ghaemiyeh.com
الغيبة الکبری
بحث في الحكمة والفوائد
الشيخ على عيسى الزواد
كافة الحقوق محفوظة ومتجل
الطبعة الثانية
1429ه- / 2008م
كافة الحقوق محفوظة ومتجل
الطبعة الثانية
1429ه- / 2008م
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مَلِكِ يَوْمِ الدِّين
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
غَيرِ الغَضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ}
(القصص الآية5)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين، واللعن الدائم المؤبّد على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين...
وبعد:
اتفق علماء الطائفة الحقّة أجمعون، وأيدهم الوجدان بالأدلة والبرهان، أن الأرض لا تخلو من حجة أو إمام ظاهر معلوم أو باطن مستور، من باب لطفه على العباد ولئلا يكون للناس على الله حجة، بل لله الحجة البالغة، ولو خليت الأرض لساخت بأهلها، ولغارت غدرانها، ودرست أعلامها، ولأصبح أعاليها أسافلها. فصلاحها - من الله - بالإمام، ولو لم يبق في الأرض إلا اثنان لكان أحدهما الحجة كما في الكثير من الأخبار.
ولابُدّ في كلِّ عصر من إمام شاهد، يُدعى الناس في المحشر بإمامهم ويكون عليهم شهيداً وحسيباً، فقال تعالى: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ...}(الإسراء: من الآية71). {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} (النساء:41).
ولذلك انتجب الجليل بحكمته أوصياء لحبيبه المصطفى’، وجعلهم أمناء على وحيه، وقوّاماً على خلقه، وشهداء يوم حشره أئمة هداة معصومين من كلِّ زلل، منزّهين عن كلِّ نقص، مطهرين من كلِّ رجس.
عدّتهم اثنا عشر المنكر لأحدهم كمنكرهم جميعاً، ومن مات ولم يعرفهم مات ميتة الكفر والضلال والجاهليّة، وآخر تلك السلسلةالمحمدية والعروة الوثقى وبقيتهم ووارثهم الإمام الثاني عشر، المنتظر سميّ رسول الله’ والحامل لكنيته، ابن الإمام الحسن العسكري، الذي يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجورا، ينتقم لله تعالى من أعدائه الكافرين المعاندين، وينصر أولياءه المؤمنين.
المولود في النصف من شعبان سنة 256 ه-، الغائب غيبةً صغرى ابتدأها باستشهاد والدهعلیه السلام سنة 260 ه-، ودامت حتّى سنة 329 ه-، بوفاة نائبه الرابع الأخير، وعندها بدأت غيبته
الكبرى التامّة وهي مستمرّة إلى أن يمُنّ الله تعالى ببزوغ فجر ظهوره، وطلوع تلك الشمس التي تنشر النور ويضمحلّ عندها ظلام الجهل والكفر والعصيان.
وطول غيبته لقد كثر نظائرها، وشاع وذاع أمثالها، فالخضر ونوح صلی الله علیه و آله و سلم وأصحاب الكهف وسلمان المحمدي وغيرهم الكثير الذين نطق القرآن بذكرهم أو بيِّنت الروايات أعمارهم، وتناقلتها كتب السير طول بقائهم.
ولقد كثر المدّعون للباطل في هذا الزمان، وابتعد الناس عن الهدى والصلاح، واتّكلت الناس على أنفسها، تاركة انتظار الفرج من المنتظرعجل الله تعالی فرجه الشريف فبين مُصرِّح بلسانه إنكاره صلوات الله عليه، وبين مَنْ ينطق فعله بالإنكار، وإن لم يُفصح عن ذلك باللسان، فتعلّقت الآمال بغيره، وانتظر الناس الفرج من سواه، غافلين وناسين لمراعاته صلوات الله عليه لهذه الأمّة، وكأنّهم أحرص عليها منه.
ففي كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص323: بسنده عن الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعلیهم السلام - في حديث عن الغَيبة بقسميها-: (... وأما الأخرى فيطول أمدها حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر من يقول به فلا يثبت عليه إلا من قوى يقينه وصحّت معرفته ولم يجد في نفسه حرجاً مما قضينا، وسلم لنا أهل البيت).
وفيه أيضاً ص326: بسنده عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر((عما))- في حديث -: (إذا دارت الفلك، وقال الناس: مات القائم أو هلك، بأي واد سلك، وقال الطالب: أنّى يكون ذلك وقد بليت عظامه فعند ذلك فارجوه، فإذا سمعتم به فأتوه ولو حبواً على الثلج).
نعم يُنكره كثير من القائلين به لطول غيبته، بل ويخرج عن هذا الدين أهل الحداثة والتجديد في هذا الدين القويم، وكأنّه جاء ناقصاً وينتظر أمثالهم كي يقوموا على إكماله وتهذيبه، فيُنازعوا ربّ العالمين في ملكه وملكوته، ويكونوا ممن أنكره صلوات الله عليه وأنكر هذا الدين المنزل على المصطفى الأمين صلى الله عليه وآله الطاهرين.
أحببت في هذا الكتيِّب أن أساهم في تثبيت المؤمنين المنتظرين، وأتواصى مع المحبين الموالين، وأقيم الحجّة على المعاندين، فسطّرت ما وفقني إليه ربّ العالمين، سائراً على هدي محمد وآله الطاهرين، في بحثِ فوائد وجود الإمامعلیه السلام وإن كان غائباً، فإنّ الفائدة من وجوده الشريف لا تنحصر بمقام ظهوره، كما أنّ لغيبته علّة لا نعلمها ولا نُحيط بها، وهي مما خفي علينا وصرّح أئمة الهدى بأنّ تلك العلّة مِن مكنون السرِّ لا تُعلم إلاّ بعد ظهوره صلوات الله وسلامه عليه.
ففي كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص482: بسنده
عن الإمام الصادق جعفر بن محمد صلی الله علیه و آله و سلم يقول: (إن لصاحب هذا الأمر غيبة لا بُدّ منها، يرتاب فيها كل مبطل، فقلت: ولِمَ جعلت فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم؟ قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله تعالى ذكره، إن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضرعلیه السلام من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسىعلیه السلام إلى وقت افتراقهما....).
نعم. وجه الحكمة من غيبته على النحو التام، بمعنى العلّة الحقيقيّة لا ينكشف إلاّ بعد ظهوره صلوات الله عليه، أمّا معرفة بعض وجوهالحكمة فهذا مما نُدركه، وقد نصّ أهل البيتعلیهم السلام على بعضها، كما سنوافيك بها أثناء البحث بتوفيق الله تعالى وتسديده.
إنّ فائدة الإمامعلیه السلام على الخلق عظيمة، لا يمكن لأحد من الكائنات أن يحويها، ولا يصحّ في العقول إدراكها، عظمة من عظمة الله تعالى، وجلال من جلال الله تعالى، وقدس من قدس الله تعالى، خليفة الله تعالى في أرضه وحجّته على عباده، وأمينه على وحيه، وعيبة علمه وخزانة أسراره. وأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أدرى بمن فيه، وهم العارفون بأنفسهم الواصفون لها، والذين يُقدِّرونها حق تقديرها، فلنستمع إلى شيء مما قالوه:
في الكافي للشيخ الكليني ج1 ص198: بسنده عن الإمام الرضاعلیه السلام - في حديث طويل – يقول فيه: (إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعز المؤمنين، إن الإمامة أسّ الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة
والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات((1))، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف.
الإمام يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذبّ عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة، والحجة البالغة.
الإمام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار.
الإمام البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى وأجواز((2)) البلدان والقفار، ولجج البحار.
الإمام الماء العذب على الظمأ، والدال على الهدى، والمنجي من الردى.الإمام النار على اليفاع((3))، الحار لمن اصطلى به((4))، والدليل في المهالك، من فارقه فهالك.
1) ([1]) توفير الفيء والصدقات: حفظها وادخارها لأهلها وصرفها في محلّها وعدم الإجحاف على مستحقيها.
2) ([2]) الغيهب: الظلمة وشدة السواد، وأجواز: جمع الجوز وهو من كل شيء وسطه.
3) ([1]) اليفاع: ما ارتفع من الأرض.
