نور الزهراء علیها السلام

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

نور الزهراء علیها السلام

الشيخ عَلَى عِيسَى الزَّوَاد

الطبعة الأولى

1432ه-

محرر الرقمی:محمد رضا راهجو

اشارة

يحق لأي مؤمن

طباعة هذا الكتاب


الطبعة الأولى

1432ه-

المقدمة

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

الزهراء مِن أشهر ألقاب سيدة نساء العالمين فاطمة بنت سيد الأنبياء والمرسلين النبي محمد ’، وبلغ مِن اشتهاره وذيوعه وشيوعه بين الناس أن أصبح اسماً مِن أسمائها المعروفة لدى القاصي والداني، الموالي والمخالف، ولا يختلف اثنان على ذلك أبداً.

بل هو اسم عظيم مِن أسمائها المعروفة في السماء والأرض والدنيا والآخرة، وإذا كان اسم (فاطمة) مِن الأسماء التي لها آثار عظيمة في الأرض، واسم (المنصورة) مِن الأسماء التي لها آثارها الجليلة في السماء، ولذا ورد أنّها في الأرض فاطمة وفي السماء المنصورة - كما سيأتي إن شاء الله تعالى -، فإنّ اسم الزهراء هو مِن الأسماء التي لها الآثار الجليلة العظيمة في الدنيا والآخرة وفي الأرض والسماء، ومِن هنا حقّ لنا أن نقول: إنّها علیها السلام معروفة بالزهراء في الأرض والسماء.

ولقد وردت الروايات في أسباب تسميتها بالزهراء، وانبرى العلماء الأعلام للبحث حول هذا الاسم إلاّ أنّي لم أجد مَن بحثه في كتاب مستقل، كما أوردوا وجوهاً قد يصعب على غير ذوي الاختصاص أن يُدركوها فكانت الحاجة إلى طرح هذا البحث عن هذا الاسم الشريف لعامة المؤمنين بأسلوب يكون مفهوماً لغير العلماء، ومادةٍ لايصعب على العامي إدراكها واستيعابها.

وأحبّ أن أنوّه على أمر وهو؛ أنّ ما نذكره لا يعني أن يكون مقطوعاً بصدوره عن المعصومين علیهم السلام ، بل ذكرنا ما وردت به الروايات، وحصل لنا الظن بصدوره، ولم يقم دليل على انتفائه، وتركت بعض المباحث التي قد ذكرها بعض العلماء لأني لم أجد لها - مِن خلال تتبعي القاصر - سنداً مِن رواية، ولا اعتباراً عقلياً أو غيره بحسب فهمي العليل.

كما أنّي أعرضت عن بعض المباحث طلباً للاختصار، وتجنباً عن ملل القارئ العزيز، وقد أشرت إلى ذلك في المبحث اللغوي.

وأرجو مِن القارئ العزيز التأمّل والتدقيق في بعض

المباحث؛ لأنّها ربما تطرح لأوّل مرّة، لأنّي لم أجدها في كتاب بحسب تتبعي غير التام والقاصر ولا سيما بالنسبة إلى اختلاط الأنوار لاعتماده على أمور أصبحت واضحة في زمننا الحالي وإن كانت عند عامّة الناس غير معروفة سابقاً على حدّ علمي.

لأنّ الإنسان إنّما عرف التحكّم بألوان الإضاءة إنّما هو بعد اختراع الكهرباء، ومِن ثمّ اختراع المصابيح التي يُمكن ان توجّه وتُلوّن ويتمّ الحصول على دمج الأضواء الملوّنة، وذلك كلّه إنّما حصل في الأزمنة المتأخرة جداً.

وأسأل الله العلي القدير أن أكون قد وفقت لرضا مَن يرضى الله لرضاها، وأكون قد ساهمت في إلقاء الضوء على هذا الاسم العظيم الجليل، كما أسأله شفاعة الزهراء علیها السلامفي الدنيا والآخرة، إنّه سميع مجيب.

العبدالقاصرالمقصر

علي لزواد

الزهراء في اللغة

أزهر النبت والشجر: ظهر زهره، والشجرة زهراء إذا ظهر زهرها. والزاهر: الحسن من النبات.

وقال الزجاج: زهرت الأرض، وأزهرت، إذا كثر زهرها، فالأرض الزهراء هي كثيرة الزهر.

وزَهَرَ السراج والقمر والوجه والنجم، يُزهر زُهوراً: تلألأ وأشرق، كازدهر.

والأزهر: القمر، لاستنارته. والأزهران: القمران، على التغليب، وهما الشمس والقمر، لنورهما.

والأزهر: النيِّر والمشرق مِن كلَّ شيء. والأسد الأبيض اللون.

والأزهر من الرجال: الأبيض العتيق البياض، النير الحسن، وهو أحسن البياض كأنّ له بريقاً ونوراً يزهر كما يزهر النجم والسراج.

وقيل: الأزهر: هو المشوب بالحمرة. وأحمر زاهر: شديد

الحمرة.

والزهراء: المرأة المشرقة الوجه والبيضاء المستنيرة المشربة بحمرة.

والزهراوان: هما سورتا البقرة وآل عمران، أي المنيرتان المضيئتان.

ودرّة زهراء: بيضاء صافية، وهو مجاز. والزهر: ثلاثليال من أول الشهر.

ومن المجاز: يقال: زهرت بك زنادي، أي قويت بك وكثرت. وقال الأزهري: العرب تقول: زهرت بك زنادي. المعنى: قضيت بك حاجتي.

والأزهر: يوم الجمعة.

هذه حصيلة المعاني المناسب ذكرها للمعنى اللغوي للزهراء، وجُلّ تلك المعاني يُناسب وصف الزهراء علیها السلام بها، فهي الشجرة النبوية التي أينعت وكثر زهرها ونسلها، وليس للنبي ’ نسل مِن غيرها ومع ذلك انتشرت ذريتها حتّى عمّت الخافقين.

وقيل: أمّ الأزهار كنية مِن كنى الزهراء علیها السلام والمراد مِن

الأزهار الأئمة الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وهي الحسناء البيضاء الصافية المشرقة المنيرة المتلألئة.

وزهرت بها زناد أمير المؤمنين علیه السلام فقويت بها شوكته، وكانت المدافعة عن حقّه، والمقيمة للحجّة على أعدائه والغاصبين للخلافة مِنه.

وغير ذلك مما يحصل للمتأمل في تلك المعاني اللغوية واستعمالاتها، في الحقيقة أو المجاز.

والذي سنتطرّق إليه مِن هذه المعاني اللغويّة هو إشراقة نور الزهراء علیها السلام، والمعاني الأخرى جديرة أيضاً بالبحث ولكن تحتاج إلى بسط أكثر فنكتفي ببعض تجلّيات نورالزهراء علیها السلام.

نور الزهراء علیها السلام

اشاره

إنّ دواعي تسمية فاطمة علیها السلام بالزهراء كثيرة قد أشرنا إلى بعضها عند تطرقنا إلى المعاني اللغويّة، ومِنها: لأنّ لها نوراً يُزهر ويظهر، وهذا الظهور تجلّى في مواطن عدّة عقدنا هذا الكتاب مِن أجل الوقوف على سواحل بعضها كي نستضيء بنورها، ونغترف مِن عذب مائها، ولا ندّعي علم الإحاطة بكلّ تجليّات نورها علیها السلام، لأنّ هذا مِن علم الغيب - الذي نفتقده - مِن ناحية، وقصور أفهامنا عن إدراك بعض التجليات مِن ناحية أخرى، وما سنبينه هو مِقدار ما وقفنا عليه ووفقنا له مما ورد عن أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام ، مع عدم فهمنا لحقيقة أدنى تلك التجليات.

اختلاف النور المتجلي

ونور الزهراء علیها السلام المتجلي ليس على حقيقة واحدة بل هو يختلف باختلاف العالم الذي تجلّى فيه ذلك النور، فالنور الذي أغشى أبصار الملائكة فخرّوا لله ساجدين غير النور الساطع الذي فزع منه النبي محمد ’، وهما غير النور الذي

ظهر في لحظة ولادتها للبشر فأشرق منها النور حتى دخل بيوتات مكة، ولم يبق في شرق الأرض ولا غربها موضع إلاّ أشرق فيه ذلك النور، وغيرها مِن التجلّيات، كما سنوافيك بها إن شاء الله تعالى ضمن مباحث هذا الكتاب.

والذي يدعونا إلى القول باختلاف النور وتغايره هو أنّ هناك عوالم مختلفة فهناك مثلاً عالم الملائكة وعالم الانسانوعالم الجان وهذه عوالم مختلفة الوجود والماهيّة فالآثار، والنور الذي يُلائم عالم الملائكة هو من سنخ عالمهم، وأمّا النور الذي يتجلّى للناس فهو نور يُلائمهم ومن سنخ عالمهم، ولمّا كان العالَمان متغايرين كان النوران مختلفين.

فلها (صلوات ربي عليها) تجليات في عوالم عدّة، ولا يصحّ الاقتصار على تجلٍّ واحد فقط، أو الاعتقاد بانحصار تجلياتها علیها السلام في عدد محدود عندنا.

تعدد الدواعي

إذا كان هناك دواعٍ متعددة للتسمية فإنه بلا شك يصحّ التعليل بها جميعاً أو ببعضها أو بأيّ واحد منها، فإنّك إذا سمّيت ابنك باسم علي مثلاً فقد تكون عندك دواعٍ متعدّدة،

فسميته لأنّه اسم أمير المؤمنين علیه السلام، ولأنّ جدّك اسمه علي، ولأنّه كان لك صديق حميم توفي كان اسمه علياً، ولأنّ الاسم فيه سلاسة وحلاوة، وتفاؤلاً بعلو قدره ومنزلته في المستقبل، وغير ذلك مِن الدواعي، فعندما يسألك أحد عن سبب التسمية بعلي فيصحّ منك التعليل بواحدة مِن تلك الدواعي فتقول مثلاً: سميته على اسم أمير المؤمنين علیه السلام، أو تذكرها جميعاً، أو تذكر بعضها.

فالدواعي للتسمية تتعدد، ويؤيِّد ذلك، رواية الحسن بن فضال قال: (سألت أبا الحسنعلیه السلام فقلت له: لِمَ كُنّي النبي’ بأبي القاسم؟

فقال: لأنّه كان له ابن يقال له (قاسم) فكنّي به.

قال: قلت: يا ابن رسول الله فهل تراني أهلاً للزيادة، أو لا تراني أهلاً لِما فوق ذلك؟فقالعلیه السلام: نعم، أما علمت أنّ رسول الله’ قال: أنا وعلي أبوا هذه الأمّة؟ قلت: بلى.

قال: أما علمت أن رسول الله’ أب لجميع الأمّة؟ قلت: بلى.

قال: أولم يكن عليعلیه السلام من جملة أمته؟ قلت: بلى.

قالعلیه السلام: أو ليس عليعلیه السلام قاسم الجنة والنار؟ قلت: بلى.

قال: فقيل له أبو القاسم، لأنّه أبو قاسم الجنة والنار)((1)).

فهذه الرواية الشريفة تذكر تعليل الإمام علیه السلام تكنية النبي ’ بأبي القاسم لأنّه كان له ولد اسمه القاسم، فهو أحد الدواعي للتكنية، والراوي عندما أراد الاستزادة إنّما طلب داعٍ آخر للتكنية.

ومِن هنا جاء في الروايات تعليل التسمية بالزهراء بِأمور مختلفة يجمعها تجلّي النور الفاطمي، وما ذاك إلاّ لأنّ كلّ واحد مِن التعليلات يصحّ التعليل به ما دامت هي دواعٍ للتسمية بالزهراء، ومِن هنا أيضاً نقول بعدم الاقتصار على ما ذكر في الروايات لأن الروايات ليست في مقام حصر سبب التسمية بل هي في مقام بيان أحد الدواعي للتسمية، ولا مانع مِن وجود دواعٍ غيرها قد نُدركها وقد لا ندركها.


1) علل الشرائع: 127 ح2 باب106، ومعاني الأخبار: 52 ح3، عنه البحار ج16 ص95 ح29.

معنى التجلي

يُراد مِن التجلّي هو الظهور بعد الخفاء، والظهور يختلف، فيكون تجلي كلّ شيء بحسبه، لأنّ التجلي في عالم الغيب مُغاير لعالم الشهود، لأنّ العالمين مختلفان، فالتجلّي في عالم الملائكة يُناسب عالمهم، ويختلف عن التجلّي في عالم الإنسان في دار الدنيا.

كما أنّ هناك تجلّياً للصفة تارة وتجلّياً للذات تارة أخرى، فتكون هناك ذات غير ظاهرة فتظهر، وقد يكون هناك صفة غير ظاهرة فتظهر، فعندما لا تعرف أنّ الشخص الفلاني عالم، فيقوم بكتابة كتاب أو يتحدّث بحديث يظهر منه العلم والمعرفة فعندئذ يتجلّى علمه لك.

كما أنّ الظهور يكون بالوجود تارة ويكون برفع الحاجب تارة أخرى، بمعنى أنّ وجود الشيء بعد أن كان عدماً يُقال له تجلٍّ، كما أنّ الشيء المحجوب بحاجب إذا ارتفع الحاجب عنه يحصل له التجلّي.

وأنوار الزهراء علیها السلام يجري فيها ما ذكرناه، فوجود نور روحها بعد العدم تجلٍّ، كما أنّ نورها محجوب عن الخلق إلاّ

في بعض المناسبات فإنّ بعض الحاجب يرتفع فيظهر بعض النور للناس.

فنورها حين ولادتها هو نور ثابت إلاّ أنّه رُفع شيء مِن الحجب عنه فأدركه الناس، ثُمّ رجعت الحجب على ما كانت عليه، وكذا إذا قامت في محرابها زهر نورها لأهل السماء كما تزهر نور الكواكب لأهل الأرض إنّما هو رفع لبعض الحجب عن الملائكة.ومن هنا نقول: إنّها الزهراء المزهرة دائماً وأبداً، ولكنّ التجلي للخلق يكون برفع بعض الحجب بمقدار ما يُطيق الخلق.

فليست الزهراء علیها السلام في بعض الأحيان لها نور وفي بعض آخر ليس لها نور، بل نورها دائم باقٍ أبدي سرمدي، لأنّها مخلوقة مِن نور العظمة، وهي النور الذي بعرش الله تعالى محدق، وهي نور انتقل مِن الاصلاب الشامخة إلى الأرحام الطاهرة، كما هي نور الله الذي لا ينطفئ، نعم قد يكون لها نور آخر ينبثق منها ويشعّ تارة ولا يشعّ تارة أخرى وذلك لا بُدّ أن يكون واقعاً تحت سلطانها وإرادتها علیها السلام، لأنّ في ذلك كمال

التكريم لها ومقتضى المحبّة الإلهيّة لها.

مقدار النور المتجلي

عندما نقول: إنّ نور الزهراء علیها السلام تجلّى لا يعني ذلك أنّ التجلّي في كلّ وقت مِن دون حاجب، كما لا ينبغي أن يُتوهم أن التجلي يكون لأي كائن مِن غير حجاب، بل الحجاب دائماً موجود إلاّ على أبيها وبعلها وبنيها.

ومِن أجل توضيح هذا المطلب أقول:

وصول بعض النور يكون لأمرين:

الأوّل: كون الحاجب غير مانع مِن اختراق النور له تماماً، فينفذ فيه بعض النور فيُرى ذلك النور خافتاً بالنسبة لذات النور وإن كان بالنسبة للرائي هو نور عظيم.

الثاني: النور العظيم الكبير عند وجود حاجب يحجبه فإنّه يُحجب عن المكان مثلاً بقدر ذلك الحاجب، وبحسب موقعه مِن مصدر النور، فإنّ الحاجب مع ذلك يكون له ظل، والظل ليس ظلاماً دامساً منعدماً مِن النور، بل فيهنور أخف مِن المكان الذي يكون مِن دون الحاجب.

فقد يرى الناس الظل أو النور المحجوب بحاجب لا يمنع

مِن مشاهدة شيء من ذلك النور فيتوهمون أنّهم رأوا نفس النور، كما حدث حين ولادة الزهراء علیها السلام، لأنّ الناس لا تقدر على رؤية نورها ولا تطيق احتماله، فإنّه النور الذي أبهر سيّد الكائنات ’، وسنوافيك بذلك إن شاء الله تعالى.

استعمالات النور

إنّ لفظ النور يُستعمل ويُراد مِنه أموراً مِنها:

1- الضياء، ويُقابله الظلمة، وهذا يختلف باختلاف العوالم، فإنّ النور بهذا المعنى في عالم المجرّدات مُغاير للنور في عالم المادة والماديات، وكن مِن هذا على ذكر.

2- الوجود، ويُقابله العدم، فيُطلق النور على الوجود. والوجودات الخاصّة تختلف في حقائقها، إلاّ أنّها تجتمع تحت مفهوم الوجود العام.

3- الهداية، ويُقابله الضلال، فإنّ نور الهداية يقتضي مسير الكائن على الطريق الصحيح المرسوم له، والهداية منها الكبرى والصغرى، والعامّة والخاصّة، كما أنّ الهداية تشمل الكائنات الحيّة والجمادات، وأصغر ما في الكون مِن ذرّة، وأكبر ما في الكون مِن مجرّة.

4- العلم، ويُقابله الجهل، فإنّ نور العلم به يهتدي العاقلون العالمون، وبه يُعرف المعبود.

وبالثلاثة الأُولى فُسّر قوله تعالى:{اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِوَالْأَرْضِ...}((1)). أي الله هو الموجِد والمنوِّر والهادي للسماوات والأرض.

هذه جملة أمور ذكرناها مِن قبيل المدخل والتمهيد إلى معرفة التجليات لنور الزهراء علیها السلام.

وسنذكر - فيما يأتي - أحد عشر تجلياً مِن تجليات نورها المقدّس بعدد أولادها المعصومين علیهم السلام .


1) سورة الن--ور مِن الآية (35).

