ghaemiyeh.com
العَبقاتُ العَنبَريَّة في الطَبَقَاتِ الجَعْفريَّة
تاريخ المَرَحِعَيَّةِ الدِّينِيَّة في القرنَين الثَامِن عَشَرَ وَالتَّاسِع عَشر الميلَادیيّن
تأليف العَلّامة الكبير الإمَام الشَيخ محمّد الحُسَين كَاشف الغَطاء
المتوفى سنة 1373 ه / 1954 م
تحقیق الدكتور جَودت القزويني
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى 1418ه / 1998م
توزيع: بيسان للنشر والتوزيع
ص.ب. / 5261 - 13 بيروت لبنان
هاتف / 351291 * فاكس: 747089 - 1 - 961
مقدمة المحقّق...9
ترجمة الأمام محمد الحسين كاشف الغطاء بقلمه...12
العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية...23
مقدمة المؤلف...25
المقدمة: في نسب آل كاشف الغطاء...30
الباب الأول في ذکر أحوال الشیخ جعفر واخوانه وأبیه
أبوه...37
إخوانه...40
في أحوال الشيخ جعفر كاشف الغطاء...43
الفصل الأول: في كراماته...45
سيرة الشيخ...47
استسقاء الشيخ للأعراب ونزول الغيث...50
الفصل الثاني: في مكارم أخلاقه ومحاسن صفاته...55
کلام صاحب «روضات الجنات» في حقّ الشيخ الكبير...63
كلام الشيخ أسد الله في حق الشيخ الكبير...64
الفصل الثالث: في أسفاره وما وقع له فيها...76
سفره الى بيت الله الحرام...76
قصة (عقيل)، وقتل الشيخ لهم...78
سفره الى طهران...82
ذكر وقائع الشيخ مع ميرزا مُحمَّد الأخباري، وسرّ عداوتها ومنشئها...86
قصَّة مباهلة الشيخ مع ميرزا محمد الأخباري...91
بين الشيخ وفتح علي شاه...104
الفصل الرابع: في الحوادث التي وقعت في أيامه...108
الحادثة الأولى: حادثة الوهابي، وغزواته للنجف...108
رسالة الشيخ الكبير في ردّ الوهابيّة...117
الحادثة الثانية: واقعة الزقرت والشمرت...128
الفصل الخامس: فيما قاله من الأشعار، وما قيل فيه من تهانيه ومراثيه...135
قصيدة للشيخ الكبير في رثاء العلامة الطباطبائي...136
معركة الخميس...138
ما قيل في الشيخ جعفر من الشعر...146
القسم الأول: في تهانيه...146
القسم الثاني: في وفاته ومراثيه...159
(بند) للشيخ علي الطبَّاخ الحلّي...168
«يتيمة الدهر في ذكر علماء العصر» للسيد محمد علي العاملي...170
الباب الثاني في الطبقة الثانية من الطائفة (الجعفرية)
ترجمة الشيخ موسى كاشف الغطاء...181
تفصیل قتل ميرزا محمد الأخباري...183
فتوى الشيخ موسى في قتل الميرزا الأخباري...185
أخبار مُلا محمد (حاكم النجف)، ووقائعه مع الشيخ موسى...188
ذكر سبب تسمية الشيخ موسى ب- «المصلح بين الدولتين»...191
محاربة البغداديين لعسكر العجم...191
آثار الشيخ موسى...201
رسالة الشيخ موسى الى فتح علي شاه...204
جواب فتح علي شاه على رسالة الشيخ موسى...207
ما قيل في الشيخ موسى وأولاده من الشعر...208
(بند) في رثاء الشيخ أسد الله، ومدح الشيخ موسى...220
وفاة الشيخ موسى ومراثي الشعراء له...230
ترجمة الشيخ موسى في «يتيمة الدهر»...233
(بند) للشيخ ابراهيم القفطان في رثاء الشيخ موسى...237
ابتداء تفصيل أحوال الشيخ علي بن الشيخ الكبير...238
أحوال الشيخ محمد بن الشيخ الكبير...240
وفاته ومراثيه...247
باقي أحوال الشيخ علي نجل الشيخ الكبير...251
شعرُهُ وشاعريتُهُ...257
ظهور الفرقة الشيخية (الكشفية)...284
تنبؤ الشيخ علي بالفتنة البابيّة...287
المزايا الثلاثة...288
في أحوال الشيخ محمد بن الشيخ الكبير...290
في أحوال الشيخ حسن بن الشيخ جعفر...291
«نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري» للشيخ عباس كاشف الغطاء...293
أجوبة المسائل الاعتقادية...296
في أحوال الشيخ أحمد الأحسائي...297
في كراماته...300
واقعة نجيب پاشا في كربلاء...306
توجّه نجیب پاشا الى النجف...311
مناظرة الشيخ حسن مع السيد أبي الثناء الآلوسي حول البابية...316
وفاة الشيخ حسن...343
فصل: فيما قال وما قيل فيه من الشعر...349
ترجمة الشيخ عيسى بن الشيخ الكبير...358
الباب الثالث في الطبقة الثالثة من هذه الطائفة
ترجمة الشيخ محمد بن الشيخ علي...360
الفصل الأول: في مدائحه وتهانيه...363
الفصل الثاني: في مراثيه وما قيل في تعزية إخوانه وبنيه...374
من وقائع فرقتي الزقرت والشمرت...394
هجوم العسكر على دار الشيخ محمد...394
ترجمة الشيخ مهدي بن الشيخ علي...398
شعرُه وشاعريته...400
ما قيل في الشيخ مهدي من التهاني والمدائح...403
ترجمة الشيخ مهدي في «يتيمة الدهر»...418
كراماتُهُ...425
مراثيه...428
ترجمة الشيخ جعفر بن الشيخ علي...447
نادرة غريبة...457
مراثيه...459
ترجمة الشيخ محمد رضا...465
مدائحه وتهانيه...466
ترجمة الشيخ محمد رضا في «يتيمة الدهر»...490
وفاته ومراثيه...493
منهج الرشاد لمن أراد السداد (رسالة الأمام الشيخ جعفر كاشف الغطاء الى الأمير عبد العزيز بن سعود)...503
محمد الحسين كاشف الغطاء في شبابه
الأمام محمد الحسين كاشف الغطاء يُلقي خطاباً تأريخياً في «مسجد الكوفة» ه آذار سنة 1932م
«إلتقط هذه الصورة النادرة الأستاذ الكبير صالح كبة - حفظه الله -»
يُعدُّ كتاب العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية) من الكتب التأريخية النادرة التي تناولت تسجيل فترة زمنية مجهولة في تأريخ المرجعيّة الدينيّة العليا، وما يحيط بها من وقائع وأحداث خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين / الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين. وهو أول تأليفات الأمام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء المتوفى سنة 1373 ه / 1954م.. كان قد بدأ بجمعه وهو ابن الخامسة عشرة، وانتهى من كتابته وهو في سنيه العشرين كما يظهر ذلك من تأريخ النسخة المخطوطة.
وقد تضمّن الكتاب تسجيل تراجم «الطبقات الجعفرية» من علماء أسرة الشيخ جعفر كاشف الغطاء، الجدّ الأعلى لأسرة آل كاشف الغطاء، المتوفى سنة 1228ه / 1813م، تبعاً للفترات الزمنية، وأهمية الشخصيات المُترجم لها.
وبالرغم من أنَّ الكتاب تخصص بتسجيل تاريخ (أسرة)، إلاَّ انَّه تعدَّى إلى تسجيل تأريخ (عصر) كان لهذه الأسرة تأثير كبير في أحداثه الدينية، والسياسية، والاجتماعية، ولفترة زادت على نصف قرن من الزمن.
ويُعتبر الكتاب الحلقة المفقودة في تأريخ المرجعيّة الدينية خلال هذين القرنين حيث تناول تسليط الأضواء على الوقائع التأريخية المتَّصلة بالنشاط الديني للفقهاء، وأهمها يكمن بما يلي:
1 - أرَّخ للصراع الوهابي - الشيعي في عهده الأول، وما وصلت اليه العلاقة الوهابية - الأثنا عشرية منذ قيام الحركة الوهابية. وقد انفرد من بين المصادر بالأشارة الى علاقة الصداقة بين الشيخ جعفر كاشف الغطاء (زعيم الأمامية)، والشيخ محمد بن عبد الوهاب (زعيم الوهابية).
2 - أرَّخ للصراع الأخباري - الأصولي (في مرحلته الثانية)، من خلال الحديث عن المحاججة بين الشيخ جعفر كاشف الغطاء، والميرزا محمد الأخباري المقتول سنة 1232ه / 1817م.
وبالرغم من انحياز المؤلف في عرض الوقائع التأريخية، وتسجيل هذا الصراع لصالحه، إلاَّ أنَّه وفّر مادة غزيرة يمكن الاستلهام منها في معرفة بعض أسرار المرحلة، والأهداف
الناجمة عن ذلك الاختلاف.
3 - يُعدُّ الكتاب من المصادر الأولى، إن لم يكن المصدر الأول الذي دوَّن قصة نشوء طائفتي (الزقرت) و(الشمرت) في مدينة النجف، والحوادث الدامية التي نجمت عنهما.
4 - عرض المؤلف شيئاً من تأريخ ظهور الفرقة (الشيخيّة) الكشفية التي قادت لظهور الحركة (البابيَّة) فيما بعد، ومواقف المرجعية الدينيّة من هذه الفرقة.
5 - يعتبر كتاب (العبقات) ملفاً تأريخياً ضخماً للشعر العراقي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين مع الأشارة إلى أسماء شعراء مجهولين، وبعض الفقهاء المنسيين، وإثبات نماذج شعرية لهم.
وقد أصبح مصدراً الجملة من المؤلفات مثل البابليّات للشيخ محمد علي اليعقوبي. وماضي النجف وحاضرها للشيخ جعفر محبوبة، وغيرهما. أمَّا الأستاذ على الخاقاني فقد كانت «العبقات العنبرية» مادته الأصلية في كتابيه (شعراء الحلّة) و(شعراء الغري) بعدما فرَّق محتواه على الشعراء الذين ترجم لهم.
6 - أورد الكتاب بعض الاقتباسات عن مصادر خطيّة أصبح بعضها في عداد المفقودات ككتاب «معدن الشرف في أحوال المشاهير من علماء النجف» للمؤرخ السيد حسون البُراقي المُتوفى سنة 1332 ه / 1914م، ولا يزال بعضها الآخر مخطوطاً مثل «يتيمة الدهر» للسيد محمد علي العاملي المتوفى سنة 1290ه / 1873م.
7 - إشتمل الكتاب على رسالة خطيّة بعنوان «نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري» كتبها الشيخ عباس كاشف الغطاء المتوفى سنة 1323ه / 1905م في ترجمة حياة أبيه الشيخ حسن كاشف الغطاء المتوفى سنة 1262ه / 1846م، وفيها شيء من فتاواه، وأجوبته على بعض المسائل السائدة في عصره. وأهم ما تتضمَّنُهُ هذه «النبذة» المناظرة التي دارت بين الشيخ حسن، ومُفتي بغداد أبي الثناء الآلوسي حول الحركة «البابية» بمحضر الوالي نجیب پاشا المُتوفى سنة 1267ه / 1850م.
8 - ألحقت بهذه (العبقات) رسالة الشيخ جعفر كاشف الغطاء الى الأمير عبد العزيز ابن سعود بعنوان «منهج الرشاد لمن أراد السداد»، وتعتبر إحدى مظاهر الفكر السياسي الشيعي في أوائل القرن الثالث عشر الهجري -، مُحَقَّقَةً على نسخة كُتبت في حياة مؤلفها سنة 1210ه / 1795م، وقد وردت غير تامّة في (العبقات)، وأذنَ المؤلف اضافتها إلى الكتاب في حالة توفر نسختها الكاملة.
هذا ما يخصُّ مادة الكتاب.
أمَّا المنهج الذي نهجه المؤلف في كتابه فانَّه رتَّبه ترتيباً تأريخياً، وفنيّاً معتمداً، وأشبعه بكثير من الفوائد التي تفرَّد بها.
والكتاب - كما يبدو للمتخصصين - مدعمٌ بالشواهد التأريخية الحيّة، والوثائق النادرة، والمنقولات عن طبقة من رجال السند الذين اعتمد على نقلهم المؤلف، بيد أنَّ المؤلف استكمل بعض الصور الوصفية للأحداث بواسطة السرد القصصي، كما حدث ذلك في سياق الحديث عن بعض أوصاف الميرزا محمد الأخباري، أو الحديث عن بني (عقيل) في قصة تأريخية غير محققة.
ويظهر أنَّ المؤلف كان في بعض الأحيان يُبصرُ الحقائق على نحو ذاتي، فبالرغم من موضوعية الحقائق المسجّلة الاّ انَّ بعضها لا يخلو من (التحيّز)، والرغبة في اثبات ما يتعلّق به من أحداث، والتقليل من واقعيتها لدى الأطراف الأخرى. وهذه صفة رُبَّما يشترك بها أغلب المؤرخين، ان لم يكونوا جميعهم.
كما إتبع المؤلف الاسلوب المُسجَّع الذي كان متعارفاً في تلك الأيام إلاَّ أنَّه في مؤلفاته التي كُتبت بعد هذا التأريخ ترك هذه «الصَنعة» واعتمد على أساليب الكتابة الحديثة.
وقد ظهرت صفة المُبالغة في وصف الأعلام الذي ترجم لهم تبعاً لمتطلبات هذه الطريقة السائدة في التعبير، والتي كانت تُعدّ من شواهد الكمال، وإتقان فنّ التأليف والكتابة.
أمَّا الكتاب فأنَّه بشكل عام يكشف عن طبيعة العلاقة الترابطية بين طبقة الفقهاء، وبين أتباعهم من جهة، وتأثير هذه الطبقة على المجتمع الشيعي تبعاً للظروف السياسية. وهذا لا يعني خضوع القطاع الشيعي دائماً لطبقة علماء الدين، كما يظهر ذلك في المجتمع العراقي من خلال الصراعات الدائرة بين فرقتي (الزقرت) و(الشمرت)، وتأثيرهما السلبي في المواجهة مع الفقهاء أنفسهم.
ترجمة الأمام محمد الحسين كاشف الغطاء بقلمه(1)
هو الشيخ محمد حسين بن علي بن الرضا بن موسى بن جعفر كاشف الغطاء.
ينتسب الى عائلة عربية صميمة، وعريقة في الشرف. هاجر جدُّها الأعلى الى النجف منذ ثلاثمائة سنة من (جناجة) - بلدة جنوب الحلة - وولد هو في النجف عام 1294ه، الموافق 1877م، وتعلّم أيام صباه القراءة والكتابة والحساب، ودرس أيام شبابه النحو والمنطق والبيان والآداب ثم تخرَّج في الحديث على العلامة المحدث ميرزا حسين النوري، وفي علم الكلام على الاستاذ الشيخ ملا رضا الهمداني، وفي الأصول على حجة الاسلام الشيخ محمد كاظم الخراساني، وفي الفقه على حجة الاسلام السيد كاظم اليزدي، ودرس علم التفسير، والتاريخ، والفلك، على غيرهم من رجال العلم.
سافر عام 1329ه / 1911م من النجف الى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، ومن مكة توجَّه إلى دمشق، ومنها الى بيروت، ومكث في ربوع سوريا، ومصر ثلاث سنوات، واشترك في الحركات الوطنية مع أحرار سوريا كالشيخ أحمد طبارة، وعبد الكريم الخليل، وعبد الغني العريسي، وباترو باولي، وطبع هناك عدَّة كتب. ونشر في أمهات صحف سوريا مقالات نفيسة. وفي عام 1914م قبل اعلان الحرب العالمية الأولى بشهر ونصف قفل الى العراق عن طريق حلب، ودير الزور، وصار من خواص حجة الاسلام السيد كاظم اليزدي (أكبر مجتهد في ذلك الحين). وفي عام 1917م ذهب مع السيد محمد نجل السيد كاظم المذكور، وجماعة من العلماء الى (الكوت) للجهاد أمام قوات (الأنكليز).
وبعد وفاة أخيه الشيخ أحمد عام 1344ه / 1926م أصبح من المراجع العامة للتقليد والفتوى في النجف الأشرف.
وفي عام 1350ه / 1931 عُقد المؤتمر الاسلامي العام في القدس الشريف وبعد دعوات متكررة من لجنة المؤتمر توجَّه في كانون الأول الى القدس، وأنتمَّ به في الصلاة جميع أعضاء المؤتمر البالغ عددهم (150) عضواً من شتى الفرق الاسلامية، وخلفهم نحو (25) ألف
1) إعتُمِدت في ترجمة الأمام كاشف الغطاء ترجمتان كتبهما بقلمه؛ الأولى عام 1354ه / 1935م، والثانية عام 1371ه / 1952م. وقد أرجئ نشر القسم الآخر من الترجمة الأولى الى مناسبة أخرى
نسمة من أهالي فلسطين، وذلك ليلة المعراج 27 رجب (6 كانون الأول) في المسجد الأقصى. وكان لذلك أهمية كبيرة حيث كان بذرة للاتحاد الاسلامي، ورمزاً للأخاء والتساهل الديني.
وفي عام 1933م (25 تموز) - أول ربيع الثاني 1352ه توجّه إلى ايران عن طريق کرمنشاه، ورجع عن طريق البصرة، ومكث هناك نحو ثمانية أشهر متجولاً في المدن المهمة يدعو الايرانيين الى التمسك بالدين الاسلامي، والى ضرورة التفاهم مع الأقطار الاسلامية والشرقية والاتحاد معها. وكان موضع الحفاوة والتبجيل في كلّ مدينة يحلُّ بها. وقد خطب في كلّ من المدن الآتية باللغة الفارسية: كرمنشاه، همدان، طهران، شاهرود، خراسان، شيراز، المحمرة، عبادان.
ولمَّا حدث الهياج في قبائل الفرات منذ أوائل هذه السنة (1935م)، واستمرَّ الاضطراب عدَّة شهور كانت له المساعي المشكورة في إلزامهم بحفظ الأمن، وتأمين الطرق، وحقن الدماء، وسلامة الأموال، وعدم العبث والأفساد ولم يزل طيلة ستة أشهر ساهراً ليله، كادحاً نهاره على بثّ تلك الدعوة ، وقبض الزمام، وكانت القبائل منقادة لأمره، خاضعة لتعاليمه وإرشاداته، ولولا ذلك لانفلتَ حبل الأمن، وساءت الأحوال إلى درجة لا تتدارك.
مؤلفاته
الدين والاسلام (جزءان) - طبع 1912م في صيدا.
المراجعات الريحانية (جزءان) - طبع بیروت 1913.
التوضيح (جزءان).
الآيات البيّنات - طبع النجف 1927م.
أصل الشيعة وأصولها - طبع صيدا 1932م.
خطبته في المؤتمر - طبع القدس 1932.
خطبته في مسجد الكوفة (الاتحاد والاقتصاد).
خطبه الأربع عند رجوعه من ايران.
نبذة من سياسة الحسين - طبع النجف 1930.
كتبه المخطوطة
ملخص الأغانى.
نقد كتاب ملوك العر.
شرح كتاب العروة الوثقى في الفقه.
النفحات(1)العنبرية (في تاريخ عائلته).
الجزء الثالث من (الدين والاسلام).
مجموعة مراسلاته العلمية.
دیوان شعره
وهو الآن يقيم في النجف الأشرف، ويقوم بأداء صلاة الجماعة في الحرم الشريف ويدرِّس الفقه الاسلامي لطلبة العلم الروحانيين. ولديه مكتبة نفيسة يستفيد منها المؤلفون، والطلبة في النجف، ويتّبعهُ في التقليد والفتوى ملايين من المسلمين في العراق، وايران، والأفغان، والهند، وسورية، والبحرين، والاحساء، وعمان، واليمن، وشرق أفريقية.
تكملة ترجمة الأمام كاشف الغطاء بقلمه(2)
ما انتهى العقد الأول من أعوامي إلاَّ وقد شرعت أو كرعتُ من مناهل العلوم العربية والأدب ومبادئ الفقه وأصوله.
وأول تأليف برز لي في هذه البرهة كتاب (العبقات العنبرية في طبقات الجعفرية) - مجلدان - كله أدب وتأريخ ونوادر برزت نسخة واحدة منه الى المبيضة أرسلناها في ذلك العصر الى (عمّ) لنا كان في (إصفهان) كي يمثله للطبع فعاجله الأجل قبل انجاز العمل، ومات وماتت تلك النسخة النفيسة معه. وقد علمنا أنَّها ما نُشرت، ولكن لا نعلم أين قُبرت، وليس عندنا منه سوى مسودة الجزء الأول بخطنا (قبل ستين سنة)، وقد إنتهل من مشارع هذه النسخة جملة من أدباء العصر، ونقلوا الكثير من فرائدها إلى مؤلفاتهم مع حفظ أمانة النقل، وبدونها.
ثم لم تنطوِ صحيفة العقد الثاني من حياتنا إلاَّ ونحنُ منهمكون في طلب دائب،
وحركة سافرة بالأشتغال في علوم الحكمة والفلسفة والكلام عند أساطينها الذين هاجروا إلى النجف الأشرف لتحصيل العلوم الشرعية عند مراجع الشيعة الأعاظم في أوائل القرن الرابع عشر، مضافاً إلى إشتغالنا في علوم البلاغة كالمعاني والبيان والبديع والرياضيات من الحساب والهيئة وأضرابها من الفقه وأصوله، والحضور فى حوزة درس الطبقة العليا من الأساطين كالكاظمين (صاحب العروة)، و(صاحب الكفاية) - رضوان الله عليهما - فقد لازمتُ الحضور عليهما من سنة الثانية عشر هجرية الى حين وفاة الأول سنة 1337ه، والثاني سنة 1329ه، وعلى الشيخ الفقيه الهمذاني صاحب «مصباح الفقيه»، المتوفى سنة 1322ه، وغير هؤلاء من الأعاظم (قدّس الله أسرارهم).
وفي حين الوقت الذي أحضرُ عند هؤلاء الأساتذة الأعلام كانت لي حوزة درس من الأفاضل المهاجرين لطلب العلم فكنتُ أكتبُ ما أتلقّاه من أساتذتي في الفقه وأصوله وأحرر ما ألقيه من الدروس على تلاميذي.
وفي هذه الآونة وأنا في وسط العقد الثالث ألَّفتُ شرح العروة (في مجلدين كبيرين لم يطبع شيء منهما الى الآن). ومع استفراغ الوسع وبذل الجهود البليغة في علمي الفقه وأصوله والحديث والتفسير ونحوها وصرف أكثر ساعات يومي وليلتي فيها أجدُ في فؤادي شعلة متوقدة وعطشاً ملتهباً يحفزني الى الانتهال، والاشتغال بالعلوم الألهية، والمعارف العليا، والحكمة المتعالية، فكنتُ أدرس في عين ذلك الوقت كتب صدر المتألهين قدّس الله سره من مختصراته (كالمشاعر، والعرشية، وشرح الهداية)، ومطولاته (كالأسفار، وشرح أصول الكافي).
ثم ألحَّ بي العطش والظمأ إلى التماس جرعة من كتب العرفاء الشامخين (كالفصوص، والنصوص، والفكوك، وكثير من مثنويات ملا جلال الدين الرومي، والجامي، وشمس التبريزي، والشبستري)، وغيرهم ممن نهج على مناهجهم، وعرج في معراجهم فكنتُ لا أجدُ راحةً ورَوْحاً لروحي من عناء الحياة، ومتاعب الكفاح إلاَّ بمزاولة الأدب العربي، والتلذذ | بمطالعة كتب القوم والأنس بأشعارهم ومعارفهم حتى بلغتُ من ذلك على مثل ما قيل (كنتُ أشرب ولا أرتوي، فصرتُ أرتوي ولا أشرب). وعلى كلَّ فلا أريد بكلمتى هذه أن أُترجم لنفسي شؤون حياتي، وكيف انقضت ساعات أيامي وليلاتي، فأنَّ هذا يحتاج إلى مؤلف ضخم كله عجائب وغرائب، ودروس، وحوادث، وكوارث، وعبر، ولعلَّ التاريخ يحتفظ بشيء منه - إن كان لا يستطيع الأحتفاظ بكله.
نعم جلَّ القصد من هذه الومضة إنارة زاوية واحدة من هذا العمر الحافل بالزوايا والمزايا،
وهي ناحية الشغف والولع بالتأليف ونشر العلوم والثقافة بشتى أنواعها فكانَ أول تأليف لنا (العبقات) - كما أسلفنا -، وهو أدب وتأريخ وتراجم.
وأوَّل تأليف في الفقه «شرح العروة الوثقى» كنا نكتب الشرح ليلاً، ونلقيه نهاراً على حوزة الدرس المؤلفة من أعلام الأفاضل المتجاوز عددهم المائة في مسجد الهندي تارة، وفي غيره أخرى.
وبعد وفاة استاذنا الطباطبائي (أعلى الله مقامه) بسنة واحدة رجع إلينا جماعة من المؤمنين من أهالي بغداد، وطلبوا منا تعليقاً على (التبصرة) ليكون عملهم عليها. فعلَّقنا عليها حواشي، وطبعت في هامش الكتاب مع حاشية الأستاذ «قده» سنة (1338) ه وفي خلال هذا ترجمنا عدة كتب من الفارسية الى العربية (كفارسي هيئت)، و(حجة السعادة)، ورحلة (ناصر خسرو).
وأول تأليف لنا في الحكمة والعقائد (الدين والاسلام)، وكنا وسمناه (الدعوة الاسلامية إلى مذهب الأمامية)، وشرعنا بطبعه بمطبعة دار السلام في بغداد.
وبينا كانت المطبعة تشتغل بطبع الجزء الثاني سنة 1329 هجرية، وكانت بعض نسخ من الجزء الأول الذي نجز طبعه قد انتشرت وتداولتها الأيدي، وإذا بالسلطة تهاجم المطبعة بغتةً، وتُصادر الكتاب بجزأيه، وتحمله إلى حيث لا ندري إلى الآن. وكان ذلك بأمر الوالي الشهير في عهد دولة (عبد الحميد ورشاد) (ناظم پاشا) وبايعاز المُفتي (شيخ سعيد الزهاوي) فكبَّدونا بهذه الحركة الجائرة، خسائر باهضة مادية ومعنوية، بعثت فينا روح النشاط والحماس إلى السعي بطبعه خارج العراق، فصمَّمنا العزيمة على الحج إلى بيت الله الحرام من (الكاظمية) إلى (الشام) على البغال شهراً كاملاً، ومنها إلى (المدينة) المنورة بالقطار، ومنها إلى (مكة) على الجمال، وكتبنا بهذا السفر رحلة بديعة أسميناها «نزهة السمر ونهزة السفر» لا تزال بخطنا.
ثم أقفلنا بعد الفراغ من أداء المناسك إلى الشام أيضاً، ومنها إلى بيروت، فصيدا فأنجزنا طبع الجزأين منه، ولطَّفنا من اسلوبه الثقيل في الطبعة الأولى حتى ساغَ مشربُهُ للجميع. ثم طبعنا الجزأين من (المراجعات الريحانية)، والجزأين من (التوضيح في الأنجيل والمسيح). وواصلنا السعي لنشر عدة كتب مهمة، وأشرفنا على تصحيحها «كالوساطة» للقاضي الجرجاني، و«معالم الأصابة» فى الكاتب والكتابة، وديوان السيد الحبوبي، وسحر بابل، وغيرها ثم عدنا إلى النجف الأشرف سنة 1332ه أوائل الحرب العالمية الأولى، وألجأونا إلى الأرشاد، والدعوة، وسافرنا للجهاد عدَّة مرات حتى إذا وضعت الحرب أوزارها، وانتقل
استاذنا السيد الأمام الكاظم إلى جوار ربه، وتحملنا أعباء وصيته مع الأخ المرحوم (أعلى الله مقامه) الذي إجتهدنا معه في تنقيح تأليف «العروة الوثقى»، وطبعها مرتين في حياته، وكانت مرجعية الأمامية في عموم الأقطار قد انتهت إليه (رضوان الله عليه)، وعلينا كان يعول في جميع مهماته ولا يضع ثقته عند غيرنا، وإلينا يرجع كل مرافعة تنشر عنده فيحكم بحكمنا، ويقضي بقضائنا، ولا تزال وصاياه بخطه عندنا.
ومذ اتسعت دائرة المرجعية إلينا بعد وفاته اضطرّتنا الظروف الى نشر الرسائل العملية المتنوعة، فأصدرنا عدَّة رسائل كالوجيزتين الصغرى والكبرى (فارسية، وعربية)، وقد طُبعت عدّة طبعات، وكالسؤال والجواب العربي الذي طبع تكراراً، وكزاد المقلدين (الفارسي) الذي تكرر أيضاً طبعه في النجف الأشرف، وفي خراسان، وكحاشية التبصرة، وحاشية العروة، وفيه أنفس التحقيقات في المدارك الفقهية، وكذلك التعليقات على سفينة النجاة أربع مجلدات، والأصل مجلدان للأخ المرحوم طبع ونفد في حياته، فعلقنا عليه حتى بلغ أربعة أجزاء، وطبعناه ثانياً.
وألَّفنا (الآيات البينات) أربع رسائل مهمة في رد الأموية، والبهائية، والوهابية، والطبيعية.
وقبل الحرب العالمية الثانية ألَّفنا «تحرير المجلة» في خمسة أجزاء، ويعرفُ قدر هذا الكتاب، وعظيم وقعه وعلو مقامه مَنْ يطالعه - إن كان من أهل ذلك-.
وأعظم من كُلّ هذا أثراً، وأعظم نفعاً، وأصدق خُبراً وخَبَراً كتاب «أصل الشيعة» الذي تُرجم إلى عدَّة لغات، وطبع إثني عشر مرة. ويتلوه «الأرض والتربة الحسينية» ترجم إلى الفارسية، (وطبع فارسيا وعربياً). والمترجم لها هو العالم المتبحر البر التقي الشاهزاده خسرواني أطال الله عمره، وأجزل أجره.
وكان البريد وغيره يوصل الى مكتبتي سحابة عمري كتباً من الأقطار البعيدة والقريبة من العراق، وخارجه تشتمل على أسئلة في مسائل عويصة، ومشاكل غامضة في أصول الدين وفروعه، وأسرار التشريع والحكمة في الاحكام، مضافاً إلى الأستفتاء في الفروع الفقهية والقضايا العملية فكان الجواب عنها يذهب مع السؤال، ولم نحتفظ إلاَّ بالنزر اليسير مما ذهب، وقد جمعنا من هذا اليسير مجلداً كبيراً وسمناه «بدائرة المعارف العليا» يصح أن يُعدّ ثروة علمية من أنفس الذخائر. وقد بقي من هذا النوع أوراق مبعثرة في حقائبنا ومجاميعنا فيها الكثير من الخطب والكلمات والمقالات التي تتعلق بأهل البيت (سلام الله عليهم) باختلاف المناسبات من أيام شهادتهم، ووفياتهم، ومواليدهم، وأسرار شهادتهم،
وما إلى ذلك مما يُناط بهم، ويعود إليهم ممّا نشر بعضه في بعض الصحف والمجلات، وما لم يُنشر.
وكنتُ طالما أحدّثُ نفسي بجمع تلك المتفرقات في كتاب عسى أن يكون كعقد ثمين ينتظم في سلك تلك العقود من المؤلفات التي وفقنا الله جلَّ شأنه لنشرها ولخدمة العلم والفضيلة، ونفع الانسانية، وهداية البشر بها التي تجاوزت الثمانين، والكثير أو الأكثر منها لم يطبع.
ثم رأيت أن أُفرد المسائل العلمية والمباحث النظرية في كتاب، وما يتعلق بالنبيّ، وأهل بيته الطاهرين (علیهم السلام) في كتاب آخر ينتفع به أهل المنابر والخطباء مستقلاً على الأكثر، وإن كان هذا المنهل العذب للجميع شرعاً سواء، وأجعل هذين المؤلفين أو الثلاثة مسك الختام، أو ختامه مسك لحياتي التي أوشكت على الزوال - وهي في آخر مراحلها - وقد ذرفتُ على السبعين، وأخذتْ بعنقي، أو أخذتُ بعنق الثمانين.
قالوا أنينُكَ طول الليل يزُعجُنا *** فما الذي تشتكي قلتُ: (الثمانينا)
ثم هذه (السبعون) أو (الثمانون) مع تفاقم العلل والأسقام، وضعف الحال وتراكم الأشغال، وتوالي الأحن والمحن، وسوء الزمن وأهل الزمن، هو الذي كان يحول بيني وبين إنجاز تلك الرغبة، وجعلها في حيز العمل، وإن فسح الله تعالى في الأجل، ووفّقنا، فتلك زيادة فضلٍ منه تعالى الذي عوَّدنا على ألطافه منذ أوجدنا، وأسعد جدَّنا(1).
العبقات العنبرية (النسخة المخطوطة)
أول شهادة فى أهميّة هذا الكتاب ذكرها الشيخ جواد الشبيبي المتوفى سنة 1363ه / 1944م في الكلمة التي أُلحقت بكتاب «الدعوة الاسلامية» للمؤلف، قال الشبيبي:
له من المصنَّفات كتاب أنيق ألفه قبل أن يألف العذار عارضيه ، ويجري قلم التكليف عليه، أخلصه لتراجم طبقات أسلافه الأكارم، وأسره الأعاظم وعدَّ مساعي آبائه وأجداده، ومآثرهم الجميلة في الدين، وغرّ خدماتهم في الاسلام، ووسمه ب «العبقات العنبرية في
1) تُوفي الأمام كاشف الغطاء في (18) ذي القعدة سنة 1373ه، الموافق ليوم 18 تموز 1954م
الطبقات الجعفرية»، وهو مشروع تموجُ فيه مياه الآداب من مساجلات، ومراسلات، وتواريخ، وتراجم، ومسائل فقهية، ومباحث علمية، ونثر فائق، وشعر رائق مما قالوه، أو قيل في مدائحهم، ومراثيهم، وتهاديهم، وتهانيهم. ويحتوي على بعض وقائع العراق، وأحواله وعلى الخصوص المشهد الكريم، والزاوية المقدسة منه «النجف الأشرف».
ووصف الشيخ كاشف الغطاء كتابه هذا بأنَّه «أحسن مجموع في التأريخ والأدب إلاَّ أنَّه يحتاج إلى بعض الاصلاح والتهذيب لأنَّه كان قد جمعه قبل الخامسة عشر من عمره»(1). والنسخة التي إعتُمد تحقيقها كتبها حسن بن السيد جاسم الفحَّام في (25) من شهر جمادى الآخرة سنة 1316ه / 1898م. وكان المؤلف قد فرغ من كتابة الجزء الأول في اليوم العاشر من شهر رمضان سنة 1314 ه / 1896م، ويبدو أنَّ تأليف القسمين الآخرين كان في السنة نفسها.
ورتّب المؤلف كتابه على مقدمة، وثلاثة أبواب، وخاتمة. وقد وُجدت في النسخة المخطوطة كلمة (الجزء) بدل (الباب) في القسمين الثاني والثالث، وعدَّلتُ ذلك حسب تقسيم المؤلف. إمَّا الخاتمة فغير موجودة في هذه النسخة.
قدَّم المؤلف هذه (العبقات) هدية إلى (عمٍّ) له كان يقيم في مدينة «إصفهان» الايرانية لغرض نشرها، وعلى الصفحة الأولى من النسخة المخطوطة كُتب هذان البيتان:
إني نظرتُ فما وجدتُ هديةً *** تُهدى إليكَ سوى الدعاءِ الصالحِ
فرفعتُهُ لكَ بعد كُلِّ فريضة *** وقرنتُهُ لك بالثناء الراجحِ
إلاَّ انَّ النسخة لم تُنشر بسبب وفاة (العمّ) سنة 1336ه / 1917م، ولم يُعرف مصيرها بعد ذلك.
وفي عام 1393ه / 1973م وقفتُ على نسخة مصورة من ممتلكات مكتبة العلامة الشيخ علي كاشف الغطاء المتوفى سنة 1411ه / 1991م، فحصلتُ على مصورة عنها، وعكفتُ على نَسْخها وتحقيقها إلاَّ أنَّ العمل لم يكتمل، وبقيت هذه النسخة تنتظر ضبط نصوصها، وتكملة تعليقاتها منذ تلك الفترة الزمنية الممتدة إلى أكثر من عشرين عاماً. وكان مصدر هذه النسخة العلامة المحقق السيد عبد العزيز الطباطبائي المتوفى سنة 1416ه / 1996م. والنسخة الأصلية محفوظة اليوم في مكتبة مجلس الشورى بطهران.
1) تعليقة كاشف الغطاء على ديوان السيد جعفر الحلّي «سحر بابل وسجع البلابل»، ص 131
ولا يسعني، وقد فرغتُ من إنجاز هذا الكتاب تحقيقاً وتعليقاً، وضبطاً وتصحيحاً خلال فترة زمنية متواصلة، قاربت العامين إلاّ أن أجدّد ذكرى خاتمة طبقة المحققين العلامة السيد عبد العزيز الطباطبائي الذي رحل قبل أن يرى ثمرة هذا الجهد. فإليه أرفعُ ثواب هذا العمل، وفاء له، ولروحه المعطاء، وهو يرفلُ بأبراد النور في عالمه البعيد.
لندن
20 رجب 1418ه
1997/11/20م
الصفحة الأولى من مخطوطة «العبقات العنبرية»
الصفحة الأخيرة من مخطوطة «العبقات العنبرية»
الحمد لله الذي يصطفي من عباده ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، والصلاة والسلام على نبيّه، وخاتم رسله سيد الأنبياء محمد المختار، وآله البررة الخيرة.
وبعد:
فيقول الحقير الفقير الى رحمة ربه، وشفاعة نبيّه البشير النذير (محمد) المدعو بالحُسين - كان الله له في الدارين، وحباه بما تقرّ به العين - ابن (عليّ) خلف (محمد) المدعو بالرضا بقية (موسى) بن (جعفر) كاشف الغطاء (أمدّ الله للأحياء بحياتهم، وصعد إليه بأرواح أمواتهم):-
إنَّه لا يخفى على من تمسك بعُرى الإنصاف، وجانَبَ أسبابَ الظلم والاعتساف، حتى صار الصدق لهجة لسانه، والحق بهجة جنانه، فلم تجد أريكة النفاق في روضة قلبه مقيلاً، ولم تُرَ حَسيكة(1)الحقد والشقاق الى مهجته سبيلاً، فهو ينظر ببصائر ليس عليها من ظُلَم الظُلم ما يوجب الغباوة، وبواصر عما ورثتها عمائم الغُمّة شيئاً من العمى والغشاوة، حتى صار يهتدي بسنا الحق حيثما سار، ويرجع الى هادي الصدق كلما احتار:-
أن الاعتراف بما للأشراف من أكمل الأوصاف، وأداء حقوق العلماء من أوجب الأشياء، والثناء على ذوي الفضل بما هم فيه لا يكون إلا من ذويه، والاطراء في محاسن الشرفا ومناقبهم، لا يوجد إلا عند أولي الوفا من أصاحبهم، حيث أن الشريف للشريف نسیب، فالواجب عليه أن لا يُضيّع أنسابه، والكريم من الكريم قريب فاللازم على كل منهما رعي الذم لتلك القرابة، إلاّ أن الناس قد صرمت حبال تلك النسبة وخضرت عهود تلك القربة، فنبذوها وراءهم ظهرياً، وانتبذ بها فريق منهم مكاناً قصياً، فكان يتقيَّضُ فيما مضى من القرون وغبر، مَنْ ينشر على جهات الاوراق من محاسن أبناء عصره ما ينتظم به سلك درر، ويجلو من أخبارهم على جيد الزمان، ما يزري بقلائد العُقيان، على أنه كم الأيامنا من محاسن لأولي الكمال باهرة، وأنفاس لهم عاطرة، ومزايا تهزأ بالدراري والدرر،
1) الحسيكة والحسك بمعنى الحقد والعداوة
وتصلح أن تكون في دهم الليالي أوضاح وغرر، ليس لها بالنقل والصون كفيل، ولا في موسم الفضل مثيل، فهي يتيمة دهرها، على أنها حين تُتلى على الاسماع تُسْكِرُ ألباب أولي النُهى فتغتدي سلافة عصرها، يفوز تاليها بخلاصة عين الفضل لا خلاصة الأثر، ويحظى مستملُها بغرر الكمالات لا غرر الدرر، وحيث أن الله عزّ وجلّ مَنَّ علي بمنّةٍ كثَّرَ بها شرفي وفخري، فقَلَّ عندها حمدي وشكري:
ولو أنَّ لي في كل جارحة فماً *** وكلٌّ به للحمدِ والشكر ألسنُ
ورمتُ بأن أُحصي بها شكر فضله *** عليَّ لعادت وهي بالعجزِ تُعلنُ
كيف لا، وقد جعلني:
من معشرٍ هم للعلى قلائدٌ *** والناس فيها النعلُ والخلاخلُ
إذا بدوا كانوا شموساً في الضُحى *** لكنهم إنْ نُسبِوا أصائلُ
وتدراكني، وكنتُ كالشئ المُلقى:
فصرتُ امراً أُنمى الى أفضلِ الورى *** عديداً، وأوفاهم عُلاً ومكارما
بهاليل من سود الحتوف على العدى *** لقاءً، ومن بيضِ السيوف عُرائما(1)
ترى للهدى منهم نجوماً وللعدى *** رجوماً، وفي يوم العطاء خضار ما(2)
(بكشف الغطا) للدين شادوا (قواعداً) *** وأحيوا له بعد (الدروس) (معالما)
فكم لهم من مزايا ومناقب، تلوح في سماء المجد كواكب، وكم أبقوا من الآثار والسير ما هو في جبهة الدهر أوضاح وغرر، بهم استقام عمود الدين، ورُغمَ أنفُ المنافقين.
والحاصل أن إحصاء مجدهم، وحصر شرفهم وسؤددهم، مما يضيقُ عنه نطاق البيان، ويكلُّ عنه لساني بل لسان كل إنسان، وحيث أنّ شكرَ المنعم على الحر ضربة لازم، ونهوض العبد بما يستحقه مولاه من أسنى المغانم، وجب عليّ أن أذكر ما منحني الله تعالى من شرف الآباء والأجداد، وما منحهم من النجدة والسداد، حامداً شاكراً له، مُذعناً أني لذلك لم أكن أهله، بل هو محضُ تَفضُّلٍ منه وإحسان، وتكرم وامتنان، فلذلك بادرتُ الى حفظ ما أنعِمَ به عليهم وعليّ لكيلا تذهب وسيلة الحمد من لديّ، فأكون ممن ضيع كرم مولاه واسداءه وقابل إحسانه بالإساءة، فجمعتُ في هذه الرسالة بعض أخبارهم التي
تتناقلها الرُواة، فتعبقُ بشذاها الأندية، وتقطع مع الركب شاسع الفلوات، حتى تبتهج بسناها الأباطح والأودية:
من كلّ مكرمة سارت بذكرهم في حلٍّ ومُرتحل *** (سير الجنوب بريحِ العارض الهَطِلِ)
وكل فضيلة عمَّ نورُها السهلَ والجبل *** (كالشمسِ عمَّ سناها سائر الدولِ)
وكلُّ منقبةٍ تهزأُ بالنجم إذا اشتعل، فهي *** (بلا مثيلٍ سرت في الأرض كالمثلِ)
فجاء بحمد الله خالصاً من العيب، صافياً من شوائب الريب، وحيث أنه يتضمن الشرف المخلد، والمجد المؤبد جعلتُه هديةً مني وخدمةً، لصاحب العز والحشمة، المُجلّى بسنا مُحيّاه عنا كيد الظَلَمة والظلمة، (الحسن) قولاً وفعلاً، و(المحسن) عطاءً وبذلاً. الندی، عَلم الهدى، حتف العدى، السراج الذي لا يخبو، والجواد الذي يقدح زناد عزمه ولا يكبو، والصارم الذي يفري غِرار حدِّه ولا ينبو، (علي) الهمم، وليّ النعم، الشاملة للعرب والعجم:
ولقد قرنتُ علاهُ في أعلى الورى *** قدراً فما صَحَّ القياسُ وما اقترن
أتُرى يَصحُّ ولم تكن من نسبة *** ينجاب عن كبرى) القياسِ بِها الوهِن
قومٌ بما نالوا يخالوا أنهم *** وصلوا وما وصلوا إليه ولَنْ ولَنْ
ومن ثم كان للناس إماماً، والدين دعاماً، وللشريعة شعاراً، وللحق مناراً، ولليل المشكلات مصباحاً، ولمقفلاتها مفتاحاً، وللفخرِ محلاً، وللمجد أهلاً، وللفضلِ وللعلم غارباً وسناماً، ولمْ لا يكون كذلك وهو على أنَّه حاز من المفاخر ما حاز، وجاز من ذُرى المعالي ما جاز، وسعى فأدرك ما أمَّل بسعيه وجده، لا بأبيه وجَده، ابن من عرفت من الأساطين، وصفوة من طبّقت أخبار فضلهم الأفاق الى حدود «الصين»، مولانا الأجل، ومن له العقد والحل، موسى فرعون الجهل، و (عيسى) موتى الفضل، صاحب الفخر، نائب الصدر، عماد الملة المؤتمن، مولانا وملاذنا (محمد الحسن)(1)أدام الله أيام معاليه، وأبقى على العافين سكب أياديه - نجل الرضي المُرتضى، العلامة محمد الرضا، بقية الإمام الأكبر، حجة الله في عصره موسى بن جعفر، الحليّ النجفيّ، حلاهم الله بلطفه الخفي.
وحيث أنَّه (أمدَّ الله ظله) ممن تغرَّبَ عن الأوطان في طلب مزيد العلى فنالها، بعدما
1) محمد حسن كاشف الغطاء هو عمّ المؤلف ولد في كربلاء عام 1278ه / 1861م، ودرس في النجف وسافر إلى ايران عام 1295ه / 1878م، واستقر في مدينة «إصفهان» وقد نالَ ثروة فيه، وأصبح من كبار الملاكين وقد لُقِّب بشيخ العراقين. تُوفي في (7) ربيع الثاني سنة 1336 ه / 1917م، ودفن في مقبرتهم بالنجف
أجهد نفسه في طلب العلوم حتى كاد أن يبعث الفنا لها، ورأى أنَّ العُود في أرضه حطب، وأن الرماح الخطيّة في بلادها قصب، وأن المرء لا يبين قدرُهُ إلاّ إذا طال سيرُهُ، كما قيل:
سافر إذا حاولتَ قدرا *** سارَ الهلالُ فصارَ بدرا
ولغيره:
لولا التنقلُ ما ارتقت *** دررُ النجومِ إلى النحورِ
على أن قدره أجل من أن يضيع ولا يضوع، ولكن طيبُهُ بعد الاحتراق أكثر شيوع، فألقى عصى التسيار في أمّ بلاد إيران، دار العلم والشرف «أصبهان»، فكانت له خير موطن، وكان بها خير مُسْتَوطِن، فما زال فيها قبل عشرين سنة الى هذه الأيام، وشرفه وعزه يتصاعد ويتزايد على الدوام، حتى بلغه الله من العلياء كلَّما كان تمنى ورام، فاتخذها داراً، وألبسها من يُمنه شعاراً.
وكنتُ أسمعُ به ولا أراه، ولكن الدر لا يخفى سناه، ولم أزل أتمنى التشرف بلقياه والحضرة بطلعة مُحيّاه، والأيام لا تساعدني بل تباعدني، وأطاردها عما أروم وتطاردني فلما أيست من ذلك قلتُ في نفسي أن الميسور، لا يسقط بالمعسور والمراسلة نصف المواصلة، فجعلت أكاتبُه، فكانت أجوبتُه خير عائد وصلة، وقد عرفتني أنه واحد زمانه. ومِلءُ السمع والبصر في حالتي سماعه وعيانه.
وكان بعض أهل الدار يبعثون له بعض الهدايا والتحف، من أرض النجف، وأحببتُ أن أعقد له مني العبودية، ومنه في حقي المحبة، عسى أن يوليني إلتفاته وقربه، لقوله (صلی الله علیه وآله): «تهادوا تحابّوا». وحيث أنه أبقاه الله غنيّ عن الدنيا وما فيها من المتاع الفاني، مستغن بما خوّله الله عن كل قاصي وداني، أردتُ أن أُهديَ له ما يخلد مع الزمان، ويتجدد طيبُهُ کل آن:
إنَّ إمراً بقيت جميلُ صفاتِهِ *** من بعده فكأنَّهُ ما ماتا
وسمعتُ أنّه (دام ظله) كثيراً ما يتطلّب أخبار آبائه وأجداده، ويرغبُ في جمع ما كان لهم من طريف المجد وتلاده، فشرعتُ في جمع هذه الرسالة، جارياً على ما كنتُ أظنه موافق مناه وآماله. فبينما أنا مشغول بها إذ ورد من جانبه إلى حضرة الوالد(1)الماجد (دام
1) هو الشيخ علي كاشف الغطاء، المؤرّخ الكبير، صاحب كتاب الحصون المنيعة في طبقات الشيعة». ولد سنة 1268 ه / 1852م، وتُوفي سنة 1350 ه / 1931م. وولداهُ هما: الشيخ أحمد المُتوفى سنة 1344ه / 1926م عن (52) عاماً، والشيخ محمد حسين (المؤلف) المولود سنة 1294ه / 1877م، والمتوفى سنة 1373ه / 1954م
عزُّهُ) مكتوب فيه ما حاصله: أني أرجوك أن تأمر أحد ولديك أن يجمع لي ما يتعلق بالشيخ الكبير من أخباره، وأخبار أولاده وأصهاره، وجميع ما يتعلق بهم. وقلتُ سبحان الله والحمد لله على الإيمان، فإن المؤمن مَن ينظر بنور الله حدساً فيوافق العيان، وعلمتُ أنَّ قوله (عليه السلام): «الأرواح جندٌ مُجنّدة تتعارف في ظهر الغيب» حق بلا ريب.
وحيث أني رتبته على «الطبقات» - وذلك أني أذكر كل طبقة طبقة مبتدئاً بأكبرها على حسبب أسنانهم، ورئاستهم، ورجوع الأمر إليهم - سميتُه ب- «العبقات العنبريّة في الطبقات الجعفرية» ليوافق اسمه مسمّاه، ولفظه معناه، وإن كان الأحرى أن أسمّيه (هدية الأقل الى العمّ الأجلّ)، وقد عرفتَ بعض ترجمته (أيَّدهُ الله) هنا، وسيرد عليك الباقي إن شاء الله في محلّه، والله الهادي الى الرشاد، والموفّق للسداد، وعليه التكلان، وبه المستعان.
فأقول ومن الله أستمد التوفيق، إنه خير رفيق، أن هذه الرسالة مرتبة على مقدمة، وثلاثة أبواب وخاتمة.
أمَّا
المقدمة: في نسب آل كاشف الغطاء...30
فاعلم أنَّ شرفَ العرب بين سائر البرية من البديهيات الأولية، لا شك فيه، ولا شبهة تعتريه. وسبب سيادتهم وشرفهم، زيادة على كون الثقلين العظيمين منهم، أمور، كما استدل به (النعمان) (لكسرى) في الخبر المشهور، وهي:
الفصاحة والبلاغة أولاً، وحفظ أحسابهم وأنسابهم ثانياً، والمحافظة على الوفاء ثالثاً. وإثبات كل واحد من هذه الأشياء على وجه التفصيل يطول به المقام، ويستلزم الخروج عن المرام.
والمتتبع للتواريخ والسيَر، المطلع منها على ما مضى وغير، يحصل له شاهد صدق على ما إدّعيناه، وضمين حقٍّ بما ذكرناه. أمّا البلاغة والوفاء فكفاك شاهدُ الوجدان، وإن أبيتَ فعلى الأول الفرقان، وعلى الثاني قصة شريك وزير المنذر الذي جعل له يومين، حيث كفل الإعرابي وعرّض نفسه للحَين(1)، فما وجبت الشمس إلاَّ وبالإعرابي قد طلع من التلاع والثنايا، وشريك معلق بأظفار المنايا، فتعجب المنذر من اقدام الرجلين، ورفع عن الناس ذينك اليومين المشؤومين، وسألهما عن ذلك، فقال شريك: «خفتُ أن يقال ذهب الكرم من الوزراء»، وقال الأعرابي: «خفتُ أن يقال ذهب من العرب الوفاء». وإن كنتَ للزيادة طالب، فانظر الى قضية قوس حاجب، فسترى ثمّة العجائب.
وأما الثالثة فقد كانت المحافظة على الأجداد والآباء من أوجب الأشياء، بل عندهم حفظ الانساب والاعراض سواء، فلأنّ الظاهر منهم أن حفظ الانساب للمحافظة على الأحساب، وطلب الأصول لمن قعد بفرعه الخمول، طلباً لشرف السابق، كي يفتخر به اللاحق، ودفعاً لعُهر الأمّهات المستلزم لخبائث الأحوال والصفات، وتنزهاً عن مظنة تعدد الآباء والفجور، الداعي لسقوط النسل الى حضيض أقبح الأمور. وإلاّ فَمَنْ قام به شرفُ الأحساب قعد عن التفكر بشرف الأنساب، ومن ساعدته الجدود، استغنى عن الآباء والجدود، لأن طيب الحسب أدلّ دليل على طيب النسب، وَعِلقَ(2)النفوس إذا كان ما بين
نفيس وأنفس، دل على نفاسة المغرس، وطهارة الذات، وحسن السيرة، شاهدا عدل على طهارة الآباء، وكرم العشيرة. إلا أنَّ اجتماع هذه الأمور، نور على نور، والفوز بطيب النجار(1)، مع حسن الآثار، أجمع لأطراف الفخار.
وحيث أن الله ضمّ لنا مع طيب الأخلاق طيب الأعراق، ومع زكاوة النفس نقاوة الغَرس، ومع حُسن السيرة كرم العشيرة، ومع شواهد الآثار طهارة النجار، أحببتُ أن أُصدّر هذه الرسالة بهذه المقدمة ذاكراً انتهاء (نسبنا)، ومَنْ ننتسبُ إليه من مرضيّ أصحابنا، لا مفتخرا بذكر قبيلته وذكره، وإن كانوا:
بهاليل في الإسلام سادوا ولم يكن *** كأوّلهم في الجاهليّة أوّلُ
ولا متبجحاً بانتساب آبائي الى (فُلان) و (فلان)، وما شيدوا وأبانوا، على أنه:
نسب كأنَّ عليه مِنْ شمسِ الضُحى *** نوراً، ومِنْ فَلقِ الصباحِ عمودا
لعلمي أنّ كل واحد من آبائي وأجدادي يُنشد وهو في قبره:
ما بقومي شرفتُ بل شرفوا بي *** وبنفسي فخرتُ لا بجدودي
كيف لا وأنت تعلم:
إنَّ الذي سَمَكَ السَّماءَ بنى لنا *** بيتاً دعائمُهُ أعزُّ وأطولُ
بیتا به (موسی بن جعفر) مُحْتَبى *** وأبو الفوارس (جعفرٌ) لا (نهشلُ)
بل لأن حفظ شجرة الجرثومة، عادة للعرب قديمة، ولأنّ بعض الكفرة السحرة المقتولين على أيدينا بسيف الشريعة المُطهّرة(2)، قذفوا كل عالم في زمانهم من علماء الحق بنقيصة هي بهم أظهر وفيهم أليق، (كاللّواط) بالنسبة الى قوم، و(الزندقة) الى آخرين من حجج الله على الخلق، وحيث لم يجدوا فيمن عاصروه من (طائفتنا) إلاَّ المتحلّي بكل فضيلة، المُنزّه عن كل رذيلة، ألجأتهم الحيلة الى الخدش في نَسَبِه ورميه بما هم أولى به، حتى أراد الله أن یریح الخلق منه على يديّ (حُجّته)، وأحس (الملعون) بإقبال منيته، الحائلة بينه
1) النجار: الأصل
2) يقصد المؤلف بهذه العبارة الميرزا محمد بن عبد النبي الأخباري المولود سنة 1178ه / 1764م، والمقتول في مدينة الكاظمية سنة 1232ه / 1817م. وهو جدّ أسرة آل جمال الدين العراقيّة. وكانت بينه وبين الشيخ جعفر كاشف الغطاء المُتوفى سنة 1228 ه / 1813م خصومة إتخذت من الواجهة العقائدية مبرراً لها. وقد ظهر ذلك في تيار الحركة الاخبارية المُناوئ لمؤسسة الفقهاء الاجتهادية (الأصولية). أمّا مقتل الميرزا محمد الأخباري فقد كان خاضعاً لظروف سياسية مضطربة (ستأتي الأشارة إليها)
وبين أمنيته، من إضلال الناس وغوايتهم، وإخفاض راية حزب الرحمن، ورفع لواء حزب الشيطان ورايتهم، فأخذ يستعمل شعبذته وسحره، آخذاً لدفع النسبة بهذه الخرافات حِذرَه، فأبى الله إلا أن يُريَه حقيقة قول الشاعر:
إذا جاء (موسى) وألقى العصا *** فقد بَطَلَ السحرُ والساحرُ
لا بل (الكفر) وا (الكافر)؛ فوقع القول على الذين ظلموا، وخسر هنالك المبطلون، وقُطع دابر القوم الذين كفروا والحمد لله رب العالمين.
ولكن حيث كان داء الحسد كداء الجرب في السريان، إلا أن الأول مختص بوقوعه من (الأنذال) على (الأعيان)، طلباً لتلك المنزلة وهي بعيدة المرمى، وسموّاً بأنفُسٍ تهوي في حضيض الخمول مراتباً من (السماك)(1)أسمى، انتدب فريق من أهل الحقد والضغائن، التي كانت في قبور قلوبهم دفائن، فتحاملوا على تلك السبيكة المصفّاة، وحاولوا أن تصدأ بخبيث تزویراتهم مرآةُ نورها، وهيهات:
فَغَرَ العَدوُّ يريدُ ذمَّ فضائلي *** هيهاتَ ألجمُ فاكَ بالجلمُودِ
هذا مع سفور الحق وتبلجه، وظهور الواقع وانكشاف مدرجه فما هم إلاّ:
كضرائرِ الحسناءِ قُلنَ لوجهِها *** حَسَداً وبَعْياً إِنَّهُ لَذَميمُ
ما أمكنتهم فرصة إلاَّ إنتهزوها، ولا وثبةٌ إلاّ اختلسوها، ناكبين عن منهج الحق، مائلين عن مدرج الصدق، آخذين بقول مَنْ لم تكشف ذيلها عنه (حرّة) ولا (حُرّ)، والجامع بينهم وبينه الحسد والنفاق إن لم أقل العناد والكفر، كل ذلك طلباً لغسل عارهم، بقذف خيارهم، ودفعاً لمقابحهم ووصماتهم، برمي الغير بعاهاتهم، إذ لم يجدوا ما يُغطّي خمولهم سوی انتقاص الأشراف، ولا ما يستر معايبهم سوى إعابة محاسن الأوصاف، ولا يُعلي الزمان أشباههم ونظراءهم، إلا أن يبخسوا الناس أشياءهم. ولعل الذي قتل أسلاف هذه الفرقة بسيف الشريعة الغراء أن يلحق بهم أجلاف الشيطان خلفهم تارة أخرى، وإن كفاهم قاتلاً أن تضييع عَرف(2)فخرنا لا يزيده إلا نشراً وإضاعة، وتكسيد تجارة مجدنا لا تكسبها إلا ربحاً وبضاعة:
وإذا أرادَ اللهُ نشرَ فضيلةٍ *** طُويت أتاحَ لها لسانَ حَسودِ
كالعُودِ تُحرقُه لتُخفيَ طيبَهُ *** فيزيدُ بالأحراقِ طيبُ العُودِ
فكم سعوا في هدم ما بناه لنا الغرّ وأبى الله تعالى إلا أن تشاد منه (القلاع) و(الحصون)، وأرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يُتمَّ نورَهُ ولو كره المشركون(1).
على أنه لا لوم على من نجم به جدّه، وأطلعه في فلك العلياء سعده، وسارت مع الركبان مآثره، واشتهرت كالشمس في رابعة النهار نوادره وسرائره:
لا لومَ لي كم رمتَ كتمَ فضائلي *** فكأَنَّما بَرْقَعْت وجهَ نِهار
ولنشرع في المقصود فإن هذه الفقرات والسطور، كلها نفثة مصدور، خارجة عن الغرض الأصلي، وإنما الغرض أنني سمعت مراراً ممن شاهدتُه من مشايخنا عن مشايخهم من الطبقة الثانية (كمُحمّد) و(المهديّ) عن مشايخهم من الطبقة الأولى (كعليّ) و(الحسن) ابني (جعفر) كاشف الغطاء، وسمعتُه كثيراً من شيبة (الحلّة) و(العذار) الثقات الأبرار، وسمعته أيضاً من مشايخ آل (قاطع) الساكنين في (جناجية)(2)الجديدة، وهذا أمر بديهي لشيوعه وتواتره بين الناس من أهل ذلك الطرف وهو أن الشيخ (خضر) من العشيرة المعروفة بال (عليّ) وهي طائفة كبيرة بعضهم الآن في نواحي (الشاميّة)، وبعضهم في نواحي (الحلّة) من (الموالك) وهم طوائف من سكان البوادي يرجعون الى مالك الأشتر(3)(رضوان الله عليه) بالنسب وهو شعارهم عند العرب، وكان مبدؤهم من (الحلّة) والعذار لأن (مالكاً) و(إبراهيم) من (نخع) الكوفة، وهما من مشاهير فرسانها وأعاظم سكانها.
وكانت جبّانات (النخع) بالكوفة أعظم الجبانات واسعة كبيرة تتصل بسواد العراق المنتهي الى (بابل)، فبهذا التقريب تكون محال (النخع) حَوالَي (الحلّة) وهي المنازل المعروفة اليوم (بالعذار) التي منها (جناجية).
والحاصل أن سلسلة (مالك) و(إبراهيم) ما زالت في (الكوفة) ونواحيها حتى اليوم، فإن
1) نصّ الآية (32) من سورة التوبة: «يريدونَ أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أَنْ يُتمَّ نوره، ولو كره الکافرون»
2) جناجَة: إحدى القُرى الصغيرة الواقعة في ضواحي مدينة الحلة. وكانت لأسلاف الشيخ خضر أراضٍ زراعية
3) مالك بن الحارث النَخَعي الأشتر من أمراء العرب الشجعان، سكن الكوفة، وله نسل فيها. شهدَ يوم الجمل. و(صفّين) مع الامام علي (علیه السلام) وولاهُ عليّ مصر، وكتب له (عهده) المشهور، تُوفي عام 37ه / 657م في مصر ودُفن منطقة تُسمّى (بالألج). وولده ابراهيم كان من أصحاب مصعب بن الزبير، وقد وجهَهُ لحرب عبد الملك بن مروان فقُتل ابراهيم سنة 71ه / 690م، ودفن قرب مدينة سامراء، وقبرُهُ مشيّد عامر
(إبراهيم) لمّا قُتِل تحت راية مصعب بن الزبير، جلس بمكانه ولده (خولان) وتقلّد أمر النخع ومن ينضم إليها، ثم تقلدها بعده (حمدان) ولد (خولان)، ثم تغيرت الأمور وصارت (الكوفة) تضمحل شيئاً فشيئاً وتفنى يوماً فيوماً، وجُعلت قبائلها تنتقل من منزل الى منزل، وتحل بمكان دون مكان؛ فلَحِق قومٌ (باليمن) وآخرون (بالحجاز) وبقيت في أطراف (الكوفة) شرذمة يسيرة ومن جملتها رجالٌ من (النخع) من أولاد مالك؛ منهم أبو النجم الذي هو ابن حمدان بن خولان بن ابراهيم، ومنه تشعبت قبائل (الموالك)، وتسموا بهذا لاسم لاضمحلال (النخع)، وتفرقهم.
وفي الأثناء جاء المَزيديُّ(1)فعمّر (الحلّة) وجهد في تحصينها وتحسينها حتى صارت من الأمصار العظيمة. ولم يمض عليها إلا يسير زمان حتى عادت معدن العلم، والعلماء، لا يصدرون إلا عنها ولا يَرِدُ غيرهم إلا منها، فكان ممن انتقل إليها الشيخ ورّام(2)الزاهد العابد المعروف، وهو من آل (مالك) أيضاً، فإنه ابن أبي فرّاس بن عيسى بن أبي النجم المتقدم.
ولم يزل الشيخ خضر معروفاً عند أعراب الحلة ونواحيها بأنه من آل مالك حتى ظهر ولده کاشف الغطاء، واشتهر أمره وذاع، وملأ البقاع والأصقاع، فاشتهر بسعيه و(جِده)، وأنسى ذكر (أبيه) و(جَده)، واستغنى بشرفه ومجده، بعدما كان ذاك مشهوراً عندهم متواتراً لديهم. وكانت الشعراء تذكر ذلك في مدائحه ومدائح بنيه؛ فمن ذلك ما قاله الشيخ صالح التميمي(3)( من أهل الحلة) يهنئ الشيخ محمد بن الشيخ الأكبر بزواجه بإمرأة من شيوخ آل (مالك) ورؤسائهم الذين كانوا في (الدغّارة) وستأتي القصيدة في محلها، ومحل الشاهد منها قوله:
رأى درّةً بيضاءَ مِنْ آل (مالكٍ) *** تضيئُ لغوّاص البحار ركوبِ
1) هو سيف الدولة صدقة ابن بهاء الدولة المَزيَدي (479 - 501 ه / 1087 - 1107م)، وقد شيّد مدينة الحلة عام 495ه / 1102م. (ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 3، ص 327). وهو أحد أمراء (الأمارة المَزيَدية) التي تأسست نهاية القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي على يد (المَزيَديين) الذين هم من القبائل العربية الشيعية التي حكمت المنطقة خلال سنة 387ه / 997م حتى سنة 558ه / 1162م. وكان آخر مَنْ حكم من أمرائها علي بن دَبِيْس بن صَدقة، وبوفاته عام 545ه / 1150م انقرضت الأمارة المزيدية فى الحلّة، وأصبحت الحلّة تابعة للحكم العباسي. وقد تزامنت هذه الأمارة في نشأتها مع الحكم البويهي، والحكم السلجوقي
2) الأمير ورّام من كبار الزُهّاد تُوفي سنة 605ه / 1206م وله مزار معروف. قيلَ أنّه من الأكراد الجاوانيين النازلين في الحلّة مع بني مع بني أسد
3) من كبار شعراء العراق في عصره، له علاقة مع ولاة بغداد خصوصاً مع الوالي داود باشا الذي كان حكمُهُ نهاية عصر المماليك في العراق سنة 1247ه / 1831م. ولد سنة 1190ه / 1776م، وتُوفي 1261ه / 1845م
ثم قال بعد أبيات كثيرة:
رأى أنَّه أولى بها لقرابةٍ *** تضمّهما أصلاً لخير نجيبِ
وقال السيد التحرير، والعالم البصير السيد صادق الفحام(1)، الذي كان من العلماء الأعلام والشعراء العظام، وهو من أساتيذ الشيخ الأكبر كما في روضات الجنّات(2)، وله مِدَحٌ كثيرة، ومراث عديدة في هذه (الطائفة)؛ فمن ذلك قصيدته التي يرثي بها الشيخ (حسين)(3)بن الشيخ خضر - وكان أكبر من أخيه الشيخ (جعفر) وتُوفيَ في زمانه (كما سيأتي قريباً إن شاء الله القصيدة بتمامها) - ومحل الشاهد منها قوله يخاطب الشيخ حسين، ويندبه:
یا منتمي فخراً الى (مالكٍ) *** ما مالكي إلاّكَ في المعنين
وأظنُّكَ بعد هذا لا تحتاج إلى شاهد، لِما تعلمُ من عظمة هذا السيد الماجد، فكلامه يكفيك في هذا المقام.
والحاصل أن تحقيق ذلك يطول، وله بينات وبراهين مسلمة، وقد أعرضنا عن ذكرها لكونها خارجة عن الغرض من هذه (الرسالة)، ولكون الأمر أوضح وأجلى من أن يؤتى له بشاهد وبرهان:
وليس يصح في الآفاق شيءٌ *** إذا احتاجَ النهارُ الى دليلِ
فأما سالم العقيدة من داء النفاق والحسد، فغير محتاج الى شاهد ومستند، وأما من تمكّن مرض النفاق والحقد من قلبه، حتى حال بينه وبين ربه فلا يؤمن ولو جاءه (جبرئيل) بألف برهان ودليل. على أن أمر الانتساب قد ترك وهجر فى هذا الزمان لأن الناس ترى أن من ينتسب الى أشرف الكونين محمد (صلی الله علیه وآله) إذا لم تكن له مساع تقوم به مع نسبه لا يُرى له مزيد احتشام وارتفاع فكان الأصل هو الأول لأنهم يرون أيضاً من لا يعرف من أين، وإلى أين، وكان ذا جدّ على النيّرين، فصارت الناس تجهد في تحسين مساعيها لتعلو فيها لعدم أثر لما عداها؛ فمن ساعده الحظ والتوفيق نالت نفسه مناها وإلا بقي في حضيض الخمول لا بهذا فاز، ولا لهذا حاز، فلا تقل إن كان الأمر كذلك من الانتساب الى (مالك) فلِمَ لَمْ
يذكره الشيخ(1)في كتبه ورسائله خصوصاً في (رسالته) التي ردّ فيها على الأخباري، وكفَّرهُ بها، فإنا سنذكر لك فيما سيأتي أن نسبتها الى الشيخ غلط ووهم وهي مجموعة من كلام (الشيخ) على ذلك الأخباري، وليست من تأليفه، وأن (الملعون) لم يستند بدعواه الى دليل، ولا تمسك بحجة، لا قوية ولا واهية، ولا صنع بذلك رسالة ولا جاء ببينة وبرهان، والدعيّ كذاب، والكذّاب لا يجاب. وحاشا، ثم كلاَّ أَنْ يُدنّس الشيخُ (جوهرَ) كلامهِ الطاهر، (بعَرض) ذلك الخبيث الفاجر.
وبالجملة فحيث كان حسّاد المرء على قدر شرفه وكان (الشيخ) قد بلغ من الشرف محلاً الفكر عنه، كثر حاسدوه ومعاندوه ولم يجدوا سبيلاً الى قذفه بشيء من الأحوال والصفات لتحلّيه بأحسنها وأعلاها، وتخلّيه عن أرذالها وأدناها، فجعلوا يرمونه بالأشياء البعيدة عن أذهان العوام لتكون سبباً إلى توهينه، فقال الأخباري إن الشيخ (أمويُّ)، وقال ملاً محمد(2)- حاكم النجف سابقاً - (إن الوهابي أخوه)(3). وقد قتلهما الله على أيدينا وهذا من أعجب الأشياء وأعظم الكرامات التي لا تكون إلا للأنبياء والأمناء(4)
ذكر ذلك الأستاذ عباس العزاوي في «عشائر العراق»، ج 4، ص 141، والسيد عبد الستّار درويش الحسني فيما كتبه في «تصحيح الأوهام في أنساب الأعلام»
.وسنذكر تفاصيل هذه الأمور، وعاقبة هؤلاء القوم، وسبب عداوتهم لهذه الطائفة المصفاة يحسر فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.
1) يعني به الشيخ جعفر الكبير
2) مُلا محمد بن المُلاّ محمود من أسرة (الملالي). قُتِلَ سنة 1242ه / 1827م
3) الوهابي يُقصد به الشيخ محمد بن عبد الوهاب مؤسس (الوهابية)، لما شاع من وجود علاقة بين الشيخ جعفر كاشف الغطاء، وبينه، فأنَّها كانت سبباً في الطعن على كاشف الغطاء من قبل بعض المناوئين له
4) آل كاشف الغطاء بيت من بيوت آل علي من بني مالك، إحدى عشائر المنتفق الذين يرجعون الى عامر بن صعصعة، وهم من العرب المضرية العدنانية وليس مالك الأشتر منهم، فهو نخعي يماني من القبائل القحطانية.
أمَّا:
فهو الشيخ خضر بن الشيخ يحيى: كان فقيهاً متبتلاً، وزاهداً لا منحرفاً إلى الدنيا ولا في شهوتها متنقّلاً، هجرها هجر الجافي الملول، وسلك فيها طريقة آل (الرسول)، من الذل فيها لله والخمول، لعلمه بارتحاله عنها، وتعويضة وإبدالها منها، فنظر لها بقلبه لا بعينه، وانتظر يوم فراقه وبَيْنه، فلم يكن له بعد ذلك في نزهتها اشتغال، ولا في شعاب مسالك الترؤُّسِ إيغال، على أن أباه كان في بلدهم بدر فلكها، وواسطة القلادة في سلكها، وصدر المجلس من ملكها، تُحَلُّ في حرم بيته نجائبٌ لرجاء حملها، وتضع في رحب فِنائه مطلقات الآمال حملها، فقذف الله نور المعرفة بقلبه، حتى تغرب عن قشيب ربعه وشِعبه، وعاف العز والشرف، وألقى عصا التسيار في بعض زوايا (النجف)، واشتغل في تحصيل العلوم اشتغال من أنهكتهُ علة التقی، وأهلكته الرغبة في الفناء، والزهادة في البقاء، فلم يكن له جهد بسوى الزهد، ولا عادة إلاّ العبادة، ولا وظيفة غير الخيفة، فلذلك لم يتضلّع في العلوم، تضلّعاً معلوم.
والأصحُّ فيه عدم إستقامته في النجف مدة شاسعة، حتى انتقل أبوه إلى رحمة الله الواسعة، فأكثر الالتماس منه بعض أعيان أقاربه وذويه، أن ينتقل إليهم فيجلس مجلس (أبيه)، فلم يكن له بُدٌّ من الأجابة، المسيس الرحم والقرابة، فكان يقضي أيامه وأعوامه نصفها يتشرف بها في (النجف)، ونصفها يُشرِّف بها محله ومقامه، حتى أربى عمره على الستين سنة، فتجرد لله كليةً، وخلّى وطنه، فأغراه الشوق، وحرَّكه إلى (الغريّ) تُقاه، فسكن إليه وألقى به عصاه، وعاد إلى ما كان عليه من التقدس، حين قالت له النفس بالتفرّس:
أكملتُ في ذا العام ستينَ سنَه *** مرّت وما كأنَّها إلاّ سِنه
لم تدّخر فيها سوی توحیدِهِ *** وغيرَ حُسنِ الظن فيهِ حَسَنه
ما حالُ مَنْ لم يتعض بزاجرٍ *** وفي مراعي اللهو أرخى رَسَنهُ
وإِنَّ شرَّ الناسِ مَنْ طالت بهِ *** حياتُهُ وفعلُهُ ما أَحسَنَهُ
وإنَّما الناسُ نيامٌ مَنْ يَمُتْ *** منهم أزالَ الموتُ عنهُ وَسَنهُ
فجعل يتضلع بعبادة ربه، ويشتاق السكون إلى رحمته وقربه، ويبرى قلبه من الذنوب، ويمحو عن صحيفة نفسه درن العيوب، مشتاقاً إلى رحمة مولاه، طالباً الفوز برضاه، قائلاً:
طُوبى لمن طيّبَ أوقاته *** إذا نأى عنكم بمعناكُمُ
وإن نأت عن داركم داره *** داوى الحشى منكم بذكراكُمُ
وإن دنا عطَّرَ أردانَهُ *** بما يَغيظ المِسكَ ريّاكُمُ
كُلُّ فؤاد بكُمُ مُغرمٌ *** وكلٌّ مَنْ في الكون يهواكمُ
إذا حببتهم فدعوني أمت *** فإِنَّما مَحْيَايَ مَحْيَاكُمُ
طُوبى لِمَنْ آنستموهُ بكم *** فهو بغيب يترآءاکُمُ
رفقاً بمن صارَ أسيراً لكم *** أمَّا ترقّون الأسراكمُ
أمَا لكم في حقِّه رحمةٌ *** یرحمُنا اللهُ وإيَّاكُمُ
وكان معظّماً في نفس العلماء، كبيراً في أعين العُظماء. وكان في أيام تردده إلى بلده إذا جاء الى النجف يهدي إلى كُلّ عالم مكنسة، وعُدَّة (بئر)، فلمَّا هجرَ وطنه بالكُلِّية أُخبِرَ الشيخ حسين نجف بأنَّ الشيخ خضر هاجر إلى هذه البلدة. فقال: إِنَّا لله، قد انقطعت (العُدَّة).
ولقد نسب إليه ولده الصادق (جعفر) في رسالته الأيرانية المنسوبة له؛ من الكرامات ما لا تكون إلاّ من الأولياء، أو ممن هو أكبر، كمُلاقاة صاحب الأمر (علیه السلام)، والخضر (علیه السلام)، وانفتاح بابي الحرَمين؛ حرم علي (علیه السلام)، والحسين (علیه السلام)، وكثيراً من أمثالها. وذكر أنَّ الناس كانت تزدحم على الصلاة خلفه وأن علماء ذلك العصر كالسيد العابد الزاهد العالم المشهور سيد هاشم الفحام(1)كانوا يقولون: مَنْ أراد أن ينظر إلى وجوه أهل الجنة فلينظر إلى وجه
1) هاشم الفحّام الحطاب: من كبار علماء عصره الزُهّاد. كان يحتطب من صحراء النجف ويبيع حطبه في (البلد) ليستعين به على معيشته حتى أصبحت هذه المهنة لقباً له. تُوفى سنة 1160ه / 1747م. (معارف الرجال، ج 3، ص 254)
الشيخ (خضر). وعبارة الشيخ في (كشف الغطاء) في بحث التشهد مما يدل على عظمة قدره (رحمهما الله).
فما زال على تلك الطريقة من التهجد، وعلى ذلك المنوال من التعبّد، حتى اشتاق ربه وجواره، فقضى نحبه بعدما قضى من الباقيات الصالحات أوطاره، وانقلب إلى رحمة ربه وهو أصفى من سبائك الذهب، وذلك في سنة الألف والمائة والثمانين تقريباً في رجب، و دفن بالرواق المنوّر في الحجرة التي تحاذي الحجرة التي فيها قبر العلامة الأردبيلي(1)، وهي اليوم خزانة الكتب و (القرائين)، الموقوفة على حرم أمير المؤمنين، وهذا مما يدل على حسن نية الرجل وصفاء سريرته. حدثني بهذا عمي العبّاس بن العلامة الحسن بن جعفر، قال: «كنتُ أدخل مع أبي للزيارة وأنا صغير فإذا خرجنا عكف أبي على المكان الذي هو خلف قبر الأردبيلي فوقف هناك وقرأ الفاتحة وأمرني بذلك، فسألته يوماً: لمن تقرأ يا أبه؟ فقال لجدّك: فقلتُ: أو ليس قبر جدي بإزاء دارنا؟ فقال: نعم، هذا جدّك الخضر، وذاك جدّك جعفر».
وكان الشيخ خضر محبوب الجانب، كثير الأصدقاء في الله، فلما تُوفي كثر الصراخ والعويل عليه لكثرة أحبائه وأولاده وأقربائه. فقال السيد صادق الفحام (رحمه الله) يرثيه أنشأهما في الحال، وقيل كتبهما على الصخرة التي هي على القبر، وهما:
يا قَبرُ هَلْ أَنتَ دارٍ مَنْ حويت ومَنْ *** عَليهِ حولكَ ضَجَّ البدو والحضرُ
أضحى بك (الخضرُ) مرموساً ومن عجَبٍ *** يموتُ قبل قيامِ القائمِ (الخضرُ)
وما قضى إلاّ وهو:
أبو النفر الغُرّ الأُلى تَركت لهم *** عزائمُهم في عزّة الدهر مَبسما
إذا ظمئتْ بيضُ الضُبا في أكفّهم *** تَحاشوا لها ورداً سوى مصدر الظما
لقد قرنوا بالنجدةِ العلمَ والتُقى *** فأبدوا لهم طعمين شهداً وعلقَما
ففي الجَدبِ يُسْتَسقى بفضلهمُ الحَيا *** وفي الروع يُسْتَسقى ببيضهمُ الدِّما
وما بَرِحُوا يحمونَ عن بيضةِ الهُدى *** ويبنونَ مِنْ أركانها ما تَهَدَّما
يردون جيشَ الشِركِ عَنْها بعزمِهمْ *** فيرجعُ مكسورَ اللواء مُحَطَّما
1) هو الشيخ أحمد الأردبيلي المعروف بالمُقدّس الأردبيلي المتوفى سنة 992ه / 1584م، كان من أكابر فقهاء النجف في القرن العاشر الميلادي
إذا عُرِضت في جانب الدين زيغةٌ *** أروها قذى الأجفان أو تتقوّما
إلى أن أعادوا الأرض بالأمنِ كعبةً *** حراماً وكل الدهر شهراً مُحرَّما
وأما إخوانه الذين هم أولاد الشيخ (خضر) فالمعروفون المجتهدون أربعة أكبرهم:
الشيخ حسين: عالم مجتهد، وفقيه متفرّد، محبوب الحاشية والأطراف، منقادة له الأعيان والأشراف، ذو شرف عظيم، وفضل جسيم، وزهد رزين، وعلم مبين، وقد ذكره الشيخ عبد الرحيم البادكوبي في «نقد العلماء» بعنوان مستقل أطنب به غاية الأطناب، وأعجب بتقاه غاية الأعجاب. وتُوفيَ سنة 1196ه، فقال السيد صادق الفحام رحمه الله يرثيه، ويؤرخ عام وفاته، ويعزّي أخويه الشيخ محسن، والشيخ جعفر بقصيدة غرّاء وهي:
يا أيُّها الزائر قبراً حَوى *** مَنْ كانَ للعلياء إنسانَ عَين
قِف ناشداً إنْ كانَ يُطفي الجَوى *** نشدانَ أحجارٍ هُناكَ انطوَينْ
یا قَبرُ هَلْ تدري ومَنْ لي بأنْ *** تَدري ولكنَّ المعالي دَرَين
مَنْ في في ثَرى رَمْسِكَ منهُ انطوت *** محاسنٌ نُشَرنَ في الخافقين
ومَنْ عليه اليوم لمَّا قَضى *** نحباً جليدات نفوسٌ قَضَين
وأيُّ آياتٍ من الفضلِ في *** تُربِكَ مِنْ بَعدِ الوضوح انَمحَينْ
وأيُّ أفنان من العِلم مِن *** بَعد بسوقٍ واخضرارِ ذَوَينْ
قَدْ طالما أَجْنَيْتَنَا يانعاً *** لذَّلَنا واليومَ لا يُجْتنين
وهَلْ تبينتَ وما أن أرى *** عندكَ تبيانَ أمور جَرَين
أيُّ جيوبٍ بالأسى مُزّقت *** فَوقَكَ أمْ أيُّ جفون ذَرَين
وأيُّ ربّاتِ خُدورٍ من ال *** حُجبِ على أعجالهنَّ إنْكَفين
حَواسراً بُحّا من الندب يب *** كينَ لندب فقدَهُ غيرَ هَينْ
نَشرنَ منهنَّ شعوراً على *** غيرِ شعور لمُصاب (الحُسين)
وأدمعاً حُمراً يَصَعَدْنَها *** من دَم أفلاذِ كُبود فَرين
يا قَبرُ، ما بالَكَ لم تَسْتَنر *** أرجاؤكَ الجُونُ لذي ناظرين
أليسَ قَدْ أوطنتَ بدرَ الهُدى *** حتی افتقدنا أحدَ النَيّرين
یا قَبرُ، ما بالَكَ لم تَضحى لل *** خصبِ مراداً ممرّع الجانبين
أليسَ فيكَ الغيثُ أرسى فَلمْ *** أصبحتَ لا تَلوي على الرائدين
لا ینتهي اليوم إلى غايةٍ *** تَعَجُّبي من الليالي قَضَين
كيفَ على ضيقِ المجال احتوى *** جنباكَ جَنْبَيْ (يَدْبُل) أو (حُنَين)
وكيفَ واريتَ الهلالَ الذي *** عمَّ ضياهُ الغَرب والمَشرقين
وكيفَ غيّضت الخِصَمَّ الذي *** كانَ بعيدَ القعر والساحِلين
أصبحَ فيكَ العِزُّ مستسلِماً *** للقَدَرِ المنزلِ مُعطَى اليَدين
والشرفُ السامي ومحضُ التَّقى *** في رمسِكَ الدّاثرِ مُسْتوطنين
يا صاحب القبر دُعا ثاكلٍ *** خدٌ بكاهُ الخدُّ والوجنتين
يا مُنْتَمي فَخْراً إِلَى (مالكٍ) *** ما مالكي إلاّكَ في المعنيين
یا ساكنَ الرَمسِ دُعا صادق *** يقولُ في حقِّكَ مِنْ غيرِ مَينْ
قَدْ كُنتَ لي بَرَّاً رؤوفاً ولاً *** غروَ فأني أحدُ الوالدين
إِنْ كُنتَ قَدْ غُيّبتَ تحتَ الثَّرَى *** فَلَمْ تَغِبْ عَنِ خاطري لَحظَ عَين
أوحشتني مرأى ولكنَّ لي *** ذكراً وفكراً فيكَ لي مؤنسَين
أبكيكَ للجَدوى وبذل القِرى *** يرجَعُ عنكَ الوَفدُ بالجدويَين
واليومَ إن أمّوا حِماكَ الذي *** قَدْ عَرفوا عادوا (بخُفَّي حُنين)
أحرى بأن أقضي نَحْبي أسيٍ *** لولا التعزّي عنك (بالجَعفرَين)
خلّفت یا بدرُلنا سلوةً *** بَدْرَين في أُفقِ العُلي طالِعَين
ذا (جَعفرٌ) فينا وذا (مُحسنٌ) *** فإنْ تشَأ فَادْعُهُما (المُحسِنَين)
وفَرقَدَيْ مَجدٍ، وما خِلتُ مِن *** قبلِكَ بدراً يُعقبُ الفَرقدَين
سقاكَ مِنْ صَوبِ الرّضَا هَاطَلٌ *** يُغْنَيكَ عن نَوء من المُرْزمَين
نعاكَ ناعيكَ بفيه الثرى *** فابتدرَ الدمعُ من المُقْلَتَين
فقلتُ لمّا أَنْ نَعى أرّخوا *** (تُنسى الرزايا دونَ رُزْءِ الحُسين)
وهذه القصيدة تكفيك في بيان عظمة هذا الرجل وشرفه خصوصاً كونها من مثل السيد (صادق)، العظيم القدر، القديم الفخر.
وله أولاد كثيرون، والعَقِبُ من الشيخ (عيسى) الذي هو أب الشيخ مُحَمَّد الذي هو أبِ الشيخ محسن(1)الشاعر المُفلِق، وصاحب الشرف المُحَلِّق، كان معظماً عند الأعيان، جليساً للأشراف، للطافة طبعه ورقة حواشيه التي تُغني عن السّلاف، تُوفيَ قبل خمس سنين أو سبع فجأةً وهو يمشي في الطريق في تشييع (جنازة) بلا سبب سوى أنه كان يُماشي في الطريق بعض الأجلاء، وينقل له لطائفَ ونوادر ويضحك ضحكاً كثيراً فسقط في الأثناء.
و سمعتُ ممن كان يماشيه أنه قال له حفّظ عليك فقد أفرطتَ، وهذه أمامنا جنازة ولا نعلم ما يؤول إليه حالنا؛ فلم ينفع واستمر على ضحكه حتى وقع من بين أيدينا، وهو على تلك الحالة. فسبحان الله ما أبهر قدرته، وأعظم حكمته. وكان الشيخ محسن هذا مختصّاً عمّهِ آل الشيخ جعفر قاصراً أغلب أشعاره مدائحاً ومراثياً عليهم وعلى من يتعلق بهم. وسيأتي عليك من غرره ما يبهر الأسماع، ويسحر الطباع. فيا رحمة الله تغمديه، ويا رضوانه راوح جسده الطيب وغاديه.
والجماعة (الملقّبون) كلهم من الشيخ عيسى. ومن ولده الشيخ مهدي نويّر، ومن ولده أيضاً الشيخ مُحَمَّد آل الشيخ محمود (الموجود في زماننا هذا)، وله ولدان ظريفان.
الثاني من أولاد الشيخ خضر، الشيخ المحقق المجتهد المتبحر، الشيخ محسن كان من تلامذة أخيه الشيخ (جعفر) وتُوفيَ بعده فرثاه السيد صادق الفحام (رحمه الله) - الراثي أخيه المتقدم - بقصيدة غراء رائية أولها:
هي لوعةٌ تحتَ الضلوعِ زفيرُها *** هل كيف يُطفَىُ بالدموع سعيرُها
إلى أن يقول:
ظعنتْ (بمُحسِنها) المطلّ على الورى *** إحسانُه فتطوقْتُه نُحورُها
وهي طويلة حسنة التأليف والأسلوب جداً، وتُنبئ عن عظمة مرثيها، وقد أتينا على جميعها في ترجمة الشيخ (موسى) لتضمنها أخيراً، مدحاً له كثيراً، ويعزّيه فيها هو وابنه الشيخ (مُحَمَّد) الذي هو أب الشيخ النحرير، والمحقق الذي لم يأت الدهر له بنظير، المحيط غاية الأحاطة بالفروع والأصول، والجامع بين المعقول والمنقول، الشيخ راضي(2)المشهور، وهو
1) الشيخ محسن الخضري بن الشيخ مُحَمَّد بن الشيخ موسى بن الشيخ عيسى بن الشيخ حسين من كبار شعراء عصره، ولد سنة 1253ه / 1837م، وتوفي أوائل شهر صفر سنة 1302 ه / 1885م. ونشر ديوانه الشيخ عبد الغني الخضري سنة 1945م
2) الشيخ راضي بن الشيخ مُحَمَّد بن الشيخ محسن (هو جدّ الأسرة المعروفة بآل الشيخ راضي) من الفقهاء المتميزين بالعلم، تُوفي سنة 1290ه / 1875م وأعقبَ سبعة أولاد
ابن بنت الشيخ الكبير، وكان كُلّ تلمذه على خاله الشيخ حسن بن الشيخ الكبير، وتُوفي هو والشيخ مهدي في سنة واحدة وكانا بمنزلة الأخوين، بَلْ أشدّ إلفة وإخاء (رحمهما الله جميعاً). وسيأتى فى باب (الأصهار) باقي أخباره.
وعقبه الثالث من أولاد الشيخ خضر الشيخ مُحَمَّد، تُوفي عن الشيخ عليوي وله ولدان الشيخ (محسن) والشيخ (مُحَمَّد)، ومنه الشيخ (حسن) الذي كان في طهران، والآن في نواحي (الحلة)، وله عدة أولاد(1)حفظه الله وإياهم.
والحاصل أن ذرية الشيخ خضر لا تُحصى ولا تُستقصى(2)، قَد ملأوا البقاع والأصقاع فطرف منهم في (النجف) وآخر في الدهلة، ومثله في (العذار) و(الحلة)، أمدّ الله بسلسلتهم مدى الأبد.
الرابع من أولاده الأكسير الأكبر، والكبريت الأحمر، والسر المضمر، شيخ المشايخ وأستاذ الكل الشيخ جعفر الأكبر.
كُلِّ فكر قاصر عن إدراك كنهه وذاته، وكل طالب خاسر من احصاء بعض سجاياه وصفاته، فكم استنهضتُ (فارس) القريحة في حلبة الطروس، واستطردتُ (جواد) القلم، للاقدام على أداء ما يجب من بيان علو قدره، فاسترجع كُلّ منهما وأحجم، وكم أجريتُ طِرف الفكرة، لاقتناص بعض الشوارد الغرر مما استجمَعَتْهُ تلك (الحضرة)، فاستوقف دون الوصول وكبا، واستعملت سيف البلاغة والبيان للافصاح عن بعض تلك السجايا الحسان فتكهَّمَ(3)دون الحصول ونبا، فوقفتُ وقوف العيِّ الشحيح، وأنا والحمد لله نجلُه الفصيح، نعم ومن لي بإدراك كنه (حُجَّةٍ) من حجج الله، وآيةٍ من آياته، وخزانة من خزائن علمه أودع فيها خفايا أسراره ومكنوناته، وحمّله ثقل شرائع أنبيائه، فخف به ناهضاً بأعبائه، حتی رفع ما انطمس، وجدد منها ما درس، فأصبحت به وهي مشيدة البناء، مأهولة
1) منهم الشيخ جواد بن الشيخ حسن آل شيخ عليوي، وكان قَدْ أقام في النجف فترةً ثم رجعَ إلى منطقة (جناجة)، تُوفي في شهر صفر عام 1372ه / 1953م
2) تشكلت من أولاد الشيخ (خضر) عوائل مهمة ْغلبَ على رجالها محافظتهم على الخط الروحاني، حيث أصبح الشيخ جعفر جدّا لأسرة آل كاشف الغطاء، والشيخ محسن جَدّاً لأسرة آل الشيخ راضي، والشيخ حسين جَدّا لأسرة آل (الخضري)، والشيخ مُحَمَّد جدّاً لأسرة الشيخ عليوي
3) يُقال كَهَمَتْهُ الشدائد أي جَبَّنَتْهُ عن الاقدام
الفناء، عبقة الأرجاء، ظليلة الأفياء، محكمة المباني، غضة المجاني، يطيش سهم راميها، ويهتدي إلى أوضح السبلِ من أخذ بها وسلك ما فيها، بعد ما بذل مهجته في ذلك، وسلك بها في جميع شعوب الأرض والمسالك، لينتشر الحق والعدل، في كُلّ حزنٍ وسهل:
بعَيدُ مناط العزم فالغربُ مشرقٌ *** إذا ما سعى في الله والشَرقُ مَغربُ
إلى أن انتشر في جميع فجاج الأرض والسماء صيته بالفخار وذكره، وعبق كلَّ الأفاق طاوياً فضيلة سائر أولي الفضل نشره، فماذا عسى أن يبلغ (المُطريُّ) فيه، وبماذا يأتي من مكارمه ومساعيه، فنحن أحرى بنا وأجدر، أن نقول في ترصيف ذلك الجوهر:
قُدسيٌّ ذاتِك ما إليهِ سَبيلُ *** وصفاتُ مجدِكَ ما لَهُنَّ وصولُ
وبلغتَ غاياتِ العلوم علاً فَما *** يَدري بليغٌ فيكَ كيفَ يقولُ
لكنَّ مجدَكَ قال للمُطري به *** قولاً جميلاً فيكَ وهو جليلُ
عظّمْ وبجِّلْ ما استطعتَ ليكتسي *** شَرفاً به التعظيمُ والتبجيلُ
وحيث أن فضله وشرفه كالشمس في رابعة النهار، وما رزقه الله من الذكر الجميل في سائر الأقطار، كما هو أهله (كأنَّهُ عَلَمٌ في رأسه نار)، وإنما قول القائل فيه عيلم علامة:
ضربُ الزجاجِ لنور اللهِ في المثلِ
إذ حاشى مساعيه أن تكتسب بزبرج الألفاظ حشمة وفخامة:
والشمسُ تكبرُ عن حلي وعَنْ حُللِ
فلننتقل الى ما يجب علينا ذكرُهُ من كراماته، وحكاياته في أسفاره وأحضاره، وما قال، وما قيل فيه من تهانيهِ ومراثيه.
والسلام في استيفاء هذا المقام يقع في فصول
ما خفي منها وصحَّ، وما اشتهرَ، وحكاياته الظريفة سفراً وحضَر، مقتصراً فيه على ما ذكر ما هو كالمتواتر صحة وشهرة، أو كالمقطوع به لصدوره من ذوي الاطلاع وأهل الخبرة، كمشايخنا سلفاً وخلف، أو بعض المختصين ممّن بهم يعرف، لحصول الوثوق والاطمئنان بل اليقين بعدم الافتراء، وكيف لا يحصل ذلك وصاحب الدار أدرى بالّذي فيها.
ولكن حيث ان كراماته كثرت فاشتهرت، وسعدت فبعدت، وتداولتها ألسن الصغار والكبار، في جميع الأقطار فربَّما يوجد فيها ما ليس له أصل، أو يخلط معها ما لم تكن له، اشتباهاً أو تعمداً، ولكني بحمد الله قد انتقدتها ولا انتقاء الصير، وأتيتك بخالصها وقذفت المزيف، وأخذتُ اللّب والصفو، ورميتُ الحشو واللّغو.
وقد التزمتُ أن لا أذكر في هذه الرسالة شيئاً إلاَّ عن مستند قوي، وهو إمَّا كتاب معروف، مطبوع أو مألوف، وأمَّا رجل موثوق به أرى كلّ من رآه أو عرفه.
وأنا أذكر لك كلا منهما أولاً ثم أرمز لكلٍّ واحد برمز أكتفي به عند الحاجة.
أمَّا الكتب فمنها تأليف العالم المجتهد المحقق المنفرد، صاحب التصانيف الكثيرة، والأجازات الخطيرة، الشيخ ميرزا محمد التنكابني(1)وهو رجل من الطاعنين في السنّ توفي قريباً من عصرنا، وله من العمر ما ينيف على التسعين، وقد حضر درس الشيخ حسن، والشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، والسيد إبراهيم القزويني صاحب الضوابط وغيرهم من العلماء، وهو مجاز من أغلبهم كما في ترجمته. وذكر أنَّ له ثلاثمائة تصنيف، وقد رأيتُ بعضها فكانت تدلّ على سعة اطّلاعه، وطول باعه في المعقول والمنقول بقدر ما أميّز، وان كانت (سالبة بانتفاء الموضوع).
فمن تصانيفه كتابه المسمى ب(قصص العلماء)، وهو جيد في بسط أحوالهم جداً، وانّ
1) الميرزا محمد بن الشيخ سليمان تُوفي سنة 1302ه / 1885م
كان فيه خلطٌ عند بعض المقامات، فلذا يسمّيه بعض فضلاء العصر (فضائح العلماء)، ولكنه قد بسط القول في أحوال الشيخ الكبير وكراماته بمقدار كرّاسين، وأطنب في فضله وعظمته غايةً ونهايةً، (وسنذكر نصّ ذلك في محله)، وهو مطبوع بطبعين؛ هندي وايراني، ونرمز عنه (قص).
ومنها كتاب (معدن الشرف في أحوال المشاهير من علماء النجف)، وهو للسيد التحرير والمطّلع الخبير، والمؤرخ البصير، السيد حسّون البراقي(1)(سلّمه الله وأبقاه)، وهو من المعاصرين، وله شوق ورغبة شديدة في هذا الفن خصوصاً في أحوال العلماء وكراماتهم ولا أظنّ انّ له نظيراً في العرب بهذا العلم، فيا وفقه الله لذلك وأدامه، جامعاً شتات هاتيك المفاخر السوامك، وأرمز عن كتابه (مع)، وربما أذكر نص عبارته لأنّي ظفرتُ بمسودة كتابه، ولم تكن مهذّبة بل أخذُ المعنى، وأكسوه ألفاظاً رشيقة، ومباني هي به حقيقة.
ومنها: كتاب (روضات الجنّات) للسيد محمد باقر الأصفهاني(2)تأليف عظيم، غنيّ عن التعريض والتفخيم، وان كانت سقطاته لا تحصى كما لا تخفى على من نظر فیه، ولولا خوف الاسهاب لأشرنا على جملة منها، ولكن (جلَّ من لا عيب فيه وعلا)، ونرمز عن كتابه (رو).
ومنها: كتاب (نقد العلماء) للشيخ عبد الرحيم البادكوبي، ونرمز عنه (نق). وهناك كتب أخر لم نجعل لها رمزاً لعدم تكرر النقل عنها.
وأما الرجال الذين أروي عنهم بلا واسطة فهم عدة، ولكن أكثر ما أروي عن عمّي وسيّدي العالمين العاملين الجليلين العظيمين الغنيين عن التعريف، والرفيعين عن الترصيف والتوصيف، عَلَمَي المجد وعلامتي الزمن، العباسين نجلي علي(3)والحسن(4)قدّس الله أرواح آبائهم، وأدام حياة آبائهم ببقائهم، آمين عن محمد(5)وأخيه المهدي(6)، عن عمّهما
1) سيد حسُّون البراقي ولد سنة 1261 ه / 1845م، وتُوفي سنة 1332 ه / 1914م. له مؤلفات تأريخية غزيرة، لم يُطبع منها إلاَّ النزر القليل. وكتابه (معدن الشرف في أحوال المشاهير من علماء النجف) في عداد المفقودات
2) السيد محمد باقر الأصفهاني الخوانساري ولد سنة 1226ه / 1811م، وتُوفي سنة 1313 ه / 1895م
3) الشيخ عباس بن الشيخ علي كاشف الغطاء، ولد سنة 1242ه / 1827م، وتُوفي سنة 1315ه / 1897م
4) الشيخ عباس بن الشيخ حسن كاشف الغطاء، ولد سنة 1253ه / 1837م، وتُوفي سنة 1323ه / 1905م
5) الشيخ محمد بن الشيخ علي كاشف الغطاء، تُوفي سنة 1268 ه / 1852م
6) الشيخ مهدي بن الشيخ علي كاشف الغطاء، ولد سنة 1226ه / 1811م، وتُوفي سنة 1289ه / 1872م
الحسن(1)عن أبيهما علي(2)عن أخيهما موسى(3)بن جعفر، وأبيهما الشيخ الأكبر، وأعبّر موسى عن هذا بالسند العالي لعلوّ درجته بارتفاع قدر سلسلته.
وربما يُحدِّثاني بوقائع هم شاهدوها، وقد أنافا اليوم على الستين.
ثم عن التقي الزاهد العابد الشيخ منّاع النجفي، وكان من عباد الله الصالحين الملازمين لخدمة العلماء والسعي في مصالحهم، وكان طاعناً في السنّ، وتُوفيَ قبل هذا بسنة، وهو مناهز المائة. وقد تشرّف بصحبة أغلب مشايخنا. ومن منن الله عليه لحسن نيّته وصحبته لأوليائه أنّه مدّة عمره لم يسقط له ضرس، ولم تَعمَ له عين، ولم يُحْنَ له ظهر ولم تُصبه عاهة ولا آفةٌ بجميع أنواعها حتّى قبضه الله إليه. وكثيراً ما أروي عنه مُرْسلاً أو مُسنداً لشدّة الاطمئنان به خصوصاً في آخر أمره، وعند انقضاء عمره. وكثيراً ما أسمع الواقعة عن كثيرين فأسندها الى الشُهرة، وإذا نسبتُ شيئاً إلى (القيل) أو (يقال) فهو علامة عدم التثبّت والاطمئنان بالصحّة.
والحاصل إنَّا لم نأل جُهداً في نقل الصّحيح المُتيقَّن بوثوقه، ونحن نسأل الله التوفيق والعفو عن الزلل والخطأ، ومن الناظر الغض عن الخطل والكبوة.
ولنذكر أولاً هنا سيرة الشيخ في ليله ونهاره، ليقتدى بها مَنْ أراد الوصول الى تلك المراتب مع اخلاص النيّة، وإصلاح السريرة، (وعند الله غيب السماوات والأرض).
كان قدس الله نفسه، وطيّب رمسه يأتي بعد صلاة المغربين الى داره العامرة فيقرب له العشاء مع أولاده وعائلته فيتناولون منه قدر الكفاية حتى إذا فرغوا جلسوا ريثما يحلّ العاقد حبوته ثم يقوم كلّ منهم فيدخل حجرته فيشتغلون بالمطالعة حتى يمضي من الليل ثلثُهُ، ثم يقوم كلّ فيأخذ مضجعه، والتقوى معه حتى إذا ولّى الليل بثلثيهِ، وهدأت الأصوات، وهجعت العيون انتبه الشيخ، وكأنما نشط من عقال:
وإذا حلّت الهدايةُ قلباً *** نشطت للعبادة الأعضاءُ
ثم أسبغ الوضوء، واشتغل بصلاة الليل، ثم ناجي فأطال، وبكى واستقال، حتى بدت
طلائع الفجر وراياته، وذهبت بالليل إلاَّ كحلبة شاة ساعاته، قام الشيخ فأيقظ كلّ واحد من بنيه لأداء صلاة الليل والتهجد فيه، حتى اذا أكملوها أحاطوا بعميدهم وأبيهم، فجعل يوعظهم ويذكرّهم حسن صنيع الله فيه وفيهم، فمن بعض ما كان يقول الكلمات المشهورة: «كنتُ جُعيفراً ثمّ جعفراً ثم شيخ جعفر، ثم الشيخ، ثم رئيس الأسلام».
حتى اذا استطرد الصبح جيش الدجى وأذهب، وألقى الفجر في الأفق ترسه المذهّب، خرج الشيخ الى حجرة درسه الكبيرة الواقعة في الدار الخارجة والجماعة قد استكملت صفوفهم فوقف هنالك ورفع صوته الجهوري فكبّر الله سبحانه وتعالى حتى خشعت القلوب وذرفت العيون.
يقول الراوي: أما وأيم الله الجليل لقد كانت قلوبنا تنشقّ حتى تمتلئ بالهداية. ثم اذا أكمل صلاته سنّة وفرضاً جلس للتعقيب ريثما تطلع الشمس وتنتشر في الجوّ وحينئذ تأتي الطلبة أفواجاً أفواجاً، وجماعةً جماعةً من مبتدئٍ محصّل، وعالم الى غايتها متوصّل، وآخر بينهما مراهق حتى اذا استكمل جمعهم، واجتمع جمّهم، رقى منبر التدريس، ونثر عليهم لآلئ ألفاظ تحتها من خزائن علم الله كلّ معنى نفيس:
وما خُلِقَتْ إلاّ لجود أكُفُّهم *** وأرجلُهم إلاَّ لأعوادِ منبرِ
حتى إذا كمل واستوفی، خرج وصحبه حافّون به:
كأَنَّهمُ نجومٌ حولَ بَدرٍ *** تكمَّلَ في الأنارة واستدارا
قاصداً زيارة مولاه، حتى اذا تشرّف بأعتابه أطال العكوف على مثواه، وقبل الظهر بقليل بادر الى المسجد الهندي، (وهو جامع البلد)، فصلّى جامعةً، ثمّ أتى داره للغداء حتى اذا فرغ راجع بعض ما ينبغي مراجعته من الكتب والأقوال، وانتهز من النوم قليلاً كلوث خمار، أو كحل عقال، حتى اذا صار العصر تقدّم بأولاده خارجاً الى فضاء كان أمام المسجد الهندي يسمّى الآن ب(الطمَّة) ولم يكن فيه تعمير كاليوم، ثم اذا جلس حفَّت به قومهُ وأولادهُ، (كبدر هُدىً حقَّتْ به الأنجم الزُهرُ)، أتت الوفّادُ والزائرون من كلّ فجٍّ، وهم بين مقبّل يديه، وآخر واقع على قدميه:
لولا ندى كفّه قلنا لكثرة ما *** يقبّل النّاس منها انّها (الحَجَرُ)
وكانت تسمّى تلك البقعة ب(دكَّة القضاء)، لأن الشيخ كان اذا جلس بها عصراً أتى كلّ متداعِيَين فيقضي فيهما، وهو جالس هناك حتى اذا جاءت الفحمة من المغرب دخل
المسجد المذكور للصلاة. هذا ديدنه عامّة أيامه.
وكان الشيخ حسين نجف يصلّي في داره، وقيل في الحرم، والسيد الطباطبائي في، مسجد الطوسي، ولم تكن الصلاة في الصحن معروفة قبل، وما أدري ما الذي صيَّرها بحيث يمتنع الاستطراق فيه مغرباً لكثرة (الجمائع).
ثم توجه الشيخ الى الحجّ فجعل الشيخ حسين يصلّي بمكانه فلمَّا رجع إلى محله أجمع العلماء كالسيد الطباطبائي، والشيخ حسين نجف، والشيخ جعفر، وأمثال هؤلاء على أن يوزّعوا أمر التدريس والفتوى والجماعة على المبرّزين من علماء ذلك العصر. فجعلوا المنبر لنائب إمام العصر حجّة الله المهدي، عليه رحمة المعيد المبدي، لكونه الأهم، فأعطي للأعظم، فلم يكن يرقى منبراً في زمانه سواه، وجعلوا أمر التقليد في سائر الأمصار الى وكيل الامام الأكبر الصادق جعفر لعلمهم بأنَّهُ:
علیم بغيب الوحي حتى کأنَّهُ *** بمختلسات الظنّ يسمع أو يرى
إذا أخذ القرطاس خلتَ يمينَهُ *** تُصححُ نوراً أو تُنَظَّمُ جوهراً
فلم يكن عالمٌ مُقَلَّداً في الفرقة المحقة غيرُه (قُدّس سرّه)، وجعل الائتمام بالناس لزين العابدين في زمانه، وقدوة الساجدين من أقرانه الشيخ حسين نجف. فلم يكن سواه إماماً في جميع تلك البلد، وكان العلماء جميعاً حتى السيد والشيخ يصليان خلفه أغلب الأوقات. ثمّ ما تُوفي السيد صار المنبر منحصراً للشيخ، كذا في (معدن الشرف)، وأزاد انّ السيد كان يأمر أهله وعياله بتقليد الشيخ الأكبر.
وأما كراماته فهي أكثر من أن تُحصر، وأقصى من أن تحصى. منها: ما أرويه بالسند العالي عن المرأة الصالحة والدة محمّد والمهدي أنّها كانت تقول انّ عبادة الشيخ على قسمين؛ تارة فعلاً، وأخرى قولاً، فطوراً يناجي ويدعو ويصلّي، ومرة يجول بنفسه على الأرض ويبكي ويتضرّع. وكنتُ في بعض ليالي الصيف نائمةً في السطح، والى جنبي محمّد (وكان رضيعاً)، وكان الشيخ في الطرف الآخر من السطح وبيني وبينه خمسة عشر ذراع أو أزيد، وكان يُحيي أغلب ليالي الصيف لقصورها عن مطالعته، وتمام أوراده فلمَّا كان الثلث الأخير من الليل أخذ في البكاء والمناجاة سرَّاً وجهراً وتضرّعا وخيفة، وهو يعفّر جسده الشريف في تراب السطح ويكرّر قوله: «يا جعفر، يا جعيفر، يا قليل الحياء، يا كثير الشقاء»، وأمثال ذلك حتى انتبهتُ عليه من بكائه وصوته وهو على تلك الحال. فبقيتُ في فراشي مستلقية فبينا أنا كذلك إذ سمعته يقول، وهو يتقلب على الأرض بنفسه
بصوت ضعيف: «من يأتيني بماء، مَنْ يسقيني شربة ماء - كرّرها مراراً -، وكان على شرافات السطح أكواز ماء، فقمتُ لأناوله بعضها، فلم يُعِد الشيخ كلامه بل انكفأ على وجهه يسبّح الله ويقدّسه فقلتُ في نفسي، لعلما وهمني سمعي، وأكذبني حسي فلأقطعنَّ الشك باليقين أو لأعودنَّ ببرهانٍ مُبين، فتقدّمتُ قريباً منه، ومنعتني هيبته عن الأقدام عليه:
ومَنْ ذا يردّ السيف وهو مهنّدُ *** ومَنْ ذا يثير اللّيث، واللّيث ملبدُ
فوقفتُ بيني وبينه خطوات فقلت يا أبا موسى آتيك بالماء؟ فرفع رأسه فزعاً مرعوباً وقال ما الذي أيقضك في هذا الليل وعَلامَ أتيتِ، ارجعي فاهجعي ولا تعودي لمثلها. تقول: قضيتُ وعلمتُ أنّه سرّ رباني، ومعنى عرفاني، بين محبّ وحبيب، كرها أن يظهر عليه واشٍ ورقيب:
إذا أنتَ أخلصتَ المحبَّةَ والهوى *** تملكتَ سرَّ الكائنات بأسرها
ومنها: ما في (قصص العلماء)، ونصُّ ترجمته: أنّه نقل لي بعض أصدقائي الذين أعتمد عليهم غاية الأعتماد في الوثاقة أنّه قال: كان لي عمّ كثير المال والثروة فابتلي بمرض (العين) عدّة سنين، وكلَّما ازداد في مباشرة الأطباء والجرّاحين لم تزدد إلاَّ نزولاً، حتى بذل عليها مالاً جزيلاً، وكان يجلس في مجالس الطلبة من مشتغلي بلده فسمع ذكر الشيخ الكبير بينهم، فسألهم أين هو الآن فقالوا في (لاهجان) فشدّ الرحل والاقتاب، حتى تشرّف بأعتاب ذلك الجناب فمثل بين يديه وهو على متن راحلته عازم على الرحيل من تلك البلد فقبل يديه، وعرض له أمر عينيه، فادعو الله أن يردّ عليّ النور، فمسح الشيخ بكفه المباركة من ماء فمه على عيني ذلك الضرير، ورفع يديه بالدعاء وما ردّهما حتى ارتدّ الرجل بصيراً.
ومن كراماته المعجزات التي كادت أن تكون لنبوّة علومه آيات، القصة المشهورة التي جازت حدِ التواتر والشُهرة وهي مستفيضة على ألسن الناس، ورواها في (معدن الشرف) عن عدة من رجاله الثقات، ورويتها أيضاً بالسند العالي، وهي: ان الشيخ عزم في بعض السنوات على زيارة الكاظمين، وكانت سنة قحط كثيرة الضر قليلة الخير، قد حبست الأرض ماءها، ومنعت السماء أنواءها، فبينا الشيخ في أثناء الطريق، تهافتت عليه أعراب
البوادي من كلّ ناحية وجهة وتعلّقت بركابه، وعقلت آمالها لدى أعتابه قائلين: أيّها الشيخ قد بَرَتنا سنون وتغير وانتقاص فما تركت لنا هبعاً ولا ربعاً، وما أبقت فينا ثاغية ولا راغية، أماتت الزرع، وقتلت الضرع، فنحن أنضاء بؤس، وصرعى جدب، تغيّرت النِعَم، وأُهلكت السوارح والنعم، فأكلنا ما بقي من جلود فوق عظام، وبقينا نعلّل أنفسنا بالغيث فلم نجد الاّ الخلبُ والجهام، حتى عاد أشراقنا ظلام، وهتك الحجاب، وبرزت الكعاب، وحملتنا نكبات الدهر على المركب الوعر، وكنّا ذوي ثروة من المال، وغبطة من الحال، واليوم لا ثاغية يجتدى ضرعها ولا راغية يرتجى نفعها، حتى ضاق بنا البرّ الواسع، بعد الأهل والمراضع، فسألنا أحياء العرب عمّن له بين السماء والأرض أقوى سلّم وسبب، فما أرشدنا الى سواك، أدام الله علاك، فجئناك من بلد شاسعة، تهيضنا هائضة، وترفعنا رافعة، ومشينا حتى انتعلنا الدماء، وجعنا حتى أكلنا الثرى على بوادر برينَ اللّحم، وهفين العظم، من سنة جردت، وحال اجتهدت، وأيد جمُدت، فارفع ما بنا من الضُرّ، بما بينك وبين الله من السرّ، فقال الشيخ لهم: لا بأس عليكم ولا ضرّ، فأنّي سأفعل ذلك عند أول تشرّفي بأعتاب الأمامين (علیهما السلام)، والتمسّك بذاك القبر، فانّ الدعاء هنالك أوقع، وأسمع، فأبوا وقالوا لا ندعك تفلت من أيدينا، حتى تدعو لنا فانّا نرجو بدعائك نزول الفرج علينا. فاستمهلهم الى وصول الخان، وأعطاهم على ذلك العهود والأيمان، وقال مكانكم فانتظروا الغيث، فأنّه سيأتيكم عند أول وصولي بلا ريث.
ثم انّ الشيخ مضى، وأسبغ الوضوء وأمر بعض خدمه أن يصعد السطح فينظر هل بقي في تلك الفيافي والقفار أحد من الزوّار، فنظر فلم يجد أحداً فأخبر الشيخ بذلك، فقام عن أولئك الأقوام، وقال لهم يا قوم ان أمتعتكم سيغمرها الماء، ويذهب بها السيل جفاء، فادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان الودق وجنوده، وتخطف أبصاركم بوارق السحاب ورعوده، فأُخلي له إيوان في المنزل، وشرع في الصلاة، فارتفعت في الجو ألوية الرياح، وتسابقت مذاكي الشمال، وقدمت بالنصر طلائع جيش الودق، وهجمت بالبشر لوامعُ أسنّهُ البرق، وأقبلت كل سحّاء ووطفاء، وكان هواديها الدلاء، فلا ترى غير مرجحنّة النواحي موصولة بالآكام، متدلية العَزالي تكاد تمسّ من الرجال الهام، كثير زجلها، قاصف رعدها، خاطف برقها، حثيث ودقها، بطيء سيرها، متدفقٌ قطرُها، مظلمٌ نوؤها، هدّارة فوّارة، خوّاضة موّارة، مظلمة مشعلة، شاهقة مسدلة:
ولها ربابٌ هيدبٌ لزفيرهِ *** قبل الهدير سحابةٌ وطفاءُ
مستضحكٌ مستعبرٌ بدوامع *** لم تُجرها بعيونه الأقذاءُ
و فله بلا حزن ولا بمسرةٍ *** ضحك يؤلّف بينه وبكاءُ
نُعمت کلاه فاثقلت أصلابه *** وتشقّقت عن مائه الأحشاءُ
غَرُّ محجّلةٌ دوالح ضمَّنت *** حمل اللقاح، وكلّها عذراءُ
سحمٌ فهنَّ إذا عبسنَ فواحمٌ *** سودٌ وهنَّ إذا ضحكنَ وضاءُ
لو كان من لحج السواحل ماؤهُ *** لم يبقَ في لحج السواحلِ ماءُ
فأرخت هواديها، وحلّت عزاليها، وقيل يا أرض فوري، ويا بحار موري، ويا جبال غوري، ويا سماء انفتقي، ويا بروق صدقي، وجاءهم السيل من كلّ مكان، وكان ما كان، وانقلب الجو من عنان السماء الى تخوم الأرض بحراً، واظلمّت الدنيا فصارت ليلاً والبروق فجراً، كل ذلك والشيخ في صلاته، مشغول بمناجاته.
ثم انجلى السحاب وتقشّع، وظهرت زجاجة السماء مُرصَّعة بلآلئ النجوم تشعشع، وجاء القوم وهم يقولون: ليس عجباً من وعدك بالاستسقاء، فانّها سنّة الأنبياء وسيرة الصلحاء. ولكن مِن قولك أخشى أن يغمر الزوّار الماء، فقال لهم: يا ضعفاء اليقين لنا خمسون سنة نشتغل بعبادة الله وطاعته، وتنقيح أحكامه وشريعته، وعرفنا ما قدر جُوده وكرمه، ومننه ونعمه، فنحن نرجو أن يرجينا في مواهبٍ جزيلة، فكيف لا نرجو هذه القليلة.
ومنها: ما في (معدن الشرف) عن عِدَّة من ثقات رجاله، (وسمعتها من جماعة كذلك): أنَّ الشيخ لمَّا كان في طهران بعث إليه حاكم (لنجة)، وهي من الأمصار العظام (وكانت من توابع العجم)، ملتمساً من الشيخ القدوم عليه وتشريفه ذلك المكان، على أن يدفع له من الذهب الأحمر عشرة آلاف تومان، على أن يصوم هنالك شهر رمضان. فتوجّه الشيخ نحوه، وخرج جميع أهل (النجة) من حكام وأمراء ورعيّة للاستقبال فجاؤوا به، وأنزله الحاكم أحسن عماراته فلمّا بقى يوماً أو يمين قال لأصحابه استأجروا لنا دواباً ومراحل فاني عزمت على الرحيل، فعلم بذلك حاكم البلد فوقع علي أقدام الشيخ وقال ما السبب لعلّنا قصرّنا في خدمتك، فقال الشيخ حاشا لله ما صدر إلاَّ الجميل ولكن أمر لا بدّ منه، فأصرّ الحاكم على عدول الشيخ وقال للألف ألف أخرى، فأبى وخرج الحاكم غضباناً وهو يتكلم بالكلمات المنافية في حق الشيخ، ويقول: كنّا نسمعُ به فنستعظمه ونقول ليس فوقه فوق، وهذه الأفعال لا تصدر إلاَّ عمّن لا عقل له ولا دراية.
وأما الشيخ فأنّه لمَّا صار على مراحل من البلد نزلوا فباتوا تلك الليلة فما أصبحوا إلاَّ
والعسكر محيط بهم الاّ أنَّ هيأتهم غير هيئة عسكر العجم، فبعث الشيخ الى رئيسهم أن ما تريدون منّا؟! فقال الترجمان: يقول الأمير من أين أنتم وإلى أين، فقالوا نحن من العراق، وإليه، فقال امضوا على شأنكم فلا حاجة لنا بكم فرحلوا، وارتحل الشيخ فسألوا عنهم في المراكب، فقيل: هؤلاء عسكر (الأرس) أتوا من أماكنهم بالمراكب البحرية، وتوجّهوا لأخذ (لنجة) لأنّ سلطان العجم أخذ منهم بعض البلدان التي كانت تحت تصرفهم، وجاؤا الآن لمقابلته بمثل ذلك، ثمّ جاء الخبر انّ بني الأصفر نصبوا المدافع والأطواب والمجانيق وقلعوا (لنجة)، وقتلوا حاكمها وأسروا جميع مَنْ فيها ونجى الشيخ من القوم الظالمين، ولو لم يخرج ذلك اليوم لكان في الهالكين، ولكن وقعت الحيرة من أصحابه في سبب علم الشيخ بذلك:
وما علموا أنَّ المطيع لربّه *** كما يرتضى يُلقى له كلّ أقليد
وفيه أيضاً: ان الشيخ كان جالساً بعض الأيام بين أصحابه في داره، فدخل عليه سيّد رثّ الثياب والأطمار عليه أثار الفاقة والاعسار فسأل من الشيخ أن يعطيه شيئاً من المال فاعتذره الشيخ، وخرج السيّد، ودخل على أثره سيّد آخر عليه سمات الوقار، وآثار الجلالة والاعتبار، حسن الثياب جميل الهيئة وخلفه خادم له حامل لمولاه (شطب) وعليه امامة مثمنة من كهرب فأكرمه الشيخ واستقبله وجعل يلاطفه ويسأله فجلس السيد ريثما شرب الشطب وخرج فأمر الشيخ أن يُحمل إليه مقدار غزير من المال، فتعجّب الحاضرون وقالوا للشيخ أتعرف كلا منهما، وكيفيّة حالهما فقال أعرفهما بوجه من الوجوه، وهذه أول رؤياي لهما فقالوا فلم أعطيت هذا ولم يسألك ، وحرمت ذاك وقد سألك؟! فقال: قوموا بنا نسأل عن دارهما وأريكم السبب، فسألوا حتى وقعوا على دار السيد الأول الفقير فاستأذنوا ودخلوا فوجدوها مملوءة بالفرش والبسط والأقمشة وفيها من جميع (الحبوبات) ما يكفيه وعياله سنين، ثمّ خرجوا وأتوا دار السيد الثاني فوجدوا عياله عليهم أرثّ الثياب وأطفاله عُراة يتصارخون من الجوع، وليس في داره شيء من الفرش والقماش سوى حصير خلق.
فقال انظروا هؤلاء الذين قال الله تعالى عنهم «يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفّف»، هذا رجل توسَّمتُ فيه أنه عزيز نفس من قوم أعزاء وضعهم الدهر ولم يبق عنده سوى هذه الملابس التي عليه يتجمل بها لئلا يشمت عدوّه به، وهو كما قال عزّ من قائل «يسألون الناس الحافا».
فلنختم هذا الفصل بحكاية أظنّها عندك أعجب من جميع ذلك قد حدّثني بها عمّي العباس بن علي بن جعفر عمّن كان مع الشيخ، وشهد الواقعة - وذكرها في (معدن الشرف)
أيضاً - وحاصلها: أنَّ الشيخ توجّه في بعض السنين الى نواحي البصرة فأتوا على خيولهم الى غياض ملتفّة بالقصب والبردي، وكان ذلك المكان يُعرف بكثرة السباع والأغوال فلم يمكن المبيت به وقد هجم الليل ولا بيت ولا خباء حتى ينزلوا فيه وبينهم وبين البيوت الشط العظيم المعروف ب (شط العرب)، وهو في الحقيقة بحر لا شط لأنّ فيه يجتمع الفرات ودجلة، وشط العجم، ولم تكن على ساحله سفن فوقفنا متحيّرين، فجاء الشيخ ووقف على الساحل ودخل بفرسه في الشط وهو عليها، وتبعناه نحن، وإذا نحن على الساحل المقابل.
ولما وصلنا البصرة وأقمنا فيها مدة رجعنا على طريق بغداد فلمَّا صرنا على ليلتين منه بتنا ليلة هناك وكانت الأرض ذات شوك وَقَتاد فكان الشيخ يكرّر قوله سبحان الله المعمّر المدمّر، فسألناه عن السبب لهذه الكلمات بالخصوص فقال ستكون هذه الأرض بلدة عظيمة ذات قصور وجنان وبساتين وغير ذلك.
يقول الراوي: فما مرت الأيام والسنون حتى أدرك أغلب مَنْ كان معنا تلك البلدة، وهي كوت العمارة المعروفة الآن بالكوت:
«عطّر اللهمّ مرقده الكريم، بعَرفٍ شذيٍّ من رحمةٍ وتسليم»
أمَّا علمه وسعة باعه في الفقه فما ظنك بمن باحث دورة (الشرائع) ثلاثمائة مرة بأدلتها تفصيلاً على وجه الاحكام والاتقان كما ذُكِرَ هذا في قصص العلماء. وذكر أيضاً أن الشيخ كان يقول: «لو مُحيت جميع كتب (الفقه) من أولها إلى آخرها لأمليتُها للناس على خاطري بلا زيادة ولا نقيصة» من شدة الممارسة والضبط.
جميع يقول الناقل (رحمه الله): الأنصاف أن الشيخ كان كذلك كما يظهر من تأليفاته لا سيّما كتاب «كشف الغطاء» وبه يعلم ما قدر إحاطة الشيخ بالفقه بَل تبين لك أن المسائل من (الطهارة) إلى (الديّات) كالخاتم فى يده يديره كيفما شاء وحيثما أراد. وكان إذا ذکر قاعدة فقهية في كتاب «الطهارة» أو في غيره فرّع جميع أبواب الفقه إلى (الديّات)، ومن هذا يعلم أن جميع مسائل الفقه محفوظة لديه بالفعل حاضرة عنده كُلّ وقت، فكلما دعاها أجابت، (إنتهى ترجمة)(1).
وأقول: مما يدلك على ما يقوله هذا (الفاضل) بَلْ يزيد، ويشهد لك أن الشيخ ما بين جميع الفقهاء فريد، أن «كشف الغطاء» صنّفه على ظهر (الدابة) وهو في الطريق، ولم يكن معه من الكتب سوى (قواعد) العلامة - رحمه الله - وجعله كالرسالة العملية، ليرسله إلى فتح علي شاه بعنوان (الهدية)، فبرز كما ترى هديةً للدين، لا للسلاطين، ومنّة على سائر المؤمنين، لا المتولّين، وهذا الأمر مشهور.
ومما ذكر السيد مُحَمَّد باقر في «روضات الجنّات» قال ما نصه: من جملة مصنفاته كتابه «كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء» خرج منه أبواب (الأصولين)، ومن الفقه (العبادات) إلى آخر الجهاد، ثم ألحق به كتاب (الوقف) وتوابعه، ولم يكتب أحدٌ مثله، وينيف ما خرج منه على أربعين ألف بيتاً، إلاّ أنه فائق على كُلِّ من تقدمه من كتب (الفنّ) مع أنه إنما صنّفه في بعض الأسفار ولم يكن عنده من الكتب سوى «قواعد»
1) التنكابني، الميرزا محمد بن سليمان، قصص العلماء، (باللغة الفارسيَّة)، ص188
العلامة - كما نقله الثقات(1)- (إنتهى).
ثم قال صاحب «القصص»: ومجملاً أن الشيخ جعفر النجفي في (التفريع) و(الفقاهة) وتطبيق فهم ألفاظ الكتاب والسنة على طريقة الفهم العربي المستقيم كان بلا نظير وهو من الأئمة ما بين فقهائنا كما يستنبط من كتبهم، وأنه إلى الآن لم يأت فقيه (مثلهُ) ومثل الشيخ، والشهيد الأول(2).
والتبحر في الفقه على ثلاثة أقسام:
الأول: تأسيس المسائل الفقهية والاستدلال عليها مع إحكام واتقان قواعدها، وهذا منحصر بالشيخ علي(3)، وأستاذ المؤلف مُلاّ أحمد النراقي(4).
الثاني: التفريع والأحاطة بمسائل الفقه وتطبيق الفروع بالأصول؛ وفي هذا المقام لم يكن أحد غير الشيخ جعفر، والشهيد الأول.
الثالث: تحقيق المسائل والفتوى وتكثير الأدلة، وتبديهها وهذا للمؤسس البهبهاني(5)، (إنتهى)(6).
هكذا النسخة التي رأيتُها وما أدري مَنْ المراد (بالشيخ) الواقع بين الشيخ (جعفر) و(الشهيد). ويقتضي أن يكون المراد به الشيخ (موسى) لِمَا هو مشهور عن (الشيخ) من قوله: لا فقيه إلاّ أنا، وولدي (موسى)، و(الشهيد)، وقد ذكرها أولاً وسيأتي نصُّها قريباً. ولعلَّ (موسى) سقط من قلم الناسخ في الطبع. ويحتمل أن يراد به الشيخ الطوسي(7)
وبعد سيطرة السلاجقة علي الحكم وسقوط البويهيين عام 447 ه / 1055م، رحل إلى النجف، وأقام بها حتى وفاته عام 460 ه / 1067م. ونظراً لجهوده الكثيرة في مجال الدراسات الشرعية، وتأسيسه لقواعدها على طريقتي العقل والنقل أصبحتْ مؤلفاتُه متحكمةً بالدراسات الشرعية. كما أنّ هجرته إلى النجف واستقراره فيها 12 عاماً، واستحداث مركز دراسيّ فيها جعلّ إسم جامعة النجف الدينية مرتبطاً باسمه.
وتُعتبرُ (مدرسة بغداد) في المرحلة البويهيَّة والتي مثلها الشيخ المفيد، الشريف المرتضى، والشيخ الطوسي هي مرحلة تأسيس المؤسسة الدينية الشيعية التي يُطلق عليها الآن إسم (الحوزة العلمية). وقد ناقشت مؤلفات هذه المرحلة التيارات الفكرية السائدة يومذاك كتيار المعتزلة، والغلاة، والزيدية، والتيارات السُنّية بشكل عام
وهو1) روضات الجنّات، ج 2، ص202
2) الشهيد الأول هو مُحَمَّد بن مكي العاملي المولود سنة 734ه / 1333م، والمقتول على يد مماليك الشام سنة 786ه / 1384م
3) الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء اشتهر بدروسه الفقهية العالية، تُوفي سنة 1253ه / 1837م
4) الشيخ أحمد النراقي مجتهد كبير اشتهر بكتابه «عوائد الأيام من مُهمّات أدلة الأحكام»، المطبوع على الحجر سنة 1849م. وقد أُعيدَ طبعُه في قم عام 1982م. تُوفي النراقي سنة 1245ه / 1829م
5) الشيخ مُحَمَّد باقر البهبهاني الملقب (بالأغا) و (بالوحيد)، ولد في اصفهان سنة 1117 ه / 1705م، وهاجر إلى مدينة (كربلاء) حيث قضي معظم حياته فيها، وأغلب الفقهاء الذين تولّوا الزعامة الدينية بعده هم من تلامذته، تُوفي سنة 1206ه / 1792م، ودُفنَ في الحائر الحسيني
6) قصص العلماء، ص188
7) مُحَمَّد بن الحسن المعروف بشيخ الطائفة الطوسي، هاجر من مدينة طوس وهو ابن 23 سنة إلى بغداد، وحضر على يد الشيخ المفيد، ولازمَ الشريف المرتضى وأصبح الزعيم الامامي غير المُنازع. قدّم موسوعات في الفقه والحديث والرجال والتفسير أصبحت من المصادر الأساسية للمذهب الاثنا عشري.
وإن كان يعبر عنه عند الفقهاء (بالشيخ على الأطلاق) إلاّ أنه هنا محتاج إلى قرينة وهي على خلافه. ويحتمل أن يكون المراد به الشيخ (علي) بمقتضى التقسيم الذي بعده.
والحاصل أن بلوغ (الشيخ) إلى غاية الأعجاز في (الفقه) صار من البديهيات التي لا تحتاج إلى بيان، وكذلك يده الطولى في سائر العلوم خصوصاً الحكمة والكلام. ويدلك على ذلك ما صدّر به كتابه «كشف الغطاء» و«البُغية»، وغير ذلك وذكر في «قصص العلماء» أن (الشيخ) لمَّا تشرَّفَتْ بمطالعهِ (أصفهان) جاء إلى خدمته بعض تلامذة الحكيم المتكلم المشهور الملا علي النوري وسأل الشيخ بمسألة عويصة من مشكلات فن الحكمة وكان قَدْ استفادها من ذلك الأستاذ الماهر، وعرضها بخدمة (الشيخ) مكتوبة في ورقة، وكان قَدْ حضر وقت نوم (الشيخ)، فقال: بكّر غداً وخذ الجواب، فأخبر الشيخ ملا علي بسؤال تلميذه (للشيخ) فتغير وتكدّر على تلميذه وقال له: إن (الشيخ) رجل فقيه فلماذا أخجلته بمسألة من مشكلات (الحكمة) وليس له يد بها؟ فأياك أن تعود الصبح لمطالبته. فلما فرغ (الشيخ) من صلاة الصبح بعث على السائل، وأعطاه جواب المسألة. فعرضها السائل على أستاذه المذكور، فتعجب غاية العجب لموافقتها تمام قواعد ذلك الفن. فلمَّا إلتقى الآخوند بالشيخ قال له: يا مولانا من أين جئت بجواب هذه المسألة العويصة الصعبة التي عجزت عنها الفحول مع أنك لا تشتغل بفن (المعقول)؟ فقال الشيخ: هذه من واضحات إفادات الأخبار الواردة عن الأئمة الأطهار (علیهم السلام)(1).
وكان (قُدِّس سرُّه) يحفظ على خاطره جميع الكتب السماوية من «إنجيل» و«زبور»، و «توراة»، وغير ذلك بجميع آياتها وفصولها، وينبئك على ذلك ما ذكره في «كشف الغطاء». ومن تلك الكتب في مقام الاستدلال على نبوة نبينا (عليه الصلاة والسلام) فقد سرد منها هناك ثلاث أوراق، أو أكثر من عباراتها باللسان التي أُنزِلت به، ثم ترجمها إلى العربية، وبيَّن تناقض بعضها مع بعض، وأنها مُحرَّفة عما أُنزِلت به، ويذكرهم الأصل.
والحاصل أنك إذا راجعتَ آخر كتاب «الجهاد» فسترَ ثمَّةً من هذه المقامات ما لا تتصوره
1) قصص العلماء، ص 193
في حق بشر فإنه رجل من أعراب البوادي الذين لا يعقلون شيئاً، وهاجر إلى (النجف) مع أبيه، وهو قريب البلوغ ولم يكن يقرأ القرآن، وكانتِ (النجف) من أصغر القرى، وأقلها سكاناً، وأضعفها آثاراً وكتباً فمن أين تعلَّم هذه العلوم؟ وممن أخذ تلك الأشياء العجيبة من اللغة اليونانية، والعبرانية وأمثالهما؟ حتى أنه حدثني عمّي العَلَم (العباس) - لا زال ظله منشوراً - عن ثقات (الشَيَبة) الذين أدركهم أن جماعة من (الطلبة) الذين كانوا من أهالي (البحرين) أخبروا (الشيخ) أن في البصرة جماعة من أحبار اليهود، ورهبان النصارى وقسيسيهم يجلسون فى الطرق والأسواق، ويُفسدون مذاهب الأسلام، ويُطعنون فيها عند العوام، حتى (تهوّد) خلق كثير من المسلمين، و(تنصّر) آخر. فشد (الشيخ) الرحال بجماعة من أصحابه حتى أتى البصرة، وصار يُجالس أحبار اليهود، والنصارى ويحادثهم شيئاً فشيئاً بألسنتهم وكتبهم ويؤيد تارة ويهدم أخرى حتى عرفوا أنه من الحاوين لكل العلوم فسألوه أن يباحثهم في علم الأديان، وغيرها فأجابهم إلى ذلك. وجعل بحثاً للنصارى وبحثاً لليهود عصراً وصبحاً، ثم صار يذكر مفاسد كُلِّ مذهب، وبالخصوص مذاهبهم والاختلاف الكثير في أناجيلهم كأنجيل (مرقس) و(يوحنا)، وغيرهما. والحاصل ما انجلت الغُبرة إلاّ وقدر مائة (حبرٍ) و(قسيس) قَدْ أسلم ممن كان يجلس في الأسواق لإفساد مذاهب الأسلام، ثم توجهوا إلى البلدان النائية الخالصة يهوداً ونصارى ليهدوهم بالمسالك اللطيفة الخفية إلى سواء السبيل، ورجع (الشيخ) إلى محله.
فهل هذا إلاّ من تأييدات الأئمة (علیهم السلام) له، وأخذه عنهم وقراءته عليهم بالطريق الذي هم أعرفُ به حيث رأوه قابلاً لاكتساب الفيوضات الألهية، والمعارف الروحانية (قدس الله روحه، ونوّر ضريحه).
وأما زهدُه وتقدّسه وما التزمت به نفسه فقد جاوز الحد والنهاية، وفات الحصر والغاية، حتى كاد أن يُنْسَى علمُهُ على ما عرفتُ من عظمته وشهرته، في جنب عبادته:
شيمةٌ مِنْ أبيهِ شَبَّ عليها *** وكذا شيمةُ الهِزَبرِ لشبلِهِ
وقد سمعتُ من الثقات أنّ (الشيخ) رأى رسول الله (صلی الله علیه وآله) في المنام فقال له: «يا جعفر، أو يا شيخ إني أحبك حباً شديداً» فقال له: سيدي ومما ذلك حتى أداوم عليه؟ قال: «لتدومنّ عليه صوم الدهر، وصلاة الليل، والكون على الطهارة».
وسمعتُ من الشيخ الأجل قدوة الوعَّاظ وعمدة الحفاظ، العابد الزاهد الشيخ علي
اليزدي(1)، وكان وحيد زمانه في العبادة، وفريد أوانه في العلم والأخبار والوعظ، وقد تشرفتُ برؤيا مُحَيّاه الأنور، وجلستُ تحت منبر وعظه أياماً وليالي، فما أظن أن الدهر سمحٍ بمثله واعظاً. وكان لكلامه تأثير فى النفوس عجيب، وكان ملازماً للخمول والضعة كسراً لنفسه، وأصابه في آخر عمره عرض (السوداء) فاختلّ عقله، وأشار عليه الأطباء بالرواح إلى بلاد (العجم) فإنه أنفع لمزاجه؛ فانتقل إلى (خراسان)، وتُوفيَ هنالك (طيّب الله مضجعه). فمما ذكر على المنبر في شهر رمضان بالصحن الشريف، وهو غاصّ بالمستمعين، وكان يتكلم في مقام تغير الزمان والأيام وترك عبادة الرحمان، والسعي بمراضي الشيطان إلى أن قال: وحدثني بعض الثقات من شيبة أهل (النجف) أول مجيئي من (يزد) أنه سمع في بعض ليالي شهر رمضان في زمان العلامة الطباطبائي، والشيخ (جعفر) بكاءً ونحيباً في زوايا الصحن الشريف فتأمله وإذا هو في الحجرة الفوقانية فصعد إليها وجعل ينظر (حجرةً) (حجْرَةً) حتى وصل إلى (حِجرة) في الزاوية بعيدة عن المستطرقين والنظّار، فوقف وراء الباب، ونظر من شقوقها، فرأى جماعة سادةً، وعلماء قَد افترشوا التراب يقرأون دعاء (أبي حمزة الكبير) وهم سجود يبكون، فبقي حتى فرغوا من أدعيتهم، وصلواتهم وخرجوا بأجمعهم، فرآهم جماعة من العلماء في ذلك العصر يعرفهم بأشخاصهم، واستفسر عن الكيفية، فكانت هذه عادتهم كُلّ ليلة (جمعة)، وسائر ليالي شهر رمضان.
ثم قال: وحدثني جماعةٌ منهم أيضاً أنهم وجدوا الشيخ (جعفر) في بعض الأيام وهو يعدو وأمامه صبيٌّ قارب (العشرين) هو يركض بسرعة وشدة و(الشيخ) خلفه يطلبه إلى أن وصل (الصبيّ) إلى (الصحن) فالتجأ إليه، فنادى الشيخ أن اقبضوا عليه، فقبضوا عليه، وجعل الشيخ يوجعُهُ ضرباً تارةً بعصاه، وأخرى بيديه، والصبي يبكي ويلوذُ بالناس، فخلَّصوهُ من يديّ الشيخ. ولمَّا سكن روعه سألوه عن ذنب (الصبي)، فقال لهم: منذُ ثلاث ليال لم يقم إلى (صلاة الليل) وكلما أيقضناه لم يستيقظ، وجميع إخوانه وأهليه قاموا فأتوا بها على الوجه.
هذا وقد كان (رحمه الله) تعوّد من المأكل على ما جشن، ومن الملابس على ما خشن، فإنه كان يلبس من (الخام) الغليظ الذي يصنع (شرعاً) للسفن ثياباً، ومن (كرباس) الصوف الخشن قِباءً ورداءً، وعلى هذا أصحابه، وتلاميذه، وأهل بيته، وأولاده حتى يقال
1) كان من تلامذة الميرزا مُحَمَّد حسن الشيرازي، بقي في العراق حتى سنة 1308ه / 1891م حيث سافر إلى (خراسان)، وتُوفي فيها حدود سنة 1311 ه / 1893م. له «منظومة في أصول الفقه». الطهراني، نقباء البشر، ج 1، ص 1322
إنه رأى يوماً في درسه رجلاً من أهل (القطيف) وهو ملتحف بعباءة (ماهود) بعثها إليه أهله، ولم يكن يُعرَفُ ذلك في (النجف) وكانت مطرّزةً بشيء من (الأبريسم) ومثيله المسمّى اليوم (بالكلبدون)، فرمقه (الشيخ) شزراً، فلما حقق أنه لِبسٌ جديد ناداه، فجاء الرجل ووقف حذاء المنبر فقال: أيها (القطيفيُّ) ما هذه السيرة المخترعة، والسُنّة المبتدعة، والتماثيل التي أنتم لها عاكفون؟
فقال: يا مولاي ليس هذا من اختراعي، ولا بهواي وإنما بعثوه لي أهلي.
فقال (الشيخ): نِعْمَ الجواب أجبتَ «بسم الله الرحمن الرحيم ما هذه التماثيلُ التي أنتم لها عاكفون، قالوا وَجَدنا آباءنا لها عابدين. قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلالٍ مبين»(1)، ثم قال له: إعلم يا (شيخ) أن أهلكَ إن رغبوا في لباسك لهذا، وأمثاله فليأخذوك إلى بلدهم فأنهم أرسلوك مستر شداً لا مستغوياً ولا يحل لك البقاء في (النجف)، وأنت على هذا؛ فاخرُج منها قبل أن تُخْرَجَ، واصنع ما شئتَ فلا جُناح عليك بعدها، ولا حرج.
فقيل: إنَّ (الرجل) تناول سكيناً وأراد أن يخرق (العبا)، فقال له (الشيخ): لا تُطع الشيطان بشيء، وتعصيه بآخر (إنَّ المبذرين كانوا إخوان الشياطين)، ولكن أرجعها إلى محلها. فبعثها (الرجل) إلى أهله، وجلس خجلاً، فأخذ (الشيخ) يرفع عنه خجله، فقال له: يا ولدي بارك الله بك، وأني لأتوسم الخير فيك، وإنَّما قلتُ ما قلتُ لأنَّ النفوس أمّارةٌ بالسوء، ميَّالة إلى التصنّع، والشيطان باسطٌ للغواية باعه، وفارش للوثبة ذراعه، فإذا نظر (الطلبة) المشتغلون ما أنت عليه مالت نفوسهم إلى ذلك اللباس، وهم ذوو فاقة وإفلاس فيلتزمون بالأسفار، وركوب الأخطار، لتحصيل أثمانها، فتَركَن النفوس إلى شيطانها، فيضيع العلم، ولا يبقى منه لدى مُدّعيه سوى الاسم، ويتزيّا الناس بزيّ عبدة الأوثان، وأمناء الشيطان، ولا يبقى من الأيمان سوى رسمه، ولا من الحق غير اسمه، ولم يزل يُبيِّنُ له المغيبات التي نراها اليوم رؤى العين، والمفاسد الشائعة في البين، حتى ذهب خجل (الرجل)، وعاد الشيخ إلى درسه.
وكان يعول بما ينيف على (الخمسين) من إخوته، وعياله، وأولاده إلى غير ذلك من المتعلقين، والخدام فكانوا يضعون في (قدرٍ) كبير سحيق (الأرز)، وشيئاً من (اللحم) مع بعض الحموضات، فإذا طبخ جيء بأنيتين كبيرتين من الكاشي الأخضر(2)فتُملأ واحدة للنساء، وأخرى للرجال، فيجتمع عليها مقدار عشرين رجلاً كلهم بين (مجتهد) ومناهز،
وعلى باقي الخدم والمتعلقين، وكانوا إذا أرادوا إكرام (الشيخ) صنعوا له مقداراً من (الأرز) مع (الماش)، وأتوا له منه على مقداره، وعليه (البصل) قطعاً قطعاً.
فمن ذلك ما ذكره في «معدن الشرف»(1)أنه دخل عليه (سيدٌ) - يقول البُراقي وهو معروف الاسم واللقب ولكن ذهب عني اسمه - والقصة مشهورة، فلما رآه (الشيخ) رحَّبَ به وأكرمه ثم قال له: ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ فقال: جئتك لأنك المطّلع على أحوالي والى الآن لم أتزوج، وأريد منك (المَهَر)، فقال (الشيخ): حباً وكرامة وعلى العين والراس، لكن لا يُترك الميسور بالمعسور، ونرجوك المسامحة وقبول ما عندنا، ولك العهد عليّ أن أول شئ يأتيني أبعثُه إليك، فاستقرضْ ما يكفيك مع ما نعطيك، وأنا أؤدّي عنك.
فتشكر (السيد)، وذهب ليقوم فقال له (الشيخ: إجلس فتعشّ معي فأنّ (عشائي) اليوم نفيسٌ على الأرادة، قال (السيد): فجلستُ وحسبتُ أنَّ (الشيخ) سيعطيني خمسين أو ستين شامياً وقيمتُه (قرانين) من أول عصرنا، فجاؤا بالعشاء فوضعوه بين أيدينا ، فالتفت (الشيخ) إليَّ وقال: يا (فلان) هذا رزقٌ على عينك ومن بركات قدومك، تقدَّم فكُلْ هذا العشاء الحسن، فتقدمتُ وإذا هو طبيخ (ماش) ومعه (بصل). وجعل يضربُ على منكبي ويقول: كُلْ مِنْ هذه النعمة التامة التي لا تقوم بشكرها؛ (تمّن) و(ماش) و(ماء) و(ملح) ومع هذا كله (إدام)، و(الأدام) بصل ونعم الأدام البصل.
يقول (السيد): بينما نحن كذلك وإذا بعشاء يفوح منه (الزعفران) وفوقه (دجاج)، وكأنما بعض (العَجم) أهداه إلى (الشيخ)، فلما نظره الشيخ) قال لي: قُمْ فَكُلْهُ، قال: فاختصصتُ به دونَهُ، و (الشيخ) حسر عن ذراعيه، وجعل يكسر البصل، ويجعله على الله طعامه وهو يحمد ويشكره ويقول: إيه يا (جُعَيْفر) وكيف لا تحمد الله الذي سخر لك حرّاث الأرض وزرّاعها والحاصدين، والدائسين ثم جلب إليك ثمره، وأنت في مكانك فطُبخَ، وقُدَّمَ بين يديك من غير كدٍّ وتعب، فأي شكرٍ يؤدي حق نِعم هذا (المُنعم).
قال: ولم يأكل من (طعامي) لقمةً واحدةً. فلما فرغنا قال: قُمْ إلى تلك (الحِجرة) فافتحها وخُذْ ما فيها؛ فقمتُ إلى (حجرة) صغيرة في زاوية (الطنبيّة) - وهي إلى الآن موجودة - ففتحتُها فوجدتُ فيها (كيساً) مملوء فأخذته وودعتُ (الشيخ) وإذا فيه (خمسمائة) شامي، (إنتهى).
وكان مع عدم ترتيب مأكله، وانضباطه ذا قوة، ونشاط على العبادة، وكان لصوته
1) «معدن الشرف في أحوال المشاهير من علماء النجف» للمؤرخ السيد حسون البُراقي
ومناجاته تأثير عظيم في القلوب، وكان مدمناً على المناجاة والأبتهال، ملازماً لأحياء الليالي الطوال، ولتضرعه خاصية معروفة وهي أنَّ كُلّ من سمعه حلّت الهداية بقلبه، ونشطت جوارحه لعبادة ربه.
فمن ذلك ما في «قصص العلماء» عن بعض أكابر الأفاضل عن الشهيد الثالث العالم الرباني الشيخ مُحَمَّد تقي البرغاني(1)المقتول بسيف الفرقة (البابية) بأمر رئيسها مُحَمَّد علي(2)، وقرابة المقتول المعروفة الخبيثة (قرة العين)(3)وسنذكر نبذة من أحواله، لأنَّه استجاز (الشيخ) قال: إنه لمَّا تشرفت جبهة (قزوين) بأقدام (الشيخ) حطَّ الرحال عند الأخ الحاج مُحَمَّد صالح البرغاني، وهو أيضاً من كبراء العلماء، وكانت داره تشتمل على بستان كبيرة، فلما هجم الليل نام كُل منّا بمكانه في البستان، ونمتُ أنا في طرف منها، وكانت للشيخ عناية في حظّي، فلما انتصف الليل جعل الشيخ يوقظني وهو يقول لي قم لصلاة الليل فقلت سأقوم، فتركني ومضى، وأخذني النعاس فذهبت أعوم في تياره فتغيرت أحوالي في الأثناء، وأنا نائم، وتألم فؤادي، وأوجع قلبي، فانتبهتُ من شدة الوجع فبان لي أن ذلك من جهة سماع صوت وبكاء أسمع صداه، ولا أرى شخص بكاه، إلاّ أنه أخذ بمجامع قلبي، واستولت رقته على عقلي فأدهشت لُبّي، فقمتُ أتمشي وأطلبه، وأنا بلا شعور حتى قربت منه وتأملته فإذا هو (الشيخ) قَدْ افترش التراب وهو يتململ ويتضرع، ويبكي بكاء الثاكل الموجع، ويناجي ربه مناجاة الحبيب لحبيبه، ويأنّ أنين الفاقد صحيبه، فأثّرت تلك الأحوال الغريبة من الرقة والخشوع فيّ أثراً؛ أنا منه إلى الآن من خمسة وعشرين سنة أقوم في ذلك الوقت من هيبة تلك الليلة، وأثرها في روعي، وأشتغل حتى الصباح بمناجاة قاضي الحاجات، وأداء النوافل والمستحبات.
أقول: وهذا دليل على بلوغ (الشيخ) مبلغاً من التعبد والزهد يقصر عن إدراكه الفكر الوقاد، ويُحسر دون تصوره تصور جهابذة الزهاد، لأن هذا (الرجل) كان وحيداً الطاعات، وفريداً في الملازمة على الزهد، والمستحبات، فكلامه في هذا المقام له خصوصية إعظام واحترام.
1) كان فقيهاً كبيراً تصدى للحركة البابيَّة، وقُتلَ على يد أتباعها عام 1264ه / 1848م. ويُلقّب بالقزويني لسُكناه هذه المدينة، وكان معاصراً للشاه فتح علي القاجاري المتوفى سنة 1250ه / 1834م
2) الصواب ان اسمه علي مُحَمَّد الشيرازي. وقد قُتلَ رَمياً بالرصاص سنة 1267ه / 1850م في تبريز، وتحوّلَ معظم أتباعه إلى المذهب (البهائي)
3) قُرَّةُ العين هي بنت الشيخ مُحَمَّد صالح البرغاني، وهي من دُعاة البابيّة وقادتهم، قُتلتْ سنة 1269ه / 1852م
ولنختم هذا المقام بكلام لصاحب «قصص العلماء» أثنى فيه على (الشيخ) وبيَّن مقدار رفعته، وعلو درجته في العلوم والطاعات وإن كانت غنية عن البيان، ولكن ذكرناها أداء لحق الرجل، وقد ذكرنا عبارته بنصِّها لأنَّ (للعجمية) لطف في عالمها كما (للعربية) ذلك. قال: (رحمه الله وجزاه خير الجزاء): «الشيخ جعفر النجفي العالم الزخّار، والاستاذ الأكبر، قمر سماء الفقاهة والجلالة، ومتاع فلك الزهادة والتُقى والنقاء، زعيم أرباب العبادة وفذلكة أصحاب الكرامة، نادرة الزمان، وأعجوبة العصر، وفلتة الدهر.
والأنصاف لا يوجد مثلُهُ في الأحاطة بالتفريعات الفقهية من أولها إلى آخرها منذ زمان الغيبة حتى عصرنا هذا؛ فهو في التفريع وفهم الأحكام كالشهيد الأول كما قال عن نفسه «الفقه باقٍ على بكارته لم يمسّه إلاّ أنا، وولدي موسى، والشهيد الأول». ومَنْ أراد أن يتبيّن له ذلك فليرجع إلى كتاب «كشف الغطاء» للشيخ وتأليفاته الأخرى. أمّا مَنْ أراد التصديق لهذه المقولة بالنسبة إلى الشهيد الأول فليرجع إلى كتابه «القواعد»(1).
وأقول: ومَنْ أراد تصديق ذلك في شيخ (موسى) فليرجع إلى شرح (رسالة) أبيه، فأنّها على صغر حجمها كافية في بيان فضله على أنه كتبها أول اجتهاده وهو صغير في زمان أبيه كما سيأتي ذلك.
وأما مطاعيّته وعظمته عند كُلّ الأمم، ورئاسته على جميع العرب والعجم، وامتثال أوامره ونواهيه عند سائر الأمراء والسلاطين، فهي غنية عن البيان والتبيين. وإنْ أبيتَ فيكفيك ما ذكره في «روضات الجنات»، ونصّه: «كان رحمه الله من أساتذة الفقه والكلام، وجهابذة المعرفة بالأحكام، معروفاً بالنبالة والأحكام، منقحاً لدروس شرائع الأسلام، مُفَرِّعاً لرؤوس مسائل الحلال والحرام، مروّجاً لمذهب الحق الأثني عشري كما هو حقه، ومفرّجاً عن كُلّ ما أشكل فى الأدراك البشري وبيده رتقه وفتقه، مُقدَّماً لدى الخاص والعام، مُعَظَّماً في عيون الأعاظم والحكام، غيوراً في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقوراً عند هزاهز الدهر وهجوم أنحاء الغِيرَ، مطاعاً للعرب والعجم في زمانه، مفوقاً في الدين والدنيا على سائر أمثاله وأقرانه، ظهر من غير بيت العلم فصار في بيداء حكومته علماً مشهوراً، ومَهرَ في نشر زيت الفقه إذ أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً.. الخ»(2)، (إنتهى).
وهذه الكلمات جيدات بَلْ فائقات خصوصاً من أنها من (أعجميِّ) اللسان، ولكنها منحة ربانية. وإساءة الأدب في قوله «وغير بيت العلم» مغفورة له؛ فأنَّ مراده بالنسبة إلى ما صار (الشيخ) إليه من التفوق في العلوم حتى صار بيته كأن لم يكن بيت علم لا على ظاهره، وإلا فهو قَدْ نقل في كتابه: فقرات الرسالة المنسوبة إلى (الشيخ) في حق والده، وقد تقدَّم بعض ذلك، وقد عرفتَ جلالة بيته سابقاً.
وإن إستزدتني فيما نحن فيه أزدتُكَ بما ذكره السيد شفيع البروجردي المعاصر لشيخنا (قُدِّسَ سرُّهُ) في كتابه الذي صنَّفه في علماء إجازته(1)، فقال بعد ذكر العلامة الطباطبائي(2)ما هذا نصه: «ورابعهم: الشيخ المكرم المعظم، ملجأ العرب والعجم، ملاذ كافة الأمم، منبع الفضائل الجليلة، ومعدن السجايا الجميلة، ناهج المناهج السوية، بالغ المقاصد العليّة، مهذب المعالم الدينية، المشتهر في جميع الأمصار والآفاق، شيخنا، وعمادنا الشيخ (جعفر) النجفي (قدَّسَ الله روحه الزكية)، وهذا الشيخ أفضل أهل زمانه بالفقه لم يُرَ مثله مبسوط اليد في الفروع الفقهية والقواعد الكلية، قويّ غاية القو، مقبول القول عند (السلطان) و(الرعية)، كان من العرب بحيث يطيعونه غاية الأطاعة ويمتثل السلطان فتح علي شاه أوامره، وكذا أكابر دولته وأمناؤه غاية الأمتثال، ويأخذ من السلاطين وأكابر العجم وأرباب الثروة والغنى مالاً كثيراً، ويعطيه بتمامه في مجلس الأخذ وفي يومه». ثم أخذ في تفصيل أولاده واحداً واحداً على الأجمال.
ولعلك أيها الناظر لا تكتفي بهؤلاء وتقول ننظر في هذا المقام «إلى مَنْ قال لا إلى ما قيل»، وهؤلاء وإن كانوا من أجلّة الفضلاء إلاّ أنهم ليسوا من المشاهير، ولا الجماهير، حتى يعتقد بأن (الشيخ) جمع الرئاستين مَنْ ليس بها خبير، فلنذكر لك ما يكفيك من كلام مَنْ لا تخفى عليك جلالة قدره، وعظم منزلته، العلامة الفهّامة، مالك أزمَّة التحقيق والتدقيق، الشيخ أسد الله(3)في (المقابيس)، عطّر الله مرقده النفيس، ونصّه: «ومنها
1) ذكر التنكابني في مقدمة كتابه «قصص العلماء» أنَّ هذه الاجازة لا تفترق عن كتاب «لؤلؤة البحرين الاجازة لقرتي العين» للشيخ يوسف البحراني المتوفى سنة 1186 ه / 1772م. وكان السيد شفيع البروجردي قَد كتبها إلى ولده السيد علي أكبر، وهي بعنوان «الروضة البهيّة»
2) هو السيد مهدي بحر العلوم المُتوفى سنة 1212ه / 1797م
3) الشيخ أسد الله التُستري الكاظمي كان فقيهاً من مشاهير المحققين، وهو صهر الشيخ جعفر كاشف الغطاء على بنته. تُوفيَ سنة 1234ه / 1819م، ومن أشهر مؤلفاته «مقابس الأنوار في أحكام النبيّ المختار» وعُرِفَ أحفادُهُ بآل (أسد الله) نسبة إليه
الأستاذ السعيد الشيخ الأعظم الأعلم قرة الأنام، وسيف الأسلام، علم الأعلام، علامة العلماء الكرام، خِرّيت طريق التحقيق والتدقيق، مهذّب مسائل الدين الوثيق، مالك تقريب مقاصد الشريعة من كُلّ فج عميق، وحيد العصر، وفريد الدهر، ومدار الفصل والوصل، ومنار الفخر والفضل، خاتمة المجتهدين، وإسوة الأفاضل المعتمدين، وحامي بيضة الدين، وماحي آثار المفسدين، بدر النجوم، وبحر العلوم، المؤيد المسدد من الحي القيوم، شيخي وأستاذي ومعتمدي واستنادي، وجدّ أولادي، الأجل الأكمل الأفضل، الأورع الأجل، الألمعي اللوذعي، التقي النقي الرضي المرضي، الزكي الذكي، الوفي الصفي، الخائض المغمور في عواطف بحار لطف الله الجلي والخفي، الشيخ جعفر بن المرحوم المبرور وجزاه الله شيخ خضر النجفي (أدام الله ظلاله) على رؤوس العالمين، وزيّن به كراسي العلم للعالمين، عنى خير جزاء المحسنين، المعلّمين يوم الدين، وهو صاحب كتاب «كشف الغطاء»، الباسط العطاء، على أولي الذكاء، وعلى غيرهم في غاية الغموض والخفاء»، (أنتهى موضع الحاجة)(1).
هذا والحالة أن الشيخ أسد الله كما ينقل عنه وهو مشهور غير بعيد قَدْ فرغ من المعقول والمنقول، وجميع العلوم قبل العشرين.
وقال السيد الهُمام، والعيلم العلامة إمام المُحدثين السيد عبد الله شُبّر، وهو من تلامذة الشيخ الأكبر في كتابه المعروف ب «كشف الأنوار في حلّ مشكلات الأخبار»(2)وهو من أحسن ما صُنّف في هذا الباب. قال في أوله: «الحديث الأول ما رويتُه بأسانيد عديدة، وطرق سديدة عن جملة من مشايخي الكرام، وأساتيذي العظام، ومنهم: - وهو أعظمهم شأناً، وأرفعهم مكاناً، وأقومهم برهاناً - قدوة الأنام، وعلم الأعلام، وناموس العصر، وعظيم القدر، صدر صدور الأفاضل، وبدر بدور المحافل، جامع أشتات الفضائل، ووارث علوم الأواخر والأوائل، ورافع المشكلات عن معضلات المسائل، بمحكمات الدلائل، مهذب مسائل الدين الوثيق، ومُقرّب مقاصد الشريعة من كلّ فجٍّ عميق، مقيم شعائر الاسلام والدين، وحجّة الله على العالمين، المؤيد من الله بلطفه الجلي والخفي، شيخنا ومولانا الشيخ جعفر النجفي، مدَّ الله ظله على العالمين، وأدام فضله على سائر المسلمين. ثم ذكر
بعده السيد العلامة الطبطبائي، والمُرَوِّج البهبهاني، وأمثالهما، رحمهم الله أجمعين(1).
وإنما أورد لك أيها الناظر فى هذه (الرسالة) هذه الأشياء كيلا تقول في حقي هذا رجل مغالٍ بأجداده وآبائه، وتعلم أن هذا أمر مغروس في نفوس أهل العلم وكبرائه، وأما أنا فلم يزدني ذكر هؤلاء العلماء في حقه من المدح والثناء، شيئاً من الأشياء، بَل ازدادوا عندي بمعرفة من (الشيخ) رفعة وفضلا، وبانوا عندي أنهم كانوا للكمال أهلا. وما هذا إلاّ كما يحكى عن أبان بن تغلب (رحمه الله) أنه كان يأتي مسجد المدينة فتخلى له سارية النبي (صلی الله علیه وآله)، ويجلس ويحدث الناس فجاءه يوماً شاب من أهل المدينة وقال له: يا أبان كم كان مع (عليٍّ) في حروبه من أصحاب النبي (صلی الله علیه وآله)؟ فقال: يا ضعيف اليقين أظنُّكَ تريد أن تعرف فضل الأمير (علیه السلام) باتباع أصحاب النبي (صلی الله علیه وآله) له، وأنا ما عرفت فضل (عمّار) و(فلان) و(فلان) إلاّ بخروجهم معه، واتباعهم قوله.
ومثله ما يحكى عن بعض (الصوفية) من ذوي الاعتبار، أنه قال لمَّا رأى كلام بعض المتكلمين أنه تعالى تدل عليه (الخلق) و (الآثار): «إني ما عرفت الدنيا وما فيها، إلاّ بمعرفة منشيها».
والحديث شجون، فلنختم هذا المقام بحكاية فى «معدن الشرف» هنا محلها. رُويَ عن عدة من الثقات أنَّ السيد مير علي(2)صاحب «الرياض» اجتمع مع السيد جواد(3)صاحب «مفتاح الكرامة» ومعه جماعة، وكان في (كربلاء)، فأخذ القوم في الثناء على (الشيخ) الأكبر وأن ليس له شريك في فضله وسجاياه خصوصاً في العبادات، والالتزام بالنوافل والأوراد من المستحبات، فضلاً عن الواجبات، فقال المير: ما قلتموه حق إلاّ أن هذا عمل العجائز وحرفة عاجز، فقد ترك أبحاثه ودروسه وعلمه، وصار ملازماً للأسفار، والسياحة ولم يبق عنده سوى ما قلتُم مما هو بالنساء أحرى.
فانتدب السيد جواد فقال: يا لله للعجب العجاب، أتقول هذا في حق رئيس المسلمين، على الخلق أجمعين، كهف الأنام، ومرجع الخاص والعام، وأبي الأرامل والأيتام، صاحب العلوم العجيبة، والكرامات الباهرة الغريبة، من لم تسمح بمثله الأيام،
1) مصابيح الأنوار في حلّ مشكلات الأخبار، ج 1، ص 4. وفي (العبقات) وردت السطور الثلاثة الأخيرة زيادةً عما وُجدَ في النسخة المطبوعة
2) السيد علي الطباطبائي (هو ابن أخت الوحيد البهبهاني) من مشاهير مجتهدي عصره، ولد سنة 1161ه / 1748م، وتُوفي سنة 1231ه / 1816م
3) مُحَمَّد جواد العاملي من أعاظم فقهاء ذلك العصر، اشتهر بكتابه «مفتاح الكرامة» المطبوع في الفقه الاستدلالي، وهو من تلامذة الشيخ كاشف الغطاء، تُوفي سنة 1226ه / 1811م
وتعجز عن انتاج شكله الأعوام، فلا يضاهيه إنسان، ولا احتوت على مثله الأزمان، ولا يحيط بكنهه الواصفون، ولا يعلم أقل مزاياه العالمون. (ثم أطال في الأطراء والثناء بما لا مزيد عليه)، حتى قال، وتحسب أيها (السيد) أن كثرة الأسفار، مما يمت إلى ذلك الهيكل القدسي بالعار، وأنك بجلوسك هذا تقاربه أو تدانيه، أو أنك بقدحك هذا فيه تساويه، كلا ثم كلا، وهل قام عمود الدين إلاّ في أسفاره، وفيه، وهل هذا إلاّ سيرة ساداته ومواليه، أليس النبي (صلی الله علیه وآله) خرج إلى (الطائف)، وهاجر إلى (المدينة) لإحياء هذا الدين، وتبعه على هذا وصيه أمير المؤمنين (علیه السلام)، فقد هاجر من (المدينة) إلى (البصرة) ثم إلى (الكوفة) ثم إلى (النهروان) و(الشام) كله محافظة على الشريعة. كما تُنبئ عنه الرواية أنه (عليه السلام) لمَّا حمل على أهل (الشام)، وخفى صوته، وحمل أولاده وأصحابه فوجده (مالك) يُصلّي فقال: يا سيدي أبمثل هذا المكان تصلي؟ فقال (علیه السلام): «يا مالك وهل قتالي إلاّ للصلاة». وكذا سيرة ولديه المظلومين الحسن والحسين (علیهما السلام)، وكذا سائر الأنبياء والأوصياء (علیهم السلام).
وقد أنزل الله تعالى ذلك في محكم كتابه كقوله تعالى: «إنما أنت منذر ولكل قوم هاد»(1)، وأمثال هذا كثير، فقد حذا (أيده الله) حذو المتقدمين من الأنبياء، والوصيين، وعباد الله الصالحين، حتى قام عمود الدين بعدما مال، وأرشد إلى سبيل الهدى جماعة من أولي الضلال. ولم يزلْ (السيد) يزأر، ويهدر بهذا، وأمثاله حتى سكنت فورته، وقرّت شقشقته.
وبلغ الخبر إلى السيد الحسيب المحقق المدقق السيد محسن الكاظمي(2)وهو في (بلده)، فشد الرحال حتى اجتمع بالسيد المير وقال له: أنت القائل على رئيس مذهبنا وإمام ملتنا، قَدْ ضيّع علمه، وصار من أهل الأسفار؟ فقال له (السيد): وما الذي جاء بك؟ فقال: سمعت مقالتك، وجئت لمعاقبتك، وتأنيبك، (إنتهى).
ورواها بطريق آخر عن حجة الأسلام الشيخ العلامة الشيخ مُحَمَّد طه نجف(3)(حفظه الله وأيده)، ومولى المسلمين الشيخ عباس (أدام الباري وجوده) أن السيد مير على كان مشغوفاً بالتأليف، والتصنيف، ومولعاً بكتابه المعروف (بالرياض) مفتخراً به، ولم تكن له يد
بالعبادة، فلا يزيد في صلاته على غير الطريقة المعروفة من نوافل وتعقيبات وغير ذلك. وكان (الشيخ) محافظاً على تلك الأشياء خصوصاً النوافل المرتبة، فاتفق أن اجتمعا يوماً فقال (الشيخ) للسيد: إنك من العلماء المشهورين فلم لا (تتنفَّل) بصلاتك وهو نقص بمثلك، فكيف إذا اقتدت (عوام) الناس بك؟ فقال (السيد) معرّضاً بالشيخ: النوافل سيرة العجائز، لكن أنت لِمَ تركت العلم وصرتَ من أهل الأسفار، وحُرمتَ لذة التصنيف؟ فسكتَ الشيخ عنه.
وبلغتْ هذه إلى السيد محسن الكاظمى فأتى إلى (كربلاء)، واجتمع (بالمير) وقال له: أنت العاتب على شيخ الطائفة، ورئيس الفرقة المحقة بذلك الكلام؟ فقال له (السيد): ما أنت وهذا نحن علماء يتكلم بعضنا مع بعض فما أنت والدخول في البين، (انتهى). مع التهذيب والأختصار الكثير مما ذُكِرَ من التطويل الذي لا طائل تحته، فإن نقل مثل هذا عن العلماء في غير محله إلاّ مع حمل كلامهم على خلاف ظاهره، وتوجيهه بغير مؤداه، فإنه قَد قيل:
إذا صَدرَتْ منْ صاحبٍ لكَ زَلَّةٌ *** فَكُنْ أَنتَ مُحتالاً لزلَّتِهِ عُذرا
فكيف إذا صدر من العالم الواجب الأتباع ما هو بنظر العامي زلة، وإلا فحاشا أن يقع منهم مثل ذلك، مع أنَّا لا نعتقد العصمة فيهم.
فممنْ ذكر شيئاً من ذلك فما أجاد، ولا وافق السداد، صاحب «قصص العلماء» فإنه نقل عن (الشيخ) أنه كان يقول: إن كان (العلاّمة) و(الشهيد) مجتهدين، فأنا لستُ بمجتهد، وإن كان السيد (مير علي) مجتهداً فأنا ثمانية مجتهدين»(1)، وهذا من الخلط الذي لا ينبغي. وأنت على فرض صحتها لا تخفى عليك الأوجه والمعاذير مع علمك بأن الحق مع كُلّ منهما، وأنه عليه يسير.
وأنا أظن ظناً قوياً أن كُلّ هذا لا أصل له، كيف وقد رأيت من تعظيم (الشيخ) لهذا (السيد) العظيم ما يبعد معه صدور هذا الأمر الذميم. قال الشيخ في «الحق المبين» ما هذا نصه: «واجتمعت مع أعظم علمائهم فقال لي رأيتُ في (رسالتك)، و(رسالة) السيد علي - يعني زبدة المجتهدين وأفضل العلماء العاملين، مولانا ومقتدانا سید میر علي دام ظله السامي-»، (إنتهى محل الحاجة).
وإن شئت قلت وما أنا والدخول بين هؤلاء الأولياء المقربين، ومثل السيد (محسن) مُنعَ
1) قصص العلماء، ص 194
عن ذلك فكيف بمثلي، وهاهم قَدْ وفدوا على رب كريم، فأحلهم دار المقامة لا يمسهم فيها نصب ولا لغوب يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين، ونزعنا ما في صدورهم من غلّ إخواناً على سرر متقابلين. ونحن نسأل الله أن يدخلنا في زمرتهم، ويرزقنا شفاعة حججه، وشفاعتهم.
وهذا القدر كان في الأنباء عن ضمّ (الشيخ) الرئاستين، وجمعه لأقصى ما يتصور من هاتيك المنزلتين.
وأما تواضعه للشريف والوضيع مع هيبة وصولة تريعان قلب البطل المريع، اللتان أعرب عنهما في «روضات الجنات» حيث قال ما نصه: ومن صفاته المرضية، أنه كان (رحمه الله) شديد التواضع والخفض واللين، فاقد التجبر، والكبر على المؤمنين مع ما فيه من الاقتدار، والهيبة، والوقار، والصولة، فلم يكن يمتاز في ظاهر هيأته عن واحد من الأعراب، وترتعد من كمال هيبته فرائص أولي الألباب، وكان أبيض الرأس واللحية في أزمنة مشيبة، كبير الجثة، رفيع الهمة، سمحاً شجاعاً ، قوياً في دينه بصيراً في أمره، كثير التشوق إلى الأنكحة والطعام، والتعلق بأبواب الملوك والخدام لأجل ما في ذلك من المنافع اليقينية، والمصالح الدينية(1)، (إنتهى).
فقد كان (رحمه الله) إلى بلد أو مصر التمسوه على الصلاة في مسجدها الكبير فيجيبهم ثم يخرج فيصلي أولي الفريضتين ويقدم في الثانية صاحب المسجد الذي يصلي فيه إماماً سائر الأيام. فاتفق لمَّا كان (بإصفهان) أنه وصل إلى محلة (بيدادماد) فدخل المغرب وكانت عادته في (إصفهان) أنه أينما دخل عليه الوقت صلى في المسجد الذي هو قريب فدخل إلى مسجد تلك المحلة ، وكان يصلي فيه حجة الاسلام السيد مُحَمَّد باقر(2)، فلما رأى (الشيخ) قدَّمهُ، وكان أستاذه، وتنحَّى عن (المحراب)، فصلى (الشيخ) المغرب بالناس، ثم إلتفتَ إلى الصفوف فرأى قريباً منه ملا علي النوري فقال له: قم فصلِّ بنا (العشاء)، فامتنع (الآخوند)، وأصرّ على الأباء، فأخذ (الشيخ) بكفه فقال له (الآخوند)، أقسمتُ عليك إلاّ كففتَ عني لأن شرائط الأمامة غير مجتمعة فيَّ، فقال: أمَّا يقبح بالرجل أن يبلغ هذا القدر من العمر ولم يك صالحاً لئن يكون إماماً، ثم أمر حجة الأسلام فصلي بالناس، وصلى (الشيخ) خلفه، كذا في «قصص العلماء»(3).
وهذا وإن كان غاية في التواضع، وحسن الأخلاق إلاّ أن الأعجب منه ما ذكره أيضاً في ذلك الكتاب من أن (الشيخ) وصل إليه (حقٌّ) ففرقه بين الصلاتين على المستحقين، فلما نفد أتى إليه (سيدٌ) فقير رث الثياب، الحماقة تلوح على شمائله، فقال للشيخ: إعطني حقَّ (جدي)، فقال (الشيخ): قَدْ نفد ولم يبق شئ فلِمْ لَمْ تجئ أولاً حتى تأخذ نصيبك منه، فجمع (السيد) ماء فمه، وبصق على كريمة (الشيخ) المباركة. ورمته الناس بأبصارهم شزراً، وأرادوا أن يقطعوه بأضراسهم، وجعلوا ينتظرون صُنعَ (الشيخ) فيه، فقال الشيخ له: إجلس يا سيدي مكانك وأنا أتيك الآن بما تريد، فأخذ الشيخ طرفي ثوبه بيده وجعل يدور بنفسه بين الصفوف وهو قابض بيده الأخرى على كريمته قائلاً: مَنْ كانت لحية شيخه عزيزةً عليه، فليمدد لإعانة هذا (السيد) المبارك يديه، فتعجب الحاضرون، وما كان إلاّ يسير حتى امتلأ رداء (الشيخ) بالدراهم والدنانير، فجاء بها إلى (السيد) وقال له: نرجوك العفو يا سيدنا، والشفاعة عند (جدِّكَ)، ولم يزل يعتذر إليه ، ويتضرع بين يديه حتى قال (السيد): عفوتُ عنك، وأخذ المال ومضى، ورجع (الشيخ) إلى صلاته(1).
وأنا بعد هذا لا أذكر لك في تواضعه شيئاً، فأنت خبير أنّ هذه ليست إلاّ ملكةَ نبيٍّ مكرّم، وإمام مُعظّم، وما هي إلاّ العصمة المقتبسة من الأئمة (عليهم السلام)، إذ لو تكلم (الشيخ) بحرفٍ واحد أو أظهر (الكدورة)، و(الأنزعاج) لصار (السيد) هباء، ولعاد وجوده وعدمه سواء.
وأما جوده وكرمه على المساكين، وسعيه لفقراء المؤمنين، فقد سمعت كثيراً من (الشَيَبة) الصالحين، كما هو في «قصص العلماء» أيضاً أن (الشيخ) في أغلب الأعوام والسنين (يرهنُ) داره وينفق الأموال على الفقراء والمساكين، من الطلبة والمشتغلين، ثم يسافر إلى (العجم)، ويأتي بمال جم، فيسترجع داره، ويصرف الباقي في الوجوه(2).
وفي «روضات الجنات» أنه كان يؤجر نفسه للعبادة ثلاثين سنة، ويصرف ذلك على متعلقیه(3).
وقال عمّي العباسُ بن الحسن، (لا زالت مناهل فيوضاته مترعة للواردين)، في (نبذته)(4)التي جمع فيها أحوال أبيه (الحسن بن جعفر)؛ فمما ذكر في مقام أن الأمام (علیه السلام)
لم يزل يمد العلماء الذين يرى منهم القابلية، ويؤيدهم بالتأييدات الربانية، ومنهم والده المطهر حيث رزقه الله الهيبة والعظمة في نفوس الأمراء والسلاطين حتى دفع عن أهل (النجف) بواقعة نجيب باشا (الآتية تفصيلاً). ولم يزل في ذلك حتى قال: وكيف لا، وهذا جدنا (كاشف الغطاء) بلغ في بدء أمره من الحاجة، والفقر ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت حتى أنه كان يتربص الفرص في (المال) الذي أعرض عنه صاحبه من الطعام وغيره فيجتزئ منه بمعاشه، وهو مكبٌّ على التحصيل إلى أن وصل أمره إلى جلوسه ليلاً بين مواضع (النجو)(1)المعدّة في الصحن الشريف كي يستضيئ بسراجها الموقوف لها في المطالعة من حيث عجزه عن قيمته . وهو مع هذه الحاجة شكى إليه بعض إخوانه العزوبة لعدم تمكنه من الزواج فأجّر (الشيخ) نفسه نيابة عن (ميِّتٍ) مقداراً من السنين صوماً وصلاةً، ودفع مال الأجارة إلى أخيه المؤمن فتزوج بها(2).
ولما عرف الله منه صدق النيّة، وأنَّ لا قصد له في طلب العلم إلاّ التقربِ إليه أمدّه بأكسير ألطافه حتى بلغ مرتبة تيسّر فيها كلما يريد، وصار من الجلالة وعلو القدر بمقام لا يمكن وصفه، وطاف أغلب البلاد، وهدى الله به خَلقاً كثيراً، وانتشر صيته في الآفاق.
فراجعْ ما رسمه بعض العلماء من أوصافه لتقف على العجب العُجاب الذي يستكشف فيه أنه منظور من إمامه؛ فكم فرّج كربةً، وأزاح علةً، وكم حرس (النجف الأشرف) من كيد (سعود) وشرّه، وصار سبباً لبناء (السور الموجود، ودفع عن أهاليها الضيم مراراً، وقتل (المارقين) من فرقة (عِقيل) في الفيحاء، وأخمد نار بعض الفرق المشبهة، وشتت شمل أهل التصوف بمساعدة الملك المؤيد الساري بسيرة العدل في الرعية سلطان إيران فتح علي شاه قاجار(3).
ومما اختص به دون غيره من مشاهير العلماء أن حباه الله بصحة المزاج، وأنعم عليه بأن تمكن من السفر والعبادة، وخصه بأن أبقى بعده من بنيه علماء راشدين مسلّم لهم بالفضيلة، ولم يُخلِ داره من (عالم) يدعو إلى الخير، وتجري على يده الخيرات، وينفّس عن المكروب.
1) موضع (النجو) هو موضع الغائط. ويُطلق عليه اليوم (المرافق الصحيَّة)
2) وكتب المؤلف تعليقةً على هذا الموضوع حيث قال: وسمعتُ منه أعني من جناب الشيخ عباس (سلّمه الله)، ومن جماعة من (الشيبة) الصالحين أنَّ هذه القصة مع الشيخ حسين نجف العابد الزاهد الفقيه المعروف؛ فأنه شكى العزوبة إلى (الشيخ) وكانا خليلين، وأنّه لا يقدر على (المهر)؛ فأجَّر (الشيخ) نفسه للعبادة بمقدار كثير المال، وبذله للشيخ حسين، ولم يُخبره بذلك. وهذا ما لا يلمُّ بفكر أحد من الخلق في بلوغ الشيخ إلى هذه من الدرجة»
3) الشاه فتح علي القاجاري حكم من سنة 1212ه / 1797م، حتى وفاته عام 1250ه / 1834م
وروى لي جماعة ممن يوثق بهم عنه أنه سأل الله تعالى في المقام تحت (الميزاب) عام حجّه بأن لا يخلي بيته من العلم، وأن يجعل في ذريته مَنْ يُقْتَدى به إلى ظهور الحجة (علیه السلام)، فنسأل الله ذلك، وأن يستجيب دعاءه.
وأعجبُ ما اختص به أن جعل الله (أسباطَهُ) من (بناته)، كلهم أيضاً علماء يُقتدى بهم ببركته مثل أولاد الشيخ أسد الله(1)، وأولاد الشيخ مُحَمَّد تقي(2)، وأولاد الشيخ مُحَمَّد آل الشيخ خضر، فإنه أعقب من بنته الشيخ (راضي) العالم الفاضل المعروف. ولو شئنا أن نذكر ما وقفنا عليه من صفاته وحالاته وما منحه الله لملأنا الطروس، ولكن حيث تعرض لبعض ذلك غيرنا طوينا عنه كشحاً. فاعتبر آثاره فهذا يكفي في جلاله وقدره وعظم مرتبته. فنرجو أن يقيض لنا الله في هذا العصر علماً للشريعة الغراء منظوراً من إمامه (علیه السلام) (إنتهى).
وسنذكر جميع آثاره، ومساعيه في الدين التي أشار إليها العمُّ (سلَّمه الله).
وفي «قصص العلماء» شواهد كثيرة لمَّا نحن فيه، من جود (الشيخ) وأياديه، منها: أنه كان ما بين الصلاتين يأخذ بكفيه طرف ردائه ويتردد بين الصفوف، ويلتمس من أهل الجماعة، الأموال للفقراء حتى يجتمع فيه مقدارٌ غزيرٌ فيناديهم ويفرقه فيهم، ويعود لصلاته.
ومنها أن (الشيخ) كان من عوائده إذا دعاه (حاكم)، أو (ظالم)، أو أحد (التجار) ليُشرّف داره، ويتناول من طعامه أجابه لذلك، فإذا مُدَّ الخوان، وحضرت الأطعمة والألوان، قوّمها (الشيخ) مع الحاضرين بقيمتها الواقعية، ثم قال لصاحب الدار: أنا لا أكل شيئاً منها، ولا أذن لأحد بذلك حتى تبتاعها مني، وتعطيني (الثمن)، فيحضر صاحب المكان ثمنها للشيخ فيأذن للحاضرين، ويأكل هو منها. حتى أنه حضر عند بعضهم بعض الأيام فقوّم ما أحضر من الطعام، وكان وليمةً عظيمةً يبلغ مصرفها ثلاثمائة دينار، أو أزيد، فلم يأذن لأحد بالتناول حتى حضَّر (المبلغ ) لديه، فكان ناقصاً ديناراً واحداً، فقال صاحب المكان: يا مولانا نخشى أن يبرد الزاد فكُل، ولا تخرج من الدار حتى تأخذ (الدينار)، فأبى وامتنع عن الأكل حتى أخضِر لديه، فأكل وأذن للحاضرين. حتى إذا فرغ بعث رسوله إلى أهل المدارس، وفقراء البلد فأحضرهم بخدمة (الشيخ)، وفرَّق المال عليهم، وقام وليس معه
من المال شيء.
ومنها: أنَّ (الشيخ) لمَّا عزم على الرحيل من (إصفهان)، وركب (راحلته) خارجاً من داره؛ أتاه سيّد فأخذ بلجام (دابته) وقال له: أنا (سيّدٌ) محتاج مضطر إلى قدر مائة تومان، وأريدها الآن منك، وكان (أمين الدولة) يومئذ حاكم (إصفهان)، فقال (الشيخ) للسيد: إمض إلى (أمين الدولة) وقُلْ له يقول (الشيخ) اعطني المقدار المذكور، فقال السيد: فإن ردّني فمن لي بك وأنت راحل؟ فقال الشيخ: لا بَلْ أنا في مكاني حتى تأتي. فأوقف (دابّته) وهو عليها، ومضى (السيّد) إلى (أمين الدولة) وقصَّ عليه الخبر، وقال له: تركتُ (الشيخ) منتظراً لي وهو على راحلته في أثناء الطريق، فانزعج (أمين الدولة) لذلك، وأمر ملازميه بإحضار (المُقدار) عاجلاً فجاؤوه (بكيس) فيه ما يزيد على ذلك القدر فجلسوا يعدون منه للسيد فقال: اعطوه (الكيس) بما فيه، فقيل له فيه ما يزيد على مائتي ألف فقال ولو بعشرة فإني أخشى أن يطول انتظار (الشيخ) فيأتي، ويقع البلاءُ علينا بواسطة تعطيله، فأخذ (السيد) الكيس، وأتى (الشيخ) فوجده على (دابته) ينتظره، وخلفه خلق كثير فأخذ الكيس من السيد وعدّ له طلبته وقال له: أعلِمْ فقراء (البلد) فليأتوا، ووقف حتى اجتمعوا وفرَّق المال الباقي فيهم أجمع، ثم حرَّك راحلته وتوجَّه إلى قصده.
ومنها: لمَّا شرَّفَ (قزوين)، وحطّ رحله في دار (مُلاّ عبد الوهاب) اجتمعت عليه حكام سراي الشاه، وأعيان التجار، وطلبوا منه أن يُشرّف منازلهم على مقتضى العادة من (البازديد) المعروف في زماننا، فالتمسوا من (ملا عبد الوهاب) ذلك فرجّح للشيخ هذا الأمر فأجاب إليه، وخرج مع أصحابه الأطياب، وبخدمتهم ملا عبد الوهاب. فلما وصلوا إلى السوق أقبل التجار، وولاة سراي الشاه وحكام البلد مسرعين فاستقبلوا (الشيخ) وقبلوا يديه، واصطفوا خلفه، ووقع بينهم النزاع والجدال وكلّ يروم أن يشرف (الشيخ) داره أولاً، فعرض عبد الوهاب مشاجرة القوم بخدمة (الشيخ) فجلس (الشيخ) في وسط السوق وقال: مَنْ أهدى للشيخ هديةً أنفس من هدية أصحابه شرَّفَ (الشيخ) داره قبل أصحابه. فكلٌّ أتى بشئ تناوله من السوق عجلاً من (شالةٍ) نفيسة، أو (عباءة) مثمنة وغير ذلك، حتى جاء بعضهم (بطشتٍ) كبير مملوء بالدراهم والدنانير فقال (الشيخ): أنت أول من أدخل داره، ثم أمر بعض صحبه فجمع له الفقراء، والمساكين ففرَّقَ تلك الأموال بينهم، وقام إلى الدار، وليس معه درهم ولا دينار.
ولعلك لا ترى بهذا الفعل حسناً كثيراً، وتسأل عن وجهه وسببه، ولكن قال في «قصص العلماء» ما هذا نصه: يقول مؤلف الكتاب: ولا تحسبُ أنَّ بهذا المال شُبهةً أو
إشكالاً، فإنّ (الشيخ) كان يعلم أنَّ ذم هؤلاء مشغولة بأغلب الحقوق من زكوات وأخماس، ومرادّ مظالم، وغير ذلك ويرى أن استيفاء حقوق الله واجبة بأي طريق كان خصوصاً بالنسبة إلى مثله، نظراً إلى عموم (الولاية) ومراعاة حق الفقراء(1)، (إنتهى).
ويؤيده قول (السيّد) في «روضات الجنات» ونصَّهُ: كانَ الشيخ (رحمه الله) يرى إستيفاء حقوق الله تعالى على سبيل القهر، والخرق من الخلق ويباشر ذلك أيضاً بنفسه ويصرفه بمحض القبض إلى مستحقيه الحاضرين من أهل الفاقة والفقر، ونقل أنه في مبادئ أمره كان ذا عيلة شديدة في مسغبة، ومسكنة ذات متربة، فرأى أن يؤجِّر نفسه من بعضهم لإتمام ثلاثين سنة من العبادة يستغني بأجرتها عن مؤونة زمان التحصيل(2)، (إنتهى).
ولم تزل هذه عادته، وعلى هذا المنوال سيرته، فكان إذا قبض الحقَّ لا يستقر عنده دقيقة، ولا يقوم من مكانه إلاّ وقد أوصله إلى مستحقيه. وكان إذا أتاه (حقٌّ) والى جنبه (سيّد) أو (مستحق) أعطاهُ الحق ولو كان ألفاً، ويقول: «خيرُ العطاء ما أثرى منه العديم وفُكَّ به الغريم، وأشبعَ جائعاً، وكسا عارياً. وأحسنُ النوال ما إذا قام عنك السيّد مسروراً وانقلب إلى أهله بالخير والجبور». وكان (رحمه الله) طالما يُؤثر الفقراء و(السادات) على نفسه، وأنفس خصاصة أهله، وأولاده وإن كان به وبهم خصاصة.
فمنه ما في «معدن الشرف» أنَّ ولده المحقق الشيخ (علي) تراكمتْ عليه الديون وأقلقته الحاجة، وأزعجته الفاقة فجاء لأبيه (حقٌّ) غزير، وكان قَدْ شكا إليه أحواله وأنه ممن ينطبق عليه (حقُّ) الفقراء، فحمل له من ذلك المال مقداراً مُعيّناً فأخذها الشيخ (علي)، ولم يُعلم به أحداً من أهله وعياله وجعلها في صرّة وأخفاها بين كتبه ليفي بها دينه ويصلح حاله. فاتفق مجئ مُسْتَعطٍ من الشيخ الكبير بعد نفاد ذلك الحق الغزير، فشكا إلى الشيخ الحاجة وضيق المعاش فأقسم الشيخ بعدم وجود شئ عنده ولا تحت يديه فهمّ السيّد بالخروج فقال له: عزيز عليّ أن يدخل إليّ طالب، فينقلب خائب، فقف مكانك أن يهيئ الله لك عسى شيئاً عند أهلي وأولادي. فتركه ودخل على ولده الشيخ (علي) وقال: يا ولدي ما تقول فيمن قَدْ ادّخر مالاً له، وبات مكتفياً شابعاً، وبات أخوه المؤمن محتاجاً جائعاً، فقال: بئس الرجل ذاك يا أبتي، فقال له: فامْدُدْ يدك وأعطني (الصُرّة) التي بين كتبك لأفرّج بها عن أخيك المؤمن كربته، وأبرّد غلّته، ولا تكن أنت ذلك الرجل الذي أعَبْتَه. فعندها لم يستطع (عليٌّ) مخالفته، فدفع له صرّته، ودفعها (الشيخ) إلى ذلك المحتاج وردت الفاقة إلى
(عليّ) كما كانت.
ولك بهذا المقدار من سجايا (الشيخ)، وصفاته كفاية، فأنَّ مآثره، ومكارمه ليس لها حدّ ولا غاية، فأنّى ومن منحه هذه المكارم الجليلة، طالما سمعتُ من (الشَيَبة) الصالحين أمثال ما ذكرته بما ينيف على الألوف من الصنائع الجميلة، خصوصاً في أهل (النجف)، وأنه كان يشتري لهم الدور والمساكن ويبذل لهم مصارف الأعراس، وغير ذلك من اللوازم، والضروريات. ولكنا ذكرنا لك فى كُلّ مقام نبذة من مآثره يسيرة، تدلك على منزلة عند الله كبيرة.
فلننتقل إلى ذكر أسفاره، وما إتفق فيها، وفي أحضاره، من الحوادث العظيمة، والوقائع المشهورة، والنكات المُسْتَحْسَنة، والتخلصات اللطيفة، وهذا هو الفصل الثالث.
أمَّا أسفاره فكثيرة لا تحصى، ونحن نذكر المشهور منها:
فمن ذلك حجّته الأولى سنة 1186(1)المؤرخة بقصيدة للسيد صادق الفحام يهنئ (الشيخ) فيها بقدومه، ويؤرِّخُ ذلك العام بقوله.
وبذلتُ أقصى الجهد في تأريخِهِ *** (نلتَ المُنى بمنى، وجئتَ حميدا)
وكان الطريق على البر يومئذٍ مخوف، ودون التشرف بتلك البقعة المقدسة خوض الحتوف، ولم يكن على ذمة قوم تلتزم به كاليوم، فلذا كان طعمة للغائر، وفريسة للوارد والصادر، وكانت الناس تذهب على طريق البحر، فتجد البؤس الشديد والضرّ، ورُبَّما يحول عليهم عام كامل، ولا يقع السير بهم على حاصل.
فجهز (الشيخ) جماعة من أهل (النجف) من المعروفين بالشجاعة، وأمرهم بالسير معه، وهيَّأ لكل واحد عُدَّةً من السلاح مجتمعة، فمما يقال أن والدة الشاه المعظم فتح علي شاه كانت في (النجف) فرغبت في (الحج)، ولم يكن رجل من ذويها وأهليها ليسير بها، فأرسلتْ إلى (الشيخ) تسأله أن تسير بخدمته على أن يعقد عليها (منقطعاً) فأجاب إلى ذلك، وتفل بها معرساً برحله خارج البلد، وباتوا الليل حتى إذا سلّ الفجر من غمد الدجى عضبه، أخذَ الحادي في البيداء ركبه، فلم يبق في (النجف) شريف ولا وضيع، إلاّ خرج للتوديع، وأوصلوا (الشيخ) إلى عين (الرحبة) حفاة، وراكبين، ثم رجع المشيعون، وبقي زهاء مائتي فارس خلفه مدلجين، خوفا عليه من غارة الأعراب، والسلب والانتهاب. فلما علم (الشيخ) بأمرهم أمرهم بالرجوع، وقال لهم: إن معنا من جند الله ما هو أشد حولاً وقوة، فرجعوا إلاّ ثلاثين من خدمه الذين استصحبهم، وباقي الفقراء والمؤمنين.
1) 1186ه / 1772م. أمَّا حجتُه الثانية فقد كانت سنة 1199ه / 1785م
فقيل كانت الأعراب تأتي لنهبهم فعندما يقع نظرهم على (الشيخ) ينزلون عن خيولهم، ويقعون على قدميه خاشعين خاضعين. ولم تمض ليلة إلاّ وفي خيام (الشيخ) منهم أربعون، أو خمسون ضيفاً.
وكانوا يتناقلون أخباره وسجاياه بينهم حتى صارت تتقاصده (الأعراب) التي ليست على الطريق حتى تتشرف برؤياه.
فلما قضى مناسكه ورجع، التمسوا منه المقام عندهم أياماً فأجابهم إلى ذلك، فتوقف في (نجد) بمنازل (حرب) أربعة أشهر، وكانوا كُلّ يوم يزدادون عجباً، وشغفاً حتى استشيع كثير منهم على يديه، وهم إلى الآن من مخلصي (الشيعة) المؤدين للحقوق.
وحدثني بعضهم ممن يعتمد عليه أن (الشيخ ) هو الذي عرَّفهم (التشيع)، ولم يكونوا من ذلك قبله بشئ، ثم ارتحل (الشيخ) عنهم ونصب لهم من أصحابه (علما) يرجعون إليه في الأحكام، وقفل ضاعناً عنهم، وذكرُ مفاخره وشرفه عندهم:
وابنُ الأكارمِ ما ترحّل عن حمى *** إلاّ أقامَ به العُلى والسؤددا
وظلت الألسن تلهج بذكره، وتتحدث بمزاياه وفخره، وتسأل عنه الرائح والغادي، من الحواضر والبوادي، وكانت كيفية سؤالهم كيف حال نزيلنا الشيخ (جعفر). فلهذا توهم، أو تعمد بعض المبغضين الحسد، لذلك الشرف المخلد، فأوهم على بعض الأوهام من العوام، أن الشيخ (جعفر) من أهل (نجد)، وأن الوهابي(1)المشهور من عشيرته، بَل عند بعضهم أنه من (اخوته). ولما رأى أن ذلك لم يتم له، بَلْ جلب عليه الفضيحة والخزي والخجلة:
ومَنْ يَدّعي شيئاً بغير دليلهِ *** فلا بُدَّ يوماً أَنْ يُكذِّبَه الحقُّ
إدّعى أن الوهابي من أهل (جناجيّة)، و(الشيخ) منها، فهم أقرباء. (وسيأتي تفصيل هذا قريباً). والحمد لله الذي قتلهم على أيدينا بما يؤفكون، وأزاد أولياءه شرفاً يهلك به الحاسدون.
ولما وصل الشيخ من (النجف) على أميال، خرج الناس للأستقبال، قائلين:
بمقدمِكَ الميمونِ قَدْ قَدِمَ البِشْرُ *** لأهلِ الحِمى فالحَمدُ للهِ والشكرُ
1) هو مُحَمَّد بن عبد الوهاب مؤسس الحركة الوهابية المولود سنة 1115ه / 1703م والمتوفي سنة 1206ه / 1792م ، كانت بينه وبين الشيخ جعفر كاشف الغطاء - كما ينقل المؤلف - علاقة صداقة. ومن هنا إتُّهمَ كاشف الغطاء بما نقله المؤلف في المتن باتهامات تناقلها بعضُ مناوئيه من أصحاب القُوى المتنازعة على النفوذ في النجف
قصة «عِقيل» وقتل الشيخ لهم(1)
ومن خلال النصّ المنقول أنَّ تاريخ هذه الواقعة حصل حدود عام 1213ه / 1798م واقترن بسفر الشيخ جعفر كاشف الغطاء إلى ايران، وهي السنة التي تولَّى الشاه فتح علي القاجاري الحكم فيها. كما ذكر أنَّها حدثت في عهد سلمان پاشا (والي بغداد) الذي تولى الحكم عام 1194 ه / 1780م، وتُوفي عام 1217ه / 1803م. إلا أنَّ شيئاً من هذه الحوادث لم يقع في هذه المرحلة الزمنيّة بالذات، بل المنقول أنَّها حدثت في زمن الوالي داود باشا الذي تولَّى الحكم عام 1232ه / 1816م، وتُوفي سنة 1247ه / 1831م.
ففي عهده أنشقَّ أحد قواته وهو (محمد أغا الكهية) عليه وذلك سنة 1240ه / 1825م، واستولى على مدينة الحلة بمساندة بعض العشائر المناوئة لحكم داود باشا، وأعلن ولايته على العراق. الاَّ أنَّ انتصاره لم يَطُل بعدما اندحر على يد قوات داود باشا. وكانت عمدة هذه القوات من بني (عقيل)، وهم قوات من البدو السُنَّة.
وبعد انسحاب قوات الدولة تُركتْ فرقة من العقيليين لحماية البلدة الاَّ أنَّ (الحامية) مارست نفوذها ضد الأهالي مما سبَّب حركة تمرّد ضد هذه القوات أدّى إلى ضرب مقرّهم، والفتك بهم. وقد قمع داود باشا هذا التمرد، وأصلح سياسته في المنطقة
ولما أشرقَ بدرُ مُحيّاه في فلك سعده، صدحت بلابلُ التهاني معلنة بشكر الله وحمده.
ثم أن الشيخ لمَّا استوفى الراحة من جلوسه، وقلّم أظفار تلبيسه، بلغه أنَّ فرقةً من (النواصب) في الحلّة قد تجاهروا بسبّ الأئمة والطعن فيهم وكانوا يعرفون بعِقِيل (بكسر العين والقاف)، فتوجَّه الى الفيحاء وكان فيها بعض أولاده وأقربائه، فبقي مدة ثم ليطلع على حقيقة الأمر، فوجدهم كما بلغه وزيادة. وكان كلما نهاهم ووعظهم لم ينتهوا بل يزدادون غيًا وعتوًا، حتى أنهم جعلوا يضربون الدفوف والطبول في (عاشوراء)، وكان أعظم أعيادهم يوم العاشر من المحرّم.
فلمَّا رأى الشيخ ذلك لم يطق صبرًا عليه، فأمر مناديه فجمع له رؤساء الشيعة فقال لهم: إني عازم على قتال هؤلاء والجهاد معهم، فماذا تقولون؟ فقالوا كلهم: نحن نقوم لك بهذا الأمر؛ فمُرنا نمتثل، فقال: أرى أن تهجموا عليهم ليلاً إذا جلسوا في مجالس لهوهم وضربوا طبولهم، وتغمدون سيوفكم في رقابهم، فإما عليكم وإما لكم، فقالوا: سمعًا وطاعة. وخرجوا حتى إذا هجم الليل أقبلوا بأجمعهم الى الشيخ، ومثلوا بين يديه، وكل منهم قد استكمل لأمة حربه، فهمّ الشيخ بأن يمضي معهم، فأبوا وأصروا عليه وقالوا: أنت جامع شمل الدين وسلك نظام المؤمنين، ونخشى أن يصيبك شئ فلا يبقى الأيمان، لاخبر ولا عيان، فأمددنا بدعائك فسنكفيك أمرهم، ونقيك شرهم:
فأنّا كالسهام إذا أصابتْ *** مراميها، فراميها أصابا
فقال: إن كان كلا، ولا بُدَّ فامضِ معهم يا (عيسى)، ويا (مُحَمَّد) ويا (فلان) ويا
1) نقل المؤلف هذه القصة كما سمعها ممن عاصرهم. ولم تكن الحوادث المنقولة محققة بشكلها التاريخي الصحيح؛ كما لم تكن أسباب هذه الواقعة مذهبيّة بحتة - كما وردَ في النصّ - وإنَّما كانت أوسع من ذلك.
(فلان)، وجعل يخاطب أولاده، فقاموا وتقلَّدوا سيوفهم واصطفوا مع القوم. حتى إذا اشتغلت تلك الفرقة الملعونة بلهوهم وضرب طبولهم قام أنصار الله فودعهم الشيخ، وعوّذهم بالتعاويذ الواردة، ثم رجع الشيخ.
وذهب أصحابه حتى أتوا منازل (عقيل)، فَتَسوَّروا (السطح) الذي فيه رؤساؤهم فدخلوا عليهم، وحكَّموا السيوف فيهم. وكانت كؤوس الخمر تدار بينهم فقتل منهم عشرون، وأفلت الباقون. فدخلوا على (بيك) الحلة صارخين باكين، ونقلوا له القصة، فقال لهم لا طاقة لي على محاربة الشيخ، وهو إمام العراق، ولكن امضوا الى الوزير، وكان يومئذ في بغداد سلیمان پاشا(1)وآلياً وهو من طائفة (الكولات) من أهالي بغداد، فتوجهوا بعيالهم وأطفالهم.
وحدثني بغير هذا العباس بن الحسن بن جعفر عمن شهد الواقعة أن الشيخ الكبير (رحمه الله) توجه الى الحلة، وكان فيها بعض أولاده وأقربائه فنزل في دار قريبة الى (الخان) الكبير المحادد لشط الفرات، وكان ذلك الخان كالقلعة للعسكر، وكان عسكر الدولة من الطائفة العظيمة الكبيرة المعروفة بعقيل، وفي ذلك الخان منهم أربعمائة، أو خمسمائة، وحذاؤه (خان) أصغر منه وهو بمكان القلعة اليوم، وفيه ثلاثمائة، أو أربعمائة. فلما انتصف الليل جلس الشيخ على جاري عادته لصلاة الليل فسمع الطبول تضرب والمزامير تُدقّ، وقومًا تُغنّي وآخرون ترقص، فأصغى قليلاً فسمع بعضهم في حالة الطرب يسبّ الزهراء (صلوات الله على أبيها وعليها)، فلم يتحقق الشيخ الخبر تلك الليلة حتى أصبح الصباح، فسأل الشيخ عن القوم، وفعلهم فقيل عسكر من (عِقِيل) نواصب، وهم من أولاد الخوارج المارقين، وهذه عادتهم أكثر الليالي أنهم إذا طربوا وضربوا وشربوا جعلوا يسبّون الزهراء (علیها السلام) وبعلها (علیهم السلام) وبنيها (علیهم السلام).
فبعث الشيخ على رؤسائهم ووعظهم وحذَّرهم من سخط الباري، ووقوع العذاب بهم ، فخرجوا من عنده وهم يضحكون ويتهكمون، ولم يزدهم ذلك إلاَّ كفراً وطغياناً.
ولما صار وقتهم مضوا على عادتهم من اللهو والسبّ، بل ازدادوا وقيعة في الأئمة (علیهم السلام)، وطعناً في الأولياء. كل ذلك والشيخ يسمع كفرهم وعتوهّم وينتظر أمرهم. فلما لم يجد منهم إلا الصعود والترقي فيما هم فيه، نزل من السطح، وجمع أولاده وحفدته وألقى بينهم على الأرض عمامته، وجعل يبكي ويقول: أتُسبُّ فاطمة، وعليّ،
1) تولَّى سليمان باشا الحكم عام 1194ه / 1780م، وتُوفي عام 1217ه / 1883م. ولم تحدث هذه الواقعة في عهده
وأولادهما (علیهم السلام) على رؤوس الأشهاد، وفينا رمق الحياة؟! إذن ثكلتْ جعفراً وبنيه أمُّهُ، ثم ركب بغلته، وجعل يطوف في شوارع الحلة وهو ينادي: الجهاد الجهاد عباد الله. فلم يبق رجل ولا امرأة ولا صبي ولا صبية إلاَّ خرج وبيده شئ من السلاح. فلم يمض إلاَّ يسير من الليل حتى انضم إليه من أهل الحلة إثنا عشر ألف فارساً غير الصبيان والأطفال.
فتقدمهم الشيخ، وساروا خلفه والأطفال تصرخ، والنساء تهلهل حتى جاء بهم الى الخان الكبير فوجدوا أبوابه مغلّقة والعسكر مشغول بلهوه ولعبه وكفره وسبّه، وكانوا قد غلب السكر عليهم فلم يلتفتوا الى هذا كله. فأمر الشيخ بأن توضع السلالم، فعرج الشيخ مع جماعة الى السطح وجعلوا يقرِّبون أصحابه إليه منهم واحدًا واحدًا وهو يضرب عنقه، ويكبّر الله حتى أفناهم عن آخرهم. ثم أمر الشيخ أنْ تُطرحَ أجسادُهم للكلاب في الطرق والأزقّة، وأن يخرّب (الخان)، ويهدّم سوره، ففعلوا ذلك كله.
