ghaemiyeh.com
عرض الأعمال على الأل
الشيخ على عيسى الزواد
الطبعة الأولى
1429ه- / 2008م
محرر الرقمی:محمد رضا راهجو
الطبعة الأولى
1429ه- / 2008م
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
«الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ»
«وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ»(هود:3)
الحمد لله الذي أنزل على عبده كتاباً أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير . لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين.
وأفضل صلوات الله وأكمل تسليماته على سيِّد رسله الذي أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.وعلى آله المصطفين الأخيار، الأئمة الأبرار، أولئك هم الصدِّيقون والشهداء على الخلق أجمعين، وحجج الله على
العالمين.
واللعنة الدائمة على أعدائهم، الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين.
إنّ مسألة عرض الأعمال على الآل علیهم السلام قد لا تكون من الأمور المُسلَّم بها عند البعض، وقد يُسلِّم بها بعض آخر ولكن يراها محدودة بأعمال خاصّة، وليست شاملة لكلِّ فعل تفعله الخلائق، ومن هنا أحببت أن أُساهم - بهذه الرسالة المختصرة - في تحصيل اليقين لإخواني المؤمنين، من أجل النجاة في يوم الدين، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلاّ من أتى الله تعالى بقلب سليم، والقلب السليم هو المعتقد بالعقائد الحقّة، ومنها الاعتقاد في أئمة الهدى وسفن النجاة بأنّهم عالمون عارفون بأفعال العباد، كما تُعرض عليهم علیهم السلام تلك الأفعال، فجعلنا البحث يدور حول الآية المباركة:
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}((1)).
وقد اقتضى البحث أن نتطرّق إلى أنّ حساب الخلائق على سيدنا ونبينا محمد وآله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وهو أمر تسالمت عليه الطائفة، وتواترت فيه أحاديث أهل العصمة علیهم السلام .
1) التوبة:105.
وهذا مجهودي، قصدتُ به وجه خالقي وربِّي، وأسأله تعالى أن ينفعني به برعايته وعنايته، كما أسأله تعالى أن ينفع به إخواني المؤمنين الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه. إنّه ولي الذين آمنوا، يخرجهم من الظلمات إلى النور.وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
علي عيسى الزواد
15 شوال 1427ه-
قال الله تعالى:
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}((1)).
الحديث عن هذه الآية المباركة في نقاط ثمان:
الأولى: سبب نزولها.
الثانية: معنى الرؤية هنا.
الثالثة: المراد بالمؤمنين هنا.
الرابعة: دلالة الفاء هنا.
الخامسة: دلالة السين هنا.
السادسة: دلالة العطف بالواو هنا.
1) التوبة:105.
السابعة: عموم العمل والعامل.
الثامنة: وقت عرض الأعمال.
روى السيد ابن طاووس الحسني في سعد السعود((1)) ص97 بسنده عن أبي سعيد الخدري أن عمار بن ياسر قال لرسول الله صلی الله علیه و آله : وددت أنّك عمّرت فينا عمر نوح علیه السلام. فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : يا عمار حياتي خير لكم، ووفاتي ليس بشر لكم، أمّا في حياتي فتُحْدثون واستغفر الله لكم، وأمّا بعد وفاتي فاتقوا الله وأحسنوا الصلاة عليّ وعلى أهل بيتي، وأنكم تعرضون عليّ بأسمائكم وأسماء آبائكم وأنسابكم وقبائلكم، فإن يكن خيراً حمدت الله وإن يكن سوى ذلك استغفرت الله لكم.
1) عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج17ص144 حديث31 باب17.
فقال المنافقون والشكاك والذين في قلبهم مرض: يزعم أن الأعمال تعرض عليه بعد وفاته بأسماء الرجال وأسماء آبائهم وأنسابهم إلى قبائلهم، إن هذا لهو الإفك.
فأنزل الله تعالى:{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ...} فقيل له: ومن المؤمنون؟
قال: عامّة وخاصّة. أمّا الذي قال الله: {...والمُؤْمِنُونَ...} فهم آل محمد. ثمّ قال: {...وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} من طاعة ومعصية).
الرؤية إمّا بصرية أو قلبية، والرؤية البصرية محال على الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً، لأنّ الذي يُبصر بواسطة العين فهو مُحتاج إلى عينه كي يُبصر بها، والإحتياج صفة نقص لأنّها من صفات الممكن لا من صفات الواجب تعالى.
فلا بد أن تكون رؤية قلبية؛ بمعنى العلم، لا أن يكون النظر بواسطة القلب وإلاّ عاد المحذور السابق في الرؤية البصريّة، كما تقول: رأيتالله أكبر كلّ شيء؛ أي علمت بأن الله أكبر من كل شيء.
فهذه الرؤية القلبية لا تتوقف على بصر، ومن هنا نقول أنّ معرفة أهل البيت وعلمهم بأعمال العباد لا يتوقف على البصر،
لأنّ الرؤية قد ذُكرت في الآية مرّة واحدة، وأسندت إلى الله تعالى وكما قلنا أنّها بمعنى العلم، فكذلك تكون بمعنى العلم في حقّ أهل البيت علیهم السلام وإلاّ للزم أن يكون لفظ واحد أطلق وأريد منه معنيان باستعمال واحد وهذا مما لا يرتضيه مشهور الأصوليين، فالإستعمال الواحد يقتضي معنى واحداً فارداً.
ولا يصحّ أن ندّعي بأنّ الرؤية هنا لها معنى مجازي شامل للرؤيتين القلبية والبصريّة، لأنّ المجاز بحاجة إلى قرينة وهي مفقودة هنا.
كما أنّه لا تصحّ الرؤية البصريّة هنا في حقِّهم علیهم السلام أيضاً، لأن رؤية أعمال الخلائق جميعاً بالبصر يأباه عالم البصر المحدود بشرائط التي منها أن لا تجتمع أكثر من صورة مرتسمة في العين في وقت واحد.
ولذلك ورد عن النبي صلی الله علیه و آله أنّه كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه ويرى في منامه كما يرى في حال يقظته.
ولو كانت رؤيته صلی الله علیه و آله بواسطة العين لما شاهد من الخلف ولما رأى في حال إغماض العين.
ولمّا وصل البحث إلى رؤية النبي صلی الله علیه و آله فلا بأس بتسليط شيء من الضوء على تلك الرؤية النبوية فأقول:
الروايات الشريفة في هذا الباب على أصناف:
دلّت جملة من الروايات على أنّ النبي صلی الله علیه و آله تنام عينه ولا ينام قلبه، كما دلّ بعض الروايات على أنّه صلی الله علیه و آله يعلم بأعمال العباد في حال نومه كمايعلم بها في حال يقظته.
وليس هذا مما انفردت به الإماميّة، بل صحاح المخالفين ذكرتها وشيدتها ولم يُناقش في صدورها عن نبي الرحمة محمد صلی الله علیه و آله . والروايات كما قلنا كثيرة.
منها ما في الكافي للشيخ الكليني ج8 ص131: بسنده عن علي بن أسباط عنهم علیهم السلام قال: في ما وعظ الله عزّ وجل به عيسى علیه السلام:(...تنام عيناه ولا ينام قلبه، له الشفاعة...)((1)).
ومنها ما في بصائر الدرجات((2)) ص125: بسنده عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (طلب أبو ذر رسول الله صلی الله علیه و آله فقيل له: إنه في حائط كذا وكذا, فمضى يطلبه فدخل إلى الحائط والنبي صلی الله علیه و آله نائم,
فأخذ عسيباً يابساً وكسره ليستبرئ((1)) به نوم رسول الله صلی الله علیه و آله , قال: ففتح النبي صلی الله علیه و آله عينه وقال: أتخدعني عن نفسي يا أبا ذر؟ أما علمت أني أراكم في منامي كما أراكم في يقظتي).