الأوّل: نور العظمة الأوّل

اشاره

لقد دلّت الروايات الكثيرة على أنّ كلّ أهل البيت علیهم السلام - ومنهم الزهراء علیها السلام- قد شرّفهم الله تعالى بأن خلقهم مِن نور عظمته قبل خلق جميع الكائنات، ومن ذلك ما روي عن النبي ’ أنّه قال: (إنّ الله سبحانه يقول: عبادي، مَن كانت له إليكم حاجة فسألكم بمَن تحبون أجبتم دعاءه، ألا فاعلموا أنّ أحبّ عبادي إليّ وأكرمهم لديّ محمد وعلي حبيبَيّ ووليَيّ، فمَن كانت له حاجة إليّ فليتوسل إليّ بهما، فإنِّي لا أردّ سؤال سائل يسألني بهما وبالطيبين من عترتهما، فمَن سألني بهم فإنِّي لا أردّ دعاءه، وكيف أردّ دعاء مَن سألني بحبيبي وصفوتي ووليي وحجتي وروحي ونوري وآيتي وبابي ورحمتي ووجهي ونعمتي؟ ألا وإنِّي خلقتهم من نور عظمتي، وجعلتهم أهل كرامتي وولايتي، فمن سألني بهم عارفاً بحقهم ومقامهم أوجبت له مني الإجابة، وكان ذلك حقاً

عليّ)((1)).

اللهم إنّا نسألك بهم أن تعرفنا بهم، ولا تفرق بيننا وبينهم أبداً.

كما روي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر صلی الله علیه و آله أنّه قال: (كان الله ولا شيء غيره، ولا معلوم ولا مجهول، فأوّل ما ابتدأ مِن خلق خلقه أن خلق محمداً ’، وخلقنا أهل البيت معه من نور عظمته، فأوقفنا أظلة خضراء((2)) بين يديه، لا سماء، ولا أرض، ولا مكان، ولا ليل، ولا نهار، ولا شمس، ولا قمر. يفصل نورنا من [نور]((3)) ربنا كشعاع الشمس من الشمس((4))، نسبِّح الله تعالى ونقدّسه، ونحمده ونعبده حقّ عبادته، ثُمّ بدا


1) وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي ج7 ص102.

2) أي نور أخضر.

3) موجودة في بعض المصادر.

4) هنا تشبيه لتقريب المعنى إلى أذهاننا، وهو أنّ نور أهل البيت علیهم السلام صادر مِن الله تعالى، كما يصدر شعاع الشمس مِن الشمس، وكما أنّ ضوء الشمس غير جرمها فكذلك أنوار أهل البيت علیهم السلام غير الله تعالى بل هي مخلوقه له وصادرة عنه تعالى.

لله تعالى أن يخلق المكان فخلقه، وكتب على المكان: لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، عليّ أمير المؤمنين وصيّه، به أيّدته، وبه نصرته. ثُمّ خلق الله العرش، فكتب على سرادقات العرش مثل ذلك. ثُمّ خلق السماوات، فكتب على أطرافها مثل ذلك، ثُمّ خلق الجنّة والنار، فكتب عليهما مثل ذلك، ثُمّ خلق الله الملائكة وأسكنهم السماء...)((1)).كما وردت الروايات الخاصّة في خلق فاطمة الزهراء علیها السلام بأنّها خُلقت مِن نور العظمة أيضاً ومن ذلك ما روي عن رسول الله ’ أنّه قال: (إنّ الله عزّ وجلّ خلق فاطمة من نور العظمة الممزوج بنور الرحمة)((2)).

هذه الروايات وغيرها الكثير تدلّ على أنّ الله تعالى خلق أنوار أهل البيت علیهم السلام من نور عظمته قبل خلق المكان والزمان


1) حلية الأبرار للسيد هاشم البحراني ج1 ص12. ومدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج2 ص371، وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج25 ص17 وج54 ص169 عن كتاب رياض الجنان لفضل الله بن محمود الفارسي.

2) الدر النظيم لابن حاتم العاملي ص451.

والسماء والأرض والعرش والكرسي وجميع ما خلق الله تعالى.

معنى نور الله تعالى

التعبير بأنّهم علیهم السلام نور الله تعالى يُراد به النور الذي خلقه لله تعالى، وإنّما نسب النور إلى نفسه نسبة تشريف، كما تقول: الكعبة بيت الله. فلا يُراد مِن هذا القول أنّ الكعبة مسكن الله - تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً -، بل الكعبة إنّما نُسبت لله تعالى نسبة تشريف، وإلاّ فكلّ بيوت الدنيا مِن مساجد وغيرها هي بيوت مملوكة لمالك الملك تعالى.

ولمّا كانت الكعبة يقصدها مَن يُريد عبادة الله تعالى ولقاء رحمته ومغفرته فكان مَن يقصدها كمن يقصد الذهاب إلى الله تعالى.

ومثل الكعبة في ذلك مراقد المعصومين علیهم السلام فإنّها فيبيوت أذن الله أن ترفع ويُذكر فيها اسمه((1)) فمن زارها كمن زار الله تعالى، كما يُستفاد ذلك مِن مجموعة من الروايات، ففي بعضها أنّ مَن يزور النبي محمداً ’ كمن


1) ورد في الزيارة لهم وعنهم علیهم السلام : (فجعلكم في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه). راجع مصباح المتهجد للشيخ الطوسي ص714، والمهذب للقاضي ابن البرّاج ج1 ص280، والكافي للشيخ الكليني ج4 ص559، وكامل الزيارات لجعفر بن محمد بن قولويه ص119، وعيون أخبار الرضا علیه السلام للشيخ الصدوق ج1 ص307، وغيرها من المصادر الكثيرة.

زار الله تعالى في عرشه((1))، وكذلك ورد في حقّ الإمام الحسين((2)) والرضا من آل محمد علیهم السلام ((3)).


1) المقنعة للشيخ المفيد ص458. وتهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ج6 ص4.

2) مصباح المتهجد للشيخ الطوسي ص771. و كامل الزيارات لجعفر بن محمد بن قولويه ص48، وص278، وص279، وص280، وص282، وص283، وص320، وص324. وثواب الأعمال للشيخ الصدوق ص85. وتهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ج6 ص46، وص51.

3) الكافي للشيخ الكليني ج4 ص585. وكامل الزيارات جعفر بن محمد بن قولويه ص511. والأمالي للشيخ الصدوق ص182. وعيون أخبار الرضا علیه السلام للشيخ الصدوق ج1 ص290. وتهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ج6 ص85.

فنور الله (عزّ وجلّ)؛ أي ذلك النور المقدّس الذي خلقه الله تعالى ونسبه إليه نسبة تشريف للنور.

تقييد النور بالعظمةوتقييد النور بالعظمة مِن أجل كونهم علیهم السلام عظماء مِن جهة ويكشفون عن عظمة خالقهم مِن جهة أخرى.

وإن شئت قلت: إنّهم عظماء وبالتالي يدلّون ويكشفون عن عظمة خالقهم، تلك العظمة التي لا تُقارن بعظمة المخلوقين.

ويجمع الأمرين قولك: إنّهم مظهر عظمة الله تعالى.

ولكي يتّضح هذا أقول:

إنّ الفعل يكشف عن صفة الفاعل، فمَن يرفع ثِقلاً وزنه مئة كيلو مثلاً فإنّ فعله هذا يكشف عن قوّته، وإذا حلّ أعقد المشاكل الاجتماعيّة فيكشف ذلك عن حكمته، وإذا حلّ أصعب المسائل العلمية فإنه يكشف ذلك عن علمه، وهكذا كلّ فعل يكشف عن صفة في الفاعل سواء كان مِن الأفعال الحسنة أم كان مِن الأفعال القبيحة.

والله تعالى أفعاله تكشف عن قدرته وحكمته وعلمه وكذا بقيّة صفاته تعالى، والله تعالى عظيم في كلّ صفاته، فهو عظيم في علمه وقدرته وحكمته...إلى آخر صفاته. فخلْق أهل البيت علیهم السلام لمّا كان عظيماً كشف عن عظمة خالقهم تعالى في كلّ صفاته تعالى.

ونحن معاشر الشيعة إنّما نعظّم أهل البيت علیهم السلام لأنّ النصوص وردت بعظمتهم، وشهدت على ذلك أفعالهم، ونجد مِن أنفسنا أنّ تعظيمهم تعظيم لله تعالى، لأنّه كلّما عظّمنا الصنع فقد عظُم في نفوسنا الصانع.

عظمة الصنع تكشف عن عظمة الصانعإذا عرفنا مُخترع المصابيح الكهربائيّة فإنّنا نجد في نفوسنا تقديراً وإعجاباً بهذا المخترع الذي قدّم للإنسان هذا السراج الذي أصبح في وقتنا الحالي كأنّه ضرورة مِن ضروريات الحياة، لا يستغني عنه أغلب البشر، وأعانهم على قضاء كثير مِن حوائجهم في الليالي المظلمة.

وإذا عرفنا مُخترع جهاز الحاسوب فإنّنا نجد في أنفسنا تقديراً أكبر وإعجاباً أعظم مِن مُخترع المصباح الكهربائي، لأنّ

الحاسوب أكثر تعقيداً وأعجب أداءاً مِن المِصباح، فكلّما وجدنا صنعاً أعقد ازداد تعظيمنا لذلك الصانع على صنعه.

ولقد وجدنا مخلوقات لله تعالى مُختلفة المراتب، فمنها ما هو مخلوق بسيط، ومنها المركّب، ومنها ما هو أشدّ تعقيداً وما هو أقلّ مِن ذلك، ومنها ما هو كبير الحجم ومنها ما هو صغيره، ومنها الحي ومنها الجماد، ومنها القوي ومنها الضعيف، ومنها الجميل ومنها القبيح، ومنها الناطق ومنها الصامت، وكثير غير ذلك مما يتفاوت فيه مخلوقات الله تعالى، وكلّما اطلعنا على عجائب خلق الله كلّما ازداد إيماننا ويقيننا بالله تعالى وصفاته، ولذلك أُمرنا أن نتفكّر في آيات الله تعالى الآفاقيّة والأنفسيّة في كثير مِن آيات القرآن الكريم ومنها قوله تعالى:

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}((1)).

فكلّما تكشّفت لنا عظمة صنع الله تعالى عظم في نفوسناالصانع تعالى، ولمّا وجدنا أنّ الله تعالى خلق أنوار أهل البيت


1) سورة فصلت الآية (53).

علیهم السلام كاملة منزّهة عن العيوب والنواقص الموجودة في غيرهم مِن الكائنات، ازداد تعظيمنا لله تعالى لعظمة هذا الصنع الإلهي، والحديث عن عظمة قُدرتهم وعلمهم وحلمهم ورحمتهم ورأفتهم وغير ذلك مما لا يسعه هذا المقام وهو خروج عن الموضوع، ويكفينا ما سطّرناه وما سنذكره في هذا الكتاب مِن الروايات الدالة على عظمة الزهراء فاطمة علیها السلام.

خلق أرواحهم

إنّ تلك الروايات وغيرها مِن الروايات الكثيرة الدالة على خلقهم علیهم السلام مِن نور العظمة إنّما هي ناظرة إلى خلق أرواحهم علیهم السلام لا أبدانهم، - وأمّا خلق أبدانهم فمِن نور العظمة أيضاً كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى - وخلق أرواحهم قبل خلق أيّ شيء، أمّا خلق أبدانهم فمتأخر عن خلق بعض المخلوقات، ولذا ورد في بعض الروايات ذكر خلق صورهم بعد خلق أرواحهم وبعد خلق العرش، فروي عن الإمام أبي عبد الله الصادق علیه السلام أنّه قال: (إنّ الله خلقنا مِن نور عظمته، ثُمّ صوّر خلقنا من طينة مخزونة، مكنونة، من تحت العرش. فأسكن ذلك النور فيه، فكنّا نحن خلقاً وبشراً نورانيين، لم

يجعل لأحد في مثل الذي خُلقنا منه نصيباً.

وخلق أرواح شيعتنا من طينتنا وأبدانهم من طينة مخزونة مكنونة، أسفل من ذلك الطينة ولم يجعل الله لأحد في مثل الذي خلقهم منه نصيباً إلاّ للأنبياء، ولذلك صرنانحن وهم: الناس، وصار سائر الناس همج، للنار وإلى النار)((1)).

إنّ إطلاق الناس في الرواية الشريفة عليهم علیهم السلام وعلى شيعتهم إنّما هو باعتبار كون شيعتهم أشباه الناس، فلشباهة الشيعة بهم أطلق عليهم الناس، وبهذا يتم التوفيق بين هذه الرواية والروايات الأخرى التي تنصّ على أنّهم علیهم السلام هم الناس، وشيعتهم أشباه الناس، وباقي الناس نسناس.

فمِن ذلك ما روي عن الإمام علي بن الحسين صلی الله علیه و آله أنّه قال: (إنّ رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين علیه السلام فقال: أخبرني إن كنت عالماً عن الناس وعن أشباه الناس وعن النسناس؟ فقال أمير


1) الكافي للشيخ الكليني ج1 ص389، وبصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص40، والمحتضر لحسن بن سليمان الحلي ص283.

المؤمنين علیه السلام: يا حسين أجب الرجل.

فقال الحسين علیه السلام: أمّا قولك: أخبرني عن الناس، فنحن الناس، ولذلك قال الله تعالى ذكره في كتابه: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ...}((1)) فرسول الله ’ الذي أفاض بالناس. وأمّا قولك: أشباه الناس، فهم شيعتنا وهم موالينا وهم منّا، ولذلك قال إبراهيم علیه السلام: {...فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي...}((2)). وأمّا قولك: النسناس، فهم السواد الأعظم، وأشار بيده إلى جماعة الناس، ثُمّ قال: {...إِنْ هُمْ إِلَّاكَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}((3)))((4)).

شيعتنا خلقوا مِن فاضل طينتنا


1) سورة البقرة مِن الآية (199).

2) سورة إبراهيم مِن الآية (36).

3) وتمام الآية {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}.

4) الكافي للشيخ الكليني ج8 ص244.

الرواية السابقة قد نصّت على أنّ أرواح الشيعة خُلقت مِن فاضل طينة أبدانهم علیهم السلام ، وأمّا أبدان الشيعة فقد خُلقت مِن طينة دون تلك الطينة، وهذا ما يدلّ عليه عدّة روايات، وأمّا ما ورد في بعضها مِن أنّ الشيعة خُلقوا مِن فاضل طينتهم فيُحمل على أنّ أرواح الشيعة خلقوا مِن فاضل طينة أبدانهم علیهم السلام ، فتكون هذه الرواية وأمثالها تُفسرها.

بل إنّ ظاهر الرواية المرويّة عن رسول الله ’: (...يا علي، أنت منّي وأنا منك، روحك من روحي، وطينتك من طينتي، وشيعتك خلقوا من فضل طينتنا، فمَن أحبّهم فقد أحبّنا، ومَن أبغضهم فقد أبغضنا...)((1)). لو تأملنا فيها لوجدناها ظاهرة في المعنى المقصود، فإنّ إطلاق (شيعتك) يُراد به نفس الشيعة ونفوسهم وإلاّ لقيل (أبدان شيعتك) أوتنصب قرينة


1) الأمالي للشيخ الصدوق ص66، وروضة الواعظين للفتال النيسابوري ص296، ومشكاة الأنوار لعلي الطبرسي ص151. وفي شجرة طوبى للشيخ محمد مهدي الحائري ج1 ص3، عن الإمام الصادق علیه السلام: (رحم الله شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا، وعجنوا بماء ولايتنا، يحزنون لحزننا، ويفرحون لفرحنا).

على حذف المضاف، والتعبير بال-(أنا) و(هو) و(أنت) عند إرادة الإنسان يُراد مِنه نفسه لا بدنه.

ومِن هذا القبيل قول رسول الله ’: (فاطمة بضعة منّي) فأراد أنّ روحها مِن روحه، لا أنّ بدنها مِن بدنه، وأما الجانب الجسدي فلقد تكفّلت به أمثال هذه العبارات: لحمها من لحمي، ودمها من دمي.

وأمّا في جانب أهل البيت علیهم السلام فالتعبير ب-(مِن فضل طينتنا) يدلّ على خلق أبدانهم لأنّه مِن الطين بخلاف أرواحهم فإنّها مِن نور عظمة الله تعالى.

والحاصل إنّ نور العظمة هذا هو أوّل التجلّيات العظيمة لنور الزهراء فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها علیهم السلام .

الثاني: نور العظمة الثاني

اشاره

اشاره

لقد تقدّم أنّا ذكرنا أنّ خلق أرواح أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام مِن نور العظمة قبل خلق المكان والزمان والسماء والأرض والعرش والكرسي والملائكة وجميع ما خلق الله تعالى.

وخلق أبدانهم علیهم السلام مِن نور العظمة أيضاً إنّما هو بعد خلق العرش والسماوات والأرضين والملائكة.

وكما أنّ أرواحهم علیهم السلام مظهر للعظمة الإلهيّة فكذا أبدانهم أيضاً مظهر للعظمة الإلهيّة، فهم علیهم السلام عظماء في أرواحهم وأبدانهم.

ولمّا كان خلق أرواحهم وأبدانهم مِن نور العظمة عبرنا بنور العظمة الأوّل ونور العظمة الثاني للتفريق بين خلق أرواحهم وأبدانهم علیهم السلام .

ولا نريد مِن خلق أبدانهم أنّها خُلقت كما هي عليه في دار الدنيا حتّى يتأتّى إشكال المستشكل، بل نريد مِن ذلك أنّ هناك خلقاً يعود إلى الأبدان ولو بما يتناسب وعالم الذر مثلاً،

لأننا لا يُمكن أن نرفع اليد عن أخبار طينة خلقهم علیهم السلام مع كثرتها ووجود الصحيح فيها، وإذا كنّا لا نعلم بطبيعة الأبدان المخلوقة لا يقتضي ذلك رفع اليد عن الروايات الكثيرة الدالّة على ذلك، فيكفينا التسليم بها والاعتقاد بمضمونها إجمالاً وإن جهلنا التفاصيل والحقيقة على ما هي عليه في واقعها.روي أنّه سئل النبي ’: لم سميت فاطمة الزهراء؟ فقال: (لأنّ الله - عزّ وجلّ - خلقها من نور عظمته، فأضاءت السماوات والأرض بنورها، وغشيت أبصار الملائكة فخروا لله ساجدين، وقالوا: إلهنا وسيدنا! ما هذا النور؟ فأوحى الله - تعالى - إليهم: هذا نور من نوري، أسكنته في سمائي، وخلقته من نور عظمتي، أخرجه من صلب نبي من أنبيائي، أفضله على جميع النبيين، وأخرج من ذلك النور أئمة يقومون بأمري ويهدون إلى حقي، وأجعلهم خلفاء في أرضي بعد انقطاع الوحي)((1)).


