى المسلمين بالشفاء والراحة، وعلى موتانا بالرأفة والرحمة، وعلى مشايخنا بالوقار والسكينة وعلى الشباب بالإنابة
والتوبة، وعلى النساء بالحياء والعفّة، وعلى الأغنياء بالتواضع والسعة، وعلى الفقراء بالصبر والقناعة، وعلى الغزاة بالنصر والغلبة، وعلى الأسراء بالخلاص والراحة، وعلى الأمراء بالعدل والشفقة، وعلى الرعيّة بالإنصاف وحسن السيرة، وبارك للحجّاج والزوار في الزاد والنفقة، واقض ما أوجبت عليهم من الحجّ والعمرة، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين»(1).
وإني لموص إخواني القرّاء ألّا تفوتهم الاستفادة من تلاوة هذه الأدعية، بشرط التدبّر في معانيها ومراميها، وإحضار القلب، والإقبال والتوجه إلى الله بخشوع وخضوع، وقراءتها كأنّها من إنشائه للتعبير بها عن نفسه، مع اتباع الآداب التي ذُكرت لها من طريقة آل البيت، فإنّ قراءتها بلا توجّه من القلب صِرف لقلقة في اللسان، لا تزيد الإنسان معرفة، ولا تقرّبه زلفى، ولا تكشف له مكروباً، ولا يستجاب معه له دعاء، «إن الله عزّوجلّ لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساه، فإذا دعوت فأقبل بقلبك ثم استيقن بالإجابة»(2).
بعد واقعة الطفّ المحزنة، وتملّك بني أميّة ناصية أمر الأمة الإسلامية، فأوغلوا في الاستبداد، وولغوا في الدماء، واستهتروا في
تعاليم الدين - بقي الإمام زين العابدين وسيّد الساجدين علیه السلام جليس داره محزوناً ثاكلاً، وجليس بيته، لا يقربه أحد، ولا يستطيع أن يفضي إلى الناس بما يجب عليهم، وما ينبغي لهم.
فاضطرّ أن يتخذ من أسلوب الدعاء - الذي قلنا: إنّه أحد الطرق التعليمية لتهذيب النفوس - ذريعة لنشر تعاليم القرآن، وآداب الإسلام، وطريقة آل البيت، ولتلقين الناس روحية الدين والزهد، وما يجب من تهذيب النفوس والأخلاق، وهذه طريقة مبتكرة له في التلقين، لا تحوم حولها شبهة المطاردين له، ولا تقوم بها عليه الحجّة لهم، فلذلك أكثر من هذه الأدعية البليغة، وقد جمعت بعضها (الصحيفة السجادية) التي سمّيت ب (زبور آل محمّد).
وجاءت في أسلوبها، ومراميها في أعلى أساليب الأدب العربي، وفي
(1) هذه الفكرة - التعليم من خلال الدعاء - لا تلائم ما روي في صدر الصحيفة السجّادية على منشئها علیه السلام، حيث كان التحفّظ من نشرها، والدعوة لكتمانها هو ما صلى طلبه الرواة الأوائل من آل محمّد صلی الله علیه وآله وسلم.
أمّا الإمام زين العابدين وسيّد الساجدين علیه السلام فقد اتّخذ الطرق المعروفة في تربية العلماء، وبثّ العلم من خلالهم، ومنهم قيس الماصر، فإنّه أخذ الكلام منه علیه السلام.
نعم، كان للتضييق الذي مارسته السلطة المتجبّرة الأمويّة دور كبير في تحجيم عمل الإمام علیه السلام، والتضييق عليه، لكنّه مارس دوره الطبيعي بحسب ما تيسّر له، وليس من خلال الدعاء.
أسمى مرامي الدين الحنيف، وأدقّ أسرار التوحيد والنبوّة، وأصحّ طريقة لتعليم الأخلاق المحمّدية، والآداب الإسلامية.
وكانت في مختلف الموضوعات التربوية الدينية، فهي تعليم للدين، والأخلاق في أسلوب الدعاء، أو دعاء في أسلوب تعليم للدين والأخلاق.
وهي بحقّ بعد القرآن، ونهج البلاغة، من أعلى أساليب البيان العربي، وأرقى المناهل الفلسفية في الإلهيات والأخلاقيات.
فمنها: ما يعلّمك كيف تمجد الله، وتقدّسه، وتحمده، وتشكره، وتنوب إليه.
ومنها: ما يعلّمك كيف تناجيه، وتخلو به بسرّك، وتنقطع إليه.
ومنها: ما يبسط لك معنى الصلاة على نبيّه ورسله، وصفوته من خلقه، وكيفيتها.
ومنها: ما يفهّمك ما ينبغي أن تبرّ به والديك.
ومنها: ما يشرح لك حقوق الوالد على ولده، أو حقوق الولد على والده، أو حقوق الجيران، أو حقوق الأرحام، أو حقوق المسلمين عامّة، أو حقوق الفقراء على الأغنياء وبالعكس.
ومنها: ينبّهك على ما يجب إزاء الديون للناس عليك، وما ينبغي أن تعمله في الشؤون الاقتصادية والمالية، وما ينبغي أن تعامل به أقرانك،
وأصدقاءك، وكافّة الناس، ومن تستعملهم في مصالحك.
ومنها: ما يجمع لك بين جميع مكارم الأخلاق، ويصلح أن يكون منهاجاً كاملاً لعلم الأخلاق.
ومنها ما يعلّمك كيف تصبر على المكاره والحوادث، وكيف تلاقي حالات المرض والصحّة.
ومنها: ما يشرح لك واجبات الجيوش الإسلامية، وواجبات الناس معهم.
إلى غير ذلك ممّا تقتضيه الأخلاق المحمّدية، والشريعة الإلهيّة، وكلّ ذلك بإسلوب الدعاء وحده.
والظاهرة التي تطغو على أدعية الإمام عدّة أمور:
الأوّل: التعريف بالله تعالى، وعظمته وقدرته، وبيان توحيده، وتنزيهه بأدقّ التعبيرات العلمية، وذلك يتكرّر في كلّ دعاء بمختلف الأساليب، مثل ما تقرأ في الدعاء الأول: «الحمد لله، الأوّل بلا أوّل كان قبله، والآخر بلا آخر يكون بعده، الذي قصرت عن رؤيته أبصار الناظرين، وعجزت عن نعته أوهام الواصفين، ابتدع بقدرته الخلق ابتداعاً، واخترعهم على مشيئته اختراعاً».
فتقرأ دقيق معنى الأوّل والآخر، وتنزّه الله تعالى عن أن يحيط به بصر أو وهم، ودقيق معنى الخلق والتكوين.
ثمّ تقرأ أسلوباً آخر في بيان قدرته تعالى، وتدبيره في الدعاء: «الحمد الله الذي خلق الليل والنهار بقوّته، وميّز بينهما بقدرته، وجعل لكلّ منهما حداً محدوداً، يولج كلّ واحد منهما في صاحبه، ويولج صاحبه فيه، بتقدير منه للعباد فيما يغذوهم به وينشئهم عليه، فخلق لهم الليل ليسكنوا فيه من حركات التعب، ونهضات النصب، وجعله لباساً ليلبسوا من راحته ومقامه، فيكون ذلك لهم جماماً وقوّة، لينالوا به لذة وشهوة» إلى آخر ما يذكر من فوائد خلق النهار الليل، وما ينبغي أن يشكره الإنسان من هذا النعم.
وتقرأ أسلوباً آخر في بيان أنّ جميع الأمور بيده تعالى في الدعاء: «يا من تحلّ به عقد المكاره، ويا من يُفثأ به حدّ الشدائد، ويا من يُلتمس منه المخرج إلى روح الفرج، ذلّت لقدرتك الصعاب، وتسبّبت بلطفك الأسباب، وجرى بقدرتك القضاء، ومضت على إرادتك الأشياء، فهي بمشيتك دون قولك مؤتمرة، وبإرادتك دون نهيك منزجرة».
الثاني: بيان فضل الله تعالى على العبد، وعجز العبد عن أداء حقّه مهما بالغ في الطاعة، والعبادة، والانقطاع إليه تعالى كما تقرأ في الدعاء (37): «اللهمّ إنّ أحداً لا يبلغ من شكرك غاية إلّا حَصَل عليه من إحسانك ما يُلزمه شكراً ، ولا يبلغ مبلغاً من طاعتك وإن اجتهد إلّا كان مقصّراً دون استحقاقك بفضلك، فأشكَر عبادك عاجزٌ عن شكرك، وأعْبَدهم مقصّر عن طاعتك».
وبسبب عظم نِعم الله تعالى على العبد التي لا تتناهى يعجز عن شكره، فكيف إذا كان يعصيه مجترئاً، فمهما صنع بعدئذ لا يستطيع أن يكفّر عن معصية واحدة، وهذا ما تصوّره الفقرات الآتية من الدعاء (16): «يا إلهي لو بكيت إليك حتّى تسقط أشفار عيني، وانتحبت حتّى ينقطع صوتي، وقمت لك حتى تتنشر قدماي، وركعت لك حتّى ينخلع صلبي، وسجدت لك حتّى تتفقّأ حدقتاي، وأكلت تراب الأرض طول عمري، وشربت ماء الرماد آخر دهري، وذكرتك في خلال ذلك حتّى يكلّ لساني، ثمّ لم أرفع طرفي إلى آفاق السماء استحياء منك ما استوجبت بذلك محو سيّئة واحدة من سيئاتي».
الثالث: التعريف بالثواب والعقاب، والجنّة، والنار، وأنّ ثواب الله تعالى كلّه تفضّل، وأنّ العبد يستحقّ العقاب منه بأدنى معصية يجترئ بها، والحجّة عليه فيها الله تعالى.
وجميع الأدعية السجّادية تلهج بهذه النغمة المؤثّرة، للإيحاء إلى النفس الخوف من عقابه تعالى، والرجاء في ثوابه، وكلّها شواهد على ذلك بأساليبها البليغة، المختلفة التي تبعث في قلب المتدبّر الرعب، والفزع من الإقدام على المعصية، مثل ما تقرأ في الدعاء (46): «حجّتك قائمة، وسلطانك ثابت لا يزول، فالويل الدائم لمن جنح عنك، والخيبة الخاذلة لمن خاب منك، والشقاء الأشقى لمن اغترّ بك، ما أكثرَ تصرّفه في عذابك،
وما أطول تردّده في عقابك، وما أبعد غايته من الفرج، وما أقنطه من سهولة المخرج، عدلاً من قضائك لا تجور فيه، وإنصافاً من حكمك لا تحيف عليه، فقد ظاهرت الحجج، وأُبليت الأعذار.
ومثل ما تقرأ في الدعاء (31) : «اللهمّ فارحم وحدتي بين يديك، ووجيب قلبي من خشيتك، واضطراب أركاني من هيبتك، فقد أقامتني يا ربّ ذنوبي مقام الخزي بفنائك، فإن سكتّ لم ينطق عنّي أحد، وإن شفعت فلست بأهل الشفاعة».
ومثل ما تقرأ في الدعاء (39): «فإنّك إن تكافني بالحقّ تهلكني، وإلّا تغمدني برحمتك توبقني... وأستحملك من ذنوبي ما قد بهظَني حمله، وأستعين بك على ما قد فدحني ثقله، فصلّ على محمد وآله، وهب لنفسي على ظلمها نفسي، ووكلّ رحمتك باحتمال إصري».
الرابع: سوق الداعي بهذه الأدعية إلى الترفّع عن مساوئ الأفعال، وخسائس الصفات، لتنقية ضميره، وتطهير قلبه، مثل ما تقرأ في الدعاء (20) «اللهمّ، وفّر بلطفك نيّتي، وصحح بما عندك يقيني، واستصلح بقدرتك ما فسد منّي... اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، ومتّعني بهدى صالح لا أستبدل به وطريقة حقّ لا أزيغ عنها، ونيّة رشد لا أشكّ فيها... اللهمّ لا تدع خصلة تعاب منّي إلّا أصلحتها، ولا عائبة أؤنّب بها إلّا حسّنتها، ولا أكرومة في ناقصة إلّا أتممتها».
الخامس: الإيحاء إلى الداعي بلزوم الترفّع عن الناس، وعدم التذلّل لهم، وألّا يضع حاجته عند أحد غير الله، وأنّ الطمع بما في أيدي الناس من أخسّ ما يتّصف به الانسان مثل ما تقرأ في الدعاء (20): «ولا تفتنّي بالاستعانة بغيرك إذا اضطررت، ولا بالخشوع لسؤال غيرك إذا افتقرت، ولا بالتضرّع إلى من دونك إذا رهبت، فأستحقّ بذلك خذلانك ومنعك وإعراضك».
ومثل ما تقرأ في الدعاء (28): «اللهمّ، إنّي أخلصت بانقطاعي إليك، وصرفت وجهي عمّن يحتاج إلى رفدك، وقلبت مسألتي عمّن لم يستغن عن فضلك، ورأيت أنّ طلب المحتاج إلى المحتاج سفه من رأيه، وضلة من عقله».
ومثل ما تقرأ في الدعاء (13): «فمن حاول سدّ خلّته من عندك ورام صرف الفقر عن نفسه بك، فقد طلب حاجته في مظانّها، وأتى طلبته من وجهها، ومن توجّه بحاجته إلى أحد من خلقك، أو جعله سبب نجاحها دونك، فقد تعرّض للحرمان، واستحقّ منك فوت الإحسان».
السادس: تعليم الناس وجوب مراعاة حقوق الآخرين، ومعاونتهم، والشفقة، والرأفة من بعضهم لبعض، والإيثار فيما بينهم، تحقيقاً لمعنى الأخوّة الإسلامية.
مثل ما تقرأ في الدعاء (38): «اللهمّ، إنّي أعتذر إليك من مظلوم ظُلم
بحضرتي فلم أنصره، ومن معروف أُسدي إليّ فلم أشكره، ومن مسيءٍ اعتذر إليّ فلم أعذره، ومن ذي فاقة سألني فلم أؤثره، ومن حقّ ذي حقّ لزمني لمؤمن فلم أوفّره، ومن عيب مؤمن ظهر لي فلم أستره».
إنّ هذا الاعتذار من أبدع ما ينبّه النفس إلى ما ينبغي عمله من هذه الأخلاق الإلهية العالية.