يقول العم، (أدام الله تأييده)، إن الخان الى هذا الزمان خربة معروفة بالحلة، ولعلَّ هذه السنة، أو قبلها قد عمّروه جديدًا.
ثم عرج الشيخ الى الخان المحاذي له فوجدوا أبوابه أيضاً مغلقة، فأمر الشيخ أن يوضع النفط والنار عليها فأحرقت الأبواب، ودخل الشيخ وأصحابه. وكان أهل ذلك الخان صحاة وقد أحسوا بنزول العذاب عليهم فكانوا مشغولين بالاستعداد، فهجم الشيخ عليهم قبل أن يكملوا عدّتهم، ولكن جعلوا يقاتلون أصحاب الشيخ بما قدروا عليه من التفك والسيوف والخناجر حتى قتلوا من أهل الحلة تسعة، و(صوّبوا) تسعين، منهم الشيخ فإنه أُصيبَ بجرحين.
ثم إن أهل الحلة تدافعوا على الخان بأجمعهم فقتلوا العسكر بأجمعه إلاَّ تسعة فإنهم فروا أول الأمر. فما طلعت الشمس إلاَّ والقوم بين صريع ومجدّل وهارب، والشيخ يكبّر الله ويقدّسه وهو يقول: الحمد لله وقعت أخت وقعة (النهروان)، فقيل وكيف ذلك؟ فقال: خرجوا على الأمير (علیه السلام) تسعمائة أو سبعمائة مرقوا من الدين، وهؤلاء قوم مارقون ذلك العدد، وقد قتلوا أولئك من أصحاب الأمير (علیهم السلام) تسعة، وفرّ منهم تسعة، وهؤلاء أولادهم قتلوا تسعة منّا، وفرّ تسعة منهم، فالحمد لله الذي جعلنا من المتأسّين عددهم بأوليائه الصالحين.
ثم أمر الشيخ صبيحة اليوم الثاني أن تدفن أجساد ذلك المعشر اللعين، بلا غسل ولا تكفين.
ثم إن أهل الحلة اجتمعوا عند الشيخ وقالوا له: لا نأمن أنْ يدهمنا سليمان پاشا
بجنود لا قِبلَ لنا بها، ولا نستطيع الدفاع عنك، فلو رحلتَ لكان أولى لأنك ركن الدين، فأن سلمت سلم، وإلاَّ هدم، وأما نحن فأنْ قُتلنا فتلك الشهادة العظمى، والسعادة الكبرى، وإن بقينا فلا تجدنا لك إلاَّ ذخراً.
فقال الشيخ: نِعمَ ما نصحتم به، وقد كان عزمي عليه. ثم بعث بأهله وأولاده جميعا لذين في الحلة والنجف الى (الحسجة)، وسار هو مع ثلاثة من خواصه على البصرة الى (العجم).
وأما سلیمان پاشا فجاء بجند عظيم من (عقيل) ليأخذوا ثأرهم من الشيخ وأولاده فلم يجدوه هنالك، ولم يمكنهم قتل جميع أهل الحلة لأنهم لم يظهروا العصيان، فجمعوا ؤساءهم، وأرادوا قتلهم فقالوا: إن الذي قتل العسكر رجلٌ من أهل النجف جاء مع جماعة من قومه، وقتل منا جماعة ومن العسكر جماعة، وقد انهزم وما شهدنا إلاَّ بما علمنا. ثم دفعوا الأموال والهدايا الى الوزير وكُتَّابه حتى خلصوا من شره، وأطلقهم من سره، ثم بنى قلاعًا وحصونًا مشيدة، وجعل فيها ألف نفر من طائفة (عقيل)، لأنَّ عسكر الدولة كان قبل تشكيل (القرعة) منحصر في ثلاث طوائف: الينكجرية(1)، عقيل، والهاتية، وهو الملفق الذي لا يعلم له عشيرة خاصة، وكان أكثر عسكر العراق عقيل، وهم الى الآن كثيرون.
ثم رجع الوزير الى دار السلام، وبقي العسكر في الحلة، ولكنهم جعلوا يؤذون أهل لحلة، ويأخذون أموالهم ظلمًا وعدوانًا لما حملوا لهم من الحقد بقتلهم تلك الفرقة من عشيرتهم. فما زالوا بهم على هذا حتى جعلوا يشتكون منهم الى الوزير الشرير فلا يشكيهم نالتجأوا إلى العصيان فعصوا، وطردوا العسكر من الحلة وقُتلَ بعضهم. فتجهز سلیمان پاشا (أو سعید پاشا(2)أخوه أو ابن عمه)، وجاء بالمدافع والمجانيق فقلع الحلة، وفعل بأهلها أفعالاً عجيبة، وبنسائهم الأمور الشنيعة، فكانت واقعة نجيب پاشا رديفة لها. وليس الغرض بيانها لأنها مشهورة معروفة، وفرّ فيها كثير من أهل الحلة، ولاذوا بالشيخ موسى، وكان قد جاء الى محله وأخذ الأمان من الوزير.
لما فتحت الحلة، وقتل أهلها، وجلس بها الوزير والعسكر، أرجع الشيخ موسى لمنهزمين، وأخذ لهم الأمان من السلطان، وأرجع إليهم أموالهم، وجلسوا آمنين في
مساكنهم.
وأما (الشيخ) الكبير فإنه لمَّا سار إلى بلاد العجم) توجه إلى الدستور الكبير، والوزير الخطير، مُحَمَّد علي ميرزا بن السلطان فتح علي شاه، فخرج لاستقباله وكان حاكماً في بعض البلدان العظيمة، فأنزله عنده. وعرَّفه الشيخ بالكيفيَّة، فجعل الميرزا يُراجع السلطان العثماني في ذلك الوقت حتى بعث له بأمان فيه مزيد إعظام واحترام للشيخ الكبير، وأنْ لا يتعرَّض له بسوء من الناس أحدٌ خصوصاً الوزير، فبعثه مُحمَّد علي ميرزا إلى وزير بغداد.
ثم توجَّه الشيخ بعده إلى دار السلام بحشمة وإعظام، ودخل على واليها فأكرمه غاية الأكرام.
والظاهر أنَّ الشيخ لم يسافر إلى (العجم)(1)
الأولى، عام 1212ه / 1797م.
والثانية، عام 1220ه / 1805م.
وقد أرّخ الشيخ مُحَمَّد علي الأعسم هاتين الرحلتين معاً. فقال مؤرخاً الرحلة الأولى (وبعثها إلى الشيخ جعفر عندما كان مقيما في مدينة شيراز)، وأول القصيدة هو:
هي المحبّةُ لو شاهدتَ دفترها *** رأيتَ إسماً لأسمي قَدْ تصدَّرها
خُذْها عروساً أبا (موسى) لذي مِقة *** من (العراق) إلى (إيران) سيَّرها
وحين حلَّ بها، نادى مؤرخُهَا *** (شيراز من وصب الأرجاسِ طهَّرها)
إمَّا الرحلة الثانية فقد أرَّخها بقوله:
لو تسمعُ مع مذهبَك العُلما *** فیما اختلفتْ لم تختلفِ
بَلْ ألقِ عصاك، وقُمْ أرّخ *** (قَد عادَ الشيخُ إلى النجفِ)
وكان الشيخ كاشف الغطاء قد عادَ إلى النجف عام 1221 ه / 1806م. وقد أورد القصائد كاملة الخاقاني في شعراء الغري، ج 10، ص 19 - 22
غير تلك المرة ولكن بقي في تلك الأقطار يتردد في هاتيك الأمصار ثلاث سنين، وسعدت بتشريفه أغلب بلاد (الريّ) و(خراسان) و (أذربيجان). وله فى كُلّ بلد ومصر منها حكايات ظريفة، ومواعظ شريفة، أهملنا أغلبها خوف الأسهاب. وقد أتى على شئ منها في «قصص العلماء»، ونحن نذكر بعض ما يلزم ذكره من ذلك.فمنه: ما يقال من أن فتح علي شاه تغيّر على (الشيخ) لمَّا علم بعقده على والدته
1) يظهر من خلال ضبط التاريخ الشعري أنَّ للشيخ جعفر كاشف الغطاء سفرتين إلى إيران:
منقطعاً. فلما سمع بقدوم (الشيخ) أمر جنده وعسكره أن لا يعتنون به، ولا يلتفتون إليه. وكان الشاه مع جنده في خيام ضربتْ لهم خارج البلد فجاء (الشيخ) إلى (خيم) الشاه، وكانَ العسكر قَدْ اصطفوا صفين عن باب خيمة الشاه إلى قريب الميلين وصار ما بين الصفّين كالزقاق. فلما حلّ في أوساطهم وأحسّ بقصدهم التفتَ إلى الشمس فوجدها قَدْ زالتْ؛ فاستقبلَ القبلة ونادى الله أكبر، فألقى السلاح جميع ذلك العسكر واصطفوا خلفه للصلاة جميعاً حتى أن الشاه نادى على (قليانه) فلم يُجبهُ أحد. فلمّا (أحرم) الشيخ سكنت الهواجس حتى كأنَّ الله لم يخلق نفساً ولا نفس، فلما (بَسْمَلَ) رفع صوته بها حتى سمعه الشاه فلم يتمالك إلاّ أنْ خرج عجِلاً ووقف يصلي خلف (الشيخ). فلما فرغ من صلاته جعل يُقلّبُ كفيه ويعتذرُ إليه عن تقاعده ذلك بأني كنتُ مشغولاً بأمر أراجعه، فقال الشيخ له: عفا الله عنا وعنك.
أقول: لم يثبت لي هذا بطريق قطعي، لا هو، ولا أصله (أعني زواج الشيخ بوالدة الشاه)، وإنْ كان معروفاً على الألسن. ومثلُ هذه المعرفة لا يُعتمدُ عليها بحيث يرسم معروفها في الكتب، لكن التسامح في أمر التواريخ كالتسامح في أدلَّة السُنن، خصوصاً في فضائل العلماء الأعلام الذين هم أوصياء الأئمة عليهم السلام، فالاعتبار مساعد على صدور ما هو أعظم من هذا، وأمثاله بمراتب، لأنَّ كراماتهم لا تنكر، وفضائلهم أعلى مِنْ أنْ تُحصر.
نعم ذكر في «قصص العلماء» من كرامات الشيخ أن فتح علي شاه تغير بعض الأيام عليه لأمر ما، فلما توجه الشيخ إلى طهران قال الشاه لوزيره أمين الدولة وكان من مخلصي الشيخ: أنا لا أمضي إلى رؤية الشيخ ولا أهنّيه بقدومه ولا أعتني به فأمر (عساكري) عني ان لا يأذنوا له بالدخول عليّ، ولا يرفعوا له الحجب عني. فعزم الشيخ على مُلاقاة الشاه فلما قرب من (صرايه)، ووقعَ نظرُ الجند والعسكر على أنوار مطالعه مثلوا مكتفين أنفسهم بين يديه، فدخل إلى فناء (الصراي) فنظره الشاه من مقصورته، فتعجّبَ غاية العجب، غضب على أمين الدولة أعظم الغضب، ثم قال: لأزيدن في عدم الاعتناء به والتغافل عنه. فلما أراد الشيخ أن يصعد المرقاة التي هي طريق مقصورة الشاه قال الشيخ رافعاً صوته لجهوري ضارباً بعصاه الأرض: «يا الله». فلما سمع الشاه صوته الشريف قام من مكانه عجلاً بلا اختيار ولا شعور، فاستقبل الشيخ من أول المرقاة ثم قبّل يديه وأخذ يسعده على لنهوض والصعود، فلما قضى الشيخ وطره من المجلس قام، وقام الشاه معه فشيَّعه إلى باب (الصراي).
فلما رجع الشاه سأله أمين الدولة وقال: قَدْ رأينا منك الساعة العجب، فأنّك أمرتَنا بعدم الاعتناء بالشيخ فكيف آلَ الأمرُ إلى عكسه؟ فقال السلطان: لا تلمني، فأنّي لمَّا سمعتُ صوت الشيخ، فكأنما نُفتَ في رَوْعي أنْ لا منجى لك إلاّ به، فقمتُ بلا شعور ولا اختيار مستجيراً بتلك الأنوار(1)، إنتهى ترجمةً مع تغيير يسير، في طريق التعبير.
ثم ذكرَ في مقام آخر أن والدة فتح على شاه لمَّا تشرفتْ بالعتبات العاليات(2)، التمستْ بشُرُفات (الشيخ)، ودخلتْ حرم داره، وطلبت المأمن به من عذاب ذلك اليوم وحرّ ناره، وقالت له: حيث أنّ ابني سلطان، ليس لي من عقوبة الظلم وكثرة الذنوب أمان، فأرجو منك أن تدعو الله في حقي، ليعتق من الآثام رقّي، ويحشرني مع سيدتي ومولاتي فاطمة الزهراء (علیها السلام)(3)
وقد نقل المؤلف في (المتن) نصَّ العبارة بتصرّف. قارن: قصص العلماء، ص 190
.وفيه أيضاً ما هذا نصه: (وقد أذن جناب الشيخ جعفر لفتح علي شاه بالسلطنة، وجعلهُ نائباً عنه بشرط أنْ يُعيَّن لكلَّ فوج عسكري مؤذناً، وإماماً لصلاة الجماعة يقوم بمهمة الوعظ يوماً واحداً في كُلِّ اسبوع(4). وقد ذكر كيفية ذلك في كتاب «الجهاد» من كتابه «كشف الغطاء»). إنتهى محل الحاجة منه(5).
وسمعتُ من الثقات أنَّ الشاه قال للشيخ بعد أن جلس معه على سرير ملكه، وأخذ منه الأذن في التصرف والنيابة في السلطنة: ما تشتهي في دنياك وتتمنى بنفسك؟ فقال الشيخ: وما تريد بذلك؟ فقال له: حتى يقضى لك. فقال : لا تقدر على قضائه ولا القيام بعهدته. فأقسم أن يفعلنّه ولو توقف على بذل ملكه أجمع. فقال الشيخ: نعم وكل ملكك لا يقوم به.
فتعجب الشاه وقال: يا سبحان الله، وماذا يكون هذا؟ فقال الشيخ: لا تتعجب فوالله ما بنفسي مُنْية، ولا بآمالي حاجة سوى أن أغني كلَّ فقير في الدنيا ، وهذا مما لا تقدر عليه أنت ولا ملكك.
وسمعتُ أيضاً كذلك أنَّ الشاه بعثَ للشيخ قبل اليوم الذي عزم فيه على المسير من
1) قصص العلماء، ص 190
2) يعني بها مدينة (النجف)
3) ورد في النصّ (الفارسي) أنَّ والدة فتح علي شاه قالتْ للشيخ الكبير: «إنَّ ولدي سلطان، واني لأخشى أنْ ينالني شيءٌ مِنْ ظلمه، وظلم عائلتنا للرعيّة، فادْعُ الله أن يغفرَ ذنوبي، ويحشرني مع الصدّيقة الكبرى».
4) قصص العلماء، ص 190
5) كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرَّاء، ص 394
«نص تخويل الشيخ كاشف الغطاء للشاه فتح علي القاجاري» كما ورد في كتابه «كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرَّاء»
طهران بثمانية آلاف تومان من الذهب، فجاء الرسول وألقاها بين يدي الشيخ في المجلس وكان قَدْ جاء بها عسكر الشاه المخصوص من (نواكرهِ) وخدمه، فجعل الشيخ يملأ كفيه من قَدْ ذلك المال، ويعطيهم حتى نفد أكثره فأعطى الباقي للطلبة الذين كانوا في مجلس الشيخ من أهل طهران، ثم قال: هذا من بعض عطائنا لرفقائنا.
ومما اتفق له في تلك الاقطار، مناصبة الأخباري ميرزا مُحَمَّد حيث يتطلبه بالثار، من نفيّ (الشيخ) له عن العراق، وطرده له مع أهل الشقاق والنفاق(1)
ولد الميرزا محمد الأخباري سنة 1178ه / 1765م في (21) من شهر ذي القعدة بالهند، ثم سافر الى الحج عام 1198ه / 1784م وهو ابن العشرين عاماً. ثم استقرّ في مدينة النجف ومنها الى كربلاء.
بعد شهر صفر سنة 1211ه / 1797م سافر الى ايران في عهد الشاه محمد خان القاجاري الذي قُتل في العام نفسه (21 من شهر ذي الحجة 1211ه)، وتولى الحكم ابنُ أخيه علي شاه المولود سنة 1185ه / 1771م والمُتوفى فى (19) جمادى الآخرة سنة 1250ه (23 تشرين الأول سنة 1834م).
ويبدو أنَّ الأعوام التالية (1216ه، 1217ه، 1218ه) كان قد قضَّاها في كربلاء حتى عام 1219ه / 1803م حيث سافر الى ايران، واشتهرتْ صلته بالشاه فتح علي القاجاري بعدما تنبَّأ بمقتل الجنرال الروسي إشبوختر تسيتسانوف عام 1220ه / 1805م.
وفي أواخر عام 1221ه / 1806م طُرِدَ الى العراق بفعل الحملة المُضادة التي قام بها العلماء الأصوليون ضده، والتي تزعَّمها الشيخ جعفر كاشف الغطاء الذي كان موجودا في ايران في العام نفسه.
وفي العراق ضيَّق العلماء الحملة عليه، وأفتوا بقتله أو نفيه، وحراجةً على الوضع العام فقد سُفَّرَ الميرزا الأخباري الی ایران عام 1222ه / 1807م. ويبدو أنَّ بقاءه في ايران استمر حتى عام 1225ه / 1810م حيث كان يُقيم في منطقة (الري) قرب مرقد الشاة عبد العظيم الحسني.
ويبدو من خلال سيرة الأحداث أنَّه رجع الى العراق، واستقرَّ في مدينة (الكاظمية) عام 1226ه / 1811م، وبقي فيها حتى أواخر عام 1227ه / 1812م حيث سافر الى ایران.
وبعد وفاة الشيخ جعفر كاشف الغطاء سنة 1228 ه / 1813م، طُردَ من ایران بعد الحملة التي قام بها مناوؤه ضده، فجاء الى العراق في عهد الوالي الشاب سعید پاشا المولود سنة 1205ه / 1791م، والمقتول سنة 1232ه / 1817م.
وبقي مقيماً في مدينة (الكاظمية) حتى مقتله عام 1232 ه / 1817م. وسيأتي التعليق على خبر مقتله
.وبيان ذلك مع الكشف عن سره، وذكر أصل الواقعة على سبيل الاجمال؛ أنّ الشيخ كان شديد التعصب على جماعة الأخباريين، خصوصاً المتأخرين، تبعاً لأستاذه مروج الشرع، ومُمهّد الشريعة الأغا البهبهاني. وقد كانت هذه (الفرقة) قبل ظهور (الأغا)،
1) لمَّا كانت حياة الميرزا محمد الأخباري حافلة بالأحداث المثيرة، التي ذهب هو ضحية لها، فمن المفيد إثبات تسلسل سيرته الزمنيّة بما تيسّر استنتاجُهُ من الوقائع.
وانتشار أمره قَدْ ملأت الأقطار والأنحاء، وكثر منهم بها النباح والعواء، وجعلوا يسعون في الأرض الفساد، ويحيدون عباد الله إلى طريق الضلال ناكبين عن طريق الرشاد، فلم يألوا جهداً في هدم دعائم الحق حتى تهدم، وصار دين (الأصولية) في جنبهم كالعدم.
فلما برز ذلك (الوحيد) وتفرّد، صرف همته العالية في تشتيت ذلك الجمع حتى تبدد، وأقام عمود دين الحق بأصوله المحكمة العماد.
ولعلّه بلغك ما كان بينه وبين معاصره صاحب «الحدائق»(1)من المنافرة على أن الرجل لم يكن من متعصبي الأخباريين، بَلْ كان (برزخاً) بين الطرفين، ولكنَّ (الأغا) المُروّج لمَّا رأى أن الشريعة الغراء لا تستقيم إلاّ بمحو إسم هذه الفرقة العمياء، فإن المجتهدين منهم وأن كانوا معذورين، إلا أن (العوام) اتبعوهم فضلُّوا وأضلَّوا أجمعين. فلذا كان (رحمه الله) يَنْهى عن الحضور بدرس ذلك المحقق الحقيق بذلك المنصب حتى كاد ابن أخته السيد علي صاحب «الرياض» يحب الحضور عليه لاستحسان مسلكه في التفقه، ولكنه يخشى من غضب خاله (الأغا) عليه، فكان يخفي نفسه في بعض الزوايا بدرسه ليلاً عن أعين الناظرين، كيلا يظهر الأمر ويبين. فلمَّا مضى الوحيد البهبهاني إلى سبيله تعصَّبَ تلاميذه لطريقته، وساروا على ذلك النهج من سيرته، وكان شيخنا أشدهم ألباً على تلك الشرذمة، وأحرصهم على نقض حبالهم المبرمة، فلم يزل (رحمه الله) يستقصيهم، فيفنيهم وينفيهم، حتى اطلع الشيطان نبعته وكشف سوأته، ونبش حتى أظهر في الكون، فتعفنسلحته العالم من نتن أفعاله وخبث أقواله، فجعل يرمي العلماء الأبرار، بسماته سمات الكفرة الفجار، ويؤنب ويؤلّب على المجتهدين، عداوةً للدين.
وسبب تلك العداوة أن هذا الرجس تولد في الهند(2)، ونشأ بها وحصّل ما حصّل وهو بتلك الأقطار. ومن المعلوم أن أغلب أهل الهند على مذهب قدمائهم الفلاسفة المنكرين للمعاد، الجاحدين لرب العباد، فنشأ الرجل على تلك الطريقة وسلكَ بذلكَ المسلك، وكان يُظهرُ الاسلام بلسانه، ويُضمرُ الكفرَ بجَنانه.
فقدمَ على أهل العراق مريداً إطفاء نور الله الذي بين أيديهم، وإخماد نائرة الاجتهاد الشائعة في ناديهم، وقصده السلوك شيئاً فشيئاً إلى إتلاف الدين من أصله، وقلع أساسه من محله. ولا تحسب قولي هذا ضرباً من التغرُّض، ونوعاً من التمحل، فإِنَّ مَنْ راجع
أحوال الرجل، واطَّلع عليها رأى الحق فيه حقيقة ما قلتُ، ولو لم يكن إلاّ حكاية (اشبوختر) لكفي شاهداً على ما ادّعيتُ.
وقد ذكر طرفاً منها في «قصص العلماء»، وحاصلها: أن (المسقوف)(1)تحركت على الدولة المنصورة القاجارية، في زمان فتح علي شاه فوجهوا بعض أمرائهم المشهورين بالنجدة والبأس وكان يعرف ب (اشبوختر)(2)مع جمع من الجند، وبعث الشاه مع جنده مَنْ يُعْتَمدُ عليهم. فلمَّا إلتقى الفريقان كانت الغلبة للمسقوف. وما انكشفت الغبرة إلاّ وعسكرهم قَدْ دخل بلاد العجم المُحادّة لهم، وفعل مثل ذلك في القابل، وجعل كلّما تحرك على بلاد فتحها. فضاق السلطان به ذرعاً، وأعيته الحيلة في أمره، فجاء إليه ذلك الرجس الخبيث، وكان يومئذ في طهران، فقال للشاه إنْ ضمنتَ لي ما أرجوه منك التزمتُ لك بمجيء رأس ذلك الرئيس بعد أربعين يوماً، فقال: ضامن لك فماذا تريد، قال: ما أريد إلاّ إتلاف المجتهدين وقتلهم ومحو هذه الطريقة من العالم بهلاك أهلها أجمعين، فأنّهم ألفوا آباءهم ضالين، فهم على آثارهم يهرعون. فقال له: وبما تدين الناس؟ قال: أنا أحملهم على الحق الذي لا يشوبه شك. فالتزم الشاه له بذلك. ومضى الرجل فاشتغل ببعض الأوراد و (التبخيرات) التي لها تأثير ذاتي في نفسها، وكان ذا يد طُولى بهذه الأمور خصوصاً في السحريات، والشعبذات، والتبخيرات التي هي عقائد حكماء الهند من الفلاسفة حيث يبخرون لنجوم خاصة بأوقات خاصة لحوائجهم، ويزعمون أنها هي المدبّرة في العالم.
والحاصل هذه عادة كُلّ من خرج من ربقة الأيمان، ودخل في جند الشيطان. وهذا رئيسهم، وعنده أصولهم وتأسيسهم، فكان هو وحصول تلك الخواص المؤثرة لديه، كالبول الصافي وارتسام الصورة الحسنة عليه. فما مضت المدة إلاّ ورأس ذلك الرئيس بين يدي السلطان، فخرَّ ساجداً لله شكراً.
وجاء الأخباري فطالبه بأنجاز وعده، فاستمهله، فلما خرج أحضر الشاه وزراءه وأمناءه، فشاورهم فيما يريد ذلك اللعين، من إمحاق هذا الدين، وقتل المجتهدين. فقالوا: هذا أمر ممتنع مستحيل، ولئن فعلته فليكثر عليك من الرعية والدول القال والقيل، ويقع التشويش في المملكة، ولعلّما يخلعون منك أمر السلطنة، لأنَّ هذا دين الناس القديم، نشأت عليه
1) المسقوف: من التعابير المستعملة للدلالة على الجنود (الروس). ويبدو أنَّ اشتقاقها مأخوذ من كلمة (موسكو)
2) كلمة (اشبوختر) مأخوذة من كلمة Inspector الانكليزية، وأصبحتْ عَلَماً على الجنرال الروسي تسيتسانوف Tsitsianov الذي كان رئيساً للقوات الروسيّة في (القوقاز). وهو من أصل گُرجي، ومن أسرة الأشراف شغل منصبه من سنة 1217ه / 1802م حتى مقتله عام 1220ه / 1805م
الآباء، وورَّثَتْهُ الأبناء. هذا وكيف تترك الدولة القاجارية دينها التي نشأت عليه، ودانت به من قديم الزمان لساحر كذاب، أو كافر مرتاب.
فدخل هذا البيان في ذهن السلطان، فقال: وما الرأي فيه؟ فقالوا: إن بقاء هذا في دولتك غير مصلحة لك إذ لعلّما تغير عليك وتكدّر فيصنع بك كما صنع بعدوّك، فالرأي أن تنفيه إلى العراق فتنجو من شرّه، وتتخلص من مكره. فقال: ذاك إليكم.
فأرسلوا على الرجل وقالوا له: أن الشاه أمر لك (بكذا) مقدار من المال، ويسألك الدعاء عند العتبات العاليات، وهو يقضي بعدك ما أردتَ، ويسعى فيما أحببت، قدر الجهد. فبهتَ الذي كفر وخاب، ونكص ذليلاً على الأعقاب. ووكلوا به نفرین من الجند حتى أوصلوه إلى حكومة العراق، وأوصوهم عن لسان الشاه بحفظه لديهم، وعدم خروجه من تلك الآفاق(1).
وقد أوردنا تلك الحكاية لتطلعك على غرضه، وما يروم من هدم الدين، وإذهاب شريعة سيد المرسلين، وكفاك بها شاهداً ودليلاً. فلنَعُد إلى ما كُنّا بصدده من سرّ عداوة هذا الرجس لخصوص شيخنا الأكبر.
وذلك أن الشيخ بلغ به الحال في أمرهم أنه إذا أجاز رجلاً من تلاميذه ونصبه علماً لقوم نائین، جعل أهمَّ وصاياه له عدم المراودة مع هذه النبعة الخبيثة على الأطلاق، وعدم التكلم معهم والجلوس بمجالسهم إلى غير ذلك من الانقطاع عنهم، والتباغض معهم كي يذلوا، وتكسر شوكتهم عند العوام، الذين هم كالأنعام، من تَبِعة تلك الأقوام.
فممن بعثَهُ الشيخُ مجازاً منه، نائباً عنه، الحاج ميرزا ابراهيم الكلباسي(2)(رحمه الله) صاحب «الأشارات»، وكان من تلاميذ الشيخ المبرزين، فبعثه إلى (إصفهان)، وأوصاه بتلك الوصايا وأمثالها. فلما استقر به المقام فيها دخل في الأثناء ذلك الأخباري المذمم فمكث مدة أيام ينتظر دخول العلماء إليه كما هي عادتهم في القادمين عليهم من أمثالهم. فلم يجد شيئاً من ذلك، فبلغه توعّك الكلباسي وعيادة الناس له، فدخل عليه فيمن دخل. وكان فيمن حضر المجلس حجة الاسلام السيد مُحَمَّد باقر الرشتي(3). فلما استقر به
1) قصص العلماء، ص 179
2) كان من كبار الزعماء الدينيين في مدينة إصفهان. ولد سنة 1180 ه / 1766 م، وتُوفي سنة 1261 ه / 1845م. وكتابه «الأشارات» في علم الأصول أثنى عليه بعضُ المختصين من طلابه
3) اشتهر بلقب حجة الاسلام عندما كانت الألقاب نادرة. ولد سنة 1175ه / 1762م، وتُوفي سنة 1260ه / 1844م. وكانت بينه وبين زميله الكلباسي رابطة صداقة متينة وكانا الزعيمين الدينيين البارزين في مدينة (إصفهان). له مؤلفات كثيرة ذكر قسماً منها الطهراني في «الكرام البررة»، ج 1، ص 192
الجلوس جعل يعاتب الشيخ على عدم مجيئه حين قدومه على مقتضى العادة، ويقول: إنَّ لي حقّاً عليك قديماً لأنّا في أيام التحصيل كنا سواء، وفي طلب العلوم أصدقاء، وأراك لم تُراع تلك الحرمة ولا أدَّيتَ ما يُوجبُ الحق. فسكت الكلباسي وأعرض عنه، فلما كَثُرَ لغطَه أجابه السيد الرشتي بأن الحاج قَدْ أمره (أستاده)، ومن عليه بعد الله اعتماده، برفض جماعتكم الأخباريين، وعدم مراودتكم أجمعين، وكان أستاذه يأمر تلاميذه ومن يحضر عليه بذلك ويقول: مَنْ خالطهم وجالسهم فهو عاق لأبوَّةِ الأستاذية، التي هي أعظم من الأبوة الحقيقية، فلهذا ترك الحاج القدوم عليك.
فقال ذلك المبغض: أمَّا الآن فقد آل الأمر إلى معارضة (الحقوق) و (العقوق)، فلننظرْ أَيُّهُما المقدّم. فقال السيد الرشتي: لا إشكال في تقديم (العقوق) على (الحقوق). واستشهد على ذلك بأخبار كثيرة فجعل الأخباري يناقش أسانيدها، ويورد بعض الأيرادات الواهية في متنها وعربيّتها. وكان في الجدل لا يدانيه أحد، فأثبتَ في ذلك المحفل تقديم (الحقوق). كُلّ ذلك، والحاج ساكتٌ عنه.
فلما خرج خشي أن يقتله أهل (إصفهان) بإشارة من رئيسيها السيد والحاج رحمهما الله، فتوجه إلى (طهران). وقد بلغه أن الشيخ قَدْ شرّف تلك الأقطار وقد امتلأ قلبه غيضاً عليه وحقداً له، وسوَّلتْ له نفسه الخبيثة إفحام الشيخ بالمجالس المعظمة بمحضر (الخوانين) و(الأمناء) ليعدِلوا عن تقليده وتأييده، ليحصل لقلبه التشفي، ولمرضِ خبثه الشفاء.
فلمَّا دخلها ازداد حقده للشيخ لمَّا رأى من عظمة قدره عند عظمائها، وكبير حظه لدى كبرائها، مضافاً إلى عدم اعتناء أحد من أهلها به، وعدم التفاتهم إلى وفوده عليهم وقربه. فصار إذا سمع بوليمة للشيخ قصدها حتى يتيسرَ له الاجتماع بخدمة الشيخ فيظهر عند ذلك بمحضر الأعيان خبث نيته.
فاتفق له كثيراً من تلك المجالس فكان يلقي في البين بعض المسائل، وينتصب موسم الجدال. ولكن الرجل كان من قواعده في المباحثة التحول من مقام إلى مقام، ومن علم إلى آخر ليُظهر عجز المقابل خصوصاً إذا حوصر في الجواب أو السؤال، فأنَّه يُخلِّص نفسه بالفرار، إلى غير ما هم فيه بأدنى مناسبة. وكان من عادة (الشيخ) في المباحثة التحقيق والتنقير، وعدم الخروج من مسألة إلاّ بعد إستيفاء جميع فروعها وشُعبها. فلما تجادلا في ميدان المباحثة جعل الرجل ينتقل من مكان إلى مكان كعادته و(الشيخ) يقول: قف حتى نفرغ مما بأيدينا، ثم ننتقل إلى ما تقوله، فيقول الرجل: «لا بَلْ عجزتَ ووقفَ حمارُك»!
فلم يزل هذا دأبه مع الشيخ حتى أنه بعض الأحيان ينادي: عجز الرجل، عجزَ الرجل،
حتى ألبس على الناس الأمر، ودلَّس الحقَّ فاستمال بعضهم بزبرجه وتزويره، وغضب (الشيخ) غضباً شديداً، وتغيّر خوفاً من إضلال العوام تغيراً مفرطاً، حتى قال له يوماً بمحضر الشاه وأمين الدولة: قَدْ زيّنت كلامك الباطل بزينة الحق، وأبرزتَ عقائدك المستهجنة بصورة حسنة، فضللتَ وأضللتَ، وتبعكَ بعضٌ ممن ظنَّك على هدى، وأنت منه ومن الدين سدى، ولئن بقيت على هذا فليذهبن الدين، وتنمحق الشريعة، ولا حاسمٌ لهذه المشاجرة إلاّ (المباهلة)، فليُعيِّن (الشاه) لنا يوماً نتباهل فيه ونرى الحق لمن، وعلى مَنْ، والفلج ممن وفي مَنْ، وإلا فإنَّك زيادة على ضلالك فى نفسك قَدْ أضللت كثيراً من الناس فالواجب عليَّ ردعك وزجرك، وإنقاذ الناس من غوايتك، وتبصيرهم من عمايتك، وحيث أن لا قادر عليّ وعليك، ولا عليم بأمري وأمرك إلاّ علاّم الغيوب، فاللازم علينا التحاكم إليه فهو أحكم الحاكمين.
فاستحسن الحاضرون كلام (الشيخ) وقالوا للأخباري: إنْ كان الحق معك فأجب الشيخ إلى ما يقول لتنقطع المشاجرة، ويمتاز الخبيث من الطيب، «ليهلِكَ مَنْ هلك عن بينة ويحيى من حیَّ عن بينة»(1).
فأجاب إلى ذلكَ وقبل، وعيّنوا للخروج إلى الصحراء اليومَ المستقبل؛ فجمعَ الوزير بأمر السلطان أركان الدولة وذكر لهم الواقعة، وأمره بالخروج ليكون يوماً مشهوداً. فخرج السلطان والوزراء وجميع الأعيان وضربوا الأخبية والخيام خارج البلد، ولم يتخلف منهم أحد.
فلما كانت فريضة الظهر أو الصبح، خرج الشيخ من خبائه، متعمماً على هيئة عمائم الملائكة النازلين يوم بدر، وقد أرخى حنكاً، وأسدل الآخر، والتفَّ ببُردة يمانية، وتأزّر بأخرى، وفي رجليه نعلان شراكهما ليف، وفي يمينه كتاب الله العزيز، وفي يسارة مسبحة حسينية وهو يهلل ويكبر، حتى وقف قبال القبلة فرفع صوته بالتكبير، حتى خشع قلب كُلّ جبار له، وصغر قدر كُلّ كبير. ثم تجمع خلفه من الصفوف، ما يزيد على الألوف، فصلَّى بهم جماعة.
وماكان إلاّ ساعة، حتى خرج (المُذمم) متعمماً بعمامة صغيرة هندية على هيئة العمائم (الكابُلية)، رجوعاً بذلك إلى أصله، لكنها مع صغر حجمها طويلة كما هو اليوم دأب الأفغانيين، فهي على هيئة غريبة كأنها رؤوس الشياطين. وقد تحلل بحُلل الماهود، ولفّ
1) سورة الأنفال 42/8
رقبته ببعض الشُّول، وشدّ على وسطه البنود، كما هي اليوم عادة النصارى واليهود، وبكفه قضیب خیزران، وهو يلعب به ويختال عجباً بنفسه كالنشوان. فوقف للجماعة هو وصحبه الغاوون، وجنود إبليس أجمعون(1).
فلما رأى من الشيخ ما رآه، من الخضوع والخشوع علم مَنْ المُحق الأوّاه، فخشيَ نزول العذاب عليه، فيكون قَدْ بحث على حتفه بيديه، فعزم على الهزيمة والفرار، وارتكاب العار من النار. فخفف من صلاته حتى فرغ قبل الشيخ ودخل تلك البلد المعظمة، هو وصحبه وهم أذلّ من قوم الأمة، ولم يقف للمباهلة، ودُحِضت حجته الباطلة، ورجع الحق مستقلاً به أهله وعرف طالبه، وفشل الباطل وراكبه. كذا رواها في «قصص العلماء» مجملاً(2).
وبهذا التفصيل سمعتُها من كثير.
وحدثني كثيرٌ ممن أعتمد عليه عن بعض فحول العلماء ممن هو في عصرنا، وعن غيرهم من السابقين، (رحمهم الله أجمعين)، أن الشاه وجنده والشيخ والأخباري لمَّا خرجوا إلى الصحراء ونزلوا ضربوا أخبيتهم وخيامهم، جنّهم الليل فاجتمعوا في خيمة الشاه، ووقع القرار على أن تقع (المباهلة) بعد فريضة الفجر فتفرق الجماعة ولم يبق في خيمة الشاه إلاّ هو والوزير الكبير.
أمَّا أمين الدولة، وأبوه حسين، (وكلاهما كانا من مخلصي الشيخ)، وكان قَدْ أخذ الوزير القلق والأرق والأضطراب والخوف من وقوع هذا الأمر لما علم من سحر ذلك الفاجر وشعبذته، فخشي أن يسحر أعين الناس بما ظاهره الغَلَبة على الشيخ فيتضعضع ركن الملة والدين بالسحر المُبين. فلم يزل يفكر في نفسه بطلب الحيلة في تدبير الأمر حتى عزم على نقض ما أبرم من قضية المباهلة خوفاً من تزويرات الرجل الباطلة، وبقي يتأمل في الطريق إلى ذلك. وخشيَ أن ينام الشاه ويصبح الصباح ويقع المحذور فأخذ يلهيه بذكر سياسات المملكة وتدبيرها في بعض أمورها حتى انتصف الليل وهجعت العيون، وهدأت الهواجس وركدت الأوهام والظنون. فجرَّ الوزير الكلام إلى كثرة الجند والعسكر والقوة والشوكة لعلمه أن السلطان لا يسهره ويؤنسه إلاّ مثل هذه الأمور حتى قال: الحمد لله بهمة مولانا الملك قَدْ اشتد بأس المملكة وكثر الجند وانتشرت الرعية. ومما يدل على ذلك أن الخارجين معنا من طهران ليس إلاّ ربع من فيها، وها هم لا يُحصَون، فأن شئتَ أن تصدِّق ذلك فقم بنا
ننظرهم ونتفرج مع ذلك على ترتيب العساكر وكيفية منامهم. فرغب وقام الوزير وبيده المصباح، وجعل يمشي بالشاه بين الخيم، فرأوا خيمة صغيرة محقَّرة نائبة عن خيم الناس، فقال الوزير: دعنا نمضِ ونرَ أمر هذه الخيمة ومن فيها. حتى إذا وصلوا قريباً منها سمعوا بكاءً ونحيباً وشكوى محب إلى حبيب، فتأملوا وإذا بالشيخ واضعاً خده على التراب وهو يتملل على الأرض تململ السليم، ويأنُّ أنين الفاقد كفيله والحميم، ويناجي ربه مناجاة الحزين الواله، ويتوسل بالنبي (صلی الله علیه وآله) وآله (علیهم السلام). فوقفوا هنيئة حتى فرغ من أطايب مناجاته، وقام إلى تكميل صلاته، انصرفوا وقد أخذتهم حالة الخشوع والخضوع وانسكبت على غير اختيار منهم الدموع، وصاروا يتذاكرون بتلك الحالة العجيبة، ويتحدثون أمر هاتيك الأمور الغريبة. فحمد الله الوزير في نفسه وشكره، على حُسن ذلك الأتفاق الذي لم يكن أمّله ولا تصوّره، وقال هذا نعم المفتاح لمَّا أريد، ولكن لا يتم إلاّ برؤيا حالة ذلك الجبار العنيد؛ فجعل يُساير الشاه حتى أتى به إلى خيمة ذلك (المُذمم) وهما في حديث الشيخ وتقاه، فقال الوزير: أيها الملك هذا خباء ميرزا مُحَمَّد فلننظر بماذا هو مشغول وكيف مثواه، حتى نمیّز نحن أولاً بينه وبين ذلك الشيخ الأوّاه. فنظروا في الخيمة من بين الستائر وإذا بولد أمرد، ورجلا ميرزا مُحَمَّد في حضن الولد، وهو يمرّ عنهما والرجل نائم. فازداد تعجب الشاه واستأنس الوزير بذلك، فقال: يا أيها الملك، أنت أجلّ من أن يخفى عليك هذا الأمر ويشتبه، فإن كُنَّا نائمين فلننتبه، هذه آيات الله ظاهرة، وحجج الحق باهرة، وبينات الصدق قاهرة، ونهج الهدى مستقيم، وطود الباطل رميم، فعلى ما ومما المباهلة تكون إلاّ لأمر مشكل قد أوقع في الحيرة، وعَمي لعدم التميز فيه أولو البصيرة، وهذا الأمر واضح المناهج بين المسالك، ونحن لو تأملنا في عقولنا وراجعنا إدراكنا عرفنا أي هاتين الحالتين سيرة الأنبياء والأولياء، وأيُّهما حلية الأشقياء. فقال الشاه: هذا برهان قاطع ودليل ساطع، على حقيقة الواقع. فقال له الوزير: فَعَلامَ جعجعت بهذا الرجل وهو شيخ كبير، وأزعجته مع هذا الجم الغفير، فإن تبين لديك الحق فمُرْ مناديك ينادي في الناس أن الحق تبين عند الشاه لِمَنْ، والفَلجُ في مَنْ، فليرجع كُلِّ منكم إلى محله.
فما تجلَّت الشمس للعيون، حتى انجلت عن تلك الساحة كُلّ هاتيك الطعون. وأرسل الشاه إلى ذلك الأخباري أن يرتد عن غيّه من معارضة الشيخ ومناصبته، وإلاّ أخذ بأمّ ناصيته. فبقي الشيخ ثمّ أياماً قلائل، ثم ارتحل إلى زيارة الأمام الرضا (علیه السلام) فأقام بها قريب الحول، ثم رجع من قابل.
وأمَّا عدُوهُ الخبيث فاغتنم بعده الفرصة في الأهتداء ببعض سلفه الماضين من الأخباريين الغاوين، في الطعن على علماء الدين الراشدين، وتضليل طريقة المجتهدين.
وحيث أن الكوز ينضح بما فيه، والذي خبث لا يخرج إلاّ الخبيث من فيه، جعل يرمي العلماء بالخصال الشنيعة، وينسبهم إلى الأمور الوضيعة، ويقبّح محاسن مآثرهم في الملة وأياديهم، ويجعل معائبه ومعائب أصحابه فيهم:
فقلتُ لجاعلِ عيبٍ بهم *** أضرَّك وردٌ ذكيْ يا (جُعَلْ)!
وهذا دأب الله من قديم الزمان في أنبيائه وأوليائه، فأنّه جلّ وعلا لم يزل يمتحن ويبتلي كُلّ واحد منهم بعدو من أعدائه. ولو شئت أن أذكر لك حكايات الأمم السابقة واللاحقة ووقيعة العمى بالهدى، والضلال بالحق، وامتحان أولى الرشاد بأولى الفساد لطال المقام، واستلزم الخروج عن المرام. ولكن الأنسب هنا ذكر نبذة يسيرة من تشنيع إمامي هذه الطائفة على علماء الدين الذي بهم اقتدى هذا الكافر المرتاب في توهين حجج الله النواب، وليرَ الناظرُ هذا المقام أنه كان لهذا الخبيث اقتداء بقومه الغاوين، فكذا للشيخ إسوة بالسلف الصالحين، من حجج الله الماضين.
فمن بعض ذلك ما يقوله أخوه الخائن اللعين، المدعو بمُحَمَّد أمين(1)، في حق حجج الله الأجلّة، ورؤساء الدين والملّة، وأركان الشريعة، ومؤسسى مذهب الشيعة، الشيخين المفيد(2)، والطوسي(3)(قدس سرّهما القدوس)، وغيرهما من العلماء الأعلام، الذين هم أول من اجتهد في الأحكام، كالعُماني(4)، وابن الجنيد(5)والعَلمين؛ علم الهدى(6)، والعلامة(7)، رفع الله لكل منهما مقامه.
1) محمد أمين الأسترابادي مؤسس الحركة الأخبارية، تُوفي سنة 1036 ه / 1627 م. له مؤلفات عديدة اشتهر من بينها مؤلفه الذي هاجم فيه المجتهدين وهو بعنوان «الفوائد المدنيّة للردّ على الأصوليّة»
2) الشيخ المفيد هو مُحَمَّد بن النعمان المُتوفى سنة 413 ه / 1022 م، وكان من كبار متكلمي الشيعة في العصر البويهي. وقد بدأ تشكيل المؤسسة الدينية الأثنا عشرية على يديه، واستمرت على هيأتها المتوارثة حتى الآن
3) مرَّ التعريف بشيخ الطائفة الطوسي، ووفاته كانت سنة 460 ه / 1068 م
4) العُماني هو الحسن بن علي بن أبي عقيل الذي كان معاصراً للشيخ الكليني المُتوفىّ سنة 328 ه / 941 م أو سنة 329 ه / 942 م. وهو أول منْ اعتمد على الأجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها النقلية هو وابن الجُنيد. وقد إنتُقدا مِنْ قبل بعض الفقهاء الذين جاؤوا بعدهما، وعلى رأسهم الشيخ المفيد؛ إلاّ أنَّ أعتبارهما إستُعيدَ على يد المحقق الحلي في القرن السابع الهجري / الحادي عشر الميلادي
5) مُحَمَّد بن أحمد ابن الجنيد الأسكافي. تُوفي سنة 381ه / 991م. وقد إنُّهم هو والعُماني ابن أبي عقيل باستعمال مصادر التشريع السُّنّية كالأخذ بالرأي، والقياس في الأستنباط الشرعي
6) علي بن الحُسين الموسوي المُتوفى عام 436ه / 1044م، المُلقّب بعلم الهُدى. كان والده الحسين الطاهر من كبار المتنفّذين في البلاط البويهي، وقد شغل الشريف المرتضى نقابة الطالبيين، وأمارة الحج، وديوان المظالم. وتُعتبر مؤلفاته المصادر الأولى التي أسستْ التفكير العقلي الاثنا عشري
7) الحسن بن يوسف ابن المطهَّر الحلّي المولود سنة 648ه / 1250م، والمُتوفى سنة 726ه / 1325م، وهو ابن أخت المحقق الحلّي، وقد لعب دوراً أساسياً في نشر المذهب الشيعي تحت ظل المملكة المغولية، كما كان موجّها لأثنين من الحكام المغول وهما غازان، وأولجايتو المعروف بخُدابندة الذي أعلن المذهب الأثنا عشري مذهباً رسمياً للبلاد. وهو من نصير الدين الطوسي في الفلسفة والكلام والجدل والرياضيات، والذي كان من المتنفذين في الدولة المغولية، ومن أصحاب المراكز الرسمية والعلمية. وكان فقيه الدولة المملوكية ابن تيميّة الحرّاني قَدْ ردّ على بعض مؤلفاته
وأنا أقسم بالله قسم صدق، ويمين برّ أن دين الحق لولا هؤلاء الأئمة، لَمَا عرفه هذا الضالّ ولا غيره من الأمة، وما كان جزاؤهم من هذا المدعى له إلاّ قوله في تضاعيف كتابه المسمى (بالفوائد المدنية) من كلام طويل ملخصه: إنَّ أول من غفل عن طريقة أصحاب الأئمة (علیهم السلام)، واعتمد على فن الكلام وأصول الفقه المبنيّين على الأفكار العقلية المتداولة بين العامة ابن الجنيد وابن عقيل والمفيد، واقتدى به أصحابه كالمرتضى، وشاعت بين المتأخرين قرناً فقرناً حتى وصلت النوبة إلى (العلامة) فالتزم القواعد الأصولية من العامة، ثم تبعه (الشهيدان)(1)
أمّا الشهيد الثاني فهو زين الدين الجُبعي المقتول غدراً عام 965 ه / 1558 م على يد العثمانيين. كانت له رحلات علمية إلى مصر وسوريا والحجاز والعراق، كما سافر إلى عاصمة الدولة العثمانية (اسطنبول) في مهمة سياسية. وقد عيَّنتهُ الأدارة العثمانية مدرساً في إحدى المدارس المهمة وهي المدرسة النورية في مدينة (بعلبك) حيث بقي فيها سنين عديدة. وقد اشتهر في شرحه لكتاب «اللُمعة الدمشقيَّة» الفقهي لسلفه الشهيد الأول المقتول على يد المماليك عام 786 ه / 1384 م، وهو مطبوع في عشر مجلدات بعنوان «الروضة البهيّة في شرح اللُمعة الدمشقيَّة»، ويُعتبر حتى اليوم من الكتب الدراسية المنهجية في المراكز الدينية
، والشيخ عليّ(2).وهذا سهل بالنسبة إلى ما قاله بعد نقل كلام الشيخ البهائي من (مشرق الشمسين) أنه ذهب أكثر علمائنا إلى أن العدل الواحد الأمامي كاف في تزكية الراوي، وأنه لا يحتاج إلى عدلين كما في الشهادة، وذهب القليل منهم إلى خلافه. يقول هو: وأقول أنا أولاً في قوله: «ذهب أكثر علمائنا» تسامحٌ وغفلة وذلك لأنَّ الأخباريين من أصحابنا هم أكثر علمائنا وعمدتهم، وهم لا يعتمدون إلاّ على حديث قطعوا به وبوروده. إلى أن قال بعد كلام طويل: وبالجملة ما نسبه إلى أكثر علمائنا إنما ذهب إليه العلامة الحلّي وجمع من مقلديه، وهم جماعة كالشهيدين، والشيخ عليّ، ولم تكن لهم بضاعة في العلوم، ولم يكونوا عارفين بمعاني الأحاديث الواردة في الأصولين من أصحاب العصمة، وغلبتْ على أنفسهم الألفة بما قرأوه في كتب العامة، ولم يكن لهم نظر دقيق، فاستحسنوا المألوف لموافقته كلام العامة.
ولم يزل يخبط في عشوائه، ويجري في غلوائه، بهذا وأمثاله في حق آية الله وإعجوبة
1) الشهيدان هو لقب إثنين من كبار فقهاء الأمامية أولهما هو الشيخ مُحَمَّد بن مكّي العاملي المعروف بالشهيد الأول حيث قُتِلَ على يد مماليك الشام في سنة 786 ه / 1384 م.
2) علي بن الحسن بن عبد العالي الكَرَكِي المُلقَّب بالمحقق الثاني المُتوفى سنة 940 ه / 1533 م. من أشهر العلماء الأمامية في أيام تأسيس الدولة الصفوية. وقد تولى منصب (شيخ الاسلام) في عهد إسماعيل الصفوي (905 - 930 ه / 1500 - 1524 م)، وولده طهماسب (930 - 984 ه / 1524 - 1576 م). وأشهر مؤلفاته كتابه «جامع المقاصد» في الفقه، ورسائله المطبوعة في مجلدين
الدوران، الذي يقصر عن أن يحيط ببعض صفاته نطاقُ البيان.
على أن هذا سهل أيضاً مما هو مشهور عنه من قوله: ما هدم الدين إلاّ مرتين، يوم السقيفة، ويوم مولدي المفيد والعلامة.
وليتَ شعري كيف يتكلم بهذا مَنْ شمَّ أدنى رائحة من الأيمان على مثل المفيد الذي قال في رثائه صاحب العصر والزمان من الأبيات التي أولها:
لله يومكَ في الأنام فأَنَّهُ *** يومٌ على آلِ النبيِّ عظيمُ
مضافاً إلى التوقيعات الخارجة في حقه التي تدل عناوينها على غاية عظيم المنزلة، فمنها قوله (علیه السلام): «إلى الأخ السديد، والولي الرشيد، والشيخ المفيد، أبي عبد الله مُحَمَّد بين مُحَمَّد الخ» ومنها: من عبد الله المرابط في سبيله، إلى ملهم الحق ودليله، أدام الله إعزازهُ، سلام عليك أيها الناصر للحق، الداعي إلى كلمة الصدق». إلى غير ذلك من أمثال هذه الكلمات.
فانظر كيف يُقوّي الحجة (علیه السلام) أمر المفيد ويؤيد، ويأتي هذا المدعي ولاءه، والاقتصار على ما ورد عنه فينقض ويبدد.
وأنا لا تختلج بي الأوهام والظنون، بأن هذه الأمور قَدْ خفيت على هذا المبغض الخؤون، بَلْ أظن وأستغفر الله أن العناد والشقاق مع من قال تلك الكلمات والعياذ بالله، وإلا فليس الطعن في علماء الدين، من شرائط الأخباريين. كيف وكثير منهم معدودون عند أصحابنا من العلماء المرضيين، كالصدوق(1)وقومه من المتقدمين، والحُرّ العاملي(2)، والشيخ يوسف البحراني، والسيد صدر الدين القمّي(3)، من المتأخرين، فقد كانوا هؤلاء إذا ذُكِرَ أحدُ أولئك العلماء الأعلام بالغوا بالثناء عليه والأعظام.
ولذا ترى (هذا)، و(الميرزا) المذمم السالك في طريقته الباطلة؛ الذين ما عرفا الحق طرفة عين، غير مرضيين عند الطرفين. كيف وقد قال الشيخ يوسف في (لؤلؤته) عند ذكر هذا الخائن ما نصُّه: «وهو أول من فتح باب الطعن على المجتهدين، بَلْ رُبَّما نسبهم إلى تخريب الدين، وما
1) هو مُحَمَّد بن علي بن الحسين بن بابويه القُمي المعروف بالصَدُوق، ولد بمدينة قم سنة 306 ه / 918 م، وهاجر إلى بغداد سنة 355 ه / 966 م، وألف في علم الحديث كتابه «مَنْ لا يحضرُهُ الفقيه» الذي يُعدُّ أحد الكتب الأربعة في الحديث عند الأمامية. تُوفي سنة 381 ه / 991 م في (الريّ) بأيران
2) هو محمد بن الحسن الشهير بالحُرّ العاملي المُتوفى سنة 1104 ه / 1693 م. وكتابه «وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة» (المطبوع عام 1963 م في عشرين مجلداً) يُعد من مصادر الحديث الثانوية عند الأمامية
3) صدر الدین مُحَمَّد ابن السيد باقر القُمّي، تُوفيَ حدود سنة 1166 ه / 1174 م
أحسن ولا أجاد، ولا وافق الصواب والسداد، لِما قَدْ ترتّب على ذلك من عظيم الفساد»(1).
و بمثل هذا أو أزيد منه تكلّم في كتابيه «الحدائق»(2)، و«الدرر النجفية»(3). وأنت ترى الفرق بين كلامه وكلام مُحَمَّد أمين، ورديفه اللعين، وتميز بعقلك من المجترئ منهما والبريء، وتعرف مَنْ المقتصد وغير المقتصد، والمتعرض للتفرّض، ومَنِ الصافي العقيدة والخالي الذهن، من المتحمل الحقد على الدين وأهله، والممتلئ فؤاده بالضغن. وإلا فكلاهما إخباريان، فما الداعي لاختصاص هؤلاء بإظهار العداوة للمجتهدين والشنان.
ولعلَّكَ أيُّها الناظر بهذه الرسالة في هذا المقام، تفوّق إليّ سهام التأنيب والملام، بسبب بعض الكلمات التي أعبّر عن هذين الرجلين الملعونين من طردهما، ولعنهما، ونسبة الباطل إليهما، وتقول هما إماميان مواليان، فلا ينبغي في حقهما هذا البيان والعنوان. ولكنك بملاحظة ما ذكره الشيخ يوسف البحراني - الذي هو منهم - تعذرُني في ذلك ولا تؤنبُني.
وأمَّا لو ذكرتُ لك ما ذكره الشيخ عليّ(4)بن الشيخ حسن بن الشهيد رحمهم الله في كتابه المُسمّى ب- «السهام المارقة، في ردّ أولئك الزنادقة»، لقلتَ لي أحسنت وأجدت، ولقد مدحتهم لمَّا أبنت وأفدت. وأنا أذكر لك بعض كلماته لا لذلك، بَلْ لتطلع على نُبذة من أحوال الرجل وتصدقني فيما نسبتُ له من الطعن في (حُجج) الله.
قال رحمه الله بعد كلام طويل في تضليل الغزالي(5)، ومُحيي الدين(6)، وإفساد طريقة هؤلاء المبتدعين من المتصوفين، ويتخلص منه إلى مقصده ومرامه من إثبات ضلالة (الفيض)(7)وأتباعه على تلك الطريقة الفاسدة ومقالتهم جميعاً بوحدة الوجود المستلزمة
1) البحراني، لؤلؤة البحرين في الأجازة لقرتي العين، ص 118
2) الحدائق الناضرة، ج 1، ص 170
3) الدرر النجفيّة، ص 87، وما بعدها
4) الشيخ علي بن الشيخ حسن من كبار علماء زمانه، ولم أقف على سنة وفاته في المصادر التي ذكرتْهُ كروضات الجنّات، ج 2، ص 302، وطبقات أعلام الشيعة، ج 5، ص 392، وتكملة أمل الآمل، ص 286
5) الغزالي هو أبو حامد مُحَمَّد بن مُحَمَّد تُوفي سنة 505 ه / 1111 م. فقيه وفيلسوف إشراقي لُقِّبَ ب (حُجّة الاسلام)، ولد في طوس وتنقّل بين بغداد ودمشق والقدس والقاهرة ومكة والمدينة. اشتهرتْ مؤلفاتُهُ إحياء علوم الدين، المنقذ من الضلال، تهافت الفلاسفة، وغيرها إشتهاراً واسعاً
6) محيي الدين ابن عربي المُلقّب بالشيخ الأكبر، مُحَمَّد بن علي الطائي صاحب كتاب «الفتوحات المكّية»، من کبار فلاسفة الاسلام، تُوفي سنة 638 ه / 1241 م، وقبرُهُ بالشام
7) الفيض هو مُحَمَّد بن المرتضى المعروف بالمولى محسن الكاشاني. له مؤلفات شهيرة منها «الوافي» في علم الحديث، و«المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء»، تُوفي سنة 1091 ه / 1680 م
لتعدد المعبود، أو إتحاد الموجود، وغير ذلك من المفاسد، والمقالات الكواسد، التي هي إنكار أنه تعالى واحد. حتى قال (قُدِّسَ سرّه): وقد قلّد، (يعني الفيض)، في بعض تقليده بذلك رجلاً جاهلاً بمراد العلماء مغروراً لا اطلاع له على علوم الشريعة وضوابطها، ولا خدم أهلها وحصّل مما عندهم، بَلْ كان قصده الشهرة، وتعريف نفسه بمُعاداة أولياء الله لِما اشتهر من قولهم «إذا أردت أن تشتهر فَقَعْ في مَنْ هو أكبر منك وعادِه»، وهذا الرجل اسمه مُحَمَّد أمين، من تسمية الشئ باسم ضدّه، وكان في مكة وقت خلوها من الفضلاء:
وإذا ما خلا الجبانُ بأرضٍ *** طلبَ الطعنَ وحدَهُ والنزالا
وقد كان عنده بعض المعرفة فيما لا يُسمن ولا يُغني من جوع، وكان يحضر أوقاتاً فيها درس میرزا مُحَمَّد الأستربادي(1)، ولم تطل مدة الرجل. فلما انتقل إلى ربه تصدّى لقصد الشهرة عارياً من العلوم التي بها يشتهر المجاورون؛ فشرع هناك بالتنقيح والتدليس، وأخذ مسائل من كلامهم لم يفهم مغزاها، ولا عنده خبرها، وضمَّ إلى ذلك ادّعاء منامات كثيرة وتخيلات إن صح شئ منها فمنشؤوه ماكان يستعمله من (الأفيون) ونحوه، وموّه على ضعيفي العقول وقليلي البضاعة أشياء سَحَرهم بها، وهي أوهى من بيت العنكبوت، ولم يوافق فيما ادعاه، ويظهر ذلك لمن عرفه حق المعرفة. ثم ادّعى العصمة لنفسه فيما يقع الخطأ فيه عادة في آخر رسالته، ونحو ذلك من الخرافات. فتبعه كُلّ مريض القلب، مقعد الهمة، أكمه البصيرة، قريح القريحة، مغترّ بخضراء الدِمن، متخيّل بذيء ورم سمن، ضعيف النقل، صحفيِّ التحصيل، مائل إلى الراحة والتقبيح، قاصد الطفرة إلى سمو الرتبة من غير تعب ومشقة:
تُريدين إدراكَ المعالي رخيصةً *** ولا بُدَّ دونَ الشَّهدِ من إبرِ النحلِ
مكتّف بما يسمى من كتب الحديث، مما اشتمل على التحريف والتصحيف، لعدم إعتبارِ النقل المقرر، والأخذ عن أهله المحرّر، وخيَّلَ له حُبُّ الرئاسة بذلك القدر السخيف معرفةَ مراد الأمام (علیه السلام) كمتبوعه، وإنْ كان لا يعرف سوى سواد الكتاب من بياضه، وإذا سُئِلَ عن شئ فتح الكتاب وأجاب كلما يخطر بفكره لئلا ينسب إلى عدم المعرفة، وموّه على العوام، أني ألقي إليكم مراد الأمام (علیه السلام)، والمجتهدون يلقون إليكم من مخترعاتهم. فصار الناس بمتابعته كإبل مائة لا ترى فيها راحلة، وعز التوفيق والاخلاص لعدم أخذ العلم من وجوهه، وكثر السواد، وقلّ البياض وتقاعدت الهمم ميلاً إلى الراحة وانقبض العلم:
1) الميرزا مُحَمَّد بن علي الأسترابادي، كان من كبار المُحدثين الرجاليين، وقد كتبَ ثلاثة كتُب رجاليّة. تُوفي سنة 1028 ه / 1618 م
كأنْ لم يكن بينَ الحُجونِ إلى الصفا *** أنيسٌ ولم يَسمرْ بمكةَ سامرُ
وكأنَّه برق تألّقَ بالحِمی *** ثم انثنى وكأنَّهُ لم يلمعِ
وقد تفحَّصتُ عن حقيقة هذا الرجل، وأحواله ممن رآه وظهر ما لفّقه أنه ليس بشئ يُعبأ به مع أني لمّا سمعتُ ببعض تمويهاته حصل لي أدنى ريب فلمّا تفحّصتُ عنه، وطالعتُ (رسالته) ظهر لي تدليسه، وقصور يده وغواية مطلبه. ولتتمة الكلام معه والردّ عليه مقام آخر، وإن كان الأنسب السكوت عنه من قبيل: «رائحة الماء المتعفن بتحريكه يزيد»، ولكن رأيتُ شياع ذلك عند العوام كشياع غيره ممن يضاهيه، وهذا تنبيهٌ للناقد البصير لئلا يغترّ به. إلى أن قال (رحمه الله): وقد جعل علماء الأمامية - خصوصاً العرب منهم - ضالين مُضلين مشركين استحبوا العمى على الهُدى وهم عارفون أنه لأجل حب الرئاسة وجعل الشيخ المفيدُ أول مبتدع، ومخرّب للدين. وذكر في حواشيه على أصول الكافي أن المشرك بمعنى أنْ يقول «أنّ الله له شريك» لم يوجد أصلاً ، وأن كُلّ ما ورد من ذم المشركين، فهو متوجه إلى المجتهدين. والرجل لم يكن عنده من متاعهم وبضاعتهم ما يحصل به شهرة فسلك هذا السبيل، وفتح باب الطعن والتشنيع والتكفير، فربح من في قلوبهم مرض زادهم الله مرضاً. ولما كان (زمزمٌ) في مكة المشرفة وسَمعَ بمثل: «البايل في زمزم» أراد أن يفعل ما يُضاهيه. ولنمسك بعنان القلم عنه إحالة على ما أوضحته من حاله في رسالة مفردة.
والمقصود هنا ذكر متابعة مَنْ قلَّدهُ(1)في ذلك، كما قلد غيره، وزاد في الطنبور نغمة بتقليده الغزالي، وصرف عمره في تتبع آثاره الشنيعة، ومن جملتها تشنيعه في (الأحياء) وغيره على علماء الشريعة. وقد سلك سبيله المظلم وترك الاقتداء بمن يقتدى بهم، ومن لم يصدّق فعليه بمطالعة رسائله فأني رأيتُها بعدما أرسلها إليّ ليهديني بها عن طريق الصواب، فظهر لي منها العجب العجاب وكلامُها مُنتهبٌ من غيره وممثّلٌ به؛ كما يعرفه الناقد البصير. (إنتهى كلامه رفع الله مقامه)(2).
وأقول: ليتَ الشيخ علي(3)أدرك تابعهما المُذمم المُتأخر الذي زاد في الطنبور نغمات من السياسة والتدليس، أظنُّ أنّه مما أوحاها إليه أخوهُ إبليس، «وإنَّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم»، فجعل يعبّر عن الأغا البهبهاني بالبهتاني، وتارةً بالنهرواني مُدَّعياً أنه من
خوارج (النهروان) بتقريب أنَّ الأباضية - وهي فرقة منهم - في نواحي (بهبهان)، ويعبّر عن شيخنا الكبير بفقيه المروانيين مدَّعياً أنه - والعياذ بالله - من بني أميّة، ويُعبّر عن السيد محسن الكاظمى بمحلل اللواط مدعياً أنه يرى حليته. وأنت خبير أن الأمويّة وحليّة اللواط ونحوهما مهما بلغا من القُبحِ لا يكونان بأعظم ما نسبه شريكه في الضلالة المذيم الخؤون، مُحَمَّد أمين الملعون، من الشرك في حق الشيخ المفيد، والطوسي، والمرتضى، والعلامة، وأمثالهم. كيف والأموية والنهروانية مع الأيمان، غير مقتضيين النقصان، ولا مانعتين عن دخول الجنان، بخلاف الشرك فأنّ الله لا يغفر أن يُشرَك به ويغفر ما دون ذلك.
ورأيتُ في كتب بعض المتأخرين أنّ (الشيخ) كتب في طهران رسالة لرده بعث بها إلى فتح علي شاه، ودلّ فيها على معائب الرجل وتدليساته وكفره، وأتى بشواهد على عدم حيائه وعدم دينه وعدم عقله. وقد ذكر منها نبذة لطيفة صاحب «روضات الجنات».
وأما نحن فلم نذكر منها شيئاً لعدم ثبوت صدور (الرسالة) منه، وصحة إنتسابها إليه (قدس سرّه) فيه (لعنه الله)، ولم يعرفها أحد من مشايخنا أدام الله وجودهم، وما سمعوا بها عن مشايخهم، مع أن (صاحب الدار أدرى بالذي فيها)، بَلْ ولا يعلم بها أغلب أهل النجف، بَلْ كلهم. ومما يؤيد ذلك، بَلْ يكاد يورث الجزم بالعدم عدم تعرض الشيخ ميرزا عليّ في «قصص العلماء» لها بوجه من الوجوه لأنَّ هذا الرجل قَدْ استوفى في أحوال الشيخ ما لم يستوفه فيه أحد، وأطنب بتفصيل أحواله ومصنّفاته وعلمه غاية الأطناب، وليس فيه إشارةٌ ولا تصريحٌ بأن الشيخ قَدْ ردّ عليه، ولا ذكر ذلك في ترجمة ذاك الملعون فإن مجموع ما ذكر من تشاجر الهدى والضلال ما هذا نصه:
كان للميرزا مُحمَّد إلمام بالعلوم الغريبة، وكان يدّعي المهارة في معرفة أنساب العرب. وكان يقول - والعياذ بالله - إنَّ الشيخ جعفر النجفي هو مِنْ نسل بني أُميَّة. وبعد وفاة الشيخ جعفر قال هذا الملعون المطرود: «ماتَ الخنزير بمرض الخنازير» حيث كان الشيخ جعفر قد أُصيبَ بمرض (الخنازير)(1)الذي يحصل مِنْ تورُّم الرَقَبة.
وبسبب أفعاله الشنيعة، وتضلّعه بالسحر فقد أصدرَ علماءَ العتبات المقدسة حُكْماً بتكفيرهِ وقتله. وعندما هَمُّوا لاقتحام داره لم يجدو لها (باباً) من تأثير سحره، فكسروا الحائط، ثم قتلوه(2).
فلو كان الشيخ قَدْ ردّ عليه في رسالة أو كتاب لكان هذا محل ذكره ولو إجمالاً، وهو ممن لا يحتمل فيه عدم الاطلاع على مثل ذلك لقرب عهده ولكثرة تردده في البلدان، زيادة على أن أغلب تحصيله في طهران لأنّ (تنكابن) من قراها، وقد حصَّل أغلب تراجم العلماء منها، وقد مكث بها سنين متعددة، وهي محل الواقعة بين الشيخ والأخباري، فلو كان لذلك أثر لَمَا خفي عليه.
والحاصل أن العقل والاعتبار مساعدان لمن يقول بالأنكار، فأن الشيخ أجلُّ أمراً، وأعلى قدراً من التعرّض لمثل هذا (الكلب)، والردّ عليه، خصوصاً في مثل هكذا أمر، والبديهة قائمة على بطلانه، وانّه من أقل تزويره وبهتانه:
فما كلُّ فعّال يجازى بفعلهِ *** ولا كُلُّ قوّالٍ عليه يُجابُ
ورُبَّ كلامٍ مرّ فوق مسامع *** كما طنّ في لوح الهجير ذُبابُ
فهل أزعجَ الذرُ ثُمَّ الذُرى *** وهلْ أعجزَ الليثَ كلبٌ عَسلْ
وهلْ ضرَّ بدراً على شأوه *** إذا الكلبُ منه عوى أو عَولْ
وأنا والله أتكلم بكلامي هذا واستنقص ذلك بي وأستهونه منّي، لكن الحديث شجون، والغرض أن تظهر في الأثناء ترجمة الرجل، وكرامات الشيخ (رحمه الله).
ثم أن الخبيث لم يصنع رسالة فيما ادّعاه، ولا ذكر ذلك في كتاب حتى يبطل الشيخ دعواه، ولا جاء ببينة أو دليل، ولكنّه حيث لم يجد موضع طعن بالشيخ لا في علمه ولا تقاه، ولا في سيرته وهداه، ينتقص الشيخ به عند تبعته، والهمج الرعاع ممن استغواهم بسحره وشعبذته، فجعل يعبّر لهم بفقيه المروانيين. وغاية ما بلغ به خبثه أن ذكر ذلك مرةً واحدة في رجاله الكبير حيث قال في ترجمة (الأغا)، وأشار إلى ترادي أمر الأخبارية في زمانه، وزمان شيخنا من بعده ما نصّه: «كان مجتهداً صرفاً خالياً عن التحصيل كما كان معترفاً به. وتصانيفه أصدقُ شاهد على ذلك، وكان متقشفاً له (فوائد) في الأصول أتى فيها بالخطابيات والشعريات التي لا طائل تحتها، ولا أساس لها». وما زال على هذا المنوال حتى قال: «وكان كثير التشنيع على المُحدِّثين، وبه إندرست أعلام أحاديث الأئمة المعصومين، وطالت ألسنةُ المعاندين، بشتم الأخباريين، حتى آل الأمرُ بتعدادهم من المبتدعين، وأفتى بأخراجهم مع العجز عن قتلهم فقيهُ المروانيين». ثم قال: والهرب والحمد لله عن ذله وقتل أصحابه، بواسطة سعي الشيخ عليهم وانتدابه، وأضمر خموله فلم ينفعه
الأضمار، وأنكر تجلّداً سقوطه هو، وأصحابه عن درجة الاعتبار، ولزوم الذل والصّغار، حتى جلّ الأمر عن الانكار، فرجع إلى الاقرار، فقال: «وصار المحدّث الصارف عمره ب «قالَ الله»، و «قال الرسول»، أذلّ من اليهود والمجوس، وأصحاب الحلول.
نعم تالله لقد صدق الرجل، ولكن مشاركته مع هؤلاء ليست بالذلّ، بَلْ بفساد العقيدة مع ذلك، والقول بالتناسخ والحلول وما أشبه من هذه المسالك، والناقد البصير، يعرف أن الرجل قَدْ بلغ في الذل المبلغ الخطير، حتى صار يعبّر عن حاله بهذا التعبير. ولو ذكرتُ كيفية تشريد الشيخ لهذا الملعون، وتشتيت شمله، ونفيه كُلّ يوم عن العتبات لعذرتَ الرجل، بما قال في حق الشيخ إذ ليس له ما يدرك به الثأرَ منه والذحول، إلاّ التشنيع فيما يقول:
ولما فما هو إلاّ كالعُقابِ سلاحها *** إذا صرّتِ الهيجاءُ ناباً سلاحها
ولما رجع الشيخ من خراسان إلى طهران نُقِلتْ له كلماتُ الرجل ومطاعنه في العلماء، وانحياز فرقة إليه من الأشقياء، الذين استخواهم بزبرج لسانه، وسحره وبهتانه، وكان من تقنيعاته لهم أن الحق لم يزل مخذولاً، وما برح قليلاً، زاعماً أن الحق معه لأنه كان يختفي هو وصحبه عن السلطان وأمنائه، ويكتم في الأول أمره عنهم.
واستمر الحال على هذه المشاجرة والتخاصم حتى وقعت قضية (أشبوختر) السابقة فنُفيَ الرجلُ إلى العراق(1)، واعتقد برأيه أنَّ ذلك بواسطة إخلاص الوزير له، ثم توجَّه الشيخ بعده بأيام فوجد الرجل في النجف أو كربلاء، وعنده جماعة وحفدة، وهو يباحثهم، وقد جعل في بحثه (الأغا) المروّج غرضا لسهامه، وعرضاً لتشنيعه بكلامه، وقد صيّر الرد على مقالات (الأغا) عنواناً لبحثه. وقد انزعج لذلك أصحاب الأغا وأقرباؤه، كالسيد علي صاحب الرياض، وولده الأقا مُحَمَّد علي(2)فعزموا على إخراجه من العراق فكتبوا صورة استفتاء للشيخ الكبير لكون العوام أطوع له وأسمع منه، ومضمونه: «ما يقول شيخنا في مبتدع بالدين، يسعى بأتلاف شريعة سيد المرسلين، وما جزاءُ مَنْ سعى في الأرض الفساد، وحارب أولياء الله الأمجاد. فكتبَ: «بسم الله الرحمن الرحيم، إنّما جزاءُ الذينَ يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتّلوا أو يُصلُّبوا أو تُقطَّعَ أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو يُنْفَوا من الأرض، ذلك لهم خزيٌ في الدنيا ولهم في الآخرة عذابٌ
عظيم»(1)، والقتل أرجح الأمرين، والنفي أحوط القولين، وخصوصاً مع العجز.
والى هذا يشير الملعون بقوله هناك: «وأفتى بنفيهم بعد العجز عن قتلهم فقيهُ المروانيّين».
ثم بعثوا (بحُكم) الشيخ إلى حاكم البلد فقيل اخرج منها مذموماً مدحوراً من الصاغرين، وأن عليك اللعنة إلى يوم الدين، وتمزّق قومه كُلّ ممزّق، ووقعت الصيحة عليه، وعلى كُلّ ملحد تزندق. فدخل (طهران) متنكراً، ثم قدَّم الشفعاء، والكفلاء إلى السلطان، بأن يُعطى الأمان، حتى يجلس فيها ولا يخرج عن طاعة، ولا يشقّ عصا جماعة، ولا يأتي بمنكر أبداً، وإلا إستحقَّ القتل والعذاب. (وانتظرْ لتمام خبره، وكيفية قتله عند ترجمة موسى بن جعفر).
وهذا غيض من فيض، وإن طلبتَ الرد عليهم فانظر (رسائل) الشيخ علي الشهيدي، و(الحق المُبين) تصنيف الشيخ؛ ففيه من الحسن والبلاغة، والخروج عن العهدة ما ليس في غيره.
ولنكفَّ عنان القلم فقد تلوث بأحوال هؤلاء، ولا يغسل درن ذلك إلاّ بالعود إلى باقي مكارم أخلاق الشيخ، وطيب أعراقه.
فأمَّا علمُهُ وتقواه وجوده، فقد مرّ عليك من كُلّ واحد منها نبذة يسيرة تكفيك في بيان علو قدره، وأما فصاحته وبلاغته، وحسن مدخله في فنون الكلام فهذا أمر تعرفه بذوقك، وتميزه بذهنك، وتُصحُّه بقدر فهمك ومنزلتك من العلوم، فإن طلبت ذلك فعليك بمراجعة كتبه خصوصاً «كشف الغطاء» ثم «الحق المبين»، فإنه الضمين بما تهوى من تشجيع وتحسين وتزيين، من غير تكلف ولا جهد، ولا تعب ولا كدّ، بَلْ عن صرف القريحة، وجري القلم، وبديهة الخاطر، مع بلاغة مبدعة، وفصاحة مقذعة، وجزالة ألفاظ برقّة، ومتانة معاني بدقّة. فما شئت هناك من مصقع:
إذا قال لم يتركْ مقالاً لقائلٍ *** بمُلتقطاتٍ لا ترى بينها فصلا
كفى وشفى ما في النفوسِ ولم يدَعْ *** لذي إربةٍ بالقول جدّاً ولا هَزْلا
1) سورة المائدة 33/5
ومِنْ مختصّاته اللطيفة ما حدثني به عمّي العباس عن أبيه الشيخ الحسن بن جعفر، عن الثقات من أصحاب الشيخ الكبير: أنه لمَّا خرج الشيخ من خراسان، متوجهاً إلى طهران، بعد أن أكمل زيارته، وقضى على الوجه الأتم نافلته، فبينا نحن في متن الطريق، وإذا بفارس يلوح أنه بشمائل الملك عريق، وقد خرج علينا من ناحية البرّ، التي ليس عليها لأحد ممرّ، وهوى علينا من جبال شواهق، متقلد بمطابق المكاحل، متوشح بالبنادق، فقبض راحلة الشيخ بيديه، ثم وقع يقبل يديه ورجليه، وهو يبكي بكاء الثاكل، ودموعه تنحدر إنحدار ماء الغمام الهاطل. فقال الشيخ له: لا ويل عليك ولا خذلان، فقد ظفرت فاحمد الله بالأمان، فاقصصْ عليّ خبرك، والله لو توقف خلاصك على نفسي لن أذرك. فقال: يا مولاي أنا مصطفى على خان، من أهل خراسان، كنتُ من الوزراء العظام، ذي قوة وعشيرة مشيدة الدعام، فأراد أن يعزلني فتح علي شاه أول سلطنته، خوفاً من شدة بأسي وسطوته، فعصيته وخرجتُ عليه، وقتلتُ جملةً من الجند والعسكر بين يديه، فأقسَمَ بالأيمان المُغلّظة ليقتلني أشر قتلة بيده، وليفني في طلبي سائر عمره مع طريفهِ وتلدهِ، وأن لا يُشفّع فيّ أحد، وله سبع سنين، قد جعل عليَّ المراصد والعيون، وأنا مختف في هذه الجبال لا إلى الحياة ولا إلى المنون، لا عشيرة تحميني، ولا أرض تؤويني، وقد جاءني بالأمس بعض مَنْ غمرَهُ نوالي بالأحسان، يوم كنتُ حاكماً في خراسان، فقال وهو يعرف خبري: هذا نائب إمام العصر زار وقفل إلى طهران، وفتح علي شاه وكيل عنه، ومنصوب منه، لا يتخلف عن أمره، ولا يحيد عن قوله، فتمسّكْ بأذياله ، وَقدْ نفسك بأزمّة الرجاء واعقلها برحاله، وقد نذرتُ لك إن خلصتني من العطب، خمسين ألف ذهب، تصرفها فيما تشاء، ومثلها على يدك للفقراء، لعلّما تعمل حيلة وتدبير، وتفكّ هذا العاني الأسير.
فقال الشيخ له: على العين والرأس، فاذهب بلا ويل عليك ولا بأس، وانتظر الأمان، أول دخولي طهران. فودّعه وسار الشيخ، فلما صار عن تخت المملكة بأميال، جاء أمين الدولة وباقي الوزراء للاستقبال، فلما دخل الدار التي أعدّت له، خلى بأمين الدولة، فقال له: أريد الدخول على الشاه، فقال: على الرحب والسعة. ثم قال: وأريد أن أشفع عنده لمصطفى علي خان، وأطلب منه له الأمان. فانزعج الوزير وتغيّر، وقال: يا للعجب منك وأنت بهذه المرتبة لا تدرك استحالة هذا الأمر ولا تفيدك الممارسة مع العجم إلاّ تعرُّب، ولا تزيدك الموالفة بقواعدهم إلاّ تغرُّب، مع علمك بهذا الرجل وعصيانه، وخروجه على الشاه وشق عصا سلطانه، ولو لم يكن إلاّ أيمانه المغلظة على قتله، لكفاك رادعاً عن التعرض
لمثله، فإن كنت تريد البُلغة من المال، فهذه أموال طهران بين يديك، لا يمنعها مانعٌ عليك. فلم يزل به حتى قال الشيخ: حسبك فقد كففنا عن هذا الأمر وصرفنا آمالنا منه. ثم قاما فدخلا على الشاه وبعد أن تعانقا ملياً جعل الشاه يسأل الشيخ عن سفره وكيفية أمره، ويذكر له فقرة فقرة من راحة وتعب، ومأكل ومشرب، والشيخ يحمد الله ويشكره، ويثني على الشاه ويتشكّره. ثم جعل يسأله عن خراسان وأهلها وكيفية استقبالهم له، وابتهاجهم به، إلى أن قال له: مهازلاً: وهل كانت صيغُهُم على نظرك وإرادتك، وكم متعبة منهم تشرَّفتْ بخدمتك. فقال الشيخ: أيها الملك، مجمل الكلام أني بحمد الله بوجودك الشريف، ومن حسن إلتفاتك عليّ، لم تبق لذة من ملاذ الدنيا لم يكن زمامها بيدي، وقد تمتعت نفسي بكل شيء من ملابس، ومناكح، ومآكل، ومراكب ومراحل، إلاّ لذة واحدة لو نلتُها لكان الموت هنيئاً بعدها.
فقال الشاه: وما هي؟ فقال: ما أظنُّك تسمح بها، وإن كانت عليك يسيرة، فأقسم الشاه أن يمكن الشيخ منها ولو توقف على بذل حياته. فقال الشيخ: تلك لذة النهي والأمر، فإني أرجوك أن تنصبّني في محلك ربع ساعة، على أن يكون لي لا لك السمع والطاعة، فقال: أيسر ما طلبت وهذه أيضاً لا أبقيها بنفسك.
ثم قام وأجلس الشيخ على مُتّكئه، وجعل خاتم المُلك بيمناه، ونادي العسكر أن يُجمع فجمعوه، فقال لهم: هذا سلطانكم فخذوا له السلام الرسمي وأطيعوه، ثم تمثّل الشاه بين يديه، مثول أحد الرعية بين مَنْ له الأمر عليه، كُلّ ذلك والناس طامحة البصر، تنتظر ما الخبر.
فقال: «بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعلنا خلفاء في أرضه وحججاً على بريّته، وأمرنا بسيرة العدل، وقول الفصل، وبعدُ: فأنَّ الله أحب العفو وأمر به أولياءه، فقال: «واعفوا واصفحوا» وأنا الآن الأمام الذي تجب طاعته، ولا تجوز مخالفته، فأشهدوا أيها الناس أني قَدْ عفوت عن ذنوب مصطفى علي خان، وأرجعته حاكماً إلى خراسان».
ثم نزل من السرير، وأخذ بكف الشاه وأجلسه بمحلّه، وقال له: قَدْ وهبتك باقي المدة على أن لا تنقض حكمي.
فضحِك الشاه حتى استلقى على قفاه، وتعجب أمين الدولة من حسن مدخله، ولطف مسلكه فأخبرت الرسالة البرقيّة مصطفى علي خان بالأمان، وبعث بالأموال إلى الشيخ ففرقها جميعاً على الفقراء، وكانت بكفّه كالذرّ هبّت عليه الزعزع النكباء. وهكذا كانت عادته، عطّر الله قبره الكريم، بعَرفٍ شذيٍّ من رحمة وتسليم.
ومنها ما في «معدن الشرف»: إنَّ الشيخ كان ذات يوم عند (الصدر)، وكان يخلي له من سريره الصدر، فيجلس الشيخ والوزير بين يديه، فبينا هم كذلك إذ دخل بعض الطلبة عليه، فجلس فوق يد الشيخ فنظره الصدر شزراً، ورمق نحوَهُ عيوناً خزرا، إذ لم يكن يجسر على ذلك أحد، لأنَّ الشيخ إذا احتبى بالدست، (قلتَ غابٌ به احتبى الأسدُ)، فقام المشتغل منكسراً، وأومأ له الوزير فجلس ناحيةً. فقال الشيخ: أيها الوزير اليوم أتت عليك شكاية، فاضطرب الوزير وقال: ممن؟، فقال: من (الكنيف) فإنها تقول أنا أفضل، وأطهر من الصدر، فقلت لها: هذه دعوى تحتاج إلى بيّنة، فقالت: نعم أنا وإياه مشتركان في حمل العذرة والبول إلاّ أن ما في بطني من ذلك منه وبسببه فأنّه يأكل المآكل الجيدة فتستحيل في بطنه فيلقيها إليّ على تلك الصفة فأحملها لدفع الأذى عنه فلي المنّة علیه، ولو جُعِلَت في بطني تلك المآكل لمَّا استحالت كما استحالت في بطنه، وهو زيادة على ذلك يحمل الدم والمنيّ، وزيادة عليه يكذب ويغتاب ويظلم ويجور إلى غير ذلك من سبعيّات الصفات مما أنا خالية منه؛ فمن أحقّ بالوزارة منّا؟ فقلت لها: صدقت فيما قلت إلاّ أنه هو أفضل منك بأمور بها استوجب هذه المنزلة، فأنّه يقضي حاجة السائل، ويرحم اليتيم، ويعطف على الأرامل، ويتصدَّقُ على المساكين، ويكرم القاصدين، وهو يعظِّم العلم وأهله، ويعرف حق المعرفة شرفه وفضله، وأنت من كُلّ ذلك خالية، فلذا استحق هذه المنزلة العالية.
فنهض الوزير وقبّل يد الشيخ واعتذر إليه، وأكرم المشتغل وقضى الأمر الذي جاء عليه.
هذا ما اقتضى المقام نقله مما اتفق له في أسفاره. وهناك حكايات كثيرة قَدْ ضربنا صفحاً عنها خوف الأسهاب والأطناب، وقد أتى على كثير منها في «قصص العلماء».
ولما رجع من سفره بعد أن استمر ثلاث سنين(1)مكث في النجف عدة سنوات، ثم عزم على الحج ثانياً(2)، وكان قَدْ ابتدأ أمر الوهابي وقطعه الطرق ونهيه للحاج، فتعذّر الرواح على (نجدٍ) فمضى على الشام.
ولما نزل بها كان الشيخ إبراهيم العاملي يومئذ هناك، فمدحه بقصيدة غراء (ستأتي إن شاء الله). وكان الشيخ في رحله جماعة من الأساطين العلماء قَدْ بذل لهم الزاد والراحلة
1) يبدو أنَّ تأريخ هذه السفرة هو عام تولّى فتح علي القاجاري الحكم سنة 1212 ه / 1797 م. وكان فتح علي شاه يومذاك في السادسة والعشرين من عمره
2) من المؤكد أنَّ سفر الشيخ جعفر إلى الحج كان قبل سفره إلى ايران، حيث يدلُّ تأريخ رحلته الثانية على عام 1199 ه / 1785 م، أي قبل تولّي فتح علي شاه الحكم بأكثر من عقد من الزمن
فمنهم السيد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة، وسيد محسن الكاظمي، والشيخ مُحَمَّد علي الأعسم(1).
فلما رجعوا إلى النجف هنَّأهم السيّد أحمد بن السيد مُحَمَّد البغدادي الشهير بالعطار بقصيدة غرّاء أولها:
أسَنا جبينكَ ام صباحٌ مُسْفِرُ
(وستأتي في محلها إن شاء الله)، ويقول في آخرها مؤرخاً ذلك العام:
بشرى فقد حجّ المسدّدُ (جعفرُ)(2)
والظاهر أنها آخر أسفاره عطّر الله قبرَهُ المُصان، بعَرفٍ(3)شَذيٍّ من رحمة ورضوان.
وهي كثيرة لكنا نذكر منها ما له شأن وعظمة، وينحصر ذلك في حادثتين:
فنقول أن مبدأ هذه الطريقة الفاسدة، الكاسدة من زعيمها الأول مُحَمَّد بن عبد الوهاب المتولد سنة 1110 ه، ولما شبّ تفقه وحج ثم أظهر دعوته وهي إغفال جميع الكتب الأسلامية والأحاديث النبوية، وسائر فروع الدين، وقد ذكره بن دحلان(1)في كتابه المسمى ب«الفتوحات الأسلامية» وبيّن عقائده وأدلّته وما ردّ به، ونحن نذكر شيئاً يسيراً مما ذكره.
قال: ومؤسس مذهبهم مُحَمَّد بن عبد الوهاب، وأصله من (المشرق) من بني تميم؛ ويعني بالمشرق شرقي (مكة) كالدرعيّة وعسير وغير ذلك من قرى الأعراب الذين هم حول (المدينة) ومنها الصفّر (الجديدة). ولعل هذا أحد أسباب الأيهام بأن شيخنا أخو الوهابي، أو قرابته لأن (الجديدة) أيضاً إسم لقرية من قرى (العذار) قريبة من (جناجيّة). وهذا التوهم كما ترى. وقد قال الحموي في «مراصد الأطلاع» بعد أن ذكر قرى كثيرة اسمها (الجديدة): منها إثنان في مصر، وإثنان على شاطئ دجلة. قال: وهي كثيرة في البلدان لا تحصی.
ولنَعُدْ إلى ذكر ما أوردناه من (الفتوحات) فأنّ التعرض لمثل هذه الخرافات وردّها تضييع للعمر، وأنت تعرف بطلانها بما نذكره من كلام الدحلاني في أحوال هذا الرجل.
1) هو مفتي الشافعية الشيخ أحمد بن زيني دحلان، ولد في مكة عام 1232 ه / 1817 م، وتولّى منصب الافتاء والتدريس فيها. تُوفي سنة 1304 ه / 1886 م وكتابه «الفتوحات الاسلامية» مطبوع في مجلدين. كما أنَّ له رسالةً بعنوان «الدرر السنيّة في الرد على الوهابية» طُبعتْ في القاهرة عام 1319 ه / 1921 م. وقد كرر فيها الحديث عن تاريخ الحركة الوهابية. الدرر السنيّة، ص 42 وما بعدها
قال: وكان من المُعمِّرين لأنه عاش قريب المائة سنة حتى انتشر عنه ضلالهم، وكانت ولادته سنة ألف ومائة وأحد عشر، وهلك سنة ألف ومائتين وستة. وأرّخه بعضهم بقوله: «بدا هلاك الخبيث».
وكان في ابتداء أمره من طلبة العلم بالمدينة المنورة، وكان أبوه رجلاً صالحاً وكان أبوه وأخوه ومشايخه يتفرسون فيه أنه سيكون منه زيغ وضلال لما يشاهدونه من أقواله وأفعاله ونزعاته في كثير من المسائل. وكانوا يوبّخونه ويحذّرون الناس منه فحقق الله فراستهم فيه لما ابتدع ما ابتدعه من الزيغ والضلال الذي أغوى به الجاهلين، وخالف فيه أئمة الدين، وتوصل بذلك إلى تكفير المؤمنين. فزعم أن زيارة النبي (صلی الله علیه وآله) والتوسل به وبالأنبياء والأولياء، وزيارة قبورهم، ونداءهم لأمر، أو شفاعة شرك بالله، وأن من أسند شيئاً لغير الله ولو على سبيل المجاز العقلي يكون مشركاً نحو (نفعني هذا الدواء) أو هذا الولي، وتمسك بأدلة لا تنتج له شيئاً من مرامه وأتى بعبارات مزورة ولبّس بها على العوام حتى اتّبعوه. وألّف لهم في ذلك رسائل حتى اعتقدوا كفر أكثر أهل التوحيد. واتصل بأمراء المشرق من أهل (الدرعية)، ومكث عندهم حتى نصروه وقاموا بدعوته وجعلوا ذلك وسيلة إلى تقوية ملكهم واتساعه، وتسلطوا على الأعراب والبوادي حتى تبعوهم، وصاروا جُنداً لهم بلا عوض. وصاروا يعتقدون أن من لم يعتقد بما يقوله ابن عبد الوهاب كافر مشرك مُهْدَر الدم والمال.
فكان ابتداء ظهور أمره سنة ألف ومائة وثلاثة وأربعين، وابتداء انتشاره من بعد الخمسين وألف ومائة.
وألّف العلماء رسائل كثيرة للرد عليه حتى أخوه سليمان(1)، وبقية مشايخه.
وكان ممن قام بنصرته وانتشار دعوته من أمراء المشرق مُحَمَّد بن سعود أمير (الدرعية)، وكان من بني (حُنيفة) قوم (مسيلمة الكذاب). ولما مات مُحَمَّد(2)قام بها ولده عبد العزيز(3)، ثم ولده سعود بن عبد العزيز(4).
وزعم ابن عبد الوهاب أن مراده بهذا المذهب الذي ابتدعه إخلاص التوحيد، والتبرّي
1) الشيخ سليمان بن عبد الوهاب هو أخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد عارضه في دعوته، و ، وكتبَ ردَّاً عليه بعنوان (الرد على مَنْ كفّر المسلمين بسبب النذر لغير الله). تُوفي حدود عام 1210 ه / 1795 م. ومعارضة الشيخ سليمان لأخيه الشيخ محمد مظهر من مظاهر الصراع البريطاني - العثماني في منطقة الشرق يومذاك
2) مُحَمَّد بن سعود، تُوفي سنة 1178 ه / 1765 م
3) قُتل عبد العزيز بن مُحَمَّد سنة 1218 ه / 1803 م
4) توفي سعود بن عبد العزيز سنة 1228 ه / 1814 م
من الشرك، وأن الناس كانوا على شرك منذ ستمائة سنة، وأنه جدّد للناس دينهم وحمل الآيات القرآنية التي نزلت في المشركين على أهل التوحيد كقوله تعالى: «ومَنْ أَضَلُّ من يدعو من دون الله مَنْ لا يستجيبُ له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون»(1)وأمثال ذلك. وقال بعد أن أتى بآيات من ذلك القبيل كثيرة: إن من توسل بغير الله مطلقاً داخل في عموم تلك الآيات. ثم قال: واعتذار المسلمين في ذلك كاعتذار المشركين في عبادتهم الأصنام حيث قالوا فيما حكى الله عنهم: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»(2)فإن المشركين ما اعتقدوا في الأصنام أنها تخلق شيئاً بَلْ يعتقدون أنه الله تعالى بدليل قوله تعالى: «ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله»(3)فما حكم الله عليهم بالكفر والأشراك إلاّ لقولهم: «ليقربونا زُلفى». وهؤلاء مثلهم.
ومما ردّوا به عليه: أن المؤمنين ما اتخذوا الأنبياء والأولياء آلهة ولم يجعلوهم شركاء لله بَلْ يعتقدون أنهم عبيد مخلوقون لله، ولا يعتقدون أنهم مستحقون شيئاً من العبادة، والمشركون الذين نزلت فيهم الآيات كانوا يعتقدون استحقاق أصنامهم الألوهية ويعظمونها تعظيم الربوبية وإن كانت لا تخلق شيئاً. وأما المؤمنون فيعتقدون أن الأنبياء والأولياء عباد الله وأحباؤه اصطفاهم واجتباهم فببركتهم رحم عباده، ولذلك شواهد كثيرة.
ثم أخذ الدحلاني في ذكرها وتفصيل الرد عليهم بما لا مزيد عليه نقلاً عن العلماء.
ثم أردفه بتفصيل أحوالهم وانتهاء أمرهم بما حاصله أن مُلْكَهم إتسع حتى ملكوا اليمن والحرمين وقبائل الحجاز وبلغ ملكهم قريباً من الشام. ثم انتشب القتال بينهم وبين أمير مكة الشريف غالب ابن مساعد(4)ووقعت بينهم وقائع كثيرة قتل فيها خلائق كثيرون. ولم يزل أمرهم يقوى، ويُدْعَتهم تنتشر إلى أن دخلت تحت طاعتهم أكثر القبائل و(العربان) الذين كانوا تحت طاعة شريف (مكة). ثم نازلوا (الطائف) وحاصروا أهله رجالاً فهزموهم، ونساءً فأسروهم إلى أن فتحوا البلد، ونهبوا الأموال، وعزموا على التوجه إلى مكة فوقفوا حتى انقضت أشهر الحجّ وعلموا بخروج الحاج المصري، والشامي فتوجهوا إلى مكة، ففرّ الشريف
1) سورة الأحقاف 5/46
2) سورة الزمر 3/39
3) سورة الزخرف 87/43
4) الشريف غالب بن مساعد الحسني قاتَل الأمام سعود بن عبد العزيز لكنّه لم يصمد أمامه فأظهر الطاعة له. وعاد إلى مكة بعد فراره إلى (جدة) أميراً عليها مظهراً ولاءه للأمام سعود. ولمّا زحف مُحَمَّد علي باشا والي مصر، قبض عليه وأرسله إلى مصر سنة 1228 ه / 1814 م ثم إلى الاستانة حيث نُفيَ إلى جزيرة (سلانيك) فتُوفي فيها عام 1231 ه / 1816 م
إلى (جدّة) لعلمه بعدم الطاقة لمحاربتهم فطلب الأمان منهم أهل (الحرم) خوفاً أن يصنعوا ما صنعوا في (الطائف) فآمنوهم، ودخلوا البلد، وحكموا بها على ما يريدون حتى توجه الشريف إليهم من (جدّة) مع عسكر سلطاني قائده والي جدّة شريف پاشا فدخلوا مكة وانهزم الوهابيون. والحاصل أنهم لم يزالوا أياما وأعواماً على هذا يغلبون (غالب) ويغلبهم، وقد هدموا أكثر (القُبب) التي على قبور الأولياء والأنبياء لِما يرون أنَّها بدعة، وحرموا (التنباك)، وجعلوا يقتلون من يستعمله.
وكانت الدولة العثمانية في ارتباك كثير، وشدة قتال مع النصارى، وفي اختلاف من خلع السلاطين وقتلهم، إلى أن صدر الأمر السلطاني من ابن عبد الحميد الأول محمود الثاني إلى مُحَمَّد علي باشا والي مصر، فبعث ابنه (طُوسون) مع جيش من العسكر، وكان مشغولاً بقتل (المماليك) وهم طائفة من عسكر مصر تمرّدوا. ثم توجه مُحَمَّد علي بنفسه مع عساكر بتمام القوة والاستعداد، وكان معهم ثمانية عشر مدفعا وثلاثة (قنابر)، فاستولى على ما كان بيد الوهابية وأخذوا (الصّفر) و(الجديدة) بالمخادعة ومصانعة العرب ببذل الدراهم وكان هذا بتدبير الشريف غالب، وهو في الظاهر تحت حكم الوهابية. فلم يزل الپاشا يقبض على واحد بعد واحدٍ من أمراء الوهابي وأعيانه وأعوانه الذين نصَّبهم وكلاء عنه في البلاد، ويبعث بهم إلى (قسطنطينية) فيُصلبون هناك.
وفي أثناء تلك الحروب مات مُحَمَّد بن عبد الوهاب حتف أنفه سنة ألف ومائتين وخمس(1)، وعمره خمس وتسعون فقام بالأمر بعده سعود وابنه مُحَمَّد، واستمر على حاله من المحاربة والدعوة إلى ذلك المذهب حتى توجه مُحَمَّد علي باشا إليه فجلاه عن الحرمين بعد أن انتهب ما فيهما من الخزائن ونفائس الجواهر ثم تحصّنَ بمسقط رأسه (الدرعية). وبعد أن أمِّنَ مُحَمَّد علی پاشا الحرمين وجلا ذلك الخبيث وأحزابه عنهما أبقى هنالك عُدّةً من العسكر، ورجع إلى مصر.
ثم بعث ابنه إبراهیم پاشا لقتال عبد الله بن سعود ومن تحصّن من قومه بالدرعية خوفاً من أن يعود على سيرته الأولى. وكان قَدْ هلك في الأثناء من أصحاب الپاشا ابنه (طوسون)، ومن أصحاب الوهابية أميرهم الأعظم سعود بعد زعيمهم الأول مُحَمَّد بن عبد الوهاب، وكان قَدْ تخلف بعدهما عبد الله بن سعود. وكان قَدْ تكاتب مع طوسون پاشا. وعقد صلحاً بينهما على بقاء إمارة عبد الله هذا، وعدم خروجه بعد على الدولة، فلم يقبل به مُحَمَّد علی پاشا وبعث مع ابنه إبراهيم عسكراً ذا عدة، فنازلت جيوشهم عبد
1) تُوفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة 1206 ه
وكثرت الوقائع بينه وبين إبراهيم حتى كان آخر الأمر أن قبض إبراهيم على عبد الله سنة ثلاث وثلاثين بعد المائتين وألف، وبعث به إلى (مصر). فأدخلوه على هجين، وازدحم الناس عليه للتفرّج حتى أدخل على مُحَمَّد علي باشا فأكرمه وجعل يلاطفه وقال له: ما هذه المطاولة؟ فقال: الحرب سجال. وكان معه صندوق صغير فقال له الپاشا: ما هذا؟ فقال: هذا ما أخذه أبي من حجرة الحرم أصحبه معي للسلطان، فأمر الپاشا بفتحه فوجدوا ثلاثة مصاحف من خزائن الملوك لم يَرَ الراؤون أحسن منها، ومعها ثلاثمائة حبّة من كبار اللؤلؤ، وزمرّدة كبيرة، وشريط من الذهب، ثم بعث بعبد الله إلى ( السلطان) فطافوا به في (قسطنطينية)، وقُتِل عند باب (الهمايون).
ورجع إبراهيم باشا بعد أن خرب الدرعية خراباً كلياً ولم يبق بها أحد.
هذا مجمل أحوالهم مع تمام الجهد في الاختصار لقصر المقام عن التفصيل. وعلى هذا فانتشار مُلكهم، وقوة شوكتهم استمرت ثمانين سنة.
وكان يمنّي نفسه بأخذ (العراق) ولكن يمنعه علمه بأن فيها جنداً ذوي منعة وقوة لا طاقة له بهم. ولكن كان ينازل (النجف) و(كربلاء) كثيراً لعلمه بضعف من فيها من فيها من الأهالي، وعدم مكث الجند والعسكر بها، حتى أنه أرجف (النجف) خمس أو ست دفعات. وكان الله يكفيهم شره فيها، ولكن بعد أن يقتلهم الخوف والاضطراب لأنه كان يأتي بجنده فاذا سمعوا به غلّقوا الأبواب فيطوف حول (السور) فمهما وجد دابة على الأرض من حيوان أو إنسان، رجلاً أو طفلاً، ذكراً أو أنثى قتله ورمى برأسه داخل البلد. وكان يأتي من أصحابه العشرة، والعشرون فيدخلون البلد على حين غفلة من أهلها فيقتلون وينهبون ثم ينهزمون بكل ذلك لقرب منازلهم وهي (نجد) و(القصيم) إلى العراق خصوصاً (النجف) منه.
وكانوا يأوون إلى السيد محمود الرحباوي(1)فيبيتون الرحبة، ويُصبحون بغاراتهم (النجف) ثم يُمسون في (الرحبة ). وكان الشيخ يومئذٍ هو المرجع والمآل في جميع الأحوال، فنهى السيد محمود عن إيوائهم وإخباره أهل النجف بمجيئهم، فأبى عن كُلّ ذلك، وهذه إحدى دواعي قتله كما سيأتي قريباً.
فالتجأ إلى تداركِ الأمر من زعيمهم الأول لمَّا أخبر به من عقله ووفور معرفته. فجعل يكاتبه على البعد، ويطلب الأمان منه بأنواع اللطائف والحيل حتى سمح له بذلك، وأمر
1) قُتل السيد محمود الرحباوي في شهر ذي القعدة سنة 1227 ه / 1812 م. والسادة الذين سكنوا (الرحبة) هم بقية من السادة الصفويين الهاربين في عهد الغزو الأفغاني لبلاد فارس
جنده بأن يكفوا شرهم عن (النجف) ففعلوا. فلم تأتِ غارة للنجف مدة بقاء مُحَمَّد الوهابي في قيد الحياة.
وحدثني بعضُ الثقات المطلعين ممن طاف في تلك الآفاق، ورأى بعض أولئك القوم أنه قال بعض أولاد الوهابي: أصحيح ما يقال من قرابتكم للشيخ جعفر النجفي، فقال: قَدْ سمعنا ذلك من أهل العراق وهو كذب لا أصل له لأنَّ (جدَّنا) رجل نجدي هاجر بأولاده إلى المدينة المنورة لطلب العلم فاخترع ولده (مُحَمَّد) هذا المذهب، ومضى به إلى (مصر) يدعو أهله فطردوه، ولم يقبلوا منه، فجاء إلى (مكة) ثم رجع إلى (الشام)، ثم إلى (المدينة) فلم يجد من يتبعه ويأخذ بيده حتى جاء إلى مسقط رأسه، ومحل قومه وعشيرته وهي منازل (نجد) - وكان أميرها (سعود) - فتجلّى الحق له فاتبعه، وصار له ساعد يصول به، ويبطش فيه. ولم يمضِ أحد منّا إلى (العراق) لا مُحَمَّد ولا غيره من عشيرتنا. نعم، قَدْ بعث جدُّنا أسرته لغزو (النجف) فنَهبتْ وقَتَلتْ شيئاً يسيراً، ثم جاء هو بنفسه إليها ليهدي أهلها إلى دعوته فأن قَبلتْ وإلا قُتِلتْ، وعزم على تخريب (النجف) وإفنائها إن لم يقبلْ أهلها بدينه؛ فلما نزل بجيشه (الرحبة) عند السيد محمود، بعث الشيخ بقُرآن نفيس من هدايا سلاطين العجم إليه، وبعث معه كتاباً يطلب الصلح والأمان من جدنا، وأنه هو وأهل النجف جميعاً على دينه غير خارجين عن طاعته، والتمس منه أن لا يدخل (النجف) هذه الدفعة لأن أهلها في خوف منه واضطراب، فأجابه إلى ذلك مُحَمَّد.
وكان الشيخ جعفر قَدْ سأله أن يُنَصَّبهُ حاكماً في النجف من قبله، فبعث إلى أهل النجف كتاباً يأمرُهم بطاعة الشيخ، وأنه (وكيل) عنه عليهم.
ثم رجع مُحَمَّد بجيشه، واشتغل بالوقائع والحروب التي بينه وبين طوسون پاشا وشريف مكة فلم يمكنه العود إلى (النجف).
قال الراوي: وقالوا إِنَّ كُتبَ الشيخ لجدّنا، وكتُب جدِّنا إليه محفوظة عندنا، وأطلعوني على بعضها فكان مضمونها كما قالوا، فما أدري تلفيق منهم على الشيخ، أم واقع الأمر كان كذلك، لأنه رأى انحصار الدفع عن بيضة الدين بذلك إلى أن يستعد لدفاعهم، والله وأولياؤه أعلم.
ثم بعد أن مات مُحَمَّد كثرت الحروب والوقائع بين خليفته (سعود)، وبين أمراء الدولة، وجلوهم عن الحرمين، جعلوا يطلبون العُدّة لهم والقوة من أموال ورجال، فبعث ابنه عبد الله إلى (كربلاء) و(النجف) وقال له: إنْ سلَّموا لك وبعثوا معك عدة حسنة فاكفف عنهم، وإلاّ فأنزل بهم الفناء. فنازل (النجف) بجنده، وكان الخبر قَدْ بلغ الشيخ وأصحابه وكان قَدْ
استعدَّ لهم بعض الاستعداد ونقل (خزنة) الأمير (علیه السلام) وبعث بها إلى (بغداد) مع مَنْ يُعْتَمَدُ عليه من أصحابه، فقيل كانت الجواهر التي فيها مقدار حمل عشرين بغلاً، وإنّما نقلها الشيخ لئلا ينهبوها كما نهبوا خزينة (الحرم).
وحدثني بعض أعمامي عن بعض الشيبة أن الشيخ رأى في المنام قبل أن يأتي خبر عبد الله ومجيئه إلى (النجف) وقد حدثنا بها وأحس بالشرّ، وهي أن رجلاً جاءه وقال له أجب أمير المؤمنين فأنه يدعوك، فقمت معه حتى جئت (الصحن) الشريف؛ فخلعتُ نعلي، ودخلت إيوان الذهب فرأيت الأمير (علیه السلام) جالساً على كرسيٍّ له في صدر الأيوان وعن يمينه رجلٌ، وعن شماله آخر، وبين يديه بَطلٌ، قَدْ اتكأ على الحائط المقابل له؛ فوقفت إلى جنب ذلك البطل وسلّمت فردوا عليَّ السلام، وكانوا مطرقين برؤوسهم إلى الأرض، فرفع الأمير (علیه السلام) رأسه والتفت إلى الذي عن يمينه وقال: يا بُنيّ يا (حسن) إصبر كما صبر أبوك من قبل، فقال: يا أبَ صبرتُ وسأصبر، ثم أطرق ورفع رأسه فقال: يا بُنيّ يا (حسين) اصبر كما صبر أبوك وأخوك من قبل، فقال: صبرت وسأصبر، ثم أطرق ورفع رأسه وقال للذي بين يديه: يا بُنيّ يا (عبّاس) اصبر كما صبر أبوك وأخواك من قبل، فقال مع التغيّر والانزعاج: لا والله يا أبَ لا أعطي بمن يستحميني ويستجير بي، ثم كرر الأمير (علیه السلام) كلامه والعباس يجيبه بذلك الجواب.
يقول الشيخ ثم إلتفتَ إليَّ وقال: يا شيخ يا شيخ، احفظ (النجف) احفظ (النجف)، فقلتُ: سمعاً وطاعةً. ثم داخلني الرعب والرهب من هيبته فاستيقظتُ وفرائصي ترتعد وجوانحي تضطرب، وبقيت أنتظر الشأن حتى جاء الخبر أن (سعود) فتح (المدينة) وهدّم (البقيع) وقبور الأئمة (علیهم السلام) وجعلها قاعاً صفصفاً وانتُهِبتْ خزائن (القبر) المُطهّر، وما فيها من النفائس. فقلتُ هذه إحدى العلامات، وبعثتُ بالخزينة إلى (بغداد).
ثم أخذ (الشيخ) يستعد بتعبئة السلاح، وجمع الدروع، وجلب (التفق) إلى النجف فما كانت إلاّ أيام حتى أتى عبد الله بجنود، ونازلها ليلا فبات تلك الليلة على أن يفتح (البلد) صبحاً ويوسعها قتلاً ونهباً. وكان (الشيخ) قَدْ غلّق أبواب البلد وجعل خلفها أحجاراً كباراً لأنها كانت محفّرة، وعيّن لكل واحدة عدة من المقاتلين شاكين السلاح، وأحاط باقي الناس بسور البلد من داخلها، وكان يومئذ محفّراً واهي الدعائم، وكان ما بين كُلّ أربعين أو خمسين ذراعاً حجرة تسمى (قولة)، كما هي الآن كذلك، وكان قَدْ وظف في كُلِّ (قولة) جماعة من المؤمنين المسلحين.
وكان جميع مَنْ في البلد من المقاتلين لا يزيدون على المائتين لأن أغلب أهل (النجف)
خرجوا منها، واستجاروا بأعراب العراق لمَّا سمعوا من سيرة الوهابي بالقتل والنهب والسبيّ، فلم يبق مع (الشيخ) إلاّ الصفوة من العلماء كالشيخ حسين نجف(1)، والسيد جواد العاملي(2)، والشيخ خضر شلال(3)، والشيخ مهدي ملا كتاب(4)، وغيرهم من الشَيَبة الأطياب، وبعض من العوام.
وكان قَدْ وقع التشاجر بين العلماء في هذه المسألة، فبعضهم أوجب الخروج من النجف تقديماً لأدلة حفظ النفس فخرجوا ومن اتبعهم، وبعضٌ كالشيخ، والسيد جواد، وباقي العلماء أوجبوا الجهاد تقديماً لأدلة حفظ بيضة الدين على المسلمين. وقد صنَّف السيد جواد العاملي رسائل في الرد على من خالفهم في ذلك، وشنّع بها على من خرج من (النجف).
ثم أن الشيخ وأصحابه وطّنوا أنفسهم على الموت لقلتهم، وكثرة عدد عدوهم، وكان الشيخ قبل مجئ هذا الخبيث حفر في داره الكبيرة (سرداباً) ينزل في الأرض مقدار أربعين درجاً، وهو من العجائب لأن الشيخ صنعه بهندسته ليُخفي فيه أولاده وعياله خوفاً من السبي فجعله بحيث لا يهتدي إليه أحدٌ إلاّ من علم بكيفية طريقه، وسلك فيه مراراً، وهو موجود إلى الآن، ويعرف بسرداب الوهابي. وهذه الدار من منن الله علينا، ونحن نازلون بها، وهي من مدة ثلاثين سنة في أيدينا. وستأتي كيفية بنائها، وإتقانها، وحسن ترتيبها، وبنيانها.
ثم أن (الشيخ) أخفى أولاده ونساءه في (السرداب)، وجعل معهم من الطعام ما يكفيهم مقدار شهر كامل، وودّعهم وداع مفارق وقال: إن هذا الملعون سيأتي إلى النجف، فإن أظفرنا الله عليه فبها، وإلاّ فسيقتلنا ويدخل النجف فلا يرى شيئاً بها مما يريد من مال أو رجال فسيتركها ويرتحل، وأما أنتم فاخرجوا بعد الشهر وكاتبوا الأطراف، ومن خرج فليعد، ولا تقصروا في السعي بتعميرها أبداً، ولا تخرجوا منها، ولو بقيت خالية. إلى غير ذلك من الوصايا والترتيبات لأحياء الملّة والدين حياً وميتاً.
وأما ابن سعود فأنّه بات بجنده تلك الليلة خارج البلد، وما أصبح الصباح إلاّ وهم قَدْ انجلوا عن تلك البقعة ولم يبق منهم بها أحد.
1) تُوفي الشيخ حسين نجف سنة 1251 ه / 1835 م
2) تُوفي سنة 1226 ه / 1811 م. وهو صاحب الكتاب الفقهي الشهير «مفتاح الكرامة»
3) الشيخ خضر بن شلاّل كان من تلامذة الشيخ جعفر كاشف الغطاء. تُوفي عن ثمانين عاماً سنة 1255 ه / 1839 م
4) الشيخ مهدي مُلا كتاب من زُهّاد زمانه، كان موصوفاً بالفقاهة والعلم. وهو من معاصري هذه المرحلة
ثم توجَّه إلى (كربلاء) فقتل أهلها قتلاً ذريعاً حتى فاض الدم من الحرم الحسيني كالميازيب ولم ينجُ إلاّ مَنْ لاذ بالحرم العبّاسي حيث قال الملعون عبد الله: «خلُّوا حرم العباس فأنّه إبن أختنا». ودق القهوة على ضريح أبي عبد الله (علیه السلام)، وأحرق قبر حبيب بن مظاهر، إلى غير ذلك من الأفعال الشنيعة، ثم ولى هزيما، لعنه الله وعذَّبه عذاباً أليما.
هذا مجمل أحوالهم، وإن كان بالنسبة إلى رسالتنا المبنيَّة على الاختصار تطويل، لكن إنما ذكرنا لك النبذة الأولى من أحوالهم لتطلع على كذب أعداء الله على أوليائه، وكيف يؤول الحسد والشنان بأصحابه وخلفائه، والأولى الامساك عنهم، والكف فإنهم أقل وأحقر، من أن يرد أحد بشئ أو يذكر:
وما أشكو تَلوّنَ أهل دهري *** ولو أجدتْ شكيّتُهم شَكوتُ
مَللتُ عِتابَهُمْ وَيَئِستَ مُنهُمْ *** فَما أرجوهُمُ فيمَنْ رجَوتُ
إذا أدمَتْ قوارضُهُمْ فُؤادي *** كظمتُ على أذاهُمْ وانطويتُ
ورُحتُ عليهمُ طَلْقَ المُحَيّا *** كأني ما سمعتُ ولا رأيتُ
ويومَ الحشرِ موقفُنا وتبدو *** صحيفةُ ما جَنوهُ وما جنيتُ
ولما ألقتني مراحل الأقلام، في هذا المقام، أعثرني التوفيق على لؤلؤة مكنونة، وجوهرة مخزونة، كانت مطروحة في زوايا الخمول، على أنها مما يبهر العقول، وهي (رسالة) لشيخنا الأكبر، علامة الدهر، حجة الله الكبرى، وآيته العظمى، الشيخ جعفر، أفاض الله رَوحهَ على روحه، وأعلى على الضراح شامخ ضريحه، (في ردّ الوهابية)، وهي بديعة في مقامها غاية الأبداع، وقد سلك فيها مسلكاً لطيفاً، وعمل بقوله تعالى فيما أمر به نبيّه موسى (علیه السلام) حيث قال له: «فقولا له قولاً ليّناً لعله يتذكر أو يخشى»(1)فأنَّ الشيخ سلك مسلك اللين والانعطاف، وتطلّب الأنصاف، وتجنب العنف والأعتساف، لما فيه من جذب القلوب إلى الحق، واستجلابها باللين والصدق. حيث أنه يقول مخاطباً الشيخ عبد العزيز بن سعود: «يا أخي يا أخي»، في أواخر الفصول، وجعل نفسه من طلبة أهل (بغداد) مُكنّياً بذلك عن كونه من أهل (السنّة) والجماعة ليتوصل إلى الغرض شيئاً فشيئاً، ويرتقي من مرتبة إلى أخرى، على أنه ليس قصده إلاّ أن يُقْلع الوهابي عما هو عليه من تكفير سائر المسلمين شيعة وسُنّة، (ولو على أن يكون هو منهم) فأنّهم لا يرون وجوب قتال من يشهد الشهادتين، وهو يرى وجوب قتال من خالف طريقته ولو بيسير، ولهذا كان أمره على
1) سورة طه: 44/20
المسلمين عسير.
وحيث كان الوهابي لا يعتمد إلاّ على الصحاح الستة وأمثالها من متقدمي أهل السنّة والجماعة مدّعياً أنهم على طريقته، إلتزم الشيخ في ردّه بأن لا يأتي له إلاّ بأحاديثهم المروية بطرقهم المسلمة عندهم، وهذا أشد في الأبلاغ وأعذر، وأكد في الأعذار وأنذر. ولكن ما أسفتُ على شئ من عمري، ولا تلهفتُ على ما مضى من دهري، كما أسفتُ على عدم ما فات مني من التوفيق والحظوّ بتمام (الرسالة) لأني لم أعثر منها إلاّ على كراس واحد بخط عمي المرحوم المبرور الشيخ موسى(1)بن الشيخ مُحَمَّد رضا (تغمدهما الله بالغفران والرضا). وكنتُ أرى هذه الوريقات فى مجموع أوراقه ( رحمه الله) فلا أعرف قضيته، حتى أخبرني الوالد الماجد صاحب الشرف والفضيلة الشيخ عليّ (سلّمه الله) أن أخاه الشيخ أخبره بخبرها وأنه وجدها عند بعض الطلبة، ولم يتمكن إلاّ من كتابة هذا المقدار منها، وأنها كانت عنده تامة. وها أنا قَدْ أثبتُ لك ما عثرتُ عليه من ذلك لأنها عزيزة النُسخة، بَلْ معدومة الوجود. وقد أذنتُ لَمَنْ عثرَ على الباقي أن يدرجه في رسالتنا هذه طلباً لعموم المنفعة ولكثير الفائدة(2). وأنت بعد مراجعة تصانيف الشيخ ورسائله خصوصاً «الحق المبين»، الذي ردّ به على الأخباريين، وتراجع هذه النبذة اليسيرة التي نوردها لك، منها تعرف أن هذا المنهج والترتيب، وذلك الأسلوب الغريب، من تقفية وتسجيع، الذي هو على صرف القريحة، وجري الخاطر السريع، بلا تكلف ولا كد، ولا تعب ولا جهد، من واد واحد، وقد أوردنا لك ما وجدناه بنصّه فخذه تجده على ما تهوى من بلاغة وفصاحة وردود كافية، وتقنيعات شافية وهي هذه:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي تفرد بالوحدانية والقدم، واشتق نور الوجود من ظلمة العدم، وأسس قواعد الشرع وفق المصالح والحكم، وفضّل أمة مُحَمَّد (صلی الله علیه وآله) على سائر الأمم، وأنزل القرآن فيه آيات محكمات هُنَّ أمّ الكتاب وآخر متشابهات، وحذر عن اتباع الملاذ والشهوات، وأمر بالوقوف عند الشبهات، وأنذر عن متابعة الآباء والأمهات. والصلاة والسلام على من قدّمه على جميع أنبيائه، وفضله على كافة أصفيائه، مُحَمَّد
المختار، صلى الله عليه وآله ما أظلم ليل وأضاء نهار.
وبعد: فقد ورد - إلى المقصّر مع ربه، التائب إليه من ذنبه، الطالب من الله السداد (جعفر) أقل طلبة بغداد -، كتابٌ كريم، مشتمل على كلمات كالدر النظيم، ممن لم يزل بالمعروف أمراً وعن المنكر ناهياً زاجراً، الأمر بعبادة المعبود، الشيخ عبد العزيز بن سعود. فلما نظرته، وتدبرته، وتأملته، وتصورته، وخلوت في زاوية الدار، وتصفحته تصفّح الانصاف والاعتبار، وقلتُ مُتَّهماً لنفسي بالميل إلى العصبية والعناد، والركون إلى ما عليه الآباء والأجداد، يا نفس اعرفي قدر دنياك، واحذري شرّ من أغوى أباك، لقد تخليتِ عن نعيم الدنيا بحذافيرها، وقنعتِ بقليلها ولو بقرص شعيرها، وتجنبت دار العزّة والوقار، واخترت العزلة في هذه الدار، فلو كنتِ في كبار البلدان، من ممالك بني (عثمان) أو في بعض بلدان فارس وايران، لجاءتْ إليك الدنيا من كلّ جانبٍ ومكان، ونلت من النعيم ما لم ينلْهُ إنسان، فاحذري أنْ تكوني مع الأعراض عن هذه النِعم الفاخرة، ممن قد خسَر الدنيا والآخرة.
فلمَّا شممتُ منها رائحةَ التصفية، ورأيتُ أنَّ نسبة المذاهب لولا الله عندها على التسوية، وجهتُها إلى الكشف عن حقيقة الجواب، عن الشبه المُوْرَدة في ذلك الكتاب. ورأيتُ أنْ أشرحَ في الحال رسالةً على وجه الأختصار مستمداً من فيض الواحد القهّار، وسميتُها (منهج الرشاد لِمَنْ أرادَ السداد).
فأُقسِمُ عليكَ بِمَنْ جعلكَ متبوعاً بعد أنْ كنتَ تابعاً، ومُطاعاً بعد أنْ كنتَ لغيركَ مُطيعاً سامعا، وأعزَّكَ بعدما كُنتَ ذليلاً، وكثَّر جمعَكَ بعدما كنت نَزْراً قليلا، أنْ تنظرَ ما رسمتُهُ سطراً سطرا، وتُمعنُ في تحقيق ما رقمتُهُ نَظراً وفكرا؛ متوحشاً من الناس وقتَ النظر، متحذراً من النفس الأمّارة كُلَّ الحذر، طالباً من الله كشفَ الحقيقة، سالكاً في المُناظرةِ واضحَ الطريقة، فلعلَّه يظهرُ أنَّه ليس بيننا نزاع، فنحمدُ الله على الأتفاق والأجتماع.
وقد رتبتُها على مقدمةٍ، ومقاصدٍ، وخاتمة.
أمَّا المقدّمة فتشملُ على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في أنَّ الأفعال والكلمات تختلفُ باختلاف المقاصد والنيّات
فمَنْ قال (يدُ الله، وعين الله، وجَنبُ الله) وأرادَ الجوارح على نحو ما في الأجسام، أو قال: انَّ الله على العرش استوى، أو في جهة الفوق، وأرادَ الحلول والاختصاص التام، أو أسندَ الرحمة إليه، أو الغضب، وأرادَ رقّة القلب، أو ثوران النفس على نحو ما يُعرف بينَ الأنام، أو أسند الرزق الى المخلوق أو دعاه، أو استغاثَ به على نحو ما يُسندهُ الى الملك العلام - كان خارجاً عن مقالة أهل الأسلام.
وأمَّا مَنْ قَصَدَ بها معاني أُخر فليس عليه من بأس ولا ضرر، وليس هذا كصنيع المُشركين فأنَّ الفرق ظاهرٌ كما سنبيّنُهُ كمالَ التبيين، فالمستغيث بالمنسوب مستغيث بالمنسوب إليه، والمستجير بالمكان مستجير بمن سلطانه عليه، فمن أراد الأستجارة والأستغاثة بزيد فله طريقان: الأول: أن يهتف باسمه، والثاني: أن ينادي بصفاته أو مكانه أو خدمه. وثانيهما أقرب إلى الأدب، وأرغب لطباع أرباب الرتب، فلا يكون المستغيث الله ببیت أو بصفات الله أو برسل الله أو المقربين عند الله إلاّ مستغيثاً بالله. فكل من دعا مخلوقاً مقرباً عند الله أو استغاث به قاصداً بحسن التعبير، الأستغاثة باللطيف الخبير، فليس عليه بأس في ذلك، بَلْ هو سالك في الآداب أحسن المسالك. وكذلك من أسند تلك الأشياء بمجرد الربط الصوري، لا على قصد التأثير الحقيقي، كما يُقال: أنبتَ الربيعُ البَقلَ، والمُنْبِتُ هو الله، وبنى الأميرُ القصرَ، والباني غيره. فأطلاق (السيد) و(المالك) على غير الله وإضافة العبد والمملوك في الأحرار إلى غير الله إنْ أُريدَ بها الملكة الحقيقية، كان خروجاً عن الطريقة الشرعية، وإلاَّ فلا بأس به بالكلية.
ولهذا ورد في الأخبار النبوية إطلاق (السيد) على غير الله. روى أبو هريرة عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة»، وعن سعيد الخدري عنه (صلی الله علیه وآله) أنه قال: «الحسن والحسين (علیهما السلام) سيدا شباب أهل الجنة»، وعن علي (علیه السلام) عن النبي (صلی الله علیه وآله) قال: «أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة»، وعن فاطمة (علیها السلام) قالت: «أخبرني النبي (صلی الله علیه وآله) أني سيدة نساء العالمين» رواه الترمذي. وروى أبو نعيم الحافظ قال قال النبي (صلی الله علیه وآله) : «أدعولي سيد العرب علياً»، وفي حلية الأولياء أنه (صلی الله علیه وآله) قال لعليّ: «مرحباً بسيد المؤمنين»، وعن أبي بكر عنه (صلی الله علیه وآله) أنه قال: «إنَّ الحسن والحسين ابنيّ هذان سيدان»، وعن عائشة عنه (صلی الله علیه وآله) أنه سأل ابنته الزهراء فقال: «أمَّا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين أو المؤمنين». وروى ذلك عن الصحابة أيضاً فعن جابر أنّ عمراً كان يقول أن أبا بكر سيدنا وأعتق سيدنا،
يعني (بلالاً)، رواه البخاري. وعن أبي بكر أنه قال: أتقولون هذا شيخ قريش وسيدهم، وعن عائشة عنه (صلی الله علیه وآله) أنه قال: «أنا سيد ولد آدم وعليّ سيد العرب». ورُوي عنه (صلی الله علیه وآله) أن: «سادات النساء أربعة: خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية». وعن علي (علیه السلام): «أنا سيد البطحاء». إلى غير ذلك مما يزيد على التواتر.
فالجمع بين هذا وبين ما روي في الكتب المعتبرة أنه جاء وفد إلى النبي (صلی الله علیه وآله) فقالوا: أنت سيدنا فقال: «السيد الله»، باختلاف القصد، في معنى (السيد). وكذا الاستغاثة بغير الله إن أريد بها الصورة أو من باب استغاثة العبد بقصد المعبود فلا بأس بها. وعلى ذلك قوله تعالى: «فاستغاثَهُ الذي من شيعتهِ على الذي مِنْ عدوّه»، وكذا قوله تعالى: «يستصرخه»، وكذا إطلاق (الربّ) في بعض المعاني على غير الله كفر مع أن الصديق يوسف (علیه السلام) قال: «أذكرني عند ربك». وكذلك إسناد الرزق إلى غير الله تعالى على وجه الحقيقة كفر، وقال تعالى: «فارزقوهم منها واكسوهم وقولا لهم قولاً معروفاً»، وقال تعالى: «يا أيها العزيز مسّنا وأهلنا الضرّ». ونحو «استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما».
ومن ذلك قول القائل: لولا (فلان) لكان (كذا)، فأن أراد أنه الفاعل المختار، دخل في الكفار، وإن أراد العلَّة الصُورية، بمجرد رابطة جزئية، لم يكن عليه بأس بالكلية. ولذلك ورد عن سيد الأنام (صلی الله علیه وآله): «لولا قومي حديثو عهد بالأسلام لهدّمت الكعبة»، وعن الثوري أنه قال: لولا هذه الدنيا لكان الملوك (كذا)، وعن عمر أنه قال لعليّ لمَّا أشار عليه بعدم أخذ حليّ الكعبة: لولاك لافتضحنا، وعن النبيّ (صلی الله علیه وآله) أنه قال لعليّ (علیه السلام): «لولا أن تقول الناس فيك ما قالت النصارى لقلت كذا وكذا».
وورد في صحيح الأثر عن الفاروق عمر، أنه قال: لولا عليّ لهلك عمر، ولم يرد عليه أحد من الصحابة؛ إلى غير ذلك من كلمات هذه العصابة.
وكذا الحلف بغير الله إن أريد الحلف على جهة إثبات الدعوى كان خارجاً عن الشريعة وإلاَّ لم يكن قَسَماً على الحقيقة. والحديث الذي فيه «مَنْ حلف بغير الله فقد أشرك» محمول على حقيقة الحلف. وسيجيءُ تفصيله في المقصد الخامس.
وكذلك إطلاق (اليد) و(الرِجل) و (القدم) ، وغير ذلك بالنسبة إلى الله تعالى على الحقيقة من غير تأويل، لم يتوهمه سوى النزر القليل، مع أنه روي عن أبي هريرة عن النبي (صلی الله علیه وآله) أن النار لا تمتلئ حتى يضع قدمه فيها. ومن ذلك نسبة الضحك والعجب إلى الله تعالى فأن إرادة الحقيقة بعيدة عن الطريقة، مع أن أبا هريرة روى عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: «لقد عجب الله وضحك من فلان وفلانة»، ونقل قصته باختلاف المعاني، التي بها
اختلفت المباني. وكذلك في مسألة الأفعال، فإنها شبيهة بالأقوال، فأن القيام للتواضع ورد النهي عنه. وروى أبو أسامة عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه خرج متكئاً على عصا فقمنا له فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم بعضهم لبعض» رواه أبو داود. وروى ابن عمر عنه (صلی الله علیه وآله) أنه قال: «لا يقيمُ الرّجلُ الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن توسعوا وتفسحوا». وعن أنس أنه قال: لم يكن شخص أحب إليهم من النبي (صلی الله علیه وآله) وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهته لذلك، رواه الترمذي وقال هو خبر صحيح. فينبغي أن ينزل المنع على قیام خاص كأن يقوم منحنياً كالراكع على نحو ما تصنعه الفرس القديمة قبل الأسلام، أو على اختلاف الأغراض والمقاصد.
كما روي عن معاوية أنَّ النبي (صلی الله علیه وآله) قال: «مَنْ سرّه أن يتمثّل له الرجال قياماً فليتبوء مقعدَهُ من النار». ورُبَّما ينزل كراهية لذلك على نحو كراهته لملاذ الدنيا وزهده في القيام كزهده في مباحاتها. فقد روى أبو سعيد الخدري أن سعداً جاء على حمار فلمّا دنا من المسجد قال النبي (صلی الله علیه وآله): «قوموا إلى سيدكم».
وعن عائشة قالت: «كنتُ جالسة فجاء النبي (صلی الله علیه وآله) فأردت القيام كما هي عادتي عند دخوله فمنعني»، فأنَّ فيه دلالة على أن ذلك كان معتاداً. ولعل هذا المنع كان لسبب خاص أو للزهد وكسر النفس.
ورُوي عن النبي (صلی الله علیه وآله) لمَّا قدم جعفر، مبشراً بفتح خیبر، قام فقال: «ما أدري أنا بأيهما أشد فرحاً بقدوم جعفر، أم بفتح خيبر». مع ما ورد في الأخبار الكثيرة من استحباب التعظيم وأنه يدخل في تعظيم شعائر الله على نحو ما ورد في التفاسير المعتبرة.
وعن أبي هريرة أن النبي (صلی الله علیه وآله) كان يجلس معنا في المسجد فيحدثنا فأذا قام قمنا لقيامه حتى نراه دخل بيوت أزواجه. وعن وائلة قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله) : «إنَّ للمُسلم لحقاً فإذا رأه أخوه تزحزح له» رواه البيهقي في خصال الأيمان. ولعل هذا مبني على أن التواضع يختلف أقسامه باختلاف الأزمان.
فكيف كان فالذي يظهر بعد التأمل التام، اختلاف الأقوال والأفعال، باختلاف المقاصد والأحوال. ومن ذلك اختلاف أحوال الزهاد فبعض ترك المأكل، والملابس، والحسان، واقتصر على الجشب والخشن، وبعضهم يأكل من أطيب المأكول ويلبس من أنعم الملبوس.
ثم أن الأفعال المختلفة بعضها لا ينسب إلى غير الله كأيجاد الكائنات وصنع المصنوعات، وبعضها لا ينسب إلى الله تعالى كأفعال القبائح والمنفرات. وبعضها يختلف
معانيها ومقاصدها فينسب إلى الخالق مرة والمخلوق أخرى. وهذا القول متمش على قول من لم يثبت فاعلاً سوى الله. وعلى قول من أثبت. والمعيار أنه متى قام احتمال إرادة وجه صحيح بني عليه لقوله (صلی الله علیه وآله): «إدرأوا الحدود بالشبهات ولا تقل في الناس إلاّ خيراً». وما دل على النهي عن سوء الظن فكيف بالشك. وعن عائشة عن النبي (صلی الله علیه وآله): «إدرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم».
فالناس إذنْ في أمثال هذه الأمور على أنحاء بين علماء عاملين مقاصدهم صحيحة فلا يتعمدون بالأقوال والأفعال إلاّ الوجوه السليمة من القيل والقال، وبين أعوام جهّال، بنوا على ما بنى عليه علماؤهم على الأجمال، وليس لهم قابلية التفتيش عن حقيقة الحال، فهم أيضاً معذورون عند رب العزة والجلال، وبين من بنوا على طريقة الضلال، وعليهم المأخذة بضروب النكال.
والتحقيق أنَّ تبدل الأحكام بتبدل الموضوعات ليس من باب التشريع والابداع، مثلاً يستحب للنساء التزيّن للرجال، فمنذ كان لبس السواد زينة استحبّ، فأذا انعكس وصار الميل إلى الأحمر والأصفر انعكس الخطاب. وألوان اللباس تختلف باختلاف الناس، ففي كُلّ وقت يستحب لون ونوع فأنَّه قَدْ يكون في مكان لباس شهرة وفي آخر بعكسه، وفي موضع من لباس النساء وفي آخر بعكسه. وكذا كانت رغبةُ الناس في طيب الكافور فكُرِهَ اليوم، وكذلك إكرام الضيف بالمأكل، وكذا المراكب فتختلف باختلاف الأحوال.
وكذا طريق التواضع وتعلية البناء، ولباس الزهد، والزهد فى المأكول يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والمقاصد، وعلى ذلك مَبْنى كثير من مختلفات الأخبار. وكذا يُستحب التأهب بجهاد الكفار، بأحسن السلاح، وكان أطيبها السيوف والرماح، وصار الأحسن في هذه الأيام، (التفك)(1)المعروف بين الأنام. وكذا الوصول إلى بعض الأرضين، لا يستحب حتى يجعل مقبرة للمسلمين. فاختلاف الأزمنة والأمكنة والجهات، يبعث على إختلاف الأحكام لاختلاف الموضوعات، ورُبَّما بُني على ذلك اختلاف كثير من الأخبار، وطريق المسلمين على اختلاف الأعصار.
فلنسأل الله أخي أن يهدينا وإياكم لسلوك الجادة المستقيمة، والأخذ بالطريقة المستقيمة، وأن يردّني إليك إن كنت على الحق، ويردك إليّ إن كان الحق معي ومع أكثر الخلق.
1) التُفك: البنادق
الفصل الثاني: في بيان اختلاف ظواهر الآيات والروايات
و أنَّ لكلّ من الحق والباطل مأخذاً، كما روي أن لكل حق حقيقة، ولكل صواب نوراً فمن أراد الحق إهتدى إليه ومن أراد الباطل كان له ميدان في المجادلة عليه. فمن خرج عن جادة الأنصاف، وسلك طريق الغيّ والأعتساف، ولم يرجع إلى سيرة الصحابة والتابعين، أمكنه أن يستند إلى ظاهر القرآن المبين، فيما يخرج عن شريعة سيد المرسلين. فأنَّ الوعيدية المنكرين العفو، الموجبين للمؤاخذة على المعاصي يمكنهم الاستدلال، بآية الزلزال، «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره» الآية، والوعدية القائلين برفع المؤاخذة بالكلية وأن الله تعالى لا يعاقب على معصية يصحُّ لهم الاستناد إلى قوله تعالى: «قل لعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً» ووعده لا خلف فيه.
والمثبتون للرؤية في الآخرة يستندون إلى قوله تعالى: «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، والنافون إلى قوله تعالى: «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار».
والقائلون بأن الله على العرش بآية «على العرش استوى»، والنافون بقوله تعالى: «إن الله معنا» و «إن معي ربي سيهدين» و «ما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم».
والقائلون بالتجسيم حقيقة يستندون إلى قوله تعالى: «يد الله فوق أيديهم»، والنافون إلى قوله تعالى: «ليس كمثله شئ» ونحوها.
والقائلون بجواز المعصية على الأنبياء يستندون إلى قوله تعالى: «وعصى آدم ربه غوی»، والنافون بمثل قوله: «لا ينال عهدي الظالمين».
والقائلون باستناد جميع الأفعال إلى الله تمسكوا بقوله: «خالق كُلِّ شي» وقوله: «كُلّ من عند الله»، والآخرون إلى قوله: «ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك».
والقائلون بأن الكفار مخاطبون بالفروع بعموم «يا أيها الناس اعبدوا ربكم»، والنافون لذلك بخطاب: «يا أيها الذين آمنوا»، إلى غير ذلك.
وكذا في الفروع الفقهية فأنّ كُلاً من الفقهاء له مأخذٌ من الكتاب والسنّة مغاير المأخذ
صاحبه كما لا يخفى على المتتبع. ولمن أراد أن يبيح جميع الأشياء ما عدا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلَّ به لغير الله من جميع ما خلق(1).
والحاصل أن كُلّ من أراد العناد والعصبية، فله مدرك يثبت به من آية قرآنية، وسنّة محمدية، ويكون صاحب مذهب ورأي، ويباحث العلماء والفضلاء، ويناظر أساطين العلماء، ما لم يكن له حاجب من تقوى الله.
ولقد أجاد بعض القدماء من فحول العلماء حيث يقول: «إن المسائل الشرعية عندي بمنزلة الشمع اللين أصوّرها كيف أشاء لولا تقوى الله».
ونُقل أن بعض الفضلاء أخذ قطعة قرطاس في محفل من الناس فأورد عليهم براهين أنها قطعة من ذهب حتى أقروا بذلك.
ولكن من أراد رضا الجبار، ورجا الفوز بالجنة والعتق من النار، ينظر إلى المعادلة في الدلالات، ثم ينظر المرجحات الخارجيات، وأولها التأمل في طريقة الصحابة وسيرتهم فأنَّها أعظم شاهد على ما حكم به الجبّار، وجرت عليه سنّة النبيّ المختار، فأنَّ لكل ملّة طريقة يرجعون إليها، ويعوّلون عند الاشتباه عليها. وقد يحصل العلم بما عليه الأمراء من النظر إلى عمل أتباعهم وأشياعهم ورعاياهم وخدمهم وحشمهم لأن الأثر يدل على مؤثره، والمنتهى يدل على مصدره، والبعد بيننا وبين زمان الصدور، رُبَّما أخفى علينا كثيراً من الأمور، فأذا حصل الأجماع والأتفاق، ارتفع النزاع والشقاق، وكذلك إذا اشتهر بين السلف وظهر، فلا وجه للأنصراف عنه إلى ما شذّ وندر، فقد علم أن الميزان الذي لا غُبنَ فيه، ولا نقص يعتريه، هو الرجوع إلى كلام الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، لأنه موضح وكاشف لحكم سيّد المرسلين.
ولما اختلفت الاخبار في بعض ما أوردناه وشرحناه لزم الرجوع إليهم، والاعتماد في تنقيح الاخبار بعد الله عليهم. على أن الأخبار الدالة على جواز ما منعه المانعون أكثر مورداً، وأوفر عدداً، وأقرب إلى ظاهر الكتاب، والسنّة وكلام الأصحاب.
هدانا الله وإياك يا أخي لإدلال حقائق الأمور والتجنب عن الظنون، ووفقنا للسعادة لديه يوم لا ينفع مال ولا بنون، وجعلنا من المتمسّكين بالعروة الوثقى، والمتشوّقين إلى الدار الآخرة التي هي خير وأبقى، والله وليّ التوفيق، وبيديه أزمّة التحقيق.
(1)
1) هكذا وردت العبارة في الأصل، وفي نسخة «منهج الرشاد» المخطوطة: فلمن أراد أن يُبيحَ جميع الأشياء قوله تعالى «خلق لكم ما في الأرض»، ومَنْ قَصَرَ التحريم على أربعة استندَ الى ما دلَّ على تحليل جميع الأشياء ما عدا الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهِلَّ به لغير الله من جميع ما خلق الله
الفصل الثالث: في بيان الميزان الذي يرجع إليه عند اشتباه الأمور
وهو ما عليه الصحابة والتابعون، وما أجمع عليه المسلمون. قال تعالى: «ومن يبتغ غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى»، وقال: «إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً». وعن ابن عمر عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: «لا تجتمع أمتى أو أمة مُحَمَّد على ضلال»، و«يد الله مع الجماعة»، و«من شذّ في النار»، رواه الترمذي. وعن ابن عمر عنه (صلی الله علیه وآله) أنه قال: «اتبعوا السواد الأعظم فأنَّه من شذّ شذّ في النار»، وعن عمر عنه (صلی الله علیه وآله): «من سرّه بحبوحة الجنّة فيلزم الجماعة فأنَّ الشيطان مع الواحد، وهو مع الأثنين بعد». وعن أسامة ابن شريف عنه (صلی الله علیه وآله): «أيما رجل يفرق بين أمتي فاضربوا عنقه»، رواه النسائي. وعن النبي (صلی الله علیه وآله): «إن الله أجاركم من خلال ثلاث، وعدّ منها أن تجمّعوا على ضلال». وعنه (صلی الله علیه وآله): «ما اجتمعت أمتي على خطأ». وقال علي (علیه السلام) في خطبه: «عليكم بالسواد الأعظم وإن الشاذة للذئب». وعن عمر عن النبي (صلی الله علیه وآله): «أصحابي كالنجوم بأيهم قتديتم اهتديتم». وعن رزين عن عمر عن النبي (صلی الله علیه وآله) قال: «سألت ربي عن اختلاف صحابي فأومأ إليّ أن أصحابك كالنجوم بعضها أقوى من بعض، ولكل نور فمن أخذ بما هم عليه فهو عندي على هدى». وعنه (صلی الله علیه وآله): «مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا تخلّف من عنها هلك». وعن أبي هريرة عنه (صلی الله علیه وآله): «لو سلك الناس وادياً وسلك الأنصار ادياً لسلكت وادي الأنصار». وعن زيد بن أرقم قال: قام النبي (صلی الله علیه وآله) خطيباً فقال: «أيها لناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم الثقلين كتاب نيه الهدى وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي»، رواه مسلم.
وعن جابر قال: رأيت النبي (صلی الله علیه وآله) في حجتهِ يخطب فسمعته يقول: «أيها الناس إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي»، رواه لترمذي.
وقريبٌ منه ما رواه زيد بن أرقم. عن حذيفة عنه (صلی الله علیه وآله): «إقتدوا بالذي من بعدي أبي بكر وعمر». وعن جبير بن مطعم عن النبي (صلی الله علیه وآله) إن امرأة قالت له: إن لم أجدك فإلى من رجع قال: «إنت أبا بكر». وعن ابن عمر عنه (صلی الله علیه وآله): «وضع الحق على لسان عمر يقول به». وعن أبي ذر مثله. وعن عقبة بن عامر عنه (صلی الله علیه وآله) أنه قال: «لو كان بعدي نبي لكان
عمر». وعن سعد بن أبي وقاص أن النبي (صلی الله علیه وآله) قال لعلي (علیه السلام): «أنت مني بمنزلة هارون من موسى». وعن عبد الله بن عمر عنه (صلی الله علیه وآله) أنه قال: «ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر»، رواه الترمذي. وعن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: «اللهم عدّل الحق مع علي حيثما دار»، رواه الترمذي. وعن عمار عن النبي (صلی الله علیه وآله) قال له: «إذا سلك عليّ طريقاً وسلك الناس غيره فاسلك طريق علي». وعن ابن مسعود عنه (صلی الله علیه وآله) : «أصحابي كانوا أفضل هذه الأمة وأبرّها قلوباً وأعمقها علماً» إلى أن قال: «فاعرفوا لهم الفضل واتّبعوهم على آثارهم وتمسّكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرتهم فأنَّهم كانوا على هدى مستقيم» رواه الرزين. وعن عرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله (صلی الله علیه وآله) ووعظ ثم قال: «إنه من يعيش بعدي منكم فيسرى اختلافاً كثيراً، عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فأنَّ كُلّ محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»، رواه أحمد وغيره.
وعن أبي هريرة عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية». وعن الحارث الأشعري عنه (صلی الله علیه وآله) أنه قال: «من خرج من الجماعة بقدر شبر فقد خلع ربقة الأسلام من عنقه». وعن ابن عباس عن النبي (صلی الله علیه وآله): «من فرق الجماعة بشبر مات ميتة جاهلية وخرج من الطاعة وفارق الجماعة». وعن عبد الله بن عمر عنه (صلی الله علیه وآله): «إن أمتي تفترق على ثلاثة وسبعين فرقة وليس فيها ناج سوى فرقة واحدة» فسُئل عنها فقال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، إلى غير ذلك من الأخبار.
ومقتضى ذلك أنه من اللازم الرجوع إلى سيرة الصحابة وطريقتهم وأنها الميزان إذا أشكلت علينا الأمور، وتعارضت الأدلة. وسيتضح أن جميع ما ينكر من هذه الأفعال الموردة صادرة عن الصحابة وطريقتهم مستمرة عليه مع أن في السنة ما يدل على جوازه. وما ورد عنه (صلی الله علیه وآله) أن «الأسلام بدأ غريباً» وسيعود غريباً فلا ينافي ما ذكرنا لأن فرق الأسلام بين طوائف الكفر كنقطة في بحر.
روى أبو سعيد الخدري عن النبي (صلی الله علیه وآله): «ما أنتم في الناس إلاّ كشعرة بيضاء في جلد الثور الأسود». وعوده غريباً في أيام الدّجّال ونحوه يكفي في صدق الخبر.
وروی عبد الله بن مسعود عنه (صلی الله علیه وآله) قال: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق»، رواه مسلم. عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله».
وكل ما صدر في زمن الصحابة من الأعراب وكان بمحضر منهم ولم ينكروه فهو موافق
لرضاهم وإلا لأنكروه. ولهذا أوردنا في هذه (الرسالة) كثيراً مما صدر في زمانهم منهم ومن غيرهم.
وعلى كُلِّ حال فلا كلام في أن الأدلة فيها عام وخاص، وفيها ناسخ ومنسوخ، وفيها مجمل ومبين، وفيها مطلق ومقيد، ومنها قطعي السند وظنيُّ الدلالة، ومنها ظنيُّ المصدر قطعيُّ الدلالة، ومنها ظنيهما، ومنها قطعيهما. ومن جهة اختلاف السند منها صحيح ومنها ضعيف ومنها حسن ومنها موثّق وقوي إلى غير ذلك. فأذا تعارضت الأدلة فلا بُدَّ من النظر إلى المرجّحات من جهة السند، أو من جهة الدلالة، أو من جهة السّبك في العبارة، أو من جهة كثرة الروايات، أو من جهة شهرة الفتوى، أو من جهة موافقة الأصول ومخالفتها، أو من جهة موافقة العموم ومخالفتها، أو من جهة موافقة الكتاب وعدمها، إلى غير ذلك.
فإذا فقدت المُرجّحات وقامت الخيرة فلا يبقى مدار إلاّ على خيرة الصحابة وطريقتهم والنظر إلى ما هم عليه صاغراً عن كابر، وأولاً وآخر. وما نحن عليه اليوم، من طريقة القوم، أغلب الرويات موصلة إليه، وطريقة الصحابة مستمرة عليه. وقد ذكرت منها قليلاً من كثير، ليعلم حال السلف ويرتفع عن خلفهم النكير.
ويا أخي، وحقّ من رفع السماء، وبسط الأرض على الماء، إني لمَّا أحببتك لمكارم أخلاقك، وحسن سيرتك مع الناس وإرفاقك، خشيتُ عليك من حمل راية القدح في المشايخ الكبار، والعلماء الأبرار، الذين هم للشارع نوّاب، ولمدائن الشرع أبواب. ونسأل الله أن يعصمنا وإياكم، ويكفينا شر الجهل ويكفيكم وكفاكم، والله الموفق.
وأما المقاصد فثمانية:
الأول: في تحقيق ضروب الكفر
وأقسامه كثيرة:
أولها: كفر الأنكار، وذلك فيما إذا أنكر وجود الأله وأثبت أن غير الله هو الله وأنكر المعاد، أو نبوّة نبينا أشرف العباد.
ثانيها: كفر الشرك، كما لو أثبت الشريك للواحد القهار، أوفي نبوّة النبي المختار.
ثالثها: كفر الشك، فيما لو شَكَّ في إحدى الثلاثة التي هي أصول الاسلام، في غير
محل النظر ولا عبرة بالأوهام التي هي كخيالات المنام.
رابعها: كفر هتك حرمة الدين، بالبول على المصحف أو في الكعبة، أو سبّ خاتم النبيين.
خامسها: (كذا).
إنتهى ما ظفرتُ به من هذه الرسالة. وأنا أسأل الله أن يرزقنا هذا التوفيق تمامه وكماله، ويعثرنا على باقي هذا الكتاب، إنه هو الكريم الوهاب.
وأنا أرجو من إخواني المؤمنين أن يبذلوا ثمار الجهد في الفحص والاستفسار والتفتيش عن هذه الرسالة فأذا ظفروا بها فليلحقوا الباقي بالماضي، ولهم جزيل الحمد والثناء، مني ومن مصنّفها (قدّس الله روحه).
البلية التي هي حتى اليوم باقية، واقعة الزقرت والشمرت التي فنيت بها خلائق لا يُحصي عددَهم إلا الله. وقد أُختلف في سببها، والأقرب إلى الأعتبار ما حدثني به شيخنا الأجل، وعمادنا المبجّل، عمّي العباس ابن المحقق الشيخ عليّ (رحمه الله) أن الشيخ الكبير لمَّا كثرت الغارات على النجف من أعراب البوادي خصوصاً من الوهابي وأصحابه، فأنّه غزاها مراراً كثيرة، وفي كل مرّةٍ لا بُدّ أن يقتل رجلين أو ثلاثة ممن يظفر به خارج البلد، ثم يحول الله بينه وبين ما يروم من دخولها وإتلافها بشئ من تقديراته وأسبابه، حتى آل الأمر أن المرأة الحامل إذا سمعت بمجئ الوهابي تُلقي ما في بطنها وتموت، والرجل يبكي بكاء الثكلى.
وكان (سعود) هذا إذا جاء إلى (النجف) نزل في (الرحبة) عند السيد محمود الرحباوي فيُكرمه غاية الأكرام، ويحترمه نهاية الأحترام، حتى قيل إنَّ السيد محمود هو الذي كان قَدْ دلّة على (النجف) وأرشده إلى طريق غزوها. فبعث الشيخ إلى السيد محمود أن هذا الرجل إذا جاء إليك عازماً على السوء، فالذي ينبغي منك أن ترسل إلينا مُخبِراً لنستعد له، ولقتاله وحربه، ولا يدخل علينا غفلة فلا نطيق دفاعه، هذا إذا لم تؤدِ ما يجب عليك من إمداد إخوانك أهل (النجف) والدفاع عنهم بنفسك وجندك. فما أجاب إلى شئ من ذلك، وقال أنا رجل ذو مزارع وأراضٍ وأخشى على نفسي ومالي من هؤلاء لأني طعمة بين أيديهم.
فالتجأ الشيخ إلى اختيار عدة من شبّان (النجف) وعيّن لهم وظائف من المال، واشترى لهم أسلحة كاملة، وجعلهم مرابطين في حدود النجف من جهاتها الستة على رأس أميال منها. وكان من جملتهم سوّاد العكايشي (جدّ العشيرة المعروفة اليوم بهذا الأسم)، ومنهم عباس الحداد وكان أول أمره حداداً ثم انضم إليه بعض الصبيان من محلته، فجعلوا يخرجون إلى خارج البلد ويتصيّدون الطيور والضباء ويلعبون في الأباطح والأودية، وهم يلهجون بقول (زقرت) أو (زقرتات)، يعني نحن عدة بلا سلاح نتصيد ونستأنس. ومنه يقال (فلان) أو (أنا) زقرتي أي أنا بنفسي ليس لي شيء.
فلما عزم الشيخ على تهيئة المرابطين وجمع الصبيان جعل عباس الحداد وأصحابه منهم فكانت عدتهم مائة أو أقل. فكان إذا جاء الغزو حاربوهم حتى يدفعونهم. وكان ينضمُّ إليهم مددٌ من (الملاثية) و(المشتغلين) وكانوا ذوي أسلحة وعُدّةٍ، حتى قتلوا كثيراً من أصحاب (سعود) وابنه في أغلب الغزوات وأسروا بعضهم وبعثوهم إلى (الشيخ).
فاستمر الحال على ذلك حتى انقطع الغزو عن أهل (النجف) وأمنوا الغارات يسيراً إلى أن تغير الشيخ على السيد محمود الرحباوي، وكان من سادة يُعرفون ببيت (أغا جمال)، هاجروا من (العجم) لطلب العلم وسكنوا (النجف)، ولهم دُور كثيرة فيها؛ منها الدار المعروفة بدار الأرواني، وجميع جوانبها لهم أيضاً.
وكان السيد محمود ذا ثروة وأموال فأخبره بدويّ أن في المكان (الفلاني) عين ماء تهايل عليها الرمل حتى أخفاها، وهي عين عظيمة تكون عليها مزارع كثيرة فإذا بذلتَ عليها المصارف استخرجتُها لك حتى تملكها. فبذل السيد وخرجت العين وبنى عليها قصراً عظيماً وسكن فيه. وما مضت الأيام والليالي إلاّ و (الرحبة) كبغداد لكثرة ما فيها من البساتين المملوءة بالفواكه من عنب ورمّان وتين وغير ذلك من البقول كالبطيخ والرقي؛ ثم من الحبوب الحنطة والشعير والأرز، وصار يُجبى منها ذلك إلى (النجف) وسائر الأطراف، حتى (يخيس) من كثرته.
وعَظُمَ أمرُ السيد في الرئاسة والشهرة عند العرب والقبائل لأنه كان من الجود بالمرتبة القصوى. فمن ذلك أن له في قصره بركة في الأرض عميقة واسعة يضع فيها الطعام ليلاً ونهاراً، وكان الفارس إذا مرّ بها يتناول منها حتى يشبع و على فرسه، ويجتمع أعراب البوادي عليها، وهكذا كان دأبه. ومنها أنه إذا صار وقت حاصل كُلّ ثمرة، أو حصاد المزارع خرج إليه أغلب أهل (النجف) فيعطي كُلّ واحد منهم ما يكفيه سنته من الثمرات. وهكذا أغلب فقراء القبائل من أهل البوادي فملأ ذكره الأرض، وتجاوز صيته (الحجاز) و (اليمن)،
وصارُ يقصد من أقاصي البلاد.
ولكن كان الشيطان قَدْ وسوس له وحسَّنَ في عقله أن لا يجنيَ في داره وقصره شيئاً من الأناث بجميع أنواعها، ويقول أنا لستُ (قواداً) حتى أوقع التناكح في منزلي، ويرى أن تشبيته الفرس من الحصان، وإرسال الفحل على النوق، وإعطاء الأخت أو البنت للزواج من أشد العار بالرئيس. وكانت له أختان الأولى: أم السعّد، والثانية رخيتة، وقد بلغا مبلغاً من العمر وهو لا يرضى بزواجهن، وأولاد عمهن يخطبونهن منه وهو يأبى ويمنع ويحيل ذلك. فبعثتا إلى (الشيخ) تشكيان أخاهن إليه، وأنه قَدْ أسرنا ومنع بني عمنا، وهذا لا يجوز حتى عند الكفرة وعبدة الأصنام.
فبعث الشيخ ينهاه عن ذلك فلم يعبأ به. فتكدر الشيخ زيادة على كدره أولاً منه، وفي أمر الوهابي المُنبئ عن تصحّبه له، فأعرض عنه (الشيخ) .
أمَّا بنو عمه فحيث لم يزوجهم أخواته، ويأسوا من ذلك غضبوا عليه وتكدروا منه، وكانوا شركاءه في أملاك (الرحبة)، فطلبوا منه (القِسمة) فطردهم وأنكر ذلك، فاشتكوا إلى (الشيخ) الكبير منه، وطلبوا من الشيخ أن يدعوه إليه حتى يتداعيان فيتبين ألهم حق أم لا . فامتنع الشيخ عن ذلك، وقال: هذا رجل طاغ لا أدخل نفسي في أموره، وأصر على الامتناع، فكلموا باقي (العلماء) فأبوا وقالوا: إذا امتنع الشيخ فنحن بالطريق الأولى. فرجعوا إلى دار الشيخ وجلسوا يبكون ويقولون: إلى مَنْ غضي ومن يستنقذ حق المظلوم من الظالم ، وهذا رئيس ممتنع عن ذلك .
فمضى الشيخ موسى وكلَّمَ أباه في ذلك وقال له: لعلَّما يكون في إمتناعك إشكال وحرمة لأنك رجل قادر مبسوط اليد وهذا أمر منكر، وشأنك الأمر بالمعروف، فما زال به حتى خرج الشيخ وأمر جماعة من المؤمنين المتسلحين الذين يسمّون ب- (البواردية) وضم إليهم جماعة من أهل النجف فيهم عباس الحداد، وكان قَدْ درج حاله وظهر له اسم بالشجاعة. وقال له: إمض أنت وأصحابك إلى (محمود) فقل له: يدعوك (جعفر) للحضور مع بني عمك في مجلس الشرع. فلبس عباس لامته ودعا أصحابه فابتدر له سبعون كاملو العدة. وأتوا (الرحبة) ونزلوا القصر والسيد بأعلاه، فأخبره حراسه أن هؤلاء قوم الشيخ يريدون الاجتماع معك، فقال أخرجوهم، وسدوا أبواب القصر وقولوا: السيد لا يريد مواجهتكم. فخرجوا وتفرقوا جماعة جماعة، ونزلت كُلّ واحدة عند من تعتاد النزول عنده، ثم بعثوا أحدهم بالخبر إلى الشيخ، فتكدر غاية الكدر وبقي يرتعش من انزعاجه ساعة. ثم قال له: قل لأصحابك لا ينبغي لأحد أن يتخلف عن دعوة الشرع ويتكبر عليه،
جيئوني به ولو قهراً. فجاءهم وأخبرهم الخبر، فبقوا تلك الليلة يتفكرون في تدبير الأمر. فلما أصبحوا سمعوا الناعية والواعية في قصر السيد، وإذا بالسيد أصبحَ مقتولاً في قصره، ولا يُعلمُ قاتله.
فرجع عباس بأصحابه، وجاء الرحباويون بجنازة السيد ودفنوها في (النجف). وتفاقم الأمر واعضوضل الخطب حيث أنه لم يكن يدور في خلد أحد أن السيد محموداً يقتل لعظمته وشدة بأسه وسطوته؛ حتى أن عرب العراق ونجد والحجاز يرونه إماماً ويحلفون به، ويتحاكمون في داره.
وكان المُتَّهمَ بقتله بنو عمه وأصحابُ الشيخ. فأما بنو عمه فتنصلوا من ذلك وتبرأوا من ذلك عند بني أخته المعروفين ببيت (الملّة)، وكان رئيسهم حاكم النجف ملاً مُحَمَّد(1)، وكان هو المطالب بثأره مع أختيه المتقدمتين، فانحصر ثاره بأصحاب الشيخ. وحيث كانوا أشتاتاً ورئيسهم الشيخ جعلوا يرمونه بذلك ويطلبون الثأر منه ومن بنيه. فكان مُلا مُحَمَّد يجلس في (باب الطُوسي) على إحدى الدكّتين اللّتين في (الصحن) على رأس دهليز الباب، وعبيده مسلحون بين يديه ثم يأمر بغلق أبواب (الصحن) ما عدا هذا الباب لينحصر الطريق عليه. فكان كُلّ ما مرّ به رجل من المؤمنين أو طلبة العلم ممن يظن أنهم من أصحاب الشيخ وبطائنه يقول له: «إيه يا ملعون يا زقرتي تمشي على الأرض بطولك آمناً وفي بطنك دم السيد محمود» لا يكون ذلك، فكانوا يتضرعون بين يديه ويقولون: لا والله لسنا من الزقرت ولا ممن علم بالواقعة، فينهرهم ويأمر عبيده فيضربونهم، حتى جعلوا يقولون: «نعم نحن فعلنا ذلك وفي بطوننا دم خالك فافعل ما بدا لك».
وبعد قتل السيد محمود بسبعة أشهر أو أكثر تُوفي (الشيخ) فجعل من يتعصّب للسيد من أقربائه وأصحابه يقولون هذه شارة من السيد بالشيخ حيث أمر بقتله، وصاروا يتخاوضون بهذا وأمثاله.
أمَّا أخته أم السّعد التي كانت كزرقاء اليمامة في النظر فأنَّها كانت تميز الفارس من الراجل من مسيرة عشرة فراسخ، فتزوجت بشيخ (الخزاعل) على أن يأخذ بثأر أخيها. فلما أحلّت به طلبت منه ذلك، فقال: ممن أخذه؟ فقالت: من أولاد الشيخ، فأنّ أبوهم أمر
1) هو المُلاّ مُحَمَّد طاهر بن الملا محمود تقلَّد منصب السيدانة في سنة 1235 ه / 1820 م وأسرته تُعرف بآل الملالي أنتجت الكثير من العلماء، وقد لعبتْ هذه الأسرة دوراً في تاريخ النجف خلال هذه الفترة الزمنية المتشابكة الأحداث. وقد قتل بعض مَنْ تولّوا السدانة منهم، وتعرّض آخرون للأبادة أيضاً. قُتِلَ الملا مُحَمَّد سنة 1242 ه / 1827 م في رواق الحرم الحيدري بالرصاص
بقتله، فقال: إذا كان الشيخ قتله فهو مقتول بسيف الشريعة، والمقتول بسيف الشريعة لا ثأر له.
وأما مُلا مُحَمَّد فاستمر على عمله وجعل يترقب الفرص بالشيخ موسى، وباقي أولاد الشيخ جعفر ويسعى بهم إلى حكام بغداد ليقتلوهم كما سيأتي في أحوال الشيخ موسى. وجعل يطعن في بيت الشيخ فتارة يتمسك بقول سميّه الأخباري المتقدم، وتارة يقول: الشيخ جعفر ابن عم الوهابي أو أخوه، إلى غير ذلك من التشنيعات. واشتد أذاه وضرره على الناس حتى جعل يقتل أصحاب الشيخ ليلاً بالغيلة، فخرج الشيخ موسى من النجف غَضِباً عليه كما سيأتي.
والحاصل كانت عاقبة أمره أنْ ضربه رجل من (الزقرت) هجم عليه وهو في رواق الحرم المطهر، فوقعت الرصاصة في فمه فمات من ساعته. فقام أصحابه وقد تسمّوا مقابل الزقرت (بالشمردل) أو الشجاع ، ثم صارت (شمرت)، وانضم إليهم كثير ممن يطلب بثار السيد محمود فتسلحوا ولزموا (الصّناكر)؛ وهي الحصون العالية من مساجد أو منائر أو دور كذلك. وجعلوا يضربون بالمكاحل إلى جهة الزقرت، ففعلوا الزقرت مثلهم وانضم إليهم (الموامنة) و(الملائيّة) وكانوا طوائف وقبائل تتصل بأعراب العراق كالهلالات والظوالم والخزاعل وغير ذلك. وكانوا كاملي العدة من السلاح. وما زالت الملائية ذوي أسلحة وسيوف و(تُفك) إلى زمان الشيخ مُحَمَّد؛ فأن الرئيس من بيت الشيخ يشتري لهم عدة كاملة من السلاح لكل واحد من المؤمنين فيجعلها في (الطنبيّة) الكبيرة، فإذا صار وقت الحاجة أتى كُلّ واحد فلبس لامته وخرج إلى المحاربة أو المدافعة.
وسمعتُ من الشيخ الأجل الشيخ صالح(1)بن المرحوم الشيخ مهدي أنه ممن شهد في زمان الشيخ مُحَمَّد(2)بن الشيخ علي في (الطنبيّة) مقدار سبعين لامة حرب للملائية. وسمعتُ من شيخنا الأجل عمي الشيخ عباس(3)بن الشيخ علي (رحمه الله) أن أخاه الشيخ مهدي(4)قبل أن يتوفى بأيام قال له: عندي شيئان من آثار آبائك وأجدادك أريد أن أظهرك عليهن:
الأولى: وقفيّات هذه الدور التي هي نسخ الأصل، (ثم أعطاه الأوراق).
1) الشيخ صالح بن الشيخ مهدي بن الشيخ علي بن الشيخ جعفر الكبير. ولد سنة 1248 ه / 1832 م، وتُوفي سنة 1317 ه / 1899 م
2) الشيخ مُحَمَّد بن الشيخ علي بن جعفر الكبير. تُوفي سنة 1268 ه / 1852 م
3) كان من كبار العلماء والأدباء، وُلد سنة 1242 ه / 1827 م، وتُوفي سنة 1315 ه / 1897 م
4) تُوفي الشيخ مهدي في شهر صفر سنة 1289 ه / 1872 م
والثانية: خزينة عظيمة في الأرض فيها من (التفك)، والرصاص، والبارود مقدار لا يحصى وهي في المكان (الفلاني) من الدار الكبيرة التي هي اليوم (برّاني)، وقد إدخرتْها المشايخ لحوادث النجف.
ثم ولي حكومة النجف ملا سليمان(1)بن ملا مُحَمَّد واستمرت الفتن والحروب بين الطرفين فعزل الشيخ موسى ملا سلمان بأمر داود پاشا ونَصَّب عباس الحداد على أن يقطع هذه الفتن ويخمد نارها. فترأس وعظم أمره وأخرج أغلب الشمرت، وقتل أكثرهم ونفى بعضاً من أصحابه (الزقرت) تمويهاً، فخمدت الفتنة أياماً. ثم استعرت وبقيت كذلك تخمد وتستعر، واشتد حنق (الشمرت) على عباس وصار أكبر همهم في قتله، فعجزوا عنه إلاّ بالغيلة. فجاء إليه بعض المطرودين ممن كان لا يعرفه أو نساه فخدمه سنتين وصار من (نواكره) المقربين، وأظهر له الصفاء والأخلاص حتى اطمأنّ منه ووثق به. وكان عباس لا يفارق السلاح دقيقة واحدة على كثرة من يحرسه. وكان سلاحه الخنجر يشدّه في وسطه. فقال له يوماً ذلك الخادم المخادع: أنت لا ينبغي أن تحمل السلاح إلاّ للزينة، فيلزم أن تجعل على خنجرك قضبات وسلاسل من الفضة والذهب فأنّه لك أهيب. فجعل له ست قصبات فصار يعسر استخراجه على السرعة.
ثم قال له بعد ذلك: لا بُدَّ للرئيس من مترجم، وأحسن منه أن تتعلم بنفسك (العجمية) و(التركية) لتقضي مرادك مع حكام (العصملّي) و (خوانين) العجم، وهذا معلم لك فتعلم منه. ودلّه على رجل قَدْ تواعد معه على قتله وعلَّمهُ الطريق. فجاء الرجل وقال: ينبغي أن تجعل لتعليمك مجلس خلوة لا يأتيه الناس كيلا يستخف بك أحد، فأجاب إلى ذلك، وعيّن في (الصحن) حجرة خاصة يدخل هو والمعلم فيها وذلك الخادم. فلما كان اليوم الثاني أو الثالث قتلوه في ذلك المجلس، فكان عباس كلما أراد أن يخرج خنجره من غمده لا يخرج لِما التف عليه من السلاسل. فقطع الخادم رأسه وملأ من دمه طشتاً وجاء به هو وأصحابه وأتوا بخيار وخبز وجعلوا يأكلون ويغمسّون الخيار والخبز بذلك الدم.
فلما قُتِل جاءت (الملالي) إلى بيت الشيخ واعتذروا من إساءتهم، وعاهدوهم ألاّ يعودوا في مكر، ولا يثيروا فتنة. فعفت المشايخ عنهم وأرجعوا إليهم حكومة النجف فاستمرت بیدهم إلى مُلا يوسف(2).
1) تولّى سدانة الروضة الحيدرية بعد مقتل أبيه المُلا مُحَمَّد طاهر سنة 1242 ه، وكان طرفاً في النزاع بين (الشمرت) و(الزقرت). قُتِلَ سنة 1248 ه بيد عباس الحدّاد بن جواد العبودي الذي كان مدعوما من السلطة التركية في العراق. وقد قُتلَ عباس الحداد أيضاً
2) مُلا يوسف بن مُلا سليمان تُوفي سنة 1270 ه / 1854 م. أصبح حاكماً على النجف، ولمّا قويتْ شوكته، واستتب له الأمر، تنكّر للزقرت، واعتقل عدداً من رؤسائهم بخديعة (ذكرها المؤرخ مُحَمَّد حرز الدين في معارف الرجال، ج 3، ص 300)، ثم ذبحهم ذبحاً في سرداب داره. إلاّ أنَّ الشيخ مُحَمَّد بن الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء تمكن من عزله عَنْ منصبه في حدود سنة 1255 ه / 1839 م بتوسطه لدى والي بغداد علي رضا اللاز، وعيّن السيد رضا الرُفيعي لرئاسة (السدانة)، ومفاتيح الخزانة العلوية. وقد قُتل السيد رضا الرُفيعي سنة 1285 ه / 1868 م
ثم تغيرت الأمور حتى صاروا عبرة في الأرض، فسبحان الله المعمّر المدمّر وله الحمد أولاً وآخراً.
هذا مجمل ما حدثنا به (أدام الله بقاءه) من أمر هاتين الفرقتين، وقد ذكر لنا في بعض المجالس إبتداءهم، وتفصيل وقائعهم، وما قتل منهم من الخلائق إلى اليوم. وقد ذكرنا لك هنا موضع الحاجة منها، والخروج الباقي عن مقصد الرسالة أعرضنا عنه.
إعلم أن من منح الله الكريم، لهذا الشيخ العظيم، أنه على سعة علمه، وكثرة اشتغاله في الفقه وشهرته، له ملكة في النظم وقوة فيه كملكة الشاعر الذي صرف عمره في ذلك، وتوغل في تلك الشعوب والمسالك. وهو لم يشتغل فيه ولا يوم واحد بَلْ يجري على صرف بديهته، وجودة فكرته، وحسن سليقته.
وقد حدثنا شيخ الاسلام، في هذه الأيام، الشيخ مُحَمَّد طه نجف(1)(أدام الله وجوده)، عن خاله الشيخ جواد نجف(2)أن الشيخ الكبير كان جالساً في بعض الأيام بين أصحابه فجرى ذكر الشعر بينهم وأنه من أعظم الكمالات، فجعل الشيخ يتأسف ويقول: أنا محروم من هذه الفضيلة. ثم قال: أريد أن أجرّب نفسي هل لها قوة في النظم ولو بيتاً واحداً.
يقول الراوي: فتأمل الشيخ زماناً ثم قرأ بيتاً لنا في مدح الأئمة وإذا هو جيد النظم موزون، حسن السبك، فمدحنا نظم الشيخ له واستأنس هو بنفسه وقال: إني لشاعر ولا أعلم بذلك. ثم قال: إن الله قَدْ ستر على الشعراء حيث لم يجعلني منهم وإلا فما كنت قَدْ أبقي سوقاً لهم. فقام إليه رجل من تلاميذه فقال: يا مولانا ما كان ذنب العلماء حتى لم ر الله عليهم فجعلك منهم. فضحك الشيخ والحاضرون.
وأنا مورد لك هنا نبذة من أشعاره لليُمن والبركة، ولتعلم أن الشيخ حقيق بأن يقول:
أنا أشعرُ الفُقهاء غير مدافع *** في الدهر بَلْ أنا أفقهُ الشُّعراءِ
شعري إذا ما قُلتُ دوَّنهُ الورى *** بالطبع لا يتكلُّف الألقاءِ
كالصوتِ فى قُللِ الجبالِ إذا علا *** للسمعِ هاجَ تَجاوبُ الأصداءَ
وكان أغلب شعره مدحاً ورثاءً في السيد العلامة الطباطبائي (رحمهما الله). فمنه ما أورده له فيه السيد محمود الطباطبائي في «المواهب السنيّة»، وهو:
لسانيَ عَنْ إحصاء فَضلكَ قاصرُ *** وفكريَ عَنْ إدراكِ كُنْهِكَ حاسرُ
جَمعتَ من الأفضالِ كُلَّ فضيلة *** فلا فضلَ إلاّ عن جنابكَ صادرُ
يُكَلِّفُني صحبي نشيدَ مديحكم *** لزعمِهُمُ أني على ذاك قادرُ
فَقُلتُ لهُمْ هَيهاتَ لَستُ بقائلٍ *** لشمسٍ الضُحى يا شمسُ نورُكِ ظاهرُ
وما كُنتُ كالبدرِ المنير بناعت *** له أبداً بالنور والليلُ عاكرُ
ولا للسما بُشراكِ أنتِ رفيعةٌ *** ولا للنجومِ الزُهرِ أنتِ زَواهرُ
ومنه ما أورده أيضاً له فيه (رحمهما الله جميعاً):
إليك إذا وَجَهْتُ مَدحي وجدتُهُ *** مَعِيباً وإنْ كانَ السليمَ من العَيبِ
إذ المدحُ لا يحلو إذا كان صادقاً *** وَمَدحُكَ حاشاهُ مِن الكذبِ والريبِ
وله أيضاً في مدح السيد (رحمه الله) من علّةٍ أصابته:
الحَمدُ للهِ على عافية *** كافیة لخلقهِ شافيتكْ
قد ذابَ قلبُ الوجد في تاريخها *** (شفاءُ داءُ الناسِ في عافيتكْ)
وأنت ترى أن قوة هذا الشعر، وجودته خصوصاً إذا كان التاريخ يزيد على تلك السنة ثلاثة فأنه يصير حينئذٍ في أعلى مراتب الحُسن، لأن المراد بقلب الوجد هو (الدجو)، يعني ذابت الظلمة كناية عن ذهاب الغم ببرئه، وفيه تورية بإسقاط ثلاثة فأنّ (الجيم) هو القلب أي الوسط، ويكاد أن يقال هذا الشعر ليس له لمزيد قوته وحسن صناعته، وشعر العلماء ملازم للركةِ والانحطاط. إلاّ أنك تعلم أن هؤلاء قوم حووا من كُلّ مكرمة أدقها وأجلها، ومن كُلِّ فضيلة أتمها وأجلها. وأحسن من هذا قوله يرثي ذلك العلامة (رحمه الله) بقصيدةٍ بديعة، وهي:
إنَّ قلبي لا يَستطيعُ اصطبارا *** وقراري أبي الغَداةَ القرارا
غشيَ الناسَ حادثٌ فترى الناسَ *** سُكارى وما هُمُ بسُکاری
غَشَيتْهُمْ مِن الهُمومِ غَواشٍ *** هشَّمتْ أعظماً وقَدَّتْ فِقارا
لمُصابٍ قَدْ أورثَ الناسَ حُزناً *** وصَغاراً وذلةً وانكسارا
كسا رونقَ النَّهار ظَلاماً *** بعدما كانتِ الليالي نَهارا
ثُلمَ الدينُ ثلمة ما لها سدٌّ *** وأولى العُلومَ جُرحاً جُبارا
لمُصاب العلامةِ العَلم (المهديِّ) *** مَنْ (بحرُ علمِهِ) لا يُجارى
خلفِ الأنبياءِ، زُبدةَ كُلِّ الأص *** فياءِ الذي سَمَا أَنْ يُبارى
واحدِ الدهرِ، صاحبِ العَصرِ ماضي *** الأمرِ في كنهِ ذاتِهِ الفكرُ حارا
كيف يسلّوهُ خاطري و به قمتُ *** مقامي، وفيهِ فكريَ طارا
كيفَ ينفَكُّ مدحُهُ عَنْ لِساني *** وهو لولاهُ في فَمي ما دارا
وارتضاني أخاً له مِنّةً، والرِّ *** قُ شأني إذا أردتُ اعتبارا
خصَّني بالجميلِ مِنْ بَعد أنْ عمَّ ال *** برايا، وطبَّقَ الأقطارا
وحباني عِزاً به بَعدَ ذُلٍّ *** وكساني جلالةً ووِقارا
ما هديتُ الرشادَ لولاهُ وال *** أحكامُ لَمْ أدْرِها ولا الأخبارا
مَنْ تُرى يدفعُ الْمُلِمَاتِ أو يُصَرِّفُ *** صِرفَ الزمان إنْ هُوَ جارا
سيدي ماتتِ العلومُ ووارى *** الدّين في الرمس مَنْ لك اليوم وأرى
مَنْ يَردُّ (اليهودَ) إِنَّ أَبرَزُوها *** مُشْكلات بردِّها الكُلُّ حارا
كُنتَ تتلو (توراتَهم) فيردّو *** نَ عن الغيِّ للهُدى استبصارا
مَنْ لأعلام (مكةٍ) وجماهيرِ *** (الحجاز) انتَحوا إليكَ بَدارا
طالبينَ الحجَاجَ والكُلُّ قَدْ *** ثقَّفَ للبحثِ أملدًا خَطّارا
فحججتَ الجميعَ بالحُجج الغُرِّ *** فَدَانَتْ لكَ الخُصَومُ صَغارا
وَلَكُمْ مُعجز بَهرتَ بهِ الخَلقَ *** بهِ حالكُ الظلامِ أنارا
صدَّني أنْ أقولَ أنتَ نَبيٌّ *** أودَعَ اللهُ كُنْهَهُ الأسرارا
إنَّ ربُّ العِبادِ قَدْ خَتَمَ الرُّ *** سلَ بطاها المختار جَلَّ اختيارا
سيدي نجلُكَ ( الرضا ) مستطارُ ال *** قلبِ لا يَستطيعُ قَطُّ قَرارا
جاءَ يطوي الفَلا إليكَ من البُع *** دِ ويَفَري سَباسباً وقفارا
قاربَ الدارَ راجياً فأتى النا *** عي إليهِ فَطاشَ لُبَّاً وَطارا
كيفَ أزمعتَ غيبةً قَبلَ أنْ *** يأتي فيطغى كُلٌّ بكُلٍّ أُوارا
كُلَّما أبصرَ المنازلَ قَدْ أُوحش *** نَ أذكتْ له المنازلُ نارا
أو رأى مِنكَ مجلسَ الدرسَ خُلواً *** عَجَّ يَبكي سِراً، وطوراً جهارا
صِهرُكَ (المُرتضى) إليكَ بربع الدارِ *** كَمْ طرفَهُ إليكَ أدارا
وبنو (أحمدٍ) بَنوكَ أُساري *** فاثنِ عَوداً أو فُكَّ تلكَ الأُسارى
كيفَ أيتمتَهُم فأضحوا صِغاراً *** وتَراهُم مِلء العُيونِ كبارا
سيدي لا رأيتَهمْ وعليهِمْ ** نَفَضَ اليُتمُ في الوُجوهِ غبارا
وهي طويلة لم نعثر منها إلاّ بهذا المقدار وفيه الكفاية. ولعمري أنه (قُدّس سره) لكما قال في أبياتٍ قالها في العالم الفاضل، والأديب الكامل، الشيخ مُحَمَّد رضا النحوي، وهي:
يُكلِّفُني صَحبي القَريضَ وإنَّما *** تَجنَّبتُ عنهُ لا لعجزٍ بدا منّي
ألم يعلموا أنَّ الكمال بأسرهِ *** غدا داخلاً في حوزتي صادراً عَنّي
ألم تَرَ مولانا (الرضا) نجلَ (أحمد) *** إذا قالَ شِعراً لم يُحكُمْ سوى ذهني
علی أَنَّهُ للفَضل قطبٌ وللنُهى *** مَدارٌ وفي الآداب فاقَ ذوي الفَنَّ
غدا في الورى ربَّاً لكُلِّ فضيلة *** وحازَ جميلَ الذكرِ في صِغَرِ السنّ
وقال الشيخ (رحمه الله) فيه أيضاً:
ماتَ الكمالُ بموتِ (أحمدَ) واعتدى *** حيّاً بأبلجَ مِنْ بنيه زاهرِ
فاعجبْ لَميتٍ كيف يَحيى ظاهرا *** بينَ الوَرى مِنْ قَبلِ يومِ الآخرِ
وما يندرج في هذا المقام معركة الخميس، وهي ما اتفق من المداعبة بين الشيخ الكبير، والسيد مُحَمَّد زين الدين(1)، والشيخ مُحَمَّد آل الشيخ يوسف، وأظنه صاحب
1) هو السيد محمد بن السيد زين الدين أحمد بن السيد علي الحسني العطَّار البغدادي النجفي المُتوفى سنة 1216 ه /1801 م
«الحدائق»(1). وكانت بين الشيخ مُحَمَّد هذا، والسيد مُحَمَّد زين الدين مودة أكيدة، وكانا كالروح في جسدين، أو النور في عينين، فنازعه الشيخ جعفر على وداد السيد مُحَمَّد. وكان الشيخ في (بغداد) فأرسل كتاباً إلى السيد ومعه هدية، وفي الكتاب أبيات يجذب وداد السيد مُحَمَّد عن الشيخ مُحَمَّد(2)
بما بيننا مِنْ خالص الودّ لا نسلو *** وغير أحاديث الصبابة لا نتلو
مررتُ على مغناكَ ما زال أملاً *** فهاجَ غرامي، والغرامُ بكَم يحلو
وعيشِكَ أنّي ما توهَّمت آنفاً *** بعادكَ عني، أو ربوع الهوى تخلو
وما (جعفرٌ) في ودَّهِ الدهر صادقٌ *** وما (صادقٌ) مَنْ لم يكنْ في الهوى يغلو!
. فلما وصلت الأبيات انتصب ميدان المداعبة بين الشيخ جعفر والشيخ مُحَمَّد، إلى أن ترافعا عند نائب إمام العصر في عصره، وسميِّه السيد مهدي الطباطبائي، ونظم أبياتاً يُحكّم بينهما. ثم نظم السيد صادق الفحّام، والشيخ مُحَمَّد رضا النحوي، ولكن كُلّ أشعار هذه الواقعة ركيك محلول العُرى، وأظن أنها وقعت بينهم وهم أولاد.فأما الشيخ فأبياته إلى السيد مُحَمَّد هذه:
لسانيَ أعيا في اعتذاري وما جَرى *** وإنْ نالَ حظّاً في البلاغة أوفرا
فلو أنني أهديتُ مالي بأسره *** ومالَ الورى طُرّاً لكُنتُ المُقَصَّرا
فدَعْ عَنكَ شيخاً يَدَّعي صفوَ ودِّه *** ولا تَحْسَبَنْ كُلَّ الأخلاّءِ (جعفرا)
يُريك بأيامِ (الخميس) مودَّةً *** وفي سائرِ الأيام ينسخُ ما أرى
فلا تَصحَبنْ غيري فأنَّكَ قائلٌ *** بحقيَ «كُلُّ الصيدِ في جانب الفِرى»
فلو رُمتَ مِنْ بَعدي - وحاشاكَ - صاحباً *** فأياكَ أنْ تعدو (الرِّضا) خيرةَ الورى
فتىً شارعٌ للودِّ أوضحَ مَنهجاً *** وجَارى مَعَ المصحوب مِنْ حيثُ ما جرى
وإِنْ تَهجرنَّ الكُلَّ منتظراً لنا *** لبستَ مِنِ الأثوابِ ما كان أفخرا
وكان السبب المحرك للشيخ على هذا أبياتٌ كتبها الشيخ مُحَمَّد إلى الشيخ يتشوّق إليه
1) هو الشيخ مُحَمَّد بن يوسف الجامعي المُتوفى سنة 1219 ه / 1804 م، وليس كما ظنَّ المؤلف بأنّه ابن الشيخ يوسف البحراني صاحب كتاب «الحدائق»
2) ورد في «المجموع الرائق» المخطوط للعلامة السيد مُحَمَّد صادق بحر العلوم المُتوفى سنة 1979م أنَّ السيد مُحَمَّد زيني كان قَدْ سافر إلى بغداد، وكان صديقُه الشيخ مُحَمَّد بن يوسف الجامعي قَدْ مَرَّ على داره فتذكر صاحبَهُ، وهاجت به الذكرى فكتبَ أبياتاً يتشوَّقُ بها اليه، ويُعرِّضُ بالشيخ جعفر كاشف الغطاء، والسيد صادق الفحّام، وهي:
ويُعرّض به في آخرها، وهي:
سلامٌ على (دار السلام) ومَنْ بها *** وبالرغم منّي أن أُسلَّمَ من بُعد
نأيتُمْ فأفراحي نأتْ ومسرّتي *** وأنّي وحقّ الودِّ باق على الودِّ
أوّد بأن ألقاكمُ لَمحَ ناظرِ *** لعلَّ لِقَاكُمْ أَنْ يُخففَ مِنْ وَجدي
خَليليَّ قولا للمؤيد (جعفر) *** مقالةَ ذي نُصح هُديتَ إِلَى الرُّشْدِ
(تَبغددتَ) حتى قِيلَ إنَّك قاطنٌ *** وجانَبتَ أهلَ العِلمِ والنُسكِ والزُهدِ
فَجِدَّ إلى المجدِ الذي أنتَ قاصدٌ *** فليسَ لنيلِ المكرمات سوى الجِدّ
تحيةَ داعيكم (مُحمّد) مُعلِناً *** بمدحِكُمُ ما زالَ جَرياً على العهدِ
فأجابه الشيخ مُحَمَّد عن الأبيات الرائية بقوله:
ألا مَنْ لخِلٍّ لا يَزالُ مُشّمِرا *** لجذبِ وداد الخَلق سرّاً ومُجْهِرا
أحاطَ بودِّ الأنسِ والجنِّ وانثنى *** بأعلى ثنا الأملاك وداً وأبهرا
ونالَ من الرحمان أسنى مودة *** فَيالكَ وداً ما أجلِّ وأكبرا
يُجاذِبُني ودّ الشريفِ ابن (أحمدٍ) *** سُلالة (زين الدين) نادرةِ الورى
وهيهاتَ أنْ يَحظى بصفوِ وداده *** وإنْ كانَ (بحراً) في العلومِ و(جعفرا)
تَرومُ محالاً في طلابك رُتبةً *** بما خصّني الباري وأكَرمُ مَنْ برا
فمهلاً أبا (موسى) سيحكمُ لي (الرضا) *** وتكسب بالألحاح أنَّكَ لَنْ ترى(1)
ألا فاجتهِدْ ما شئتَ في نقضِ خلتي *** فمُحكمُ إبرامي يُريكَ المُقَصِّرا
فيا أيُّها المولى الخليط الذي جنى *** سينصفُني (المهديُّ) منكَ فتُحصرا
فَقُمْ سيدي للحُكم إِنَّكَ أهْلُهُ *** فديتُك أنصِفْني فَقَدْ أحوج المرا
فقال العلامة الطباطبائي حاكماً:
أتاك كوحي الله أزهرَ أنورا *** قضاءُ فتى باريه للحُكم قَدْ بَرا
فتىً لم يخَفْ في الله لومةَ لائم *** إذا ما رأى عُرفاً وأنكر مُنكرا
يظاهر مجنيّاً عليه إذْ اشتكى *** وينصرُه في الله نصراً مؤزرا
1) علّق المؤلف على هذا الشطر بقوله: «لم يتضح معنى هذا الشطر»
(محمدُ) يا ذا المجدِ لا تكترث ولا *** يُروّعن منك العَتب شيخٌ تذمَّرا(1)
فما هي إلاّ من مكائده التي *** عُرِفنَ به مُذْ كان أصغر أكبرا
وإنك أولى الناس كهلاً ويافعاً *** بحُبك نجل الطاهرين المُطهّرا
كفى للخمس اليوم للودّ عاضداً *** يردّ خميسَ الهَجر أشعث أغبرا
وليس ببدع ذاك فالخلطاءُ كم *** جرى بينهم في ودِّهم مثل ما جرى
وما حُكم (داود) بأن يمترى به *** وللنصِّ حكمٌ لا يُدافعُ بالمرا
فخذها إليك اليوم منّي حكومةً *** شقائقُها تحكي السحاب الكهنورا(2)
فما هو إلاّ النفسُ منّي وإنَّها *** تُخالفُ إذ أبدتْ خِلافاً بأن يرى
أقَمْنا على النَّفْسِ الشهادة حيثما *** أُمِرْنا بها في الذِكر نصَّاً مُقررا
فقد جعل الشيخ جعفر نفسه وحكم عليها، وأشار إلى قوله تعالى: «ولو على أنفسكم». فأجابه الشيخ جعفر عن حكومة بقوله:
جرى الحُكمُ مِنْ (مولاي) في حقٌّ (رقّهِ) *** ولستُ لِما أمضاه مولاى مُنكِرا
ولكنها في البَين تُعرَضُ شبهةٌ *** يزيد دقيقُ الفكر فيه تحيُّرا
إذا كنتُ نَفْساً منك أُدعى ومُهجةً *** فكيف أداني الكيد أصغرَ أكبرا
وكيف تُدانيني الرجال لمفخر *** وقد نِلتُ من علياك ما كان أفخرا
فلستُ أرى في البين عذراً مُوْجَهاً *** سوى أنَّ كسر النفس أمرٌ تقرّرا
فدعْ سيدي فالحُكمُ فيَّ مداعباً *** بلِ احكمْ بمُرِّ الحق يا خِيرةَ الورى
وكان الشيخ يريد أن يقول بجوابه هذا أن السيد إذا جعلني نفسه فكيف يجعلني كائداً، والكائد خائن، والخائن لا تنفذ حكومته. فينتج من هذا أن السيد لا تنفذ حكومته، أو الشيخ غير كائد؛ فأجابه الشيخ مُحَمَّد بقوله:
عذيري مِنْ (شيخٍ) ألحَّ بي المِرا *** فعاد إلى ما ناب لا يألفُ الكَرى
1) ورد في هامش المخطوطة «التذمر له معان أنسبها بالمقام الزئير» - منه -
2) الكهنور - على وزن (سَفَرْجَل): هو السحاب المتراكم الكثيف، وقد علّق ناظمُها على هذه الكلمة: أنّه الشيخ (جعفر). (كما ورد في النسخة المخطوطة). وقد وردت القصيدة في مقدمة رجال بحر العلوم، ج 1، ص 83، وفيها بعض الاختلافات، ولم أُثبتها هنا لركةِ هذه القصائد الداعية إلى السأم، والتي تبرهن على أنّها من شعر الفقهاء
يخاصمني كلُّ الخصام فأرتَئي *** وأثبتُ بعد الرأي حُجَّةَ ما أرى
أيحكم لى (المهديُّ) أعدلُ مَنْ قضى *** فيَثقُلُ حكم الحق فيه ويَكبرا
يحاول نقض الحكم بعد نفوذه *** وهل ينقضُ الحُكمَ المسجِّلُ إِنْ جرى
ويلهجُ أنَّ الحكم كان دُعابةً *** ولكنه الجدُّ المصمم أزهرا
وحكمُ (الرضا) و (الصادقِ) القول قبلَهُ *** صريحٌ بنصري لو يكن منصفٌ ذَرى
فأيهاً بُغاةَ الحق إني لحائرٌ *** لِما قَدْ دهى الأنصاف من حادثٍ عرا
يريد (بالرضا) حكم الشيخ مُحَمَّد رضا النحوي، و (بالصادق) السيد صادق الفحّام، حيث قال:
جَرى ما جَرى بين الخليلينِ وانتهى *** وإنْ كانَ مَعْرُوفاً لما كان مُنْكَرا
فاحفظ مولىً لم يزل ذا حفيظة *** لمُخلِصه عن ساعد العدلِ شَمَّرا
وأغرى حكيماً بانتصار فألّبا *** عليه من التأنيب واللوم عَسكرا
كلامٌ له بطنٌ وظهرٌ ولم يكنْ *** سوى محض ودَّ بطن ما كان أضمرا
مداعبةُ الأخوان تُدعى عبادةً *** لَعَمرُكَ ما هذا الحديث بمُفترى
فلا يستفزُّ الشيخَ برقُ غمامة *** بدا خُلَّباً في عارض ليس مُمطرا
ولا يصرفُ (المهديُّ) عن عادل القضا *** شقاشقَ ما كانت بحقٍّ لتَهدُرا
قَضى فتعاطى مذهبَ الشعرِ مُذْ قَضى *** فكان قضاء عادلاً قاطع المرا
ولو يتعاطى مذهب الشرع لم يكن *** ليقضي بأنَّ الصبح لم يكُ مُسْفِرا
يريد بقوله «لا يستفز الشيخ»: الشيخ مُحَمَّد، و «برق الغمامة» هو جذب الشيخ جعفر لودّ السيد مُحَمَّد؛ أي أن هذا ليس له واقع.
وأنه، خبير أن هذه الأبيات نصّ في الحكم على الشيخ مُحَمَّد، فما أدري كيف إدَّعى أنه له في أبياته السابقة مع ما صرّح به من حَملِ حكم السيد الطبطبائي على أنه في مذهب الشعر لا مذهب الشرع، وأنه على مذهب الشرع فالحق مع الشيخ جعفر لسفور الصبح. وأما الشيخ مُحَمَّد رضا فقال وأطال:
لعمري لقد ثارتْ إلى أفُقِ السَما *** عُجاجةُ حَرب حوّلتْ نحوَها الثّرى
وجالتْ بمَيدانِ الجدالِ فوارسٌ *** تماروا على أمرٍ وليسَ بهم مِرا
وذلكَ أنَّ الشيخَ شيخُ زمانهِ *** عَنيتُ بهِ بحرَ المكارم (جَعْفَرا)
فَردْهُ ولا تَعْدِلْ بهِ ريَّ غيرهِ *** تَردْ مَورداً لا تبتغي عَنهُ مَصْدَرا
تعمَّد منْ (بغدادَ) إرسالَ رُقعَة *** تَضمَّنُ معنى يُخجلُ الروضَ مُزْهِرا
بنَظم حكى الدُرَّ النَظيمَ مُفَصَّلاً *** ونَثرٍ حكى الروضَ النسيمَ مُنَوَّرا
وأعرب عن دعوى ودادِ (مُحمَّد) *** سلالة (زين الدين) نادرة الوَرى
ولا غروَ في دعوى ودادِ هوىً لهُ *** فيا لكَ ودَّاً ما أجلَّ وأكبرا
ولكنَّهُ قَدْ قاربَ الحُورَ وادَّعى *** اختصاصَ هوىً كُلٌّ له قَدْ تَشطَّرا
فكان عظيماً ما ادَّعى سيَّما على *** ذوي ودَّه مِنْ كُلِّ ذَم تذمّرا
ولا سيَّما الشيخُ الذي خَلُصتْ لهُ *** مودتُهُ مُذْ كانَ أصغرَ أكبرا
فتىً أشرقتْ مِنْ وجههِ غُرَّةُ الهُدى *** ومِنْ نورهِ صُبحُ الحقائقِ أسفرا
فقالَ إلى كُمْ ذا تُحاولُ رُتبةً *** بها خصَّني الباري وأكرمُ مُذْ بَرَا
كبرتَ ولم تَقنعْ بما يكتفى بهِ *** أظنُّكَ أُلهِمتَ الطَماعةَ أصغرا
تُجاذِبُني الودَّ القديمَ وليسَ مَنْ *** تَقَدَّمَ في ودَّ كَمَنْ قَدْ تَأخَّرا
فقالَ نَعَمْ لكنْ قَضتْ لي مودتي *** ومَحْضِيَ للأخلاص سرّاً ومُجْهرا
وإِنَّيْ أُراعي منهُ للودِّ خلَّة *** فلا تَحسبنْ كُلَّ الأَخَلاءِ (جَعفرا)
وإني أمتُّ اليومَ في صِدقِ قولهِ *** بحقي كلُّ الصيدِ في جانبِ الفِرا
ولستُ كَمَنْ يرميه بالهجرِ حقبة *** وما كانَ ذو ودّ بحال ليُهْجَرا
بريه بأيام (الخميس) مودّةً *** وفي سائر الأيام يَنْسَخُ ما أرى
فَطالَ نزاعٌ بينهم وتشاجرٌ *** معا وأقلا مِنْ نزاع وأكثرا
ومُذْ سئِما طُولَ النزاع ترافعا *** إلى حَكم باريهِ للحُكم قَدْ بَرا
هو السيّد (المهديُّ) عَنْ نور حُكمهِ *** أتاكَ كوحيِّ اللهِ أزهرَ أنورا
هُنالِكَ قُصّا ما عليهِ تنازعاً *** عليه وبُثّا عِندَهُ كُلَّ ما جَرى
وكلُّ غدا يُدلي بحُجتَهِ ومَا *** ونَى في احتجاج منهُ جَهداً وقصَّرا
وأجلبَ كلٌّ خيله ورجالَهُ *** على خصمهِ والكلُّ للكُلِّ شَمَّرا
فلمَّا رأى (المهديُّ) ذو الهَدي ما رأى *** وأبصرَ من ذي الحال ما كانَ أبصرا
درى أنَّ ذا لا عن خصام وكَمْ وكَمْ *** لسرَّ خَفيٍّ مثل ذا قبلُ ذا ذَرى
وأيقنَ أنَّ الشيخَ زيدَ علاؤهُ *** أرادَ اختبار الشيخ فيما لهُ انبرى
ليُظهِرَ ما أخفاهُ مِنْ صفو ودِّه *** وما كان ذاكَ الوِدُّ يَخفى فيظهرا
وأيقنَ أنْ ليستْ لذالكَ حقيقةٌ *** ولكنْ كلامٌ واللسانُ به جَرى
وقالَ هما خَصمانِ في البغيِّ أشبَها *** خَصيمين للمحراب قَبل تسوَّرا
جری حكمُهُ وفقاً لداود إذْ جَرى *** وقَرَّرَ ما قَدْ كانَ (داود) قَرَّرًا
جرى وما كان هذا الحُكمُ إلاّ مُشابهاً *** لدعواهما عند امرئ قَدْ تَبصَّرا
فلا الشيخُ مَقضيٌّ عليه حقيقةً *** ولا الشيخ مقضيٌّ له لو تفكَّرا(1)
كفى شاهداً في الصدق لي قولُ (صادقٍ) *** فتىً قَدْ سما في مجدِهِ شامخَ الذُرى
وأعلى له الرحمانُ فوقَ عباده *** مَقاماً يردُّ الحاسدين إلى ورا
مداعبةُ الأخوانِ تُدعى عبادةً *** لَعَمرُكَ ما هذا الحديثُ بمُفتَرى
وحررتها طوعاً لأمرِ أخي عُلا *** لخدمتهِ مُذْ كنتُ كُنتُ مُحرَّرا(2)
وذي حلبةٍ جلّت جميع جِيادُها *** ولكنني كنتُ الكُمَيتَ المُقصِّرا
وهذا ظاهر عدم الحكم للطرفين وإنْ كان فيه ميل إلى الحكم للشيخ مُحَمَّد لأنه أشار إلى قصة داود حيثُ قال: «لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه». إلا أن السيد مُحَمَّد قَدْ قطع لسان المخاصمة، وقضى بما عنده من المحاكمة، وصار حكم السابقين إلى حكمه هباء إذ المرء على نفسه بصيرة فهو وما يشاء. فقال وهو أحسن منْ نظم منهم (تغمّدهم الله برحمته):
أتاني كتابٌ مُسْتَطَابٌ بطيِّه *** خطابٌ كنشرِ المِسكِ فاح مُعَطَّرا
خِطابٌ سرى في كُلِّ قلب سرورُهُ *** خطابٌ بما تهوى الأمانيُّ بَشَّرا
كتابُ جناب الشيخ (جعفرٍ) الذي *** يَودُّ لديه البَحرُ لو كانَ (جَعْفَرا)
تَضَمَّنَ نَظماً يُخْجلُ العقد درّهُ *** ونثراً لديه أزهرُ الروض يُزدَرى
فَشاهدتُ (قُسَّاً) (باقلاً) عند نُطقهِ *** وإنْ نالَ حظّاً في البلاغة أوفرا
يُصرِّحُ تصريحَ الغَمام بودقهِ *** فروَّضَ عافي مَنزلِ القلبِ مُمْطِرا
وقد خَصَّني بالودٌ مِنْ دون غيرهِ *** وإنْ كانَ هذا الودُّ قَدْ شَملَ الورى
وأنكرَ وُدَّ الشيخ أعني (مُحَمَّداً) *** حميد السجايا أطيبَ الناس عُنصرا
يَزرُّ على حُسن السَجايا قميصَهُ *** كما هو بالمَجدِ ارتدى وتأزّرا
وقالَ رأيتُ الشيخَ لَمْ يَرعَ خِلَّةً *** فلا تَحْسَبَنْ كُلَّ الأَخلاءِ (جَعفرا)
وما لقديمِ الودِّ عندي مزيةٌ *** فكمْ مِنْ قديم سَادَهُ مَنْ تأخّرا
ومَنْ خصَّ في يوم (الخميس) ودادهُ *** نَراهُ بأنْ يُعزى إلى الهجر أجدرا
وكم جَرَيا في حلبةِ الشوقِ والهوى *** وأحرزَ كُلٌّ غايةَ السَبق إذْ جَرى
هُناك استفزَّ (الشيخَ) حتى أجابَهُ *** بنظم بديع يزدري الدرّ منظرا
دعا شوقه یا ناصرَ الشوق دعوةً *** فَلبّاهُ ذو أمر من اللهِ أمّرا
مُجيبُ الندا مُردي العدى مُطعمُ القِرى *** بعيد المدى داني الندى سامي الذُرى
هو السيّدُ (المهدي) بوركَ هادياً *** بنورِ سَناهُ يَهتدي من تَحيَّرا
فبادرَهُ بالحكم بَلْ كان غوثه *** وناصره في الله نصراً مؤزرا
بنظم بحبّات القُلوب مفصَّل *** تَخالُ نثيرَ النَجم فيهِ تنثَّرا
جريَّتُ على النهج القويم مُجارياً *** وقد سألوني عن حقيقةِ ما جَرى
فقُلتُ أراني أنْ أزيد مسرَّةً *** وأحمدُ ربَّ العالمين وأشكرا
ليَ الفخرُ أني قَدْ عَززتُ عليهُما *** وحسبيَ عِزَّاً في الأنام وَمَفخرا
ألا إِنَّما الأسلام دينُ (مُحَمَّد) *** وطاعتُهُ فيما عن الله أخبرا
ولي مذهبٌ ما زلتُ أُبديه قائلاً *** تَجعفرتُ باسمِ اللهِ فِيمَنْ تَجَعْفَرا
تَخذتُهما للعين نوراً وللحشا *** سروراً وللأيام درْعاً ومغفرا
فهذا حُسامي حين أسطو على العدى *** وهذا سَناني إِذْ أُقابلُ عَسْكرا
فكانا وقد أصبحتُ أُعزى إليهما *** هما سيّدا مولىً لهم قَدْ تشطّرا
فبعتُهما صَفوَ المودّة خالصاً *** ومحضيَ للأخلاصِ سرَّاً ومَجهرا
فَنِلنا بسوقِ الشَوق ربحاً مُعَجَّلاً *** فيا نِعمَ ما بعنَا ويا نِعمَ مَنْ شَرى
أدامهما الرحمانُ لي ولَمعْشَري *** وللناسِ طُرَّاً ما حديثُهما طرا
وهذا كما ترى ظاهره الحكم للشيخ جعفر وعدول السيد عن صاحبه الأول غير ملتفت ى قول الشاعر: «ما الحُبُّ إلاّ للحبيبِ الأول» نظراً إلى قوله: «تنقَّلْ فلذَّاتُ الهوى
بالتنقُّلِ».
وأمَّا ما قيل فيه فأكثر من أن يحصيه أحد فيمليه. لكنا نذكر مما تيسر لنا جمعه وهو على قسمين:
قال السيد الأجلّ، والسند المبجّل، عميد العلماء الأعلام، السيد صادق الفحّام، وهذا السيد فضله وجلالة قدره في ذلك الزمان، أعظم من أن تحتاج إلى بيان، و(أثر النجابة ساطع البرهان)، وكان من خواص العلامة الطباطبائي، والشيخ الكبير. ثم بعد السيد انقطع إلى (الشيخ) واختصَّ به. ثم عمر بعد الشيخ زماناً طويلاً. وله أشعار كثيرة في هذه (الطائفة)، وشعره كله في أعلى مراتب الحسن والجودة والبلاغة والفصاحة كما ستراه من مراجعة ما نورد لك منه.