1) المحتضر لحسن بن سليمان الحلي ص234. ومثله عن الإمام أبي عبد الله الصادق علیه السلام في علل الشرائع للشيخ الصدوق ج1 ص179. والإمامة والتبصرة لابن بابويه القمي ص133. والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص456، ومثله أيضاً في نوادر المعجزات لمحمد بن جرير الطبري (الشيعي) ص81، وكشف الغمة لابن أبي الفتح الإربلي ج2 ص92 عن الإمام الباقر علیه السلام. وراجع معاني الأخبار للشيخ الصدوق ص64، ودلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري (الشيعي) ص149، والعدد القوية لعلي بن يوسف الحلي ص227.

وقفة تأمّل في دلالة الأحاديث

الحديث السابق المروي بعدّة طرق والمؤيّد بروايات أخرى مُشتمل على مباحث عديدة، يجدر بنا أن نلتفت فيه إلى أمور عظيمة جليلة أشار إليها نذكر منها:

الأوّل: نور السماوات والأرضوهو أنّ السماوات والأرض أضاءت بنور الزهراء علیها السلام، ومِن المعلوم أنّها علیها السلام وأباها وبعلها وبنيها العلّة الغائيّة في وجود السماوات والأرض، وهم أيضاً العلّة في الهداية الكبرى.

وإذا ضممنا ذلك الحديث مع قوله تعالى: {اللهُ نُورُ

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...}((1)) سواء قلنا بأنّ (نور السماوات والأرض) بمعنى الموجِد، أو بمعنى المنير، أو بمعنى الهادي، فنستنتج أنّ الزهراء علیها السلام هي نور السماوات والأرض بكلّ تلك المعاني، فبها أضاء الله تعالى السماوات والأرض، وبها أوجدهما - ويدلّ عليه حديث الكساء وغيره-، وبها وبأبيها وبعلها وبنيها كانت الهداية الكبرى.

الثاني: غشيت أبصار الملائكة

مِن المعلوم أنّ الملائكة علیهم السلام خَلقٌ مِن نور، ولا تغشى أبصارها إلاّ إذا كان النور عظيماً، والذي يجب الالتفات إليه أنّ هذا نور بدنها لا نور روحها ومع ذلك أغشى أبصارهم، كما أنّ رؤية نورها علیها السلام هل كان ذلك بلا حجاب أم كان مع الحجاب؟ وهل الملائكة قادرة على رؤية نور الزهراء علیها السلام مِن دون حجاب؟

ولقد أشرنا في بعض المقدّمات ما يشرح الذي قلناه هنا.

الثالث: سجود الملائكة


1) سورة الن--ور مِن الآية (35).

إنّ الملائكة الكرام علیهم السلام عالم أنوار، ويعيشون في الأنوار، ومع هذا قد سجدت لمّا رأت النور العظيم الدالّ على عظمة خالقه تعالى، وهذا يُنبئك عن عظمة ذلك النور الفاطمي.

كما أنّ هذا السجود مِن الملائكة يُفسّر لك سجود الملائكة عند خلق آدم علیه السلام الذي أشار إليه قوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}((1)).

فلقد روي عن النبي ’ أنّه قال: (عباد الله، إنّ آدم لمّا رأى النور ساطعاً من صلبه إذ نقل الله - تعالى - أرواحنا من ذروة العرش إلى صلبه رأى النور ولم تبن الأشباح، فقال: يا رب! ما هذه الأنوار؟ قال - عزّ وجلّ -: أنوار أشباح نقلتها من أشرف بقاع عرشي إلى ظهرك، ولذلك أمرت الملائكة بالسجود لك إذ كنت وعاء لتلك الأشباح...)((2)).

كما روي عنه ’ أنّه قال- في حديث طويل -: (إنّ الله


1) سورة الحجر الآية (29)، وسورة ص الآية (72).

2) المحتضر للحسن بن سليمان الحلي ص275، والمسائل العكبرية للشيخ المفيد ص28.

تبارك وتعالى خلق آدم فأودعنا صلبة وأمر الملائكة بالسجود له تعظيماً لنا وإكراماً. وكان سجودهم لله عزّ وجلّ عبودية ولآدم إكراماً وطاعة لكوننا في صلبه...)((1)).فلم يكن سجود الملائكة لآدم إلاّ مِن أجل ذلك النور المودع في صلب آدم علیه السلام، ومع ذلك إنّما سجدوا بعد صدور الأمر إليهم، ولكن عند خلق نور الزهراء علیها السلام خروا لله سجّداً مِن عظم ما رأوا مِن خلق الله تعالى لفاطمة الزهراء علیها السلام.

فالملائكة قد تجلّى لهم بعض نورها علیها السلام بشكل مباشر فخرّوا لله تعالى سجّداً، أمّا النور المودع في صلب آدم علیه السلام فلقد كان مع وجود الحاجب، ولذا احتاجوا الى أمر إلهي بالسجود.

الرابع: خلق الأئمة مِن نورها


1) رواه الشيخ الصدوق في علل الشرائع ج1 ص5، ,عيون أخبار الرضا علیه السلام ج2 ص238، وكمال الدين وتمام النعمة ص255. ومن طرق العامة راجع ينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي الحنفي ج3 ص378.

صرّحت الرواية الشريفة بأنّ أئمة الهدى الأحد عشر نورهم مِن نور الزهراء علیها السلام، ومِن المعلوم أنّ ذلك مِنها ومِن بعلها أمير المؤمنين علیه السلام.

فأيّ عظمة للزهراء علیها السلام أن يُخلق مِن نورها أحد عشر نوراً وحجّة مِن حجج الله على خلقه، وأئمة هداة طاهرون مطهرون، هم عيبة علمه وخزانة أسراره.

وهذا أحد الوجوه التي حملت عليه ما قد تعتبر رواية (نحن حجج الله على خلقه وجدّتنا فاطمة حجّة الله علينا)((1)).وهناك وجوه أخرى منها: أنّ حقّ التشريع ثابت لأهل البيت علیهم السلام ((2))، ومِنهم الزهراء علیها السلام، فإذا شرّعت تشريعاً فهو


1) لم أجد هذه الرواية في أي كتاب من كتبنا سواء الحديثية أو غيرها، نعم وجدتها عند أحد المعاصرين غير مسندة ولا منسوبة لكتاب، وذلك في كتابه: أطيب البيان في تفسير القرآن، وبعض المعاصرين نقلها مع تغيير " جدتنا " ب- " أمّنا".

2) راجع في ثبوت حق التشريع لهم علیهم السلام كتابنا: (الولاية التشريعية)، ولقد فرّفنا فيه بين الولاية التشريعيّة والولاية الشرعيّة، وما اشتهر مِن معنى الولاية التشريعيّة اصطلحنا عليه بالولاية الشرعية، وقد جرى على ذلك بعض العلماء الأعلام فليراجع الكتاب المذكور.

حجّة على أولادها الطاهرين، صلوات الله عليهم أجمعين، سواء في ذلك التشريعات الخاصة بهم أو التشريعات العامّة، ولا سيّما التشريعات المتعلقة بالمرأة، ولذا كان النبي يُحيل بعض الإجابات على الزهراء علیها السلام ومنها ما روى أن النبي ’ قال لها: أيّ شيء خير للمرأة؟ قالت: أن لا ترى رجلاً، ولا يراها رجل.

وعن أمير المؤمنين علي علیه السلام: استأذن أعمى على فاطمة علیها السلام فحجبته، فقال رسول الله ’: لم حجبتيه وهو لا يراك؟ فقالت: إن لم يكن يراني فاني أراه، وهو يشم الريح.

وسأل رسول الله ’ عن المرأة متى تكون أدنى من ربها؟ قالت: أدنى ما تكون من ربها أن تلزم قعر بيتها.

فهذه الروايات تدلّ على رُجحان تلك الأمور - الموجودة فيها – شرعاً، وترجيحها لفعل هو رضاها به وإذا رضيت بفعل فيرضى الله تعالى بذلك الفعل، وإذا رضي الله تعالى بفعل شرّعه.

وإذا أصبح شرعاً مِن الله تعالى فيكون حجّة على أولادها.

وأسأل الله تعالى أن يوفقني لكتابة رسالة في رضى فاطمة وغضبها وأضمنه الحديث: (يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها) وأذكر مقامات الزهراء علیها السلام التي يُمكننا أن نفهمها مِن هذا الحديث الشريف.

الثالث: أشباح النور

إنّ السماوات زُينت بأشباح مِن نور وهي ظل النور كما هي أبدان نورانية بلا أرواح، وكانت مؤيّدة بروح واحدة وهي روح القدس، جعلها الله تعالى لسيدنا ونبينا محمد وآله ’ يعبدون الله تعالى بتلك الأبدان النورانية، وليست هي نفس أبدانهم علیهم السلام ؛ لأنّ أبدانهم هي النور لا ظل النور.

وهذه الأشباح قد طلب آدم علیه السلام مِن الله تعالى رؤيتها فأظهرها الله تعالى في ذروة العرش، كما روي عن النبي ’ أنّه قال: (عباد الله، إنّ آدم لمّا رأى النور ساطعاً من صلبه إذ نقل الله - تعالى - أرواحنا من ذروة العرش إلى صلبه رأى النور ولم تبن الأشباح، فقال: يا رب! ما هذه الأنوار؟ قال - عزّ وجلّ -: أنوار أشباح نقلتها من أشرف بقاع عرشي إلى ظهرك، ولذلك أمرت الملائكة بالسجود لك إذ كنت وعاء لتلك الأشباح. فقال آدم: يا رب، لو بينتها لي. فقال - تعالى -: انظر يا آدم إلى ذروة العرش. قال علیه السلام: فانطبعت فيه صور أشباحنا التي في ظهره كما ينطبع وجه الإنسان في المرآة

الصافية فرأى أشباحنا. فقال: ما هذه الأشباح يا رب؟ قال: يا آدم، هذه أشباح أفضل خلقي وبريتي؛ هذا محمد وأنا المحمود في فعالي، شققت له اسماً من اسمي. وهذا علي وأنا العلي الأعلى، شققت له اسماً من اسمي. وهذه فاطمة وأنا فاطر السماوات والأرض، فاطم أعدائي من رحمتي يوم فصل قضائي، وفاطم أوليائي عما يغويهم ويشينهم، شققت لها اسماً من اسمي. وهذا الحسن وهذا الحسين وأناالمحسن ذو الإحسان، شققت لهما اسمين من اسمي. فهؤلاء خيار خلقي وأكرم بريتي، بهم آخذ وبهم أعطي وبهم أعاقب وبهم أثيب، فتوسل بهم إلي، يا آدم، إذا دهتك داهية أجعلهم شفعاءك، فإني آليت على نفسي قسماً حقّاً أن لا أخيّب لهم آملاً ولا أردّ بهم سائلاً، فلذلك لما نزلت به الخطيئة دعا الله بهم فتاب عليه وغفر له)((1)).

وروي عن رسول الله ’ أنّه قال - في حديث عن


1) المحتضر للحسن بن سليمان الحلي ص275، والمسائل العكبرية للشيخ المفيد ص28.

الإسراء -: (...فأوحى - تعالى - إليّ أن تقدّم أمامك. فتقدّمت، فإذا أنا بأشباح من نور يتلألأ مكتوب عليها بالنور أسماؤنا وهي: محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، و« م ح م د » بن الحسن، وهو في وسطهم شبيه الكوكب الدري. فقلت: يا رب! من هؤلاء؟ فأوحى إلي: أن يا محمد! هذه ابنتك والخلفاء من ولدها من ذرية وصيّك علي...)((1)).

وروي عن أبي جعفر الباقر علیه السلام: (يا جابر، إنّ الله أوّل ما خلق خلق محمداً ’ وعترته الهداة المهتدين، فكانوا أشباح نور بين يدي الله، قلت: وما الأشباح؟ قال: ظل النور أبدان نورانية بلا أرواح، وكان مؤيّداً بروح واحدة وهي روحالقدس، فبه كان يَعبد الله، وعترته((2)) ولذلك خلقهم حلماء،


1) المحتضر للحسن بن سليمان الحلي ص191.

2) عترته معطوف على اسم كان؛ أي كان النبي محمد ’ مؤيّداً بروح واحدة وهي روح القدس وعترته أيضاً كانوا مؤيّدين بروح واحدة وهي روح القدس.

علماء، بررة، أصفياء، يعبدون الله بالصلاة والصوم والسجود والتسبيح والتهليل، ويصلّون الصلوات ويحجّون ويصومون)((1)).

فهذه الأشباح كانت موجودة عند خلق آدم علیه السلام كما أنّها كانت موجودة أيضاً عند عروج النبي محمد ’، ومِن هنا يتّضح أنّها ليست المنتقلة إلى صلب آدم، بل المنتقل هو نور مِن أنوارهم علیهم السلام ، ولكنّ ذلك النور إذا شعّ على العرش يتجلّى لمثل آدم تلك الأشباح.

والزهراء علیها السلام هي واحدة مِن تلك الأشباح التي كانت وما زالت تتلألأ في عالمها الخفي علينا.


1) الكافي للشيخ الكليني ج1 ص442.

الرابع: تُزهر للملائكة

اشاره

لمّا خلق الله تعالى السماوات والأرض وأنارها بنور بدن الزهراء علیها السلام - كما تقدّم في الأبحاث السابقة - أراد أن يختبر الملائكة ويبلوهم فأرسل عليهم سحاباً من ظلمة فأصبحت الملائكة لا تنظر أولها من آخرها ولا آخرها من أولها، فتوسلت إلى الله تعالى بأنوار أهل البيت علیهم السلام في أن يرفع عنهم الظلمة، فاستجاب الله تعالى لهم بأن أُخذ مِن نور فاطمة علیها السلام ووُضع على العرش كالقنديل.

فروي عن سلمان الفارسي & أنّه قال: (كنت جالساً عند النبي ’ في المسجد إذ دخل العباس بن عبد المطلب فسلّم فردّ النبي ’ ورحّب به فقال: يا رسول الله بما فضّل الله علينا أهل البيت علي بن أبي طالب والمعادن واحدة، فقال النبي ’: إذن أخبرك يا عم، إنّ الله خلقني وخلق عليّاً ولا سماء ولا أرض ولا جنّة ولا نار ولا لوح ولا قلم. فلمّا أراد الله عزّ وجلّ بدو خلقنا تكلّم بكلمة فكانت نوراً، ثُمّ تكلّم كلمة ثانية فكانت روحاً، فمزج فيما بينهما واعتدلا فخلقني وعليّاً

منهما، ثم فتق من نوري نور العرش فأنا أجلّ من العرش، ثم فتق من نور علي نور السماوات فعلي أجلّ من السماوات، ثم فتق من نور الحسن نور الشمس، ومن نور الحسين نور القمر، فهما أجلّ من الشمس والقمر، وكانت الملائكة تسبّح الله تعالى وتقول في تسبيحها: سُبّوح قُدّوس من أنوار ما أكرمها على الله تعالى، فلمّا أراد الله تعالى أن يبلوا الملائكة أرسل عليهم سحاباً من ظلمة وكانتالملائكة لا تنظر أولها من آخرها ولا آخرها من أولها، فقالت الملائكة: إلهنا وسيدنا منذ خلقتنا ما رأينا مثل ما نحن فيه، فنسألك بحق هذه الأنوار إلاّ ما كشفت عنّا فقال الله عزّ وجلّ: وعزتي وجلالي لأفعلن، فخلق نور فاطمة الزهراء علیها السلام يومئذ كالقنديل وعلّقه في قرط العرش، فزهرت السماوات السبع والأرضون السبع، من أجل ذلك سميت فاطمة الزهراء. وكانت الملائكة تسبّح الله وتقدسه فقال الله: وعزتي وجلالي لأجعلن ثواب تسبيحكم وتقديسكم إلى يوم القيامة لمحبي هذه المرأة وأبيها وبعلها وبنيها، قال سلمان: فخرج العباس فلقيه علي بن أبي طالب علیه السلام فضمّه إلى صدره وقبّل ما بين عينيه، وقال: بأبي

عترة المصطفى من أهل بيت ما أكرمكم على الله تعالى)((1)).

وفي هذا الحديث الشريف التعبير ب-(فخلق نور فاطمة الزهراء علیها السلام يومئذ كالقنديل وعلّقه في قرط العرش) ليس خلق نفس النور بل خلق مِن نور فاطمة الزهراء علیها السلام، والذي يدلّ على أنّ المراد الخلق مِن نور فاطمة هو ما روي عن النبي محمد ’ - في حديث - أنّه قال: (...إنّ الله تعالى ابتلى الأرض بالظلمات فلم تستطع الملائكة ذلك، فشكت إلى الله عزّ وجلّ، فقال عزّ وعلا لجبرئيل علیه السلام: خذ من نور فاطمة وضعه في قنديل وعلقه في قرط العرش. ففعل جبرئيل علیه السلام ذلك، فأزهرت السماوات السبع والأرضون السبع فسبّحتالملائكة وقدّست. فقال الله: وعزتي وجلالي وجودي ومجدي وارتفاعي في أعلا مكاني، لأجعلنّ ثواب تسبيحكم وتقديسكم لفاطمة وبعلها وبنيها ومحبيها إلى يوم القيامة. فمن أجل ذلك


1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج43 ص17 عن إرشاد القلوب للديلمي ص298.

سميت " الزهراء " علیها السلام)((1)).

والتعبير في الروايات الشريفة ب-(في قنديل) تارة و(كالقنديل) تارة أخرى إنّما هو مِن أجل أنّ هذا النور العظيم وإن وضع في قنديل إلاّ أنّه لعظمته وكثرة ضيائه فكأنّما هو القنديل، والقنديل أصبح غير مرئي وملحوظ.

ولقد عبّر عن مكان القرط الذي عُلّق عليه القنديل مِن العرش بأنّه أمام العرش، كما روى عبد الله بن مسعود، قال: دخلت على رسول الله ’ وقلت: (يا رسول الله أرني الحقّ لأصل إليه، فقال: يا عبد الله لِج المخدع، فولجت المخدع فإذا علي بن أبي طالب علیه السلام يصلّي ويقول في ركوعه وسجوده: ((اللهم بحق محمد عبدك ورسولك اغفر للخاطئين من شيعتي))، فخرجت حتى أخبر رسول الله ’، فسمعته يقول: ((اللهم بحق علي بن أبي طالب عبدك إلاّ ما غفرت للخاطئين من أمتي)). فقال: فأخذني من ذلك الهلع العظيم، فأوجز النبي ’ في صلاته وقال: يا ابن مسعود أكفر بعد الإيمان؟


1) نوادر المعجزات لمحمد بن جرير الطبري (الشيعي) ص82.