وفي الدعاء (39) ما يزيد على ذلك، فيعلّمك كيف يلزمك أن تعفو عمّن أساء إليك، ويحذّرك من الانتقام منه، ويسمو بنفسك إلى مقام القديسين: «اللهمّ، وأيّما عبد نال منّي ما حظرت عليه، وانتهك منّي ما حجرت عليه، فمضى بظلامتي ميّتاً، أو حصلت لي قِبَلَه حيّاً فاغفر له ما ألمّ به منّي، واعف له عمّا أدبر به عنّي، ولا تقفه على ما ارتكب فيّ، ولا تكشفه عمّا اكتسب بي، واجعل ما سمحت به من العفو عنهم، وتبرّعت الصدقة عليهم أزكى صدقات المتصدّقين، وأعلى صلات المتقرّبين، وعوّضني من عفوي عنهم عفوك، ومن دعائي لهم رحمتك، حتّى يسعد كلّ واحد منّا بفضلك».
وما أبدع هذه الفقرة الأخيرة، وما أجمل وقعها في النفوس الخيّرة لتنبيهها على لزوم سلامة النيّة مع جميع الناس، وطلب السعادة لكلّ أحد حتّى من يظلمه ويعتدي عليه.
ومثل هذا كثير في الأدعية السجّادية، وما أكثر ما فيها من هذا النوع من التعاليم السماوية المهذّبة لنفوس البشر لو كانوا يهتدون.
وممّا امتازت به الإمامية العناية بزيارة القبور(1) - قبور النبيّ
(1) بحث حول زيارة القبور
لقد مثّل الإسلام في منظومته العقائدية، والتشريعية أرقى ألوان الانسجام والتفاعل المعطاء بين المفاهيم النظرية والآثار العملية المترتّبة عليها، ومن الدعائم المهمّة للعقيدة الإسلامية هي الاعتقاد بالإمامة التي هي في حقيقتها الولاية الإلهيّة المربّية للإنسان، والموصلة له إلى كماله المنشود، لذا كان للحجّة في الفكر الإسلامي منزلة سامية لا يدانيه فيها أحد، فهو في أحد أبعاده ضرورة وجوديه، أو قل: هو محور نظام التكوين (لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها) [ينظر بصائر الدرجات: 509] كما هو مضمون الكثير من الروايات، وهو في أحد أبعاده القدوة للإنسان في مسيرة حياته، والمرء لا تخلو حياته من حاجة إلى مَن يستر شد هداه، ومهما حصل من الكمال فهو يشعر بالضعف والفقر، ويتطلّب من يتمثّله فكراً، أو يقتدي به في السلوك، وقد جاء في التنزيل: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ» [سورة الأحزاب: 21] أنّ الأمر بالتأسّي لكلّ البشر بشخص المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لدليل على وجود معنى وهدف في شخصيّته المقدّسة، تسعى له كلّ شخصيات البشر إلى يوم القيامة، فالرسول الأكرم وآله الأطهار علیهم السلام حجج الله على الناس وقدوتهم.
هذه منزلتهم التي أنزلهم الله بها، وهذا واضح من عقيدتنا في الرسول الأكرم محمّد وآله الطاهرين علیهم السلام.
ومن معالم الانسجام بين العقيدة والشريعة، وبين المفاهيم النظرية والمواقف العملية أن أُمرنا - بالاستحباب المؤكّد - بزيارتهم، والوقوف على قبورهم، لئلّا تحرم الأجيال التي لم نعاصرها من فيض ذلك العطاء الإلهيّ العظيم، يقف الزائر
ليحمد الله تعالى، ويثنني، ويبيّن فضائل المزور، وموقعه من الإسلام، ويستجلي من مفاهيم دينه كنوزاً ما كان ليعرفها لولا الوقوف، وهو في حالة من الشدّ العاطفي والاستجلاء الفكري الذي تطرحه الزيارات والتي هي في الغالب مأثورة عن آل محمّد علیهم السلام، ومشحونة بألوان المعارف الإسلامية العظيمة، فللزيارة موقعها الناهض في شدّ الناس إلى الإسلام فكراً، وربطهم بأشخاص مثّلوا ذلك الفكر سلوكاً تامّاً لا شائبة للدنيا فيه.
ومن هذه الزيارات زيارة (أمين الله) وهي وإن تعارف في هذا الزمان أنّه يُزار أمير المؤمنين علیه السلام بها كزيارة مطلقة في جميع الأوقات، وكزيارة مخصوصة له علیه السلام في يوم الغدير، وكزيارة جامعة يُزار بها أيّ من الأئمّة الهداة علیهم السلام، ولأهميّتها البالغة سنتعرّض لاستيضاح معانيها، وفيض عطائها، في وقفة سريعة، يحاصرها قصر باع، وقلّة اطلاع، أسأله تعالى التوفيق والسداد بمحمّد وآله الأمجاد.
تجد الحشود الهائلة تُهرع إلى أئمّتها كلّما حلّ موسم من مواسم الولاء لآل محمّد صلی الله علیه وآله وسلم.
أمّا السنّة، فهم يزورون - في العراق مثلاً - المراقد المعروفة لصلحائهم مثل عبد القادر الكيلاني، وأبي حنيفة وغيرهما، وهذا معروف من سيرتهم، والناظر في تراجم رجالاتهم، وكبار مذهبهم يجد عبارات: (قبره ظاهر يزار)، أو (وهو يزار) وغيرها كثيرة الدوران، بل ملفتة للنظر مع ما يدّعيه بعضهم من كون زيارة القبور من البدع الحادثة في الإسلام، لا سيّما وقد ذكر تلك التصريحات الذهبي المعاصر لابن تيمية إمام الناهين عن الزيارة.
الزيارة لغة:
قال الراغب: «الزور اعلى الصدر وزرت فلانا تلقيته بزوري أو قصدت زوره... والزور ميل في الزور، والأزور المائل الزور، وقوله: «تَزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ»
[سورة الكهف: 17] أي تميل». انتهى كلام الراغب. [المفردات في غريب القران: 386، مادّة (زور)].
وقال ابن منظور: «الزور: الصدر وقيل وسط الصدر وقيل اعلى الصدر وقيل ملتقى اطراف عظام الصدر حيث اجتمعت... الخ»، وقال: «والزور الزائرون، وزاره يزوره زوراً، وزيارة وزوارة وازداره: عاد، افتعل من الزياره... والزوره: المرّة من الواحدة، ورجل زائر من قوم زور وزوّار و زور، الأخيرة اسم للجمع، وقيل: هو جمع زائر، والزور: الذي يزورك، ورجل زور وقوم زور وامرأة زور ونساء زور، يكون للواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث بلفظ واحد؛ لأنّه مصدر... وقد تزاوروا: زار بعضهم بعضاً، والتزوير كرامة الزائر، وإكرام المزور للزائر» [لسان العرب: 1711/1 - 1712 مادّة (زور)].
و من متابعة كلام أهل اللغة تعرف أنّ الزيارة بمعنى: الميل، وتعديته بنفسه بمعنى مال إليه، وب(عن) فيكون بمعنى: مال عنه، نصّ على ذلك ابن فارس فقال: «الزاي والواو والراء أصل واحد يدلّ على الميل والعدول... ومن الباب الزائر لأنه إذا زارك فقد عدل عن غيرك» [معجم مقاييس اللغة: 443 مادّة (زور)].
الزيارة شرعاً:
الزيارة في الكتاب الكريم
في كتاب الله العزيز جاءت هذه الآية وهي تدلّ على جواز الوقوف على القبر، والدعاء، والاستغفار، والزيارة - في روحها - لا تزيد على ذلك.
«وَلَا تُصَل عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا نَهُمْ عَلَى قَبرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَسِقُونَ» [سورة التوبة: 84]، تدلّ هذه الآية - بمنطوقها - على تحريم الوقوف على قبور من مات على الكفر، وتدلّ - بمفهومها - على جواز الوقوف على قبور المؤمنين، بل لعلّ الأقرب أن يكون الوقوف على قبور المؤمنين هو المعروف الذي
عليه عمل المصطفى صلی الله علیه وآله وسلم، والمسلمين، ثمّ نهي الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم عن الوقوف على قبور من كفر بالله ورسوله صلی الله علیه وآله وسلم فهي مخصّصة للسيرة الدالّة على العموم، وأنت خبير بأنّ العامّ المخصّص حجّة في ما بقي - كما يقول الأصوليون - وإليك آراء بعض المفسرين - من الفريقين - حول الآية:
1- قال الطبرسي: «وَلَا نَقُم عَلَى قَبْرِهِ»، أي لا تقف على قبره للدعاء فإنّه علیه السلام كان اذا صلى على ميت يقف على قبره ساعة، ويدعو له، فنهاه الله تعالى عن على المنافقين، والوقوف على قبورهم، والدعاء لهم، ثمّ بيّن سبحانه سبب الأمرين، فقال: «إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَسِقُونَ» فما صلّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك على منافق حتّى قبض.
وفي هذه الآية دلالة على أنّ القيام على القبر للدعاء مشروعة، ولولا ذلك لم يخصّ سبحانه النهي بالكافر». [مجمع البيان: 5/ 100].
2- قال القرطبي: ««وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ»، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له بالتثبيت». [الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي): 223/8].
3- قال ابن كثير: «أمر الله تعالى رسوله صلی الله علیه وآله وسلم أن يبرأ من المنافقين، وأن لا يصلّي على أحد منهم إذا مات، وأن لا يقوم على قبره ليستغفر له، أو يدعو له؛ لأنّهم كفروا بالله ورسوله، وماتوا عليه». [تفسير القرآن العظيم (لابن كثير): 2/ 392].
الزيارة في السنّة
والروايات الحاثّة على زيارة قبور المؤمنين عموماً أو قبور النبيّ وآله الطاهرين كثيرة من الفريقين، وإليك نماذج منها:
1- «عن أبي سعيد الخدري رضی الله عنه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجراً». [المسند (للشافعي): 361].
2- «عن علي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن زيارة القبور، وعن الأوعية، وأن تحبس
لحوم الأضاحي بعد ثلاث ، ثمّ قال: إنّي كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنّها تذكّركم الآخرة ... الخ». [مسند أحمد: 1/ 145].
3- عن عمر قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يقول: مَن زار قبري أو قال: مَن زارني كنت له شفيعاً، أو شهيداً». [السنن الكبرى (للبيهقي): 5/ 245، مسند أبي داود الطيالسي: 12].
4- «عن أنس بن مالك مرفوعاً: من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة». [تلخيص الحبير: 418/7].
وأمّا من طرق الشيعة، فقد وردت الكثير من الروايات الحاثّة على زيارة قبر النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم وقبور آله علیهم السلام، منها:
1- عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم: من زارني في حياتي وبعد موتي كان في جواري يوم القيامة». [تهذيب الأحكام: 3/6، ب فضل زيارته صلی الله علیه وآله وسلم، ح 2].
2- «عن ابن أبي نجران قال: سالت أبا جعفر الثاني علیه السلام عمّن زار النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم قاصداً، قال: له الجنّة». [تهذيب الأحكام: 3/6، ب فضل زيارته صلی الله علیه وآله وسلم، ح 3].
3- عن الصادق علیه السلام «قال: بينا الحسن بن علي علیه السلام في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ رفع رأسه فقال: يا أبه، ما لمن زارك بعد موتك؟
فقال: يا بُني، من أتاني زائراً بعد موتي فله الجنّة، ومن أتى أخاك زائراً بعد موته فله الجنّة، ومن أتاك بعد موتك فله الجنّة». [تهذيب الأحكام: 6 / 20، ب فضل زيارته [الأمير] علیه السلام، ح 1].
وللإمامية - إعزّ الله دعوتهم - تصانيف في بيان فضل الزيارات للرسول والأئمّة علیهم السلام، منها (كامل الزيارات) لابن قولويه و (المصباح) للطوسي، وكتب المزار معروفة مشهورة.
ومن روايات الشيعة في فضل زيارة سيّد المرسلين صلی الله علیه وآله وسلم وأمير المؤمنين علیه السلام
بالخصوص:
1- ابن قولويه بسنده «عن أبي وهب البصري قال: دخلت المدينة فأتيت أبا عبد الله علیه السلام، فقلت: جعلت فداك، أتيتك ولم أزر قبر أمير المؤمنين علیه السلام.
قال: بئس ما صنعت، لولا أنّك من شيعتنا ما نظرت إليك، ألا تزور من يزوره الملائكة، ويزوره الأنبياء، ويزوره المؤمنون؟!
قلت: جعلت فداك، ما علمت ذلك.
قال: فاعلم أنّ أمير المؤمنين علیه السلام أفضل عند الله من الأئمة كلّهم، وله ثواب أعمالهم، وعلى قدر أعمالهم فضّلوا». [كامل الزيارات: 89].
2- وعنه بسنده، «عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال الحسن لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: يا أبه، ما جزاء من زارك، قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: بني، من زارني حيّاً أو ميتاً، أو زار أباك كان حقّاً على الله عزّوجلّ أن أزوره يوم القيامة حتى أخلصه من ذنوبه». [كامل الزيارات: 40].
الزيارة في سيرة المسلمين
أمّا الشيعة، فالمعروف من مذهبهم تشريع الزيارة، والحثّ عليها، وقد دأب أبناء الطائفة على ممارستها رغم ضغوط الحكّام، ومحاربة الطواغيت لهذا المظهر المرتبط بآل محمّد علیهم السلام، وقد ظهر منهم من الإصرار عليها، والثبات على أدائها ما يُسرّ الصديق، ويسوء العدو الشانئ، لما تمثّله الزيارة من ارتباط بالرسالة الإسلامية في خطّها العلوي الأصيل، وتأريخ الشيعة حافل بأرق-ام ش-اهدة لهذه الدعوة، وآخرها في زماننا هذا، إقبال شيعة العراق على الزيارات رغم ما يحفّ بها من مخاطر، سواء أيام البعث المجرم وسياطه، وسجونه، واعداماته، أو أيام ما بعد البعث ومفخّخاته، وأحزمته الناسفة، وإليك نماذج منها:
1- قال الذهبي في ترجمة مسلم بن الحجّاج صاحب الصحيح: «الإمام الحافظ حجّة الإسلام أبو الحسين القشيري النيسابوري، صاحب التصانيف، يقال: ولد
سنة أربعة ومئتين... مات مسلم في رجب سنة إحدى وستّين ومئتين، وقبره يزار». [تذكرة الحفاظ: 590/2].
2- وقال في ترجمة ابن عساكر: «وقبره يزار بباب الصغير». [تذكرة الحفاظ: 1334/4].
3- وقال في ترجمة معروف الكرخي: «وعن إبراهيم الحربي قال: قبر معروف الترياق المجرّب.
يريد إجابة دعاء المضطرّ عنده لان البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء». [سير أعلام النبلاء: 344/9].
4- قال عن الذهلي: «وكان ورعاً، تقيّاً، محتشماً، يُتبرّك بقبره». [سير أعلام النبلاء: 101/18].
وغير هذه الموارد كثير، والمتابع خبير.