ومنها ما في بصائر الدرجات((2)) أيضاً ص125: بسنده عن زيد الشحّام قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: (طلب أبو ذر & رسول الله صلی الله علیه و آله , فقيل له: إنه صلی الله علیه و آله في حائط كذا وكذا, فتوجه في طلبه, فوجده نائما فأعظمه أن ينبهه, فأراد أن يستبرئ نومه صلی الله علیه و آله ((3)), فسمعه رسول الله صلی الله علیه و آله فرفع رأسه فقال: يا أبا ذر أتخدعني؟ أما علمت أني أرى أعمالكم في منامي كما أراكم في يقظتي, إن عيني تنام وقلبي لا ينام)((4)).
وفي الخرائج مرسلاً مثله.قوله صلی الله علیه و آله : (أتخدعني) لعلّ المراد منه أنّ ما فعله أبو ذر في صورته يُشبه المخادع، بمعنى أنّ أبا ذر لكونه يعلم بأنّ النبي صلی الله علیه و آله يرى في منامه كما يرى في يقظته فكان فعله مع علمه يُشبه المكر والحيلة، فإنّ الماكر مع علمه بالشيء يتظاهر بعدم
1) العسيب: الجريدة من النخل. والإستبراء: أراد منه الإستعلام.
2) عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج16 ص173.
3) الظاهر أنّ هنا حذفاً يُعلم من الحديث السابق.
4) بهذا المضمون وردت روايات المخالفين. انظر البخاري ج4 ص231 باب كان النبي صلی الله علیه و آله تنام عينه ولا ينام قلبه، وكنز العمال: 32248, 32249، 31993. والطبقات الكبرى لمحمد بن سعد ج1 ص171.
العلم، وفيه من التوبيخ ما لا يخفى، ولعلّ الذي أذهل أبا ذر أمر عظيم أغفله عمّا كان يعلمه.
وقد يكون المعنى؛ أتتخذ تلك الوسيلة والحيلة لإيقاظي وإعلامي بوجودك وأنت تعلم أنني أرى في منامي كما أرى في يقظتي؟، فيكون الخداع هنا بمعنى اتخاذ الوسيلة للوصول إلى الغرض.
الأحاديث الواردة بلفظ: (تنام عينه ولا ينام قلبه) وما قارب هذا اللفظ كثيرة من طرقنا كما أشرنا إلى ذلك ونشير إليه أيضاً في ما يأتي، ورواها الجمهور في روايات متعددة حتّى في بخاريهم، فتسالموا عليها، فلم تكن مورداً للشكّ حتّى عندهم، فلا مجال للبحث في سندها.
دلّت الأحاديث على أنّ النبي صلی الله علیه و آله يرى ويسمع في منامه كما يرى ويسمع في يقظته، ويترتب على ذلك أنّ النوم ليس ناقضاً للوضوء في حقّه صلی الله علیه و آله ، والذي يؤيّد دعوانا بهذا المقدار من الفهم من الروايات أمور:
1- ورد في رواية أبي ذر & (إنِّي أرى أعمالكم في منامي، كما أراكم في يقظتي) وعُلل ذلك في الرواية نفسها بقوله صلی الله علیه و آله : ( إن عيني تنام وقلبي لا ينام) وهذا مما يدلّ على المعنى الذي ذكرناه.
2- إعتراف حتى المخالف بذلك ففي فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ج2 ص698:
(( تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا ) بل هي دائمة اليقظة لا يعتريها غفلة ولا يتطرق إليها شائبة نوم لمنعه من إشراق الأنوار الإلهية الموجبةلفيض المطالب السنية عليها ولذا كانت رؤياهم وحياً ولم تنتقض طهارتهم بالنوم).
3- ما رواه المخالفون من قول رسول الله صلی الله علیه و آله (قيل لي: لتنم عينك, وليعقل قلبك, ولتسمع أذنك, فنامت عيني, وعقل قلبي, وسمعت أذني)((1)).
ففي هذه الأخبار التصريح بأنّه صلی الله علیه و آله يسمع ويرى حال نومه.
وعلى كلِّ حال فالروايات واضحة الدلالة ومبيِّنة لمقام من مقامات النبي صلی الله علیه و آله . قال المولي محمد صالح المازندراني في شرح أصول الكافي ج6 ص391:
(المراد بنوم العين بطلان إدراكها المسمى بالإبصار وبعدم نوم القلب عدم بطلان إدراكه لأن قلبه محل للإلهامات الإلهية والأسرار الربانية وحافظ لما في عالم الإمكان ومتصرف في العالم العلوي والسفلي فلا يجوز أن يستغرق عليه النوم ويبطله عن
1) راجع سنن الدارمي لعبد الله بن بهرام الدارمي ج1 ص7، ومجمع الزوائد للهيثمي ج8 ص260، والمعجم الكبير للطبراني ج5 ص65، وكنز العمال للمتقي الهندي ج1 ص204. وغيرهم كثير.
عمله).
إنّ مَنْ راجع أحاديث أهل البيت علیهم السلام يعلم أنّه ليس كلّ ما سُمِّي عرفاً نوماً يكون ناقضاً للوضوء، فإنّ الروايات الشريفة قد ذكرت للنوم الناقض حُدوداً، وتلك الحدود والقيود لا تنطبق على نوم المعصومين علیهم السلام .
دلّ عليه الخبر الصحيح عن زرارة قال: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: (يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والأُذُن، فإذا نامت العين والأُذُن والقلب وجب الوضوء...)((1)).
فإن هذا الحديث الشريف نصّ على عدم كفاية نوم العين، بل لا بُدّ مع نومها من نوم الأُذُن والقلب، بمعنى أنّه لا يسمع ولا يعي، فيُذهِب النوم بسمعه وعقله، فإنّ القلب قد يُطلق ويُراد منه
1) التهذيب ج1 ص8 ح11. وعنه وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي ج1 ص245.
القوّة العاقلة المُدركة، كما في قوله تعالى:
{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (لأعراف:179).
والمراد بنوم القلب؛ أن يكون النوم مستولياً على القلب، الموجِب لتعطيل الحواس عن الإحساس.
2- المُذْهِب للعقل:
دلّ عليه الخبر الصحيح عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر، وأبي عبد الله ’ ما ينقض الوضوء؟ فقالا: (ما يخرج من طرفيك الأسفلين، من الذكر والدبر، من الغائط والبول، أو مني، أو ريح، والنوم حتى يذهب العقل، وكلّ النوم يكره إلا أن تكون تسمع الصوت)((1)).وهذا الخبر قد حدّد النوم بما يُذهب العقل، وهو نفس المعنى في الرواية السابقة التي عبّرت عنه بنوم القلب، كما تقدّم
1) التهذيب ج1 ص9 ح15. ورواه الكليني في الكافي ج3 ص36 ح6 عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد مثله. ورواه الصدوق في الفقيه ج1 ص37 ح137 بإسناده عن زرارة، مثله، إلى قوله: حتى يذهب العقل. وعنهم جميعاً وسائل الشيعة (آل البيت ) للحر العاملي ج1 ص249.
توضيحه.
وأمّا تعقيب ذلك بقوله علیه السلام: ( وكلّ النوم يكره إلا أن تكون تسمع الصوت) فإنّه لا إشكال بأنّ المراد من الكراهة هنا ليس الكراهة التي هي أحد الأحكام الخمسة فتكون مخالفته مخالفة للتكليف الإلهي بالكراهة.
وإنّما نفينا أن يكون المراد من الكراهة هنا هو التكليف بحكم الكراهة، لأنّ التكاليف شرطها العقلي هو القدرة عليها، والبشر العادي إذا تحقق نومه لا بُدّ أن يفقد عنده السمع، فليس بمقدوره أن لا يفقد سمعه، وإنّما تحمل الكراهة هنا على الإرشاد إلى أنّ نوم الأولياء لا يصرفهم نومهم عن التعلُّق بالله تعالى ونوم غيرهم فيه الانقطاع عن الذكر والتعلّق بالله تعالى.
وقد قيل: إنّ المراد من الحديث الشرف؛ إنّ كلّ نوم يُفسد الوضوء إلاّ أن لا يغلب على حاسّة السمع فيسمع، فعبّر علیه السلام عن الفساد بالكراهة.