فمنه قوله يهنّئ الشيخ بقدومه من حجته الأولى، ويؤرخ ذلك العام بقصيدةٍ طويلة، منها قوله:
للهِ درُّكَ مِنْ عَميد لَمْ تَزلْ *** بالصالحاتِ مُتَيَّماً مَعْمُودا
حَثَّ الرِكَابَ يوْمّ بيتاً لَمْ يَزلْ *** للناسِ مِنْ دُونِ البيوتِ قَصيدا
وأناخَ يلتمسُ القرى من ربِّه *** فَقِرَاهُ ما لم يبغ مَعَهُ فَريدا
فَضْلاً وإحساناً ومغفرةً لما *** قَدْ كانَ منهُ طارفاً وتليدا
وقَضى مناسكَهُ وعادَ بغبطة *** في الصالحاتِ وفي العُلي محسودا
يا أيُّها المولى الذي شاد العُلي *** وبَنى المكارمَ ناشئاً ووليدا
أصْبَحتَ سيدَها وليس بضائر *** إنْ لَمْ تكنْ مِنْ (هاشم) مولودا
زانتْ بمقدمِكَ (الحجازُ) كما زهتْ *** فيك (الحِجازُ) تهائماً ونجودا
أزمعتَ قصدَ البيت لا تلوى على *** شيء تُزَجَّي اليعملات القُودا
تَقتادُ حَرب الله مُجْتَهدا كما *** قادَ المليكُ عساكراً وجُنودا
ثم انصرفتَ بسيرةٍ مَحْمُودة *** ولكَ المحاسنُ مَبْدَءً ومُعيدا
وأقولُ إِنَّكَ (جعفرٌ) كلا ولا *** بَلْ أنتَ بحرٌ بالنَدى مورودا
أحييتَ آثارَ السَماحة والنَدى *** وأعدتَ دارسَ رسمهُنَّ جديدا
مُسْتَأثِراً بفضيلةِ العِلمِ التي *** أضحى عليكَ رواقُها ممدودا
فَلكَ العلومُ الباهراتُ سبقتَ في ***تحقيقهُنَّ (مُحَقِقاً) و(مُفيدا)
وسلكتَ في الآداب أبعدَ مَنْهج *** أتعبتَ فيه (جرولاً) و(لبيدا)
نَظْمٌ تَودُّ الخُودُ أنَّ فريدَهُ *** قَدْ نظّمتْهُ قلائداً وعقودا
وبديعُ نَظم تستعيرُ الروضةُ ال ***غنَّاءُ منه زهرةً وورودا
یا قبلَةَ الفَضلِ التي أربابُهُ *** مالوا إليها رُكَّعاً وسجودا
حُيّيتَ من بدر تجلّى فانجلي *** عَنّا به ليلُ العنا وأُبيدا
بَلْ عارِضٌ متهلّلٌ وافي وقَدْ *** ملأ البلادَ بوارقاً ورُعودا
جاءَ البَشيرُ مُبَشِّراً بقدومه *** فَحمدتُ ربَّاً لَمْ يَزِلْ مَحمودا
وبذلتُ أقصى الجُهدِ في تأريخهِ *** (نِلتَ المُنى بِمنىً وجئتَ حَميدا)
1186 ه
ولما حجّ الحجّة الثانية كان طريقه على (الشام)، نزل بها هو وصحبه الكرام؛ السيد محسن صاحب «المحصول»، والسيد جواد صاحب «مفتاح الكرامة»، والشيخ مُحمَّد علي الأعسم(1)صاحب «الشرح الكبير» في الفقه، فقال الشيخ إبراهيم العاملي(2)يمدحه، وكان يومئذ في تلك النواحي، وأجاد، والقصيدة طويلة اقتصرنا منها على اليسير، وهو قوله:
ألَمَّتْ بنا والليلُ تسطو كتائبُهْ *** ولاحَ مُحَيَّاهُ فَولَّتْ غياهبُهْ
قَضى نَحْبَهُ جُنحَ الظلام بنورها ***وقامتْ عليه في الغصون نوادبُهْ
أتَتنا على بأسِ الرجاء ورُبَّما *** أُتيحَ لكَ المطلوب عزّتْ مطالبُهْ
1) من تلامذة الشيخ جعفر كاشف الغطاء الملازمين له. كان مُرافقاً له في سفرته إلى الحج عام 1199 ه / 1785 م. ولد سنة 1154 ه / 1741 م، وتُوفي سنة 1233 ه / 1818 م. وستأتي ترجمة ولده الشيخ عبد الحسين الأعسم
2) ابراهیم صادق العاملي من تلامذة الشيخ موسى كاشف الغطاء ولد سنة 1221 ه / 1806 م، وتُوفي سنة 1288 ه / 1871 م
فيا طِيبَ ذاك الوصلِ مِنْ بعدِ جَفوة *** وبعد الظما يَلتذُّ بالماء شاربُهْ
ويا حَبَّذا لولا النَوى ذلكَ اللِقا *** وللدهر وِردٌ ليس تصفو مشاربُهْ
وكيف سرورُ الحُرِّ في زمن غَدا *** يحارب بالأحداث مَنْ لا يحاربُهْ
إذا همّ بالمعروف أكدى كأنَّهُ *** غَنيُّ يرومُ الجُودَ والبُخلَ غالبُهْ
ولو أجدتِ العُتْبى لهجتُ بعتبه *** وما كُلُّ مَنْ يجني عليَّ أعاتبُهْ
وما أرى مثلَ الدهرِ يأمنُهُ الفتى *** وتلدُغُهُ في كُلِّ حين عقاربُهْ
وتَعجبُ منها من بنان خضيبة *** ورابَكَ أنَّ الليث حُمرٌ مخالبُهْ
وأكثرُ مِنْ فوق البسيطة عاكفٌ *** على صَنم مِنْ ماله لا يُجانبُهْ
لعمري لقَدْ عَمَّ الضلال وأصبحتْ *** ربوعُ الهُدى مطموسةً وملاعبُهْ
ومالَ عمودُ الدين شرقاً ومَغرباً *** ولولا أبو (موسى) لَما قامَ واجبُهْ
هو العالِمُ الحَبرُ الذي لو رأيتَهُ *** إذاً لرأيتَ السِحرَ جاشتْ غواربُهْ
فتيً قَيَّد الباري به كُلَّ شاردٍ *** من العِلمِ حتى راجعَ الناس عازبُهْ
وأخفى عُلومَ المُلحدين بعلمِه *** وكيفَ يرى مَعْ صادقِ الفَجرِ كاذبُهْ
حوى الفضلَ كلَّ الفضل كَهلاً ويافعاً *** فطالعهُ وقَفٌ عليه وغاربُهْ
ولا عَجِبٌ إِنْ جازَ كُلَّ عجيبة *** فليس عجيباً في المُحيطِ عجائبُهْ
فَصيحٌ إذا نَصَّ البيانُ تَلفّتتْ *** إلى عقدها بيض الحمى وكواعبُهْ
تَخالُ مقال القائلين وقولهُ *** إذا اختلفا ليلاً تهاوى كواكبُهْ
تَقيٌّ نقيٌّ ما تَخطْتْ خطيئةٌ *** إليهِ ولَمْ يكتبْ سوى الخير كاتبُهْ
فيا كاتبَ الأوزارِ ما نالَ عالِمٌ *** بخيبتهِ في جانبٍ لم يُجانبُهْ(1)
هو البحرُ يحظى جارُهُ بفريده *** وتَنهلُّ في ربع البَعيد سحائبُهْ
وأبلجُ فيّاضُ اليدين يَسرُّهُ *** إذا بات مسكيناً وأُثريَ صاحبُهْ
جَوادٌ يرى المعروف خيرَ تجارة *** وإنْ قَلَّ حالٌ والثناءُ مكاسبُهْ
أباحَ لِمَنْ فوقَ الثَرى عينَ ماله *** ولَمْ يَحْتَفِلْ يوماً بما قال حاجبُهْ
وما زالَ مرْجُواً على الفقر والغنى *** وكَمْ مِنْ غنيٍّ ليسَ تُرجى مواهبُهْ
1) علّق المؤلفُ على هذا الموضع بقوله: «هكذا وجدتُ نُسخةَ هذا البيت، ولم أقعْ منهُ إلى الآن على مُحصّل»!
أقامَ إماماً بالعراقِ مُبَجَّلاً *** وسارتْ مَسيرَ النيّراتِ مناقبُهْ
لَقدْ ظفرِتْ منهُ بطودِ مفاخر *** تَفَجَّرُ بالعلم الغزير جوانبُهْ
أقامَ لواء الدينِ والدينُ غاربٌ *** تحدِّث عن مسِّ الترابِ ترائبُهْ
وشُمَّ فِعالٍ لا يُحيطُ بعدِّها *** بيانٌ وهَلْ يأتي على الرمل حاسبُهْ
فيا (جعفرَ) العلياء حَتّامَ تَبْتَغِي *** عُلُوّاً وقد جاوزت ما أنتَ طالبُهْ
يرومُ العِدى حرمانَكَ المجد والعُلى *** وهَلْ يُحرمُ المجدودُ والله واهبُهْ
ويبغونَ محوَ الحقِّ مِنْ صُحفِ الهُدى *** وهَلْ ينمحي أمرٌ وذو العرشِ كاتبُهْ؟!
إلى أن قال:
وفدتَ على قُطر (الشام) فأشرقتْ *** جوانبُهُ والليلُ سودٌ ذوائبُهْ
ولو أنصَفَتْكَ (الشامُ) وأفتْك تبتغي *** لِقاء (نجيب) شَرَّفتْها (نجائبُهْ)
ولكنَّها ما قَدْ عرفت وقَلَّما *** يُرى سابقاً مَنْ قَيَّدتْهُ معائبُهْ
وما جئتَها تَبْغي تجارة تاجرٍ *** تَشدُّ على الفاني وتوكا حقائبُهْ
ولكنَّها كانتْ طريقاً إلى التي *** إلى ربعها تهدى الحَجيجَ ركائبُهْ
فَبَلَّغَكَ الباري مُناكَ وكيفَ لا *** تَنالُ المُنى والخيرُ خَيرٌ عواقبُهْ
ولا زالتِ الأقدارُ تَهدي لك العُلى *** وكُلُّ امرئ يُهدى لهُ ما يناسبُهْ
تقودُ إلى الخيراتِ جيشَ هداية *** فترجعُ في نُجح وربحٍ كتائبُهْ
وتسحُب للرحمانِ أكرمَ صُحبة *** كذا أكرمُ الدُنيا كرامٌ صواحبُهْ
ثم لمَّا رجع من حجّته هذه، وأشرق بدر محيّاه في برج محله وأفق شعبه، مع أولئك البررة الهداة من صحبه، قال السيد أحمد بن السيد مُحَمَّد الشهير بالعطار(1)، مؤرخاً عام قدومه ومهنئاً له ولمن كان معه من أولئك العلماء، بقصيدة غرّاء، وهي:
أسَنى جبينكَ أمْ صباحٌ مُسْفِرُ *** وشذى أريجكَ أمْ عبيرٌ أذفرُ
أهلاً بطلعتِكَ التي ما أسفرتْ *** إلاّ وليلُ الهمّ عَنَا يُدبرُ
1) شاعر ومؤرخ، وفقيه له منظومة في علم الرجال، تُوفي سنة 1216 ه / 1801 م. ووالده السيد محمد العطار أحد شعراء زمانه تُوفي سنة 1171 ه / 1758 م
بكَ عادَ ذابلُ روض آمال الورى *** غَضّاً ولا عَجَبٌ فَأَنَّكَ (جعفرُ)
وتبسَّمتْ أرضُ (الغَريِّ) مَسرَّةً *** بك بعدما عبستْ فكادتْ تزهرُ
ومدارسُ العلم استنارتْ مُذْ بَدا *** فيها مُحَيَّاكَ البهيجُ الأنورُ
واستبشرتْ فرحاً بكَ العُلماءُ بَلْ *** كُلُّ الأنامِ وحُقٌّ أنْ يستبشروا
كُنّا بفرقتهِ بأعظم وحشة *** وبعوده عادَ السرورُ الأكبرُ
فكأنَّنا روضٌ تجانَبَهُ الحَيا *** فَذَوى وعاودَهُ فأصبحَ يزهرُ
وكأنَّهُ شمسٌ فيغشى الليلُ إنْ *** غابتْ ويبدو الصُبحُ مَهْما تُسفَرُ
سُبحانَ مَنْ أحيا الورى بمعاد مَنْ *** بنوالهِ موتى الخصاصة تُنْشَرُ
هو (جعفرٌ) لا بَلْ هو البحر الذي *** كم فاضَ بحرٌ مِنْ نَداهُ و (جَعْفَرُ)
والحمد لله الذي أولاهُ مِنْ *** آلاثه ما الشكُر عنهُ يقصرُ
ودعاهُ فَضلاً من لَدُنه لبيتهِ *** وَقَراهُ مِنْ جَدْواه ما لا يُحصرُ
فَسَرى مسيرَ الشمسِ في فئة بهِ *** حفّتْ كأمثال الكواكب تزهرُ
أكرمْ به وبصحبهِ مِنْ سادةٍ *** كَرُمتْ سجاياهم وطابَ العُنصرُ
لا سيَّما صدرُ الأفاضل (مُحسنٌ) *** كنزُ العلوم المُحسن المُتبحِّرُ
و (جوادٌ) النَّدبُ (الجواد) جلالُ *** أرباب الجَلال وعزُّهُمْ والمَفْخَرُ
وسميّ حجتي العليّ مُحَمَّد *** وعليٌّ الطهرُ الزكيُّ الأطهرُ
أعني سليل (الأعسم) الحَبر الذي *** هو بحرُ علم مدَّهُ لا يُجْزَرُ
وسليل (صادق) الصدوق (مُحَمَّد) *** والنعمةُ الكُبرى التي لا تُنكرُ
قوم تردّوا بالعُلى وتقمصّوا *** بالمكرمات وبالعَفافِ تأزّروا
وقد اقتفوا مِنْهاجَ مَنْ عَنْ فضلهِ *** أقلامُ أربابِ البلاغةِ تُحصرُ
أكرِمْ بهِ مِنْ مُقْتَضَى مَنْ يَهتدي *** بهُداهُ يَحظى بالنجاح ويَظفرُ
ذاكَ الذي لولاه ما وَخَدَتْ إلى *** جمع بهم قبّ البطون الضُمَّرُ
مولی به بطحاء (مكةَ) أشرقتْ *** وبنوِر غُرَّته أضاءَ المَشْعَرُ
بَهَجتْ بوطأتهِ المواقفُ واغتدى *** بَعْضٌ يهنئُ بعضَها ويُبَشِّرُ
ولَقَدْ غَدا الحرمُ الشريفُ به على *** ما فيه مِنْ فَخرٍ يتيهُ ويَفخرُ
مُذْ طافَ طافَ به العلاء ومُذْ سعى *** سعتِ المعالي نحوَهُ والمَفخرُ
و وبلمسهِ الحَجرُ السعيدُ يمينُهُ *** ربحتْ وتمَّ له السُعودُ الأوفرُ
بَلْ تَمَّ للحجرِ السُعودِ وكادَ أنْ *** يبيضَّ بِشراً لونُهُ المُتغيِّرُ
وعلا مَقاماً في المقام كما اعتلى *** بمقامه فيه المقامُ الأنورُ
وأفاضَ مِنْ (عرفات) بَعدَ وقوفَهُ *** فأُفيضَ رضوانٌ عليه أكبرُ
جَمَعَ الألهُ لهُ جميعَ الخير في *** جَمع فياللهِ جَمعٌ مُبْهِرُ
نالتْ (مِنی) بمبيته فيه المُنى *** وَصَفا به عيشُ الصفا المتكدرُ
وبسوقه للهَدي سيقَ لهُ الهُدى *** وبنحرهِ نُحِرَ الحسودُ الأبترُ
ورُمي - غَداةَ رَمَى الحِمارَ - عُداتُهُ *** بُعداً لهم فليخسؤا وليذمروا
وبأرضِ (طيبَة) طابَ مَثْواهُ فَيا *** طُوبى لها أضحتْ به تتعطّرُ
وبزورة (المختار) نالَ الغايةَ ال *** قصوى التي عنها الكواكبُ تَقصُرُ
وسما بزورة آلِ (أحمدَ) رُتْبَةً *** بَصِرُ بصر البصيرةِ عَنْ مداها يَحسرُ
فليحمِد الله الذي في جنب ما *** أولاهُ طولاً كُلَّ حمد يَصْغَرُ
ولیبتهجْ بشراً بما أرّختُهُ *** (بُشرى فَقَدْ حَجَّ المسدّد جعفرُ)
1199 ه
ولما قدم من (إيران)، قال الشيخ إبراهيم قفطان(1)يُهنيه، ويذكر أصحابه الغرر، الملازمين لخدمته سفراً وحضر، وعرّض بشكواه، طيّب الله مضجع كل منهم كُلِّ ومثواه، وهي:
قَدْ أقبل (الشيخُ) بالأقبالِ والنِعم *** واليُمنِ والبركاتِ الغُرِّ والكَرمِ
وقَدْ أحاطتْ به غُرٌّ غطارفةٌ *** بيضُ الوجوه حسان الخيم والشيمِ
مِنْ كُلِّ نَدبٍ سَريٍّ سيّد سَندٍ *** ولوذعيٍّ ومفضال وكُلِّ كمي
ممدحِونَ مصاليتٌ تخالهمُ *** حيثُ اشتباكُ القَنا كالأسدِ في الأُجمِ
وجاءَ بالسّعدِ مَحْفُوفاً وقَدْ خفقَتْ *** أعلامُ إقباله بالفضلِ والنِعَمَ
فابتلَّ منَّا عَليلٌ لم يَزل أبداً *** إلى لقاء مُحَيَّاهُ الجميل ظمي
وأصبح الكُلُّ إذْ جاء البَشيرُ بِهِ *** ما بينَ مُبتهجٍ منّا ومبتسمِ
1) ابراهيم بن الشيخ حسن قفطان تُوفي سنة 1279 ه / 1862 م
والأرضُ مُخضرَّةٌ تزهو بطلعته *** كما زها الروضُ غِبَّ الوابلِ الرزمِ
كأَنَّما صُحبُهُ مُذْ حَلَّ بينهمُ *** شُهبٌ تحفُّ بدرِ التمِّ في الظُّلمَ
وأفى فوافي لنا نَصرٌ نؤملُهُ *** منهُ فكشَّفَ عَنَّا غَيهبَ الغممِ
فقلتُ للنفس قُرّي واهجعي فلقَدْ *** وُقيتِ ما تحذرينَ اليومَ مِنْ ألمِ
ونلتِ أقصى المُنى إذْ رحت صادرةً *** عَنْ وردِ بَحر بموج الفضلِ مُلْتَطِمَ
حُيِّيتَ يا بن الكرام الصيد مِنْ (أسدٍ) *** هو المُعَدُّ لكشف الحادثِ العممِ
المخجل البحر في وكّاف راحته *** وفي مواهبه المُزري على الديمِ
مَنْ أَيَّدَ اللهُ فيهِ الدينَ فاتضحتْ *** بنورهِ سُبلَ الأرشاد للأُممِ
ما أمَّهُ المُسْنَتُ العافي وأمَّلَهُ *** إِلَّا وَأَصَدَرَهُ عَنْ مَوردٍ شبمِ
إن اتخذتَ حِماهُ مأمنا فَلَقَدْ *** أصبحتَ عزّاً بغابٍ منه كالحرمِ
وإن تحصَّنتَ منهُ خوفَ نائبة *** فَقَدْ تحصنتَ في عال من الأُطَمِ
أو اتقيتَ به بأساً تُحاذِرُهُ *** كنتَ الموقّى حلول البأس والنقمِ
وإن تمسّكتَ فيه رُحتَ مُمتسِكاً *** منهُ بحبلٍ متين غير مُنصرمِ
خوّاض ملحمة منّاع مَظْلَمة *** بدّاع مكرمة كالوابل الرَزمِ
كأَنَّما سُحبُ كفّيهِ إذا وَكَفَتْ *** سِيبٌ من اليَمِّ أو سَيلٌ من العَرمِ
يَحقَّهُ الملأُ الأعلى ويخدمُهُ *** فَقُلْ ونافسْ بمَخْدُوم لذي الخَدمِ
والدهرُ أُذنٌ إلى داعيهِ واعيةٌ *** وإنْ يكنْ عن دواعي الغير في صَممَ
وكُلُّ أيامهِ غُرٌّ محجَّلةٌ *** تُنْسيكَ أُنسَ ليالي دارةِ العلمِ
كَم أفصحتْ بروايات مخبِّرةٍ *** عن فضل هذا الفصيح الحاذق الحكمي
وأعربتْ عَنْ مزايا سرِّ مفخره *** لنا فباحَتْ بسرٍّ غيرِ مُنْكَتِمِ
له جَلالٌ وأخلاقٌ مهذبةٌ *** تَذْكارُها يُبرىُ المُضنى من النقمِ
حلوُ الشمائلِ والأعراقِ شيمتُهُ *** أحلى من الشَهد والسلوى لدى الأمَمِ
يستأنِسُ الريمُ فيه من لطافتهِ *** كأنَّهُ بين ضالِ الطلحِ والسلمِ
سهل العريكة منّاع الحقيقة *** خوّاض الكريهةِ إِنْ َحرُّ الوطيس حَمى
أ (جعفرٌ) هو أم بحرٌ طَمى كرماً *** وفاضَ حتى تخطّى غاية الكرمِ
المُنفقُ المال يومَ المَحْلِ يتبعُهُ *** ما كان يحويهِ مِنْ شاءٍ ومِنْ نِعَمِ
والحاكم المُرتضى دون الورى حَكَماً *** يا أسعدَ الله جدّ الحاكم الحَكَمِ
أكرِمْ بِهِ مِنْ فتىً كمْ راحَ مُنْتَشِراً *** عليه للنصر يومَ الرّوعِ من علمِ
ندبٌ وناهيكَ مِنْ ندبٍ ومُنتَدَبٍ *** إلى المعالي ومِنْ حَبرٍ وَمِنْ عَلمَ
كم حلّ بالنظر العالي إذا اشتكلت *** عقدُ الأمورِ وداوى الكَلْمَ بالكَلِم
ملءُ المفاضةِ مِنْ عِلم ومن عملِ *** ومِنْ سخاء ومن بأس ومن شيمِ
له من المجد حظٌ وافرٌ وعُلاً *** ما ليس يُحصيهِ خَطُ اللوحِ والقِلمِ
حازَ المفاخرَ حتى جاز غايتَها *** وصارَ بين عباد الله كالعَلَمِ
حَوى المكارمَ حتى قال قائلُها *** هذا الذي الفَضِلُ فيهِ غَيرُ مُنْقَسمِ
يُهْنِيكَ لو راحَ يُلقي مِنْ بَلاغتِهِ *** عُقودَ دُرٍّ بسلك الحُسنِ مُنْتَظمَ
أبدى له العُذرَ (قُسٌّ) لو يعاصرُهُ *** وكان معترفاً في زلّةِ القَدِمَ
أو راح يُملي مقالاً من يراعتهِ *** لكان كالسيل مُنْحَطاً عن الأُكَم
يُنْسيكَ (حَسّانَ) نَظماً رائقاً ولهُ *** نَثرٌ حكى أنجُمَ الجوزاء في الظُلمِ
مَنْ لم یَجُرْ قَطُّ يوماً في حكومتهِ *** وإنْ يَفهُ فَاهَ بالأسرار والحكمِ
تلقاهُ يومَ النَّدى يَهتزُّ مِن طَرَبٍ *** إلى المكارم هزّ الغصن للنَسَمَ
لا زلتَ تَنْشِقُ من ريّا شمائله *** نَوافحاً تُنْعِشُ العافي مِن العَدمَ
وفاقَ حتى سما النسرين منزلةً *** وداس هام الثريا منه بالقَدمَ
فمَنْ يُضاهيه في عزٍّ وفي شرف *** ومَنْ يُدانيه في علمٍ وفي كرمِ
مولى له مُدّتِ الأعناقُ خاضعةً *** لمجدهِ من ملوكِ العُربِ والعجمِ
ما استمطرت سُحْبَهُ الآمال في زمنٍ *** إلاّ وجاء بوبلٍ للندى سجمِ
ولا أناختْ له الوفّادُ مِن حَرم *** إلاّ وألفَتْهُ فيها خيرَ مُحْتَرمَ
نَماهُ (خضرٌ) فيا طُوبى خير فتى *** مكرّم للكريم المُستطابِ نُمي
يا بنَ الخضارمة الأمجاد يا أملي *** ويا ملاذي ويَا كهفي ومُعْتصمي
جُدْ لي من الكرم الوافي بمونقة *** حتى أُصانَ بها عن موردٍ وخَمِ
وحاشا لله إن أبقى (كذا) غرضاً *** إلى مرامي سهام الضّيم والأُظمِ
أو أنثني اليومَ عن ناديكَ منقلباً *** في صفقة الغُبنِ أو في حَيرةِ الندمِ
أبقاكَ ربُّكَ في عزّ وفي شرفٍ *** أين اتجهت وفي خيرٍ وفي نِعَمَ
وقال أيضاً مؤرخاً بعض أعياد الشيخ، ومهنئاً له بقدومه من سفر كان قَدْ أسفر عنه. وهي تزيد على المائة قَدْ اقتصرنا منها على هذا المقدار، وهو:
جاء السُرورُ وجاد في نيل المُنى *** وَغَدا ينادي بالبشارة والهَنا
والسّعد بالأقبال أقبلَ ناشراً *** ثوبَ المَسرَّةِ طاوياً بُردَ العَنا
والكونُ أصبح لابساً خُلعَ الهنا *** جدلاً وطيرُ الشوق يطربُ بالغنا
وقضيبُ بانِ الشوق لمَّا أنْ سرى *** سِرُّ الهوى فيه تَمايل وانثنى
وليالي الأفراح أفجرَ صبحُها *** يوماً وكانتْ قبلُ ليلاً أدكنا
والكُلُّ مغبوطٌ وفيما أنعمَ ال *** باري به بعضٌ يُهنّي بعضنا
مستبشرين وحَقتِ البُشرى لنا *** بقدوم مولانا الأجل وشيخنا
بقدوم (جعفر) بحر علم الله قَدْ *** نأتِ الكآبةُ، والسرورُ لنا دنا
يا روضةَ الرّواد بَلْ يا منهل ال *** ورّاد يا بحرَ السماحة والمُنى
قَدْ ودّتِ السبعُ الطِباقُ لو أنَّها *** قَدْ أصبحتْ لكَ موطئاً أو موطنا
مَلكُ تغَضُّ له الملوك مهابةً *** منهُ وتُطرقُ خشيةً مهما رَنا
لم استزدْ شرفاً له بمقالتي *** هيهات في مدح الأله له غنى
لكنني لمَّا رأيتُ مديحَهُ *** فَرْضاً عليَّ أتيتُ فيما أمكنا
بالخمسةِ الأشباحِ تمَّ فأرخوا *** (يا جعفرٌ بالعيدِ قَدْ نِلتَ المُنى)
وقال يهنيه:
تِه سروراً فَقَدْ بلغتَ الأماني *** بلقى شيخنا ونلتَ التَهاني
وابتهجْ فرحةً ونافسْ عليها *** كُلَّ قاصٍ من الأنام ودانِ
بِسَريٍّ تأرَّجتْ منْ شَذاهُ *** نفحةٌ عطّرتْ جميع المعاني
(جعفرٌ) يُفْضِلُ البحارَ وهيهاتَ *** تُضاهي عُبابَهُ أو تداني
أسَّسَ المجدَ والعُلى فاستقامتْ *** واستقلّتْ أركانُهُ والمباني
يَفْخَرُ الفَخرُ حين يُعزى إليه *** وكفاهُ فَخراً به وكفاني
شرفٌ دونَهُ (السَماك) محلاً *** ومَقامٌ يعلو على (السرطانِ)
جَلَّ قَدْراً ومفخراً فتعالى *** عن بني عصرهِ بأسنى مكانِ
وسماهُمْ فأصبحوا مِن عُلاهُ *** كنجوم السماء مِن كيوانِ
فآتَهُمْ مَفْخَراً وإنْ كان مِنْهُمْ *** والحصى في البحار غَيرُ الجُمانِ
أبيضُ الوجهِ والفعالِ أخو حز *** م وعزم أمضى من (الهندواني)
ليس يستغرق المديحَ ثناهُ *** ولو أنّي أثني بكل المثاني
كيف يُحصي المديحُ كُنْه معالٍ *** مُفْرَدٌ مالهُ مدى الدهر ثانِ
فهو الشمسُ رفعةً وسناءً *** وكفى الشمسَ شهرة عن بيانِ
وهي أيضاً طويلة اقتصرنا منها على هذا. وأظن ظناً قوياً أن هذا الشعر الذي مرّ كله لمشيخ حسن قفطان(1)أبي الشيخ إبراهيم وكان من العلماء المبرّزين، وهو من تلاميذ الشيخ لكبير، لأن الشيخ ابراهيم ممن رأى الشيخ مُحَمَّد(2)بن الشيخ علي وغيره من الطبقة لثانية، كالشيخ مير أحمد(3)بن الشيخ موسى كما سيأتي. وبين وفاة الشيخ الكبير والشيخ مُحَمَّد ستون سنة، فيبعد أن يكون الشيخ إبراهيم عاش إلى ذلك الزمان. ثم أن (نَفَسَهُ) في لشعر كما سترى غير هذا النفس، اللّهم إلاّ أن يكون قال هذا الشعر في أول أمره وهو صغير، والله العالم.
قال أديب عصره، بَلْ جميع الأعصار، ولبيب مصره الذي طبق ذكره سائر الأمصار، أشتهر فضله ولا اشتهار الشمس في رابعة النهار، ذو الشرف الشامخ والأدب القوي، لشيخ مُحَمَّد رضا النحوي يهنئ الشيخ الكبير بقدومه من حجّته الثانية، ويمدحه ويمدح صحابه الذين كانوا معه، وقد مرّ تعدادهم، ويؤرخ ذلك العام، وهي من محاسن الشعر أجوده، وأقربه وأبعده، وهي:
قَدِمَ (الحَجيجُ) فمرحباً بقدومهِ *** لقدوم مَنْ شَرعَ الهُدى بعلومهِ
هو (جعفرٌ) مَن كان أحيا مُذْ نشا *** من دين (جعفر) عافیاتِ رسومهِ
مأمونُهُ في سرِّهِ وأمينُهُ في شر *** عِهِ ورديفُهُ في خِيمهِ
وافوا كأنجُمِ أسعُد قَدْ أحدقتْ *** بالبدر أو كالزهر عند نجومهِ(4)
وَرَدوا (الغريَّ) فطال إذ وردوا السما *** بقدومهم إذْ كان عند قدومهِ
وتودُّ أنْ لو أَبْدَلَتْهُ بدرَها *** عن بدرهِ، ونجومَها بنجومَهِ
عَلَماً بنقصِ بدورها في أفقها *** ومغيب أنجمها خلال غيومهِ
وتيقُنَاً أنْ ليس ينقصُ نورهم *** والله أمضى الأمر في تتميمهِ
حثّ الرواسم للحجاز ولم تزل *** مشتاقة لوجيفه ورسيمهِ(1)
كالغيث كُلّ تنوفة ظمآنة *** لغزير وابل وُدْقِهِ وعميمهِ
وسعى لحجّ البيت وهو الحج في *** تحليله المعهود أو تحريمهِ
وبمروتيه وركنه و مقامه *** وبحجرهِ وحُجونهِ وحطيمهِ
و دقیقه وجليله وكثيره *** وقليله وحديثه وقديمهِ
رُفِعتْ قواعدُ حِجر (إسماعيلهِ) *** فيه وقام مقامَ (إبراهيمهِ)
وبه (الصَفا) لقيَ الصفا وتأرَّجتْ *** أرجاءُ (مكةَ) من أريج نسیمهِ
وغدتْ ينابعُ (زمزم) وكأَنَّما *** مُزِجتْ لطيبِ الطعم من تسنيمهِ
أهدى السلام إلى (النبيِّ) وما دَرى *** أن (النبيَّ) بداهُ في تسليمهِ
جزل العطاء فَمَنْ يَنخ آماله *** بشريف طبع من عُلاهُ كريمهِ
يَنخِ الرجاءَ بباب غير منهنه *** مَن أَمَّ جدواهُ ولا محرومهِ
طُبِعَتْ خلائقُهُ على محمودها *** والطبعُ ليس حميدُهُ كذميمهِ
أمَّا المقالُ فَرَّقَ في منثورهِ *** عن كنهِ معناهُ وفي منظومهِ
فليقتنعْ ذو اللُبِّ في تبجيله *** بمديح خالقه وفي تعظيمهِ
ليس المديحُ يزيد في تشريفه *** شرفاً وليس يزيد في تكريمهِ
وإن ادّعى أحدٌ بلوغ ثنائه *** بنشیر درٍّ صاغه ونظیمهِ
فأنا الذي سلَّمتُ أني عاجزٌ *** ونجاة نفس المرء في تسليمهِ
لكنَّ عام قدومهِ أرّختُهُ *** (قَدِمَ السخا والمجدُ عند قدومهِ)(2)
وقد أرسل الشيخ الكبير بهدية إليه وكتب معها:
عذر الحقير إذا قَلَّتْ هديتُه *** (إنَّ الهدايا على مقدار مُهديها)
فكتب إليه الشيخ مُحَمَّد رضا (رحمه الله) مجيباً بهذه الأبيات، وهي:
وافتْ هديتُكَ الغرّاء حاملةً *** شذا نسيمكَ يذكو في مطاويها
وأعربتْ عن صفايا الودّ منك فيا *** طُوبى لنفسٍ بصفو الودّ تصفيها
فَجَلَّ مُقدارها عند المُحبِّ كما *** قَدْ جلّ بين البرايا قدرُ مُهْديها
و جاوزت قَدْرَ مَنْ وافتْ وقد عدلت *** إذ كنتَ مُهديها الدنيا وما فيها
وكتب الشيخ إبراهيم بن الشيخ يحيي العاملي من الشام إلى النجف يمدحه، ويوصيه بولديه، وكانا يشتغلان بالنجف، وهي:
سلام كمُنهلِّ السَحاب الكَهَنْورِ *** على روضة الدين الحنيفي (جعفرِ)
تحيّة مشتاق على القُرب والنَوى *** يرنّ كما الحراء في أوبة وري
أمَا وهواهُ وهي حلفة صادق *** يرى الصدق في الدارين أربح مَتْجَرِ
لقد حلَّ منْ قلبى محلاً حميتُهُ *** من الناس حتى من قبيلي ومعشري
وبوأتُهُ الدارَ التي ما أبحتُها *** لغير نبيّ أو إمام مُطهّرِ
ولا غرو أنْ يُمسي ويُصبحَ (جعفرٌ) *** ومنزلُهُ ما بين (طه) و(حيدرِ)
أحنُّ إليه والحنينُ من الجوى *** ولا عجبٌ إِنْ حنَّ صادٍ (الجعفرِ)
وأهتزّ إنْ أطراهُ مُطْر كأنني *** نزيفٌ وما حدَّثتُ نفسي بمُسكَرِ
هو العالمُ التحريرُ والجبلُ الذي *** تفجّر منه العلمُ أيَّ تفجّرِ
أقامَ لواء الدين شرقاً ومغرباً *** وقد جاشت الدنيا بغاو ومُفترِ
وأنقذهُ من قبضة الشرك بعدما *** ألحّ بأنياب عليه وأظفرِ
وأجرى لطُلاب العلوم جداولاً *** من العلم بالأوهام لم تتكدّرِ
ولا أمْتَري أنَّ الذين تقدَّموا *** لهم مفخرٌ في العلم أعظم مفخرِ
ولكنْ له بين الجميع تقدُّمٌ *** عليهم فكان السبق للمُتأخرِ
ولا عجبٌ فانظرْ إلى الدهر كم مضى *** به قبل (طه) من رسول ومُنذرِ
هو البحر للقاصي يجودُ بوابل *** وطلّ وللداني يجوُد بجوهرِ
هو الصارمُ الماضي يروقُكَ منظراً *** ويُوليكَ أضعاف المُنى بعد مخبرِ
هو الغيثُ لا ينفكُّ منهلُّ جودهِ *** على مُعْسِرٍ في الناس أو غير مُعْسِرِ
إذا ما ظما جود الجواد تشاركا *** يدا مُعْسرٍ فيما هناك وموسرِ
يُغلّسُ في كسب المعالي وغيرُهُ *** نؤومُ الضُّحى، والمجدُ حَقٌّ المُبكّرِ
ويكدحُ في حاجات مَن هو نائمٌ *** بعَزْمَةِ مضّاء على الهول عبقري
فلستَ ترى ليثاً يُفزّعُ من ندى *** وفرض عليه غير غادٍ مشمّرِ
لنصرة رة مظلوم وأمن مروّع *** وإرفاق مجهود وإيواء مفجرِ
وما طرق الملهوف باباً كبابه *** إذا طرقت في الدهر أمُّ حبوكرِ(1)
إذا جيء في ليلٍ من الخطب حالِكٌ *** رماهُ بصبح من محيّاهُ مُسْفَرِ
ويصبحُ في أمن من الدهر جارُهُ *** وكيف يخافُ (الذئبَ) جارُ (الغِضنْفَرِ)
ويغشى حماه المجدبون من الورى *** فیمسون أصناف الربيع المنوّرِ
تقيّ يخافُ الله سراً وجهرةً *** وذلكَ شأنُ العارفِ المتدبّرِ
فوا عَجَباً من خِيفةِ الناسكِ الذي *** من الذنب لم يعلق ولا بالتصوُّرِ
عزوفٌ عن الدنيا ولو برزتْ له *** وفى راحتيها مُلكُ (كسرى) و (قيصرِ)
فيا قاليَ الدُّنيا وقد أجمعَ الورى *** على حُبِّها من ذي عماء ومُبْصرِ
بعيشك خبّرني ألستَ محرّماً *** مخالفة الأجماع أم أنت مُجْتَرِ
فيا (جعفرُ) الخير الذي طابَ مَحْتداً *** فطاب، وطيبُ الفرع من طيب عُنصرِ
ليُهْنكَ مَجْداً أنت ساحبُ ذيله *** برغم العدى فوق السحاب المُسخَّرِ
ولمَّا رأيتَ الأرضَ شتى ولم تكنْ *** لتحفلَ إلاّ بالمقام المطهرِ
تخيّرتَ قُربَ (المرتضى) علم الهدى *** وطاب لك المثوى فخيّمتَ بالغَري
فصادفتَ منه يا أخا الفضل جنّة *** لها من نداكَ الغَمْر أفضلَ كوثرِ
وحسبُكَ فَحْراً أنَّ فضلَكَ وافرٌ *** ومالك في الأموال غيرُ موفّرِ
وأنَّكَ طودٌ زادهُ اللهُ رفعةً *** بفرع زكيّ بالفضائل مُثْمِرِ
وكم مِن يد عندي له لو ذكرتها *** تضايق وردي في القريض ومصدري
وفدتُ على مغناه والدهرُ أسودٌ *** فأصبحتُ في روضٍ من العيش أخضرِ
سأشكرُهُ وهو الجدير من الورى *** بشكري ومَنْ يستوجبِ الشكرَ يُشْكرِ
إليكَ أبا (موسى) زففتُ بديعةً *** تبخترُ في ثوبِ البديعِ المحبّرِ
1) الحبوكر: الداهية. وأم حبوكر: الداهية العظيمة
هديتَ بمشغوف بمدحكَ مُوْلَع *** بشكر جميل في مغيب ومحضرِ
ولا أدعي أنّي تطوّلتُ بالثنا *** ولكنني حاشاكَ عينُ المُقصّرِ
ولي بحماكم بضعةٌ وأخٌ له *** مقيمٌ على ربع من الخير مُقْفِرِ
فلا تَنْسَهُ واعطفْ على الحائم الذي *** يروحُ ويغدو ظامياً بين أبحرِ
ولا تُخْرِجنْهُ من عموم فواضل *** تلفّ إذا جاشت مقلاً بمُكثرِ
وكيف يمسّ الجَدبُ ربعَ مخيّم *** على باب هطال من الغيث ممطرِ
ولا زلت في عيش رغيد ونعمة *** تكرُّ عليكم بالنعيم المكرّرِ
ولمَّا توفّي العلامة الطباطبائي جعلت الشعراء تتخلّص في مراثيه بمدح الشيخ جعفر لأن الأمر انحصر به. فمن ذلك ما قال الشيخ إبراهيم العاملي يرثي السيد، ويعزّي ولده السيد رضا، ويوصي الشيخ به، حيث قال:
وله من الشيخ المعظّم (جعفرٍ) *** علم الهدى جارٌ عزيز الجارِ
وهو الأب الثاني له وكفى به *** عن غيّب كاف وعن حضّارِ
يا (جعفرَ) الخير الذي بزَّ الحيا *** كرماً فأصبح كعبةَ الزّوارِ
يا عالمَ العصرِ الذي لم يكتحلْ *** بنظيره عصرٌ من الأعصارِ
أُوصيكَ بالخَلفَ (الرضا) وأراك لا *** تحتاجُ في (المذكور) من تذكارِ
أنّى يُضيَّعُ واجبٌ مولى يرى *** تضییعُ نافلةٍ من الأوزارِ
وقال بعض الشعراء، يرثيه في سينيّة طويلة يتخلص بآخرها في مدح الشيخ الأكبر، ويطيل في الثناء عليه. ولم يحضر في حفظي منها إلاّ بيت واحد، وهو:
لَئَنْ عَابَ (مهديُّ) الهُدى فيه عنكمُ *** ففي (جعفرٍ) بالعلم تحيا المدارسُ
إنَّ الشيخَ رحمه الله، كما ذكرنا لك فيما سبق، انحصرت به رئاسة الأمامية نهياً وأمراً وتدريساً وفتوى، حتى أن السيد الطباطبائي كان يأمر أهله بتقليد الشيخ في أغلب المسائل التي يحتاط فيها، ويأمر الناس بتقليده في جميعها كما في «معدن الشرف». هذا كله في زمان أستاذيه: في التدريس المروّج البهبهاني وفي الأجازة العلامة الطبطبائي.
إلاّ أنه رحمه الله بعد أن فرغ من جميع العلوم على وجه الاستيفاء لم يكن ليستقر في بلد أو مكان إعتماداً على وجود مثل هاتيك الأركان، والأستغناء عنه بهم في نشر القضايا والأحكام، إلى أن توفى الآقا (رحمه الله) سنة ثمان بعد المائتين وانحصر الأمر بالعلامة المتقدم والشيخ، فالتزم الشيخ بالأقامة، والنهوض بأعباء هاتيك المقامة، فألقى عصا التسيار، وقام بتشييد شريعة النبي المختار (صلی الله علیه وآله)، فاستقَلا بالأمر جميعاً، وبزغا في أفق الهدى كالنيّرين طلوعاً. وكانا متقاربين في السنّ، إلاّ أنَّ (الشيخ) عمّر بعد السيد بمقدار خمسة عشر أو ستة عشر سنة. وكانا متساويي الحضور على الأساتيذ فلم يحضر السيد عند أستاذ إلاّ وكان الشيخ بخدمته وفي صحبته، فلما آل الأمر إليهما حضر الشيخ بدرس (السيد) مقدار إسبوع أو اسبوعين ليُرجع الناس إليه كلهم، وطلبة العلم جلّهم، وليبين فضله على جميع العلماء الأعيان، وإن كان غنياً عن البيان.
وأما السيد فأنَّه أرجع الناس إليه في التقليد، وألقى إليه من أغلب أمور الدين والدنيا الأقليد، ونصبه علماً للفتاوى والأحكام، وحكماً تصدر عنه الأقضية في ذوي الخصام. وجعل أمور الحقوق والأموال بيد العابد الزاهد الورع التقي المشهور الشيخ حسين نجف، فكان يضع ما يؤتى إليه من حق أو مال في صندوق في داره، فإذا احتاج السيد أو الشيخ شيئاً من المال لأعطاء تلميذ أوفقير أتيا إلى الصندوق فأخذا منه قدر الكفاية، كذا في «معدن الشرف» وغيره. هذه سيرة أولياء الله الأبرار، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وما كان حديثاً يفترى.
ثم أن السيد العلامة قبل وفاته بحولين إرتحل إلى مكة المشرفة حاجاً، فعيَّن فيها الحدود والمواقيت وأظهر المقامات المشرفة. وكراماته هناك أشهر من أن تُذكر. وبقي هناك سنتين، فانحصر أمر تدريس طلاب النجف وعلمائهم في هذه المدة بالشيخ الأكبر، ورجع جميع أصحاب السيد إليه، للحضور والقراءة عليه، الاغتراف من بحره الطامي، والتشرف تحت منبره السامي. فكان على ما سمعتُ من الشيبة تحت منبره ما يزيد على المائة الأشراف، الذين هم فوق رتبة الأجتهاد بآلاف.
فمن (الجعافرة)(1)أولاده الخمسة، موسى، ومحمد، وعلي، والحسن، وعيسى، وإخوته محسن، ومحمد.
ومن (القزاونة)(2)
وأكبر أولاد السيد أحمد هو السيد حسن (والد السيد مهدي القزويني)، وكان من علماء عصره الكبار، ولد سنة 1152 ه / 1739 م. في النجف، وسكن منطقة (الدغّارة) فترة من الزمن، وكان له إلمامٌ بالعلوم الرياضية والهندسية وقد شارك عام 1208 ه / 1794 م في هندسة مجرى نهر الهندية الذي أصبح من أعظم أنهار العراق في وقته. تُوفي سنة 1223 ه / 1808 م.
السيد علي القزويني: من كبار المجتهدين، وهو أستاذ السيد مهدي القزويني وقد أجازه بالاجتهاد. تُوفي بالنجف، ودفن بباب مسجد (الخضرة) كما ذكر ذلك السيد مهدي القزويني في كتابه «المزار». ويمكن استظهار سنة وفاته حدود عام 1237 ه / 1822 م.
السيد باقر القزويني المعروف (بصاحب الكرامات) والمُتوفى في الطاعون سنة 1246 ه / 1830 م.
وأسرة آل القزويني اليوم تتفرّع من (السيد حسن، السيد علي، والسيد محمد علي). أمَّا السيد حسين، والسيد باقر فقد دَرَجا. وقد اشتهر عقب هؤلاء الفقهاء الثلاثة في المناطق الفُراتية العراقية، وامتلكوا فيها الأراضي الزراعية في مدينة الحلة، طويريج (الهندية)، الرغيلة، الدغّارة، البزونية، القزوينيّة، الكفل، العباسية، وغيرها من المناطق الأخرى
السيد باقر، والسيد علي، والسيد حسن - والد السيد الوحيد السيد1) هم أولاد الشيخ جعفر كاشف الغطاء
2) (القزاونة): هم أسرة السيد أحمد القزويني المولود سنة 1124 ه / 1712 م والمتوفى سنة 1199 ه / 1785 م. والسيد أحمد هذا هو استاذ السيد مهدي بحر العلوم، والشيخ جعفر كاشف الغطاء. وزوجتُهُ هي أخت السيد مهدي بحر العلوم. وله أولادُ خمسة كُلُّهم من كبار المجتهدين، وهم: (السيد حسن، السيد حسين، السيد علي، السيد محمد علي، والسيد باقر)، ومنهم تتفرّع أسرة آل القزويني التي نُسبتْ الى (الحلّة).
المهدي - رحمهم الله أجمعين.
ومن (البغاددة) السيد حسن الأصم(1)من بيت العطار المعروفين إلى الآن في بغداد، وبيتُهم من أعظم بيوت الشيعة هنالك اليوم، ثم السيد محسن الأعرجي(2)صاحب المحصول، ثم السيد إبراهيم البغدادي(3)عالم شاعر، وسيأتي عليك من شعره ما يدلك على ذلك، وله ابن اسمه السيد باقر البغدادي(4)وهو من شعراء الشيخ موسى وخواصه إلاّ أنه أقوى في هذه الصناعة من أبيه، وسيرد عليك من ذلك ما ينبيك.
ومن (الأعاسمة) الشيخ مُحَمَّد علي(5)، والشيخ عبد الحسين(6)، وكان بيتهم بيت شرف وعلم، ولهم تصانيف في الفقه عظيمة.
ومن (العوامل) السيد جواد(7)صاحب «مفتاح الكرامة»، والسيد علي أمين العاملي(8)
1) توفي السيد حسن الأصم البغدادي سنة 1265 ه / 1849 م
2) تُوفي السيد محسن الأعرجي سنة 1227 ه / 1812 م
3) السيد ابراهيم بن السيد محمد العطّار البغدادي تُوفي سنة 1215 ه / 1801 م
4) وفاة السيد باقر بن السيد ابراهيم العطّار البغدادي سنة 1235 ه / 1821 م
5) الشيخ محمد علي الأعسم من خواص الشيخ جعفر كاشف الغطاء، والمرافقين له في أسفاره تُوفي سنة 1233ه- / 1818م
6) تُوفي الشيخ عبد الحسين الأعسم سنة 1247 ه / 1831 م
7) تُوفي السيد جواد العاملي سنة 1226 ه / 1811 م
8) السيد علي الأمين العاملي هو ابن عمّ السيد محمد جواد العاملي. وكان من الملازمين للسيد باقر القزويني، وقد أعانَهُ في تجهيز الموتى الذين راحوا ضحية وباء الطاعون سنة 1246 ه / 1830 م
من العلماء الشعراء. إلى غير ذلك من أساطين العلماء (عرباً) ما مر عليك، و(عجماً) من کالشيخ أسد الله التستري، والشيخ مُحَمَّد تقي صاحب الهداية والسيد مُحَمَّد باقر الرّشتي المعروف بحجة الأسلام، والحاج ميرزا ابراهيم الكلباسي، إلى غير ذلك ممن يضيق نطاق. البيان عن تعدادهم.
ولنا عزمٌ إن شاء الله بتوفيقه أن نضيف إلى (رسالتنا) هذه جملة من أخبار أساتيذ الشيخ واحداً واحداً إجازة وحضوراً حتى تنتهي سلسلة أساتيذه إلى المعصوم (علیه السلام)، ثم نردف ذلك بأخبار تلاميذه وتفصيل أحوالهم جميعاً. وأرجو من الناظر في هذا المكان أن يدعوَلي بالتوفيق لذلك، والنهج على أحسن المسالك.
والحاصل أن هؤلاء وكثير من أمثالهم كالشيخ حسين نجف، والشيخ قاسم محيي رحمهم الله أجمعين، إلى غير ذلك ممن يطول المقام بذكرهم ويقصر القلم عن حصرهم، وكلهم أتوا إلى درس الشيخ وهم مجتهدون مسلّمون الفضيلة، ولكن علماً منهم أنهم وإن بلغوا مبلغاً من الفضل خطير، فهم محتاجون إلى الاستمداد من ذلك البحر الغزير:
فَهَلْ بفروعِ الدوحِ عن أصلها غنىً *** وهل بالسحاب الجون كفوٌ عن البحرِ
ولما رجع السيد العلامة (ره) من الاتصال بجوار ربه في العالم الفاني، لم يقم إلاّ أياماً يسيرةً حتى دعاه مولاه فعرج إلى حظيرة القدس بمقدّس ذلك الجسم الروحاني، فاستقل الشيخ الأكبر بالأمر، ونهض بأعباء الدين فساس ما شاء فيه وتدبّر، إلى أن دخل شهر رجب من سنة الثامنة والعشرين بعد الألف والمائتين، فتوعّك الشيخ وشكى نفسه وأصابه في الأثناء برد فتورّمت منه رقبته ووقع بالمرض المعروف (بالخنازير). وجعل يشتد الورم حتى نُعيتْ إليه نفسه الشريفة، فأوصى بنيه الثمانية بعد أن جمعهم بوصايا كثيرة من أمر الدنيا الفانية، والآخرة الباقية.
ثم قال لهم: وقد خلّفتُ عليكم مَنْ يرعاكم بعد خالقكم ولدي الطاهر المطهر موسى ابن جعفر، فاسمعوا له وأطيعوا، ولا تخالفوا له قولاً، ولا تعصوا له أمراً، وخوضوا دونه الحتوف، وعانقوا لأجله السيوف، فأنه خليفتي عليكم، وأنا خليفة الله عليكم، وإنكم لا تزالون بخير وعلى خير ما أطعتموه واتبعتموه. ثم التفتَ إليه وقال: يا بُنيّ هؤلاء قوة ساعدك، فاستعنْ بهم على شدائدك، واعطف عليهم فإنهم لُحْمَتكَ، وارم عدوك بمن شئت منهم فأنهم كُنانتك، وأحسِن فيهم فأنهم منك وأنت منهم، ولا تتمسكَ فيما في يديك من أثاث الدنيا الفانية عنهم، فأنَّ ما أعطيته لك، وما أمسكته عليك، ولا تحملهم
على رقاب الناس فتزلّ قدم كما زلّت بمن قبلك، ولكن أمزج لهم رخاءً بشدة، وشدةً بعفة، وعفةً بغنى، وغنى بزهد، وزهداً بصبر، وصبراً بفقر.
ولم يزل يقول لهم: ولا ولا، حتى ضعف عن الكلام فقال: اخرجوا عني وادخلوا عليّ بعد ساعة. وجعل يتلو الكتاب العزيز حتى ضعف نَفَسه، وفارقته نَفْسُه، فهوى عمود الدين، وطمست آيات الكتاب المستبين، وكثر الصراخ والهلع، وكادت السماء أن تقع.
فلما فرغوا من تجهيزه ودفنه في مدرسته رجعوا إلى داره الكبيرة فوضعوا الرؤوس بين الركب، وأطالوا النشيج والبكاء هنالك ولا عجب، لأنهم عيال على مكارمه الجزيلة، فكأنما فقد كُلّ واحد منهم أباه البرّ وكفيله، وأنشد كلُّ منهم لعظم ما دهاه من المصاب، وقد سقته أكف الرزايا كؤوس الحنظل والصاب:
ظننّا الذي نادى محّقاً بموتهِ *** لعظم الذي أنجى من الرزء كاذبا
وخلنا الصباحَ الطَّلْقَ ليلاً وإنَّما *** خبطنا حذاريا من الحُزنِ كاربا
وما ذَهبتْ نَفسٌ تصفَّتْ من القذى *** ولكنَّما الأسلامُ أدبرَ ذاهبا
ولمَّا أبى إلاَّ التحمُّلَ رأيها *** منحناهُ أعناقَ الكرامِ ركائبا
يسيرُ به النَّعشُ الأغرَّ وحولَهُ *** أباعدُ راحوا للمُصابِ أقاربا
عليه حفيفٌ للملائك أقبلتْ *** تُسايرُ نعشاً زاحمَ العرشَ جانبا
تَخالُ لفيفَ الناسِ حول ضريحهِ *** خليطَ (قطا) وافي الشريعةَ هاربا
إذا ما امتروا سحبَ الدُموعِ تفرَّعتْ *** فروعُ البُكا عن بارق الحُزنِ لا هبا
فمَنْ ذا لفصلِ القولِ يسطعُ نورُهُ *** إذا نحنُ ناولنا الألدَّ المناوبا
ومَنْ ذا ربيعُ المسلمين يقوتُهم *** إذا الناس شاموها بروقاً كواذبا
فيا لهفَ قلب الدين بعدَ (عميده) *** وفارسه الدفّاع عنه النوائبا
وكان عظيماً يُطرقُ الجمع دونَهُ *** ويعنو له ربُّ الكتائبِ هائبا
وذا مقول عضب الغرارين صارم *** يروحُ به عن حومة الدين ضاربا
لئن أفَلَتْ شمسُ الهدى فيه عنهمُ *** فقد أعقبت بدراً لها وكواكبا
فقامت نواعي الهدى تنعاه ونوادبه، والنوح يجاذبها وتجاذبه، فقال السيد إبراهيم البغدادي رائياً له ومعزياً ولده، ومؤرخاً عام وفاته:
خطبٌ تكادُ له السما تتفطرُ *** والأرضُ ترجفُ والجبالُ تُسيّرُ
ومصيبةٌ أذكتْ بكُلِّ حشاشةٍ *** نيرانَ وجد لم تَزلْ تتسعّرُ
ورزيةٌ كسرتْ قلوب أولي النُهى *** كسراً وأنْ طال المدى لا يُجبرُ
اليوم ماتَ (المرتضى) علمُ الهدى ***(والشيخُ) والحَبرُ المحققُ (جعفرُ)(1)
اليوم أظلمت المشاهدُ بَعدَ أنْ *** كانتْ بطلعتهِ السنيّة تَزْهَرُ
اليوم وجهُ الكونِ بعد بهائه *** بالأمس أصبح وهو أشعثُ أغبرُ
ذهبَ الكريمُ الأريحيُّ ومَن زكتْ *** منه الفروعُ وطاب منه العُنصرُ
شکرتْ عوائدُ برّه كُلَّ الورى *** وعلى المحامد مَنْ تَعوّدَ يُشكرُ
ما أمَّهُ طلبَ اغتنام نواله *** راجيهِ إلاّ آب وهو مُظَفَّرُ
كلتا يديهِ حياةُ أبناءِ الَرجا *** لكنْ على الأعداءِ موتٌ أحمرُ
بأبي أبي (موسى) أخا الهمم التي *** ما حازَ كسر مثلهنَّ وقيصرُ
مَنْ للمساجد والمحاريب التي *** كانتْ بحُسن الذِكرِ فيه تعمرُ
مَنْ للقضايا المشكلات يحلُّها *** مَنْ للأمور المصعباتِ یُدبّرُ
مَنْ للعويصات التي عن كُنهها *** تَعيا عُقولُ ذوي العُقول وتقصرُ
مَنْ يكنفُ الأيتامَ مَنْ يتفقّدُ ال *** أرحامَ مَنْ يرعى الذِمامَ ويخفرُ
فيمَنْ وقَدْ أودى الزمانُ وقد نأى *** إِنْ عنَّ فَحْرٌ في البريّة نفخرُ
وبِمَنْ نصولُ على الزمان وقد نأى *** عنّا أبو (موسى) الهُمامُ القَسورُ
ضَلَّ الأُلى قَدْ غسلوهُ أمَا دَرَوا *** أَنَّ المياهَ بغُسله تَتطهَرُ
وغوى الألى قَدْ حنّطوهُ أمَا دَرَوا *** أنَّ الحُنوطَ بنَشْرهِ یتعطّرُ
ما خلتُ قبلَ حلوله في رمسهِ *** أنَّ المفاخرَ والمكارمَ تُقبرُ
الله أكبرُ ما أجلَّ مصابه *** فلديه كُلُّ مصيبة تُسْتَصغَرُ
لله داجية من الأرزاء قَدْ *** كادتْ لها شمسُ الضُحى تتكورُ
ضاعفتُ من وجدي عليه تحسّري *** لو كانَ يُجدي الواجدين تَحسُّرُ
والهفتاهُ على شُبولِ كريهة *** قَدْصِيدَ مِنْ أَجامَهُنَّ غِصَنْفَرُ
وآحسرتاهُ لقادح برزتْ له *** أمُّ المعالي حاسراً تتحسّرُ
1) على هذا البيت علّقَ المؤلف بقوله: «لا تغفَلْ عن حُسنه»
ما عذرُ عيني بعد عينك (جعفراً) *** لو أنَّها تَرقى ولا تتفجرُ
ومن العجائب أن يُسمَّى (جعفرٌ) *** مَنْ مدَّ بحرَ يمينه لا يجزرُ
أبنيه لا تأسوا على ما نابكم *** وتحمّلوا وتجلّدوا وتصبّروا
ما ماتَ مَنْ أبقى لنا من بعدهِ *** أَسَداً تخاف الأسدُ منه وتخذرُ
فهو المُقدَّمُ والمُشار إليه وال *** حاوي من العرفان ما لا يُنكرُ
حيَّا الحَيا أكنافَ ذيّاكَ الحمى *** حتى يعودَ ثراهُ وهو مُنوَّرُ
وقد اقتفاهُ العِلمُ قلتُ مؤرخاً *** (العلمُ ماتَ بيومِ فقدك جعفرُ)(1)
وهذا شعر عالم كما تراه. وقد التزمنا هنا ألاّ نأتي إلاّ بمراثي العلماء للشيخ الكبير لأنه أوقع، وللعدو أقمع، إذ لا مزية بقول الشعراء، فإنهم في كُلّ وادٍ يهيمون.
فممن رثاه من العلماء الشيخ حمود بن الشيخ إسماعيل(2)رحمهما الله وكانا من العلماء المبرّزين في النجف وبيتهم من البيوت القديمة، ويعرفون الآن ببيت الظالمي. والشيخ حمود هذا هو جد الشيخ جعفر الظالمي المتوفى في هذه الأيام(3)، وكان من ظرفاء المؤمنين، رحمه الله وإياهم أجمعين.
قال الشيخ حمود يرثي شيخه الأكبر، ويعزّي ولده الشيخ موسى ويمدح الشاه زاده مُحَمَّد علي مرزة لمَّا أظهر من الاعتناء والاحترام للشيخ موسى رحمه الله، ويعرّض بحسّاده والباغين عليه، ممن قتلهم الله أخيراً على يديه:
لم يشجني ذكرُ جيران بذي سَلمِ *** ولا جرى مدمعي شوقاً إلى أضمِ
ولا تجدّد لي وجدٌ بغانيةَ *** فبتُّ أشكو أُوامَ القلبِ من ألمِ
ولا سألتُ الحيا سقي الربوع ولا *** طربتُ شوقاً لذكر البانِ والعلمِ
بَلْ رُبِّ ناشدة الأتراب منْ ولهٍ *** لمَّا رأتْ أدمُعي ممزوجةً بدمي
قَدْ كنتُ أعهدُهُ والدهرُ ذو غِيرٍ *** يُنابذُ الدهرَ لم يخضعْ ولم يُضَمِ
لم تدر ما حلّ بالأسلام من خلل *** باد وما صبَّتِ الأيامُ مِن نِقمِ
أودتْ بأمنع ماضي العزم ذي همم *** جلّتْ عن الوصف والأحصاء بالكلمِ
بجَدّهِ كان جِدُّ الدين في صُعدً *** واليوم لمّا تولّى بالحضيض رُمي
ساسَ الأقاليم بالنطق الحكيم كما *** كان النبيُّ يسوسُ الناسَ بالحِكمِ
فراض معتاصها منه بقاحمةٍ *** للجُودِ أغنتْ من الفرسان والبُهمِ
كانت ضغائنُ أهل الحقد كامنة *** وكاد منهنَّ أنْ يقضوا بغيضِهِمِ
حتى قضى لا قضى فانهارَ كيدُهمُ *** كالوَبْلِ غطّى ذُرى الأطوادِ والأكمِ
كذاك يومٌ قضى فيه النبيُّ بدتْ *** أحقادُ قوم وكانتْ في صدورهِمِ
ضاهى النبيينَ في علم وفي خُلقٍ *** وفي بلاءٍ وفي عزم وفي هممِ
ما مُيّز الأنبياءُ الرُّسُلُ عنه سوى *** هبوط وحيّ أتى من بارئ النَسمِ
لو أنَّ في الأُممِ الماضيِّ مولدَهُ *** لاختاره الله مبعوثاً إلى الأُممِ
تحیّرتْ فكرتي فيما يليقُ به *** وكُلُّ حيّاك نَظم فيه منتظمِ
أنّى يفي بعُلاهُ واصفٌ ندسٌ(1)*** والعقلُ عن وصفهِ فيما يليق عمي
كأنَّ في العالم العُلويِّ نشأتُهُ *** أو كان ذا عصمة حلّتْ بمُعتصمِ
يا وحشةَ الدين والدنيا لغيبتهِ *** يَودُّ أهلوهما لو يُفتدى بهمِ
لولا التعللُ بالأمجاد عُتْرَتُهُ ال*** أطهارُ أهلُ الهُدى مستودع الحكمِ
لفارقتنا لعُظمِ الرُزء أنفسُنا *** وأسرعتْ للفنا شوقاً إلى العَدمِ
كم أنقذوا الناسَ من ويل ومنْ حَرَبٍ(2)*** وأولوا البرَّ من بادٍ ومكتتمِ
يقودُهم للعُلى حامي الحقيقةِ مَنْ *** جلَّتْ مزاياهُ أَنْ يُحْصَينَ بالقلمِ
موسى بن جعفر قُلْ ما شئتَ من شرف *** واحكمْ بما شئتَ مدحاً فيه واحتكمِ
أبا المكارم صبراً فهو أجمل بال *** حُرِّ الكريم قضاءُ العزِّ والكرمِ
إنْ روّعتْ منكَ قلبَ الدين نائبةٌ *** أودتْ بحدِّ شَباها كُلَّ مُصْطَلَمِ
لأنتَ أكرمُ مَنْ أنْ تُلْفَ مضَطَهَداً *** مما عرا من وقوع الحادث العممِ
وكيف تخشى صُروفَ الدهرِ والملك ال*** منصورُ أولاك وداً غيرَ مُنْصَرمَ
تاجُ السلاطين قطبُ الدين ناصرُهُ ***ومظهرُ العدلِ والأحسانِ والشيمِ
(الشاه زادهُ) مَنْ ذلّتْ لسطوتهِ *** ثُمَّ العَرانينِ مِنْ عُربٍ ومن عَجَمَ
المالك الأمم ابن المالك بن الما *** لك الأم ابن المالك الأممِ
کم قلتُ للدهر هل أنجبتَ مثلهمُ *** في المكرمات مجلّي قال لا ولِمِ
همُ هُموا فوقَ مَنْ تحت السما شرفاً *** ومثل أهليهِ بالأجلال والعِظمِ
ما (قيصرُ) الروم أو (سيف ابن ذي يزن) *** أو (رستمٌ) بمضاه أو أبو (هرمِ)
لو أنَّ (كسرى أنوشروان) شاهدَهُ *** أبدى التواضع منحطاً إلى القدمِ
خُذْها محبّرةً تختالُ في مرحٍ *** ما حام حول حماها ناطقٌ بفمَ
سمت بمدحكمُ هامَ السما شرفاً *** وسامتتْ فَلكَ الأنوار لا الظُلمِ
فلا برحتَ بأهل الدين في شغفٍ *** كما بك الدينُ في كهف ومعتصمِ
وهو وإن أجاد ما شاء إلاّ أن شعره شاهد على علمه بالقاعدة الأغلبية.
ثم جعلت الشعراء تسلّي الناس عن كفيلها وأبيها، بمثل موسى بن جعفر فيها، وأنه إن ذهب أصل العلم وفصله، فهذا ثمره وأثله، وإن غابت شمس الهدى، فدونكم البدور، وإن نَضبَ (جعفر) الفضل والندى، فبين أيديكم البحور. فمن ضرب في ذلك الأمثال، فأجاد فيما قال الشيخ حسن قفطان، وهو من العلماء الأعيان، من قصيدة طويلة، منها:
فَقَدْنا جعفراً والعلمَ حتى *** كأنَّ العلمَ كان له خیالا
ترى الصيدَ الكرام أولي المعالي *** كأنَّ النعشَ منهمْ يومَ زالا
ترى بحلومهم لولا التسلّي *** بموسى كافياً ذاقوا وبالا
هنيئاً للذي حاز اعتقاداً *** بموسى بعد جعفر ثم والى
کموسى بعدَ جعفر إذ تولَّى *** به دين الألهِ سما وطالا
وقال المرحوم السيد علي أمين العاملي راثياً شيخه وأستاذه المرحوم الشيخ (قده):
أتطلب دنيا بعد فقدك (جعفرا) *** وتطمع فيها أن تكونَ مُعمِّرا
وتركنُ للدهر الخؤون سفاهةً *** وتغفلُ عمّا كنت تَسمعُ أو ترى
وترغبُ في الدنيا وتعلمُ حالها *** وتزهدُ في أُخراكَ سرّاً ومجهرا
وتعذُلُني صحبي عن الوجد والبكا *** وتعجب من مُحْمَرٌ دمعي إذا جَرى
ألم تدر أنَّ العِلمَ ماتَ بموتهِ *** وأصبحَ رُكنُ الدينِ منفصم العُرى
وأنَّ سنامَ المجد جُبَّ لفقده *** ووجهَ الندى من بعده قَدْ تقفرا
فتى كان عزّاً للذليل وناصراً *** ويسراً لمن قَدْ كانَ في الناس مُعسرا
له الشيم الغرّ التي لو تجسمّت *** لكانتْ لنا شمساً من الناس أنورا
وإِنْ عُدَّ أهلُ الفضلِ كان إمامَهمْ *** جميعاً وكُلُّ الصيد في جانب الفرا
هو الدهر إلاّ أنَّهُ غیرُ خائن *** هو البحرُ إلاّ أنَّهُ ما تكدّرا
هو الشمسُ لم تُكسَفْ هو البدرُ لم يَغِبْ *** هو الليثَ إلاِ أنَّهُ ليس أبخرا
هو الدين والدنيا، هو العلم والتُقى *** هو الغيثُ إلاّ أنَّه العلمَ أمطرا
فقدناهُ فقدانَ (النبيّ) وصنوه *** (عليّ) فيا الله من فادح عَرى
فقدناهُ فُقدان الوليدِ كفيله *** فهلاً فديناهُ وكان المُعمّرا
ولكنَّه قَدْ فازَ بالسبق دوننا *** أبى الله يوماً أنْ يكونَ مؤخرا
فوا عَجَباً للبحرِ يحويه قَبرُهُ *** ووا أسفاً للدر يغرب في الثرى
سقى عهدَهُ صوبٌ من العهد هاطلٌ *** وروّى ثراهُ رائحاً ومبكّرا
ولمّا مضى للخُلدِ (جعفرُ) قاضياً *** أفاضَ من العلم الألهيّ أبحرا
و (موسى) هو العلمُ المحيطُ بعلمه *** فيالك بحراً في العلوم وجعفرا
حسودهُمُ خفّضْ عليك فأنَّهمْ *** بُحورُ هُدىً من جانبِ اللهِ في الورى
(بندٌ) للشيخ علي الطبَّاخ الحلّي(1)
ولنختم هذا المقام إذْ لا تستطيع إستيفاء جميع ما قيل فيه من الأقلام، بمكتوب كتبه الشيخ علي من علماء الحلة إلى الشيخ موسى يتضمن (بنداً) يعزّيه فيه بأبيه وهو لطيف في بابه. قال الشيخ علي ويلقب بالطبّاخ:
حنانيك أقمْ صدر القلاص اليعملات الشعشعانات، العياهيم المخيسات، الشغاميم السديسات، الهجان الشدقميّات، المهاري الشذنيّات، الحقاف الأرحبيات، المراسيل الشملات، التي تقصر عنها كُلّ فتلاء أمون تشرب الخمسَ كهاة عيسجور ناعج عيرانة
1) إستخدم الشيخ علي الطبَّاخ في هذا (البند) بعض الكلمات المندثرة في وصف سير الأبل، وغيرها مما حدا بالمؤلف أنْ يُعلَّق على هذا (المكتوب) بقوله: ويصلح أنْ يُسمّى «الذروق في أسماء النوق»!!
حلس ذمول جسرة خرق دلاث سلعد حرف دفاق أجدناب سناد عنتريس عرمس زيّافة وجناء تطوي نشر تبّار الفلا طياً بضبعيها أمام الركب، تسري كهبوب الريح لو هبّ، منىً قلدتها كُلّ بنانٍ موحش من كُلّ تيهاء أتت كالبرق في طرفة عين صحصحاً يمّمت ساحات مراميه كما شئت، وأدركت قصارى غاية القصد كما كنت، تأملت تراها، كلما طال سراها، تسرع الخطو بمسراها، متى فيها حدا الحادي انبرت ترقل أغذاذاً وإيجافاً ولا تعلم أين الأين مثواه، وإن شطّت مداياه، ولو لوث خمار، وتجمّل وتحمّل من أخ الوجد، قتيل الهجر والصدّ، حليف السقم والسّهد، أليف الحزن والجهد، كتاباً بشؤون الدمع ممدوداً، وبالأوجال والأوجاع معقوداً، بدت من نشر أنحاء طواياه الكتابات، ولاحت من مثانيه أمارات الصّبابات، بأقلام الأسى حرره العاني الكثيب المدنف المغرم، من في قلبه المقروح نيران مصاب جلل تُضرم، قَدْ أسلمه صرف زمان السوء للأحزان والأهوال والأشجان، قَدْ واصله الضُرّ، وقد فارقه الصبّ، يقاسي كربات بعضها يذبّل في أوصابها (يذبل) لو ساور منها النزر أركان ( ثبير) هُدَّ منه الركن وجداً وتداعى حيث إذ وفقّت للخير وما مسَّكَ من ضير، إذا أدلجتَ في السير، وقد جبت تنوف البيد تهجيراً وتأويباً على أسنمة العيس القناعيس، وقد أرقلتها من دون تعريس، وأوضعت القلاص الشدنيّات المهاري، في حثيث السير ليلاً ونهاراً، ثم إنْ عُجتَ وعرّجتَ وقد بلّغك الله إلى حيث تنقّلتَ، وقد شارفت أعلام (غريّ) النجف الأشرف حاوي روضة القدس التي شرّفها الله على كُلِّ شريف فغدت مثوى لمولى الثقلين (المرتضى) الكرار صنو (المصطفى) الهادي الذي قَدْ نوّر الدين عليه بعد خير الخلق (طه) صلواتي وسلامي أبد الدهر. ألا وامنن بتبليغ ألوك المستهام المغرم العاني إلى حضرة ذي النسك العميد العالم العامل، من حاز قصارى الفضل في العاجل والآجل، شمس السّعد، بدر المجد، بحر العلم، طود الحلم، ذو القدر الذي صكّ علاه هامة النسر، وقد فاق مدى الأيام بالفضل وبالفخر، وقد شيّد دين الله بالتأييد والنصر، فكان ابن (جلاها)، بَلْ و (طلاّع) ثناياها، تخطّى غاية المجد، فأضحى في الورى كالعلم الفرد، أخو الاجلال والفضل الذي ليس له حّد، وقد جلت مزايا كنه أوصاف معاليه عن العدّ، ومن مثل أخي الحزن الذي ينسيك (يعقوب) نبيّ الله تعالى في مثل مصاب شفّ منه الجسم والضرّ، الذي فات به (أيوب) لمَّا عزّه السلوان والصبر، ومنه القلب يطويه على جمر، يقاسي من جوى الشكل كروباً ليس تنفك مدى العمر، إلى المولى الكريم الشيخ (موسى) علم العصر، الذي عزّ مثالاً شيد الرحمانُ أركان علاه، وكفاه كُلّ ضير ووقاه. ثم إن شرّفت في حضرة ذاك الأسد الماجد حامي حوزة الشريف الأمثل المولى الذي يأنس في ألطافه وحش فلاة الأرض فأخضع صاغراً بين يديه، بعد ما تثني بإكمال التحيات عليه، شاكراً لله فيما
كنت أدركت من الزلفى لديه. ثم سلّمه كتابي بعد أن تشرح في حضرته العلياء أحوال اكتئابي، ثم قُلْ يا عَيبةَ العلم، وطود الفضل والحلم، لقد خلّفت مُضْنىً شفّه السقم، يقاسي ما يقاسيه، لداء عزّ آسيه، لرزء نابكم في (الشيخ) والهفي على الشيخ الأجلّ الأكرم المولى الذي فاقت مقامات علاه ذروة النجم، بلا ريب ولا رجم. لعمري كان للاسلام ركناً، ولأهل الدين والأيمان حصناً، وربيعاً مُمْرِعاً يمرَعُ فيه كُلِّ أن ركب راجية، متى ما أمّه ركب، نبي الأمال قَدْ أدرك ما أمّل من فيض أياديه، التي تخجل في وكافها وَبلَ الحيا المنهلّ إذ عمّت هواميه، فمن ذا بعده يصلح ما أفسده الدهر، ومن يجبر الكسر، ومن ترجو إذا اشتدّ بنا الأمر، وقد كان لنا كهفاً يقينا صرف دهر خاننا فيه، إلى مَنْ بعده نفزع من عظم تجافيه، فيا عظّم ربي الله فيه لكم الأجر، ويا ألبسكم أردية الصبر. وأنَّ الصبر في الجُلّى حميد، وأخو السلوان في ذاك مجيد، وأبوكم رحمة الله عليه، سبق بالغفران والعفو إليه، عاش والله حميداً، ولقد مات سعيداً وفقيداً، جاور الرحمان في جناته الخلد، ولقد أدرك ما يرجو لديه حسب القصد، وقد أخدمه الولدان والحور، فأمسى وهو مغبوط ومسرور. فسبحان الذي قَدْ خلق الخلق وأحياها، إلى أن بلغت أجالها ثم توفّاها. وهل يبقى ابن أنثى خالداً فى دار دنياه، وأنّى وهو مرميّ ليس ينفك إلى سهم مناياه، ومن تُحبى له الآثارُ ما مات، ومن أنتم له (الأولاد) ما فات، فيا طاب ثرى مثوى جوى ذاك الجناب الأقدس الأنفس، بَلْ كيف توارى فيه ذاك الشرف السامي الذي نِيطَ به، ولم يبلغ مداهُ الشمس والبدر، حوى بحراً من العلم، وطوداً شامخاً للفضل والحلم، ولو كنتم علمتم ما أقاسيه لداء عزّ آسیه، لفقد (الشيخ) يا طاب ثراه لبكيتم رحمةً لي ولما قَدْ مسّني فيه، عليه رحمة الله تعالى وعلى الباقين من أبنائه الغرّ سلامي، وعلى سائر من حلّ بناديهم من الأخوان في الدين الأُلى فاقوا بني الآفاق عزاً وجلالاً.
ثم إن الله عزّ وجلّ بعدما ساق إلى التوفيق في جمع هذه الوريقات، وانتهى بنا الكلام، إلى قريب الفراغ من المرام، والعزم على الختام، بعث إليّ على يد الوالد الماجد (دام ظلّه) نسخة كتاب، لا بَلْ قلادة كِعاب، وأوراق مجموعة، لا بَلْ لثالئ مصنوعة، تتضمن ذكر أحوال مشايخنا الكرام، مع بعض معاصريهم من الأعلام، في مجلدين جيدين، وهما بخط مصنّفهما السيد الذي أصبح كُلّ كامل مسوده، والمولى الذي يحق لأولي الفضل والفضائل أن تمشي كسائر الأنام عبيده، سيدنا ومولانا أبو المحاسن السيد مُحَمَّد علي بن
السيد أبي الحسن العاملي(1)الذي هو أخ السيد الصدر العلامة المشهور، صهر الشيخ الكبير. وستأتي بعض ترجمته، تغمدهم الله جميعاً بواسع رحمته.
وكان السيد مُحَمَّد علي هذا من أولي الفضل الذي لا يحدّ، والكمال الذي لا يعدّ، وكان يعدّ في حلبة الشعراء السابقين في عصره، إلاّ أنه من المكثرين غاية الأكثار في شعره. فلهذا كان شعره يشتمل على الغثّ والسمين، والركيك والمتين، وكان من الملازمين لمن عاصره من مشايخنا الكرام، متصلاً بهم ولا اتصال الأرحام، خصوصاً لجدنا الأكرم الشيخ مُحَمَّد رضا(2)المعظم، مخلصاً له غاية الأخلاص والارادة، وله فيه مدائحٌ كثيرة تجاوزت العادة. على أنه لم يدرك تمام أيام الشيخ المزبور، بَلْ تُوفي هو قبل الشيخ بأعوام وشهور، كما ستعرف في ترجمة الشيخ (رحمه الله). قَدْ سمى كتابه هذا ب«يتيمة الدهر في ذكر علماء العصر»، وهو على نسق يتيمة الثعالبي، ولو أنَّ السيد سماه "تميمة الدهر" لخلص من وصمة السرقة.
فلما نضرتُه على سبيل الأجمال، وتصفحت منه بعض التراجم والأحوال، أخذ بمجامع لبّي، ووقع بمكان من الاستحسان في قلبي، فعزمت من حيني على رفض ما أنا مشغول بتأليفه وجمعه، وحزمت في نفسي على (خفض) ما (نصبتُ) مدّةً في تشييده ورفعه وقلت جزى الوادي وعبّ البحر، فطمّ على القرى وعفّ النهر.
ثم لمَّا أجلتُ نظري فيه مرة أخرى، أبدت عين التأمل والتحقيق أنه (بالرفض) أحرى، فهو وإن أجاد فيما أفاد من تحريره وتحبيره، وأحسن وأزاد في بيان المراد بنثره وتعبيره، حتى رجع وهو السبّاق في هذا الرهان، وعجز عن الحاقه فرسان ذاك الميدان، وقد شرطنا أولاً أن نعطي كُلّ ذي حق حقه بما هو فيه، ولا نزيد ولا ننقص شيئاً من محاسنه أو مساويه، فتلك الخصلة التي كان يفاضل السيد بها، ويفوق على مَنْ عداه فيها. ولكنه يكون مفضولاً بخصال توجب النقص فيه، وتكثر تعداد مساويه، وهي عدة أمور:
منها: أنه يغرق في الثناء على الشخص الذي يذكره حتى يملّ التالي من تلاوته، ويعجز لسانه عند قراءته، فلا تحسبه إلاّ ديباجة مراسلة، أو صدر مكتوب لواصلة.
ومنها: أنه مع هذا الأغراق والتطويل لا يذكر فيها ولادة مَنْ يترجمه ولا ما قال الشعر ولا ما قيل فيه سوى ما قاله هو فيمن عاصره، ولا تاريخ وفاته، ولا مدة عمره، ولا تعداد
مصنفاته، ولا بعض حكاياته أو كراماته أو تلاميذه أو أساتيذه أو شيئاً من أحواله إلاّ بعض الأشارات الأجمالية، في فقرات جزئية، عن وقائع كلية، فلا تفيد الناضر فيها إلاّ حيرةً وتيهاً.
ومنها: أنه رُبَّما كرر الترجمة، فذكر ترجمة شخص في ترجمة شخص آخر بعينها، وينشأ من هاهنا ما يكمل هذه النقيصة وهي أنه لا يفاوت في الثناء على حسب مراتبه العلماء، فربما ساوى بين أجلّهم وأقلّهم، وأثنى على بعضهم بأزيد مما يثني به على أكملهم، فلا يعرف لكل فاضل صفاته الجميلة، ولا يعطيه بالنسبة إلى غيره ما ينبغي له. وهذه عندي ولا غضاضة فيها وعلى غيرى أعظم المعائب وأجلّها، (ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها).
ومنها: أنه غير منوط في ترتيبه برابطة، ولا مغبوط بضابطة، فلم يرتبه على حروف (الهجاء) كما هو شأن المؤرخين غالباً، ولا على (الطبقات) كما صنعناه، ولا على (الطوائف) كما صنعه بعض المعاصرين، ولا على حسب (الزمان) من عصره فما فوق أو العكس، بَلْ افتتح كتابه بترجمة الشيخ مرتضى(1)
إنْ كنتَ ضيَّعتَ عُمْراً في كتابته *** فلا أُضيِّعُ عُمراً في قراءته
حيث جرت العادة أنَّ الأنشغال بغير علمي الفقه والأصول من العلوم الأخرى مضيعةً للعُمر
، ثم ذكر بعده أولاد الشيخ علي كالشيخ مهدي، والشيخ جعفر، والشيخ مُحَمَّد، ثم بعدهم الشيخ الكبير (رحمه الله)، وبعده أولاده، من الصغير إلى فوق آخرهم الشيخ موسى. ثم بعده العلماء المتفرقون والمتقدمون كصاحب الرياض وأقرانه، والمتأخرون كالأيرواني وأقرانه المعاصرون له، وجعل بعض المتقدمين مع بعض المتأخرين. وهكذا عن غير ترتيب ونظام، وهذه الأمور توجب تشويش الناظر فيه وملله منه، وأظن ظناً قوياً أنه المسودّة وأنه لم يخرج بعد إلى المبيضّة، والله أعلم.فعنَّ عزمنا الأول بحاله علينا، وعدنا على ما كنا عليه وقلنا هذه بضاعتنا ردّت إلينا، وسألنا الله تعالى أن يوفقنا للأتمام، ويعصمنا من خطل الرأي وخطأ الأقلام. ووقع الرأي أن نعقب ترجمة كُلّ واحد من مشايخنا بما ذكره السيد (رحمه الله) بكتابه هذا في خصوص ذلك الشخص بعينه وأن ننقل عين عبارته في كتابنا هذا بلا زيادة ولا نقيصة سوى ما يكرره من الفقرات التي يذكرها في الثناء فأننا نُسقطها خوف الأطالة بما لا ثمرة فيه. فمن ذلك بعض الفصول التي يعبّر عنها بالحيثيات. وذلك أنَّ له في الثناء على العلماء طريقاً جديداً،
1) هو الشيخ مرتضى الأنصاري الفقيه الشهير المولود سنة 1294 ه / 1799 م، والمُتوفى سنة 1281 ه / 1864 م. ومن طريف ما نُقِلَ أنَّ السيد محمد علي العاملي عرض كتابه «يتيمة الدهر» على استاذه الشيخ الأنصاري فأراد الاستاذ مداعبته فكتب على غلافه هذا البيت اليتيم:
ونهجاً حديثاً وهو أنه بعد أن يثني على ذي الترجمة بأنه العالم الفاضل (الكذا) (الكذا) إلى آخر الخصال الجميلة يقول: وتمام الكلام فيه يقع في حيثيّات، الحيثيّة الأولى: أنه عالمٌ فاض (كذا) و (كذا) فيعيد ما ذكره في صدر الترجمة بالألفاظ عينها أو مضامينها، فلا ترى في تمام الحيثيّات العشرة أو العشرين مثلاً إلاّ اثنين أو ثلاث فيها ما ليس في الأول. ولعلنا نذكر لك بعض التراجم بحالها لترى صدق ما نقول.
وكنا نظن قبل الاطلاع عليه أنّه يزيح عنّا كثيراً مما نحن في حيرة منه من الأمور التي خفيت عنا لبعد العهد وأنه يذكرها لقرب عهده من مشايخنا وعلمه بأحوالهم، فإذا ليس فيها شئ مما كنا نرجوه سوى الأشارة إلى بعض الأمور المشهورة. وعلى كُلِّ حال فجزاه الله عنا أحسن الجزاء، وأوفر له العطاء، ونحن لا ننكر فضله وكماله ونعطيه حقه من الشرف والفضائل كما له. ونحن نذكر الآن بعون الله ترجمته للشيخ على مقتضى ترتيبنا والله الهادي للصواب.
قال (رحمه الله) وقد أجاد في ترجمة الشيخ وأولاده، وأشار إلى أغلب وقائعهم بعبارات وجيزة. وكانت عادته أن يفتتح ترجمة كُلّ واحد ممن يترجمه حتى الطلبة الأصاغر بقوله هذا: ونحمدك اللهم يا من تفضل علينا بالعلاّمة الأكبر، والأمام البرّ، شيخ المشايخ (جعفر)، مَنْ كان في عصره سلطان العلماء، وخاقان الفضلاء، وسراج الأولياء، وعميد الأتقياء، كهف الأيتام والأرامل، ملجأ الغنيّ والسائل، بحر علم ماله ساحل، غيث فضائلٍ وفواضل، رئيساً في الأمة، نائباً عن الأئمة، فريداً في الحكم والحكمة، متصدياً لدفع كُلّ ملمّة، حاكياً بالفضل في العلوم، فضل البدر على النجوم، وحيداً في الزمن، عابداً لله في السر والعلن، معروفاً في سائر الملل، مجيباً من سأل قبل أن يسأل، حليماً أواه، خشناً ذات الله، خبيراً بالعلم من المبدأ إلى الغاية، واقفاً على باديه وخافيه من البداية إلى النهاية، مرجعاً في الاسلام، أمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر بين الأنام، طوعه العلماء والكبراء، والأعلام الشرفاء، والحكام والأمراء، إمامٌ في البدو والحضر، مطاعاً ما نهى وما أمر، بعيد الجولة، عظيم الصولة، بحراً زخاراً بالفضائل، موّاجاً بالفواضل، به من نفسه على فضله دلائل، كان منية القصّاد، مقتدى العبّاد، معروفاً بالتقوى والفضل في كُلِّ بلاد، لا يستطيع الناظر ما رَناهُ، أن يحقق معناه، لعظيم هيبته، ومزيد سطوته وسلطنته، جاز ذُرى (العيّوق) رفيع مكانه، وطال السبع الملوك بعظيم سلطانه، لا يناط غیره به بمشاكلة، ولا يقاس بمماثلة، ولا يُجاريه في ميدان مجادلة، ومجال مناضلة، كان في عصر العلامة الأفضل، والأمام المفضّل، والفهّامة الأمثل، ومن عليه المدار في العلم والعمل،
كان كعبةً للوفد، سحاباً للرّفد، جوهر علم فرد، يتحلّى بمفخره جيد المفاخر، وتزهو بكوكب عنصره كواكب العناصر، مأوى الناس شرقاً وغرب، محطّ ركب كُلّ ذي كرب، له العلوم خير بضاعة وكسب، والمواظبة على الطاعات دأب، ما أمّ مشكلة إلاّ وجلّى ديجورها، ولا معظلة إلاّ وأبان مستورها، جدّ في طلب العلم حتى ذوت قواه، ونال الغاية القصوى بتقواه، کشف العلوم بكشف (غطائه)، وطوّق أجياد العفاة ببرّه وعطائه، كانت الأيام أعياداً بوجوده، وكان رياض الكرام تزهو بجوده، كان مولى والأنام له عبيد، وجواداً تقلّد في جوده كُلِّ جيد، وأباً لبني العلياء من والد ووليد، كان ذا مرابع بها مدير الكائنات بها يدير، وذا معال بها طرف المعالي قرير، كان له من الفتيا عرشها والسرير، كان تتخضع الأسد لسطوته، والعلماء لسلطنته، والأمراء والوزراء لرفعته، كان الكبير في الرؤساء لديه صغير، والعظيم في الدنيا حقير، الحقير في الدين عظيم، والصغير به كبير، كم ألان قلب الجلمود، في استجداء الجود لعُفاة الوجود، عالم آفاق العلماء بنعت غير معدود، وفاضل لغيره حديث الفضل غير مردود، طأطأت له الملوك والأشراف، ولم يزل يمدّهم بالاسعاف، كان معدن الحلم، مصدر العلم، ربّ الاصدار والايراد، رئيس الكل في الكل، واحد الآحاد، كُلّ يوم أياديه في تجديد، وبه للورى غدا للدهر عيد، نُشِرتْ له الراية البيضاء في الملل، بأبلاغه كُلِّ آمل ما أمّل، صحّ عنه حديث العلم في جميع الأعصار والأمصار، واشتهر بذلك اشتهار الشمس في رابعة النهار، وغدا بكل الأخبار ذا اختيار، وأبدى لأهل البيت دارس الآثار، وأوضح شبه المشكلات من الأخبار، وجلّى ما على الدين من قتام وغبار. وكم حلّ بدين النبي بنوداً أبت الحل في بني الأمصار، برموز غوامض الأسرار، وأبان خفاياه بكشف الغطاء والأستار، وكم أسس أصلاً في قضايا الفروع أنتج منها الحكم في بديع اختصار، فلم تَنْجُ من فضله أنجادٌ ولا أغوار، وكان لرحى الكون قطب مدار، وعليه في المشكلات المدار، كانت السبعة الأقاليم شاخصة إليه الأبصار، رامقة إليه ابتهاجاً بأعين الأفكار، ولقد تحجب بهيبته عن أعين النظّار. وكان الهادي إلى سبيل الهدى جملة من الكفار، والمنادي لجهاد الأعداء في حربهم بالبدار، فكم من دم أراق لمعشرِ فُجّار، وكان طمعاً بدار القرار، يسبّح الله في الأصال والأبكار، ويتضرّع في أنات الأسحار، وكانت هي أوقات تأليفه وتصنيفه لصفاء الأفكار، وكان يتنفّل ويبتهل بها للواحد القهار. وكان ذا يراعٍ لا يُشاب بالأنكار، يأتي من المعاني بالغواني الأبكار، ومن جواهر الكلم بما يسمو النجوم في الأزهار، بهن وحّد موجد الممكنات والأقدار، وله الملائكة أعوان وأنصار، وكم سطا على الكفار بفيلق جرّار، وأذن الحربتهم بالبدار، مرة وتكرار، فألقاهم بالذلة والأنكسار، والمحنة والاحتقار، فأدنى أولي الأقرار، وعمّهم بحر جوده الزخار. وكم أقال لهم من عثار،
وأبعد أولي الأستمرار في الأنكار، إلى أقصى الديار، بعدما أسقطهم عن ذروة الأعتبار، ولم يذر منهم في مرابع المسلمين ديّار، وكم بالصّارم البتّار، والقنا الخطّار، غادر جموعهم بدداً في الفيافي والقفار، وأعانه بيوم حربه حامي الجار، غداة توجه إلى النجف (صفوق) وحاصر أهليها، وقابله الشيخ الموما إليه بما ليس له في العديد من مقدار.
وكم شاد للعلماء من دار، وكساهم جلابيب عزّة ووقار، واختلع عنهم أبراد الخزي والعار، وألبسهم أحسن شعار، وكان يقضي الليل والنهار بالأذكار، وكم من جميل باق إلى انقضاء الأعمار.
وكانت ألفاظه تنغرس في القلوب غرس الثمار، في الأشجار، فلله مساعيه، في بادي الأمر وخافيه، فكم من بيت للمسلمين أنشأ بنيانه، ومتداع شيد أركانه، وكم من مسلم بغير تأّهل أهّله، وكم من أصل في الفروع أصّله، وكم نهج للمفاخر سنّ بكل فن، إمام تقيّ نقيّ ورع عابد لوذعي، أزهد ألمعي، يحيي الدياجي في طاعات ربه، مكرّماً في سلمه وحربه، عریض اصدر مربوع القامة أصبح الوجه أغرّ الجبين إذا سلك في الطريق لا يكاد أجلّ الناس أن يرنو إليه، وإذا جلس تطرق الملوك الصيد إجلالاً لديه، وإذا تبسّم زهت المحافل بابتسامه، وإذا غضب لم تأمن (القروم) شر انتقامه، وإذا تكلم فكالسيل المنحدر من الأكام والغُلل، بما يشفي العلل ويبل القلل، وإذا تنحنح تكاد الجدران تهتز لهيبته، والأرض تميد من خشيته، وإذا مضى في مقصد لا يردّ من حرّ وعبد، وإذا طُلب منه أنجز بلا وعد، لا يعارض في حجة، ولا ينازع في محجّة، يثبت ما يبديه من المقال، بواضح الاستدلال.
وكان معظماً مبجلاً مكرماً محتشماً، مهاباً جليلاً في جميع الملل حتى (اليهود) و(النصارى) و (المجوس) فإذا مضى إليهم بأمرٍ، أو راسلهم به فأنّى لقرومهم أن لا تنجزه. وكم أنتج منهم، ومن غيرهم نتائجاً لعفاة المسلمين وفقراء المؤمنين.
وكان (رحمه الله) كعبة الوفّاد، من كُلّ فج وواد، منية القُصّاد، عماد كُلِّ عماد، بدراً منيراً للعاكف والباد، بحر علم ماله من نفاد، ذا مناقب لا تحصى بتعداد، تخطب الناس بإسمه على الأعواد، في كُلّ بلاد، وكان للمضلّين أكرم هاد، يَردُ بحر علمه كُلّ صاد، وتهمي سحب نواله على الناس من غير إبراق وإرعاد. هُمام يرى المعروف ضربة لازب، لم يعبأ في بعتب عائب، ولم نظفر بفتى أمَّهُ خاب من جدواه خائب، شامخ المجد في السلاطين، وأرباب المناصب، لا خافض لمن هو ناصب، وكم خفض بعوامل رفعه (النواصب)، تنحوه الناس بالأحكام الدينية من كُلّ جانب.
ولو أحطت خُبْراً بما أبداه من العجائب، يوم أمّ النجف (صفوق) بجيوش ملأت رحب
الفلاة عامداً اغتنام ما حوته حضرة سيّد البريّات، فنادى الشيخ بالجهاد في الناس فغلّق أبواب النجف وأعدّ لمن فيه الأطعمة والأشربة، وقام الحرب على ساق الشيخ من داخل، واللعين من خارج شطراً من الأيام حتى بلغ الحال بالشيخ وصحبه أنهم لا يجدون الطعام، ولا ما يعينهم على حرب هذه الطغام، ومن شاء الله نصره، وأراد أن يكشف ضرّه، رنا بطرفه وإذا أبواب الحرم المطهّر قَدْ فتحت قهراً، وأبواب النجف كشفت جبراً، وإذا بمجاهد مع الأعادي لا يرى غير بارق نصله، وبرى الهام بحدّه، فما انكشفت الغُبرة إلا وبحر دم الأعادي يجري على الصعيد مجرى البحور، فكان بانكشافهم عن البلاد غاية السرور، وعلم أن ذیّاك المجاهد كان حامي الجار، حيدرة الكرّار (علیه السلام).
وما أبداه من الغرائب مذ أمّه سيد من النجباء شكا له ضُرَّ الفاقة، والكلفة بما فوق الطاقة، فارتحل معه إلى دار (يهوديّ) من ديار بغداد فأناخ ركبه في ربعه معلناً أنه قصده يتوقع نفعه، وأبدى له أنه ضيفه فاستبشر به غاية البشر ومذ رام أن يستعدّ لضيافة الشيخ مع صحبه دعاه الشيخ في زمرة من اليهود فصالحهم عنها بما يكشف ضرّ السيد، فقبلوا ذلك ودفعوا له خمسة آلاف دينار، فهل رأيت يهودياً رقّ على مسلم بهذا المقدار. ولولا عظمة الشيخ وسلطنته وغرسه في قلوب الموالين والمعادين بتقواه لما وقع له وصدر.
مذ نوى السفر إلى بلدان إيران، سقاها مَلَّثُ العفو والغفران، وكان فيها الشيخ الرئيس الميرزا المقرب عند الخاقان من كان يزعم أنه في العلوم الأوحد، الشهير بالأخباري الميرزا مُحَمَّد، وكان يبغض علماء الأصول، وخصوصاً الفقهاء الفحول، ومذ سمع بقدوم الشيخ إلى هاتيك الصفحات، صار يأمر الناس بعدم الركون له، وإلغاء قوله وفعله وعدم به حتى غرس في ذهن (المليك) أن هذا العالم القادم متنح عن جادة الله ورسوله، وتنال أعلى الدرجات بقتله. ولما كان الشيخ خبيراً بذلك ولكنه الجبل لا تحركه العواصف، ترك صحبه وقت الظهيرة رقوداً وتوجه إلى ملاقاة الخاقان، وقد كمن له في باب (الملك) رصداً مأمورون بقتله. فلما دخل الباب ونادى «يا الله» من صميم قلبه تساقط السلاح من أيدي الرصّاد بغير شعور، وهووا لتقبيل أياديه وأقدامه، ولم ينفذوا أمر الخاقان بما أمرهم، وارتقى الشيخ إلى مجلسه وسلّم بالشرعي عليه. وكان الأخباري جالساً متأدباً بين يديه، فتعجب الخاقان من ذلك وأطرق هنيئة، وبدأ الشيخ بالكلام في طلب المحاجة مع الأخباري فمن كان على الحق نجا، ومن كان على الباطل هوى. فدعى الأخباري أن يضرموا ناراً فيدخل كُلّ منهما فيها؛ فمن كانت برداً وسلاماً عليه فهو مع الحق، ومن اصطلى بها فهو مع الباطل، فقال الشيخ: ذاك من مكر أولي السحر، وسحر أولي المكر، فلا يصلح لأثبات
المطلوب، فرام منه الجري في ميادين المسائل، حيث تبين بها فضيلة أولي الفضائل. فقال له الأخباري: من غير (حَكَم) ثالث بيننا لا يمكن، وهو محال غير ممكن، أمَّا أدنى من الطرفين فلا يقبل منه، أو مساو فيتّهم، أو أعلى فلا يوجد، فليس لك إلاّ أن تختار الخروجٍ والصلاة بالناس جماعة ويأمرُ كُلّ واحد منا بقتل الآخر فالذي ينفِّذُ أمره الناس محقّ والآخر مبطل. (وقد عرفت أن الأخباري كان مبرّزاً في تلك الأطراف)، فلما كان الغروب برزوا إلى الصحراء وتراكمت الصفوف والألوف، عقيب الأخباري، حتى الخاقان، وبقي الشيخ وحده فنادى «الله أكبر» برفيع صوته، فلما سمعته الناس أوى إليه نصف ممن كان الصلاة خلف الأخباري. ومذ أعادها ثانياً، وثالثاً لم يبق معه سوى الخاقان بنفسه. فلما فرغ من صلاة المغرب أراد الشيخ أن يأمر الناس بقتل عدوه فأسرع نجل المليك الأكبر إلى أبيه وقال له: لئن أمرنا الشيخ بقتلك فضلاً عن قتله قتلناك. فهناك أمر الملك الأخباري بالركوب على فرسه، والفرار ليلاً بنفسه، فامتثل، وسرى يجدّ الليل والنهار حتى نزل الكاظمين (عليهما السلام)، وأقام فيها أحياناً.
يروم وحيث طرقت أسماع الحكام من (الوزير) وأتباعه فعلته مع الشيخ، وهو عربيّ كيفما يكون محسوباً من رعيتهم أخذته الغيرة والحميّة فجهزوا شرذمة من العسكر فطرقوا الباب عليه فلم يفتحها لهم فارتقوا من السطح المحاذي له وقتلوه، إلى غير ذلك من عجائبه وقضاياه التي تُفضي إلى العجب.
وقد عرفت أني لستُ له من المعاصرين فأطلّع على بادي أحواله وخافيها، وفي أفق هذا الطرس أبديها، وما ذكرتُ سوى الضروري المعلوم، في حقه عند أرباب جميع العلوم، من كُلّ ما جاء به الخبر المتواتر، ورواه وارد لصادر، وصار بين الناس في الاشتهار، كالشمس في رابعة النهار، على أن الاطناب ينافي غرض الأتمام، بيسير من الأيام، ويوجب الملل، والمقصود به أنس جميع الملل. نعم لا بُدَّ قبل الشروع في بيان مفصل أحواله من تمهيد حيثيّات:
الأولى: في أقواله، وقد علمت أنه لم يقل إلاّ الحق، ولم ينطق إلاّ الصدق.
يقول الناقل: «ثم أخذ السيد يعيد الفقرات السابقة إن لم يكن بأغلب الألفاظ فبكل المعاني»، إلى أن قال فيها:
وكان مستجاب الدعوة عند ربه، فمن ذلك أنه دعا لذريته بالاجتهاد فاستجاب الله منه وجعلهم كذلك.
«ثم رجع على ما كان عليه» إلى أن قال:
الثانية: في أفعاله.
الثالثة: في ورعه.
الرابعة: في فضله؛ ولم يذكر فيها سوى ما تقدم»، ثم قال:
الخامسة: في اقتران مساعيه بالنجح ومنشؤها ما عرفت.
السادسة: في قضاياه وقد طرق سمعك شطر منها، ولا يمكن الأحصاء لها.
السابعة: فيما قال من الشعر وما قيل فيه. أمَّا الأول فلم أقف عليه، وأما الثاني فلا يحضرني الآن.
الثامنة: في زهده، وقد إتضح لديك.
التاسعة: في أصهاره وهم جدنا الشيخ أسد الله، وعمنا الصدر، ولم يذكر سواهم.
العاشرة: في أولاده، وهم العلامة الشيخ موسى، والشيخ علي، والشيخ حسن، والشيخ مُحَمَّد، والشيخ حسين. وستأتي ترجمتهم، وقد أعقب في النجف بيته الرفيع الشامخ محط ركائب الأمراء والوزراء والأغنياء والفقراء في الشدة والرخاء.
الحادية عشرة: في خصاله التي تفرَّدَ بها.
الثانية عشرة: فيما كان عنه ومنه وله، (ولم يذكر فيهما شيء).
وأنت خبير أن هذه (الحيثيّات) كلها عبثيات إذ لم يفدنا فيها بشئ زائد، ولا أوصلنا بعائد، وإنما ذكرنا أغلب هذا المقام ليعرف اللبيب مشربه وطريقته، ويميّز سقمه وصحته، ونحن بعد هذا بعون الله لا نذكر منه إلاّ ما يرتضيه الفهم السليم، والطبع المستقيم.
وأما ما ذكره من وقوع بين الشيخ و(صفوق) فلم نسمع بها من غيره، وأظنها إشتباهاً مع واقعة سعود الوهابي التي مرّ عليك تفصيل أمرها، وليس المعروف بصفوق من الأشرار وأهل الغزوات إلاّ واحد وهو رئيس قبائل عديدة تُسمَّى إلى اليوم بالخزاعل، وكان فتاكاً سفاكاً قطّاعاً للطرق خصوصاً في العراق. فلما كاد أن يهلك الحرث والنسل بعث إليه والي بغداد وكان يومئذ نجيب پاشا(1)، (وستأتي عليك جملةٌ من قضاياه مع الشيخ حسن بن الشيخ
1) تولّى نجیب پاشا ولاية بغداد سنة 1258 ه / 1842 م، وعُزِلَ سنة 1265 ه / 1848 م. وتُوفي بعد سنتين من عزله في استنبول
كبير) - عسكراً جرّاراً فقتلوه غيلة وجاؤا برأسه إلى بغداد. وفي تلك الأيام التي قتل والي بها (صفوق) عُزل مفتي بغداد(1)أيضاً فمدحه عبد الباقي المشهور بقصيدة منها قوله:
قدْ أرحتَ الدنيا بقتل (صفوقٍ) *** و بعزل (المفتي) أرحتَ الدينا
وسيأتي تمام الحكاية إن شاء الله.
ولا يحتمل أن يكون (صفوق) هذا هو صاحب الوقعة التي ذكرها السيد كما لا يخفى لله أعلم.
وأما ما ذكره من أن حكومة بغداد قتلت الأخباري في زمان الشيخ فأنَّه اشتباه أيضاً ملاحظة ما ذكرناه من تاريخ وفاة الشيخ، وقتل الأخباري، وأن حكومة بغداد كانت مع أخباري لا عليه، وإنّ الرعية قتلته بإجماع العلماء.
وليكنْ هذا آخر ما أردنا جمعه من أخبار الشيخ (رضي الله عنه وأرضاه) مع مجمل صبار أبيه وأخوته. ولعلّما يأتي لهم زيادة تفصيل في مطاوي أخبار أولاده وأحفاده صهاره. واعلم أن هذا الذي ذكرناه من أخباره وأخبارهم وكراماته غيض من فيض وقطرة ن بحر، فإنّي، ومَنْ قبض روحه الطاهرة، قَدْ سمعتُ من أعاظم علماء زماننا وأكبر نبلاء اننا الحاج ميرزا حسين(2)أدام الله ظلاله على العالمين ابن المرحوم میرزا خلیل(3)رحمه الله أنَّه شرّف منزلنا ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك وجلس قريباً من (الساعة) وهو ينقل حدث بفضائل الشيخ وولده الشيخ موسى مما ذكرنا بعضه وذهب علينا الآخر لقصر الباع، عدم التوفيق.
والحاصل أني لم أُرد برسالتي هذه بيان فضل الشيخ وتخليد ذكره فأنّك خبير بأن:
مَنْ كانَ فوقَ محلِ الشمس رتبتُهُ *** فليسَ يرفعُهُ شَيءٌ ولا يَضعُ
ولكن الغرض من ذلك ما ذكرته في صدر الرسالة من أداء ما يجب من الحمد والشكر، على ما وفقني تعالى ورزقني من الفضل، بشرف الآباء الذي لستُ له أهلاً، ولمَّا حطّتْ
1) عُزل مفتي بغداد السيد أبو الثناء الألوسي عن منصب الأفتاء في شهر رمضان سنة 1263 ه / 1847 م
2) الميرزا حسين الميرزا خليل: انتهت اليه الرئاسة الدينية بعد وفاة الميرزا مُحَمَّد حسن الشيرازي عام 1312 ه / 189 م. تُوفي سنة 1326 ه / 1908 م
3) الميرزا خليل هو مؤسس أسرة آل الخليلي، واليه ترجع بالتسمية. كان من المشتغلين في العلوم الطبّية، حتى صبح من أعاظم أطباء عصره. كانت ولادته سنة 1180 ه / 1766 م، ووفاته سنة 1280 ه / 1863 م. وقد توارث ض أبنائه هذه المهنة عنه
بي رواحلُ القلم، في هذا المقام عرفت العجز والتقصير، وأني بهذا ذو باع قصير، وأن الأقرار بالعجز أحجى، والسكون في هذا المقام أنجى، فأمسكتُ عنان البيان وعزمتُ على الأختصار والأقتصار على قليل من أحوالهم ومكارمهم من الآن، ملتمساً من الله السداد والهداية، فأنه وليُّ التوفيق والعناية.
والى هنا تم الجزء الأول من هذه الرسالة المشتملة على الطبقة الأولى من هذه الطائفة، أمدّ الله بسلسلتهم مدى الدوران، إنه ولى الأحسان والأمتنان.
إبتدأتُ في تأليفها نصف شعبان وختمتُها عاشر شهر رمضان المبارك سنة 1314.
قَدْ وقع الفراغ من تسويد هذه الرسالة بقلم الحقير الفقير، صاحب الذنب والتقصير، أقلّ عباد الله عملا، وأكثرهم زللاً، المحتاج إلى رحمة ربه العلام، حسن نجل المرحوم السيد جاسم الفحام، (يوم الخامس والعشرون(1)شهر جمادى الأخرى سنة 1316).
إِنْ تَجدْ عيباً فسدَّ الخللا *** جلَّ مَنْ لا عيبَ فيهِ وعلا
1) هكذا وردت في الأصل
وهو يشتمل على الطبقة الثانية، من هذه النبعة الزاكية، وأولهم الأكسير الأكبر لكبريت الأحمر، الطاهر المطهّر، النور الأزهر، عميد الطائفة الجعفرية، ورئيس الملة أسلامية، الأمام الأكبر، فريد الدهر، ووحيد العصر، إمام الفقهاء، وفقيه الأئمة ن جعفر (قدس الله روحه الزاكية، وأعلى لديه درجاته العالية).
ولما فرغوا من فاتحة الشيخ والجلوس للعزاء عليه، أجمعت العلماء على تقديم ولده موسى نَّه أولى بالأمر فحضروا بأجمعهم في درسه تأييداً له، فلم يشذ عنه شاذ، ولم يختلف فيه نان، وصاروا يكاتبون بذلك الأمصار والبلدان، ويأمرون الناس بالطاعة له والاذعان، فلم حل الحول إلاّ وهو مدار العالم ومن فيه، وركن العلم ومعتمد بنيه، على أن أباه لم يأمر ناس بالرجوع إليه، ولم ينص بالأفضلية عليه، سوى ما اشتهر من قوله فيه: «لا فقيه إلاّ وولدي موسى والشهيد الأول»، وهى وإن كانت كافية في المقام، ووافية بالأعلام، إلاّ ه قبل وفاته، وأيام حياته، لم يتصدّ لرجوع الناس والأمر بتقليده، والسعي في تشييد أمره أييده، حتى رأه الله أهلاً لذلك فقدمه أمام الناس للهدى إمام، وألقى ذلك في نفوس ليائه فتطامنت له رقاب العلماء العظام، فبزغ بينهم بزوغ البدر في السماء على سائر واكبها، وتقدمهم بالفضيلة تقدّم ليلة القدر على باقي الليالي الشريفة من صواحبها، على ثرة من كان في زمانه من العلماء المشاهير، والأساطين الذين لم يسمح لهم الدهر بنظير، الشيخ أسد الله، والسيد محسن (صاحب المحصول)، والسيد باقر القزويني، والميرزا نمي، والسيد مُحَمَّد باقر الرشتي حجة الاسلام، والحاج الكلباسي، والشيخ حسين ف، والشيخ محسن الأعسم، والشيخ خضر شلال، والآقا مُحَمَّد علي ابن المروّج بهبهاني، وغيرهم من تلامذة ذلك (الآقا) المشهور، والعلامة الطبطبائي، وأبيه(1)تغمدهم
1) هو السيد مرتضى الطباطبائي المتوفى عام 1204 ه / 1780 م
الله برحمته أجمعين. وكان كُلّ منهم يرى الفضل لنفسه وكان الأمر مردداً بين الشيخ موسی، والميرزا القمّي(1)وأغلب الناس ممن كان في (إيران) قلّد الميرزا أول الأمر، والعرب قلّدت الشيخ موسى. وأمّا الفضلاء، وطلبة العلم في النجف فأنهم عزموا على السؤال من الميرزا عمّن هو أولى بالتقليد منه ومن الشيخ موسى لكون الميرزا (رحمه الله) أكبر سنّاً، وأقدم هجرةً، وأشد تحصيلاً وأعظم شهرة، بل كان يُعد من طبقة الشيخ الكبير، وإن كان في زيارته للعتبات حضر أياماً في درس الشيخ، واستجازه في الرواية كما في «نقد العلماء».
قال في «معدن الشرف»: وسمعته أنا من كثير أن الميرزا (رحمه الله) عزم في تلك السنة على الحج فجعل طريقه على النجف ليقرأ فاتحة للشيخ ويعزّي أولاده، فلما حل هناك اجتمع عليه الفضلاء والناس، وسألوه عن الشيخ موسى فقال: لا علم لي به ولكن أكتب لكم ثلاث مسائل من المشكلات فأنْ أجابني نظرت في جوابه وميّزت مقدار فضله، فكتب المسائل وبعثها إلى موسى وكان قَدْ قرب الغروب. فقالوا له: الميرزا يقول ما رأيك فيها، وقد أمهلك في الجواب عشرة أيام، فقال: إني مشغول بأمور مهمة أقلقت فكري وشوشت بالي والوقت ضيّق، فقالوا: ألم يمهلك بتلك المهلة، فقال: لا فرق عندي في ذلك الساعة بين والعشرة أيام، ولكن قفوا فخذوا ما تيسر على العجلة. ونادى أخاه الشيخ علي وقال له: أنا أملي عليك الجواب وأنت اكتب، فجعل موسى بن جعفر يملي، و(علي) يكتب ما يمليه، فما كان إلاّ نصف ساعة حتى تمّ الجواب. وقيل إنَّ المسائل وصلت إليه وهو مشتغل بالوضوء فجعل يملي على (عليّ) وهو يكتب فما فرغ من الوضوء إلاّ وقد تمت الأجوبة.
فجاؤا بها إلى الميرزا وهو بعد لم يقم من مكانه، فقال الميرزا: ويحكم متى خرجتم ومتى راجَعَ الشيخ المسائل، ومتى كتب الأجوبة والوقت يضيق عن بعض هذا؟! فقالوا: هذه الأجوبة وهو يعتذر إليك من تشتت البال، وضيق الأحوال، فقال: إنّ هذا أمرٌ خطير، لا يكون إلاّ للقادر القدير، فأمهلوني أراجع جوابه الليلة، وأعطيكم الجواب.
فلما بكّروا عليه قال لهم: إسألوا الشيخ موسى عن اجتهادي، فقد شكّكني في أمري، ولا أرى أن أُقَلَّدَ مع وجود مثله.
فعند ذلك قلَّدته الناس، ورجعت جميع الأطراف، من الأذناب والأشراف، واشتهر أمره وذاع صيته، وأطاعته العرب والعجم، مشرقاً ومغرباً، وصار مسموع الكلمة عند الشفيع
1) الشيخ أبو القاسم القمي المعروف بالميرزا القُمي من تلامذة البهبهاني. وُلدَ سنة 1151 ه / 1738 م، وتُوفي سنة 1231 ه / 1816 م. وقد اشتهر بكتابه «القوانين» في علم الأصول الذي أصبح مداراً لدراسة هذا العلم حتى عهدٍ قريب في المراكز التعليمية العالية
والوضيع، والسلطان والوزير، وأذعن له الصغير والكبير. إنتهى ما ذكره مع تمام الأجمال والأختصار، والقصة تجاوزت حدّ الاشتهار.
والحاصل أن أمره لم يزل ينمو، ومعاليه ما برحت تسمو، وذكره يضوع أرجُهُ، وفخره تتجلّى حججه، حتى أصبح وهو الحادي للرئاستين، والمُصلح بين الدولتين، السامي مفخره علي النيَّرين، وجعل يسلك مسلك أبيه، وينهج على مساعيه:
فلم تكنْ لأبيه النَدْبِ مكرمةٌ *** يعيا الورى نيلها إلاّ لها انتُدِبا
فجازها واغتدى أعلى مراتبها *** لو كان أبقى أبوهُ فوقَها رتبا
فقُلْ لمن راح للأيمان حين هوى *** عمودُهُ باكي الأجفان مُنْتَحِبِا
هوِّنْ عليكَ من الوجد المُلِحِّ فذا *** موسى بن جعفر ركنا للعلى نُصبا
بدرٌ، فبدرُ الهُدى في الدين ما غرُبا *** بحرّ، (فجعفرُ) علم اللهِ ما نَصُبا
فلما بلغ من الرفعة المبلغ المتناهي في العلو، وتمهدت له الأمور تمهيداً أقرّ عين المحب، وقصم ظهر العدو، ثقل ذلك على أولي الشنان من ناصبي العداوة لأبيه، وجعلوا الذحول والأوتار منه فيه.
فمنهم رأس الجبت والطاغوت من أولي الشقاء، وإمام أهل الضلال والبدع والأهواء، حامل لواء حزب الشيطان، والساعي إلى تشتيت حزب الرحمن، المُبنضّ المشرّد، المدعو بميرزا مُحَمَّد، فأنَّه لمَّا وصل إليه خبر وفاة الشيخ الكبير(1)، جعل ذلك اليوم عيداً، وأظهر من الفرح والسرور ما لم تتصور الأذهان عليه مزيداً، وكان يومئذ في (طهران)، فحركه الخبث والشنآن، على إدراك ثأره من الشيخ في ولده، فجاء حتى أتى الكاظمين (علیه السلام) فرأى أن أمر الشيخ موسى قَدْ استوسق وتمّ، وسؤدده کنار على علم، فسوّلت له نفسه بما يوحي أخوه الشيطان إليه، وينزل عليه، أن يتوصل بوادى العراق ويوادّه، لينال بذلك مراده، فجعل يستجلب مراضيه بمقدمات طويلة، وإرسال هدايا من تحف العجم جزيلة، فحظي الخبيث عند (الپاشا)، وحاز من (داود)(2)ما شا، بعد أن استجلب طائفة من العوام بزبرج لسانه،
وتزويره و بهتانه، فصار يصعد المنبر، ويطيل الوقيعة بالشيخ الأكبر، والنقيصة بولده البرّ، ويفشي للناس غيّه وعتاته، ويظهر بالشيخ الشماته، ويتمثل ببعض الآيات كقوله تعالی: «فكان عاقبة من أساؤا السوء أن كذبوا بآياتنا»، و «سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون»، الى غير ذلك من أمثالها التي أوقعه الله في آخر الأمر في وبالها، وصيّره مثلاً من أمثالها.
وكان السيد مُحَمَّد المجاهد(1)مقبلاً من أصفهان إلى كربلاء للإقامة مقام أبيه فيها بعد أن بلغه خبر وفاته(2)، فتوقف في الكاظمين (علیه السلام) أياماً للاستراحة والزيارة، فكان ينكر على (الخبيث) تلك الأفعال والأقوال أشدّ الانكار، فتحمّل (الملعون) له العداوة والبغضاء، زيادة على أنَّهُ يطلب بأبيه الثار، وقد كان يسمّيه هو وخاله الأغا وأصحابهما بالأزارقة (فرقة من الخوارج) - لزرقة في عين السيد مير علي وأولاده -، ويسمي الميرزا أبو القاسم القمي - (اليقاسمة) - كما في «روضات الجنّات».
والحاصل أن الأخباري جعل يؤذي السيد ويزعجه، وبعث عليه في الليل من جنده الغاوين من يقلقه ويخيفه حتى ارتحل الى كربلاء. فكتب إلى الشيخ موسى بخبر ذلك الغاوي وسيرته، وشتمه للعلماء، ونقل له كلماته التي يقولها على المنبر في أبيه، والشماتة فيه، فغضب الشيخ موسى وجاشت نفسه، وارتحل بعدّة من أصحابه حتى كربلاء وسار هو والسيد مُحَمَّد المتقدم إلى الكاظمين.
فلما سمع السيد عبد الله شبّر(3)بن السيد رضا شبّر - وكان من العلماء المشهورين المبرزّين، والزهاد المقدسين، وكان مطاعاً جليلاً خصوصاً عند أهل (الكاظم) التي هي مسقط رأسه، إلاّ أنَّهُ كان من أهل العزلة والانزواء لشدة زهده، وكان من تلاميذ الشيخ الكبير، ويرى له عليه الحق الكثير، وكان الشيخ موسى روى بالأجازة عنه - خرج السيد لاستقباله مع جميع أهل البلد، وعظم الشيخ وأكرمه غاية الأكرام، وترجّل له من مسافة بعيدة، فعظم في عيون الناس زيادة على ما كان فيه وأنزله داره، وعقد له على أخته، وقيل بنته، وكانت تحت ابن عمّ لها من العلماء يعرف بمير أحمد، فهنَّأهُ الشيخ صالح التميمي بأبيات ستأتي إن شاء الله. وإنما رغب الشيخ في ذلك لتجلب له قلوب الناس، فيستعين بهم على قتل عدوه.
وأمّا الأخباري فأنّه مضى إلى مدِّ يده للوالي سعيد پاشا(1)، وأخبره بدخول الشيخ، وقال: إن هذا الرجل قَدْ ترأس على فرقة الأمامية، وهي رعيته لا رعية الدولة العليّة، فأن بقي في بغداد يومين أفسد عليك أمر المملكة، وأوقعك مع جندك في المهلكة، فأن لم تقتله قتلك، وإن لم تُعجّل عليه عجّل عليك. وهو رجل سبّاب (رافضى) يرى أوجب الأشياء وأحبها إلى الله قتل (السُنّي).
ولم يزل يذكر له المنفّرات والمزعجات حتى استشاط الوالي غضباً، وامتلأ غيضاً، وحلف بالطلاق ليقتلنّ كُلِّ شيعي، ولا يدع على ظهر الأرض منهم. ثم قال: ولابُدَّ من قتل رئيسهم أولاً بطريق حسن كيلا تهيج علينا الرعية، وتسير من الدولة تحت المسؤولية، حيث أن هذا رجل عظيم، فقتله لابُدّ أن يقع فيه محذور جسيم، والرأي أن تدعوه يوماً إلى وليمة نصنعها له، ونعمل التدبير إذا جاءنا حتى نقتله، ثم نأمر العسكر بالهجوم على ديار الشيعة ورحالهم، وسبي نسائهم وأطفالهم. فشكر له، وخرج مسروراً من ذلك (الملعون).
وأمّا موسى بن جعفر ومحمد المجاهد، فبقيَ كُلّ منهما يسعى في تهيئة أسباب قتل عدوه ويجاهد. فكتب السيد صورة استفتاء من الشيخ حاصله: ما رأي حجة الله على خلقه، وأمينه في أرضه، في رجل يؤلب على العلماء الصالحين، ويسعى في قتلهم إطفاء لنور الدين، فوقَّعَ تحته: «يجب على كُلِّ محبّ وموال، أن يبذل في قتله النفس والمال، وإلاّ فلا صلاة ولا صيام له، وليتبوّأ من جهنم منزله».
فأخذ السيد (حُكم) الشيخ وأمضاه، وبعثه إلى السيد عبد الله شبّر فحكم بوجوب إتّباع حكم الشيخ، وكذلك فعل باقي العلماء المعروفين هنالك كالسيد محسن صاحب المحصول، والشيخ أسد الله.
فلمّا تم الحكم على أحسن هيئة نُشِرَ لدى العوام، وقُرِأ على الخاص والعام. وكان بيد رسول السيد عبد الله شبّر يدعو الناس إلى امتثاله، وإنَّ حكم الشيخ نافذ على كُلِّ مَنْ في دائرة الوجود.
وكان السيد عبد الله كما عرفت أولاً عند أهل (الكاظم) بمنزلة الأمام، فعزموا على أن
1) تولّى سعيد باشا الحكم عام 1228 ه / 1813 م، وقتل في (10) ربيع الآخر سنة 1232 ه / 1816 م. وهو من مواليد سنة 1205 ه / 1791 م
يهجموا على دار (الأخباري) ليلاً، ويريحوا منه الناس.
فاجتمع ثلاثة أنفار منهم من المعروفين بالأقدام والبأس فتسوّروا الدار عليه نصف الليل لأنهم أتوا إلى باب داره فلم يجدوها لأنه أعشاهم بسحره. ثم أتوا إلى (الحِجْرَة) التي هو فيها، وقلعوا الباب فوجدوا عفاريت وحيّاتٍ فاغرةً تريد أن تبتلعهم فتوقفوا يسيراً ثم هجموا ثانية. فوجدوا ليثاً بالباب يريد أن يفترسهم فارتدّوا متجبّرين، ولم يزالوا يهجمون على الباب فيرون ما يهولهم من شعبذاته وسحره، فصعدوا السطح وحفروا فيه على الحجرة فخرجت إليهم نيران ملتهبة. فقال واحد منهم: يا قوم إني سمعتُ من الشيخ موسى يقول: أنا ضامنٌ على الله الجنّة لمن يقتل هذا - بحضور الشُبريّ -، (وقد صدَّقه السيد)، وأنا صاحب ذنوب كثيرة، وقد عزمتُ على الخوض في هذه النار، فلعلي أحظى بعدها بجنات تجري من تحتها الأنهار، فأنْ أحرقتني فانجوا بأنفسكم ولا (تُيتِّموا) أطفالكم، وإن تبيّن أنها شعبذة وبهتان فسأنبئكم بذلك فادخلوا عليّ، وشاركوا بالفوز فيما لديّ.
فاقتحم النار وتقدمهم إماماً، فقيل يا نار كوني برداً وسلاما، فنادى أصحابه فدخلوا عليه، فوجدوا الخبيث وتبخّراته بين يديه، فقال لهم: خلّوا سبيلي ولكم عشرون ألف ذهب، فلم يقبلوا، ولم يزل يترقّى لهم في ذلك حتى قال لهم: أنظروا الحجرة، فنظروها وإذا هي وجميع ما فيها من بسط وجدران وفرش تلألأ ذهباً أحمر، فقال: خذوها أجمع ودعوني أنجو بنفسي، ولكم العهد عليّ أنْ لا أرجع بعد إلى بلادكم، فقالوا: هيهات هيهات، على غيرنا موّه هذه الكذبيات والشعبذات، وأمّا نحن فقد ضُمنتْ لنا على الله الجنان، والفوز بالرضوان. «فوقع الحق وقطع دابر القوم الذين ظلموا قيل الحمد لله رب العالمين، وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين، أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين».
وكان ذلك يوم الأحد سنة (1)1233، ودُفِنَ في مقابر قريش، كما وجدته بخط بعض تلاميذه ومريديه على كتاب من مصنّفات أستاذه هذا وهو كتاب «ذخيرة الألباب، فيه لكل علم باب»، وهو كتابٌ فيه جداول العلوم خصوصاً الرياضية منها كعلم الحروف والجفر والرمل وما أشبهها. ونصّ ما وجدته مكتوباً في ظهره: «من هبة الله العارية لعبده الأقل أضعف خدّام المحدّثين العاملين بسنة الطاهرين مُحَمَّد المدعو بالجواد(2)بن مُحَمَّد بن زين
الدين الحسيني الحسني كتبه بخطه لنفسه، وهو من مصنّفات العلاّمة الجامع لجميع العلوم الجليّة والخفيّة مُحَمَّد بن عبد النبيّ بن عبد الصانع النيشابوري، وقد قرأه عليه، وصححه، وقابله معه، وأخذ منه إجازته، وأدرك شهادته على يد (الجهلة) من أمة التظنّي والتخمين، في يوم الأحد سنة 1233، وكان ذلك في مقابر قريش حرر سنة 1237»، إنتهى.
ويعني بأمة التظنّي والتخمين هم الأصوليين والمجتهدين. وأظنُّ أنّه هذا هو ابن السيد مُحَمَّد زيني الذي مرّ ذكره وشعره ومطايباته مع الشيخ الكبير في معركة الخميس.
فلعله كان ممن استغواه الرجل بتزويراته وأشراكه، وسعى حتى ظفر بهلاكه. ولا لوم على هذا السيد فأنك لو رأيت كتابه هذا أعني «ذخيرة الألباب»، أو غيره من تأليفات ذاك الكذاب، وما فيها من الجداول والرسهم، ودوائر العلوم، والهياكل الغريبة، والأشياء العجيبة، لطاش لبّك، وذهل عقلك، وقلت هذا خارج عن طاقة البشر ونوع الأنسان، وإنما هو من صنائع الشياطين والجان، وهو يشتمل على أربع مجلدات عندنا اليوم منه الجلد الأول. وأنت بعد اطلاعك على قوة هذا الرجل في هذه الأشياء، وقدرته على مثل هذا الأيهام والأفتراء، تعلم أن قتله إنما كان بتأييد ربّاني للدين، وتسديد إلهي حفظاً لشريعة سيد المرسلين، وإلاّ فهو خارج عن حيّز الأمكان، وهو ما اجتمعت عليه الثقلان. ولكن قال عزّ وجلّ: «إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون» فكان العمدة بقتله بعد الله الشيخ موسى، ولكن بإعانة السيد مُحَمَّد المجاهد، والسيد محسن الكاظمي، وكلهم بقوة السيد عبد الله شبّر، لا الشيخ موسى وحده كما هو مشهور على الألسن، ولا السيد عبد الله وحده كما سمعته من بعض أهل (الكاظم)، ولا السيد المجاهد كما في «روضات الجنّات»(1).
هذا ما استفدناه من التتبع التام والتفحص مع إستفراغ الوسع في الجمع بين أقوال المؤرخين والمُطَّلعين، والله أعلم بحقيقة الحال(2)
سيطر داود باشا على بعض المدن مثل كركوك، والسليمانية، وبقي مُحصِّناً فيها. ونظراً لقوته وسطوته فقد وجهتْ إليه الوزارة في (1) محرم سنة 1232 ه، إلاَّ أنَّ سعيد باشا تمرَّدَ عليه، ولم يرضخْ له، وفي هذه الفترة الحرجة أصاب بغداد القحط، وتذمر الأهالي من جراء ذلك، ورجع الشيخ حمود الثامر الى دياره. كما سادت الفوضى أغلب المدن العراقية واشتد القتال بين الطائفتين (الزقرت) و(الشمرت) في النجف للسيطرة على المدينة الأمر الذي سبب تذمر الأهالي، والتطلع الى التخلّص من هذا الحكم الضعيف.
وفي هذه الأثناء قُتل الميرزا محمد الأخباري، وكان يوم مقتله هو اليوم الثامن والعشرون من شهر ربيع الأول سنة 1232 ه. ولم تُشِر المصادر المطبوعة إلاَّ إلى سنة مقتله فقط، وأغفلت اليوم الذي قُتل فيه، والشهر.
واعتماداً على مجموعة خطيَّة (محفوظة لدى أحفاد الميرزا الأخباري) فقد أشير إلى انَّ وفاته كانت في اليوم الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة. وهذه المجموعة تحتوي على رسالة من الشيخ أحمد الأحسائى إلى الميرزا الأخباري يحذِّرُهُ فيها من القتل. ويبدو أنَّ الميرزا الأخباري كان قد أحسَّ بالخطر على حياته فأرّخ سنة وفاته بقوله «صدوقُ غُلب»، والذي يساوي في حساب الجمُل سنة 1232 ه. وفي عبارة التاريخ أكثر من مغزى يُعبّر عن مظلوميّة الرجل، ومحاولة التربّص به.
وفي (5) ربيع الآخر سنة 1232 ه دخل داود باشا بغداد.
وفي (10) ربيع الآخر سنة 1232 ه قُتل سعيد باشا قَتْلَةٌ شنيعة.
وقد ذكر الدكتور حمید الگار H.Algar أنَّ الميرزا الأخباري عندما جاء إلى العراق، واستقرَّ في مدينة الكاظمية أخذ يتدخّل في أمر الصراع الدائر بين سعيد باشا، وداود باشا. وعلى ما يبدو ففي هذه الفترة بالذات أخذ بعرض قواه الروحية لمساندة سعيد باشا. وخوفاً من تكرار ما نُقل عن الخطة التي أعدَّها لمقتل القائد الروسي (اشبوختر) فقد وجَّهَ داود باشا قواته للهجوم على بيت الميرزا الأخباري، وقتله. وقد احتملَ الدكتور الكار أنَّ استياء العلماء الأصوليين من تصرَّفات الميرزا الأخباري جعل لهم يداً في هذه القضية.
يُنظر بهذا الصدد مقالة الدكتور Algar في موسوعة IRANICA المجلد الأول، ص 716 (لندن، 1985 م)، تحت عنوان (Akhbari)
.1) روضات الجنّات، ج 7، ص 129
2) مقتل الميرزا الأخباري حدث في أوج الصراع الدموي الذي دار بين الوالي سعيد باشا، وقائد الجيش داود أفندي، والذي استمرّ عاما كاملاً انتهى بمقتل سعيد باشا سنة 1232 ه / 1817 م، وتولّي داود السلطة في العراق. ففي 12 ربيع الأول خرج داود باشا من بغداد هارباً بعد أنْ عمل الوالي سعيد باشا على التخلّص منه لقوّة نفوذه. وقد أجرى سعيد باشا تعديلات في مناصب الدولة، كما أسنده أحد كبار زعماء العشائر وهو حمود الثامر بألف وخمسمائة من العساكر لحمايته وذلك في 23 ذي الحجة سنة 1231 ه.
ثم اتصلت البشائر والتهاني من شعراء بغداد، والحلة، والنجف للشيخ موسى بقتل عدوه، وسيأتي عليك كثير في شعر السيد باقر بن السيد إبراهيم البغدادي والشيخ صالح التميمي وغيرهما من المفلقين.
ومنهم: معينه على الضلالة وخدينه في الجهالة، حاكم النجف السابق ملا مُحَمَّد المتقدم ذكره. وهذه طائفةُ الملالي على ما سمعت من بعض (الخَدَمة) ينتمون الى ملا عبد الله، صاحب «الحاشية على تهذيب المنطق»، وجاؤا من (العجم) مع نادر شاه، أو غيره من السلاطين وبقوا في النجف مدةً ثم حكموا بها عدة سنين حتى انتهت حكومتهم بملا يوسف وانقطعت. فأمّا ملا مُحَمَّد هذا فأنه نصب العداوة للشيخ موسى بعد أبيه طلباً لثأر خاله السيد محمود الرحباوي، وحيث لم يكن متمكناً من إيذائه بنفسه جعل يشي به إلى الولاة، ويحضّهم على القبض عليه.
فمن ذلك ما بعث به الى سعيد پاشا وكان هو الوالي يومئذ ببغداد، وكان من (الكولات)(1)وهي طائفة بغدادية عظيمة تجتمع فتنصب منها والياً، وتكتب بذلك إلى
1) الكولات: مفردها (کوله) وهي كلمة تركية تعني العبد المملوك. وقد ابتدأ حكم المماليك في العراق منذ عهد حسن پاشا 1116 ه / 1704 م، وانتهى بعهد داود پاشا عام 1247 ه / 1831 م
(إسلامبول) فيأتى إمضاء لفعلهم. وكان أعظمهم سليمان پاشا(1)الذي عصى آخر الأمر على الدولة العليّة، فبعثوا إليه خالد پاشا من رجال الدولة مع جند عظيم فنازله في بغداد وحاصره أياماً، حتى قبض عليه، وقتله أشرّ قتلة(2).
ثم ولّي بعده عبد الله پاشا(3)فبقي أشهراً وتغيّر عليه باقي (الكولات)، فقتلوه مع عضده طاهر كخوه، ونصبوا سعید پاشا هذا وزيراً فقبلته الدولة. وكان ذلك في سنة الألف والمائتي والثمان والعشرين كما ذكره في (تأريخه الكبير) خالنا الثقة الذي كان يسمى سلمان زمانه - لطيف رآه فيه بعض علماء بيت نجف -، (وأظنه الشيخ جواد)، وهو أَنَّهُ سأل الأمير (علیه السلام) في المنام أن يريه سلمان الفارسي فقال له انظر إلى الشيخ مُحَمَّد بن الحاج عيسى كبّه. وهي السنة التي تُوفيَ (الشيخ)(4)في أولها.
فلما استقر أمر ذلك الوزير جعل يراجعه ملا مُحَمَّد المذكور، ويخبره أن الوالي في العراق موسى بن جعفر لا أنت، ولا تتم ولايتك إلاّ بقتله، وأن هذه الفسادات من (الزقرت) و(الشمرت) وعصيان أهل (الدّغارة)، وباقي العراق كلها بسببه. فبعث إليه يستشيره في قتله، فقال له: إبعث إليّ بعض الجند وأنا ضامن لك أني أقبضه وأبعثه إليك مكبّلاً.
فوصل تفصيل الخبر إلى الشيخ فبعث بأهله وعياله وجميع مَنْ في داره إلى (إستار) شيخ الموالك، وكان رئيس (الدّغارة)، فأخلى لهم منازلَ على الفرات فنزلوها، ولحق بهم الشيخ مع إخوته وعمومته والخواص من بطانته. ولم يبق في النجف أحد ممن يتعلق به، فأصبحت ديارهم خالية، وربوعهم موحشة، فضجّت الناس والعلماء، ووقع الهرج والمرج، ولحق أغلب طلبة العلم بأهلهم وتركوا العلم والتحصيل، وارتحل الباقي خلف الشيخ، وبقيت النجف خالية حتى من الكسبة لعدم السكان، وصارت حكومة الملا على نفسه وأهله واشتد الأمر عليه، وأوقع في يديه، حتى وقع على بعض العلماء وعلى أن يشفعوا له عند الشيخ فيرجع إلى محلّه ومكانه، على أن لا يعود (الملا) في شيء من زوره وبهتانه، فأخذوا عمّته في رقبته، فعفى الشيخ عن سيئته. ورجع إلى محلّه بأهله، وبقي يُظهر الودّ له، ويسعى باطناً بالأذى إليه، لكن حواليه لا عليه، حتى قتله بعض من أصابه أذاه، فنجّى الله الشيخ من شره وكفاه.
وأمّا الوزير فبقي ذلك الأمر في نفسه وجعل يشتدّ، ويتأكد لما يرى من مطاعيّة الشيخ وعظمته في نفوس العظماء من الرعية، بل وسائر البرية، حتى أتى الأخباري من طهران الى بغداد، فأكّد ذلك، واتصل به لنيل غرضه - كما عرفت -، إلى أنْ ارتحل (موسى) عازماً على قتل (فرعون) الدين، وإهلاك هاروت السحرة الكاذبين، فلمّا أحسَّ بذلك أخبر الوزير بدخول موسى في بغداد، وأنه قَدْ حصل المراد، فتواعدا على أنْ يصنع الوزير وليمة له، وهنالك يبلغ الكتاب أجله. وفي الأثناء قُتِلَ الأخباري.
ودعا الوزير كاتبه، وكان ممن يُبطن الودّ للشيخ موسى فأمره بكتابة رقعة تتضمن استدعاء الشيخ له. فكتبها بحضور الوالي، وختمها بيده، ولم يجد الكاتب بُدَّاً من الأشارة للشيخ لعلمه بمرادهم. ولكنه لم يتمكن من ذلك فجعل في التاريخ ألفاً زائدة بعد أن نظرها الوزير، ثم بعثوا بها إلى الشيخ. فلما نظر الألف عرف أنها لنكتة، وأن الكاتب في مثل هذا المقام لا يشتبه فأصاب بقوة حدسه أنها إشارة لقوله تعالى: «إن الملأ يأتمرون بك فاخرج منها». فأمر خادمه الشيخ (مُحَمَّد وَيسين) فاستكرى له دواباً، وقال للمكاري سِرْ بنا على غير الجادة المعتادة لئلا يدركهم مدد الوالي، فخرج موسى منها خائفاً يترقب:
وهو لو شاءَ محوَ دائرة الأرض *** مَنْ في طباقها لمحاها!
فساروا ليلاً حتى أتوا الحلّة فنَزلَ موسى ففدته بالنفوس والأهلين، وأمن من كيد (فرعون) و (هامان)، وجنودهما الظالمين.
فلما علم الوزير بخروجه تفحَّص عن مقره فعلم أنَّهُ في الحلّة، فبعث إلى (بيكها) يأمره بإرسال الشيخ إلى بغداد، فكتب (البيكُ) أنَّ هذا رجل مطاع خصوصا بالحلة، وأهلها يرونه إماماً واجب الطاعة، وإن دنوتُ إليه بمكروهٍ لا بُدَّ وأن تثور الفتنة ويقع القتل في البين، ولا جند عندنا يقوم بدفاعهم. فجهّز الوالي جنداً إلى البيك، فاستمهله الشيخ وقال لأهل الحلّة: لا تقاتلوهم فأن الفرج قريب. فما مرّت الأيام والليالي حتى قُتل الوالي سنة 11232(1)، و نصب داود پاشا، كما ذكره الخال الشيخ مُحَمَّد كبّة في «تأريخه»(2).
وكان داود پاشا مخلصاً للشيخ قبل ذلك حيث أن الشيخ موسى أطلقه من أسر العجم.
1) قُتل سعيد باشا في اليوم العاشر من شهر ربيع الآخر سنة 1232 ه
2) زوجة الشيخ علي كاشف الغطاء هي الحاجة (هدية) كُبَّة، وهي من أسرة آل كُبَّة البغداديين. وهي أم أولاده الشيخ أحمد والشيخ محمد الحسين، ولها بنتٌ واحدة تزوَّجها الشيخ كاظم كاشف الغطاء، (هذا ما أخبرني به حفيده الأستاذ عباس بن العلامة الشيخ أحمد بن الشيخ علي كاشف الغطاء)
وبيانه على سبيل الأجمال ومنه تعرف سبب تلقّبه بأنه المصلح بين الدولتين كما هو مشهور، وفي «معدن الشرف» ما حاصله: أن فتح علي شاه كان يحب ولديه عباس مرزه ومحمد علي مرزه حُبّاً شديداً، لمَّا علم فيهما من البأس، وشدة المراس، والهمة العالية، والسمو إلى المراتب السامية، فجعل ولاية العهد لعباس مرزه، وأمضت الوزراء والأمراء ذلك. فتغيّر مُحَمَّد علي مرزه، وخشي أبوهما الفتنة فجعل عباساً في حدود (الأرس) في آذربیجان وما أشبهها، ومحمد علي في حدود الدولة العثمانية من كرمانشاه ولواحقها، تفريقاً بينهم وتبعيداً.
فكانت همة مُحَمَّد علي تسمو إلى أخذ العراق من الدولة. فبينا هو كذلك إذ جاءت قافلة من زوّار العجم إلى مُحَمَّد مرزه فوقفوا على باب (صرایه) يبكون، وقد توزّروا على أوساطهم، ونشروا شعور نسائهم، فسألوهم عن أمرهم فقالوا: نحن زوّار وقد سلبنا عسكر العراق، ونهبوا أموالنا وقتلوا عدة من رجالنا وتركونا كما ترون. فاستشاط الميرزا غضباً، وازداد تعجباً، وقال: يا الله لهؤلاء القوم، كفيناهم شرنا فلم يكفّوا، وتركناهم فلم يعفّوا، ونحن أجدر بالبدءة، وأحرى بالسوءة، فليذوقنّ عما قريب طعم عاقبة الظلم، وليتجرعنّ غداً بأسيافنا مضاضة السمّ:
أرى خلفَ الرمادِ وميضَ جَمر *** ويُوشكُ أنْ يشبَّ لَها ضرامُ
وهم بدؤونا بالأساءةِ أولاً *** فنحن بها أحرى الغَداةَ وأجدرُ
فجهّز من حينه عشرين ألف فارساً من كرمانشاه، وعراق العجم، ومثلهم من الأكراد وعربستان، واستنجد بحسن خان رئيس الفيلية، فأنجده بأثني عشر ألفاً وجاء بهم إليه، فأمّر على سائر جنده، وكان من المعروفين بالنجدة والسداد بالحرب والتدبير والخديعة في المواقف.
وجهز الوالي سعید پاشا من بغداد عشرين ألفاً، وجمع شيوخ العشائر ورؤساء القبائل (كالمنتفج) و (جليحة) و(الخزاعل)، ووعدهم بأعطاء الرُتب والمناصب، على أن يسيروا معه تحت الكتائب، فجاؤوه بما يقرب من المائة ألف فارس.
فالتقى الفريقان قريباً من (خانقين)، فلما وضعت الحرب أوزارها أظهر حسن خان أَنَّهُ قَدْ غَضِبَ وتنافر مع رئيس عسكر العجم فسار عنه بعشرين ألفاً من المقاتلين، وبقي أمير العجم منكسراً مع شرذمة قليلة. فطمع بهم أصحاب الباشا وكان بقرب ذلك المكان کالوادي وقد أحاطت به الجبال من كُلِّ جانب. فانكسرت العجم ودخلت فيه ولحقتهم الأعراب وعسكر بغداد فيه. فما التفتوا إلاّ والمدافع تصبّ من فوق رؤوسهم، والبنادق تنتثر من أعلاهم وكانوا عرباً لا يعرفون تلك الشعوب والمسالك من الأرض. فما قدرَ على الخروج والهزيمة من ذلك المكان إلاّ القليل منهم، وما كان إلاّ كحلبة شاة حتى تفرق شمل الأعراب، وعادوا بين قتيل وأسير ومنهزم والمدافع تضرب من فوقهم ومن مقابل وجوههم ومن خلفهم الى أن تفانوا عن آخرهم.
وأسرت العجم منهم خَلْقاً كثيراً، منهم حمُوْد السعدون (شيخ المنتفج)، وجماعة من رؤساء الخزاعل، ومحمد پاشا، وعلي بك أبو يحيى بك (الذي صار في أيامنا متصرفاً في الحلّة)، ومنهم داود باشا وهو من طائفة (الكولات) التي منهم (پَشوات) بغداد كما عرفت، وكان يسمى داود أفندي.
فسيّر العجم بالأسرى الى مُحَمَّد علي مرزه وهو في كرمانشاه، فجعل بعضهم (طبابيخ)، وبعضهم (كوانيس)، وبقي عسكر العجم قريباً من بغداد ينتظرون أمر مُحَمَّد علي مرزه في فتح البلد، وقتل من فيها. وبقيت بغداد في شدة الحصار، وأعظم الضيق والاضطرار، فاستجار أهلها شيعةً وسنَّةً بالشيخ موسى وكتبوا إليه: إن لم تُدْرِكنا عاجلاً أخذتنا المدافع، وقُلعنا مع البلد، وما فيها من الدور والجوامع.
فبعث موسى بن جعفر ابن عمه الشيخ موسى بن الشيخ عيسى بن الشيخ حسين بن الشيخ خضر(1)رحمهم الله أجمعين، وكان حازماً سديداً.
حدثني عمي الأجل العباس بن علي عن موسى بن عيسى هذا أنَّهُ قال: أمرني مولانا وإمامنا موسى بن جعفر أن أسير بكتبه إلى مُحَمَّد علي مرزه ثم منه إلى فتح علي شاه. فسرتُ حتى جئتُ بغداد فاستغاث بي أهلها، والتمسوني السير سريعاً لرفع الضرّ عنهم، فبعث معي سعيد پاشا كخوتة أحمد المعروف بأحمد أبو عقلين، فسرت معه على طريق السليمانية لأحاطة العجم بطريق خانقين، فكان (الكخوة) لا يعتني بي ولا يراني شيئاً، ورُبّما نام في الأثناء فمدّ رجليه عليّ، وإذا دخلتُ لا يقوم. فلمَّا جئنا السليمانية نزلنا في
1) تُوفي الشيخ موسى الخضري سنة 1247 ه / 1831 م
دار محقّرة. فلما سمع عبد الرحمان پاشا وكان ملكاً عظيماً يحكم على ثلاثمائة ألف من العسكر الذين هم تحت السلاح، وكان والي بغداد لا ينصب إلاّ برأيه ورأي رئيس (المنتفج)، وكان يُمنّي نفسه بالسلطنة في تلك الأقطار. فلما سمع بقدومي بعث عليّ، واستقبلني من الباب وقبّلني وجعل يسألني عن الشيخ موسى وأحواله وأهله، ثم جعل يعاتبني على عدم نزولي عنده، ثم بعث على راحلتي وعُدَّةَ سفري. ثم جاء (الكخوة) وهوى إلى الأرض تعظيماً ثم وقف والباشا لم يتحرك من مكانه فسأله عن أحوال سعيد پاشا وهو يجيبه بتمام الخضوع. ثم بقينا ثلاث أيام أتعشى معه وأتغدى معه و(الكخوة) مع الخدمة في كُلِّ أوقاته.
وفي اليوم الثالث ودّعنا الپاشا وسرنا إلى كرمانشاه والكخوة على حاله من عدم الاعتناء بي. فلما قاربنا كرمانشاه أتتنا رسل الشيخ عبد الرحيم وكان المُبرَّز فيها فنزلنا داره، ووصل الخبر إلى مُحَمَّد علي ميرزا، فبعث إليّ أن لا تبتدئني بالمجئ وإذا جئته فلا يعتني بي، ولا يقوم لي إجلالاً فأنْ فعل شيئاً من ذلك فلا نجاح الحوائجه عندي.
يقول موسى: فما كان إلاّ يسيراً حتى سمعتُ أصوات الطبول ونغمات المزامير وهمهمة الخيول، وإذا بحَلْقة تناهز المائة من (الرجّالة) على نسق واحد من الأشكال والأسلحة واللباس ومثلها من (الخيّالة). ولم تزل تدخل علينا المائة بعد المائة حتى إمتلأت الدار، وهناك جاء الميرزا، ودخل عليّ فسلم وجلس بين يدي، وجعل يسألني عن كُلِّ جزئية وكلّية، ثم عطف يسألني عن باقي العلماء في النجف فرداً فرداً، وطائفة طائفة وأنا أجيبه حتى قال لي: وكيف حكام بغداد معكم واعتناؤهم بكم ولا أظنهم يوفّون حق (الشيخ) وما يجب عليهم من مراعاته، ثم التفت الى أحمد كخوة وكان متمثلاً مع الخدم في طرف المجلس فقال: يا أحمد كيف سعيد، أمّا والله لقد غرّه حلمُنا عنه حتى أصبح شقياً وليعلمنَّ نبأه بعد حين.
يقول موسى: بدت لوائح الغضب عليه، فقلتُ: يا أمير جئتُكَ شفيعاً من لسان الشيخ وهذه مكاتيبه بعثها إليك، فأخذها وقبّلها وقام على قدميه إجلالاً فقرأها وقال: حباً وكرامة، أمّا أنا فقد عفوت ولكن ينبغي مراجعة والدي فتح علي شاه. فكتب معي مكاتيب وقال: اعطها لوالدي مع مكاتيب الشيخ، ثم ودّعني.
وأردت أن أقوم تعظيماً فنظرني شزراً، فعرفتُ أنَّهُ يشير إلى الوصية التي أرسلها إليّ أولاً فجلستُ وفرائصي ترتعد من هيبته. وأمّا الكخوة فأنّه استقبله من شارع الطريق وودّعه كذلك والميرزا لم يعتنِ به في كُلِّ ذلك.
ثم ارتحلنا فجئنا طهران وكان الشاه مخيّماً خارج البلد فأمر بخيم ضُربتْ لنا وأنْزَلَنا على الرحب والسعة، وكان مع الكخوة هدايا للشاه من الباشا ومثلها لمحمد علي مرزه لم يقبلها، وقبلها أبوه؛ منها ثلاث شمّامات عنبر، وثلاث سبح من كهرب، وكوهر، وجوهر، فبعثها إليه.
وجاء الشاه إلى خيمتي فأمر بأحضار الكخوة فكساه كسوةً فاخرة، وأمر بأحسن منها وقال خذها معك للباشا. وأمر لي بمال غزير فاستطعت من ذلك الحين لأنه كان يقوم بمؤن عشرين حجة، ثم أمر بإطلاق الأسرى التي في كرمانشاه، وانصراف العسكر عن بغداد. ثم مُهدت لنا الرواحل فارتحلنا راجعين الى أوطاننا.
فلما صرنا في الطريق رجع الكخوة إلى ما كان عليه من عدم الأعتناء بي ولم يزدني تعظيم السلاطين والأمراء عنده إلاّ ضعة وخمولاً، وكنتُ أتأمل في وجه تسميته «بأبي عقلين» فعرفتُها، وعرفتُ أنَّ الذي أرسله «أبو ثلاث عقول».
وفي الأثناء جاءني كتاب من الشيخ يأمرني بعدم المرور ببغداد والنزول في الكاظمين (علیه السلام)، فامتثلت. ولما سمع الپاشا جاء لزيارتي هو، وعساكره وجعل يتشكّر للشيخ ولي على دفع هذه النائبة العظيمة عنهم، وبعث معي مكاتيب تشكّر للشيخ، فأخذتها وجئت النجف وتجهّزت من حيني الى الحج.
ثم قال العم أيّده الله: وأنا شاهدتُ يوسف بيك لمَّا جاء في آخر عمره قائمقاماً للنجف وكان يومئذ طاعناً في السن فكان يقول للشيخ مُحَمَّد رضا بن الشيخ موسى: «أنا من كولاتكم، أي عبيدكم، لأني كنت في أسر العجم أتوقّع القتل ساعةً بعد ساعة وأني كنت قَدْ قتلت جملة من عسكرهم فلم أكن أشك في هلاكي حتى أدركني الفرج بموسى عن موسى». إنتهى حديث الشيخ سلمه الله.
وكانت هذه الواقعة بعد أيام من نصب سعید پاشا والياً(1).
وسعى ملا مُحَمَّد حاكم النجف بالشيخ موسى إلى الوالي ثم ندم الرجل لعدم تماميّة الأمر له. وفي الأثناء صدرت هذه الواقعة فتحكم لدى الباشا ما أخبره به ملا مُحَمَّد من جلالة الشيخ وعظمته وأنه هو المطاع، في هذه الأصقاع، فثقُلَ عليه الأمر كثيراً، ولكنه لم يجد سبيلاً على الشيخ. وبقي ذلك في نفسه حتى جاء الأخباري وفعل ما فعل، وقُتل في الأثناء. ثم اعتصم الشيخ بأهل الحلة إلى أن قُتل الوالي بعد أيام وأشهر.
1) وُجهِت وزارة بغداد، والبصرة، وشهرزور (السليمانية) الى سعید پاشا غُرّة جمادى الآخرة سنة 1228 ه
وقيل إنَّ الشيخ لما غضب على ملا مُحَمَّد، وخرج إلى (إستار) رئيس (الدغّارة) وبقي هنالك يراجع الأستانة، واشتكى على سعيد پاشا ولم يرجع إلى النجف حتى أتى الأمر بالعزل عليه، فرجع الشيخ إلى محله وقد حظى بأوليه.
والحاصل ما انقضت تلك السنة وأيامها إلاّ وسعيد پاشا معزولاً، أو مقتولاً في بغداد، وملا مُحَمَّد في النجف، «فمكروا ومكر الله والله خير الماكرين».
ثم تزوج ببنت السيد رضا شبّر في الكاظمية جذباً لقلوب أهلها - كما عرفت - بعد أن اتفق هو والعلماء المبرزون، على قتل ذلك المذم الملعون، فوقع الحق وخسر هنالك المبطلون.
وبقي الشيخ قاطناً في الكاظمين عند زوجته (الشبّرية) ما يقرب من سنتين حتى توجه مُحَمَّد علي ميرزا الى بغداد ثانية، وقد جاء بجميع جنده غازياً؛ لكلام بلغه من حاكمها يتضمن التهديد والوعيد للعجم وأنه سيأخذ الثأر منهم، فجاءهم على غفلة من أهلها فحاصر بغداد أشدّ الحصار، فاستغاثوا بموسى بن جعفر فأتى مُحَمَّد علي مرزه، وكان مُخيِّماً في سامراء لطيب هوائها. فقال له: إن إمامك موسى بن جعفر يقول لك إرجعْ، وإلاّ أرجعتك بعصا موسى هذه، (وهزّ عصا كانت بيده) فارتعدت فرائصه على عظمته وقال: سمعاً وطاعة.
وبعث الشيخ على داود پاشا فأصلحه مع مُحَمَّد علي مرزه بعد أن جرى بينهما عتب طويل، ثم تحكم في ذهن داود باشا أن مُحَمَّد علي مرزه لا يترك العراق ما دام حياً إلا أن يأخذها؛ فقيل أعطى مالاً غزيراً لميرزا هادي الجواهري (وكان يومئذ وكيلاً للميرزا وأمينه) فسمّه، ولم يخبر الجند والعسكر خوف أن يتفرقوا حتى جاء به الى كرمانشاه فأظهر أنَّهُ مات حتف أنفه. وقيل أنه واقعاً كذلك، والله أعلم.
هذا ما انتهى إلينا من هذه الوقائع مع غاية الضبط والجهد في الأختصار والتلخيص. وقد خلط بعض المؤرخين من المتأخرين خلطاً كثيراً، عصمنا الله وإيّاهم من الزلل، واتّباع الخطل، إنه أرحم الراحمين.
ثم رجع الشيخ الى بلده بزوجته مؤيداً منصوراً، وعدوّه مقهوراً، ونهض مستقلاً بأعباء الرئاسة، ومشمّراً لإعطاء طلبة العلم حقهم من الدراسة، وتمهدت له الأمور، وأذعن له الجمهور، وبلغ أقصى ما يُتصوّر، من مراتب العلم والرئاسة؛ حتى حدثني بعض الشيبة الكبار، من العلماء الأبرار، أن جماعة في زمان الشيخ تخاوضوا الحديث في جلالة قدر الشيخ موسى وعظمته، فقال رئيسهم: أني قَدْ تفحّصت وتتبّعت العلماء من أول صدر
الأمة إلى اليوم فلم أجد رجلاً ضمّ إلى أقصى ما يُتصور من العلم، أقصى ما يتصور من الرئاسة حتى الخواجة نصير الدين(1)فأنه لم يبلغ تلك الدرجة عند (هولاكو) التتار إلاّ بعد أن حُبس مراراً، وموسى بن جعفر كلّ من همّ بقتله وآذاه، عجّل الله عليه فأرداه، كما عرفت.
وكان رحمه الله كما هو مشهور عنه في زمانه الى اليوم أنَّهُ ليس بينه وبين الحق سوى القبض على لحيته المباركة، ولذلك حكايات تشهد بذلك له.
منها: قضية مسائل الميرزا القمّي، فأنّه لمَّا قال لأخيه: أكتب وأنا أملي عليك، حتى وصل الى المسألة الثالثة وكانت معركاً لأنظار العلماء لغموضها فقبض الشيخ موسى على كريمته الشريفة يسيراً ثم أجاب بما أبهر الميرزا وأعجبه.
ومنها: ما سمعتُه من جماعة من الثقات عن الشيخ العالم التحرير الشيخ مُحَمَّد حسن الشروقي(2)وهو من تلامذة موسى وأبيه قال: كان لي صديق من فضلاء ذلك العصر، وكنا نحضر عند الشيخ موسى معاً، فلما توالت المزعجات عليه من أعداء أبيه التي أوجبت عدم استقراره في البلد جمع الفاضل شرذمة قليلة من الطلبة وصار يباحثهم حتى أتى يوماً يتبجّح ويفتخر بمسألة يدّعي ابتكار تحقيقها، والتفرّد بمأخذ أدلتها وطريقها، وبعد أن أملاها على الطلبة، وأزاد بها عُجُبَهُ وعَجَبَهُ، قال: أين الملوك وأبناء الملوك عن هذه اللذات، مُعرّضاً بأستاذيه. فلما رجع الشيخ إلى وطنه، وبلغه الله بعد هلاك أعدائه الى مأمنه، وازدحمت الناس والعلماء على بابه للتشرف برؤياه والمثول على أعتابه، جاءني ذلك الشيخ وقال لي: قُمْ نمضِ إلى الشيخ موسى فهذا يوم المباهلة، وسترى من أولى بالتقديم، وأحق بالتسليم.
فجئنا دار الشيخ الكبيرة الداخلة فوجدناه في الأيوان الكبير والعلماء حافّون به وهو متكئ على وسادة وُضِعت له وكان يستلقي عليها ويضع إحدى رجليه على الأخرى، كُلّ ذلك (البواسيرٍ) كانت لا يقدر أن يجلس منها على المعتاد.
فلما جلسنا قال له تلميذه الذي معي بعد التحية والسؤال عن أحواله: إنّا بحمد بعدك لم نفتَرْ عن التحصيل، والمحاشاة عن التعطيل، وقد حققنا كثيراً من الفروع الغامضة وقد أشكل علينا فرع منها لم نصل الى حقيّة واقعه ودليله. ثم ذكر الفرع والشيخ منصت له
1) نصير الدين الطوسي من أعاظم فلاسفة الاسلام. ولد سنة 597 ه / 1200 م، وتُوفيَ سنة 672 ه / 1273 م، عيّنه هولاكو وزيراً للأوقاف. وكان شخصيّة علميّة مبرِّزة، لم يشتهر أنَّه حُبسَ أو نُكَّلَ به في عهد المغول، وإنَّما أصابه شيء من ذلك قبل هذه الفترة عند إقامته تحت ظل حكم الأسماعيليين في قِلاع (الموت)
2) الشيخ مُحَمَّد حسن الشروقي (هو جدّ أسرة آل الشرقي)، تُوفي سنة 1277 ه / 1860 م
وهو على حاله، فنادى أن يُملى له (الشطب)، فمُلئ وجئ به فشرب منه (نَفَسين) ثم رماه وقد احترق وصار كالفحمة، ثم استوى جالساً وقبض على لحيته الشريفة يسيراً ثم رفع رأسه وأخذ يفرّع المسألة ويذكر شقوقها ومحتملاتها ويسرد أدلّتها ويملي كلمات القوم فيها، ويتلو بعض ما أجيب به عن إيراداتها، فذكر في ضمن ذلك ما حقّقه ذلك الفاضل لتلاميذه، وأخذ يرد كُلّ ما أوردوا وما أجيب، فأقسم بالله الراوي أن الشيخ بقى ساعة وهو كالسيل المنحدر من أعلى الروابي والجبال وتلميذه، وجميع من في المجلس من العلماء كالشيخ أسد الله، والسيد عبدالله شبّر منصتون له طائشةً البابهم، ذاهلةً عقولهم من تلك القوة الخارجة عن حدّ الأعجاز. ثم قال: هذه رشحة ما ينبغي في المقام، وهناك تحقيق فوق هذا يضيق عنه الوقت، فانتهز فرصةً من أيامنا، واستفده منا.
ثم خرج الفاضل من عنده يجرّ رجليه، وخرجتُ معه وأنا أضحك عليه. ثم قلتُ له: يا شيخ ما صنعت اليوم بنفسك، فقال: لا تلمني فوالله ما كنتُ أدري أن ليس بين الحق وبين الشيخ سوى القبض على لحيته. ثم استمر على الحضور تحت منبره، والأقتباس من إفادته، إلى حين وفاته.
ورواها السيد البراقي في «معدن الشرف» عن عدّة من رجاله كحجة الأسلام، في هذه الأيام، الشيخ مُحَمَّد طه نجف، والشيخ حسين نجف(1)، وغيرهم من العلماء الأعلام أن بعض تلاميذ الشيخ موسى (وقد سمّاه في كتابه) جعل يباحث في أواخر أيام الشيخ جماعة من الطلبة حتى انتهى إلى مسألةٍ اختار بها خلاف المشهور، وبرهن على ما أفتي فيه من مخالفة إجماع الجمهور، وأثبتها بزعمه، وقطع من نازعه فيها بدرسه، ثم قام مع حفدة من أصحابه، ودخل على الشيخ موسى وهو مبتهج بتنقيح المسألة والفراغ منها والاستدلال قبال المشهور فيها، فقال للشيخ موسى: ما رأي شيخنا في المسألة الفلانية، فأجابه على ما عليه الشهرة، فقال ذلك الفاضل: إنّا قَدْ شهرناهم واخترنا خلافهم وأثبتنا ذلك بالأدلة المعتبرة. ثم أراد أن يذكر دليله فأشار الشيخ عليه بالسكوت، فسكت. ثم قبض على لحيته وأطرق برأسه مقداراً يسيراً، ثم رفع رأسه وقال: أظنُّك تمسّكت (بكذا) و(كذا) وأخذ يذكر مستند تلميذه ثم دفعه بأمور، وأخذ يؤيد حجج الجمهور، ويأتي عليها بالشواهد والبراهين، حتى أثبت أنها الحق على اليقين، واندفع كالسيل المنحدر من الجبال إلى منخفض البقاع، كُلِّ ذلك وتلميذه ساكت إلى أن فرغ الشيخ. فقام الرجل يجرّ رجليه فدنا إليه بعض أصحابه، وقال له: (بنيناها) وهي كلمة ردية تقال لمن أراد أن يَفْحم فأُفْحِم.
1) الشيخ حسين بن الشيخ يعقوب بن جواد بن الشيخ حسين نجف الكبير. تُوفي سنة 1317 ه / 1899 م
فقال: ويحك والله ما كنت أدري أن ليس بين هذا الشيخ وبين اللوح المحفوظ سوى القبض على لحيته. إنتهى.
وهذه القصة متواترة معنا وهو أول من قالها في حق الشيخ موسى. ثم استمر به.
وقد سمعتُ القصة أيضاً من حجة الاسلام والمسلمين، وعمود الملة والدين، الحاج ميرزا حسین ابن الحاج میرزا خلیل رحمه الله. وصاحب السؤال أيضاً هو من أساطين العلماء المصنّفين، ومن أجلاء مشايخ المسلمين، عطّر الله مراقدهم أجمعين.
وفي ضمن هذه الوقائع تبيّن لك شيئاً من كرامات الشيخ وجلالته وعظمته. على أنَّهُ قَدْ كفاك في ذلك كلمات أبيه فيه قال في «روضات الجنّات» بعد الثناء على الشيخ الأكبر، وكذا أبناؤه الأجلّة الكرام، ومشايخ الأسلام، والفقهاء الأعلام، وهم الشيخ الأكبر الأفخر، موسى بن جعفر، وكان خلاقاً للفقه بصيراً بقوانينه، لم تُبصر بنظيره الأيام، وكان أبوه يقدّمه في الفقه على مَنْ عدا المحقق والشهيد (رحمه الله)، إنتهى.
وفي «نقد العلماء» بعد أن قال: وللشيخ الكبير (رحمه الله) ثمانية أولاد كلهم علماء فضلاء، وساق الكلام الى أن قال: منهم: إبنه الشيخ الجليل موسى عالم فاضل، عامل کامل، علامة عصره، وفريد دهره، فقيه مجتهد، سأل بعضهم من أبيه: مَنْ أفقه الناس على الأطلاق، فأجابه: أنا وولدي موسى والشهيد الأول، إنتهى(1).
وهذا يكاد أن يكون فوق التواتر بمراتب، ولو لم يكن ما قاله الشيخ في ولده حق لَما أُلقيتْ مقاليدُ الأمور إليه، وعكفتْ همم طلاب العلم والعلماء عليه، على كثرة من كان في زمانه مَنْ العلماء الجماهير، والفقهاء المشاهير، ممن لم تسمح الأيام لهم بنظير، وكيف لا وفيهم مثل الحبر النحرير، الشيخ أسد الله التستري، والمقدّس السيد محسن، والسيد السند حجة الاسلام السيد مُحَمَّد باقر الرشتي، والشيخ مُحَمَّد تقي، والميرزا القمّي، والشيخ حسين نجف، والسيد رضا الطبطبائي(2)، والسادة (القزاونة) السيد حسن، والسيد باقر، والسيد علي، والشيخ محسن الأعسم وبني عمّه، والشيخ خضر شلال، والشيخ مهدي ملا كتاب، والشيخ قاسم محيي الدين، وأمثال هؤلاء من الجهابذة الأساطين.
وأمّا جوده وكرمه فمما يضيق عنه نطاق البيان، وتحسر عن الوصول إلى إدراك حدّه
الأذهان. وقد سمعتُ جماعةً من الشَيَبَة الكبار أن الشيخ موسى كان يعول بثلثي أهل النجف، وكان يعيّن لكل بيت مقدار ما يكفيه كُلّ يوم من المصارف، ومنهم العلامة الشيخ مُحَمَّد حسن صاحب «الجواهر» وعائلته، فأنّه كان يأخذ كُلّ يوم من وكيل الشيخ موسى شاميين التي كانت مقدار أربع قرانات من نقد عصرنا. فمما ينقل عن الشيخ مُحَمَّد حسن (رحمه الله) أنَّهُ كان يقول: «إني أرى الشيخ موسى في اليوم الذي يعطيني تعييني فوق ما هو فيه من العلم والتحقيق، وفي اليوم الذي لا يعطيني أراه دون ذلك»!
وقد ذكر السيد البراقي في «معدن الشرف» حكايات باهرة في عطاياه وأياديه وقد تركناها على مقتضى ما شرطنا سابقاً. ولكنا نختمه بما حدثنا به السيد الزاهد العابد، الراكع الساجد، سيدنا المفضال السيد جعفر جلال، أبقاه الله بركة في الأرض، والدعاء له على كُلّ ندب فرض، وهو اليوم من المُعَمرين في البلاد، فإنه على ما سمعته منه وُلِدَ في سنة وفاة الشيخ الكبير، فهو على هذا قَدْ أناف اليوم على التسعين. ومن منن الله تعالى عليه أنَّهُ على هذا السنّ لم تضعف قوته، ولم ينقص بصره ولا بصيرته، ولم يقع شيء من أسنانه، ولم تنهدّ قوى أركانه. قال: سافر والدي الى زيارة مولانا الرضا (علیه السلام)، وكانت سنة مجدبة ذات قحط شديد فخلّف لنا مقداراً من المال فصرفناه في أيام يسيرة، وبقينا في حاجة وحيرة، فقالت لي والدتي وكنتُ يومئذ صغيراً لم أبلغ الحلم: قَدْ أضرّت بنا الحاجة فمالك لا تأتي موسى بن جعفر وهو من صفاته كذا وكذا، فذكرت له حالنا وعرّفته بأبيك وسفره فعسى أن يرقّ لك فيعطيك نفحة من جوده تُحيي منّا من هلك. فشجّعتُ نفسي ومضيتُ المغرب فصليتُها خلفه في المسجد الجامع، فلما فرغ من أداء المكتوبة ونوافلها قمتُ إلى محرابه فأردتُ الوصول إليه فما أمكنني ذلك لازحام الناس لديه، وتهافتهم كالفُراش عليه، فسبقته ووقفت بباب دان. فلما دخل قبّلت يديه، وشرحت قصتي عليه، فسألني عن أبي، فعرّفته به وبنسبي، فقال سيصلك المقدور، وعلى الله تيسير الأمور، ويبعث لنا ولك من إحسانه، فامضِ على أمانه. ثم ودّعني ودخل الحرم، وقد أزاح عنّي جميع ما بقلبي من الغمّ.
فلما كان الصباح دخل علينا وكيله الحاج إبراهيم شريف، ومعه خمسة (حماميل) إثنان يحملان وزنتين من الحنطة، وإثنان يحملان وزنتين من الأرز، والخامس يحمل دناً كبيراً في منّان من السمن. فوضعوا الجميع في وسط الدار وناداني الحاج إبراهيم وقال لي: إن الشيخ يلتمس منك العذر وقد بعث معي هذه الشاميات، ثم أخرج كيساً فيه مائة شامي، ثم ودّعني ومضى. فناديتُ والدتي وأهلي فلمّا اطّلعوا على نوال الشيخ شهقوا
شهقة صعقوا فيها الى الله بالدعاء للشيخ موسى. فكان مجموع ما بعثه إليّ (قده) في تلك الدفعة على صغر سنّي وعظم قحط السنة مقدار ما يساوي ألفي قران في حساب هذا الزمان.
ثم ترقرقت عيناه بالدموع وقال: هكذا أدركنا علماءً وأئمة، والآن دفعنا الدهر إلى قوم لا يعطفون على الصغير، ولا يرحمون الفاني الكبير، حتى آل الأمر إلى أني سمعت عند بعض العلماء الرؤساء في هذه الأيام، حقوقاً للسادة الكرام ، فمضيتُ إليه وأنا على ما ترى من الكبر والشيبة، والوقار والهيبة، وقد قاربت المائة فشرحت له حالي، وما ركبني من الديون والبؤس وكثرة عيالى، وكثرتْ لديه شكواي ومقالي، فوعدني وودّعني فخرجت منه وجاءني بعد أيام خادم له مع (مَنْكنَتَين) عبارة عن شاميين، فقلت له: أرجع إليه وقل له فليسدٌ خلّته، فلا حاجة لي بعطائه، فأخذها الخادم، ولم يعتنِ بشيء أبداً.
ثم أخذ يشرح لي أحوال علماء ذلك الزمان وأياديهم، وتغير هذا الزمان على الفقراء والسادة، ووقعه فيهم، وكيف أن الشيخ علي نجل الشيخ يعتني به ويشفق عليه، وكيف تنكر الدهر له بعدهم وجلب شره إليه. فما زال يذكر أحوالهم إلى أن امتلأت بالدموع عيناي، وانعدمت قواي، أجارنا الله من سوء الخاتمة، وجعلنا في جنّة عاصمة.
وأمّا جلالةُ قدرهِ ورئاسته وفخرُه، ونفوذ نهيه وأمره، على جميع الأنام، خصوصاً الأمراء والحُكّام، فيكفيك منها الحكايات المتقدمة، المشهورة المُسلَّمَة، فإنه ملك الدنيا غرباً وشرقاً، واعتقد أهلها به أنَّهُ الأمام حقاً، حتى سمعت من جماعة منهم عمّي العباس (سلّمه الله) أَنَّهُ (قده) كان يقول مراراً لأصحابه: قَدْ قبضتُ على جميع دنياكم هذه بيدي اليسرى وقد بقيت اليُمنى خالية، فلو كانت دنيا أعظم من هذه لقبضتها بيمناي. فقِيلَ له يوماً: وأين الآخرة؟
فقال: تلك قَبَضَتْ عليّ!!
وسمعتُ كثيراً أن داود باشا لمَّا تمهّدت له الأمور ببغداد إدّعى السلطنة فيها، وعصى على الدولة العثمانية، وضرب السكّة باسمه، وأطاعته أغلب الأمصار، فملك من باب البحر الى أواخر السليمانية والأكراد، فكان يبعث إلى الأطراف، ويأخذ ما شاء من أهلها، ويجعلهم عسكراً وجنداً له. فبعث مرات إلى النجف بعض قواده والشيخ يدفعهم عن ذلك. فدفع مرة بعض أقربائه المعروفين بالبأس والأقدام فأتى النجف، وجعل يقبض على كُلّ من وجده في الطرق ففزعت الناس إلى الشيخ فبعث إليه؛ فجاءه مع ملا مُحَمَّد حاكم النجف، فقال له: أمَا يخشى داود أن أخسف به بغداد داره، وأرفعها عليه حجارة حجارة،
فارتعش القائد وقال: نعوذ بالله من سخطك. ثم أمر بأطلاق من قبض عليه وخرج. فقال له ملا مُحَمَّد: مالك فزعت هذا الفزع من (طَلَبة) فقير ليس له إلاّ نفسه، فقال: صه، والله أنا أعْرَفُ منكَ ببغداد وبه، إنه والله لو شاء لفعل.
وكان داود پاشا على ما عرفت من سلطنته يكتب في مكاتيبه الى الشيخ موسى: «قبلتي ومُصلاي، وقدوتي ومولاي، أطال الله بقاءك، وجعلني فداءك». كما وُجِدَ بخطه.
وأمّا آثاره فكثيرة:
منها: سور النجف الموجود الى الآن فأنّه أكمله بعد أن بنى منه جُملةً أبوه. ولما تُوفي، راجعَ الشيخ موسى (أمين الدولة)، فحَوّلَ له مائة ألف تومان فصرف منها خمسين، وبقي الباقي حتى جاء أمين الدولة بعد فتح علي شاه الى العتبات معزولاً محجّراً على أمواله والقصة طويلة، فأعطاه الشيخ تلك الأموال لحاجته إليها.
ومن آثاره: المسجد الكبير المحاذي لمقبرة الشيخ الكبير ومدرسته، وهو اليوم من المساجد المعمورة المعروفة، وقد أضاف إليه أخوه الشيخ علي داراً كبيرة.
ومن آثاره: الدور المشتملة على خمسة بيوت الواقعة قريباً من المسجد والمدرسة، وذلك أن الشيخ جعفر بنى داراً صغيرة على شارع الطريق العام لبحثه وكتبه ومطالعته وعبادته، وكان أولاده في دار خربة ضيقة، ثم سار الشيخ في الأثناء إلى العجم فحوّل لولده الأكبر أموالاً غزيرة فبنى بها الدار الكبيرة التي وراء الصغيرة التي بناها أبوه وجعلها داخلة لدار أبيه الصغيرة. فلما جاء الشيخ الكبير وعلم بما صنع ابنه جعل يعاتبه ويقول له: ألم يكن بذله أولى وأبقى لك، فقال له: يا أبه ألم تشهد باجتهادي، فقال: نعم، فقال: إنَّ اجتهادي أدّى إلى هذا الآن، عزّنا اليوم عزّ للشريعة، فقال له الشيخ: إذن نِعمَ ما صنعت، ولكني لا أدخلها حتى تملكنيها. فملَّكها له، فقال: لا أدخلها حتى أوقفَها قُربَةً إلى الله تعالى، ثم أوقفها على النهج الخاص المذكور في وقفيّته لها. ثم لمَّا دخلها ابتهج بحُسْنِها وتشييدها لأن الشيخ موسى بعث على أساتيذ العمال من العجم فعَمَّروها على هيئة عجيبة، وترتيب غريب وجعلوا فيها حماماً كامل اللوازم وداراً للطبخ ولوازمه، وأخرى للخبز و(التنوّر) ومقدماته من المطاحن والمدار، وداراً (برّانية) بحذاء دار أبيه الصغيرة فيها (طنبيّة) كبيرة مرتفعة تشتمل على ثلاثين ذراعاً طولاً وعشرةً عرضاً، وفي الدار الداخلية التي نحن اليوم
منظر لمدينة النجف في القرن التاسع عشر الميلادي محاطة بسورها الشهير
فيها من منن الله المنان ما يزيد على العشرين (حِجْرَة) كُلِّ (حِجْرة) قدر دار من دور هذا الزمان، وبناء (حِجَرِها) على هيئة بناء (حِجر) الصحن الشريف في الأرتفاع والعلوّ والأحكام والطول والعرض. وأمّا أساسُها فمن بنائها إلى الآن لم يتضعضع منها شئ. وقد مضى لها مائة وعشرون سنة لأنَّ تاريخ الدار الصغيرة:
«لا زال بيتُك جعفرٌ معموراً»(1)
وهي بعدها بسنتين. وفي هذه الدار من المكامن والخفايا فوقاً وتحتاً ما لا يهتدي الجنّ إليها.
فمن أسفلها سرداب الوهابي الذي مرت الأشارة إليه، ومن أعلاها حجرتان كبيرتان في طرفيها، وفي كُلِّ حِجرةٍ حجرةٌ صغيرة تسمى اليوم (بالصُنْدُقْخانة)، وفي أعلاها حجرة كبيرة يُصعد إليها من سقف تلك (الصُنْدُقْخانة) بطريقٍ خاص لا يعرفه إلاّ من يعلمه، كُلّ هذا لأجل ما كان في النجف من الخوف والغارات والنهب من الأعراب وغيرهم. وأمّا الآن فبحمد الله لا حاجة الى هذه الأشياء وأشباهها بواسطة الدولة العليّة العُثمانية، والأيرانية.
ثم أنَّ الشيخ الأكبر بعد أنْ دخلها وابتهج بها جعل يدور فيها، ويكبِّرُ الله ويقدسه وبيده إناء فيه ماء وهو يقرأ عليه بعض الآيات والأدعية ويرشه على جدران الدار. فسئل عن ذلك فقال: أرجو بهذا أن لا تخلو دوري هذه من عالم يهدي الى الحق.
أقول: وقد حقّق الله رجاء الشيخ فأن هذه البقاع المقدسة والأمكنة ما خليت من عَلمٍ يُرجعُ إليه منذ مائة سنة. ونحن نرجو أن يديم ذلك مدى الأبد، بمحمد وآل مُحَمَّد (صلی الله علیه وآله).
وسمعتُ من مشايخنا (أدام الله وجودهم) أنّ الشيخ رأى في المنام وهو بمكة المشرفة أنَّهُ جالس تحت ميزاب الذهب يبول وتطير من بوله جذواتُ نور فتصعد وتعلو في السماء، ثم تخمد وتهوي، وتصعد قطرة أخرى فتستحيل جذوة نور مكانها، وهكذا. فانتبه الشيخ مرعوباً وقصّ، رؤياه على شريف مكة فقال: لا يزال من ذُريتك عَلَمٌ يقوم مقامك.
وفي «قصص العلماء» ما هذا نصه: «ومن كرامات الشيخ أنّه دعا الله أن يهبَ أولاده الفقاهة جيلاً بعد جيل. وقد مضى حتى الآن من يوم وفاته ستون عاماً وأولاده، وأحفاده فقهاء بالفطرة مشغولين بالتدريس، وكأنّ الفقه متوارثٌ عندهم».
1) تأريخ بناء الدار الصغيرة هو سنة 1211 ه / 1807 م. وبناء الدار الكبيرة سنة 1213 ه / 1809 م. فيكون تأريخ بناء الدار الكبيرة حتى زمن تأليف الكتاب يقارب القرن من الزمن
ولما بنى الشيخ موسى هذه الدار اتصلت له المدائح والتهاني. وسيأتي كثير من ذلك في محله وقد أرّخت الشعراء ذلك البناء الذي بناه الشيخ. فمنه ما قاله السيد الشاعر، الأديب الماهر، المرحوم السيد باقر إبن المرحوم المبرور سيد إبراهيم الكاظمي، وكان من فحول الشعراء في ذلك الزمان، الحائز مضمار الآداب والعلوم وقصب الرهان. وستأتي نبذة من شعره.
فمن ذلك قوله مؤرخاً بناء دار الشيخ (رحمه الله):
تهنَّ واسعدْ أبا موسى بدار عُلىً *** تحكي السما بمصابيح تزيّنُها
طابتْ مقاماً لناحيها فأرَخَّها *** (عمَّرتَ للمجدِ داراً طاب مسكنُها)
وله فيها أيضاً:
قَدْ عمَّر الشيخُ المُقدَّسُ (جعفرٌ) *** بيتاً به إزداد الوفودُ سرورا
واستقبلوهُ بالدعاء، وأرّخوا *** (لا زالَ بيتُك جعفرٌ معمورا)
وهذا دعاء للبرية شامل، (فليرحم الله عبداً قال أميناً).
وكان الشيخ موسى رحمه الله قَدْ ضمّ إلى نور علمه الساطع، سنا أدب بارع، وزيّن مشكاة فهمه الذكي، بلالئ آداب أزهار الروض الذكي(1). فمن بعض ما عثرتُ عليه مما يدل على ذلك كتاب كتبه إلى الشاه فتح علي يعزّيه بالشيخ الأكبر، ويطعن في آخره بميرزا مُحَمَّد الأخباري لمَّا أظهر من الشماتة ما أظهر، وهو:
إنَّ غاية ما لهجتْ به ألسن الصحف والرسائل، ونهاية ما تبجحتْ به خواطر أرباب الوسائل، وأبهى ما ترقمهُ الأقلام بعنوان المعاني، وأشهى ما يترجمه لسان الأملاء عن المعاني، وأصدق ما حدثت به رواة آثار التسليمات السليمة، وأوثق ما أعربت عنه دفاتر التحيات المستقيمة، مقبول فقرات لا تمجّها الأسماع، ومدلول عبارات لا تنبو منها الطباع، وبليغ كلام تستنير نجوم الدعاء في سماء بلاغته، وبديع سلام تستبين أنوار الثناء من مصباح براعته، يسعد ذلك بالتوجّه إلى حضرة الماجد الذائد، عن بيت ذمار الشرف بلسانه وسنانه، وهاتك أستار العلم بثاقب بنان فكره وبيانه، الذي تسامت أبكار مكارمه على عود
1) الروض الذكي: العاطر
المكارم وأبكارها، وتعاظمت عظائم فواضله في عيون الأعاظم وكبارها، المتفرّد بغزارة علمه، وسعة حلمه، وكمال زهده، وورعه ورشده، وجلال منزلته، وجمال سيرته، وطاعة أوامره، وامتثال زواجره، شعراً:
وتُغنيكَ عن مدحي شواهدُ فضلهِ *** وعَنْ ذكرهِ آثار فضل له تهدى
المولى الأعظم، والعماد الأقوم، لا زالت طلائع الأقبال عليه مقبله، ومحاسن الأيام بوجوده متصلة، بمحمد (صلی الله علیه وآله) الأمين، وآله الميامين.
أمّا بعد، فأنّا نحمد الله الأحد، الذي تقصر الأوهام عن تصوّر ذاته الصمد، الذي تعجز الأفهام دون تحديد صفاته، حمد متذلل لعظمته، مفتقر إلى رحمته، ونشكره شکر مفوّض إليه أمره، مخلص له علانيته وسره، على ما أبلانا وإياكم بحسن بلائه، ومحتوم قضائه، ونثني عليه بما أصابنا من دهشة هذه الداهية، التي أصمّت كُلّ أذن واعية، وبغتة هذه الرزية التي هانت لديها كُلّ بليّة، فأنّها التي تهزم مواكب الصبر، وتثلم جوانب الصدر، (وتلك وبيتِ اللهِ قاصمة الظَهر)، فتباً للدهر غادرنا فغادر منازل العلم موحشات وأجياده عواطل، ورمانا بسهم أرزائه فلم يخط المقاتل، وأدمى بوفاة حجة الله جرحاً لا تلتحم فطوره، وأمات بموته قلباً لا يرجى نشوره، فيا لها من رزيّة أوجبت على كُلّ منتم للدين أن يبكيه، بدموع ساجمة، ويرثيه بنفس واجمة، وشوهاً لها من قارعة فتحت للاحزان باباً. وضربت دون السلوان حجاباً، وعمت وخصّت، فلذا كان جناب (الملك) المؤيد جديراً بالتعزية، وحقيقاً بالتسلية، حيث أنَّهُ في هذا المصاب، من المتميّزين بشدة الوجد والأكتئاب، لشدة اهتمامه بأمر الدين، وإخلاصه لأركان شريعة سيد المرسلين، فأحسن الله له العزاء، وإن عزّ في هذا الخطب مطلبه، وألهمه الصبر، وإن انقطع في هذا الرزء سببه.
وحضرة (الملك) أولى من ينبذ الجزع وراء ظهره، ويعتصم بعروة صبره، ويستلزم المحتوم قضاء الله وأمره، لأنه الخبير بأن الانسان وإن تناهى بالوجد فمفزعه إلى الاستسلام والانقياد إلى ما تجري به حوادث الأيام، وإن الجزع لا يعقب رشداً، ولا يكسب حمداً، لمَّا أودعه الله من العلم المبين، والرأي المتين، ومعرفة مجاري الأقدار، واختلاف أحوال الليل والنهار. رزقنا الله وإيّاكم لذة الشكر، ووفّانا نصيبنا وإيّاكم من جميل الصبر.
هذا والله تعالى تطوّل وتفضل على مقتضى عادة إحسانه وامتنانه وأبى تعالى إلاّ أن يسبغ عليّ نعمه، ولا يسلبني رحمته وكرمه، فقضى على تلك المحن أن تهدأ شقاشقها،
وتفتر صواعقها، وتخمد نيرانها، وتنهدّ أركانها، فهيهات أن يفلّ (العدوّ) جانب صبري بغيلته، أو يذل عزة نفسي بحيلته، أو تزعزعني رياح سبابه وإن كانت قاصفة، أو تفزعني بروقُ شماتته وإنْ كانت خاطفة، أو ينفر سرب عزمي بأيده، أو ينغّص عليّ عيشي بكيده، ولا والله لا أزال عن مقام التثبّت إنْ حالٌ أمَّر، أو أزول عن مقام التجلّد إذا غالَ دهر، كُلِّ ذلك بأقبال سعود من أن مسّ العود أوراق ذابله، وإن لحظ النجم طَلْعَ أفله، قطب، دائرة الجلال، وسمط قلادة الكمال، من لو تجسّم العقل لقبّل قدمه، ولو تكلم الفلك لمدح قلمه، المنشور عدله، المشهور فضله، معزّ الدين، وأمان المسلمين، الشاهنشاه، المؤيد بالنصر فتح علي شاه:
مَلِكُ عنتْ صِيدُ الملوك لبأسهِ *** وشأى به (کسری) مفاخر (قیصرِ)
ملكَ الرعايا والملوكُ بعزمة *** تنحطُّ عنها عزمةُ (الأسكندرِ)
ولدتْ به أمُّ المهابةِ أوحداً *** متضمناً معنى العديد الأكثرِ
فإذا وطأتَ جنابه قدّسته *** فكأنَّما تمشي به في مشعر
وأغرّ أروع ملء سمع المنتقى *** حُرَّ الكلام وملء عينِ المُبْصِرِ
صفْ ما تشا منه سوى عزماتهِ *** فهناكَ جذورةُ مارج متسعّرِ
تعدى علاهُ دياره فَلَها به *** في مرتقى (زُحلٍ) جمال (المُشتري)
لا زال مؤيداًمنصوراً، وعدوّه مدى الأبد مقهوراً، ولا برح ناكباً عن الدنيا غرورها، ومائلاً الى تحصيل الفوز بنعيم الآخرة وقصورها، باذلاً فيما عند الله رغبته، عاقلاً على طلب الخيرات همّته، ناشراً ثوب العدل والأيمان في الرعية، سائراً في المُلْك بسيرة أولياء الله المرضية، عالماً أن الدنيا وإن امتد حبلها فهي فانية، وأن الآخرة وإن بعد أجلها فهي آتية، بصيراً بأعقاب الأمور، خبيراً بمال الدهور، فلا تغرّنه زهرة الحياة الدنيا، علماً منه أن وراءه موقفاً للسؤال، عن جوابه الفصيح يعيا، فصار ممن يحاسب نفسه كُلّ يوم بنفسه، قبل نزول رمسه، ويفكر في عاقبة أمره، قبل حلول قبره، فاعتبروا يا أولي الأبصار، قبل أن يعز عليكم الاعتبار، ولا تقارفوا الظلم فيما ملكت أيديكم من الأمم، فأنها والله الذنوب التي تُغيّر النِعم، وترفعوا القسم، وجانبوا الشقاء، ومجالسة الأشقياء، وتشييد أمر (السَحرة) أولي الافتراء، فتلك والله الذنوب التي تحبس غيث السماء، وتردّ الدعاء، واعتصموا بحبل من الله وعظّموا أولياءه، ولا تتبعوا خطوات الشيطان وحزبه الغاوين الرافعين لواءه، عصمنا
الله وإياكم من ذلك، وأعاننا على التحرّز من الوقوع بتلك المهالك.
ولا أدري الى أين إنتهى بالمحدّث النيشابوري الأمر، وفي أيّ أصقاع الأرض قَدْ استقرّر، فقد بلغتنا عنه حكايات وهنّات، والله وليّ الغيب في الأرض والسماوات. ولكني بحمد الله وسلامة (الملك) لا يزعجني تنمّر كاشح، ولا يجرح جانب شرفي قدح قادح، لِما عليه جناب (الشاه) من فرط قديم الشفقة، وكمال سابق المودة والمحبّة، نسأل الله أن يقرن ذلك بدوام الدولة وتمام النعمة، وأن يجعل دعائم الدين محروسة بنظره، ومعالم الدنيا مسوسة بجميل خطره، والسلام.
فأجابه الشاه بكتاب يقول فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله الملك العليم، مالك الملوك، علام الغيوب، لا يقبض ملك إلاّ بسلطانه، ولا يبسط علم إلاّ ببرهانه، والسلام بكماله، على مُحَمَّد (صلی الله علیه وآله) وآله، وخلفائهم القائمين مقامهم، سيما مالك ملوك الولاية والوصاية، وعالم علوم البداية والنهاية، (شيخنا) المنتقل إلى رحمة ربه، المشتاق إلى جواره وقربه.
وبعد: فقد أتى أيُّها الشيخ الجليل، والحَبر النبيل، (متّع الله المسلمين ببقائك، وشرّقنا بلقائك)، منك كتابٌ كاشف حجاب الأرتياب، عن وجوه الألباب، حاوياً جملةً من الحكم والآداب، وأتيت بما لديك، وأدّيت ما عليك، من المواعظ والنصيحة، عن أخبار صحيحة بآثار صريحة، وعلى الله أن يوفّيك أجراً جميلاً، ويزيدك فضلاً جزيلاً، ونحن نرجو من الله المستعان أن يوفقنا لطاعته، وقضاء ما يجب علينا من العمل بتلك النصائح والحكم ويقربنا إلى ما يحبّه، ويبعدنا مما يبغضه، ويعصمنا من الذنوب، ويحفظنا من الخطوب، ويغيّر ما تغيّر النعم، ويرفع ما ترفع القسم، ويقطع ما يقطع الرجاء، ويرد ما تردّ الدعاء، ويحبس ما تحبس غيث السماء، وينصرنا من السماء بنصرته، ويُمَكِّننا في الأرض بقوته، «ولينصرنّ الله من ينصره إن الله لقويّ عزيز»، ونرجوه أن يبقيك مناراً للدين، وخلفاً للماضين، ويحيي بك كما أحيا بأبيك شريعة سيد المرسلين، ولك المنّة علينا التي أصبحت علينا كالغوادي مفيضة، وأمطار النصح منها مستفيضة، تواترت منها ريح القدس، وانتشرت بها فوائح الأنس، ضربت بيدك ينابيع المطالب، حتى صارت لها ملاعب. وتا الله لقد شوقّتنا إليك شوق ظمآن أشرف على الماء الى الورود، وشفيت غليلنا بأراقتك ريِّق الأغتذاء في كأس العقود.
وأمّا العلامة الخبير، والنحرير البصير، محقق الدقائق، مدقق الحقائق، الحاج ميرزا مُحَمَّد (سلّمه الله) فهو ذاك نستفيض منه، ونستعين به، عمَّنْ سواك.
وأمّا عنك، فأنْ كان فكأقتران الفرقدين، وإفادة الخبر الواحد غير الأثنين، والسلام».
وهذا يدلّ على مكانة الرجل عند السلطان وحظوته لديه، ولكن الله أقوى بطشاً وأشد تنكيلاً، فما أغنى عنه سلطانه ولا ماله، يوم نزلت عليه آجاله، وما لبث إلاّ أن قال ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه. وليجدنّ وشيكاً قوله تعالى: «خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلّوه».
وأمّا ما قيل في موسى بن جعفر من المدائح والتهاني فهي أكثر من أن تحصر، ولكنا نذكر نبذة تشتمل على بابين:
الأول: في مدائحه وتهانيه في أعراسه وأعراس بنيه.
والثاني: في مراثي أولاده ومراثيه.
أمّا الأول فيستدعي نُبذةً وهي: أني سمعتُ جملة من الثقات أن الشيخ موسى لم يتزوج حتى ارتقى مراتب الأجتهاد، وأقرّ له بذلك أغلب العلماء الأمجاد، ممن كان يحضر عليهم كالعلامة الطبطبائي وأبيه، وغيرهم من معاصريه. فعلى هذا يكون الشيخ قَدْ اجتهد وعمره سبعة عشر سنة لأن وفاته سنة 1241 وعمره قَدْ ناهز الستين، وكان أول زواجه ببنت (الوسواسي) وذلك في سنة 1197 كما تقدم في قصيدة النحوي وتأريخها، وما سيأتي من غيرها.
فالحاصل من ملاحظة المجموع أن ولادته في الثمانين(1)، واجتهاده وزواجه بعد سبعة عشر سنة(2)، ووفاته بعد أربعة وأربعين(3)الموافقة لسنة الواحد والأربعين بعد الألف والمائتين كما سيأتي (في تواريخ وفاته) في رثائه.
وهذا أمر وإن كان الناظر إليه من أهل هذا الزمان يراه من أعجب الأشياء لضعف الهمم، وقلة العزائم إلاّ أنَّهُ غير عجيب بالنسبة إلى أصفياء الله وخلصائه. فقد قال الفاضل
الهندي(1)في «كشف اللثام» عند شرح ديباجة القواعد بعد نقل كلام فخر المحققين(2)مضمونه: أني لمَّا اشتغلت على والدي بقراءة المعقول والمنقول التمستُ منه أن يصنع كتاباً جامعاً لقواعد الفقه وحقائقه، فصنع القواعد. قال الفاضل: وقد يستبعد قراءته للمعقول والمنقول قبل تصنيف الكتاب فأنّ عمره على ما يظهر من تاريخ ولادته وتصنيف الكتاب إكماله أحد عشر سنة، ولكن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد فرغت من المعقول والمنقول ولم أكمل ثلاثة عشر سنة، (إنتهى ملخصاً).
ومثل هذا ينقل عن الشيخ أسد الله أيضاً، وأظن ذلك في «مقابيسه» ولكن هذا الأمر في زماننا كاد أن يكون محالاً فإن نقطة العلم وسَّعَها الجاهلون حتى صار الرجل يشتغل حتى يبلغ الأربعين والخمسين، ولم يبلغ تلك القوة.
وقد رأيتُ على قرآن من موقوفات الشيخ الكبير وهو من فتح علي شاه، وقد قوّم هامشة بما يزيد على ثلاثة آلاف (قِران) مكتوباً على ظهره بخط الشيخ الكبير صورة وقفيته، وهي: «الحمد لله الواقف على السرائر، المطلّع على الضمائر، والصلاة على مُحَمَّد وآله، أشرف الأوائل والأواخر، وبعد قَدْ أوقفت هذا الكتاب (القرآن المجيد) على ولدي الطاهر المطهر، والعلامة الأكبر، موسى بن جعفر، أطال الله بقاءه، وجعلني فداءه... الخ»، وتأريخ الكتابة سنة 1199. فهي تدل على أن في ذلك الوقت كان بالمرتبة القصوى من الفضيلة.
ولنرجع إلى ما كُنّا بصدده، فنقول إنَّ الشيخ لمَّا تزوج (بالوسواسية) - وهم عشيرة كانوا من مشتغلي أهل النجف، ومن أعاظم تجّار بغداد -، مدح بمدائح كثيرة منها ما تقدم. ومنها ما قاله بعض شعراء بني قفطان يهنئ الشيخ الأكبر أيضاً بذلك حيث قال:
سرورُ البرايا في سروركَ يا (موسى) *** وأفراحهم ما دمتَ بالله محروسا
وعيشهمُ ما دمتَ بالعيش رافلاً *** وصفوهمُ ما دمتَ بالصفو مغموسا
وسرْ بالهنا حلو الجَنى منجح المُنى *** محلل نعمى لم يَشِبْ صفوُها بوسا
بدا طائر الأقبال من كُلِّ وجهة *** يُغرّدُ تسبيحاً ويسجعُ تقديسا
أضاء لكم بدرُ السّعود ببرجهِ *** وذا طالعُ الحُسّادِ أصبح منحوسا
تهنَّ بأفراحٍ جلبن لك الهنا *** وصيّرنَ وحشيَّ المُنى بك مأنوسا
أعدَّ لكم ما تشتهي النفسُ حاضرا ***فأصبحت الدنيا لديكم فراديسا
تغذّيتَ علماً وارتديتَ معارفاً *** فطبْ فيه مطعوماً وطُلْ فيه ملبوسا
أخالك يا (موسى) سليمانَ عصرنا *** وإنْ كان عرشاً خلتُ عرشك بلقيسا
عیونٌ به تجلی وقلب له صحا *** وداءٌ به يَبرى وجرحٌ بهِ يُوْسى
بَعثتَ لأمواتِ القلوب حياتَها *** كأنَّك يا (موسى) بإحيائها (عيسى)
ومُذْ أُطْلِقتْ فينا أعنّةُ فضلِكمْ *** جعلنا علينا شارح المدح محبوسا
إذا كنتَ تُدعى اليوم (موسى بن جعفر) *** فحسبك يا (موسى) به اليوم ناموسا
لذا الشرف العالي أتاكَ مهنياً *** على قدر سنّ في العلى جئتَ يا (موسى)
فيا لفتىً قَدْ َحیَّرَ الفكرَ وصفُهُ ** فلو كرَّ فيه الفكرُ لانصاعَ منكوسا
فَلَمْ أَرَ عقلاً لم يَهمْ في وداده *** ولم أرَ ودَّاً لم يكنْ فيه مغروسا
خدينُ العُلى زينُ الملا طاهرُ الأُلى *** عظيمُ الرجا لا يرجعُ الضيف ميؤوسا
رئيسُ منىً ما وجَّهَ اللطف لامرئٍ *** تجده رئيساً بعدما كان مرؤوسا
يفيدُ (صحاح) الدرّ (قاموس) علمه *** فينسيك هاتيك (الصحاح) القواميسا
یسیرُ بتدريس العلوم نهارَهُ *** ويسرى دجاهُ بالتهجد تغليسا
أخو قوة لم يُعْطِها الله غيرَهُ *** يداً ولساناً درَّسَ الناس تدريسا
فكم مُشْكل للعلم جلَّ بيانُهُ *** وكم أسد إنْ صالَ تلقاهُ مفروسا
بذاك شأى الأفلاكَ قدراً وقُدْرةً *** ولم يتخذْ إلاّ المجرةَ عرّيسا
إذا ما جرى في العلم فالبحرُ (جعفرٌ) *** و (جعفرُ) قاموس يمدّ القواميسا
فيالكَ فضلاً آخراً وهو أولٌ *** وتُزجي إلى معنى مغانمهِ العيسا
فيا أيُّها الشيخُ المُقدَّسُ خِيْمُهُ *** تهنَّ بمُوسى زادكَ الله تقديسا
فما هو إلاّ فرحةُ الناسِ كُلّهمْ *** فلا زال محفوظاً وما انفَكَّ محروسا
ومُذْ جاء (فرداً) قلتُ فيه مؤرخاً *** (بحسبك أنْ أُوتيتَ سؤلَكَ يا موسى)
1197 ه
(يسقط واحد ويبقى الباقي هو التاريخ مع عدّ الواو في سؤلك همزة كما لا يخفى).
وأعقبتْ له زوجته (الوسواسية) ولدين، وبنتاً.
الأول: الشيخ علي وكان على ما نُقِلَ من أعاجيب الزمان بالفهم والحفظ وشدة الذكاء مع صغره، واجتهد في زمان أبيه وهو مراهق. وكان أبوه يُغالي فيه، كما كان جده يُغالي بأبيه، وزوّجه في زمانه. فقال السيد البغدادي السيد حسن الأصمّ (جد السادة المشهورين ببيت العطار في بغداد، مدّ الله بسلسلتهم إلى يوم التناد)، مهنئاً جناب الشيخ، ومؤرخاً عام تزويج ولده المذكور:
بشرى فربعُ المعالي باتَ مأنوساً *** وكاد بالأُنس أنْ يسمو الفراديسا
والسعدُ رايتُهُ في الجو قَدْ خفقتْ *** وانجاب ما كان في الآفاق منحوسا
ودوحةُ المجدِ قَدْ ماست غداة شدا *** طيرُ التهاني بها يحكي الطواويسا
وقيْنَةُ الأُنسَ قَدْ أضحتْ لها نَغَمٌ *** تطابقَ النايُ فيها والنواقيسا
وخندريسُ الهنا راقتْ لشاربها *** في يوم عرس سليل المُجتبى (موسى)
(موسی بن جعفر) فرقانُ الهداية مَنْ *** أضحى لعمر أبي بالفضلِ قاموسا
(مصباح) (منهاج) (مفتاح الفلاح) ومَنْ *** بدُرِّ تحريره زانَ القراطيسا
فتىً سما ذروة العلياء مُنذُ نشا *** مؤسساً لبناء العلم تأسيسا
فكم أماتَ من الجهلِ الفصيح وكَمْ *** أحيا من الفضل ما قَدْ كانَ مرموسا
وكم بنى لبني الأمال بيتَ ندى *** يُطاولُ القمرَ الأعلى و (برجيسا)(1)
ما أَمَّهُ أبداً راج يؤملُهُ *** إلا وآبَ بما يرجوهُ مأنوسا
غیثٌ ولكنْ بلا رعد أناملُهُ *** تهمى ولمَّا يَعُدْ راجيهِ ميؤوسا
ليثٌ ولكنَّهُ لم يتخذْ أبداً *** غيرَ المحاريب إنْ جنَّ الدُجى خِيسا(2)
لا يرهب الشوس في يوم الوغى أبداً *** والليثُ يوم الوغى لا يرهب الشوسا
الى أن قال:
(عليُّ)، إرْقَ على عرش العلاء وطُلْ *** فخراً بعرسٍ حكى بالحُسنِ (بلقيسا)
من الأُلى جاءَ في القُرآن مدحهمُ *** وقدّسوا من مساوي الرجس تقديسا
واسحبْ ذيولَ التهاني ما حبيتَ ولا *** برحَت من أعين الحُسّادِ محروسا
ولتَهنَ أعمامك الغُرّ الألى أبداً *** ما داخلوا بوداد الفضلِ تدليسا
(مُحَمَّدٌ) (وعليُّ) الطهر، و (الحسنُ) ال *** زكي لاسيَّما روحُ العُلى (عيسى)
ناهيكَ عرساً به تَمَّ السرورُ لنا *** وأذهبَ الله فيه الهَمَّ والبُوسا
قَدْ عانقتْ ظبيةُ القنَّاصِ ليثَ شرىً *** لم يتخذْ غيرَ عَابِ الفخرِ عرّيسا
وقارنَ البدرُ شمسَ المجدِ يالك منْ *** قرآن سَعْدٍ جلا عنا الحناديسا
لا زلتَ (موسى) لعُمر لا نفادَ له *** دهراً وفي غمرة السرَّاء مغموسا
فأسعدْ بعُرسٍ لك الأقبال أرّخه *** (زَوَّجتَ بدرَ الحِجى بالشمسِ يا موسى)
1234 ه
وقال المرحوم السيد باقر بن السيد إبراهيم الكاظمي يهنئ الشيخ بعرس ولده، وقد أجاد كُلّ الأجادة، فقال:
بُشرى فقَدْ عمَّ الأنامَ بشائراً *** تغريدُ طائرَ سعدِنا الميمونِ
وافترَّ ثَعْرُ الدهر مبتسماً وقَدْ *** بتنا بعيش بالهنا مقرونِ
وزهتْ محافلُ أُنْسِنا حتى غَدتْ *** تحكي محافلَ جنّة وعيونِ
قَدْ قَدّرَ القمرُ المنيرُ منازلاً *** للسَعدِ لكنْ لسنَ كالعُرجونِ
ولقَدْ غدا كأسُ المسرَّةِ مُتْرَعاً *** يُغني النديمَ عن ابنةِ الزرجونِ
ببناء ذي القدر العلي فتى الندى *** مَنْ قَدْ غدا بالفضل خيرَ خدينِ
هو نجل صدر العلم تاج جُمانهِ *** مُوْسَاهُ مُظْهِر سَرِّهِ المخزونِ
هو روضةُ الأدبِ التي أفنانُها *** غنَّتْ حمائم دوحها بفنونِ
قاموس فضل لم يَزلْ يغني الورى *** بصحاح جوهر درّه المكنونِ
کشّاف غاشية الهموم بواضح *** ينجابُ عنه ظلامُ كُلِّ دُجونِ
مصباح مشكاةِ العلوم وكوكب ال ***رشدِ الذي أغنى عن التبيینِ
مقباس أنوار المسالك من قذى *** تحريره منهاج كُلّ يقينِ
(تنقيح) أحكام (الشرائع) (منتهى) *** أمل الوصول إلى أصول الدينِ
ما عالم فضلاً وإن بلغ المدى *** في بحره إلاّ كنقطة نُونِ
بدرٌ يودُّ البدرُ بُرجَ سعوده *** لو ساعدتْهُ أزمَّةُ التكوينِ
للهِ أيَّةٌ ظبية قَدْ عانقتْ *** في أجمةِ العلياء ليثَ عرينِ
وقِرانُ سَعد قَدْ َجلاليلَ العَنا *** عنَّا بنور مِنْ سناهُ مُبينِ
فتهنَّ واسعدْ يا (عليُّ) بدُرَّةٍ *** مكنونة من لؤلؤٍ مكنونِ
فكأَنَّما زُفّتْ بياناً للذي *** أمسى له شَكٌّ بحُورِ العِينِ
وأسعدْ بما أرّختُهُ (أعليُّ قَدْ *** سُرَّ العُلى في عرسِكَ الميمونِ)
1233 ه
ثم أن الشيخ بقي بعد زواجه سنتين، وانتقل إلى رحمة الله الواسعة وهو أصفى من المُدام، وأطهر من ماء الغمام، وهو بعد لم يبلغ الثلاثين. فقيل إنَّ أباه الى أن تُوفيَ كلما ذکره بكى وأُغشيَ عليه لفرط حبه له. وكان إذا ذكره يكرر قوله: «يا عليُّ يا عليُّ»، ثم يتمثل بقول القائل:
قَدْ كنتُ أرجوكَ للجُلّى لتنصُرَني *** فكيفَ تخذلُني في الحادثِ الجللِ
ثم يُغمى عليه.