فقه الزيارة وآدابها
الزيارة من المستحبّات، وقال بعض علماء الإمامية بوجوبها؛ لخصوص الإمام الحسين علیه السلام لما ورد من الحثّ عليها، وفي بعض الروايات أنّ زيارته واجبة لكن الأشهر أنها مستحبّة، وكذا ذهب أهل السنّة إلّا شرذمة منهم إلى اسحبابها للنبي صلی الله علیه وآله وسلم، وزيارة قبور الصالحين من مرتكزاتهم، وقد عرفت ذلك في ما مرّ.
ومن آداب الزيارة
أن يغتسل المصلّي قبلها، وهل هذا الغسل يجزي عن الوضوء أم لا؟ فيه خلاف، منشأه عدم ثبوت استحبابه شرعاً لذا يؤتى بالغسل برجاء المطلوبية ولا يُجتزء به عن الوضوء كما ذهب إليه السيّد الخوئي قدس سرّه. [ينظر منهاج الصالحين: 1/ 94 - 95، ط 30]، والسيّد محمّد سعيد الحكيم قدس سرّه. [ينظر منهاج الصالحين: 1/ 115، ط3]، والسيّد السيستاني دام ظله. [المسائل المنتخبة: 72، ط 10].
ومن آدابها: لبس الثياب النظيفة، والتعطّر إلّا في زيارة أبي عبد الله الحسين علیه السلام فالأفضل زيارته أشعث أغبر، وعلّل هذا الأمر: بأنّه علیه السلام قتل أشعثاً أغبراً عطشاناً.
ومن آدابها: المشي بوقار وسكينة، ويقارب بين خطاه، والإكثار من ذكر الله تعالى قبل الدخول أثناء المشي.
ومنها: أن يجتنب في الطريق التكلّم بالغو، والخصام، والجدال.
و من آدابها: الاستئذان قبل الدخول، ومن الملاحظ في الاستئذانات الواردة لدخول الحضرات الشريفة أنّها تربط بين المزور من أهل البيت علیهم السلام وبين الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم فقد جاء في أحدها عند الاستئذان لدخول حرم أمير المؤمنين علیه السلام: «السلام على رسول الله أمين الله على وحيه وعزائم أمره، الخاتم لما سبق، والفاتح لما استقبل، والمهيمن على ذلك كلّه، السلام على صاحب السكينة، السلام المدفون بالمدينة، السلام على المنصور المؤيّد، السلام على أبي القاسم محمّد بن عبد الله ورحمة الله وبركاته». [مصباح المتهجد: 741].
فأنت لاترى ذكراً للمزور إنّما هو سلام على منبع الشرف، وشمس الكمال الذي تستمدّ منه جميع الموجودات خيرها، ووجودها: «لولاك ما خلقت الأفلاك». [بحار الأنوار: 28/15، تاريخ نبيّنا علیه السلام، باب بدء خلقه...، ح 48].
وفي استأذان آخر: «اللهمّ إنّي وقفت على باب من أبواب بيوت نبيّك صلواتك عليه وآله، وقد منعت الناس أن يدخلوا إلّا بإذنه فقلت: «يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِي إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ» [سورة الأحزاب: 53]» إلى آخره. [البلد الأمين: 276].
فنجد أنّ الدخول إلى حرم المعصوم من آل محمّد صلی الله علیه وآله وسلم للدخول إلى بيت من بيوت الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم.
وأنت إذا وضعت أمام عينك الجهود المبذوله من قبل أعداء الله تعالى للفصل
بين النبي الأكرم وآله صلی الله علیه وآله وسلم عرفت عظم هذه الخطوة المؤكِّدة للرابطة الوثيقة بين الرسول وآل الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، فقد قالت قريش: «إنّما مثل محمّد نخلة نبتت في الكبا [أي: مزبلة] [مجمع الزوائد: 215/8]، وقال ابن الزبير عندما ليم في تركة للصلاة على محمّد وآل محمد، قال: «إنّ له أهيل سوء، إذا ذكر اشر أبّت أعناقهم» [أنساب الأشراف: 133/7]، وقبله قال الظالمون: أنّ رسول الله لا يورّث، في محاولة خبيثه للفصل بين الرسول الأعظم وبضعته الطاهرة، وبالتالي علي وآل علي علیهم السلام.
ومن آداب الزيارة: تقبيل العتبة المباركة، قال الشيخ عبّاس القمي نقلاً عن الشهيد: «لو سجد الزائر، ونوى بالسجدة الشكر الله تعالى على بلوغه تلك البقعة كان أولى» [مفاتيح الجنان: 472، في آداب الزيارة، الدروس الشرعية: 2/ 25].
ومنها: تقديم الرجل اليمنى عند الدخول، واليسرى عند الخروج.
ومنها: أن يقترب من الضريح بحيث يلصق جسمه به.
قال السيّد محمّد مهدي بحر العلوم قدس سرّه في درّته النجفية [الدرّة النجفية: 100]:
ومن حديثِ كربلا والكعبةِ *** لكربلا بانَ علوُّ الرتبةِ
وغيرها مِن سائرِ المشاهدِ *** أمثالُها بالنقلِ ذي الشواهدِ
وراعَ فيهنّ اقترابِ الرمسِ *** وآثر الصلاةَ عند الرأسِ
وصلِّ خلفَ القبرِ فالصحيحِ *** كغيرهِ في ندبِها صريحِ
والفرقُ بينَ هذهِ القبورِ *** وغيرِها كالنورِ فوقَ الطورِ
فالسعي للصلاةِ عندها ندب *** وقربها بل اللصوق قد طَلِب
ومنها: أن يقف للزيارة مستقبلاً القبر مستدبراً القبلة قال الشيخ عباس القمّي قدس سرّه: «وهذا الأدب ممّا يخصّ زيارة المعصوم على الظاهر» [مفاتيح الجنان: 472]، وقد وردت النصوص في أن يقف الزائر مستقبلاً القبر مستدبراً القبلة.
ومنها: أن تكون زيارته بالمأثور من الزيارات.
ومنها: أن يصلّي صلاة الزيارة وأقلّها ركعتان، وأن تكون القراءة بسورة (يس) في الأولى و(الرحمن) في الثانية، إن لم تكن لصلاة الزيارة كيفية مخصوصة.
ويدعوا بعدها بالمأثور.
ومنها: أن يبدء بالصلاة المفروضة إن دخل في وقتها، أو كان الإمام يصلّى، وان كان قد صلّى بدء بالزيارة.
ومنها: تلاوة شيء من القرآن عند الضريح، وإهداءه إلى الإمام.
ومنها: ترك اللغو، وما لا ينبغي من الكلام، وترك الاشتغال بالتكلّم في أمور الدنيا.
ومنها: أن لا يرفع صوته بما يزور به.
ومنها: أن يتوب إلى الله تعالى، ويستغفر من ذنوبه، وأن يجعل أعماله وأقواله بعد الزيارة خيراً منها قبلها.
ومنها: الإنفاق على سدنه المشهد.
ومنها: الإنفاق على المجاورين لتلك المشاهد من الفقراء والمساكين المتعفّفين، والإحسان إليهم، لا سيّما السادة، وأهل العلم المنقطعين، الذين يعيشون في غربة وضيق، وهم يرفعون لواء التعظيم لشعائر الله. ومنها: تعجيل الخروج عن الانتهاء من الزيارة؛ وذلك لتعظيم الحرمة، وليشتدّ شوقه للعود إلى ذلك المشهد.
ومنها: أن تزور النساء منفردات عن الرجال والأولى أن يزرن ليلاً، وليكنّ متنكرات أي يبّدلن الثياب النفيسة بالدانية الرخيصة لكي لا يعرفن.
ومنها: أن يعجّل الواصل إلى الضريح بتركه؛ لإفساح المجال للآخرين للوصول والدنو من الضريح الطاهر.
والأئمّة علیهم السلام - وتشييدها، وإقامة العمارات الضخمة عليها، ولأجلها يضحّون بكلّ غال ورخيص، عن إيمان وطيب نفس.
ومردّ كلّ ذلك إلى وصايا الأئمّة، وحثّهم شيعتهم على الزيارة، وترغيبهم فيما لها من الثواب الجزيل عند الله تعالى، باعتبار أنّها من أفضل الطاعات والقربات بعد العبادات الواجبة، وباعتبار أنّ هاتيك القبور من خير المواقع لاستجابة الدعاء، الانقطاع إلى الله تعالى.
وجعلوها أيضاً من تمام الوفاء بعهود الأئمّة، «إذ أنّ لكلّ إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وأنّ من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً بما رغّبوا فيه كان أئمّتهم شفعاؤهم يوم القيامة»(1).
وفي زيارة القبور من الفوائد الدينية والاجتماعية ما تستحقّ العناية من أئمّتنا، فإنّها في الوقت الذي تزيد من رابطة الولاء والمحبّة بين الأئمّة وأوليائهم، وتجدد في النفوس ذكر مآثرهم وأخلاقهم وجهادهم في سبيل الحقّ - تجمع في مواسمها أشتات المسلمين المتفرّقين على صعيد واحد، ليتعارفوا ويتآلفوا، ثمّ تُطبع في قلوبهم روح الانقياد إلى الله تعالى والانقطاع إليه وطاعة أوامره وتلقّنهم في مضامين عبارات الزيارات البليغة الواردة عن آل البيت حقيقة التوحيد، والاعتراف بقدسية
1) الكافي: 4 / 567، ب بدون عنوان، ح 2، كامل الزيارات: 236- 237
الإسلام والرسالة المحمدية، وما يجب على المسلم من الخُلق العالي الرصين، والخضوع إلى مدبّر الكائنات، وشكر آلائه ونعمه، فهي من هذه الجهة تقوم بنفس وظيفة الأدعية المأثورة التي تقدّم الكلام عليها، بل بعضها يشتمل على أبلغ الأدعية وأسماها كزيارة (أمين الله)، وهي الزيارة المرويّة عن الإمام زين العابدين علیه السلام حينما زار قبر جدّه أمير المؤمنين علیه السلام.
كما تُفّهم هذه الزيارات المأثورة مواقف الأئمّة علیهم السلام وتضحياتهم في
(1) هناك الكثير من المصادر التي ذكرت هذه الزيارة ، منها : المصباح (للطوسي): 738، كامل الزيارات: 92، المزار الكبير: 282، إقبال الأعمال: 2/ 273، فرحة الغري: 71، المزار (للشهيد الأوّل): 49، المصباح (للكفعمي): 480، البلد الأمين (للكفعمي): 495، بحار الأنوار: 100 / 264، وسائل الشيعة: 14/ 395، ب 30 من أبواب المزار وما يناسبه، ح 2، وغيرها.
وهناك اختلاف في النسخ، منه:
1- ففي نسخة المصباح للشيخ الطوسي قدس سرّه تبدء الزيارة ب«السلام عليك يا أمين الله في أرضه»، وعبارة «السلام عليك يا أمير المؤمنين» بعد عبارة «وحجّته على عباده»، وبدلاً عن «وقبضك إليه» توجد «فقبضك إليه».
وفي نسخة الشيخ «والإغاثة لمن استغاث بك موجودة، والإعانة لمن استعان بك مبذولة».
وفيها «وعوائد المزيد متواترة» بعد «وجوائز السائلين عندك موفّرة»، ولا يوجد في نسخة الشيخ الدعاء الأخير «أنت إلهي، وسيّدي ومولاي... إلخ».
سبيل نصرة الحقّ، وإعلاء كلمة الدين، وتجرّدهم لطاعة الله تعالى، وقد وردت بأسلوب عربي جزل، وفصاحة عالية، وعبارات سهلة يفهمها الخاصّة والعامّة، وهي محتوية على أسمى معاني التوحيد، ودقائقه، والدعاء، والابتهال إليه تعالى.
فهي بحقّ من أرقى الأدب الديني بعد القرآن الكريم، ونهج البلاغة، والأدعية المأثورة عنهم؛ إذ أودعت فيها خلاصة معارف الأئمّة علیهم السلام فيما يتعلّق بهذه الشؤون الدينية والتهذيبية.
ثمّ إنّ في آداب أداء الزيارة أيضاً من التعليم، والإرشاد ما يؤكّد من تحقيق تلك المعاني الدينية السامية، من نحو رفع معنوية المسلم، وتنمية العطف على الفقير، وحمله على حسن العشرة، والسلوك، والتحبّب إلى مخالطة الناس.
فإنّ من آدابها ما ينبغي أن يصنع قبل البدء بالدخول في المرقد المطهّر وزيارته، ومنها ما ينبغي أن يصنع في أثناء الزيارة، وفيما بعد الزيارة.
ونحن هنا نعرض بعض هذه الآداب للتنبيه على مقاصدها التي قلناها:
1- أن يغتسل الزائر قبل الشروع بالزيارة ويتطهّر، وفائدة ذلك فيما نفهمه واضحة، وهي أن ينظّف الإنسان بدنه من الأوساخ؛ ليقيه من
كثير من الأمراض والأدواء، ولئلّا يتأفّف من روائحه الناس، وأن يُطهّر نفسه من الرذائل.
وقد ورد في المأثور أن يدعو الزائر بعد الانتهاء من الغسل؛ لغرض تنبيهه على تلكم الأهداف العالية فيقول: (اللهم اجعل لي نوراً، وطهورا، وحرزاً كافياً من كلّ داء وسقم، ومن كلّ آفة وعاهة، وطهّر به قلبي، وجوارحي، وعظامي، ولحمي، ودمي، وشعري، وبشري، ومخّي، وعظمي وما أقلّت الأرض مني، واجعل لي شاهداً يوم حاجتي، وفقري وفاقتي)(1).
2- أن يلبس أحسن وأنظف ما عنده من الثياب، فإنّ في الأناقة في الملبس في المواسم العامّة ما يحبّب الناس بعضهم إلى بعض، ويقرّب بينهم، ويزيد في عزّة النفوس، والشعور بأهمّية الموسم الذي يشترك فيه.
وممّا ينبغي أن نُلفت النظر إليه في هذا التعليم أنّه لم يفرض فيه أن يلبس الزائر أحسن الثياب على العموم، بل يلبس أحسن ما يتمكّن عليه؛ إذ ليس كلّ أحد يستطيع ذلك، وفيه تضييق على الضعفاء لا تستدعيه الشفقة، فقد جمع هذا الأدب بين ما ينبغي من الأناقة وبين رعاية الفقير، وضعيف الحال.
1) ينظر تهذيب الأحكام: 54/6، ب فضل الغسل للزيارة، ح 7
3- أن يتطيّب ما وسعه الطيب، وفائدته كفائدة أدب لبس أحسن الثياب.