3- الخافي للصوت:
دلّ عليه صحيحة معمر بن خلاد قال: (سألت أبا الحسن علیه السلام عن رجل به علة لا يقدر على الاضطجاع والوضوء يشتد عليه وهو قاعد مستند بالوسائد، فربما أغفى وهو قاعد على تلك الحال. قال: يتوضأ. قلت له: إنّ الوضوء يشتد عليه لحال علته؟ فقال: إذا خفي عليه الصوت فقد وجب الوضوء عليه...)((1)).
فهذه الرواية الشريفة قد حددت النوم الناقض للوضوء بكونه
1) الكافي ج3 ص37 ح14. والتهذيب ج1 ص9 ح14. وعنهما وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي ج1 ص257.
الموجب لخفاء الصوت، أي النوم الغالب على حاسّة السمع، وهذاما يتوافق مع الرواية الأولى أيضاً.
دلالة الروايات:
هناك روايات متعددة في تحديد النوم المنقض للوضوء، واكتفينا بذلك القدر لحصول الغرض من ذلك المقدار، ويُمكننا الجمع بين الروايات؛ بأنّ الغلبة على حاسّة السمع مُلازِمة وجوداً للنوم المنقض للوضوء، وأيضاً ذهاب العقل ملازم وجوداً للنوم المنقض للوضوء، ومن هنا يكفي وجود أحد اللازمين في وجود الملزوم، وإذا وجد الملزوم وجد وثبت اللازم الآخر.
وهذا من قبيل ما يُسمّى في علم النطق بالقسم الثاني من البرهان الإنِّي، إذ يتمّ الانتقال فيه من أحد المعلولين إلى المعلول الآخر بتوسط العلة.
والنتيجة التي توصلنا إليها؛ أنّ النوم الناقض للوضوء هو الذي يوجب نوم القلب، ومن ثَمّ يغيب الإحساس، ومن ذلك غياب حاسّة السمع، وهذا النوم لا يكون في حق أهل البيت علیهم السلام ، لأنّهم تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم وهم يسمعون حتّى في حال نومهم، كما نصّت عليه الأحاديث السابقة.
لكون الروايات دالّة على ما ذكرناه من أنّه صلی الله علیه و آله يرى ويسمع في منامه كما هو في يقظته، أشكل على المخالفين ما رووه من أنّ النبي صلی الله علیه و آله نام عن صلاة الصبح حتى ارتفعت الشمس، حتى قام عمر بإيقاظه، فأرادوا أن يوفِّقوا بين هذا الحديث الصحيح المسلّم به وبين هذه الحادثة المدّعاة على رسول الله صلی الله علیه و آله ، فذكروا وجوهاً زادتهم انحرافاً عن الحق والحقيقة فمنها:1- كان للنبي صلی الله علیه و آله نومان: أحدهما ينام قلبه وعينه: والثاني عينه دون قلبه، فكان نوم الوادي من النوع الأول((1)).
وهذا القول - مع كونه رجماً بالغيب- ليس له دليل حتّى يُناقش، وعموم الأدلّة هنا ينفيه.
2- إنّ إدراك دخول الوقت من وظائف العين والأعين كانت نائمة وهذا لا ينافي استيقاظ القلوب((2)).
وهذا القول مع كونه رجماً بالغيب لا دليل عليه، بل عموم الأدلّة هنا تنفيه، ثُمّ كيف يكون إدراك دخول الوقت من وظائف
العين في حين أنّ مَن اعتاد على الاستيقاظ عند الوقت يحُسّ بدخوله وإن كان نائماً، بل مَن نفذت بصيرته علم بدخول الوقت وإن لم ينظر إلى الشمس، كما يحدث هذا لبعض الصالحين من أمّة محمد صلی الله علیه و آله فكيف هو صلی الله علیه و آله ؟!.
ومن نقل هذا القول لم يرتضه حتّى قال بعد ذكره له:
(وقد يُتوقّف في هذا؛ بأنّ يقظة القلب يُدرَك بها الشمس، كما يقع ذلك لبعض أمته فكيف هو صلی الله علیه و آله ؟!)
3- إنّ النبي صلی الله علیه و آله فعل ذلك للتشريع؛ لأنّ من نامت عيناه لا يخاطب بأداء الصلاة حال نومه وهو صلی الله علیه و آله مشارك لأمته إلاّ في ما اختص به ولم يرد اختصاصه صلی الله علیه و آله بالخطاب حال نوم عينيه دون قلبه((1)).
ولنا على هذا القول أنّه لا يتوقّف بيان التشريع على ترك فريضة هي عمود الدين، فيُمكن بيان التشريع بالقول دون الفعل، ولو جعلنا هذا مسوِّغاً لساغ ارتكاب المحرّمات في مقام بيان التشريع.4- إنّ النبي صلی الله علیه و آله نام في تلك المرة قلبه الشريف أيضاً على خلاف العادة للتشريع((2)).
وهو قول كسابقيه ليس له دليل، وينفيه عموم الأدلّة هنا، والتشريع لا يُسوّغ هذا الفعل.
الرواية التي نسبوها إلى النبي صلی الله علیه و آله لا يُمكن قبولها وهي مُناقضة لما عندهم من أحاديث، فيُمكن أن نُواجههم بإشكالات متعددة حول الحديث المُدّعى:
الأوّل: أنّهم يروون((1)) عن النبي صلی الله علیه و آله : إنّ الرجل إذا لم يستيقظ للصلاة فقد بال الشيطان في أذنه، فكيف يقبلون على النبيِّ صلی الله علیه و آله أن يبول الشيطان في أذنه؟!.
الثاني: أنّهم يقولون بأنّ الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا في كلّ ليلة ويقول: (هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه، هل من داعٍ فأجيبه)((2)) فإذا كان النبي صلی الله علیه و آله الذي لا ينام قلبه لا يسمع هذا النداء من الله تعالى فما فائدة هذا الفعل منه تعالى ربُّنا عن ذلك علوّا كبيرا، أم أنّ الله تعالى تخلّف تلك الليلة لعارضٍ فلم ينزل؟! وهذا خلاف ما رووه من أنّه ينزل كلّ ليلة، تعالى الله ربنا عن ذلك علواً كبيرا.
الثالث: أنّ النبي صلی الله علیه و آله الذي لا ينام قلبه كيف يَقوم على إيقاظه عمر((1))،والله تعالى يتركه وجبريل أخوه لا يُوقظه من نومه، فهل كان عمر أكثر شفقة على النبي صلی الله علیه و آله ؟!!!
الرابع: كيف يكون حرّ الشمس((2)) يُوقظ مَن قلبه نائم، ولا يُوقظ النبي صلی الله علیه و آله الذي لا ينام قلبه؟!!!
الخامس: ما هذا النوم العميق الذي جعل عمر يستمر في التكبير((3)) حتّى استيقظ رسول الله صلی الله علیه و آله ، مَنْ هذا ديدنه لا يمكن أن يكون ممن لا ينام قلبه.
السادس: اختلاف واضطراب الرواية عندهم في أوّل من استيقظ، فروي أنّ أوّل من استيقظ عمر، وفي أخرى أبو بكر وفي ثالثة((4)) النبي صلی الله علیه و آله .
السابع: في بعض مروياتهم((5)) في الحادثة جعل بعض الصحابة يهمس إلى بعض: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟
حتّى قال لهم رسول الله صلی الله علیه و آله : (أما لكم فيّ أسوة) فجعلوا تفريط النبي صلی الله علیه و آله في صلاته أمراً مفروغاً عنه، وأخذوا يتساءلون
عن الكفارة.
ورحم الله السيد ابن طاووس الحسني فإنّه قال في الطرائف ص367:
(إذا نظرت أيها العاقل في وصفهم لعناية الله بنبيهم، وأنّه سبحانه جل وعلا لا يصح أن ينام وإن جبرئيل ما كان شفقته على نبيهم دون عناية عمر حتى كان يوقظه دون الله أو جبرئيل، وإذا نظرت إلى رواياتهم عن نبيهم محمد صلی الله علیه و آله أنه تنام عيناه ولا ينام قلبه وتفسيرهم ذلكبان نومه لا يمنعه من معرفة الأحوال.
