ghaemiyeh.com
بحوث ومقالات تعلق بالإمام الحسين علیه السلام
الشيخ عَلَى عِيسَى الزَّوَاد
يحق لأي مؤمن
طباعة هذا الكتاب
وله الأجر إن شاء الله
الطبعة الأولى
1445ه-
محرر الرقمی:محمد رضا راهجو
بحوث ومقالات
تعلق بالامام الحسين
الشيخ عَلَى عِيسَى الزَّوَاد
يحق لأي مؤمن
طباعة هذا الكتاب
وله الأجر إن شاء الله
الطبعة الأولى
1445ه-
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
إليك يا سيّدي، يا أبا عبد الله، يا حسين...
يا مُحيي القلوب مِن غفلاتها. وباعث الهمم مِنْ قبرها.
ومُنطق الألسنة بعد انخراسها. وميقظ العقول مِن سُباتها.
ومنعش النفوس بعد خمولها.
ومجدّد الأفكار بعد نسيانها.
ومعيد الفطرة إلى استقامتها...
لولاك لما كانت لي همّة أخطّ بها كتابي هذا، ولولاك لمَا نطق لساني وأفصح بياني وفاضت مشاعري، لقد آنستني بذكرك، وهيجت قلبي بمحبتك، ودموع عيني بمصيبتك، فأنت النور الذي
به أُبصر، وأنت الشعور الذي ينبض في قلب عُبيدكم، وأنت الروح التي بها أعيش، فلا تعرض عنِّي، ولا تكشح بوجهك الكريم عن دمعي في محبتكم، لأنّني تجرأت على أنْ أهديكم هذه الصفحات.
إنَّ الهدايا على مقدار مُهديها لا إلى المُهدى إليه.هذه بضاعة مزجاة، لا شكّ أنَّها لا تنفعك ولكنّها تنفعني إنْ قبلتها بقبولك الحسن، فأنا الفقير المسكين وأنت الغني الكريم، تقبّل هديّتي برأفتك ورحمتك وكرمك، وما أطمعني إلاّ أنّكم على خُلق عظيم، وكفى بثناء باريكم تبارك وتعالى عليكم.
ما في صُحفي هذه مِن صواب فبفضلكم ومنِّكم وجودكم وكرمكم ورأفتكم ورحمتكم، وما فيها ما جانب الصواب فهو مِن العبد الخطَّاء وأنتم أهل الصفح، وعذري جهلي والعذر عند كرام الناس مثلكم مقبول.
المتشرِّف بوسام عبد سادته إنْ قبلوه
علي الزواد
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
الحمد لله الواحد الأحد، والصلاة والسلام على خير الأنام سيِّدنا ونبيِّنا محمّد وآله الطيِّبين الطَّاهرين ولاسيّما الغائب عن الأنظار الحاضر في القلوب، روحي وأرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء، واللّعن المؤبّد على اعدائِهم ومنكري فضائلهم مِنَ الأوَّلين والآخرين... وبعد:
في الكافي الشريف((1)): بسنده عن معاوية بن وهب قال: استأذنت على أبي عبد اللهعلیه السلام فقيل لي: أُدخل. فدخلت، فوجدته في مصلاّه في بيته، فجلست حتَّى قضى صلاته فسمعته وهو يناجي ربَّه ويقول:
1) ) الكافي للشيخ الكليني ج4 ص582.
(يا َمنْ خصَّنا بالكرامة، وخصَّنا بالوصية، و وعدنا الشفاعة، وأعطانا عِلم ما مضى وما بقي، وجعل أفئدة مِنَ الناس تهوي إلينا، اغفر لي ولإخواني ولزوار قبر أبي [عبد الله] الحسينعلیه السلام الذين أنفقوا أموالهم وأشخصوا أبدانهم رغبةً في بِرِّنا ورجاءً لِمَا عندك في صلتناوسروراً أدخلوه على نبيِّك صلواتك عليه وآله، وإجابة منهم لأمرنا، وغيظاً أدخلوه على عدونا، أرادوا بذلك رضاك فكافهم عنَّا بالرضوان، واكلأهم بالليل والنهار، واخلف على أهاليهم وأولادهم الذين خلَّفوا، بأحسن الخلف، واصحبهم واكفهم شرَّ كلِّ جبَّار عنيد، وكلِّ ضعيف مِنْ خلقك أو شديد، وشرِّ شياطين الإنس والجن، وأعطهم أفضل ما أمَّلوا منك في غربتهم عن أوطانهم، وما آثرونا به على أبنائهم وأهاليهم وقراباتهم.
اللَّهم إنَّ أعدائنا عابوا عليهم خروجهم فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا، وخلافاً منهم على مَنْ خالفنا، فارحم تلك الوجوه التي قد غيَّرتها الشمس، وارحم تلك الخدود التي تقلَّبت على حفرة أبي عبد اللهعلیه السلام، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا، وارحم تلك القلوب
التي جزعت واحترقت لنا، وارحم الصرخة التي كانت لنا، اللهم إني أستودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان حتى نوافيهم على الحوض يوم العطش... فما زال وهو ساجد يدعو بهذا الدعاء..)
مولاي أيها الصادق البارّ الأمين
أرجو أن تسمح لمولاك أن يقتطف من بستان حديثك هذه الكلمات:
(اللهم إنَّ أعدائنا عابوا عليهم خروجهم، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا، وخلافاً منهم على مَنْ خالفنا)
نعم يا مولاي:
عابت فئة علينا تجديد ذكرى جدِّك الامام الحسين(روحي فداه) ولم يمنعنا ذلك يا مولاي مِنْ أنْ نجدِّد له الحزن في كلِّ عام، ونعقد المجالس الذاكرة لمصابه، ولم يقتصر أولئك على تعييبهم بل أرسلوا الانتحاريين كي يقتلونا ويمنعونا مِنْ مشاركتكم لأحزانكم فلم يُفلحوا ولن ينجحوا وبقينا على الوفاء بالعهد.
نعم يا مولاي:
عابوا علينا البكاء واللَّطم على فقد مَنْ بكته السماء ومَن
فيها، والأرض بحجرها ومدرها وشجرها، عابوا علينا البكاء على مَنْ أبكى عين جدِّك المصطفى، وأباك المرتضى، وأمَّك الزهراء، وأفجع قلوبهم خزانة الأسرار المملوءة بمحبة الله حبيبهم، ولم يمنعنا ذلك مِنْ مواساتكم والنحيب بين أيديكم مدخلين بذلك السرور على قلب جدِّك المصطفى وأبيك المرتضى وأمِّك فاطمة الزهراء.
نعم يا مولاي:
عابوا علينا أنْ نبذل الغالي والنفيس والقليل والكثير وهو في حقِّكم أقلّ مِنَ القليل، وكأنّنا نصرف مِنْ جيوبهم وننهب أموالهم، عابوا علينا أنْ نُقدِّم يسير الدنيا التي متاعها كله قليل في قبال ما بذلتم مِنَ النّفوس والأعراض، وأيّ بذل قد بذلتموه!!! إنَّه نفس رسول الله ودمه ولحمه وعظمه حتَّى سُحقت بحوافر الخيل، وضحَّيتم بناموس رسول الله وعرضه وشرفه، فلم يمنعنا نهيقهم عن المسارعة والاستباق إلى بذل المقدور، وكلُّنا حياء مِنْ بذل القلَّة القليلة، الذي هو مِنْ خيركم وفضلكم وعطاءكم.نعم يا مولاي:
عابوا علينا الصراخ والعويل والضجيج. لم يستطيعوا أن
يُضعفوا شيئاً مِنْ هممنا كيف!!! ونحن نقرأ في دعاء النّدبة مِن كلام حفيدك:
(فعلى الأطائب مِنْ أهل بيت محمّد وعلي صلّى الله عليهما والهما فليبك الباكون، وإيّاهم فليندب النادبون، ولمثلهم فلتُذرَف الدموع، وليصرخ الصّارخون، ويضجّ الضاجّون، ويعجّ العاجّون).
وأقولها لكم بصراحة وأنتم العارفون العالمون لم نوفق لامتثال ما ندبه إلينا بقيتكم.
ولكنّنا تركنا العاذلين وخاطب بعضنا بعضاً بما عَلَّمنا بقيتكم فقلنا:
(هل مِنْ معينٍ فأطيل معه العويل والبكاء، هل مِنْ جزوع فأساعد جزعه إذا خلا، هل قذيت عين فساعدتها عيني على القذى).
أنى لنا بالجزع...
وا حسرتاه على ما فرطنا في جنب الله...
نعم يا مولاي:
عابوا علينا إسالة بضع قطرات مِن الدَّم تعبيراً عن جزعنا وعظم مصابنا بكم مواساةً لكم، وما نفعله يعود إلينا
بالصِّحة، فإننا نطبر في أحد مواضع الحجامة التي أرشدتم إليها، ومع ذلك استكثروا تلك القطرات عليكم بحجج واهية، زيَّن لهم الشيطان أعمالهم فصدَّهم عنالسبيل، واتخذونا هزواً، ولم تمنعنا حملاتهم الإعلامية المكتوبة والمسموعة والمرئيّة، الّتي ملؤوها بالكذب والافتراء، فنسبوا إلى المراجع العظام ما لم يقولوا، وادعوا أنّ هناك حالات وفاة زوراً منهم وفرية لم يخشوا الله منها، وهَبْ أنّ حالة أو حالتين حدثت فهل نترك الصلاة إذا فرضنا أنَّ أشخاصاً جاءهم الأجل وهم في صلاتهم؟!!!! عذراً مولاي اسهبت فيما لا ينبغي لي أنْ أُسهب فيه وأنا أخاطبك، ولكنّي أحببت أنْ أقول: إنّ صنوف محاربتهم زادتنا تمسُّكاً بالجزع عليكم، فليذهب نباحهم أدراج الرياح ونبقى نقول:
عابوا علينا أدمعا لمصابه
ومن الرؤوس
دماءَ ثكلٍ تنبعُ
لم يعلموا أنّ الدموعَ مع الدما
لمصابه في كفّ فاطمَ تُجمع
هذا الكتاب
هذه مجموعة مِن البحوث القيتها في مناسبات، وبعض المقالات كتبتها للنشر بين المؤمنين، وكلها كانت تتعلق بالإمام الحسينعلیه السلام مِن قريب أو بعيد حسب ما يرى
القارئ المؤمن العزيز. جمعت هذا الشتات تحت عنوان "بحوث ومقالات تتعلق بالإمام الحسينعلیه السلام". فالصواب مِن أهل العصمة والطهارة والخطأ مِن هذا العبد الخطَّاء.
صرخة لأبي عبد الله الحسين
كتبها مَن لَم يتشرف بتاج الخدمة
علي
زوادصرخة لأبي عبد الله الحسين
كتبها مَن لَم يتشرف بتاج الخدمة
علي
زواد
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
قال تعالى: (قُل لَّآ أَسْ-َٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ((1)).
هذه الآية المباركة مشتملة على مباحث جليلة، نتحدَّث فيها بقدر ما يُناسب المقام، ونذكرها بشكل نقاط:
الله سبحانه وتعالى أمر نبيّه النبي محمد صلی الله علیه و آله أن يُبلِّغ الناس أنّه صلی الله علیه و آله لا يسأل الناس أجراً على رسالته الموصلة للنجاة والفوز بنعيم الجنّة ورضا الربِّ الغفَّار إلاّ المودَّة في القربى، والإتيان بقُل نستفيد منه أنّ الله تعالى هو الآمر لنبيه بأنْ يقول للناس ذلك، لتذكيرهم بأنّ هذا بأمر مِنَ الله
1) ) سورة الشورى الآية 23.
تعالى وليس مِنْ عند نفسه، كما نستفيد أنّ هذا التبليغ لا يتم إلاّ مِنْ قبل النبي صلی الله علیه و آله ولا يصحُّ أنْ يقوم أحدٌ بتبليغ الآية إلاّ هو أو مَن هو في مقام نفسه، ولذا ورد في سورة براءة وهي سورة التوبة أنّه لا يصح أن يبلغها إلا النبي صلی الله علیه و آله أو مَن هو بمنزلة نفسه، حيث اشتملت سورة براءة على تسع آيات فيها (قل) وهي:1- {قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ}((1)).
2- {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}((2)).
3- {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنْ عِندِهِۦٓ أَوْ بِأَيْدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ}((3)).
4- {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَٰسِقِينَ}((1)).
5- {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٖ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}((2)).6- {يَحْذَرُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْۚ قُلِ ٱسْتَهْزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ}((3)).
7- {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُۚ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ}((4)).
8- {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّاۚ لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ}((5)).
9- {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ
قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}((1)).
ف-(قل) أي قل أنت للناس، وإذا بلّغ الآية غيرُه فلا يتحقق الامتثال بالقول للناس، بل غيره هو الذي قال للناس، وليس هو، ففي كلِّ آية تشتمل على (قل) لا يصحُّ تبليغها إلا مِن النبي صلی الله علیه و آله أو مَن هو بمقام نفسه الشريفة.
وإنّما قام النبي صلی الله علیه و آله بتسليم سورة براءة لعتيق بن أبي قحافة في بادئ الأمر ليعلم الناس أنّه ليس ممن يقوممقام النبي صلی الله علیه و آله فليس أهلاً لأن يقوم بدور النبي صلی الله علیه و آله في أي أمر من الأمور.
وتعمد المخالفون بتكنية عتيق بأبي بكر تحاشياً عن ذكر اسمه لأنّ عتيق إمّا بمعنى الخَلِق البالي أو المعتوق لأنّ فعيل هنا بمعنى المفعول، كقولنا قتيل بمعنى المقتول، وهنا عتيق بمعنى المعتوق، ولا يكون معتوقاً إلاّ إذا كان عبداً فإنّ الحرّ لا يُعتق، وقيل غير ذلك في اسمه.
التعبير بالفعل المضارع المفيد للاستمرار يدلّ هنا
1) ) سورة التوبة الآية 94.
أنّه صلی الله علیه و آله لا يسأل أبداً لا الآن ولا في المستقبل إلاَّ المودة في القربى، فهو يسأل الناس ويطلب منهم المودة في القربى على نحو الدوام والاستمرار. ولم يقل: ما سألتكم فإنّه لو قال كذلك فيدل على عدم سؤاله في الماضي وهو قد سألهم المودة في الزمان الماضي وهو خلاف الغرض، فإن الغرض هو دوام سؤال النبي لتلك المودة.
والتعبير بالسؤال دون الطلب لبيان أنّ مطالبته بتلك المودة لا تقتصر على الطلب من الناس والأمر بتلك المودة بل إنّه صلی الله علیه و آله سائل الناس عنها يوم الحساب، ولذا ورد في قوله تعالى: (وَقِفُوهُمْۖ إِنَّهُم مَّسُْٔولُونَ 24 ((1))
في كثير مِن الروايات أنّ الناس مسؤولة عن ولاية أمير المؤمنينعلیه السلام ومحبة أهل البيت علیهم السلام ، وورد ذلك عند الخاصة والعامة، ومنها:
ما عن محمد بن إسحاق والشعبي والأعمش وسعيدبن جبير وابن عباس وأبي نعيم الأصفهاني والحاكم الحسكاني والنطنزي وجماعة أهل البيت علیهم السلام (وَقِفُوهُمْۖ إِنَّهُم مَّسْ-ُٔولُونَ 24) عن ولاية علي بن أبي طالب وحب أهل
1) ) سورة الصافات الآية 24.
البيت علیهم السلام ((1)).
وما عن الشيرازي في كتابه، وأبو معاوية الضرير عن الأعمش عن مسلم النظير، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس قال: (إذا كان يوم القيامة أمر الله مالكاً أنْ يُسِّعر النيران السبع، وأمر رضوان أنْ يزخرف الجنان الثمانية، ويقول: يا ميكائيل مدَّ الصراط على متن جهنم. ويقول: يا جبرئيل انصب الميزان تحت العرش. وناد؛ يا محمد قرِّب أمتك للحساب. ويأمر الله تعالى أنْ يعقد على الصراط سبع قناطر طول كل قنطرة سبعة عشر الف فرسخ، وعلى كلِّ قنطرة سبعون ألف ملك قيام فيسألون هذه الأمة نساؤهم ورجالهم على القنطرة الأولى عن ولاية علي بن أبي طالب وحب آل محمد علیهم السلام ، فمن أتى به جاز القنطرة الأولى كالبرق الخاطف، ومَنْ لم يحب أهل بيت نبيه سقط على أمِّ رأسه في قعر جهنم، ولو كان له مِنْ أعمال البِرِّ عمل سبعين صدِّيقاً...
إلى أنْ يقول: (وَقِفُوهُمْۖ إِنَّهُم مَّسُْٔولُونَ 24) يعني معاشر الملائكة وقفوهم يعني العباد على القنطرة الأولى عن ولاية
1) ) مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج2 ص4.
علي وحبِّ أهل البيت((1)).وما عن البرسي في المشارق بإسناده عن المفضل في قوله تعالى: (إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ 25 ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم 26)((2)).
قال: قال أبو عبد الله علیه السلام : (من تراهم؟ نحن والله هم، إلينا يرجعون، وعلينا يُعرضون، وعندنا يُقضون، وعن حبنا يُسألون)((3)).
وما روى ابن حجر في صواعقه عن الديلمي والواحدي قال: وأخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري أنَّ النبي صلی الله علیه و آله قال: (وَقِفُوهُمْۖ إِنَّهُم مَّسْ-ُٔولُونَ) عن ولاية علي علیه السلام وكأنَّ هذا مراد الواحدي بقوله: روي في قوله تعالى: (وَقِفُوهُمْۖ إِنَّهُم مَّسُْٔولُونَ) أي عن ولاية علي وأهل البيت علیهم السلام لأنَّ الله تعالى أمر نبيَّه صلی الله علیه و آله أنْ يعرِّف الخلق أنْ لا يسأل عن تبليغ الرسالة أجراً إلاّ المودة في القربى، والمعنى أنَّهم يُسألون هل وَالَوهُم حقَّ الموالاة كما أوصاهم النبي صلی الله علیه و آله أم أضاعوها وأهملوها؟ فتكون عليهم المطالبة والتبعة،
انتهى((1)).
كما ورد في تفسير الآية الكريمة:
(ثُمَّ لَتُسَْٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ)((2))
أنّ النعيم المسؤول عنه العباد هو ولاية أهل البيت علیهم السلام ومحبتهم.
ففي المصباح مِنْ دعاء صلاة الغدير عن الإمام الصادق علیه السلام :
أتممت علينا نعمتك بموالات أوليائك المسؤول عنهم عبادك فإنَّك قلت: (ثُمَّ لَتُسَْٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ) وقلت وقولك الحق (وَقِفُوهُمْۖ إِنَّهُم مَّسْ-ُٔولُونَ)((3)).
وعن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على أبي جعفر علیه السلام فدعا بالغداء فأكلت معه طعاماً ما أكلت طعاماً قط أنظف منه ولا أطيب، فلمَّا فرغنا مِنَ الطعام قال: (يا أبا خالد، كيف رأيت طعامك؟ أو قال: طعامنا؟ قلت: جعلت فداك
ما رأيت أطيب منه ولا أنظف قط ولكنِّي ذكرت الآية التي في كتاب الله عزَّ وجلَّ (ثُمَّ لَتُسَْٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ) قال أبو جعفر علیه السلام : لا. إنَّما تُسألون عمَّا أنتم عليه مِنَ الحق)((1)).
وروي عن أبي حمزة قال: كُنَّا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام جَمَاعَةً، فَدَعَا بِطَعَامٍ مَا لَنَا عَهْدٌ بِمِثْلِهِ لَذَاذَةً وَطِيباً، وَأُوتِينَا بِتَمْرٍ نَنْظُرُ فِيهِ إِلى وُجُوهِنَا مِنْ صَفَائِهِ وَحُسْنِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هذَا النَّعِيمِ الَّذِي نُعِّمْتُمْ بِهِ عِنْدَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ صلی الله علیه و آله .
فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام : «إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) أَكْرَمُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يُطْعِمَكُمْ طَعَاماً، فَيُسَوِّغَكُمُوهُ، ثُمَّ يَسْأَلَكُمْ عَنْهُ، وَلكِنْ يَسْأَلُكُمْ عَمَّاأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ صلی الله علیه و آله )((2)).
عن إبراهيم بن عباس الصولي الكاتب بالأهواز سنة سبع وعشرين ومئتين قال: كُنَّا يوماً بين يدي علي بن موسى صلی الله علیه و آله فقال لي: ليس في الدنيا نعيم حقيقي. فقال له بعض الفقهاء ممَّن يحضره: فيقول الله عزَّ وجلَّ (ثُمَّ
لَتُسَْٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ) أمَّا هذا النعيم في الدنيا وهو الماء البارد.
فقال له الرضا علیه السلام وعلا صوته: كذا فسَّرتموه أنتم، وجعلتموه على ضروب؛ فقالت طائفة: هو الماء البارد، وقال غيرهم: هو الطعام الطيِّب، وقال آخرون: هو النوم الطيب.
قال الرضا علیه السلام : ولقد حدَّثني أبي عن أبيه أبي عبد الله الصادق علیه السلام أنَّ أقوالكم هذه ذُكِرَت عندَّه في قول الله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْ-َٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ) فغضب علیه السلام وقال: إنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يَسأل عباده عمَّا تفضَّل عليهم به، ولا يَمُنُّ بذلك عليهم، والامتنان بالإنعام مستقبح مِنَ المخلوقين فكيف يضاف إلى الخالق عزَّ وجلَّ ما لا يرضى المخلوق به؟! ولكن النعيم حبُّنا أهل البيت وموالاتنا، يَسأل الله عباده عنه، بعد التوحيد والنبوة((1)).
وهذا هو النعيم المشار إليه في آية اكمال الدين:(ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعمَتِي وَرَضِيتُ
1) ) عيون أخبار الرضا علیه السلام للشيخ الصدوق ج1 ص136-137.
لَكُمُ ٱلإِسلَٰمَ دِينًا)((1)).
في الصفحات السابقة مرّ أنّ المراد بالنعيم المسؤول عنه العباد في الآية المباركة: (ثُمَّ لَتُس-َٔلُنَّ يَومَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ) هو الولاية لأهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام وليس المراد مِن النعيم هو الطعام الطيب. فالروايات فسّرت الآية المباركة بمعنى محدد، ونفت التفسيرات الأخرى الباطلة.
والروايات موافقة لما صرّح به القرآن الكريم في قوله تعالى:
(وَظَلَّلنَا عَلَيكُمُ ٱلغَمَامَ وَأَنزَلنَا عَلَيكُمُ ٱلمَنَّ وَٱلسَّلوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقنَٰكُمۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ 57)((2)).
(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقنَٰكُم وَٱشكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُم إِيَّاهُ تَعبُدُونَ 172)((3)).
(قُل مَن حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزقِۚ قُل هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا خَالِصَةً يَومَ ٱلقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلأٓيَٰتِ
لِقَومٖ يَعلَمُونَ 32)((1)).
وغيرها مِن الآيات الكريمة التي دعت إلى أكل الطيبات من رزق الله تبارك وتعالى الذي يرزق به عباده رحمة منه ورأفة.
وما يُتوهم مِن مُنافاته لما ورد مِن سؤال العبد عن ماله من أين كسبه وفيما أنفقه الذي رواه الصدوق عن محمد بن أحمد الأسدي البردعي، قال: حدثتنا رقية بنت إسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيها، عن آبائه علیهم السلام : قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين كسبه وفيما أنفقه، وعن حبنا أهل البيت)((2)).
ليس ذلك التوهم بصحيح، لأنّ العبد يُسأل عن ماله فيما أنفقه ولا يؤاخذ إلاّ إذا كان صرفه في مُحرّم، وأمّا الحلال والمستحب وإن سئل فليس مؤاخَذاً عليه.
فالذي يُسأل عنه العبد هو ما يكون مورداً للمؤاخذة. وصرف المال في الطعام الطيب لإطعام المؤمنين مِن المستحبات والطاعات
والقربات وليس مورداً للمؤاخذة والعقاب، فلا يكون مورداً للمساءلة.
وما ورد عن أمير المؤمنين وسيِّد الموحدين علي بن أبي طالب علیه السلام مما روي عن أم كلثوم بنت أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنّها قالت:(لمّا كانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان قدَّمت إليه عند إفطاره طبقاً فيه قرصان من خبز الشعير وقصعة فيها لبن وملح جريش((1))، فلما فرغ مِن صلاته أقبل على فطوره، فلمّا نظر إليه وتأمله حرك رأسه وبكى بكاءاً شديداً عالياً، وقال: يا بنية ما ظننت أنَّ بنتاً تسوء أباها كما قد أسأتِ أنتِ إلي، قالت: وماذا يا أباه؟ قال: يا بنية أتقدمين إلى أبيك إدامين في فرد طبق واحد؟ أتريدين أن يطول وقوفي غداً بين يدي الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة؟!
أنا أريد أنْ أتَّبع أخي وابن عمي رسول الله صلی الله علیه و آله ؛ ما قُدِّم إليه إدامان في طبق واحد إلى أن قبضه الله، يا بنية ما مِنْ رجل طاب مطعمه ومشربه وملبسه إلاَّ طال وقوفه بين يدي الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة، يا بنية إنَّ الدنيا في حلالها حساب وفي حرامها عقاب. وقد أخبرني حبيبي رسول الله صلی الله علیه و آله أنَّ جبرئيل علیه السلام نزل إليه ومعه
1) ) الجريش: هو ما لم يُطحن ناعما بل خشناً.
مفاتيح كنوز الأرض وقال: يا محمد. السلام يقرؤك السلام ويقول لك: إنْ شئت صيَّرت معك جبال تهامة ذهباً وفضَّة، وخذ هذه مفاتيح كنوز الأرض ولا ينقص ذلك من حظِّك يوم القيامة، قال: يا جبرئيل وما يكون بعد ذلك؟ قال: الموت، فقال: إذاً لا حاجة لي في الدنيا، دعني أجوع يوماً وأشبع يوماً، فاليوم الذي أجوع فيه أتضرَّع إلى ربي وأسأله، واليوم الذي أشبع فيه أشكر ربي وأحمده، فقال له جبرئيل: وُفِّقت لكلِّ خيرٍ يا محمد. ثُمَّ قال علیه السلام : يا بُنيَّة الدنيا دار غرور ودار هوان، فمَن قدَّم شيئاً وجده، يا بُنيَّة والله لا آكل شيئاً حتى ترفعين أحد الإدامين، فلمَّا رفعته تقدَّم إلى الطعام فأكل قرصاً واحداً بالملح الجريش، ثُمَّ حمد اللهوأثنى عليه)((1)).
ينبغي أنْ نذكر نقاطاً للتأمّل في هذه الرواية:
الأولى:
إنّ الشيخ المجلسي(قدّس سرّه) صرّح بما يلي: "رأينا في بعض الكتب القديمة رواية في كيفية شهادته علیه السلام ؛ أوردنا منه شيئاً مما يناسب كتابنا هذا على وجه الاختصار، وهو نقل طويل، أخذنا منه قبسات متفرقة في بيان شهادة
1) ) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج42 ص276.
مولانا أمير المؤمنين علیه السلام ".
فالرواية غير معلومة المصدر عندنا ولا سند لها، ولها مصدرها عند الشيخ المجلسي، وقد يكون لها سند اطلع عليه هو.
الثانية:
ما هو الداعي للبكاء الشديد العالي؟!
أ لمجرّد أنْ قُدِّم إليه لبن وملح في طعامٍ واحد وهو القادر على ترك أحد الإدامين؟ فإنْ كان في تناول الإدامين مخالفة شرعيّة فهو لم يفعل حتّى يبكي على ذنب لم يقترفه بُكاءاً شديداً.
وإنْ أردنا أنْ نقبل هذا المقدار مِن الرواية ونقبل البكاء لذلك الاعتبار فنقول أنّ البكاء لمجرّد تصور طول الموقف بين يدي الله تعالى وإنّ لم يكن الموقوف هو أمير المؤمنين علیه السلام .
الثالثة:
إنّ قول: "يا بنية ما ظننت أنَّ بنتاً تسوء أباها كما قد أسأتِأنتِ إلي" على نحو كلِّي ولم يقل: "يا بُنيَّة ما ظننتك تُسيئين إلى أبيكِ بهذا القدر مِن السوء" بل جاء بكلام كلي وهو أنّه لا يظن أنّ بنتاً في الوجود قد اساءت إلى أبيها بقدر ما اساءت أم كلثوم إليه" وهذا كلام مخالف للوجدان فإنّ الكثير مِن البنات قد فعلن مع آبائهن أفعالاً قبيحة، وفعلن الموبقات والطامَّات.
ومع غضّ النظر عن الكلام العام المرفوض قطعاً، فإنّ الذي فعلته أم كلثوم علیه السلام ليس إلاّ مُجرّد مباح إن لم يكن مُستحباً وهو إكرام أبيها بالطعام.
الرابعة:
مما لم أعيه، ولا أتصوره، ولن أتعقله هو تصور طول وقوف أمير المؤمنين علیه السلام بين يدي الله يُحاسبه على الملح الجريش أو اللبن، أقول ذلك لأسباب كثيرة منها:
إنّ الله تبارك وتعالى أعطاهم وأفاض عليهم بالكثير مِن النعم، ولا معنى بأنْ يجود الكريم على حبيبه ويسأله عنه.
إنّ الله تبارك وتعالى قال:
(هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمنُن أَو أَمسِك بِغَيرِ حِسَابٖ 39)((1)).
تأمَّل أخي القارئ في هذه الآية المباركة؛ عبّر الله تبارك وتعالى عن فعله ب-(هذا) وهي للتقليل والتحقير هنا، ومتاع الدنيا كلّه عند الله تبارك وتعالى قليل: (قُل مَتَٰعُ ٱلدُّنيَا قَلِيلٌ)((2)). كما عبّر عن فعله بالعطاء، أمّا ما يجود به النبي محمد صلی الله علیه و آله فهو منّة على الخلق، فأيُّ تعظيم هنا للنبي الأعظم صلی الله علیه و آله ، كما للنبي صلی الله علیه و آله الحق أنّ يمنَّ أو
يُمسك فيمُنّ بغير حساب في العطاء ولا حساب عليه فيما يمن وفيما يُمسك.
وأليس حساب الخلق عليهم علیهم السلام ، وإياب الخلق إليهم؟ فمن ذا الذي سيُحاسب أمير المؤمنين أو يُحاسبهم علیهم السلام ؟!
ففي الزيارة الجامعة: (وَاِيابُ الْخَلْقِ اِلَيْكُمْ، وَحِسابُهُمْ عَلَيْكُمْ).
نعم يُمكن أن يُفهم ذلك أنّهم علیهم السلام الزموا أنفسهم بأمور لو خالفوها لكانت محلاً للمسائلة، و(لو) هذه شأنها شأن قوله تعالى: (لَو كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلعَرشِ عَمَّا يَصِفُونَ 22)((1)).
وهذا الإلزام الذي الزموا به أنفسهم قد أشار إليه في النصِّ نفسه بقوله: (أنا أريد أنْ أتَّبع أخي وابن عمي رسول الله صلی الله علیه و آله ؛ ما قُدِّم إليه إدامان في طبق واحد إلى أن قبضه الله).
(وقد أخبرني حبيبي رسول الله صلی الله علیه و آله أنَّ جبرئيل علیه السلام نزل إليه ومعه مفاتيح كنوز الأرض وقال: يا محمد. السلام يقرؤك السلام ويقول لك: إنْ شئت صيَّرت معك جبال تهامة ذهباً وفضَّة، وخذ هذه مفاتيح كنوز الأرض ولا ينقص ذلك من حظِّك يوم القيامة،
1) ) من سورة الأنبياء.
قال: يا جبرئيل وما يكون بعد ذلك؟ قال: الموت، فقال: إذاً لا حاجة لي في الدنيا، دعني أجوع يوماً وأشبع يوماً، فاليوم الذي أجوع فيه أتضرَّع إلى ربي وأسأله، واليوم الذي أشبع فيه أشكر ربي وأحمده).ومثله ما روي عن أمير المؤمنين مِنْ قوله علیه السلام ((1)):
(أَمَّا بَعْدُ يَا ابْنَ حُنَيْفٍ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلَى مَأدُبَةٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الألْوَانُ وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْمٍ عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وَجْهِهِ فَنَلْ مِنْهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِى بِهِ وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ أَلا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ أَلا وَإِنَّكُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ...).
(أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ: أَمِيرُالْ-مُؤْمِنِينَ، وَلا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَ-هُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ!).
1) ) شرح نهج البلاغة من كتاب له علیه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري وكان عامله على البصرة.
الخامسة:
القسم في قوله: "يا بُنيَّة والله لا آكل شيئاً حتى ترفعين أحد الإدامين" ينبغي فهم داعيه هو بيان عظمة الأمر وإلاّ لا مبرر له مع إمكانه أن يأتي بالكلام دون القسم، ولقد نُهينا أن نجعل الله عُرضة لأيماننا، قال تعالى:
(وَلَا تَجعَلُواْ ٱللَّهَ عُرضَةً لِّأَيمَٰنِكُم أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصلِحُواْ بَينَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 224)((1)).وما أحسن بيان السيد علي الطباطبائي وإجماله للمطلب مِن دون اخلال حيث قال: " قال سبحانه:
{ولا تطع كلَّ حلَّاف مهين}.
وفي الصحيح: اجتمع الحواريون إلى عيسى على نبينا وآله وعليه السلام، فقالوا: يا معلم الخير أرشدنا، فقال لهم: إنّ موسى نبي الله أمركم أنْ لا تحلفوا بالله كاذبين، وأنا آمركم أنْ لا تحلفوا بالله كاذبين ولا صادقين. ونحوه الموثق بترك الحكاية، وزيادة التعليل بقوله: فإنَّه عزَّ وجلَّ يقول:
(وَلَا تَجعَلُواْ ٱللَّهَ عُرضَةً لِّأَيمَٰنِكُم}.
1) ) من سورة البقرة.
وفي القوي: مَن أجلَّ الله تعالى أن يحلف به أعطاه الله تعالى خيراً ممَّا ذهب منه. ويستفاد منه استحباب ترك الحلف على إثبات المال مطلقاً وإنْ ذهب منه به وكان ما كان، ويعضده غيره مما دل على ترك علي بن الحسين صلی الله علیه و آله الحلف على نفي أربعمائة دينار عن نفسه، وغرامته لذلك إياها لزوجته المدعية لها عليه، معللا بالإجلال. لكن في المرسل: إذا ادُّعي عليك مال ولم يكن له عليك فأراد أن يحلِّفك، فإن بلغ مقدار ثلاثين درهماً فأعطه ولا تحلف، وإن كان أكثر من ذلك فاحلف ولا تعطه. والجمع بين الأخبار يقتضي الكراهة مطلقاً، مع تأكدها في ثلاثين درهماً فما دون. ويستثنى من الكراهة ما وقع لحاجة كتأكيد كلام أو تعظيم أمر، لورودهما فيالنصوص، وكل ما ورد يرجع إلى هذين"((1)).
هذا،
واكتفي بالنقاط الخمس كي لا يطول البحث، ومجال البحث واسع هنا، وبعض المضامين مؤيَّدة بغيرها، فإنْ فهمنا منه شيئاً فذاك، وإلاّ فأرجأناها إلى أنْ نلقى إمامنا.
1) ) رياض المسائل للسيد علي الطباطبائي ج11 ص448-449.
لا إشكال أنَّ الأنبياء علیهم السلام إنّما أجرهم على الله تعالى، ولا يُريدون أجراً مِن الناس، كما في قوله تعالى:
(وَمَآ أَس-َٔلُكُم عَلَيهِ مِن أَجرٍۖ إِن أَجرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلعَٰلَمِينَ 109)((1))
ورد ذلك في عدة آيات.
ولكنَّ النبي صلی الله علیه و آله إنَّما طلب هذا الأجر العائد عليهم بالمنفعة وليس المنتفع هو النبي صلی الله علیه و آله وذلك تصديقاً وايماناً بقول الله تعالى:
(قُل مَا سَأَلتُكُم مِّن أَجرٖ فَهُوَ لَكُمۖ إِن أَجرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيءٖ شَهِيدٌ 47)((2)).
فإنّ مودة أهل البيت علیهم السلام تعود بالنفع على العباد ونجاة لهم من النار والفوز بالجنان والقرب من الرحمن.ومحبَّة أهل البيت علیهم السلام هي السبيل إلى الله تبارك وتعالى والطريق إليه والفوز بنعيمه، قال تعالى:
(قُل مَآ أَس-َٔلُكُم عَلَيهِ مِن أَجرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ
سَبِيلًا 57)((1)).
ولذا نقرأ في دعاء الندبة:
(ثم جعلتَ أجْرَ محمدٍ صلواتُك عليه وآله مودَّتهم في كتابك، فقلت: لا أسئلُكم عليه أجراً إلاَّ المودة في القربى، وقلت: ما سألتُكم مِنْ أجر فهو لكم، وقلت: ما أسألكم عليه مِنْ أجر إلاَّ مَنْ شاء أن يتخذ إلى ربِّه سبيلاً، فكانوا هم السبيل إليك، والمسلك إلى رضوانك).
وهنا نتحدث في أمور:
لا إشكال ولا ريب أنّ القربى لا يُراد منها القرابة لرسول الله صلی الله علیه و آله مِن قريش -كما قيل- بمعنى أنّ النبي صلی الله علیه و آله يطالب كفار قريش بمودته بسبب قرابته منهم فتكون (في) بمعنى السبب، وإن كانت (في) تأتي بمعنى السببية كما في قوله تعالى:
(قَالَت فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَد رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفسِهِۦ فَٱستَعصَمَۖ
1) ) سورة الفرقان الآية 57.
وَلَئِن لَّم يَفعَل مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ 32) ((1)).فهنا جاءت "في" بمعنى السبب أي فذلك الذي لُمْتُنَّني بسببه.
لكن الآية التي نحن بصدد الحديث عنها في قوله تعالى: (ٱلمَوَدَّةَ فِي ٱلقُربَىٰ).
لا يصحّ حملها على السببية، لأنّ الآية في سياق ما تفضلّ به الله تعالى على العباد بالجنَّة مِنْ خلال هداية النبي صلی الله علیه و آله لهم، والكفار ليسوا مهتدين وليسوا مِنْ أهل الجنَّة حتى يُقال أنَّ النبي صلی الله علیه و آله يطالبهم بالمودة بسبب قرباه منهم.
كما لا إشكال ولا ريب في أنّ الآية لا يُراد منها مطلق القربى بحيث تكون الألف واللام للجنس سواء كانت لمطلق قرابة الناس أو مطلق قرابة الرسول صلی الله علیه و آله ، فإنّ في قرابة الناس المؤمن والكافر وكذا في قرابة النبي صلی الله علیه و آله فيهم الكافر كأبي لهب لعنة الله عليه.
فلابدّ أن تكون قرابة خاصّة مؤمنة وهم ما صرّحت بهم
1) ) سورة يوسف الآية 32.
الروايات وذكرتهم الأحاديث مِن الفريقين كما عن ابن عباس قال: لمَّا نزلت:
(قُل لَّآ أَس-َٔلُكُم عَلَيهِ أَجرًا إِلَّا ٱلمَوَدَّةَ فِي ٱلقُربَىٰ)
قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: (عليّ وفاطمة وابناهما)((1)).وعن الإمام الباقر علیه السلام : في قوله تعالى: (قُل لَّآ أَس-َٔلُكُم عَلَيهِ أَجرًا إِلَّا ٱلمَوَدَّةَ فِي ٱلقُربَىٰ) ؟ قال: (هم الأئمة علیهم السلام )((2)).
ومنها ما رواه الشيخ المفيد في حديث أنّ أعرابياً قال: يا محمّد تأخذ على هذا أجراً؟ فقال: لا. إلاَّ المودّة في القربى، قال: قرباي أو قرباك؟ قال: بل قرباي، قال: هلمَّ يدك حتى أبايعك، لا خير فيمن لا يَوَدّك، ولا يَوَدّ قُرباك((3)).
وغيرها من الروايات الكثيرة، بل لا خلاف بين عقلاء
المسلمين قاطبة أنّ مودَّة أهل البيت علیهم السلام واجبة، وأنّ معاداتهم تجعل الإنسان ناصبيَّاً.
لماذا عبّر القرآن الكريم بالمودة في القربى ولم يقل مودَّة القربى؟
والإجابة على هذا السؤال يتم بأمرين:
الأوّل: إنّ المودَّة المحلاة بالألف واللام تفيد الحصر إذا وقعت مسنداً إليه فيكون المراد حصر المودَّة في القربى، وهذا لا يستقيم مع الآية حيث جاء لفظ (المودَّةَ) بالنصب والجار والمجرور -أقصد في القربى- ليس خبراً لها بل متعلقان بالمودَّة.
الثاني: أن تكون الآية على نسق وطريقة الحبِّ فيالله، فإنَّ الحبَّ في الله معناه أن يحبَّ في محبة الله تعالى، فمحبَّة النبي صلی الله علیه و آله مثلاً مترشِّحة مِن المحبَّة لله تعالى، فنحبّه في الله.
فيكون المراد من الآية الكريمة أنَّ المطلوب هو أنْ تُحبَّ في محبَّة القربى، فلا تصدر منك محبَّة لأحد إلا مِن
خلال محبَّة أهل البيت علیهم السلام ، وتتبرأ مِن أعدائهم، فأفادت الآية أمرين؛ محبَّة اهل البيت علیهم السلام ومحبَّة الآخرين مِن خلال محبَّتهم، ولذا لا يصحّ محبّة أعدائهم لأنّها لا تكون في محبّتهم، فيُستفاد البراءة من اعدائهم.
الفرق بين المودّة والمحبّة هو أنَّ المحبَّة هي الميل القلبي العاطفي عند البشر، أمّا المودّة فهي مع المحبّة هناك أثر عملي لتلك المحبّة، وإظهار سلوكي لها، وهذا هو المشهور في الفرق بينهما.
وهذا ممّا يساعد عليه استعمالات القرآن الكريم، ففي قوله تعالى:
(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)((1)).
فإنّ وِدّ الكفار لردّ المؤمنين عن الإيمان إلى الكفرهي ليست مجرّد رغبة نفسية بل عملوا على ذلك واظهروه في
1) ) سورة البقرة الآية 109.
أقوالهم وأفعالهم وأعدُّوا العِدَّة لذلك.
وعلى هذا نفهم معجزة حنين الجذع إلى رسول الله صلی الله علیه و آله ، فلقد روي أنَّ رسول الله صلی الله علیه و آله كان يخطب بالمدينة إلى جذع نخلة في صحن مسجدها، فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله إنَّ الناس قد كثروا، وأنَّهم يحبون النظر إليك إذا خطبت. فلو أذنت [في] أن نعمل لك منبراً له مراقٍ ترقاها فيراك الناس إذا خطبت. فأذن في ذلك.
فلمَّا كان يوم الجمعة مرّ بالجذع، فتجاوزه إلى المنبر فصعده، فلمَّا استوى عليه حنّ إليه ذلك الجذع حنين الثكلى، وأنّ أنين الحُبلى، فارتفع بكاء الناس وحنينهم وأنينهم، وارتفع حنين الجذع وأنينه في حنين الناس وأنينهم ارتفاعا بيِّنا.
فلمَّا رأى رسول الله صلی الله علیه و آله ذلك نزل عن المنبر، وأتى الجذع فاحتضنه ومسح عليه يده.
وقال: اسكن فما تجاوزك رسولُ الله تهاوناً بك، ولا استخفافاً بحرمتك ولكن ليتمَّ لعباد الله مصلحتهم، ولك
جلالك وفضلك إذ كنت مُسْتَنَد محمّد رسول الله. فهدأ حنينه وأنينه.وعاد رسول الله صلی الله علیه و آله إلى منبره، ثم قال: معاشر المسلمين هذا الجذع يحنُّ إلى رسول ربِّ العالمين، ويحزن لبعده عنه وفي عباد الله - الظالمين أنفسهم - مَنْ لا يبالي: قَرُب مِنْ رسول الله أو بَعُد [و] لولا أنِّي ما احتضنت هذا الجذع، ومسحت يدي عليه ما هدأ حنينه [وأنينه] إلى يوم القيامة((1)).
هنا طالب النبي صلی الله علیه و آله الناس بأن يكون لهم حنين لرسول الله صلی الله علیه و آله وحزن على بعده وهذه هي المحبة المطلوبة التي تصل إلى المودة له ولأهل بيته علیهم السلام .
يا رسول الله، إنَّ مودتك ومودة أهل بيتك هي السبيل إلى الله تعالى، والمسلك إلى رضوانه، وهو أمر واجب علينا، وشرط إيماننا، ويُسأل العباد يوم القيامة عن موالاتكم ومودتكم.
فها نحن نعقد المجالس في ذكركم تعبيراً عن مودتنا لكم ومحبتنا الخالصة لكم ونئُن ونحُنُّ ونبكي ونندب، كلُّ
1) ) تفسير الإمام العسكري علیه السلام ص188.
ذلك إظهاراً لمودتنا لكم وإن عاب علينا ذلك مَنْ انتسب إلى المذهب الحقِّ ظلماً وعدواناً.
فإقامة مجالس ذكر أبي عبد الله الحسين علیه السلام مِن المودَّة التي أُمرنا بها، وفرضت علينا، وجُعلت أمانة في أعناقنا، ونُسأل عنها يوم القيامة، وكذا ذكر بقية أهل بيت النبوة والرسالة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
سألني بعض المؤمنين هل انتصر الامام الحسين علیه السلام ؟
الإجابة الدارجة على ألسن الناس أن الحسين علیه السلام انتصر ولذا بقي اسمه مخلَّداً وذكره مدوياً ومقامه شامخاً، بخلاف اللعين يزيد، ولكنَّ هذه الاجابة لي على ظاهرها مؤاخذتان:
المؤاخذة الأولى:
إن اسم يزيد باق عند اتباعه كما هو باق عند اهل الحق ملعونا، فذكره مخلَّد ايضاً إلاّ أنَّه بالذكر السيء عند اغلب الأُمَّة.
المؤاخذة الثانية:
الامام الحسين علیه السلام ليس الهدف من نهضته أن يبقى
ذكره، ولم يكن نزاعه مع يزيد اللعين في أي الاسمين او المقامين أو الذكرين سيبقى.
ويتضح هذان الاشكالان من خلال بيان الاجابة الصحيحة فأقول:
إنّ أي متنازعين على أمر يكون المنتصر هو المحقق للهدف المتنازع عليه، فمثلاً إذا تقابل جيشان مِنْ أجل السيطرة على مدينة مثلاً فإنَّ المنتصر هو الذي يسيطرعلى تلك المدينة لأنَّ الهدف مِنْ النزاع هو السيطرة على تلك المدينة فكلّ مَنْ حقق هدفه كان هو المنتصر.
وهدف يزيد اللعين قد أفصح عنه بقوله:
لعبت هاشم *** بالملك فلا
خبرٌ جاء ولا *** وحيٌ نزل
إنَّ هدف يزيد هو انهاء دعوى وحي النبي صلی الله علیه و آله وهدفه هذا لم يتحقق حتَّى عند اتباعه الذين يعتقدون فيه خليفة لرسول الله صلی الله علیه و آله ، فهذه شريعة النبي الأعظم باقية شامخة.
وأمّا الامام الحسين علیه السلام فإنه أفصح عن هدفه بقوله:
(إنِّي لم أخرج بطراً ولا أشراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنّما خرجت أطلب الصلاح في أُمّة جدي محمد)
وهذا الهدف الحسيني قد تحقق، وبقي الدين واندحرت
مقولة اللعين يزيد، والدين الاسلامي المحمدي يعترف به القاصي والداني، ففي يوم العيد الذي شرَّعه النبي محمد صلی الله علیه و آله يرسل التهنئة بالعيد حتى طغاة الكفار، ومِنْ هنا جاء في قنوت صلاة العيد: (اسألُك بحق هذا اليوم الذي جعلتَه للمسلمين عيداً ولمحمد صلی الله علیه و آله ذخراً وشرفاً وكرامة...).
فالإمام الحسين علیه السلام لم يخرج مِنْ أجل أنْ يستولي على الكوفة وإلاَّ كان مغلوباً لا منتصراً، ولم يخرج مِنْ اجل الحكم والملك وإلاَّ كان مغلوباً، ولم يخرج مِنْ أجل بقاء ذكره واندثار ذكر يزيد وإلاّ لما بقي ذكر ليزيد اللعين أصلاً، وإنَّما كان مِنْ اجل بقاء الدين، ومِنْ هنا كان الدين محمدي الحدوث حسيني البقاء، وكان الإمام الحسين علیه السلام مِن رسول الله صلی الله علیه و آله ورسول الله صلی الله علیه و آله منه.وبقاء الدين بفعل الإمام الحسين الشهيد علیه السلام لم يجر على سنن حتَّى الأنبياء والمرسلين علیهم السلام ، لأنّه مِن أهل بيت لا يُقاس بهم أحد، فإنَّ مسلك الأنبياء علیهم السلام في إبقاء الدين هو الدعاء على الكافرين وإبادتهم وإبقاء ثلّة المؤمنين معه فيبقى الدين ببقائه وبقائهم، أمّا الإمام الحسين علیه السلام فإنّه
فعل العكس تماماً، قدّم نفسه وثُلّة المؤمنين ضحايا وأبقى الكافرين، ولكنَّه أحيا الدين أعظم مما أحياه الأنبياء والمرسلون، وعندما يصل الأمر إلى العكس فلا يُقاس.
وآخر دعوانا أنْ الحمد لله رب العالمين.
تتعلق بالإمام الحسين علیه السلام
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
تصنف الروايات الراجعة للموروث الإسلامي إلى روايات علمية وروايات عملية، ويقصد بالأولى ما يكون المقصود الأصلي بها هو العلم بمضمونها، وإن ترتب عليه من ناحية أخرى عمل شيء ما، ولو عملاً جوانحيّاً، ويقصد بالثانية ما يكون المقصود الأصلي بها هو العمل على وفق مضمونها، ومثال الأولى؛ الروايات التي تتصل بالعقائد والفضائل والكرامات والسيرة والتاريخ وأمثال ذلك، ومثال الثانية؛ الروايات التي تتصل بالفقه والأخلاق والسير والسلوك وأمثال ذلك.
ومن المعلوم أن هذين النحوين من الروايات يختلف
المطلوب فيه من المكلف باختلاف المضمون وقيمته، فبعضه يكتفى فيه بالظن المعتبر، والبعض الآخر لا يكتفى فيه بذلك، بل لابد من حصول العلم، وإليك تفصيل ذلك....
لاشكَّ ولا ريبَ أنّ المنهجَ العلميَّ الذي قامت عليه الأدلّةُ على أنّ الأحكامَ الإلزاميّةَ الفرعيّةَ ِمن الواجبِ والمحرَّمِ لا بُدّ مِن قيامِ الدّليلِ الصَّحيحِ عليها، فإن كان مِن الروايات فَصِحَّتُها إمّا مِن جهة الوثوق بالصدور أووثاقة الرواة - على اختلاف المبنى عند الفقهاء -، وهذا معنى اعتبار الرواية في المقام، وبعض الفقهاء أضاف إليها حتّى الأحكام الغير إلزامية لابدّ مِن قيام الدليل الصحيح، وهم الذين لا يرون التسامح في أدلّة السنن أيضاً. وهذا الأمر مُناطٌ بالفَقِيهِ وليس لعامة الناس مِن العوام.
وأَمَّا الاعتقاداتُ الأساسِيَّةُ فَلابُدَّ مِن قِيامِ الدَّليلِ القَطعِيِّ العَقلِيِّ أو النَّقلِيِّ عليها، كالاعتِقَادِ بالله تباركَ وتعالى والجنّةِ والنارِ والحسابِ، والاعتِقَادِ بالنبي صلی الله علیه و آله وأئمةِ الهدى علیهم السلام وغَيرِها مِن الاعتقادات الأَساسِيَّةِ الكثيرةِ، ولا يَصُحُّ التقليدُ فيها.
أَمّا الاعتقادات غير الأساسية فيجبُ الاعتقادُ بِها عِندَ قِيامِ الدّليلِ الصَّحيحِ عليها، ويكفي فيها خبرُ الواحدِ المعتبر، كَما يَكفِي فيها التقليد.
قال السيِّدِ الخوئي (قدس سره) في مصباحِ الأُصولِ:
"وأَمَّا إنْ كان الظنُ متعلقاً بما يجِبُ التباني وعقدُ القلبِ عليه والتسليم والانقياد له، كتفاصيلِ البرزخِ وتفاصيلِ المعادِ ووقائعِ يومِ القيامةِ وتفاصيلِ الصِّراطِ والميزانِ ونحوِ ذلك مِمَّا لا تَجِبُ مَعرفَتُهُ، واِنَّمَا الواجبُ عقدُ القلبِ عليه والانقياد له على تقدير اخبار النبي صلی الله علیه و آله به.
فإن كانَ الظنُّ المتعلقُ بهذه الأمورِ مِنَ الظنونِ الخاصَّةِ الثابِتَةِ حُجِّيَتِها بغيرِ دَليلِ الانسدَادِ فَهو حُجَّةٌ، بمعنى انَّه لا مَانِعَ مِنَ الالتِزامِ بِمُتَعلَّقِه وعقدِ القلبِ عليه،لأنَّه ثَابِتٌ بالتعبُّدِ الشرعيِّ"((1)).
وكذا صَرَّحَ جُملةٌ مِن أعلامِ الطّائِفةِ الحقَّةِ.
بل صَرَّح كثيرُ مِنَ العلماءِ الأَعلامِ بصحة التّمَسُّكِ حتى
1) ) مصباح الأصول تقرير بحث السيد الخوئي للبهسودي ج2 ص238.
بالأُصولِ العمليَّةِ كالإستصحابِ في الأمورِ الاعتقادِيَّةِ التي اعتبر الشارع المقدس فيها الانقيادُ والتسليمُ والاعتقادُ بها؛ بمعنى عقدُ القلبِ عَلَيها كفعل من الأفعال الجوانحية الاختيارية وليس مما هو مطلوب فيها شرعاً العلم كمعرفة الباري تعالى.
قال الشيخ الآخوند الخراساني (قدس سره):
"وأما الأمورُ الاعتقاديَّةُ التي كانَ المُهِمُّ فيها شرعاً هو الانقيادُ والتسليمُ والاعتقادُ بمعنى عقدُ القَلبِ عليها مِنَ الاعمالِ القَلبيَّةِ الاختياريةِ، فكذا لا إشكال في الاستصحابِ فيها حُكمَاً وكذا موضوعاً، فيما كانَ هناكَ يقينٌ سابقٌ وشَكٌّ لاحِقٌ، لِصِحَّةِ التنزيلِ وعُمومِ الدَّليلِ((1))".
وكذا صرَّحَ بذلك غيرُهُ مِن العُلماءِ الأعلامِ كالشيخِ آغا ضِياءِ الدِّين العراقي والسيِّدِ أبو الحسنِ الأصفهانِيِّ والسيِّدِ مُحسنِ الحكيمِ((2)) وغيرِهِم الكثير.
وخلاصةُ القول هنا أنّه لا شكَّ في حُجِّيَّةِ الظَّنِّ المُعتَبَرِ في الاعتقاداتِ التي ليس المطلوب فيها العلم واليقين؛ وإلا لزم مِن ذلك عَدمُ الأخذِ بظواهر القرآن الكريم؛ لأنّه وإن كان قطعيَّ الصدورِ مِن الشارعِ المُقدَّسِ إلاّ أنّ بَعضَهُ - إنْ لَم يكن أكثره - ظنيُّ الدلالةِ، وليس كُلُّ آياتِهِ نَصّاً صريحاً لا يقبلُ الاحتمالَ.
بقيَ أنْ نَذكُرَ المنقولات التاريخيَّةِ، ولا شكَّ أنَّهُ لا يُشترَطُ فيها صحةُ السَّنَدِ، وهذا ما تَبَانَى عليهِ العقلاءُ في أَخبارِ الأُمَمِ السّابِقَةِ واللاحقَةِ وأَحوالِ الماضينَ والمعاصرينَ، دون أَن يُفكِّرَ أحدٌ مِن العُقلاءِ بالإستنكارِ على الغيرِ أو التّوقُفِ في الأَخذِ بتلكَ الأخبارِ، فالأمَمُ تَعتَمِدُ على ما دَوَّنَه مُؤرِّخُوهَا ولكنْ - لا شَكَّ أيضاً - يُشترط ألاّ يُعرفَ الشخصُ المُؤَرِّخُ بكونِهِ كذَّاباً أو قامَ الدّليلُ على خلافِ نقلِهِ.
ومِن ذلك ما نُقل مِن اخبارٍ تاريخيةٍ حولَ واقِعةِ الطَّفِّ.
ومِن هنا تَجِدُ تصريحَ العلماءِ الأعلامِ بِتشييدِ مآتمِ العزاءِ على أبي عبد الله الحسينِ علیه السلام ، سواء كان ما يُلقيهِ الخطيبُ مِنَ الرّواياتِ الضَّعيفةِ أَم كانت تلك الرواياتُ صحيحةَ السَّنَدِ، ومِمَّن انبَرَى لتوضيحِ هذا الأمر المرحوم المبرور المدافع عن الحق الذي لا تَأخُذُهُ فياللهِ لومةَ لائِمٍ آيةِ الله العظمى الميرزا جواد التبريزي& حيث وُجِّهَ إليه السؤال التالي:
(ما يذكره الخطباءُ على المنابرِ من وقائع الطَّفِّ ويومِ عاشوراءِ مِمَّا جَرى على الإمامِ الحسينِ وأَصحابِهِ علیهم السلام ، على أَيِّ شيءٍ يعتمدونَ في نقلِ الأحداثِ والقضايا التي جَرَت على سَيِّدِ الشهداءِ وأَهلِ بَيتِهِ وأَصحابِهِ علیهم السلام ؟).
فأجابَ قدس سره:
(جُملَةٌ مُعتَدٌّ بِها مِمَّا جَرى على سَيِّدِ الشهداءِ وأَصحابِهِ علیهم السلام واردةٌ في أخبارِنَا عَن أَهلِ البيتِ علیهم السلام . كيف؟ وأنَّ الإمامَ عليَّ بنَ الحسينِ صلی الله علیه و آله وزينبَ عقيلةَ بني هاشمٍعلیها السلام وبعضَ العلويات الموجوداتِ كانُوا جميعاً شاهدين على تِلكَ الوقايِع، ووصلَت إِلينا أَخبارُهم بطريق النَّقلِ عَن أهل البيت علیهم السلام .
وهذه الروايات إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعض يُعلم منها مَصَائِبٌ أخرى، كما روي أَنَّ الحسينَ علیه السلام طَلَبَ مِنَ القومِ الماءَ لِولَدِه الصَّغيرِ، فيُعلم منه أنَّه لم يكن في الخيمِ مَاءٌ ولا لأُمِّه لَبنٌ؛ فإنَّ لَبنَ الأمِّ للرضيعِ يُغنيهِ عنِ الماءِ، ولذا يُقال أنَّ أمَّه بعدَما شَرِبَت الماءَ دَرَّ لَبَنُها، وكانت تنادي: يا ولدي، كما هو عادة الأمِّ بالنسبةِ لِولَدِها بعدَ فَقدِها إياه إذا دَرَّ لبنُها بثديها. ونظيرُ هذه المصائبِ مِمَّا لا يُحصى ولا يُطيقها البشرُ المتعارف. فيُعلم من صبره علیه السلام وصبرِ أهلِ بيتهِ علیهم السلام مقامُ سيِّدِ الشهداءِ ومقامُ أهلِ بيتِه وأصحابِه (سلام الله عليهم أجمعين)).
نعم بعضُ الروايات غيرُ معتبرةٍ سنداً ولكن يُحتملصِدقُها، فللخطيب وغيره نقلُها كسائِرِ الرّواياتِ المنقولَةِ. وجملة معتد بها مسجلة في الكتب التاريخية، حيث كان في كربلاء بعض مَن يسجّل وقائعَها، فهذه القضايا كسائر الوقائع التاريخية التي سجَّلَها بعضُ المُؤرخين، فيجوزُ نقلُها ما لم يُعلم أو يُطمئن بكذبها.
ولا يخفى أنَّ بعضَ المحبين من الشعراء وغيرهم، لكمالِ إرادتِهم وحُبِّهِم لأهل البيت علیهم السلام وشدّة حُزنِهِم
عليهِم، رُبَّما يُضيفون ما يسمّونَه بالاصطلاح (لسان الحال)، وهذا لا يُعدُّ من الكذب بشيء، ولا بأس بنقله وقراءته.
وأيضاً ربما مِن المؤمنين الصُلحاء والمؤمنات الصالحات يَرَون في المنام وقائعَ ينقلونها للناس، ولأجل اعتماد الناس على أولئك الصالحين ينقلونها في المجالس وعلى المنابر ولا بأس بذلك أيضاً.
ومما ينبغي للقارئ والمستمع التنبُّه لَه: أنَّ ما يُقال في مجالس التعزية ويعتمد القارئ في قراءته عليه، ليس كاعتماد الفقيه في تعيين التكاليف والوظائف الشرعية لآحاد المكلفين، حيث أنَّ الفقيهَ يبذل جهدَه في إحراز الوظائف والتكاليف الشرعية التي قامت عليها حجةٌ معتبرة من قِبَل الشارع، ولا يكتفي بالاحتمال والرجاء ونحو ذلك، وهذا بخلاف ما يُقرأ أو يُسمع بالنسبة لمصائب سيد الشهداء علیه السلام ، فإنه قد ذكرنا أنه يجوز للخطيب والقارئ أنْ ينقلَ ما يَحتمل صدقه بحسب ما وصل إليه النقل دون ما يَعلم كذبه... واللهُ يؤيد الجميعَ لحفظ شعائر أهل البيت علیهم السلام .ومِن جملة العلماء الأعلام الذين أوضحوا السبيل في
التعاطي بالأخبار في القضايا التاريخيّة، المرجع الكبير اية الله السيد محمد سعيد الحكيم قدس الله نفسه الطاهرة، حيث يقول:
(لا يفترض في التاريخ أن يعتمد على اليقينيات، ولا على الحجج الشرعية وإلاّ لم يبق تاريخ، بل أحسن ما يتوقع أن يعتمد على الوثوق والاطمئنان، وحينئذٍ فالأحاديث التي لم تشتمل على شرائط الحجية المصحِّحة للفتوى في الأحكام الشرعية، قد توجب الاطمئنان بلحاظ بعض القرائن.
منها: تعدد تلك الأخبار ودعم بعضها لبعض.
ومنها: ذكرها في كتب أهل التثبُّت والتمحيص ممن يحترمون أنفسهم وكتبهم.
ومنها: اشتمالها على صياغة بيانية أو مضامين عالية يصعب افتعالها من قبل الكذابين.
ومنها: مناسبتها للواقع القائم في ظرفها.
ومنها: ذكرها في كتب المخالفين إذا كانت مخالفة لخطهم، إذْ ليس من شأنهم أن يذكروا ما يخالف خطهم لولا وضوحه عندهم وفرضه عليهم بحقيقته... إلى غير
ذلك مِن القرائن التي يدركها الباحث المنصف.
أمّا مع عدم احتفافها بالقرائن فهي لا تنهض دليلاً بل تكون مؤيِّداً لا غير، فيصحُّ أنْ يُستشهد بها لتأكيد حقيقة ثابتة أو تحفيز العواطف ونحوها، من دون أن تنهضبإثبات أمر مشكوك فيه)((1)).
وقال الشيخ الأنصاري في رسائل فقهية ص157:
(الرابع: الخبر الضعيف في القصص والمواعظ: حُكي عن الشهيد الثانيقدس سره في الدراية أنّه قال: (جوّز الأكثر العمل بالخبر الضعيف في نحو القصص والمواعظ وفضائل الأعمال، لا في صفات الله وأحكام الحلال والحرام، وهو حسن حيث لم يبلغ الضعيف حد الوضع والاختلاق).
أقول: المراد بالخبر الضعيف في القصص والمواعظ هو نقلها واستماعها وضبطها في القلب وترتيب الآثار عليها، عدا ما يتعلق بالواجب والحرام.
والحاصل: أن العمل بكلِّ شيء على حسب ذلك الشيء، وهذا أمر وجداني لا ينكر، ويدخل حكاية فضائل
1) ) رسالة أبوية ومسائل تهمُّ طلبة الحوزة والمبلّغين ص53.
أهل البيت علیهم السلام ومصائبهم، ويدخل في العمل الإخبار بوقوعها من دون نسبة إلى الحكاية على حد الإخبار بالأمور الواردة بالطرق المعتبرة، بأن يقال: كان أمير المؤمنين علیه السلام يصلي كذا ويبكي كذا، ونزل على مولانا سيد الشهداء علیه السلام كذا وكذا، ولا يجوز ذلك في الأخبار الكاذبة، وإن كان يجوز حكايتها، فان حكاية الخبر الكاذب ليس كذباً، مع أنه لا يبعد عدم الجواز إلا مع بيان كونها كاذبة).
وقال الشيخ محمد تقي في هداية المسترشدينص423:
(قال الشهيد& في الذكرى: إنّ أحاديث الفضائل يتسامح فيهما عند أهل العلم).
أخيراً؛
هذا إجمال ما أردنا بيانه في المقدمة أمام الجواب عن تلك الشبهات، وإن اردت الاستزادة في ذلك فعليك بمراجعة كتابنا ”رسالة في الخبر الضعيف“ فقد أوردت فيه ما ينفع في المقام.
«بِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
شكّك بعض الأشخاص فِي ثبوت ارتضاع الإمام الحسين علیه السلام مِن النبي الأعظم محمد صلی الله علیه و آله ، واعتمد في ذلك على ضعف سند روايتي الكافي الشريف، والظاهر أنّه لم يطّلع على الروايات الأخرى المبثوثة في كتب الفريقين - وإنْ كان هذا نستبعده كثيراً -، وبعض آخر أثار شبهات أخرى، وبعض آخر مِن الخطباء غالى في ذلك وجعله مما يدلّ على علوّ مقام الإمام الحسين علیه السلام ويُفهم مِن كلامه أنّ مَن لم يرتضع مِن النبي صلی الله علیه و آله فليس في مقام الإمام الحسين علیه السلام .
والإرتضاع مِن النبي الأعظم صلی الله علیه و آله ليس مخصوصاً بالإمام
الحسين علیه السلام بل ورد في غيره، ولبيان دفع الشبهات هنا، علينا أوّلاً أنْ ننقل الروايات مِن الفريقين الطائفة الحقّة وغيرها مِن المخالفين، وسيتضح فيما يأتي لماذا اخترت هذه المنهجية. ونصنف الروايات على خمسة أصناف:
وفيه عدّة روايات:
"في خصائص العشرة للزمخشري" أنّ النبي صلى الله عليه وسلم تولّى تسميته بعلي وتغذيته أيّامَاً مِن ريقه المبارك بمصّه لسانه فعن فاطمة بنت أسد أمّ علي رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: لمّا ولدته سمّاه عليّاً وبصق في فيه ثُمّ إنّه ألقمه لسانه فما زال يمصّه حتّى نام. قالت: فلمّا كان مِن الغد طلبنا له مرضعة فلم يقبل ثدي أحد، فدعونا له محمداً صلى الله عليه وسلم فألقمه لسانه فنام، فكان كذلك ما شاء الله عز وجل"((1)).
1) ) السيرة الحلبية للحلبي ج1 ص432. وشرح إحقاق الحق للسيد المرعشي ج7 ص490، عن السيد أحمد زيني دحلان في السيرة النبوية) المطبوع بهامش السيرة الحلبية ج1 ص176 ط مصر). وج30 - ص147، عن المعاصر موسى محمد علي في كتابه "حقيقة التوسل والوسيلة على ضوء الكتاب والسنة" ص380 ط عالم الكتب - بيروت).
مِن الواضح جدّاً أنّ هذه الرواية دالّة على ارتضاع الإمام علي علیه السلام مِن النبي صلی الله علیه و آله ؛ فإنّ الرواية نصّت على أنّ النبي صلی الله علیه و آله قام بتغذيته أيّاماً مِن ريقه المبارك وذلك مِن خلال مصِّ لسان النبي صلی الله علیه و آله ، ثُمَّ بُيِّن فيها أنَّه علیه السلام لم يقبل ثدي أحد، وإنّما قبل فقط مَصّ لسان النبي صلی الله علیه و آله بدل أيِّ ثدي، ولا نريد مِن معنى الإرتضاع إلاّ ذلك، سواء اعتبره البعض مجازيّاً أو حقيقيّاً، لا فرق في ذلك بالنسبة إلى المطلوب، وإن شئت قلت: يمصّ لسان النبي صلی الله علیه و آله فيكتفي به عن الرضاعة.
عن الإمام الصادق علیه السلام : (إنّ فاطمة ابنة أسد قالت: لمّا حملتُ بعلي رآني رسول الله صلی الله علیه و آله بعد أربعة أشهر فقال:
إنّ معك حملاً يا أماه. قلت: نعم. قال: إنْ ولدتيه ذكراً فَهِبِيه لي أشدد به أزري وأشركه في أمري. فسمعه أبو طالب فقال: عزيزي؛ أنا غلامك، وفاطمة جاريتك، إنْ ولدَتْ ذكراً أو أنثى فهو لك.
فلمّا تمّت شهوري طِفت بالبيت ثلاثاً فضربني المَطْلَق((1)) فاستقبلني محمد وقال: مالي أرى وجهَك متغيِّراً؟ قلتُ: ضربني المَطْلَق. قال: فرغْتِ من الطواف؟ قلتُ: لا. قال: طوفي فإنْ أتى عليك أمر لا تطيقينه فادخلي الكعبة فهي ستر الله. فلمّا كنت في السابعة((2)) وعلاني مالا أطيقه دخلت الكعبة، فلمّا توسطتها بإزاء الرخامة الحمراء ولدتُ عليَّاً ساجداً لله، فسمعته يقول: سبحانك سبحانك. ورأيتُ نوراً مِنْ عليٍّ قد ارتفع إلى السّماء.
وبقيت ثلاثة أيَّام في بيت الله آكل مِن ثمار الجنّة وسمعت هاتفاً يقول: يا فاطمة سمِّيه عليّاً فهو عليّ وأنا
العلي الأعلى، وهو الإمام بعد حبيبي محمد رسولالله، وهو وليي، اشتققت اسمه من اسمي. قالت: فلما رآه النبي صلی الله علیه و آله قال: الحمد لله الذي أتم لي الوعد وانجز لي الموعود، وقال: سمِّيه عليّاً. فوضع النبي لسانه في فيه فلم يزل يمصّه. ونادى أبو طالب:
يا رَبَّ يا ذا الغَسَقِ الدَّجي***بَيِّنْ لنا مِنْ حُكمِكَ المَقضِي
والقَمَرِ المُبتَلجِ المُضِي***ماذا تَرى في إسمِ ذا الصَّبي
فلما أصبح إذا هو بلوح اخضر فيه مكتوب:
خُصِصتُما بالوَلَدِ الزَّكي***والطّاهرِ المُنْتَجَبِ الرَّضي
فَإسمُهُ مِنْ شَامِخٍ عَلي***عَلِيٌّ اشْتُقَّ مِنَ العَلي((1)).
ورد في هذه الرواية التعبير ب-(فوضع النبي لسانه في فيه فلم يزل يمصّه) وهذا التعبير وإن لم يكن في حدِّ ذاته دالاً على الإرتضاع إلاَّ أنّ مَن سبر الأحاديث الأخرى سيجدها صالحة للقرينيَّة على إرادة الإرتضاع مِن هذا المصّ الطويل المدلول عليه ب-(لا يزال). ولن نُعيد هذا الكلام في بقية
1) ) ألقاب الرسول وعترته (المجموعة) من قدماء المحدثين ص17-18.
الروايات، فإنّ القرينة إمّا أنْ تكون داخليَّة وإمّا أن تكون خارجية على إرادة الإرتضاع، علاوة على ذلك وجود النصوص المصرِّحة بالإرتضاع، فتأمّل.
قال: ومنها أنّه صلى الله عليه وسلّم تولّى تسميتهوتغذّى أيّاماً مِنْ ريقه المبارك ومصّهِ لسانَه، وذلك ما روي عن أُمِّه...
إلى أنْ قال: فقالتْ: فلمّا كان بعد أربعة أشهر ومحمد يأكل مع عمّه أبي طالب إذا نظر إلي فقال: مالكِ جَامِل((1)) اللون؟ فقلت: ما علمت أني حامل للوقت.
فقال محمد لأبي طالب: إن كان أنثى فزوجني، فقال أبو طالب: إن كان ذكراً فهو لك وإن كان أنثى فهي جارية لك فزوجة.
فلمّا وضعته جعلته في غشائه، فقال أبو طالب: لا تفتحوه حتى يجئ محمد فيأخذ حقّه، فجاء محمد وفتح وأخذ منها غلاماً حسناً، فغسّله بيده، وسمّاه عليَّاً وبصق في
1) ) رجُلٌ جامِلٌ: ذو جِمال، ويقال للرجل والمرأة.
فيه، وأصلح أمره. ثُم إنّه ألقى لسانه فما زال علي يمصّه حتى نام، فلمّا كان مِن الغد طلب له ظئراً((1)) فأبى أن يقبل ثديه فدعونا محمداً فألقمه لسانَه فنام فكان كذلك ما شاء الله تعالى((2)).
إنَّ روايات المخالفين نأخذ منها ما وافق مذهبنا، وماهو مؤيَّد برواياتنا، أو قامت القرينة على الوثوق به.
ورفض بعض الرواية سواء كان جزءاً منها أو أجزاء متفرقة أو متتابعة لا يخلّ بالتمسك بالبعض الآخر منها - كما هو معروف عند أهل العلم -.
وهذه الرواية تنصّ على أنّ النبي صلی الله علیه و آله قد طلب أن يكون الحمل له إن كانت أُنثى، حيث قال: (فقال محمد لأبي طالب: إن كان أنثى فزوجني) وهذا مخالف لما ورد
في مروياتنا وهي الرواية الثانية السابقة، مع أننا نقطع - لقيام الأدلّة القطعية – بعلم النبي صلی الله علیه و آله بأنّ الحمل ذكر، وهو علي بن أبي طالب علیه السلام ولا معنى لفرضيته أُنثى. وهذا المقدار لا يقتضي رفع اليد عن كامل الرواية، فلنا فيها محل الشاهد وما نحن بصدد إثباته تأييداً لما عندنا واحتجاجاً على مَن خالفنا.
محمد بن أحمد بن الحسن بن شاذان، عن أحمد بن محمد بن أيوب، عن عمرو بن الحسن القاضي، عن عبد الله بن محمد، عن أبي حبيبة، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عائشة، قال ابن شاذان: وحدثني سهل بن أحمد، عن أحمد بن عمر الربيعي [الربيقي] عن زكريا بن يحيى، عن أبي داود، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن العباس بن عبد المطلب، قال ابن شاذان: وحدثني إبراهيم بن علي بإسناده عن أبي عبد الله جعفر بن محمد، عن آبائه علیهم السلام - مِن حديث طويل- قال:
كان العباس بن عبد المطلب ويزيد بن قعنب جالسينما بين فريق بني هاشم إلى فريق عبد العزى بإزاء بيت الله
الحرام، إذ أتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أمّ أمير المؤمنين علیه السلام ، وكانت حاملة بأمير المؤمنين علیه السلام لتسعة أشهر، وكان يوم التمام، قال: فوقفت بإزاء البيت الحرام...-إلى أن يقول:-
قال رسول الله صلی الله علیه و آله لفاطمة: اذهبي إلى عمّه حمزة فبشِّريه به. فقالتْ: فإذا خرجتُ أنا فمَن يرويه؟ قال: أنا أرويه. فقالتْ فاطمة: أنت ترويه؟ قال: نعم، فوضع رسول الله صلی الله علیه و آله لسانه في فيه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، قال: فسمي ذلك اليوم يوم التروية، فلمّا أنْ رجعت فاطمة بنت أسد رأت نوراً قد ارتفع من عليٍّ علیه السلام إلى عِنَان السماء.
قال: ثُم شدّته وقمّطته بقماط فبتر القِماط، قال: فأخذت فاطمة قماطاً جيِّداً فشدَّته به فبتر القماط، ثم جعلته في قماطين فبترهما، فجعلته ثلاثة فبترها، فجعلته أربعة أقمطة من رق مصر لصلابته فبترها، فجعلته خمسة أقمطة ديباج لصلابته فبترها كلها، فجعلته ستة من ديباج وواحداً من الأدم((1)) فتمطى فيها فقطعها كلها بإذن الله.
ثم قال بعد ذلك: يا أُمَّه لا تشدِّي يدي، فإنِّي احتاج إلى
1) ) أُدُمٌ: جمع أديم وهو الجلد، والأَدَمُ: اسمٌ للجَمْعِ.
أن أبصبص((1)) لربي بإصبعي.قال: فقال أبو طالب عند ذلك: إنّه سيكون له شأن ونبأ. قال: فلّما كان مِن غدٍ دخل رسول الله صلی الله علیه و آله على فاطمة، فلمّا بَصُر عليٌّ علیه السلام برسول الله صلی الله علیه و آله سلّم عليه، وضحك في وجهه، وأشار إليه أن خذني إليك واسقني مما سقيتني بالأمس...)((2)).
عن أبي عبد الله علیه السلام ، عن آبائه علیهم السلام : إنّ العباس بن عبد المطلب ونوفل بن قعنب كانا جالسين ما بين بني هاشم إلى فريق عبد العزى بإزاء بيت الله، إذ أتت فاطمة بنت أسد، فوقفت، وقد أخذها الطلق، ودعت. قالا: رأينا البيت وقد انفتح عن ظهره، فدخلت وغابت عن أبصارنا، وانغلق الباب ثُمّ عادت الفتحة، ثُم التزقت، فرُمنا أنْ نفتح الباب
لتصل إليها بعض نسائنا فما انفتح، فعلمنا أنّ ذلك أمرٌ مِنَ الله. فبقيت فاطمة في البيت ثلاثة أيام، وأهل مكة يتحدثون بذلك. ثُمّ انفتح البيت مِنَ الموضع الذي دخلت فيه، فخرجت وعلي علیه السلام على يدها فقالت: كنت آكل من ثمار الجنّة في ثلاثة أيّام. فلمّا رأى النبي صلی الله علیه و آله قال: السلام عليك يا رسول الله. وضحك في وجهه. ووضع النبي صلی الله علیه و آله لسانه في فيه فانفجرت اثنتا عشرة عيناً)((1)).
هذه الرواية وسابقتها وإنْ كانتا مرويتين عن الإمام الصادق عن آبائه علیهم السلام إلاّ أنّ الاختلاف الكثير بينهما دعانا إلى أنْ نوردها كرواية أخرى، ولا مانع مِن أن يكون الإمام الصادق علیه السلام قد حدّث بتلك الواقعة في عدّة روايات، والاختلاف في الروايات يدعونا إلى دعوى التعدد.
قالت فاطمة بنت أسد: (كنت مريضة فكان محمد يمصّ
1) ) الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي ج1 ص171.
عليّاً لسانه في فيه فيرضع بإذن الله)((1)).
إنّ ترتب الإرتضاع على المصِّ مِن دون فصل – قضاء لحقِّ الفاء في اللغة – يدلّ على أنّ بالمص يتحقق الإرتضاع، كما تقول: التقم ثدي أمِّه فارتضع، ولا يُتصور أنّ التقام الثدي ومصِّه غير الإرتضاع حسب العادة، إلاّ أن يتم التنصيص على ذلك، كما إذا قيل: التقم ثدي امِّه ولم يرتضع، أي لم يتحقق منه مصٌّ ولو تحقق منه المصّ لتحقق الإرتضاع.
روى شيخ السنة القاضي أبو عمرو وعثمان بن أحمدفي خبر طويل... قال رسول الله صلی الله علیه و آله لفاطمة: اذهبي إلى عمِّه حمزة فبشِّريه. فقالت: وإذا خرجت أنا فمَنْ يرويه؟ قال: أنا أرويه. فقالت فاطمة: أنت ترويه؟ قال: نعم. ثُمّ وضع رسول الله صلی الله علیه و آله لسانه في فيه فانفجرت اثنتا عشرة
1) ) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج2 ص18. وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج38 ص318.
عيناً...)((1)).
وفي رواية شعبة عن قتادة، عن أنس، عن العباس بن عبد المطلب، ورواية الحسن ابن محبوب عن الصادق علیه السلام - والحديث مختصر - أنه انفتح البيت من ظهره ودخلت فاطمة فيه ثم عادت الفتحة والتصقت، وبقيت فيه ثلاثة أيام، فأكلت من ثمار الجنة، فلما خرجت قال علي علیه السلام : السلام عليك يا أبه ورحمة الله وبركاته، ثم تنحنح وقال:
(بِسمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ 1 قَد أَفلَحَ ٱلمُؤمِنُونَ) الآيات.
فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : قد أفلحوا بك، أنت والله أميرهم، تميرهم مِن علمك فيمتارون، وأنت والله دليلهم، وبك والله يهتدون، ووضع رسول الله صلی الله علیه و آله لسانه في فيه، فانفجرت اثنتا عشرة عيناً...)((2)).
وفيه عدة روايات:
عن أحمد بن الحسن القطان، عن أبي سعيد الحسن بن علي بن الحسين السكري، عن أبي عبد الله محمد بن زكريا بن دينار الغلابي، عن العباس بن بكار قال حدثنا عباد بن كثير وأبو بكر الهذلي، عن ابن الزبير، عن جابر قال:
لما حملت فاطمة بالحسن فولدت وقد كان النبي صلی الله علیه و آله أمرهم ان يلفوه في خرقة بيضاء فلفوه في صفراء وقالت فاطمةعلیها السلام يا علي سمه فقال: ما كنت لأسبق باسمه رسول الله صلی الله علیه و آله فجاء النبي صلی الله علیه و آله فأخذه وقبله وادخل لسانه في فيه فجعل الحسن علیه السلام يمصه...)((1)).
1) ) علل الشرائع للشيخ الصدوق ج1 ص138. ومعاني الأخبار للشيخ الصدوق ص57. وعنهما بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج43 ص240-241. ووسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي ج21 ص409–410 عنهما أيضاً. ونقلها في الأنوار البهية للشيخ عباس القمي ص86.
وخرّج أبو بكر الإسماعيلي في معجمه مستوعباً عن أبي هريرة قال: لا أزال أحب هذا الرجل - يعنى الحسن بن علي - بعد ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع به ما يصنع.قال: رأيت الحسن في حجر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدخل أصابعه في لحية النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم يدخل لسانه في فيه ثم يقول اللهم إني أحبه) وذكر الحديث((1)).
ولدت فاطمة الحسن علیه السلام فدفعه النبي صلی الله علیه و آله إليها فرضعته بلبن قثم من العباس. فلما ولد جاء النبي وقال: يا أسماء هاتي أبني قالت: فدفعته إليه في خرقة صفراء فرمى بها النبي وقال: يا أسماء ألم أعهد إليكم أن لا تلفوا المولود في خرقة صفراء قالت: فلفه في خرقة بيضاء ودفعه إليه فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى. ثُمَّ قبّله وأدخل لسانه في
1) ) ذخائر العقبى لأحمد بن عبد الله الطبري ص122، وص125.
فيه، وجعل الحسن يمص لسان رسول الله صلی الله علیه و آله )((1)).
قوله في الرواية: (ولدت فاطمة الحسن علیه السلام فدفعه النبي صلی الله علیه و آله إليها فرضعته بلبن قثم من((2)) العباس). المراد منه: أنّه بعد أنْ ولدت الزهراء علیه السلام بالحسن علیه السلام دفع النبي المولود إلى أمِّ الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب بلبن ابنها قثم.
وأمّا أسماء فالظاهر هي أسماء بنت عميس أرملة جعفر الطيار علیه السلام آنذاك.
وفيه عدة روايات:
وفي رواية أخرى، عن أبي الحسن الرضا علیه السلام أن النبي صلی الله علیه و آله كان يؤتى به الحسين فيلقمه لسانه فيمصّه
فيجزئ به ولم يرتضع مِن أنثى((1)).
عن حمزة بن القاسم، قال: حدثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، قال: حدثنا تميم بن بهلول قال: حدثنا علي بن حسان الواسطي، عن عبد الرحمان بن كثير الهاشمي، قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام : جعلت فداك، من أين جاء لولد الحسين علیه السلام الفضل على ولد الحسن علیه السلام ، وهما يجريان في شرع واحد؟
فقال: لا أراكم تأخذون به، إن جبرئيل علیه السلام نزل على محمد صلی الله علیه و آله وما ولد الحسين علیه السلام بعد. فقال: يولد لك غلام تقتله أمتك من بعدك! فقال: يا جبرئيل، لا حاجة لي فيه. فخاطبه ثلاثا، ثم دعا عليا علیه السلام ، فقال له: إن جبرئيل علیه السلام يخبرني عن الله تعالى أنه يولد لك غلام تقتله أمتك من بعدك، [فقلت: لا حاجة لي فيه]((2)).
فقال علي علیه السلام : لا حاجة لي فيه يا رسول الله، فخاطب
عليا ثلاثا، ثم قال: إنه يكون فيه وفي ولده الإمامة والوراثة والخزانة.
فأرسل إلى فاطمةعلیها السلام: إن الله يبشرك بغلام تقتله أمتي من بعدي! قالت فاطمةعلیها السلام: لا حاجة لي فيه. فخاطبها فيه ثلاثا، ثم أرسل إليها: لا بد من أن يكون، ويكون فيه الإمامة والوراثة والخزانة. فقالت له: رضيت عن الله.
فعلقت وحملت بالحسين علیه السلام ، فحملته ستة أشهر، ثم وضعته، ولم يعش مولود - قط - لستة أشهر غير الحسين علیه السلام ، وعيسى بن مريم، فكفلته أم سلمة.
وكان رسول الله صلی الله علیه و آله يأتيه في كل يوم فيضع لسانه في فم الحسين، فيمصه حتى يروى، فأنبت الله لحمه من لحم رسول الله صلی الله علیه و آله ، ولم يرضع من فاطمةعلیها السلام ولا من غيرها لبنا قط.
فأنزل الله تعالى فيه:
(وَحَملُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَربَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوزِعنِيٓ أَن أَشكُرَ نِعمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنعَمتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَن أَعمَلَ
صَٰلِحًا تَرضَىٰهُ وَأَصلِح لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ ...15)((1)). فلو قال: [أصلح ليذريتي]((2))
لكانوا كلهم أئمة، ولكن خص هكذا)((3)).
قال: وحدثنا أحمد بن الحسن بهذا الاسناد، عن صفية بنت عبد المطلب، قالت: لما سقط الحسين علیه السلام من بطن أمه، فدفعته إلى النبي صلی الله علیه و آله ، فوضع النبي لسانه في فيه، وأقبل الحسين على لسان رسول الله يمصُّه، فما كنت أحسب رسول الله يغذوه إلا لبناً أو عسلاً...)((4)).
1) ) الآية (15) من سورة الأحقاف 46.
2) ) ما بين المعكوفتين زيادة وردت في العلل.
3) ) الإمامة والتبصرة لابن بابويه القمي ص51-53. ورواه الصدوق أيضاً في العلل ج1 ص205-206 عن أحمد بن الحسن، عن أحمد بن يحيى عن بكر بن عبد الله بن حبيب بسنده، مثله. وعن العلل العوالم، الإمام الحسين علیه السلام للشيخ عبد الله البحراني ص23-24.
4) ) الأمالي للشيخ الصدوق ص199. وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج43 ص243. وعنه العوالم، الإمام الحسين علیه السلام للشيخ عبد الله البحراني ص13. ومثله بزيادات في روضة الواعظين للفتال النيسابوري ص154-155. راجع الخصائص الفاطمية للشيخ محمد باقر الكجوري ج2 594.
برة ابنة أمية الخزاعي قالت:... فلمّا حملت بالحسين قال لها: يا فاطمة انك ستلدين غلاماً قد هنأني به جبرئيل فلا ترضعيه حتى أجئ إليك ولو أقمت شهراً.
قالت: أفعل ذلك.وخرج رسول الله في بعض وجوهه، فولدت فاطمة الحسين علیه السلام فما أرضعته حتى جاء رسول الله فقال لها: ماذا صنعت؟ قالت: ما أرضعته، فأخذه فجعل لسانه في فمه، فجعل الحسين يمصّ حتى قال النبي صلی الله علیه و آله : أيها حسين أيها حسين، ثم قال: أبى الله إلا ما يريد هي فيك وفي ولدك، يعني الإمامة((1)).
وسيأتي ذكرها في الرواية الثانية مما دلّ على ارتضاع
1) ) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج3 ص209. وعنه العوالم، الإمام الحسين علیه السلام للشيخ عبد الله البحراني ص22.
الإمام الحسين علیه السلام مِن إبهام النبي محمد صلی الله علیه و آله .
قال محمد بن العباس (رحمه الله): حدثنا محمد بن همام، عن عبد الله بن جعفر، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن إبراهيم بن يوسف العبدي عن إبراهيم بن صالح، عن الحسين بن زيد، عن آبائه علیهم السلام قال:... فلمّا وضعته وضع النبي صلی الله علیه و آله لسانه في فيه فمصّه، ولم يرضع الحسين علیه السلام من أنثى حتى نبت لحمه ودمه من ريق رسول الله صلی الله علیه و آله ...)((1)).
شيخ السنة القاضي أبو عمر وعثمان بن أحمد: كما إن النبي أيضاً وضع لسانه الشريف في فم الحسين علیه السلام وجعل يمصه حتى نبت لحمه مِن لحم رسول الله ودمه مِن دم رسول الله صلی الله علیه و آله الخ) ((2)).
عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام :...
قالت صفية بنت عبد المطلب: لما سقط الحسين علیه السلام من بطن أمه وكنت قد وليته.
قال النبي صلی الله علیه و آله : يا عمة هلمي إلي ابني فقلت: يا رسول الله أنا لم ننظفه بعد فقال: يا عمة أنت تنظفينه إن الله تبارك وتعالى قد نظفه وطهره فدفعته وهو في خرقة بيضاء فأذن في إذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى ووضع لسانه في فيه واقبل الحسين يمصه.
قالت: فما كنت أحسب رسول الله صلی الله علیه و آله يغذوه إلا لبناً أو عسلاً...)((1)).
عن محمد بن يحيى، عن علي بن إسماعيل، عنمحمد
1) ) شجرة طوبى للشيخ محمد مهدي الحائري ج2 ص261.
بن عمرو الزيات، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (إن جبرئيل علیه السلام نزل على محمد صلی الله علیه و آله فقال له: يا محمد إن الله يبشرك بمولود يولد من فاطمة، تقتله أمتك من بعدك، فقال: يا جبرئيل وعلى ربي السلام لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة، تقتله أمتي من بعدي، فعرج ثم هبط علیه السلام فقال له مثل ذلك، فقال: يا جبرئيل وعلى ربي السلام لا حاجة لي في مولود تقتله أمتي من بعدي، فعرج جبرئيل علیه السلام إلى السماء ثم هبط فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويبشرك بأنه جاعل في ذريته الإمامة والولاية والوصية، فقال: قد رضيت.
ثم أرسل إلى فاطمة؛ أنَّ الله يبشرني بمولود يولد لك، تقتله أمتي مِنْ بعدي.
فأرسلتْ إليه لا حاجة لي في مولود [منِّي] تقتله أمتك مِنْ بعدك، فأرسل إليها؛ أنَّ الله قد جعل في ذريته الإمامة والولاية والوصية فأرسلت إليه أنْ قد رضيت، ف-حملته كرهاً (وَوَضَعَتهُ كُرهًاۖ وَحَملُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَربَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوزِعنِيٓ أَن أَشكُرَ نِعمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنعَمتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَن أَعمَلَ صَٰلِحًا تَرضَىٰهُ وَأَصلِح لِي فِي ذريتي) لكانت ذريته كلهم أئمة. ولم يرضع
الحسين من فاطمةعلیها السلام ولا من أنثى، كان يؤتى به النبي فيضع إبهامه في فيه فيمصُّ منها ما يكفيه اليومين والثلاث، فنبت لحم الحسين علیه السلام من لحم رسول الله ودمه ولم يولد لستة أشهر إلاعيسى ابن مريم علیه السلام والحسين بن علي صلی الله علیه و آله )((1)).
عن غرر أبي الفضل بن حيزانة بإسناده: إنَّه اعتلت فاطمة لمّا ولدت الحسين، وجفّ لبنها، فطلب رسول الله مرضعاً فلم يجد، فكان يأتيه فيلقمه ابهامه فيمصّها ويجعل الله له في ابهام رسول الله رزقاً يغذوه((2)). ويقال: بل كان رسول الله يدخل لسانه في فيه فيغرُّه كما يغر الطير فرخه فيجعل الله له في ذلك رزقاً، ففعل ذلك أربعين يوماً وليلة، فنبت لحمه مِنْ لحم رسول الله((3)).
1) ) الكافي للشيخ الكليني ج1 ص464-465. وكامل الزيارات لجعفر بن محمد بن قولويه ص123-125 بتغيير يسير.
2) ) يغذو: مضارع غذا. وغذا الطعامُ المولودَ نجع فيه وكفاه. غذا فلانًا بالطَّعام: أطعمه إيّاه، أعطاه إيّاه. غذا الصَّبيّ باللَّبن: ربَّاه به.
3) ) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج3 ص209. وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج43 ص254. وعنه العوالم، الإمام الحسين علیه السلام للشيخ عبد الله البحراني ص21-22.
وفيه روايتان:
حدثنا محمد بن الحسن بن الوليد رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار قال: حدثنا أبو عبد اللهالحسين بن رزق الله قال: حدثني موسى بن محمد بن القاسم بن - حمزة بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب علیهم السلام قال: حدثتني حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن - علي بن أبي طالب علیهم السلام ، قالت:... فأخذتني فترة وأخذتها فترة فانتبهت بحس سيدي فكشفت الثوب عنه فإذا أنا به علیه السلام ساجداً يتلقى الأرض بمساجده فضممته إلي فإذا أنا به نظيف متنظف فصاح بي أبو محمد علیه السلام هلمي إلي ابني يا عمة فجئت به إليه فوضع يديه تحت أليتيه وظهره ووضع قدميه على صدره ثم أدلى لسانه في فيه وأمر يده على عينيه وسمعه ومفاصله ثم قال:
ب تكلم يا بني فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول الله صلی الله علیه و آله ، ثم صلّى على أمير المؤمنين وعلى الأئمة علیهم السلام إلى أن وقف على أبيه، ثم أحجم((1)).
ثم قال أبو محمد علیه السلام : يا عمة اذهبي به إلى أمِّه ليسلِّم عليها وائتني به، فذهبت به فسلم عليها ورددته فوضعته في المجلس.
ثم قال: يا عمَّة إذا كان يوم السابع فأتينا قالت حكيمة: فلما أصبحت جئت لأسلم على أبي محمد علیه السلام وكشفت الستر لأتفقد سيدي علیه السلام فلم أره، فقلت: جعلت فداك ما فعل سيدي؟ فقال: يا عمة استودعناه الذي استودعته أم موسى موسى علیه السلام . قالت حكيمة: فلما كان في اليوم السابع جئت فسلمت وجلست فقال: هلمي إليّ ابني، فجئتبسيدي علیه السلام وهو في الخرقة ففعل به كفعلته الأولى، ثم أدلى لسانه في فيه كأنه يغذيه لبناً أو عسلاً...)((2)).
1) ) أي سكت.
2) ) كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص424-426. وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج51 ص2-4. وعنه أيضاً مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج8 ص10-12. وعنه تفسير نور الثقلين للشيخ الحويزي ج4 ص110. وراجع روضة الواعظين للفتال النيسابوري ص256-257 بتغيير يسير. ومثله في محل الشاهد في الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي ص203. عن موسى بن محمد القاسم بن حمزة بن جعفر صلی الله علیه و آله . ونقلها في الأنوار البهية للشيخ عباس القمي ص335-337.
وكذا في الغيبة للشيخ الطوسي ص237. بإسناده عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن حمويه الرازي، عن الحسين بن رزق الله، عن موسى بن محمد بن جعفر قال حدثتني حكيمة....
قال الحسين بن حمدان حدثني من زاد في أسماء من حدثني من هؤلاء الرجال الذين أسميهم وهم غيلان الكلابي، وموسى بن محمد الرازي، وأحمد بن جعفر الطوسي عن حكيمة ابنة محمد بن علي الرضا علیه السلام ،... قالت فكشفت عن سيدي إليه التسليم فإذا هو ساجد ملتقي الأرض بمساجده وعلى ذراعه الأيمن مكتوب (جاء الحق
وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا) فضممته إلي فوجدته متضرعا فلففته بثوب وحملته إلى أبي محمد علیه السلام فأخذه واقعده على راحته اليسرى وجعله راحته اليمنى على ظهره وادخل لسانه في فيه ومرّ يده على ظهره ومفاصله وسمعه.
ثم قال، تكلّم يا بني. فقال: اشهد ان لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وأن عليا أمير المؤمنين ولم يزل يعد الأئمة علیهم السلام حتى بلغ إلى نفسه ودعا لأوليائه على يده بالفرج ثم أحجم.
فقال أبو محمد علیه السلام : يا عمة اذهبي به إلى أمّه لتسلِّم عليه وأتيني به، فمضيت به إليها فسلّمتْ عليه ورددته إليه، ثم وقع بيني وبين أبي محمد كالحجاب فلم أر سيدي.
فقلت لأبي محمد: يا سيدي أين مولاي؟ فقال: اخذه من هو أحق به منك، فإذا كان في اليوم السابع فأتنا. فلمّا جاء اليوم السابع اتيت وسلّمت وجلست فقال لي علیه السلام هلمي ابني فجئت سيدي وهو في ثياب صفر ففعل به كفعله الأوّل وجعل لسانه في فيه...)((1)).
1) ) الهداية الكبرى للحسين بن حمدان الخصيبي ص355-357.
إنّ المتتبع للروايات في المقام والتي سردناها سابقاً يتضح له - بعد التأمل - أنّها صالحة للاستدلال والأخذبها والتمسك بمضمونها وإثبات وقوعها، ولا عبرة بشكّ المشككين، وإنكار الجاهلين، واللذين في قلوبهم مرض زادهم الله مرضاً.
ونستنتج ونستخلص مِن تلك الروايات الكثيرة التي ذكرناها وجوهاً في حجيتها على المطلوب، وهو ثبوت قضية ارتضاع الإمام الحسين علیه السلام مِن لسان أو إبهام النبي صلی الله علیه و آله :
إن أكثر مِن خمس وعشرين رواية دلّت على معنى واحد وهو أنّ بعض المعصوم قد أرضع ابنه، أو ارتضع ابنه مِنه.
وعند بلوغ الرواية هذه الكثرة الكثيرة المفيدة لليقين لا معنى للنظر في سند الروايات إلا ما يحقق تعدد الطرق.
ويكفي في هذا الأمر - المتواتر معنىً - أن يكون قرينة على صحة ما روي في ارتضاع الإمام الحسين علیه السلام مِن
النبي صلی الله علیه و آله حيث أنّ تلك ما هي إلا مصاديق لذلك الأمر المعلوم المقطوع.
إنّ ارتضاع الإمام الحسين علیه السلام مِن النبي الأعظم صلی الله علیه و آله دلّت عليه أكثر مِن عشر روايات وهذا المقدار يكفي في ثبوت الاستفاضة التي يغلب فيها الظن بالوقوع.
إنّ رواية العامة لبعض تلك الأحاديث يُعدّ قرينةخارجية على الصحة، فإنّ نقل المخالف لمثل هذه الروايات التي لا تتلاءم مع معتقده دليل على صحتها، ولو لم تكن مِن القوة بمكان لم يروها المخالف لأنها مخالفة لمعتقده، بل وتهدم دينه الذي ابتنى على التساهل في إراقة دم من دم رسول الله صلی الله علیه و آله وتبضيع لحم هو مِن لحمه صلی الله علیه و آله ، ولعل أحد الدواعي لفعل النبي هذا أنْ يُشدِّد البيان بأبلغ فعل على عظيم حرمة دم الإمام الحسين علیه السلام ، فإنّ إراقة دم الإمام علیه السلام هو إراقة واستخفاف بدم رسول الله صلی الله علیه و آله وهو مروق عن الدين القويم.
إنّ فعل النبي صلی الله علیه و آله لا استحالة فيه عقلية، فهو ممكن الوقوع، وهذا المقدار كافٍ في ثبوت القضية التاريخية، ولم يقم دليل على النفي، وهذه سيرة عقلائية في تلقي الأخبار كما أسلفنا في مقدمة البحث فراجع.
لقد تقدّم في مقدمة البحث النقل عن بعض أعلام الطائفة (جوّز الأكثر العمل بالخبر الضعيف في نحو القصص والمواعظ وفضائل الأعمال، لا في صفات الله وأحكام الحلال والحرام، وهو حسن حيث لم يبلغ الضعيف حد الوضع والاختلاق).
وهذه الروايات لا شكّ أنّها مِن روايات الفضائل للنبي صلی الله علیه و آله ولأمير المؤمنين والحسنين والإمام العسكري وولده الإمام المنتظر علیهم السلام .
المخالفون لمّا تورطوا في الروايات الصحيحة عندهم في إرضاع الكبير، حتّى رووا أنّه: (قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، لِعَائِشَةَ،
إنَّه يَدْخُلُ عَلَيْكِ الغُلامُ الأيْفَعُ، الذي ما أُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ، قالَ: فَقالَتْ عَائِشَةُ: أَما لَكِ في رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ أُسْوَةٌ؟ قالَتْ: إنَّ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ سَالِمًا يَدْخُلُ عَلَيَّ وَهو رَجُلٌ، وفي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ منه شيءٌ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: أَرْضِعِيهِ حتَّى يَدْخُلَ عَلَيْكِ).
وغيرها مِن الروايات الصحيحة عندهم.
ونحن ننزه النبي الأعظم صلی الله علیه و آله عن ذلك.
فلما احتُجّ عليهم بهذه الفضائح والفظائع قالوا أنّ عندكم ما هو أكثر مِن هذا وهو ارضاع الرجل للأطفال، فلقد رويتم أيها الشيعة ارتضاع النبي صلی الله علیه و آله مِن أبي طالب علیه السلام ، وارتضاع الحسين علیه السلام مِن النبي صلی الله علیه و آله .
ولعمري ما هذا الجهل الذي يمجّه السمع، ويأنف العقل مِن النظر فيه، أين هذا مِن ذاك، صحيح أنّ مِن مذهبهم القياس ولكن كيف يُقاس المباين على مُباينه، ففي قولهم ذاك تُظهر المرأة صدرها لغير زوجها، بل تُلقمه ثديها، ومِن ثمّ يختلي بها كمحرم مِن محارمها، ففيه هتك للأعراض، وعدم الحياء، وليس فيما نقوله أو روي عندنا
شيء مِن ذلك قط.
وفيما ذكرناه في هذا البحث كفاية (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكرَىٰ لِمَن كَانَلَهُۥ قَلبٌ أَو أَلقَى ٱلسَّمعَ وَهُوَ شَهِيدٌ 37)((1)).
قد يتوهم بعض الجهلة أنّ الروايات في ارتضاع الحسين علیه السلام مِن النبي الأعظم صلی الله علیه و آله متعارضة حيث دلّت بعض الروايات على أنّ النبي صلی الله علیه و آله قد أرضعه مِن إبهامه وفي بعضها أرضعه بلسانه.
فنقول في الجواب:
أوّلاً: لا تعارض بين تلك الروايات؛ لأنَّ كلَّ واحدة منها تثبت فعلاً ولا تعرّض لها لنفي الفعل الآخر، فيمكن أنْ يكون تغذية النبي صلی الله علیه و آله للإمام الحسين صلی الله علیه و آله حصل بأكثر من طريقة في جميع أوقات التغذية، فتارة بلسانه وتارة أُخرى بإبهامه.
ثانياً: لو سلمنا التعارض فإنما هو في طريقة الإرضاع، ولا يضر فيما اتفقت عليه الروايات كلها مِن ارتضاعه علیه السلام
1) ) من سورة ق.
من النبي صلی الله علیه و آله في الجملة.
ثالثاً: ولو غضضنا النظر عن ذلك فإن روايات ارتضاع الإمام الحسين علیه السلام من لسان النبي صلی الله علیه و آله أكثر وأشهر فتقدم، ولا يقتضي التعارض المتوهم هنا سقوط الروايات.
ولله درّ الشاعر حيث قال:
لله مرتضع لم يرتضع أبدا
من ثدي أنثى ومن
طه مراضعهيعطيه إبهامه آنا وآونة
لسانه، فاستوت منه طبائعه
غرس سقاه رسول
الله من يده
وطاب من بعد طيب الأصل فارعه
اثناء بحثي استمعت لبعض الخطباء يذكر أنّ ارتضاع الإمام الحسين علیه السلام مِن النبي صلی الله علیه و آله مما اختصّ به الإمام الحسين علیه السلام ولم تثبت لغيره، وأنّ الزهراءعلیها السلام على جلالة قدرها لا يُراد لها أن ترضع الإمام الحسين علیه السلام لأنّ الحسين جاعل رأسه برأس النبي - على حدّ قوله - مما يدلّ كلامه على علوّ مقام الإمام الحسين علیه السلام ويُفهم مِن كلامه أنّ مَن لم يرتضع مِن النبي صلی الله علیه و آله فليس في مقام الإمام الحسين علیه السلام ، وهو أعلى مِن أن يرتضع مِن الزهراءعلیها السلام.
وهذا الكلام فاسد جملة وتفصيلاً:
أمّا أوّلاً: فإنّ هذا الإرتضاع يرجع الى كفاية الجسد من الغذاء ولذا نصت بعض الروايات بكفايته ليومين أو ثلاثة، وهذا ظاهر في الغذاء الجسدي، وكذلك ما نصت عليه بعض الروايات مِن أنّه نبت لحمه من لحم رسول الله ودمه من دم رسول الله صلی الله علیه و آله ، وهذا وإن دلّ على فضيلة عظيمة إلا أنّ هذا مِن المنازل وليس مِن المقامات، بمعنى عدم رجوعه إلى صفات الإمام النفسية التي يقع فيها التفاضل الحقيقي.
وأمّا ثانياً: فلأنّ هذا ذُكر في حقِّ أمير المؤمنينوالإمام الحسن صلی الله علیه و آله ، كما نقلنا ما ورد في ارتضاع الإمام الحجة المنتظر مِن أبيه علیه السلام ، فليس الأمر مختصاً بالحسين علیه السلام ، وقد يكون النبي فعل ذلك مع غيرهم ولم يُنقل لنا حيث لا دليل على العدم.
وأمّا ثالثا: في كلامه انتقاص مِن مقام الإمام الحسن علیه السلام بل انتقاص مِن مقام الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها.
ما الذي يبتغيه المنحرفون مِن التشكيك في فضائل أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام ، وما الذي يجنيه مِن إظهار أراجيفه في تعظيم بيت النبوة والإمامة علیهم السلام ، هؤلاء الجهال فعلهم فعل الشياطين يؤثِّرون على مَن في قلبه مرض. قال تعالى:
(لِّيَجعَلَ مَا يُلقِي ٱلشَّيطَٰنُ فِتنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ 53)((1)).
(فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًاۖ وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكذِبُونَ 10) ((2)).
صدق الله العلي العظيم وصدق رسوله الأمين محمد صلی الله علیه و آله .وآخر دعوانا أنْ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الأنام النبي محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين الذين مَنْ والاهم فقد وآل الله تبارك وتعالى، ومّنْ أحبَّهم فقد أحبَّ الله، وَمَنْ أبغضهم فقد أبغض الله،
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وسيعلم الذين ظلموا آل محمد أيّ منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين محمد واله الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
إلى هنا انتهى جواب الشبهة الأولى
ويليه الكلام حول الشبهة الثانية.
والحمد لله أوَّلاً وآخراً.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
من الوقائع التي أثير حولها بعض الإشكالات والشبه قصة الملك فطرس مع الإمام الحسين علیه السلام ، والتي جاءت في كثير من الروايات، ومجمل هذه القصة أن الملك فطرس أبطأ في تنفيذ أمر مِنْ أوامر الله عزَّ وجلَّ - كما جاء في بعضها -، فكسر الله جناحيه ونزل في جزيرة من الجزائر، وبقي فيها مدة طويلة حتى ولد الإمام الحسين علیه السلام فنزل جبريل مع جماعة من الملائكة لتهنئة النبي صلی الله علیه و آله بالمولود الجديد، ومرُّوا على تلك الجزيرة، ولقوا فطرس وطلب منهم أن يأخذوه إلى النبي صلی الله علیه و آله ليشفع له عند الله في أمره، وقد دعا النبي صلی الله علیه و آله له وأمره أن يتمسح بمهد
الحسين علیه السلام ، وهذا ما فعله وعاد جناحاه كما كانا ببركة الإمام الحسين علیه السلام . وسيأتي تفصيل هذه القضية خلال استعراض النصوص الشريفة.
وقد واجهت هذه القضيَّة مجموعة مِن الأسئلة والإشكالات، ومِن المناسب قبل عرض هذه الأسئلة وبيان الجواب عنها، أن ننقل الروايات الناقلة لهذه القصة، ونستخرج منها ما اتفقت على مضمونه، ثمنتعرض لتلك الأسئلة والجواب عنها
وينبغي أنْ نُصنِّف الروايات إلى عدّة تصنيفات حتّى يسهل حصرها، ويتيسر استنطاقها، وبيان الجمع بينها، فنقول:
وفيه سبع روايات:
حدَّثني محمد بن جعفر القرشي الرزاز الكوفي، قال: حدثني خالي محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، قال: حدثني موسى بن سعدان الحناط، عن عبد الله بن القاسم
الحضرمي، عن إبراهيم بن شعيب الميثمي.
قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: إنّ الحسين بن علي صلی الله علیه و آله لمَّا ولد أمَرَ الله عزَّ وجلَّ جبرئيل علیه السلام أنْ يهبط في الف مِنَ الملائكة فيُهنئ رسول الله صلی الله علیه و آله مِن الله ومِن جبرئيل علیه السلام ، قال: وكان مهبط جبرئيل علیه السلام على جزيرة في البحر، فيها ملَك يُقال له: فطرس، كان مِن الحملة، فبُعث في شي فأبطأ فيه، فكُسِر جناحه، وأُلقي في تلك الجزيرة يعبد الله فيها ستمائة عام حتى ولد الحسين علیه السلام ، فقال الملَك لجبرئيل علیه السلام : أين تريد؟ قال: إنَّ الله تعالى أنعم على محمَّد صلی الله علیه و آله بنعمة، فبُعِثْتُ أهنيه مِن الله ومِنِّي، فقال: يا جبرئيل احملني معك، لعلّ محمَّداً صلی الله علیه و آله يدعو الله لي. قال: فحمله، فلمَّا دخل جبرئيل على النبي صلی الله علیه و آله وهنأه مِن الله وهنأه منه وأخبره بحال فطرس، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : يا جبرئيل ادخله. فلمَّا أدخله أخبر فطرس النبي صلی الله علیه و آله بحاله، فدعا له النبي صلی الله علیه و آله وقالله: تمسَّح بهذا المولود، وعُد إلى مكانك.
قال: فتمسح فطرس بالحسين علیه السلام وارتفع.
وقال: يا رسول الله صلی الله علیه و آله أمَا أنَّ أمتك ستقتله وله عليَّ
مكافاة أنْ لا يزوره زائر الا بلَّغتُه عنه، ولا يسلِّم عليه مُسَلِّم إلاّ بلَّغته سلامه، ولا يُصلي عليه مصلٍّ إلاّ بلّغته عليه صلاته، قال: ثُمّ ارتفع)((1)).
1) ) كامل الزيارات لجعفر بن محمد بن قولويه ص140-141. وعنه في بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج43 ص244. وكذا باختلاف يسير في الأمالي للشيخ الصدوق ص200-201، عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار رحمه الله)، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، قال: حدثنا موسى بن عمر، عن عبد الله بن صباح في نسخة: عبد الله بن صالح) المزني، عن إبراهيم بن شعيب الميثمي، قال: سمعت الصادق أبا عبد الله علیه السلام يقول...). وعن الأمالي في بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج43 ص243-244، وج98 ص367. وعن الأمالي وكامل الزيارات والمناقب لابن شهراشوب في العوالم، الإمام الحسين علیه السلام للشيخ عبد الله البحراني ص17-19. وعن الأمالي أيضاً مستدرك الوسائل للميرزا النوري ج10 ص410-411. ورواها في الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي ص338 – 339 بتغيير يسير. ومثله في روضة الواعظين للفتال النيسابوري ص155. وكذلك في مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج3 ص228-229. وعن المناقب في بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج43 ص244.
قال: حدَّثني أبو المفضل محمَّد بن عبد الله، قال: حدَّثني أبو النجم بدر ابن الطبرستاني((1))، قال حدثني أبو جعفر محمد بن علي الشلمغاني، عمَّن حدَّثه عن أبي جعفر علیه السلام . قال: لمَّا ولد الحسين علیه السلام هبط جبرئيل في ألف ملك يُهَنُون النبي بولادته.
وكان ملك يقال له (فطرس) في جزيرة من جزائر البحر، بعثه الله في أمر مِنَ أُموره فأبطأ عليه، فكسر جناحه وأزاله((2)) عن مقامه، وأهبطه((3)) إلى تلك الجزيرة، فمكث فيها خمسمائة عام، وكان صديقاً لجبرئيل.
فلمَّا مضى قال له: أين تريد؟
قال له: ولد للنَّبي مولود في هذه الليلة، فبعثني الله في ألف ملك لأهنئه.
قال: احملني إليه لعله يدعو لي. فلمَّا أدَّى جبرئيل
الرسالة ونظر النبي إلى فطرس، قال له: يا جبرئيل، مَنْ هذا؟ فأخبره بقصَّته، فالتفت إليه رسول الله صلی الله علیه و آله فقال: امسح جناحك على المولود. يعني الحسين علیه السلام ، فمسح جناحه فعاد إلى حالته، فلمَّا نهض قال له النبي صلی الله علیه و آله : الزم أرض كربلاء وأخبرني بكلِّ مؤمن رأيته زائراً إلى يومالقيامة. قال: فذلك الملك يُسمَّى (عتيق الحسين علیه السلام )((1)).
لمَّا ولد الحسين علیه السلام هبط جبرئيل في ألف ملك يُهنون النبي صلی الله علیه و آله فمرُّوا بملَك يقال له فطرس في جزيرة من جزائر البحر، بعثه الله تعالى في أمر فأبطأ، فكُسِر جناحه وزِيْل عن مقامه، فهبط إلى تلك الجزيرة، فمكث فيها خمسمائة عام.
وكان صديقاً لجبرائيل علیه السلام فلمَّا مضى قال له: أين تريد؟ قال: ولد للنبي صلی الله علیه و آله ابنٌ في هذه الليلة فبعثني الله فيمن
1) ) دلائل الامامة لمحمد بن جرير الطبري الشيعي) ص189-190. ومثله في الدر النظيم لابن حاتم العاملي ص528: حدَّث أبو جعفر محمد بن علي بن سمعان، عن جدته، عن أبي جعفر علیه السلام .
ترى مِن الملائكة مُهَنِّيَاً.
فقال: أفلا تحملني معك إليه؟ فلعله يدعوا لي ويسأل الله تعالى إقالتي. فحمله جبرئيل عليه. فلمَّا هنَّأه هو والملائكة ونظر النبي صلی الله علیه و آله إلى فطرس فقال: يا جبرئيل مَنْ هذا مِنْ بين الملائكة الهابطين مقصَّص الجناح؟ فأخبره بقصَّته.
فالتفت إليه رسول الله صلی الله علیه و آله وقال له بعد أنْ دعا له: قُم وامسح بجناحك على المولود. فمسح جناحه على الحسين علیه السلام فردَّه الله تعالى إلى حالته الأولى. فلمّا نهض قال له النبي صلی الله علیه و آله : إلى أين يا فطرس؟ قال: إلى مكاني الذي كنت فيه. قال له: إنَّ الله قد شفَّعني فيك، فالزم ارض كربلا وأخبرني بكلِّ مَنْ يأتي الحسين علیه السلام زائراً إلى يوم القيامة.وروي أنَّ ذلك الملَك يُسَمَّى في السَّماء عتيق الحسين علیه السلام )((1)).
(لمَّا ولد الحسين علیه السلام أمر الله تعالى جبرئيل أنْ يهبط
1) ) عيون المعجزات لحسين بن عبد الوهاب ص60.
في ملأ مِنَ الملائكة فيهنئ محمداً، فهبط فمرّ بجزيرة فيها ملَك يقال له: فطرس، بعثه الله في شيء فأبطأ فكسر جناحه، وألقاه في تلك الجزيرة، فعبد الله سبعمائة عام فقال فطرس لجبرئيل: إلى أين؟ قال: إلى محمَّد. قال: احملني معك إلى محمَّد لعلَّه يدعو لي. فلمَّا دخل جبرئيل، وأخبر محمَّداً بحال فطرس، قال له النبي: قل له يمسح((1)) بهذا المولود [جناحه]. فمسح((2)) فطرس بمهد الحسين علیه السلام ، فأعاد الله عليه في الحال جناحه، ثم ارتفع مع جبرئيل إلى السماء فسمي عتيق الحسين علیه السلام )((3)).
فيما استطرفه من جامع البزنطي صاحب الإمام الرضا علیه السلام : وعنه عن عنان، مولى سدير، عن أبي عبد
الله علیه السلام ، وعن رجل من أصحابنا عن أبيه عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال: وذكره غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبد الله، قال: (إنَّ فطرس ملَك كان يطيف بالعرش، فتلكأ((1)) في شيء مِنْ أمر الله، فقصَّ جناحه ورمى به على جزيرة((2))، فلمَّا ولد الحسين هبط جبرئيل إلى رسول الله صلی الله علیه و آله تهنية((3)) بولادة الحسين فمرَّ به، فعاذ بجبريل.
فقال: قد بُعِثْتُ إلى محمَّد أهنيه بمولود ولد له، فإنْ شئت حملتك إليه، فقال: قد شئتُ، فحمله، فوضعه بين يدي رسول الله، وبصبص بإصبعه إليه، فقال له رسول الله: امسح جناحك بحسين. فمسح جناحه بحسين فعرج)((4)).
في كتاب الأربعين للشيخ الماحوزي ص366 قال عن هذا الخبر: "لا يخفى ما في هذا الخبر مِنَ الدِّلالة القاطعة
على عظم فضل مولانا الحسين علیه السلام من جهات عديدة، ولا غرو فإنه يتيمة عقود الأولياء، ودوحة سادات الأوصياء".
بإسناده قال: حدثنا عبد الله بن هشام، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن موسى بن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن آبائه علیهم السلام ، عن النبي صلی الله علیه و آله قال: (كان ملَك الكروبين يقال له: فطرس، وكان مِنَ الله عزَّ وجلَّ بمكان فأرسله برسالة فأبطأ فكسر جناحه، فألقاه بجزيرة من جزائر البحر، فلمَّا ولد الحسين بن علي علیه السلام أرسل الله عزَّ وجلَّ جبرئيل في ألف من الملائكة يهنئون رسول الله صلی الله علیه و آله بمولود ويخبرونه بكرامته على ربِّه عزَّ وجلَّ، فمرَّ جبرئيل بذلك الملك، فكان بينهما خِلَّة، فقال فطرس: يا روح الله الأمين أين تريد؟ قال: إنَّ هذا النبي التهامي وهب الله عزَّ وجلَّ له ولداً استبشر به أهل السماوات وأهل الأرض، فأرسلني الله تعالى إليه أهنيه وأخبره بكرامته على ربه عزَّ وجلَّ، قال: هل لك أن تنطلق بي معك إليه يشفع لي عند ربه؟ فإنَّه سخي جواد، فانطلق الملَك مع جبرئيل علیه السلام فقال: إنَّ هذا ملَك من الملائكة الكروبين كان له من الله
تعالى مكان فأرسله برسالة فأبطأ فكسر جناحه وألقاه بجزيرة من جزائر البحر، وقد أتاك لتشفع له عند ربك.
فقام النبي صلی الله علیه و آله فصلَّى ركعتين ودعا في آخرهن: اللهم إنِّي أسألك بحقِّ كلِّ ذي حقٍّ عليك، وبحقِّ محمَّد وأهل بيته، أنْ تردَّ على فطرس جناحه، وتستجيب لنبيك، وتجعله آية للعالمين، فاستجاب الله تعالى لنبيه صلی الله علیه و آله ، وأوحى إليه أنْ يأمر فطرس أنْ يمرر جناحه على الحسين علیه السلام .
فقال رسول الله لفطرس: امرر جناحك الكسير على هذا المولود. ففعل، فسبَّح، فأصبح صحيحاً، فقال: الحمدلله الذي مَنَّ عليَّ بك يا رسول الله، فقال النبي لفطرس: أين تريد؟ فقال: إنَّ جبرئيل أخبرني بمصرع هذا المولود، وانِّي سألت ربي أن يجعلني خليفة هناك.
قال: فذلك الملَك موكَّل بقبر الحسين علیه السلام ، فإذا ترحَّم عبد على الحسين أو تولى أباه أو نصره بسيفه ولسانه، انطلق ذلك الملَك إلى قبر رسول الله صلی الله علیه و آله فيقول: أيَّتُهَا النفس الزكية فلان بن فلان ببلاد كذا وكذا يتولى الحسين ويتولى أباه ونصره بلسانه وقلبه وسيفه، قال: فيجيبه ملَك
موكَّل بالصَّلاة على النبي أنْ بلِّغه عن محمَّد السلام، وقل له: إنْ متَّ على هذا فأنتَ رفيقه في الجنَّة)((1)).
عن الصادق علیه السلام أنه قال: كان ملك بين المؤمنين((2)) يقال له: صلصائيل، بعثه الله في بعث فأبطأ فسلبه ريشه ودق جناحيه وأسكنه في جزيرة من جزائر البحر إلى ليلة ولد الحسين علیه السلام ، فنزلت الملائكة واستأذنت الله في تهنئة جدي رسول الله صلی الله علیه و آله وتهنئة أمير المؤمنين علیه السلام وفاطمةعلیها السلام فأذن الله لهم فنزلوا أفواجاً مِنَ العرش ومِنْ سماء إلى سماء فمرُّوا بصلصائيل وهو ملقى بالجزيرة. فلما نظروا إليه وقفوا فقال لهم: يا ملائكة ربي إلى أين تريدون؟ وفيم هبطتم؟ فقالت له الملائكة: يا صلصائيلقد ولد في هذه الليلة أكرم مولود ولد في الدنيا بعد جدِّه رسول الله صلی الله علیه و آله وأبيه عليّ وأمِّه فاطمة وأخيه الحسن وهو الحسين، وقد
استأذنَّا الله في تهنئة حبيبه محمد صلی الله علیه و آله لولده فأذن لنا.
فقال صلصائيل: يا ملائكة الله إنِّي أسألكم بالله ربنا وربكم وبحبيبه محمد صلی الله علیه و آله وبهذا المولود أنْ تحملوني معكم إلى حبيب الله وتسألونه وأسأله أنْ يسأل الله بحق هذا المولود الذي وهبه الله له أنْ يغفر لي خطيئتي ويجبر كسر جناحي ويردني إلى مقامي مع الملائكة المقربين.
فحملوه وجاؤا به إلى رسول الله صلی الله علیه و آله فهنؤوه بابنه الحسين علیه السلام وقصُّوا عليه قصة الملَك وسألوه مسألة الله والأقسام عليه بحق الحسين علیه السلام أنْ يغفر له خطيئته ويجبر كسر جناحه، ويردَّه إلى مقامه مع الملائكة المقربين. فقام رسول الله صلی الله علیه و آله فدخل على فاطمةعلیها السلام فقال لها: ناوليني ابني الحسين فأخرجته إليه مقموطاً يناغي جدَّه رسول الله صلی الله علیه و آله فخرج به إلى الملائكة فحمله على بطن كفه فهللوا وكبروا وحمدوا الله تعالى وأثنوا عليه. فتوجه به إلى القبلة نحو السماء، فقال: اللهم إنِّي أسألك بحق ابني الحسين أن تغفر لصلصائيل خطيئته، وتجبر كسر جناحه، وترده إلى مقامه مع الملائكة المقربين، فتقبَّل الله تعالى من النبي صلی الله علیه و آله ما أقسم به عليه، وغفر لصلصائيل خطيئته وجبر
كسر جناحه، وردَّه إلى مقامه مع الملائكةالمقربين)((1)).
نجد أنّ هذه الروايات السِّت جاءت بهذه الألفاظ: (فبُعث في شي فأبطأ فيه) (بعثه الله في أمر مِنَ أُموره فأبطأ عليه) (بعثه الله تعالى في أمر فأبطأ) (بعثه الله في شيء فأبطأ) (فتلكأ في شيء مِنْ أمر الله) (أرسله برسالة فأبطأ). ودلّ جميعها على أنّ الملَك فطرس علیه السلام قد بُعث في أمر أو شيء أو رسالة وهذه اللفاظ الثلاثة لا تتنافى فإنّ الرسالة يُطلق عليها شيء كما يُطلق عليها أنّها أمر، وكذلك لا منافاة بين الإرسال والبعث فإنّهما بمعنى واحد، وكذلك لا فرق بين التلكؤ وبين الإبطاء فإنّ اهل اللغة نصّوا على أنّ التلكؤ معناه الإبطاء.
وأمّا ذكر صلصائيل بدل فطرس في بعض الروايات فسنشير إليه لاحقاً إن شاء الله تبارك وتعالى. كما أنّ هذه الروايات ساكتة عن ماهيّة ذلك الأمر المبعوث فيه.
1) ) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج43 ص258-259، في كتاب الغيبة. وعنه أيضاً العوالم، الإمام الحسين علیه السلام للشيخ عبد الله البحراني ص16-17.
حدّثنا أحمد بن موسى، عن محمد بن أحمد المعروف بغزال مولى حرب بن زياد البجلي، عن محمد أبي جعفر الحمامي الكوفي، عن الأزهر البطيخي، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (إنَّ الله عرض ولاية أمير المؤمنين فقبلها الملائكة وأباها ملَك يقال له فطرس، فكسر الله جناحه، فلمَّا ولد الحسين بن علي علیه السلام بعث الله جبرئيل في سبعين الف ملَك إلى محمَّد صلی الله علیه و آله يهنئهم بولادته، فمرَّ بفطرس فقال له فطرس: يا جبرئيل إلى أين تذهب؟ قال: بعثني الله إلى محمَّد اهنئهم((1))
بمولود ولد في هذه الليلة.
فقال له فطرس: احملني معك وسل محمَّداً يدعو لي. فقال له جبرئيل: اركب جناحي. فركب جناحه فأتى محمَّداً صلی الله علیه و آله فدخل عليه وهنئاه.
فقال له: يا رسول الله صلی الله علیه و آله إنَّ فطرس بيني وبينه اخوَّة وسألني أنْ أسئلك أنْ تدعو الله له أنْ يردَّ عليه جناحه. فقال رسول الله صلی الله علیه و آله لفطرس: أتفعل؟ قال: نعم. فعرض
1) ) كذا في نسخة، وفى البحار اهنيهم.
عليه رسول الله صلی الله علیه و آله ولاية أمير المؤمنين علیه السلام فقبلها. فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : شأنك بالمهد. فتمسَّح به وتمرَّغ فيه. قال: فمضى فطرس فمشى((1)) إلى مهد الحسين بن علي ورسول الله يدعو له. قال: قال رسول الله: فنظرتُ إلى ريشه وأنّه ليطلع ويجري منه الدَّم ويطول حتى لحق بجناحه الاخر، وعرج مع جبرئيل إلى السَّماء، وصار إلى موضعه)((2)).
ليس المقصود في هذه الرواية أنّ الملَك فطرس لم يقبل أصل الولاية، فإنّ ذلك لا يمكن أنْ يصحَّ كما لا ينبغي الحمل عليه، بل تُحمل على عدم قبولِ مرتبة مِن مراتب ولاية أمير المؤمنين علیه السلام فإنّ الخلق يتفاوتون فيها، وهذا ما سيتم توضيحه فيما يأتي - بغض النظر عن ضعف
الرواية - في آخر البحث إنْ شاء الله تعالى.
وفيه عدَّة روايات:
اليوم الثالث فيه ولد الحسين بن علي صلی الله علیه و آله ، خرج إلى القاسم بن العلاء الهمداني وكيل أبي محمد علیه السلام أن مولانا الحسين علیه السلام ولد يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان فصمه. وادعُ فيه بهذا الدعاء:... إلى أنْ يقول: (...اللهم! وهب لنا في هذا اليوم خير موهبة وأنجح لنا فيه كلّ طلبة كمَا وهبت الحسين لمحمد جده، وعاذ فطرس بمهده، فنحن عائذون بقبره من بعده نشهد تربته وننتظر أوبته آمين رب العالمين)((1)).
1) ) مصباح المتهجد للشيخ الطوسي ص826-827. وعنه مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص34-35 بسنده المتصل إلى الشيخ أبى جعفر محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله. وعنه مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج3 ص229 حيث قال: وقد ذكر الطوسي في المصباح رواية عن القاسم بن العلاء الهمداني حديث فطرس الملَك في الدعاء. وعنه إقبال الأعمال للسيد ابن طاووس ج3 ص303-304، قال: روينا ذلك بإسنادنا إلى جدي أبي جعفر الطوسي. وعنه مختصر البصائر للحسن بن سليمان الحلى ص150-152. ورواه في المزار لمحمد بن المشهدي ص397-399. والمصباح للكفعمي ص543-544. وفي بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج98 ص347-348، عن الشيخ في المصباح والسيد ابن طاووس في الاقبال. وعنه الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة للحر العاملي ص294-295.
قال ابن عباس: (فالملك ليس يعرف في الجنة إلا بأن يقال هذا مولى الحسين بن علي)((1)).
في المسألة الباهرة في تفضيل الزهراء الطاهرة عن أبي محمد الحسن بن الطاهر القايني الهاشمي: إنَّ الله تعالى كان خيَّره بين عذابه في الدنيا أو في الآخرة، فاختار عذاب الدنيا، وكان معلقاً بأشفار عينيه في جزيرة في البحر لا يمرّ
1) ) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج3 ص229.
به حيوان، وتحته دخان منتن غير منقطع، فلمَّا أحسَّ الملائكة نازلين سأل مَنْ مرَّ به منهم عمَّا أوجب لهم ذلك، فقال: ولد للحاشر الأمي احمد من بنته ووصيه ولديكون منه أئمة الهدى إلى يوم القيامة.
فسأل مَن أخبره أنَّه يهنئ رسول الله بتلك عنه، ويعلمه بحاله. فلمَّا علم النبي بذلك سأل الله تعالى أنْ يعتقه للحسين، ففعل سبحانه. فحضر فطرس وهنأ النبي.
وعرج إلى موضعه وهو يقول: مَنْ مثلي وأنَا عتاقة((1)) الحسين بن علي وفاطمة وجده احمد الحاشر)((2)).
هذه الرواية مع أنَّها بلا سند فيها مشكلة غير مقبولة في بعض مضمونها؛
فإنّ تعذيب الملَك وتخييره بين العقاب في دار الدنيا والأخرة لا يُمكن قبوله بحال مِن الأحوال، لأنّ فيه مُنافاة
صريحة لعصمة الملَك المدلول عليها في القرآن الكريم مثل قوله تعالى:
(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُم نَارًا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلحِجَارَةُ عَلَيهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ 6) ((1)).كما لا يُمكن توجيهه بوجه يكون مناسباً لألفاظه، فيكون هذا مُعارضاً للقرآن الكريم.
نعم؛ سقوط هذه الجزئية مِن الاعتبار لا يقتضي سقوط كلِّ الرواية عنه، فيبقى الباقي على اعتباره ما دام أنّه ليس معارضاً لصريح كتاب الله تبارك وتعالى وكان بقية المضمون متوافقاً مع الروايات الأخرى، حيث تتفق هذه الرواية مع غيرها في أنّ فطرس علیه السلام قد فرّج الله عنه ببركة الإمام الحسين علیه السلام .
حمدويه، قال: حدثنا أبو سعيد الآدمي، عن محمد بن مرزبان، عن محمد بن سنان، قال:... إنّ الله تعالى غضب
1) ) سورة التحريم الآية (6).
على ملَك من الملائكة يدعى فطرس، فدق جناحه ورمي في جزيرة من جزائر البحر، فلمَّا ولد الحسين علیه السلام بعث الله عزَّ وجلَّ جبريل إلى محمَّد صلی الله علیه و آله ليهنئه بولادة الحسين علیه السلام .
وكان جبريل صديقاً لفطرس فمرّ به وهو في الجزيرة مطروح، فخبَّره بولادة الحسين علیه السلام وما أمر الله به، فقال له: هل لك أنْ أحملك على جناح مِنْ أجنحتي وأمضي بك إلى محمد صلی الله علیه و آله ليشفع لك؟
قال، فقال فطرس: نعم. فحمله على جناح من أجنحته حتى أتى به محمداً صلی الله علیه و آله ، فبلغه تهنية ربَّه تعالى ثم حدَّثه بقصة فطرس، فقال محمَّد صلی الله علیه و آله لفطرس: امسح جناحك على مهد الحسين وتمسَّح به، ففعل ذلك فطرس، فجبر اللهجناحه وردَّه إلى منزله مع الملائكة)((1)).
1) ) اختيار معرفة الرجال للشيخ الطوسي ج2 ص849–850. عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج50 ص66-67. وعنه الأنوار البهية للشيخ عباس القمي ص253-254. وعنه الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج3 ص267-268. وعنه الرسائل الرجالية لأبي المعالي محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي ج3 ص638-640.
إنّ التعبير بالغضب في الرواية يحتاج إلى بيان:
الغضب يأتي على ثلاثة معان، والذي يهمنا هنا هو معنيان:
انَّ غضب الله تبارك وتعالى بمعنى عقابه، فيكون الغضب صفه مِن صفات الفعل، وهذا المعنى هو الموجود في الروايات مثل ما روي عن الإمام أبي جعفر الباقر علیه السلام في قوله تعالى: (وَمَن يَحلِل عَلَيهِ غَضَبِي فَقَد هَوَىٰ 81) ((1))، أنّه قال عندما سئل عن معنى الغضب في الآية: (هو العقاب يا عمرو، إنّه مَن زعم أنّ الله قد زال من شيء إلى شيء فقد وصفه صفة مخلوق، وإنّ الله تعالى لا يستفزه((2))
شيء
فيغيره)((1)).
وهذا المعنى لا يتناسب مع الملائكة علیهم السلام ، فإنّهم معصومون والعصمة لا يُناسبها الوقوع في المعصية الموجبة للعقاب. نعم وقوع المعصية بمعنى مخالفة الأولى الذي هو ليس مورداً للتشريع ولا العقاب يمكن تصور صدوره عن المعصوم، وعلى هذا المعنى لو حملنا الغضب على العقاب لكان منافياً للعصمة.
لقد صرّح جملة مِن العلماء بأنّ هناك رضاً إلهياً ذاتياً ومثله الغضب، وهو المعروف عند المتكلمين، فقسموا الرضا إلى قسمين ذاتي وفعلي((2)).
وكذلك الغضب، وقد عرفنا الفعلي في المعنى الأوّل.
وقال ابن ميثم في شرح النهج: (رضاه تعالى عن العبد يعود إلى علمه بموافقته لأمره وطاعته... وغضبه تعالى
يعود إلى علمه بمخالفة أوامره وعدم طاعته له)((1)).
فيظهر مِن كلامه (قدّس سرّه) أنّ الغضب يرجع إلى العلم وهو صفة مِن صفات الذات، فيكون صفة ذاتية.
والغضب بهذا المعنى يُمكن إرجاعه إلى العلم بوجود المفسدة. كما قد يُعبّر عنه بإدراك غير الملائم.وقال بعض العامة: رضاه علمه بطاعة العبد وسخطه علمه بعصيانه((2)).
وعلى هذا لا إشكال في اتصاف مخالفة الأولى بالمعصية بهذا المعنى.
ومَنْ لم يتمّ عنده الوجه الأخير فهو في سعة، حيث أنّ هذه الرواية تفرّدت بذكر الغضب فتكون شاذّة حينئذ فيُمكن طرح جزئية الغضب ويبقى الباقي منها الموافق لبقية الروايات.
علي بن حماد العبدي أحد شعراء أهل البيت علیهم السلام في
القرن الرابع الهجري، ذكر فطرس في قصيدة له يرثي بها الإمام الحسين علیه السلام :
فيكَ من كان جبرئيل يناغيه***وميكال بالحباء صغيرا
فيك مَنْ لاذ فطرس فترقّى***بجناحي رضاً وكان حسيرا((1))
وإنّما اعتبرنا هذا الشاعر مِن الرواة لأنّه فعلاً مِن المحدِّثين والشعراء، وإنّما ينقل فضائل أهل البيت علیهم السلام بصورة الشعر البعيد كل البعد عن الصور الخيالية، بل هو لسان أدلّة وحجج وبراهين مستقاة مِن كلام أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام .
ترجم له شيخ الولاء الأميني في سفر الغدير فقال:
"أبو الحسن علي بن حماد بن عبيد الله بن حمادالعدوي العبدي البصري.... علم مِنْ أعلام الشيعة، وفذٌّ مِنْ علمائها، ومِنْ صدور شعرائها، ومِنْ حفظة الحديث المعاصرين للشيخ الصدوق ونظرائه، وقد أدركه النجاشي وقال في رجاله: قد رأيته. غير أنّه يروي عنه كتب أبي أحمد الجلودي البصري المتوفى سنة 332 بواسطة الشيخ أبي عبد الله بن الحسين بن عبيد الله الغضايري المتوفى
1) الغدير للشيخ الأميني ج4 ص164.
سنة 411، فهو من مشايخ هذا الشيخ المعظم الواقعين في سلسلة الإجازات، والمعدودين من مشايخ الرواة، وأساتذة حملة الحديث، وحسبه ذلك دلالة على ثقته وجلالته وتضلعه في العلم والحديث.
وأما الشعر فلا يشك أحد أنَّه من ناشري ألويته، وعاقدي بنوده، ومنظمي صفوفه، وقائدي كتائبه، وسايقي مقانبه، وجامعي شوارده، وقد اطرد ذكره في المعاجم كما تداول شعره في الكتب والمجاميع وهو من المكثرين في أهل البيت علیهم السلام مدحاً ورثاءاً ولقد أكثر وأطاب.
وجاهر بمديحهم وأذاع حتى عده ابن شهرآشوب في المجاهرين من شعرائهم، وجمع شعره فيهم صلوات الله عليهم مدحاً ورثاءاً العلامة السماوي في ديوان يربو على 2200 بيتاً، وجُلُّ شعره يشفُّ عن تقدمه الظاهر في الأدب.
وأشواطه البعيدة في فنون الشعر، وخطواته الواسعة في صياغة القريض، كما أنَّه ينم عن علمه المتدفق، وتضلعه في الحديث، وبذل كله في بث فضائل آل الله، وجمع شوارد الحقايق الراهنة في المذهب الحق، ونشرما ورد منها في الكتاب والسنة، وإقامة الدعوة إلى سنن الهدى،
فشعره بعيد عن الصور الخيالية بل هو لسان حجاج وبرهنة، ونظم بينات ودلائل، وبيان قيم لمذهبه العلوي"((1)).
وروى بعض((2)) عظماء أصحابنا عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما أراد الله تعالى أن يهب لفاطمة الزهراء الحسين علیه السلام ... إلى أن يقول: وأوحى إلى جبرئيل وميكائيل وإسرافيل علیهم السلام : أن اهبطوا إلى الأرض في قنديل مِنَ الملائكة. قال ابن عباس: والقنديل ألف ألف ملك. قال: فبينما هبطوا من سماء إلى سماء، وإذا في السماء الرابعة ملك يقال له: صلصائيل، له سبعون ألف جناح، قد نشرها من المشرق إلى المغرب، وهو شاخص نحو العرش، لأنه ذكر في نفسه، فقال: ترى الله يعلم ما في قرار هذا البحر وما يسير في ظلمة الليل وضوء النهار، فعلم الله تعالى ما في نفسه فأوحى الله تعالى إليه: أن أقم مكانك لا تركع ولا تسجد عقوبة لك لما فكرت... إلى أنْ يقول:
وعرج جبرائيل وعرجت الملائكة وعرجت لعيا، فلقيهم الملك صلصائيل، فقال: يا حبيبي أقامت القيامةعلى أهل الأرض؟ قال: لا، ولكن هبطنا إلى الأرض فهنأنا محمدا صلی الله علیه و آله بولده الحسين علیه السلام ، قال: حبيبي جبرائيل فاهبط إلى الأرض وقل له: يا محمد اشفع إلى ربك في الرضا عني، فإنك صاحب الشفاعة، قال: فقام النبي صلی الله علیه و آله ودعا بالحسين علیه السلام فرفعه بكلتا يديه إلى السماء، وقال: اللهم بحق مولودي هذا عليك الا رضيت عن الملَك، فإذا النداء من قبل العرش: يا محمد قد فعلت وقدرك عندي كبير عظيم. قال ابن عباس: والذي بعث محمداً بالحق نبيَّاً أن صلصائيل يفتخر على الملائكة أنه عتيق الحسين علیه السلام ، ولعيا تفتخر على الحور العين بأنها قابلة الحسين علیه السلام )((1)).
قوله علیه السلام : (أن أقم مكانك لا تركع ولا تسجد عقوبة لك لما فكرت)
1) ) كتاب الأربعين للشيخ الماحوزي ص368-371، عن المنتخب للطريحي ص146-148 ط النجف. وعنه أيضاً مجمع النورين للشيخ أبي الحسن المرندي ص159-161.
إنّ سلب العبد شيئاً مِن النعم مِن أجل عدم الوقوع في الخطأ مرّة أخرى وإنْ كان يمكن أنْ يُطلق عليه عقوبة إلاّ أنّها ليست بالضرورة أن تكون عن ذنب، وإنّما يُمكن أن تكون لمصلحة كماله وعدم وقوعه في الخطأ مرّة أخرى، فتكون العقوبة موجبة لدوام التحرّز مِن الوقوع في الخطأ أو مُعاودة الوقوع فيه.
وهنا الملَك إذا سُلب بعض النعم وسمّيت عقوبة إنّما كي يكون متحكماً في خطراته، ولا يكون هناك مجالحتّى للخطرات الغير محبوبة ولا مرغوبة وإنْ كانت غير اختياريّة، وليست بذنب.
حدثنا محمد بن علي ماجيلويه رضي الله عنه قال: حدثني عمي محمد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي قال: حدثني محمد بن علي القرشي قال: حدثني أبو الربيع الزهراني قال: حدثنا جرير((1)) عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد قال: قال ابن عباس: سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله يقول: إنَّ لله تبارك وتعالى ملَكا يقال له: دردائيل
1) ) يعنى جرير بن عبد الحميد الضبي أبا عبد الله الرازي القاضي.
كان له ستة عشر ألف جناح ما بين الجناح إلى الجناح هواء والهواء كما بين السماء إلى الأرض، فجعل يوماً يقول في نفسه: أفوق ربنا جل جلاله شيء؟ فعلم الله تبارك وتعالى ما قال فزاده أجنحة مثلها فصار له اثنان وثلاثون ألف جناح، ثم أوحى الله عز وجل إليه أنْ طر، فطار مقدار خمسين عاماً فلم ينل رأس قائمة مِنْ قوام العرش، فلمَّا علم الله عزَّ وجلَّ إتعابه أوحى إليه أيها الملَك عُدّ إلى مكانك فأنا عظيم فوق كلِّ عظيم وليس فوقي شيء ولا أوصف بمكان فسلبه الله أجنحته ومقامه من صفوف الملائكة، فلمَّا ولد الحسين بن علي صلی الله علیه و آله ...
إلى أنْ يقول: فبينا جبرئيل علیه السلام يهبط من السماء إلى الأرض إذ مرَّ بدردائيل.
فقال له دردائيل: يا جبرئيل ما هذه الليلة في السماءهل قامت القيامة على أهل الدنيا؟ قال: لا ولكن ولد لمحمد مولود في دار الدنيا وقد بعثني الله عزَّ وجلَّ إليه لأهنئه بمولوده.
فقال الملَك: يا جبرئيل بالذي خلقك وخلقني إذا هبطت إلى محمد فأقرئه مني السلام وقل له: بحق هذا
المولود عليك إلاّ ما سألت ربك أنْ يرضى عني فيردَّ علي أجنحتي ومقامي مِنْ صفوف الملائكة.
فهبط جبرئيل علیه السلام على النبي صلی الله علیه و آله فهنأه كما أمره الله عزَّ وجلَّ وعزَّاه... إلى أنْ يقول: أخبر جبرئيل علیه السلام النبي صلی الله علیه و آله بقصَّة الملَك وما أصيب به، قال ابن عباس: فأخذ النبي صلی الله علیه و آله الحسين علیه السلام وهو ملفوف في خرق مِن صوف فأشار به إلى السماء، ثُمَّ قال: اللهم بحق هذا المولود عليك لا بل بحقك عليه وعلى جده محمد وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب إنْ كان للحسين بن علي ابن فاطمة عندك قدر فارض عن دردائيل ورُدَّ عليه أجنحته ومقامه مِنْ صفوف الملائكة فاستجاب الله دعاءه وغفر للملك (ورَدَّ عليه أجنحته وردَّه إلى صفوف الملائكة) فالملَك لا يعرف في الجنة إلا بأنْ يقال: هذا مولى الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه و آله )((1)).
1) ) كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص282-284. وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج43 ص248-250 وج56 ص184-185. وعنه مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج3 ص432-436. وعنه العوالم، الإمام الحسين علیه السلام للشيخ عبد الله البحراني ص13-16. وعنه مستدرك سفينة البحار للشيخ علي النمازي الشاهرودي ج3 ص268-269. وعنه الخصائص الفاطمية للشيخ محمد باقر الكجوري ج2 ص595-598. وعنه مجمع النورين للشيخ أبو الحسن المرندي ص161-163. وكتاب الأربعين للشيخ الماحوزي ص363-366، عن كتاب فرائد السمطين ج2 ص151-154. وفي غاية المرام للسيد هاشم البحراني ج1 ص147-149 قال: "الحمويني أحد مشايخ العامة قال: أنبأني الشيخ سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر الحلي رحمه الله عن الشيخ الفقيه مهذب الدين أبي عبد الله بن أبي الفرج بن بردة السلمي رحمه الله بروايته، عن محمد بن الحسين بن علي بن عبد الصمد، عن والده، عن جده محمد، عن أبيه، عن جماعة منهم السيد أبو البركات علي بن الحسن الجوزي العلوي، وأبو بكر محمد بن أحمد بن علي المقري والفقيه أبو جعفر محمد بن إبراهيم الفاني بروايتهم، عن الشيخ الفقيه أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (رحمه الله) جميع مصنفاته ورواياته قال: حدثنا محمد بن علي ماجيلويه – (رضي الله عنه) - قال: حدثني عمي محمد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي قال: حدثني محمد بن علي القرشي قال: حدثني أبو الربيع الزهراني قال: حدثنا جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد قال: قال ابن عباس". ومثله في غاية المرام للسيد هاشم البحراني ج2 ص167-169، وج2 ص262-264. وشرح إحقاق الحق للسيد المرعشي ج11 ص283-286 عن فرائد السمطين للحموي.
قد سبق أنْ أوردنا الرواية التي تذكر صلصائيل وهناتمّ ذكر دردائيل وسنبيِّن علاج هذا الأمر في جواب الشبهات.
حمدويه، قال: حدثنا أبو سعيد الآدمي، عن محمد بن مرزبان، عن محمد بن سنان، قال: شكوت إلى الرضا علیه السلام وجع العين، فأخذ قرطاساً فكتب إلى أبي جعفر علیه السلام ، وهو أقلُّ من نيتي((1))، فدفع الكتاب إلى الخادم وأمرني أنْ أذهب
1) ) في البحار: يدي. ومعنى ما في المتن؛ أنّ نيّته أنْ يُشافى على يد الإمام الرضا علیه السلام لا أنْ يحوّله على ابنه علیه السلام ، فكانت نيته الطمع بالأكثر ولكن قد أحيل إلى ما دون نيته. وأمّا نسخة البحار فمعناها؛ أنّ الجواد علیه السلام حدث الولادة ولا يبلغ طول يده. وفي تنقيح المقال: "وهو أوّل ما بدأ" وهو واضح.
معه وقال: اكتم، فأتيناه وخادم قد حمله، قال: ففتح الخادم الكتاب بين يدي أبي جعفر علیه السلام ، فجعل أبو جعفر علیه السلام ينظر في الكتاب ويرفع رأسه إلى السماء، ويقول: ناجٍ، ففعل ذلك مراراً. فذهب كلُّ وجع في عيني، وأبصرتُ بصراً لا يبصره أحد.
قال: فقلت لأبي جعفر علیه السلام : جعلك الله شيخاً على هذه الأمَّة، كما جعل عيسى ابن مريم شيخاً على بني إسرائيل.
قال: ثُمّ قلت له: يا شبيه صاحب فطرس، قال: وانصرفت وقد أمرني الرضا علیه السلام أنْ أكتم، فما زلت صحيح البصر حتى أذعتُ ما كان مِنْ أبي جعفر علیه السلام فيأمر عيني، فعاودني الوجع.
قال: قلت لمحمد بن سنان: ما عنيت بقولك يا شبيه صاحب فطرس؟ فقال: إنّ الله تعالى غضب على ملَك مِنَ الملائكة يدعى فطرس، فدق جناحه ورمي في جزيرة من
جزائر البحر، فلما ولد الحسين علیه السلام ...)((1)).
يظهر مِن هذه الرواية أنَّ قضية الملك فطرس علیه السلام مع الإمام أبي عبد الله الحسين علیه السلام مشهورة ومعروفة حتّى أصبحت محل التشبيه.
وقوله: "فقلت لأبي جعفر علیه السلام : جعلك الله شيخاً على هذه الأمَّة، كما جعل عيسى ابن مريم شيخاً على بني إسرائيل".
يريد أنّ عهد الله تبارك وتعالى بالإمامة أو النبوة أو الرسالة لا يكون بحساب العمر، فإنّ النبي عيسى كان نبيّاً وهو في مهده، ولا يريد مِن الشيخ إلا ذلك أي إماماً، ولا يُريد أن يكبر فيُصبح شيخا كبير السن.
1) اختيار معرفة الرجال للشيخ الطوسي ج2 ص849–850. عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج50 ص66-67. وعنه الأنوار البهية للشيخ عباس القمي ص253-254. وعنه الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج3 ص267-268. وعنه الرسائل الرجالية لأبي المعالي محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي ج3 ص638-640.ب
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
لقد أثيرت جملة مِن الشبهات حول قضية فطرس، وأرجو مِن القارئ الفطن أن يستحضر ما ذكرناه في مقدَّمة البحث الأوّل وأيضاً ما علقنا به على الروايات كي يستوعب الإجابة على الشبهات، ونحن ذاكرون ما أثير وما يمكن إثارته مِن الشبهات:
بدعوى أنّ الروايات ضعيفة السند، ويُمكن الإجابة عليها مِن وجوه:
الوثوق بصدور تلك الروايات ليس منحصراً في إحراز
صحة السند؛ لأن الوثوق بالصدور قد يحصل من طريق آخر، وهذا الطريق هو كثرة الطرق الناقلة للمضمون الواحد، وقضيَّة الملَك فطرس مِنْ هذا القبيل.
فإنَّك إذا رجعت إلى الروايات التي نقلناها تجدها متعددة ومتكثرة من حيث الطرق، بل تصدى لنقلها كثير من أعاظم علمائنا المتقدمين، وغيرهم، فقد نقلها الصفار في بصائر الدرجات، وابن قولويه في كامل الزيارات،والشيخ الصدوق في الأمالي، والشيخ الطوسي في مصباح المتهجد، والنيسابوري في روضة الواعظين، والطبري في دلائل الإمامة، وابن حمزة في المناقب، والراوندي في الخرائج والجرائح، وابن شهر آشوب في المناقب، وابن ادريس في مستطرفات السرائر، والمشهدي في دعاء من أدعية المزار، وابن طاووس في الإقبال، والكفعمي في المصباح، والمجلسي في البحار.
وغير هؤلاء الكثير مِن العلماء الأعلام، مِن غير نكير بل مع تصريح بعضهم بكونها مشهورة مقبولة كما في منهج المقال للوحيد البهبهاني ص312 قال: "وحكاية فطرس مشهورة مقبولة".
وما قاله الشيخ الماحوزي في كتاب الأربعين ص366 قال عن هذا الخبر: "لا يخفى ما في هذا الخبر مِنَ الدِّلالة القاطعة على عظم فضل مولانا الحسين علیه السلام من جهات عديدة، ولا غرو فإنه يتيمة عقود الأولياء، ودوحة سادات الأوصياء".
وغيرهما ممن زيّنوا كتبهم بنقل هذه الرواية وأشادوا بعظيم هذه الكرامة، يدلّ دلالة واضحة لا تقبل الريب بأنّ هذه القضية مستفيضة.
وهذا النحو من النقل يوجب الوثوق بصدور أصل القصة، وهذا ما قصدناه من الاستفاضة، وهو كاف في الاعتماد.
ونقصد مِن الاستفاضة المعنوية هنا هي أنّ هناك ملَكاً قد فرّج الله عنه ببركة الإمام الحسين علیه السلام ، وهذا هوالمعنى المشترك بين تلك الروايات الكثيرة.
لقد تقدَّم في مقدِّمة البحث تصريح العلماء الأعلام بأنّ روايات الفضائل لا يُدقق في سندها كما يفعل ذلك الفقهاء في الأحكام الإلزاميّة، ولا يشكّ عاقل بأنّ هذه الروايات
دلّت على فضيلة جليلة للإمام الحسين علیه السلام .
تقدَّم أيضاً أنّ العلماء الأعلام صرّحوا بأنّ القضايا التاريخية لا يُعتبر فيها التدقيق في سندها كما يفعل ذلك الفقهاء في الأحكام الإلزاميّة، وهذه الروايات تتحدَّث عن واقعة ونُقل وقوعها فتدخل في القضايا التأريخيّة.
حاصل هذه الشبهة أن الروايات الناقلة لقصة فطرس ذكرت أنّ الله تعالى أمر هذا الملك بأمر وتلكأ وأبطأ في تنفيذه، وهذا النحو من التلكؤ والإبطاء مخالفة لأمر الله، ومن المعلوم أن الملائكة معصومون، ولا تصدر منهم المخالفة؛ لأن المخالفة إما من الشيطان، وإما من النفس، وكلاهما منتفيان عن الملك، وإذا كانت الرواية مشتملة على ما يخالف القرآن، ونحن مأمورون بعرض الروايات على القرآن، وبترك ما يخالفه، فلابد من طرح هذه الرواية، وعدم الأخذ بها.
لا شكّ ولا ريب في عصمة الملائكة علیهم السلام ، بل إنّ
عصمتهم مِن ضروريات الإسلام، وقد دلّ القرآن الكريم على عصمتهم قبل دلالة الأحاديث عليها، ومنتلك الآيات قوله تعالى:
(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُم نَارًا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلحِجَارَةُ عَلَيهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ 6)((1)) (لَا يَسبِقُونَهُۥ بِٱلقَولِ وَهُم بِأَمرِهِۦ يَعمَلُونَ 27) ((2)).
ولكن هذه العصمة لا تتنافى مع العجز عن أداء حقِّ الله تعالى، بمعنى أنَّ الملك مع كونه معصوماً، قد يعجز عن أداء حق الله تعالى، لأن العصمة لا تعني القدرة دائما على كلِّ شيء، بل تعني عدم صدور المعصية لأمر الله تبارك وتعالى.
وكذلك لا تتنافى مع مخالفة الأولى التي يمكن نسبتها إلى الأنبياء أيضاً، وهذه المخالفة ليست تشريعية يترتب عليها العقاب، لأنا نعلم بأن هناك أمرين أحدهما أصل الأمر، وثانيهما المسارعة لأدائه، ومخالفة الأوّل معصية تخالف عصمة المعصوم فيما إذا كان أمراً مولوياً لا
إرشاديّاً، أمّا إذا كان إرشاديّاً ففيه مخالفة أولى وهي لا تتنافى مع العصمة. ومخالفة الثاني وهو المسارعة فهي مخالفة ما هو أولى، وهذه المخالفة ليست مخالفة تشريعية يترتب عليها العقاب، وإنما يترتب عليها عدم حصول الآثار المترتبة على المسارعة في العمل مثلاً.
كما لا شكّ فيه ولا شبهة تعتريه أنّ علم الملائكة محدود وهم متفاوتون فيه قال تعالى:(قَالُواْ سُبحَٰنَكَ لَا عِلمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَلِيمُ ٱلحَكِيمُ 32 قَالَ يَٰٓ-َٔادَمُ أَنۢبِئهُم بِأَسمَآئِهِمۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسمَآئِهِم قَالَ أَلَم أَقُل لَّكُم إِنِّيٓ أَعلَمُ غَيبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضِ وَأَعلَمُ مَا تُبدُونَ وَمَا كُنتُم تَكتُمُونَ 33)((1)).
وهم في العصمة والعلم يتفاوتون باعتبار أنّ العصمة والعلم مِن المفاهيم المشككة القابلة للتفاوت فيها. فما يعلمه ملَك ليس بالضرورة يعلمه جميع الملائكة، وإذا وجد ملَك معصوم عن الخطرات ليس بالضرورة أن يكون جميع الملائكة كذلك، بل يتفاوتون في هذا أيضاً ويتنافى مع عصمتهم.
1) ) سورة البقرة الآية (32-33).
إذا اتضح ما قدمنا نقول:
إن الأمر الصادر من الله تعالى - كما أسلفنا - إما أن يكون هو طلب امتثال الأمر، وإما هو مضافاً إلى ذلك طلب الإسراع في امتثال ذلك الأمر، فلو كان المطلوب من المولى هو الإسراع في امتثال الأمر، فهذا يعني أنه يوجد عندنا أمران، أمر بشيء، وأمر آخر بالإسراع في امتثال ذلك الشيء، وحينئذ يمكن أن تكون هناك مخالفتان، الأولى مترتبة على ترك أصل الامتثال، والثانية مترتبة على ترك الإسراع في الامتثال.
ولا إشكال في أن ترك أصل الامتثال معصية إن كانالمأمور به أمراً مولويا أي أنه صدر من الله باعتباره مولاً وسيداً، والمراد منه الطاعة والإنقياد، وهو ما يعبر عنه بالحكم التكليفي، فإن ترك امتثال هذا الأمر يعد معصية، وهو مناف للعصمة.
وإن كان المأمور به أمراً ارشادياً، أي أنه صدر من الله باعتبار أن المأمور به فيه مصلحة تعود على العبد المأمور بذلك الأمر، أو أن المنهي عنه فيه مفسدة تقع على المأمور
بالترك، والله سبحانه أمر أو نهى ليرشد العبد لذلك، بحيث لو لم يمتثل لما عُدَّ خارجا على مولاه، وعاصيا له، بل عدَّ تاركا لامتثال الأمر الإرشادي الذي فيه مصلحته، فإذا كان المأمور به بهذا النحو فإن مخالفة المأمور به لا تكون معصية مخالفة للعصمة، لأنه حينئذ يكون مِنْ مخالفة الأولى.
ومثاله عندنا ما لو أمر الطبيب المريض بشرب شراب خاص، ووجد هذا المريض شخصا آخر بحاجة إلى شرب هذا الشراب، وقدمه على نفسه، فإن ترك امتثال هذا الأمر يعد مخالفة للأمر الإرشادي، ولكن هناك مقتضي لهذه المخالفة عند المأمور، ومن الواضح أن الأثر الوضعي الذي يترتب على ترك شرب ذلك الشراب يترتب على الترك من دون ملاحظة سبب هذا الترك، وأنه لأجل شخص آخر.
وأما إذا كان المأمور به الذي خالفه المعصوم هو الإسراع في الامتثال، فإن الإسراع بعد كونه مأموراً به فتركه يعدُّ معصية، كما لو أمر المولى العرفي عبده أن يأتيه بماء، وأمره أيضا بأن يسرع في إحضار ذلكالماء، فلو تأخر في
إحضار الماء من دون أن يكون له عذر في ذلك التأخر، فإنه يستحق العقوبة على تأخره، كاستحقاقه العقوبة على ترك أصل إحضار الماء، ولكن إذا كان طلب الإسراع ليس مولويّا بل إرشاديّاً فتكون مخالفته أيضاً مِن مخالفة الأولى.
فإذا اتضح هذا يتضح الجواب عن هذه الشبهة، وذلك لأن الموجود في الروايات هو أن الله تعالى بعث الملك فطرس في أمر وأبطأ في تنفيذ ذلك الأمر، ولا يوجد في الرواية إلا أن الله تعالى أمره بشيء، ولا يوجد فيها أنه أيضا أمره بالإسراع فيه، حتى يكون ترك الإسراع في الامتثال مخالفة ومعصية، كما لم تبين الرواية طبيعة هذا الأمر ما هو؟، فيحتمل أن يكون من قبيل الأوامر الإرشادية، والتي يترتب على ترك امتثالها، أو ترك الإسراع في امتثالها بعض الآثار الوضعية، كما لو أمر الطبيب الجريح بتعقيم الجرح، فإن ترك التعقيم يترتب عليه أثر وهو عطب العضو، وترك الإسراع في التعقيم يترتب عليه أثر كبطء الشفاء وتأخره مثلا، وما صدر من الملَك فطرس ليس إلا الإبطاء في تنفيذ الأمر، وهذا الإبطاء ليس مخالفة لأمر سابق، لعدم وجود وجوب بالإسراع، ولكنه قد يترتب عليه أثر وضعي،
وهو انكسار الجناح، والتحول من مكانه الذي هو فيه إلى مكان آخر.
فالبطء في امتثال الأمر كما أشارت إليه بعض الروايات السابقة يُمكن وقوعه مِن بعض الملائكة إمّالقصور، وإمّا لأنّ الفورية والإسراع قد يكون أولى ارشاداً وإن كان أصل الأمر مولويَّاً، ولا يتنافى مع العصمة كما أوضحنا.
وعدم الابطاء في الأمر هو خارج عن قدرته - كما قلنا - واحتاج إلى استعداد أكثر كي يحقق ما يُطلب منه بصورة أكبر فيكسر جناحه حتَّى يتفرغ للعبادة ويتهيأ للأمر أكثر وسنوضح بيان هذا فيما يأتي.
على فرض قبول وثبوت هذا الجزء مِن تلك الرواية فإنّ عرض الولاية لم يكن على جميع ما خلق الله تبارك وتعالى مِنَ الملائكة بل جميع الملائكة الحاضرة في ذلك الموقف، ولا قرينة على إرادة جميع الملائكة قاطبة، بل يُفهم مِن العرض عليهم وقبولهم إلا فطرس أنّ العرض تمّ عليهم فرادى حال كون تلك المجموعة مجتمعة.
وقد أوضحنا سابقاً في تعليقنا على هذه الرواية أنّها
تُحمل على عدم قبول مرتبة مِن مراتب ولاية أمير المؤمنين علیه السلام لعدم وجود الاستعداد لتلك المرتبة ولا يتنافى مع العصمة، فلقد ورد عن أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام متواتراً((1)) ما دلّ على أنّ أمرهم صعب مستصعب لايحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه بالايمان.
فالولاية لأمير المؤمنين علیه السلام بمرتبة لا يحتملها إلا الملك المقرب وعندما عُرضت على الملك فطرس إرشاداً لم يحتملها فكسرت جناحه فبقي يعبد الله ستمائة عام حتى يتهيأ لقبول الولاية بتلك المرتبة، وعلمه بأنّ هناك مرتبة أعلى مِن الولاية عليه أن يطلبها قد بُيّن له مِن خلال مخاطبته بتلك الولاية التي هي غير مقدورة له.
1) ) وسنفرد بعض تلك الأحاديث في مُلحق آخر الكتاب إن شاء الله تعالى. في بحار الأنوار ج107 ص78: وروى متواترا عنهم علیهم السلام إن حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان. وفي الغدير للشيخ الأميني ج7 ص35: وقد تواتر عن أئمة أهل البيت علیهم السلام : أن أمرنا، أو حديثنا. صعب مستصعب لا يتحمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرب، أو مؤمن امتحن الله قلبه بالايمان.
فعرض الولاية عليه بتلك المرتبة مِن أجل أن يعرف أنّ هناك مرتبة مِن الولاية لا ينالها إلا مِن خلال البلاء، وليست المطالبة بالولاية مولوية، فالمصحِّح للعرض هو الإعلام، وهذا كما تقول لابنك: اكتب كذا، وهو لا يعرف، وإنما طلبت منه مِن أجل أن يعرف أنه لا يعرف وعليه أن يتعلم، فتعطيه وظيفة يكتبها في صفحات لا عقوبة وإنما مِن أجل أن تشحذ موهبته وتنمي استعداده.
ولابدّ أنْ نلتفت أنّ كسر الله جناح الملَك لا يعني الأمر المادي للكسر، وانما هو اخلال بوظيفة الطيران، فليس بمعنى إعطاب عضوٍ أو تهشيمه، لأن الملائكة ليست مِن المادِّيات، والتعبير بالكسر إنما هو لتقريب المعنى للذهن، فمعنى أنه تعالى كسر جناحه هو أنه سلبه القدرة على التحليق، فليس تكسير الجناح عقوبة،كما أنه ليس أثراً وضعياً لأن الروايات تذكر أن الله تعالى كسر جناحه، والحمل على الأثر الوضعي خلاف الظاهر، نعم اعتبار الفعل الإلهي مِن قبيل الأثر الوضعي ممكن القبول.
ولم يكن عرض الولاية عليه مِن قبيل الأوامر المولوية بل هو مِن قبيل الأوامر الارشادية، وعدم قبوله ليس معصية
مولوية بل هي المخالفة للإرشاد المعبر عنها بمخالفة الأولى، وقد يُعبَّر عنها بالمعصية، وقد تقدَّم بيان ذلك في مطاوي كلامنا.
وهذا من قبيل الابتلاءات التي يتعرض لها المؤمن حيث توجب عنده استعداداً ليكون مؤمناً ممتحناً، فهذه الابتلاءات هي من رحمة الله تعالى بالعبد، وهذا مثل تعرض العبد للعملية الجراحية لا باعتبارها عقوبة بل مَن أجل شفائه، وكمثال آخر مقرّب للفكرة، نجد أنّ حامل الأثقال يتحمل مشاق العمل الرياضي التدريبي مِن أجل إيجاد الاستعداد عنده لحمل وزن أكثر.
وهذا بالضبط ما تفعله البلاءات، فإنها توجِد عند الشخص استعداداً لتحمل المرتبة الأعلى مِن الولاية، وليس التعرض لهذه البلاءات عقاباً له على معصية عصاها، وإن سمّيت عقوبة لكنها ليست معصية بمعنى مخالفة الأمر المولوي بل هي لأجل مخالفة الإرشادي فقط.
وقد يقول قائل: إذا كان هذا الابتلاء بعرض هذه المرتبة من الولاية، ليتحقق منه عدم قبولها، حتىيترتب على ذلك ابتلاؤه بكسر جناحه لأجل أن يعبد الله بالعبادة التي تهيؤه
لقبول تلك المرتبة، فلماذا إذن احتاج إلى أن يتوسل بالحسين علیه السلام في رجوع جناحيه؟
فأقول:
ورد في الروايات أن الملك لا يكون مُحتمِلاً إلا بمشيئة أهل البيت علیهم السلام ((1)) وبالتالي لا يكون مقرّباً إلاّ بمشيئتهم علیهم السلام لتوقف الاحتمال على أن يكون مُقرَّباً، فلابد من وجود مشيئة أهل البيت علیهم السلام حتى يكون ملكاً مقرباً، فبعد تلك الابتلاءات وحصول الاستعداد عنده مِنّ الله تعالى عليه بالقبول ببركة الحسين علیه السلام فأرجعت جناحه المكسورة إلى سابق عهدها، ونالته المشيئة الحسينية بأن يكون ملَكاً مقرَّباً مُحتمِلاً لأمرهم علیهم السلام .
الفعل الاختياري حتّى يُوجد في الخارج ويصدر عن فاعله لابُدّ له مِن مقدمات وهي((2)):
ويُراد منه حصول ثلاثة أمور:
في رواية دردائيل علیه السلام التي مرّ ذِكرها قد ذُكر فيها:
1) ) في بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص40: قال أبو عبد الله علیه السلام : إنَّ حديثنا صعب مستصعب شريف كريم ذكوان ذكي وعر لا يحتمله ملَك مقرَّب ولا نبي مرسل ولا مؤمن ممتحن. قلت: فمَن يحتمله؟ جعلت فداك. قال: (مَنْ شئنا...) وسنبحث ذلك في ملحق اخر الكتاب إن شاء الله تعالى.
2) ) هناك كلام بين الأعلام في تحديدها وترتبها، والذي يهمنا من هذه المقدمات منطبق على جميع الأقوال، فلسنا بحاجة إلى الخوض في تفصيل ذلك.
(فجعل يوماً يقول في نفسه: أفوق ربنا جلَّ جلاله شيء) وهذا مِن الخطور الذي بيّنا أنّه يتفاوت فيه المعصومون، فمنهم له العصمة حتّى في هذا وبعضهم ليس كذلك، ولا يتنافى مع أصل العصمة.وهنا بحث ينبغي الإشارة إليه مختصراً ليتضح ما رمنا بيانه - وسيأتي تفصيل هذا البحث في الإجابة عن شبهة الحزن مفصلاً إن شاء الله تبارك وتعالى - فأقول:
فإنّ الفاعل يحتاج أن يتصوّر الفعل كي يتوجّه إليه وإلاّ
فلن يتحقق الفعل لعدم إمكان طلب المجهول.
لابدّ من وجود فائدة متصوّرة هي الموجبة للرغبة في إيجاد الفعل ومن دونها لا يتحقق الفعل.
وأيضاً لابدّ مِن وجود التصديق بأنّ تلك الفائدة موجودة في ذلك الفعل حتّى يحصل له العزم والإرادة وبدونها لا تكون إرادة للفعل أو لا يتحقق العزم على فعله.
قد يحصل اعتقاد بالمصلحة المترتبة على الفعل ولكن لا يحصل لديه ميل نفسي إلى فعله لأنّه لم يحصل لديه شوق إلى الفعل ولو بمرتبة ضعيفة.
عرّف الشوق: بتوقان النفس إلى تحصيل شيء، ولابُدّ من وجود شوق إلى الفعل بمرتبة يدفع الإنسان إلى الفعل مُتجاوزاً الكسل والسأم والملل، وكم يحصل لنا اعتقاد بوجود مصلحة في فعل ولا نفعل لأنّ الشوق إلى الفعل مفقود.
العاقل ينظر في الفائدة المرجوة من الفعل ويوازن بينها وبين المضار المترتبة على الفعل - إن وُجدت – فإذا رجّح الفائدة والمصلحة في الفعل يختار فعله، وإن رجّج المفسدة والمضرّة في الفعل يختار عدم الفعل، ويحتاج الفعل إلى وجود إرادة وعزم على فعله لأنّه إن لم يكن لديه الشوق المؤكّد على الفعل لا يتحقق الفعل.
ونحن نعلم بوجود المصلحة العظيمة في زيارة مراقد المعصومين علیهم السلام ، كما يحصل لدينا الميل للزيارة بل الشوق إليها ولكن لا تحصل لدينا إرادة لعدم توفر الشرائط أو لوجود الموانع.
وعند حصول تلك المقدمات الأربع تتحرّك العضلات مِن أجل إيجاد الفعل.
لقد تقدّم أنّ التصورات الطارئة على الإنسان يُمكن أن تقع تحت سيطرة العقل وحكومته، فكلٌّ مِن تصور الفعل وتصور الفائدة يُمكن أن يقعا تحت سيطرة العقل، وكذلك التصديق بثبوت تلك الفائدة للفعل
والميل والشوق للفعل وإرادته.
ومَن أطلعه الله تعالى على المصالح والمفاسد الواقعية للأفعال يعرف فائدة الفعل ويحصل لديه ميل وشوق وإرادة لفعله إن كان الفعل ذا مصلحة، وإلاّ فيحصل لديه الإذعان بوجود المضرّة فلا يميل إليه لعدم وجود مقتضيه، وكذلك لا يحصل لديه شوق ولا إرادة في فعله.
فتكون عصمته في كلٍّ مِن الفعل ومقدماته.
ولكنَّ العصمة مفهوم مشكك يتفاوت فيه المعصومون، فدردائيل علیه السلام ليس بالغاً في العصمة مرتبة تمنع التصورات والخطرات عنه، فوقع في ذلك الخاطر.
إنّ توهُّم التعارض يُمكن أن يُتصور في موارد:
الوارد في تلك الروايات المتقدمة عدة أسباب:
الأوّل: البطء في امتثال الأمر، والتأخّر في فعله.
الثاني: عدم قبول الولاية.
الثالث: الخطور في النفس.
مِن الممكن أنْ نجمع بين الأوّل والثاني بأنّ الذي أبطأ
فيه هو اقراره بالولاية، وعلى فرض تحكُّم التعارض فإنّ البطء هو الراجح، لأنّ رواية عدم الإقرار بالولاية هي رواية واحدة في مقابل ما هو أكثر منها عدداً واعتباراً مِن جهة الاستفاضة، وتبقى الروايات كلها على حالها بعد رفع اليد عن بعض مضمون أحدها.
أمّا الثالث وهو ما خطر على نفس الملَك، فإنّه مختص بدردائيل وصلصائيل، والذي يترجّح أنّ فطرس غيره، وأنّ دردائيل وصلصائيل ملَك واحد له اسمان. حدث له ما يشبه الذي حدث لفطرس، وفي الروايات ما يدلّ على أنّ جبريل لم ينزل مرة واحدة لتهنئة النبي صلی الله علیه و آله ، ففي مرة مرّ على فطرس وفي أخرى مرّ على دردائيل أو صلصائيل، وبعض العلماء قد يراهم ثلاثة، وآخرون يرونهم واحداً. وعلى كلِّ حال لا يضرّ ذلك بحصول الكرامة.
إنّ الملَك ذُكر في أكثر الروايات أنَّه فطرس وفي بعضها دردائيل والبعض الآخر ذُكر فيها أنّه صلصائيل. وقد تقدّم أنّ ذلك لا يتنافى مع ثبوت الكرامة والفضيلة، سواء كانت تلك الأسماء لثلاثة مِن الملائكة أو لاثنين أو لواحد.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
مما ينبغي الالتفات، والتنبُّه له، ومعرفته؛ أنّ الشعراء - وبالخصوص المتقدمين منهم – إنّما نقلوا ما سمعوه مِن الرواية أو قرءوه مِن الأحاديث، وبالأخص المحدثون منهم والعلماء بل والفقهاء، ومَن نقلنا عنهم هنا جلّهم مِن الفقهاء المحققين المدققين، الذين لا يُلقون القول جُزافاً مِن دون أيِّ دليل مُعتبر عندهم.
وأنقل هنا ما سطَّره يراع شيخ الولاء الأميني حيث قال:
((إنّ كُلاً من أولئك الشعراء الفطاحل (وأكثرهم من
العلماء) معدودٌ من رواة هذا الحديث، فإنّ نظمهم إيّاه في شعرهم القصصي ليس من الصّور الخياليّة الفارغة، كما هو المطَّرد في كثير من المعاني الشعريّة، ولَدى سوادٍ عظيم من الشعراء، ألم ترهم في كلّ وادٍ يهيمون؟ لكن هؤلاء نظموا قصَّةً لها خارج، وأفرغوا ما فيها من كلِم منثورة أو معانٍ مقصودة، من غير أيّ تدخّل للخيالفيه، فجاء قولهم كأحد الأحاديث المأثورة، فتكون تلكم القوافي المنضَّده في عقودها الذهبية من جملة المؤكّدات)) على اعتبار تلك الرواية، وحدوث تلك الواقعة، وثُبوت تلك الفضيلة.
علي بن حماد العبدي أحد شعراء أهل البيت علیهم السلام في القرن الرابع الهجري، ذكر فطرس في قصيدة له يرثي بها الإمام الحسين علیه السلام :
فيكَ من كان جبرئيل يناغيه***وميكال بالحباء صغيرا
فيك من لاذ فطرس فترقّى***بجناحي رضاً وكان حسيرا((1))
1) الغدير للشيخ الأميني ج4 ص164. وتقدم الشعر وترجمة الشاعر سابقاً.
قدوة الفقهاء السيد صدر الدين العاملي النجفي(1)
من شعره:
1) محمد بن صالح بن محمد بن إبراهيم بن زين العابدين الموسوي المعروف بصدر الدين العاملي النجفي. وينتهي نسبه إلى إبراهيم الأصغر ابن الإمام موسى الكاظم علیه السلام ، وإليه تُنسب أُسرة الصدر. عالم كبير، وشاعر أديب. ولد في
غذَّاه النبي بإبهامه *** فما زال عن ريها يصدر
به الله رد على فطرس *** مقاما به في السما يذكر
أكان من النصف مثل *** شفيع الخلائق إذ تحشر
ومن هو ريحان قلب النبي *** ثلاثا على الترب لا يقبر
بميلاده بشر المصطفى *** وفي قتله حرب تستبشر
وما زال يؤلمه إن بكى *** وكان بتسكيته يأمر
فكيف إذ رآه لقى *** وفي الترب خديه قد عفروا(1).
الشاعر: عبد المجيد بن محمد البغدادي الحلي(2)
تاريخاً، ونظم تاريخاً لمقام المهدي يخرج منه أيضاً مثل ذلك.
من شعره قوله وقد تعلق بضريح الحسين علیه السلام :
1) شجرة طوبى للشيخ محمد مهدي الحائري ج2 ص 260-261.
2) في أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج8 ص93: عبد المجيد بن محمد بن أمين البغدادي الحلي. ولد في 17 ذي القعدة سنة 1282ﻫ وتوفي في 17 ذي القعدة سنة 1342ﻫ في النجف الأشرف ودفن بها. شاعر له يد في نظم التاريخ، نظم تاريخاً لمقام أمير المؤمنين لا بالحلة يخرج منه ثمانية وعشرون
يدي وجناحا فطرس قد تعلقا *** بجاه ذبيح الله وابن ذبيحه
فلا عجب أن يكشف الله ما بنا *** لأنا عتيقا مهده وضريحه
وقال مخاطباً للإمام علیه السلام :
لمهدك آياتٌ ظهرن لفطرس *** وآية عيسى أنْ تكلَّم في المهدِ
فإنْ ساد في أُمٌّ فأنت ابن فاطمٍ *** وإن ساد في مهدٍ فأنت أبوالمهدي
وقال الفقيه الشيخ علي الجشي مخمِّساً هذين البيتين:
إليك شؤون قُدْسُهَا لم يدنس *** وفيك معانٍ حيرت كلَّ كَيِّس
متى كان مهد بالمفاخر يكتسي *** لمهدك آياتٌ ظهرن لفطرس
وآية عيسى أنْ تكلَّم في المهدِ
وكنت اماماً قبل ايجاد آدم *** ولم يك ذكر للمسيح بعالم
وقد فقته عند انتهاء العوالم *** فإن ساد في أمٍّ فأنت ابن فاطم
وإنْ ساد في مهدٍ فأنت أبو المهدي
الشاعر: عبد الرحمن بن نصر الله الشيرازي((1)
أهالي المشهد، جيد الانشاء حسن الخط جداً. أقول: توفي بعد
سنة 1320ه
).قال مخمساً لأبيات عبد الباقي العمري:
من فاز فطرس حين لاذ بمهده *** شقت جيوب العالمين لفقده
هيهات تنسى ذكره من بعده *** (ان الاثير على تقادم عهده)
(لغدوه ورواحه المتعدد)
تجري جمان القطر من أجفانه *** وتسح دمع العين من أعيانه
فانظر تراه في علو مكانه *** (ما كرر الاعوام في دورانه)
(وبدور الايام لم يتجدد)
الا ليلثم منه ترب المقدم *** ويخر للأذقان ثم وللفم
بل ما سعى سعي المجد ***(الا ليشهد كل عشر محرم)
(بالطف مأتم آل بيت محمد)(2)
1) عبد الرحمن بن نصر الله الشيرازي المشهدي، مترجم في " نقباء البشر " ص1097، ووصفه أفضل الملك في كتابه " سفرنامه خراسان وكرمان " بما ملخصه: كان يدرِّس في الآستانة الرضوية الفقه والأصول والكلام والعلوم الرياضية، وله مكانة عند ولاة خراسان، وفيه صلاح وسداد موثوق به عند
2) تراجم الرجال للسيد أحمد الحسيني ج1 ص278-279.
الشّيخ عبد الحسين الحلّى(1)
المكانة المرموقة في الكمال والتضلع في العلوم في الثالث
عشر من عمره قصد النجف حيث الدرس والتدريس فقرأ ما
شاء أن يقرأ من العلوم العربية والمنطق والفقه وأصوله والكلام
والحكمة والتفسير والحديث وغير ذلك وأصبح أستاذا يشارالیه بالبنان.
قال في مولد السبط الشهيد علیه السلام :
هزه في مهده الروح ومن *** هزه الروح به خير وليد
فرحت أهل السماوات به *** وغدت تزهر جنات الخلود
وبه الله عفا عن فطرس *** فأميطت عنه اغلال القيود(2)
ص96.
العلامة الشيخ محمد رضا المظفر(3)
فيلسوف ومصلح من المصلحين ولد في النجف خامس شعبان
1323ه- تعلّم مقدمات العلوم على أفاضل عصره، وحضر في
تكملة الحاشية الفقه والأصول دروس الميرزا حسين النائيني والشيخ ضياء
العراقي، كما حضر في الفلسفة على الشيخ محمد حسين
الاصفهاني سنوات عديدة. وأضاف إلى دراسة العلوم الدينية
العلوم الرياضية العالية ومبادئ العلوم الطبيعية على الطريقة
الحديثة كما برع في الفنون العربية كالعروض، وأسس جمعية
منتدى النشر) عام 1354ه- وانتخب لرئاستها من سنة 1357ه-
وجدد انتخابه في كل دورة، وله آثار علمية خالدة منها: السقيفة
ألفه سنة 1352ه- بحث علمي منطقي وقد طبع أكثر من مرة.
والمنطق، في ثلاثة أجزاء، طبع مرات ولم يزل يتدارسه
الطلاب.
:بشراي أني في ولاك متيم *** تقتادني السراء والضراء
يخضر عيشي في ادكارك ***ضحكت لك الخضراء والغبراء
يوم به خص النبي وآله*** فرحا فعمت في الورى الآلاء
والشمس تشرق في السماء ***وبنورها تتضاحك الارجاء
ما شأن فطرس أن يقال تمدحا ***أنجاه وهو من القضاء قضاء
بالمدح تكتسب الأنام ترفعا ***وعلاه منه على الثناء ثناء(1)
ص169 - 170.
1) أدب الطف أو شعراء الحسين علیه السلام للسيد جواد شبّرج 10
العالم الأديب الميرزا أبو الفضل الطهراني(1)
الأريب. يقول الشيخ القمي في الكنى): هو خاتم رقيمة الأدب
والفضل الحاج ميرزا أبو الفضل صاحب كتاب شفاء الصدور
في شرح زيارة عاشور، أبوه صاحب التقريرات في الأصول
وهو أبو القاسم کلانتر.
قال من قصيدة توجد بكاملها في ديوانه المطبوع:
هناء بميلاد فرخ البتول *** وسبط الرسول وريحانته
ومن لاذ فطرس في مهده *** فعاد لما كان من عزته
ومن عوّض الله عن قتله *** بأن الأئمة من عترته
وأن يستجاب دعاء الصريخ *** إذا ما دعا الله في قبته
وأن جعل اللّه من فضله *** شفاء البرية في تربته
فيا طيبها تربة أخجلت *** نوافج مسك على نفحته
فتى سنّ بين الكرام الإباء *** فسار الأباة على سنّته
فآثر سلّة بيض السيوف *** وورد الحتوف على ذلته
فصال كوالده صولة *** غدت ترجف الأرض في خيفته(2)
ص128.
الخطيب الشيخ محسن ابن الشيخ محمد حسن(1)
الشاعر الشهير الشيخ محسن أبو الحب صاحب القصائد
الحسينية المعروفة. ولد سنة 1305ه- ودرس المقدماتوتخصص بالخطابة حتى نال شهرة واسعة واحتضنته كربلاء
واعتبرته خطيبها الأول. توفي في كربلاء صباح اليوم الخامس
من ربيع الأول سنة 1369ه- ودفن في مقبرة خاصة له في
روضة أبي الفضل العباس
علیه السلام .
.ولد الحسين ونوره *** مذ شعّ أذهب كل ظلمه
جبريل هنّأ جدّه *** وأباه والزهراء أمه
كان النبي إذا رآه
*** إليه أدناه وضمّه
غذّه من إبهامه
*** لبنا وقبّله وشمّه
فيه تبرّك فطرس *** وبه محى الرحمن جرمه
وكذاك دردائيل أعتقه *** وأذهب عنه إثمه
وله أجلّ مناقب
*** وفضائل في الدهر جمّه
كم قد أفاض على الورى *** من جوده فضلا ونعمه
وإذا أتاه لاجئ
*** يوما كفاه ما أهمّه(2)
ص 333.
الفقيه الشيخ علي الجشي (1)
أفاضل علماء بلده مثل: آية الله الشيخ حسن البدر وآية الله
السيد ماجد العوامي والعلامة الشيخ محمد علي النهاش. ثُمَّ
هاجر إلى النجف الأشرف سنة 1317ه- بعد زيارة العتبات
المقدسة في إيران، فأكمل دراسته عند آية الله الشيخ أبي
الحسن الخنيزي وآية الله الشيخ علي أبي عبد الكريم الخنيزي
وآية الله الشيخ عبد الله المعتوق. وتوجه إلى كربلاء سنة
1321ه- فحضر عند الشيخ المعتوق وآية الله السيد أبي القاسم
التبريزي وآية الله السيد عبد الهادي الأصفهاني وآية الله السيد
إسماعيل الصدر ثم انتقل إلى الكاظمية وسامراء فترة من الزمن
ثم رجع إلى النجف الأشرف فحضر لدى الأصولي الكبير آية
الله العظمى الشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني ورجع إلى
القطيف سنة 1327 ه ثُمّ سافر إلى كربلاء وحضر دروس
أساتذته إلى عام 1334ه- حيث زار النجف ومنها إلى القطيف
ومكث في القطيف عشرين عاماً مؤدياً وظائفه الدينية. ثُمَّ عاد إلى مدينة العلم "النجف الأشرف" سنة 1354 ه فحضر دروس
آية الله الميرزا النائيني وآية الله آغا ضياء العراقي وآية الله السيد
أبي الحسن الأصفهاني وآية الله الشيخ مرتضى الآشتياني وآية
الله السيد محسن الحكيم وبقي في النجف علمَاً كبيراً من
أعلامها محترماً بين كافة الطبقات العلمية إلى أن عاد إلى بلاده
سنة 1367ه- أجازه السيد محسن الحكيم بالاجتهاد سنة
1359ه- وقد جاء في إجازته: فإن جناب الشيخ الأعظم العلم
العلامة والحبر الفهامة قدوة الأفاضل العظام وصفوة الأماثل
الكرام الزكي التقي الشيخ علي الجشي ...... فعرفته حائزاً على
ملكة الاجتهاد في الحكام الشرعية قادراً على رد الفروع إلى
أصولها واستنباطها من أدلتها التفصيلية). ومن مؤلفاته: منظومة
كفاية الأصول - منظومة في التوحيد - الأنوار في العقائد -
الشواهد المنبرية - الروضة العلية - ديوان شعره 1-2. وتوفي
في نهار يوم الثلاثاء 15 ربيع الثاني سنة 1376ه- في مستشفى
....... بحوث ومقالات
الظهران رحمة الله علیه.
.لقبرك جئت وما في القبور *** لقاصدها من منى يحصل
1) العلامة الشيخ علي بن الحاج حسن الجشِّي، ولد في القطيف 17 رمضان سنة 1296 ه بدأ دراسة المقدمات العلمية على
ولكن قبرك مأوى النزيل *** وللخائف الملتجي معقل
ربِّ بمَن تبت على
***فطرس إذ له التجى
بحقِّه فلتعطني
***من كلِّما اخشى النجا
ولا أرى في حقِّه *** يكبر شيء يرتجى
الشيخ تقي الدين ابراهيم بن علي الكفعمي(1)
محمد بن صالح العاملي الكفعمي مولداً، التقى لقباً الإماميمذهباً، كما نعت نفسه بهذا الوجه في غير موضع من مصنفاته،
له كتب وأشعار وتصانيف أبكار. ومِنْ أحسنها وضعاً وترتيباً
وأجودها جمعاً وتهذيباً كتاب (جنّة الأمان الواقية وجنّة الايمان
الباقية)). وله أيضا كتب ورسائل كثيرة في فنون شتّى ذكر في
الاعيان مصنفات الكفعمي فكانت (49) مصنفاً.
.أتيت إمام الهدى سيّدي *** إلى الحائر الجار للمستجير
ارجِّي الممات ودفن العظام *** بأرض الطفوف بتلك القبور
لعلّي أفوز بسكنى الجنان *** وحور قُصِرْنَ أعالي القصور
ففطرس سمّي عتيق الحسين *** لردّ الجناحين بعد الهصور
أتى لزيارته قاصداً *** فأضحى صحيحاً لفضل المزور
أقام بحضرته دائماً بمرّ *** السنين وكرّ الشهور
وإنِّي بحائركم قد نزلت *** ومالي سواءكم من نصير
الفقيه الشيخ حسن الدمستاني(2)
القيس، فقيه ومتكلم وأديب وشاعر وفيلسوف، من أعلام
العلماء في البحرين، درس الدمستاني العلوم الدينية في بداية
حياته في مدينته، ثمّ في عام (1131ه- / 1718م) اضطر
الدمستاني إلى مغادرة مدينته إلى القطيف مع مجموعة كبيرة
من علماء وأدباء البحرين، لسوء الأحوال الأمنيَّة. درس
الدمستاني عند كبار العلماء وروى عنهم، وكما كان فقيهاً كبيراً،
فقد كان شاعراً فذّاً، وعالماً بالحديث والرجال يقول فيه السيد
محسن الأمين: كان رجالياً ماهراً في علمي الحديث والرجال،
ويعد كتاب الدمستاني: (انتخاب الجيد من تنبيهات السيد) في
علم الرجال مصدراً مهماً من مصادر الرجال والحديث، اعتمد
عليه الكثيرون وهو ملخص لكتاب تنبيهات الأديب في رجال
التهذيب) - أي تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي - للسيد
هاشم البحراني. وله عدة مؤلفات في الفقه والعقائد والسير
دلت على علمية كبيرة. حاز الدمستاني على درجة الاجتهاد
وأصبح المرجع الكبير في البحرين والذي يقصده الناس في
أمور دينهم ودنياهم، وقال عنه السيد محسن الأمين: كان عالماً
فاضلاً، فقيهاً، محدثاً، رجالياً، محققاً مدققاً، ماهراً في علمي
الحديث والرجال، أديباً شاعراً). توفي عام (1181ه- / 1767م).
.لك الأجر فيمن كان جبريل *** مناغاته فعل المحب
ومن كان ميكائيل يحرك مهده *** ليسكن فيه من بكاً وتقلب
ومن نال صلصائيل من ربه *** رضاه وما الداعي به بمخيَّب
وفطرس مكسور الجناح إذاشتكى *** فقلتَ له امسحه على ذلك الصبي
فلقب معتوق الحسين وقلّما *** يفارق جهلا ما إذا لم يُلقَّب
رمته بحرب آل حرب تقاضيا *** لأسلافهم أهل القليب
وله أيضاً:
أين الملائكة الذين بجاهه *** نالت رضى الرحمن حيث دعاها
كم عثرة لهم استقالوها بها *** من ربهم فدعا لهم فأقالها
سل فطرس المكسور منه جناحه *** من فكَّ عُقدة ضُرِّه فأزالها
يا درديائيل ألست عتيقه *** ناهيك مرتبة عرفت جلالها
يا
سادة الأملاك يا أشرافها يا *** جبرئيل الروح يا ميكالها
ألستم المتكفلين بمهده *** والمكملين لأَمِّه أعمالها
الشاعر السيد محمد بن الحسين أمير الحاج(1)
محسن الأمين: (كان عالماً فاضلاً أديباً شاعراً تلمذ على السيد
نصر الله الحائري ومدحه وله الآيات الباهرات في مدائح النبي
السيد محمد بن الحسين بن محمد، ولد في النجف الأشرف
والأئمة عليه وعليهم الصلوات شعر جعل فيه لكل معصوم تسع منظومات ذكر في كل واحدة منها آية بالشعر أو الرجز أو
الموشح أو المقامة ... ). وقال عنه الشيخ محمد السماوي: (كان
فاضلاً في العلوم، مشاركاً في الفنون، حسن المثور
والمنظوم .. ).
.شادوا رَواقَ حائر الس *** بط الفتى المقدَّسْ
1) وتوفي عام (1180ه- / 1766م) ودفن فيها. قال عنه السيد
ريحان من الورد لي
س من شَذاهُ أنفس
أعني الحسين من به *** عافى الإله فطرس
ونال من ريش الأمي-
*** سن جبرائيل ملبس
وضاء في الأكوان كالص ***
بح إذا تنفَّس
مديحه لم يخص في ***
يراعة وقرطس
زائره ببحر لط
الفقيه الشيخ محمد علي الاردوبادي(1)
وفقيه وأديب ومحقق، ولد في تبريز بإيران عام 1312 ه-
/1895م، ونسبته إلى (أردوباد)، وهي مدينة تقع على الحدود
بين آذربايجان والقفقاز، هاجر والده الشيخ أبو القاسم إلى
النجف واصطحب معه ابنه وهو لم يتجاوز عمره الثالثة فنشأ في أجواء النجف العلمية والأدبية، فدرس علوم الفقه والأصول والحديث والرجال والفلسفة والكلام والتفسير على أساتذة
الحوزة العلمية منهم: والده الميرزا أبو القاسم، والشيخ فتح الله
الأصفهاني المعروف بشيخ الشريعة، والشيخ محمد حسين
الأصفهاني المعروف بالكُمباني، والشيخ جواد البلاغي، وغيرهم
من الأعلام، وقد لازم الاردوبادي حلقات هؤلاء العلماء الأعلام
أكثر من عقدين من الزمن. وبعد انتهاء دراسته حصل على
درجة الاجتهاد وقد أجازه العلماء منهم: الميرزا حسين النائيني،
والشيخ عبد الكريم الحائري، والسيد عبد الحسين شرف
الدين، وغيرهم. وبلغ من أجازه بالاجتهاد (60) من العلماء
الأعلام في العراق وإيران. قال عنه الشيخ آقا بزرك الطهراني:
عالم متضلّع، وفقيه بارع، وأديب كبير ... عالم ضخم،
وشخصية فذّة، ورجل دين مثالي، وقد لا نكون مبالغين إذا وصفناه بالعبقرية). وله مؤلفات كثيرة. تُوقّي في كربلاء عام
(1380 ه-/1960م) ودفن في النجف الأشرف.
.خدم الروح ولياً مهده *** وله الفوز به إذ خدما
1) الشيخ محمد علي بن الميرزا أبو القاسم الأوردباي النجفي عالم
وبه فطرس لاقى رشده *** إذ هو المنقذ قدما كرما
أيُّ يوم فيه أمَّت جدَّه *** زمر الناس وأملاك السما
بتهان أولت الدنيا انشراح *** وعلى الدين أضاءت علقا
يا لغرس قد زكا منه اللَّقاح *** وبه عود المعالي أورقا
وله أيضاً:
كم هدى الأملاك والرسل *** لاحب(1)النهج ونصِّ الزبرِ
أو تجلَّى مُشرقاً في مكَّة *** مونق الغصن بأبهى الثمر
فالشذا الفيَّاح في أعراقه *** من شذا ذاك النجار الأطهر
إن يفز جبريل في خدمته *** فله بالسبط سامي المفخر
أو يحز فطرس منه منعة *** دحرت عنه صروف العبر
فهو المنقذ والفادي فما *** عنه إلا الفضل من مدّكر
الفقيه السيد محمد جمال الهاشمي(2)
المعروف بمحمد جمال الهاشمي) عالم وفقيه وأديب وشاعر،
ولد في النجف الأشرف، ولد في العشرين من المحرّم ١٣٣٢هـ
في النجف الأشرف. ودرس مبادئ العلوم العربية والدينية على
يد والده السيد جمال الدين، وقد دخل الهاشمي المدرسة
العلوية الإيرانية فبقي فيها لمدة خمس سنوات ثم تركها ودخل
الجامع الهندي، وقد درس على يد أعلام العلماء في النجف
منهم: الشيخ محمد رضا المظفر، والسيد حسن البجنوردي، ثم
حضر الأبحاث العالية على يد والده والشيخ ضياء الدين العراقي، والسيد أبي الحسن الأصفهاني، حتى تكللت دراسته بدرجة الاجتهاد، وخلف والده في إمامة الجماعة والتصدي
لحل المسائل الشرعية. وله كثير من المؤلفات في شتّ العلوم.
توفّي (قدس سره) في ربيع الأوّل ١٣٩٧هـ في النجف، ودفن
بجوار قبر والده في مقبرة وادي السلام.
.جاوز الحدّ فطرسٌ فتهاوى *** من سماه يسوقه التنكيل
فإذا بالحسين ينقذه من *** قدر، ما لحكمه تبديل
جلَّ قدر الانسان عن كلِّ قدر *** فهو افق من السماء يطول
تزدهي الكائنات فيه، ولولاه *** لما كان في الحياة جميل
وله أيضاً:
إيه ذكرى الشهيد في كلِّ عام *** يستعيد التاريخ ذكرى الشهيد
إنّ ميلادك القديم جديد *** كم طريف يزهو بمجد التّليد
هو رمز الأمجاد يفخر فيه *** كلُّ حر وكل شهم نجيد
لم يفز فطرس به وحده بل *** فاز فيه الوجود بالمقصود
إنَّه خامس النجوم التي فيها *** أضاء الإله دنيا الوجود
انتهى هذا البحث بحمد الله أوّلاً وآخراً.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
الحمد لله ذي الحجة البالغة، الذي أعلى كلمة الحق، وجعل كلمة الباطل هي السفلى، والصلاة والسلام على النبي الأكرم والرسول الأعظم محمد واله الطيبين الطاهرين، الذين مَن أحبَّهم فقد أحبَّ الله ومَنْ عظَّمهم فقد عظَّم الله عزَّ وجلَّ.
واللعن الدائم المؤبّد على المنكرين لفضائلهم والمشككين في مقاماتهم أعداء الله تبارك وتعالى وأعداء أهل بيت النبوّة والطهارة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، من الأوّلين والأخرين.
وبعد:
إنَّ أهل النصب والعناد لا يفترون عن التشكيك في كلِّ ما جاء عن أهل بيت العصمة والطهارة، مستغلين جهل الجهَّال تارة وغفلة الضعفاء تارة اخرى، فينفثون سمومهم بكل وقاحة وقلة حياء، بلا وازع مِنْ دين – إن كان لهم شيء مِن دين - ولا خلق انساني.
ومن تلك الشبهات المثارة أنَّ الحوراء زينبعلیها السلام لا يصحّ أنْ تشقَّ جيبها حزناَ على الحسين علیه السلام وأنْ تلطم خدّها لأنّه مِن الجزع، وبالخصوص مع نهي الحسين علیه السلام لها عن ذلك.
ويُمكن الإجابة عن هذه الشبهة بأمور ثلاثة:
الشبهة: شق الثوب ولطم الوجه على فرض أنهما داخلان تحت الجزع المنهي عنه لا يصدر مِنَ السيدة زينبعلیها السلام، وإلاّ لكانت حينئذ قد خالفت النهي عن الجزع عند المصيبة.
وقبل الجواب نقدِّم مقدمة، حاصلها:
أن الثابت في علم الأصول عند جميع المسلمين أن
الدليل العام قابل للتخصيص، والدليل المطلق قابل للتقييد، ومثال الأول ما إذا أمر المولى عبده بإكرام جميع العلماء فقال: أكرم كلَّ عالِم، فإنَّه يفيد وجوب إكرام كلِّ أفراد العالِم، ومثال الثاني ما إذا أمر المولى بإكرام العالم فقال: أكرم العالم، فإن العالم لفظ مطلق شامل للعالم النحوي والعالم الأصولي والعالم بالفقه وهكذا، وشامل للعالم العادل والعالم الفاسق والمجهول،فلو جاء دليل ثان ورفع الحكم عن بعض أفراد الدليل الأول كان هذا الدليل مخصصا للعام، ومقيِّداً للمطلق، كما لو قال المولى لا تكرم زيداً، وكان زيد أحد أفراد العلماء، فإنَّه وإن كان داخلاً تحت موضوع العام وهو العلماء، إلاّ أنَّه بسبب هذا الدليل الخاص يكون خارجاً مِنْ تحت حكمه وهو وجوب الإكرام، وكذا لو قال لا تكرم العالم الفاسق، فإنه يقيد الدليل الأول الدال على وجوب إكرام العالم مطلقا ولو كان فاسقاً.
إذا اتضحت هذه المقدمة نقول في شقِّ الثوب:
إن شق الثوب وإن كان فعله مناف للصبر على المصيبة، وداخلا تحت الجزع المنهي عنه، إلا أن الأدلة الآمرة بالصبر
والناهية عن الجزع دالّة على مطلوبية ذلك بالعموم، فإذا جاء ما يخصص ذلك العموم، لم يكن العام حجَّة في مورد الخاص، وما نحن فيه من هذا القبيل، لأن الدليل الخاص قام على جواز شقِّ الثوب على الأب والأخ، وإذا كان كذلك لم يكن شق الثوب من الأفعال الداخلة تحت حكم الجزع المنهي عنه، وقد أفتى بذلك فقهاؤنا، ولم يعرف مخالف في ذلك إلا ابن إدريس رحمه الله حيث تفرّد بقول نادر شاذ، قال صاحب الجواهر في كتابه جواهر الكلام:
"ومِنْ استدلال الصادق علیه السلام بشقِّ موسى على أخيه هارون (على نبينا وآله وعليهما السلام)، ومرسلة المبسوط المتقدمة المنجبرة بفتوى الأصحاب عدا النادر، بل نسبه غير واحد إليهم بدون استثناء، يستفاد حكم المستثنى أي جواز الشق على الأب والأخ، مضافاً إلىما حكي في الفقيه وغيره مرسلاً مِنْ شقِّ العسكري علیه السلام قميصه مِنْ خلف وقدَّام عند موت أبيه علیه السلام ، وعن كشف الغمة نقلاً مِنْ كتاب الدلائل لعبد الله بن جعفر الحميري، عن أبي هاشم الجعفري قال: خرج أبو محمد علیه السلام في جنازة أبي
الحسن علیه السلام وقميصه مشقوق، فكتب إليه ابن عون مَنْ رأيت أو بلغك مِنَ الأئمة علیه السلام شقَّ قميصه في مثل هذا؟ فكتب إليه أبو محمد علیه السلام : يا أحمق، وما يدريك ما هذا، قد شقَّ موسى على هارون. ونحوه المحكي عن الكشي في كتاب الرجال مسنداً.
فما عن ابن إدريس من القول بالحرمة فيهما ضعيف، بل لا يبعد القول حينئذ بالاستحباب للتأسي. كما انه من ذلك وما تقدم بل أولى منه يستفاد جوازه للمرأة أيضا فيهما، مع أنَّه لا خلاف فيه إلاّ منه أيضاً، وهو ضعيف كسابقه، لما عرفت مما تقدم، مضافاً إلى ما في خبر خالد بن سدير عن الصادق علیه السلام : ولقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود، الفاطميات على الحسين بن علي صلی الله علیه و آله ، وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب. إذ من المعلوم فيهن بناته وأخواته"((1)).
فيمكن أن يدفع الإشكال عنه بما اتّضح في آخر كلام صاحب الجواهر، ويدلّ عليه - زيادة عمّا ذكره صاحب
1) ) جواهر الكلام للشيخ الجواهري ج4 ص369.
الجواهر - ما جاء في قصيدة دعبل شاعر أهلالبيت علیهم السلام المعروفة والمشهورة، حيث أنّ دعبل الخزاعي أنشد قصيدته التائية بحضرة الإمام الرضا علیه السلام ، وقد ورد فيها:
أفاطم لو خلت الحسين
مجدلا
وقد مات عطشانا بشط فرات
إذن للطمت الخد فاطم
عنده
وأجريت دمع العين في الوجنات
وقد أقرَّه الإمام الرضا علیه السلام على قوله، ولم يعترض عليه بأن يقول له: إنَّ جدتي فاطمةعلیها السلام لا تفعل ذلك. بل نجد أنه علیه السلام - حسبما ورد في نصوص هذه الحادثة - قد زاد بيتين في هذه القصيدة وهما:
وقبر
بطوس يا لها من مصيبة
ألحت على الأحشاء
بالزفرات
إلى الحشر حتى يبعث الله
قائما
يفرج
عنَّا الهم والكربات
وتقريب الاستدلال بذلك هو أن الإمام الرضا علیه السلام أقره على قوله هذا، ولو كان لطم الخد في المصيبة على مثل الأخ أو الابن محرَّماً لما أقرَّه الإمام علیه السلام على ذلك، ولَنَبَّهَه على أنَّ فعل ذلك محرم، ولا يصدر من فاطمةعلیها السلام.
فيستفاد من عدم نهي الإمام علیه السلام دعبل عَنْ هذا القول جواز لطم الخد عند رؤية السيدة فاطمةعلیها السلام الحسين مجدَّلاً، ومِنَ المعلوم أنَّه لا خصوصية للسيدة فاطمةعلیها السلام،
فيكون هذا الحكم عامَّاً شاملاً لمثل السيدة زينبعلیها السلام، وحينئذ فلا يوجد محذور في رواية لطم السيدة زينبعلیها السلام وجهها عند مقتل أخيها الحسين علیه السلام .
ولو تنزلنا وقلنا بمقالة من يقول بعدم جواز الجزعحتى على مثل الأب والأخ، فإنَّ عندنا دليلاً خاصّاً آخر نرفع به اليد عن عموم ما دل على حرمة مطلق الجزع، وهذا الدليل الخاص هو ما دل على عدم حرمة الجزع على الحسين علیه السلام ، بل الجزع على أهل البيت علیهم السلام ليس بمحرّم بل هو راجح قطعاً مطلوب حتماً، فيكون فعل السيدة زينبعلیها السلام مندرجاً تحت هذا الدليل الخاص، ومن تلك الأدلة الدالة على جواز الجزع على الحسين علیه السلام بل رجحانه:
ما عن الأمالي للشيخ الطوسي: عن معاوية بن وهب، قال: كنت جالساً عند جعفر بن محمد صلی الله علیه و آله إذ جاء شيخ قد انحنى من الكبر، فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فقال له أبو عبد الله: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، يا شيخ ادن مني، فدنا منه فقبل يده فبكى.
فقال له أبو عبد الله علیه السلام : وما يبكيك يا شيخ؟
قال له: يا ابن رسول الله، أنا مقيم على رجاء منكم منذ نحو من مائة سنة، أقول هذه السنة وهذا الشهر وهذا اليوم، ولا أراه فيكم، فتلومني أن أبكي!
قال: فبكى أبو عبد الله علیه السلام ثم قال: يا شيخ، إن أُخرت منيتك كنت معنا، وإن عجلت كنت يوم القيامة مع ثقل رسول الله صلی الله علیه و آله .
فقال الشيخ: ما أبالي ما فاتني بعد هذا يا ابن رسول الله.
فقال له أبو عبد الله علیه السلام : يا شيخ، إن رسول الله صلی الله علیه و آله قال:إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله المنزل، وعترتي أهل بيتي، تجئ وأنت معنا يوم القيامة.
قال: يا شيخ، ما أحسبك من أهل الكوفة؟ قال: لا.
قال: فمن أين أنت؟ قال: من سوادها جعلت فداك.
قال: أين أنت من قبر جدي المظلوم الحسين علیه السلام ؟ قال: إني لقريب منه.
قال: كيف إتيانك له؟ قال: إني لآتيه وأُكثر.
قال: يا شيخ، ذاك دم يطلب الله (تعالى) به، ما أصيب
ولد فاطمة ولا يصابون بمثل الحسين علیه السلام ، ولقد قتل علیه السلام في سبعة عشر من أهل بيته، نصحوا لله وصبروا في جنب الله، فجزاهم أحسن جزاء الصابرين، إنه إذا كان يوم القيامة أقبل رسول الله صلی الله علیه و آله ومعه الحسين علیه السلام ويده على رأسه تقطر دماً فيقول: يا رب، سل أمتي فيم قتلوا ولدي. وقال علیه السلام : كل الجزع والبكاء مكروه سوى الجزع والبكاء على الحسين علیه السلام )((1)).
أمّا مِنْ حيث اعتبار الرواية فبعض العلماء وصفها بالصحيحة كالشيخ ميرزا جواد التبريزي (قدس سره) في صراط النجاة جاء فيه:
س 1268: هل ترون أنه من الداعي إثارة مصيبة كربلاء بين الناس بشكل عنيف وحماسي أم لا؟
ج: البكاء الشديد والإبكاء المثير من الأمور المستحبة، التي دلت على رجحانها النصوص الكثيرة،ففي الوسائل باب 66 من أبواب المزار روايات كثيرة في استحباب ذلك، ومنها صحيح معاوية بن وهب عن الصادق علیه السلام انه قال لشيخ: أين أنت عن قبر جدي المظلوم الحسين، قال:
1) ) الأمالي للشيخ الطوسي ص161.
إني لقريب منه، قال علیه السلام : كيف إتيانك له، قال: إني لآتيه وأُكثر، قال: ذاك دم يطلب الله تعالى به، ثم قال: كل الجزع والبكاء مكروه ما خلا الجزع والبكاء لقتل الحسين علیه السلام . والله العالم"((1)).
كما أنّ بعض العلماء وصفها بالحسنة كالسيد الخوئي (قدّس سرّه) في كتاب الطهارة ج9 ص227. وعلى كلا الرأيين فهي مُعتبرة.
وأمّا من حيث الدلالة فقد استثنت الجزع على الحسين علیه السلام .
ونفس هذا المضمون روي في روايات أخرى مثل ما رواه الحرّ العاملي في الفصول المهمة في أصول الأئمة عن كامل الزيارات ص100 بسنده عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إن البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع ما خلا البكاء على الحسين بن علي علیه السلام فانه فيه مأجور.
ثم قال الحرّ العاملي: أقول: والأحاديث فيه كثيرة.
وهذا الأمر ليس مخصوصاً بالإمام الحسين علیه السلام ، فلقد
1) ) صراط النجاة ج3 ص443.
روي ذلك في الجزع على فراق رسول الله محمد صلی الله علیه و آله كما في نهج البلاغة: قال علیه السلام على قبر رسول الله صلی الله علیه و آله ساعةدفن: (إنَّ الصبر لجميل إلا عنك، وإن الجزع لقبيح إلا عليك، وإن المصاب بك لجليل، وإنه قبلك وبعدك لجلل).
بل دلّت جملةٌ منَ الرواياتِ على استحبابِ الجزعِ على أهلِ البيتِ علیهم السلام ، عموماً. والجزعُ ضدَّ الصبرِ، وذلكَ كالبكاءِ بصوتٍ عالٍ، والنياحةِ والصياحِ والصّراخِ والعويل، وشقِّ الثياب، ولطمِ الوجوهِ والصدورِ وخمشِهما، والندبةِ بتفجّعٍ، وكلُّ هذا جائزٌ على الأئمّةِ المعصومينَ علیهم السلام قالَ الشيخُ التبريزي: ثُمَّ إنّه كما تقدّمَ أنّ البكاءَ بل الجزعُ لمُصابِ النبيّ صلی الله علیه و آله وأهلِ البيتِ والمُتعلّقينَ بهم علیهم السلام أمرٌ مُستحبٌّ يعدُّ مِنَ العباداتِ التي يُتقرّبُ بها إلى اللّهِ سُبحانَه. (تنقيحُ مباني العروة: 7 / 403).
إن كلام الامام الحسين علیه السلام إلى اخته زينب: (يا أخية إني أقسمت فأبري قسمي، لا تشقي عليَّ جيباً، ولا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تدعي عليَّ بالويل والثبور إذا أنا
هلكت)، توهم منافاته لما ورد من أن زينبعلیها السلام قد شقت جيبها فيُجاب عنه بأمور:
الرواية الدالة على نهي الإمام الحسين علیه السلام أخته زينبعلیها السلام أنْ تشقَّ جيبها لو فرضنا دلالتها على عدم جواز شقَّ الجيب والأدلّة المتقدمة دالّة على الجواز بل الرجحان لاستثناء شق الجيب صريحاً لا يتمّ مع ذلك التعارض، لأنّ رواية النهي لا تنهض للمعارضة في قبال ما هوأشهر وأكثر منها فلا تُعارض ما دلَّ بالأدلة المعتبرة التي ذكرناها في الأمرين السابقين. فبالنتيجة يكون هنا دوران بين الحجّة واللا حُجَّة. وإذا كانت رواية النهي كذلك فلا يؤخذ بها إذا توهم التعارض، والحال أنّه لا تعارض.
ولو تنزلنا عن اعتبار الرواية وصحتها، فإنها إنما تنفع المستشكل لو كان النهي فيها مطلقاً، ولكنه ليس كذلك فإنَّ النهي مقيَّد بوقت مقتله لا مطلقاً، ولذا قال في آخر النصِّ المنقول هنا: "إذا أنا هلكت". يعني وقت مقتله، فيكون النهي عن شقَّ الجيب حال مقتله أو ما يُقاربه مِن وقت
مقتله بحيث تتحقق المعية العرفيّة التسامحيَّة.
لو تنزلنا وتنازلنا عن ذلك كله فإنَّه نُقل في رواية أنَّ زينبعلیها السلام قد شقَّت جيبها إنَّما هو قبل النهي حينما سمعته يردد ابياتاً فَهِمت منها أنَّه ينعى نفسه المقدسة.
روي عن الإمام علي بن الحسين صلی الله علیه و آله أنّه قال: (إنِّي لجالس في تلك العشية - وعندي عمَّتي زينب تمرِّضني - إذ اعتزل أبي في خباء له وعنده جوين مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه - ويصلحه - وأبي يقول:
يا
دهر أف لك من خليل
كم لك في
الإشراق والأصيل
من
صاحب أو طالب قتيل
والدهر
لا يقنع بالبديل
وإنما
الأمر إلى الجليل
وكل
حي سالك سبيلوأعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها وعرفت ما أراد فخنقتني العبرة، فرددتها ولزمت السكوت، وعلمت أن البلاء قد نزل.
وأما عمتي فإنها سمعت ما سمعت وهي امرأة ومن شن النساء الرقة والجزع، فلم تملك نفسهما أن وثبت تجر
ثوبها وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت: وا ثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت أمي فاطمة الزهراء وأبي علي وأخي الحسن، يا خليفة الماضين وثمال الباقين.
فنظر إليها الحسين علیه السلام وقال: يا أختاه لا يذهبن حلمك الشيطان، وترقرقت عيناه بالدموع وقال: لو ترك القطا لنام.
فقالت: يا ويلتاه أتغتصب نفسك اغتصاباً، فذاك أقرح لقلبي وأشد على نفسي، ثم لطمت على وجهها وأهوت إلى جيبها فشقته وخرت مغشيا عليها.
فقام إليها الحسين علیه السلام فصب الماء على وجهها وقال لها: يا أختاه اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالك إلا وجه الله الذي خلق الخلق بقدرته وإليه يعودون وهو فرد واحد، وإن أبي خير مني، وأخي خير مني، ولكل مسلم برسول الله أسوة، فعزاها بهذا ونحوه.
وقال لها: يا أختاه، إني أقسمت عليك فأبري قسمي، لا تشقي علي جيبا، ولا تخمشي علي وجها، ولا تدعيعلي بالويل والثبور إذا أنا هلكت، ثم جاء بها وأجلسها
عندي)((1)).
فمن الواضح من الرواية أنَّ النهي قبل النهي.
إنّ هذا النهي - لو تم - لابدَّ مِنْ أنْ يُحمل على الإرشاد لا المولوية، وقد تقدَّم ضمن المباحث السابقة بيان معنى الإرشاد ومعنى مخالفة الأولى فلا نعيد، وهنا نقول: إنّ النهي كان إرشاداً لما هو أولى بحالها، رأفة بها ورحمة، بمعنى أنَّ مخالفته هي مخالفة الأولى الذي يُمكن أنْ يقع مِن الأنبياء والمرسلين، وليس له علاقة بالتشريع، ولا يترتب عليه العقاب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
1) ) إعلام الورى بأعلام الهدى للشيخ الطبرسي ج1 ص456-457. والإرشاد للشيخ المفيد ج2 ص93-94. ولواعج الأشجان للسيد محسن الأمين ص103-104. واللهوف في قتلى الطفوف للسيد ابن طاووس ص49-50.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
الحمد لله على ما أنعم وله الشكر على ما ألهم، والصلاة والسلام على خير الأنام سيدنا ونبينا المحمود الأحمد المصطفى الأمجد أبي القاسم محمّد وعلى آله الطيبين الأخيار، حجج الجبار، وخلفاء القهّار، الذين مَن والاهم فقد والى الله ومن عاداهم فقد عادى الله ومَنْ أحبّهم فقد أحبّ الله ومن أبغضهم فقد أبغض الله، ولا سيّما الحقّ الجديد ذو الرأي السديد والسّيِّد على كلّ العبيد، بقيّتهم علیهم السلام روحي وأرواح العالمين لتراب مقدمه الفدا وهو أقلّ الفدا. واللعنة الدائمة المؤبّدة على أعدائهم وظالميهم ومنكري فضائلهم مِن الأوّلين والآخرين. وبعد:
لقد وردني مِن أحد أخواني وأعزائي والغالين على قلبي طلب التعليق على كلام لأحد الكتّاب، في قضيّة استعصى عليه فهمها، وعزا سبب ذلك إلى كونها مِن الأسرار الغامضة والإشكالات العويصة، والمواطن العجيبة، حيث لا عجب ولا إشكال ولا غموض ولا أسرار.والعجب كلّ العجب مِنْ أن يُسطّر شخص إشكالاً استعصى عليه فهم جوابه وضاق عنه استيعابه، وقلّت فيه حيلته، مع ما يوجبه من إيقاع القارئ العادي في شبهة كان غافلاً عنها وخالي الذهن عن الحيرة فيها.
بل إن ذلك يوجب تعريض نفس الكاتب للظن السيء، حيث إنّ من مقاصد بعض الطارحين للشبه إيقاع الآخرين في الشك والريب، وذلك بأن يورد الكلام على شكل سؤال واستفهام مع تعجب وإشكال ثم الختم بأن هذا من الأمور الغامضة غير الواضحة، ليوهم القارئ بأنّه لا يبني على شيء، لا سلباً ولا إيجاباً، وإخراج القارئ عن التسليم بما كان معتقداً به إلى الشك والتردد فيه.
فإذا لم يكن غرض المشكل ذلك فالأولى له ألاّ يطرح هذا الإشكال في غير مواطن البحث والمباحثة. وإليك أيها
القارئ كلام هذا الكاتب، وسأنقله كاملاً لئلا أتهم بالاقتطاع:
"اما ما أشكل عليك من جعل الحسين سلام الله عليه أصحابه في حلّ من بيعته فليس محل العجب منه وموضع السؤال وعقدة الاشكال معكوسة وهي انه سلام الله عليه كيف أباح لهم الجهاد معه وهو يعلم كما قال لهم ان القوم انما يطلبون شخصه الكريم فقط، وانهم لو ظفروا به لم يكن لهم حاجة بغيره، ويعلم هو كما يعلم كل واحد منهم انهم لا يستطيعون دفع القتل عنه مهما جاهدوا واجتهدوا، اذاً ألا يكون جهادهم معه من العبث والقاء النفس في التهلكة بغير فائدة فكيف رضى سلامالله عليه منهم بذلك؟ وهذا هو السرّ الغامض الذي يحتاج الى البحث والنظر لاما ذكرته من جعلهم في حل بيعته، وليس معنى ذلك انه أسقط عنهم التديّن بإمامته التي جعلها الله طوقاً في عنق كل مكلف يستحيل نزعه وخلعه، وليس هو المقصود من جعلهم في حلّ من بيعته كما توهّمت.
نعم العقدة التي لاتحل ولعل سرّها الغامض لا يعلمه الا الله والراسخون في العلم هو هذه الناحية، فانّ المعلوم
بضرورة العقل والنقل وفي عامّة الشرائع والأديان ان الجهاد انما يجب أو يجوز مع احتمال السلامة ورجاء الظفر والغلبة أما مع اليقين بالهلكة والمغلوبية فهو اتلاف للنفوس بغير فائدة فأصحاب الحسين علیه السلام لو تركوا اقتحام هذه المعركة وتباعدوا عنها لم يكن العدو يتعقّبهم وليس له أيّ غرض بهم، ولما دخلوا في الحرب لم يحفظوا الحسين علیه السلام ولم يحفظوا أنفسهم فكان اللازم البقيا على أنفسهم ولعل بقائهم وسلامتهم أنفع للحسين علیه السلام وعياله من قتلهم واستئصالهم، هذا هو الامر المشكل والسرّ الغامض لا جعلهم في حلّ من البيعة الذي هو بمعنى اسقاط الجهاد عنهم أو الدفاع الذي هو ساقط بطبعه وبذاته، والله هو العالم بأسرار أوليائه وحكمة احكامه وقضائه، وله الحمد((1)).
وأجيب وبالله التوفيق والعون والتسديد، واذكر مايخطر بالبال في أمور واعتمد على القارئ النبيه في تطبيقها على المقال كما أشير إلى الأدلّة إشارة وتلميحا دون الحاجة إلى
1) ) جنّة المأوى لمحمد حسين كاشف الغطاء ص130-131. وشهادة الامام الحسين علیه السلام لنفس المؤلّف ص127.
البيان والتصريح لئلا يطول الجواب، واللبيب بالإشارة يفهم، فأقول:
إنّ الإمام الحسين علیه السلام هو حجّة الله على خلقه وخليفته في أرضه وسمائه له الولاية التكوينيّة المطلقة فضلا عن التشريعيّة، فهو محور الشرع، ومنه يُستقى في قوله وفعله وتقريره، فقوله هو الشرع وفعله هو الدين وتقريره هو الإسلام، فمنه تصدر الأحكام، فهي نتاجه، وهو الحاوي لها وهي مَن يتبعه، لا أنّه يكون مُقيّداً بشرع، ولا أنّه تابع أعمى له يقوده حيث يشاء، فإن شاء الحسين شاء الله وإن رضي الحسين رضي الله، فهو مظهر مشيئة الله ورضاه، ومَن هذا شأنه لا يصحّ أن نُطبّق عليه الشرع بل نستقي الشرع
مِن فعله وقوله وتقريره.
فمنه نعرف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومِنه نعرف أحكام الجهاد ومتى يسوغ ومتى لا يصحّ، ومنه نستقي الأحكام في حفظ النفوس مِن عدمها، فلا نُسقط عليه الأحكام، وهذا شبيه بمن يريد أن يطبق شرع الله تعالى على الله، وهذا لا ينبغي أن يفعله عاقل فضلا عن مؤمن عارف.
إنّ الإمام الحسين علیه السلام له الولاية المطلقة المعبّر عنها بالإمامة في بعض معانيها، وبهذا المعنى بل بدرجة ضعيفة مِنها قد وهبها الله تعالى لخليله إبراهيم علیه السلام حيث قال: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}((1)). وما حضي بها النبي إبراهيم إلاّ بعد النبوة والرسالة والخلّة والبلاء العظيم.
وإن أردت أن تعرف شيئاً مِنْ تجليات هذه الولاية فاقرأ معي ما جرى بين الخضر وموسى صلی الله علیه و آله ، قال عزّ وجلّ:
1) ) سورة البقرة الآية (124).
{فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا}((1)). وقال عزّ شأنه: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا}((2)).
النبي موسى علیه السلام انطلق مِن مُنطلق الشرع، فإنّ الشرائع كلّها مِنْ آدم إلى الخاتم لا تُبيح قتل ولدٍ لم يبلغ الحلم خشية أن يرهق ابويه طغياناً وكفراً في المستقبل، ولكنّ الخضر علیه السلام تصرّف بمقتضيات الولاية لا الشرع الذي اعترض به النبي موسى علیه السلام على الخضر علیه السلام .
وإذا كان الإمام الحسين علیه السلام صاحب هذه الولاية الكبرى فإنّ أقل ما يُقال فيها أنّه أولى مِن الناس بأنفسهم، فلهالحق أن يتصرّف في النفوس كما يشاء وبأيِّ شيء شاء، فإنّه متى شاء شاء الله تعالى. فله الحق في التصرّف بأصحابه كيف يشاء، وليس لتلك الأوهام المذكورة في ذلك الكتاب أي اعتبار عندما يُعمل خليفة الله ولايته.
يقول هذا القائل: "ولمّا دخلوا في الحرب لم يحفظوا
الحسين علیه السلام ولم يحفظوا أنفسهم".
وهو توهم في غاية الغرابة، ومنتهى السذاجة، يُنبئ عن عدم فهم مقام الإمام علیه السلام وعظمته، وكأنّه يتحدّث عن شخص مِن عامّة الناس، فإنّ حفظ الإمام علیه السلام ولو للحظات فضلا عن الساعات مما تُبذل دونه النفوس والأعراض، بل لو بُذلت نفوس البشر كلها ومعهم الجن مِن أجل الحفاظ على الإمام ولو للحظة لكان ذلك جديراً ببذلها، كيف لا يكون كذلك وهو حجّة الله العظيم وخليفة الربّ الحكيم العليم وعيبة علمه وخزانة أسراره، فمن عرف شيئاً مِنْ قدْر الله تعالى عرف شيئاً مِنْ قدْر أوليائه ومظاهر صفاته في عالم التكوين. اللهم عرّفني نفسك فإنّك إن لم تُعرفني نفسك لم أعرف نبيّك، اللهم عرفني رسولك فإنّك إن لم تُعرفني رسولك لم أعرف حجّتك.
لحظة يعيشها خليفة الله عزّ وجلّ خير مِن حياة البشر كلّها، به يُرزق العباد وبه يٌرحمون وبه يعرفون ويعبدون، ولولاه - ولو للحظة - لساخت الأرض ومَن عليها، كما دلّت على ذلك الأدلّة العقليّة والنقلية.
مَن أفهم هذا القائل بأنّ الفائدة منتفية إذا قتل الإمام الحسين علیه السلام وأهل بيته وأصحابه؟!!! ليس الخبر كالعيان، ألم ينظر إلى بقاء هذا الدين وشريعة سيِّد المرسلين مِن خلال شهادة الإمام الحسين علیه السلام وأصحابه، وهل هناك أعظم وأظهر وأجلى مِن هذه المنفعة المترتبة التي يُقرّ بها ويُعاينها ويٌبصرها كلّ ذي قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ألا تكفي هذه الفائدة العظمى المترتبة على شهادته علیه السلام واصحابه حتّى يسوغ الجهاد أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر او بذل النفوس لغرض يعجز العقلاء عن إدراك مداه، وقد عجز حتى الأنبياء عن تحقيقه بالطريقة التي حقّقها مَن هو مِن النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وهو منه. لأنّهم اهل بيت لا يُقاس بهم أحد.
وإذا لم تُعدّ مِثل هذه الفائدة غرضاً عُقلائيّاً يصحّ بذل النفوس مِن أجله فلا يوجد حينئذ غرض عُقلائي ولا شرعي البتة، ولا قيمة لأيّ غرض حينئذ.
عندما صدح النبي محمّد (صلى الله عليه وآله) بالدعوة،
وجاهر بها أمام الملأ مع قلّة العدد وخذلان الناصر، وتعرّض إلى ما تعرّض له مِن الأذى هو ومَن اتّبعه، وتعرّض بعضهم إلى أشدّ التنكيل والعذاب، بل وتعرّض بعضهم للهلاك، وذلك بعد أنْ أمره الله تعالى بقوله:(فَٱصدَع بِمَا تُؤمَرُ وَأَعرِض عَنِ ٱلمُشرِكِينَ 94) ((1)). أليس ذلك مِن أجل إحياء الدين، فإنّ إحياء الدين مُقدّم على النفوس كما فعل الإمام الحسين علیه السلام إحياءً لدين الله القويم وصراطه المستقيم، والامام الحسين علیه السلام مِن النبي محمد صلی الله علیه و آله وهو منه، والدين محمدي الحدوث وحسيني البقاء.
ومِن هذا يُعلم أنّ بعض أدلّة شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الجهاد أو التقية مقيّدة بغير ما إذا كان هناك محو للدين وذهاب لبيضة الإسلام واندثار لشريعة سيّد المرسلين.
ولذلك ليست كلّ تقية واجبة أو جائزة بل قد يجب العمل على خلاف التقية كما روي عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: (إنما جُعِلَت التقية ليُحقَن بها الدم، فإذا بلغت
1) ) سورة الحجر الآية (94).
التقيةُ الدمَ فلا تقية! وأيَّمُ الله لو دُعيتم لتنصرونا لقلتم: لا نفعل! إنما نتَّقي! ولكانت التقية أحبَّ إليكم من آبائكم وأمهاتكم! ولو قد قام القائم ما احتاج إلى مساءلتكم عن ذلك ولأقام في كثيرٍ منكم من أهل النفاق حدّ الله)((1)).
وعلى هدي أهل البيت علیهم السلام جرى علماؤنا الأبرار فالمرحوم آية الله العظمى السيد الخوئي (قدس سره) قال:
"وإذا كانت المفسدة المترتبة على فعل التقية أشد وأعظم من المفسدة المرتبة على تركها، أو كانت المصلحة في ترك التقية أعظم من المصلحة المترتبةعلى فعلها، كما إذا علم بأنه إن عمل بالتقية ترتب عليه اضمحلال الحق، واندراس الدين الحنيف، وظهور الباطل، وترويج الجبت والطاغوت، وإذا ترك التقية ترتب عليه قتله فقط، أو قتله مع جماعة آخرين، ولا اشكال حينئذ في أن الواجب ترك العمل بالتقية، وتوطين النفس للقتل، لأن المفسدة الناشئة عن التقية أعظم وأشد من مفسدة قتله..."
ثم يقول (رحمة الله): "ولعله من هنا أقدم الحسين علیه السلام وأصحابه (رضوان الله عليهم) لقتال يزيد بن معاوية
1) ) تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ج6 ص172.
وعرضوا أنفسهم للشهادة، وتركوا التقية عن يزيد وكذا بعض أصحاب أمير المؤمنين علیه السلام بل بعض علمائنا الأبرار (قدس الله أرواحهم) وجزاهم عن الاسلام خيراً كالشهيدين وغيرهما"((1)).
وقد علّق المرحوم آية الله العظمى الشيخ ميرزا جواد التبريزي (قدس سره) على كلام أستاذه الخوئي فقال:
"التقيّة المحرَّمة ما إذا كان الشخص بحيث لو عمل على طبقها لم يتوجه الضرر إلى شخصه، ولكن يوجد في التقية ضرر عام، أهم، يترتب على ذلك، مثل الفساد في الدين، ومجتمع المسلمين، أو يستمر الفساد فيهما، بحيث يعلم أن الشارع لا يرضى بوجود هذه المفسدة، واستمرارها، ففي مثل ذلك لا يجوز فعل التقية.
والتقية الواجبة على العكس من ذلك، يترتب على رعايتها الخلاص من المفسدة، ولم يكن في تركهاوالعمل بالوظيفة الأولية إلا مصلحة غير لازمة الاستيفاء، وفي هذه الصورة تكون التقية غير واجبة.
1) ) كتاب الطهارة للسيد الخوئي ج4 ص256-258.
وأما قضية الحسين علیه السلام فكانت المصلحة في شهادته بيد الأعداء والمتربعين على كرسي الخلافة، حيث أفسد عليهم الأمر، بحيث لو لم يفعل لما ترتب الأثر العظيم من الحفاظ على الدين الاسلامي، وما عليه عقائد الشيعة المغفول عنها حين حكم المتسلطون على الخلافة.
وكان قيام الحسين علیه السلام تنبيها للناس عن غفلتهم، واظهارا للعقائد الحقة، التي يجب اتباعها، والحفاظ عليها، ولكي تستفيد الأجيال الآتية من قيامه والله العالم"((1)).
أخيراً
اكتفي بهذه الخمسة دفاعاً عن خامس أهل الكساء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا وحبيبنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
عبد سادة العباد
علي الزواد
1) ) صراط النجاة للميرزا جواد التبريزي ج3 ص432.
«بِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
قال تعالى في محكم كتابه وعزيز خطابه:
(وَتَوَلَّىٰ عَنهُم وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبيَضَّت عَينَاهُ مِنَ ٱلحُزنِ فَهُوَ كَظِيمٌ 84) ((1)).
هذه الآية الكريمة قد بيّنت أنّ الحزن سبب ابيضاض عين يعقوب علیه السلام ، فابيضت عيناه لشدة حزنه على ابنه النبي يوسف علیه السلام حجة الله على خلقه، وقد ذكرت بعض الروايات أن حزنه يعدل سبعين ثكلى.
ويعقوب علیه السلام ابيضت عيناه من الحزن وهو كاظم لبثه
1) ) سورة يوسف الآية 84 .
وقال انما اشكو بثي وحزني الى الله.
ويعقوب علیه السلام نبي من الله تعالى ومن صفوة خلقه فلم يكن حزنه الا طاعة لله تعالى راجحة على الكثير من عبادة الله تعالى وإلا لما انشغل به.
وابيضاض العين إما أن ينزل عليها الماء الأبيضويكون في الحدقة بياض او تعبير عن العمى والنتيجة واحدة وهي حصول العمى.
والحزن لله ليس من الأمور الراجحة فقط بل هو عنوان محبة الله للعبد وفيض النور على القلوب المؤمنة.
فروي عن أمير المؤمنين علیه السلام انه قال: (إن من أحب عباد الله إليه عبدا أعانه الله على نفسه فاستشعر الحزن، وتجلبب الخوف، فزهر مصباح الهدى في قلبه...)((1)).
والمراد من استشعار الحزن في قلبه أنه جعله شعارا له وليس مجرد الإحساس بالحزن فقط.
ونصّت الروايات على أنّ الحزن على أهل البيت علیهم السلام مِن مقتضيات خلق المؤمن مِن فاضل طينتهم علیهم السلام ولأنهم
1) ) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2 ص56.
عُجنوا بماء ولايتهم كما أنّ الحزن عليهم مشاركة لأهل بيت العصمة والطهارة في مراتب الحزن، ومن هنا استحقوا الرحمات على لسان حجج الله تعالى على خلقه.
فروي عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: (إن الله تبارك وتعالى اطلع على الأرض فاختارنا واختار لنا شيعة ينصروننا ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا أولئك منا وإلينا).
وعنه علیه السلام : (رحم الله شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا، وعجنوا بماء ولايتنا، يحزنون لحزننا، ويفرحونلفرحنا).
وعن الإمام الباقر علیه السلام : (رحم الله شيعتنا لقد شاركونا بطون الحزن على مصائب جدي الحسين علیه السلام أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين علیه السلام دمعة حتى تسيل على خده بوأه الله بهما في الجنة غرفا يسكنها أحقابا)((1)).
والحقب: قيل هو مقدار ثمانين سنة وقيل هو الزمان الذي لا حدّ لنهايته.
وهنا أعرض تساؤلين قد يسأل عنهما البعض:
1) ) شجرة طوبى للشيخ محمد مهدي الحائري ج1 ص3.
هل العمى يتنافى مع كمال النبي ام لا؟
وللإجابة على هذا السؤال أقول:
لا يوجد ما يدل على منافاة العمى لوظيفة النبي فانه مثل الأمراض الأخرى التي لا تتنافى مع دور النبي الموكل إليه ولا يوجب النفرة منه الموجبة لنقض الغرض من بعثته، فإننا كعقلاء لا نجد أنّ العمى من المنفرات بخلاف ما لو كان مصاباً بمثل الجذام، فلا شكّ حينئذ يكون منفرا وهو خلاف الغرض من البعثة.
وقيل أيضاً في الجواب: إنّه ثبت في حقّ نبينا محمد صلی الله علیه و آله انه يرى في منامه كما يرى في يقظته لأنه تنام عينه ولا ينام قلبه ويسمع في منامه كما يسع في يقظته وهذا يجري في حق الأنبياء والمرسلين جميعا كما يجري في حق المعصومين الطاهرين فاطمة وبعلها وبنيها صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين، فعمى البصر لايمنع النبي من الرؤية.
لماذا لم تبيض عيون اهل البيت علیهم السلام ، فهل كان حزن
يعقوب علیه السلام اشدّ من حزن أهل البيت علیهم السلام على ما جرى عليهم؟
وأجيب على هذا التساؤل ببيان أمرين:
فإنّ الحزن وإن كان راجحا إلا أنّ السيطرة عليه قد يتفاوت المعصومون فيه، قال تعالى:
(تِلكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلنَا بَعضَهُم عَلَىٰ بَعضٖۘ)
إن الدور الذي يقوم به الامام لا يفقد معه الاختيار فهو يفعل بقدر ما تقتضيه المصلحة، فإذا اقتضت المصلحة أن يُظهر الحزن ويعيش شدّته فهو يقوم به على أكمل وجه بقدر تلك المصلحة، فكانت المصلحة بالنسبة إلى الزهراء علیها السلام أن تُظهر ذلك القدر من الحزن، وكذلك الإمام زين العابدين علیه السلام .
ومن المناسب هنا أن نذكر تحكُّم المعصوم في مقدمات الفعل.
فأقول:
إنّ الفعل منه ما هو اختياري ومنه ما هو فعل غير
اختياري، كما أنّ الفعل يصدر تارة عن التفات المختار وتارة يصدر عن غفلة منه، كما أنّ للفعلمقدمات في آفاق النفس فإنّ الشخص الملتفت حتّى يتحقق الفعل منه خارجاً لا بُدّ من وجود مقدمات تحدث في نفسه وبعدها يحدث الفعل خارجاً، ومن هنا يفرض البحث علينا أن نتحدّث عن هذه الأقسام من الأفعال ومقدمات الفعل الاختياري الصادر عن التفات ومعرفة فنقول:
أفعال الإنسان قد تصدر عن اختيار منه، وتارة تصدر عنه لا عن اختيار، سواء كان الفعل من أفعال النفس أم من أفعال الجوارح، وقد يكون الفعل اختيارياً بالنسبة لشخص وغير اختياري بالنسبة لشخص آخر، فهنا أربعة أقسام نحتاج أن نتعرّف عليها فنقول:
وهذه مثل حركة القلب فإنّ قلب الإنسان يتحرّك ولكن لا باختيار العبد.
وهذه مثل التفكير الذي يكون تحت إرادة الإنسان
واختياره، فتارة يريد أن يُفكِّر ويختاره فيُحدث التفكير، وتارة يختار عدمه فلا يحدث التفكير، ولكن قد يُسيطر على الإنسان التفكير في أمور ولا يستطيع أن يصرف ذهنه عن التفكير بها فتكون بالنسبة إليه غير اختيارية.
وذلك مثل حركة اليد فإنّها فعل اختياري يقوم بهالإنسان، ولكن قد يصاب الإنسان بمرض فلا تكون حركة يده اختيارية كحركة يد المرتعش فإنّها حركة غير اختيارية عند البعض كما أنّها اختيارية عند الشخص السليم.
والفعل الإختياري حتّى يُوجد في الخارج ويصدر عن فاعله لابُدّ له مِن مقدمات وهي((1)):
ويُراد منه حصول ثلاثة أمور:
1) ) هناك كلام بين الأعلام في تحديدها وترتبها، والذي يهمنا من هذه المقدمات منطبق على جميع الأقوال، فلسنا بحاجة إلى الخوض في تفصيل ذلك.
فإنّ الفاعل يحتاج أن يتصوّر الفعل كي يتوجّه إليه وإلاّ فلن يتحقق الفعل لعدم إمكان طلب المجهول.
لابدّ من وجود فائدة متصوّرة هي الموجبة للرغبة في إيجاد الفعل ومن دونها لا يتحقق الفعل.
وأيضاً لابدّ مِن وجود التصديق بأنّ تلك الفائدة موجودة في ذلك الفعل حتّى يحصل له العزم والإرادة وبدونها لا تكون إرادة للفعل أو لا يتحقق العزم على فعله.
قد يحصل اعتقاد بالمصلحة المترتبة على الفعل ولكن لا يحصل لديه ميل نفسي إلى فعله لأنّه لم يحصل لديه شوق إلى الفعل ولو بمرتبة ضعيفة.
عرّف الشوق: بتوقان النفس إلى تحصيل شيء، ولابُدّ من وجود شوق إلى الفعل بمرتبة يدفع الإنسان إلى الفعل
مُتجاوزاً الكسل والسأم والملل، وكم يحصل لنا اعتقاد بوجود مصلحة في فعل ولا نفعل لأنّ الشوق إلى الفعل مفقود.
العاقل ينظر في الفائدة المرجوة من الفعل ويوازن بينها وبين المضار المترتبة على الفعل - إن وُجدت – فإذا رجّح الفائدة والمصلحة في الفعل يختار فعله، وإن رجّج المفسدة والمضرّة في الفعل يختار عدم الفعل، ويحتاج الفعل إلى وجود إرادة وعزم على فعله لأنّه إن لم يكن لديه الشوق المؤكّد على الفعل لا يتحقق الفعل.
ونحن نعلم بوجود المصلحة العظيمة في زيارة مراقد المعصومين علیهم السلام ، كما يحصل لدينا الميل للزيارة بل الشوق إليها ولكن لا تحصل لدينا إرادة لعدم توفر الشرائط أو لوجود الموانع.
وعند حصول تلك المقدمات الأربع تتحرّك العضلات مِن أجل إيجاد الفعل.
لقد تقدّم أنّ التصورات الطارئة على الإنسان يُمكنأن
تقع تحت سيطرة العقل وحكومته، فكلٌّ مِن تصور الفعل وتصور الفائدة يُمكن أن يقعا تحت سيطرة العقل، وكذلك التصديق بثبوت تلك الفائدة للفعل والميل والشوق للفعل وإرادته.
ومَن أطلعه الله تعالى على المصالح والمفاسد الواقعية للأفعال يعرف فائدة الفعل ويحصل لديه ميل وشوق وإرادة لفعله إن كان الفعل ذا مصلحة، وإلاّ فيحصل لديه الإذعان بوجود المضرّة فلا يميل إليه لعدم وجود مقتضيه، وكذلك لا يحصل لديه شوق ولا إرادة في فعله.
وهذه مثل حدوث الغم والهم فجأة من دون أن يكون العبد مختاراً في ذلك، ومن ذلك تداعي المعاني، فإنّ الإنسان قد تحضر في ذهنه معانٍ ينتقل إليها لأدنى مناسبة بين ما يراه وبين ما يحضر في ذهنه، فمثلاً قد يرى حماراً فينتقل ذهنه إلى العالم الذي لا يعمل بعلمه، لأنّه خطر بباله قول الله تعالى: (مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّورَىٰةَ ثُمَّ لَم يَحمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلحِمَارِ يَحمِلُ أَسفَارَۢاۚ بِئسَ مَثَلُ ٱلقَومِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِ-َٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ
وَٱللَّهُ لَا يَهدِي ٱلقَومَ ٱلظَّٰلِمِينَ 5) ((1))
فهذه الانتقالات لا تكون عادة تحت اختيار العبد، بليجد نفسه قد انتقلت إلى تلك المعاني قهراً.
ولكن قد يُسيطر العبد على ذلك فلا يحصل ذلك الفعل إلا باختياره وإرادته.
ولبيان أنّ تلك الخطرات التي تخطر على الذهن يُمكن أن تقع تحت سيطرة الإنسان نقدّم لذلك مقدمة في بيان القوى الأربع للنفس فنقول:
الإنسان يشتمل على جزء مادّي محسوس يُرى بالبصر ويُقال له البدن والجسم، والجزء الآخر غير المحسوس وهو لا يُرى بالبصر ويُسمّى الروح والنفس والنفس الناطقة والقلب.
وإنّما يسمّى نفساً من حيث إنّه محلاً للفضائل والرذائل، ويسمّى نفساً ناطقة من حيث قوّة التفكير، ويسمّى روحاً من حيث إنّه قوام حياة الإنسان، ويسمّى قلباً لتقلبه في الخواطر.
1) ) سورة الجمعة الآية 5.
وقد تستعمل هذه الألفاظ في معان أخرى تعرف بالقرائن.
والقرآن الكريم قد أطلق القلب على النفس والقوّة العاقلة، كما في قوله تعالى:
(لَهُم قُلُوبٌ لَّا يَفقَهُونَ بِهَا وَلَهُم أَعيُنٌ لَّا يُبصِرُونَ بِهَا وَلَهُم ءَاذَانٌ لَّا يَسمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلأَنعَٰمِ بَل هُم أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلغَٰفِلُونَ 179)((1))
(ذَٰلِكَ بِأَنَّهُم ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم فَهُم لَايَفقَهُونَ 3)((2)).
وإنّما يفقه الإنسان بعقله، فطبع على عقولهم فهم لا يعرفون.
(ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكرِ ٱللَّهِ تَطمَئِنُّ ٱلقُلُوبُ 28) ((3)).
وهنا يحصل الاطمئنان في النفس بذكر الله تعالى.
والنفس وإن كانت مجرّدة في ذاتها إلاّ أنّها إنّما تفعل الأفعال من خلال آلة تستخدمها للفعل وهو البدن، كما أنّ
لها قوى من خلالها تصدر الأفعال عنها مستخدمة البدن.
ولذا عرفها البعض بأنّها جوهر ملكوتي يستخدم البدن في أفعاله.
ولقد ذكر العلماء أنّ النفس عندها قوى أربع وهي:
بالعقل يتميّز الإنسان عن غيره من الحيوانات، وهو الذي يأخذ بيد الإنسان إلى الصواب ويُجنِّبه الخطأ والخطيئة فيُدرك به ما يوجب رضا الله تعالى، كما أنّه يأمر بالخير وينهى عن الشر، ولقد روي((1)) عن مولانا الإمام أبي عبد الله علیه السلام أنّه سئل عن العقل فقال: (ما عبدبه الرحمن، واكتسب به الجنان...) و (مَن كان عاقلاً كان له دين، ومَن كان له دين دخل الجنة).
والمراد من العبادة هنا: هي كل فعل صادر على طبق رضا الله تعالى مما يصحُّ التعبُّد به لله تبارك وتعالى.
هي القوة الموجبة لصدور فعل الغضب، فإنّ كانت
1) ) الكافي للشيخ الكليني ج1 ص11.
محكومة بالعقل كانت مكبوحة عن البغضاء والتوثّب على الناس بغير حق، وكانت هذه القوّة عاملة فيما يُرضي الله تعالى، فإذا كان غضبه لله تعالى فإنّه سيُقاتل أعداء الله تعالى، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بكلّ حزم وقوّة، وإن لم تكن تحت سيطرة العقل، وأطلق لجامها فهي موجبة للإنتقام والبغضاء والتوثب على الناس ظلماً وعدواناً.
هي القوة الموجبة لصدور أفعال الشهوات عند الإنسان، فإن لم تكن محكومة بالعقل فإنّه لا يصدر عنها إلا أفعال البهائم من عبودية الفرج والبطن، والحرص على الجماع والأكل وكلّ الشهوات، وإن كانت محكومة بالعقل فإنّها تكون مقتضية للأفعال الخيرة الحسنة من حبّ الرجل لزوجته، وحبّه للبذل في وجوه الخير، وغير ذلك مما يُمكن أن يقع تحت رغبات وشهوات وميول الإنسان.
(وبيان ذلك أنّ الواهمة والخيال والمتخيلة ثلاث قوى
متباينة، ومباينة للقوى الثلاث الأول، وشأن الأولى إدراك المعاني الجزئية، وشأن الثانية إدراك الصور، وشأن الثالثة التركيب والتفصيل بينهما.
وكلٌّ مِن مدركاتها إمّا مطابق للواقع، أو مخترع من عند أنفسها مِن غير تحقق له في نفس الأمر أيضاً، وأمّا مِن مقتضيات العقل والشريعة، ومِن الوسائل إلى المقاصد الصحيحة، أو مِن دواعي الشيطان وما يقتضيه الغضب والشهوة، وعلى الأول يكون وجودها خيراً وكمالاً، وإن كان وجودها على الثاني شراً وفساداً. والحال في جميع القوى كذلك)((1)).
والإنسان إنّما يفعل الأفعال من خلال ما ترسمه مخيلته للفعل من جمال، كما أنّه قد يُحجم عن العمل لما ترسمه المخيلة من صورة قبيحة للفعل، ولذا خاطب القرآن الكريم الإنسان من خلال إحداث الصورة القبيحة في مخيلة الإنسان كي ينفر من بعض الأفعال الغير حسنه كما في قوله تعالى:
(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعضَ ٱلظَّنِّ إِثمٌۖ وَلَا
1) ) جامع السعادات للشيخ النراقي ج1 ص52.
تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغتَب بَّعضُكُم بَعضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُم أَن يَأكُلَ لَحمَأَخِيهِ مَيتًا فَكَرِهتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ 12)((1)).
وقد تستعين القوة العاقلة بالقوة السبعية لإخضاع وقهر كلٍّ مِن القوة البهيمية والقوة الخيالية مِن أجل استقامتهما وسيرهما على طبق الرضا الإلهي.
ومِن هنا نقول أنّ تلك التصورات التي تحدث في النفس إنّما هي من القوة الخيالية، فإذا خضعت إلى القوة العاقلة ولو بالاستعانة بالقوة السبعية فحينئذ تكون القوة المخيلة تحت اختيار القوة العاقلة وتحت تصرّفها، فلا يصدر عنها أي تصور إلا من خلال حكومة العقل.
ولو دققنا فيما ورد في القرآن من النفس المطمئنة واللوامة والأمارة بالسوء، لو جدنا أنّ ذلك التقسيم إشارة إلى النفس بحسب اختلاف أحوالها، فإذا غلبت قوتها العاقلة على الثلاث الأخر، وصارت منقادة طائعة لها، وزال اضطرابها الحاصل من منازعتها سميت تلك النفس بالمطمئنة، لسكونها حينئذ تحت الأوامر والنواهي العقلية،
1) ) سورة الحجرات الآية 12.
وإذا لم تتم غلبتها وكان بينها تنازع وتدافع، وحصل للنفس لوم وندامة عند الفعل أو بعده سميت تلك النفس باللوامة. وإذا صارت القوة العاقلة مغلوبة ومذعنة للقوى الأخرى من دون دفاع سميت النفس بالأمّارة بالسوء، لأنه لما اضمحلت قوتها العاقلة وأذعنت للقوى الشيطانية من دون مدافعة، فكأنما هي الآمرة بالسوء.
روي عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب علیه السلام أنّهقال: ( (إنّ الله عزّ وجل ركّب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل. وركّب في بني آدم كليهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شرّ من البهائم)((1)).
فهنا الحديث الشريف صرّح بالمرتبتين الأعلى والأدنى وبينهما النفس اللوامة. فصاحب النفس المطمئنة هو في مرتبة من مراتب العصمة، لأنّ أفعاله حينئذ على طبق مرضاة الله تعالى، بل قد يكون حتّى ميوله وشهواته وتصوراته واقعة تحت حكومة العقل.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
1) ) علل الشرائع للشيخ الصدوق ج1 ص4.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
فَمَا بَكَت عَلَيهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ 29((1))
الآية الكريمة تتحدث عن فرعون واتباعه لما نزل عليهم العذاب ما بكت عليهم السماء والأرض.
وفي الآية دلالة على أن غيرهم بكت عليهم السماء والأرض، ولا حاجة إلى دعوى حذف مضاف بمعنى بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض، كما في قوله تعالى: (وَس-َٔلِ ٱلقَريَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلعِيرَ ٱلَّتِيٓ أَقبَلنَا فِيهَاۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ 82). سورة يوسف الآية 180.
أي اسأل أهل القرية، لأن دعوى الحذف يحتاج الى
1) ) سورة الدخان الآية 29.
قرينة، ومن هنا نقول: إن الآية تؤخذ على ظاهرها وهو بكاء السماء نفسها والأرض كذلك، وهذا ما ورد عن اهل بيت العصمة والطهارة صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين، فلا داعي إلى تكلّف تقدير المضاف.
ولقد عرف بكاء السماء والأرض على النبي زكريا علیه السلام وكذلك الإمام الحسين علیه السلام .
ولسنا بصدد بيان بكاء الكائنات على أبي عبد الله الحسين علیه السلام فإنّه بحث يوكل إلى محله، ولكنَّنا نتحدث هنا عن بكائنا على الحسين علیه السلام باعتبارنا مأمورين به وفيه نجاتنا بل ورقينا وعلو منزلتنا عند الله تعالى.
ولقد اشتهر البكاؤون الخمسة كما في الخصال عن أبي عبد الله علیه السلام قال: البكاؤون خمسة: آدم، ويعقوب، ويوسف، وفاطمة بنت محمد، وعلي بن الحسين علیهم السلام . فأما آدم فبكى على الجنة حتى صار في خديه أمثال الأودية، وأما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره، وحتى قيل له:
(قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفتَؤُاْ تَذكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَو تَكُونَ مِنَ ٱلهَٰلِكِينَ 85).
وأما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذى به أهل السجن فقالوا له: إما أن تبكي الليل وتسكت بالنهار، وإما أن تبكي النهار وتسكت بالليل، فصالحهم على واحد منهما.
أما فاطمة فبكت على رسول الله صلى الله عليه وآله حتى تأذى بها أهل المدينة فقالوا لها: قد آذيتنا بكثرة بكائك، فكانت تخرج إلى المقابر - مقابر الشهداء - فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف.
وأما علي ابن الحسين فبكى على الحسين علیه السلام عشرين سنة أو أربعين سنة ما وضع بين يديه طعام إلا بكى حتى قال له مولى له: جعلت فداك يا ابن رسول الله إنيأخاف عليك أن تكون من الهالكين، قال: " إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله مالا تعلمون " إني ما أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك عبرة)((1)).
والروايات في فضل البكاء على الحسين علیه السلام بلغت حدّ التواتر، فمنها: ما في كامل الزيارات بسنده عن أبي عبد الله علیه السلام في حديث طويل له: (ومَن ذُكر الحسين علیه السلام عنده
1) ) الخصال للشيخ الصدوق ص272 – 273.
فخرج من عينيه من الدموع مقدار جناح ذباب، كان ثوابه على الله عز وجل، ولم يرض له بدون الجنة)((1)).
وبسنده أيضا عن علي بن الحسين صلی الله علیه و آله : من قطرت عيناه فينا قطرة ودمعت عيناه فينا دمعة، بوأه الله بها في الجنة غرفا يسكنها أحقابا.
وفي كامل الزيارات من حديث طويل عن الامام الصادق علیه السلام :(...ان الأرض والسماء لتبكي منذ قُتِلَ أمير المؤمنين علیه السلام رحمة لنا، وما بكى لنا من الملائكة أكثر وما رقأت دموع الملائكة منذ قتلنا، وما بكى أحد رحمة لنا ولما لقينا الا رحمه الله قبل ان تخرج الدمعة من عينه، فإذا سالت دموعه على خده فلو ان قطرة من دموعه سقطت في جهنم لأطفأت حرها حتى لا يوجد لها حر...)((2)).
وروي عن الامام الرضا علیه السلام أنّه قال: (من تذكرمصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلسا يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم يموت القلوب...
الحديث) ((1)).
وهنا ثلاثة أمور علينا أن نبحثها:
أولا: أنّ البكاء على الحسين هو الرقي بالمشاعر إلى مشاعر أهل البيت عليهم السلام، فلا يبكي الا من يحزن ولا يحزن إلا الذي يحس ويشعر بشيء مما جرى على أهل بيت النبوة والإمامة علیهم السلام . فأي مقام للعبد ان يرقى إلى شيء من مشاعر العصمة والطهارة.
ثانيا: إنّه المواساة لأهل البيت علیهم السلام .
ثالثا: إنّه مظهر من مظاهر محبة آل الله تعالى.
رابعا: إنّه التأسي بأهل البيت عليهم السلام.
خامسا: إنّه باب الرحمة الواسعة والثواب العظيم من الله تعالى.
ومن حُرم من تلك الدموع الطاهرة فليراجع نفسه ويحاسبها فإن جفاف الدموع بسبب كثرة الذنوب كما روي
1) ) وسائل الشيعة للحر العاملي ج14 ص502. عن المجالس وعيون الأخبار.
في علل الشرائع للشيخ الصدوق بسنده عن أمير المؤمنين علیه السلام : ما جفت الدموع إلا لقسوة القلوب، وماقست القلوب إلا لكثرة الذنوب((1)).
تأثير البكاء المعرفي يفهم من خلال نقطتين:
قوله تعالى: (وَمَا خَلَقتُ ٱلجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ 56).
ذكر في بعض الروايات يعبدون أي يعرفون، وما ذاك إلا لأن العبادة تقتضي معرفة، فإنّ العبد كلما اقترب من المولى تعالى ترشح عليه الفيض الإلهي، وكلما كان أكثر عبادة وأقرب إلى الله تعالى كلما حصل لديه الاستعداد الأفضل والأحسن لتلقي ذلك النور الإلهي، فإن العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده.
وقد يقول قائل الخلق هل هو لأجل العبادة أم لأجل المعرفة أم لأجل محبة النبي محمد وآل محمد؟
وللإجابة على هذا السؤال أقول:
1) ) علل الشرائع للشيخ الصدوق ج1 ص81.
إنّ العلل المتوالية يصح أن يُعلل بأي واحدة منها، ومثال عرفي على ذلك هو أنني لو قمت في الدار وخرجت منها وركبت السيارة ووصلت إلى السوق ودخلت محل بيع الفاكهة فإنّ هنا عللا متوالية فقيامي يصح أن أعلله بأنني أريد أن أخرج والاجابة صحيحة لو سأل سائل عن سبب قيامي، وكذلك يصح أن أُجيب بأنني أذهب للسوق وأيضا يصح أن أقول أريد الذهابإلى محل الفواكه ويصح أن أقول أيضا إنما قمت مِن أجل شراء الفاكهة.
وكذلك خلق الخلق مِن أجل العبادة والعبادة من أجل المعرفة والمعرفة من أجل محبة ومعرفة أولياء الله تعالى ومحبتهم ومعرفتهم موجبة لمعرفة الله تعالى.
ولا يتنافى ذلك مع الحديث المشهور: كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أُعرف فخلقت الخلق كي أُعرف. فإنّ معرفته تعالى بالوجه الصحيح لا تتم إلا مِن خلال معرفة مخلوقاته العظمى وهم أسماؤه الحسنى في عالم التكوين الدالين على عظمته تعالى.
ومعنى كونهم أسماء الله تعالى في عالم التكوين المراد منه أنّ دلالتهم على الله عظيمة، حيث أنّ الاسم هو الدال
على المسمى، فالكائنات دالة على الله ولكنها لا تدل على كلّ صفاته بل تدل على بعض الصفات، فمنها ما هو دال على قدرته تعالى، ومنها ما هو دال على حكمته، ومنها ما هو دال على علمه، ولكن الذي يدل على الله تعالى بكلّ صفاته العظيمة هم المعصومون الأربعة عشر صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهذا هو شأن الأسماء الدالة على المسميات.
والبكاء على أهل البيت علیهم السلام عامة والإمام الحسين خاصة مِن أعظم العبادات ومن موجبات صفاء النفوس وتلقيها للفيوضات الربانية والنفحات المحمدية العلوية الفاطمية الحسنية الحسينية.
والمحروم مَن حُرم من ذلك.
إنّ الوضوء وكذلك الغُسل أفعال خارجية لها ارتباط وثيق بطهارة النفس، وهذا من فضل علاّم الغيوب، وإلا فالعقل البشري لا يُمكنه أن يُدرك أنّ غسل تلك الأعضاء بتلك الكيفية الخاصة موجبة لطهارة النفس، فإنّ الذهن البشري لا يُمكنه أن يُدرك حقيقة هذا الارتباط بل لم
يعرف حقيقة النفس حتى يعرف ما يؤثر فيها وما لا يؤثر فيها.
فهذا البكاء على الإمام الحسين علیه السلام لا تُدرك عقولنا ارتباطه بطهارة نفوسنا واستعدادها للفيض الإلهي.
لما كان البكاء على الحسين علیه السلام له خصوصيته، بل له خصائص أُخرى كالشفاء في ترته وهي أمان في الأسفار، وكذلك استجابة الدعاء تحت قبته وعظيم ثواب زيارته، وبكاء السماء والأرض عليه، علينا أن نبين أن هذه الخصوصية والمنزلة اختصّ بها الحسين علیه السلام يُقال لها حسب مصطلح أهل العلم بالمنازل.
فعلينا أن نفرق بين المقامات والمنازل كما يذكر ذلك أهل العلم فأقول:
يُقصد بالمقام هو الأمر الذي تتصف به النفوس في مراتب كمالها وقربها من الله تعالى، وأمّا المنزلة فليست صفة للنفس وإنما هي فضيلة وشرف ومنفعة قد تعود على الشخص نفسه وقد تعود على الغير، والمنزلة أمرمفارق
مغاير للذات، وأُخذت مِن المنازل التي يمرّ بها المسافر المعروفة في عصرنا بالمحطات، بخلاف المقام فإنّه يوجب الاستقرار والدوام.
ولبيان ذلك أأخذ مثالا: فالإمام الحسين أشرف أبا وأما وجدا وجدة وأخا نسبيا من أب وأم وجد وجدة وأخ نسبي لرسول الله محمد صلی الله علیه و آله ، وهذا لا يجعل الحسين علیه السلام أفضل من النبي صلی الله علیه و آله لأنّ تلك الأمور لا ترجع إلى صفة النفس أي لا ترجع إلى علم النبي وحلمه ورأفته ورحمته وخلقه وكل صفات كماله النفسي.
ومن المنازل النبوة والرسالة، وهما وظيفتان توكلان إلى العبد المؤهل لهما، ولا يعني ذلك أنّ كل من هو مؤهل لهما لابد أن يكون نبيا أو رسولا.
وقضية الخضر علیه السلام مع موسى علیه السلام إنّ الخضر إنّما عمل بمقتضى الولاية، وموسى انطلق مِن الشرع، وهذه الولاية التي طلبها إبراهيم علیه السلام الثابتة للمعصومين الأربعة عشر علیهم السلام .
وعندما قال الله تعالى لإبراهيم علیه السلام بعد ما ابتلاه ربُّه: إنّي جاعلك للناس إماماً. قال إبراهيم: ومن ذريتي؟ قال له الله: لا ينال عهدي الظالمين، ولم يقل له: لا ينال إمامتي
الظالمين، فجاء بالعهد في الجواب من باب الاتيان بالقضية مع دليلها، فإنّه لو قال لا ينال إمامتي الظالمين، فسيقول إبراهيم لماذا؟ فيحتاج إلى جواب إنّ الإمامة عهد من الله تعالى ولا يصح أن يعهد الله تعالى إلى ظالم.فقول النبي صلی الله علیه و آله : (لا نبي بعدي) يقضي بأن لا يكون الأئمة علیهم السلام أنبياء ولا مرسلين، بمعنى أنّهم لم يُكلفوا بالقيام بدور النبي والرسول وإن كانوا أفضل من الأنبياء والرسل في مقاماتهم ما عدا نبينا محمد صلی الله علیه و آله .
وكذلك تفضيل تربة الحسين علیه السلام على غيرها وزيارته وغيرهما لا يدلّ على أفضليته على النبي صلی الله علیه و آله وباقي الأئمة علیهم السلام .
وكون السماء والأرض بكت على الحسين علیه السلام والنبي زكريا علیه السلام دما لا يدلّ على افضليتهما مقاما على بقية المعصومين، لكنّ المصلحة اقضت تميزهما بذلك، فلا شكَّ أنّه فضل ولكنَّه مِن المنازل لا المقامات، فإنّه لا يرجع إلى كمال النفوس، التي هي حقيقة المعصوم.
بينما كنت أقرأ بعض ما روي عن بيت العصمة والطهارة
حول أبي عبد الله الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام، اذهلتني عبارة، وهيجت عقلي وعاطفتي ومحبتي لأهل بيت النبوة والإمامة علیهم السلام ، عبارة لم يحتملها عقلي القاصر، وأفجعت قلبي الخائر، فلم أتمالك نفسي، ففاضت عيني دموعا، وارتعشت جوارحي كمن حُمّل ثقلاً لا يقوى عليه فليس أمام هذا الجسد إلا أن يُبدي ضَعف احتماله، وضعف قواه، ووهن عظمه، تقصر عبارتي عن وصفه، ويكلّ لساني عن بيانه، وعقلي عن احتماله، وقلمي عن أن يخطّه بيد مرتعشة.
ولكن بعد يوم مِن المعاناة، استجمعت قواي، وهدأت فورتي، فبدأت أكتب هذه الكلمات.افتح قلبك، وأعرني سمعك وعقلك، وهيأ مشاعرك وعواطفك واقرأ معي ما نقله سيد مِن سادة هذه الطائفة الحقّة، هو السيد عبد للحسين وشرف للدين، في كتابه المجالس الفاخرة في مصائب العترة الطاهرة ص72.
حاول أن تعبر الزمن وتعيش مع كلمات الصادق البارّ الأمين وكأنّك تسمع تلك الكلمات بنبراته وأنّاته، وترى مشاعره على صفحة وجهه المقدّس، وإشارات يده وقد
شدّها ليعلم الرائي أنّ الأمر عظيم، والخطب جليل.
روى ابن قولويه في الكامل بسند معتبر عن الصادق علیه السلام جاء فيه: (وكان جدي علي بن الحسين عليهما السلام إذا ذكره - يعني الحسين علیه السلام - بكى حتى تملأ عيناه لحيته، وحتى يبكي لبكائه رحمة له من رآه. وإن الملائكة الذين عند قبره ليبكون، فيبكي لبكائهم كل من في الهواء والسماء، وما من باك يبكيه إلا وقد وصل فاطمة وأسعدها، ووصل رسول الله صلى الله عليه وآله، وأدى حقنا...الحديث.
ليس الذي افجعني هو بُكاء زين العابدين علیه السلام ، ولا كثرة دموعه التي تملأ لحيته، وإن كان الأمر جليلا وعجيبا، دقق في قوله تملأ لحيته ولم يقل يسيل على لحيته فقط.
ولا حالة سيد الساجدين التي مَن رآه عليها رقّ لحاله وبكى لبكائه، وهذه الصورة للإمام السجّاد وإن كانت مُفجعة إلا أنني قد اتعقل المبرر لها، والمسوّغ لإبرازها، والداعي لظهورها.
وليس الأمر الذي أذهلني بُكاء الملائكة الذين عندقبره، وعند بُكائهم يبكي لبكائهم كلّ مَن في الهواء والسماء أي
الملأ الأعلى وعالم الملكوت، وإن كان هذا الأمر يهزّ المشاعر ويُهيّج العواطف ويُذهل العقول إلا أنني أجد ذلك مبرَّراً. كيف؟!!! وقد أُفجع به قلب محمد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء.
وليس الأمر الذي لم احتمله هو أن يكون البكاء على سيد الشهداء صلة وسروراً لفاطمة وأبيها صلوات الله عليهما وآلهما، فإنّ عظيم لطفهما وإحسانهما ورأفتهما ورحمتهما وكرمهما وَجُودِهما يفيض على أتباعهما بقبول الأيسر مِن اليسير والأقل مِن القليل كي يجعلاه بعظيم خلقهما محلاً لرضاهما ورضاهما رضا الله تعالى.
ولكنّ الذي قضّ مضجعي، وفضح مشاعري، وأوقف عقلي، عبارة:
(أدَّى حقَّنا)
الله أكبر، ما أعظمها مِن كلمة قد تكون خفيفة على اللسان ولكنّها ثقيلة في الميزان العقلي، وليس كلّ ميزان يزن أيّ شيء، فهناك موازين صغيره وأخرى كبيره.
أيها السنام الأعظم، أيها الصراط الأقوم، أيها الصادق البارّ الأمين وحجة الله على العالمين، رفقاً رفقاً بمولاكم.
مولاكم عليه أن يستفهم ويسأل بقدر ما يعلم مِن ادب، ولا يجب عليكم الجواب أبداً، لأنّه مِنّة منكم وقد قالباريكم:
(هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمنُن أَو أَمسِك بِغَيرِ حِسَابٖ 39) ((1)).
أعطاكم الله الحق وخيَّركم بين الإمساك والمن على مواليكم.
فلقد وجدنا في الكافي الشريف للشيخ الكليني ج1 ص210: بسنده عن الوشاء قال: سألت الرضا علیه السلام فقلت له: جعلت فداك "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"؟ فقال: "نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون، قلت: فأنتم المسؤولون ونحن السائلون؟ قال: نعم، قلت: حقا علينا أن نسألكم؟ قال: نعم، قلت: حقا عليكم أن تجيبونا؟ قال: لا. ذاك إلينا إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل، أما تسمع قول الله تبارك وتعالى:"هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب".
أجلس منحنياً مطأطئاً رأسي حياءاً وخجلاً بين يديك، وخافضاً لصوتي في حضرتك، فأذن لي يا مولاي بهذه
1) ) من سورة ص.
الكلمات، وهي عبارة عن تساؤلات مَن لا يعلم، ومَن قرينه الجهل الذي لا ينفكّ عنه وكأنّه اتحد معه.
أيّ حقّ يوفيه بعض قطرات مِن الدمع؟
هل الحقّ الذي لكم على الخلائق لكون الله تعالى خلق الخلق مِن أجلكم فكانت لكم المنة على وجود الخلق حيث روينا عنكم في حديث الكساء قول الله تعالى:
(يَا مَلآئِكَتِي وَيَا سُكَّانَ سَموَاتِي، إِنِّي مَا خَلَقْتُ سَمَاءً مَبْنِيَّةً، وَلاَ أَرْضاً مَدْحِيَّةً، وَلاَ قَمَراً مُنِيْراً، وَلاَ شَمْساًمُضِيْئَةً وَلاَ فَلَكَاً يَدُورُ، وَلاَ بَحْراً يَجْرِي، وَلاَ فُلْكاً يَسْرِي إِلاَّ فِي مَحَبَّةِ هؤُلآءِ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ هُمْ تَحْتَ الْكِسَاءِ).
ما لا أفهمه يا مولاي أن تكون نعمة الوجود توفّى بدمعة.
وهل الحق الذي أردتموه هو أنّكم بذلتم أجسادكم وأزهقتم أرواحكم وأيتمتم عيالكم وقُتلتم وسُحقتم بحوافر الخيل وحتى أطفالكم وفلذات أكبادكم بل وحتى سُبيت نساؤكم وهتكت أعراضكم، وشَمُت بأعراضكم كل دني وخسيس؟!!!
أهذا كلّه الذي فعلتموه مِن أجل وصول هداية إلينا لم
نأخذ بها كلّها ولم نتمسّك إلا بقليلها، ولم نحرص عليه أشدّ الحرص.
أتريدني يا مولاي أن أتعقل أنني إذا بكيت أكون ممن أدّى حقّكم؟!!!!
لا والله. لو ازهقنا نفوسنا ونساءنا واولادنا ما أدينا شيئاً مِن حقِّكم.
ماذا أعدد مِن حقّكم؟!!!
ما فعله النبي الأعظم وما لاقاه مِن أذى حتّى قال: ما أوذي نبي كما أوذيت؟
وما فعله أمير المؤمنين وما لاقاه مِن متاعب وإحن حتى تمنّى الموت؟
وما فعلته الزهراء فاطمة وأبناؤها وما لاقت وفلذات كبدها مِن مصائب يشيب عند سماعها الصغير ويهرم الكبير.
يا مولاي: لو كانت البحار مداداً والأشجار أقلاماواجتمع الإنس والجنّ والملائكة كتّابا على أن يُحصوا حقّكم علينا ما أحصوه.
نعم يا مولاي: إذا نظرت إلى قول الله تعالى:
(وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ 4)((1)).
وقوله تعالى:
(لَقَد جَآءَكُم رَسُولٌ مِّن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِٱلمُؤمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ 128)((2)).
وتجلَّى لي شيء مِن عظيم أخلاقكم ورأفتكم ورحمتكم، سأقف عاجزاً عن إدراك تلك العظمة، وكيف؟ والله العظيم تعالى وصفها بالعظمة.
آخر القول يا مولاي أنّ خُلقكم ورأفتكم ورحمتكم لا يُدرِك مداها إلا خالقكم سبحانه وتعالى، ولذا تعتبرون الدمعة تأدية لحقكم، ومَن يقوى على عظيم رأفتكم ورحمتكم وخلقكم غير باريكم!!!.
لكنّني أقطع جازماً مؤيَّداً بالروايات عنكم، أنّ ذلك البُكاء لا بُدّ أن يكون صادراً مِن مؤمن عارف معترف بحقِّكم بالقدر الميسور لعامة الخلق، فلا يكون البكاء موجباً لذلك إلا إذا صدر عن محبة لكم وتعظيم لشأنكم
ومعرفة بحرماتكم، نعم قد ينتفع حتى غير المؤمن ببكائه ولكن لا يعني ذلك أنّه يدخل الجنة فضلا عن بلوغه الغاية مِن رضاكم.
اعتذر يا مولاي على إطالة الحديث بين أيديكم النديّة وفي محضركم المقدّس، والذي دعاني لذلك هو أنس المولى بخطاب مولاه، فإنّ الله تعالى سأل موسى علیه السلام :
(وَمَا تِلكَ بِيَمِينِكَ يَٰمُوسَىٰ 17)((1)).
فما كان مِن موسى إلا أن يُطيل الجواب لأنّ فرصة الخطاب ولذّته والأنس به مع مولاه دعاه إلى قول:
(قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَ-َٔارِبُ أُخرَىٰ 18)((2)).
سيدي ومولاي: أسلم عليك سَلامَ مُوَدِّع لا قال وَلا سَئِم، فَاِنْ اَنْصَرِفْ فَلا عَنْ مَلالَة، يا مَوْلايَ لا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنّي لِمخاطبتك، وَرَزَقَنِيَ الْعَوْدَ اِلَيْكَ وَالْمَقامَ بين يديك وَالْكَوْنَ فِي ساحة قدسك آمينَ رَبَّ الْعالَمينَ.
مولاك
«بِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
الحمد لله الذي انار قلوب المؤمنين بمحبة أوليائه، وكرّم عيون المخلصين بسُحب الدموع على أصفيائه، وشكر تلك الأرجل الساعية في زيارة نجبائه، واثاب تلك الأيدي التي قامت على خدمة ونصرة أحبائه.
والصلاة والسلام على من قُتلت في شهر محرم الحرام ذريته، وسبيت نساؤه، وهتك عرضه وشرفه وناموسه، وعلى آله الأخيار الأئمة الابرار المشردين في البلدان، الغريبين عن الاوطان، الباكية عليهم السماوات السبع والأرضون وما فيهن وما بينهن بصرخات مدوية صداها يتجدد كل عام تسمعها البصائر وتعيها العقول وتلهج بها
الألسن، إنها:
يا حسين، يا حسين، ياحسين.
وبعد:
إن الحديث عن أمر قد أفجع أعظم قلب لأعظم مخلوق من الصعب المستصعب بل هو الأصعب على الاطلاق، وإذا ما عرفنا أن قلب ذلك العظيم هو خزانة أسرار الله وعيبة علمه، وان ذلك الوجه الجليل الحزينهو الذي يتوجه إليه الأولياء فكان وجه الله تعالى الذي يرضى لرضاه ويغضب لغضبه.
إن مَن سبه فقد سب الله ومن حاربه فقد حارب الله ومن آذاه فقد آذى الله ومن... فقد... ومن... فقد... عذرا أيها المؤمنون الغيارى لا يقوى البنان أن يخط ما يجول في خطرات الأذهان ولا هو قادر على أن يُفصح عما يجيش في الوجدان، ولا هو يستطيع أن يرسم الدماء المفجوعة المتدفقة كالفوران، كما أنه يرفق بهذا القلب المريض كي لا ينخلع عن مقره وتنتهي نبضاته الحسينية وصرخاته الزينبية حسرة وألماً وتأسفاً وتفجعاً، مع أن بعض العقول لا تقوى على إدراك مقامات الأصفياء ومنازل الأولياء.
لذلك ولغيره سأتحدث شارحا لحديث من أحاديث أهل بيت العصمة والطهارة، وهو نور ممتد عبر العصور ينير الدرب، ويحيي القلب، ويهدي العقل إلى شيء من مقام مولى المؤمنين وقبلة المحبين الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه.
والحديث صعب مستصعب، والوليجة فيه تجعل العبد في رهبة، ولا يجد عقله إلا قاصرا عن أن ينبت ببنت شفه، ولكن التمسك بحبل الحسين علیه السلام والاستلهام منه والتعويل على ما يضفيه على محبيه هو الذي يجعل عند العبد جرأة في أن يخوض غمار تلك الأنوار الساطعة، منهم وإليهم.
بادئ بدء أذكر الرواية بطولها ثم اتحدث عن فصولها.عن الريان بن شبيب، قال: (دخلت على الرضا علیه السلام في أول يوم من المحرم، فقال لي: يا بن شبيب، أصائم أنت؟ فقلت: لا. فقال: إن هذا اليوم هو اليوم الذي دعا فيه زكريا علیه السلام ربه عز وجل، فقال: (رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) فاستجاب ربه، وأمر الملائكة فنادت زكريا وهو قائم يصلي في المحراب: (أن الله يبشرك بيحيى) فمن صام هذا اليوم ثم دعا الله عز وجل
استجاب الله له، كما استجاب لزكريا علیه السلام .
ثم قال: يا بن شبيب، إن المحرم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرمون فيه الظلم والقتال لحرمته، فما عرفت هذه الأمة حرمة شهرها ولا حرمة نبيها (صلى الله عليه وآله)، لقد قتلوا في هذا الشهر ذريته، وسبوا نساءه، وانتهبوا ثقله، فلا غفر الله لهم ذلك أبدا.
يا بن شبيب، إن كنت باكيا لشيء، فابك للحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام ، فإنه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلا ما لهم في الأرض شبيه، ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله، ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره فوجدوه قد قتل، فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم القائم، فيكونون من أنصاره، وشعارهم: يا لثارات الحسين.
يا بن شبيب، لقد حدثني أبي، عن أبيه، عن جده علیه السلام : أنه لما قتل جدي الحسين (صلوات الله عليه)، مطرت السماء دما وترابا أحمر.يا بن شبيب، إن بكيت على الحسين علیه السلام حتى تصير دموعك على خديك غفر الله لك كل ذنب أذنبته، صغيرا
كان أو كبيرا، قليلا كان أو كثيرا.
يا بن شبيب، إن سرك أن تلقى الله عز وجل ولا ذنب عليك، فزر الحسين علیه السلام .
يا بن شبيب، إن سرك أن تسكن الغرف المبنية في الجنة مع النبي وآله (صلوات الله عليهم)، فالعن قتلة الحسين.
يا بن شبيب، إن سرك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمن استشهد مع الحسين علیه السلام فقل متى ما ذكرته: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما.
يا بن شبيب، إن سرك أن تكون معنا في الدرجات العلى من الجنان، فاحزن لحزننا وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا، فلو أن رجلا تولى حجرا لحشره الله معه يوم القيامة).
عن الريان بن شبيب، قال: (دخلت على الرضا علیه السلام في أول يوم من المحرم، فقال لي: يا بن شبيب، أصائم أنت؟ فقلت: لا. فقال: إن هذا اليوم هو اليوم الذي دعا فيه زكريا علیه السلام ربه عز وجل، فقال: (رب هب لي من لدنك
ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) فاستجاب ربه، وأمر الملائكة فنادت زكريا وهو قائم يصلي في المحراب: (أن الله يبشرك بيحيى) فمن صام هذا اليوم ثم دعا الله عز وجل استجاب الله له، كما استجاب لزكريا علیه السلام ...).إن الدعوة لصيام أول يوم من أيام شهر محرم يظهر منها التوجيه لقيام العبد باستعداد من الاستعدادات لليوم الأعظم وهو يوم العاشر من المحرم الحرام، وبذلك قد هيأ العبد نفسه لمعايشة تلك الايام والانسجام مع حزنها العميق.
والصيام له دور كبير وبارز في تهذيب النفس وترويضها وإبراز احاسيسها، وهو من أفضل الرياضات العائدة على النفس والجسد بالصحة والعافية.
ونتحدث هنا عن ارتباط الصيام بأيام الحزن على أهل البيت عليهم السلام من محورين:
الأول: من حيث كون الصيام عبادة.
فإن العبادة لها دور كبير في صقل النفس وتهييج احاسيسها، فكما أن الذنوب تقسي القلب وتكون سببا في جفاف الدموع، فإن الطاعات سبب في رقة القلب وكثرة الدموع.
روي عن أمير المؤمنين علیه السلام أنه قال: (ما جفت الدموع إلا لقسوة القلوب، وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب).
وروي عن الامام الصادق علیه السلام أنه قال: (أوحى الله عز وجل إلى موسى علیه السلام : يا موسى، لا تفرح بكثرة المال، ولا تدع ذكري على كل حال، فإن كثرة المال تنسي الذنوب، وان ترك ذكري يقسي القلوب).
ومن هنا اقول على العبد كي يتهيأ لأيام محرم الحرام الاجتناب عن المعاصي كما عليه أن يكثر من طاعاته وقرباته فإنها سبب عظيم من اسباب التوفيق لإحياء أمر محمد واله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.الثاني: من حيث كون الصيام فعل خاص.
نجد أن الصائم يعطش ويجوع ويمتنع عن بعض الملذات وهذا ما يجعل عنده الشعور الحقيقي بعطش الامام المظلوم وأهل بيته وأصحابه عليه وعليهم السلام، كما هو ايضاً من موجبات الاحساس بما يعنيه المظلوم والمحروم، وليس الامر مقتصرا فقط على التذكر كمعلومة، بل يعيش شيئا من الاحساس بها، وفرق كبير بين معايشة شيء وبين مجرد تصوره عند العباد امثالنا.
وأما ربط أول يوم بالنبي زكريا وابنه يحيى عليهما السلام ففيه إشارة واضحة بتهيئة العبد لمصاب أبي عبدالله علیه السلام ، فإن يحيى بن زكريا عليهما السلام مصيبته عظيمة جليلة وتذكرها يرقق القلب ويتفاعل معها كل ذي حس وشعور.
وأي صاحب إنسانية لا يتفجع وهو يستمع إلى مَن عايش واقعة كربلاء وما بعد الواقعة الإمام الأسير زين العابدين علیه السلام وهو يقول: من هوان الدنيا على الله تعالى أن يحيى بن زكريا أهدي رأسه إلى بغي في طست...).
ربط أهل البيت علیهم السلام مصاب الحسين علیه السلام بمصاب يحيى علیه السلام ، فكما أن المعزى في يحيى هو أبوه زكريا، فكذلك المعزى في الحسين امه وابوه وجده رسول الله صلی الله علیه و آله .
وإذا كان في اول يوم نزلت على زكريا البشارة بهبة الله تعالى يحيى الذبيح الموهوب لبغي، فإن هذه الأيام هي ايام ذبيح محمد صلى الله عليه واله واهدي ايضا لبغي في طست، وفاق مصابه ذلك المصاب.فما أهون الدنيا عند الله عزّ وجلّ.
وإنّ مصابا كمصابنا بأبي عبد الله علیه السلام نحتاج أن نتهيأ له تهيؤاً إلاهياً قُربياً، فإن العبد إذا قرب من الحق تعالى انعكس عليه نور محبة الحسين علیه السلام فيناله منها بقدر استعداده وقابليته.
فارتقاء العبد بالشعور والاحساس إلى تلك المرتبة العالية فيعايش شيئا من احاسيس سادته ومواليه، لا شك انه يحتاج الى رقي ورفعة ولا تنال إلا بالطاعة التي خطها ورسم طريقها محمد واله الطيبين الطاهرين المعصومين.
وما قد يتوهم من أن البكاء على الحسين علیه السلام غفران للذنوب فكيف يتوقف على تركها؟
فإن الجواب واضح بان العبد اذا تاب احتاج الى عمل صالح كي يمحو الذنوب السابقة، وهل هناك عمل صالح افضل من البكاء على الحسين علیه السلام والمشاركة في خدمته وخدمة خدمه!!!.
قال تعالى:
(وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا ثُمَّ ٱهتَدَىٰ 82)((1)).
1) ) من سورة طه.
وإذا تاب المؤمن وخدم الحسين علیه السلام أو بكاه فإنَّه يهتدي إلى هدايات عظيمة جليلة، وكم باب من ابواب المعرفةفتح على مصراعيه تحت منبر ابي عبد الله الحسين صلوات الله وسلامه عليه.
جعلنا الله محلا لفيض هداية الحسين صلوات الله وسلامه عليه.
ثم قال: (يا بن شبيب، إن المحرم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرمون فيه الظلم والقتال لحرمته، فما عرفت هذه الأمة حرمة شهرها ولا حرمة نبيها (صلى الله عليه وآله)، لقد قتلوا في هذا الشهر ذريته، وسبوا نساءه، وانتهبوا ثقله، فلا غفر الله لهم ذلك أبدا).
إن الجاهلية الماضية كانت تحرم امرين في شهر محرم الحرام، كانت تحرم القتال ولو بحق، وتحرم الظلم فيه ايضا، ولكن الجاهلية التي حدثت من بعد وفاة النبي الاعظم صلى الله عليه واله تخلفت عن تلك الجاهلية واصبحت اسوء من الجاهلية الجهلاء، فاستباحت الظلم والقتل.
ولم تستبح حرمات الشهر فقط بل لم ترع حرمة لرسول الله صلی الله علیه و آله ، فقتلوا ذريته، وسبوا نساءه، وانتهبوا ثقله، فجاروا على سيدهم، والجاهلية إذا ارادت ان تظلم فلا تظلم سيدها، لكن هذه الامة جارت على سيدها ومولاها ومن انقذهم من ظلمات الجهل الى نور العلم والمعرفة.
قالت الزهراءعلیها السلام في خطبتها المشهورة: (كنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب ونهزة الطامع وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام تشربون الطرق وتقتاتون القدأذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد صلى الله عليه وآله).
ثم يدعوا الامام علیه السلام عليهم بأن لا يغفر لهم ابدا، في مقام اللعن والطرد من رحمة الله تعالى، وإنما عدل عن لفظ اللعن إلى معناه كي لا يُفهم أن اللعن هنا مجرّد إظهار التبري منهم، بل اراد الدعاء عليهم. ودعاء المعصوم مستجاب، فلا يتوهم متوهم أن البعض قد ندم وتاب فقد يغفر الله له ذلك الذنب العظيم، لأنا نقول إن دعاء الامام عليهم يقتضي عدم المغفرة لهم ابداً، وان تحققت التوبة المزعومة.
والدعاء هنا ليس مقصورا على القاتل بل كل من شرك في ظلمهم عليهم السلام في واقعة الطف وما استتبعها من سلب وسبي، فلا تصح دعوى بعض النواصب المنتسبين الى المذهب ظلماً وزراً بأن القاتل للحسين علیه السلام ليس شمرا حتى تتناولوه باللعن، مدافعا عن شمر اللعن، واي سوء أعظم من هذا، وهؤلاء أقبح حالا من عامة المخالفين، لأن مثل الوهابية من المخالفين امتدحوا يزيدا وبرأوه من قتل الحسين علیه السلام ولعنوا قاتليه ومن سبى اهل بيته.
كما ان في دعاء الامام الرضا علیه السلام على ظالمي اهل البيت بيان لمن تشبث بمقولة منسوبة إلى الامام الحسين علیه السلام وهي: أبكي لهؤلاء القوم الذين يدخلون النار بسببي.
وهذا يجاب عنه بأمور:
الاول: لم يثبت لهذا القول سند، والعجب ممن تشبثبهذه المقولة وهو ممن يضعف بلا هوادة، ولم يصحح الصحيح ويتشبث بمثل هذا.
الثاني: نحن نقبل هذا الكلام باعتبار أنه صدر قبل اقدامهم على قتله وسبي نسائه فهو يريد لهم الخير والهداية كما كان جده المصطفى صلى الله عليه واله بعث
من اجل هداية الناس. وبعد فعلتهم استحقوا اللعن الابدي.
الثالث: هذا القائل لماذا ترك قول الحسين علیه السلام : (اللهم أمسك عنهم قطر السماء وامنعهم بركات الأرض اللهم فإن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقا واجعلهم طرائق قددا ولا ترض عنهم الولاة أبدا فإنهم دعونا لينصرونا فعدوا علينا فقتلونا).
فانتقى ما يناسب فهمه السقيم، وقلبه المريض وترك ما هو حجة عليه.
الرابع: الله سبحانه وتعالى وصف حبيبه في كتابه العزيز بالرؤوف الرحيم، ولم يُطلق القول بل قيده بالمؤمنين فقال:
(لَقَد جَآءَكُم رَسُولٌ مِّن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِٱلمُؤمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ 128)((1)).
فلا يكون الإمام الحسين علیه السلام رؤوفاً رحيماً الا بالمؤمنين دون غيرهم.
الخامس: قال تعالى:
(لَّا تَجِدُ قَومًا يُؤمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱليَومِ ٱلأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَن حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥوَلَو كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُم أَو أَبنَآءَهُم أَو إِخوَٰنَهُم أَو عَشِيرَتَهُمۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي
1) ) من سورة التوبة.
قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنهُۖ وَيُدخِلُهُم جَنَّٰتٖ تَجرِي مِن تَحتِهَا ٱلأَنهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنهُم وَرَضُواْ عَنهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلمُفلِحُونَ 22)((1)).
فإذا نهانا الله تعالى عن مودّة مَنْ حادَّ الله ورسوله ولو كانوا آباءنا فكيف نتصور في المعصوم مودتهم.
ونكتفي بهذه الاشارات فإن الادلّة بالمئات من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة.
قول الامام الرضا علیه السلام : (يا بن شبيب، إن كنت باكيا لشيء، فابك للحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام ، فإنه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلا ما لهم في الأرض شبيه، ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله، ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره فوجدوه قد قتل، فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم القائم، فيكونون من أنصاره، وشعارهم: يا لثارات الحسين.
1) ) من سورة المجادلة.
يا بن شبيب، لقد حدثني أبي، عن أبيه، عن جده علیه السلام : أنه لما قتل جدي الحسين (صلوات الله عليه)، مطرتالسماء دما وترابا أحمر).
إن هذه الكلمات العظيمة الجليلة قد اشتملت على امور عدة منها:
فالبكاء على الحسين علیه السلام من الامور المشروعة التي حث اهل البيت عليها كثيرا، ولقد بكاه الانبياء والمرسلون والائمة الطاهرون، ولم يُقيّد البكاء الراجح بقدر معيّن او كيفية معينة أو ان يكون حضاريا - كما يدعي البعض – بل وردت الروايات مطلقة في مشروعيته وندبه، بل صرّحت بعض الروايات بالصراخ والعويل والضجيج ومن ذلك ما في دعاء الندبة:
(فعلى الأطائب من أهل بيت محمد وعلي صلى الله عليهما والهما، فليبك الباكون، وإياهم فليندب النادبون، ولمثلهم فلتذرف الدموع، وليصرخ الصارخون، ويضج الضاجون، ويعج العاجون).
عجّ: صاح ورفع صوته.
وهنا في دعاء الندبة اشارة لطيفة وهي: أن في الدعاء التعبير بالصارخين والضاجين والعاجين، فهل يتساوى الأمر لو عبر بدل ذلك بالمؤمنين أو الناس فيقال مثلا: وليصرخ المؤمنون، ويضجوا؟
طبعا لا يتساوى التعبيران لأنه أريد من المؤمن ليس فقط أن يصرخ بل يُعرف ويتصف بالصراخ ويصرخفي مصاب اهل بيت محمد وعلي صلى الله عليهما وآلهما، كما انه ينبغي له ان يتصف بكونه من الضاجين والعاجين في مصاب اهل البيت عليهم السلام، وليس المراد احداث ذلك فقط.
فلا يُلتفت لمن يطلب من الناس ان يكون بكاؤهم خفيفا حضاريا، فإن هذه الدعاوى مجانبة للصواب وبعيدة كل البعد عن هدى محمد واله الطاهرين، بل هي انفاس موروثة ممن منع الزهراء عليها السلام من البكاء على ابيها وطالبوها بالتخفيف، وبهذا يطالب شيعة الزهراء عليها السلام.
إن توجيه العاطفة نحو الحسين علیه السلام وصرفها عن غيره من أعظم التربيات التي حث عليها أهل بيت العصمة والطهارة، ولذا جعل مصاب الحسين علیه السلام سلوة لكل صاحب مصاب، ولعل من هذا ما تعارف بين المؤمنين من ذكر مصاب أهل البيت عليهم السلام عند فقد عزيز كي تنصرف العاطفة نحو الحسين علیه السلام فإنه الاجدر والأحق بتلك الدموع، وكما قال الامام الرضا في الرواية: (إن كنت باكيا لشيء، فابك للحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام ).
يذكر الامام الرضا علیه السلام أن الموجب لأولوية البكاء على الحسين علیه السلام أمور وذكر منها:1- إنه ذبح كما يذبح الكبش.
2- قتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلا ما لهم في الأرض شبيه.
3- لقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله.
4- لقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره
فوجدوه قد قتل، فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم القائم.
وهذه الأمور الأربعة يطول الحديث حولها، ولكن يكفي أن نلتفت إلى أن مصيبة الإمام الحسين علیه السلام تفوق المصائب في كيفيتها المادية، كما أنها في كيفها المعنوي تفوق كل المصائب فإن المقتول هو عيبة علم الله وخزانة أسراره وحجَّته على خلقه، ابن بنت رسول الله، والمسبي عرض رسول الله صلی الله علیه و آله ، والمسلوب هم ايتامه صلی الله علیه و آله .
فمن يجرؤ على مقارنة نفسه او عرضه او أيتامه بنفس رسول الله وعرضه وأيتامه؟!!!
كما ينبغي التنويه على أن بكاء السماوات السبع والأرضين، ونزول أربعة آلاف من الملائكة وهم عند قبر الحسين علیه السلام شعث غبر يكشف ذلك بطريق الإن أن المصاب عند الله تعالى عظيم وجليل لا يمكن ادراكه وإنما تمت الاشارة الى عظمته من خلال بعض الآثار التي فعلها الله تبارك وتعالى.
الروايات بينت أن السماء بكت دماً على الحسين علیه السلام ،
وبكت الارض دماً حتى ما رفع حجر الا ووجد تحته دم عبيط.
ولكن هذه الرواية بينت أن السماء قد امطرت ليس دما فقط بل أمطرت ترابا أحمر أيضاً.
وإنكار البعض ذلك تبعا للمخالفين لا يضير المؤمن في تشبثه بأحاديث اهل البيت صلی الله علیه و آله .
كما أن دعوى أن ذلك لو حدث لتناقله الناس في تاريخهم ليست دعوى مبتنية على حجة شرعية ولا منطق عقلي، فإن مثل هذه الحوادث يفسرها الناس على ان الرياح مرت على مكان فيه اتربة حمراء، وان المطر قد تلوث بتلك التربة لذا نرى تلون المطر باللون الاحمر، والاتربة بسبب نقل الرياح لتلك الاتربة.
ولكن عندما يأتينا خبر عن أهل بيت العصمة والطهارة بأن هذه الظاهرة انما هي بكاء السماء فلابد ان نسلم ونعتقد بها ونترك التفسير المادي.
على أن التاريخ قد ذكر هذ القضية فهذه وثيقة تاريخية تؤكد هذه الحقيقة:-
فقد جاء في كتاب (وقائع عصر الأنغلو ساكسون) الذي
ترجمه ونقّحه ميشيل اسوانتون (MICHAEL SWANTON) وصدر في بريطانيا عام 1996 للميلاد وأعيد طبعه ثانية من قبل جامعة اكستر (Exeter) في ولاية نيويورك الأميركية عام 1998 للميلاد، جاء في الصفحة 38 من هذا الكتاب ما نصّه:
) Here in 685 Britain there was Bloody rain, and milk and butter were turned toblood)
ومعناه: (في عام 685 - للميلاد - هنا في بريطانيا مطرت السماء دماً وتحوّل الحليب والزبدة إلى دم أو صار لونهما أحمر).
وعند مقارنة هذه السنة الميلادية (685) مع السنين الهجرية نجد أنها تطابق سنة 61 للهجرة وهي السنة التي استشهد فيها مولانا أبو الأحرار الإمام الحسين وأهل بيته الأطهار وأصحابه الأخيار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ولسنا بحاجة إلى قول هذا القائل وغيره وانما اوردناه لمجرد انس بعض المؤمنين بذلك. فليس بعد كلام اهل البيت كلام. بل إن القرآن اشار إلى وقوع هذا بقوله تعالى:
(فَمَا بَكَت عَلَيهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ 29)((1)).
فالآية تشير الى ان المعنيين ليسوا من اهل الصلاح حتى تبكي عليهم السماء.
كما لا ينبغي الالتفات إلى ما يدعيه بعض المنحرفين مِنْ أنَّ بكاء السماء كان معنويَّاً وليس مادياً، بعد قيام الحجة الواضحة بكونه دماً عبيطاً.
لقد ورد في جملة من الروايات - ومنها هذه الرواية- أن شعار (يا لثارات الحسين) هو شعار اتخذته الملائكةالتي حول قبر الحسين علیه السلام ، كما أنه شعار يرفعه الامام الحجة الغائب عجل الله تعالى فرجه الشريف.
فلا يُلتفت إلى من يطبل ويزمر في بعض الفضائيات بإنكار ذلك الشعار المقدس، ويدلك على عظيم جهله او شدة خبثه أو الامرين معاً أنَّه فسَّر الثأر بمعنى المظلومية لا الأخذ بحق المظلوم، لأنه يرى بذوقه السقيم وفكره العليل أن الأخذ بالثأر ليس من الصفات الحسنة مع تواتر
1) ) من سورة الدخان.
الروايات في الأخذ بالثأر.
أعادنا الله تعالى من جهل الجاهلين وعناد المعاندين وضلال الضالين المضلين، وفساد المفسدين.
روي عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال:
(مَنْ أتى قبر الحسين علیه السلام ماشياً
كتب الله له بكلِّ خطوة ألف حسنة
ومحا عنه ألف سيئة
ورفع له ألف درجة).
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
إليك يا مولاي يا أبا عبد الله الحسين.
أرفع يدي بكل حياء سائلك أن تكتبني من خدامك وعبيدك..
أتألم يا مولاي وأنا أرى المؤمنين يقومون بخدمتك وأنا لا أقوى على شيء، سوى دموع الحسرة والفقر والفاقة واليتم يا مولاي.
ابكي يا مولاي وأنا اسمع بعض من يشترطون في خدمتك شروطاً وكأنّهم استغنوا بسبب كثرة خدمتهم لك وأنا الذي يسمع ويتحسر ويتألم ويبكي ولا يجد سبيلاً إلى خدمتك ووصالك يشفي غليلي ويريح بالي ويفرح فؤادي ويؤنس مضجعي وسهادي.
اتحدث اليك يا مولاي عبر هذه السطور وأنت أعلم بحالي، فهل من سبيل إلى عظيم شرف خدمتك، وإني على يقين بأن ما أطلبه تتطلع اليه الأنبياء والرسل والملائكة المقربون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فهل يجدون شرفاً أعظم من خدمتك ووصالك يامولاي!!!
سألتكم زهوق روحي بحبكم، وألبستني أمك الزهراء فاطمة رداء حزنها، ولا زلت انتظر وعدكم، فإن وعدكم الصدق وأنتم لا تخلفون الميعاد، وأنتم الكاظمون الغيظ والعافون عن الناس كما أنتم المحسنون، فعبيدك يا مولاي يدعوك إن كنت غاضباً فاكظم غيظك فإن الله يحب الكاظمين الغيض، فأرجو عفوك عفوك عفوك يامولاي، كما اتطلع إلى رحمتك ورأفتك واطمع في إحسانك ياسيدي.
سأبقى أطرق أعتابكم فلا جرأة لي أكثر تخولني إلى طرق بابكم وهو المفتوح للسائلين وملاذ الفقراء والمساكين ومأوى اليتامى والمحرومين.
عبيدك المتجرئ على مخاطبتكم
المتشرف بكونه سمي ابيك
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
الحمد لله الذي هدى العباد الى اوليائه، وافاض عليهم محبة اصفيائه، وجعل عظيم الاجر في السعي الى احبائه، واعتبر زيارتهم زيارة له في عرشه. والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف انبيائه ورسله السيد الاعظم محمد وعلى اله حجج الله على بريته، وانصار دينه، الذين من احبهم فقد احب الله ومن جفاهم فقد جفى الله ومن تمسك بهم فقد تمسك بحبل الله المتين وصراطه المستقيم. واللعن الدائم المؤبد على اعدائهم ومنكري فضائلهم والمستخفين بشعائرهم من الاولين والآخرين.
وبعد:
ان الكثير من الروايات المروية عن اهل بيت العصمة والطهارة صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين تنص على ان اخر الزمان تكثر فيه التشكيكات ويخرج من هذا الدين القويم جل اتباعه، ويكثر المدعون للباطل فينحرف الناس لاتباعهم اهل الضلال فيضلون الطريقالقويم والصراط المستقيم.
لقد ابتلينا في زماننا هذا بكثرة التشكيكات وعمومها، فلا تكاد تجد شعيرة تخص منزلة من منازل اهل بيت العصمة والطهارة الا وقد نالتها ألسنة التشكيك والطعن والتضليل، لمرض كان أو عن غرض.
ومن تلك الشعائر التي لم ترق للبعض المشي الى زيارة مراقد المعصومين عليهم السلام، بدعوى عدم مشروعية المشي الى اهل البيت عليهم السلام بعنوانه الاولي تارة، وبعنوان ثانوي تارة اخرى، ومن تلك العناوين الثانوية المدعاة ان بعض من يمشي قد يرتكب بعض المحرمات، وبهذا الوجه الشيطاني السخيف يلزم على القائل ان يحرّم جل العبادات، ففي الحج، والصلاة جماعة، ومجالس الحسين علیه السلام ، ومطلق الزيارات وغيرها الكثير من العبادات
يرد هذا، اذ يمكن ان يرتكب البعض محرماً فيها، ألا يكشف لك هذا عن ارادة شديدة حقيرة وهدف خبيث في ابعاد الناس عن اهل بيت العصمة والطهارة صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين.
مع ان المشي على الأقدام وقطع المسافات الطويلة لزيارة مراقد أهل البيت علیهم السلام من أعظم القربات، ومن يوفّق لها فقد وفّق لأمر عظيم، وهذا الأمر يكفي فيه أنّه نوع من التعبير عن المحبّة الخالصة، وأنّ أقل ما لأهل البيت علیهم السلام علينا من حقّ هو أن نسعى لهم سعياً على الرأس لا سعياً على القدم فقط، وهو تعبير عن الولاء يحمل في طيّاته المشقة التي تجعله من أفضل الأعمالحيث ورد عنهم علیه السلام : (أفضل الأعمال أحمزها)((1))، وهذا لعمري يدركه ويتيقن به كلّ مؤمن؛ لأنّ محبّته وولاءه لأهل بيت العصمة والطهارة تجعل ذلك الأمر عنده في عداد البديهيات.
وسأذكر في هذه الرسالة الموجزة مشروعية المشي الى مراقد اهل البيت علیهم السلام ، وابين فضل المشي وعظيم ثوابه، كما سأفند بعض ما ذُكر من تشكيكات إنْ لم نقل انَّها
1) ) شرح أصول الكافي للمازندراني ج8 53.
وسوسات يراد منها منع المؤمنين من شرف المشي الى مراقد الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين، وكل ذلك بتوفيق من السميع العليم وشفاعة سيد المرسلين واهل بيته الطاهرين.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
المشي إلى المحبوب الإلهي محبوب، سواء كان ذلك الى بيت الله سبحانه وتعالى أو الى بيوت اذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه، فالسير على الاقدام سنّة جرى عليها الأنبياء والمرسلون والأئمة الطاهرون، فهذا آدم علیه السلام يحجّ ماشياً سبعين حجّة كما يروي لنا الشيخ الصدوق، مسنداً عن الامام الرضا علیه السلام ، عن آبائه علیهم السلام قال:
سأل شامي أمير المؤمنين علیه السلام : كم حج آدم من حجة؟
فقال له: (سبعين حجة ماشياً على قدميه،....)((1)).
كما تواتر النقل في مشي الإمام الحسن المجتبى علیه السلام ،
1) ) عيون أخبار الرضا ع ج2 ص221.
وأنّه عليه أفضل الصلاة والسلام حجّ ماشياً عشرين حجّة - كما في بعض الروايات – أو خمس عشرة حجة – كما في بعض الروايات الأخرى، ومن ذلك:
ما رواه الشيخ الصدوق مسنداً عن الامام الرضا علیه السلام ، عن آبائه علیهم السلام قال: (لمّا حضرت الحسن بن عليعلیها السلام الوفاة بكى، فقيل: يا ابن رسول الله أتبكي؟ ومكانك من رسول الله صلی الله علیه و آله مكانك الذي أنت به، وقد حججت عشرين حجةماشياً، وقد قاسمت ربّك مالك ثلاث مرات حتى النعل والنعل، فقال علیه السلام : إنّما أبكي لخصلتين؛ لهول المطلع، وفراق الأحبة)((1)).
وعن كتاب الحسين بن سعيد، عن النضر، عن ابن سنان، عمّن سمع أبا جعفر علیه السلام مثله، إلا أن فيها: (وقد حججت عشرين حجة راكباً وعشرين حجة ماشياً) ((2)).
وعن قرب الإسناد، عن محمد بن الوليد، عن ابن بكير قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام بلغنا أن الحسن بن علي علیها السلام حجّ عشرين حجّة ماشياً؟ قال: (إن الحسن بن علي علیها السلام
حجّ وساق معه المحامل والرحال...) الخبر((1)).
بل روي أنّه علیه السلام حجّ حافياً، كما يروي لنا الشيخ الصدوق، بسنده عن المفضل بن عمر، قال: قال الصادق علیه السلام : (حدثني أبي، عن أبيه صلی الله علیه و آله : أن الحسن بن علي بن أبي طالب علیها السلام كان أعبد الناس في زمانه، وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حجّ حجّ ماشياً، وربما مشى حافياً)((2)).
كما أنه علیه السلام لكونه يحجّ ماشياً قد تتورّم قدمه كما يروي لنا القطب الراوندي، عن صندل، عن أبي أسامة، عن الصادق علیه السلام ، عن آبائه علیهم السلام : أنّ الحسن علیه السلام خرج إلى مكةماشياً من المدينة فتورّمت قدماه، فقيل له: لو ركبت لسكن عنك هذا الورم، فقال: (كلاّ، ولكنا إذا أتينا المنزل، فإنّه يستقبلنا أسود معه دهن يصلح لهذا الورم، فاشتروا منه ولا تماكسوه)، فقال له بعض مواليه: ليس أمامنا منزل فيه أحد يبيع مثل هذا الدواء، فقال: (بلى إنه أمامنا)، وساروا
أميالاً، فإذا الأسود استقبلهم، فقال الحسن لمولاه: (دونك الأسود فخذ الدهن منه بثمنه)، فقال الأسود: لمن تأخذ هذا الدهن؟ قال: للحسن بن علي بن أبي طالب علیهم السلام ، قال: انطلق بي إليه، فصار الأسود إليه.
فقال الأسود: يا ابن رسول الله إني مولاك لا آخذ له ثمناً، ولكن ادع الله أن يرزقني ولداً سويّاً ذكراً يحبكم أهل البيت، فإني خلّفت امرأتي تمخض، فقال: (انطلق إلى منزلك، فإن الله تعالى قد وهب لك ولداً ذكراً سوياً)، فرجع الأسود من فوره فإذا امرأته قد ولدت غلاماً سوياً، ثم رجع الأسود إلى الحسن علیه السلام ودعا له بالخير بولادة الغلام له، وأن الحسن قد مسح رجليه بذلك الدهن، فما قام عن موضعه حتى زال الورم((1)).
وهذه الروايات كما قلنا متواترة عندنا، وشاع وذاع هذا الأمر حتّى اعترف به المخالفون، ومن ذلك ما رواه ابن شهر آشوب، عن أبي نعيم في حلية الأولياء، بالإسناد عن القاسم بن عبد الرحمن، عن محمد بن علي علیه السلام قال الحسن علیه السلام : (إني لأستحي من ربي أن ألقاه ولم أمشِ إلى
1) ) الخرائج والجرائح للراوندي ج1 ص239.
بيته)، فمشى عشرين مرة من المدينة على رجليه ((1)).
وكذلك في كشف الغمة، فإنه قال: روى صاحب كتاب صفة الصفوة، بسنده عن علي بن زيد بن جذعان أنه قال: حجّ الحسن علیه السلام خمس عشرة حجّة ماشياً وإنّ النجائب لتقاد معه((2)).
فلا مجال لإنكار ذلك مادام هو امر متسالم عليه ويعترف به حتّى المخالف، إلاّ أن ينكر ذلك أعمى القلب ناصبي ملعون.
كما روي ان الامام الحسين علیه السلام كان يحج ماشياً ومن ذلك ما روي عن أبي جعفر علیه السلام ، قال: قال ابن عباس: ما ندمت على شيء ندمى على أني لم أحج ماشياً لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من حج بيت الله ماشيا كتب الله له سبعة ألف حسنة من حسنات الحرم،
قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟ - قال: حسنة ألف ألف حسنة، وقال: فضل المشاة في الحج كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم، وكان الحسين بن علي عليهما السلام يمشى إلى الحج ودابته تقادوراءه)((1)).
وهذا لوحده كاف في مشروعيّة بل وفضل المشي إلى أماكن الطاعات والقربات التي منها مراقد أهل البيت علیهم السلام لمن عرف وآمن وصدق ونظر بعين البصيرة بأنّ من زارهم فهو كمن زار الله تعالى.
وليس المشي إلى بيت الله هو المورد الوحيد الذي ورد فيه رجحان المشي بل هناك موارد كثيرة ايضاً لا يسعنا نقلها ويكفي ان نقل منها هذه الصحيحة الدالة على استحباب المشي في تشييع المؤمن تأسياً بالملائكة الكرام فروي((2)) عن أبي عبد الله علیه السلام أنه قال: (مات رجل من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله, فقال
له بعض أصحابه: ألا تركب يا رسول الله؟ فقال: إني لأكره أن أركب والملائكة يمشون).
«بِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
لعمري هل السعي الى اهل البيت علیهم السلام وبذل الغالي والنفيس تحت تراب اقدامهم والمثول بين ايديهم والتشرف بالكون في حضرتهم يحتاج الى دليل عند مؤمن يحمل في قلبه مودة وتعظيماً لأولياء الله تعالى!!!!.
مع ان الأدلة على مشروعية المشي لزيارة اهل البيت علیهم السلام كثيرة جداً ليست قابلة للإنكار عند المنصف الذي يروم دليلاً بيد أنّ غمامة حالت بينه وبين ابصار الحقيقة، ويمكن أن نقسم الادلة الى قسمين رئيسيين وهما:
الدليل العام: الذي يدل على مشروعية المشي الى مراقد اهل البيت علیهم السلام ، وسنتعرض في هذا الدليل العام الى دليلين الاول اجتهادي والثاني فقاهتي.
والدليل الخاص: الذي دل على الحث من قبل اهل البيت علیهم السلام على المشي لزيارتهم والحضور عند مراقدهم، وهنا سنتطرق الى مجموعة من الادلة التي حثت على المشي إليهم كما نتطرق الى دليل تقريرهم عليهمالسلام. وما توفيقي الا بالله العلي العظيم.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
المقصود بالدليل العام هو الذي لم يرد في خصوص المشي الى زيارة اهل البيت عليهم السلام ولكن يستفاد منه مشروعية المشي الى زيارتهم باعتباره أحد المصاديق المنطبق عليه ذلك الدليل وكما قلنا سابقاً اننا سنذكر هنا دليلين اجتهادي وفقاهتي.
الدليل الاول من الادلة العامة: الدليل الاجتهادي:
(أفضل الأعمال أحمزها)، حديث مشهور تلقاه علماؤنا بالقبول، واعتمدوا عليه في كتبهم الفقهية، واستدلوا به في مواطن عدة واجعل بحثي حول هذا الحديث في نقاط:
النقطة الاولى: المراد من الحديث.
المراد من الحديث: (أفضل الاعمال احمزها) هو ان العمل إذا كان اشق فهو أفضل من هذه الحيثية وان كان قد يكون لغير الاشق فضل من حيثية اخرى، وهكذا علينا ان نفهم الافضلية التي وردت لبعض الاعمال كما في افضلية صلاة الجماعة على الفرادى، فان الافضلية لابد فيها من حفظ حيثيتها، فقد يكون شخص كالإمامالمعصوم يصلي فرادى ولا تقاس صلاته بصلاة أحدنا إذا صلى جماعة، والحديث في هذه النقطة يطول ويكفي ما ذكرنا.
كما ان التفاضل في المشقة وعدمها مع وحدة الفعل لا مع اختلافه، فالصيام في القيض أفضل منه في الشتاء، وكذا الوضوء مع شدة البرد مع عدمه، وكذلك ما نحن فيه فالزيارة مشياً أفضل من الركوب.
النقطة الثانية: اعتبار الحديث
ارسل العلماء الحديث ارسال المسلمات، وبمراجعة بسيطة للكتب الفقهية الاستدلالية تجد انهم لم يترددوا في ايراده من دون خدش فيه وعلى سبيل المثال لا الحصر يمكنك مراجعة مختلف الشيعة للعلامة الحلي ج4
ص262، ومنتهى المطلب للعلامة الحلي ج1 ص445، وشرح اللمعة للشهيد الثاني ج2 ص170-171, ومسالك الأفهام للشهيد الثاني ج11 ص350, ومدارك الأحكام للسيد محمد العاملي ج7 ص415, ورياض المسائل للسيد علي الطباطبائي ج7 ص97, ومستند الشيعة للمحقق النراقي ج12 ص171, وفرائد الأصول للشيخ الأنصاري ج2 ص464, ومنتقى الأصول تقرير بحث السيد محمد الروحاني للسيد عبد الصاحب الحكيم ج2 ص241.
بل استدل بالحديث العلماء في الكتب العقائدية في مقام افضلية الانبياء والمرسلين والائمة الطاهرين على الملائكة بان عمل المعصومين مع العوائق الانسانية بخلاف الملك فيكون فعل المعصوم اشق فيكون أفضلفراجع المسلك في أصول الدين للمحقق الحلي ص288, وكشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد للعلامة الحلي ص488.
وعبَّر بعضهم عنه بالثابت وغيره ووجدوا هذا الحديث يعضده العقل والنقل ففي مصباح الفقيه لآقا رضا الهمداني ج2 ق2 ص472: (المشقة الشديدة غير منافية للاستحباب خصوصاً بعد أنْ ثبت شرعاً وعقلاً أنَّ أفضل الأعمال
احمزها).
وفي جامع السعادات لمحمد مهدي النراقي ج3 ص239: (لما ثبت وتقرر أنَّ أفضل الأعمال أحمزها).
النقطة الثالثة: الاستدلال بالحديث:
لقد استدل فقهاؤنا العلماء الاعلام بهذا الحديث في مواطن عدة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الموارد التالية:
المورد الاول: افضلية السعي ماشياً:
لقد استدل بعض فقهاؤنا على افضلية المشي حال السعي بين الصفا والمروة بهذا الحديث وممن استدل بهذا الحديث في هذا المورد السيد علي الطباطبائي في رياض المسائل ج7 ص97, والمحقق النراقي في مستند الشيعة ج12 ص171.
المورد الثاني: الدعاء قائماً في يوم عرفه:
تم ترجيح الدعاء قائماً على الجلوس في يوم عرفة لان الوقوف اشق وممن استدل بالحديث في هذا الموردالسيد محمد العاملي في مدارك الأحكام ج7 ص415.
المورد الثالث: افضلية رمي الجمرة ماشياً
لقد استدل بعض الفقهاء بأفضلية الرمي ماشياً على الركوب بهذا الحديث ومنهم العلامة الحلي في مختلف الشيعة ج4 ص262-263,
المورد الرابع: اختلاف افضلية الصيام باختلاف الاماكن:
فان بعض الاماكن اشد حرارة من البعض الاخر فيوجب مشقة زائدة موجبة للتفضيل ومن العلماء الذين استدلوا بالحديث في هذا المورد الشهيد الثاني في مسالك الأفهام ج11 ص350.
وغير ذلك من الموارد الكثيرة، نكتفي بهذا القدر في هذه العجالة.
النقطة الرابعة: قاعدية الحديث الفقهية:
ان المتتبع لكلمات العلماء الاعلام يحصل لديه القطع بكون هذا الحديث قاعدة فقهيه استند اليها الفقهاء في موارد كثيرة وعبر عنها اكثرهم ب-(افضل الاعمال احمزها) وبعضهم عبر عنها ب-(افضل العبادات احمزها) بل نجد صريح قول بعضهم بكونها قاعدة فقهية.
وممن صرح بذلك والد البهائي العاملي في العقد الحسيني ص28 بقوله: (جوهرة فاخرة: الأغلب أنالثواب في الكثرة والقلة يتبع العمل في المشقة والسهولة لقولهم عليهم السلام أفضل الأعمال أحمزها وهذا هو الموافق لعدل الله وحكمته على قواعد مذهبنا ومذهب المعتزلة ولا يخرج عن هذه القاعدة إلا ما جاء فيه نص بخصوصه).
النقطة الخامسة: انطباق الحديث على المشي لزيارة اهل البيت علیهم السلام :
بعد كل هذا، فلا ريب ان المشي الى زيارة اهل البيت عليهم السلام أكثر مشقة من الركوب، فيكون المشي أفضل من الركوب، وهذا عين ما ذكره الفقهاء في المشي الى حج بيت الله عز وجل، وبهذا علل مشي الانبياء والمرسلين والائمة الطاهرين الى حج بيت الله، كما ان البعض قد صرح بشمول الحديث لموردنا ومنهم السيد محسن الطباطبائي الحكيم في دليل الناسك ص8-10 فلقد ذكر عدم البعد في الحاق استحباب المشي لزيارة المشاهد باستحباب المشي الى الحج.
وثبوت استحباب وافضلية المشي الى المشاهد المقدسة
دال على المشروعية من باب اولى.
الدليل الثاني من الادلة العامة: الدليل الفقاهتي:
إنَّ الاصل في الافعال الاباحة إلاّ أنْ يأتي دليل بخلافها، فليس مِن حقِّ أيِّ شخص وإنْ كان فقيهاً أنْ يمنع مِن فعلٍ إلاّ إذا وجد ما يرفع الاباحة سواء كان عنواناً اولياً او كان عنواناً ثانوياً، والمشي لم يرد فيه أي نهي بل تضافرت الادلة على رجحانه سواء كان فيالحج ام زيارة المشاهد المقدسة.
ولا يوجد عنوان ثانوي يقتضي المنع سوى اوهام من جهلة لا علم لهم بدين ولا فهم لهم بفقه.
وما ادعاه البعض من ان المشي الى مراقد الطاهرين عليهم السلام بدعة فهذا ينبئ عن ان الرجل لا يعي ما يقول.
وما نعق به البعض من منع النساء من المشي لوقوع بعض المخالفات الشرعية فهذا القول يهدم صروحاً فقهية، وبالتالي فهو يهدم الدين، لأنّ هذه المخالفات المدعاة لو كانت لما كانت مانعاً، كما انها ليست مانعاً من الحجِّ
والذهاب لزيارة العتبات المقدسة، بل مطلق خروج المرأة من بيتها، فإنَّ المخالفات قد تقع من البعض اما لجهل او لعمد، ولا يؤثر ذلك في مشروعية الفعل، بل لو التزمنا بهذا الكلام لحرمنا الصلاة لان بعض المصلين يرتكبون بعض المعاصي.
وعلى كل حال لا يلتفت لمثل هذه الاقوال التي لم تصدر من عالم حتى يناقش وانما صدرت من مدعي العلم والمعرفة.
وجزى الله عبدُ س---اداته الدرُّ العاملي كلّ خير فلقد قال واجاد:
وأعجبُ ما قيلَ يا كربلاءْ
أيُنسَبُ للهِ حكمٌ كهذا؟!!!
ألَم يعلموا: كلُّ شيءٍ حلالٌ
وَلَم يُنزلِ اللهُ في الذِّكرِ نهياً
ولمْ يُفْتِ بالنَّهيِ أيُّ فقيهٍ
وإنْ قيلَ: لا بدَّ مِن مَحرَمٍ
وإلا لكانَ الخروجُ حرامٌ
لماذا يريدونَ منعَ النِّساءِ
لماذا يُريدونَ حِرمانَهنَّ
فَسِرْنَ نساءَ الوَلا باحتشامٍ
ولا تَكترثْنَ لِتحريمِ مَشيٍ
هنيئاً لَكُنَّ امتثلتنَّ أمرَ
هنيئاً لمن زارَ قبرَ حسينٍ
هنيئاً فقبرُ الحسينِ مزارٌ
وكلُّ رَجانا بأنْ تذكرونا
.
إليكِ يُحرَّمُ مشيُ النِّساءْ!!!
وما مِنْ دليلٍ سوى الإدِّعاءْ
إذا لم يَجِئْ فيه نهيُ السَّماءْ
ولا في أحاديثِنا النَّهيُ جاءْ!
بل الأمرُ بالعكسِ دونَ خفاءْ
كقولِ المخال-فِ، قلنا: هراءْ!
من البيت، يشملُ كلَّ النساءْ!
من المشيِ نحوكِ يا ك-ربلاءْ؟
جزيلَ الثوابِ جميلَ الجزاءْ؟!
بسترِ الحجابِ وسترِ الحياءْ
سيغ-دو بأق-دامكنَّ هباءْ
النب-يِّ وعت-رتِهِ الأوصياءْ
سيرقى أجلَّ ذُرى الارتقاءْ
لكلِّ الملائكِ والأنبياءْ
بحالِ الزيارة حالِ الدُّعاءْ
.وأعجبُ ما قيلَ يا كربلاءْ
أيُنسَبُ للهِ حكمٌ كهذا؟!!!
ألَم يعلموا: كلُّ شيءٍ حلالٌ
وَلَم يُنزلِ اللهُ في الذِّكرِ نهياً
ولمْ يُفْتِ بالنَّهيِ أيُّ فقيهٍ
وإنْ قيلَ: لا بدَّ مِن مَحرَمٍ
وإلا لكانَ الخروجُ حرامٌ
لماذا يريدونَ منعَ النِّساءِ
لماذا يُريدونَ حِرمانَهنَّ
فَسِرْنَ نساءَ الوَلا باحتشامٍ
ولا تَكترثْنَ لِتحريمِ مَشيٍ
هنيئاً لَكُنَّ امتثلتنَّ أمرَ
هنيئاً لمن زارَ قبرَ حسينٍ
هنيئاً فقبرُ الحسينِ مزارٌ
وكلُّ رَجانا بأنْ تذكرونا
.
إليكِ يُحرَّمُ مشيُ النِّساءْ!!!
وما مِنْ دليلٍ سوى الإدِّعاءْ
إذا لم يَجِئْ فيه نهيُ السَّماءْ
ولا في أحاديثِنا النَّهيُ جاءْ!
بل الأمرُ بالعكسِ دونَ خفاءْ
كقولِ المخال-فِ، قلنا: هراءْ!
من البيت، يشملُ كلَّ النساءْ!
من المشيِ نحوكِ يا ك-ربلاءْ؟
جزيلَ الثوابِ جميلَ الجزاءْ؟!
بسترِ الحجابِ وسترِ الحياءْ
سيغ-دو بأق-دامكنَّ هباءْ
النب-يِّ وعت-رتِهِ الأوصياءْ
سيرقى أجلَّ ذُرى الارتقاءْ
لكلِّ الملائكِ والأنبياءْ
بحالِ الزيارة حالِ الدُّعاءْ
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
الأحاديث الدالة على مشروعية المشي كثيرة ويمكن ان نصنفها الى طائفتين رئيسيتين وهما:
الطائفة الاولى: ما دل على الحث على المشي الى مراقدهم. والطائفة الثانية ما دل بالتقرير.
الطائفة الاولى: ما دل على الحث على المشي الى مراقدهم.
لقد وصلت الينا روايات كثيرة تتحدث عن رجحان المشي وأنّ الخطوة فيها الثواب الجزيل مما يكشف عن الاكثر من المشروعية والجواز، واذكر هنا ما عثرت عليه في هذه العجالة وان القليل منه يكفي وزيادة.
زيارة امير المؤمنين علیه السلام :
وردت الروايات في فضل المشي إلى زيارة أمير المؤمنين علیه السلام ومن ذلك ما في تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ج6 ص20 بسنده عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (من زار أمير المؤمنين علیه السلام ماشياً كتب الله له بكل خطوة حجة وعمرة، فان رجع ماشياً كتب الله له بكل خطوة حجتينوعمرتين)((1)).
خطوة العبد انما تكون حال المشي لا حال الركوب، فدل هذا الحديث على فضل المشي ومشروعيته وكذا الكثير من الأحاديث الاتية.
والملاحظ هنا ان ثواب المشي الى المراقد المقدسة للذهاب والإياب، بل قد يكون ثواب المشي في الرجوع أكثر وأفضل، وكأن هذا تعويض للمؤمن عن ألم فراقه وتسلية له في رجوعه.
وفي التهذيب أيضا ج6 ص21-22 بسنده عن الحسين بن محمد بن مالك عن أخيه جعفر عن رجاله يرفعه قال: (كنت عند جعفر بن محمد الصادق علیه السلام وقد ذكر أمير
1) ) الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي ج2 ص854.
المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام فقال ابن مارد لأبي عبد الله علیه السلام : ما لمن زار جدك أمير المؤمنين علیه السلام ؟ فقال: يا بن مارد من زار جدي عارفا بحقه كتب الله له بكل خطوة حجة مقبولة وعمرة مبرورة، والله يا بن مارد ما يطعم الله النار قدماً اغبرت في زيارة أمير المؤمنين علیه السلام ماشياً كان أو راكباً، يا بن مارد اكتب هذا الحديث بماء الذهب) ((1)).
ان كتابة هذا الحديث بماء الذهب حمله البعض على التجوز وان المراد منه الاهتمام به والعناية بشأنه، الا انه لا مسوغ لارتكاب التجوز بلا قرينة سوى الاستبعاد الذي لا يقدم ولا يؤخر مع الظهور في الحقيقة، ولذايبقى الظاهر بالأمر بكتابة هذا الحديث بماء الذهب، ولعمري كل أحاديثهم سلام الله عليهم ينبغي ان تكتب بماء الذهب اظهاراً لشأنهم وعظيم كلامهم وجميل الفاظهم وسلاسة كلماتهم، كيف!!! وقد أمروا بذلك.
زيارة الامام الحسين علیه السلام :
وردت الروايات الكثيرة في فضل المشي إلى زيارة
1) ) الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي ج2 ص854.
الإمام الحسين علیه السلام ومن ذلك ما في كامل الزيارات لجعفر بن محمد بن قولويه ص252-253 بسنده عن الحسين بن ثوير بن أبي فاختة، قال: قال أبو عبد الله علیه السلام : يا حسين من خرج من منزله يريد زيارة قبر الحسين بن علي صلی الله علیه و آله إن كان ماشياً كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحى عنه سيئة، حتى إذا صار في الحائر كتبه الله من المفلحين المنجحين، حتى إذا قضى مناسكه كتبه الله من الفائزين، حتى إذا أراد الانصراف أتاه ملك فقال: إن رسول الله صلی الله علیه و آله يقرؤك السلام ويقول لك: استأنف العمل فقد غفر لك ما مضى)((1)).
وفي ص253-254 من نفس الكتاب بسنده عن بشير الدهان، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (ان الرجل ليخرج إلى قبر الحسين علیه السلام فله إذا خرج من أهله بأول خطوة مغفرة ذنوبه، ثم لم يزل يقدس بكل خطوة حتى يأتيه، فإذا اتاه ناجاه الله تعالى فقال: عبدي سلني أعطك، ادعني أجبك، اطلب مني أعطك، سلني حاجة اقضها لك، قال: وقالأبو
1) ) وكذا في المزار لمحمد بن المشهدي ص339-340. وتهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ج6 ص43.
عبد الله علیه السلام : وحق على الله ان يعطي ما بذل).
وفي ص254 من نفس الكتاب بسنده عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (ان لله ملائكة موكلين بقبر الحسين علیه السلام فإذا هم بزيارته الرجل أعطاهم الله ذنوبه، فإذا خطا محوها، ثم إذا خطا ضاعفوا له حسناته، فما تزال حسناته تضاعف حتى توجب له الجنة، ثم اكتنفوه وقدسوه وينادون ملائكة السماء ان قدسوا زوار حبيب حبيب الله، فإذا اغتسلوا ناداهم محمد صلی الله علیه و آله : يا وفد الله أبشروا بمرافقتي في الجنة، ثم ناداهم أمير المؤمنين علیه السلام : انا ضامن لقضاء حوائجكم ودفع البلاء عنكم في الدنيا والآخرة، ثم التقاهم النبي صلی الله علیه و آله عن ايمانهم وعن شمائلهم حتى ينصرفوا إلى أهاليهم).
وفي ص254-255 بسنده عن أبي الصامت، قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: من أتى قبر الحسين علیه السلام ماشياً كتب الله له بكل خطوة الف حسنة ومحا عنه الف سيئة ورفع له الف درجة. فإذا اتيت الفرات فاغتسل وعلق نعليك وامش حافياً، وامش مشي العبد الذليل، فإذا اتيت باب الحائر فكبر أربعاً، ثم امش قليلاً ثم كبّر أربعاً، ثم ائت
رأسه فقف عليه فكبّر أربعاً وصلّ عنده، واسأل الله حاجتك).
وفي ص255-256 بسنده عن علي بن ميمون الصائغ، عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال: (يا علي زر الحسين ولا تدعه، قال: قلت: ما لمن أتاه من الثواب، قال: منأتاه ماشيا كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحى عنه سيئة ورفع له درجة، فإذا أتاه وكل الله به ملكين يكتبان ما خرج من فيه من خير ولا يكتبان ما يخرج من فيه من شر ولا غير ذلك، فإذا انصرف ودعوه وقالوا: يا ولي الله مغفورا لك، أنت من حزب الله وحزب رسوله وحزب أهل بيت رسوله، والله لا ترى النار بعينك ابداً، ولا تراك ولا تطعمك ابداً).
وفي ص256 بسنده عن سدير الصيرفي، قال: (كنا عند أبي جعفر علیه السلام فذكر فتى قبر الحسين علیه السلام ، فقال له أبو جعفر علیه السلام : ما أتاه عبد فخطا خطوة الا كتب الله له حسنة وحط عنه سيئة).
وفي ص256-257 بسنده عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال: من زار الحسين علیه السلام من شيعتنا لم يرجع حتى يغفر له كل ذنب، ويكتب له بكل خطوة
خطاها وكل يد رفعتها دابته ألف حسنة ومحى عنه ألف سيئة وترفع له ألف درجة.
وفي ص257 بسنده عن أبي سعيد القاضي، قال: (دخلت على أبي عبد الله علیه السلام في غريفة له وعنده مرازم، فسمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: من أتى قبر الحسين علیه السلام ماشيا كتب الله له بكل قدم يرفعها ويضعها عتق رقبة من ولد إسماعيل، ومن أتاه في سفينة فكفأت بهم سفينتهم نادى مناد من السماء: طبتم وطابت لكم الجنة).
وفي ثواب الأعمال للشيخ الصدوق ص91 بسنده عن أبي سعيد عن الحسن بن ثوير بن أبي فاختة قال: قالأبو عبد الله علیه السلام يا حسين انه من خرج من منزله يريد زيارة قبر الحسين بن علي عليهما السلام إن كان ماشياً كتب له بكل خطوة حسنة ومحى عنه سيئة فإن كان راكباً كتب الله له بكل حافر حسنة وحط بها عنه سيئة حتى إذا صار في الحاير كتبه الله من المفلحين المنجحين حتى إذا قضى مناسكه كتبه الله من الفائزين حتى إذا أراد الانصراف أتاه ملك فقال له ان رسول الله صلى الله عليه وآله يقرؤك السلام ويقول لك استأنف العمل فقد غفر الله لك ما
مضى).
وقد مضت هذه الرواية عن كامل الزيارات مختصرة.
وفي كامل الزيارات لجعفر بن محمد بن قولويه ص316 بسنده عن بشير الدهان قال:
(قلت لأبي عبد الله علیه السلام : ربما فاتني الحج فاعرف عند قبر الحسين علیه السلام .
قال: أحسنت يا بشير أيما مؤمن أتى قبر الحسين علیه السلام عارفاً بحقه في غير يوم عيد كتب الله له عشرين حجة وعشرين عمرة مبرورات متقبلات وعشرين غزوة مع نبي مرسل أو امام عادل، ومن أتاه في يوم عيد كتب الله له مائة حجة ومائة عمرة ومائة غزوة مع نبي مرسل أو امام عادل، ومن أتاه في يوم عرفة عارفاً بحقه كتب الله له الف حجة و الف عمرة متقبلات والف غزوة مع نبي مرسل أو امام عادل.
قال: فقلت له: وكيف لي بمثل الموقف، قال: فنظر إلي شبه المغضب ثم قال: يا بشير ان المؤمن إذا اتىقبر الحسين علیه السلام يوم عرفة واغتسل في الفرات ثم توجه إليه، كتب الله له بكل خطوة حجة بمناسكها ولا اعلمه الا
قال: وغزوة)((1)).
وفي تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ج6 ص44:
بسنده عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (من أراد زيارة قبر الحسين علیه السلام لا أشراً ولا بطراً ولا رياءاً ولا سمعة محصت ذنوبه كما يمحص الثوب في الماء فلا يبقى عليه دنس، ويكتب الله له بكل خطوة حجة، وكل ما رفع قدمه عمرة)((2)).
1) ) راجع ايضاً الكافي للشيخ الكليني ج4 ص580. والمزار لمحمد بن المشهدي ص350 وص328-329. والأمالي للشيخ الطوسي ص201. والمزار للشيخ المفيد ص48-49. وروضة الواعظين للفتال النيسابوري ص194. وتهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ج6 ص50 وص 46. ومن لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ج2 ص580. وثواب الأعمال للشيخ الصدوق ص89-90. ومصباح المتهجد للشيخ الطوسي ص715. والأمالي للشيخ الصدوق ص206-207. وفي كامل الزيارات لجعفر بن محمد بن قولويه ص343 أيضا مختصرا.
2) ) وكذا في كامل الزيارات لجعفر بن محمد بن قولويه ص273. والمزار لمحمد بن المشهدي ص344-345. والمزار للشيخ المفيد ص36-37. والمقنعة للشيخ المفيد ص468. وجواهر الفقه للقاضي ابن البراج ص263.
وفي كتاب فضل زيارة الحسين علیه السلام لمحمد بن علي الشجري ص62 بسنده عن يحيى بن مساور، قال: (كانجعفر بن محمد علیه السلام جالساً فأقبلت امرأة من العرب فقال: مالي لم أرك منذ أمس. قالت: كنت عند قبور الشهداء. قال: تركت سيد الشهداء عندك. قالت: من هو. قال: الحسين علیه السلام . قالت: أزوره؟
قال: نعم زوريه فإنه أفضل من حجة وحجة حتى عد عشراً. فقالت: فما لمن زاره ماشياً؟ قال: له بكل خطوة حجة وعمرة)((1)).
وفي المزار للشهيد الأول ص117-121. بسنده عن صفوان في -حديث طويل- قال: (استأذنت الصادق علیه السلام زيارة مولانا الحسين علیه السلام فسألته ان يعرفني ما اعمل عليه فقال: (يا صفوان - إلى أن يقول -: فإذا فرغت من صلواتك فتوجه نحو الحائر وعليك السكينة والوقار وقصّر خطاك فانّ الله تعالى يكتب لك بكل خطوة حجة وعمرة
1) ) أورده أيضا في نفس الصفحة بسند آخر وتغيير يسير.
وسر خاشعاً قلبك، باكية عينك، وأكثر من التكبير والتهليل والثناء على الله عز وجل، والصلاة على نبيه صلى الله عليه وآله والصلاة على الحسين خاصة، والعن من قتله، والبراءة ممن أسس ذلك...).
وغيرها من الروايات التي تجاوزت حد التواتر المعنوي التي لا تسعها هذه الرسالة المختصرة والتي تسالمت عليها الطائفة المحقة قولا وعملا حتى عد من ضروريات مذهبهم
الطائفة الثانية ما دل بالتقرير:
ان المعصوم علیه السلام إذا سمع شيئاً او فعل امامه شيء ولميعترض كان سكوته عنه تقريراً منه للفعل فيكون حجة اذا لم يكن في مقام التقية كيف وقد ايّد واثنى على الفاعل، فمن باب اولى يدل على المشروعية بل الافضلية.
ولقد روي عنهم علیهم السلام التقرير في فضل المشي إليهم صلوات الله وسلامه عليهم في حياتهم في دار الدنيا، وكأنّ ذلك مفروغ عنه عند شيعتهم ومواليهم، فلقد روي عن بريد بن معاوية العجلي قال: (كنت عند أبي جعفر علیه السلام إذ دخل عليه قادم من خراسان ماشياً، فأخرج رجليه وقد
تغلفتا، وقال: أما والله ما جاء بي من حيث جئت إلا حبّكم أهل البيت، فقال أبو جعفر علیه السلام : والله لو أحبّنا حجر حشره الله معنا، وهل الدين إلاّ الحب، إنّ الله يقول:
(قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ ٱللَّهُ) ((1))، وقال: (يُحِبُّونَ مَن هَاجَرَ إِلَيهِم) ((2))، وهل الدين إلا الحب)((3)).
فهل بعد كل هذا يشك عاقل في استحباب المشي إلى زيارة أهل البيت علیهم السلام ؟!!! لا شكّ أنه لا يشكك في ذلك ولا يستهين به إلا ناصبي متهتك يستهين بالمقدسات ولا يرضى بالكرامة والعزّة لمحمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين.
تزاحم رجحان المشي مع غيره
لقد ذكر فقهاؤنا قدّس الله اسرارهم ان المشي راجح ولكن إذا لم يزاحمه ما هو اهم منه، فلو كان المشي موجباً للتعب الشديد او المرض المانعين من الزيارة فإن المشي حينئذ يكون مرجوحاً لا راجحاً، وكذا كل مورد قلنا بأفضليته من باب انه اشق وأفضل الاعمال احمزها فالفقهاء يقيدون عموم القاعدة بعدم المزاحمة بما يوجب مرجوحيته، وبهذا يتم الجمع بين ما دل على رجحان الركوب وبين ما دل على رجحان المشي.
ومن كلمات الاعلام:
قال الشهيد الثاني في شرح اللمعة ج2 ص171: (التفصيل الجامع بين الأدلة بالضعف عن العبادة، من الدعاء، والقراءة، ووصفها من الخشوع، وعدمه. وألحق بعضهم بالضعف كون الحامل له على المشي توفير المال، لأن دفع رذيلة الشح عن النفس من أفضل الطاعات، وهو حسن).
وقال السيد محمد العاملي في مدارك الأحكام ج7 ص415: ((وأن يدعو قائماً). لأنه أفضل أفراد الكون الواجب، لكونه أشق وأفضل الأعمال أحمزها. وينبغي أن يكون ذلك حيث لا ينافي الخشوع لشدة التعب ونحوه، وإلا سقطت وظيفة القيام).
ثواب المشي الى زيارة اهل البيت
إنَّ الأحاديث الشريفة التي ذكرناها ضمن هذا البحث يتضح منها وبلا ريب فضل المشي الى مراقد الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين، كما ان الدليل العام الدال على افضلية اشق الاعمال يقتضي ايضاً افضلية المشي الى المشاهد المشرفة، والدليل العام يشمل جميع المراقد المقدسة، والادلة الخاصة وان كانت واردة في زيارة الامام الحسين وامير المؤمنين عليهما السلام الاّ انه لا قائل بالتفصيل بين زيارة الأمير والحسين صلی الله علیه و آله وبين زيارات السادة الاطهار علیهم السلام .
والذي ينبغي ان ننوه له ونبحثه هنا انه قد يتوهم انّ الروايات مختلفة في مقدار الثواب وهذا ما يحتاج الى بيان
وجه الجمع بين تلك الروايات الشريفة فأقول:
إن بعض الروايات ذكرت أن الماشي إلى زيارة الحسين علیه السلام له بأول خطوة مغفرة ذنوبه، وفي بعضها أن له بكل خطوة محو سيئة، وهذان الحديثان لا تنافي بينهما، فإن مغفرة الذنوب لا تقتضي أن تُمحى من صحف العبد بل تبقى في صحيفته على انها مغفورة،واما المحو فهو الازالة من صحف العبد فلا يبقى لها وجود اصلاً.
كما أن في بعض الروايات (كتب الله له بكل خطوة ألف حسنة ومحا عنه ألف سيئة)، فهل يتنافى هذا الحديث مع ما ورد من ان له بكل خطوة حسنة ومحو سيئة، فإن الحديث الاول يتحدث عن ألف حسنة وألف سيئة، أما الحديث الثاني فيتحدث عن سيئة وحسنة؟
أقول: لا منافاة بينهما، فإن الحديث الاول الذي يتحدث عن محو سيئة إنما أريد منها جنس السيئة دون بيان مقدارها، وكذا ما يُعطى مِن حسنة يراد منها الجنس ايضا ولم يحدد فيها المقدار فجاءت الرواية الاخرى التي تحدد مقدار الحسنات بألف كما عينت مقدار السيئات بألف أيضاً.
وأمّا الحديث الذي مرّ سابقا ضمن البحث وهو: (من أتى قبر الحسين علیه السلام ماشيا كتب الله له بكل قدم يرفعها ويضعها عتق رقبة من ولد إسماعيل).
فهذا ايضا لا يتنافى مع ما سبق من الأحاديث فإن هذا الحديث لا يعني أنه فعلا أعتق رقبة من ولد اسماعيل علیه السلام بل له ثواب ذلك العتق، وذلك الثواب الذي عبّر عنه بالحسنة في بعض الروايات وبألف حسنة في بعض آخر فهنا بُيّن أن ثواب الالف حسنة هو ثواب عتق رقبة من ولد اسماعيل علیه السلام .
وقد يتساءل البعض ما هي خصوصية ولد اسماعيل هنا؟
خصوصية إسماعيل علیه السلام هو انه قد فدي بذبح واصبحتله ذرية ولولا الفداء لما وجد له ذرية، وكل من ينفق ويبذل طاقته ووقته من اجل الامام الحسين علیه السلام فكأنما فدى من ولد اسماعيل بما قدمه من فداء.
وهذا المعنى يظهر من رواية الكافي عن أبي عبد اللَّه علیه السلام قال «مَنْ أطعم مؤمنا موسراً كان له بعدل رقبة من ولد إسماعيل ينقذه من الذبح ومن أطعم مؤمناً محتاجاً كان له بعدل مائة رقبة من ولد إسماعيل ينقذهم من
الذبح»((1)).
بقيت الأحاديث التي تحدثت عن ثواب الخطوة بأنها بحجة وعمرة، وبعض الروايات فصّلت أن الحجّة بالخطوة وفي رفع الرجل عمرة فلا منافاة بينها.
كما ان المراد من الحجة والعمرة ثوابهما وهو ما عبر عنه بالألف حسنة في الروايات الأخرى، وبهذا يتضح فهمنا للروايات على اختلاف تعابيرها.
فالمتحصل ان الروايات تشير الى مقدار من الثواب عبر عنه تارة بالحسنة وتارة بألف حسنة وتارة بعتق رقبة من ولد إسماعيل وتارة بحجة وعمرة.
ومادام يمكن ان تكون جميع الروايات تشير الى ثواب معين لفعل معين فيحمل الثواب على الوحدة لا التعدد، وانما نلجأ الى التعدد فيما لا مجال لفهم وحدة الثواب لموضوع معين واحد، ولولا هذا الامر لحملنا الروايات على تعدد الثواب ولا منافاة بينها كما لا تأبى الروايات الحمل على التعدد لان كل واحدة منها اثبتت ثوابا ولمتنف الثواب الاخر، فلم يقل: دون غيرها. حتى يتعارض مع
1) ) الكافي للشيخ الكليني ج2 ص203.
اثبات أكثر من الالف مع ان العدد لا مفهوم له بمعنى ان القائل إذا قال عندي ألف لا يعني انه ليس لديه غير الالف الا إذا قال فقط دون غيرها مثلا.
بقي شيء
إننا نعتقد أنَّ أهل البيت عليهم السلام لهم حق التشريع، ومِنْ حقِّهم أنْ يزيدوا وينقصوا في الثَّواب للأعمال بحسب المصالح، فلو ورد في بعض الموارد وفي زمان من الازمنة تحديد شيء بثواب معين فلا مانع مِنْ أنْ يتغير بعد حين لاختلاف الظروف والمصالح، فيُزاد في الثواب او يُنقص، وذلك من فضل الله تعالى عليهم صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين.
ولذا لو ورد على لسان أحدهم عليهم السلام ثواب معين، وورد على لسان واحد اخر منهم زيادة او نقيصة يكشف ذلك عن اعمال ارادتهم في زيادة الثواب او نقيصته.
ولمن يريد ان يتعرف على حق التشريع لهم صلوات الله وسلامه عليهم، ويعرف الادلة حتى من المخالفين فليراجع
كتابنا: الولاية التشريعية للمعصومين عليهم أفضل الصلاة والسلام.
«بِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
هذا ما اردت بيانه ونقله في هذه العجالة وخلال هذين اليومين المباركين اللذين وفقت فيهما لكتابة هذه الرسالة المختصرة، ولقد تركت كثيراً من المباحث روماً للاختصار، وتجنباً عن الخوض في البحوث العلمية التي قد تصعب على القارئ غير المختص، مثل تلك القاعدة التي اصلناها وهي (أفضل الأعمال احمزها) فإنّ هناك مباحث اصولية وردت فيها القاعدة، كما لم أحاول أن استقصي الروايات ومصادرها لاعتقادي بكفاية هذا القدر لمن يستمع القول فيتبع أحسنه.
وأتمنى أن أكون قد وفقت لكتابة هذا البحث بما يرضي صاحب العصر والزمان روحي وارواح العالمين لتراب مقدمه الفداء.
راجياً من الله تعالى العلي القدير أن ينفع بها المؤمنين، وأن يجعلها ذخراً لي في يوم معادي، وينفعني بها في يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم مع الله عزّ وجلّ وأوليائه الطاهرين المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى اللهعلى اصفيائه واوليائه وحججه على الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
عن الإمام أبي جعفر علیه السلام :
(حديث تمضغه الشيعة بألسنتها لا تدري ما كنهه).
«بِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
لقد ورد إلينا متواتراً عنْ أهل بيت العصمة والطهارة أنَّ النبيَّ محمداً صلی الله علیه و آله وآله المعصومين الأطهار حديثهم أو أمرهم أو علمهم لا يحتمله أو يؤمن به أو يقرّ به أو يعرفه إلاّ نبيٌّ مرسل، أو ملَك مقرَّب، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان، والتواتر مفيد للقطع واليقين ولا يحظى به إلاّ مَن استعرض الأحاديث الكثيرة مع تعدد رواتها في جميع طبقات سندها إلى المعصوم علیه السلام ، ومُجرّد نقل التواتر عن شخص لا يُفيد اليقين والجزم والقطع، بل هو خبر واحد مفيد للظنِّ المعتبر.
والتواتر ثابت قطعاً وممن نقل التواتر العلامة المجلسي(قدس سرّه) في إجازة والده العلامة الشيخ محمد تقي لبعض سادات تلامذته:... جاء فيها: "وروي متواتراً عنهم علیهم السلام : (إنَّ حديثنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلاّ ملَك مقرَّب، أو نبي مرسل، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان)"((1)).
وكذلك رمز الولاء الشيخ الأميني(قدس سرّه) حيثقال:
"وقد تواتر عن أئمة أهل البيت علیهم السلام : أنَّ أمرنا، أو حديثنا. صعب مستصعب لا يتحمله إلاَّ نبي مرسل، أو ملَك مقرَّب، أو مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان)"((2)).
فإذا أردنا أن نحصل على اليقين لابدّ لنا مِن سبر الأحاديث الكثيرة ولا نكتفي بذكر اليسير مِنها، ومِن هنا رأيت بأن أَطّلع ويَطّلع القارئ المؤمن على الأحاديث الكثيرة بما يوجب حصول اليقين عندي وعندّه.
ومِن الجدير بالذكر أنّ أهل البيت علیهم السلام كثُر ترديدهم لهذا الأمر حتّى وصل إلينا متواتراً عنهم علیهم السلام مما يدلّ على
أهميّته القصوى، وعظم معرفته وإلاّ لما أكثروا مِن ذكره، وتبعهم الرواة المؤمنون حيث تعاهدوا على نقله وتدوينه وحفظه، ولذا لا بُدّ لنا أنْ نُحاول فهم معناه، وأنْ نلتفت إلى بعض إشاراته ودلالاته، ونعرف ما يُمكننا الاستفادة منه.
فسنذكر أوّلاً الأحاديث قدر الإمكان بما يفي بالغرض وإن كان استقصاؤها متعذراً بالنسبة إلينا، ومِن ثَمّ نذكر دلالتها بحسب ما ورد عنهم علیهم السلام في بعض الأحاديث مِن فيض البيان والتفضّل بالتوضيح للمعنى، وبقدر ما نفهم، وما ذكره العلماء الأعلام مِن بيان مِدادهم وفيض علمهم.
ولقد عقبنا على بعض الأحاديث بشيء مِن التوضيح والبيان، ولا ينبغي للقارئ العزيز الغفلة عنها، لأنّهاستعينه على فهم النصِّ مِن جهة ومِنْ جهة أخرى تعينه على استيضاح المعنى - مِن روايات البحث - الذي سنذكره في آخر البحث إنْ شاء الله تعالى.
ملك مقرّب أو نبي مرسل أو مؤمن ممتحن
حدثنا يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن منصور، عن مخلد بن حمزة بن نصر، عن أبي ربيع الشامي، عن أبي جعفر علیه السلام قال: كنت معه جالساً فرأيت أنَّ أبا جعفر علیه السلام قد قام فرفع رأسه وهو يقول: يا أبا الربيع؛ حديث تمضغه الشيعة بألسنتها لا تدري ما كنهه، قلت: ما هو جعلني الله فداك؟ قال: قول علي بن أبي طالب علیه السلام : إنَّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ملَك مقرَّب، أو نبي مرسل، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان. يا أبا الربيع؛ ألا ترى أنّه يكون ملَك ولا يكون مقرَّباً ولا يحتمله
إلاّ مقرَّب، وقد يكون نبي و ليس بمرسل ولا يحتمله إلاّ مرسل، وقد يكون مؤمن وليس بممتحن ولا يحتملهإلاَّ مؤمن قد امتحن الله قلبه للإيمان)((1)).
1) ) بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص46، باب في أئمة آل محمد علیهم السلام أمرهم صعب مستصعب. عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2 ص197 وقال: الخرائج: محمد بن علي بن المحسن، عن الشيخ أبي جعفر الطوسي، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار عن ابن يزيد مثله. مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص126 وكذلك في ص107 وقال: وأخبرنا الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن الحلبي عن الشيخ أبى جعفر الطوسي عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد عن أبيه عن محمد بن الحسن الصفار أخبرنا يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبي عمير عن منصور بن يونس. الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي ج2 ص793، بسنده عن الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن المحسن الحلبي، عن الشيخ أبي جعفر الطوسي، عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه، عن محمد ابن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن منصور ابن يونس.... الدر النظيم لابن حاتم العاملي ص615-616.
حدثنا سلمة بن الخطاب، عن القسم بن يحيى، عن جدِّه، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (خالطوا الناس مما يعرفون، ودعوهم مما ينكرونه((1))، ولا تحمِّلوا على أنفسكم وعلينا. إنَّ أمرنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلاّ ملَك مقرَّب، أو نبيمرسل، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان)((2)).
قوله علیه السلام : (خالطوا الناس مما يعرفون، ودعوهم مما ينكرون) ليس المراد بالمخالطة المخالطة العملية بل المراد المخالطة القولية والعلمية بقرينة "يعرفون" أي إنّ المؤمن
1) ) في المستدرك: يُنْكِرون. وكذا في البحار عن الخصال.
2) ) بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص46، باب في أئمة آل محمد علیهم السلام أمرهم صعب مستصعب. عنه جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي ج14-ص552. مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص126. مستدرك الوسائل للميرزا النوري ج12 ص296-297. بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2 ص183 عن الخصال.
يتحدّث مع غيره في المجال الذي يأنس به المخاطَب ومِن الباب الذي يعرفه إجمالاً، فيُمكن حينئذ أنْ يقتنع ويقبل، وأمّا إذا كان المخاطَب ممن لا يأنس بذلك المجال، وممن لا يعرف ذلك الباب إجمالاً، فإنّه حينئذ لا يقتنع بل سيُنكر وقد يتحامل على المتكلِّم.
وليس المراد مِن هذا الحديث الشريف أنّ يُخاطَب الشخص بما يعرف، فإنّ المخاطبة بما هو معلوم لدى المخاطب يكون بلا فائدة تُرجى، وهذا هو الفرق بين قولك: "خاطبته بما يعرف" وبين قولك: "خاطبته مما يعرف" والموجود في الرواية الثاني لا الأوّل، أي المخاطبة بالنهج والطريق والباب الذي يعرف المخاطب الولوج فيه، وما ورد في بعض المصادر ب-(بما يعرفون) محمول على المعنى الذي ذكرناه.
وليتضح الأمر أكثر عند البعض أقول: عندما تريد أنتُخاطب الطبيب العام مثلاً خاطبه باللغة التي يعرفها وبالعلم الذي يعرفه، أمّا إذا كُنت استشاريّا في تخصص خاص مِن الطب وخاطبته بمستواك، فإنّ ذلك الطبيب العام لا يعرف ما تقول أو يُنكر عليك، وكذلك إذا خاطبت ذلك الطبيب
بمباحث فلسفيَّة دقيقة لا يتحدَّث بها إلا أهل الاختصاص فإنّ ذلك الطبيب خاطبته حينئذ مما لا يعرف.
وقوله علیه السلام : (ولا تحمِّلوا على أنفسكم وعلينا) المراد منه أنّ الكلام في مقامات أهل البيت علیهم السلام ومنازلهم وعجائب أفعالهم وأقوالهم لا يصحّ الحديث به عند مَن ليس له الاستعداد والقابليَّة لقبول تلك الأسرار، فإنّ مِن يفعل ذلك سيحمّل نفسه المعارضة والإنكار، وقد يكون أكثر مِن ذلك، إمّا لسوء فهم المخاطب أو عدم استعداده، وسيُحمِّل أهل البيت علیهم السلام أيضاً بأنّهم يصفون أنفسهم بما ليس فيهم أو يدّعون مقاماً ليس لهم، وقد ينال منهم.
حدثنا محمد بن عبد الجبار، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي، عن محمد بن الهيثم، عن أبيه، عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: (أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ثلاثة؛ ملَك مقرَّب، أو نبي مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان). ثُمَّ قال: (يا أبا حمزة
الست تعلم((1)) في الملائكة مقربين وغير مقربين، وفى النبيين مرسلين وغير مرسلين، وفى المؤمنين ممتحنين وغير ممتحنين؟ قلت: بلى. قال: الا ترى إلى صفة((2)) أمرنا أنَّ الله اختار له من الملائكة مقرَّبين ومِنَ النبيين مرسلين ومِنَ المؤمنين ممتحنين)((3)).
عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب وأحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن ذريح بن محمد المحاربي، عن أبي حمزة ثابت الثمالي، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال لي أبي ونعم الأب كان صلوات الله عليه يقول: لو وجدت ثلاثة استودعهم لا عطيتهم ما لا يحتاجون معه إلى النظر في حلال ولا حرام، ولا في شيء
إلى أنْ يقوم قايمنا قائم آل محمد صلی الله علیه و آله . إنَّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ملَك مقرَّب أو نبي مرسل أو عبد امحتن الله قلبه للإيمان)((1)).
الكلام في هذا الحديث الشريف عن جانب مِن أمور أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام ، وهو مِن الأمور التي قد يغفل عنها الكثير مِن المؤمنين - حفظهم الله ورعاهم – وهي إفاضة العلم دون الحاجة إلى طول كلام ولا الكثير مِن الجَلسات بل قد لا تحتاج أيضاً إلى النطق بحرف واحد، تتقرّب لك الصورة مِن خلال هذه الرواية: استدعى رسول الله صلی الله علیه و آله عليَّاً فخلا به، فلمَّا خرج إلينا سألناه ما الذي عهد إليك؟ فقال: (علَّمني ألف باب مِنَ العلم فتح لي كلُّ باب ألف باب)((2)). فلقد علّمه مليون باب مِن العلم وكل باب لو فرضنا أنّه استغرق ثانية واحدة فقط لاحتاج
إلى أحد عشر يوماً ونصف اليوم، مع أنّه خلا به ساعة على أكثر تقدير، فلو كان في ساعة واحدة لكان علّمه في الثانية الواحدة 277 باباً مِن العلم تقريباً، وهذا خارج عن الإطار المادِّي والزماني.
فأهل البيت علیهم السلام قادرون على إفاضة الحلال والحرام على شخص لا يحتاج معه إلى نظر وفكر بل يكون لديه كلّ الحلال والحرام ويعرفهما مِن دون رويّة وفكر وتأمّل، وكذلك إفاضة علم الحوادث إلى قيام القائم.
ولكن هذه الإفاضة تحتاج إلى استعداد خاص، وليس كلّ مؤمن ممتحن يكون أهلاً لهذه الإفاضة بل يحتاج إلى مرتبة عالية جدّاً منه. ألا ترى أنّ في زمانهم علیهم السلام وجِد المؤمِن الممتحن ومع ذلك لم يتم ذلك الفيض عليه.
من خطبة له علیه السلام ... (ولا يقع اسم الاستضعاف على مَنْ بلغته الحجَّة فسمعتها أذنه، ووعاها قلبه. إنَّ أمرنا صعب مستصعب، لا يحمله((1)) إلاّ عبد مؤمن امتحن الله قلبه
1) ) في البحار: يحتمله. وكذا في عيون الحكم لليثي، وغرر الحكم ودرر الكلم للآمدي.
للإيمان، ولا يعي حديثنا إلاّ صدور أمينة، وأحلام رزينة. أيُّها الناس سلوني قبل أنْ تفقدوني فلأنا بطرق السماء أعلم منِّي بطرق الأرض...)((1)).
قوله علیه السلام : (ولا يعي حديثنا إلاّ صدور أمينة، وأحلام رزينة).
مِن أجل إيضاح معنى هذه الفقرة أُورد لك هذه الرواية عن ميسر قال: قال أبو جعفر علیه السلام : (يا ميسر ألا أخبرك بشيعتنا؟ قلت: بلى جعلت فداك، قال: إنَّهم حصون حصينة، في صدور((2)) أمينة وأحلام رزينة ليسوا بالمذاييع البذر ولا بالجفاة المرائين، رهبان بالليل أسد بالنهار)((3)).
يظهر مِن هذه الرواية أنّ المراد بالصدور الأمينة أنّهم يحفظون السرّ ولا يُذيعونه، ومعنى البذر كثيري الكلام وكاشفي السرّ - كما نصّ أهل اللغة على ذلك – فأصحاب الصدور الأمينة تُسرّ بما يصل إليها مِن أسرار إلهيّة وتعي ما يصل إليها مِن الأسرار وتصونها عن الإذاعة.
والمراد بالأحلام الرزينة هم أصحاب العقول الثابتة الوقورة، وفي الرزانة حلم، ومَن يكون كذلك فلا يتصف بالجفوة والغلظة في تعامله ولا يُرائي في قوله أو فعله، ولا يُستفزّ فيُذيع الأسرار كردّة فعل وانفعال وهذا لا يصدر مِن الحليم.
وفي الموردين حذف مضاف؛ أي أصحاب صدور أمينة وأصحاب أحلام رزينة، ويُمكن الحمل على المجاز فكأنّ المؤمنين هم صدور أمينة وأحلام رزينة مبالغة.
روى المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله علیه السلام أنَّه قال: إنَّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ صدور مشرقة، وقلوب منيرة، وأفئدة سليمة، وأخلاق حسنة، لأنَّ الله قد أخذ على شيعتنا الميثاق فمَنْ وفى لنا وفى الله له بالجنة،
ومَنْ أبغضنا ولم يؤدِّ إلينا حقنا فهو في النار، وإنَّ عندنا سرَّاً مِنَ الله، ما كلَّف الله به أحداً غيرنا، ثُمَّ أمرنا بتبليغه فبلغناه، فلم نجد له أهلا ولا موضعاً ولا حملة يحملونه، حتَّى خلق الله لذلك قوماً خُلقوا مِنْ طينة محمدوذريته صلى الله عليهم ومِنْ نورهم، صنعهم الله بفضل صنع رحمته، فبلغناهم عن الله ما أمرنا، فقبلوه واحتملوا ذلك ولم تضطرب قلوبهم، ومالت أرواحهم إلى معرفتنا وسرنا، والبحث عن أمرنا.
وإن الله خلق أقواماً للنار وأمرنا أن نبلغهم ذلك فبلغناه فاشمأزت قلوبهم منه ونفروا عنه وردُّوه علينا ولم يحتملوه وكذَّبوا به وطبع الله على قلوبهم، ثم أطلق ألسنتهم ببعض الحق فهم ينطقون به لفظاً وقلوبهم منكرة له.
ثم بكى علیه السلام ورفع يديه وقال: اللهم إن هذه الشرذمة المطيعين لأمرك قليلون. اللهم فاجعل محياهم محيانا ومماتهم مماتنا، ولا تسلط عليهم عدوَّاً فإنَّك إنْ سلَّطت عليهم عدوَّاً لن تُعْبَد)((1)).
1) ) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2 ص209-210، عن كتاب رياض الجنان لفضل الله بن محمود الفارسي.
من خطبة طويلة لأمير المؤمنين علیه السلام : (إنَّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله ملَك مقرَّب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، لا يعي حديثنا إلاّ حصون حصينة أو صدور أمينة أو أحلام رزينة)((1)).
تقدّم الكلام في الحديث الخامس عن الصدور الأمينةوالأحلام الرزينة، والظاهر أنّ الصفات الثلاث هي للمؤمن الممتحن فتكون "أو" هنا بمعنى الواو، كما عُطفت بالواو في الحديث السابق.
بقي الكلام عن معنى الحصون الحصينة، وهذا واضح لأنّ الحصون يصعب اقتحامها والولوج فيها إلا مِن أهلها فإذا كانت مُحصَّنة كانت أبلغ في عدم نيل باطنها ومعرفة ما بداخلها وكذلك المؤمنون الممتحنون.
"روى صاحب كتاب الغارات عن الأعمش، عن رجاله
1) ) مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص198. وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج53 ص77-83.
قال: خطب علي علیه السلام ، فقال: والله لو أمرتكم فجمعتم مِنْ خياركم مائة، ثم لو شئت لحدثتكم مِنْ غدوة إلى أنْ تغيب الشمس، لا أخبرتكم إلاّ حقَّاً، ثُمَّ لتخرجن فلتزعمن أنِّي أكذب الناس وأفجرهم.
وقد روى صاحب هذا الكتاب وغيره مِنَ الرُّواة أنَّه قال: إنَّ أمرنا صعب مستصعب، لا يحمله إلاّ ملَك مقرَّب أو نبي مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان.
وهذا الكلام منه كلام عارف عالم بأنَّ في الناس مَنْ لا يصدقُّه فيما يقول، وهذا أمر مركوز في الجبلة البشرية، وهو استبعاد الأمور الغريبة، وتكذيب الاخبار بها. وإذا تأملت أحواله في خلافته كلها وجدتها هي مختصرة مِنْ أحوال رسول الله صلی الله علیه و آله في حياته، كأنَّها نسخة مُنْتَسَخَة منها، في حربه وسلمه، وسيرته وأخلاقه، وكثرة شكايته مِنَ المنافقين مِنْ أصحابه والمخالفين لأمره، وإذا أردت أنْ تعلم ذلك علماً واضحاً، فاقرأسورة (براءة) ففيها الجَمُّ الغفير مِنَ المعنى الذي أشرنا إليه"((1)).
1) ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6 ص128–129.
اشتملت هذه الطائفة من الروايات على لفظ ” الأمر” المضاف إلى أهل البيت علیهم السلام في قولهم: ” أمرنا ”، والأمر يأتي في اللغة على معاني، ومنها ما في هذه الطائفة بمعنى الحال والشأن، وبهذا المعنى يأتي جمعه على أمور، فيُقال في اللغة مثلاً هذا أمرٌ عجيب وأُمور غريبة.
وأمّا الأمر بمعنى الطلب مِن العالي إلى الداني فيُجمع على أوامر. ولفظ الأمر له معان أخرى لسنا بحاجة إلى سردها.
وورد في القرآن أيضاً بعدّة معان، والمعنى الذي نحن بصدده وهو الحال والشأن حمل عليه قوله تعالى:
{... وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ}((1))
وقوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ*أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}((2)) في الآية الثانية المراد بالأمر الشأن وهو حال من الأمر السابق والمعنى؛ فيها يفرق كلُّ أمرٍ حال كونه أمراً مِنْ عندنا. ولست بصدد بيان الأقوال في اعراب
الآيات هنا ومعانيها وإنّما ذكرت ما حمله البعض من الآيات على الشأن.
ولا إشكال ولا ريب أنّه ليس كلّ شيء متعلقاً بشأنهم هو مِن الصعب المستصعب الذي لا يُحتمل عند عامّة المؤمنين بل المراد بعض شأنهم وهو أكثره، وأشارت بعض الأحاديث لهذه البعضيّة كما سيأتي في آخر البحث.
وذلك البعض الصعب المستصعب هو ما يحتاج في معرفته إلى استعداد خاص، سواء كان ذلك في مقاماتهم أو في قولهم أم في فعلهم.
ملك مقرّب أو نبي مرسل أو مؤمن ممتحن
حدثنا أبو جعفر((1)) عن علي بن الحكم((2)) عن ذريح المحاربي((3)) عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين علیه السلام قال: سمعته يقول: (إنَّ حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ نبي مرسل أو ملَك مقرَّب. ومِنَ الملائكة غيرُ مقرَّب)((4)).
1) ) في البحار: ابن عيسى.
2) ) الكوفي الثقة جليل القدر.
3) ) هو ذريح بن محمد بن محمد بن يزيد، أبو الوليد المحاربي الكوفي الثقة من أصحاب أبي عبد الله و أبي الحسن صلی الله علیه و آله .
4) ) بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص41، باب في أئمة آل محمد علیهم السلام حديثهم صعب مستصعب. عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2 ص190-191.
حدثنا أبو جعفر((1))، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر علیه السلام قال: سمعته يقول: (إنَّ حديث آل محمد صعب مستصعب، ثقيل مقنَّع، أجرد ذكوان، لا يحتمله إلاّ ملَك مقرَّب، أو نبيٌّ مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، أو مدينة حصينة فإذا قام قائمنا نطق وصدَّقه القرآن)((2)).
قوله علیه السلام : (ثقيل مقنَّع، أجرد ذكوان)
ورد في بيان هذه المفردات روايتان:
الرواية الأولى:
عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام : (... ذكوان: ذكي ابداً). قلت: أجرد؟ قال: (طري ابداً). قلت: مقنَّع؟ قال:
(مستور) ((1)).
الرواية الثانية:
عن أبي جعفر الباقر علیه السلام : (... أمَّا الذكوان: فهو ذكاء المؤمنين. وأمَّا الأجرد: فهو الذي لا يتعلق به شيء منبين يديه ولا من خلفه...)((2)).
اتفقت الروايتان على أنّ المراد مِنَ الذكوان: هو الذكي، والذكي هو الفَطِن سريع الفهم، متوقِّد البديهة. أو بمعنى التوقد أي ينور الخلق دائماً وجاءت هذه الكلمة على صيغة "فعلان" وهي صفة مشبهة كالرحمن على القياس، أو للمبالغة كقولهم: كسلان، يقظان، على غير قياس. ووصف حديثهم علیهم السلام بذلك لاحتياج فهمه إلى ذلك الذكاء. أو باعتبار كلامهم يُنير العقول على المعنى الثاني.
وأمّا الأجرد: فقد ذُكر في الرواية الثانية أنّه الذي لا يتعلّق به شيء مِن بين يديه أو مِن خلفه، وفيه إشارة إلى تشبيهه بالقرآن
الكريم في قوله تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}((1)).
وهذه الصفة تعني حينئذ ليس مُلوَّثاً فينقاد له مَن يحتمله ويكون ليِّناً عليه، فيكون طريّاً - كما في الرواية الأولى - سهلاً عند أهله.
وأمّا المُقنَّع فقد فُسِّر في الرواية الأولى بأنّه المستور واللغة توافقه فإنّ المُقَنَّعَ المستورُ وجهُهُ. ويُقال قَنَّعَ الْمَرْأَةَ: أَلْبَسَهَا القِنَاعَ. والمعنى هنا كلامهم علیهم السلام مستور لا يُباح ولا يُكشف ما فيه مِن أسرار إلا لأهله، فيكون كأنّما قد كُشف القناع عن وجهه. وبلحاظ أنّه وصفلحديثهم علیهم السلام معناه أَنَّ حديثهم يخفي في باطنه الأسرار المستورة عمّن ليس أهلاً لها.
وأمّا الثقيل: فهو الوقور الغير متسرِّع، ووصف حديثهم علیهم السلام بذلك بمعنى أنّ تحمّله ليس بالسهل اليسير.
بقي الكلام على معنى المدينة الحصينة، ولقد ورد في الروايات السابقة بيان معنى الحصون الحصينة((2)) وهي صفة
مِن صفات المؤمن الممتحن فتُحمل "أو" هنا بمعنى الواو، أو أنّه أراد مرتبتين مِن مراتب الإيمان فتكون "أو" على حالها للترديد.
وأمّا معنى المدينة الحصينة فلقد جاء بيانها في حديث سيأتي ومنه: " وأيُّ شيء المدينة الحصينة؟ قال: فقال: سألت الصادق علیه السلام عنها، فقال لي: القلب المجتمع)((1)).
وعلّق الشيخ المجلسي (رحمه الله) بقوله: "المراد بالقلب المجتمع: القلب الذي لا يتفرق بمتابعة الشكوك والأهواء ولا تدخل فيه الأوهام الباطلة والشبهات المضلة".
ولكننا نحتاج إلى الربط بين المدينة الحصينة والقلبالمجتمع فنقول:
تشبيه المؤمن بالمدينة أو تشبيه قلب المؤمن بالمدينة باعتبار احتوائه على فنون مِن المعارف وأسرار مترامية
1) ) الأمالي للشيخ الصدوق ص52. الخصال للشيخ الصدوق ص207-208. معاني الأخبار للشيخ الصدوق ص189. عنه مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص127-128. بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2 ص183 عن معاني الأخبار والخصال وأمالي الصدوق.
الأطراف مجتمعة مترابطة ومع ذلك هي حصينة مُحصَّنة لا يُنال باطنها ولا يُعرف ما بداخلها وكذلك المؤمنون الممتحنون.
حدثنا إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله حماد، عن صباح المزني، عن الحارث بن حصير((1))، عن الأصبغ بن نباته، عن أمير المؤمنين علیه السلام قال: سمعته يقول: (إنَّ حديثنا صعب مستصعب، خشن مخشوش، فانبذوا إلى الناس نبذاً، فمَنْ عرف فزيدوه، ومَنْ أنكر فامسكوا، لا يحتمله إلاّ ثلاث((2))؛ ملَك مقرَّب، أو نبي مرسل، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان)((3)).
بيان مِن الشيخ المجلسي(قدس سره):
"الخشاش بالكسر: ما يدخل في عظم أنف البعير من خشب، فالبعير الذي فعل به ذلك مخشوش، وهذا الوصف أيضا لبيان صعوبته بأنه يحتاج في انقياده إلى الخشاش، ولعل الأصوب: مخشوشن كما في بعض النسخ فهو تأكيد ومبالغة، قال الجوهري: الخشونة: ضد اللين وقد خشُن الشيء - بالضم - فهو خشِن، واخشوشن الشيء: اشتدت خشونته، وهو للمبالغة كقولك: أعشب الأرض واعشوشب".
وأمّا المراد مِن قوله علیه السلام : (فانبذوا إلى الناس نبذاً) معنى النبذ هنا المتعدي بإلى هو مثل قوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ}((1)) فالمراد مِن انبذوا في الحديث أي القوا إلى الناس ما تعرفون ولكن مع ملاحظة استعداد الناس وتفاوتهم وعدم استعدادهم.
1) ) سورة الأنفال الآية 58).
حدثنا سلمة بن الخطاب، عن محمد بن المثنى، عن أبي عمران النهدي، عن المفضل قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: (حديثنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلاّ ملَك مقرَّب، أو نبيٌّ مرسل، أو مؤمن امتحن الله قلبهللإيمان)((1)).
أحمد بن جعفر((2)) عن جعفر بن محمد مالك الكوفي قال: حدثنا الحسن بن حماد الطائي، عن سعد، عن أبي جعفر علیه السلام قال: (حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ملَك مقرَّب، أو نبي مرسل، أو مؤمن ممتحن، أو مدينة حصينة، فإذا وقع أمرنا وجاء مهدينا علیه السلام كان الرجل من شيعتنا أجرأ((3)) مِنْ ليث وأمضى مِنْ سنان، يطأ عدونا
برجليه، ويضربه بكفيه، وذلك عند نزول رحمة الله وفرجه على العباد)((1)).
حدثنا أحمد بن الحسين((2))، عن محمد بن الهيثم، عن أبيه، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر علیه السلام قال: سمعته يقول: إنَّ حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ثلاث((3)): نبيُّ مرسل، أو ملَك مقرَّب، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان. ثُمَّ قال: يا أبا حمزة ألا ترى أنَّه اختار لأمرنا مِنْ
1) ) بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص45، باب في أئمة آل محمد علیهم السلام حديثهم صعب مستصعب. وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2 ص189-190، وج52 ص318. مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص123، بسنده عن محمد بن الحسن عن محمد بن أحمد عن جعفر بن محمد بن مالك الكوفي....
2) ) في البحار والمختصر: محمد بن الحسين.
3) ) كذا في المصدر، والظاهر: ثلاثة.
الملائكة؛ المقربين ومِنَ النبيين؛ المرسلين ومِنَ المؤمنين؛ الممتحنين)((1)).
محمد بن الحسن قال: حدَّثني سلمة، عن محمد بن المثني، عن إبراهيم ابن هاشم، عن إسماعيل بن عبد العزيز قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: (حديثنا صعب مستصعب ذكوان مقنَّع لا يحتمله إلاّ ملَك مقرَّب أو نبي مرسل أو مؤمن ممتحن). قال: ثُمَّ قال: (ما مِنْ أحد أفضل مِنَ المؤمن الممتحن)((2)).
ذكرنا معنى ذكوان مُقنَّع في الرواية الثانية.
والمراد مِن قوله علیه السلام : (ما مِنْ أحد أفضل مِنَ المؤمن الممتحن) إي ما مِن أحد مِن الناس أفضل مِنَ المؤمن
الممتحن، فالألف واللام في "المؤمن" للعهد الذكري.
حدثنا علي بن الحسين بن شقير((1)) بن يعقوب بن الحارث بن إبراهيم الهمداني في منزله بالكوفة، قال: حدثنا أبو عبد الله جعفر بن أحمد بن يوسف الأزدي، قال: حدثنا علي بن بزرج الحناط، قال: حدثنا عمرو بن اليسع، عن شعيب الحداد، قال:
سمعت الصادق جعفر بن محمد علیه السلام يقول: إنَّ حديثنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلاّ ملَك مقَّرب، أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، أو مدينة حصينة.
قال عمرو: فقلت لشعيب: يا أبا الحسن، وأيُّ شيء المدينة الحصينة؟ قال: فقال: سألت الصادق علیه السلام عنها، فقال لي: القلب المجتمع)((2)).
1) ) حاشية: كذا في النسخ، وفي معاني الأخبار، والخصال، وعلل الشرائع 309 / 4 باب 262: علي بن الحسين بن سفيان. وكذا في المختصر عنه.
2) ) الأمالي للشيخ الصدوق ص52. الخصال للشيخ الصدوق ص207-208. معاني الأخبار للشيخ الصدوق ص189. عنه مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص127-128. بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2 ص183 عن معاني الأخبار والخصال وأمالي الصدوق.
جبرئيل بن أحمد، عن اليقطيني، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن ابن كثير، عن جابر بن يزيد قال: قال أبو جعفر علیه السلام : (يا جابر حديثنا صعب مستصعب، أمرد ذكوان((1))، وعر أجرد، لا يحتمله والله إلا نبي مرسل، أو ملَك مقرب، أو مؤمن ممتحن، فإذا ورد عليك يا جابر شيء مِنْ أمرنا فَلانَ له قلبك فاحمد الله، وإنْ أنكرته فرَّده إلينا أهل البيت، ولا تقل: كيف جاء هذا؟ وكيف كان وكيف هو؟ فإنَّ هذا والله الشرك بالله العظيم)((2)).
قوله علیه السلام : (أمرد ذكوان، وعر أجرد).
لقد مرّ الكلام على (ذكوان) و(أجرد).
وأمّا الوعر: فهو ضدُّ السهل، أي في الولوج فيه مشقّة وعوائق وليس بالسهل اليسير.والأمرد: هو الشابٌّ الذي طلع شاربُه ولم تنبت لحيتُه، والوجه في تسمية حديثهم بالأمرد هو الإشارة إلى أنه صاف عن الكدورات كصفاء خدي الأمرد من الشعر، فاستعاره هنا لحديثهم الصافي الذي لا يوجد فيه ما يُعكِّر صفوه.
محمد بن علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، عن أبي الحسين بن أبي الطيب، عن أحمد بن القاسم الهاشمي، عن عيسى، عن فرج بن فروة، عن مسعدة ابن صدقة، عن صالح بن ميثم، عن أبيه قال: بينما أنا في السوق إذ أتاني أصبغ بن نباتة فقال: ويحك يا ميثم لقد سمعت من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام حديثاً صعباً شديداً
فأيُّنا((1)) يكون كذلك؟ قلت: وما هو؟ قال: سمعته يقول: إنَّ حديثنا أهل البيت صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ملَك مقرَّب، أو نبي مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان.
فقمت مِنْ فورتي فأتيت عليَّاً علیه السلام فقلت: يا أمير المؤمنين حديث أخبرني به الأصبغ عنك قد ضقت به ذرعاً. قال: وما هو؟ فأخبرته. قال: فتبسم ثُمَّ قال: اجلس يا ميثم، أَوَ كُلُّ علم يحتمله عالم؟ إنَّ الله تعالى قال لملائكته:
{إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُالدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}((2))...)((3)).
1) ) وفي فرات: إنْ.
2) ) سورة البقرة الآية 30).
3) ) بشارة المصطفى لمحمد بن علي الطبري ص235-237، بسنده: حدثنا أبو الحسين بن أبي الطيب بن شعيب، أخبرنا أحمد بن القاسم [أبي القاسم] الهاشمي، أخبرنا عيسى، حدثنا فروخ [فرح] بن فروة... وما أوردناه مِن البحار. عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2 ص210-211. وفي ج25 ص383-384 عن كتاب اللبات [اللبيات] لابن الشريفة الواسطي مرفوعاً مثله. تفسير فرات الكوفي فرات بن إبراهيم الكوفي ص54-56، باختلاف يسير جدّاً، بسنده: فرات قال: حدثنا علي بن حمدون قال: حدثنا عيسى بن مهران...إلى آخر السند. وعن تفسير فرات بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج37 ص233-234.
قال معروف بن خربوذ: سمعت الباقر علیه السلام يقول: إنَّ خبرنا((1)) صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ملَك مقرَّب، أو نبي مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان)((2)).
لا شك ولا ريب في أن جملة من حديثهم علیهم السلام ليس هو من الصعب المستصعب، فيكون المراد من حديثهم في قولهم ”حديثنا“ هو بعض حديثهم كما أشارت بعض الروايات لذلك وستأتي، وهذا البعض الصعب المستصعب
مِن حديثهم علیهم السلام هو المشتمل على الأسرار والغرائب والعجائب سواء كان هذا الحديث عن افعالهم وشؤونهم الغامضة أم ما فيه مِن غوامض العلوم والأسرار، وكلّ ذلك سواء كان الحديث عن علمهم أو أفعالهم فهو شأن مِن شؤونهم وحال مِن أحوالهم علیهم السلام ، فتكون الطائفتان هذه وسابقتها بمعنى واحد.
وإن أبيت إلاّ التفريق بين أمرهم وحديثهم فلا ثمرة فيه لأنّ الروايات أثبتت أنّ كليهما مِن الصعب المستصعب.
نبي مرسل أو ملك مقرّب أو عبد ممتحن
جابر قال: قال أبو جعفر علیه السلام : (إنَّ حديثنا صعب مستصعب، لا يؤمن به الاّ ملَك مقرَّب، أو نبي مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، فما عرفت قلوبكم فخذوه وما أنكرت فردوه إلينا)((1)).
حدثنا محمد بن الحسين، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر علیه السلام : (حديثنا صعب
1) ) الأصول الستة عشر لعدة محدثين ص61. والأصول الستة عشر من الأصول الأولية بتحقيق ضياء الدين المحمودي ص215.
مستصعب لا يؤمن به إلاّ ملَك مقرَّب أو نبي مرسل أو عبد((1)) امتحن الله قلبه للإيمان فما عرفت قلوبكمفخذوه وما أنكرت فردوه إلينا)((2)).
محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين((3))، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان، عن جابر((4)) قال: قال أبو جعفر علیه السلام : (قال رسول الله صلی الله علیه و آله : إنَّ حديث آل محمد صعب مستصعب لا يؤمن به إلاّ ملَك مقرَّب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، فما ورد عليكم مِنْ حديث
1) ) في البحار بزيادة: مؤمن.
2) ) بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص41، باب في أئمة آل محمد علیهم السلام حديثهم صعب مستصعب. عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2 ص191، وقال: بصائر الدرجات: عبد الله بن عامر، عن البرقي، عن الحسين بن عثمان، عن محمد بن الفضيل، عن الثمالي، عن أبي جعفر علیه السلام مثله. كتاب جعفر بن محمد بن شريح، عن حميد بن شعيب، عن جابر الجعفي، عنه علیه السلام مثله.
3) ) في البصائر بزيادة: بن أبي الخطاب.
4) ) في البصائر: عن المنخل، عن جابر.
آل محمد صلی الله علیه و آله فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه وما اشمأزت((1)) منه قلوبكم وأنكرتموه فردوه إلى الله والى الرسول وإلى العالم مِنْ آل محمد وإنَّما الهالك أنْ يُحَدَّث أحدكم بشيء منه لا يحتمله، فيقول: والله ما كان هذاوالله ما كان هذا، والانكار هو الكفر((2)))((3)).
1) ) الاشمئزاز: الانقباض والكراهة.
2) ) في الفصول: وإنَّما الهالك أنْ يُحَدَّث بشيء منه لا يحتمله فيقول: والله ما كان هذا ثلاثاً ولا والله ما هذا بشيء. والإنكار هو الكفر.
3) ) الكافي للشيخ الكليني فيما جاء أنَّ حديثهم صعب مستصعب) ج1 ص401. وبصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص40-41، باب في أئمة آل محمد علیهم السلام حديثهم صعب مستصعب. مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص123. بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2 ص189، عن البصائر، وقال: الخرائج: أخبرنا الشيخ علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين الجوزي عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب مثله، وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج25 ص366، عن منتخب البصائر، والخرائج، مسنداً عن علي بن عبد الصمد عن أبيه عن السيد أبي البركات علي بن الحسين الجوزي [الحويزي] [الخوزي]، عن الصدوق عن أبيه عن سعد عن ابن أبي الخطاب عن محمد بن سنان عن عمار بن مروان عن المنخل عن جابر.... وبتغيير يسير مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص106-107. الفصول المهمة في أصول الأئمة للحر العاملي ج1 ص615-616 عن البصائر، بسنده ومِنْ كتاب الخرايج والجرايح لسعيد بن هبة الله الراوندي رحمه الله قال: حدَّثنا علي بن عبد الصمد التميمي، أخبرنا عن أبيه، عن السيِّد أبي البركات علي بن الحسين الحويزي الحسيني، أخبرنا الشيخ أبو جعفر بن بابويه عن أبيه عن سعد بن عبد الله قال حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن عمَّار بن مروان، عن المنخل بن جميل، عن جابر بن يزيد.
حدثنا عبد الله بن عامر، عن البرقي، عن الحسين بن عثمان، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر علیه السلام قال: (إنَّ حديثنا صعب مستصعب لا يؤمن به إلاّ نبي مرسل، أو ملَك مقرَّب، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، فما عرفت قلوبكم
فخذوه، وما أنكرت قلوبكم فردُّوه إلينا)((1)).
حدثنا محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن ذريح المحاربي و أحمد بن محمد، عن البرقي، عن صفوان، عن ذريح قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: إنَّ أبي نعم الأب رحمة الله عليه، كان يقول: لو أجد ثلاثة رهط استودعهم العلم وهم أهل لذلك لحدثت بما لا يحتاج فيه((2)) إلى نظر((3)) في حلال ولا حرام وما يكون إلى يوم القيمة، إنَّ حديثنا صعب مستصعب لا يؤمن به الا عبد امتحن الله قلبه للأيمان)((4)).
لقد مرّ مثله سابقاً في الحديث الرابع مِنْ مجموعة
الأحاديث التي فيها أمرنا لا يحتمله، وأوردناه هنا لوجود الاختلاف في السند والمتن.
حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي جعفر علیه السلام قال: يا جابر إنَّ حديث آل محمد صعب مستصعب ذكوان أجرد ذُعَرٌ((1))، لا يؤمن - والله - به إلاّ ملَك مقرَّب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان...)((2)).
إنّ احتمال الشيء والإيمان به هنا متلازمان، فإنّ المحتمل لشيء لابدّ وأن يكون مؤمناً به، ولا يُتصوّر احتمال فعلي لشيء لا يؤمن به، كما أنّ هذه النصوص لمّا صرّحت بأنّ الذي يؤمن به لابدّ أن يكون مؤمناً ممتحنا، أي لابدّ أن يكون مُحتملاً له.
فهذه الطائفة يكون مفادها كسابقتيها.
نبي مرسل أو ملك مقرّب أو عبد ممتحن
قال جابر: سمعته يقول: (إنَّ أمرنا صعب مستصعب على الكافرين لا يقرُّ بأمرنا الاّ نبي مرسل، أو ملَك مقرَّب، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان)((1)).
قوله علیه السلام : (أمرنا صعب مستصعب على الكافرين) ليس المراد أنّ مَنْ لم يحتمل أمرهم مِن النبي الغير مرسل والملك الغير مُقرّب والمؤمن الغير ممتحن يُعدُّ كافراً كفراً
1) ) الأصول الستة عشر لعدة محدثين ص65. والأصول الستة عشر من الأصول الأولية بتحقيق ضياء الدين المحمودي ص223. بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2 ص191.
مُخرجاً مِن ملّة الإسلام، كما هو واضح.
بل ينبغي حمل الكفر هنا على معنى الانكار لتلك الأسرار التي لا يحتملها، فهو كافر بها فقط، ويشمل هذا حتّى غير العالم بها. وهذا مِن قبيل كفر النعمة.فإنّ الكفر لغة يُطلق على كلِّ انكار وجحود بل مجرّد عدم الإيمان بشيء هو كفر به علمه أم لم يعلمه، ومِن ذلك ما في الزيارة الجامعة:
(وأشهدكم أنِّي مؤمن بكم وبما آمنتم به كافر بعدوِّكم وبما كفرتم به).
فنحن كافرون بما كفر به أهل البيت علیهم السلام سواء علمنا به أم لم نعلم به.
ووردت الروايات في كفر تارك الصلاة والمستطيع للحجِّ التارك له، وغيرها من الموارد.
وروي بيانٌ مِن أهل البيت علیهم السلام في الكفر في القران الكريم في موارد عدّة:
فروى الشيخ الكليني(قدس سره) عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد، عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قلت له: أخبرني
عن وجوه الكفر في كتاب الله عز وجل قال: (الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه.
فمنها كفر الجحود، والجحود على وجهين، والكفر بترك ما أمر الله ; وكفر البراءة، وكفر النعم.
إلى أنْ يقول:
الثالث من الكفر كفر النعم وذلك قوله تعالى يحكي قول سليمان علیه السلام : (هَٰذَا مِن فَضلِ رَبِّي لِيَبلُوَنِيٓ ءَأَشكُرُ أَم أَكفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشكُرُ لِنَفسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّكَرِيمٌ 40)((1))
وقال: (وَإِذ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِن شَكَرتُم لَأَزِيدَنَّكُمۖ وَلَئِن كَفَرتُم إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ 7)((2))
وقال: (فَٱذكُرُونِيٓ أَذكُركُم وَٱشكُرُواْ لِي وَلَا تَكفُرُونِ 152)((3)).
والوجه الرابع من الكفر ترك ما أمر الله عز وجل به وهو قول الله عز وجل:
(وَإِذ أَخَذنَا مِيثَٰقَكُم لَا تَسفِكُونَ دِمَآءَكُم وَلَا تُخرِجُونَ أَنفُسَكُم
مِّن دِيَٰرِكُم ثُمَّ أَقرَرتُم وَأَنتُم تَشهَدُونَ 84 ثُمَّ أَنتُم هَٰٓؤُلَآءِ تَقتُلُونَ أَنفُسَكُم وَتُخرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِم تَظَٰهَرُونَ عَلَيهِم بِٱلإِثمِ وَٱلعُدوَٰنِ وَإِن يَأتُوكُم أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُم وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيكُم إِخرَاجُهُمۚ أَفَتُؤمِنُونَ بِبَعضِ ٱلكِتَٰبِ وَتَكفُرُونَ بِبَعضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُم...85)((1)).
فكفرهم بترك ما أمر الله عز وجل به ونسبهم إلى الايمان ولم يقبله منهم ولم ينفعهم عنده فقال:
(فَمَا جَزَآءُ مَن يَفعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُم إِلَّا خِزيٌ فِي ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَاۖ وَيَومَ ٱلقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعمَلُونَ 85)((2)).والوجه الخامس من الكفر كفر البراءة وذلك قوله عز وجل يحكي قول إبراهيم علیه السلام :
(كَفَرنَا بِكُم وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ ٱلعَدَٰوَةُ وَٱلبَغضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحدَهُۥٓ...4)((3)).
يعني تبرأنا منكم، وقال يذكر إبليس وتبرئته من أوليائه من الانس يوم القيامة:
(إِنِّي كَفَرتُ بِمَآ أَشرَكتُمُونِ مِن قَبلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُم عَذَابٌ
أَلِيمٌ 22) ((1)).
وقال: (وَقَال إِنَّمَا ٱتَّخَذتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوثَٰنًا مَّوَدَّةَ بَينِكُم فِي ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَاۖ ثُمَّ يَومَ ٱلقِيَٰمَةِ يَكفُرُ بَعضُكُم بِبَعضٖ وَيَلعَنُ بَعضُكُم بَعضًا...25)((2)). يعني يتبرء بعضكم من بعض)((3)).
كما ورد أيضاً تكفير مَنْ يُسمي صاحب الأمر باسمه وهو يُمكن دخوله في الوجه الرابع من الكفر وهو ترك ما أمر الله عزّ وجلّ به المذكور في الحديث السابق.ومِنْ تلك الروايات ما في جامع أحاديث الشيعة((4)):
عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (صاحب هذا الامر لا يسميه باسمه إلا كافر).
وعن حذيفة بن اليمان قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله يقول: (صاحب بنى عباس يقتله رجل من ولدي لا يسميه باسمه إلاّ كافر).
وعن حذيفة بن اليمان عن رسول اله صلی الله علیه و آله في خبر في
صفة المهدي علیه السلام قال: (وهو الذي لا يسميه باسمه ظاهراً قبل قيامه إلاّ كافر به).
وإنْ وجدت حرجاً في اطلاق الكفر - كما في الحديث السابق - على مطلق المنكر لشيء حتى ولو لم يحتمله فيُمكنك حمل الرواية على أنّ الكافر المنكر لله تعالى مثلا لا يحتمل أمرهم علیهم السلام وأنّ الأنبياء الغير مرسلين والملائكة الغير مقرّبين والمؤمن الغير ممتحن ممن يحتمل ولكن بنسبة ضئيلة.
حدثنا محمد بن الحسين، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر علیه السلام : (إنَّ أمرنا صعب مستصعب على الكافر لا يقرُّ بأمرنا إلاّ نبي مرسل، أو ملَك مقرَّب، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان)((1)).
حدثني محمد بن الحسين، عن إبراهيم بن أبي البلاد،
1) ) بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص47، باب في أئمة آل محمد علیهم السلام أمرهم صعب مستصعب. عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2 ص196.
عن سدير الصيرفي قال: كنت بين يدي أبي عبد الله علیه السلام اعرض عليه مسائل قد أعطانيها أصحابنا إذا((1)) خطرت بقلبي مسألة، فقلت: جعلت فداك مسألة خطرت بقلبي الساعة. قال: أليست في المسائل؟ قلت: لا. قال: وما هي؟ قلت: قول أمير المؤمنين: إنَّ أمرنا صعب مستصعب، لا يعرفه الا ملَك مقرَّب، أو نبي مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان. فقال: نعم؛ إنَّ مِنَ الملائكة مقربين وغير مقربين، ومن الأنبياء مرسلين وغير مرسلين، ومن المؤمنين ممتحنين وغير ممتحنين، وإنَّ أمركم هذا عُرض على الملائكة فلم يقر به الا المقربون، وعُرض على الأنبياء فلم يقر به إلاّ المرسلون، وعُرض على المؤمنين فلم يقر به إلاّ الممتحنون((2)))((3)).
1) ) في البحار: إذ.
2) ) في المصدر: الممتحنين.
3) ) بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص46-47، باب في أئمة آل محمد علیهم السلام أمرهم صعب مستصعب. عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2 ص195. تفسير فرات الكوفي لفرات بن إبراهيم الكوفي ص427-428، قال: حدثنا أبو القاسم الحسني [الحسيني] قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثنا جعفر بن محمد الفزاري قال: حدثنا محمد بن الحسين - يعني الصائغ - قال: حدثنا أيوب عن إبراهيم بن أبي البلاد: عن سدير الصيرفي...".
قوله علیه السلام : (أمركم) أراد منه تلك المرتبة مِن الإيمان التي يكون بها مؤمناً ممتحناً، بقرينة أنّها عُرضت على المؤمنين فلم يقبلها إلا الممتحن، وليس المراد هو مطلق ما عليه الشيعة مِن الإيمان فإنّها مما يقبلها المؤمن الغير الممتحن. ومسألة عرضها على الأنبياء الغير مرسلين والملائكة الغير مقرّبين فلم يقبلوها سيأتي بيانه في آخر البحث في معالجة النصوص.
أبي - رحمه الله - قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله((1))، عن أبيه، عن ابن سنان، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن سدير قال: سألت أبا عبد
1) ) في البحار: البرقي.
الله علیه السلام عن قول أمير المؤمنين علیه السلام : (إنَّ أمرنا صعب مستصعب لا يقرُّ بِه((1)) إلاّ ملَك مقرَّب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان) فقال: (لأنَّ في الملائكة مقرَّبين وغير مقرَّبين، ومِنَ الأنبياء مرسلين وغير مرسلين، ومِنَ المؤمنين ممتحنين وغير ممتحنين، فعرض أمركم هذا على الملائكة فلم يقرّ به إلاّ المقرَّبون، وعرض على الأنبياء فلم يقرّ به إلا المرسلون، و عرض على المؤمنين فلم يقرّ به إلاّالممتحنون. قال: ثُمَّ قال لي: مر في حديثك)((2)).
حدثنا محمد بن الحسين، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حمَّاد بن عثمان، عن فضل((3))، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنَّ أمركم هذا لا يعرفه ولا يقر به إلاّ ثلاثة
ملَك مقرَّب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان)((1)).
حدثنا عباس بن معروف عن حماد بن عيسى عن حريز عن الفضيل عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (إنَّ أمرنا هذا لا يعرفه ولا يقرُّ به إلاّ ثلاثة؛ ملَك مقَّرب أو نبي مصطفى أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان)((2)).
إنّ جميع الأنبياء مُصطفَون، لذا لابدّ مِن حمل الاصطفاء هنا على الاصطفاء بالرسالة، أي النبي المرسل فيكون متوافقاً مع بقية الأحاديث.
حدثنا محمد بن الحسين، عن محمد بن أسلم، عن ابن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام : (إنَّ أمرنا أهل البيت صعب مستصعب لا يعرفه ولا يقرُّ به إلاّ ملَك مقرَّب أو نبي مرسل أو مؤمن نجيب((1)) امتحن الله قلبه للإيمان)((2)).
حدثنا محمد بن عبد الحميد وأبو طالب جميعاً، عن حنان، عن أبيه، عن أبي جعفر علیه السلام أنَّه قال: يا أبا الفضل لقد أمست شيعتنا أو((3)) أصبحت على أمرنا. ما أقرَّ به إلاّ ملَك مقرَّب، أو نبي مرسل، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه
للإيمان)((1)).
ومن كتاب سليم بن قيس الهلالي رحمة الله عليه الذي رواه عنه أبان ابن أبي عياش وقرأه جميعه على سيدنا علي بن الحسين صلی الله علیه و آله بحضور جماعة أعيان مِنَ الصحابة؛ منهم أبو الطفيل. فأقرَّه عليه زين العابدين علیه السلام وقال: هذه أحاديثنا صحيحة. قال أبان: لقيت أبا الطفيل بعد ذلك في منزله فحدَّثني في الرجعة عن أُنَاس مِنْ أهل بدر، وعن سلمان((2)) والمقداد وأبي بن كعب((3)). وقال أبو الطفيل: فعرضت هذا الذي سمعته منهم على علي بن أبي
1) ) بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص47، باب في أئمة آل محمد علیهم السلام أمرهم صعب مستصعب.
2) ) في كتاب سليم زيادة: أبي ذر.
3) ) حاشية: أبو المنذر أبي بن كعب بن قيس بن عبيد من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله . شهد العقبة مع السبعين وكان يكتب الوحي. شهد بدرا والعقبة وهو من الاثني عشر الذين أنكروا على أبي بكر.
طالب علیه السلام بالكوفة، فقال: هذا علم خاص لا((1)) يسع الأمة جهله ورد علمه إلى الله تعالى.
ثُمَّ صدَّقني بكلِّ ما حدثوني وقرأ علي بذلك قراءة كثيرة((2)) فسَّره تفسيراً شافياً حتى صرت ما انا بيومالقيامة أشدّ يقيناً منِّي بالرجعة، وكان مما قلت: يا أمير المؤمنين؛ أخبرني عن حوض النبي صلی الله علیه و آله في الدنيا أم في الآخرة؟ فقال: بل في الدنيا((3)). قلت: فمن الذايد عنه؟ فقال: انا بيدي فليردنه أوليائي وليصرفن عنه أعدائي((4)) فقلت: يا أمير المؤمنين قول الله عزَّ وجلَّ:
{وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ
1) ) في كتاب سليم من دون لا).
2) ) في كتاب سليم: قرآنا كثيراً و.
3) ) حاشية: الظاهر - بقرينة كلمة (بل) - أنه علیه السلام يريد بذلك أن أصل الحوض في الدنيا وهو محبة محمد وآله علیهم السلام وولايتهم وبغض أعدائهم كما يستفاد ذلك من أحاديث كثيرة. يراجع البحار: ج8 ص16 الباب 20.
4) ) حاشية: وفي رواية أخرى ولأوردنَّه أوليائي ولأصرفنَّ عنه أعدائي.
أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ}((1))
ما الدابة؟ قال: يا أبا الطفيل اله((2)) عن هذا.
فقلت: يا أمير المؤمنين أخبرني به جعلت فداك. قال: هي دابَّة تأكل الطعام وتمشي في الأسواق وتنكح النساء. فقلت: يا أمير المؤمنين من هو؟ قال: هو ربُّ الأرض الذي تسكن الأرض به((3)).
قلت: يا أمير المؤمنين مَنْ هو؟قال: صدِّيق هذه الأمة وفاروقها ورِبيها((4)) وذو قرنيها.
1) ) سورة النمل الآية (82).
2) ) حاشية: في نسخة: إليك.
3) ) في كتاب سليم: هو زر الأرض الذي إليه تسكن الأرض). حاشية: زر الأرض كناية عما به قوامها.
4) ) في كتاب سليم: ورئيسها بدل وربيها. في البحار: ايضاح: قوله علیه السلام : " وربيها بكسر الراء إشارة إلى قوله تعالى " وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ". وقال البيضاوي: أي ربانيون علماء أتقياء عابدون لربهم وقيل: جماعات منسوب إلى الربة وهي الجماعة. أقول: رأيت في أصل كتاب سليم بن قيس مثله.
قلت: يا أمير المؤمنين مَنْ هو؟ قال: الذي قال الله تعالى:
{... وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ...}((1)) والذي {... عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}((2)) {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ} والذي{صَدَّقَ بِهِ...}((3)) أنَا، والنَّاس كلُّهم كافرون غيري وغيره. قلت: يا أمير المؤمنين فسمِّه لي.
قال: قد سميته لك. يا أبا الطفيل، والله لو أدخلت((4)) على عامة شيعتي الذين بهم أقاتل الذين أقرُّوا بطاعتي وسموني أمير المؤمنين واستحلوا جهاد مَنْ خالفني فحدَّثتهم((5)) ببعض ما اعلم مِنَ الحقِّ في الكتاب الذينزل به جبرئيل علیه السلام على محمد صلی الله علیه و آله ((6)) لتفرقوا عنِّي حتى أبقى في عصابة مِنَ الحقِّ قليلة، أنت وأشباهك مِنْ شيعتي. ففزعت.
فقلت: يا أمير المؤمنين أنا وأشباهي نتفرق عنك أو
نثبت معك؟ قال: لا، بل تثبتون. ثُمَّ اقبل عليَّ فقال: إنَّ أمرنا صعب مستصعب لا يعرفه ولا يقر به إلاّ ثلاثة؛ ملَك مقرَّب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن نجيب امتحن الله قلبه للإيمان. يا أبا الطفيل إنَّ رسول الله صلی الله علیه و آله قبض فارتدَّ الناس ضُلالاً وجُهَّالاً إلاّ مَنْ عصمه الله بنا أهل البيت)((1)).
روي عنه (أمير المؤمنين علیه السلام ) أنَّه قال: (كُنَّا ظِلالاً تحت العرش قبل خلق البشر وقبل خلق الطينة التي منها البشر، أشباحاً عالية، لا أجساماً نامية، إنَّ أمرنا صعب مستصعب لا يعرف كنهه إلاّ ثلاثة، ملَك مقرَّب، أو نبي مرسل، أو مؤمن امتحنه الله قلبه للإيمان، فإذا انكشف لكم سرٌّ، أو وضح لكم أمر، فاقبلوا، وإلاّ فاسكُتُوا تسلموا، أو رُدُّوا علمه إلى الله فإنَّكم في أوسع ما بينالسماء والأرض)((2)).
الأجسام النامية هي المخلوقة مِن الطين كأجسامنا، وأمّا الأشباح العالية المقام فهي التي تكون في عالم الأظلَّة، قبل خلق البشر، وإنّما أُريد مِن أشباحهم في عالم الأظلة هو ما يُقابل أرواحهم، فإنّ ارواحهم لا ظلال فيها لأنَّها نور النور، وأمَّا أشباحهم في ذلك العالم فهي مِن الظِلال، والظل فيه نور ولكن ليس هو محض النور كأرواحهم علیهم السلام .
مِنْ حديث طويل: ذكر والدي رحمه الله أنَّه رأى في كتاب عتيق جمعه بعض محدثي أصحابنا في فضائل أمير المؤمنين علیه السلام هذا الخبر، ووجدته أيضاً في كتاب عتيق مشتمل على أخبار كثيرة. قال:
روي عن محمد بن صدقة أنَّه قال: سأل أبو ذر الغفاري سلمان الفارسي رضي الله عنهما يا أبا عبد الله ما معرفة الامام أمير المؤمنين علیه السلام بالنورانية؟ قال: يا جندب فامض بنا حتى نسأله عن ذلك، قال: فأتيناه فلم نجده. قال: فانتظرناه حتَّى جاء. قال صلوات الله عليه: ما جاء بكما؟
قالا جئناك يا أمير المؤمنين نسألك عن معرفتكبالنورانية. قال صلوات الله عليه: مرحباً بكما مِنْ وليَّيْن متعاهدَين لدينه((1)) لستما بمقصِّرَين، لعمري إنَّ ذلك الواجب على كلِّ مؤمن ومؤمنة، ثُمَّ قال صلوات الله عليه: يا سلمان ويا جندب قالا: لبيك يا أمير المؤمنين، قال علیه السلام : إنَّه لا يستكمل أحد الايمان حتَّى يعرفني كنه معرفتي بالنورانية، فإذا عرفني بهذه المعرفة فقد امتحن الله قلبه للإيمان وشرح صدره للإسلام وصار عارفاً مستبصراً، ومَنْ قَصُرَ عن معرفة ذلك فهو شاكٌّ ومرتاب، يا سلمان ويا جندب قالا: لبيك يا أمير المؤمنين، قال علیه السلام : معرفتي بالنورانية معرفة الله عزَّ وجلَّ ومعرفة الله عزَّ وجلَّ معرفتي بالنورانية، وهو الدِّين الخالص الذي قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}((2)) يقول: "ما أمروا" إلاّ بنبوة محمد صلی الله علیه و آله وهو الدِّين الحنيفية المحمدية السمحة، وقوله: "يقيمون الصلاة" فمَنْ أقام ولايتي فقد أقام الصلاة، وإقامة
ولايتي صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ملَك مقرَّب، أو نبي مرسل، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان. فالملك إذا لم يكن مقرَّباً لم يحتمله، والنبي إذا لم يكن مرسلاً لم يحتمله، والمؤمن إذا لم يكن ممتحناً لم يحتمله.
قلت: يا أمير المؤمنين مَنْ المؤمن وما نهايته وما حدُّه حتى أعرفه؟ قال علیه السلام : يا أبا عبد الله. قلتُ: لبيك يا أخارسول الله، قال: المؤمن الممتحن هو الذي لا يرد مِنْ أمرنا إليه بشيء إلاّ شرح صدره لقبوله، ولم يشك ولم يرتب((1)). اعلم يا باذر أنا عبد الله عزَّ وجلَّ وخليفته على عباده لا تجعلونا أرباباً وقولوا في فضلنا ما شئتم، فإنَّكم لا تبلغون كنه ما فينا ولا نهايته، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ قد أعطانا أكبر وأعظم مما يصفه واصفكم، أو يخطر على قلب أحدكم، فإذا عرفتمونا هكذا فأنتم المؤمنون...)((2)).
إنّ الحديث عن معرفتهم علیهم السلام بالنورانية مما يطول بحثه، ويصعب فهمه لذا نُرجئه إلى محلِّه حتى لا نخرج هنا عن
البحث ونستطرد طويلاً.
هذه الروايات ورد فيها لا يعرف أمرهم ولا يقرُّ به إلاّ نبيٌّ مرسل وملك مقرّب ومؤمن ممتحن، بخلاف سابقتها مِنَ الروايات التي عبّرت ب- "لا يحتمله" ولاشكّ ولا ريب أنّ مَن يحتمل فعلاً لابدَّ أن يكون قد عرف وأقرَّ، وإلاّ كيف يتحقق احتماله فعلاً مَع عدم معرفته والإقرار به، فإنّه حينئذ لا يُمكن أن يكون محتملاً.
كما أنَّ مَنْ آمن بالصعب المستصعب وعرفه لا بدّ وأن يكون محتملاً له بالفعل.
فبالنتيجة أنّ تلك الأحاديث السابقة كلّها تؤدِّي معنى واحداً فارداً.
نبي مرسل أو ملك مقرّب أو عبد ممتحن
أحمد بن إدريس، عن عمران بن موسى، عن هارون ابن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: ذكرت التقية يوماً عند علي بن الحسين صلی الله علیه و آله فقال: (والله لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، ولقد آخا رسول الله صلی الله علیه و آله بينهما، فما ظنكم بسائر الخلق، إنَّ علم العلماء صعب مستصعب، لا يحتمله((1)) إلاّ نبي مرسل، أو ملَك مقرَّب، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، فقال: وإنَّما صار سلمان مِنَ العلماء لأنَّه أمرؤ منَّا أهل البيت، فلذلك
1) ) الاحتمال: هومطاوعة الحمل؛ ومعناه التحمل والقبول مع الايمان به.
نسبته إلى العلماء.)((1)).
البحار: "بيان قوله علیه السلام : ما في قلب سلمان، أي من مراتب معرفة الله ومعرفة النبي والأئمة صلوات الله عليهم، فلو كان أظهر سلمان له شيئاً من ذلك لكان لا يحتمله، ويحمله على الكذب، وينسبه إلى الارتداد.
أو العلوم الغريبة والآثار العجيبة التي لو أظهرها له لحملها على السحر فقتله، أو كان يفشيه ويظهره للناس فيصير سببا لقتل سلمان على الوجهين.
1) ) الكافي للشيخ الكليني فيما جاء أنَّ حديثهم صعب مستصعب) ج1 ص401. عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج22 ص343. عنه كتاب الأربعين للشيخ الماحوزي ص343-346. بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص44، باب في أئمة آل محمد علیهم السلام حديثهم صعب مستصعب، وسنده: حدثنا عمران بن موسى عن محمد بن علي وغيره عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقه عن جعفر عن أبيه. وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2 ص190. مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص124-125.
وقيل: الضمير المرفوع راجع إلى العلم، والمنصوب إلى أبي ذر أي لقتل وأهلك ذلك العلم أبا ذر، أي كان لا يحتمله عقله فيكفر بذلك، أولا يطيق ستره وصيانته فيظهره للناس فيقتلونه.
وقال السيد المرتضى رضي الله عنه في بعض فوائده حيث سئل عن هذا الخبر:
الجواب وبالله التوفيق إن هذا الخبر إذا كان من أخبار الآحاد التي لا توجب علماً ولا تثلج صدراً، وكان لهظاهر ينافي المقطوع والمعلوم تأوَّلنا ظاهره على ما يطابق الحق ويوافقه إنْ كان ذلك مستسهَلاً، وإلاّ فالواجب إطراحه وإبطاله، وإذا كان من المعلوم الذي لا يحيل سلامة سريرة كل واحد من سلمان وأبي ذر ونقاء صدر كل واحد منهما لصاحبه، وإنهما ما كانا من المدغلين((1)) في الدين ولا المنافقين فلا يجوز مع هذا المعلوم أن يعتقد أن الرسول يشهد بأن كل واحد منهما لو اطلع على ما في قلب
1) ) دَغَلَ الرَّجُلُ فِي الأمْرِ: دَخَلَ دُخُولَ الْمُرِيبِ، فالمدغلون هم أهل الريب.
صاحبه لقتله على سبيل الاستحلال لدمه، ومن أجود ما قيل في تأويله: أن الهاء في قتله راجع إلى المطَّلَع، لا المطلَّع عليه، كأنَّه أراد؛ أنه إذا اطَّلع على ما في قلبه و علم موافقة باطنه لظاهره وشدة إخلاصه له، اشتد ضننه به، ومحبته له، وتمسكه بمودته ونصرته فقتله ذلك الضن أو الود بمعنى أنه كاد يقتله، كما يقولون: فلان يهوى غيره، وتشتد محبته له حتى إنه قد قتله حبه، أو أتلف نفسه أو ما جرى مجرى هذا من الألفاظ وتكون فائدة هذا الخبر حسن الثناء على الرجلين، وأنه آخى بينهما وباطنهما كظاهرهما وسرهما في النقاء والصفاء كعلانيتهما. انتهى كلامه رفع الله مقامه ولا يخفى ما فيه".
وفي الحاشية: "وقد يقال في معناه أيضا: أي لكدَّ فكره وخاطره كدَّاً يجهده، وانه عبر بالقتل مبالغة عن شدة المبالغة والمشقة، كما يقول القائل: قتلني انتظار فلان،ومت إلى أنْ رأيتك وهو يريد الاخبار عن شدة الكلفة والمشقة والمبالغة في وصفها".
وهذا أيضاً لا يخفى ما فيه مِن التكلُّف، وخلاف الظاهر، بل وخلاف النصوص الصريحة التي نحن بصددها. نعم، لا
شكّ أنّ أباذر(رضي الله عنه) أيضاً مِن المؤمنين الممتحنين ولكنْ في مرتبة أدنى بكثير مِنْ مرتبة سلمان(رضي الله عنه) وهذا يُعلم مِن كثير مِن الوقائع للمتتبع، والحديث القادم يُقرِّب الصورة ويوضحها للمتأمِّل.
الحسين بن حمدان الخصيبي، عن الحسن، عن أبي حمزة، عن أبيه، قال: حدثني مسعود المدائني وحسين ابن محمد بن فرقد جميعاً، عن فضل الرسول، عن أبي جعفر علیه السلام : (إنَّ أمير المؤمنين قال له أصحابه: لو أريتنا ما تطمئن به قلوبنا مما في يدك مما أَنْهَى((1)) إليك رسول الله صلی الله علیه و آله فقال: لو أريتكم عجيبة مِن عجائبي لكفرتم، وقلتم: ساحر أو كاهن، ولكان هذا مِنْ أحسن قولكم. فقالوا: يا أمير المؤمنين ما منَّا أحد إلاّ وهو يعلم إنَّك ورثت علم رسول الله وصار إليك. فقال: (علم العالم صعب مستصعب، لا يحمله إلاّ ملَك مقرَّب، أو نبي مرسل، أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، وأيَّده بروح منه،
1) ) المراد: بلَّغك رسول الله صلی الله علیه و آله .
فإذا أبيتم إلاَّ أنْ أُريكم بعض عجائبي وما أتاني مِنَالعلم فاتْبَعُوا أثري إذا صليت العشاء الآخرة، فلمَّا صلَّى أخذ طريقه إلى ظهر الكوفة، واتَّبعوه وهم سبعون رجلاً ممن كانوا عند أنفسهم مِنْ خيار الناس، وكانوا شيعة له. فقال: إنَّي لست أريكم شيئاً حتى آخذ عليكم عهد الله وميثاقه ألاّ تُكَفِّروني ولا ترموني بالمعطِّلات((1))، والله ما أريكم الا بعض ما أعطيت مِنْ ميراث النبي المرسل والحجة عليَّ وعليكم (صلوات الله عليه)، فأخذ عليهم عهد الله وميثاقه ثُمَّ قال: حَوِّلوا وجوهكم حتَّى أدعو بما أريد. فسمعوه جميعاً يدعو بالدعوات التي يعرفونها ويعلمونها مِنْ أسماء الله، ثُمّ قال: حولوا وجوهكم فإذا هم بالقيامة قد قامت، والجنَّة والنار قد حضرت، وحُشِرَ جميعهم فما شَكُّوا في القيامة وإنَّهم بُعثوا وحُشروا.
فقالوا: يا أمير المؤمنين ما هذا؟ فقال: هكذا يوم القيامة.
فقال أحسنهم قولاً: إنْ هذا إلاّ سحر عظيم، ورجعوا من
1) ) المعطلات هي موانع قبول الأعمال، فكأنّما هو جعل العمل بلا أثر، وعُدّ مِن المعطلات الرياء والنفاق، والشكّ، والرَّيب، ونحو ذلك.
فورهم كفَّاراً إلاّ رجلين((1)).
فلمّا صار مع الرجلين، قال سمعتما مقالة أصحابكما، واخذي عليهم العهود والمواثيق، ورجوعهم يكفِّروننيأمَا والله أنَّهم لفي حجتي((2))، وهكذا كان أصحاب محمد صلی الله علیه و آله يقولون: ساحر كاهن كذَّاب، وقد علمت قريش ما خلق الله خلقاً كان خيراً منه، وبالله الذي لا يُحلف بأعظم منه وبرسوله ورُسُلِه وكُتُبِه كلِّها إنِّي لست ساحراً ولا كذَّاباً، ولا يعرف هذا إلاّ لي ولرسوله صلی الله علیه و آله ، أنهاه الله إلى رسوله، وأنهاه رسوله إلي، وأنهيته إليكم فصَدَق رسول الله صلی الله علیه و آله وكذَّبتموني، وكذَّبتم رسله وننبئ عن الله، فإذا رددتم على رسول الله فقد رددتم على الله.
ثم قال: وأنتما راجعان معي وفي قلوبكما مرض، وسيرجع أحدكما كافراً.
قالا: يا أمير المؤمنين نرجو أنْ لا نكفر بعد الايمان.
قال: هيهات المؤمن قليل، كما قال الله: {... وَمَا آمَنَ مَعَهُ
إِلاَّ قَلِيلٌ}((1)).
حتَّى إذا صار إلى مسجد الكوفة، ودعا بدعوات فسمعناها فإذا حصى المسجد دُرَّا ًوياقوتاً ولؤلؤاً، فقلنا: يا أمير المؤمنين هذا درٌّ وياقوت ولؤلؤ.
فقال: لو أقسمت على الله فيما هو أعظم مِنْ هذا لأبرَّ قسمي، فرجع أحدهما كافراً والآخر مثبتاً، وأخذ درَّة مِنْ ذلك الدرّ، بيضاء لم ينظر مثلها. وقال: يا أمير المؤمنين قد اخذت مِنْ ذلك الدرِّ درَّة واحدة وهي معي.قال: فما دعاك إلى هذا قال: أحببت [أن] اعلم، أحقٌّ هو أم باطل؟ قال له أمير المؤمنين: إنَّك إنْ رددتها إلى موضعها الذي اخذتها منه عوَّضك الله، وإنْ لم تردَّها عوَّضك منها النار، فقام الرجل فردَّها إلى موضعها فتحوَّلت حصاة كما كانت، فأخبره فقال أحسنت)((2)).
هذه الطائفة مِن الأخبار الشريفة ذكرت أنّ علمهم علیهم السلام لا
يحتمله إلاّ ملك مقرّب أو نبي مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، وقد تقدّم أنّ المراد مِن حديثهم ما يشمل حديثهم عن العلم بتلك الأسرار، وكذلك أمرهم يشمل علمهم علیهم السلام فتكون هذه الطائفة داخلة في تلك الروايات المذكورة في الطوائف السابقة وهذه الروايات أخصّ مِن سابقتها.
نبي مرسل ولا ملك مقرّب ولا عبد ممتحن
حدثنا أحمد بن إبراهيم، عن إسماعيل بن مهزيار((1))، عن عثمان بن جبلة((2))، عن أبي الصامت، قال أبو عبد الله علیه السلام : (إنَّ حديثنا صعب مستصعب شريف كريم ذكوان ذكي وعر، لا يحتمله ملَك مقرَّب ولا نبي مرسل ولا مؤمن ممتحن. قلت: فمَن يحتمله؟ جعلت فداك. قال: مَنْ شئنا يا أبا الصامت. قال أبو الصامت: فظننت أنَّ لله عباداً هم أفضل مِنْ هؤلاء الثلاثة)((3)).
حدَّثنا أحمد بن الحسن، عن أحمد بن إبراهيم، عنمحمد بن جمهور، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر((1))، عن عيسى الفراء، عن أبي الصامت، قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: (إنَّ مِنْ حديثنا مالا يحتمله ملَك مقرَّب ولا نبي مرسل ولا عبد مؤمن. قلت: فمَنْ يحتمله؟ قال نحن نحتمله)((2)).
وقال المفضل قال أبو جعفر علیه السلام ان حديثنا صعب مستصعب ذكوان أجرد لا يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد امتحن الله قلبه للإيمان اما الصعب فهو الذي لم يركب بعد واما المستصعب فهو الذي يهرب منه إذا
رُئي((1)) واما الذكوان فهو ذكاء المؤمنين واما الاجرد فهو الذي لا يتعلق به شيء من بين يديه ولا من خلفه وهو قول الله: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ...}((2)) فأحسن الحديث حديثنا، لا يحتمله أحد مِنَ الخلائق امره بكماله حتى يحده لأنه مَنْ حَدَّ شيئاً فهو أكبر منه، والحمد لله على التوفيق، والانكار هو الكفر)((3)).
محمد بن يحيى وغيره، عن محمد بن أحمد، عن بعض أصحابنا قال: كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر علیه السلام : جعلت فداك، ما معنى قول الصادق علیه السلام : حديثنا لا يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، فجاء الجواب: إنَّما معنى قول الصادق علیه السلام - أي: لا يحتمله ملك ولا نبي ولا مؤمن - أنَّ الملَك لا يحتمله حتى يخرجه إلى ملَك غيره، والنبي لا يحتمله حتى يخرجه إلى نبي غيره، والمؤمن لا يحتمله حتى
يخرجه إلى مؤمن غيره، فهذا معنى قول جدي علیه السلام )((1)).
أبي رحمه الله - قال: حدثنا أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبد الله، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن بعض أهل المدائن قال: كتبت إلى أبي محمد علیه السلام : روي لنا عن آبائكم علیهم السلام : أنَّ حديثكم صعب مستصعب لا يحتمله ملَك مقرَّب ولا نبي مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان. قال: فجاءه الجواب: إنَّما معناه أنَّ الملَك لا يحتمله في جوفه حتى يخرجه إلى ملَك مثله، ولا يحتمله نبي حتى يخرجه إلى نبي مثله، ولا يحتمله مؤمن حتى يخرجه إلى مؤمن مثله، إنَّما معناه أنَّه لا يحتمله في قلبهمِنْ حلاوة ما هو في صدره حتى يخرجه إلى غيره)((2)).
أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسين، عن منصور بن العباس، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الله بن مسكان، عن محمد بن عبد الخالق وأبي بصير قال: قال أبو عبد الله علیه السلام : يا أبا محمد إنَّ عندنا والله سرَّاً مِنْ سرِّ الله، وعلماً مِنْ علم الله، والله ما يحتمله ملَك مقرَّب ولا نبي مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، والله ما كلف الله ذلك أحداً غيرنا ولا استعبد بذلك أحداً غيرنا، وإنَّ عندنا سرَّاً مِنْ سرِّ الله وعلماً مِنْ علم الله، أَمرنا الله بتبليغه، فبلغنا عن الله عزَّ وجلَّ ما أمرنا بتبليغه، فلم نجد له موضعاً ولا أهلاً ولا حمَّالة يحتملونه حتَّى خلق الله لذلك أقواماً، خُلقوا مِنْ طينة خُلِق منها محمد وآله وذريته علیهم السلام ومِنْ نور خلق الله منه محمداً وذريته، وصَنَعَهُم بفضل رحمته التي صنع منها محمداً وذريته، فبلَّغنا عن الله ما أُمرنا بتبليغه، فقبلوه و احتملوا ذلك [فبلغهم ذلك عنّا فقبلوه واحتملوه] وبلغهم ذكرنا فمالت قلوبهم إلى معرفتنا وحديثنا، فلولا أنهم خلقوا
مِنْ هذا لَمَا كانوا كذلك، لا والله ما احتملوه...)((1)).
وجدت في بعض الكتب مروياً عن أحمد بن محمد الكوفي، عن حنان بن سدير، عن أبيه سدير الصيرفي، عن أبي إسحاق الليثي قال: قلت للإمام الباقر محمد بن علي صلی الله علیه و آله : يا ابن رسول الله... مِنْ حديث طويل قال فيه: (إنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يؤذن أن يخرج سرّه وغيبه إلا إلى مَنْ يحتمله وهو أهله، قلت: يا ابن رسول الله إنِّي والله لمحتمل مِنْ أسراركم، ولست بمعاند ولا بناصب، فقال علیه السلام : يا إبراهيم نعم أنت كذلك، ولكن علمنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ملَك مقرَّب، أو نبي مرسل، أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، وإنَّ التقية مِنْ ديننا ودين آبائنا ومَنْ لا تقية له فلا دين له. يا إبراهيم لو قلت: إنَّ تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً، يا إبراهيم إنَّ مِنْ حديثنا وسرِّنا وباطن علمنا ما لا يحتمله ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا مؤمن ممتحن. قلت: يا سيدي ومولاي
1) ) الكافي للشيخ الكليني فيما جاء أنَّ حديثهم صعب مستصعب) ج1 ص402.
فمَنْ يحتمله إذاً؟ قال: ما شاء الله وشئنا، ألا من أذاع سرَّنا إلاَّ إلى أهله، فليس منَّا - ثلاثاً - ألا مَنْ أذاع سرَّنا أذاقه الله حرَّ الحديد)((1)).
1) ) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج64 ص102-108.
لقد تقدّمت التعقيبات على الروايات والطوائف بما يخصّها بخصوصها، وأرجأنا بعض البيان إلى آخر البحث هنا لكونه داخلاً في فهم الروايات تلك عامّة، كما أنّ تلك الأخبار اشتملت على أمور عامّة حيث اشتملت على مفردات ومعانٍ لابُدَّ مِن القاء الضوء عليها ومحاولة فهمها بمقتضى لسانها ولسان الروايات الأخرى التي تنفع في المقام، ولقد أدرجت البيان في عناوين كي يسهل بحثها والرجوع إليها عند الحاجة، وأسأل الله تبارك وتعالى التسديد والتأييد.
الصعب لغة: هو الجمل الذي يأبى عن الركوبوالحمل، وهو نقيض الذلول فالذلول ما يذل ويلين لكل أحد بخلاف الصعب.
قال في مجمع البحرين: "الصعب نقيض الذلول، يقال صعُب الشيء بضم الثاني صعوباً، صار صعباً شاقاً ".
وفي لسان العرب، ومثله في العين:
الصَّعْبُ: خلاف السَّهْل، نقيض الذَّلُول؛ والأُنثى صَعْبَة، بالهاءِ، وجمعهما صِعاب؛ ونساءٌ صَعْبات، بالتسكين لأَنه صفة. وصَعُب الأَمر وأَصْعَبَ، عن اللحياني، يَصْعُب صُعوبة: صار صَعْباً.
والصَّعْبُ من الدوابّ: نقيض الذَّلُول؛ والأُنثى: صَعْبة، والجمع صِعاب.
هذا.
وورد في روايةٍ بيان معنى الصعب و(هو الذي لم يُركب بعد) ((1)).
1) ) بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص44، باب في أئمة آل محمد علیهم السلام حديثهم صعب مستصعب.
لأنّه إذا رُكب أصبح ذلولا وليس بصعب، فالظاهر مِنْ معنى الصعب هنا هو: الامتناع عن الإدراك والفهم.
وأمّا المستصعب: فهو الذي يستصعبه الأخرون وإنْ لم يكن صعباً في حدِّ ذاته، وحيث إنَّ لفظ مستصعب جاء عقيب لفظ صعب فهذا يعني أن هذا الأمر في نفسه صعب سواء استصعبه أحد أم لم يستصعبه، ولو قيل مستصعب فقط لما كان دالاً على أنه صعب في نفسه، لأن المستصعب قد لا يكون من الصعب في نفسه وإناستصعبه الناس، وبتعبير آخر أنّ الإمام علیه السلام لمّا يصف أمرهم بكونه صعباً مَعنى ذلك أنّه في حدِّ ذاته صعب بحسب الواقع وإن لم يكن صعباً بالنسبة إلى الإمام لكنه صعب على الآخرين حقيقة.
وورد في الرواية السابقة معنى المستصعب فقال علیه السلام : (أمَّا المستصعب فهو الذي يُهْرَبُ منه إذا رُئي((1))).
وهو تعريف باللازم، فإنّ مَنْ استصعب شيئاً لا يُقبل عليه بل يُدبر عنه وينفر منه.
1) ) في المصدر رأى، وفي أغلب المصادر ما ذكرناه.
لقد تكرّر كثيراً ذكر عدم احتمال أمرهم أو حديثهم أو علمهم، ولابدَّ مِن معرفة معنى عدم الاحتمال، ووردت رواية تمَّ شرح معنى عدم الاحتمال وهي رواية قد مرّت نذكرها هنا للتذكير.
عن بعض أهل المدائن قال: كتبت إلى أبي محمد علیه السلام : روي لنا عن آبائكم علیهم السلام : أنَّ حديثكم صعب مستصعب لا يحتمله ملَك مقرَّب ولا نبي مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان. قال: فجاءه الجواب: (إنَّما معناه أنَّ الملَك لا يحتمله في جوفه حتى يخرجه إلى ملَك مثله، ولا يحتمله نبي حتى يخرجه إلى نبي مثله، ولا يحتمله مؤمن حتى يخرجه إلى مؤمن مثله، إنَّما معناه أنَّه لا يحتمله في قلبه مِنْ حلاوة ما هو في صدره حتىيخرجه إلى غيره)((1)).
والذي يظهر مِن هذه الرواية أنّها تتحدَّث عن أنَّ
1) ) معاني الأخبار للشيخ الصدوق ص188. عنه مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص127. وعنه وسائل الشيعة الإسلامية) للحر العاملي ج18-ص66. وعنه جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي ج1 ص236.
حديثهم علیهم السلام له حلاوة لا يحتمل المؤمن الممتحن أن يكتمه ويريد إظهاره لمثله مِن المؤمنين الممتحنين، وإنَّ اظهاره لغيره مما يريحه. وليس معنى ذلك أنَّه يصحُّ إظهاره لغير أهله، فلقد روي أنَّ بعض خواص الأئمة يضيق صدره ويُريد الحديث بما يختلج في صدره، ويبوح بما في نفسه فيؤمر بالذهاب إلى البرِّيَّة ويحفر له حُفرة ويقول فيها ما شاء.
عن جبريل بن أحمد، حدثني محمد بن عيسى، عن إسماعيل بن مهران عن أبي جميلة المفضل بن صالح، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: حدثني أبو جعفر علیه السلام بسبعين ألف حديث لم أحدث بها أحداً قط، ولا أحدث بها أحداً أبداً، قال جابر: فقلت لأبي جعفر علیه السلام جعلت فداك إنَّك قد حملتني وقراً عظيماً بما حدثتني به مِنْ سرِّكم الذي لا أُحَدِّث به أحداً، فربما جاش في صدري حتى يأخذني منه شبه الجنون، قال: يا جابر فإذا كان ذلك فاخرج إلى الجبَّان((1)) فاحفر حفيرة ودلِّ رأسك فيها، ثم قل: حدثني
1) ) الجبَّان: تُستعمل في الصحراء والمقبرة، والمناسب هنا هو الأوَّل.
محمد بن علي بكذا وكذا)((1)).
كما أنّ الحديث يتحدَّث عن الأمر الصعب المستصعب وهو مُشتمل على الأسرار، والسرُّ لا تجوز إذاعته، ولذا ورد النهي عن الإذاعة في أحاديث كثيرة لا تخفى على المتتبع مِنها:
ما عن أمير المؤمنين علیه السلام في حديث الأربعمائة مسألة: (من أذاع سرنا أذاقه الله بأس الحديد...)((2)).
وعن أبي عبد الله علیه السلام - مِنْ حديث((3)) - قال فيه: (...يا معلَّى إنَّ لنا حديثاً، مَنْ حفظ علينا حفظ الله عليه دينه ودنياه. يا معلَّى لا تكونوا أسرى في أيدي الناس بحديثنا، إنْ شاءوا منُّوا عليكم، وإن شاءوا قتلوكم. يا معلَّى إنَّه مَنْ كتم الصعب مِنْ حديثنا جعله الله نوراً بين عينيه، ورزقه الله العزَّة في الناس، ومَنْ أذاع الصعب مِنْ حديثنا لم يمت
حتَّى يعضُّه السلاح أو يموت كبلا((1))).
و عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: (مَنْ أَذَاعَ عَلَيْنَا حَدِيثَنَا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَحَدَنَا حَقَّنَا ». وقَالَ علیه السلام : (الْمُذِيعُ حَدِيثَنَا كَالْجَاحِدِ لَهُ). وقال علیه السلام : (مَنْ أَذَاعَ عَلَيْنَا حَدِيثَنَا سَلَبَهُ اللَّهُالْإِيمَانَ)((2)).
والأحاديث في هذا الأمر كثيرة، كما ذكرنا آنفاً.
والنتيجة: أنَّ الحديث لا يدعوا إلى الإذاعة، كما أنّ تفسير عدم الاحتمال إنّما هو ببيان لازم مِن لوازم حديثهم لحلاوته فتتوق نفس المؤمن الى البوح به، ومشاركة الأخرين فيه.
ولكنَّ معنى عدم الإحتمال يتّضح مِن خلال ما ذكره أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام في أمور متعددة نذكر منها ما يلي لا على سبيل الحصر والاستقصاء:
عن الحسن بن علي بن عبد الله عن ابن فضال عن داود بن أبي يزيد عن بعض أصحابنا عن عمر بن حنظلة قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام : إني أظن أن لي عندك منزلة، قال: أجل، قال: قلت: فإن لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قلت: تعلمني الاسم الأعظم، قال: وتطيقه؟ قلت: نعم، قال: فادخل البيت، قال: فدخل البيت فوضع أبو جعفر علیه السلام يده على الأرض فأظلم البيت فأرعدت فرائص عمر، فقال: ما تقول؟ أعلمك؟ فقال: لا، قال: فرفع يده فرجع البيت كما كان)((1)).عن نصر بن الصباح عن ابن أبي عثمان عن قاسم الصحاف عن رجل من أهل المدائن يعرفه القاسم عن عمار الساباطي قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام : جعلت فداك أحب أن تخبرني باسم الله تعالى الأعظم، فقال لي: إنك لن
1) ) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج27 ص27. عن بصائر الدرجات.
تقوى على ذلك، قال: فلما ألححت قال: فمكانك إذا، ثم قام فدخل البيت هنيهة ثم صاح بي: ادخل فدخلت، فقال لي: ما ذلك؟
فقلت: أخبرني به جعلت فداك، قال: فوضع يده على الأرض فنظرت إلى البيت يدور بي، وأخذني أمر عظيم كدت أهلك، فضحك، فقلت: جعلت فداك! حسبي لا أريد)((1)).
هاتان الروايتان دلّتا على عدم احتمال علمهم لما يحفُّه مِن أمور لا طاقة للمؤمن بها.
ولا أطيل في هذا الباب فإنّ علمهم علیهم السلام لا يُطيقه الأنبياء والمرسلون، وإنْ أطاقوا بعضه فما بالك بغيرهم.
روي عن الصادق علیه السلام : (أنَّ نسبة علم آصف إلى علم آل محمد«صلوات الله عليهم» كما تأخذ البعوضة على جناحها من البحر)((2)).
وآصف علیه السلام هو مَن هو، فلقد جاء بعرش بلقيس في أقل مِن طرفة عين حيث قال الله تعالى: قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ
عِلمٌ مِّنَ ٱلكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبلَ أَن يَرتَدَّ إِلَيكَ طَرفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُستَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضلِ رَبِّي لِيَبلُوَنِيٓ ءَأَشكُرُ أَم أَكفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشكُرُ لِنَفسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ40 البعوضة صغيرة جدَّاً والأصغر منها جناحها والأصغر مِن جناحها تلك الرطوبة العالقة مِن البحر المحيط الذي لا يُدرك له ساحل ولا يُعرف له قعر.
وتلك الرطوبة هي مقدار علمه وما يحتمل، ولا شكَّ أنّه لا يحتمل قدر فنجان صغير مِن بحر علمهم علیهم السلام الذي لا يُحصيه إلاّ الله تبارك وتعالى الذي أفاض به عليهم، وإلاّ لو كان يحتمل لأُعطي أكثر لأنّه لا بخل في ساحته سبحانه وتعالى.
وكيف لا يكون كذلك وهو- بنصِّ الآية - أنَّ عند آصف علماً مِن الكتاب، فعنده بعض قليل أمّا النبي محمد وآله فعندهم علم الكتاب أجمع وهو كله بعض علمهم علیهم السلام ، قال تعالى: ... قُل كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَينِي وَبَينَكُم وَمَن عِندَهُۥ عِلمُ ٱلكِتَٰبِ43 كما ورد في تفسير هذه الآية المباركة.
وخذ مثالاً آخر؛ نبي الله موسى والخضر صلی الله علیه و آله :
فَوَجَدَا عَبدًا مِّن عِبَادِنَآ ءَاتَينَٰهُ رَحمَةً مِّن عِندِنَا وَعَلَّمنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلمًا65 قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَل أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمتَ رُشدًا66 قَالَإِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا67 وَكَيفَ تَصبِرُ عَلَىٰ مَا لَم تُحِط بِهِۦ خُبرًا68 قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًا وَلَآ أَعصِي لَكَ أَمرًا69 قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعتَنِي فَلَا تَس-َٔلنِي عَن شَيءٍ حَتَّىٰٓ أُحدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكرًا 70 فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقتَهَا لِتُغرِقَ أَهلَهَا لَقَد جِئتَ شَي-ًٔا إِمرًا71 قَالَ أَلَم أَقُل إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا72 قَالَ لَا تُؤَاخِذنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرهِقنِي مِن أَمرِي عُسرًا73 فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمًا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلتَ نَفسًا زَكِيَّةَۢ بِغَيرِ نَفسٖ لَّقَد جِئتَ شَي-ًٔا نُّكرًا 74 ۞ قَالَ أَلَم أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا75 قَالَ إِن سَأَلتُكَ عَن شَيءِۭ بَعدَهَا فَلَا تُصَٰحِبنِيۖ قَد بَلَغتَ مِن لَّدُنِّي عُذرًا76 فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهلَ قَريَةٍ ٱستَطعَمَآ أَهلَهَا فَأَبَواْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَو شِئتَ لَتَّخَذتَ عَلَيهِ أَجرًا77 قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأوِيلِ مَا لَم تَستَطِع عَّلَيهِ صَبرًا78. سورة الكهف الآيات 65-78. وعن أمير المؤمنين علیه السلام قال: (موسى عليه الصلاة والسلام أنزل الله عليه التوراة فظن أنْ لا أحد في الأرض أعلم منه فأخبره الله تعالى إنَّ في خلقي مَن هو أعلم منك...
فجمع الله بينه وبين الخضر صلی الله علیه و آله فخرق السفينة فلم يحتمل ذلك موسى، وقتل الغلام فلم يحتمله، وأقام الجدار فلم يحتمل ذلك)((1)).وروي أنَّه وجد في ذخيرة حواري عيسى علیه السلام في رق مكتوب بالقلم السرياني منقولا من التوراة،...قال موسى علیه السلام : بينا أنا والخضر على شاطئ البحر إذ سقط بين أيدينا طائر، وأخذ في منقاره قطرة من ماء البحر، ورمى بها نحو المشرق. وأخذ منه ثانية ورمى بها نحو المغرب. ثم أخذ ثالثة ورمى بها نحو السماء. ثم أخذ رابعة ورمى بها نحو الأرض....ثم أخذ خامسة فرمى بها إلى البحر، وجعل يرفرف وطار، فبقينا مبهوتين ما نعلم ما أراد الطائر بفعله، فبينما نحن كذلك إذ بعث الله ملكا في صورة آدمي، فقال: مالي أراكم مبهوتين؟ قلنا له: فيما أراد الطائر بفعله؟ (قال: أو ما تعلمون ما أراد الطائر؟ قلنا له: الله أعلم. قال لهما: تعلمان ما أراد الطائر، فإنه قال: وحق من شرق المشرق، وغرب المغرب ورفع السماء، ودحا الأرض ليبعثن الله في آخر الزمان نبيا اسمه محمد صلی الله علیه و آله ، له وصي اسمه علي علیه السلام ،
1) ) تفسير فرات الكوفي لفرات بن إبراهيم الكوفي ص55.
وعلمكما جميعاً في علمه مثل هذه النقطة في هذا البحر)((1)).
(وفي كتاب إلى الحسن البصري: إنّ رجلًا جاء إليه، فسأله عن مسائل، فأجابه عنها ومضى، فقال: أتعرفون هذا؟ هذا أبو العبّاس الخضر علیه السلام ، لقد خبّرني أنّه كان مع موسى علیه السلام على البحر، فسقط عصفور، فأخذ بمنقاره قطرة من البحر، ثمّ وضعها على يد موسى علیه السلام ، فقال: هذا العصفور يقول: واللهِ ما علمكما في علم وصي النبيالذي يأتي آخر الزمان إلّا كما أخذت بمنقاري هذا من البحر)((2)).
وروى الحسن البصري أنَّ الخضر لما التقى موسى فكان بينهما ما كان جاء عصفور فأخذ قطرة من البحر فوضعها على يد موسى، فقال للخضر: ما هذا؟ فقال: يقول: ما علمنا وعلم سائر الأولين والآخرين في علم وصي النبي الأمي إلاّ
كهذه القطرة في هذه البحر)((1)).
هاتان الرواياتان ذكرناهما للاستئناس، ولعمري إنّ مضمونهما وهو أن علم موسى والخضر وسائر الأولين والآخرين بالقياس إلى علم أمير المؤمنين إلاّ كقطرة في بالبحر الأعظم، إن هذا المضمون مقطوع به ولا ريب فيه وليس هناك شبهة في حقيقته، ولا تُفيدان إلاّ مصداقاً يسيراً مِن علم عيبة علم الله وخزائن أسراره، فإنّ مِن علمهم علم الكتاب أجمع- وما أدراك ما علم الكتاب - وهو بعض علمهم – كما أسلفنا – قال تعالى:
وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلغَيبِ لَا يَعلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعلَمُ مَا فِي ٱلبَرِّ وَٱلبَحرِۚ وَمَا تَسقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلأَرضِ وَلَا رَطبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ 59 وَمَا مِن غَآئِبَةٖ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرضِ إِلَّا فِي كِتَٰبٖمُّبِينٍ75ثُمَّ أَورَثنَا ٱلكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصطَفَينَا مِن عِبَادِنَاۖ...32 فتأمَّل. نكتفي بهذا القدر كي لا نطيل ويعرض على القارئ الكلل والملل.
1) ) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج40 ص186. عن مشارق أنوار اليقين.
في المناقب: (لَمَّا حَمَلَتْ بِعَلِيٍّ ازْدَادَ حُسْنُهَا فَكَانَ يَتَكَلَّمُ فِي بَطْنِهَا فَكَانَتْ فِي الْكَعْبَةِ فَتَكَلَّمَ عَلِيٌّ مَعَ جَعْفَرٍ فَغُشِيَ عَلَيْهِ فَأُلْقِيَتِ الْأَصْنَامُ؛ خَرَّتْ عَلَى وُجُوهِهَا، فَمَسَحَتْ عَلَى بَطْنِهَا وَقَالَتْ: يَا قُرَّةَ الْعَيْنِ سَجَدَتْكَ الْأَصْنَامُ دَاخِلًا فَكَيْفَ شَأْنُكَ خَارِجاً)((1)).
وروي أنّه قال: أبو يعقوب: قلت: للإمام علیه السلام هل كان لرسول الله صلی الله علیه و آله ولأمير المؤمنين علیه السلام آيات تضاهي آيات موسى علیه السلام ؟ فقال علیه السلام : علي نفس رسول الله صلی الله علیه و آله وآيات رسول الله آيات علي علیه السلام ، وآيات علي آيات رسول الله صلی الله علیه و آله ، وما آية أعطاها الله موسى علیه السلام ولا غيره مِنَ الأنبياء إلاّ وقد أعطى الله محمداً مثلها أو أعظم منها.
أمَّا العصا التي كانت لموسى علیه السلام فانقلبت ثعباناً فتلقفت ما ألقته السحرة مِنْ عصيهم وحبالهم فلقد كان لمحمد صلی الله علیه و آله أفضل((2)) منها، وهو أنَّ قوماً مِنَ اليهود أتوا محمداً صلی الله علیه و آله فسألوه وجادلوه فما أتوه بشيء إلا أتاهم في
جوابه بما بهرهم، فقالوا له: يا محمد إنْ كنت نبيَّاً فأتنا بمثل عصا موسى، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : إنَّ الذي أتيتكمبه أفضل مِنْ عصا موسى علیه السلام ، لأنَّه باق بعدي إلى يوم القيامة متعرض لجميع الأعداء المخالفين، لا يقدر أحد على معارضة سورة منه، وإنَّ عصا موسى زالت ولم تبق بعده فتُمتحن، كما يبقى القرآن فيُمتحن.
ثم إنِّي سآتيكم بما هو أعظم مِنْ عصا موسى وأعجب، فقالوا: فأتنا، فقال: إنَّ موسى علیه السلام كانت عصاه بيده يُلقيها وكانت القبط يقول كافرهم: هذا يحتال في العصا بحيلة، وإنَّ الله سوف يقلب خشباً لمحمد ثعابين بحيث لا يمسها يد محمد ولا يحضرها، إذا رجعتم إلى بيوتكم واجتمعتم الليلة في مجمعكم في ذلك البيت قلب الله جذوع سقوفكم كلَّها أفاعي، وهي أكثر من مأة جذع، فتتصدع مرارات أربعة منكم فيموتون، ويُغشى على الباقين منكم إلى غداة غد، فيأتيكم يهود فتخبرونهم بما رأيتم فلا يصدقونكم فتعود بين أيديهم ويملأ أعينهم ثعابين كما كانت في بارحتكم، فيموت منهم جماعة، وتخبل جماعة ويغشى على أكثرهم.
قال: فوالذي بعثه بالحق نبيَّاً لقد ضحك القوم كلهم بين يدي رسول الله صلی الله علیه و آله لا يحتشمونه ولا يهابونه، ويقول بعضهم لبعض: انظروا ما ادعى؟ وكيف عدا طوره((1))؟
فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : إن كنتم الآن تضحكون فسوف تبكون وتتحيرون إذا شاهدتم ما عنه تُخبرون، ألا فمَنْ هاله ذلك منكم وخشي على نفسه أنْ يموت أو يخبلفليقل:
اللهم بجاه محمد الذي اصطفيته، وعلي الذي ارتضيته، وأوليائهما الذين مَنْ سلَّم لهم أمرهم اجتبيته، لما قويتني على ما أرى.
وإنْ كان مَنْ يموت هناك ممن يحبه ويريد حياته فليدع له بهذا الدعاء ينشره الله تعالى ويقويه.
قال علیه السلام : فانصرفوا واجتمعوا في ذلك الموضع، وجعلوا يهزؤون بمحمد صلی الله علیه و آله وقوله: إن تلك الجذوع تنقلب أفاعي. فسمعوا حركة من السقف فإذا بتلك الجذوع انقلبت أفاعي وقد لوت رؤوسها عن الحائط وقصدت نحوهم تلتقمهم، فلمَّا وصلت إليهم كفَّت عنهم وعدلت
1) ) أي جاوز حده.
إلى ما في الدار مِنْ حباب وجرار وكيزان((1)) وصلايات((2)) وكراسي وخشب وسلاليم((3)) وأبواب فالتقمتها وأكلتها، فأصابهم ما قال رسول الله علیه السلام أنَّه يصيبهم، فمات منهم أربعة، وخبل جماعة.
وجماعة خافوا على أنفسهم فدعوا بما قال رسول الله صلی الله علیه و آله فقويت قلوبهم، وكانت الأربعة أتى بعضهم فدعا لهم بهذا الدعاء فنشروا، فلما رأوا ذلك قالوا: إن هذا الدعاء مجاب به، وإن محمداً صادق، وإن كان يثقل علينا تصديقه أفلا ندعو به لتلين للإيمان به والتصديق لهوالطاعة لأوامره وزواجره قلوبنا، فدعوا بذلك الدعاء فحبب الله تعالى إليهم الإيمان وطيَّبه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر، فآمنوا بالله ورسوله.
فلمَّا أصبحوا مِنْ غد جاءت اليهود وقد عادت الجذوع ثعابين كما كانت، فشاهدوها وتحيروا ومات منهم جماعة،
وغلب الشقاء على الآخرين)((1)).
وهذه الرواية أوردناها سابقاً بطولها نقتطف بعضها:
عن أبي جعفر علیه السلام : (إنَّ أمير المؤمنين قال له أصحابه: لو أريتنا ما تطمئن به قلوبنا مما في يدك مما أَنْهَى((2)) إليك رسول الله صلی الله علیه و آله فقال علیه السلام :...إذا أبيتم إلاَّ أنْ أُريكم بعض عجائبي وما أتاني مِنَ العلم فاتْبَعُوا أثري إذا صليت العشاء الآخرة.
فلمَّا صلَّى أخذ طريقه إلى ظهر الكوفة، واتَّبعوه وهم سبعون رجلاً ممن كانوا عند أنفسهم مِنْ خيار الناس، وكانوا شيعة له.
فقال: إنَّي لست أريكم شيئاً حتى آخذ عليكم عهد الله وميثاقه ألاّ تُكَفِّروني ولا ترموني بالمعطِّلات((3))، والله ما
أريكم الا بعض ما أعطيت مِنْ ميراث النبي المرسل والحجة عليَّ وعليكم (صلوات الله عليه)، فأخذ عليهم عهد الله وميثاقه.
ثُمَّ قال: حَوِّلوا وجوهكم حتَّى أدعو بما أريد. فسمعوه جميعاً يدعو بالدعوات التي يعرفونها ويعلمونها مِنْ أسماء الله.
ثُمّ قال: حولوا وجوهكم فإذا هم بالقيامة قد قامت، والجنَّة والنار قد حضرت، وحُشِرَ جميعهم فما شَكُّوا في القيامة وإنَّهم بُعثوا وحُشروا.
فقالوا: يا أمير المؤمنين ما هذا؟ فقال: هكذا يوم القيامة. فقال أحسنهم قولاً: إنْ هذا إلاّ سحر عظيم، ورجعوا من فورهم كفَّاراً إلاّ رجلان...)((1)).
وعَنْ عُمَرَ بْنِ حَنْظَلَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام إِنِّي أَظُنُّ أَنَّ لِي عِنْدَكَ مَنْزِلَةً. قَالَ: أَجَلْ. قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: قُلْتُ: تُعَلِّمُنِي الِاسْمَ الْأَعْظَمَ. قَالَ: وَتُطِيقُهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَادْخُلِ الْبَيْتَ. قَالَ: فَدَخَلَ الْبَيْتَ فَوَضَعَ أَبُو جَعْفَرٍ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ فَأَظْلَمَ الْبَيْتُ فَأَرْعَدَتْ
1) ) الهداية الكبرى للحسين بن حمدان الخصيبي ص129-130.
فَرَائِصُ عُمَرَ فَقَالَ: مَا تَقُولُ أُعَلِّمُكَ؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ: فَرَفَعَ يَدَهُ فَرَجَعَ الْبَيْتُ كَمَا كَانَ)((1)).
روي عن أبي عبد الله علیه السلام قال أتى الحسين علیه السلام أناسفقالوا له يا أبا عبد الله حدثنا بفضلكم الذي جعله الله لكم فقال إنكم لا تحتملونه ولا تطيقونه فقالوا بلى نحتمل قال إن كنتم صادقين فليتنح اثنان وأحدث واحدا فان احتمله حدثتكم فتنحى اثنان وحدث واحدا فقام طاير العقل وفرّ على وجهه وذهب فكلمه صاحباه فلم يرد عليهما شيئا وانصرفوا)((2)).
وروي أنّه أتى رجل الحسين بن علي صلی الله علیه و آله فقال حدثني بفضلكم الذي جعل الله لكم فقال إنك لن تطيق حمله فقال بلى حدثني يا بن رسول الله فاني احتمله فحدثه الحسين علیه السلام بحديث فما فرغ الحسين علیه السلام من حديثه حتى ابيض رأس الرجل ولحيته وأنسي الحديث فقال
الحسين علیه السلام أدركته رحمة الله حيث أنسي الحديث)((1)).
روي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه كان قاعداً في المسجد وعنده جماعة، فقالوا له: حدثنا يا أمير المؤمنين، فقال لهم: ويحكم إن كلامي صعب مستصعب، لا يعقله إلا العالمون، قالوا: لا بد من أن تحدثنا، قال: قوموا بنا فدخل الدار، فقال: أنا الذي علوت فقهرت، أنا الذي أحيي وأميت، أنا الأول والآخر والظاهر والباطن، فغضبوا وقالوا: كفر وقاموا، فقال علي صلوات الله عليه وآله للباب: يا باب استمسك عليهم، فاستمسك عليهم الباب، فقال: ألم أقل لكم: إنكلامي صعب مستصعب لا يعقله إلا العالمون؟ تعالوا أفسر لكم. أمَّا قولي: أنا الذي علوت فقهرت، فأنا الذي علوتكم بهذا السيف فقهرتكم حتى آمنتم بالله ورسوله. وأما قولي: أنا أحيي وأميت، فأنا أحيي السنة وأميت البدعة. وأما قولي: أنا الأوَّل، فأنا أوَّل مَنْ آمن بالله وأسلم. وأمَّا قولي: أنا الآخر، فأنا آخر مَنْ سجَّى على النبي ثوبه ودفنه. وأمَّا قولي: أنا الظاهر والباطن فأنا عندي علم الظاهر والباطن. قالوا:
1) ) مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص108.
فرَّجت عنا فرَّج الله عنك)((1)).
ومن صفاتهم الصوت، فإنّه مِن أعاجيب امرهم علیهم السلام .
فروى علي بن محمد (النوفلي) عن أبي الحسن علیه السلام قال: ذكرت الصوت عنده فقال: (إنّ عليّ بن الحسين علیه السلام كان يقرأ فربما مرَّ به المارّ فصعق من حسن صوته، وإنّ الإمام لو أظهر مِنْ ذلك شيئاً لما احتمله الناس مِن ْحُسنه. قلت: ولم يكن رسول الله صلی الله علیه و آله يصلي بالنَّاس ويرفع صوته بالقرآن؟ فقال: إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله كان يُحمِّل الناس مَنْ خلفه ما يطيقون) ((2)).
إنَّ المتتبع لروايات أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام يجدظواهر كثيرة عند مَنْ لم يحتمل أمرهم علیهم السلام ، وتختلف
باختلاف الموارد والأشخاص. وسأذكر هنا بعضها وإنْ كانت واضحة لِمن تتبع الروايات السابقة، ولكن أذكرها هنا مِن أجل تسهيل تذكُّرها، وتأمّل القارئ فيها: 1- التكفير. 2- الإنكار. 3- الصعق. 4- الذهول. 5- الجنون. 6- الك-فر. 7- الرمي بالسحر. 8- الرمي بالجنون. 9- ابيضاض الشعر. 10- الهي-ام.
وقد يصل إلى حدِّ الموت، وغير ذلك مما لا يخفى على المتتبع الفطِن.
نسأل الله تبارك وتعالى أنْ نكون ممن يحتمل أمرهم علیهم السلام وأنْ يوفقنا ويُلهمنا مِن فيض معرفتهم، وأنْ يُذيقنا حلاوةً مِن علمهم، كما نسأله أنْ لا يُحمِّلنا ما لا طاقة لنا به، وما لا تتحمله عقولنا، ولا تُطيقه أنفسنا، إنّه سميع مُجيب.
إنّ الظاهر البدوي الأوّلي الذي قد يظنُّه المتوهم أنّ المؤمن الممتحن أفضل مِن الملَك غير المقرّب ومن النبي
غير المرسل؛ لأنَّ النصوص السابقة قد دلّت على أنّ الذي يحتمل أمرهم هو الملك المقرب والنبي المرسل وأمّا الملك الغير مقرَّب والنبي الغير مرسل فإنّه لا يحتمل مع أنّ المؤمن الممتحن يحتمل فيكون أفضلمنهما.
ولكنّ هذا الكلام لا يصحُّ أن يتوهمه مؤمن، ولكن قد يقع التساؤل مِنه في معنى هذا الحديث المتواتر كي يعرف المراد مِنه والمقصود الحقيقي والمراد الجِدِّي.
ولرفع هذا التوهم أقول:
إنّ الملائكة لهم مقاماتهم ومراتبهم المختلفة عن مقامات ومراتب الأنبياء، وكذلك المؤمنون لهم مقامات ومراتب مُختلفة عن مقامات ومراتب الملائكة والأنبياء.
وما يحتمله الملك غير المقرّب قد لا يحتمله المؤمن الممتحن، وكذلك بالنسبة للأنبياء علیهم السلام فإنَّ غير المرسل منهم يحتمل أمراً قد لا يحتمله المؤمن الممتحن.
ولابدَّ مِن المثال العرفي للتوضيح فأقول:
لو فرضنا أننا نريد أنْ نُطلع المتعلمين في المراحل الثلاث؛ المتوسطة والثانوية والجامعية على بعض أسرار الإلكترونيَّات، فإنّه لا شكّ أننا نجعل لكل مرحلة برنامجها
الخاص، ويتفاوتون في حجم المعلومات ودقتها، فإذا استوعب المنهاج مَن هو في المتوسط وعرف بعض أسرار الإلكترونيَّات، وكذلك مَنْ في الثانوية والجامعة لا يعني ذلك تساويهم، ويُمكنك تطبيق ذلك في معرفة المعادلات الحسابية.
وفيما نحن فيه لو فرضنا أنّ عدد المراتب والمقامات لكلٍ مِن الأصناف الثلاثة؛ الملائكة والأنبياء والمؤمنين عددها الف، فقد تكون المرتبة العاشرة عند الملائكة لا تجعل الملك مُقرَّباً، والمرتبة العاشرة في عالم الإيمان تُعدّ مِن المؤمن الممتحن.ولا يعني كلامنا هذا أننا نعلم بحقيقة الملائكة والأنبياء وإنّما هو تصور مُقرِّب لتلك الحقيقة البعيدة عن المنال التي أمرنا أنْ نؤمن بها كما هي، سواء تعقلناها أم لا. والمهم هنا هو حفظ المقامات.
وعلى هذا يُحمل ما ورد مِن المقارنة بين المؤمن الممتحن والأنبياء غير المرسلين حفظاً للمقامات.
نتحدّث هنا عن مراتب عالمنا وهو عالم الإيمان فقط،
وحديثنا عن المراتب سيكون بحسب ما سيظهر مِن النصوص الشريفة.
وتُعرف هذه مِن جملة مِن النصوص، وتصنّف إلى صنفين مِن النصوص، ونتبعه بالدليل العقلي:
ومِن ذلك:
قَالَ النَّبِيُّ صلی الله علیه و آله : (يَا عَلِيُّ مَا عَرَفَ اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ غَيْرِي وَغَيْرُكَ وَمَا عَرَفَكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ غَيْرُ اللَّهِ وَغَيْرِي)((1)).
وعنه صلی الله علیه و آله قال: (ما عرفك يا علي حق معرفتك إلا الله وأنا)((2)).
وعنه صلی الله علیه و آله قال: (يا علي، ما عرف الله إلا أنا وأنت، وماعرفني إلا الله وأنت، وما عرفك إلا الله وأنا)((1)).
وهذا الأمر يجري على جميع الأنوار الأربعة عشر علیهم السلام .
وهذا دلّت النصوص عليه بأنّه لا يحتمل أمرهم لا ملك مقرّب ولا نبي مرسل ولا مؤمن ممتحن ومن تلك النصوص: حدَّثنا أحمد بن الحسن، عن أحمد بن إبراهيم، عن محمد بن جمهور، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر((2))، عن عيسى الفراء، عن أبي الصامت، قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: (إنَّ مِنْ حديثنا مالا يحتمله ملَك مقرَّب ولا نبي مرسل ولا عبد مؤمن. قلت: فمَنْ يحتمله؟ قال نحن نحتمله)((3)).
ذكر بعض العلماء هذا الدليل العقلي، وهو دليل متين لا
غبار عليه: "من احتمل حديثهم فقد حدَّهم، ومن حدَّهم فقد وصفهم، ومن وصفهم بكمالهم فقد أحاط بهم، وهوأعلم منهم"((1)).
وهو مأخوذ مما روي عن أبي جعفر علیه السلام قال: (...أحسن الحديث حديثنا، لا يحتمله أحد مِنَ الخلائق امره بكماله حتى يحده لأنه مَنْ حَدَّ شيئاً فهو أكبر منه...) ((2)).
مرتبة تالي المعصوم هي مرتبة عالية مِن المؤمن الممتحن، وليس المؤمن الممتحن مرتبة واحدة فقط، وإن شئت قلت: إنّ المؤمن الممتحن مفهوم مشكك له مراتبه الكثيرة جداً.
ونتحدَّث هنا عن مرتبة عالية منه:
عن أبي عبد الله علیه السلام قال: ذكرت التقية يوماً عند علي بن الحسين صلی الله علیه و آله فقال: (والله لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان
لقتله، ولقد آخا رسول الله صلی الله علیه و آله بينهما، فما ظنكم بسائر الخلق، إنَّ علم العلماء صعب مستصعب، لا يحتمله((1)) إلاّ نبي مرسل، أو ملَك مقرَّب، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، فقال: وإنَّما صار سلمان مِنَ العلماء لأنَّهأمرؤ منَّا أهل البيت، فلذلك نسبته إلى العلماء.)((2)).
لا شكّ أنّ أباذر(رضي الله عنه) أيضاً مِن المؤمنين الممتحنين بل في مرتبة جليلة في المؤمنين الممتحنين، وهو مِن حواري أمير المؤمنين علیه السلام ، وأحد الأركان الأربعة،
1) ) الاحتمال: مطاوعة الحمل. ومعناه التحمل والقبول مع الايمان به.
2) ) الكافي للشيخ الكليني فيما جاء أنَّ حديثهم صعب مستصعب) ج1 ص401. عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج22 ص343. عنه كتاب الأربعين للشيخ الماحوزي ص343-346. بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص44، باب في أئمة آل محمد علیهم السلام حديثهم صعب مستصعب، وسنده: حدثنا عمران بن موسى عن محمد بن علي وغيره عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقه عن جعفر عن أبيه. وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2 ص190. مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص124-125.
وفضائله كثيرة ليس هنا محل ذكرها، ولكنْ في مرتبة أدنى بكثير مِنْ مرتبة سلمان(رضي الله عنه) وهذا يُعلم مِن كثير مِن الوقائع للمتتبع لحال الرجلين. ومثل أبي ذر لا يحتمل ما عند سلمان، فسلمان وما أدراك ما سلمان، ويكفيه ما ورد في هذا الحديث الآنف الذكر، كما ورد الأمر لأبي ذر بطاعة سلمان:
عن صالح الأحول، قال: (سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: آخا رسول الله صلی الله علیه و آله بين سلمان وأبي ذر، واشترط على أبي ذر ألاّ يعصي سلمان)((1)).
وروي عن أمير المؤمنين علیه السلام أنّه قال: «سلمان عُلِّمالعلم الأوَّل والآخر، وهو بحر لا ينزف، وهو منَّا أهل البيت»((2)).
وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام قال سمعته يقول: (إنَّ سلمان عُلِّم الاسم الأعظم)((3)).
وغيرها مما يتبيَّن فيه تفضيل سلمان على أبي ذر، فلا
نطيل.
هذه المرتبة وإن كان يدخل في عمومها تلك المرتبة الثانية إلاّ أنّا خصصنا السابقة بالذكر كي تُفهم بعض الأحاديث الواردة في ضمن تلك الأخبار التي ذكرناها، ولا نريد بسط الكلام في وضع كلِّ رواية في موضعها، ولكنّ الباحث يُمكنه بهذا المقدار المذكور هنا أن يفهم الأخبار ويجمع بينها. فإنّ من الروايات ما ذُكر فيها مراتب متعددة مثل ما روي عن أبي عبد الله علیه السلام مِنْ قوله: (إنَّ أمرنا هو الحق وحق الحق وهو الظاهر، وباطن الظاهر وباطن الباطن وهو السر وسر السر وسر المستسر وسر مقنع بسر)((1)).
فلقد ذكرت هذه الرواية الشريفة سبع مراتب تندرج تحت خمس مِن المراتب:المرتبة الأولى: مرتبة الظاهر، وتشتمل على مرتبتين، الحق، وحقّ الحق.
المرتبة الثانية: مرتبة السر: وتشتمل على مرتبتين: باطن
1) ) مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص126-127.
الظاهر، وباطن الباطن.
المرتبة الثالثة: مرتبة سر السر.
المرتبة الرابعة: مرتبة السر المستتر.
المرتبة الخامسة: السر المقنَّع بسر.
والخوض في هذه المراتب تحتاج إلى أهلها، ولست منهم.
أهم ما في هذا البحث هو الثمرة المترتبة عليه، وما يُفيدنا كمؤمنين باهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام ، وهي الغاية التي مِن أجلها علينا أن نقرأ هذه الروايات ونبحث فيها، ونستخلص الفائدة التي نعتقد أنَّ أهل البيت علیهم السلام إنّما ذكروا مضمون تلك الأحاديث مِن أجلها، ولم يكن اهتمامهم بهذا الحديث عبثاً، أو ليس بذي أهميَّة بالغة بالنسبة إلينا، وما سأذكره ما هو الاّ عناوين، وليس كلَّها وإنَّما أذكر بعضها.
إنَّ مَن سبر تلك الأحاديث يجدها تدعوه وتحثه بأن
يكون مؤمناً ممتحناً يحظى بشيء مِن أسرارهم، وبعض فيوضاتهم وهداياتهم، ومعرفة شيء مِن أمرهم صلوات الله وسلامه عليهم، وليكن معلوماً أنَّ نيل تلكالهبات يحتاج إلى كثير مِن الطاعات والقربات والعبادات، ويكون ذلك متوازياً مع ازدياد المعرفة وتهيئة النفس لقبول ذلك.
كما أنَّ المؤمن الممتحن لا يكون كذلك إلا إذا امتُحن ببعض البلاء والا لم يكن ممتحناً.
ولو فرضنا أنّه توجّه العبد للعبادات والمعارف وصبر على البلاء لا يعني ذلك أنّه حظي بالعلة التامة لكونه مؤمناً ممتحناً، بل لا بدّ بعد تمام المقدمات تلك أن تتدخل مشيئة الله تبارك وتعالى ومشيئة أوليائه الذين إذا شاء الله شاءوا، وإذا شاءوا شاء الله تبارك وتعالى، دلّ على هذا بعض الروايات منها:
ما روي عن أبي عبد الله علیه السلام : (إنَّ حديثنا صعب مستصعب شريف كريم ذكوان ذكي وعر، لا يحتمله ملَك مقرَّب ولا نبي مرسل ولا مؤمن ممتحن.
قلت: فمَن يحتمله؟ جعلت فداك. قال: مَنْ شئنا يا أبا
الصامت...)((1)).
وما عن الإمام الباقر محمد بن علي صلی الله علیه و آله : (...إنَّ مِنْ حديثنا وسرِّنا وباطن علمنا ما لا يحتمله ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا مؤمن ممتحن. قلت: يا سيديومولاي فمَنْ يحتمله إذاً؟ قال: ما شاء الله وشئنا...)((2)).
إنَّ صفة التسليم هي انقياد للعبد وطاعته، وعدم الحرج في قبول أمرهم علیهم السلام سواء علم وجه الحكمة أم لا، وسواء أحاط بما علم أم لا.
وهذا ما أكَّدت عليه تلك الأحاديث الكثيرة، ولا يصحُّ مِن العبد الإنكار والتكذيب ونفي الحصول كما تنصّ الرواية المتقدمة عن أبي جعفر علیه السلام : (...إنَّما الهالك أنْ يُحَدَّث أحدكم بشيء منه لا يحتمله، فيقول: والله ما كان
هذا والله ما كان هذا، والانكار هو الكفر((1)))((2)).
وهذا ما ابتلي به ثلة مِن المتعيلمين في زماننا هذا، لمجرَّد وجود شُبهة عنده أو قصور في فهم الرواية يُبادر إلى إنكارها، بل يُنكر كلّ الواقعة. وامثلة ذلك مرّت أثناء بحثنا.
إنّ كتمان السرّ غير التقية، فإنّ التقية إنّما تكون إذاخفت الضرر ممن خالفك في المذهب أو الدين، بخلاف كتمان السر إنّما هو عمَّا هو مِن مذهبك، ولكنْ لا يجوز لك البوح به له لعدم استعداده، فإمّا أن يُكذِّبك أو يُخرجك مِن المذهب أو الدين، وعلى الأقل توقعه في الإنكار وهو كان خالي الذهن عن هذا الأمر، فبقاؤه على جهله خير مِن
تعريضه للإنكار. وإنْ كان قد تطلق التقية بالمعنى الأعم وتشمل الكتمان أيضاً وهذان الاستعمالان موجودان في استعمال أهل البيت علیهم السلام ويُعرف المراد مِن خلال القرائن.
ومن رزقه الله تبارك وتعالى شيئاً مِنْ أسرارهم فعليه بالكتمان، وقد شدّد أهل البيت علیهم السلام على ضرر الإذاعة لما لها مِن آثار دنيوية وأُخرويَّة وخيمة، وقد تقدَّمت الإشارة لهذا وللتذكير والتأكيد أقول: مِن ذلك ما روي عنهم علیهم السلام .
عن أمير المؤمنين علیه السلام في حديث الأربعمائة مسألة: (من أذاع سرنا أذاقه الله بأس الحديد...)((1)).
وعن أبي عبد الله علیه السلام - مِنْ حديث – قال فيه: (...يا معلَّى إنَّ لنا حديثاً، مَنْ حفظ علينا حفظ الله عليه دينه ودنياه.
يا معلَّى لا تكونوا أسرى في أيدي الناس بحديثنا، إنْ شاءوا منُّوا عليكم، وإن شاءوا قتلوكم.
يا معلَّى إنَّه مَنْ كتم الصعب مِنْ حديثنا جعله الله نوراً بين عينيه، ورزقه الله العزَّة في الناس، ومَنْ أذاع الصعب مِنْ حديثنا لم يمت حتَّى يعضُّه السلاح أويموت
1) ) الخصال للشيخ الصدوق ص635، مِن حديث الأربعمائة مسألة.
وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: (مَنْ أَذَاعَ عَلَيْنَا حَدِيثَنَا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَحَدَنَا حَقَّنَا). وقَالَ علیه السلام : (الْمُذِيعُ حَدِيثَنَا كَالْجَاحِدِ لَهُ). وقال علیه السلام : (مَنْ أَذَاعَ عَلَيْنَا حَدِيثَنَا سَلَبَهُ اللَّهُ الْإِيمَانَ)((3)).
وليس هذا من كتمان العلم المذموم، أو مِن كتمان الشهادة المذمومة، فإنّ كتمانهما المذموم إنّما هو إذا استلزم الكتمان ضياع الحق، وأمّا إذا كان الكتمان فيه مصلحة، وفي تركه ضرر فهو راجح عقلاً وشرعاً.
محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن الحسين بن عثمان، عن يحيى الحلبي عن أبيه، عن أبي جعفر علیه السلام قال: قال رجل - وأنا عنده -: إنَّ الحسن البصري يروي أنَّ رسول الله صلی الله علیه و آله قال: مَنْ كتم علماً جاء يوم القيامة ملجماً بلجام مِنْ النار. قال: كذب ويحه فأين قول الله؟: وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤمِنٌ مِّن ءَالِ فِرعَونَ يَكتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقتُلُونَ
رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ...28) ((1)). وعن جبرئيل بن أحمد، عن الشجاعي، عن محمد بنالحسين، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، قال: دخلت على أبي جعفر علیه السلام وأنا شاب فقال: مَنْ أنت؟ قلت: مِنْ أهل الكوفة جئتك لطلب العلم، فدفع إليَّ كتاباً وقال لي: إنْ أنت حدَّثت به حتى تهلك بنو أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي، وإنْ أنت كتمت منه شيئاً بعد هلاك بني أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي، ثم دفع إليَّ كتاباً آخر ثُمَّ قال: وهاك هذا، فإنْ حدَّثت بشيء منه أبداً فعليك لعنتي ولعنة آبائي)((2)).
ورد في رواية واحدة – حسب ما وقعت عليه - يظهر مِنها مِن أوّل وهلة ومِن دون تأمل ظهوراً بدويَّا أنّ دفع الخمس مِن الصعب المستصعب، وبالتالي يكون الدافع للخمس قد احتمله فيكون مِن المؤمن الممتحن.
استعرض هذه الرواية هنا ثمَّ أعقب عليها بما ينبغي أنْ تُحمل عليه مِنْ معنى:
حدثنا أبو محمد عن عمران بن موسى عن موسى بن جعفر عن علي بن أسباط عن محمد بن الفضيل عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر علیه السلام قال: قرأت عليه آية الخمس فقال: ما كان لله فهو لرسوله وما كان لرسوله فهو لنا ثم قال لقد يسر الله على المؤمنين انه رزقهم خمسة دراهم وجعلوا لربهم واحداً واكلوا أربعة حلالاًثم قال: هذا مِن حديثنا صعب مستصعب لا يعمل به ولا يصبر عليه الا ممتحن قلبه للإيمان)((1)).
إنَّ مجرَّد دفع الخمس وإن كان بطيب نفس لا يجعل الشخص أنّه ممن عمل الصعب المستصعب، وبالتالي الذي يحتمله يكون مؤمناً ممتحناً مُحتملاً لأمرهم وحديثهم علیهم السلام .
ووجه ذلك؛ أنَّه روي إنَّ الامام الكاظم علیه السلام قد قبل
1) ) بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص49. عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج93 ص191. وعنه جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي ج8 ص563– 64. وعنه تفسير أبي حمزة الثمالي لأبي حمزة الثمالي ص184.
درهم شطيطة وأرجع أموال الشيعة الكثيرة إليهم، فلو كان مجرَّد دفع الخمس يكون الشخص ممن يحتمل الصعب المستصعب فيكون مِن المؤمن الممتحن للزم أنْ يكون أولئك الشيعة مِن المؤمنين الممتحنين فلا تردُّ أموالهم ولا يقبل إلا درهم شطيطة.
أنقل بعض الرواية روماً للاختصار، ودفعاً للإطالة:
روي عن داود بن كثير الرقي قال: وفد من خراسان وافد يكنى أبا جعفر واجتمع إليه جماعة من أهل خراسان، فسألوه أن يحمل لهم أموالا ًومتاعاً ومسائلهم في الفتاوى والمشاورة... ووردت المدينة، ومعي المال والثياب والمسائل، وكان فيما معي درهم - دفعته إليَّ امرأة تسمى شطيطة - ومنديل. فقلت لها: أنا أحمل عنك مائة درهم. فقالت: إن الله لا يستحيي من الحق، فعوجتالدرهم وطرحته في بعض الأكياس، فلما دخلت المدينة... جئت إلى قبر النبي صلی الله علیه و آله فلما رجعت إلى بيتي إذا أنا بغلام أسود واقف، فقال: سلام عليك. فرددت علیه السلام . قال: أجب من تريده. فنهضت معه، فجاء بي إلى باب دار مهجورة، ودخل وأدخلني فرأيت موسى بن جعفر صلی الله علیه و آله على حصير
الصلاة.
فقال لي: يا أبا جعفر [اجلس]. وأجلسني قريباً، فرأيت دلائله، أدباً وعلماً ومنطقاً. وقال لي: احمل ما معك. فحملته إلى حضرته فأومى بيده إلى الكيس [الذي فيه درهم المرأة]، فقال لي افتحه. ففتحته.
وقال لي: اقلبه. فقلبته فظهر درهم شطيطة المعوج فأخذه بيده وقال: افتح تلك الرزمة((1)) ففتحتها، فأخذ المنديل منها بيده وقال - وهو مقبل علي -: إنَّ الله لا يستحيي من الحق. يا أبا جعفر اقرأ على شطيطة السلام منِّي وادفع إليها هذه الصرة. وقال لي: أردد ما معك إلى من حمله وادفعه إلى أهله، وقل: قد قبله ووصلكم به.... ثم مضى أبو جعفر إلى خراسان. قال داود الرقي: فكاتبني من خراسان، إنه وجد جماعة ممن حملوا المال قد صاروا فطحية((2))، وإنه وجد شطيطة على أمرها تتوقعه يعود. قال:
فلما رأيتها عرَّفتها سلام مولانا عليها، وقبوله منها دون غيرها وسلَّمت إليها الصرَّة، ففرحت وقالت لي: أمسك الدراهم معك. فإنها لكفني. فأقامت ثلاثة أيام وتوفيت [إلى رحمة الله تعالى]((1)).
في الرواية مَنْ دفع الخمس بعضهم أصبح فطحيَّاً والبعض الآخر ليس كذلك ومع ذلك ردَّ الجميع ولم يقبل الإمام سوى درهم شطيطة(رضي الله عنها). وهذا يكشف عن أنّهم حتى مَن بقي منهم على الإيمان ليسوا ممن يحتملون الصعب المستصعب الذي يؤهلهم أنْ يكونوا مِن المؤمنين الممتحنين وإلاّ لما ردّهم الإمام علیه السلام لأنّ المؤمن الممتحن هو مثل شطيطة الذي يُفترض أن يُقبل منهم ما دفعوه مِن خمس.
والمشاهد بالوجدان أنّ هناك جملة مِن المؤمنين يدفعون الخمس ولكننا نقطع أنّهم على غير هداية تامّة ولربما أنكر بعض ضروريات المذهب واتَّبع مَنْ عُرف بالضلال والانحراف.
1) ) الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي ج1 ص327-331.
لاستنطاق الرواية علينا ملاحظة أمور:
الأوّل: ملاحظة أنَّ دافع الخمس يُدرك بأنَّ الذي يصله مِن مال هو لله تعالى، مَنَّ الله تعالى به عليه.
الثاني: أن يعلم أنّ الذي لله تبارك وتعالى هو لأهلالبيت علیهم السلام فالمال كلّه لله تبارك وتعالى فيكون لهم علیهم السلام .
الثالث: إنّ الخمس ما هو إلاّ ارجاع للمال إلى أهله وملّاكه، وليس هو المتفضل عليهم بالخمس، ولذا عُبِّر عنه بكونه حقَّاً لهم.
الرابع: الله تبارك وتعالى قد تكرَّم على العبد بأن أبقى بيده أربعة أخماس تفضلاً مِنه، ومِن العلوم أنّه لا يصحُّ تصرفه فيه إلا بما يُناسب شأنه، ولا يصرفه في معصية الله تبارك وتعالى، ولا يُسرف ولا يبذِّر.
الخامس: الصبر على ذلك، أي الصبر على دفع الخمس مع ملاحظة تلك الأمور الأربعة المتقدمة معتقداً بها، قد وطّن نفسه عليها متقرباً إلى تعالى.
روي أنّه سئل الإمام أبو عبد الله الصادق علیه السلام عن حقيقة العبودية؟ قال: ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد لنفسه فيما
خوله الله مُلْكاً، لأنَّ العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله به، ولا يدبر العبد لنفسه تدبيراً، وجملة اشتغاله فيما أمره تعالى به ونهاه عنه، فإذا لم يرد العبد لنفسه فيما خوَّله الله تعالى مُلْكا هان عليه الانفاق فيما أمره الله تعالى أنْ ينفق فيه...)((1)).
إلى هنا انتهى هذا البحث
وانتهى ما رمت جمعه مِن بحوث ومقالات ترتبط بالإمام أبي عبد الله الحسين علیه السلام
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
1) ) منية المريد للشهيد الثاني ص148.
الإهداء *......................5
مقدمة الكتاب *........................... 7
آية المودة*..................................... 15
النقطة الأولى: في (قل)............................ 15
النقطة الثانية: في (لا أسألكم)....................... 18
هنا بحث ينبغي التنويه عليه.................... 25
النقطة الثالثة: التعبير بالأجر....................... 35
النقطة الرابعة: المودة في القربى................... 36
الأمر الأوّل: مَن هم القربى؟................... 36
الأمر الثاني: المودة فيهم علیهم السلام ...................... 39
الأمر الثالث: الفرق بين المودة والمحبة........ 40
هل انتصر الامام الحسين علیه السلام ؟.......................... 44
تمام البحث في اعتبار أخبار التاريخ والفضائل..... 55
الشبهة الأولى: تتعلق بارتضاع الامام الحسين علیه السلام ..... 62
الأول: ارتضاع أمير المؤمنين علیه السلام مِن النبي صلی الله علیه و آله ......... 63
الرواية الأولى: في السيرة الحلبية.............. 63
تعليق على هذه الرواية.......................................... 64
الرواية الثانية في ألقاب الرسول وعترته....... 64
تعليق على هذه الرواية.......................................... 66
الرواية الثالثة: في غاية المرام في رجال البخاري 67
تعليق على هذه الرواية.......................................... 68
الرواية الرابعة: في أمالي الطوسي............. 69
الرواية الخامسة: في الخرائج والجرائح........ 71
تعليق على هذه الرواية.......................................... 72
الرواية السادسة: في مناقب آل أبي طالب...... 72
تعليق على هذه الرواية.......................................... 73
الرواية السابعة: في شجرة طوبى عن المخالفين 73
الرواية الثامنة: في مناقب آل أبي طالب........ 74
الثاني: ارتضاع الإمام الحسن علیه السلام مِن لسان النبي صلی الله علیه و آله .... 75
الرواية الأولى: في علل الشرائع............... 75
الرواية الثانية: في ذخائر العقبى................ 76
الرواية الثالثة: في شجرة طوبى................ 76
تعليق على هذه الرواية.......................................... 77
الثالث: ارتضاع الإمام الحسين علیه السلام مِن لسان النبي صلی الله علیه و آله .. 77
الرواية الأولى: في الكافي الشريف............. 77
الرواية الثانية: في الإمامة والتبصرة........... 78
الرواية الثالثة: في أمالي الشيخ الصدوق....... 80
الرواية الرابعة: في مناقب آل أبي طالب....... 81
الرواية الخامسة: في مناقب آل أبي طالب أيضاً 81
الرواية السادسة: في تأويل الآيات.............. 82
الرواية السابعة: في شجرة طوبى عن المخالفين 82
الرواية الثامنة: في شجرة طوبى أيضاً......... 83
الرابع: ارتضاع الإمام الحسين علیه السلام مِن إبهام النبي صلی الله علیه و آله ... 83
وفيه روايتان....................................... 83
الرواية الأولى: في الكافي الشريف............. 83
الرواية الثانية: في مناقب آل أبي طالب........ 85
الخامس: ارتضاع الإمام الحجة مِن لسان أبيه علیه السلام .. 86
الرواية الأولى: في كمال الدين وتمام النعمة... 86
الرواية الثانية: في الهداية الكبرى.............. 88
نتيجة البحث........................................ 90
الوجه الأول: التواتر المعنوي.................. 90
الوجه الثاني: الاستفاضة........................ 91
الوجه الثالث: رواية العامّة..................... 91
الوجه الرابع: الرواية التأريخية................. 92
الوجه الخامس: رواية الفضائل................. 92
شبهة ارضاع الكبير............................ 92
شبهة التعارض وردها.......................... 94
شبهة المغالين وردّها........................... 95
كلمة أخيرة......................................... 97
الشبهة الثانية: قضية المَلَك فطرس................... 99
الأوّل: ما دلّ على بطء فطرس علیه السلام فيما بُعث فيه... 100
الرواية الأولى: في كامل الزيارات........... 100
الرواية الثانية: في دلائل الامامة.............. 103
الرواية الثالثة: في عيون المعجزات.......... 104
الرواية الرابعة: في الخرائج والجرائح....... 105
الرواية الخامسة: في مستطرفات السرائر.... 106
الرواية السادسة: في بشارة المصطفى........ 108
الرواية السابعة: في بحار الأنوار............. 110
تعقيب على هذا الصنف مِن الروايات........................ 112
الثاني: ما دلّ على أنّ فطرس علیه السلام أبى الولاية....... 113
في بصائر الدرجات........................... 113
تعقيب على هذه الرواية....................................... 114
الثالث: ما لم يُذكر فيها ما في الصنفين السابقين.. 115
الرواية الأولى: في مصباح المتهجد.......... 115
الرواية الثانية: في مناقب آل أبي طالب...... 116
الرواية الثالثة: في مناقب آل أبي طالب أيضاً 116
تعقيب على هذه الرواية....................................... 117
الرواية الرابعة: في (رجال الكشِّي).......... 118
تعقيب على هذه الرواية....................................... 120
معاني الغضب................................................ 120
المعنى الأوّل.................................................. 120
المعنى الثاني.................................................. 121
الرواية الخامسة: في شعر ابن حماد العبدي.. 122
الرواية السادسة: في كتاب الأربعين.......... 125
تعقيب على هذه الرواية....................................... 126
الرواية السابعة: في كمال الدين وتمام النعمة. 127
تعقيب على هاتين الروايتين................................... 131
الرابع: تشبيه الإمام الجواد علیه السلام بصاحب فطرس.... 131
في اختيار معرفة الرجال (رجال الكشِّي).... 131
تعقيب على هذه الرواية....................... 133
جواب شبهات قضية فطرس........................ 134
الشبهة الأولى: عدم اعتبار الرواية............... 134
الوجه الأوّل الاستفاضة....................... 134
الوجه الثاني: فضيلة مِن الفضائل............. 136
الوجه الثالث: قضيَّة تاريخيَّة.................. 137
الشبهة الثانية: منافاتها لعصمة الملائكة........... 137
وفي الجواب عن هذه الشبهة نقول............ 137
أوّلاً: البطء.................................... 140
ثانياً: عدم قبول الولاية........................ 143
ثالثاً: الخطور في النفس....................... 147
أفعال الجوارح الاختيارية..................... 148
أوّلاً: العلم..................................................... 148
1- تصور الفعل............................................... 148
2- تصور الفائدة.............................................. 149
3- التصديق بفائدته........................................... 149
ثانياً: الميل..................................................... 149
ثالثاً: الشوق إلى الفعل......................................... 149
رابعاً: الإرادة والعزم.......................................... 150
الاختيار في الفعل ومقدماته................................... 150
الشبهة الثالثة: التعارض.......................... 151
الأوّل: سبب كسر الجناح أو سلب الجناح..... 151
الثاني: اسم الملَك.............................. 152
فطرس في شعر المتقدمين.......................... 153
الشاعر ابن حماد العبدي.......................... 154
قدوة الفقهاء السيد صدر الدين العاملي النجفي.... 155
الشاعر: عبد المجيد بن محمد البغدادي الحلي.... 156
الشاعر: عبد الرحمن بن نصر الله الشيرازي..... 158
الشّيخ عبد الحسين الحلّى......................... 159
العلامة الشيخ محمد رضا المظفر................ 159
العالم الأديب الميرزا أبو الفضل الطهراني....... 161
الخطيب الشيخ محسن ابن الشيخ محمد حسن..... 162
الفقيه الشيخ علي الجشي.......................... 163
الشيخ تقي الدين ابراهيم بن علي الكفعمي........ 165
الفقيه الشيخ حسن الدمستاني...................... 165
الشاعر السيد محمد بن الحسين أمير الحاج....... 167
الفقيه الشيخ محمد علي الاُردوبادي.............. 168
الفقيه السيد محمد جمال الهاشمي................. 170
الشبهة الثالثة: لا تشقي عليَّ جيبا................... 172
الأمر الأول: استثناء شقِّ الثوب ولطم الخدّ....... 173
وأمّا لطم الخدِّ:................................ 176
الأمر الثاني: استثناء الجزع عليهم علیهم السلام .............. 178
الأمر الثالث: نهي الإمام الحسين علیه السلام عن شقِّ الجيب. 182
الأول: عدم نهوض الرواية بالمعارضة...... 183
الثاني: تقييد النهي بوقت القتل................ 183
الثالث: الشق كان قبل النهي.................. 184
الرابع: النهي ارشادي......................... 186
الشبهة الرابعة: الإذن للأصحاب بالجهاد........... 187
الأمر الأوّل: الحسين علیه السلام له الولاية التشريعية...... 192
الأمر الثاني: الحسين علیه السلام له الولاية على الناس..... 193
الأمر الثالث: حفظ الإمام علیه السلام تحقق................. 194
الأمر الرابع: قتل الحسين علیه السلام حياة للدين........... 196
الأمر الخامس: الأمر بالمعروف والتقية.......... 196
الشبهة الخامسة: حول الحزن....................... 201
التساؤل الأوّل: العمى وكمال الأنبياء............. 204
التساؤل الثاني: عدم حصول العمى لأهل البيت علیهم السلام . 204
الأمر الأول: اختلاف مراتب الصبر.......... 205
الأمر الثاني: اختيار المعصوم للحزن........ 205
الفعل الاختياري وغيره....................... 206
1- أفعال الجوارح غير الاختيارية............................ 206
2- أفعال النفس الاختيارية.................................... 206
3- أفعال الجوارح الإختيارية................................. 207
مقدمات الفعل................................................. 207
أوّلاً: العلم..................................................... 207
1- تصور الفعل.............................................. 208
2- تصور الفائدة.............................................. 208
3- التصديق بفائدته........................................... 208
ثانياً: الميل..................................................... 208
ثالثاً: الشوق إلى الفعل......................................... 208
رابعاً: الإرادة والعزم.......................................... 209
الاختيار في الفعل ومقدماته................................... 209
4- أفعال النفس غير الاختيارية............................... 210
قوى النفس الأربع............................................. 211
1- القوّة العاقلة................................................ 213
2- القوة السبعية............................................... 213
3- القوة البهيمية............................................... 214
4- القوة الخيالية............................................... 214
نهاية المطاف.................................................. 216
الشبهة السادسة: حول البكاء........................ 219
الأمر الأوّل: حقيقة البكاء عندنا.................. 223
الأمر الثاني: ارتباط البكاء بالمعرفة.............. 224
النقطة الأولى: ارتباطات العبادات بالمعرفة.. 224
النقطة الثانية: ارتباط الطهارة الحدثية بتطهير النفس 226
الأمر الثالث: المقام والمنزلة..................... 227
كلمة لابُدّ منها.................................... 229
تعليق على رواية ابن شبيب........................ 239
الفصل الأوّل:.................................... 243
الفصل الثاني:.................................... 248
الفصل الثالث:.................................... 252
الأول: مشروعية البكاء على الحسين علیه السلام ....... 253
الثاني: افضلية البكاء على الحسين علیه السلام من غيره. 255
الثالث: دواعي البكاء على الحسين علیه السلام .......... 255
الرابع: بيان بكاء السماء...................... 256
الخامس: شعار يا لثارات الحسين علیه السلام ........... 259
المشي إلى المراقد المقدسة.......................... 261
*الاهداء *...................................... 263
تمهيد.......................................... 269
الأدلة العامة......................................... 279
الدليل الاول من الادلة العامة: الدليل الاجتهادي.. 279
النقطة الاولى: المراد من الحديث................ 280
النقطة الثانية: اعتبار الحديث..................... 280
النقطة الثالثة: الاستدلال بالحديث................. 282
المورد الاول: افضلية السعي ماشياً.............. 282
المورد الثاني: الدعاء قائماً في يوم عرفه......... 282
المورد الثالث: افضلية رمي الجمرة ماشياً....... 283
المورد الرابع: اختلاف الصيام باختلاف الاماكن. 283
النقطة الرابعة: قاعدية الحديث الفقهية:........... 283
االخامسة: انطباق الحديث على المشي لزيارتهم علیهم السلام :... 284
الدليل الثاني من الادلة العامة: الدليل الفقاهتي:... 285
الادلة الخاصة................................ 288
الطائفة الاولى: ما دل على الحث على المشي.... 288
زيارة امير المؤمنين علیه السلام :........................... 289
زيارة الامام الحسين علیه السلام :........................... 290
الطائفة الثانية ما دل بالتقرير:.................... 298
تزاحم رجحان المشي مع غيره..................... 300
ثواب المشي الى زيارة اهل البيت.................. 301
بقي شيء......................................... 305
الخاتمة.............................................. 307
الملحق: حديثنا صعب مستصعب................... 309
أمرنا لا يحتمله إلاّ.................................. 314
1- في بصائر الدرجات:......................... 314
2- في بصائر الدرجات:......................... 316
تعقيب على هذه الرواية:...................... 316
3- في بصائر الدرجات.......................... 318
4- في مختصر بصائر الدرجات:................ 319
تعقيب على هذه الرواية:...................... 320
5- في نهج البلاغة:.............................. 321
تعقيب على هذه الرواية:...................... 322
6- في رياض الجنان:............................ 323
7- في مختصر بصائر الدرجات:................ 325
تعقيب على هذه الرواية:...................... 325
8- شرح النهج لابن ابي الحديد:.................. 325
تعقيب على هذه الطائفة مِن الأخبار:............. 327
حديثنا لا يحتمله إلا.................................. 329
1- في بصائر الدرجات:......................... 329
2- في بصائر الدرجات:......................... 330
تعقيب على هذه الرواية:...................... 330
3- في بصائر الدرجات:......................... 334
تعقيب على هذه الرواية:...................... 335
4- في بصائر الدرجات:......................... 336
5- في بصائر الدرجات:......................... 336
6- في بصائر الدرجات:......................... 337
7- في مختصر بصائر الدرجات:................ 338
تعقيب على هذه الرواية:...................... 338
8- في أمالي الصدوق:........................... 339
9- في رجال الكشي:............................. 340
تعقيب على هذه الرواية:...................... 341
10- في بشارة المصطفى:....................... 341
11- في مناقب آل أبي طالب:.................... 343
تعقيب على هذه الطائفة مِن الأخبار:............. 343
حديثنا لا يؤمن به إلا................................ 345
1- في الأصول الستة عشر:...................... 345
2- في بصائر الدرجات:......................... 345
3- في الكافي الشريف:........................... 346
4- في بصائر الدرجات:......................... 348
5- في بصائر الدرجات.......................... 349
تعقيب على هذه الرواية:...................... 349
6- في تفسير فرات الكوفي:...................... 350
تعقيب على هذه الطائفة مِن الأخبار:............. 350
أمرنا لا يقرّ به ولا يعرفه إلا........................ 351
1- في الأصول الستة عشر:...................... 351
تعقيب على هذه الرواية:...................... 351
2- في بصائر الدرجات:......................... 356
3- في بصائر الدرجات.......................... 356
تعقيب على هذه الرواية:...................... 358
4- في معاني الأخبار:............................ 358
5- في بصائر الدرجات.......................... 359
6- في بصائر الدرجات:......................... 360
تعليق على هذه الرواية:....................... 360
7- في بصائر الدرجات.......................... 361
8- في بصائر الدرجات.......................... 361
9- في مختصر بصائر الدرجات:................ 362
10- في عوالي اللئالي:........................... 366
تعقيب على هذه الرواية:.......................... 367
11- في بحار الأنوار:........................... 367
تعقيب على هذه الرواية:...................... 369
تعقيب على هذه الطائفة مِن الأخبار:............. 370
علمهم لا يحتمله إلا................................. 371
1- في الكافي الشريف:........................... 371
تعقيب على هذه الرواية:...................... 372
2- في الهداية الكبرى:........................... 375
تعقيب على هذه الطائفة مِن الأخبار:............. 378
حديثنا لا يحتمله..................................... 380
1- في بصائر الدرجات:......................... 380
2- في بصائر الدرجات:......................... 381
3- في بصائر الدرجات:......................... 381
4- في الكافي الشريف:........................... 382
5- في معاني الأخبار:............................ 383
6- في الكافي الشريف:........................... 384
7- في بحار الأنوار:............................. 385
معنى جميع تلك الأخبار:............................ 387
معنى الصعب المستصعب....................... 388
معنى عدم الاحتمال في الروايات................. 390
نماذج مِن عدم احتمال أمرهم علیهم السلام :.............. 394
الأوَّل: عدم احتمال علمهم:.................................... 394
الثاني: عدم احتمال غرائب أفعالهم:........................... 401
الثالث عدم احتمال حقيقة صفاتهم:............................ 407
بعض مظاهر عدم الإحتمال:..................... 409
هل يتساوى المؤمن الممتحن مع المرسلين... ؟.. 410
مراتب معرفتهم علیهم السلام :................................ 412
المرتبة الأولى: الخاصة بهم علیهم السلام ................. 413
الصنف الأوّل: ما دلّ على أنّهم علیهم السلام لا يعرفهم إلا الله وهم...... 413
الصنف الثاني: ما دلّ على عدم احتمال أمرهم مِن مخلوق:. 414
الصنف الثالث: الدليل العقلي:................................. 414
المرتبة الثانية: تالي المعصوم:............... 415
المرتبة الثالثة: المؤمن الممتحن:.............. 418
ما يُستفاد من تلك الأخبار......................... 419
الأوّل: التوجُّه إلى معرفتهم:.................. 419
الثاني: التسليم لهم:............................ 421
الثالث: حرمة إذاعة سرَّهم:................... 422
هل دفع الخمس مِن الصعب المستصعب؟........ 425
معنى الرواية:................................. 430
*الفهرست *..................................... 432