وقال السيد باقر يؤرّخ وفاته ويرثيه وهو في الكاظم (علیه السلام)، وكان له مع المرحوم الشيخ علي مودة أكيدة. (ودُفن مع جده الشيخ خضر في الحرم المطهر بوصية منه). فقال السيد:
ما بالُ دمعيَ لا تُطفى به غُللي *** وما لِنَوْحِيَ لا تَشْفَى به عللي
وللنوائب تأتينا على عجلٍ *** كالسيلِ يأنف أنْ يأتي على مَهَلٍ
لله مولى خلا عَنْ كُلِّ مثلبة *** سارتْ مَناقِبُهُ في الناس كالمَثَلِ
لله بدرٌ على حاو المحاق به *** قَدْ بات أوج المعاني من سناهُ خلي
أودى فأشعلَ في الأحشاء نارَ جوى *** شبَّتْ لها شُعلٌ تعلو على شُعَلِ
يا عاذلي لا تلمني في مصيبته *** فأنَّ سمعيَ لا يُصغي الى عَذلِ
كيف السبيلُ إلى نهج السُلوِّ وقد *** قلَّ اصطباري وضاقتْ بعدَهُ سُبلي
رضا أباهُ وصبراً في رزيّته *** فالصبرُ عند الرزايا سنّةُ الرُّسُلِ
يا راكباً قاطعاً للبيد مَهْمَهَها *** يطوي الفَدافَد من سَهْلِ إلى جبلِ
عرّجْ إذا جزتَ أعلامَ (الغريِّ) على *** قبرِ الوصيِّ ملاذِ الخائفِ الوَجِلِ
وقفْ على مرقدٍ قَدْ ضمَّ خيرَ فتیً *** به استجارَ وأعطى غايةَ السُوْلِ
واتلُ المثاني لديهِ والكتاب وسَلْ *** له من الله نيلَ القصدِ والأملِ
وقُلْ له فُزتَ لمَّا أرّخوكَ (ألا *** جاورتَ باب أميرِ المؤمنينِ علي)
1235 ه
ولم يعقب من الولد شيئاً.
والثاني: الشيخ مُحَمَّد حسن عالم نبيل، وفقيه جليل، كان من المُبرَّزين بالفضيلة في أيام أبيه. ثم بعد أن تُوفيَ والده ارتحل إلى إصفهان، لوفاء دين أبيه فعظُم قدره، وانتشر ذكره، وكبر أمره، فأقام بها مدرِّساً معظماً، وإماماً محركاً محترماً
وكل فتى يُولي الجميل مُحَبَّبٌ *** وكُلُّ مكانٍ يُنْبِتُ العِزَّ طَيِّبُ
وكان من المعروفين بالهمة العالية، والسمو الى المراتب السامية. فمما ينقل عن علوّ همته، أن عمه الشيخ علي كان يقول إذا رآه لطفا به وشفقة عليه: «أنا حامل همّك» ، لأنه كان يعول بعد أبيه بجميع نساء أبيه وعياله، وكانوا قريب الثلاثين نَفْساً، وكان على أبيه دَيْنٌ عظيم فتحمله هو. هذا كله وهو شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين سنة، فيقول لعمه مجيباً له عن كلامه: يا عمّ إن كنتَ حامل همّى فأنا حامل همّك، وهَمّ جميع العالم.
ثم عَنَّ عليه وطنه واشتاق الى أهله فارتحل متوجهاً إليهم حتى وصل إلى كرمانشاه فأجاب داعية الحمام، واستسلم للملك العلام، فجاؤا بجنازته الى النجف، ودُفن مع أجداده وآبائه أولى الشرف.
ولم يُعْقِبْ سوى بنت واحدة كانت تحت السيد راضي بن السيد حسن المايحچي، فأعقبت منه ولداً تقياً نقياً ورعاً فاضلاً عالماً هو السيد عباس، حفظه الله من كُلِّ سوء وباس. ثم مات عنها السيد راضي، وتزوجها الشيخ عبد الحسن إبن الشيخ راضي رحمه الله، وسيأتي إن شاء الله تمام الخبر.
وأمَّا البنت فهي (زلخة)، وفي سنة 1228 زوّجها بالسيد الجليل، العالم النبيل، سيد حسن المايحجي بن السيد مهدي، وأخذ أخته (زمزم) له، فقال السيد حسن الأصمّ المتقدم يهنيه بعرسه، ويؤرخ ذاك العام المبارك، حيث قال:
بُشرى فأنَّ شمسَ أُفق الجمالْ *** زُفَّتْ الى بدرِ العُلى والكمالْ
وإنَّ بِكرَ المجدِ قَدْ أَقبلتْ *** مِنْ خِدْرها تحتالُ أيَّ اختيالْ
وقد أديرتْ بين كُلّ الورى *** راحُ التهاني بكؤوس الوصالْ
ومنهل العيش صفا واغتدى *** رُواه للناهل عَذْباً زُلالْ
وطائرُ السعدِ غدا شادياً *** وهزتِ الأغصانَ ريحُ الشَمالْ
وذاكَ في عرس فتى قَدْ سما *** بفخره أوجُ العُلا والجلالْ
(موسی) حليف الفضل مَنْ قَدْ غدا *** في العلم والحلم عديمَ المثالْ
علامة العصر ومَنْ قَدْ حوى *** علومَ آل المصطفى خیر آلْ
فارس ميدان المعالي الذي *** تخافُهُ الآسادُ يومَ الجدالْ
تلقاهُ مثلَ الليثِ ذعراً إذا *** ما دُعيتْ يومَ نزالٍ نزالْ
هو الكريمُ الأريحيُّ الذي *** طوَّقَ بالجُود رقاب الرجالْ
له اليدُ البيضاء يوم الندى *** لكنَّه الليثُ بيوم النِزالْ
أعظمْ به مولى له عزمةٌ *** تبرى العوالي والسيوف الصّقالْ
وهمّةٌ عاليةٌ هامُها *** نالَ من العلياء ما لا يُنالْ
مَنْ ذا يُضاهيه ويا طالما *** قَدْ لَثَمتْ منه الملوكُ النعالْ
تلقاهُ إنْ حفّتْ به صحبُهُ *** كهالة حفتْ ببدرِ الكمالْ
ناهيكَ عرساً فيه صحبُ الهنا *** زارَ ورَكْبُ الهَمِّ والغمِّ زالْ
قِرانُ سعد فيه عنَّا انجلى *** حيثُ تجلّى كُلُّ خطب عضالْ
فيا لها مِنْ فرحة أصبحتْ *** تَبْسمُ عَنْ ثغرِ الهنا والوصالْ
يا طالبَ التاريخ أرّخه (يا *** بدرَ النُهى زُوِّجت شمسَ الجَمالْ)(1)
ثم تزوج أيام إقامته بالكاظمين (علیه السلام) ببنت عالمها وعلمها أستاذه التحرير السيد عبد الله شبّر تلميذ أبيه الشيخ الأكبر وذلك بعدما قتل الميرزا الأخباري، وكان قَدْ عقد عليها قبل قتله جذباً لقلوب الناس. وكانت تحت ابن عمها السيد مير أحمد فقال الأديب الماهر، والنحرير الباهر، الشيخ صالح التميمي الشاعر من قصيدة طويلة يشير فيها إلى قتل اللعين المذكور، ويهنئ الشيخ بزواجه بالعلوية، ويعرّض ببعض الشعراء المقربين عند الشيخ، ولم يقع من القصيدة بيدنا إلاّ قوله يخاطب الشيخ:
1) حساب الجمل في هذا التاريخ تساوي (1234 ه)
مُعيدَ الهُدى غضَّاً وقد كانَ بُرهةً *** ذوى روضه من حاصباتِ المهالكِ
تداركتَ دين الله من بعد ما عَدتْ *** عليه مذاكي آخذٍ غير تاركِ
وعدن بحمد الله للناس منسكاً *** فزدتَ على ما أمّلوا في المناسكَ
تشاغلَ فكري في زفاف خريدةٍ *** تزفّ لملاك الثناء ومالكِ
الى أن قال:
ستزجرُ عمراً يدّعي النظم عائباً *** وما سلكتْ أفكارُهُ في مسالكي
وتخزي فتى يُبدي مودة صادق *** ويُظهرُ أفعالَ اللعين ابن (شاهكِ)
فليس لموسى في العلوم مشاركاً *** ولا في القوافي الغُرِّ شخصٌ مشاركي
وقال السيد المُتقِّدم يهنيه، ويؤرخ عام زواجه:
قُمْ وانتهزها فرصةً يا أخا *** ودّي إنْ تَرعَ ليَ الوُدّا
واسحبْ جديدَ البُردِ تيهاً فَقَدْ *** نلنا الأماني اليوم والقَصْدا
أمَا ترى الأفراحَ قَدْ أصبحتْ *** تشملُ منا الحُرَّ والعَبدا
وقَدْ أُديرتْ بيننا خمرةُ ال *** أُنسِ تفوقُ المَنّ والشهدا
وفاحَ من روضِ التهاني لنا *** نَشْرٌ يفوقُ الغارَ والرّندا
وطائرُ الأفراح في شدْوهِ *** حكى القيانَ الحُردَ المُلدَا
وذاكَ في تزويج (موسى) الذي *** حازَ العُلى والفخرَ والمجدا
رَبُّ اليدِ البيضاء مَنْ لم يزلْ *** يمدُّ أبناء الرجام مَدَّا
أندى الورى كفاً وأعلى الورى *** قَدْراً وأنجب الورى جدّا
لمعة أهل الفضل كافي الذي *** يطلبُ منه الرِفدَ والرُشْدا
لیس به علمٌ سوى أَنَّهُ *** في العِلم والحلمِ غدا فردا
مهذبٌ لم يتخذْ يافعاً *** يوماً سوى ظهر العُلى مَهْدا
ذو راحة تُشبهُ صَوبَ الحَيا *** بلْ هي مِنْ صَوب الحَيا أندى
للغیثِ رعدٌ وندى كفّه *** لم تلق فيهِ أبداً رعدا
یهتزُّ للوفدِ كما هزّتِ ال *** نكباءُ مِنْ بآنِ النَقى قدَّا
مَنْ ذا يُدانيهِ ويومُ الوغى *** له المعالي تغتدي جُنْدَا
قَدْ شدَّ في إخوتهِ أزرَهُ *** والله قَدْ شَدَّ له عُضْدَا
همُ الأُلى يُجْلى بأنوارهم *** ليلُ العنا عنَّا إذا اسودّا
فاحمدْ إلهَ العرش ما زلتَ یا *** (موسی) على آلائه حمدا
واسلمْ ودُمْ واسعدْ بعرس لها *** يدُ التُقى قَدْ نسجتْ بُردا
مِنِ الميامين الأُلى أنزل ال *** -رحمانُ في مدحهمُ الحمدا
ناهيكَ عرساً مُذْ تبدّى على *** جيد الزمان خلتُهُ عقدا
فلمْ أخلْ أنَّ ظباء النَقى *** قَدْ ألِفتْ من قبلك الأسدا
قرآنُ سَعد قد تجلّى وقَدْ *** أذهبَ منّا الهمَّ والوجدا
أَلْقِ العصا (موسى) فَقَدْ أَرّخوا *** (قارنتَ يا بدرَ السما سعدا)
1234 ه
ولم يكن للشيخ عقب من زوجته هذه، وأعقب من تلك العلوية (المايحجية) ولدين وهما: الشيخ مير أحمد، والشيخ مُحَمَّد رضا، وبنت، وهي (بيبي) التي كانت تحت ابن عمها شيخ مُحَمَّد بن الشيخ علي بن العلامة الأكبر، وتُوفيتْ في زمانه عن عدة بنين (سيأتي ذكرهم مفصلاً في محله).
فأمَّا الشيخ مُحَمَّد رضا فلطول المقام فيه لكون عقب الشيخ موسى ليس إلاّ منه أفردنا باباً لذكره سيأتي في محلّه.
وأمَّا الشيخ مير أحمد فتُوفيَ في زمان عمه الشيخ حسن وهو شابٌ لم يبلغ الثلاثين، وكان فاضلاً عالماً تحريراً مراهقاً، وقد رأيتُ له في كُتبنا بعض الحواشي والتعليقات الدالة على سعة باعه، وغزارة علمه واطلاعه، وأقرحَ مصلبه الجفون، وأبكى العيون، لأنه كان قَدْ أشرف على الزواج، وقَدْ تهيأت له أسباب العرس والابتهاج، فمات فجأة قبل ذلك. فقال الشيخ إبراهيم قفطان يرثيه، ويذكر رزايا آبائه وأهليه، ويُعزّي عمه الشيخ حسن، والشيخ مُحَمَّد رضا أخيه، بقصيدة غراء، وهي:
حيّ المنازل بالدموع الذُرِّفِ *** أفلا تحييها السحاب بأوطفِ
وقفا عليها صاحبيّ وإن عفت *** بعد الأحبةِ وقفةَ المتأسفِ
واستنشد الأطلالَ عن سُكَّانها *** فعسى تُجيبُ سؤال صبٍّ مُدْنفِ
أين استقلّوا ضاعنين وخلّفوا *** بين الجوانج شعلةً لا تنطفي
عَجَباً بَرَتْهُ النائباتُ وقبل ذا *** مَنْ جاء يستشفي السقام بها شُفي
ربعَ الوفا لو سال طرفي عَنْدَماً *** عُمرَ الزمان على رسومك لم يفِ
حقاً تذوبُ على عِراصك مهجتي *** وتسيلُ فيه عن الدموع الذرّفِ
يا ربعُ أينَ تحمّلوا عنك الأُلى *** كُلُّ بدوح علائه موف وفي
عاثت بهم غِيَرُ الزمان كأنَّما *** نقدتْهُمُ الأيامُ نقدَ (الصيّرفي)
بدأتْ (بجعفرَ) قبل ذاك فهدَّمتْ *** من دين أحمدَ كُلَّ طود مُشرفِ
وأتتْ على (موسى) وكان بعزمه *** مهما انبرى خطبٌ براهُ بمرهفِ
وقضتْ على زاكي النجار (عليِّها) *** ربِّ التُقى، والمجد ركنِ المُعْتفي
وتسنّمتْ فَرْعاً لموسى مورقاً *** رشداً فباتَ الرشدُ حَلَفَ تلهّفِ
لهفي لغصن بعد بهجتهِ ذوى *** بالرغم منّا بالتراب مُكنّفَ
يا تربةً شقّتْ فوارتْ (أحمداً) *** مَنْ لا يشقُّ لك الحشا لم يَنْصِفَ
لوشقَّ بالزفرات قلبي عندها *** أو خَدَّ بالعبراتِ خدي لم أَفَ
عَجَباً عراهُ الخَسفُ قبلَ تمامه *** والبدرُ قبل تمامهِ لم يُخْسَفَ
عَجَباً لورد المجد يُقْطَفُ يانعاً *** والوردُ قبل أوانه لم يُقْطَفَ
أسفي عليك وقد طوتْكَ يدُ الردى *** لو كان يُجدي الوجدَ فرطُ تأسّفي
صبراً خدين المكرمات رضاً بها *** فالصبرُ أنت من الأنام به حفي
والصبرُ لا يسطيعُهُ أحدٌ سوى *** رجلٍ بكم يا بنَ الأكارم يقتفي
فلك العزاء بخير مَنْ يمشي على *** وجهِ الثرى من ناعلٍ أو مُحْتَفِ
(حسنِ) الفعال إمام كُلِّ فضيلة *** مولى بنيلِ ذُرى المعالي مُشْعَفَ
فبقى بقاء الدهر كهفاً مانعاً *** وبحُسنِ سيرتهِ الخلائق تقتفي
وسقى ضريحاً ضمَّ (أحمد) وابلُ ال *** رضوان من باري الأنام بمُؤكِفِ
ثم أهدى بعض وزراء العجم للشيخ جاريتين من جواري الروم وكانتا في غاية الجمال، وبقيتا بخدمته حتى تُوفيَ رحمه الله، ولم يُعقب منهما إلاّ ولداً سمَّاه إسماعيل تُوفي بحياة أبيه وهو صغير.
ولمَّا توفيَ علم الأعلام، وركن الأسلام، العالم النبيل، الشيخ أسد الله بن الحاج
إسماعيل(1)، جعلت الشعراء ترثيه، وتتخلّص بمدح الشيخ موسى كما كانت في رثاء العلامة الطبطبائي تتخلّص بأبيه. فممن رثى الشيخ المتقدم السيد باقر بن السيد إبراهيم الكاظمي بقصيدة غرّاء، وهي:
أَلاَ تسألان الصبَّ ماذا يُكابدُ *** وماذا يقاسيهِ جوىً ويُجاهدُ
أفي كُلِّ يوم نكبةٌ تصدعُ الحشا *** فيشمتُ فيها حاسدٌ أو مكايدُ
رماني زماني عَنْ قسّى سهامُها *** فأصمتْ فؤادَ الدين، والدينُ حاشدُ
إلى الله أشكو فَقْدَ أكرمِ ماجدٍ *** نمتْهُ إلى العلياء غِرٌّ أماجدُ
لقد بكَّرَ الناعي به فدهى الورى *** بقارعة تنهدُّ منها الجلامدُ
قضى العالمُ القدسيُّ والعلم الذي *** إليه المزايا تنتهي، والمحامدُ
قضى نور مشكاة العلوم فضُعْضعَتْ *** لذلك أركان الهدىُ والقَواعدُ
قضىُ شمس أحكام (الشرائع) فاغتدتْ *** (مداركها) تَنْعَى له و(المشاهدُ)
قضی کشف مكنون (السرائر) والذي *** ضمائرها بانتْ به و(العوائدُ)
فمن مُبلغنَّ العلم أنَّ رتاجَهُ *** قضى فبكاهُ (المُنتهى) و(القواعدُ)
وعطّل (منهاجُ) (الهداية) بعدَهُ *** وأَقْوَتْ من الدين القويم المحاشدُ
وأُخْمِدَ (مصباحُ) الهدى ولطالما *** بأنوارهِ قدماً تُضيءُ المشاهدُ(2)
فمَنْ لذوي العلم الألهي كامل *** وما هو إلاّ فيهِ كف وساعدُ
إمام له في العالمين مناقبٌ *** تقضّى عليها الدهر وهي خَوالدُ
فللّه مَيْتٌ أيتمَ الناسَ فَقْدُهُ *** ولا غَروَ منهُ فهو للناس والدُ
فمَنْ بعدَهُ مَنْ ذا عليه ورودُها *** ويا طالما سافت لديه المواردُ
فما خلتُ بدر التمِّ يهوي إلى الثرى *** ويُلحدُهُ في حوزة القبر لاحدُ
فيا آل (إسماعيل) صبراً على الأسى *** فما أحدٌ في الكون باق وخالدُ
لَئنْ غابَ بدرُ العلم عنكم فأنتمُ *** بدورٌ تَرآءى بينهنَّ الفراقدُ
لكم سلوةٌ عنه بموسى بن جعفر *** فتى العلم مَنْ تُلقى إليه المقالدُ
فلو أنَّ صرفَ البين يقنعُهُ الفدى *** فداهُ من الدنيا مَسُوْدٌ وسائدُ
أصِرفَ رداهُ مَنْ هداك لنقدهِ *** فما أنتَ إلاّ صيرفيٌّ وناقدُ
به استبشرتْ حوُر الجنان ومَنْ بها ***ولاسيَّما الحورُ الحسانُ الخرائدُ
بذا قضت الأيام ما بين أهلها *** (مصائب قوم عند قوم فوائدُ)
ومُذْ حلَّ (أقصى السوء) قلتُ مؤرخاً *** (بكتْ أسدَ اللهِ التقيَّ المساجدُ)(1)
فيكون المجموع مساويا لسنة 1234 ه، وهي سنة الوفاة المطلوبة
وقال الشيخ إبراهيم قفطان يرثيه ويعزي الشيخ موسى وأخاه، وولد (الميت) رحمه الله هكذا وجدت بخط ناثره ببند، وهو:
ليتني لا كنت إذ صار فؤادي غرضاً للدهر، ترميه دواهيه، بسهم الغدر حتى لست أصحو، كلما داويتُ جُرحاً سالَ جُرحُ، مَنْ مُجيري من ليال قابلتني بزئير الأسد الغضبان، يغتال متى صال، نفوساً من سنا نور هداها أشرق الدهر، وفي سُمْكِ عُلاها إبتهج الفخر. لَعَمْرِيْ، لا رعى الله تعالى الله دهري، فلقد فاجأني ريبُ عواديه، وقد أزعجني صوت نواعيه، بخطب أوجر الصدر، ورزءٍ قصمَ الظهر، فَنُوْحاً يا خليليَّ، على ما بي، من عظم مصابي، وارثياً العِلْمَ الألهي، بل الدين الحنيفي، فهاتيك ربوع العلم بعد الأنس، قَدْ عاجلها الطمس، بفقدان كميٍّ أسد الله، أمين الله، باب الله، عين الله، في الخلق، ومبدي سنن الحق، فأهاً ثم أهاً، من ليال أترعت كأس جواها، يا لَحاها الله كم تجرح قلبي، بمواض مزّقت أحناء خلبي، ورمتني بخطوب أورثتني كمداً فتّ بأعضائي، وأودى لهب الوجد بأحشائي، فذا جرح رزاياي فرته بصقيلات ضباها، وشجون طحنتني برحاها، مَنْ معيني، في عويلي وحنيني، مِنْ نعيٍّ قام ينعي صاحب الأمر، وعين الدهر، لا بكرَّ ينعاه، فقد طبّق بيت المجد أعلاه بأدناه، معاذ الله أن أنساه، ما دمتُ، وأن متُّ، وأنّى وبه قام عمود الدين، وانحطّ من الغيِّ مُعلاه، فيا سوء رشادي لافتقادي، سيد الحَدْتُهُ خطّ فؤادي، غير أني أردع القلب وأنهاه، بحامي بيضة الأسلام محيي الملة الغرّاء، لا زال حليف المجد والحلم، كليم العلم (مُوْساه)، هو الناشر فوق الدين ثوب العزّ والسّمك، ومُردي
1) حساب الجُمل يساوي 1233 ه، وقوله (حلٍّ أقصى السوء) إشارة إلى اضافة العدد (1) إلى مادة التاريخ.
فيلق الشرك مع الشك، فأنّى مَن يضاهيه، بما فيه، وقد طهَّره الله وأولاه، من الحكمة والآيات ما يرهب أعداه، أبى الله تعالى إلاّ أن كساه بُردةَ العزّة والجاه، وأعلاه بدنياه، وأخراه، ويتلوهُ حميد الفعل والحمد مسمّاه، له السبقةُ والفضل، على كُلّ عليم أحرز الفضل، وصبراً أيُّها (المهديُّ) فينا، فلأنت الخلف الصالح، سعد الشرف الواضح، هل مثلك من يؤمر بالصبر، على نائبة الدهر، وقد ألهمك الله وأولاك، أيَا نُقطةَ إدراك فلا أحرمنا الله شذى طيب سجاياك، ولا زال على خطة قبر الشيخ هطَّالُ الرضا يهمي غُدُّواً ورواحا.
وسيأتي له (بندٌ) آخر أحسن من هذا على حسنه في رثاء الشيخ موسى (رحمه الله).
ورأيت في مجموعة أوراق أظنُّها للسيد صادق الفحام جمع فيها أشعاره التي قالها في بيت الشيخ، وأشعار الشيخ إبراهيم قفطان فيهم أيضاً ما نصّه: وقد عزّيت جناب العلامة الشيخ موسى نجل المرحوم الشيخ الكبير (رحمه الله)، وأخاه الشيخ مُحمَّد بعمهما الشيخ محسن(1)بن الشيخ خضر (قدس الله سره)، وولدهُ الشيخ مُحمَّد (رحمهم الله). والقصيدة هذه، وقد أجاد كُلّ الأجادة:
هي لوعةٌ تحتَ الضلوع زفيرُها *** هَلْ كيفَ يطغى بالدموع سعيرُها
مِنْ وقْعِ حادثة أراعَ بها القضا *** نَفْساً تمحَّلَ سرُّها وسرورُها
باتتْ عَلى مضضِ الخُطوبِ سليمةً *** أمضى بها السُمَّ النقيعَ صريرُها
عتبت على دهر دوائر صرفه *** أبداً على هام الهُمام يديرُها
يلقى العُلى بكتائب منصورةٍ *** ودلاص بَين كالحباب قتيرُها
ما ضرَّهُ لو كانَ منَّ على العُلى *** بمجيرِها إنْ كان عزَّ مجيرُها
ظفرت كتائبُهُ به فَتَضعْضعَتْ *** في يومه العليا وهُدَّمَ سورُها
نفسي الفدا، و (أبي) لِمَنْ عبرتْ به *** ركبٌ يعزّ على النفوس عبورُها
ضعنتْ (بُمُحسِنها) المُطلِّ على الورى *** إحسانُهُ فتطوّقته نحورُها
كشّافُ معضلِها وربُّ كمالِها *** وجسورُها وقورُها وفخورُها
يا ليتَ لا هدرَ الركابُ بنعيهِ *** فقد استفزَّ المكرمات هديرُها
1) الشيخ محسن بن الشيخ خضر هو جدّ أسرة (آل شيخ راضي) النجفية. والشيخ راضي هذا هو ابن الشيخ محمد بن الشيخ محسن. وقد تُوفي حدود سنة 1185 ه / 1771 م
هاتيك أعلام الشريعة بعدما *** جلبَ الهُدى للمُهتدينَ نشورُها
طُويَتْ على ساق الخمول لفقدِهِ *** وأميلَ قائمُها وقرَّ ظفيرُها
مَنْ للأرامل كافلٌ أو ناصرٌ *** مَنْ بعدَهُ - مهما استعزَّ - نصيرُها
مَنْ للمؤمِّل بعد ضمِّ أناملٍ *** من كفّ عارضة تُمَدُّ بُحورُها
ما للعلي والنائبات فطالما *** أمسى يَصرُّ بجانبيه صريرُها
یا غائباً عنا وخطةُ قبره *** من كُلِّ ساحتهِ الثناء ضميرُها
ومشيّعاً تبكي الشريعة خلفَهُ *** لمَّا سرى بسُراهُ عنها نورُها
أو ما درتْ أعوادُ نعشِكَ أنَّها *** فوقَ الطِباق السبع كان مسيرُها
لكنْ نزلتَ لكي تُشرّفَ تربةً *** جَلَّتْ مزاراً حيثُ جلَّ مزورُها
فحنتْ عليك أماثلٌ وأراملٌ *** ثكلى تَنَشرُّ شعرُها وشعورُها
يبكي لمُتْربة عليك صغيرها *** ولدفع ريب الحادثات كبيرُها
سهّدتَ أجفاناً ببينِك طالما *** بحماكَ يستامُ الرقاد قريرُها
وأغاضَ فقدُكَ بحر علم زاخر *** وكبتْ مفاخرُ لا يُقالُ عثورُها
ورثى لكَ الشرفُ الرفيعُ وفاضَ من *** عبراته أسفاً عليك غزيرُها
لكنْ تُهوِّنُ وجدَها بأماجد *** بزغتْ بأفلاكِ العَلاء بدورُها
أقمارُ رُشد يستضاءُ بنورها *** إنْ زالَ عن أُفق الهداية نورُها
أ (مُحمَّدٌ) صبراً فمثلُكَ إِنْ دَهَتْ *** فِي الدهر غمّاءُ الخُطوبِ صبورُها
قَسَماً بقود يَرْتَقصْنَ الى (مِنىً) *** أَلفتْ شكائمها وأُوِثقَ كورُها
ما لاحَ في خلدي التجلَّدُ والعزا *** عنه ولا عيني ينام سميرُها
لولا (الأمامُ) المستجارُ بعزّهِ *** حامي الذمار لدى العثار (أميرُها)
(موسی بن جعفر) ربُّ كُلُّ فضيلةٍ *** وسفيرُها ونذيرُها وبشيرُها
لولاهُ ما وضحَ (الكتابُ) لناضرٍ *** فيه، ولا (إنجيلُها) و(زبورُها)
ميزانُ أعمال العباد وعنده *** تقديرُها وبحُكْمِهِ تكويرُها
ومغيثُها وربيعُها ومريعُها *** إنْ شفَّ مربعُها وجفّ مطيرُها
يا ناشرَ الأحكام بل يا ناصر ال *** إسلام عزاً حيث عزَّ نصيرُها
أصَّلتَ أصلاً في عُلاكَ فما ترى *** إكرومةً إلاّ ومنكَ ظهورُها
وضربتَ فوق المكرمات سرادقاً ***للمجد عزَّ على الملائك سورُها
وسمتْ بطلعتكَ الشريعةُ وارتدتْ *** حُللاً تَضوَّعَ نشرُها وعبيرُها
وأبانَ علمُكَ كُلِّ سرٍّ غامضٍ *** فيها وأرسى في علاك سريرُها
وأمطتَ أستارَ الضلال وحُصَّنتْ *** بسديدِ رأيك في القضاء ثغورُها
ومتى استراب على البصائرِ مُعْضِلٌ *** فأليك دونَ العالمين مصيرُها
وهذا غاية ما يمكن أن تدركه الأوهام، من عظم منزلة الشيخ ورفعة ذاك المقام، لا لتلك المبالغات وإن أفرطت، ولا لهاتيك الكلمات وإن عظمت، إلاّ أن هذه عادة الشعراء في الممدوحين، من قديم الزمان، الى الآن. ولكن القائل يتفاوت حاله، ويختلف مقاله، فقول العظيم أعظم وأعلى، من قول مَنْ لا تعرف له أصلاً ولا فصلاً، ولا تقل هذا عكس ما قاله الأمير (علیه السلام): «لا تنظروا إلى ما قال، وانظروا إلى ما قيل» لظهور الفرق بين المقامين، وتباين الوردين. وهذا السيد (قدس الله روحه الطاهرة) كما هو مشهور معلوم، من أجلاء ذوي الشرف، وأولي العلوم، ومنزلته عند العلماء وغيرهم عظيمة، وبيتهم من بيوت أشراف (النجف) القديمة، وهو من طبقة العلامة الطبطبائي(1)، والشيخ الكبير وشعرائهم، فعلى هذا فهو في زمان الشيخ موسى طاعن في السنّ(2). وذكر في «روضات الجنَّات» ظآناً أن هذا السيد من أساتيذ الشيخ الكبير وهو وَهُمٌ، إن كان فبالأجازة وكفى به شرفاً، لكن الله أعلم حيث يجعل رسالته، والفضل بيد الله يؤيته من يشاء.
ولم يزل على هذه الطريقة، مطلقاً عنان القريحة، فتصطاد له الشوارد، وتقتاد له الأوابد، حتى قال بعد أبيات كثيرة:
وأخ عُضِدتَ به عليم أروع *** هو درع ساعدك الرحيب وزيرُها
مصباحُ شرعتها وقيّمُ أمرها *** وعميدُها وخبيرُها وبصيرُها
ما خفَّقتْ في الخافقين فضيلةٌ *** إلاَّ وأصبحَ مِنْ علاهُ صدورُها
يا فرقدي شرف ومجد شامخ *** وقصارَ مرمى الماجدين قصورُها
سَقْياً (لعمّكما) سحائب رحمة *** يجري على جَدَثٍ حواه عميرُها
ولو أردنا أن نذكر جميع مدائح هذا المولى الهمام، لضاق العمر ونفذت القراطيس وفنيت الأقلام، ولكنا نذكر منها نبذة يسيرة، تدلّك على مفاخر كثيرة، لتتحلّى هذه الرسالة بحلي الآداب، فعسى أن تقع بموقع القبول عند أولي الألباب.
فمن ذلك ما قاله السيد حسن البغدادي المتقدم يهنّيه، في داره التي بناها في زمان أبیه:
دعني فقد ملك الغرامُ عناني *** والهجر من ريمِ الكُناس براني
لله ساجي الطرف كم قبلي على *** أسد سطا بصوارم الأجفانِ
لم أدرِ إلاّ مُذْ بُليتُ بحبّهِ *** أنَّ الأسوَد فريسةُ الغزلانِ
لا يخدعنَّكمُ فتورُ لحاظهِ *** ففتورُ لحظ الغيدِ سحرُ بيانِ
لم أنسَهُ يختالُ في سفح (اللُوى) *** سَحَراً كما يختالُ خوطُ البانَ
مَعْ كُلِّ بدرٍ تحت فرع دُجِنَّة *** من فوقِ قضبانٍ على كُثْبانِ
عذب اللمّى فكأن لؤلؤ ثغرهِ *** قَدْ ضمَّهُ صدفٌ من المرجانِ
فغدوت أرشفُ من كؤوس لثامهِ *** خمراً كمثل الأَرْي للصّديانِ(1)
راحٌ غداةَ شربتُ منها خلتُها *** دبّتْ مدبَّ الروحِ في جُثماني
وجنيتُ ورداً لاحَ في وجناتهِ *** منه تغارُ شقائقُ النُعمانِ
قَدْ فاق بالحُسنِ الظباء كمثلما *** قَدْ فاقَ (موسى) الناس بالأحسانِ
فردُ الزمان وحيدُهُ المولى الذي *** تسطو به إن جار صرف زمانِ
(عمَّارُ) هذا العصر مَنْ بصلاحهِ *** يسمو على كنز التُقى (سلمانِ)
محيي علوم أئمة لولاهمُ *** ما مِيزَ بين الكُفر والأيمانِ
مولى تسامي في الفخار محلُّهُ *** كمحلّ بسم الله في القُرآنَ
الفخرُ منْ أدنى مراتب مجده *** والفخرُ أعلى رتبة الأنسانِ
والمجدُ قُسِّمَ في الأنام ثلاثةً *** (ثلثٌ) لهم وله به (ثُلثانِ)
قَدْ شادَ مغنى للمصالح سامياً *** يحتل في أعلى ذرى كيوانِ
مغنى إذا ما أمَّهُ باغي الندى *** يلقى به نَوْعَيْ مُنىً وأمانِ
1) الأري: ماء السحاب
يرتاح إنْ شامَ الوفود ببابه *** فتخالهُ غصناً من الريحانِ
لاعيبَ فيه غير أنَّ يمينَهُ *** تسمو على الهطّال والهتّانِ
فسلِ الورى عن جُودهِ ويمينهِ *** فيمينُهُ والجودُ مقترنانِ
يا (حافظَ) الجهل الوضيع، و (ناصبَ) ال *** عِلمِ الرفيع و(رافعَ) الأيمانِ
خذها إليك أبا المكارم غادةً *** تلقى بجيد الشعر عِقدَ جُمانِ
حسناء تهزأُ (بالفرزدق) إنْ بدتْ *** وتجرُّ طمريها على (حسّانِ)
وقال الشيخ مُحَمَّد رضا النّحوي مهنياً أباه الشيخ الكبير في زواجه ومادحاً له ومؤرخاً ذلك العام:
سَرَتْ تخبط البيداء بالوخد تفليسا *** إلى مائها إِنْ عَرَّسَ الرَكبُ تعريسا
تقيس العُلا درعاً بأخفاف أذرعٍ *** إذا اختلفتْ أعلي مداها المقاييسا
تَلاعبُ بالألباب معنىً وصورةً *** فطوراً بدتْ وِرْقاً وطوراً طواويسا
تخوضُ عُبابَ الآلِ للقومس(1)الذي *** أفاض نداه للعُفاة قواميسا
تجوب الموامي والمفاوزَ لا تني *** بمدح أبي (موسى) تُغنّي به العيسا
الى مَن غدا بعد النواميس من بني *** (عليٍّ) على سرّ المهيمن ناموسا
فتى يدفعُ الجُلّى وتدنو به المُنى *** ويسعدُ حقٌّ كَانَ مُذْ كان منكوسا
ويرأبُ ما أثأتْ يدُ الدهر طبُّهُ *** ويُوسى به كَلْمٌ على الدهر لا يُوسى
نُهنّيه بالعرس السعيد الذي به *** بنی شبله (موسى) لدى العرس عريسا
فيا لك بدراً ضمّ شمساً تبلّجتْ *** فما تركتْ من حندس الهمّ حنديسا
ويا لك شمساً شعشعتْ بُرجَ سعدهِ *** وشمعةَ أنسٍ أسرجتْ منه فانوسا
ويا لك نجماً لابسَ الشمسَ فضله *** فألبسَها من فاخر المجد ملبوسا
ويا لك عرشاً ضمّ فضلَ علائه *** من المجد فرعاً بالعناية مغروسا
ويا لهما من مَحْتِدْيَنِ تأصّلا *** علاء وكلٌّ أسّسَ المجدَ تأسيسا
فقُلْ في (سليمان) الزمانِ وقد بنى *** ( ببلقيس) وانظمْ كُلِّ معنىً ببلقيسا
1) هو الحاذق المُطّلع على خفايا الأسرار، والمُصيب بحدسه (منه)
تزوَّجَ موسى من شُعيبِ زمانهِ *** عقيلةَ نُعمى عندكم صرفتْ بوسا
وأنس من سيناء بهجتها هدى *** وعيشاً بألطاف المهيمنِ مأنوسا
ونالَ بها سؤليهِ حُسْناً وعفّةً *** فأَرّخْ (لقَدْ أوتيتَ سؤلكَ يا موسى)
ووجدت وريقات بخطّ عمّي المرحوم الشيخ موسى نقلها من مجموعة ألّفها ابن الشيخ صالح التميمي الحلّي الشاعر النحرير وقد جمع ابنه هذا ما قاله له أبوه في الشيخ موسى، وأخيه الشيخ مُحَمَّد (قُدِّسَ سرّهما). ولم أظفر بسوى يسير من تلك المجموعة. ولو لم يوفقنا الله تعالى لبذل الهمة بجمع شتات هذه المفاخر، ولمّ شعث هذه القصائد لذهبت من كُلِّ الدفاتر، ولما رأيتَ لها، ولهؤلاء الشعراء الفحول مدى الزمان ذاكر، وهو خلاف الأنصاف، من أهل الزمان، ودون المروّة، وإضاعة لصداقة الدين ومراعاة الأخوة. وأنا أسأل الله كما وفقّني للأبتداء أن يوفقني للأختتام والأنتهاء، إنه حميد مجيد، فعّال لما يريد.
فمما قاله الشيخ صالح من قصيدة يلمح فيها بالأخباري وسحره المتقدّم، ويمدح الشيخ موسى ويتنصّل من شيء نُقِلَ إليه، أوجب غضب الشيخ عليه، فقال مخاطباً له، رفع الله تعالى في الخلد محلّه:
أكاسي الورى ثوبَ الهُدى بعد سلبهم *** ثياباً تحلّتْ بالضلالةِ والوزرِ
عجبتُ لقومٍ حاربوك بسحرِهم *** نفاقاً وهل (موسى) يُحاربُ بالسحرِ؟!
تُمدُّ اليدُ البيضاءُ منكَ وقَدْ غدتْ *** لموسى اليد البيضاء في محكم الذكرِ
فليتَكَ مذْ ميّزتَ حقاً وباطلاً *** برأيكَ ميّزتَ البريء من الكفرِ
وليتَكَ مذْ حزتَ العلوم جميعها *** علمتَ فقيرَ القوم فينا مِن المُثري
وقال يمدحه أيضاً، وقد أحسن ما شاء، بقصيدة غرّاء، يهنّيه بمولودة هي:
أشقيقة القمرين عذراً فاسمعي *** لولا خيالُكِ ما صبوتُ لمضجعِ
بانَ المزارُ فبانَ طيفُكِ بعدَه *** أنّى يزورُ الطَّيف مَنْ لم يهجعَ
أمنازلَ الأحباب لا برح الهوى *** يسقيكِ من بعد السحاب بأدمعي
إن أقلعتْ جُونُ السحائب إنَّ في *** جفنيَّ طخيا عبرةٍ لم تقلعِ
ومفنّد يبدي نصيحة مشفق *** ويسرّ حسو ملامةٍ لم تُسْمَعِ
هیهات رام تجلّداً من مُغْرم *** سَفَهاً وحاول سلوةً من مُوْلَعِ
كم ليلة غفل الرقيبُ ووِرقُها *** خوف الخلي وسجعه لم تسجعَ
زارت وقد ماست فأخجلَ قدُّها *** أغصان بانات (الغُوير) و(لعلعِ)
فكأنَّها شمسٌ علاها بُرقْعٌ *** وعجبتْ من شمس بدت في بُرقَعِ
حتى إذا سفرتَ هناكَ تحجّبتْ *** ما بين أطرافِ القَنا والأدرعِ
كُنْ يا زمانُ وهجرها أني فتیً *** لولا الغرامُ لفادح لم أخضعَ
والدهرُ أمَّا في غِنىً يرمي الفتى *** ياليتَهُ لي أو بفقر مُقْذَعَ
كالعلم أمَّا سنّة من عالم *** تهدى وأمَّا بدعة من مبدعِ
برزتْ قناةُ الأجتهاد وباطل *** أنْ يدَّعيها غيرَ (موسى) مدّعَ
لولاهُ ما ذُكرَ الهُدى في موطن *** كلا ولا نزلَ التُقى في مربعِ
والصارخ الملهوف عاد الى الورى *** مما يؤملُهُ بأنف أجدعِ
رُفِعَتْ به أعلامُ آل (مُحَمَّد) *** حتى سمتْ أعلى محلٍّ أرفعِ
ومجدداً للخَلقِ نهجاً واضحاً *** سلكوا عليه في طريق مَهْيَعِ
بهرتْ سجاياهُ الربيعَ بلطفها *** إنَّ الربيعَ كحُسنها لم يصنعَ
وخلائقٌ لو حمّلوا نفس الصبّا *** من نَشْرها لم تنقلب في زعزعِ
ومكارمٌ قَدْ طوّقَتْ كُلَّ الورى *** طبعتْ على أجيادها لم تنزعِ
لوبثّ ما في صدره لرأي الوري *** طَوْفانَ علم قال يا دُنيا اقلعي
إن جئتَهُ تَنظرْ كميَّاً ناسكاً *** ورعاً تسربل في بسالةِ أروعِ
يوماهُ يومٌ للعلوم يبثُّها *** نفعاً ويومٌ كفُّ خطب مفضعَ
والعلم أودية نأتْ أقطارُها *** منها تبوَّء في جناب مُمْرعَ
هيهات أطلبُ للنوائبِ مَفْزَعاً *** وأبو (عليّ) في النوائبِ مفزعي
مولاي قَدْ سطعتْ بكم شمسُ الهدى *** قَسَماً ولولا حكمُكم لم تسطعِ
هنّيت في شمس أتنْكَ وأنَّ لي *** علماً بأنَّ المجدَ هنّاكم معي
بعقيلة قَدْ أشرقتْ في خدرِها *** فكأنَّها طلعتْ وإنْ لم تطلعِ
شيّدتَ يا (موسى بن جعفر) ما أتى *** عن (جعفرٍ) ورفعتَ ما لم يُرْفَعَ
ويحتمل أن تكون هذه القصيدة تهنئةً بعرس. ولكن ابن الناظم يقول مدحه أبي بهذه القصيدة في الحلّة أيام جلوس الشيخ بها، والشيخ لم نجد أنَّهُ تزوج بالحلة، فالأقرب أنها تهنئة بولادة بنت.
وقال يمدحه أيضاً أيام استقامته بالحلّة ويلمح بذم شخصين من الرؤساء أحدهما (سرور)، والآخر (مهدي)، وهي:
ألا قُلْ لمن رامَ سبقي جهارا *** رويدكَ كيف المذاكي تُجارى
جريتَ فقصّرتَ عن غاية *** بغلوائها قَدْ بلوتَ العثارا
وهل تستطيعُ الذئابُ الذهاب *** لأكلِ الفرائسِ والليثُ غارا؟!
لئنْ فاتك (الصفرُ) بالأنتقاد *** فلا عجبٌ أن جهلت (النُضارا)
وليس من الحزم أن ترتجي *** عماداً إذا ما وردتَ البحارا
وصغرّني معشرٌ باللسان *** هنيئاً لهم حين ذاقوا الصّغارا
أَمَا علموا أنني لو فقدتُ *** يميني لَما بتُّ أشكو اليسارا
لئن كنتُ أضمرتُ أفعالَهم *** لقد أظهر الحقد فيهم شرارا
كما أظهرَ اللهُ فضلَ الذي *** يُجيرُ الأنام إذا الدهرُ جارا
سميّ الكليم بأسراره *** أضاء سراجَ الهُدى واستنارا
وعادتْ أفانينُهُ غضّةً *** وكانتْ هشيماً تئمُّ البوارا
ووافی به مدنا زائراً *** وبالأمس قَدْ كان يبدي إزورارا
أمولايَ سمعاً فذي دعوةٌ *** لها جحفلٌ قَدْ أثارَ الغُبارا
(سرورٌ) و(مهديُّ) في كُربةٍ *** لوجد عيال تشمُّ القَتَارا
يقول لهم إنّ هذا الذي *** بُلينا به سوف يُخلي الديارا
من (اللحم) رطل و(يقطينتان) *** بها (يونسٌ) قَدْ تعيّا مرارا
وسبعة أقراص في وزنها *** على حذر قَدْ ضبطتَ العيارا
و(منٌّ) من (الأرز) مَعْ (حُمّصٍ) *** ألا يا لَقوم الفرار الفرارا
ولا أدّعي (الدهن) أني فتى *** فقيرٌ وعن قوتي (الدهن) طارا
فمن کان همتُهُ هذه *** أحقاً يبارى الرجال الكبارا
رجالٌ بهم حُلّتِ المشكلات *** وشدّت عُرى المجد فيهم مرارا
وإخوان صدق بأوجِ الوفا *** نجومٌ لهم أبداً لَنْ تُبارى
فلو أحدٌ زارَ نادي صفا *** لحقّ لناديهمُ أنْ يُزارا
فلا زلت تسمو إلى سؤدد *** ومن العزّ يسمو لفكّ الأسارى
قال ابن الشيخ صالح عن أبيه المرحوم أنَّه قال: لمَّا سار المرحوم المبرور الشيخ (موسى) من الحلة إلى قصبة الكاظمين (علیه السلام) بقي أهلها بعد فقده في همّ مقيم، وداء مستقيم، من فعل الظلمة، وكان لهم كالسور المانع، فلذلك قلتُ بيتين في مدحه وهما:
بمن تفخر الفيحاء والفخرُ دأبُها *** قديماً وعنها سار (موسى) بأهلهِ
وغادرها من بعد عزّ ومنعةٍ *** تحاذرُ كيدَ (السامريّ) و(عجلهِ)
وكان الوالي على الحلة يومئذ سليمان أغا من أهل (أرويل) من قبل الوزير داود پاشا، فنقل إليه بعض اللئام ما قلتُ، فأرسل عليّ وقال: ماقلت يوم خروج الشيخ؟ فقلتُ له: خير مقال.
قال: فأنشدنيه.
فعكستُ البيتين إرتجالاً والمجلس غاص بأهله:
زهتْ بأبي داود حلّةُ بابلٍ *** وألبسها بالأمنِ بُردةَ عدلهِ
وكانتْ قديماً قبل (موسى) وقبله *** تحاذرُ كيدَ (السامريِّ) وعجلهِ
وللسيد باقر الكاظمي المتقدم يستنجده في أداء مهر زواج وعده به، ويشير إلى قتل لأخباري بأمره (قده) مادحاً له بذلك. وضمنها بعض إعجاز قصيدة ابن الفارض، فقال:
يا أيُّها الشمسُ التي قَدْ أشرقتْ *** أنوارُها في هالة الزوراءِ
ما أنتَ إلاّ سيفُ علم قاطع *** يُبري سَنامَ الجهل والأهواءِ
أوتيتَ يا (موسى) الشريعةَ حكمة *** لم يؤتها أحدٌ من الحُكماءِ
وتلوتَ توراة الفقاهةِ في الورى *** وفلقتَ يمّم العلمِ للعُلماءِ
وقتلتَ (فرعون) المظالمِ مُذْ بنى *** صَرْحاً من الطُغيان والأغواءِ
وقذفتَ تابوتَ الفضائل والهُدى *** في (قُلْزُمِ) الفرقانِ للأشياءِ
وأبنتَ شرعةَ (جعفرٍ) وعلومه *** إذ جئتَ في قدر على استحياءِ
ونصرتَ هارون الأمامة بعدَما *** ناجيت ربَّكَ في طُوى سيناءِ
وحملتَ ألواحَ الشريعةِ في الورى *** ونسختَ سفرَ الدين للحُنفاءِ
خُذْها عروسَ الحمدِ إلاَّ أنّها *** ترجو لديك المهر أيَّ رجاءِ
أطمعتَها بالمهرِ قبلَ زفافِها *** فأتتكَ ماشيةً على استحياءِ
لا زلتَ تفخرُ في ثيابِ الفخرِ ما ** أرجُ النسيم سرى من الزوراءِ
ولمَّا كانت سنة الواحد والأربعين بعد الألف والمائتين تزايد مرض الشيخ الذي تعلّق به قبل سنين من وفاته وهو مرض (البواسير) فصار يضعف يوماً فيوم الخروج الدم الكثير، وكان قَدْ قارب عمره الستين، سأم الحياة الدنيا وزينتها من الأموال والبنين واستام جوار ربه واشتاق إلى لقاه، فقربه إليه وأدناه، فسلّم نفسه الزكية الى باريها، وهوت دعائم الشريعة وتهدّمت مبانيها، فطفق الدين يندبه، والأرامل والعلماء تبكيه، وصعق الكتاب المبين ينشده، والشعراء والأدباء تنشد مراثيه.
فمن ذلك ما قاله الشيخ إبراهيم على ما أظن، أو السيد الفحام(1)رحمهما الله، وهي:
برغم المعالي أنْ يُجبَّ سنامُها *** ويجدب من نوء المكارم عامُها
نأى ونأى عنها حميُّ ذمارها *** فطأطأ طوعاً للحوادثِ هامُها
نعيّ نعى في العالمين فأخرست *** ذهولاً وأنّى يُستطاعُ كلامُها
قفوا ليتنا نفديه موسى بن جعفر *** فلا غرو أن يغشى النفوس حمامُها
رمتْهُ المنايا ليتَها طاشَ سهمُها *** وأنَّ المنايا لا تطيشُ سهامُها
تجافي عن الدنيا فراراً وطالما *** تصاغرُ في عينيه منها حطامُها
قَضى فقضى حُكْمُ الشريعةِ بعدَهُ *** وأقفرَ مغناها وفُلَّ حسامُها
1) السيد صادق الفحّام تُوفي سنة 1204 ه / 1790 م، ولم يُدرك وفاة الشيخ موسى عام 1241 ه / 1826 م. والأقوى أنَّ القصيدة للشيخ ابراهيم قفطان الذي تُوفي سنة 1279 ه / 1862 م. وقد أشار الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء أنَّه ينقلُ عن مجموعة أوراق ظنَّ أنَّها للسيد صادق الفحّام، وقد فاته أنَّ وفاة الفحَّام كانت قبل وفاة الشيخ موسى بسبعة وثلاثين عاماً
وزلزلتِ الأفلاكُ يوم مماتهِ *** وعُطّلَ مسراها وخرَّ دعامُها
فيا بحر فضل غاض هيهات بعده *** يَبلُّ من الورّاد يوماً أُوامُها
وغيثُ ندى لا يكذبُ الناس ودْقُهُ *** إذا أخلفَ العافين يوماً جهامُها
أنمتَ عيوناً لم تكنْ بك نوّماً *** وسهّدتَ أجفاناً فعزَّ منامُها
وغادرتَها من بعد عزٍّ ومنعة *** يعزُّ عليها صونُها واعتصامُها
أتعلمُ يا حصنَ الشريعةِ أنَّها *** أُبيحتْ وسامتها هوانا سوامُها
رويداً فمن خلّفتَ للدينِ حامياً *** وللناسِ عزاً حيثُ عزَّ احترامُها
فتلكَ المعالي والمدارسُ بعدَما *** نظمنَ عقوداً فيك سُلَّ نظامُها
وأحكامُ دينِ الله بعدَكَ عُطّلتْ *** وجللَ آفاقَ الرِشادِ ظلامُها
وتلكَ رياضُ العزّ بعدَكَ قَدْ ذوتْ *** نضارتُها وانجاب عنهَا غَمَامُها
سرى نعشُهُ في الناس مَسْرَى نوالهِ *** كما دبَّ في سلبِ العُقولِ مُدامُها
ولم أرَ نَعْشاً قَدْ تعلّقتِ الورى *** به ولدی جنبيهِ طالَ ازدحامُها
وترفعُهُ الأملاكُ شوقاً ورغبةً *** إليهِ ومن جنبيهِ طالَ استلامُها
إلى أن قال مادحاً الشيخ مُحمَّد ابن الشيخ الكبير:
مصابٌ قضتْ منه النفوسُ فردَّها *** على الناس غوثُ العالمين همامُها
إذا لمحتْ عينُ المعالي (محمَّداً) *** يهونُ عليها وجدُها وغرامُها
لتبِك له السبعُ الأقاليم أنَّها *** أُضيعتْ وكانتْ في يديهِ زمامُها
إلى أن قال مادحاً أخاه الشيخ عليّ وقد رجع أمر التقليد والرئاسة إليه:
ولولا (عليٌّ) بعد (موسى) يسوسُها *** لمَّا صحّ منها نسكُها وصيامُها
إمامٌ تولتْهُ العبادُ رضىً به *** من الله لمَّا غابَ عنها إمامُها
إليهِ انتهى أمرُ العبادِ وعندَهُ *** مُناها وعنهُ حِلُّها وحرامُها
فها قَدْ كسا اللهُ الشريعةَ عزّةً *** بأيامهِ إذ كان فيه قوامُها
وللسيد حسن (المتقدم ذكره مراراً) رائياً له، ومؤرخاً عام وفاته:
رزءٌ ألمَّ فباتَ القلبُ مأنوسا *** وحالفتْ منّيَ النفسُ الوساويسا
قال السحاب لطرفي حين سال دماً *** غادرتَ صيّبَ دمعي ليس محسوسا
فقلتُ قَدْ بكَّر النّاعى وأسلمنا *** إلى الرزايا بفقد المُجتبى (موسى)
(موسى بن جعفر) روضُ المكرمات ومَنْ *** قَدْ كان معروفُهُ في الناس مغروسا
فأيُّ قلبٍ عليه غيرُ منصدعٍ *** وأيُّ يوم علينا ليسَ منحوسا
في الدين قَدْ أحدثت كَلْمَاً رزيتُهُ *** لم يندمل لو غدا أسيُّهُ (عيسى)
اليوم بيت الهدى مادتْ قواعدُهُ *** وقد غدا مربعُ الآيات مطموسا
الیوم أندية التدريس قَدْ دَرَستْ *** اليوم أمسى لواءُ العِلم منكوسا
اليوم جُبَّ من العلياء غاربُها *** اليوم لحيانها قَدْ عادَ نكّيسا
اليوم قوِّضَ من كانتْ له هممٌ *** شمٌّ تطاول كيواناً و(برجيسا)
لهفي لليثِ الوغى من بعد صولته *** له المنايا جعلنَ اللحدَ عرّيسا
قَدْ كانَ بحر ندى ما جاء واردُهُ *** إلاَّ وراحَ بلُجِّ الخير مغموسا
مَنْ للحوائج يقضيها وطالبُها *** قَدْ آب منقطعَ الأمال ميؤوسا
مَنْ لليتامى ومَنْ للمُعْتَفِينَ وقَدْ *** أمسى رَتَاجُ النَدى والجودِ مطموسا
ومَنْ ترى لمحاريب الصلاة ومَنْ *** ترى ينوّر بالذكر الحناديسا
طُوبَى لرمس ثوى فيه فأنَّ به *** أمسى عموداً من الأصباح مرموسا
سقى الأله مدى الأيام أعظمَهُ *** وزادَ مثواهُ تطهيراً وتقديسا
يا ظاعناً لم يَخبْ من نُبلهِ أحدٌ *** ولا كسا وجهه الوضَّاح تعبيسا
هل عودةٌ علَّ فيها نفسنا وعسى *** ترى الصبح وصال منك تنفیسا
(فرعون) حزنك يا (موسى) طَغى وبَغى *** على الأنام، وسرّ الرجس (إبليسا)
ليست وفاتُكَ نُعمى مثلما زعموا *** لكنْ على الناس أضحى يومها بوسا
إليّةً بالعتاقِ القُود سائرةً *** إلى (الغريّ) كراديساً كراديسا
لولا الغطارفةُ الأمجادُ إخوتُهُ ال *** أطهار مَنْ أصبحوا للفضل قاموسا
كذاك أبناؤهُ الغرُّ الأُلى بهمُ *** تُجلى الخطوب لمن قَدْ بات مخلوسا
لوردَّ حتفَ امرء من قبله لَسَعى *** في ردّه فتيةٌ لا تُرهبُ الشوسا
بيض الجباهِ إذا هزَّوا بمعركة *** رماحَهمْ راحَ ليثُ الغاب مفروسا
لكنْ إذا حُمّ أمرُ الله لستَ ترى *** فتىً من القدر المحتوم محروسا
وليهنهِ بات في الجنَّات مغتبطاً *** قَدْ آنس الحورَ فيها والفراديسا
يا راكباً ظهرَ نابٍ سلعة أجد *** تطوي إلى (النجف) البيدَ الأماليسا
بلّغ سلامي أميرَ المؤمنين إذا *** أنختَ في بابه العيسَ القناعيسا
وَعجْ على قبر (موسى) حيثُ جئتَ وقُلْ *** لا زلتَ يا قبر (موسى) فيه مأنوسا
ونادِ حيث العُلى قالتْ مؤرخةً *** (في جانبِ الطُّورِ ألقيتَ العَصا موسى)
1241 ه
وقال السيد في (يتيمته):
ونحمدك يا من تفضّل علينا وعلى جيلنا بالرئيس المطاع، ومن خرق صيته الأسماع، موسى ابن جعفر، من قَدْ طأطأت له العرب والعجم، والكلام فيه يتم من جهات:
الأولى في (أوصافه):
كان مهيباً جليلاً في الأنظار، طويل القامة يرجع الطرف خاسئاً إذا رناه، ولا يبلغ الناظر منه ما رناه، في تحقيق معناه. وقور المسرى، ثقيل وطئ القدمين في الأرض، بشوش الوجه، يبسم عن درّ نظيم، وتلوح بين عينيه سمات الكليم، ولا يستطيع أحد النظر إليه لعظيم هيبته وسلطنته، وليس في مجلسه غير الأمراء والوزراء وأساطين العلماء، والكل مطرق مهابة لإجلاله، منصت لمقاله.
الثانية في (صفاته):
وهو عالم علامة رئيس مطاع مقدّس أواه، يقصر اللسان عن عدّ صفاته التي شاعت وذاعت في جميع الأقطار، شيوع الشمس في رابعة النهار.
الثالثة في (أقواله):
كان إذا جرى لسانه في البحث والتدريس نثر اللؤلؤ النفيس، وإذا تنحنح أزعج الجُلاس هديل صوته. وكان إذا قال: يا الله ارتعدت فرص الجالسين، وكادت الجمادات تهتز مخافة منه. وكان إذا أمر أطيع في سائر الأمصار، وإذا نهى خيف من مخالفته حتى الفجرة الكفار، يقول فصلاً ويحكم عدلاً، يزن مثاقيل الأدلة بميزان اعتدال ذاكرته، ويجمع فيها بين ما تعارض وتناقض بحس سليقته، يبدي في مجال الدروس، ما تبشر به الأرواح وتنتعش به النفوس، وكفاك (رسالته) المشتملة على فتاواه الرائعة، وتعبيراته الفائقة، فأنَّها متى أمعن النظر إليها من له أدنى معرفة في العلم يعلم قدر ممليها ومنشيها. فلعمري أنها الرسالة ما قصد بكواكب سطورها غير الهدى لمن ضلّ من العباد، سيّان العاكف والباد. وطالما أتعب يراعه في المكاتبات والمراسلات، للوزراء والحكام، الذين كانوا في تلك الأيام، كالمماليك واقفة بين يديه، مطيعة في الأمر والنهي قوليه، بدفع المهمات، ورفع الملمات.
وكان ذا أقوال تُصْمي سهامها، ويبعد مرامها، إذا كتب أعجب، وإذا قرّر أبهر وأغرب. وكان إذا سئل أجاب، وإذا أجاب لم ينطق إلاّ بالصواب، تنبتُ أقواله في فؤاد السامع، كما ينبت الروض في المرابع، فلا ناصب لمن هو رافع، ولا ضار بالخفض من هو نافع، وكم أزال من علماء الأمة مُلمّةٍ، عن علماء الأمة.
الرابعة في (أفعاله):
كان يصلي بالناس جماعة في الأوقات الخمسة، وكان مع جلالة قدره، ومزيد فخره، يتواضع للشريف والوضيع، وهو كأبيه ما كانت في أفعاله معاملات، بل كلها عبادات، مقرونة بالنيات. وكان يسمّى بمصلح الدولتين لمَّا وقع له من الأصلاح بين دولتي الفرس والروم، مذ جهّز الفرس عساكرهم على بغداد، لمَّا كان بينهم وبين الروم من النكاد، فأصدر بالرد أجنادهم، وأذلّ آسادهم.
ولو رأيت مذ نادى به منادي الرحيل إلى إيران، ولما قاربها بنيف وسبعين نفر من صحيه وجّه إليه الخاقان وزيره الأعظم الحاج ميرزا أغاسي مختبراً أن الشيخ بأي درجة من العلم وقبل وصوله نظر الشيخ في دربين كان بيده فرأى غباراً في الأرض فأنبأ صحبه بذلك، فاختلفوا فيه، فقال (قده) بالحدس من غير اختبار وكان جالساً على سرير نصب له متكئاً على عصا بيده: كأنّي بهذا الغبار رسول من الخاقان يختبر مبلغي من الفضل. فأقبل الوزير يمشي الهوينا خاضعاً مطرقاً لهيبته ثم قبّل يديه ووقف متكتفاً على رأسه وهو يمعن النظر
فيه، فقال: لا تمعن النظر ولا تجل الفكر أرسلك الخاقان بكيت وكيت، فارجع إليه وقل له: ما وجدتُ موسى بل موسى وعصاه. فصدر على الأثر وأخبر الملك أنَّهُ لم يطرق بلدان إيران من قديم الزمان إلى الآن اسطوانة علامة كهذا العلم العيلم. فأمر أهل طهران بالخروج لاستقباله. حتى إذا كان وقت الصباح، ونادى منادي الرحيل بالفلاح، هرعت لتقبيل يديه الأصاغر، وهوت تلثم أقدامه الأكابر، وكان يناول الناس للتقبيل إصبعيه، وبعضهم يأخذ رجليه، وأناخ ركابه في مرابع ذي البأس والصولة، أمين الدولة. فجاء (المليك) إليه بعسكره وخدمه وحشمه من المغنى القريب وجرت بينهم الصحبة. فشكا الملك إليه عدم معرفة الناس بقدره، فدعا الشيخ باستمرارهم على هذا، فتعجب الملك ودعا الملك ليُعرب عمّا قاله الشيخ. فأجابه أنَّهُ ناظر إلى قولهم «لا تعرف النعمة إلاّ بعد فقدانها» ومنى الشيخ دوام وجود الخاقان، وإن كان مجهول القدر عند أبناء الزمان. فقال الشيخ رَفْعاً لخجل الملك من عدم تنبهه لذلك ان الخاقان أراد اختبار الأمين وانه هل يصل فكرهُ إلى هذه المطالب أم لا فوجده كذلك، ولمّا كان اليوم الثاني جاء الملك اليه من المَغْنى البعيد، وأعلم الشيخ بذلك فقال الشيخ نفعه لك فتحير أيضاً في معناها ودعا الأمين وسأله عنها فقال إِنَّهُ ناظر إلى قوله تعالى «مَنْ عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها»، وأيضاً بادر الشيخ ليرفع الخجل عن الملك بما مرَّ. ثم انَّ الملك سألَ الشيخ عن دَيْنِه فقال إنْ كنتَ تريد وفاءه فهو غير ممكن لك ولو بكل دولتك! فتعجّب، وسأل الأمين عن ذلك فقال له إنَّ الشيخ ناظر إلى أن كُلِّ ديون مَنْ تحت الخضراء من الأرامل والفقراء ديونه، ووفاؤها غير ممكن لك فقال الشيخ لرفع خجل الملك أيضاً هذا ذاك.
ثم قام الملك وأوصل إلى الشيخ مبلغاً ففرَّقه على فقراء ايران فلمّا كان اليوم الثالث جاء الملك إليه وبيده (قرآن) خزنوي نفيس لا تُقدَّر قيمةٌ له، وعصى كذلك بعنوان الهدية فقبل الشيخ ذلك.
ثم لمَّا رجع الشيخ إلى العتبات المشرفة أرسل الملك خلفه أموالاً كثيرة والتمسه أن ينفقها على نفسه فوصلته في الكاظمين (علیه السلام) وبغداد ففرّقها على القاطنين ولم يُبقِ لنفسه منها شيئاً، وقال: الفقراء نفسي.
ثم عاد إلى ما كان عليه من التدريس بالعلوم البديعة، والاشتغال بما يستوجب به في الدارين نيل الرتب الرفيعة، حتى مضى إلى رحمة ربه إمامُ الشيعة وركن الشريعة فنصبت له مآتم العزاء بكل بلد وتلاحم عليه بالنوح كُلّ أحد.
إنتهى ما انتخبناه من ترجمة السيد (رحمه الله) وقد بلغتنا حكاية (الدين) التي
ذكرها انها من الشيخ الكبير فكتبناها سابقاً على ما سمعنا والسيد ذكرها عن الشيخ والله أعلم.
وقال الشيخ صالح التميمي كما نقل عن ولده انّي بعد وفاة المرحوم الشيخ موسى أنا لا ألتذُّ بطعام، ولا أهجع بمنام من أليم المصاب، وعظيم الحزن والاكتئاب لفقد تلك الأيادي الفضيلة، والهمم الجزيلة، فيا ويح نفسي لبقائها بعد وفاته، وكيف لا تجزع عند فراق من عاشت على أقلّ هباته، وأيم الله لقد صادفت في حياته المنزل الخصب، والسلامة مع الأمن من كُلِّ خطب، ولما استقر الأمر لشقيقه الجد التقيّ سميّ ابن عم النبي (صلی الله علیه وآله)، الشيخ عليّ، أرسل اليّ كتاباً مشتملاً على نوع سؤال وعتاب، ويذكرني فيه ما مضى، ويعرّفني ما به الله قضى، فكتبتُ له الجواب، وسألته العفو من كُلِّ باب، وكتبتُ في صدر الكتاب هذه الأبيات:
وهل يخضرُّ عيشُ فتيً ترامتْ *** به أيدي النوى عَنْ آل (خِضرِ)
وددتُ لو أنّني من قبلِ (موسى) *** نُقِلتُ على رضىً منّي لقبري
ولم أكُ بعدَهُ حيَّاً ولكنْ *** برغمِ إرادتي، الأقدارُ تَجري!
وله أيضاً مؤرخاً عام وفاته (قده) من قصيدة:
هو الدَهرُ قِدْماً سلمُهُ مثلُ حربهِ *** ومنْ أمنهِ تُنْمى صوارمُ غربهِ
فأنْ كنتَ في شكٍّ من الدهر فاعتبرْ *** بموسى وقبرٌ قَدْ كساهُ بتُربهِ
أضاءَ كبدرِ التمِّ فينا عشيَّةً *** وبالصُبح قَدْ سار المنونُ بركبهِ
لكُلِّ امرئٍ حِزْب من الناس شائعٌ *** و(موسي) الندى والجود من بعض حزبهِ
تمسّك بقلبِ الصبر ساعة أرّخوا *** (جهاراً سعى مُوسى لميقاتِ ربهِ)
وقد حاول معنى جيداً فلم يساعده السّبك.
وأ- نسن ما يعجبني في هذا المقام من التواريخ قولٌ للشيخ مُحَمَّد رضا النحوي مؤرِّخاً عام ختان الشيخ موسى وهو:
تطهّر موسى بالختان وأنه *** فتى طاهرٌ من طاهرٍ مُتَطهّرِ
وما كانَ مُحتاجاً لذلك إنما *** جرتْ سُنَّةُ الهادي النبيّ المُطهّرِ
هنُالكَ قَدْ أَنشدتُ فيهِ مؤرخاً *** (لقد طهَّر الرحمنُ موسى بن جعفرِ)(1)
1) وفي التاريخ إشارة إلى اسم الخاتن وهو عبد الرحمن. وذكر الشيخ اليعقوبي في البابليات، ج 2، ص 13، أنّ حساب التاريخ مطابق لعام 1198 ه، وذلك أنَّه عدّ الألف المقصورة بالعدد (10). أما إذا عُدَّت بالعدد (1) فانّ التاريخ سيكون مساويا لسنة 1189 ه، وهو الأقرب إلى الصواب
وللشيخ صالح هذا في بيت الشيخ أشعار كثيرة خصوصاً في الشيخ موسى فأنه كان قَدْ استرقّه بنواله
ولا غروَ: (فَمَنْ وجد الأحسان قيداً تقيّدا)
فإذا أعثرنا الله على شيء منها غير هذا أدرجناه إن شاء الله.
(بندٌ)(1)للشيخ ابراهيم قفطان في رثاء الشيخ موسى
ولنختم هذا المقام بالبند الذي وعدنا به، وهو من أحسن ما رأيت في بابه، قال الشيخ إبراهيم (رحمه الله):
أخرس النّاعي لساني، وشجاني، فلعمري لست أدري ما مقالي، والليالي، قَدْ أراعتني بتخفيق لواها، وعلتني بصقيلات صُباها(2)، فهي لا تصغي إلى طور عتابي، وطوتني بالأسى طيّ جوابي، يا لحا الله كم تجرح قلبي، بمواضي مزّقت أحناء لبّي، ورمتني كمداً فتّ بأعضائي، وأودى قبس الوجد بأحشاي، فسحب العين تهمي فوق خدّي، كلما أبرق وجدي، مَن معيني في حنيني، وسؤالي من ضلالي، أربعاً حادثة العهد، بها للمجد أطلال تداعَين، ونأيٌ خطّه البين، فما أقصر ما أقفر ناديه، وما أعجل ما أمحل واديه، وعهدي بفنا الدار، حمى كعبة زوّار، ومن نور هداها، ينجلي عَنْ أعين العُمي قذاها، وبها مفعم جدوى، ورياض أزهرت علماً وتقوى، لمنى الأمل والعامل، يا طول عنائي، أي شيء أهتديه، في رثائي لكليم الله، عين الله، باب الله، جنب الله، أذن الله، علم الله، استحقر قولي فيه، بحر غاض، سیل فاض، مجد خرّ، لطف فرّ، شرع حال، عرش زال، رکن، مال، غوث شفّ، غيث جف، رضوی خف، دین خاب، بدر غاب، عن أفق سما علياه، كنا بمحيّاه، هدانا، وبيمناه غنانا، وبمعناه حمانا، عجباً سرعان ما أضحى مناخاً لبنات الدهر، حتى أعقب الآمال يأساً لا نجاحاً، فعلى الدهر، قناع الخسر، أنّى اختطفت طير مناياه، إماماً درس الأسلام لولاه، وأطفى قبس الدين، وأخفى قمر الحق عن العين. رويداً أيها الطاعن عنّا، واحبس الركب بمسراك، لنهدي بسنا نيّر علياك، فويلي ثم ويلي، كيف لا يظلم يومي مثل ليلي، أي عذر لي إذا لم أمس بالوجد حريقاً، تحفز العين من الدمع
عقيقاً، وأنح نائحة (الخنسا) على (صخر)، وما (صخر) و(خنساه)، وفي عيني قذى عائر أجفاني، وفي جفني سفا سنبل أحزاني، معاذ الله أن أسلاه ما دمت، وقد كنت ولا أعرف ما النكبةُ لولا، لي الله على ذاك لي الله، ولكني وإن عزّ عزائي أردع القلب وأنهاه، بأمجاد رقوا هام (السماكين) فخاراً، وبنوا للمجد والعلم مناراً، إخوة غُرٌّ، وأقمار ندى زهر، فمن تلقاه منهم يتلقاك، بوجه يستر البدر، وكفّ يخجل البحر، وأنس يثلج الصدر، وبأس يفلق الصخر، وقد أودعها الله بلا ريب، تعالى الله عن مكنون علم الغيب شطراً، ومن الحكمة ستراً، فهم أضحوا لنا غيثاً مريعاً، وربيعاً، ولشرع المصطفى حصناً منيعاً، فسُلوّاً واصطباراً يا حماة الدين.
ثم وقع الناس بالأضطراب الشديد، في أمر التقليد، وباؤا بالحيرة والخسران، وجعل كُلّ يختار شيئاً ويتّفق عليه ثلاثة ثلاثة، وإثنان إثنان؛ حتى كثر الجدال، وتزايد القيل والقال، فاجتمع جماعة من العلماء الصالحين، من الشَيَبة المُسنّين، وجعلوا يوماً للاختيار والتعيين، وكان الأمر قريب الانحصار بالشيخ عليّ. ولكن كان بعض العلماء الأساطين من تلامذة أبيه وأخيه يجاذبه لها، وينافسه عليها، الى أن اجتمع العلماء في المسجد الهندي. وكان أغلب من حضر من المبرّزين كالشيخ خضر شلال(1)، والشيخ محسن خنفر(2)، وبعض السادة القزاونة(3)، ومشايخ الأعاسمة، وغيره من أمثالهم فوقع اختيارهم على الشيخ عليّ بعد الترجيح وتميّز طرفي الترديد، وأن لا يقلد أحد غيره في جميع الآفاق فخرجوا وأعلنوا بذلك وأرجعوا جميع الأطراف إلى الشيخ عليّ فيقال إنَّ بعض العلماء ممن لم يحضر المجلس ممن كان يتمناها لنفسه، طيب الله ضريح رمسه، خرج إلى الحرم الشريف للزيارة فرأى في الرواق المطهر بعض من يعلم أنَّهُ من كان في المجلس وقيل هو الشيخ محسن خنفر، فقال: ما صنع أهل (السقيفة) منذ اليوم، فقال له مسرعاً بالجواب: نصّبوا (علياً)!!
ثم جعلت العلماء تختلف إلى درسه والحضور تحت منبره، وتشييد أمره ومفخره، لمَّا رأوا
1) الشيخ خضر شلاّل، من كبار فقهاء عصره، ولد حدود سنة 1176 ه / 1763 م، وتُوفي سنة 1255 ه / 1839 م
2) الشيخ محسن خنفر، فقيه إصولي ومحدّث، ولد سنة 1176 ه / 1763 م، وتُوفي سنة 1270 ه / 1854 م
3) وهم السيد باقر القزويني المُتوفى في الطاعون سنة 1246 ه / 1830 م، وابن أخيه السيد مهدي القزويني (الذي أصبح زعيماً للطائفة فيما بعد)، والمُتوفى سنة 1300 ه / 1883 م
من غزارة علمه وتبحّره، وحسن هديه في الله والناس بسِيَرِه. فلم يزل يكشف لهم عن غامضات الأسرار، والحجب والأستار، وينثر من فوق أعواده على تلاميذه ما لم يعهد مثله بأساتيذه، من عويصات يدق دونها الفكر الدقيق، وتحقيق مشكلات يعجز عن الوصول الى أدنى مراتبها أولو التحقيق، حتى سمّي بالمحقق الثالث(1)
أمّا المحقّق الثاني فهو لقب لحق الشيخ نور الدين علي بن الحسين الكركي المُتوفى سنة 940 ه / 1533 - 1534 م) الذي كان من كبار فقهاء الدولة الصفوية، واشتهر بمؤلفه الفقهي «جامع المقاصد»
كما ذكره في «قصص العلماء» وهو بها دونهما حقيق، وصارت كلمته بالله هي العليا، وكلمة أعدائه هي السفلى، وانحصر أمر تقليد الأمامية به على الأطلاق، خصوصاً العراق، وصارت الأموال تجبى إليه من كُلّ مكان، وتتمنّى المثول بين يديه الوزراء والأعيان وجرى أمره عليهم، ومضى حكمه فيهم.ومجمل القول فيه، أن الأمر رجع له كما كان لأبيه وأخيه، ولم يضرّ بمعاليهِ بعض معارضيه في أمر ترقّيه، ولكن قنعوا منها، بالعزلة عنه وعنها، وترشيح النفس لها:
(إذا صادفتْ نفسٌ عليّ أجلَّها)
ولما كثر القول في المرجعية أولاً وعارض من عارض أخيراً أكثرت الشعراء بنظم ما ورد في حق أمير المؤمنين (علیه السلام)، وجعلوها من باب التطبيق في الشيخ عليّ وأنه هو المقدم. فبعضهم نظم الحديث المشهور «عليّ مع الحق، والحق مع عليّ»، وبعضهم شبّه الواقعة بتلك (الواقعة)، إلى غير ذلك. ولكني أحسن ما رأيتُ في هذا الباب من الفذلكة الحسنة المبتكرة، مع عدم التشنيع على أحد العلماء، فأنا إنّما أعرضنا عن ذكر تلك الأشعار لِما فيها من الهجو الصريح لبعض حجج الله الأبرار، فما أحببنا تلويث كتابنا بها. ولكن السيد باقر بن السيد إبراهيم الكاظمي سلك مسلكاً لطيفاً عفيفاً حيث قال من مقطوعة لم نجد منها إلاّ قوله:
أقول لطامحين لها أفيقوا *** فهذي (حبوَّةُ) الشيخ المُطَهَّرُ
ولاها (جعفرٌ) حتى إذا ما *** قضی، قصرتْ على (موسى بن جعفرْ)
وبعدهما تولاها (عليُّ ال *** رضا) أكرمْ بهم قوماً ومَعْشَرْ
1) لقب (المحقّق) أطلق لأول مرة على نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن الحلي الذي اشتهر بلقب المحقق الحلي، المُتوفى سنة 676 ه / 1277 م، نتيجةً لجهوده الفقهية المتميزة، ومحاولة إعادة ترتيب مباحث الفقه، وتبويبها على خلاف الطريقة السائدة من خلال كتابه «شرائع الاسلام في معرفة الحلال والحرام» والذي أصبح موسوعة فقهية لا زالتْ مدار الدراسة في المراكز الدينية الشيعية حتى اليوم.
بذا الترتيب جاءَ النّصُّ فيهم *** وأمرُ اللهِ كانَ هو المُقدَّرْ
والحاصل لم يحل عام وفاة (موسى) إلاّ وتمهدت (لعليّ) أخيه الأمور، وأذعن له جميع الأعيان وسلّم به الجمهور، حتى أخوه الحَبْرُ التحرير، المتبحّر البصير، عديم المثيل والنظير، علم العلم المشهور، ولواء الشرف المنشور، الذي كان أكبر سنّاً من الشيخ علىّ، وأعظم قدراً عند الأعراب والعوام، وأطوع أمراً عند الملوك والحكام، وأبعد صيتاً في الأقطار، وأرسى قدماً لكبره في الفخار، وأكثر عطاء وبذلاً، وأغزر شهامة ونبلاً، ولكن هذا العلم العيلم، لم يبق له الآن اسم ولا رسم، قد خفي أمره، واندرس ذكره، فوآ لهفة الدّين والأيام عليه. وسبب ذلك عدم (النسل) أولاً، فأنه لم يُعْقِبْ سوى بنت واحدة كانت تحت ابن عمها الشيخ جعفر بن الشيخ عليّ(1)، وسيأتي (إن شاء الله) باقي الخبر، وعدم (التصنيف) ثانياً.
ومجمل أحواله فأني أعلم منك أيها الناظر في هذه الرسالة، لا تحب التطويل في قضاياه، وذكر محاسن سجاياه، لعدم معرفتك له، وأنا ضربت عنها صفحاً لذلك. على أنها غرر وأوضاح، وريحان وأرواح.
والحاصل أنَّه كان مجتهداً مبرّزاً في أيام والده، فلما توفي أبوه، وانتقل إلى الحلة بأهله وقومه (موسى) أخوه، ثم سار إلى الكاظمين (علیه السلام). فلما قتل الله عدوّه(2)، وكفاه شرّه، رجع إلى النجف وبعث إلى أهله وكانوا بالحلّة فرجعوا وبقي الشيخ مُحمَّد هنالك بالتماس رؤسائها وأشرافها، فأجابهم إلى ذلك لميل طبعه للبقاء، وعلمه أنَّه لو رجع الى النجف فأنّما يكون تحت أوامر أخيه وهو يرى القابلية لنفسه استقلالاً، وأنه مثل أخيه في الفضيلة ولا يمكنه الاستقلال بالنجف لوصيّة أبيه واشتراطه على سائر أولاده طاعة ولده موسى كما رأيته صريحاً في (وَقْفيَّة) الدور، وأن الخارج من طاعة موسى خارج من الموقوف عليهم.
فبقي الشيخ مُحَمَّد بالحلة مطاعاً ناهياً أمراً عظيماً مقلّداً، فاستأنس بمقامه فيهم لكثرة إعزازهم له واحترامهم، وكان يحب النوادر واللطائف المضحكة والأشعار والتواريخ. وكان كثيرٌ من هذا القبيل في بلد الحلة فانضمّوا بخدمته وعاشوا على نواله ونعمته.
فمن أصحابه ملا حسين صاحب النوادر والنكات الغريبة، (وسيأتي كثير منها في
ترجمة الشيخ حسن). ومنهم الشيخ صالح التميمي وله فيه أشعار كثيرة، منها ما نقله ابن الشيخ صالح ونصّه:
قال يمدح العلامة الفاضل المرحوم الشيخ مُحَمَّد آل الشيخ الكبير، ومقدمة ذلك عقد امرأة من آل مالك أقربائه، وهي:
هوى بين مُخْط وعده ومصيبِ بهذا غنىً عن سائل ومجيبِ
أما واللحاظُ البابلية حلفةً *** وميلاتُ مهزولِ القوامِ رطيبِ
وتغريدُ سجع الحِلْي في ساقِ كاعب *** بأصناف ألحان الهوى وضَروبِ
لقد فاز فيما يملأُ العين قُرَّةً *** بِغيض بعيد وابتهاجِ قريبِ
أخو العَزَماتِ الغُرِّ أعني (محمداً) *** ربيع اليتامى أُنس كُلِّ غريبِ
رأى درةً بيضاءَ في آل (مالكٍ) *** تضيءُ لغوّاصِ البحارِ رَكوبِ
عقيلةَ زخّارٍوإنْ نَضَبَ الحَيا *** فما كفَّهُ فما كفَّهُ يوم العطا بنَضوبِ
متى قاصراتُ الطَّرفِ أبصرنَ خدرَها *** تيقنّ شمساً حجّبتْ بمغيبِ
غزاها وأهل القريتين شواخص *** بكل ملبَّ طاعة ومجیبِ
رأى أنّه أولى بها لقرابة *** تضمهما أصلاً لخيرِ نجيبِ
فأصلتَ رأيَ ابن النبيِّ وأنَّهُ *** لأصْلَتُ من نار ذكتْ ولهیبِ
وما خافَ من واشٍ يرنّق ورْدَهُ *** ولا من مُريبِ في ثياب قريبِ
أخا المجدِ، وابنَ المجدِ تعلم أنَّ لي *** بديعاً له قَدْ دانَ كل أديبِ
منحتُكَ كَنزاً لَوْ أَجودُ ببعضهِ *** سكنتَ بواد في الغناء رحیبِ
وأني على بُخلي بِسَوْمِ بضاعتي *** بَذلتُ كأنَّ البذل كانَ نصيبي
إنتهى محل الحاجة منها.
ومنها: ما نقله ابنه أيضاً عن أبيه أنَّه قال: وشى بي قوم عند الشيخ مُحمَّد، وقالوا له: عرّض بذمِّكَ، وحاشا وكلا أن يصدر ذلك مني وهيهات أن أسلك تلك المسالك، وبالخصوص فضله عليّ لا يحصى، وإحسانه لا يستقصى. فحين أخبرتُ بذلك أتيته معتذراً عما قيل، واتفق ذلك اليوم يوم عيد الفطر. فأنشدته قصيدةً غرّاء في حرف (الراء). (ولم يجد المؤلف منها سوى هذه الأبيات وتعذر الباقي)، وهي:
يا حصنَ مَنْ لا له حصنٌ ولا وِزَرُ *** إِنِّي أهنّيكَ طوراً ثم أعتذرُ
ما للورى بهلالِ الفطر من إرَبٍ *** إنْ صمتَ صاموا، وإن أفطرتهُم فطروا
نحرتَ بالعيد عنّي كُلّ حادثةٍ *** فما أبالي إذا لم تنحر الجزرُ
لا ذنبَ لي عند حُسّادي سوى أدبٍ *** وشهرة دُفنوا فيها وما نُشِروا
بلاغةٌ طارَ في الآفاق طائرُها *** في كُلِّ قُطْرِ لآدابي ولي خَبرُ
لم أكترث بل ولم أعباً بكثرتِهمْ *** سعادةُ المرء إنْ حُسّاده كثروا
إنتهى.
وقد رأيتُ أنا في ورقة من الأوراق التي جمعها والدي لمَّا أراد جمع مآثر هذه الطائفة، وأظنها للشيخ صالح التميمي بالنسبة إلى شيخ مُحَمَّد بن الشيخ، ويحتمل أنها لغيرهما(1)، وعلى كُلِّ حال تذكر الأبيات لحسنها.
قال الكاتب: وكان عمدة العلماء الأجلّة، حين استقامته بالحلّة، جالساً بين جماعة فأرادوا أن يحرّكوا سلسلة المداعبة، لعلمهم بأكيدة المودّة والمصاحبة، فنقلوا عن (الحقير)(2)، ما لا يليق بجنابه الخطير، من ضروب الجفا والتقصير، فجرى على ظاهر الحال، وجرّد صارم المقال، وأرسل (للحقير) بيتين، وهما:
أرى كُلّ ذي عزّ بعينيَّ صاغراً *** وأنتَ بها في كُلِّ آونة تسمو
إذا بلَّغوني أنّ مثلك ذاكري *** كفاني به عِزّاً ولو أنّه شَتْمُ
فأجبتُه على الوزن والقافية، ونلتُ بذلك منه المودّة الصافية:
فريدَ المعالي الغُرّ بهجة أهلها *** بيوم لها لم يبقَ إسمٌ ولا رسمُ
أفي الحق أن أعزى إلى الذمّ والذي *** عليه انطوى سرّي لك الحمدُ لا الذمُّ
1) علّق المؤلف على هذا الموضع بقوله «وبعد ذلك انكشف أنها للشيخ موسى شريف وهو من أعاظم شعراء ذلك العصر وهو من الطائفة المعروفة ببيت محيي الدين». والشيخ موسى هو ابن الشيخ شريف آل محيي الدين المُتوفى سنة 1285 ه / 1868 م
2) كان استعمال كلمتي (الحقير) أو (الأحقر) شائعتين في وسط علماء الدين، والأدباء على حدّ سواء في التعبير عن النفْس إظهاراً للتواضع، والزهادة، وعدم التبجُّح. وهاتان المفردتان من مختصات القرن التاسع عشر الميلادي حتى منتصف القرن العشرين. وقد تضاءل استعمالهما بتطوّر وسائل التعبير والمخاطبة
وكيف تراني أرمي عرضَك جاهداً *** وعرضُكَ ما يومٌ أُريش له سهمُ
فهَبنى تعاطيتُ (المسبّةَ) عامداً *** أليس الذي يُرجى بك الصفحُ والحِلمُ؟!
إذا كنتُ نَفْساً منك أُدعى فما الذي *** يضرّ إذا يوماً أضرَّ بها الجسمُ
أبا (قاسم) سمعاً لما أنا قائلٌ *** وإنْ لم يفِ فيما أقول به نَظْمُ
ودونَكَ قَدْ أوتيتُ علماً وحكمةً *** ببعضهما تنقادُ قَسْراً لك الشمُّ
فكم سالَمَ الأنسان من هو حربُهُ *** وحاربَ مَنْ قَدْ راح وهو له سلمُ
وما آفةُ الأنسان إلاّ لسانه *** وأفعاله أفعى له، والهوى سُمُّ
وجَور ذوي القربى هو الجور والعنا *** وظلم ذوي الودّ القديم هو الظلمُ
ولا خير فيمن لا يوقّره التُقى *** ولا خير فيمن لا يصدّره العلمُ
وآذوك خَلْقُ مَن يقدّم نفسه *** وليس له في كُلّ مكرمة قِدمُ
وأنّي امرؤٌ ما ضيّع الحزمَ ساعةً *** ولكن لَعَمْرِ الله ضيّعني الحَزمُ
سموتُ بجَدّي بل بجدّي وقلَّما *** من الناس يوم السَبْقِ مَنْ بهما يسمو
وما من فتىً حاز السباق إذا جرى *** (بجدِّيهِ) إلاّ والأنامُ له خَصْمُ
وكانت شعراء النجف تراسله الى الحلة وتستجديه، فيبعث لهم بالأموال والهدايا. فمن ذلك ما بعثة الشيخ ابراهيم قفطان سنة 1244 متعرضاً لمدح أبي حسن بيك داود پاشا(1)وقد قتل بعض طوائف العرب، معرّضاً بأعدائه وحُسّاده، وهي:
ربوع (الجامِعَيْنِ) استوقفيني *** سقاكِ مضاعف الغيث الهتونِ
أُجدِّد للهوى عَهْداً وأقضي *** على رغم العذول بها شؤوني
يحرِّكُني الهوى شوقاً إليها *** فيُمسي يمسي في معاهدها سكوني
أَلا مَنْ مبلغاً عنّي سلاماً *** إلى حيٍّ بجانِبِها قطينِ
أنستُ بأهلهِ وأقمتُ فيه *** زماناً أتقیهِ ویتقیني
وأطمعني الهوى شهداً وغنّتْ *** بهِ وِرقُ(2)السرورِ على الغُصونِ
أهيمُ إذا سمعتُ حنينَ (ليلى) *** إليّ فأبلغوا ليلى حنيني
وحيّوا حيَّها عَنْ مُسْتَهام *** تحيةَ مُوْلَع ظنينِ
وردّي يا أميمةُ لي بقايا *** فؤاد في منازلها رهينِ
جنونُ (العامريِّ) يدورُ حيناً *** وأطبقَ في الهوى (ليلى) جنوني
أمیمة عند ذاكَ الحيّ رَبْعٌ *** تنازعنا به سفك الدّنونِ
مُداماً دبَّ في رأسي هواها *** كما دبَّ الرقادُ على جفوني
تذكرني فقاقعُها أكفاً *** فقاقعها من الدُرِّ الثَمينِ
وتُشْبِهُ في تشعشعها لُجيْناً *** يذبُّ به ابنُ (جعفرَ) عن ديوني
(محمدُها) وأحْمَدُها صفات ***وأرشدُها إلى نهجِ اليقينِ
وأمجدها وأجملها ثناء *** وأنداها بكالحةِ السنينِ
وهل عَذُبَ الثنا في كُلِّ فردٍ *** تَعالى عن نظير أو قرينِ
غنيٍّ في العُلى عن رسم حدٍّ *** مُطاع في الملا ملك مكينِ
عليم ينتهي في كُلِّ علم *** إلى نفثات (جبريل) الأمينِ
يفيضُ العلمُ من بحر غزيرٍ *** وينفق منه عن كنز دفينِ
مناقبُ قَدْ عَقَدْنَ عليكَ عِزّاً *** تكلُّ لديه باصرةُ العُيونِ
سمت في دولة الملك المُفدّي *** حسام الدين والعضب اليمينِ
ورُبَّ طوائفٍ مالتْ سفاهاً *** معاطفُها على عِلْج خؤونَ
يزخرفُ من وساوسهِ أماني *** تَمرُّ على المسامع كالطَّعينِ
فعالَجَها (أبو حسن) بجيش *** يثجّ صواعقَ الحرَبِ الزبونِ(1)
وأغمد في جماجمها حساماً *** أقلّتْهُ يدا ليثِ العرينِ
حُساماً في لظى الهيجاء يتلو *** على فُرْسانِها «يا نار كوني»!
فتلكَ رجالُهمْ صَرْعى وأسرى *** تُجزّرُ في السهول وفي الحزونِ
وسامَ حصونَهُمْ رَدْماً فأمستْ *** تُنادى أينَ سكانُ الحُصونِ
فيا مَنْ طالتِ الأفلاكُ فيهِ وخبَّرها عن الرسم المُبینِ
1) يَثجُ: يُطلق عليهم صواعق الحرب
رجوتُكَ والكليمُ أخاك عَوْناً *** على (دَيْنِي) المبرّحِ بي، و(دِيْنِي)
فحال الدهر دون أخيك عني *** فيا للدهرِ صاعقة المنونِ
وأبقاكَ الزمانُ عليَّ ظلاً *** ظليلاً عن نوائبهِ تقيني
لكَ السَبقُ الجليُّ بكُلِّ مجدٍ *** على حلباتِ أسلافِ القُرونِ
ظننتُ بكَ الجميلَ فلا تُخيِّبْ *** وحققْ أيُّها المولى ظنوني
إليكمْ أيُّها الغُرماء عني *** دعوني أنَّ لي أملاً دعوني
ركنتُ إلى النّدى كهلاً وطفلاً *** فكانَ إليكَ في أملي ركوني
والحاصل أَنَّهُ كان (رحمه الله) ممن ألقى إليه الدهر مقاليده، وأعطاه الشرف والفخر طارفه وتليده.
وكان أهل تلك الأطراف يسمونه بالذي (يفكّ من الصلب)، وهو مَثَلٌ يُضرب لمن تنتهي إليه رئاسة الأمر والنهي، ولكن كان الشيخ مُحَمَّد هذا منطبقاً عليه هذا المثل في الواقع. وذلك أن بيك الحلّة، وواليها كان ناصباً على باب محكمته جذعاً، وكل من سخط عليه أمر جلاوزته فصلبوه عليه، فكان أهل المصلوب تستجير بالشيخ مُحَمَّد فيبعث وكيله إلى بيك الحلة يأمره بأطلاق المصلوب، فأنْ أدركه قبل هلاكه أطلقه وإلاّ أخذ من البيك ديته وأعطاها لأهله. وكان كُلّ ذلك ببركة وجود الشيخ موسى وجلالة قدره ونفوذ أمره على سلطان العراق الذي ضُربت (السكّة) باسمه (داود پاشا) منصوب الشيخ موسى(1). فکان الشيخ مُحَمَّد يصول بساعد أخيه، وكانت أهل الحلّة تخشاه وترجوه أشد مما تخشى حكامها، وكانوا إذا مدحوه ذكروه في مرتبة أخيه خوفاً من بأسه.
فمن ذلك ما قاله الشيخ صالح التميمي أيضاً يمدحه مع أخيه الشيخ موسى (رحمهما الله):
مَنْ لي بوصف (مُحمد)، وصفاتُهُ *** طارتْ بقادمتي عقاب طائرِ
في الجَدْب تُسْتَسْقى مواهب كفّه *** فتصوب تبراً عن ملثٍّ هامرِ
هو رحمةُ الله التي هي نعمةٌ *** للمؤمنين، ونقمةٌ للكافرِ
1) يُشير المؤلف بهذه العبارة الى وساطة الشيخ موسى کاشف الغطاء لدى الشاه مُحَمَّد علي القاجاري في تسوية الخلاف بين الدولتين الفارسية والعثمانية وإطلاق سراح المُعتقلين الذين أسرتْهُمْ قواته إثر واقعة عسكرية
إن كانَ (مُوسى) فيه قامتْ حجّةٌ *** (بمُحمدٍ) حججٌ بدتْ للناظرِ والفرقدانِ كلاهُما في رُتْبَةٍ *** ما فيهما حيثُ العُلى مِنْ قاصر
فاسلمْ ودُمْ حيثُ الأراملُ ما لها *** مِنْ كافلٍ كلا ولا مِنْ ناصرِ
وقال السيد في (يتيمته):
ونحمدك يا من تفضل علينا بالبدر الأنور، مُحَمد بن جعفر. والكلام فيه في مقامات.
الأول في أقواله: كان لا يفوه إلاّ حقاً، ولا ينطق إلاّ صدقاً، الى غير ذلك من الصفات التي عرفتها بأبيه وأخيه، إلاّ أنَّهُ ينقص عنهما بدرجة وهو عدم التزامه بحالتيهما من الضبط عن الملاطفة والمداعبة وإنشاء الشعر وإنشاده، حيث كان ساكناً في الحلة الفيحاء ولازم ماءها وهواءها ذلك.
الثاني في أفعاله: وكان كثير المساعي في الخيرات، والأعانة لأرباب الحاجات، كثير السهر في الليال، بعبادة ذي الجلال، وكان أكثر أفعاله الواجبات والمندوبات.
الثالث في علمه: وكان مدرساً بشرذمة قليلة من صحبه، مفتياً فيمن كان بين أظهرهم، حاكماً بما أنزله الله عليهم، ولكن لم يبلغ مراتب أبيه وأخوته على ما نقل. وما برزت له إلى الخارج مؤلفات معتنى بها، ومسألة يُعوَّل في التقليد عليها، ولكن الاجتهاد فيه محقق ثابت، بل هو قليل في حقه، فقد وفى بإيجاز العلوم وتطويلها، وأحاط خُبْراً بكثيرٍ وقليلها.
الرابع في حالاته وعزّته وعلوّ قدره: وكان جليلاً في الأنظار ولاسيّما في أنظار ذوي المناصب والحكام، فكم من أسير أطلق، وكم من مطلق أسر، وكم من طريدٍ أواه، وعار كساه. وكان مهاباً كأبيه تُخشى سطوته، وتُرجى نعمته، ولا تُؤمَّن نقمته، وما انطوت على غير الارتباط مع جبار السماوات سريرته، ولا يفخر وإن فعل ما فيه الفخر، ولا يأخذه العُجب من نفسه فيما جلب من نفع أو دفع من ضرّ. وكانت له هيبة في القلوب ورهبة تخشى منها الأسود، وسطوة تنجلي بها الكروب، وكان ذا مزايا كأمثال الشهب، يحق أن ترسم في صدر الكتب، ولكن منع من ذكرها قصد الأختصار، ومنافاة الغرض الذي عرفت، وإنا لسنا ممن عاصره.
الخامس في مساعيه: أمّا في السرّ فأرضاء باريه، وأمّا في العلن فقضاء أمور المسلمين والاهتمام بمطالبهم، وإنجاز مآربهم، وفك المسجونين، ودفع مظالم الجائرين، وتشييد أركان الشريعة، وتأييد الشيعة، كُلّ ذلك ابتغاء مرضاة الله تعالى.
السادس في عقبه: ولم يعقب سوى بنت هي حليلة البرّ الشيخ جعفر، ابن عمها الشيخ علي نجل الشيخ الأكبر.
واجتمع عليه عدة من المشتغلين من أهالي الحلّة وغيرها، فكان يباحثهم فقهاً وأصولاً. فمما يُنقل من نوادر ملا حسين أنَّهُ قال للشيخ مُحَمَّد، وكان الشيخ عازماً على المسير إلى النجف للزيارة: أعطني (كذا) مقدار لأعطيه لعيالي مَصْرَفاً وامض للزيارة وإلا (خجلتُكَ) في النجف، فأعطاه الشيخ نصف طلبته. فلما جاؤا إلى النجف نزلوا عند الشيخ علي ابن الشيخ الكبير، فلَّما صار العصر واجتمع العلماء عند الشيخ مُحَمَّد، (والشيخ عليٌّ حاضر) إلتفتَ ملا حسين وقال للشيخ علي: يا شيخنا إن الشيخ مُحَمَّد يباحث في الحلّة، فقال له: سمعتُ ذلك وفقكم الله، فقال: ولكن ما أظنك سمعتَ بأنه لم يُبقِ سوقاً لكم بكثرة التفريع والتشقيق والاستنباط حتى أنسى ذكر أبيه وأخيه. فتعجب الشيخ علي والعلماء الله وقالوا: كيف ذلك؟ فقال: إنه كان يباحثنا في كتاب الوقف فقال عند الشروع به بسم الرحمن الرحيم، (بحماسة وصوت عال): لو قال الواقفُ (قوق) لم ينعقد الوقف ولو قال (قيق) لم ينعقد ولو قال (قاق) لم ينعقد أيضاً. وكذا صنع في كتاب الطلاق فأنه قال بعد البسملة لو قال: (طيط) لا طلاق، ولو قال: (طوط) أيضاً لا طلاق، ولو قال (طط) أو (طاط) لا طلاق.
فلم يزل ملا حسين يحرك يده ويهزّ جسده ويده ويأتي بهذه المهملات وأمثالها حتى (أهلكَ) الحاضرين من (الضحك) حتى الشيخ مُحَمَّد. ثم التفتَ إليه وقال: هذا عوض المقدار الذي خلفته لك من طلبتي.
ولما تُوفيتْ زوجتُهُ بنت أزخار (رئيس عشيرة من الأعراب) إجتمع عليها ما يزيد على العشرة آلاف فارساً من الحلّة ونواحيها وجاؤا بها إلى النجف، وتُوفي هو في الطاعون سنة الألف والمائتين والسبعة والثلاثين، وذلك في الوباء الكبير الذي أفنى أهل العراق، فجاء بجنازته ثلاثة أنفار من خدمه فخرج الشيخ علي مع من بقي في النجف إلى خارج البلد واستقبلوه، وجاؤا به إلى مقبرة أبيه فدفنوه. فرئته الشعراء بمراثٍ كثيرة، وأحسنها ما قال الشيخ إبراهيم حيث قال يعزّي أخاه ويرثيه:
طالعتُ نعشَكَ والقَرينُ الفَرْقَدُ *** لا تعجبوا فالنعشُ فيه (محمدُ)
رفعتْهُ أملاكُ السماء مظنّةً أنْ في السماءِ لها إمام يُلْحَدُ
وهبطتَ في وادي الغريّ لتربة *** لك في صفائه مزارٌ يُعبدُ
في مشهد ضجّت ماتمُ أهلهِ *** أسفاً عليك فكُلُّ دار مَشْهدُ
لله تربتك الزكية كم بها *** - عكفتْ ملائكُ - ركّعٌ أو سُجَّدُ
وتضمّنتْ عِلْماً وحلماً راسخاً *** وندى وبدرَ هُدىً وفيها السؤددُ
واستنزلت فلك المكارم وانطوى *** فيها خصَمٌّ بالفضائلِ مُزْبدُ
عَجَباً لها ضمّت مآثرَكَ التي *** من دون عُدّتها الرمالُ تعدّدُ
يا ظاعناً عنّا وخلّفَ جذوةً *** في قلب كُلِّ موحّد تتوقدُ
أبداً فلا نارٌ تبوخ ولا حشا *** منا تقرّ ولا عيون تَجْمَدُ(1)
كَبِدٌ مُقرَّحةٌ وطرفٌ أرمدُ *** وحشاً مؤججةٌ وعيشٌ أنكدُ
وأضالعٌ مسجورةٌ بلظى جوى *** وحشاشة طاحتْ، ووجدٌ سرمدُ
أ (مُحمَّدٌ) ومَنْ الذي خلّفتَهُ *** فينا يغيثُ المُسْتَغيثَ ويُنْجِدُ
مَنْ للأماثلِ في شواكل دينها *** مَنْ للأرامل بعد يومك يَرْفدُ
مَنْ للسداد وقد تعفّى نهجُهُ *** فأغارَ أقوامٌ وقومٌ أنجدوا
مَنْ للعباد وقد أضاعتْ رشدَها *** في الدين والدنيا وأنت المُرْشِدُ
مَنْ لليتامى كالىٌ أو كافلٌ *** مَن للأيامي مسعف أو مسعدُ
مَنْ للأنام من المهالكِ منقذ *** مَنْ للمروع من الحوادث مُنجِدُ
مَنْ للمالك ساعدٌ ومُساعدٌ *** ولأنتَ طالعُها السعيدُ الأَسعَدُ
مَنْ في ثغور المسلمين مُرابطٌ *** رَصَداً وأنت لها الرصيدُ المُرْصِدُ
مَنْ للشريعةِ جامعٌ لشتاتِها *** فالشملُ منها إِذْ نَعَتكَ مبدّدُ
مَنْ للمحاريب التي أحييتَها *** متبتِّلاً في ليلها تتهجدُ
أُقبِرتَ بعد مفاخر بك قَدْ زَهَتْ *** والسيفُ مِنْ بعد الضريبةِ يُغمدُ
ومرحت في سَعَةِ الجنان، ومَضَّنا *** سجنٌ بحافته الصواعقُ تَرْعدُ
ماذا أقولُ معزّياً إخوانَهُ *** ولهم حجى رأسَ عُلاهُ ومحتدُ
قُلْ يا أبا (المهديّ) لا تجزعْ فما *** حيٌّ وإنْ طال البقاءُ يُخلّدُ
1) تَبوحُ النار بمعنى ينطفي لهبُها
وهو العليمُ بأنَّ عاقبةَ الأسى *** في النشأتين على العواقب تُحمدُ
وبعزّهِ سلوانُ آل (محمّدٍ) *** وبغير شرعتهِ الورى لم يقتدوا
رمز الكتاب بأنَّهُ النجمُ الذي *** لولا سناهُ عليهم لم يهتدوا
ضَرَبَ الجلالُ عليه رائقَ روقه *** وعلى شمائلهِ الخناصرُ تُعْقَدُ
يا آل (جعفرَ) أنتمُ البحرُ الذي *** هو للعوالم في العلوم الموردُ
ولأنتمُ البيتُ الحرامُ لنا به *** أمنٌ وينجحُ في فناهُ المَقصدُ
لكمُ المساعي الغُرُّ والمِدَحُ التي *** فیهُنَّ السنةُ الثناء تُغرّدُ
لكم الأيادي المالكات رقابنا *** طُرّاً فنحنُ لكم جميعاً أعبدُ
شيدتُم الأسلامَ وانتقضتْ بكمْ *** مِلَلُ الضَلال تنصّرٌ وتهوّدُ
وإذا ادّعيت لكم مقاماً دونه *** (زُحلٌ) فأقلامُ القضالي تَشْهَدُ
لا يستهلُّ وليدُكُمْ إلاّ بما *** فيه شعارُ الدين ساعةَ يُولدُ
أثرُ المفاخر في سواكم (مُرْسَلٌ) *** وحديثُ فَخْرِكُمْ (صَحيحٌ) مُسْنَدُ
إِنْ غابَ منكم (سيّدٌ) عنّا يَقمْ *** فينا بأعباء الأمامة (سيّدُ)
(أصلٌ) لكُلِّ فضيلة، (فصلٌ) بكُلِّ *** (قضية) ملك مطاعٌ أصيدُ
فَرْعُ قويمٌ، بابُ علم جُنَّة *** مستحقبٌ نقل الشريعةَ سيّدُ
بالرأي في فصل الخطاب مؤيدُ *** بالوحيّ في علمِ الكتاب مسددُ
يا مُفْرَداً في حفرةٍ أنسَتْ به *** وكذاك مَنْ سَكَنَ المقابرَ مُفرَدُ
كم لي على مثواك وقفة ناشدٍ *** لو كان يسمعُ مَيِّتٌ مَنْ ينشِدُ
أرثيك يا مَنْ لم أحُطُّ بثنائهُ *** ومَنْ المحيط بعَدِّ ما لا يَنْفَدُ
في زفرة حَنَتِ الضلوعَ على حشا *** ذابتْ فها هي لي قذىً تتصعّدُ
أو حسرة تزجى سواجم عبرة *** في أجرعيه فَمُبْرِقٌ أو مُرْعدُ
منّي إليكَ تحيةً موصولةً *** ما أنْ تزالَ بها الملائكُ تَصعَدُ
وكان رحمه على جلالة قدره وهيبته خفيف الأطراف حلو الشمائل يحب الهزل والمجون، بالضد من أخيه الشيخ عليّ فأنه كان وقوراً جهماً شرساً قليل الضحك كثير، فلذا كان رجوع الأمر إليه دون أخيه الأكبر زيادة على عدم جلوسه في النجف، فكان مسلك الشيخ علي أدخل في العلم وأوقع في نفوس العلماء.
ولنختم هذا المقام بكتاب رأيتُه في بعض المجاميع وأنه من الشيخ مُحَمَّد إلى الصدر لمَّا عُزل ثم أرجع إلى محلّه، وهو يدل أنَّ صاحبه له النصيب الأوفر من البلاغة والأدب، وهو:
إنّ أزهى درر تخرج من بحار الأشواق، وأبهى غرر تقذفها الأفكار بسواحل الأوراق، وأحسن رياض زهت في حدائقها لوامع الأنوار، وألطف رياض تفتقت من بواسقها كمائم سواطع الأزهار، وأعلى ما يتراسل به أرباب الوداد والوفا، وأحلى ما تتوشح به طروس الأتحاد والصفا، سلام صفت موارده، فأشعر بالوداد القديم، وعذبت مناهله، فأعرب عن عذوبة حب مستديم، وثناء أشرقت شمس جماله في جميع الآفاق، وبزغت كواكب إقباله مقرونة بجزيل الأشواق، ودعاء تزاهرت لئالئ أبكاره في صحائف الأوراق، وتفتحت أكمام نَوّاره بنسيم لطائف الأشواق، إلى قطب دائرة الجلال، وسمط قلادة الكمال، سليل الفخار، رفيع بناء المجد عالي المنار:
(بسيط) اليدين (سريع) الأيادِ *** (مديد) النِجار (طويل) النجادِ
الأريحيّ الذي يهتز للعطاء، (كما إهتزَّ تحت البارح الغصنُ الرطبُ)، ويلتحف ببهجة السخاء، (كما التقت الصهباءُ والباردُ العذبُ)، الألمعي الذي يستقرب الأقصى بأقرب إيحاء، وأوجز إيماء(1)، كيف لا وهو من كرم الأخلاق، في ملابس لا يقدر الدهر على إخلاق جدَّتِها، ومن طيب الأعراق، في مغارس لا يستطيع الزمان إبلاء بُردتها، مولى ألقت إليه العباد مقاليدها، ومَلَكَ من المعالي طارفها وتليدها، مدّ الله أطناب ظلاله في دولة راسية الأوتاد، ونعمة متصلة الأمداد، إلى يوم التناد، بمحمد (صلی الله علیه وآله) وآله.
أمّا بعد: فأنّه لمَّا اتصلت البشائر مما جدّد الله من المجد، لقرين السؤدد والسّعد، من النعمي، وأضاف إليه من السعادة الكبرى، كان جديراً بالتهنئة الرائقة، والدعوة الصادقة، فهنّاك الله بهذه المناقب التي لم يَحْزُها مَنْ نقّب في الأرض وطوّف، ولم يحظ بها من طلبها ولو تكلّف:
ما كُلُّ مَنْ طلبَ المعالي نالَها *** كَلا ولا كُلُّ الرجال فحولُ
وأسعده الله بهذه المنزلة التي كانت مشتاقةً إليه شوق الصادي الى الماء، والعليل إلى الشفاء، والمهجور إلى الوصل واللقاء، فمرحباً بذي المساعي الغرّ وأهلاً، وسقياً لمن سقانا من سحاب ودّه علاً ونهلاً، وبشرى سعادة ترجى من الله أن يصل أولاها بأخراها، وجلالة
1) علَّق المؤلف على هذا الموضوع بقوله «هذه الفقرتان على ما ببالي لبديع الزمان»
نؤمّل أن يبلغ سدرة منتهاها، ونعمة أدام الله أيام جمالها، وأفاض عليها صافي سجالها، والسلام .
ولنرجع إلى إتمام أحوال الشيخ عليّ فنقول:
هو أجلّ من أن يذكره الذاكر بأطراء، وأعظم من أن يفرط فيه المادح بالثناء. أمّا جوده فقد كان (رحمه الله) له في كُلِّ قطر من الأقطار (وكيلٌ) يقبض الأموال والحقوق ويقسّمها في فقراء تلك البلد، فأنْ أعوز الوكيل ما في يديه، بعث الشيخ مما عنده إليه، لبذله على المساكين، وأغنائهم أجمعين. حتى أنَّهُ لمَّا تُوفي كان عليه من الدَيْن، ما يبلغ الخمسة آلاف تومان والمائتين، فلم يوضع جسده الطاهر في حفرته، حتي نقلها ولده الشيخ مُحَمَّد(1)برضاء الغرماء الى ذمته.
ولم يخرج لبنيه من التركة إلاّ شيء يسير لا يفي بمعيشة سنة. فقد خلفه حدثني العباس أن حظه من تركة أبيه أربعمائة قران، وهكذا باقي إخوته الأعيان.
ونقل السيد البراقي في «معدن الشرف» عن السيد حسين(2)بن العلم المهدي عن أبيه هذا، (وكان من أعيان أصحاب الشيخ وأجلاّء تلامذته، وهو مع ذلك زوج ابنته)، أن الشيخ كان إذا هدأت العيون، ونامت الهواجس والظنون، جعل الشيخ يطوف بنفسه على دور الفقراء والمساكين، خصوصاً العلويين، ويدفع لهم (صُرَر) الدراهم والدنانير، فكانت (العَلَويّةُ) تقول له إذا دفع لها نصيبها: من أنت؟ فيقول لها: «أنا بعض خدّامكم الراجي شفاعتكم».
ونقل أيضاً أن الحاج إبراهيم شريف (أبو حاج قنبر شريف) كان هو محل اعتماده، وموضع أسراره، ومدار جميع أموره، وكان هو يقبض الحقوق والشيخ يحوّل مستحقيها عليه. فجاء الحاج إلى الشيخ وقال: يا شيخنا جئت أشكو إليك ضيق أمورنا، ونفاد ما عندنا، لكثرة من تحيله حتى نفدت جميع الحقوق، واستقرضت حتى خجلت، وبعت أسبابي وأغلب ما ملكت، فقال الشيخ: إني البارحة عزمت على زيارة إمام خراسان، فدبّر لنا ما يوصلنا الى كربلاء والله كريم، فعسى الأمام الرضا، أن يلحظنا بعين الرضا، فيقضي
ديوننا. ففعلت، وركبنا مع بعض الخواص حتى جئنا كربلاء فجاءتنا الأموال تترى، فجعل الشيخ يحوّل عليها حتى نفدت ولم يبق للطريق كراء، فمضيت الى بعض من لي معه معرفة فنقلت له توقّفنا وحيرتنا بأمر الكراء، فبذل لنا ما يوصلنا إلى البلد التي نحن متوجهون إليها.
فلم يزل الشيخ على هذه الطريقة حتى صرتُ أردُّ (الحوالة) فجعل يقبض الأموال بنفسه ويفرّقها بيده، وجعلت نفسي تتقطع من الأسى والوجد على الشيخ وفعله وعدم التفاته للحال الذي خرجنا به، حتى صرنا في أمصار العجم فجعلوا يأتوننا بالأواني والأجن الكبار، وهي مملوءة بالدرهم والدينار، والشيخ يفعل بها فعله في سائر الأمصار. حتى جاؤونا بعض الأيام بستّ (صواني) مملوءة بالتوامين، فدخلت على الشيخ وقد وضعت بين يديه وهو منفرد، فقلت له بغضب: إنّا والله أفقر الفقراء، وأعدم المعدومين، أفما أن أن تلتفت لحالنا مع المساكين؟! فقال لى بانخفاض: مهلاً يا إبراهيم، الى أين ذهبت عن قوله تعالى: «ومَنْ يقرض الله قرضاً حَسَناً يضاعفه له»؟ فقلت: وهلم جرا، فمتى الاستيفاء؟ فقال: خذ نصفها ودع الباقي للفقراء وارفعها عاجلاً قبل أن يأتي بعض المستحقين، فوا الله لن ترى حينئذٍ لها أثراً.
وأمّا علمُهُ وعلوّ درجته فى مراتبه فما أدري ما أقول لك فيمن خرَّجَ من تحت منبره مثل شريف العلماء(1)، والسيد إبراهيم(2)صاحب «الضوابط»، والشيخ مرتضى(3)، والسيد مهدي القزويني(4)، ومير فتاح(5)جامع «العناوين»، وغير هؤلاء من العلماء الأساطين، ممن لا يخفى عليك علوّ قدرهم، وتناهي مفخرهم، وكلّهم يَردونَ من عُباب بحره، ويصدرون عن نهيه في التدريس وأمره. وكان اشتهاره بالتحقيق والفضيلة والاجتهاد وعلو المنزلة في زمان أبيه، وكان كلما ذكره أوسمع بذكره يقول: أطال الله بقاءه، وجعلني فداءه. فمن ذلك ما في رسالته المسماة ب«الحق المبين في ردّ الأخباريين وتصحيح عمل المجتهدين»،
1) شريف العلماء هو الشيخ مُحَمَّد شريف المازندراني الحائري كان من أكابر فقهاء زمانه، تخرَّج على يديه جيل كبير من المجتهدين. تُوفي سنة 1246 ه / 1830 م
2) هو السيد ابراهيم الموسوي القزويني الحائري المُتوفى سنة 1262 ه / 1846 م. وقد اشتهر بكتابه «ضوابط الأصول» المطبوع طباعة حجرية ضمن مجلّد كبير
3) هو الشيخ مرتضى الأنصاري فقيه الأمامية في عصره، ومجدد مناهج الأصول، المتوفى سنة 1282 ه / 1865 م
4) السيد مهدي القزويني زعيم الأمامية في عصره، تولّى المرجعية الدينية بعد وفاة الشيخ الأنصاري، وأصبح (المرجع) المطلق لطائفة الأمامية في السنين العشرة الأخيرة من القرن الثالث عشر الهجري. تُوفي عام 1300 ه / 1882 م
5) المير فتّاح بن السيد علي المراغي
حيث قال في مقام سبب تصنيفها بعد كلام طويل ماهو هذا: لكن دعاني إليه، وأوجب عليّ القدوم عليه، إلتماس ولدي الطاهر المطهر، علي بن جعفر، أطال الله بقاءه، وجعلني فداءه، مع كثرة ما رأيت من طعن الجهلاء، على ورثة علوم خاتم الأنبياء. (إنتهى محل الحاجة).
ونقل البُراقي عن العلامة القزويني(1)أن درس الشيخ عليّ كان مشتملاً على ثمانمائة تلميذ كلهم ما بين مجتهد ومراهق، وكل هذه التحقيقات والتدقيقات والأصول التي هي اليوم بين أيدي الناس هو أصلها، وعنه مصدرها، تداولتها تلاميذه فنثرتها على جباه الأوراق، ورتبتها حتى رقّ مشربُها ولاق، كما يدل على هذا ما في «قصص العلماء»، حيث قال (وهذا نص عبارته):
وبعد وفاة الشيخ الكبير جلس ولده الأكبر الشيخ موسى مكانه للتدريس، وكان فقيهاً وحيداً متفرّداً بعد أبيه. ونُقلت عنه تحقيقات هي في غاية الدقة والمتانة. وعندما تُوفي الشيخ موسى حلَّ الولد الثاني الشيخ علي محلّه، وكان تلامذته الكثيرون قَدْ أطلقوا عليه لقب (المحقق) الثالث نظراً لانفراده بتأسيس القواعد الكلية، وتفريع الفروع في جميع الأعصار، ويشهد على ذلك كتاب (العناوين) الذي ألّفه تلميذه (وتلميذ أخيه الشيخ موسى) السيد فتاح بن السيد علي المراغي الذي أختصّ بالقواعد الفقهية الكلية مع أدلتها وتفريعاتها. ويُعتبرُ كتاب «العناوين» أفضل من كتاب «القواعد» للشهيد الأول، لأنّ كتاب القواعد وإنْ وردت فيه القواعد الكليّة والفروع إلاّ أنَّ الشهيد لم يذكرْ أدلتها بل اقتصر على ايراد المصالح والحكم.
كما يُعتبر كتاب «العناوين» أفضل من كتاب «عوائد الأيام» للملا أحمد النراقي. فبالرغم من أنّ كتاب «العوائد» فيه منافع عدّة إلاّ أنَّ:
1- فروع هذا الكتاب قليلة.
2- لم يحو إلاّ نصف القواعد التي حواها كتاب «العناوين».
3- أورد مؤلفه الكثير من التحقيقات الفلسفية في المسائل الفقهية الموروثة عن الاسلاف من الفقهاء التي هي بعيدة عن مذاق الفقه، والفَهم العُرفي.
وقد أدخَلَ بعضُ الأصوليين كذلك في مباحث أصول الفقه (بالنسبة لأصل البراءة، والاستصحاب، وحجيّة الظنّ) مصطلحات فلسفية بعيداً عن مذاق فهم العُرف. كما
1) هو السيد مهدي القزويني المُتوفي سنة 1300 ه / 1882 م
حدث ذلك في القواعد الفقهية.
إنَّ كتاب «العناوين» تميّز عن هذه الكتب بتحقيقاته ومنهجه حيث ذُكرت فيه قواعدٌ كثيرة مُحكمةً بالأدلة، كما وردت فيه فروع كثيرة. مضافاً أنَّه لم يبتعد عن ذوق الفقاهة، والفهم العُرفي. وأكثر تحقيقات هذا الكتاب هي تحقيقات للشيخ عليّ، (وبعضُها للشيخ موسى)، كما أقرّ بذلك مؤلف «العناوين» نفسه(1).
وهذا التفصيل والأطناب يكفيك في هذا الباب.
وحُدّثت عن بنته(2)الحاجة (أم السّادة العظام)، وكانت المتولية لخدمات أبيها، من دون أهليها، أنها تقول: كان طريق مطالعة الشيخ أن يأتي بعد الصلاة إلى حجرته فتشعل له الشموع، ويقرّب له العشاء فيتناول منه أقل ما يكسر سورة الجوع، حتى إذا فرغ أمرنا بالخروج وعدم الدخول عليه، ثم أطفأ السراج وجعل رأسه بين ركبيته.
وتقول الكوكبة الزهراء: فيمضي على هذا أكثر من نصف الليل، وكنتُ أنام وأنتبه وأدنو من باب الحجرة وبيدي السراج، فلا يلتفت، فأقول لي الويل، قَدْ أخذ الشيخ النعاس فراح على هذا الحال نائماً أو مهوّم، وأنا لا أمن هجوم البرد عليه بأمّ مِلْدم(3)، فأناديه: يا أبا مُحَمَّد، قم وادخل تحت ملحفتك، فقد أضر البرد والنعاس بمهجتك، فيرفع رأسه ويقول: دعيني فو الله إني لمنتبه عالم، أنْ لا حظَّ في إقتناء المجد لنائم، (ودون المذاق الحلو مرُّ العلاقمِ).
فأرجع إلى حجرتي، وأدخل تحت ملحفتي، وقد أخذني الأرق، وأزعجني القلق، حتى إذا صار الثلث الأخير من الليل، قام الشيخ وأسبغ الوضوء ووقف للمناجاة والدعاء على نفسه بالثبور والويل، حتى يطلع الفجر فيؤدي الفريضة، ويكمل نافلته. ثم يأوي إلى مضجعه وينزع رداءه لانغماره بأدمعه، حتى أنام ريثما يحل العاقد حبوته، وأرسل النور على بساط الأفق غزالته، ونشرَ عَصْفَرُ(4)الشعاع على رؤوس الحيطان أرديته، فيقوم الشيخ عندها ويتطهّر، ويخرج إلى الدار الخارجة ويرقى المنبر، ونحن نسمع همهمة الرجال، وخفق
1) قصص العلماء، ص 184. وقد نقلَ المؤلف النصّ باللغة التي كُتبَ بها، وما ورد في (المتن) هو ترجمة للنصّ الفارسي
2) هي بنت الشيخ علي كاشف الغطاء، وزوجة العلاّمة السيد مهدي القزويني. وقد أنجبت أربعة أولاد كلهّم نالوا درجة علمية وأدبية واجتماعية سامية بين علماء عصرهم، وأدبائه وهم: الميرزا جعفر القزويني، المتوفى سنة 1298 ه / 1881 م، والميرزا صالح القزويني المُتوفي سنة 1304 ه / 1887 م، والسيد مُحَمَّد القزويني المتوفى سنة 1335 ه / 1916 م، والسيد حسين القزويني المُتوفى سنة 1325 ه / 1907 م
3) أمُّ مِلْدَم: كنايةٌ عن الحُمّى
4) العَصْفَر: اللون والضوء
النعال، وازدحام الأمثال، حتى يمتلئ الدار والأيوان. ويجلس الباقون بعض الأيام في دهليز الباب وبعض في (الطويلة)، فتتدافع الناس إلى سامي فناه أفواجاً أفواجاً، وهو ينحدر کالسیل عباباً ثجاجاً، بما يبهر الألباب ويحير العقول، ويعود كُلِّ من أولئك الأساطين المحققين يقول: يا سبحان الله العلي العظيم، ما هذا بشراً إن هذا إلاّ ملك كريم:
فهناك ما شاء الهُدى من مُبهِرٍ *** عين الحقيقة مِلءُ سمع السامعِ
كُشِف الغطاءُ له فحقَّقَ للورى *** أنّ العليّ (محقِّقٌ) بشرائعِ
وكان يُصلي إماماً بالناس بمسجده الذي بناه أخوه الشيخ موسى وأكمله هو بعده، وهو من المساجد العظيمة الواسعة، فكان (رحمه الله) إذا جاء ورآه غاصَّاً بالناس أجال طرفيه فيهم حتى يقع على بعض من يعتمد عليه فيقيمه إماماً للناس ويمضى هو إلى الحرم فيصلي منفرداً، ولم يعلم ما السبب.
ومثله ما حكي عن السيد مُحَمَّد(1)ابن صاحب الرياض أنَّهُ لم يصلِّ جماعةً مدی عمره.
ومن كراماته العجيبة ما نقله البراقي في كتابه عن تأريخ الشيخ عيسى المعروف بالأخرس، وهو من مؤرخي المتأخرين، وجمعَ في كتابه هذا جملة من كرامات العلماء، ويرويها السيد البراقي عن عدة من رجاله من الفضلاء الثقات، وقد أشبع فيها الكلام وأطال بها التفصيل. ومجملها أن الشيخ كانت عادته الخروج كُلّ ليلة (أربعاء) إلى مسجد (سهيل) للأستجارة، فكان يدفع إلى بعض خدمه درهماً يبتاع له شيئاً من الخبز والتمر يأخذه أمام الشيخ عشاء له، ويخرج إليه الشيخ بعد ذلك. فاتفق أن الشيخ خرج على جاري عادته فلم يُصب الذي بعثه أمامه، وكان قَدْ أصابه عارض منعه عن الخروج وبقي الشيخ وحده في المسجد. وكان يومئذٍ موحشاً، عليه سور مهدوم فلا يسكنه أحد. فوقف الشيخ يصلي في بعض المقامات، فبينما هو كذلك وإذا يهجس حافر الفرس خلفه. يقول: فلما فرغتُ فأذا بفارس وبيده رمح فألقاه وتقدّم أمامي فصلّى. فأخذني مثل الأفكل فأبهرني بحسن قراءته وخشوع هيأته وخضوع صوته، فقلتُ في نفسي: إن كانت صلاة يقبلها الله فهي هذه!!
ثم قام فركب وقال: أتحبّ يا عليّ الرواح إلى الكوفة؟
1) هو السيد مُحَمَّد بن السيد علي الطباطبائي، المُلقّب بالسيد المجاهد لتصديه قيادة الثوار في مواج الروسي لايران، لكنّه، فشل في هذه المواجهة، وانسحب عن الحرب، ومات سنة 1242 ه / 1827 م
يقول: فسكتُّ من هيبته، وارتعدتْ فرائصي وقد أشرق المسجد بنوره، فتناولني وأردفني خلفه، فما ظننتُ أنّا خرجنا من السّهلة حتى جئنا الكوفة فجعل يتقدم أمامي إلى كُلّ محراب وإسطوانة ولم يقف إلى جنبي أو ورائي أبداً.
ثم بعد أن أكمل الأعمال قال: لنمض إلى زيارة الحسين (علیه السلام)، فأردفني. وما كان غير كثير وإذا نحن في الحائر المشرف، فطفنا وصلينا وأنا أرى بعض الطلبة وأعرفهم وهم يعرفوني ولكن لم يكن ليسلّم أحد منهم عليّ.
ثم ركب وأردفني وقال: هلمّ للإمامين الكاظمين الجوادين (علیهما السلام)، وإذا بالفرس تمشي في الصحن المنوّر وإلى أحد جوانبها حاج مُحَمَّد صالح كبّة(1)ولكنه غير ملتفت إلينا كأنه لم يرنا، فأدينا المسنون.
وركبنا وأردفني، وإذا نحن بصحن العسكريين (علیه السلام) فدخلنا وزرنا.
ثم ركب وأردفني حتى وصلتُ مكاناً فيه على طرف اليمين بستان وعلى الشمال دار، فسرنا على ذلك حتى دخلنا صحناً عظيماً، فعرفتُ بالقرائن أنَّهُ حرم الأمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام). فلما فرغنا جعلتُ أنظر في كيفية بناء الصحن وتزيينه وحفظ بعض صفاته.
ثم أردفني ورجعنا على ما جئنا منه، كُلّ ذلك ونحن سكوت وأنا أسري على رسلي، ولم أحدّث نفسي بسيرنا هذا كله في ليلة واحدة، ومَنْ هذا الفارس.
حتى قال: إنزل فأنت قريب أهلك، فتركني ومضى. والتفتُّ وإذا أنا على جبل وادي السلام، وشيخ فضل (وهو جدّ بيت فضل المعروفين الآن) يمجّد ويهلل على (المنارة)، وإذا الوقت قريب الفجر فندمتُ على إهمالي وإرسالي وعدم سؤالي منه وهو أمامي وبقيت أبكي حيث لا يجدي.
و بعثتُ على السيد مهدي (أبي السيد شفيع) وكان (كالچاووش) للعرب يزور بهم الرضا (علیه السلام) كُلّ سنة فسألتُه عما حفظتُه من العلائم والأوصاف فقال: كلها موجودة بالمشهد الرضوي. فلما وفقني الله للتشرف به رأيت ذلك حقاً. (إنتهى مجملاً).
فاعتبروا يا أولي الأبصار، فهذه سير عباد الله الأبرار.
1) محمد صالح كُبَّة: هو جد أسرة آل كُبَّة البغدادية، تُوفي سنة 1287 ه / 1870 م. وسيأتي التعريف به مرَّة أخرى
وقد أهملنا جملة من مآثره ومناقبه اكتفاء عن ذكرها باشتهار أمرها. وهذا الذي ذكرناه بالنسبة إلى ما أهملناه غيض من فيض، ولمحة من أنوار، وقطرة من بحار.
وكان له (رحمه الله) بكل علم يد طُوْلى، وكلمة عليا. ومن ذلك علم الأدب، فأنّه أخذ رؤوسه، وترك لغيره الأذناب، وقد أبدع فيه غاية الأبداع، وجاء منه بما يسترق العقول ويسحر الطباع، حتى أنّ من رأى أشعاره، قال هذا شعر مَنْ عكفَ على تحصيل الأدب ليله ونهاره، لقوَّته ومتانته، مع رقته وجزالته. هذا على أن الشيخ إنما كان ينظمه أيام صباه على صِرْفِ القريحة، وبديهة الخاطر ومقتضى الطبيعة، من غير كدّ فيه ولا تعب بتحصيل قواعده، ومبانيه، وكان مكثراً مجيداً، طويل الباع به، كثير الاتساع والتصرف فيه، ولم يأت في بيت الشيخ مجيد مكثر، اللهم إلا ولده الشيخ جعفر (كما سيأتي).
وأنا مورد لك هنا بعض قصائده لتكون شاهد صدق بما ادّعيته لك وتُنبهك عليه وتدلّك. وكان أكثر شعره في الأئمة (علیهم السلام) رثاء ومدحاً. فمما قاله يمدح الأمام سميّه (عليه السلام) بقصيدة وهي من الحسن بأعلى مكان، وهي:
أهاجك بَرْقٌ في دُجى الليلِ لامعُ *** نَعَمْ واستخفتْكَ الربوعُ البلاقعُ
أضاءَ فجلبابُ الظلام ممزّقٌ *** كما مزَّقَ النّقْعَ السيوفُ القوارعُ
أمَا وامتطاء العيس في كُلِّ مَهْمَهٍ *** مواضٍ كما شاء الهوى ورواجعُ
وركبٌ تعاطوا في الدُجى دلجَ السُرى *** يقودون داجي الليل والليل طالعُ
يحيدون عن طعم الكرى فجنوبهم *** جنوب خيول ما لَهُنَّ مطامعُ
لقد ذكرتني سالف العهد بالحمى *** حمائمُ أيك في ذراهُ سواجعُ
ذكرتُكمُ والخيلُ تعثرُ بالقَنا *** وبيضُ المواضي والرماحُ شوارعُ
فبتُّ كأني ساورتني ضئيلةٌ *** (من الرقشِ في أنيابِها السُّمَّ ناقعُ)(1)
وبين جفوني والسّهاد تواصلٌ *** وبين ضلوعي والهمومُ تقارعُ
ولم يستطعْ كتمَ الهوى ذو صبابةٍ *** له فيض دمع بالتباريح صادعُ
1) علّق المؤلف على هذا البيت بقوله: «هذا تضمينُ، وهو للنابغة»
إذا سألوا عن سِّره فهو كاتمٌ *** وإنْ سألوا عن وَجْدِهِ فهو ذائعُ
وما الحُبُّ إلاّ عَبْرَةٌ مستهلّةٌ *** ونارُ جَوىً تُطوى عليها الأضالعُ
وقَدْ زارني طيفُ الخيال فزادني *** إلى الوجدِ وجداً والعيونُ هواجعُ
فطيفٌ للذّات التواصلِ مانحٌ *** وخلّ لأهداء التحيةِ مانعُ
أكان حراماً لو تَداركَ مهجة *** لئن لم تُمتْ في الحُبّ فهي تُنازعُ
ألم يأن أنْ تُروى قلوبٌ من الصدى *** وأنْ يجمعَ الشملَ المُشتتَ جامعُ
حلفتُ بمَنْ وارى الستار وما هوتْ *** إليه رقابُ العيس وهي خواشعُ
لئن بعدتْ منا الجسومُ عن الحِمى *** ففي ربعه منّا القلوب ودائعُ
وليل بجنب الحيّ لا أستعيدُهُ *** جنيتُ به حلوَ الجَنا وهو يانعُ
يُخادعُني فيه رسيسٌ من الهوى *** ومن عجب الأيام مثلي يُخادعُ
ألا ليتَ شعري هل أرى ذلك الحمى *** وهل فيه أيامٌ مضينَ رواجعُ
عن الدار لا شوقي القديم بناقص *** إليها ولا قلبي من البين جازعُ
ولولا احمرارُ الدمع لانبعثتْ لها *** سحائبُ من دمعي هوام هوامعُ
هجرتُ الحمى لا أنني قَدْ سلوتُهُ *** وكيف ولي قلب إليه ينازعُ
ولكنَّما جانبتُ قوماً كأنني *** لأنافهم لمّا يرونيَ جادعُ
أُقلّبُ طرفي لا أرى غير ناكث *** يماذقُني في ودّه ويصانعُ
قذفتُ إخاء كدّر المذق صفوَهُ *** ولاحت عليه للضغون طلائعُ
يُصافي أخاه إنْ بدا منه مَطْمَعٌ *** ويهجرُهُ إن جانبته المطامعُ
سأشكوهم والعين يسفح ماؤها *** وطيرُ الجَوى بين الجوانح واقعُ
إلى مَنْ إذا ما قيلَ مِنْ نفس (أحمد) *** (أشارتْ كليبٌ بالأكف الأصابعُ)
وروح هدى في سم نور بمدِّه *** شعاعٌ من النور الألهي ساطعُ
وكنز عن العلم الربوبي إنْ تشا *** يخبّرْكَ ظهر الغيب ما أنت صانعُ
مليكٌ تجلّى في سما المجد رفعةً *** شمائلُهُ فيها النجومُ الطوالعُ
دنا فتدلى للعقول وأنَّها *** لتقصُر عن إدراكه فهو شاسعُ
يريكَ الندى في البأس والبأس في التقى *** صفات لأضداد المعالي جوامعُ
يهمُّ بمقدامٍ على كُلِّ فتكةٍ *** يضيقُ بها رحبُ الفَضا وهو واسعُ
مضت حيثُ لا لُدْنُ الْمُثَقَّفِ شائكٌ *** فيخشى، ولا السيفُ المُهَنَّدُ قاطعُ
خِلالٌ يضُوعُ الشعرُ مِن طِيبَ نشرِها *** ألا كُلُّ مدح في سواكَ لضائعُ
وكم جحفلٍ قَدْ دكَّ منه صفاتَه *** له فوق أصوات الحديد صواقعُ
سبقت المنايا واقعاً بنفوسهم *** إذا الحربُ سوق والنفوس بضائعُ
فليسَ لهم إلاّ الدماء مدارعُ *** وليس لهم إلاّ القبورُ مضاجعُ
أراعَ فؤادَ الدهر بطشُكَ فانطوتْ *** على وجلٍ أحشاؤه والأضالعُ
حسامُك فى الأعمار أمضى من الردى *** وحلمُكَ وحلمُكَ يوم الصفح للصفح شافعُ
وأنت أمينُ الله بعد أمينهِ *** وأنتَ له صهرٌ وصنوٌ وتابعُ
لعَمْري لقد أيّدتُهُ في حُروبه *** كما أيّدتْ كفيه منه الأصابعُ
فلا واصلٌ إلاّ الذي هو واصلٍ *** ولا قاطعٌ إلاّ الذي هو قاطعُ
أقولُ لقوم أخرّوكَ سفاهةً *** وللذكر نصٌّ فيك ليس يُدافَعُ
دَعوا الناس ردّوهم إلى مَن يسوسُهم *** فهل يستوي شُمُّ الذرى والأجازعُ
وهل يستوي السيفُ اليمانيُّ والعَصا *** وهل تستوي أسدُ الشَرى والضفادعُ
ألا إنَّ هذا الدين لولا حسامُهُ *** لمَّا شرعت للناس منه الشرائعُ
ألا إِنَّما الأقدارُ طوعَ بنانهِ *** إذا ما دعا للأمر وآفتْ تُسارعُ
ألا إِنَّما الأرزاقُ عنه اقتسامُها *** فهذا له معطٍ وذلك مانعُ
ألا إنَّما التوحيدُ لولا علومُهُ *** لمَّا كُشفتْ للناس عنه البراقعُ
لك المعجزاتُ الباهراتُ أقلُّها *** لك الميت يحيى والضلوع جراشعُ
وفيك استغاثَ اللهَ للذنب (آدمٌ) *** فلاحَ له برقٌ من العفوِ لامعُ
وفيك التجا في اليمِّ (نوحٌ) وقد طغى *** على كُلّ طود لُجَّهُ المتدافعُ
وفيك افتدى في السجن (يوسفُ) راجياً *** نجاةً وقد سُدّتْ عليه المطالعُ
وآنس منك النار (موسى) بذي طوى *** فسار إليها وهو للنعل خالعُ
وباسمك قَدْ نادى الخليل فلم يخفْ *** من النار هولاً وهو في النار واقعُ
ومغناك كم أبدي لذي اللبّ معجزاً *** وكم ردّ وقع الخطبِ، والخطب قاطعُ
وماهي إلاّ آيةً بعد آيةٍ *** تُسكُّ بها للملحدين مسامعُ
حمى لا يريع الليث ظبي كُناسهِ *** فيذعُرُهُ عن سربه وهو راتعُ
وجارُكَ لا يُعطي الزمان مقاده *** ومنكَ له ركنٌ شديدٌ مدافعُ
ولا فاضعاً للدهر خوفاً وإن مضى *** على الناس جوراً صرفُهُ المُتتابعُ
وقال قدس سرّه، وعطّر قبره، راثياً سيد الشهداء، عليه آلاف التحية والثناء:
سهامُ المنايا للأنام قواصدُ *** وليس لها إلّا النفوسُ مصائدُ
أتأمل أن يصفو لنا العيش، والردى *** له سائق لم يلو عنّا وقائدُ
وتطمعُ في حُبِّ البقاء وطوله *** وتعلم أنَّ الدهر للعُمرِ فاقدُ
وما هذه الأيامُ إلاّ أساود *** تلمّض ناود تلمّض في أنيابها السمّ راقدُ
وتلك الليالي لا يغرّك سلمُها *** وما هُنَّ إلاّ الثاكلاتُ الفواقدُ
ألم ترَ أنّا كُلَّ يوم إلى الثرى *** نُشيِّعُ مولوداً مضى عنه والدُ
وحسبك بالأشراف من (آل هاشم) *** فقد أقفرتْ أطلالُهم والمعاهدُ
حدا بهمُ الحادي فتلك ديارُهم *** خواشعُ ما بين الديار هوامدُ
وقفتُ بها مستنشقاً لعبيرها *** ودمعيَ مسكوبٌ وقلبيَ واجدُ
أسائلُها ما بالُها حَكمَ البِلى *** عليها وكيفَ استوطنتها الأوابدُ
مهابط (وحيٍّ) دارسات رسومُها *** (معاهدُ) ذكر أوحشتْ و(مساجدُ)
وعهدي بها للوفد كعبة قاصد *** فذا صادرٌ عنها وذلك واردُ
فأينَ الأُلى لا يُستضامُ نزيلُهمْ *** إليهم وإلاّ ليس تلقى المقاودُ
ذوي الجَبَهات المستنيرات في العُلى *** تَقاصرُ عنها (المُشتري) و(عطاردُ)
سمی بهم في العزّ جَدٌّ ووالدُ *** ومجدٌ طريفٌ في الفخار وتالدُ
وما قصباتُ السَبق إلاّ لماجدٍ *** نمتْهُ إلى العلياء غرٌّ أماجدُ
معادنُ علم الله حكّام شرعه *** لديهم وإلاّ ليس تُرجى المقاصدُ
تسودُ بني الدنيا وليس تسودُهمْ *** وهل في الورى إلاّ مسود وسائدُ
لتغدو المنايا بعدهم حيث تبتغي *** فما أنا من رُزءٍ وإِنْ جلَّ واجدُ
سأبكيهمُ ما فاضَ دمعي فأنْ يَعْض *** فلي كَبِدٌ ما عشتُ للوجد كامدُ
وأعظم أحداث الزمان رزية *** بكتها الصخورُ الصُمُّ وهي جلامدُ
وداهية دهماء غُمَّ نهارُها *** وطار بها نَقْعٌ إلى الأرضِ صاعدُ
بها رقدتْ عينُ الضلال وسُهّدت *** عيونُ حُماة الحق وهي رواقدُ
سلامٌ على الأسلام من بعد يومها *** فليسَ له راع عن الضيمِ ذائدُ
سهدت وقد نامت لذي البغي أعين *** وما أنا لولا يومُ (عاشور) ساهدُ
سَلِ الليلَ عنّي هل مللتُ سهادَهُ *** وهل ألِفتْ جنبيّ فيه المراقدُ
ولي مقلةٌ محلولة الجَفنِ بالبكا *** وقلبٌ على فرط الصبابةِ عاقدُ
لله درّه، وتغمّد بالرضوان قبره، فما ألطف قوله: محلولة الجفن بالبكا، وأعذب وأبدع وأغرب:
وفي القلب أشجانٌ وفي الصدر غلّةٌ *** إذا رمتُ إبراداً لها تتزايدُ
فلا وجد إلاّ وهو عندي مخيّمٌ *** ولا صبرُ إلا وهو عنّيَ شاردُ
أيُمسي (حسينٌ) بالطفوف مروّعاً ***وطرفي ريّان من الأمنِ راقدُ
ويُمسي صريعاً بالعراء على الثرى *** وتوضعُ لي فوق الحشايا الوسائدُ
فلا عَذُبَ الماءُ المعينُ لشاربٍ *** وقد مُنِعتْ ظُلماً عليه المواردُ
ولا حَملتْ أيدي الرجال سيوفَها *** وقد نهلتْ منه الرقاقُ البواردُ
وما أنس لا أنساه وهو مروّعٍ *** يكابدُ من أشجانه ما يكابدُ
بنفسي أبيُّ الضيم لم يُلْفَ ضارعاً *** وقد أسلمتْهُ للمنون الشدائدُ
ولم يُرَ مقهوراً أبيدتْ حماتُهُ *** وعزَّ مواسيه وقلَّ المُساعدُ
بأربط جأشاً منه في حومة الوغى *** إذ البيضُ فيها بادياتٌ عوائدُ
ينادي بهم هَلْ مِنْ مُجير يجيرُنَا *** وما فيهمُ إلاّ قريبٌ وجاحدُ
وينشدُهمْ هل تعرفونيَ مَنْ أنا *** وكيف وهَلْ يستنطق العُجمَ ناشدُ
فَشَمَّرَ لا يلوي الى الحرب والردى *** يمانعُهُ عن نفسه ويراودُ
امام يردّ الجيش وهو كتائبٌ *** بسطوته يوم الوغى وهو واحدُ
إذا (ركعَ) الهنديُّ يوماً بكفه *** لدى الحرب فالهامات فيها (سواجدُ)
يلوح الردى في شفرتيه كأنَّه *** شهابٌ هوى لمَّا تطرّق ماردُ
وإن ظمِاً الخطيُّ بُلَّ أوامُهُ *** لدى الروع من فيض الطلا فهو واردُ
قريبُ الندى، نائي المدى، مورد العدى *** حياضَ الردى، والضربُ في الهامِ شاهدُ
يصولُ عليهم صَوْلةً حيدريَّةً *** يُقيمُ لواءَ الدين، واللهُ عاقِدُ
يخوضُ بهم بحرَ الوغى وهو طافحٌ *** ويوردهم حوضَ الردى وهو راكدُ
الى أنْ هوى فوق الصعيد مُجدَّلاً *** بنفسي، وبي ثاو على الأرض ساجدُ
فلا اخضرَّ عُودُ المجد بعدَكَ والعُلى *** ولا رادَ روضُ الدين بعدك رائدُ
ولا جانب الدنيا بسهل ولا الضُّحى *** بطلْقٍ ولا غصنُ المسرّةِ مائدُ
بنفسي وبي ملقى ثلاثا على الثرى *** تهبّ عليه العاصفات الصواردُ
ويا أسفي للرأس سام على القنا *** يرتِّلُ آيَ الذكر والركبُ هاجدُ
ولم أرَ يوما سِيمَ خَسْفاً به العِدى *** وهدّتْ به أركانُهُ والقواعدُ
كيوم حسين والسبايا حواسرٌ *** تُشاهدُ مِنْ أسر العِدى ما تُشاهدُ
وتُضربُ قَسْراً بالسياط متونُها *** وتُنْزَع أقراطاً لها وقلائدُ
بنفسي أبو الفضل المواسي بنفسهِ *** أخاه و (بازُ) الحرب للموت (صائدُ)
أخ ماجد لم يخزه يوم مشهد *** له عضد في الحادثات وساعدُ
بنفسي (زين العابدين) معللاً *** سقيماً له الوجد المبرّح عائدُ
فوآلهفتا كم من نفوس كريمة *** إليها وإلاّ ليس تُلقى المحامدُ
تسيل على زرق الأسنّة والضبا *** ويشمت فيها مبغضٌ ومُعاندُ
بنفسي وبي تلك الجسوم كأنَّما *** لهم بالمنايا في الطفوف مواعدُ
ولله أقوامٌ فَدَتْهُ نفوسُهْم *** فكان لهم عزٌّ على الدهر خالدُ
كأنَّهمُ والخيلُ تعثّرُ بالقَنا *** أُسودٌ رعتْ أشبالها وأساودُ
وفرسانُ موت مقدمون كأنَّما *** قناها لأجالِ الرجالِ مقاودُ
وما كُلُّ مفتول الذراعين باسلٌ *** ولا كُلُّ سام في السماء فراقدُ
لتذهبْ بها مثل الجبال محامداً *** على الدهر أطواقٌ لها وقلائدُ
عسى الغائبُ الموتورُ قَدْ حانَ وقتُهُ *** فَيُجْبَرُ مكسورٌ ويُصلحُ فاسدُ
ويُصبحُ عُود الدين بعد ذبوله *** يميسُ قواماً وهو ريّانُ مائدُ
فديناكَ قَدْ ضاقَ الخناق ولم يَزلْ *** يعنّفُنا فيك العدوُّ المُعاندُ
ودونكموها من (عتیق) ولائكم *** قواف على جيد الزمان فَرائدُ
جواهُر لم تَعْلَقْ بها كفُّ ناظم *** ولا لا مستْهُنَّ الحَسانُ الخرائدُ
ولولاكمُ ما فاهَ بالشعر مقولي *** ولا شاعَ لي بين الأنام قصائدُ
عليكمْ سلامُ الله ما اهتزّتِ الرُّبى *** وسحّتْ عليه البارقاتُ الرواعدُ
وقال يرثيه أيضاً رحمه الله:
دموع ليس تنقعُ مِنْ أُوامِ *** وإنْ سحّت كماء المُزنِ هامي
ووجدٌ كلَّمَا حاولت أنّي *** أبرّدُهُ تَلهَّبَ بالضرامِ
مررتُ بكربلاء فهاجَ وجدي *** مصارع فتية غُرٍّ كرامِ
حماة لا يُضامُ لهم نزيلٌ *** أماجد بُرِّؤا من كُلِّ ذامَ
وقفتُ بها لألثِمَ من ثراها *** أريجَ العَرفِ مفضوضَ الخِتامِ
وضعت يدي وقد ضمّت لصدري *** كلوم لا يقوم بها كلامي
أُسائلُ رَبْعَها عن ساكنيه *** ولاةَ العِزِّ والرُتبَ السَوامي
ومُثَّلَ لي (الحسينُ) بها غريباً *** عنائي للغريب المستضامِ(1)
يُحامي عن حقيقته وحيداً *** بنفسي ذلك البطلُ المُحامي
بعين للعِدى ترنو وأخرى *** بها يرنو الى نحو الخيامِ
سعى للحرب يهتزُّ ارتياحاً *** ونارُ الحربِ موقدة الضرامِ
همت كفّاهُ في سلم وحربٍ *** على العافين بالمننِ الجسامِ
فلا يُسراهُ يُشْغِلُهَا لِجامٌ *** ولا يمناهُ تُشْغَلُ بالحسامِ
تُسلُّ من الرقاب له سيوفٌ *** فتغمد فتغمد في المفارق واللّمامَ
إذا ركعتْ رأيتَ لها الأعادي *** سجوداً في التراب بغير هامِ
كأنَّ عداهُ يومَ الروع نبتٌ *** وبيضُ ضباهُ كالنّعم السّوامِ
الى أنْ خرَّ فوقَ التُربِ مُلْقَىً *** على الرمضاء عزَّله المُحامي
برغمي إنْ خلا نادي المعالي *** وخرَّ عن الهدى سامي الدَعامِ
ولم أرَ مِثلَ يومِكَ والسبايا *** على (الأقتاب) تُهدى للشامِ
هو الرزء الذي ابتدع الرزايا *** وقال لأعين الأعداء نامي
1) لم ترد تكملة هذا البيت في النسخة المخطوطة، وقد أكملتُه عن شعراء الغري، ج 6، ص 271. وقد أثبت الاستاذ علي الخاقاني، - نقلاً عن مجموعة مخطوطة للسيد عبد الحسين الحجّار - عشرين بيتاً زيادة على ما وردَ هنا من القصيدة
ألا يا (كربلا) كم فيك بدرٌ *** علاهُ الخسفُ من قبل التَمامِ
وكم غُصْن بأرضكِ جُبَّ غضاً ***يُفدّى بالنفوس من الكرامِ
ويا لك عصبة لم ترع إلاَّ *** لآل الله في في الشهر الحرامِ(1)
فهذا موثق عانٍ، وهذا *** عليلٌ لا يُفيق من السقامِ
ألا مَنْ مبلغٌ عني (قريشاً) *** ببطحاء المشاعر والحرامِ
لأنتمْ أطولُ الثقلين باعاً *** وأبعدُ موطناً عن كُلّ ذامَ
فلا حملتْ عواتقُكمْ سيوفاً *** ورأس السبط فوق الرمح سامي
ولا ركبتْ فوارسُكم خيولاً *** وصدر السبط مرضوض العظامِ
ولا حجبتْ كرائمَكمْ خيامٌ *** وَرَحلُ السبط منهوبُ الخيامِ
ولا نَقعَ الغليُل لكم رواءً *** ونجل (مُحمّدٍ) في الطفّ ظامي
ولا بلغَ الفطامُ لكمْ صبيٌّ *** ویذبح طفلُهُ قَبل الفطامِ
وأنصارٌ له في الله باعوا *** حياةَ النفس بالموت الزؤامِ
لقد ألفوا الوغى قِدْماً وحنّوا *** إلى الهيجا حنينَ المُستهامِ
إذا شبّت لظى الهيجاء كانوا *** أمام الدارعين لدى الأمامِ
حَمُوا وسَمُوا فما حام وسامٍ *** سواهم من بني (حام) و(سامِ)
لقد نالوا المُنى وجنوا ثماراً *** من الشرف الرفيع المستدامِ
أيا بنَ القادمينَ على المنايا *** إذا ما الصيدُ تحجمُ في الصّدامِ
وهم حججُ الألهِ على البرايا *** بهم عُرِفَ الحلالُ من الحرامِ
تحلّى بالعُلى قومٌ سواهم *** فكان نصيبُهم منها الأسامي
متی أنا قائم أعلى مقامٍ *** ولاق ضوءَ وجهكَ بالسلامِ
وقد نُشِرتْ لك الراياتُ تبدو *** خوافقُها بمكة فالمُقامِ
تقودُ جوامح الأقدار حتى *** جرت بيديك طيّعةَ اللجامِ
وأشرقت البلادُ بجيش نصرٍ *** رماحهم أخفّ السهامِ
تديرُ السّمر فيه عيون زرق *** فلا ينظرنَ إلاَّ عن جَمامِ
1) الأل: العهد أو الذمة
وبيض في سواد النقع تهوي *** إلى فيض الدّما أبداً ضوامي
هنالك يشتفى الصّادي ويحظى *** ولیّكمُ بإدراك المرامِ
وله أشعار كثيرة في الرثاء والحماسة والغزل والمراسلات يضيق المقام عن بيانها. فمن ذلك قوله متغزلاً في أيام صباه:
لعلَّ ليالياً ذهبتْ تعودُ *** فيُورقُ من زمان الوصل عُودُ
ويرجع لي بها زمنُ التصابي *** ويدنولي بها الأملُ البعيدُ
وكنتُ بقربها أختالُ تيهاً *** وغصنُ شبيبتي خَضِلٌ يميدُ
أبيتُ وفي الحشا داءٌ دفلنٌ *** يؤرقني وأصحابي هُجودُ
ووجدٌ كُلَّما حاولتُ أنّي *** أبرّدُه يشبُّ له وقودُ
وعتبُ كحيلةِ العينين رُودٍ *** يذوبُ لعتْبِها الحَجرُ الصلودُ
بألفاظ قَطَعنَ نياطَ قلبي *** إذا تُليتْ يشيبُ لها الوليدُ
فمثلي لا يخونُ عهود خلٍّ *** ومثلُك لا تُخانُ له عهودُ
وراعي حقَّ مَنْ أولاك علماً *** تفیدُ به سواك وتستفيدُ
ولا تجزعْ لهجرٍ بعد وصلٍ *** فأيامُ الهوى بيضٌ وسودُ
وله أيضاً:
قل للمليحةِ من بنات الصّيدِ *** قولاً يذوبُ له صفا الجُلمودِ
أفلا ترقّي في الهوى لمتيّم *** أم بين جانحتيكِ قلبُ حديدِ
أمرضتُ جُثماني عليك صبابةً *** وكحلتُ جَفنَ العين بالتسهیدِ
ما غرّدتْ فوق الغُصون حمامةٌ *** إلاّ وهمتُ إليكِ بالتغريدِ
كم أعين لكِ صعّدَتْها زفرة *** عن حرّ قلب ذاب بالتصعيدِ
ومفنّد لي في هواك سفاهةً *** قَدْ ضلَّ نهج الحق بالتفنيدِ
لو كانَ يُبصرُ بعضَ ما أبصرتُهُ *** ألقى الزمامَ إليَّ بالتقليدِ
يا بنتَ مَنْ تروي حديث فخارِها *** عن ير آباء لها وجُدودِ
كم سارَ للعُشاق خلفَك موكبٌ *** والحُسنُ تحت لوائِكِ المعقودِ
هَلْ شملُنا بعد التفرّقِ جامعٌ *** فأرى بعيدَ الوصلِ غيرَ بعيدِ
ما زلتُ في بحر الكآبةِ طافحاً *** فمتی استوائي فوقَ متن الجُودي
وأما ما مُدحَ به وهنّئ فيه، فأكثر من أن يحيط به جامع فيمليه. ونحن نقتصر من ذاك على قصيدتين أو ثلاث، تكون لوجه الأدب والكمال أشنافاً ورعاث(1).
فمن ذلك ما رأيته بخط الشاعر المُفْلِق الشيخ إبراهيم قفطان في أوراق أظنها فُصِلَت من ديوانه الذي جمعه في أيامه، وكان مرسوماً في صدر القصيدة ما هذا نصّه:
«وقلتُ مهنّئاً بها جناب الشيخ شيخ علي بن المرحوم الشيخ جعفر (رحمه الله) بعيد الفطر متعرضاً لذكر الوزير داود پاشا معرّضاً ببعض حاسديهم المقابلين لهم في دعوى الأجتهاد، وهي هذه:
جامعاً بين شمل العلم والعملِ *** عادتْ علينا بك الأيامُ في جَذلِ
واستعذب الدهر راحاً من عُلاكَ بهَ *** فصارَ عيداً عليه نشوة الثملِ
وماسَ عصرُكَ تِيهاً إنَّ زينتَهُ *** مناقب لك في جيد الزمان حُلي
بكَ الزمانُ ربيعٌ في شقائقهِ *** حُسْناً فما أنت إلاّ الشمسُ في الحَملِ
أحلَّكَ المجدُ دون الناس مقلتهٍ *** فأنت في عينه الأنسانُ في المُقلَ
تؤمُّكَ الناسُ في قصديْ هُدىً وندىً *** ولا ترى منك كَلا وحشةَ المَلَلَ
فتنثني عن حياضٍ منكِ مُتْرَعةٍ *** بالقصدِ ما بين وِرْدِ العَلِّ والنَهَلِ
لبستَ مِن كُلِّ علم ثُوبَ بهجته *** غضّاً وغيرُكَ مقصورٌ على السملِ
وإن بحراً سقاك الله أعذبَهُ *** ما نال غيرُكَ منه مصَّةَ الوَشَلِ
ما نهنهتْكَ بحارٌ عن لئالئها *** غَوْصاً تصّرف منه جامد الرملِ
ولا تجرَّدتَ للتجريدِ في نظر *** إلاّ أصبتَ برأيٍّ منكَ مُعْتَدلَ
ولا شرحتَ من التشريح أَشْكَلَهُ *** إلاّ وأوضحتَ منهُ غامضَ الجُملِ
ولا أمدَّ لك الرحمانُ نعمتَهُ *** إلاّ مددت إليه كفَّ مُبْتَهِلِ
وخاطبتْكَ العقولُ العشرُ مصدرها *** وسالمتْك بجاشٍ منك منذهلِ
وزادَكَ اللهُ من ألطافه نِعَماً *** في دولة غيّرتْ في أوجهِ الدُولِ
في دولة حكمُ (داودٍ) لها رَصَدٌ *** يصونُها عن هوى الأوغاد والسَفَلِ
1) الشِنف نوع من حلي الأذن، وجمعها (شُنُوف). والرَعاث: الأقراط
حتى أفاضَ عليها من غلائلهِ *** عزّاً وزرَّ عليها حُليةَ الحُللِ
إنَّ الخلافة فيهِ افترَّ مبسمُها *** عن بهجة بسرور فيه متصلِ
خليفة فرض الرحمانُ طاعتَهُ *** على البرية من حافٍ ومُنْتَعِل
هوتْهُ بكرُ العُلى حتى تبعَّلها *** والناسُ عن طلب العلياء في شغلِ
إذا استغاثَ به العاني يروضُهُ *** بواكفٍ من كِلا كَفَّيهِ مِّنْهَملَ
رمى الزمانَ بجيشٍ من عزائمهِ *** بالسُمر معتقل بالبيض مشتملِ
فأصبح الدهرُ يسعى طوعَ راحتهِ *** كالنصر مسعى غلام مُشْفِقٍ عَجِلِ
ورُبِّ منتحل أمراً يعاكسُهُ *** والله مبطل دعوى كُلِّ منتحلِ
نهاهُ بالصفح فامتدَّ الغرورُ به *** إلاّ ببيض صفاح أو قنا ذُبُلِ
فصالَ والنصرُ حاديِه وقائدُهُ *** على جنود تمدّ الحرب بالحيلِ
في فيلقٍ أسفرتْ عنه بوارقُهُ *** بِعِثْيَرٍ كظلام الليل منسدلِ
أطلَّ فارتعدتْ منهُ فرائصُها *** رُعْباً أعارته قلبَ الخائنِ الوَجِلِ
أخنى عليها فلم تألفْ مساكنها *** إلاّ ندى الطلّ أو إلاّ صدى الطللِ
وفلَّ منها جموعاً وهي شامخةٌ *** بِلُهْذم ألحقَ الأشلاء بالشللِ
تهافتتْ في شعاع السيفِ فاحترقتْ *** مثلَ الفُراش مناياها على الشُعلِ(1)
وكُلَّما شبَّ نارَ الحرب موقدُها *** سعى لها غير رعديدٍ ولا فَشِلِ
له مواض وزرق قطُّ ما وجَدتْ *** إلاّ دمَ القلب يرويها عن الغللِ
فعش بظلّ نعيمٍ من صداقته *** فيضٌ يدومُ وظلٌ غيرُ منتقلِ
بِمَ اعتذار أناسٍ في غوايتها *** ومنهجُ الحقِّ للمُسْتَرشدينَ جلي
ظَلَّتْ أدلتُها مَنْ ذا تقدَّمهُ *** والحقُّ ما دار إلاّ حيث دارَ (علي)
ومَنْ يُضاهي (عليّاً) حيثُما التبستْ *** بهماءُ حُكم وَلَدَّ الخَصمُ في الجدّلِ
وثوَّرتْ فتنُ الأيام عِثْيَرَها *** وزلزلَ الأرضَ وقعُ الحادثِ الجللِ
خطيب قوم إذا أصغى الندي بدتْ *** له شقائقُ فيها رعدةُ الزجلِ
تَفجَّرتْ فيه عينُ الصمتِ عن حِكَمٍ *** وفي الأنامِ أفيضتْ وصمةُ الخَطلَ
1) علّق المؤلف على هذا البيت بقوله «معنى بديعٌ جداً»
ومُوهم أنَّهُ مستودَع حِكَماً *** وأَنَّهُ لأمورِ المسلمين ولي
وباذلٍ لقضاءِ الحكم خاتمه *** جهلاً وفي نشر سر الكائنات ملي
رام التّحلّي بها جهلاً بفطرتهِ *** وهلْ تسوغُ لأنثى حليةُ الرجلِ
واستطعمَ النحلَ مما تجتني فَجَنى *** لسعاً وغذّتك منها شهدةُ العَسَلَ
ليتَ الأكفَّ التي أومتْ أناملُها *** إلى سواكَ رماها الله بالشللِ
بلّغتهم أملاً في كُلِّ ما اقترحوا *** وإنّ غيرَكَ مما يأملون خلي
واستعطفوك لصفحٍ عن جنايتهم *** حتى صفحت وهذا غايةُ الأملِ
وما كفى الصفح حتى زدتَهم كَرَماً *** من فيض كفَّكَ فيض العارض الهَطلِ(1)
لا تَحْسبنَّ خضاباً في عوارضها *** لكنَّهُ أثرٌ من حُمرةِ الخَجلِ(2)
وقد يكونُ دوام الصفحِ مفسدةً *** فامزج فديتُكَ صفو الجدِّ بالهزلِ
وعالجنَّ نفاقاً في ضمائرها *** بلفتةٍ منكَ تبري كامنَ العللِ
واجدعْ بعضبك آنافاً شمخنَ على *** عُلاكَ من جهل مفتونٍ بها خَطِل
ولم يزل خابطاً بهذه الطريقة الرديّة، بما لا ينبغي نظمه والتفوه به منه ومن غيره بالكلية، إلى أن قال متخلصاً بمدح الشيخ حسن أخيه إبن الشيخ الكبير (رحمه الله):
ولا يدانيكَ في حُكمٍ وفي حِكمٍ *** إلاّ شقيقُكَ في علم وفي عملِ
نهضتُما والعُلى والمجدُ طوعكماً *** كالظلِّ يتبع في حلّ ومرتحلِ
لا يهتدي الناس إلاّ فيكما ومتى *** أغنى عن النيّرين الضوءُ من زُحلِ
يا أهلَ بيت وليِّ الله رفعتُهُ *** ما فيكمُ غيُر معصوم من الزللِ
أنتمْ عن الله أسستمْ شرائعَهُ *** كأنَّكم أنبياءُ (العَزم) في الرُّسُلِ
صفوتُم فاصطفاكم ربِّكُمْ حَرَساً *** لدينه، وولاةَ الأمر في الأزلِ
لا روّعَتْ لكمُ الأيامُ سِربَ حِجىً *** بلى إذا ريع منها قُنَّة الجبلِ
إنتهى محل الحاجة منها وهي طويلة، وقد أسقطنا ثلثها.
ومثلها بالمتانة والحُسن والأطراء والغلو ما رأيته مرسوماً عندنا ولا أدري لمن هي، ولكن مكتوب في صدرها هكذا:
في مدح الشيخ شيخ علي قصيدة تنطبق على عليّ سميّه (عليه السلام)، وفي آخرها تعريض بمعارضيه، (ولكنه أهون من الأول)، وهي:
بزغتْ شموسُ علاكَ في آفاقها *** حتى استضاءَ الدهرُ من إشراقها
واستعذبتْ فيك المكارمُ مِدْحَةً *** في غير ذاتكَ علقمٌ بمذاقِها
واشتاقت العلياء أنَّكَ بعلُها *** طَمَعاً بمجدك في سياق صداقِها
ولحظت جامعة الكمال بأعينٍ *** نُشِرَتْ محاسنها على أحداقِها
وبعزّكَ السامي تحلّى جيدُها *** حيثُ الرقابُ تُزانُ في أطواقِها
وبنتْ عليكَ من الفخار رواقَها *** وسواكَ أُبعدُ عن حريم رواقِها
وابتعتَ بالثمنِ النفيس محامداً *** مرّت عليك تُسامُ في أسواقِها
وزهدتَ بالدنيا التي طلقتَها *** مُتعفِّفاً عن رجعةٍ بطلاقِها
وأقمتَ في ربع العلوم لك البقا *** وسواك ممنوعٌ عن استطراقِها
وكنوزُ علم في ضميركَ أُودِعَتْ *** يزدادُ جوهرها لدى إنفاقِها
يا خيرَ مَنْ زَرّتْ عليه قميصها *** العليا وخيرَ مَنْ احتبى بنطاقِها
لولاكَ حرّفتِ الشريعةَ فتيةٌ *** ساقت حدود الله غيرَ مساقِها
فكشفتَ عن دين النبيِّ ضلالةً *** شحذتْ عليه بارقات رقاقِها
واستوهبت فيك المعالي سيداً *** سارَ الثناءُ عليه في آفاقِها
وإليك أحكامُ العباد تسوسُ في *** أديانها، أبدانها، أرزاقِها
وبك استقَّر الأمرُ في تكليفها *** ولكَ استمرَّ العهدُ في أعناقِها
و (عرجتَ) عرفاناً لربكَ عندما *** أبتِ المشيئةُ عن رقيٍّ (براقها)
وعرفتَ أسرار القضا ودقائقَ ال *** أشياءِ في أفلاك سبع طباقِها
وحقائق الأسما وآثار السما *** عن شبهها بقرانها ومحاقِها
وإذا جرتْ حلباتُ كُلِّ فضيلة *** فَلَكَ المجلّى فائزاً بسباقِها
وعليك السنةُ الثنا مَقْصُورةٌ *** وبذاتكَ التقييدُ في إطلاقِها
وشققت جسمك من صفات أشكلتْ *** معنى سوىِ التعريف عن مصداقِها
وزجرتَ عن وادي (الغريّ) حوادثاً ***ونشرتَ ثوبَ العدل فوق (عراقِها)
وصفحتَ فضلا عن جرائم فتيةٍ *** جهدتْ عليك بغيِّها ونفاقِها
فوهبتَهُ وهو (المذممُ) باسمهِ *** غوث المروعة في كرى آماقِها(1)
تهواكَ السنُها فأنْ هي أبصرتْ *** فُرَصاً لحربكَ شَمّرتْ عن سَاقِها
يا مُنيةَ الراجين بَلْ يا جنَّةَ ال *** لاجين حيثُ تُراعُ من أملاقِها
لمَّا رأتكَ عروسُ فكري كفوها *** زُفّتْ إليكَ تميسُ في أشواقها
وسقتْكَ رقتَّها قواريرُ الهوى *** فلها الهنا أصبحتَ من عُشَّاقِها
ومنها ما قاله السيد حسن الأصم البغدادي يهنيه، ويؤرخ عام زواج ولده الشيخ مُحمَّد ببنت عمه الشيخ موسى (رحمهم الله) أجمعين:
خليليَّ مِنْ شُرب المُدام تزوّدا *** فأنَّ حسامَ الصُبح أضحى مُجرَّدا
هي الأثمُ لا إثمٌ على مَنْ يديرُها *** ولكن على من راح فيها مفنِّدا
معتقةً كادْت تطيُر بكأسها *** ولكن لها أضحى المزاجُ مُقيَّدا
مورّدة لو ذاقَها شيخُ تسعةٍ *** وتسعينَ أضحى الخدّ منه مورّدا
فلو مرَّ بالحانوت ينظرُ كأسَها *** يطوفُ عليها راهبُ القومِ عربدا
ولو شَرِبَ النُسَاكُ فَضْلَ زجاجِها *** لخرّوا لهاتيك الزجاجة سجّدا
ولو صافحتْ خمّارَها كفُّ (مادر) *** لراحَ من (الطائيِّ) بالجُودِ أجودا
ولو (باقلٌ) منها احتسى راحَ قائلاً *** (أنا الصائحُ المحكيُّ والآخرُ الصدى)
ولو قُرّبتْ مِن أكمه عادَ مُبْصِراً *** ولو شَامها رَكبٌ وقد ضلَّ لاهتدى
ألا أشرباها ثم عود الشربها *** فأني أرى في شربها (العَودَ أحمدا)
وقولا الساقي القوم يأتي لشادن *** مغنٍّ بلحنِ القولِ يُخجلُ (مَعْبَدا)
وإنْ لم يكنْ طفلٌ فخُودٌ مليحةٌ *** تُحاكي ثناياها الجُمانَ المُنضَّدا
حَوَتْ حاجباً شحط المخطّ وناظراً *** يُعيرُ الظبا فتكاً وفرعاً مجعّدا
1) علَّق المؤلف على هذا البيت بقوله: «إنطباق هذا البيت في المرحوم الشيخ علي واضح، وأمّا في أمير المؤمنين (علیه السلام) فغير معلوم لأنَّه ليس في أعدائه ومعارضيه مَنْ إسمُهُ مذمم»
تتيهُ على الغزلان في لفتاتها *** وتزري بخُوطِ البان مَهْما تأوّدا
فَقُوما إلى شُربِ الحميّا عجالةً *** ومن عادة المحروم أنْ يتزوّدا
سروراً بعرس الألمعيّ (مُحمَّدٍ) *** سليل (عليٍّ) من عَلا الناس مَحْتِدا
ربيبُ الهُدى ربُّ الصلاح أخو التقى *** حليفُ النُهى خدنُ الكمال أبو الندى
هُمامٌ رقى هامَ (السَّماك) بهمّة *** تعالتْ ولَمْ تبرحٌ تُحاولُ مصعدا
تربّى بحجر المجد طفلاً ويافعاً *** تقمّص جلباب المفاخر وارتدى
براهُ إلهُ العرشِ منْ نور علمه *** وأحيا لنا فيه شريعةَ (أحمدا)
وكوّنهُ من عالم اللطف (عالِماً) *** فأصبحَ شيخَ الكُلِّ في الكُلِّ واعتدى
هو العالِمُ القدسيُّ والفاضلُ الذي *** توحّدَ في خلق التقى وتفرّدا
هو العالمُ القدسيُّ والفاضلُ الذي *** بجمع العلوم الغامضات توحّدا
هو البحر لكن لا تجود يمينُهُ *** غَداة الندى إلاّ لجيناً وعسجدا
تَعوَّدَ بسطَ الكفِّ طفلاً وإِنَّما *** (لكُلِّ امرئ من دهرهِ ما تَعوّدا)
فَمَنْ ذا يُدانيهِ علاً وشقيقُهُ *** (مُحَمَّدٌ) مَنْ في غيره ليس يُقتدى
كذا (الحسنُ) الأخلاق والمجتبى الذي *** به منزلُ الفخر الأثيل تشيّدا
هُمُ القومُ طاروا بالمفاخر والعُلي *** وجازَ عُلاهمْ كُلَّ أفخرَ أمجدا
وفاقوا الورى علماً وحلماً وعفةً *** وجُوداً ومجداً وافتخاراً وسؤددا
وهم طوّقوا بالمجد جِيدَ بني الرجا *** فما ابنُ رجا إلاّ وأسدوا له يدا
غيوثُ ندى إن أجدبَ العامُ يغتدي *** إليهم حديثُ الجود في الناسِ مُسْنَدا
فمن تلقَ منهم تلق بحرَ سماحة *** إذا أمَّهُ ذو حاجة لم يَقُلْ غدا
بني (جعفر)، يا جامعينَ مكارماً *** غدا شملُها بين الأنام مُبَدَّدا
ليُهنِكُمُ عرسٌ غدا الدهرَ لابساً *** به من صنيع السَعدِ ثوباً مجددا
وما خلت قِدْماً أنَّ غزلانَ (رامة) *** تعانقُ أُسْداً لا تَهابُ من الردى
(قرآن) سعود قَدْ جلا بسنائه *** دياجي العنا عنّا غداة توقّدا
فَقُمْ يا أخا ودّي ونادي مؤرخاً *** (وقُلْ زُوّجَتْ شمسُ البها قمر الهدى)(1).
1) حساب الجُمل في هذا التاريخ يُوافق سنة (1318 ه)، وهو غير صحيح. وذكر الشيخ محبوبة في ماضي النجف وحاضرها، ج 3، ص 195: أنَّ هذا التاريخ يكمل اذا لم تُحسب كلمة (وقل) التي يساوي مجموع حروفها (136)، وهو خلاف قاعدة فن التاريخ الشعري المطردة في حساب كُلَّ ما يقع بعد مُشْتَقَّات كلمة (التاريخ)
وأما مراثيه، وتعازي إخوانه وبنيه فيه، فتكاد أن تكون ديواناً لكثرتها. ونحن ننتخب منها نبذة كافية، في أداء حقه.
فمن ذلك ما رأيته في المجموعة (القفطانية) وفي صدرها ما هذا نصه: مما قال المرحوم الشيخ إبراهيم نجل الشيخ حسن قفطان (رحمه الله) في رثاء العلامة المحقق خاتمة المجتهدين، وعميد الفضلاء المدرسين، وعماد الحق وعميد الملّة والدين، المرحوم جناب الشيخ علي نجل الأستاذ الأكبر، الشيخ جعفر، (قدَّس الله روحهما) معزياً أخاه وولده وهي:
توسّمتُ بعد المستقلّين أَرْبُعا *** فأسقيتُها من وابل العين أدمعا
محاها البلى حتى ظننتُ رسومَها *** ركائبَ زارتْها عواكفُ خشّعا
أسائلُها عن فخرها أين أزمعا *** فيثني الصدى ما قلتُهُ أين أزمعا
عَفَتْ مُذْ مَضى عنها (عليُّ بن جعفر) *** وأقلع عنها السِعدُ ليلةَ أقلعا
مصاب على الأسلام حلَّ كلاكلاً *** فأزعج أربابَ الحفاظ وروّعا
ليوم (عليٍّ) تذرفُ العينُ أدمعا *** فأنَّهما سيّان رُزْءً ومصرعا
فذلك مادَ العرش من وقع صدعه *** وهذا له ركنُ الهُدى قَدْ تصدّعا
لئن جاءت الأيام شنعاء في الورى *** فيوم (عليٍّ) كان أدهى وأشنعا
فلا بكّر الناعي على الناس ويحهُ *** بفيه الثرى هَلْ يدريْ أيَّ فتىً نعى
نَعى فالمساعي الغُرُّ تندبُ خَلْفَهُ *** وغادر أحشاء المكارم وُقّعا
نَعى سيداً لم يلحظ الدهر مغضباً *** بعينيه إلاّ انصاعَ منه مروّعا
إماماً له ألقى الزمانُ قيادَهُ *** فجاء على وفق الأرادة طيّعا
وغوثاً لنا في فادح الخطب مفزعاً *** وغيثاً لنا في كالح الجَدْبِ مربعا
سرى نعشُهُ في الناس مَسْرى نواله *** وخطّ له في قلبه المجدُ مضجعا
فيا طودَ عزٍّ قَدْ أمنّا بظلّه *** تكنّفه ريبُ الردى فتزعزعا
ومرتكماً نُسقى بصيّب وَبُلِهِ *** جَلَتْهُ عقيمُ النائبات فأقشعا
وبدراً تعوّدنا اهتداءً بنورهِ *** فأشرقَ لكنْ صيَّر النعشَ مطلعا
فيا حاملَ النعش اتّئد فَلَعَلَّةَ *** يُزودُنا دُرّ الحديث فنسمعا
رويداً فهذي المكرمات نوائح *** وراءك تسترعيك حسرى وظلّعا
فَقُلْ لبني الآمال خلّوا عن السُرى *** فقد أُودعَ المجدُ الثرى يومَ ودَّعا
وما كنتُ أدري قبلَ دفنكَ أَنَّهُ *** يكونُ الثرى من ساحة الكون أوسعا
ولا قبل أعواد حملنكَ أملاً *** بشامخ رضوى أن يقلّ ويوضعا
هدأتَ فصيّرتَ القلوَب خوافقاً *** ذهبتَ فخلّفتَ الحوادثَ رُجَّعا
وأُنزِلتَ قبراً قَدْ سما بك رفعةً *** كأنَّكَ ما أُنزِلتَ إلاّ لتُرفَعا
تساميتَ فاستبدلتَ منّا ملائكاً *** تطوفُ على مثواك مثنىً ومربعا
فللّه رزءٌ كوّر الشمس في الضُحى *** وأوهى قوى الدين القويم وضعضعا
وألبسَ وجه البدر إذْ حيل بينَهُ *** وبين سنا شمس المعالم برقعا
ونعشٌ هوى والمجد فيه إلى الثرى *** فقل في الرواسي الشامخات هوتْ معا
أقام لنا ركبُ التحسّر والجوى *** وودَّع ركبُ المجدِ ساعة ودّعا
ففي كبدي داءٌ إذا ما شكوتُهُ *** لتنفعه الشكوى يزيدُ توجّعا
وقاتلة هيهاتَ تأملُ سلوةً *** ولم يبق في قوس التصبّر مَنْزَعا
فقلتُ بلى إنَّ السلوَّ بسيدٍ *** أعزُّ وأزكى العالمين وأورعا
هو (الحسنُ) الفعل الجميل به العزاً *** وإِنْ عَظُمَتْ تلك الرزيةُ مَوْقعا
فلولاهُ ما قامتْ شريعة (أحمدٍ) *** ولم نَدرِ منها واجباً مَنْ تطوّعا
تسلّ معيد الدين غضاً فأنَّماً *** شعار الليالي أن تُريعَ وتُفزِعا
تفيأتُ من روق الفخار سرادقاً *** سمتْ فغدتْ من شامخ (النَسرِ) أرفعا
ولي سلوةٌ في فرعه الماجد الذي *** عُفاةُ الورى تأوي لمغناهُ شَرّعا
(مُحمَّدُ) وصف عزَّ كهفاً ممنّعاً *** وزاخر علم ثابت العزم ألمعا
ومِنْ بعده (المهديُّ) فينا ومَن حوى *** شمائلَ أضحتْ من شذا المِسكَ أضوعا
فيا أهل بيت قَدْ أبى الله أن ترى *** بهمْ غيرَ حام للشريعة أروعا
إذا غاب منكم ماجدٌ قام ماجدٌ *** به أورقَ الأسلام عوداً وأينعا
سقی جَدَتْاً وآرى (عليّاً) من الرضا *** سحاباً بعفو الله یهمي مدعدعا(1)
1) السحاب المُدعدع: المطر النازل بانتظام، الذي يُعبّر به عن الرحمة والرضوان
ولعمري أن الشيخ إبراهيم في هذا المقام ما أجاد، ولا وافق السداد، حيث أنَّهُ توسّم بدار المرثيّ العفا والبلاء ووصفها بالمحول، وجعلها طلول، وهو توسّم قبيح ووصف غير جيد، خصوصاً إذا كان الميت له من يقوم مقامه ويجلس في محله. فأنْ قلت لم تزل الشعراء تشبب بالدار أمام الرثاء، قلتُ لك نعم هو كما قلتَ، ولكن يتخلّصون من التشبيب بها إلى الرثاء، ولا يجعلونها دار المرثى، ولو جعلوها فأنَّما يصفوها بالعزّ والمنعة كما قال الشريف: ألا ناشداً ذاك الجناب الممنّعا.
والحاصل أن هذا أمر تعرفه بذوقك، وتجد حسنه وقبحه بسليقتك، وقد كان المتقدمون يتخلّصون من التشبيب بها إلى الرثاء بواسطة الدمع كما صنع الشريف في قصيدته الدالية التي أولها:
هذي المنازلُ بالغميم فَنادِها
وكقول البُحتري:
ولا تسألي عمّا بكيتُ فأَنَّهُ *** على ماء عيني جادَ ماءُ جفوني
أو بواسطة الأمر بالكفّ عن البكاء على الدار وجعله للميت كما قال الخطيّ:
«ولكن هلم الخطب في رزء سيد»
وقد شرك الشيخ إبراهيم بعدم التفاته إلى هذا العيب السيد الأديب سيد جعفر(1)إبن العالم النحرير سيد باقر القزويني، حيث قال يرثي الشيخ علي أيضاً، ولكن تفرّد عنه بشيء آخر وهو أن قصيدته هذه تعاون (السيد، والبُحتري) عليها، ومع ذلك ما جاءت على ما ينبغي، وسأنبهك على ذلك. والقصيدة هذه:
هَلْ بالديار لواجد إلمامُ *** هيهاتَ غيّرَ رَسُمَها الأيامُ
ضُربتْ عليها للزمان كلاكلٌ *** فمحتْ محاسنَها التي تستامُ
قفْ بي أُسائلُ ربْعَها عن أهلهِ *** أين استقلّوا بعدنا وأقاموا
وأُكلّمُ الدرس الدواثرَ بعدهم *** لو كان يُجدي الواجدين كلامُ
يا دارُ ما لَكِ للنوائبِ كُلَّما *** رُفّعت فذاً صبحتك توامُ
أو ما كفى صرف الحوادث ما مضى *** من قبل في أهليك منه أهليك منه سهامُ
1) من علماء الأُسرة القزوينية، وأُدبائها تُوفي سنة 1265 ه / 1849 م
حتى دهى بمجلجل لو أنَّهُ *** بأطام رضوى خرّ منه أطامُ
الله أكبر ما أجلَّ مصيبةً *** عَظُمتْ فقلّ لقدرها الأعظامُ
نفضتْ على وجه الصباح رداءها *** فغدا ضياءُ الصبح وهو ظلامُ
ورزية حمل الأئمّة شطرها *** والمسلمون وشطرها الأسلامُ(1)
ورزية حمل الخليفة شطرها *** والمسلمون وشطرها الأسلامُ
هدّت ذرى الدين القويم فما له *** أبداً إلى يوم القيام قيامُ
جَلَلٌ عدت فيه الحوادث طورها *** وتجاوزت مقدارها الأيامُ(2)
حتى أطلَّ به على الأنام بمُدْهِش *** ذهبتْ به الآراءُ والأحلامُ
فقدوا علياً ذاهلينَ ولم يكنْ *** خَلقتْ لهم فقدانه الأوهامُ
فتراهمُ مِنْ سكر حيرتهم به *** لا ساهرونَ ولا هُمْ نُوّامُ(3)
والركبُ من دهش النوى في حيرةٍ *** لا نائمون ولا هُمُ أيقاظُ
مَنْ ذا يعزّيهِ عليه وكُلُّ مَنْ *** فوقَ البسيطةِ بعدَهُ أيتامُ
لكنْ نُعزّي المكرمات بفقدِ مَنْ *** بدوامه للمكرمات دوامُ
ونُعزّي دينَ الله بالمولى الذي *** لولاهُ ما رفعتْ له أعلامُ
يا أيُّها المولى الذي عن وصفهِ *** قَصُرَ الكلامُ وكلّتِ الأفهامُ
ما كنتُ أحسبُ لا وَمَنْ قَدْ خَصّه *** بمراتب في المجد ليس تُرامُ
أن الليالي تستطيعُ لهاتُها *** مضغاً لصِلّ لَهْوَتَيهِ سهامُ
لكنَّها قدمتْ عليه فهالَها *** من جانبيه العزّ والأعظامُ
حتى إذا قدمت كبتْ أقدامُها *** فأعنّها الأقدار لا الأقلامُ
بأبي وآبائي الكرام جميعهم *** جَدَثٌ تَجَمَعُ فيه منكَ عظامُ
وبرغم أنف الدين أنَّك نائمٌ *** في حفرةٍ والشامتون قيامُ(4)
وبرغم أنفي أن أراك موسّداً *** يدّ هالك والشامتون قيامُ
وأنتَ ترى التفاوت ما بين قوله: موسّداً يدَ هالكٍ، وحسن التعبير عن الموت، وبين قوله: نائم في حفرة
أسفي عليك وهل يفيد تأسّفي *** قلباً عليه الصبرُ عنكَ حرامُ
(فعليكَ يا حِلْفَ الندى وعلى الندى *** من ذاهبين تحيةٌ وسلامُ)(1)
وللشيخ الأديب، المفلق الأريب، الشيخ عبد الحسين محيي الدين قصيدة في رثاء الشيخ علي أيضاً على هذا الوزن والقافية، إلا أنَّهُ لم يلمّ من قصيدة أبي عبادة، وهي:
جللٌ له بذوي العُلى إلمامُ *** لم تأتِنَا بنظيرهِ الأيامُ
وعظيمُ رُزء في عظيم قدره *** إن الرزايا في العظام عِظامُ
قد أعولتْ فيه الملائكُ بالبُكا *** والمسلمونَ تعجُّ والأسلامُ
قُلْ للردى لا تجري بَعدُ فلمْ تكنْ *** بعدَ ابنِ (جعفرَ) غايةٌ فتُرامُ
يا ناشدَ الشرف الرفيع تعزّياً *** أهوى إليكَ مِن الشريف شمامُ
يا ناشدَ العلياء أقفرَ ربعُها *** وخَبَا لزند المُكرمات ضرامُ
فلتَجرِ عينُ العلم فيه دموعها *** حُزْناً وتندبُ يومَهُ الأحكامُ
يا راحلاً أقوى له ربع الهدى *** وجداً وجُبَّ من الرشاد سَنَامُ
مُذْ بِنْتَ بانَ من العُيون رقادُها *** والصبرُ عزَّ فعادَ وهو حرامُ
أنّى نُطيقُ أسى وكنتَ لنا الأسى *** إنْ نابنا خطبٌ وأجدب عامُ
كُنَّا نردُّ بكَ الزمانَ إذا سطا *** فرمتْكَ من أيدي الزمان سهامُ
يا بدرَ تمّ يُستنارُ بنورهِ *** فرماهُ خسفٌ واعتراهُ ظلامُ
وأشمُّ طأطأ للمنون وكمْ له *** مِنْ كُلِّ ذي شرف تطأطأ هَامُ
ماذا على الأيام بعدَكَ لو بدتْ *** سودِ الوجوه برودهنّ قتامُ
قل للمعيّر بالحمام له فما *** في الخَلقِ مَنْ قَدْ أخطأتهُ حِمامُ
ما في الردى للشامتينَ شماتةٌ *** لم يَبقَ إلاّ الواحدُ العَلامُ
فلئن قضى الحَبرُ (العليُّ) فبعدما *** أدّى شرائعَ فرضهنّ لِزامُ
وقضى حقوقَ مكارم ملءُ الفضا *** لم تُبْلِها الأحقابُ والأعوامُ
إنْ فلَّ منه الدهرُ غرب حسامهِ *** فَلَکم به للدهر فُلَّ حُسامُ
ما ماتَ مَنْ قَدْمات إذ أبقى لنا *** خُلَفا بأعباء (الخلافة) قاموا
أبقى لنا (حَسَناً) (عليٌّ) بعدَهُ *** يقضي بفصل إنْ الدَّ خِصامُ
1) هو للبحتري برمته، وهو من محاسن شعره. (كل التعليقات التي وردت على القصيدة هي للمؤلف)
مولى أقرَّ له الأنام فما ترى *** إلاّ عليه تَسالمُ وسلامٌ
وسليلُهُ الزاكي النجار (مُحمَّد) *** فهو المهذبُ والفتى القُمْقَامُ
والماجدُ (المهديُّ) أكرمْ ذا عُلاً *** بسنا هداهُ تنجلي الأظلامُ
فئةٌ ولا صغرٌ صغير بينهم *** تسلو به آباءها الأيتامُ
وأئمة إنْ غابَ منهم واحدُ *** فرضاً يقوم مقام ذاك (إمامُ)
یا (باقرَ) العلم المُهذّب والذي *** خفقت عليه للعُلى أعلامُ(1)
يكفيكَ سلواناً بأكرم فتهيةٍ *** سمكتْ لهم فوق السهى أقدامُ
ولهم بك السلوان عمن قَدْ مضى *** إذ أدركوا بكَ كُلَّ ما قَدْ راموا
وله أيضاً يرثيه، ويؤرخ العام الذي تُوفيَ فيه:
أيرجو الفتى في الدهر عيشاً مُخلَّدا *** وسهمُ الردى ما انفكَّ منه مُسَدَّدا
وكم شنّتِ الأيام في الناس غارةً *** أحالتْ بياضَ الصُبح في العين أسودا
وهيهاتَ ما للمرء من طارق الردى *** مناصٌ إذا سهمُ المنية أقصدا
فلو أخلدت أيامنا الدهر واحداً *** لأخلدنَ خيرَ الناس طراً (مُحمَّدا)
ولكنَّما خطّ المنون على الورى *** جميعاً فما جيدٌ به ما تقلّدا(2)
وناع نَعى أصمى المسامع نعيُهُ *** وقرَّحَ أجفاناً وصدَّعَ أكبدا
نعى ماجداً لو كانَ ينعى نفوسَنا *** لنا دونه ما كانَ أدهى وأوجدا
فتیً كانَ أحيا شرعةَ الحقّ علمُهُ *** وَمَهَّد آيات الرشاد وشيّدا
أبو عذرها السامي الفروع ومَنْ سما *** بما قَدْ حواهُ مَنْ أَغارَ وأنجدا
وكُنّا به والدهرُ يُرهبُ بأسَنا *** فَعُدْنا لغارات النوائب مَقْصَدا
فمَنْ ذا يُرجَّى للحوادث بعدَهُ *** إذا ما دجى ليلُ الحوادث أو هدى
بني (جعفر) لا أخمدَ الدهرُ ذكرَكمْ *** ولا منكمُ أخلى ندياً وَمَحْشَدا
فما حُسْنُ دهرٍ فات أو يأتي لم تُزَنْ *** سما فخره فيكم بأنجم للهدى
سلوَّاً وما السلوانُ منّا بمثله *** مطاق ولكنْ سُنَّةُ الطُّهر (أحمدا)
فما خصّكم ذا الرزء حيثُ أصابكمْ *** ولكنَّهُ لم يُخطِ منّا موحّدا
وإني وإنْ شاطر تُكمْ فادحَ الشجي *** أرى أنَّ حظي في الشجى كان أزيدا
أجَلْ رَحِمُ الأيمان بيني وبينكم *** يقرّب ما رَحْمُ القرابة أبعدا
فلا يشمت الشاني (عليّاً) بموته *** فما عاش في الأيام حيّ فأخلدا
وما غابَ مَنْ أبقى بدوراً طوالعاً *** بأنوارها في حالك الخطب يُهتَدى
وأنَّ لنا فيهم عزاءً فَكُلُّ مَنْ *** ترى منهم تلقى كريماً وسيدا
أرى (حَسَناً) يحذو (عليَّاً) بفعله *** أجلْ (بعليّ) المرتضى (الحَسَنُ) اقتدى
وهاتيك أبناءٌ له حاولوا العُلى *** وإن شئتَ مولى الكل فاذكرْ ( مُحمَّدا)
وأرقبُ (للمهدي) وثبةَ خادرِ *** يُقوِّمُ من دين الهدى ما تأوّدا
يُسددُ فيه الله مذهب (جعفرٍ) *** وروّاه صوب العفو أوطف مرعدا
ولما دعاه الله للخُلدِ أرّخوا *** (عليٌّ محاذي في النعيمِ مُحمَّدا)
1253 ه
هذا ما حضر لديّ من مراثيه حال الكتابة.
وقد حدثني خلفه العَلمُ العبّاس أن الشيخ إبراهيم قفطان، أو الشيخ حسن قفطان(1)رثی الشيخ (ببند) طويل في غاية الجودة والمتانة، وفي آخره تاريخ لعام وفاة الشيخ. وكان تأريخُهُ: (ورفعناه مكاناً في السماوات علياً).
وهو كما ترى في أعلى مراتب الحسن وله به تمام الفذلكة الأدبية. ولكنى عددتُهُ فخرج زائداً بثلاثة على ذلك العام. فأنْ كان كما خرج عندي فلعلَّهُ كان مشيراً قبله إلى زيادة هذا المقدار(2)
(رفعناه مكاناً في السماوات عليّا)
رفعناه:
412 = 5 + 1 + 50 + 70 + 80 + 200
مكاناً: 40 + 20 + 1 + 50 + 1 = 112
في: 90 = 10 + 80
السماوات: 1 + 30 + 60 + 40 + 1 + 6 + 1 + 400 = 539
عليّا: 70 + 3 + 10 + 1 = 111
المجموع هو: (412 + 112 + 90 + 539 + 111) = 1257
وفي قوله: «ذاب أقصى كبد الغلياء» إشارة الى حذف حرف (الدال) من كلمة كبد - من مجموع التأريخ. وما كان حرف (الدال) يساوي الرقم (4) في تسلسل حساب الجمل المعروف «بأبجد، هوَّز، حُطّي، كلمن»، فيكون التأريخ بعد إخراج المحذوف هو سنة 1253 ه».
أمَّا ما ذكره المؤلف في (المتن) من وقوع الزيادة في حساب الجُمل، فذلك راجعّ الى عد حرف (الواو) ضمن التأريخ
، والله أعلم.1) البند هو للشيخ حسن قفطان المُتوفى سنة 1279 ه / 1862 م. وقد أثبتْهُ الاستاذ علي الخاقاني في «شعراء الغري»، ج 3، ص 13 (نقلاً عن مجموعة السيد جعفر الخرسان المخطوطة)، وأولُهُ: أخرس الناعي لساني، وشجاني ما شجاني، إذْ دهاني، بنعيّ أوجر الصدر، ورزء أقصم الظهر. حتى يقول «مَنْ تُرى مِنْ بَعدِك اليوم أنادي لشؤوني، خابت الآمال مِنْ بعد إمام ذاب أقصى كبد العلياء لما قام جبريل شجيّا، دونَ عَرش الله ينعاه بتاريخ «رفعناه مكاناً في السَّماواتِ عليّاً»، ولي الله على ذاكَ، لي الله لقد كنتُ، ولا أعرفُ بالنكبة لولاه...»
2) حساب التاريخ هو كالآتي:
وقال الشيخ صالح التميمي يرثي الشيخ علي (قده) بقصيدة يتذكر فيها رُزءَ أخويه موسى ومحمد، ويتخلّص فيها بمدح أخيه الحسن وولده الشيخ مُحمَّد (رحمهم الله أجمعين)، وهي:
رحيلُكَ أبقى لوعةً ليس تَرحلُ *** وموتُكَ أحيا قُرحةً ليس تُدْمَلُ
وناعيك أولانا ذهولاً وكم بنا *** بفادح خَطْب ما نُساءُ ونُذْهَلُ
ولكنَّها وافتْ إلى الخَلقِ نكبةً *** إلى الله منها المُشتكى والمُعوَّلُ
إذا ما قضى حَبْرٌ أَغَرُّ مَحجَلٌ *** أتى حزنُهُ حزنٌ أغر مُحَجَّلُ
فيا طالباً بالدمع إطفاء جمرة *** معوّدة في واكفِ الدمع تُشْعَلُ
تُحاولُ أنْ يطفي الجوى فيض مقلة *** ولو أنها تهمي الدَماء وتهملُ
ويا قمراً وارى ضياءك برزخٌ *** ويا عيلماً أخفى معاليكَ جدولُ
أرى الناس أضحتْ بعد فقدكَ كُلَّها *** كذودٍ بلا راع غدا وهو مُهْمَلُ
تقلّص ظِلُّ العلم عنهم وقَدْ سطا *** بهم بعد ذاك الظلِّ دهرٌ مُضللُ
منحتَهمُ رشداً وألبستَهُمْ أسى *** فكُلٌّ لكُلِّ بالأسى متكفّلُ
إذا ما ليوثُ الغاب غيَّبَها الثرى *** فلم تُغْنِ في يوم الكريهة أشبلُ
وإِنْ غاضَ بحرٌ أوسعَ الخلق سيبُهُ *** فهيهات أنْ يروي البرية مَنْهَلُ
بنفسيَ مَنْ تشكو المدارسُ فقدَهُ *** إذا عمَّ أربابَ المدارس مُشْكِلُ
وقَدْ أقفرتْ منه المساجدُ واعتدتْ *** محاريببُها مِنْ وَحْشَةً عنهُ تسألُ
وما مِنْ فتىً أحيا شريعةَ مُرْسَلٍ *** كأحيائه إلاّ له الدمعُ مُرْسَلُ
أتى أخراً ثُمَّ ارتقى غارب العُلى *** من العلم حتى عمّ بالفضل أوّلُ
لفقد (عليٍّ) قَدْ تجرعتُ غُصَةً *** وإنّي على (موسى) أحنُ وأَعْولُ
يعاجلُني في برِّهِ يومَ فاقتي *** ويُوسعُني في حلمه حينَ أجهلُ
ولستُ بناس لو ذكرتُ (مُحمَّداً) *** كأني سليمٌ ليلَهُ يتململُ
هُمُ القومُ لا يُبْلي الزمانُ جميلَهم *** ولا الصبرُ في تلك الرزية يجملُ
ألا قُلْ لَمنْ أخفى الشماتةَ جاهلا *** يؤمّلُ في أيامه ما يؤمّلُ
بفيكَ الثرى فالحظ ليس بِمُدْبِرٍ *** ولكنَّهُ والحمدُ لله مُقْبِلُ
هو (الحسنُ) البحرُ الخِضَمُّ ومَنْ نرى *** بطلعته وجهَ التُقى يتهللُ
يؤازرُهُ الحَبرُ المُصاب (مُحَمَّدٌ) *** فتىً سورُ عزٍّ للأنام ومَعْقِلُ
هما فرقدا علمٍ وجُودٍ كلاهُما *** فذا فاضلٌ فينا وذا متفصّلُ
وكانت وفاته عقيب وفاة السيد السّند السيد رضا(1)نجل العلامة الطبطبائي (قده)، فقال الشيخ حسين مبارك(2)، وهو من شعراء العلماء، يرثيهما (قُدِّسَ سرُّهما) ويتذكر مصائب العلماء كالسيد مهدي نجل السيد مير علي الطبطبائي والشيخ موسى (رحمه الله) وكانوا متقاربي الوفيات، ويتخلّص بمدح الشيخ حسن أخيه، ويعزّيه مع باقي بنيه:
خَدَّدَ الدمعُ على خَدّي خَدَّا *** ووهتْ منّي القوى حُزْناً ووَجْدا
وعراني ما عراني من أسى *** أورثَ القلب شجى والعينَ سُهْدا
ووهى ركنُ اصطباري أسفاً *** ولقد كنتُ على الأرزاء جَلْدا
حين وافي نَعْيُ مَنْ ألبسني *** فقدُهُ ثوباً من الحُزن وبُرْدا
ما لصَرْفِ البينِ لم يتركْ لنا *** طودَ عزَّ شامخ إلاَّ وهدّا
ما نسينا موت (موسى) و (الرضا) *** بَعدُ، و(المهديِّ) خيرِ الخلقِ جدًا
إذْ سطا فاغتال منّا أسداً *** يُرهبُ الأسدَ إذا صالَ وشدّا
وتقيّاً يقطعُ الليلَ إذا *** ما دجالله تسبيحاً وحمدا
وجَواداً يُوسعُ الوفدَ إذا *** نزلوا في رَبْعِهِ علماً ورِفْدا
ليتني مِتُّ بوجدي قبلَهُ *** وتوسّدتُ كما وُسِّدَ لحدا
أحمُدُ الله فقد أبقى لنا *** مَنْ سما للفَلكِ الأطلس مَجْدا
(حسنَ) الأفعالِ، والأقوالِ مَنْ *** برداءِ العلم والتقوى تردّى
هو في الأرض منارٌ يهتدي *** بسنا أنواره من ضَلَّ قَصْدا
ناب عمّن قَدْ مضى عنّا إلى *** جنّة الفردوس أخلاقاً وزُهْدا
ولنا في وُلْدِهِ أكرمْ بهِ *** .بِهِمْ خیر أبٍ بَرَّاً وولدا
وحدثني جنابه العالي أيضاً عن المحقق القزويني(1)(رحمهه الله)، (وكان من بطانة الشيخ أبيه وخاصته، ونسيبه وزوج ابنته)، أنَّهُ قال: كانت للشيخ أشعار كثيرة في التغزّل والتشبيب نظمها في أيام صباه، ولما بلغ العشرين أو الثلاثين جعل يتّبعها ويفتّش عليها ليحرقها ويمحو وجودها، فظفر بمقدار مائة ألف بيت(2)فأحرقها جميعاً، إلاّ ما كان في مدح الأئمة (علیهم السلام) ورثائهم، وجعل يقتصّ أثر الباقي فيصنع ما صنع بالأول، ولكني ظفرتُ بأوراق وبهم فيها كثير من شعره غزلاً وغيره فأخفيتُها عنه وحفظتها عن خاطري، فمن ذلك:
بنفسي نديماً بات يُقْري مسامعي *** حديثاً لمَطْويّ الغرام به نَشرُ
إذا ما تلا صُحفَ ابن مريم صادعاً ***بألحان داود وقد هجع السمرُ
وهبتُ نفسي وقلتُ له احتكمْ *** فأنتَ بما تهوى لكَ النهيُ والأمرُ
ومنها قصيدة غرّاء أولها:
إلى كم ذا تُدانُ ولا تدينُ *** حتى ما أخانُ ولا أخونُ
أمَا عاهدتني والعَهْدُ دَيْنٌ *** ومثلي لا تُضاع له ديونُ
إلى أن قال:
إذا ما جاء يسحبُ بُرْدَتَيهِ *** وفي أعطاف هيفٌ ولينُ
بوجه رقَّ ماءُ الحُسنِ فيهِ *** فَرَاقَ الخدُّ منهُ والجَبينُ
وألحاظ مواض كالمواضي *** قلوبُ العاشقين لها جفونُ
سقطتُ على (جُهينتهِ) فَسَلْهُ *** (فعندَ جهينةَ الخبرُ اليقينُ)
ومنها القصيدتان الداليّتان التي تقدّم ذكرهما.