ونظرت في رواياتهم بوجوب قضاء ما فات من الصلاة عقيب ذكره، ثم يذكرون عنه في هذه الرواية أنه أخّر القضاء إلى بعد الارتحال وأنه قد نام قلبه حتى لم يحس بخروج الوقت، وكلّ ذلك يشهد عليهم بالمناقضة في رواياتهم وسوء مقالاتهم وتكذيب أنفسهم).
دلّت الروايات أن النبي صلی الله علیه و آله يرى من خلفه كما يرى من أمامه، وروايات المخالفين كثيرة في ذلك وكذلك الروايات من طرقنا:
فمنها ما في بصائر الدرجات((1)) ص124: بسنده عن محمد بن مسلم, عن أبي جعفر علیه السلام قال: قلت له: إنا نصلي في مسجد لنا فربما كان الصف أمام وفيه انقطاع, فأمشي إليه بجانبي حتى أقيمه؟ قال: (نعم, كان رسول الله صلی الله علیه و آله قال: أراكم من خلفي كما أراكم بين يدي, لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم).
وفي الخرائج ج1 ص47((2)): روي أن النبي صلی الله علیه و آله قال: (أتموا الركوع, والسجود, فو الله إني لأراكم من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم).
لقد اعترف القاصي والداني بصحّة أسانيد الأحاديث التي دلّت على أنّ النبي صلی الله علیه و آله يرى من خلفه كما يرى من أمامه، فهذا القرطبي في تفسيره ج13 ص144 يقول: (وروي عن مجاهد - ذكره الماوردي والثعلبي- وكان علیه السلام يرى من خلفه كما يرى من بين يديه, وذلك ثابت في الصحيح).
وفي تفسير ابن كثير ج3 ص365: (وقال مجاهد: كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يرى من خلفه كما يرى من أمامه. ويشهد لهذا ما صح في الحديث " سووا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري).
دلّت الأحاديث على أنّ النبي صلی الله علیه و آله يرى من خلفه كما يرى من أمامه، ولم تُحدد الروايات كيفيّة الرؤية، كما لم تُقيَّد الروايات بأنّ الرؤية في حال دون حال، ولكن بعض المخالفين لم تقبل نفوسهم المريضة ذلك فادّعوا أموراً:
الأوّل: أنّ هذا مختص بحال الصلاة دون غيرها((1)).
وهذا منافٍ لما دلّ على العموم وليس مختصّا بحال الصلاة دون غيرها. فروى مسلم قوله صلی الله علیه و آله : (إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي). وهذا الحديث واضح الدلالة على مطلق الأحوال لا خصوص حال دون أخرى.
الثاني: أنّ النبي ينظر من طرف عينه ولذا يرى من خلفه من المأمومين((2)).
وهذا مخالف لما هو عندهم في الصحيحين وغيرهما من قول رسول الله صلی الله علیه و آله : (فو الله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم وإني لأراكم من وراء ظهري). وما تقدّم من رواية مسلم.
فإنّ علم النبي صلی الله علیه و آله بفعلهم وخشوعهم القلبي لا يعتمد على النظر من طرف العين. على أنّ ذلك منافٍ لخشوع وخضوع رسول الله صلی الله علیه و آله في صلاته.
الثالث: أنّ للنبي عينين في خلفه ولا تحجبهما الثياب((1)).
وهي دعوى ورجم بالغيب بلا دليل قائم على إثباتها. وينفيها رؤيته صلی الله علیه و آله في حال نومه فإنّه يرى ولو كان مغمض العين ومستلقياً على قفاه الشريف.
الرابع: أنّ النبي صلی الله علیه و آله تنام عينه عن الدنيا، ولا ينام قلبه عن الملكوت الأعلى((2)).
وهذا دعوى بلا دليل، وينفيه العموم الوارد في الروايات هنا، وأجاب عنه مَن نقله بقوله: ( بعيد من السوق كما لا يخفى على أهل الذوق).
قال الملا هادي السبزواري في شرح الأسماء الحسنى ج1 ص122: (وجود نبينا صلی الله علیه و آله حيث كان يرى من خلفه فكان هو صلی الله علیه و آله
1) قال في الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ج1 ص67: ذكر مختار بن محمود الحنفي شارح القدوري ومصنف القبية في رسالته الناصرية أنه صلی الله علیه و آله كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط يبصر منهما ولا تحجبهما الثياب. وذكر النووي شرح مسلم في قوله صلی الله علیه و آله إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي, قال العلماء: إن الله خلق له صلى الله عليه وسلم إدراكا في قفاه يبصر به من ورائه وقد انخرقت العادة له صلى الله عليه وسلم بأكثر من هذا.
2) انظر فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ج2 ص698.
بحسب وجوده الجسماني البشري بصراً كله).
كل الروايات الواردة هنا تشمل ما سبق من كون النبي صلی الله علیه و آله يرى فيمنامه كما يرى في يقظته، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه. والروايات الآتية وإن كان بعضها في بيان صفات الإمام علیه السلام إلاّ أنّها شاملة للنبي محمد صلی الله علیه و آله قطعاً، للعلم بعدم امتياز أهل بيته عنه صلی الله علیه و آله . والروايات كثيرة منها:
ما في بصائر الدرجات((1)) ص124: بسنده عن أبي جعفر علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله : (إنّا معاشر الأنبياء تنام عيوننا ولا تنام قلوبنا, ونرى من خلفنا كما نرى بين أيدينا).
وفي الكافي للشيخ الكليني ج1 ص388: بسنده عن أبي جعفر علیه السلام قال: (للإمام عشر علامات: يولد مطهراً، مختوناً، وإذا وقع على الأرض وقع على راحته رافعاً صوته بالشهادتين، ولا يجنب، وتنام عينه ولا ينام قلبه، ولا يتثاءب ولا يتمطى، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه...)
وفي من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ج4 ص418: بسنده عن أبي الحسن على بن موسى الرضا ’ قال: (للإمام علامات؛
1) عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج11 ص55، و ج16 ص172.
يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس، ويولد مختوناً، ويكون مطهراً، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه، ولا يكون له ظل، وإذا وقع على الأرض من بطن أمه وقع على راحتيه رافعاً صوته بالشهادتين، ولا يحتلم، وتنام عينه ولا ينام قلبه...)((1)).
وفي الخصال للشيخ الصدوق ص428: بسنده عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ’قال: (عشر خصال من صفات الإمام: العصمة، والنصوص، وأن يكون أعلم الناس وأتقاهم لله وأعلمهم بكتاب الله، وأن يكون صاحب الوصية الظاهرة، و يكون له المعجز والدليل، وتنام عينه ولا ينام قلبه، ولا يكون له فيء، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه).والروايات بأصنافها الثلاثة كثيرة، وأكثر مَن تطرّق إلى خصائص النبي صلی الله علیه و آله ذكر هاتين الخصلتين، وأرسلوها إرسال المسلّمات((2)).
1) مثله في عيون أخبار الرضا علیه السلام للشيخ الصدوق ج2 ص192. والخصال للشيخ الصدوق ص527. ومعاني الأخبار للشيخ الصدوق ص102.
2) انظر: الخرائج والجرايح لسعد بن هبة الله بن الحسن الراوندي، والمبسوط للشيخ الطوسي ج4 ص154، وقصص الأنبياء للراوندي ص313، والمجموع لمحيى الدين النووي ج16 ص144، وصحيح ابن حبان ج14 ص24، ومسند الحميدي لعبد الله بن الزبير الحميدي ج2 ص427.
أثبتت الروايات - المتقدمة في خصائص الإمام علیه السلام - أنّ الأئمة علیهم السلام تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، وأنّهم يرون في المنام كما يرون في اليقظة، فيشاركون النبي صلی الله علیه و آله في هذه الفضائل والمناقب.