4- أن يتصدّق على الفقراء بما يعنّ له أن يتصدق به، ومن المعلوم فائدة التصدّق في مثل هذه المواسم، فإنّ فيه معاونة المعوزين، وتنمية روح العطف عليهم.
5- أن يمشي على سكينة ووقار، غاضّاً من بصره، وواضح ما في هذا من توقير للحرم، والزيارة، وتعظيم للمزور، وتوجه إلى الله تعالى، وانقطاع إليه، مع ما في ذلك من اجتناب مزاحمة الناس، ومضايقتهم في المرور، وعدم إساءة بعضهم إلى بعض.
6- أن يكبر بقول: «الله أكبر» ويكرّر ذلك ما شاء، وقد تحدّد في بعض الزيارات إلى أن تبلغ المائة، وفي ذلك فائدة إشعار النفس بعظمة الله، وأنّه لا شيء أكبر منه، وأنّ الزيارة ليست إلّا لعبادة الله، وتعظيمه، وتقديسه في إحياء شعائر الله وتأييد دينه.
7- وبعد الفراغ من الزيارة للنبي أو الإمام يصلّي ركعتين على الأقلّ، تطوّعاً وعبادة لله تعالى، ليشكره على توفيقه إيّاه، ويهدي ثواب الصلاة إلى المزور.
وفي الدعاء المأثور الذي يدعو به الزائر بعد هذه الصلاة ما يفهم الزائر، إنّ صلاته، وعمله إنّما هو لله وحده، وأنّه لا يعبد سواه، وليست
الزيارة إلّا نوع التقرّب إليه تعالى زلفى، إذ يقول: «اللهمّ لك صلّيت، ولك ركعت، ولك سجدت، وحدك لا شريك لك، لأنّه لا تكون الصلاة، والركوع والسجود، إلّا لك، لأنّك أنت الله لا إله إلّا أنت.
اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، وتقبّل منّي زيارتي، وأعطني سؤلي بمحمّد وآله الطاهرين»(1).
وفي هذا النوع من الأدب ما يوضّح لمن يريد أن يفهم الحقيقة عن مقاصد الأئمّة، وشيعتهم تبعاً لهم في زيارة القبور، وما يُلقم المتجاهلين حجراً حينما يزعمون أنّها عندهم من نوع عبادة القبور، والتقرّب إليها، والشرك بالله.
وأغلب الظنّ أنّ غرض أمثال هؤلاء هو التزهيد فيما يجلب لجماعة الإمامية من الفوائد الاجتماعية الدينية في مواسم الزيارات، إذ أصبحت شوكة في أعين أعداء آل بيت محمّد، وإلّا فما نظنّهم يجهلون حقيقة مقاصد آل البيت فيها.
حاشا أولئك الذين أخلصوا الله نيّاتهم، وتجرّدوا له في عباداتهم، وبذلوا مهجهم في نصرة دينه - أن يدعو الناس إلى الشرك في عبادة الله.
8- ومن آداب الزيارة: أن يلزم للزائر حسن الصحبة لمن يصحبه، وقلّة الكلام إلّا بخير، وكثرة ذكر الله، والخشوع، وكثرة الصلاة،
1) المزار (للشهيد الأوّل): 50
والصلاة على محمّد وآل محمّد، وأن يغضّ من بصره، وأن يَعدو إلى أهل الحاجة من إخوانه إذا رُأي منقطعاً، والمواساة لهم، والورع عمّا نهى عنه، وعن الخصومة، وكثرة الأيمان، والجدال الذي فيه الأيمان.
ثمّ أنّه ليست حقيقة الزيارة إلّا السلام على النبيّ أو الإمام باعتبار أنهم: «أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»(1)، فهم يسمعون الكلام، ويردّون الجواب، ويكفي أن يقول فيها مثلاً: السلام عليك يا رسول الله، غير أنّ الأولى أن يقرأ فيها المأثور الوارد من الزيارات عن آل البيت؛ لما فيها - كما ذكرنا - من المقاصد العالية والفوائد الدينية، مع بلاغتها وفصاحتها، ومع ما فيها من الأدعية العالية التي يتّجه بها الإنسان إلى الله تعالى وحده.
إنّ الأئمّة من آل البيت علیهم السلام لم تكن لهم همّة - بعد أن انصرفوا عن أن يرجع أمر الأمّة إليهم - إلّا تهذيب المسلمين، وتربيتهم تربية صالحة كما يريدها الله تعالى منهم، فكانوا مع كلّ من يواليهم ويأتمنونه على سرّهم يبذلون قصارى جهدهم في تعليمه الأحكام الشرعية، وتلقينه المعارف المحمّدية، ويعرفونه ما له وما عليه.
ولا يعتبرون الرجل تابعاً وشيعة لهم إلّا إذا كان مطيعاً لأمر الله مجانباً لهواه، آخذا بتعاليمهم وإرشاداتهم.
1) سورة آل عمران: 169
ولا يعتبرون حبّهم وحده كافياً للنجاة، كما قد يمني نفسه بعض من يسكن إلى الدعة، والشهوات، ويلتمس عذراً في التمرّد على طاعة الله سبحانه.
إنّهم لا يعتبرون حبّهم، وولاءهم منجاة إلّا إذا اقترن بالأعمال الصالحة، وتحلّي الموالي لهم بالصدق والأمانة، والورع، والتقوى.
«يا خيثمة، أبلغ موالينا، أنّه لا نغني عنهم من الله شيئاً إلّا بعمل، وأنّهم لن ينالوا ولايتنا إلّا بالورع، وإنّ أشدّ الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلاً ثمّ خالفه إلى غيره»(1).
بل هم يريدون من أتباعهم أن يكونوا دعاة للحقّ، وأدلّاء على الخير والرشاد، ويرون أنّ الدعوة بالعمل أبلغ من الدعوة باللسان: «كونوا دعاة للناس بالخير بغير ألسنتكم، ليروا منكم الاجتهاد، والصدق والورع»(2).
ونحن نذكر لك الآن بعض المحاورات التي جرت لهم مع بعض اتباعهم، لتعرف مدى تشديدهم، وحرصهم على تهذيب أخلاق الناس:
1- محاورة أبي جعفر الباقر علیه السلام مع جابر الجعفي: «يا جابر، أيكتفي من ينتحل التشيع أن يقول بحبّنا أهل البيت؟! فوالله ما شيعتنا إلّا من اتّقى الله وأطاعه.
وما كانوا يعرفون إلّا بالتواضع، والتخّشع، والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبر بالوالدين، والتعاهد للجيران من الفقراء، وأهل المسكنة، والغارمين، والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن الناس إلّا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء.
فاتّقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحبّ العباد إلى الله عزّوجلّ أتقاهم، وأعملهم بطاعته.
يا جابر، والله ما نتقرّب إلى الله تبارك وتعالى إلّا بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا على الله لأحد من حجّة، من كان الله مطيعاً فهو لنا ولي، ومن كان الله عاصياً فهو لنا عدو، وما تنال ولايتنا إلّا بالعمل والورع»(1).
2- محاورة أبي جعفر أيضاً مع سعيد بن الحسن:
أبو جعفر: «أيجئ أحدكم إلى أخيه، فيدخل يده في كيسه، فيأخذ حاجته، فلا يدفعه؟»
سعيد: «ما أعرف ذلك فينا».
أبو جعفر: «فلا شيء إذن».
سعيد: «فالهلاك إذن».
أبو جعفر: «أنّ القوم لم يعطوا أحلامهم بعد»(2).
3- محاورة أبي عبد الله الصادق علیه السلام مع أبي الصباح الكناني:
«الكناني: لأبي عبد الله: ما نلقى من الناس فيك؟!».
أبو عبد الله: «وما الذي تلقى من الناس؟».
الكناني: «لا يزال يكون بيننا وبين الرجل الكلام، فيقول: جعفري خبيث».
أبو عبد الله: «يعيّركم الناس بي؟!».
الكناني: «نعم».
أبو عبد الله: «ما أقلّ والله، مَن يتّبع جعفراً منكم، إنّما أصحابي من اشتدّ ورعه، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، فهؤلاء أصحابي»(1).
4- ولأبي عبد الله علیه السلام كلمات في هذا الباب نقتطف منها ما يلي:
أ) «ليس منّا - ولا كرامة - من كان في مصر في مائة ألف أو يزيدون، وكان في ذلك المصر أحد أورع منه»(2).
ب) «إنّا لا نعدّ الرجل مؤمنا حتّى يكون لجميع أمرنا متّبعاً ومريداً ألا وإنّ من اتّباع أمرناً وإرادته الورع، فتزيّنوا به يرحمكم الله»(3).
ج) «ليس من شيعتنا من لا تتحدّث المخدّرات بورعه في خدورهن،
وليس من أوليائنا من هو في قرية فيها عشرة آلاف رجل فيهم خلق الله أورع منه»(1).
د) «إنّما شيعة جعفر من عفّ بطنه وفرجه، واشتدّ جهاده، وعمل لخالقه ورجاً ثوابه وخاف عقابه، فإذا رأيت أولئك، فأولئك شيعة جعفر»(2).
من أكبر ما كان يعظّمه الأئمّة علیهم السلام على الإنسان من الذنوب العدوان على الغير، والظلم للناس، وذلك اتّباعاً لما جاء في القرآن الكريم من تهويل الظلم واستنكاره، مثل قوله تعالى: «وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا ج عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ»(3).
وقد جاء في كلام أمير المؤمنين علیه السلام ما يبلغ الغاية في بشاعة الظلم والتنفير منه، كقوله وهو الصادق المصدّق من كلامه في نهج البلاغة برقم (219): «والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت».
وهذا غاية ما يمكن أن يتصوّره الإنسان في التعفّف عن الظلم، والحذر من الجور، واستنكار عمله.
أنّه لا يظلم نملة في قشرة شعيرة وإن أعطي الأقاليم السبعة، فكيف حال من يلغ في دماء المسلمين، وينهب أموال الناس، ويستهين في أعراضهم وكراماتهم؟! كيف يكون قياسه إلى فعل أمير المؤمنين؟! وكيف تكون منزلته من فقهه علیه السلام؟
إنّ هذا هو الأدب الإلهي الرفيع الذي يتطلّبه الدين من البشر.
نعم، إنّ الظلم من أعظم ما حرّم الله تعالى، فلذا أخذ من أحاديث آل البيت، وأدعيتهم المقام الأوّل في ذمّة، وتنفير أتباعهم عنه.
وهذه سياستهم علیهم السلام، وعليها سلوكهم حتّى مع من يعتدى عليهم، ويجترئ على مقامهم.
وقصّة الإمام الحسن علیه السلام المعروفة في حلمه عن الشامي الذي اجترأ عليه وشتمه، فلاطفه الإمام، وعطف عليه، حتّى أشعر بس بسوء فعلته(1).
وقد قرأت آنفا في دعاء سيد الساجدين من الأدب الرفيع في العفو عن المعتدين، وطلب المغفرة لهم، وهو غاية ما يبلغه السمو النفسي، والإنسانية الكاملة، وإن كان الاعتداء على الظالم بمثل ما اعتدى جائزاً في الشريعة، وكذا الدعاء عليه جائز مباح، ولكن الجواز شيء، والعفو الذي هو من مكارم الأخلاق شيء آخر.
1) مناقب آل أبي طالب: 3/ 184
بل عند الأئمّة أنّ المبالغة في الدعاء على الظالم قد تعدّ ظلماً، قال الصادق علیه السلام: «إنّ العبد ليكون مظلوماً فما يزال يدعو حتى يكون ظالماً»(1)أي حتّى يكون ظالماً في دعائه على الظالم؛ بسبب كثرة تكراره.
يا سبحان الله، أيكون الدعاء على الظالم إذا تجاوز الحد ظلما؟ إذن ما حال من يبتدئ بالظلم والجور، ويعتدي على الناس، أو ينهش أعراضهم، أو ينهب أموالهم أو يشي عليهم عند الظالمين، أو يخدعهم فيورّطهم في المهلكات، أو ينبزهم ويؤذيهم، أو يتجسّس عليهم؟ ما حال مثال هؤلاء في فقه آل البيت علیهم السلام؟
إنّ أمثال هؤلاء أبعد الناس عن الله تعالى، وأشدّهم إثماً وعقاباً، وأقبحهم أعمالاً وأخلاقاً.
ومِن عظم خطر الظلم، وسوء مغبّته أن نهى الله تعالى عن معاونة الظالمين، والركون إليهم «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ»(2).
هذا هو أدب القرآن الكريم، وهو أدب آل البيت علیهم السلام، وقد ورد
عنهم ما يبلغ الغاية من التنفير عن الركون إلى الظالمين، والاتّصال بهم، ومشاركتهم في أي عمل كان ومعاونتهم، ولو بشقّ تمرة(1).
ولا شكّ أنّ أعظم ما منى به الإسلام والمسلمون هو التساهل مع أهل الجور، والتغاضي عن مساوئهم، والتعامل معهم، فضلاً عن ممالاتهم، ومناصرتهم، وإعانتهم على ظلمهم.
وما جرّ الويلات على الجامعة الإسلامية إلّا ذلك الانحراف عن جدد الصواب والحق، حتى ضعف الدين بمرور الأيام، فتلاشت قوّته، ووصل إلى ما عليه اليوم، فعاد غريبا، وأصبح المسلمون، أو ما يسمون أنفسم بالمسلمين، وما لهم من دون الله أولياء، ثمّ لا ينصرون حتّى على أضعف أعدائهم، وأرذل المجترئين ،عليم، كاليهود الأذلّاء، فضلاً عن الصليبيين الأقوياء.
لقد جاهد الأئمّة علیهم السلام في أبعاد من يتّصل بهم عن التعاون مع الظالمين، وشدّدوا على أوليائهم في مسايرة أهل الظلم والجور، وممالاتهم، ولا يحصى ما ورد عنهم في هذا الباب، ومن ذلك ما كتبه الإمام زين العابدين علیه السلام إلى محمّد بن مسلم الزهري، بعد أن حذّره عن إعانة الظلمة على ظلمهم: «أو ليس بدعائهم إيّاك حين دعوك جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم، وسلّماً إلى ضلالتهم،
1) ينظر وسائل الشيعة: 17 / 177، ب 42 من أبواب ما يكتسب به
داعياً إلى غيّهم، سالكاً سبيلهم، يُدخلون بك الشكّ على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم، فلم يبلغ أخص وزرائهم، ولا أقوى أعوانهم إلّا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم، واختلاف الخاصّة والعامّة إليهم، فما أقلّ ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، وما أيسر ما عمّروا لك في جنب ما خرّبوا عليك، فانظر لنفسك فإنّه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسؤول»(1).