فقلت: حاشا وكلا يا رسول الله، ولكن رأيت عليّاً يسأل بك ورأيتك تسأل الله به، ولا أعلم أيكما أفضل عند الله،فقال ’: اجلس يا ابن مسعود، فجلست بين يديه فقال: اعلم أنّ الله تعالى خلقني وعلياً من نور عظمته قبل أن يخلق الخلق بألفي عام، إذ لا تسبيح ولا تقديس ولا تهليل. ففتق نوري فخلق منه السماوات والأرض، وأنا والله أجل من السماوات والأرض، وفتق نور علي بن أبي طالب فخلق منه العرش والكرسي، وعلي والله أجل من العرش والكرسي، وفتق نور الحسن فخلق منه اللوح والقلم، والحسن والله أجل من اللوح والقلم، وفتق نور الحسين وخلق منه الجنان والحور العين، والحسين والله أجل من الجنان والحور العين. ثم أظلمت المشارق والمغارب، فشكت الملائكة إلى الله عز وجل أن يكشف عنهم تلك الظلمة، فتكلم الله جل جلاله بكلمة فخلق منها روحا، ثم تكلم بكلمة فخلق من تلك الكلمة الأخرى نوراً، فأضاف النور إلى تلك الروح وأقامها أمام العرش، فأزهرت المشارق والمغارب، فهي فاطمة الزهراء، فلذلك سميت الزهراء.

يا ابن مسعود إذا كان يوم القيامة يقول الله عزّ وجلّ لي ولعلي: أدخلا الجنة من شئتما، وأدخلا النار من شئتما. وذلك قوله تعالى: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ}((1)) فالكافر من جحد نبوتي، والعنيد من جحد ولاية علي بن أبي طالب)((2)).

نور القمر مِن نور الإمام الحسين

لقد مضى في الروايات السابقة أنّ نور القمر مِن نور الإمام أبي عبد الله الحسين علیه السلام مع أنّ العلم الحديث توصّل إلى أنّ ضوء القمر هو نتيجة انعكاس نور الشمس، وهذا ما يؤيّده القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا}((3)). فالآية الشريفة تُصرّح بأنّ الله تعالى قد


1) سورة ق الآية (24).

2) بحار الأنوار لعلامة المجلسي ج40 ص44، عن الفضائل لشاذان بن جبرئيل القمي ص128، والروضة ص18، والبحار أيضاً ج36 ص73، عن كنز جامع الفوائد. وشرح إحقاق الحق للسيد المرعشي ج5 ص 249 عن جمال الدين محمد بن أحمد الحنفي الموصلي الشهير بابن حسنويه في (در بحر المناقب).

3) سورة نوح الآية (16).

جعل الشمس سراجاً، وهو إشارة إلى أنّ الشمس مصدر للضياء كالسراج بخلاف القمر فباعتبار أنّ نوره مُستمَد مِن نور الشمس، وليس ضياؤه مِن نفسه ولذا جُعل نوراً ولم يعبّر عنه بالسراج كالشمس.

وللإجابة عن هذا نقول وعلى الله تعالى الاتكال في كلّ حال فإنّه المُلهم للحقِّ والصواب والسداد:

إنّ إيجاد القمر أمر مُغاير لوجود صفة القابليّة لأن يكون عاكساً للنور، فإذا أُوجد القمر لا على صفة القابليّة لأن يكون عاكساً للنور، فإنّه يحتاج إلى إيجاد آخر وهو إجاد الصفة فيه والقابليّة لأن يعكس الضياء.

فمعنى أنّ نور القمر مِن نور الحسين علیه السلام هو أنّ قابليّته لأن يعكس نور الشمس إنّما هو فعل الله تعالى بِنور الحسينعلیه السلام.

تنبيه

تلك الأحاديث الشريفة المتقدّمة في هذا الأمر الرابع وغيرها تحتاج إلى التأمّل الكثير، والدراسة العميقة، والتوفيق الكبير، والتسديد العظيم كي يحظى العبد بفهمها والالتفات إلى

إشاراتها، وإدراك انسجامها كمنظومة واحدة لا تنافي بينها ولا مُنافات لها مَع الواقع.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً للبصيرة في أمر الزهراء علیها السلام، والإقتداء بهديها، ونيل شفاعتها في الدنيا والآخرة.

الخامس: نورها في الجنّة

اشاره

هذه واحدة أخرى مِن تجلّيات الزهراء علیها السلام، وهي في جنّة الفردوس الأعلى، وهذا التجلي مليء بالأسرار والعجائب والغرائب، ففيه قد جُعل تاجها رمزاً لأمير المؤمنين علیه السلام، كما أنّ قرطيها يرمزان إلى ابنيها الحسنين صلی الله علیه و آله .

تُشرق الجنان مِن نور وجهها فتُزهر.

روي عن رسول الله ’ أنه قال: (لمّا خلق الله - تعالى - آدم وحوا تبخترا في الجنة. فقال آدم لحواء: ما خلق الله خلقاً أحسن منّا. فأوحى الله - عزّ وجلّ - إلى جبرئيل: ائتني بعبدتي التي في جنّة الفردوس الأعلى. فلمّا دخلا الفردوس نظرا إلى جارية على دُرْنُوْك((1)) من درانيك الجنة، على رأسها تاج من نور، وفي أذنيها قرطان من نور، وقد أشرقت الجنان من نور وجهها. فقال آدم: حبيبي جبرئيل، مَن هذه الجارية


1) الدرنوك: نوع من البُسُط أو الثياب له خمل كالزغب.

التي قد أشرقت الجنان من نور وجهها((1))؟ فقال: هذه فاطمة بنت محمد نبي من ولدك يكون في آخر الزمان. قال: فما هذا التاج الذي على رأسها؟ قال: بعلها علي بن أبي طالب. قال: فما القرطان اللذان في أذنيها؟ قال: ولداها الحسن والحسين. قال: حبيبي جبرئيل! أَخُلقوا قبلي؟ قال: هم موجودون في غامض علم الله - تعالى - قبل أن تُخلقبأربعة آلاف سنة)((2)).


1) في بعض المصادر (مِن حُسن وجهها) في الموضعين.

2) المحتضر للحسن بن سليمان الحلي ص232. وفي كشف الغمة لابن أبي الفتح الإربلي ج2 ص83 رواه عن ابن خالويه في كتاب الآل مسنداً عن الإمام العسكري علیه السلام عن آبائه علیهم السلام عن رسول الله ’. وكذا نقله - عن كتاب الآل – كلٌّ مِن: الصراط المستقيم لعلي بن يونس العاملي ج1 ص209، وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج25 ص5 و ج43 ص51. وفي حلية الأبرار للسيد هاشم البحراني ج2 ص9 عن كتاب منهج الحق واليقين في تفضيل أمير المؤمنين علیه السلام على الأنبياء والمرسلين ما عدا نبينا لولي بن نعمة الله الحسيني الرضوي الحائري &. ولقد رواه المخالفون مُسنداً، إلاّ أنّهم لم يُضعّفوه فقط بل وصفوه بكونه موضوعاً مكذوباً، لأنّهم لا يحتملون وجود فضيلة للزهراء علیها السلام وبعلها وبنيها، وإلاّ لوصفوا طريقه بالضعف دون أن يجزموا بالوضع والكذب، وممن رواه مِن العامّة: ابن الجوزي في الموضوعات ج1 ص414، والذهبي في ميزان الاعتدال ج2 ص495، وابن حجر في لسان الميزان ج3 ص346، وفي شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي ج7 ص18 نقل الحديث عن بعض العامّة ومنهم: عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي البغدادي في (نزهة المجالس) (ج2 ص223 ط القاهرة)، وفي ج9 ص258 نقل الحديث عن أبي المؤية موفق بن أحمد في (مقتل الحسين) (ص65 ط الغري)، وعبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي البغدادي في " نزهة المجالس " (ج2 ص230 ط القاهرة)، عن الإمام الصادق علیه السلام باختلاف يسير، وعبد العلي الجزائري في " تظلم الزهراء " بتغيير يسير، والقندوزي في " ينابيع المودة " (ص259 ط اسلامبول).

نعم، هم موجودون ليس في سرّ الله تعالى فقط بل في غامض سرّه، كما أنّهم موجودون قبل خلق آدم بأربعة آلاف عام ولكن {...إِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}((1)).

ظهور القرطين

روي أنّ الزهراء علیها السلام عندما هجم القوم عليها ضربوها على


1) سورة الح-ج الآية (47).

خدها حتى بدا قرطاها تحت خمارها، وهي تجهر بالبكاء، وتقول: وا أبتاه، وا رسول الله، ابنتك فاطمة تُكذّب وتُضرب، ويُقتل جنين في بطنها((1)).

وهنا وقع تساؤل عند بعض الناس وهو: إنّ هجوم القوم عليها علیها السلام في الأيام الأولى مِن شهادة النبي محمد ’، فالزهراء ما زالت في حزن المصاب بفقد أبيها فكيف تكون لابسة للقرطين؟ ألا يُعدّ ذلك زينة لا تتناسب مع المحزونة المكروبة بفقد أبيها؟

أقول: الإجابة عن هذا بثلاثة أمور:

الأوّل: مَن يقول أنّ كلّ لبس لقرطين هو زينة؟ إنّما يكون زينة إذا كان فيه شيء مِن الجمال، وكان اللبس ظاهراً لا أنّه تحت الحجاب، على أنّا لو سلمنا أنّهما كانا ظاهرين فإنّه لا يلزم ما ذُكر إلاّ إذا كانت قد لبستهما عند المصاب أو بعده، وأمّا إذا كانا ملبوسين قبل المصاب فتُركالأنّ المصيبة أشغلت صاحبة المصاب عن نزعهما فلا مانع مِنهما.


1) انظر بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج53 ص19.

الثاني: لا يُفهم مِن لبس القرطين أنّ لبسهما كان للزينة، فإذا كان القرطان هديّة مِن الفقيد العزيز الحبيب النبي محمد المصطفى ’ فإنّ لبسهما يُعدّ تشبُّثاً بشيء مِن آثار المحبوب، وهو مرغوب ومحبوب لصاحب المصاب، وللبيان أكثر دعني أوضح ذلك في مثال:

لو أنّ امرأة فقدت ابنها العزيز عليها وفي بيتها صورة لابنها مِن أيّام زواجه، مُزينة تلك الصورة بِما يُناسب الزواج والفرح، فإنّ الأم لا تُقدم ولا ترضى بإزالة شيء مما يُذكّر بوليدها الفقيد.

ولو كان ذلك الوليد قد أهدى لها قرطين، وكانت لابسة لهما فإنّها إذا تشبّثت بلبسهما حتّى في الأيام الأولى مِن موته فإنّه لا يُعدّ ذلك إلا مظهراً مِن مظاهر المحبّة.

وكذا ما نحن فيه بالنسبة لأمّ أبيها علیها السلام.

الثالث: إنّ الرواية السابقة قد ذكرت أنّ القرطين في ذلك العالم يرمزان إلى الحسنين صلی الله علیه و آله ، فيُمكن أن يكون لبسهما مِن أجل توافق ذلك العالم مع عالم النشأة أبقتهما علیها السلام، وهذا

شأنهم علیهم السلام في عوالمهم والتزام الموافقة بينها وأسرارها عندهم.

السادس: نور النشأة

اشاره

حتّى يتكوّن بدن فاطمة الزهراء علیها السلام احتاج الأمر مِن النبي العظيم محمد ’ أنّ يعتزل خديجة علیها السلام أربعين يوماً، وأن يُهدى مِن الباري تعالى تفاحة، وهديّة الخلاّق العليم لابُدّ أن يتقبّلها النبي ’ ويضمّها إلى صدره تعبيراً عن تعظيمه لنعمة الله تعالى وهديته.

ويؤمر بأكلها، ويفلقها كي يرى ذلك النور الساطع الذي أفزع سيّد الأنبياء والمرسلين محمد ’.

روي عن الإمام أبي عبد الله الصادق، عن آبائه علیهم السلام ، قال: (قال رسول الله ’: خُلق نور فاطمة علیها السلام قبل أن يُخلق الأرض والسماء فقال بعض الناس: يا نبيّ الله فليست هي إنسية؟ فقال: فاطمة حوراء إنسية. قالوا: يا نبيّ الله وكيف هي حوراء إنسية؟ قال: خلقها الله عزّ وجلّ من نوره قبل أن يخلق آدم إذ كانت الأرواح فلمّا خلق الله عزّ وجلّ آدم عرضت على

آدم، قيل: يا نبيّ الله وأين كانت فاطمة؟ قال: كانت في حُقّة((1)) تحت ساق العرش. قالوا: يا نبي الله فما كان طعامها؟ قال: التسبيح والتقديس والتهليل والتحميد، فلمّا خلق الله عزّ وجلّ آدم وأخرجني من صلبه وأحبّ الله عزّ وجلّ أن يخرجها من صلبي جعلها تفاحة في الجنة وأتاني بها جبرئيل علیه السلام فقال لي: السلام عليك ورحمة الله و بركاتهيا محمد. قلت: وعليك السلام ورحمة الله حبيبي جبرئيل. فقال: يا محمد، إنّ ربك يقرئك السلام. قلت: منه السلام وإليه يعود السلام. قال: يا محمد، إنّ هذه تفاحة أهداها الله عزّ وجلّ إليك مِن الجنّة، فأخذتها وضممتها إلى صدري. قال: يا محمد يقول الله جلّ جلاله كلها، ففلقتها فرأيت نوراً ساطعاً وفزعت منه. فقال: يا محمد، ما لك لا تأكل؟ كلها ولا تخف، فإنّ ذلك النور للمنصورة في السماء وهي في الأرض فاطمة. قلت: حبيبي جبرئيل ولم سمّيت في السماء المنصورة وفي الأرض فاطمة؟ قال: سمّيت في الأرض فاطمة لأنّها فطمت شيعتها من النار


1) الحُقّة: وعاء مِن الذهب أو غيره.

وفطم أعداؤها عن حبها، وهي في السماء المنصورة وذلك ق-ول الله عزّ وجلّ {...وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمؤْمِنُونَ(4)بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء...}((1)) يعني نصر فاطمة لمحبيها)((2)).

فزع النبي مِن النور

إنّ نور النبي محمّد ’ نور لا يعلوه نور، فلا يصحّ أن يغلب عليه نور أيّ كائن حتّى لو كان ذلك الكائن هو الزهراء علیها السلام، ولكن لمّا كان النبي محمد ’ بظاهر وجوده في النشأة ببدن محدود القوى بالنسبة لروحه الشريفة، والزهراء قد تجلّت بنورها الواقعي مِن خلال التفاحة لذا كان البدن النبوي يفزع مِن تجلّي نور روح فاطمة الزهراءعلیها السلام.

وهذا لا يُقلل مِن عظمة النور الفاطمي، كيف!!! وبدن النبي ’ مخلوق مِن نور العظمة، فما يُبهره ويُفزعه لابُدّ أن يكون نوراً فوق نور جميع الكائنات.


1) سورة الروم مِن الآيتين (4-5).

2) معاني الأخبار للشيخ الصدوق ص396 وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج43 ص4.

ومِن أجل تأكيد هذا المعنى وتوكيده نقول: إنّ القوى الجسمانيّة أضعف مِن القوى الروحيّة، والقوى الجسمانية تضعف باستعمالها، بخلاف القوى النفسيّة فإنّها تقوى باستعمالها، فالبدن النبوي يتعب وبحاجة إلى راحة ويعرض عليه المرض، بخلاف روحه الشريفة فإنّها لا يطرأ عليها شيء مِن ذلك أصلاً.

في الأرض فاطمة وفي السماء المنصورة

إنّ المراد مِن كون الزهراء علیها السلام في الأرض فاطمة، باعتبار أنّ ظواهر هذا الاسم تظهر عند أهل الأرض، فهم مفطومون عن معرفتها، وأنّ مَن عاداها مفطوم عن رحمة الله، والموالي لها مفطوم عن غضب الله تعالى، لأنّ الله تعالى يرضى لرضاها ويغضب لغضبها.

كما أنّ اسم المنصورة يتجلّى ويظهر معناه في الآخرة عندما تنصر أولياءها ومحبيها وتلتقطهم مِن المحشر كما يلتقط الطير الحبّ الجيّد مِن الحبّ الرديء.

ولكنّ المنصورة بصيغة اسم المفعول لا بصيغة اسم الفاعل، وفرق بين المنصورة والناصرة، وما ذكر مِن المعنى يُناسب

الناصرة ولا يُناسب المنصورة، إلاّ أنّا نقول: إنّ الله تعالى نصرها بأن تنصر شيعتها، فهي منصورة بأن تنصرشيعتها.

فهي علیها السلام في النتيجة ناصرة ومنصورة، ناصرة لشيعتها ومنصورة مِن خالقها تبارك وتعالى لنصر شيعتها، ولا يكون أحد في يوم القيامة ناصراً لأحد إلاّ إذا كان منصوراً مِن الله تعالى.

حاجة التكوين الجسدي

إنّ حقيقة النبي محمّد وآله ’ تكمن في نفوسهم لا في أجسادهم، وإنّ كانت أجسادهم خلقاً عظيماً أيضاً، إلاّ أنّ الذي يتصف بالعصمة والعلم والرأفة والرحمة وغيرها مِن الصفات العظيمة إنّما هي النفس لا البدن، والبدن يكون هو الآلة لأفعال النفس، وهذا البدن يتصف بصفات كالصحة والجمال والقوّة وغيرها مِن الصفات الجسدية التي يتمتّع بها بدن المعصومين علیهم السلام .

ونفوسهم غنيّة بغنى الله تعالى ولا يحتاجون إلى شيء مِن الأشياء بل لهم المنّة على جميع الخلق قال تعالى: {هَذَا

عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}((1)).

ولكنّ أبدانهم علیهم السلام بحاجة إلى أكل وشرب، ومِن خلاله ينمو الجسد ويصحّ.

فلا مانع مِن أن يحتاج بدن الزهراء علیها السلام في تكوينه ونموّه إلى الطعام والشراب.

وإن شئت قلت: إنّ كلّ الكائنات إنّما خُلقوا مِن أجلهم فلامانع مِن أن يكون ما خُلق لهم في معرض استفادتهم.