في المحتضر للحسن بن سليمان الحلي ص19:
(ولهذا اتصفت أبدانهم الشريفة بما لم تتصف به أبدان سائر الخلق كما روى عن النبي صلی الله علیه و آله : إنّه يرى من خلفه كما يرى من بين يديه).
مما لا إشكال فيه ولا شبهة تعتريه أنه ليس المراد جميع المؤمنين لأن جميع المؤمنين لا يعلمون بأفعال العباد، فمثلا أنا وأنت لا نعلم بجميع العباد فضلا عن العلم بجميع أفعالهم.
فيراد من الآية المباركة بعض المؤمنين، والبعض المراد هم مَن بيّنتهم أحاديث أهل البيت علیهم السلام وهم الأئمة من آل البيت النبوي وورد ذلك في عدة روايات منها:
ما في الكافي للشيخ الكليني ج1 ص219 بسنده عن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن قول الله عز وجل: {...اعْمَلُوافَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ...}
قال: (هم الأئمة).
وما في تفسير علي بن إبراهيم القمي((1)) ج1 ص304 بسنده عن أبي عبد الله علیه السلام في قوله: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ...} ( المؤمنون ههنا الأئمة الطاهرون صلوات الله عليهم ).
1) عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج23 ص339 ح13 ب20. وراجع بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج23 ص337 ب20 ح6، 10، 42، 73.
التقدم على أقسام، ومنها التقدم الزماني، وليس كلّما تقدّم شيء على شيء كان سابقاً عليه زماناً، فإنّ العلّة متقدمة على المعلول والسبب متقدم على المسبب، ولكن ليس تقدماً زمانيّاً، ولو كان تقدّم العلة على المعلول تقدماً زمانيّاً للزم أن توجد العلّة التامّة من دون المعلول، فيتخلّف وجود المعلول عن وجود العلّة وهو محال، كما قرر في محلّه.
ومن المعلوم أن الفاء للترتيب مع الاتصال أي بدون فصل وبما أن بين العلم وبين المعلوم ترتب غير زماني فلذا ناسب المجيء بالفاء فمعنى ذلك أن الله يعلم بأفعالكم حين وقوعها وان كانت - بحسب الترتب - الأعمال سابقة على العلم.
وهذا مما يحتاج لبيان فأقول: إنّ الله تعالى علمه أزلي قديم لأنّه من صفات الذات، وصفات ذاته المقدسة عين ذاته، وليس هناك إثنينيّة وتعدد بين الذات المقدسة وعلمها، بل علمه عين ذاته وذاته علمه، فلا يمكن أن يحدث علمه بالأفعال عقيب الأفعال وبعد وقوعها، وإلا لزمحدوث علمه تعالى فتكون ذاته حادثة أيضاً تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فالله تعالى عالم بالأفعال قبل وحين وبعد وقوعها، من دون حدوث في علمه، وإنّما الذي يتغيّر ويتبدّل ويحدث هو متعلّق العلم، لا نفس العلم، ألا تجد أنّ العلم بأن شخصاً يولد في زمان معيّن، لا يتغيّر هذا العلم بالنسبة إلى ما قبل وقوعه وما بعده، وإنّما الذي حدث هو المعلوم لا العلم.
فعلم الله تعالى سابق على الأفعال، وإن كان العلم يُعَدّ متأخراً رتبة على المعلوم لا أنّه متأخر زماناً.
أفعال العباد وحركاتها من الوجودات المنصرمة التدريجيّة غير القارّة، فالفعل لا استقرار له بل يقوم الواحد منّا بالفعل فينتهي، بخلاف وجود الأشياء كالمصنوعات فإنّها قارّة، وأيضاً الأفعال لا توجد دفعة وإنّما توجد بالتدريج، فتأتي الحركة الثانية بعد ذهاب الحركة الأولى، فعندما تتوضأ تغسل وجهك، وبعد الانتهاء من غسل الوجه ينتهي ذلك الفعل ولا يبقى وتبدأ في إيجاد حركات غسل اليدين، وهكذا كلّما انتهيت من حركة شرعت في الأخرى من دون أن يكون هناك قرار للحركات ولا توجد دفعة واحدة.
وبما أن الأعمال ليست حاصلة بالفعل بل إنّها تحصل
بالتدريج في المستقبل ناسب الإتيان بالسين التي تفيد الاستقبال القريب. لأنّك عندما تقول: (سوف أكتب) فتعني أنّك تريد الكتابة في المستقبل البعيد، أمّا لو قلت: (سأكتب) فإنّك تريد الكتابة في المستقبل القريب.
وهنا في الآية المباركة وردت السين لكي نعرف بأنّ المراد من الأعمال هو كلّ الأعمال الصادرة من العباد التي توجد في المستقبلالقريب، وإنّما أصبحت استقبالاً فباعتبار أنّ أفعال العباد المخاطبين بالآية المباركة مستقبلة بالنسبة إلى نفس الآية الشريفة، وأنّ هذا جارٍ في كلّ الأعمال المستقبليّة قريبة أو بعيدة.
الواو تفيد المشاركة في الحكم من دون ترتب فاقتضت الآية المباركة أنه كما يعلم الله تعالى بأفعال العباد كذلك يعلم النبي وآله صلی الله علیه و آله ، وبما أن علم الله تعالى بالعمل لا يتأخر عنه فكذلك علم النبي والأئمة لا يتأخر عن العمل، كما ورد عنهم علیهم السلام ما يؤيِّد ذلك فقد ورد في بعض الروايات أنّ الجدران لا تحجبهم عن الرؤية للأعمال.
في الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي((1))ج1 ص272
1) عنه بحار الأنوار ج46 ص248 ح40 ب5. وكشف الغمة لابن أبي الفتح الإربلي ج2 ص355. وروى مثله الصفار في بصائر الدرجات : 270 ح 3 بإسناده عن إبراهيم بن هاشم ، عن علي بن معبد يرفعه ، عنه اثبات الهداة : 5 / 284 ح 24 وأورده الخصيبي في الهداية الكبرى : 240 عن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي جعفر علیه السلام عنه مدينة المعاجز : 355 ح 114.
روي عن أبي الصباح الكناني قال: صرت يوما إلى باب أبي جعفر علیه السلام فقرعت الباب، فخرجت إليّ وصيفة ناهد، فضربت بيدي على رأس ثديها فقلت لها: قولي لمولاك إنِّي بالباب، فصاح من آخر الدار أدخل لا أمّ لك. فدخلت وقلت: والله ما أردت ريبة، ولا قصدت إلاّ زيادة في يقيني. فقال: صدقت، لئن ظننتم أنّ هذه الجدران تحجب أبصارنا كما تحجب أبصاركم إذاً لا فرق بيننا وبينكم، فإيّاك أن تعاود لمثلها.
وفي المناقب لابن شهراشوب((1)) ج4 ص182 بسنده عن ميسر بياعالزطي((2)) قال: أقمت على باب أبي جعفر علیه السلام فطرقته، فخرجت إليّ جارية خماسية، فوضعت يدي على يدها وقلت لها: قولي لمولاك هذا ميسر بالباب. فناداني من أقصى الدار: ادخل لا أبا لك، ثم قال لي: أما والله يا ميسر، لو كانت هذه الجدر تحجب أبصارنا كما تحجب عنكم أبصاركم، لكنّا وأنتم سواء.
فقلت: جعلت فداك والله ما أردت إلاّ لأزداد بذلك إيمانا.
1) عنه مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج5 ص128.وعنه البحار ج46 ص258 والعوالم ج19 ص124 ح3، وأخرجه في إثبات الهداة ج3 ص57 ح56 عن مشارق أنوار اليقين ص90. ومثله في مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج5 ص128 عن الهداية الكبرى للخصيبي ص51 (مخطوط) وعنه إثبات الهداة ج3 ص62 ح75.
2) الزطي: صنف من الناس، كالرومي والحبشي.
إنّ إطلاق العمل في الآية المباركة يقتضي هنا العموم، سواء كان العمل صالحاً أم طالحاً، عمل خير أم عمل شرّ.
وإنّ المخاطب بالآية الشريفة عامّ، سواء كان العامل صالحاً أم طالحاً، مؤمناً أم كافراً، ومن هنا ورد في بعض الروايات بيان العموم.
فمنها: ما أوردناه في سبب النزول:
(فقيل له: ومن المؤمنون؟ قال: عامّة وخاصّة. أمّا الذي قال الله: {...والمُؤْمِنُونَ...} فهم آل محمد. ثمّ قال: {...وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} من طاعة ومعصية).
وفي الكافي للشيخ الكليني ج1 ص219 بسنده عن سماعة،
عن أبي عبد الله علیه السلام قال: سمعته يقول: مالكم تسوؤن رسول الله صلی الله علیه و آله ؟! فقال رجل: كيف نسوؤه؟ فقال: (أما تعلمون أن أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأى فيها معصية ساءه ذلك، فلا تسوؤا رسول الله، وسُرّوه).
وفي الكافي للشيخ الكليني ج1 ص220 بسنده عن الوشاء: قال: سمعت الرضا علیه السلام يقول: (إن الأعمال تعرض على رسول الله صلی الله علیه و آله أبرارها وفجارها).في تفسير علي بن إبراهيم القمي ج1 ص304 بسنده عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (إنّ أعمال العباد تعرض على رسول الله صلی الله علیه و آله كل صباح أبرارها وفجارها، فاحذروا فليستحيي أحدكم أن يعرض على نبيه العمل القبيح).
في تفسير العياشي لمحمد بن مسعود العياشي ج2 ص109 عن محمد بن الفضيل عن أبى الحسن علیه السلام قال: سألته عن قول الله تبارك وتعالى: {... فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ...} قال: (تعرض على رسول الله عليه وآله السلام أعمال أمته كل صباح أبرارها وفجارها فاحذروا).
وسيأتي في أثناء البحث المزيد من الروايات الدالّة على عموم علمهم علیهم السلام بأفعال العباد، الأبرار منهم والفجّار، فلاحظ.
لقد دلّت الروايات على أنّ عرض الأعمال يتعدد فالذي ذكر في الروايات عدّة موارد:
ودل على ذلك عدّة روايات:
منها ما في الكافي((1)) للشيخ الكليني ج1 ص219 بسنده عن عبد الله بن أبان الزيات وكان مكيناً عند الرضا علیه السلام قال: قلت للرضا علیه السلام: ادع الله لي ولأهل بيتي
فقال: (أَوَلستُ أفعل؟! والله إن أعمالكم لتعرض علي في كل يوم وليلة،
1) مثله في بصائر الدرجات، وعنه بحار الأنوار ج23ص347 ح47 ب20.
قال: فاستعظمت ذلك، فقال لي: أما تقرأ كتاب الله عزّ وجل: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ... }؟ قال: (هو واللهعلي بن أبي طالب علیه السلام).
والرواية في آخرها وإن ذكرت أمير المؤمنين علیه السلام فقط إلاّ أنّ الإمام الرضا علیه السلام قد ذكر عرض الأعمال عليه أيضاً، فأراد الإمام الرضا علیه السلام من ذكر أمير المؤمنين علیه السلام: أنّ الآية نزلت في حقِّ أمير المؤمنين علیه السلام وهم مشاركون له في عرض الأعمال.
ومنها ما في تفسير علي بن إبراهيم القمي((1)) ج1 ص304 بسنده عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (إنّ أعمال العباد تعرض على رسول الله صلی الله علیه و آله كل صباح أبرارها وفجارها، فاحذروا فليستحيي أحدكم أن يعرض على نبيه العمل القبيح).
ومنها ما في تفسير العياشي لمحمد بن مسعود العياشي ج2 ص109 عن محمد بن الفضيل عن أبى الحسن علیه السلام قال: سألته عن قول الله تبارك وتعالى: {... فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ...} قال: (تعرض على رسول الله عليه وآله السلام أعمال أمته كل صباح أبرارها وفجارها فاحذروا).
1) عنه بحار الأنوار ج17ص149 ح44 ب17.
ومنها ما في معاني الأخبار((1)) بسنده عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام: إنّ أبا الخطاب كان يقول: إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله تعرض عليه أعمال أمته كل خميس. فقال أبو عبد الله علیه السلام:( ليس هكذا، ولكن رسول الله صلی الله علیه و آله يعرض عليه أعمال أمته كل صباح أبرارها وفجارها، فاحذروا، وهو قول الله عز وجل: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ...}) وسكت. قال أبو بصير: (إنما عنى الأئمة علیهم السلام ).
الظاهر من الرواية الشريفة أنّ المنفي من كلام أبي الخطاب إنّما هو اختصاص العرض على رسول الله صلی الله علیه و آله بيوم الخميس، فأراد الإمام علیه السلامأن يُبيَّن أن الأعمال لا تعرض عليه صلی الله علیه و آله فقط في يوم الخميس بل تعرض عليه كلّ يوم، وهذا لا يتنافى مع العرض عليه صلی الله علیه و آله في يومي الاثنين والخميس.
ومنها ما في الكافي للشيخ الكليني ج1 ص219 بسنده عن الإمام أبي عبد الله علیه السلام قال: (تعرض الأعمال على رسول الله صلی الله علیه و آله أعمال العباد كل صباح أبرارها وفجارها فاحذروها، وهو قول الله تعالى: {...اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ... } وسكت).
1) عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج23 ص340 ح16 ب20. وفي تفسير العياشي إلى قوله: والمؤمنون.
تعرض الأعمال يومي الاثنين والخميس ودل على هذا بعض الروايات((1)) مثل:
ما في مجمع البيان((2)) في تفسير قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ...} حيث قال: روى أصحابنا أن أعمال الأمة تعرض على النبي صلی الله علیه و آله في كل يوم اثنين وخميس فيعرفها، وكذلك تعرض على الأئمة القائمين مقامه وهم المعنيون بقوله والمؤمنون {...والمُؤْمِنُونَ...}.
وفي تبيان((3)) شيخ الطائفة في تفسير الآية الشريفة ج5 ص295 قال: روي في الخبر أن الأعمال تعرض على النبي صلی الله علیه و آله في كل اثنين وخميس فيعلمها وكذلك تعرض على الأئمة علیه السلام فيعرفونها وهم المعنيون بقوله: {...والمُؤْمِنُونَ...}.من المناسب هنا أن نُشير إلى أنّ ما ورد في نقل العلمين شيخ الطائفة الطوسي وشيخ المفسِّرين الطبرسي من التعبير ب-(فيعلمها) أو (فيعرفونها) قد يوجب ذلك تساؤلاًًً، وهو أنّ أهل
البيت علیهم السلام هل يعلمون بالأفعال حين عرضها عليهم يومي الإثنين والخميس، أم أنّهم عالمون بها قبل حدوثها ومنكشف لهم واقعها حين وجودها؟
فنقول: لا شكّ أنّه ليس المراد بأنّ علمهم بالأفعال في يومي الإثنين والخميس، لأنّه على الأقل قد عُرضت عليهم الأفعال في كلّ يوم، فلو كان العرض موجباً للعلم، لحصل العلم في كلّ يوم، ولا معنى لحصوله أيضاً في يومي الاثنين والخميس، فإنّه يكون من تحصيل الحاصل المرفوض عند العقلاء.
فلا بُدّ من حمل تلك المفردات على معنى لا يتنافى مع العرض في كلّ يوم، ولا يتنافى مع انكشاف الأفعال لديهم، ويمكن أن يكون المراد من ذلك؛ أنّهم بمجرّد العرض عليهم يتعرّفون عليها لمطابقتها لما هو معلوم لديهم علیهم السلام ، ولتوضيح الفكرة أكثر نأخذ مثالاً عُرفيّاً، فمثلاً إذا عُرض عليك ابنك فإنّك تتعرّف عليه وتعرفه، لا أنّك جاهل به وعندما عُرض عليك علمت به.