وكان ينقل عن الشيخ أنَّهُ يقول: ما غُلبتُ في الشعر إلاّ مرة واحدة وهي أني كتبتُ إلى الشيخ نصّار(1)- وهو بالنجف وأنا بالحلّة - قصيدة أولها:
سلوتُ عن (الغريِّ) فذكّرتني *** نوائحُ غرّدتْ فوقَ الغُصونِ
ذكرتُ أحبّة فيها كراماً *** عليَّ وإِنْ هُمُ لم يُكْرِموني
فكتب إليّ في جواب قصيدة أولها:
لعَمْرُكَ ما سلوتُ فذكّرتني *** نوائحُ غرّدتْ فوق الغُصونِ
بلى أسمعتُها لنواكَ نَوْحاً *** فحنّتْ عندما سَمِعتْ حنيني
ولمّا جاء السيد المتبحر السيد صدر الدين العاملي من (العجم) إلى (النجف) رأى جماعة من الفضلاء المجتهدين يتعاطون كؤوس الآداب، ومنهم الشيخ نصّار وبعض (الأعاسمة)، وهم يختلفون إلى الشيخ عليّ ويرجعون إليه، وذلك قبل وصول النّوبة له، فأعاب السيد عليهم وقبّح فعلهم، وأنه قَدْ يؤدي إلى محرّم كالتشبيب وغيره. على أن السيد كان عريقاً بالأدب وله ديوان شعر كبير. وكلّ أجابه بقصيدة.
فمنهم الشيخ علي وقد أملى عليّ هذه الأبيات خلفه المطهّر، أدام الله له العمر والأمر، وقال: لا أحفظ الباقي، وهي:
بأيِّ كتاب أم بأيَّةِ سُنّة *** يحلٍّ لديها نَقْضِ عهدي وذمّتي(2)
وتَنْسِبُ للتشبيب مثلي ضُلَّةً *** وكمْ لِيْ عليها من يد مستهلّتِ
ولا أعرفُ التشبيبَ إلاّ بوصفه *** ولا كان يوماً في الغرام تعلّتي
وهل لأمرئ بعد (الثلاثينَ) ملعبٌ *** وقد أدبرتْ أيامُهُ وتولّتِ
أَلَمْ ترني في كُلّ يوم مشيعاً *** إلى القبر منهم ميتاً إثر ميتِ
فكم خلطوا حُلْوَ الكلام بمرِّهِ *** وكم عرَّضوا بي مرةً بعد مرةِ
ألم يعلموا أنّي أبو (عذرها) الذي *** غدا طالعاً بالفضل كلّ ثنيّةِ
ويعرفُ فضلي كُلُّ غادٍ ورائحٍ *** ويعمى حسودي عن بيان فضيلتي
وما أنا إلاّ الشمسُ يسطعُ نورُها *** وإنْ أنكرتْها كُلُّ عينٍ مريضةِ
أنا ابنُ الأُلى قَدْ طبقَّ الأرضِ فَضْلُهُمْ *** ولاذت بنو العليا بهم واستظلّتِ
بهاليل في أبياتهم حطّت العُلى *** وألقتْ لديهمْ رَحْلَها فاطمأنّتِ
فأيَّةٌ رجْلٍ بالسباق ولم تكنْ *** لهم سابقتْ يومَ الفِخار فَشَلَّتِ
(أناملُهُمْ فِي الجُودِ عشرٌ غمائمٍ *** ولكنَّها في الحربِ عشر أسنّةِ)
وهذا نوع من التضمين في تمام الحسن، (والبيت للشريف رحمه الله).
وأحسن من هذا كله ما حدثني به خلفه وبقيّته أطال الله عمره، وشيّد أمره، عن المحقق القزويني تغمدّه الباري برحمته: أَنَّهُ لمَّا دهمنا الوباء العظيم، الذي هبّت قواصفه على النوع الأنساني فجعلته كالرميم، الموافق ابتداؤه سنة 1247، - وفيه توفى الشيخ مُحمَّد نجل الشيخ الكبير، وفي آخره تُوفي صفي الله ونجيّه السيد العارف السيد باقر القزويني(1)- (رحمه الله)، تُوفيَ فيمن انتابه الوباء ثلاثة من تلامذة الشيخ علي؛ وهم الشيخ عبد الله، والشيخ قاسم، والشيخ محسن، وكلهم من بيت خنفر(2)، وكانوا من أجلاّء تلامذة الشيخ المبرزين بالفضيلة، وكان يحبهم حباً شديداً. فلما وصل إليه نعيهم خرج إلى الدرس وقد اجتمعت الناس وبيده ورقة، فرقى المنبر، وقرأ علينا هذه الأبيات يرثيهم بها، وهي:
قُلْ لقريبِ الدار في بُعدِهِ *** ما بالهُ قَدْ حال عن عَهْدِهِ
وما له لم يرعَ حقَّ الوفا *** ويُنجز المأمول من وَعْدِهِ
أخنى (بعبد الله) صَرْفُ(3)الردى *** وابتزَّنا (القاسمُ) من بعدِهِ
واليوم قَدْ أخنى على (مُحسن) *** ندبٍ رحيب الباع ممتدِّهِ
وردة مَجْدٍ قُطِفَتْ غَضّةً *** وآلهفةَ المجدِ على وَرْدِهِ
إنتهى ما وصل إلينا من أخباره وأشعاره، تغمّده الله برحمته في جواره.
1) السيد باقر القزويني هو أصغر أولاد السيد أحمد القزويني الخمسة (جدّ أسرة آل القزويني الحلية، المُتوفى سنة 1199 ه / 1785 م). وكان السيد باقر من تلامذة العلامة السيد مهدي بحر العلوم، ومن كبار فقهاء النجف في عصره. له ترجمة في مستدرك وسائل الشيعة، المجلد الثالث، ص 400 من (الطبعة الحجرية)
2) آل خنفر هم أولاد خنفر بن حمزة بن كتاب العَفْكاوي، والأسرة ترجع بنسبتها إلى قبيلة (باهلة)
3) صَرْفُ الردى: نوائبه
وفي أيامه ظهرت الفتنة العمياء، والداهمة الدهيَّة الدهماء، واشتهر وانتشر أمر الفرقة الشيخية، المُعبَّر به عنهم تارةً، وتارةً بالكشفية،، وذلك أن جماعة من فضلاء النجف عثروا على بعض رسائل السيد كاظم الرّشتي(1)القاطن بكربلاء فرأوا بها مما ظاهره الكفر أشياء لا تحصى ولا تعد، وشنائع أقوال لم يأت بها عمر الزمان أحد، فاجتمعوا وكان رئيسهم الشيخ موسى بن الشيخ عيسى بن الشيخ خضر(2)، وكلموا الشيخ في الحكم بكفره فأبى وامتنع، وقال: إن أمر الدماء عندي من أعظم الأشياء، وحقن دماء المسلمين من أعظم المهمات، كيف والحدود تدرأ بالشبهات.
فلما أيسوا منه مَضَوا إلى الشيخ مُحمَّد حسن صاحب الجواهر، وكان قَدْ استقلّ بعد الشيخ موسى واستغنى عن الرجوع والحضور إلى أحد، فأطلعوه على الرسائل وأشهدوا جماعة من الثقات أن السيد كاظم الرّشتي يدين الله بما فيها من الأقوال. فقال الشيخ مُحمَّد حسن: إن حكمي لا يفيد مع وجود مثل الشيخ علي فيكم، والناس منه أسمع وأطوع. فذهبوا إلى الشيخ علي وقالوا له: إذا حكم الشيخ محمد حسن فما تصنع أنت؟ قال: أمضي حكومته.
فَحَكَمَ الشيخ مُحمَّد حسن بكفر السيد كاظم ومن اتّبعه وأحرق جميع رسائله بعد انتزاع الآيات والأحاديث والأسماء المشرَّفة منها، وأمر بأن تُمحى من زيارة (شيشم) وغيرها الفقرات الموهمة للربوبية في حق (الأمير) كقوله: «السلام عليك يا منزل المنّ والسلوى»، وغيرها مما ظاهره الغلوّ.
وأما السيد كاظم فأنَّه لمَّا أُخبِر بامتناع الشيخ علي عن الحكم بكفره أخلص له، وتمكّن حبّ الشيخ في قلبه، وكان إذا جاء إلى النجف للزيارة تهددوه بالقتل فيستجير ببعض السادة الأشراف(3)
كانت هذه الحادثة في مقتبل شباب القزويني. ويبدو أنَّ موقفه السلمي من السيد كاظم الرشتي ألصق به الاتهام ب«الكشفية». نقل المؤرخ الشيخ محمد حرز الدين في معارف الرجال، ج 3، ص 113: أنَّ القزويني عندما حضرته الوفاة قال: «أبرأتُ ذمّة كلَّ مَنْ ظلمني الاّ من رماني بالكشفية»!
فيدفع عنه البلاء لعدم تحقق كفره وضلاله.1) السيد كاظم الرشتي ولد سنة 1212 ه / 1797 م، وتُوفي سنة 1259 ه / 1843 م. وكان من تلامذة الشيخ أحمد الأحسائي المتوفى سنة 1242 ه / 1826 م والذي تُنسب إليه الفرقة (الشيخيّة). ويُعبَّر أيضاً عن أتباعه ب(الرشتيّة) نسبة إليه
2) الشيخ موسى بن الشيخ عيسى بن الشيخ حسين بن الشيخ خضر (جدّ أسرة آل الخضري) تُوفي في وباء الطاعون الذي حلَّ بالعراق عام 1247 ه / 1831 م
3) يقصد المؤلف بهذه العبارة السيد مهدي القزويني المتوفى سنة 1300 ه / 1883 م (وهو صهر الشيخ علي على بنته). وكان القزويني يرفض معالجة ظاهرة السيد كاظم الرشتي بالعنف، وقد أقنع أستاذه كاشف الغطاء بسحب الفتوى التي كان أصدرها في تكفير الرشتي. إستدعى القزويني قوة من القبائل الفراتية بقيادة أخيه السيد جواد القزويني لحماية الرشتي - الذي كان محاصراً في النجف -، وإرجاعه الى مدينة (كربلاء).
حدثني السيد المفضال السيد جعفر جلال، وكان من الملازمين لخدمة الشيخ علي (قده) قال: كنتُ في أثناء هيجان تلك الفتن يوماً بخدمة الشيخ وحدي، فبينا نحن جالسون إذ دخل علينا حسن أغا بن صادق أغا، وكان من أعاظم رؤساء الشيعة، ذا ثروة مشهورة مرفوعة، وكلمة مطاعة مسموعة، وكان الشيخ علي (قده) إذا دخل عليه الأسد فزع من هيبته وعنا لسطوته، حتى أنَّهُ كان يجلس العصر في دار أبيه الكبيرة وتزدحم الأعاظم عليه، وترتعش عند الدخول والجلوس بين يديه، ويجعلون بينه وبينهم حريماً(1)مقدار أربعة أذرع عن يمينه وأربعة عن شماله، ولا يقدر أحد على الجلوس ملاصقاً له مهابة منه وبأساً.
وبعد أن استقر بحسن أغا الجلوس واطمأنَّ به المقام، وسكن جأشه من فزع ذلك الأمام، قال له: يا مولاي جئتك في أمر مهم.
فقال: لا أهمّك الله، وما هو؟
فقال: أنا في حيرة وتردد في أمر السيد كاظم الرّشتي، وما تكليفنا معه، فأنَّ بعضكم يكفّره، وبعضكم يؤيّده، وبعضكم يسكت عنه.
فقال الشيخ: أنا من القسم الثالث.
فقال: لا بدّ من أن تكشف لي عن حاله، فأنْ كان كافراً قتلته، وإلاَّ مُنعتُ عنه.
فقال الشيخ: أنا لا خبرة لي به، ولا يجوز لي الحكم بكفره على الأفواه.
فقال حسن أغا: إبعث عليه وامتحنه وانظر كيف هو.
فقال الشيخ: إن العلم الذي عنده ليس عندنا والذي عندنا ليس عنده، وإن كان عنده فهو لا يجديه.
فقال له: وهل يكون علم عند أحد أنت لا تعلم به؟
فقال: نعم، هذا اشتغلنا به أول عمرنا فأمَرنا مشايخُنا بتركه وعدم التوغّل فيه، لأنَّ مزالقه مهلكة.
فقال: إذاً فهل يجوز لنا الصلاة خلفه وأخذ الأحكام منه؟
فقال: الأحوط العدم، واشتباه حاله كافٍ في ضلاله.
ثم خرج على حيرته يجرّ رجليه، بعد لثم قدمي الشيخ ويديه.
1) الحريم هو المانع الذي يفصلُ بينه وبين الجالسين
وكثر القيل في هذه المسألة وطال النزاع، حتى شدّ الرحال السيد المطاع، ذو الحشم والأتباع، والرياسة والامتناع، السيد سعيد ثابت(1)، (وكان كليدار كربلاء وحاكمها). فجمع الشيخ علي والشيخ مُحمَّد حسن والتمسهم وأصرّ عليهم بالمسير إلى كربلاء والاجتماع مع السيد كاظم وتحقيق حاله، فأجابوه إلى ذلك وساروا جميعاً.
وجمعهم السيد سعيد مع السيد كاظم وأتباعه في الصحن (الحسيني)، ووقف السيد سعيد وبيده سيف مسلول، وقال لهم: بيني وبينه هذا المجلس، فأنْ حكمتم بكفره ضربتُ عنقه من حينه وأخمدت نائرة هذه الفتن، وإلاَّ ضربتُ عنق المخالف.
فقال الشيخ علي: يا سعيد، مَنْ المُتَحاكم، ومَنْ الحكم؟
فقال السيد: أنتَ المُحاكم والحَكم.
فقال الشيخ للشيخ مُحمَّد حسن: سَلْهُ عمّا في نفسك منه.
فقال الشيخ مُحمَّد حسن للسيد كاظم: أنا أسألُك عن فقرتين في رسائلك صريحة بالكفر وهي هذه: (فأخرج رسالة كانت تحت ردائه وفتحها) وقال: هذه الأولى، وهذه الثانیة، فأنْ كنتَ تعتقد بهما فأنت ضالّ، وإلا فأنت مضلّ فتان.
فقال السيد كاظم، (وعيناه تدوران في أُمّ رأسه يتوقع كُلّ حين وقوع السيف على عنقه)، مخاطباً الشيخ علي (غير ملتفت إلى الشيخ مُحمَّد حسن): يا شيخنا أنا أعتقد بهاتين الفقرتين، ولكن ليست هي كما يفهمون من ظاهرها، فأنَّ الأولى لها تعلّق بما قبلها فهي كقوله تعالى: «عُزير ابن الله» فالقائل بها ما لم يقدّم: «وقالت اليهود» يُظنّ أنَّهُ كافر، فأذا ضمّ إليها ما قبلها زال ذلك الأشتباه. وكذا الثانية فأنَّ لها تعلّقاً بما بعدها، فهي كقول القائل: لا إله، فإذا قال: إلاّ الله، تم الكلام، وارتفع الأبهام.
فلما سمع الشيخ علي ذلك نفض ثيابه وقال: «يا سيد سعيد، الحدود تُدْرَأ بالشبهات، وحفظ النفوس في شرعنا من أعظم المهمات»، فاترك الناس على غفلاتهم ولا تكشف عن سواتهم، وأن أبيتم فاتركوني واصنعوا ما شئتم، فأنا لا ألقى الله وفي عنقي دم المدّعي للأسلام.
فتفرق الحاضرون، ونجا السيد كاظم. ثم قيل أنَّهُ لبس كفناً وخرج إلى الصحن الحسيني، وصعد المنبر واشتكى، وبكى وطلب المباهلة بأنواع عديدة مع من حكم بكفره،
1) تُوفي السيد سعيد ثابت سنة 1258 ه / 1842 م
إلى غير ذلك من وقائع الدهور، وعند الله عاقبة الأمور.
هذا، ومن كراماته المشهودة، التي كادت أن تكون في الأخبار بالملاحم معدودة، ما حدثنا به جماعة من الثقات أن الشيخ علي (قده) قصد زيارة الكاظمين (علیه السلام) بعض السنين، فلما دخل الحرم المطهّر بعد لثم أعتابه، ووقف على الباب مستأذناً للدخول رأى داخل الحرك سيداً وقوراً مهاباً واقفاً مقابل القبلة عند الرأسين الشريفين وهو يبكي ويتضرّع، على حالة منها الصخر يتصدّع. فلما تأمله الشيخ قليلاً رجع القهقرى، وجلس في إيوان الحرم يبكي ويتأوّه ويطيل الفكر والنظر.
فاجتمع عليه أصحابه وذووه، وجماعة من أهل البلد وسألوه، عن سبب بكائه، فقال: أبكي لشيء لا تحيطون علماً فيه، ولو أخبرتكم به لا تُصدِّقونه ولو أنبأتكم عنه.
فأصروا عليه، فقال: أبكي لحال هذا السيد الخاشع وما يؤول إليه أمره من تلبيس إبليس فيه، وتصييره آلة لأظهار باطله ودعاويه، وتتبعه من العوام أمة تتخذه وأولياءه أئمة، فقيل له: ومن هو؟ فقال: والله لا أعرفه وما رأيته سوى هذه الدّفعة، ففتشوا عن السيد وإذا هو ميرزا مُحمَّد علي الشيرازي(1)الذي اشتهر أخيراً بالباب وكان يومئذ لم يظهر دعوته.
فقالوا للشيخ: إن هذا رجل من المعروفين بالعلم والزهد وليس فيه مما قلتَ شيء.
فقال لهم: أطيعوني وأخرجوه من العراق التي هي بيضة الأسلام اليوم وإلاَّ سوَّدَها، ولولا أن العقوبة قبل الذنب لا تجوز لأمرتكم بقتله.
فلما عرف مقالة الشيخ خرج إلى تلك الأطراف، وما مضت إلاّ سنوات قليلة حتى تُوفي الشيخ، وأظهر (السيد) دعوته ونشر طريقته، وأطاعته جماعة تسمّوا (بالبابية) نسبة إليه. وما مضى إلاّ قليل حتى انتشروا في أغلب بلاد المسلمين. ولهم وقائع كثيرة مع الشيعة وعلمائهم سيأتي بعضها عند ذكر علماء إصفهان.
1) (الباب) هو الميرزا علي مُحمَّد الشيرازي، وهذا اللقب إقتُبس من حديث للنبي (صلی الله علیه وآله) يقول فيه «أنا مدينة العلم وعلي بابها». وقد أعلن الميرزا علي مُحمَّد عن دعوته حدود عام 1259 ه / 1843 م (أي بعد وفاة الشيخ علي بخمس سنوات)، وانه الباب للأمام الغائب (الثاني عشر)، ثم ادّعى أنّه هو الأمام الثاني عشر. وقد قُتِلَ في ايران رمياً بالرصاص سنة 1266 ه / 1850 م مِنْ قِبل الحكومة القاجارية وهو في أوائل الثلاثين من عمره. وكانت ولادته سنة 1235 ه / 1819 م. وقد تحوّل أغلبَ أتباعه إلى الفرقة (البهائية)
والحاصل إن الشيخ علي (قدّس سرّه) ممن يضيق نطاق البيان عن إحصاء مزاياه ومآثره، وأياديه في الدين ومفاخره. وكان (رحمه الله) ممن جمع بين ثلاثة أمور قلّما اجتمعت لغيره، فأنه أخذ من (العلم) أعلاه وأرفعه، ومن (الكمال) والأدب أنفعه، ومن (التُقى) والزهد أجلّه وأوسعه.
وتشهد بالأول تصنيفاته خصوصاً كتابه المعروف «بالخيارات» المسمى «بشرح اللُمْعَتين»، فأنّه شرح متن (اللُّمْعَة)(1)من أول بيع الثمار إلى آخر الخيارات، بكمال البسط والتحقيق ونقل الأقوال، والجمع بين الأخبار والقواعد والأحوال.
وله رسالة مختصرة صنفها بكربلاء في سويعات قليلة بالتماس بعض الفضلاء، وهي في (حُجّية الظنّ) مفصلاً، وتعرّض فيها لحال (القَطْع) أولاً ولأحوال (الشك) وأحكامه من البراءة والأحتياط أخيراً. وآخر مختصراً على الطريقة التي تابعه عليها تلميذه العلامة الأنصاري، قدس سريهما الباري، في كتابه المعروف(2).
وللشيخ رسائل كثيرة في مسائل متفرقة إلاّ أنها قليلة التداول في أيدي الناس لقلة نسخها. ومن أراد أن يطّلع على كمال فضله وتبحّره وتدقيقاته فليراجع تقریرات درسه بقلم المحقق المدقق السيد مير فتّاح المراغي (رحمه الله) في أغلب كتب الفقه مع تقريرات درس أخيه الشيخ موسى في الفقه أيضاً. ونسخة الأصل موجودة اليوم عند بعض (طائفتنا)(3).
ويشهد على الباقي ما تقدم أولاً.
ولم نعثر على مدة عمره (رحمه الله)، ولكن الأغلب في هذه (الطائفة) الذي يُرْجَعُ إليه عند الشك هو الستون، وقلَّ مَنْ تجاوز السبعين، بَلْ لم يوجد (سوى الشيخ منهم) أحد تجاوزها، وكلهم بين الستين والسبعين.
وتُوفيَ (قدّس سرّه) في كربلاء في بعض زياراته فجأةً، فأنَّه في أثناء الطريق جلس و(تَشاهَدَ) وقضى. وحمل على الأعناق من حينه إلى النجف، ولم يبق أحد في كربلاء لم
1) اللمعة الدمشقية من المُتون الفقهية التي ألّفها الشيخ مُحمَّد بن مكي العاملي المعروف بالشهيد الأول المقتول على يد مماليك الشام عام 786 ه / 1384 م. وقد شرح هذا المتن بعد قرنين من تأليفه الشيخ زين الدين بن علي العاملي المعروف بالشهيد الثاني المقتول على يد العثمانيين عام 965 ه / 1557 م
2) وهو كتاب «رسائل الأصول»، الذي أصبح من الكتب الدراسية المُقرّرة في المراكز الدينية والحوزات العلمية للطلبة المقاربين لدراسة البحوث العالية المُصطلح عليها «بالبحث الخارج»
3) ويقصد بهم أسرته (آل كاشف الغطاء)
يأت إلى النجف مع جنازته حافياً. ودفن في جنب مقبرة أبيه المعروفة، وقد سبق تأريخ عام وفاته في الشعر فراجع.
القضاء وقال السيد في (يتيمته): «ونحمدك يا من تفضّل علينا وعلى جيلنا بالسراج الأنور، وعيلم العصر، وفريد الدهر، عليّ بن جعفر، فذاك من عنانه في ميادين العلم أطلق، فكان به المجتهد المطلق، وصارت إليه الناس بالتقليد وألقت إليه قيادها، وقاد بالفضل آسادها، وأصبح رئيس الكل في الكل، فقيد الشبيه بجزء وكل، مستويا على كرسي والفتوى، مبيّناً فى الفقه ما عمّت به البلوى، جالساً بمعنى التدريس، ناثراً به جوهر العلم النفيس، والسامعون بين فاضل محقق، وتحرير مدقق، تلقاهم مذ وردوا بحور علمه سکارى، وما هم بسكارى، لكنهم بما يبديه هذا العيلم من مخفيّات العلم حيارى، فطوراً ترى له نفائس كلم جدد، وطوراً فروعاً ما جاء بمثلها أحد. فكم أثبت المُدَّعى الخفي باستدلال واضح، فامتاز به المرجوح من الراجح، يحكي أبيه في النهج، ويقفو إثره في النسج، ذو رئاسة علمية، لم تحوها جلّ أجلاء البرية، تحدثتْ بسنا فضله الركبان، من قاص ودان. فمن أصوله الممهدة، كم من ركن للحُكمِ مهّده، ومن علومه الزهيّة، كم بانت غوامض خفيّة، رئيس مطاع، ذو حشم وأتباع، وكان ازدحام الناس ما بين جنبيه وحواليه، هذا يؤمّ مطلبه، وذاك يرجو أن يقضي مأربه، ولمْ لا وهو الموكل من المليك العلام، بحسم مادة الخصام، وقضاء أمور الأنام، وحفظ بيضة الأسلام، يخطب باسمه فوق المنابر، ويتحدث به المقيم والمسافر، وانقادت الناس من المغاني الوحيدة إليه، وعوّلت في جميع الأحكام المرعيّة عليه، مع إعراضه عن تطلّب المرامات الدنيوية، والاشتغال بالأمور الدينية. ولكن التأييدات الربانية، لا تنقاد إلاّ لمن أعرض عنها، وراح يخشى الله في التصدي لها والقرب منها، كم من نار ضلال أخمد، ونور هدى أوقد. وكان (رحمه الله) متكئاً على وسادته، جالساً فوق سرير حكومته، والناس من داخل وخارج شاهقة الأبصار إلى علا قدره، وسامي فخره».
فما زال على هذا النمط من التسجيعات والفقرات، التي توجب الملل والتطويل. وأنت خبير أن مثل هذا الشيخ المحقق الذي انتشرت تلاميذُه في جميع الآفاق، وعنهُ صدرتْ هذه التحقيقات التي هي اليوم في أيدي الناس غنيّ عن مثل هذا القبيل، الذي سلكه هذا (السيد) النبيل، بَلْ الواجب ذكر كراماته، وبعض وقائعه وحكاياته، ومساعيه وحالاته، وليأنس الناظر بمطالعته، ويستفيد بمراجعته. وإلا فكون الناس رجعت إليه، وعوّلت في الأحكام عليه، ممّا لم يكد، أن يخفى على أحد، في كُلِّ صقع وبلد.
وقد إلتفتَ إلى ما قلناه ولكن اعتذر باعتذارات واهية، غير شافية، فقال بعد كلام في تفصيل وفاة الشيخ (رحمه الله):
وقد أقام في (نينوى)(1)بُرْهَةً من الزمان فناداه رائد المنيّة، المتردد في البرية، فأجابه مجداً بسُراه، فشايعه أهل (كربلاء) كافة حتى وصلوا به إلى منتصف الطريق، فتلقاهم القاطنون في (النجف) وحملوه على الأيدي والرؤوس كافة الطريق. حتى وضعوه في حفرته قرب أبيه، وصار له يوم مهول كيوم مقتل الحسين (علیه السلام)، وكَثُر فيه البكاء والعويل والنوح والضجيج، وهتك الستور، ونشر الشعور، من ربّات الخدور.
ثم قال: «وكان الواجب علينا تعداد مناقب هذا الأسطوانة الوحيد، والعلامة الفريد، منقبةً منقبة ليكون المتتبع ذا خبرة ودرية، بما كان له منه وعنه، من جزئي وكلي، ولكن منع ذلك:
أولاً: منافاته غرض الأتمام، في يسير من الأيام.
وثانياً: كون صفاته لا تعدّ، ولا يوقف لها على حدّ.
وثالثاً: كونه غنيّ عن ذلك بما تشهد له الشمس في رابعة النهار.
ورابعاً: أني لستُ من المعاصرين له.
إلى أن قال: وقد أعقب خمسة أولاد ذكور، هم للعلوم بحور، العلامة مُحمَّد، والمهدي الأوحد، وجعفر الفضل المؤيد، السابق ذكرهم، والحبيب، والعباس الآتي ذكرهما». إنتهى .
ثم رجع الأمر والتقليد، والنهوض بتأييد أمر الدين والتشييد، إلى أخيه فريد الدهر وعلامة الزمن، حجة الاسلام والمسلمين، مؤيد الملّة والدين، شيخنا الشيخ حسن.
كان بحر علم ثجّاج، متدافع الأمواج، بعيدة سواحله، كثيرة جداوله، يتراكم موجه، ولا يدرك لجّه، بعيد الصيت، قريب النائل، متعب المناضل والمساجل، مع زهد وتقوى،
1) كانت مدينة (كربلاء) عبارة عن مجموعة قُرى في العصر البابلي؛ منها: نينوى، الغاضريّة، النواويس، وعقر بابل. وقد غلب اسم إحدى هذه القُرى وهي (كربلاء) على المدينة. وأُلحق اسم (الحائر) عليها بعد مدفن الأمام الحسين (علیه السلام) فيها
وحلم يعجز عنهما (يذبل) و(رضوى)، إجتهد في أيام أبيه، وجعل يجهد في تحصيل مساعيه ومعاليه، فنال منها الغاية القصوى، والمنزلة العليا، والكلمة الحسنى.
ثم حضر بعد وفاة أبيه، على موسى أخيه. فلما تُوفي رأى بنفسه الأستغناء من الحضور على أحد، وقابلية الاستقلال إذا انفرد، فهاجر إلى الحلة، احتراماً لأخيه الذي أجمعت على تقديمه على سائر الناس علماء الملّة. وينسب له، (ولا أظن صحته)، أنَّهُ قال لأخيه: أنا أولى منك بهذا المقام ، والجلوس بمحل آبائي الكرام، لأنَّ (والدنا) قَدْ اشترط الأعلم، وأنا اليوم هو ذاك. فقال له أخوه: لا ينبغي المجادلة والمنازعة، ولكني أسير إلى كربلاء، وقم أنت مقامى، فأنْ ارتضتك الطلبة فيها، وإلا فأنت أعلم بتكليفك.
فلما إرتحل الشيخ لم يبق في النجف مشتغل واحد وارتحلوا خلفه، فصار يباحثهم في كربلاء، فسار الشيخ حسن إليه، وأرجعه إلى محلّه، وهاجر إلى الحلّة.
فما زالت تظهر منه لأهلها الكرامات الباهرات، والآيات المعجزات، على يده حتى اعتقدوا فيه رتبة الأمامة، وأحلّوه بتلك المنزلة والمقامة. إلى أن تُوفي أخوه، فرجع إلى القيام بمراسم (المرجعية)، والتحلي بهاتيك المراتب العليّة.
وانحصر أمر الأمامة به، وبسميّه صاحب «الجواهر»، وكان قَدْ استقل بعد الشيخ موسى واشتهر أمره، وذاع ذكره، وبَعُدَ صيته بعد الشيخ عليّ، فبقيا للشريعة عَلَمين منصوبين، حافظين مسدّدين، حارسين لها، مانعين الأذى عنها. كان رجوع العجم إلى سميّه أكثر، وهو عند (العرب) أعظم قدراً وأشهر.
في أحوال الشيخ حسن بن الشيخ جعفر
وقد صَنفَّ في أحواله خلفُهُ الطاهر المطهر، العباس بن الحسن بن جعفر رسالة في (نُبذة) من أحوال أبيه(1)، شكر الله مساعيه.
وقد ذكر فيها له من الكرامات ما يُبهرُ الألباب والعقول، وتتحير به العلماء الفحول. وقد أجاز لي أيده الله وأبقاه، رواية ما ذكر فيها عنه، عن رجاله (مُحمَّد والمهدي)، وعن السيد عبد الباقي (تلميذ أبيه وخاصته)، وعن عبد الغمري، وملا حسين، وملا حمزة (من أهل الحلة)، وغيرهم ممن عاصره وسمع منه من الثقات الذين يطمئنّ بهم. وقد ذكر في صدر رسالته «مسائل علمية وتحقيقات فقهية» مما إستُفتيَ بها من آفاق الأرض فأجاب عنها على
1) سمَّاها «نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري»
البديهة. ضربنا عنها صفحاً لأن فقاهته لا تحتاج إلى بيان، وإنما ذكرها العم، أدام الباري وجوده، لارتباط لها جزئي بأحوال الشيخ (عطّر الله مرقده)، ولم يكن فضله ليخفى على أحد. كيف وقد قال صاحب «قصص العلماء» ما هذا نصّه:
كان الشيخ حسن فقيهاً كاملاً، وقد حضرتُ بعض مجالس درسه. وباعتقادي أنّه كان مُتقدّماً بالفقه على الشيخ مُحمَّد حسن، مضافاً إلى إحاطته بعلم الأصول، ويده الطُولى في علم الكلام(1).
وقال السيد المحيط المتبحّر صاحب كتاب «روضات الجنّات» في كتابه هذا، (ما هذا نصّه):
مفخر فقهاء الدهور، الشيخ حسن بن الشيخ جعفر النجفي الفقيه المتفرد المشهور، هو أيضاً من أجلاء علماء زماننا، وكبراء نبلاء أواننا، منتهياً إليه أمر الفقاهة في الدين، ورياسة سلسلة العلماء المجتهدين، سهيماً لسميّه المتقدم(2)فيما قَدْ أشير إليه من المراتب، وقسيماً في غالب ما أقيم عليه من المناصب، بَلْ هو عند العرب الشيعة أكثر احتراماً، وأجلّ مقاما، ويقيم الجماعة في مسجد والده المرحوم، ويصلي خلفه الخلق الكثير، ويدرّس الفقه في منزله المقدس بالنجف الأشرف بلسانه العربي المبين، وحوزته الباهرة في هذه الأواخر أجمع، وأوسع وأسدّ، وأنفع من سائر مدارس الفقهاء، ومن غاية تسلّطه في (الفن) ومهاراته العجيبة، أنَّهُ ليس يتأمل في مسألة كثيراً، بَلْ يمشى سريعاً، ويطوي مراحل الفقه، بأهون ما يكون، وأحسن ما يهون.
وكان قبل وفاة أخيه الشيخ علي قاطناً في الحلّة المحروسة، ثم انتقل من بعده إلى ذلك المقام المحمود لخلافة الماضين، والقيام بحق الرئاسة في الدين، إلا أن مرجع فتاوى الأقطار، وتقليدات أهالي الديار، من بعد ارتحال نيّري العجم المرحومين إلى (سميّه) المتقدم أكثر منه.
وله من المصنفات الفاخرة كتاب في الفقه كبير استوفى فيه الأدلة والأحكام، وظفرتُ ببعض مصنفاته بأصبهان(3)، فكأنَّ عيناً لم تر مثله في كثرة التفريع، والأحاطة بنوادر الفقه، والأستقامة بطريق الاستدلال(4). إنتهى محل الحاجة منه.
ولنذكر قبل كراماته، ما ذكره خلفه، (أدام الله وجوده)، في صدر (نبذته) من أحواله.
نُبْدَةُ الغَري في أحوال الحسن الجعفري(1)
ويُلاحظ أنَّ مؤلف «العبقات» بعد أنْ أثبتَ هذه الرسالة فأنَّه إستغنى عن الأستطرادات التي لا تمتُّ إلى مؤلفه بصلة. وقد أشار إليها ضمناً، واقتصرَ على تسجيل الوقائع التأريخية فقط. كما علَّق على الرسالة بتعليقات نافعة، وأضاف إلى بعض الحوادث مسموعاته، ومروياته عنها
للشيخ عباس بن الشيخ حسن كاشف الغطاء المُتوفى سنة 1323 ه / 1905 م
قال (أيّده الله) ما هذا نصّه:
هو ركنُ الشريعة، ومغيث الشيعة، العلم المؤتمن، بحر الهداية الشيخ حسن. ولد في النجف، وأرّخه النحوي(2)بأمر والده بقوله:
أهلاً بمولود له التاريخُ (قَدْ *** أَنبَتَهُ اللهُ نباتاً حَسَنا)(3)
وأحرز المعقول والمنقول في صباه، حتى صار فقيه عصره، وعلامة دهره. كان فاضلاً ورعاً زاهداً، على خلق عظيم، لا تُحصى مفاخره، ولا تُستقصى مآثره.
قال الشيخ محسن الملقب بخنفر(4)(من العلماء المجتهدين المقلّدين): إن الشيخ حسن لا
1) «نبذة الغري» رسالة تأريخية تضمنت (من خلال ترجمة سيرة أحد أعلام الأمامية مترجماً بقلم ولده) إثبات وقائع تأريخية لم تُدوَّنْ في أيّ مصدر آخر. وأهميّة هذه الرسالة أنَّ مؤلفها إستقى هذه الوقائع من منابعها الأصلية التي شهدها، وعاصرها. وقد فرغ منها سنة 1314 ه / 1896 م، كما وضع لها تكملة سنة 1318 ه / 1900 م.
2) هو الشيخ محمد رضا النحوي المُتوفى سنة 1226 ه / 1811 م
3) سنة ولادة الشيخ حسن كاشف الغطاء هي 1201 ه / 1787 م
4) تُوفيَ سنة 1270 ه / 1854 م
أرى أفضل منه في المتقدمين ولا فى المتأخرين. وسئل يوماً عنه وعن أبيه كاشف الغطاء، فأجاب: هو أفضل.
ومختصراً أقول: هو كما قال القائل:
سَلْ عنهُ واخبرْ به وانظرْ إليه تَجدْ *** مِلءَ المسامع والأفواه والمقلِ
وأنَّ قوليَ هذا عيلمٌ عَلَمٌ *** ضَربُ الزجاجَ لنور الله في المثلِ
إجتهد وعمل برأيه قبل أن يكمل العشرين، وتلمذ على عدة مشايخ أجازوه في الرواية، وحكموا له بالاجتهاد، منهم: والده الشيخ الأكبر، وأخوه موسى بن جعفر، والسيد جواد العاملي، والشيخ أسد الله التُسْتُري، والمحدّث السيد عبد الله شبّر، والشيخ علي البحراني، والشيخ سليمان القطيفي، وغيرهم ممن ذكرهم إجمالاً.
نشأ في النجف وأكبَّ على تحصيل العلوم حتى استغنى، واجتهد في العبادة حتى منها القدح المهنّا، وأقام برهة في الحلة الفيحاء لمَّا كان أخوه الشيخ علي هو المرجع في النجف.
ولما انتقل الشيخ علي إلى دار القرار رجع إلى النجف، واشتغل بالتدريس واجتمع عليه العلماء والفضلاء. تتملذ عليه واستجازه كثير من العلماء المُعْتَبرين كالسيد مهدي القزويني، والشيخ مشكور الحولاوي(1)، والشيخ جواد نجف(2)، والحاج مُلاّ علي ابن المرحوم ميرزا خليل الطبيب(3)، وأخوه الحاج ميرزا حسين سلمه الله، (وأظن أنَّهُ لم يبق في عصرنا ممن تلمذ عليه غيره)(4)، وشيخنا المرتضى الأنصاري، والملا مُحمَّد الأيرواني(5)، والشيخ عبد الحسين الطهراني(6)، والسيد حسين بحر العلوم(7)، والسيد علي نقي الحائري(8)(نجل
1) الشيخ مشكور الحولاوي ولد سنة 1203 ه / 1789 م، وتُوفيَ سنة 1273 ه / 1857 م
2) الشيخ جواد بن الشيخ حسين نجف، كان مشتهراً بالزهادة توفي سنة 1294 ه / 1877 م
3) المُلا علي بن الميرزا خليل من كبار علماء زمانه، وُلد سنة 1226 ه / 1811 م، وتُوفي سنة 1297 ه / 1880 م
4) الميرزا حسين الميرزا خليل من كبار المجتهدين. تُوفيَ سنة 1326 ه / 1908 م
5) الشيخ محمد الأيرواني وُلد سنة 1232 ه / 1817 م، وتُوفي سنة 1306 ه / 1889 م
6) الشيخ عبد الحسين الطهراني تُوفي سنة 1286 ه / 1869 م
7) السيد حسين بن السيد رضا بن السيد مهدي بحر العلوم. وُلد سنة 1221 ه / 1806 م، وتُوفي سنة 1306 ه / 1889 م
8) السيد علي نقي بن السيد حسين بن السيد مُحمَّد المُجاهد بن السيد مير علي الطباطبائي صاحب «الرياض». تُوفي سنة 1289 ه / 1872 م
صاحب الرياض)، والشيخ جعفر الشوشتري الدزفولي(1)، وغيرهم من لُحْمَته.
وأدنى الناس منه ممن تبنّاه: الشيخ مُحمَّد والشيخ مهدي (ولدا أخيه الشيخ علي)، والشيخ راضي إبن أخته وإبن عمه، (وكان أقرب الناس إليه سفراً وحضراً)، ومؤتمنه على ما في يده، ووصيّه من بعده الشيخ مهدي إبن أخيه، وأكثر ما أروي مِنْ كراماته ومعجزاته (غير ما شاهدتُه) عنه، وعن ابن أخته الشيخ راضي.
عاش أكثر من ستين سنة وتوفّي ليلة الأربعاء لثمان وعشرين خلون من شهر شوال سنة 1262(2)، وافتجع له الصغير والكبير وكان يوماً لم يُرَ في النجف أعظم منه فجعة.
وله من التصانيف كتاب «أنوار الفقاهة» في كُلّ الفقه (إلاّ الصيد، والذباحة، والحدود، والديّات، والسَبْق، والرماية)، وشرح مقدمة كشف الغطاء، ورسائل عملية، ورسالة في الأمامة، وأخرى في علوم متفرقة، لكن لم يخرجا إلى البياض، وله شرح القواعد على نهج شرح والده في البيع.
وحدثني المهدي قال: وردتْ على عمّي الحسن عدة مسائل من آذربیجان، فقال لي: يا مهدي إقرأها لي مسألة مسألة وأنا أجيب عليها وأنت أكتب. قال: فو الله لقد قرأتها وهو يذكر الجواب وأنا أكتب حتى انتهت بأقل من ساعة ولم يتفكّر ولا تأمل بَلْ يجيب على رسله، وهي من أشكل المسائل، فرسمتها عندي. (ثم أخذ جناب العم أبقاه الله يذكر المسائل).
أقول(3): وأظن أن مراد الشيخ محسن خنفر بقوله: إنَّ الشيخ حسن أفضل من أبيه ما هو المشهور من أن (ولدُ العالِم نصف العالم)، فكان الشيخ حسن (عالم ونصف)، وإن كان والد الشيخ الكبير أيضاً (عالِم)، ولكن الفرق نسبي.
ثم أن العمّ يروي أيضاً عن تلميذ أبيه وخاصته الملازمين لخدمته ليلاً ونهاراً العالم التحرير الشيخ مُحمَّد باقر إبن أخته خلف المرحوم الشيخ مُحمَّد تقي (صاحب الحاشية)، والثاني السيد عبد الباقي الجيلاني الرشتي.
ولا بأس من أن نذكر بعض ما ذكره العم مما سُئل به والده (عطَّر الله مرقده) من المسائل الأعتقادية.
المعاد الجسماني
فمنها: سُئَل عن المعاد الجسماني، أجاب بتحقيقه وأن منكره كافر يحكم عليه بالارتداد.
الاعتقاد بالحشر
وسُئِلَ عن العلم أو الظن بالحشر والنشر والبرزخ وأمثالها إجمالاً يجب أم تفصيلاً مهما أمكن.
أجاب: إن الأجمال كاف والخوض فى تفاصيلها قَدْ يحرم.
العصمة والاختيار
وسُئِلَ أن العصمة في النبي (صلی الله علیه وآله) والأمام (علیه السلام) تنفي الاختيار لهم، أجاب: إنها لا تسلب الاختيار وإنما هي بمعنى عدم صدور خلاف الراجح منهم مما هو مختار فيه.
علم النبيّ والأئمة بالغيب
وسُئِلَ عن علمهم بالغيب أحضوري أم إرادي؟
أجاب: أن علمهم بالأحكام حتى إرش الخَدْش لا ريب في كونه حضورياً، وأما ما سوى ذلك فلي فيه تردد، ولا يبعد أن العلم الذي لا يساوق علم الله تعالى ويساويه ثابت لهم لوجوب اتصافهم بأحسن الأوصاف مما يمكن اتصاف الممكن فيه.
في سهو النبيّ (صلی الله علیه وآله)
وسُئِلَ عن سهو النبي (صلی الله علیه وآله) أجاب: إن كان السهو بمعنى أنَّهُ قَدْ يتغافل عنه وهو مركوز في خزانة خاطره فهو مما لا مانع منه كالنوم الذي يعرض له، وإن كان بمعنى خروجه عنها أو فعله لعمل يطابقه فالأجماع على خلافه، بَلْ العقل يمنعه، نعم صيرورته كالناسي من جهة أغراضه أو لغرض شرعي آخر لا مانع منه وعليه ينزل كلام الصدوق(1)لأنّه يقول
1) الشيخ الصدوق هو مُحمَّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، أحد مُحدثي الشيعة له مؤلفات غزيرة أهمّها كتابه «مَنْ لا يحضره الفقيه» الذي هو أحد كتب الحديث المُعتبرة عند الأمامية. تُوفي سنة 381 ه / 991 م
(سهوه كسهو البشر) فأنّه مخالف لما تعتقده الأمامية، وحاشاه من ذلك. وكيف تؤخذ الأحكام الشرعية ممن يسهو أو ينسى ولا تنفع أصالة عدم السهو فيه إذ لو ثبت في حقه لأورث العلم الأجمالي بوقوع ما طابقه في التكاليف فيجب الفحص ولا يمكن التعبّد بما وهو خلاف مذهبنا، أعاذنا الله تعالى من ذلك. وإن كان كالتقية في الأخبار والنسيان أيضاً كذلك. ومما ورد مما يوهم ذلك يلزم التصرف فيه أو الاعراض عنه وهو غير عزيز في قبله السُنّة.
روايات المبالغة في التعزية
وسُئِلَ عما يقوله الذاكرون في تعزية سيد الشهداء مما يظن كذبه أيجوز الردع.
أجاب: يجوز مع العلم أو الظن المتاخم له.
العمل بالطلسمات
وسُئِلَ عن الطلّسمات والأوراد والأختام الموجودة عند المرتاضين والدراويش المتصوفين يجوز العمل بها أم لا؟
أجاب: يلزمُ الرجوع في كُلّ واقعة إلى حاكم الشرع ولا يجوز العمل بحكم من الأحكام إلا عن اجتهاد أو تقليد إلا ما كان ضروري المشروعية كزيارة الأئمة (علیهم السلام) وأمثالها.
الصلاة خلف الأخباري
وسُئِلَ عن الصلاة خلف (الأخباري)، وبعض مَنْ يُقال له (شيخيّ) مع إحراز العدالة.
أجاب: أمّا الأخباري فلا بأس بها خلفه إذا طابق علمه رأي مجتهد من الأحياء، وأما (الشيخي) فهو مجهول الحال عندي، فأنْ صحّ ما ينسب إليه مما يخالف ضروري الدين فلا صحة للصلاة خلفه، بَلْ لا يجوز مخالطته واستماع شبهه، وإن لم يصحّ ذلك فلا تجدي التسمية في المنع عن الصلاة.
وسُئِلَ عن حال الشيخ أحمد زين الدين(1)وبعض من تبعه من المقدسين وما ينسب له.
1) الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي ولد سنة 1166 ه / 1753 م، وتُوفي سنة 1241 ه / 1826 م. وإليه تُنسبُ الفرقة (الشيخيّة)
أجاب: بأني أدركتُ الشيخ المرقوم وكان تقياً ورعاً زاهداً مواضباً على الطاعات، ورأيتُ العلماء الفحول يقتدون به في النجف. ولما انتقل إلى دار القرار نُسبتْ إليه بعض المزخرفات وبعض الاعتقادات الفاسدة في بعض رسائله، (ولم تثبت النسبة عندنا) فلا يصحّ ثلبه وانتقاصه إلاّ بعد القطع بصدور ما ينافي الدين منه. وإذا وهم ذلك من بعض رسائله فأنْ قطع بأنها له وأنها ليست بما ينسب إليه لغرض دنيوي فإن أمكن حملها على معنى يطابق الشرع يلزم ذلك عملاً بقوله (صلی الله علیه وآله): «إحمل أخاكَ المؤمن على أحسنه»، وإن لم يمكن الحمل ولم يمكن إجراء الشبهة في حقه عمل القاطع فيما بينه وبين ربه بما يقطع به عناد وعصبية إذا توقف على معرفة ما هو عليه أثر شرعي يلزم العمل به، وإلا فقد رفع الله عنكم أشياء فلا تتكلفوها.
وأما بعض من تبعه فلا يبعد القول بأنهم مضلّون لا ضالّين لأجل تحصيل قليل من حطام العيش وعدم قابليتهم لتحصيل العلوم الدينية فأخذوا يتوصلون إلى العوام بأشياء في حق أئمتهم (علیهم السلام) مما يدخلهم في المغالين.
وعوام الشيعة من فرط حبهم لأهل البيت (علیهم السلام) يقبلون كلما يقال فيهم فصار ذلك شَرَكاً وفخاً لأمر معاشهم ورئاستهم، فكان ذلك من حبائل الشيطان، وقد أوقع فيه كثيراً من الناس من حيث لا يشعرون (أعاذنا الله من ذلك).
فأوصي إخواني أن يحرروا أنفسهم من الغوائل، ويطلبوا الحق حثيثاً ولا تأخذهم العصبية وأن يسلكوا الطريقة الوسطى التي عليها عامة الشيعة من عهد الأئمة (علیهم السلام) إلى زماننا هذا، فأنَّ السلف الصالح من أصحاب الأئمة (علیهم السلام) وحواريهم والعلماء الراشدين من عهد الكُليني(1)إلى الآن لم يتركوا شيئاً في الأخلاق، ولا في الأصول والفروع إلاّ وذكروه، والى أئمتهم أسندوه، فالسعيد من نهج منهجهم واقتفى أثرهم ورفض الشاذ النادر ولم يحتفل به كما ورد ذلك عنهم (علیه السلام). وما جاء مروياً عنهم من الألغاز والمعميّات أُوكِلَ أمره إليهم. ألا وإن الشيطان قيض بمكره وخدعه جماعة من أهل الفساد والخديعة إلى أن دسوّا في الأخبار أخباراً كثيرة ورووها عن الثقات، فصارت سبباً لعروض الشبهات، فلابُدَّ للناقد البصير أن يبذل جهده في الرجوع إلى من عرف لسانهم ويُبحّر فيما ورد عنهم ممن أدركوا
1) مُحمَّد بن يعقوب الكُلَيْني من كبار العلماء والمحدثين، وكتابه «الكافي» في علم الحديث أول كتاب جمع الأحاديث الشيعية الأثنا عشرية. وهو أحد الكتب الحديثية الأربعة التي أُلفَتْ في أوائل القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي
شرف الحضور كزرارة(1)وغيره من أهل الأجماع وأن ينظر في الأصول الأربعمائة(2)ويلاحظ ما جمعه العلماء المتقدمون ممن قارب عصر الأئمة وما حرره المتأخرون ممن والاهم وتلاهم من عهد المفيد(3)، والشيخ(4)إلى زماننا فيدين الله بما دانوا به.
ولقد إطلعتُ على رسالة لبعض أهل هذه النسبة ممن تبعه خَلْقٌ كثير، واشتهر بينهم بالفضل والعلم فتصفّحتها لأنظر ما فيها فإذا هي تشتمل على ثلاثة آلاف بيت كبيرة الحجم، كثيرة الألفاظ في تفسير قوله تعالى: «ويسألونك عن الرُوْحِ قُلِ الروح من أمر ربي» فذكر فيها ما لا يليق ذكره من المهملات والمزخرفات إلى أن انتهى قوله إلى أن الروح روح مطلق الوجود، وروح الهيولى والجسم اللاهوتي وروح الملكوت والقدس، ومجمعها النفس القدسية، وروح في الأزل ، وإليه الأشارة بقول الأمير (علیه السلام) لكميل بن زياد: «الحقيقة نورٌ أشرقَ مِنْ صُبحِ الأزل فبدتْ على هياكل التوحيد أنواره» فقلتُ: زدني بياناً، فقال: «كَشْفُ سُبُحاتِ الجَلال مِنْ غير إشارة» ... إلخ، حتى قال: إنَّ القليل المستثنى في الآية منحنا الله تعالى به وأخرج روح الملكوت منه لأنها والجسم قامت به من شؤون العالم التخييلي وهو من العوالم السبع وكم ادّعى البصيرة أعمى:
وكُلٌّ يدعي وصلاً بليلى *** وليلى لا تَقرُّ لهم بذاكا
إذا اشتبكتْ دموعٌ في خُدودٍ *** تبيّنَ مَنْ بكَى مَمنْ تَباكي
(إنتهى).
فأقسمُ أني لم أفهم من هاتيك الرسالة على طولها إلاّ البيتين، وكثيراً من العوام إذا تُليّ له منها شئ يهتز طرباً كأنَّهُ شرب السُلاف ووقف على الحقيقة. والحال يبقى مدة لا يمكنه تعلّم (الفاتحة) ولا يفهم شيئاً من الرسالة حتى بالمعلم، فانظر إلى كيد الشيطان ومكره حيث أهلك فى هذا ومثله خلقاً كثيراً.
والحاصل أن المنحرف عما عليه عامة العلماء إن اعتقده فهو ضالّ مضلّ، وإن لم يعتقده بَلْ للدنيا فهو مضلّ غير ضالّ. وعلى كُلِّ حال فتجنّب هؤلاء وشبههم المخالفة للجم الغفير
1) زرارة آل أعْين من كبار علماء الشيعة ومحدثيهم، تُوفيَ سنة 150 ه / 767 م
2) الأصول الأربعمائة: مجاميع حديثيّة كتبها تلامذة الأمامين الباقر والصادق (علیهما السلام)، قيل: إنّها أربعمائة كتاب لأربعمائة مؤلف. وهي من إملاءات الأمامين الباقرين (علیهم السلام) ولا تُوجد منها إلاّ (36) أصلاً، وأغلبها ضُمَّ إلى كتب الحديث الشيعيّة كالكافي
3) الشيخ المُفيد تُوفي سنة 413 ه / 1022 م
4) (الشيخ) هو الشيخ الطُوسي المُلقّب بشيخ الطائفة المُتوفى سنة 460 ه / 1068 م
من الفرقة المحقة أسلم للدين والدنيا. إنتهى.
الجَبر في أفعال العباد
وسئل عن مسألة الجبر في أفعال العباد.
فأجاب: إنَّ الاختيار الذي يكون سبباً لترتب الآثار الشرعية هو عدم القهر المحسوس ومقالة أن هناك قهراً غير محسوس ومقهورية لا يدركها الفاعل المختار في أفعاله حساً فلا نفهم له معنى محصّلاً ولا دخل لعلة العلل، وانتهاء الأسباب بالمسبب وسبق العلم في أفعال العباد في ذلك أصلاً، وإلا للزم الجبر في المبدأ وهو باطل.
ولنشرع في ذكر كراماته، وهي (كما ذكر العم سلَّمهُ الله) لا تحصى، ونحن نذكر عنه نبذة منها.
عني فمن ذلك ما رواه عن السيد عبد الباقي الجيلاني وهو من العلماء الفحول قال: إنقطع ما كنتُ أقتات به مما كان يأتيني من (كيلان) حتى ضاق صدري، وكثر ديني واشتدّ عليّ الأمر، وكنت مبتلي بعيال وأولاد، فزارني الأستاذ الحسن بن جعفر يوماً ورأى أني لست كما كنت عليه أولاً، وأنا كالمبهوت، فاستشعر ذلك مني، وكنت أخفي عليه وعلى غيره، فقال: مادهاك؟ فأصرّ عليّ حتى كشفت له ستري وأخبرته بأمري. فقال: لِمَ لم تخبرني فأدعو لك، قلت: الحياء.
فبسط راحتيه وقال: «اللهم أكشف ضرّة بمحمد وآله»، كررها ثلاثاً ولم يُزِدْ.
قال: فبقيتُ يومين فصادف الجمعة فخرجت إلى الحرم الشريف للزيارة فشاهدت بعض الغرباء من الأعاجم، فتصفحتهم فلم أجد فيهم مَنْ هو من بلدي. فلما أكملت الزيارة وإذا بقاصد منهم لي فسلّم عليّ سلام العارف، فقلت: ممن الرجل؟ قال: من حوالي (رشت)، قلت: أتعرفني؟ قال: نعم.
ثم سألته عن تفصيل أحواله حتى قال: لي إليك حاجة فخذني إلى دارك ففعلت. فلما استقر قال: إني سافرت إلى بغداد تاجراً وما نصّ العروض وقبضت بدله إلاّ هذه الأيام، فأردت الرجوع إلى أهلي إلاّ أني زرت الأمير (علیه السلام) أول توجّهي فاستوحشت من الطريق وبقيت أنتظر مسير قافلة فيها منعة فلم يتيسر لي، فوقع في نفسي المجئ إلى النجف
لأدفع الدراهم لمن يتيسر لي ممن أعتمد عليه بطريق الحوالة.
فسألته: عن عروض ذلك له وفي أي وقت كان.
قال: يوم الأربعاء عند الدلوك.
فإذا هو الوقت الذي دعا لي فيه الأستاذ، فبهتّ وتعجبت وحمدت الله وشكرته إذ منحني القرب من مثل هذا المولى المشابه فعله لِما ينقل لنا عن الأئمة (علیهم السلام).
ثم قلت: أتعطيني مالك وأنا أُحيلُك؟
قال: ومَنْ أحسن منك. فاستخرج المال من (هميانه) فكان أكثر من ستمائة تومان. فوفَّيتُ ديني وصلح حالي، ثم أني لم أجد بعدها فاقة أبداً حتى تزوجتُ العلوية الطاهرة بنت بحر العلوم، ورجعت بعد وفاته إلى أهلي ووطني فأمدّني الله بسعة الرزق، ووفقّني لأحياء السنن. فما برحت أتلو أحاديث فضله حتى الساعة.
ومنها: ما حدَّث به الحاج الملقب بأبي صفقات من أخيار الحلّة الملازمين للشيخ، قال: تولّى أمرنا ظالم غشوم من (البيگات) فأفرط في الظلم وسامنا الخَسْفَ حتى صَلَبَ من أهالي الحلّة جماعة على الجسر، وألقى منهم في الفرات آخرين. وشكوناه إلى (الوالي) فلم يسمع، والشيخ إذ ذاك في الحلة، فأسرع الناس أفواجاً إلى بيته وشكوا إليه حاكمهم.
فقال: هوّنوا عليكم الليلة أدعوا الله عليه.
فسكتوا كأنهم يأسوا مما أرادوه أن يكتب إلى الوالي بعزله، وذهبوا غير راضين. فلما أصبحنا سألت الشيخ عن دعائه على الرجل، قال: نعم.
فوالله ما دارت الجمعة حتى سمعنا الواعية في داره، فسألنا فقيل: (بيك) الحلة أصبح مقتولاً. فبحث عن قاتله فكان أمرد شرب معه الخمر فقتله وهو سكران. فلم يبتلِ بقتله أحد من الناس.
وذكر له جناب العم من هذا القبيل أشياء كثيرة. منها أن الأنهار جفّت ويبست المزارع، فشكت الأعراب إليه ذلك، فضربها بعصاه وتوسّل بالحجة (علیه السلام)، فما أمسى المساء إلاّ والماء قَدْ ملأ المصانع والأنهار.
إلى غير ذلك من الكرامات، حتى قال: ومن كراماته بالحلّة قضيته المشهورة المنقولة عن لسان جم غفير من أهاليها.
قالوا: إجتمعنا ليلة عند الحسن بن جعفر ونحن عدة ثلاثين فنادى على العشاء فجئ له بطبق فيه آنية بها قليل من الأرز فقط وبياضه يخطف بالأبصار كأنَّه بياض مصر أو بحيرة ساوة. فقال: أتعلمون مما بياضه؟
فقلنا: الله ووليّه أعلم.
قال: لأن الناس تكسو طبيخها بالدهن، وأظن أن والدة عبّاس تستخرج دهن طبيخها.
فضحكنا خفياً هيبة له.
ثم قال: يا شيخ عبد هذا لا يؤكل بلا إدام. فقال الغمري وهو من خدام الشيخ: والله ما عندنا شئ من الأدام.
فقال الشيخ: خذ (الأجانة) وائتنا بلبن من السوق.
قال الغمري: يا مولانا عادة أهل الحلة تغلق دكاكينها قبل الغروب ولا يبقى في السوق أحد، والآن ذهب ثلث الليل. واستشهد بنا فشهدنا على ذلك، فشهدنا جميعاً.
فقال الشيخ: إمض يا عمري لِما أمرتُكَ به.
قال الغمري: فأخذتُ (الأجانة)(1)ومضيت إلى السوق المحاذي لمرقد إبن طاووس (رحمه الله) وأنا متعجب من إصرار (مولاى) بما يعلم أنَّهُ على خلاف العادة.
فمضيت إلى السوق فوجدت الحارس في أوله. قال: ما وراءك؟ قلت: أرسلني الشيخ على لبن. فضحك وقال: إن كان الشيخ لا يدري بعادة أهل الحلة فأنت تدري. قلت: لم يسمع مني ولا من الحاضرين.
فدخلنا السوق وإذا بدكان موسى العجّام آخر السوق فيه سراج. فقال الحارس: لا شك أن الشيخ أرسل إلى موسى العجّام بذلك ففتح حانوته، فامضِ إليه. ورجع الحارس عني.
فجتُ، وقبل أن أصل إليه نادى: يا عمري جئتَ لتأخذ اللبن؟
قلتُ: نعم.
فلما دنوتُ منه لم أعرفه، فأضمرت أنَّهُ من بيت العجّام بعثه رئيسهم الحاج حسن وله مع الشيخ خصوصية وإخلاص. فوضع في أجانتي زهاء ستة (أرطال) بالعراقي من دون
1) وردَ في هامش المخطوطة: الأجانة (هي الأناء الكبير)
وزن.
فقلتُ: كم ثمنه؟
قال: أدرك الحسن قبل أن يتعشّى.
وحيث ظننتُ أنَّ ذلك بأمر الشيخ لم أُطِلْ معه الكلام.
فلما انصرفتُ قال: «إقرأ الحسن عنى السلام». فقلت إن بيت (العجّام) عوام العوام فمن أين له هذه العبارة، وهم يقولون: «قبّلْ لي أيدي الشيخ».
وأدركتُ الشيخ ينتظر فوضعته بين يديه فقال: هذا كثير. فقلت: دفعه إليَّ مَنْ أرسلتَ إليه وسألتَهُ اللبن ولم يأخذ مني بدله.
فقال: ويحك، لَمْ أرسل على أحد بذلك وما اختلج في بالي هذا حتى أتيتني بالعشاء.
فسكتّ، وتناجي القوم بينهم. فلما أصبحنا أسرعتُ مع مَنْ أسرع إلى بيت (العجّام) فسألناه فأقسم أني لم أرسل إلى أحد، ولم أر الشيخ من مدة ولا في حانوت (موسى) لبن.
فاشتهرت هذه الكرامة عن الشيخ، وعلمنا أنَّهُ مؤيد بروح القدس، وأن صاحب اللبن هو صاحب الأمر (علیه السلام) أو أحد غلمانه. إنتهى.
ومنها: ما ملخصُهُ أن زيارة (الغدير) شارفتْ، والشيخ عندنا في الحلّة، فسأله بعض أصحابه عن تشرّفه بأعتاب الأمير (علیه السلام)، فأجاب: إني أهوى ذلك ولا زاد عندي ولا راحلة.
وكان ممن يحضر مجلسه أغلب الأوقات الأديبان مُلا حسين، والشيخ حمزة مريزة، فقالا: نستقرض لك ما يكفيك بمن معك ما يوصلك إلى النجف من الدراهم، وهناك أخوك العلي بن جعفر وهو اليوم عمود الأسلام، ومرجع الأنام، فنرد عليه ونستجديه فلا ريب أن يجود علينا بأكثر مما نصرفه ذهاباً وإياباً، فما يمنعك من السير.
فقبل الشيخ، ونهض المُلاّ وهيأ له ما يحتاجه هو ومن معه ذهاباً وإياباً من حمولة وغيرها. وركب الشيخ ومن معه، حتى دخلوا (الغريّ) وتفرق الجماعة وكانوا عشرة، ومضى كُلِّ إلى من يعتاد النزول عنده، ومضى الشيخ إلى دارهم وليس معه غير الشيخ عباس الطهمازي كاتبه، والعمري خادمه.
فلما صار العصر وكان من عادة أولاد الشيخ جعفر أنَّ العَلَمَ منهم يدرس صبحاً في مدرسة أبيه ويجلس قبل المغرب بها فتجتمع الناس ثَمَّ للقضاء والمرافعة والقيام بحوائج
الناس. فدخل أصحاب الشيخ جميعاً لزيارة أخيه العليّ، وبعد أن تمسّكوا بلثم يديه ابتدر الملا حسين وكان أديباً لسناً صحب العلماء، ساعياً بالخير مع الأمراء، له شعرٌ رائقٌ ولطائف مستحسنة. فخاطب الشيخ علي: يا مولانا أتينا مع أخيك وله ولنا حق عليك فاقض علينا مما في يدك وأحْسِنْ كما أحسن الله إليك، فلقد ملكت زمام الأمور، وأنت العليّ الذي يدور معك الجود والفضل حيثما تدور.
فالتفت الشيخ إليه مبتسماً وقال: إنعكس الأمر فأني ظننت أنكم جلبتم لي (الحقوق) التي أستعين بها على إعانة الفقراء والسادات من ذوي الحاجات فلقد حفّت بي حتى صرت أستدين لهم، وقد تركت الحلّة وما فيها لأخي. ويكفيكم أني أضفتُ شيخكم مع ما بي من الحاجة.
فقال المُلا: يا مولانا أتقول ذلك هزلاً أم جداً؟
قال: هزل فى جَد، وجَدٌ فى هزل، فابعث لنا ما أتيتنا به من الحلّة من (الصوّغة) فأنَّ النبي (صلی الله علیه وآله) كان يقبل الهدية.
وأذّن المؤذن في الأثناء للأعلام، فقام إلى جامعه وقمنا مع أخيه فصلَّينا خلفه والجامع ممتلئ بالعلماء. فلما انفتل من صلاته، وأتم تعقيبه نهض وناداني وقال: إمض معنا إلى الدار لتنظر كيف ضيافة الأخ وتنال من طعامنا. فقلت: وأصحابي معي. قال: لا يكفي على ما أظن فأن بنوا على القناعة، فحيّهلَ.
فجلسنا وخرج الطعام ووُضع بين أيدينا، فتأملت وإذا هو بمقدار من طبخ لأجله، فقال: تقدموا وبسملوا، فقلت: لِمَ نبسمل فأنَّ الجنّ لا تلج داركم وكم ولجت فلم تلق شيئاً حتى العظام التي هي طعامها كما في الخبر.
ثم غسلتُ وتقدمتُ وإذا فيه (أجانة) مملوءة بالمرق المعروف بالآش فطمعت بأن ألقى قطعة من لحم، فأدرت فيه المغرفة فلم ألق إلاّ يسيراً لا يشفي علة، ولا ينجع غُلَّة، فقال: أخرج اللحم وكل. فقلت: هو عند القصاب. فضحك وكان وقوراً مهاباً قليل الكلام، عديم الضحك فأخرجتُ (الحُسينيّة) من جيبي وسجدتُ فقال: إنَّ السجود لحسن فلم سجدت، فقلت: الحمد لله الذي أراني نواجذك، فقال: كُنتَ تظنني أدرداً(1)؟ فقلت: نعم إلاّ سنّ الطمع، فضحك فقال: كلا لا يفوتك المرق أيضاً.
فلما رُفِعت المائدة صاح: يا حاج إبراهيم الندّاف، (وكان المُنادى بيده تمام أموره، غير أَنَّهُ
1) الأدْرَد هو الشخص الذي ذهبت أسنانُهُ، فلا يستطيعُ النُطق
قليل الأنصاف)، فأجابه، فقال: جئني بالصرّة التي دفعتُها إليك البارحة. فتململ، فغمزتُهُ برجلي، فنفر. قال الشيخ: ما دهاك؟
فقلتُ: غمزُته أنا لأشير له أني أعطيك منها. فقال الشيخ: لا هذه طبيعته، لكنك عارف بالمسالك.
ثم ألح عليه فمضى وأتى بالصرة وإذا فيها قدر مائة دينار توازي ألف درهم، فقال: خذها لك ولفقراء أصحابك. فالتفتُ إلى شيخنا الحسن فقلتُ: ما لك بهذا نصيب لأنى استنقذته بكدّ اليمين وعرق الجبين. فقال: نعم أسأل الله من فضله. ثم قبّلت يديهما وذهبت إلى مكاني.
فلما أصبحتُ تزوّدت لي ولأصحابي كسوة الشتاء حتى نفذت ولم أدفع للمكاري منها شيئاً ولا راجعت الشيخ في شئ منها ظناً بأنَّ أخاه سيعطيه ما يكفيه. فلم أدرِ أعطاهُ، أو لم يقبل، أو لم يُعْطِه.
حتى صار يوم المسير، فأرسل إليَّ الشيخ أنْ خُذْ لنا من الزاد ما يكفينا لنبيت الليلة في المسجد الأعظم. فسرنا إلى الكوفة وكان عندي وعند أصحابي من زاد أرباب الضيافة ما يكفينا ويزيد، ولم أسأل الشيخ عن شئ حياءً.
حتى وافينا (الكِفل)، فطالب المكاري بكراه(1). فقال الشيخ: حتى نصل الحلة. قلت: وليس عندك شيء. قال: لا. فاستقرضت من بعض أهل (الكِفل) ودفعت له. فلما أصبحنا سرنا على بركة الله ساعتين.
وكان معنا حبيب تاج من أجلاّء الحلة غير أنَّهُ قليل المعرفة (عامي صرف). فأشرفنا على نهر (الرارنجية) وكان نهراً عميقاً ليس له قنطرة والماء منقطع عنه فتشاغلنا بالعبور. وكان تاج مع بعض أصحابنا على خيل لهم، وفرس حبيب من جيادها.
فلما صعد به الفرس على تل (الرارنجية) قَبْلَنا وجد إعرابياً على ظهر جواده بسفح التل فقال له الأعرابي: هذا الذي أنتم معه الحسن بن جعفر؟
قال حبيب: نعم.
قال: خذ هذا (الكِيْس) وادفعه إليه.
فتناول (الكيس) منه ورجع إلينا مسرعاً ولم يسأله عن شيء. فَوَجَدَنا شارعين بصعود
1) أي أُجرتهُ
التلّ. فقال: يا شيخ هذا الأعرابي ناولني كيساً أرفعه إليك.
فأخذه الشيخ وقال: إرجع إليه وسَلْهُ مَنْ أنت وما في هذا الكيس، أهديّة للشيخ أم حقٌّ من الحقوق هو؟
فرجع حبيب فلم يجد الأعرابي بمكانه وغمز فرسه وصاح: ما وجدته. فتبعه الفوارس فلم يجدوه. فتصفحوه من الجهات الأربع فلم يكن له أثر كأنَّما صعد إلى السماء أو دخل في جوف الأرض. وبقينا نتخبط الآكام والعوالى حتى وصل بعضنا الحلة.
فحرَّك الشيخ دابته وقال: سيروا على بركة الله تعالى، فهذا رزق ساقه الله إلينا. ووضع (الكيس) بجيبه ولم يُعْلِمْنا بما فيه.
فلما وصلنا دفع إلينا ما استقرضناه ودفع غيره هدية وأوصانا بأخفاء هذا الأمر عن الناس. والحمد لله أولاً وآخراً.
(عام 1258 ه / 1842 م)
ومن كراماته على أهل النجف وأياديه السنية، حيث أنجاهم من الهلكة وقد نشبت بهم أظفار المنية، وذلك في واقعة نجيب پاشا(1)، الذي أهلك أهل كربلاء جميعاً وأنعش الله أهل النجف بوجود الشيخ إنعاشاً.
ونحن نذكر عبارة العم (أيّده الله) عند ذكرها فقد أداها بأحسن أسلوب وأبلغ عبارة ببيانه، حتى كأنَّ ينابيع الحكمة والبلاغة ضربت على لسانه. فأُقسمُ أنْ لو اجتمعت الأنس والجن على أنْ يأتوا بمثله لأقرّوا بالعجز، ولما جاؤا بأبلغ مما جاء به ولا أوجز. قال (أدام الله أيام فيوضاته) ما نصّه:
ومن صنعه الحسن الجميل الذي وفّقه الله تعالى له أنَّهُ دفع الضيم عن أهل النجف بِقِراهُ لوزير بغداد في السنة المؤرخة بغدير دم (1258). وخلاصة القصة أنَّهُ لمَّا انتقل أخوه الشيخ على إلى دار القرار فجأة في كربلاء المشرفة عند المغرب وحُمِلَ على الأعناق إلى النجف انتقل الوالد من الحلة بأهله، وجلس بمقام أبيه وأخويه، وانتهى أمر التقليد إليه، في سنة 1253، وجمع بين العلم والرئاسة واشتغل بالتدريس وقطع بحزمه وجزمه نائرة
1) تولّى منصب ولاية بغداد سنة 1258 ه / 1842 م، وعُزِلَ سنة 1265 ه / 1848 م. وكانت وفاته سنة 1267 ه / 1850 م. وكان قد هجم على مدينة (كربلاء) بعد ثلاثة شهور من تولّيه منصبه وأوقَعَ فيها القتل ليلة عرفة من شهر ذي الحجة 1258 ه الموافق ليوم العاشر من شهر كانون الثاني سنة 1842 م
الفرقتين الشريرتين الزقرت والشمرت، وأمنَ به المهاجرون في طلب العلم حتى مضى له على ذلك مقدار من الزمن فعُزِلَ والي بغداد علی پاشا(1)لبعض الحوادث التي أوجبت ذلك.
وتولّى بعده نجیب پاشا وكان مُسِّناً ذا حزم وتدبير وهو الذي محا الفرقة الأنكجرية في (قسطنطينة) بعد أن جهدت في ذلك الدولة العثمانية. فلما وصل إلى العراق واستقر بدار السلام مع العساكر الكثيرة، وكان أول تنظيم العساكر بالطريق الذي هم عليه الآن أرسل أمراءه إلى الأطراف.
فأول من أظهر العصيان عليه أهالي كربلاء وهم (اليرمازية)(2)وعميدهم السيد الزعفراني(3)
وأسرته آل الزعفراني من الأسر الهاشمية الرضوية تولّى بعض أفرادها منصب (سدانة) الحضرة الحسينيّة في القرن الثاني عشر حتى بداية القرن الثالث عشر الميلادي
، ويرجعون إلى السيد الصالح الداماد (من علماء كربلاء)، ولهم شوكة وتبع ، فلما تحقق الوزير ذلك منهم استمالهم باللين، فلم ينفع حتى قتلوا من أتباع الحكومة ثلاثة رجال. فصمّم رأيه أن يرسل عليهم من يسومهم الخسف. فأرسل لهم (سَريّةً) تبلغ الخمسة آلاف، وأميرهم مصطفى پاشا فضّ غليظ القلب جرئ فتّاك ناصبي فخرج بعسكره من بغداد قاصدا كربلاء.فلما أيقن ذلك رؤساء كربلاء استفزوا من حولهم من أهالي العراق فجاء بعض وتقاعد آخرون، وتحصنوا بسورهم وعزموا على القتال. وفي كربلاء من الغرباء والمجاورين والعلماء خلق كثير. وثارت الحرب بينهم يومين أو ثلاث بعد حصارهم أياماً بلا حرب. ومنع عنهم (الميرة) من جميع الأطراف وهم يرمونهم من أعلى السور والعسكر من البادية من طرف الجنوب مما يلي الغريّ في المكان الذي ضربوا أبنيتهم به.
وخرج إلى العسكر بعض الأشراف ودخلوا على الفريق واستأمنوه فأبى إلاّ أن يفتح الأبواب ويسلّموا ويدخل العسكر البلد. فلما رجعوا إلى أصحابهم امتنعوا عليهم لحبّهم الفساد. وعَظُمَ الأمر فقُتِل من العسكر من طرف الغرب واحد من أهل المناصب غيلة، وأخذ القوم يسبّون السلطان من أعلى الحصن.
1) عُزِلَ والي بغداد علي رضا پاشا اللاز سنة 1258 ه / 1842 م، وأصبحَ والياً في بلاد الشام. وتُوفي سنة 1262 ه / 1846 م
2) اليرمازية: كلمة تُركية تعني طبقة (الأشرار) في المجتمع
3) السيد ابراهيم الزعفراني هو زعيم الطبقة المُتمرّدة ضد الوجود التركي، وولاة بغداد، أُلقيَ القبض عليه بعد سقوط (كربلاء) هو والسيد صالح الداماد، ونُقِلَ إلى بغداد وقُتِلَ فيها، ونُفي السيد صالح إلى كركوك.
وجاء جماعة من الأعراب من طرف الشمال لنصرة أهل كربلاء فأخبر (العَينُ) العسكر فأخذوا طريقهم ورموهم (بالتُفَك)(1)فانكفؤا راجعين بعد أنْ قُتِلَ منهم جماعة بالبنادق ومثلّوا بهم ورفعوا رؤوسهم على الرماح.
فلما اشتد الأمر وجّه العسكر المدافع على الضياع والنخيل التي حولهم فقلعوها جميعاً ولم تبق نخلة واحدة بينهم وبين السور. ورام الهرب من كربلاء بعض المعتبرين من العجم والهنود فمنعهم (اليرمازية) عن ذلك إلا قليل منهم بلطائف الحيل وبذل المال الخطير. واشتد بهم الحصار حتى صاروا يشربون ماء الآبار وانقطع الداخل عن الخروج، والخارج عن الولوج.
وورد الأمر بالأمهال تلك الليلة إلى الصباح إنْ لم يُسلّموا البلد يوجهوا عليها (الطوب)(2)والمدافع، وكان ذلك في ذي الحجة الحرام سنة 1258(3). فلما أصبحوا وارتفع النهار أطلق العسكر مدافعه النارية على (الحصن) وصار يضرب بلا مهلة وهم يضربون من أعلاه، فارتفع الدخان إلى السماء وأصوات المدافع كالرعد المتراكم وأصاب الرصاص في أعلى الحصن وأسفله وأخذهم الهلع والجزع ودخان البارود حتى كانوا لا يُبصرون شيئاً، وانهدم من السور مائة ذراع أو أكثر ، فما شعروا إلّا والسور قَدْ انهدم بهم فذهبوا من تلك الجهة الأخرى بأقل من ساعة فسَكَنَ (الطوب) هنيئة. وتحقق الجند خلوّ المكان مما يلي (خیمکاه)، فصاح الفريق بالعسكر ائتِ، فمشى العسكر والفريق أمامهم حتى ولجوا البلد من تلك الجهة. فانقسموا نصفين، فنصف ارتقى السور وأخذ يمشي فوقه ويضرب مَنْ كان أمامه، والآخر يمشي داخل السور محاذياً للدور. فوقعت البنادق عليهم ودخل في الرؤوس والأرجل فراحوا ما بين ميت وجريح وانهزموا، ووقع بعضهم على بعض وأخذوا يرمون بأنفسهم من أعلى السور والعسكر يقتل كُلّ من وجده حتى قتل مقتلة عظيمة.
ثم أُمروا بالدخول في الأزقّة والدور فاستباحوا مَنْ وجدوه فيها بالقتل والتمثيل والنهب والغارة حتى بلغ أميرهم مصطفى باشا إلى باب الحرم الحسيني (علیه السلام) ومعه طائفة من الجند. وكان إذ ذاك الحاج مهدي الشهير بكمكمة نائب من بيده مقاليد الروضة المنورة ففتح الباب و خرج مع جماعة من الخدمة وعمتُهُ برقبته ينادي: «الأمان.. الأمان»، ويبكي ويلطم؛ الحرم مملوء من المستجيرين به حتى قَتَلَ بعضُهم بعضاً من الضيق، فأمسك الباشا هنيئة،
ثم رفع يده فأمسك الجند عن الضرب.
ودخل الصحن الشريف وجلس بباب القبلة، والعسكر وقوف حوله، وصاح الحاج مهدي باللسان (التركي) مخاطباً للفريق: أفندم إنَّا لم نخلع الطاعة، ولم نفارق الجماعة فلا تأخذنا بذنوب المُفْسِدين، وترحّم علينا بالأمان، فعفى. ولكن بقية العسكر لم يتركوا النهب والقتل خارج الحرم ووضع (الفريقُ) على أبواب الصحن من يحرسها عن هجوم الجند على الحرم لأنه عفا عمَّن فيه. ولحق هو ومن معه العسكر وهم مشغولون بالقتل والنهب حتى بلغوا حرم العباس (روحي فداه) فلم يهتدِ مَنْ كان فيه من (الخَدَمة) إلى ما اهتدى له الحاج مهدي فقلع الجند الباب وأخذوا يضربون في (الصَحن) ومن شبابيك الحرم وكانا ممتلئين نساءً ورجالاً حتى ملأ الدم الحرم والصحن وأخذ يجري كأنَّما سقط من شاهق.
وكَثُر في البلد القتل والأسر للنساء والغلمان وبقيت على هذه الحالة أربع ساعات من النهار ولم يسلم إلا الحرم الحسيني (علیه السلام) ودار السيد كاظم الرشتي منع عنه بعض الأمراء ممن آمن به من أهالي بغداد، وسلمَ في داره خَلْقٌ كثير.
وكان هذا السيد سخياً جداً رئيساً مسموع الكلمة، ومحبوباً عند السنّة، بزيّ أهل العلم، له حاشيةٌ وتُبَّعٌ تقول فيه أقاويلاً عظاماً وتنسب له بعض الخصال الممدوحة، ولكن كانت تُنسبُ له أشياء في العقائد غير ما عليه عموم الأمامية، وله بعض التصانيف المهملة يُفْهَمُ معناها، والتخليط عليها ظاهر، ولذلك مجّته العلماء.
وبقي الأمر على هذه الكيفية حتى أشرفت الشمس أن تجبّ، فأمر الباشا بضرب (طبل) الأمان ومزماره، فلما سمع العسكر سكتوا عن الضرب (بالتُفك) وانكفؤا إلى الخيم، ودخل الوزير الكبير من باب بغداد والواقعة في جهة الشمال ومر كالبرق الخاطف إلى معسكره. وأمسى المساء والناس بين قتيل وجريح ومفقود وهارب إلاّ من استجار بالحرم، ودار السيد كاظم. وباتوا تلك الليلة ولم يهدأ للسالم الباقي جفن، والحاج مهدي ومن معه يحرس الحرم ويتعاهد من فيه.
فلما أصبح الصباح دخل الوالي رأد الضحى إلى البلد ومعه رؤساء عسكره يقدمهم (الفريق) ممتطياً جواده متقلّداً سيفه والعسكر خلفه وأمامه، فاضطرب الباقون حتى وافي (الصحن) فترجل هو ومن كان راكباً ودخل من باب الجنوب، واستقبله الحاج مهدي ومن معه وأخذ (اليَتَك) فقبَّلهُ فدخل الصحن بهيئة مرهبة وأبهة حسنة و (الطبل) يُضْرَبُ أمامه، ومضى على رسله وأمراؤه خلفه وامتلأ الصحن بالعسكر، والى جنبه الأيمن السيد كاظم
والأيسر الحاج مهدي، والخدمة بيدهم القرآن العظيم وأعلام الروضة حتى دخل الحرم، وقد أخلي له، فدار في الروضة بتمام الأدب، ثم خرج مما يلي حبيب بن مظاهر (رحمه الله) وأمّ (التكية) وصاحبها السيد مُحمَّد الدرويش. وكان معه من مشايخ الأعراب وادي الشفلّح(1)رئیس زبيد، والملاّ علي الخصي الظالم الظلوم الغشوم وغيرهم، ومن معتبري بغداد جماعة.
فلما إستقرَّ به الجلوس أمر مناديه أن ينادي بالأمان في الأزقة والأسواق. ثم التفتَ إلى الحاج مهدي وأظهر الرضا منه. ثم سأل عن (الكليدار) فقيل: هَرَبَ، فعزله في الوقت ونصب الحاج مهدي كليداراً. ثم استخرج ورقة فيها أسماء العصاة ممن سعى بهم إليه الناس بالفساد، فقيل: هربوا، فأمر بالتفتيش عليهم. وقبض على السيد صالح الداماد وكبّله بالحديد وقبض على جماعة أخر ممن أتهم بالخروج على الدولة، ثم ركب إلى مخيّمه وبات الليلة الأخرى.
فلما أصبح صنع كما صنع اليوم الماضي. فلما استقر في (التكية) نَصَّبَ حاكماً على البلد، وعيَّن للقلعة مكاناً ولمحل الحكومة أيضاً، وعيّن من العسكر قدر ستمائة يبقى في كربلاء. وبقي يُنظم أمور البلد، ثم رجع وأمر بالرحيل.
فحدثني ممن شهد الوقعة من المعتبرين قال: لمَّا أقفل العسكر أحصينا القتلى وسألنا (الحفارين)، وتحققنا عن ذلك فكان ما يزيد على عشرين ألفاً من رجل وإمرأة وصبيّ. وكان يوضع في القبر الأربعة والخمسة إلى العشرة فيهال عليهم التراب بلا غُسل ولا كفن. وتفقدنا القتلى فوجدنا منهم كثيراً في الدور والآبار ومنهم في السراديب حتف أنفهم. ورأيت امرأة في (البئر) ميتة وابنها ملتقمٌ ثديها وهما ميتان. والحاج مهدي معنا ندخل داراً داراً ونستخرج منها الموتى مقدار عشرين يوماً.
وأعجبُ ما رأيتُ أن دخلنا في مرفوعة فيها (دالان) أظلم يزيد على عشرين ذراعاً لا يُبْصَرُ فيه بالنهار مما يلي الجنوب ويحادد دار النقيب، بعد خمسة أيام من الواقعة وكان فيه عدة رجال ونساء مختفين، ولم يصل العسكر إليهم. فلما سمعوا أصواتنا حسبونا من الجند فزهق ثلاثة منهم وماتوا من ساعتهم خوفاً، وغشي على الباقين. حتى إذا عرفونا رجع إليهم روعُهم، وحمدوا الله على السلامة.
وحدثني أيضاً قال: وجدنا بالسرداب الذي تحت رواق سيدنا العباس من القتلى أكثر
1) رئيس عشائر زبيد، وكانت تحت سيطرته مناطق فُراتيّة واسعة. تُوفيَ سنة 1271 ه / 1855 م. وقد ازدادتْ قوتُه بعد تعيينه مِنْ قِبل الوالي داود باشا حاكماً على منطقة الفرات، وممثلاً لحكم بغداد سنة 1252 ه / 1836 م. كما اعتمد عليه الوالي علي رضا پاشا أيضاً نظراً لنفوذه الكبير
من ثلاثمائة، فوا عَجَباً من حلم الله تعالى، ولا عجب. فأنَّ بابَ نجاة الأمة، وأبا الأئمة لم يزل مظلوماً حياً وميتاً.
عَجَباً لحلمه، ولصبره عن هذه الواقعة الكاضّة، والفادحة الماضّة. وقبلها واقعة (المناخور)(1). وقبلها الداهية الدهماء واقعة إبن سعود. ولكن انعكس الأمر فسلم بتلك الحادثة حرم العباس (علیه السلام)، وصار النهب والقتل بحرم سيد الشهداء (علیه السلام)، حتى اشتهر أن الملعون دخل بفرسه إلى (الحَرَم)، وقلع قبر حبيب ابن مظاهر وأمرَ بهدم الحرم فجاءه خَبَرٌ أزعجهُ فانصرف عن ذلك. واشتهر أنهم لمَّا عزموا على هتك حرمة العباس ومعهم الوهابي الملحد الكافر، وهم على متون خيولهم. قال الوهابي: دعوا حرم أبي الفضل فهو ابن أختنا. فانعطفوا على الروضة الحسينية وفعلوا ما فعلوا.
وقبلها حادثة المتوكل لما أدار الماء على قبره فَحارَ، وعلوّه على القبر الشريف فوق القامة، والقبر وسط الماء وهو لا يجري عليه.
ولم أعثر على غير هذه الحوادث المذكورة في الظلم على مرقده المطهّر.
فلما أصبح العسكر والوالي معهم ارتحل على طريق البرّ كأنَّه يريد النجف، ووصل الخبرُ إلى (الغري)، فاضطرب مَنْ فيها اضطراباً شديداً وارتاعوا وأقبلوا يهرعون من كُلّ فجّ عظيم إلى دار المشايخ العامرة، حتى اجتمع ملأُهُم فيها، و(الوالد) جالسٌ بينهم والعلماء حوله کصاحب الجواهر وغيره من علماء النجف، وآل بحر العلوم كلهم، وأشراف النجف جميعاً وبقية الناس، حتى امتلأت الدار والزقاق، وهجمت النساء على بقيَّة الدور وهي ستة، فيها عيالات المشايخ حتى امتلأت بالنساء والأوعية وضاقت الدور التي حولنا، والعلماء يتجاولون الرأي بينهم.
وجاء الخبر أن الوالي بلغ نصف الطريق فقال الوالد، ووافقه الجماعة: إنّا نفتح الباب ونُخرِجُ الناس لاستقباله ونُظْهِر الطاعة والأنقياد، وأنا أدعوه بعسكره أن ينزل عندي، فأنْ أجاب فيا حبذا إذا دُفعَ البلاء بذلك عن أهل النجف، وإن امتنع خرجنا إليه واستملناه
1) واقعة (المناخور) وقعت عام 1244 ه / 1828 م في زمن الوالي داود باشا بعد تمرّد أهالي كربلاء على حكمه. وسُمِّيت الواقعة بهذا الأسم مُحرَّفةً عن كلمة (مير آخور) - الفارسيّة - التي تعني رئيس (الخيَّالة) الذي قاد الحملة العسكرية ضد المتمردين من أهالي المدينة
واستعنّا بالله تعالى عليه.
وتفرَّق العلماء وبقيت الناس تحمل أسبابها وتبعث نساءها إلى بيت الشيخ وإلى البيوت التي حوله حتى مُلئِت البيوت والسراديب كأنَّما حُشِرَ الناس في صعيد واحد.
وأصبح الصباح فجاء الخبر أن الوالي قصد المسجد الأعظم ومنه يأتي إلى النجف. فجمع الشيخ لُحْمَتهُ والعلماء الباقين وعرض على كُلّ واحد المسير إلى الوزير بكتاب يدعوه فيه إلى النزول عنده قبل أن يدهمهم العسكر، فتقاعدوا وتململوا وظهرت أمارات الكراهة فيهم إلاّ السيد جواد شبّر الذي كان أكثر إقامته في الحلة وقد يأتي إلى النجف وهو من الأجلاء جرئ جسور، فقال للشيخ الوالد (رحمه الله): أنا أحمل رسالتك إليه وأدعوه إلى النزول عندك فضمَّه الوالدُ إلى صدره، وقال: سِرْ على بركة الله. وأتى له بفاره من الخيل فركبه وأخذ الكتاب وسار منفرداً إلى مسجد الكوفة فحَجَبَ الله عنه أبصار العسكر حتى وافي المسجد، فرأى الوزير قَدْ دخله قبله بيسير.
فقال: أنا رسول الحسن بن جعفر إليكم لأدعو الوزير إلى النزول عنده. ففهموا الأسم، ووقفوا على المعنى وأوصلوا الخبر إلى الوالي. فسأل من كان معه عن الشيخ مثل شيخ زبيد فعرّفوه به وبأخويه وأبيه وعظّموا أمره عنده، وذلك مِنْ نِعم الله تعالى، وخلوص نية الوالد في حفظ (الروضة) المُنوَّرة، وباقي الناس. فأذِنَ للسيد بالدخول عليه.
فلما دخل حيّاه بالتحية الحسنة، وأمره بالجلوس وقام إجلالاً له، ثم قدم له الكتاب، وقال: أتيتك من قبل وليّ من أولياء الله تعالى مطيع للدولة العلية داع لها، أدعوك إلى بيته، وأن تكون في ضيافته.
فقال له: وهل يحصل في النجف من المفسدين أحد؟
قال السيد: لا، بَلْ كُلّ مفسد ولّى هارباً من سطوتك.
وقال له الملا علي الخصي، ووادي ومَنْ معه من (أفندية) بغداد: أجب الشيخ وانزل عنده فأنّه أصلح لك من كُلِّ مكان. وتكلم كُلّ من يعرف من المشايخ بهذا ومثله، فأنعم وكتب الجواب معلناً بالقبول. وأمر بعض الجند أن يذهبوا إلى دار الوالد وهو على الأثر.
فنهض السيد جواد مسرعاً وامتطى فرسه وطار بها قبل العسكر الذي معه فوافي الدار بأيسر زمان فوجدهم يتوقعون قدومه والناس تهرع خلفه، فترجّل ودخل ووجد الوالي والعلماء حوله أفواجاً، فدفع الكتاب إلى الشيخ وقال: هُم على الأثر.
فأمر الشيخ بالخروج لاستقبالهم، ونَدَب ابني أخيه العليّ (محمدا والمهدي)، ومعهم طائفة من المؤمنين، وأخرى من الأشراف، ومعهم العَلمُ الحيدريُّ والقرآن المجيد. وكان الشيخ مُحمَّد ابن أخيه جَسُوراً لسِناً لا يخشى من أحد مع ما اشتمل عليه من العلم وسائر المعارف، فخرج مع الناس بأبَّهَةٍ حسنة وجلال عظيم. واشتغل الوالد بتهيئة ما يحتاج إليه من الضيافة، وكان العسكر أكثر من ثلاثة آلاف، وفيهم عدة من الأمراء الذي لا بُدَّ لكل واحد منهم مکان مخصوص.
ودخلت هوادي الخيل ورجّالة العسكر زمراً زمراً، فوجّه الوالد من ينزلهم في الدور التي أعدها لهم. فنزلوا ولم يزالوا كذلك حتى أشرف الوالي على الباب، وقرب منها وأمامه العسكر وخلفه الشرطة. فلما وقع نظره على العلم الحيدريّ والمستقبلون من العلماء والأشراف حافّون به ألقى الله في قلبه الرعب:
إذا ما رأتْهُ من بعيد ترجّلتْ *** وإنْ هِي لَمْ تَفعلْ ترجَّلَ هَامُها
فترجّل وأسرع إلى العلم فقبَّلَهُ وسلّم على العلماء ، والأشراف وبسط مُحمَّد بن عليّ يديه بالدعاء وكان جهوري الصوت، فدعا بدعاء أهل الثغور من الصحيفة، ومشى راجلاً حتى دخل البلد الأمين. فضُرِبَتْ له المدافع، ومشى في السوق.
وسأل عن الشيخ فقال ابن أخيه: أرسلنا خلفه.
قال: لا تفعلوا، نحن نمضي إليه. ثم إلتفتَ وقال: لأي شيء الدكاكين مغلقّة؟
فقيل: إحتراماً لحضرتكم. قال: فليفتحوها.
حتى إذا وصل باب (الصحن)، ونظر الروضة والضريح أخذته الهيبة فخرّ ساجداً وأناب، ثم قبّل الأعتاب:
تَزاحمُ تيجان الملوكِ ببابِهِ *** ويكثرُ عن الأستلام ازدحامُها
ثم دخل الحرم والعَلمُ المجوهر والعلماء حافَّة به، وزار. فبلغ الوالد الخبر فخرج إلى (الصحن)، ومعه ما يقرب من خمسمائة من السادات والعلماء والطلبة وقد ملأوا (الصحن) الشريف.
فلما خرج الوزير من الروضة المقدسة ونظر تلك الهيئة سأل، فقيل له: هذا الشيخ. فلما أبصره أكبره، واستعظمه، وأسرع إليه، وقبل يديه، ومشى معه والناس خلفهم إلى الدار. وجعل الأمراء يشيرون إلى الشيخ بالأصابع ولا يقربون منه هيبة، فأودع الله ذلك اليوم وكل
يوم الهيبة والجلالة فيه.
ولما بلغوا المنزل صعد به الشيخ إلى مدرسة والده فامتلأ البيت بالعلماء الوزراء والأشراف حتى أشرفت الغزالة أن تَجِب، فقدّمت الموائد، وأخذوا في وضعها، واستأذنَهُ الشيخ للصلاة فأذن له.
وأمر الشيخ بوضع الشعير في الأزقة فكان كالروابي في ساحة السور لأجل صامت الخيل الذي معهم. ومضى الشيخ إلى الجامع فأدى المكتوبة، وكان خفيف الصلاة يبادر بها في أول الوقت حتى ظن أنَّهُ يفتي بدخول المغرب عند الأفول.
ورجع الشيخ فوضعت أواني العشاء. ولما قضوا منه الوطر جلسوا بعد هنيئة. ثم ذهب الشيخ إلى حرمه وقام الوالي إلى منامه، وأمر أن لا يحرسه أحد من الجند فأنَّهُ في حرم من دخله كان آمناً. وأمر الشيخ المؤمنين وبعض أهالي النجف بحراسته، فجلسوا في جوانب الدار وعلى سطحها.
فلما أصبحوا خرج الوالد للصلاة فأبى مَنْ بالباب من الجند أن يفتحها فجراً. فنادى الشيخ بأعلى صوته: «مرهم يفتحوا لنا الباب لأخرج إلى الجامع».
فانتبه الوالي مرعوباً، وخرج من الأسطوانة التي هو فيها إلى السكّة، وناداهم بذلك، وسأله الدعاء مبتهجاً به. فخرج الشيخ وأدى صلاته ورجع. فجلسوا على الصباح في المدرسة واجتمع الملأ من الأمراء والعلماء، وأخذ الوزير يعتذر من وقعة كربلاء وأنهم هم حملونا على العقوق فوقع ما وقع.
ثم قال: عَجَباً لأهل العراق جاءهم ابن زياد (لعنه الله) وهو ابن أَمَةٍ ولم يبلغ الثلاثين بلا جند ولا عسكر فاستولى عليهم وفعل ما فعل، وإني ذرفتُ على الثمانين ومعي ما رأيتموه من الجند والمدافع والتفك، فكيف يخيل لهم الغلب على وليّ الأمر. ويا شيخ حسن أفندي: لِمْ لَمْ تعظهم وتُظهِرْ لهم فوائد الطاعة وما يترتب على العصيان من الآثار التي أهونها ما وقع؟
فقال الشيخ: إنّ مبنى الدنيا منذ خلق الله الخلق على ذلك، والله حتَّم على نفسه الرحمة والعفو على المذنب، وأمر الأمراء بالعدل والأنصاف، وفي الخبر: «مَنْ وُلّي أمرَ عشرة أُعطيَ عقلهم»، والآن أسترحم منك أن تطلق من أسرته من أهل كربلاء، وتُعطي الأمان للمنهزمين ليرجعوا إلى أهلهم.
فأنعمَ، وأمر بذلك. غير أنَّهُ قال: أربعة أو خمسة لا يدخلون كربلاء، ولا يبقون بالعراق
منهم السيد صالح الداماد.
ثم وجد الشيخ إن عزم الوزير أن يطوف بالعراق فخشي على الشيعة من فتكه فصرف رأيه عن ذلك وقال له: ينبغي أن تعود إلى دار السلام فأنَّه أبلغ في العظمة وأخاف أن ينقلب الأمر فيفسد العراق وأنا أحذرهم بطشك وأمرهم بالطاعة.
فقال الوزير: نعم، هُمْ لكَ أطوع ومنك أسمع، ومن خافك خاف الله.
وقد أودع الله الحُبَّ للشيخ في قلبه وقلوب أمرائه وامتثال أوامره، فكلما قال سمع. فمكث الوزير في النجف ثلاثة أيام بلياليها عند الشيخ وضيافته تتزايد. ثم أقفل راجعاً متعجباً هو ومن معه بتلك الضيافة مؤمناً بالشيخ مُريداً كمال الأرادة.
قال المهدي: فظهرت بهذه الكرامة للشيخ فوائد للناس من الأمن واستقامة الأمور، فكأنَّ الشيخ هو الوزير. وأمِنَ به الخائف ، وانكمد المخالف، ورفعت الشيعة حوائجها إليه فيقضيها بالمراسلة، ورفع المؤذن صوته (بالحيعلات) على المأذنة وأمنت الناس في الصلاة على (الحسينية) جماعة في الحرم، إلى غير ذلك من الفوائد العامة لعموم المسلمين بهذا التحبّب والضيافة فكأنَّه المعنى والموضوع للحكم في قول أحدهما (علیه السلام) لعلي بن يقطين: «إن لله تبارك وتعالى مع السلطان مَنْ يدفع بهم عن أوليائه أولئك عتقاء الله من النار». وفي ترجمة ابن بزيع عن أبي الحسن (علیه السلام): «إِنَّ مَنْ يُؤْمَنُ الله روعة المؤمنين به في دار الظلم أولئك المؤمنون حقاً، أولئك منار الله في أرضه، أولئك نور الله في رعيتهم، يزهر نورهم لأهل السماوات كما يزهر لأهل الأرض نور الكواكب، أولئك من نورهم تُضيء القيامة، خلِقوا للجنة وخُلِقت الجنة لهم، ما على أحدكم لو شاء لنال هذا كله». قلتُ بماذا جُعلت فداك؟ قال: «يكون معهم فيسرنا بأدخال السرور على شيعتنا، فكُنْ معهم يا مُحَمَّد».
ولا شك أن الوالد (قده) وأمثاله ممن شمله الحديث ممن أدخل السرور على الحجة (علیه السلام) روحنا فداه بقضاء حوائج الشيعة. ولا ريب برضاه وشمول نظره وإمداده لمن ذكرنا من نوّابه. فكم شيّدوا للدين، ورفعوا قواعده على أساس ثابت بالدخول معهم ومباراتهم ومخالطتهم على النهج الذي أمرهم به سیدهم، وقبول جوائزهم وصِلاتهم وأخذ بعض أراضي الخراج منهم، بَلْ وبعض الولايات ليتوصلوا به إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإظهار كلمة الحق وحراسة الأمامية عن المكاره التي تحل بهم لولا ذلك.
وعلى هذا جرت عادة السلف الغابر منذ غاب الأمام إلى زمن المشايخ لكنهم لم نرَ منهم التعدّي عما ورد به النص من المعاشرة والمُداراة بعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم والصلاة
بمساجدهم وقبول جوائزهم. ورُبَّما تعدى إلى غير ذلك بتنقيح المناط، ولخبر أن (التقيَّة) ليس شئ منها إلاّ وصاحبها مأجور عليه والأجود عدمه. فالواجب على العلماء خصوصاً بعد وفاة الشيخ المرحوم أن يسيروا بسيرة أئمتهم (علیهم السلام) وأن لا يرشدوا العوام إلى غير ذلك، ويذيعوا أمر التقيَّة التي وجبت عليهم على النحو المعهود، والطريقة المستقيمة. قال (علیه السلام): «ليس منا من لم يجعل التقيَّة شعاره و دثاره».
ثم أخذ العمّ أيده الله بتحقيق مسألة التقية، وأخبارها فأطنب الكلام فيها بما لا مزيد عليه. فأنْ شئتَ فراجع رسالته هذه تجدْها وافيةً بتحقيقها في الفروع والأصول.
ومسائل أخرى
ثم قال، أَيَّدَهُ الله، عود على بدء: ومما وقع للحسن بن جعفر من الكرامة الواقعة المعروفة لمّا جُلبَ مع جماعة من العلماء إلى دار السلام للمباحثة مع أهل السنة والجماعة في خصوص مسألة الفرقة المعروفة بالبابيّة. وتفصيل الحادثة على ما نرويه مرفوعاً إلى المهدي، والى غيره ممن شاهد ذلك الأمر العظيم، وهم عدة من أصحابنا من أهل الزوراء، والغريّ، وكربلاء مع ترتيب مني لأسلوب ما سمعته كعادتي في جميع ما نقلته هنا.
قالوا: لمَّا أهلَّ الشهر المبارك، وتصرّم ثلثه، أو أكثر في سنة (....)(1)كان عادة بعض تلامذة الوالد المرحوم أن يجتمعوا عند العصر في إيوان الدار الخارجة التي هي محل درسه، وتدريس أبيه وإخوته وينتظروا خروجه إليهم. حتى إذا ما أشرقت عليهم شموس أنواره حفّوا به وخرج بهم إلى الحرم الغروي. وبعد إكمال الزيارة يجلس في (الرواق) الشريف لتلاوة کتاب الله والمذاكرة ببعض الآيات المشكلة، ويجتمع عليه الملا من العلماء المبرزين حتى يدخل وقت العُتمة فيودَعُ بالمَسْنُون، وينصرف مع مَنْ معه إلى مسجده فيصلي جماعة، ثم ينصرف إلى محله وتفارقه الناس إلاّ الأقربون ممن يحضر معه الأفطار، وهذا ديدنه.
فخرج يوماً على عادته فوجد جماعة جلوساً في الأيوان وفيهم المهديّ وجعفر (ولدا أخيه) ومعهما ما يقرب من عشرة من أهل العلم المنتظرين له، فلما أحسوا به قاموا إجلالاً واستقبلوه على جري العادة. فنظر وإذا فيهم رجلٌ قصيرٌ أعجميّ ملحم، ذو عمة كبيرة (أكثر من ثلاثين طيّة)، ومنطقة بيضاء قَدْ أدارها على وسطه تبلغ (أسته)، وهو أحمر اللون
1) لم تُذكر السنة في النسخة المخطوطة، ومن خلال سياق الأحداث فمِن المُؤكّد أنها سنة 1260 ه / 1844 م
ذو لحية سوداء وعينين يميلان إلى الزُرْقَة، فابتدر إلى الشيخ وقبَّل يده، ووقف وأطلق لساناً عربياً بالدعاء والثناء قليل اللكنة ذلق حسن التأدية.
فقال الشيخ: من أي البلاد أنت؟
فقال المهدي: يا عمّ إنَّ لهذا الرجل حكاية غريبة.
فقال الشيخ: وما ذاك؟
فقال: يا مولانا كأنّ به جنون يزعم أنَّهُ مُرْسَل من (الباب) إليكم وعنده كتاب يزعم أنَّهُ من الله تعالى غير الكتاب المرسل، وكانت بيد المهدي تلك الأسفار فقال لعمِّهِ: هذه هي من يزعم أنها قرآن ورأينا فيها من المهملات والمزخرفات ما يضحك الثكلى، ولو شئت يا عم لكتبت إلى المغرب صحفاً أحسن منها.
فتبسّم الشيخ وهزّ يده وخرج، وقال للجماعة: هذا شهر عظيم فلا تفنوا زمانه بما لا ثمرة فیه.
فخرجوا بأثره وأخذ (العجميّ)(1)أسفاره ومضى لشأنه.
وذهب الشيخ ومَنْ معه إلى الحرم على عادتهم فلما تصرّم اليوم وجلس الشيخ لفطوره والمهدي معه قال المهدي: أتدري ما صنع الله تعالى بالعجمي؟ قال: لا.
قال: إنه دخل الحرم وجلس بقبر مُحمَّد خان القاجاري وهو صفة في الرواق الشريف، واجتمع عليه خلق من الطغام وأخرج أسفاره فهزوا به، وانتهبوا ما عنده من تلك الأوراق وصحبوه إلى أن خرج إلى الصحن فقالوا له: أدع الناس إليك وعرّفهم الباب، فصاح: أيها الناس، (وكان جهوري الصوت)، فاجتمع عليه الصبيان من كُلّ الجهات وحسبوه مجنوناً وصفّقوا له وصنعوا معه ما يُصْنَعُ مع المجانين. فلما رأى ذلك استوحش فنزل من المنبر الذي كان في الصحن قَدْ ارتقاه وتبعه الصبيان إلى أن خرج إلى السوق وهم في أثره فالتفّت الصبيان الذين في السوق حتى صاروا أكثر من مائتين صبياً وكهلاً كالصبي وهم يرمونه بما في السوق من الكسافات والأشياء النجسة الملقاة وهو قدّامهم يركض وهم يَعْدُون خلفه، حتى بلغ قريباً من القلعة التي فيها الجند والعسكر فخرج إليهم بعض الجند وحالوا بينهم وبينه، ولم أعلم بعدُ ما صنع الله به.
فتبسّم الشيخ وقال: (إلى حيثُ ألقتْ)(2)، فلكم رأينا مثله.
وبقي الأمر على ذلك برهة. فلما انقضى من ذي الحجة الحرام من تلك السنة نصفهُ فلم نشعر إلاّ وقد ورد الأمر من الوالي المتقدم نجیب پاشا ويصحبه مكتوب إلى الشيخ يتضمّن الأرادة بأرسال الأسفار التي نهبوها من ذاك (اللُكَع) التي يدّعي أنها الكتاب الجديد والتفتيش عليها، فمن كان عنده شيءٌ منها ولم يدفعه يحصل له الجزاء بالحبس والتنكيل؛ ففتشوا عليها وبحثوا عنها فألفوا منها ما يزيد على الخمسين ورقة متفرقة عند الناس من ورقة واثنتين وأرسلوها إلى محل الولاية مع بعض القُوّاد. فمضى على ذلك زمان حتى دخلت سنة الواحد والستين(1)وتصرّم من المحرم ثلثه، فعندها ورد إلى الغريّ من خاصة أصحاب الوزير المذكور نفر معه خدم و حشم وبيده أمر مؤكد على جلب علماء النجف إلى بغداد عموماً، وخصوصاً العالِمَين المنحصر فيهما أمر التقليد صاحب الجواهر (رحمه الله) والشيخ الوالد (رحمه الله).
فاضطربت الشيعة وكثر الهرج والمرج وتشعبت الآراء وشاع بين الناس أن الذين يذهبون في كمال الخطر على أنفسهم، وأن المفتي أفتى بذلك والقاضي حكم به، والأذن به صدرت من السلطان. والحال أنهم بعد واقعة كربلاء السابقة في كمال القوة والاقتدار حتى عادت أوامرهم بين (الكاف) و(النون). فبقوا على ذلك يوماً أو يومين وخافوا على أنفسهم من المخالفة أن يؤخذوا تحت الحفظ، فاجتمعتْ طائفة من العلماء والأشراف في قبر الشيخ جعفر (رحمه الله) بعد صلاة العشاء وحضر الوالد، وصاحب الجواهر وأجالوا الفكر، فقال الوالد (رحمه الله) مخاطباً له: يا شيخنا لا محيص عن المسير وامتثال الأمر ولا يُرخَّصُ لنا في التخلف، فغايته إنْ أُقتلْ فأكون الشهيد الثالث(2)وتقتل فتكون الرابع.
وتخاوضوا الحديث فاستقر رأيهم على مسير الشيخ الوالد ومعه عشرون شخصاً من لُحْمَتِهِ وغيرهم وأن يتخلف صاحب الجواهر (رحمه الله) لمصالح عديدة من كون الشيخ أشد ارتباطاً بالوالي لنزوله عنده كما مر ذكره، فعساه أن يأخذه الحياء منه. وعمدة المصالح أن لا تبقى الشيعة بلا عميد ترجع إليه في التقليد وغيره خوفاً من عروض الحادث على أحدهما فتبقى الأمامية غَنَماً بلا راع، والذئاب محيطة بها. وعزم الشيخ على المسير متوكلاً ومفوضاً أموره إلى المبدئ الفيّاض، ومقدماً للتوسل إليه بأقرب الخلق منه النبي (صلی الله علیه وآله) والعترة الطاهرة ومن معه، وكان ذلك لثلاث وعشرين من محرم تلك السنة غبّ صلاة الظهرين. فخرج
بعد التمسك بأعتاب أسد الله الغالب وتوديعه ومعه المشيّعون من جميع خارج البلد، وأثر ما التقط الحصى المروي به السلامة. وودع المُشيّعين وقدّم له التخت الذي أرسله أمين الدولة الأيرانية سابقاً، وكان في الغريّ مجاوراً بعد انفصاله، فاتخذه مركباً، وركب من معه دوابهم كلّ على حَسْبه.
فركبوا الطريق إلى باب نجاة الأمة سيد الشهداء (علیه السلام) بهيئة يلوح عليها النصر والظفر وهم يتلفّتون إلى المرقد العلويّ حتى اختفى:
فتلفّتتْ عيني ومُذْ خفيتْ *** عني الطلولُ تلفّتَ القلبُ
ثم أقاموا ليلة في الطريق ودخلوا قبيل المغرب إلى البلد الأمين على حين غفلة من أهلها وترجّلوا يهرعون حتى هجموا على الحرم الحسيني، ودخلوا بتمام السكينة حافّين بالشيخ حفاة الأقدام. ولما قضوا وطراً منه طاروا بأجنحة الشوق إلى مثوى أبي الفضل وهم ينشدون:
أبا الفضل أنتَ البابُ للسبطِ مثلما *** أبوك عليٌّ كان باباً لأحمدا
إذا أنتَ لم تشفعْ بمقصدِ وافدٍ *** إلى السبطِ لم يُنْجحْ له السِبطُ مقصدا
وبعدها انكفأوا إلى محل استراحتهم.
وزارهم ليلاً الكثير من أشراف البلد وطلبة العلوم، وأخبروهم أن علماء كربلاء جُلِبوا بالأمر من الوالي إلى الزوراء منذ أيام، منهم السيد إبراهيم القزويني (صاحب النتائج والضوابط)، والملا حسن كوهر، والميرزا محيط، وجماعة غيرهم لأجل هذه المسألة وأقاموا ليلتهم. ولما أصبحوا همّوا بالرحيل فعاقهم تزاحم الزائرين إلى عميدهم، إلى أن دنا وقت الزوال. فلما راموا التحرك سألوهم البقاء لليلة القابلة ليتزوّدوا منهم، ولأن الشتاء أناخ بكلكله ولا وصول إلى المنزل إلاّ ليلاً، وفي السماء غيم خفيف وطلٌّ كرؤوس الأبر، وقالوا: نخشى أن يشتد ويثقُلَ والشيخ ضعيف المزاج. فأجابوا مسألتهم وأقاموا ليلتهم الثانية وصنعوا كصنيعهم في الأولى.
ولم يزر الشيخ (رحمه الله) أحداً ممن زاره لضيق الوقت عن ذلك. فلما انكشف النهار وقضوا ما عليهم من تكرار الزيارة والوداع للأئمة ساروا عند ارتفاع الشمس رأد الضحى، وأخذوا الطريق السلطاني حتى أشرفوا على (المُسيّب)، قرية على كتف الفرات تشتمل على أكثر من مائة بيت أغلبهم إمامية، وفيهم بعض الفرق، فاستقبلوا الشيخ (رحمه الله) ومن معه،
وأضافوهم وأحسنوا ضيافتهم، فأقام بمن معه عندهم ليلة.
وسألوه عن قبري ولديّ سيدنا مسلم بن عقيل فأجابهم: أن الظاهر ذلك، فالعمل عليه للمسموع.
ولما أصبح صلّى في المسجد، وبعد أن أتم تعقيبه أمر بالرحيل، فقُرّبتْ إليهم رواحلهم وأركبوا الوالد في (تخته)، وشيّعهم أهل القرية ميلاً أو أكثر فلزموا جادّة الطريق الأعظم إلى أن وصلوا إلى (خان زاد) محلّ أُعِدَّ للعابرين يشتمل على (إصطبل) واسع للدواب، وعلى عدة (أواوين) للمسافرين فنزلوا وأدّوا الفرض وباتوا ليلتهم، واستراحوا وأراحوا دوابهم، إلى أن خرج العصفور من وُكْره، وتلألأ في الأفق ذنب السرحان، ومحا ظلمة الليل ضوء النهار، نادى منادي الرحيل. ولما همّ الخدم أن يضعوا الأوعية على الدواب إذ طلع عليهم فرس أشقر عليه رجل محتبي بجُبّة سنجابية لا يبين منه شئ من شدة البرد، ومعه خدم وحشم. فلما أماط النقاب عن وجهه وإذا به التقي النقي الحاج مُحمَّد صالح نجل الحاج مصطفى كبّة(1)من أعاظم تجار الأمامية، مسلم صدقه وصداقته عند المؤلف والمخالف لحسن سيرته وتقواه، وقد ورد لاستقبال الشيخ ومعه بعض قرابته، ويصحبه الحاج أحمد الششتري أحد المعتمدين من تجار الشيعة، وأخيراً سكن النجف إلى أن تُوفي بها سنة (الثالثة والثمانين)(2). فمُذْ ترجّل (الصالح)، ومن معه وسلموا على الشيخ وقبّلوا يديه جلسوا عنده.
وبعد المفاوضة سأله الصالح عن عزمه، فقال: الساعة أركب وأجعل الزوراء يميني حتى أهجم على إماميّ (الجوادين)، وأقضي وطري من التمسك بأعتابهما، ثم أعود إلى دار السلام، ويقضي الله أمراً كان مفعولاً. فأجابه الحاج الصالح بأني أرى أن تمضي بمن معك رأساً إلى الزوراء فيظهر للوالي أن قصدك إليه، فعسى أن يكون ذلك أوفق بالمصلحة وأدعى لقضاء الأمر الذي دُعيتم إليه، وأرضى لمواليك وأئمتك. وساعده الحاضرون على ذلك، فاستصوب الشيخ رأيهم. لكن قال لهم: مع ذلك أتفاءلُ بكتاب الله. فخرجت الآية: «أبشرْ ولا تَخفْ إِنَّكَ من الآمنين». فانكشف عن الشيخ ومن معه بهذه الآية أكثر ما يجدونه من الحذر، وهبوا خِفافاً وامتطوا ظهور دوابهم يقتفون تخت رئيسهم، والعبد
1) مُحمَّد صالح كبّة هو جدّ أسرة آل كُبّة البغدادية، تُوفي سنة 1287 ه / 1870 م. وقد اشتهر ولداه الحاج مصطفى كُبّة المتوفى سنة 1333 ه / 1914 م، والشيخ مُحمَّد حسن كُبّة المُتوفى 1336 ه / 1917 م. وكان هؤلاء الأفاضل من الأسر الثريّة في العراق، ولهم الفضل في إنشاء (الخانات) المخصصة لأستراحة المسافرين بين المدن العراقية عندما كانت وسائل النقل لا تزال بدائية، وتقديم الرعاية لهم
2) 1283 ه / 1866 م
(الصالح) معهم وقد توجّهوا تلقاء مَدْيَن دار السلام.
ومُذْ صاروا عن الخان ميلاً أو أكثر فإذا بجماعة من الشيعة جاؤا لاستقبال الشيخ فترجّلوا وحيّوه وقبّلوا يديه وركبوا ورجعوا القهقرى. وأخذ الشيخ وصحبه كلما قطعوا وادياً أو ارتقوا ربوة وجدوا جماعة من وجوه الشيعة خرجوا لاستقبالهم من عشرة عشرة وعشرين عشرين، وهم مستبشرون بقدومهم مع عميدهم:
ولو أنَّ البطاحَ تملكُ نطقاً *** لسمعتَ التأهيلَ والترحيبا
حتى أشرفوا على الكرخ وقد تكمّلوا جمّاً غفيراً من العرب والعجم والهند وغيرهم من الأمامية إلى أن بلغوا دار باب السلام مما يلي الرصافة بعدما عبروا (المسعودي)(1). فدخلوا على تلك الصفة، وقطعوا الأزقّة إلى الجسر بهيئة حسنة وأبهة كاملة.
وترجّل من أكابرهم جماعة وأحاطوا (بالتخت) وقادوه إعظاماً وإكراماً حتى عبروا به الجسر، وكان دار الأمارة مشرفاً عليه، فأخرج الأمراء والكتاب ورؤساء الجند رؤوسهم من (الرواشن) ينظرون إليهم فتعجبوا من تكاثرهم على موئل رئيسهم ومبين أحكامهم واستعظموه.
فلما اكتملوا بالجانب الآخر أخذوا ذات اليمين على السوق إلى دار العبد الصالح كبة، فانحاز الناس عنهم، وأخلوا لهم الطريق وهم ينظرون شيئاً لم يروا مثله من تسديد الحجة (علیه السلام)، ودخل الرعب في قلوب أعداء الدين لمَّا لاح مَنْ:
إنْ عُدَّ أهلُ النُهى كانوا أئمتَهُمْ *** أو قِيلَ مَنْ خِيرُ أَهلِ الأَرضِ قِيلَ هُمُ
فقطعوا الأزقة والأسواق إلى أن وصلوا إلى دار العبد الصالح، وكانت من عهد أبيه معداً للضيوف خصوصاً العلماء.
وبلغني عن حجة الأسلام المرتضى الأنصاري (رُفع مقامُهُ) أَنَّهُ لما زار الجوادين (علیه السلام) سأله العبد الصالح أن يدخل دار السلام ويشرف داره فأجاب: إني عازم على زيارة النوّاب فأجعلك منهم. ولما زار الأربعة جعله خامساً. فانظر إلى جلالة قدر هذا الرجل لدى علماء الدين.
وحينئذٍ نزل الشيخ ودخل الدار وارتقى إلى المكان الذي أعدّ له وكذا أصحابه، وتفرّق
1) جسر المسعودي: أحد جسور بغداد، ويُسمّى في العصر الحاضر بجسر (الخِرّ)
الناس إلى مضاربهم وأدى المكتوبة، واستراح هو ومَنْ معه من وَعْثاء السفر:
فألقتْ عصاها واستقرَّ بها النوى
وأذّن مؤذن المغرب فتهيّأوا للصلاة، ولما فرغوا قدّمت لهم الموائد فأكلوا وشربوا وحمدوا الله وشكروه، وباتوا بأهنأ ليلة.
فلما أصبحوا وارتفع قرص الشمس إلى ثلث الأفق جلس الشيخ للزائرين. وبلغ خبر وروده إلى علماء كربلاء ممن دعاهم الوزير فأسرعوا قادمين وكانوا بحظيرة القدس في مقابر قريش، فدخلوا على الشيخ. فلما استقر بهم المجلس وكان غاصاً بأهله من وجوه الأمامية في بغداد إلاّ ودخل قائد من قوّاد الوزير ذو خدم و حشم حتى ورد المجلس وحيّا الشيخ بالمعتاد.
ثم رحب بالشيخ وقال: إنَّ الوالي أرسلني وهو يخصّك بالسلام ويقول لم تلق إن شاء الله من سفرك هذا نصباً.
فقال الشيخ: أبلغه عنّي السلام والتحية وقل له: امتثال أمر الدولة مطاعٌ، والعناء يذهب ونلتقى إن شاء الله، فإذا رأى ما بي من ضعف البنية عرف أني كيف قادني الشوق إليه وبادرتُ لامتثال أمره.
فطلب القائد الأذن بالأنصراف، فأذن له الشيخ فانصرف ولم يحتفل به. لكن الله تعالى أودع حبّه في قلبه، فأنَّهُ لمَّا شيعه الصالح قال له: «هنيئاً لك قد أدخلت وليّاً من أولياء الله تعالى دارك، وأن الله أودع حبّه في قلبي لمَّا رأيته في (الغريّ) حينما نزلنا داره بخدمة الوالي». ثم مضى لشأنه.
وما ولّى حتى دخل على إثره أربعة أنفار معممين على هيئة طلبة السُنَّة والجماعة وفيهم رجل أبيض اللحية طاعن السن والباقي كهول، فسلّموا وجلسوا. وأسرَّ الصالح للشيخ بأن هذا أمين الفتوى فرحب به وأدنى مجلسه. ولما استقر به الجلوس أخرج من كُمّه ورقة طويلة الحجم سلّمها إلى الشيخ بتأدب، ففتحها وتلاها على أصحابه فإذا فيها، على ما بلغني ممن كان مع الوالد مع اختلاف يسير:
بسم الله الرحمن الرحيم، (وفيها بعد خطبة لم أتحقق ألفاظها):
س: ما قول أئمة الدين، وعلماء المسلمين، ومرشدي الطريقة، وجامعي الشريعة والحقيقة، من ساكني دار السلام، وغيرهم من الأعلام في جماعة يقولون كلمة الأسلام،
ويدّعون أن لهم قائداً يطلقون عليه (الباب)، ويزعمون أن له أركاناً وله كتاب، غير الكتاب العزيز، فما حكمه وحكم متابعيه، وما يجب على ولي الأمر فيهم وفيه، ويلحقون بدار الحرب أم لا؟
ج: جمهور أهل السنة بَلْ المسلمون كافة أن خرق الأجماع القطعي الذي صار من ضروريات الدين كفر، وبه صرح في خزانة الجرجاني والمحيط البرهاني وأحكام الجوزي وأصول البزدوي، ولا كتاب بعد الكتاب المنزل فلا شك في إلحاق هؤلاء وشبههم من أهل البدع بدار الكفر بنص الكتاب، قال تعالى: «والذين يَسْعَوْنَ في الأرض فساداً أنْ يُقتلوا أو يصلبوا أو ينفوا من الأرض» وليس الفساد إلاّ خلاف ما عليه المسلمون قاطبة، فهم من أهل الردّة وقد استباح الصديق (رض) إلحاقهم بدار الحرب بمنعهم الزكاة، فكيف بمثل هذه الدعاوى الفظيعة. ولا ريب في إكفار من قال بالربط العادي، والتشبيه والتجسيم، والجهة، والأصول الثلاثة، وقدم العالم، والجواهر، وتلازم الأسباب الطبيعية في التوليد، والعقول المجرّدة والنفوس الفلكية والقوى المتخيلة في الأنسان من حيث استيلاؤها على القوة العاقلة وصرفها عن جانب القدس إلى الشهوات واللذات الحسية الوهمية، فنسبة ذلك إلى بعضه كفر أو إكفار والله تعالى أكمل الدين بآية الأكمال. وغير أهل الكتاب من اليهود والنصارى والمجوس لم يعهد ولم نسمع به، فأكفار هذه الفرقة من المبدعين ومتابعيهم والراضين بفعلهم والمساعدين لهم وإلحاقهم بدار الحرب مما عليه الفتوى. ومن (مختارات النوازل)(1)تبجيل الكافر كفر، فمن سلّم على الذمّي تبجيلاً كفر.
وفي آخرها نسبة الكفر لجماعة معلومين مشخّصين وجعلهم من التابعين لهم، منهم العجمي السابق الذي أتى بالأسفار.
وآخرها: حُرِّرَ بيراع أبي الثنا شهاب الدين المفتي ببغداد(2)(عُفيَ عنه).
وفي هامشها: خطوط جماعة من علماء أهل السّنة بتصحيح ذلك کله، ولا تحضرني أسماؤهم.
فلما أحاط الحسن ومن معه بها خُبراً التفت إلى أمين الفتوى مستفهماً عمّا جاء به، فقال له: زيّن هذا (الطّرس) بقلمك، واختمه بخاتمك بأمر حضرة المفتي ليكون العمل عليه
بإجماع علماء الأسلام.
فقبض الشيخ على كريمته متأملاً، ثم قال له: إن ما عليه الجمهور لا ينكر غير أن المتسرّع بالفتوى في خطر عظيم ما لم يتبصّر ويجدّ ويجتهد فيما يدين الله به، وقد اشتملت الورقة على مسائل ينبغي أن تلحظ ، ونحن على جناح سفر فأنْ استقرّ بنا المقام نظرنا في نتائج هذا الكلام، (وعند الصباح يحمد القوم السرى).
فسكت أمين الفتوى وطوى ورقته وخرج مع من صحبه.
فلما توارى شخصه أقبل الشيخ بوجهه على الجماعة وقال: هذا أمر لا ينبغي لي أن أعترف بشئ منه أو أمضيه وأخشى أن يكون مقدمة لأمر آخر، فأنّا إن وافقناهم ولو على الضروري وقعنا في أمر لا يسعنا إنكاره وهو خطر عظيم. فقال الجماعة: وماذا ترى؟
قال: أرى ما يكون إليه المآل، فإذا بلغت التقية الدماء فلا تقية ونستعين بالله وصاحب الشرع عليهم.
فقال الجماعة: الرأي رأيك، إلاّ الميرزا حسن كوهر(1)قال: نفارقهم إلى إيران،
وكُلُّ مكانٍ يُنْبِتُ العِزَّ طَيِّبُ
فلم يستصوب الشيخ ولا الجماعة رأيه.
وقال بعضهم: الرأي أن نوافقهم حسب الأمكان كما أُمِرنا بذلك ولا نُدْخِل سبيلاً على أنفسنا. فقال الشيخ: ذاك أدهى وأمرّ، معنا من يعيننا عليهم:
فعارٌ على حامي الحِمى وهو في الحِمى *** إذا ضلَّ في البيدا عِقالُ بعيرِ
ثم أمسكوا وبقوا يومهم وليلتهم في تشويش وتفكّر. فلما أصبحوا وتصرّم بعض اليوم والشيخ في مجلسه، والشيعة تختلف إليه، حتى من كان في القرى المحيطة ببغداد، فدخل عليهم القائد الذي جاء سابقاً فقبّل يد الشيخ وأخرج رقعة ودفعها إليه، وإذا مرسوم فيها استدعاء الشيخ ومن معه إلى قصر الأمارة غداً أول النهار من الوالي. فأنعم الحسن بالقبول وخرج القائد.
ولما انقضى زمن المهلة وحان حين الوقت واجتمعت الجماعة نزل الشيخ من المكان المعدّ
1) المیرزا حسن گوهر من تلامذة السيد كاظم الرشتي، وكان من دُعاة الحركة الكشفيّة في كربلاء، تُوفي عام 1261 ه / 1845 م. وقد اتّبعت الحركة بعده الميرزا مُحمَّد باقر الأسْكُوْئي المُتوفى سنة 1301 ه / 1883 م
له محتبي بجُبَّةِ خزّ ضافية عليه أهداها إليه بعض أمراء إيران، معتمّ بعمّة بيضاء من وبر مخصوص غالي الثمن وعلى وسطه مثلها، وقباؤه من (البرك) الخراساني، وهو طلق المُحَيّا بأبهى ما يُتصوَّر:
ولولا قدرةُ الباري لقُلنا *** لمثلك قطُّ لم تلدِ النساءُ
غير أن عمّته متصلةٌ بحزامه ففطن له أصحابه وقالوا: يا مولانا العمامة متصلة بالحزام، مهما أمكن، الاتصال لا يجوز العدول عنه إلى الانفصال؛ قاعدة مسلّمة والحنك بينهما، ولم أجد في السنة عدم صدق الأسم على المتصل، فتبسموا خفيفاً ولم يعرّضوا تأدبّاً. ثم قال: إنْ وضعتُ الكل على رأسي صارت مستهجنة في الكبر، وإن قطعتها نصفين أخل ذلك بها، وهي من ذوات القيم، فطريق الجمع هذا، فأنْ رجعتُ سالماً نزعتها، وداعبهم بمثل هذا حتى رفع توحّشهم.
قال المهدي: فانحدرنا ونزلنا خلفه عازمين على ما دُعِيْنا له متوكّلين على الحي القيوم مستغيثين بوليّ الأمر (علیه السلام)، وحينئذ قُدِّمَتْ له (بغلةُ) الصالح الشهباء، وأحاطت به العلماء ممن صحبه وغيرهم، فخرجوا وإمامهم أمامهم، ومرّ بمن معه في الأزقّة والأسواق لا يلوي على أحد إلاّ قامَ تعظيماً له، ورمقتهم الأبصار وتبعهم من الأمامية خَلْقٌ كثير. حتى إذا بلغوا دار الأمارة وجدوا الحجّاب صفّين ببابه كالبنيان المرصوص، فدخل الشيخ (الصراي) الأول وإذا به مملوءٌ من الناس نساء ورجالاً من كُلّ ملّةٍ، وأهل النوبة مصطفون إلى باب (الصراي) الآخر يحولون بين الناس والطريق.
فلما دخل الثاني وهو على بغلته، وصحبه خلفه وإذا به كالأول في الخلق، ورأوا القُوّاد، والشَرَطة ، وأهل النوبة، وأمراء الجند كُلاً على مرتبته واقفين ينظرون إليه من طرف خفي، والشيخ في أُبّهة حسنة تسرّ الصديق وتسئ العدو. فلما توسّط دار الأمارة (صلّى) بعض الشيعة رافعاً صوته فصلّى من حضر من الناس كذلك، وارتفعت الأصوات بالصلوات.
وقبل أن يحاذي المقصورة العظمى التي هي محل الأمر والنهي، والفتق والرتق، والمجلس العمومي فيها خرج من غرفة مجاورة رجلٌ إلى الطول أميل خفيف العارضين متقلداً سيفه مسدلاً على صدره نيشانه المرصّع، فأسرع إلى الشيخ وأخذ بلجام بغلته وسأله النزول بباب غرفته. وذاك الرجل يدعى بصادق بك (مدار أمور الولاية) ويطلق عليه (الكهية). فترجل الحسن ودخل بمن معه الغرفة، وأمر لهم الكهية بما يناسب من الأكرامات.
وكان طريق المقصورة العظمى على تلك الغرفة، فنظر الجماعة إلى علماء السُنَّة يمرون ولا
يمنعون إلى مقصورة الوالي الكبرى، فأخبروا الشيخ رمزاً بذلك، فانزعج وخاطب الكهية بأنك حبستني عندك وعلماؤكم تمرّ علينا ولم تحبسهم أمَا والله تعالى إن وجدت المكان المعدّ لنا في مقصورة الولاية غير لائق رجعت على أثري بمن معي فأنَّ العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين. فقال الكهية: خفض عليك يا شيخ أفندي فلعل لك في هذا تمام الصلاح فأنَّ الدستور الكبير لا يبغي بك بدلاً ولا يقدّم عليك أحداً فأبشر.
وما تمَّ كلامه حتى صدر الأذن بدخول الشيخ وصحبه إلى المقصورة العظمى المسمّاة بالجمّالي. فنهض والجماعة في أثره وكانوا أكثر من ثلاثين، فدخلوا وإذا به محلّ واسع طوله أكثر من ستين ذراعاً باليد في عرض خمسة وعشرين ذراعاً، والوزير في صدره في وسط القبّة، وعلى شماله مما يلي (دجلة)، علماؤهم جلوس إلى آخره يزيدون على المائة والعشرين. وفي طرف اليمين لم يكن أحد سوى إسماعيل خان (وکیل شاه ایران) لحراسة رعيته، وهو جالس في عرض المقصورة.
فلما أبصر الوزير الشيخ نهض قائماً وقام كُلُّ مَنْ حضرَ، ومضى الحسن على رسله إلى أن وصل إليه بعد أن استقبله بخطوات وجلس إلى جنبه، وجلسَ أصحابه بحذائه كلّ على مرتبته. وكان أقربهم إليه السيد إبراهيم القزويني وابن أخيه الشيخ مُحمَّد، وهكذا إلى أن إنتهى مجلسهم بالخان المزبور فلم يستوفوا بالجلوس ثلث المقصورة وقليل ما هُمْ «وكم مِنْ فئةٍ». ومذ اطمئن بهم المجلس ارتدّت من الناس الأنفاس، وسكنت الحواس ممن هو في ساحتهم. فرحب الوزير بهم وحيّاهم وعطف على الشيخ وقال: أزعجناك وأزحمناك في کانون، وانجلى إن شاء الله ما تجد.
فأجابه: إني كثيراً ما يختلج في بالي أن أزورك غير أنَّ ضعف البُنية يمنعني منه فأجتزئ عنه بالدعاء للدولة العلية ولوكلائها خصوصاً حضرتكم في روضة أسد الله الغالب علي بن أبي طالب (علیه السلام)، ولا شك إن دعائي وسائر أهل التحصيل مستجاب عند الباري لأنه غير منوط بطمع، ولا مأخوذ عليه الأجر وإن كنا في أمن واستراحة فأنَّ الدعاء لحفظ الثغور من الواجبات العينية.
وكان المُفتي أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود أفندي الوسي زاده ذا علم ومعرفة وربط بالمعقول والمنقول وله التفسير الكبير المعروف (بروح المعاني)(1)يُزْعَمُ أَنَّهُ لم يُكتَبْ مثله، فقال للشيخ، وكان ثالث ثلاثة عن شمال الوزير: يا حسن أفندي: إن الدعاء مع
1) روح المعاني من التفاسير الشهيرة للقرآن الكريم، وهو مطبوع ومُتداول في (9) مجلدات ضخام
الأحسان أشد إخلاصاً وأقرب للأجابة.
فضحك الحسن وقال: «أين ظلَّتْ مطيتُكَ يا حسّان؟!». إنَّ الدعاء لوليّ الأمر عبادة تناط بالأخلاص والقُربة، وأخذ (الجعل) و(الأجارة) ينافيه، ولذا تركتْهُ الأولياء، وكان المتعفف منهم أوقع في النفوس مثل إبن عربي، والغزالي، والبسطامي، وغيرهم، أوَ ما بلغك أن عمر ابن عبيد لمَّا استدعاه الخليفة المنصور إليه من البصرة قال: أتدعو لي، قال: نعم، قال: سَلْ حاجتك، قال: مالي سوى واحدة وهي أن لا تدعوني حتى أتيك. فقال: إذن لا نلتقي.
وهذه سمة الأولياء والسلف الماضي.
فقال: الدعاء للأحسان لا للأجر المنافي للأخلاص، قال: وترك القبول أولى وأخلص كيلا يُجزع إن انقطع فيكون ممن قال الله تعالى فيهم: «ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطي منها رضي» فأنا نرى بالوجدان أنَّهُ متى تأخر نجم من نجوم معاش الرجل المقرر له فضلاً عن قَطْعِهِ ينقلب المدح ذمّا فضلاً عن ترك الدعاء.
ثم التفت إلى الوزير ودعا بأعلى صوته بما يقتضيه المقام للسلطان إلى أن أعلن بأمين، فأمّنت الناس جميعاً. فسرّ الوزير بذلك ولاح البشر في وجهه. ثم إلتفت وراءه فتناول عِیْبَةً فيها قراطيس وألقاها بين يدي الحسن ففتحها وأخرج ما فيها، فوجدها أسفار العجمي، فألقاها في الأرض وهزّ يده.
أقول: وقد أطلعني بعض الأصدقاء بعد مدة على ورقة منها فوجدت فيها: «أمَّا والنجم السيار، والفلك الدوار، واختلاف الليل والنهار، ما في العالم العلوي ولا السفلي، سوى الباب اللاهوتي، والشأن الملكوتي، أُقفُ أثر من كان قبلك من النبيين، فأنَّ المبدأ الأزل، فاقمع زيغَ مَنْ ألحدَ وظلَّ عن الطريق بما كان ويكون». إنتهى ما ببالي من تلك الورقة.
وكنتُ أحضر (المطوّل) عند الشيخ إبراهيم قفطان (رحمه الله) فمررتُ بترجمة المتنبّي في (معاهد التنصيص) فوجدتُ هذه الفقرات بتغيير يسير فيما ادّعى النبوة فيه فعرفتُ أنها ملفقات بلا معنى ولا مبنى أعاذنا الله من الجنون الأبليسي.
ثم قال الحسن: (أفندم)، نحن في جوار المرقد العلويّ وهو قصر بوادٍ غير ذي زرع، وحرم تقصده الناس من كُلّ فجّ عميق على اختلاف مللها وطرائقها، ومن سائر أصناف الدراويش وأرباب الفال، وأغلب من يأتي من هذه المقولة نجده على خلاف ما عليه المسلمون، فواحد بیده (طوط)، وله مردة يزعمون أنَّهُ مرشد، وآخر له بساط فيه أسباب يزعمُ أنّه يفرَّقُ بين
المرء وزوجه وأنه يسخّر الجنّ وأنه يجلب الحبّ، فتجتمع عليه نواقص العقول ويتوصل بذلك إلى معاشه، وبعض يلعب بالدفوف وبيده حديدة محماة يضرب صدره وبطنه ويخرجها من جانب الآخر(1)، ويدعي أنَّهُ من نسل سيدنا الرفاعي، وإن هذه سجيته افتراء عليه فيما حرم الله تعالى، وبعض يصفق ويغنّي وينشر شعره ويغيّب نفسه عن الوجود ويدّعي أنَّهُ من الأقطاب بالجنون، وبعض يترك الواجبات بأسرها ويدّعي أنَّهُ وصل إلى اليقين، فلو اعتُرِضَ عليه يقول: «واعبد ربك حتى يأتيك اليقين»، وأمثال هؤلاء أكثر من أن يحصى. فلو أنا نعاقب كُلّ من يدخل إلينا من هذا، أو من أرباب العقائد الفاسدة ويسألنا الوالي عنهم لمَّا قرّلنا قرار، ولكن لكل مرض دواء، ودواء مثل هذا الأعراض عنه وعدم الأحتفال به فيتلاشى بالطبع ويضمحلّ ولا يبقى له أثر، وإذا أتبعناهم تزايدوا (والمرء حريصٌ على ما مُنع)، ولو كشف لي الغطاء أنك استدعيتنا لذلك لذكرتُ لحضرتكم الرأي المصيب فيه. لكن الخير فيما وقع.
فدخل ذلك في عقل الوزير واستصوبه، والتفت إلى (المُفتى) بالأشارة وكان المفتي لسناً أديباً فصيحاً بارعاً في النحو والصرف والبيان جدلاً وقاحاً ألدّاً، فبرز قليلاً عن أصحابه بحيث تميّز تقدمه ونادى: يا حسن أفندي، هذه بدعة، و(كُلُّ بدعة ضلالة) ونخشى بسببها إكفار خلق كثير، فيجب على وليّ الأمر ونوّابه وسائر العلماء أن يجتهدوا في محوها ويعاقبوا عليها بالقتل والحرق والتمثيل وليس هذا ممن ذكرتَ. والمقيس غير المقيس عليه للفرق الواضح بينهما مع بطلان (القياس) عندكم، وكون ذلك مما يقضي به الأعتبار فيكون المستند في الأعراض منهم العقل أيضاً لا يجدي لتوقّفه على تجريده من شوائب الأوهام والألف والعادة والأحتراز عن الخطأ في الترتيب والعلم بخلوصه مما يَخلُّ، وكُلُّ ذلك مفقود فيما نحن فيه إن لم يقض العقل للزوم الفساد فما تقول؟
ثم سكت، و(ترجم ذلك للوزير بالتركية).
فتقدم الحسن حتى ترك الوزير خلفه فقال: إن مجلسنا لا ينتظم إلاّ أن تُعيّنوا منا رجلاً ومنكم رجلاً للمباحثة.
فوقع الرضا منهم على (المفتي)، ومن الشيعة على (الحسن). فالتفتَ إلى المفتي وقال له: (لقد طاش سهمك)، إنّا لا ننكر لزوم إزالة ومحو (البِدَع) عينا وكفاية فأنَّهُ من الضروريات، ولا يحتاج إلى برهان، وكذا ما يتوقّف عليه، غير أنَّ المقدمات مختلفة.
1) وردَ في هامش النسخة المخطوطة تعليقاً على هذه الفقرة: «يشيرُ بهذا إلى أهل الطرائق المُدّعين للتصوُّف من أهل السُنَّة والجماعة» - منه -
فمنها: ما يحصل به الفساد (ذو المقدّمة) من دون ترتّب فساد آخر من نهب أو قتل أو أضرار، ومنها: ما يحصل به المطلوب بسهولة، ومتى انحصرت لُوحِظَ الأهم ما بين الضرر الناشئ من فعل (المقدمة) وإن حصل به المطلوب وما بين الناشئ من تركها والأعراض عن المأمور به. والى ذلك ينظر إلى فعل النبي (صلی الله علیه وآله) لمَّا صالح بعض الكفرة المأمور بنص الكتاب بقتالهم في قوله تعالى: «فاقتلوا المشركين كافة» إلخ. ولا يناسب في ذلك المصالحة وأخذ الفداء، والهدنة حتى ترك الحج، ورجع. كُلّ ذلك بمرأى من الصحابة ومسمع . وسببه أن الأسلام إذا ضَرَبَ بجرانه(1)وقويت أهله ضَعُفَ الجانب الآخر.
وفيما نحن فيه إذا أمكن محو هذه (الفرقة) المنحوسة بغير القتل، والتمثيل من لطائف الحيل وجب ارتكابه لما في الأول من الضرر وأقلّه أخذ البرئ بالمذنب والحمل على الحقوق فيُعْرِضُ وليُّ الأمر عنهم كأن لم يكونوا ويضع (المراصيد) عليهم، ويغتالهم، ولا يجعلهم طرفاً مقابلاً فيتعاظم أمرهم ويلحق بهم غيرهم فأنَّ النفوس للطمع مجبولة على حب الفساد، فلا ريب أنَّهُ أولى وله أسوة حسنة بمن سبق.
قولك: «إنَّ المقيس عليه غير المقيس» فيه تمام المؤاخذة ضرورة أن القائل يرى أن أصل الحكم إذا كان مأخوذاً من الشرع يقاس عليه ولا ريب أن الحكم فيمن ذكرنا مأخوذ من الشرع فهو من موضوع (القياس)، وأي فرق بينهما. وإني أحذرك بطش الله تعالى في تأجج نائرة عظيمة يهلك بها خلق كثير. ألم تَدرِ أن الشيعة كلهم في حَيْصَ بَيْصَ(2)من إرسالكم على علمائهم وقد خيّلت لهم بعض الخيالات، فأخماد هذه الفتنة وأخذها بالأمور السياسية أولى.
ثم أمسك وترجم للوزير ذلك. فلما تمّ قال المفتي: دع عنك يا حسن أفندي هذا، فأنّا قَدْ أفتينا بارتدادهم، وسفك دمائهم وقد نصبنا السلطان لذلك فيجب على القاضي أن يحكم طبق الفتوى، ويلزم إجراء الحكم ولا يجوز الردّ والنّقض.
فأجابَهُ إنْ كان الأمر كما تذكر فما وجه إحضار نا؟! فأنَّ فصل الحكومة يحصل من قاض واحد وجمع الحكام في مسألة إما لأعانة الحاكم في مقدّمات الحكم، وإمّا لأنفاذ الحكم فيما لو حكم به أحدهم. وما ذكرته يتوقّف على أمور ينبغي أن تُلْحَظ كيلا يكون الحُكم بغير ما أنزل الله تعالى خصوصاً في مسألة (الدماء).
منها: التفكر في أصل المسألة التي صدرت الفتوى بها في أنها محلّ خلاف، أم وفاق؛ وعلى الأول يُنظرُ في قول وهن المخالف وعدمه.
ومنها: لزوم إحراز الموضوع فقد تكونُ المناقشة في الصغرى، ومنها أن السلطان إذا نصَّب مفتياً أو عين قاضياً وأفتى المفتي على طبق مذهبه مع مخالفته لباقي المذاهب أو بعضها فهل يجب على من خالفه إنفاذ تلك الفتوى، ويلزم القاضي الحكم بها أو للمخالف أن يرد الفتوى حتى يظهر رجحانها على غيرها يكون الأكثر عليها، أو صدور النص الصحيح بها أو غيره من المرجّحات. فأذا ترجحتْ تلك الفتوى بمرجّحها لزم القاضي الحكم بها، وإلا توقّف أو حكم بضدّها حيث يكونُ له الرجحان. ولا فرق في ذلك بين أنواع المسائل وأصنافها عدا الضروريات. وبناءً عليه يلزمنا التدبّر في خصوص هذه الفتوى من جميع أطرافها فأنْ وجدنا فيها موضعاً للاشتباه سألناك إما الرجوع عنها أو رفع الشُبهة.
ثم أمسكَ وتُرجمَ ذلك للوالي.
و ولما رأى المُفتي توسّط ذكر (السلطان) انتهزها فرصة فقال: نعم السلطان ولي أمور المسلمين فإذا نصب مفتياً أو قاضياً وعين له مذهباً خاصاً تعيّن قبول تلك الفتوى من جهةِ أمره، ولزم القاضي الحكم بما تضمنته. (وسكت وحصلت الترجمة).
ثم قال الحسن: هذه مسألة طويلة، ولكن الذي أُمرنا به العمل بما وافق الكتاب والسُنّة وتطبيق الفروع على الأصول في غير المنصوص أو الرجوع إلى الأعلم، الأعرف فيه لكونه أقرب إلى الواقع، ويلزم امتثال أوامر ولاة الأمر في السياسات وتقوية الأسلام، وأما فيما كان المرجع فيه الكتاب والسُنّة فلا يأمر السلطان بخلافه، وإنْ أمر لا يجوز اتباعه وليس الحكم الشرعى دائراً مدار أمره ونهيه بَلْ يدور مدار السُنّة، وإلا لَما دوّنت الكتب وحفظت السُنّة. وعلى ما ترى أوامر السلطان بلزوم متابعة الأمام الأعظم كما هو مذهبه الآن يقتضى أنْ لا يُجَوِّزَ العمل بباقي المذاهب ويحرم التديّن بغير ذلك وهذا خلاف ما عليه الملة الأسلامية. نعمْ يلزم ترك الشاذّ النادر والتدبّر بما اختلفت فيه أهل المذاهب، والحكم بأقوى الأمارتين، لكن بشرط أن لا يكون مذهباً محدثاً بحيث يلزم منه الخروج عن الأجماع، فأنَّ ما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن.
وفي كتاب «المواعظ» أن الظاهر بيبرس(1)سنة خمسة وستين وستمائة لمَّا رأى مذاهب
1) الملك الظاهر بيبرس ولد سنة 625 ه / 1228 م، وتولى حكم مصر والشام سنة 658 ه / 1259 م، وفي سنة 659 ه / 1260 م إنتقلت الخلافة إلى الديار المصرية. تُوفي بدمشق سنة 676 ه / 1277 م. وأُقيمت حول مرقده المكتبة الظاهرية الشهيرة
الناس متشعّبة لهنات كانت في أيام السلطان صلاح الدين حمل الناس على المذاهب الأربعة وولّى فى مصر أربعة قضاة لكل مذهب قاض وعُملَتْ لأهلها المدارس، و (الخوانك)(1)فى الزوايا والربط إلى آخر ما حكى فيه، لا يجب العمل بما طابق أحد المذاهب حتى لو عيَّنَ السلطان لمن يضعه للأفتاء ذلك بَلْ يكفي أن لا تخرج الفتوى عن جملة المذاهب. وأمسك.
والتفتَ المُفتي إلى أصحاب الشيخ وقال لهم: إن جميعكم تقولون بهذا، وتوافقون الشيخ حسن أفندي؟ قالوا: نعم، والمترجم يترجم للوالي وهو يقول: (أيوت)، أي نعم.
فقال المفتي: يا حسن أفندي تشيَّعَ شطراك حيث حصرت المذاهب بالأربعة فالمذهب (الجعفري) محدث؟
فجلس الحسن على ركبتيه واحمرّ وجهه، وخرج بكلّه عن المجلس وقال: إسمع وَع، إِنَّ المذاهب كلها مرجعها إلى المذهب (الجعفري) لأنها لا تخرج عن السُنّة وهو أصل جلّها وقد أجمع علماء الأسلام على قبول رواية جعفر بن مُحمَّد (علیه السلام) عن آبائه عن النبي (صلی الله علیه وآله) عن جبرئيل عن الله تعالى ولم يطعن طاعن في سلسلة روايته، وعبّر الكل عنها بسلسلة الذهب، ولا ذكر أحد عدم جامعية من يروي عنهم الجميع ما اشترط في قبول الرواية كما ذكر أهل الرجال في غيره من الأقاويل، فأنَّ الكتب تنبهك عن توثيقه، ووفور علمه المتلقي يداً بيد عن آبائه، وأهل البيت أدرى بما في البيت، والمنتخب من علماء السنة والأمامية إنما يتميز لأنه أخذ منه أو من آبائه وأبنائه فهو أصل لهذه المذاهب، وحكمه حكم النبي (صلی الله علیه وآله) بالنسبة إلى العلماء لا أنَّهُ مذهب في عرض هذه المذاهب فيكون المقلّد مختاراً بين الرجوع إلى روايته، ورواية غيره بَلْ هم كلهم طرق إلى الوصول إليه والى أحد آبائه. نعم إن لم تكن له أو لأحد آبائه رواية في حكم يرجع فيها إلى أحد أعيان الصحابة ويؤخذ بالأوثق الأعرف منهم، بَلْ إذا دار الأمر بين رواية أحد الصحابة وبين رواية علي (علیه السلام) عن النبي (صلی الله علیه وآله) في مقام الأختلاف يلزم الأخذ برواية علي (علیه السلام) لأنه أقرب إلى النبي (صلی الله علیه وآله) في خلواته كما نصّ عليه ابنُ حَجر.
والعجب منك مع وفور علمك، وجودة فهمك وإحاطتك بالسنن أن تتفوه بأن المذهب الجعفري مذهب في عرض المذاهب ثم تقول أَنَّهُ مُحْدَث، ولو ادّعيت الحدوث في غيره لكان أولى فأنّا اجتهدنا كثيراً في الاستدلال على لزوم حصر الرجوع إلى هؤلاء العلماء الأربعة فلم نجد دليلاً وافياً بذلك بحيث لو ردّ عليه سوى الأجماع المُدّعى مع إمكان
1) الخوانك: جمع خانكاه. والزوايا هي التكايا التي تصنع للدروايش، - منه -، (عن هامش المخطوطة)
المناقشة فيه، كونهم أقرب طرق الأيصال إلى معرفة حكم الله تعالى لا دليل عليها من عقل ولا نقل لأنَّ العلماء لا تتناهى، فلعلّ في الناس من هو أعلم منهم بخلاف الأقربية التي ندّعيها لأن منشأها الوثوق بالراوي في الرواية بالحكم المتضمنة له فكأنها مسموعة شفاهاً من النبى (صلی الله علیه وآله) فنرجع إلى اللغة والعُرف في المعنى ونجتهد في ذلك وهذا معنى (فتحنا لباب الأجتهاد). ثم نجتهد أيضاً في توثيق من يروى عنهم بالطرق المألوفة، ومن هنا حرّمنا (القياس) لعدم احتياجنا إليه مع إمكان أخذ الحُكم من طريقه ومعدنه.
وما كان يمرّ ببالي أو يختلج بخاطري أن مثلك وأشباهك من ذوي المعرفة ترى أن ما تتعبّد به الأمامية مذهباً كسائر المذاهب، كأنك لا تدري أن المذاهب ترجع إليه. ولا تَقُلْ إنَّ السابقين من ولاة الأمر لأي شيء لم تحمل الناس عليه فأنَّ سببه واضح لأن (الوُلاةَ) حملوا الناس على التديّن بدين النبي (صلی الله علیه وآله) وعلى الرجوع إلى من يروى عنه بطريق موثّق. وحيث كان العلماء الأربعة من أهل المناصب في عهد سلاطين بني العباس فأُوجبت شهرتهم بين الناس، وأن من يروي عن الصادق (علیه السلام) وآبائه من المنزوين في زوايا الخمول ولا تعرفهم الولاة ولم يتعرضوا لمنصب فلذا لم يرشدوا الناس إليهم. ولو أنهم عرفوهم وبأن لهم فضلهم لأرشدوا الناس إليهم، فأنَّ الرواة عن الصادق (علیه السلام) وآبائه (علیه السلام) فيهم من لا ينقص عن العلماء الأربعة بَلْ يزيد، وناهيك بذلك كتبهم ومصنّفاتهم في الأصول والفروع والحكمة والكلام. نعم لا ننكر أنَّ الأربعة من أجلاّء علماء الأسلام جدّوا واجتهدوا وأفضلهم على الظاهر الأمام الأعظم(1)لأنه قرأ على جعفر بن مُحمَّد (علیه السلام) كما ذكروا في ترجمته، وهذا من ذاك.
ولما بلغ الحسن إلى هنا اتكأ واستراح وكانت تقع (جبّته) في أثناء الكلام عن كتفه فيرجعها الوزير إلى متنه وهو يقول: بارد. ومذ هدأت شقشقته وتُرجمت للوزير وقعت منه موقع القبول وقال بالتركي ما ظهر منه لعلماء السنة الميل إلى الشيخ. ولما كان من أول المجلس قَدْ أمر أن المباحثة تكون بين اثنين وأن كُلّ واحد من الفريقين يعيّن واحداً منهم لذلك، إن كُلّ واحد من الاثنين المعيّنين لا يجيبه الآخر حتى ينتهي كلامه ويُترجَم للوالي، فلذلك إنتظم المجلس كما ذكرنا.
قال أبو الحسن العلوي وهو ممن حضر ذلك المجلس وهو من أصحاب الشيخ (رحمه الله): أمَا والله لقد رأيتُ الحسن بن جعفر يتزايد جرأة وإقداماً كأنَّهُ في مجلس تدريسه، ورأيتُ الطرف المقابل يتناقص شيئاً فشيئاً:
1) هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ولد سنة 80 ه / 699 م، وتُوفيَ سنة 150 / 767 م
وَهَلْ تصفحُ الأفعى إذا ما تلاقيا *** على تِرَةٍ كفَّ السليمِ ونابها
ثم قال المُفتي: يا شيخ أفندي إني الآن أُثبتُ عند القاضي إرتداد هذا الرجل المحبوس الذي جاء بالأسفار، وأخذهُ بأقراره فيحكم القاضي وأهدر دمه، ثم أنثني وأُقيمُ البينة العادلة على ارتداد متابعيه فيحكم القاضى بما يدين الله فيه، وأنتم تنظرون فأنْ وجدتم نقصاً في مقدمات الحُكم، أو عيباً في الفتوى اذكروه لننظر أنَّهُ عن أصل ثابت، أو من فضول الكلام.
فقال الشيخ: لا بأس بذلك.
ثم سأله: مَنْ هذا الرجل المحبوس؟
قال: هو رجل يدّعي أن اسمه الداعي إلى (الباب) وأنه من (النواب).
ثم إلتفتَ إلى باب المقصورة وقال: عليّ بالشهود. فحضر رجلان أحدهما معمّم بعمامة سوداء عظيم الجثة وقد حلق لحيته، والآخر من أواسط الناس على رأسه عقال.
فقال: كنتُ بالأمس مع هذا الرجل في الحبس فسألته ما سبب حبسك فقال: أنا الداعي إلى (الباب) وأني مؤمن به وبكتابه. ثم تنحّى وسأل الآخر فأجاب بما أجاب به الأول. فعطف الحسن على أصحاب المفتي وقال لهم: أتعرفون الشاهدين وتوثقونهما؟
فسبق المُفتي وقال للشاهدين: إستغفرا ربكما وتوبا ثم اشهدا ثانياً. ففعلا.
فقال الشيخ: أحببتُ أن أعلم أنَّ حبسهما كان ظلماً أو أنهما ارتكبا خلاف المشروع فاستحقّا ذلك، ولكني الآن أعرضتُ عنهما. نعم ينبغي أن تقام البيّنة عليه بحضوره فعساه أن يتعلق بشئ يزيل الحكم. ولما فهمَ الوزير بالترجمة ذلك أشار بيده.
قال أبو الحسن العلوي: والله لقد كان جلوسي بحذاء باب مفتوح من المقصورة مشرف على الساحة فرأيت الناس قاموا وهي تموج بعضها في بعض واختلط الرجال بالنساء وهجم من كان خارجاً على القصر وهي تترى، وما شعرنا إلاّ وقد قادوا رجلاً معمماً بسلسلة من حديد وهو مقيّد وأمامه أربعة من الشرطة وخلفه مثلهم وهم يُنَحَّوْنَ الناس عنه بأعمدة من حديد حتى صعدوا به إلى المقصورة. وتداكت لإتلناس عليها حتى وطأ بعضهم بعضاً. وانتهى بالرجل إلى وسط المقصورة ووقفت أهل النّوبة تحجز الناس عن الدخول.
فلما نظر الحسن قال: دعوه حتى يرتد إليه روعه.
قال المهدي: وتأمّلته وإذا هو صاحبنا العجميّ الذي جاء بالأسفار. ولقد لحظتُهُ وهو مدعوّ به إلى القتل فما تغيّر لونه ولا اصفرَّ وجهه ولا أخذه الرعب، ورأيتُ به (سبعيّة) ما وجدتُها في أحد.
فاستأذن الحسنُ المفتي فأذن له، فقال له: مَنْ أَنتَ، ومن أين أتيت؟
أجاب: إني من (فارس) من توابع عراق العجم، وأرسلني (الباب) إلى هذا الطرف لأدعوهم إليه.
فقال الشيخ: وما الباب؟
قال: رجل مثلك يدّعي أنَّهُ قطب العالم وأن به قوام الأفلاك، وأنا مع جماعة صدقنا مقالته.
قال: وما أرسل معك؟
قال : الأسفار التي انتهبتموها في (الغريّ).
فالتفتَ الشيخ إلينا وقال: أهذا صاحبكم العجمي؟ قلنا: نعم، قال: سبحان الله خلته مما وقع عليه ولّى هارباً إلى أهله.
ثم عطف الشيخ عليه وقال: أنت مؤمن بالذي أرسلك وبتلك الأسفار ومصدّق بما يدّعيه من خلاف المذهب وما عليه عامة المسلمين؟
فقال بلسان عربي مبين: نعم قَدْ كنت كما ذكرتُ من الأعتقاد به ولكن قبل يومين تفكّرت في أمري وأنا من أهل العلم وراجعت نفسي واستعدت من الشيطان فوجدت أني على ضلالة وأني في الهاوية وانكشف لي بطلان ذلك كله، فقمت وأسبغت الوضوء وصلّيت صلاة التوبة وندمتُ على ما كان مني وتبتُ إلى الله توبة نصوحاً. فهل ترى لي يا شيخ من توبة وأنت إمام الملّة الأسلامية؟
فقال الشيخ: نعم يتوب الله عليك، ويدرأ عنك.
فأسفر المفتي عن ذراعه وقال: مهلاً يا حسن أفندي إن توبة المرتدّ الفطري غير مقبولة عند الأمام الأعظم، وتجري عليه أحكام الكفر تاب أو لم يَتُبْ.
فقال الشيخ: العدل يمنع من عدم قبولها للزوم تكليف ما لا يطاق لبقاء التكليف وامتناعه في حق المرتد، وآية «ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً» لم تخصص
مع أنها مقبولة عنده.
قال المفتي: أنت مشتبه، هي غير مقبولة عنده.
قال الشيخ: بَلْ أنت لا تدري.
فترادّا ثلاثاً والعجميُّ واقف، والجلاد منتظر الأمر، والناس على ما وصفنا، فرفع الوزير لديه فأمسكوا جميعاً عن الكلام، ثم أشار إلى المترجم فلخص له المقالة والمنازعة، فقال: ما يقطع ذلك؟ قالوا: الكتب. فقال بالتركية: (كيترن) أي أحضروها.
فصاح المفتي: تعال، فأمره أن يأتيه بفتاوى أبي حنيفة، فأسرع الرسول وجاء بالكتاب.
فقال الحسن: هاته. فظن المفتي أنَّهُ يعجز عن إخراج الفتوى منه، قال: إدفعه إليه، ناوله إيّاه.
قال جميع من حضر: فَوَالله لقد فتحه ولم يقلب منه ورقة كأن له به علامة، ونحن دعو ونبتهل أن لا يخجل الشيخ فيذهب مجلسنا كأمس الدابر ويكون الغَلبُ له، ولكن لباري هو المعين.
فقرأ الشيخ: «الخامس: المرتد عن فطرة يقتل ما لم يتب فأنْ تاب درأ عنه الحد كغيره من لكفرة».
فألقى الحسن الكتاب من يده، والتفت إلى الوزير وقال: أفندم تُنصِّبونَ للفتوى مَنْ لا بدري بمذهبه فيستبيح نفوس الناس وأموالهم، إن هذا لظلم عظيم!!
ففهم الوزير ذلك ودَخَلنا من السرور والفرح ما يضيق عن وصفه نطاق اليراع.
ولما انتهى الحال إلى هنا والخلق بتلك الكيفية رفع الوالي رأسه وأشار، فأطلقوا العجميّ، عَلَتْ أصوات الشيعة بالصلوات. ثم أشار إلى علماء السنة فنهضوا جميعاً دفعة واحدة لا يبصر أحدهم موضع قدمه مما عراهم من الخجل والدهشة وتسابقوا إلى الباب كُلّ يريد لخروج قبل صاحبه تزاحم الأبل يوم خِمسها لورود الماء، وتفرّق الناس وجلسوا في الأزقة الأسواق على طريق الشيخ ليروه.
فلما خلا المكان والحسن وأصحابه جلوس إلتفتَ الوالي إلى الشيخ فقال: ينبغي للعلماء وسائر المسلمين إذا ظفروا بمثل ذلك أن يقطعوا شأفته بكل ما يمكن ويمحوا أثره. والتفت إلى علماء كربلاء وكان السيد إبراهيم، وأصحابه زهاء العشرة وقال: ما معنى بقاء هذا الرجل
بين أظهركم أكثر من شهرين ولم تعلمونا به ولا صنعتم معه صنيع أهل (الغريّ) حتى بلغني أنَّهُ يرتقي الأعواد في صحن (الروضتين)، فما هذا. وأكثرَ عتابهم، فاعتذروا، واعتذر الحسن لهم بما هوّن غضبه. وكان المفتى قَدْ أفتى بقتلهم مع (البابي).
ثم استأذنوا الوالى بالخروج فأذن لهم. فلما نهض الحسن نهض الوالى مُشَيِّعاً له إلى نصف المقصورة وقال: إن شاء الله نجتمع مرة أخرى. ثم ودعه وانحدر الحسن بمن معه، وقدمت له بغلته فركبها ورجع مؤيداً منصوراً وكلما مرّ بملأ من الناس أشاروا إليه بالأصابع:
له من (عليّ) القدر بُردة فخرهِ *** وفصل قضاً من (جعفرٍ) ما له ردُّ
تَوَّرثَ من (موسى) عصاهُ فأصبحتْ *** لنا يدُهُ البيضاء مِنْ يدهِ تبدو
وكان زمان مجلسهم يوم الثلاثاء بعد مضيّ ثلاث ساعات منه إلى الساعة العاشرة.
وسُئِلَ الشيخ بعد خروجه: إنك كنت تعلم بفتوى أبي حنيفة؟ فقال: لا والله ولكن سبرت أقوال الفقهاء جميعاً في المسألة فذكرتُ قول ابن الجُنَيْد(1)وأنه يقول به، لذلك جزمت به فكان ما رأيتم.
أقول: هذه الواقعة وإن وقفتُ على أغلبها ممن حضر خصوصاً ابن العم المهدي (رحمه الله) غير أن انتظامها لم يتهيأ لأنها مشوّشة حتى لثمت أعتاب أبي الأئمة (علیهم السلام) في سنة الثلاثمائة(2)وزرتُ بعض الطلبة يوماً فوافيتُ جماعة هناك فتذاكرنا أحوال العلماء حتى انتهينا إلى ذكر الوالد (رحمه الله) فذكرنا هذه الواقعة بحسب المسموع. فقال رجل من أهل المجلس ممن ينتسب إلى الميرزا حسن كُوهر: إنها مرسومة عندنا بالفارسية تماماً. فسألته أن يأتيني بها تلك الساعة فجاء بها فوجدنا كما ذكر، لكن فيها رؤوس المطالب مع التطويل فأخذت منها ما لم أسمعه وشفّعته بما سمعته وأديته بهذا الأسلوب.
ومما ذكر مؤلفها العجمي فيها أنَّه بعد دخولهم على الوزير وجلوسهم زماناً يسيراً دخل المجلس رجل على زيّنا وجلس بصفّنا، ولم نعرفْهُ فحسبناه من أصحاب الشيخ، وهم حسبوه منّا. فلما خرجنا واجتمعت أصحابنا لم أره، فتفقدته فلم أعرف له خبراً.
وغبّ ما رجع الحسن إلى دار (الصالح) وبات ليلته، وأصبح طلب الأذن من الوزير على
1) ابن الجُنَيْد: مُحمَّد بن أحمد بن الجُنَيْد الأسكافي تُوفي سنة 381 ه / 991 م. هو استاذ الشيخ المفيد، وقد إنُّهم مِنْ قِبل فقهاء الأمامية المُعاصرين له بأنَّهُ تأثَّر بالمناهج السُنيّة في استنباط الأحكام الشرعيّة وقد فقدَ إعتبارُهُ على يد فقهاء بغداد في القرن الرابع الهجري
2) يعني سنة (1300 ه / 1882 م)
الرجوع لأهله فأبى وقال: بعد غد حتى نجتمع ثانية. ثم زار الحسن بن جعفر في ذلك اليوم والليلة جميع الأشراف والأعيان من السُنّة والأمامية وانكفأت الناس عليه. ونهض صبح الخميس ومضى لزيارة النوّاب الأربعة، والشيعة محدقة به. وبعد أنْ قضى وطره منها مضى إلى الوزير في داره فدخل عليه مع المُبرَّزين من أصحابه وتخلَّفَ الباقون وكنت أنا معهم ولي من العمر تسع سنين، فاستدعاني الوزير إليه وقبّلني ووضعني في حجره ثم أخرج لي (قاباً) كأنَّهُ كتاب صغير فدفعه إليّ ففرحت به ووضعته في جيبي.
ثم سأله الشيخ مسترحماً بالعفو عن جماعة كثيرة غَضِب عليهم خارج الزوراء وداخلها، فأنعم، وصار خلاص جملة من الشيعة بذلك عمّا هم فيه من الحبس والتشريد. ثم استأذنه بالمسير إلى (الغريّ) فأذن له، وقام الحسن ونهض الوزير فشيّعه إلى باب الدار، وودّعه ومضى إلى مكانه.
ولما استقر قالت لي الجماعة إنَّ كتابك نِعمَ الكتاب فناوِلْهُ لنا فأخذوه مني وإذا فيه ساعة ذهب مثمنة فأخذوها ودفعوا لي (القاب) خالياً وقد وضعوا فيه بعض الدراهم، وبعدما عرفت ذلك من (لالتي) بكيت فلم ينفع، وذهبت مني (الساعة) إلى الساعة.
ولما أصبحَ، قَصدَ باب الحوائج ومنتهى الأرب:
موسى بن جعفر والجواد *** ومَنْ هُما سرُّ الوجودِ
هذا أمانُ الخائفينَ *** وذاك أمنٌ للوفودِ
فاستقبلهُ العلماء وهنّوه بالنصر والظفر، وأثر ما عفّر جبينه بتلك الأعتاب طاف بكعبته، واكتحل بأثمد تربته، وأطلق لسان الحمد والشكر في حضرته، سار صبيحة اليوم الثاني إلى (الغريّ)، قاصداً ذلك المقام الحيدري:
مقام (عليّ) كرَّمَ اللهُ وجهَهُ *** مقام (عليّ) ردّ طرف السُها حسرى
حتى إذا بلغه بصحة وسلامة خرج إليه مَنْ فيه صغيراً وكبيراً ينادون:
بمقدمِكَ الميمون قَدْ قدمَ السَعدُ *** لأهل الحِمى فالشكرُ لله والحَمدُ
ومذ لاح لهم مشكاة الكوكب الدري، وذبالة الصحن الحيدري، سجدوا الله تعظيماً، وهجموا على لثم أعتابه تكريماً، ورجعوا إلى أهلهم مأجورين في إعانة الدين، فأدرجوا في اللوح المحفوظ، الذي ضم أسماء الشهداء المجاهدين:
ذي المعالي فليعلونْ مَنْ تعالى *** هكذا هكذا وإلاّ فلا لا
هذا ما انتهى إلينا من هذه الكرامة، وتركنا بعضها خوف الأسهاب.
يقول مؤلف الكتاب: إنتهى ما ذكره العم أيده الله في هذا المقام، وأنا قَدْ سمعت أشياء منه، ومن سميّه العلم العباس نجل العليّ بن جعفر مما لم يذكرها في الرسالة. ونحن نذكر لك بعضها تتميماً للقصة وأخذاً بكل أطرافها حتى لا تحتاج بعدها إلى شيء إن شاء الله.
فمنها: أن المفتي لمَّا جلس في مقصورة الوالي هو وأصحابه قبل أن يجيئ الشيخ قال للوزير ما مضمونه إنَّ الدين اليوم سيستقر ويتفق على كلمة واحدة وهي كلمة السنّة والجماعة ومن أبى ذلك قتلناه، ولو كان رئيسهم. فقال الوالي: إن أفحمتهم كان لك عليّ ذلك. فقال له: سترى بعينك.
وكان المفتى شديد التعصب على الشيعة مُصِرّاً على محوهم من الأرض وإتلافهم. ولعلَّه بلغتْكَ (رسالته)(1)التي حلّل فيها دماءهم وأموالهم، وقد ردّ عليها عمنا العباس ابن الحسن (أيّده الله) رداً شافياً كافياً، وغيره من علماء الشيعة (كثَّرَ الله أمثالهم). والحاصل أن تعصبه على هذه الفرقة غير خفي.
ومن ذلك: حكمه في تلك الواقعة المتقدمة بقتل جماعة من علماء الشيعة زعماً منه أنهم صدّقوا صاحب الأسفار وآمنوا به فهم كفرة مُرْتَدّون، على أنهم عنده قبل ذلك كافرون. فَمِمَّنْ حكم بقتله قبل المباحثة السيد السند والركن المعتمد السيد إبراهيم القزويني صاحب المصنّفات المشهورة، والعلم الأجل الميرزا محيط المبجّل، والميرزا حسن كوهري (وهو من أركان الفرقة المعروفة بالكشفية، وقد تقلّد أمورهم بعد عميدهم السيد كاظم وانتهت إليه الرئاسة فيهم بعده)، إلى غير ذلك من الأساطين حتى بلغني أنَّهُ أفتى بقتل سبعين رجلا من شيعة كربلاء فانهزم أغلبهم ومضى الباقون تحت الحفظ مستسلمين إلى بغداد وحتى أنجاهم الله على يدي الشيخ. ولولا تأييد الله للشيخ في ذلك اليوم لم يبق للشيعة لا أثر ولا عين.
ولما عرف ذلك شيعة بغداد اضطربوا اضطراباً شديداً وظنوا أنَّهُ واقع بهم حتى تواتر أن رؤساء هم كالحاج مُحمَّد صالح كبّة المتقدم، والميرزا هادي الجواهري، وجماعة من أقرانهما جعلوا في ذلك اليوم يدورون في الأسواق والأزقّة وهم حفاة الأقدام مكشّفو الرؤوس وبيد كُلّ واحد منهم كيس كبير فيه مال غزير وهو يقول للفقراء والسادات: تضرّعوا إلى الله
1) ألَّفَ الألوسي «الرسالة اللاهوتية في ردّ أُمهات مسائل الأمامية»، و«النفحات القُدسية في الردّ على الأمامية»، وغيرهما
تعالى وتوسّلوا بجدّكم إليه في أن ينصر الشيخ ولا يفضحنا عند القوم، فأنّا قَدْ نذرنا لكم هذه الأموال إنْ كان الغُلبُ له، فكان الناس جميعاً أطفالاً ورجالاً ونساءً سادات وموالي بضجّون إلى الله تعالى، ويبتهلون إليه فى ذلك حتى هتف بهم بشير النصر بانقضاء الأمر تفرقت الأموال، في تلك الحال، وزال العناء والترح، وكثر الابتهاج والفرح، وكان يوماً مشهوداً.
ومنها: أن الشيخ لما دخل إلى المقصورة وجلس على النهج الذي مرّ سأل أصحاب المفتي عن المفتي وكان لا يعرفه، فابتدر المفتي وأنشد بيت المتنبي المشهور وهو:
وإذا خفيتُ على الغبيّ فعاذِرُ *** أنْ لا تراني مُقْلَةٌ عمياءُ
فسكت الشيخ إلى أن جرى ما جرى من المباحثة، وأُفحِمَ المفتي، تناول الشيخ الورقة لتي فيها الحكم بوجوب قتل (البابي)، وأصحابه وجعل يمزقها بيده بعد أن تلا: «بسم الله لرحمن الرحيم، وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً» ثم ذراها في الريح، المفتي ينظر إليه.
ومنها: أن الشيخ لما خرج إلى (الصراي)، ولبس عمامته على تلك الهيئة الخاصة من يصالها بالحزام لاموه أصحابه، فاعتذر إليهم بما مرّ إلى أن دخلوا إلى (الصراي) فكان في لباب ( بسمار) قَدْ خرج طرفه الأسفل في سقفها، فلما مرَّ تعلّق بعمامته فمدّ يده وانتزعه بنها وسار على حالته ولم تبق عمامته معلقة بالبسمار لاتصالها بالحزام، فلما تعدّى عن ذلك المحل سمع الضحك خلفه، فالتفت وإذا بعمامة معلّقة بذلك (البسمار)، والناس تضحك على صاحبها لأنه مرّ عنها مكشوف الرأس غير ملتفت، وكان هو من أصحاب لشيخ فرجع وانتزعها وأرجعها على رأسه وتنحّى الباقون عن ذلك الموضع وتعجبّوا من فعل لشيخ، وعلموا أنَّهُ مؤيد بتأييدات إلهية وتسديدات رحمانية.
ومنها: أن الشيخ بعد أن زار الوالي في داره وخرج عكف به أصحابه على دار المفتي نزاروه هناك، وكان قَدْ زارهم قبل ذلك اليوم. فمكث الشيخ هنالك طويلاً وجرت بينهم سائل علمية كثيرة إلى أن قال المفتي: يا شيخ حسن أفندي هَلْ تجد في القرآن القرآن نصّاً على مامة علي (علیه السلام)؟
فقال: نعم.
قال: فأين هو؟
قال: قال الله تعالى: «قل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسَنا
وأنفسكم» الخ.
فهزَّ المفتي يده وقال: وأيُّ دلالة بها؟
فقال الشيخ: ألم يُطْلِقِ الله تعالى ونبيه (صلی الله علیه وآله) على نفس علي (علیه السلام) أنها نفس الرسول (صلی الله علیه وآله)؟
قال: نعم.
قال: وقد قال تعالى: «وما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلّفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه» وقد رغب أهل المدينة بأنفسهم عن علي (علیه السلام). ولو لم يكن هو المراد لَما عبّر بهذا التعبير، ولقال بأنفسهم عنه، وخصوص المورد لا يخصّصه.
فكان من الأجوبة المُسْكِتَة، والتنبيهات الحَسَنة المبتكرة. فيا رحمه الله وطيّب مضجعه ومثواه.
قال العمُّ (أدام الله فيوضاته علينا): وأما ما كان من المفتي فقد نكبه الوزير وأعرض عنه، وبقي بعد ذلك مقدار ثلاثة أشهر وعزله عن الأفتاء(1)
وقد سافر الآلوسي الى القسطنطينية في شهر جمادى الثانية عام 1267 ه / 1851 م أملاً أنْ يعود الى منصبه في (الأفتاء) لكنّ شيئاً من ذلك لم يحدثْ. وقد رجع الى بغداد سنة 1268 ه / 1852 م، وتُوفي بعدها عام 1270 ه / 1854 م. وقد عاصر فترة حكم ولاية عبد الكريم نادر پاشا (1265 ه / 1848 م حتى شهر صفر سنة 1267 ه / 1850 م)، وولاية مُحمَّد وجیه پاشا (شهر صفر الى شهر ربيع الأول سنة 1267 ه / 1850 م)، وولاية مُحمَّد نامق پاشا (1267 ه / 1850 م حتى سنة 1268 ه / 1852 م)، ولم يقرِّبهُ أحدٌ منهم الى أيّ منصب دينيّ
. وبقي معزولاً حتى مات. ومضى إلى (دار السعادة) لأنْ يرجع فما أمكن كما ذكر في (رحلته). وكأنَّ تلك القصة كانت وبالاً عليه.وأما العجمي فما وقفتُ له على أثر، ولم أعرف ما صنع الله به.
واتفق أن عُزِل المُفتي في السنة التي قتلَ الوزير المذكور فيها (صفوق) وهو شيخ شمر وآل ضفير طائفة معروفة قتله غيلة. ولكيفية قتله حكاية غريبة ليس هنا محلّها. وقد هنّأه عبد
1) جرتْ المُناقشة في محضر الوالي نجيب پاشا أواخر شهر محرم الحرام سنة 1261 ه / 1845 م. وقد عُزل المفتي السيد أبو الثناء الألوسي عن منصب (الأفتاء) في شهر رمضان سنة 1263 ه / 1847 م، وليس لعزله علاقة بموضوع المناقشة التي دارت بينه وبين زعيم الشيعة الشيخ حسن كاشف الغطاء. وما ذُكر فى (المتن) أنّه عُزِلَ بعد ثلاثة أشهر لم يكن صحيحاً من خلال سلسلة تتابع الأحداث، وإنّما كان عزّله بعدما يقارب ال (32) شهراً من ذلك الاجتماع الديني السياسي في محضر والي بغداد.
الباقي أفندي العمري بقصيدة منها:
قَدْ أرحتَ الدُّنيا بقتلِ (صفوقٍ) *** و بعزلِ (المُفتي) أرحتَ الدينا
فعاتبه المفتي المذكور على ذلك، فقال: وأيُّ إساءة صدرت منّي؟ فقرأ البيت. فأجابه: نَّ «أرحتَ» الثانية بالزاء المُنقّطة لا بالراء المهملة، والقارئ غَلط فما أصنع، فأعجب لحاضرين ذلك.
وللشيخ مع الجماعة مجلس آخر وأظنه في (الحلّة)، وحاصله: أنهم تمسّكوا في خلافة لصديق وعدالته بأمر النبي (صلی الله علیه وآله) له بالصلاة عند مرضه والصلاة عمود الدين ولا يُسْتَناب بها غير العادل خصوصاً عند الأمامية.
فأجاب: بأنه صلى الله عليه وآله قَدْ ثبتَ (الهُجر)(1)عليه في مرضه، فلا يمكن لتمسّك بأفعاله في ذلك الوقت، وهو عندكم غير ممتنع.
ثم قال (أيّده الله تعالى) بعد كلام طويل: وذكر لي من يوثق به أنَّهُ ورد إلى النجف لأشرف سنة ستين(2)مفتي مصر القاهرة بجلالة عظيمة، ومعه بعض طلبته وهو يدّعي دعاوى كثيرة. فسأل عن علماء النجف وقال أريد أن ألقاهم فأُفحِمُهم في بعض المسائل، فأُرشِدَ إلى الشيخ، وذكر له ما يدّعي. (فهزّ الشيخ يده). فزار الشيخَ المفتي عصراً في محل تدریسه (وهي الدار المعدّة لذلك من عهد أبيه وإخوته)، ومع المفتي جماعة وعند الشيخ جماعة من تلامذته. فلما استقر به الجلوس وأنس بمفاكهة الشيخ، وجرت بينهما أسئلة في لعقائد حتى انتهى الأمر إلى ذكر الصحابة وشيعتهم، وعلي (علیه السلام) وشيعته، فقال الحسن: علي (علیه السلام) وشيعته هم الناجون وغيرهم مُرَجَّونَ لأمر الله.
فقال المفتي: تلك قِسمةٌ ضِيزى.
فقال الشيخ: ما تقول في إبن الأثير أهو محدّث صادق؟
قال: نعم.
قال: فإنه أرسل، وقال: وفي حديث علي (علیه السلام) قال له النبي (صلی الله علیه وآله): «ستقدم أنت شيعتك على الله راضين مرضيين ويقدم عليه أعداؤك غضاباً مقمحين» إنتهى. ولا ريب
أن شيعة عليّ صار علماً لأناس مخصوصين كما نصّ عليه غير واحد من علمائكم.
فقال المفتي: لم أرَ هذا الحديث.
فاستدعى الشيخ بالنهاية وأخرجها له. فسكت وقام يجرّ رجليه وخرج ولم يعتنِ الشيخ به. (إنتهى).
أقول: ومن أجوبته اللطيفة المستحسنة المنسوبة إليه ما وقع له مع نظام الدولة(1)
ولنظام الدولة أولاد لهم ثقلهم الأجتماعي والديني مثل أسد خان المُتوفى سنة 1324 ه / 1906 م المُلقّب بنظام العلماء، وعلي أغا المُتوفى سنة 1330 ه / 1912 م ، وإبنتهُ الحاجّة بيبي خانم هي زوجة علي شاه ابن الأغا خان (زعيم الأسماعيلية)، وإبنُها زعيم الأسماعيلية
وكان من الفضلاء المبرّزين في أغلب العلوم، وذلك أنهما مرّا معاً في طريق (وكانت أيام زيارة)، والأعراب تتغوّط في الطرق والأزقّة، وكان ذلك الطريق الذي مرّا به من جانبيه فيه غائط من أوله إلى آخره على نهج مستقيم. فقال نظام الدولة للشيخ مداعباً بالفارسية: «آقا بيبين عربا ريدن. فقال الشيخ: لكن بنظام ريدن»(2)فأجابَهُ الشيخ: لكنْ (تغوطهم) كانَ على (نظام)!!
!المحيا شیخ وكان الشيخ حسن (قده) حسن الأخلاق لطيف الشمائل، جميل المُحیّا، صبيح الوجه متشعشع الجبين كأنَّه شعلة نور وكان من خفّة روحه ورقة طبعه يُنْسَبُ إلى (البَلَه). ولهم حكايات في ذلك وأنا لا أتجاسر على نقل شيء منها. نعم الأولى والأنسب نقل ما ذكره خلفه الزاكي في «نبذته» المتقدمة حيث قال في بابِ مداعباته: وخطب إمرأة فامتنع أهلها فقال يوماً للساعي: ما صنعت؟ قال: سيأتيك الفَرَج، فقال له: ويحك سكّن الوسط! وليس في هذا دلالة على نسبة البله وهي على ما ذكرنا من خفة الطبع أدلّ.
قال العمُّ: وكان تأتمُّ به بعض النساء في المسجد ودخل يوماً فسأل عن الوقت فقالت له واحدة منهنَّ: إن ذلك الثقب الذي في الجدار إذا بلغت الشمس إليه دخل الوقت. ودخل الشيخ من غد فجعل ينادي أين صاحبة (التُقب)، هَلْ دخلت الشمس في ثقبها أم لا؟!!
1) نظام الدولة هو الميرزا علي مُحمَّد خان ولد سنة 1222 ه / 1807 م، وتُوفي سنة 1276 ه / 1860 م، كان من كبار العلماء، وترجع شهرة الأسرة اليه حيث لُقِّبتْ باسمه. وهو ابن عبد الله خان المُلقّب بأمين الدولة المُتوفى سنة 1263 ه / 1847 م. وجدُّه الحاج مُحمَّد حسين خان المتوفى سنة 1239 ه / 1824 م وكان الصدر الأعظم في سلطنة الشاه فتح علي القاجاري وزوج إبنته (شمس الدولة)، وإليه يرجع الفضل في بناء سور النجف أوائل القرن الثالث عشر الهجري / التاسع عشر الميلادي.
2) وتعريب هذه (الطُرفة): أنَّ نظام الدولة لمّا رأى ما فعله الأعراب من (التغوّط) المُنظَّم على حافتي الطريق (بسبب عدم وجود المرافق الصحية في ذلك الوقت) أرادَ مداعبة الشيخ بقوله: إنَّ العرب لا يُحسِنونَ إلاّ فنَّ (التغوّط )!!
وصدرت يوماً من بعض النساء بادرة ريح فأمرهنَّ جميعاً بالخروج من المسجد، والوضوء وقال هذا طريق الجمع.
وسلَّم عليه (بعض جيرانه من الملالي) رجلٌ وقبَّلَ يده فسأله الشيخ عن اسمه واسم بيه، فذكرهما له. وسلّم عليه من غد فسأله كذلك، وكذا فعل ثالثاً، ورابعاً وهو يجيبه في كُلِّ مرة، وكان ذلك لضعف في عينه. فلم يزل يسأل الجار حتى سأم الجار من سؤاله، فقال يوماً بعدما سأله عن اسمه: أنا شيخ ثعلب، قال: ابن مَنْ؟، قال: إبن شيخ بومة، مضى. فلما كان من غد سلم على الشيخ فقال الشيخ له: أهلاً بشيخ ثعلب ابن الشيخ ومة، فقال الجار: ويلٌ مَنْ يقلدكَ، ويزعم أنك من أهل الله تعالى، قال: وَلِمَ ذلك؟ قال: خبرتُك عن اسمي، واسم أبي مراراً عديدة فكيف حفظت هذا الأسم من أمس إلى اليوم؟ نقال له: ويلك لأنَّهُ مستغرب ولو سمّيت بالمألوف لنسيته.
قال العم (أدام الله أيامه)، وله من اللطائف والمداعبات شيءٌ كثير من هذا القبيل، وقد ضربتُ عنها صَفْحاً لأني وجدت في بعض التراجم لبعض العلماء مثلها، فلم ألفَ لها كرامة، وعسى إذا وقف أعداؤنا على مثلها نسبوا صاحبها إلى البله كما نسب ذلك للوالد (قده) وهو قليل في حق نوّاب الحجة (علیه السلام). ولذلك النواصب كلما بحثوا وفتشوا الآن يذكروا نقصاً في حجة الله أمير المؤمنين (علیه السلام) فلم يتيسر لهم ذلك فقالوا فيه دعابة، فهي ذن مما لا تتعلق بسادات الناس.
قال العمّ (سلّمه الله تعالى) وما دخلت السنة الثانية والستين بعد الألف والمائتين وتصرَّمتْ منها تسعة أشهر ظهر الوباء فى نواحى العراق حتى حلّ بالغريّ في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، فتَقُل أمره وفشا خبره. وقيلَ فيه خطاباً للأمير (علیه السلام):
شِيعٌ لك اتخذتْ حماكَ حمىً لها *** كيفَ اصطلتْ لهبَ الوباء الواري؟!
فنفر أكثر مَنْ في الغريّ إلى خارج البلد لكنهم لم يجوزوا الحمى، ولا تجاوزوا محل لترخّص بَلْ أقفلوا منه إليه:
هَلْ يعلمُ البين أنّي بعد فرقتِهِ *** ما سرتُ من حرم إلاّ إلى حرمِ
ولم يبق في البلد أحد من العلماء وضربوا خيامهم على البحيرة المحيطة بالنجف مما يلي
الجنوب، وينتهى بالمغرب حتى أن ماءها يتصل بسفح طور سيناء المرقد الحيدري، وكان عليها بعض الحدائق غير المتصلة. ومن جملتها حديقة السيد العلوي السيد صقر جريو. وكان محلها قريباً من مرسى السفن الواردة من الشرق. فجاء السيد المذكور إلى الوالد (رحمه الله) وذكر له حسن تلك الروضة، ولطف أرض بيضاء غير مشكلة متصلة بها، وأنها ليس فيها شئ من الهوام، وفي الأرض قِطَعٌ متجاورات، وسأله أن يخرج إليها حتى يرتفع الوباء. وألخ عليه غاية الألحاح واجتمعتْ عليه أسرته ولُحْمَتُهُ وأصرّوا عليه بالانتقال وزيّنوا له ذلك وهو يماطلهم.
وكان من سجاياه الاستخارة في أكثر أموره، فكرر الاستخارة على ذلك مثنى فخرجت (نهياً)، فلم يقنع أصحابه وعشيرته بذلك من حبّهم له وخوفهم عليه. فأحاطوا به أخرى وذكروا له أن المرجوح لا تقع (الخِيرة) عليه، ثم نرفع (نهيَها) بالألتماس المسنون إجابته؛ فلم يجد بُدَّاً من إجابتهم، وعزم على الانتقال إلى المحل المزبور يوم الخميس ثاني عشر شوال فخرج بعياله وأطفاله وحشمه وخدمه وأسرته ولحمته
ساروا وجدّوا بالمسير ضُحىً *** والموتُ خلفهمُ يسري على الأثرِ(1)
حتى بلغ النادي المذكور فعرّس بفِنائه، وضرب فيه قبابه وأخبيته ونصب فساطيطه: وبنى فيه بيوتاً من القصب لمن يعول به من أهله. وأحاطت به قبيلته وأسرته، وحلا لهم النادي بوجوده:
فكأنَّ الغُصونَ تدعوهُ ميساً *** وتناديه فوقها (الورقاءُ)
وبنى للوفود بيتاً رفيعاً *** تحسدُ الأرضَ مُذْ بناهُ السماء
وكان فيه الرائح والغادي، والحاضر والبادي. ويؤدي الخمس والسنن به ويزورُهُ النافرون من البلد على طبقاتهم حتى يؤدوا المكتوبة خلفه جماعة، ثم ينكفئوا إلى مضاربهم غانمين. فأذا أمسى المساء وفرغوا من العشاء جلس عنده الأدنون من أهله يقرأون له الأنباء التي تزيّن بها المحافل من آثار الأئمة الهداة إلى أن يميل سيّار الكواكب ويقطع البدر الثلث من مسراه نهض إلى محل استراحته، وقام القوم إلى مراكزهم، فأغمضت عيناه حتى انتفض کأنَّهُ نشط من عقال(2)، واشتغل بنافلة الليل والدعاء المأثور إلى أن ينزع الليل جلبابه، ويلبس
النهار أثوابه، ويضرب الفجر نسيم عنبريّ إشراقه بخياشيمه، فيبادر لصلاة الصبح ويوقظ الوسنان بالأذان، فيسرعوا لثواب الجماعة. فأذا سلَّم عقّب بالوارد حتى تبزغ الشمس فيُغنى الوقت إلى الدلوك بنشر العلوم وقضاء حوائج الناس.
وكان هذا دأبه في تلك البقعة وتلك حالاته، إلى أن مضى له فيها أربعة عشر يوماً من انتقاله، وأصبح صبيحة الأثنين فشكا من ضعف اعتراه حتى تصرّم يومه ولم يغيّر ما كان عليه من عبادته. فلما كان من الغد ابتلى بعلّة المؤمنين والأولياء وأحس بالمغص في بطنه لكنه لم يحتفل به ومشى بدائه. حتى إذا صلى الظهر وانفتل من صلاته، وقبل ما ينهض النافلة العصر أخذه المغص، فقام للنجو، وعراهُ الأطلاق، فلما فرغ أحس ببلل في ثيابه وعلى فخذيه فأسرع إلى حوض الحديقة وطهَّر ثوبه وجسده ورجع إلى مصلاه وألمّ به الضعف فأدى النافلة، ثم صلى العصر خفيفاً.
ومذ فرغ زادت به العلّة ونحف جسمه ومضى (للخلاء) ثلاثاً أو أكثر. فعندها عجز عن القيام فبُسِطت له الفرش والحشايا ووضعوا عليه مطارفه، ونقلوه إلى مصلاه واتخذوا له مُتّكأً، وحُجبت العوّاد عنه إلى آخر النهار إلاّ الأقربون. وأدى العتمة وهو مستلق، غير أنَّهُ لم يُغْلَب على عقله ولم ينقطع الذكر من لسانه مسلّماً أمره إلى الله تعالى يلهج بكلمات الفرج والتوحيد ويتلو سورة (ياسين)، وغيرها مما سُنّ للمحتضر. حتى مضى من الليل شطره فأدركته صحوة الموت فذكر النبي (صلی الله علیه وآله) والأئمة واحداً واحداً ويستغيث بالحجة (علیه السلام) وتولّى وتبرّأ، ثم دعا بي وضمني إلى صدره وخلّفني عند ربه، ودعا لي بالخير، وكنت أقرأ (القطر) في النحو يومئذ.
ثم استلقى وقد أحس بالأمر، فأمر أن يوضع فراشه على (القِبْلَة)، ووجهه إلى علي (علیه السلام). ثم استدعى ابن أخيه المهدي وأوصاه بوصاياه، ودفع إليه مفاتيح غرفه ومقاصيره وعرّفه الصندوق الذي فيه كفنه وصحيفته وحَبْرَتُهُ وحُنُوْطُهُ. ثم اشتغل بالذكر وقال: إقرأوا دعاء (العديلة).
ومكث هنيئة وقد انقضى من الليل أكثره، وثارت في ذلك الوقت ريح عاصفة سوداء فيها صرّ، فكان الشخص لا يبصر فيها موضع قدمه. فثقل لسانه وبلغت روحه التراقي، فمدّ رجليه وغمّض عينيه وقضى نحبه ولقي ربه هادياً مهدياً من كُلِّ درن.
فنشج مَنْ في البيت نشيجاً خفيفاً إلاّ بعض خدمه فأنّهم صرخوا واتصلت الصيحة بالنساء فصرخن، فاتصل الصياح بالصياح إلى الصباح. حتى سُمِعت الضجة من النجف كأنَّما هتف بهم هاتف، ففُتِّحَت أبواب (الحصن)، وجاءت الناس كعُرف الفرس من
النجف، وما أحاط به ممن خرج، يطأ بعضهم بعضاً، وبأيديهم الأعلام السود، وهم ينادون بالويل والثبور.
وجاء الجواد ابن أخيه عيسى بما أودعه في الصندوق مما يحتاج إليه الميت فرضاً وسنّة قبل عشرين سنة، وضُرِبت له قبة على تلك البحيرة، وغسّل فيها، وأدرج في أكفانه عند ارتفاع النهار يوم (الأربعاء):
إنَّما الأربعاءُ أثبتُ حُزْناً *** لا استمرتْ في دهرنا (الأربعاءُ)
وقُدِّمَ له التخت الذي عليه بردة ضريح أسد الله الغالب (علیه السلام)، فوُضِعَ فيهِ وحُمِلَ على الأعناق، وقد إمتلأت تلك البسيطة إلى النجف بالرجال والنساء صغاراً وكباراً مما لا يُحصي إلاّ الله تعالى. وأحدقوا (بالتخت) من جوانبه حتى كانت الأيدي من المزاحمة لا تصل إليه:
تحركتْ فيهِ محمولاً فقيلَ لها *** زاحمتِ تحتَ لوائه جبريلا(1)
وما دخلوا النجف إلاّ وقد بلغ (الفيء) أربعة أقدام فوضعوه في الصحن الشريف للصلاة عليه. فصلى عليه ابن (أخيه العليّ) مُحمَّد بتقديم العلماء له، ثم هجموا به على الأمير (علیه السلام) ليجددوا به عهداً، ثم تحركوا به إلى تربته في المدرسة إلى جنب أبيه وإخوته. ثم أدلوه في مرقده، وأهالوا التراب عليه، وأشرجوا اللبن، ونفضوا أناملهم من ثراه، وهم ينشدون:
مَنْ للصلاة وللصِلاتِ وقد قضى *** أوفى العباد عبادةً ونوالا
وحمل عياله وعيال لحمته في المحامل وعليها الستور وهم ينوحون ويبكون. وأركبوني على فرس، فذكر الناس دخول حرم النبي (صلی الله علیه وآله) الكوفة والشام فاشتد حزنهم وعلا صريخهم وصوّر لهم دخولهنّ سوافر:
وتلك الرفيعات الجلال عواثرُ *** بأذيالها لكنما الدهر عاثرُ
يلوحُ على ظهر البراقع نورُها *** فيحسبُ راءٍ أنهنَّ سوافرُ
وأقيمت الفواتح والمآتم في النجف وخارجه من أصقاع الأمامية، حتى بلغني أن مجالس العزاء في خصوص الحلة ارتفعت إلى عشرين يوماً.
وجلس بمقامه ابن أخيه المحمود مُحمَّد، واشتغل بالتدريس واجتمع عليه عدة من
1) هكذا ورد في الأصل، واختلاف (الوزن) ظاهرٌ بين الشطرين
أصحاب عمّه حتى انتشر أمره وعلا صيته. فأسأل الله أن لا يخلي دار الشيخ الأكبر من عامل عليها بخير أو دليل إلى سبيل نجاة.
وكان ذلك في يوم الأربعاء لثمان وعشرين من شوّال سنة 1262. ودخل يوم الخميس نجل محيي الدين الشيخ عبد الحسين؛ الأديب الذي بلغ النهاية وتجاوز الغاية، فأنشد في مجلس العزاء بعدما أحْصِرَ لعظم مصابه:
ليتَ شعري لِمَنْ يَحقُّ العزاءُ *** شَرَعٌ كلُّنا بذاكَ سواءُ
إلى آخر الندبة. وستأتي بقية الشعر بالمراثي المسطورة في دواوينهم جزاهم الله عنا خيراً. «ومَنْ يُعظَّم شعائرَ الله فأنَّها من تقوى القلوب».
لا تنوحي إلاّ عليه جزوعاً *** ما على كُلِّ مَنْ يموتُ يُناحُ
هذا ما وسعني رسمُهُ من أحوال الوالد البرّ مع تشتيت البال وضيق المجال:
تنكّر لي دهري ولَمْ يَدرِ أنني *** أعزُّ وأحداث الزمان تهونُ
فقامَ يُريني الخَطبَ كيف اعتداؤهُ *** وبتُّ أُريهِ الصبرَ كيفَ يكونُ؟!
والحمد لله أولاً وآخراً.
هذا ما أردنا ذكره من (النبذة) التي جمعها العم في أحوال أبيه(1).
ولعمري لقد أبدع بما جاء، وحيّر الألباب والآراء، بتعبيره الرائق، وأسلوبه الحسن الفائق. وتالله أنه لقد كفى وشفى ما في النفوس، ولم يدع لذي أرباب القول جداً ولا هزلاً. فجزاه الله عن أبيه وأهليه وعنّا وعن سائر العلماء خير الجزاء، على هذه اليد البيضاء، التي ليس لحسنها إحصاء، وأبقاه الله ناشراً أثواب العلوم، منطوقاً ومفهوم.
وقال السيد في (يتيمته): ونحمدك يا من تفضّل علينا وعلى جيلنا بعيلم العلم الأغرّ، الحسن بن جعفر، بحر لم يزل تقذفُ الدرر أمواجه، وبدر يزهو به فلكه وأبراجه، تهدي المضل سماته، وتُعيي أولي الفصاحة والبلاغة كلماته. أحاط بالعلوم البديعة، ونال في النشأتين بها الرتب الرفيعة. لم يزل يدرّس بمدرسة أبيه، ويبدي من العلم خافيه، وكم وكم حضر عنده من فئة فضل ما بهم غير محقق باهر بتحقيقاته، وأئمة علم ما بهم غير ما يبهر
1) إلى هنا إنتهتْ رسالة (نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري) التي كتبها الشيخ عباس كاشف الغطاء في ترجمة أبيه الشيخ حسن
من العقول بتدقيقاته. وكان (رحمه الله) كثير التسلط على (التقرير)، وله كمال التسلط على (التحرير). ولقد ألّف في الفقه «أنوار الفقاهة» المنطوية، على فروع محكمة المآخذ أصول ممهّدة. وكان خشناً في الله لا تأخذه لومة لائم في الدين، رئيساً في جميع الأمصار، جليلاً في الأنظار، كثير المساعي للفقراء والمساكين.
وكان يقوم في أوقات الأسحار، يناجي المليك الجبار بالتضرّع والخشوع، والأنابة والخضوع. حتى إذا ما أشرقت الشمس قام لصحبه مدرساً بهم بما يشنّف المسامع، فإذا فرغ من ذلك زار إخوانه في الدين، وتعاهد بالعيادة مرضى المسلمين، وأدّى حقوق القادمين. فإذا ما كان وقت الظهيرة صلى بالناس جماعة، وأرشدهم إلى مناهج الطاعة، وعرّفهم بأقواله وأفعاله أنها خير بضاعة، ثم أوى إلى مأواه فرقد هنيئة. فإذا جاء العصر جلس في مجلسه، مع أهل سنّه، وتوالت عليه أرباب الخصومات وأرباب التقليد ورؤساء البلاد، وأجلاؤهم، وعلماؤهم قاصدين الأستنارة بأنوار طلعته، والأغتراف من بحار حكمته. حتى إذا غربت الشمس ونادى منادي الفلاح بالصلاة جماعة، مضى لمسجد أُسسَ على التقوى بنیانه، وأقيمت على الطاعة جدرانه، وصلّى بالناس المغرب والعشاء مع غاية الخضوع والبكاء.
وكان يستدين غالباً على نفسه للمسلمين ما يكفيهم من قُوتٍ واجب، وبرود ومن تكفين أمواتهم وتجهيزهم ورفع للظلم من الجائرين. حتى بلغه أن الوزير (النجيب)، يريد بأهل النجف سوء، وقد توجه إليهم بعساكره، حتى إذا قارب أن يصل البلد أخرج إليه من صحبه من له قابلية استدعائه للنزول عنده، فاستدعاه فأجاب، وصرف الأموال الكلية عليه وعلى أتباعه من الجيوش الموفورة، والعساكر المنصورة، فخدعه بذلك، ونجا أهل النجف من المهالك.
وكم له من أمثالها ولو سمعت إذ دعاه (النجيب) الموما إليه بالمسرى لبغداد، في داعية من الضلال ماله من هاد، ادّعى النيابة عن القائم (المهديّ) للعباد، فأجاب دعوته، وسرى إليه وحفّت به الأكابر من أهل النجف، فدخل مجلس الوزير ووأساه في الجلوس على سرير مملكته، وجرى البحث بينه وبين المحمود الآلوسي المفتي كيف كان له التسلط عليهم في التقرير والتعبير والاستدلال، حتى اتضح له الفلج، بواضح الحجج ، وإفحام كُلّ محتج. وكان مرامه إطلاق مدّعي (النيابة) من السجن، وتخليصه من القتل، حيث أنكر ذلك وادّعى التوبة، ففاز بمرامه وعاد قرير الناظر، مبتهج الخاطر، بما أنجح الله من قصده.
ولو سمعت إذ حقّت على يده بعض الحقوق الغزيرة من صفحات الهند أنفقها وأنفق
مثليها دَيْناً على ذمته.
وكان مسلّماً له في عصره بالأفضلية، على كافة علماء الشريعة المحمدية. وكان المناوئ له في العلم علامة الزمن، مُحمَّد حسن(1). وهيهات أن يصل إلى ما يصل إليه فكره، وإن ألّف ما ألّف، وخلّف في الفقه ما خلّف.
وكان (رحمه الله علیه) يُحَيِّرُ العشر العقول نُهاه، ويُعجب الملوك مع فرط (بلاهته) دُهاه، ويُخجل الشمس المنيرة سناه، ويزري بالبدر بهاه، ويحكي مُنْهَلَّ السحاب نداه، يرى أن المسلمين عياله، فيبلغ كُلاً منهم حسب الجهد آماله.
خلّده الله في علّيين، مع مُحمَّد وأهل بيته الطاهرين، ومتّعنا ببقاء نجله (العباس) فهو له نعم الخلف، وغيره من البنين ما خلّف، وها هو الآن مُجدّ في تحصيل العلم، سالك منهاج أبيه في الورع والحلم، ورُبّما تعاطى الشعر أحياناً ثم تركه، غداة سرى بنهج العلم وسلكه. بلّغه الله مراده، وأولاه ما أولى أبيه وزيادة. (إنتهى).