والذي يدلّ على أنّ الكون وما فيه خُلق مِن أجلهم أدلّة كثيرة مُستفيضة، ومِنها حديث الكساء المعروف المشهور الصحيح الذي جاء فيه: (...وعزتي وجلالي إنّي ما خلقت سماء مبنية، ولا أرضاً مدحيّة، ولا قمراً منيراً، ولا شمساً مضيئة، ولا فلكاً يدور، ولا بحراً يجري، ولا فلكاً يسري، إلاّ لأجلكم و محبتكم...).

ومنها: الحديث المروي عن رسول الله ’ الذي قال فيه:( إنّ أبي آدم لما رأى اسمي واسم علي وابنتي فاطمة


1) سورة ص الآية (39).

و الحسن والحسين وأسماء أولادهم مكتوبة على ساق العرش بالنور، قال: إلهي وسيدي هل خلقت خلقاً هو أكرم عليك مني؟ فقال: يا آدم لولا هذه الأسماء لما خلقت سماء مبنية، ولا أرضا مدحيّة، ولا ملَكاً مقرّباً، ولا نبيّاً مرسلاً، ولا خلقتك يا آدم...)((1)).

قال العلاّمة المجلسي (رحمه الله)، في بحار الأنوار ج25 ص93: (ثبت بالأخبار المستفيضة أنهم العلل الغائية لإيجاد الخلق).

ويُمكنك القول: بأنّ الكائنات خلقها الله تعالى مِن أنوارهم فلا مانع مِن استفادتهم مِن آثار أنوارهم علیهم السلام .

وخلق الكائنات مِن أنوارهم دلّت عليه روايات كثيرةمِنها ما تقدّم في التجلي الرابع مِن قول رسول الله ’: (..ثم فتق من نوري نور العرش فأنا أجلّ من العرش، ثم فتق من نور علي نور السماوات فعلي أجلّ من السماوات، ثم فتق من نور


1) رواه الفتال النيسابوري في روضة الواعظين ص84، وشاذان بن جبرئيل القمي في الروضة في فضائل أمير المؤمنين ص111، والفضائل ص128. وعنهم بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج53 ص23.

الحسن نور الشمس، ومن نور الحسين نور القمر، فهما أجلّ من الشمس والقمر...)((1)).

وقوله ’: (...اعلم أنّ الله تعالى خلقني وعلياً من نور عظمته قبل أن يخلق الخلق بألفي عام، إذ لا تسبيح ولا تقديس ولا تهليل. ففتق نوري فخلق منه السماوات والأرض، وأنا والله أجل من السماوات والأرض، وفتق نور علي بن أبي طالب فخلق منه العرش والكرسي، وعلي والله أجل من العرش والكرسي، وفتق نور الحسن فخلق منه اللوح والقلم، والحسن والله أجل من اللوح والقلم، وفتق نور الحسين وخلق منه الجنان والحور العين، والحسين والله أجلّ من الجنان والحور العين...)((2)).


1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج43 ص17 عن إرشاد القلوب للديلمي ص298.

2) بحار الأنوار لعلامة المجلسي ج40 ص44، عن الفضائل لشاذان بن جبرئيل القمي ص128، والروضة ص18، والبحار أيضاً ج36 ص73، عن كنز جامع الفوائد. وشرح إحقاق الحق للسيد المرعشي ج5 ص 249 عن جمال الدين محمد بن أحمد الحنفي الموصلي الشهير بابن حسنويه في (در بحر المناقب).

ولا مُنافاة بين الروايتين، فإنّ الرواية الأولى تحدّثت عنخلق نور العرش، ونور السماوات، ونور الشمس والقمر، أمّا الثانية فتحدّثت عن نفس خلق العرش والسماوات والأرضين والشمس والقمر، وغيرها، فنور العرش خُلق مِن نور النبي ’ وأمّا ذات العرش فمِن نور أمير المؤمنين علیه السلام... وهكذا.

اكتمال التكوين

لقد دلّت الروايات المذكورة في ضمن المباحث السابقة أنّ أبدان أهل البيت علیهم السلام خُلقت مِن طينة قبل خلق أرواح وأبدان جميع البشر، ومنهم آدم علیه السلام.

كما دلّت بعض الروايات السابقة على أنّ خلق أرواح البشر مِن فضل طينة أبدانهم علیها السلام.

فأبدانهم علیهم السلام مخلوقة قبل ولادتهم في دار الدنيا وقبل عروج النبي محمد ’ إلى السماء.

وبدن الزهراء علیها السلام مِن تلك الأبدان النورانيّة التي خُلقت مِن

نور عظمة الله تعالى، وقد مضى بيان ذلك كلّه.

ولقد أودع ذلك النور في صُلب النبي محمد ’ في ليلة المعراج، واكتمل تكوين النُطفة وانعقدت بعد ثلاث سنوات((1)) مِن المعراج، في شهر رمضان، وبعد مضي تسعة أشهر أي في جمادى الآخرة تمّت ولادتها علیها السلام.واكتمال تكوين نُطفتها مرّ بمرحلتين:

الأولى: أودع النور في صلب النبي ’ ليلة المعراج، ولقد تمّ مِن خلال تناول الرطب مِن شجرة في الجنّة وهي شجرة طوبى، فهنا ثلاثة أمور:

1- النبي ’ أكل مِن شجرة في الجنّة لبدء تكوينها علیها السلام: ودلّ عليه ما روي عن فاطمة علیها السلام أنّها قالت: اعلم يا أبا الحسن، أنّ الله تعالى خلق نوري وكان يسبّح الله جلّ جلاله، ثم أودعه شجرة من شجر الجنة فأضاءت،


1) أو بعد سنتين على ما قيل، وذلك للاختلاف في سنة المعراج هل كان في السنة الثانية أم الثالثة مِن البعثة، أمّا ولادتها ففي السنة الخامسة للبعثة.

فلمّا دخل أبي الجنة أوحى الله تعالى إليه إلهاماً أن اقتطف الثمرة من تلك الشجرة وأدرها في لهواتك، ففعل، فأودعني الله سبحانه صلب أبي ’، ثُم أودعني خديجة بنت خويلد فوضعتني، وأنا من ذلك النور، أعلم ما كان وما يكون وما لم يكن. يا أبا الحسن، المؤمن ينظر بنور الله تعالى)((1)).


1) عيون المعجزات لحسين بن عبد الوهاب ص46، وعنه بحار الأنوار العلامة المجلسي ج43 ص8، وغيره، وفي موضوعات ابن الجوزي ج1 ص410 عن ابن عباس أنّها مِن ثمار الجنّة وكذا عن عائشة في ص412. ورواية العامّة في ثمر الجنّة خرّجها شرح إحقاق الحق السيد المرعشي ج10 ص1-6 عن محب الدين الطبري في (ذخائر العقبى) ص36 (ط مكتبة القدسي بمصر)، وأحمد بن يوسف الدمشقي القرماني في (أخبار الدول) (ص87 ط بغداد)، والذهبي في (ميزان الاعتدال) (ج1 ص253 ط مصر)، وشهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني في (لسان الميزان) (ج2 ص297 ط حيدر آباد الدكن)، وابن المغازلي في (مناقبه) على ما في مناقب عبد الله الشافعي المخطوط، وسليمان البلخي في (ينابيع المودة) (ص197) ط اسلامبول)، والحضرمي في (وسيلة المآل) (ص79 ط مكتبة الظاهرية بدمشق).

وقولها علیها السلام: (وأنا مِن ذلك النور، أعلم ما كان وما يكون وما لم يكن) فيه دلالة على أنّ ذلك النور الأوّل المخلوق مِن العظمة مِن خصائصه العلم بما كان وما يكون وما لم يكن.

وهذا ما يُراد مِن قول الرسول ’:(فاطمة بضعة مِنّي) فإنّها علیها السلام بضعة مِن ذلك النور المحمدي، وتحمل خصائص ذلك النور.

1- تلك الشجرة هي شجرة طوبى، ودلّ عليه ما روي عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «كان رسول الله ’ يكثر تقبيل فاطمة علیها السلام فأنكرت ذلك عائشة. فقال رسول الله ’: يا عائشة، إنّي لمّا أسري بي إلى السماء دخلت الجنة فأدناني جبرئيل من شجرة طوبى وناولني من ثمارها، فأكلته فحوّل الله ذلك ماء في ظهري، فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة فما قبلتها قط

إلاّ وجدت رائحة شجرة طوبى منها»((1)).1- ثمرتها الرطب، ويدلّ عليه ما روي عن رسول الله ’ - في حديث - قال: (...فلما وصلت إلى الحجب أخذ بيدي جبرئيل وأدخلني الجنة، فإذا أنا بشجرة من نور، في أصلها ملكان يطويان الحلي والحلل، فقلت: حبيبي جبرئيل، لمن هذه الشجرة؟ فقال: لأخيك علي بن أبي طالب، وهذان الملكان يطويان له الحلي والحلل إلى يوم القيامة. ثُمّ تقدّمتُ أمامي، فإذا أنا برطب ألين من الزبد، وأطيب رائحة من المسك، وأحلى من العسل، فأخذت رطبة فأكلتها فتحولت الرطبة نطفة في صلبي، فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت


1) تفسير القمي لعلي بن إبراهيم القمي ج1 ص22 وص365، وتفسير العياشي لمحمد بن مسعود العياشي ج2 ص212، والمحتضر للحسن بن سليمان الحلي ص238، وعنهم بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج8 ص120 وج18 ص 315 وص363 وج43 ص6. وراجع مناقب الإمام أمير المؤمنين علیه السلام لمحمد بن سليمان الكوفي ج2 ص191.

بفاطمة; ففاطمة حوراء إنسية، فإذا اشتقت إلى الجنة شممت رائحة فاطمة)((1)).

ولم يُذكر في روايات المعراج غير الرطب مِن الفواكه، سوى ما ذكره ابن شهراشوب في المناقب مِن قوله: (ومن أصحابنا: أبو عبيدة الحذاء وغيره عن الصادق علیه السلام: أنّه كان رسول الله يكثر تقبيل فاطمة، فأنكرت عليه بعض نسائه فقال ’: إنّه لما عرج بي إلى السماء أخذ بيدي جبرئيل فأدخلني الجنّة فناولني من رطبها فأكلتها. وفي رواية : فناولني منها تفاحة فأكلتها. فتحوّل ذلك نطفة في صلبي،فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، ففاطمة حوراء إنسيّة، فكلّما اشتقت إلى رائحة الجنّة شممت رائحة ابنتي)((2)).


1) المحتضر للحسن بن سليمان الحلي ص239. وعلل الشرائع للشيخ الصدوق ج1 ص183.

2) مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج3 ص114.

فهو قد أوردها على نحو (وفي رواية) ولم يذكرها، فلعلّه اشتباه، أو إشارة إلى رواية عاميّة، وعلى كلّ حال لا تُقاوم الروايات الأخرى المتعددة والمُسندة والموجودة في الكتب المعتبرة.

ولمّا كان بين المعراج وولادة فاطمة علیها السلام ثلاث سنوات لذا لا يُراد مِن هذه الروايات انعقاد النُطفة بمجرّد نزوله ’ مِن السماء ومواقعة خديجة علیها السلام.

الثانية: إنّ ما أودع في صلب النبي ’ احتاج إلى تكميل في التكوين حتّى يُصبح نُطفة قابلة للانتقال إلى خديجة علیها السلام، وكان هذا بتفاحة مِن الجنّة ودلّ على هذا ما تقدّم في صدر هذا البحث مِن الرواية التي جاء فيها: ( يا محمد إنّ هذه تفاحة أهداها الله عزّ وجلّ إليك مِن الجنّة، فأخذتها وضممتها إلى صدري. قال: يا محمد يقول الله جلّ جلاله كلها، ففلقتها فرأيت نوراً ساطعاً وفزعت منه).

ويدلّ عليه أيضاً ما روي عن الإمام أبي جعفر علیه السلام أنّه قال: (قيل لرسول الله |: إنّك لتلثم فاطمة وتكثر

منها((1))، وتدنيها منك وتفعل بها ما لا تفعله مع إحدىبناتك الأخر((2))؟! فقال |: إنّ جبرئيل أتاني بتفاحة من تفاح الجنّة فأكلتها فتحوّلت ماءاً في صلبي، ثُمّ واقعت خديجة فحملت بفاطمة; فأنا أشمّ منها رائحة الجنّة)((3)).

وفي بعض الروايات إضافة عرق جبرئيل وزغبه((4)) إلى التفاحة، ولا تتنافي مع الروايات السابقة لأنّه مع انضمام العرق والزغب في التكوين لا يلزم أن يُذكر في كلّ رواية، فروي عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: (قال رسول الله ’: معاشر الناس، تدرون لما خلقت فاطمة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: خلقت فاطمة حوراء إنسية لا إنسية. وقال: خلقت من عرق جبرئيل


1) في العلل: «وتلتزمها» بدل «وتكثر منها».

2) في العلل: (بأحد من بناتك).

3) المحتضر للحسن بن سليمان الحلي ص238، وعلل الشرائع للشيخ الصدوق ج1 ص183.

4) الزغب: الشعيرات الصغرى على ريش الفرخ.

ومن زغبه. قالوا: يا رسول الله، استشكل ذلك علينا، تقول: حوراء إنسية لا إنسية ثم تقول: من عرق جبرئيل ومن زغبه؟ قال: إذن أنبئكم: أهدى إلي ربي تفاحة من الجنة أتاني بها جبرئيل علیه السلام، فضمها إلى صدره، فعرق جبرئيل علیه السلام وعرقت التفاحة، فصار عرقهما شيئاً واحداً ثم قال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. قلت: وعليك السلام يا جبرئيل. فقال: إن الله أهدى إليك تفاحة من الجنة، فأخذتهاوقبلتها ووضعتها على عيني وضممتها إلى صدري، ثم قال: يا محمد، كلها. قلت: يا حبيبي يا جبرئيل، هدية ربي تؤكل؟ قال: نعم قد أُمرت بأكلها، فأفلقتها فرأيت منها نوراً ساطعاً ففزعت من ذلك النور. قال: كُل فإنّ ذلك نور المنصورة فاطمة. قلت: يا جبرئيل، ومَن المنصورة؟ قال: جارية تخرج من صلبك، واسمها في السماء المنصورة وفي الأرض فاطمة...)((1)).


1) تفسير فرات الكوفي لفرات بن إبراهيم الكوفي ص321، وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج43 ص18.

وكل روايات التفاحة لم تكن في المعراج بل هي بعده، كما أنّها واردة عندما أمر باعتزال خديجة علیها السلام، فبالتفاحة اكتملت النُطفة ونمت.

وأمّا ما روي عن رسول الله ’ أنّه قال: (لمّا مات ولدي من خديجة، أوحى الله تعالى إليّ أن لا تقربها. وكنت ولهاً((1))

عاشقاً، ولمّا كان شهر رمضان ليلة أربع وعشرين ليلة جمعة أتاني جبرئيل ومعه طبق من رطب الجنة، فقال لي: يا محمد، كُل هذا وواقع خديجة الليلة. ففعلت، فحملت بفاطمة، فما شممت فاطمة إلاّ وجدت ريح ذلك الرطب منها [وهو في عترتها إلى يوم القيامة]((2)))((3)).فهذه رواية عاميّة مروية عن عمر، ومع ذلك يُمكن


1) في موضوعات ابن الجوزي بدون الواو.

2) هذه الزيادة موجودة في موضوعات ابن الجوزي.

3) نوادر المعجزات لمحمد بن جرير الطبري (الشيعي) ص83، وذكره في موضوعات ابن الجوزي ج1 ص409-410 بطريقين عن عمر أيضاً.

أن توجّه بما لا يتنافى ورواية التفاحة.

وهناك رواية مرسلة جاء فيها: (...فلمّا كان في كمال الأربعين هبط جبرئيل علیه السلام فقال: يا محمد، العليّ الأعلى يقرئك السّلام وهو يأمرك أن تتأهب لتحيته وتحفته. قال النبي ’: يا جبرئيل، وما تحفة رب العالمين؟ وما تحيته؟ قال: لا علم لي. قال: فبينا النبي ’ كذلك إذ هبط ميكائيل ومعه طبق مغطى بمنديل سندس، أو قال: استبرق، فوضعه بين يدي النبي ’، وأقبل جبرئيل علیه السلام وقال: يا محمد، يأمرك ربك أن تجعل الليلة إفطارك على هذا الطعام. فقال علي بن أبي طالب علیه السلام: كان النبي ’ إذا أراد أن يفطر أمرني أن أفتح الباب لمن يرد إلى الإفطار، فلما كان في تلك الليلة أقعدني النبي ’ على باب المنزل وقال: يابن أبي طالب، إنه طعام محرّم إلا علي. قال علي علیه السلام: فجلست على الباب وخلا النبي ’ بالطعام وكشف الطبق، فإذا عذق من رطب وعنقود من عنب، فأكل النبي ’ منه شبعاً، وشرب من الماء ريّاً، ومدّ يده للغسل فأفاض الماء عليه

جبرئيل وغسل يده ميكائيل ومندله إسرافيل،وارتفع فاضل الطعام مع الإناء إلى السماء، ثم قام النبي ’ ليصلي، فأقبل عليه جبرئيل وقال: الصلاة محرّمة عليك في وقتك حتى تأتي إلى منزل خديجة فتواقعها، فإنّ الله عزّ وجلّ آلى على نفسه أن يخلق من صلبك في هذه الليلة ذرية طيبة...).

فهذه الرواية مع كونها مرسلة وكان مِن حاضري الواقعة عمر، لم يُذكر فيها استناد تكوين النُطفة إلى الرطب والعنب، فلا مانع مِن اكتمال النُطفة قبل أكل الرطب والعنب، وإنّما كان إفطاره في تلك الليلة عليهما.

وهناك روايات عاميّة لسنا بحاجة إلى ذكرها، نعم قد تُذكر في كتب المناقب مِن جهة إلزام الخصم بما ورد عنده مِن فضائل الزهراء علیها السلام.