4) ([2]) الظاهر أنَّ المراد من هذه العبارة: أنّ الإمام علیه السلام هو مصدر دفئ الرحمة والرأفة والمحبة والمعرفة لمن تمسّك به وقرب منه، كما أنّ النار مصدر دفئ لمن قرب منها، كقوله تعالى: {قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}(القصص: من الآية29).
الإمام السحاب الماطر، والغيث الهاطل ((1))،
والشمس المضيئة، والسماء الظليلة، والأرض البسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والروضة.
الإمام الأنيس الرفيق، والوالد الشفيق، والأخ الشقيق، والأم البرة بالولد الصغير، ومفزع العباد في الداهية النآد((2)).
الإمام أمين الله في خلقه، وحجته على عباده، وخليفته في بلاده، والداعي إلى الله، والذابّ عن حرم الله.
الإمام المطهر من الذنوب، والمبرأ عن العيوب، المخصوص بالعلم، المرسوم بالحلم، نظام الدين، وعز المسلمين وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين.
الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهّاب.
فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام، أو يمكنه اختياره((3))، هيهات هيهات، ضلت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وخسئتالعيون((4))،
وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألباء، وكلّت
الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء، عن وصف شأنٍ من شأنه، أو فضيلة من فضائله، وأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكله، أو ينعت بكنهه، أو يفهم شيء من أمره، أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه، لا كيف وأنى؟ وهو بحيث النجم من يد المتناولين، ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا؟! أتظنون أن ذلك يوجد في غير آل الرسول محمد صلى الله عليه وآله... الحديث).
ثُم لا تنحصر فائدة الإمامعلیه السلام في حال ظهوره، بل الفائدة منهعلیه السلام عظيمة ومتعددة حتّى في حال غيبته، فإنّ مجرّد وجوده في دار الدنيا حيّاً يكون سبباً لفوائد عميمة وجليلة، ومن هنا جاء تشبيههعلیه السلام بالشمس إذا سترتها الغيوم، فإنّ الشمس تصل فوائدها من دفئ ونور وإن كانت غائبة وراء الغيوم، كما ورد عنهمعلیهم السلام:
في أمالي الصدوق ص164 بسنده عن سليمان الأعمش، عن الإمام الصادقعلیه السلام قال:(... لم تخلُ الأرض منذ خلق الله آدم من حجة لله فيها ظاهر مشهور، أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة لله فيها، ولولا ذلك لم يعبد الله، قال سليمان: فقلت للصادقعلیه السلام: فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب).
وفي كمال الدين ج2 ص162: بسنده عن إسحاق بن يعقوب
أنه ورد عليه من الناحية المقدسة على يد محمد بن عثمان: وأما علة ما وقع من الغيبة فان الله عزّ وجل يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ... }((1)) إنه لم يكن أحد من آبائيإلا وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي، وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالإنتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار السحاب، وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، فأغلقوا أبواب السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكلفوا علم ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإنّ ذلك فرجكم، والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى)((2)).
والتشبيه بالشمس له دلالاته الكثيرة العظيمة، وسنتعرّض لهذا التشبيه في الخاتمة إن شاء الله تعالى، ويكفينا أن نذكر هنا بعض تلك الفوائد الجليلة من وجوده المقدّسعجل الله تعالی فرجه الشريف في زمن الغيبة الكبرى:
إنّ مجرّد وجوده عجل الله تعالی فرجه الشريف هو سبب لبقاء وجود البشر على الأرض حتى في حال غيبته، ولولا وجوده الشريف لساخت الأرض ومن عليها، لأنّه العلّة الغائيّة من وجود هذا العالم الذي نعيشه،
وعند انتفاء الغاية لا بُدّ أن ينتهي وينتفي المُغيّا عند الفاعل القادر الحكيم، ولبيان ذلك نقول:
إنّ الكون كما يحتاج إلى علّة في حدوثه، فكذلك يحتاج إلى علّة في بقائه، لأنّ الكون ممكن من الممكنات، والممكن ما تساوى فيه طرفا الوجود والعدم فحتّى يترجّح فيه الوجود يحتاج إلى ما يُرجّح وجوده على عدمه، لأنّ الوجود ليس ذاتيّاً له وإلاّ لو كان الوجود من ذاته لزم أن يكون واجبَ الوجود وهو خلف – أي لقد فرضناه ممكناً فكيف يكون واجباً بالذات - وكذلك الكون يحتاج إلى علّة لبقائه لنفس السبب الذي قلناه في احتياجه إلى علّة في حدوثه، لأنّه لم يخرج بحدوثه عن كونه ممكناً، وما دامت صفة الإمكان موجودة فالاحتياج إلى العلّة موجود.والفاعل الحكيم لا يفعل إلاّ لمصلحة وغرض وغاية، فالكون كما يحتاج إلى غرض من حدوثه وابتداء وجوده فكذلك يحتاج إلى غرض وغاية في بقائه واستمرار وجوده، وعند انتفاء المصلحة والغاية والهدف من وجود الشيء فإنّ الفاعل الحكيم لا يفعله، فلا يصحّ وجود العالم ولا بقاؤه إلاّ لغاية وغرض، والفعل بلا غاية من العبث المنزّه عنه الحكيم تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. قال (عزّ وجل):
{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} (الدخان:38)
والكون خلق من أجل الجن والإنس قال تعالى:
{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة:22)
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (البقرة:29)
{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ} (لقمان:20)
والغاية من خلق الجن والإنس هي العبادة كما قال الله تعالى:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات:56)
والعبادة تتوقّف على معرفة أمور محدودة ومنها معرفة العبادة والمعبود، وأمّا المعرفة التي لا غاية لنهايتها، ولا نهاية لأمدها، متوقفة على العبادة، قال تعالى:
{...وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(البقرة: من الآية282).
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}(العنكبوت:69).
وتقوى الله والجهاد فيه تعالى إنّما يكون بالعبادة الخالصة له تعالى.
ومن حصلت له هذه المعرفة النورانيّة التي تمّ فيضها عليه من الباري تعالى، فقد حظي بالخشية من الله تعالى:
{...إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}(فاطر: من الآية28)
ومن هنا وردت بعض الروايات في تعليل الخلق بالمعرفة.
ومنها: ما في الكافي للشيخ الكليني ج1 ص141 من خطبة أمير المؤمنينعلیه السلام قال فيها:(... ابتدأ ما أراد ابتداءه وأنشأ ما أراد إنشاءه على ما أراد من الثقلين الجن والإنس، ليعرفوا بذلك ربوبيته وتمكن فيهم طاعته((1))...).
ومنها: ما في علل الشرائع للشيخ الصدوق ج1 ص9 بسنده عن أبي عبد اللهعلیه السلام قال: (خرج الحسين بن علي صلی الله علیه و آله و سلم على أصحابه فقال: أيها الناس إنّ الله جل ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه، فقال له رجل: يا ابن رسول الله بأبي أنت وأمي فما معرفة الله؟ قال: معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته).
ومنها: الحديث القدسي المشهور:( كنت كنزاً مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أُعرف ).
إلى هنا وصلنا إلى أنّ الكون خُلق من أجل الإنسان والجان،
1) ([1]) في التوحيد للشيخ الصدوق ص33: طواعيته.
وهما قد خلقا من أجل العبادة وأصل العبادة والتوجّه إلى الله تعالىكما يتوقف على معرفة المعبود فكذلك المعرفة المتنامية المتزايدة متوقفة على العبادة.
والمُحَقِّق لتلك العبادة على حقيقتها، والحاصل على المعرفة في غايتها، هو النبي محمد وآله الأطهار صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، ما بزغ نجم وطلع نهار.
فحتّى يبقى الكون لابُدّ أن يبقى الإمامعلیه السلام، فهو المحقق للغاية من الوجود، ولو خلت الأرض منه صلوات الله وسلامه عليه لساخت بأهلها، ومن هنا جاءت الروايات التي تؤكِّد هذه الحقيقة اليقينيّة.
فمنها: ما في كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص201 بسنده عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي عبد اللهعلیه السلام قال: قلت له: (أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لو بقيت الأرض بغير إمام ساعة لساخت).
وفي نفس المصدر السابق بسنده عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضاعلیه السلام قال: (قلت له: أتبقى الأرض بغير إمام؟ فقال: لا، قلت: فإنا نروي عن أبي عبد اللهعلیه السلام أنها لا تبقى بغير إمام إلا أن يسخط الله على أهل الأرض أو على العباد، فقال: لا تبقى، إذاً لساخت).
وفي نفس المصدر السابق أيضاً بسنده عن الإمام أبي
جعفرعلیه السلام قال: (لو أن الإمام رُفِعَ من الأرض ساعة لَمَاجَت بأهلها كما يموج البحر بأهله).
قال الميرزا جواد التبريزي في صراط النجاة ج3 ص437:
(يصح القول أنهم علة غائية لخلق العباد، لا بمعنى أن الخالق يحتاج إلى الغاية، بل لان إفاضة فيض الوجود بسبب ما سبق في علمه أنهم السابقون الكاملون في الغرض والغاية من الفيض، والله العالم).
ومن هنا أيضاً وردت الروايات المستفيضة الدالّة دلالة قطعية بأنّ الكون إنّما خلق من أجل أهل البيتعلیهم السلام، ومن تلك الروايات:
حديث الكساء الصحيح المعروف المشهور الذي ورد فيه:(...وعزتي وجلالي إني ما خلقت سماء مبنية، ولا أرضاً مدحيّة، ولاقمراً منيراً، ولا شمساً مضيئة، ولا فلكاً يدور ولا بحراً يجري ولا فلكاً يسري إلاّ لأجلكم و محبتكم...).
ومنها: الحديث المروي عن رسول الله’ الذي قال فيه:( إنّ أبي آدم لما رأى اسمي واسم علي وابنتي فاطمة و الحسن والحسين وأسماء أولادهم مكتوبة على ساق العرش بالنور، قال: إلهي وسيدي هل خلقت خلقاً هو أكرم عليك مني؟ فقال: يا آدم لولا هذه الأسماء لما خلقت سماء مبنية، ولا أرضا مدحيّة، ولا
ملَكاً مقرّباً، ولا نبيّاً مرسلاً، ولا خلقتك يا آدم...)((1)).
قال العلامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار ج25 ص93: (ثبت بالأخبار المستفيضة أنهم العلل الغائية لإيجاد الخلق).
ولا يُحقق هذه الغاية بوجودها الحقيقي إلاّ الإمام عجل الله تعالی فرجه الشريف، فإنّ عباداتنا صوريّة، وليست عبادة حقيقيّة يمكن أن تُقاس بعبادتهعلیه السلام، لأنّ العبادة خضوع القلب والعقل والخيال والوهم وكلّ الجوارح، وهذا لا يتحقق منا، فبوجوده تتحقق العبادة الحقيقيّة، فتتحقق غاية الخلق، وكذلك معرفتنا لا تُحقق الغاية من الخلق، وعندما لا يوجد على الأرض مَنْ يُحقق هذه الغاية عندئذ يكون البقاء للكون عبثيّاً، والله سبحانه مُنزّه عنه تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيرا.
إنّ العلل المتوالية يصح التعليل بكلّ واحدة منها؛ فعندما تقوم وتُسأل عن سبب قيامك فتقول: أودّ الخروج، وعندما تُسأل عن سبب خروجك تقول: أريد الذهاب للسوق، وعندما تُسأل عن الغرض من ذهابك إلى السوق فتقول: لأجل شراء الدواء الفلاني... وهكذا تتوالى الأسباب. ويصحُّ منك من أوّل الأمر أن تُعلل قيامك بأي واحدة من تلك الأسباب المتوالية، فتقول: أريد القيام من
1) ([1]) الروضة: 17، وروضة الواعظين: 72، وعنهم بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج53 ص23.
أجل الذهاب إلى السوق، ويصحُّأن تقول أريد القيام من أجل شراء الدواء... وهكذا.
فكذلك بالنسبة لخلق الكون يصحّ أن يُعلل بأنّه من أجل الإنسان أو من أجل العبادة أو من أجل المعرفة أو من أجل أهل البيت عليهم أفضل التحية والسلام. ولا منافاة في ذلك كلّه، فافهم واغتنم.
إنّ فيض الله تعالى الخير على الناس هو ببركة الإمام، فإنّ الإمامعلیه السلام به يُمطر الناس، وبه يرزقون، وبه تُخرِج الأرض بركتها لهم، وبه ينزل الله تعالى كل خير عليهم.
لأنّ الإمامعلیه السلام هو الأهل لتلك النعم الجليلة، وليس هناك شخص في هذا الزمان أهل لها غيره، وهذه النعم العظيمة لا يستحقّها إلاّ مَن حقق الغاية من الوجود، ولَمْ وَلَنْ يُحقق أحد الغاية في زماننا غيره صلوات الله وسلامه عليه.
ففي كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص202 بسنده عن الإمام الرضاعلیه السلام: (نحن حجج الله في خلقه، وخلفاؤه في عباده، وأمناؤه على سره، ونحن كلمة التقوى، والعروة الوثقى، ونحن شهداء الله وأعلامه في بريته، بنا يمسك الله السموات والأرض أن تزولا، وبنا ينزل الغيث و ينشر الرحمة...).
وفي الأمالي للشيخ الصدوق ص252 بسنده عن الإمام الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسينعلیهم السلام، قال: (نحن أئمة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغر المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزلالغيث، وبنا ينشر الرحمة، ويخرج بركات الأرض...) ((1)).
العذاب تستحقُّه الناس بسبب معاصيها وجرأتها على مخالفة أوامر ربِّها ونواهيه، وتستحق العقاب في الدنيا قبل الآخرة بسبب بعدها وإعراضها عن أولياء الله تعالى وحججه، بل تستحقّه على عظيم جُرأتها على أصفياء الله تعالى وخُلفائه.
ولكن ببركة وجود الإمامعلیه السلام يرفع الله تعالى العذاب عن الناس، قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الأنفال:33).
وروي عن رسول الله’ أنّه قال: (النجوم أمان لأهل السماء،
1) ([1]) ورواه في كمال الدين وتمام النعمة ص207.
وأهل بيتي أمان لأمتي)((1)).
وفي إكمال الدين ص118 بسنده عن الإمام أبي عبد اللهعلیه السلام: (إنّ الكواكب جعلت في السماء أماناً لأهل السماء، فإذا ذهبت نجوم السماء جاء أهل السماء ما كانوا يوعدون، وقال رسول الله’: جُعِلَ أهل بيتي أماناً لأمتي، فإذا ذهب أهل بيتي جاء أمتي ما كانوا يوعدون).
فالإمام أمان للأمّة من أن ينزل عليها العذاب كما نزل بالأمم السابقة، ولا يعني ذلك أن لا ينزل البلاء والامتحان والاختبار على الناس، قال الله تعالى:
{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} (العنكبوت:2)
بل لا بُدّ من نزول البلاء على الناس حتى يتميّز الخبيث من الطيِّب والمؤمن من الكافر، قال تعالى:
{لِيَمِيزَ اللهُ الْ-خَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ال-ْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍفَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْ-خَاسِرُونَ} (الأنفال:37)
والبلاء رحمة بالعباد يُعرِّضهم لثواب الصابرين، لأنّ ثواب الصابرين لا يتأتى إلاّ بالصبر، والصبر لا يتأتى إلاّ بالبلاء، فترتفع درجات المؤمنين، وعلى قدر إيمان العبد يكون بلاؤه وامتحانه.
1) ([2]) أمالي ابن الشيخ: 163. وعيون أخبار الرضا: 197. ومثله في صحيفة الرضا: 11. عنهم بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج72 ص308. والروايات في ذلك كثيرة.
في الكافي للشيخ الكليني ج2 ص252 بسنده عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: (ذكر عند أبي عبد اللهعلیه السلام البلاء وما يخص الله عزّ وجل به المؤمن، فقال: سئل رسول الله’ مَنْ أشدّ الناس بلاءاً في الدنيا؟ فقال: النبيون، ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلى المؤمن بعدُ على قدر إيمانه وحسن أعماله، فمن صحّ إيمانه وحسن عمله اشتد بلاؤه، ومن سخف إيمانه وضعف عمله قلّ بلاؤه).
كما أنّ البلاء عنوان للمحبّة فإنّ الله تعالى إذا أحبّ عبداً وأراد أن يرفع درجته ابتلاه، فإذا ابتلاه وصبر واحتسب فعند ذلك ترتفع درجته.
ففي المصدر السابق بسنده عن أبي عبد اللهعلیه السلام قال: (إن عظيم الأجر لمع عظيم البلاء، وما أحب الله قوماً إلاّ ابتلاهم).
وليس معنى ذلك أنّ كل مُبتلى هو محبوب لله تعالى، فإنّ البلاء قد يكون عقاباً وتنكيلا للكافر الفاجر، كما أنّ الله تعالى قد يبتلي الإنسان فيفشل العبد في البلاء والامتحان.
{مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا(5) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ أَسَفًا(6)إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(7)}(الكهف)
الإمامعلیه السلام مجعول من الله تعالى لهداية الناس وإيصالهم إلى رضوان الله تعالى وجنّته، فبه تُعرف معالم الدين، وشريعة سيّد المرسلين، وبه صلاح الدين والدنيا، وغيبتهعلیه السلام لم تمنعه من ممارسة دوره في إيصالالحق لأهله، وهو صلوات الله عليه غير مهمل لمراعاة مصالح المؤمنين، وقد يلتقي مع بعض المؤمنين، ويقوم بتسديد بعض العلماء كما نقل عنهعلیه السلام في توقيعه الشريف إلى الشيخ المفيد+:
(للأخ السديد والولي الرشيد، الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان، أدام الله إعزازه.
من مستودع العهد المأخوذ على العباد.
بسم الله الرحمن الرحيم
أمّا بعد...
سلام عليك أيّها الولي((1)) المخلص في الدين، المخصوص فينا باليقين، فإنّا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ونسأله الصلاة على سيدنا ومولانا نبينا محمد وآله الطاهرين، ونعلمك - أدام الله توفيقك لنصرة الحق، وأجزل مثوبتك على نطقك عنا بالصدق - إنه قد أُذن لنا في تشريفك بالمكاتبة، وتكليفك ما تؤديه عنا إلى موالينا قبلك، أعزّهم الله تعالى بطاعته، وكفاهم
1) ([1]) المولى خ ل.
المهم برعايته لهم، وحراسته، فقف - أَمَدَّك((1)) الله بعونه على أعدائه، المارقين من دينه - على ما نذكره، واعمل في تأديته إلى من تسكن إليه، بما نرسمه إن شاء الله.
نحن وإن كنا ثاوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين - حسب الذي أرانا((2)) الله تعالى لنا من الصلاح، ولشيعتنا المؤمنين في ذلك، ما دامت دولة الدنيا للفاسقين - فإنّا نحيط علماً بأنبائكم، ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالذُّلّ الذي أصابكم، مذ جنح كثير منكم، إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ منهم وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون إنا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسينلذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء...)((3)).
وفي بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج1 ص187، عن الخصال بسنده عن أمير المؤمنينعلیه السلام - في حديث-: (اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجة ظاهر، أو خافي((4)) مغمور، لئلا تبطل حجج الله وبيِّناته...).
والأحاديث الدالّة على المطلوب كثيرة لا تخفى على من لديه أدنى تتبّع. كما أنّ مَن راجع كتب علمائنا الأعلام، واطّلع على
ما سطّروه مِن لقاءات معه صلوات الله عليه فإنّه يعلم علم اليقين أنّه (عجّل الله فرجه) قد أحاطت عنايته ورعايته هذه الأمّة.
بل كلّ مَن سلك معهمعلیهم السلام سُبُل القربات، ووصلهمعلیهم السلام بالزيارات، وأنس بهم في الظلمات، واستشعر وجودهم في الأرضين بعد السماوات، فإنّه لا شكّ يرى فضلهم عليه من الواضحات، ورعايتهم له من المسلّمات.
قال العلامة المجلسي في بحاره ج52 ص93:
(ولقد جربنا مرارا لا نحصيها أن عند انغلاق الأمور، وإعضال المسائل، والبعد عن جناب الحق تعالى، وانسداد أبواب الفيض، لما استشفعنا بهم، وتوسلنا بأنوارهم، فبقدر ما يحصل الارتباط المعنوي بهم في ذلك الوقت، تنكشف تلك الأمور الصعبة، وهذا معاين لمن أكحل الله عين قلبه بنور الإيمان.).
فإذا كان صلوات الله وسلامه عليه مصدراً لتلك الرحمات والفيوضات علينا فاللآزم أن نقوم بما يجب علينا تجاهه، وفعل ما ينبغي لنا فعله ابتغاءاً لمرضاة الله تعالى وطلباً للقرب منه، فالله تعالى أنعم علينا به، وتفضّل علينا بوجوده، ودفع عنّا العذاب تكريما له،وأنزل علينا الغيث وأنبتت الأرض وعاشت الكائنات بفضل نوره وجُودِه.
وما حجبه عنّا إلاّ سوء الفعال، ونقض العهد الذي أخذناه في أعناقنا على موالاته ونصرته وعدم التهاون في أمره، ففي خبر
علي بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي المروي في إكمال الدين وغيبة الشيخ ومسند فاطمة علیها السلام لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وفي لفظ الأخير أنه قال له الفتى الذي لقيه عند باب الكعبة، وأوصله إلى الإمامعلیه السلام: ما الذي تريد يا أبا الحسن؟ قال: الإمام المحجوب عن العالم، قال: ( ما هو محجوب عنكم ولكن حجبه سوء أعمالكم... الخبر ).
فعلينا أن نفي بالعهد حتّى يُمنّ علينا بشرف لقاءه، ففي التوقيع الشريف من الناحية المقدسة المروي في بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج53 ص177: (... ولو أن أشياعنا وفقهم الله لطاعته، على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم، لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجلت لهم، السعادة بمشاهدتنا، على حق المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه، ولا نؤثره منهم، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلواته على سيدنا البشير النذير، محمد وآله الطاهرين وسلم...).
أمّا كيف نفي بالعهد، فأقلّ ما يمكن فعله هو أن لا ننساه في ليلنا ونهارنا، ونلهج بذكره وفضله، ونعمل العبادات هديّة منّا إليه، لا لِحاجة منه إلى شيء منّا، وإنّما هي عنوان مودّتنا ومحبّتنا وشكرنا لهعلیه السلام.
كما أنّ اللآزم علينا أن لا نفعل ما يؤذيه ويُسخطه علينا،
فنجتنب عن المُحرّمات ونلتزم بالواجبات، وكُلّ فعل أحسسنا أو احتملنا فيه أذاه نبتعد عنه ونجتنبه رِعاية له، وبذلك نكون قد هيأنا أنفسنا لاستقباله، وكنّا في خندق الدفاع عنه، وساحة نصرته.
فلكي نكون مُهيَّئين لنصرته نحتاج إلى شحذ قوانا النفسيّةوالجسديّة، فإنّ المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، سواء كان قويّاً في نفسه أو في جسده، والحاجة إلى تهذيب النفوس وتربيتها أهم بكثير من تقوية الأبدان وتنميتها، وتهذيب النفوس أصعب بكثير من القتال في ساحة النزال، فإنّ محاربة النفس وشهواتها وما يُمنِّيه الشيطان اللعين صعب مُستصعب، ففي ساحة القتال مع العدو تعرف أرض المعركة وعدوّك وقوّته وأوقاته، أمّا في الحرب على النفوس لا تعرف ساحة النزال، بل كلّ مكان هو ساحة قتال، وعدوّك هنا لا تعرفه ولا تعرف مدى قوّته ولا وقت القتال، فكلّ الأوقات هي أوقات قتال وكلّ لحظة فيها صفّارة إنذار.
قال العلامة النوري في جنة المأوى: (إنّه قد علم من تضاعيف تلك الحكايات أن المداومة على العبادة، والمواظبة على التضرع والإنابة، في أربعين ليلة الأربعاء في مسجد السهلة، أو ليلة الجمعة فيها، أو في مسجد الكوفة، أو الحائر الحسيني على مشرفه السلام، أو أربعين ليلة من أي الليالي في أي محل
ومكان - كما في قصة الرمان المنقولة في البحار -طريق إلى الفوز بلقائهعلیه السلام ومشاهدة جماله، وهذا عمل شائع، معروف في المشهدين الشريفين، ولهم في ذلك حكايات كثيرة، ولم نتعرض لذكر أكثرها لعدم وصول كلّ واحد منها إلينا بطريق يعتمد عليه، إلا أن الظاهر أن العمل من الأعمال المجربة، وعليه العلماء والصلحاء والأتقياء، ولم نعثر لهم على مستند خاص وخبر مخصوص، ولعلهم عثروا عليه أو استنبطوا ذلك من كثير من الأخبار التي يستظهر منها أن للمداومة على عمل مخصوص من دعاء أو صلاة أو قراءة أو ذكر أو أكل شيء مخصوص أو تركه في أربعين يوما تأثير في الانتقال والترقي من درجة إلى درجة، ومن حالة إلى حالة، بل في النزول كذلك، فيستظهر منها أن في المواظبة عليه في تلك الأيام تأثيراً لإنجاح كل مهم أراده)((1)).
1) ([1]) راجع بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج53 ص325.
الغَيبة تحققت لبعض الأنبياءعلیهم السلام في أزمنتهم عن أممهم، فلم تكن غيبتهعلیه السلام ليس لها سابقة، بل لها نظائر في الأمم السابقة.
ففي كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص480 بسنده عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبى عبد اللهعلیه السلام قال: إن للقائم منا غيبة يطول أمدها، فقلت له: يا ابن رسول الله ولم ذلك؟ قال: لأنّ الله عزّ وجل أبى إلا أن تجري فيه سنن الأنبياءعلیهم السلام في غيباتهم، وإنه لا بد له يا سدير من استيفاء مدد غيباتهم، قال الله تعالى: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ}((1)) أي سنن من كان قبلكم).
فمن الأنبياء الذين غابوا عن قومهم، إدريس، وصالح،
1) ([1]) الانشقاق:19
وإبراهيم((1)).
ولا شكّ ولا ريب بأنّ غيبة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشريف هي بأمر الله تعالى، لكونهعلیه السلام معصوماً، وهوعلیه السلام ممن لا يسبقون الله تعالى بالقول فضلاً عن العمل، وبما أنّ غيبتهعلیه السلام بأمره تعالى، والله سبحانه وتعالى حكيم فلابُدّ أن تكون غيبة الإمامعلیه السلام مشتملة على المصلحة والحكمة.
وهذا ما يجب أن ينعقد عليه قلب المؤمن، لاعتقاده في الله تعالى بأنّه حكيم، ولا يصدر منه الفعل إلاّ إذا كان مشتملا على مصلحة.
ففي كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص482: بسنده عن الإمام الصادق جعفر بن محمد صلی الله علیه و آله و سلم – في حديث -: (إن هذا الأمر أمر من أمر الله تعالى وسرّ من سرّ الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنّه عزّ وجل حكيم صدقنا بأن أفعاله كلها حكمة وإن كان وجهها غير منكشف).ولكننا قد نُدرك شيئاً من تلك المصالح والفوائد، ولقد صرّحت بعض الروايات بشيء منها، فنذكرها في فوائد:
إنّ مقتضى اللطف الإلهي أن ينصب هادياً، وقد فعل، لأنّ الله
1) ([2]) راجع كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص127، فإنّه تطرّق لهذه الغيبات.
تعالى خلق الخلق وأراد منهم الصلاح بالعبادة والمعرفة، فحتّى يُحقق غرضه يبعث وينصّب الهادين للناس، وإلاّ كان مُخلاّ بغرضه.
ومقتضى لُطف الإمامعلیه السلام أن يقوم بوظيفة الهداية والإرشاد للناس، وقد تصدّى لذلك، كما يجب على الناس الانقياد للمعصوم، ولكنّ الناس لم تعمل بواجبها، بل عملت على مخالفة الله وأوليائه، فلقد تكالب على أهل البيتعلیهم السلام الأعداء، وقويت شوكة الباطل، وتعدّت المُعاداة حدوداً لا يمكن معها بقاء الإمامعلیه السلام ظاهراً مشهوراً، فلاحقهم الأعداء ولم يتركوا لهم فرصة في إيصال الهدى للناس، ولم يتركوا سبيلا للمؤمنين يصلون من خلاله إلى سادتهم ومواليهم، فعاش أهل البيتعلیهم السلام في السجون، وبقي أتباعهم بين سجين وبين مُختفي عن الأنظار لا يمكنه أن يلقى إمامه.
وتطوّر العداء حتى أصبح بعض الطالبيين - فضلا عن غيرهم- يكيدون بأهل البيتعلیهم السلام، فتعاون بعض الطالبيين مع غيرهم كي يقوموا بالقضاء على أهل البيتعلیهم السلام، فهذا جعفر الكذاب أخو الإمام العسكريعلیه السلام يكيد بأخيه ويحسده على ما أعطاه الله تعالى، فكان يقولعلیه السلام: إنّ مثلي ومثله كقابيل وهابيل، وعندما استشهد الإمام العسكريعلیه السلام أخذ جعفر هذا بنهب وبيع كلّ ما في بيت أخيه مع علمه بأنّه ليس الوارث
وإنّما الوارث هو الحجة المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشريف، بل تعدّى وتجرأ على بيع الصبايا، فلقد كانت هناك صبية جعفرية في دار العسكريعلیه السلام يربونها فباعها، حتّى ردّها بعض العلويين بواحد وأربعينديناراً((1)).
وإذا لم يرض بأخيه إماماً فكيف يرضى بابن أخيه، ولذا كان يريد أن يفتك بابن أخيه حتّى تخلو الساحة له، وكان على استعداد بأن يتعاون مع أي أحد في سبيل القضاء على الإمامعلیه السلام، ولذا أخبر عنه أنّه في السرداب يتعبّد فجاءوا لقتله بعد أن حاصروا السرداب، فخرج صلوات الله وسلامه عليه ولم يروه، كما خرج الرسول صلى الله عليه وآله عندما حاصره كفار قريش في داره((2)).
ولقد آذى الشيعة في دعواه الإمامة وملاحقة مَن عنده حقوق شرعيّة كي يستولي عليها وبالخصوص تلك الأموال التي ترد من أماكن بعيدة، واستعان بالحُكّام الظلمة في سبيل سلب المؤمنين تلك الأموال((3)).
ففي كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص319 بسنده عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين صلی الله علیه و آله و سلم – في حديث –
قال: (إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعلیهم السلام فسموه الصادق، فإنّ للخامس من ولده ولدا اسمه جعفر يدعي الإمامة اجتراءً على الله وكذباً عليه فهو عند الله جعفر الكذاب المفتري على الله عزّ وجل، والمدعي لما ليس له بأهل، المخالف على أبيه والحاسد لأخيه، ذلك الذي يروم كشف ستر الله عند غيبة ولي الله عزّ وجل، ثم بكى علي بن الحسين صلی الله علیه و آله و سلم بكاءً شديداً، ثم قال: كأني بجعفر الكذاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله، والمغيب في حفظ الله، والتوكيل بحرم أبيه جهلا منه بولادته، وحرصا منه على قتله إن ظفر به، (و) طمعاً في ميراثه حتى يأخذه بغير حقه)((1)).ولقد تعدد سؤال الحجة في غيبته الصغرى عن جعفر الكذاب، فكانت أجوبته تُنبئ عن مدى الأذى الذي لحق بالإمامعلیه السلام من كثرة تمادي جعفر الكذاب في دعواه الباطلة وقيامه على الفسق والفجور.
في غيبة الطوسي: ص174 بسنده نقل التوقيع الصادر من الناحية المقدّسة الذي يقولعلیه السلام فيه: (وقد ادعى هذا المبطل المفتري على الله الكذب بما ادعاه، فلا أدري بأية حالة هي له
1) ([4]) الاحتجاج للشيخ الطبرسي ج2 ص48. والخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي ج1 ص268. وعنه البحار: 46 / 230 ح 5، وج 47 / 9 ح 4. ورواه في علل الشرائع: 234 ح1. وأورده في مقصد الراغب: 156 (مخطوط). وبعضه في دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري (الشيعي) ص248، والهداية الكبرى: 248 ومناقب ابن شهر آشوب 4: 272.
رجاء أن يتم دعواه؟!!!
أبفقه في دين الله؟!!! فوالله ما يعرف حلالاً من حرام ولا يفرق بين خطأ وصواب.
أم بعلم؟!!! فما يعلم حقاً من باطل، ولا محكماً من متشابه، ولا يعرف حد الصلاة ووقتها.
أم بورع؟!!! فالله شهيد على تركه الصلاة الفرض أربعين يوماً، يزعم ذلك لطلب الشعوذة، ولعل خبره قد تأدّى((1)) إليكم، وهاتيك ظروف مسكره منصوبة، وآثار عصيانه لله عز وجل مشهورة قائمة.
أم بآية؟!!! فليأت بها، أم بحجة؟!!! فليقمها، أم بدلالة؟!!! فليذكرها. قال الله عز وجل في كتابه:
{ بسم الله الرحمن الرحيم(1)حم(2)تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ(3)مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْح-َقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ(4)قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(5) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ(6)وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوابِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ(7)}((2))
فالتمس تولى الله توفيقك من هذا الظالم ما ذكرت لك، وامتحنه وسله عن آية من كتاب الله يفسرها، أو صلاة فريضة يبين حدودها، وما يجب فيها لتعلم حاله ومقداره، ويظهر لك عواره ونقصانه، والله حسيبه...)((1)).
وهذا الوجه في غيبته عجل الله تعالی فرجه الشريف - أي الحفاظ على نفسه - قد ذُكر في روايات كثيرة باختلافٍ في ألفاظها ومواردها منها:
ما في كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص361: بسنده عن الإمام موسى بن جعفر صلی الله علیه و آله و سلم – في حديث -: (القائم الذي يطِّهر الأرض من أعداء الله عزّ وجل، ويملؤها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً هو الخامس من ولدي، له غيبة يطول أمدها خوفا على نفسه، يرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون).
بقي شيء:
إنّ جعفر المعروف بالكذّاب قد قرأتَ اليسير من الروايات الشريفة وتوقيعات الناحية المقدسة التي تذمّه، وما ذكرناه هو نزر يسير مما ورد فيه من انتهاكات لحدود الله تعالى، ولم أجد أحداً قد نفى عنه تلك الأفعال القبيحة، حتّى الذين قالوا بتوبته في آخر عمره.
وقيل أنّ الذي يدلّ على توبته التوقيع المقدس الذي يرويه
1) ([2]) راجع الاحتجاج: ج 2 ص 468. وإثبات الهداة: ج 1 ص 550 ب 9 ح 377، والبحار: ج 25 ص 181 ب 4 ح4، وفي: ج 50 ص 228 ب6 ح3. وفي ج 53 ص 193 ب31 ح21.
الشيخ في الغيبة عن الكليني ص188، والشيخ الطبرسي في الاحتجاج ص163 بسند الشيخ عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري & أن يوصل إليهعلیه السلام كتاباً قد سألت فيه عن مسائلأشكلت علي. فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمانعلیه السلام ( أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك الله من أمر المنكرين من أهل بيتنا وبني عمنا؛ اعلم أنه ليس بين الله عزّ وجل وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني، وسبيله سبيل ابن نوح، وأما سبيل عمي جعفر وولده فسبيل إخوة يوسفعلیه السلام....).
وقد يستدلّ بما دلّ على أنّ ولد فاطمة علیها السلام لا تمسّهم النار، إلاّ أننا نقول إنّه مُخصص بكثير من الروايات، وأمثال هذا التوقيع صريح في تخصيصها حيث يقولعلیه السلام: (ليس بين الله عزّ وجل وبين أحد قرابة) فالخارج عن ولايتهمعلیهم السلام خارج عنهم وليس منهم. وإن قربت لُحمته.
لابُدّ من رفع المعاناة التي يعانيها الشيعة في الحفاظ على الإمام وخوفهم عليه وعلى أنفسهم، فالشيعة عاشت فترة ترى أئمّتها في السجون والاعتقال مع قلّة الناصر، وكثرة وتمكّن العدو، فيتعذر على الشيعة الوصول إلى أئمتهمعلیهم السلام والاستفادة مباشرة من علومهم، وما دام الإمامعلیه السلام ظاهراً فالشيعة مُلاحقة
ومُطاردة ومُعذّبة، والسجون امتلأت من المؤمنين الشيعة.
ولمّا كانت الشيعة تعيش المعاناة لذا كانوا يسألونهم مَنْ الأفضل هم أم من يعيش في دولة القائمعلیه السلام؟ فيجيبونهم بأنّكم أفضل لأنّكم تصبحون وتمسون وأنتم خائفون على إمامكم وعلى أنفسكم. وهذا مما يدلّ على شدّة المعاناة التي يعيشها الشيعة فلا شكّ أنّ الشيعة آنذاك يسرّها أن يغيب إمامها عن الأنظار وهي مطمئنّة عليه وعلى سلامته وبالتالي تطمئن على نفسها، فيكون من اللطف هنا في مثل هذه الظروف حدوث الغيبة.
ففي الكافي للشيخ الكليني ج1 ص333 بسنده عن عمار الساباطي قال: (قلت لأبي عبد اللهعلیه السلام: أيما أفضل: العبادة في السر مع الإمام منكم المستتر في دولة الباطل، أو العبادة في ظهور الحق ودولته، مع الإماممنكم الظاهر؟
فقال يا عمار الصدقة في السر والله أفضل من الصدقة في العلانية وكذلك والله عبادتكم في السر مع إمامكم المستتر في دولة الباطل وتخوفكم من عدوكم في دولة الباطل وحال الهدنة أفضل ممن يعبد الله عزّ وجل ذكره في ظهور الحق مع إمام الحق الظاهر في دولة الحق وليست العبادة مع الخوف في دولة الباطل مثل العبادة والأمن في دولة الحق واعلموا أن من صلى منكم اليوم صلاة فريضة في جماعة، مستتراً بها من عدوه في وقتها فأتمها، كتب الله له خمسين صلاة فريضة في جماعة، ومن صلى منكم
صلاة فريضة وحده مستتراً بها من عدوه في وقتها فأتمها، كتب الله عزّ وجل بها له خمساً وعشرين صلاة فريضة وحدانية، ومن صلى منكم صلاة نافلة لوقتها فأتمها، كتب الله له بها عشر صلوات نوافل، ومن عمل منكم حسنة، كتب الله عزّ وجل له بها عشرين حسنة ويضاعف الله عزّ وجل حسنات المؤمن منكم إذا أحسن أعماله، ودان بالتقية على دينه وإمامه و نفسه، وأمسك من لسانه أضعافا مضاعفة إن الله عزّ وجل كريم.
قلت: جعلت فداك قد والله رغّبتني في العمل، وحثثتني عليه، ولكن أحب أن أعلم كيف صرنا نحن اليوم أفضل أعمالاً من أصحاب الإمام الظاهر منكم في دولة الحق ونحن على دين واحد؟
فقال: إنكم سبقتموهم إلى الدخول في دين الله عز وجل وإلى الصلاة والصوم والحج وإلى كل خير وفقه وإلى عبادة الله عز ذكره سرا من عدوكم مع إمامكم المستتر، مطيعين له، صابرين معه، منتظرين لدولة الحق خائفين على إمامكم وأنفسكم من الملوك الظلمة، تنظرون إلى حق إمامكم وحقوقكم في أيدي الظلمة، قد منعوكم ذلك، واضطروكم إلى حرث الدنيا وطلب المعاش مع الصبر على دينكم وعبادتكم وطاعة إمامكم والخوف مع عدوكم، فبذلك ضاعف الله عزّ وجل لكم الأعمال، فهنيئا لكم.قلت: جعلت فداك فما ترى إذا أن نكون من أصحاب القائم
ويظهر الحق و نحن اليوم في إمامتك وطاعتك أفضل أعمالا من أصحاب دولة الحق والعدل؟
فقال: سبحان الله أما تحبون أن يظهر الله تبارك وتعالى الحق والعدل في البلاد ويجمع الله الكلمة ويؤلف الله بين قلوب مختلفة، ولا يعصون الله عزّ وجل في أرضه، وتقام حدوده في خلقه، ويرد الله الحق إلى أهله فيظهر، حتى لا يستخفي بشيء من الحق مخافة أحد من الخلق، أما والله يا عمار لا يموت منكم ميت على الحال التي أنتم عليها إلا كان أفضل عند الله من كثير من شهداء بدر واحد فابشروا).
إنّ في الغَيبة تعريض المؤمنين لإيمان أكبر ويقين أعظم، فإنّ من يؤمن بالإمام ويصل إلى مرتبة يقينيّة مُعيّنة - من دون أن يراه - لمجرّد ورود الروايات عن أهل بيت العصمة لهو أعظم إيمانا ممن جَالس الإمامعلیه السلام وشاهد معاجزه الباهرة وألطافه الظاهرة، ومع ذلك لم يتجاوز تلك المرتبة اليقينيّة.
ولذا ورد في من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ج4 ص366 عن رسول الله’: (يا علي. أعجب الناس إيماناً، وأعظمهم يقيناً، قوم يكونون في آخر الزمان لم يلحقوا النبي، وحجب
عنهم الحجة، فآمنوا بسواد على بياض)((1)).
كما أنّ المؤمن في الغيبة يحظى بثواب عظيم، وإن مات على فراشه فهو كالمتشحِّط بدمه بين يدي الحجة؛ لكونه منتظراً لإمامه، حبس نفسه على مولاه، لا تهزّه العواصف، ولا تُحركه الفتن، ولا تُغريه الأماني، أشدّ من الجبال الرواسي.ففي كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص323 بسنده عن الإمام علي بن الحسين سيد العابدين صلی الله علیه و آله و سلم : (مَنْ ثبت على موالاتنا((2)) في غيبة قائمنا أعطاه الله عزّ وجل أجر ألف شهيد من شهداء بدر وأُحد).
وفيه أيضاً ص361: بسنده عن الإمام موسى بن جعفر صلی الله علیه و آله و سلم – في حديث -: (طوبى لشيعتنا، المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، أولئك منا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمة، ورضينا بهم شيعة، فطوبى لهم، ثم طوبى لهم، وهم والله معنا في درجاتنا يوم القيامة).
وفي كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني ص200 بسنده عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد صلی الله علیه و آله و سلم أنه قال: (من مات منكم على هذا الأمر منتظراً كان كمن هو في الفسطاط الذي
للقائمعلیه السلام)((1)).
وفي نفس المصدر السابق بسنده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعلیه السلام أنه قال ذات يوم: (ألا أخبركم بما لا يقبل الله عزّ وجل من العباد عملاً إلاّ به؟ فقلت: بلى، فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده [ ورسوله ] والإقرار بما أمر الله، والولاية لنا، والبراءة من أعدائنا - يعني الأئمة خاصة - والتسليم لهم، والورع والاجتهاد والطمأنينة، والانتظار للقائمعلیه السلام، ثم قال: إن لنا دولة يجيء الله بها إذا شاء. ثم قال: من سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق، وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدوا وانتظروا هنيئاً((2)) لكم أيتها العصابة المرحومة).
هذا آخر ما أحببنا إيراده في هذه الرسالة، وإن كان الموضوع يمكن أن يكون موسّعاً، وهناك مصالح راجعة إلى شخص الإمامعلیه السلام كاستيعاب جميع بلاءات الأنبياء على أشكالها وطولها، ومن ضمنها أن يجمع كلّ الأوقات التي غاب فيها الأنبياء فيأتي عليها كلّها كما يظهر من بعض الروايات، كما في علل الشرائع ج1 ص234 بسنده عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي عبد اللهعلیه السلام قال: إن للقائمعلیه السلام منا غيبة يطول أمدها، فقلت له: ولم ذاك يا ابن رسول الله؟ قال: إن الله عزّ وجل أبى إلا أن يجري فيه سنن الأنبياءعلیهم السلام في غيباتهم، وأنه لابد له يا سدير من استيفاء مدد غيباتهم، قال الله عزّ وجل: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ}((1)) أي سنناً على سنن من كان قبلكم).
1) ([1]) الانشقاق:19.
كما أنّ العديد من الروايات دلّت على أنّه إنّما غابعلیه السلام لئلا يُجبر على البيعة لأحد من الظالمين، كما في كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص479 بسنده عن عن الإمام أبي عبد اللهعلیه السلام قال: صاحب هذا الأمر تعمى ولادته على (هذا) الخلق لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج).
ولقد مرّ عليك في بداية هذا البحث تشبيهه في غيبته بالشمس إذا سترها السحاب، وهذا التشبيه له دلالاته الكثيرة، حتّى أنّ الشيخ المجلسي ذكر أنّه اهتدى إلى ستة عشر وجهاً، عدّ منها ثمانية، ولم يذكر الثمانية الأخرى، لأنّ بعض العقول أو النفوس لا يستوعب ذلك فقال:
(فقد فتحت لك من هذه الجَنة الروحانية ثمانية أبواب، ولقد فتح الله علي بفضله ثمانية أخرى تضيق العبارة عن ذكرها، عسى الله أن يفتحعلينا وعليك في معرفتهم ألف باب، يفتح من كل باب ألف باب)((1)).
ونحن نذكر لك أيُها القارئ العزيز شيئاً من تلك الوجوه:
الأوّل: بالشمس - وإن سترها السحاب – تبقى الحياة، ولولا وجود الشمس لأصبحت الأرض غير صالحة للحياة، فتنخفض درجات الحرارة إلى حدٍّ لا يُمكن معه الحياة، فكذلك الإمام عجل الله تعالی فرجه الشريف فإنّه وإن كان غائباً إلاّ أنّ الحياة من دونه لا تبقى، وقد مرّ عليك
1) ([1]) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج52 ص94.
أنّه لولا الإمامعلیه السلام لساخت الأرض ومن عليها.
الثاني: الشمس المحجوبة وإن كانت نافعة إلاّ أنّ الناس ينتظرون ظهورها كي تتمّ الفائدة منها وتكمل، وبعض البلدان التي لا تظهر عندهم الشمس إلا نادراً نجدهم ينتظرون ظهورها، وعندما تبزغ عليهم ينتشرون ويتعرّضون لأشعّة الشمس طلباً للدفئ والصحّة، لأنّ الجسم الإنساني بحاجة إلى أشعة الشمس، وكذلك الإمام فإنّه وإن كانت فائدة وجوده عظيمة في حال غيبته إلاّ أنّ المؤمنين المخلصين ينتظرونه لتمام الفائدة وكمالها.
الثالث: إذا ستر السحاب الشمس لا تجد أحداً ينكر وجودها، لأنّها وإن لم تُرَ إلاّ أنّ آثارها موجودة ظاهرة بيِّنة لكلِّ ذي حسٍّ سليم، وإنّ منكر وجودها مُكابر معاند، فكذلك وجوده المقدس فإنّ إنكاره من المُكابرة والعناد مع ظهور آثاره وتجلِّي فيوضاته لمن كان سليم الحسِّ والشعور، وكان ذا بصيرة من ربِّه تعالى.
الرابع: إنّ الشمس في بعض الأحيان يحجبها السحاب الكثيف حتى يكون النهار كالليل في الظلمة، ويكون هذا الظلام نجاة ومصلحة لمن يلاحقه العدو الذي يريد الفتك به والنيل منه، وكذلك الإمام فإنّه بلغ الظلم بشيعته حدّا حتّى أصبحت المصلحة لهم في غيبته.الخامس: إذا ضعُفت أبصار الناس فإنّها لا تقوى على نور
الشمس، فيضرّها ظهورها ونورها لعدم احتمالهم لنورها الشديد. وكذلك الإمام عجل الله تعالی فرجه الشريف فإنّ ضعف بصائر الناس وقلّة دينهم يمنعانهم من الإستضاءة بنور الإمامة، لأنّه يحملهم على المحجّة البيضاء، والحقّ الذي لا يُطيقون، ولولا غيبته عجل الله تعالی فرجه الشريف لقلّ الشيعة في الأمصار، لعظيم بلائهم وامتحانهم وشدّة ضعفهم.
السادس: إنّ الشمس قد تظهر بين السحاب ويراها من كان مراقباً لها ومنتظراً لبزوغها، فكذلك الحجة المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشريف فإنّ بعض المنتظرين له المشغوفين بحبّه قد يُمنُّ عليهم برؤيته والتشرُّف بلقائه، وهذا معلوم شائع عن بعض العلماء، ولقد عقد العلامة المجلسي باباً في ذكر من رآه صلوات الله عليه في أوّل الجزء 52، واستدرك العلاّمة الميرزا حسين النوري على البحار في جنّة المأوى وذكر تسعاً وخمسين حكاية في من تشرّفوا بلقاء الإمام عجل الله تعالی فرجه الشريف.
السابع: إنّ الشمس نفعها عظيم، والذي لا ينتفع ببعض منافعها فهو لأمر فيه، ولحجاب جعله بينه وبين الشمس، فكذلك الإمام عجل الله تعالی فرجه الشريف فإن نفعه عامّ ولكن بعض الناس عمي وأوجد الحجب بينه وبين الإمام فلم تصل المنفعة التامّة له بسوء فعله واختياره.
الثامن: إنّ الشمس منافعها تصل إلى الناس بحسب ما هيأ كلّ شخص من طرق وصول الفائدة إليه، وبقدر ما يرفع من الموانع،
فكذك الإمام عجل الله تعالی فرجه الشريف فإنّ عموم نفعه يصل إلى كلّ شخص بحسب ما يهيء من سبل ويرفع من موانع وحجب.
التاسع: إنّ الناظر إلى الشمس والمنتظر لها - عندما تستّرها بالغيوم - إنّما يكون نظره إلى الأعلى، فكذلك علو مرتبة الإمامعجل اللهتعالی فرجه الشريف وشرف مقامه الرفيع يقتضي من العبد أن ينظر بنور قلبه إلى المراتب العالية، والدرجات الرفيعة حتّى ينتظر أو يرى الإمام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشريف.
العاشر: ما هو ثابت علميّاً أنّ الكواكب كالأرض تدور حول الشمس وفي فلكها، ولا يختلف ذلك بين ظهور الشمس وغيابها وراء السحاب، فعلى المؤمنين الموالين المنتظرين أن يكون محور أفعالهم وأقوالهم رضى إمامهم، ويدوروا في فلك هداية مولاهم، لا يخرجون عنه أبداً، سواء كان ظاهراً أو غائباً.
الحادي عشر: لو أنّ الكواكب خرجت من فلك الشمس لاختلّ نظام الكون وفسد، ولا يفرق الحال بين ظهور الشمس وغيبتها وراء السحاب، وكذلك الناس إذا تمرّدوا على إمامهم وخرجوا من دائرته فإنهم يتيهون ويفسد عملهم واعتقادهم، سواء كان ظاهراً أو كان غائباً.
الثاني عشر: إن الشمس مصدر للضياء بخلاف القمر فإنّ نوره مستمد من نور الشمس، فنور القمر من نور الشمس وإن خفيت الشمس علينا بسبب الغيوم، والإمام عجل الله تعالی فرجه الشريف مصدر للضياء والنور
وليس نوره مستمداً من غيره من الخلق، وإن الهدى الذي عليه بعض الناس مستمدّ من نوره وإن كان غائباً.
الثالث عشر: الشمس يعجز البشر عن الوصول إليها لبعدها وعلوها، ولا يفرّق الحال بين غيبتها وظهورها، فكذلك الإمام يعجز البشر عن الوصول لمقامه الشريف، وإن كان غائبا عن الأنظار، ففي الزيارة الجامعة:( فبلغ الله بكم أشرف محل المكرمين، وأعلى منازل المقربين، وأرفع درجات المرسلين، حيث لا يلحقه لاحق، ولا يفوقه فايق، ولا يسبقه سابق، ولا يطمع في إدراكه طامع).
الرابع عشر: إنّ الشمس لا يمكن الاقتراب منها لشدّة حرارتها، فكذلك نور الإمامة لا يمكن لأحد أن يقترب منه، فإن العقول قاصرة عن إدراكهم، ولقد ورد عن النبي’ أنّه قال: (يا علي، ما عرف الله إلاّأنا وأنت، ولا عرفني إلا الله وأنت، ولا عرفك إلا الله وأنا)((1)).
الخامس عشر: الشمس تضرّ من أطال النظر فيها، ويُكتفى في معرفة وجودها النظر الخاطف إليها، والتمعّن في آثارها، وكذلك الإمام عجل الله تعالی فرجه الشريف فإنّ النظر والتفكّر في عظيم ذاته لكونه فوق طاقة البشر
1) ([1]) شرف الدين النجفي في تأويل الآيات الباهرة في العترة الطاهرة: 1 / 221 ح 15. وعنه مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج 2 ص 439. وأورده البرسي في المشارق: 112. وأخرجه في مختصر البصائر: 125، وفي المحتضر: 38 و 165 ومناقب ابن شهرآشوب: 3 / 267 نحوه.
يجعل العبد يزيغ عن الحق، فيُكتفى بالنظر في آثاره الشريفة.
السادس عشر: إنّما يتميّز الليل من النهار بالشمس وإن كانت محجوبة بالسحاب، فكذلك الإمام عجل الله تعالی فرجه الشريف فإن تميّز الهدى من الضلال والإيمان من الكفر به صلوات الله وسلامه عليه وإن كان غائباً.
السابع عشر: بظهور الشمس تنكشف الحقائق التي كانت مستورة بالليل، وكذلك الإمام عجل الله تعالی فرجه الشريف بظهوره تنكشف الحقائق التي سُتِرت عنّا في ظلمة غيابه صلوات الله وسلامه عليه.
ولقد اكتفينا بهذا المقدار المحقق للغرض، ونسأل الله تعالى قبول العمل، والثبات على ولايتهم ومحبتهم، والتوفيق لطاعتهم واجتناب معصيتهم، كما نسأله تعالى أن يجعلنا من عبيده المخلصين له الذابين عنه، والمحامين عن ساحة قدسه والمستشهدين بين يديه، كما نسأله تعالى أن يوفقنا لنصرة أوليائنا (صلوات الله عليهم أجمعين)، ويرزقنا شفاعتهم في الدنيا والآخرة، إنّه سميع قدير، وبالإجابة جدير.
القرآن
الكريم
الاحتجاج
للشيخ
الطبرسي
الأمالي
لابن
الشيخ
الأمالي
للشيخ
الصدوق
بحار
الأنوار
للعلامة
المجلسي
تهذيب
الأحكام
للشيخ
الطوسي
الخرائج
والجرائح
لقطب
الدين الراوندي
دلائل
الإمامة
لمحمد
بن جرير الطبري (الشيعي)
علل
الشرائع
للشيخ
الصدوق
عيون
أخبار الرضا
للشيخ
الصدوق
الغيبة
للشيخ
الطوسي
الكافي
للشيخ
الكليني
كتاب
الغيبة
لمحمد
بن إبراهيم النعماني
كمال
الدين وتمام النعمة
للشيخ
الصدوق
مدينة
المعاجز
للسيد
هاشم البحراني
المناقب
لابن
شهر آشوب
الهداية
الكبرى
للخصيبي
مقدمه 5
الأوّل: فائدة وجودهعلیه السلام في غيبته. 10
الفائدة الأولى: بقاء وجود العالم: 14
الفائدة الثانية: واسطة الفيض الإلهي: 21
الفائدة الثالثة: الأمان لأهل الأرض: 22
الفائدة الرابعة: إيصال الحق حال الغيبة: 25
الثاني: وجوه الحكمة من غيبتهعلیه السلام. 31
الفائدة الأولى: الحفاظ على الإمامعلیه السلام: 23
الفائدة الثانية: الحفاظ على الشيعة: 83
الفائدة الثالثة: تعريض المؤمنين لإيمان أكبر: 14
الخاتمة: 44
ثبت المصادر 51