وقد كان (رحمه الله علیه) جيد النظم جداً. ولهذا كان مقلاً منه، وإن كانت له أشعار كثيرة في أيام صباه، إلاّ أنها ليست بمثابة من الحسن، ولذا أعرضنا عن ذكرها. نعم له قصيدة بعثها من الحلة أيام إقامته فيها إلى أخيه الشيخ عليّ (رحمه الله) يتشوّق إلى أهله وأوطانه، وأولها هذا البيت:
أرضُ الغريّ وبوركتْ أرضا *** أرضي، ولستُ بغيرها أرضى
ولم أعثر على الباقي حال الكتابة فأرسمه. وكلها على هذا النمط من الحسن(2)
شطّتْ فعيني بعد فرقتها *** لم تستطعْ أجفانها الغمضا
خلّفتُ فيها مَنْ شُغفتُ به *** ومحضتُهُ صفو الهوى محضا
فرضٌ على قلبي مودَّتُهُ *** ویری علیه مودتي فرضا
عجِّلْ فديتُكَ باللقا فلقَدْ *** ذهبَ البعادُ بأنفس مرضى
إنْ جدتَ قِدْماً بالوداد فقد *** صيَّرنهُ في ذمتي قرضا
قلبي قبضَتُ زمامه حذراً *** منْ أنْ یميل فأحسن القبضا
إنْ شَطَّ جسمي عن حماكَ، فلي *** قَلبُ بغير حماكَ لا يرضى
أوردها الخاقاني في شعراء الغري، ج 3، ص 60
.وأما ما قيل فيه فغير معدود ولا محدود. ولكن كان أخصّ الشعراء به، وأكثرهم مدحاً له الأديب الماهر، والشاعر (المحرم) من الآداب بأعظم (مشاعر)، ذو الأدب البارع والفضل المبين، الشيخ عبد الحسين محيي الدين، رحمه الله. فكم له في الشيخ من قصيدة فريدة، يتمنّى الكمال أن يحلّي بها نحره وجيده. فمن ذلك قوله يهنّيه بعيد الفطر، قال:
و أغنى ابن جعفر عن معناك يا عيدُ *** فحَسْبُنَا أنَّه في الدهر موجودُ
تمرُّ في كُلِّ عام مرتين بنا *** وكُلُّ يوم لنا من يُمنه عيدُ
زانتْ ببهجته أيامُنا وغدتْ ***بيضاً بطلعته ليلاتُنا السودُ
ها نحنُ عيلتُهُ الباقون يشملُنا *** ظِلٌّ مدى الدهر من نعماهُ ممدودُ
ذو غرّة يستهلُّ الناس طالعَها *** فيستبينُ أبو (العباس) والجُودُ
خلاّن أوفاهما المُوفى بصاحبهِ *** على الورى وهو مشكورٌ ومحمودُ
علامةُ الدهر والهادي بنهج هدى *** وبحرُ علم لأهل الفضل مورودُ
ومُدركٌ في مراقي العلم مرتبةً *** أضحى بها وهو مغبوطٌ ومحسودُ
مؤيدٌ بالهُدى من ربِّه وبهِ *** لشرعة الملّة الغرّاءِ تأييدُ
أهوى لكشف الغطا عن كُلِّ غامضةٍ *** في الشرع يقرنُهُ نصٌّ وتسديدُ
فكم له فيهِ توضيحُ (البيان) وفي *** (قواعد) العلم و(الأحكام) تمهيدُ
آثارُهُ غُررٌ في الدهر واضحةٌ *** ويوم معجزهِ في الناس مَشْهُودُ
ذو همة في مناط النجم أخمصُها *** يسمو بها فوق قرنِ الشمس تشييدُ
هذا بقيّة (موسى) والعصا بيد *** بيضاء منه تعاطى لَثمَها الصِيدُ
من (جعفر) الفضل إلاّ أنَّ رحمتَهُ *** بحرٌ وفيها لذكر (الخضر) تخليدُ
ذلّت أكاسرةُ الفُرسِ الكرام له *** مهابةً والتوى من (قيصر) جِيدُ
والعالمون تحاموا قدره فَعَلا *** أعناقَهم أعناقهم منه إقليدٌ وتقليدُ
وأمَّهُم منه معقوداً عليه لوا *** عزٍّ على قومه الماضين معقودُ
ومذ رآه الورى أهلاً ليكفلهم *** أُلقي من الكُلِّ في كفّيه إقليدُ
يا كعبةَ الوافد الراجي وأكرمَ مَن *** أمّت لساحته المُهريّةُ القُودُ
سمعاً وُقِيتَ الردى منّي لئالئ ما *** زِينتْ بأمثالها البيضُ الرعاديدُ
أقضى بها حقّ نعماء مننتَ بها *** يزينُها فيك إطراءٌ وتمجيدُ
فاسلمْ على أمد الأيام في دِعةٍ *** ما شاب خالصَها ريبٌ وتنكيدُ
وأحسن من هذه قوله يمدحه، وهي من البلاغة والجودة بمكان. وقد خمّسها الشيخ إبراهيم العاملي، فقال:
ماهرٌ صادقُ المقالة سَمْحُ *** شأنُه عَنْ مثار داعيه صفحُ
قال قولاً ما شامَ ناديه قَدْحُ *** كُلُّ قول فيه ثناءٌ ومدحُ
في سوى آل (جعفر) لا يصحُّ
هُمْ غيوثُ الأيسار والدهر عُسرُ *** وكُفَّاةُ العُفاة إِنْ شَحَّ يُسرُ
كُلُّ مدحٍ حبسٌ عليهم وقَصرُ *** وقُصارى تجارة الشعر خُسرُ
وهو في مدحهم زكاة وربحُ
ورثوا طارف العلى عن أبيهم *** وهمُ أورثوا الفخار بنيهم
معشرٌ طاولَ السُّهي مقتفيهم *** فئةٌ فيؤهم ظِلالٌ وفيهم
كُلُّ مَن عامَ في الضلالة يصحو
هم بحورٌ فليسَ يُدْرَكُ غَوْرُ *** لهمُ ما استطالَ للدهر دَورُ
هم لروض السماح نور ونَوْرُ *** يعدلون القضاء والكون جورُ
ويجودون والزمان يشحُّ
ما خلا عن جميلهم في المَلا حَيْ *** وبهم ميّت الندى قَدْ غدا حيْ
فصلاحٌ صنيعهم حيّ على حيْ *** جنحوا للعلى فراشَوا (جناحيْ
ها) فهاهم لأمل الدهر نُجْحُ
كُلُّ نَدْب منهم على الناس سادا *** فجواد يقفو بفضل جوادا
ولهم والذي تولّى العبادا *** شَرفٌ يفرشُ الثريا مهادا
وله (الأطلسُ) المُبجّلُ سطحُ
هُمْ بدورٌ يُجْلى بها كُلُّ غيهبْ *** ذهبتْ في سما العُلى كُلِّ مذهبْ
وبحورٌ زخّارها بالنَدى عبْ *** وسماءٌ يُزينها من أبي (العَبْ
باس) غرٌّ من المكارم صُبحُ
ثاقبُ الفكر لم يكن قطُّ أخطا *** غَرضَ المجدِ والعُلى حين شطّا
ماجدٌ في ذُرى العُلى قَدْ تمطّى *** سابقٌ كُلِّ حَلبةٍ ما تخطّى
لمدى شَأوهِ جَوادٌ ملحُّ
بجدودٍ سادَ الورى وجدودِ *** وبتقوى فاقَ الأنامَ وجودِ
وعلى رغم كُلِّ شآنٍ حسودِ *** قَرنَ اللهُ نجمَه بسعودِ
فهو قرن به مع الدهر صلحُ
مدَّ باعاً للفضل غيرَ قصيرٍ *** فاعتلى هامَ كُلِّ حَبْرٍ شهیرٍ
فهو غيثٌ لكُلِّ عافٍ فقيرٍ *** وهو غَوْثٌ لخائفٍ مستجیرٍ
وبه للهُدى ولله صُلْحُ
إنْ أُغالي فما أنا بملومٍ *** في مديح امرئٍ رؤوف رحومٍ
ذي أيادٍ تحكي الحَيا في سُجومٍ *** شرح الله صدرَهُ لعلومٍ
و بمعنى صفاته طال شرحُ
عالم بالقضاءِ والحُكم عادلْ *** ما لعلياء مجده منْ مُعادلْ
قاطعٌ في الخصام كُلَّ مجادلْ *** ومهابٌ مؤيدٌ بسدادِ (إلْ
لله) فيما يأتي إليهِ وينحو
(حسَنُ) الفعلِ كُلَّ حينٍ نَرَاهُ *** نعمةً مُسْبغُ العطاءِ بَراهُ
ذو فخار باد منیع ذراهُ *** مُتحَف بالسداد فيما يراهُ
وله أينما توجّه فَتحُ
كُلُّ صعب عن حلّ معناه ينَكَّلْ *** أنفس القول عندَهُ ليسُ يُشْكلْ
فهو عَضْبٌ ماضٍ على الهول ما كلْ *** وإذا ما خبا زنادٌ ففي كلْ
لِ زمانٍ لزندِ علياهُ قَدحُ
کم روينا له مناقبَ حمدٍ *** ملأتْ رحب كُلِّ غَورٍ بنجدٍ
..........(1)*** وإذا أسندت أحاديث مجدٍ
فلآبائه الحديثُ الأصحُّ
1) بياض في الأصل
يا عمادي الذي اعتمادي عليهِ *** وملاذي الذي فراري إليهِ
ويَساري يفيضُ من راحتيهِ *** یا بنی (جعفرَ) الذي مِنْ يديهِ
كُلُّ غيثٍ بكُلِّ جُودٍ يسحُّ
هاكَ عِقْداً في جيدِ عذراء يُجْلى *** زانَها فاغتدتْ من الشمسِ أحلى
وتهادتْ إليك مُذْ كنتَ أهلا *** مِلَحٌ من قصائدي فيكَ تتلى
ولعمري ما في سواهُنَّ مِلْحُ
لك مجدٌ من الكواكب حالٍ *** ومقامٌ على المَجَرَّة عالٍ
أنا شآنٍ لمَن شناك وقالٍ *** أنا وآلٍ وفي ودادك غالٍ
لا أُبالي بعاذلٍ فيك يلحو
أنت يا واحدَ الأكارم ضامنْ *** صرف بؤس ما زال في النفسِ كامنْ
يا غياثاً مَنْ أُمَّهُ كان آمنْ *** لك منّي حُسنُ الثنا ولنا منْ
عزمك المستطيل سيفٌ ورمحُ
وقال من أخرى يرثيه، وقد أبدع غاية الأبداع، وجاء بما لم تسمع بمثله الأسماع:
لستُ أدري لمنْ يحقّ العزاءُ *** شَرَعٌ كلُّنا بذاك سواءُ
عمّنا الثُكلُ والمُصابُ كأنْ قدْ *** فُقِدتْ من جميعنا الآباءُ
أيُّ حيّ منّا وممن سوانا *** لم تَسِمْهُ له يدٌ بيضاءُ
عاشَ أباؤنا بنعمى أبيهِ *** وبأبناهُ عاشت الأبناءُ
ورقدنا من ظلّهِ في أمانٍ *** لم تروّع سرباً لنا الأرزاءُ
ما برحنا في الأمنِ من حَربِ الده *** رِ جميعاً حتى دهاهُ القضاءُ
فلنا لاله يحقُّ الرثاءُ *** وعلينا ولا عليه البكاءُ
يا بلاد الله البسيطة موري *** أسفاً واسقطي له يا سماءُ
يا بحارَ الأرضِ الزواخرِ غُوْري *** قُضيَ الأمر ثم غِيضَ الماءُ
يا نجومَ السماءِ في الأرض خُرّي *** والبسي حُلَّةَ الأسى يا ذُكاءُ
يا جبالُ اخضعي، ويا ريحُ هبّي *** يا عُلاً أقصري وَطُلْ يا عناءُ
يا عيون الشرع اسكبي، يا رجال ال *** شرع هبّوا، وابكينهُ يا نساءُ
إنَّ يوماً أودى ابنَ (جعفرَ) فيه *** دهت الدينَ فتنةٌ عمياءُ
إن يوماً قضى به الحسنُ ال *** زاكي، بكاهُ (الحُسينُ) و(الزهراءُ)
يا إمامَ الهُدى ليومك يبكي *** (أحمدٌ)، والأئمةُ الأمناءُ
إنَّ يوماً به نُعيتَ إلينا *** يومَ شؤم هَلْ ذاكَ (عاشوراءُ)؟!
یا سراجاً ويا رتاجاً تَداعى *** فاتَ منّا سدادهُ والضياءُ
حالَ لونُ النهارِ بعدَكِ يا شمسُ *** ضحاءً كأنْ أطلَّ المساءُ
أنتَ لي (مالكَ) وأني بوجدي *** وشجوني (متيّمٌ)(1)بكّاءُ
أنا أولى بأن أعزّى بمولي *** أنعشتني من جُودهِ النعماءُ
مَنْ نرى بعدَكَ المقيلَ عِثاراً *** إن كبتْ نكبةٌ بنا صمّاءُ
مَنْ إليه يُلجا ويُرجى نداهُ *** أمْحَلَ العامُ أو دهت لَثْواءُ
فبرغمي قولي سقتْكَ الغَوادي *** بعد قولي لك استطالَ البقاءُ
وبرغمي أني أفيك رثاءً *** بعدما طال بعدما طال فيك منّي الثناءُ
غير أني أقضي ولستُ أوفّي *** بعضَ حقّ وأينَ منّي الوفاءُ
يا بني (جعفرَ) الكرام عزاء *** لمُصاب قَدْ عزَّ فيه العزاءُ
ما فقدنا وجُلّ من قَدْ فقدنا *** هُ، وأنتمْ مِنْ بعدهِ الخُلفاءُ
إنَّما أنتمُ البقيةُ في الأرض *** بدوراً تُجلّى بها الظلماءُ
ولنا في بني (عليّ) جميعاً *** وابن موسى بن جعفر الأقتداءُ
يا بني عمّي الكرام اخطبوها *** مالها الدهر غيركمْ أكفاءُ
يا ثرى ضمّ لابن (جعفر) جسماً *** إنَّما أنتَ روضةٌ غنّاءُ
ولبعض الشعراء يرثيه ويمدح الشيخ مهدي رحمهما الله أجمعين:
خليليّ كُفّا فاصطباريَ مغلوبُ *** وعذلكما فيه لقلبي تَعذيبُ
قِفا بي علی ربع الأُلى قَدْ ترحّلوا *** نَحنُّ عليهم مثلما حنّتِ (النِيبُ)
1) علّق المؤلف على هذا البيت بقوله: «ينبغي أنْ يكون (مُتمم) لكي تتم التوريَّة»
قفا نسأل الدارَ التي خفَّ أهلُها *** وَخُسرٌ سؤالُ العُجم عنهم وتتبيبُ
تروحُ عليّ النائباتُ وتغتدي *** وللهمِّ تصعيدٌ بقَلبي وتصویبُ
وقفتُ على الدار التي كُنتمُ بها *** فبلَّتْ ثراها من عيوني شآبيبُ
وقد درستْ عنا الرسومُ، وطالما *** بها عَلمُ الدين الحنيفيّ منصوبُ
نأى (حَسَنٌ) عنها فغُيِّبَ في الثرى *** فَدُکْدِكَ من حُزَن عليه الأخاشيبُ
فأودى عماد الدين فقد عميدهِ *** وناحَ عليه نوحَ (يوسفَ) يعقوبُ
فأيُّ شموس للهداية كُوِّرتْ *** فكانَ لها تحتَ الصّفائحِ تحجيبُ
وأيُّ حياة بعد فقدكَ تُرْتَجى *** وأيُّ فؤاد لم يكنْ فيه الهوبُ
لقد كنتَ غُوثَ الْمُجْدبين وغَوْثَهُمْ *** إذا نشبتْ للدهر فيه مخاليبُ
أُديلتْ لكَ العلياء إذْ حلَّ فوقَها *** رواقٌ لأنوارِ (الفقاهةِ) مَضْرُوبُ
إلى أن قال:
ولو لم يكُ (المهديُّ) بعدَك قائماً *** عمادَ هُدىً ما كان للدينِ تطنيبُ
هو العَلَمُ المنصوبُ والجوهرُ الذي *** تكوَّنَ من نور لدى الله محجوبُ
وهي طويلة اقتصرنا على هذا القدر منها.
ورأيتُ ببعض المجاميع ما هذا نصّه: وقال الشيخ إبراهيم قفطان: أَرَّخَ السيد مُحمّد نجل السيد معصوم(1)عام وفاة أخي المرحوم حسين، ووفاة المرحوم المبرور العلامة الشيخ حسن نجل الشيخ الأكبر، فقلتُ على القافية رائياً لهما، وهي:
إلى كم تُرينا صُروفُ الزَمنْ *** بفقد الخليط صنوفَ المحنْ
قضتْ في الورى بلزوم الرّدى *** كأنّا وصرفُ الردى في قرنْ
أحنُّ وهَلْ نافعٌ بعدَما *** تناءى الأحبّاءُ أنّي أحنْ
وهَلْ مسعدٌ غير وِرْقِ الحمام *** تحنّ التياعاً بأعلى فَنَنْ
وقائلةٍ لي ألا تخلعنّ *** ثياب المُصاب إذا ما أرجحنْ
تعزّ فكم لكَ مِنْ سلوةٍ *** تفرّجُ عنكَ كروبَ الحَزنْ
1) السيد مُحمَّد معصوم القطيفي، تُوفيَ حدود سنة 1271 ه / 1855 م
بموت النبيّ وقتل الوصيّ *** وذبح (الحسين) وَسُمّ (الحَسَنْ)
فقلتُ أجلْ ليسَ سكبُ الدموعِ *** لغير مصاب (الحُسين) الحَسنْ
شباباً قضى لم يفز بالمُنى *** ولا قرَّ في عيشة واطمأنْ
ثم أخذ في رثاء أخيه، إلى أن قال، عليهما رحمة الله المتعال:
كأنَّ الرزايا تجسُّ الخلال *** تفتّشُ عن أوحديّ الزَمنْ
إلى أن أناختْ برغمي الركاب *** بجنب عميد الهُدى المؤتمنْ
هو (الحسنُ) اسماً ومعنىً ومَنْ *** غدا أجودَ الخَلْقِ كفّا ومَنْ
بحامي الذّمار بربّ الفخار *** بشمس النهار ببدر الدّجنْ
فلا تركننَّ لسلم الليالي *** فقد ضلَّ مَنْ لليالي ركنْ
ولا تأمننَّ صروفَ الزمان *** فشيمتُهُ الغدرُ فيمَنْ أمنْ
فيا لرزايا أذبنَ الفؤاد *** فكم غارةٍ في البرايا تُشَنْ
وواسى ابنُ (معصوم) في وقعها *** فأرّخ وهو الخطيبُ اللسنْ
فجعنا بفقد (الحسين) كما *** فجعنا بفقد الأمام (الحَسنْ)
وقال الأديب الأوحد، ذو الشرف الذي ليس له حدّ، الحسيب النسيب السيد صالح القزويني البغدادي(1)(رحمه الله) يرثي الشيخ حسن (قُدِّسَ سرُّهُ)، ويهنئ الشيخ مُحمَّد بجلوسه بمحل آبائه الكرام، ورجوع الخاص إليه والعام، ويعدّد مساعي المشايخ العظام، وأياديهم الجليلة في الأسلام. وقد أجاد تمام الأجادة، وحوى من تمام الحسن وزيادة، وقد ضمّن أكثر أبياتها نوع الاِقتِنار، الذي هو من الحسن بمكان، فقال مخاطباً للشيخ مُحمَّد رحمه الله:
أقامَكَ (الحَسَنُ) الزاكي لنا خَلَفا *** فقمتَ بالأمر عن آبائك الخُلفا
قرّتْ بك العينُ من بعد القذى بهمُ *** والقلبُ بُردَ الأُسى بعد الأَسى التَحَفا
لم يصفُ عيشٌ لنا مِنْ بعدِ فرقَتِهمْ *** لكنَّما العيشُ عمر الدهر فيك صفا
إِنْ ناحَ وِرْقُ المُنى شجواً لبينهمُ *** ففيكَ وِرْقُ الهَنا في دوحةٍ هَتَفا
1) السيد صالح القزويني البغدادي ولد سنة 1208 ه / 1793 م، وتُوفي سنة 1306 ه / 1888 م
أنستَ مربعَهمْ من بعدِ وحشته *** فكنتَ ممرعَهُ عَرْفاً لمن عكفا
إنَّ المكارم كانتْ عينهم نبأ *** ومنكَ صارتْ عياناً شاهداً وكفى
لم يغفُ طرفُ العُلى لمّا نووا ضَعَناً *** وَجْداً عليهم ولكنْ مُذْ رَآكَ غَفا
والدهرُ جار علينا يومَ ظَنَّ بهمْ *** وفيكَ لو لم يَحد للدهرِ قُلتُ عَفا
أنا المُعزّي المُهنّي والورى فلنا *** نُعمى وبؤسى سواء جاوز السرفا
ما شاهدتْكَ الورى إلاّ وقَدْ شهدتْ *** آثار كُلِّ فتىً منهم بما اتصفا
فأَنَّهُمْ في الورى كالدرّ في صَدَفٍ *** فاستخرج الدرّ منهم واقذِفِ الصَّدَفا
(موسى) (عليُّ) المعالي والفَتى (حَسَنٌ) *** (مُحمدٌ) من مجاري (جعفر) غرفا
هُمُ الأئمةُ عِلْماً نائلاً ورعاً *** هُدى تقى سنداً حلماً حجىً كنَفا
جِبِلَّةٌ شَغَفي فيهم ولا عجبٌ *** لآل (جعفرَ) إِنْ أخلصتُهُمْ شَغَفا
لم يجحدِ الناسُ نعماهم ولو جَحَدتْ *** فَنورُ شمس الضُّحى ما كانَ فيه خفا
لولا أبو (مُحْسنٍ) والعزُّ عصبتُهُ *** كِدنا لما نالهم نقضي أسىً ووفا
وفوقَ ما أَمّلَتْهُ النَّاسُ أدركه *** والكُلُّ كانوا بحمد الله مُعْتَرِفا
فافخرْ بهم فلعَمْري لم تَجدْ أحداً *** إلاّ مُقِرّاً ومَن يأتي كَمَنْ سَلَفَا
ما أسّستْهُ لك الآباء مِنْ شرف *** شَيَّدتَهُ فتسامى (المشتري) شَرَفا
لم يستطعْ أحدٌ وصفاً لمجدهمُ *** كلاً وقَدْ كَلَّ عنهُ كُلُّ مَنْ وَصَفا
كفى المؤمل ما أوليتَ من مِنَحٍ *** أغنتْ عن العارض الوسميِّ إِذْ وَكَفا
فأنتمُ الشُمَّ حِلْماً والبحورُ ندى *** والشهبُ سَعْداً مدى الأيام ما اختلفا
لا عيبَ فيهم سوى أنَّ الزمانَ لهم *** من الرعايا ومَنْ في ظلّه اكتنفا
وكُلَّما تُليتْ أياتُ مجدهُمُ *** كانتْ شفاهاً لَمَنْ أَعيا شفاهُ شِفا
طوّقتُمُ بعد كسرى قيصراً مِنَناً *** بالصُلحِ بينهما مِن بعد ما زَحَفا
وسيأتي مثل هذا البيت ألفاظاً ومعنى للشيخ عبد الحسين محيي الدين من قصيدة يمدح بها الشيخ مُحمَّد، ويعدد مساعي المشايخ (رضوان الله عليهم)، وهي على هذا الوزن والقافية، وهما متعاصران، فما أدري من أخذ من الآخر. وعلى كُلِّ حال فقد بسطنا الكلام في تفسيره ومحاسنه البديعة هناك فراجعه، فهو من الأبيات المشيّدة، والمعاني
المتفرّدة:
وكم صفحتم عن الجانين مكرمةً *** وكم منحتمْ على جرم مَنْ اقترفا
وكم أجرتم جواراً راعَهُ زمنٌ *** وكم أقلتم عثاراً منّةً ووفا
لم تزهُ روضةُ علم بعدَ بُعْدِهُمُ *** لولاكَ كلاّ ولا منها الجَنَى قُطِفا
فكم (كشفتم) عن الرّمز الخفيّ (غِطا ) *** ورمزُ (كشف الغطا) لولاكَ ما انكشفا
مولى إذا سألتْهُ الوفد عطفَ ندى *** فقبل ما سألتْهُ بالذُرى عَطَفا
يزدادُ بِشْراً ولُطفاً في مواهبهِ *** والدهرُ يزدادُ غيظاً وجهُهُ وجَفا
أثنى عليه الحمى واللطف إذْ بهما *** قَدْ أثبتَ الأمنُ منّا والحذار كفا
فَدُمْ لنا (حَرَماً) نأوي (لكعبتهِ) *** إنْ سامنا الدهرُ هُوْناً أو بنا جَنَفا
ثم إن هؤلاء الذين ذكرناهم من أولاد الشيخ الكبير من أمّ واحدة، وحيث أنهم هم العُمدة من أولاده، ومحل وثوقه واعتماده، الذين قاموا مقامه، وأحيوا ذكره، ورفعوا في العلم أعلامه، فلهذا اقتصرنا عليهم. وإن كان له غيرهم من الأولاد من أمهات متعددة، وكأنهم لم يكونوا بشئ عند أبيهم، ولهذا أوقف دوره على موسى، ومحمد، وعليّ، والحسن، وذريتهم، ولم يُشْرِك من أولاده معهم في ذلك أحد إلاّ الشيخ عيسى فأنَّه اشترط له السكنى مدة حياته معهم، ولا يتعدى إلى عقبه.
وكان الشيخ عيسى هذا من العلماء البررة على ما سمعنا ووجدنا في بعض الأشعار ذكره ومدحه بذلك، وأنه من السالكين بتلك الشعوب والمسالك. منها أبيات للسيد مُحمَّد علي بن السيد أبي الحسن العاملي، وهي:
(عيسى) بن (جعفر) في الفضائل مُفْرَدُ *** فكأنَّهُ (موسى) بها، و(مُحمَّد)
حسنتْ قضايا حسنه وكأنَّهُ *** دون الأنام هو المنادى المُفرَدُ
مِنْ مَعْشَرٍ بيضُ الوجوه كأَنَّهمْ *** شُهُبٌ بآفاق العُلى تتوقّدُ
ما فيهمُ إلاّ أغرٌّ ماجدٌ *** زاكي الأرومة أو أغرّ أصيَدُ
ولم أعثر على مدة حياته وزمان وفاته. وظنّي أنَّهُ تُوفيَ أيام أخيه الشيخ حسن. وأعقب ولداً يسمى جواد الأقرع. وله حكايات ونوادر لا يسع المقام ذكرها، ومات ولم يُعْقِب. وكذا باقي أولاد الشيخ (رحمه الله علیه) ليس لهم اليوم عقب. وعقب الشيخ منحصر من موسى، وعليّ، والحسن (رحمه الله علیه).
لا زالت العُلى بها حافّة، والمفاخر طائفة.
وها نحن بعون الله تعالى نذكر كُلّ واحدٍ واحد منهم على سبيل الأجمال ونرتّبهم على حسب السنّ والفضيلة، وانتهاء النوبة له، والجلوس في مسند آبائه الكرام، والنهوض بتقلّد أمور الناس في المهمات العظام.
فأول مَن جلس بذلك المسند العظيم، وحُبس عليه أمرُ الرئاسة الجسيم، بعد أولاد الشيخ الأربعة موسى، ومحمد، وعليّ، والحسن، الرئيس المطاع، والموئل الذي وقع عليه الأجماع، قنّة(1)الشرف الراسية، وقبّة المجد العالية، مؤيّد الملّة والدين، ومظهر شوكة الأسلام والمسلمين، الفريد الأوحد، بقيّة العلماء الراشدين أبو محسن مُحَمَّد، نجل المحقق المعتبر، زين المحققين العليّ بن جعفر، طيب الله بالرضوان مراقدهم، وسقى بصيّب الغفران معاهدهم.
ذاع صيته واشتهر، وتولّى زمام الأمر، بعد عمّه الحسن بن جعفر، حتى أذعنت له رقاب سائر الأمم من المسلمين، وألقت إليه مقاليدها رئاسة الدنيا والدين، على كثرة مَن كان في زمانه من الأساطين المعارضين، والعلماء المبرّزين. فلما تجلّى صُبح فضله لمن له عينان، لم يشذّ عنه شاذ ولم يختلف فيه إثنان.
وكان تعاطيه لأمور الرئاسة وفصل الخصومات في زمان أبيه وعمّه أكثر من التعاطي بأمر التحصيل والتدريس. فلهذا لم يكن يُعرَفُ بتلك الفضيلة، ولا يُظن أنَّهُ ممن يفوز بتلك المنزلة الجليلة، من النهوض بمراسم العلوم، والقيام بتشييد هاتيك الرسوم. إلى أن تُوفِّيَ عمّه(2)بعد أبيه، وأحرز الله تعالى مع الناس القابلية فيه، جلس بمسند آبائه الكرام،
وتقلّد ما كانوا يتقلدون من المهمات العظام، اللازمة على رؤساء الأسلام فاشتهر ذكره شرقاً وغرب، ورقى منبر التدريس في (الطنبيّة) الكبيرة فامتلأت بالفضلاء والعلماء عجماً وعرب. فكان ممَنْ حضر تحت منبره، واغترف من فيض أبحره، على أنَّهُ المجتهدين، والعلماء المُسلَّمين، أخواه الشيخ مهدي(1)والشيخ جعفر(2)وابن عمّته العيلم الفقيه المشهور الشيخ راضي(3)بن الشيخ مُحَمَّد بن الشيخ خضر (رحمه الله علیه)، وكثير من أمثالهم لا ينتسبون إليه بشيء، ومنهم العالم الفاضل، والتحرير الكامل الشيخ مُحَمَّد علي عزّ الدين العاملي(4)رحمه الله تعالى، وقَدْ ذكره في رجاله المسمّى ب «ضوء المشكاة الكاشف عن وجوه الرواية والرواة»، حيث قال في ترجمة الشيخ الكبير:
«الشيخ الأكبر، إبن الشيخ خضر جعفر، شيخ الطائفة في عصره المتصل بعصرنا ورئيس المذهب، بلغ الغاية علماً وعملاً، وجلالة وقدراً، وشهرة وذكراً، لدى الخاص والعام، والعرب والعجم، وملأت الدنيا تلامذته وصنّف كتباً كثيرة منها كشف الغطا، وبغية الطالب وغيرها، وبيته من أجلّ بيوت النجف وأولاده كلهم علماء فضلاء مجتهدون، منهم الشيخ موسى، والشيخ عليّ، والشيخ مُحَمَّد، والشيخ حسن، كلّ تنتهی إليه الرئاسة في عصره واحداً بعد واحد. وقَدْ شاهدت منهم الشيخ حسن (رحمه الله علیه)». إلى أن قال:
«وأولادهم إلى الآن مشهورون بالفضل مبرّزون بالعلم، والشيخ مهدي ابن الشيخ عليّ أحد العلماء المبرّزين اليوم في النجف، وأخوه الشيخ مُحَمَّد كان قبله كذلك، وقَدْ حضرتُ درسه بُرهةَ من الزمان. وبالجملة فهم بيت مجد وشرف وعلم قلّما يوجد في البيوت مثله». إنتهى كلامه، رفع مقامه.
وفي «قصص العلماء» بعدما ذكر وفاة الشيخ حسن (رحمه الله علیه) قال ما نصّه:
«وجلسَ الشيخ محمد مكان الشيخ جعفر، وكان ماهراً في الفقه»(5).
وقال الفاضل البادكوبي في «نقد العُلماء» ما نصّه:
الثالث: الشيخ مُحَمَّد، وهو الآن في النجف الأشرف من المجتهدين المعروفين والعلماء
1) ولد سنة 1226 ه / 1811 م، وتُوفي سنة 1289 ه / 1872 م
2) ولد حدود سنة 1231 ه / 1816 م، وتُوفيَ سنة 1290 ه / 1873 م
3) هو جدّ أسرة آل الشيخ راضي الشهيرة. تُوفي سنة 1290 ه / 1873
4) من أعاظم العُلماء، تُوفيَ سنة 1303ه / 1886 م. وكتابُهُ «ضوء المشكاة» لا يزال مخطوطاً. وله مؤلفات مطبوعة: الردّ على الماسونيّة، وتحفة الألباب في المُفاخرة بين الشيب والشباب
5) قصص العلماء، ص 187
المشهورين المُبرَّزين، وحوزة درسه مملوءة من الطلبة والفضلاء والعلماء. إنتهى.
والحاصل إنَّ أمره غنيّ عن البيان، غير محتاج إلى برهان، وقَدْ كان مطاعاً مراعى، مهاباً مجاباً، وقوراً جسوراً، خصوصاً عند الحكام، ووزراء الدولتين العظام. وكانت تحته أجلّ بنات عمّه الشيخ موسى وهي أم أولاده الأربعة الآتي ذكرهم (إن شاء الله (تعالى). وهي ذات شأن وقدر وثروة واسعة وحليّ وحلل. وكثيراً ما كانت تتقاصدها الشعراء فتسمع من وراء الستر مدائحهم وتُجيزهم بجوائز الملوك. وكان الشيخ كثيراً ما يأخذ من حليّها وحُللها فيصرفه ويبذله على الفقراء والمتوقّعين لعدم كفاية ما يصل إليه من الحقوق.
وكان أول أمره يتولّى مفاتيح الحرم الحيدري والتصرف فيه، وكان السيد رضا الرفيعي(1)نائبه. ثم بعد ذلك ألقى أمرها كله إليه وجعله ( كليداراً)، واستمرت حتى اليوم في بنيه.
وكان (رحمه الله) جهوري الصوت رفيع الهمّة، كبير الجثة والجمّة، سمحاً جواد. عليه سيماء العبّاد والزهّاد. وكان كثيراً ما يخرج إليه خدمه بطبق فيه خبز وإناء فيه خلّ وملح فيتغدّى به، وتخرج الموائد الأضيافه وخدمه وملازميه. ولم يمرّ عليه يوم لا يُبذل فيه نائلهُ الجزل إلاَّ مرّ، ولا رأى زيغاً في قناة الدين إلاَّ عالجه بالجبر، ومازال أمره يعلو، وشرفه، شيئاً فشيئاً حتى رجعت إليه الناس بالتقليد، بعد العلامة الوحيد، الماهر الباهر، صاحب «الجواهر»(2)، فانحصر أمر الشريعة الغراء به، وبعَلم الهُدى الثاني كتاب الله الناطق بفصل الخطاب، شيخنا الشيخ مرتضى الأنصاري تغمدهما الله برحمته. فبقيا علمين لها، يردّان عنها كُلّ باغ وطاغ، ويقوّمان منها ما زاغ، إلى أن تُوفيَ الشيخ مُحَمَّد في الأثناء، واستقل الشيخ مرتضى بالأمر فدبّر فيه ما شاء، من تشييد وإحياء، فجزاهم الله عنّا أحسن الجزاء.
وتُوفيَ الشيخ مُحَمَّد سنة 1268 بعدما بلغ من الجلالة والرفعة ما لا يفي به بيان، دون العيان، وفي أيامه كثرت الآداب والأشعار، وصار لها به أحسن موقع وشعار، حتى راج سوق الأدب ونبه خامله، وطلع بالسعد أفله، لأنَّه كان يجيز عليه الجوائز السنيّة، والمواهب البهية، فكانوا يجيدون له في مدائحهم، ويجيد لهم في منائحهم، و(اللُّهى تفتح اللّهى).
وهو أكثر مَن وقعتُ على مدائحه وتهانيه من هذه الطائفة، مع تمام الجودة ونهاية
الحسن. ولنذكر لك شيئاً مما تيّسر لنا فيه.
فمن ذلك ما قاله الشيخ موسى بن الشيخ شريف(1)، وهو من ظرفاء الشعراء، وفحول الأدباء، وله حكايات ظريفة لا يسع المقام نقلها، وله مدائح كثيرة في الشيخ مُحَمَّد المذكور، وهو من خواصّه وملازميه. قال الله رحمه يهنيه في ختان ولده الشيخ محسن(2)(رحمهما الله جميعاً):
أسفرَ الحيُّ حينَ زارتْ نوارُ *** فتجلّتْ منها لنا الأنوارُ
أسفرتْ في الظلام عن صُبح وجه *** ليس تحكي أنوارَهُ الأقمارُ
حبّذا زورة لظمياء فيها *** عاد ليلُ الصّدود وهو نهارُ
وبنفسي أفدي بديعةَ حُسْنٍ *** كُلُّ حُسن مِنْ حُسْنَها مُسْتَعَارُ
حارَ فكري مُذْ حاورتني ولكن *** بلحاظ قَدْ زانَهُنَّ إحورارُ
أنا في الحب مُفْرَدٌ ولغيري *** غير ما اخترت في الغرام اختيارُ
مُتْهِمٌ في هوى (نوار) إذا ما *** أنجدوا في هواهمُ وأغاروا
شيمتي الصبرُ في الهوى وهو صبرٌ *** وشعاري كتمُ الأسى وهو نارُ
هكذا في الهوى مقامي إلى أنْ *** أظهرتْ سرّيَ الدموعُ الغزارُ
فتردّيتُ بالمزاح وأضحى *** لي ترك الوقار وهو وقارُ
(سَعدُ)، غنِّ لنا بذكر الغواني *** فالليالي طوالهنَ قصارُ
واسقني قَهْوةً كذوب نُضارٍ *** طَمَحتْ نحو دنّها النُضّارُ
بنتُ كَرْم تُضيءُ كالشمس في الكاسِ *** فَتَعشو لضوئها الأبصارُ
من فتاة كأنّها خُوطُ بانٍ *** ذات خدّ كأنَّهُ جُلَّنارُ
أوَ ما تُبصرُ الرياض اللواتي *** سجعتْ في أراكها الأطيارُ
ونسيم الصّبا يهبّ فتكسي *** كُلَّ أرض من طيبها الأزهارُ
والقوافي وافتك تختالُ تيهاً *** تتهادى كأنَّها أقمارُ
مطربات في ختن غضّ المعالي *** (محسن) مَنْ له الفخار أزارُ
يا بنَ مَنْ للورى بيُمناه يُمْنٌ *** وبيسراهُ للعُفاةَ یَسارُ
لك دامَ السرورُ في ظلّ مولى *** هو للجود في الوجود المنارُ
ذاك مولى الورى (مُحَمَّدُ) مَنْ قَدْ *** شهدتْ في العُلى له الآثارُ
ذو مزايا أذكى من المسك طيباً *** وسجايا فيها العقولُ تحارُ
حزتَ مجداً سامي المحل وعزاً *** أقعسا لا يُشقُ منهُ الغُبارُ
عالمٌ عاملٌ وبرِّ جَوادٌ *** لوذعيٌّ مقدمٌ مستشارُ
بأبي (مُحسن) أقيمتْ قناةُ ال *** دين مِنْ بعد ما عراها إنكسارُ
و (بمهدي) الورى لنهج المعالي *** لم يُصِبْ خطة الفخار بَوارُ
وبأوصاف (جعفر) تتحلّى *** إيْ وآبائهِ الكرام، الديارُ
لاحَ سَمْتُ التقى عليه وليداً *** وزكى منه مَحْتِدٌ ونجارُ
ولقد طابَ للورى منهُ خُلقٌ *** وبدتْ فيه عفَةٌ ووقارُ
أيُّ مجد وسؤدد وفخارٍ *** يا بني (جعفرٍ) لكم لا يصارُ
كم لكم في الوجود من مكرمات *** هي كالشمس ما عليها غبارُ
سادةٌ قادةٌ ولاةٌ حماةٌ *** علماءٌ أئمةٌ أبرارُ
فإذا ما استُنيلَ منهم أنالوا *** وإذا ما استُجيرَ منهم أجاروا
فأنعموا راغدين في ظلِّ عيشٍ *** ما جلا ظُلمة الليالي نهارُ
سادة ومن ذلك الروضة الزاهرة، والحديقة الباهرة، للأديبين الأريبين، الشيخ إبراهيم العاملي، والشيخ عبد الحسين، نظماها على الأرتجال، في تهنئة عرس الكمال، الشيخ محسن بن الشيخ مُحَمَّد (طاب ثراهم) يمدحون أبيه، و(النون) علامة الشيخ عبد الحسين والميم للشيخ إبراهيم. وكلّ قَدْ أجاد.
قال الشيخ عبد الحسين محيي الدين يخاطب الشيخ مُحَمَّد:
ألقتْ إليكَ زمامَها العلياءُ *** فلها لديكَ مودّةٌ وولاءُ
أنتَ الذي طالتْ مراتبُ مجدهِ *** فتقاصرتْ عن مدحه الشعراءُ
أدركتَ سابقةَ الفخار عقيب ما *** شقّ السباق وشطّت الغلواءُ
أنّی يُقاس الناسُ فيكَ وأنتَ يا *** ربَّ العُلى معنى وهم أسماءُ
أَفَتى الكرام الطيبين ومَن لهم *** جنب تظللنا له أفياءُ
أَوَ هَلْ يطاولُ كنهَ مجدِكَ في العُلى *** قومٌ وهُمْ أرضُ وأنتَ سماءُ
إنَّ الرئاسةَ لم تكنْ معقودةً *** إلاَّ ورفّ لها عليكَ لواءُ
أنتم بحورُ فضائل وفواضلٍ *** وكواكبٌ تُجلى بها الظلماءُ
أبناء (جعفر) والأنامُ شهودُكم *** في شرع (جعفر) أنتمُ الخلفاءُ
أصبحتمُ للخَلقِ كعبةَ آمل *** طافتْ بركن مقامها العُلماءُ
أكْفاء كُلّ كريمةٍ فقديمُكم *** وحديثُكم شَرَع بذاك سواءُ
أهلُ الرئاسة أنتمُ وبفضلكمْ *** بين البريةِ سادتِ الأبناءُ
آباؤكم أبناءُ كُلَّ فضيلةٍ *** وبنوكمُ لفواصل آباءُ
أضحى (مُحَمَّدُ) قائماً من بعدكم *** بالأمر وهو (الحُجَّةُ) البيضاءُ
أحيا مآثر أهله من بعدهم *** ذكراً فكلُّهمُ به أحیاءُ
أوفى الأنام ندى وأعلاهم يداً *** وأعزّ من تُجلى به الغمّاءُ
أقسمتُ بالخوص النجائب فوقها *** من (هاشم) بيضُ الوجوه وضاءُ
أَلفوا مناكب يعملات شقّها *** وَخْدُ المسير ومسّها الأعياءُ
أهوتْ إلى بطحاء (مكةَ) حسبة *** تُطوى بها الهضباتُ والبيداءُ
أني أرى أهنا الليالي ليلةً *** يبدو بها لمسرّةٍ لألاءُ
أزمان قَدْ زُفّت لنجلكَ (مُحسنٍ) *** من آل (أحمد) غادةٌ حسناءُ
حيّي فتاةً جدُّها خيرُ الورى *** مولى الأنام وأمُّها الزهراءُ
ألقت زمام قيادها المهذّب *** بالعلم قَدْ شهدت له الفضلاءُ
أمسى الزمان غداةَ زُوّجَ (مُحسنٌ) *** طرباً عليه من السرور بهاءُ
أ (مُحَمَّد) الحاوي محامد جمّة *** لم يُحْصها عَدٌّ، ولا إملاءُ
أصخ المسامعَ سامعاً فوريّة *** ما شأنَ مدّة نظمها إبطاءُ
أَمَّتْكَ من حلفي وفاء أخلصا *** لهما يدومُ مدى الزمان وفاءُ
أقصى مرامهما رضاؤك عنهما *** فرضاك جائزةٌ لها وجزاءُ
أَرَجاً تضَّوعَ بَدؤها وختامُها *** فلها ببابكَ قَدْ أقامَ رجاءُ
قافية الباء
م بدت تختالُ مِنْ فلكِ الحجابِ *** يموجُ بوجهها ماءُ الشبابِ
م بديعة طلعة تجلو الدّياجي *** كما يجلو الظلام سنا الشهابِ
ن بمبسمها الشهيّ لنا مُدامٌ *** لذيذ الطعم يُعْصَرُ مِنْ رضابِ
م برا اللهُ البديعُ لها جمالاً *** به تاهتْ على الرود الكعابِ
ن بهاءٌ زان رونقهُ حياءٌ *** يُقنَّعُ وجنتيها عن نقابِ
م بوارقُ لحظها قَدْ جرّدتْها *** فراحَ لها فؤادي كالقِرابِ
ن بغتْ تَلَفِي وقد نصبتْ لقتلي *** حبائلَ غير بالغة النّصابِ
ن بُليتُ بها بسنّ صبا فشابتْ *** وما أقلعتُ عن سُننِ التّصابي
م بری جسدي وأنحلني هواها *** وصيّرَ مُهجتي رهنَ العذابِ
ن بما في وجنتيها من ورود *** وخمر في ثناياها العِذابِ
م بللتُ غليلَ أحشائي بريقٍ *** ترقرقَ عندما رقّتْ لِما بي(1)
ن برحت بسكر ريقتها خليعاً *** أخا مرح أجرُّ لها ثيابي
م برود هنا جررتُ غداةَ زفّتْ *** فتاةُ المجدِ للندبِ المُهابِ
ن بريءٌ عن مدانس كُلِّ عارٍ *** فليس يُذمُّ في زيّ مُعابِ
م بهيّ خلائق ينمي لمولى *** عريض الجاه متّسع الرّحابِ
ن بعيد عن مواطئ كُلِّ ضیمٍ *** فتى بحماهُ ينزلُ في جنابِ
بنی فوق المجرّة بيتَ مجدٍ *** له تأوي العُلى مِنْ كُلِّ بابٍ
بقية آل (جعفر) في البرايا *** وأكرمُ مَنْ حثثتُ له ركابي
بحار المدّ تجزر وهو بَحرٌ *** بموجِ الفضل زخّار العُبابِ
ن بوادر من نداه جرت فأزرتْ *** بوادرها بأخلاف السحابِ
م بلى وعلاهُ قَدْ أسدتْ يداهُ *** أيادي هُنَّ أطواق الرّقابِ
ن بصائرُهُ إذا تُليتْ تراها *** بصائرُهُنَّ في أُمَّ الكتابِ
م بلغتُ به منايَ ولا عجيبٌ *** بلوغي من أبي (حسنٍ) طلابي
1) علّق المؤلف على هذا البيت بقوله: «لا تغفل عمّا في هذا البيت، وعثرة الشيخ إبراهيم فيه»
بكرتُ له و(إبراهيمُ) يُثْنِي *** بنظم من خطاب مستطابِ
بليغ كابنِ (مُحيي الدين) يأتي *** من المنظوم بالعَجبِ العُجابِ
برزنا في خطابة كُلِّ قوم *** فلم تَقْصُرْ خُطانا في خِطابِ
بقيتُم آل (جعفرَ) والمعالي *** بواقٍ ليس تأذنُ في ذهابِ
وأحسن من هذا ما اشتركا فيه أيضاً، فالأصل للشيخ عبد الحسين محيي الدين رحمه الله يذكر السالفين من بيت الشيخ ويعدّد مساعيهم ومناقبهم ويتأسف على فراقهم وفواتهم، ويتخلّص إلى مدح الشيخ مُحَمَّد (قُدِّسَ سرُّه). وقَدْ خمّسها الشيخ إبراهيم العاملي (رحمه الله علیه) فأحسنا وأجادا، وبلغا من البلاغة ما أرادا، وهي من محاسن الشعر وجيّده فجزاهم الله عن أوليائه خير الجزاء، أنَّه فعّال لما يشاء، وهي:
الفضلُ حيثُ الأولى من (جعفرٍ) وَقَفا *** مضوا كراماً وعاشوا سادةً حُنَفا
فلا تَخَلْ بعدهم ربعَ الفِخار عفا *** أحيا أبو (حسنٍ) آثارَ مَنْ سلفا
وناب عن جدّهِ أكرم به خَلَفا
أولى به أنْ يُنادى باسمه عَلَنا *** محیي الشريعة والكشّاف معضلنا
قَدْ عمَّ آخرنا جُوداً وأولنا *** بقيّة الله فينا والمعاذ لنا
إنْ أعوزتنا رزایا دهرنا كَنَفا
إذا ذكرنا قضايا أعظم عظمتْ *** من أهله وسجايا أنفس كرُمَتْ
نعضّ أيدي لنا من جودهم فُطِمَتْ *** كُنا على مَنْ مضى نأسى ومُذْ نجمتْ
فينا شعائره الحُسنى فلا أسفا
يا (قائماً) بعد أهليهِ لنا ظهرا *** في طبقِ ما قَدْ جروا في المكرمات جرى
خبا ضياهم ولكنْ فى عُلاكَ ورى *** كأنَّنا بك يا بن الأكرمين نرى
أباك والحَبْرَ (موسى) ذمَّةً ووفا
منزّهُ النفس عن ذمّ يحوب ولَنْ *** يمسّ ثوبك من رجس العيوب دَرَنْ
أحرزت ما أحرزاه سؤدداً وعلا(1)*** وجعفراً عَزْمَةً والله يشهد أنْ
شاهدتُ فيك أبا (العباس) والشَّرَفا
1) علّق المؤلف على هذا البيت بقوله: «الظاهر أنَّ التنوين ليس بقافيةٍ للنون»
وردتَ صفو العُلى من صفو موردهمْ *** وقَدْ زكوت بزاكي طيب مَحْتَدِهِمْ
كأننا فيك نلقاهم بمشهدهمْ *** عليك من بعدهم سيماءُ سؤددهمْ
لم تعدُ من مجدهم حدّاً ولا طرفا
مناقبٌ لك في وجه الزمان بَدَتْ *** مثلَ الكواكب في أنوارها اتقدتْ
محاسنٌ في سواهم قَطُّ ما وُجِدَتْ *** علمٌ يكادُ يمسّ الغيب قَدْ شهدتْ
بفضلهِ علماءُ الدهر والعُرفا
وبشره وذكاهُ في ظرافتهِ *** يسدي عن الخطب إذْ يسطو بآفتهِ
وعفّة الذيل في زاكي نظافتهِ *** وخير خلق كريم من لطافتهِ
ترى الزمان ومَنْ في ضمنهِ لَطُفا
والفعل للخير إثرَ السير في سننِ *** والصَبرُ في الخطب والتسليم في محنِ
والصفح في الذنب والأعفاء عن أجنِ *** وخشية الله في سرّ وفي علنٍ
لم تختلفْ حالتاهُ جهرةً وخفا
خليفة الكل مأوى الكُلِّ مقصدهم *** إنْ حاولوا نائلاً أو حاذروا تَلَفا(1)
إن الخلافةَ عنكمْ غيرُ راغبةٍ *** وقَدْ تهادت لكم في زيّ خاطبةٍ
سهامُها في سواكم غيرُ صائبة *** بني (عليّ) يميناً غير كاذبةٍ
في دين (جعفر) حقاً أنتمُ الخُلَفا
وفي الزمان ملوكُ الأرض منْ قِدمٍ *** وسعتمُ الناسَ في حلم وفي كرمٍ
لم يلجأوا من علاكم مرتقى قدمٍ *** إنَّ البريةَ من عُربٍ ومنْ عَجَمِ
لكم رعايا إذا ما أعطوا النَصَفا
عليكمُ للهُدى طالتْ وفادتُها *** ومِنْ علوم لكم عمَّتْ إفادتُها
وفي سعادتكم دامتْ سعادتُها *** أنتم أئمّتها رشداً وقادتُها
قصداً وسادتُها الأمجادُ والشرفا
قَدْ أظهرَ اللهُ بالحُسنى شعاركمُ *** وحول قطب معاليها أدارَكمُ
أنتمْ سَبَكْتُمْ بكسبِ العلم داركمُ *** والمانعون طروق الضّيم جاركمُ
1) كتبَ المؤلف هنا: «ليس لهذا البيتِ تخميس»
والمنعمون إذا ما وافدٌ عَكَفا
أنجحتموا ببلوغ القصدِ آملنا *** وقَدْ فجرتُمْ بجدواكم جداولنا
وكم أجرتُمْ وما جرتم عقائلنا *** ولا يزالُ على غيظ الزمان لنا
منكم صَدُوقٌ إذا خانَ الزمانُ وفا
وكم لنا من أهاليكم فتي شرفا *** أجرى من الليث إمّا صارخٌ هَتَفا
ودونَهُ الغيثُ إمّا وبلُهُ ذُرِفا *** إذا استجرنا به في النائبات كفى
أو استمحنا ندى إحسانه وَكَفا
تخشى بناتُ الليالي من فوادحهمْ *** أورى شرارَ المعالي زَندُ قادحهمْ
أعيا لسانُ ثنائي عن ممادحهمْ *** من فتية ما تخطّى وصفُ مادحهمْ
إلاَّ ومن دون أدنى شأوهم وَقَفا
كانوا كواكبَ ألطافٍ ومرحمةٍ *** فكم جلوا غيهباً مِنْ كُلِّ مظلمةٍ
فما لغيرهمُ نارٌ بمضرمةٍ *** هم آل (جعفر) عنهم كلّ مكرمةٍ
تُروى ومنهم جنيُّ الوردِ قَدْ قُطفا
هم غوثُ مَنْ بهمُ يُلْجا بكل زمنْ *** وغيثُ مَن منهمُ يرجو بوادر مَّنْ
يفدون يندون إنْ جارَ الزمانُ ومَنْ *** سَلْ مَنْ أَجارَ سواهم مَنْ أنالَ ومَنْ
أقالَ منّا عثاراً غيرهم وكفى
ما استوطنَ المجدُ إلاَّ في مواطنهمْ *** فهو الرديف لساريهم وقاطنهمْ
همُ الميامين فاسعدْ في ميامنهمْ *** دَعْ مَنْ سواهمْ وحدّثْ عن محاسنهمْ
أخبارَ صِدق لأدواء القلوب شفا
أماجدٌ لم ينل من غيرهم تَرِبُ *** وليس يُنهى إلى ما دونهم طَلَبُ
هم في الندى سُحُبٌ هم في البلا حُجبُ *** مَنْ لليتيم أبٌ والمجتدي نَشَبُ
من للعدى حَرَبٌ مَنْ للسقيم شَفا
مَنْ جدُّهم أسسَ المعروف غيرهم *** مَنْ غيرُهُمْ سارَ في آثاره وَقَفا(1)
مَنْ سنَّ للخير آثاراً كسنّتهمْ *** فاستدفعَ الناسَ أخطاراً بجُنّتهمْ
1) قال المؤلف: «لم نقفْ على تخميسه»
ویستقيلون أوطاناً بجنّنهمْ *** مَنْ راحَ (قیصر) مشمولاً بمنّتهمْ
مَنْ غيرُهمْ ردَّ (كسرى) بعدما رَجَفا(1)
لا تغفل عن هذا البيت فأنَّ فيه ضربة شاعر، وفذلكة ماهر، يحقّ أن تخرّ لها البلغاء إلى الأذقان سُجّداً، وتتخذها الفصحاء في مغاني الأدب والبيان معبداً، حيث أنَّهُ أشار إلى قصة صلح الشيخ موسى بين الدولتين، ودفع العسكر والحصار عن أهل العراق (كما مرّ آنفاً ذكره). وقَدْ كنّى بقيصر الذي هو ملك (الروم) عن وزراء سلاطين الدولة العلية العثمانية، وكنّى بكسرى الذي هو ملك (الفرس) عن وزراء الدولة السميّة الأيرانية. وإنما شملهم بمنّه لأنَّهُ دفع مُحَمَّد علي مرزة وعسكره عن بغداد وواليها سعید پاشا و داود پاشا (كما عرفت). وهذا نوع من الأبهام والتورية، فأنَّ ظاهره المبالغة في عظمة الشيخ، وباطنه الأشارة إلى ما ذكرناه. وقَدْ صرّح بالبيت الذي بعده وهو قوله:
مَنْ الذي ركب العلياء ساهمةً *** مَنْ الذي وهب النعماء دائمةً
مَنْ الذي فرَّجَ البلوى مزاحمةً *** مَنْ الذي كشَّفَ الغمّاء داهمةً
عن (العراق) ومَنْ جلّى لها سدفا
هم المصابيحُ لا تطفى مشاعلهمْ *** تهْدى بها الناس حافيهم وناعلهمْ
كأَنَّما الله أمنَ الأرضِ جاعلهمْ *** مَنْ راح للناس أمن لا يراع لهمْ
في الدهر سرب كأنْ طَرفُ الخُطوبِ غَفا
حقٌّ لهم قَطُّ ما قمنا بواجبهِ *** ولا فعلنا قليلاً من مواجبهِ
مَنْ بيتُهم كعبةٌ طَافَ الهِجانُ بهِ *** مَنْ ظَلَّهم حَرَمٌ يُلجا لجانبهِ
إذ الرعية لاقتْ شدةً وجَفا
جدُّ الأكاسر سَلْ ما جاز حدَّهُمُ *** لمَّا لقى جدُّ (كسرى) الوقت جدَّهم(2)
به اقتدی واهتدى والرشدُ عندَهُمُ *** مَنْ تستمدُ ملوكُ الأرضِ رشدَهُمُ
إذا لَقَتْ من سياسات الورى كَلَفا
لهم قلوب لعمري غير غائبةٍ *** عن ألسن بادِّكارِ الله دائبةٍ
ومَنْ أجاروا الورى فى كُلِّ نائبة *** صفا الزمانُ بهم عن كُلِّ شائبةٍ
لذاك أعيا عُلاهمْ كُلَّ مَنْ وَصَفا
إذا استمحنا رويّاً من سحائبهم *** فقد شربنا هنياً من مشاربهم
وإنْ أرتنا الأماني مِن رغائبهم *** بهم نعشنا وعشنا في مواهبهم
وكلَّنا مِنْ مجاري جُودهم غَرَفا
كم من رياضٍ لهم بالزهر ممرعةٍ *** وكم حياض بفيض الجُودِ مُتْرَعةٍ
کُنّا بهم في سنيِّ الجدب في سَعَةٍ *** ونحنُ، واللهُ يولي الفضلَ في دِعةً
بظلّ فرعِهمُ الزاكي وقَدْ عَطَفا
حرٍّ كريم وفيٍّ بالعداة مليّ *** أحيا مُحيّاً من الحوراء في الكُللِ
مُهذبٍ بثيابِ الفضلِ مشتملِ *** (مُحَمَّد) بن (عليّ) مُنتهى أملي
وعصمتي من عنيد الدهر إنْ عَنَفا
لا زال ذا الفضل يلقى كُلّ ذي شرفٍ *** له وللعزِّ من أهليه معترفا(1)
وقال الشيخ عبد الحسين رحمه الله يمدحه أيضاً ويعدّد مناقب أعمامه وأجداده وجلوس الشيخ مُحَمَّد بمكانهم، ويعرّض بحسّاده ومعارضيه، ويمدح ابن عمّه جدّنا العلم الأعلم الشيخ مُحَمَّد رضا بن الشيخ موسى. وهي من القصائد الفريدة التي لا نظير لها في بابها(2)
والحاصل أنَّ الشيخ عبد الحسين، والشيخ ابراهيم (رحمهما الله تعالى) كانا فَرْسَيْ رهان، ورَضِيعَي لُبان، في هذا الميدان، دائمي الحضور في دار (المشايخ). وكان شعرهما مقصوراً عليهم. وكان شأن الشيخ عبد الحسين أنْ يقول (الأصل)، والشيخ إبراهيم (يُخمِّسهُ). هكذا كان دأبهُما مدّةٍ عُمرهما إلى أن تُوفي الشيخ عبد الحسين، وسار الشيخ إبراهيم إلى بلده بعد وفاة الشيخ محمد (رحمهم الله جميعاً). - إنتهى قول المؤلف -.
وقد أورد الخاقاني تخميس الشيخ إبراهيم صادق العاملي المُتوفى سنة 1288 ه / 1871 م، (شعراء الغري، ج 1، ص 110)، أولهُ:
بني (عليّ) نرى الأفصال مجملها *** فيكم، وعنكم بكم نروي مُفَصَّلها
يا أبحراً يمَّمَ العافونَ منهلها *** إنَّ الرئاسةَ أنتمْ أهلُها ولها
همتم بها مثلما هامتْ بكم ولها
أمَّا ولد الشيخ إبراهيم العاملي الذي أشار اليه المؤلف فهو العلامة الشيخ عبد الحسين صادق العاملي المُتوفى سنة 1361 ه / 1942 م، وكان من كبار الشعراء
، وهي:إنَّ الرئاسةَ أنتمْ أهلُها ولَها *** همتم بها مثلما هامتْ بكم وَلَها(1)
والعالمون إذا ما الناس قَدْ جهلوا *** والعاملون إذا َضلَّ امرؤٌ ولها(2)
بني (عليّ) وما للأمر غيركمُ *** ملكتمُ من أمور الناس أوّلها
هذي العلوم لكم (كشفُ الغطاء) بها *** وكم فتحتمْ بعون الله مُقْفَلَها
وذي المعالي إليكم وردها ولقد *** رويتم عن أهاليكم مسلسلَها
أخبارُها صرّحت فيكم، وغيرُكم *** تكلّفَ الأمرَ لمَّا أنْ تأولَها(3)
لو أنزلَ اللهُ مِنْ بعد النبيّ على *** سواهُ آيا إليكمْ كان أنزلَها
إذا افتخرتم ذكرتم (جعفراً) وكفى *** ما انفكّ يفرج للنّعماء مشكلَها
وكم (لموسى) يدٌ بيضاء لآن لها *** صَعْبٌ ونالَ الأماني مَنْ تأمَّلها
له عصا حكمة الباري مؤيدة *** بأيُّها نفثات السحر أبطلَها
ومِنْ (عليٍّ) معال لو جهدتَ لها *** والعالمون جميعاً لن نفصّلَها
وما تفاضل أهلُ العلم في شرفٍ *** إلاَّ وكانَ أبو (العباس) أفضلَها
أماجدٌ تَهبُ النعماء أنملها *** من قبل أنْ ترد المَغْنَى لتسألها
مضوا كراماً فلا عينُ العلوم لهم *** ترقى ولم تترك العليا تولولها
ومُذْ قضى (الحسنُ) الزاكي تخيّل أنْ *** ما للشريعةِ عنهم مَنْ يقومُ لها
وما دروا قَدْ أعدَّ اللهُ قائمَها *** (مُحَمَّداً) والفتى (المهديَّ) موئلَها
وفي ابن موسى الرضا) عمَّنْ مضى خَلَفٌ *** تلقاهُ ما بين أهليه مبجّلَها
أكرم بهم فئة أوصافهم شرَع *** في الفضل إنْ تردّ الورّاد منهلَها
حسبي وحسب البرايا بعدهم خَلَفٌ *** أعباء أهليه طُرَّاً قَدْ تحمّلَها
بقيّة السلف الماضين والخلف *** الذي عليه الورى ألقت معوّلها
(مُحَمَّد) بن (عليّ) خير من رَقَلتْ *** له المطيّ وشدّ الوفدُ أرحلَها
سرت إلى (قیصر) الأقصى محامده *** وجاوزت مسمَعَيْ (كسرى) فبجّلَها
1) وَلَها: (هو من الوله) وهو شِدَّةُ الشوق (تعليقة المؤلف)
2) هو من (اللهو). (تعليقة المؤلف)
3) قال المؤلف الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء مُعلّقاً على هذا البيت بقوله: «حدثني العلم الصالح نجل الخلف المهدي: أنَّه لمّا قرئتْ هذه القصيدة كان في المجلس بعضُ المُعارضين للشيخ محمد من (الأساطين)، فلمَّا وصلَ القارئ إلى هذا البيت قام غضباناً، وقال: «أنا المُتكلَّف لها»، ثم خرج
يا مُحْرزاً جُملَ الحمد الجزيل له *** وحائزاً من صفات المجد أجملَها
إليكَ منّي ولا مَنٌّ محبّرةٌ *** ألقتْ بجنبِ حماكَ الرحبِ كلكلَها
طالتْ نظاماً وعن علياك قَدْ قَصُرَتْ *** فها لتقصيرها تبدي تظلّلَها
وقال الشيخ إبراهيم قفطان(1)يمدَحُهُ ويهنّيه في بعض أعياده، ولم أجد إلاَّ قوله:
إنَّ الذي سمك العُلى وبَنى على *** أفلاكها المجدَ الأعزَّ الأمنعا
وحوى النُّهى طفلاً وأوطأ هامَها *** كهلاً ونالَ الدينَ والدُنيا معا
ذاك العليّ (مُحَمَّد) علم الهُدى *** غيث الندى غوث الصّريخ إذا دعا
شمس المعارف بدرها السِاري الذي *** ملأتْ أشعتُهُ الجهاتَ الأربعا
وَسعَ الملا فضلاً فأصبحَ جَاهُهُ *** من هذه الدنيا أجلَّ وأوسعا
وسعى إلى إدراك غايات العُلى *** سعي الكرام فكانَ أسبقَ مَنْ سَعَى
ورعى الشريعة باذلاً في حفظِها *** جُهدَ العليم فكانَ أحفظَ مَنْ رعى
وأقامَ مِنْ أركان دين الله ما *** لولا علاهُ كادَ أنْ يتزعزعا
وحمى حقيقة شرع آل مُحَمَّد *** فَغَدا لأشتات المفاخر مجمعا
سرُّ الأله وكم له في نفسه *** حجج على ما قلتُهُ لن تدفعا
ومهذب سادَ البرية مُذْ رقى *** دوحَ التقى وحوى الفضائلَ أجمعا
فليفخرنْ بوجودهِ دهرٌ غدا *** أذناً لرائق ما يقولُ ومسمَعا
وليهنأنْ بوجودهِ العيدُ الذي *** من أجله فيه السرورُ تجمَّعا
ما العيدُ لولا أَنْ يشام هلالُهُ *** بجبينه متطلّعاً متشعشعا
أخذت عليّ صفاته ونعوتهُ *** سبل المديح فما عسى أنْ أصنعا
هي كالكواكب لا يقومُ بحصرها *** نظمي وإنْ كنتُ الخطيبَ المُصْقِعا
يا واحدَ الدنيا وأفضلَ مَنْ غدا *** بحراً بأمواج الفضائلِ مُتْرَعا
وأجلّ مَنْ حازَ العلوم بأسرها *** فغدا لطُلاّبِ المعارف مَفْزَعا
إنِّي قَصَرْتُ على عُلاكَ مدائحي *** وعلى ودادكَ قَدْ طويتُ الأضلعا
إنْ يَمْتَدحْ غيري سواكَ ويرتكبْ *** نهجَ الغُلوّ فقد أصبتُ وضيَّعا
1) تُوفي سنة 1279 ه / 1862 م
قال السيد الأديب، والشاعر الحسيب، السيد أبو الحسن العاملي رحمه (قدّس سره)، ويمدح المهدي ويعزّيه، مع إخوانه وبنيه، ويذكر جلوسه بمحل آبائه الكرام وهي:
كُن من زمانك في حَذَرْ *** وذر التنعُّمَ فیه ذَرْ
ما الدهرُ إلاَّ بغتة *** يَقضي به البشرُ الوطرْ
فیه تفوّق ترم أسهماً *** للحادثات يدُ القَدرْ
ترمي بهُنَّ من الورى *** حُججَ الأله على البَشرْ
كم أعين سهرتْ به *** ولکم قذفن به الدُّررْ
من بعد فقدِ أخي عُلاً *** دينُ النبيِّ به اعتمرْ
متكفّل أمرَ اليتامی *** غاب منهم أم حَضَرْ
بحرٌ خِضَمٌ منهُ ما *** نبغتْ سوى الدررُ الغُررْ
والبحرُ یَجْزِرُ مدُّهُ *** ونداهُ مدَّ وما جَزَرْ
إِنْ مرّ ربي عيشٌ حلا *** بوجوده فاليوم مرْ
وأهانَ رزءكَ أننا *** لكَ في اللحوق على الأثرْ
إذْ لا محيصَ من القضاء *** ولا مناص ولاَ مفَرْ
ما ضرَّ فقدُ (مُحَمَّدٍ) *** وإمامنا (المهدي) ظَهرْ
حَبْرٌ أبرٌّ فوق كرسيّ *** القضاء قَدْ استقرْ
حاوي فضائل (جعفرٍ) *** والمقتفي منه الأثرْ
ولنا العزاءُ (بمُحسنٍ) *** عَلم أبيّ الضیم برْ
والماجد (الحسن) الخليقة *** مَنْ بهِ الدهر ابتَهرْ
ولنا السلوُّ بآله *** الصیدِ الميامين الغُررْ
و(بجعفرِ) الفضل الذي *** بظهورهِ البشرُ ابتشرْ
حيّا الحياء ضريحَهُ *** ما اخضرَّ نبتٌ أو زَهرْ
أو رنّحت بمديحه الورقا *** على وَرَقِ الشَجرْ(1)
أو مرَّ ذِكرُ (مُحَمَّدٍ) *** بين البريةِ والبَشرْ
وقال المرحوم الشيخ عبد الحسين ابن الشيخ نعمة الطريحي(2)يرثيه رحمه الله ويعزّي أخاه وبنيه (رحمه الله):
أطلِ النوحَ إنْ شهدتَ الطُلولا *** واسكبِ الدمعَ بكرةً وأصيلا
أصبحتْ بلقعَ الديارِ وكانتْ *** للمنوبين ملجاً ومقيلا
وعلى رغم أنفِها استبدلتْ عن *** قاطنيها وحش الفلا والغُولا
واستنابتْ عن النشيد ونشر ال *** مدح فيها للفاقدات هديلا
وبحُكم الزمان للذُلّ فيها *** جرَّ عادي الخطوب عمداً ذيولا
ويحَ تلكَ الصروف كم جرّعتنا *** غُصَصَاً للفراقِ أورتْ غليلا
ذاكَ مِنْ عادةِ الليالي فعيشُ ال *** حُرِّ لو طابَ كانَ فيها وبيلا
فلذا كم رأى الترحّل عنها *** ذو معال سرى فجدَّ الرحيلا
ومضى مُسْرِعاً فحلَّ مقاماً *** ومحلاً عند الأله جليلا
أيُّ ركن للمكرمات وحُصنٍ *** للمعالي يا للرجالِ أُميلا
يا بني العلم إنَّ حقاً عليكم *** إن تُطيلوا على العلوم العويلا
قَدْ فقد تُمْ ربَّ الفواضل وال *** فضل ومَنْ كانَ للجميع كفيلا
قَدْ فقَدتُمْ بحرَ النوال وغيثَ ال *** جُودِ والطودَ الذي فاَت طُولا
قَدْ فَقَدتُمْ مَنْ كانَ أمنعَ كهفاً *** لليتامى وكان ظلاً ظليلا
وربيعاً في النائبات وغيثاً *** وحُساماً في المعضلات صقيلا
أحرزَ الفضلَ في العلوم فأضحي *** عندَهُ كُلُّ فاضل مَفْضُولا
وإليه ألقى الجميعُ قياداً *** وله أذعنتْ قبيلاً قبيلا
ما رجاهُ راج وأمَّلَ إلاَّ *** نالَ منه المرجوَّ والمأمولا
مَنْ شَجَا فقدُهُ بني العلمِ والحل *** م وأبكى فراقُهُ التنزيلا
والهمام الذي بعلياه ساد الخلق *** طُرَّاً شيوخَها والكهولا
حسبُها عن كفيلها البرِّ (با *** لمهديّ) إنْ جارتِ الليالي كفيلا
واحد الدهر عالم العصر مَنْ *** أوضحَ للناسِ في الرشادِ سبيلا
بأبي (صالح) رأينا سجايا *** أهلهِ الغُرّ والقرون الأولى
وإذا سامَنا الزمانُ مصاباً *** فبهِ كشفُنا المصاب الجليلا
واغترفنا من (جعفرِ) الفضلِ علماً *** واغتنمنا قبل السؤال السُولا
أدركتْ عندَهُ المعالي مُناها *** حيثُ قَدْ كان عضبَها المصقولا
لم يَمُتْ مَنْ له غدا (محسنٌ) و (ال *** حسنُ) الفعلِ في البرايا سليلا
وسَقى قبرَهُ الحيا كُلَّ يومٍ *** من سَحابِ الرضا أجشا هطولا
وقال الشيخ إبراهيم العاملي(1)يرثيه، ويُعزّي ذويه، ويمدح الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه الله، وقدّس سرّه):
هو البينُ لم يستبق في القَوسِ مَنْزَعا *** ولم يُبْقِ للعاني من الوجدِ مَفْزَعا
غداةَ أبو المجد الأثيل (مُحَمَّد) *** ملاذ النهى والعلم بالرغم أزمعا
نوى ضَعَناً والمجدُ باق مكانَهُ *** له جلدي يوم الرحيل مشيّعا
ولي كَبِدٌ قَدْ شفَّها بعدَهُ النوى *** وقلبٌ براهُ الحزنُ حتى تقطّعا
وأحشاءُ ملهوف معنّى أذابها *** جرى البينُ فانهالتْ من العين أدمعا
فيا ضاعناً لا مسَّكَ السوء إنني *** لفقدكَ لا أنفَكُّ مضنى مروّعا
ويا هاجراً حاشاهُ لا عَنْ ملالةٍ *** ومُودَعنا نار الجوى يوم ودّعا
1) نقل الخاقاني هذه القصيدة، وذكر أنّها قُرِئتْ في رثاء السيد محسن بن السيد أمين الحسيني في مجلس الفاتحة الذي أقيم في النجف، (شعراء الغري، ج 1، ص 94)، ويُمكنُ مطابقة النصَّين ففيهما بعض التغيير، علماً أنَّ عددَ الأبيات التي وردتْ في شعراء الغري (20) بيتاً فقط
علمنا بأنَّ العلمَ قُوِّضَ والتُقى *** وركن الهُدى والمكرمات تضعضعا
وأنَّ العُلى أَقْوَتْ مبانيه والأسى *** تزايدُ والسلوانُ أضحى مُضيّعا
إذا هتفتْ بي غرّ أوصافك التي *** سمتْ أنجمَ الأفلاك نوراً ومطلعا
تأوهتُ منْ وجدي وأمسيتُ مِنْ جوى *** نحيلَ القُوى أطوي على الجمر أضلعا
أكفكفُ أسراب الدموع براحة *** فَتَهُمي كفيَّاضِ الغَوادِي تَدفُّعا
ولا عجبٌ أن بتُّ حلفَ كآبةٍ *** أخا حسراتٍ ناحل الجسم موجعا
فأني أرى السلوانَ بعد (مُحَمَّدٍ) *** حراماً وإدمان البُكاء تطوّعا
فيا واحدَ الدنيا ويا غوثَ أهلها *** ويا خيرَ مَنْ قَدْ كان للخَلق مَفْزَعا
سعيتَ لنيل المكرمات وكسبها *** فكنتَ بحمد الله أسبقَ مَنْ سعى
لئن غالبتْكَ النائباتُ وأصبحتْ *** ديارُ المعالي يوم أزمعتَ بلقعا
فكم قَدْ غلبت الحادثات وكم غدا *** بجدواك روضُ العلم والفضل ممرعا
وإِنْ تُمسِ رَهْنَاً في التراب مغيّباً *** وشمسُ الهُدى والدين يمسي موزّعا
فكم كنتَ للدنيا وللدين بهجةً *** وللفضلِ والتقوى محلاً ومجمعا
لك الخير هَلْ من أوبة تُثْلجُ الحشا *** وتُطفي لهيباً بين جنبيّ مُودَعا
ولولا سليلاكَ اللذان تسنَّما *** ذُراكَ ومِنْ سامي عُلاكَ تفرَّعا
هما (الحسنان) (المُحْسنان) كلاهُما *** به والمعالي والفخار تلفّعا
لأفنيتُ آنائي نحيباً ونحتُ ما *** بقيتُ ولم أصرفْ إلى العذل مسمعا
وحسبي هما من بعد صنويكَ مَنْ هُما *** شريكا عنان الفضل إنْ جَرَيا معا
رضيعا لُبانٍ أحرزا كُلَّ مفخرٍ *** قديماً وقَدْ سادا ذوي العلم أجمعا
هما حافظا شرع النبيّ وحامياً *** حمی ملّة الأسلام من أنْ تُضَيّعا
هما ورثا علم النبيّ وشيّدا *** من الدين ركناً كاد أنْ يتضعضعا
هما أوضحا سُبْلَ الهُدى للورى وفي *** جبينيهما نورُ الهُدى قَدْ تشعشعا
هما للورى كهفٌ ولي بعد مَنْ مضى *** محلُّ رجاً لا أبتغي عنه منزعا
وبالخَلف (المهديّ) للناس سلوةٌ *** تغادر جمر الوجد بالثلج منقعا
فتى قام بالأمر الجليل وقَدْ رقى *** محلاً غدا من مركز الشهب أرفعا
و (جعفر) بدر الفضل والعلم من غدا ***خِصَماً بأمواج المعارف مُتْرَعَا
فيا أيُّها الأمجاد صَبْراً على الرّدى *** وإن كان خطباً هائل الوقع مُفْزِعا
فأنَّ لكم بعد افتقادِ (مُحَمَّدٍ) *** عزاءً بَمَنْ قَدْ شاد للدين أربعا
هو (المرتضى) بدرُ الهُدى حجّةُ الورى *** منارُ التُقى مَنْ راحَ للفضل منبعا
إمامٌ له عقد الولاء وقَدْ غَدتْ *** لعلياهُ أعناقُ البرية خُضَّعا
وحيّا الحيا رمسا بلطف سحابة *** أبي مُدَّةَ الأيامِ أنْ يتقشّعا
وقَدْ أجاد غاية الأجادة، وأحسن غاية الحسن وزيادة، الشيخ صالح الشهير بالكوّاز(1)
ويُلاحظ أنَّ الكثير من قصائد الرثاء في هذه الفترة تنتهي الى تعزية السيد مهدي القزويني، وهي لشعراء حليين. حيث شهدتْ الحلّة منذُ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي إزدهاراً أدبيا لم تشهده هذه الحاضرة العلمية مِنْ قبل بفضل جهود السيد مهدي القزويني الثقافية، حيث نزح إلى الحلّة سنة 1253 ه / 1837 م، وأمضى حياته فيها، ولم يرجع إلى النجف إلاّ عام 1294 ه / 1877 م لتوليهِ مهام (المرجعيّة) الدينية حتى وفاته عام 1300 ه / 1882 م
، يرثيه ويُعزّي السيد مهدي القزويني (رحمه الله علیه):نعى فشجا قلبَ الشريعةِ إِذْ نعى *** فعادَ لديهِ أحلمُ الناسِ أجزعا
وضيّع أهل العزم قوَّةَ عزمهم *** كما أنَّ حُسنَ الحزمِ أضحى مضيّعا
فلم تلقَ هذا الكون إلاَّ بدهشةٍ *** كأنَّ الفنا في الناس نادى فأسمعا
لِفقد حليف المكرمات (مُحَمَّدٍ) *** لقَدْ كادَ قلبُ الدين أنْ يتقطّعا
فتىً كانَ في ألفاظهِ ولحاظهٍ *** حسامان كانا من شَبا الموتِ أقطعا
أبا (مُحْسنٍ) قَدْ كنتَ للدهرِ مهجةً *** فأوحشَ منها البينُ للرُزءِ أضلعا
وقَدْ كنتَ عرنينَ الزمان الذي به *** يُزانُ له وجهٌ فأصبحَ أجدعا
وكُنتَ لعينيهِ الضياء فما الذي *** أزالَ الضيّا عنها فأبدلَ أدمعا
فما أظلمَ المحرابُ بعدَكَ وحدَهُ *** نَعمْ مشرقُ الدنيا ومغربُها معا(2)
كأنَّ ضياء الصُبح قَدْ َحالَ لونه *** أو الليل قَدْ أرخى على الصبح بُرقعا
فما أنتَ مَنْ خصَّ الأقارب رزؤهُ *** ولكنَّهُ عمَّ البرايا أجمعا
ألم تر هذا الكون كالفُلكِ قَدْ غدا *** يعومُ بموجٍ كالجبال تدفّعا
بنفسيَ طَوْداً ضعضعَ الموتُ جنبَهُ *** وما خلتُ ذاكَ الطود أنْ يتضعضعا
فما خلتُ أقمارَ الهداية فى الثرى *** تَغيبُ وقَدْ كانتْ لدى الأُفق لُمَّعا
أبا (جعفر) أنتَ المُرجّى لمحنةٍ *** إذا أشكلتْ أضحى بك الحقُّ مشرعا(1)
وأعلمُ خلق الله في كُلِّ موطنٍ *** وأرساهمُ في الخَطب رُكْناً وأمنعا
كأنَّكَ أعطيتَ الجبالَ وقارَها *** وأوصيتَها في الخَطبِ أنْ لا تَزعزعا
فما أنتَ إِلاَّ عَيْبَةٌ (لمُحَمَّدٍ) *** بها كُلُّ آيَاتِ النُّبوةِ أَودعا
ولبعضهم من قصيدة طويلة في رثائه رحمه الله:
لله أيُّ عظيم خَطْبٍ قَدْ عرا *** أو أيّ داهية بها دُهي الورى
هدَّ الحِمامُ لآل (جعفر) أخشباً *** وأجفّ من بحر المفاخر (جعفرا)
أودى بأبلجَ من ذؤابة (جعفر) *** رحب الفنا وقّاد نيران القِرى
أودى بحامي شرعة الهادي إذا *** ما نابَهِا أمرٌ حمى وتنكّرا
أودى فأمسى الدينُ بعدَ ذهابهِ *** متساقطَ الأطراف محلولَ العُرى
أبني (عليٍّ) إِنَّ طودَكُم هوى *** وعمادُكُمْ في الرّوع عادَ مُعَفّرا
مَنْ لم يزلْ مِنْ علمهِ ونوالهِ *** للطالبين يمدُّ ثَمَّةَ أبحرا
يا مَنْ إذا وافى العُفاةُ لبابهِ *** ألقوهُ كالغيث الهطول على الورى
لو قلتُ فقتَ السابقين جميعَهُمْ *** واللاحقين إذن لكنتُ مُقصِّرا
ما إنْ يخصّ مصابك القربى بلى *** قَدْ عمَّ مَنْ حَلَّ (الغريَّ) بَلْ الثرى
عادتْ بحارُ العلم بعدكَ والهُدى *** يَبَسَاً وآذنَ مدُّها أَنْ يُجْزَرا
فلتجرينَّ العينُ يا بحرَ الندى *** من بعد فقدِكَ من دماها أبحرا
إنْ كفّنوكَ فأنَّ جسمَكَ لم يَزلْ *** يختالُ في بُردِ التُقى متأزّرا
أو غسّلوكَ فلن تزالُ منزّه ال *** أقوال محمودَ الفعال مُطهّرا
أو حنّطوك فلن تزالَ مطيَّباً *** طيباً تَضُوْعُ به الصحارى والقُرى
ما ماتَ مَنْ أبقى لنا (المهديَّ) مَنْ *** يهدي - إلى نهج الهُدى - المتحيّرا
1) أبو جعفر: هو السيد مهدي القزويني. وقد تُليتْ هذه القصيدة في مجلس التأبين الذي أقامه القزويني في مدينة (الحلّة) للشيخ محمد كاشف الغطاء
علامةُ العلماء مَنْ أضحى التقى *** والعلمُ في إقباله مستبشرا
ذو رتبة لو شاءَ أنْ يرقى لها *** فوق الثُريا لم يكنْ متعذّرا
شمسُ الشريعةِ قطبُ دائرة الهُدى *** مَنْ قَدْ تردّى بالتُقى وتأزّرا
وكذاكَ (جعفرٌ) الذي فاقَ الورى *** بفضائل وفواضلٍ لن تُحْصَرا
حيّا ضريح (مُحَمَّدٍ) صوبُ الحَيا *** ما مَرَّ ذكرُ (مُحَمَّدٍ) بين الورى
وأحسن من هذا كله ما قاله وحيد زمانه، وأديب العراق على الأطلاق في أوانه، السيد صالح القزويني البغدادي(1)(رحمه الله علیه):
جلل أطلَّ على (العراق) فمادا *** منه (الحجازُ) وزلزلَ الأطوادا
هوتِ النجومُ وكُوِّرتْ شمسُ الهُدى *** وترفَّعَ القمرُ المنيرُ سوادا
وعلى الضُّحى خلعَ الدُجى جلبابَهُ *** فستجلببا من حَنْدَسٍ أبرادا
اليوم قادَ مُحمَّداً صرفُ الردى *** من بعدما ألقى إليه قيادا
اليوم صُدَّعَ شرعُ آل (مُحَمَّدٍ) *** والراشدين وضعضعَ الأرشادا
اليوم غارَ على المكارم والعُلى *** وعلى الهُدى والدين ذَرَّ رمادا
الیوم أدركتِ النوائبُ وتْرَها *** مِن واتر جرعت به الأنكادا
اليوم أبرقَ بَغْتَةً غيث الأسى *** فينا وأرعد بالشجي إرعادا
اليوم أورى المجد واري زنده *** فطوى الظلوعَ وفتّتَ الأكبادا
اليوم قَدْ سُلِبَ الرقادُ فلم تَذُقْ *** أبداً عيونُ المسلمين رقادا
اليوم كُفَّ المعتقون وطالما *** قطعوا له الأغوارَ والأنجادا
اليوم غادي الجود أقلعَ بعدما *** بالجود راوحَ مرتجيه وغادا
اليوم ثلّم سيفُ أرباب النُّهى *** قَسْراً وحطّم رمحها الميّادا
اليوم قَدْ أردى (عَليَّاً) والفتى *** (حَسَناً) و (موسى) القادةَ الأمجادا
اليوم جرّع (جعفراً) و (مُحمّداً) *** و(الخضرَ) كأسَ الحتف والأنكادا
اليوم بدّد شملهم مِنْ بعدما *** فيهم غدا شمسُ الضلال بدادا
1) من كبار شعراء العراق، وعلمائه تُوفي سنة 1306 ه / 1889 م. ومعاصرٌ له السيد صالح القزويني الحلّي (ابن السيد مهدي القزويني) المتوفى سنة 1304 ه / 1887 م
کم قادَ أجنادَ الرّدى من بأسهم *** فِرَقاً فردّوا القَهْقَرى الأجنادا(1)
اليوم جُبَّ سَنامُ كُلِّ فضيلة *** بهرتْ وكُلّ عماد مجد مادا
اليوم أرقد أعيناً لم تكتحلْ *** حَسَداً له إلاَّ قَذىً وسهادا
بدرَ الهُدى ما حلتَ عن أُفقِ الهُدى *** تستبدلُ الأجداثَ والألحادا
بحرَ الندى ما خِلتُ تصدرُ بالظما *** من بعد ردّك بالرّوى الورّادا
روض العُلى ما بال وردك يانعاً *** أَلفَ الذبولَ فأفجعَ الرُوّادا
نجمَ السعودِ أراكَ غبت ولم تكنْ *** تجلى النفوس فنجتلي الأعيادا
ربعَ المعالي الغُرِّ مالكَ مُوْحِشاً *** من بعد أنسك تصدعُ الوفّادا
نجحَ الأماني قَدْ قضيتَ وما قَضَتْ *** فيكَ الأماني الجامحات مُرادا
عينَ العوالم كيف سامَكَ بالقَذى *** زمنٌ وكنتَ لِناظَريهِ سوادا
طودَ النُهى مَنْ دكَّ شامخَكَ الذي *** أرسى البلاد وطاولَ الأطوادا
غوثَ العبادِ أراكَ لا تُصغي إلى *** شكوى العباد وقَدْ نويتَ بعادا
كهفَ الأراملِ كيف أحرمتَ الأرامل *** فى النوازلِ برَّكَ المُعْتَادا
حلَّيتَ جيدَ الدهرِ ثم تركتَهُ *** عَطِلاً بأيد حلّتِ الأجيادا
كيف الحِمامُ عدا عليك ولم يَزلْ *** لجليل قدرِكَ خاضعاً مُنْقَادا
شمتتْ حواسدُنا ببعدكَ بعدما *** كُنَّا بقربكَ نُرغِمُ الحُسّادا
یا دهرُ قَدْ آليت ويلكَ عامداً *** أنْ لا تُبقّي للرشاد عمادا
لك كُلَّ يوم غارةٌ شعواء عُدْ *** وأناً تُشَنُّ على الكرام طرادا
حتى استثرت من ابن (جعفرَ) قاتلاً *** شفرَ المنون شوازباً وَوِرادا
فتركتَ دينَ (الجعفريّ) على شفا *** جُرف عليه العادياتُ تَعادى
هَبْ قُوِّضَ الدهرُ المريعُ بفردِهِ *** أوَ ما أقامَ مقامَهُ أَفرادا
العالم (المهديّ) والعلم الذي *** حازَ المفاخرَ طارفاً وتلادا
نَقدَ المعالي صارفاً صرف الردى *** عنها فكان الصّيرفَ النَّقادا
مَلِكُ يُجَلُّ عن النظير كجدِّهِ *** وكذا أخوه فضيلةً وسَدادا
1) قال المؤلف معلّقاً على هذا المعنى بقوله: «إشارة إلى ما تقدَّم من ردّ عسكر الفُرس عن بغداد»
عذب المناهل (جعفر) الفضل الذي *** قصرَ الفواضل والفضائل شادا
قمران للعلياءِ قَدْ جرَّا على *** هام المجرة للعُلى أبرادا
المحييان من المكارم ما عَفا *** والهاديانِ إلى الهُدى مَنْ حادا
صبراً شقيقيه اللذين تسابقا *** للمكرمات فسابقا الأمجادا
وتزوّدا زادَ السلو فأنَّما *** زادُ السلوِّ عليه أجملُ زادا
لكُما الأسى بابنيه مَنْ فاقا الورى *** سَبْقاً وطالا في الفَخارِ وسادا
مَنْ روّجا للعلم بعد أبيهِما *** سُوقاً شكا بعد الرواج كسادا
ما منهما تلقاهُ إلاَّ (محسناً) *** (حَسَناً) وَبَراً بالعُفاة جوادا
حيَّا الحَيَا جَدَثاً تَضمَّنَ كوكباً *** من آل (جعفر) بالهُدى وقّادا
لا (جدَّ) للآمال ساعةَ أرّخوا *** (كمُحَمَّدٍ صرف الرّدى ما اقتادا)
1268
يُخْرَجُ سبعة ويبقى التاريخ(1).
ويليه في الحسن ما قاله الأديب المفلق، والأريب الذي هو في سماء الفخر محلّق، ذو الشرف الجليّ، السيد مهدي(2)بن السيد داود الحلّي، من بني عم السيد حيدر (رحمهم الله جميعاً)، وهي:
أرى الأرضَ مَعْ هضبها تضطربْ *** فتُوشَكُ في أهلها تنقلبْ
وهذي السماوات منْ مَوْرِها *** تكادُ تَساقطُ منها السُحُبْ
وساطعُ أنوارِها شاحباً *** فأيُّ كواكبها قَدْ غَربْ
وطبّقت الأرض ندباً تكاد *** تُدكُّ له راسياتُ الهضبْ
وناحَ القريبُ بها والبعيدُ *** يُجاوبُ في نَوْحِهِ مَنْ قَرُبْ
ونادتْ شريعةُ دين الهُدى *** أسىً عن حشى واجد مُلتَهِب
لِمَنْ ثكل الدينُ قالَ النُّعاة *** (مُحَمَّدٌ) المُصطفى المنتجبْ
فيا أرضُ سيخي فما فيكَ مَنْ *** تُجلّى بها داجياتُ النُوبْ
و يا عَجَباً مِن صُروف الردى *** بقيّة مخرسها تَستلِبْ
كيف الذي فضَّ ثغر المنو *** ن به نابُ حادثةٍ قَدْ نَشَبْ
وكيفَ الذي غَلبَ النائبات *** يكونُ لَهُنَّ عليه الغَلبْ
وأنّي دنت منه وهي التي *** لمُعظمِ هیبتهِ تضطربْ
أفي زيّ عاف أتتْهُ فجاد *** بحوبائهِ حيثُ أفنى النَشبْ
وإلاَّ فكيف تنالُ الذي *** بهیبة غُرّتهِ محتجبْ
فَوَالهفتا لِخِضَمِّ العقاب *** بصرف حوادثهِ قَدْ نَضَبْ
لِتَنْعَ الأراملُ والمرملون *** کافلها في السنين الشهبْ
وتبكي بصيّب أحداقها ال *** یتامی على مَنْ لها كان أبْ
لقد كابدتْ بعدَهُ فَادِحَين *** عُظمَ رزيّتهِ والسَغَبْ
ويا حاملي نعشهِ خلفه *** ملائكُ ربِّ السما تَنْتَحِبْ
قفوا ساعدوها ولو مُتُّموا *** فلم يُقْضَ منْ حقّهِ ما وَجَبْ
ولا تحسبوا أنَّكم حاملونَ *** إلى القبر نَعْشاً رفيع الحَسَبْ
فأنَّ ملائكَ عرش الأله *** قَدْ رفعته لأعلى الرُتَبْ
وسارتْ به ونفوسُ الأنام *** معلَّقةٌ فيه تخشى العَطبْ
إلى رتبة لم ينلْهَا سواهُ *** مِنْ دونها عالياتُ الشُهبْ
وأمسى بمُلك عظيم وقام *** (إمامان) فیما به قَدْ وَثَبْ
عليمان بالأمر قبل الوقوع *** كأنْ عِلْمُهُ عنهما لم يَغبُ
(فمهديْ) البريةِ هذا وذاكَ *** (جعفرُ) علم يُريها العَجبْ
ومِنْ خلق ذلك رقَّ النسیم *** وتعصر من كفّ هذا السُحُبْ
فلو ذاق خُلقَهما كاشحٌ *** لشكَّ وقالَ طِلاً أم ضَرَبْ(1)
نشتْ أولَ الدهرِ علياهما *** وشابَ ولكنها لم تَشبْ
لَئَنْ نُسبا (العليّ) فَكُلُّ *** أكرومة لهما تنتسبْ
لَتَنْ مانا منابرِ دينِ الهُدى *** ينوبان عن مُرْهَفات القُضبْ
1) الطِلا: الخمرة، والضَرَبَ: العسل
إذا انعقدَ القولُ في مجمع *** وأعيا لسان الفصيح الذربْ
ترى فى النديّ لسانيهما *** يفلان بيض الضُبا بالخُطَبْ
بقاء لعلم الورى كتبهم *** وعلمهما فيه تبقى الكتبْ
وإرثهما المجدُ والمكرمات *** إذا كان إرثُ الأنام النَشبْ
ألا يا سمائَيْ علومِ الهُدى *** وبدريهِ في ظلمات الرِيَبْ
بعليا كما بنت رأيَ الْمُصيب *** قَدْ برزتْ من ستو الحُجبْ
أتتْ بمعان دقاق تبينُ *** بها ما على أختِها مِنْ عَتبْ
فلو تنظران لها في عيون *** آبائكم عظم اء الرتبْ
لأبصرتما أنَّها منكما *** أحقّ لأخلاصها بالعَتَبْ
قضتْ من حقوقكما ما نَدبْ *** ولم تقضيا بعضَ ما قَدْ وَجَبْ
وحبلُ وداد كما أحكمتْ *** وعندكما حبلها منقضِبْ
ومَنْ ذام عن ودّ مَنْ قَدْ أحبَّ *** وحُرِّكَ في بعض ذا العتب هبْ
وعند اللبيب خليص الوداد *** أحقّ به من خليص النَسبْ
بني (جعفرٍ) لا جرى بعد ذا *** المصاب لكم مدمعٌ مُنْسَكِبْ
ولا زال بيتكمُ آمناً *** ولا تتخطى إليهِ النُّوبْ
وأظنه رحمه الله عنى بأختها المعتوب عليها قصيدته الثانية في رثائه (رحمه الله علیه) وهي قصيرة ليس فيها أداء ما ينبغي من الأحترام والتعظيم. والظنُّ أنَّ هذا هو سبب العتب عليها، وهي قوله:
كُلُّ يوم للهدى طودٌ يُهَدُّ *** وذكا يحجبُها في التُرب الحدُ(1)
وحسامٌ من سيوفِ اللهِ في *** مُرهفِ الموتِ له ينفلُّ حدُّ
ما لنا بالأمس كُنَّا في حمى *** الدين عنّا تَدفعُ الأعداء أُسدُ
وعلينا نثرةٌ من حفظهم *** للضّبا مثلومة الحدّ تُردُّ
كيف أضحوا للمثايا غَرَضاً *** ما لهم عن مسكن الأجداث بُدُّ
1) ذُكاء: الشمس
فبقينا لا بقينا بعدهم *** ما لنا عن قُربِ وسم الضيم بُعدُ
فيأسنا أنْ نرى ثلمتَهم *** بسواهم أبد الدهر تُسَدُ
فتلافاها هَصُوْرٌ منهمُ *** لحفاظ الملّة الغرّا مُعَّدُ
ردَّ أفواه زمانٍ بعدما *** حكَّمَ العضّة فينا وهي دردُ
دوّخَ الدهر وفي أحشائهِ *** مِنْ لظى عزمتهِ رُعبٌ ووقَدُ
حوَّلٌ ما حُلّ يوماً حقدُه *** ولِما قَدْ حلَّهُ لم يكُ عقدُ
ملأ العالمَ علماً باهراً *** ماله في حيّز العالم حَدُّ
رطب المنطق والأفواهُ يبسٌ *** وهى عمّا سألوها لا تُردُّ
و به اعتاضَ الهُدى عن قومهِ *** وكأنْ فيهِ من الأجداث ردّوا
بينما الأسلام فيه باسمُ *** الثغرِ قَدْ وَآفَاهُ بعد النَحسِ سَعْدُ
إذ رمتْهُ قاصماتُ الدهرِ في *** حادثٍ منه الأخاشيب تُهدُّ
أفجعتْهُ بفتى في مجدِهِ *** ما له في سائر الأمجادِ ندُّ
فبقي من بعدِهِ في مُقل *** مكمهاتٍ من بُكاها هي رمدُ
ما رآه أحدٌ في النعش إلاَّ *** ظنّ أنْ في نعشهِ يُحملُ (أُحدُ)
وله قَدْ شَقَّ قبرٌ تُربَه *** من شذا مفخره ندٌّ ورندُ
دفنوا في لحده العالمَ يا *** عَجَباً هَلْ يجمعُ العالمَ لحدُ
یا بني الأسلام صَبْراً في خطوب *** شُلَّ فيها من يد الأسلام زندُ
فالأمام المُجتبى (المهديّ) أضحى *** إزرَ دينِ المصطفى فيهِ يُشدُّ
سيّد في نفسه عن علماء ال *** أرضِ والسبع السماوات يسدُّ
فأذا ما الشُبهاتُ استحكمتْ *** فله في كشف فله في كشفِها حلٌّ وعَقدُ
عدّة للخَلقِ في الجُلّى وقَدْ *** رُفعتْ فيه إلى العرش (مَعَدُّ)
فلئن جاء أخيراً في الورى *** مجدُهُ قَبلٌ ومجدُ الناسِ بَعدُ
ولئن ماتَ سميّ (المصطفى) *** فله ما مات طول الدهر حمدُ
يخلق الدهر ويبلي وله *** بلسان الدهر ذكرٌ مستجدُّ
وبه فليهنا القبرُ فما *** هو إلاَّ لحسامِ الله غِمدُ
وقال الشيخ حمّادي بن سلمان بن نوح(1)الحلّي يرثيه ويعزّي السيد مهدي القزويني رحمه الله:
بفيض الدموع أذلتَ المُقلْ *** أفاَجأكَ المُصْمالُ الجَلَلْ
وأفنيتَ صبرَكَ طوعَ الأسى *** وجهدُ الأسى منكَ عنه تجلْ
نعم وهو في العهد لم ينتصفْ **** بحقِكَ لكنْ بمعناهُ ضَلْ
لقد كنتَ حِلْيَةَ جيد الجلال *** فما بالَهُ منكَ أمسى عَطلْپ
لقَدْ عثر الدينُ يا مَنْ عَذلْ *** برغم الهُدى عثرةً لم تُقَلْ
وبدرُ الشريعةِ حينَ الكمال *** عليه المحاق سريعاً أطلْ
فیا شدَّ ما لاحَ في أفقِها *** ویا شدَّ ما عَنْ سماها أفلْ
لمن برزتْ ناشرات الشعور *** حسانُ الشرائع تُبدي الثَكلْ
أغلنَ أبا (الحسنِ) النائباتُ *** أم الشركُ باللهِ في الكونِ حَلْ
بلى ضمّت التربُ جثمانَهُ *** ومغنى الهُدى منه أمسى طَللْ
لتُبدِ الهدايةٌ نَوْحَاً له *** ألاَ كُلُّ شيءٍ سواهُ جَلَلْ
وتُلقِ الملوك بوجه الثرى *** عمائمها وحُباها تُحلْ
فقد كان منها لسانَ المقال *** وباعاً طويلاً إنِ الأمرُ جَلْ
فجذّ الردى فيه منها اللسان *** وغال سواعدها بالشللْ
أعاذلتي اذلتى إِنَّ حُسنَ العزاء *** إذا مدمع بالدموع اتّصلْ
تَعَالَي أَعْلِمكِ أوصافَهُ *** لنرفعَهُ رتبةً لم تُنلْ
قفي في حضيض ذُرى رتبةٍ *** رناها بطرف كليل (زُحلْ)
ونَادَيْ هناك أبا (جعفرٍ) *** سموتَ على ذاك أعلى مَحلْ
ألستَ الذي فوق ما ندّعي *** حِجاكَ إِذا حَفَّ (رضوى) ثَقُلْ
لقد قيلَ فيكَ بدا جازعاً *** أينفعُ بد انقطاع الأملْ
وقال يرثيه لسان بني هاشم، وجذوة المكارم، الذي سارت بحسن ذكره الركبان، ولهجت برائق شعره ألسنة القاصي والدان، الأديب الحسيب، ذو الشرف الجليّ، السيد
1) ولد سنة 1235 ه / 1820 م، وتُوفي سنة 1325 ه / 1907 م
حیدر(1)بن السيد سليمان الحلّي. وستأتي عليك (إن شاء الله) كثير من أشعاره، وقصائده وغرره، ويعزّي فيها سيد سادات (لوي)، وعلم فخار (قحطان) و(قصيّ)، إنسان حدقة الشريعة، وعماد قباب عزّ الشيعة، سيدنا أبا صالح السيد مهدي القزويني (قُدّس سره)، وهي:
طرقتْ فالأنامُ منها سكارى *** تملأُ الكون دهشةً وانذعارا
بِكرُ خطب لا يُنشد الصبر فيها *** قَدْ أتانا بها الزمانُ ابتكارا
في حديث الأحقاب لم يأتِ فيها *** وقديماً لمثلها ما أثارا
قَدْ هَفتْ عندها الحُلومُ ومنها *** أنجدَ الوجدُ في الصدور وَغارا
برّدتْ سائرُ القلوب ردىً منها *** وعادتْ من الغليل حِرارا
ولها كادت المدامعُ - لولا *** حَرُّ أنفاسِنا - تكونُ بحارا(2)
نكبةٌ تملأُ الوجودَ مُصاباً *** يملأُ الأرض والسما استعبارا
يا نفوسَ اللاجين طيري شُعاعاً *** أدركَ الدهرُ عندك الأوتارا
وأبردي يا حشاشةَ الشرك أمناً *** مات مَنْ كانَ بين جنبيك نارا
فبمَنْ يغتدي الهُدى مستجيراً *** فَقَدتْ كعبةُ الهُدى المُسْتَجَارا
ولها أصبحَ الحطيمُ حطيماً *** يتوارى في التُربِ حين توارى
ودَجَا الأُفقُ في دجى غيهب الحُزنِ *** وهَبَّتْ ريحُ الصَبا إعصارا
سوّمي يا خطوبُ خيلكِ فينا *** تغنمي أينَمَا قصدتِ المغارا
وارتعي في حِمى الورى فالمنايا *** أنشبتْ في هِزَبْرِها الأظفارا(3)
مَنْ حماها عن أنْ تُراع وقسراً *** ردَّ أيدي الأيام عنها قصارا
هممٌ حيثُ لا يُرى البدُر سَّراً *** مصعداتٌ لا تعرف الأنحدارا
كيف تخلولهُ من الحُزنِ دارٌ *** والندى منهُ لم يفتْ ديّارا
ملكَ الناسَ بالسّماح عبيداً *** فغدوا بعد فقدِهِ أحرارا(4)
أبُغاةَ الأسلام لا تَتناجوا *** بانتقاص الدين الحنيف سِرارا
1) من أعاظم شعراء العراق في عصره ولد سنة 1246 ه / 1830 م، وتُوفي سنة 1304 ه / 1887 م
2) حذف المؤلف ثلاثة أبيات من هذه القصيدة، وهي مثبتة في ديوان السيد حيدر الحلّي، ج 2، ص 108
3) الهِزبَرُ: الليث
4) علق المؤلف على هذا البيت بقوله: «هذا البيت أمَّا حسن جدّاً إنْ تمَّتْ تورية (أحرار)، وإلاَّ فلا معنى له» فلا معنی له»
فالأمامُ (المهديُّ)(1)قَدْ قامَ فينا *** عَلَماً يُرشدُ الورى ومنارا
ما بنى الله من سماءِ علومٍ *** فهو بدرٌ في أفقِها قَدْ أنارا
لازمَ الحقِّ في هُداهُ فأضحى *** مَعَهُ الحَقُّ حیثما دارَ دارا
منهُ ملءُ الأبرام عدلٌ وتوحيدٌ *** وفخرٌ من (هاشمٍ) لا يُجارى
فترى الناس هيبةً منه خُرْسَاً *** يتناوجون بالحديث سِرارا
يا أجلَّ الورى علاءً وَقَدْراً *** وأعزَّ الأنام نَفْسَاً وجَارا
عَقَدَ العيُّ منطقي أنْ أُعزّيكَ *** فمنكَ العَزا غدا مستعارا
وقبيح منّي إذا قلتُ صَبْراً *** للذي علَّمَ الورى الأصطبارا
وهذه كما ترى، وإن كانت جيدة، إلاَّ أنها ليست من منظوماته الفريدة، وقصائده المعدودة، كما ستعرف هذا بالنسبة إلى ما سيرد عليك من أشعاره. وبمقتضى القاعدة أنَّ (السيد)(2)كان يومئذ صغير السنّ، فتكون إذن من محاسن الشعر.
ولنكفّ عنان القلم عن سرد مراثيه فأنَّه يستلزم عدم (التناهي).
واعلم أن الشيخ مُحَمَّد هذا، وأخوه العلم المهديّ (الآتي ذكره قريباً إنْ شاء الله) مما لا يمكن حصر ما قيل فيهم خصوصا في المراثي لعِظَم فقدهما على الناس، ووقوع الهرج والمرج والالتباس، حيث كان كلّ واحد منهما بعد الآخر رئيس الأسلام، وكفيل جميع الناس خصوصاً الأرامل والأيتام. ولهذا بقيت العرب تلطم بعد وفاة كُلّ واحد منهما حولاً كاملاً في أغلب الليالي.
في وسيأتي في الشيخ مهدي ما هو أعظم من ذلك. وقد ذكرنا لك في مراثيه ما يكفيك في عظمته.
فلنختم المقال، بما يدلّك على غاية من الشرف تقف دونها الأوهام، وهي قصيدة الأديب الأوحد، وعلم الكمال المفرد، نادرة زمانه، وفذلكة أوانه، عُمريّ النسبة، علوي الوداد والمحبّة، المَوْصِلي العراقي، الشاعر المُفْلِق الأديب عبد الباقي(3)، كان من أعاظم أهل
1) هو السيد مهدي القزويني
2) كان عمر السيد حيدر الحلّي (22) عاماً عندما نظم هذه القصيدة؛ حيث أنَّ ولادتَهُ كانت سنة 1246 ه / 1830 م، ووفاة الشيخ محمد كاشف الغطاء سنة 1268 ه / 1852 م
3) عبد الباقي العُمري الفاروقي ولد سنة 1204 ه / 1789 م في الموصل، وتُوفيَ سنة 1278 ه / 1861 م. وقد شغلَ في شبابه منصب (نائب) وآلي الموصل، ثم (نائب) ولاية بغداد، وكانت له صلات واسعة مع أدباء عصره، وعلمائه في عهد الوالي داود باشا، ثم في عهد الوالي علي باشا اللاَّز
السنة والجماعة، وأولى الشرف بينهم والزماعة. هاجر من (المَوْصل) إلى بغداد، واتّصل بوزرائها، وعظم في أعين عظمائها، فرثى ومدح، وأخذ الجوائز والمنح، إلى أن طار ذكره الآفاق، وملأ صيته العراق، وكانت الولاة والأمراء تستصحبه في أسفارها، وتحبّ منادمته في ليلها ونهارها. وله كتاب «الباقيات الصالحات»، كله في مديح أهل البيت (علیهم السلام). وله ديوان شعر كبير، وشعره متداول معروف فلا حاجة إلى ذكره.
وكانت له مودّة أكيدة، وصحبة شديدة مع هذه (الطائفة) لمَّا عرف من جلالة قدرهم، في العراق، وانتشار ذكرهم، في سائر الآفاق. وكان قَدْ جاء زائراً مراراً عديدة إلى النجف، منها: عند مجيء علي پاشا الذي جاء لأهلاك طائفتي الزقرت والشمرت، ونزل في دار الشيخ الكبير، ضيفا عند الشيخ علي بن الشيخ جعفر (رحمه الله علیه).
ومنها: مع نجيب پاشا (المتقدم ذكره آنفاً) الذي نزل ضيفاً عند الشيخ حسن بن الشيخ الكبير، هو مع جميع جنده وعساكره (على ما سبق).
ومنها: مع نوري بيك الذي جاء في زمان الشيخ مُحَمَّد هذا (رحمه الله)، إلى غير ذلك. وكان صاحب نوادر ونكات، لا تحتملها هذه الوريقات، ولم تزل مودّته تتأكد، وصحبته تشتدّ، ويراسل كُلّ من (يتخلّف) من هذه (الطائفة) رئيساً وإماماً.
وله فيهم مدائح ومراث، منها هذه القصيدة التي أودعها فذلكة بديعة، ونكتة فيما أظن مبتكرة، حيث أنَّهُ ضمَّنَ (أعجاز) قصيدة امرئ القيس، وجعل لها (صدوراً) منه، وقلبها في رثائه وتعزيّة أخيه الشيخ مهدي. وقَدْ بعثها إليه من بغداد، وهي قوله:
أ (مهدي) الورى صبراً علىِ فَقْدِ فَرْقدٍ *** تنقَّلَ من بُرجٍ لأشرفِ منزلِ
كأنّي إذا جرّعت صابَ مُصابهِ *** لدى سمرات الحيّ ناقف حنظلِ
وسيلُ جفوني من دموعيَ قَدْ جرى *** على النّحر حتَّى بل دمعيَ محملي
ومنه أقل النعش ربوة سؤدد *** فيا عَجَباً من كُوْرِها المتحمّلِ
رأتْ مقلتي دمعي تعثّرَ بالأسى *** فقالتْ لكَ الويلات أنّك مرجلي
فیا حسراتي من فؤادي تَقَرّبي *** ولا تبعديني من جَناك المُعلّلِ
ويا كَبِدِي ذُوبي عليهِ صبابةً *** وإنْ كنتِ قَدْ أزمعتِ صَرْماً فأجملي
وقد حرَّمتْ من بعدِهِ النومَ مُقلتي *** عليّ وآلتْ حلفةً لم تحلّلِ
وأجرت فجرّت يوم تشييع نعشه *** على أَثْرنا أذيال مرط مُرحّلِ(1)
وإن كنتِ يا نفسي سئمتِ رفاقتي *** فسلّي ثيابي من ثيابك تنسلي
أفاجاكِ من قلبي سُلوُّ أحبّتي *** وأنَّكِ مهما تأمري القلب يفعلِ
وعينيك يا أمَّ الدواهي لقد رمتْ *** بسهميك في أعشار قلب مفتّلِ
فللّهِ أيامٌ مضتْ لي بقربهِ *** تمتعتُ من لهو بها غير معجلِ
وما كنتُ أخشى يومَ كنتُ جوارَهُ *** عليّ حراساً أو يسرّون مقتلي
تعرّض من دمعي على الخدّ عارضٌ *** تعرّضَ أثناء الوشاح المُفصّلِ
عليه المعالي طابَ خلعُ عَذَارِهَا *** لدى الستر إلاَّ لبسة المتفضّلِ
فيا دهرُ فاتتكَ الهدايةُ بعدَهُ *** وما أنْ رأى عنك الغواية تنجلي
فللّه نَعْشٌ من جنازتهِ انتحى *** بنا بطنَ خبت ذي حِقاف عقنقلِ(2)
يقولُ من العليا ستُبدى نواحَها *** عليّ هضيم الكشح ريّا المخلخلِ
وكم من صدور غبّرتها مصيبتي *** ترائبها مصقولة كالسّجنجلِ(3)
وأضحى قلوباً كان من سحب كفّه *** غذاها نميرُ الماء غير محلّلِ
وأمُّ العُلى راحتْ تُلاحظُ نعشَهُ *** بناظرة من وحش وجرة مُطفِلِ
وجيد إليه يلتوي غير منثن *** إذا هي نصتَّهُ ولا بمعطّلِ
وقَدْ نكثتْ من شَعْرِها أيَّ مندفٍ *** أثيثٍ كقنو النخلة المتعثكلِ
إذا نثرتْهُ في العزاء يدُ الأسى *** تضلّ العِقاص في مثنّى ومرسَلِ
وكم (جعفر) من مدمع لابنهِ جرى *** وساق كأنبوب السقيّ المذلّلِ
ومِنْ بعده أضحت مدارس فضلهِ *** نؤومَ الضُّحى لم تنتطقْ عن تفضّلِ
ومِنْ أثر التخديش يحكي بنانها *** أساريع ظبي في مساويك أسحلِ(4)
حكتْ بعده فى وقدها كُلُّ مهجةٍ *** منارة ممسي راهبٍ متبتّلِ
تهيجُ صباباتي عليه لواعجي *** إذا ما اسبكرّت بين درع ومحولِ
فيا بهجة الدنيا سلا عنكَ مَنْ سلا *** وليس فؤادي عن هواكً بمنسلي
وكم عاذلٍ لي في العويلِ زجرتُهُ *** نَصِیْحٌ على تعذارهِ غير مؤتلِ
وليل هموم قَدْ أناخَ جَرانُهُ *** عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
وأعرق من قُطرِ العراق عظامُهُ *** وأردف أعجازاً وناءَ بكلكلِ
ومَنْ كان ذا يأسٍ من الصُبحِ لم يَقُلْ *** ألا أيُّها الليلُ الطويلُ ألأ انجلي
ومِنْ عجبٍ بَحرٌ غدا متدلياً *** بأمراسِ كتّان إلى صُمِّ جندلِ
يا ليتني كنتُ المشيّعُ نعشَهُ *** على كاهلٍ منّي ذلول مُرحّلِ
فَمِنْ بعده وادي (الغريّ) لقد غدا *** به الذئبُ يعوي كالخليع المعوّلِ
وغارتْ علينا النائباتُ لفقده *** بمنْجَرد قيد الأوابدَ هيكلِ
من (النجف) الأعلى أتى لي نعيُهُ *** كجُلمودِ صخر حطَّهُ السيلُ مِنْ عَلِ
وزلّت عقولٌ عن مراكز درکها *** كما زلّت الصفراء بالمتنزّلِ
وكُلٌّ فؤادٍ باتَ يغلي من الجوى *** إذا جاشَ فيه عَلْيُهُ غليُ مَرْجَلَ
وكم مِنْ عواد عاديات بضبحها *** أثرنَ الغُبار بالكديد المُركّلِ
طويل عنائي في يد الحزن مثله *** تتابعُ كفيّه بخيط مُوَّصلِ
مضى مُشْبعُ الضيفان إنْ نزلوا به *** ضعیف شواء أو قديد معجّلِ
أقامَ بقلبي شخصُهُ بعدما نأى *** وباتَ بعيني قائماً غيرَ مرسلِ
إذا انفتلتْ لي مهجةٌ عند ذكرِهِ *** أمال السليط بالذبال المفتّلِ
وقَدْ سحَّ من عين العوارف وابلٌ *** يكبّ على الأذقان دوح الكُنهبلِ(1)
ومدَّ الأسى كفَّاً إلى وعل العُلى *** فأنزلَ منه العصم من كُلّ منزَلِ
وقال السيد في (يتيمته):
ونحمدك يا من تفضّل علينا وعلى جيلنا بذي القدر العليّ، (مُحَمَّد) بن (عليّ)، وهو مبدأُ إخوته، وخاتمة عمومته، وصدر الطبقة من إخوته، والمرتفعة بمتصاعد النسب إلى المنصب العلي، المتولّي منصب القضاء والفتوى بعد عمومته، والمُجْلى غيهبَ المشكلات، بأقمار فكرته، وأنوار طلعته، والغائص في بحار العلم والكاشف عن حقيقته، المنيع كنفه، ومن أنجبت به سلفه، نبعة دوحة جود ومجد، وقطب دائرة سعد، صارم بأس به ظهور الأعادي تنقصم، وعروة علم لا تنفصم، وسنان حزم جرحه لا يلتئم، يلوح تبيان
1) الكُنهبل: نوع من الأشجار، يكثر في البادية
الغوامض من بنانه، وتبدو ثمار الفضل من دَوْح بيانه، مولى قد انغرس في قلبه شجر الهداية، فزهت بها أغصان الدراية، وسقتها ينابيع الحكم المتفجّرة من جميع جوانبه بما يبهر العشر العقول، ولقحتها أيدي غرائبه في الفقه بما حيّر الأساطين الفحول، بحر تزيد بالفضل أمواجه، ولا تُدرك فجاجه، ولا يضلّ منهاجه، فلق منير، وفيلق تحرير، وغدير يمدّ بحار العلم بحرُ علمه الغزير، توازن به الجمال والجلال، وأقبلت عليه الدنيا كمال الأقبال.
وليس هو من حزبنا وسربنا المعاصرين لنا من أول العمر فنوفّق لأيراد بعض صفاته غير أنا نشأنا عليه وهو يدرّس بحزب من المحصّلين، في غير مدرسة آبائه وأجداده، لوجود عمه (الحسن) بن (جعفر). ولمَّا إفتُقد صارت الناس إليه، وصار مُعوّلهم في الأحكام الشرعية عليه، وجلس في مجلس القضاء، ودرّس في مدرسة آبائه جمَّاً من الفضلاء والفقهاء، واستجازه كثير من ذوي الوصول، في الفقه والأصول.
ولقد قرأتُ عليه برهة من الزمان، حتى ألّفتُ في القراءة عليه (التجارات) إلى آخرها ولم أكن إذ ذاك من أكابر العلماء. نعم غاية ما يصل إليه الذهن القاصر، من (تقريرات) هذا الأستاذ الماهر، أودعه في بطون الطروس، بنمط تبتهج به النفوس، وألّفت بها كتاب «الرّبا»، الذي تنفح عباراته بأرج العبير نفح نسائم الصبا. ولقد كان يلتقط حبّ الفتوى من معادنه بفكرته، ويُودِعُها في (رسالته)، وهي الرسالة المألوفة بين الناس.
وكثيراً ما قيل فيه من المدائح بالشعر الرائق مما لا يحضرني الآن. وقال بعض الأفاضل بحضرته مخاطباً أمير المؤمنين عليّ (علیه السلام):
فأمّا (الولايةُ) في النشأتين *** وإمّا (الحكومةُ) فيها (فَلَكْ)
فقال هو (رحمه الله علیه):
وقَدْ كُنتَ نوراً بعرش الأله *** إلى الأرض سبحانَ مَنْ أنزلكْ
وقَدْ تأتّى له ما لم يتأتَ لأحدٍ من نفع الفقراء والمساكين، والأصلاح بين الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفرط السّخاء والكرم، على العرب والعجم، حتى أدّى به إلى رهانة كتبه، وبيع جملة من أملاكه، لترويج المشتغلين، وإعانة الفقراء من المحصّلين، ورفعه ما ألمّ، وكشفه ما أهمّ، بما حازه من علوّ الرفعة، والحماية والمنفعة عند الحكام والأكابر، والملوك والعساكر، ومن فرط جدّه وجهده بأصلاح الدين، وتشييد أركان شريعة سيد المرسلين، حَفَظَ ما حوته (روضة) قائد الغرّ المحجّلين، مذ ولاه عليها (كليتداراً) أرشد
الوزراء والحكام الوزير المحترم، الپاشا نجيب المعظم، فنَصَّبَ من قبله بكمال سداده السيد اللوذعي، السيد رضا الرفيعي.
إلى غير ذلك مما خصّه الله تعالى من الرتب الشامخة، والنعوت التي هي كالكواكب باذخة، والمساعي والرتب التي لم تنلها عجم ولا عرب، ولا عجب، فهو شيخي وأستاذي، بَلْ وشيخ الطائفة (الجعفرية)، ورئيس الفرقة الأثني عشرية، تحضر مجلس درسه في كُلّ صباح (خمسمائة) وأزيد ما بهم غير عالم ماهر.
وكان صدوق اللهجة، حسن التخاصم في الحجّة، مفلج في المحجّة، تُنمى إليه القضايا الغرائب، وما المُحدّثُ بها عنه كاذب، فلا تجحد أيها الجاحد قدره، وإن اختصرتُ ذكره، حيث لا يسعني استقصاء نعوته وصفاته، وما حواه من الشرف بذاته. ولو أردتُ ذلك لاحتجتُ كتاباً وافياً، ومصنّفاً شافياً، لا يتم مدة دهور وأعوام، وهو ينافي قصد الأتمام بيسير من الأيام.
ومن ثم طالما بتّ أقاسي في الليل الهموم، وأراعي مسرى النجوم، لا أرى للنوم لذة، بَلْ هو السهاد حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة، أتقلب تقلّب السليم الحيران، وأتململ تململ الولهان، أجيل أبكار الأفكار، في الآصال والأبكار، مُجدّاً في تحصيل عبائر تجدي كيما أستعين بها على رسم قضايا زاهيات، وعلوم باهرات، فأصوغها فقرات، يفتقر إلى ألفاظها الفقيه الماهر، والى معانيها كُلّ جامع وصف باهر، فأبدى البعض من محامد ذاته، مستوعباً ما خفي وبان من صفاته، فغادرتني أيدي العجز والهوان مستقلاً بنفسي، عن أبناء جنسي، مرتجاً عليّ لا أميّز يومي من أمسي. فلم أزل أشقّ أنواع البديع، بسفن أنواع التوشيع والتلميع، ببيان علوّ قدره، والتلذذ بذكره، وأنه البحر الخصم، ومُحمّد الأمم:
إلى أن قال بعدما أطنب بما لا طائل تحته وأطال: ولمَّا كان بيان صفاته على ما عرفت، ينافي الغرض الذي أردت، رأيت أن الصفح أجدر، والأهمال لا بالكلية هو الأيسر، على أن شهرته في الأقطار، ومعلوميّته بالفضل في سائر الأمصار، كفتنا تبيان ما وقفنا عليه من فضائله وفواضله، مضافاً إلى أن صدّتني عنه الصوّاد، وحالت الموانع والروّاد، التي من جملتها أني غدوت في الناس ممن تشتت شمله، وأُلغي قوله وفعله، وشاع جهله، ولست مَنْ يزري بالعقول العشر عقله، وحيد المنثور والمنظوم، ولا غرض لنا بذكره.
ثم ذكر أولاده وهم: المحسن(1)، والحسن(2)، وعبد الحسين(3). وإن أوصلنا التوفيق إلى محل ذكرهم ذكرناهم إن شاء الله.
والحاصل: أنّ الشيخ مُحَمَّد (رحمه الله علیه) كان أعظم ما فيه علوّ همّته، فأَنَّهُ بعد وفاة عمّه المرحوم الشيخ حسن، عارض الأساطين الذين كانوا يترشحون لمعارضة آبائه وأعمامه فعارضهم وساواهم، إن لم يكن فاتهم وتعدّاهم، على كثرة ما كان مبتلى به وممتحناً فيه من أمر فرقتي (الزقرت) و(الشمرت)، حتى أنَّهُ لشدة ما وقع فيه منهم من البلاء والمحن عزم مراراً على الهجرة من النجف والأقامة في نواحي إيران إلى أن تسكن حركة عائلتهم، وتخمد نيران فتنتهم. حتى أنَّهُ في بعض وقائعهم سار بجملة من أهله، ولما وصل إلى بغداد عرفت ذلك منه ولاتها وأمراؤها فأصروا عليه بعدم المسير وخشي منه المنع إن امتنع من إجابتهم فأجابهم، ورجعوا معه بعدّة وافرة من العسكر. فأنزل الشيخ مُحَمَّد الزقرت والشمرت من (صناكرهم)(4)، وأخذ العهد من رؤسائهم على عدم العود إلى تقاتلهم وتناكرهم، وأحلفهم على هذا بالقرآن الشريف عند رأس الأمير (علیه السلام) بحضور الوزراء والأمراء. حتى إذا سارت العساكر والجند وفُتحت الحوانيت، وأمنت السارية والماشية واطمأنّت الناس، ثارت المدافع بغتة وإذا بهم عادوا لِما نهوا عنه، ولم يفدهم ذلك شيئاً. ولم يزالوا على ذلك ومثله إلى أن صاروا السبب في تعجيل موت الشيخ مُحَمَّد، وذلك حرقة أصابته، وفادحة أزعجته، فخرجت من أنفه جراحة وطال مكثها وعلاجها وأذاها، وبعثوا على أطباء العراق فعالجوها بأنواع العلاجات، فلم يفد شيئاً حتى مات، رضوان الله عليه، وقرّب محله إليه.
وسبب تلك الحرقة طويل حاصلها: أن دار الشيخ الكبير (رحمه الله علیه) لم تزل حَرَماً يأمن من دخله، ولو كانت الثقلان خصماً له، وكان بلاء (الزقرت) و(الشمرت) بلاء عظيماً، وداؤهما داء جسيماً، والنجف من ذلك في اضطراب وتشويش لا ينفك سائر الأيام،
ومدى الأعوام. وكانت الدولة تجهّز كُلّ حينٍ جيشاً جراراً لقطع مادّتهم فيأتي الجيش ويقبض على بعض رؤسائهم ويقتل الآخر ثم يُرتَحل بالأسرى إلى (حبس) بغداد فتستقرّ البلد أياماً يسيرة. ثم يعود الأمر على أشدّ مما كان أولاً إمَّا بأن يقوم بأمرهم غير السابقين أو ينفلتون من السجون. فاستمر الأمر على هذا البلاء مدة من الزمان حتى أن أغلب الناس كانت تحاصر في دورها أسبوعاً أو شهراً كاملاً بلا ماء ولا طعام حتى تموت أطفالهم من الجوع والعطش ولا يتمكنون من التماس شئ لهم خوفاً من المكاحل والبنادق من الرصاص الآخذة بجميع الأزقة والطرقات، إلى أن يضيق الأمر بالطائفتين، ويكثر القتل الذريع في البين، ويهلك أغلب الناس من المحاصرة، فعندها يخرج ولي المسند من بيت الشيخ الكبير كالشيخ حسن في أيامه أو الشيخ مُحَمَّد عند انتهاء الأمر إليه، أو غيرهما منها فيأتي إلى (صناكرهم)، وهي إسم للأماكن المرتفعة الحصينة المقابلة لأعدائهم كالمنارتين الشريفتين والمسجد الهندي وبعض سطوح الصحن الشريف إلى غير ذلك من الدور الجامعة لتلك الصفات، فيقف وينادي كُلّ واحد واحد من رؤسائهم بأسمه، فيلقون أسلحتهم ويسرعون إليه ويتهافتون على تقبيل يديه ويعرضون أعذارهم عليه، ويقولون: إنّا لو لم نقف ونقاتل لهجموا علينا في دورنا وقتلونا مع أطفالنا، ونحن إنما ندافع عن حرمنا، وهو يوبّخهم ويعذلهم ويحذرهم سطوته بهم وانتقامه منهم حتى تقع (الهُدنة) بينهم، وتضع الحرب أوزارها عنهم، فتستقر الناس وتخرج في الطرقات والأسواق وتتطلّب معايشها وتسعى في مكاسبها.
وبينما هم على ذلك إذ سمعوا أصوات (المكاحل) و(التفك) فوقعوا في الهرج والمرج وغلّقوا الحوانيت وعلموا أن القوم عادوا لِما نُهوا عنه، فيبقى على هذا أياماً حتى أنَّ الناس لا تأمن على أعراضها وأموالها منهم، إلى أن يصل الخبر إلى وزير بغداد، فأمَّا أن يأتي بنفسه مع طوابير العسكر في عدّة من (الأطواب) والسلاح. فإذا قربوا من النجف وسمعت (الفرقتان) بهم فمنهم من ينهزم، ومنهم من يخفي نفسه في الآبار و(السراديب)، ومنهم من يلجأ إلى دار المشايخ الكبيرة لأن سائر الناس كانت تفزع إليها خوفاً من أن يأخذهم العسكر بذنب المفسدين فيصبحوا هالكين. فأذا دخلوا تلك الدار أمنوا حتى أنهم كانوا يلبسون المقانع والمخامر ويتزيّون بزيّ النساء ويدخلون في حرم المشايخ لئلا يتعرض لهم أحد.
فإذا جاء الوزير أو نائبه دخل البلد وجعل يمشي في الأزقّة في هيئة المحاربين والطبول والدفوف تُضْربُ أمامهم، و (المدافع) تندفع بينهم إلى أن يدخلوا (القلعة)، ثم يذهب
العسكر في طلب رؤساء المفسدين، فأمَّا القتل أو النفى، ولكن لا يقبضون إلاَّ على الواحد من العشرة، ويخبرهم حاكم البلد أو غيرهم من أعداء (المشايخ) أنَّ رؤساء (الزقرت) و(الشمرت) في الدار (الفلانية) وقَدْ آواهُمْ شيخ (فلان)، و(فلان) فيبعثونَ إليه يطلبونهم منه فينكر ذلك ويدفعه إلى أن تحكَّم في أذهان الولاة والوزراء وسائر أمراء العراق أن فساد هاتين الفرقتين وعدم إمكان إهلاكهم مِنْ آل الشيخ الأكبر، فاحتملوا الأذى منهم والحقد عليهم فجعلوهم هم المطالبين بذنوب هؤلاء المفسدين.
والحاصل أن مشايخنا السالفين (رحمه الله علیه) بعد الشيخ الأكبر مازالوا مبتلين بهذا البلاء الذي تهدّ وقائعه السماء. لكن الشيخ موسى نجا من مزعجاته وكدوراته برئاسته وعظمته لأنَّ العراق كان بين قوليه، والحكومة والرعية جميعاً طوع يديه. ونجا الشيخ عليّ منها بتقدسّه وانعزاله عن الناس بتدريسه وعلمه، وإن أصابه شيء يسير منها آخر الأمر في أيام علي پاشا، وفي القصة طول لا يسعه المقام. وأما الشيخ مُحَمَّد (رحمه الله علیه) فنجا منها بجلوسه في الحلة.
وأما الشيخ حسن (رحمه الله علیه) فلم يسمع في أيامه لا صوت (مكحلة) واحدة ولا شُهِرَ شيء من السلاح أبداً، وذلك بواسطة الوزير الحازم نجيب پاشا. فأنَّه بعد أن فتح (كربلاء) وقتل من قتل منها (على ما سبق) تأدّب كُلِّ شقيّ في العراق حتى كأنَّ الموت على رأسه. ثم توالت المزعجات والبليّات بسببهم من الحكومة، ومنهم على الشيخ مُحَمَّد، وجدّنا الشيخ مُحَمَّد رضا(1)، والشيخ مهدي، وهو أقلهم فيها عناء، وأيسرهم بها بلاء.
ثم لم يزل الشيخ مُحَمَّد يدفع بلاء العسكر عن أهل النجف مصلحين ومفسدين حتى كانت سنة 1248، جاء سلیم پاشا مع خمسة آلاف نفر من العسكر مع عدّة كثيرة من الأسلحة والأطواب فدخل النجف والطبول والمدافع تُضرَب أمامه، وكان معه نقيب مُحَمَّد الأشراف السيد علي نقيب بغداد(2)، فمروا على دار الشيخ الكبيرة، فخرج الشيخ مُحَمَّد ووقف سباب مستقبلاً لهم. ثم أتوا (القلعة) ونزلوا بها. ونزل السيد علي النقيب عند الشيخ مُحَمَّد ضيفاً هو وجماعة من الضباط. ثم تراكمت الناس وتدافعت الرجال على دار الشيخ مُحَمَّد، واستجاروا بها واختفوا في الحجرات والسراديب حتى اجتمع في الدار ما يزيد على الألف رجلٍ وامرأة.
فلما صار العصر جاء سلیم پاشا في جميع هيئته إلى الشيخ مُحَمَّد، فجلسوا يتحادثان في تدبير الأمر وعلاج هذا الفساد، فقال سلیم پاشا: یا شیخ مُحَمَّد أفندي ليس الفساد إلاَّ منك، فأنَّك تؤمن المفسدين وتؤويهم إليك.
فقال الشيخ مُحَمَّد له: يا وزير ليس هو إلاَّ منكم.
فقال له النقيب: يا شيخ مُحَمَّد أسأت جواباً.
فقال له الشيخ: أسأتَ فهماً.
وطال التشاجر بينهما إلى أن خرج الپاشا على أن لا تتعرّض دار الشيخ الكبيرة، وأنْ ليس فيها إلاَّ الفقراء والمساكين.
فلما صار اليوم الثاني كان مع الباشا بعض خواصّه وأصحابه، وهو بكري أفندي، فقال للپاشا: إن الفُسَّاد كلَّهم في دار الشيخ مُحَمَّد فابعثني إلى داره حتى أخرجهم منها.
فبعثه مع عدة من العسكر فهجموا على حرم دار الشيخ الكبيرة وفيها عيالات (المشايخ) أجمع، ففرّوا إلى الدار الخارجة ولاذوا برجالهم، وأخذ العسكر جملة من الناس تنيف عدّتهم على المائة، وجاؤوا بهم إلى القلعة ونفوهم إلى بغداد، والبصرة، وغيرها من الأماكن.
فلما رأى الباشا ذلك غضب وقال للعسكر: إمضوا وفتشوا كُلِّ مكان من الدار ولا تبقوا فيها أحداً فقد ثبت أنها مجمع المفسدين، وائتوني بالشيخ مُحَمَّد.
فجاء العسكر مرة ثانية فوقعت الصيحة في الدار، وكان النقيب نائماً في سرداب الدار الخارجة فانتبه وأخبروه بالقصة فخرج ومنع العسكر من الهجوم ثانياً. ثم ركب (بغلته) ومضى إلى الوزير وأزعجه في الكلام وأن هذا فعل شنيع لم يقع قبل هذا على هذه (الطائفة) المعظمة، فكفّ عن ذلك.
ثم أصبح اليوم وإذا بجماعة من شرفاء النجف كالسيد علي(1)، والسيد مُحَمَّد تقي(2)الطبطبائيين وجماعة من أقرانهم قَدْ أُخِذوا مكبّلين، وحُبسوا في (القلعة).
وكان مجيءُ الباشا والعسكر أوائل ذي القعدة الحرام، وبقي قريباً من آخره. وأما الشيخ مُحَمَّد فأَنَّهُ لم يزل من غصّة هجوم العسكر على داره وروعة ذلك في تفكّر وتحيّر وانزعاج وتكدّر لأن مثل هذا لم يكن يقع على هذه (الدار) المحمية الجوار. إلى أن خرجت الجراحة في فمه وأنفه وبقي إلى أواخر ذي الحجة وتُوفيَ رحمه الله من ذلك، فكان قتيل همّته العالية، وعزمته السامية، في يوم الثاني والعشرين منه.
وهذا يسير من وقائع هاتين الفرقتين ذكرناه إستطراداً. وقَدْ حدّثنا به العلم العباس ابن الحجة الحسن (رحمه الله علیه)، ولو رمنا نقل جميع أخبارهم وأحوالهم لأفنيت الأقلام، وذهبت دونه الأيام، وليس فيها ثمرة سوى تهييج الأحزان والآلام. ونحن نسأل الله العفو والعافية، ودوام هذه النعمة الوافية، مع الهداية والتوفيق، أنَّهُ خير رفيق.
ثم حل من بعده (رحمه الله علیه) بتلك المقامة، وجلس بمسند الأمامة، ناهجاً سبيل الهُدى، ناشراً في جميع الأندية أبراد الندى، أمين الله في أرضه، وحجّته على خلقه، ومميّز حلاله من حرامه، وباطله من حقّه، برهانه القاطع، وبحر علمه المتدافع، مشكاة الله السنيّة، وواسطة القلادة (الجعفرية)، الحاوي لشرف آبائه، والمشرق بدراً في سمائه، نور في الظلم، ونيّره الذي راح بعلمه ناراً على علم، الهادي إلى سبيل الرشاد: أبو صالح (مهديّ) الأمم، نجل المحقق الأكبر، عليّ بن جعفر، قُدّس سرّهم المطهّر.
كان (رحمه الله) بمرتبة من العلم عظيمة، وقدم فيه قديمة، حضر أياماً على أبيه (المُحقّق) الثالث، وأخذ من علومه القديم والحادث. ثم حضر بعد ذلك على عمّه العلم المؤتمن، علامة الزمن، ابن جعفر (الحسن)، وكان عمدة حضوره عليه، وتلمذه بين يديه، وكان عنده مقرباً إلى الغاية، ومُحبّباً إلى النهاية، لا يفوّق عليه من عشيرته أحد حتى أخوه!! كبر الشيخ مُحَمَّد، وكان هو وصيه على ثلثه وأمواله، وقيّمه على أطفاله. واجتهد وحصّل في أيامه تمام التحصيل، حتى أصبح في مدرسته بلا مثيل ولا عديل، على كثر ما عرفت فيها من العلماء المبرّزين.
ثم لمَّا تُوفيَ عمُّه العلاّمة الحسن كانت بعض الناس تتوقع توشحُهُ للأمر، وتقدمه على أخيه وإن كان أكبر. فما انكشفت الغُبرة إلاَّ وهو تحت منبر أخيه، معظّماً له مُشِيْداً فيه، حتى صار بحضوره وحضور الشيخ راضي عَلَم العلم المشهور ومعتمد بنيه. وتراكمت الطلاب والمشتغلون على الحضور في درسه والمثول في ناديه، وبقيَ الشيخ مهدي على
غزارة علمه واستغنائه عن الحضور، ملازماً لأخيه درساً وصلاة وتأييداً حتى صار ذلك لهما نوراً على نور.
فلما تُوفي الشيخ مُحَمَّد ظهر (المهدي) بآية علمه، ونهض بأمر رئاسة الدين والدنيا مدبّراً فيها بعزمه وحزمه، وكان له بعض الطلبة المريدين له المتعصّبين في أمره، وكان أكثرهم من (الترك) فجعلوا يسعون في نشر ذكره، وتشييد مجده وفخره. فما مضت إل أيام قليلة حتى رجعت إليه (آذربيجان) و(القفقازية) و (قرباغ) وجميع هاتيك الأطراف إلاَّ اليسير، وطبعت رسالته العملية في تبريز بأمر السلطان مظفر الدين شاه(1)، أيّد الله ملكه، وكان يومئذ ولي العهد فيها فجاءت منها نسخ عديدة إلى الآفاق جميعاً.
ثم أجمعت العرب عليه، وأرجعت أمورها إليه، و(قلّدته) أغلب الأعراب، وانتشرت (رسالته) في أغلب بقاع الأرض كُلّ ذلك في زمان الشيخ الأعظم، وعماد الدين الأقوم، بحر الهداية، وآية الله في بني الدّراية، شيخنا الشيخ مرتضى الأنصاري، عليه رحمة الباري. وكان الشيخ مرتضى يومئذ حجّة الله على الأطلاق، وخليفته في سائر الآفاق. ولكنه كان يُرجع أغلب الأشياء إليه، ويعتمد في سائر الأمور عليه، ويشيد أمره، وينشر ذكره، ويعلن اجتهاده، وأفضليته على سائر فضلاء بلاده. وكان الشيخ مهدي كلما رأى الشيخ مرتضى أخذ يده بالعنف والجبر وجعل يقبّلها والشيخ يمتنع وينكر عليه ذلك.
والحاصل: أن أمر الشيخ مهدي لم يَزَلْ يسمو، وذكره يعلو، وصارت الحقوق من أغلب: الأطراف تُجلب إليه، والأموال تُجبى إليه. وكانت بعض (الحقوق) تأتي باسمهما، والطلاب تغترف من علمهما. إلى أن صارت سنة الألف والمائتين والواحد والثمانين، فعرج الشيخ مرتضى بجسده المقدس، إلى حظيرة القدس، واتصل بجوار الملك الأقدس، فاستقل الشيخ مهدي بالأمر، ونهض بأعباء الرئاسة والفخر، فألقى إليه إقليد التقليد كُلّ مكان، ولم يختلف في فضله إثنان، ورقى منبر التدريس، على المرؤوس والرئيس، فحقق فيه ما شاء، وأبدع بما أبهر به الأسماع والآراء. وإن شئت تصديق ذلك فاطلب كتابه الذي كتبه في (الخيارات) على نهج الشرائع، وقَدْ خرج إلى المبيضّة وهو يوجد الآن عند أولاده(2)(حفظهم الله).
وله أيضاً رسالة في حرمة العصير العنبي ونجاسته مستقلاً، وله قطعة من المكاسب وما
يَحْرُم التكسّب به، وله قطعة في البيع والمعاطاة، فانظره فأنَّكَ ستجده بما أقول ضمين.
والحاصل أن علوّ أمره، وتناهي شرفه وفخره، لا يحتاج إلى بيان، وقَدْ بلغ حتى تجاوز حدّ الشهرة والأعلان.
ومن آثاره المشيدة، الدالة على علوّ رتبته المتفرّدة، المدارس العظيمة التي بناها، منها: المدرسة الكبيرة الواقعة في النجف الأشرف مقابل قبر الشيخ الطوسي (رحمه الله علیه) وهي من المدارس التي ليس لها نظير في النجف، ومنها: مدرسته الواقعة في كربلاء وهي من المدارس المعروفة، ومنها: مدرسة المعتمد فأنَّه هو الذي بناها على هذا النهج والترتيب في الطبقات والحسن. وهو الذي بنى القبة البيضاء والرواق على قبر أجداده وآبائه المقدّسين. وهذه الأمور مما لم تتفق حتى لآبائه وأجداده على ما عرفت من عظم أمرهم.
وكان رحمه الله معروفاً بطلاقة اللسان، والقدرة على التقرير والبيان، إلى غاية تقف دونه الأذهان، وكان له مع ذلك شعر رائق، ونظم فائق. فمن ذلك ما قاله على الأرتجال في مدير النجف مُحَمَّد أمين أفندي لمَّا رجع إلى محله بعدما كاد أن يُعزل، وقَدْ خمّسها الشيخ أحمد قفطان(1):
شمسُ الهنا في أفقنا أسفرتْ *** وروضةُ البِشرِ لنا أزهرتْ
وفي أبي (نشأت) إذ بشّرتْ *** أكناف كوفان قَدْ استبشرتْ
مُذْ حلَّ فيها طودُ حلم رزینْ
أضحى الحِمى يزهو بكُثبانهِ *** غزلانُهُ تعطو على بانهِ
ترعى المسرّات بأغصانهِ *** وغرّد الوِرْقُ بأفنانهِ
يقول بُشرى بمديرٍ (أمينْ)
فتى بألبان العُلى مغتذي *** ليس بفظّ لا ولا بالبذي
إنْ بعدَهُ بتنا بطرف قَذي *** فقد أتى الله بذاكَ الذي
نعلمُ منه العدلَ علمَ اليقينْ
وادي الحمی سُرَّ بأتيانهِ *** وابتهجَ الكونُ بأنسانهِ
1) الشيخ أحمد قفطان ولد سنة 1217 ه / 1802 م، وتُوفي سنة 1293 ه / 1876 م
من فرط تقواه وإيمانهِ *** مازالَ يرعانا بأحسانهِ
وإنَّما اللهُ مع المُحسنينْ
وشطّرها فقال:
(أكنافُ كوفان قَدْ استبشرتْ) *** دامت لها البشرى دوامَ السنينْ
وابتهجتْ مما بهِ استمكنتْ *** (مُذْ حلَّ فيها طودُ حلم رزينْ)
(وغرّد الورقُ بأفنانهِ) *** لحناً فلحناً عن سرورٍ مبينْ
أفصحَ في تغريدِهِ منطقاً *** (يقول بُشرى بمديرٍ أمينْ)
(فقد أتى الله بذاك الذي) *** كُلُّ فؤادٍ لنواهُ حزينْ
أهلاً به مِنْ عاملٍ عادلٍ *** (نعلمُ فيه العدلَ علمَ اليقينْ)
(مازالَ يرعانا بأحسانهِ) *** عدلاً وفضلاً منهُ في كُلِّ حينْ
وأيَّدَ اللّهُ بهِ ِدينَهُ *** (وإِنَّما الله مع المحسنینْ)
وقال يخمّسها مع الأصل:
فتى له أهل النهى أذعنتْ *** لمَّا به أنظارُها أمعنتْ
فما رأت إلاَّ الذي أحسنتْ *** فابتهجتْ ممّا به استمكنتْ
مذحلّ فيها طود حلم رزینْ
لمّا رأى دوحَ الهنا مورقاً *** والغصن غضَّاً تحته مطرقاً
والبدرُ في أفقِ الحِمى مشرقاً *** أفصحَ في تغريدهِ منطقاً
يقول بُشرى بمدير أمينْ
أنعِمْ بهِ مِنْ حاكم عادلٍ *** على (الغريّين) على (بابلٍ)
لم تلقَ إذْ جاء سوى قائلٍ *** أهلاً به مِنْ عادلٍ عاملٍ
تعلمُ عنه العدل علمَ اليقينْ
يا نفس أيُّ الفضل تحصينَهُ *** لا یستطیعُ النَظمُ تدوينَهُ
أبدتْ أياديه براهينَهُ *** وأَيَّدَ اللّهُ بهِ دينهُ
وإنَّما اللهُ مع المُحسنينْ
ومن ذلك ما قاله بعدما كان قَدْ وعد الشيخ أحمد قفطان بشيء فتأخر إنجازه، فكتب له الشيخ (قُدّس سره):
أبشرْ ببرٍ وافرٍ *** يأتيك منّي عاجلا
إِنْ مَنَّ غیري بالعطاً *** فأنَّه منّي (بلا)
ومنه ما مدح به عبد الباقي أفندي الفاروقي(1)وقَدْ جاء إلى النجف في زمان عمه الشيخ حسن (رحمه الله علیه)، فأمره عمه المرحوم بمدحه، فقال:
قُلْ لِمَنْ ينظمُ القريضَ مُجيداً *** أنتَ (عبدٌ) لعبد (عبد الباقي)
إِنَّهُ أشعرُ الأنام جمیعاً *** في نواحي (الشئام) بَلْ و (العراقِ)
فأجابه عبد الباقي:
يا واصفي بخصائص محمودة *** هذي صفاتُكَ والألهُ الباقي
عاينت شكلَكَ في سجنجلِ(2)صورتي *** فظننتَهُ شكلي وذي أخلاقي
لا زلتَ يا (مهدي) البريةِ قائماً *** ولكَ البقا بحقوق (عبد الباقي)
فكتب له الشيخ مهدي (رحمه الله علیه) أيضاً ببيتين لا تحضرني فوصلت وهو على الجبل خارج البلد فكتب تحتها:
ظهرتَ ظهورَ البدر في فلك السّعدِ *** وقَدْ يخرجُ الدجّال إذْ ظهر (المهدي)
وللشيخ أيضاً بعض اللطائف مع عمّه المرحوم الشيخ حسن (رحمه الله علیه) وذلك أن المرحوم أخذ له (صاية) جديدة، وكان عندهم رجل يخدمهم اسمه الشيخ عبد الحميد، فأراد الشيخ عبد الحميد (صاية) الشيخ العتيقة، فقال الشيخ مهدي على لسانه:
عبد الحميد أتاكَ يرجو كسوةً *** ولَكُمْ کسوتَ سواهُ مولى عاريا
والفورُ (أحوطُ) في امتثال أوامري *** فانزعْ قميصَكَ لا تكنْ متوانيا
وأمَّا ما قيل فيه تهانياً ومدح، فمما لا يمكن له على متون الطروس شرح، كيف لا وهو (قُدّس سرّه) لم يزل من المقلّدين المجتهدين، المتقلدين رئاسة الدنيا والدين، لا تعقد الخناصر إلاَّ عليه، ولا تُجْبى الحقوق والأموال إلاَّ إليه، مدة واحد وعشرين سنة، وكان يُحبُّ الشعر ويعرف محلّه، ويجيز عليه أهله. ونحن نذكر لك ما تيسّر لنا من ذلك، سالكين في الانتخاب والاختصار أحسن المسالك.
فمنه: ما رثى به بعض شعراء النجف(1)المرحوم ميرزا أبو القاسم (إمام جمعة طهران)، ويعزّي الشيخ مهدي وقَدْ نصب له مجلس العزاء في النجف الأشرف، وأولها:
هو البينُ كم أصمى حشاشةَ مغرم *** فعادتْ بنارِ الوجد ذاتَ تضرُّم
هو الدهرُ لا تنفكُّ ترمي سهامُهُ *** كرامَ البرايا عيلم بعد عيلمِ
فَكَمْ شنَّ فيهم غارةً بعد غارةٍ *** يحاولُ فيها مَغْنَماً إثرَ مَغْنَمِ
إلى أنْ عَدَتْ عدواً عوادي صُروفهِ *** على الماجد المولى الأمام المُعظَّمِ
إلى أن قال:
فصبراً بنيه في المصاب وإنْ غدا ***عليه عظيمُ الصبرِ غير معظّمِ
لكم ولنا السلوانُ عَنْ كُلِّ فائت *** بأكرم مولى في البرية مُنْعِمِ
هو العلمُ (المهديُّ) مَنْ عمَّ فضلُهُ *** جميعَ البرايا مِنْ فصيح وأعجمِ
فتى (جعفرٍ) رب العلوم وكهفها *** عليم بدین الله مُعَلَّمَ
مليكٌ له صيدُ الملوك خواضعٌ *** لعلياه منهمْ قيد كُلّ غشمشمِ
لقد طاول (العيّوق) إذْ وطئتْ له *** على هامة العيّوق أشرفَ مَنْسَمَ
به سَعُدتْ أيامُنَا وبيُمنهِ *** نردّ صروفاً للقضاء المُحتّمِ
أقامَ لنا الدين الحنيف ولا نرى *** سواهُ لتقويم الهُدى من مقوّم
له ضُربتْ دونَ الأنام سُرادقٌ *** من المجد والعلياء من فوق أنجم
فيا كعبةَ الوُفَّاد بحرَ مواهب *** يجودُ على العافين قبل التكلّم
1) نسبها الخاقاني إلى الشيخ محسن الخضري المُتوفى سنة 1302 ه / 1885 م. وقد أثبتها كاملةً في شعراء الغري، ج 7، ص 233، وقال: هي ممَّا لم يُنشرْ من شعره
خذوها ولا منٌّ عليكم فرائداً *** من النظمِ مثل اللؤلؤ المتنظّمِ
ومثلها بَلْ أحسن بكثير ما لبعض شعراء بني قفطان، يرثي السيد مُحَمَّد مهدي (إمام الجمعة)، (وهو أبو السيد أبو القاسم المرثي في القصيدة السابقة)، ويعزّي الشيخ مُحَمَّد أخا الشيخ مهدي وقَدْ جلسا للعزاء، وأولها:
لي الله كم مِنْ فادح كنتُ أخشاهُ *** دهى بَغْتَةً قلبي المُعنّى لي اللهُ
مصاب بأرضِ (الريّ) ألقى جرانَهُ *** فزعزعَ أقصاهُ وروّع أدناهُ
إلى أن قال:
ولولا قرينُ المكرمات (مُحَمَّد) *** لأضنانيَ الوجدُ المبرّحُ لولاهُ
فتى جُلَّ أنْ تُحصى مناقبُ فضلهِ *** وكيفَ وعدُّ الرمل دون مزاياهُ
يُصَرِّفُ في الدهر المعاند عزمة *** فيأمرُهُ فيما يَشَاءُ وينهاهُ
فيا مَنْ جرى في المكرمات لغاية *** شأى في مداها كُلَّ مَنْ كان جاراهُ
حللتَ من المجدِ المؤثلِ منزلاً *** تمنّت ثراهُ في الفار تُريَّاهُ
وأدركتَ من لطف الأله خفيّةً *** فأوضحتَ من شرع النبيّ خفاياهُ
وأيّدتَ مجداً أنتَ أحكمتَ أصلَهُ *** بفرد نرى بدرَ الدُجى بمحيّاهُ
(بمهديِّها) سَمْتَاً بأسمحها يداً *** نرى المجد لفظاً وهو في الحقِّ معناهُ
تسنَّمَ مجداً لا يطاولُهُ الورى *** ترى النسرَ فيه واقعاً دون مَرْقَاهُ
هو الغوث للعاني إذا عزّ غوثه *** هو الغيث إنْ ظَنَّ السحاب بجدواهُ
وواحدُ فضل لم أجدْ غيرَ (جعفرٍ) *** من الناس شخصاً في البرية ثنّاهُ
ورثتم منارَ العلم والحلم عن أبٍ *** (عليٍّ) وعم عمّت الخَلْقَ (حُسْناهُ)
و(جدٍّ) كفى في فضله أنْ أقامكم *** أدلة حقٍّ شاهدين لدعواهُ
لنا ولكم عنه السلوّ بسيّدٍ *** (أبي القاسم) السّامي السّماك بعلياهُ
تفيّأ دوحَ العزّ والمجد والعُلى *** وجازَ محلاً قد تمنّتهُ جوزاهُ
إذا نُشِرتْ أخلاقُهُ الغُرُّ في الورى *** نَشَرنَ عبيق المِسكِ مِنْ طيب ريّاهُ
وهي طويلة يكفيك منها هذا.
وقال السيد مُحَمَّد علي بن سيد أبي الحسن العاملي يستجديه ويستميح من فضيل أياديه:
ألا يا أيُّها المولى المساوي *** بكُلِّ صفاتهِ المولى (العليّا)
لقد حُزتَ المفاخرَ والمعالي *** ونلت بفضلكَ القدرَ العليّا
جمعتَ فضائلاً كانت (لموسى) *** فكنتَ بجمعِها (الحسن) الزكيّا
وما حازوهُ من مكنونِ علم *** كشفتَ غطاءهُ فغدا جليّا
لكَ المجدُ الذي أرسى خباه *** على هام المجرّة والثريّا
فلو بَعَثَ الألهُ بكُلِّ عصر *** نبياً كنتَ أنتَ لنا نبيّا
أكفُّ سواك لو أجرتْ عُيوناً *** أرى شرفي لنائلها أبيّا
وكفُّكَ لو أقلَّ فيومَ أظمى *** أراهُ لمهجتي ريَّاً رويّا
وله أبيات كتبها إلى أخيه العلم العباس نجل الشيخ علي (رحمه الله علیه) يمدحه في آخرها، وهي:
ألا يا ربيبَ الفضل والفخر والمجدِ *** وراقي ذُرى العلياء بالجَدّ والجِدِّ
تعلّق في قلبي الصنى يومَ بينكم *** فبتُّ حليفَ الهمّ والحزن والوجدِ
أرى الوردَ في خدّيك أينعَ دوحُهُ *** فأَنْ يُجْتَنى وردٌ فمِنْ حَدّكَ الوردي
هويتُكَ يا (عبّاسُ) طفلا أمَا ترى *** بال الهوى أني خُصصتُ به وحدي
وقبل بلوغ الحُلم خُصَّ بك النّهى *** وجاوزتَ في علياك أعلى ذُرى المجدِ
وقدْ فقتَ کُلَّ الناسِ جداً ووالداً *** كما فاقهم في مهدِهِ العَلمُ (المهدي)
فتیً قَدْ تسامى للمعالي فأصبحتْ *** تُجلُّ معاليه عن الحصر والعدِّ
هُمامٌ به كُلُّ الفضائل جمّعتْ *** ومنهل علم للورى سائغ الوِردِ
تفرَّدَ في الدنيا بكُلِّ فضيلةٍ *** وأصبح بين الناس كالجوهر الفردِ
وسحّتْ بلا بَرْق غوادي أكفّهِ *** على كُلّ أبناء الزمانِ ولا رعدِ
فَخُودُ تحيّاتي مدى الدهر والمدى *** تُزَفُّ إليه بالثنا الباهرِ الوقدِ
وقال السيد جعفر(1)بن السيد السند العلم الباهر السيد باقر القزويني (رحمه الله)
1) تُوفي سنة 1265 ه / 1849 م
يهنّي الشيخ مهدي في زواجه وأجاد، وهي:
مالي من الشوق يدعوني إلى الغزلِ *** وإنْ كبرتُ وجَدَّ الجَدُّ في هزلي
فكُلَّما غرّدتْ ورقاءُ في فننٍ *** ثنتْ فؤادي لذكر الأعصر الأُولِ
أزمانُ إِنْ قطَّعتْ (سُعْدَى) زيارتَها *** عنّي إلى الليل أشكوها فيشفعُ لي
وإنْ حذرتُ عليها عينَ جارتِها *** جعلت غَمْزَ حواجيبي لها رُسلي
نصبتُ سود تماسيحي لها شركاً *** فليس تفلتُ إلاَّ من يدي أملي
وقائدايَ إلى مَنْ قَدْ علقتُ بها *** زهوُ الشباب وعزُّ غير مبتذلِ
فكم طرقتُ فتاةَ الحي يصحبني *** مهندٌ غير هيّابٍ ولا وكُلَّ
وكم قضيتُ لُبانات بكاظمةٍ *** مَعْ أهيفِ القدّ رامي من بني (ثُعلِ)
أصمى فؤادي بسهم منْ لواحظهِ *** والموتُ أيسر خطب الأعينِ النُجلِ
فكم خلعتُ وقاري للعقار وكم *** حاك العناق لنا ثوباً من القُبلِ
وأهاً لقلبيَ كم تُحيي صبابتَهُ *** بيضُ الخُدودِ وسودُ الشعرِ والمُقلَ
منْ كُلِّ ما يسترُ الأعطاف مثقلة ال *** أرداف تخطو بأقدام الوَحَى الوجلِ
تثني على جيدها وشياً معصفرةً *** والحُسنُ يُظهِرُ حُسنَ الحليّ والحُللِ
ماست بقدّ كخُوطِ البان والتفتتْ *** إليَّ ترنو بعينيْ جُوذرٍ وَجِلِ
فَقُلْ لعاذلتي في حُبِّ قاتلتي *** كفى معاتبتي ما العذلُ من شغلي
أنّى يصيح لتأنيب أخو فرح *** طارتْ بأحزانه خفّاقةُ الجَذلِ
في عرس مَنْ غرستْ نُعماه عارفةً *** عندي مدى الدهر ما حالتْ ولم تَحُلِ
(مهدي) الخليفةِ محمود الطريقة *** ميمون النقيبة مأمون من الزللِ
من عنصر شرُفت قُدْماً أرومتُهُ *** ومِنْ نجار بأصل المجد مُتصلِ
من آلِ (جعفرَ) خير الناس قاطبةً *** ومن بني الجود والعلياء آلُ (علي)
(لمهديْ) إبن (عليّ) كُلُّ مَكرمة *** لو رامَ أَخْمَصَها العَيُّوقُ لم يَنلِ
مهذب كرمتْ أخلاقُهُ وزكتْ *** أعراقُهُ فتعدّى رتبة المثل
وكيف لا يَسْمُوَنْ مَنْ كانَ والدُهُ *** عليَّ قدر على كُلِّ الأنام (علي)
غيثُ العُفاةِ ونكّال العُتاةِ ورغّ *** ام العداة برأيّ منهُ معتدلِ
إذا رأيتَ سجاياهُ وعفّتَهُ *** عن الدنيّ وعن الخيلاء والخولِ
ورمتَ وفرَ عطاياهُ ونائلَهُ *** خلتَ الأمامة لم تُفقَدْ ولم تزلِ
فاهنأْ أُخيَّ بَمَنْ زَفَتْ إليكَ ولا *** برحتَ ترمي أكفَّ الدهر بالشللِ
ولم تزلْ تُرغم الأعدا فضائلك ال *** لاتي تسامتْ على الجوزاءِ والحَملِ
وقال السيد الأديب، الفائق بنظام البديع على حبيب، زند الكمال القادح، جناب السيد صالح القزويني(1)يهنّيه في العيد. وقَدْ خمّسها حسام الأدب الماضي، شبله السيد راضي، صاحب التخميسات المشهورة، والمقاطيع التي هي كاللئالى منثورة، وهي مع التخميس:
ملكتَ يا ذا المعالي كُلَّ موجودِ *** جُوداً وحليت فيه عاطل الجيدِ
إليَّةً(2)بعُلى آبائك الصيدِ *** ما العيدُ لو لم تقم بالأمرِ بالعيدِ
مِن بعدِ أهليك أهلِ العلم والجُودِ
مُذْ سامَ صرف الردى بالجور مدَّهمُ *** صرفتَهُ وندىً جاوزت حدَّهمُ
وُمْذ قصرت على علياكَ مجدَهُمُ *** مددتَ ظلاً على الأسلام بعدهمُ
فالمسلمون بظلّ منك ممدودٍ
فكم بأبحُرِ علم بالندى التطمتْ *** سقیتَ روضة سامي مجدِهِمْ فَنَمتْ
وكم براحة جُود للوفود هَمَتْ *** أعدتَ روحَ عُلاهمْ بعدما هشمتْ
أعواده في البرايا مورق العُودِ
أثبتّ للناس مِن دانٍ ومنتزحٍ *** لك العُلى بدليل منكَ متّضحٍ
أخلقت ما عمَّ أهل الأرض مِنْ تَرح *** جدّدتَ للناس ما قدّرتَ من فرحٍ
فمنك لم يبرحوا منه بتجديد
بكَ الزمانُ صفا وِرْدَاً وطاب جَنى *** وجاء معتذراً عمَّا أسا وَجَنَى
وفيكَ مُذْ أشرقتْ شمسُ السُعودِ سنا *** زهتْ رياضُ التهاني في عُلاك لنا
كما زهتْ بعُلى أبائِكَ الصِيدِ
حذّرتَ جامحة الآمال إِذْ بَعُدَتْ *** عنّا وأصدَرْتَها بالريّ إذْ وردتْ
ففي فخارك أهلُ الفخر قَدْ شَهدتْ *** وفي سُعودِكَ أَهلُ العلمِ قَدْ سَعُدَتْ
كما بجودِكَ أثرى كُلُّ موجودِ
نجومُ مجدِكَ لا يُحْصى تعدّدُها *** فكيف أسطيعُ في نَظْم أُحددُها
جمعتَ عزّ مقالٍ أنتَ مفردُها *** أترعتَ أبحر علمٍ ساغَ موردُها
فكُلُّ بحر سواها غيرُ مورودِ
سعيتَ للعلمِ شوقاً في تطلبهِ *** حتى غدوت به فرداً بلا شَبَهِ
وكم بمشكور سعيّ غيرُ مشتبهِ *** أحرزتَ حمداً بسعي قَدْ شُكرتَ بهِ
فما سواك بمشكور ومحمودِ
ثنتْ إليك بنو العليا وسائدَها *** وعادَ حاسدُها بالفضل شاهدَها
فيا فريدَ بني العليا وواحدَها *** إنَّ الأقاليمَ قَدْ ألقتْ مقالدَها
إلى معاليكَ إلقاءُ المقاليد
سبقتَ مَنْ فاق قَدْراً بالعُلى وسما *** مراتباً فيُرى أرضاً وأنتَ سما
وقَدْ ملكت إغراء الملوك بما *** طوَّقتَ أجيادَها طوق الحَمامِ كما
طبَّقتَ أقطارَها بالفضلِ والجود
وقال الأديب عبق البلاغة من ثغره يفوح، جناب الأكمل الأنبل الشيخ حمادي نوح(1)، يمدحه أيضاً:
أَ نسيمَ (كاظمةٍ) هواه تَنَسَّما *** فأذال أدمعَهُ (ببابلَ) عَنْدَمَا
وخيال جائلة الوشاح كخصرها *** إذ زارَهُ وهناً قضى أنْ تُهضما
يا طيفَ ناعسةِ اللحاظ ولا كرى *** وبها النفوس ردىً تُفاضُ ولا دما
أطرقتَ عن كتب لِصَبِّكَ زائراً *** أم شقّة طولاً أتيت ميمّما
فلقلَّما وافيت في ظبني الحِمى *** ولقلَّما فيه أنثنيت لقلّما
أنشقت نكهته المشوق ولا شذى *** وسقيته الريق البرود ولا لمى
1) من كبار شعراء الحلّة، ولد سنة 1235 ه / 1820 م، وتُوفي سنة 1325 ه / 1907 م
فشميمُهُ استلبَ السّقامَ ولا ظنى *** وروى لُماهُ شفا الأُوام ولا ظمى
مَنْ لي بزورتهِ عياناً ريثما *** يقضي الرضيع لبانتيه ريثما
وهي المحالُ فَرُبَّ قوم حاولتْ *** مِنْ آل (جعفر) المحلَ الأعظما
المجتلين غياهبَ الدُنيا إذا *** رقت الدسوت فرائداً أو توأما
وإذا احتبى فيها سواهم خلتها *** شمسَ النهار تُقِلُّ ليلاً مظلما
يستجمعُ ابنُ علي شمِل مكارم(1)*** زانوا بفطرتها الزمان الأقدما
المستضاء به إذا سَفَعَ الدُجى *** والمستجارُ به إذا نَزَلَ العمى
والمستعانُ به إِذا جَلَلُ رَهَا *** والمُستغاثُ به إذا عامٌ حمى
قَد تضمنُ الأبراد فوق أسرّة *** وقَارَيْ (يذبل) و(يلملما)
وتلفُّ منه إذا المسائلُ أعوصتْ *** قمر الهداية بالعلوم متيّما
قَدْ قلتُ يا مَنْ في أبي الحسن اقتدى *** أعددتَه مِنْ كسبِ حظَك مغنما
فأذا حَمى (المهديّ) دين (مُحَمَّدٍ) *** شركَ الأَلهِ فَهَبْهُ ديناً قيّما
وقال الأديب الأوحد، ومتنبي الكمال الذي لا إحصاء لآيات مجده ولا حدّ، عود الفخر النضر، الشيخ محسن آل شيخ خضر، يهنّيه بزواج أبن أخيه، الشيخ حسن بن الشيخ مُحَمَّد (رحمهم الله أجمعين)، قال موشّحاً:
طاف بالكأس غريرٌ أحورُ *** عَنجُ الألحاظ ممشوق القوامْ
طافَ يجلوها على ندمانهِ
والشذى يَعْبَقُ مِنْ أردانهِ
فرأيتُ السِحرَ في أجفانهِ
آيةً للحُبِّ ليستْ تُنكرُ *** فغراماً يا بني (حامٍ) و(سامْ)
فشربنا الراحَ إذْ ولّى الصباحْ
وانتشينا طَرَباً والدهرُ صاحْ
ويحَ ديكُ الصُبحِ لمَّا حسّ صاحْ
فانتشرنا كجُمانٍ يُنشرُ *** بعدما راقَ ليالي ونظامْ
1) هكذا ورد في الأصل
إلى أن يقول:
يا له عصرٌ تَصَابي سَلَفَا
بينِ أكنافِ (المُصلّى) و(الصّفا)
طابَ فيه العيشُ والوِرْدُ صَفَا
وانجلى الهمُّ به والكدرُ *** إذ تعاطينا الطِلا جَامًا فَجَامْ
کلیالٍ نالَ فیهُنَّ المُنى
خَلَفُ الغِرّ الهُداة الأُمَنَا
(حَسَنُ) ما انفكَّ يولي الحَسَنا
وكفى حُسناهُ مهما تذكرُ *** عبقٌ في طيِّهِ نشرُ الخُزامْ
من بني (جعفرَ) أعلام الهُدى
وشقيق (المحسن) المولى الندى
منهما لم ألفَ إلاَّ سیداً
عرّف المعروف فيه (جعفرُ) *** ولِما أسسَ قَدْ شاد دعامْ
قُمْ نُهنّي بهما (المهديَّ) مَنْ
طوَّق الأجیادَ في جُودِ وَمَنْ
وعلى الدهر له كم مِنْ مِنَنْ
كُلُّ حَيٍّ مِنْ بنيه يشكرُ *** بعض ما تولي أياديه الجسامْ
هو شيخُ الكُلِّ في الكُلِّ الذي
لم يَزَلْ يجلو قذى الطرف القذي
وإذا شئتَ فدعْ ذاكَ وذي
وانتظرْ ما سوفَ منه يظهرُ *** فهو (المهديُّ) إنْ لدَّ الخصامْ
يا أبا المولى ومولى المولوينْ
مَنْ سرتْ آلاؤهُ في الخافقينْ
بكَ قرّت عن قريب كُلُّ عَينْ
فلكُلٍّ فيكَ يُرجى وطَرُ *** مثلما قرّتْ بأهليكَ الكرامْ
عيلمٌ في العلم زخّار خِضَمْ
منه كم من (جعفر) فاضَ وَكَمْ
هو في الأعلام كالفرد العَلمْ
كُلُّ موصولٍ له مفتِقرُ *** مستعيدٌ صِلة في كُلِّ عامْ
بكم لازال يرتاحُ الوجودْ
كُلُّ عصرٍ فيه منكم ضاعَ عُودْ
دون أدنى نشره نَشرُ الورودْ
كنظامي وهو فيكم عَطِرُ *** حيثُ قَدْ كانَ له المِسك الختامْ
وله أيضاً يهنيه بزواجه، وهي من القصائد البديعة:
أكأسُه مِنْ وجنتيه التهبا *** أم من دم العُنقودِ ما تخصّبا
وباشقيقِ خدُّهُ مذهَّبٌ *** أم بدمي لمَّا أطلَّ اختضبا
وتلك شمسٌ بالنجوم احتبكتْ *** أمَّا الحُميّا ما أرى والحَبَبا
ولستُ أدري أرضاباً أحتسي *** من سلسبيلٍ ثغرُهُ أم ضَرَبا
وما دريت بشذى أنفاسهِ *** أم بشذى المسك ذكتْ ريحُ الصَبا
وفوق عرش خدّه الخالُ استوى *** أم ذاكَ زنجٌ حلَّ دستاً مذْهَبا
يسبي الضبي في لفتات جيده *** في لفتات جيده یسبي الضبی
فلو تراهُ إذْ تهادى طَرَباً *** رأيتَ في برديهِ غصناً رطبا
ولو ترى الأكوابَ إذْ يديرُها *** لقلتَ ما رأيتُ إلاَّ كوكبا
ودون أنْ يمزجَها بريقهِ *** هيهاتَ أنْ أشربَها أو يشرَبا
والراحُ ما أشرقَ منها كوكبٌ *** إلاَّ وفي فم النَدامى غَرَبا
عتَّقَها (عادٌ) وعندما نَشا *** حَبابُها في الكأسِ عادتْ عِنَبا
قَدْ ساب أفعى جعدِهِ في خدّهِ *** لكنَّه أفلاذ قلبي لَسَبا
وعندما أوجسَ منه خيفةً *** ألقى من الصّدغ عليه عقربا
زارَ فنبّهَ الرقيبَ جرسُهُ *** ما خلتُ أنَّ الجِرسَ بعضُ الرُقبا
فلم أزلْ أهصرُ فوداً أبلجاً *** ولم أزلْ أرشفُ ثغراً أشنبا
إلى أن قال في مدحه:
فقُلْ لَمنْ جاراهُ في مضمارهِ *** أقصِرْ فقَدْ غالبتَ ليثاً أغلبا
إلى (عليّ) إنتمى و (فاطم) *** فكانَ خيرَ الناس أُمَّاً وأبا
يسبقني قني اليراعُ مدحاً فأرى *** من اليراع ما يريني العَجَبا
من عُصبة سما بها إلى العُلى *** (عليُّها) أبو الهُداةِ النُجبا
إنْ (مرَّ) طِعمُ الشِعرِ في سواهمُ *** فما (أحيلاهُ) بهم وأعذبا
رووا حديثَ مجدِهِمْ عَنْ (جعفرٍ) ***و(جعفرٌ) يرويه عن (أهلِ العَبا)
وقال العالم الأديب، والفاضل اللبيب، الشيخ حسين الدجيلي(1)يهنّيه بزواج أخيه ذي النجدة والباس، عيلم العلوم العباس، أدام الله أيامه، موشحاً:
أيُّها الرَكبُ على رملِ الحِمى *** وقفةٌ أقضي بها حقَّ الغَرامْ
ثم حيّوا من مغانيه الربى
فيه مرّتْ لِلُليلات الصِبا
زَمنٌ إنّخذ الراحَ أبا
ونديمي في الدُجى إنْ أظلما *** قَمرٌ يجلو حناديسَ الظلامْ
أحورٌ أحوى رشيقٌ أهيفُ
كادَ منْ مَرَّ الصَبا ينقطفُ
إنَّ أرباب الهوى لو أنصفوا
يمموا (نَجداً) إذا ما يمّما *** وإذا أتْهَمَ فالمثوى (تهامْ)
فغدا يجلو الطلا مثلَ العَروسْ
1) الشيخ حسين الدجيلي ولد سنة 1248 ه / 1832 م، وتُوفي سنة 1305 ه / 1888 م
زفَّها صِرْفاً بتبريِّ الكؤوسْ
نفستْ حتى وهبناها النفوسْ
تجمعُ الشمل وتبري السقما *** وحريٌّ مثلُها يبري السقامْ
هي تِبْرٌ والجُمانُ الحَبَبُ
بَلْ شَهابٌ في الدُجى ملتهبُ
قَدْ سقانيها أغنُّ رَبْرَبُ
فغدتْ تدبو إلى العقلِ كما *** دبَّ لصُ الحيِّ في جُنحِ الظَلامْ
هي روحُ الخمر لا جسمٌ لها
فكأنَّ الكأسَ قَدْ مثَّلها
سلسبيلٌ والنُهى علَّلها
تُنعش الحيَّ وتُحيي الرِمَما *** مُقْعَدٌ لو كان يحسوها لقامْ
زمنٌ مَرَّ على سفح الغضا
قَدْ زعمناهُ تَولّى وانقضى
عادَلي غضّاً كما كانَ مضى
حيثُ زفّتْ مَنْ تسامتْ كرما *** من بني (طه) بني المجد الكرامْ
لخدين المجدِ في رتبتهِ
شبَّ إذْ شبَّ وفي حوزتهِ
قصبُ السبقِ وفي قبضتهِ
سلّمٌ يرقى به أوج السّما *** وكذا أهلوهُ شيخاً وغُلامْ
بيتُ مجد ظاهر فيه الفخارْ
كظهورِ الشمسِ في قلبِ النهارْ
كم أقالوا عن بني العلم عثارْ
وجلوا عن مقلةِ الدينِ العَمى *** مِنْ حلالٍ أوضحوهُ وحرامْ
لهمُ في كُلِّ عصر معجزاتْ
بفروع نشروها غامضاتْ
جمعوا شملَ الهُدى بعد الشَتاتْ
فضلاءٌ أتقياءٌ عُلَمَا *** بترقّي فضلهم عاماً فعَامْ
رتبةٌ شامخةٌ في الرُتَبِ
في سماء المجد مثلَ الكوكبِ
لو يكنْ قامَ بنا اليوم نبي
وثبوا كُلاً إلى ذاكَ فما *** فيهمُ مِنْ واحدٍ إلاَّ وَقامْ
لو ترى (المهديَّ) ما كُنتَ ترى
غيرَ مَنْ تلوي عليه الخُنْصُرا
يملأُ السمعَ عُلا والبَصَرا
فهو في الجُلّى عمادٌ وحِمى *** وعصامٌ لبني (حامٍ) و(سامْ)
أبحرٌ فاضتْ لِمَنْ أمَّ النَدى
ماصَد إلاَّ وكانَ الموردا
طود علم طالَ أطوادَ الهُدى
في ذُرى شامِخها قَدْ حَيَّما *** وله في ذروةِ المجدِ خيامْ
سبرَ العلم كتاباً فكتابْ
مُحْكِماً أبوابَهُ باباً فَبَابْ
ألمعيٌّ فكرُهُ مثلُ الشهابْ
ثاقبٌ ما طاشَ سهماً إِنْ رَمَى *** ولأهل الفضل كم طاشتْ سِهامْ
كم يد بيضاء قَدْ طوّقها
عنقاً والمَنُّ لن يطرقَها
حازَ من خيل الندى أسبقَها
يُخْجِلُ الغيثَ إذا الغيثُ هَمَى *** وله في الفضل مثوى ومَقامْ
دمتُمُ عُمرَ الليالي والدهورْ
لكمُ العيشُ المهنَّى والسُرورْ
كُلَّما غنّتْ على الدوح الطيورْ
نشرتْ أيدي التهاني عَلَما *** لكمُ بالبِشرِ في كُلِّ مقامْ
وقال الأوحد الفريد، الشيخ مُحَمَّد سعید(1)، ابن محمود سعيد، أيضاً يهنّيه بزواج العلم العباس أخيه (سلّمه الله):
برزتْ فلاحَ البدرُ وهو تمامُ *** وَرَنَتْ فَغَضَّتْ طرفَها الآرامُ
هيفاء يهزأُ بالغُصونِ قوامها *** إنْ ماسَ من خُوطِ الأراكِ قوامُ
أولتْكَ مرشفَها فَعُدتَ برشفةٍ *** ثَمِلاً وما غيرُ الرضاب مُدامُ
حيَّا الغَمامُ ربى الغميم ولا عدا *** وادي الغميم إذا استهلَّ غَمامُ
تحكي لياليه ليالي عرس مَنْ *** شرقت ببهجة عرسه الأيامُ
ذاك الفتى العباس إلاَّ أنَّهُ *** طلق المُحيَّا ثغرُهُ بسّامُ
شهمٌ تسنَّم ذروةً هي في العُلى *** مِنْ غاربِ المجدِ الأثيل سَنَامُ
كم مِنْ رُموز قَدْ أماط لثامَها *** في العِلم لم يُكشفَ لَهُنَّ لَثامُ
عَلَمٌ حديثُ علومهِ وعلاؤهُ *** شهدتْ به علماؤها الأعلامُ
بعميدها (المهديّ) قامتْ للورى *** عَمَدُ الهُدى وَلَهُنَّ قامَ دَعامُ
مقدامُها الجاري إلى الأمدِ الذي *** عَنْ شأوهِ يتقاعسُ المُقدامُ
حَبرٌ يلوذُ الشرعُ منه بحاكم *** وَضُحَتْ بنيّرِ حُكمه الأحكامُ
مازالَ يحمي ربعَ شرع شادَهُ *** وكذاكَ يحمي غيْلَهُ (الضرغامُ)
ولَكَم لهُ في الفضل مِنْ قدم رَسَتْ *** في موطن زلَّتْ به الأقدامُ
وكفى (بجعفرَ) في الفضائل بارعاً ***عن فضلهِ تتقاصرُ الأوهامُ
1) الشيخ محمد سعيد بن الشيخ محمود بن سعيد الأسكافي، ولد سنة 1250 ه / 1834 م، وتُوفي سنة 1319 ه / 1901 م
سروات مجد لا تطاولُهُ الورى *** أتطاولُ الشم الرعان أُكامُ
هُمْ أَهلُ بيت لا يُضامُ نزيلُهمْ *** ونزيلُ بيت المجدِ ليسَ يُضامُ
وهُمُ الألى كُشفَ الغطاء لجدّهم *** عَمَّا بِهِ قَدْ حارت الأفهامُ
شَرَفاً كضوءِ الشمس أسفرَ مشرقاً ***والصُبحُ لا يخفي سناهُ ظلامُ
قوّام شرعة أحمد وقوامها *** وقوامُ شرعتهِ هم القُوامُ
لم يستبنْ لو لم تقمْ بحدودها *** منها حلالٌ للورى وحَرامُ
أعلامُ علمٍ للرئاسةِ لم تَزلْ *** أبداً عليهم تخفقُ الأعلامُ
أطوادُ حلم لا تطيشُ علومُها *** يوماً إذا ما طاشتِ الأحلامَ
ولَكُمْ على الأسلام مِنْ أيد لها *** مازالَ يشكر فضلها الأسلامُ
بهمُ ربوعُ العلم شُيِّدَ سُمْكُها *** وبهم لهذا الدين قامَ دَعامُ
فضلوا الأنام وإنَّما فَضلُ الورى *** كَسْبٌ وبارعُ فضلِهم إلهامُ
جُبلتْ على الكرم العميم طباعُهم *** ومعادنُ الكرم العميم كرامُ
يا أُسرةَ الشرف الذي عَنْ شأوهِ *** يكبو بأقدام الورى إحجامُ
قَدْ هُنَّيتْ أيامُنا فيكم فلا *** بَرحتْ تُهنّي فيكمُ الأيامُ
وله أيضاً يهنيه مع أخيه الشيخ جعفر بزواج أخيهما المتقدم (سلَّمَهُ الله)، وهي:
لاحَ فجلّى حنادسَ الظُلمٍ *** بارقُ ثغر بالبِشر مُبْتَسمِ
يا باسماً ريقُ ثغره شَبَمٌ *** وآ حرَّ قلبي من ريقِكَ الشَبِمِ
محرّم وصلُهُ عليّ وقَدْ *** أحلَّ شرعُ الهوى لديه دمي
يلومني فيهِ عاذلي سَفَهاً *** وإنَّ مثلي عليه لم يُلَمِ
ولو يرى منهُ ما رأيتُ صَبَا *** وظلَّ يُدْمي الأكفَّ بالندمِ
فليعذل العاذلون فيه فلي *** سمع عن العاذلين في صَمَمَ
يا ليلةً بالغريّ مشرقةً *** يجلو سناها غياهبَ الظُّلمَ
ليلة أُنسٍ أبدت ببهجتها *** في عُرسِ (عبّاس) ثغرَ مبتسمِ
فتى إلى المجد قَدْ نماهُ أبٌ *** إليه يُنمَى الفخار حیثُ نمي
يستلّ للدهر من عزائمهِ *** رهيفَ عَضْبٍ مصمّمٍ خُذُمِ
مَنْ كانَ بالغانيات هامَ هوىً *** ففي سوى المكرمات لم يَهمِ
قُمْ لي فهنّي عميدها العَلمَ ال *** مهديَّ) أكْرِمْ بذاكَ منْ عَلمَ
حاکمُ شرع تأبى الشريعة أنْ *** ترضى بحَبرٍ سواهُ مِنْ حَكمِ
كهفٌ به الدينُ لاذَ معتصماً *** فكان للدين خيرَ معتصمِ
يا بنَ الغطاريف والكرام ومَنْ *** طَوَّقَ جِيدَ الزمانِ بالكرمِ
يقيسُكَ الدهرُ في سواك وهَلْ *** تُقاس شُمُّ الرعان بالأكمِ
وهنَّ رب الفخار (جعفر) مَنْ *** تقاصرتْ دونَ مدحهِ هممي
تأوي أولو الفضل إنْ أتتْهُ إلى *** خِضَمّ بحر بالفضلِ ملتطمِ
مِنْ معشر لا يُضامُ جارهمُ *** وإنَّ جارَ الكرام لم يضمِ
الماجدون الهُداة مَنْ وطأوا *** هامَ الثُريا بأخمص القَدمِ
لا برَّحَ الدهرُ مشرقاً بهم *** ما نسَّمَ الريحَ بارئُ النَسمِ
وقال الأديب الأوحد، وعلم الكمال المفرد، الشاعر المبرّز الشيخ أحمد(1)، إبن الشيخ عبد الحسين شكر زاده يهنيهما أيضاً بعرس أخيهما (أبقاه الله تعالى):
إليكِ تنحّي يا ابنة القوم عَنْ عذلي *** فلي باقتناءِ المجد شُغلٌ عن الوصلِ
وأني بتفجيري عيون مكارمي *** لعمرك في لهو عن الأعين النُجلِ
فأنْ تعقل الخودُ الحسانُ بحيِّها *** قلاصيَ عن طيّ العُلى ومعي عقلي
تركتُ عَفَافاً ما يَمرُ طلابُهُ *** وأعنقتُ جُردَ العزم أطلبُ ما يحلى
تسنّمتُ عزمي شاحذاً حدَّ فكرتي *** عن الأدهم الشملال والأبيض النصلِ
ولي مقولٌ كالسيفِ أجرتْ فرندَهُ *** يدُ القين يرمي الأخطلَ الفحلَ بالخطلِ
يصدّقني النظم البديع بأنني *** فتى قوله فصلٌ وما هو بالهزلِ
ولستُ الذي بالنظم يفخرُ بعدما *** تعرّفتُ لولا يومُ عرسِ أبي (الفَضلِ)
فذلك أجرى من لساني مطهَّماً *** يريكَ مجاري السيل عن صيّب الوبلِ
له الله يوماً أنحلَ المجد والعُلى *** مُداماً حلا طعماً فأوحى إلى النحلِ
1) تُوفي بعد سنة 1286 ه / 1869 م
بعرس فتى إنْ أمتدحُهُ فأنَّما *** تخطّ بناني ما مكارِمُه تُملي
تَخالُ على آبائه في جبينه *** فِرَنداً جلاهُ القين في صفحة النَصلِ
له الفضلُ والعلياء عنهم وراثةٌ *** وحُسنُ فعال المرء طيبٌ عن الأصلِ
ليهنى به (المهديُّ) والعيلمُ الذي *** قضايا الهُدى كم فيه (انتجنَ) مِنْ (شكلِ)
أخو هِمم ترمى الجبال بمثلها *** وتُخرسُ أصواتَ الرعودِ عن الزجلِ
وكم من يد بيضاء نُهْدَى بومضِها *** بها شُرِّعتْ للشرعِ واضحةُ السُبْلِ
أعِرْ سمعَكَ الداعي الصَدُوْق لكي ترى *** بفيه ازدحامُ المدح في قولهِ الفصلِ
به عقد الشرعُ المبينُ لواءهُ *** وقادَ إليه الأمرَ في العقدِ والحَلَّ
يُكذّبُ بالصفحِ الوعيد وأنَّهُ *** إذا قالَ وعداً صدَّقَ القولَ بالفعلِ
تطاولُ وَكُفَ السُحَبِ جُوداً أكفُّهُ *** فَتُدرِكُ عامَ الخِصْب في سنةِ المَحْلِ
ليُهنِ ويهني الصادق القول (جعفر) *** أخو مكرمات كُلُّ جزئيّها كُلّي
تسنّم من قبّ المعالي مطهَّماً *** به حاز من دون الورى قصب النضلِ
تذكرنا أيديه في الناس (هاشماً) *** وتُنسي ابنَ (مام) وابنَ (سهل) أخا الفضلِ
جداول مدّت من شريعة (جعفرٍ) *** فكم صادرٍ عنهُنَّ بِالعَلَّ والنَهلِ
مناقبُ لا تُحْصَى عدَاداً وهل ترىً *** فتى رام قبلي حصرَ منقطع الرملِ
فلا برحتْ أنواؤهُ مستهلةً *** تُطاولُ مُنهلَّ العمائمِ في الهَطِّلِ
وقال السيد في (يتيمته):
ونحمدك يا مَنْ تفضّل علينا بالوحيد الربّاني، والوحيد الذي ليس له ثاني، البدر الجليّ، المهدي بن عليّ، المهدي بسنا أنواره من ضلّ مناهج الهُدى، والمبدد بجيوش أبكار أفكاره جيوش أولي الزيغ والردى، المحيط خُبْراً بجميع العلوم، والجامع بين المنثور والمنظوم، سلطان العلماء الفحول، والمنتج الفروع من الأصول، من لو لَبَسَتْ حليتَهُ الليالي لقامت لها الحرباء تترقب، ولو حاز الفجر شيئاً من سنا أنواره لَما وجد - وحياةِ جدّهِ - غيهب، البحر الذي أمواجه ما برحت تمورُ وتزيد، والعَصْبُ الذي ما انفكّت صفاح متونه من برقِها قلب المعاند يرعد، مَنْ سادتْ أحكام الشريعة تميس بأردان (محضورها) و(مباحها) مطرزة
بنقوش قوله في رياض القبول، وصارت أعلام الحنيفية البيضاء تنوس ذوائب سرورها وأفراحها بنسائم إشاراته على أعلام معقول لا يزلزله المنقول، من لا ينطق الحق إلاَّ على لسانه، ولا يلوح الصدق إلاَّ من بيانه:
ملك ترى شمّ الأنوف منْ الورى *** قَدْ طأطأتْ لرفيع قَدرِ جنابهِ
تلقى الوفودَ مقيمةً في بيتهِ *** وترى الركائبَ في فَسيح رحابهِ
متكفّلٌ أمرَ الأرامل كُلُّها *** بحضورهِ ما بينها وغيابهِ
يشفي بشهدة وصله كُلَّ الورى *** مِنْ لسع غادرةِ الزمان ونابهِ
يُعطي ويمنعُ مَنْ يشاءُ مِن الورى *** ويسبب الأسباب في أسبابهِ
حيّاهُ ربُّ العالمين تحيةً *** في اللوحِ قَدْ كُتبتْ على أبوابهِ
فقد استلّ من غمد فكره العاملات من النصول، في جميع المعقول والمنقول، لا سيَّما الفقه والأصول، فلم يدع جيش إيراد إلاَّ بدّده، بما أصدره وأورده، وجمعه وأفرده:
هُمامٌ بظهرِ الغيبِ للغيبِ حافظٌ *** ومَنْ لم يَفِهُ بالغَيبِ فِي نُطْقِهِ رَجْما
وكم مِنْ مراق في الفخار عليَّةً *** رقاها ولم يحملْ غداة الرقى هَمَّا
حباهُ إِلهُ الناسِ في العلم بَسْطَةً *** وأولاهُ مُذْ قَدْ كَانَ في مهدِهِ حُكْمَا
فهو العلم المنادى المفرد، والعلامة المؤيد، وبحر العلم الذي لا يجزر في المدّ، ولا يوقف له على حدّ، ساد الأنام، وفاق بالأتفاق من غير نكير ولا جاحد، ولم يحتج مدّعي فضله إلى اليمين والشاهد، وشاهد الوجدان له مساعد:
ولَكُمْ رَوت في الجُودِ عنه مسلسلاً *** قوم إليهم كُلُّ فَضل يُسندُ
بيضُ الوجوهِ شريفةٌ أحسابُهمْ *** ما فيهمُ إلاَّ الأغرُّ الأصيدُ
هذا، وصِلاتُهُ العائدة، على موصلها شاهدة، وأياديه الجزيلة، تستجدي بها العُفاة الفائدة، وترى بعينيك ما برزت من مؤلفاته المنطوية على تحقيقاته، المعربة عن وقوفه على الصحيح من روايات الحكم وآياته، وتبحّره في المعارف، فكل ذي فضل من غزير أبحر علمه غارف، وبما له في الدرجات عارف، ومن ثمّ لم تزل له النفوس شائقة، والأبصار وامقة، مع قربه منها، وعدم بعده عنها، هذا همام، وذاك إمام، وهذا عظيم، وهذا عليم، وتلك طائفة، وأخرى عاكفة، مصغية العقول والأسماع، مبتهجة القلوب والطباع، بما
يمهدّده هذا الأستاذ الوحيد، والسناد الفريد، من أصول القواعد، وجليل الفرائد، فتغدو بالأذهان منتقشة، وبها الأرواح منتعشة، فنأى من نأى من مستمعي ذلك منه، ورواته عنه، يجوب القفار، قاصداً أقاصي الديار، ومعلناً في جميع الأمصار، أن أستاذه إمام أئمة علماء عصره على الأطلاق، حتى قام على ذلك الأجماع والوفاق، فأنشأتُ فيه مخاطباً له:
ألاَ يا أيُّها المولى المساوي *** بكُلِّ صفاته المولى العليّا
لقد حزتَ المفاخرَ والمعالي *** ونلتَ بفضلكَ القَدَرَ العليّا
جمعتَ فضائلاً كانتْ (لموسى) *** فكنتَ بجمعها (الحَسَنَ) الزكيّا
وما حازوهُ من مكنونِ علم *** كشفتَ غطاءهُ فغدا جليّا
لكَ المجدُ الذي أرسى خِباهُ *** على هام المجرَّة والثُريّا
فلو بَعَثَ الألهُ بكُلِّ عصرٍ *** نبيَّاً كنتَ أنتَ بهِ نبيّا
وأنشأتُ فيه أيضاً:
كيفَ تحكي أكفَّكَ الأنواءُ *** أو ما يأخذ الحياءَ الحَياءُ؟!
ولئن ضاقت البسيطةُ منّا *** فلقد ضاقَ منْ نُهاكَ الفَضاءُ
فتيةٌ حاولتْ مديحَكَ لمَّا *** طفحت في ذواتها الأهواءُ
ويحها ما درتْ بما قيلَ قدماً *** (غايةُ المدحِ في عُلاكَ ابتداءُ)
وصفتْ بالعطا أكفَّكَ مَدْحاً *** والعطا يُستَمدُّ منكَ العطاءُ
لكَ يا بنَ الأُلى مرابعُ جُودِ *** حَبَسَتْ رَكبَها بها الأمراءُ
ما درى مَنْ غداً يُجاريك فخراً *** أنَّهُ الأرضُ والمقامُ السماءُ
قد أطعتَ الآلهَ سرَّاً وَجَهراً *** فاغتدتْ طوعَ أمركَ الأشياءُ
لِمَ لا والرؤوسُ تُطْرِقُ خِفضاً *** لعلاهُ وتخضعُ الرؤساءُ
وبنصبِ الرشادِ مِنْ بعد خفضٍ *** رَفَعَتْ رأسَها بكَ الشُرفاءُ
وقَدْ بنى مدائن الفضل وشاد أركانها، وأسس على التقى حيطانها، وهو مالك تلك المدائن وبابها، وبرّها وبحرها، وربيب حجر أمّ علاها، وشمس صباحها، وسناء مصباحها، فهل يستطيع الطير المخصوص باللقط إذا حلّق وسقط، التقاط مثل هذه الصورة، وهي بهذا النمط، وعمد إلى ما ينبت في رياض التحقيق والتدقيق، وصيّره ما
بين دقيق وسحيق، وكوّن منه ذاتاً (غلاها) في (قدْرِ) مُخيلته فأحالها درّة وقذفها في جوفه فما لجوف غيره أن يحويها، وما لدرّاكة سواه أن تدرك قدر غاليها، كلا فلقد كلَّ عن ذلك العقل الكلّي، ولن يصل إلى الجزئى منه فضلاً عن الكُلّي، وغاص ملك آرائه السديدة في بطحاء الوجود إلى التخوم، وحلّق شاهقاً إلى الحيّ القيوم، ورمى بقوس فكرته سهمَ الجَوَلان به، من شرق الفضاء وغربه، وخبطه بأيدي أفكاره، بحسن استبصارة، فوضعه في قالب الغلي بالنار، وغلاه بنار الأوار حتى فار، فصبّه صبّ السبائك سبيكة تلهث بالوقد، فصفّاها بمصفى الغش والنحوس من الذهب العسجد.
ومن ثم إعتدى في عصره الأوحد، وفي العلم المنادى المُفْرَد، والأمام في الأبيض والأسود، وابتدأ كما انتهى إليه النهي والسؤدد، وجاء بما لم يَجىْ به أحد، من أفعال كريمة، وأحوال مستقيمة، وأياد عميمة، ودرر في العلم لا تقابل بقيمة، وراحت تزري بالنسيم أخلاقه، وبالبدر إشراقه، وصارت في الأجياد أطواقه، وانتشرت أحاديث جوده، وبزغت أقمار سعوده، وبدت لوائح المسرّات لكافة البريّات مِن وَكْفِ عمائم كفيه بجوده، ورنَّحتْ بلابل السعد فوق يانعات الغصون بحديث صدره وورده، وخَطَبَتْهُ أم المعالي صغيراً، وراودته بنات المكرمات شيخاً كبيراً، وزفّت له عرائس الرتب الفائقة بلا صداق، واستنارت به بنو العصر على الأطلاق، واحتجب بدر كماله عن سائم الخسوف والمحاق، وتحجبت شمس مقاله أن يطيبها الكسوف باستطراق.
ثم أن السيد(1)(رحمه الله علیه) ذكر جملة من مدائح الشعراء في حق الشيخ مهدي ثم أعقبه بجملة من شعره في حقه. وحيث أنا قَدْ ألزمنا أنفسنا بأن لا نذكر إلاَّ (السمين) من الأشعار وشعر هذا (السيد) يكثر عليه الغثّ غاية الأكثار، على أَنَّهُ قَدْ مَرَّت عليك جملة انتخبناها من شعره.
إلى أن قال: ثم أن المعنيّ بالخطاب، ومن غدت قصراً عليه هذه الألقاب، ممن تقصر دونه البلاغة، وتضعف عن جليّ حسامه في الفنون الصياغة، لم يترك طريقا من البلاغة إلاَّ طرقه، ولا معنى من الفصاحة ذا حجاب إلاَّ إخترقه، بسهام فكره، ونبال عقود ألفاظه بنهيه وأمره، ولم يدع لمتكلم في قوس المعاني منزعا، ولا لمنطيق في موطن المباني موقعاً، بَلْ إذا نطق فبقول جامع، يأخذ من جميع الطرق بالمجامع. فهيهات أن يجيز لي واجد المعرفة بكل ذات وصفه أن (أنَقّحَ) بينه وبين علماء عصره (مناط) التقابل، حيث لا يرى في غيره التماثل معه والتشاكل، فأنَّا بالتتبع والاستقراء، من الأبتداء إلى الأنتهاء، لم
1) هو السيد محمد علي العاملي المُتوفى سنة 1290 ه / 1873 م صاحب كتاب «يتيمة الدهر»
نجد أحسن منه عملاً بما وصفه أهل العصمة، وأولياء النعمة، على طبق ما وقّتوا، ووفق ما نعتوا، ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، ولا خيراً منه تدريساً وإيقافاً للأسماع على العلم النافع، والمطلوب الجامع، لملبس الاقتصاد ومشي التواضع، ولم لا وهو فتى يُبعدُ قلمه إذا كتب عن الزيف، وينحيه عن الميل والحيف، فأن أوجز أعجز وأغرب، وأن أطنب أعجب.
ولم يزل السيد (رحمه الله علیه) في هذا وأمثاله معجباً مطيلاً في وصف أحوال هذا الأمام (المهدي) بأفعاله وأقواله، إلى أن ختم الترجمة بقصيدة طويلة في مدحه، أولها:
يا مَنْ له ألقى الزمانُ المُقْودا *** وبجودهِ جُودُ الوجودِ تقلّدا
وحيث أنها من شعره (الذي عرفت) أعرضنا عنها.
ولكنه ذكر من شعر غيره قصيدة في مدح الشيخ مهدي (رحمه الله علیه) مع تخميسها، وهي في غاية المتانة والقوة. ولكنه لم يذكر صاحب الأصل وصاحب التخميس. ولكنى أظن ظناً قوياً أن الأصل للسيد صالح القزويني البغدادي المتقدم ذكره مراراً والتخميس لولده السيد راضي القزويني صاحب التخمسيات المشهورة. والذي يدل على ذلك زيادة على كون النَفَسُ واحداً بملاحظة شعرهما المعلوم أنَّهُ لهما، أن السيد مُحَمَّد علي هذا قال: وأنشأ به غيري، ثم ذكر هذه القصيدة مع تخميسها، ثم ذكر بعدها: وأنشأ به أيضاً، ثم ذكر القصيدة التي يهنّيه بها في العيد وهي للسيد صالح القزويني وتخميسها لولده السيد راضي، وهي قوله:
ملكتَ يا ذا المعالي كُلَّ موجودِ *** جوداً وحلّيتَ فيه عاطل الجيدِ
إليّةً بعلى آبائك الصيد *** ما العيدُ لو لم تقم بالأمرِ بالعيدِ
مِنْ بعدِ أهليكَ أهل العلمِ والجُودِ
وقَدْ َمرَّتْ القصيدة مع تخميسها. فكأنَّهُ يظهر من تعبيره أنَّهما لواحد.
وكأنَّ السيد مُحَمَّد علي لم يذكر اسمهما عدم اعتناء بهما كما هو شأن المتعاصرين غالباً. والأنصاف أنَّهُ مدة عمره ما اهتدى إلى إنشاء بيت واحد مثل بيت من أبياتها المشيّدة التي هي كاللئالئ منصّدة. وهي مع التخميس هذه، ولم يذكرها من أولها، قال:
فتىً طالَ أهل الدهر طُرَّاً بفخرهِ *** وطوَّقَ أعناقَ البرايا ببرّهِ
كريمٌ غدا المعروفُ طَوْعاً لأمرهِ *** له من (عليّ) القَدْرِ شامخ قدرهِ
وفصل قضاً من (جعفرٍ) ما له رَدُّ
به مقفلاتُ العلم للناس فتّحتْ *** وفيهِ أحاديثُ العلوم تصحَّحتْ
ومُذ ماتَ (موسى) والأمانيُّ طلحتْ *** تورّث من (مُوسى) عصاهُ فأصبحت
لنا يدُهُ البيضاء من يدهِ تبدو
فللّه من مولى به العلم قائمٌ *** قيامَ المعالي والنّهى فيه هائمٌ
له كالبدور التَمِّ سارتْ مكارمٌ *** وسادتْ بأفقِ المكرماتِ عَزائمٌ
له كالنجوم النيّرات لها وَقْدُ
لقَدْ عمَّ أهلَ الأرض طُرَّاً عطاؤه وطالَ على شُهب السماء علاؤه ودام بلا حصر وعد حباؤه وفاض بلا رعد و برق حياؤه حيياً ومن شأن الحيا البرق والرعد به تهتدي أهل الضلالة للهدى وفیه نکید الدهر إن كاد بالردى فتى ضيق الدنيا ببطش على العدى وأوسعَ رحب الأرض في واسع الندى فلم يخلُ غورٌ من نداهُ ولا نَجْدُ رفعت بنصب في الورى كُلَّ مُنْكَر وعرفت بالمعروف كُلَّ مُنكَر ومُذْ شيب جُوداً صفوهم بمكدر أعدت عليهم عهد جدك (جعفر) بتجديدكَ النُّعمى وإنْ قدم العهد وفيت لهم في كُلّ عهد ولم تخن وجدت علي-ه-م ف-ي الن-والِ ولَمْ تَمُنْ وصنت الورى فضلاً وغيرك لم يَصُنْ وآمنتهم مِنْ كُلِّ خوف ولم يكن سواك الورى للخوف في الأمن قَدْ عدوا کل فيا مَنْ يُجيرُ الناسَ مِنْ كُلِّ نكبة ومن ينجلي فيه دُجى كُلِّ ك-رب-ة سموت بني العلياء في كُلِّ رتبة وحُزتَ رهان السبق في كُلِّ حَلْبَةً فكنتَ المُجَلَّى ، والمجلى له المجد أقمت على المعروف فضلك شاهداً وسدت بني العليا وليداً ووالداً وصلت بعزم للردى كان ذائداً وأقدمت إقدام الغطاريف وارداً 423
مواردَ عنها يَحجمُ الأسدُ الورِدُ
لكَ العلمُ أضحى مجملاً ومفصَّلاً *** وعنكَ حديثُ الفضل يُرْوَى مُسَلْسَلاً
ولمَّا إليك الصِيدُ راموا توصُّلاً *** بَعُدتَ فلم تقربْ لكَ الصِيدُ منزلاً
على أَنَّهُمْ فِي القُربِ منكَ لهم بُعدُ
لقد كنتَ للأجينَ في الخوف مأمنا *** تُبعّدُ عنهم كُلِّ سوء لهم دنا
و (بالجزمِ) بعد (النَصبِ) مُدْ (خُفّضَ) العنا *** (رفعتَ) لهم بعد العنا عَلمَ الهَنا
فأنتَ المُنادى فيه والعَلمُ الفَردُ
سَحابُ الندى مِنْ فيضِ بحركَ ممطرٌ *** وصُبحُ الهُدَى مِنْ صُبحِ مجدِكَ مُسْفَرٌ
ووجه العُلى مِنْ نورِ وجهِكَ نيّرٌ *** وروضُ الهنا من فيضِ جُودِكَ مزهرٌ
وطائرُهُ من فوق دوحِ الهنا يشدو
وكم صِلْتَ في عَضْبٍ من العزم مُصْلتٍ *** وأحييتَ جُوداً للعُلى كُلّ ميِّتٍ
ففيكَ لنا المعروفُ قامَ بمُثَبتٍ *** وفيكَ العُلي والعلمُ بعد تشتّتٍپ
قَدْ انتظما شملا كما انتظمَ العِقْدُ
سبقتَ بني العليا بكُلِّ سجيّة *** وكُنتَ على أهل الحمى ذا حميّةٍ
إذا أطَّردتْ في الناس كُلُّ بليّةً *** عكستَ شتاتاً طرد كُلّ (قضيّةٍ)
ولولاكَ عند الطرد ما انعكسَ (الطّردُ)
وحيدٌ له في الدهر تُثنى وسائدٌ *** ومِنْ جُودِه كُلُّ البرية واردٌ
هُمامٌ بيومِ الخوفِ للأمن قائدٌ *** إمامٌ بحلّ الضُرِّ للنفعِ عاقدٌ
فكانَ كأهليهِ له الحَلُّ والعَقْدُ
هذا العمري هو السحر الحلال، والعذب الزلال، الذي يسكر الطباع، ويسحر الألباب والأسماع، وتجري جداول البلاغة والفصاحة في خلاله، وتشدو عنادل اليراعة على أوراقه بأبكاره وأصاله.
هذا، واعلم أن كُلّ ثناء ومدح وإن علا، وتناهى قليل في حق مثل هذا العيلم الذي لا
يبارى فضله ولا يضاهى، فأنَّ كراماته لا تُعدُّ، ومناقبه لا تُحدُّ.
فمما ينقل عنه من الكرامات التي لولا بلوغها حدّ التواتر لما صدّق بها السامع، إلاَّ أن يكون الوحي بها صادع، وقَدْ سمعتها من شيخنا العلم العباس (أدام الله وجوده) نجل العلامة الحسن (رحمه الله علیه) بطريق، وسمعتُها من تلميذه العلم الربّاني، شيخنا وملاذنا العلامة الشيخ حسن المغمغاني(1)، بطريق يقرب منه.
والحاصل أن هذه القصة متواترة معنى، والقدر المتيقّن منها أن الأستاذ الشيخ حسن المغمغاني (سلَّمه الله) قال: كان الشيخ إذا رقى منبر التدريس جرى كالسيل الدفّاع بحيث لا يقف ولا يسكت في الأثناء، فكأنما يملي علينا حديثاً أو دعاء، وكنا نصغي بجميع جوارحنا إليه، ونقبل بكلّنا عليه، فلو غفل أحدنا عنه آناً فاتته مطالب عديدة، كلها مبتكرة جديدة. فجرى يوماً بمحضر الشيخ هذا الحديث فصرت أعجب عنده بطلاقة لسانه، وحسن تقريره وبيانه. فقال: أمَّا قبل فنعم، وأما الآن بعد تكاثر الأمراض وهجوم الشيب فلا.
ثم أخذ يحدثنا فقال: لما توفى السيد رضا نجل العلامة الطبطبائي (رحمه الله علیه) كانت وفاته عند المغرب، فأخرجوا جنازته وجعلوها في مسجد الطوسي (رحمه الله علیه). واجتمعت عنده العلماء لقراءة القرآن حتى الصبح، وكان فيهم والدي الشيخ علي (رحمه الله علیه) والشيخ مُحَمَّد حسن صاحب الجواهر، فجعل كُلّ واحد من الحاضرين يقرأ شيئاً من القرآن والباقون يستمعون. فلما انتهت الدورة قال والدي: ما أُعجِبت بقراءة واحد منكم كأعجابي بقراءة ولدي (المهدي).
فقيل: وكيف؟
فقال: أنَّهُ يقرأ العشرة أجزاء والأثني عشر بأقل من ساعة مع الألتزام بجميع القواعد التجويدية مع الأفصاح والأيضاح.