شوق النبي إلى رائحة الجنّة

لقد قرأت في الروايات السابقة، وتكرر فيها قول النبي ’: (كلّما اشتقت إلى رائحة الجنّة شممت رائحة ابنتي) على اختلاف التعابير، وينشأ سؤال هنا وهو كيف لنا أن نتصوّر

أنّ رائحة الزهراء علیها السلام تُذكِّر برائحة الجنّة في حين أننا قد نقول أنّ كلّ ما في الجنّة مِن روائح وغيرها لا تُقاس برائحة الزهراء علیها السلام فكيف أصبحت تُذكِّر برائحتها؟ ألا يجدر أن تكون نفس رائحة الزهراء علیها السلام هي المقصودة بالذات دون أن تكون طريقاً لرائحة الجنّة؟

ونجيب عن هذا بِثلاثة أجوبة:

إنّ رائحة الجنّة وإن كانت فرعاً مِن رائحة الزهراء1- علیها السلام ورشحة مِن رشحاتها إلاّ أنّ الناس ترى الفضيلة عظيمة لِمَن يحظى برائحة الجنّة فكيف إذا كان تكوين نطفتها مِن ثمار الجنّة، فأراد النبي ’ أن يُظهر ما يعتبره الناس فضيلة لها، باعتبار ثبوته لها دون غيرها، كما أنّه يُنبئ عن مقام رفيع عند الله تعالى، وهذا مِن قبيل (المُحدَّثة) فإنّه مِن ألقاب الزهراء علیها السلام باعتبار أنّ الملائكة تُحدِّثها، بيد أنّ تحدّث الملائكة معها فضيلة للملائكة علیهم السلام لا لها، لأنّ الأدنى هو الذي يتشرّف بمخاطبة الأعلى لا العكس، ومع ذلك عُدّ تحدّث الملائكة معها فضيلة مِن فضائلها لأنّه يكفي في الفضيلة

أن يراها الناس كذلك باعتبار الإنفراد دون غيرها مِن النساء، كما أنّ الذي يحظى بها لابُدّ أن تكون له منزلة عظيمة عند الله تعالى. نعم إذا كان معنى المحدَّثة هو أنّها علیها السلام محدَّثة مِن الله تعالى فهي فضيلة وشرف ما بعده شرف.

2- إنّ الجنّة مخلوقة مِن تجلٍّ مِن تجلّيات أنوار أهل بيت النبوّة والعصمة والطهارة علیهم السلام ، فالشوق إلى الجنّة هو شوق إلى تجلّي مِن تجلّيات النور المحمدي، فما اشتاق إليه النبي محمد ’ هو أمر مِن خصائص أنوارهم علیهم السلام ، فهنا قد كانت رائحة فاطمة علیها السلام في دار الدنيا كاشفة ومُعبّرة عن ذلك النور الذي فُتق فخُلقت مِنه الجنان.

الشوق إنّما كان للتجلّي الفاطمي في الجنّة مِن خلال الثمرة التي تناولها سيدنا النبي محمد ’، فإذا شمّها1- جعلته يعيش في أجواء ذلك التجلي الفاطمي، وهو تجلٍّ خاص لا تكون عليه فاطمة علیها السلام في دار النشأة.

السابع: نور ولادتها

الزهراء علیها السلام هبة الله تعالى إلى حبيبه المصطفى محمد ’، ولم يحتف النبي بهذه المناسبة لوحده، بل شاركته الزهراء نفسها بإشراقة نور أنارت الجبال والربوات والفلوات، بل أزهرت السماء والأرض، واستبشرت الملائكة ناشرة أجنحتها في المشرق والمغرب فرحة مستبشرة بذلك النور العظيم.

روي عن المفضل بن عمر أنّه قال: قلت لأبي عبد الله الصادق علیه السلام: كيف كان ولادة فاطمة علیها السلام؟ فقال: (نعم، إنّ خديجة علیها السلام لمّا تزوّج بها رسول الله ’ هجرتها نسوة مكة، فكنّ لا يدخلن عليها، ولا يسلمن عليها، ولا يتركن امرأة تدخل عليها، فاستوحشت خديجة علیها السلام لذلك، وكان جزعها وغمها حذراً عليه ’. فلمّا حملت بفاطمة كانت علیها السلام تحدثها من بطنها وتصبرها، وكانت تكتم ذلك مِن رسول الله ’، فدخل رسول الله ’ يوماً فسمع خديجة تحدِّث فاطمة علیها السلام، فقال لها: يا خديجة، مَن تحدثين؟ قالت: الجنين

الذي في بطني يحدثني ويؤنسني. قال: يا خديجة، هذا جبرئيل يخبرني((1)) أنّها أنثى، وأنّها النسلة الطاهرة الميمونة، وأنّ الله تبارك وتعالى سيجعل نسلي منها، وسيجعل من نسلها أئمة، ويجعلهم خلفاءه في أرضه بعد انقضاء وحيه. فلم تزل خديجة علیها السلام على ذلك إلى أن حضرتولادتها، فوجّهت إلى نساء قريش وبني هاشم: أن تعالين لتلين مني ما تلي النساء من النساء، فأرسلن إليها: أنت عصيتنا، ولم تقبلي قولنا، وتزوجت محمداً يتيم أبي طالب فقيراً لا مال له، فلسنا نجيء ولا نلي من أمرك شيئاً. فاغتمّت خديجة علیها السلام لذلك، فبينا هي كذلك، إذ دخل عليها أربع نسوة سمر طوال، كأنّهن من نساء بني هاشم، ففزعت منهن لمّا رأتهن، فقالت إحداهن: لا تحزني يا خديجة فإنّا رسل ربّك إليك، ونحن أخواتك، أنا سارة، وهذه آسية بنت مزاحم، وهي رفيقتك في الجنة، وهذه مريم بنت عمران، وهذه كلثوم((2)) أخت موسى بن عمران، بعثنا الله إليك لنلي منك ما تلي النساء من النساء، فجلست واحدة عن


1) في نسخة: يبشرني.

2) في نسخة: كلثم.

يمينها، وأخرى عن يسارها، والثالثة بين يديها، والرابعة مِن خلفها، فوضعت فاطمة علیها السلام طاهرة مطهرة، فلمّا سقطت إلى الأرض أشرق منها النور حتى دخل بيوتات مكة، ولم يبق في شرق الأرض ولا غربها موضع إلاّ أشرق فيه ذلك النور. ودخل عشر من الحور العين كلّ واحدة منهن معها طست من الجنة، وإبريق من الجنة، وفي الإبريق ماء من الكوثر، فتناولتها المرأة التي كانت بين يديها، فغسلتها بماء الكوثر، وأخرجت خرقتين بيضاوين أشدّ بياضاً من اللبن وأطيب ريحاً من المسك والعنبر، فلفتها بواحدة، وقنّعتها بالثانية، ثم استنطقتها فنطقت فاطمة علیها السلام بالشهادتين، وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن أبي رسول الله سيد الأنبياء، وأنّ بعلي سيّد الأوصياء، وولدي سادة الأسباط، ثم سلّمتعليهن، وسمّت كلّ واحدة منهن باسمها، وأقبلن يضحكن إليها، وتباشرت الحور العين، وبشّر أهل السماء بعضهم بعضاً بولادة فاطمة علیها السلام، وحدث في السماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك، وقالت النسوة: خذيها يا خديجة طاهرة مطهرة زكية ميمونة، بورك فيها وفي نسلها، فتناولتها فرحة مستبشرة، وألقمتها ثديها، فدرّ

عليها، فكانت فاطمة علیها السلام تنمو في اليوم كما ينمو الصبي في الشهر، وتنمو في الشهر كما ينمو الصبي في السنة)((1)).

وروي عن ابن عبّاس: (لمّا سقطت فاطمة الزهراء إلى الأرض أزهرت الأرض، وأشرقت الفلوات، وأنارت الجبال والربوات، وهبطت الملائكة إلى الأرض ونشرت أجنحتها في المشرق والمغرب، وضربت عليها سرادقات وحجب البهاء، وكنفتها بأظلة السماء، وغشي أهل مكة ما غشيهم من النور...)((2)).


1) الأمالي للشيخ الصدوق ص690 – 692، وعنه مجمع النورين للشيخ أبو الحسن المرندي ص48 – 50، وروضة الواعظين للفتال النيسابوري ص143، وكذا في دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري (الشيعي) ص76 – 77، والخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي ج2 ص524 – 526، والعدد القوية لعلي بن يوسف الحلي ص222 – 224 عن كتاب الدر النظيم، وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج16 ص80. وفي البحار أيضاً ج43 ص3 عن مصباح الأنوار.

2) الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي ص286 – 287.

الوليدة تتحدّث

تحدّث الطفلة حديثة الولادة ليس أمراً مستغرباً وليس بدعاً مِن القول، فإنّ القرآن الكريم قد سطّر لنا ما يُذهب باستغرابنا واستبعادنا، فها هو عيسى علیه السلام قد تكلّم في المهد بكلمات عظيمة جليلة، فيحدِّثنا القرآن الكريم أنّ قوم مريم علیها السلام قد خاطبوها بقولهم: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}((1)) ولم تردّ عليهم إلاّ بالإشارة إلى عيسى علیه السلام أن يخاطبوه، فاستغربوا مِن قولها و{قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}((2)) فانبرى ذلك الطفل مِن المهد و{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا}((3)).

عجباً!!! طفل عمره لا يتجاوز اليوم الواحد يتحدّث بلسان الماضي أنّه عبد الله آتاه الله الكتاب وجعله نبيّاً مباركاً وأوصاه


1) سورة مريم الآية (28).

2) سورة مريم الآية (29).

3) سورة مريم الآيتان (30-31).

بالصلاة والزكاة مادام حيّاً، وما عيسى إلاّ دون أحباء الله محمد وآله الطيبين الطاهرين، فهل يستبعد مُستبعد أن تتحدّث الزهراء في المهد كما يتحدّث أبوها وبعلها وبنوها!!!.

وما عيسى علیه السلام إلاّ تابع مِن أتباع ابنها المهدي، وماالمهدي إلاّ خَلق خُلق مِن نور الزهراء علیها السلام، فإذا صحّ شيء مِن الفضائل في الأدنى فلا بُدّ أن يصحّ في الأعلى.

ولقد وردت الروايات الكثيرة في تحدّث أبيها وبعلها وبنيها عند ولادتهم وفي المهد((1))، بل كانت هي وأبوها وبعلها وبنوها يتحدثون وهم في بطون أمّهاتهم، ولسنا في صدد هذا البحث حتى لا نستطرد ونخرج عن أصل موضوعنا فليراجع مَن شاء


1) الاحتجاج للشيخ الطبرسي ج1 ص331، وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج48 ص32، وكشف الغمة لابن أبي الفتح الإربلي ج3 ص37، والأمالي للشيخ الطوسي ص707، وص708،ومناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج2 ص22، ومستدرك الوسائل للميرزا النوري ج8 ص389، ودلائل الامامة لمحمد بن جرير الطبري (الشيعي) ص383، وجامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي ج16 ص72. وغيرها من الروايات الكثيرة المبثوثة في الكتب.

معرفة ذلك كتب الشيعة الأبرار فإنّه يحصل لديه القطع بذلك.

الثامن: تُزهر لأهل السماء

اشاره

هنا يُخبرنا أهل بيت العصمة والطهارة بنوع مِن أنواع التجلي الفاطمي، ويتفضلون علينا بكشفٍ عن هذا البصيص لكنّه يُزهر لأهل السماء كما تزهر الكواكب لأهل الأرض.

تجلٍّ يسعد به أهل السماء عندما تقوم الزهراء علیها السلام في محرابها متوجهة إلى الله تعالى بألوان مِن العبادات، وإن كانت في كلّ آناتها عابدة لله، متعلقة به في كلّ نفس مِن أنفاسها الطاهرة، وفي كلِّ حركة مباركة، و كلِّ سكون تخضع فيه القوى والجوارح لباريها تعالى.

ذلك النور المنبثق مِن الزهراء علیها السلام في وقت عبادتها، كلّه محبّة وتقديس لله وتقرّب منه تعالى.

روي أنّ الإمام أبا عبد الله الصادق علیه السلام سئل عن تسمية فاطمة علیها السلام بالزهراء فقال: (لأنّها كانت إذا قامت في محرابها زهر نورها لأهل

السماء كما تزهر نور الكواكب لأهل الأرض)((1)).

ومَن هم أهل السماء السعداء؟ إنّهم الأنبياء والمرسلون والملائكة وما نعلم وما لا نعلم مِن المخلوقات التي جعل الله تعالى مسكنها في السماوات.

وما هذا النور الواصل إليهم إلاّ لوناً مِن ألوان النعيم الذي يعيشه أهل السماء، وبه يفتخرون على أهل الأرض،وهذا مِن الرزق الذي يتفضّل به الله تعالى على الشهداء مِن الأنبياء والمرسلين وغيرهم مِن صالحي المؤمنين قال تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}((2)).

وكأنّما الحديث الشريف يُرغبنا في أن نسكن السماء حتّى نحظى بذلك النعيم، والرزق الوفير.

فهنيئاً لأهل السماء بهذا النور المتجلي.


1) علل الشرائع للشيخ الصدوق ج1 ص181.

2) سورة آل عمران الآية (169).

نور الكواكب

قد يقول قائل: لِمَ عُبّر في الرواية بالكواكب ولم يُعبّر بالشمس التي هي النور الأقوى والأشد لأهل الأرض؟

فإنّا نقول له: إنّ الشمس مِن الكواكب والكواكب يختلف نورها شدّة وضعفاً وهذا ما يعكس استعدادات أهل السماء، فإنّ كلّ واحد منهم إنّما يرى مِن النور بمقدار استعداده وقربه من الله تعالى.

التاسع: تُزهر لأمير المؤمنين علیه السلام

اشاره

إنّ هناك أنواراً يُدركها كلّ كائن بحسبه، فإنّ النور الذي يشعّ مِن رسول الله ’ لا يراه الناس بقدر ما يراه أمير المؤمنين علیه السلام، بل إنّ بعض الناس لا يرى نوراً أصلاً لشدّة الحجب عنده مِن ناحية، وعدم استحقاقه للرؤية مِن ناحية ثانية، فتكون هناك الحجب المانعة مِن الرؤية.

وفي الواقع أنّ التجليات النورانيّة تختلف بحسب عوالم وجودها كما تختلف بحسب استعدادات الناس.

ولتقريب هذا الأمر تأمّل في ما ورد مِن أنّ المعصوم يرى الناس على حقائقها لكنّ الناس العاديين لا يرون الناس على حقائقها إلاّ إذا كان هناك توسط مِن قِبل أهل بيت العصمة والطهارة فيرفعون الحجب عن بعض الناس فيرون الناس على حقائقها فلقد روي عن الإمام علي بن الحسين صلی الله علیه و آله - وهو واقف بعرفات - أنّه قال للزهري: (كم تقدِّر هاهنا من الناس؟ قال: أقدِّر أربعة آلاف ألف وخمسمئة ألف كلّهم حجاج قصدوا الله بآمالهم، ويدعونه بضجيج

أصواتهم. فقال له: يا زهري ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج. فقال الزهري: كلّهم حجاج، أفهم قليل؟! فقال له: يا زهري ادن لي وجهك، فأدناه إليه، فمسح بيده وجهه، ثمّ قال: أنظر. فنظر إلى الناس، قال الزهري: فرأيت أولئك الخلق كلهم قردة، لا أرى فيهم إنساناً إلا في كلّ عشرة آلاف واحداً من الناس، ثمّ قال لي: ادن يا زهري. فدنوت منه، فمسح بيده وجهي، ثمّ قال: انظر.فنظرت إلى الناس، قال الزهري: فرأيت أولئك الخلق ذئبة إلاّ تلك الخصائص من الناس نفراً يسيراً، فقلت: بأبي وأمي يا ابن رسول الله قد أدهشتني آياتك وحيّرتني عجائبك! قال: يا زهري ما الحجيج من هؤلاء إلا النفر اليسير الذين رأيتهم بين هذا الخلق الجمّ الغفير. ثم قال لي: امسح يدك على وجهك، ففعلت فعاد أولئك الخلق في عيني ناساً كما كانوا أوّلاً. ثمّ قال: من حجّ ووالى موالينا، وهجر معادينا، ووطّن نفسه على طاعتنا، ثمّ حضر هذا الموقف مسلِّماً إلى الحجر الأسود ما قلده الله من أماناتنا، ووفيّاً بما لزمه من عهودنا، فذلك هو الحاج، والباقون هم من قد رأيتهم يا زهري.

يا زهري: حدثني أبي، عن جدي رسول الله ’، أنه قال: ليس الحاجّ المنافقين المعادين لمحمد وعلي ومحبيهما (صلوات الله عليهما)، الموالين لشانئهما وإنما الحاجّ المؤمنون المخلصون الموالون لمحمد وعلي (صلوات الله عليهما) ومحبيهما، المعادون لشانئهما، إنّ هؤلاء المؤمنين الموالين لنا المعادين لأعدائنا لَتسطع أنوارُهم في عرصات القيامة على قدر موالاتهم لنا، فمنهم من يسطع نوره مسيرة ألف سنة، ومنهم من يسطع نوره مسيرة ثلاثمئة ألف سنة، وهو جميع مسافة تلك العرصات، ومنهم من يسطع نوره إلى مسافات بين ذلك يزيد بعضها على بعض على قدر مراتبهم في موالاتنا، ومعاداة أعدائنا، يعرفهم أهل العرصات من المسلمين والكافرين بأنهم الموالون المتولون والمتبرئون، يقاللكلِّ واحد منهم: يا ولي الله أنظر في هذه العرصات إلى كلِّ من أسدى إليك في الدنيا معروفاً، أو نفّس عنك كرباً، أو أغاثك إذ كنت ملهوفاً، أو كفّ عنك عدوّاً، أو أحسن إليك في معاملته فأنت شفيعه، فإن كان من المؤمنين المحقين زيد بشفاعته في نعم الله عليه، وإن

كان من المقصرين كفي تقصيره بشفاعته، وإن كان من الكافرين خفِّف من عذابه بقدر إحسانه إليه. وكأنِّي بشيعتنا هؤلاء يطيرون في تلك العرصات كالصقور والبزاة فينقضّون على من أحسن في الدنيا إليهم انقضاض البزاة والصقور على اللحوم تتلقّفها وتحفظها، فكذلك يلتقطون من شدائد العرصات من كان أحسن إليهم في الدنيا فيرفعونهم إلى جنات النعيم...)((1)).

فإذا ورد في الأحاديث أنّ الزهراء علیها السلام تتجلّى لأمير المؤمنين علیه السلام ثلاث مرّات في اليوم ويرى الناس نوراً في تلك الأوقات لا يعني ذلك أنّهم يرون مِن النور بقدر ما يراه أمير المؤمنين علیه السلام، أو يرون نفس النور الذي تجلّت


1) تفسير الإمام العسكري علیه السلام ص256، وعنه مستدرك الوسائل للميرزا النوري ج10 ص39. وتكرر الفعل من الإمام الباقر علیه السلام انظر الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي ج2 ص821. ومناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج3 ص318. وكذا عن الإمام الصادق علیه السلام في بصائر الدرجات محمد بن الحسن الصفار ص291. والخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي ج2 ص821.