ما أعظم كلمة «وحاسبها حساب رجل مسؤول»، فإنّ الإنسان حينما يغلبه هواه يستهين في أغوار مكنون سره بكرامة نفسه، بمعنى أنّه لا يجده مسؤولاً عن أعماله، ويستحقر ما يأتي به من أفعال، ويتخيّل أنّه ليس بذلك الذي يحسب له الحساب على ما يرتكبه ويقترفه، إنّ هذا من أسرار النفس الإنسانية الأمّارة، فأراد الإمام أن ينبّه الزهري على هذا السرّ النفساني في دخيلته الكامنة، لئلّا يغلب عليه الوهم فيفرط في مسؤوليته عن نفسه.
وأبلغ من ذلك في تصوير حرمة معاونة الظالمين حديث صفوان الجمّال مع الإمام موسى الكاظم علیه السلام، وقد كان من شيعته، ورواة حديثه الموثقين، قال - حسب رواية الكشّي في رجاله بترجمة صفوان-: دخلت عليه، فقال لي: «يا صفوان، كلّ شيء منك حسن جميل، خلّا شيئاً واحداً.
1) تحف العقول: 275 - 276
قلت: جعلت فداك، أيّ شيء؟
قال: إكراؤك جمالك من هذا الرجل - يعني هارون-.
قلت: والله ما أكريته أشراً ولا بطراً، ولا للصيد، ولا للهو، ولكن أكريته لهذا الطريق - يعني طريق مكّة - ولا أتولّاه بنفسي، ولكن أبعث معه غلماني.
قال: یا صفوان، أيقع كراؤك عليهم؟
قلت: نعم، جعلت فداك.
قال: أتحبّ بقاهم حتّى يخرج كراك؟
قلت: نعم.
قال: فمن أحبّ بقاهم فهو منهم، ومن كان منهم فهو كان ورد النار.
قال صفوان: فذهبت وبعت جمالي عن آخرها»(1).
فإذا كان نفس حبّ حياة الظالمين، وبقائهم بهذه المنزلة، فكيف بمن يستعينون به على الظلم، أو يؤيّدهم في الجور، وكيف حال من يدخل في زمرتهم، أو يعمل بأعمالهم، أو يواكب قافلتهم، أو يأتمر بأمرهم؟!
إذا كان معاونة الظالمين ولو بشقّ تمرة، بل حبّ بقائهم، من أشدّ ما حذّر عنه الأئمّة علیهم السلام، فما حال الاشتراك معهم في الحكم والدخول في
1) اختيار معرفة الرجال: 2/ 740
وظائفهم وولاياتهم، بل ما حال من يكون من جملة المؤسّسين لدولتهم، أو من كان من أركان سلطانهم، والمنغمسين في تشييد حكمهم «وذلك أنّ ولاية الجائر دروس الحقّ كلّه، وإحياء الباطل كلّه، وإظهار الظلم، والجور، والفساد» كما جاء في حديث تحف العقول عن الصادق علیه السلام(1).
غير أنّه ورد عنهم علیهم السلام جواز ولاية الجائر إذا كان فيها صيانة العدل، وإقامة حدود الله، والإحسان إلى المؤمنين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، «إن الله في أبواب الظلمة مَن نوّر الله به البرهان، ومكّن له في البلاد، فيدفع بهم عن أوليائه، ويصلح بهم أمور المسلمين... أولئك هم المؤمنون حقاً، أولئك منار الله في أرضه، أولئك نور الله في رعيّته» كما جاء في الحديث عن الإمام موسى ابن جعفر علیه السلام(2).
وفي هذا الباب أحاديث كثيرة توضّح النهج الذي ينبغي أن يجري عليه الولاة والموظفين، مثل ما في رسالة و الصادق علیه السلام إلى عبد الله النجاشي أمير الأهواز، (راجع الوسائل / كتاب البيع / الباب 78)(3).
عُرف آل البيت علیهم السلام بحرصهم على بقاء مظاهر الإسلام، والدعوة إلى عزّته، ووحدة كلمة أهله، وحفظ التآخي بينهم، ورفع السخيمة من القلوب، والأحقاد من النفوس.
ولا يُنسى موقف أمير المؤمنين علیه السلام مع الخلفاء الذين سبقوه، مع توجّده عليهم، واعتقاده بغصبهم لحقّه، فجاراهم، وسالمهم، بل حبس رأيه في أنّه المنصوص عليه بالخلافة، حتّى أنّه لم يجهر في حشد عامّ بالنصّ إلّا بعد أن آل الأمر إليه، فاستشهد بمن بقي من الصحابة عن نصّ الغدير في يوم الرحبة المعروف(1).
وكان لا يتأخّر عن الإشارة عليهم فيما يعود على المسلمين أو للاسلام بالنفع والمصلحة، وكم كان يقول عن ذلك العهد: «فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً»(2).
كما لم يصدر منه ما يؤثّر على شوكة ملكهم، أو يضعف من سلطانهم، أو يقلّل من هيبتهم، فانكمش على نفسه، وجلس حلس البيت، بالرغم ممّا كان يشهده منهم.
كلّ ذلك رعاية لمصلحة الإسلام العامّة، ورعاية أن لا يُرى في
الإسلام ثلماً أو هدماً، حتّى عُرف ذلك منه، وكان الخليفة عمر بن الخطاب يقول ويكرّر القول: «لا كنت لمعضلة ليس لها أبو الحسن»(1)، أو «لو لا علي لهلك عمر»(2).
ولا يُنسى موقف الحسن بن علي علیه السلام من الصلح مع معاوية(3)، بعد أن رأى أنّ الإصرار على الحرب سيديل من ثقل الله الأكبر، ومن دولة العدل، بل اسم الإسلام إلى آخر الدهر، فتُمحى الشريعة الإلهية، ويُقضى على البقية الباقية من آل البيت، ففضّل المحافظة على ظواهر الإسلام واسم الدين، وإن سالم معاوية العدو الألدّ للدين وأهله، والخصم الحقود له ولشيعته، مع ما يتوقّع من الظلم والذلّ له ولأتباعه، وكانت سيوف بني هاشم، وسيوف شيعته مشحوذة تأبى أن تغمد، دون أن تأخذ بحقّها من الدفاع والكفاح، ولكن مصلحة الإسلام العليا كانت عنده فوق جميع هذه الاعتبارات.
وأمّا الحسين الشهيد علیه السلام فلئن نهض فلأنّه رأى من بني أميّة إن دامت الحال لهم، ولم يقف في وجههم من يكشف سوء نيّاتهم، سيمحون ذكر الإسلام، ويطيحون بمجده، فأراد أن يثبت للتأريخ جورهم، وعدوانهم، ويفضح ما كانوا يبيّتونه لشريعة الرسول، وكان ما أراد.
ولولا نهضته المباركة لذهب الإسلام في خبر كان، يتلهّى بذكره التأريخ كأنّه دين باطل، وحرص الشيعة على تجديد ذكراه بشتّى أساليبهم إنّما هو لإتمام رسالة نهضته في مكافحة الظلم والجور، ولإحياء أمره امتثالاً لأوامر الأئمّة من بعده.
وينجلي لنا حرص آل البيت علیهم السلام على بقاء عزّ الإسلام وإن كان ذو السلطة من ألدّ أعدائهم، في موقف الإمام زين العابدين علیه السلام من ملوك بني أميّة، وهو الموتور لهم، والمنتهكة في عهدهم حرمته وحرمه، والمحزون على ما صنعوا مع أبيه وأهل بيته في واقعة كربلا، فإنّه - مع كلّ ذلك - كان يدعو في سرّه لجيوش المسلمين بالنصر، وللإسلام بالعزّ، وللمسلمين بالدعة والسلامة، وقد تقدّم أنّه كان سلاحه الوحيد في نشر المعرفة هو الدعاء، فعلّم شيعته كيف يدعون للجيوش الإسلامية والمسلمين، كدعائه المعروف ب(دعاء أهل الثغور) الذي يقول فيه: «اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، وكثّر عددهم، واشحذ أسلحتهم، واحرس حوزتهم، وامنع حومتهم، وألّف جمعهم، ودبّر أمرهم، وواتر
بين ميرهم، وتوحّد بكفاية مؤنهم، واعضدهم بالنصر، وأعنهم بالصبر، والطف لهم في المكر» إلى أن يقول - بعد أن يدعو على الكافرين -: «اللهمّ - وقوّ - بذلك محالّ أهل الإسلام، وحصّن به ديارهم، وثمّر به أموالهم، وفرّغهم عن محاربتهم لعبادتك، وعن منابذتهم للخلوة بك، حتّى لا يعبد في بقاع الأرض غيرك، ولا تعفّر لأحد منهم جبهة دونك»(1)(2).
وهكذا يمضي في دعائه البليغ - وهو من أطول أدعيته - في توجيه - الجيوش المسلمة إلى ما ينبغي لها من مكارم الأخلاق، وأخذ العدّة للأعداء، وهو يجمع إلى التعاليم الحربية للجهاد الإسلامي بيان الغاية منه وفائدته، كما ينبّه المسلمين إلى نوع الحذر من أعدائهم، وما يجب أن يتّخذوه في معاملتهم ومكافحتهم، وما يجب عليهم من الانقطاع إلى الله تعالى، والانتهاء عن محارمه، والإخلاص لوجهه الكريم في جهادهم.
وكذلك باقي الأئمّة علیهم السلام في مواقفهم مع ملوك عصرهم، وإن لاقوا منهم أنواع الضغط والتنكيل بكل قساوة وشدّة، فإنّهم لمّا علموا أنّ دولة الحقّ لا تعود إليهم انصرفوا إلى تعليم الناس معالم دينهم، وتوجيه
أتباعهم التوجيه الديني العالي.
وكلّ الثورات التي حدثت في عصرهم من العلويين وغيرهم لم تكن عن إشارتهم ورغبتهم، بل كانت كلّها مخالفة صريحة لأوامرهم وتشديداتهم، فإنّهم كانوا أحرص على كيان الدولة الإسلامية من كلّ أحد، حتّى من خلفاء بني العبّاس أنفسهم.
وكفى أن نقرأ وصيّة الإمام موسى بن جعفر علیه السلام لشيعته: «لا تذلّوا رقابكم بترك طاعة سلطانكم، فإن كان عادلاً فاسألوا الله بقاه، وإن كان جائراً فاسألوا الله إصلاحه، فإنّ صلاحكم في صلاح سلطانكم، وإن السلطان العادل بمنزلة الوالد الرحيم، فأحبّوا له ما تحبون لأنفسكم، وأكرهوا له ما تكرهون لأنفسكم»(1).
وهذا غاية ما يوصف في محافظة الرعية على سلامة السلطان أن يحبّوا له ما يحبون لأنفسهم، ويكرهوا له ما يكرهون لها.
وبعد هذا، فما أعظم تجنّى بعض كُتاب العصر، إذ يصف الشيعة بأنّهم جمعية سرّية هدامة، أو طائفة ثوروية ناقمة!
صحيح، أنّ من خُلق الرجل المسلم المتّبع لتعاليم آل البيت علیهم السلام بُغض الظلم والظالمين، والانكماش عن أهل الجور والفسوق، والنظرة إلى أعوانهم وأنصارهم نظرة الاشمئزاز والاستنكار، والاستيحاش
1) الأمالي (للصدوق): 418
والاستحقار، وما زال هذا الخلق متغلغلاً في نفوسهم، يتوارثونه جيلاً بعد جيل، ولكن مع ذلك ليس من شيمتهم الغدر والختل، ولا من طريقتهم الثورة والانتفاض على السلطة الدينية السائدة باسم الإسلام لا سرّاً ولا علناً، ولا يبيحون لأنفسهم الاغتيال، أو الوقيعة بمسلم مهما كان مذهبه وطريقته، أخذاً بتعاليم أئمّتهم علیهم السلام، بل المسلم الذي يشهد الشهادتين مصون المال، محقون الدم، محرّم العرض، «لا يحلّ مال أمرئ مسلم إلا بطيب نفسه»(1)، بل المسلم أخو المسلم، عليه من حقوق الأخوّة لأخيه ما يكشف عنه البحث الآتي.
إنّ من أعظم، وأجمل ما دعا إليه الدين الإسلامي هو التآخي بين المسلمين(2)على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم ومنازلهم.
كما أنّ من أوطأ وأخسّ ما صنعه المسلمون اليوم، وقبل اليوم هو تسامحهم بالأخذ بمقتضيات هذه الأخوّة الإسلامية، لأنّ من أيسر مقتضياتها - كما سيجئ في كلمة الإمام الصادق علیه السلام - أن يحبّ لأخيه المسلم ما يحبّ، لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه.
أنعم النظر، وفكّر في هذه الخصلة اليسيرة في نظر آل البيت علیهم السلام، فستجد أنّها من أشقّ ما يفرض طلبه من المسلمين اليوم، وهم على مثل هذه الأخلاق الموجودة عندهم، البعيدة عن روحية الإسلام.
فكّر في هذه الخصلة لو قدّر للمسلمين أن ينصفوا أنفسهم، ويعرفوا دينهم حقّاً، ويأخذوا بها، فقط أن يحبّ أحدهم لأخيه ما يحبّ لنفسه - لما شاهدت من أحد ظلماً، ولا اعتداء، ولا سرقة ولا كذباً، ولا غيبة، ولا نميمة، ولا تهمة بسوء، ولا قدحاً بباطل، ولا إهانة ولا تجبّراً.
بلى، إنّ المسلمين لو وقفوا لإدراك أيسر خصال الأخوة فيما بينهم، وعملوا بها لارتفع الظلم والعدوان من الأرض، ولرأيت البشر إخواناً على سرر متقابلين، قد كملت لهم أعلى درجات السعادة الاجتماعية، ولتحقّق حلم الفلاسفة الأقدمين في المدينة الفاضلة، فما احتاجوا حينما يتبادلون الحبّ والمودّة إلى الحكومات والمحاكم، ولا إلى الشرطة والسجون، ولا إلى قانون للعقوبات وأحكام للحدود والقصاص، ولما خضعوا المستعمر، ولا خنعوا الجبّار، ولا استبدّ بهم الطغاة، ولتبدّلت الأرض غير الأرض، وأصبحت جنّة النعيم، ودار السعادة.
أزيدك، أنّ قانون المحبة لو ساد بين البشر، كما يريده الدين بتعاليم الأخوّة لانمحت من قاموس لغاتنا كلمة (العدل)، بمعنى: إنّا لم نعد نحتاج إلى العدل وقوانينه حتّى نحتاج إلى استعمال كلمته، بل كفانا قانون
الحبّ لنشر الخير والسلام، والسعادة والهناء، لأنّ الإنسان لا يحتاج إلى استعمال العدل، ولا يطلبه القانون منه إلّا إذا فقد الحبّ فيمن يجب أن يعدل معه، أمّا فيمن يبادله الحبّ كالولد، والأخ إنّما يحسن إليه، ويتنازل له عن جملة من رغباته فبدافع من الحبّ والرغبة عن طيب خاطر، لا بدافع العدل والمصلحة.