فأصرّ الشيخ مُحَمَّد حسن على استحالة هذا الأمر. فبعث والدي عليّ فجئته وكنت يومئذ مناهز العشرين، فأمرني والدي بالقراءة. وكان في الحاضرين رؤساء قُرّاء العراق
1) الشيخ حسن المامقاني ولد سنة 1238 ه / 1823 م، وتُوفي سنة 1320 ه / 1902 م. وكان من كبار المراجع الدينيّين
وهما إثنان فأخذوا ينظرون في المكان الذي شرعت في قراءته ليحصون الأغلاط والباقون يستمعون. فأكملت ثلاثة عشر جُزْءً من القرآن بأقل من ساعة، ولم يعثروا في جميع قراءتي إلاَّ على غلطة واحدة وهي الدرج إما في همزة قطع أو وقف مستحب.
وفي رواية عمنا العباس (سلَّمه الله) أنَّهُ قرأ ستة أجزاء في خمسة عشر دقيقة. وإن صحَّ هذا أو ما يقرب منه، فهو من المعجزات الخارجة عن طوق البشر. ولكن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
ومنها: ما حدثنا به تلميذه وربيبه الذي هو اليوم من الأساتيذ الكبار، والفقهاء المُقَلَدين في جملة من الأقطار، الشيخ الأجلّ، والعماد المبجّل، العالم الربّاني، شيخنا الشيخ عبد الله المازندراني(1)، (دام ظله). قال في محشد عظيم ما معناه ومضمونه (بلا زيادة ولا نقيصة) أنَّهُ كانت له زوجة صالحة علوية، وكانت ناسكة تقية، كانت تقلد الأستاذ الشيخ مهدي وتصلّي خلفه مدة عمرها، فمرضتُ مرضاً شديداً وصرتُ أعالجها وأجئ لها بالدواء والطبيب حتى انقطعتُ عن اشتغالي وتحصيلي مدة شهور. وكان الأستاذ الشيخ مهدي (رحمه الله علیه) يتفقّدني أحياناً ويجئ إلي يسألني عن حالها وحالي لأنَّهُ كان يحبني حباً شديداً.
فلما دخل شهر صفر كانت لي في بعض لياليه عادةٌ في الجلوس بالدار الخارجة لتعزية سيد الشهداء (علیه السلام) وتجتمع عندي بعض الطلبة من أهل بلدي وغيرهم. فلما فرغت من المجلس وكان قريب نصف الليل دخلتُ على العلوية. وكان حالها في تلك الأيام شديداً ومرضها متزايداً، فوجدتها جالسة في فراشها متكئة على الجدار وهي متستّرة (بجادر) لها كأنَّ معها مَنْ هو محرّم عليها وهي تستر نفسها عنه. فقلتُ لها: ما بالك وكيف حالك؟
فقالتْ: الحمد لله حالي حالي حسن جداً بواسطة قدوم الشيخ عليَّ وعيادته لي الآن.
فقلت: ويحكِ أيُّ شيخٍ هو؟
قالت: الشيخ مهدي كان الآن جالساً قريباً مني فأين مضى؟
قلتُ: أنتِ نائمة أم مستيقظة، أين الشيخ، وأين نحن وكيف يجيء نصف الليل؟
فجعلتْ تُقسم بالله العظيم أنها بتمام الشعور والعقل وأنها مستيقظة وأن الشيخ دخل عليها فتستّرت منه ورأته بعينها وهو لابس عمامة بيضاء ورداء أبيض وثياب بيض، وأنه
1) تُوفي الشيخ المازندراني عام 1330 ه / 1911 م، وهو من مواليد سنة 1256 ه / 1840 م
جلس عندها نصف ساعة.
ثم قالت: أخرج فانظره في الطريق عساك تلحق به.
فخرجتُ ونظرتُ في الأزقّة فلم أجد لذلك أثراً. فرجعتُ إليها وأخبرتُها فتأسّفتْ أسفاً شديداً. فقلتُ لها: وبماذا كان يتكلم، وما قال لك؟
قالت: أَنَّهُ سألني عن حالي، فقلتُ له: أنا غريبة ومرضي شديد ومالي أحد يمرضّني وأنس به والشيخ عبد الله مشغول هذه الأيام وأنا خائفة مستوحشة. فقال: لا تخافي ولا تستوحشي وأنت معنا، وقَدْ أوصيت بك جماعة سيأتوك بعدي. قالت: ثم كرر مراراً قوله: «أنتِ معنا الليلة»... «أنتِ معنا الليلة».
ثم بينما نحن كذلك إذ دخلتَ علينا، والتفتُّ فلم أجد الشيخ مهدي.
يقول الشيخ عبد الله (أيَّده الله): فبقيتُ مبهوتاً متحيّراً مصدقاً مكذباً. وأمَّا (العلوية) فأنَّها استلقت على فراشها ونامت يسيراً، ثم انتبهت وجعلت تتشاهد وتقرأ كلمات الفرج وإذا بها قَدْ استعدّت للمنيّة. وما كان غير يسير إلاَّ وقضت نحبها وماتت. فجلستُ عند رأسها أقرأ القرآن وأنتظر الفجر لأستعدّ لجهازها وأجمع بعض الطلبة من رفقائي ليعينوني عليها.
فلمَّا كان بين (الطلوعين) خرجت لأجمع رفقائي وإذا (البلدُ) مرتجّة والناس في الأزقة تلطم على رؤوسها وتبكي وتهرع إلى جهة دار (الشيخ). قلتُ: ما الخبر؟ قالوا: الشيخ مهدي قَدْ توفّيَ.
فطار عقلي وطاش لبّي ومضيت إلى دار الأستاذ، فقيل: توفّيَ في الثلث الأخير من الليل فجأةً (بريح كان في متنه يعرضه أحياناً). فجمعتُ بعض الطلبة من أهل بلدي، ودفنّاها، ورجعنا إلى تشييع الشيخ، فدُفن بعدها بيسير من ذلك اليوم.
ثم نُصبتِ المآتم في دار جدِّهِ الكبيرة، واتصلت النياحة بالنياحة، والعزاء بالعزاء إلى آخر صفر. وبقيت العامة والخاصة في سائر لياليه تخرج بالأعلام السود والمشاعل وتلطم على الصدور، وتدعو بالويل والثبور، وهكذا في سائر أمصار العراق.
وجاءت الشعراء تترى، بمراث تستنزل برقّتها الشعرى، وهي كثيرة لا يمكن حصرها، ولا يستطاع ذكرها. كيف وقَدْ بلغني أنها تبلغ الألف من تاريخ وقصيدة، لأن كُلّ شاعر كان يأتي بثلاث أو أربع من سائر الأقطار. ولكنّا ننتخب منها مقداراً يسيراً خوف الملل من الأكثار.
وأحسن ما قيل فيه، وأبدع ما سُمعَ من مراثيه، ما جاء به الحسيب الحائز قصب السبق في مضمار كُلّ مكرمة، والأديب الفائز بمحاسن من الكمال لدى الأصاغر والأكابر مسلّمة، المرتقى المجد الأثيل، والممتطي صهوة الشرف الذي لا يقاس بمثيل، الذي ذاع ذكر فخره في جميع الأقطار، السيد الأوحد سيدنا السيد حيدر (رحمه الله علیه) صاحب المراثي التي عجزت أولو الأعجار عن مجاراتها ، وانبرت أقلام شعراء البر والبحر عن مباراتها، فقال يرثيه ويعزّي أولاده وإخوته:
أعلمتِ طارقةَ الخُطوبِ السود *** بحِمى الوصيِّ صدعت أيَّ عميدِ
ونزعتِ - يا نَزعتْ يداكِ بنانَها - *** من قبّة الأسلام أيَّ عمودِ
ونَعمْ فَهَبْك قرعتِهِ بُمُرنَّةٍ *** صمّاء تأخذُ من قوى الجلمودِ
أفطرتِ إلاَّ قلبَ حامية الهُدَى *** وصدعتِ إلاَّ بيضةَ التوحيدِ!
وبللتِ إلاَّ في مدامعِ عينهِ *** ذاكَ الصعيدَ على أجلِّ فقيدِ
الآن ماتَ العِلمُ واندرسَ التُقى *** وعُفي السماح وطاحَ كفُّ الجُودِ
فُجِعتْ بنو الدنيا بزاد مقلّها *** وبِرِي حائمةِ الرجا المطرودِ
وسری فطبّقها عليه ماتماً *** ناع تضيقُ به رحابُ البيدِ
صلَّى الألهُ عليكَ من مفقودِ *** جلَّ المُصابُ به عن التحديدِ
شغلت رزيّتُك الملائك فاعتدتْ *** لكَ في هُبوطٍ عن جوىً وصُعودِ
وكفاك قَدْراً أَنَّ نعيَكَ في السما *** خلطته بالتقديسِ والتحميدِ
وبرفعها ذاكَ السرير تقرَّبتْ *** زُلفى إلى خلاقِها المعبودِ
رفعت به الأخوين شخصَكَ والتُقى *** وتلتْهُ بالتسبيحِ والتمجيدِ
وبكاك دينُ اللهِ بالعين التي *** بكت الأئمةَ عَلّة الموجودِ
عدلت رزيّتُهم رزيتكَ التي *** قَصَمتْ عُرى الأيمانِ والتوحيدِ
ماذا يُواري خطُّ قبرك من حِجىً *** يزنُ الجبالَ ومِنْ ندى مورودِ
إنْ مسّ مهجورَ الفناء فطالما *** وقف الرّجاءُ ببابِكَ المقصودِ
أو إنْ تكنْ جمدتْ بنانُكَ بالردی *** فعليكَ عينُ الجُودِ غيرُ جَمودِ
أو قلَّ من أيام عُمركَ عدها *** فكثيرُ بِرّكَ ليس بالمعدودِ تبكيكَ عينٌ كم مسحتَ دموعَها *** ببَرودِ فضل لا بفضلِ بُرُودِ
لم تبقَ بعدَكَ للمطالب نُجْعَةٌ *** طُويَ الرجاءُ على حشا مكمودِ
هدمَ الرّدى بك ركن علّة (أحمدٍ) *** ولَطالما بكَ كان للتشییدِ
غسلتْ سوادَ عيونِها بدموعِها *** فصبغن أرديةَ الكرام الصّيدِ
صُبغتْ بها تلكَ الثياب فَسَوَّدتْ *** وجهَ الزمان بذلك التسويدِ
ورأتْ بقيةَ فخرِها قَدْ أُدْرِجَتْ *** في بُرْدِ شخص بالفَخارِ وحیدِ
کم ردَّ غربَ الخصم وهو مركَّبٌ *** منها بثغرة نحرها والجيدِ
ووقی بمهجتهِ الكريمة قلبَها *** مِنْ أسهُم الأعداءِ كُلَّ مُبيدِ
فكأنَّها في صبرها دون الهدى *** مع فرط رَقّتها مجنُّ حديدِ
بأبي الذي عقدوا عليه رداءهُ *** والخيرُ تحت لوائهِ المعقودِ
لبَسَ الحياةَ فصانَ ظاهر بُردِها *** بصلاحِهِ وَعَفَافهِ المشهودِ
حتى استجدَّ سواهُ ثوباً للبلى *** ومضى على كرم نقيَّ العُودِ
يا ثاوياً خلفَ الصَعيدِ كفى جوىً *** إنّي دعوتُك من وراءِ صعيدِ
لثراكَ أستسقي ثلاثَ سحائبٍ *** متكافئاتٍ كلها في الجودِ
فسحابةٌ وطفاءُ منكَ تَعلَّمتْ *** للأرضِ سقيَ تهائمٍ ونجودِ
وسحابةٌ مِنْ جود كفّك أنبتت *** شُكرَ العُفاةِ بدَرِّها المحمودِ
وسحابةٌ مِنْ عبرتي ما أنْ رَنَتْ *** إلاَّ وقال لها إفتقادُكَ جودي
هي بالزفير إليكَ ذاتُ بوارقٍ *** ومن الحنينِ عليكَ ذاتُ رُعودِ
فاذهبْ حميداً في الجنانِ مُخلَّداً *** فالعيشُ بعدَكَ ليس لي بحميدِ
ولقد دعوتُ الدينَ بعدك دعوةً *** يستكُّ منها سمعُ كُلِّ حقودِ
لا تخشَ ضَعْفاً في الزمانِ وإِنْ غَدا *** يُرسي بداهيةً عليك كؤودِ
فيهِ لكَ (المهديُّ)(1)أمنعُ قوةٍ *** تأوي لرُكن مِنْ عُلاهُ مشيدِ
نسجتْ حميّتُهُ عليكَ صنيعةً *** لم تقضِ نثرتَها يدا (داودِ)
فإذا دَجا ليلُ الخطوب فَلَقَتَهُ *** من ضوء صُبح جبينهِ بعمودِ
(علمُ الهُدى) السامي الذي هو في كلا *** حسبیه سادَ على الكرامِ الصيدِ
و(مفيدُ) فضل لو أتى العصر الذي *** فيه (المفيد) لقال: «أنتَ مفيدي»(2)
وقد أشار الشاعر في هذا البيت إلى لقبه كما ضمَّن لقبين آخرين لكبار علماء الأماميّة وهما (علم الهُدي) الشريف مرتضى المولود سنة 355 ه / 966 م، والمتوفى سنة 1436 ه / 1044 م)، و(آية الله) وهو لقبُ العلامة الحلّي المُتوفى سنة 726 ه / 1325 م.
وقد ذكر الدكتور محمد مهدي البصير في (نهضة العراق الأدبية، ص 40): أنَّ الأمام السيد مهدي القزويني كان يُعِدُ السيد حيدر الحلّي أكبر شاعر طالبيّ، ويُعرب عن تقديره له، وإعجابه به في كُلِّ مناسبة؛ وما سمع قوله فيه:
و (مفيدُ) عصر لو أتى العصرَ الذي *** فيه (المُفيدُ) لقالَ: أنت مُفيدي!
قال له بصوت فيه رنَّةُ الأعجاب: «أنت مفيدي»، واستعاد البيت.
ورُوي أنَّه لما سمع قوله فيه:
فاليوم إنْ شكتِ الشريعةُ قرحةً *** فسواكَ ليسَ بمُدْمِلٍ أقرافَها
قامَ، واستعاد الشعر، وخلع عباءته عليه
هو (آيةُ اللّهِ) التي قَدْ أبطلتْ *** في العالمين عنادَ كُلّ جحودِ
وأبو (المصابيحِ) التي شهبُ السما *** رمقتْ مطالعَها بطرفِ حسودِ
لو فاخرتْ نهرَ (المجرّةِ) في السما *** غلبت ( بجعفر) جودِها المورودِ
ذاكَ الذي فى الجُودِ أرسلَ (صالحاً) *** لكنْ لأهلِ الفضلِ لا (لثمودِ)
و (مُحمَّدٌ) منه (الحسين) فَعاذِرٌ *** إِنْ قُلتُ أرسلَ (خاتماً) للجُودِ
أقمارُ تَمٍّ في بروج سما العُلى *** شَرَفاً تُضيءُ على الليالي السُودِ
وأُسودُ غِيل في المهابة لو حموا *** مأوى الظباء لكان غِيلَ أُسودِ
وترى المكارم في مناقب فخرهم *** تَحْتَالُ بين قلائدٍ وعُقودِ
من كُلِّ محتلبِ البَنانِ رقيقها *** في كُلِّ جامدةِ الضروعِ صلودِ
ويقولُ للكفّ الكريمة كُلَّما *** بدأتْ بعارفة بَدَاراً عيدي
يا عترةَ الوحيّ الذين توطّدتْ *** بهم دعائمُ مِلَّةِ التوحيدِ
دُمْتُمْ لنا والعِزُّ فوق رواقكم *** والفَخرُ تحتَ طَرافهِ الممدودِ
وبحسبكم علمُ الشريعة (جعفرُ) ال *** إحسان عن علم التُقى المفقودِ
والغرُّ مِنْ آل المكارم مَنْ سَمَوْا *** شَرَفاً بفضلٍ طارف وتليدِ
قَدْ رُدَّ عِقدُ الفخر في جيد العُلى *** بأبي (مُحَمَّد) وهو عِقْدُ الجيدِ
وأعاد يا دارَ الهُدى لك (جدَّهُ) *** فكأنَّهُ لم يُطوَ في الملحودِ
أحيا مآثرَهُ الحِسان وزادها *** لو كان فيها موضعٌ لمزيدِ
لو لم تبت أمُّ السماح طروقةً *** لندى يديِه لم تكنْ بولُودِ
يا مَنْ وجوهُهُمْ مَصابِحُ للهُدى *** وأكفُّهمْ في الجُوِ سحبُ الجُودِ
ماذا أقولُ معزِّياً بنشائدي *** قَطَعتْ مهابتُكمْ لسانَ نشيدي
وله أيضاً يرثيه، ويعزّي السيد العلامة السيد مهدي القزويني مع الشيخ جعفر أخيه، وسائر أولاده وبنيه:
ملأت مكارمُكَ البسيطةَ أنعُما *** فلذلكَ انعقدتْ لرزئكَ مأتما
ولئن غدا فذّاً مصابُكَ في الورى *** فالغيثُ كان لها وجُودُكَ توأما
بالأمسِ قَدْ رَضَعتْ بنانَكَ دَرَّها *** واليوم تحلبهُ محاجرُها دَمَا
ما غُمِّضَتْ أجفانُ عينكَ عن ردى *** إلا وجَفنُ الدهرِ غُمِّضَ مِنْ عَمَى
حَلبَ الحِمامُ أبا (الأمين) بك الجوى *** شطرين صاباً في الزمان وعلقما
فأغصَّ في شطر فماً من (هاشم) *** وأغصَّ في شطرٍ (الجعفرها) فَمَا
قَسمَ الرزيَّة في السويَّة فيهما *** فَغَدا كلا العينين ثقلاً أعظما
وأَمَا وساعتك التي (بيلملم) *** زالتْ وما أعني سواكَ (يلملما)
ما خلتُ فقدَكَ يَسْتقِلُّ بثُقلهِ *** رُكْنَا زمانك ثم لم يتهدّما
فلقد أطلَّ غداة يومك فادحٌ *** هو منه في الأرضين أعظم في السما
في نارهِ استوتِ الأنامُ فما دروا *** أيَّ القُلوب أحقَّ أن تتضرّما
يا مَنْ أَضَاءَ بنوره أفقَ الهُدى *** أعلمتَ بعدَكَ كُلَّ أُفقٍ أظلما
مَنْ ردَّ طَرْفَكَ عن فتورٍ مغضياً *** وَلَكُمْ لحظت به الحواسدَ أرقما
أبكيكَ للأحسان غاض نميرُهُ *** قَسْرَاً وللآمال بعدَك حُوّما
ولطالب المعروف ألقى رحلَهُ *** وأقامَ ميتَ العزم لا متلوِّما
قطعتْ بكَ الأيامٌ أمالَ الورى *** قطعتْ ولا وصلتْ بكَفّكَ معصما
ولقَدْ سددتُ فَمَ النّعي بأنمُلٍ *** رجفتْ فلم أملكْ لهُنَّ به فَمَا
فأقرَّ في سمعي أمضَّ قوارعٍ *** نفذتْ فكانتْ في فؤادي أسهُما
ينعى جفوناً كان يرخيها التُقى *** بأبي جفونُكَ ما أعفَّ وأكَرما
وأناملاً منها بأعظم كلفة *** عَبرَ الحِمامُ إليكَ بحراً مُفْعَما
رفعوكَ والبركاتُ عن ظهر الثرى *** وطووكَ واللمعاتُ عن وجهِ السما
دفنوكَ وانقلبوا بأعظم حيرةٍ *** فكأنَّما دفنوا الكتاب المُحْكَما
لولاكَ يا (مهديُّ) آل مُحَمَّدٍ *** ظلّوا بمجهِلها الطريقَ الأقوما
أشرقتَ شمساً في بروج سما الهُدى *** فأضأتَها وولدت فيها (أنجما)
لولاكَ ما وَجدتْ ولولا (جَعْفَرٌ) *** من مذهبٍ للحقّ يُرغمُ مجرما
أقسمتُ بالشرف الذي قَدْ حزتَهُ *** وعلمتُ ذلكَ جُهِدَ مَنْ قَدْ أقسما
لقد احتمتْ منهُ الشريعةُ في فتىً *** لا تستبيحُ يدُ النوائب ما حمى
وإذا ذوو الفضل استوتْ أقدامُهمْ *** وجدوهُ أحرى القوم أنْ يتقدَّما
ومن السكينة والوقار سكوتُهُ *** وإذا تكلَّمَ لم تَجِدْ مُتكلّما
هو خيرُ مَنْ نمتِ العلاء والُهُ *** مِنْ ذروةِ الجوزاء أشرفُ مُنْتَمى
(الجعفريّين) الذين بمجدِهمْ *** ركبوا من الشرفِ السنامَ الأعظما
رفعوا على أُولى الزمان رواقهم *** وتوارثوا فيه العلاء الأقدما
بالسيد (المهديّ) ثم (بجعفرٍ) *** وبهمْ أنارَ اللهُ ما قَدْ أَبْهِما
يا موصلاً مني رسالة ذي حشى *** ظمئتْ إلى ذاكَ الرواءِ ولا ظما
بلّغْ - بلغتَ الخيرَ - خيرَ مُوَسّد *** جَدَثاً به دفنوا الصراطَ الأقوما
يا بدر إنْ تَكُ قَدْ أفلتَ فلا تَخَلْ *** بُرجَ الهداية منك بعدَكَ أبهما
فلقَدْ ولدتَ به كواكبَ لم تَلِدْ *** مثلاً لها أمُّ الكواكبِ في السما
لو عُدت للدُنيا ومن لزمانها *** بك أنْ تعودَ فيغتدي متبسّما
لرأيتَ (صالحها) (أميناً) للعُلى *** (مولى) له الدهرُ اعتدى مُسْتَخدَما(1)
1) علّق المؤلف على هذا البيت بقوله: «أشار بهذا البيت إلى جميع أولاده مع التورية»
وتلطَّفتْ وطفاءُ تحلبها الصَبا *** بثرى حواكَ فضمّ عَضْبَاً مِخْذَما
أفصحتُ من وجدي إليكَ بدعوةٍ *** رُبْما ذممتُ بها الزمانَ الأعجما
قَدْ كُنتَ لي بجميلِ ذكرِكَ (مالكاً) *** فلئن بقيتُ لأنسيّن (مُتَمَّما)
وقال العالم الكامل، والعيلم الذي جمع طرفي العلم والأدب حتى أصبح بلا مماثل، زين العبّاد والمجتهدين، شيخنا الشيخ جواد محيي الدين(1)، وهو الآن من العلماء الفضلاء، ويقيم الجماعة في الصحن الشريف، مربعاً ومصيف، فيا سلّمه الله وأبقاه، عَلَماً يرجع إليه كُلّ منيب وأوّاه، يرثيه مع السيد علي الطبطبائي(2)المتقدم، ويُعزّي الشيخ شيخ جعفر أخاه والشيخ صالح مع باقي بنيه، وهي ، (وقَدْ أجاد):
عَلامَ بنو العَليا تُطأطأُ هامَها *** أَهَل فقدتْ بالرغم منها إمامَها؟!
نعمْ غالها صرفُ المنون بفادح *** عراها فأشجى شيخَها وغُلامَها
لقد هدّمتْ كفُّ الردى كهفَ عزّهاً *** وأوهتْ مبانيها وهدّتْ دعامَها
وجذّتْ لها الويلات عرنينَ مجدها *** برغم معاليها وجبّتْ سنامَها
لوتْ جيدَها حُزْناً ولفّتْ لواءها *** وثلّتْ عواليها وفلّتْ حُسامَها
فَقُلْ ويكَ للأرزاء كُفّي عن الورى *** فقَدْ بلغتْ بالرغم منها مرامَها
لها الويل كم شنّتْ خيولَ صُروفَها *** على (النجف) الأعلى فَعَالتْ هُمامَها
وطافتْ بأرجاء (الطفوفِ) فأطفأتْ *** سراجَ معاليها وأرختْ ظلامَها
فرزءُ الفتى (المهديّ) كانَ ابتداءها *** ورزءُ (عليّ) القَدْرِ كَانَ إختتامَها
وقَدْ راحت الدُنيا تموجُ بأهلِها *** لعمرك هَلْ شَاءَ الألهُ إنعدامَها
فكم طُبّقتْ بالحُزن شجواً لنازلِ *** يُزلزل منها سهلها وأكامَها
بمن تأمل الأعلام عزّاً وقَدْ قَضَى *** حماها ومَنْ يرعى لديها ذمامَها
ومَنْ بَعدُ للأحكام يُبدي حلالَها *** إذا اشتبهتْ بين الورى وحرامَها
ومَنْ بَعدُ للوفادِ يُنجحُ سؤلَها *** ويُنعشُ عافيهِ ويَشْفِي سَقَامَها
وذي حرمةِ الأسلام ينعى لها الهُدى *** مدى الدهر فينا عزَّها واحترامَها
أقولُ وهَلْ يُجدي التمنّي لقائلٍ *** وقَدْ فَوقَتْ قوسَ المنون سهامَها
فياليتَ نفسي دونَ نفس ابن (جعفرٍ) *** سقتْها كؤوسُ الحادثات حِمامَها
وليتَ يداً ضَمَّتْهُ بالرغم في الثرى *** عليَّ أهالتْ لا عليه رُغامَها
فيا (صالح) الأفعال والعالم الذي *** له لم تَزَلْ تُلْقِي العلوم زمامَها
فعزِّ الفتى المولى المُهذب في الورى *** وماجدَها الندب (الأمين) همامَها
وعزِّ لنا أعمامك الغُرّ مَنْ بهم *** يُغاثُ الورى إِنْ صوَّحَ الدهرُ عامَها
أماجدُ مِنْ عليا (عليّ) بن (جعفرٍ) *** متى عُدَّتِ الأشرافُ كانتْ كرامَها
وهيهات أن يَعرُوا وإن جلّ ما عراً *** عُرى مجدكم وَهْنَّ ونخشى انفصامَها
وذا (جعفرٌ) ما انفكَّ فينا مقوّماً *** لنا إوَدَ العلياء حتى أقامها
إمامُ هُدىً ما إنْ جرى وبنو الهُدى *** بشأو عُلاً إلاَّ وكان أمامَها
فیا بن الألى من (جعفرٍ) خير أُسرةٍ *** بَنَتْ في ذُرى العلياء قِدْماً خيامَها
أقم شرْعَةً، آباؤكَ الصِيدُ أحكموا *** قواعدَ علياها وشادوا دعامَها
وقُمْ بعدَها فينا إماماً فأَنَّهُ *** أبى الله إلاَّ أنْ تقومَ مقامَها
وهل تنتهي ما فيكمُ من إمامة *** فكيفَ وقَدْ شَاءَ الألهُ دوامَها
سقى العفوُ قبراً ضمّ للمجدِ مُهْجَةً *** بِمَنْهَلَّ هتّانٍ يُروّي عظامَها
وقال يرثيه وحيد زمانه، وفريد أوانه، الأديب الأوحد، والنسيب الأمجد، الشاعر الماهر، ذو الكمال الباهر، المجيد المتفنّن، الشيخ محسن، آل شيخ خضر، وهو من جودة الشعر وحسن النظم ووفور البلاغة، بمحلّ لا يستطيع الفكر بلاغه. وسيأتيك من نوادره وأشعاره خصوصاً في ذا المقام ما يدلّك على منزلته. وقَدْ توفى سنة الألف والثلاثمائة والواحدة(1). وله مراث في الشيخ مهدي كثيرة، منها قوله يعزّي الشيخ جعفر أخيه:
يا وقعة إذْ أطلَّ معضلُها *** عنها الرواسي يَخفُّ محملُها
إنْ بحتُ فيها غصصتُ في شَجنٍ *** وأدمع ما بَرِحتْ أهملُها
وسائلٍ قد ألحَّ يسألُ في *** غريبة لا يكادُ يعقلُها
أغمضتُ عنها وكنتُ مُطلعاً *** وحين يحفّى السؤال أُجْمِلُها
1) المشهور في وفاته أنَّهُ تُوفيَ في شهر صُفر سنة 1302 ه / 1885 م
لكنّ عيني وليتَها عَميتْ *** بنثرها أوشكتْ تفصّلُها
يا صيحةً في البلاد شاملةً *** أيسرها وجبةً تزلزلُها
يا خيبةَ السائلين قَدْ رَجَعَتْ *** بخيبة لا تُجابُ أسؤلُها
يا ذُلَّةَ المسلمين إِنْ جَمَحَتْ *** عاقدةَ الذيلِ مَنْ يذلّلُها
مَنْ للصعاب الشداد هائلةَ *** الشَكلِ ففيمَنْ يُحلُّ مشكلُها
مَنْ لليتامى وأنتَ كافلُها *** مَنْ للأيامى وأنتَ موئلُها
مَنْ لُحُقوق عنيتَ أنتَ بها *** وهل كفيلٌ سواكَ يكفلُها
مَنْ ذا (لكشف الغطا) يدرّسُهُ *** ومَنْ لآياته يرتلُها
ومَنْ لأحكامه إذا اشتبهتْ *** وكنه أسراره يُعَللُها
أولى به لو أتتْكَ صارخةً *** آيَاتُهُ مُذْ أُصيبَ كَلكلُها
يا غايةَ السابقين إذْ خُتِمتْ *** كأنَّما اليومَ ماتَ أولُها
غُرٌّ مساعيكَ كيفَ أسبرُها *** وليسَ عدُّ الزمان يعدلُها
أعاذلي إذْ أنوحُ معذرةً *** نصيحةٌ منكَ لستُ أقبلُها
لا عاشَ قومي وأنتَ مُفْتَقَدٌ *** عليكَ قَسْراً يُقامُ محفلُها
وكيف ترجو البقاءَ موجعةٌ *** أُصيبَ لمَّا أُصبتَ مقتلُها
فَسَلْ بها ما يقولُ قائلُها *** أنّى وقَدْ ُسلَّ فيك مقولُها
يا حُفْرَةٌ ضاق عنه واسعُها *** حتى تجافي عُلاهُ جندلُها
وبارحتكِ الدُموعُ جاريةً *** يفيضُ فيض السحابِ مُسْبَلُها
یا ناهضاً والعَيونُ شاخصةٌ *** إليه مدّت تُشيرُ أنملُها
رؤياكَ ريّ القلوب صاديةً *** و(جعفرُ) الفضل منك سلسلُها
(جعفرُ) فضل وبحرُ مكرمةٍ *** يقولُها دائماً ويفعلُها
حَسْبُ الورى في هجير غلّتها *** من (جعفر) دوحةٌ تظلّلُها
أنتَ لعَمر العُلى معوّلُها *** وأنتَ في ضرّها مؤمّلُها
تراثُ أهليكَ أنتَ وارثُهُ *** فانهضْ إلى حكمة تُؤثلُها
صريحُ لفظِ العلوم أنتَ ومَنْ *** ناواك - إن أطلقتْ - مؤولُها
(عنعنةٌ) فَلْيَصُحَ مُسْنَدُها *** عنكَ كما صحَّ لي مسلسلُها
حملتَ أعباءَ كُلِّ مكرمةٍ *** إذْ ليسَ حيٌّ سواكَ يحملُها
فقُمتَ بالأمر غيرَ مضطهد *** أخفُّ شيء عليكَ أثقلُها
هذا الهُدى قَدْ أتاكَ مبتدراً *** بأدمع في الخدود يهملُها
هوَّنْ عليه المُصاب متشحاً *** بهمّةٍ في الأمور تعجلُها
أزركَ فاشدُدْهُ في أبي (حسن) *** أصدقُها قائلاً وأفعلُها
وشيعةٌ بايعتْكَ تابعةٌ *** تَمْسَحُ كفَّيكَ بَلْ تُقبّلُها
فاحكمْ بها فالأمامُ (جعفرُها) *** و(جعفرٌ) في الخِصام فَيْصَلُها
وَأمُرْ فأنتَ المُطاعُ في فئةٍ *** أرحامُها في عُلاكَ توصلُها
ها هي أضحتْ عليك عاكفةً *** عليكَ دون الورى مُعَوَّلُها
ها هي طوعاً لديكَ قَدْ برزتْ *** آسادُها ترتمى وأشبلُها
وأنتَ حقَّاً منارُ حجّتها *** وفيكَ قَدْ تُحطُّ أرحلُها
مَنْ يجحدُ الشمسَ وهي طالعةٌ *** إلاَّ قذى في العيون يُسْمِلُها
علامةٌ والجميعُ شاهدةٌ *** بأنَّهُ في الجميع أكملُها
قَدْ شمل العالمين نافلةً *** وإنَّ خيرَ السَحابِ أشملُها
صبراً بني (جعفر) وإنْ نزلتْ *** جائحةٌ في القلوب منزلُها
ما أفسدَ الدهرُ سوفَ يُصلحُهُ *** أصلُحِها (صالحٌ) وأعدلُها
مبجّلٌ مَنْ رَآهُ أكبرَهُ *** ومُلءَ عين الورى مبجّلُها
عرَّقَ فيه أبوهُ، عارفةٌ *** غباوة مَنْ يقولُ أجهلُها
لا زال بدراً تشعُّ طلعتُهُ *** به الليالي يُضييءُ أليلُها
وقال أيضاً يرثيه، ويعزّي أخاه وبنيه، وقَدْ أجاد، وبلغ فوق ما أراد:
يئس المجد إذْ أقامَ طويلا *** ثم ولّى وقال صَبْراً جميلا
يا غليلي ومَنْ لغُلّةِ قلبي *** يبستْ نجعةٌ تبلُّ الغليلا
جفَّ عُودُ الرجاء فَالعينُ *** لا تعرفُ لا أملاً ولا مأمولا
دُكَّ طودُ الحِجى ودكدكت ال *** أرضُ وكادتْ جبالُها أَنْ تَزولا
غابَ بدرُ الدُّجى وكوّرت الشم *** سُ وخرّتْ شُهبُ السماء أُفولا
مالَ جيدُ العُلى وعمّا قريب *** كان في الجور رافعاً مستطيلا
عثرَ الدهرُ واستقال وأنّى *** يغضب المجد أنْ يراني مقيلا
مات (مهديّها) فحيّ على الموت *** و یا طیبه قبیلاً قبيلا
ولو أنّ (الخليل) يُقْبَلُ منه *** لافتدى بالذبيح (إسماعيلا)
أيُّ هدي يسوقُهُ بالغ الكعبة *** لو كان هديُهُ مقبولا
يا إمام الهُدى كفى الدينُ ذُلاً *** أنْ يبيتَ العزيزُ فيهِ ذليلا
كنتَ كهفاً وللعُفاة مقيلا *** وعلى المسلمين ظلاً ظليلا
يا رفيعَ الذُرى وقَدْ كُنتَ طوداً *** ضِعتي أن تُرى كثيباً مهيلا
يا ربيعَ العُفاةِ غيرَ كثير *** لو أَبتْ أن تُقيمَ إلاَّ قليلا
يا هلالاً يأوي ثرى القبر بُرجاً *** وَهِزَبْرَاً تبوّأ القَفرَ غِيلا
يا عليماً ببعض ما علم الله *** وكانَ المعقولَ والمنقولا
يا لطيفاً رقّتْ شمائلُهُ الحُسنى *** فأوهمت شمألاً وشمولا
يا مُغيثاً وكنت غيثاً مَريعاً *** صوتَ مستصرخ وربعاً محيلا
يا مُخِفَّاً إلى العُلى غير وأنٍ *** حاملاً للأسلام عبئاً ثقيلا
وبنفسي مِنْ راحلٍ أنتَ صاح *** الجُودِ من بعده الرحيلُ الرحيلا
إِنَّ كَفَاً تجاه نعشكَ مُدَّتْ *** طالما قَدْ مددتُها مُسْتَنيلا
وجفوناً أغضتْ على لِينِ نَع *** ماكَ لَسهَّدتَها زماناً طويلا
فأذا ماكبا برزئكَ ضَعفيٍ *** فلقد قام في السماء جليلا
يغضبُ المجدُ أنْ يرى لك ندَّاً *** وسوی (صهرك)(1)الأعزّ بديلا
كنتم الفرقدين في الأفق الأعلى *** تُضيئان هادياً ودليلا
فَهوى فرقدٌ برغم أخيهِ *** يا أخاهُ صبراً عليه جميلا
وبحسب الهُدى فرائدُك الغُرَّ *** له إذْ نسجتَها إكليلا
زنتَ جِيدَ العُلى بهُنَّ عُقوداً *** عن سواها خلاخلاً و (حجولا)
يهني عينيك أنْ ترى من (عليٍّ) *** (جعفراً) فاضَ بالمكارم نِيلا
1) هو السيد مهدي القزويني (تعليقة المؤلف)
فاستوى الماءُ طافحاً وهو علمٌ *** رُبَّ علمٍ تخالُهُ سلسبيلا
طالَ والحق أنْ يطولَ وأولى *** بيد الله أن تكون الطُولى
فَرَقى منبر النُّبوَّةِ يُوحي العِلمَ *** مِن فكرهِ إليه رسولا
حسبُكَ الله مِنْ بديع صفات *** لنعمَّا بهرت فيه العُقولا
دُمتَ ما دامتِ السماواتُ والأرضُ *** وكلتاها إذنْ لَنْ يزولا
عملاً (صالحاً) ومولى (أميناً) *** و(علياً) سامي كليما نبيلا
وشفّعها بثالثة، هي في عقد السحر نافثة، يرثيه مع الأشارة إلى السيد الطبطبائي المُتوفى في كربلاء (كما مرّ سابقاً). وقَدْ بلغ من البلاغة أغلاها، وحظيَ بأعلاها، وهي:
طرقت مرزئةً تؤْجِجُ نارَها *** وتكاد تلحق بالسماء شرارَها
درستْ رسومُ مدارسِ العلمِ التي *** صحف (الخليل) بها قضت أوطارَها
عمدت إلى (موسى) الكليم بزفرةٍ *** منه اليدُ البيضاء تُصلي نارَها
وعلى (عليٍّ) وهو في محرابهِ *** عطفتْ بحاسمة تُبلُّ غِرارَها
وبمهجة (الحسن) الزكيِّ تمثّلتْ *** سُمَّاً تُمكَّنُ مِنْ مراهُ مَرارَها
وعلى (الأمين) مُحَمَّدٍ بُمُصابها *** عَمَدتْ فأدركت الرزيّةُ ثارَها
وعلى الفتى (المهديّ) جاشتْ فتنةٌ *** عمياء قَدْ عصفت تُثيرُ غبارَها
لمعتْ بآفاقِ البلاد فسعّرتْ *** بالنار مِن إعصارها إعصارَها
حتى تبوَّء غَيبةً بغيابهِ *** أنوارُ (يوسف) جللتْ أقطارَها
وعلى (التقيْ) ابن الزكيّ تألَّبتْ *** نُوبُ الخطوب فضاعفتْ أوزارَها
ما للشريعةِ والحوادثُ لم تَزَلْ *** تجتاحُ في أرزائها أقمارَها
جَذّتْ يمينَ المكرمات وبعدها *** عطفتْ على نَسَقِ اليمين يسارَها
نِوَبٌ تشاكلِ بدؤها وختامُها *** فكأنّ من إيرادها إصدارَها
عبرتْ لي الشَعرى العبور فقصَّرتْ *** من خطوها وغدا العويلُ شعارَها
حتى توارتْ بالحجاب ولم تمز *** عينُ الهداية ليلَها ونهارَها
يا طلعةَ الشمسِ المُنيرةِ حجّبتْ *** بالطفّ أسرارَ القضا أنوارَها
یا غيبة (المهديِّ) وهي رزيّةٌ *** دهت العُلومَ فهتّكتْ أسرارَها
واستشعرتْ نفسُ الرواجف بعدها ***إذْ كُلُّ نفس لا تُقِرُّ قرارَها
قَدْ آنَ نفحُ الصُّور لولا غيبةُ ال **** مهديِّ) كذَّبَتِ الورى أخبارَها
هي (رجعةٌ) منه استعارتها العُلى *** لأخ الفضائلِ (جعفرٍ) فأعارَها
یا قُرْبَما ابتعثَ الألهُ لدينهِ *** ذاتاً تصفّح قدسها فاختارَها
قرَّتْ به عينُ الرسالة صادعاً *** بالأمر يجلو بالقضاء غُبارَها
وآفى دعامة عزّها فأقامَها *** ورقى منابر وحيِّها فأنارَها
وأعادَ ذاكَ الغرس غضَّاً يانعاً *** في روضة تجني الأنامُ ثمارَها
في دارة الشرفِ الرفيع ببُقعةٍ *** بَلْ جَنَّةَ قَدْ فجَرتُ أنهارَها
بمهابط الوحي التي يُوحى بها *** (كشفُ الغطاءُ) لكاشفٍ أسرارَها
بمطافِ أملاكِ السماءِ وحسبُها *** فخراً إذا اعتبرتْ هناك مزارَها
بحظيرة القُدسِ التي ودَّ السُها *** لو طافَ معتمراً بها أو زارَها
وأحسن من جميع هذا قوله أيضاً يرثيهما أعنى (الشيخ)(1)و(السيد)(2)، وقَدْ جمع فيها بينهما أحسن الجمع فقال:
اللهُ ماذا الحادثُ الجللُ *** قَدْ دُكَّ منه السهل والجبلُ
جللٌ تلهّب زندهُ شَرراً *** قذفتْ به الأملاكُ والرُسلُ
فالدهرُ لا شمسٌ ولا قمرٌ *** والناسُ لا عِلمٌ ولا عَملُ
فكأنّما الأيامُ طالعَها *** زُحل وأسوء طالع (زُحَلُ)
والناسُ سَكْرَى حين تنظرُهمْ *** فكأنَّ كُلاً شاربٌ ثَمِلٌ
وأصمّ أعجم جدَّ في عذلي *** أولى بسمعك وَيْحَكَ العَذَلُ
فلقد جهلتَ وكُلُّهُمْ عَلِمُوا *** لا بَلْ جُننتَ وكُلُّهم عقلوا
سَلْ بالسماء فمالها التهبتْ *** حتى كأنَّ نجومَها شُعلُ
وكأنَّها حلباتُ عادية *** فيها الملائكُ بالسّما قُتلوا
تنبيكَ عن سهمين قَدْ فعلا *** في الدين في الدين ما لا تفعلُ الأسلُ
يا للرجال الحادثٍ جلل *** يتلوهُ رُزءٌ حادثٌ جللُ
فترى العبادَ وكلُّهاً نكدٌ *** وترى البلاد وكلُّها زجلُ
يا ظلّة الأسلام إذْ عميتْ *** عيناهُ حتى ضلّت السُبلُ
يا روعةَ المعروف إذْ قُطِعتْ *** کلتا يديه فَرَاعَهُ الوَجَلُ
يا مثلة شنعاء قَدْ عَبَثَتْ *** في الدين فيها يُضربُ المَثَلُ
يا غلّة المعروف فالتهبي *** الیوم لا عِلٌّ ولا نَهَلُ
ماتَ الرجاءُ وكُلُّنا أملُ *** غاضَ العُبابُ وكُلُّنا وَشَلُ
خفي الصوابُ وكُلُّنا خطأٌ *** أودى الرشاد وكُلُّنا زللُ
فأذا حمت شهبُ السنين فمَنْ *** فيه يغاثُ الناسُ إِنْ سألوا
يا سَيِّديْ قوميهما وكفى *** شرفُ بساق العرش متّصلُ
شَرَفٌ أبرُّ على النجوم فذا *** تعنوله (الجوزا) وذا (الحَمَلُ)
يا غيبةً (المهديّ) جئتَ بها *** برحا برحاء لم تَبردْ لها غِللُ
بَكرَ النعيُّ على (التقيّ) بها *** ولذاك رزءٌ ليس يُحْتَمَلُ
حتى قضى أسفاً على رجلٍ *** ما إنْ له مِنْ بعدِهِ بدلُ
هذا الوفاءُ وياله شرفاً *** ثبتتْ عليهِ السادةُ النُّبلُ
وآساهُ في الدُنيا وحيثُ إلى *** الأخرى ترحّل فهو مُرْتَحِلُ
كَذَبَتْكَ عينك حين تنظرُهُ *** فتقولُ قَدْ أودتْ به العِللُ
ومفنّدٍ بالعَتِب قلتُ له *** فنّدْ لرأيكَ أَيُّها الرجلُ
أَجملتَ رُزء (الغاضرية) أمْ *** سيّان منك العِلمُ والخطلُ
إنَّ الأُلى (بالطفِّ) قَدْ ضُربتْ *** لهمُ على هام السُّهى کُللُ
كان الرجاءُ بأنْ يكونَ لنا *** بهمُ العزاءُ فخُيّبَ الأملُ
حتى غدونا أُسوةً لهمُ *** وكذا لكم أسلافُنا الأولُ
وقال الشيخ مُحَمَّد بن حمزة الحلّي يرثيه، ويعزّي صهره العلم المهدي القزويني، وأخاه الشيخ جعفر، (قُدّس سرّهم جميعاً) ويمدح بنيه، وهي:
العِلمُ بالدمع من فرطِ البكا غَرَقا *** والمكرماتُ تلظَّى قلبُها حُرَقا
لقد أطلّت على الأسلام داجيةٌ *** طخياء منه أعادتْ صُبحَها غَسَقا
نَعى النعاةُ إلى الدين الحنيف فتىً *** في علمهِ منهُ قدماً مهَّدَ الطُرقا
نعوا عميدَ الهُدى (المهديَّ) للملأ ال *** أعلى فطارَ عليه قلبُها فَرَقا
كانَ الهُدى فيه يحسو صافياً شَبِماً *** واليومَ أصبحَ يحسو الآجنَ الرَنِقا
وانصاعَ كُلُّ جليد في ملمّتهِ *** يحكي ابن عُمران (موسى) مُذْ هوى صَعِقا
واَ حسرة الدين إنَّ الموتَ أغْمَد في ال *** ثری حساماً على الأيام منذلقا
قَدْ قُرَّ عيناً بجنّات النعيم وقَدْ *** حبا عيون المعالي فقدُهُ الأرقا
علمتَ يا بدرُ أفق العلم إنَّ دُجى ال *** خطوب مُذْ غبتَ عنها جلّلَ الأُفَقا
قَدْ كُنتَ ترتق فَتْق الدهر مقتصداً *** وبافتقادك ذاكَ الرتق قَدْ فُتقا
رمتْكَ كفُّ الردى شُلَّتْ بأسهمِها *** والكُلُّ منها لقلبِ الرُّشدِ قد رشقا
صبراً فمِنْ بعدِهِ العِلمُ المشرّف في *** سميّهِ العلم (المهديّ) قَدْ وثقا
مولى يوفّي الهُدى أضعافَ بغيته *** فلا يخاف به بَحْسَاً ولا رَهَقا
يُولي بأوفر من سُحبِ السما كَرَماً *** جمَّاً وأطيب من زهر الرُبى خُلُقا
حكى شمائلَهُ ذو الفضل (جعفرُها) *** والعلمُ منه زكيَّ العَرفِ قَدْ نَشَقا
نَدْبُ على الجُودِ قَدْ شُدَتْ مازرُهُ *** وفوقَهُ عَلَمُ العلياء قَدْ خَفَقا
فكم أُناس إلى العلياء قَدْ درجوا *** بهمَّة ولهم ألفوُهُ مُسْتَبقا
وملّة المصطفى في (صالح) صَلُحتْ *** ووجهُها فيه أضحى مُشْرقاً طَلقا.
والمكرماتُ لقد أصفتْ مودتّها *** (مُحَمَّد) الندبَ لا كذباً ولا مَلَقا
وإنَّها شكرت فضل (الحُسين) كما *** في سِيبِ كفّيهِ منها قَلَّدَ العُنُقا
يا (سادةٌ) لم يَخَفْ دنيا وآخرةً *** مَنْ قَلَبُهُ لَهمُ في الحُبِّ قَدْ عَلُقا
لا تحفلوا بخُطوب الدهر حيثُ لكم *** لنا العزاء إذا ما الخَطبُ قَدْ طَرَقا
وإِنَّ مَنْ قَدْ نُكَبْتُمْ في مصيبتهِ *** بالسابقين من الأبرار قَدْ لَحَقا
وقائلٍ سقت الأماقُ حفرتَهُ *** فقلتُ أرّخْ (سقاهُ جُودُهُ غَدِقا)
وقال بعض شعراء الحلة أيضاً يرثيه، ويعزّي به صهره المتقدم، وأخاه، (رحمهما الله):
خليليَّ ليسَ اللوم للوجدِ شافيا *** ألا لا تلوماني كفى اللومُ ما بيا
وناعي الهُدى قَدْ جاء ينعاهُ بَغْتَةً *** فأشجى الورى طُرَّاً وأبكى المعاليا
إذا مرَّ في الأرجاء أبكى ذوي الرجا *** وإنْ مرَّ في البيداء دكَّ الرواسيا
ومِنْ دهش الناعي ترى الناس وُلّهاً *** لفقدانهِ باك عليه وناعيا
لقد أوحشت منه المساجدُ بغتةً *** وأمستْ محاريبُ الصلاةِ خواليا
فتىً كَانَ يُحيِي في الصِلاتِ أراملاً *** رُفاةً ويُحيي بالصلاةِ اللياليا
تراُه لدى سُؤّالهِ في بشاشةٍ *** وعند سؤال الربِّ تلقاهُ باكيا
فعنك أبا المولى إذا يُقْبَلُ الفِداً *** فديتُكَ حوبائي(1)وأهلي وماليا
سأبكيكَ حتى تعلمَ الناسُ أنني *** لفقدِكَ علمتُ الحَمامَ بُكائيا
وألبسُ أثوابَ العزاءِ وأنطوي *** على حزنٍ يُنشي عليك المراثيا
فَجِسمَكَ والعِلمَ الشريفَ طوى الردى *** بقبركَ والتقوى معاً والمعاليا
فأَنْ شَمَتَ الأعداءُ فيكَ فأنَّما *** بنوكَ حوت في العلم ما كنتَ حاويا
ألا طأطِئوا أهلَ الشماتةِ أرؤساً *** فربعُ العُلي مِنْ بعده ليس عافيا
وإبناهُ تقفوا إثره وفعاله *** وإخوتُهُ أُسدٌ تهبُّ الضواريا
لنا ولهم حُسْنُ العزاء (بسيدٍ)(2)*** إمامٌ براهُ اللهُ للناسِ هاديا
فتىً هو (فُلْكٌ للنجاة)(3)ومَنْ سَرى *** به كانَ من سوء الضلالةِ ناجيا
خِضَمَّ علومٍ (جعفرٌ)(4)يستمدُّهُ *** من العلم ما فاقَ البحارَ الجواريا
1) الحوباء: الروح
2) السيد: هو السيد مهدي القزويني
3) «فُلك النجاة في أحكام الأئمة الهُداة» هي رسالة عملية في الفقه للسيد مهدي القزويني، طُبعتْ في حياته سنة 1297 ه / 1880 م، وأُعيد طبعُها سنة 1298 ه / 1881 م
4) جعفر هو الابن الأكبر للسيد مهدي القزويني، وقد تُوفي في حياة والده عام 1298 ه / 1881 م. وأولادُهُ الآخرون هم السيد صالح، والسيد محمد، والسيد حسين. وقد سبقتْ الأشارة لهم. وقد ذكرهم الشاعر في هذه القصيدة
إذا ما جرى في حلبة المجد صالحٌ *** له (صالحٌ) في غايتيها مُجارَیا
أبو (حَسنٍ) مَنْ ليس إلاَّ (مُحَمَّدٌ) *** وإلا (حُسينٌ) نالَ منه التساويا
بني (الوحي) مَنْ يسعى إليكم قَدْ إهتدى *** ومَنْ ضَلَّ عنكم قَدْ أَضَلَّ المساعيا
وقال الأديب اللبيب، صاحب المنظومات البديعة، الشيخ صالح الكوّاز يرثيه، ويعزّي السيد مهدي القزويني، وأخاه (رحمه الله علیه):
الله ما بعد هذا اليوم مُصْطَبَرُ *** للمسلمين ولو راموا إذنْ غدروا
وأصدق الناس إيماناً أشدهم *** حزناً ومَنْ قَدْ تسلّى كاذبٌ أشرُ
أيملك الصبر مَنْ للدين منتحلٌ *** والدينُ أصبحَ بطنَ الأرضِ يقتبرُ
رُزءٌ أقلُّ الذي قَدْ جاءَ أَنَّ به *** تفنى النفوس وتُمحى بعدها الصُورُ
ناع أصاب فقالَ الدهرُ مندهشاً *** الله أكبرُ ماذا أبدعَ القَدَرُ
فقالَ: لا َقالَ: بَلْ جُذَّتْ سواعدُهُ *** وطارَ في مفرقيه الصارمُ الذكرُ
إنَّ الذي كانَ للعاني سحاب ندىً *** وليسَ في نيله رنقٌ ولا كدرُ
أضحتْ تقلّب أيديها قواصدُهُ *** مُغْبَرَّةَ الجُودِ لا موجٌ ولا مَطَرُ
أبو (الأمين) وليُّ الله قَدْ نُصبت *** لهُ الأرائكُ حول العرش والسُّررُ
وأصبحتْ بعدَهُ الدنيا كأنَّ بها *** قامَ الفناءُ فلا عينٌ ولا أثرُ
ونائحاتٍ دعتْ فيه فحُقَّ بأنْ *** تُجيبها غُررُ الأملاكِ لا البَشرُ
إِنْ تَبكِهِ مقلُ الأفلاك تبكى فتِىً *** بمثلهِ أنبياءُ الله تفتخرُ
أبا (الأمين) لو أنَّ الموتَ أنصَفَنا *** أبقاكَ ما بقيتْ الاؤكَ الغُررُ
كي لا يضلّ طريق الحَقِّ طالبُهُ *** ولم يَخِبْ مَنْ إلى جدواكَ مُفْتَقِرُ
فهُنَّ آلاء مفقودٍ إذا طُويَتْ *** طىَّ السّجل السما للكُتب تَنتشَرُ
نَفسي الفداء لأجفانٍ مغمّضة *** كانتْ تؤرقُها العلياءُ لا السمرُ
جفّت وما جففّتها قسوةً أبداً *** أغضتْ ولم تغضها من حادثٍ فكرُ
أفدي مُحيَّاً أغراً ما نقابلُهُ *** إلاَّ وأشرقَ مِنْ بِشرٍ به القمرُ
أمسى يُعفِّرُ تُربُ القبرِ غرّتَهُ *** وفوقَها من ثرى محرابِهِ عَفرُ
من بعده فيه يُستسقى السَحابُ وقَدْ *** كانتْ تصوبُ به الهطّالةُ الهُمُرُ
أبا (مُحَمَّد) إِنَّ الدين من دَهَشٍ *** قَدْ لاذَ فيكَ مَرُوْعَاً وهو مُنْذَعْرُ
نشدتُكَ الله في البقيا عليه فقَدْ *** أودى لوجدكَ في أحشائهِ الضّررُ
وحائز قصب العلياء أسبق مَنْ *** جرى إلى غاية العلياء يبتدرُ
مُغيَّرُ في وجوهِ القوم ما رجحتْ *** منه المناكبُ إلاَّ ولدُهُ الغُررُ
التابعين له في كُلِّ منقبةٍ *** بيضاء عنها جميع الخَلقِ قَدْ قَصَرُوا
فلا يُحطُّ له في غاية أثرُ *** إلاَّ وكانَ لهم من حوله أثرُ
جحاجحٌ هُمْ شُبولٌ حول غابته *** وحول هالتهِ هُمْ أنجمٌ زُهُرُ
الآخذين بأطراف الفخار عُلاً *** إنْ عاَق غيرَهم الأعياءُ والخِوَرُ
والمستجير بهم فاللهُ جارُهم *** ومَنْ عداهم إلى أضدادهم خسروا
وقال يرثيه العالم الفائز من العلم بالقدح المعلّى، والفاضل الذي هو كعبة فضل لحماها وجه المكارم صلّى، جناب السيد سيد مُحَمَّد الهندي(1)، وهو الآن سدده الله فيما يعيد ويبدي، من مشاهير العلماء الأعلام، وأجلاّء الفقهاء العظام. وكفى في فضله أن صاحب الجواهر (قُدّس سرّه) صرَّحَ بفضله لسان قلمه، فأجازه، وهي:
أفي كُلّ يومٍ للشريعة كوكبُ *** يغيب ويهوي للحنيفيّ (أخشبُ)(2)
وتظفر أظفار المنيّة بالذي *** تنشّبُ عنه في الحوادث مِخْلَبُ
وقَدْ زلزلتْ شرقَ المعالي وغربّها *** فلا مشرقٌ إلاَّ وينعى ومغربُ
وغيّبتِ (المهديَّ) عن أعين الهُدى *** فأمسى لأثواب الأسى يتجلبَبُ
فما هو إلاَّ للهداية صارمٌ *** برغم المعالي منه قَدْ فُلَّ مِصْرَبُ
وناحتْ عليه المكرماتُ بمأتم *** وحُقٌّ لها تبكيه دهراً وتندبُ
وأظلمَ رَبِّعُ الدينِ مُدْ غابَ بدرُهُ *** فلم يدرِ مَنْ رامَ الهُدى أين يذهبُ؟!
وما كنتُ أدري قبلَهُ أنَّ في الثرى *** نُجوم سماوات تغيبُ وتغربُ
لقد كان درعاً للورى في مخافةٍ *** فمِنْ بعدِهِ فليخشَ مَنْ كانَ يُرهبُ
سرى حزنهم فيه کمسری فخارهِ *** فراحتْ به الأمثالُ في الناس تُضْرَبُ
فمَنْ بعدَهُ يحمى الحمى غيرُ (جعفر) *** أخيه الذي مِنْ كأسهِ كَانَ يشربُ
بعيد المدى عن أنْ يدانيه أروعٌ *** ولكنْ لراجيهِ من السمع أقربُ
وإخوتُهُ الغُرَّ الكرام (حبيبُهم) *** صباح التُقى مصباحُهُ المُتلهَبُ
و(عبّاسُ) ذو النَّبلِ النبيل وخلقُهُ *** الجميلُ لعمري مِنْ جَنَى النَحلِ أَطيبُ
ولولا بنوهُ، العلمُ أصبحَ مُقْفراً *** وأصبحَ وجهُ الفضلِ وهو مُقطَّبٌ
(كصالح) الليثُ الهِزَبُر الذي له *** على أُمَّ رأسِ الفضل مسرى ومذهبُ
ومولى (أمينٍ) و(الأمينُ) كلاهُما *** أمينٌ ومولى منهما الأمنُ يُطلبُ
وبابنِ أخيه (مُحسنٍ) أيُّ سلوة *** به تكشفِ اللأواءُ والضيقُ يرحبُ
مكارمُهم كالنيّرات زواهرٌ *** متى غابَ منهم كوكبٌ لاحَ كوكبُ
(أحبّاي لو غَيرُ الحِمام أصابكمْ *** عَتَبتُ ولكنْ ما على الموت مَعْتَبُ)
و (خمس حواسي) قَدْ أُبينتْ مؤرخاً *** (لمهديّهم جناتُ عَدْنٍ تُرَحّبُ)(1)
وقال الشاعر المفلق، والصّقر الذي هو في سماء الكمال محلّق، الشيخ الأمجد، الشيخ أحمد ابن الشيخ إبراهيم، الملقّب بقفطان يرثيه، ويعزي أخاه وبنيه:
سهمٌ رمى كَبِدَ الهُدى فأصابا *** مُذْ قيلَ (مهديُّ) الخليقةِ غَابا
نبأٌ به صكَّ النَعُّ مسامعي *** فأصمَّها حيثُ النعيُّ أهابا
فسألتُ منه راجياً بتوهمي *** ذاكَ النعيَّ ممارياً كذَّابا
سمعتُ من المعالي نوحَها *** لَبِستْ عليه للحِدادِ ثيابا
أَخنا على أمجادِها بعميدها *** وسقى بلوعته القلوبَ رضابا
أَودى (بمهديِّ) الخليقة صِرْفُهُ *** ورَمَى به قلبَ الهُدى فأصابا
غيثٌ أطلَّ على العباد برحمةٍ *** لِوليه وعلى العِداة عذابا
كالعارض المدرار خفَّ بودْقِهِ *** فسرتْ بهِ ريحُ الصّبا فانجابا
ورواق عزّ فوقَ دين (مُحَمَّد) *** وعلى رؤوس المارقين شهابا
أمسى وقَدْ حُلَّتْ عُراهُ وقَوَّضتْ *** أيدي الورى عن ربعه الأطنابا
1) حساب الجمل في هذا التأريخ غير دقيق
يا راحلاً عنَّا وخلّف جَذْوةٌ *** تُورى الجوانحَ بعدَهُ إلهابا
يا بحرُ علم ما ولجتَ علومَهُ *** إلاَّ ولجتَ مدى الزمان عُبابا
وصدعتَ عن وحيٍّ عليك نزولُهُ *** لا عن هوى فيما نطقتَ صوابا
وكشفتَ عن دين النبيِّ (مُحَمَّد) *** ظُلَماً ولم تُبقِ بها مُرْتابا
يا نورَ مشكاةِ العلوم وبعدها *** يا مَنْ كشفتَ من الرُموزِ صعابا
فلقد أراني الدهر فيك عجائباً *** والدهر يقذف - لم يزلْ - أعجابا
ما كنتُ أعرفُ قبلَ ذاتكَ جوهراً *** بهرَ العقولَ وحيَّرَ الألبابا
ما كنتُ أعرفُ قبل نعتكَ جُمْلةً *** أرختْ على وجهِ البيان نقابا
ما كنتُ أعرفُ قبل رُزئك هادئاً *** أولى البرية وقعُهُ استغرابا
ما كنتُ أحسب قبل نعشكَ أنْ أرى ال *** أيدي تُقِلُّ على الرؤوس هضابا
ما كنتُ أحسبُ قبل قبركَ مرقداً *** أمسى لمصقولِ الغرارِ قرابا
جَدَثاً تضمَّنَ بحرَ علمٍ زاخر *** أنَّى أحيطُ بساحليهِ عُبابا
أم كيفَ ضَمَّ مكارماً ومعالماً *** أربَتْ على عددِ الرمال حسابا
سطعتْ كأمثالِ النُجوم فكيفَ قَدْ *** أرخى على أنوارهُنَّ حِجابا
يومٌ به (المهديُّ) قُوّضَ ظاعناً *** فتحتْ يداهُ إلى الحوادث بابا
قَدْ كانَ عِزّاً (للغري) وأهلهِ *** يُولي ويلوي نائلاً ورقابا
ذا عزمة لو كان مارسَ بعضَها *** الحجُر الأصمّ أُو الحديدُ لَذابا
وخطابة تُرضي الحضور خطابةً *** ومخاطبات تؤنسُ المحرابا
قَدْ كان في حالين طوراً باكياً *** متضرّعاً أو باسماً وهَّابا
حتى ثوى عزماً وراح معانقاً *** حوراً سُررنَ بوصلهِ أترابا
وأقامَ (جعفرَ) مفخر لرئاسة *** قَدْ ردَّها بعد المشيب شبابا
كالغيثِ يخلفُهُ الربيعُ وغيرُهُ *** كالنار تعقب إذْ تَشبُّ ترابا
خَطَبَتْهُ عَاليةُ العُلى وكم اغتدى *** أهلُ النُّهى لجمالِها خُطَّابا
حَبْرٌ كأَنَّ العِلمَ يطلب صاحباً *** فاختاره وإلى عُلاهُ آبا
قَرْمٌ أتاه فضلُهُ متنقِّلاً *** عن نور أصلاب زكتْ أصلابا
فله العزا عمَّنْ مضى لسبيله *** في فتية منهُ زكوا أحسابا
وكذا (الأمينُ) أخوه والمولى الذي *** هدأ الضميرُ به وَنَفْسَاً طابا
وبأُسرةٍ من آل (جعفر) كُلّهم *** أمسوا المعروف الندى أربابا
يا آلَ (جعفرَ) أنتمُ القومُ الأُلى *** ملكوا من الفضل المُبينِ نِصابا
وَلاّكُمُ أمرَ لأنام إلهُكمْ *** وبنى لكم فوقَ السماءِ قِبابا
لم أُحْصِكُمْ ذِكْراً ولم أُحْصِ لكم *** مدحاً ولو أوسعتُها إسهابا
قصر الثنا عنكم ولم أبلغْ وما *** قصَّرتُ لمَّا أنْ قصرتُ خِطابا
حيَّا الحَيا بالعفوِ روضةَ جدّكم *** إذْ قَدْ حوتْ مِنْ ولدِهِ نَوّابا
وضرائحاً فيها ثوتُ مِنْ الهِ *** أُسْدٌ قَدْ اتخذوا الصّفائحَ غابا
صلَّى الألهُ عليهمُ ما أشرقتْ *** شمسٌ وما بدرٌ بدا أو غابا
والى ضريح حلَّهُ (المهديُّ) مِنْ *** صوبِ الرضا ساقَ الألهُ سحابا
مُذْ غيّبوهُ بهِ عياناً قلتُ في *** تاريخهِ (المهديُّ صِدْقاً غابا)
1289 ه
ثم جلس بعده بمسند آبائه وأجداده، جامعاً بين طرفي المجد تلاده، ناشراً ما همّ يطويه الدهر من علومهم، مجدداً ما كاد أن يندرس لولاه من رسومهم، بحر العلم الدفّاع، وجذوة الفهم المتوقّدة الشعّاع، طود الحجي، وبدر الدجى، نور الله الأنور، وسراجه الأزهر، صاحب الشرف الأكبر، مولانا أبو مُحَمَّد الشيخ جعفر الأصغر. كان أعجوبة دهره، ونادرة عصره، في اتّساع فهمه، وغزارة علمه، وحسن أخلاقه، وطيب أعراقه، وظرافة لطائفه، ولطف ظرائفه.
حضر برهة من الزمن على أخويه، مُحَمَّد، والمهديّ، ثم على ذي الفضل الجليّ، شيخنا الأنصاري، حتى برع في المعقول والمنقول، فقهاً وأصول. وكان في زمان أخويه يباحث (القوانين)(1)لجماعة من الفضلاء، وكان تدريس القوانين يومئذ من أصعب
1) کتاب «القوانين» في علم أصول الفقه للمُحقّق القُمي. وقد أصبح من الكتب التراثية بعدما إسْتُعيضَ عنه بمؤلفات أصوليَّة حديثة
الأشياء، فممن حضر عليه ذلك من العلماء في هذه الأيام، رئيس الأنام، وعيلم الأعلام، سيدنا السيد مُحَمَّد الطبطبائي(1)(دام عزّه)، وجماعة غيره من الفضلاء الفحول، وكان (رحمه الله) مع ذلك ذا همّة:
قَدْ ناطحتْ هامَ السَّماك فما ارتضتْ *** إلاّ النجومَ السّامكات نَعالا
واعتاقها عن ذُلّ ورْدٍ لم يَسغْ *** رَنَقاً إلى أنْ أُعطيَ السلسالا
ورضا بها إمَّا عُلاً ومكارماً *** تسعُ البريّة أو حصىً ورمالا
وكان مع ما فيه من فضيلة العلم التي تقدّم بها وسبق، حتى صار عمود أخبية آبائه فكان له السبْقُ بها والسَبق، ذا حظ من البلاغة والفصاحة وافر، وقدرة على النظم والقوافي يعجز عن تبيانها قلم البليغ الناثر، فهو الذي:
إن سلَّ أقلامه يوماً ليُعملَها *** أنساكَ كُلَّ كَميٍّ هزَّ عاملَهُ
وإنْ أقرَّ على رِق أناملَهُ *** أَقرَّ بالرق كُنَّابُ الأنامِ لَهُ
فكم له من مقاطيع وقصائد، وأبيات هي لجباه البُلغاء مساجد، من كُلِّ سائرة تسحر الألباب وتسترقّ الطبائع، وكل نيّرة لها في أعلى فلك الحسن مجاري ومطالع، وفي جميع الآفاق والأمصار، أشعة وأنوار:
كالشمس تطلعُ في السماء ونورُها *** قَدْ عمَّ كُلُّ الأَرضِ في إشراقهِ
وكان في حسن السبك والمتانة وطول الباع وحيد، فهو على أنَّهُ مُكثر مجيد، وقلّما اجتمعت هاتان لأنسان، من أهل هذا الميدان. وكان يأنف أن يمدح أحد، ولو كان أباً وجدّ، إلاّ حماسة أو ما هو من قبيل الهزل لا الجدّ، ولم يُتْعِبْ فكرَه في بيت من شعره مدى عمره، بَلْ كانت القوافي تتدافع عن لسانه على البديهة، غير متكلّف بها ولا كريهة، وتتناثر الألفاظ من عذب فمه وهي لآلئ منظومة، أو أقداح بالرحيق مختومة. وكان يأبى أن يحفظ له شعر، أو ينتشر له في هذا الأمر ذكر، ويجهد في إتلاف ما يقول، ولو كان كالأقاح المطلول. حتى حدّثني بعض الفضلاء ممن يوثق به، عن بعض العلماء من تلاميذه وصحبه، أنَّه قال: كنتُ عند الشيخ جعفر (رحمه الله علیه) قبل وفاته بيومين فبينا أنا هناك إذ قال لبعض غلمانه: أخرج لي (الزنبيل) الذي في (الحجرة) الفلانية. فمضى وأخرج له (زنبيلاً) كبيراً مملوء من الأوراق والقراطيس فقال له مولاه: خذه وتوسّط به بحر
1) تُوفي السيد محمد الطباطبائي سنة 1326 ه / 1909 م
النجف، وكان يومئذ بحراً عظيماً، وارمه في الماء ولا تخبر في طريقك أحداً. فأنعم الغلام ومضى بما أمره مولاه.
يقول الراوي: وبقيت أتأمل فيما كان في (الزنبيل) فما وسعني إلاّ أن سألته عمّا فيه. فقال: هذه منظوماتي وقصائدي لي مدة (حَوْلٍ) أجمعها لأتلفها حتى لا تبقى بعدي.
فصعقتُ من مكاني وجعلت أوبّخه وألومه في ذلك وأسأله الرجوع عمّا هنالك، فأبى وامتنع. فلما أيست منه خرجت أعدو خلف الغلام فوجدته راجعاً من قضاء أمر مولاه. وانكففت وأنا أدمي بالندم الأظفار، وأتأسّف ولا تأسّف (الفرزدق) على (نوار).
أقول: هذه الواقعة معلومة عند أهله وذويه وهي السبب لقلّة شعره في أيدي الناس، بَلْ رجوعه إلى الاضمحلال والأندراس، وذلك لأنَّهُ لم يرو شعره أحد. ولكن ربَّما كان بعض ملازميه من ذوي الأدب إذا قرأ شعره المرة الأولى حفظوه وتداولوه. فمما عثرنا عليه من ذلك جملة مقاطيع في الغزل، والحماسة، و(بويتات) في المدح.
فمن الأول قوله:
إنَّ قلباً جفا الغرام زمانا *** عادَ فيه الهوى كما قَدْ كانا
حرَّكتْ ساكنَ التياعي بدورٌ *** ركَّبَ اللهُ تحتها أغصانا
بي شموساً بدتْ (بنعمانَ) ليلاً *** فكست حُلَّةَ الضُّحى (نعمانا)
شمتُ من بينهم ظبية خِدْرٍ *** سحبتْ للردى بنا أردانا
كنتُ من قبلها عزيزاً ولكنْ *** ذقتُ ذلاً من حبّها وهوانا
وله (رحمه الله):
لي (بالثوية) لو تواصلُ ظبيةٌ *** بَخلتْ عليّ بطيفِها المُعتادِ
غنّاء لو أسَرَتْ فؤادَ متيّم *** فيها فما لأسیرها من فادِ
ودَّعتُها والقلبُ من دَهَش النوى *** في طاعة الأتهام والأنجادِ
لعبتْ بها الأيامُ بعد تمنّعٍ *** وَعَدَتْ عليها للزمانِ عوادِ
ومنه:
أشكو إليكَ عسى تَرقُّ لُهجةٍ *** دبّتْ بها الأشواقُ أيَّ دبيبِ
أوهتْ قواها يومَ مُنعرج اللوى *** لفتاتُ ميّاسِ القوام رطيبِ
رشأٌ أقامَ قيامتي فنصيبُهُ *** منّى الوداد وقلَّ منه نصيبي
رشأٌ (ليوسفَ) في ملاحة وجههِ *** يُنْمى وينمي نسبةً (لشبيبِ)
أصفيتُهُ محض الوداد وسَامني *** فيه هواناً عاذلي ورقیبي:
ومنه:
رامَ العذولُ بأنْ أُخفي الهوى سَفَهاً *** ودونَ ما رامَهُ حُجبٌ وأستارُ
أُخفي هواهُ ويُبديهِ ومِنْ عجبٍ *** يُذيعُهُ يا لَقَومي وهو (ستَّارُ)
ومن الثاني قوله: يتحمّس بقومه وأهليه، وأمه (فاطمة)(1)و (عليّ) أبيه، وهي قصيدة طويلة يعارض بها عبد الباقى في قصيدته المعروفة (ولم يحصل لنا منها إلاّ القليل)، وهو:
صبراً جميلاً فلعلَّ وعسى *** يُورقُ عودُ الدهر بعدما عسا
والدهرُ قاسٍ قلبه وربّما *** يلينُ قلبُ الدهرِ بعدما قسا
یا دهرُ كم مارستني في موطنٍ *** شاهدتَ منّي فيه قرماً أشوسا
لا ينثني عن غاية يطلبُها *** أو يبلغ الغايةَ صعباً أشرسا
أبوه قَدْ أسس بيتاً للهْدى *** وهو بنى فَشَادَ ما قَدْ أَسّسا
من فتية أبوهُمُ (عليُّها) *** وأُمُّهم (فاطمةٌ) خيرُ النّسا
ما أصبحَ الصُبحُ على أمثالهم *** أطواد أحلام ولا أمسى المسا
من كُلّ وضّاح الجبين نوره اس *** تعارَ نورَ الشمس منه قَبَسا
ما عسعسَ الليلُ على آمالهم *** إلاّ وصبحُ جُودِهم تنفَّسا
وعيلم إنْ عَضَلَتْ معضلةٍ *** كانَ لبُرِهِ دائها نِعْمَ الأسا
يا دهرُ جُدْ بالقُربِ منهم نَفَساً *** وعِدَّ كُلَّ العمرِ ذاكَ النّفسا
أسلمتني إلى الأسى من بعدهم *** من بعدهم أسلمتني إلى الأسى
وله أيضاً يتحمّس:
وإنّيَ من قومٍ يبينُ بطفلهم *** من الحَدْسِ عنوانُ الرئاسةِ في المهدِ
1) هو اسمُها (تعليقة المؤلف)
إذا لم يكن لي ناصرٌ من بني (أبي) *** فعزمي وحزمي يغنيان عن الحشدِ
إذا أدركَ العليا هُمامٌ بقومهِ *** فنفسي تناجيني بأدراكها وحدي
وقال أيضاً (يفتخر بنفسه وقومه):
ليَ مجدٌ دون الأنام عليُّ *** ومحلُّ سام وفخرٌ جَليُّ
أنا مَنْ سارت الركائبُ فيهِ *** وتمنَّت عُلاهُ قبلُ (لويُّ)
لو رآني (عديُّ) ما اختارَ غيري *** والداً ينتمي إليه (عَديُّ)
ما نشرنا مفاخرَ المجدِ إلاّ *** وطوت فخرها بذلك (طيُّ)
أتغابي عن معشري وسيبدو *** لهمُ في الغَداةِ منَّا الغَبيُّ
كيفَ أرضى عن الزمان وفيه *** النقصُ باد والفضلُ فيه خفيُّ
معنويُّ الفخار فیه مُهانٌ *** وعزيزٌ فيه العُلى اللفظيُّ
وقال يخاطب المرحوم الشيخ مُحَمَّد عنوز(1)وقَدْ جعل يلومه على توانيه عن القيام بحقّ العُلى مع ما فيه من الفضل، وقَدْ هدلت فروعها على من ليس له بها أصل. فأجابه على البديهة وأجاد بقوله:
أبا (جعفر) لو أنَّ حظّي أمدَّني *** لألفيتَني والدهرُ منّي ضارعُ
وكنتُ الذي إنْ مرَّ يوماً بمحفل *** (أشارتْ إليهِ بالأكفّ الأصابعُ)
ولكنَّهُ بی قَدْ كَبا فتقدّمتْ *** رجالٌ لهم (حظُّ) تسامى (وطالعُ)
رواحلُهم لا يلحق الريحُ شأوهَا *** وراحلتي دون الرواحل ضَالعُ
وقال أيضاً:
لا كفُّ واكفِ غيث فيكِ قَدْ وَكَفا *** أكنافَ كوفان أنتِ منيتي، وكَفى
لم أنسَ ناعمَ عيشٍ قَدْ نَعمتُ به *** و مورداً قَدْ صفا لي منْ أُهيلِ صَفا
إذ فيكِ صرفُ زماني غافلٌ سِنةً *** عنّي وعن مجلسي طرفُ الرقيب غفا
في فتية كبدور التَمِّ أوجهُهم *** ما مثلُهم في الورى من مُشرق شرفا
من كُلِّ أبيض وضّاح أخي كَرَمٍ *** غير السماحة والمعروف ما عَرَفا
1) الشيخ محمد عَنُّوز تُوفي سنة 1288 ه / 1871 م
وكُلُّ ثاقبِ فكرٍ عيلم علم *** رأى طريقَ أبيهِ في العُلى فَقَفا
قُلْ للذي رامَ يقفو إثرَ مجدهُمُ *** أقْصِرْ فكمْ ماجد من دونه وقَفَا
ما أنتَ مَمنْ تُدانيهِ بمكرمة *** وإنْ سموتَ على هام السُّهى كَنَفا
هَلْ شَبَّهَ السيفَ يوماً بالعصى أحدٌ *** أو قاسَ يوماً بصافي اللؤلؤ الصَدَفا
لا يبلغنَّ مديحي بعضَ وصفهمُ *** وإنْ ملأتُ بمدحي فيهمُ الصُحفا
وقال في (الحماسة) أيضاً:
أحببتُ أنْ أهزلَ جذلانا *** وأنْ أهزَّ الطرفَ نشوانا
وأنْ أميطُ الذُّلَّ عن عاتقي *** وأمتطي في العزّ كيوانا
وأنْ أسومَ الذُّلُّ مَنْ سامني *** من الورى ذُلاً وخذلانا
أولا فما لي في العُلى مطلبٌ *** ولم أَشدْ للمجدِ بُنيانا
ولم تكن لي سابقاتُ الندى *** على الورى سرَّاً وإعلانا
ولا روى الراوي حديثَ النُهى *** عنّي عنواناً فعنوانا
ولم يكنْ ما كانَ مِنْ (والدي) *** منّي أمثال الذي كانا
ولم أُطِلْ بُرديَ في غارةٍ *** أجلبُا خيلاً وركبانا
مستبقات کنسور الفلا *** يطوينها سهلاً وأحزانا
يحسبُها الراؤونَ مهما جَرَتْ *** لغاية في الجوّ عُقبانا
ما سابقتْهَا الريحُ إلاّ انثنتْ *** تلوي عِنانَ الريح خسرانا
ولا جرتْ والبَرقُ في حَلْبة *** إلاّ وأوهَتْ منه أركانا
وما جرى الفكرُ بآثارها *** إلاّ وقَدْ أعيتْهُ ميدانا
يحملنَ للحرب أُسوداً وإنْ *** كانوا لدى المحرابِ رهبانا
كأنّها قَدْ خُلِقتْ تحتَهُمْ *** أو خُلقوا للحرب فرسانا
بيضٌ إذا نارُ الوغى أُضرمتْ *** واشتبكتْ بيضاً وخُرصانا
رأيتُهم والنقعُ من فوقهم *** كالشُهب أفعالاً وألوانا
رأوا حقوقَ المجدِ قَدْ عُطَّلتْ *** وانتُهبتْ ظُلماً وعدوانا
فعندها هبّوا خفافاً لها *** وابتدروا شیباً وشبّانا
وأقسموا لا ألِفوا مضجعاً *** أو يرجع الأمر كما كانا
وقال:
أهمُّ بأمر الحزم في كُلِّ موطنٍ *** أهمُّ بأمر الحزم في كُلِّ موطنٍ
ومازلتُ أسعى للمعالي وأنثني *** ومازلتُ أسعى للمعالي وأنثني
وقال:
وهبني جلستُ على مُسْنَدٍ *** و ترمقني عَينُ مَنْ يحسدُ
حقيق به دون كُلَّ الأنام *** أنا، وحقيقٌ بيَ المُسنَدُ
ومن الثالث، قال: يمدحُ الأمير عليه السلام:
إذا كُنتَ تخشى منكراً وحسابَهُ *** وتفزعُ مِنْ لُقيا نكيرٍ وتَرهبُ
فَلُذْ بالذي لو أذنبَ الناسُ كلُّهمْ *** ولاذوا به لم يبقَ في الناس مُدْنِبُ!
وقال في شيخ إبراهيم بن شيخ يحيى العاملي (رحمه الله علیه):
إنَّ ابنَ (يحيى) وإنْ فاقَ الورى كَرَماً *** وحازَ ما حاز من علم ومن أدبِ
لكنْ إذا قِيسَ بي يوماً تلوتُ له *** (وفي الحميّةِ معنىً ليسَ في العنبِ)
وقال في بيت (كبّة)، وكانت له معهم مودّة أكيدة:
بني (كُبّةٍ) قَدْ أصلحَ اللهُ فيكمُ *** مفاسدَ أقوام تعمُّ شرورُها
حللتم (ببغدادٍ) فأورقَ عودُها *** وطابتْ بكم أعوامُها وشهورُها
حميتُمْ أهاليها وصنتُمْ دیارَها *** فديّارُها يُثني عليكمْ ودورُها
أكفُّكمُ أندى من الغيثِ راحةً *** تَصوبُ فتستجدي نداها بحورُها
ديارُكمُ الدنيا وأنتُمْ بها الورى *** وأخلاقُكم في جبهةِ الدهرِ نورُها
أَأعدمُ رشدي في طِلابيَ للعُلى *** وأنتم بأبراجِ المعالي بدورُها
وقال في عبد الغني أفندي جميل(1)زاده وهو من أشراف بغداد:
(غنيٌّ) كاسمه عن كُلِّ نعتٍ *** وأَكْرِمْ (بالغنيِّ) عن النُّعوتِ
جمالُ العالمين أبو (جميلٍ) *** قريبُ رجا النوالُ بَعيدُ صيتِ
وقال:
قَدْ كان دون البرايا لي أخو ثقة *** أحلّه مِنْ فؤادي بين أفلادي
وكنتُ أيقنتُ لا خُلفٌ بموعدِهِ *** وإن همّتَهُ إنجازُ ميعادي
أقمتُ حَوْلاً على الميعاد أرقبُهُ *** كما يؤمِّلُ بَرْقاً خُلَّباً صادِ
وحينَ حقّقتُ منه خُلفَ موعدِهِ *** فلم تثق بعدَهُ نفسي بميعادِ
وقال يرثي ابناً صغيراً مات له فأنشأ على البديهة:
ما أصابتْكَ بَلْ أصابت فُؤادي *** يا مُنى النفسِ أعينُ الحُسّادِ
أتراها رأتْ عديدي كثيراً *** فقضتْ لي بكثرةِ التعدادِ
وكتب إلى طه أفندي السنبلي (نائب كربلاء) وقاضيها:
إن (طاها) شَرعَ الدين وفي *** مدحهِ قَدْ أنزلَ الرحمانُ (طه)
وطأَ الأرضَ على تقوى بها *** قَدْ رقى فوق السما حتى وطاها
فأجابه القاضي المزبور بقوله:
قَدْ تَناهى فيكمُ الفضلُ وما *** قَدْ تَناهى فيكمُ لا يُتناها
سَتَروا نقصي بفضلٍ وَلَكُمْ *** معضلات (كشفوا) عنها (غطاها)
وقال الشيخ محسن آل الشيخ خضر يهنّى الشيخ جعفر وأخيه الشيخ مهدي بزواج أخيهما الشيخ عباس (سلَّمه الله) بقوله موشحاً:
أيُّها الساقي أدرها كُلَّما *** لمعتْ في الأفق نارُ (الفُرُسِ)
1) عبد الغني جميل (هو جدّ أسرة آل الجميل البغدادية) تولّى منصب الأفتاء. ولد سنة 1194 ه / 1780 م، وتُوفي سنة 1279 ه / 1863 م
(قهوةً) أعذبَ مِنْ ماءِ السما *** لاطفتْهَا نسماتُ القُدُسِ
بنتُ كَرْمٍ زوّجتْ بابنِ سَحابْ
فانثنتْ تُرِقص أطفالَ الحبابْ
تجتليها من بني الفُرسِ كِعاب
برزتْ كالشمس تجلو أنجما *** من كؤوسٍ نُثرْت في المجلسِ
تارةً فرداً وأخرى توأما *** شِيمة القينات في الأندلسِ
لكَ نَفْسي أيُّها الساقي فِدى
هاتِهَا أعذبَ مِنْ قَطْرِ النَدى
لم يَطبْ للصَبّ كأسٌ أبدا
دون أن ينتاشَ كأساً مُفْعَما *** راقَ في أيدي الجواري الكُنَّسِ
ورحيقاً عاد ممزوجاً بما *** ظمنتْ ريقتها من لَعسِ
لا شكتْ عينُكَ يا ظبي الصّريمْ
هاتَها مشفوعةً في ظَلْم رِيِمْ
فلقد هاجَ بي الشوقُ القديمْ
لعهودٍ سلفتْ حيثُ الحِمى *** نجمُهُ يُمنى بلحظ أشْوَسِ
فرصة فاتخذنْهَا مغنما *** قبل أنْ ينسف ذيلُ الغَلَسِ
حبذا الحسناءُ زارتْ في الدُجى *** فوهبناها الحجى والمُهَجا
فاز (عباسٌ) بها وابتهجا *** عندما ألقتْ إليه معصما
وهي ترنو في عيون النرجسِ
وانزوى عن حُسْنها بدرُ السَما
إذ بدتْ في حُلَّةٍ مِنْ سُنْدُسٍ
قم نهنّي شيخها الفردَ العَلمْ *** قُطْبَها (المهديَّ) والطودَ الأشمْ
ذاكَ شمسُ الدين ما بين الأُممْ *** نورُهُ يجلو عن العين العَمى
إذْ بدا في ثوبِ نُسْك أطلسِ
من (عليٍّ) وهو نِعمَ المُنْتَمى
أو (بتولٍ) طُهّرتْ من دَنسِ
وبذاكَ البشر هنّي (ابن جَلا) *** (جعفرَ) الفضلِ، وبحرَ الفُضلا
رُبِّ سرٍّ غامضٍ فيه انجلا *** بعدما قَدْ كانَ صعباً مُبْهَما
عادَ طَوْعاً ذا قياد سَلِسِ
لابساً ثوبَ جلاءٍ معلما
وهو للأنباء أسني ملبسِ
(جعفريٌّ) من بني (كشف الغطا) *** لم يَزلْ أزهارُها ملتقطا
يا لَدُرٍّ منهُ سمعي قُرِّطَا *** وبه رويّ نفوساً هيَّما
سُكَّراً ما إنْ سَقاها نحتسي
بأصول تَخذَتها سُلَّما
لمدى قَصَّر أيدي الفرسِ
هاكَهَا مِنْ دونِ منٍّ وأذى *** كاعباً تجلو عن العينِ القذى
(مَهْرُهَا) الأقصى قبولٌ وإذا *** شئتَ طوِّقْهَا جميلاً مثلما
طوّقتها فكرتي في بُرنسِ
برنسٌ فكري له قَدْ نمنما
وكفاه منه تاجاً نكتسي
ومن نوادر الشيخ جعفر (رحمه الله علیه) الغريبة، الدالة على فهمه المتوقّد وفطنته العجيبة، ما سمعته من جماعة من الثقات منهم عمّي العلم العباس نجل الحسن (رحمه الله علیه)، قال: جاء السيد مُحَمَّد القطيفي(1)(صاحب المراثي المشهورة) زائراً إلى النجف في زمان العَلَمين المبرزين مُحَمَّد، والمهدي - نجلي العلامة عليّ بن جعفر - (رحمهم الله أجمعين). وكان السيد من الطاعنين في السنّ المعروفين بالفضل وهو من تلامذة الشيخ موسى (رحمه الله علیه) وله فيه قصيدة كبيرة يرثيه بها مع السيد مُحَمَّد المجاهد، والميرزا القمّي (رحمه الله علیه)، وكانت وفاة الجميع في عام واحد، ويسمى ذلك العام (عام العلماء) لكثرة مَن تُوفيَ منهم فيه. ولم أعثر على القصيدة حين التأليف.
ثم إن السيد (رحمه الله علیه) دخل في جملة الزائرين عصراً إلى دار الشيخ الكبيرة وكانت غاصّة بالعلماء والأدباء، فجرى ذكر المراثي بينهم وجيّدها ورديّها. فقال السيد: قَدْ أتيت لسيّد الشهداء (علیه السلام) بهديّة معي لم يُهدَ له مثلها.
فقيل: وما تلك الهدية؟
فقال: قصيدة ولكن لا كما سمعتم وتلوتم من (فلان) و (فلان)، يعرض بالكعبي، والخطّي، والأزري وأمثالهم من المبرّزين في هذا الباب. فأخذوا يلتمسون منه أن يتلوها عليهم إلى أن أجابهم لذلك. فأخذ يتلو قصيدته التي يقول فيها:
بكتكَ الصّفوفُ وبيضُ السّيوفِ *** وسودُ الحُتوفِ أسىً والقطارُ
إلى أنْ وصلَ إلى قوله:
وخابَ المُلِمُّونَ والوافدونَ *** وضاعَ المشيونَ والمُسْتَشارُ
وكان الشيخ جعفر (رحمه الله علیه) يومئذ حدث السنّ وهو جالس في طرف المجلس. فأقبل على مكانه وقال له: يا سيدي إنَّ (المشير) و(المستشار) واحد فما الثمرة بهذا السيد من التكرار؟
فتأمّل السيد قليلاً ثم ذهب يتلو على رسله ولم يَعْتَنِ به.
فسكت الشيخ جعفر إلى أن وصل إلى بعض الأبيات، فقال له: وإنَّ في هذا البيت (زُحافاً) غير مغتفر عند العروضيّين.
1) السيد محمد القطيفي آل معصوم، تُوفي سنة 1271 ه / 1855 م
فأقبل عليه (السيدُ) وقال له: يا ولدي كأنّ لك يداً في العروض، فكيف تُقطِّعُ قول الشاعر:
جنبوا عنّا كنيستكم *** يا بني حمّالة الحطبِ؟(1)
فالتفتَ الشيخ جعفر إلى نكتة البيت قبل أن يُقَطَّعَهُ. فقال للسيد: إن تقطيع هذا البيت الواضح، ولكن في هذه القصيدة بيتٌ هو أشكل من هذا، إن قطّعته لي قطعت لك هذا البيت.
فقال: وما هو؟
فارتجل الشيخ جعفر في ذلك الحين بيتاً على الوزن والقافية، وهو مشتمل على مثل تلك النُكتة وهو:
إنَّ مَنْ تُجلى طبيعتُهُ *** ذاك مَرْءٌ من ذوي الحَسبِ
فأخذ السيد يقطّعه إلى أن قال «لاط بي»، فقال له الشيخ جعفر، وهو مبتسم: العياذ بالله يا سيدي، من يلوط بك وأنت بهذا السنّ؟!
فالتفت السيد إلى النكتة فخجل، وتعجّب الحاضرون وعرفوا أنَّهُ إرتجال.
وسأل السيد عن الشاب ممن؟ فقيل له: هو ابن الشيخ عليّ آل الشيخ الكبير (رحمه الله علیه). فقام وقبل ما بين عينيه وقال: أشهد أنكم بيت علم وفهم ما حُوججتم إلاّ حَجَجْتم ولا خُوصِمتم إلاّ خصمتم، وأخذ يدعو له بالتوفيق والهداية.
وهذا من أعجب ما يبلغ السامعين في هذا الباب، فيا قدس الله سرّ أولئك البررة الأطياب.
ولما تُوفيَ أخوه العلم المهديُّ عكفت همم العرب عليه، وعاجت آمال طلبة العلم إليه فلم يشذّ عنه إنسان، ولم يختلف في فضله إثنان، فتوشّح لها وترشّح، وجعلت الأبصار والنواظر إليه تطمح.
ثم رقى أعواد التدريس والدراسة، حتى أصبح عمود الدين وعماد الرئاسة، وتجمّعت
1) نُقل انَّ إمرأةً (من قبيلة يكسرون أول الفعل) مرَّتْ بجماعة، فسألها أحدهم: هل تكتنون؟! قالتْ: نعم، نكتني (وكسرت النون)، فقال: معاذَ الله، لو فعلتُ لاغتسلتُ! فسألته هل تحسن العروض؟ قال: نعم. قالت: كيف تقطّع: «حوّلوا عنا كنيستكم»؟ فقال: حوّلوا عن (فاعلات)، ناكني (فاعل)! فقالت: مَنْ الفاعل؟ لكنَّ الباغي مصروع!
جميع الأفاضل للحضور عليه، حين اجتمعت كُلّ الفضائل لديه. فكان ممن حضر ابن أخيه الخلف الصالح، دفعاً لتوهم المعارضة له في بعض الأمور والمصالح. فلم يزل أمره في ترقّي وصعود، حتى أخلد به الشوق إلى دار الخلود، فما أمهلته الآجال، ولا مضت عليه الأيام والليال، إلاّ وقَدْ اشتد به الحال، من مرض (الدقّ) الذي تعلق به قبل أحوال، إلى أن صعق صاعداً ذلك النور المبين، قبل بلوغ (الستّين)، فسلّم نفسه الزكية، إلى رائد المنية، في جمادى من سنة التسعين(1)، فلم يبق بعد أخيه سوى سنة وأربعة أشهر.
فقامت المكارم وذوو الآداب تنعاه، وطفِقَ أفق العُلى والكمال يرثي وينشد ثريّاه. فقال الشيخ مُحَمَّد بن حمزة يرثيه، ويعزّي السيد العلم الحجة المهدي(2)، لا زالت سحب الرضوان عليهم تلحم وتسدي:
حقّ لطرفِ المجدِ أنْ لا يرقدا *** فاليومُ نادى معلناً ناعي الهُدى
ما للردى في كُلِّ يوم صِرفُهُ *** يدكُّ طوداً للعُلى مشيدا
أنبتغي تجلُّداً من بعدما *** قَدْ طوّحت (بجعفر) يَدُ الردى
جاءنا بغيّهِ إلاّ وفي *** كُلِّ حشىً نارُ المصابِ أوقدا
فاستنجدَ الدّمعُ فأنَّ العِلمَ قَدْ *** غارَ الأسى بقلبه وأنجدا
يا مَنْ أقامَ يومه قيّمة ال *** وجد بفقدك السُلوُّ افتقدا
رزؤكَ قَدْ أبكى ملائك السما *** فَوَجْدُهَا باق عليكَ سرمدا
تبكي عُفاةُ الناسِ منكَ نائلاً *** كُلُّهم عليه منكَ عوّدا
ما حالها ونصب عينها ترى *** شخصَكَ والجُودَ معاً قَدْ أُلحِدا
كنتَ على الأخطار سيفاً مُصْلَتاً *** ما بالُ ذاك السيف عادَ مُغْمَدا
لا يُحمَدُ الصبرُ بلى بالسيد (المهديّ) *** صبرُ العالمينَ حُمِدا
لسانُهُ أمضى من السيف شَبَاً *** وكفُّهُ أوفى من البحرِ نَدى
غُرُّ المزايا قَدْ أتتْ إرثاً لهُ *** عن (حيدرٍ) عن النبيِّ (أحمدا)
بدرُ عُلاً، أبناؤه كواكبُ ال *** فضلِ فكم من حائر بها اهتدى
(فجعفرٌ) للمجد كانَ (صالحاً) *** كما (حسينٌ) لم يزَلْ (مُحمَّدا)
فيكم بني الوحي لنا السلوانُ عَنْ *** خيرِ فقيد فضلُهُ ما فُقِدا
وإنَّ في إخوتهِ ونجلهِ *** قلبُ الرشاد حَرُّهُ قَدْ بردا
أبوهمُ العِلمُ إذا ما انتسبوا *** فكُلُّهم للعلم يُدْعَى وَلَدَا
وجودُهُم فاتَ الخِضَمَّ دُفعاً *** ومجدُهُمْ فاتَ (السَماك) مصعدا
أقولُ حيَّا الغيثُ رمسَ ( جعفرٍ) *** ومنهُ يُسْتَجدى الغَمامُ أبدا
وقال الأديب المجلّي، الشيخ علي بن قاسم الحلّي(1)، يرثيه، ويعزّي السيد المتقدم وذويه، وهي:
أدهى البريةَ يومُها الموعودُ *** أم ذاكَ خَطْبٌ في الأنامِ جَديدُ
لا بَلْ لها الناعي أصاتَ (بجعفرٍ) *** فلها قيامٌ بالجوى وقُعودُ
أودى فلجَّ بنعيّهِ لَسَن الورى *** فكأنَّ أصواتَ النُعاةِ رُعودُ
والناسُ من دَهَشَ المُصابِ بسُكرةٍ *** فكأَنَّما دَهَمَ الأنامَ وعيدُ
وبكى عليه المعتفون وإنَّما *** بنداهُ أعينهم عليه تَجودُ
وله القلوبُ تنازعتْ حُرَقَ الجوى *** فلكُلِّ قلبٍ في جواهُ وقودُ
ذهبَ الورى (ببسيط) خلقٍ (كاملٍ) *** بحر السّماح براحتيهِ (مديدُ)
ربُّ البلاغةِ والفصاحةِ والنُّهى *** روضُ المكارمِ بحرُها المورودُ
وَخَضَمّ علم منهُ تغترفُ الورى *** لولا المنيّةُ ما عراهُ نفودُ
مازالَ حتى أغتاله صِرفُ الردى *** غيثاً به عيشُ العُفاةِ رغيدُ
يصلُ البعيدَ بنيلهِ متعطّفاً *** زمناً به نیل القريب بعيدُ
ولرُبَّما شَمَتَ الحسودُ بموتهِ *** والموتُ لم يُحسد عليه فقيدُ
1) الشيخ علي بن الشيخ قاسم الأسدي الحلّي، ولد سنة 1240 ه / 1825 م، وتُوفيَ سنة 1332 ه / 1913 م
وكفاه فخراً أنَّه بحياتهِ *** ومماتهِ في فضلهِ محسودُ
ولقد عجبتُ ولم أزلْ مُتعجِّباً *** إِنَّ (البحارَ) يضمُّهنَ (صعيدُ)
الله أكبرُ ماتَ أكبرُ مَنْ غدا *** لبني المكارم بالعلومَ یَسودُ
قَدْ عمَّ أهل الأرضِ خَطبُ وفاتهِ *** فكأنَّهم لمّا أُبيدَ أبيدوا
وبكى الأنامُ قريبُهم وبعيدُهم *** لمصابهِ وحكى الشفيقَ حسودُ
هيهات أنْ يأتي الزمانُ بمثلهِ *** ندباً لعزّ عُلاهُ تعنو الصِيدُ
یا حاملين بنعشه قمرَ الهُدى *** والمكرمات لها عليه نشيدُ
سرتُمْ وفيه تهتدون وأنتمُ *** كسُراةِ جيشٍ ما لَهُنَّ عميدُ
دفنوا العلومَ بدفنهِ في تُرْبَة *** فيها ضجيعاهُ الندى والجُودُ
لا بَلْ بها دفنوا الشريعةَ والهُدى *** فكلاهُما في لَحْدِهِ ملحودُ
لولا الفتى (المهديُّ) قلتُ بيومهِ *** قَدْ أصبحَ الأسلام وهو فقيدُ
العالمُ العَلمُ الذي تُهدى الورى *** فيه إذا دجتِ الغواشي السُودُ
(علاّمةٌ) في الدهر جاء (محققاً) *** ما في بني ما في بني الدنيا سواهُ (مُفيدُ)
أأبا (الحُسين) لقد ذهبتَ بنكبة *** لا تستطيعُ لها الجبالُ الميدُ
نزلتْ بأكرم مَنْ عليه تراكمتْ *** في أزمةِ العام المحيل وُفودُ
أمَّا السّخا فمقرُّهُ في بيتهم *** والبُخلُ عن تلك الرحابِ طريدُ
ما (أُطْلِقَتْ) فيه أعنّةُ خيلهم *** إلاّ وكان لخيلهم (تقييدُ)
كَرَمٌ يُزَانُ بحُسن خُلق مثلما *** زانَ الخُدود من المها توريدُ
لم تحكهِ بالفضل إلاّ (ولدُهُ) *** وكذاكَ أبناءُ الأُسودِ أُسودُ
ترتاحُ للفعلِ الجميل كأنّما *** شَرِبتْ سُلافاً مجَّها العُنقودُ
لولا احترامُ (أبيهمُ) قُلنا انتهى *** بين الأنام إليهمُ (التقليدُ)
ولهم بقارعة الطريق إلى القِرى *** بيتٌ لآفاقِ السماء مَشيدُ
إلى أن قال:
صبراً بني المعروف مَنْ لنداهُمُ *** أثرٌ بكُلَّ قرارة مشهودُ
قُلنا بكم حُسنُ العَزا فوجوهُكم *** تُجلى بطلعتِها الخطوبُ السُودُ
وسقى سحابُ العفو قبراً حلَّهُ *** فبلِحدِهِ جسمُ العُلى ملحودُ
وقال الشيخ حسين بن عبد الله الحلّي يرثيه، ويعزّي السيد المتقدم أيضاً، وقَدْ جلس للعزاء في الحلة، وهي، (ولقد أجاد):
إلامَ أقاسي من صروفِكَ يا دَهرُ *** جوىً بين قلبي والضلوع له سَعْرُ
وكم للرزايا منك قلبي دريّة *** وثغرة نحري كُلَّ آن لَها نَحرُ
وكم ذا أقاسي نكبةً بعد نكبة *** يذوبُ لها قلبي ولو أنَّهُ صخرُ
وكم أنتَ في الأمجاد يا دهرُ فاتكٌ *** وفي الصيدِ أهل الفضل شيمتُكَ الغَدرُ
فبينا أُعاني سبرَ جُرح بمهجتي *** إذا جُرحُ ثان لَم يَنَل قعرَهُ سَبْرُ
لقد طرقتنا اليومَ منكَ رزيةٌ *** بقلبِ الهُدى للحشرِ من هولِها ذُعْرُ
فلا مِثْلُ هذا الخطب خَطبٌ دها العُلى *** ورزءٌ عظيمٌ جلَّ موقعهُ بِكرُ
له كادت الغبرا تميدُ بأهلها *** وشهبُ السما تهوى وينخسفُ البدرُ
وكادتْ له الخضراءُ تهوي على الثرى *** وتقضي به حزناً ملائكُها الغُرُّ
وفيه الورى عادتْ سُكارى كأنَّما *** لعُظمِ الشجى والحُزنِ فاجأها الحَشْرُ
لتبكِ العُلومُ اليومَ جامعَ شملِها *** ومَنْ لخفاياها وأسرارِها سرُّ
ليبكِ له المحرابُ حُزْناً فكم غدا *** به مُزْهِراً واليومَ مِنْ بعدِهِ قَفرُ
لتبكِ اليَتامى اليومَ أرأَفَ والدٍ *** فمِنْ بعدِهِ أودى بأجسامها الضُّرُّ
لتبك الأيامى اليومَ كافلَ برّهاً *** فأوجهُها ذا اليوم مِنْ بعدِهِ غَبرُ
عجبتُ لذاكَ الطودِ كيف تصدَّعتْ *** جوانبُهُ أمْ كيفَ قَدْ ض ضمَّهُ القَبرُ
وبحر ندى في التُربِ غاضَ عبابُهُ *** وقَدْ كانَ منه البَرُّ يُفعمُ والبحرُ
سرا فيه والأيمان حول سريرهِ *** يُناديه منّي اليوم قَدْ قُصمَ الظهرُ
ومِنْ خلفهِ التقوى تنوحُ بعَبرة *** وقَدْ شَقَّ منه القلب حزناً له الفَخرُ
وباتَ عليه العلم يلدمُ صدرَهُ *** ويذري دموعاً عندها يصغر القَطرُ
لقد كان للأسلام عَضْبَاً مُهنَّداً *** ولجّة علم لا يُحدُّ لها قَعْرُ
فلو كان عنهُ الموتُ يُدفعُ بالفدى *** فديناهُ لكنْ فيه قَدْ نفذَ الأمرُ
فهيهاتَ يسلو رزءهُ اليومَ ذو حِجىً *** مدى عمرهِ حتى يُفارقهُ العُمرُ
نَعمْ فَلَنا خيرُ العزاءِ بماجدٍ *** به عن ذوي الضراء ينكشف الضُرُّ
أبو صالح (المهديِّ) ذو الفضل مَنْ سما *** مقاماً عليَّاً ليس يُدركهُ الفِكرُ
براهُ إلهُ العرشِ غَوْثاً لخلقهِ *** وغيثاً إذا ما عنهمُ حُبِسَ القَطرُ
تراهُ إذا ما جئتَهُ البدرَ ساطعاً *** به حفَّ من أبنائهِ أنجمٌ زُهرُ
هَداةٌ بهم يُسْتَجلبُ العفوُ والرضا *** وفي ذكرهم يُسْتَدفعُ البؤسُ والشَرُّ
بهم قصمَ اللهُ الضَلالَ وحزبَهُ *** وفي فضلهمْ (جبريلُ) أعلنَ و (الذِكرُ)
ولا زال ساري المُزن ينهلُّ بالرضا *** ويسقي ضريحاً حلَّهُ الماجدُ البَرُّ
وقال السيد في (اليتيمة): ونحمدك يا مَنْ تفضل علينا بعيلم العلم البر، والأصبح الأغرّ، نجل عليّ بن جعفر، همام أحيا مآثر جدّه بجدّه، وبلغ الغاية القصوى بجهده، زكي نجيب في غرّته أثر النجابة ساطع البرهان، من غرّدت به بلابل المديح على أفنان.
البارعُ الهَدي الذي بجبينهِ *** أثرُ النجابة ساطعٌ برهانُهُ
والماجدُ الحَبر المهذب (جعفرٌ) *** مَنْ عمَّ أبناء العُلى إحسانُهُ
مقدامُ أبناءِ المفاخرِ كُلِّها *** في ذا الزمان وقَدْ غدا إنسانُهُ(1)
إمام يتّقد نوراً، ويتفجر بِشْراً وسروراً:
شمسُ المعالي بدرها البادي الذي *** ما زالَ يشرقُ بالمعاني الجُدَّدِ
خلقتْهُ فكرتُهُ ليوم طرادها *** فيروحُ يومَ السّبق فيه ويغتدي
طالَ (السَماكَ) فمَنْ أرادَ لحوقَهُ *** أومتْ مساعيه له لا تَجْهَدِ
كعبة فضل، وغمامة بذل، ومنهاج عدل، ما أشرقت على روضات العلم أقمار طلعته، وسطعت عليها ثواقب فكرته، إلاّ وجلّى غياهب ظلمته، منذ شبّ شبّت به نار السماحة والفراسة، ومذ نما نميت إليه الفضائل والرئاسة، وحين دبا على عارضيه العذار، غدا جامعاً للفضل والنهى والفخار. فهو عالم محقق، وفاضل مدقق، وجدلي مفلق، لم يقطع حبل جدله حدّ الحسام، ولم تحو فضله الفضلاء الأعلام، لم يدع منقبة في الفضل إلاّ حواها، ولم يترك مرتبة في الفخر تعالت إلاّ إرتقاها، ولا ذروة في العلم إلاّ رقاها، ولا
1) هكذا ورد البيت في الأصل
جوهرة في قلب السر مكنونة إلاّ وإنتضى لها مشرفيّ فكره وأبداها، باحث مفروض العلم ومسنونه، بحجج غير موهونة، وأحيا مدارس أبيه بدرسه، وغوصه في بحر العلم ورمسه، وصار من شدة الاهتمام لا يميّز يومه من أمسه، جمع من المفاخر والمكارم ما تشتت، وما به قلوب الحسّاد فتت، كم سعى في المهمات، للذاهب والقادم من البريّات، وكابد في طلب العلم التعب، وقاسى النّصب، فاغتدى فيه البحر الموّاج، والسراج الوهّاج، والبدر الساري في أفق الكمال والشمس المنيرة ببروج الفضل في فلك الاعتدال. (جعفر) الفضل الذي كان محمولاً في صلب النور (الجعفري) حيث لا حامل هناك ولا مدير، ومشمولاً بعبء شجرة اللطف الأزهري ولم يشعر بذاك إذ ذاك ملك التصوير، أشرقت به شمس (عليّ) السابحة في فلك الوجود، حيث لا متحرك من الأفلاك بأحدى الحركتين، فكان نوراً مونقاً في فروع الشجرة الزكية الباسقة في فضاء الجود حيث لا محدّد هناك لأحدى الجهتين:
وأغرّ وضاح الجبين كأنَّهُ *** بسما السعادة جنح صُبْح مُسْفِرِ
متنمّر ما ريعَ قُطّ بموقفٍ *** ویُريعُ قلبَ الفاتكِ المتنمّرِ
وأشمُّ مرهوب اللقاء إذا سَطاً *** يسطو بغرمة ليثِ غابٍ مخدرِ
يتجلّى صباحه بسما العلوم، تجلّي مصابيح الدياجر المدلهمّة في الغيوم، فتبسم رياضها عن درر فضائل فيما أهمّ، وعن نفائس أبكار هي أبهى ما ينظم.
ثم إن السيد (رحمه الله علیه) أخذ يسرد جملة من شعره في حق صاحب (الترجمة)، إلى أن قال:
هذا مع أنَّهُ (أَيَّده الله) مستعملاً طريقة الأنزواء في مسلكة ودرسه، مستقلاً في ذلك بشرذمة من أبناء جنسه، لتكفّل أخيه بأحياء مدارس أهليه، وتشييد العلم ومبانيه، إذ لا يسعه مع ذلك الاستقلال بالجمّ الغفير، والسرب الكثير، على أنَّهُ الحقيق بأن يقول: لاستكماله في المعقول والمنقول:
قلبي وفكري (سليمانٌ) وأصفةٌ *** هذا الرئيسُ وهذا خيرُ مرؤوسِ
يرتدّ قبل إرتدادِ الطرفِ مِنْ طرفٍ *** بألفِ عرشٍ عليه ألفُ (بلقيسِ)
إلى أن قال: وهو ممن ثبتت له ثلاث خصال؛ الأولى أنَّهُ ممن يُروى عنه، الثانية: أَنَّهُ ممن يُؤخذ منه، الثالثة: أَنَّهُ ممن تَصدُقُ فيه الأقوال الغريبة، والأفعال العجيبة، والسماحة
التي ما لأحد فيها ريبة.
ثم رجع إلى ذكر كُلّ واحدة بالتفصيل، على عادته من التطويل، وإعادته لفقرات التبجيل. وأنت خبير أن الطبع موكل بمعاداة (المُعادات)، واستكراه المكررات.
وقال الأديب الأوحد، علم الكمال المفرد، إنسان عين الكمال وعين كمال الأنسان، الشاعر الماهر الشيخ أحمد قفطان، يرثيه ويعزّي عماد الأنام، وعمود الأسلام، الرئيس المطاع، والرأس السامي على الذرى والبقاع، مصباح المحافل والمجالس، وصباح المحاريب والمدارس، بقية العلماء الأمجاد، وقدوة العباد، مبدأ ومعاد، العلم المقتدى مُحَمَّد الرضا، بقية الأمام موسى بن جعفر لا برحت تصوبهم سُحبُ العفو والرضا:
المستطيلُ على هام السِماكِ عُلاً *** بعزمةٍ دونهَا نَسرُ السما وَقَعا
جازتْ مآثرُها الجوزاءَ في شَرفٍ *** قَدْ عاقَ عن شأوها العيّوقَ مرتفعا
وكان (رحمه الله) كبير الهمة عظيم القدر، كثير النهي والأمر، مطاعاً عند الرعية والحكام، مسلّم الرئاسة لدى الخاص والعام، كثير السّعي في مصالح المسلمين عند الحكام، والأمراء المتولّين.
وكان أكثر امتحانه بأمور الفرقتين الشريرتين (الزقرت) و (الشمرت) وإصابته بسببها هناة وأشياء لا يسع المقام ذكرها. فاختار العزلة عنهم والتحجّب منهم، فسكن في أيام ابني عمّه (مُحَمَّد والمهديّ) كربلاء المشرفة، وهاجر من النجف بأهله وجميع متعلّقيه إلى أن هدأت تلك الشقاشق وسكنت بعض هاتيك الفورة رجع إلى محل عزّه ومسقط رأسه بعد وفاة عمه المهدي، واشتغل بأمر زواج أولاده.
فما مرت سنة إلاّ وتُوفيَ ابن عمّه الشيخ جعفر، فجلس بمسند آبائه وأعمامه، وتعبّقت به مرابعهم عبق الورد في أكمامه، ونهض مستقلاً بأعباء رئاسة العرب، وألقت الأمور إليه فضل زمامها ولا عجب.
وجعل يباحث الفقه في مدرسة آبائه الكرام، وحضر في حوزة درسه جماعة من الفضلاء العظام. فمنهم ابن عمه الخَلفُ الصالح(1)نجل العلم المهدي، ومنهم العالم
1) ولد سنة 1248 ه / 1832 م، وتُوفي سنة 1317 ه / 1899 م. وهو جدُّ الشاعر الكبير صالح الجعفري المُتوفى سنة 1398 ه / 1978 م
الأوحدي، شيخنا المقدس الشيخ أحمد المشهدي(1)، والمرحوم الشيخ علي حيدر(2)، والشيخ عبد الحسن ابن المرحوم الشيخ راضي(3)، وغيرهم من أمثالهم كثير. وكان عمدة حضوره وتحصيله على عمه العلامة الحسن (قده) وصار يقيم الجماعة في الصحن الشريف ويجتمع خلفه السواد الأعظم من الناس.
والحاصل أنَّ أمره لم يزل يعلو ويتسامى، والعدو عنه يعمى أو يتعامى، إلى أن عادت به أيام آبائه غضة أنيقة، وأصبحت أغصان عزّهم به بعد وشك الذبول يانعة وريقة. فقال الشيخ أحمد المتقدم يرثي ابن عمه الشيخ جعفر، ويمدحه ويعزّي بني عمه والناس، بوجوده وذلك سنة 1290، وهي:
صرفُ الردى أمرٌ مُقَدَّرْ *** لم ينجُ منه كُلُّ مَنْ فَرْ
الكُلُّ منا هالكٌ *** یوماً وفي الأجداث يُقبرْ
ولئنْ أساءَ الدهرُ في *** تقويضهِ بالندب (جعفرْ)
من قبل أنْ يبقيه إلاّ *** للورى عاماً وأشهُرْ
وغدا حشا العليا له *** بزفير نارِ الحُزنِ يُسْجَرْ
والدينُ مشقوق الردا *** حُزْناً له والأفقُ مُغْبَرْ
فكفى الهُدى وبني الهُدى *** ببني أبيه القادةُ الغُرْ
قومٌ لهم في في (جِدِّهمْ) *** وبجَدهمْ فخٌر مُقرّرْ
فَخْرٌ تسلّق في العُلى *** لأبي المعالي الشيخ (جعفرْ)
فَلِكُلِّ سلكِ مکارمٍ *** نَظَمتْ به دُرٌّ وجوهرْ
ولئن أساءَ ففیهمُ *** وبنجلِ (موسى) الدهرُ كَفَّرْ
فلقد أقرَّ أبا (عليٍّ) *** خیرَ مَنْ مِنْ بعدِهِ قَرْ
بمقامِ آباهُ الأكارم *** خیر مَنْ للدرسِ قرَّرْ
لا تشمتِ الأعدا فهذا *** ظلُّهُ السامي تسوَّرْ
كيفَ الشماتةُ وابنُ (مو *** سي) قائمٌ اللهُ أكبرْ
بحرٌ تدفَّقَ بالمعارفِ *** مِنْ بحورِ العِلم یَزْخَرْ
فاستخبر الأبناء عنْ *** أخلاقه وعُلاهُ تُخبرْ
كالشمسِ في رأدِ الضُّحى *** فيه الفضائلُ ليسَ تُنْكَرْ
فمتى الردى صدع الهُدى *** فالصدعُ فيهِ اليومَ يُجْبَرُ
وبه فؤادُ الدينِ عمَّنْ قَدْ *** قضى منهم تَصبّرْ
أَ بني العُلى لا تعبأوا *** فیمَنْ تنكَّرَ أو تكبَّرْ
فلنا بكم حسن العزا *** عمَّنْ إلى الجنات يُحْشَرْ
ولَكُمْ سلوٌّ بابن (موسى) *** إِنَّهُ بالأمر أجدرْ
وأبو (مُحَمَّد) إِنْ قضى *** (فَمُحَمَّدُ) المولى (الرضا) قَرْ
فلأجلِ ذا، ذنبُ الردى *** في (جعفرٍ) أرّختُ (يُغفَرْ)
ثم لمَّا إستقر له الأمر، وبزغ بين قومه بزوغ البدر وسط الشهر، قال الشيخ أحمد قفطان أيضاً يهنّيه بجلوسه فى مجلس أبائه الكرام، ومرجعيّة الخاص له والعام، ويمدح بعض بني عمّه وأبيه، ويعرّض بأعاديه، وهي:
ألا حيّها جاءت موردةَ الخَدَّ *** إليكَ على وعد بعهد من (الجدِّ)
رأتْكَ لها كفواً فنضَّتْ قناعها *** لديكَ ولا ترضى بعَمرو ولا زيدِ
رأتْ بكَ أنواراً (لموسى) جليّةً *** وآياتُه التسعُ التي للوري تَهدي
رأتْ بكَ أخلاقاً حِساناً ومنعةً *** وعلماً وحلماً ناء في كفَّةِ الطودِ
نوالاً بلا سؤل جمالاً بلا حُلى *** دلالاً بلا غيٍّ جلالاً بلا جُندِ
رأتْ لكَ كفَّاً يُخجَلُ السُحِبَ نَوْؤها *** سوى أنَّها من غير برق ولا رعدِ
مكارمُ أخلاقٍ مشارق مفخرٍ *** لأنوارِ علم أو لأنوائها تُبدي
وفيك صفات لو أُبيّنُ بعضَها *** يقولون غالى في مجاوزة الحَدَّ
فأَنَّكَ فينا حجةٌ وابنُ حُجَّة *** ومِنْ حُجج غُرِّ ضَياغمةٍ أُسدِ
وإِنَّكَ بعد الله للناسِ موئلٌ *** وإِنَّكَ فينا صَاحِبُ السيفِ وَالبُردِ
بلى يا بنَ (موسى) أنتَ حجّةُ عصرِنا *** وإنَّكَ أولى الناس بالحَلِّ والعَقدِ
(ضروريّ) شكل (منتج) موجباته *** ولا يتك الكُبرى على (العكس) و (الطردِ)
وآياتُ فضلٍ ميّزتكَ بنصِّها *** بها الذِكرُ مشحونٌ من الناس للحمدِ
عذرتُكَ إِنْ أمسيتَ محسودَ معشرٍ *** غداةَ بهم أصبحتَ واسطةَ العقدِ
رعى الله أرحاماً يرون لك الولاً *** كأبني (عليّ) شيخنا، وبني (المهدي)
رجال إذا استنجدتَهُمْ في مُلمَّةٍ *** يثورون فيها ثورةَ الأسدِ الوردِ
أناس ولكنْ لا يُضامُ نزيلُهمْ *** وقومٌ ولكنْ جاوزوا ذروةَ المجدِ
أزاهيرُ أمثال النجوم سوامقاً *** بهم يهتدي الساري إلى منهج الرُشدِ
عواضد إنْ تشدد بهم أزرَ ساعدٍ *** بطشتَ بكفٍّ منكَ واثقةَ الزندِ
ألا يا بنَ مَنْ أومى الزمانُ لفضلهِ *** كمالُكَ أومى اليومَ بالطرفِ والأيدي
لك الخيرُ لو أنصفتني لوجدتني *** أبرَّ الورى رَحْماً على القُربِ والبُعدِ
ورُبَّ فتىً يُبدي هواهُ تَمَلُّقاً *** ولكنَّهُ يُخفي خلافَ الذي يُبدي
ولستُ كمَنْ يمشي الهُوينا تَخَتُّلاً *** ليَبصَر فيها فرصَة الرمي للصیدِ
ولكن أرى حقَّ الوِلا واجباً لكمْ *** وطاعتَكمْ فَرْضَاً على الحُرِّ والعَبدِ
بني (جعفر) أنتمْ عصامي ونخوتي *** ففيكم وإلاَّ لا أُعيدُ ولا أُبدي
يميناً لأنتُمْ خَيَر مَنْ وطأ الحصى *** بعصري، وأندى راحةً بالنَدى تُنْدي
وهي طويلة ضمّن في آخرها أغراضاً له لا فائدة في ذكرها.
وقال الأديب الوحيد، المحلّق في سماء الفضل على كُلِّ مجيد، الماهر الباهر الشيخ مُحَمَّد سعيد النجفي الأسكافي(1)، لازال ثوب كماله مدى الزمان ضافي، وفي صدرها بقلمه ما هذا نصّه: الراقم بردها، وناظم عقدها، أحوج العبيد، إلى ربّه الحميد، الجاني مُحَمَّد سعيد، مادحاً بها علامة الزمان، ونادرة الأوان، قدوة العلماء والمحققين، وزبدة الفقهاء المجتهدين، العماد الأقوم، حضرة الشيخ مُحَمَّد رضا خلف المولى الأعظم، الشيخ موسى نجل الشيخ الأكبر، الشيخ جعفر، (قُدِّسَ سرُّهما ودام بقاه)، وهي:
فيكَ الشريعةُ أُوضحتْ أحكامُها *** وبكَ استبانَ حلالُها وحرامُها
1) ولد سنة 1250 ه / 1834 م، وتُوفي سنة 1319 ه / 1901 م
شيّدتَ أربعَها وقُمتَ بعبئها *** وأقمتَ مائلها فقامَ قَوامُها
فلتهنَ شرعةُ (أحمدٍ) في حاكم *** وَضَحَتْ بنيّرِ حُكمه أحكامُها
علمُ الهُدى الخَبَرُ (الرضا) مَنْ طأطأتْ *** لعُلاهُ من علمائِها أعلامُها
حكم ترى الخصماء فيصلَ حكمِهِ *** فصلَ القضاء إذا ألدَّ خصامُها
فَلَكم جلى لذوي العلوم رموزَهَا *** مِنْ بعدما أعيتْ بها أفهامُها
الراسخ القدمين في الشرف الذي *** صيدُ الورى زلّتْ به أقدامُها
والشامخُ العِرْنِين عَنْ شُمَ له *** قَدْ دانَ مِنْ شُمِّ الرّعان شَمَامُها
يستلُّ للحدثان صارمَ عزمةٍ *** ينبو لديه من السيوف حسامُها
جارى إلى الأمد الذي في شأوهِ *** تكبو بآساد الشَرى أقدامُها
بحرٌ طمى لذوي العلوم وإنَّما *** يُروى بسلسلهِ الرويّ أُوامُها
فإذا عويصاتُ المسائلِ أبهِمَتْ *** يُجلى بثاقبِ فكرهِ إبْهامُها
شهمٌ إذا ما العامُ أجدب في الورى *** هَطَلتْ يداهُ ندىً فأخصبَ عامُها
ما ضرَّ أَنْ ضَنَّ الغَمامُ بصوبِهِ *** وندى يديهِ يستهلُّ غمامُها
ذو راحة وَسَعَ الأجانبَ جُودُها *** حتى حسبتُ بأنَّها أرحامُها
ورحيبُ صدرٍ في البرية حلْمُهُ *** ضاقتْ لدى تحديدهِ أوهامُها
وأغرُّ وجه يُستضاُء بوجههِ *** في الحادثات إذا إدلهمَّ قتامُها
ولرُبَّ حادثة تغطرس ليلُها *** فأظلّ آفاقَ السماء رُكامُها
دجنتْ فشقَّ لليلها عَنْ رأيهِ *** فَجْراً تقشّعُ في سناهُ ظلامُها
أسليل (موسى) ذي اليد البيضا التي *** عمَّ البرية بالندى إنعامُها
أبرمتَ ما نقضَ الزمانُ بهمّة *** موثوقة لم ينتقضْ إبرامُها
هطلت يداكَ على العُفاةِ فأُنعِشتْ *** بندى يديك على العُفاة رِمامُها
قَدْ قدَّمتُكَ سُراةُ قومِكَ حيثُ قَدْ *** عَلِمت بأنَّكَ في الورى مقدامها
سَعُدت لها الأيام فيك وحسبُها *** فخراً بَمَنْ سَعُدتْ به أيامها
إنْ تعتصمْ بكَ مِنْ صروفِ زمانِها *** فلأنتَ من صرفِ الزمان عصامُها
بك يستجير إذا استجارَ مروعُها *** وإليكَ يلجأُ إذ يُضَامُ مُضَامُها
بالشرعةِ الغراء طُلتَ وطالما *** بالغُرِّ من أباكَ كان قيامُها
إنْ قُمتَ عن آباك فيها صادعاً *** فأليكَ دونَ سواكَ كانَ مقامُها
أصبحتَ قيَّمها وتلكَ وراثةٌ *** خصتكَ في أبرادِها قُوَّامُها
بكَ شيّدتْ أعلامَها وعليك رفَّ *** لواؤها وبراحتيكَ زمامُها
كم في الورى منها إمامُ هُدىً به *** تهدى الورى واليوم أنتَ إمامُها
جدّدتَ سؤددَكَ القديمَ لأُسرةٍ *** وطأتْ على هام السّهى أقدامُها
قومٌ إذا قامت بسؤدد فخرها *** بين الأنام تقاعست أقوامُها
فهمُ لديكَ اليومَ نَبْلُ (كُنانةٍ) *** لم تُخْطِ - حيثُ بها رميتَ - سهامُها
لله بيتٌ للعلوم سما به *** شَرَفٌ له (الجوزاءُ) طأطأ هامُها
هو كعبةٌ العلماء كم في بابه *** أضحى كمزدحم الحجيج زحامُها
لولاهُ لَمْ يُعْرَفْ (لبكّة) بيتُها *** بَلْ لم يُميَّز (حِجْرُها) و(مُقامها)
فاسلمْ فُديتَ أبا (عليٍّ) مُرَغِمَاً *** لحواسدٍ بك لم يَزلْ إرغامُها
وإليكَ مِنْ نظمِ القريض قصيدةً *** يزري بمنظوم الجُمان نظامُها
خُتِمَتْ بمسكٍ مِنْ أريجِ ثنائِكُمْ *** فكأَنَّما بالمِسكِ كانَ ختامُها
وقال السيد الحسيب، والسند النسيب، اللوذعي الأديب، السيد مُحَمَّد علي الموسوي(1)يهنّيه بالعيد، ويعزّيه بجدّ أولاده مُحَمَّد سعيد كبّة (رحمه الله علیه)، وهي:
يا من تشدّ له العفاة ركابَها *** وتنالُ منه ذو الطلابِ طلابَها
أنتَ الملاذُ بَلْ المعاذ إذا غَدَتْ *** نُوبُ الزمانِ وكشّرتْ أنيابَها
أنتَ ابنُ (موسى) مَنْ بنو الدنيا له *** في الدين كانَ ذهابَها وإيابَها(2)
من آل (جعفر) فتيةٌ هُمْ عرَّفوا *** كُلَّ الأنام بعلمهم أحسابَها
ولأنتَ مَنْ فاقَ الأفاضل كُلَّها *** فضلاً وطوَّقَ في نداهُ رقابَها
عكفتْ بحضرتِكَ الكرامُ وطالما *** هوتِ الملوكُ فقبّلتْ أعتابَها
أحييتَ شرعةً (أحمد) ووصيّهِ *** وأبنتَ سنَّتَها لنا وكتابَها
و علمتَ أحكامَ الألهِ بأسرِها *** حتى أبنتَ ثوابَها وعقابَها
وأحطتَ حُبْراً بالمسائلِ كُلِّها *** وكشفتَ عن وجهِ العُلومِ نقابَها
وأرى الغوامضَ كُلَّها لم تحتجب *** إلاّ وعنها قَدْ كَشَفَتَ حَجَابَها
لم تُلْتَبس حِكمٌ ولا حُكمٌ ولا *** نُبئتَ في الحُكم الخفيِّ تشابَها
ولفكركَ السهمُ الذي لم تَرْمهِ *** إلاّ أصاب من الأمورِ صوابَها
يا ملجأ الأيتام كافلَ أمرِها *** ساوى بذاكَ حضورَها وغيابَها
للهِ أربعُ جُودِكَ اللاتي بها *** أمستْ تُنيخُ الوافدون ركابَها
للهِ وَكْفَ أَكفّكَ اللاتي غَدَتْ *** في الجَدبِ تستجدي الوفودُ سَحابَها
ما أمّتِ الوُفَّادُ ربعَكَ مِنْ عَنا *** إلاّ وقَدْ ملأ السرورُ إهابَها
لك أربعُ المجدِ التي شمختْ عُلاً *** حتى ضربتَ على (السَماكِ) قبابَها
يا أيُّها الشيخُ الفريدُ ومَنْ بهِ *** جُملُ العُلى لا أستطيعُ حسابَها
هُنَّيتَ في عيد سعيد بشرُهُ *** عمَّ البريةَ شيبَها وشبابَها
ولئَنْ أراكَ الدهرُ غرب نصولهِ *** يا ليتَ أجيادَ العداة قرابَها
ودهاكَ فادحُ خطبهِ برزيّة *** عمَّت وخصَّتْ بالشجي أنجابَها
فيكَ البقا ولكَ السلوّ بأسوةٍ *** ببني النبيِّ وما قديماً نابَها
إلى أن قال:
وإليكَ يا بنَ الأنجبين خريدةً *** شَمسُ المعالي لا تنوبُ منابَها
قَدْ أوجزتْ فيكَ المديحَ لأنَّها *** خافتْ تَملُّ بسمعها إطنابَها
خُودٌ ترى أنَّ النَدى بمدينة *** وتراكَ يا ربِّ المواهب بابَها
وتراكَ مِنْ أُفقِ المكارم بدرَها *** وتراكَ مِنْ أُفقِ العلوم شِهابَها
خطبتْكَ دونَ بني الزمان وأرجعتْ *** بالرغم رجع القَهْقَرى خُطَّابَها
وبقيت ما أهدى السحابُ إلى الثرى *** أمناً رمى صوبَ الغَمامِ أصابَها
وله يمدحه أيضاً، ويذكر غرضاً:
یا عيلماً في العِلمِ جَدْ *** وزكا أباً أُمَّاً وَجَدْ
کم فاضلٍ جَمَ العُلى *** من بحر علمك قد ورد قَدْ وردْ
قَدْ رمتُ أمدحُ فضلَكم *** في بعضِ أبيات جُددْ
لكنَّ بحرَ قریحتي *** مُذ شئتُ ذلكَ قَدْ جَمدْ
أيمدُّني فیه المدادُ *** وبحرُ علمي قَدْ نَفدْ
وحویتَ غُرَّ مناقبٍ *** هیهاتَ أنْ تُحصى بعَدٌ
کم حاسد بمديحكم *** قِدْمَاً بأبياتي انكمدْ
هُنَّ الخرائدُ مدحُها *** باق إلى أمد الأبدْ
یا حاسديه بها لقَدْ *** أودتْ بجمعِکمُ بَددْ
هذا الفتى السامي الذي *** ينهى، له حلٌّ وعَقدْ
بحرُ الندى الطامي *** بأمواجِ الفضائل قَدْ زَبَدْ
أزكى البرية ماجدٌ *** علمٌ إمامٌ مُعْتَمَدْ
هذا (مُحَمَّد الرضاء) *** أبو الأطائبة العَمدْ
يا لائمي في حبّه *** دَعْ عنكَ لومي والفَنَدْ
یا جاحدَ النعت الذي *** ذاته ظُلْماً حَسَدْ
هذا إمامُ المسلمين *** ومَنْ بمفخرهِ انفردْ
تحكى النجومُ نعوتَهُ *** هَلْ للنجومِ فتى جَحَدْ
يُوفي العهودَ بأسرها *** ويفي بما فیه وَعَدْ
يُجلي سَناهُ غیهب الأ *** حزانِ عنَّا والنّكدْ
ما ودَّ غیري لا ولا *** قلبي سوى مرآهُ ودُ
فلهُ المحامدُ جمّةٌ *** تأبى التناهي في عَددْ
كم منْ مَخُوْفٍ في الأنامِ *** بظلّهِ السامي رقدْ
لله مَنْ مِن نفسهِ *** أمسَى عليه لهَا رَصَدْ
يا مَنْ كواكبُ رُشدهِ *** تَهْدي المُضلَّ إلى الرَشَدْ
وافتْكَ أبياتٌ بها *** حازتْ مضاميناً جُددْ
قذفتْ لكم سهمَ الولا *** وبقلبِ حاسدِكُمْ نفدْ
قَصُرتْ يدي بمديحكُمْ *** وَلَكَمْ بها قَدْ طلتْ يَدْ
وبقيتُمُ في صنوِ عيشٍ *** أرغدٍ عُمرَ الأبدْ
وله أيضاً يعزّيه بجدّ أولاده المتقدم، وهي:
يا مَنْ هواهُ ُمخيّمٌ بضمائري *** تالله ما خطرَ السلوُّ بخاطري
قَدْ كانَ شخصُكَ قاطناً في مهجتي *** فنأى وحلَّ غَداةَ بانَ بناظري
كُنتَ السعيدَ وكُنتَ أكرمَ فائزٍ *** في مَفْخَرٍ باق ليوم الآخرِ
لله رزؤكَ نابَ أرباب النّهي *** طُرَّاً فمَنْ باديهمُ والحاضرِ
ولقد بكيتُكَ يوم بنتَ بأدمعٍ *** مُنْهَلَّة كالغيثِ فوقَ محاجري
لي سلوةٌ ببنيكَ أبناءِ العُلى *** ما فيهُمُ غيرُ الأغرِّ الزاهرِ
وبقومك الغُرِّ الأطايبِ فتية *** ورثوا المعالي كابراً عَنْ كابرِ
صبراً (مُحمَّداً الرضاء) بفقدِ مَنْ *** أودتْ به نُوبُ الزمانِ الجائرِ
فلأنت بدرُ العِلم والحلم الذي *** فاقَ الورى بمناظر ومخابرِ
ولأنتَ بحرُ الفضلِ لَم يَجْزُرْ، وكم *** قَدْ مدَّ فضلاً كُلّ بحرٍ زاخرِ
شمسَ الفضائل أنتَ كوكبُها الذي *** كم راحَ يرشد للهُدى من حائرِ
وسنا سنّي سماتِكَ اللاتي زَهَتْ *** زهوَ النُّجوم بها الهُدى للسائرِ
ولأنتَ مصباحُ الهُدى بحرُ الندى *** حتفُ العِدى غيثُ النوالِ الهامر
فيكَ التسلّي للأماجد كُلِّهم *** عن كُلِّ حيٍّ للأنامِ وغابرِ
وبقيتَ ما بقي الزمانُ بأنْعُم *** موفورةٍ في ربع أُنَسٍ عامرِ
ما جنَّ ديجورُ المُصابِ بحادثٍ *** أو أسفرَ الصبحُ المنيرُ لناظرِ
وقال الشيخ مُحَمَّد سعيد المتقدم يهنّيه في بعض أعياده، وفي صدرها بقلمه: لراقم بردها، وناظم عقدها، أحوج العبيد، إلى عفو ربّه الحميد، الجاني مُحَمَّد سعيد، بن الشيخ محمود سعيد، نائب كليدار النجف الأسبق، مهنّياً بها علامة الزمان، ونادرة الأوان، فخر المجتهدين، وزبدة المحققين، عيلم العلم الضامي، وعلم السؤدد السامي، الأفخم المفخم، منار المجد الأقدم، موثل الحكم والقضا، حضرة الشيخ مُحَمَّد رضا:
هو العيدُ بالأقبال عادَ كما بدا *** وقَدْ عادَ فيه الكونُ أنور أسعدا
زها يافعاً دوحُ الهنا فيه فاغتدى *** بلحن الهنا ورْقُ السرورِ مغرّدا
فَهَنّ بهذا العيد إذْ عادَ بشرُهُ *** فتىً قَدْ أمدَّ العيدَ سعداً وسؤددا
إمام الورى المولى (الرضا) موئل القضا *** عماد التقى كهف الحِجي عيلِم الندى
خِضَمٌّ طمى بالعلم زاخر لجّه *** فكانَ لأهل العلم أعذب موردا
فكم للعلوم الغُرِّ أوضحَ مُبْهَماً *** وكم حلَّ من إشكالها ما تعقّدا
غياثٌ إذا نادى المروّع بأسمهِ *** رأى قبل رَجْعِ الصوتِ تلبيةَ النِدا
وكهفٌ منيعٌ يُستجارُ بظلّهِ *** إذا جارَ صرُفَ الدهرِ يوماً أو اعتدى
أقامَ قنا الدين الحنيفِ فشُيّدتَ *** ذُراهُ به مُذْ قامَ فيه مشيّدا
حليفُ معالي لو ترى الصِيدُ بعضَها *** لخرّت لها الصِيدُ الجحاجحِ سجّدا
أخو عزمة إِنْ سُلَّ ماضي غرارِها *** كفاهُ بأنْ يستلَّ عضباً مُهنَّدا
وذو راحةٍ إنْ ظنّت السُحبُ بالحَيا *** سحائبُها جادتْ على الوفدِ عَسْجَدا
تجمّع فيه ما تفرَّقَ في الورى *** فأصبحَ في جمع المكارم مُفْرَدا
تُقىً كرماً حِلْماً حِجىً سؤدداً عُلاً *** إباءً فخاراً عِزّةً منعةً هُدى
مناقبُ مجدٍ في الورى شاعَ صيتُها *** غَداةَ بها حادي الركائب قَدْ حَدا
أبا الماجدِ الندب (العليّ) ومَنْ روى *** حديثَ المعالي والمفاخر مُسْنَدا
ملكتَ مقاليدَ الورى حيثُ أصبحتْ *** وكُلُّ بجدوى راحتيكَ مقلّدا
لئن رُحْتَ محسودَ المعالي فأنَّما *** أخو الفضلِ لم يعدم على الفضل حُسَّدا
أتجحدُكَ الحُسَّادُ فضلاً وسؤدداً *** وما كانَ ضوءُ الصُبح يَخفى ليُجَحِدا
لئَنْ وطَّدتْ آباكَ سؤدَد فخرِها *** فأنَّك شيّدتَ الفخارَ الموطَّدا
لقد علمت صِيدُ البريةِ كلُّها *** بأنَّكَ أزكاها نجاراً ومَحْتِدا
وأطولُها باعاً وأرجحُها حِجىً *** وأوسعُها صَدْراً وأسمحُها يدا
وأمنعُها جاراً وأرفعها ذرى *** وأعظمُها حلماً وأغزرُها ندى
فَدُونَكَهَا مِنْ نظم فِكري فريدةً *** فرائدُها تحكي الجُمانَ المُنضّدا
فلا زلتَ تُولي الوفدَ رِفْداً ولم تَزَلْ *** مدى الدهرّ توليك الثناءَ المخلّدا
ودم للورى كهفاً منيعاً وملجأً *** وللمجتدي جدوى وللمُهتدي هُدى
ولم يسافر الشيخ مدة عمره إلاّ مرةً واحدة، وكانت أقل من ستة أشهر، ولم يتجاوز أطراف البصرة. وصار له في تلك المنازل من الجلالة والعظمة، وتكاثر الأموال عليه ما لا يحيط به نطاق البيان. ولما ورد (الديوانية) في طريقه قال الشيخ مُحَمَّد سعيد(1)المتقدم أيضاً يهنّيه ويمدحه، وهي:
هو البدرُ في أفق الحمى لاحَ مُشرقا *** فأشرقَ فيه الكونُ غَرْباً ومشرقا
أنارَ (بديوانيَّةِ) المُلكِ ساطعاً *** سناهُ فخلنا ساطعَ الشمس أشرَقا
أم العَلم السامي بغُرِّ علومهِ *** مراقي يكبو دونها النَسرُ مُرْتَقى
(مُحَمَّدٌ) الندبُ (الرضا) موئل القضا *** إمامُ الهُدى بحرُ النّدى عَلَمُ التَّقى
إمامُ هُدىً تلقى بعُزَّةِ وجهه *** إذا ما بدا نورُ الهداية مُشْرِقا
فكم قَدْ جلا مِنْ غامضِ العلم مُبْهَماً *** وكم حلّ إشكالاً وأوضحَ مُغْلَقا
وحاكمُ شرع قامَ بالشرعِ حاكماً *** فطالَ به الدينُ الحنيفيّ مرفقا
له طيبُ أخلاق ذكى طيبُ نَشرِها *** كأنَّ فتيقَ المِسكِ منها تفتّقا
طليق محيّا إن توسّمتَهُ تَجِدْ *** مُحيَّا به نورُ الجلالة مُحدِقا
وغيثُ ندى لم يحكه الغيثُ مرزماً *** وإنْ أرعدَ الغيثُ المُلِثُّ وأبرقا
يُطوّقُ أعناقَ الأنام بجُودهِ *** فتُمسي به تحكي الحَمامَ المطوّقا
يبدّدُ شملَ المال جُوداً بكفّهِ *** ليجمعَ من شمل العُلى ما تفرقّا
وطود إباء لُذْ بسابِغِ ظلّهِ *** لدى طارقِ اللأواء مَهْمَا تطرّقا
رقى مُرتقى في المجدِ ليسَ ببالغٍ *** مداهُ سَريٌّ ما أسفَّ وحلَّقا
هو الغيثُ هطّالاً هو الليثُ مقدماً *** هو البحرُ زخّاراً هو البدرُ مُشْرِقا
يُجلُّ عُلاً من نعتهِ بمدائحي *** وإن كنتُ هدّارَ الشقاشقِ مُفْلَقًا
فتىً كأبيهِ في العلوم وجدّهِ *** خِضَمٌّ بتيَّارِ العلوم تدفّقا
جحاجِحُ مَهْمَا يُطرقُ الجمعُ ذكرهم *** يذلُّ لهُ هامُ المجرَّةِ مُطْرِقا
حديثُ العُلى ما لم يكنْ عَنْ عُلاهمُ *** لعمر أبي كانَ الحديثَ الملفّقا
تجوُد على الرّاجين خلقاً أكفُّهم *** إذا ما السَحابُ الجُونُ كانَ تخلَّقا
1) هو الشيخ محمد سعيد الاسكافي، وقد مرَّت الأشارة إليه
سراة سرى في كُلِّ قُطْر فخارُهم *** فغرَّبَ في عرض البلاد وشرَّقا
وأطواد مجد طال في البحر باعُها *** إذا ما استطالتْ طأطأ الدهر مَفْرِقا
إليكَ أبا (مُوسى) زففتُ خريدةً *** بوجنتها ماءُ الجمالِ ترقرقا
لها رونقٌ في السّمع راقَ وإِنَّما *** أفاضَ عليها نورُ مدحِكَ رونقا
متى أُنشِدْت أبياتُها خلتُ أننا *** نشاوى ولم نحسوا الرحيقَ المعتَّقا
ولا زلتَ للوفّادِ كعبة أنعُم *** تحثُّ إلى أبوابِكَ الوفد أينقا
ولمَّا قدم من سفرهِ هذا قال يهنّيه بقدومه، وهي:
مَنْ مُبلغنَّ بني (نزار) و(يَعْرُبِ) *** والقاطنين بمشرقِ وبمغربِ
إني سررتُ بمقدمِ المولى الذي *** فاقَ الورى مِنْ أعجم أو أعْرُبِ
رب الفضائل مَنْ بغَيرِ علومهِ *** الأمثالُ ما بينَ الورى لم تُضْرَبِ
جمّ المكارم والمحامد مَنْ حوى *** مثلَ النجوم مناقباً لم تُحْسَبِ
أحيا مآثر (جعفر) في جِدِّه *** وأبانَ أحكامَ المُهيمنِ والنبي
وغَدا يؤلفُ ما تخالف دائماً *** في العلم بالمعنى القريب الأن الأنسبِ
أبدى بتدريس العلوم مراسماً *** درستْ فبانتْ للنبيهِ وللغبي
جلا دياجي المُشكلات وكَمْ بها *** قَدْ جاءَ بالطرزِ البديع الأغربِ
هو عيلمُ العُلماءِ والعَلمُ الذي *** بسوى مديح علائهَ لم أرغبِ
مَنْ طَالَ أربابَ المفاخر والنُّهَى *** وشَاهُمُ فخراً بأشرف منسبِ
من آلِ (جعفر) فتيةٌ بعلومِهمْ *** سادوا الأنامَ وشيّدوا دينَ النبي
نُصِبَتْ لهم أعلامُ كُلِّ فضيلة *** ولغيرهم أعلامُها لم تُنْصَبِ
حازوا المكارمَ والمعالي بعدما *** ورثوا المفاخر أنجبٍ مِنْ أنجبِ
يا أنجبَ الفُضلاء يا مَنْ قَدْ جَلا *** عنّي سناهُ كُلَّ داج غیهبِ
وافتْكَ تهنئةٌ عُقودُ نظامِها *** تزهو كما يزهو الربيعُ لمُجْدِبَ
مِنْ مخلصٍ جمِّ العُلى بمديحكم *** عن فكرِهِ دررُ الثنا لم تغربِ
وهي طويلة إنتخبنا منها هذا القدر كما هي عادتنا في أكثر ما ننقله.
وقال الشيخ علي(1)بن ظاهر الحلّي يهنّيه بقدومه من بلدة (تَسّتُر) إلى المحمرة في شطّ (كارون)، ويمدحه مع ولديه الشيخ علي (دام ظله العالي) والشيخ موسى (قُدِّس سرّه)، وهي:
منحتْكَ رفقاً إذ شكوتَ صدودا *** فأتَتكَ تسحبُ للوصال بُرودا
وسقتْكَ من لَعسِ المراشف ريقَها *** فشفتْ هنالكَ قلبَكَ المكمودا
وبدتْ كقرن الشمس يرفلُ في الدُجى *** وعلى الدُجى نثرتْ عِقاصاً سودا
ولها كجيدِ الظبي جيدٌ إنْ بدا *** في الليل أبدى للصباح عمودا
و ترنمتْ طرب المنعّم إنْ شدا *** فأفاد وتراً واستعارَ العُودا
والكأسُ إذْ تهوي بهالنديمها *** حلفتْ فلا تُبقي الرشيدَ رشيدا
فكأنّها أهوتْ على سلبِ الفتى *** لُبَّاً وأحيتْ بالشميم كُبُودا
وحلفتُ بالسلسالِ وهو رضابُها *** لا أبتغي بعد الرضابِ ورودا
أ مبشري بالرود بعد صدودِها *** عطفتْ فَدَعْ عنكَ الفتاةَ الرُودا
إنّي لفي شُغلٍ بذي الفضل (الرضا) *** حيَّاً فأحيا للرياض هُمودا
قَدْ عبَّ بحراً سائراً بنوالهِ *** مثلَ السفينة ظلُّه ممدودا
ويُقالُ فُلْكٌ جاءَ يحملُ للورى *** بحراً (بسيطاً) في العطاءِ (مديدا)
كانَ (الرضا) من حيثُ ليس (مُحَمَّد) *** و (مُحمَّدٌ) إذْ لا (رضا) موجودا
بحرٌ تدفَّقَ من جميع جهاتهِ *** علماً وغيثاً ظلّ يمطر جُودا
فالناسُ بينَ مُقَلّد حكماً له *** ومُقَلَّد من راحتيه عُقودا
ومُقبّل كفّاً لديهِ كريمةٍ *** كادتْ بها شفتاهُ تُورقُ عُودا
يسمو ذُرى العلياء لا متأنّفاً *** لبسَ الجلال مطارفاً وبرودا
فالحاسدونَ إلى النفيرِ جسومُهم *** وقلوبُهم خفقتْ عليه بنودا
وتظلّ شاخصةً إليه عيونُهمْ *** فكأنَّما نسجتْ عليه زرودا
فتقيهِ أكبدُهم حرارةَ بأسها *** لا حقدُهم أذكى عليه كبودا
عفّ النقيبة لا يميلُ به الهوى *** للمائسات إذا هَزَرْنَ قُدودا
1) ولد الشيخ علي سنة 1240 ه / 1825 م، وتُوفي سنة 1290 ه / 1873 م. وذكر الشيخ محمد علي اليعقوبي في البابليات، ج 2، ص 84: أنَّ تاريخ هذه القصيدة هو سنة 1287 ه / 1870 م
إلاّ لمعتنق به نال الفتى *** لذُرى المعالي والفخار صُعودا
وتراهُ هَلْ سمعتْ له أُذنٌ سوى *** ذكر المكارم والسخاءِ نشيدا
و (عليُّهُ) نِعمَ العَليُّ مهذبٌ *** قَدْ أدركَ الشيب الكرام وليدا
لولا عميمُ الفضلِ وهو شقيقُهُ *** لتراهُ في الأقران ثَمَّ وحيدا
هو والعُلا بمشيمة وُلِدا معاً *** فالتوأمان متى تقولُ فريدا
رويا حديثَ الفضل عنه مسلسلاً *** ولداه ليس ملفَّقاً مردودا
روياهُ عنهُ وهو من (مُوسى) روى *** عن (جعفر) وإذا أردتَ مزيدا
فالكُلُّ يروي عن شريعة (أحمدٍ) *** فكأنَّ (أحمدَ) لم يكنْ مفقودا
فاهنأ بعيشكَ يا زمانُ به للعُلى *** سامي الدعائم لا يزالُ مَشِيْدَا
وأبناهُ خلفا الفضل قادمنا عُلا *** بهما فحلَّقَ حيثُ شئتَ صُعودا
وقال الشيخ أحمد قفطان يهنّيه في عرس ولده جناب الشيخ علي(1)(سلّمه الله) مؤرخاً عام زواجه في ضمن أبيات ثلاثة في كُلّ بيت تاريخ مستقل، وهي:
ألا زارتكَ سافرةً لثاما *** (مکارمُ) قَدْ صَبوتَ لها غُلاما
وحيَّتْكَ المفاخرُ ضالعات *** عليكَ جمالهُنَّ فَقُلْ سلاما
وآثارٌ لجعفرِكَ استجارتْ *** برُكنِكَ إذ رأتْكَ لها عصاما
ومدّت في ذُرى الأرحام لحظاً *** فلمْ يَرَ مَنْ يقومُ لها مقاما
فلم ترَ غير لحظِكَ يا بن (موسى) *** حِمىً عن حوزةِ العليا وحَامَا
فألقتْ في يديكَ زمامَ طوع *** كما ألقى لك الدهرُ الزماما
وأولاكَ المُهيمنُ فضلَ علمٍ *** كشفتَ عن الخفيّ به لثاما
فقُمتَ بعون ربِّكَ صادعاً في *** أمانة شرعهِ حلاً حراما
وأوردتَ العباد هنيَّ جُود *** به الوفَّادُ تحتكمُ احتكاما
فما من مَفْخَر للناسِ إلاَّ *** وكانَ لكَ ابتداءً واختتاما
وإِنْ نطقَ الفخارُ بلفظِ مجدٍ *** غدوتَ له من الدنيا مراما
1) هو صاحب «الحصون المنيعة»، تُوفي سنة 1350 ه / 1931 م. وهو والد المؤلف الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
سموتَ بني أبيكَ عُلاً وحلماً *** ومَنْ يصفح عن السوأى تَسامى
نَعمْ في (صالح) وبني أبيهِ *** توسّمنا هُدى وندى قواما
وعلماً عن أب شهم وجدٍّ *** وجدّ أب وعمّ أب (إلى ما)(1)
كما ببنيك آثارٌ صحاحٌ *** رووها عنكَ معنىً لا كلاما
ألا فابشرْ بأبناءٍ كرام *** سَمَوْا فشأوا بمجدهمُ الكراما
فذا منهم (عليٌّ) في عُلاهُ *** تجاوَز ذروةَ الشَعْرَى مقاما
فتىَ نرتاحُ إِنْ ذُكِرَتْ عُلاهُ *** وننشقُ من شمائلهِ الخزامى
إذا استرفدْتَهُ أَو جئتَ تتلو *** حديثَ المجدِ فيه همى وهاما
و(موسى) ذو اليدِ البيضا أخوهُ *** رقى مِنْ غاربِ العليا سَناما
فروعٌ قَدْ تسامتْ من أُصولٍ *** بلغنَ لغاية العليا مقاما
نرى الفِخرَ المزيد بهم وإنَّاً ***رأينا أفضلَ الكَرْم المُداما
أيا بنَ الأكرمين ومَنْ تسامي *** فخاراً لا أُحيطُ به نظاما
تَهنَّ بعرسهم فرداً ففرداً *** وفي أبنائهم عاماً فعاما
ولستُ أخصُّ بالبُشرى زماناً *** لعرس قَدْ سَررتَ به الأناما
فأنَّ وجودَكَ الميمونَ فينا *** رأيناه سروراً مُسْتَداما
سروراً في مَهاة ذات خدر *** أتتْ تختالُ مُسْفرةً لثاما
ومنّتْ بعدما نمَّتْ وشاةً *** وأروتْ بعدما ردّتْ سلاما
رأى منها (عليٌّ) شمسَ حُسن *** كما أرِّخْ: (رأتْ بدراً تماما)(2)
تفرّد باللُمى أرّختُ (لا بَلْ *** سقاهِا جامةً وسقتْهُ جَاما)(3)
ومنها بعد عامينِ عسى أنْ *** نجييءَ مؤرخين (يُرى غلاما)(4)
ألا يا بن الأُلى شمخوا محلاً *** فلا تَلْقَى بهم إلاّ إماما
لك النورُ الجليُّ فلا نُبالي *** بمَنْ عن نورك الأسني تَعامى
أتتْ تنحوكَ خاتمةُ التهاني *** فكانَ أريجُها مِسْكاً خِتَاما
ودُمْ واسلمْ وعشتَ قرير عينٍ *** بفرْعِكَ دُمتَ مسروراً وداما
وله أيضاً يهنّيه، ويمدحه ويعرّض بأعدائه، وهي:
قل للذي أمسى يُطيلُ النَفسا *** واشتبهَ الصُبحُ عليه والمَسَا
لا تكترثْ في سَمجِ الطبع إذا *** رأيتَهُ مُنْجَذباً تشمّسا
منتبذاً نبذَ الحَصى عن دينه *** يرنو إليه خرزاً وأشوسا
تراهُ إنْ تابعتَهُ منبسطاً *** وإنْ هديتَهُ الرشادَ عَبَّسا
هذا ابنُ (موسى) أمعنِ اللحظَ به *** فهو عميدُ العُلما والرؤسا
وبضعةٌ من (جعفرٍ) مغموسةٌ *** بريق (موسى) لقّبوها اللّعا
سلسالة إن لم أكن أعرفها *** ذوقاً فقد عرفتُها تفرّسا
أروع لا ترعي الخطوبُ ما رعى *** ولا تشنُّ غارة ما حرسا
يفرَحُ للتقبيل عن أنامل *** لو قارعَ الصخرَ بهُنَّ أنبجسَا
أرهف للأغراضِ مِنْ عزمتهِ *** أصمع ما أنبل إلاّ قرطسا
إذا رمى غائبةً بظنّهِ *** كفى يقين غيره ما حدسا
قال فأعدى النُطقَ بالخرس كما *** حسَّنَ عند الناطقين الخَرسا
وقامَ يبغي حقَّهُ من العُلى *** حتى إذا جاز النجومَ جَلَسا
موقّر المجلسِ إمَّا هو في ال *** دستِ احتبى أو ركن (ثهلان) رَسَا
أسرَّهُ اللهُ بفتيان بهم *** مَنْ لم يُعرّسْ وبهم مَنْ عرّسا
فمن (عليٍّ) وسميِّ جَدَّهِ *** كُلا لنورِ طُور فضل آنسا
وطرّةٌ (عبد الحسين) سُمَّيتْ *** كأَنَّها الصبحُ إذا تنفّسا
رشا ظنيناً سمحاً وجدتُهُ *** يبذل كفَّاً ويصونُ ملمسا
أحسنُ أوصاف الغَزالِ الخَنَسا *** أحسنُ أوصاف الغَزالِ الخَنَسا
تراهُ عنّى عفّة مورداً *** قَدْ احتبى فوق القباً مورّسا
لو أنَّهُ يوم اً إلى (والده) *** عليّ في لفتته تنفّسا
فأنَّهُ خیر أب بَرٍّ بهم *** وخير مَنْ أعطى الفقيرَ المفلسا
لا زال يحسو للمعالي أكؤساً *** أترعَ ما فيها أبوه قَدْ حسا
وقال الشيخ محسن آل خضر (رحمه الله علیه) مهنّياً له في زواج إبن أخته الشيخ عبد الحسين نجل الشيخ مُحَمَّد بن الشيخ علي رحمهما الله، ويمدح أخاه الشيخ محسن بن الشيخ مُحَمَّد (رحمه الله علیه)، وهي:
لك نفسي أيُّها الساقي فدى *** ولجفنيكَ إذا ما هَوَّما
هاتِها أعذبَ مِنْ قَطرِ النَدى *** مِنْ لُمَاكَ العذب يا عَذْبَ اللُّمى
وعلى شرط لبانات الهوى
فأروِ عن (إسحاق) ما يُطفي الجوى
ورعي الله (هذيما) إذ روى
نبأً عنه صحيحاً مُسْنَدا *** عن هزارِ الأيك لمّا نغَّما
وعلى الندمان يا حُلوَ الدلالْ
فأحثثِ الكأسَ يميناً وشمالْ
والتي في فيك من خمرٍ حلالْ
لا تَنَلْ غيري منها أحسدا *** إنَّها ما شُرعتْ للنُدَما
وبذاك القدّ فامش مَرَحَا
وأَزحْ عنَّا العَنا والتَرحا
ومن الأبريقِ فاملِ القَدَحا
مِن طِلىً ألطف مِنْ قَطر النَدى *** أو لُمىً أعذبُ من ماء السما
وانتبذْ بالراح شرقيَّ الفَضَا *** نعطف الآتى على ما قدْ مَضى
هاجني لامعُ برقٍ أومضا
فهو كالسيفِ إذا ما جُرِّدا *** أو كبرقِ الثغرِ لمَّا ابتسما
قَسَماً بالطرف ما أنْ سَهَا
فوقَ خدّ فوقَهُ الوردُ زَهَا
إنَّ قلبي عنك يوماً ما سهى
لا ولا هَمَّ بلهوٍ أبدا *** مللاً لا بَلْ قِلىً أو سأما
حبّذا ذيّالك الروض الأنيقْ
فوق خدٍّ مثل مُحمَّرِ الشَقيقْ
أم تراهُ بدمي لمَّا أُريقْ
منه قَدْ ضَرَّجَ حَدَّاً فَغَدا *** عن دمي المطلول يحكي العَنْدَما
قُمْ من النغمة فاملأ مسمعي
وأعدْ في الحَيَّ مَيْتَاً لا يَعي
وإذا كنتَ نديماً لوذعي
دونَكَ الليل فخذْهُ موعدا *** رُبَّ سرّ بسرارٍ کتما
ومن الليلِ ارتقبْ وقتَ السّحرْ
علَّنا نقضي ولو بعضَ الوَطرْ
وقُبيلَ الفجر ما أحلى السّمرْ
سَلْ به القمريَّ لمَّا غرَّدا *** والصّبا الغربيّ لمَّا نسّما
يا مَهَاةً ملكتْ في دلِّها
أريحيّاً فَرْعُهُ من أصلِها
وبما قَدْ منحتْ مِنْ وصلِها
سمحتْ رَغْمَا لأَنافِ العِدَى *** لَغُلامٍ (جعفريِّ) المُنْتَمى
فلكَ البِشر بها (عبدَ الحسينْ)
فلقَدْ نلتَ بها قُرَّةَ عَينْ
ويميناً صادقاً مِنْ دونِ مَينْ
إنَّها من خيرِ أبياتِ الندى *** بَلْ هي الخيرة من أهلِ الحِمى
يا أبا (المهديّ) بُشراكَ الهنا
فلقَدْ خوّلَكَ اللهُ المُنى
ولئَنْ لُقّبتَ فينا (مُحْسنا)
فبما طلتَ على الناس يدا *** طوّقتْ جيدَ المعالي كَرَما
فمتى جيدُ الحَيا في صوبهِ
فهو يُولي قطرةً من سِیْبهِ
وإذا ضَمَّ يدا في جیبه
خرجتْ بيضاءَ تهمي عَسْجَدا *** دونَها الغيثُ إذا الغيثُ هَمَى
من رجال ورثوا مجدَ الأُلى
عقمتْ مِنْ مثلهم أُمُّ العُلى
ليسَ يبغي الدين فيهم يهم بدلا
فإذا ما اللهُ بالعزّ بدا *** أوّل الدين ففيهم خُتَما
مَنْ ترى منهم ترى بحراً خِضَمْ
يلفظُ اللؤلؤ من موج الكَلِمْ
كُلُّ فردٍ منهمُ الفردُ العَلمْ
شأنُهُ مرتفع عند الندى *** وكذاكَ الرفعُ شأنُ (العُلما)
حيثُما مِلْتَ تَجدْ عينَ (الرضا)
مِنْ فتىً في حُكمهِ فَصلُ القَضا
کابنِ (موسى) وابنِ (موسى الرضا)
عامل يرفعُ أعلامَ الهُدى *** فلذا للدينِ أضحى عَلَما
خازن الأسرارِ عن (كشف الغطا)
وهو العصمةُ مِنْ كُلِّ الخَطا
منهُ كَمْ فاضَ نوالاً وعطا
وابلٌ لو تركَ الناس سُدى *** أصبحتْ وهي وُجودٌ عَدَمَا
فهو عن أهليهِ يروى ما روى
بأشاراتٍ بها الفَقهُ انطوى
وعلى منبرهِ ما استوى
بثَّ ما بلَّ به منهُ الصّدى *** والزلالُ العذبُ ريٌّ للظَّما
ليتَ شعري أيُّ معنىً أصفُ
مِنْ معانيهِ التي لا تُوصفُ
حَسَبٌ فيه الورى لو أنصفوا
كأنَّها ألقتْ إليه المِقْوَدا *** لو غدتْ ترعى لحقٍّ ذِمَمَا
وبحسب المرء لو يكبو النّصيبْ
(صالحُ) الفعلِ أبو الفضل (حَبيبْ)
مِنْ (عليّ) نَسَباً غير عَجيبْ
لو غدا كالحَبرِ (موسى) في النَدى *** شيخها المولى (أمين) العُلما
هُمْ نجومُ الدينِ أعلامُ الزَمنْ
والأدلاّء على فرض السُننْ
أخلصوا الله سرَّاً وعَلنْ
شيَّدوا الدينَ فكانوا عَمَدا *** وبذاكَ الأفقِ لاحوا أَنْجُمَا
لهُمُ دامَ الهنا والجذلُ
وجمیعاً بلغوا ما أمّلوا
و عشقوا العلمَ وفيه عملوا
سيرة الساري طريقاً جددا *** وكثير تارك ما علما
وقال يهنّيه في زواج الشيخ عبد الحسين (سلّمه الله) أيضاً، ويمدح أخاه، وباقي أهليه ويعدّد مساعي كبراء هذه الطائفة، جناب السيد الأمجد، ذو الفضل الذي ليس له حد، وحيد الكمال الذي ليس له عنه وفيه ثاني، حضرة السيد موسى الطالقاني(1).
حيِ العذيب وَرَامة وضباءَها *** وانشقْ عبيراً لم يحز أرجاءها
نَشرَ الربيعُ على رباها حُلَّةَ *** حمراء يفضحُ وَشَيُها خضراءها
وأدرْ كُؤوسَ الراحِ فهي لراحتي *** سببٌ ولستُ بحاملٍ أعباءها
وعليكَ يا ظبي الصريمةِ وزرَها *** فَلأَنتَ أصليتَ القُلوب سناءها
1) ولد سنة 1250 ه / 1834 م، وتُوفي سنة 1298 ه / 1881 م
مَنْ لى بثغركَ لو ملكتُ رضابهُ *** ما رحتُ أشربُ أثماً صهباءها
حمراء ما جلتِ الكؤوسُ مدامَها *** إلاّ وأصبحت العقولُ فداءها
فأدِرْ شموسَكَ في الكؤوس مُغنّياً *** ومهنّياً بين الورى علياءها
في عرسِ مَنْ أضحتْ غواني المجدِ إِذْ *** رقصَ الزمانُ به تُجيدُ غناءها
يا بنَ الذين تقدَّموا نحو العُلى *** فتأخّرتْ صِيدُ الملوكِ وراءها
هذي الرئاسةُ حيثُ كانَ أبوكمُ *** بَعْلاً لها أصبحتمُ أبناءها
حَبرٌ كضوءِ الشمس يشرقُ فضلُهُ *** شَهَدتْ عداهُ به وإنْ قد ساءها
مهما ذكرتُ (أبيكمُ) بين الورى *** نُسِيَتَ لِعُظم أبيكمُ آباءها
(كشفَ الغطاء) عن العلوم وقَدْ َرأتْ *** عينُ الشريعةِ في هداهُ ضياءها
فاذهب لمذهبِ (جعفرُ) فبحُكمه *** تلقى الشريعةُ والعلومُ شفاءها
كم حَقّ مجدٍ قد قضاهُ، وما مضى *** إلاّ وقَدْ ضمنتْ بنوهُ قضاءها
أعلامُ حَلَم بَلْ منارُ هداية *** وبحارُ علم عرَّفتْ جُهلاءها
ملکتْ بنائلها البرايا إذ غَدَتْ *** من رقّ مُؤلم فقرها عتقاءها
ضُرِبتْ على الدنيا سُرادقُ عزِّها *** قِدماً وعلّمتِ الأُسودَ إباءها
حتى مضتْ ولها (الرضا) في عُصبة *** بقيتْ أطالَ لنا الألهُ بقاءها
ورثَ المفاخرَ من أبيهِ وأَنَّهُ *** - وأبيهِ - مَنْ عَقدتْ عليه لواءها
فأليكَ عن (موسى) فما ألقى العصا *** إلاّ وأبصَرَ سُجَّداً أُمراءها
سَلْ عنه (كسرى) يومَ جاء و(قيصراً) *** إِذْ فَلَّ قاطعُ رأيه آراءها(1)
كم للعلوم بصدره منْ منهلٍ *** مُذْ ساغَ أوردَ عذبَهُ علماءها
ما طاولْتَهُ الراسياتُ بحلمهِ *** إلاّ وطالَ به فحكَّ سماءها
ولقد تكفَّلَ للمعالي (شبلُهُ) *** فأقامَ مائلَها وأودى داءها
فَلَكُمْ بَدا عن ساعدية مشمّراً *** وغَدا يُشيِّدُ للعلوم بناءها
ما أتعبتْهُ المكرماتُ لثُقلها *** مُذْ قامَ يحملُ ناهضاً أعَباءها
سمعاً أبا (المهديّ) مِدحةً مُخلصٍ *** لكمُ أجادَ فخارُكمْ إنشاءها
1) علَّق المؤلف على هذا البيت بقوله: «إشارة إلى ما سبق». ويعني بهذه الإشارة وساطة الشيخ موسى كاشف الغطاء في الصلح بين العثمانيين والقاجاريين
يا ليتَ شعري ما أقولُ بمعشرٍ *** أعيا عدادُ صفاتهم شُعراءها
طال الثناءُ ولم أُحط بثنائهم *** ولقَدْ قصرتُ ولم أُحطُّ إحصاءها
خَلَفٌ عن السّلفِ الذين بعزمهم *** ساءت وإن رضيَ العُلى أعداءها
قَدْ ساعدتك به الزمان أخا العُلى *** إِذْ شدَّ أزرك (محسنٌ) ما ساءها
ما سلَّ صارم عزمهِ إلاّ انثنت *** عن عزمهِ تروي السيوفُ مضاءها
أبداً ولا هطلت يداهُ بساحة *** إلاّ وقَد نزلَ الربيعُ فناءها
والشّبلُ يحكي الليثَ في وثباتهِ *** والسُحبُ تعرفُ بالربيع سخاءها
ولأنتَ أعرفُ مَنْ عليه يدُ العُلى *** تلوي الخناصرَ إِذْ أَجابَ نداءها
فافخر بجدّكَ أو أبيكَ فلن ترى *** وأبيكَ ما بين الورى أكفاءها
لم ترفع الأيامُ ذروةَ ماجد *** إلاّ وكانوا شُهبَهَا وسماءها
يا آلَ (جعفر) كم لكم مِنْ (صالح) *** نَشَرت عليه يدُ الصلاح لواءها
إنْ كانَ وجهُ الدهرِ (خالُكَ) زانَهُ *** بالخال قَدْ عَشقَ الورى ضَرّاءها
أو تعشق العلياء يا بن (مُحَمَّد) *** فأبوكَ مَنْ نَسجَتْ يداهُ رداءها
وأرى (حبيباً) للرئاسة (صالحاً) *** إذْ قامَ فيها خاطباً علياءها
فتراهُ إنْ طرق الشريعة طارقٌ *** (عبّاسَ) وجه أو يُزيلُ عناءها
و (عليّ) قَدْرِ قَدْ أفاض على الورى ***علماً فجاوزَ قدرَهُ جوزاءها
ضخم الدّسيعة(1)لا ينامُ إذا اشتكت *** مُقَلُ المعالي أو يزيلُ قذاءها
فالمِسكُ يروي طيبَهُ عَنْ خُلْقهِ *** والأُسدُ تحكي عن أباهُ إماءها
يا آلَ (جعفر) مَنْ يرومُ سواكمُ *** قَدْ ظلَّ يخبطُ نادماً عشواءها
أنَّى يرومُ سواكمُ وهُداكمُ *** كالشمسِ يملأُ بالضياءِ فضاءها
ومن اللطائف التي تلحق بهذا الباب ما قاله الشيخ محسن آل خضر متوجّعاً على جار جناب مولانا الشيخ مُحَمَّد رضا (رحمه الله) وهو حاج حسون الكردي حين دعاه إلى تشريف داره واستماع قراءة (العزاء)، على سيد الشهداء. وبعد أن امتنع الشيخ رفقا بجاره ومزيد الألحاح من جاره، الذي سعى في خراب داره، حصلت الأجابة منه لذلك الجار، عملاً بالمأثور الوارد في حقه من الأحاديث والأخبار. إلاّ أنَّه لمزيد رأفته بجاره قَبِلَ الميسور، ونهاهُ
1) يُقال للرجل (ضخم الدسيعة) إذا كان قويّاً
عن المعسور، غير أنَّهُ اقترح عليه أمورٍ، أوجبت كسره من الأفلاس. فبادر الشيخ محسن بهذه الأبيات نصيحة للناس، ناظماً للقصة والحكاية، وهي:
معاشرَ الناسِ مِنْ عُربٍ ومن عَجمٍ *** نصيحةً فاسمعوا نُصحي وتحذيري
لا (تعزموا) الشيخ إنَّ الشيخ مُقْتَرحُ *** لدى (العزيمة) شرطاً غيرَ مقدورِ
سلوا به جارَهُ (الكرديَّ) حينَ أتى *** إليهِ (يعزمُهُ) في عشر (عاشورِ)
فقالَ من عادتي أنْ لا أُجيبَ لها *** ولستُ في ترك عاداتي بمعذورِ
فلم يَزل جارُهُ المسكينُ ملتمساً *** يرجو الأجابة في ذُلِّ وتحقيرِ
ولا يزالُ لكفّ الشيخ ملتثماً *** والعينُ تجري بدمع غير منزورِ
فقالَ بُشراكَ (نُصٌّ) دارَ في خَلَدي *** وأيّ (نُصٍّ) أتى في مأثورِ
فلا تُسُؤني بألوان تعدّدها *** تريد في ذاكَ إعزازي وتوقيري
فأنتَ جاري فلا تُسْرِفْ بمأدُبةٍ *** فالجارُ نقبلُ منه كُلَّ میسورِ
يكفيك سبعُ دجاجات تقدُّمها *** لا يقبل الله تكليفاً بمعسورِ
وعَنْبرُ (البوه) (مَنْ) فيه بُلغَتُنا *** فاسمعْ تكنْ خيرَ منهيٍّ ومأمورٍ
وفي القليل من (السّبزيِّ) لو سَمحتْ *** يُمناكَ كُنتَ لدينا خيرَ مشكورِ
فقالَ أهونُ شيءٍ ما أمرتَ به *** وباتَ ليلتَهُ في قلبٍ مسرورِ
لكنَّهُ جَاءَهُ رأدُ الضُّحى خَجَلاً *** يُلقي إليه حياءً بالمعاذير!
فقالَ: مولايَ طبخٌ ليسَ تُحسنُهُ *** (أهلي) وذاكَ قصورٌ غير تقصيرِ
أجابَهُ الشيخُ في لُطفٍ ومرحمة *** للجار عندي ذِمامٌ غير مخفورِ
فاذهبْ إلى (قَدَم)(1)تكفيكَ كُلْفَتَهُ *** فأنَّها ذاتَ معقولٍ وتدبيرِ
ومُذْ أتى (قَدَماً) يسعى على قَدم *** هشَّتْ وبشَّتْ وأبدتْ بشرَ محبورِ
قالتْ لهُ هاتَ مِنْ (سَمْن) ومِنْ (بَصلٍ) *** (منَّين) (منّين) وابشرْ في تدابيري
وهكذا حامض (النُوميِّ) مثلهما *** فاحفظْ وإيّاكَ أنْ تَنْسى مقاديري
و(الملحُ) خمسةُ (وَزُنات) تقومُ به *** إذْ لم أكنْ ذاتَ إسراف و تبذيرِ
وفي (الطغارات) ممّا جفَّ مِنْ حَطَبٍ *** قَدْ نَجْتَزي بعدَ تقنيطٍ وتقتيرِ
1) (قدم) هذه من جواري الشيخ، وهي إلى الآن في دار الدنيا، ولها مِن العُمر مائة سنة، وهي (باكرٌ) لم يفتضّها أحدٌ، عابدة زاهدة. «تعليقة المؤلف»
و(الماءُ) ستونَ (حملاً) فيهِ تسويةٌ *** للأمر من دون إجحافٍ وتكثيرِ
واتبع ثلاثة (أرطالٍ) يطيب بها *** طعامُنا من عطوراتِ (العطاطير)
هذا هو القدر الكافي لحاجتنا *** يا خيرَ جار لنا من جانب (السُّورَ)
فلم يَزَلْ جارها المغرورُ ممتثلاً *** ورُبَّ جارٍ ببيتٍ الشيخ مغرورِ
ومُذْ قضى جارُها المسكينُ حاجتَها *** عاث الخرابُ ببيت منه معمورِ
وباعَ ذاكَ (المكاري) الغُرُّ (بغلتَهُ) *** ولا أراهُ على فعلٍ بمأجورِ
وأحرزَ الشيخُ مما كان يلزمُهُ *** مؤونةَ العام رزقاً غير منزورِ
وقامَ ثمَّةَ (للسودان) مُعْتَركٌ *** على (الحكاكة) مِنْ حول (التنانيرِ)
وعندها (فضّةً) صالتْ على (قَدَم) *** حتى علتْ رأسَها ضرباً (بكفكيرِ)
واستعرضتْ (قدَمٌ) في ظهرِ (طاوتها) *** وجهاً (لفضّةَ) حتى عادَ (كالقيرِ)
هناكَ (تفاحةٌ) شجّتْ (براطمَها) *** فأعولتْ جَزَعاً إعوالَ خنزيرِ
و (طنقرتْ) خیزرانٌ غبّ عولتها *** كأنَّها بغلةٌ صاحتْ (بياخورِ)
وحينَ قامتْ على ساق عويصتهُم *** شبهَ (السخال) وأمثال (السنانيرِ)
شبّتْ لظى الحرب بين الأم وابنتها *** ضَرْباً على الهام أو فوقَ (المناخيرِ)
فاللهُ اللهُ كَمْ (للصِفْر) من زَجَلٍ *** كما تَمرُّ على سوق (الصفافيرِ)
فتلكَ (بالطُّوسِ) صکَّتْ هامَ جارتها ***وتلكَ تضربُ في كاساتِ (فرفوري)
وهذه تتحرَّاها (بميجنة) *** وتلك تشتدُّ في محراث (تنُّورِ)
فلا ترى قَطُ إبريقاً ومصخنةً *** و(أنقريَّاً) و(صحناً) غيرَ مكسورِ
رُضَّتْ جميعُ أوانيهم فما تركوا *** على الرفوف ولا (مشقابِ) بلّورِ
لهفي على كسر البلّور حينَ غَدتْ *** كلؤلؤٍ فوقَ وجهِ الأرضِ منثورِ
تشُعُّ في غَسَقِ الظلماء ناصعةً *** فينجلي بسناها كُلُّ دیجورِ
ومُذْ أتى (الشيخُ) يسعى بالعصا مَرَحاً *** كما سعى قبلَه (موسى) إلى الطُورِ
رأى نجوماً بصحن الدار قَدْ نُثِرَت *** فقالَ جلّ جلالُ العالم النّوري
إنَّ السما اَتَحفَتْ داري بزينتها *** وما درى ذاكَ رضراضُ القواريرِ
فزَمُجرَ (الشيخُ) إِذْ قامتْ قيامتُهُ *** بصيحةٍ أوهمتنا نفخةَ الصُّورَ
(فقامَ يجمعُ شملاً غير مجتمعٍ *** منها، ويُجبرُ كسراً غير مجبورِ)
فما انقضى الليلُ إلاّ أصبحتْ (قَدَمٌ) *** آذانُها نهبَ أطرافِ المساميرِ
وذاكَ لا شكَّ مما قَدْ جَنَتْ يدَها *** عَدْواً على الجار بالبُهتانِ والزُورِ
وكانً عاقبة (السوداءِ) عاقبةً ال *** -قوم الذين أساؤا السوء (بالقيرِ)
وحيثُ كانتْ من المُولى بذاكَ يدٌ *** سَمَتْ جميع أوانيه بتكسيرِ
فقُلْ لحافر تلك (البير) مقتنصا *** لقد وقعتَ بها يا حافرَ (البيرِ)
وكتب إليه الشيخ إبراهيم العاملي إبن الشيخ صادق (رحمهما الله تعالى) من جبل عامل يتشوّق إليه بقصيدة، وهي:
إليكمُ نفثةُ صَبٍّ ما سلا *** على النوى عهدَكُمُ وما قَلَى
وهاكمُ جذوةَ صدرٍ قَبَستْ *** من جمر أحشاءِ المعنّى شُعَلا
أحبتي ما بِنْتُ عَن ربعكُمُ *** متخذاً في الناس عنكم بَدَلا
كلاَّ ولا ارتضيتُ لي سوى الحِمى *** لا والحمى وساكنيه منزلا
وبالرضا لا والرضا لم أبغ عنْ *** دار بها حلَّ (الرضا) تحوّلا
وإنَّما طوَّحَ بي عن أرضَكم *** أمرٌ سقاني المُرَّصَاباً حنظلا
وساقني للجبل الأقصى ومِنْ *** جِبِلَّتي ألا أودَّ الجَبلا
فها أنا أطوي جوانحي على *** نار جوىً وطيسُها لا يُصطلى
لا غُللى تُجَفِّفُ الدمعَ ولا *** منهمرُ الدمع يُطفّي الغُللا
وكيف تُطْفَى عَللُ الصَّبِ الذي *** أمسى بأصفادِ النوى مُغلّلا
یا جيرةَ (المَثوى) الذي أَجازَهُ *** معقلُ نُجبِ الأنجبين النُبلا
لئَنْ برحتُ عنكمُ فأنتُمُ *** بين ضلوعي ما بَرَحْتُم نُزلا
أو شطّ جسمي عنكمُ فمهجتي *** لديكم لم تبغ عنكم حِوَلا
وإنْ عقلتُ بسوى حماكمُ *** رواحلي ما كنتُ مَنْ عَقَلا
قد كنتُ أرضى مَعْ جواري لكمُ *** بأنْ أُرى مخفوض قَدْرِ مُهْمَلا
فكيفَ بي والحالُ قَدْ أحلَّنا *** جواركم أرفعُ غاياتِ العُلى
وعامل وإنْ بها حظي عَلا *** أعدُّها (عاملَ) خفض (كَعَلى)
أسكنُ بالشامِ، ومَن واليتُهُم *** بالنجف الأعلى و(طفّ) كربلا
وأرتضي بعد ولائي لهمُ *** بُعداً إذا كُذِّبتُ في دعوى الولا
فيا لها مصيبةٌ تُوجبُ أنْ *** أُكْثَرَ مِنْ قَوليَ (لا حولَ ولا)
هذا وإنْ أصبحتُ ممنوع التي *** بحمل أثقال العنا مُوكَّلا
فلي أسىً مهما عراني مِنْ أسىً *** بخيرة الخالقِ مِنْ هذا الملا
أئمتي وسادتي وقادتي *** إلى النجاة آخراً وأوَّلا
فأَنَّهُمْ هُمْ لا سِواهمْ جُرِّعُوا *** مِنْ مضضِ الأيام كأساً ما حلا
بلي، وهُمْ قَدْ أُخَرجوا من دارهم *** وأُنزلوا في دار (كرب وبَلا)
جلّتْ رزاياهم وللحشر غَدتْ *** تضربُ أهلُ الأرضِ فيها المَثَلا
كم من دمٍ زاكٍ لهم محترم *** أصبحَ في (مُحرّمٍ) محلَّلا
وتُوفيَ له في بغداد ولد اسمه (جعفر) فكتب له عبد الباقي(1)يعزيه، (ولكن تخيّل أنَّهُ ولده الشيخ موسى وكان أيضاً صغيراً)، فقال:
إنْ كانَ (موسى) بنُ (الرضا) قَدْ قَضى *** نَحْباً وعن دار الفنا قُوِّضا
فذاكَ شبلٌ عن عرينِ الفنا *** عُوِّضَ عن دار الفنا مَرْبَضَا
فَقُلْ لَمَنْ راحوا يعزّونَهُ *** فيمَنْ مضى كالبرق إذْ أَوْمَضا
وما دروا أنَّ الذي مثلهُ *** من أمرهِ لله قَدْ فوَّضا
وبالقضا ذاكَ (الرضا) دأبُهُ *** كيفَ يعزّونَ (الرضا) بالقَضَا
وإنْ يكنْ مَنْ يُعزّى به *** كنتُ له أَوّلَ مَنْ حرِّضا
لكنني أعرفُ مِنْ صبرهِ *** مافيهِ ثغرُ الدهرِ قَدْ أجرضا
وقال السيد في (يتيمته): «ونحمدك يا من تفضّل علينا وعلى جيلنا بمن ملك زمام الفتوة والقضا، شيخنا الشيخ مُحَمَّد رضا، بحر العلم الذي لم نقف له على ساحل، والسبوح له ومنها عليها دلائل، وقَدْ نشأنا عليه في (النجف) وهو متردٍّ بأردية الجلال،
1) هو شاعر العراق في عصره عبد الباقي العُمري المُتوفى سنة 1278 ه / 1861 م
ولم تكن يومئذ عندنا (درّاكة) نميّز بها مبلغ الرجال من العلم، ثم كنا نجده رئيساً هماماً مقداماً ورعاً تقياً نقياً مهذباً يلهج بذكر الله دائماً، له موقع في قلوب الناس، صدراً في جميع المحافل، علماً مقدماً على جُلّ العلماء الأفاضل، والفقهاء الأماثل، مطاع الأمر والنهي. ممّنْ حل النجف. إذا عدّت الفقهاء كان أوّلهم، وإذا ذُكرت الأجلاّء كان رئيسهم وأجلّهم. ذو حلّ وعقد تأوي الناس إليه في المهمات، وتعتمده في الملمّات، فيجلو غياهبها، ويقضي مآربها. فكم من كبير في الناس أطرق منخفضاً لرفعته، وكم من عليّ تدانی منحطاً لرتبته، وكان ذا رسم وإسم بوجود عمّه محسن بن جعفر وابن عمّهِ مُحَمَّد بن عليّ مع أنَّهُ ليس من القواعد العرفية فيه أن يكون له ذلك بوجودهما لأنَّهُ أصغر منهما سناً ولأنَّ بروزه بوجودهما خلاف ما عليه ترتيب هذه (الطائفة) من الجلوس بمناصب القضاء والفتوى مرتّبين، فما ظهوره إلاّ لكونه مقابلاً لهما فيما جاؤا. ولم يزل مأوى لكل قبيلة حتى كانت الفتنة المعروفة بين الفرقتين في النجف، فأراد الأصلاح بينهما على حسب مرامه فلم يكن، فانكمد من ذلك واختار السكنى في بلاد الكاظمين (علیه السلام) ودار السلام (بغداد) مدة شهور وأعوام.
ولما مضينا إليهما بعض الأيام وجدناه مستقلاً بنفسه سلطاناً في مَنْ حلّ البلدين، مُقَلّداً لكثير من أهل الجانبين، مأوى المترددين من كُلّ واد. ولم تزل أبناء الملوك من عرب وعجم تتردّد إليه، وتفد بمنازلها إليه، حتى قَدِمَ الوالد إلى بغداد فالتمسه هو وجملة من أجلاء كربلاء على العدول عن سكنى البلدين والسكنى في (نينوى)، فأجاب إلتماسهم وورد فسكن مدة مديدة فيها ونحن نشهده. ثم وقَدْ صارت له كمال المرغوبيّة فيها أيضاً زيادة على البلدين المُشار إليهما من نفوذ الحكم والكلمة والأسم، والرسم حتى غدا أمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر يجلس صبحاً وعصراً ويجدّ فيما بين الأثنين بتحصيل العلم متوسّماً برغبة إليه، ولكن إلى الآن لم تقدم الأيام عليه، فعسى أن يمدّه الله بالتوفيق لنيل أقصى مدارج أهليه، ولِمْ لا وقد جمع صفتي الجلالة والعلم في ذاتهِ، وراحت تزري بالكواكب الدُرَّية دراري صفاته، ولعمري هو حقيق بأن تثنى له الوسادة، ويحيي بتدريس العلم آباءه وأجداده، وهو مشغول بالتأليف ولكنْ لقلة المشتغلين في (نينوى) لم يجد للحضور عنده أرباب فيملي عليهم ما يصل إليه فكره من كتاب، ويؤدي إليه اجتهاده من صواب.
والكلام يتم من فيه جهات:
الأولى: في علمه، أنَّهُ في نهاية الجدّ في العلم ليلاً ونهاراً ويؤلف به سراً وجهاراً وله
به مؤلفات لم تبرز إلى الخارج لعدم مساعدة الوقت له.
الثانية: في ورعه، وقَدْ علمت أنَّهُ يلهج دائماً بذكر الله ويواظب على الصلوات الخمس بأوقاتها وجميع نوافلها، وله أوراد كُلّ يوم أقلها عمل (عاشورا).
الثالثة: في ذكائه، ولم أر ذكياً فطناً في رجال العصر في الأصولين والفقه مثله.
الرابعة: في عزته وجلاله، ولم أجد أعزّ منه طبعاً وأحسن صنعاً وأزكى أخلاقاً وأحلى شمائلاً وأعراقاً ولا أنف عن تحمّل المنن لأبناء الزمن، ففيه شطر من نعوت أبيه، بَلْ كلّ ما فيه فيه، ولكن تغيّر الزمان بتغير أهليه، أوجب الفرق والمزيد لأبيه.
الخامسة: أنَّهُ جمع أضداد الصفات، صغر النفس والكبرياء، لا يتكبر، والعظمة لا لتعظيم النفس بَلْ لعظم ذاتي، والتصاغر لا لصغر، زيادة على الفقه والعلم والورع والحلم وغيرها من الصفات الفائقة المتضادة المتوافقة.
السادسة: أن له ما بين جنبيه همّة يطاول بها السماكين والفرقدين لم أجدها بين أحد فى البين، لم يزل يطاول بها العلماء الأساطين، يوسع بها على فقراء زمانه والمحتاجين، في أوانه، ويفي ديون المديونين، ويرفع مظالم العاثرين، ويفك المسجونين، ويحقّر بها المتجبر الكبير، ويكبّر بها الحقير، ويُنْجد البائس الفقير، ويجلس فوق عرش القضاء، والسرير، ويشيد بها أركان الدين، ويهدي الضال إلى منهاج الحق المبين. فكم من خصومات قطعها، وحججٍ دفعها، وشرعة جود شرعها، حاكم شرع بفضله وحاكم جور بعدله.
السابعة: أنَّهُ نجيب الطرفين إما بمتصاعد الأنساب فيرتفع لموسى بن جعفر، وإما بنازلها فذو طائفة كبيرة غطارف غرر من آل (هاشم) علويين معلومين الأسم والرسم، لدى كُلّ ناثر وناظم».
إنتهی ما استخبناه من ترجمة (السيد) لجدِّنا الأكرم، وهي طويلة على أنَّه لم يُدرِك تمام أيامه، بَلْ تُوفيَ قبل مجئ الشيخ إلى النجف(1)وانتهاء الأمر إليه، وعكوف همم طلاب العرب وعوامها عليه.
1) تُوفي السيد محمد علي العاملي صاحب كتاب «اليتيمة» في سنة 1290 ه / 1873 م، وتُوفي الشيخ محمد رضا كاشف الغطاء سنة 1297 ه / 1880 م
وقد عرفت أن الشيخ بعد وفاة ابن عمه الشيخ مهدي انتقل إلى مسند آبائه الكرام وجدد ما كاد أن يندرس لولاه من تلك الأعلام، وصار يدرّس بمدرسة آبائه وأجداده فتستفيد جماعة من الفضلاء منه، وتحظى بطارفه وتلاده، وقَدْ ذكرنا لك بعضهم. وجعل يقيم الجماعة في الصحن الشريف، فتجتمع خلفه الصفوف بالألوف. إلى أن دعاه الله إلى رحمته فأجابه، وأختار الفوز لديه جزل ثوابه. فأقيمت مجالس العزاء، ونصبت المآتم في جميع الأنحاء، فلم يكن في الأرض مكان للشيعة إلاّ نصب له فيه مأتم كطهران، وخراسان، وإصفهان، وسامراء، وبغداد، وكربلاء، والحلة، والنجف، وغيرها من الأماكن.
وكان (رحمة الله علیه) في أيام حياته مواظباً على عمل عاشوراء، فرآه بعض الأتقياء الثقات في المنام وهو جالس في رياض تجري خلالها الأنهار، وعلى أحسن هيئة واعتبار فقال له: يا مولانا مَنْ أعطاك هذا المكان؟ فقال: عاشوراء، أنظر، فنظرت إلى كومة فحم إلى جنبه، فقال: هذه ذنوبي كانت جمراً فأطفأتها (عاشوراء).
فلما قضى من حق العُلى واجبه، وشيّد دعائم المجد وأعلى مناكبه، واصطفاه الله واختاره، وأحبّ لقاه وجواره، فدعاه فجأة إليه، فبادر بالأجابة وعجّل بالمثول بين يديه. وكان قَدْ خرج إلى قرية من قرى الحلة تسمى (البُصَيْرَة)، وهي من هدايا داود باشا إلى أبيه (قدس سره)، وانتقلت إليه بعده، فاشتكى فيها عصراً، وقضى فجراً، وجيء بجنازته الشريفة إلى النجف في اليوم الخامس والعشرين من شهر رجب المبارك سنة 1296 مع (سواد) لا يُحصي عددهم إلاّ الله. فماجت الناس بعضها في بعض، وخرجت جميع الناس لاستقباله على أميال، ونُصِبتْ له مجالس العزاء في أغلب المحالّ، وأنشدت المراثي والنشائد، في أغلب المحافل والمحاشد.
فمن ذلك ما قاله الشيخ مُحَمَّد سعيد الأسكافي المتقدم يعزّي ابني عمّه الشيخ حبیب(1)(رحمه الله علیه) والشيخ عباس (رحمه الله علیه) وكانا هما المرجع بعده، ويمدح الشيخ محسن ابن أخته وأولاده؛ الشيخ علي والشيخ موسى، وهي(2):
قبّةُ المجدِ مَنْ أمالَ بناها *** والمعالي مَنْ هدَّ سامي ذُراها
ومَنْ ابتزَّ شرعةَ الدين كهفاً *** طالما عزّ في حماه حماها
عَجَباً للحمام كيف تَرقَّى *** ذروةً للأباء عَزَّ ارتقاها
عَجَباً للمنونِ يوم تخطّتْ *** كيفَ غالتْ أُسدَ الشَرَى في شراها
أَوَ تدري لأي حَبر هُمامٍ *** قَدْ أراشتْ سهامَها كفّاها
رَشَقتْ مُهجةَ المنون فأصْمَتَ *** من سويدائها صميم حَشاها
بابن (موسى) بنِ (جعفر) مذ ألمّتْ *** فجعتْ آل (جعفرٍ) برضاها
غاضَ منها برغمها أيُّ بحرٍ *** تستمدُّ البحورَ منه رواها
غارَ منها تحت الثرى أيُّ بدرٍ *** كيفَ وارتْهُ في الثرى بوغاها
خرَّ من شاهق العُلى أيُّ طود *** هو بالشُمِّ - إِنْ يُقَسْ - أرساها
أَوَ يدري ناعیه يوم نعاهُ *** أيَّ نفسٍ للمكرمات نعاها
قَدْ نعی نفسَ سؤددٍ وإباءٍ *** ليسَ ترضى سوى الأباء رداها
لم تزوّد سوى التُقى ولعمري *** أَنْفَسُ الزادِ للنفوس تُقاها
فجعةٌ عمتِ الأنامَ فساوى *** في شجاها أقصى الورى أدناها
ثُلمتْ في الأسلام يوم ألمّتْ *** ثلمةٌ ليس يلتقي طرفاها
فعزاءٌ لنكبةٍ عزّفيها *** صبرُنا حيثُ جلَّ فينا عزاها
بالبهاليل آل (جعفرَ) مَنْ قَدْ *** أشرقتْ للعلوم فيهم سماها
(بحبيبِ) العلوم مَنْ شغفتْ في *** حُبِّهِ صبوةً فكانَ فتاها
فَلَكُمْ للعلوم من مشكلات *** حلَّ إشكالَها لنا فَجَلاها
وَرعٌ لم تَقُدْهُ أمارَّةُ النفس *** لِلَهو وقَدْ نهاهُ نُهاها
وخليق ما نفحةُ المسك أزكى *** مِنْ شَذا خُلْقه بطيبِ شذاها
وأخره أخو المعالي أبو الفضل *** ومَنْ فاقَ في الورى فُضَلاها
فَلَكُمْ مِنْ (سرائرِ) الفقه أبدى *** غامضاتِ الأسرار بعد خفاها
ولَكُمْ من مناهل مترعات *** رَقَّ سلسالها وراقَ صفاها
بينما (المُحسنُ) الذي طبَّقَ الكونَ *** سجايا محاسنٍ لا تُضاهى
وأخو عَزْمَةٍ متى ما تُقسها *** بالمواضي وجدتَها أمضاها
فعزاء بني (عليٍّ) عزاء *** عن فقيد عينَ العُلى أدماها
ببنيه التي اقتفتْه سداداً *** وبنو المجدِ تقتفي آباها
(فعليّ) عميدُها في المعالي *** وعليه العلوم رفَّ لواها
کم لوَقَّادٍ ذهنهِ من مصابيح *** علوم شعَّ إتّقادُ سناها
ولَكُمْ زانَ أُفَقَها بدرارٍ *** كالدّراري شعّت بأفُقِ سماها
وأخوه (موسی) کلیمُ علوم *** قربتْهُ منها بوادي طواها
في سماء العلوم كم أشرقتْ منه *** شُموسٌ كالشمسِ رأد ضحاها
ولَكُمْ زانَ أفقها حِكَماً غَرّاءَ *** تعشو بنورها حُكماها
توأما سؤددٍ شريكا عنانٍ *** أحرزا في العلوم سبقَ مداها
مَنْ ترى منهما تراهُ هُماماً *** ثاقب الزندِ ناسكاً أوّاها
وأخا راحةٍ ترى لُجّةِ البحر *** لديها كقطرة مِنْ نداها
كم أرى الوفد جُودُ يُمناهُ يُمْناً *** وبیسراهُ كم رأتْ يُسْراها
و(لعبد الحُسين) ربِّ المعالي *** مأثراتٌ لم يُسْتَطَعْ إحصاها
ذو حِجیً فاقَ فيهِ وهو صبيٌّ *** ضيّعتْ عندَهُ الكهولُ حِجاها
أسرة للعلوم أنشأها اللهُ *** وللحُكمِ مُذْ براها براها
وأُباةٌ كالأُسدِ يومَ إباءٍ *** من ثرى يَجحدُ الأسود إباها
لا تُقِسْ مجدَهم بمجدِ سواهم *** ضلَّ مَنْ قاسَ بالثُريّا ثراها
وإذا اعتاصت العلوم ففيهم *** عَنْ رُموز العلوم (كشف غطاها)
بکمُ آلَ (جعفر) تتأسّى الناسُ *** إنْ عَزَّ في الخُطوبِ أساها
إنَّ عهدي بكم رواسي حلوم *** لم تملها الخطوبُ في نكباها
لا برحتم (جَحَاجحاً) يتأسّى *** بحِجاها هذا الورى ونُهاها
وسقى مرقد الرضا نَوءُ سُحْبٍ *** بالرضا يُسْتَهلُ وكفُ حَياها
وقال المرحوم المبرور، حسنة الأعوام والدهور، عديم النضير والمثيل، السيد السند الحاج سيد إسماعيل(1)، ابن عمّ حجة الأسلام الحاج سيد مُحَمَّد حسن الشيرازي(2)رحمهما
1) السيد اسماعيل الشيرازي ولد سنة 1258 ه / 1842 م، وتُوفي سنة 1304 ه / 1887 م، وهو والد المرجع الكبير السيد عبد الهادي الشيرازي المُتوفى سنة 1382 ه / 1962 م
2) تُوفي السيد محمد حسن الشيرازي سنة 1312 ه / 1894 م، ويُلقَبُ بالمُجدد الشيرازي وقَدْ إقترنَ اسمُهُ بثورة (التنباك) التي حدثت في ايران قبل وفاته بعامين تقريباً
الله، يرثي الشيخ المرحوم ويعزّي ولده الشيخ موسى (رحمة الله)، وكانت له مودة أكيدة وصحبة شديدة معه، وكانا جميعاً في (سُرَّ مَنْ رأى)، وهي:
أراكَ غزيرَ الدمع قَدْ مسَّكَ الضُّرُّ *** وما فيكَ للسلوان نَهيٌّ ولا أمرُ
فَهَلْ شغفتكَ الغانياتُ بحُبِّها *** فبانتْ وفي أحشاك من بينها جمرُ
أم الدهر لا حَلَّ الهنا في ربوعهِ *** أصابكَ في غدر وشيمتُهُ الغَدرُ
بفادحة لا يُمْلَكُ الدَمعُ عندها *** ونازلة لا يُستطاعُ لها صبرُ
وداهية حلَّتْ فجلَّتْ عن العَزا *** وحادثة للحشر مِنْ رُزئِها نَشرُ
ألمْ تدرِ ماذا قَدْ أصبتَ غُوايةً *** أصبتَ فؤاد المجدِ ويحكَ يا دهرُ
وأغمدتَ سيفاً كانَ في اللهِ شاهراً *** وأنفذت بحراً في أناملهِ عشرُ
وأثلمتَ للدين الحنيفيِّ ثلمةً *** وأحدثتَ كَسْراً ليس يُرجى له جَبرُ
وألحدتَ بدراً في التُرابِ ولم أكنْ *** أرى قبلَ هذا اليوم أنْ يُلحدَ البدرُ
فليستْ عيونُ المكرمات قريرةً *** ولا في مُحيَّا الجُود من بعدهِ بِشْرُ
ولولا التسلّي بعدَهُ بسليلهِ *** حليفِ التُقى (موسى) لَمَا انشرحَ الصّدرُ
فتىً لم يُعرِّقْ فيه إلاّ أكارمٌ *** سَمَوا فَكَبا من دون علياهمُ الفكرُ
بني (جعفرٍ) آباء كُلِّ فضيلة *** هو الفَلَكُ السّامي وهم أنجمٌ زُهرُ
إذا كان بالعلياء فَحْرٌ لذي عُلاً *** لَعَمْري بهم يومَ الفخار لنا الفخرُ
فَصَبْراً أبا (عمران) في فَجْعَة بها *** تأسّتْ بك العليا وشاطرَكَ الدهرُ
فعشتَ شغوفَ القلبِ لا بكَ فجعةٌ *** ودُمتَ قرير الدين طالَ لكَ العُمرُ
وقال الشيخ علي عوض(1)يرثيه ويعزّي العلامة السيد مهدي القزويني وقَدْ جلس للعزاء، له في الحلة الفيحاء، وهي:
أرأيتَ كيفَ تَحاملُ الأقدارِ *** طرقتْ سوافرَ والسيوفُ عوارِ
نزلتْ بليثِ المجِد ثم عدمنه *** وشبولُ ليثِ المكرمات ضوارِ
(هجمتْ) علی (موسى) بن (جعفر) بيتَهُ *** وذَهبنَ عنهُ (بالرضا) المُختارِ
لو أنصفَ (النجفُ) المشرِّفُ مجدُهُ *** لَمَشَى على مَهَلٍ بغير عثارٍ
1) وُلد الشيخ علي عوض الحلّي سنة 1253 ه / 1837 م، وتُوفي سنة 1325 ه / 1907 م
ومَحَا بفضل أبي (عليّ) وبأسِه *** سُدفَ العَمى وفوادحَ الأخطارِ
بمُصرّفٍ عُمراً بدفع شدائدٍ *** أَلْفَتْهُ أصيدَ في حِجى أبرارِ
بعُلى الذين تصرّفتْ أعمارُهم *** بعُلى الرئاسةِ في تُقى أحبارِ
السالبين الدهر سطوةَ جائرٍ *** والمانعينَ الدين بغَي ممارِ
واللامعينَ على الزمان بأوجُهٍ *** هطلتْ بهُنَّ سواجمُ الأمطارِ
يا بنَ الذينَ بهم تبلّجت العُلى *** والدينُ أشرقَ عن سنا أقمارِ
لله شأنُكَ لو يساعفُهُ القَضَا *** بوصال رَحْم أو بطاعةِ جارِ
لَمَضى بكَ الأسلام أبلجَ واضحاً *** وزهتْ بنا الأيامُ فُسحةَ دارِ
كُنتَ اللسان إذا تلعثمَ مُصْقعٌ *** وسنا الزمانِ دَجَى بخبوةِ وارِ
وزعيم كُلِّ عظيمة فرَّاجها *** بشُعاعِ فَهم أو جلال وقارِ
قَدْ كنتُ أملُ أنْ تشعَّ مدائحي *** بذكاك عند تشعّبِ الأخبارِ
وأجولُ في ميدان فضلك مُعْتَقَاً *** إنْ رحتُ معتمداً على الأحرارِ
فلَشَدّما انقلبَ المديحُ مراثياً *** ومضتْ عليكَ صوارخاً أشعاري
يا مُثكلَ الحسنات فاجأكَ الردى *** متستّراً أبقى بلا إنذارِ
لو أمَّ ربعَكَ بالوعيدِ رسولُهُ *** لَدفعتَ مُعْضِلَهُ بآل (نزارِ)
ببني (معزّ الدينِ)(1)يندفعُ البلا *** وبهم تطولُ قصيرةُ الأعمارِ
وبنُسْكِهم وَرَعاً وفَضلِ صلاحِهمْ *** نزلَ الحَيا، وخَبَا القضاءُ الجاري
وقال بعض شعراء الحلة يرثيه، ويعزّي السيد المتقدم (رحمة الله علیه)، وهي طويلة، ومنها:
يشَبُّ بكُلِّ جانحة ضَرَاما *** مُصابٌ هدَّ للعليا دَعَاما
وأبكى الأنبياءَ به جميعاً *** فلا عَجبٌ إذا أبكى الأناما
فهَلْ علمتْ يمينُ الدهرِ فيها *** على العُضْبِ الحُسام نَضَتْ حُساما
ووارتْ في اللحود ذُكاءَ(2)عِلمٍ *** سناها لم يَزَلْ يجلو الظَلاما
فَخيلَ اللحدُ كانَ لها سماء *** وخِيلَ الأفقُ قَدْ كانَ الرُغاما
فَقُلْ للمُرْمَلين فقدتِ غَيْثَاً *** له انتجعَ الأراملُ واليَتامى
رفيعٌ لا يُحدُّ عُلاهُ مهما *** عليه حائرُ الأوهامِ حاما
سری نعشُ (الرضا) فظننتُ فيهِ *** هزَبْرَ الغاب يُحْمَلُ أو (شماما)
فأدمي الخدَّ يا أُمَّ المعالي *** ويا عبراتها انسجمي انسجاما
ولضعفها أعرَضنا عنها.