فيه لأمير المؤمنين علیه السلام.روي أنّ الإمام أبا عبد الله الصادق علیه السلام سئل عن تسمية فاطمة علیها السلام بالزهراء فقال: (لأنّها تزهر لأمير المؤمنين علیه السلام في النهار ثلاث مرات بالنور، كان يزهر نور وجهها صلاة الغداة والناس في فرشهم، فيدخل بياض ذلك النور إلى حجراتهم بالمدينة، فتبيضّ حيطانهم، فيعجبون من ذلك، فيأتون النبي ’ فيسألونه عمّا رأوا، فيرسلهم إلى منزل فاطمة علیها السلام، فيأتون منزلها فيرونها قاعدة في محرابها تصلي والنور يسطع من محرابها من وجهها، فيعلمون أنّ الذي رأوه كان من نور فاطمة، فإذا نصف النهار وترتبت للصلاة زهر وجهها علیها السلام بالصفرة، فتدخل الصفرة حجرات الناس فتصفر ثيابهم وألوانهم، فيأتون النبي ’ فيسألونه، عمّا رأوا فيرسلهم إلى منزل فاطمة علیها السلام فيرونها قايمة في محرابها وقد زهر نور وجهها علیها السلام بالصفرة، فيعلمون أنّ الذي رأوا كان من نور وجهها، فإذا كان آخر النهار وغربت الشمس احمر وجه فاطمة علیها السلام فأشرق وجهها بالحمرة فرحاً وشكراً لله عزّ وجلّ، فكان يدخل حمرة وجهها حجرات القوم وتحمرّ حيطانهم،

فيعجبون من ذلك ويأتون النبي ’ ويسألونه عن ذلك، فيرسلهم إلى منزل فاطمة فيرونها جالسة تسبّح الله وتمجده، ونور وجهها يزهر بالحمرة، فيعلمون أنّ الذي رأوا كان من نور وجه فاطمة علیها السلام، فلم يزل ذلك النور في وجهها حتى ولد الحسين علیه السلام فهو يتقلب في وجوهنا إلى يوم القيامة في الأئمة منّا أهل البيت إمام بعد إمام)((1)).وروي عن أبي هاشم العسكري: سألت صاحب العسكري علیه السلام: لم سميت فاطمة الزهراء؟ فقال: (كان وجهها يزهر لأمير المؤمنين علیه السلام من أوّل النهار كالشمس الضاحية، وعند الزوال كالقمر المنير، وعند غروب الشمس كالكوكب الدري)((2)).

تفاوت رؤية النور

إنّ الرواية الأولى تحدّثت عن رؤية النور عند الناس في أوقات ثلاثة؛ فيرونه أبيض عند الفجر، وأصفر عند الزوال،


1) علل الشرائع للشيخ الصدوق ج1 ص180.

2) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج3 ص110. وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج43 ص16.

وأحمر عند الغروب، والرواية الثانية تحدّثت عن رؤية أمير المؤمنين علیه السلام للنور في الأوقات الثلاثة، كالشمس الضاحية عند الفجر، وكالقمر المنير عند الزوال، وكالكوكب الدري عند الغروب، إذاً الفارق بين الروايتين هو الرائي، فالرواية الأولى تحدّثت عن رؤية الناس، والثانية تحدّثت عن رؤية أمير المؤمنين علیه السلام، وإن كان الجميع هو تجلي لأمير المؤمنين علیه السلام، ولكن يتفاوت الإدراك للنور ومقدار تجليه.

ومن الواضح ارتباط تغيّر النور بحسب الأحداث الكونية مِن الفجر والزوال والغروب، وارتباط ذلك بأوقات الصلوات التي تفتح فيه أبواب السماء، ورؤية الناس للنور مِن فوائده إعلام الناس بأنّهم يختلفون عن آل محمد ’، فليست عبادتهم كعبادتهم علیهم السلام ، وأنّهم العابدون لله حقّاً، وأنّهممصدر الخير على الكائنات، ولولاهم لساخت الأرض ومَن عليها.

النور الأبيض والأصفر والأحمر

الرواية الأولى تحدّثت عن ثلاثة أنوار في ثلاثة أوقات، وهذه الأنوار الثلاثة تذكرنا بجبال الياقوت الثلاثة المُطلّة على قصر النبي محمد ’ وأمير المؤمنين علیه السلام والزهراء علیها السلام في

الجنّة، فإنّه قد روي أنّ جبل الياقوت الأحمر مُطلّ ومُشرق على دار رسول الله ’، وجبل الياقوت الأصفر مُطلّ على دار الزهراء علیها السلام، وجبل الياقوت الأبيض مُطلّ على دار أمير المؤمنين علیها السلام.

فإذا أشرق نور الزهراء علیها السلام بالبياض عاش أهل البيت علیهم السلام كأنّهم في دار أمير المؤمنين علیه السلام، وإذا أشرق نورها بالصفرة عاش أهل البيت علیهم السلام كأنّهم في دار الزهراء علیها السلام، وإذا أشرق نورها بالحمرة عاش أهل البيت علیهم السلام كأنّهم في دار رسول الله ’ في الجنّة.

فهي قد استفتحت يومها بنور أمير المؤمنين علیه السلام القاطن معها، وتجعل مسك الختام بنور رسول الله ’.

روي عن الدهان أنّه قال: (قلت لأبي جعفر علیه السلام: جعلت فداك أيّ الفصوص اركبه على خاتمي؟ قال: يا بشير أين أنت عن العقيق الأحمر والعقيق الأصفر والعقيق الأبيض، فإنّها ثلاثة جبال في الجنة، فأمّا الأحمر فمطل على دار رسول الله ’، وأمّا الأصفر فمطل على دار فاطمة صلوات الله عليها، وأمّا الأبيض فمطل على دار أمير المؤمنين علیه السلام، والدور كلها

واحدة، يخرج منها ثلاثة أنهار، من تحت كلّ جبل نهر أشد برداً من الثلج، وأحلى من العسل، وأشدّ بياضاً من الدر، لا يشرب منها إلا محمد وآله وشيعتهم، ومصبّها كلّها واحد، ومجراها من الكوثر، وإنّ هذه الثلاثة جبال تسبّح الله وتقدّسه وتمجّده وتستغفر لمحبي آل محمد علیهم السلام ...)((1)).

ومما يدلّ على اختصاص اللون الأحمر بالنبي علیه السلام والأبيض بأمير المؤمنين علیه السلام ما روي عن رسول الله ’ أنّه قال: (إذا كان يوم القيامة ضربت لي قبّة من ياقوتة حمراء على يمين العرش، وضربت لإبراهيم قبّة خضراء على يسار العرش، وضربت فيما بيننا لعلي ابن أبي طالب قبّة من لؤلؤة بيضاء فما ظنكم بحبيب بين خليلين)((2)).

فهنا قبّة النبي ’ في يوم القيامة عن يمين العرش لونها أحمر، وأمّا قبّة أمير المؤمنين علیه السلام فبيضاء.


1) الأمالي للشيخ الطوسي ص38، والعقد النضيد والدر الفريد لمحمد بن الحسن القمي ص73، والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص714.

2) روضة الواعظين للفتال النيسابوري ص128.

كما أنّ النور الأبيض هو نور راية أمير المؤمنين علیه السلام في يوم القيامة، وهي راية العزة والغلبة والكرامة والجلال والهيبة، وتحت هذه الراية المؤمنون السعداء الفائزون.

روي عن رسول الله ’ أنّه قال: (إذا كان يوم القيامة عقد لواء من نور أبيض ونادى مناد: ليقم سيّد المؤمنين ومعه الذين آمنوا، فقد بعث محمد ’، فيقوم علي بن أبي طالبفيعطي الله اللواء من النور الأبيض بيده، تحته جميع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ولا يخالطهم غيرهم، حتى يجلس على منبر من نور رب العزة، ويعرض الجميع عليه رجلاً رجلاً فيعطى أجره ونوره، فإذا أتى على آخرهم قيل لهم: قد عرفتم موضعكم ومنازلكم من الجنة، إنّ ربكم يقول لكم: عندي لكم مغفرة وأجر عظيم، - يعني الجنة - فيقوم علي بن أبي طالب والقوم تحت لوائه معه حتى يدخل الجنة، ثم يرجع إلى منبره ولا يزال يعرض عليه جميع المؤمنين، فيأخذ نصيبه منهم إلى الجنة، ويترك أقواماً على النار...)((1)).


1) الأمالي للشيخ الطوسي ص378، ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج3 ص27، والتحصين للسيد ابن طاووس ص556، وشواهد التنزيل للحاكم الحسكاني ج2 ص253، وكشف اليقين للعلامة الحلي ص418، وتأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج2 ص600، ونهج الحق وكشف الصدق للعلامة الحلي ص208.

وبما أنّ الزهراء علیها السلام هي حلقة الوصل بين النبوة والإمامة كان المناسب أن تختصّ باللون الأصفر الذي هو بين النور الأحمر المختص بالنبوة والنور الأبيض المختص بنور الإمامة.

وإن كنت ممن يُحبّ التأمّل والمزيد مِن استلهام المعرفة، والإغراق في تصيّد دقائق الأمور، فتعال معي نتأمّل في ما روي مِن أنّ العرش خُلق مِن أنوار أربعة ذات ألوان أربعةوهي الأخضر والأحمر والأصفر والأبيض.

روي ذلك عن الإمام أبي جعفر الباقر عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين علیهم السلام أنّه قال: (إنّ الله عزّ وجلّ خلق العرش أرباعاً، لم يخلق قبله إلاّ ثلاثة أشياء: الهواء والقلم والنور، ثم خلقه من أنوار مختلفة؛ فمن ذلك النور نور أخضر اخضرت منه الخضرة، ونور أصفر اصفرت منه الصفرة، ونور

أحمر احمرت منه الحمرة، ونور أبيض وهو نور الأنوار...)((1)).

عندنا نوعان مِن مزج الألوان، فتارة نمزج بين لونين هما صبغان كالألوان الزيتية التي يستعملها الرسامون والصباغون، ودعنا نُعبّر عنه بالمزج.

وتارة نخلط بين ضوءين، ودعنا نعبر عنه بالخلط.

إنّ القاعدة والضوابط والنتيجة عند مزج الأصباغ مختلفة عن الخلط بين الضوءين.

عند مزج اللون الأخضر مع الأحمر نحصل على اللون البني، فالقاعدة في المزج هي:

اللون الأخضر قدس سره الأحمر = اللون البني

أمّا إذا خلطنا الضوء الأخضر مع الضوء الأحمر فإننا سنحصل على الضوء الأصفر، فالقاعدة في الخلط هي:

الضوء الأخضر قدس سره الأحمر = الضوء الأصفروإظهارات شاشة الحاسوب تعتمد على نفس قانون خلط


1) التوحيد للشيخ الصدوق ص325، والاختصاص للشيخ المفيد ص72.

الألوان الضوئية وهو المعبر عنه ب- RGB)) وهي اختصارات للأحمر والأخضر والأزرق.

أمّا نظام (CMYK) فهذا يعتمده المصممون في مُحاكاة مزج الأصباغ فيستعمل في ضبط الألوان مِن أجل الطباعة.

وبما أننا نبحث عن الأنوار فما يهمنا هو خلط الأضواء الملونة، ومنها بالتحديد خلط اللونين الأخضر والأحمر المنتج للون الأصفر.

فإذا سلمنا في خلط الأنوار بهذه القاعدة:

الضوء الأخضر قدس سره الأحمر = الضوء الأصفر

فعندئذ الأنوار الأربعة المخلوق منها العرش - وهي: الأحمر والأصفر والأبيض والأخضر -

ترجع إلى ثلاثة وهي: الأحمر والأصفر والأبيض، أمّا الأخضر فلكونه مِن تركيبات الأصفر يدخل في الأصفر، وهنا حصلنا على نتيجة وهي إرجاع الأنوار الأربعة التي خلق منها العرش إلى الأنوار المختصة بالزهراء وأبيها وبعلها وهي الأصفر والأحمر والأبيض.

وقد تتساءل لِمَ احتوى لون الزهراء علیها السلام - وهو اللون الأصفر - على اللونين الأحمر والأخضر فنقول:

يُمكن أن يُقال: إنّ اللون الأخضر يرمز للإمام الحسن علیه السلام لأنّه يٌقتل بالسم فيخضر لونه مِن شدّة السمّ، والأحمر يرمز للإمام الحسين علیه السلام لأنّه يُخضّب بدمه الشريف، وهي أمّهماوهما يعودان ويرجعان إليها، والذي يدلّ على أنّ الأخضر للحسن علیه السلام والأحمر للحسين علیه السلام زيادة على ذلك:

ما روي أنّ الإمام الحسن الزكي علیه السلام (لمّا دنت وفاته ونفدت أيامه وجرى السمّ في بدنه وأعضائه وتغيّر لون وجهه ومال بدنه إلى الزرقة والخضرة فبكى الحسن علیه السلام، فقال له أخوه الحسين علیه السلام: مالي أرى لون وجهك مائلاً إلى الخضرة؟ فبكى الحسن علیه السلام وقال له: يا أخي لقد صحّ حديث جدي فيّ وفيك، ثُمّ مدّ يده إلى أخيه الحسين واعتنقه طويلاً وبكيا كثيراً. فقال الحسين علیه السلام: يا أخي ما حدثك جدي وماذا سمعت منه؟ فقال: اخبرني جدي رسول الله ’، إنّه قال: لمّا مررت ليلة المعراج بروضات الجنان ومنازل أهل الإيمان فرأيت قصرين عاليين متجاورين على صفة واحدة، لكن أحدهما من الزبرجد الأخضر والآخر من الياقوت الأحمر، فاستحسنتهما وشاقني حسنهما. فقلت: يا أخي جبرائيل، لمن

هذان القصران؟ فقال: أحدهما لولدك الحسن والآخر لولدك الحسين. فقلت: يا أخي جبرئيل فلِم لا يكونان على لون واحد؟ فسكت ولم يردّ عليّ جواباً، فقلت له: يا أخي لِم لا تتكلم؟ فقال: حياء منك يا محمد، فقلت له: بالله عليك إلاّ ما أخبرتني، فقال: أمّا خضرة قصر الحسن فإنّه يسم ويخضر لونه عند موته، وأمّا حمرة قصر الحسين فإنّه يقتل ويذبح ويخضب وجهه وشيبه وبدنه من دمائه، فعند ذلك بكيا وضجّ الناس بالبكاء((1)) والنحيب على فقد حبيبَيالحبيب)((2)).


1) الظاهر إنّ المراد من الناس هنا هم الذين كانوا حاضرين عند مخاطبة النبي ’ لابنه الإمام الحسن علیه السلام، أو الحاضرين في مجلس نقل الحديث مِن الإمام الحسن لأخيه الحسين صلی الله علیه و آله ، إلاّ أنّ الوجه الأوّل هو الصحيح لعدم وجود الناس في وقت مخاطبة الحسن لأخيه الحسين صلی الله علیه و آله ، كما يُحتمل بعيداً أنّ المراد من الناس هم الأنبياء والمرسلون الحاضرون في وقت حديث جبريل علیه السلام للنبي محمد ’.

2) منتخب الطريحي للشيخ فخر الدين النجفي ص180، ومدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج3 ص331 ج4 ص29، بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج44 ص145، العوالم - الإمام الحسين علیه السلام - للشيخ عبد الله البحراني ص121.

وروي (أنّ الحسن والحسين صلی الله علیه و آله دخلا يوم عيد على حجرة جدهما رسول الله علیه السلام فقالا له: يا جداه اليوم يوم العيد، وقد تزين أولاد العرب بألوان اللباس، ولبسوا جديد الثياب، وليس لنا ثوب جديد((1))، وقد توجهنا لجنابك لنأخذ


1) إنّ إحياء الأعياد الإسلاميّة بلبس الجديد مما أمرت به الشريعة المقدسة، فهو من المستحبّات التي يعمل بها المعصوم وغيره إظهاراً لامتثال ألأمر الإلهي، وذكر لبس الآخرين للجديد من الثياب إنّما هو مِن باب أنّ أهل البيت أولى بإحياء هذا اليوم الذي جعله الله للمسلمين عيداً ولمحمد وآله ذخراً وشرقاً وكرامة ومزيداً، لا لمُجرّد مُحاكاة فعل الناس، وليس في الرواية ما يدلّ على العب أو اللهو، ولكن لو فرضنا أنّ هناك شيئاً مِن اللعب مع الأطفال فإنّ هذا لا يضير المعصوم ولا العصمة، فإنّ الرجل الكبير إذا كان له صبي فمن الأولى أن يتصابى له، ويُلاعبه ويلعب معه، بقدر لا يخلّ به، وإذا كان المعصوم صغير السن وقد أُمر أن يُخاطب ويتعامل مع الناس على قدر عقولها واستعدادها فلا مانع مِن أن يفعل ذلك لا لحاجة منه إلى ذلك بل لحاجة الناس له في ذلك، فإنّ أحد أسباب القرب والمحبّة مِن الطفل أن تلعب معه أو تلاعبه، فيكون لعب المعصوم علیه السلام مع الآخرين لطف منه بهم، ولا يعني ذلك الانجراف في أي لعب بل هناك حدود معلومة عند العقلاء، كما أنّ عجيب صفاتهم وأفعالهم هي محلّ فتنة للناس ولذا بعضهم ألّههم فيحتاجون إلى أن يظهروا بالمظاهر البشرية صوناً للناس مِن الفتنة بهم واعتقاد الباطل فيهم، فتأمّل أيها المسلم المؤمن.