وسرّ ذلك أنّ الإنسان لا يحب إلّا نفسه، وما يلائم نفسه، ويستحيل أن يحبّ شيئاً، أو شخصاً خارجاً عن ذاته إلّا إذا ارتبط به، وانطبعت في نفسه منه صورة ملائمة مرغوبة لديه.
كما يستحيل أن يضحّي بمحض اختياره له، في رغباته، ومحبوباته لأجل شخص آخر لا يحبّه ولا يرغب فيه، إلّا إذا تكونت عنده عقيدة أقوى من رغباته مثل عقيدة حسن العدل والإحسان، وحينئذ إذ يضحّي بإحدى رغباته إنّما يضحّي لأجل رغبة أخرى أقوى كعقيدته بالعدل - إذا حصلت - التي تكون جزء من رغباته، بل جزء من نفسه.
وهذه العقيدة المثالية لأجل أن تتكوّن في نفس الإنسان تتطلّب منه أن يسمو بروحه على الاعتبارات المادّية؛ ليدرك المثال الأعلى في العدل، والاحسان إلى الغير، وذلك بعد أن يعجز أن يتكوّن في نفسه شعور الأخوّة الصادق، والعطف بينه وبين أبناء نوعه.
فأوّل درجات المسلم التي يجب أن يتّصف بها أن يحصل عنده
الشعور بالأخوّة مع الآخرين، فإذا عجز عنها - وهو عاجز على الأكثر؛ لغلبة رغباته الكثيرة وأنانيّته - فعليه أن يكوّن في نفسه عقيدة في العدل، والإحسان؛ اتّباعا للإرشادات الإسلامية، فإذا عجز عن ذلك فلا يستحق أن يكون مسلماً إلّا بالاسم، وخرج عن ولاية الله، ولم يكن الله فيه نصيب على حدّ التعبير الآتي للإمام.
والإنسان على الأكثر تطغى عليه شهواته العارمة، فيكون من أشقّ ما يعانيه أن یهیی نفسه لقبول عقيدة العدل، فضلاً عن أن يحصل عليها عقيدة كاملة تفوق بقوّتها على شهواته.
فلذلك كان القيام بحقوق الأخوّة من أشقّ تعاليم الدين، إذا لم يكن عند الإنسان ذلك الشعور الصادق بالأخوّة.
ومن أجل هذا أشفق الإمام أبو عبد الله الصادق علیه السلام أن يوضح لسائله وهو أحد أصحابه (المعلّى بن خنيس) عن حقوق الأخوان أكثر ممّا ينبغي أن يوضّح له؛ خشية أن يتعلّم ما لا يستطيع أن يعمل به.
قال المعلّى: «قلت له ما حقّ المسلم على المسلم؟
قال أبو عبد الله: له سبع حقوق واجبات، ما منهن حقّ إلّا وهو عليه واجب، إن ضيّع منها شيئاً خرج من ولاية الله وطاعته، ولم يكن الله فيه نصيب.
قلت له: جعلت فداك، وما هي؟
قال: يا معلّى إنّي عليك شفيق، أخاف أن تضيّع ولا تحفظ، وتعلم ولا تعمل.
قلت: لا قوة إلا بالله».
وحينئذ ذكر الإمام الحقوق السبعة بعد أن قال عن الأوّل منها: «أيسر حقّ منها أن تحبّ له كما تحبّ لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك»(1).
يا سبحان الله، هذ هو الحق اليسير! فكيف نجد - نحن المسلمين اليوم - يسر هذا الحقّ علينا؟ شاهت وجوه تدّعي الإسلام ولا تعمل بأيسر ما يفرضه من حقوق.
والأعجب أن يلصق بالإسلام هذا التأخّر الذي أصاب المسلمين، وما الذنب إلّا ذنب من يسمّون أنفسهم بالمسلمين، ولا يعملون بأيسر ما يجب أن يعملوه من دينهم.
ولأجل التأريخ فقط، ولنعرف أنفسنا وتقصيرها، أذكر هذه الحقوق السبعة التي أوضحها الإمام علیه السلام.
1- أن تحبّ لأخيك المسلم ما تحبّ لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك.
2- أن تجتنب سخطه، وتتّبع مرضاته، وتطيع أمره.
1) الكافي: 2/ 169، ب حقّ المؤمن على أخيه، وأداء حقّه، ح 2
3- تعينه بنفسك، ومالك ولسانك، ويدك، ورجلك.
4- أن تكون عينه، ودليله، ومرآته.
5- أن لا تشبع ويجوع ولا تروى ويظمأ، ولا تلبس ويعرى.
6- أن يكون لك خادم وليس لأخيك خادم، فواجب أن تبعث خادمك، فتغسل ثيابه، وتصنع طعامه، وتمهد فراشه.
7 - أن تبرّ قسمه، وتجيب دعوته، وتعود مريضه، وتشهد جنازته، وإذا علمت له حاجة تبادره إلى قضائها، ولا تلجئه إلى أن يسألكها، ولكن تبادره مبادرة.
ثمّ ختم كلامه علیه السلام بقوله: «فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته وولايته بولايتك».
وبمضمون هذا الحديث روايات مستفيضة عن أئمّتنا جمع قسماً كبيرا منها كتاب الوسائل في أبواب متفرّقة.
وقد يتوهّم المتوهّم، أنّ المقصود بالأخوّة في أحاديث أهل البيت علیهم السلام خصوص الأخوّة بين المسلمين الذين من أتباعهم «شيعتهم خاصّة»، ولكن الرجوع إلى رواياتهم كلّها يُطرد هذا الوهم، وإن كانوا من جهة أخرى يشدّدون النكير على من يخالف طريقتهم، ولا يأخذ بهداهم.
ويكفي أن تقرأ حديث معاوية بن وهب قال: «قلت له - أي الصادق علیه السلام: كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا، وبين
خلطائنا من الناس ممّن ليسوا على أمرنا؟
فقال: تنظرون إلى أئمّتكم الذين تقتدون بهم، فتصنعون ما يصنعون، فوالله، إنّهم ليعودون مرضاهم، ويشهدون جنائزهم، ويقيمون الشهادة لهم وعليهم، ويؤدّون الأمانة إليهم»(1).
أمّا الأخوّة التي يريدها الأئمّة علیهم السلام من أتباعهم فهي أرفع من هذه الأخوّة الإسلامية، وقد سمعت بعض الأحاديث في فصل تعريف الشيعة.
ويكفي أن تقرأ هذه المحاورة بين أبان بن تغلب، وبين الصادق علیه السلام من حديث أبان نفسه.
قال أبان: «كنت أطوف مع أبي عبد الله، فعرض لي رجل من أصحابنا كان سألني الذهاب معه في حاجته، فأشار إلي، فرآنا أبو عبد الله.
قال: يا أبان إياك يريد هذا؟
قلت: نعم.
قال: هو على مثل ما أنت عليه؟
قلت: نعم.
قال: فاذهب إليه واقطع الطواف.
1) الكافي: 2/ 636، ب ما يجب من المعاشرة، ح 4
قلت: وإن كان طواف الفريضة.
قال: نعم.
قال أبان: فذهبت، ثمّ دخلت عليه بعد، فسألته عن حقّ المؤمن.
فقال: دعه لا تَرِدَه.
فلم أزل أردّ عليه حتّى قال: يا أبان تقاسمه شطر مالك، ثمّ نظر إلي فرأى ما داخلني، فقال: يا أبان، أما تعلم أنّ الله قد ذكر المؤثرين على أنفسهم؟
قلت: بلى.
قال: إذا أنت قاسمته فلم تؤثره، إنّما تؤثره إذا أنت أعطيته من النصف الآخر»(1).
أقول: إنّ واقعنا المخجل لا يطمعنا أن نسمّي أنفسنا بالمؤمنين حقاً، فنحن بواد وتعاليم أئمّتنا علیهم السلام في واد آخر، وما داخل نفس أبان يداخل نفس كلّ قارئ لهذا الحديث، فيصرف بوجهه متناسياً له كأنّ المخاطب غيره، ولا يحاسب نفسه حساب رجل مسؤول.
1) الكافي: 171/2-172، ب حقّ المؤمن على أخيه وأداء حقّه، ح 8
نعتقد أنّ الله تعالى يبعث الناس بعد الموت في خلق جديد، في اليوم الموعود به عباده فيثيب المطيعين، ويعدّب العاصين، وهذا أمر على جملته، وما عليه من البساطة في العقيدة اتّفقت عليه الشرائع السماوية والفلاسفة(1)، ولا محيص للمسلم من الاعتراف به عقيدة قرآنية جاء بها نبيّنا الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم، فإنّ من يعتقد بالله اعتقاداً قاطعاً ويعتقد كذلك بمحمّد رسولاً منه، أرسله بالهدى ودين الحقّ لا بدّ أن يؤمن بما أخبر به القرآن الكريم: من البعث، والثواب، والعقاب، والجنّة، والنعيم، والنار، والجحيم، وقد صرّح القرآن بذلك، ولّمح إليه بما يقرب من ألف آية كريمة.
1) لا أدري ما المسوّغ لذكر الفلاسفة هنا؟! فمِن كلام ابن سينا الذي اعترف بعدم إمكان إثبات المعاد حسب أصول فلسفته، إلى ملّا صدرا الذي جاء بمعاد لا يوافق ما ورد في الشرع الشريف، كما أقرّ به الشيخ محمّد تقي آملي في آخر شرحه على المنظومة، فالمعاد بالبيانات الإلهية، والمعصومية هو ما نعتقده، وهو من قطعي الدين الذي لم يوافقنا فيه الفلاسفة، فتنبّه
وإذا تطرّق الشكّ في ذلك إلى شخص فليس إلّا لشكّ يخالجه في صاحب الرسالة، أو وجود خالق الكائنات، أو قدرته، بل ليس إلّا لشكّ يعتريه في أصل الأديان كلّها، وفي صحّة الشرائع جميعها.
وبعد هذا، فالمعاد الجسماني بالخصوص ضرورة من ضروريات الدين الإسلامي، دلّ صريح القرآن الكريم عليها: «أَيَحْسَبُ الإِنسَنُ أَلَّن تَجمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَدِرِينَ عَلَى أَن تُسَوّى بَنَانَهُ»(1)، «وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَءِ ذَا كُنَّا تُرَابًا أَعِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ»(2)، «أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِیدٍ»(3).
وما المعاد الجسماني على إجماله إلّا إعادة الإنسان في يوم البعث والنشور، ببدنه بعد الخراب، وإرجاعه إلى هيئته الأولى بعد أن يصبح رميماً.
ولا يجب الاعتقاد في تفصيلات المعاد الجسماني أكثر من هذه العقيدة على بساطتها التي نادى بها القرآن، وأكثر ممّا يتبعها من الحساب، والصراط، والميزان، والجنّة والنار، والثواب، والعقاب، بمقدار ما
جاءت به التفصيلات القرآنية.
«ولا تجب المعرفة على التحقيق، التي لا يصلها إلّا صاحب النظر الدقيق، كالعلم بأن الأبدان هل تعود بذواتها، أو إنّما يعود ما يماثلها بهيئات، وأنّ الأرواح هل تعدم كالأجساد، أو تبقى مستمرّة حتّى تتّصل بالأبدان عند المعاد، وأنّ المعاد هل يختصّ بالإنسان أو يجري على كافّة ضروب الحيوان، وأنّ عودها بحكم الله دفعي، أو تدريجي.
وإذا لزم الاعتقاد بالجنّة، والنار لا تلزم معرفة وجودهما الآن(1)، ولا العلم بأنّهما في السماء، أو الأرض، أو يختلفان.
وكذا إذ وجبت معرفة الميزان لا تجب معرفة أنّها ميزان معنوية، أولها كفّتان، ولا تلزم معرفة أنّ الصراط جسم دقيق، أو هو الاستقامة المعنوية.
والغرض، أنّه لا يشترط في تحقيق الإسلام معرف أنّها من الأجسام»(2).
1) وهما موجودتان مخلوقتان الآن، كما هو ثابت في الأخبار الشريفة، ينظر نزهة الأبرار ومنار الأنظار في خلق الجنّة والنار للسيّد هاشم البحراني قدس سرّه، نعم، لا يضرّ الجهل بهذه العقيدة في تحقّق الإيمان، لكن لا يمكن ردّها بعد الاطلاع على الأدلّة، و مذهب آل البيت فيهما أنّهما مخلوقتان، موجودتان الآن
2) کشف الغطاء: 1 / 60
نعم، إن تلك العقيدة في البعث والمعاد على بساطتها هي التي جاء بها الدين الإسلامي، فإذا أراد الإنسان أن يتجاوزها إلى تفصيلها بأكثر ممّا جاء في القرآن، ليقنع نفسه دفعاً للشُبه التى يُثيرها الباحثون، والمشكّكون بالتماس البرهان العقلي، أو التجربة الحسّية - فإنّه إنّما يجني على نفسه، ويقع في مشكلات، ومنازعات لا نهاية لها.
وليس في الدين ما يدعو إلى مثل هذه التفصيلات التي حشدت بها كتب المتكلّمين والمتفلسفين، ولا ضرورة دينية، ولا اجتماعية، ولا سیاسية تدعو إلى أمثال هاتيك المشاحنات، والمقالات المشحونة بها الكتب عبثاً، والتي استنفدت كثيراً من جهود المجادلين، وأوقاتهم، وتفكيرهم، بلا فائدة.
والشُبه، والشكوك التي تثار حول تلك التفصيلات يكفي في ردّها قناعتنا بقصور الإنسان عن إدراك هذه الأمور الغائبة عنّا، والخارجة عن أفقنا ومحيط وجودنا، والمرتفعة فوق مستوانا الأرضي، مع علمنا بأنّ الله تعالى العالم القادر أخبرنا عن تحقيق المعاد ووقوع البعث.
وعلوم الإنسان، وتجربياته، وأبحاثه يستحيل أن تتناول شيئاً لا يعرفه، ولا يقع تحت تجربته واختباره، إلّا بعد موته وانتقاله من هذا العالم عالم الحسّ والتجربة والبحث، فكيف ينتظر منه أن يحكم باستقلال تفكيره، وتجربته بنفي هذا الشيء أو إثباته؟ فضلاً عن أن يتناول تفاصيله
وخصوصياته، إلّا إذا اعتمد على التكهّن، والتخمين، أو على الاستبعاد والاستغراب، كما هو من طبيعة خيال الإنسان أن يستغرب كلّ ما لم يألفه، ولم يتناوله علمه وحسّه، كالقائل المندفع بجهله لاستغراب البعث والمعاد: «مَن يُحْيِ الْعِظَمَ وَهِيَ رَمِيمٌ»(1).
ولا سند لهذا الاستغراب، إلّا أنّه لم ير ميّتاً رميماً قد أعيدت له الحياة من جديد، ولكنّه ينسى هذا المستغرب كيف خلقت ذاته لأوّل مرّة، ولقد كان عدماً، وأجزاء بدنه رميماً تألّفت من الأرض وما حملت، ومن الفضاء وما حوى، من هنا وهنا، حتّى صار بشراً سويّاً، ذا عقل وبيان: «أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ»(2).
يقال لمثل هذا القائل الذي نسي خلق نفسه «يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمُ»(3).
يقال له: إنّك بعد أن تعترف بخالق الكائنات وقدرته، وتعترف بالرسول وما أخبر به، مع قصور علمك حتّى عن إدراك سرّ خلق ذاتك، وسرّ تكوينك، وكيف كان كان نموّك، وانتقالك من نطفة لا شعور لها،
ولا إرادة، ولا عقل إلى مراحل متصاعدة مؤتلفاً من ذرّات متباعدة، لبلغ بشراً سويّاً، عاقلاً، مدبّراً، ذا شعور وإحساس.
يقال له: بعد هذا، كيف تستغرب أن تعود لك الحياة من جديد بعد أن تصبح رميما، وأنت بذلك تحاول أن تتطاول إلى معرفة ما لا قِبل لتجاربك، وعلومك بكشفه؟
يقال له: لا سبيل حينئذ إلّا أن تذعن صاغراً للاعتراف بهذه الحقيقة التي أخبر عنها مدبّر الكائنات، العالِم القدير، وخالقك من العدم، والرميم.
وكلّ محاولة لكشف ما لا يمكن كشفه، ولا يتناوله علمك فهي محاولة باطلة، وضرب في التيه، وفتح للعيون في الظلام الحالك.
إنّ الإنسان مع ما بلغ من معرفة في هذه السنين الأخيرة، فاكتشف الكهرباء، والرادار، واستخدم الذرّة، إلى أمثال هذه الاكتشافات التي لو حُدّث عنها في السنين الخوالي لعدّها من أوّل المستحيلات، ومن مواضع التندّر، والسخرية.
أنّه مع كلّ ذلك لم يستطع كشف حقيقة الكهرباء ولا سرّ الذرّة، بل حتّى حقيقة إحدى خواصّهما - وأحد أوصافها، فكيف يطمع أن يعرف سرّ الخلقة والتكوين، ثمّ يترقّى فيريد أن يعرف سرّ المعاد والبعث.
نعم، ينبغي للإنسان بعد الإيمان بالإسلام أن يتجنّب عن متابعة
الهوى، وأن يشغل فيما يصلح أمر آخرته ودنياه، وفيما يرفع قدره عند الله، وأن يتفكّر فيما يستعين به على نفسه، وفيما يستقبله بعد الموت، من شدائد القبر، والحساب، بعد الحضور بين يدي الملك العلّام، وأن يتّقي يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، ولا يُقبل منها شفاعة، ولا يُؤخذ منها عدل، ولا هم يُنصرون.
1- الاحتجاج، الشيخ أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي (ت 548 ه)، تعليق وملاحظات: السيّد محمّد باقر الخرسان، الناشر: دار النعمان للطباعة والنشر - النجف الأشرف، 1386 ه - 1966 م.
2- الاختصاص، لأبي عبد الله محمّد بن النعمان العكبري المفيد (ت 413 ه)، صححّه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري / السيد محمود الزرندي، نشر: دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - لبنان، طبعت بموافقة اللجنة الخاصة المشرفة على المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، ط 2، 1414 ه - 1993 م.
3- اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، للشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت: 460 ه)، تصحيح وتعليق: المعلّم الثالث ميرداماد الاستربادي، تحقيق: السيّد مهدي الرجائي، مؤسّسة آل البيت علیهم السلام، قم المشرّفة، ط 1، 1404 ق.
4- الإرشاد، للشيخ محمد بن محمد بن النعمان العكبري المفيد (ت 413 ه)،
تحقيق: مؤسسة آل البيت لتحقيق التراث، طبع ونشر: دار المفيد - بيروت - لبنان، ط 2، 1414 ه - 1993 م.
5- الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمّد بن عبد البر (ت 463 ه)، تحقيق: علي محمّد البجاوي، نشر: دار الجيل - بيروت - لبنان، ط 1، 1412 ه - 1992 م.
6- الإسفار عن نصوص الأسفار، للشيخ حيدر الوكيل، نشر: الباقيات للطباعة والنشر - قم، المطبعة: وفا، ط 2.
7- الإصابة في تمييز الصحابة، لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمّد ابن حجر العسقلاني (ت 852 ه)، دراسة وتحقيق وتعليق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، والشيخ علي محمّد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1415 ق.
8- أصول العقيدة، للمرجع السيّد محمّد سعيد الحكيم (ت 1443 ه)، نشر: دار الهلال - قمّ المقدّسة، ط 1، 1426 ه - 2006 م.
9- أضواء على النافع يوم الحشر، للشيخ حيدر الوكيل، نشر: الباقيات للطباعة والنشر - قمّ المطبعة: وفا، ط 1، 1434 ه.
10- الاعتقادات في دين الإمامية، للشيخ أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي الصدوق (ت 381 هجرية)، تحقيق: عصام عبد السيّد، نشر: دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - لبنان،
ط 2، 1414 - 1993 م.
11- إقبال الأعمال، للسيّد أبي القاسم رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن طاووس (ت: 664 ه)، تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني، طبع ونشر: مكتب الإعلام الإسلامي، ط 1، رجب 1414 ه.
12- الأمالي لأبي جعفر محمّد بن علي بن بابويه القمّي الصدوق (ت: 381 ه)، تحقیق: قسم الدراسات الإسلامية - قمّ، نشر مركز الطباعة والنشر في مؤسّسة البعثة، ط 1، 1417 ه.
13 - الأمالي، للشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، المعروف ب (شيخ الطائفة) (ت: 460 ه)، تحقيق: مؤسسة البعثة/ قسم الدراسات الاسلامية، دار الثقافة، قم المشرّفة، ط 1، 1414 ق.
14- الإمامة والتبصرة من الحيرة، لأبي الحسن علي بن الحسين بن بابويه القمّي والد الشيخ الصدوق (ت 329 ه)، تحقيق: السيد محمّد رضا الجلالي، نشر: مؤسّسة آل البيت - بيروت، 1402 ه.
15- أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البَلَاذُري (ت 279 ه)، تحقیق: سهيل زكار / رياض الزركلي، نشر: دار الفكر - بيروت، ط 1، 1417 ه - 1996 م.
16- أوائل المقالات، لأبي عبد الله محمّد بن النعمان العكبري المفيد (ت 413 ه)، تحقيق: الشيخ إبراهيم الأنصاري، طبع ونشر: دار المفيد
للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - لبنان، طبعت بموافقة اللجنة الخاصّة المشرفة على المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، ط 2، 1414 ه - 1993 م.
17- آية الولاية، للشيخ حيدر الوكيل، نشر: الباقيات للطباعة والنشر - قمّ المطبعة: وفا.
18- الإيضاح في علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع، لجلال الدين أبو عبد الله محمّد القزويني (ت 739 ه)، نشر: دار الكتاب الإسلامي، مطبعة: أمير - قمّ، ط 1، ربيع الأوّل/ 1411 ه.
19- بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، للشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي بن مقصود علي الأصفهاني المجلس (ت 1111 ه)، نشر: مؤسّسة الوفاء، بيروت، ط 2، 1403 ه.
20- بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمّد علیهم السلام، للثقة الجليل والمحدّث النبيل شيخ القمّيين أبو جعفر محمّد بن الحسن بن فروخ الصفّار (ت 290 ه)، تقديم وتعليق وتصحيح: العلّامة الحجّة الحاج میرزا محسن کوچه باغي، نشر: مؤسّسة الأعلمی - طهران، المطبعة: مطبعة الأحمدي - طهران، 1404 - 1362 ش.
21- البلد الأمين والدرع الحصين، للشيخ إبراهيم الكفعمي (ت 905 ه)، نشر: مكتبة الصدوق - طهران - بازار سرای اردیبهشت، المطبعة:
چاپ افست مروي، 1383.
22- تأريخ الأمم والملوك، لأبي جعفر محمّد بن جرير الطبري (ت 310 ه)، مراجعة وتصحيح وضبط نخبة من العلماء، نشر: مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت - لبنان، قوبلت هذه الطبعة على النسخة المطبوعة بمطبعة (بريل) بمدينة ليدن في سنة 1879 م.
23- تاؤيل مختلف الحديث، أبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت 276 ه)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، طبعت هذه النسخة على الطبعة التي حقّقها وصححها الشيخ إسماعيل الأسعردي.
24- التبيان في تفسير القرآن، للشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 ه)، تحقيق وتصحيح: أحمد حبيب قصير العاملي، دار إحياء التراث العربي / مكتب الإعلام الإسلامي، ط 1، 1409 ق.
25- التحف الرضوية (غير مطبوع) للشيخ حيدر الوكيل.
26- تحف العقول عن آل الرسول علیهم السلام، الشيخ أبو محمّد الحسن بن علي بن الحسين ابن شعبة الحراني (ق 4)، تصحيح وتعليق: على أكبر الغفاري، مؤسّسة النشر الإسلامي، قمّ المشرفة، ط 2، 1404 ق.
27- تذكرة الحفّاظ (طبقات الحفّاظ)، شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن عثمان بن قَايماز الذهبي (ت 748 ه)، صُحّح عن النسخة
القديمة المحفوظة في مكتبة الحرم المكّي تحت إعانة وزارة معارف الحكومة العالية الهندية، نشر: دار احياء التراث العربي.
28- تفسير القرآن العظيم (لابن كثير)، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثمّ الدمشقي (ت 774 ه)، تقديم: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، نشر: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت لبنان، 1412 - 1992 م.
29- تلخيص الحبير في تخريج الرافعي الكبير، للشيخ أبي الفضل أحمد بن علي بن محمّد، المعروف ب(ابن حجر العسقلاني) (ت: 852 ه)، دار الفكر.
30- تهذيب الأحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد (رضوان الله عليه)، للشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، المعروف ب(شيخ الطائفة) (ت: 460 ه)، تحقيق وتعليق : السيّد حسن الموسوي الخرسان، نشر: دار الكتب الاسلامية، طهران، ط 3، 1364 ش.
31- التوحيد، للشيخ أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن موسى الصدوق (ت: 381 ه)، صحّحه وعلّق عليه: السيد هاشم الحسيني الطهراني، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلميّة، قمّ المشرّفة.
32- جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري)، لأبي جعفر محمّد بن جرير الطبري (ت 310 ه)، تقديم: الشيخ خليل الميس،
ضبط وتوثيق وتخريج: صدقي جميل العطّار، نشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - لبنان، 1415 - 1995م.
33- الجامع المسند الصحيح المختصر من أُمور رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لأبي عبد الله محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن المغيرة بن بردزبة البخاري الجعفي (ت 256 ه)، نشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1401 ه - 1981 م.
34- الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، لأبي عبد الله محمّد بن أحمد الأنصاري القرطبي (ت 671 ه)، تصحيح: أحمد عبد العليم البردوني، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان، ط 2، 1405 ه - 1985 م.
35- جنّة الأمان الواقية وجنّة الإيمان الباقية (المشتهر بالمصباح)، للشيخ إبراهيم بن علي الحسن بن محمّد بن صالح العاملي الكفعمي (ت 905 ه)، نشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، ط 3، 1403 - 1983م.
36- الخصال، الشيخ الجليل أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القميّ (ت: 381 ه)، تحقيق وتعليق: عليّ أكبر الغفاريّ، نشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، الطبعة الثانية، 18 ذي القعدة الحرام 1403 ه - 1362 ش.
37- الدرّة النجفيّة (منظومة في الفقه)، السيّد الأكبر محمّد مهدي بن مرتضى بن محمّد الطباطبائي النجفي بحر العلوم (ت: 1212 ه)، منشورات مكتبة الرضا - النجف الأشرف، 1377 ق.
38- دلائل الإمامة، للمحدّث الشيخ لأبي جعفر محمّد بن جریر بن رستم الطبري الصغير من أعلام القرن الخامس الهجري، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية - مؤسّسة البعثة - قمّ، ط 1، نشر: مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة، 1413 ه.
39- سنن أبي داود، للشيخ أبي داود سليمان بن الأشعث بن بشير السجستاني (ت: 275 ه)، تحقيق وتعليق: سعيد محمّد اللحام، إخراج ومراجعة وفهرسة: مكتب الدراسات والبحوث في دار الفكر، نشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1، 1410 ه..
40- سنن الترمذي (الجامع الصحيح)، للشيخ أبي عيسى محمّد بن عيسى بن سورة الترمذي (ت: 279 ه)، تحقيق وتصحيح: عبد الوهاب عبد اللطيف، نشر: دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، ط 2، 1403 ه.
41- سنن الدارمي، للشيخ أبي محمّد عبد الله بن الرحمن بن الفضل بن بهرام (ت: 255 ه)، دار إحياء السنة الشريفة، دمشق، 1349 ق.
42- السنن الكبرى للشيخ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت 458 ه)، دار الفكر.
43- سير أعلام النبلاء، للشيخ شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: 748ه)، تحقيق: حسين الأسد، إشراف وتخريج: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 9، 1413 ق.
44- الشافي في الإمامة
45- شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار، للقاضي أبي حنيفة النعمان بن محمّد التميمي المغربي (ت 363 ه)، تحقيق: السيّد محمّد الحسيني الجلالي، طبع ونشر: مؤسّسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقمّ المشرفة، ط 2، 1414 ه.
46- شرح نهج البلاغة، لكمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني (ت 679 ه)، تحقيق: عني بتصحيحه عدّة من الأفاضل، نشر: مركز النشر مكتب الإعلام الإسلامي - الحوزة العلمية - قمّ - ايران، المطبعة: چاپخانه دفتر تبلیغات إسلامي، الطبعة الأولى تابستان 1362 ش.
47- صحیح مسلم (الجامع الصحيح)، للشيخ أبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم النيسابوري (ت: 261 ه)، دار الفكر، بيروت.
48- الصحيفة السجاديّة الجامعة لأدعية الإمام علي بن الحسين علیهما السلام. تحقيق ونشر: مؤسسة الإمام المهدي علیه السلام، إشراف: السيّد محمّد باقر نجل السيّد المرتضى الموحد الأبطحي الأصفهاني، قم المشرّفة، ط 1 ،
1411 ق.
49- صلح الحسن، للشيخ راضي آل ياسين (ت 1372 ه)، تقديم: السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي.
50- الطبقات الكبرى، عبد الله محمّد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، البصري، البغدادي المعروف بابن سعد (ت 230 ه)، تحقيق: إحسان عبّاس، نشر: دار صادر - بيروت، ط 1، 1968 م.
51- عدّة الداعي ونجاح الساعي، للشيخ أبي العبّاس أحمد بن محمّد الأسدي،ابن فهد الحلّي (ت 841 ه)، تصحيح وتعليق: أحمد الموحّدي القمّي، نشر: مكتبة الوجداني، قم المشرّفة.
52- علل الشرائع، للشيخ أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن موسى، المعروف ب(الشيخ الصدوق) (ت: 381 ه)، تقديم: محمّد صادق آل بحر العلوم، منشورات المكتبة الحيدرية، النجف الأشرف، 1385 ق.
53- عوالي اللآلي العزيزيّة في الأحاديث الدينيّة، للشيخ المحقّق المتتبّع محمّد بن علي بن إبراهيم الأحسائيّ المعروف بابن أبي جمهر الأحسائيّ رحمه الله (ت: نحو 880ه)، تحقيق: الحاج آقا مجتبى العراقيّ، تقديم: السيّد شهاب الدين النجفيّ المرعشيّ، المطبعة: سيد الشهداء، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى 1403 ه.
54- عيون أخبار الرضا علیه السلام، للشيخ الجليل الأقدم الصدوق أبي جعفر
محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (ت 381 ه)، تصحيح وتعليق وتقديم: الشيخ حسين الأعلمي، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت - لبنان، طبع: مطابع مؤسسة الأعلمي - بيروت - لبنان، 1404 ه - 1984 م.
55- فرحة الغري في تعيين قبر أمير المؤمنين علي علیه السلام، للسيد عبد الكريم بن طاووس الحسني (ت 693 ه)، تحقيق: السيّد تحسين آل شبيب الموسوي، نشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية، ط 2، 1419 - 1998 م.
56- في رحاب العقيدة، للمرجع السيّد محمّد سعيد الحكيم (ت 1443 ه)، نشر: دار الهلال - قمّ المقدّسة، ط 4، 1425 ه.
57- قرب الإسناد، للشيخ أبي العباس عبد الله بن جعفر الحميري (ق3)، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت علیهم السلام الإحياء التراث، قم المشرّفة، ط 1، 1413 ق.
58- الكافي، ثقة الإسلام أبو جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكلينيّ الرازي رحمه الله (ت: 329 ه)، تحقيق وتصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاريّ، نشر: دار الكتب الإسلامية - طهران، مطبعة: حيدري، الطبعة الثالثة 1367 ش.
59- كامل الزيارات للشيخ الأقدم أبي القاسم جعفر بن محمّد بن
قولويه القمّي (ت 368 ه)، تحقيق: الشيخ جواد القيّومي، لجنة التحقيق، نشر: مؤسّسة نشر الفقاهة، المطبعة: مؤسسة النشر الإسلامي، ط 1، عيد الغدير 1417 ه.
60- كتاب الاجتهاد والتقليد، تتقريرات بحث السيد الخوئي للشيخ علي الغروي (ت 1419 ه)، نشر: دار الهادي للمطبوعات - قمّ، المطبعة صدر قمّ، نشر دار الهادي - قم، ط 3، 1410 ه.
61- كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء، للعلّامة الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء (ت 1228 ه)، تحقيق: مكتب الإعلام الإسلامي - فرع خراسان - المحقّقون: عبّاس التبريزيان / محمّد رضا الذاكري (طاهريان) / عبد الحليم الحلّي، نشر: مرکز انتشارات دفتر تبلیغات اسلامی (مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي)، طبع: مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي، ط 1، 1422 ه - 1380 ش.
62- كشف المحجّة لثمرة المهجة للسيّد، رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن طاووس الحسني الحسيني (ت 664 ه)، طبع نشر المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف، 1370 ه - 1950.
63- كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، للعلّامة الحليّ أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر الأسدي (ت 726 ه)، تحقيق: آية الله حسن زاده الآملي (ت 1443 ه)، طبع ونشر: مؤسّسة النشر
الإسلامي - قم، ط 7، 1417 ه.
64- كفاية الأثر في النص على الأئمّة الاثني عشر، لأبي القاسم علي بن محمّد بن علي الخزّاز القمّي الرازي من علماء القرن الرابع، تحقيق: السيّد عبد اللطيف الحسيني الكوه كمري الخوئي، نشر: انتشارات بيدار طبع: مطبعة الخيام - قم، 1401 ه.
65- كمال الدين وتمام النعمة، للشيخ الجليل الأقدم الصدوق أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (ت 381 ه)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفّاري، نشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقمّ المشرّفة، محرم الحرام 1405 - 1363 ش.
66- كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، لعلاء الدين علي المتّقي بن حسام الدين الهندي البرهان فوري (ت 975)، ضبط وتفسير: الشيخ بكري حياني، تصحيح وفهرسة: الشيخ صفوة السقا، نشر: مؤسّسة الرسالة - بيروت - لبنان، 1409 ه - 1989 م.
67- لسان العرب، لأبي الفضل جمال الدين محمّد بن مكرم ابن منظور (ت 711 ه) نشر: أدب الحوزة، 1405 ه.
68- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت 707 ه)، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت، 1408.
69- المحاسن، للشيخ الثقة الجليل الأقدم أبي جعفر أحمد بن محمّد بن
خالد البرقي (ت 274 ه)، تصحيح وتعليق: السيّد جلال الدين الحسيني (المحدّث)، نشر: دار الكتب الإسلامية - طهران، 1370 ه - 133 ش.
70- المزار الكبير، الشيخ محمّد بن المشهدي (ت ق 6 ه)، تحقيق: جواد القيّومي الأصفهاني، مطبعة: مؤسّسة النشر الاسلامي، ط 1، رمضان المبارك 1419 ه.
71- المزار، للشيخ محمّد بن جمال الدين مكي العاملي الجزيني، الشهيد الأوّل (ت: 786 ه)، تحقيق ونشر: مدرسة الإمام المهدي علیه السلام قمّ المقدّسة، ط 1، ذو الحجّة 1410 ه.
72- المسائل المنتخبة العبادات والمعاملات، فتاوى سماحة آية الله العظمى السيّد علي الحسيني السيستاني (دام ظلّه)، ط 3، 1414 ه. 1993.
73- مستدرك سفينة البحار، للشيخ علي النمازي الشاهرودي (ت 1405 ه)، تحقيق وتصحيح: الشيخ حسن بن علي النمازي، نشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرفة، الطبعة الثالثة 1418 ه.
74- المستدرك على الصحيحين، لأبي عبد الله الحاكم محمّد بن عبد الله بن محمّد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبّي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع (ت 405ه)، تحقيق: يوسف عبد الرحمن
المرعشلي، نشر: دار المعرفة بيروت - لبنان.
75- مسند أبي داود الطيالسي، للشيخ سليمان بن داود بن الجارود، المعروف ب(بأبي داود الطيالسي) (ت 204 ه)، دار المعرفة، بيروت.
76- مسند أحمد، أحمد بن محمّد بن حنبل، أبو عبد الله، الشيباني الوائلي (ت 241 ه)، نشر: دار صادر - بيروت - لبنان.
77- المسند، للشيخ أبي عبدالله محمّد بن إدريس بن العبّاس المطلبي الشافعي (ت: 204 ه)، صحّحت هذه النسخة على النسخة المطبوعة في مطبعة بولاق الأميرية والنسخة المطبوعة في بلاد الهند، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان 8 ذو الحجة 1431.
78- مصباح المتهجّد، للشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، المعروف ب(شيخ الطائفة) (ت 460 ه)، مؤسّسة فقه الشيعة، بيروت، ط 1، 1411 ق.
79- المصنّف، للشيخ أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت 211 ه)، عني بتحقيق نصوصه وتخريج أحاديثه والتعليق عليه: الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي.
80- معجم مقاييس اللغة، للشيخ لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا اللغوي (ت 395 ه)، تحقيق وضبط: عبد السلام محمّد هارون، مركز النشر / مكتب الإعلام الإسلامي، طهران - قمّ المشرّفة، 1404 ق.
81- مفاتيح الجنان، للمحدّث المحقق الشيخ عبّاس القمي (ت 1359ه)، تعريب: السيّد محمّد رضا النوري النجفي، طبع: مطبعة البعثة - قمّ، نشر: مكتبة العزيزي - قم، ط 3، 1385 ش - 2006 م.
82- المفردات في غريب القرآن، للشيخ الحسين بن محمّد بن المفضل الراغب الأصفهاني (ت حدود 425 ه)، نشر: دفتر نشر الکتاب، ط 2، 1404 ه.
83- من لا يحضره الفقيه، للشيخ أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن موسى، المعروف ب(الشيخ الصدوق) (ت: 381 ه)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة، قم المشرفة، ط 2.
84- مناقب آل أبي طالب، لمشير الدين أبي عبد الله محمّد بن علي بن شهر آشوب ابن أبي نصر بن أبي حبيشي السروي المازندراني (ت 588 ه)، تحقيق: لجنة من أساتذة النجف الأشرف، طبع ونشر: المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف، 1376 - 1956 م.
85- المناقب، الموفق بن أحمد البكري المكي الحنفي الخوارزمي (ت 568 ه)، تحقيق: فضيلة الشيخ مالك المحمودي - مؤسّسة سيد الشهداء علیه السلام، طبع ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي، ط 2، 1411 ه.
86- منهاج الصالحين، لزعيم الحوزة العلمية السيّد أبو القاسم الموسوي
الخوئي (ت 1413 ه)، ط 30.
87- منهاج الصالحين، للمرجع السيّد محمّد سعيد الحكيم (ت 1443 ه)، ط 3.
88- مهج الدعوات ومنهج العبادات، للسيّد أبي القاسم رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن طاووس (ت: 664 ه)، كتابخانه سنائي.
89- نزهة الأبرار ومنار الأنظار في خلق الجنّة والنار، للسيّد هاشم بن سليمان الحسيني البحراني (ت 1107 ه)، تحقيق: فارس حسّون، نشر: الباقيات للطباعة والنشر - قم، المطبعة: وفا: ط 1، 1428 ه - 2007 م.
90- نهج البلاغة، ما أختاره وجمعه من كلام الإمام أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب علیه السلام الشريفُ الرضي (ت 406 ه)، ضبط نصّه ووضع فهارسه العلميّة: الدكتور صبحي صالح، الطبعة الأولى - بيروت 1387 ه - 1967 م.
مقدّمة حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّد آل حيدر...5
مقدّمة التعليق...9
مقدّمة الطبعة الثانية...11
مقدّمة الطبعة الأولى...13
تمهید...17
1- عقيدتنا في النظر والمعرفة...17
2- عقيدتنا في التقليد بالفروع...23
3- عقيدتنا في الاجتهاد...29
4- عقيدتنا في المجتهد...30
الفصل الأوّل: الإلهيات...33
5- عقيدتنا في الله تعالى...35
6- عقيدتنا في التوحيد...49
7- عقيدتنا في صفاته تعالى...52
8- عقيدتنا بالعدل...62
9- عقيدتنا في التكليف...65
10- عقيدتنا في القضاء والقدر...66
11- عقيدتنا في البداء...70
12- عقيدتنا في أحكام الدين...72
الفصل الثاني: النبوّة...75
13- عقيدتنا في النبوّة...77
14- النبوّة لطف...78
15- عقيدتنا في معجزة الأنبياء...81
16- عقيدتنا في عصمة الأنبياء...85
17- عقيدتنا في صفات النبيّ...87
18- عقيدتنا في الأنبياء وكتبهم...88
19- عقيدتنا في الإسلام...89
20- عقيدتنا في مشرع الإسلام...93
21- عقيدتنا في القرآن الكريم...93
22- طريقة إثبات الإسلام والشرائع السابقة...95
الفصل الثالث: الإمامة...103
23- عقديتنا في الإمامة...105
24- عقيدتنا في عصمة الإمام...108
25- عقيدتنا في صفات الإمام وعلمه...108
26- عقديتنا في طاعة الأئمّة...118
27- عقديتنا في حبّ آل البيت...122
28- عقيدتنا في الأئمّة...124
29- عقيدتنا في أنّ الإمامة بالنصّ...125
30- عقيدتنا في عدد الأئمّة...128
31- عقيدتنا في المهدي...129
32- عقيدتنا في الرجعة...136
33- عقيدتنا في التقيّة...143
الفصل الرابع: ما أدّب به آل البيت شيعتهم...147
تمهید:...149
34- عقيدتنا في الدعاء...150
35- أدعية الصحيفة السجّادية...157
36- عقيدتنا في زيارة القبور...166
من آدابها:...178
37- عقيدتنا في معنى التشيّع عند آل البيت...182
38- عقيدتنا في الجور والظلم...186
39- عقيدتنا في التعاون مع الظالمين...188
40- عقيدتنا في الوظيفة في الدولة الظالمة...191
41- عقيدتنا في الدعوة إلى الوحدة الإسلامية...193
42- عقيدتنا في حقّ المسلم على المسلم...198
الفصل الخامس: المعاد...207
43- عقيدتنا في البعث والمعاد...209
44- عقيدتنا في المعاد الجسماني...210
المصادر...217
المحتويات...235
ما زلنا نؤكّد على أهمّية العقيدة، ودورها الفاعل في تكوين الرؤية الصحيحة للإنسان، فهي المنطلق الأساس للحياة الكريمة في الدنيا والنجاة في الآخرة.
ومن الكتب المؤلَّفة في عصورنا الأخيرة كتاب (عقائد الإمامية) لمؤلَّفه الفاضل الكبير العلّامة المحقّق آية الله الشيخ محمّد رضا المظفّر قدس سرّه، وقد صار هذا الكتاب رغم اختصاره مداراً للتعرّف على عقائد الإمامية الإثني عشرية، فهو كتاب يسّر الله تعالى له الانتشار في سائر الأقطار، وذلك لإيجازه، ووضوح بيانه، وأهتمامه ببيان العقيدة في زمن لم يتصدّ الكثيرون للبيان والدفاع.
باقيات (للطباعة والنشر)