وفي الأمالي((1)) للشيخ الطوسي ص537 بسنده عن النبي صلی الله علیه و آله – في حديث طويل - قال: (يا أبا ذر، تعرض أعمال أهل الدنيا على الله من الجمعة إلى الجمعة في يوم الاثنين والخميس. يغفر لكل عبد
1) وكذا في مكارم الأخلاق للشيخ الطبرسي ص470. وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج47 ص89.
مؤمن إلاّ عبداً كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اتركوا عمل هذين حتى يصطلحا).
وفي صحيفة الرضا((1)) عن آبائه علیهم السلام قال: (كان رسول الله صلی الله علیه و آله يسافر يوم الاثنين والخميس ويقول فيهما ترفع الأعمال إلى الله عزّ وجلوتعقد فيهما الألوية).
وفي معاني الأخبار((2)) للشيخ الصدوق ص410 بسنده قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله : (حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم، أمّا حياتي فتحدثوني وأحدثكم، وأما موتي فتعرض علي أعمالكم عشية الاثنين والخميس، فما كان من عمل صالح حمدت الله عليه وما كان من عمل سيئ استغفرت الله لكم).
ودلت على ذلك بعض الروايات منها:
ما في تفسير علي بن إبراهيم القمي((3)) ج1 ص304 بسنده عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (ما من مؤمن يموت أو كافر يوضع في قبره حتى يعرض عمله على رسول الله صلی الله علیه و آله وعلى أمير المؤمنين علیه السلام وهلم جرا إلى آخر من فرض الله طاعته فذلك قوله: {وَقُلِ اعْمَلُوا
فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ...}).
وما في تفسير العياشي لمحمد بن مسعود العياشي ج2 ص109 بسنده عن بريد العجلي قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام: في قول الله: {...اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ...} فقال: (ما من مؤمن يموت ولا كافر يوضع في قبره حتى يعرض عمله على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي علیه السلام، فهلم إلى آخر من فرض الله طاعته على العباد).
وما في بصائر الدرجات ص448 ح10 بسنده عن بريد العجلي قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام: {...اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ...} فقال: (ما من مؤمن يموت ولا كافر، فيوضع في قبره حتى يعرض عمله على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلىعلي وهلم جرا إلى آخر من فرض الله طاعته على العباد)((1)).
ودل على ذلك كثير من الروايات:
منها ما في تفسير العيّاشي((2)) عن محمد بن حسان الكوفي
عن محمد بن جعفر عن أبيه علیه السلام قال: (إذا كان يوم القيامة نصب منبر عن يمين العرش له أربع وعشرون مرقاة ويجيء علي بن أبي طالب علیه السلام وبيده لواء الحمد فيرتقيه ويعلوه ويعرض الخلائق عليه، فمن عرفه دخل الجنة، ومن أنكره دخل النار، وتفسير ذلك في كتاب الله: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ...}. قال: هو والله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام).
عرض الأعمال في يوم القيامة إنّما هو لحساب الخلائق، فإنّ حساب الخلائق يترافق مع عرض الأعمال، فلقد روي متواتراً عن المعصومين علیهم السلام أنّهم يُحاسبون الخلائق يوم القيامة، والشيخ الحر العاملي & في (الفصول المهمة في أصول الأئمة) عقد باباً سمّاه: باب 116 - إنّ حساب جميع الخلق يوم القيامة إلى الأئمة علیهم السلام ، وبعد إيراد بعض الأحاديث الدالّة على أنّ حساب جميع الخلائق على الأئمة علیهم السلام قال: (والأحاديث في ذلك كثيرة متواترة وإذا ضم إليها النص والإعجاز تمّ الدليل).
ومن تلك الأحاديث ما ورد في الزيارة الجامعة:
(...فالراغب عنكم مارق، واللازم لكم لاحق، والمقصر في حقكم زاهق، والحق معكم وفيكم ومنكم وإليكم وأنتم أهله
ومعدنه، وميراث النبوة عندكم، وإياب الخلق إليكم، وحسابهمعليكم، وفصل الخطاب عندكم، وآيات الله لديكم، وعزائمه فيكم ونوره وبرهانه عندكم...)((1)).
وكذا ما ورد في زيارة أمير المؤمنين علیه السلام:
(وميراث النبوة عندكم، وإياب الخلق إليكم، وحسابهم عليكم، وفصل الخطاب عندكم، وبرهانه معكم، ونوره منكم، وأمره إليكم، من والاكم يا ساداتي فقد والى الله، و من عاداكم فقد عادى الله)((2)).
وفي مستدرك سفينة البحار للشيخ علي النمازي ج1 ص243: وفي خطبة أمير المؤمنين علیه السلام قال: (إليّ إياب الخلق جميعاً، وإليّ حساب الخلق جميعاً...).
وفي الكافي((3)) بسنده عن جابر، عن أبي جعفر علیه السلام قال:
قال: (يا جابر إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين لفصل الخطاب، ودعي رسول الله صلی الله علیه و آله ودعي أمير المؤمنين علیه السلام... إلى أن
1) من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ج2 ص609، وعيون أخبار الرضا علیه السلام ص375. وتهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ج 6 ص 97، و البلد الأمين ص297، والمزار لمحمد بن المشهدي ص 248 وص 528، والمحتضر للحسن بن سليمان الحلي ص121.
2) المزار الكبير ص 877، وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 79 ص 346.
3) الكافي ج8 ص159 الباب 8، باب حديث الناس يوم القيامة، الحديث 154. البحار عنه، 7 / 337، كتاب العدل والمعاد، الباب 17، باب الوسيلة، الحديث 24. الوافي الحجرية، 3 / 103، الجزء 13، أبواب ما بعد الموت، الباب 113، باب البعث والحساب. وفي المحتضر للحسن بن سليمان الحلي ص155.
قال:
ثم يصعدان، ثم يدعى بنا فيدفع إلينا حساب الناس، فنحن والله ندخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يدعى بالنبيين فيُقامون صفين عند عرش الله عزّ وجل حتى نفرغ من حساب الناس، فإذا أدخل أهلالجنة الجنة، وأهل النار النار، بعث رب العزة علياً علیه السلام فأنزلهم منازلهم من الجنة وزوجهم، فعلي والله الذي يزوِّج أهل الجنة في الجنة وما ذاك إلى أحد غيره، كرامة من الله عزّ ذكره وفضلاً فضله الله به ومَنّ به عليه، وهو والله يدخل أهل النار النار، وهو الذي يغلق على أهل الجنة إذا دخلوا أبوابها؛ لأنّ أبواب الجنة إليه وأبواب النار إليه).
وفيه((1)) أيضاً بسنده عن سماعة، قال: (كنت قاعداً مع أبي الحسن الأول علیه السلام - والناس في الطواف في جوف الليل - فقال لي: يا سماعة إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم، فما كان لهم من ذنب في ما بينهم وبين الله، حتمنا على الله في تركه فأجابنا إلى ذلك، وما كان بينهم وبين الناس استوهبناه منهم فأجابونا إلى ذلك وعوضهم الله عزّ وجل).
قد يُقال: إنّ حساب الخلق على الله تعالى وليس على أحد من
1) الكافي، 8 / 162، الحديث 167. البحار، 8 / 57، كتاب العدل والمعاد، الباب 21، باب الشفاعة، الحديث 71.
الخلق لأنّ الله تعالى يقول: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} (الغاشية:26).
فجعل الله تعالى في الآية المباركة حساب الخلق على الله تعالى لا على غيره من الخلق.
ونقول في ردّ هذه الشبهة: إنّ الله تعالى قد نسب إلى ذاته المقدسة أفعالاً ولم يُنافي ذلك قيام الملائكة علیهم السلام بتلك الأفعال، فكتابة أفعال العباد قد نسبها تعالى إلى نفسه فقال:
{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} (يّ-س:12).
{لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} (آلعمران:181).
{كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً} (مريم:79).
في تلك الآيات الشريفة قد نسب الله تعالى كتابة أفعال الخلق إلى نفسه، ولم يُناف ذلك نسبتها إلى الملائكة الكرام علیهم السلام ، فقال تعالى:
{وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} (يونس:21).
{أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} (الزخرف:80).
كما أنّ تعذيب العاصين نسبه الله تعالى أيضاً إلى نفسه فقال تعالى:
{وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ}(التوبة: من الآية74).
ومع ذلك فإنّ الله تعالى قد أوكل بالعذاب ملائكة فقال تعالى:
{وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا...} (المدثر: من الآية31).
بل يصحُّ أن يُعذِّب الله تعالى الكافرين بأيدي المؤمنين قال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} (التوبة:14).
وكذا بالنسبة لحساب الخلق، فإنّ الله تعالى وإن نسبه إلى نفسه إلاّ أنّ ذلك لا يتنافى مع ما ثبت بالتواتر من أنّ حساب الخلق عيهم علیهم السلام ، وفي الآية الكريمة السابقة إشارة إلى ذلك إذ قال تعالى:
{ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} (الغاشية:26).
فالتعبير بالجمع يُشعر بذلك، فيكون تفسير الآية؛ ثُمّ عليّ وعلى أوليائي حسابهم.ثُمّ لماذا نقبل أن يكون حساب الناس على الملائكة - فالمسلمون جميعاً متفقون على حساب منكر ونكير ’ بل وجريان العذاب والنعيم على أيديهما - ولا نقبل
أن يكون الحساب على مَن هم أفضل من الملائكة علیهم السلام ؟!!!.
ولماذا يكون الاعتقاد بمحاسبة الملائكة للناس إيماناً، والإعتقاد بمحاسبة مَنْ هم أفضل من الملائكة يكون كفراً وغلواً؟!!!.
ويؤيِّد إرادتهم علیهم السلام من الآية المباركة ما في تفسير فرات الكوفي ص 208: بسنده عن قبيصة، عن أبي عبد الله علیه السلام في قوله عزّ وجل:
{إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}((1)) قال: فينا، قلت: إنّما أسألك عن التفسير، قال: نعم يا قبيصة، إذا كان يوم القيامة جعل الله حساب شيعتنا إلينا، فما كان بينهم وبين الله استوهبه محمد صلی الله علیه و آله من الله، وما كان في ما بينهم وبين الناس من المظالم أداه محمد صلی الله علیه و آله عنهم وما كان في ما بيننا وبينهم وهبناه لهم، حتى يدخلوا الجنة بغير حساب)((2)).
وما في أمالي شيخ الطائفة الطوسي قدس سره بإسناده إلى عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله علیه السلام قال: إذا كان يوم القيامة وكلنا الله بحساب شيعتنا، فما كان لله سألنا الله أن يهبه فهو لهم، وما كان لنا فهو لهم، ثم قرء أبو عبد الله علیه السلام:{إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}((3)).
وفي بصائر الدرجات بسنده عن أبى عبد الله علیه السلام أنّه قال: إلينا الصراط والميزان وحساب شيعتنا... والحديث طويل أخذنا منه
موضع الحاجة.
وغير ذلك من الروايات الكثيرة التي لا تخفى على المتتبع لأحاديث أهل العصمة والطهارة.
إنّ عرض الأعمال إنّما هو من أجل الرحمة بالعباد كما يستفاد ذلك من الروايات التي ذكرنا بعضها هنا، والتي منها ما ذكرناه في سبب نزول الآية المباركة، فقد ذكرت الرواية استغفار النبي صلی الله علیه و آله للعباد عند عرض الأعمال عليه.
وليس عرض الأعمال من أجل أن يعلم الله سبحانه وتعالى بأعمال العباد، أو يعلم النبي محمد وآله صلی الله علیه و آله بأفعال الناس، فإنّ علمهم علیهم السلام بأعمال العباد كعلمه تعالى بأفعالهم إنّما يكون سابقاً على الأعمال.
ولذا نقول: إنّ جميع هذه الروايات غير متعارضة؛ فإنّ عرض الأعمال يتكرر في مقام تعريض المؤمن للرحمة، فتعرض
الأعمال في كلّ يوم من أجل ما إذا فعل العبد في بادئ يومه بعض المحرّمات وتاب عنها وعمل الحسنات فتغفر له، وعرض الأعمال في كلّ أسبوع مرتين فيما لو كانت بعض صحفه في بداية الأسبوع سيئة واستغفر وتاب وعمل صالحاً فإنّه يغفر له، وعند الوضع في قبره لاحتياجه إلى الرحمة، وفي يوم القيامة لاحتياجه إلى الشفاعة والمغفرة.
رزقنا الله تعالى شفاعة ورحمة ورأفة نبينا وسيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين، في الدنيا والآخرة.
إنّ الآية المباركة لها الدلالة التامّة على العلم بالعمل في حينه- كما تقدّم ذلك – ولذا يكون عنوان عرض الأعمال ليس مشمولاً للآية المباركة، لخروجه تخصصا. وإنّما ذكر في بعض الروايات تطبيق الآية على العرض، لأنّ من وقع منه العلم بالعمل في حينه فإمكانيّة العرض عليه من باب أولى هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إنّ الناس تتفاوت في استعداداتها وتقبلها للحق، ولذا كانت مسألة عرض الأعمال – مع وجود المصلحة فيها – أقرب إلى قبول الناس.
كما أنّ الآية المباركة دالّة على عموم علم الأئمة علیهم السلام بكلِّ أفعال العباد الصالح والطالح، الشريف والوضيع، العظيم
والحقير، الخفي والظاهر، السرّ والعلن.
فإن تراءى لبعض الناس أنّهم لا يعلمون بأفعالنا الخاصّة لقبح الإطّلاع على العورات فنقول: إنّ العلم غير النظر، بل لا يقبح حتّى النظر، بعد أن قامت الأدلّة على ذلك، ومن تلك الأدلّة هذه الآية المباركة وإن تأدّبوا علیهم السلام بأدب عدم النظر إلى العورات.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين، محمد وآله الطاهرين، ونسأله تعالى أن يجعلنا من المنتظرين لسيدنا ومولانا إمام الخلق أجمعين آمّين... يا ربّ العالمين.
المقدمة 5
النقطة الأولى: في سبب النزول: 9
النقطة الثانية: في معنى الرؤية هنا: 11
الرؤية النبوية: 15
الصنف الأوّل:أنّه صلی الله علیه و آله يرى في منامه كما يرى في يقظته: 15
سند الأحاديث: 71
دلالة الأحاديث: 17
عدم ناقضيّة النوم للوضوء في حقّهم علیهم السلام : 19
النوم الناقض للوضوء: 19
1- نوم الأُذُن والقلب: 19
2- المُذْهِب للعقل: 20
3- الخافي للصوت: 21
دلالة الروايات: 22
ما أشكل على المخالفين: 32
رواية المخالفين: 52
الصنف الثاني: أنّه صلی الله علیه و آله يرى من خلفه كما يرى من أمامه: 72
سند الأحاديث: 82
دلالة الأحاديث: 92
الصنف الثالث: ما دلّ على الأمرين السابقين: 31
جريان ذلك في حقّ الأئمة المعصومين علیهم السلام : 33
النقطة الثالثة: المراد بالمؤمنين هنا: 34
النقطة الرابعة: دلالة الفاء: 36
النقطة الخامسة: دلالة السين: 38
النقطة السادسة: دلالة العطف بالواو: 40
النقطة السابعة: عموم العمل والعامل: 42
النقطة الثامنة: وقت عرض الأعمال: 44
أوّلاً:عرض الأعمال كلّ يوم: 44
ثانياً: يومي الاثنين والخميس: 47
ثالثا: بعد الوضع في القبر: 49
رابعاً: في يوم القيامة: 50
العرض من أجل الحساب: 51
شُبهةٌ وردُّها: 53
الجمع بين الروايات: 58
خاتمة 60