ghaemiyeh.com
الاثار التكوينية
لوجودات اهل البيت عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ
الشيخ على عيسى الزواد
الطبعة الأولى
1429ه- /2008م
محرر الرقمی:محمد رضا راهجو
الطبعة الأولى
1429ه- /2008م
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
«الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ»
«أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»
(87)آل عمران
الحمد لله الذي أنار قلوب عباده بضياء محبّة أصفيائه، وأضاء عقول بريته بنور معرفة أوليائه، والصلاة وأتمّ التسليم على البشير النذير السراج المنير المحمود الأحمد المصطفى محمد وآله الغرّ الميامين الطاهرين المطهِّرِين المطهَّرِين تطهيراً، واللعنة الدائمة المؤبّدة على أعدائهم ومنكري فضائلهم من الأوّلين والآخرين.
إنّ الحديث عن الآثار التكوينية لوجودات أهل البيت علیهم السلام وإن لم يكن مألوفاً كبحث مستقل إلاّ أنّه مبثوث في أحاديث أهل البيت علیهم السلام، وتبعهم علماؤنا الأبرار حتى أصبح من المرتكزات عند العامة من الناس فضلاً عن العلماء منهم مما يشكِّل مجموع ذلك ضرورة من ضروريات المذهب الحق، وسنحاول إبراز عقيدة المؤمن في ذلك ونُقيم الأدلّة عليها من أجل ترسيخ هذه الحقيقة الساطعة.
وليست الكتابة هذه وأمثالها للعلماء، فإنّنا ابتعدنا بمقدار ما يمكن عن المطالب العلمية الدقيقة التي تُعتبر من شأن ذوي الإختصاص واقتصرنا على ما تناله عامّة العقول، ويدركه كلّ مؤمن غيور، ساعين وجاهدين في عرض الموضوع في أبسط صورة قدر الإمكان.
والذي أحبّ أن أنوِّه له في هذه المختصر أنّ هناك أشخاصاً خلطوا بين المعنى واللفظ، فأبوا أن نستعمل مصطلحات لم ترد على لسان أهل البيت علیهم السلام، فتُرفض الفكرة عندهم لكونها عُنونت بعنوان لم يُنقل عن أهل بيت العصمة والطهارة، مع علمهم التام بأنّه لا مشاحة في الإصطلاح، فإنّ العلوم يُوضع لها مصطلحات، وكلّ فنّ من الفنون له تعابيره الخاصّة ومصطلحاته الموضوعة من قِبل أرباب تلك العلوم والفنون.
فعلم الدراية مثلاً اهتمّ بتقسيم الأحاديث وتصنيفها إلى أقسام كثيرة، وجلّ تلك المصطلحات لم يُنقل عن أهل البيت علیهم السلام، بل قد ندّعي ونقول إنّ كلّها لم يُنقل عنهم علیهم السلام، ولا ينبغي التردد في قبول مصلحات هذا العلموشأنه كبقية العلوم من الحساب والهندسة والكيمياء والفيزياء والطب، ولكن المعنى والمفهوم والفكرة - حتّى يُسلّم بها - لابُدّ أن يكون قد قام الدليل عليها وصحّت.
وكذلك نجد في علمي الأصول والفقه قواعد ومصطلحات
لم تُعنون بعنوان خاص في كلمات المعصومين علیهم السلام ومع ذلك عنونها علماؤنا الأبرار بعناوين تسهيلاً وضبطاً للقواعد والأصول، ولذا نجد أنّ بعض القواعد الفقهية متصيّدة من مجموعة من الأحاديث، وكذا الأصول العملية مثل الاستصحاب، فإنّه لم يرد من قبل المعصومين علیهم السلام هذه التسمية بل أطلقها أرباب علم الأصول وتلقّاها العلماء بعدهم بالقبول.
كما أنّ هناك مفاهيم اعتقادية قد بيّنها أهل البيت علیهم السلام وأثبتوها دون التركيز على المصطلح بمقدار التركيز على الفكرة، ولذا تجد علماءنا قد اطلقوا مثل واجب الوجود، والولاية التشريعية، والولاية التكوينية، والعصمة الصغرى، والعصمة الكبرى، والعصمة السلوكية والعملية من دون نكير من أحد على هذه المصطلحات ولم يقل عالم بأنّ هذه المصطلحات لم تُنقل عن المعصومين علیهم السلام وبالتالي نرفض المصطلح.
ولعلّ من الأسباب لعدم التركيز على المصطلح في بعض الأمور الاعتقادية المنقولة عنهم علیهم السلام أنّهم أرادوا إيصال الفكرة للناس من دون أن يكون المصطلح سبباً في تشويش الفكرة، فإنّ الألفاظ لها معانٍ تختلف باختلاف الأعصار والأمصار، فحتّى لا تختلط المفاهيم المختلفة للفظ مع ما يُراد من الفكرة الاعتقادية كان التجنُّب عن المصطلح والتركيز على الفكرة.
كما أنّه يُمكن أن يكون من أسباب عدم إطلاق تسمية معينة
على بعض الأفكار من أجل أن يلتفت إليها الخاصّة دون العامّة الذين لا يستوعبون تلك الفكرة لتوقّف إدراكها على مقدمات واستعدادات غير متوفرة عند كلّ أحد.
بل حتى لو ورد النهي عن شيء بعنوان فلا مانع من استعماله في شيء آخر وبمعنى آخر قد يكون واجباً لا محرّماً، وخذ لذلك مثالالاجتهاد، فإنّه قد ورد عنهم علیهم السلام ذمّ الاجتهاد وكان في زمانهم بمعنى الرأي والقياس والاستحسان، فلمّا استعمل - في الأزمنة المتأخرة - الاجتهاد بمعنى بذل الوسع في تحصيل الحكم الشرعي من مداركه المقررة، لم يتردد فقهاؤنا في تسميتهم بالمجتهدين إلاّ من وقع في تلك الشبهة.
والخمر إذا سمّي في عصرنا هذا بالويسكي أو العرق لا ترتفع حرمته مادام هو ذلك الخمر المسكر، ومن هذا القبيل ما ورد في الفقّاع، فإنّ الناس تسميه الفقّاع ولا يسمونه خمراً ومع ذلك أكّد أهل البيت علیهم السلام أنّه خمر استصغره الناس.
فالعمدة في الفكرة الاعتقاديّة أو غيرها أن يقوم الدليل الصحيح عليها بما هي فكرة، وجد عنوانها في كلمات المعصومين علیهم السلام أم لا، ولتعنون بأي عنوان، وليُصطلح عليها بأي مصطلح أو يعبّر عنها بأيِّ لغة، المهم أنّ تكون الفكرة صائبة صحيحة قام الدليل الصحيح عليها، فلا تغفل أخي المؤمن عن هذا وكن على ذكر منه.
إنّ الشيء الخارجي كالكتاب مثلاً له اسم يُكتب تارة ويُلفظ تارة أخرى، كما أنّ له معنى في الذهن، وله أيضاً وجوده الخارجي.
فيصحّ تقسيم الأشياء الخارجيّة من حيث اختلاف وجودها إلى أربعة:
فإنّ الأشياء الخارجيّة لها اسم في عالم الكتابة، وهذه الكتابة تكون حاكية عن اللفظ، وهذا يتعدد، فإنّ الاسم يُمكن كتابته بأكثر من لغة سواء كان مع وحدة اللفظ أم مع تعدّده، فإنّ اسم (علي) مثلاً له شكل كتابي بالحروف العربيّة، كما أنّ له أشكالاً أخرى عند كتابته بحروف اللغات الأخرى، ولذا ليس هذا
الوجود بوجود حقيقي، بل هو وجود اعتباري بحسب وضع كتابة اللغات، وهذا الاسم يُدرك بالبصر، كما يُدرك باللمس عند فاقد البصر.
فإنّ الأشياء الخارجيّة أُصطلح عليها في اللغات بأسماء يعبِّرون بها عند المخاطبة، وتلك الألفاظ تكون حاكية عن المعنى الموجود في الذهن، وكلّ لغة قد تنفرد باصطلاح لفظي خاصٍّ بها، بل اللغة الواحدة قد يُعبّر فيها عن الشيء الواحد بألفاظ متعددة، وهذا ما يُسمّى بالمترادفات، فإنّ الأسد كما يُطلق عليه أسد كذلك يُقال له سبُع وغضنفر وليث وغيرها من المترادفات. ومن هنا نقول أنّ هذا الوجود ليس وجوداً حقيقيّاً، بل هو وجود اعتباري يتعدّد بتعدّد وضع الألفاظ للمعاني، ويُدرك هذا الاسم بحاسّة السمع.
فإنّ الأشياء الخارجيّة لها معانٍ ذهنيّة تكون الألفاظ حاكية عن ذلك المعنى الذهني العلمي، كما أنّ المعنى الذهني يكون حاكياً عن ذلك الوجود الخارجي، وهذا الوجود لا يتعدّد من حيث هو مفهوم ومعنىللشيء في الذهن، فإنّ الأشياء بما لها من مفهوم
ذهني واحدة، ومن هنا كان هذا الوجود وجوداً حقيقيّاً لا اعتباريّاً، وهذا الوجود الذهني يُدرك بالعقول، وقد يفقده مَن لا عقل له.
فإنّ الأشياء الخارجيّة التي من حولنا بل نفس أفراد الإنسان أيضاً هي وجودات حقيقية واحدة خارجيّة مُدركة بالبصر تارة إذا كانت من المرئيّات والمبصَرات، ومدركة باللمس والشمّ والسّمع والذوق إن كانت مما يُدرك بتلك الحواس، فتختلف حاسّة الإدراك بحسب المدرَك.
وأهل البيت علیهم السلام من حيث كونهم من الوجودات الخارجيّة، فلهم أسماؤهم الشريفة في عالم الكتابة والألفاظ، كما لهم وجود ذهني مقدّس وخارجي أقدس.
وفي كلّ وجود من وجوداتهم لهم آثار تكوينيّة جليلة لعظيم منزلتهم عند الله تعالى، وهذا ما سنتحدّث عنه ونعرفه في الفصول الآتية من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وأمّا الحديث عن الآثار التكوينيّة لإرادتهم علیهم السلام، وهو المعبّر عنه بالولاية التكوينيّة، فلن نتحدَّث عنه في هذه الرسالة المختصرة.
فالحديث عن الآثار التكوينيّة لوجوداتهم علیهم السلام سيكون في أربع جهات:
1- الآثار التكوينيّة لأسمائهم علیهم السلام التدوينيّة.
2- الآثار التكوينيّة لأسمائهم علیهم السلام اللفظيّة.
3- الآثار التكوينيّة لمعرفتهم علیهم السلام الذهنيّة.
4- الآثار التكوينيّة لوجوداتهم علیهم السلام الخارجية.
أسأل الله تعالى لي ولكم حسن التوفيق والتسديد، إنّه سميع مجيب.
إنّ الله تعالى خلق أهل البيت علیهم السلام وجعلهم خُلفاء له في أرضه، وحججاً على بريّته، فسبقت عنايته بهم علیهم السلام فخلقهم خلقاً من نور عظمته، وسمّاهم بأسماء شريفة مقدّسة، و{ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}((1)).
وهذا الفضل العظيم الذي تحدّث عنه سبحانه وتعالى يتجلّى في ما أفاضه على أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام، فلكي تتعرّف أخي المؤمن على ذلك الفضل العظيم على خلقه عليك أن تتأمّل في عظيم خلقهم في نفوسهم وأرواحهم وأبدانهم وأسمائهم وكلّ ما وهبه الله لهم، ونحن قاصرون عن إدراك ذلك كلّه، ولكن أُمرنا أن نعرفهم بمقدار عقولنا، وسعة أفهامنا، فإنّنا مهما بلغنا من المعرفة فلن نُحيط بهم علماً، وعقولنا
1) سورة الجمعة الآية (4).
قاصرة عن إدراك علوّ مقامهم وما وهبه الله تعالى لهم. وما عسانا أن نقول ونصف! فكلّ مدح فيهم لا يحكي إلاّ عقولنا وأفهامنا ولا يحكيهم عليهم السلام، فإنّهم إن أُمروا أن يُخاطبوا الناس على قدر عقولها، فإنّهم أيضاً قد أُمروا أن لا يفعلوا إلاّ ما تُطيقه العقول وتستوعبه النفوس، فكلّ ما قالوه للناس وفعلوه أمام البشر إنّما يحكي استعداد البشر لا استعدادهم، ويحكي عقول البشر لا عقولهم علیهم السلام.
ومن هنا أطلقوا لنا العنان في أن نقول في مديحهم ما نقول، فليس الذي نقوله من مديحهم إلاّ حاكياً عن تصوراتنا للجلال والجمال، لا أنّنا نُدرك حقيقة ذلك الكمال.
فقالوا: (لا تتجاوزوا بنا العبودية، ثم قولوا فينا ما شئتم ولن تبلغوا)((1)). و(لا تتجاوزوا بنا العبودية، ثم قولوا ما شئتم، ولاتغلوا)((2)). و(قولوا فينا ما شئتم، واجعلونا مخلوقين)((3)). و(قولوا إنّا عبيد مربوبون، وقولوا في فضلنا ما شئتم)((4)). و(قولوا إنّا مربوبون، واعتقدوا في فضلنا ما شئتم)((5)). و(اجعلونا مخلوقين،
1) الاحتجاج للشيخ الطبرسي ج2 ص233.
2) تفسير الإمام العسكري علیه السلام ص50.
3) كشف الغمّة لابن أبي الفتح الإربلي ج2 ص414: من كتاب الدلائل للحميري، وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج25 ص288.
4) مستدرك سفينة البحار للشيخ علي النمازي الشاهرودي ج7 ص52.
5) عيون الحكم والمواعظ لعلي بن محمد الليثي الواسطي ص101.
وقولوا فينا ما شئتم، فلن تبلغوا)((1)). و(لا تجعلونا أرباباً، وقولوا في فضلنا ما شئتم، فإنّكم لا تبلغون كنه ما فينا، ولا نهايته)((2)). و(اجعلونا عبيداً مربوبين وقولوا فينا ما شئتم إلاّ النبوّة)((3)).
وعن كامل التمّار قال: (كنت عند أبي عبد الله علیه السلام ذات يوم فقال لي: يا كامل، اجعل لنا ربّاً نؤوب إليه، وقولوا فينا ما شئتم قال: قلت: نجعل لكم ربّاً تؤبون إليه، ونقول فيكم ما شئنا؟ قال: فاستوى جالساً ثمّ قال: وما عسى أن تقولوا! ما خرج إليكم من علمنا إلا ألفاً غير معطوفة)((4)
وعلى كلِّ حال فالمراد من الألف الغير معطوفة بيان قلّة ما خرج من علومهم علیهم السلام وقلّة ما وصل إلينا، وإن كان كثيراً بالنسبة إلينا.
).1) بصائر الدرجات ص256.
2) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج26 ص2.
3) مستدرك سفينة البحار للشيخ على النمازي الشاهرودي ج7 ص53، عن إثبات الهداة، عن خرائج الراوندي.
4) بصائر الدرجات ص527. والظاهر أنّ المراد بالألف الغير معطوفة هو أنّه ما وصل إليكم من علمنا إلاّ ألف مفردة من دون ضمّ شيء إليها كما أنّها بداية البداية، فما وصل إلينا من حديثهم وما خرج من علمهم إلى الناس ليس إلاّ أقلّ القليل، فإنّ الذي خرج من علمهم لم يصل كلّه للآحاد من النّاس، كما أنّه لا يدّعي عاقل أنّه حفظ كلّ أحاديثهم وفهمها وعرف مراميها وسبر أغوارها، فما عند الناس من علمهم هو الأقلّ من القليل. وقال السيد بدر الدين بن أحمد الحسيني العاملي في الحاشية على أصول الكافي ص195: (يمكن أن يراد بالألف هنا أحد حروف التهجي أو العدد المخصوص، فعلى الأوّل يكون وصفها بعدم العطف وهو الميل والانحناء كناية عن عدم معرفة الحرف، أي ما يرمز به إليه معرفة تامة، فإن الألف في الخط الكوفي في رأسها ميل وانعطاف فإذا لم يكن ذلك الميل لم تكن تامة، فكنى به عن نقصان المعرفة. وعلى الثاني يمكن أن يكون المراد ألفا غير معطوفة عليها ألف أخرى، أي لا يمكنكم أن ترووا من فضائلنا إلا ألفا واحدة. والله أعلم). وقال: المولى محمد صالح المازندراني في شرح أصول الكافي ج6 ص147: (نقل عن الفاضل الأمين الأسترآبادي أن الألف الغير المعطوفة احتراز عن الهمزة وكناية عن الوحدة أو إشارة إلى ألف منقوشة ليس قبلها صفر أو غيره، وعن الشيخ بهاء الملة والدين أنّ المراد بها باب واحد ناقص لأنّ الألف على رسم الخط الكوفي صورتها هكذا « - ا » وكونها غير معطوفة أي غير مائل طرفها كناية عن نقصانها... إلى أن يقول:... ويمكن أن يقال: إنّ أَلْفاً بفتح الألف وسكون اللام ويراد به باب واحد وعبّر عنه بالألف لأنّك قد عرفت أنّ الباب الواحد ينحلّ بألف باب مع إظهار تكثره ويراد بقوله « غير معطوفة » أنه ليس معه معطوفه وهو قول السائل «أو بابان» والمعنى إلاّ باباً واحداً لا بابين فليتأمل).وقال العلامة المجلسي في بحار الأنوار ج25 ص283: (أي نصف حرف، كناية عن نهاية القلة، فإنّ الألف بالخط الكوفي نصفه مستقيم. ونصفه معطوف هكذا " - ا " وقيل: أي ألف ليس بعده شيء، وقيل: ألف ليس قبله صفر أي باب واحد، والأوّل هو الصواب والمسموع من أولي الألباب).
(وما عسيتم أن ترووا من فضلنا! ما تروون من فضلنا إلاّ ألفاً غير معطوفة)((1)).
و (نزِّلونا عن الربوبيّة، وادفعوا عنَّا حظوظ البشريّة، فإنّا عنها مبعدون، وعمّا يجوز عليكم منزّهون، ثمّ قولوا فينا ما شئتم، فإنّ البحر لا يُنزف، وسرّ الغيب لا يُعرف، وكلمة الله لا توصف، ومن قال هناك: لِمَ؟ ومِمَّ؟ فقد كفر)((2)).
هذا غيض من فيض، ونُقطة من بحر يموج بفضائل العترة الطاهرة، وما عسانا أن نقول! وقد قالوا كلمة الفصل في تلك النصوص الكثيرة، وتلك الأحاديث تؤكِّد على صحّة نسبة أيِّ فضيلة وكمال يُمكنتصوّره عندنا، ولا يحقّ لنا أن ننفي أيّ صفة
كمال إلاّ إذا قطعنا بانتفائها، وجزمنا باستحالتها إمكاناً أو وقوعاً، فكلّ ما أمكن أن يثبت لهم علیهم السلام فقد وجب إلاّ ما قُطع بانتفائه عنهم علیهم السلام، كالربوبيّة والألوهيّة، ولن نبلغ بذلك كُنههم وحقيقة معرفتهم، وعظيم ما تفضّل الله تعالى به عليهم.
ولو لم يكن من الأدلّة على ثبوت كلّ فضائلهم إلاّ هذا الدليل لكفى عند أهل البصائر والعقول النيّرة بنور الهداة الميامين من آل الرسول العظيم.
فعندما نتحدّث عن أيِّ فضيلة وصفة كمال لهم علیهم السلام يكفينا أن لا تكون مقطوعة الإنتفاء، وما نتحدّث عنه هنا يجري فيه ذلك، فلا نحتاج إلى دليل آخر كي نُثبت فضائلهم علیهم السلام.
ولمّا كانت بركة وجودهم علیهم السلام تعني الآثار المترتبة على وجودهم فنعقد الفصل القادم في ذكر البركة ومعناها.
في الفروق اللغوية: (البركة: هي الزيادة والنماء من حيث لا يوجد بالحس ظاهراً، فإذا عهد من الشيء هذا المعنى خافياً عن الحس، قيل هذه بركة. قيل: اشتقاقها من البروك، وهو اللزوم والثبوت، لثبوتها في الشيء. ويوصف بها كلُّ شيء لزمه وثبت فيه خير إلهي)((1)).
فالبركة هي الخير الغيبي المودع في خلق الله تعالى، ولمّا كانت ثابتة في الشيء فتكون أثراً من آثاره ولازماً من لوازمه بجعل الله تعالى.
ومن هنا جاءت البركة بهذا المعنى في عدّة آيات من الذكر الحكيم، فوصفت شجرة الزيتون بكونها مباركة لأنها كثيرة البركة والمنفعة يسرج بدهنها ويؤتدم ويستشفى به، كما يوقد بحطبها
1) الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري ص96.
وغيرها من المنافع الجمّة، قال تعالى: {...شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ...}((1)).
وقد روي عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم أنّه قال: (الزيت شجرة مباركة فائتدموا به، وادهنوا)((2)).
كما ورد في القرآن الكريم وصف تحيّة السلام بكونها مباركة لكثرة منافعها من نشر المودّة وذيوع الخلق الطيِّب كما أنّها موجبة لكثرة خير من دخل بيته مسلِّماً، فلقد روي عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أنّه قال لأبي ذر: (إن أردت أن يكثر خير بيتك فإذا دخلت منزلك فسلِّم عليهم)((3)).
والسلام على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وعلى أهل بيته علیهم السلام وعلينا وعلى عباد الله الصالحين يطرد الشياطين حتى وإن لم يكن أحد في المنزل، فروي عنأبي عبد الله علیه السلام أنّه قال:( إذا دخلت منزلك فقل: بسم الله وبالله. وسلِّم على أهلك، فإن لم يكن فيه أحد فقل: بسم الله وسلِّم على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى أهل بيته والسَّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإذا قلت ذلك فرّ الشيطان من منزلك)((4)).
قال تعالى: {...فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون}((1)).
ووصف القرآن الكريم بكونه مباركاً لكثرة منافعه وعظيم فوائده وجليل آثاره فهو شفاء النفوس والأبدان والعقول، وهو الهدى والرحمة للمؤمنين، وهو الحجّة القائمة على الخلق أجمعين، بكلماته يمتلك العارف بها أسرار الكون، فلا عجب إذا {...سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى...}((2)). {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}((3)). {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ}((4)).
كما أنّ القرآن الكريم نصّ على أنّ ليلة القدر هي ليلة مباركة فقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ}((5)).
وليلة القدر لو لم يكن فيها إلاّ نزول القرآن لكفى، كما أنّ فيها تتنزّل الملائكة والروح، وفيها تقدير الأرزاق المادية والمعنوية، وغيرها من الآثار العظيمة الجليلة.فالبركة ما هي إلاّ تلك الآثار الإلهية المترتبة واللآزمة للأشياء، فعندما يعتقد المؤمن ببركة أسمائهمعلیهم السلام ومعرفتهم
وأجسادهم إنّما يعتقد بوجود الآثار الإلهية الجليلة، وسنوافيك بتفصيلها فيما يأتي من مباحث إن شاء الله تعالى.
فالبركة ما هي إلاّ أثر تقتضيه أسماؤهم وأجسادهم وأرواحهم علیهم السلام، فيحصل الأثر مع توفّر الشرائط وعدم وجود الموانع، مثلهم مثل الأفعال العباديّة فإنّ لها آثاراً ولكن لا تحصل إلاّ مع توفر الشرائط وانتفاء الموانع، فالصوم قد نصّ القرآن أنّه موجب للتقوى ولكن لابُدّ من توفر الشرائط وانتفاء الموانع، ولذا لا نجد أنّ كلّ مَن صام قد أصبح متّقياً، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (183) سورة البقرة
والصلاة معراج المؤمن وناهية عن الفحشاء والمنكر والبغي ولكن ليس كلّ مَن صلّى قد أصبح منتهياً عن الفحشاء والمنكر، بل لابُدّ من توفّر شرائط وانتفاء موانع، قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} (45) سورة العنكبوت
والصلاة على محمد وآله لها الآثار العظيمة الجليلة فمن تلك الآثار أنّها (طيباً لخلقنا وطهارة لأنفسنا وتزكية لنا وكفارة لذنوبنا) ولا تتمّ تلك الآثار إلاّ أن تنتفي الموانع وتتحقق الشرائط التي منها أن يكون المصلي عليهم موالياً لهم علیهم السلام - كما في الزيارة
الجامعة المباركة -.
ومن هنا يرجو المؤمن البركة من تدوين أسمائهم والتلفظ بها ولكن قد لا يعلم بتحقق الأثر لعدم علمه بتوفّر الشرائط وانتفاء الموانع.
لا يشكّ مؤمن في قدسيّة وحُرمة أسماء الله تعالى والقرآن الكريم وكذا أسماء أهل البيت علیهم السلام، ولقد دأب فقهاؤنا وعلماؤنا الأعلام على تقديس أسماء أهل بيت العصمة والطهارة حتّى أفتى بعضهم بحرمة مسّها على غير طهارة((1))، كما أنّ بعضهم قال بالاحتياط الوجوبي((2))، وبعضهم قال بالاحتياط الإستحبابي((3))،
1) حكى العلاّمة الحلي في تحرير الأحكام ج1 ص92 عن الشيخين الطوسي والصدوق القول بالحرمة. واستقرب الحرمة الشهيد الأول في كتاب البيان ص15. وعلي أصغر مرواريد في الينابيع الفقهية ج26 ص339. كما استظهر الحرمة المحقق الكركي في جامع المقاصد ج1 ص317.
2) كالسيد الگلپايگاني في مختصر الأحكام ص20. والشيخ محمد تقي بهجت في توضيح المسائل ص87.
3) كالسيد الخوئي في منهاج الصالحين ج1 ص43. والسيد محمد الروحاني في المسائل المنتخبة ص23. والشيخ وحيد الخراساني في منهاج الصالحين ج2 ص42. والسيد محمد صادق الروحاني في المسائل المنتخبة ص18. والسيد علي السيستاني في المسائل المنتخبة ص28.
وهناك من قال بالكراهة((1)).
ويدلّك ذلك على قداسة هذه الأسماء الشريفة وعلوّ منزلتها وكرامتها عند الله تعالى، وكيف لا تكون كذلك! وقد اختار الله تعالى لهم عظيم الأسماء وأشرفها، فما أحلى أسماءهم وأعظم شأنهم.
وقداسة تلك الأسماء لا يتردّد فيها مؤمن، بل إنّ المؤمنين عامّة سواء كانوا من العلماء أو الخطباء أو الكتّاب بل الجاهل منهم والمتعلّم يرى أنّ البركة في كتابة تلك الأسماء الشريفة وحملها، كما أنّهم يتبرّكون بكتابة أسمائهم علیهم السلام ويُعلِّقونها على جدران بيوتهم وأماكن وجودهم، وليس معنى البركة إلاّ وجود آثار تترتّب على كتابة تلك الأسماء الشريفة، فلو لم يكن لكتابة تلك الأسماء الشريفة آثار تُرتجىلما اعتقد المؤمن بوجود البركة فيها.
وهذا الاعتقاد لم يأتِ من فراغ، بل لما عُلم من الدين بالضرورة أنّ هذه الأسماء قد خَطّها الله تعالى على كثير من الكائنات العظيمة من مثل اللوح والعرش والأفلاك والجنّة وورق أشجارها، وعلى أجنحة الأملاك كجبهة إسرافيل وجناحي جبرائيل، وعلى السماوات والأرضين، والشمس والقمر.
كما أنّها مكتوبة على غير ذلك مما خلق الله تعالى. وبذلك نصّت الروايات الكثيرة جدّاً بطرق مختلفة فلا تقبل تلك الروايات
1) كالعلامة الحلي في تحرير الأحكام ج1 ص92.
المناقشة لا في سندها ولا في متنها، ومن راجع الكتب التي نقلت فضائل أهل البيت علیهم السلام قطع بتواترها الإجمالي((1)).
ومن تلك الأحاديث:
ما روي عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال: (فلمّا أسكن الله عزّ وجلّ آدم وزوجته الجنة قال لهما: {...كُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ - يعني شجرة الحنطة - فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ}((2)) فنظرا إلى منزلة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة بعدهم صلوات الله عليهم فوجداها أشرف منازل أهل الجنة، فقالا: يا ربنا لمن هذه المنزلة؟ فقال الله جلّ جلاله: ارفعا رؤوسكما إلى ساق عرشي، فرفعا رؤوسهما فوجدا اسم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة بعدهم صلوات الله عليهم مكتوبة على ساق العرش بنور من نور الجبار جلّ جلاله، فقالا: يا ربنا ما أكرم أهل هذه المنزلة عليك، وما أحبهم إليك، وما أشرفهم لديك! فقال الله جلّ جلاله: لولا هم ما خلقتكما، هؤلاء خزنة علمي، وأمنائي على سري...)((3)).ومنها ماروي عن الحسين بن علي، عن أبيه علي ’ أنّه قال: (دخلت على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في بيت أمّ سلمة وقد نزلت هذه
الآية {...إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}((1)) فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : يا علي هذه الآية نزلت فيك وفي سبطَي والأئمة من ولدك. فقلت: يا رسول الله وكم الأئمة بعدك؟ قال: أنت يا علي، ثم ابناك الحسن والحسين، وبعد الحسين علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد جعفر ابنه، وبعد جعفر موسى ابنه، وبعد موسى علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد علي ابنه، وبعد علي الحسن ابنه، والحجة من ولد الحسن، هكذا وجدت أساميهم مكتوبة على ساق العرش، فسألت الله تعالى عن ذلك فقال: يا محمد هم الأئمة بعدك مطهرون معصومون وأعداؤهم ملعونون)((2)).
ورحم الله شاعر الولاية والبراءة الشيخ ابن العرندس((3)) حيث يقول:
هم النور نور الله جل جلاله
هم التين والزيتون والشفع والوتر
1) سورة الأحزاب من الآية (33).
2) كفاية الأثر للخزاز القمي ص 155. وأورد روايات أخرى في ص74 و ص105 و ص117، وراجع مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج1 ص254، و فضائل أمير المؤمنين علیه السلام لابن عقدة الكوفي ص168 وص190.
3) الشيخ صالح بن عبد الوهاب بن العرندس الحلي الشهير بابن العرندس، أحد أعلام الشيعة ومن مؤلفي علمائها في الفقه والأصول، وله مدائح ومراثي لأئمة أهل البيت علیهم السلام تنمّ عن تفانيه في ولائهم ومناوئته لأعدائهم. توفي حدود 840 في الحلة ودفن فيها وله قبر يُزار ويُتبرك به. راجع الغدير للشيخ الأميني ج7 ص13.
مهابط وحي الله خزان علمه
ميامين في أبياتهم نزل الذكر
وأسماؤهم مكتوبة فوق عرشه
ومكنونة من قبل أن يخلق الذر((1))
كما روي عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أنّه قال - في حديث -: (له - أي أمير المؤمنين علیها السلام - اسم مكتوب على كلِّ حجاب في الجنّة)((2)).
وليست كتابتها على المخلوقات العظيمة إلاّ من أجل قدسيتها ووجود الآثار التكوينيّة الجليلة لها.
ومما يؤيِّد قولنا واعتقادنا في وجود الآثار والبركة لتلك الأسماء الشريفة ما ورد في الخبر من قول سيِّد البشر صلی الله علیه و آله و سلم : ( والذي بعثني بالحق بشيراً ونذيراً، ما استقرّ الكرسي والعرش، ولا دار الفلك، ولا قامت السماوات والأرضون إلاّ بعد أن كتب الله عليها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله علي وليّ الله. ثمّ قال: إنّ الله تعالى لمّا عرج بي إلى السماء واختصني بلطيف ندائه قال: يا محمد، قلت: لبيك ربي وسعديك، فقال: أنا المحمود وأنت محمد، شققت اسمك من اسمي، وفضّلتك على جميع بريتي، فانصب
أخاك عليّاً علماً لعبادي يهديهم إلى ديني. يا محمد إنّي قد جعلت المؤمنين أخصّ عبادي، وجعلت عليّاً الأمير عليهم، فمن تأمّر عليه لعنته، ومن خالفه عذبته، ومن أطاعه قربته. يا محمد إني قد جعلت عليّاً إمام المسلمين، فمن تقدّم عليه أخزيته، ومن عصاه استجفيته، فإنّي جعلت عليّاً سيّد الوصيين، وقائد الغر المحجلين، وحجّتي على الخلق أجمعين)((1)).وروى السيد حسن الميرجهاني في مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج1 ص202 من خطبة لأمير المؤمنين علیه السلام: (واسمهم مكتوب على الأحجار، وعلى أوراق الأشجار، وعلى أجنحة الأطيار، وعلى أبواب الجنّة والنّار، وعلى العرش والأفلاك، وعلى أجنحة الأملاك، وعلى حجب الجلال وسرادقات العزّ والجمال، وبأسمائهم تسبّح الأطيار، وتستغفر لشيعتهم الحيتان في لجج البحار، وأنّ الله لم يخلق أحداً إلاّ وأخذ عليه الإقرار بالوحدانية والولاية للذريّة الزكية والبراءة من أعدائه، وأنّ العرش لم يستقر حتى كتب عليه بالنور لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، عليّ ولي الله).
1) مائة منقبة لمحمد بن أحمد القمي ص49، وعنه غاية المرام للسيد هاشم البحراني ج6 ص173. والكراجكي في كنز الفوائد، وعنه تأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج1 ص186، وكتابي اليقين ص238 والتحصين للسيد ابن طاووس ص566، وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج38 ص121 عن كشف اليقين ص57. وج37 ص338 عن الكراجكي في كنز الفوائد.
وما نجت سفينة نوح إلاّ بعد أن كُتب عليها أسماء أصحاب الكساء علیهم السلام، والشيخ كاظم الآزري أكّد هذه الحقيقة فيقول في قصيدة له:
وسمت باسمه سفينة نوح
فاستقرت به على مجراها
وبه نال خلة الله إبرا
هيم والنار باسمه أطفاها
وبسرٍّ سرى في ابن عمران
أطاعت تلك اليمين عصاها
وبه سخَّر المقابرَ عيسى
فأجابت نداءه موتاها
يا أخا المصطفى لدي ذنوب
هي عين القذى وأنت جلاها
لا فتى في الوجود إلا علي
ذاك شخص بمثله الله باهاها
إنما المصطفى مدينة علم
وهو الباب من أتاه أتاها
لقد دأب شيعة أهل البيت على تسمية أولادهم بأسمائهم علیهم السلام تبرّكاً بتلك الأسماء الشريفة، وتطلّعاً للآثار الجليلة، وطاعةً وامتثالاً لأوامر المعصومين علیهم السلام، وإبقاءاً لذكرهم على الألسن وفي الأسماع والأذهان والنفوس، فإنّ التسمية بتلك الأسماء المقدسة لها عظيم الآثار، فروي عنهم أنّ (البيت الذي فيه محمد يصبح أهله بخير ويمسون بخير)((1)). و(ما من قوم كانت لهم مشورة فحضر من اسمه محمد أو أحمد فأدخلوه في مشورتهم إلاّ كان خيراً لهم). و(ما من مائدة وضعت فقعد عليها من اسمه محمّد أو أحمد إلاّ قُدّس ذلك المنزل في كلِّ يومٍ مرّتين)((2)). و(إنّ الشيطان إذا سمع منادياً ينادي: يا محمد
أو يا علي ذاب كما يذوب الرصاص، حتّى إذا سمع منادياً ينادي باسم عدوٍّ من أعدائنا اهتزّ واختال)((1)). و(لا يدخل الفقر بيتاً فيه اسم محمّد أو أحمد أو علي أو الحسن أو الحسين أو جعفر أو طالب أو عبد الله أو فاطمة من النساء)((2)).
وغير تلك الأقوال المأثورة عن أهل بيت العصمة والطهارة.
حتّى أبرزوا علیهم السلام شدّة تمسّكهم بتلك الأسماء الشريفة، وكثرة تعظيمهم لها، وحبّهم إيّاها، لكونها أسماء حبيبة عند الله تعالى قد سمّى بها أحبّاءه.فهذا الإمام الصادق علیه السلام عندما استمع إلى شخص قد سمّى ابنه محمّداً (أقبل بخدّه نحو الأرض وهو يقول: محمّد محمّد محمّد، حتّى كاد يلصق خدّه بالأرض. ثمّ قال: بنفسي وبولدي وبأهلي وبأبوي وبأهل الأرض كلّهم جميعاً الفداء لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، لا تسبّه، ولا تضربه، ولا تسيء إليه، واعلم أنّه ليس في الأرض دار فيها اسم محمد إلاّ وهي تقدّس كلّ يوم)((3)).
ومن قبله كان الإمام الحسين علیه السلام قد سمّى أولاده باسم علي علیه السلام حتّى قال: (لو ولد لي مائة لأحببت أن لا أسمي أحداً منهم إلاّ عليّاً)((1)).
وتفانت شيعة أهل البيت علیهم السلام في التمسّك بهذه الأسماء، فتذكرها قياماً وقعوداً وعند كلّ خطب، ونزول كلّ شدّة، اعتقاداً منهم أنّ عند ذكر هذه الأسماء يهبّ نسيم الرحمة، ومنها تُستمدّ القوّة، فيُنادون باسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام، وهذا الشيخ جعفر كاشف الغطاء((2)) يقول: (ولا تُحصر مفاخره وكراماته. متى وقعت على أحدٍ الشدّة أو بعض المتاعب نادى باسم علي بن أبي طالب علیه السلام).
وفي المصباح للكفعمي ص182:
نادِ عليّاً مظهر العجائب
تجده عوناً لك في النوائب
كلُّ همٍّ وغمِّ سينجلي
بولايتك يا عليُّ يا عليُّ يا علي
وكيف لا ننادي (يا علي)! ومفتاح سرّ باب الجنّة (يا علي) فإنّه روي (إنّ حلقة باب الجنّة من ياقوتة حمراء على صفائح
الذهب، فإذا دُقَّت الحلقة على الصفحة طنّت وقالت: يا علي)((1)).
فلا غرابة في أن نجد أشخاصاً مشوا على الماء باسم علي، وتحوّل الحجر الأصمّ إلى ذهب باسمه صلوات الله عليه.
فروي أنّ أمير المؤمنين علیه السلام مرّ في طريق فسايره خيبري، فمرّ بوادٍ قد سال، فركب الخيبري مرطه((2))، وعبر على الماء، ثُمّ نادى أمير المؤمنين علیه السلام: يا هذا لو عرفت ما عرفت لجزت كما جزت، فقال له أمير المؤمنين علیه السلام: مكانك، ثُمّ أومأ بيده إلى الماء فجمد ومرّ عليه، فلمّا رأى الخيبري ذلك أكبّ على قدميه، وقال له: يا فتى ما قلت حتّى حوّلت الماء حجراً؟ فقال علیه السلام: فما قلتَ أنت حتّى عبرتَ على الماء؟ فقال الخيبري: أنا دعوت الله باسمه الأعظم. فقال أمير المؤمنين علیه السلام: وما هو؟ قال: سألته باسم وصي محمد. فقال أمير المؤمنين علیه السلام: أنا وصيّ محمد. فقال الخيبري: إنّه لحق، ثمّ أسلم).
وعن عمّار بن ياسر قال: أتيت مولاي يوماً فرأى في وجهي كآبة، فقال: مالك؟ فقلت: دَين أتى مُطالبٌ به. فأشار إلى حجرٍ ملقى وقال: خذ هذا واقضِ منه دينك. فقال عمّار: إنّه لحجر! فقال له أمير المؤمنين علیه السلام: ادعُ الله بي يحوِّل لك ذهباً. قال عمّار: فدعوت باسمه، فصار الحجر ذهباً. فقال لي: خذ منه حاجتك.
فقلت: وكيف تلين؟ فقال: يا ضعيف اليقين ادعُ الله بي حتّى تلين، فإنّ باسمي ألان الله الحديد لداود. قال عمّار: فدعوت الله باسمه، فلان، فأخذت منه حاجتي، ثُمّ قال: ادعُ الله باسمي حتّى يصير باقيه حجراً كما كان)((1)).
وعن جابر قال: (أخذت مع رسول الله إداوة فانطلقنا فرأى شجرتين بينهما شيء فقال لي: يا جابر اذهب فقل لتلك الشجرة تأتيصاحبتها حتى استتر بهما. قال: فانطلقت إلى الشجرة فقلت: إنّ رسول الله يأمرك أن تأتي صاحبتك. قال: فانطلقت حتى لحقت صاحبتها فاستتر بهما رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم )((2)).
ولقد دأب علماؤنا الأبرار على تأكيد هذا الأمر وبيانه للناس، فهذا نابغة الدهر الشيخ محمد حسين الأصفهاني رحمه الله يقول:
اسمه العلي
ومذ تجلّى مشرقاً نورُ الهدى
خرَّت له الأصنام طرّاً سجّدا
وفي اسمه كنزُ النجاح والفرج
حدِّث بما شئت هنا ولا حرج
سمّاه باسمه العليُّ الأعلى
تكرُّماً منه له وفضلا
اسمٌ سما في عالم الأسماء
كالشمس في كواكب السماء
اسمٌ به يُستدفع البلاءُ
وإن يكن أبرمه القضاءُ
اسمٌ به أورقت الأشجارُ
اسمٌ به أينعت الثمارُ
وقامت السبعُ العلى بلا عمد
باسمِ عليٍّ فهو خير معتمد
اسمٌ به استدارت الأفلاك
اسم به استجارت الأملاك
اسم به آدم نال الصفوه
من ربّه ونال منه عفوه
وباسمه نوح نجا من الغرق
وفلكه جرى على خير نسق
وباسمه نال الخليل الخلّه
شرّفه الله بتلك الحُلَّه
ونال منه البرد والسلامه
بل منه نال منصب الإمامه
وباسمه موسى غدا كليما
ونال منه منزلاً كريما
وباسمه سما المسيحُ ذو العلى
إلى السماءِ آمناً من البلا
وباسمه استغاث سيِّد الورى
حين الذي جرى عليه ما جرى
وباسمه كلُّ نبيٍّ وولي
نجى من الشرِّ الذي به ابتلي
المعرفة من السمات التي يمتاز بها الناس، ويتفاضل بها البشر، وشرف العلم والمعرفة تتوق إليه العقول، وتتمنّاه النفوس، والعلم صفة كمال ولذا اتصف بها الجليل وكانت اسماً من أسمائه تعالى، وامتدح تعالى العلم في آيات عدّة، وجعل الفضل للذين يعلمون، فقال في محكم الكتاب، وشريف الخطاب: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}.
ولقد دأب البشر على طلب العلوم والمعارف، طلباً لذلك الكمال والشرف، وأيُّ علم من العلوم إنّما تُعرف منزلته بشرف غايته، فإذا كان علم العقائد غايته المعرفة الإلهيّة فإنّه يكون أشرف العلوم والمعارف، لأنّه لا يوجد أشرف من معرفة الله تعالى، ومعرفة ما يجب الإعتقاد به، لأنّ تلك المعارف العقائديّة هي
أُسُّ الإيمان وأصله، ولا يتحقق الإيمان والإعتقاد إلاّ بالمعرفة، فالإيمان معرفة جازمة قاطعة، ويترتّب على الإيمان آثار تكوينيّة، تبدأ من الطهارة الجسديّة لمن يؤمن بالله ورسوله، إلى ما شاء الله من مراتب النور ببركة مرتبة إيمانه، فإنّ المؤمنين يتفاوتون في مراتب الإيمان، فيتفاوتون في الآثار ومن تلك الآثار النور الذي يتلألأ من جبينه، قال تعالى:
{يَوْمَ تَرَى المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم}((1))، {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ}((2)).
وورد عن أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام ما يؤكِّد ويبيِّن وجود هذا النور للإيمان في روايات متعددة، ومنها ما روي عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال:( إنّ لكم لنوراً تعرفون به في الدنيا، حتّى أنّ أحدكم إذا لقيأخاه قبّله في موضع النور من جبهته)((3)).
وفي المقابل مَن لم يكن مؤمناً، فليس له ذلك النور. والأثر التكويني لذلك أن يكون على صورة القرد أو الخنزير أو الكلب أو الحمار.
ويتبيّن ذلك من خلال التتبُّع للروايات الشريفة، فإنّ الناظر فيها يجد أنّ الأئمة علیهم السلام قد كشفوا هذه الحقيقة لبعض
الأشخاص وأروهم تلك الحقيقة رأي العين، فروي عن الإمام علي بن الحسين ’ - وهو واقف بعرفات - أنّه قال للزهري: (كم تقدِّر هاهنا من الناس؟ قال: أقدِّر أربعة آلاف ألف وخمسمائة ألف كلّهم حجاج قصدوا الله بآمالهم، ويدعونه بضجيج أصواتهم. فقال له: يا زهري ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج. فقال الزهري: كلّهم حجاج، أفهم قليل؟! فقال له: يا زهري ادن لي وجهك، فأدناه إليه، فمسح بيده وجهه، ثمّ قال: أنظر. فنظر إلى الناس، قال الزهري: فرأيت أولئك الخلق كلهم قردة، لا أرى فيهم إنساناً إلا في كلّ عشرة آلاف واحداً من الناس، ثمّ قال لي: ادن يا زهري. فدنوت منه، فمسح بيده وجهي، ثمّ قال: انظر. فنظرت إلى الناس، قال الزهري: فرأيت أولئك الخلق ذئبة إلاّ تلك الخصائص من الناس نفراً يسيراً، فقلت: بأبي وأمي يا ابن رسول الله قد أدهشتني آياتك وحيّرتني عجائبك! قال: يا زهري ما الحجيج من هؤلاء إلا النفر اليسير الذين رأيتهم بين هذا الخلق الجمّ الغفير. ثم قال لي: إمسح يدك على وجهك، ففعلت فعاد أولئك الخلق في عيني ناساً كما كانوا أوّلاً. ثمّ قال: من حجّ ووالى موالينا، وهجر معادينا، ووطّن نفسه على طاعتنا، ثمّ حضر هذا الموقف مسلِّماً إلى الحجر الأسود ما قلده الله من أماناتنا، ووفيّاً بما لزمه من عهودنا، فذلك هو الحاج، والباقون هم من قد رأيتهم يا زهري. يا زهري: حدثني أبي، عن جدي
رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، أنه قال: ليس الحاجّ المنافقين المعادين لمحمد وعلي ومحبيهما (صلوات الله عليهما)، الموالين لشانئهما وإنما الحاجّالمؤمنون المخلصون الموالون لمحمد وعلي (صلوات الله عليهما) ومحبيهما، المعادون لشانئهما، إنّ هؤلاء المؤمنين الموالين لنا المعادين لأعدائنا لَتسطع أنوارُهم في عرصات القيامة على قدر موالاتهم لنا، فمنهم من يسطع نوره مسيرة ألف سنة، ومنهم من يسطع نوره مسيرة ثلاثمائة ألف سنة، وهو جميع مسافة تلك العرصات، ومنهم من يسطع نوره إلى مسافات بين ذلك يزيد بعضها على بعض على قدر مراتبهم في موالاتنا، ومعاداة أعدائنا، يعرفهم أهل العرصات من المسلمين والكافرين بأنهم الموالون المتولون والمتبرئون، يقال لكلِّ واحد منهم: يا ولي الله أنظر في هذه العرصات إلى كلِّ من أسدى إليك في الدنيا معروفاً، أو نفّس عنك كرباً، أو أغاثك إذ كنت ملهوفاً، أو كفّ عنك عدوّاً، أو أحسن إليك في معاملته فأنت شفيعه، فإن كان من المؤمنين المحقين زيد بشفاعته في نعم الله عليه، وإن كان من المقصرين كفي تقصيره بشفاعته، وإن كان من الكافرين خفِّف من عذابه بقدر إحسانه إليه. وكأنِّي بشيعتنا هؤلاء يطيرون في تلك العرصات كالصقورة والبزاة فينقضّون على من أحسن في الدنيا إليهم انقضاض البزاة والصقورة على اللحوم تتلقّفها وتحفظها، فكذلك يلتقطون من شدائد العرصات من كان أحسن إليهم في
الدنيا فيرفعونهم إلى جنات النعيم...)((1)).
وكذلك نجد أنّه روي تكرار الفعل من الإمام الباقر علیه السلام، فعن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام: أنا مولاك و من شيعتك، ضعيف ضرير، اضمن لي الجنة. قال: أولا أعطيك علامة الأئمة؟ قلت: وما عليك أن تجمعها لي؟ قال: وتحبُّ ذلك؟ قلت: كيف لا أحب! فما زاد أن مسح على بصري، فأبصرت جميع ما في السقيفة التي كان فيها جالساً. قال: يا أبا محمد مدّ بصرك فانظر ماذا ترى بعينيك؟ قال: فوالله ما أبصرت إلا كلباً وخنزيراً وقرداً. قلت: ما هذا الخلق الممسوخ؟! قال: هذا الذي ترى، هذا السواد الأعظم، لو كشف الغطاء للناس ما نظرالشيعة إلى من خالفهم إلاّ في هذه الصور. ثم قال: يا أبا محمد إن أحببت تركتك على حالك هكذا وحسابك على الله، وإن أحببت ضمنت لك على الله الجنة، ورددتك إلى حالتك الأولى؟ قلت: لا حاجة لي إلى النظر إلى هذا الخلق المنكوس. ردّني، ردّني فما للجنة عوض. فمسح يده على عيني، فرجعت كما كنت)((2)).
وروي أنّ أبا بصير قال للإمام الباقر علیه السلام: ما أكثر الحجيج وأعظم الضجيج! فقال: بل ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج، أتحبّ أن تعلم صدق ما أقوله وتراه عياناً؟ فمسح على عينيه ودعا
بدعوات فعاد بصيراً. فقال: انظر يا أبا بصير إلى الحجيج، قال: فنظرت فإذا أكثر الناس قردة وخنازير والمؤمن بينهم كالكوكب اللامع في الظلماء، فقال أبو بصير: صدقت يا مولاي ما أقلّ الحجيج وأكثر الضجيج، ثم دعا بدعوات فعاد ضريراً...)((1)).
كما أنّ هذا التفضّل ببيان هذه الحقيقة عياناً روي عن الإمام الصادق أيضاً وتكرّر الفعل منه علیه السلام، فعن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله علیه السلام فقلت له: جعلت فداك ما فضلنا على من خالفنا؟ فو الله إنّي لأرى الرجل منهم من هو أرخى بالاً وانعم رياشاً وأحسن حالاً. قال: فسكت عنّي حتّى إذا كنت بالأبطح أبطح مكة ورأيت النّاس يضجّون إلى الله فقال: يا أبا محمد ما أكثر الضجيج والعجيج وأقل الحجيج، والّذي بعث محمداً صلی الله علیه و آله و سلم بالنبوة وعجّل روحه إلى الجنّة ما يتقبّل الله إلاّ منك ومن اشباهك خاصة، ومسح يده على وجهي وقال: يا أبا بصير انظر. قال: فإذا أنا بالخلق كلب وخنزير وحمار إلاّ رجل بعد رجل)((2)).
وعن أبي بصير، قلت لأبي عبد الله علیه السلام: (ما فضلنا على من خالفنا؟! فوالله إني أرى الرجل منهم أرخى بالاً، وأنعم عيشاً، وأحسنحالاً، وأطمع في الجنة. قال: فسكت عنِّي حتّى كُنّا بالأبطح من مكة، ورأينا الناس يضجُّون إلى الله، قال: يا أبا
محمد هل تسمع ما أسمع؟ قلت: أسمع ضجيج الناس إلى الله. قال: ما أكثر الضجيج والعجيج وأقلّ الحجيج!! والذي بعث بالنبوة محمّداً وعجّل بروحه إلى الجنّة ما يتقبل الله إلاّ منك ومن أصحابك خاصة. قال: ثم مسح يده على وجهي، فنظرت فإذا أكثر الناس خنازير وحمير وقردة، إلاّ رجل بعد رجل)((1)).
فالإيمان بهم علیهم السلام له آثاره كما أنّ عدم الإيمان بهم له آثاره، ولا يكون الإيمان بهم إلاّ بمعرفتهم علیهم السلام.
كما أنّ على معرفتهم دارت القرون الأولى، فما أصبح أحد من البشر نبيّاً ولا رسولاً ولا خليلاً لله تعالى إلاّ بمعرفتهم علیهم السلام، وعلى قدر المعرفة بهم كانت منازل الأنبياء والمرسلين، وهذا ما دلّت عليه الأحاديث ومنها ما روي عن أبي عبد الله علیه السلام، قال: (إن الله تعالى أمهر فاطمة علیها السلام ربع الدنيا، فربعها لها، وأمهرها الجَنَّة والنار، تدخل أعداءها النار، وتدخل أولياءها الجَنَّة، وهي الصدِّيقة الكبرى، وعلى معرفتها دارت القرون الأول)((2)).
نعم هي علیها السلام قطب رحى الوجود، بمعرفتها تعلو الكائنات وبالجهل بها تتدنّى الموجودات، فالكمال ومراتبه في معرفتها، والنزول والتدنِّي والتسافل في إنكار فضائلها، ورحم الله معلِّم العرفاء، وأستاذ الفقهاء الشيخ محمد حسين الإصفهاني، فإنّه
جسّد هذه الحقائق في أبيات أفرغ فيها الولاء الصادق والمعرفة الصافية العذبة فقال في قصيدة له:
فإنَّها قطب رحى الوجود
في قوسي النزول والصعود
وليس في محيط تلك الدائره
مدارها الأعظم إلَّا الطاهره
مصونة عن كل رسم وسمه
مرموزة في الصُّحف المكرَّمه
صدِّيقة لا مثلها صدِّيقه
تفرغ بالصِّدق عن الحقيقه
بدا بذلك الوجود الزاهر
سرُّ ظهور الحقِّ في المظاهر
هي البتول الطهر والعذراء
كمريم الطهر ولا سواء
فإنها سيِّدة النساء
ومريم الكبرى بلاخفاء
وحبُّها من الصِّفات العاليه
عليه دارت القرون الخاليه((1))
كما أنّ مَن عرف فاطمة علیها السلام فقد رقى منزلة عظيمة، ونال
1) الأنوار القدسية للشيخ محمد حسين الأصفهانى ص36.
كرامة جليلة، فتتنزّل عليه الملائكة، فتكون كلّ لياليه ليالي قدر تتنزّل فيها الملائكة، كما أنّه يستفيد من ذلك التنزيل علماً ومعرفة وهداية وصلاحاً وقرباً ونوراً، فروي عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال:({إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}((1)) الليلة فاطمة والقدر الله، فمن عرف فاطمة حق معرفتها فقد أدرك ليلة القدر...)((2)).
ولقد روي عن الإمام الكاظم علیه السلام في تأويل قوله تعالى: {حم * وَالْكِتَابِ المُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ}((3)) أنّه قال:(أمّا {حم} فهو محمد صلی الله علیه و آله و سلم وهو في كتاب هود الذي أنزل عليه وهو منقوص الحروف، وأمّا {الْكِتَابِ المُبِينِ} فهو أمير المؤمنين علي علیه السلام وأمّا الليلة ففاطمة وأمّا قوله: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}((4)) يقول: يخرج منها خير كثير، فرجل حكيم ورجل حكيم...)((5)).كما أنّ من آثار معرفتهم قبول العمل، لأنّ من شرائط قبول العمل عند الله تعالى وترتّب الثواب عليه معرفتهم علیهم السلام، فلا تُقبل أعمال العباد إلاّ بمعرفتهم.
فروي عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله عزّ وجلّ: {وَلِلهِ الأَسْمَاء
الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا...}((1)) قال:(نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلاّ بمعرفتنا)((2)).
وإنّ للعارف بحقِّهم مكانة ومنزلة شريفة، فروي عن الإمام أبي عبد الله الصادق علیه السلام أنّه قال: (مَن مات يوم الجمعة عارفاً بحقِّنا، عتق من النار وكتب له براءة من عذاب القبر)((3)).
فماذا يكون لمن زارهم علیهم السلام عارفاً بحقِّهم؟
إنّ اختلاف مراتب المعرفة بهم سبب لتفاوت الثواب الجزيل، وزيارة الحسين علیه السلام للعارف بحقِّه ثواب عظيم حتّى استكثره ضعاف الإيمان وأنكروه، لأنّهم لم يحتملوا أمرهم علیهم السلام، ولا يحتمل أمرهم إلاّ المؤمن الممتحن قلبه بالإيمان.
فلقد روي في فضل زيارة الحسين علیه السلام للعارف بحقِّه أنّ الزائر له في في يوم عرفة يصحبه (ألف ملك عن يمينه وألف ملك عن يساره)((4)) وزيارته تعدل (ألف حجّة مقبولة وألف عمرة
مبرورة)((1))، بل (وألف غزوة مع نبيٍّ مرسل أو إمام عدل)((2))،وإنّ (من زار قبر الحسين علیه السلام في يوم عاشوراء عارفاً بحقِّه كان كمن زار الله في عرشه)((3)).
والمقصود من زيارة الله تعالى في عرشه؛ أنّ المؤمن من خلال زيارة الحسين علیه السلام يكون في مقام التكريم عند الله تعالى، فكما أنّ من زار كريماً في بيته كان مُكرماً ومقدّراً ويُجلس في أفضل المجالس، فكذا مَن نُزِّل بمنزلة مَن زار الله تعالى في عرشه، فإنّه يكون محلّ التكريم، ومن التكريم ما يُكرّم به الزائر لهم علیهم السلام في يوم القيامة من جلوسه تحت ظلّ العرش مع النبيين والمرسلين عليهم السلام أجمعين، فعن سليمان بن حفص قال: (سمعت موسى بن جعفر علیه السلام يقول: مَن زار قبر ولدي علي كان له عند الله عزَّ وجلَّ سبعون حجَّة مبرورة. قلت: سبعين حجَّة مبرورة؟ قال: نعم سبعين ألف حجَّة. قلت: سبعين ألف حجَّة؟ قال: فقال: رُبّ حجَّة لا تقبل. من زاره أو بات عنده ليلة كان كمن زار الله في عرشه، قلت: كمن زار الله في عرشه؟ قال: نعم، إذا كان يوم القيمة كان على عرش الله عزَّ وجلَّ أربعة من الأولين وأربعة من الآخرين، فأمّا الأولون فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وأما الأربعة الآخرون
فمحمد وعلي والحسن والحسين، ثُمّ يُمدُّ المطمر فيقعد معنا زوّار قبور الأئمة، ألا إنّ أعلاها درجة وأقربهم حبوة زوّار قبر ولدي علي علیه السلام)((1)).
وزيارة الحسين علیه السلام لا تُحصى فضائلها ولا تٌعدّ مناقبها فلم يظهر من عظمتها إلاّ الشيء القليل، وذلك النزر اليسير أمر عظيم لم يحتمله الكثير من النفوس، ولم تستوعبه جُلّ العقول، فعن بشير الدهان قال: (قلت لأبي عبد الله علیه السلام: ربّما فاتني الحجّ فأعرِّف عند قبر الحسين علیه السلام. فقال: أحسنت يا بشير أيّما مؤمن أتى قبر الحسين علیه السلام عارفاً بحقِّه فيغير يوم عيد كتب الله له عشرين حجّة وعشرين عمرة مبرورات مقبولات وعشرين حجّة وعمرة مع نبي مرسل أو إمام عدل، ومن أتاه في يوم عيد كتب الله له مائة حجّة ومائة عمرة ومائة غزوة مع نبيٍّ مرسل أو إمام عدل، قال: قلت له: كيف لي بمثل الموقف؟ قال: فنظر إليَّ شبه المغضب ثُمّ قال لي: يا بشير إنّ المؤمن إذا أتى قبر الحسين علیه السلام يوم عرفة واغتسل من الفرات ثمّ توجّه إليه كتب الله له بكلِّ خطوة حجَّة بمناسكها - ولا أعلمه إلاّ قال: وغزوة -)((2)).
كما روي في فضل زيارة الإمام الرضا علیه السلام أنّ محمد بن سليمان الديلمي سأل أبا جعفر الجواد علیه السلام: عن (...أيما أفضل
لهذا الذي قد حجَّ حجَّة الإسلام يرجع فيحجّ أيضاً أو يخرج إلى خراسان إلى أبيك علي بن موسى ’ فيسلِّم عليه؟ قال: بل يأتي خراسان فيسلِّم على أبي الحسن علیه السلام، وليكن ذلك في رجب)((1)).
وعن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، قال: (قرأت في كتاب أبي الحسن الرضا علیه السلام: أبلغ شيعتي أنَّ زيارتي تعدل عند الله ألف حجّة، قال: فقلت لأبي جعفر علیه السلام: ألف حجّة؟! قال: إي والله وألف ألف حجّة لمن زاره عارفاً بحقِّه)((2)).
والحديث عن عظيم معرفتهم لا يمكن أن تحويه هذه السطور، ولا يُمكن استيعابه، بل لا يُناسب هذا المختصر أن نُطنب في البيان والدلائل، والمؤمن تكفيه الإشارة والتلويح فضلاً عن التصريح.
قال تعالى: {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}((1)).
لقد تحدّث القرآن الكريم عن السامري الذي كان مصاحباً لموسى علیه السلام عند إغراق فرعون وأصحابه، فرأى جبرئيل علیه السلام راكباً فرساً، وأبصر أنّ التراب الذي تحت حافر الفرس يتحرّك بعد أن تطأه الفرس، فأخذ شيئاً من التراب وجعله في صُرّة، وكان يفتخر على بني اسرائيل بذلك التراب، فلمّا جاءه إبليس واتخذ بنو إسرائيل العجل قال للسامري: هات التراب الذي معك. فجاء به السامري فألقاه إبليس في جوف تمثال العجل، فلمّا وقع التراب في جوفه تحرّك وخار ونبت عليه الوبر والشعر،
1) سورة طه الآية (96).
فسجد له بنو إسرائيل فكان عدد الذين سجدوا سبعين ألفاً من بني إسرائيل، فقال لهم هارون - كما حكى الله -:{وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}((1)).
فالقرآن الكريم قد أكّد أنّ أقدام جبرائيل علیه السلام، بل حوافر فرسه لها تأثير على التراب الذي تطؤه، فإذا جُعل ذلك التراب في غير الحي فإنّه يكون حيّاً بإذن الله لكرامة ذلك التراب الذي وطأه جبريل علیه السلام.
فما نقول في من يكون جبريل خادماً له!!!
قيل لي أنت أوحد الناس طرّاً
في فنون من الكلام النبيه
لك من جوهر الكلام بديع
يثمر الدرَّ في يدي مجتنيه
فعلى ما تركت مدح ابن موسى
والخصال التي تجمعن فيه
قلت لا أهتدي لمدح إمام
كان جبريل خادماً لأبيه
ووجود المعصوم حيّاً على الأرض له آثاره العظيمة قد ذكرتُ
1) سورة طه. وراجع تفسير القمي لعلي بن إبراهيم القمي ج2 ص62 في الرواية عن الإمام الباقر علیه السلام.
بعضها في (كتاب الغيبة الكبرى بحث في الحكمة والفوائد) وقد لا يتأتّى الكتاب للقارئ العزيز فننقل ما ذكرناه هناك:
الفائدة الأولى: بقاء وجود العالم:
إنّ مجرّد وجوده المعصوم علیه السلام هو سبب لبقاء وجود البشر على الأرض، ولولا وجوده الشريف لساخت الأرض ومن عليها، لأنّه العلّة الغائيّة من وجود هذا العالم الذي نعيشه، وعند انتفاء الغاية لا بُدّ أن ينتهي وينتفي المُغيّا عند الفاعل القادر الحكيم، ولبيان ذلك نقول:
إنّ الكون كما يحتاج إلى علّة في حدوثه، فكذلك يحتاج إلى علّة في بقائه، لأنّ الكون ممكن من الممكنات، والممكن ما تساوى فيه طرفا الوجود والعدم فحتّى يترجّح فيه الوجود يحتاج إلى ما يُرجّح وجوده على عدمه، لأنّ الوجود ليس ذاتيّاً له وإلاّ لو كان الوجود من ذاته لزم أن يكون واجبَ الوجود وهو خلف – أي لقد فرضناه ممكناً فكيف يكون واجباً بالذات - وكذلك الكون يحتاج إلى علّة لبقائه لنفس السبب الذي قلناه في احتياجه إلى علّة في حدوثه، لأنّه لم يخرج بحدوثه عن كونه ممكناً، وما دامت صفة الإمكان موجودة فالاحتياج إلى العلّة موجود.
والفاعل الحكيم لا يفعل إلاّ لمصلحة وغرض وغاية، فالكون كما يحتاج إلى غرض من حدوثه وابتداء وجوده فكذلك يحتاج
إلى غرض وغاية في بقائه واستمرار وجوده، وعند انتفاء المصلحة والغاية والهدف من وجود الشيء فإنّ الفاعل الحكيم لا يفعله، فلا يصحّ وجود العالم ولا بقاؤه إلاّ لغاية وغرض، والفعل بلا غاية من العبث المنزّه عنه الحكيم تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. قال (عزّ وجل):
{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} (الدخان:38)
والكون خلق من أجل الجن والإنس قال تعالى:{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة:22)
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (البقرة:29)
{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ} (لقمان:20)
والغاية من خلق الجن والإنس هي العبادة كما قال الله تعالى:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات:56)
والعبادة تتوقّف على معرفة أمور محدودة ومنها معرفة العبادة والمعبود، وأمّا المعرفة التي لا غاية لنهايتها، ولا نهاية لأمدها، فمتوقفة على العبادة، قال تعالى:
{...وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(البقرة: من الآية282).
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت:69).
وتقوى الله والجهاد فيه تعالى إنّما يكون بالعبادة الخالصة له تعالى.
ومن حصلت له هذه المعرفة النورانيّة التي تمّ فيضها عليه من الباري تعالى، فقد حظي بالخشية من الله تعالى:
{...إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}(فاطر: من الآية28)
ومن هنا وردت بعض الروايات في تعليل الخلق بالمعرفة.
ومنها: ما في الكافي للشيخ الكليني ج1 ص141 من خطبة أمير المؤمنين علیه السلام قال فيها:(... ابتدأ ما أراد ابتداءه وأنشأ ما أراد إنشاءهعلى ما أراد من الثقلين الجن والإنس، ليعرفوا بذلك ربوبيته وتمكن فيهم طاعته((1))...).
ومنها: ما في علل الشرائع للشيخ الصدوق ج1 ص9 بسنده عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (خرج الحسين بن علي ’ على أصحابه فقال: أيها الناس إنّ الله جل ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه،
1) في التوحيد للشيخ الصدوق ص33: طواعيته.
فقال له رجل: يا ابن رسول الله بأبي أنت وأمي فما معرفة الله؟ قال: معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته).
ومنها: الحديث القدسي المشهور:( كنت كنزاً مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أُعرف ).
إلى هنا وصلنا إلى أنّ الكون خُلق من أجل الإنسان والجان، وهما قد خلقا من أجل العبادة وأصل العبادة والتوجّه إلى الله تعالى كما يتوقف على معرفة المعبود فكذلك المعرفة المتنامية المتزايدة متوقفة على العبادة.
والمُحَقِّق لتلك العبادة على حقيقتها، والحاصل على المعرفة في غايتها، هو النبي محمد وآله الأطهار صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، ما بزغ نجم وطلع نهار.
فحتّى يبقى الكون لابُدّ أن يبقى الإمام علیه السلام، فهو المحقق للغاية من الوجود، ولو خلت الأرض منه صلوات الله وسلامه عليه لساخت بأهلها، ومن هنا جاءت الروايات التي تؤكِّد هذه الحقيقة اليقينيّة.
فمنها: ما عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لو بقيت الأرض بغير إمام ساعة لساخت)((1)).
وعن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا علیه السلام قال: (قلت له: أتبقى الأرض بغير إمام؟ فقال: لا، قلت: فإنا نروي عن
1) في كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص201.
أبي عبد الله علیه السلام أنها لا تبقى بغير إمام إلا أن يسخط الله على أهل الأرض أو على العباد، فقال: لا تبقى، إذاً لساخت)((1)).
وعن الإمام أبي جعفر علیه السلام قال: (لو أن الإمام رُفِعَ من الأرض ساعة لَمَاجَت بأهلها كما يموج البحر بأهله)((2)).
قال الميرزا جواد التبريزي في صراط النجاة ج3 ص437:
(يصحّ القول أنهم علة غائية لخلق العباد، لا بمعنى أن الخالق يحتاج إلى الغاية، بل لأنّ إفاضة فيض الوجود بسبب ما سبق في علمه أنهم السابقون الكاملون في الغرض والغاية من الفيض، والله العالم).
ومن هنا أيضاً وردت الروايات المستفيضة الدالّة دلالة قطعية بأنّ الكون إنّما خلق من أجل أهل البيت علیهم السلام، ومن تلك الروايات:
حديث الكساء الصحيح المعروف المشهور الذي ورد فيه:
(...وعزتي وجلالي إني ما خلقت سماء مبنية، ولا أرضاً مدحيّة، ولاقمراً منيراً، ولا شمساً مضيئة، ولا فلكاً يدور ولا بحراً يجري ولا فلكاً يسري إلاّ لأجلكم و محبتكم...).
ومنها: الحديث المروي عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم الذي قال فيه:( إنّ أبي آدم لما رأى اسمي واسم علي وابنتي فاطمة و الحسن و
الحسين وأسماء أولادهم مكتوبة على ساق العرش بالنور، قال: إلهي وسيدي هل خلقت خلقاً هو أكرم عليك مني؟ فقال: يا آدم لولا هذه الأسماء لما خلقت سماء مبنية، ولا أرضا مدحيّة، ولا ملَكاً مقرّباً، ولا نبيّاً مرسلاً، ولا خلقتك يا آدم...)((1)).
قال العلامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار ج25 ص93: (ثبت بالأخبار المستفيضة أنهم العلل الغائية لإيجاد الخلق).ولا يُحقق هذه الغاية بوجودها الحقيقي إلاّ الإمام ، فإنّ عباداتنا صوريّة، وليست عبادة حقيقيّة يمكن أن تُقاس بعبادته علیه السلام، لأنّ العبادة خضوع القلب والعقل والخيال والوهم وكلّ الجوارح، وهذا لا يتحقق منا، فبوجوده تتحقق العبادة الحقيقيّة، فتتحقق غاية الخلق، وكذلك معرفتنا لا تُحقق الغاية من الخلق، وعندما لا يوجد على الأرض مَنْ يُحقق هذه الغاية عندئذ يكون البقاء للكون عبثيّاً، والله سبحانه مُنزّه عنه تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيرا.
إنّ العلل المتوالية يصح التعليل بكلّ واحدة منها؛ فعندما تقوم وتُسأل عن سبب قيامك فتقول: أودّ الخروج، وعندما تُسأل عن سبب خروجك تقول: أريد الذهاب إلى السوق، وعندما
1) الروضة: 17، وروضة الواعظين: 72، وعنهم بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج53 ص23.
تُسأل عن الغرض من ذهابك إلى السوق فتقول: لأجل شراء الدواء الفلاني... وهكذا تتوالى الأسباب. ويصحُّ منك من أوّل الأمر أن تُعلل قيامك بأي واحدة من تلك الأسباب المتوالية، فتقول: أريد القيام من أجل الذهاب إلى السوق، ويصحُّ أن تقول أريد القيام من أجل شراء الدواء... وهكذا، وذلك بحسب ما يُناسب من مقام الحال واختلاف المخاطبين، فإنّ الشخص الذي لا تريده أن يعرف أين ستذهب فإنّك ستجيبه بأنّني قمت من أجل الخروج، وأمّا إذا كان الشخص المخاطب ممن قد يوصلك بسيارته مثلاً فتقول له: أنّك قمت من أجل الذهاب إلى السوق، وإنّ كان شخصاً عارفاً بالصيدلة وأنواع الأدوية فإنّك قد تقول له أنّك قمت من أجل شراء الدواء.
وكذلك بالنسبة لخلق الكون يصحّ أن يُعلل بأنّه من أجل الإنسان أو من أجل العبادة أو من أجل المعرفة أو من أجل أهل البيت عليهم أفضل التحية والسلام. ولا منافاة في ذلك كلّه، لأنّها علل مترتبة يصحّ التعليل بأيّ واحد منها، فافهم واغتنم.
إنّ فيض الله تعالى الخير على الناس هو ببركة الإمام، فإنّ الإمام علیه السلام به يُمطر الناس، وبه يرزقون، وبه تُخرِج الأرض بركتها لهم، وبه ينزل الله تعالى كل خير عليهم.
لأنّ الإمام علیه السلام هو الأهل لتلك النعم الجليلة، وليس هناك شخص في هذا الزمان أهلاً لها غيره، وهذه النعم العظيمة لا يستحقّها إلاّ مَن حقق الغاية من الوجود، ولَمْ وَلَنْ يُحقق أحد الغاية في زماننا غيره صلوات الله وسلامه عليه.
ففي كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص202 بسنده عن الإمام الرضا علیه السلام: (نحن حجج الله في خلقه، وخلفاؤه في عباده، وأمناؤه على سره، ونحن كلمة التقوى، والعروة الوثقى، ونحن شهداء الله وأعلامه في بريته، بنا يمسك الله السموات والأرض أن تزولا، وبنا ينزل الغيث و ينشر الرحمة...).
وفي الأمالي للشيخ الصدوق ص252 بسنده عن الإمام الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين علیهم السلام، قال: (نحن أئمة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغر المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وبنا ينشر الرحمة، ويخرج بركات الأرض...)((1)).
1) ورواه في كمال الدين وتمام النعمة ص207.
العذاب تستحقُّه الناس بسبب معاصيها وجرأتها على مخالفة أوامر ربِّها ونواهيه، وتستحق العقاب في الدنيا قبل الآخرة بسبب بعدها وإعراضها عن أولياء الله تعالى وحججه، بل تستحقّه على عظيم جُرأتها على أصفياء الله تعالى وخُلفائه.
ولكن ببركة وجود الإمام علیه السلام يرفع الله تعالى العذاب عن الناس، قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْيَسْتَغْفِرُونَ} (الأنفال:33).
وروي عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أنّه قال: (النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأمتي)((1)).
وفي إكمال الدين ص118 بسنده عن الإمام أبي عبد الله علیه السلام: (إنّ الكواكب جعلت في السماء أماناً لأهل السماء، فإذا ذهبت نجوم السماء جاء أهل السماء ما كانوا يوعدون، وقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : جُعِلَ أهل بيتي أماناً لأمتي، فإذا ذهب أهل بيتي جاء أمتي ما كانوا يوعدون).
فالإمام
عجل الله تعالی فرجه الشريف أمان للأمّة من أن ينزل عليها العذاب كما نزل بالأمم السابقة، ولا يعني ذلك أن لا ينزل البلاء والامتحان والاختبار على الناس، قال الله تعالى:
1) أمالي ابن الشيخ: 163. وعيون أخبار الرضا: 197. ومثله في صحيفة الرضا: 11. عنهم بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج72 ص308. والروايات في ذلك كثيرة.
{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} (العنكبوت:2)
بل لا بُدّ من نزول البلاء على الناس حتى يتميّز الخبيث من الطيِّب والمؤمن من الكافر، قال تعالى:
{لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (الأنفال:37)
والبلاء رحمة بالعباد يُعرِّضهم لثواب الصابرين، لأنّ ثواب الصابرين لا يتأتى إلاّ بالصبر، والصبر لا يتأتى إلاّ بالبلاء، فترتفع درجات المؤمنين، وعلى قدر إيمان العبد يكون بلاؤه وامتحانه.
في الكافي للشيخ الكليني ج2 ص252 بسنده عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: (ذكر عند أبي عبد الله علیه السلام البلاء وما يخص الله عزّ وجل به المؤمن، فقال: سئل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم مَنْ أشدّ الناس بلاءاً في الدنيا؟ فقال: النبيون، ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلى المؤمن بعدُ على قدر إيمانه وحسن أعماله، فمن صحّ إيمانه وحسن عمله اشتد بلاؤه، ومن سخف إيمانهوضعف عمله قلّ بلاؤه).
كما أنّ البلاء عنوان للمحبّة فإنّ الله تعالى إذا أحبّ عبداً وأراد أن يرفع درجته ابتلاه، فإذا ابتلاه وصبر واحتسب فعند ذلك ترتفع درجته.
ففي المصدر السابق بسنده عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (إن عظيم الأجر لمع عظيم البلاء، وما أحب الله قوماً إلاّ ابتلاهم).
وليس معنى ذلك أنّ كل مُبتلى هو محبوب لله تعالى، فإنّ البلاء قد يكون عقاباً وتنكيلا للكافر الفاجر، كما أنّ الله تعالى قد يبتلي الإنسان فيفشل العبد في البلاء والامتحان.
{مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا(5) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ أَسَفًا(6)إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(7)}(الكهف)
والأبدان الشريفة المقدسة لأهل البيت علیهم السلام غنيّة عن ذكر آثارها وكراماتها، فهي خَلق خُلق ليكون أداة لطاعتهم البدنيّة، وعبادتهم الجسديّة، كما أنّها نشأت من ثمار الجنّة الطيبة، فكان فيها رائحتها، وترعرعت على الحلال الطيِّب المبارك، كما أنّها محل لنفوسهم القدسيّة، فلا غرابة في أن تجد المؤمنين قاطبة يعتقدون بكرامة وعظيم آثار هذا الوجود الذي جعله الله تعالى مظهراً للجمال والجلال والقدرة و...
ولقد روي الكثير في بيان آثار وكرامة أبدانهم المقدَّسة علیهم السلام، ونكتفي بذكر بعض الثمار، نقتطفها من تلك الجنان.
إنّ أيادي أهل البيت علیهم السلام المباركة لها من الآثار ما تعجز
العقول عن وصفها، كما تكلّ معاجز الأنبياء علیهم السلام عن مجاراتها، فتلك الأيدي هي مصدر بركة للأحياء والأموات، والكائنات الحيّة والجمادات، لا يُمكن لعقولنا القاصرة أن تُدرك كنه وعظمة تلك الأيادي البيضاء على جميع الخلق، ورحم الله الفقيه الفيلسوف الناطق بالولاء والمعرفة حيث يقول:
في كفِّه تسبِّح الحصاة
فهي لكلِّ ممكن حياة
وما الكليم ما العصا وما الحجر
فهو بسبابته شق القمر
وأين بيضاء يد الكليم
من يده البيضا على العموم
فتسبيح الحصا في كفِّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم معناه أنّ يده المباركة لها هذا التأثير، سواء قلنا بأنّ يده الشريفة حياة الممكنات، وهذا التسبيح إحياء للكائن الجماد، أو قلنا إنّ تسبيح الحصا مجرّد إظهار لمكنون التسبيح الموجود في الكائنات لقوله تعالى:
{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّيُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}((1)).
وهذه البركة لا إشكال أنّها أعطيت لأهل البيت علیهم السلام جميعاً، ودلّ على ذلك الكثير من الروايات الدالّة على اشتراكهم في كلِّ
1) سورة الإسراء الآية (44).
شيء إلاّ ما خرج بالدليل الخاص، ومن ذلك ما روي عن أمير المؤمنين علیه السلام في حديث السبعين منقبة من قوله:( فإنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أمرني أن أمسح بيدي على ضرع شاة قد يبس ضرعها فقلت: يا رسول الله بل امسح أنت، فقال: يا علي فعلك فعلي. فمسحت عليها بيدي فدرّ عليّ من لبنها، فسقيت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم شربة، ثمّ أتت عجوزة فشكت الظمأ فسقيتها، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : إنِّي سألت الله عزَّ وجلَّ أن يبارك في يدك ففعل)((1)).
بل ورد نطق الحصى في كفِّ أمير المؤمنين علیه السلام بشهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله وأنّ عليّاً وليُّ الله، فعن سلمان، قال: كنّا جلوساً عند النبي صلی الله علیه و آله و سلم إذ أقبل علي بن أبي طالب فناوله النبي حصاة فما استقرت الحصاة في كفِّ علي حتى نطقت، وهي تقول: لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، رضيت بالله ربّاً، وبمحمد نبيّاً، وبعلي بن أبي طالب وليّاً. ثم قال النبي صلی الله علیه و آله و سلم : من أصبح منكم راضيا بالله وبولاية علي بن أبي طالب فقد أمن خوف الله وعقابه)((2)).
ولقد مرّ عليك ما روي من مسح أيديهم علیهم السلام على عين بعض أصحابهم فيرون ما لا يرى الناس من حقائق الخلق،
إذا كان تراب حوافر فرس جبرائيل علیه السلام يبثُّ الحياة في الجماد، فالتراب الذي يمسّ نعال أقدامهم علیهم السلام هو أعظم من ذلك وأشرف وأكثر أثراً، وهنا يرد سؤال وهو: كيف نتصوّر ما هو أعظم من بثّ الحياة في الجماد؟!! فإنّ إحياء الميِّت أهون من جعل الحياة في الجماد.
فأقول: جواب هذا هو ما خاف من بيانه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فإنّه خاف على أمته من عبادة أمير المؤمنين علیه السلام، وأن تقول فيه ما قالت النصارى في المسيح، فلقد روي عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أنّه قال لعلي علیه السلام: (لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك قولاً لا تمرّ بملأ من الناس إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك يلتمسون بذلك البركة)((4)).
1) تفسير الإمام العسكري علیه السلام ص256، وعنه مستدرك الوسائل للميرزا النوري ج10 ص39.
2) الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي ج2 ص821. و مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج3 ص318.
3) بصائر الدرجات محمد بن الحسن الصفار ص291. والخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي ج2 ص821.
4) الكافي للشيخ الكليني ج8 ص57. ومثله في الأمالي للشيخ الصدوق ص156. وراجع مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج2 ص166. و المحتضر لحسن بن سليمان الحلي ص105.
وأيُّ بركة هذه؟!! وما مقدار أثرها؟!! وكيف تتحصّل؟!! ألله أعلم بذلك السرّ الخفي، ولكنّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم أشار إلى وجود بركة وأثر عظيم حتّى أنّ الناس لا تأخذ التراب من أثر الأقدام، بل إنّهم لا ينتظرون الأمير علیه السلام أن يرفع قدميه بل يحثون التراب من تحت رجله لعظيم بركته وأثره.
كما أنّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم أشار إلى أنّ تلك البركة وعظيم الأثر لا يتطلّبه بعض الناس، بل كلّ أناسٍ مرّ بهم قلّوا أو كثروا، فإنَّهم جميعاً يطلبون ذلك الأثر العظيم الذي يرغب فيه كلّ أحد فروي عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم في حديث آخر أنّه قال: (لولا أن يقول فيك الطوائف من أمّتي ما قالت النصارىفي عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالاً لا تمرّ بملأ من المسلمين قلّوا أو كثروا إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك يطلبون بذلك البركة)((1)).
نعم في حديث آخر أشار النبي صلی الله علیه و آله و سلم إلى إحدى الآثار وهي الشفاء فرويّ عنه صلی الله علیه و آله و سلم أنّه قال: (لولا أن يقول فيك الغالون من أمتي ما قالت النصارى في عيسى ابن مريم لقلت فيك قولاً لا تمرّ بملأ من الناس إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك يستشفون به)((2)).
ولا يدلّ هذا الحديث الشريف على انحصار البركة في
الشفاء، بل يدلّ على أنّ أحد أفراد البركة هو الشفاء.
إذا كان تراب أقدامهم علیهم السلام له الأثر العظيم والبركة الجليلة فإنّ التراب الذي اختلط بدمائهم الزكية، وتمرّغت عليه أجسادهم الشريفة هو أعظم أثراً وأجلّ خطراً، فيكون ذلك التراب كرامته من كرامة تلك الأجساد الشريفة والدماء الزكية.
ومَن منّا يقوى على إدراك عظيم حرمة تلك الدماء الزاكية؟! فإنّه لأجلها ضجّ الملأ العلوي، وسالت دماء العالم السفلي، فأمطرت السماء دماً، وما رفع حجر إلاّ كان تحته دم عبيط، وبكته الطيور والوحوش حتّى الحيتان في البحر، وما يُرى وما لا يُرى.
وخلق الله تعالى ملائكة ليس لها عمل تتقرّب به إلى الله تعالى إلاّ البكاء والنحيب، وأصبح الملائكة والأنبياء والمرسلون يستأذنون من الخالق تعالى أفواجاً أفواجاً للتشرّف بزيارة أبي عبد الله الحسين علیه السلام إلى أن تقوم الساعة، كما خلق الله تعالى للحسين علیه السلام شيعة يبكونه ويندبونه وينتحبون عليه ويلطمون الصدور والرؤوس، ويسيلون دموعهم ودماءهم ويُظهرون مظلوميّته إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.وفي يوم القيامة تكون واقعة الطف هي الحدث الأبرز، وتأخذ واقعة كربلاء حظّاً وافراً من مشاهد يوم الفزع الأكبر، فتكون هناك
مشاهد ومواقف لا يُمكن أن تحويها العبارات، ولا تستوعبها العقول، ولا تحتملها القلوب.
فأصبح لذلك التراب الكربلائي الحسيني قدسيّة عظيمة حتّى شمّه((1)) وقبّله((2)) سيّد الأنبياء والمرسلين وأهدته السماء إلى أشرف خلق الله تعالى أجمعين((3))، كما أنّ أمير المؤمنين علیه السلام عندما تناول شيئاً من تراب كربلاء أخذ يشمّه((4)).
وإنّ الحور العين إذا بصرن بواحد من الملائكة يهبط إلى الأرض يستهدين منه السُّبح والتُّرب من طين قبر الحسين علیه السلام((5)).
1) شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي ج11 ص347-349، عن الطبراني في المعجم الكبير ص144 مخطوط، وعن العسقلاني في تهذيب التهذيب ج2 ص346 ط حيدر آباد، وعن ولي الدين أبي زرعة العراقي في طرح التثريب ج1 ص41 ط مصر، وعن الهيتمي في مجمع الزوائد ج9 ص189 ط مكتبة القدسي بالقاهرة، وعن صفي الدين أحمد بن عبد الله الخزرجي في خلاصة تذهيب الكمال ص71 ط مصر، وعن الگنجي الشافعي في كفاية الطالب ص279 ط الغري، وغيرها من المصادر الكثيرة.
2) شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي ج11 ص339-341 عن الحاكم النيسابوري في المستدرك ج4 ص398 ط حيدر آباد، وعن الطبري في ذخائر العقبى ص147 ط القدسي بالقاهرة، وعن الذهبي في سير أعلام النبلاء ج3 ص194 ط مصر، وعن المتقي الهندي في كنز العمال ج13 ص111 ط الثانية في حيدر آباد الدكن، وعن الذهبي في تلخيص المستدرك المطبوع بذيل المستدرك ج4 ص398، الطبع المذكور، وعن الخوارزمي في مقتله ج1 ص158 ط الغري. وغيرها من المصادر الكثيرة.
3) كامل الزيارات لجعفر بن محمد بن قولويه ص127. والأمالي للشيخ الطوسي ص318. وغيرهما الكثير من مصادرنا ومصادر العامّة ومنها ما تقدّم في الحاشيتين السابقتين.
4) شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ج3 ص136، وص 141.
5) راجع وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي ج6 ص455.
وأُمرنا أن نُقبِّل تربة الإمام الحسين علیه السلام ونشمّها ونمرّها على عيوننا وأجسادنا وأن نحملها معنا، وسنوافيك بذلك عند الحديث عن آثار وفوائد التربة الحسينية إن شاء الله تعالى.
إنّ لتربة الحسين علیه السلام آثاراً عظيمة وفوائد جليلة، وهي من النِّعم الكبيرة التي ينبغي للمؤمن أن يُكثر من شكر الله تعالى عليها، ففيها من الأسرار الإلهيّة ما تعجز العقول عن إدراكها، ولقد أفاض أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام على أتباعهم ببيان بعض تلك الآثار منّةً منهم وتفضّلاً على شيعتهم، ومن تلك الفوائد للتربة الحسينية:
والحديث عن هذه الفائدة الجليلة لا يستوعبه هذا المختصر ولذا نحاول أن نختصر قدر الإمكان فنقول:
في الحديث الصحيح عن معاوية بن عمار قال: (كان لأبي عبد الله علیه السلام خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله علیه السلام، فكان
إذا حضرته الصلاة صبّه على سجادته وسجد عليه، ثمّ قال علیه السلام: إنّ السجود على تربة أبي عبد الله علیه السلام يخرق الحجب السبع)((1)).
ولكي نُدرك شيئاً من معنى هذا الحديث الشريف، ونعرف عظمة هذا الكنز العظيم والتأثير العجيب للسجود على تربة أبي عبد الله الحسين علیه السلام علينا نتعرّف على هذه الحجب السبع، ولكي نعرفها علينا أن نرجع إلى كلام أهل بيت العصمة علیهم السلام كي نستمع إليهم وهم يذكرون هذه الحجب السبع في التكبيرات السبع التي تُفتتح بها الصلاة، فإنّه يُستحب أن يُضاف إلى تكبيرة الإحرام ستّ تكبيرات مستحبّة، وأنّها أيضاً تخرق الحجب السبع، وذلك لمّا عرج بالنبي صلی الله علیه و آله و سلم وبعد سدرة المنتهى وصل إلى الحجب السبع وكان تجاوزها بسبع تكبيرات.
ففي الصحيح عن أبي الحسن موسى بن جعفر ’: (إنّ النبي لماأسري به إلى السماء، قطع سبع حجب، فكبّر عند كلّ حجاب تكبيرة، فأوصله الله عزّ وجلّ بذلك إلى منتهى الكرامة)((2)).
وهذه التكبيرات السبع التي قطع بها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم تلك الحجب السبع قد أصبحت مما يُفتتح بها الصلاة فعن أبي الحسن موسى بن جعفر ’: (...إنّ الله تبارك وتعالى خلق السماوات سبعاً والأرضين سبعاً والحجب سبعاً، فلمّا أسري بالنبي صلی الله علیه و آله و سلم
وكان من ربّه كقاب قوسين أو أدنى رفع له حجاب من حجبه فكبّر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وجعل يقول الكلمات التي تقال في الافتتاح فلمّا رفع له الثاني كبّر فلم يزل كذلك حتّى بلغ سبع حجب وكبّر سبع تكبيرات فلذلك العلة يكبّر في الافتتاح في الصلاة سبع تكبيرات...)((1)).
وهذه التكبيرات وجدناها في كلام أهل البيت علیهم السلام أنّها كانت من أجل الإمام الحسين علیه السلام((2)) وببركته ألا يدلّ ذلك على أنّنا نبدأ الصلاة ببركة الحسين علیه السلام ونختم الركعة ببركة أخرى للحسين علیه السلام، بل نختتم الصلاة بسجدة الشكر، فهو الفاتح لما استقبل والخاتم لما سبق.
ولمّا كانت (الصلاة معراج المؤمن) شابهت معراج النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم فكما أنّ في عروج النبي صلی الله علیه و آله و سلم حجب سبع قطعها بالتكبيرات السبع فكذلك عروج المؤمن في صلاته احتاج إلى خرق الحجب السبع بالتكبيرات السبع.
فلمّا ارتبطت الحجب السبعة بالتكبيرات فعلينا أن نتعرّف على هذه الحجب من خلال روايات المعراج، فنجد فيها أموراً:
فلقد روى ثابت بن دينار، فقال: سألت زين العابدين علي بنالحسين بن علي بن أبي طالب علیهم السلام عن الله جلّ جلاله: هل يوصف بمكان؟ فقال: تعالى الله عن ذلك. قلت: فلِمَ أسرى بنبيِّه محمد صلی الله علیه و آله و سلم إلى السماء؟ قال: ليريه ملكوت السماوات، وما فيها من عجائب صنعه وبدائع خلقه. قلت: فقول الله عزّ وجلّ: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}((1))؟ قال: ذلك رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم دنا من حجب النور، فرأى ملكوت السماوات، ثم تدلّى صلی الله علیه و آله و سلم فنظر من تحته إلى ملكوت الأرض حتى ظنّ أنه في القرب من الأرض كقاب قوسين أو أدنى)((2)).
وقد يتسائل البعض كيف يكون النور حجاباً؟ ولتقريب هذا المعنى نمثّل له بالنور الماديّ فإنّ النور الشديد مانع من الرؤية ويحجب ويمنع الرؤية، فإنّ من يقود سيارته إذا صادف أمامه أضواء قويّة جدّاً تمنعه من إبصار ما في طريقه، بل قد لا يقوى على النظر في ذلك النور لشدّته، وكذلك الشمس الساطعة في رابعة النهار، فإنّها تمنع وتحجب رؤيتها، وكذلك النور المعنوي في عالم الملكوت فإنّه إذا كان شديداً يحجب بصائر النفوس.
لقد ورد في كلمات أهل البيت علیهم السلام أنّ الحجب السبع بعد سدرة المنتهى كما يتبيّن ذلك من أحاديت معراج النبي صلی الله علیه و آله و سلم ومن تلك الروايات: ما روي أنّه قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لعليعلیه السلام: يا علي، أنت إمام المسلمين، وأمير المؤمنين، وقائد الغرّ المحجّلين، وحجّة الله بعدي على الخلق أجمعين، وسيّد الوصيين ووصي سيّد النبيين. يا علي، إنّه لما عرج بي إلى السماء السابعة، ومنها إلى سدرة المنتهى، ومنها إلى حجب النور، وأكرمني ربي جل جلاله بمناجاته، قال لي: يا محمد. قلت: لبيك ربي وسعديك، تباركت وتعاليت. قال: إنّ عليَّاً إمام أوليائي، ونور لمنأطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين، من أطاعه أطاعني، ومن عصاه عصاني، فبشره بذلك. فقال عليعلیه السلام: يا رسول الله، بلغ من قدري حتى أنّي أذكر هناك! فقال: نعم يا علي، فاشكر ربَّك، فخرّ عليعلیه السلام ساجداً شكراً لله على ما أنعم به عليه، فقال له رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : ارفع رأسك يا علي، فإنّ الله قد باهى بك ملائكته)((1)).
إنّ الحجب كبقيّة ملكوت الله تعالى قد كتب عليها الشهادات
1) الأمالي للشيخ الصدوق ص375، ونقل رواية أخرى في ص731.
الثلاث التي لا يكون المؤمن مؤمناً إلاّ بالتسليم والتصديق بها، مما يدلّك ذلك على عدم افتراق الشهادات الثلاث عن بعضها، ولا إيمان إلاّ بها: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين)، فروي عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أنّه قال: (ما بال أقوام يلومونني في محبتي لأخي علي بن أبي طالب، فو الذي بعثني بالحق نبيّاً ما أحببته حتى أمرني ربي - جلّ جلاله – بمحبته. ثمّ قال: ما بال أقوام يلوموني((1)) في تقديم علي((2)) بن أبي طالب؟ فوعزّة ربّي ما قدّمته حتى أمرني ربي((3))بتقديمه وجعله أمير المؤمنين وأمير أمّتي وإمامها. أيّها الناس. إنّه لمّا عرج بي إلى السماء السابعة وجدت على باب السماء((4))مكتوباً: (لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين). ولمّا صرت إلى حجب النور رأيت على كلّ حجاب مكتوباً: (لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين))((5)).
إنّ الناظر في روايات أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام قد يتوهم – في الوهلة الأولى - اختلاف الروايات وتعارضها في مقام تعداد الحجب، فتأخذه الحيرة في أنّ عددها هل هو سبع أم اثنا عشر أم سبعون أم سبعة آلاف حجاب أم غير ذلك؟
ومن هنا لجأ بعض العلماء إلى تأويلات وتفسيرات واجتهادات لا نريد أن يخوضها القارئ العزيز، ولكن علينا أن نرجع إلى كلام أهل العصمة علیهم السلام فإنّ كلامهم يفسِّر بعضه بعضاً فلقد روي عن أمير المؤمنين وسيِّد الوصيينعلیه السلام أنّه قال:(أوّل الحجب سبعة، غلظ((1)) كل حجاب منها مسيرة خمسمائة عام، وبين كل حجابين مسيرة خمسمائة عام، والحجاب الثاني سبعون حجاباً، بين كلِّ حجابين مسيرة خمسمائة عام حَجَبَة((2)) كلِّ حجاب منها سبعون ألف ملك، قوّة كلّ ملك منهم قوّة الثقلين...)((3)).
فنجد أنّ الحديث الشريف ينصّ على أنّ الحجاب الأوّل مشتمل على سبع حجب والحجاب الثاني يشتمل على سبعين حجاباً، ومن هنا يتّضح أنّه لا منافاة بين الروايات التي عدّت
الحجب سبعاً والروايات التي عدّت الحجب سبعين، فإنّ الطائفة الأولى ناظرة إلى حُجب الحجاب الأوّل، والطائفة الثانية ناظرة إلى حُجب الحجاب الثاني، كما أنّ الروايات التي عدّت الحُجب اثنا عشر ناظرة إلى الحُجب الكليّة، والروايات التي عدّت الحجب سبعين ألفاً ناظرة إلى الحجب الجزئيّة.
لقد دلّت الروايات الكثيرة على أنّ الكائنات إنّما خلقها الله تعالى من أنوارهم علیهم السلام ومن تلك الكائنات المخلوقة من أنوارهم علیهم السلام الحجب، فرويعن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أنّه قال: ( إنّ الله تعالى خلق من نوري السماوات والأرض والجنّة والنار والكوثر والصراط والعرش والكرسي والحجب والسحاب، وخلق من نور علي بن أبي طالب الشمس والقمر والنجوم قبل أن يخلق آدم علیه السلام بألفي عام. ثُمّ إنّ الله تبارك وتعالى أمر القلم أن يكتب في كلِّ ورقة من أشجار الجنة، وعلى كلِّ باب من أبوابها وأبواب السماوات والأرض والجبال والشجر: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، عليٌّ ولي الله...)((1)).
1) مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج2 ص367 عن أبي مخنف.
أحببت أن أذكر ما روي من قول الله تعالى للنبي صلی الله علیه و آله و سلم عند كلِّ حجاب في معراجه لأنّ فيه البشارة لشيعة أمير المؤمنين علیه السلام وبيان علو مقام وعظيم خطر الولاية لسيِّد الوصيين علیه السلام، فروي عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أنّه قال: ( ثُمَّ انصرفت فجعلت لا أخرج من حجاب من حجب ربِّي ذي الجلال والإكرام إلاّ سمعت النداء من ورائي: يا محمد أحبب عليّاً، يا محمد أكرم عليّاً، يا محمد قدِّم عليّاً، يا محمد استخلف عليّاً، يا محمد أوص إلى علي، يا محمد واخ عليّاُ، يا محمد أحب من يحبّ عليّاً، يا محمد استوص بعلي وشيعته خيراً...)((1)).
يظهر من الروايات أنّ الحجب النورانية هي خلق لطيف خلقه الله تعالى من نور نبيِّه وحبيبه محمد صلی الله علیه و آله و سلم يرمز إلى صفات الجلال والجمال الإلهي، شأنها شأن العرش والكرسي، يسكنها الملائكة المقرّبون، وليست هذه الحجب بين الله تعالى وبين خلقه فإن الله تعالى لا يمكن أن يكون في مكان ولا في جهة، بل هي خلق عظيم في العالم العلوي.
1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج18 ص400 عن اليقين في إمرة أمير المؤمنين ص157 – 160، والمحتضر ص143 - 146.
فروي عن أبي الحسن موسى بن جعفر ’ أنّه سُئل؛ لأيِّ علَّة عرج الله بنبيه صلی الله علیه و آله و سلم إلى السماء، ومنها إلى سدرة المنتهى، ومنها إلى حجب النور، وخاطبه وناجاه هناك والله لا يوصف بمكان؟ فقال علیه السلام: (إن الله لا يوصف بمكان، ولا يجري عليه زمان، ولكنه عزَّ وجلَّ أراد أن يشرِّف به ملائكته وسكَّان سماواته ويكرمهم بمشاهدته، ويريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه، وليس ذلك على ما يقوله المشبِّهون، سبحان الله وتعالى عمَّا يصفون)((1)).
قال العلامة المجلسي في بحاره ج4 ص41: (يمكن إبقاء الحجب والأنوار على ظواهرها بأن يكون المراد بالحجب أجساماً لطيفة مثل العرش والكرسي يسكنها الملائكة الروحانيون كما يظهر من بعض الدعوات والأخبار...).
إنّ المؤمن العابد لله تعالى والمتقرّب إليه بالطاعات على هدى المعصومين الأطهار علیهم السلام، والمنقطع إليه والمستنير قلبه وعقله بضياء المعرفة الحقّة، العارج بروحه في صلاته، والمقدِّم لقربانه بين يدي ربِّه، والمخالف لهواه والناهي لنفسه عن شهواتها، يخرق بصر قلبه حُجُب النور، فينظر بعين فؤاده إلى الجلال
1) علل الشرائع للشيخ الصدوق ج1 ص132، وعنه بحار الأنوار ج3 ص315.
والجمال، فترجع إلى مقرِّها بيقين المعرفة ومعرفة اليقين، منزِّهة للخالق المعبود، متجللة بجلال التكريم والتبجيل.
ولنناجي ربّنا مع أهل البيت علیهم السلام، ولنردد معهم دعواتهم في شهر شعبان، ونستقي المعارف من كلماتهم وهم يقولون:
(إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك)((1)).واسمع معي خطاب الإمام زين العابدين علیه السلام وأنت عابد، وانصت معي إلى مناجاة سيِّد الساجدين وأنت ساجد حيث يدعو ربَّه ويقول:
(اللهمّ صلّ على محمد وآل محمد واجعلنا من الذين فتقتَ لهم رتق عظيم حواشي جفون حدق عيون القلوب((2)) حتى نظروا إلى تدابير حكمتك، وشواهد حجج بيِّناتك، فعرفوك بمحصول فطن القلوب((3))، وأنت في غوامض سترات حجب الغيوب((4))
1) إقبال الأعمال للسيد بن طاووس & ج3 ص299، والدعوات لقطب الدين الراوندي & ص5.
2) شبه علیه السلام الغواشي العارضة الطارئة على القلب الحائلة بينه وبين إدراكه الحقائق (من الجهل والعمى والشهوات واللذات وغير ذلك) بالأجفان التي تنسدل من أعلى الحدقة وتنطبق على العيون فلا تقدر على الإبصار، ثم سأل الله عزّ وجلّ أن يفتق رتق هذه الغواشي عن عين قلبه.
3) فطن القلوب: سرعة فهمها.
4) القلوب (خ ل).
فسبحانك أيّ عين تقوم((1)) بها نصب نورك، أم ترقى إلى نور ضياء قدسك؟! أو أي فهم يفهم ما دون ذلك إلا الأبصار التي كشفتَ عنها حُجُب العمية؟! فرَقَتْ((2)) أرواحهم على أجنحة الملائكة، فسمّاهم أهل الملكوت زوّاراً، وأسماهم أهل الجبروت عمّاراً، فترددوا في مصافّ المسبّحين، وتعلّقوا بحجاب القدرة، وناجوا ربّهم عند كلِّ شهوة، فخرقت((3)) قلوبهم حجب النور، حتى نظروا بعين القلوب إلى عزِّ الجلال في عظم الملكوت، فرجعت القلوب إلى الصدور على النيَّات((4)) بمعرفة توحيدك، فلا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك، تعاليتعمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً)((5)).
ولو تساءلنا عمّا وارته وسترته الحجب من المعارف الإلهيّة والمنازل الربّانيّة لكان جواب العليل بكربلاء، الباكي أباه صباحاً ومساء، المتعبِّد الساجد المتهجِّد في الضياء والظلماء، مولاي النحيب الكئيب الإمام علي ابن النجباء:
1) يرمى (خ ل).
2) رقت: صعدت.
3) الخرق: الثَّقْب، والمراد به هنا معنى مجازي وهو السير حتّى بلوغ النهاية، كما قيل في قوله تعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً} سورة الإسراء الآية (37).
4) الثبات (خ ل).
5) الصحيفة السجادية (أبطحي) للإمام زين العابدين علیه السلام ص475.
(اللهم إنِّي أسألك بما وارت الحجب من جلالك وجمالك)((1)).
(...يا رب غير أني أسألك بالمخزون من أسمائك، وبما وراء الحجب من بهائك)((2)).
بعد أن تعرّفنا على شيء يسير من أمر تلك الحجب السبع التي يتمّ خرقها ببركة السجود على تربة أبي عبد الله الحسين علیه السلام، فهل يقوى أيُّ مخلوق - بعد هذا - أن يصف عظمة أثر تربة الحسين علیه السلام؟! وهل يقوى عبد على شكر الله تعالى على هذه النعمة الكبرى؟!
لا أتصور عاقلاً يدّعي معرفة فضل عظمتها وعظيم فضلها، فنحن المؤمنين نحمد الله تعالى ونشكره على ما منّ به علينا وحبانا به وفضّلنا به على سائر خلقه.
روي عن مولانا وملاذنا الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: السجود على طين قبر الحسين علیه السلام يُنوِّر إلى الأرضين السبع...)((3)).
ولقد مرّ علينا أنّ السجود على تربة أبي عبد الله الحسين علیه السلام تخرق الحجب السبع في عالم الملكوت، وهنا نقرأ أنّ السجود عليها يُحدث نوراً عظيماً في عالم المُلك، فيُنوِّر إلى الأرضين السبع، إنّنا أمام أمرعظيم وجليل وخطير، خارج عن إدراكنا وفهمنا واستيعابنا، فأيّ سجود نحن نسجده؟! وبالتالي أيّ عبادة نقوم بها؟! وأيّ قربى نحصل عليها؟! وأيّ نعمة حظينا بها؟! وأيّ فضل فضّلنا الله تعالى به على سائر خلقه ممن رأوا السجود على تربة الحسين علیه السلام ليس معصية فقط بل شركاً وزندقة، فتعساً لهم وخيبة تتجلّى لهم يوم الطّامّة الكبرى، فتكون القيامة هي يوم كرامة الإمام الحسين علیه السلام، فلا وفّقهم الله تعالى للسجود عليها.
نصَّ الفقهاء على استحباب اتِّخاذ السُبحة، وأفضل السُّبح ما كان من التربة الحسينية، فإنّ التسبيح بها يتضاعف، بل في بعض الروايات لو مسكها في يده ولم يُسبِّح بها فإنَّه يُكتب له التسبيح، كما لو سبَّح بكلِّ حبَّة سبع تسبيحات.
فلقد روي في فضل سبحة التربة الحسينية كثير من الروايات منها:
ما روي عن الإمام الصادق علیه السلام - في حديث -: (السبحة
التي من طين قبر الحسينعلیه السلام تسبِّح بيد الرجل من غير أن يسبِّح)((1)). و (مَن أدار سبحة من تربة الحسينعلیه السلام مرّة واحدة بالاستغفار أو غيره كتب الله له سبعين مرة...)((2)). و (إنّ مَن أدار الحجر من تربة الحسينعلیه السلام فاستغفر به مرّة واحدة كتب الله له سبعين مرّة، وإن أمسك السبحة بيده ولم يسبِّح بها ففي كلِّ حبّة منها سبع مرات)((3)).
وما روي في مكاتبة محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنّه كتبإلى صاحب الزمانعلیه السلام يسأله هل يجوز أن يسبِّح الرجل بطين القبر؟ وهل فيه فضل؟ فأجاب علیه السلام يجوز أن يسبِّح به، فما من شيء من السُّبح أفضل منه، ومن فضله أنّ المسبِّح ينسى التسبيح ويدير السبحة فيُكتب له التسبيح)((4)).
لا تنتهي وتنقضي فوائد التربة وآثارها، ولا تُحصى فضائلها وتُعدّ مناقبها، وكيف لا تكون كذلك وهي أثر من آثار شهيد كربلاء علیه السلام، ونفحة من النفحات الحسينيّة، وتراب روضة من رياض جنّة خلد سيِّد شباب أهل الجنّة، وفيها دمعة من دموع أبي
عبد الله علیه السلام، ودم من ثأر الله في أرضه.
والتشافي بالتربة الحسينيّة ذاع وشاع بين المؤمنين، ورُئيت آثارها جليّة واضحة للقاصي والداني، كما رويت لها شروط وآداب ينبغي التخلّق بها عند إرادة الشفاء بها، ومن تلك:
حتّى يكون للتربة الحسينيّة الأثر المرجو منها لابُدّ أن يكون المتناول لها مؤمناً معترفاً بإمامته ومعتقداً بما يلزم الاعتقاد به في الإمامة، فإنّ هذا الفضل قد خُصّ بأتباعه وشيعته، ولا يمنع - من باب الكرامة – أن يستفيد غير المؤمن منها استفادة جزئية، فروي عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: (لو أنّ مريضاً عرف قدر((1)) أبي عبد الله علیه السلام أخذ له من طين قبر الحسين علیه السلام مثل رأس الأنملة كان له دواء وشفاء)((2))
فإنّه روي عن زيد أبي أسامة أنّه قال: كنت في جماعة من عصابتنا بحضرة سيِّدنا الصادقعلیه السلام، فأقبل علينا أبو عبد
اللهعلیه السلام، فقال: (إنّ الله (تعالى) جعل تربة جدِّي الحسينعلیه السلام شفاء من كلِّ داء وأماناً من كلِّ خوف، فإذا تناولها أحدكم فليقبلها وليضعها على عينيه، وليمرها على سائر جسده...)((1)).
3- الدعاء بالمأثور.
إنّ الدعاء قبل تناول التربة الحسينية من قبيل الاستئذان في تناولها، فلقد روي عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه يقول قبل تناولها:
(اللهم بحقِّ هذه التربة، وبحقِّ من حلّ بها وثوى فيها، وبحقِّ أبيه وأمِّه وأخيه والأئمة من ولده، وبحقِّ الملائكة الحافِّين به إلا جعلتها شفاء من كلِّ داء، وبُرءاً من كلِّ مرض، ونجاة من كلِّ آفة، وحرزاً مما أخاف وأحذر)((2)).
وروي عن الحارث بن المغيرة النصري، أنّه قال: (قلت لأبي عبد اللهعلیه السلام: إني رجل كثير العلل والأمراض، وما تركت دواء تداويت به فما انتفعت بشيء منه. فقال لي: أين أنت عن طين قبر الحسين بن علي علیه السلام، فإنّ فيه شفاء من كلِّ داء، وأمناً من كلِّ خوف، فإذا أخذته فقل هذا الكلام: (اللهم إنِّي أسألك
بحقِّ هذه الطينة، وبحقِّ الملك الذي أخذها، وبحقِّ النبي الذي قبضها، وبحقِّ الوصي الذي حلَّ فيها، صلي على محمد وأهل بيته،وافعل بي كذا وكذا). قال: ثُمَّ قال لي أبو عبد اللهعلیه السلام: أمّا الملك الذي قبضها فهو جبرئيلعلیه السلام، وأراها النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، فقال: هذه تربة ابنك الحسين، تقتله أمتك من بعدك، والذي قبضها فهو محمد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وأمّا الوصي الذي حلّ فيها فهو الحسينعلیه السلام والشهداء (رضي الله عنهم)) ((1)).
وروي: (اللهم إني أسألك بحقِّ الملك الذي قبضها، وأسألك بحقِّ الملك الذي خزنها، وأسألك بحقِّ الوصي الذي حلَّ فيها أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجعله شفاء من كلِّ داء، وأماناً من كلِّ خوف وحفظاً من كلِّ سوء)((2)).
كما رويت صيغ أخرى للدعاء تركناها روماً لإختصار.
بعد قراءة الدعاء على التربة الحسينية يضعها في شيء كالخرقة مثلاً ويشدّها ثمّ يقرأ عليها سورة القدر، فروي أن رجلاً قال للإمام الصادق علیه السلام: إنِّي سمعتك تقول: إنّ تربة
الحسين علیه السلام من الأدوية المفردة، وإنّها لا تمرّ بداء إلا هضمته. فقال: كان ذلك، أو قال: فما بالك؟ فقلت: إنِّي تناولتها فما انتفعت بها. قال علیه السلام: أما أنّ لها دعاء فمن تناولها ولم يدع به واستعملها لم يكد ينتفع بها. فقال له: ما نقول؟ قال: فقبِّلها قبل كلِّ شيء وضعها على عينيك... إلى أن يقول: فإذا قلت ذلك فاشددها في شيء واقرأ عليها (إنّا أنزلناه في ليلة القدر) فإنّ الدعاء الذي تقدّم لأخذها هو الاستئذان عليها، وقراءة (إنّا أنزلناه) ختمها)((1))
يُفتي الفقهاء بحرمة أكل التراب، واستثنوا من ذلك اليسير من تربة أبي عبد الله الحسين علیه السلام، فإنّه يجوز تناولها للشفاء، لما ورد في الكثير من الروايات، ولقد حدّدت بعض الروايات المقدار اليسير بقدر الحُمُّصَة فإنّه قد روي عن الإمام الصادق علیه السلام - في حديث – أنّه قال: (ولا تناول منها أكثر من حُمُّصَة (فإنه) من تناول أكثر من ذلك فكأنما أكل من لحومنا ودمائنا)((2)).
1) الدعوات لقطب الدين الراوندي ص186. وأخرجه في البحار ج101 ص135 ح73 عن مصباح المتهجد ص511 ومصباح الزائر ص300 وفي البحار ج60 ص157 ح24 والوسائل ج16 ص397 ح7 عن مصباح المتهجد وأورده المفيد في مزاره ص84.
2) الدعوات لقطب الدين الراوندي ص186. وأخرجه في البحار ج101 ص135 ح73 عن مصباح المتهجد ص511 ومصباح الزائر ص300 وفي البحار ج60 ص157 ح24 والوسائل ج16 ص397 ح7 عن مصباح المتهجد وأورده المفيد في مزاره ص84. وكذا في رواية أخرى رواها في مصباح المتهجد للشيخ الطوسي ص732.
وبعض الروايات حدّدت المقدار بقدر رأس الأنملة، فروي عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: (لو أنّ مريضاً من المؤمنين يعرف حقَّ أبي عبد الله علیه السلام وحرمته أخذ له من طين قبر الحسين علیه السلام مثل رأس الأنملة كان له دواء وشفاء)((1)).
والمقداران متقاربان، فلا يوجد فرق بين الطائفتين من الروايات.
ورد في بعض الروايات شرب جرعة من الماء بعد تناول التربة الحسينية والدعاء بالمأثور، فلقد روي عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال – في حديث -: (... واجرع من الماء جرعة خلفه، وقل: اللهمّ اجعله رزقاً واسعاً وعلماً نافعاً وشفاءً من كلِّ داء وسقم. فإنَّ الله تعالى يدفع عنك بها كلَّ ما تجد من السقم والهمِّ والغمِّ إن شاء الله تعالى)((2)).
إنّ مَن حمل معه تربة الحسين علیه السلام كانت أماناً له من الأعداء، وينبغي التأدّب بتلك الآداب والشرائط التي مرّت في التشافي بالتربة الحسينية، من التقبيل والوضع على العينين والدعاء بالمأثور، فإنّ بعض تلك الأدعية شامل للتشافي بالتربة ولحملها من أجل الأمن من العدو، ولقد ورد في بعض الروايات تخصيص الأمن من الأعداء بدعاء خاص، مروي عن الإمام الصادق علیه السلام وهو: (اللهم إنِّي أخذته من قبر وليِّك وابن وليِّك، فاجعله لي أمناً وحرزاً لما أخاف وما لا أخاف)((1)).
كما روي (أنّه لمّا ورد الإمام الصادق علیه السلام إلى العراق، اجتمع إليه الناس، فقالوا: يا مولانا تربة قبر مولانا الحسين شفاء من كلِّ داء، وهل هي أمان من كلِّ خوف؟ فقال علیه السلام: نعم، إذا أراد أحدكم أن تكون أماناً من كلِّ خوف، فليأخذ السبحة من تربته، ويدعو دعاء ليلة المبيت على الفراش -ثلاث مرات – وهو: أمسيت اللهمّ معتصماً بذمامك المنيع الذي لا يطاوَل ولا يحاوَل من شرِّ كلِّ غاشم وطارق من سائر مَن خلقتَ وما خلقت مِن خلقك الصامت والناطق مِن كلِّ مخوف، بلباس سابغة حصينة ولاء أهل بيت نبيِّك علیهم السلام، محتجباً من كلِّ قاصد لي إلى أذية بجدار حصين الإخلاص في الاعتراف بحقهم والتمسُّك بحبلهم،
1) الأمالي للشيخ الطوسي ص318.
موقناً أنَّ الحقَّ لهم ومعهم وفيهم وبهم، أوالي مَن والوا، وأجانب مَن جانبوا. فصلِّ على محمد وآل محمد وأعذني اللهمّ بهم من شرِّ كلِّ ما أتقيه، يا عظيم حجزت الأعادي عني ببديع السماوات والأرض {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}((1)). ثم يُقبِّل السُّبحة ويضعها على عينيه، ويقول: اللهمّ إنِّي أسألك بحقِّ هذه التربة، وبحقِّ صاحبها، وبحقِّ جدِّه وأبيه، وبحقِّ أمِّهوأخيه، وبحقِّ وِلده الطاهرين اجعلها شفاءً مِن كلِّ داء، وأماناً مِن كلِّ خوف، وحفظاً مِن كلِّ سوء، ثُمَّ يضعها في جيبه. فإن فعل ذلك في الغدوة فلا يزال في أمان حتَّى العشاء، وإن فعل ذلك في العشاء فلا يزال في أمان الله حتَّى الغدوة)((2)).
لم يكن الأطفال بمنأى عن بركات تربة الحسين علیه السلام، فلقد أُمرنا أن نُحنِّك أولادنا بالتربة الحسينية، فروي عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: (حنِّكوا أولادكم بتربة الحسين علیه السلام فإنَّها أمان)((3)).
1) سورة يس الآية (9).
2) فلاح السائل للسيد ابن طاووس ص224.
3) الدعوات لقطب الدين الراوندي ص185، وعنه البحار ج104 ص115 ح36 وعن كامل الزيارات ص278 وأخرجه في البحار ج101 ص136 ح79 عن مصباح الطوسي ص510 ومصباح الزائر، وفي ص124 عن كامل الزيارات ومصباح الطوسي، وفي الوسائل ج10 ص410 ح8 عن التهذيب ج6 ص74 ح12 ورواه المفيد في مزاره ص83 عن كامل الزيارات ورواه في روضة الواعظين ص478.
والمراد بالتحنيك إدخال ذلك إلى حنكه وهو أعلى داخل الفم.
وتذاب التربة الحسينية في ماء الفرات، فإن لم يوجد فمن ماء المطر، ثُمّ يُحنَّك به، فروي عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: ( حنِّكوا أولادكم بماء الفرات وبتربة قبر الحسين علیه السلام، فإن لم يكن فبماء السماء)((1)).
ويظهر مما روي في فضل التحنيك بماء الفرات أنّ من آثار التحنيك بالتربة الحسينية مع ماء الفرات أن يكون المولود في أمان من الإنحراف، فيكون على التشيُّع لأهل البيت علیهم السلام، فلقد روي عن أمير المؤمنين علیه السلام أنَّه قال: (أما إنَّ أهل الكوفة لو حنَّكوا أولادهم بماءالفرات لكانوا شيعة لنا)((2)).
إنّ الماء الذي التصق بجسدهم الشريف فيه البركة والخير الكثير، وإذا كان هذا الماء قد استعملوه في طاعتهم فهو أكثر
بركة وأعظم تأثيراً، وإذا كان تراب أقدامهم فيه العجيب من الأثر فكيف بماء استخدموه في طاعة الله تعالى، ولذا ورد النصّ من النبي صلی الله علیه و آله و سلم في عظيم فضلة ماء طهور أمير المؤمنين علیه السلام، فروي أنّه قال: (لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى للمسيح عيسى بن مريم، لقلت فيك اليوم قولاً لا تمرّ بملأ إلاّ أخذوا التراب من تحت رجليك ومن فضل طهورك يستشفون به)((1)).
وهذا كما يجري في حقِّ أمير المؤمنين علیه السلام كذلك هو ثابت لأولاده المعصومين علیهم السلام، كما روي عن أبي هاشم الجعفري (رضي الله عنه) أنّه قال:( صلّيت مع أبي جعفر (الجواد) علیه السلام في مسجد المسيَّب وصلَّى بنا في موضع القبلة سواء وذكر أنّ السدرة التي في المسجد كانت يابسة ليس عليها ورق، فدعا بماء وتهيأ تحت السدرة فعاشت السدرة وأورقت وحملت من عامها)((2)).
إنّ معجزة حنين الجذع على فراق رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من المعاجز المتواترة بين المسلمين قاطبة، ( فإن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كان يخطب
بالمدينة إلى جذع نخلة في صحن مسجدها، فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله إنّ الناس قد كثروا، وإنّهم يحبون النظر إليك إذا خطبت،فلو أذنت أن نعمل لك منبراً له مراقي ترقاها فيراك الناس إذا خطبت، فأذن في ذلك، فلمّا كان يوم الجمعة مرّ بالجذع فتجاوزه إلى المنبر فصعده، فلمّا استوى عليه حنّ ذلك الجذع حنين الثكلى، وأنّ أنين الحبلى، فارتفع بكاء الناس وحنينهم وأنينهم، وارتفع حنين الجذع وأنينه في حنين الناس وأنينهم ارتفاعاً بيِّناً، فلمّا رأى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ذلك نزل عن المنبر وأتى الجذع فاحتضنه ومسح عليه يده، وقال: أسكن فما تجاوزك رسول الله تهاوناً بك، ولا استخفافاً بحرمتك، ولكن ليتمّ لعباد الله مصلحتهم، ولك جلالك وفضلك إذ كنت مستند محمد رسول الله، فهدأ حنينه وأنينه، وعاد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم إلى منبره، ثمّ قال: معاشر المسلمين هذا الجذع يحنّ إلى رسول رب العالمين، ويحزن لبعده عنه، ففي عباد الله الظالمين أنفسهم من لا يبالي: قرب من رسول الله أم بعد، ولولا أنِّي احتضنت هذا الجذع، ومسحت يدي عليه ما هدأ حنينه إلى يوم القيامة، وإنّ من عباد الله وإمائه لمن يحنُّ إلى محمد رسول الله وإلى علي ولي الله كحنين هذا الجذع، وحسب المؤمن أن يكون قلبه على موالاة محمد وعلي وآلهما الطيبين منطوياً، أرأيتم شدَّة حنين هذا الجذع إلى محمد رسول الله؟ وكيف هدأ لما احتضنه محمد
رسول الله ومسح يده عليه؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم والذي بعثني بالحق نبيَّاً، إنَّ حنين خزّان الجنان وحور عينها وسائر قصورها ومنازلها إلى من يوالي محمداً وعلياً وآلهما الطيبين ويبرأ من أعدائهما لأشد من حنين هذا الجذع الذي رأيتموه إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وإنَّ الذي يسكن حنينهم وأنينهم ما يرد عليهم من صلاة أحدكم معاشر شيعتنا على محمد وآله الطيبين، أو صلاة نافلة، أو صوم أو صدقة، وإنَّ من عظيم ما يسكن حنينهم إلى شيعة محمد وعلي ما يتصل بهم من إحسانهم إلى إخوانهم المؤمنين، ومعونتهم لهم على دهرهم، يقول أهل الجنان بعضهم لبعض: لا تستعجلوا صاحبكم، فما يبطئ عنكم إلاّ للزيادة في الدرجات العاليات في هذه الجنان بإسداء المعروف إلى إخوانه المؤمنين، وأعظم من ذلك مما يسكن حنين سكان الجنان وحورها إلى شيعتنا ما يعرفهم الله من صبر شيعتنا على التقيةواستعمالهم التورية ليسلموا من كفرة عباد الله وفسقتهم، فحينئذ تقول خزان الجنان وحورها: لنصبرن على شوقنا إليهم كما يصبرون على سماع المكروه في ساداتهم وأئمتهم، وكما يتجرعون الغيظ، ويسكتون عن إظهار الحق لما يشاهدون من ظلم من لا يقدرون على دفع مضرته، فعند ذلك يناديهم ربنا عزَّ وجلَّ: يا سكان جناتي ويا خزان رحمتي ما لبخل أخرت عنكم أزواجكم وساداتكم، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي بمواساتهم
إخوانهم المؤمنين والأخذ بأيدي الملهوفين، والتنفيس عن المكروبين، وبالصبر على التقية من الفاسقين الكافرين، حتى إذا استكملوا أجزل كراماتي نقلتهم إليكم على أسرّ الأحوال وأغبطها فابشروا، فعند ذلك يسكن حنينهم وأنينهم)((1)).
فحنين الجذع لم يكن لولا أن ارتقاه النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، فليس ذلك إلاّ أثراً من آثار وجوده صلی الله علیه و آله و سلم .
القرآن الكريم تحدّث عن النبي يوسف علیه السلام أنّه قال: {اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}((2)).
فإذا حقّ ليوسف أن يقول في حقِّ قميصه أنّه يبرئ الأعمى، وما ذلك إلاّ لكون القميص قد لاصق جسده الشريف، فماذا يحقُّ لمحمد وآله صلی الله علیه و آله و سلم أن يدّعوا فيما لاصق أبدانهم الشريفة من الثياب!
ألا يُعذر أهل قم في تكالبهم على جُبّة الإمام الرضا علیه السلام التي أهداها لشاعر أهل البيت دعبل الخزاعي؟
فلقد روي (أنّ دعبل استوهب من الإمام الرضا علیه السلام ثوباً قد
لبسه ليجعله في أكفانه، فخلع جبَّة كانت عليه فأعطاه إياها، وبلغ أهل قم خبرها فسألوه أن يبيعهم إيّاها بثلاثين ألف درهم فلم يفعل، فخرجوا عليه في طريقه فأخذوها منه غصباً وقالوا له: إن شئت أن تأخذ المال فافعل وإلاّ فأنت أعلم. فقال لهم: إني والله لا أعطيكم إيّاها طوعاً ولا تنفعكم غصباً وأشكوكم إلى الرضا علیه السلام فصالحوه على أن أعطوه الثلاثين ألف الدرهم وفرد كمٍّ من بطانتها، فرضي بذلك فأعطوه فردكم فكان في أكفانه)((1)).
(وكانت له جارية لها من قلبه محلّ، فرمدت عينها رمداً عظيماً فأدخل أهل الطبِّ عليها فنظروا إليها فقالوا: أمّا العين اليمنى فليس لنا فيها حيلة وقد ذهبت وأمّا اليسرى فنحن نعالجها ونجتهد ونرجو أن تسلم، فاغتم لذلك دعبل غمّاً شديداً وجزع عليها جزعاً عظيماً ثمّ إنّه ذكر ما كان معه من فضلة الجبّة فمسحها على عيني الجارية وعصّبها بعصابة منها من أوّل الليل فأصبحت وعيناها أصحّ مما كانتا [ و كأنه ليس لها أثر مرض قط ] ببركة [ مولانا ] أبي الحسن الرضا علیه السلام)((2)).
وروي((3)) أنّه: لما ماتت فاطمة بنت أسد والدة أمير
المؤمنين رضي الله عنها أقبل عليعلیه السلام باكياً.
فقال له النبي صلی الله علیه و آله و سلم : ما يبكيك؟ لا أبكى الله عينيك.
قال: توفيت والدتي يا رسول الله.
قال له النبي صلی الله علیه و آله و سلم : بل والدتي يا علي، فلقد كادت تجوِّع أولادها وتشبعني، وتشعث أولادها وتدهنني، والله لقد كان في دار أبي طالب نخلة، وكانت تسابق إليها من الغداة لتلقط ما يقع منها في الليل، فكانت رضي الله عنها تأمر جاريتها فتلقط ما تحتها من الفلس ثم تخبيه، فإذا خرج بنو عمي تناولني ذلك.
ثم نهض وأخذ في جهازها وكفَّنها بقميصه صلی الله علیه و آله و سلم ، وكان في حال تشييع جنازتها يرفع قدماً ويتأنَّى في رفع الأخرى، وهو حافي القدم، فلمَّا صلّى عليها كبّر سبعين تكبيرة، ثم لحّدها في قبرها بيده الكريمة بعد أن نام في قبرها، ولقّنها الشهادة، فلما أُهِيل عليها التراب وأراد الناس الانصراف جعل صلی الله علیه و آله و سلم يقول لها: ابنك ابنك علي بن أبي طالب، ابنك ابنك لا جعفر ولا عقيل.
فقالوا له: يا رسول الله فعلت فعلا ما رأينا مثله قط. مشيك حافي القدم، وكبرت سبعين تكبيرة، ونومك في قبرها وقميصك عليها، وقولك لها: ابنك ابنك لا جعفر ولا عقيل، ابنك ابنك علي بن أبي طالب.
فقال صلی الله علیه و آله و سلم : أما التأنِّي في رفع أقدامي ووضعها في حال تشييع الجنازة فلكثرة ازدحام الملائكة، وأما تكبيري سبعين تكبيرة
فإنها صلى بها سبعين صفّاً من الملائكة، وأما نومي في لحدها فإنني ذكرت لها في حال حياتها ضغطة القبر فقالت: واضعفاه، فنمت في لحدها حتى كفيتها ذلك، وأمّا كفنها بقميصي فإنني ذكرت لها القيامة وحشر الناس عراة فقالت: واسوأتاه فكفنتها لتقوم به يوم القيامة، وأما قولي لها ابنك ابنك فإنّه لما نزل عليها الملكان وسألاها عن ربها فقالت: الله ربي، وقالا لها: من نبيك؟ قالت محمد صلی الله علیه و آله و سلم نبيي، وقالا لها: من وليك وإمامك؟ فاستحيت أن تقول: ولدي، فقلت لها: ابنك علي بن أبي طالب، فأقرَّ الله بذلك عينها)((1)).
1) راجع الاعتقادات في دين الإمامية للشيخ الصدوق ص37، والاعتقادات للشيخ المفيد ص58، وكشف اليقين للعلامة الحلي ص193، وخلاصة عبقات الأنوار للسيد حامد النقوي ج9 ص262.
في الختام أحببت أن أؤيِّد ما مرّ من بحوث بقول أحد مراجعنا العظام، وهو المرحوم آية الله السيِّد علي الفاني فإنّه أجاد في تلخيص المطالب السابقة، وبيَّنها بأسلوب واضح وجلي حيث قال: (فإنّ المعصومين علیهم السلام لهم سنخان من الولاية الكليّة الإلهيّة: أحدهما الولاية التشريعيّة؛ وهي الولاية على الأنفس والأموال والأحكام حتّى أنّ الأحكام الشرعيّة مفوّضة إليهم، كما في بعض النصوص، وإن لم يشاؤا إلاّ ما شاء الله ففي بعضها إنّ الله تعالى أدّب نبيّه صلی الله علیه و آله و سلم وفوّض إليه أحكامه.
ثانيهما: الولاية التكوينيّة؛ أي التصرّف في الوجودات التكوينيّة من الإحياء والإماتة وغير ذلك، وكون أزمّة الموجودات طُرّاً بيدهم وتحت سُلطتهم الموهوبة من الله عزّ وجلّ ومنه خروج الحُمّى عن بدن المريض بأمرهم علیهم السلام، وقد تواترت الأخبار
إجمالاً بل لفظاً بكلا سنخي الولاية الكليّة الإلهيّة لهم علیهم السلام، وهناك ولاية كليّة تكوينيّة إلهيّة أخرى لهم علیهم السلام أدقّ وأرفع من ذلك هي تأثير نفس وجوداتهم المقدّسة بجميع مراتبها حتّى التنزليّة الواصلة إلى الوجودات اللفظيّة نُطقاً بل كتابة في عالم الكون بإذن من الله جلّ شأنه ولو قبل مجيئهم علیهم السلام في دار الدنيا وبعد رحلتهم عنها، فمن تأثير وجوداتهم الخارجيّة شقّ القمر وردّ الشمس وتكلّم الجمادات والحيوانات بإشارتهم بل بيُمنهم رزق الورى وبوجودهم ثبتت الأرض والسماء، ومن تأثير وجوداتهم الكتبيّة الآثار المشاهدة من كتابة أسمائهم المقدّسة، من الحفظ عن المرض والخوف والهموم وغير ذلك، ومن تأثير وجوداتهم اللفظيّة ما نرى من تقوِّي الشخص وتمكّنه من الدخول في الأعمال الشاقّة المحتاجة إلى قدرة كاملة بمجرّد التلفّظ ببعض أسمائهم، وإلى هذه الولاية أُشير في الرواية بكتابة محمد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم علي أمير المؤمنين على العرش والماء والكرسي واللوح الّتي هي مظاهر قدرة الله ومجاري الأمور التكوينيّة بل على جبهة إسرافيل وجناحي جبرائيل الذَين هما من وزراء الله جلّ وعلا في إجراء الأمور التكوينيّة وكذا على أكناف السماوات والأرض وعلى الشمس والقمر اللذَين لهما تأثير تامّ في الموجودات الكونيّة. ووجود هذه الولايات لهم علیهم السلام لا يُنافي ربوبيّة الخالق تعالى بعد كونها موهوبة منه جلّ سُلطانه، بل هو كاشف عن كمال قدرته
وعظمة شأنه، فليست فيها شائبة الغلو...)
إلى أن يقول: (إنّ هذين الوجودين الشريفين النبويّ والعلويّ صلى الله عليهما وآلهما قد كانا مقرونين بل متحدين من بدو الخلقة لقوله صلی الله علیه و آله و سلم : أنا وعلي من نور واحد، أو شجرة واحدة، أو غير ذلك من التعبيرات الكثيرة الواردة منه صلی الله علیه و آله و سلم وفي عالم الولاية التشريعيّة من حيث السفارة عن الله تعالى وفي عالم الولاية التكوينيّة من حيث التأثير في عالم الكون لكتابة اسمهما على العرش والكرسي واللوح والملائكة والسماوات والأرض ورؤوس الجبال والشمس والقمر، كما دلّت عليه أخبار كثيرة منها خبر الإحتجاج المتقدِّم وفي عالم القيامة من حيث الشفاعة وغير ذلك من الشؤون كما دلّت عليه الأدلّة القطعيّة وإن شئت قلت هما مصاحبان من لام لله إلى نون راجعون، فليكونا مقترنين في عالم التسمية والشهادة) ((1)).
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين.
1) كتاب الصلاة ج3.
مقدمة 5
تمهيد 9
الأوّل: الوجود الكتبي: 9
الثاني: الوجود اللفظي: 10
الثالث: الوجود الذهني: 10
الرابع: الوجود الخارجي: 11
الآثار التكوينيّة لوجوداتهم علیهم السلام. 13
البركة 18
1- الآثار التكوينيّة لأسمائهم علیهم السلام التدوينيّة. 23
2- الآثار التكوينيّة لأسمائهم علیهم السلام اللفظيّة. 30
3- الآثار التكوينيّة لمعرفتهم علیهم السلام. 37
من زار الحسين عارفاً بحقِّه 46
4- الآثار التكوينيّة لوجوداتهم علیهم السلام الخارجيّة. 50
الفائدة الأولى: بقاء وجود العالم: 52
فائدة: في العلل المتوالية. 75
الفائدة الثانية: واسطة الفيض الإلهي: 85
الفائدة الثالثة: الأمان لأهل الأرض: 60
الآثار التكوينيّة لأبدانهم علیهم السلام الشريفة 63
الأوّل: اليد المباركة: 36
الثاني: تراب الأقدام: 66
الثالث: تربة كربلاء: 86
آثار وفوائد التربة الحسينية 71
1- إنّ السجود عليها يخرق الحجب السبع. 17
أوّلاً: إنّ هذه الحجب هي حجب النور. 47
ثانياً: الحجب السبع بعد سدرة المنتهى. 57
ثالثاً: المكتوب على الحجب. 57
رابعاً: عدد الحجب. 77
خامساً: الحجب مخلوقة من نور النبي صلی الله علیه و آله و سلم . 87
سادساً: ما قاله الله تعالى عند كلّ حجاب. 97
سابعاً: حقيقة الحجب. 97
ثامناً: الوصول إلى الحجب وخرقها. 08
نتيجة البحث.. 83
2- السجود على تربة الحسين علیه السلام يُنوِّر إلى الأرضين السبع. 38
3- تسبيح تراب الحسين علیه السلام. 48
4- تربة الحسين علیه السلام شفاء من كلِّ داء. 58
أن يكون المتناول لها عارفاً بقدر الحسين علیه السلام. 68
تقبيلها ووضعها على العينين وإمرارها على سائر الجسد. 68
الدعاء بالمأثور. 78
قراءة سورة إنّا أنزلناه. 88
عدم تجاوز مقدار الحُمُّصَة. 98
شرب جرعة من الماء بعد تناولها والدعاء. 09
تربة الحسين علیه السلام أمان من الأعداء. 19
تربة الحسين علیه السلام أمان للأولاد. 29
الرابع: فضل ماء الطهور: 39
الخامس: حنين الجذع: 49
السادس: ثياب أبدانهم علیهم السلام: 79
الخاتمه 101