عيديتنا منك، ولا نريد سوى ثياب نلبسها. فتألّم النبي ’ وبكى، ولم يكن عنده في البيت ثياب تليق بهما، ولا رأى أن يمنعهما فيكسر خاطرهما، فتوجه إلى الأحدية، وعرض الحال إلى الحضرة الصمدية، وقال: إلهي أجبر قلبهما وقلب أمهما. فنزل جبرائيل من السماء في تلك الحال ومعه حلتان بيضاوان من حلل الجنة، فسرّ النبي ’ بذلك وقال لهما: يا سيدي شباب أهل الجنة هاكما أثوابكما خاطهما لكما خياط القدرة على قدر طولكما، أتتكما مخيطة مِن عالم الغيب. فلمّا رأيا الخُلع بيضاً قالا: يا رسول الله كيف هذا وجميع صبيان العرب لابسون ألوان الثياب، فاطرق النبي ’ ساعة متفكرا في أمرهما، فقال جبرائيل: يا محمد طب نفساً وقرّ عيناً إنّ صانع صبغة الله عز وجل يُفضي لهما هذا الأمر، ويُفرح قلوبهما بأي

لون شاءا، فأمُر يا محمد بإحضار الطشت والإبريق، فأحضرا. فقال جبرائيل: يا رسول الله أنا أصبّ الماء على هذه الخُلع وأنت تفركهما بيدك فتصبغ بأي لون شاءا، فوضع النبي ’ حلة الحسن في الطشت فاخذ جبرائيل يصبالماء، ثم اقبل النبي على الحسن وقال: يا قرّة عيني بأي لون تريد حلتك؟ فقال: أريدها خضراء. ففركها النبي في يده في ذلك الماء فأخذت بقدرة الله لونا اخضر فائقا كالزبرجد الأخضر، فأخرجها النبي ’ وأعطاها الحسن علیه السلام فلبسها. ثم وضع حلة الحسين علیه السلام في الطشت وأخذ جبرئيل علیه السلام يصبّ الماء، فالتفت النبي ’ إلى نحو الحسين - وكان له من العمر خمس سنين - وقال له: يا قرّة عيني أي لون تريد حلتك؟ فقال الحسين علیه السلام: يا جداه أريدها حمراء، ففركها النبي ’ بيده في ذلك الماء فصارت حمراء كالياقوت الأحمر، فلبسها الحسين علیه السلام فسر النبي ’ بذلك، وتوجّه الحسن والحسين إلى أمهما فرحين مسرورين، فبكى جبرائيل لمّا شاهد تلك الحال. فقال النبي ’: يا أخي جبرائيل في مثل هذا اليوم الذي فرح فيه ولداي تبكي وتحزن! فبالله عليك

إلا ما أخبرتني؛ لِم حزنت؟. فقال جبرائيل: اعلم يا رسول الله إنّ اختيار ابنيك على اختلاف اللون فلابدّ للحسن أن يسقوه السم ويخضر لون جسده من عظم السم، ولابدّ للحسين أن يقتلوه ويذبحوه ويخضب بدنه من دمه، فبكى النبي ’ وزاد حزنه لذلك)((1)).

ولمّا كان الأخضر عبارة ورمز عن الموت بالسم فهذايشمل النبي محمد ’ وأولاده المعصومين علیهم السلام ما عدا الحسين علیه السلام وأمير المؤمنين علیه السلام، ولقد ورد عنهم علیهم السلام أنّه (ما منّا إلا مقتول أو مسموم)((2)). ومن هنا يُمكن أن يقال أنّها علیها السلام مجمع النبوة والإمامة.

ومِن هنا أيضاً يتّضح فهمنا للرواية التي دلّت على أنّ الحسين علیه السلام جالس على سرير وقد ضربت عليه قبّة مِن


1) منتخب الطريحي للشيخ فخر الدين النجفي ص125، وعنه مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج3 ص325 وص519، وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج44 ص245، وقد يظهر من الرواية أنّها منقولة بالمعنى لا بألفاظ المعصوم علیه السلام.

2) كفاية الأثر للخزاز القمي ص162.

ياقوتة حمراء وحوله تسعون ألف قبة خضراء، حيت إنّ قبّته حمراء لأنّه يُقتل ويتلطخ بدمائه، أمّا أولاده المعصومون التسعة علیهم السلام فيموتون بالسمّ ولذا تكون قبابهم خضراء وكلّ واحد منهم له ألف قبّة.

روي عن الإمام أبي عبد الله الصادق علیه السلام أنّه قال - في حديث -: (...كأني بسرير من نور قد وضع، وقد ضربت عليه قبّة من ياقوتة حمراء مكللة بالجواهر، وكأني بالحسين علیه السلام جالس على ذلك السرير، وحوله تسعون ألف قبّة خضراء، وكأنّي بالمؤمنين يزورونه ويسلمون عليه، فيقول الله عزّ وجلّ لهم: أوليائي سلوني، فطالما أوذيتم وذللتم واضطهدتم، فهذا يوم لا تسألوني حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلاّ قضيتها لكم، فيكون أكلهم وشربهم في الجنة، فهذه والله الكرامة التي لا انقضاء لها ولا يدرك منتهاها)((1)).شهادة الإمام القائم (عجل الله فرجه الشريف)


1) كامل الزيارات لجعفر بن محمد بن قولويه ص258. ومختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص193.

لقد ورد في عدّة روايات أنّ أهل البيت علیهم السلام ما منهم إلاّ مقتول أو مسموم، ومقتضى مقابلة القتل بالسم أنّ المراد بالقتل هو القتل بغير السم، وهذا مما لا نقاش فيه، ولكنّ الكلام يقع في أنّ الإمام القائم هل يُقتل بالسم أم بغيره.

ولم نجد خبراً عن كيفية استشهاده سوى ما نقله الشيخ علي اليزدي الحائري في إلزام الناصب بقوله:

"فاكهة: ملخص الاعتقاد في الغيبة والظهور ورجعة الأئمة لبعض العلماء: ومما ينبغي؛ اعتقاد رجعة محمد وأهل بيته: إذا كانت السنة التي يظهر فيها قائم آل محمد ’ وقع قحط شديد... إلى أن يقول:... فإذا تمت السبعون السنة أتى الحجة الموت، فتقتله امرأة من بني تميم اسمها سعيدة، ولها لحية كلحية الرجل، بجاون صخر((1)) من فوق سطح، وهو متجاوز في الطريق فإذا مات تولى تجهيزه الحسين علیه السلام... إلى آخر ما


1) الظاهر أنّ الجاون هو جذع الشجرة إذا حُفر وفرّغ وكذا إذا حُفرت الصخرة وفرّغت.

ذكره"((1)).

ولقد أراد من بعض العلماء؛ السيد محمود بن فتح الله الكاظمي في كتابه: تفريج الكربة في إثبات الرجعة، ولكنّهذا الكتاب مشتمل على بعض الغرائب التي لا يُعرف لها مستند في كتبنا المعتبرة ولا غيرها بل انفرد بذكرها، كما يتبين ذلك مِن الذريعة حيث قال: "وذكر في هذا المختصر الذي أورده في الخاتمة كثيراً من الغرائب المستبعدة التي أشار الشيخ الحرّ إليها في أوّل كتابه إيقاظ الهجعة بقوله (قد جمع بعض السادات المعاصرين رسالة في إثبات الرجعة - إلى قوله - وفيها أشياء غريبة مستبعدة لم يعلم من أين نقلها ) ومراده من السيد المعاصر هو السيد محمود صاحب تفريج الكربة..."((2)).

فلا يصحّ رفع اليد عن رواية القباب الخضر التي يُفهم منها القتل بالسم، والله العالم بحقائق الأمور.


1) إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب للشيخ علي اليزدي الحائري ج2 ص144.

2) الذريعة لآقا بزرگ الطهراني ج2 ص193.

رؤية الناس للنور

قد يتسائل بعض الناس ويقول: هل يعقل أنّ الناس وقد رأت نور ولادتها وترى النور يشعّ مِن الزهراء علیها السلام في ثلاثة أوقات ومع ذلك جرى عليها مِن الهضم لحقها ما زلزل عرش الرحمن؟

وللإجابة عن هذا التساؤل نقول:

أليس الأنبياء قد أقاموا الحجج والمعجزات على مرأى ومسمع مِن الناس ومع ذلك ما آمن منهم إلاّ قليل، بل آذوا الأنبياء وذبحوهم، وحتّى وصل الأمر ببعض الأنبياء أن يدعوا على قومهم فينزل العذاب العام الشامل عليهم، والقرآن الكريم مليء بالشواهد على ذلك، يعرفها كلّ مِنقرأ القرآن الكريم.

وكذلك النبي محمّد ’ وأهل بيته قد أقاموا عظيم الحجج على الناس، كما ظهرت على أيديهم المعجزات ومع ذلك أنكر الناس فضلهم، بل آذوهم وشردوهم وسجنوهم وقتلوهم.

وما رأوه مِن مُعجزة نور الزهراء إلاّ مُفردة مِن مُفردات كثيرة قامت على الخلق بِكلّ السبل والطرق، فبالمنطق تارة،

وبالعاطفة تارة أخرى، وبالمعجزة بشتّى ألوانها وأشكالها تارة ثالثة.

فلم يخرج أمر الزهراء علیها السلام عن تلك السُنّة في الرسل والأنبياء والأوصياء صلوات الله عليهم أجمعين.

العاشر: صاحبة القبة

الرواية الآتية واحدة مِن الروايات التي تطرّقت إلى تعليل التسمية بالزهراء، فذكرت هذه الرواية لأنّ الله تعالى جعل للزهراء علیها السلام قبّة مِن ياقوتة حمراء عظيمة القدر والمقدار يراها أهل الجنّة كأنّها الكوكب العظيم اللامع الساطع فيعرفون أنّها لفاطمة الزهراء علیها السلام.

روي عن الحسن بن يزيد أنّه قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام: لم سميت فاطمة الزهراء؟ قال: (لأنّ لها في الجنة قبّة من ياقوتة حمراء، ارتفاعها في الهواء مسيرة سنة، معلقة بقدرة الجبار لا علاقة لها من فوقها فتمسكها ولا دعامة لها من تحتها فتلزمها، لها مئة ألف باب، وعلى كلِّ باب ألف من الملائكة، يراها أهل الجنّة كما يرى أحدكم الكوكب الدري الزاهر في أفق السماء، فيقولون: هذه الزهراء لفاطمة علیها السلام)((1)).


1) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج3 ص110. وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج43 ص16.

والرواية تطرّقت إلى وجود قبّة لها علیها السلام مِن ياقوتة حمراء، ولا يعني ذلك أنّه ليس لها مِن القباب إلاّ هذه.

وأطلق في الرواية على تلك القبّة بكونها زهراء لكونها مزهرة مضيئة مُنيرة متلألئة.

وقد يُحاول بعض الناس أن يُنكر أو يستبعد هذا الكمّالهائل مِن الأبواب المئة ألف وعدد مليون مَلك على أبوابها علیها السلام، وكأنّ هؤلاء الأشخاص يستبعدون أن يكون الله تعالى قادراً على ذلك، أو أنّ ساحة كرمه لا تستوعب ذلك، {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا}((1))

ولا تخرج تلك القبّة عن كونها ملكاً عظيماً، فلِماذا يصحّ لآل إبراهيم علیهم السلام الكتاب والحكمة والملك العظيم ولا يصحّ لآل محمد ’!!!.


1) سورة النساء الآية (54).

الحادي عشر: نور ضحكتها

تُشرق الجنان بمجرّد أن تُسرّ الزهراء علیها السلام فتُبدي ابتسامة لأمير المؤمنين وسيّد الموحدين أبي الحسن والحسين، صلوات الله عليهم أجمعين.

وهذه الرواية لم ينفرد بها الشيعة بل رواها ودوّنها المخالفون في كتبهم الكثيرة.

روي عن رسول الله ’ أنّه قال: (بينا أهل الجنّة في الجنّة - بعدما سكنوا - رأوا نوراً أضاء الجنان فيقول أهل الجنّة: يا رب إنّك قد قلت في كتابك المنزل على نبيك المرسل {...لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا...}((1)) فينادي مناد: ليس هذا نور الشمس ولا نور القمر، وإنّ عليّاً وفاطمة تعجبا من شيء فضحكا فأشرقت الجنان من نورهما)((2)).


1) سورة الإنسان مِن الآية (13).

2) مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج3 ص109، ومجمع النورين للشيخ أبي الحسن المرندي ص30، والأمالي للشيخ الصدوق ص333، وروضة الواعظين للفتال النيسابوري ص163، ومناقب الإمام أمير المؤمنين علیه السلام لمحمد بن سليمان الكوفي ج1 ص183، والعمدة لابن البطريق ص349، وخصائص الوحي المبين للحافظ ابن البطريق ص180، وتفسير الثعلبي للثعلبي ج10 ص102، وتفسير القرطبي للقرطبي ج19 ص138، ونهج الإيمان لابن جبر ص175، وتأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج2 ص752، وبناء المقالة الفاطمية للسيد ابن طاووس ص239.

ولم يترك هذه الرواية سفيان بن مصعب العبدي الكوفي الشاعر((1)) بل تلقفها وأنشد شعراً فيها تخليداً لهذا الحديث وتسهيلاً لحفظه وسرعة انتقاله وانتشاره، فقال:

أو ليس الإله قال لنا: لا

وإذا بالنداء: يا ساكن الجنّة

ذا علي الولي قد داعب الزهراء

فبدا إذ تبسّمت ذلك النور

.

شمس فيها ترى((2)) ولا زمهريرا

مهلاً أمنتم التغييرا

مولاتكم فأبدت سرورا((3))

فزيدوا إكرامه((4)) وحبورا((5))

.


1) وهو مِن أصحاب الإمام الصادق علیه السلام، وروي أنّه علیه السلام قال له: (قل شعراً تنوح به النساء)، وفي أخرى قال علیه السلام: «يا معشر الشيعة علموا أولادكم شعر العبدي فإنّه على دين الله». راجع شرح أصول الكافي للمولي محمد صالح المازندراني ج12 ص287.

2) في المناقب: (يرى).

3) في المناقب: ذا علي الوصي داعب مولا * تكم فاطماً فأبدت سرورا

4) في المناقب (فزادت كرامة).

5) الغدير للشيخ الأميني ج4 ص167، ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج3 ص109.

وهذه الأبيات تُعدّ رواية بالمعنى، فإنّ الشاعر هنا قد أخذ الحديث الذي قد سمعه مِن الإمام الصادق علیه السلام وضمّنه شعره، ولذلك اهتمّ شيخ الولاء الأميني & في غديره بشعر الشعراء عبر العصور ليُثبت روايتهم لحديث الغدير.

إلى هنا انتهى بنا الحديث عن أحد عشر تجلياً مِنتجلياتت الزهراء علیها السلام بعدد أولادها الطاهرين صلوات ربي عليها وعليهم أجمعين.

الخاتمة

أحببت في النهاية أن أنوّه وأشير إلى أنّ معرفة بعض مقامات الزهراء علیها السلام ليس مِن الترف الفكري، بل على معرفتها دارت القرون الأولى، وبمعرفتها ومعرفة أبيها وبعلها وبنيها يبلغ العبد المراتب العالية مِن مراتب القرب الإلهي.

وعند إدراك أيّ مقام مِن مقاماتها تتنزّل الملائكة، وهو إدراك لليلة القدر، والحظوة بعظيم الرحمة، ولمثل هذا فليتنافس المتنافسون.

كما أنّ معرفتها - ولو بقدرٍ - تحقيق للغاية مِن وجودنا، فإن وجودنا مِن أجل العبادة، والعبادة هي الموصلة لمعرفة الله تعالى وأوليائه مِن خلال القرب.

وما أوردته في هذا الكتاب ما هو إلاّ مُحاولة لإلقاء الأضواء على شيء مِن مقاماتها، تعرّضاً لرضا التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، وتحريضاً لإخواني المؤمنين المحبين للزهراء علیها السلام والمولعين بفضائلها، والباب قد فُتح لنا على

مصراعيه في أن نقول فيها ما شئنا مِن تعظيم وإجلال لها، فإننا لا ولن نبلغ كنه وحقيقة فضيلة مِن فضائلها، وهبة مِن هبات الله تعالى لأعظم إمائه فاطمة الزهراء علیها السلام.

كما أنّ الحديث عن فضل الزهراء علیها السلام إحياء لأمرهم علیهم السلام ، ومَن أحيا أمرهم كان مرحوماً على لسان السادة الأطهارمحمد وآله الطيبين الطاهرين، صلوات الله عليهم أجمعين.

وإعلان فضلها وإظهاره للملأ صرخة لأهل البيت علیهم السلام ، ومَن فعل ذلك كان بدنه ونفسه وديعة جعفر بن محمد صلی الله علیه و آله عند الباري الذي لا تضيع عنده الودائع.

أسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لأن نكون مِن شيعة الزهراء علیها السلام، ونحظى برضاها، ونتشرّف بشفاعتها في الدنيا والآخرة، إنّه سميع قدير وبالإجابة جدير.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

المحتويات

المقدمة 4

الزهراء في اللغة 7

نور الزهراء علیها السلام. 10

اختلاف النور المتجلي 10

تعدد الدواعي 11

معنى التجلي 14

مقدار النور المتجلي 16

استعمالات النور 17

الأوّل: نور العظمة الأوّل. 19

معنى نور الله تعالى 22

تقييد النور بالعظمة 24

عظمة الصنع تكشف عن عظمة الصانع 25

خلق أرواحهم 27

شيعتنا خلقوا مِن فاضل طينتنا 29

الثاني: نور العظمة الثاني. 32

وقفة تأمّل في دلالة الأحاديث 34

الأوّل: نور السماوات والأرض 34

الثاني: غشيت أبصار الملائكة 35

الثالث: سجود الملائكة 35

الرابع: خلق الأئمة مِن نورها 37

الثالث: أشباح النور. 41

الرابع: تُزهر للملائكة. 45

نور القمر مِن نور الإمام الحسين 50

تنبيه 51

الخامس: نورها في الجنّة. 53

تُشرق الجنان مِن نور وجهها فتُزهر. 53

ظهور القرطين 55

السادس: نور النشأة 59

فزع النبي مِن النور 61

في الأرض فاطمة وفي السماء المنصورة 62

حاجة التكوين الجسدي 63

اكتمال التكوين 67

شوق النبي إلى رائحة الجنّة 78

السابع: نور ولادتها 81

الوليدة تتحدّث 85

الثامن: تُزهر لأهل السماء. 88

نور الكواكب 90

التاسع: تُزهر لأمير المؤمنين علیه السلام. 91

تفاوت رؤية النور 96

النور الأبيض والأصفر والأحمر 97

شهادة الإمام القائم (عجل الله فرجه الشريف) 110

رؤية الناس للنور 113

العاشر: صاحبة القبة. 115

الحادي عشر: نور ضحكتها 117

الخاتمة. 120

المحتويات 122