وقال الشيخ محسن آل الشيخ خضر رحمهما الله يرثيه، ويعزّي الشيخ محسن ابن أخيه، وباقي ذويه وأهليه، وهي:
فَدَحَتْكَ من أحدى الكبائرْ *** بمقلّةٍ عدَد الأكابرْ
سوداءُ لا يجلو الشهابُ *** سرارَها إِنْ جنَّ عاكرْ
ومروعة تنعى ومِنْ *** نفثاتها كالنار ثائرْ
وَقْعاً لهولِ مُصابها *** روحٌ تُردَّد في الحناجرْ
والى المقایر تنثتي *** فتثيرُ أفنية المقابرْ
وتصكُّ جبهتها أسىً *** بصفيحِ أرسم أرسمها الدواثرْ
يفرى المرائرَ شجوُها *** والشجوُ ما يفري المرائرْ
ولها سوافحُ عَبْرَة *** كالجمرِ مِنْ فوقِ المحاجرْ
تنعى ابنَ (موسى) لا الكليم *** بَلْ ابن (جعفرَ) والمفاخرْ
فَلْتَلْقَ مِنْ تیجانها *** صيدُ الأكاسر والقَياصرْ
أَ منیعَ ضَیمِ الجار کیفَ *** عليكَ صرف الدهرِ جائرْ
أَضیاءَ عينِ المجدِ *** بعدَكَ طرفُهُ أقدَاذُ عَاثرْ
فإذا بكاكَ فأنَّما *** إنسانَها تبكي النَواظرْ
وأَمَا وعزِّ عُلاك إذْ *** كانتْ لهُ تعنو الجابرْ
لو كان غيرُ اللهِ ما *** أضرعتَ خدّك طوعَ آمرْ
لكنَّما حَتَمَ القضاء *** وحانَ ترحالُ المسافرْ
رعباً لشُهْبِكِ ياسما *** لَمعَتْ كأنعُمهِ الزواهرْ
وحكاهُ بدرُكِ طالعاً *** والشيءُ يذكرُ بالنضائرْ
سَقْيَاً لحفظ عهودِهِ *** هيهاتَ يسلوهُنَّ ذاكرْ
تنْسَي صنائعهُ النفائس *** أم عرائسه البواكرْ
وعذرتُ ثَمَّةَ مَنْ كَبَا *** وَأُقلتُ عثرةَ كُلِّ عاثرْ
أنّى لمُسْتامُ الحصی *** من سوم می هاتيكَ الجَواهرْ
عُذْراً بني العزّ الكرام *** لها فأنّي اليومَ عاذرْ
فاسلمْ أبا (المهديِّ) *** ممتثلَ النواهي والأوامرْ
وانهضْ لعزّ الدين مُنْتَصِراً *** بربّكَ خیرَ ناصرْ
کالليثِ دمدمَ كاسراً *** ويقّل عنك الليث كاسرْ
أنتَ ابنَ بجدتِها ونورُ *** سراج مشکاةِ المفاخرْ
أنتَ الشفاءُ لدائها *** ولكُلِّ جُرحٍ أَنَتَ سابرْ
أعميدَ أهليهِ الأكابرْ *** صبراً ولِستُ أقولُ كابرْ
فإلى الحبيب إشارة الأحياء *** إذْ تُلوى الخَناصِرْ
وبهِ المدارسُ نالتِ *** البُشرى وأعوادُ المنابرْ
کالبحر إلاَّ أَنَّهَ *** عَذْبُ الموارد والمصادرْ
فاكشفْ بضوءِ الفرقدين *** سرارَهُ إِنْ جَنَّ عاكرْ
فابنا (عليٍّ) و(الزّكيِّ) *** إليهُما قصدُ النَواظرْ
وإذا ندبتُ بني (الرضا) *** للفخرِ حينَ زها المُفاخِرْ
ألقى العصا (موسى) فأبطلَ *** بالحيقةِ كُلِّ ساحَرْ
وسَما (عليٌّ) طائراً *** بالفخرِ بُوركَ منه طائرْ
بهما لعَمْرِ (الحُسين) *** غدا (الحُسَينُ) قريرَ ناظرْ
مَنْ تلقَ منهم تَلْقَهُ *** مِلء المسامع والنواظرْ
مِنْ باهرٍ للعقل قَلَّ *** لمثلهِ لو قیلَ باهرْ
یا تُربةَ الرِمم التي *** ضمنت من الغيبِ الضمائرْ
ما أنتِ إلاّ المِسكُ *** لولا نسبةٌ لدم (الیَعافِرْ)
فَعَلى الأوائلِ منهمُ *** أسنى التحيَةِ والأواخرْ
ما هَبَّ معتُلّ النسيم *** وهاجَ فَقْدُ الألفِ طائرْ
وقال أيضاً يرثيه، ويُعزّي ابن عمّه جناب العلم السامي، وبحر التقى الطامي، الأوّاه المنيب، الشيخ العابد الشيخ حبيب(1)، ابن الشيخ علي بن الشيخ جعفر قدس سرّهم الأطهر، وقَدْ جلس بعده بمجلس آبائه الكرام، ورجعت إليه مرجعية الخاص والعام، وهي:
هتفتْ بشاوية الأضالعْ *** وفوادح الرُزءِ اللواذعْ
ومن الرزية أعولتْ *** بين الأباطح والأجارعْ
وتبثُّ مِنْ لأوائها *** فوقَ المآذَن والصّوامعْ
حتى استفزَّتْ صيدَها *** مِلء الشوارع والمشارعْ
تبغي عزيزَ المصر *** أمسى خدُّهُ للتُربِ ضَارعْ
تَنْعَی السَحابَ الجُون تطویه *** الأعاصرُ بالزعازعْ
تَنْعَى لشملِ المكرمات *** وهَلْ لذاكَ الشملِ جامعْ
تَنْعَى الأئمةَ للمنابر *** والجماعةَ للجوامعْ
تَنْعَى المدارسَ أصبحتْ *** قَفْرَ المعاهدِ والمرابعْ
تَنْعَى الألى مِنْ (جعفر) *** وَضُحَتْ بهم سننُ الشرائعْ
أعلام شرعة (جعفر) *** والكُلُّ مستنٌّ وشارعْ
تَنْعَى مذاهب (جعفر) *** عادت معالمُها بَلاقعْ
تَنْعَى مصابحَ أُطْفَئتْ *** لأفولِ أقمار طوالعْ
تَنْعَى عصا (موسى) إذا *** ألقى المخيّل والمُصانعْ
تَنْعَى مآثرَهُ الحِسان *** وبيضَ أيدينا النواصعْ
تَنْعَى (عليّاً) ذا العُلى *** کشاف معضلة الوقائعْ
تَنْعَى الزكيَّ المُجتبي *** (حَسَناً) تريبَ الخدِّ سافعْ
تَنْعَى الجوادَ (مُحَمَّدَ) ابنَ *** (عليّ) مأمل كُلِّ طامعْ
تَنْعَى الفتى (المهديَّ) مَنْ *** مُلِئتْ هَنَاً فيهِ المسامعْ
1) تُوفيَ سنة 1307 ه / 1890 م
وفجیعةُ الدهرِ التي *** عَظُمَتْ فهوّنتِ الفجائعْ
للشرع تَنْعَى (جعفراً) *** عذب المناهل والمشارعْ
تَنْعَى أبَا (حسن) فلا *** تَنْفَكُ مسبلة المدامعْ
تنعاهُ أَمْ تَنْعَى الفقاهةَ *** ما لِتاجرها بضائعْ
تَنْعَى (الرضا) لبني أبيه *** قضى غريبَ الدار شاسعْ
وأسى الأمامُ سمیَّهُ *** فَعَداله في الحكم تابعْ
وقضى حميداً (ثامن) ال *** أعلام لستُ أقولُ (تاسعْ)
تَنْعَى أشعة كوكبٍ *** في هالةِ العلياء ساطعْ
وأمين شرع قیّمٍ *** ولنعم محتفظ الودائعْ
تَنْعَى ابْنَ (موسى) ذي *** اليد البيضاء والكَلِم الجوامعْ
تَنْعَى بروق سحابةٍ *** والسُحبُ أغزرُهَا هوامعْ
تَنْعَى ضروع غَمامةٍ *** ما حُرِّمتْ منها المراضعْ
تَنْعَى المُجلّي في السباق *** إذا الكميتُ الطرف ضالعْ
تَنْعَى صنائعَ ربِّها *** والناسُ - بعدُ - لها صنائعْ
تَنْعَى لرِكنٍ هدَّهُ *** مِنْ هادمِ اللذاتِ قارعْ
تَنْعَى لكبشِ نِطاحِها *** أرادهُ مشبوح الأشاجعْ
تَنْعَى صنائعَ عزّها *** کمنتْ بهابطةِ الأجارعْ
فَغَدا الكمين طليعه *** مِنْ بعدِ هاتيكَ الطلائعْ
تَنْعَى أبي (موسى) لموسى *** حینَ أعوزَ منه طالعْ
مِنْ خاطب بِكرَ العُلى *** مِنْ كُلِّ قاصيةٍ وشاسعْ
ومملّك من نيلها *** أقصى الأماني والمطامعْ
فیهِ التسلّي للقلوبِ *** إذا أمضَّتْهَا الفجائعْ
و (بمُحسِنٍ) نِعْمَ الأسى *** في المزعجات من الوقائعْ
طلاع كُلِّ ثَنَيّة *** طلاب غایت المُسارعْ
هو منجبُ الأبوينَ ذا *** حَسَبٌ كضوءِ الصُبحً ناصعْ
وعمید أربابً الكمال *** وليسَ ثُمَّةَ مَنْ يُنازِعْ
أرثيهِ منصدعاً فيا *** لكَ فادحٌ للطودِ صادعْ
مَّما عرا مِنْ نكبةٍ *** نزعتْ من الكفّ الأصابعْ
ولمثلهِ نِعْمَ التسلّي *** (بالحبيبِ) إلى الطبائعْ
الآمر الناهي بنا *** والكُلُّ ممتثلٌ وسامعْ
هو ذاكَ مُنْتَجعُ النَدى *** وعمیمُ أسبابِ المَنافعْ
وبكُلِّ رزق قانع *** زهداً ورَبَّ الزُهدِ قانعْ
مبتبتّل في الليل إمَّا *** ساجدٌ أو لا فراكعْ
وغزیر علم زانَهُ *** عملٌ به للرجس قامعْ
نِعَمَ المُفيدُ (وجیزَهُ) *** وَلِنِعْمَ (مختصرٌ) (ونافعْ)
ما انفكَّ يلتمسُ (الفتاوى) *** مِنْ أدلَّتِها القواطعْ
ولسوفَ يصدعُ بالهُدى *** وكفى به بالحق صادعْ
ويُقيمُ ما قَدْ زاغَ مِنْ *** عمدِ الهداية خيرَ رافعْ
وسقى الحَيا جدثَ (الرضا) *** ومضاجعيه لدى المضاجعْ
إلى هنا تمّت ترجمة جدنا الأعظم، الشيخ مُحَمَّد رضا (قُدِّسَ سره الأكرم).
وتليه (إن شاء الله) ترجمة باقي هذه الطبقة وهم: الشيخ الأجل، الشيخ حبيب(1)وأخوه الشيخ عباس(2)المبجل، ابنا الشيخ عليّ قدس سرهم جميعاً، ثم ترجمة الشيخ عباس(3)ابن الشيخ حسن قدس سره. وبه يكون ختام الطبقة الثالثة.
ونشرع إن شاء الله تعالى وتوفيقه بذكر الطبقة الرابعة وهم أولاد المذكورين في الطبقة السابقة.
والحمد لله أولاً وآخراً.
1) الشيخ حبيب ابن الشيخ علي بن الشيخ جعفر الكبير من كبار الفقهاء، تُوفي سنة 1307 ه / 1890 م
2) الشيخ عباس ابن الشيخ علي بن الشيخ جعفر الكبير، ولد سنة 1242 ه / 1827 م، وتُوفي سنة 1315 ه / 1897 م. وهو من كبار فقهاء هذه (الطائفة) وشعرائها
3) ولد الشيخ عباس بن الشيخ حسن بن الشيخ جعفر الكبير سنة 1253 ه / 1837 م، وتُوفي سنة 1323 ه / 1905 م
تأليف
زعيم الأمامية في عصره
الشيخ جعفر كاشف الغطاء
المتوفى سنة 1228 ه / 1813 م
حققه وقدَّم له
الدكتور جودت القزويني
منهج الرشاد - (النسخة الخطية)...511
النسخة المطبوعة...514
جواب الأمير عبد العزيز بن سعود...515
منهج الرشاد لمن أراد السداد...517
مقدمة المؤلف...519
الفصل الأول: في أنَّ الأفعال والكلمات تختلف باختلاف المقاصد والنيّات...520
الفصل الثاني: في بيان اختلاف ظواهر الآيات والروايات...527
الفصل الثالث: في بيان الميزان التي يُرجع اليها إذا تشابهت الأمور...530
المقصد الأول: في تحقيق ضروب الكفر...535
المقصد الثاني: في تحقيق معنى العبادة...540
المقصد الثالث: في الذبح لغير الله...544
المقصد الرابع: في النذر لغير الله...547
المقصد الخامس: في القَسَم بغير الله...549
المقصد السادس: في الاستغاثة...552
المقصد السابع: في التوسّل...556
المقصد الثامن: في الشفاعة...559
الخاتمة...562
الباب الأول: في حياة الأموات بعد موتهم...562
الفصل الأول: فى حياة النبي (صلی الله علیه وآله) بعد موته...562
الفصل الثاني: في حياة سائر الشهداء والأنبياء...565
الفصل الثالث: في حياة سائر الموتى...566
الباب الثاني: في الزيارات...571
الفصل الأول: في زيارة قبر النبي (صلی الله علیه وآله)...571
الفصل الثاني: في زيارة باقي القبور...573
الباب الثالث: في التبرّك بالقبور ونحوها...574
الباب الرابع: في بناء قبور الأنبياء والأولياء وتعميرها وتعلية بنائه وتشييد أركانها...578
كشف الجواب عمَّا تضمَّنه ذلك الكتاب...581
هذه الرسالة حصيلة مراسلة بين شخصيّتين كبيرتين تمثَّلتا بالشيخ جعفر كاشف الغطاء - زعيم الطائفة الأمامية في عصره -، المُتوفى سنة 1228 ه / 1813 م، وبين الأمير عبد العزيز بن سعود - أحد قادة الحركة الوهابيّة في عهدها الأول -، المتوفى سنة 1218 ه / 1803 م.
والسبب الذي دعا إلى تأليفها هو أنَّ الأمير عبد العزيز كتبَ رسالة إلى الشيخ كاشف الغطاء انتقد فيها الممارسات التي يُطبّقها زوَّار المراقد الدينيّة المقدسة، - وهي حسب العقيدة الوهابية تقارب الشرك في مقام التوحيد -، المبتنية على مفردات نظرية مثل الشفاعة، والتوسل، والاستغاثة.
ولمعرفة ما تنطوي عليه هذه الأوراق من مناقشة وجدل يتحتّم فهم الظروف التي كانت سائدة في منطقة الجزيرة، والتي بدأت تؤثر في المناطق المحيطة تأثيراً بالغاً وفعَّالاً.
فقد كانت منطقة الجزيرة العربيّة سياسياً واقعة تحت نفوذ السيادة العثمانية (عدا مسقط)، كما كان حال الدول الأخرى مثل العراق، وبلاد الشام، ومصر. ولم تكن سيطرة الدولة العثمانية على هذه البلدان سيطرة فعلية حيث تكتفي من الولاة بتقديم المبالغ المناسبة دليلاً لخضوع الوالي لها.
وفي القرنين (الثاني عشر والثالث عشر الهجريين / الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين) بدأ النفوذ البريطاني يدخل منطقة الشرق لتأمين سلامة المواصلات التجارية بين الهند وانكلترا، ووصول بضائع شركة الهند الشرقية الانكليزية إلى موانئ الخليج.
وكانت إيران تحت سلطة الافشاريين بعد سقوط الدولة الصفوية سنة 1135 ه / 1722 م.
وفي أوائل القرن الثالث عشر الهجري / التاسع عشر الميلادي أصبح نفوذ البريطانيين شبه منفرد في المنطقة لانشغال الدولتين الكبيرتين القاجارية والعثمانية بأوضاعهما الداخلية المضطربة، والنزاعات المتكررة بينهما.
ففي هذا الوسط ظهرت الدعوة الوهابية، وامتدت بتحالفٍ تمَّ عام 1157 ه / 1744 م بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والأمير محمد بن سعود على أنْ يكون صاحب
السيف حارساً للدين، وناصراً للسُّنَّة، وانْ يستمر الداعية على الجهر بدعوته الأصلاحية الجديدة.
وقد اتسعت الأمارة في عهد محمد بن سعود(1)فشملت أكثر (نجد) حيث تكرَّستْ فتوحاته على القُرى المحيطة (بالدرعيّة)، والتي نجح في القضاء على زعاماتها المحلية ولم يبقَ خارجاً عن قبضتهِ سوى مدن الرياض، والأحساء، والقصيم.
وقد حكم محمد بن سعود عشرين عاماً حتى وفاته سنة 1179 ه / 1765 م حيث تولَّى الحكمَ بعدَه ولدُهُ عبد العزيز.
أمَّا ولدُه (المُعنى بهذه الرسالة) عبد العزيز بن محمد بن سعود فقد حكم (39) عاماً وخلال هذه الفترة الزمنيّة اتسعت فتوحاتُهُ إتساعاً إمتدَّ بسلطانه من شواطئ الفرات إلى رأس الخيمة، وعُمان، ومن الخليج إلى أطراف الحجاز وعسير.
إنَّ العلاقة الوهابية - الأثنا عشرية مرَّت بمرحلتين:
الأولى: في حياة شيخ الوهابية محمد بن عبد الوهاب حتى وفاته عام 1206 ه / 1792 م.
الثانية: ما بعد رحيل الأمام محمد بن عبد الوهاب، أي (خلال مرحلة حكم الأمير عبد العزيز بن سعود (1206 ه - 1218 ه).
ففي المرحلة الأولى لم تشهد المدن المقدسة الشيعيّة أيّ هجوم وهابي. والسبب يعود - كما ذكر صاحب العبقات - إلى علاقة الشيخ جعفر الطيّبة مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وبالرغم انَّ المصادر التاريخية لم تُشِرْ إلى علاقة كهذه سوى ما ذُكر في (العبقات)، فأنَّ سياق الأحداث التأريخية يؤكد وجود علاقة بين الطرفين، ربَّما إمتدت منذ إقامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أيام دراسته في بغداد، وبقيت حتى تولّي الشيخ كاشف الغطاء زعامة الطائفة الأمامية.
أمَّا المرحلة الثانية - والتي تبدأ بعد وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -، فأنها إتّسمت بالحوار الدبلوماسي في سنيّها الأولى، لكنَّها لم تستمّر على هذه الوتيرة بعد الغزو الوهابي لمدينة كربلاء عام 1216 ه، وإحلال الدمار والقتل فيها.
1) كانت إمارة آل سعود لا تتعدى البلدتين، أو الثلاثة في زمن أبيه سعود بن محمد بن مقرن. وقد إتسعت الفتوحات بعد تولّي محمد بن سعود الزعامة سنة 1139 ه / 1727 م
وتتجلّى أهمية هذا الحوار في المراسلات التي دارت بين الأمير عبد العزيز بن سعود والشيخ كاشف الغطاء، حيث كتب الأمير عبد العزيز رسالة (نقل قسماً من مضامينها كاشف الغطاء)، وردَّ عليها برسالة أشبه ما تكون بالمناقشة الشاملة لما وردَ من الشبهات أُثيرتْ حول الفكر الأمامي، وممَّا لم يرد منها أيضاً.
قد تميّز منهج كاشف الغطاء في رسالته بسمات، أهمّها:
1- امتازت الرسالة بالموضوعية والصدق، والواقعية، وغزارة المعرفة، وقوّة الأستدلال؛ حيث نهج مؤلفها منهجاً عقلانياً متكاملاً ردَّ فيه المنطق بالمنطق، والحجَّة بالحجَّة والبرهان، ممَّا جعلها - على رغم أنَّها نافت على القرنين من الزمن - رسالةً فتيةً ما زالتْ حجيّتها قائمة، طريّة الأفكار، متينة المباني، عَذْبة المُحاججة، خالية مما اعتاد عليه المؤلفون في مثل هذه الميادين من الخروج عن ذريعة العلم إلى ذرائع أخرى لا تتصل إلى نهج المعرفة بصلة.
2- يبدو أنَّ كاشف الغطاء كان يدرك انَّ الفتوحات الجديدة تهددُ أمن المنطقة بشكل عام، وستصل إلى العراق لضعف السلطة الحاكمة فيه، وانشغالها بالمشاكل الداخلية وغيرها. لذلك كان حديثُه في الردّ حديثاً حاول من خلاله إقناع عبد العزيز بن سعود - بما استطاع من إمكانات - بالرجوع عن معتقداته الدينيّة، والتخلّي عن نظريته المذهبية التي اعتنقها وتبّناها - على فرض الامكان -، أو احترام وجهات النظر المتغايرة - على فرض آخر -. لذلك كان خطابُهُ إليه خطاباً يُشعر أنَّه خطاب صادر من سلطة دينيّة عُليا إلى سلطة قتالية عُليا.
وبالرغم من احترامه المتزايد للأمير الفاتح إلاَّ أنَّ (رسالته) لم تخلُ من واقعيّة في التعامل مع هذا الأمير، فقد حدَّثه فيها باللغة المباشرة التي يفهمها هذا الأمير العربيّ. وكان يعزو تبنّيه للمذهب الوهابي إلى عدم خبرته في اختيار المذهب الذي عليه أنّ يتبّناه ويناضل من أجله، بسبب ضالة معرفته الفكرية.
3- تناولت الرسالة ردَّاً للشبهات التي نشرها الوهابيون، وقد رتَّبها على مقدمة وفصول، ومقاصد، وكان لا يملُّ من تكرار كلمة «أخي»، و«أقسم عليك» - نهاية كلّ موضوع - بعد بيان النتيجة التي يتوصل إليها بعد إيراده جملة من الأحاديث النبويّة لعلَّ ذلك يكون سبباً لمراجعة المُعتقد من جديد.
4- إستخدم في طيّات رسالته أسلوب الموعظة، وإلفات النظر إلى أنَّ النفوذ الدنيوي
مهما بلغ فانّه سيؤول إلى الزوال. وقد أطنب في اختيار بعض المرويات المتعلقة بنهاية الأنسان وفنائه في الفصل الثالث، تحت عنوان: (في حياة سائر الموتى).
5- نسب كاشف الغطاء نفسه في رسالته هذه إلى أَنَّه من تلامذة مدرسة (بغداد). وقد ذكر محمد حسين كاشف الغطاء انَّ الشيخ جعفر أراد بذلك أنْ يظهر بمظهر أهل السُنَّة ليتوصل إلى أهدافه، ويُقلع عبد العزيز عمَّا هو عليه. ولم يكن هذا الرأي موافقاً للصواب لعلم الأمير عبد العزيز بهوية كاشف الغطاء، ومخاطبته الصريحة في رسالته التي إنتقد فيها زوَّار قبر الأمام علي في النجف.
ويمكن الأستنتاج أنَّ العلاقة التي يشير إليها صاحب (العبقات) نفسه بين الشيخ كاشف الغطاء، وابن عبد الوهاب يمكن أن تكون ممتدّة إلى أيام تتلمذ الشيخ محمد ابن عبد الوهاب على يد شيوخ الحنابلة البغداديين. فأراد كاشف الغطاء أنْ يظهر أمام عبد العزيز بن سعود أنَّه بمنزلة شيخه الذي نهض بأعباء الدفاع عن فكره، ونشر معتقداته بالقوّة.
6- لمَّا كان المذهب الوهابي يعتمد على صحاح الأحاديث السُنّية، فقد التزم كاشف الغطاء في نقل أحاديثه، ومناقشاته على الصحاح فقط، ولم يتطرّق إلى غيرها من كتب الحديث. كما نقل أقوال كبار علماء السُّنَّة في بحثه، ولم يتطرَّق إلى كتب الحديث الشيعيّة سوى ما نقله فقط عن كتاب الأحتجاج للشيخ الطبرسي في حديث عام يتصل بالمجادلة بين النبي محمد (صلی الله علیه وآله) وبعض المناوئين له من العصر الجاهلي.
7- كُتبتْ هذه الرسالة في سنة 1210 ه / 1795 م أي في حياة العلامة السيد مهدي بحر العلوم الذي تُوفيَ سنة 1212 ه / 1797 م. وكانت المرجعيّة في هذه المرحلة مقسَّمة بين عدد من المجتهدين، حيث تخصص بحر العلوم بالتدريس، وكاشف الغطاء بالزعامة والفُتيا، والشيخ حسين نجف بالصلاة جماعة، مما يُبرهن على انحصار مرجعيّة التقليد السياسية والدينيّة في شخص كاشف الغطاء دون غيره من المجتهدين الكبار من طبقته.
لقد كان الشيخ كاشف الغطاء مدركاً المتغيرات السياسية، والصراع القائم بين القُوى المتنازعة على الخليج فحاول أنْ يُظهر النجف مركزاً مستقلاً عن م-دار صراعات دول المنطقة، وأنْ يجنّب المرجعية الدينيّة العليا من الدخول في هذا الصراع.
ومن هنا يمكن تفسير العلاقة الودّية التي أقامها مع شيخ الوهابية بالمكاتبة مرَّة، وبتقديم الهدايا مرَّة أخرى، ونجاحه في حفظ الكيان الشيعي بعيداً عن المتغيرات السياسية التي
شهدتها المنطقة.
وبمقدار النجاح الذي حققه كاشف الغطاء مع الشيخ عبد الوهاب، فأنَّه أرادَ أنْ ينحو المنحى نفسه مع وريثه الأمير عبد العزيز بن سعود، وهو وإنْ نجحَ في تحييده قرابة العقد من الزمن إلاَّ أنَّ ذلك لم يمنع ابن سعود من غزو مدينة كربلاء المقدسة عام 1216 ه، ونهب (الكنوز) المودعة في حرم الأمام الحسين بن علي (علیه السلام)، وقتل أهالي البلدة قتلة مأساوية شنعاء.
إنَّ الهجوم الوهابي على (كربلاء) عام 1216 ه لم يكن مستهدفاً الشيعة بمقدار ما كان يهدف إلى إحلال الفوضى فى الأمبراطورية العثمانية، وتهديد سلامتها وسرقة الخزائن التي ملأها ملوك الهند والفرس بنفائس الجواهر في النجف وكربلاء.
وبعد واقعة كربلاء عام 1216 ه / 1801 م أحسَّ كاشف الغطاء بضرورة تحصين النجف، وتعبئة الأهالي للدفاع عنها. فتهيَّأت لذلك مراكز تدريب قتالية خارج البلدة يشرف عليها كاشف الغطاء بنفسه. كما تمَّ تعيين عدد من المقاتلين للحراسة، وتنظيم المجاميع الأخرى للتصدي للغزو الخارجي من وراء الأسوار(1).
وقد فشلت جميع الهجمات الوهابية الخمسة التي تكررت على النجف والتي كان أعنفها الهجمة التي حدثت أواخر عام 1218 ه / 1803 م حيث دافع النجفيون دفاعاً عنيفاً، ولم تستطع القوّة الغازية من اقتحام المدينة.
وفي عام 1221 ه / 1806 م تعرضّت النجف لغارة مفاجئة إلاَّ أنَّ ثقة النجفيين بممارساتهم القتالية وتحصنّهم بالأسوار والأسلحة جعلهم يتغلبون هذه المرَّة على القوّة المُهاجمة بسهولة.
«منهج الرشاد» - النسخة الخطية
وهي نسخة مكتوبة في حياة المؤلف، وقريبة لزمن التأليف كتبها العلامة الشيخ قاسم الدلبزي سنة 1210 ه / 1795 م، وعليها تعليقٌ له.
1) انتدب كاشف الغطاء الصدر الأعظم محمد حسين خان (وزير فتح علي شاه) ببناء سور محصّن للمدينة وفعلاً فقد بدأ العمل ببنائه سنة 1218 ه / 1803 م، واستمرّ العمل فيه ما يقارب العقد من الزمن فأصبحت النجف بسببه بلدة محصّنة يصعب اقتحامها حيث تضمّن خندقاً عميقاً، وأبراجاً، ومراصد، ومخافر، وجُعلت في طبقاته منافذ مختلفة لوضع فوهات المدافع والبنادق
الصفحة الأولى من مخطوطة «منهج الرشاد»
الصفحة الأخيرة من مخطوطة «منهج الرشاد»
وهذه النسخة - كما يظهر - مطابقة للأصل تمام المطابقة، سليمة العبارة، صحيحة وهي تتكون من (55) صفحة، كُلُّ صفحة تحتوي على (23) سطراً عدا الصفحة الأولى، ويتكون السطر الواحد - غالباً - من (12) كلمة.
أمَّا ناسخُها العلامة الدلبزي فهو من العلماء المجهولين الذين اختفى تراثهم، ويبدو أنّه من تلامذة المؤلف كاشف الغطاء، والسيد مهدي بحر العلوم، كما يظهر من بعض المخطوطات أنَّه كان حيَّاً سنة 1231 ه / 1816 م. واستظهر بعضهم أنَّه مات بالطاعون سنة 1247 ه / 1831 م. وولده الشيخ حسين الدليزي المُتوفى بالطاعون أيضاً سنة 1247 ه من العلماء المشهود لهم بالفضل، وغزارة العلم، والأدباء الكبار الذين احتفظت المجاميع الأدبية بنماذج من قصائدهم البليغة الجزلة.
وعلى هذه النسخة (تملُّكُ) جملة من الأعلام منهم: الشيخ سليمان العاملي، والسيد صدر الدين الصدر (صهر المؤلف)، والعلامة السيد عبد الله بن محمد رضا شبّر، والشيخ محمد رضا بن علي بن محمد جعفر الاسترابادي (وهي من مقتنيات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، برقم 3892 من تعداد الكتب الخطية).
النسخة المطبوعة
أمَّا النسخة الثانية فهي نسخة طُبعت بالمطبعة الحيدرية في النجف في شهر شعبان سنة 1342 ه / 1924 م، باهتمام العلامة السيد عباس التبتي، وتقع في (82) صفحة.
وعلى صفحتها الأولى كُتبَ هذا النصّ: «كتاب منهج الرشاد لمن أراد السداد من تأليف واحد الدهور، ونادرة العصور، أفضل الربانيين، وأعظم أساطين الدين، شيخ الطائفة الشيخ الأكبر (الشيخ جعفر النجفي) عطّر الله مرقده، صاحب کتاب کشف الغطاء، وشرح القواعد، والحقّ المُبين، وغيرها من المؤلفات الشهيرة، المُتوفى في رجب سنة ثمانية وعشرين بعد الألف والمائتين هجريَّة.
كتبه بعنوان جواب مكتوب، كتبه إليه بعض أمراء (نجد) من أبناء سعود الذين هم الدُعاة إلى مذهب الوهابيّة. وهو كتابٌ جليل لم يُكتبْ مثله في هذا الباب.
وكان طبعُه ونشره باتفاق حضرة حُجَّة الأسلام، ومرجع الأنام، وحيد الناس، سيدنا الأجل الحاج سيد عباس التبتي مُدَّ ظلُّه العالي. طبعت بمطبعة (الحيدرية) في النجف الأشرف سنة 1343 ه».
وقد ذكر الطهراني أنَّ منهج الرشاد هو أوَّل كتاب كُتبَ في الردّ على الوهابيّة ووصفه
بأنَّه حوى حقائق علمية، وحججاً دامغة.
أمَّا العلامة الأمين فذكر أنَّ هذه الرسالة هي أوّل رسالة كتبتْ في هذا الموضوع (إلاَّ أنْ يكون سبقها كتاب سليمان بن عبد الوهاب أخي محمد بن عبد الوهاب). وامتدح مؤلفها وقال: «إنَّها حوت كثيراً مما لم يحوه بعضُ ما تأخَّر عنها، فهي من مفاخر ذلك العصر».
جواب الأمير عبد العزيز بن سعود
عند وصول الرسالة إلى الأمير عبد العزيز بن سعود كتب إلى مؤلفها الشيخ جعفر کاشف الغطاء هذه الرسالة المختصرة، وهذا نصُّها:
يصل الخط إنْ شاء الله إلى عبد الله جعفر
راعي «المشهد»
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
السلام التام، والتحيّة والأكرام، يُهدى إلى سيد الأنام، محمَّد عليه من أفضل الصلاة والسلام، ثم ينتهي إلى جناب الأجلّ الأكرم عبد الله جعفر سلَّمه الله مِنْ كُلِّ شرّ، وأسكنه يوم القيامة جنّة المُستقرّ، وأعاذهُ مِن عذاب النار الذي يحذر.
أمَّا بعد: فوصلَ كتابُك، وفَهمنا ما تَضَمَّنَهُ مِنْ خطابك، وما ذكرتَ أنَّه بلغَكَ عنَّا مِنْ حُسن الطريقة، واستقامة السيرة من الصلاة والزكاة، والصيام، والحج، وغير ذلك مِنْ شرائط الأسلام، فالحمدُ لله الذي هدانا للأسلام، وجنَّبنا من عبادة الأصنام، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم الأصنام وجههِ وعِزِّ جلاله.
منهج الرشاد لمن أراد السداد
مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي تفرّد بالأزلية والقدم، واشتقّ نور الوجود من ظلمة العدم، وأسس قواعد الشرع على وفق المصالح والحِكَم، وفضّل أمة محمد (صلی الله علیه وآله) على سائر الأمم، وأنزل القرآن فيه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات، وحذر عن اتباع الملاذ والشهوات، وأمرَ بالوقوف عند الشبهات، وأنذر عن متابعة الآباء والأمهات، والصلاة والسلام على من قدَّمه على جميع أنبيائه، وفضَّلهُ على كافة أصفيائه، (محمد) المختار، صلى الله عليه وعلى آله، ما أظلم ليل، وأضاء نهار.
أما بعد: فقد ورد - الى المقصر مع ربه، التائب اليه من ذنبه، الطالب من الله السداد، (جعفر) أقل طلبة أهل (بغداد) - كتاب كريم، مشتمل على كلمات كالدر النظيم، ممن لم يزل بالمعروف آمراً، وعن المنكر ناهياً زاجراً، الآمر بعبادة المعبود، الشيخ عبد العزيز بن سعود(1)
اغتاله رجلٌ من أهل العمادية من ديار (الجزيرة) في جامع الدرعية سنة 1218ه / 1803 م. الأعلام للزركلي، ج 4، ص 27
. فلما نظرته وتدبرتُه وتأملته وتصورته، خلوتُ في زاوية من الدار، وتصفحته تصفح الأنصاف والأعتبار. وقلتُ متهماً لنفسي بالميل الى العصبية والعناد، والركون الى ما عليه الآباء والأجداد: يا نفس إعرفي قدر دنياك، واحذري شر من أغوى أباكِ، لقد تخليتِ عن نعيم الدنيا بحذافيرها، وقنعت بقليلها، ولو بقرص شعيرها، وتجنبت دار العزّة والوقار، واخترتِ العزلةَ والخمولَ في هذه الديار.فلو كنتِ في كبار البلدان، من ممالك بني (عثمان)، أو في بعض بلدان فارس وإيران، لجاءت إليك الدنيا من كل جانب ومكان، ونلت من النعيم ما لم ينله إنسان، فأحذري أن تكوني مع الأعراض عن هذه النعم الفاخرة، ممن قد خسر الدنيا والآخرة.
فلما شممتُ منها رائحة التصفية، ورأيت أن نسبة المذاهب - لولا الله عندها - على التسوية، وجهتها الى الكشف عن حقيقة الجواب عن الشُّبهِ الموردة في ذلك الكتاب،
1) عبد العزيز محمد بن سعود (أمير آل سعود في دولتهم الأولى)، ولد سنة 1132 ه / 1720 م، ووُلّي بعد وفاة أبيه عام 1179 ه / 1765 م، وكانت عاصمة حكمة (الدَّرعية) بنجد، واتسعت الفتوحات في أيامه، وامتدَّ مُلكُهُ من شواطئ الفرات إلى رأس الخيمة وعُمان، ومن الخليج الفارسي إلى أطراف الحجاز وعسير.
ورأيت أن أشرحَ في الحال رسالةً على وجه الأختصار، مستمداً من فيض الواحد القهار، وسميتها منهج الرشاد لمن أراد السداد».
فاقسم عليك - بمن جعلك متبوعاً بعد أنْ كُنتَ تابعاً، ومطاعاً بعد أن كنتَ لغيرك - مطيعاً سامعا، وأعزَّكَ بعدما كنتَ ذليلاً، وكثَّر جمعك بعدما كان نزراً قليلاً - أن تنظر ما رسمتُه سطراً سطرا، وتمعن في تحقيق ما رقمته نظراً وفكراً، متوحشاً من الناس وقت النظر، متحذراً من النفس الأمارة كل الحذر، طالباً من الله كشف الحقيقة، سالكاً في المناظرة واضح الطريقة، فلعله يظهر أنه ليس بيننا نزاع، فنحمد الله على الإتفاق والأجتماع. وقد رتبتُها على مقدمة، ومقاصد، وخاتمة.
أما المقدمة، فتشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول في أنَّ الافعال والكلمات تختلف باختلاف المقاصد والنيَّات
فمن قال: يد الله، وعين الله، وجنب الله، وأراد الجوارح على نحو ما في الأجسام، او قال: إن الله على العرش استوى، أو في جهة الفوق، وأراد الحلول والاختصاص التام، أو أسند الرحمة إليه، أو الغضب، وأراد رقّة القلب، أو ثوران النفس على نحو ما يعرف بين الأنام، أو أسند الرزق الى المخلوق، أو دعاه، أو استغاث به على نحو ما يسنده الى الملك العلام، كان خارجاً عن مقالة أهل الإسلام.
وأما من قصدَ بها معاني أُخر، فليس عليه من بأس ولا ضرر. وليس هذا كصنيع المشركين، فأن الفرق ظاهر، كما سنبينه كمال التبيين، فالمستغيث بالمنسوب مستغيث بالمنسوب إليه، والمستجير بالمكان مستجيرٌ بمن سلطانه عليه.
فمن أراد الأستجارة والأستغاثة ب (زيد) فله طريقان:
أحدهما: أن يهتف بأسمه.
وثانيهما: أن ينادي بصفاته، أو مكانه، أو خدمه.
وثانيهما أقربُ الى الأدب، وأرغب لطباع أرباب الرُتب، فلا يكون المستغيث ببيت الله، أو بصفات الله، أو برسل الله، أو المقربين عند الله، إلا مستغيثاً بالله؛ فكلَّما دعا
مخلوقاً مقرب عند الله، أو استغاث به قاصداً بحسن التعبير الأستغاثة باللطيف الخبير، فليس عليه بأسٌ في ذلك، بل هو سالكٌ في الآداب أحسن المسالك.
وكذلك من أسند تلك الأشياء لمجرد الربط الصوري، لا على قصد التأثير الحقيقي، كما يقال: «أنبتَ الربيعُ البقل»، والمُنْبِتُ هو الله، و«بنى الأمير القصر»، والباني ظاهراً بناه(1).
فأطلاق (السيد) و(المالك) على غير الله، «وإضافة (العبد) و(المملوك) في الأحرار الى غير الله»(2)، إن أُريد بها الملكية الحقيقية، كان خروجاً عن الطريقة الشرعية، وإلاَّ لم يكن في ذلك بأسٌ بالكلية.
ولهذا ورد في الأخبار النبوية إطلاق (السيد) على غير الله.
روى أبو هريرة(3)عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة(4).
وعن أبي سعيد الخدري(5)عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة(6).
وعن علي (علیه السلام)، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة(7).
وعن فاطمة عليها السلام: أن النبي (صلی الله علیه وآله) أخبرني أني سيدة نساء العالمين، رواه الترمذي(8).
وروى أبو نعيم الحافظ، قال: قال النبي (صلی الله علیه وآله) إدعوا لي سيد العرب عليا.
1) في المطبوع: سواه
2) لا توجد في المخطوطة
3) أبو هريرة: عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني، تُوفي سنة 57 ه / 677 م في المدينة
4) سنن الترمذي (كتاب المناقب) حديث 3548؛ وصحيح مسلم (كتاب الفضائل)، حديث 4223؛ ومسند أحمد (باقي مسند المكثرين)، حدیث 10549؛ وسنن ابن ماجه، (کتاب الزهد)، باب 37؛ سنن الدارمي، المقدمة، باب 8
5) أبو سعيد الخدري: سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري، تُوفي في المدينة سنة 74 ه / 693 م، وهو من الصحابة، ورتبهم أسمى مراتب العدالة والتوثيق
6) سنن الترمذي (كتاب المناقب)، حدیث 3701، 3714؛ وابن ماجه (المقدمة)، حديث 115؛ ومسند أحمد (باقي مسند المكثرين)، حدیث 10576، 11166، 11192، 11351. ورواه أيضاً في (باقي مسند الأنصار)، حديث 22240، 22241
7) سنن الترمذي (كتاب المناقب)، حديث 3597، 3599. ومثله حدیث 3598؛ وسنن ابن ماجه (المقدمة) حدیث 92، 97؛ ومسند أحمد بن حنبل (مسند العشرة المبشرين بالجنَّة)، حديث 568
8) سنن الترمذي، حديث رقم 3828
وفي حلية الأولياء أنه قال النبي (صلی الله علیه وآله) لعليٍّ مرحباً بسيد المؤمنين(1).
وعن أبي بكرة عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال للحسن: إبني هذا سيد(2).
وعن عائشة(3)عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه سار إبنته الزهراء، فقال لها: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، أو نساء المؤمنين(4).
وروي ذلك عن الصحابة أيضاً، فعن جابر(5)أن عمر كان يقول: أبو بكر سيدنا، واعتقَ سيدنا، (یعنی: بلالاً)، رواه البخاري(6).
وعن أبي بكر (رض) أنه، قال: أتقولون هذا شيخ قريش وسيدهم(7).
وعن عائشة عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب.
وروي عن النبي (صلی الله علیه وآله): أن سادات النساء أربعة: خديجة، وفاطمة، وآسية، ومريم.
وعن علي (ع): أنا سيد البطحاء. إلى غير ذلك مما يزيد على التواتر.
فالجمع بين ذلك وبين ما روي في الكتب المُعتبرة أنه جاء وفدٌ الى النبي (صلی الله علیه وآله)، فقالوا: أنت سيدنا، فقال: السيد الله(8). باختلاف القصد في معنى (السيد).
وكذا ما وردَ من المنع من قول السيد عبدي وأَمَتي، فقول العبد لمولاه ربي، مع وجود ذلك في كلام يوسف(9).
وكذلك الأستغاثة بغير الله، إن أُريد بها الصورة، أو من باب إستغاثة العبد بقصد
1) حلية الأولياء، ج 1، ص 66
2) البخاري كتاب المناقب، حديث 3357، 3463. وكذلك رواه في كتاب الصلح، حدیث 2505؛ والترمذي (كتاب المناقب)، حديث 3706
3) عائشة بنت أبي بكر التيميَّة، أم المؤمنين، تُوفيتْ في المدينة سنة 58 ه / 678 م
4) صحيح البخاري (كتاب المناقب)، حديث 3353؛ وصحيح مسلم (فضائل الصحابة)، حديث 4486، 4488؛ والترمذي (كتاب المناقب)، حدیث 3807؛ وسنن ابن ماجه (ما جاء في الجنائز)، حديث 1610؛ ومسند أحمد (باقي مسند الأنصار)، حديث 23343، 24829، 25210
5) جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري، صحابي ، أقام في المدينة، وتُوفي فيها سنة 78 ه / 697 م
6) صحيح البخاري، (باب مناقب بلال بن رياح)، ج 4، ص 217، حديث رقم 3471؛ وسنن الترمذي، (كتاب المناقب)، حدیث 3589
7) صحیح مسلم (باب فضائل سلمان، وصُهيب، وبلال)، ج 4، ص 1947
8) سنن أبي داود (كتاب الأدب)، حدیث 4172؛ ومسند أحمد (مسند المدنيين)، حدیث 15717، 15726. وجاء فيه «أنت سيد قريش، فقال النبيّ (صلی الله علیه وآله): السيد الله»
9) إشارة إلى قول يوسف (علیه السلام): «قال معاذ الله إنَّه ربي أحسنَ مثواي» - سورة يوسف، الآية 23 - وقوله أيضاً: «فلمَّا جاءه الرسول قال أرجع إلى ربِّك فاسأله ما بال النسوة التي قطعنَّ أيديهنَّ» - سورة يوسف، الآية 50 -
المعبود، فلا بأس بها، وعلى ذلك قوله تعالى «فَاسْتَغاثَةُ الَّذِي مِنْ شيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِه»(1)وكذا قوله «يَسْتَصْرحُهُ»(2).
وكذلك إطلاق الربّ في بعض المعاني على غير الله كفر، مع أن الصديق يوسف (علیه السلام) قال «اذْكُرْني عِنْدَ رَبِّكَ»(3)، وكذلك طلب الرّزق من غير الله على وجه الحقيقة كفر، وقال الله تعالى: «وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً»(4)وقوله: «يا أَيُّهَا الْعَزيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرَّ»(5)، ونحوه «إسْتَطْعَما أَهْلَها»(6).
ومن ذلك قول القائل: لولا (فلان) لكان (كذا). فأن أراد أنه الفاعل المختار، دخل في أقسام الكفار. وإن أراد العليّة الصورية بمجرد رابطة جزئية، لم يكن عليه بأس بالكلية.
ولذلك ورد عن سيد الأنام أنَّه قال: لولا قومك حديثو عهد بالأسلام لهدمتُ الكعبة(7).
وعن سفيان الثوري أنه قال: لولا هذه الدنيا لكان الملوك صعاليك.
وعن عمر أنه قال لعلي (علیه السلام) لما أشار عليه بعدم أخذ حلي الكعبة: لولاك لافتضحنا.
وعن النبي أنه قال لعلي: لولا أن تقول الناس فيك ما قالت النصارى لقلتُ فيك مقالاً.
وورد في صحيح الأثر، عن الفاروق عمر أنه قال: «لولا علي لهلك عُمر». ولم ينكر عليه أحدٌ من الصحابة، إلى غير ذلك.
وكذا الحلف بغير الله إنْ أُريدَ به الحلف على جهة إثبات الدعوى، كان خارجاً عن الشريعة، وإلاَّ لم يكن قسماً على الحقيقة.
والحديث الذي فيه: «من حلف بغير الله، فقد أشرك»(8)محمول على حقيقة الحلف،
1) القرآن الكريم: 15/28 (سورة القصص)
2) القرآن الكريم: 18/28 (سورة القصص)
3) القرآن الكريم: 42/12 (سورة يوسف)
4) القرآن الكريم: 5/4 (سورة النساء)
5) القرآن الكريم: 88/12 (سورة يوسف)
6) القرآن الكريم: 77/18 (سورة الكهف)
7) عن عائشة، قالت: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله): «يا عائشة لولا أنَّ قومَك حديثو عهد بشرك لهَدمتُ الكعبة، فالزقتُها بالأرض». صحيح مسلم (كتاب الحج)، حدیث 2370؛ والبخاري (كتاب العلم)، حديث 123. وكذلك رواه في (كتاب الحج): - حديث عهدهم بالجاهلية -. حديث 1480، 1483
8) سنن الترمذي (كتاب النذور والأيمان)، حديث 1455
وسيجيء تفصيله في المقصد الخامس. وكذلك إطلاق اليد، والرجل، والقدم، وغير ذلك بالنسبة الى الله على الحقيقة، لا يُوافق الطريقة من غير تأويل، لم يتوهمه سوى نزر قليل.
مع أنه روى أبو هريرة عن النبي (صلی الله علیه وآله): أن النار لا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها(1). وعن أنس عن النبي (صلی الله علیه وآله) أن النار لا تمتلئ حتى يضع الله قدمه فيها(2).
ومن ذلك نسبة الضحك والعجب الى الله تعالى ، فأنَّ إرادة الحقيقة بعيدة عن الطريقة؛ مع أن أبا هريرة روى عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: لقد عجب الله، أو ضحك الله، عن (فلان) و(فلانة)، ونقل قصته(3).
فبأختلاف المعاني إختلفت المباني، وكذلك في مسألة الأفعال، فأنها شبيهة الأقوال، فأنَّ القيام للتواضع قد ورد النهي عنه.
روى أبو أسامة عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه خرج مُتكاً على عصى، فقمنا له، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم بعضهم لبعض، رواه أبو داود(4).
وروى ابن عمر عن النبيِّ (صلی الله علیه وآله) أنه قال: لا يقوم الرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا(5).
وعن أنس أنه قال: لم يكن شخصٌ أحب إليهم من النبي (صلی الله علیه وآله)، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا، لما يعلمون من كراهيته لذلك، رواه الترمذي، وقال: هذا خبرٌ صحيح(6).
فينبغي أن ينزل المنع على قيام خاص، كأن يقوم منحنياً على نحو ما يصنع الأعاجم وفي الخبر ما يرشدُ إليه اختلاف الأغراض والمقاصد.
كما روي عن معاوية أنَّ النبيَّ (صلی الله علیه وآله) قال: مَنْ سرَّهُ أنْ يتمثل له الرجال قياماً، فليتبوء
1) صحيح البخاري (كتاب تفسير القرآن)، حدیث 4472؛ وصحيح مسلم (كتاب الجنّة وصفة نعيمها وأهلها)، حدیث 5082
2) صحيح البخاري (كتاب التوحيد)، حديث 6895؛ وصحيح الترمذي (كتاب صفة الجنَّة)، حديث 2480، 2484
3) صحيح البخاري (كتاب المناقب)، حديث 3524؛ وصحيح مسلم (كتاب الأشربة)، حدیث 3829، 3830؛ وسنن الترمذي (باب تفسير القرآن)، حديث 3226
4) سنن أبي داود (كتاب الأدب) - باب قيام الرجل للرجل، حدیث 5230
5) مسند أحمد، ج 2، ص17
6) سنن الترمذي (كتاب الأدب) - باب كراهية قيام الرجل للرجل، حديث 2678
مقعده من النار(1). وحديث «ولا يقوم الرجل»، ظاهره اختصاص الجالس مجلسه، وربما ينزل ما دل على كراهته كذلك على نحو كراهته لملاذ الدنيا، وزهده في القيام كزهده في مباحاتها.
فقد روى أبو سعيد الخدري أن سعداً جاء على حمار، فلما دنا من المسجد، قال النبيُّ (صلی الله علیه وآله) للأنصار: قوموا إلى سيدكم(2).
وعن عائشة قالت: كنت جالسةً متربعة، فجاء النبيُّ (صلی الله علیه وآله) فأردتُ القيام، كما عادتي عند دخوله، فمنعني(3). فأنَّ فيه دلالة على أنَّ ذلك كان معتاداً لها، ولعلَّ هذا المنع كان لسبب خاص، أو كزهد الدنيا، وكسر النفس.
وروي عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه لما قدم جعفر مبشراً بفتح خيبر، قام، فقال: ما أدري بأيُّهما أنا أشد فرحاً، أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر(4)
«لقائل أن يقول: إنَّ حديث (جعفر) ليس فيه دلالة على المطلوب لأنَّ قول النبيّ (صلی الله علیه وآله): «ما أدري أنا بأيُّهما أشدُّ فرحاً» لا دلالة فيه لاحتمال أنْ يكون من جمعة الفرح؛ يعني ما أدري فرحي لقدوم جعفر، أو لفتح خيبر؛ لأنَّ مطلوبنا القيام، وهذا لا دلالة فيه على أنَّ القيام كان من النبيّ لجعفر من جمعة فرحه بفتح خيبر.
وكذلك حديث أبي هريرة، وحديث واثلة لأنَّ قول الأصحاب (قمنا قياماً)، حتى قوله (دخل بيوت بعض أزواجه) لا دلالة فيه على أنَّهم قائمين - هكذا وردت في الأصل له (صلی الله علیه وآله)، وكذا قوله في حديث واثلة: (فاذا رآه أخوه تزحزح له) لاحتمال أن يكون التزحزح، والتفَسُّح بمعنى واحد. والمنكر لا ينكر التفسّح».
(قاسم الدلبزی)
.وقيام الأحتمال في هذه الأخبار لا يمنع الاستناد إليها كما لا يخفى على أولي الأنظار مع ما ورد في الأخبار الكثيرة، من إستحباب تعظيم المؤمن، ويدخل في تعظيم شعائر الله على نحو ما ورد في التفاسير المعتبرة.
وعن أبي هريرة أنَّ النبيَّ (صلی الله علیه وآله) كان يجلس معنا في المسجد يحدثنا، فإذا قام قمنا لقيامه، حتى نراه دخل بعض بيوت أزواجه.
وعن واثلة(5)قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله): إن للمسلم لحقاً إذا رأه أخوه تزحزح له، رواه البيهقي في شعب الايمان(6).
1) سنن أبي داود (كتاب الأدب)، حدیث 4552؛ وسنن الترمذي (كتاب الأدب)، حديث 2679
2) سنن أبي داود، حديث 5216
3) أيضاً، حديث 5217
4) علَّق العلامة الشيخ قاسم الدلبزي (ناسخ الكتاب) على هذا الموضوع بقوله:
5) واثلة بن الأسقع بن كعب، تُوفيَ سنة 83 ه / 702 م بدمشق عن (105) سنين
6) سنن البيهقي، (كتاب شعب الأيمان)
ولعل هذا مبني على أن التواضع تختلف أقسامه باختلاف الأزمان، وكيف كان فالذي يظهر بعد التأمل التام إختلاف الأقوال والأفعال باختلاف المقاصد. ومن ذلك إختلاف أحوال الزُهَّاد، فبعض ترك المأكل والملابس الحسان، واقتصر على الجشب والخشن، وبعضهم يأكل من أطيب المأكول، ويلبس من أنعم الملبوس. وباعتبار اختلاف النيات دخل (العَمَلان) في قسم العبادات.
ثم إنَّ الأفعال انختلفة بعضها لا ينسب الى غير الله، كأيجاد الكائنات، وصنع المصنوعات. وبعضها لا ينسب الى الله، كأفعال القبائح والمُنَفِّرات، وبعضها تختلف معانيها ومقاصدها، فتنسب الى الخالق مرة، والمخلوق أخرى. وهذا الحُكم متمشٍ على قول مَنْ لم يُثبتْ فاعلاً سوى الله، وعلى قول من أثبت.
والمعيار أنه متى قام إحتمال إرادة وجه صحيح بني عليه، لقوله (صلی الله علیه وآله): «إدرؤا الحدود بالشبهات»، ولا تقل في الناس إلاَّ خيراً». وما دلّ على النهي عن سوء الظن، فكيف بالشك.
وعن عائشة عن النبي (صلی الله علیه وآله): إدرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم(1).
فالناس إذن في صدور أمثال هذه الأمور عنهم على أنحاء:
بين علماء عاملين، مقاصدهم صحيحة، فلا يتعمدون بالأقوال والأفعال، إلا الوجوه السليمة من القيل والقال.
وبين أعوام جُهَّال بنوا على ما بنى عليه علماؤهم على الإجمال، وليس لهم قابلية التفتيش على حقيقة الحال، فهم أيضاً معذورون عند ربِّ العزة والجلال.
وبين من بنوا على طريق الضلال، وعليهم المؤاخذة بضروب النكال.
والتحقيق أنَّ تبدل الأحكام بتبدل الموضوعات، ليس من باب التشريع والإبداع، مثلاً يستحب للنساء التزين لرجالهن، فمنذ كان لبس السواد زينة إستُحب، فإذا انعكس وصار الميل إلى الأحمر والأصفر إنعكس الخطاب. وألوان اللباس تختلف باختلاف الناس، ففي كل بلاد يستحب لون ونوع ، فإنه قد يكون في مكان لباس شهرة، وفي آخر بعكسه، وفي موضع من لباس النساء، وفي موضع بعكسه.
وكذا كانت رغبة الناس في طيب الكافور، فكرهه اليوم.
1) المستدرك للحاكم، ج 1، ص 384
وكذلك إكرام الضيف بالمآكل، وكذا المراكب، فيختلف الحال باختلاف الأحوال.
وكذا طريق التواضع، وتعلية البناء، ولباس الزهد.
والزهد في المأكول يختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، والمقاصد، وعلى ذلك مبنى كثير من إختلاف الأخبار.
وكذا يستحب التأهب لجهاد الكفار بأحسن السلاح، وكان أطيبها السيوف والرماح، وصار الأحسن في هذه الأيام (التفك)(1)المعروف بين الأنام.
وكذا الوصول الى بعض الأرضين لا يستحب، حتى تجعل مقبرة للمسلمين.
فاختلاف الأزمنة والأمكنة والجهات، قد يبعث على اختلاف الأحكام، لأختلاف الموضوعات، وربما بني على ذلك إختلاف كثير من الأخبار، وطريقة المسلمين على اختلاف الأعصار.
وفقنا الله وإياكم لسلوك الجادة المستقيمة، والأخذ بالطريقة السليمة، وردني الله إليك إنْ كنتَ أنتَ على الحق، وردَّكَ إليَّ إن كان الحقُّ معي، ومع أكثر الخلق.
الفصل الثاني في بيان اختلاف ظواهر الآيات والروايات
وإن لكلِّ من الحق والباطل مأخذاً، كما روي: إنَّ لكل حق حقيقة، ولكل صواب نوراً، فمن أراد الحق إهتُدي إليه، ومَنْ أراد الباطل كان له ميدان في المجادلة عليه. فمن خرج عن جادة الأنصاف، وسلك طريق الغي والأعتساف، ولم يرجع الى سيرة الصحابة والتابعين، أمكنه أن يستند الى ظاهر القرآن المبين، فيما يخرج عن شريعة سيد المرسلين.
فأن (الوعيدية) المنكرين للعفو، الموجبين للمؤاخذة على المعاصي، يمكنهم الإستدلال بآية سورة الزلزال «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ»(2)، و(الوعدية) القائلين برفع المؤاخذة بالكلية، وان الله لا يعاقب على معصية، لهم الإستناد
الى قوله تعالى: «يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعاً»(1)، ووعده لا خلف فيه.
والمثبتون للرؤية في الآخرة يستندون إلى قوله تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظرَةٌ»(2)، والنافون الى قوله تعالى: «لا تُدركُهُ الابصار وهو يُدرِكُ الأبصار»(3).
والقائلون بأن الله على العرش بآية «عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى»(4)، والنافون بقوله تعالى: «إنّ الله مَعَنا»(5)و«إنّ مَعي رَبِّي سَيَهْدِين»(6)«وَمَا يَكُونَ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٌ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ»(7).
والقائلون بالتجسيم على الحقيقة يستندون الى مثل قوله: «يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ»(8)، والنافون الى قوله «لَيْسَ كَمِثْلِه شَيءٌ»(9)ونحوها.
والقائلون بجواز المعصية على الأنبياء يستندون الى مثل قوله تعالى: «وَعصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى»(10)، والنافون بمثل قوله: «لا يَنالُ عَهْدِيَ الظَّالمينَ»(11).
والقائلون باستناد جميع الأفعال إلى الله، استندوا إلى قوله: «خالِقُ كُلِّ شَيءٍ»(12)وقوله: «كُلٌّ من عند الله»(13).
والآخرون الى قوله «ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِن اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ»(14).
والقائلون بأن الكفار مخاطبون بالفروع بعموم «يا أَيُّهَا الناسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ»(15)، والنافون
1) القرآن الكريم: 53/39 (سورة الزمر)
2) القرآن الكريم: 23/75 (سورة القيامة)
3) القرآن الكريم: 103/6 (سورة الأنعام)
4) القرآن الكريم: 5/20 (سورة طه)
5) القرآن الكريم: 40/9 (سورة التوبة)
6) القرآن الكريم: 62/26 (سورة الشعراء)
7) القرآن الكريم: 7/58 (سورة المجادلة)
8) القرآن الكريم: 10/48 (سورة الفتح)
9) القرآن الكريم: 11/42 (سورة الشورى)
10) القرآن الكريم: 121/20 (سورة طه)
11) القرآن الكريم: 124/2 (سورة البقرة)
12) القرآن الكريم: 102/6 (سورة الأنعام)
13) القرآن الكريم: 78/4 (سورة النساء)
14) القرآن الكريم: 79/4 (سورة النساء)
15) القرآن الكريم: 21/2 (سورة البقرة)
لذلك بخطاب «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»(1)الى غير ذلك.
وكذا في الفروع الفقهية، فأنَّ كلاً من الفقهاء له مأخذ من الكتاب والسنة، مغاير لمأخذ صاحبه، كما لا يخفى على المتتبع، فلمن أراد أن يُبيحَ جميع الأشياء قوله تعالى: «خَلَقَ لَكُمْ ما في الأَرْضِ»(2)ومن قصر التحريم على أربعة استند الى ما دل على تحليل الأشياء ما عدا الميتة، والدم ، ولحم الخنزير، وما أُهِلَّ به لغير الله، من جميع ما جميع خلق الله.
والحاصل أنَّ كُلَّ مَنْ أراد العناد والعصبية، فله مَدْرَك يتشبث به من آية قرآنية، أو سُنَّة مُحَمَّدية، ويكون صاحب مذهب ورأي، يباحث الفضلاء، ويُناظر أساطين العلماء، ما لم يكن له حاجب من تقوى الله.
ولقد أجاد بعض القدماء، من فحول العلماء حيث يقول: إنَّ المسائل الشرعية عندي بمنزلة الشمع اللّين، أُصوُّرهُ كيف شئتُ لولا تقوى الله.
ونُقلَ أنَّ بعض الفضلاء أخذ قطعةً من قرطاس في محفل من الناس، فأورد عليهم براهين على أنَّها قطعة ذهب، حتى أقرّوا بذلك.
ولكن مَن أراد رضا الجبار، ورجا الفوز بالجنة، وخاف عذاب النار، ينظر الى المعادلة في الدلالات، ثم ينظر المرجحات الخارجيات، وأولاها التأمل في طريقة الصحابة وسيرتهم، فأنَّها أعظم شاهد على ما حَكمَ به الجبار، وجرت عليه سُنَّةُ النبيِّ المختار (صلی الله علیه وآله) فأنَّ لكل ملّة طريقةً يرجعون إليها، ويُعوِّلون عند وقوع الأشتباه عليها.
وقد يحصل العلم بما عليه الأمراء، من النظر الى عمل أتباعهم، وأشياعهم، ورعاياهم، وخدمهم، وحشمهم، لأنَّ الأثر يدل على مؤثره، والمنتهى يدل على مصدره.
وبُعدُ العهد بيننا وبين زمان (الصدور)، رُبَّما أخفى علينا كثيراً من الأمور، فاذا حصل الأجماع والأتفاق، إرتفع النزاع والشقاق، وكذلك إذا اشتهر أمر بين السلف وظهر، فلا وجه للأنصراف عنه الى ما شذَّ وندر.
فقد علم أنَّ الميزان الذي لا عيب فيه، ولا نقص يعتريه، هو الرجوع الى كلام الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، لأنه موضح وكاشف لحكم سيد المرسلين.
ولمَّا اختلفت الأخبار في بعض ما أوردناه وشرحناه، لزم الرجوع إليهم، والاعتماد في تصحيح الأخبار - بعد الله - عليهم.
على أنَّ الأخبار الدالة على جواز ما منعه المانعون أكثر مورداً، وأوفر عدداً، وأقرب إلى ظاهر الكتاب والسنة وكلام الأصحاب.
وفقنا الله وإياكم لأدراك حقائق الأمور، والتوفيق للسعادة يوم النشور، وجعلنا من المتمسكين بالعروة الوثقى، والمتشوقين إلى دار الآخرة التى هى خير وأبقى، والله ولى التوفيق، وبيده أزمة التحقيق.
الفصل الثالث في بيان الميزان التي يُرجع إليها إذا تشابهت الأمور
وهي ما عليه الصحابة والتابعون، وما أجمع عليه المسلمون. قال الله تعالى: «وَمَنْ يَتَّبِع غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنينَ نُوَلَّهِ ما تَوَلَّى»(1)وقال: «إنَّما يُريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ»(2).
وعن إبن عمر، أنه قال: لا تجتمع أمتي - أو قال: (أُمّة مُحمَّد) - على ضلال. ويد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، رواه الترمذي(3).
وعن إبن عمر، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: إتبعوا السواد الأعظم، فأنه من شذَّ شذ في النار(4).
وعن عمر، عن النبي (صلی الله علیه وآله) انه قال: مَنْ سرَّهُ بُحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فأن الشيطان مع الفرد، وهو من الأثنين أبعد(5).
وعن أسامة بن شريك(6)، عن النبي (صلی الله علیه وآله): أيما رجل يفرق بين أمتي فاضربوا عنقه،
رواه النسائي(1).
وعن النبي (صلی الله علیه وآله) إن الله أجاركم من ثلاث خلال، وعدَّ منها: أن تجتمعوا على الضلال(2).
وعن النبي (صلی الله علیه وآله): ما إجتمعت أمتي على الخطأ(3).
وقال علي (علیه السلام): في بعض خطبه: عليكم بالسواد الأعظم، وإن الشاذة للذئب(4).
وعن عمر، عن النبي (صلی الله علیه وآله): أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم.
وعن رزين، عن عمر، عن النبي (صلی الله علیه وآله) قال: سألت ربي عن اختلاف أصحابي، فأوحى إليَّ: إِنَّ أصحابك بمنزلة النجوم. بعضها أقوى من بعض، ولكُلٍّ نور، فمَنْ أخذ بما هم عليه من اختلافهم، فهو عندي على هدى(5).
وعن النبي (صلی الله علیه وآله): إن مثل أهل بيتي كسفينة نوح، مَنْ ركبها نجى، ومن تخلَّف عنها هلك(6).
وعن أبي هريرة، عن النبي (صلی الله علیه وآله): لو سلك الناس وأدياً، وسلك الأنصار وادياً أو شعباً، لسلكتُ وادي الأنصار(7).
وعن زيد بن أرقم(8)، قال: قام النبي (صلی الله علیه وآله) خطيباً، فقال: أيُّها الناس إنما أنا بشرٌ يوشك أن يأتيني رسولُ ربي فأُجیب، وأنا تاركٌ فيكم الثقلين: كتاب الله فيه الهدى، وأهل بيتي، أُذكركم الله في أهل بيتي، رواه مسلم(9).
وعن جابر(10)، قال: رأيتُ النبيَّ (صلی الله علیه وآله) في حجّه يخطب، فسمعتُه يقول: يا أيُّها
1) سنن النسائي (كتاب تحريم الدم)، حدیث 3957؛ وصحيح مسلم، ج 3، ص 1479
2) سنن أبي داود، حديث 4253
3) سنن ابن ماجه، حدیث 3950
4) نهج البلاغة، الخطبة (127)
5) كنز العُمَّال، المجلد الأول، ص 181، حدیث 917
6) مستدرك الحاكم، ج 3، ص 150
7) صحیح مسلم، حدیث 135
8) زيد بن أرقم بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، أقام بالكوفة أيام المختار، وتُوفيَ فيها سنة 66 ه، وقيل سنة 68 ه / 687 م
9) صحیح مسلم (فضائل الصحابة)، حديث 4425؛ ومسند أحمد بن حنبل، (مسند الكوفيين)، حديث 8464؛ وسنن الدارمي (فضائل القرآن)، حدیث 3182
10) جابر بن عبد الله الأنصاري، توفي سنة 78 ه / 697 م، عن (94) عاماً
الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، رواه الترمذي(1).
وقريبٌ منه ما رواه زيد بن أرقم(2).
وعن حذيفة، عن النبي صلَّى الله عليه وآله: إقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر(3).
وعن جبير بن مطعم(4)، عن النبي (صلی الله علیه وآله): أنَّ إمرأته قالت للنبي (صلی الله علیه وآله): إن لم أجدك فإلى مَنْ أرجع، فقال: إنت أبا بكر(5).
وعن إبن عمر، عن النبي (صلی الله علیه وآله): وُضعَ الحق على لسان عمر يقول به(6).
وعن أبي داود، عن أبي ذرّ، قال: إنَّ الحق وضع على لسان عمر يقول به(7).
وعن عقبة بن عامر، عن النبي (صلی الله علیه وآله): أنه قال: لو كان بعدي نبيّ لكان عمر بن الخطاب(8).
وعن سعد بن أبي وقاص أنَّ النبيَّ (صلی الله علیه وآله) قال لعلي (علیه السلام): أنتّ مني بمنزلة هارون من موسی(9).
وعن عبد الله بن عمرو(10)، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: ما أظلت الخضراء، ولا أقلَّت وعن عبد الله بن عمرو الغبراء، من ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ، رواه الترمذي(11).
وعن النبيِّ (صلی الله علیه وآله) أنه قال: اللهم أدرِ الحقَّ مع علي حيث ما دار، رواه الترمذي(12).
1) سنن الترمذي (باب مناقب أهل بيت النبي - ص -)، حديث 3786
2) أيضاً، حديث 3788
3) أيضاً، حديث 3662
4) جبير بن مطعم بن عدي القرشي النوفلي، تُوفي سنة 59 ه / 260 م
5) سنن الترمذي، حديث 3676
6) أيضاً، حديث 3682
7) أيضاً، حديث 3682
8) سنن الترمذي، حديث 3686
9) المصدر السابق، حدیث 3731
10) هو ابن عمرو بن العاص السهمي القرشي، صحابي، أقام في مصر، وتُوفي في الطائف سنة 63 ه / 683 م
11) سنن الترمذي، حدیث 3801؛ وسنن ابن ماجه (المقدمة)، حديث 152
12) سنن الترمذي (كتاب المناقب)، حديث 3647
وعن عمار، أنَّ النبيَّ (صلی الله علیه وآله) قال: إذا سلك الناس طريقاً، وسلك عليٌ غيره، فأسلك طريق علي (علیه السلام).
وعن ابن مسعود، عن النبي (صلی الله علیه وآله) قال: مَنْ كان مستناً فليستن بمن قدمات، أولئك أصحاب محمد (صلی الله علیه وآله) كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً. إلى أن قال: فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على إثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرتهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم، رواه رزین(1).
وعن عرباض بن سارية(2)، قال: صلَّى بنا رسول الله (صلی الله علیه وآله)، ووعظ ثم قال: إنه من يعيش منكم بعدي فسيرى إختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور، فأن كل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، (رواه أحمد، وغيره)(3).
وعن أبي هريرة، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه: من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية(4).
وعن الحارث الأشعري(5)، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: مَنْ خرج عن الجماعة قدر شبر، فقد خلع ربقة الأسلام من عنقه.
وعن ابن عباس، عن النبي (صلی الله علیه وآله): إنَّ مَنْ فارق الجماعة قدر شبر مات ميتة جاهلية(6).
وعن عبد الله بن عمرو، عن النبي (صلی الله علیه وآله): إنَّ أمته تفترق ثلاث وسبعين فرقة، وليس فيها ناج سوى واحدة، فسُئِلَ عنها، فقال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي(7).
إلى غير ذلك من الأخبار.
1) صحیح مسلم، ج 4، ص 1962
2) عرباض بن سارية السلمي الحمصي، صحابي، أقام في الشام ، وتُوفي سنة 75 ه / 694 م
3) مسند أحمد بن حنبل (مسند الشاميين)، حدیث 16692، 16694، 16695؛ وسنن الدارمي، (المقدمة) حديث 95؛ والترمذي (كتاب العلم)، حديث 2600؛ وابن ماجه (المقدمة)، حديث 42، 43
4) وفي النسخة المطبوعة ورد الحديث كالآتي: «مَنْ مات، ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية». صحيح مسلم (كتاب الأمارة)، حديث 3441
5) هو الحارث بن الحارث الأشعري، صحابي، أقام في الشام
6) مسند أحمد بن حنبل (مسند الشاميين)، حدیث 16718 (ضمن حديث طويل)، وحديث 17344
7) سنن الترمذي (كتاب الأيمان)، حديث 2565
ومقتضى ذلك أنه من اللازم الرجوع الى سيرة الصحابة وطريقتهم، وانها الميزان إذا اشتكلت علينا الامور، وتعارضت علينا الأدلة، وسيتضح أن جميع ما ينكر من هذه الأفعال الموردة صادرة عن الصحابة، وطريقتهم مستمرة عليه، مع أن في السنة ما يدل على جوازه.
وما ورد عنه (صلی الله علیه وآله) أنَّ الأسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً(1)، فلا ينافي ما ذكرناه، لأن فرقة الأسلام بين طوائف الكفر كنقطة في بحر.
وروى أبو سعيد الخُدري عن النبي (صلی الله علیه وآله): ما أنتم في الناس إلاَّ كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود(2). وعوده غريباً في أيام الدجَّال، ونحوه يكفي في صدق الخبر.
وروى عبد الله بن مسعود(3)عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، رواه مسلم(4).
وعن أبي سعيد الخدري(5)عن النبيّ أنه قال: لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الدنيا الله(6).
وكل ما صدر في زمان الصحابة من الأعراب بمحضر منهم ولم ينكروه، فهو موافق لرضاهم، وإلاَّ لأنكروه. ولهذا أوردنا في هذه الرسالة كثيراً مما صدر في زمانهم من غيرهم.
وعلى كل حال، فلا كلام في أنَّ الأدلة فيها عام، وفيها خاص، وفيها ناسخ، وفيها منسوخ، وفيها مجمل، وفيها مبيّن، وفيها مطلق، وفيها مقيّد، ومنها قطعي الصدور ظني الدلالة، ومنها قطعي الدلالة ظني الصدور، ومنها ظنيهما، ومنها قطعيهما. ومن جهة إختلاف السند: منها صحيح، وضعيف، وحسن، ومُوَثَّق، وقوي إلى غير ذلك.
فإذا تعارضت الأدلة، فلابُدَّ من النظر الى المرجحات: من جهة السند، أو من جهة
1) صحیح مسلم، حدیث 145
2) صحيح البخاري (كتاب تفسير القرآن)، حدیث 4464؛ وصحيح مسلم (كتاب الأيمان)، حدیث 327؛ ومسند أحمد بن حنبل (باقي مسند المكثرين)، حدیث 10892
3) في صحيح مسلم ورد إسم عبد الله بن عمرو بن العاص
4) صحيح مسلم (كتاب الأمارة)، حديث 3550
5) في المصادر «أنس بن مالك»
6) مسلم (كتاب الأيمان)، حديث 211؛ والترمذي (كتاب الفتن)، حدیث 2133؛ ومسند أحمد (باقي مسند المكثرين)، حدیث 11632. وزاد في المصادر كلمة (الله) مرّة ثانية في نهاية الحديث
الدلالة، أو من جهة سبك العبارة، أو من جهة كثرة الرواية، أو من جهة شهرة الفتوى، أو من جهة موافقة الأصول ومخالفتها، أو من جهة موافقة العمومات ومخالفتها، أو من جهة موافقة الكتاب وعدمها، الى غير ذلك.
فاذا فُقِدت المرجحات، وقامت الحَيْرة، فلا يبقى مدارٌ إلا على سيرة الأصحاب، وطريقتهم، والنظر إلى ما هم عليه صاغرا عن كابر، وما عليه الأول والآخر.
وما نحنُ عليه اليوم من طريقة القوم أكثر الروايات موصلة إليه، وطريقة الأصحاب والصحابة مستمرة عليه، وقد ذكرتُ منها قليلاً من كثير ليُعْلَم حال السلف، ويرتفع الأنكار على خلفهم.
فيا أخي فَوَحَقِّ من رفع السماء، وبسط الأرض على الماء، إني لمَّا أحببتُك لمكارم أخلاقك، وحسن سيرتك مع الناس، وإرفاقك، أخشى عليكَ من سراية القَدْح إلى المشايخ الكبار،(1)والعلماء الأبرار، الذين هم للشارع نواب، ولأبواب الشرع بواب(2)، عصمنا الله وإياكم، وكفانا شرَّ الجهل وكفاكم، والله الموفق.
وأما المقاصد فثمانية:
المقصد الأول في تحقيق ضروب الكفر
وأقسامه كثيرة:
أولها: كفر الأنكار بإنكار وجود الأله، أو إثبات أنَّ غير الله هو الله، أو بأنكار المعاد، أو نبوة نبينا أشرف العباد.
ثانيها: كفر الشرك بإثبات شريكٍ للواحد القهار، أو في النبوة للنبي المختار.
ثالثها: كفر الشك، بالشك في إحدى الثلاثة التي هي أصول الأسلام في غير محل النظر، ولا عبرة بالأوهام(3).
رابعها: كفر الهتك لهتك حرمة الدين، بالبول على المصحف، أو في الكعبة، أو سب خاتم النبيين (صلی الله علیه وآله).
خامسها: كفرُ الجحود، بأنْ يجحد باللسان أُصول الإسلام، ويعتقدها بالجَنان، قال تعالى: «وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنْتَها أَنْفُسُهُمْ»(1).
سادسها: كفر النفاق، بأن ينكر في الجنان، ويقرَّ باللسان، كما قال تعالى: «وَمِن الناسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنينَ»(2).
سابعها: كفر العناد، بأن يقر بلسانه، ويعتقد بجنانه، ولم يدخل نفسه في ربقة العبودية، بل يتجرأ على الحضرة القدسية، كأبليس (لعنه الله).
ثامنها: كفر النعمة، بأن يستحقر نعمة الله، ويرى نفسه كأنه ليس داخلاً تحت مِنّة(3)الله.
تاسعها: كفر إنكار الضروري(4).
عاشرها: إسناد الخلق الى غير الله على قصد الحقيقة.
وليست جميع المعاصي العظام مخرجة عن الإسلام، فأنَّ المعاصى لا تنفك على الدوام، حتى فى مبدأ حدوث الأسلام، ولذلك وضعت الحدود والتعزيزات، وأُقيمت الأحكام على ممرّ الأوقات.
نعم قد يُطلق على كثيرٍ منها إسم (الكفر) تعظيماً للذنب، وتحذيراً منه، وتشبيهاً لمؤاخذته، لعظمها بمؤاخذة الكفر.
فهو إذن في الشرع قسمان: كُفرٌ صغير، لا يُخرج عن إسم الأسلام. وكبيرٌ مخرجٌ عن إسمه بلا كلام.
ولو بنينا على أنَّ كُلَّ ما أطلق عليه إسم الكفر يكون مكفراً، لم تنج إلاَّ شرذمةٌ قليلة من الورى. فأطلاق إسم الكفر قد يكون إستعظاماً للذنب - كما مرَّ -، وقد يراد أنه ربما إنجرَّ بالأخرة الى ذلك. كما ورد في الحديث: إنَّ في قلب المؤمن نكتة بيضاء، فاذا عصى
الله إسودَّ منها جانب، وهكذا إلى أنْ يتم سوادُها، فذلك الذي طبع الله على قلبه(1).
ومما يدل على أن لفظ (الكفر) يُطلقُ على سائر المعاصي كثيراً في كلام الشارع منها: ما رواه أنس، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: لا دين لمن لا عَهدَ له(2).
وعن أبي هريرة، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن(3).
وعن أبي هريرة: عن النبي (صلی الله علیه وآله): إن علامة النفاق الكذب، وسوء ء الخلق والخيانة(4).
وعن عبد الله بن عمرو، عن النبيَّ (صلی الله علیه وآله): إنَّ النفاق عبارة عن أربع: الخيانة، والكذب، والغدر، والفجور(5).
وعن أبي هريرة، عن النبي (صلی الله علیه وآله): إن المراء في القرآن كفر(6).
وعن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: لا يترك(7)حضور الجماعة إلاَّ منافق(8).
وعن أبي ذر، عن النبي (صلی الله علیه وآله): المسلم من سَلِمَ المسلمون من يده ولسانه(9).
وعن عبد الله بن مسعود، عن النبي (صلی الله علیه وآله): إنَّ الرقى والتمائم من الشرك(10).
وعن أبي هريرة، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: مَنْ قال: مطرنا بكوكب كذا، فهو کافر(11).
1) الموطأ (باب الكلام)، باب (18)
2) مسند أحمد بن حنبل، ج 3، باب 135، 154، 210، 251
3) صحيح البخاري (كتاب الأشربة)، حديث 5256؛ وصحيح مسلم (كتاب الأيمان)، حديث 86؛ والنسائي (كتاب قطع السارق)، حدیث 4787
4) صحیح مسلم، حدیث 107
5) أيضاً، حديث 106
6) سنن أبي داود (كتاب السُنَّة)، حديث 4؛ ومسند أحمد بن حنبل (الباب الثاني)، حدیث 2، 258، 286
7) في المطبوع: يُفَوِّت
8) صحيح مسلم، ج 1، ص 451
9) البيهقي، ج 10، ص 187
10) المستدرك للحاكم، ج 4، ص 217
11) صحیح مسلم، ج 1، ص 84
وعن زيد بن خالد(1)، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه مَنْ قال: مطرنا بنوء كذا، فهو كافر(2).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله): من أتى حائضا أو امرأته في دبرها، فقد كفر بما أُنزل على مُحمَّد، رواه الدارقطني، وابن ماجة، والترمذي(3).
وروى عمر بن لبيد، عن النبي (صلی الله علیه وآله): إنَّ الرياء الشرك الأصغر(4).
وعن أبي سعيد، عن النبي (صلی الله علیه وآله): إنَّ الرياء الشرك الخفي(5).
وعن عمر بن الخطاب، عن النبي (صلی الله علیه وآله): إنَّ يسير الرياء شرك.
وعن شداد بن أوس(6)، عن النبي (صلی الله علیه وآله): من صلَّى برياء(7)، فقد أشرَكَ، ومَنْ صام برياء، فقد أشرك، ومَنْ تصدَّقَ برياء، فقد أشرك.
وروي: إنَّ تارك الصلاة كافر(8)، إلى غير ذلك.
بل قلَّما يسلم شيء من المعاصي من إطلاق إسم الكفر، فلا تبقى ثمة حدود ولا تعزيرات، ولزم الحكم بالأرتداد، وكفر العباد، ولا ينجو من الكفر إلاَّ قليلٌ من الأحياء والأموات، ولنادت الخطباء بذلك على رؤوس الأشهاد، ولشاع ذلك في أقاصي البلاد، أن المعهود من سيرة النبي (صلی الله علیه وآله) والصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين معاملة الناس على الأكتفاء بأظهار الشهادتين.
وعنه (صلی الله علیه وآله): أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا الشهادتين.
وعن أبي هريرة أنَّ رسول الله (صلی الله علیه وآله) أُتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحِنَّاء، فقال: بال هذا؟ قالوا: يتشبَّهُ بالنساء، فنفاه إلى (البقيع)، فقيل: يا رسول الله ألا تقتله؟ فقال: نُهيتُ عن قتل المُصَلِّين.
1) زيد بن خالد الجهني المدني، أبو عبد الرحمن، صحابي، أقام بالكوفة، وتوفي في المدينة سنة 68 ه / 687 م
2) صحیح مسلم (باب بیان كفر مَنْ قال مطرنا بالنوء)
3) سنن ابن ماجه، ج 1، ص 209، حدیث 639، وسنن الترمذي، ج 1، ص 243
4) مسند أحمد بن حنبل، ج 2، ص 428
5) ابن ماجه، ج 2، ص 1406، حديث 4204
6) شدَّاد بن أوس بن ثابت الخزرجي، تُوفي سنة 58 ه / 678 م عن (75) عاماً
7) في المطبوع: «وهو يُرائي»
8) سنن ابن ماجه، ج 1، ص 342
وروى عبد الله بن مسعود، عن النبي (صلی الله علیه وآله): إنَّ قتال المسلمين كفر(1).
وعن إبن عمر، عن النبي (صلی الله علیه وآله): إن نسبة المسلم الى الكفر كفر(2).
وعن أبي هريرة، عن النبي (صلی الله علیه وآله): إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم(3).
وعن ابن عمر قال رسول الله (صلی الله علیه وآله): أمرتُ أنْ أقاتل الناس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلاَّ الله، وأنَّ مُحمَّداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فأنْ فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله(4).
وعن أنس أنه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله): مَنْ َصلَّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله(5).
الى غير ذلك من الأخبار.
وليس غرضي أنه لا طريق للكفر سوى ذلك، ولكن يستفاد منها أنه بعد إظهار الشهادتين يبنى على الإسلام ما لم يعلم شيئاً ينافيه، ولا حاجة الى التجسس، بل نهى الله تعالى عنه.
وبيان الأمر على التحقيق: هو أنه قد عُلمَ أنَّ لسان الشارع جارٍ على نحو لسان العرب، ففيه حقائق، ومجازات، وإستعارات، وكنايات، وخطابات، تشتمل على المبالغات، كما أنَّ لساننا يشتمل على ذلك من غير إنكار، فأنَّ الذنب إذا صدر من شخص وأردنا إستعظامه، صَحَّ لنا أنْ نُسمِّيه كفراً، وأنْ نسمي فاعله كافراً. ولا يزال ذلك يقع على مرور الأزمان من أيام النبي (صلی الله علیه وآله) إلى هذا الآن، مع أنه ليس في ذلك إنكار، بل قد يُعَدُّ من أفعال الأبرار، على أنَّ كُلَّ مَنْ صدر منه ذنبٌ ولو صغير، لم يفِ بجزاء نِعَم اللطيف الخبير.
فأطلاق الكفر لعله من باب الكفر ببعض النعم الذي هو كفر صغير.
على أنَّ أنظار الأنبياء والأولياء ليس الى المعاصي، حتى يكون فيها صغيرٌ وكبير، بل إلى مَنْ عصاه الناس وهو اللطيف الخبير.
فإذا لاحظتَ أنَّ المعصية كانت في حق الله، تجدها - ولو صغرت - أكبر من الجبال الرواسي، حتى أنه بلسان الورع والتقوى دون الفقه والفتوى، ربما لا يفرق بين الصغائر والكبائر. بل ربما نقل عن بعض الأولياء أنه لا فرق بين المكروه والحرام، والمسنونات وفرائض الأحكام، قال: لأنَّ الكُلَّ مطلوب للملك العلام.
وإذا بُنيَ على هذا إستُحسن هذا الاطلاق، وحسن إطلاق إسم المعاصي والمحرمات على فعل المكروهات، والفرائض والواجبات على فعل المستحبات والمندوبات، وكبائر الخطيئات على صغائر التبعات، والكفر والكفار على كل مَنْ عمل ما يوجب دخول النار.
ولولا ذلك للزم كفر أكثر من في الأرض، لأنَّه قلَّما خلت معصية مَنْ هذا الغرض، ولو عملنا بجميع ظواهر الأخبار، لاختلت علينا أحكام ملَّة النبيّ المختار، وفقنا الله واياك، وهدانا الله إلى الحق وهداك(1).
المقصد الثاني في تحقيق معنى العبادة
لا ريب أنه لا يراد بالعبادة التي لا تكون إلاَّ لله، ومن أتى بها لغير الله، فقد كفر مطلق الخضوع والخشوع والأنقياد، كما يظهر من كلام أهل اللغة، وإلاَّ لزم كفر العبيد والأُجراء، وجميع الخدام للأُمراء، بل كفر الأبناء في خضوعهم للآباء، وجميع مَنْ تواضع للإخوان، أو لأحد من أصحاب الأحسان.
وإنما الباعث على الكفران، الأنقياد لبعض العباد مع إعتقاد إستحقاقهم ذلك بالأستقلال من دون توجه الأمر من الكريم المتعال، وأنَّ لهم تدبيراً واختياراً.
ولفظ (العبد) و(العبادة) قد يُطلقُ على مطلق المطيع والطاعة، فقد ورد: أنَّ العاصي عبد الشيطان، وإنه عبد الهوى. وإن الأنسان عبد الشهوات، وإِنَّ مَنْ أصغى إلى ناطقٍ فقد عبده.
ثم مَنْ إتبع قول قائلٍ لأنه مُخبِرٌ عن غيره، فهو عابد للمُخْبِر عنه، لا للمُخبِر. ومَنْ خدم شخصاً بأمر آمر، فالمعبود هو الآمر، ومن تبرَّكَ بشيء لأمره، كان ذلك من عبادة الآمر. فالملائكةُ في سجودهم لآدم، ويعقوب في سجوده ليوسف، والناس في تقبيلهم
1) في المطبوع: وفَّقنا الله وإياكم، وهداك إلى الحقّ المُبين
للحجر الأسود والأركان، لم يعبدوا سوى مَنْ أمرهم بذلك.
ثم السجود والخضوع لعروض بعض الأسباب، لا يُنافي الأخلاص لربِّ الأرباب.
روى أبو داود والترمذي، عن عكرمة، قال: قيل لأبن عباس: ماتت (فلانة) - بعض أزواج النبي (صلی الله علیه وآله) - ، فخرَّ ساجداً، فقيلَ له: تسجد في هذه الساعة؟ فقال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله): إذا رأيتم آيةً فاسجدوا، وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي (صلی الله علیه وآله)(1).
فعلى هذا لو سجَدَ مَنْ رأى ميتاً، أو قبراً، أو شيئاً عجيباً، ذاكراً لعظمة الله - كما يصنعُهُ بعضُ العارفين - لم يكن به بأس.
وعبادة الأصنام وبعض الصالحين، مع نهى الأنبياء والمرسلين الذين دلَّتْ على صدقهم المعاجز(2)والبراهين، محض عناد وخلاف على رب العباد، ولو أنهم أخذوا عن قول الله ورسله، لم يكن عليهم إيراد.
كما أن (السيد) لو قال لعبده: تبرك بثياب (فلان)، ونعله، وترابه، فَفَعلَ، كان عابداً للمولى. وأمَّا لو نهاه المولى، أو أخذ بمجرد الظن الذي لا يُغني عن الحق شيئاً، أو الخَرْص(3)، لكان عاصياً مخالفاً.
ألا ترى أنَّ مَنْ جعل المرضعات أُمهات، ليس كمن جعل المصاهرات، ومَنْ حرَّم الوصيلة، والسائبة، والحام(4)
أمَّا السائبة فقد كان الرجل إذا نذر القدوم من سفر، أو الشفاء من علة، فان ناقته ستكون سائبة (أي لا تستخدم للانتفاع بها، ولا تخلّى عن ماء، أو تمنع عن مرعى).
والحام هو الذكر من الأبل اذا انتجت من صُلب الفحل عشرة أبطن قال العرب قد حمى ظهره، فلا يُحمل عليه. وقد حرَّم القرآن هذه المعتقدات كما وردَ في سورة المائدة، آية (103) قوله تعالى: «ما جعل الله من بَحيرةٍ ولا سائبة، ولا وَصيلَة، ولا حام، ولكنَّ الذين كفروا يفترون على الله الكذب، وأكثرهم لا يعقلون».
والبحيرة هي الشاة التي تُبحرُ أذنُها (أي تُشقّ) علامة على تحريم الانتفاع بها
، ليس كمن حرم الجلالة(5)من الأنعام.وليس تحريم الأشهر الحرام كتحريم غيرها من باقي أشهر العام، وليس صيام آخر شهر رمضان كصيام أول شوال. كل ذلك للفرق بين الأمر والأختراع، والقول بمجرد
1) سنن أبي داود، ج 1، ص 311، حدیث 1197؛ وسنن الترمذي، ج 5، ص 665، حدیث 3891
2) في المطبوع: المعجزات
3) الخَرْص: الحدس، و الكذب والافتراء
4) من معتقدات العرب أنَّ الوصيلة من الغنم (وهي الشاة) إذا ولدت أُنثى فهى لهم، واذا ولدت ذكراً - أوقفوه لآلهتهم، فانْ ولدت ذكراً وأنثى قالوا وصلتْ أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.
5) الحيوان الجلال: هو الذي يأكل العذرة، وقد ورد النهيُّ عن أكل لحمه، وشرب لبنه
الأبتداع(1).
ثم (العبادة) تختلف بأختلاف النيَّات، فمَنْ قصد حقيقة العبادة إختراعاً وابتداعاً، ومخالفة لأمر الله سبحانه كان كافراً، سواء قصد القرب إلى الله زلفى أو لا، بل هذا في الحقيقة عين العناد والشقاق بعد العناد والشقاق بعد نهي الأنبياء والرسل.
كما قال قوم (شعيب) له: «يا شُعَيْبُ أصلاتُك تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ في أموالنا ما نَشاءُ»(2).
وقال الصدِّيق: «يا صاحِبَى السِّجْنِ أَأَرْبابَ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أم الله الواحد القهّار، ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ»(3).
وحكى الله عن قوم نُوح وعاد وثمُود أنّهم ردّوا أيديهم في أفواههم، وقالوا: «إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنا لُفي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُريبٍ»(4)الى غير ذلك من الآيات الدالة على ردِّهم على الأنبياء، وبنائهم على الأختراع والأبتداع.
وفي الأحتجاج: في حديث طويل عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه أقبل في مشركي العرب، فقال لهم: وأنتم فلم عبدتم الأصنام من دون الله؟ فقالوا: نتقرب بها الى الله زلفى، فقال: أو هي سامعة مطيعة عابدة لربها حتى تتقرَّبوا بها إلى الله؟ قالوا: لا، قال: أفأنتم نحتموها بأيديكم؟ فقالوا: نعم، قال: فلئن تعبدكم هي أحرى من أن تعبدوها، إذا لم يكن أمركم بتعظيمها من هو العالم بمصالحكم، وعواقبكم، والحكيم فيما يكلّفكم(5).
فإذا كان الله قد نهى على لسان أنبيائه عن عبادة الأصنام والصالحين من الأنام، على نحو عبادة الصلاة والصيام، فَفعلُهم بعد ذلك ردٌ لكلام العليم العلام.
وكشف الحقيقة: إنَّ العبادة إنْ أُريد بها مجرد الامتثال والطاعة، كانت الزوجة، والأمة، والعبد، والخادم، والأجير، ونحوهم، عابدين لغير الله.
وإن أُريد الامتثال والأنقياد للعظيم في ذاته، المستوجب للطاعة، لا بواسطة أمر غيره،
فأين ذلك من أفعال المسلمين.
فأُقسمُ عليك بَمَنْ سلَّطَكَ على طائفة من عباده، ومكَّنَكَ من كثير من بلاده، أنْ تخلّي نفسك من حب الأنفراد، الباعث على الأمتياز بين العباد، وتحذر من قولهم. «لكُلِّ جديد لذة»، و«خَالِفٌ تُعْرَف». كما أني أُحذِّر نفسي، وأصحابي مِنْ حُبِّ إتباع الآباء والأجداد، وإرادة الدخول فى الجماعة، وكراهة الإنفراد.
وأمَّا ما صدر من أهل الإسلام، فإنَّما هو عن أمر زعموه، فأنْ كان حقاً أثيبوا، أو كان خطأ فكذلك.
فأين حال المسلمين من حال مَنْ جعل الآلهة ثلاثة، أو اثنين، واتخذَ الملائكة أرباباً، واتخذ بعض المخلوقين أنداداً وشركاء، يُعْبَدُونَ من دون الله أو مع الله، إمَّا لأهليتهم، أو لترتب التقرب الى الله زلفى من دون أمر الله لهم بذلك، قال تعالى: «ما أَنْزَلَ اللهُ بها منْ سُلْطانٍ»(1).
ورُويَ أنَّ (قريشاً) كانوا يعبدون الأصنام، ويقولون: ليقربونا الى الله، ولا طاقة لنا على عبادة الله. وسيجيء في بعض المقامات الآتية ما يكشف عن حقيقة ذلك.
وإن أردتَ تمام الكلام في هذا المقام، فأنظر بعين البصيرة إلى ما نحاول في هذا المقام تحريره.
اعلم أنَّ الألفاظ اللغوية والعُرفية العامَّة، قد تبقى على حالها من المعاني القديمة، فتلك لا تحتاج إلى بيان، سواء وردت في السُنَّة أو القرآن.
وأمَّا إذا نُقلتْ عن المعاني الأولية إلى غيرها، أو إسْتُعمِلتْ في المعاني الثانوية على وجه المجازية، فهي من المجمل المحتاج الى البيان، كلفظ الصلاة والصيام والحج، فأنه لو لم يبينها الشرع لبقيت على إجمالها، حيث لا يراد منها مطلق الدعاء والأمساك والقصد، بل معنی جدید، تتوقف معرفتُهُ على بيان وتحديد.
ومن هذا القبيل ما نحن فيه من لفظ العبادة والدعاء ونحوهما، فأنه لا يراد بهما في لحوق الشرك بهما المعنى القديم، وإلاَّ للزم كفر الناس من يوم آدم إلى يومنا هذا. لأنَّ العبادة بمعنى الطاعة، والدعاء بمعنى النداء والأستغاثة للمخلوق لا يخلو منها أحد.
ومن أطوع من العبد السيده، والزوجة لزوجها، والرعية لملوكها، ولا زالوا ينادونهم،
1) القرآن الكريم: 40/12 (سورة يوسف)
ويطلبون إعانتهم ومساعدتهم، بل الرؤساء لم يزالوا يستغيثون بجنودهم وأتباعهم ويندبونهم.
فعُلِمَ أنَّه لا يُرادُ بهذه المذكورات، المعاني السابقات، وتعيَّن إرادة المعاني الجديدة، فصارت بذلك من المجملات والمتشابهات، فلا يجوز الحكم بمقتضاها، إلاَّ في الموضع المعلوم دون المشكوك والموهوم.
وإنَّما هو خطاب الوضيع لمن شأنه رفيع، على أن يكون مالك التصرف، أو خدمته الخاصة لرفعته الذاتية، وشرافته الأصلية، من دون أمر آمر، ولا تكليف مكلف، بل من مجرد الأبتداع والأختراع.
وأما ما كان عن أمر أمر، فالمعبود هو الأمر، ولا فرق بين أن يقول: ضع جبهتك في الصلاة على الأرض، أو على بدن إنسان، أو غير ذلك، وبين أن يقول: ضعها على (قبر) كذا، أو (حجر) كذا.
وإِنَّما كُفِّرَ عبدةُ الأصنام، لأنهم فعلوا ما يُعدُّ عبادةً من دون أمر الله، ولأنهم خالفوا أنبياء الله في نهيهم عن تلك الأشياء، فكانت قصد تقربهم فيما نهى الله عنه. إمَّا بناء على أن الأصنام للجبار قاهرون، فيقربونهم قهراً، أو كان إستهزاءً بالرسل، وتكذيباً لهم، وكل من الكُفْرَين أعظم من الآخر، فأنَّ المتقربين محصَّل كلامهم أنَّا نخالف أمر الله، وأمر رسوله ونعبد ما نُهينا عن عبادته ليقربنا إلى الله.
المقصد الثالث في الذبح لغير الله
لا يشك أحدٌ من المسلمين في أنَّ من ذبح لغير الله ذبح العبادة (كما يذبح أهل الأصنام لأصنامهم حتى يذكروا على الذبائح أسماءهم ، ويهلون بها لغير الله) - خارجٌ عن ربقة المسلمين، سواءً إعتقدوا الهيتهم، أو قصدوا أن يقربوهم زلفى، لأنَّ ذلك من عبادة غير الله تعالى.
وأما من ذبح عن الأنبياء أو الأوصياء، أو المؤمنين ليصل الثواب إليهم، كما يُقرأ القرآن ويُهدى إليهم، ونصلي لهم وندعو لهم، ونفعل جميع الخيرات عنهم، ففي ذلك أجرٌ عظيم، وليس قصد أحد من الذابحين للأنبياء أو لغيرهم سوى ذلك.
أما العارفون منهم، فلا كلام. وأمَّا الجُهَّال، فهم على نحو عرفائهم.
وقد رُويَ عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه ذبح بيده، وقال: اللَّهُم هذا عنّي، وعن مَنْ لم يُضح من أمتي. رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي(1). وفي سنن أبي داود أنَّ علياً كان يُضَحّي عن النبي (صلی الله علیه وآله) بكبش، وكان يقول: أوصاني أن أُضحي عنه دائماً(2).
وعن علي (علیه السلام) أن النبي (صلی الله علیه وآله) أوصاني أن أُضحي عنه(3).
وعن بُريدة، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أن إمرأةً سألتْهُ هل تصوم عن أُمِّها بعد موتها؟ وهل تحج عنها؟ قال: نعم(4).
وعن إبن عباس عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: تقضي البنتُ نَزْرَ أُمِّها.
ورُويَ أنَّ العاص بن وائل أوصى بالعتق فسأل إبنه عمرو النبيَّ (صلی الله علیه وآله) عن العتق له، فأمره به.
ورُويَ عن عائشة أنَّ النبي (صلی الله علیه وآله) قال عند الذبح: اللّهُم تقبل من مُحمَّد، وآله، وأُمته.
والحاصل لا كلام ولا بحث في أنَّ أفعال الخير تُهدى إلى الموتى، ومَنْ أولى بالهدايا من أنبياء الله وأوصيائه، فليس الذبح لهم وبأسمهم، حتى يكون الأهلال لذكرهم، وإنما ذلك عملٌ يُهدى إليهم ثوابُهُ كسائر الأعمال، حتى أنَّهُ لو ذكر إسمهم على الذبيحة، أنَّهُ كان ذلك عند المسلمين منكراً، فهو ذبح عنهم لا لهم.
وإني - والذي نفسي بيده - منذ عرفتُ نفسي إلى يومى هذا، ما رأيتُ، ولا سمعتُ - أحداً من المسلمين ذبحَ أو نحرَ، ذاكراً لأسم نبي، أو وصي، أو عبد صالح، وإنَّما يقصدون إهداء الثواب إليهم، فإن كان في أطرافكم قبل تسلِّطكم مثل ذلك، (فصاحب الدار أدرى بالذي فيها).
ولا شك أنَّ نجداً وأعرابها قبل أن تُظْهِروا فيها أمر الصلاة والصيام، وتأمروهم بالملازمة
لعبادة الملك العلام، كانوا كالأنعام أو أضلَّ سبيلاً، وقد رفع الله عنهم الشقاق، بينهم الأتفاق، وفرَّقوا بين الحلال والحرام، وتوجهوا لأوامر الملك العلام.
ويؤيدُ ذلك ما رواه إبن عمرو عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: اللّهُم باركْ لنا في شآمنا، الله بارك لنا في يمننا، قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا، فقال: اللّهُم بارك لنا في شامنا، وفي يمننا، ثم قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا، فأظنه قال في الثالثة: هناك موضوع الزلازل والفتن، وبها (مطلع) قرن الشيطان، رواه البخاري(1). وإلحاق غير أهل (نجد) بهم من قياس الشاهد على الغائب.
وكيف يخفى على فحول العلماء، وأساطين الفقهاء الذين أقاموا الجمعات والجماعات، وأقاموا الأحكام، وأوضحوا الشبهات، وأمعنوا نظرهم في فهم الآيات والروايات، أنَّ الذبح لا يكون إلاَّ لجبَّار السماوات؟ مع أنَّ ذلك تلقَّاه عن الأكابر الأصاغر، وعن الأوائل الأواخر. فلم يزل أهلُ الأسلام من قديم الأيام يذبحون للأنبياء والأوصياء والعباد الصالحين، ويهدون الثواب إليهم طلباً لمرضاة رب العالمين.
وإختيارهم للأماكن الشريفة، كحرم النبي (صلی الله علیه وآله) ونحوه، لما ورد من أنَّ الأعمال يتضاعف أجرُها لشرف الزمان والمكان، كشرف الكوفة.
روى الأصبغ بن نباتة(2)عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أن الخضر قال له: إنَّكَ في مدينة لا يريدها جبار بسوء إلاَّ قصمه الله.
ورُويَ أنَّ البركة فيها على إثني عشر ميلاً من سائر جوانبها.
وإن المسلمين كافة يتبرؤون ممن يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله، أو يذبح وينحر لغير الله، أو يحلف بغير الله، على النحو الذي وقع في نظركم أنهم يقصدونه ويتعمدونه، ومعاذ الله أن يكونوا كذلك.
والذي فلقَ الحبَّة، وبرَأ النَسَمَة، لو علمتُ منهم ذلك، لكفرتُهم، وهاجرتُ عنهم، معتقداً وجوب ذلك عليَّ، لكنْ وحقِّ مَنْ إشتقَّ مِنْ ظُلْمةِ العدم نُورَ الوجود، ما وجدتُ مِنْ ذلك منهم، ولا صدرَ ذلك عنهم، ولا بأس عليكم فرُبَّما إفترى الحاضرون لديكم تقرُّباً بذلك إليكم، فأقتصرْ على حدودِكَ التي أنتَ فيها، فأنَّ النفس إذا قنعتْ، قليلٌ من الدنيا يكفيها.
وفي المشكاة: عن رسول الله (صلی الله علیه وآله): إني لستُ أخشى عليكم أنْ تُشركوا بعدي، ولكنْ أخشى عليكم الدنيا أنْ تنافسوا فيها فتهلكوا، كما هلك مَنْ كان قبلكم(1).
وبعد التأمل الصادق لا نجد - عند مَنْ شاهدناه ممن يدَّعي الأسلام وينتسب إلى ملّة سيد الأنام - ذبحاً، ولا نحراً، ولا نذراً، ولا عتقاً، ولا تصدقاً، ولا وقفاً، ولا شيئاً العبادات مما يتعلق بالماليات أو البدنيات، ولا توسلاً، ولا تقرباً، إلاَّ إلى جبَّار الأرضين والسماوات، ولو أعلمُ ذلك منهم لما قبلتُ كلمة الأسلام الصادرة عنهم.
فمهلاً يا أخي مهلاً مهلاً، فأن القوم ليس حالُهم كما وصل إليكم، ووردَ عليكم، فإني بهم خبير، وبأحوالهم بصير، وليس غرضي تزكيتهم، ولكنْ - والله - هذا الذي علمتُهُ من سيرتهم، والله الموفق.
المقصد الرابع في النذر لغير الله
هذا المقام من مزال الأقدام، وإنما كثرت فيه الأقاويل، لخفاء الموضوع إلاَّ على القليل، فإنَّه لا ينبغي الشك في أنَّ النذر لغير الله على أنه أهلٌ لأنْ يُنذرَ له، لأنه مالك الأشياء و بیده زمامها من الكفر والشرك، لأنَّ النذر من أعظم العبادات، وإن أُريد أنه ينعقد بذلك وإن لم يُذْكَرْ إسمُ الله عليه فهي مسألةٌ فقهيةٌ فرعيةٌ. واعتقاد ذلك لا عن دليل تشريع حرام، لا يُخْرِجُ عن ملة الأسلام.
وليس المعروف في هذه البلدان النذر لغير الله إلا على معنى أنه صدقة يُهْدَى ثوابها إلى أولياء الله، فمعنى النذر للنبيّ (صلی الله علیه وآله) مثلاً أنه صدقةٌ منذورة يُهدى ثوابها له، وهكذا النذر لسائر الأولياء. فلا يزيد هذا على من نذر لأبيه وأُمّه، أو حلف، أو عاهد أن يتصدق عنهم، كما رُوي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال للبنت التي نذرت لأُمِّها عملاً: فِ بنَذْركِ(2).
1) صحيح البخاري (كتاب المغازي)، حدیث 17؛ و (كتاب الجهاد)، حدیث 38؛ وصحیح مسلم (كتاب الزكاة)، حديث 121؛ وسنن ابن ماجه (كتاب الفتن)، حديث 18؛ ومسند أحمد بن حنبل، الباب الخامس، حدیث 48
2) صحيح البخاري (كتاب الاعتكاف)، حدیث 5، 15، 16؛ وصحيح مسلم (كتاب الأيمان)، حدیث 27؛ سنن أبي داود (كتاب الأيمان)، حديث 22؛ سنن الترمذي (كتاب النذور)، حديث 12؛ وابن ماجه (کتاب الطلاق)، حدیث 36
فأن كان النذر للآباء والأمهات كفراً، كان هذا كفراً، وإلاَّ فلا. فمَنْ حاول بالنذر حصول الثواب والتقرب إلى الله زُلْفى من المنذور له، على أن يكون الفعل له لا على أن يكون الثواب له، فهو ضالٌ مضلٌ. وأمَّا من قصد خلاف ذلك، فلا بأس عليه.
واختيار بعض الأمكنة للنذور طلباً لشرف المكان، حتى يتضاعف ثواب العبادة، كما يختار بعض الأزمنة لبعض العبادات، لا بأس به، بل لا بأس بتخصيص بعض الأمكنة المباركة، وهو مستفادٌ من الأخبار، كما لا يخفى على من حام حول الديار.
روى ثابت بن الضحَّاك(1)، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أن رجلاً سأله أنه نذر أن يذبح ببوَّانة، قال: هل كان فيها وثن يعبد؟ قال: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ فقال: لا، فقال: فِ بنذرك(2).
ثم إني أعلم والله أنك لو وضعتَ منادياً ينادي في بلاد الإسلام، ويُعلن بصوته في كل مقام، ليجد شخصاً يُعَدُّ من نوع الأنسان يقصد بنذره غير وجه الملك الديَّان، لرجع، إليك صفر اليدين، ولم يجد ناذراً للنبيّ (صلی الله علیه وآله)، أو الصحابة، أو الحسنين عليهما السلام.
وكيف يقصدونهم بنذورهم وعباداتهم مع علمهم بمماتهم؟ وإذا دخلوا إلى مواضع قبورهم قرأوا لهم القرآن، وأهدوا إليهم من صلاتهم بعض ما كان، ودعوا لهم برفعة الدرجات، وزيادة الأجر عند رب السماوات، فأن كانوا معبودين باعتقادهم، فكيف يهدون إليهم عبادة العبيد؟!
ليتَ شعري كم من الفرق بين مَن يَعْبدُ ليُقرَّب الى الله زلفى، وبين من يُعْبَدُ الله عنه ليُقرِّبه الله زلفى.
واللهِ ما نُذرت نذور، ولا جُزرَتْ جزور، ممن يتصف بالأيمان، ويقرُّ بالشهادتين بالقلب واللسان، إلاَّ لوجه الملك الديَّان، وطلباً لرضى الواحد المنان.
فمن كانت هذه مقاصدهم، وعلى ذلك بنوا قواعدهم، كيف ينسبون الى عبادة غير الله، ويُشَبَّهون بعبدة الأصنام المُثْبِتين شريكاً للملك العلام؟!
ليتَ شعري لو أنَّ الرسل جاءت بالسجود للأحجار، أو لبعض الكواكب والأشجار،
لم يكن ذلك السجود إلاَّ عبادة للملك الجبار، لأنَّ الطاعة للأمر لا لمن يكن له في ذلك الأظهار.
ولو أنَّ الناظر لصور الكواكب وهيئة الأفلاك، تدبَّرَها تفكراً في عظمة الخالق، وسجد، كان عابداً لمدبرها.
ثم ليس المراد بالعبادة مجرد الخضوع والتذلل، كما هو المعنى القديم، بل يُراد معنى جديد، وهو التذلُّل الخاص، على شرط أنْ يكون في كمال الصفاء والأخلاص.
وعلى فرض أن يصدر من بعض أعوام المسلمين، لعدم قربهم من محال العلماء العاملين. فلا ينبغي معاملة الجميع بهذه المعاملات، والبناء على نسبتهم إلى الشرك من دون قيام البينات.
فقف يا أخي في مواضع الشبهات، لئلاَّ تقع في الهلكات. وإني - والله - فرحٌ مسرورٌ بدفعك عن أبناء السبيل كل محذور، وأمرك بالصلاة والصيام، وإنفاذ ما شرع النبي (صلى الله عليه) من الأحكام، إلاَّ أني أخشى عليك أنْ تأخذ العالم بذنب الجاهل، والمنصف بورطة المعاند المجادل. وفقنا الله لطريق الصواب، والفوز برضاه في يوم الحساب، فأنه أرحم الراحمين.
المقصد الخامس في القسم بغير الله
لا يرتاب مسلم في أنَّ القَسَمَ بغير الله، على وجه إرادة صاحب العظمة والكبرياء والملكوت والقدرة والجبروت، باعث على الخروج عن ربقة المسلمين.
وأما إرادة مجرد التأكيد، فلا يلزم منه كفر ولا إشراك بديهةً، إذ ليس مدار الكفر على مجرد العبارات. ويدل على ذلك أنه قد ورد القسم بغير الله متواتراً في كلام الصحابة والتابعين، بل في كلام خاتم النبيين (صلی الله علیه وآله).
ففي كتاب علي (علیه السلام) الى معاوية: لعمري لأنْ نظرتَ بعقلك دون هواك، لتجدني أبرأ الناس من دم (عثمان)(1).
1) نهج البلاغة، 367
وفي كلام له آخر: وأما تحذيرك إياي أن يحبط عملي وسابقتي في الاسلام، فلعمري لو كنتُ الباغي عليك لكان لك أنْ تحذِّرني ذلك.
وفي كتاب معاوية: فأن كنت أبا حسن إنَّما تحارب عن الأمرة والخلافة، فلعَمْري لو صحَّتْ خلافتك لكنت قريباً من أن تعذر في حرب المسلمين.
وقد وقع هذا القَسَمُ بلفظ (لَعَمْري) في كلام الصحابة والتابعين، في نثرهم وشعرهم كثيراً، بحيث يتعذر ضبطه.
وعن بعض أهل البيت أنَّ واحداً من أصحابه حلفَ عنده: وحقِّ رسول الله (صلی الله علیه وآله)، وحقّ عليٍّ ما فعلتُ (كذا)، وأقرَّهُ على ذلك.
وفي حديث طلحة: إنَّ رجلاً من أهل (نجد) جاء يسأل عن الأسلام، فقال: أفلح الرجل - والله - إنْ صدق(1).
وفي شرح مصابيح الطيبي عنه (صلی الله علیه وآله): أفلح الرجل وأبيه - والله -.
وحُمِلَ على أنها لم يرد بها حقيقة القَسَم، وإنَّما تجري على اللسان لمجرد التأكيد.
وروى نصر بن مزاحم(2)، عن رجاله، عن عمرو بن العاص أنَّه سمعَ رسول الله (صلی الله علیه وآله) وهو يقول لعَمَّار: تقتلُكَ الفئةُ الباغية، وكان ذكره لأهل الشام قبل وقعة (صفين) بعشرين سنة فسمعه عبد الله ابن عمر العَبْسي، وكان أعبد أهل زمانه، فخرج ليلاً وأصبح في عسكر علي (علیه السلام)، فحدَّثَ الناس بقول عمرو، وقال شعراً:
والراقصاتُ بركب عابدينَ له *** إنَّ الذي جاء من عمرو لمأثورُ
ما في مقال رسول الله في رجلٍ *** شكٌ، ولا في مقال الرسلً تحبيرُ
ومن الشعر المنقول عن علي بن الحسين قوله:
«نحنُ وبيتِ الله أولى بالنبي»
وكم للصحابة والتابعين من حلف بشيبة رسول الله، وضريحه وعينيه، وتربته، وليس هذا من القَسَم الحقيقي في شيء، إذْ المراد مجرد التأكيد والتثبّت دون حقيقة القَسَم التي هي مدار القضايا والحكومات، وتدور عليها ما لزم من الكفَّارات.
فما ورد عن إبن عمر، عن النبي (صلی الله علیه وآله): إنْ الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم(1).
وفي الصحيحين: إنَّ الله ينهاكم أنْ تحلفوا بآبائكم، فمَنْ كان حالفاً فلا يحلف إلاَّ بالله، أو يصمت(2).
وعن عبد الرحمن بن سمرة، عن النبي (صلی الله علیه وآله): لا تحلفوا بالطواغي، ولا بآبائكم، رواه مسلم(3).
وعن أبي هريرة عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأُمهاتكم، ولا بالأنداد، رواه أبو داود، والنسائي(4).
وعن بريدة، قال قال رسول الله (صلی الله علیه وآله): من حلف بآبائه فليس منا(5).
فهذه الأخبار محمولة على من قصد اليمين الحقيقي المثبتة والنافية التي تترتب عليها الكفارة، فأنها لا تكون إلاَّ بالله، كما يرشد إليه ذكر الطواغيت، والأنداد.
ونُقِلَ عن أحمد أنَّ الحلف بالنبي (صلی الله علیه وآله) ينعقد لأنَّه أحد ركني الشهادة، أو يُحْمَلُ على الكراهة، كما في شرح (المنهاج) وفيه: الحلف بالمخلوق كالنبي، والكعبة، وغيرهما مكروه، لقوله (صلی الله علیه وآله): لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا تحلفوا إلا بالله.
والتحقيق أنَّ الحلف غير المقصود معناه لا بأس به.
روى أبو هريرة عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: اليمين على نية المستحلف.
القسم الثاني: أن يُرادَ به الأثبات والنفي، فأن كان مأخوذاً عن دليل، لم يكن فيه بأس، وترتب عليه الأثر عند الفقيه المُثْبِت له، ولم يكن عليه شيءٌ، وإنْ قصدَ بالحلف بالمخلوق أنه ذو الكبرياء والجبروت والمُلك والملكوت، فهو كفر.
وربما نزل عليه ما رواه ابن عمر، عن النبي (صلی الله علیه وآله): إِنَّ مَنْ حلف بغير الله فقَدْ أشرك، رواه الترمذي(6).
1) سنن النسائي (كتاب الأيمان والنذور) ، ج 4، ص 4
2) صحيح مسلم (كتاب الأيمان)، باب النهي عن الحلف بغیر الله تعالى، حدیث 3
3) صحيح مسلم (كتاب الأيمان)، حديث 6. والطواغي هي الأصنام. ومفردها (طاغية). وكلَّ مَنْ طغى وجاوزَ الحدّ المعتاد من الشر سُمّي (طاغية)
4) سنن أبي داود، ج 3، ص 222، حدیث 3248؛ وسنن النسائي (كتاب الأيمان والنذور)، ج 4، ص 5
5) سنن أبي داود، ج 3، ص 223، حدیث 3253
6) سنن الترمذي (كتاب النذور)، باب 9؛ وسنن النسائي (كتاب الأيمان)، باب 4؛ وابن ماجه (کتاب الكفارات)، باب 2؛ سنن الدارمي (كتاب النذور)، باب 6
وروى عن إبن عمر، عن النبي (صلی الله علیه وآله): إِنَّ مَنْ حلف بغير الله فقد كفر.
أو ينزّل هذا على المبالغة، كما ورد في كثير من فعل المعاصي وترك الواجبات، وما عدا هذا القسم والذي قبله بناؤه على الكراهة، إذ لو كان حراماً ما صدر من الصحابة بمحظر من الناس، ولم ينكر عليهم.
مضافاً إلى أنه مما توفر الدواعي على نقله، ولو كان محرماً للهجتْ به ألسنة الخطباء والوعَّاظ، ولم يخفَ على الصبيان، فضلاً عن العلماء الأعيان، وليس الغرض المهم سوى دفع الكفر عن الناس إذا صدر منهم مثل ذلك.
وتفصيل الحال: أنَّ القَسَمَ والعهد بغير الله إن قُصِدَ بهما ذو العزة والجلال، والعلو فوق كل عال، كما يحلف المربوبُ بربّه، فذلك كفرٌ وإشراك.
وإنْ قصد ترتّب الأحكام عليه من إثبات حقوق الناس، ولزوم الكفارات، فذلك تشريعٌ وعصيان، إلاَّ مَنْ أثبت ذلك بزعم الدليل والبرهان، وإن رأى وجوب العمل بذلك لمجرد الأكرام، لأنَّ عدم العمل ينافي الأحترام، فلا أرى فيه بأساً في المقام.
وإنْ أُريد به مجرد التأكيد من دون ترتب بشيءٍ من الأحكام، فأولى بالدخول في المباح، والخروج من الحرام. وإنْ وقعَ لغواً، وهذراً من غير قصدٍ، فلا يُعَدُّ من الأيمان، ولا مدار عليه في شيء كائناً ما كان، والله الموفق.
المقصد السادس في الأستغاثة
لا يخفى أنَّ الأستغاثة بالمخلوق على أنه الفاعل المختار مدخل للمستغيب الكفار، وإنَّما المراد منه طلب الشفاعة، وسؤال الدعاء.
وقد روى النسائي، والترمذي في حديث الأعرابي أنَّ النبي (صلی الله علیه وآله) عَلَّمَهُ قول: يا مُحمَّد إني توجَّهتُ بك إلى الله، ونحوه ما في حديث إبن حنيف(1).
وروى البيهقي في خبر صحيح أنه في أيام عمر (رض) جاء رجل الى قبر النبي
1) سنن الترمذي (كتاب الدعوات)، باب 118؛ وسنن ابن ماجه (كتاب اقامة الصلاة والسُنّة فيها)، باب 189، حدیث 1385. وابن حنيف هو عثمان بن حنيف الأنصاري، سكن الكوفة، ومات في خلافة معاوية
(صلی الله علیه وآله)، فقال: يا مُحمَّد إستسق لأُمَّتك فسقوا(1).
وروى الطبراني، وابن المقري، وأبو الشيخ أنهم كانوا جياعاً، فجاؤا إلى قبر النبي (صلی الله علیه وآله) فقالوا: يا رسول الله الجوعَ، فأُشبعوا.
وروى البيهقي عن مالك الدار خازن عمر (رض)، قال: أصاب الناس قحط، فذهب الى قبر النبي (صلی الله علیه وآله) فقال: إستسق لأمتك فقد هلكوا، فأتاه النبي (صلی الله علیه وآله) في المنام، وقال له: قُلْ لعُمر أنهم سقوا.
ومن ذلك قوله تعالى: «فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ»(2).
وعن معاذ أنه لما كان في اليمن جاءه نعي النبي (صلی الله علیه وآله)، فرجع وهو يقول: يا مُحمَّداهُ، يا أبا القاسماهُ، وبقي على ذلك برهة من الزمان. وفيه ظهور بالأستغاثة.
وعن أبي بكر بن محمد بن الفضل أنَّ (بلالاً) لمَّا أخذ في النَزْع، قالت إمرأته: واويلاه وأحزناه، فقال لها: لا تقولي وأحزناه، فأني قصدتُ الذهاب إلى مُحمَّدٍ، وحزبه.
وروى الكازروني ندبة الزهراء (علیها السلام)، وروى ندبة معاذ النبي (صلی الله علیه وآله). وعن النعمان بن بشير، قال: أُغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلتْ أختُهُ عمرة تبكي وتقول: وأجبلاه(3).
وما رُويَ عن أبي موسى عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه ما من ميت يموت، فيقوم باكيه ويقول: وأجبلاه، وأسيداه إلاَّ وكَّلَ الله به ملكين يلهزانه ويقولان له: أكان هكذا. فمبنيٌّ على النهي عن العزاء والبكاء.
وفي قصة إدريس أنَّ المطر إنقطع عن قومه عشرين سنةً، فجاؤا إليه يدعو لهم.
وعن رسول الله (صلی الله علیه وآله) أنَّ ملكاً غضب الله عليه، فأُهبط من السماء، فأتى إدريس، فاستشفع به، فدعا له، فأذن له في الصعود، فصعد.
وفي الحقيقة أنَّ المُستغيث بالمخلوق إنْ أراد طلب الدعاء والشفاعة من المُسْتَغاث به، فلا بأس به، وإنْ أراد إسناد الأمور بالأستقلال اليه، فالمسلمون منه براء.
على أنَّا بيَّنا فيما سبق أنَّ الأستغاثة بدار (زيد)، وصفاته، وغلمانه، وخَدَمه، رُبَّما
أُريد بها الأستغاثة به، فيكون هذا أولى في بيان ذل المستغيث، وإنه لا يرى لسانه أهلا لأنْ يجري عليه إسم المولى، ولهذا ترى أنَّ طاعة الله تُذكر بعدها طاعة رسول الله (صلی الله علیه وآله)، ورضاه يذكر بعد رضى الله ورسوله، وإذا انفردتْ إحداهما دخلت فيها الاخرى.
روى أبو هريرة عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: مَنْ أطاعني فقد أطاع الله، ومَنْ عصاني فقد عصى الله، ومَنْ يُطع الأمير فقد أطاعني، ومَنْ يَعْص الأمير فقد عصاني(1).
وكيف يستغاث حقيقةً بمن لا يدفع عن نفسه ضُرَّاً ولا شرَّاً، ولا يملك رزقاً، ولا موتا، ولا حياةً ولا نشوراً، المبدئ من تراب، ثم نطفة مودعة في الأصلاب، ثم جسم مُعَرَّض للبليات، ثم بعدها يكون من الأموات.
وإِنَّما شرفه بالعبودية والأنقياد للحضرة القدسية، ولولا أمرُ الله ما سُمعَ له كلام، ولا رُفعَ له مقام، وليس بيننا وبينه ربط سوى أمر الملك العلام.
فليس المراد بالأستغاثة إلاَّ طلب الدعاء من الْمُستَغاث به، لما في الحديث القدسي: يا موسى ادعني بلسانٍ لم تَعْصِني فيه، فقال: يا ربِّ وأين ذلك؟ فقال: لسان الغير.
فالمستغيث إنْ طلب أصالةً وإستقلالاً من المستغاث به، كان معولاً عليه في كل أمر يرجع إليه، وإلاَّ فالمستغاث به حقيقةً هو الذي تنتهي إليه الامور.
وكذلك الدعاء إِنْ قُصِدَ أنَّ المدعوَّ هو الفاعل المختار الذي تنتهي إليه الأشياء، فذلك كفر بربِّ السماء، وإن أُريد المجاز، فلا يدخل تحت حقيقة الدعاء.
ولا ريب أنَّ كُلَّ مَنْ قال لشخص: أعنّي على بناء الدار ، أو قضاء الدَيْن، أو قال: أعطني، أو غير ذلك، بقصد الدعاء، أعني: طلب المربوب من الربّ، فهو كفرٌ وإشراك. وإن قصد الطلب لا على ذلك النحو، لم يكن كفراً.
ولو كان المدار على هذه الصورة، لكُفِّرت الخلائق من يوم آدم إلى يومنا هذا، بل صدور هذه العبارات عن الأنبياء والأوصياء أبين من الشمس.
وكذلك (الأستجارة)، و (الندبة)، ونحوهما، فأن كانت على الطور المعهود، كقوله تعالی: «وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ»(2)«فَاسْتَعَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى
الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ»(1)«فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ»(2)فلا محيص عن القول بجوازه. فتفاوت العبارات باختلاف النيات.
فمن كان داعياً دعاء الأصنام وسائر الأرباب، أو مستغيثاً كذلك، فهو كافر مشرك. وإن أراد المُتَعارف بين سائر الناس، فليس به بأس.
فبحقِّ مَنْ شقَّ سمعك وبصرك، أنْ تُمْعِنَ في هذا المقام نظرَك، وتُصَفِّي نفسك عن حب الأنفراد، كما يلزمنا التخلية عن حب متابعة الآباء والأجداد.
ولا فرق بين الأحياء والأموات، لأنَّ مَنْ إستغاث بالمخلوق أو إستجار، على أنه فاعلٌ مختار، فقد دخل في أقسام الكفار، فالأستغاثة بعيسى أو بمريم، حيّين أو ميّتين، تقع على القسمين.
وإعتقاد أنَّ الميت يسمع أو لا يسمع، ليس من عقائد الدين التي تجبُ معرفتُها على المسلمين، فمن إعتقدَها: فأما أن يكون مصيباً مأجوراً، أو مخطاً معذوراً.
ومن ذلك القبيل الألفاظ التي تفيد الرّجاء، والتوكّل، والأعتماد، والتعويل، والالتجاء، والأستعانة بغير الله، فأن هذه العبارات لو بني على ظاهرها لم يبقَ في الدنيا مسلمٌ، إذْ لا يخلو أحدٌ من الأستعانة على الأعداء ، والأعتماد على الأصدقاء، والألتجاء إلى الأمراء، ونحو ذلك.
إلاّ أنه إنْ قصد الملتجأ إليه والمعول عليه من المخلوقين له اختيارٌ وتدبيرٌ في العالم لنفسه لا عن أمر الله، فذلك كفرٌ بالله، وإلاَّ فلا بأس.
ومما يناسب نقله في هذا المقام ما نقله القتيبي، قال: كنت جالساً عند قبر رسول الله (صلی الله علیه وآله) فجاء أعرابيٌّ، فسلَّمَ على النبي (صلی الله علیه وآله)، ثم أنشأ يقول:
يا خيرَ مَنْ دُفنت بالقاع أعظمُهُ *** فطَاب مِنْ طيبهنَّ القاعُ والأكمُ
نفسي الفداء لقبرٍ أنتَ ساكنُهُ *** فيه العَفَافُ، وفيه الجُودُ والكرمُ
ثم قال: ها أنا ذا يا رسول الله، فقد ظلمتُ نفسي، وأنا أستغفرُ الله وأسألك يا رسول الله أنْ تستغفرَ لي. قال القتيبي: ثم نمتُ، فرأيتُ النبيَّ (صلی الله علیه وآله) في المنام، فقال: يا قتيبي أدرك الأعرابي وبشِّره أنه قد غَفَر الله له، قال: فأدركتُهُ وبشَّرتُه.
المقصد السابع في التوسّل
ولا ريب أنه من سنن المرسلين، وسيرة السلف الصالحين، ودلت عليه الأخبار والآثار.
نُقِلَ أن آدم لمَّا إقترفَ الخطيئة، قال: يا ربي أسألك بحقِّ مَحمَّد (صلی الله علیه وآله) لما غفرت لي، فقال: يا آدم كيف عرفت، قال: لأنَّك لمَّا خلقتني نظرتُ إلى العرش، فوجدتُ مكتوباً فيه: (لا إله إلاَّ الله، مُحمَّدٌ رسول الله)، فرأيتُ إسمه مقروناً مع إسمك، فعرفتُهُ أحبُّ الخلق إليك إليك. صححه الحاكم(1).
وعن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي (صلی الله علیه وآله) فقال: إدعُ الله أن يعافيَني، فقال النبي (صلی الله علیه وآله): إن شئت صبرتَ فهو خيرٌ لك، وإن شئتَ دعوتُ، قال: فادْعُهُ، فأمره أن يتوضأ، ويدعو بهذا الدعاء: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيِّكَ مُحمَّد نبيِّ الرحمة، يا محمد إني توجَّهتَ بك إلى ربي في حاجتي ليقضيَها، اللهم شفِّعْهُ فيَّ(2).
وفيه دلالة على جواز الشفاعة في الدنيا، وعلى الأستغاثة، رواه الترمذي، والنسائي، وصححه البيهقي، وزاد: فقام وقد أبصر.
ونقل الطبراني عن عثمان بن حنيف أنَّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفَّان في حاجته، فكان لا يلتفت إليه، فشكا ذلك لابن حنيف، فقال له: إذهب وتوضأ وقل: ...(وذكر نحو ما ذكر الضرير)، قال: فصنع ذلك، فجاء البواب، فأخذه وأدخله على (عثمان)، فأمسكه على (الطنفسة) وقضى حاجته(3).
وروي أنه لمَّا دعا النبي (صلی الله علیه وآله) لفاطمة بنت أسد، قال اللهم إني أسألك بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي... (إلى آخر الدعاء)(4).
وفي الصحيح عن أنس أن عمر بن الخطاب (رض) كان إذا أقحط الناس إستسقى
بالعباس، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيِّكَ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيِّكَ، ونستشفع إليك بشيبته، فَسُقوا(1).
وروى الشيخ عبد الحميد (بن أبي الحديد) عن علي (علیه السلام) أنه قال: كنتُ من رسول الله كالعضد من المنكب، وكالذراع من العضد، رباني صغيراً، ووأخاني كبيراً، سألته مرةً أن يدعوَ لي بالمغفرة، فقام فصلَّى، فلمَّا رفع يديه سمعتُهُ يقول: اللهمّ بحق علي عندك إغفر لعلي، فقلتُ: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: أوَ أحد أكرم منك عليه، فأستشفعُ به إليه(2).
وفي هذين الخبرين دلالةٌ على شفاعة الدنيا.
وفي مسند إبن حنبل أنَّ عائشة قال لها مسروق: سألتك بصاحب هذا القبر ما الذي سمعتِ من رسول الله (يعني: في حق الخوارج) قالتْ سمعتْهُ يقول: إنَّهم شرُّ الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة، وأقربهم عند الله وسيلة(3).
وعن الأعمش أن إمرأةً ضريرةً بقيت ستة ليالٍ تُقْسِمُ على الله بعليّ، فعوفيت.
فما رواه جبير بن مطعم عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه أتاه أعرابي، فقال: جهدت الأنفس، وجاع العيال، فأستسق لنا، فأنا نستشفع بك الى الله، ونستشفع بالله عليك، فقال النبي (صلی الله علیه وآله): «ويحك أنه لا يستشفع بالله على أحد، شأن الله أعظم»، فليس مما نحن فيه، لأنه نهى عن الأستشفاع بالله لا بأحد إلى الله.
وعن علي أنه قال لسعد بن أبي وقاص: أسألك برحم إبني هذا، وبرحم حمزة عمي منك ألا تكون مع عبد الرحمن(4).
وعن عائشة (رض) أنَّ النبيَّ أسرَّ إلى فاطمة سرَّاً، فبكت بكاءً شديداً، فسألتُها، فقالت: ما كنتُ لأفشي سرَّ رسول الله (صلی الله علیه وآله)، فلما قُبِضَ سألتُها وقلتُ لها: عزمتُ عليكِ بما لي عليك من الحق، (... الخبر)(5).
وروى أبو مخنف عن أبي الخليل، قال: لمَّا نزل طلحة والزبير في موضع (كذا)، قلت:
1) صحيح البخاري (كتاب الاستسقاء)، باب 3؛ و (كتاب فضائل أصحاب النبيّ)، باب 11
2) شرح نهج البلاغة، ج 4، ص 558
3) سنن الدارمي (كتاب الجهاد)، باب 39؛ مسند أحمد بن حنبل، ج 1، ص 140؛ سنن ابن ماجه (المقدمة)، باب 12، حدیث 170
4) الترمذي ، ج 5، ص 607
5) صحيح البخاري، ج 4، ص 210؛ وصحيح مسلم، ج 4، ص 1905؛ والترمذي، ج 5، ص 658
ناشدتكما الله وصُحبة رسول الله (صلی الله علیه وآله).
وعن علي (علیه السلام) أن يهودياً جاء إلى النبي (صلی الله علیه وآله)، فقام بين يديه، وجعل يحد النظر إليه، فقال: يا يهودي ما حاجتُك، فقال أنت أفضل أم موسى فقال له: إنه يكره للعبد أن يزكي نفسه، ولكن قال الله تعالى: «وأمّا بنعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدَّثْ» إنَّ آدم لما أصابته خطيئته التي تاب منها كانت توبته (اللهمّ إني أسأَلَكَ مُحمَّد وآلِ مُحمَّد لما غفرتَ لي)، فغُفِرَ له(1).
وعن علي (علیه السلام) أنه بعد دفن النبي (صلی الله علیه وآله) قام عند قبره الشريف، فقال مخاطباً له: طبتَ حيَّاً وطبتَ ميتاً، إنقطع عنا بموتك ما لم ينقطع بموت أحد سواك من النبوة والأنباء، وأخبار السماء، (والحديث طويل) إلى أنْ قال: بأبي أنت وأمي إذْكرنا عند ربك، واجعلنا من بالك وهمك.
ونقل الشيخ عبد الحميد أنَّ معاوية سأل عقيلاً عن علي (علیه السلام)، فقال له عقيل: يا معاوية جاءته زقاق عسل من اليمن، فأخذ الحسين منها رطلاً واشترى إداماً لخبزه، فلمَّا جاء عليّ ليقسِّمها قال: يا (قَنْبَرُ) أظنُّ أنه قد حَدَثَ بهذا حدثٌ قال: نعم، وأخبره بقصة الحسين (علیه السلام) فَغَضِبَ، وقال عليَّ (بحسين) فرفع الدرة عليه، وقال: بعمي (جعفر)، (وكان إذا سئل بحق جعفر سكن)، فأجابه (الحسين) بما أجاب.
ونقل الشيخ عبد الحميد أنَّ رجلاً وفد من مصر، فاستعاذ بعمر.
وكيف كان فقد بآنَ أَنَّ مَنْ توسَّلَ إلى الله (بمعظَّم) من: قرآن، أو نبيٍّ، أو عبدٍ صالح، أو مكانٍ شريف، أو بغير ذلك، فلا بأس عليه، بل كان آتياً بما هو أولى وأفضل.
ولا بأس بالتوسط بحق المخلوقات، فأن للمولى على عبده حقَّ المالكية، وللعبد حق المملوكية، وللخادم حقَّ الخدمة، وللأرحام حقَّ الرحم، وللصديق حقَّ الصداقة، وللجار حقَّ الحرار، وللصاحب حقَّ الصحبة. فالحق عبارةٌ عن الرابطة بأي نحوٍ إتفقت، وعلى أي جههٍ كانت.
وعلى ذلك جرتْ عادة السلف من أيام النبي (صلی الله علیه وآله) إلى يومنا هذا، لا ينكره أحدً من المسلمين، والدعوات، والمواعظ مشتملة عليه، والأجماع منعقدٌ عليه، فلم يبق في المقام إشكال، ولا بقى محلٌ للقيل والقال، والله ولى التوفيق، وهو أرحم الراحمين.
1) كنز العمال، ج 11، ص 455
المقصد الثامن في الشفاعة
الشفاعة - في الحقيقة - قِسمٌ من الدعاء والرجاء، وليس من خواص الأنبياء والأوصياء، وليس لأحدٍ على الله قبول شفاعته، وإنما ذلك من ألطافه ومننه، ولا شفاعة إلا بإذنه ورضاه، والأخبار فيها متواترة.
روی محمد بن عمرو بن العاص، عن النبيّ (صلی الله علیه وآله) أنه قال: من سأل الله لي الوسيلة، حلَّتْ عليه الشفاعة، رواه مسلم(1).
وعن جابر عن النبي (صلی الله علیه وآله): «من سمع الأذان ودعا بكذا، حلت له شفاعتي يوم القيامة»، رواه البخاري(2).
وعن عبد الله بن عباس، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً، لا يُشْرِكون بالله شيئاً، إلاَّ شفَّعهم الله فيه، رواه مسلم(3).
وعن عائشة (رض)، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: ما من ميتٍ تصلي عليه أمةٌ من الناس يبلغون مائة، كلهم يشفعون له إلاَّ شُفِّعُوا فيه، رواه مسلم(4).
وعن جابر، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: أُعطيتُ خمساً... (وعدَّ منها الشفاعة)(5).
وعن إبن عباس عن النبي (صلی الله علیه وآله): أنا أول شافع وأول مشفع في القيامة ولا فخر(6).
وعن جابر عن النبي (صلی الله علیه وآله): أنا أول شافع وأول مشفع. ونحوه عن أنس(7)، وأُبيّ بن كعب(8).
1) صحیح مسلم (کتاب الصلاة)، باب 11؛ أبي داود (كتاب الصلاة)، باب 36؛ سنن الترمذي (كتاب المناقب)، باب 1؛ سنن النسائي (كتاب الأذان)، باب 37؛ مسند أحمد بن حنبل (كتاب الثاني)، الباب 168
2) البخاري (كتاب الأذان)، باب 8؛ وصحيح مسلم (كتاب الصلاة)، باب 11؛ وسنن أبي داود (كتاب الصلاة)، باب 36
3) صحیح مسلم (کتاب الجنائز)، باب 19 (مَنْ صلّى عليه أربعون شفعوا فيه)، حديث 59
4) صحيح مسلم (كتاب الجنائز)، باب 18، حدیث 58
5) صحیح مسلم (كتاب المساجد ومواضع الصلاة)، باب 5، حدیث 3
6) صحیح مسلم (كتاب الفضائل)، (باب) - 2 -، تفضيل نبيّنا - صلی الله علیه وآله - على جميع الخلق)، حدیث 2278
7) صحیح مسلم (كتاب الأيمان)، باب 330
8) سنن الدارمي (المقدمة)، الباب 8
وعن جبير بن مطعم، عن عثمان بن عفان، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: يُشَفَّعُ يوم القيامة ثلاثة (وعدَّ منهم الأنبياء).
وعن أبي سعيد، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أن الشفاعة على مراتب الناس في القابلية(1).
وعن عبد الله بن مالك عن أبيه، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه أتاني آتٍ من ربي، فخيَّرني بين أن يدخل نصف أُمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة.
وعن عبد الله بن أبي الجذعاء، عن النبي (صلی الله علیه وآله): أنه والدارمي يدخل الجنة بشفاعة رجلٍ(2)من أمتي أكثر من بني تميم، رواه الترمذي والدارمي(3).
وعن أنس قال: سألتُ النبي (صلی الله علیه وآله) أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: أنا فاعل، قلتُ: فأين أطلبك، قال: أولاً على الصراط، قلت: فأن لم ألقك؟ قال: عند الميزان، قلت: فأن لم ألقك، قال: عند الحوض، فأني لا أخطيء هذه المواضع، رواه الترمذي(4).
وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي (صلی الله علیه وآله) إنَّ الله يقول بعد فراغ الشافعين من الشفاعة: شُفّعت الملائكة، وشُفِّعَ النبيون، وشُفِّعَ المؤمنون، ولم يبقَ إلاَّ أرحمُ الراحمين(5).
وعن أنس عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه يحبس المؤمنون يوم القيامة، فيقولون لو استشفعنا، فيأتون (آدم)، فيعتذر بخطيئته، ثم (إبراهيم) فيعتذر بثلاث كذبات كذبهن، ثم (موسى) فيعتذر بقتل النفس، ثم (عيسى)، فيقول: لست هناك، فيقول الله تعالى بعد أن أسجد له: إشفع تشفع... (الخبر وهو طويل)(6).
وعن النبي (صلی الله علیه وآله) أنَّ مَلَكاً غُضِبَ عليه، فأُهبِطَ من السماء، فجاء إلى إدريس فقال له: إشفع لي عند ربك، فدعا له، فأُذن له في الصعود. وفيه دلالة على الشفاعة في الدنيا. وستجيء في باب زيارة القبور أخبارٌ كثيرةٌ عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: «مَنْ زارني كنتُ له شفيعاً»(7).
وبيان الحال: أن (الشفاعة) إن كانت من قبيل الدعاء، فيرجع طلبها الى التماس أنبياء والأولياء، فتكون عبارة عن دعاء مخصوص لنجاة الغير، أو قضاء حاجته في أمور الدنيا والآخرة، فلا كلام ولا بحث في جواز طلبها من كل أحد، فهي كما لو سألتَ إخوانك الدعاء. ويؤيد ذلك أنه لما سئل إدريس (علیه السلام) الشفاعة دعا.
ولا فرق بين الأحياء والأموات، فأنا سنُبيِّنُ - إن شاء الله - تواتر الأخبار في أنَّ الأموات يسمعون وينطقون، لكنَّ الناس لا يسمعون كلامهم. فالشفاعة بهذا المعنى لا غضاضة في طلبها، إذ لسنا في ذلك بمنزلة من قالوا لا طاقة لنا بعبادة الله، ونحن نعبد الأصنام، وهم يوصلوننا الى الله.
وإِنْ أُريدَ بالشفاعة منصبٌ أعطاه الله لنبيه (صلی الله علیه وآله) وأوليائه، فيدفعون بالأذن العام عن الناس، بمعنى أنَّ الله أذن إذناً عاماً لنبيه (صلی الله علیه وآله) في إنقاذ بعض أهل العذاب من العذاب يوم يقوم الحساب، فبهذا المعنى تكون مخصوصة في الآخرة.
ولا ريب أن المستشفع بالنبي (صلی الله علیه وآله)، والأولياء في دار الدنيا، يريد المعنى الأول.
فليتَ شعري ما الذي يُنْكَرُ من طلب الشفاعة، أمن جهة خطاب الموتى فذلك لا يوجب كفراً ولا إشراكاً، لو كان خطأ، فكيف لو كان صواباً، أو من جهة إسناد الأمر الى غير الله سبحانه، وهذا أعجب من السابق، فأنَّ الداعي والساعي في حاجة أحد إلى مولاه لا يرتفع عن درجة العبودية، ولا سيما إذا لم يحدث شيئاً إلا عن إذنه.
ومن البديهة(1)أن العبيد والخدام القائمين بشرائط العبودية والخدمة مع الأذن يُشَفَعَوْنَ عند مواليهم في قضاء حوائج الناس، ولا يخرجهم ذلك عن العبودية والخدمة، بل هذا نوع من العبودية.
وفي أحاديث الشفاعة ما يدل على عموم الشفاعة في دفع المضار الدنيوية والأخروية.
وقد نقل عن الصحابة بطرق معتبرة أن الصحابة كانوا يلجأون الى قبر النبي (صلی الله علیه وآله)، ويندبونه في الأستسقاء ورفع الشدائد والأغراض الدنيوية.
روى البيهقي بطريق صحيح عن مالك الدارخازن عمر (رض) أنه أصاب الناس قحط، فذهب رجل إلى قبر النبي (صلی الله علیه وآله)، فقال: يا رسول الله (صلی الله علیه وآله) إستسق لأُمَّتك فقد هلكوا، فأتاه النبي (صلی الله علیه وآله) في المنام، فقال له: قل لعمر: قد سُقوا(2).
وقد روي أنَّ من رأى النبي (صلی الله علیه وآله) في نومه فكأنما رآه في يقظته، لأنَّ الشيطان لا يتمثل به(1).
وروى البيهقي بطريق صحيح أنَّ رجلاً في أيام عمر (رض) جاء إلى قبر النبي (صلی الله علیه وآله)، فقال: يا مُحمَّد إستسقِ لأُمَّتك(2).
وروى الطبراني وابن المقري أنهم كانوا جياعاً، فجاؤا إلى قبر النبي، فقالوا: يا رسول الله الجوع، فاشبعوا.
والغرض أن ذلك ظاهر بين الصحابة والسلف، لا يتناكرونه أبداً، وحيث كان لا يزيد على سؤال الدعاء، واتضح في البحث الآتي أنَّ الأنبياء والأولياء أحياء، لا يبقى كلام أصلاً.
الخاتمة
وأما الخاتمة، فتشتمل على أبواب:
الباب الأول في حياة الأموات بعد موتهم
وفيه فصول:
الفصل الأول في حياة النبي (صلی الله علیه وآله) بعد موته
وانه يسمع الكلام ويرد الجواب، كما في حياته غير أن الله حبس سمع الناس إلاَّ قليلاً من الخواص، ولا بعد في ذلك بعد الأقرار بعموم قدرة الجبار، فأن من أودع تلك النطقة روح الانسان، قادر أن يودعها في أي محل كان.
ولا ينافي ذلك إطلاق إسم الموت عليه، وانَّ الحياة إنَّما هي وقت البعث، لأنَّ المراد أنَّ عود تلك الأجسام على الحال السابق والكيفية السابقة، إنما يكون في ذلك الوقت، وان
ظهور ذلك للناظرين، إنما يكون في ذلك الحين، ولا بُدَّ أن تتلقَّى ما ورد عن النبي الكريم، بأشد القبول والتسليم.
روي عن أُمِّ سلمة (رض)، قالت: رأيتُ النبي (صلی الله علیه وآله) والتراب على شيبته، فسألتُه، فقال: شهدتُ قتل الحسين (علیه السلام).
وعن ابن عباس أنه رأى النبي (صلی الله علیه وآله) في المنام، وفي يده قارورة، فقلت وما هذه. فقال هذا دم الحسين (علیه السلام)(1).
وقال المبارزي: نبينا حيٌ بعد وفاته.
وقال شيخ الشافعي(2): نبينا حيٌ بعد وفاته، فأنه يستبشر بطاعات أمته، ويحزن من معاصيهم، وتبلغه صلاة مَنْ يُصَلِّي عليه.
وعن علي (علیه السلام) أنَّ أعرابيا جاء إلى قبر النبي (صلی الله علیه وآله)، فقال: يا رسول الله إستغفر لي، فنودي من داخل القبر ثلاث مرات: قد غفر الله لك(3).
وروى أبو داود في مسنده، عن أبي هريرة، مرفوعاً عن النبي (صلی الله علیه وآله)، قال: ما مِنْ أحاد يُسلَّم عليَّ إلا ردَّ اللهُ روحي حتى أردَّ عليه.
وذكره إبن قدامة من رواية أحمد أنَّ النبي (صلی الله علیه وآله) قال: ما مِنْ أحد يُسلّم عليَّ عند قبري إلاَّ ردَّ الله عليَّ روحي. وذكره بعض أكابر مشايخ البخاري.
وفي خبر النسائي وغيره، عن النبي (صلی الله علیه وآله)، قال: إنَّ لله ملائكة سيَّاحين في الأرض، يبلغونني من أمتي السلام.
فعلى هذا لا فرق بين السلام من قربٍ، أو بعد.
وعن أبي هريرة عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: مَنْ صلَّى عليّ عند قبري سمعتُه(4).
وعن أبي هريرة، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: من صلى عليَّ عند قبري، وكل الله به
ملكاً يبلغني(1).
وروى إبن أوس مرفوعاً عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة، فأن صلاتكم معروضةٌ عليَّ، قالوا: أوَ كيفَ تعرض عليك وأنت رميم؟! فقال: إنَّ الله حرَّم على الأرض لحوم الأنبياء(2). وهذا يعم الأنبياء (صلى الله عليهم).
وروى الحافظ عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: علمي بعد مماتي كعلمي في حياتي(3).
وعن النبي (صلی الله علیه وآله): إنَّ الله وكَّلَ مَلَكاً يُسْمِعُني أقوالَ الخلائق، يقوم على قبري، فلا يُصلّى عليَّ أَحدٌ إلاَّ قال: يا مُحمَّد (فلان) بن (فلان) يُصلّي عليك، صلَّوا عليّ حيثما كنتم، فأن صلاتكم تبلغني.
وعن النبي (صلی الله علیه وآله): إِنَّ أعمالكم تُعْرَضُ عليّ(4).
والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى، وفيها دلالة على أنه (صلی الله علیه وآله) يُخاطَبُ في كما يُخاطَبُ في حياته، بل يظهر من بعض الروايات(5)أنَّ كلامه يسمعه بعض الخواص.
أخرج أبو نعيم في دلائل النبوة، عن سعيد بن المسيب، قال: لقد كنتُ في مسجد رسول الله (صلی الله علیه وآله)، فما يأتي وقت صلاةٍ إلاَّ سمعتُ الأذان من القبر.
وأخرج ابن سعد في الطبقات، عن سعيد بن المسيب أنه كان يلازم المسجد أيام الحرَّة، فإذا جاء الصبح سمع أذاناً من القبر الشريف(6).
وأخرج زبير بن بكار(7)في أخبار المدينة، عن سعيد بن المسيب، قال: لم أزل أسمع الأذان والأقامة من قبر رسول الله (صلی الله علیه وآله) أيام الحَرَّة، حتى عاد الناس.
وأخرج الدارمي في مسنده، عن مروان، عن سعيد بن عبد العزيز أنَّه كان لا يعرف وقت الصلاة إلاَّ بهمهمةٍ تخرج من القبر(8).
1) کنز العمال، حدیث 2196
2) کنز العمال، ج 1، الباب السادس، حدیث 2141
3) كنز العمال، ج 1، الباب السادس، حدیث 2242
4) صحیح مسلم (كتاب المساجد)، باب 57؛ ومسند أحمد بن حنبل، الكتاب الخامس
5) في النسخة المطبوعة: الأخبار
6) الطبقات الكبرى، ج 5، ص 132
7) الزبير بن بكَّار، من أهل المدينة، تُوفي سنة 256 ه / 870 م عن (84) عاماً. له مؤلفات في الأنساب والتاريخ
8) سنن الدارمي، ج 1، ص 56
الفصل الثاني في حياة سائر الشهداء والأنبياء
قد سبق أن الأرض لا تأكل لحومهم.
قال البيهقي في كتاب الاعتقاد(1): إنَّ الأنبياء بعدما قُبِضُوا رَّدْت إليهم أرواحهم، فهم أحياءٌ كالشهداء.
وقال القرطبي في التذكرة(2): الموت ليس عدماً محضاً، يدل على ذلك أن الشهداء أحياء، فالأنبياء أولى، وقد صحَّ أنَّ الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وأنَّ النبي (صلی الله علیه وآله) إجتمع بالأنبياء ليلة الأسراء في بيت المقدس وفي السماء.
وقال الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي شيخ الشافعي: إنَّ الأنبياء لا تبلى أجسادهم، ولا تأكل الأرض منهم شيئاً، وقد إلتقى نبيُّنا مُحمَّد (صلی الله علیه وآله) مع إبراهيم، وموسى بن عمران.
وعن أنس، عن النبي (صلی الله علیه وآله) إنَّه مرَّ بقتلى بدر فكلّمهم، فقال له أصحابه: كيف تُكلّم أجساداً لا أرواح فيها؟! فقال: لستُم أسمعَ منهم لكنهم لا يتكلمون.
وعن قتيبة وأبي الفضل، عن إبن عباس أنَّ الحواريين قالوا لعيسى: أحيّ لنا يحيى بن زكريا، حتى ننظر إلى وجهه، فخرج معهم وأحياه، وإذا نصف شعر رأسه أبيض، وقد كان أسوداً فسألوه، فقال: لما نوديت زعمتُ أنها القيامة، فقال عيسى: أتريد أنْ أسأل الله أن يردك إلى الدنيا؟ فقال: إن مرارة الموت لم تخرج من حلقي بعد.
وعن أبي هريرة، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه مرَّ بابراهيم يُصلّي، وبموسى يُصلّي. وفي حديث المعراج أنه مرَّ بكثير من الأنبياء يصلون.
وقال الحافظ شيخ السنة أبو بكر البيهقي في الإعتقاد: إن الأنبياء تُردُّ إليهم أرواحهم بعدما يقبضون، فهم أحياء عند ربهم كالشهداء، وقد رأى النبي (صلی الله علیه وآله) جماعة منهم، وصلُّوا خلفه، وقد أخبر هو عن ذلك، وخبرُهُ صدق، أنَّ صلاتنا تُعرضُ عليه، وانَّ
الأرض لا تأكل من لحمه.
وعن الشيخ عفيف الدين أنَّ الأولياء من جملة خصائصهم رؤيا الأنبياء.
وقال الشيخ تقي الدين السبكي: إنَّ حياة الأنبياء والشهداء في القبور كحياتهم في الدنيا، ويدل عليه صلاة موسى وجماعة من الأنبياء ليلة الأسراء مع النبي (صلی الله علیه وآله).
وروى الثقات عن أنس مرفوعاً، عن النبي (صلی الله علیه وآله): إنَّ الأنبياء أحياءٌ في قبورهم.
وعن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: مررتُ بقبر موسى بن عمران فرأيتُهُ يُصلّي(1).
وقال الله تعالى في حق مَنْ قُتلوا في سبيل الله: «أحياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»(2)إلى غير ذلك من الأخبار.
الفصل الثالث في حياة سائر الموتى
روى إبن عباس مرفوعاً عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: ما من أحدٍ يمر بقبر أخيه المؤمن فيسلم عليه إلا عرفَهُ، ورد عليه السلام.
وفي رواية: ما من أحدٍ يمر بقبر رجل يعرفه إلاَّ عرَفَهُ وردَّ عليه السلام(3).
ونقل أبو عبد الله البخاري أنَّ الشهداء وسائر المؤمنين إذا زارهم المسلم وسلَّم عليهم، عرفوه وردوا عليه السلام.
وروى الثعلبي في تفسيره، وابن المغازلي الواسطي في المناقب: أنَّ النبيَّ (صلی الله علیه وآله)، وأصحابه لما حملهم البساط، وصَلَوا إلى موضع أهل (الكهف)، فقال: سلِّموا عليهم، فسلِّموا عليهم، ولم يردوا، فسلم النبي (صلی الله علیه وآله) عليهم، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله(4).
وأخرج الشيخ ابن حيارة في كتاب (الوصايا)، عن قيس، قال: قال النبي (صلی الله علیه وآله): من
لم يوص، لم يُؤذَنْ له في الكلام مع الموتى، قيل، يا رسول الله الموتى يتكلمون، فقال: نعم ويتزاورون.
وعن أبي هريرة، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه رأى جعفراً يطير في الجنة.
ونقل أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي أن عيسى لما دفن مريم، قال: السلام عليك يا أماه، فأجابته من جوف القبر: وعليك السلام حبيبي، وقرة عيني، فقال لها: كيف وجدتِ طعم الموت؟ فقالت: والذي بعثك بالحقّ ما ذهبتْ مرارة الموت من حَلْقِي، ولا خشونته من لساني.
وروى الحاكم عن سالم بن أبي حفصة قال: توفي أخٌ لي، فوضعتُهُ في القبر، وسويت عليه التراب، ثم وضعتُ أذني على الحده، فسمعتُ قائلاً يقول له: مَنْ رَبُّكَ، فسمعتُ أخي يقول بصوت ضعيف: ربي الله، فقال له: وما دينُك، فسمعتُ أخي يقول بصوتٍ ضعيف: ديني الأسلام، فسمعتُهُ يقول له: ومَنْ نبيك؟ فسمعتُهُ يقول بصوت ضعيف: مُحمَّد نبيّي، فسمعتُهُ يقول له: نم نوم العروس، وسمعتُ الملك الآخر يقول له أبشر بروح وريحان، وربٍّ غير غضبان(1).
وفي الأخبار، عن عمر بن الخطاب أنه قال: ما من ميت يموت، يوضع على سريره، فَيُخْطَى ثلاث خُطوات، إلاَّ ويُنادى بنداء يسمعه ما شاء الله من الخلائق غير الثقلين، فيقول: يا إخوتاه، يا خدماه، يا حملة نعشاه، لا تغرَّنكم الدنيا كما غرَّتني، ولا يلعبن بكم الزمان كما لعب بي، خلَّفتُ ما جمعتُ لورثتي، ولم يحملوا من خطيئتي شيئاً، والديّان يحاسبني، وأنتم تشيعوون جنازتي، ثم تدعونني في الحدي.
وَزِيَد في آخر: ثم تسلمونني الى منكر ونكير، واندامتاه، وآندآمتاه، وآندآمتاه(2).
وعن الفقيه الزاهد إسماعيل بن الحسن، عن عمر بن الخطاب أنه دخل المقابر، فنادى يا أهل المقابر الأموال قد قُسِّمتْ، والدور قد سُكنتْ، والأزواج قد نُكحتْ، فهذا خبر ما عندنا، فأخبرونا ما عندكم، قال: فهتف به هاتف، وهو ينادي ويقول: يا بن الخطاب وجدنا ما عملنا ربحاً، وما خلفنا خسراناً، والجبار سألنا عن جميع ما فعلنا، ثم سكت.
وعن كعب، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: لا يمرُّ أحدٌ بالمقابر إلا ويناديه أهل القبور: يا
غافلاً لو علمتَ بما نحن فيه لذاب لحمك وجسمك، كما يذوب الثلج في النار(1).
وعن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: إن الموتى ينادون في كل يوم ثلاث مرات من قبورهم: يا أهل الديار عجلوا عجلوا، فأنما نحن محبوسون من أجلكم، الرحيل الرحيل، لا تحبسوا إخوانكم، خرِّبوا ما بنيتم، وأتركوا ما جمعتم، نورتم البيوت، وأظلمتم القبور، وبنيتم البيوت، ونسيتم القبور، وعمرتم البيوت، وخربتم القبور، ووسعتم البيوت، وضيقتم القبور، (وذكروا غير ذلك)(2).
وعن أبي عبد الله محمد بن عمر، يروي عن عمر، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: ما مَنْ يوم يمضي إلاَّ ومَلَك يهتف: يا أهل القبور مَنْ تغبطون اليوم، فيقولون: نغبط أهل المساجد، يصلُّون في مساجدهم، ويصومون ويصدَّقون، ولا نقدر نصلي ونصوم ونتصدق.
وعن محمد بن أبي عبد الله بن الفضل، عن محمد بن كعب، قال: كعب، قال: مرَّ عيسى على قبر، فرأى فيه عذابا شديداً، فدعا الله حتى أحياه، فقال له عيسى: فَلِمَ تُعذَّب. قال: كنتُ جالساً في سوق (مصر)، وقد أكلتُ شيئاً، فأخذتُ عُودةً من حزمة شوك لأُخلل أسناني بها، ومتُّ منذ أربعة آلاف سنة وأنا في عذابها، ثم قال: يا روح الله منذ أربعة آلاف سنة ومرارة الموت باقيةٌ في حَلْقي. فقال عيسى: اللّهُم يسِّرْ علينا سكرات الموت.
وعن وهب بن منبة أن عيسى (ع) مرَّ على نهرٍ فيه ماء عذب، وحوله خابية(3)، كلما يوضع فيها من ذلك الماء يصير ذلك الماء يصير مالحاً، فقال: إلهي ما خبر هذا الماء المالح؟! فأذن الله للخابية بالكلام، فقالت: إني كنتُ آدمياً، فبقيتُ في قبري ثلاثمائة سنة، ثم جاء لبَّانٌ، فضرب ترابي لِبْنَاً، وبنيت في قصر ثلاثمائة سنة، ثم خرب القصر، فبقيتُ تراباً مائتي سنة، ثم جاء شخص فجعلني (حبِّاً)، ووضعني سقايةً على شاطئ هذا النهرٍ من مائة سنة وكل ما يجعل فيَّ يكون مالحاً، لما في من مرارة نزع الروح، وأنا معذبٌ منذ مِتُّ، لأني أخذت إبرةً من جاري، وما رددتُها حتى مِتُّ. فما أدري أنَّ عذابي أشد أم مرارة الموت، فقال عيسى: اللّهُم يسِّرْ عليَّ الموت، ونجني من عذاب القبر... (الحديث). وقد ذكرنا من مضمونه محل الحاجة.
وعن عائشة، عن النبي (صلی الله علیه وآله): إنَّ أشد الأحوال على الميت حين يدخل (الغسال) داره ليغسله، فيخرج خواتم الشبان من أصابعهم، وينزع قميص العروس من بدنها، ويرفع
عمائم المشايخ عن رؤوسهم. فعند ذلك يقول بصوتٍ يسمع الخلائق غير الثقلين: يا غسال بالله عليك إنزع ثيابي برفق، فأني الساعة استرحتُ من مخاليب مَلَك الموت، فأذا صب عليه الماء صاح كذلك. فإذا رُفع عن المغتسل، وشدَّ مواضع قدميه بالكفن، يقول: بالله عليك لا تشد رأس كفني ليرى وجهي أهلي وأولادي وعروسي التي كنتُ أُحبُّها، وينظرُ إلى وجهي أقربائي، وأحبائي وإخواني، وجيراني، ورفقائي، فأن هذه آخر رؤياي.
فإذا خرج من الدار، نادى بالله عليكم يا حملة نعشي لا تُعَجِّلوا بي، حتى أُودِّعَ داري التي بنيتُها، وزيَّنتُها ونقشتُها بأنواع النقوش، وأهلي ومالي وأولادي، فأن هذا خروجُ لا مردَّ بعده إلى يوم القيامة.
فإذا رفعت الجنازة، نادى يا حملَة نعشي بالله عليكم لا تُعجلِّوا بي، حتى أسمع أصوات أولادي الذين يَعْوَلُونَ خلف جنازتي، وعروسي التي تبكي عليَّ، ووالدي الذي تقوَّس ظهره لموتى، ووالدتي التي شدَّتْ وسطها بالمنديل لمفارقتي، وقد نشرتْ شعرها، وضربتْ صدرها، وتقوَّس ظهرها، وأبيضَّتْ عيناها لفقدي.
فإذا صُلّي على جنازته، ورُفعَ من المصلى، ورجع بعض أصدقائه، يقول: يا إخوتاه كنتُ أعلمُ أنَّ الميت ينساه الأحياء، لكن لا بهذه السرعة، رجعتم قبل أن تدفنوني، ونسيتموني بهذه السرعة، وجسمي بعد بين أظهركم.
فإذا وُضِعَ في لحده، وَوُضِعَ عليه التراب، ينادي وآ ورثتآه، تركتُ لكم الكثير، فلا تنسوني، تصدَّقوا عني على فقرائكم، ولو بكسرة خبز محترق، وعلمتكم القرآن والأدب، فلا تنسوني من الدعاء، فأني صرت محتاجاً، كفقرائكم على أبوابكم، ومحتاجاً إلى دعائكم، كصاحب حاجتكم الى ساداتكم(1).
ومما يدل على بقاء حياتهم في قبورهم، ما دلَّ على أنَّ الميّت بعدما يُسأل، يُفتح له بابٌ إلى الجنة، إن كان من أهل الخير، أو إلى النار إنْ كان من أهل الشر، وبقاء اللذة والألم ظاهرٌ في بقاء أثر الحياة.
وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله): إذا مات أحدكم، عرض عليه مقعده بالغدوة والعشيّ، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
وعن أبي هريرة، عن النبي (صلی الله علیه وآله): إنَّ الميتَ يُسأل في قبره عن النبي (صلی الله علیه وآله)، فأن
1) تُراجع هذه الأحاديث في الجزء الخامس عشر من كنز العمال في الباب الأول (في ذكر الموت وفضائله)، حديث 42094 حتى حديث 43011 (من ص 548 حتى ص 758)
أجاب بالحق قيل له: نَم نومة العروس، وإلاَّ فُتِحَ له بابٌ إلى قبره يكون معذباً إلى يوم القيامة(1).
وعن البراء بن عازب، عن النبي (صلی الله علیه وآله)، قال: يأتيه ملكان يجلسانه، ثم ذكر أنهما يسألانه، فأن أجاب بحق، فُتح له بابٌ إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، وإلاَّ يُفتحُ له بابٌ إلى النار، فيأتيه من حرَّها وَسَمُوْمِها. الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الدالة على أنهم في قبورهم يتلذذون ويتألمون، وهذا من توابع الحياة ولوازمها.
وكيف كان فقد بلغت هذه الأخبار فوق التواتر، وبعد عموم قدرة الفاعل المختار، لا بُعدَ ولا غرابة في مداليلها.
وما دلَّ من الكتاب والسنة على أنَّ الأحياء يكون عند النفخ في (الصُور)، فقد بيَّنا أنَّ المراد: إمَّا الحياة على النحو المعهود من تلك الأشخاص الخاصة بعينها، أو يُرادُ أَنَّهُ يوم البروز والظهور على عيون الأشهاد.
وإذا تبيَّن بهذه الأخبار المتواترة، أنهم يسمعون ويعقلون ويعرفون مَنْ يُخاطبهم، صحَّ لنا أنْ نخاطبهم مخاطبة الأحياء فنلتمس دعاءهم، ونقسم عليهم بالأقسام في أنْ يكونوا شفعاء لنا في الدنيا وفي يوم القيام، لأنَّ الشفاعة أظهر فرديها أنها دعاء خاص، واختصاص الخواص بها باعتبار قبولها.
فلو قال قائلٌ لنبيّ، أو وصيّ، أو عبدٍ صالح: إشفع لي، أو إدعُ لي، أو أغثني، أو أعنِّي (أي بدعائك)، أو قال: إقض لي حاجتي، أو إرزقني مالاً، وأدفع الضرر عني، ونحو ذلك ولا يريد سوى التوسط بالدعاء وسؤال الله، لم يكن عليه شيء.
وقد وقع كثيرٌ من ذلك في كلام الصحابة والتابعين، بل ربما كان هذا التعبير أولى، لدلالته على قرب منزلة العبد عند مولاه واحترامه، فتكون شهادة له بنبوته، وقرب منزلته.
وليس على مَنْ قال للعبد المقرّب، أو إلى الخادم المقرب: إقض حاجتي، (بمعنى إسعَ لي في قضائها عند مولاك)، بأسٌ، بل هو أنسب في التواضع الى المولى.
وأما مَنْ قال مثل ذلك معتقداً أنَّ الأنبياء والأوصياء بأيديهم الأمر أصالةً، يفعلون ما يشاؤون، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
1) سنن الترمذي (كتاب الجنائز)، باب 70 - ما جاء في عذاب القبر - حدیث 1071
وإني قد طفتُ بشطرٍ من بلاد المسلمين، وخالطتُ كثيراً منهم منذ سنين، فلم أرَ أحداً يعتقد أنَّ في الوجود فاعلاً مختاراً سوى الفاعل المختار العزيز الجبار تبارك وتعالى، وذلك مراد (العوام) في خطاباتهم، فضلاً عن العلماء الأعلام، إلاَّ أنهم لا يمكنهم كشف الحال، وإن كان مقصدهم ذلك على الأجمال. نسأل الله وإياكم طريق السداد والنجاة من أهوال يوم المعاد.
الباب الثاني في الزيارات
وفیه فصلان:
الفصل الأول في زيارة قبر النبي (صلی الله علیه وآله)
روى الدارقطني في السنن وغيرها، والبيهقي، وغيرهما من طريق موسى بن هلال العبدي، عن عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله): مَن زار قبري وجبتْ له شفاعتي.
وعن نافع، عن سالم، عن ابن عمر مرفوعاً، عن النبي (صلی الله علیه وآله) أنه قال: مَنْ جاءني زائراً ليس له حاجة إلاَّ زيارتي، كان حقاً عليَّ أنْ أكون له شفيعاً يوم القيامة.
وعن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعاً عن النبي (صلی الله علیه وآله): مَنْ حَجَّ وزار قبري بعد وفاتي، كان كمَنْ زارني في حياتي.
وروي عن عائشة أيضا، وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، قال: مَنْ زارني كنتُ له شهيداً أو شفيعاً.
وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبي (صلی الله علیه وآله)، قال: مَنْ حجّ فلم يزرني، فقد جفاني(1).
وعن أبي هريرة مرفوعاً، عن النبي (صلی الله علیه وآله)، قال: مَنْ زارني بعد موتي، فكأنما زارني حياً(2).
وعن أنس مرفوعاً، عن النبي (صلی الله علیه وآله)، قال مَنْ زارني في المدينة، كنتُ له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة(1).
وعن أنس مرفوعاً عن النبي (صلی الله علیه وآله) قال : مَنْ زارني ميّتاً كمَنْ زارني حياً ، ومَنْ زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة.
وعن إبن عباس، عن النبي (صلی الله علیه وآله) قال: مَنْ زارني في مماتي، كان كمن زارني في حياتي، ومَنْ لم يزرني فقد جفاني.
وعن علي (علیه السلام) مرفوعاً، عن النبي (صلی الله علیه وآله): مَنْ زار قبري بعد مماتي، فكأنما زارني في حياتي، ومَنْ لم يزرني فقد جفاني.
وعن إبن عباس، عن النبي (صلی الله علیه وآله)، قال: مَنْ حجَّ وقصدني في مسجدي، كانت له حجتان مبرورتان.
وروى ابن عساكر، عن علي (علیه السلام)، قال مَنْ زار قبر رسول الله (صلی الله علیه وآله) كان في جوار رسول الله (صلی الله علیه وآله).
وعن بكر بن عبد الله مرفوعاً، عن النبي (صلی الله علیه وآله)، قال: مَنْ أتى المدينة زائراً لي، وجبتْ له الجنة.
وعن كعب الأحبار أنَّ عمر لما فتحَ بيت المقدس، قال لي: هل لك أن تسير معي الى المدينة نزور قبر النبي (صلی الله علیه وآله) فذهبتُ معه، فلمَّا دخل بدأ بالمسجد، وسلَّمَ على النبي (صلی الله علیه وآله).
وفي الموطأ عن إبن عمر كان يقف عند قبر النبي (صلی الله علیه وآله)، فيُسَلِّم عليه، وعلى أبي بكر، وعمر.
وسئل نافع هل كان ابن عمر يسلّم على قبر النبي (صلی الله علیه وآله)؟! فقال: رأيتُهُ مائة مرّة أو أكثر يُسلَّم على النبي (صلی الله علیه وآله)، وعلى أبي بكر، وعمر.
وعن إبن عمر: أنَّ سُنَّةَ السلام منْ قبل القبلة.
ونقل الدارقطني، عن علي (علیه السلام) أنه دخل المسجد فسلم على القبر. ورُويَ عن آل الخطاب، وعن بعض الحفاظ زيارة النبي (صلی الله علیه وآله).
1) کنز العمال (باب زيارة قبر النبي - ص -)، المجلد 15، حديث 42584
وكيف كان، فالروايات في استحباب زيارته وشفاعته لزوَّاره، داخلةٌ في قسم المتواتر، وعمل الصحابة، والتابعين، وأهل البيت أجمعين على ذلك.
قال عياض: زيارة قبر رسول الله (صلی الله علیه وآله) سُنَّة، أجمعَ عليها المسلمون. وروى غيرُهُ إجماعَ المسلمين قولاً وفعلاً على استحباب زيارته، وصريحٌ بعضُها(1)أن شدَّ الرحال إليها لا مانع منه.
وفيما دل على استحباب التعظيم، وانَّ حرمة الأموات كحرمة الأحياء، كفاية.
الفصل الثاني في زيارة باقي القبور
قد مرَّ في الأخبار الماضية زيارة الصحابة قبري الشيخين.
وروى بريدة عن النبي (صلی الله علیه وآله): إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها(2).
ولعل السر - والله أعلم - أنه في مبدأ الأسلام كانت زيارة القبور وتذكار الموتى والقتلى، باعثاً على الجبن عن الجهاد، حتى إذا قوي الأسلام أمرهم بها. ونحو ذلك في خبر آخر.
وعن أبي هريرة، أنَّ النبي (صلی الله علیه وآله) زار قبر أُمِّه، ولم يستغفر لها، قال: أُمرتُ بالزيارة، ونهيتُ عن الأستغفار، فزوروا القبور، فأنَّها تذكر الموت(3).
وعن بريدة أنَّ النبي (صلی الله علیه وآله) كان إذا خرج إلى المقابر، قال: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين»، رواه مسلم(4).
وعن عائشة أنَّ النبيَّ (صلی الله علیه وآله) كان يخرج إلى البقيع آخر الليل، فيقول: السلام عليكم ... (الخبر)، رواه مسلم(5).
1) في النسخة المطبوعة: وصرَّح بعضهم
2) صحيح مسلم (كتاب الجنائز)، المجلد الثاني، باب 36، حدیث 106؛ وسنن ابن ماجه (باب ما جاء في زيارة القبور)، باب 47، حدیث 1571
3) صحیح مسلم (كتاب الجنائز) ، باب استئذان النبي (صلی الله علیه وآله) ربَّه في زيارة قبر أمّه، حديث 108
4) صحيح مسلم (كتاب الجنائز)، باب ما يقال عند دخول القبور، حديث 104
5) صحيح مسلم (كتاب الجنائز)، باب ما يقال عند دخول القبور، حدیث 102
وكيف كان فالأخبار متظافرة على زيارة القبور، ولا حاجة لنقل جميعها. وفيما ورد من أنَّ حرمة المسلم ميتاً كحرمته حياً دلالة على ذلك، وزيارة النبي (صلی الله علیه وآله)، والصحابة لقبور الشهداء أوضح من الشمس في رابعة النهار.
الباب الثالث في التبرك بالقبور ونحوها
إختلف العلماء من أهل السنة والجماعة في جواز التبرك بالقبور، فمنهم: من أجازه على كراهة.
قال النووي: لا يجوز أنْ يُطافَ بقبر النبي (صلی الله علیه وآله)، ويكره إلصاق البطن والظهر به قال: ويكره مسَّهُ باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد عنه، كما لو حضر في حياته.
وكلامه ظاهرٌ في أنَّ المس أبعد من التعظيم، وشبهة العبودية.
وذكر إبن عساكر في (تُحَفِهِ)، عن ابن عمر أنه كان يكرهُ مسَّ قبر النبي (صلی الله علیه وآله).
ويظهر من بعضهم ندبه وأستحبابه.
نقل عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب العلل والسؤالات، قال: سألتُ أبي عن الرجل يمس منبر رسول الله (صلی الله علیه وآله)، يتبرك بمسه وتقبيله، ويفعل بالقبر ذلك رجاء ثواب الله تعالى، فقال: لا بأس به.
وعن إسماعيل أن إبن المنكدر(1)يصيبه الصمَّات، فكان يقوم ويضع خدَّهُ على قبر النبي (صلی الله علیه وآله)، فعُوتبَ في ذلك، فقال: يستشفى بقبر النبي (صلی الله علیه وآله). والأستشفاء أعظم من التبرك.
ونقل عن إبن أبي الضيف، والمحب الطبري، جواز تقبيل قبور الصالحين، وظاهره الندب.
وفي رواية عن إبن حنبل أني لا أعرف التمسح بالقبر، أما المنبر فنعم، لما روي أن إبن عمر كان يفعله.
ونقل عن مالك التبرك بالمنبر.
1) محمد بن المنكدر القرشي التيمي أحد الأئمة التابعين، تُوفي سنة 130 ه / 748 م
وروي عن يحيى بن سعيد شيخ مالك أنه حينما أراد الخروج إلى العراق، جاء إلى المنبر، وتمسَّح به.
وقال السبكي: مَنْعُ التمسح بالقبر ليس مما قام الأجماع عليه. وأستدل بما رواه يحيى بن الحسن، عن عمر بن خالد، عن أبي نباته، عن كُثِّير بن يزيد، عن المطلب بن عبد الله، قال: أقبل مروان بن الحكم، فإذا رجلٌ ملتزم القبر، فأخذ مروان برقبته وقال: ما تصنع؟! فقال: إني لم آتِ الحجر ولا اللبن، إنما جئتُ رسول الله (صلی الله علیه وآله). وذكر رواية أحمد، قال: وكان الرجل أبا أيوب الأنصاري.
ونقلَ هذه الرواية أحمد، وزاد فيها: أنه قال: سمعتُ رسول الله يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن إبكوا عليه إذا وليه غير أهله.
وعن أبي الدرداء أن بلالاً رأى النبي (صلی الله علیه وآله) في المنام، فقال له: ما هذه الجفوة يا بلال، أَمَا لَكَ أن تزورني؟! فانتبه حزيناً خائفاً، فركب راحتله، وقصد المدينة، فأتى قبر النبي (صلی الله علیه وآله) فجعل يبكي عنده، ويمرّغ وجهه عليه، إلى أنْ ذكر حضور الحسنين وبكاء أهل المدينة، وأذان بلال، قال: فما رئي أكثر باكياً ولا باكية بعد رسول الله (صلی الله علیه وآله) من ذلك اليوم.
وذكر إبن حملة أن (بلالاً) وضع خديه على القبر، وأن ابن عمر كان يضع يده اليمنى عليه.
ونُقلَ عن مالك، والزعفراني تحريمه، وهو الظاهر من كلام أنس بن مالك، حيث قال: ما كنا نعرفه.
وكيف كان كيف يدَّعى المسَّ والتبرك عبادة مع أنه أبعد عن التعظيم، وقضية الذم على عبادة يعقوق ويغوث ونسر، ليس من جهة التبرك، كما نصَّ عليه المُفَسرون(1)، حيث قالوا: تبركت الآباء فانتهى الأمر إلى عبادة الأبناء، فوقع الذم على الأبناء.
وتحقيق الحال: أنَّ التقبيل على أنحاء:
منها: تقبيل المحبة، لأنَّ مَنْ أحبَّ شخصاً أحبَّ مكانه، وثيابه، وداره، ومزاره، فلا يكون تقبيل الأعتاب، والجدران، والأبواب إلاَّ كتقبيل بعض ثياب الأحباب، فهو من قبیل قوله:
1) في تفسير الآية (23) من سورة نوح
أمرُّ على الديارِ ديار (ليلى) *** أُقبّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا
وما حُبُّ الديار شغفنَ قلبي *** ولكنْ حُبُّ مَنْ سكنَ الديارا
وَسُئِلَ رسول الله (صلی الله علیه وآله) عن تقبيل اليد، فنهى عن ذلك، إلاَّ في تقبيل يد الزوجة للشهوة، ويد الولد للمحبة.
وعن علي (علیه السلام) انه، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله) بعد فتح خيبر: لولا أنْ تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم، لقلتُ اليوم فيك مقالاً، لا تمر على ملأ من المسلمين إلاَّ أخذوا من تراب رجليك، وفضل طهورك يستشفون به، ولكن حسبك أنَّكَ مني وأنا منك(1).
وروي عن علي (علیه السلام) أنه قال: قدم علينا أعرابيٌ بعد دفن النبي (صلی الله علیه وآله) بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على القبر، وَحَثَا من ترابه على رأسه.
وعلى كل حال فالذي يظهر بعد تحقيق النظر أنَّ التقبيل للمحبة من قبيل تقبيل الوالد لولده(2)، والأرحام بعضهم لبعض فلو قَبَّلَ بعضهم جدران بعض، أو ثياب بعض، أو مكان بعض، حباً وإرادة، لا تعظيماً ولا عبادةً، فليس فيه بأس.
وأما قصد التعظيم والأكرام، فليس فيه خروجٌ عن ملة الأسلام، قصارى ما هناك أنه عدَّهُ بعض العلماء من الآثام، فليس على الفاعل عن دليل في الرد عليه من سبيل. وأما من فعل مشرعاً فهو عاصٍ لربه، حتى يتوب عن ذنبه.
ولقد نقل عن بعض أمراء دار السلام بغداد أنه وشى بعض الوشاة على جماعة أنهم يُقَبِّلُون أعتاب الأولياء، فقال: سبحان الله في كل يومٍ تقبلون جلد الميتة «يعني الفروة التي هو لابسها»، ولا تقبلون أعتاب أبواب الأولياء.
وعلى أي تقدير، فالغرض إنما هو نفي (التكفير). ونسبة فعل هؤلاء إلى فعل عبدة الأصنام خروجٌ عن الأنصاف في هذا المقام، لأنَّ الذاهبين إلى الجواز منا إنما أخذوا عن الدليل، لا لمجرد الأختراع والأبتداع، فأن اشتبهوا عُذِروا وأُجِروا.
فمن قبَّلَ الحجرَ الأسود، والركنَ اليمانيَّ، أو باقي الأركان، أو مسَّها، أو لزم المستجار، فقد تبرك بتلك الأحجار، لأنها بأمرٍ من العزيز الجبار، ولو أخطأ الأمر، كان
مثاباً.
ومن طاف بين (المروتين)، عملاً بالكتاب وسنة سيد الثقلين، لم يكن عليه مؤاخذة في البين.
وطوائف المسلمين بأجمعهم لا يتبرك منهم أحدٌ بقبر أو غيره، إلاَّ بزعم أنه مأمورٌ من الله، ومَنْ تبرَّكَ قاصداً للعبادة، فهو خارجٌ عن ربقة المسلمين.
ومن البين المعلوم أنه لو أمر (المولى) عبده بالتبرك بثياب عبده المقرب، أو مكانه، أو قبره، فأمتثل، كان مطيعاً لمولاه، لا للعبد الذي قرَّبه وأدناه.
فأقسمتُ عليك بمَنْ جمعَ بيننا في كلمة الأسلام، وألَّفَ بين قلوبنا في هذه الأيام، أنْ تنفرد عن الأصحاب إذا ورد عليك (الكتاب)، وترى نفسك كأنَّك الآن خلقت من تراب، وتبذل الجهد في تمييز الخطأ من الصواب، فأنَّه - واللهِ(1)- لا حاجة بنا إلاَّ إليه، ولا إعتماد لنا إلاَّ عليه.
وليس لنا مع الأنبياء والأولياء قرابة نسب، ولا لهم علينا ما نخاف منه الطلب، وإنما عظمناهم لأمر الله، وأخذنا بأقوالهم عملاً بقول رسول الله، وما أُبرِّءُ نفسي إنَّ النفس لأمارةٌ بالسوء إلاَّ ما رحم ربي.
وكشف الحال على وجه يدفع ما قيل أو يقال: «إنَّ التواضع والتبرك والأكرام والأحترام لما هو مُعظَّم عند الملك العلام من تعظيم الله، كما أن قرآنه وبيته، ومساجده لانتسابها إليه، إحترامٌ له تبارك وتعالى. فمن عظَّمَ عيسى ومريم وعزير لعبوديتهم، وقرب منزلتهم، فهو معظَّم لله.
كما أن من عظم بيت السلطان وعبيده وغلمانه وأتباعه من حيث التبعية، يكون معظماً للسلطان. وأما من (وجدها) قابلة للتعظيم، وأهلاً له من حيث ذاتُها لا لأجل العبودية والتابعية، وإنْ كان غرضُهُ التقريب زلفى، إنما يكون معظّماً لها، لا للسلطان.
وإني منذ ثلاثين حجة أنظرُ في حال طوائف المسلمين، محقيهم ومبطليهم، فلم أجد أحداً يعظم كتاباً، أو نبياً، أو مكاناً، أو عبداً صالحاً من غير قصد قربة من الله، أو انتسابه إليه، فقد ظهر أن هذا كله من باب طاعة الله وتعظيمه.
وأمَّا عبدة الأصنام والعباد الصالحين، فأنما أرادوا عبادتهم حق العبادة، كأن يُصلّوا
1) في النسخة المطبوعة: فأنا وأنتَ
لهم، ويصوموا ويكون ذلك لأستحقاقهم بربوبيتهم في أنفسهم، أو للتقريب زلفى، فهي عبادة حقيقية على الوجهين.
وعلى كل من الأحتمالين على أني ذكرتُ مكرراً أنهم عاندوا الرسل، وكذبوهم، واستهزؤا بهم، وقالوا أيضا: لا طاقة لنا بعبادة الله، وإنما نعبد الأصنام لأنَّ عبادتهم مقدورة لنا، وهم يقربونا إلى الله زلفى، ولقد نقلتُ روايةً مشتملةً على ذلك المعنى في مقام آخر. فالفرق بين الأمرين أوضح مما يُرى رأي العين.
فبحقّ مَنْ شقَّ لك السمع والبصر، وسلَّطكَ على طوائف من الأعراب والحضر، أنْ تُوجِّهَ ذهنكَ الوقَّاد، وفكرَك النقَّاد، صافياً عن ملاحظة العصبية والعناد، وتجعل مناظرتنا كأنَّها حين حلولنا في المقابر، وانصرافنا عن مرارة الدنيا، طالبين للنعيم الفاخر، وحضورنا يوم فصل القضاء بين يدي جبار الأرض والسماء، وكأنَّ الملائكة بيننا شهود، وقد حضرنا في اليوم الموعود، وقد فارقنا الأموال والأولاد، وانقطعنا الى ربِّ العباد.
اللَّهُمَّ إجمعْ بيننا بالحقّ، واعصمنا عن الميل إلى رضا الخَلْق.
الباب الرابع في بناء قبور الأنبياء والأولياء وتعميرها وتعلية بنائها وتشييد أركانها
لا يخفى على مَنْ أمعنَ النظر، وتتبَّع الآثار والسير، أنَّ الأزمنة مختلفة الأحوال بالنسبة إلى جميع الأقوال والأفعال، فرُبَّ شيءٍ كان في قديم الزمان في أعلى مراتب الأستحسان، فانعكس وصار أدنى ما يكون أو كان.
وحيث أنَّ الشارع حكيم، وبالعباد رحيم، يراعي أحوالهم، ففي مبدأ الأسلام لما كان المعاش ضيّقاً، والأسعار متصاعدة في المآكل والملابس، حافظ النبي (صلی الله علیه وآله)، والصحابة، في أيامهم على المأكل الجشبة، والملابس الخشنة أو الخَلِقَة، لئلا تنكسر قلوب الفقراء، ولتطيب نفوسهم، فأنهم إذا رأوا سيد الجميع لابساً رثَّ اللباس، وأكلاً أدنى المأكول، إستقرتْ نفوسهم، وأطمئنتْ قلوبهم، وارتفعتْ كدورتهم.
ثم لمَّا توسعت أحوال الناس، وقوي الأسلام، ورخصت الأسعار، استعمل الأكثر من الخلفاء أحسن الملبوس، وأكلوا أطيب المأكول، وهذا التعليل مستفاد من الأخبار أيضاً.
ولذلك نقول في أمر بناء (المساجد) و(الحَضْرَات)، فأنهم كانوا لا يرفعون البناء، ولا يزينون الدور، لما بهم من القصور، فإذا كانت بيوت الله، وبيوت أنبيائه لم يرفع بناؤها طابت نفوس الفقراء، واطمئنَّتْ قلوبهم.
وأما في مثل هذه الأيام ونحوها، حيث ارتفع بناءُ الدور، فلا وجه لجعل بیوت الله أخفض منها، ومَنْ يرضى بتعلية بيوت الخلق على بيوت الخالق مع أنَّ في تعليتها تعظيماً لشعائر الله، وهي البيوت التي إذن الله أن ترفع ويُذْكُر فيها إسمُه.
و(القباب) منها، لأنَّها جُعلتْ للعبادة، وليس في بناء القباب تجديد قبر، لأنَّ القبر باقٍ على حاله لم يجدد، وإنَّما وضع أساس القبة بعيداً عنه، ليكون فيها علامة على (المزار) الذي نَدَب إلى زيارته العزيزُ الجبار، ولتكون ظلالاً للزائرين، فلا تدخل في باب التجديد أصلاً، وكذا صندوق الخشب، فأنه أجنبيٌ عن القبر لا دخل له به.
وعلى كُلِّ حال فأصل وضع البناء لهذه المقاصد الجليلة ليس فيه بأس أصلاً، ولو تُركت العلامات ما أمكن التوصل الى زيارة أكثر الأموات لاندراس آثارهم، فوُضعَ هذا للتمكن من إدراك فضيلة زيارة القبور، وكلما كان الشاهد أحكم، كانتْ دلالتُهُ على المَشْعَر أدوم.
وأما قضية (الزينة) فقد رُويَ عن علي (علیه السلام) أنَّ بعض الصحابة أشاروا على عمر أنْ يأخذ زينة الكعبة ليقوي بها جيوش المسلمين، فقال له علي (علیه السلام): إنَّ الأموال قسّمها النبي (صلی الله علیه وآله) على الفقراء، وكانت في ذلك اليوم الحليّ موجودة ولم يقسّمها، فلا تخالف وضع رسول الله (صلی الله علیه وآله)، فقال عمر (رض): «لولاك إفتضحنا»، وأبقى الحليّ على حالها.
والأصل في بناء (القباب) وتعميرها، ما رواه البناني (واعظ أهل الحجاز) عن جعفر ابن محمد، عن أبيه، عن جده الحسين، عن أبيه علي أنَّ رسول الله (صلی الله علیه وآله) قال له: والله لتقتلن في أرض العراق، وتدفن بها. فقلت: يا رسول الله ما لمن زار قبورنا وعمَّرها وتعاهدها. فقال لي: يا أبا الحسن إن الله جعل قبرك وقبر ولديك بقاعاً من بقاع الجنة، وإن الله جعل قلوب نجباء من خلقه، وصفوة من عباده تحنُّ إليكم، ويعمرون قبوركم، ويكثرون زيارتها، تقرباً الى الله تعالى، ومودةً منهم لرسوله. يا على مَنْ عمر قبوركم وتعاهدها، فكأنما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس، ومن زار قبوركم عدل ذلك ثواب سبعين حجة بعد حجة الأسلام، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
ونُقِلَ نحو ذلك أيضاً في حديثين معتبرين: نقل أحدهما الوزير السعيد بسند،
وثانيهما بسندٍ آخر غير ذلك السند، ورواه أيضاً محمد بن علي بن الفضل.
فبعد دلالة هذه الأخبار على تعمير (القباب)، واستمرار طريقة الأصحاب، مع أنها داخلة في المواضع المعدّة للطاعات، كالمساجد، والمدارس، والرباطات، مع أنَّ فيها تعظيماً الشعائر الأسلام، وإرغاماً لمنكري دين النبي عليه الصلاة والسلام.
وبعد أن بيَّنا أنَّ الحكم والمصالح تختلف باختلاف الأوقات، وذكرنا إعتضاد ذلك بالروايات، لم يبق بحبٌ من جميع الجهات.
وعلى تقدير ثبوت الخطأ في هذا الباب، لا يلزم على المخطئ تكفير ولا عصيان، بل ربما يثاب، لأن الخالي من التقصير وإن إتصف بالقصور معذور كل العذر بل هو مأجور.
فيا أخي لا تعارض المسلمين فيما هم عليه إن لم تركن إلى ما ركنوا اليه، وأحملهم على المحامل الحسان، فأنَّا هكذا أمرنا بحمل الأخوان، وفقنا الله وإياكم، وهدانا وهداكم، والله ولي التوفيق.
وحيث إنتهى ما أردنا ذكره، وأحببنا رسمه وسطره، على غاية من السرعة والأستعجال، وعدم التمكن لأستيفاء كثير مما يناسب هذا المجال، والإستقصاء لما في كتب الأخبار والاستدلال، أحببنا أن نضيف إلى ذلك:
كشفُ الجواب عمَّا تَضَمَّنَهُ ذلك الكتاب
من الأنكار على أكثر المسلمين في جميع الأقطار(1).
أقول: إنْ أُريد بدعوة غير الله والأستغاثة إسناد الأمر الى المخلوق على أنه الفاعل المختار الذي تنتهي إليه المنافع والمضار، فذلك من أقوال الكفار. والمسلمون بجملتهم براءٌ من هذه المقالة ومن قائلها، وما أظن أن أحداً ممن في بلاد المسلمين يرى هذا الرأي، ولا سمعناه من أحد إلى يومنا هذا.
وإن أُريدَ أنَّ المدعو والمستغاث به له اختيار وتصرف في أمر الله تعالى، فيحكم على الله، فهذا أشد كفراً من الأول.
وإنْ أُريدَ دعاؤه والأستغاثة به للدعاء والشفاعة، أو من التصرف في العبارة، كما تقول: يا رحمة الله، ويا بيت الله، ويا عبد الله، ولا تريد إلا نداء الله ودعاءه، واستغاثته ، فهذا من أعظم الطاعات، وفيه محافظة على الآداب من كل الجهات.
وكون الدعاء عبادة إنما يجري في قسم منه، وهو الطلب من الخالق المدبّر الذي جلَّ شأنُهُ عن الأشباه والنظائر. ولو جعلت كل دعاء عبادة، للزم أن دعاء (زيد) لأصلاح بعض الامور، أو دفع بعض المحذور، وطلب الأفعال، كلها من قبيل الكفر.
فالسُؤال، والأزواج، والعبيد، والخُدَّام في طلب المأكل والملابس مربوبون، ومقابلوهم أرباب، فيكون ذلك مكفراً، وإن أقررت بالتخصيص خصَّصناه بما ذكرناه.
وبيانُهُ: أَنَّ لفظ «الدعاء» لا يُرادُ به المعنى اللغوي، وإلاَّ لكفر جميع الخلق، فالمراد دعاء العبودية والمربوبية، كمن دعا الأصنام أو الصالحين، مع إعتقاد ربوبيتهم، وقصدَ عبوديتهم، مكتفين بها عن عبادة الله، أو مشركين أولئك مع الله لقصد وصول النفع
1) ورد في النسخة المطبوعة: والله الملهم للسداد والصواب، فنقول: أما ما ذكرت من الإنكار على كثير من الناس الإستغاثة بغير الله ودعوة غير الله
ليهم منهم، وليقربوا إلى الله زُلفى.
وأمَّا ما ذكرتَهُ من (النذر لغير الله تعالى) و(الذبح لغير الله)، وهذا أيضاً إنْ أُريدَ أنهم يذبحون مُهلِّينَ باسم غير الله، أو ينذرون تعبداً لغير الله. فذلك لم يصدر من أحد من المسلمين، وكل من فعل ذلك، فهم منه براء، سواء كان ذلك عبادةً لغير الله، أو كان لأجل أن يقرب إلى الله.
وأمَّا لو كان من باب إهداء ثواب المذبوح والمنحور والمنذور إلى أولياء الله وعباده الصالحين، فهو من أعظم الطاعات، وأفضل القربات، وقد بيَّنا ذلك في بعض المقامات.
قولك: إن ذلك حقيقة دين المشركين أعداء رسل رب العالمين، كقوم نوح وعاد وثمود، وقوم إبراهيم، فأخبر الله بذلك في كتابه المبين، حيث يقول وهو أصدق القائلين «وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤلاء شُفَعاؤنا عِنْدَ الله»(1)فأخبر الله أنهم ما عبدوهم إلا ليقربوهم الى الله زلفى، وقال سبحانه وتعالى: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونا الى الله زُلْفى»(2).
فتأمل كيف أخبر الله سبحانه عنهم أنهم ما قصدوا بعبادتهم غير الله إلاَّ التقرب الى الله والشفاعة عنده، وإلا فهم مُقِرُّون أنَّ الله هو المُدَبِّر لأمر هذا العالم العلوي والسفلي، كما أخبر الله عنهم أنهم أقروا بذلك، قال الله تعالى: «قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيِّ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيَّ وَمَنْ يُدَبَّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ الله قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ»(3).
أقول: إنَّ لكُلِّ حقّ حقيقة، وعلى كل صواب نوراً، إنَّ عبدة غير الله قد اتخذوا آلهة دون الله تعالى أو مع الله وجعلوا لهم أنداداً وأمثالاً لله، قال الله تعالى: «أَتَعبُدُونَ من دونِ اللهِ ما لا يَملِكُ لَكُم نَفعاً وَلا ضَرّاً»(4)، وقال: «فلا تجعلوا لله أنداداً»(5)، وقال: «وجعلوا لله شُركاءَ الجنّ»(6)، وقال: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذينَ قالوا إنَّ اللهَ ثالِثٌ ثَلاثةٍ»(7)، وقال:
«يا عيسى بنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ للناس اتَّخِذُوني وأُمّي الهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ»(1)، وقال: «أَئنّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً اُخْرى»(2)، وقال: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسيحُ بن مَرْيَمَ»(3).
ثم المذمة لم تكن على اعتقاد الشفاعة، أو التقرب زلفى، بل على العبادة بهذا القصد، والمراد بالعبادة أعمال خاصة كما بيَّناه.
وقولك «إن ذلك حقيقة دين المشركين، كقوم نوح وعاد وثمود» كيف ذلك، وقد أخبرَ الله عنهم بقوله: «ألم يأتكم نبأُ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود»، إلى قوله: «فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إنا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ»(4)وأخبر عن قوم (عاد) أنهم قالوا لهود: «وَما نَحْنُ بَتارِكي الِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ»(5)وعن قوم صالح أنهم قالوا له: «أَتَنهانا أن نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا»(6)وعن قوم شعيب أنهم قالوا له: «أَصلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَتْرُكَ ما يَعبُدُ آباؤنا»(7)، وعن قوم إبراهيم أنهم كذَّبوا الرسل.
فهؤلاء الطوائف بصريح القرآن كذبوا الرسل، وردوا قولهم، وعاندوهم، فلو كانوا مقرّين لكانوا كفاراً لكفر العناد ككفر إبليس.
فيا أخي أقسمتُ عليك بمَنْ خَلَقَنا من تراب، ثم أودعنا الأصلاب أن تترك الجدال. وتتأمل في حقيقة الحال، كيف تُشَبِّهُ أعمال المسلمين بأعمال عَبَدة الأصنام وغيرها مع أنهم أنكروا نبوّة الأنبياء، وردُّوا عليهم بعد أن أمروهم، ولم يسمعوا لهم قولاً، ولا قبلوا لهم فعلاً.
ثم أنهم عبدوا طواغيتهم بالعبادة الحقيقية، لاعتقاد أنَّ لهم تصرفاً في الأكوان، أو في إرضاء الملك الديان، وإلا لم يذمهم الرحمن، ولا أنكر عليهم كل فعل كان.
ثم تعللوا بأنا لا نقدر على عبادة الله سبحانه، فنعبدهم ونكتفي بعبادتهم وهم يقربونا، كما أوردنا بذلك بعض الروايات في بعض المقامات.
وعلى كلِّ حال لا يتأمل مسلم في أنَّ العبادة الحقيقة من الصلاة والصيام وغيرهما لا تكون لغير الله، فأن كان التصدق عن الأولياء والذبح لهم والنذر لهم عبادة، فنحن عبيد آبائنا وأمهاتنا وأمواتنا الذين نتصدق عنهم، أو تنذر لهم، وتذبح لهم.
وإن كان طلب الدعاء منهم وندبتهم على الدعاء والشفاعة كفراً، فعلى الأسلام السلام، فانه ليس في الوجود أحدٌ لا يلتمس الدعاء من إخوانه، أو يستغيث بهم في طلب نجاته، وإن دعاء المؤمن للمؤمن أسرع للأجابة لأنه دعاء بلسان لم يعص به.
فيا أخي، المقاصد متفاوتة، وإنَّما الأعمال بالنيات ولكُلِّ امرئٍ ما نوى(1)، فرُبَّ كلمة ظاهرها الأسلام، تصير بالنية كلمة كفر، وبالعكس.
وأما قولك: فأنَّ الذي يُفعلُ عندنا في مشهد علي (رض) من دعوة، واستغاثة، ورجاء، وخوف، وخشية. انه ليس بعبادة، فأنهم ما قصدوا بدعوتهم (علياً) وغيره إلاَّ ليشفع لهم عند الله.
فأن قلت: أولئك يدعون الأصنام، ونحن لا ندعو إلاَّ الصالحين.
قلنا: وكذلك المشركون منهم يدعون الصالحين ويعبدونهم مع الله، كعيسى ومريم والملائكة.
فأن قلتم: إنَّ الدعوة لا تُسَمَّى عبادة.
قلنا: بل هي عبادة وأي عبادة، ففي الحديث عن رسول الله (صلی الله علیه وآله): الدعاء هو العبادة. ويلي قوله تعالى: «اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»(2).
وأصل دين الأسلام هو إخلاص العبادة بجميع انواعها من الذبح والدعوة، والنذر، والتوكل، والخشية، والرغبة، والأنابة، ولا يقبل الله من الأعمال إلاَّ ما اجتمع فيه شرطان:
الأول: ألاَّ يعبد إلا الله وحده.
الثاني: ألا يعبد إلا بما شرع على لسان رسوله، كما قال الله تعالى: «فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالحاً وَلا يُشْرِكْ بعبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً»(3).
أقول: إن كان المدار على الصور دون الحقائق، فسجود الملائكة لآدم، وسجود يعقوب ليوسف، قاض بأنهما عبدا غيرالله.
وإن قلت: بأن تعلق ارادة الشرع دفعت المنع. فقد أوردنا من الأخبار وكلام الصحابة ما يفيد عدم المنع، من أمثال الصور التي ذكرت.
ثم بالله عليك أنصفْ، ما الفرق بين قول الصديق لصاحبه في السجن «أذْكُرْني عِنْدَ رَبِكَ»(1)وبين قولنا لرسول الله (صلی الله علیه وآله): «إذكرني عند ربك».
ثم كيف باستغاثة ولي موسى(2)ولم يحكم عليه بالكفر؟! ثم كيف باستطعام موسى والخضر أهل القرية(3)؟ ثم كيف يقول أصحاب موسى «لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامِ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ»(4)ثم ما معنى قول الأسباط ليعقوب «إسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا» فقال: «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي»(5)؟!
وعلى كل حال إن أريدت الحقائق في الأستغاثات والدعوات وغيرها، ففي ذلك خروج عن طريقة الأسلام، وإلاَّ فلا بأس، وإلاَّ للزم ألاَّ يخرج من الكفر أحدٌ من العالم، ولا يمكنك والله ولا يسعك إلاَّ أنْ تقول إنَّما يُراد دعاءُ خاص، واستغاثة خاصة ونحو ذلك، فيرتفع المحذور.
وأما مَنْ قصد حقيقة العبادة مع غير الله، ليتقرب إلى الله زلفى، أو لغير ذلك، فهو خارج عن ربقة الأسلام.
وما ذكرتم من أنَّا نفرِّق بين الصالحين وغيرهم، فمعاذ الله أن نفرق بين مَنْ يعبد موسى أو محمداً (صلی الله علیه وآله)، أو يناديهم ويدعوهم، أو يستغيث بهم أحياءً وأمواتاً، ويلجأ اليهم على أنَّ لهم الأمر أو ليقربوه زلفى، وبين مَنْ يعبد فرعون، وهامان، وإبليس.
أين النفوس المقرونة بالأبدان التي تتغير من أدنى حوادث الزمان، ولا زالت مورداً للأمراض، ومحلاً للأغراض، لا تدفع شيئاً من حوادث الدهور، وليس لها في كل الأمور من أمر من رتبة المعبود. ومن لا يصلح لغيره الركوع والسجود، إنما هم عبيد زادت علينا
1) القرآن الكريم: 42/12 (سورة يوسف)
2) إشارة إلى الآية (15) من سورة القصص: «فاستغاثَهُ الذي من شيعته على الذي من عدوّه»
3) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الكهف، الآية 77: «فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها، فأبوا أنْ يضيفوهما»
4) القرآن الكريم: 61/2 (سورة البقرة)
5) القرآن الكريم: 97/12 (سورة يوسف)
عبوديتهم، وخدام سبقت خدمتنا خدمتهم.
فأن أُمرنا بتقبيل بنائهم، أو تعظيم أبنائهم، أو التماس دعائهم، فعلنا إمتثالاً لأمر ربنا، كما صنعنا ذلك في أحجار الكعبة وأركانها. وإن نهانا تركنا، إذ لا خوف إلاَّ الله، ولا رجاء إلاَّ له.
وأما قولك: إنه قد ورد في الحديث عن الصادق الصدوق، قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضُّوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور، فأنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»(1).
وفي الحديث الثاني، قال: إفترقت اليهود والنصارى عن اثنين وسبعين فرقة. وستفترق هذه الأمة عن ثلاثة وسبعين فرقة، كلها في النار إلاَّ واحدة. وسُئِلَ عن الواحدة، فقال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي(2)(انتهى).
أقول: اللهم إني رضيتُ بسُنَّة الخلفاء الراشدين حكماً، وما عليه أصحاب مُحمَّد متمسكاً وملتزماً، فأُحِلُّ ما أحلوه، وأفعلُ ما فعلوه. وهذه أقوالهم وسيرتهم في هذه الرسالة أوضحتُها، فلا أزيغُ عنها، ولا أبعد مسافةً منها، فتتبع ما رويتُ من أخبارهم، وما نقلتُ من آثارهم، رزقني الله وإياكم حلاوة الأنصاف، وجنَّبنا مرارة الجدال والأعتساف.
وأما قولك: «فلا تغتر بالكثرة وهذا الثابت عن نبيك، والله يقول: «وَقَليلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورِ»(3)وقال: «إنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سبيل الله»(4). وفي الحديث: إنَّ بعث الجنة من الألف واحد، فأنت اختر لنفسك، والمهدي من هاده الله»، إنتهى.
أقول: يا أخي، الوصية مشتركة بيني وبينك، فالذي عليَّ ألاَّ تأخذني حميَّة الآباء والأجداد، وحب الطريقة المأنوسة بين العباد، بل أنظر بعين البصيرة وإخلاص السريرة.
وأما أنت فأني أخشى عليك من حب الأنفراد، حتى لا تكون كبعض الآحاد، فأن الأصابع لم تزل ممدودة إلى مَنْ ركبَ جادة غير معهودة، وقد ورد في المثل: (خالفْ تُعْرَفْ).
ثم إني - والله - أخشى عليك من جهة أنكَ كنتَ خالي البال، بعيد عن هذه المحال فوردت عليك شبهاتُ لم تستطع ردَّها، وخيالاتٌ لم تبلغ حدَّها، فكان الحال كما قال: (صادف قلباً خالياً فتمكَّنا)(1)
عرفتُ هواها قبلَ أنْ أعرفَ الهوى *** فصادفَ قلباً خالياً فتمكَّنا
.وأما اليوم، فليس لك عند الله عذرٌ، فقد علمت بالأخبار، وسمعتَ بطريقة الخلفاء الأبرار، فأجدَّ نظرك، واستعمل فكرك، واخلع عن نفسك ربقة التقليد، وأطلب من ربك التأييد والتسديد.
ثم ما ذكرتَ إنَّما يدل على أنَّ الحقَّ مع القليل من المكلفين لا من المسلمين، فأن أكثر أهل الأرض كفار من يهود، ونصارى، ومشركين، وجاحدين، وغيرهم، حتى أنَّ نسبة أقليم المسلمين إلى سائر الأقاليم أقلُّ قليل.
فنحن نقول بأنَّ مَنْ أطاع أكثر الخلق ضال، لأنَّ أكثر الناس من أهل الكفر والضلال، وان الشكور قليل، وان بعث أهل الجنة من الألف واحد، ولو استندت في هذا الى حديث الفرق، فوحدة الفرقة لا تنافى زيادة أفرادها على ألف فرقة.
والحق أنَّه لا ملازمة بين القلَّة والكثرة، وبين الحق والباطل، فكم من قليل هُدي إلى الصواب، وكثير حلَّ عليه المؤاخذة والعقاب، وكم قد إنعكس الأمر في هذا الباب، والمدار على طلب العصمة والنجاة من رب الأرباب، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العليّ العظيم.
تمتّ على يد أقل العباد عملاً، وأكثرهم زللاً محمد قاسم ابن شيخ محمد بن حمزة الدلبزي في سنة ألف ومائتين وعشرة.
1) إشارة إلى قول القائل: